######OpenITI# #META# URI: 1345YacqubSarruf.QalbAsad.Hindawi20579040 #META# Tags: novels #META# ID: 20579040 #META# Title: قلب الأسد #META# AuthorID: 59284082 #META# Author: يعقوب صرُّوف #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الفصل العشرون‏ # الفصل الحادي والعشرون‏ # الفصل الثاني والعشرون‏ # الفصل الثالث والعشرون‏ # الفصل الرابع والعشرون‏ # الفصل الخامس والعشرون‏ # الفصل السادس والعشرون‏ # الخاتمة‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل السادس عشر‏ # الفصل السابع عشر‏ # الفصل الثامن عشر‏ # الفصل التاسع عشر‏ # الفصل العشرون‏ # الفصل الحادي والعشرون‏ # الفصل الثاني والعشرون‏ # الفصل الثالث والعشرون‏ # الفصل الرابع والعشرون‏ # الفصل الخامس والعشرون‏ # الفصل السادس والعشرون‏ # الخاتمة‏ # | قلب الأسد # | قلب الأسد # تعريب # يعقوب صروف # | الفصل الأول # زحف الإفرنج منذ سبعمائة سنة زحفة ثالثة على بلاد الشام لاستخلاصها من قبضة المسلمين. ~~وحدث أن فارسا من فرسانهم ذهب إلى غور الأردن لمهمة لهم، فلما دنا من البحر الميت خطر له ~~ما فعل الله بسدوم وعمورة والمدن المجاورة لها حين عصته قديما؛ فأمطر عليها نارا وكبريتا ~~من السماء وشق الأرض ودحرها فيها، ثم أجرى على آثارها مياه البحر الميت فلم يزل آية من آيات ~~الله في مرارة مياهه وخلوها من الأحياء. ولما تذكر ذلك كله اقشعر بدنه وارتعدت فرائصه. ~~وكانت الشمس قد تكبدت السماء أو كادت وأرسلت أشعتها كالسهام المحرقة. # بيوم من الشعرى يذوب لعابه # أفاعيه في رمضائه تتململ # فخيل له أن الجحيم فتح فاه فاستعرت الأرض بلظاه، ولولا رداء رث كان ملتحفا به فوق ~~أسلحته لأعياه حر الهواء، وأضناه وهج الصحراء، وكان على الرداء صورة نمر رابض وهي شعار ~~عائلته، وكانت مرسومة أيضا على ترسه وأسلحته، ولكنها تثلمت من ضرب السيوف ووقع السهام، ~~وكأن الطبيعة التي أفرغت أعضاء هذا الفارس في قالب القوة ms001 والبأس منحته بنية لا يضنيها التعب ~~ولا يتغلب عليها تقلب الأقاليم. وكانت أخلاقه نظير بنيته، فجعل الحزم له شأنا والثبات ~~ديدنا وهذا الذي ميز أهل الشمال على غيرهم من الشعوب وبوأهم أرائك الملك في أوروبا ~~كلها. # ولم يأت هذا الفارس من بلاده بمال كثير، ولذلك نفد ماله سريعا ولم تسمح له نفسه الأبية ~~أن يغتصب أموال السكان ولا أن يفدي أسراه الذين كان يأسرهم بالمال كما فعل غيره من الفرسان؛ ~~ولذلك هجره رفاقه ولم يبق معه إلا رجل واحد وهو الذي كان يحمل له سلاحه، وكان مريضا في ذلك ~~الوقت، فاضطر الفارس أن يسير وحده في تلك القفار ولسان حاله يقول: # إذا اعتاد الفتى خوض المنايا # فأهون ما يمر به الوحول # وكان يعلم أن في طريقه نبع ماء وبجانبه أشجارا من النخيل، فلما صار بمرأى منها حباها ~~تحية العطاش للماء الزلال منتظرا دنو وقت الراحة، وكأن جواده علم ذلك فصر أذنيه وحمحم ~~وأسرع في عدوه. ولكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن؛ لأن هذا الفارس لم يلبث أن رأى ~~النخلات حتى رأى بجانبها شبحا يتحرك، ثم رآه يقترب نحوه ولم يكن إلا هنيهة من الزمان حتى ~~انجلى عن أمير من أمراء المسلمين راكب فرسا عربيا يسابق الرياح وبيده رمح قد سدده نحو ~~الفارس يريد أن يختطف به روحه، فتربص في مكانه لأن التجارب علمته أن مطاردة الخيول العربية ~~ضرب من الحماقة، وكأن الأمير لحظ ذلك ورأى خصمه راغبا عن الكر والفر، فدنا منه حتى صار على ~~قيد رمحين، ثم دار حوله دورتين لكي يجد منه مقتلا غير حريز فيطعنه فيه، فكان الفارس يدور ~~معه كيفما دار حتى أعيت الأمير الحيل، فأبعد عنه رمية سهم ثم انقض عليه كالعقاب، فرآه ~~مستعدا له متأهبا لملاقاته. # فأوسع في عرض البيداء ثم انقض عليه ثالثة كصاعقة منقضة من السماء، فابتدره الفارس برمح ~~قناته كالسارية رشقه به رشقا قاصدا رأسه، فاستلقى الأمير الرمح بترس له من جلد الكركدن ~~فرجع الرمح عنه خائبا، ولكنه لم يستطع ms002 الثبات على ظهر جواده من عنف الضربة وثقل الرمح فوقع ~~على الأرض، ولم يصل إليها حتى وثب إلى ظهر جواده وأبعد عن خصمه متعوذا من شره، ثم أوتر ~~قوسه وجعل يرميه بالنبال حتى رماه بست أصابته كلها، ولكنها لم تأته بمكروه؛ لأنه كان ~~غائصا هو وجواده في الحديد والزرد النضيد، ثم رماه بسهم سابع أصاب منه مكانا غير حريز، ~~فسقط على الأرض مجندلا. فأسرع الأمير وترجل ليرى ما حل بخصمه، فلم يشعر إلا وهو قابض على ~~نجاد سيفه وسير جعبته يحاول أن يصرعه بقوة ذراعه، فقطع الأمير بنود السيف وسير الجعبة وتملص ~~منه واستوى على ظهر جواده، والتفت إليه قائلا: «نحن وإياكم في هدنة، وقد خبرت قوتي وخبرت ~~قوتك، فهلم نتصالح ونتصاف.» فقال الفارس: «لا أكره الصلح إذا كان لي منك ما آمن به غدرك.» ~~فقال الأمير: «ليس الغدر من شيمنا؛ لأن الشجاعة والغدر لا يجتمعان في إنسان.» فندم الفارس ~~على ما فرط منه وقال له: حسبي. وأقسم أنه لا يغدر به ما دام في رفقته، فأقسم الأمير له ~~كذلك، ثم جريا معا نحو الينبوع ليبردا غليلهما ويستظلا من حر الظهيرة. # | الفصل الثاني # لم تخل أوقات الحرب والعدوان من أويقات يتسلط فيها الأمن وينشر السلم لواءه، حتى في ~~العصور التي كان لسان الحال يقول فيها: # المجد في صهوات الخيل مطلبه # والعز في ظبة الصمصامة الخذم # ولهذا كان عرب الجاهلية ينزعون أسنة رماحهم في الشهر الحرام وينقطعون عن الحرب والصدام. ~~وكانوا هم وغيرهم من الأمم يتهادنون إذا ملوا من ضوضاء الحروب ليتبصروا في إطفاء نارها. ~~وكان الخصوم يلتقون اليوم في ميدان الوغى، ثم يتهادنون في الغد ويتصافون ويقيمون على ولاء ~~وتصاف إلى أن تنقضي أيام الهدنة، فيعودون إلى المبارزة والمناجزة. # وكانت أخلاق العرب والإفرنج في العصر الذي حدثت فيه الحوادث التالية قد تدمثت باختلاطهم ~~بعضهم ببعض في الشام والأندلس، وانتشر بينهم حفظ الذمام ورعاية العهود، فإذا تهادنوا أبعدوا ~~الغدر عن خيامهم واعتصموا بالمروءة والشهامة إلى أن تنقضي أيام الهدنة، وعلى ذلك ms003 سار الأمير ~~والفارس نحو الينبوع وكل منهما آمن غدر رفيقه. وكان فرساهما متعبين من المجاولة، وأشدهما ~~تعبا فرس الفارس الإفرنجي؛ لأنه لم يكن معتادا على الحر ولا على المشي في الرمال، فترجل ~~عنه وقاده بلجامه، فالتفت إليه الأمير وقال له: «نعم ما تفعل؛ لأن جوادك كريم لا يحسن ~~التفريط فيه، ولكن ما هذا الجواد لمثل هذه الرمال، ألا تراه يغوص إلى الوصيف في كل خطوة ~~يخطوها؟» فاغتاظ الفارس من كلامه وطعنه على جواده، وقال له: «إن هذا الجواد قد سار بي فوق ~~بحار أوسع من هذا البحر، ولم تبتل شعرة من قوائمه.» فرمقه الأمير بعين المرتاب وقال له: ~~«صدق المثل القائل: «أصغ إلى الإفرنج تسمع الغرائب».» فحملق الفارس فيه وقال: «أترتاب في ~~قول فارس مجرب؟ ولكن لا عتب عليك؛ فإنك تجهل حقيقة قولي، ولولا ذلك لانقضت مدة المهادنة ~~بيننا، فاعلم أنني أنا وخمسمائة فارس سرنا على الماء بخيولنا أميالا عديدة وكان الماء ~~جامدا كالبلور؛ لأنه كما أن الحر يلطف التراب في هذه البلاد حتى يصير سهل الانهيار كالماء، ~~فالبرد يجمد الماء في بلادنا حتى يصير صلبا كالصخر، ولكن دعنا من هذا الحديث لأن ذكر ~~بحيرات بلادي يهيج أشجاني ويشدد علي وطأة الحر في هذه القفار.» ثم وصلا إلى الينبوع ~~فأشغلهما طلب الراحة عن استطراد الكلام. # من غرائب الله في خلقه أن ترى رجلا صالحا بين قوم أثمة، كما كان صالح في ثمود. ولكن ~~ما ذلك بأغرب من وجود هذا الينبوع في تلك القفار، والظاهر أن عين البشر اكتشفته لما كانت ~~البلاد في بسطة من العيش، فبنوا عليه قبة لكي لا يجف بحر الشمس ولا تسفي الرياح ~~الرمال عليه. وقد تشعثت هذه القبة وتهدم بعضها، ولكن بقي منها ما يقيه من أشعة الشمس ~~وثوران الرمال، والماء يصب من الينبوع في جرن من المرمر خدشته مخالب الدهر، ولكنه لم يزل ~~شاهدا على أن كثيرين من أبناء السبيل قد ارتشفوا من مائه، ثم يجري من الجرن فيسقي ما حوله ~~من النخل والنبات، فيجعل ms004 تلك البقعة جنة في جهنم الصحراء. # ولما بلغ الفارسان الينبوع نزع كل منهما لجام فرسه وسرجه وسقاه وتركه يرعى في ذلك ~~المرج، ثم شربا وجلسا على بساط من العشب، وأخرج كل منهما مزوده وجعل يأكل وينظر إلى رفيقه ~~ويتأمل في بنيته ليعلم مقدار قوته. # وكان الفارس الإفرنجي طويل القامة ضخم الأعضاء، أشقر الشعر أجعده، أبيض الوجه أحمره، أزرق ~~العينين واسعهما، كبير الشاربين محلوق اللحية، دقيق الأنف صغير الرأس، تلوح على وجهه أمارات ~~الشهامة والأنفة وعزة النفس. وكان الأمير العربي فوق الربعة في القامة، صغير العضل مجدوله، ~~خاليا من آثار الترهل، كأنه عظم وعصب، أسود الشعر أجعده، مشحوذ اللحية دقيق الأنف، أسمر ~~اللون أسود العينين براقهما، على وجهه أمارات المهابة وعلو الشأن. # وكان طعام الفارس من لحم الخنزير المقدد، وشرابه من النبيذ المعتق. وطعام الأمير من الخبز ~~والتمر، وشرابه من الماء القراح. فالتفت إلى الفارس وقال له: «لا يحسن بمن يحارب حرب ~~الأبطال أن يأكل طعام الوحوش، فلو وقف بك يهودي لاشمأزت نفسه من رؤية هذا الطعام الذي ~~تلتهمه كأنه من سدرة المنتهى.» # 1 # فعجب الفارس من هذا الكلام وقال له: «إننا - نحن معاشر النصارى - لنا من الحرية ما ليس ~~لليهود.» قال ذلك وكرع كرعة من الخمر. فقال الأمير: «أتأكل كالوحوش وتشرب ما تعاف الوحوش ~~شربه وتدعو ذلك حرية؟!» فقال الفارس وقد قدحت عيناه الشرر: «اعلم أيها الغبي أن عصير الكرمة ~~يفرح قلب الإنسان، وينفي عنه الهموم والأحزان، فمن استعمله بالاعتدال يشكر الله عليه، كما ~~يشكره على الخبز الذي لا غنى عنه.» # فوضع الأمير يده على قبضة حسامه وهم باستلاله، ولكنه عاد فذكر قسمه وقوة خصمه، فترك ~~الحسام وعاد إلى الكلام، فقال: «اعلم يا هذا أن الشريعة التي تفتخر أنت بأنها أعتقتك من نير ~~الناموس قد قيدتك بقيود لا يتقيد بها العبد الذليل، وأي قيد أشد من أن يرتبط الرجل بامرأة ~~واحدة مهما كانت أطوارها، ويضطر أن يساكنها مدى الحياة؟! أما نحن - معاشر المؤمنين - فقد ~~حررنا نبينا بحرية إبراهيم أبينا، وأباح ms005 لنا التمتع بما ملكت أيماننا.» # فقال الفارس: «وحق مالكة فؤادي إنك في ضلال مبين. ألا تباهي بهذه الجوهرة التي في ~~خاتمك؟!» فقال الأمير: «كيف لا أباهي بها وهي يتيمة بغداد والبصرة؟!» فقال الفارس: «أحسنت، ~~ولكن لو ضربتها بمطرقة حتى تكسرت كسرا صغيرة ما كان لكل قطعة منها قيمة كما لها، ونحن يقف ~~الواحد منا محبته على امرأة واحدة، فتبقى المحبة سليمة كالجوهرة، وأما أنتم فتنقسم محبتكم ~~بين نسائكم.» # فقال الأمير: «لقد أسأت التشبيه؛ فإن هذه الجوهرة محاطة بجواهر أخرى أصغر منها كما ترى، ~~فهي بمثابة الرجل والجواهر الصغيرة التي حولها بمثابة نسائه، فهو رأسهن وهن تزداد قيمتهن ~~بانضمامهن إليه.» فقال الفارس: «لو رأيت نساءنا ما نطقت بمثل هذا الكلام؛ فإن جمالهن يثقف ~~رماحنا، ويحدد سيوفنا، فباسمهن نحارب ومن أجلهن نتجرع كأس الحمام كأنها كأس الحياة، وما من ~~فارس من فرساننا اشتهر بين أقرانه إلا وله حبيبة يحارب من أجلها.» # فقال الأمير: «قد سمعت كثيرا عن هذا الجنون الشائع بين فرسانكم، وما هو إلا من نوع ~~الجنون الذي جاء بكم إلى هذه البلاد، وكنت أود أن أرى هؤلاء الجميلات اللواتي يختلبن قلوب ~~الرجال ويصيرنهم أبطالا في مواقف القتال.» # فقال الفارس: «لو لم أكن ذاهبا في هذا الطريق لأخذتك إلى ريكارد ملك الإنكليز الذي يكرم ~~كل شجاع، ولو كان من ألد أعدائه، وأريتك هنالك جمال نساء فرنسا وبريطانيا الذي يفوق بهاؤه ~~بهاء هذه الجوهرة، كما يفوق نور الشمس نور الحباحب.» # فقال الأمير: «هلم معي إلى ملك الإنكليز، ولا تلق بنفسك في التهلكة؛ لأن الطريق الذي أنت ~~فيه كثير المخاطر، ولا سيما إذا لم يكن معك إجازة من السلطان.» # فقال الفارس: «وما أدراك أن ليس معي إجازة؟» ثم أخرج رقعة من جيبه عليها ختم صلاح الدين ~~سلطان مصر والشام. فتناولها الأمير من يده وقبلها ووضعها على رأسه ثم ردها إليه، وقال: ~~«لقد أخطأت إذ لم ترني هذه الإجازة حالما التقيت بك.» # فقال الفارس: «إنك قابلتني مشرعا رمحك، وأنا لو هجمت علي كتيبة من ms006 كتائبكم كما ~~هجمت أنت ما لاق بي أن ألتقيها بغير الحسام والقنا.» # فقال الأمير: «مهلا يا صاح، فإن واحدا من الكتيبة قد صدك عن مسيرك.» فأجابه الفارس: ~~«نعم، ولكن هذا الواحد نادر المثال.» # فانشرح صدر الأمير وقال: «لقد أنصفتنا، فالحمد لله أننا لم نتمكن من إراقة دمك، وأنت حامل ~~أمر ملك الملوك بيدك، وإلا لكان القتل جزاءنا لا محالة.» # فقال الفارس: «يسرني أن أراكم تحترمون أمر السلطان هذا الاحترام، فقد بلغني أن في الطريق ~~قبائل كثيرة شأنها القتل والنهب.» فقال الأمير: «إذا نابك مكروه من هؤلاء القبائل زحفت ~~عليهم بخمسة آلاف فارس وقطعت دابرهم.» فشكره الفارس، وطلب إليه أن يهديه إلى مكان كان يريد ~~المبيت فيه. فقال الأمير: «أنت ضيف علي، ولا بد من نزولك في خيمة أبي.» فأجابه الفارس: ~~«كلا، فإني عازم أن أبيت عند رجل ناسك في مكان يقال له عين جدي.» فقال الأمير: «أنا أمضي ~~معك إلى هذا الناسك.» فقال الفارس: «أخاف أن تعلم بمقره فلا يسلم من شركم.» فأجابه الأمير: ~~«اعلم يا هذا أن كل من رعى ذمامنا من أهل ذمتنا رعينا ذمامه طبقا لسنتنا، ولكن من حمل ~~الناس على حربنا حملنا عليه بخيلنا ورجلنا، وحكمنا فيه سيوفنا.» # | الفصل الثالث # لما ارتاح الفارسان من مشقة الطريق وفرغا من الطعام، ألبسا فرسيهما عدتيهما وتعاونا على ~~لبس سلاحهما، ثم شرب الفارس وقال: «حبذا لو علمت اسم هذا الينبوع؛ لأنني لم أر مثل مائه ~~لتبريد ظمأ العطاش.» فقال الأمير: «اسمه عندنا درة القفر.» فقال الفارس: «نعما، فقد وافق ~~الاسم المسمى.» ثم ركبا فرسيهما وانسابا في تلك الفيافي، وكانت الشمس قد مالت عن الزوال ~~وخفت وطأة الحر. فالتفت الأمير إلى رفيقه وقال له: «سألتني عن اسم الينبوع، أفلا يليق بي أن ~~أسأل عن اسم من شاركني اليوم في السراء والضراء؟!» فقال الفارس: «إن اسمي لا يستحق أن يشهر ~~الآن، ولكن إذا كان لا بد لك من معرفته فهو وليم صاحب النمر الرابض، هذا هو الاسم الذي أدعى ~~به بين الجنود، ms007 وأما في بلادي وبين قومي فلي اسم آخر وألقاب أخرى. وأنت من أي قبائل العرب ~~تكون؟ وما هو اسمك بين قومك؟» فأجاب الأمير: «أنا لست من العرب بل من الأكراد، واسمي شيركوه ~~(أي أسد الجبل).» # فتأمله الفارس ثم قال له: «بلغني أن سلطانكم صلاح الدين كردي الأصل أيضا، فهل ذلك صحيح؟» ~~فأجاب الأمير: «نعم، وذلك فضل من الله علينا؛ فقد شرف جبالنا حتى أخرج منها من عقد ~~النصر باسمه. وأنت بكم من الرجال خرجت من بلادك؟» فقال الفارس: «بعشرة فرسان وخمسين ~~راميا، وهذا كل ما بلغت إليه مقدرتي ومعونة أصدقائي، ولكن لم يبق معي إلا رجل واحد ~~والبقية فارقوني قتلا وموتا وهجرا.» # فنظر إليه الأمير متعجبا وقال: «هو ذا خمسة سهام في جعبتي، فإذا أرسلت سهما منها إلى ~~خيامي خرج إلي ألف فارس، وإذا أرسلت سهما آخر خرج إلي ألف آخر، وهكذا إلى السهام الخمسة. ~~وإذا أرسلت قوسي خرج إلي عشرة آلاف فارس. فكيف أتيت بخمسين رجلا لتتغلب على بلاد أنا من ~~أقل حماتها؟! بل كيف تأمن لي دمي في معسكر قومك وأنت لا مال معك ولا رجال؟!» # قال الفارس: «إذا نال الواحد منا رتبة فارس، أو كان من الأشراف ساوى الملك مرتبة في كل ~~شيء إلا الملك. فلو أن ريكارد ملك الإنكليز نفسه أهان فارسا منا، ودعاه ذلك الفارس إلى ~~المبارزة لاضطر أن يبارزه.» # فقال الأمير: «أود أن أرى كيف تعطون الواحد منطقة من جلد ومنخاسين فيتساوى مع ملوك ~~الأرض؟» (أشار بذلك إلى الوسم بسمة الفرسان الذي كان يوسم به أبطال الإفرنج.) # فقال الفارس: «اعلم أنه لا ينال هذه الرتبة إلا من كان حرا باسلا.» فقال الأمير: ~~«أيستطيع بهذه الرتبة أن يرى نساء أسياده وبناتهم؟» أجاب الفارس: «نعم، ويحق لكل فارس أن ~~يهوى أية أميرة كانت، ولو من بنات الملوك، ويقف لها سيفه وشهرته وعواطف قلبه.» فقال الأمير: ~~«يظهر لي أنك علي الهيام، فهل لك أن تبوح لي باسم التي أنت هائم بها؟» # فاحمر الفارس خجلا وقال: «ما الإباحة ms008 من مذهبي، وحسبك أن تعلم أني علي الهيام كما قلت، ~~فإذا أردت أن تزيد علما عن الحب والهيام فادخل مخيم الصليبيين تسمع ما يلذ به مسمعك وتر ~~ما يقر به ناظرك: # تر الظبي خاطرات في معالمنا # والأسد تحمي الحمى بالبيض والسمر» # فلما سمع الأمير هذا الكلام، قال: «حبذا الأسد وحبذا البيض والسمر.» ثم ترنح طربا ~~وأنشد قول عنترة العبسي: # أحن إلى ضرب السيوف القواضب # وأصبو إلى طعن الرماح اللواعب # ويطربني والخيل تعثر بالقنا # حداة المنايا وارتهاج المواكب # وضرب وطعن تحت ظل عجاجة # كجنح الدجى من وقع أيدي السلاهب # لعمرك إن المجد والفخر والعلى # ونيل الأماني وارتفاع المراتب # لمن يلتقي أبطالها وسراتها # بقلب جسور عند وقع المضارب # ويبني بحد السيف مجدا مشيدا # على فلك العلياء فوق الكواكب # وكان للفارس سنتان في بلاد الشام، فكان يفهم كلام العرب وأشعارهم، فقال للأمير على سبيل ~~المزاح: «ذكرت السيف والرمح ولم تذكر فأس الحرب، فلو رأيت فأس الملك ريكارد ما ذكرت غيرها ~~من أدوات الحرب والجلاد.» # فقال الأمير: «طالما سمعت عن هذا الملك، فهل أنت من رعيته؟» # فأجاب الفارس: «أنا من رفاقه في هذه الحملة ومن خدمه أيضا، ولكني لست من رعيته مع أني ~~مولود في جزيرته، بل أنا من الشعب الاسكتسي.» فسأله الأمير: «أيملك عليكم ملكان في جزيرة ~~واحدة؟» فقال: «نعم، والحرب بين هذين الملكين لا ينطفئ سعيرها، ولكنهما يد واحدة على ~~العدو، ولذلك خرجنا معا لنخلص هذه البلاد من أيديكم.» # فقال الأمير: «يمين الله إنكم لفي ضلال مبين، وإني لأعجب من هذا الملك، كيف أنه يجرد ~~جنوده لمهاجمة هذه القفار ويترك في بلاده ملكا آخر ينازعه الملك؟! فلا بد من أنكم قد خضعتم ~~له جميعا قبل مجيئه إلى هنا.» # فاعترضه الفارس قبل أن يتم كلامه، وقال له: «لا وحق نور السماء، بل لو أراد ريكارد ~~إخضاعنا قبل قيامه على الشام لبقيت الشام في حوزتكم أبد الدهر.» قال ذلك ثم ندم على ما قال ~~متمثلا بقول القائل: # أبحت العدى سمعا فلا كانت العدى # إذا ms009 وجدوا خرقا أرادوا اتساعه # فعلم الأمير من هذا الكلام أن ملوك النصارى منقسمون فيما بينهم كملوك المسلمين، ولكن أبت ~~شهامته وعزة نفسه أن يتخذ ذلك فرصة لتوسيع الخرق، فتغاضى عما سمع كأنه لم يفهم منه شيئا. ~~ثم قطعا الغور ووصلا إلى نجد من الأرض كثير الآكام والحزون والشواهق والكهوف، فأخذ الأمير ~~يقص على الفارس نوادر الضواري واللصوص التي تسكن تلك المغاير، فلم يحفل الفارس بها كثيرا؛ ~~لأنه حسب نفسه بمأمن منها كلها، ثم خطر له أنه في القفر الذي جرب فيه السيد المسيح ~~أربعين يوما فأفزعته أفكاره، وخيل له أن الأرض مسكونة بالجن والشياطين، فجعل يصلي ويتعوذ ~~بالله. # وكان الحر قد زال وعاد الهواء إلى الاعتدال، فطابت نفس الأمير وتحركت فيه الشجون، فجعل ~~ينشد الأشعار الغرامية ويشبب بربات الجمال ومخدرات الحجال، فتعوذ الفارس من شره وقال في ~~باله: «ما رفيقي إلا شيطان مريد قد اقتفى أثري ليحول أفكاري عن التقوى ويحبب إلي حطام هذه ~~الدنيا.» فحار في أمره ولم يدر كيف يتخلص منه؟ ولما رآه يزداد تصببا وتشبيبا قال له: ~~«أيها الغبي، أما علمت أن إبليس اللعين يرصد الناس في هذه الكهوف والمغاير؟! فارعو عن غيك، ~~ودع ذكر هواك وزهوك.» فأنكر الأمير هذا الخطاب ولكنه كظم الغيظ ولطف الجواب، فقال له: ~~«أظنكم لا تتعلمون اللطف والأدب في بلادكم؛ فإنك التهمت أمامي فخذا من لحم الخنزير وكرعت ~~زقا من النبيذ، وكلاهما رجس في شريعتنا، فلم أردعك عن ذلك ولا شددت عليك النكير، وأنت ~~يثقل عليك أن أخفف مشقة الطريق بنشيد الأشعار، والشعر ريحانة النفوس.» # فقال الفارس: «اعلم يا صاح أني لا أذم الشعر ولا الغناء؛ فإن لهاتين الصناعتين المقام ~~الأرفع عندنا، ولكن الصلاة والتسبيح أجدر بهذا المكان من التصابي والتشبيب؛ لأنه ملجأ للجن ~~والأبالسة.» # فقال الأمير مازحا: «أوتحتقر الجن ونحن من أبنائهم؟» قال الفارس: «وكيف ذلك؟!» فجعل ~~الأمير يقص عليه قصة ملفقة، فقال: «إن ملكا من ملوك الفرس طغى وتجبر وأكره رعيته أن تضحي ~~له الضحايا من دماء الناس، وكان لأحد ms010 الحكماء سبع بنات كأنهن الدراري السبع فأصابتهن النوبة ~~وجيء بهن إلى هذا الملك، فلما وقفن في الدهليز المؤدي إلى مسكنه انشقت الأرض وخرج منها سبعة ~~رجال من مردة الجان، فحملوا البنات وأخذوهن إلى قصر مسحور في جبال كردستان وأولدوهن سبعة ~~صبيان، فولدوا قبائل الأكراد السبع بين الإنس والجن.» # فلما سمع الفارس هذه القصة لم يشك في صحتها؛ لأن الأوهام كانت سائدة على عقول الناس في ~~تلك الأيام، فقال للأمير: «هذا الذي ظننته من أمركم فإنكم أبطال أشداء كأبيكم إبليس! ولكنكم ~~تفسدون في الأرض مثله.» فضحك الأمير من كلامه، وقال: «صدقت، فإن الشريعة المطهرة لم تغير من ~~طباعنا شيئا، وعندنا أن الله سبحانه سوف يرضى عن الجن والأبالسة ويردهم إلى المقام الذي ~~سقطوا منه.» ثم أخذ يترنم بقصيدة من قصائد الفرس القدماء يمدح بها إله الخير وإله الشر، ~~ومنها قوله: # إني أنادي بمدح السيد العلم # أهور مزد لمن يصغي إلى كلمي # وأهرمان إله الشر أمدحه # مخافة الشر أو حفظا من الألم # 1 # فقال الفارس: «إن الأمير يتغنى بمدح إبليس!» فاحتار بين أن يتركه ويبتعد عنه أو يدعوه إلى ~~المبارزة ويغادره طعاما لوحش الفلا. وبينما هو يزن الأمرين في باله إذا شبح طويل القامة ~~نحيف الجسم مرتد بجلود الحملان، يثب من صخر إلى صخر كأنه خيال من الأخيلة أو مارد من مردة ~~الجان. فقال: «ما هذا إلا إبليس اللعين، بعينه قد سمع مدح رفيقي له في أشعاره فأقبل علينا.» ~~فثارت فيه الحمية الاسكتسية واستل سيفه وعزم أن يوقع بالاثنين معا. وللحال وقف الشبح أمام ~~جواد الأمير وقبض على نضوه ودفعه دفعة تزحزح الجبال فسقط الجواد على الأرض، ووثب الأمير عن ~~ظهره قبل أن يسقط فلم ينله مكروه، ثم إن الشبح ترك الجواد وقبض على الأمير كأنه يريد خنقه، ~~فناداه الأمير باسمه وقال له: «تنح أيها المجنون من طريقي وإلا قبضت روحك بهذا الخنجر.» ثم ~~التفت إلى الفارس وقال له: «هو ذا الناسك الذي أنت تطلبه.» # فنظر الفارس إلى الشبح ثم قال للأمير: ms011 «أما يكفي أنك تثير علينا أبالسة الجحيم حتى تهزأ ~~بي أيضا؟» فقال الأمير: «أتشك في صدق قولي؟ سله يخبرك.» # فقال الشيخ: «نعم، أنا الناسك المقيم بعين جدي. أنا نصير الحق وعدو البطل. أنا سيف النقمة ~~على أعداء الله.» قال ذلك وأخرج من تحت ثوبه نبوتا كبيرا، وجعل يضرب الصخور به فيفتتها ~~تفتيتا. فالتفت الأمير إلى الفارس وقال له: «هاك الولي الذي تطلبه.» فقال الفارس: «ما هذا ~~إلا مجنون!» قال الأمير: «أولا تعلم أنه إذا اختل عقل الإنسان صار من أولياء الله؟» ~~وحينئذ سمعا الناسك يترنم ويقول: # أنا الحبيس وعين الجدي لي وطن # والليث والنمر في غاري مبيتهما # ثم جعل يثب أمامهما كالظبي. فاحتار الفارس في أمره وظن نفسه في أرض مسحورة. فقال له ~~الأمير: «إنه يدعونا لنبيت عنده، فأنا الليث لأن معنى اسمي ليث الجبل، وأنت النمر لأن النمر ~~شعارك.» فتبعاه في ذلك الشعب، وكان قد سبقهما إلى غاره وأضاء لهما مشعلا ليهتديا بنوره ~~إليه، فبلغا الغار بعد مشقة شديدة وربطا فرسيهما عند بابه، ثم دخلاه فوجداه غرفتين كبيرتين ~~منحوتتين في الصخر، وفيه مائدة معدة لهما. فترحب الناسك بهما، وكان قد غير أطواره وثاب إلى ~~السكينة والوقار كأنه ملك من أجلاء الملوك منقطع إلى الزهد والعبادة. فجلسا حول المائدة ~~وأكلا، والناسك واقف في خدمتهما لا ينطق بكلمة، ولما فرغا من الطعام قدم للأمير جاما من ~~الحلوى وللفارس كأسا من الخمر وقال لهما: «كلا واشربا يا ولدي من عطايا الله واشكراه في ~~قلبيكما.» ولما قال ذلك خرج إلى الغرفة الخارجية من الغار، فلحظ الفارس أن الأمير من معارفه ~~فجعل يستخبره عن شأنه، ولم يكد يصدق أن هذا هو ثيودرك الشهير ناسك عين جدي الذي يكاتب ~~البابوات والمجامع ببلاغة تفوق الوصف، وينهض همة ملوك أوروبا للزحف على الأرض ~~المقدسة. # وكان الفارس مرسلا إلى هذا الناسك بمهمة سياسية، فرأى من أطواره ما جعله يتردد عن تبليغه ~~الأمر الذي جاء لأجله. وجملة ما أخبره به الأمير عنه أنه كان من الأبطال العظام الذين جاءوا ms012 ~~بيت المقدس للإقامة فيه، ثم انفرد بنفسه إلى هذا المكان وعاش عيشة الزهد والتقشف، وأن جميع ~~الأهالي من مسلمين ونصارى يكرمونه ويجلونه وأنه يظهر تارة بمظاهر الجنون وطورا بمظاهر ~~العقل والحكمة فيقصده الأمراء والعظماء ليرتشدوا بإرشاده. وإن السلطان صلاح الدين أصدر ~~أمرا يمنع كل الناس من التعدي عليه. فلم ينجل الأمر للفارس وقال في نفسه: «قد يكون جنون ~~هذا الناسك تظاهرا منه لكي يقي نفسه من العدوان وقد يكون حقيقة، فالأجدر بي أن لا أكاشفه ~~بشيء حتى أكون على يقين منه.» وزاد ارتيابه فيه أنه رأى الأمير عارفا من أمره أكثر مما ~~أظهر، وسمع الناسك يدعوه باسم آخر غير الاسم الذي سمى نفسه به. وفيما هو يتأمل في ذلك دخل ~~الناسك وقال: «سبحان من جعل لكم الليل لتسكنوا فيه!» فأجاباه: «سبحانه على كل حال!» ثم أشار ~~إلى فراشين بسطهما لهما فخلعا أسلحتهما وصلى كل منهما إلى قبلته وانطرح في فراشه وأخذتهما ~~سنة النوم. # | الفصل الرابع # وفيما كان الفارس مستغرقا في نومه شعر بثقل على صدره كأن عدوا قويا يشد خناقه، ففتح ~~عينيه فوجد الناسك جالسا أمامه وقد وضع يده على صدره. فخاطبه الناسك باللغة الإفرنسية وقال ~~له: «لي كلام أقوله لك ولا أريد أن يستمعه صاحبك، فقم والبس رداءك واتبعني.» فقام وأخذ ~~سيفه، فقال له الناسك: «لا حاجة بنا إليه لأننا ماضون إلى حيث لا ينفعنا إلا الأسلحة ~~الروحية.» فترك السيف ووضع خنجره في منطقته، وسار وراء الناسك وهو يظن أنه يرى رؤيا حتى ~~بلغا مدخل الغار، فقال له الناسك: «بم أتيتني من ملك إنكلترا؟» فقال الفارس: «لم أره لأنه ~~مريض، ولكن مجمع الملوك أرسلني إليك.» ففتح الناسك بابا في جدار الكهف وقال: «اعصب عيني ~~بهذا المنديل واتبعني في هذا الطريق.» # وكان داخل الباب درج منحوتة في الصخر، فعصب عينيه وتبعه، فصعدا من درج إلى درج إلى أن ~~بلغا بابا من الحديد، فانفتح لهما، وإذا داخله كنيسة صغيرة بديعة النقش والإتقان، فيها ~~مصابيح من الفضة يوقد فيها الزيت المطيب. فركع ms013 الفارس على ركبتيه ساجدا، ثم التفت إلى ~~الناسك فوجده خارج الباب لا يستطيع الدخول فرجع ليكلمه، فأغلق الباب في وجهه ولم يهتد إليه، ~~فأمسى وحده وليس معه من السلاح إلا خنجره. فاحتار في أمره وجعل يمشي في الكنيسة ذهابا ~~وإيابا إلى أن قرب الفجر، فانفتح باب ودخل منه ست راهبات لابسات ثيابا بيضاء ومبرقعات ~~ببراقع سوداء، ووراءهن ست نسوة مبرقعات ببراقع بيضاء وحاملات طاقات من الورد الأحمر ~~والأبيض. فطفن حول المذبح وهن يرتلن بأصوات رخيمة فركع الفارس على الأرض وقد ظنهن ملائكة من ~~السماء. ولما طفن الطوفة الثانية وهن يمررن بجانبه وقعت وردة من إحداهن بين يديه فأجفل منها ~~كأنها صاعقة وقعت عليه، ثم عاد إلى نفسه فقال: «قد كان ذلك اتفاقا عن غير قصد.» ولكنه شعر ~~بجاذب يجذبه نحو الفتاة التي وقعت الوردة منها ولم يكن في لباسها ولا في قامتها شيء يميزها ~~عن رفيقاتها إلا أن قلبه كان دليله عليها، فميزها من بينهن وكان يخفق لرؤيتها حتى كاد يشق ~~صدره ويقع على قدميها كلفا بها، وكذا تكون مصارع العشاق، ثم مرت بجانبه في الطوفة الثالثة ~~وهو لا يصدق ما يرى، ولما دنت منه أخرجت يدها فظهرت من خلال ردائها كالقمر من خلال الغيوم ~~ورمت له وردة ثانية، فخفق فؤاده حتى كاد ينصدع، وتيقن أنها رمت الوردة بالقصد لا بالاتفاق، ~~ورأى في يدها خاتما من الياقوت ولما وقع نظره عليه علم أنها هي اليد التي رآها غير مرة ~~وقبلها، ولم تبق عنده ريبة في أنها هي الفتاة التي تعلق بهواها ووقف لها نفسه، ولكنه لم ~~يعرف كيف وصلت إلى هناك، ولا ما هي الغاية التي جاءت لأجلها إلى مكان لا يدخله إلا الحبساء ~~المتوحدون، فحسب أنه يرى كل ذلك في حلم. # وفيما هو غائص في بحار الأفكار انفتح الباب الذي دخلت منه العذارى فخرجن واحدة وراء ~~الأخرى، وكانت عينه لم تزل محدقة بتلك الفتاة فرآها تدير رأسها نحوه وهي خارجة، ثم احتجبن ~~عن عينيه وأغلق الباب وراءهن وانطفأت مصابيح ms014 الكنيسة وسدلت الظلمة ستارها على نفسه، ولكنه ~~لم يعبأ بالظلمة ولا بقيامه في مكان لا يعلم أين بابه، بل أخذ يتلمس على الأرض حتى وجد ~~الوردتين فجعل يقبلهما ويقبل الأرض التي داست حبيبته عليها، وما هو أول محب فعل ذلك، ولا ~~سيما في العصر الذي كان فيه، ثم زفر زفرة طويلة وتأوه من كبد حرى. # هذه هي الفتاة التي أحبها وحارب باسمها ولأجلها ولم يكن قد سمع صوتها في حياته، مع أنه ~~رأى وجهها الصبوح مرارا، أما هي فكانت قد رأته في ميدان الصراع وسمعت الشعراء يتغنون بمدحه ~~ويصفون بسالته. وكان أمراء المملكة ورؤساؤها يفتخرون إذا نظرت إليهم، ولكنها لم تحفل بأحد ~~منهم، بل انقادت عن غير إرادتها إلى هذا الفارس، وكانت كلما رأته أو سمعت عنه يزداد اعتباره ~~في عينيها، وكان الجميع يلهجون بمدحه حتى أن الشعراء الذين لا يمدحون إلا من يصلهم بالصلات ~~السنية كانوا يتغنون بشجاعته وهم لا ينتظرون منه شيئا، فلم يعد يهنأ لها عيش إلا إذا سمعت ~~الناس يتحدثون عنه ويتباهون بشجاعته على حد قول القائل: # حديثه أو حديث عنه يطربني # هذا إذا غاب أو ذاك إذا حضرا # ولكنها لم تطمع بحديثه؛ لأن بينها وبينه درجات لا يمكنه أن يتخطاها فهي من بنات الملوك ~~وهو من آحاد الفرسان الذين لا ناصر لهم إلا سيفهم. ولما زاد هيامها به شعرت من نفسها أنه هو ~~هائم بها أيضا، وأنه هو الرجل المعين بالقدر المحتوم ليقاسمها نعيم الحياة وبؤسها، ولكنها ~~لم تر وجها لذلك لما بينهما من بعد المنزلة. # ولا يخفى على القارئ أن هذه الأميرة، واسمها الأميرة جوليا، لما شعرت أن هذا الفارس واقع ~~في هواها ومتدرع به على اقتحام الأهوال اعتزت وافتخرت، ولكنها كانت تتذمر بعض الأحيان من ~~البعد الشاسع الذي بينها وبينه، وكأنها تلومه لاتضاعه وعدم توخيه الترفع إلى مقامها، مع أن ~~هذا الترفع كان ضربا من المحال على من في منزلته. وكان يخطر لها أحيانا أنه يجب عليها هي ~~أن تخاطر بنفسها وتمد يدها ms015 له لترفعه إلى منزلتها، ثم يتراءى لها علو حسبها ونسبها فتطأطئ ~~محبتها لكبريائها حاسبة أن كل تنازل تتنازله يحط قدرها في عينيه، ومع كل تحفظها وتوقيها لم ~~تقدر أن تخفي عنه ما بها من الغرام، وإلا فكيف قدر أن يميز يدها في الكنيسة وهو لم ير منها ~~إلا أصبعين؟! وكيف علم أن الوردتين رمتهما له عن قصد منها؟ # ولكنه لم يزل مرتابا في أمرها، وكان كلما رأى علامة تدل على محبتها له يقوم في نفسه ألف ~~شك على أنها ربما فعلت ذلك عن غير قصد، أو ربما خدعته عيناه أو أرته المخيلة ما لا حقيقة ~~له، ولا سيما لأن دلائل المحبة لم تكن متواصلة، بل كان بينها فترات طويلة، كأن هذه الأميرة ~~كانت تخاف أن يعرف أحد حبها له فيحسده ويسعى في هلاكه، أو أنه هو يظن بها التعرض له ~~فيحتقرها على حد قول القائل: # عرضنا أنفسا عزت علينا # عليكم فاستخف بها الهوان # ولو أنا حفظناها لعزت # صدقتم كل معروض يهان # | الفصل الخامس # وأقام الفارس ساعة من الزمان في الظلام الدامس، لا يرى إلا صورة حبيبته ولا يسمع إلا ~~صوتها، ولم يخطر بباله أنه في بلاد كثيرة المخاطر، ولا كان يحسب لشيء حسابا ما دامت حبيبته ~~على مقربة منه. وفيما هو غائص في بحار الأفكار سمع صفيرا خارجا من تحت الأرض، فنهض على ~~قدميه ووضع يده على خنجره فانفتح باب من الأرض، وخرج منه رجل قصير القامة كبير الرأس دميم ~~المنظر، لابسا ثوبا أحمر وفي منطقته خنجر مذهب، وعلى ذراعيه أساور من الذهب وفي يمينه ~~مصباح وفي يساره مكنسة. فلما رآه قال في نفسه: «ما هذا القزم إلا جني من الجان التي تسكن ~~المغائر والكهوف في هذه البلاد!» فوقف مندهشا لا خوفا منه، بل هيبة لظنه أنه فوق البشر ~~مقدرة. # ثم إن القزم صفر فأجيب صدى صفيره بصفير آخر من تحت الأرض، وصعد من الباب امرأة قزمة حاملة ~~بيدها مصباحا آخر ولابسة ثوبا أحمر، وهي تفوق الرجل في قبح الصورة. ms016 فلما صارت بجانبه مشيا ~~معا وجعلا يكنسان الكنيسة، وكان يبديان من الحركات والإشارات ما يضحك الثكلى. ولما قربا ~~من الفارس أخذا يتفرسان فيه ويرددان المصباحين حولهما كأنهما يقولان له: «تفرس فينا جيدا.» ~~ثم قهقها قهقهة أدوت لها الكنيسة. فذعر الفارس وأقسم عليهما أن يخبراه من هما. فقال الرجل ~~بصوت كنعيق الغراب: «أنا القزم نكتبانس.» وقالت القزمة بصوت بين النعيق والصفير: «وأنا ~~زوجته كوانفرا.» فقال الفارس: «وما قصتكما؟ وكيف أتيتما إلى هذا المكان؟» فقال القزم: «أنا ~~سلطان جوج وماجوج، وقد أتيت لأتجسس هذه الأرض قبل الإغارة عليها.» فقالت له القزمة: «كذبت ~~يا خبيث، أنت ملك بريتني الذي سرقته الجان، وأنا السيدة كوانفرا المشهورة بجمالها!» # فالتفت القزم إلى الفارس وقال له: «إن أردت الحق فنحن كلانا من الأمراء، وكنا عائشين في ~~كنف الملك غالي ملك القدس.» ولم يتم هذا الكلام حتى سمعوا واحدا يقول من خارج الكنيسة: ~~«اصمتا أيها الأحمقان واخرجا من هذا المكان.» فلما سمعا هذا الكلام جعلا يتساران فيما ~~بينهما، ثم أطفأ كل منهما مصباحه ونزلا من حيث صعدا وتركا الفارس في الظلام الدامس. ولكنه ~~تيقن من كلامهما أنهما من الأقزام الذين يعيشون في دور الملوك والعظماء. ولو جرى مجرى أهل ~~عصره لسر برؤيتهما وطرب من حركاتهما، ولكنهما دخلا عليه حينما كان يتأمل في أسمى المواضيع ~~وأحبها لديه، فاغتاظ من رؤيتهما وسر بانصرافهما. # وبعد أن انصرف القزمان بقليل انفتح الباب الذي دخل الفارس منه، فرأى وراءه مصباحا صغيرا ~~وبجانب المصباح شبحا أسود، فدنا منه وتوسمه، فإذا به الناسك وهو راكع على ركبتيه. فقال ~~الناسك: «خذ المصباح وانزل أمامي؛ لأني لا أقدر أن أرفع المنديل عن عيني ما دمت في هذا ~~المكان الطاهر.» فنزل الفارس وهو لا يفوه ببنت شفة؛ لأن المرائي التي رآها أدهشت عقله، وما ~~زال سائرا حتى وجد نفسه في الغار الذي صعد منه. فقال الناسك: «قد عدت إلى هذا السجن ~~وسأبقى فيه أتقلب على جمر الغضا إلى أن يقضي علي الديان العادل.» قال ذلك ونزع المنديل عن ms017 ~~عينيه وتفرس فيه طويلا ثم رده إلى مكانه، وقال للفارس: «امض إلى فراشك ونم، أما أنا فقد ~~حرمت النوم.» # فدخل الفارس إلى المخدع والتفت إلى الخارج قبل أن ينام، فرأى الناسك قد عرى كتفيه وجعل ~~يجلدهما بالمجاليد! فقال في نفسه: «لا بد من أن هذا الرجل قد ارتكب جريمة فظيعة وهو يقمع ~~جسده ويعذبه لكي يتطهر من وصمة ذنبه.» ولما نهض في الصباح تكلم معه في الأمر الذي جاء ~~لأجله، واضطر أن يقيم عنده يومين آخرين. # | الفصل السادس # «دع ذكر سلمى وبانات بذي سلم» # واقصص علينا حديث السيف والقلم # هلم أيها القارئ اللبيب، من غور الأردن إلى معسكر الملك ريكارد ملك الإنكليز بين عكاء ~~وعسقلان، وانظر الخيام المضروبة كأنها الأفلاك والجنود المبثوثة في عرض البر كأنها عراجل ~~الأسود. بهؤلاء الأبطال جاء قلب الأسد # 1 # من بلاده عازما على افتتاح أورشليم وردها للنصارى، ولكن خانه السعد وأحبطت ~~الخيلاء مساعيه، فاغتاظ منه أمراء الإفرنج وغلوا يديه وأيديهم عن العمل، ثم انكفئوا ~~راجعين إلى بلادهم موغرين الصدور بالأحقاد والضغائن. وكانت الأمراض قد فتكت بجنودهم، ~~والشهوات قد أفسدت آدابهم وأضعفت أبدانهم، وسيف صلاح الدين نكلهم تنكيلا فرجعوا إلى بلادهم ~~شرذمات متفرقة، بعد أن خرجوا منها يجرون أذيال المجد والفخار ويتباهون بعددهم وعددهم. ~~ولولا قلب الأسد وشدة بأسه وبأس فرسانه ما أبقى صلاح الدين على أحد منهم. # ولكن مهما اشتد بأس الإنسان لا يقوى على الأمراض الخبيثة، فقد أصابت ريكارد قلب الأسد حمى ~~من الحميات الشديدة المضعفة طرحته في فراشه وجعلته كأضعف البشر، فمنعته من الحضور في ~~المؤتمرات الحربية التي كان أمراء الصليبيين يعقدونها. وغلت أيدي الجنود كلهم فأبطلوا الحرب ~~والصدام، وتهادنوا مع صلاح الدين ولم يستعدوا في هذه الهدنة للزحف على بيت المقدس، بل حصنوا ~~معسكرهم كأنهم استبدلوا بالهجوم الدفاع. فلما بلغ ريكارد ذلك اسودت الدنيا في عينيه، وكان ~~رجاله يخافون منه خوفا شديدا، حتى أطباؤه لم يكونوا يجسرون أن يخالفوا له أمرا. ولم يكن ~~بين حاشيته إلا رجل واحد قادر أن يقف أمامه ms018 إذا غضب وهو البارون توما ده فو، فإن هذا الرجل ~~كان يحبه محبة شديدة ويفضل سلامته على كل ثمين، وينهاه عما به ضيره ولو خاطر بنفسه، وكان ~~بطلا محنكا جبارا في قوته، خشنا في طباعه لا يعرف التمليق ولا التدليس، يخدم مولاه ~~ويسهر عليه لا كما يخدم العبد سيده، بل كما يخدم الصديق صديقه، قياما بشروط الصداقة ~~والمحبة. # وذات يوم كان الملك نائما في سريره يتقلب متأففا من شدة الحمى، وقد نحل جسمه وطال شعره، ~~والبارون ده فو واقف بجانبه وهو طويل القامة ضخم الأعضاء، كث الشعر، وجهه مغطى بآثار ~~الجراح، وموقفه بجانب سرير الملك لا يتغير إلا حينما يجرعه الدواء. والخيمة التي فيها الملك ~~أشبه بمعرض حربي منها بفسطاط ملك رفيع الشأن، فإنها كانت مفروشة بأنواع الأسلحة وغنائم ~~الحروب وجلود الحيوانات، وفيها ثلاثة كلاب من كلاب الصيد الكبيرة وهي محدقة بسيدها كأنها ~~تقول له: «متى تقوم وتمضي بنا إلى الصيد والقنص؟» وترسه المثلث على مائدة صغيرة بجانب ~~السرير، وهو من الفولاذ الصقيل وعليه رسم ثلاثة أسود رابضة، وبجانب الترس فأسه المشهورة ~~التي كان يضرب بها الفارس فيشطره شطرين، وعلى باب الخيمة ثلاثة من رؤساء الحرس تلوح عليهم ~~أمارات القلق وانشغال البال خوفا على مولاهم وعلى نفوسهم إذا طال مرضه. وخارج الخيمة ~~كثيرون من الخدم والحشم، وكلهم كاسف البال مبلبل الأفكار. فقال الملك بعد أن سكت عن الكلام ~~وقتا طويلا بسبب شدة الحمى: «هل صار فرساننا نساء ونساؤنا راهبات وانمحت الشجاعة من معسكر ~~فيه نخبة فرسان أوروبا؟» # فقال له البارون ده فو: «الهدنة تمنعنا عن الحرب والجلاد يا مولاي، أما النساء فلا أعلم ~~من أمرهن شيئا إلا أن الجميلات منهن ذهبن برفقة الملكة والأميرة إلى دير عين جدي لإيفاء ~~نذر نذرنه لأجل سلامتك.» # فقال الملك: «وكيف خاطرن بأنفسهن وذهبن إلى مكان لا مأمن للرجال فيه؟» فأجابه البارون: ~~«هن في مأمن من كل خطر؛ لأنهن أخذن إجازة من صلاح الدين.» فقال الملك: «صدقت، ولهذا السلطان ~~منة علي ومن لي بأن أفيه ms019 إياها في ميدان النزال.» ولما قال ذلك أخرج ذراعه من تحت ~~الدثار وهزها كما يهزها وهو قابض على سيفه أو على فأسه، فقبض عليها البارون ده فو وردها إلى ~~تحت الدثار، وقال له: «أفرغ صبرك من هذه الحمى؟» # فقال: «أنا مريض، ولكن ما مرض ملوك النصارى؟ ماذا أصاب ملك فرنسا ودوق النمسا؟ ماذا أصاب ~~مركيز منسرات ورئيس الاسبيطارية والهيكلية؟ ما هذا الداء العياء؟ وما هذا الفالج الذي ~~منعهم من الحركة والكلام؟ وما هذه الآكلة التي أكلت قلوبهم ونخرت عظامهم حتى نسوا إلههم ~~وداسوا شرفهم؟!» # فقال البارون: «بالله عليك يا مولاي أقصر عن هذا الكلام؛ فقد تناقلته عنك الألسن وكاد ~~شملنا يتمزق بسببه، أولا تعلم أنهم بدونك لا يقدرون أن يفعلوا شيئا؟» # فقال الملك: «دعنا من التمليق.» وألقى رأسه على وسادته وصمت طويلا ثم قال: «يا للعار! ~~أتتضعضع أحوال هؤلاء الملوك والرؤساء بمرض إنسان واحد؟! علام يكون مرض ريكارد، بل موت ~~ريكارد، مانعا يمنع ثلاثين ألفا من الزحف على أورشليم، وكل منهم بطل مجرب مثله؟! إذا صرع ~~قائد الوعول اختارت الوعول قائدا آخر في الحال ليقوم مقامه، وإذا ضرب الشاهين قائد الكراكي ~~قام منها قائد آخر في الحال، فعلام لا ينتخب هؤلاء الرؤساء قائدا آخر عوضا عني؟» # فقال البارون: «العفو يا مولاي، فقد بلغني أنهم قد تآمروا في هذا الأمر وفي نيتهم أن ~~ينتخبوا قائدا.» # فاتقدت غيرة ريكارد وقال: «أنسيني حلفائي وحسبوني ميتا وأنا حي أرزق؟ لقد أصابوا. ومن ~~ينتخبونه عوضا عني؟» فأجاب البارون: «ينتخبون ملك فرنسا؛ فإنه أحق بذلك من كل أحد.» # فقال ريكارد: «ملك فرنسا ونافار نخبة ملوك النصارى، ولكني أخاف أن يبدل كلمة التقدم بكلمة ~~التأخر، ويرتد بنا إلى باريس بدلا من الزحف على أورشليم.» # فقال البارون: «بل ربما ينتخبون دوق النمسا.» # فقال الملك: «لماذا؟ ألأنه ضخم الجسم مثلك؟ هذا لا يصلح لقيادة الجيوش، بل لأكل اللحوم ~~وشرب الخمور.» # فقال البارون: «وما قول جلالتك في رئيس الهيكليين فإنه شجاع ماهر في فنون الحرب، صاحب ~~حكمة ودهاء وله مأرب ms020 في تخليص الأرض المقدسة؟» # فقال الملك: «لا ريب في مهارته، ولكن ليس من العدل أن تؤخذ الأرض المقدسة من صلاح الدين ~~الملك العادل الكثير الفضائل والفواضل، وتعطى لهذا الساحر الذي يعبد الشيطان ويرتكب المحارم ~~في معابد الله.» # فقال البارون: «وما قول جلالتك في رئيس الاسبيطارية، فلا لوم في سيرته؟» # فقال الملك: «ولكنه بخيل منتن، يبيع بالمال كل ثمين. أولم يبع أعداءنا بالمال ما لم ~~يستطيعوا امتلاكه بالسيف؟» # فقال البارون: «عندي إنسان آخر وهو المركيز كنراد منسرات، فهو حكيم وشجاع معا.» # فقال الملك: «هو حكيم داهية، ولكنه ذئب في جلد خروف. وأما من جهة كونه شجاعا فلا يغرنك ~~ركوبه جياد الخيل ولبسه دلاص الدروع، فما كل مصقول الحديد يمانيا. أولا تذكر أني قلت له ~~مرة: «لو كان أمامك ستون رجلا من العدو ومعك اثنان من الفرسان، أما كنت تهجم بهما عليهم؟» ~~فماذا كان جوابه لي؟» # فقال: «أجابك أن أعضاءه من لحم لا من حديد، وأنه يفضل أن يكون له قلب إنسان على أن يكون ~~له قلب وحش، ولو كان ذلك الوحش أسدا. وعليه فلا رجاء من أخذ بيت المقدس إلا إذا كنت قائدا ~~لنا.» # فقال الملك: «ليس الأمر كذلك يا ده فو، بل في معسكر النصارى كثيرون من الفرسان، وهم أفضل ~~مني لقيادة الجيوش، ولكن كل فارس يرفع علمه على البيت المقدس، وأنا مريض ويحرمني من هذا ~~الفخر الذي أتيت لأجله لا يسلم من يدي حينما أشفى، وأظنني أسمع صوت البوق، فانظر ما هذا ~~الصوت.» # فقال البارون: «هذه أبواق ملك فرنسا.» # فقال الملك: «ألم تعد تسمع؟! هذا صوت العدو وهذا تهليله.» قال ذلك وحاول القيام من فراشه، ~~فحاول البارون منعه بكل قوته ولم يستطع حتى استعان ببعض الخدم، فلما رأى الملك نفسه عاجزا ~~عن المقاومة قال: «أتمنعني عن النهوض أيها الخائن؟! لو كنت في صحتي لطيرت دماغك.» # فقال البارون: «يا حبذا لو كنت في صحتك ولو طيرت دماغي!» # فمد الملك يده له وقال: «يا خادمي الأمين، سامحني على ما فرط مني؛ ms021 فإن الحمى هي التي ~~أنطقتني بما نطقت. والآن أطلب منك أن تمضي وترى ما سبب هذه الضوضاء.» # فخرج البارون من خيمة الملك بعد أن أوصى الخدم والحشم أن ينتبهوا أشد الانتباه إلى سيدهم، ~~وهددهم بالعقاب الشديد إذا بدا منهم تقصير، وكانوا يخافون منه كما يخافون من الملك. # | الفصل السابع # لما خرج ريكارد ملك الإنكليز من بلاده قاصدا الأرض المقدسة تبعه جمهور من الأمراء ~~الاسكتلنديين هم ورجالهم، وكانوا يركبون لركوبه وينزلون لنزوله ويحاربون تحت لوائه، ولكنهم ~~كانوا ينصبون خيامهم وحدهم مستقلين بأنفسهم كأنهم من أمة أخرى وشعب آخر. وكذا كان الفرنسيون ~~والإيطاليون والجرمانيون والدانماركيون والأسوجيون. بل كثيرا ما كان هؤلاء الشعوب يعاملون ~~بعضهم بعضا بالجفاء والقسوة في غير وقت الحرب. وكان البارون ده فو أشد الناس كرها ~~للاسكتلنديين، ولكن ارتباطه معهم في الجهاد ألجأه إلى كتم ما في صدره من الكره، بل كثيرا ~~ما كان يبعث لهم بالطعام والدواء من عنده سرا لا علنا؛ عملا بوصية الكتاب القائل: ~~«أحسنوا إلى مبغضيكم.» وقد تقدم في الفصل السابق أن الملك ريكارد أمره أن يخرج ويرى ما ~~سبب صوت البوق والتهليل، فلم يبعد عن خيمة الملك حتى رأى جمهورا من العرب بجمالهم وخيولهم ~~واقفين في قلب المعسكر وهم يضربون الأبواق والطبول، والجنود الإنكليزية متجمعة عليهم. وأول ~~شخص التقى به كان السر وليم الفارس المتقدم ذكره في الفصول السابقة فتأفف من رؤيته، وكان ~~قاصدا أن يمر به ولا يسأله عن سبب هذه الجلبة، لكن الفارس دنا منه وقال له: «لي معك ~~كلام يا مولاي.» فقال البارون: «اختصر ما أمكنك؛ لأنني ذاهب بأمر الملك.» فقال الفارس: «أنا ~~غرضي الملك؛ لأنني أتيته بالشفاء.» # فنظر إليه البارون ده فو من رأسه إلى قدمه كأنه يقيس طوله وعرضه، ثم قال له: «كان الأجدر ~~بك أن تأتي الملك بالغنائم.» فاغتاظ الفارس من هذا الجواب ولكنه كظم الغيظ، وقال: «إن شفاء ~~ريكارد هو الغنيمة الكبرى لنا ولكل النصارى، فهل لك أن تسمح لي بالدخول عليه؟» # فقال: «كلا، ما لم تخبرني بغرضك ms022 أولا؛ لأن خيام الملوك ليست مباحة لجميع الناس.» # فقال الفارس: «إن أمر الجهاد الذي يجمعني معك يضطرني أن أغضي الطرف عما تقول، وجلية الأمر ~~أنني أتيت بطبيب من أطباء العرب، وهو قادر أن يشفي الملك.» # فقال البارون: «ومن يكفل لنا أن هذا الطبيب لا يدس السم للملك مع الدواء؟» # فأجابه الفارس: «إن حياته الكفالة.» فقال البارون: «إن كثيرين من هؤلاء الحمقى لا قيمة ~~عندهم لحياتهم، فيسرعون إلى الموت كما يسرعون إلى الوليمة.» # فقال الفارس: «نعم، ولكن صلاح الدين المعروف عندنا بالشهامة وكرم الأخلاق قد بعث بهذا ~~الحكيم، وبعث معه موكبا كبيرا يليق بشأنه، وهدايا للملك، وبعث إليه برسالة يرجوه فيها أن ~~يستعمل علاج الحكيم لكي يشفى سريعا ويستعد لزيارته، فهل لك أن تأمر برفع الأحمال عن هذه ~~الجمال واستقبال الحكيم بما يليق بمقامه.» # فقال البارون: «ومن يكفل لنا صدق صلاح الدين في هذا الأمر وموت ملكنا كاف وحده لتخليصه من ~~مشقة الحرب كلها؟» فقال الفارس: «أنا أكفل أمانة صلاح الدين، أنا أكفلها بشرفي ~~ودمي.» # فقال البارون: «وهذا أغرب من ذاك، ابن الشمال يكفل ابن الجنوب! الغربي يكفل الشرقي! ألا ~~تخبرني يا مولاي كيف اتصلت إلى صلاح الدين والحكيم؟» # فقال الفارس: «كنت مرسلا إلى ناسك عين جدي برسالة سرية ...» فقاطعه البارون عن الكلام، ~~وقال له: «أما تطلعني على الرسالة وجواب الناسك؟» فقال: «كلا، لا أستطيع ذلك.» فقال ~~البارون: «أما تعلم أني من مشيري ملك الإنكليز وأهل سره؟» # فقال: «بلى، ولكن أنا لست من رعايا ملك الإنكليز، وقد أرسلني مجمع الملوك والأمراء ~~والقواد العظام، ولهم وحدهم أرد الجواب.» # فقال البارون: «كن رسول من شئت، أما أنا فلا أدع أحدا يدنو من خيمة الملك ريكارد إلا ~~برضاي.» قال ذلك ودار وجهه وهم بالانصراف، فوقف الفارس في طريقه وقال له: «ألا تعلم أنني ~~فارس مجرب ومن بيت شريف؟» فقال البارون: «كل الاسكتلنديين يدعون بالشرف من طفوليتهم. أما ~~من جهة كونك فارسا مجربا، فهذا لا أنكره عليك.» # فقال الفارس: «قد اعترفت أنني فارس مجرب، فأنا ms023 أقسم لك بتربة أجدادي وبالجهاد المقدس ~~الذي أتينا لأجله لننال الفخر في هذه الحياة وغفران الخطايا في الأخرى؛ أنه لا غرض لي إلا ~~شفاء ريكارد قلب الأسد.» # فتخشع البارون ده فو من هذا القسم، وقال له بلطف: «هب يا مولاي أنك مقتنع بصدق هذا الحكيم ~~وأمانته، فهل يجب علي أن أقتنع نفس هذا الاقتناع وأسلم ملكنا لهذا الحكيم في بلاد ~~صناعة التسميم فيها رائجة؟» # فقال الفارس: «يا مولاي، لا دليل عندي على أمانة هذا الحكيم إلا هذا، وهو أن خادمي الذي ~~أبقته لي الحروب من كل رجالي مريض بالحمى المصاب بها الملك، وهذا الحكيم أعطاه دواء منذ ~~ساعتين والآن قد خفت الحمى كثيرا. فلا ريب عندي أنه قادر على شفاء الملك، ولا ريب عندي ~~أيضا بسلامة نيته؛ لأنه مرسل من قبل صلاح الدين الذي لا يرتاب أحد منا في صدق طويته، هذا ~~والحكيم في أيدينا، فلا يعقل أنه يلقي بنفسه في التهلكة وهو قادر أن يخرج من عندنا بأوفر ~~الصلات.» # فأطرق البارون إلى الأرض مترددا بين الشك واليقين، ثم رفع رأسه وقال: «ألا تسمح لي برؤية ~~خادمك؟» فاحمر وجه الفارس خجلا ثم قال: «الأمر إليك يا مولاي، ولكن لا تنس حينما ترى خادمي ~~أن أشراف اسكتلندا وأمراءها لا يعيشون عيشة الترفه مثلكم معاشر الإنكليز.» قال ذلك ومشى ~~أمام البارون كأنه عن غير رضاه. # فلم يرد البارون أن يظهر ما يدل على شماتته بفقر الاسكتلنديين بل قال: «لا كان من يهمه ~~الترفه في هذا الجهاد، ومهما تكن حالنا فنحن أصلح حالا من الشهداء والأبرار الذين داسوا ~~هذه الأرض قبلنا.» وحينئذ بلغ مخيم الفارس فوجده بقعة من الأرض تسع ثلاثين خيمة على عدد ~~رفاقه الذين كانوا معه، وفيها أكواخ حقيرة من أغصان الأشجار، وفي وسطها كوخ أرفع من غيره ~~قليلا، وعليه العلم الاسكتسي. ودخل الفارس هذا الكوخ وتبعه البارون فوجد في الكوخ سريرين: ~~أحدهما سرير الفارس، كما يظهر من الأسلحة الملقاة بجانبه، والآخر سرير خادمه المريض وهو ~~مغطى بثياب الفارس وأرديته. وأمام ms024 الباب خادم آخر يضرم النار ويصلح الطعام وبجانبه قطعة ~~كبيرة من لحم الغزال، وهناك كلب من كلاب الصيد رابض على الأرض، وهو أكبر من كلاب الملك ~~ريكارد وأجمل منها منظرا وأجود أصلا. فلما رأى البارون هر عليه بصوت جهير كأنه صوت الأسد، ~~ثم رأى سيده فكف عن الهرير. # وكان الحكيم جالسا بجانب سرير المريض وهو لابس قلنسوة من عمل استرخان، وعيناه تتلألآن في ~~وجهه كأنهما سراجان موقدان. فوقف البارون برهة طويلة لا يسمع إلا زفير المريض وهو نائم. ~~وحينئذ قال له الفارس: «قد مضى على خادمي ستة أيام لم يذق فيها النوم كما أخبرت.» فقبض ~~البارون على يده وقال له: «يظهر لي أن خادمك غير ملتفت إليه الالتفات الواجب.» قال ذلك ~~بصوت عال على جاري عادته، فاستيقظ الخادم وقال لمولاه: «ألا ترى ماء الكليد # 1 # باردا حلوا بالنسبة إلى الماء الناقع الذي كنا نشربه بفلسطين؟» فقال الفارس ~~للبارون: «ها هو مرتاح في نومه ولذلك يحلم ببلاده ...» وقبل أن يتم كلامه نهض الحكيم ووضع يد ~~المريض على السرير، وكان قابضا عليها يجس نبضها، وأمسك بالبارون والفارس وأخرجهما إلى خارج ~~الكوخ وقال لهما: «أقسمت عليكما بعيسى بن مريم ألا توقظا المريض؛ لأنه إن لم ينم مات لا ~~محالة! فاذهبا الآن وارجعا عند صلاة المساء، فإن نام إلى ذلك الوقت نجا من الخطر وأمكنه ~~حينئذ أن يتكلم معكما.» قال ذلك ورجع إلى مكانه. # أما هما فلبثا واقفين أمام الباب وكأن شيئا منع البارون عن الانصراف، وكان الكلب قد قام ~~من مكانه ودنا من سيده وجعل يثب عليه ويبصبص بذنبه، ثم يعدو في الأرض عدوا سريعا ويعود ~~إلى سيده. وكان الاثنان ينظران إليه وكلاهما عارف بالصيد مولع به فقال البارون: «هذا الكلب ~~نادر المثال وليس عند الملك ريكارد كلب مثله، ولكن ألم يبلغك أمر الملك وهو أنه لا يحق لأحد ~~دون رتبة الأرل # 2 # أن يقتني كلب صيد في مخيم الملك إلا بإذن منه؟ والأرجح عندي أنك لم تنل هذا ~~الإذن، وأنا أقول ذلك ms025 بصفة كوني مير ياخور الملك .» # 3 # فقال الفارس: «وأنا أجيبك بصفة كوني فارسا اسكتلنديا أني لم أبايع ملك الإنكليز ~~الملك علي ولا أقسمت له يمين الطاعة. نعم، إنني في الوقت الحاضر إذا بوق بوق الحرب ~~أكون أول من ركب وآخر من نزل، ولكن في غير ساعة الحرب لا سلطة لملككم علي.» # فقال البارون: «ومع هذا لا يليق بك أن تخالف أمر الملك، فاسمح لي أن أرسل لك حماية لهذا ~~البطل.» قال ذلك مشيرا إلى الكلب. # فقال الفارس: «هو يعرف حماي ولا يخرج منه، وفي حماي أنا أحميه بنفسي.» وكأنه ندم على هذا ~~الكلام فاستتلاه قائلا: «لا يحسن بي أن أجيبك بمثل هذا الجواب، فقد يرى أحد رجالكم رزول ~~(وهو اسم الكلب)، ويسيء إليه فيتصل الأمر بنا إلى ما لا نحب. ولا أخفي عليك أن رزول معتمدنا ~~في هذه البلاد، وما كان الملك ليحرمنا مما لا نذوق طعم اللحم بدونه.» # فقال البارون: «أحسنت، فإنه أكرم من أن يفعل ذلك، والآن لا بد لي من الانصراف وسأرجع نحو ~~المساء.» ثم ودعه وخرج. # | الفصل الثامن # لما سمع الملك ما قصه عليه البارون قال له: «إن في الأمر عجبا، أمتأكد أنت أن هذا ~~الاسكتلندي حر صادق؟» فأجاب البارون: «لا يخفى على مولاي أن بلادي تجاور بلاد الاسكتلنديين، ~~وقد خبرت هؤلاء الناس وعرفت مكرهم، ولكن يظهر لي أن هذا الرجل صادق، ولو كان ~~شيطانا.» # فقال الملك: «وهل هو فارس مشهود له؟» فقال البارون: «أنت أخبر مني بذلك.» # فقال الملك: «نعم، نحن رأيناه يثبت ثبوت الأبطال؛ لأننا نقف في مقدمة جيوشنا لا لنفتخر ~~بشجاعتنا كما يزعم البعض، بل لنرى كيف يحارب رجالنا ونشجعهم على الثبات، وقد رأينا هذا ~~الفارس وسرنا بأسه وإقدامه، ولكننا لم نغفل عن كبريائه واعتداده بنفسه.» # فقال البارون: «وأنا أرجو منك العفو؛ لأنني جاريته اليوم على كبريائه.» فعبس الملك وقال ~~له: «وكيف ذلك؟» # فقال البارون: «يحق لي بمقتضى وظيفتي أن أسمح لمن كان شريف النسب أن يقتني كلبا أو كلبين ~~من كلاب الصيد، ms026 وعند هذا الرجل كلب لا يجوز التفريط فيه، ولم أر أحسن منه خلقا، فإنه كبير ~~الجسم أسود اللون مجدول العضل يسبق الظبي ويصرع الثور.» # فضحك الملك وقال له: «الظاهر أنك سمحت له باقتنائه، فحسنا فعلت، ولكن لا تطلق يدك في ~~السماح لغيره؛ لأن هؤلاء الأمراء كثار فلا يبقون لنا صيدا. أما من جهة الحكيم فهل صادفه ~~هذا الاسكتسي في القفر؟» فقال البارون: «كلا، بل إن الاسكتسي كان مرسلا إلى ناسك عين ~~جدي.» # فرفع الملك رأسه وقال: «من تجاسر أن يرسله إلى عين جدي، والملكة قد ذهبت إلى الدير الذي ~~هناك؟!» # فقال البارون: «مجمع الملوك أرسله وهو لم يشأ أن يخبرني عن الغرض من ذهابه، أما ذهاب ~~الملكة فالأرجح أن الملوك لا يعرفون شيئا عنه.» # فقال الملك: «وأين التقى بهذا الحكيم؟» # فقال: «أخبرني أنه التقى بأمير عربي في الطريق فتبارزا، ثم تصالحا وذهبا معا إلى عين ~~جدي، وهنالك علم الأمير بمرض الملك، فمضى إلى صلاح الدين وأخبره بالأمر، فبعث بهذا الحكيم ~~وشيعه بموكب عظيم كأنه من الأمراء الكبار، وبعث معه رسالة ودية وقد ترجمها لنا الترجمان وها ~~هي.» # فأخذها الملك وقرأها فإذا هو يقول فيها: # بسم الله الرحمن الرحيم # من صلاح الدين ملك الملوك سلطان مصر والشام وعماد الدنيا والدين إلى الملك ريكار ملك ~~الإنكتار. أما بعد، فقد بلغنا أن الله تعالى ابتلاك بمرض شديد، وأن الأطباء الذين عندك ~~من النصارى واليهود عجزوا من شفائك؛ لأنهم لا يعتمدون على الله سبحانه وتعالى، ولذلك ~~بعثنا إليك بطبيبنا الخاص. فنلتمس منك أن تكرم مثواه وتعتمد على علاجه لكي تنال الشفاء، ~~فنستطيع أن ننهي هذه الحرب، إما بالصلح وإما بالاحتكام إلى السيف، وهو أعدل حاكم بيننا، ~~فإني أضن ببطل كريم مثلك أن يموت حتف أنفه، وأسيافنا ظمآنة إلى دماء الأبطال، والسلام ~~على من اتبع الهدى. # فلما أتم قراءة الرسالة قال: «علي بهذا الحكيم لعلي أشفى، فأقابل صلاح الدين في ميدان ~~النزال وأنصفه بسيفي ورمحي.» # فقال البارون: «اذكر يا مولاي أن صلاح الدين عدو لنا.» ms027 # فقال الملك: «نعم، ولهذا السبب لا يريد أن أموت بالحمى، بل أن أقوم وأقابله في ميدان ~~النزال، وأؤكد لك أنه يحبني كما أحبه وكما يحب الأبطال بعضهم بعضا، فعار علي أن أرتاب في ~~إخلاص نيته.» # فقال البارون: «مهما يكن من الأمر، فلا يحسن أن تسلم نفسك لهذا الحكيم قبل أن نرى فعل ~~علاجه بالخادم الاسكتسي.» # فقال الملك: «ما أكثر ظنونك! اذهب وانظر فعل العلاج بالرجل، وأما أنا فقد سئمت الحياة فهي ~~والموت عندي سيان.» # فخرج البارون وفي نيته أن يطلع أحد رؤساء الدين على ما في نفسه؛ لأنه كان مرتابا من أمر ~~هذا الطبيب، فمضى إلى رئيس أساقفة صور، وكان في المعسكر، وقص عليه الخبر فطيب هذا قلبه ~~وأقنعه بجواز الاعتماد على الأطباء مهما كان مذهبهم. ثم قال: «أما هذا الطبيب ففي أمره ريب؛ ~~لأن أهالي هذه البلاد ماهرون في دس السموم، فيدسها بعضهم لبعض في الطعام والشراب واللباس، ~~بل في الرسائل التي يتراسلون بها، فلا يليق بنا أن نأتمنه على الملك قبلما نرى فعل دوائه ~~بالخادم الاسكتسي، فقم بنا إلى خيمته، ولكن لا بد من استعمال شيء يقينا من العدوى، وأنا ~~أشير عليك أن تستعمل حصى اللبنى منقوعة بالخل.» فقال البارون: «أشكر فضلك إلا أن الحمى لا ~~تفعل بي، وإلا لسرت العدوى إلي من الملك.» # ثم سارا سوية، فلما بلغا خيمة الفارس الاسكتسي قال الأسقف: «هو ذا فارس شريف معدود من ~~الأبطال، يأتمنه الملوك في أمور ذات بال، وهو يضع خادمه في مكان لا تبيت الكلاب فيه.» فقال ~~البارون: «من ساواك بنفسه ما ظلمك؛ فإن هذه الخيمة يبيت فيها الفارس نفسه.» # وكان الأسقف شيخا جليلا أبيض الشعر جميل المنظر طويل القامة واللحية، لابسا جبة من ~~الحرير قد لبست أهدابها بالفرو الثمين، وبجانبه خادمان: واحد رافع فوق رأسه مظلة من سعف ~~النخل، والآخر يروح له بمروحة من ريش الطاووس. فدخل الكوخ وهو على تلك الحالة فوجد الطبيب ~~جالسا بجانب المريض حيث تركه البارون ده فو، فلم يحفل الطبيب بدخوله ولم ms028 يقم له، فاغتاظ من ~~ذلك ولكنه كظم الغيظ وطارحه السلام باللغة العربية المتفرنجة، فرد له السلام ولم يزد. فقال ~~الأسقف: «إذا كنت أنت الطبيب فلي مسائل أطرحها عليك لأنني أنا طبيب أيضا.» فأجابه: «لو ~~كان لك أدنى إلمام بالطب لعلمت أن الأطباء لا يتباحثون في غرف المرضى.» وحينئذ هر الكلب من ~~داخل الكوخ، فقال الطبيب: «اسمع، حتى الكلاب تعلم بالغريزة أنه لا يجوز رفع الصوت بجانب ~~المرضى، فإن كان لك شيء تسألني عنه فهلم بنا إلى خارج الخيمة.» قال ذلك ونهض وخرج أمامه، ~~فتبعه الأسقف وتفرس في وجهه طويلا، ثم سأله عن عمره. فقال: «سنو الجاهل تعد بأسرة جبهته، ~~وسنو العالم بغزارة علمه، فأنا لم يكر علي أكثر من مائة عام.» ولما قال ذلك نظر البارون ده ~~فو إلى وجه الأسقف مبهوتا، وأنغض الأسقف رأسه كأنه لم يفهم معنى الطبيب. ثم قال له: «أين ~~الشهادة التي تشهد أنك طبيب؟» فقال: «حسبك أن صلاح الدين الذي لا يرتاب صديق ولا عدو في صدق ~~مقاله قد شهد أني طبيب، فماذا تطلب فوق ذلك؟» فقال البارون: «نطلب أن نرى شيئا بأعيننا، ~~وإلا فلا أدعك تدنو من سرير الملك.» # فقال الطبيب: «لا يليق بالإنسان أن يشهد لنفسه، ولكن هذا المريض قد أذابت الحمى لحمه ~~وجففت ماء الحياة من عروقه، فلم يبق بينه وبين الموت إلا خطوة، وسترون كيف أنه يقوم معافى ~~بعد قليل. فهذه هي الشهادة التي تطلبان، وبذا يقضى الأمر الذي فيه تستفتيان.» ثم أخرج ~~إسفنجة من إناء فضي ووضعها على أنف المريض فعطس، واستيقظ وجلس في فراشه هيكلا من عظام. ~~فقال له البارون: «أتعرف من نحن؟» فأجاب: «كلا يا مولاي، ولكن يظهر لي أنك أنت أمير من ~~أمراء الإنكليز، وهذا من الأساقفة العظام.» وحينئذ قال الطبيب: «إن هذا أعدل شاهدي وقد صار ~~نبضه منتظما مثل نبضكم.» وقرب يده إلى الأسقف ليجسها، فابتعد الأسقف عنها، وأما البارون ~~فجسها وقال: «إن الرجل قد شفي من الحمى! فهلم أيها الطبيب إلى خيمة الملك.» ثم التفت ms029 إلى ~~الأسقف وقال: «ما قول سيادتكم ؟» فقال الطبيب: «أمهلوني ريثما أجرع هذا الرجل الجرعة الأخيرة ~~من الدواء.» ثم أخرج كأسا من الفضة وصب فيها قليلا من الماء ووضع في الماء شيئا موضوعا ~~في خرقة أبقاه فيه خمس دقائق، ثم أخرجه وسقى الماء للمريض وقال له: «نم الآن وقم معافى ~~بإذن الله تعالى.» # فقال الأسقف: «أتشفي الملك بهذا العلاج البسيط؟» فقال الحكيم: «نعم، إن لم يكن ملوككم من ~~طينة غير طينة بقية الناس.» فقال البارون: «قم بنا سريعا إلى خيمة الملك فإن شفيته فبه، ~~وإلا أصابك من يدي مرض لا يقبل الشفاء.» وقبل أن يخرجا رفع المريض رأسه، وقال: «بالله ~~عليكما أخبراني أين سيدي.» # فقال الأسقف: «إن سيدك قد أرسل بمهمة ولا يرجع قبل بضعة أيام.» # فقال البارون: «لماذا تخدع الرجل؟ يا صاح، إن سيدك قد رجع وستراه عن قريب.» # فألقى المريض رأسه على الوسادة ونام، وفيما هم خارجون، قال الأسقف للبارون: «أحسنت؛ فإن ~~تطمين المريض لازم لشفائه.» فقال له البارون: «ما تعني يا مولاي؟ أتظن أنني أتكلم بالكذب ~~ولو أحييت بكلامي عشرة مثل هذا الرجل؟!» # فقال الأسقف: «ألم تقل إن سيده؛ أي الفارس صاحب النمر الرابض، رجع من سفره؟» # فقال: «نعم، قلت ذلك، وقد رأيت هذا الفارس منذ بضع ساعات، وتكلمت معه، وهذا الطبيب أتى ~~بصحبته.» فقال الأسقف: «ولماذا لم تخبرني قبل الآن برجوعه؟» # فقال البارون: «ألم أقل لك إن الطبيب جاء مع هذا الفارس؟! ولكن ما دخل رجوع الفارس بحذاقة ~~الطبيب وشفاء الملك؟» # فرفس الأسقف الأرض برجله وقال: «له دخل كبير.» ثم قال: «ولكن أين ذهب، فلا بد من أن خطأ ~~قد حدث؟» # فقال البارون: «هو ذا خادم آخر، فلنسأله عن سيده.» فنادياه ولما وقف بين أيديهما سألاه عن ~~سيده، فقال: «إن قائدا من القواد دعاه ليمضي إلى الملك قبل مجيئكما.» وحينئذ بلغت حيرة ~~الأسقف أشدها فاستأذن من البارون بالانصراف، فتبعه البارون بنظره مستغربا أمره إلى أن غاب ~~عنه، ثم سار هو والطبيب نحو خيمة الملك. # | الفصل التاسع # لكل ms030 داء دواء يستطب به # والطب واسطة والبرء لله # فيما كان البارون سائرا نحو خيمة الملك تردد في باله ما رآه من انزعاج الأسقف، فلم ير ~~لذلك سببا، ثم كثرت عليه الظنون، فقال: «لعل الأسقف والأمراء والملوك متواطئون على مولاي ~~وفي نيتهم أن يوقعوا به، وقد استخدموا هذا الحكيم لهذه الغاية.» فعزم أن يكاشف الملك بما ~~جال في خاطره، وكان يعتقد أنه أحكم الناس كما أنه أبسلهم. # وحدث أن الملك ريكارد اشتدت عليه الحمى بعد خروج البارون من خيمته، فاضطربت أفكاره وفرغ ~~صبره، فأرسل واستدعى السر وليم ليسأله عن سبب ذهابه من المعسكر وعن كيفية التقائه بالطبيب. ~~فأتى السر وليم ودخل خيمة الملك كأنه أحد أتباعه وسجد له ووقف بين يديه، فتفرس فيه وقال له: ~~«أأنت وليم صاحب النمر الرابض؟ ممن أخذت رتبة الفروسية؟» فأجاب: «من سيف وليم الأسد ملك ~~اسكتلندا.» فقال الملك: «أنعم به سيفا لمنح الشرف، وأنت أهل لذلك؛ فإننا قد رأيناك تثبت في ~~مواقف القتال وتحمل على الأعداء بعزيمة صادقة، ولكن مطامعك كبيرة فلا جزاء لك عندنا أعظم من ~~العفو عنك.» # فحاول السر وليم أن يتكلم ولكنه حصر عن الكلام؛ لأنه لم يقدر أن يخفي ما به من لوعة ~~وغرام. فقال الملك: «إنا وإن كنا ننتظر الطاعة التامة من كل الذين يحاربون تحت لوائنا، إلا ~~أننا نتغاضى عن بعض الذنوب مثل اقتناء فرساننا لكلاب الصيد، ولو كان ذلك مخالفا لأمرنا.» ~~قال ذلك مسرورا؛ إذ وجد بابا لتحويل التهمة التي اتهم بها هذا الفارس إلى اقتنائه لكلب ~~الصيد. # فقال السر وليم: «العفو يا مولاي، فإننا - نحن معاشر الاسكتلنديين - ليس عندنا من المال ~~والميرة ما عند أمرائك الأغنياء، والعدو لا يرى منا شدة في الحرب إذا اقتصرنا على أكل ~~البقول، فلا بد لنا من لحم الصيد لتبقى قوتنا فينا إذا أذن مولانا.» # فقال الملك: «لا داعي لطلب الإذن مني فقد أذن لك ده فو بالصيد والقنص.» فقال السر وليم: ~~«إنه أذن لي بالصيد فقط يا مولاي، ولكن إذا كنت تأذن ms031 لي بالقنص أيضا وتسمح لي بباز من بزاة ~~الملك، قدمت لمائدتك أطيب طيور الماء لحما.» # فقال الملك: «لو كان عندك البازي ما انتظرت الإذن، ولكن ما لنا ولهذا؟ هات أخبرني بأمر ~~من ذهبت إلى غور الأردن وعين جدي؟» فقال: «بأمر مجمع الأمراء.» # فقال الملك: «وكيف تجاسروا أن يرسلوك وهم لم يطلعوني على ذلك؟» # فقال: «إن معرفة ذلك لا تتعلق بي، فإنني كأحد أفراد الجند وأراني مضطرا في هذا الجهاد ~~أن أطيع رؤساءه أيا كانوا، وإلا اقتدى بي عامة الجند وفسد نظامنا وساءت حالنا.» # فقال الملك: «أحسنت، واللوم ليس عليك بل على الذين أرسلوك، وسأطالبهم بما فعلوا حينما يمن ~~علي الله بالشفاء. أما أنت فماذا كان الغرض من ذهابك؟» # فقال: «يا حبذا لو طرح مولاي هذا السؤال على الذين أرسلوني؛ فإنهم يخبرونه بالغرض ~~وبالأسباب الداعية إليه.» # فرفع الملك رأسه، وقال له: «اصدقني الخبر، وإلا فلا تأمن على حياتك.» # فقال: «لم أنتظم يا مولاي بين أهل الجهاد وأنا أطلب أن تؤمن حياتي، فإني قد صرفت نظري عن ~~هذه الحياة الفانية ونظرت إلى الباقية.» # فتفرس فيه الملك وقال له: «لقد أصبت فيما قلت، فاسمع أيها الفارس الكريم، أنا أحب ~~الاسكتلنديين؛ لأنهم أبطال ولو كانوا أهل عناد، وأنتظر منهم أن يحبوني أيضا؛ لأنني خولتهم ~~من الحقوق ما لم يخولهم أسلافي.» # فسجد الفارس له وقال: «نعم، نحن لا ننكر أفضالك علينا ولولا ذلك ما أتينا لنحارب تحت ~~لوائك، بل كنا الآن نعيث في حدود مملكتك. وإن كنت ترى عددنا في معسكرك قليلا فذلك لأننا قد ~~جدنا بأنفسنا ولم نبخل بها.» # فقال الملك: «لا أنكر عليك شيئا من ذلك، وبما أنك تحت لوائي الآن، وبما أنني من رؤساء ~~هذا الجهاد فلي الحق بمعرفة كل ما يدور بين حلفائي من المذكرات المتعلقة به؛ فلذلك أطلب منك ~~أن تخبرني كل ما لي الحق في الاطلاع عليه.» # فقال الفارس: «إنك حتمت علي هذا الحتم يا مولاي، فأنا لا أخفي عنك شيئا مما اؤتمنت عليه، ~~لا سيما وإني عالم أنك ms032 مقدام هذا الجهاد، وأكثر الناس إخلاصا فيه. فالغرض الذي ذهبت به إلى ~~ناسك عين جدي هو عقد صلح دائم وانسحاب جنودنا من هذه البلاد.» فأقسم الملك بالله وقال: «خطر ~~على بالي خواطر كثيرة ولكن لم يخطر عليه هذا الخاطر الذي يعود علينا بالعار والشنار. فقل لي ~~هل ذهبت برضاك؟» # فقال: «ذهبت برضاي يا مولاي؛ لأننا إذا حرمنا قائد جيوشنا - لا سمح الله - فليس لنا من ~~يخلفه، والصلح خير من الهزيمة.» # فقال الملك: «وما هي شروط الصلح؟» قال ذلك وفؤاده يكاد ينصدع من شدة الغيظ. قال: «لم أطلع ~~عليها لأنني سلمتها مختومة، وأمرت أن أسلمها للناسك مختومة.» # فقال الملك: «وما ظنك بهذا الناسك؟ أأحمق هو أم مجنون أم خائن أم قديس؟» # فقال: «أظنه يدعي الجنون ليتخلص من كيد أعدائه.» # فألقى الملك رأسه على وسادته، وقال له: «وما قولك في سياسته؟» # فقال: «يظهر لي أنه قانط من استخلاص الأرض المقدسة إلا بأعجوبة من السماء ما دام الملك ~~ريكارد غير قادر على الحرب.» فقال الملك: «فإذن هو يذهب مذهب هؤلاء الجبناء الذين أرسلوك ~~إليه ناسين عهدهم ودائسين شرفهم.» # فقال: «أرى هذا الحديث يا مولاي يزيد مرضك الذي تخاف منه ممالك النصارى أكثر مما تخاف من ~~جنود العدو.» # وكان الغيظ قد أخذ من الملك ريكارد كل مأخذ، فاحمرت وجنتاه وتقطب حاجباه وطار الشرر من ~~عينه، فقال للفارس: «دعنا من التمليق، وهات أخبرني هل رأيت الملكة في عين جدي؟» # فاضطرب الفارس وقال: «لم أكن عارفا بوجودها هنالك يا مولاي.» # فقال الملك مشددا صوته: «ألم تدخل كنيسة الراهبات الكرمليات في عين جدي؟ أولم تر فيها ~~الملكة ومن معها؟» # فقال: «أخذني الناسك إلى كنيسة صغيرة رأيت فيها جمهورا من المرتلات، ولكنني لم أر وجوههن ~~ولم أسمع أصواتهن إلا في الترتيل، وكن يرتلن معا فلم أفرق بين أصواتهن، ولا يمكنني أن أقول ~~إن الملكة كان هناك بينهن.» # فقال الملك: «ألم تعرف أحدا منهن؟» # فتلعثم لسان الفارس عن الجواب. # فرفع الملك رأسه واتكأ على ذراعه، وقال: «أسألك بشرفك وبرتبة ms033 الفروسية التي معك أن تقول ~~لي ألم تعرف أحدا ممن كان هناك؟» # فاحتار الفارس في أمره وتوقف مدة عن الجواب، ثم قال: «عرفت بالحزر يا مولاي.» فعبس الملك ~~ونظر إليه طويلا كأنه يقول له: # هي الشمس مسكنها في السماء # فعز الفؤاد عزاء جميلا # فلن تستطيع إليها صعودا # ولن تستطيع إليك نزولا # ثم قال: «احذر عرين الأسد ولا تلق بنفسك في التهلكة، ولا تتطاول إلى ما لا تطوله.» ولما ~~قال ذلك سمع ضجة خارج الخيمة، فغير صوته وقال: «امض وقل لده فو أن يسرع إلي بالحكيم. أواه ~~لو كان صلاح الدين ينبذ معتقده فأساعده بسيفي على طرد هؤلاء الفرنسويين والنمسويين من ~~بلاده، وأرجع إلى بلادي مطمئن الخاطر؛ لأنه يحكم هذه البلاد بالعدل والإنصاف!» # ولما انصرف السر وليم دخل أحد الخدم وقال: «إن بباب الملك رسولين من قبل مجمع الأمراء.» ~~فقال الملك: «ألم يعدونا بين الأموات حتى الآن؟!» ثم قال: «من هذان الرسولان؟» فقيل له: ~~«رئيس الهيكليين ومركيز منسرات.» فقال: «إن أخانا ملك فرنسا لا يحب المرضى، أما أنا فلو ~~كان هو مريضا ما تأخرت عن عيادته حتى الآن.» ثم نادى واحدا من خدمه وقال له: «امشط شعري ~~وأعطني قليلا من الماء البارد.» فقال الخادم: «يا مولاي، إن الأطباء منعوا الماء البارد ~~عنك.» فقال: «قاتل الله الأطباء، لم يقدروا أن يشفوني، فهل أدعهم يعذبونني؟» ثم غسل وجهه، ~~وقال: «قل للرسولين أن يدخلا.» # وكان رئيس الهيكليين طويل القامة نحيف الجسم أسمر اللون، لابسا ثوبا أبيض. وكانت الآراء ~~متباينة فيه وفي طغمة الهيكليين كلها. وكان البعض يرشقونهم بسهام اللوم ويقولون إنهم ~~تواطئوا سرا مع صلاح الدين على إبقاء البلاد في يده، وإنهم ذئاب في أثواب الحملان. أما ~~مركيز منسرات فكان كهلا شجاعا جميل المنظر سديد الرأي أنيس المحضر، وكان هو أيضا ~~متهما بالطمع والأثرة والخيانة توسيعا لسلطته في بلاد الشام. فدخلا على الملك وسلما، ثم ~~شرع المركيز يخبره أن مجمع الأمراء أرسلهما ليسألا عن صحته. فقال الملك: «نحن نعلم أن ~~الأمراء مهتمون بسلامتنا، ونعلم ms034 أيضا أنهم لم يتركوا السؤال عنا هذه الأربعة عشر يوما مع ~~ما في ذلك من الشدة عليهم إلا لكي لا تتشوش أفكارنا فنحسب أن المرض أشد مما هو.» فصمت ~~المركيز ووقع في حيرة من هذا الجواب، فتقدم رئيس الهيكليين وجعل يخبره أن مجمع الأمراء ~~يلتمس منه أن لا يخاطر بنفسه ولا يشرب الدواء الذي يعطيه إياه الطبيب العربي إلا بعد أن ~~يفحص المجمع هذا الدواء ويتأكد أنه نافع غير ضار. # فقال الملك: «أيها الرئيس الأعظم رئيس طغمة الهيكليين المقدسة، وأنت أيها المركيز المعظم، ~~تكرما بالخروج إلى الخيمة الخارجية لكي نتبصر في مشورتكما ومشورة مجمع الأمراء.» فخرجا وبعد ~~قليل أقبل الحكيم ومعه البارون والسر وليم، ثم تأخر البارون عنهما قليلا ليكلم بعض الحراس، ~~فدخل الطبيب وسلم على الرئيس والمركيز فردا له السلام، وقال له الرئيس: «أتجسر أن تطبب ~~ملكا من ملوك النصارى؟» فقال: «إن الله يشرق شمسه على الأخيار والأشرار، وأنا من عبيد الله ~~فلا يحسن بي أن أميز في النفع بينهما.» # فقال الرئيس: «أتعلم أنه إذا مات الملك بعلاجك مزقنا جسدك تمزيقا.» # فقال الحكيم: «لكل أمة أجل مسمى، فإن جاء أجلهم لا يستقدمون ساعة ولا يستأخرون، وما أنا ~~إلا آلة في يد الله تعالى، فلا أستطيع أن أغير القدر المحتوم.» # فقال المركيز: «أيها الرئيس المحترم، إن هذا الحكيم لم يعلم ما أجمع عليه أمرنا، فاعلم ~~أيها الحكيم الذي لا نرتاب في مهارته أن مجمع أمرائنا يدعوك لتبين له أمام جمهور من نخبة ~~الأطباء ما هو الدواء الذي تعتمد عليه لشفاء هذا الملك العظيم الشأن، وهذا أسلم لك في ~~الإقدام على هذا الأمر الخطير.» # فأجاب الحكيم: «قد فهمت مرادكما، ولكن صناعة الطب لها رؤساء كالسياسة وشهداء كالديانة، ~~وأنا أرسلت بأمر سلطان السلاطين؛ لكي أداوي هذا الملك وأشفيه بإذن الله تعالى، فإذا عجزت عن ~~شفائه فسيوفكم ظمآنة لدماء المؤمنين، ولكنني لا أتناظر مع أطبائكم ولا أطلعهم على الأدوية ~~السرية التي أستعملها، فلا تؤخراني عن معالجة المريض.» ثم دخل البارون وقال: «من يريد ms035 أن ~~يؤخرك؟! كفانا تهاملا وتأخرا.» ثم حيى الرئيس والمركيز وهم بالدخول إلى خيمة الملك، ~~فقال له المركيز بالفرنسوية: «ألم يبلغك أننا أتينا من قبل مجمع الأمراء؛ لكي نبين للملك ~~الخطر الشديد في اعتماده على طبيب مرسل من العدو؟» # فقال البارون: «أيها المركيز المحترم، لا أقدر أن أطيل الكلام، ولا أحب أن أسمع الكلام ~~الطويل، وإني أركن إلى ما رأته عيني أكثر مما أركن إلى ما تسمعه أذني.» # فقال المركيز: «إن الملك نفسه أباح لنا الحضور حينما يأتي الطبيب.» # فتكلم البارون مع الحارس كأنه يستخبره عن صدق كلام المركيز، ثم قال للمركيز وللرئيس: «يا ~~سيدي، اصبرا قليلا، فلا أعارضكما في الدخول، ولكن ليكن معلوما عندكما أنكما إذا ~~اعترضتما الحكيم اضطررت أن أخرجكما من خيمة الملك كرها؛ لأنني واثق بمهارة هذا الحكيم ~~وفائدة دوائه، حتى لو رفض الملك نفسه أن يشربه لأجبرته على شربه.» ثم التفت إلى الحكيم وقال ~~له: «ادخل بنا أيها الحكيم.» # فعبس الرئيس والتفت إلى المركيز، فرآه كأنه غير مبال فهدأ روعه، ثم دخلا كلاهما وراء ~~البارون والحكيم، ودخل السر وليم وراءهما ووقف بعيدا. ولما صاروا بين يدي الملك حياهم ~~وقال: «إما أن أرد إليكم عن قليل أو تردوني إلى التراب الذي أخذت منه.» ثم التفت ~~إلى البارون وقال له: «وأنت أيها البارون قد خدمت مولاك خدمة صادقة، فلك الشكر منه في ~~الحياة والممات.» ثم التفت إلى آخر الخيمة وقال: «قد بقي واحد آخر وهو صاحبنا الاسكتلندي ~~الذي يريد أن يصعد إلى السماء بدون سلم، أهلا به ومرحبا. هلم أيها الحكيم وأرنا ~~مهارتك.» # فتقدم الحكيم وجس نبضه وتأمله طويلا، ثم صب ماء في قدح وغطس في الماء الخرقة التي غطسها ~~حينما داوى خادم السر وليم، وهم بسقي الماء للملك، فقال الملك: «قد جسست نبضي فأعطني يدك ~~لأجس نبضك؛ لأنني أنا أيضا لي مشاركة في هذه الصناعة.» فمد الحكيم يده فقبض الملك عليها، ~~ثم قال: «لا اضطراب ولا انزعاج وما هذا شأن من يسم الملوك.» ثم التفت إلى البارون وقال ms036 له: ~~«إن عشت أو مت فاصرف هذا الطبيب مكرما مبجلا.» وقال للطبيب: «وأنت يا صاح، احمل تحيتنا ~~إلى السلطان صلاح الدين. وأنا إن مت فهو بريء من دمي، وإن عشت كافأته مكافأة الأبطال.» ثم ~~رفع رأسه وتناول الكأس وقال: «إني أشرب هذه الكأس على شرف أول فارس يدق رمحه في باب ~~أورشليم، وخزي أول فارس يرتد عن هذا الجهاد.» ثم كرعها كلها وألقى رأسه على وسادته ونام. ~~وحينئذ أشار الحكيم إلى الحضور أن يخرجوا من الخيمة ولا يبقى فيها معه إلا البارون ده ~~فو. # | الفصل العاشر # ستنكشف الأسرار من طي رمسها # وتبدي لك الأيام ما كنت جاهلا # وقف مركيز منسرات ورئيس الهيكليين في باب خيمة الملك، فرأيا حولها حلقة من الحرس ~~بالحراب والقسي، محيطة بها إحاطة الهالة بالقمر لكي لا يدنو منها أحد، والملك نائم وهم ~~صامتون منكسون رءوسهم كأنهم في جنازة. فقال الرئيس لرفيقه: «قد انقلب فرح هؤلاء الكلاب إلى ~~نوح، وجلبتهم إلى سكينة، والدهر في الناس قلب!» # فأجابه المركيز: «أصبت، والكلاب يضرب المثل بأمانتها لأسيادها، ولا سيما إذا كان أسيادها ~~يجارونها في هرجها ومرجها كهذا الملك.» # فقال الرئيس: «صدقت، وهذا هو شأنه دائما.» # فقال المركيز: «لو كان صلاح الدين كغيره من ملوك المشرق لأراحنا منه بهذه الكأس، ولكنه ~~أمين صادق منزه عن الغدر، وقد بلغني أنه طلب من ريكارد أن يقلده رتبة الفرسان.» # فقال الرئيس: «معاذ الله! لن نشرك أحدا من أعدائنا في هذا الفخر.» # وكانا قد بلغا فرسيهما وخدمهما فارتأيا أن يذهبا ماشيين يستنشقان بنسيم العشاء، فصرفا ~~الخدم والفرسين ورجعا يتهاديان في مشيهما في طريق غير مطروق، ويتكلمان عن الحصار ولكن لم ~~يطيلا الكلام فيه؛ لأنهما لم يجدا ما يسرهما، ثم التفت المركيز إلى الرئيس وقال له: «علام ~~لا تطرح عنك هذا البرقع الأسود، وتتكلم مع صديقك علانية؟» فتبسم الرئيس وقال: «إن البرقع ~~الأبيض يغطي الوجه كما يغطيه البرقع الأسود.» فجر المركيز يده على وجهه وقال: «قد نزعت ~~البرقع، فهات أخبرني بما تراه من أمر هذا الجهاد، ms037 وما ينالنا منه من النفع والضر .» # فقال الرئيس: «إن هذا يزيل البرقع عن وجهي لا عن وجهك، ولكني أجيبك بمثل مثله لي أحد ~~الفهماء، وهو أن فلاحا أصابه قيظ فطلب من الله أن يمطر أرضه، ولج في الطلب كثيرا، وتضجر ~~من عدم إجابة طلبه، فأراد الله معاقبته على ضجره فأرسل عليه سيلا جارفا غرقه مع ~~أرضه.» # فقال المركيز: «أصبت، وليت البحر غرق تسعة أعشار هذه الجيوش، فكان العشر الباقي يكفي ~~لغرضنا. بل لو تركنا ملوك أوروبا وشأننا لاصطلحنا مع صلاح الدين وعشنا معه بالراحة والأمن، ~~أما الآن وقد اشتدت وطأتنا على بلاده فلا يمكنه أن يسمح لنا بالإقامة فيها.» # فقال الرئيس: «ولكن قد ينجح هؤلاء الملوك ويستردون البلاد.» # فقال المركيز: «وإن فعلوا فما الفائدة لي ولك؟» # فقال الرئيس: «ما المانع من صيرورتك ملكا على أورشليم؟» # فأجاب المركيز: «تحدثني النفس بذلك ولكن دونه خرط القتاد، ولا أخفي عليك أيها الرئيس ~~الأعظم أنني أفضل إمارتي الصغيرة وأنا مستقل فيها كملوك المشرق على مملكة كبيرة لي فيها ~~شركاء من الأمراء والفرسان، ثم إذا قام ريكارد من هذا المرض فلا بد من أن يسعى في تنصيب غاي ~~لوزنيان على مملكة القدس.» # فقال الرئيس: «قد فهمت مرادك وعلمت أنك مخلص فيما قلت، فإنك تفضل أن تكون أميرا مستقلا ~~في عمل من البلاد على أن تكون ملكا عليها كلها ويشاركك في ملكك كثيرون.» # قال: «نعم، ولكن أبق هذا الأمر سرا، فإني لم أبح به إلى غيرك.» # فقال الرئيس: «لا تخف، فإني أقسم لك بالهيكل الذي عاهدنا أنفسنا على حمايته أني أكتم سرك ~~ولا أبوح به.» # قال: «أبهيكل أورشليم أم بالهيكل الرمزي الذي تشيرون إليه في اجتماعاتكم السرية؟» # فقال الرئيس: «بأي هيكل شئت فقد أقسمت لك، فبم تقسم لي أنت؟» # قال: «إني أقسم بالتاج الذي آمل لبسه، ومهما يكن من الأمر فمصلحتنا واحدة، وأما إذا ~~استولى هؤلاء الملوك على أورشليم فإنهم يردون فرقة الهيكليين إلى أعمالها القديمة، وهي ~~تمريض المرضى ومداواة الجرحى، وينزعون من يدي البلاد التي ms038 أنا مستول عليها.» # فقال الرئيس: «الأرجح ما تقول، ولكن أيليق بنا أن نترجى رجوع هؤلاء الملوك مدحورين، ~~وترك البلاد في حوزة صلاح الدين؟» # قال المركيز: «نعم، وصلاح الدين لا يستغني عنا، فإذا أعطيناه يمين الطاعة وانضممنا إلى ~~جنده وقت الحاجة قهر بنا كل أعدائه، وطاعتنا له لا يدوم أمرها؛ فإن الممالك أسرع زوالا في ~~بلاد المشرق من الظل الزائل، فغدا يموت فنستقل نحن ونوسع نطاق ولاياتنا، ويأتينا المدد من ~~أوروبا فنستولي على البلاد كلها ونستأثر بالملك فيها.» # فقال الرئيس: «هذا هو الصواب، ولكن يجب أن نكون على حذر؛ لأن فيليب ملك فرنسا من أحكم ~~الملوك.» # قال المركيز: «ولهذا السبب أراه ينتهز الفرصة للرجوع إلى بلاده من هذا الجهاد الذي اقتيد ~~إليه عن غير إرادته، لا سيما وأنه يغار من ملك الإنكليز ويود أن يعود إلى بلاده فينتقم منه ~~هنالك.» # فقال الرئيس: «وما قولك في دوق النمسا؟» # قال: «إنه أشد غيرة من ملك فرنسا. أما ملك فرنسا فحكيم مدبر، وأما هذا فجاهل غرير. وجملة ~~القول: إننا نود خروجهم من هذه البلاد وهم أيضا ميالون إلى ذلك كما ظهر لي من مجلسهم ~~الأخير.» # فقال الرئيس: «إن ذلك كان ظاهرا كالشمس في رائعة النهار، ولكن قل لي لماذا اجتهدت أن ~~ترسل الرسالة إلى صلاح الدين مع ذلك الفارس الاسكتلندي؟» # قال: «لغرضين؛ الأول أنه يسهل عليه مقابلة صلاح الدين لأنه من جنود ريكارد، والثاني أنه ~~لا يخشى من دخوله على ريكارد بعد رجوعه وإخباره بشيء مما جرى لأن ريكارد يكرهه.» # فقال الرئيس: «ولكن قد حبطت مساعيك؛ لأن الفارس عاد ومعه هذا الطبيب الذي لا بد من أن ~~يشفي ريكارد سريعا، وإذا شفي فلا بد من أن يقود الجيش على القدس.» # قال المركيز: «اصبر تر العجائب، فإنني عازم أن أوسع الخرق بين ريكارد وبين ملك فرنسا ~~ودوق النمسا في الحال، حتى إذا شفي ريكارد لا يرى له أسلم من الرجوع بمن بقي من جنوده ~~إلى بلاده.» ولما قال ذلك أخذه الرئيس بيده، وقال له بصوت ms039 خفي: «إن ريكارد لن يقوم من هذا ~~المرض.» # فنفر المركيز منه وقال له: «من تعني؟ أتعني ريكارد قلب الأسد وبطل النصرانية؟!» قال ذلك، ~~وقد امتقع وجهه واصطكت ركبتاه، فنظر إليه الرئيس وقال له: «أأنت مركيز منسرات؟! أأنت ~~مشير الملوك ومدبر الممالك؟! ما عهدتك ترتاع من أمر كهذا.» # فقال المركيز: «أتريد أن تجعلنا مثلا في الدنيا وعارا ولعنة في كل أوروبا؟» # فقال الرئيس: «إن كان هذا هو رأيك فلنقف عند هذا الحد ونتعاهد على عدم الإباحة بشيء مما ~~دار بيننا، ولننسه كأنه لم يكن.» # فقال المركيز: «لا يمكننا أن ننساه.» # فقال الرئيس: «صدقت، فإن الإحلام بالتيجان والممالك لا تنسى.» # فقال المركيز: «إذا كان الأمر كذلك فلنسع أولا في إلقاء الشقاق بين النمسا وإنكلترا.» ~~ثم افترقا فذهب الرئيس في طريقه ولبث المركيز في مكانه يعجب من إقدام الرئيس على ما لا يجسر ~~هو أن يقدم عليه من أن الرئيس يسعى لخير غيره وهو يسعى لخير نفسه. # ولم يكن المركيز من الذين يحبون إيلام غيرهم وإيقاع الضرر بهم، ولم يكن فيه من عيب سوى ~~أنه طماع، وفيما هو يتأمل فيما دار بينه وبين رئيس الهيكليين من الحديث ويقول في نفسه: ~~«الأرجح أن الرئيس مصيب في رأيه ولا بد من التخلص من هذه الجيوش.» سمع الحراس ينادي بعضهم ~~بعضا قائلين: «تذكروا الكتاب الطاهر.» وهذا كان نداؤهم الذي ينادون به بعضهم بعضا في ~~الليل. وكان قد سمع هذا النداء مرارا كثيرة، ولكنه لم يفقه معناه إلا الآن، فشعر كأنه صوت ~~من السماء جاء لتنبيهه ورده إلى سواء السبيل، فنظر حواليه كما نظر إبراهيم الخليل كأنه ~~ينتظر كبشا للمحرقة بدل ملك الإنكليز الذي كان الرئيس عازما أن يضحيه على مذبح مطامعه، ~~فوقع نظره على العلم الإنكليزي، وكان مرفوعا على رابية صناعية في وسط المحلة، فخطر له ~~خاطر سريع أراح أفكاره وهدأ روعه، فمضى إلى خيمته ونام تلك الليلة وهو يقول: «غدا أمضي إلى ~~دوق النمسا فأرى ماذا نصنع لنوال مأربنا قبل أن نعمل برأي رئيس الهيكليين.» ms040 # | الفصل الحادي عشر # إن ليوبولد دوق النمسا العظيم هو أول أمير تنصب على بلاد النمسا، والذي نصبه عليها ~~إمبراطور جرمانيا لقرابة بينهما، وقد اشتهر هذا الدوق في التاريخ بأنه قبض على ريكارد ملك ~~الإنكليز وهو راجع إلى بلاده متخفيا وسجنه زمانا طويلا ولم يخرجه من سجنه إلا بعد أن فدى ~~نفسه بمال كثير وتوسط أمره الحبر الروماني وملوك أوروبا. وكان طويل القامة قوي البنية جميل ~~المنظر أشقر الشعر، ولم يكن من أهل السياسة والنظر، ولا من أهل الطمع والدسائس، ولكنه كان ~~ضعيف الرأي كثير الغرور، يضيع حقوقه بإهماله ثم يطالب بها حينما تفوت الفرصة ويتعذر عليه ~~نوالها، وكان يشعر من نفسه بذلك ويقول: «إنه غير كفء للمنصب الذي هو فيه.» ولما انضم إلى ~~الصليبيين حاول أن يصادق ريكارد ملك الإنكليز فلما رأى ريكارد أنه أشجع منه وأقدر، استخف ~~بصداقته، ولا سيما لما رآه نهما في الأكل محبا للخمر. فاغتاظ الدوق من ذلك وأبغض ريكارد ~~بغضا شديدا. ويقال إن فيليب ملك فرنسا سعى في إلقاء النفرة بينهما؛ لأنه كان مغتاظا من ~~إقدام ريكارد واعتداده بنفسه. # ثم سعى مركيز منسرات بتوسيع الخرق فمضى إلى محلة الدوق، وأخذ معه خمرا قبرصية مدعيا ~~أنه أتى ليقابلها بالخمر المجرية، فدعاه الدوق إلى الطعام وقام له بحق الضيافة. # وكان الجرمانيون محافظين على بعض عوائدهم القديمة، فيملئون محل المائدة بالندماء ~~والشعراء والأقزام وهم وقوف خلف أسيادهم يضحكون ويمرحون ويشاركونهم في شرب الخمر، حتى كأن ~~المائدة في خان لا في خيمة الملك! وكان الدوق يأكل من صحاف الفضة ويشرب من كئوس الذهب، ~~والذين يقدمون له الطعام من أشراف البلاد، وهم يقدمونه ركعا على ركبهم، وكان متسربلا بحلة ~~ملكية مبطنة بفراء القاقم ولابسا تاجا مرصعا بالجواهر الكريمة، وفي رجليه حذاء من المخمل ~~وتحتهما كرسي من الفضة النقية. فأجلس المركيز عن يمينه إجلالا له، ولكن أكثر كلامه كان مع ~~نديمه ومهرجه. وكان هذان الرجلان واقفين بجانبه يتناوبان الأقوال الحكمية والهزلية ~~والمجونية فيقهقه لها الدوق، ثم يلتفت إلى المركيز ليرى تأثير ms041 كلامهما فيه. وكان المركيز ~~يتظاهر باستحسانه كل ما يقولان، ويترصد فرصة للكلام في الموضوع الذي جاء لأجله، فلم يطل ~~الوقت حتى ذكر المهرج اسم الملك ريكارد - وكان من عادته أن يتخذه موضوعا للهزل والتهكم - ~~فقال المركيز: «يجب أن نكرم من يستحق الكرامة، وقد نال ريكارد ما يستحق وزيادة؛ لأن الجميع ~~يتغنون بمدحه، أفلم ينظم أحد منكم شيئا في مدح أميركم المعظم؟ ...» فلم يتم كلامه حتى تقدم ~~ثلاثة من المغنين بأعوادهم ليتغنوا بمدح أميرهم، فسكتهم النديم وجعل ينشد باللغة الجرمانية ~~ما ترجمته: # من للرياسة والسياسة والحجى # من قائد الأقيال في يوم القتال # من فارس الفرسان في يوم الوغى # من قاهر الأبطال في يوم النزال # فاعترضه المهرج، وقال: «بين لنا أنك تريد بذلك أميرنا المبجل.» فقال: # إن تسألوا أستريا ماذا جرى # حتى يرى علمها يعلو العوال # فسائلوا النسر الرفيع المرتقى # علام يعلو للعلا فوق الجبال؟ # ثم قال: «إن النسر شعار أميرنا المعظم بل ملكنا المبجل، وهو يعلو على كل الطيور.» فقال ~~المركيز: «ولكن الأسد وثب وثبة فعلا فوق النسر.» فاحمر وجه الدوق والتفت إلى المركيز، ~~فقال النديم: «المعذرة يا مولاي، ما من أسد طار فوق النسر؛ لأن الأسد لا جناح له!» فقال ~~المهرج: «إلا أسد البنادقة.» فقال الدوق: «معاذ الله أن يرتفع أسد تجار البنادقة فوق ~~نسرنا.» # فنظر إليهم المركيز، وقال: «ما عنيت أسد البنادقة، بل آساد إنكلترا الثلاثة؛ فقد قيل إن ~~هذه الآساد كانت نمورا والآن صارت آسادا، وفي نيتها أن تتسلط على كل الوحوش والطيور ~~والأسماك!» # فقال الدوق: «هل تظن أن ملك الإنكليز يدعي السيادة علينا نحن معاشر الملوك والأمراء ~~المحالفين له في هذه الحرب؟» # فقال المركيز: «هذا دليل الحال، أفما ترى علمه مرتفعا في وسط المحلة كأنه الملك ~~المالك على هذا الجمهور كله؟» # فقال له الدوق: «وهل تصبر على ذلك وتتكلم عنه بدم بارد؟» فقال المركيز: «وهل يحسن بي أن ~~أتشكى من أمر خضع له ملك فرنسا ودوق النمسا؟ فالعار الذي تلتحفان به لا ألام إذا ~~جاريتكما عليه.» فضرب ms042 الدوق المائدة بيده وقال: «طالما قلت لفيليب (ملك فرنسا) إن هذا يحط ~~شأننا وشأن الأمراء الذين معنا، فكان لا يكترث لكلامي، بل يقول لا يليق بنا أن نلتفت إلى ~~هذه الأمور في مثل هذه الحال.» # فقال المركيز: «إن فيليب ملك حكيم، ولذلك يعد خضوعه لملك الإنكليز من السياسة، أما أنت ~~فلا بد من سبب آخر لخضوعك.» فحملق الدوق وقال له: «ماذا تقول؟! أنا دوق النمسا العظيم، ~~أفأخضع لهذا النرمندي؟! لا وقبة السماء. هلم يا رجالي لنضع نسر النمسا حيث لا يعلو عليه علم ~~من أعلام الملوك والقياصرة.» قال ذلك وقام من ساعته، واختطف علمه من أمام خيمته والجميع ~~يضجون بأصوات الفرح والحبور. فاعترضه المركيز وقال له: «ليس من الحكمة يا مولاي أن تشوش ~~المعسكر في هذه الساعة من النهار، فاصبر قليلا.» فقال الدوق: «ولا دقيقة.» ثم هرول نحو ~~الأكمة التي عليها العلم الإنكليزي وتبعه أهل بلاطه، فلما بلغها وضع يده على الرمح الذي ~~عليه العلم الإنكليزي، وهم أن ينزعه من الأرض فتقدم إليه النديم وقال له: «احذر يا مولاي، ~~فإن للأسد أنيابا.» فقال الدوق: «وللنسر مخالب.» فقال النديم: «النسر ملك الطيور، والأسد ~~ملك السباع، فدع علم الأسد في مكانه، وانصب علم النسر بجانبه.» فالتفت الدوق ليرى المركيز ~~ويستشيره في الأمر فلم يجده بين الجماعة؛ لأن المركيز لم يرافقه، بل سار بين العساكر وجعل ~~يخاطب كل من يراه من أهل المقامات ويتأسف من إقدام الدوق على هذا العمل في ظهيرة النهار. ~~فلما رأى الدوق أن المركيز لم يتبعه رفع يده عن العلم الإنكليزي وقال: «ليس من غرضي أن ~~أنتقم من ملك الإنكليز، بل أن أبين حقي وأرفع علمي إلى المقام الذي يستحقه.» ثم أمر أن يؤتى ~~بزق خمر وفتحه وسقى الحضور فطربوا وجلبوا حتى ملأت ضوضاؤهم المحلة. # وفي تلك الساعة استيقظ الملك ريكارد فوجد الطبيب أن الحمى زالت تماما، وأنه لا يحتاج ~~إلى جرعة أخرى من الدواء، فجلس في فراشه وقال للبارون: «قدم لهذا الحكيم كل ما في الخزانة ~~من النقود، ms043 وإن كانت لا تبلغ ألف دينار فزده قيمتها جواهر.» فقال الطبيب: «معاذ الله أن ~~أبيع حكمتي بالمال والجواهر.» فالتفت البارون إلى الملك وقال: «هذا أعجب من قوله لي أن عمره ~~مائة سنة!» فقال الملك: «أنت تظن أن لا بسالة إلا بالسيف ولا شهامة إلا عند فرساننا، فصدق ~~مقالي، إن شهامة هذا الحكيم العربي أرفع من شهامة الذين يعدون أنفسهم زهرة الفرسان.» فوضع ~~الحكيم يده على صدره وقال: «حسبي، فهذا خير جزاء أناله من الملك. والآن أطلب إليك أن تنام ~~وتتوقى كل ما يزعجك؛ لأن النكس شر من العلة.» فقال الملك: «سمعا وطاعة أيها الحكيم، ولكن ~~ما هذا الصوت الذي أسمعه؟ وما هذه الجلبة؟ علي بالخبر يا ده فو.» # فخرج البارون ده فو ثم رجع وقال: «هذا دوق النمسا ذاهب في المحلة مع ندمائه وهم ~~سكارى.» # فقال الملك: «ما أجنه! أما كان الأجدر به أن يبقى في خيمته ولا يجعل نفسه أضحوكة بين ~~الناس؟!» وحينئذ دخل مركيز منسرات فقال له الملك: «ما قولك أيها المركيز في هذا الدوق؟» ~~فقال: «أشكر الله على سلامتك أيها الملك، ولكن ما لنا وللدوق فإن قصته لا يحسن بي أن أشير ~~إليها وقد كنت الآن في ضيافته.» # فقال الملك: «أكنت ضيفا على هذا السكير؟! فما دعاه إلى هذه الجلبة؟» # فوقف البارون ده فو خلف الملك، وجعل يشير إلى المركيز بيديه وعينيه؛ لكي لا يذكر شيئا من ~~أمر العلم، ولكن المركيز عمي عن إشاراته أو تعامى، فقال للملك: «إن أعمال الدوق لا طائل ~~تحتها، وقد بلغ الأمر مبلغا لا أريد أن يكون لي فيه ناقة ولا جمل، وهو أنه أتى لينزع علم ~~إنكلترا ويضع علمه في مكانه!» # فصرخ الملك صرخة اهتزت لها أطناب الخيمة، ونهض من فراشه وجعل يلبس ثيابه وقال للحضور: «كل ~~من ينطق بكلمة فهو عدو لي.» ثم تأبط سيفه وخرج يعدو كالنعام الجافل. فنادى البارون ده فو ~~باثنين من الحرس وقال لهما: «امضيا حالا وأخبرا لورد سلسبري أن يتبعنا برجاله.» ثم خرج ~~وراء سيده. ms044 وألقي النفير في معسكر الإنكليز وكان الجنود مقيلين في الظهيرة، فنهضوا إلى ~~أسلحتهم. وهذا يقول: «هجم العرب علينا!» وذاك: «مات الملك!» وذاك: «قتله دوق النمسا!» ونحو ~~ذلك من الأقوال. ومر الملك في طريقه بمعسكر الاسكتلنديين. فرآه السر وليم الفارس المتقدم ~~ذكره، فاختطف سيفه وترسه وجعل يعدو وراءه، وكانت الأكمة مغطاة بالناس حتى لا يرى شيء منها، ~~فاجتاز الملك ريكارد في وسطهم كأنه السفينة تمخر البحر الخضم إلى أن بلغ قمة الأكمة! فوجد ~~الدوق واقفا بجانب رايته يتأمل فيما صنع، ويسمع ضجيج الناس الذين حوله، فوضع الملك ريكارد ~~يده على راية النمسا ونادى بصوت كالرعد القاصف وقال: «من تجاسر أن يرفع هذه الخرقة النجسة ~~بجانب علم إنكلترا؟!» فوقف الدوق مندهشا لا لقلة شجاعته، بل لأنه رأى شخصا لم ينتظر أن ~~يراه في تلك الساعة. فكرر الملك ريكارد نداءه، فأجابه الدوق: «أنا، دوق النمسا.» فقال ~~الملك: «سيرى دوق النمسا قيمة علمه في عيني ملك إنكلترا.» ثم نزع الرمح الذي عليه الراية ~~وكسره كسرا، ورمى الراية وداسها برجليه، وقال: «هكذا أدوس راية النمسا، فهل بين فرسانك من ~~يطالبني بما فعلت؟» فنادى جمهور من الفرسان الجرمانيين، وقال كل منهم: «أنا. أنا.» ثم تقدم ~~أشدهم بأسا وأعظمهم هامة وقال: «أيها الإخوة والأشراف، قد داس هذا الرجل شرف بلادكم فهلموا ~~لإنقاذه.» قال ذلك واستل سيفه وضرب الملك ريكارد ضربة كانت قضت عليه لولا أن السر وليم ~~تلقاها بترسه! فقال الملك: «قد أقسمت بالله أن لا أضرب بسيفي فارسا من فرسان هذا الجهاد، ~~فاحي يا هذا، احي لتراني وتندم.» ثم قبض عليه ورفعه بين يديه ورماه من فوق الأكمة كما ~~يرمي الحجر الصغير، فوقع عند سفحها وقد تخلعت مفاصله. فلما رأى الدوق وأتباعه ما رأوا من ~~قوة ريكارد وبأسه ارتعدت فرائصهم ووقعوا مبهوتين لا يدرون ما يفعلون. وحينئذ وصل سلسبري ~~بجنوده، وكان النفير قد امتد إلى مخيم ملك فرنسا، فأسرع إلى الأكمة مع ثلاثة من خواصه، ~~واندهش أشد الاندهاش عند رؤيته ملك إنكلترا واقفا هنالك يتهدد الدوق. ms045 فلما وقعت عين ريكارد ~~عليه احمر خجلا؛ لأنه كان يهابه لأجل حكمته ورصانته ورفع رجله عن علم النمسا وتظاهر ~~بالسكينة. # وكان ملك فرنسا حكيما حسن الرأي متبصرا في العواقب ساعيا في خير مملكته وترقيتها ~~شجاعا مهابا، ولكنه كان يعتمد على سياسته أكثر مما يعتمد على شجاعته، كأنه يتمثل بقول ~~القائل: # الرأي قبل شجاعة الشجعان # هو أول وهي المحل الثاني # ولربما طعن الفتى أقرانه # بالرأي قبل تطاعن الأقران # ولم يكن له رأي في هذا الجهاد، ولكنه حمل عليه بتحريض أمراء مملكته والكنيسة الرومانية. ~~ولو لم تكن تلك الحرب حرب اقتحام وتهور لكانت السيادة فيها له لا لملك إنكلترا، فلما رأى ~~انقياد الجمهور إلى ملك إنكلترا الخالي من الحكمة والتدبير ساءه ذلك، ولم يدع فرصة لإظهار ~~حكمته وتعقله إلا اغتنمها، وهذه الفرصة من أحسن الفرص لإظهار فضل الحكمة والرصانة على الحدة ~~والطيش. فقال: «ما معنى هذا النزاع بين أخوين متحالفين؛ بين رئيسين من رؤساء هذا الجهاد ~~وعمودين من أعمدته؟!» # فاغتاظ ريكارد لما رآه ساوى بينه وبين خصمه فقال: «مهلا أيها الملك العظيم، فإن هذا ~~الدوق أو الأمير أو العمود مهما شئت أن تدعوه فقد تعدى على حقوقي فأدبته، هذا كل ما ~~جرى.» # فقال الدوق: «أيها الملك المعظم، إليك وإلى كل ملك وأمير أرفع شكواي، فإن ملك إنكلترا هذا ~~قد نزع علمي وداسه برجله.» # قال ريكارد: «نعم فعلت ذلك؛ لأنك نصبته بجانب علمي.» فقال الدوق: «قد نصبت علمي بجانب ~~علمك لأن منزلتي مساوية لمنزلتك.» # فقال ريكارد: «أثبت هذه المساواة بشخصك في ميدان النزال، فأعاملك كما عاملت هذه الخرقة ~~النجسة.» # فقال الملك فيليب مشيرا إلى الملك ريكارد: «مهلا يا أخي مهلا، فأنا أرى أن دوق النمسا ~~قد أخطأ فيما فعل.» ثم أشار إلى الدوق وقال: «لا تظنن أيها الدوق الكريم أننا بسماحنا لملك ~~إنكلترا أن يرفع علمه في وسط المحلة قد اعترفنا بسيادته علينا؛ فإن ذلك لا يعقل، ألا ترى أن ~~علم فرنسا الذي يضطر الملك ريكارد أن يخضع له بسبب ما له من ms046 الأملاك في فرنسا قد سمح في ~~الأحوال الحاضرة للعلم الإنكليزي بالارتفاع على هذه الرابية؟ ونحن كلنا انتظمنا في سلك هذا ~~الجهاد وطرحنا أمجاد الدنيا لنفتح بسيوفنا الطريق إلى القبر المقدس، وارتضينا باختيارنا أن ~~نعطي الرياسة لأخينا ملك إنكلترا؛ لأنه أشدنا بطشا، وهذه الرياسة لا نسلم له بها في وقت ~~آخر ولا في أحوال أخرى. وعندي أنك إذا تبصرت في الأمر أيها الدوق الكريم، تتأسف؛ لأنك رفعت ~~علمك بجانب علمه؛ ومن ثم لا يتأخر ملك إنكلترا عن الاعتذار إليك.» # فقال الدوق: «إني رافع دعواي إلى مجلس الملوك العام وراض بحكمه.» فاستحسن فيليب ذلك وقال: ~~«هذا هو الرأي الصواب.» فقال الملك ريكارد مخاطبا ملك فرنسا: «قد أسكرتني الحمى أيها ~~الملك، وأنا رجل ضعيف الحجة في الكلام، فلا أسلم دعوى تمس شرف إنكلترا لمجمع الملوك ولا ~~لمجمع الأحبار. هذا علمي، وكل علم يرتفع بجانبه ولو كان علم فرنسا نفسه أدوسه كما دست هذا ~~العلم، فلا مراضاة عندي للنمسا، إلا ما تقدر عليه هاتان اليدان الضعيفتان في ميدان ~~النزال.» # فقال ملك فرنسا: «إني لم آت أيها الأخ لتجديد الخصام المخالف للقسم الذي أقسمناه والجهاد ~~المقدس الذي ارتبطنا به، فلننزع ما بيننا من الضغائن ونصبه على رءوس أعدائنا.» فقال ملك ~~إنكلترا: «حبذا ما قلت يا أخي!» قال ذلك ومد يده له وتصافحا مصافحة الصداقة. فقال ملك ~~فرنسا: «دع هذا الدوق الكريم يشاركنا في هذه المصافحة.» فقال ريكارد: «لا غرض لي في مصافحة ~~المجانين.» ثم التفت إلى ما حوله وقال: «إن الثعالب تنساب في الليل فقم يا ده فو بجانب علم ~~إنكلترا هذا الليل واحرسه.» فقال البارون ده فو: «إن سلامة إنكلترا أهم عندي من سلامة ~~علمها، وسلامتها بسلامة ملكها، فلا أتركه وأحرس علمه.» فقال له الملك: «ما أشد عنادك!» ثم ~~التفت إلى السر وليم وقال له: «أيها الباسل، لك علي نعمة وسأفيك إياها. هو ذا علم إنكلترا ~~فأقم بجانبه ولا تبعد عنه، وإذا هاجمك أكثر من ثلاثة دفعة واحدة فبوق لنا فنأتي لنجدتك.» ~~فأحنى السر ms047 وليم رأسه وقال: «سمعا وطاعة، فسأمضي وألبس سلاحي وأعود في الحال.» # ثم افترق ملك فرنسا وملك إنكلترا، وقد أضمر كل منهما الحقد لصاحبه: الأول؛ لأن ملك ~~إنكلترا لم يعتبر وساطته، والثاني؛ لأن ملك فرنسا تداخل بينه وبين خصمه. واختلفت آراء الناس ~~في هذا الخصام بين لائم لملك إنكلترا ومبرر له. والتقى مركيز منسرات برئيس الهيكليين وقال ~~له: «انظر ما تفعل الحيلة، فقد فككت رباط هؤلاء الملوك وغدا ترى سيوفهم ورماحهم متفرقة ~~أيدي سبأ.» فقال الرئيس: «لو كان بين أولئك النمسويين البلداء من استل سيفه وقطع الرباط ~~الذي حللته لقلت إن حيلتك نجحت النجاح التام.» # | الفصل الثاني عشر # فيما كان السر وليم واقفا بجانب العلم الإنكليزي، والبدر في كبد السماء كدرهم ملقى على ~~ديباجة زرقاء، وأفكاره تتيه في فيافي الأماني قال في نفسه: «قد وجدت نعمة في عيني الملك ~~ريكارد حتى استأمنني على علمه وفوض إلي حراسته، فقد زال البعد الذي بيني وبين الأميرة ~~جوليا، فإن عشت عشت ملحوظا من الملك ومن بنت عمه، وإن مت وأنا في هذا الموقف الخطر طالب ~~الملك بثأري وبكتني الأميرة جوليا، ولم تخش لومة لائم وهذا غاية مناي.» # ومرت الساعات عليه وهو يهدس في مثل ذلك ولا رفيق له ولا أنيس إلا كلبه الكبير الذي سبق ~~الكلام عليه، وكأنه كان عارفا بغرض سيده من الإقامة هناك، فكان كلما سمع أصوات الحراس بين ~~هزيع وهزيع يجيبهم بالنباح كأنه يقول إنه مستيقظ هو وصاحبه، ونحو نصف الليل نهض وجعل ينبح ~~نباحا شديدا ويحاول الهجوم على جهة من الأكمة ثم يتأخر كأنه ينتظر أمر مولاه، فنادى السر ~~وليم بأعلى صوته وقال: «من هذا؟» فسمع واحدا يقول له: «اربط كلبك وإلا امتنعت عن المجيء ~~إليك.» فقال: «ومن تكون حتى تأتي إلي الآن؟» ثم أحدق بنظره فرأى شبحا يدب على جانب الأكمة ~~ويقول: «اربط كلبك وإلا رميته بسهم يخطف أنفاسه.» # فقال السر وليم: «اترك السهم وتعال إلى نور القمر وإلا طعنتك طعنة تقضي عليك.» قال ذلك ~~وأشرع رمحه، فتقدم الشبح ms048 إلى نور القمر وإذا به القزم الذي رآه في كنيسة عين جدي فعرفه، ~~وتذكر تلك الليلة وما رآه فيها، فأشار إلى كلبه أن يصمت فصمت، وربض بجانب العلم وهو يهر. ~~أما القزم فصعد على الأكمة وهو يلهث من شدة التعب ودنا من السر وليم وقال له: «أنسيت ~~الأمير نكتبانس؟! فعلام لا تدنو لتحيتي؟» # فقال السر وليم: «كلا، ولكنني في موقف يمنعني من الترحب بك.» فقال القزم: «إننا نسامحك ~~بشرط أن تأتي معنا حالا إلى الذين ينتظرونك.» # فقال السر وليم: «هذا لا أستطيعه؛ إذ لا بد من الإقامة ههنا حتى الصباح.» قال ذلك وجعل ~~يمشي بجانب العلم. فاعترضه القزم وقال له: «اتبعني وإلا أمرتك أن تتبعني باسم التي لو أمرت ~~الكواكب لخرت من السماء لها سجدا.» فانشغل بال السر وليم وقال في نفسه: «لا يمكن أن تكون ~~الأميرة جوليا هي التي بعثت هذا الأحمق إلي!» ثم التفت إليه وقال له: «أظنك تعني تلك الظبية ~~الهيفاء التي رأيتها معك في الكنيسة.» فقال له القزم: «أتظن أيها المتطاول أن زوجتنا ~~وشريكتنا في الملك؛ الملكة كوانفرا تتنازل لكي تدعوك إلى حضرتها؟! معاذ الله، ولكن انظر هذه ~~العلامة فإن كنت تعرفها فأنت في الخيار بين أن تطيع أمر صاحبتها أو تعصاه.» قال ذلك وأعطاه ~~خاتم الياقوت الذي رآه في يده الأميرة جوليا، فبهت من رؤيته ووقف صامتا برهة من الزمان، ثم ~~التفت إلى القزم وقال له: «أقسم عليك بأعظم الأقسام أن تخبرني ممن أخذت هذا الخاتم، ولماذا ~~أتيت به إلى هنا، واحذر كيف تتكلم؛ لأن المقام ليس مقام هزل ومجون.» # فقال القزم: «لا يهمك أن تعرف أكثر من أن أميرة تأمرك لتأتي إليها فليس لنا إلا أن نأمرك ~~باسم صاحبة هذا الخاتم أن تأتي معنا إليها، وكل تأخر منك يعد عليك ذنبا.» # فقال السر وليم: «اصدقني الخبر أيها العزيز، هل تعلم الأميرة بالمركز الذي أنا فيه، ~~والأمر المناط بي؟ وهل تعلم أن حياتي، بل شرفي متعلقان بحراستي هذا العلم حتى الصباح؟ فهل ~~تعلم ذلك وتدعوني ms049 لأمضي إليها؟ فلا بد من أنها أرادت أن تمزح معنا، ولا سيما لأنها اختارتك ~~رسولا لها.» # فقال القزم: «ابق على ظنك.» ودار ظهره وهم بالانصراف وهو يقول: «سيان عندي أخلصت الحب ~~لهذه الأميرة أم لم تخلصه.» فقال السر وليم: «اصبر قليلا وأجبني على هذا السؤال فقط، وهو ~~هل الأميرة صاحبة هذا الخاتم قريبة منا؟» # فقال القزم: «ما الفرق بين كونها قريبة أو بعيدة؟ وهل الأمانة والإخلاص يتوقفان على ~~المسافة؟ ولكنني أقول لك إن صاحبة الخاتم على رمية سهم منا.» # فنظر السر وليم في الخاتم طويلا ثم قال للقزم: «هل يطلب مني أن أبقى عندها وقتا ~~طويلا؟» فقال القزم: «ما هو الوقت؟! فإني لا أراه ولا ألمسه ولا أسمعه، فما هو إلا وهم، ~~أولا تعلم أن وقت الفارس الأمين هو الواجبات التي يعملها لأجل إلهه وحبيبته؟» # فقال السر وليم: «أصبت وأحسنت، فهل تدعوني الأميرة لعمل شيء من الواجبات؟ أولا يمكن ~~تأخير ذلك إلى الصباح؟» # فقال القزم: «كلا، بل لا بد من مجيئك إليها حالا وسريعا، وهذه هي عبارتها: «قل له إن ~~اليد التي ترمي الورد تقدر أن تلبس الإكليل».» # فاحتار السر وليم في أمره واضطرب وزاد اضطرابه بقول القزم له: «اذهب معي حالا أو أعطني ~~الخاتم.» فقال له: «اصبر علي دقيقة.» ثم قال: «الظاهر أني مستعبد للملك ريكارد أكثر مما يجب ~~علي؛ لأنني أتيت إلى هذه البلاد وقد عاهدت نفسي على أن أحارب في سبيل الله ولأجل التي ~~أحبها.» فقال له القزم: «الخاتم الخاتم، رد علي الخاتم الذي لا تستحق أن تلمسه بيدك ولا ~~أن تراه بعينك.» # فقال له الفارس: «اصبر هنيهة ولا تعترض مجرى أفكاري.» ثم قال: «لو هجم العدو الآن على ~~المكان المعد لنزولي أكنت أبقى بجانب هذا العلم لكي لا يمس شرف إنكلترا أم أهجم على العدو ~~وأجاهد في سبيل الله؟! الجهاد في سبيل الله مقدم على كل شيء، وبعده الجهاد من أجل التي وقفت ~~لها نفسي، ولكن أين وعدي للملك؟! بالله عليك يا نكتبانس هل المكان بعيد؟» ms050 فقال: «رمية سهم ~~في تلك الخيمة التي عليها كرة ذهبية تلمع في ضوء القمر.» # فقال الفارس: «أويمكنني أن أعود من هناك في لحظة، وأن أسمع نباح الكلب من هناك؟! فلماذا ~~لا أمضي وأطلب من مالكة فؤادي أن تسمح لي بالرجوع حالا؟» قال ذلك وطرح رداءه بجانب الراية ~~وأشار إلى كلبه أن يبقى هناك. فربض الكلب بجانب الرداء وصر أذنيه كأنه فهم مراد سيده، ثم ~~قال الفارس للقزم: «هلم يا صاح، ودعنا نسرع ما أمكننا.» # فقال القزم: «أنت لم تسرع إلى إجابة طلبي فلا أسرع أنا إلى إجابة طلبك، ولا أقدر أن ~~أجاريك لو أردت؛ لأنك لا تمشي كما يمشي البشر بل تزف كما يزف النعام.» قال ذلك وجعل يتأخر ~~في مشيه عمدا، فلم ير السر وليم واسطة إلا أن يحمله ويعدو به، فحمله بين يديه كما يحمل ~~الباشق العصفور وأسرع في عدوه حتى بلغ الخيمة المشار إليها، وهي خيمة الملكة، فوجد أمامها ~~نفرا من الحرس، فخاف أن يوقظهم بمشيه أو بحركة سلاحه، فوضع القزم من يده، وقال له: «خذنا ~~في طريق آخر حتى لا ينتبه إلينا الحراس.» فجعل القزم يدور بين الخيام والسر وليم يتبعه حتى ~~بلغ الخيمة، فرفع سجفها ودخل من تحته وقال له: «اتبعني.» فتردد السر وليم أولا عن الدخول ~~وراءه على تلك الصورة، ثم رأى أن لا سبيل لدخول الخيمة إلا إذا دخل من حيث دخل القزم، فأحنى ~~رأسه ودخل من تحت السجف دبا على يديه، فقال له القزم: «انتظرني هنا.» واختفى من أمام ~~عينيه. # | الفصل الثالث عشر # وقف السر وليم بضع دقائق في الخيمة ولم يكن فيها نور، فندم على ما فعل ولات ساعة مندم؛ ~~لأنه تعدى وصية الملك وخالف واجباته العسكرية، فأراد أن يتربص ليعلم نهاية الأمر، ثم خطر له ~~أن الأميرة جوليا ساكنة مع الملكة، فإذا عرف أنه دخل خيمة الملكة لم ينج من العقاب، فعزم ~~أن يرجع على عقبه، وفيما كانت هذه الأفكار تتردد في باله سمع أصوات نساء يضحكن ويتكلمن في ~~الخيمة ms051 المحاذية للخيمة التي كان فيها، وما بينه وبينهن إلا ستار، وكان في خيمتهن شموع ~~موقدة فكان يرى أشباحهن خيالات وسمع واحدة منهن تقول: «ناديها ناديها، أحسنت يانكتبانس مثلك ~~من يؤتمن في الحاجات.» ثم قالت أخرى: «ولكن كيف نتخلص من هذا الرجل الذي أتانا به نكتبانس؟» ~~فقالت ثالثة: «اسمعي يا مولاتي الملكة، إذا لم تكن غيرة نكتبانس شديدة على زوجته الأميرة ~~كوانفرا، فهي تمضي وتصرف هذا الفارس وتعلمه قدر نفسه.» فقالت لها: «أحسنت أحسنت، فإن زوجها ~~أتى به فعليها أن تصرفه.» # فلما سمع السر وليم هذا الكلام كاد يتميز غيظا وهم بالانصراف، وإذا بالتي تكلمت أولا ~~تقول: «لا لا، نادوا ابنة عمنا جوليا أولا لكي تنظر هذا الفارس بعينها فترى تقصيره في ~~إتمام واجباته، فإنها قد اهتمت بأمره أكثر مما تقتضيه الحكمة.» ثم سمع واحدة تتكلم عن حكمة ~~الأميرة جوليا، ولكنه لم يسمع كلامها جيدا، بل سمع الجواب الذي أجيبت به وهو: «ما هذه ~~حكمة؟! هذه كبرياء، فلا أريد أن أضيع هذه الفرصة، أنتن تعلمن أنه إذا هفت واحدة منا هفوة ~~صغيرة لا تنجو من ملامها، ها هي.» # وحينئذ دخل الخيمة فتاة طويلة القامة وامتزجت مع اللائي فيها، فشعر السر وليم براحة في ~~نفسه رغما عن الاضطراب الذي أصابه وعن الخطر المحدق به من دخوله خيام الملكة في جنح الليل ~~وسماعه حديثها؛ لأن التي كانت تتكلم وتلح بحضور الأميرة جوليا هي الملكة. فقال في نفسه: ~~«الحمد لله، فإن الأميرة جوليا لا دخل لها بإغرائي إلى الدخول في هذا المكان، فهي بريئة من ~~ذنبي.» وكان يجب عليه أن ينصرف حالا ويعود إلى حراسة الراية، ولكن النفس أمارة بالسوء؛ ~~فلبث في مكانه يسمع ما يدور بينهن من الحديث عساه أن يسمع صوت حبيبته، وقال في نفسه: «إذا ~~كانت الملكة استباحت حياتي وشرفي بإغرائي بالمجيء إلى هذا المكان، فلا يحق لها أن تلومني ~~إذا وقفت فيه قليلا لأتمتع بسمع من بخل علي الزمان بسمعها قبلا.» وظهر له كأن الأميرة ~~جوليا كانت منتظرة أمر الملكة، ms052 والملكة تريد أن تتكلم ويمنعها الضحك من الكلام، وبعد قليل ~~قالت الأميرة جوليا: «يظهر لي أيتها الملكة أنكن في مجلس أنس وطرب، أما أنا فقد حان وقت ~~نومي، ولما بلغني أمرك كنت قد خلعت ثيابي لأنام.» # فقالت الملكة: «لا أؤخرك طويلا عن النوم يا بنت العم، ولكنني أخاف أن أخبرك بفقد الرهن ~~فتقلقي الليل كله.» # فقالت الأميرة: «ألم ننس هذه القصة؟ أنا لم أراهن ولكن جلالتك ارتأيت هذا الرأي.» # فقالت الملكة: «يا للعجب! أتنكرين أنك راهنت بخاتمك على إسواري أن ذلك الفارس صاحب النمر ~~لا يمكن أن يغرى بترك حراسة العلم؟» # فقالت الأميرة: «أنت أعظم من أن أخالفك، ولكن أظن أن هؤلاء السيدات يشهدن أن جلالتك ~~ارتأيت وضع هذا الرهن وأخذت الخاتم من أصبعي غصبا عني.» # فقالت إحدى الحاضرات: «أتنكرين أيتها الأميرة أنك مدحت شجاعة هذا الفارس وبينت ثقتك ~~فيه؟» # فقالت الأميرة: «وإن كنت مدحت شجاعته، فهل تتخذن ذلك سببا للاشتراك مع جلالتها ومدح ما ~~فعلته؟ أما أنا فلم أمدح هذا الفارس إلا كما مدحه كل الذين شاهدوا أفعاله في ميدان ~~القتال. وعن أي شيء يتكلم النساء وهن في دار الحرب إلا عن الجنود وأفعالهم؟!» # فقالت إحدى الحاضرات: «إن الأميرة جوليا لم تزل غاضبة علينا من حين أخبرنا جلالتك أنها ~~رمت له وردتين في الكنيسة.» # فقالت الأميرة للملكة: «إذا كنت جلالتك أتيت بي لتسمعي ما يقوله جواريك، وليس لك شيء آخر ~~تأمرينني به فاسمحي لي بالانصراف.» # فقالت الملكة: «اصمتي يا فلوريسا، ولا تنسي أنك تتكلمين عن ابنة عم الملك. وأنت يا بنت ~~العم العزيزة، أيصح في شرعك أن تحرمينا من ساعة أنس، وقد مضى علينا أيام كثيرة في البكاء ~~والنوح؟» # فقالت الأميرة: «لتكن كل أيامك أيام أنس يا مولاتي، أما أنا فالأجدر بي أن لا أضحك كل ~~حياتي ما إن ...» قالت ذلك وأمسكت عن الكلام لشدة انفعالها. # فقالت الملكة: «سامحيني يا حبيبتي، ولكن ما هو ذنبنا العظيم؟! شاب أغري باسم فتاة ~~جميلة، لأن نكتبانس لم يقدر أن يغريه إلا باسمك.» ms053 فلما سمعت الأميرة جوليا هذا الكلام صرخت ~~قائلة: «يا إلهي! ماذا تقولين أيتها الملكة؟! أتتكلمين بالجد أم أنت تمزحين؟ أعرضت شرفك ~~وشرف نسيبتك ابنة عم زوجك للعار والازدراء؟! أنت تمزحين ولا بد.» # فقالت الملكة: «يظهر أن الأميرة جوليا غاضبة علينا لأنا ربحنا الخاتم، فسنرده لك يا ~~عزيزة، ولكن لا تعنفينا لأننا فزنا هذه المرة بالغلبة على حكمتك.» # فقالت الأميرة: «الغلبة ليست لك أيتها الملكة، بل للعدو الذي يسمع أن ملكة إنكلترا جعلت ~~اسم نسيبتها موضوعا للضحك والمزح.» # فقالت الملكة: «أنت مغتاظة يا عزيزتي لأننا ربحنا خاتمك البديع، فنحن نتنازل عن حقنا، ولا ~~نخفي عليك أن خاتمك واسمك أغريا هذا الفارس حتى أتى إلى هنا، ونحن قد مسكنا السمكة فلا حاجة ~~لنا بالطعم.» # فقالت الأميرة: «أنت تعلمين يا مولاتي أنك مهما طلبت مني فهو لك، وأنا أفضل أن أخسر كل ~~ما عندي من الجواهر على أن يستعمل اسمي أو خاتمي لإغراء هذا الفارس وتعريضه للإهانة ~~والعقاب.» # فقالت الملكة: «قولي لي إنك تخافين عليه من الإهانة والعقاب، والظاهر أنك لا تحسبين لي ~~حسابا ولا تظنين أنني أقدر أن أسترضي الملك وأستمد له العفو منه. لا أيتها الأميرة، فغيرك ~~له سلطة على قلوب الأبطال مثلك، وقلب الأسد ليس حجرا بل لحم ودم مثل قلوبنا، ولي عليه شيء ~~من السلطان حتى أقدر أن أسترضيه وأجعله يعفو عن هذا الفارس إذا كنت تهتمين بأمره بهذا ~~المقدار.» # فانطرحت الأميرة جوليا على قدميها وقالت لها: «أحلفك بحق كل الأوليات والقديسين أن تحترسي ~~مما تفعلين، فإنك لا تعرفين الملك ريكارد إلا من عهد قريب، أما أنا فأعلم يقينا أن تسكين ~~البحر عن هياجه أسهل عليك من تسكين غضبه إذا غضب، بالله عليك اصرفي هذا الفارس إن كنت قد ~~أغريته ليأتي إلى هنا، وأنا أرضى بالعار الذي لحقني من استخدام اسمي لإغرائه إذا كنت أعلم ~~أنه رجع إلى مكانه.» # فقالت لها الملكة: «انهضي يا بنت العم وثقي بكلامي أنه لا يحدث شيء مما تخافين، انهضي يا ~~حبيبتي جوليا وأنا ms054 آسفة جدا لأنني أغريت فارسا يهمك أمره، انهضي ولا تفركي يديك قد ~~سلمت أنك لا تهتمين بأمره، بل أنا مستعدة أن أسلم بكل شيء ولا أراك حزينة، وأؤكد لك ~~أنني أتوسط أمره عند الملك وألقي اللوم كله علي، وها إني أرسل الآن نكتبانس ليصرفه وأعتذر ~~إليه في وقت آخر عما جرى، وأظنه الآن منتظرا أمرنا في إحدى الخيام القريبة.» # فقال القزم: «كلا يا مولاتي، بل هو في خيمتك وبيننا وبينه هذا الستار.» فاضطربت الملكة ~~وقالت: «أهو قريب منا وسامع كل ما دار بيننا من الحديث؟! يا للعار!» ولما قالت ذلك صرخ ~~القزم وهرب من الخيمة والظاهر أنها ضربته حتى هرب صارخا، ثم قالت: «والآن ما ~~العمل؟» # فأجابتها الأميرة جوليا: «يجب أن نراه ونستميح منه.» قالت ذلك وجعلت تفك عرى الستار، ~~فنادتها الملكة وقالت لها: «بالله عليك أن تنتبهي إلى لبسنا ومجلسنا والساعة التي نحن فيها ~~...» ولكن قبل أن تتم كلامها سقط الستار الذي بينهن وبين السر وليم، فهربت الملكة وجواريها ~~إلى خيمة أخرى، وأما الأميرة جوليا فأخذت مصباحا بيدها ودنت من السر وليم، وكانت لابسة ~~ثوبا رقيقا وردي اللون ومتوشحة بوشاح يغطي كتفيها وصدرها، وشعرها الذهبي مسدول عليه ~~وقصائبه محيطة بوجه اجتمع فيه الورد والياسمين. وكانت تعلم هول الموقف الذي وقفت فيه، ~~ولكنها لم تدع خجلها وحياءها يمنعانها عن الكلام مع من خاطر بحياته وشرفه لأجلها، فوضعت ~~المصباح من يدها وضمت أطراف الوشاح حتى غطى صدرها، وقالت: «عد أيها الفارس إلى مكانك فإنك ~~قد أغريت إلى هذا المكان إغراء.» # فركع أمامها على ركبتيه كأنه راكع أمام ملاك هبط عليه من السماء، فقالت: «ما يوقفك هنا ~~وقد سمعت كل ما دار بيننا، وكل دقيقة تقفها مجبولة بالعار والهوان؟» # فقال لها: «قد حل بي العار والهوان كما تقولين، ولكنني سألقي نفسي على سيوف العدو لعل ~~الدماء تزيل العار والهوان.» # فقالت له: «لا تفعل ذلك ولا تخاطر بنفسك، بل كن حكيما وأسرع من هنا فقد تصطلح الأمور، ~~ولكن اذهب سريعا.» # فقال لها: «ولكنني ms055 أطلب منك أولا أن تسامحيني على اغتراري بنفسي الذي حملني على التصديق ~~بأنك تطلبين خدمة مني.» # فقالت: «إني أسامحك، ولكن على أي شيء أسامحك وأنا كنت السبب في مضرتك؟ اذهب سريعا وأنا ~~أسامحك وأعرف قدرك كما أعرف قدر كل فارس شجاع. اذهب ولا تتأخر.» # فقدم لها الخاتم الذي أعطاه إياه القزم وقال لها: «خذي أولا هذا الرهن الذي جلبني إلى ~~هذا المكان.» # فقالت له: «كلا لا آخذه، أبقه معك علامة لاعتباري لك، بل لأسفي عليك، ولكن اذهب سريعا، ~~وإن لم يكن من أجل نفسك فمن أجلي.» # فلما قالت ذلك ورأى اهتمامها بحياته وسلامته قال في نفسه: «هذا يساوي كل ما خسرته من ~~الشرف والكرامة.» فنهض وهم بالانصراف ولكنه التفت إليها قبل أن ينصرف ليتزود منها بنظرة، ~~وكانت تغالب الحياء الخاص ببنات نوعها حتى غلبها الحياء فدخلت من حيث خرجت، وأطفأت ~~المصباح، فقال في نفسه: «يجب أن أطيع أمرها.» فخرج من حيث دخل وهو لا يعي على شيء، وكان ~~عليه أن يدور في الطريق الذي جاء فيه؛ لكي لا يمر على الحراس، وأن يسير متمهلا لكي لا ~~ينتبه إليه أحد ولا يعثر بالأطناب والأوتاد. وفيما هو في هذه الحال سمع صوتا أرجعه إلى ~~عقله ونبه كل قواه؛ وهو نباح كلبه، فإنه سمعه نبح أولا نباحا شديدا، ثم سمعه يعوي عواء ~~الألم، فنفر نفور الظليم وأخذ ينتهب الأرض انتهابا رغما عن ثقل أسلحته وعلو الأكمة، وما ~~زال يعدو حتى صار على قنتها، وكان القمر محتجبا بالغيوم، فلما بلغ قنة الأكمة ظهر بنوره ~~الساطع، وأراه ما طير صوابه؛ أراه العلم مفقودا ورمحه مكسورا والكلب في حالة النزع. # | الفصل الرابع عشر # أشفقت من عبء البقاء وعابه # ومللت من أري الزمان وصابه # ووجدت أحداث الليالي أولعت # بأخي الندى تثنيه عن آرابه # رأى الفارس ما رأى من تلك الداهية الدهماء والبلية الصماء، فغاب عن الصواب ووقف كمن وقع ~~به مس من الجن، ثم انتبه إلى نفسه وجعل يفتش عمن ارتكب تلك الفعلة الشنعاء، فلم يقف له ms056 على ~~عين ولا على أثر فعاد إلى كلبه، فوجد جرحه مميتا والنصل مكسورا فيه، فلما رآه الكلب جعل ~~يبصبص بذنبه ويئن أنين الألم الشديد، ولا سيما عندما حاول أن ينزع النصل من جرحه، فاسودت ~~الدنيا في عينيه وضاقت عليه بما رحبت، فاغرورقت عيناه بالدموع، وبكى بكاء الثكلى، ثم سمع ~~منشدا ينشد ويقول: # سلم أمورك للمهيمن كلها # واهرب إليه فذاك نعم المهرب # وإذا بليت بنكبة فاصبر لها # من ذا رأيت مسلما لا ينكب # فالتفت وإذا بالحكيم العربي مقبل نحوه، فلما رآه الحكيم يبكي ويتوجع رثى لبلواه وعزاه على ~~مصابه، وطلب إليه أن يسمح له بمداواة الكلب، ثم أخرج آلة من جيبه نزع بها النصل من الجرح، ~~وذر عليه ذرورا أوقف الدم ثم ضمده وعصبه، وقال له: «إذا سمحت لي أن آخذه إلى خيمتي ~~وأعالجه فالأرجح أنه يشفى.» فقال له: «عليك به وإذا شفي فهو لك، أما أنا فلم يبق بي حاجة ~~إليه.» فصفق الحكيم بيديه، وإذا باثنين من عبيده دنوا منه فأمرهما أن يحملا الكلب إلى ~~خيمته، فنظر إليه السر وليم وقال له: «الوداع يا كلبي الأمين، الوداع يا رفيقي في السراء ~~والضراء، ليت السهم الذي أصابك أصاب قلبي وأراحني من غصص الحياة، فكنت أموت في شرفي ولا ~~ألتحف بالعار والازدراء.» فقال له الحكيم: «وما أصابك حتى تفضل الموت على الحياة؟» فقال: ~~«أصابني مصاب يعجز عنه طبك فدعني وشأني.» فقال الحكيم: «اشرح لي مصابك فلعلك لا تعدم مني ~~دواء شافيا؛ لأن الله خلق لكل داء دواء.» فقال: «انتدبني الملك أمس إلى حراسة علمه على ~~هذه الأكمة، فسرق العلم وكسر الرمح والأمر كما ترى.» فنظر إليه الحكيم متعجبا من أمره وقال ~~له: «سلاحك سليم وجسمك صحيح، وما أنت لتهرب من وجه العدو على ما سمعت من شهادة الناس فيك، ~~فلم يبق إلا أن إحدى ربات الجمال اللواتي تعبدونهن كما تعبدون إلهكم قد أغرتك وأبعدتك عن ~~هذا المكان.» فقال الفارس: «وإن كان الأمر كما ذكرت فما العلاج؟» فقال الحكيم: ~~«إذا نبا بكريم موطن ms057 فله # وراءه في بسيط الأرض أوطان # فرأيي أن تهرب من غضب الملك ريكارد إلى حمى السلطان صلاح الدين.» # فقال الفارس: «أتنصح لي أن أستر ذنبي بترك مذهبي؟» # فقال الحكيم: «أخطأت، فإن صلاح الدين لا يجبر أحدا على ترك مذهبه، فاسمع النصح واتجر ~~به، فإنه قادر أن يرقيك إلى أرفع المناصب، ولو علمت مقاصد هؤلاء الملوك والأمراء المتجمعين ~~هنا ومضمون شروط الصلح التي ذهبت بها إلى السلطان صلاح الدين ما تأخرت عن قبول نصيحتي؛ ~~فإنهم كلهم يترضون وجهه، وقد عرضوا عليه شروطا للصلح لا يمكنه أن ينتظر أحسن منها، وبعضهم ~~خاطبه سرا وعرض عليه أن ينضم إلى جنوده ويقاتل عساكر النصارى معه. ولكن صلاح الدين لا ~~يقبل هؤلاء الخائنين في معسكره ولا يعقد شروط الصلح إلا مع قلب الأسد، وفي نيته أن يسمح ~~له ببعض مدن الساحل ويبيح له أن يبقي شرذمة من جنوده في بيت المقدس لحماية الحجاج، ويسمي ~~نفسه حامية أورشليم، وفي نيته أيضا أن يشرف واحدة من نسيبات الملك ريكارد اسمها ~~الأميرة جوليا بضمها إلى حرمه.» # 1 # فكان الحكيم يتكلم والسر وليم يسمع كلامه ولا يكترث له حتى ذكر الأميرة جوليا، فأجفل ولا ~~إجفال الجمل، وكاد يغيب عن الصواب وقال في نفسه: «بلغت خيانة هؤلاء الملوك مبلغا يفوق ~~التصديق، فسولت لهم نفوسهم أن يشتروا الصلح بمن وقفت نفسي على حبها وضحيت شرفي وحياتي ~~على مذبحه.» ولكنه كظم الغيظ وحاول أن يستعلم من الحكيم كل ما يعلمه من أمر هذا الزواج، ~~فقال: «وأي مسيحي يوافق على اقتران صلاح الدين بأميرة مسيحية؟» # فقال الحكيم: «ألم يبلغك أن أمراء المسلمين يتزوجون كل يوم بفتيات النصارى في الأندلس بلا ~~ممانع ولا معارض؟ وإذا تزوج السلطان صلاح الدين ببنت عم الملك ريكارد أباح لها البقاء على ~~دينها وممارسة فرائضه، وأنزلها المنزلة الأولى بين نسائه.» # فقال السر وليم: «معاذ الله أن يسمح الملك ريكارد لأميرة عريقة في الحسب والنسب أن تصير ~~زوجة لصلاح الدين ولو أحلها فوق كل نسائه!» فقال الحكيم: «أخطأت، فإن فيليب ms058 ملك فرنسا ~~وغيره من أقيالكم قد وعدونا ببذل الجهد في إتمام هذا الأمر حسما لهذه الحروب التي أبادت ~~رجالهم، ورئيس صور تكفل بعرض الأمر على الملك ريكارد وإقناعه بالتسليم به، إلا أن صلاح ~~الدين أخفى غرضه عن مركيز منسرات ورئيس الهيكليين؛ لأنه يعلم أنهما يكرهان ريكارد ولا ~~يحبان أن يحوز هذا الشرف. والآن أنصحك أن تبادر إلى صلاح الدين حالا، وأنا أبعث معك ~~برسالة إليه فيرفع مقامك ويكرم مثواك، ولا تظنن أنك تترك بلادك وديانتك لأن صوالح البلادين ~~ستصير واحدة عن قريب، ولصلاح الدين منفعة من قيامك في بلاطه؛ لأنك تخبره كيف يعامل ملوككم ~~نساءهم، فيعامل هذه الأميرة مثل معاملتهن وفقا لما ستشترطونه عليه من الشروط. واعلم أن ~~الله سبحانه قد فتح لصلاح الدين كنوز الدنيا وبسط على الخافقين ظله الظليل، فإذا لذت به ~~أسبغ عليك عطاياه وحماك من الإنس والجن، فإنه هو الذي قال فيه الرشيد النابلسي: # هذا الذي كانت الأيام تنتظر # فليوف لله أقوام بما نذروا # وقال فيه ابن الشحنة الموصلي: # وإني امرؤ أحببتكم لمكارم # سمعت بها والأذن كالعين تعشق # وقال غيرها: # الله أكبر جاء القوس باريها # ورام أسهم دين الله راميها # فكم لمصر على الأمصار من شرف # باليوسفين! فهل أرض تدانيها؟! # فبابن يعقوب هزت جيدها طربا # وبابن أيوب هزت عطفها تيها # قل للملوك تخلى عن ممالكها # فقد أتى آخذ الدنيا ومعطيها # وإذا حننت إلى الوطن وأردت الرجوع إلى قومك وأهلك، فصلاح الدين يتوسط أمرك عند مولاك ~~فيعفو عنك ويرفع شأنك.» # فتنفس الأمير الصعداء وقال للحكيم: «لو لم تكن قد شفيت خادمي والملك ريكارد من مرضهما ~~لأوردتك حتفك حيث أنت واقف، ولكني جزاء لمعروفك أنصحك أن تخبر من يتجاسر على عرض هذا الأمير ~~على الملك ريكارد أن يلبس خوذة لا تفعل بها فأسه التي شقت بها باب عكاء بضربة ~~واحدة.» # فقال الحكيم: «أراك مصرا على عنادك وعازما على تسليم نفسك للقدر المحتوم، ولكن اعلم أن ~~شريعتنا وشريعتكم تبيحان للإنسان أن يفر من القضاء ويسعى إلى النجاة.» # فقال الفارس: ms059 «معاذ الله أن أفر من العقاب الذي أستحقه.» فقال الحكيم: «إذن أتركك إلى ~~عنادك، وإذا أراد الله بقوم سوءا أعمى بصائرهم عن سبل النجاة.» قال ذلك وانصرف في طريقه ~~وهو يهز رأسه. فوقف السر وليم وجعل يتأمل في كلام الحكيم وفيما سمعه من الأمير شيركوه ~~والناسك الذي في عين جدي عن سعي الملوك في عقد الصلح، فانكشف له سر مكنون وقال: «الآن فهمت ~~مراد هذا الناسك الخبيث بقوله: إن الرجل غير المؤمن يكتسب إلى الإيمان بامرأته ~~المؤمنة. وإذا صدقني حزري فهو قد وصف الأميرة جوليا لصلاح الدين، ثم سعى في إتمام هذا ~~الاقتران الذي يجب أن أمنعه ما دام في رمق من الحياة.» قال ذلك ورمى الخوذة عن رأسه وأسرع ~~إلى خيمة الملك ريكارد. # | الفصل الخامس عشر # ويوم حبست النفس عند عراكها # حفاظا على عوراته والتهدد # على موقف يخشى الفتى عنده الردى # متى تعترك فيه الفرائص ترعد # فإن مت فانعيني بما أنا أهله # وشقي علي الجيب يابنة معبد # لما أناط الملك ريكارد حراسة علمه بالسر وليم عاد إلى خيامه طيب النفس قرير العين بما ~~أظهره من البسالة والإقدام أمام رؤساء النصارى وقواد جنودهم، ولا سيما لأنه قهر واحدا منهم ~~فقهر بقهره كثيرين من أعدائه. ولو حدث ما حدث لملك آخر غير الملك ريكارد لضاعف حرسه وأبقى ~~فريقا من جنوده تحت السلاح، ولكن ريكارد صرف حرسه العادي وفرق الخمر على جنوده ليشربوا ~~فرحا بسلامته وسلامة العلم الإنكليزي. ولولا البارون ده فو وأرل سلسبري لسكروا كلهم وعبثوا ~~بكل نظام وترتيب. # وأقام الحكيم مع الملك ريكارد إلى ما بعد نصف الليل بثلاث ساعات، وجرعه الدواء مرتين ثم ~~خرج قاصدا خيمته ومر في طريقه على خيمة السر وليم يفتقد خادمه، وسأل عنه فأخبر أنه يحرس ~~العلم على الأكمة، فأتى إليه ووجده في حالة اليأس والقنوط، وجرى بينهما الحديث الذي مر ذكره ~~في الفصل الماضي. # وقبل شروق الشمس بساعة من الزمان دخل السر وليم خيمة الملك ريكارد بدون أن يستأذن عليه، ~~فنهض البارون ده فو ms060 واعترضه قائلا: «ما هذه الجسارة؟» فناداه الملك ريكارد وقال له: «إليك ~~عنه يا ده فو، فقد أقبل علينا ليخبرنا بما كان من حراسته.» ثم اتكأ على يده ونظر إلى السر ~~وليم وقال له: «قد حرست العلم نعم الحراسة، وعلم إنكلترا يحرس نفسه، فكيف وقد سلمت ~~حراسته لفارس مجرب كما يقول الناس فيك؟!» # فقال السر وليم: «قد أخطأ قول الناس في؛ لأن العلم قد أخذ!» # فقال الملك: «أأخذ وأنت حي ترزق؟! هذا ضرب من المحال، فإني لا أرى فيك جرحا ولا ~~خمشا! فلماذا لا تتكلم؟ قل الحق، فلا يليق بأحد أن يمزح مع الملوك، ولكنني أسامحك ولو ~~كذبت.» # فقال السر وليم: «أتنسبني إلى الكذب أيها الملك؟! ولكن صبرا على مجامر الكرام.» فأقسم ~~الملك بالله ثم راجع نفسه، وقال: «اذهب يا ده فو فإن هذه الحمى قد ضعضعت أفكاري، اذهب ~~وائتني بجلية الخبر، اذهب وإن كنت لا تذهب فأرسل أحدا يأتينا بالخبر ...» وقبل أن يتم ~~كلامه دخل أحد القواد واسمه السر هنري نفيل، وقال: «إن العلم مفقود والفارس الذي كان يحرسه ~~قد قتل؛ لأن رمح العلم مكسر وبجانبه بركة من الدم.» ثم التفت فرأى السر وليم واقفا أمام ~~الملك، فقال: «ولكن من هذا الذي أراه هنا؟» فنهض الملك على قدميه وقبض على فأسه الشهيرة، ~~وكانت بجانب سريره وقال: «هذا خائن وستراه يموت موت الخائنين.» وهم بضرب السر وليم على ~~رأسه، ولكن السر وليم وقف أمامه حاسر الرأس كأنه صنم من الأصنام، لم يفه بكلمة ولم يبد ~~حركة. فنظر الملك إليه والفأس فوق رأسه ثم خفض الفأس كأنه راجع فكره وقال: «أتقول يا نفيل ~~إن هناك بركة دم؟! اسمع أيها السر الاسكتسي، أنا قد رأيتك تحارب حرب الأبطال، فقل لي هل ~~قتلت اثنين من اللصوص الذين سرقوا العلم؟ هل قتلت واحدا منهم؟ هل ضربت ضربة واحدة من ~~أجلنا؟ قل واخرج من هنا بحياتك، يكفيك ما غشيك من العار.» # فأجابه السر وليم: «قد دعوتني يا مولاي كاذبا فلم تنصفي فليكن معلوما عندك أنه لم ms061 يهرق ~~في حراسة علمك إلا دم كلب حرس العلم، حينما تغاضى سيده عن حراسته.» ولما قال ذلك رفع الملك ~~فأسه وهم بضرب هامته، فدخل البارون ده فو بينهما وقال للملك: «لا يليق يا مولاي أن تقتله ~~بيدك ولا في خيمتك، فحسبنا من الخطأ أنك سلمت حراسة علمك لواحد من الاسكتلنديين، أولم أقل ~~لك مرارا إنهم لا عهد عندهم ولا ذمام؟» # فأجابه الملك: «أصبت، وطالما قلت لي ذلك، وكان يجب أن لا أنسى كيف خدعني ملكهم في هذه ~~الحرب.» فقال السر وليم: «إن ملكنا لم يخدعك ولكن الأحوال قضت بما قضت.» فقال له الملك: ~~«اخرس ولا تذكر اسم الملوك بفمك.» ثم التفت إلى ده فو وقال له: «ولكن في الأمر عجبا، فإن ~~هذا الخائن وقف أمامنا وفأسنا فوق رأسه كأنه وقف لنقلده رتبة الفروسية! فلو بدت منه علامة ~~من علامات الخوف لطيرت دماغه تطييرا، ولكنني لا أستطيع أن أضرب حيث لا خوف ولا ~~مقاومة.» # فقال السر وليم: «يا مولاي.» فقال الملك: «أعادت إليك قوة النطق؟ اطلب الرحمة من الله، ~~ولكن لا تطلبها مني؛ لأن شرف إنكلترا قد أهين بسببك، ولو كنت أخي الوحيد ما أمكنني أن أعفو ~~عنك.» # فقال السر وليم: «إنني أطلب الرحمة من الخالق لا من المخلوق، ولكنني أطلب منك أن تسمح لي ~~بأحد خدمة الدين لإتمام فريضتي الدينية الأخيرة، فإن سمحت لي بذلك فكرم منك، وإلا فالله ~~غفار الذنوب. وسواء مت الآن أو بعد ساعة فلي كلام إن تأذن لي أقوله لك فهو عندك ذو بال.» ~~فقال له الملك: «قل ما بدا لك.» وكان يأمل أنه سيخبره شيئا عن العلم. فقال: «إن كلامي ~~يتعلق بملك إنكلترا فلا يحسن أن يسمعه أحد غيره.» فالتفت الملك إلى نفيل وده فو وقال لهما: ~~«اخرجا قليلا لنسمع ما يقول.» فخرج نفيل، وأما ده فو فقال: «أنا لا أخرج ولا أتركك مع هذا ~~الاسكتسي الخائن.» فصرخ الملك قائلا: «أتخاف علينا يا ده فو من رجل واحد؟!» فقال ده فو: ~~«لا تصرخ ولا تغتظ ms062 يا مولاي؛ فإني لا أترك رجلا مريضا عاريا مع رجل قوي مدجج بالسلاح.» ~~فالتفت إليه السر وليم وقال: «لا بأس ببقائك هنا أيها البارون؛ فإنك رجل صادق أمين.» فقال ~~له ده فو: «كان يمكنني أن أقول ذلك فيك قبل الآن بهنيهة من الزمان.» فلم يلتفت إليه السر ~~وليم، بل التفت إلى الملك وقال له: «إن الملأ يأتمرون عليك أيها الملك وفي نيتهم أن ~~...» # ثم تلعثم لسانه فبلع ريقه وقال بصوت منخفض: «إن الأميرة جوليا ...» فصرخ الملك قائلا: «ما ~~علاقة الأميرة جوليا بما نحن فيه؟!» فقال الفارس: «إن حلفاءك عازمون أن يشتروا هذا الصلح ~~بخرق ناموس ملوك إنكلترا وتزويج الأميرة جوليا للسلطان صلاح الدين.» # وكان الملك ريكارد من الناس الذين ينظرون إلى من قال لا إلى ما قيل؛ فلا يعبد الله إذا ~~أمره بذلك الشيطان، ولا يعد النصيحة نصيحة إذا سمعها من شخص لا ينظر منه النصح، فلما سمع ~~اسم نسيبته من فم هذا الفارس وكان قد عرف طموح نفسه إليها وهو في مقدمة الفرسان، واستكبر ~~ذلك منه ووجد عليه؛ حسب أن ذكره لها الآن ذنب لا يغتفر، وكان يتميز غيظا فقال له: «اخرس ~~أيها اللعين، فوالله لأنزعن لسانك من فمك على ذكر هذا الاسم. واعلم أيها الخائن أنني رأيت ~~طموح أبصارك ولم أعاملك على حسب ما تستحقه وقاحتك؛ لأنك خدعتنا يا معدن الخداع بأنك من قوم ~~لهم حسب ونسب. والآن تجسر أن تتلفظ باسم ابنة عمنا بهاتين الشفتين المدنستين بذكر خيانتك! ~~فماذا يعنيك إذا تزوجت بواحد من النصارى أو من المسلمين؟! ماذا يعنيك إذا صاهرت الأمانة ~~والبسالة في شخص صلاح الدين وأنا بين قوم ملوكهم أرانب في النهار وثعالب في الليل وفرسانهم ~~اتخذوا الخيانة مذهبا؟!» # فقال السر وليم: «لا يعنيني شيئا وقد دنا الأجل المحتوم، ولكن لو كنت الآن راكعا على ~~النطع ما تأخرت عن إطلاعك على هذا الأمر الذي يمس شرفك وشرف الأميرة جوليا.» # فرفع الملك الفأس بيديه وصرخ قائلا: «لا تذكر اسمها بفمك.» فقال السر وليم: «أتمنعني من ms063 ~~ذكر اسمها؟! لا وحق من بيده نفسي ، لأذكرن اسمها حتى آخر نسمة من حياتي، هاك رأسي فجرب به ~~قوتك وانظر إن كنت تقدر أن تمنعني من ذكر اسمها.» وقبل أن يتم كلامه دنا البارون ده فو من ~~الملك وقال: «قد حضرت الملكة وتريد المثول بين يديك.» فقال الملك لنفيل: «قل لها أن تنتظر ~~قليلا.» ثم قال: «امض بهذا الخائن يا ده فو واخرج به من الباب الخلفي وكبله بالحديد ~~تكبيلا، وأنت المطالب به فلا بد من قتله حالا، ولكن جئه بأحد القسوس قبل قتله؛ لأننا لا ~~نريد أن نقتل جسده ونفسه، ولا تعره من علامات الشرف بل اقتله كما يقتل الفرسان؛ لأنه ~~مهما كان ذنبه فجرأته هذه تشفع به.» # ففرح ده فو لأن الملك لم يتنازل إلى قتله بيده فمضى به سريعا، وأمر بعض الشرطة فنزعوا ~~سلاحه وكبلوه بالحديد ثم قال له: «قد سمح الملك أن يقطع رأسك قطعا بالسيف بدون تعذيبك.» ~~فقال الفارس: «أشكر فضله فإن هذا يخفف المصيبة على والدي.» ثم قال: «يا أبي. يا أبي.» ~~فحزن البارون من هذا الكلام رغما عن قساوة طبعه وقال له: «قد سمح الملك أيضا أن ترى أحد ~~القسوس قبل موتك، وأنا قد رأيت هنا أحد الرهبان الكرمليين وهو في انتظارك.» فقال: «علي به ~~حالا؛ لأنني قد ودعت الحياة الدنيا وأنا الآن في انتظار الأخرى.» فقال البارون: «قد أمر ~~الملك أيضا أن تستعد للموت حالا.» فقال الفارس: «ليكن ما أمر، أما أنا فلا أسترحم أحدا ~~من البشر ولا أطلب تأخير الحكم.» # وحينئذ هم البارون بالخروج، ولما بلغ باب الخيمة التفت إلى السر وليم فرآه شاخصا نحو ~~السماء، ولم يكن هذا البارون من الذين تؤثر فيهم المناظر المحزنة، ولكنه تأثر من رؤيته فعاد ~~إليه وقبض على يده والقيد فيها وقال له: «إنك لم تزل في عنفوان الشباب، ولم يزل أبوك حيا، ~~وأنا تركت ابني في بلادي وكنت أمس أود أن يشب فارسا مثلك. أفلا يمكن أن أفعل شيئا من ~~أجلك؟» فقال الفارس: «كلا، ms064 لأنني أهملت واجباتي ولا أنتظر الآن إلا السياف.» فقال البارون: ~~«ليتني حرست العلم بنفسي، ولكن ما هذا السر الخفي؟! فما أنت بجبان؛ لأنني لم أر أحدا يحمل ~~حملاتك في حومة القتال. وما أنت بخائن؛ لأن الخائن لا يقابل الموت بهذه السكينة! فلا بد من ~~أنك أغريت إغراء بصوت فتاة مستغيثة أو حبيبة عشيقة. # لا تخف ما فعلت بك الأشواق # واشرح هواك فكلنا عشاق # وكلنا سرنا في هذه الطريق قبلك، فأخبرني بجلية الأمر ولا تقنط من العفو؛ لأن الملك سريع ~~الغضب قريب الرضى، أفلا تخبرني شيئا؟» فأدار الفارس وجهه عنه وقال: «كلا.» فقام ده فو وخرج ~~وكأنه اغتاظ من نفسه لما بدا منه دلائل الشفقة. # | الفصل السادس عشر # لم يكن بين نساء العصر أجمل من برنغاريا ابنة ملك نافار وزوجة الملك ريكارد قلب الأسد، ~~فكانت ممشوقة القد مهضومة الكشح، بيضاء الوجه حمراء الوجنتين كما قيل: # منعمة الأطراف خود كأنها # هلال على غصن من البان مائد # حوى كل حسن في الكواعب شخصها # فليس بها إلا عيوب الحواسد # ولما اقترن بها قلب الأسد كان لها من العمر إحدى وعشرون سنة، ولكن الذي يراها يظنها في ~~الخامسة عشرة لكثرة غنجها ودلالها وولعها بالزهو والزينة، وكانت تحب زوجها حبا شديدا ~~وتعجب ببسالته، ولكنها تخاف بطشه وتهاب صولته. وكان هو كلفا بها ومعجبا بجمالها، ولكنه ~~كان يفضل الحديث مع الأميرة جوليا على الحديث معها؛ لأن الأميرة جوليا كانت أعقل منها ~~وأحكم. وما كان ذلك ليضرم نار الغيرة في قلبها لأنها كانت حميدة الأخلاق نبيلة الطباع، وأما ~~جواريها فكن ينتهزن الفرص ليجدن سبيلا ينتقدن به أعمال الأميرة جوليا أخذا بثأر سيدتهن. ~~ومع كل حرصهن لم يقدرن أن يعبنها في شيء إلا في عدم اهتمامها الزائد بحللها وحلاها، وكن قد ~~لاحظن ميل الفارس الاسكتسي إليها ولم يغضضن عن ذلك طرفا بل كن يذكرنه في معارض ~~الهزل. # ولما ذهبت الملكة وجواريها لزيارة دير الراهبات الكرمليات في عين جدي بإيعاز رئيس أساقفة ~~صور، ذهبت الأميرة جوليا معها ونزلتا معا لزيارة ms065 الكنيسة الصغيرة التي رآهن فيها السر وليم ~~على ما تقدم. وكانت هذه الكنيسة متصلة بدير الكرمليات من جهة وبغار الناسك من أخرى. واتفق ~~أن الملكة وجواريها نزلن إلى هذه الكنيسة لما كان السر وليم فيها وهن لا يعلمن شيئا من ~~أمره ولا هو من أمرهن، فرأته الأميرة جوليا وعرفته ورمت له الوردتين، ورأت ذلك إحدى الجواري ~~وأخبرت به مولاتها، فبعثت إليه بالقزمين المتقدم ذكرهما لتخويفه، وكانت ملكة القدس قد ~~أهدتهما لها. فسمع الناسك صوتهما وانتهرهما على ما تقدم. ثم عادت الملكة من زيارتها وبلغها ~~ما حدث في المحلة، وأن السر وليم هو الموكل بحراسة العلم، فبعثت إليه بهذا القزم نكتبانس ~~وأعطته خاتم الأميرة جوليا لإغرائه ولم يكن غرضها سوى الضحك والمزاح، فكان من الأمر ما ~~كان. # ولما خرج السر وليم من الخيمة على ما تقدم عادت الملكة إلى ما كانت عليه من الهزل، فرجعت ~~الأميرة جوليا إلى خيمتها وبها من الاضطراب وصغر النفس ما لا يوصف، فلم تصدق أن طلع الفجر ~~حتى أرسلت إحدى جواريها لترى ما جرى بالعلم، فعادت وأخبرتها أنها لم تر علما ولا فارسا. ~~فهرعت إلى خيمة الملكة وجعلت تتضرع إليها لتبادر إلى خيمة زوجها وتبذل جهدها في منع نتيجة ~~هزلها. فخافت الملكة من ذلك وجعلت تلوم جواريها على جاري عادتها، وحاولت أن تسكن روع ~~الأميرة جوليا، وكانت تقول لها: «أظن أن الفارس نائم الآن بعد سهر الليل، أو أنه خاف من غضب ~~الملك فهرب بالعلم، أو أن الملك غضب عليه وسجنه، وبعد قليل يسكن غضبه فأمضي إليه وأستعطفه.» ~~وكانت الأميرة جوليا تبين لها فساد هذه الأقوال وعاقبة التهامل. وفيما هي تلح عليها لتذهب ~~دخلت إحدى الجواري وعلامات الخوف الشديد على وجهها، فلما رأتها الأميرة جوليا غابت عن ~~الصواب وصرخت قائلة: «بالله عليك أيتها الملكة أسرعي حالا، ونجي هذا الفارس من الموت إذا ~~كان باقيا في قيد الحياة.» فقالت الجارية: «إنه لم يزل حيا ولكن سيقضى عليه حالا، وهذا ~~هو أمر الملك.» قالت ذلك وخنقتها العبرات فجعلت ms066 تبكي وتتحسر. # فصرخت الملكة بالويل والحرب وجعلت تنذر النذور للقديسين والأولياء وقالت: «علي برئيس ~~الأساقفة ليمضي ويتشفع به عند الملك.» وكانت الأميرة جوليا تتضرع إليها لتذهب بنفسها إلى ~~الملك، ووافقها الجواري على ذلك. ولما لم تر لها من الذهاب مناصا أمرتهن أن يلبسنها ~~ثيابها، فألبسنها ثوبا أخضر فلما رأت نفسها في المرآة انتهرتهن وقالت: «أتلبسنني هذا الثوب ~~الذي يكرهه الملك؟! ألبسنني الثوب الأزرق وضعن عقد الياقوت في عنقي.» ففرغ صبر الأميرة ~~جوليا فصرخت قائلة: «أتفكرين بهذه الأمور والفارس تحت سيف الجلاد؟! أنا أمضي إلى الملك ~~بنفسي، أنا أمضي لأرى هل يجوز في شرعه أن يتخذ اسم نسيبته للهزء والازدراء ويجعل وسيلة لقتل ~~هذا الفارس والتحافه بالعار والاحتقار، وجعل شرف إنكلترا أضحوكة عند الكبار والصغار؟!» قالت ~~ذلك، وخرجت من الخيمة، فنادت الملكة: «أوقفنها أوقفنها.» فركض الجواري وراءها وأوقفنها. ~~فقالت لها الملكة: «أنا أذهب وأفعل لك كل ما تريدين.» ثم سارت هي وجواريها والأميرة جوليا ~~معها، وسار حولهن فرقة من الحرس الملكي وأسرعن السير على قدر طاقتهن. # | الفصل السابع عشر # وللمرء أيام تمر وقد دعت # حبال المنايا للفتى كل مرصد # فمن لم يمت في اليوم لا بد أنه # سيعلقه حبل المنية في غد # لم تصل الملكة برنغاريا إلى خيمة زوجها حتى سمعته يقول لأرل نفيل: «قل لها أن تنتظر ~~قليلا.» فالتفتت إلى الأميرة جوليا وقالت لها: «اسمعي، ألم أقل لك إن الملك لا يرحب بنا ~~الآن؟!» وحينئذ سمعن الملك يقول لواحد: «اذهب حالا ولك عشرة دنانير إذا قطعت رأسه بضربة ~~واحدة، ولكن راقب وجهه وشفتيه لترى هل يصفر وجهه أو ترتجف شفتاه، فإنني أحب أن أعرف كيف ~~يموت الأبطال.» فلما سمعت الأميرة جوليا هذا الكلام قالت للملكة: «إذا كنت لا تقدرين أن ~~تدخلي من نفسك فأنا أفتح لك الباب، وإن لم تدخلي أنت فأنا أدخل.» ثم نادت رئيس الحرس وقالت: ~~«إن الملكة تريد أن تدخل وترى زوجها.» فأحنى لها الرئيس رأسه وقال: «يا مولاتي، يصعب علي أن ~~أخالف أمرك ولكن الملك مشغول ms067 بأمر فيه موت وحياة.» فقالت الأميرة: «ونحن أتينا لنتكلم معه ~~في هذا الأمر عينه.» ثم أبعدت رئيس الحرس بيمينها ورفعت سجف الخيمة بيسارها وأومأت إلى ~~الملكة لتدخل. فوقف الرئيس حيران لا يدري ماذا يفعل، وكان الملك مضطجعا في سريره. وأمامه ~~السياف وهو قصير القامة غليظ الرقبة مكشوف الذراعين عليه ثوب من جلود الثيران ملطخ بالدماء، ~~وبيده سيف طويل يلوح الموت من نصله. فلما دخلت الملكة رآها الملك فأدار وجهه عنها مغتاظا، ~~ورفع الدثار حتى غطى كتفيه، وكان من جلود الأسود. فاضطربت في أمرها ولكن لم يخف عليها كيف ~~تسترضي زوجها، وهل يخفى ذلك على امرأة؟! فأسرعت إلى جانب سريره وانطرحت على ركبتيها ورمت ~~الوشاح على كتفيها، فبانت غدائرها الذهبية حول وجه كالبدر، وقبضت على يده بكلتي يديها وأحنت ~~رأسها عليها، وجعلت تقبلها وتسكب عليها العبرات. # فحلت الشمس برج الليث ساجدة # وزحزحت شفقا غطى سنى قمر # وخضبت يده من ورد وجنتها # وأمطرت لؤلؤا من نرجس نضر # فقال لها: «ما معنى هذا العمل يا برنغاريا؟» فقالت: «اصرف هذا الرجل (تريد به السياف) من ~~هنا؛ لأنني ارتعبت من منظره.» فقال له الملك: «ما يوقفك هنا؟! اذهب حالا.» فقال السياف: ~~«ماذا يأمر الملك أن نفعل بالجثة؟» فقال: «ادفنوها دفنا.» فخرج السياف والتفت الملك إلى ~~الملكة وقال لها: «ثم ماذا تطلبين؟» فلم تفه بكلمة. # وكان الملك ريكارد من المشهورين بحب الجمال المستعبدين لرباته، فنظر إلى زوجته فرأى وجه ~~ملاك منطرحا على يده، فرق لها قلبه، وأي رجل يرى وجها جميلا كوجه برنغاريا منطرحا على ~~يده يمزج القبلات بالدموع ولا يرق له ولا ينعطف إليه؟! فقبلها في جبينها، وقال لها: «ماذا ~~تطلبين يا مالكة فؤادي؟» فأجابته: «إني أطلب العفو يا مولاي.» فقال: «عمن تطلبين العفو؟» ~~فقالت: «أولا عن تجاسري على الدخول بدون أمرك.» فقال: «أتعدين دخولك تجاسرا؟! أويحق ~~للشمس أن تطلب العفو إذا دخلت أشعتها منازل الناس؟! ولكن لم يكن المحضر مناسبا لحضورك فيه، ~~ولا كنت أريد أن تخاطري بحياتك وتدخلي خيمتي وأنا مريض.» فقالت: «أراك ms068 قد شفيت من كرم ~~المولى.» فقال: «نعم ، قد شفيت وصرت قادرا أن أخطف روح كل من لا يقول إنك أجمل امرأة في ~~الدنيا.» فقالت: «إذن لا تبخل علي بحياة شخص واحد.» فعبس قليلا ثم قال: «حياة من؟» فقالت: ~~«حياة هذا الفارس الاسكتسي التعيس.» فقال لها: «إليك عنه يا امرأة، فلا بد من قتله الآن.» ~~فقالت: «سيدي وحبيبي، إن هي إلا قطعة من الحرير فأنا أنسج لك واحدة غيرها بيدي وأرصعها بكل ~~جوهرة من جواهري وأغسلها بدموع الشكر لكرمك.» فأوقفها عن الكلام وقال لها: «إنك لا تعلمين ~~ما تقولين، فإن كل جواهرك وكل جواهر المشرق لا تقابل ذرة من العار الذي لحق بشرف إنكلترا، ~~وكل دموع النساء لا تغسل العار الذي لحق بشرف زوجك، فاذهبي واعرفي قدر نفسك؛ فإننا نقضي ~~الآن أعمالا واجبة لا دخل للنساء فيها.» فقالت: «أسمعت يا جوليا؟! ألم أقل لك إننا نهيج ~~غضبه؟» # فتقدمت الأميرة جوليا وقالت: «أنا نسيبتك أيها الملك، أتوسل إليك أن تصغي إلى صوت العدل، ~~لا إلى صوت الرحمة، وصوت العدل تسمعه آذان الملوك في كل زمان ومكان.» # فقام الملك وجلس في سريره وهو يقول: «إن ابنة عمنا تتكلم كما يليق ببنات الملوك، وكما ~~يليق بالملوك نجيبها.» وكان في منظر الأميرة جوليا من الهيبة والجلال ما يدهش كل من ينظر ~~إليها، ولو كان ريكارد قلب الأسد. قال ذلك وتوقف عن الكلام رغما عنه. فقالت: «مولاي، إن ~~هذا الفارس الذي أنت عازم أن تسفك دمه قد حارب حرب الأبطال في هذا الجهاد، ولم يتغاض عن ~~واجباته إلا لأن شركا قويا نصب له ورسالة مزورة أرسلت إليه باسم فتاة - ولماذا أخفى ~~اسمها؟! - باسمي أنا، وأي فارس من فرساننا لا يفعل ما فعل من أجل فتاة في عروقها دم بلنتجنت، # 1 # وإن لم يكن فيها شيء تفتخر به غير ذلك؟!» # فعض الملك شفتيه من شدة الغيظ وقال: «أورأيته يا جوليا؟» فقالت: «نعم رأيته، ولم آت ~~إلى هنا لأبرر نفسي ولا لأستذنب غيري.» فقال: «وأين رأيته؟» فقالت: «في ms069 خيمة جلالة ~~الملكة.» # فصرخ الملك قائلا: «في خيمة الملكة؟! يا للوقاحة ويا للعار! إني قد رأيت وقاحة هذا ~~الفارس وطموح أبصاره إلى ما يعلو عنه علوا كبيرا، فغضضت الطرف وقلت هي الشمس فلا نحرمن ~~المخلوقات من نورها. أفتقابلينه في الليل في خيمة الملكة وتتجاسرين أن تقدمي ذلك عذرا له؟! ~~فوتربة أجدادي لأجعلنك تندبين هذا الفعل حياتك كلها في دير من أديرة الراهبات.» # فقالت: «مولاي، يهون علينا أن تصاب جسومنا وتسلم أعراض لنا وعقول. وأنا لم يمس شرفي ~~بشيء، ومولاتي الملكة قادرة أن تثبت ذلك إذا شاءت، ولكنني قد سبقت فقلت إنني لم آت لأبرر ~~نفسي ولا لأستذنب غيري، وإنما أطلب منك أن تعامل هذا الفارس بما ستطلب يوما ما أن تعامل به ~~في محكمة العدل الإلهي.» # فقال الملك: «أهذه جوليا بلنتجنت؟! أهذه جوليا الحكيمة النبيلة أو عشيقة تفتدي عشيقها ~~بحياتها؟!» # فقالت: «أتدعوه عشيقي؟! نعم، يحبني، ولكنه يحبني حب البشر للآلهة ولا يطمع بأكثر. أفيحكم ~~عليه بالموت من أجل ذلك؟! أهكذا يحكم على الأبطال الأمناء؟!» فالتفتت إليها الملكة وتوسلت ~~إليها أن تسكت. فقالت جوليا: «لا أقدر لا أقدر؛ فإن العذراء الطاهرة لا تخاف الأسد الكاسر. ~~لينفذ أمره في هذا الفارس، فجوليا التي يموت ذلك الفارس من أجلها تعرف كيف تبكيه وترثيه. ~~نعم إن اقتراني به لم يكن ممكنا ونحن في قيد الحياة؛ لما بيننا من البعد في المراتب، ولكن ~~الموت يساوي بين الرفيع والوضيع، فاحسبوني من الآن في عداد الأموات.» # وقبل أن تتم كلامها وقبل أن يجيبها الملك بكلمة دخل راهب من الرهبان الكرمليين وانطرح على ~~ركبتيه أمام الملك وهو يطلب منه أن يوقف الحكم. فأقسم الملك بالسيف والصولجان وقال: «قد ~~تآمر الإنس والجان على تسفيه رأيي! فعلام بقي هذا الفارس حيا إلى الآن؟ قل لي ماذا تريد ~~أيها الراهب؟» فقال: «قد باح لي هذا الفارس بسر خفي لا يمكنني أن أبوح به لأنني سمعته منه ~~بالاعتراف، ولكن أقسم لك بأعظم الأقسام إنني لو كاشفتك بهذا السر لاضطررت أن تحجب ~~دمه.» ms070 # فقال الملك: «أيها الأب المحترم، أنا أحترم الكنيسة مثلك كما تشهد هذه الأسلحة، فأطلعني ~~على هذا السر وأنا أتبصر في الأمر، وإلا فلا يمكن أن أصرف عن عزمي.» فطرح الراهب الرداء ~~عنه، فظهر من تحته رجل أنهكه الصوم والتقشف، وقال: «قد مضى علي عشرون سنة يا مولاي وأنا ~~أعذب جسدي وأقمعه في مغاير عين جدي من أجل ذنب واحد، فهل أكذب عليك وأهلك نفسي أو أفشي سر ~~الاعتراف وإفشاؤه من الكبائر؟!» # فقال الملك: «أأنت ناسك عين جدي؟ أأنت الرجل الذي بعث إليه مجمع الأمراء بهذا الفارس عن ~~غير علم مني لتخابر صلاح الدين في أمر الصلح؟ ليكن معلوما عندك وعندهم أنني لا أتقيد بقيد ~~الكرمليين، وإن شفاعتك بهذا الفارس تجبرني على التعجيل في سفك دمه.» # فقال الناسك: «احذر أيها الملك فإنك ستضرم نارا تود لو قطعت يدك ولم تضرمها. احذر أيها ~~الرجل العنيد.» # فصرخ الملك قائلا: «أتشرق الشمس ولا يقتل من أهين بسببه شرف إنكلترا؟! ليخرج كل أحد ~~من هنا وإلا فوحق ...» ولم يتم كلامه حتى سمع واحدا يقول: «قال كتابكم لا تحلفوا البتة.» ~~وإذا بالحكيم قد دخل الخيمة وسلم وجلس أمام الملك، فقال له الملك: «أظنك جئت لترى بما ~~نكافئك.» # فقال الحكيم: «قد جئت لأكلمك في أمر ذي بال.» فقال الملك: «هذه هي الملكة فانظر إليها ~~لترى من شفى زوجها.» فقال الحكيم: «لا يليق بنا معاشر المشارقة أن ننظر إلى الحصينات.» فقال ~~الملك: «لتنصرف الملكة إذن، ولتنصرف ابنة عمنا أيضا، وأنا قد أمرت أن يؤخر الحكم إلى ~~الظهر.» فخرجت الملكة والأميرة والجواري كأنهن مسوقات سوقا وأتين إلى خيمة الملكة، وكانت ~~أشدهن جزعا وأكثرهن بكاء، وأما الأميرة جوليا فلم تسكب دمعة ولم تفه بكلمة. فقالت إحدى ~~الجواري للأخرى: «قد ظلمناها بقولنا إنها تحبه، فليس في الأمر أكثر من أنها اغتاظت لأن هذه ~~المصيبة أصابته بسببها.» فقالت لها الأخرى: «اسكتي فإنها من آل بلنتجنت الأنوفين الذين ~~يتجرعون الموت ولا يشكون ضيما، ولكن الويل لنا فإننا قد أضرمنا هذه النار بقلة ~~عقلنا.» ms071 # | الفصل الثامن عشر # أين الرواية بل أين النجوم وما # صاغوه من زخرف فيها ومن كذب # تخرصا وأحاديثا ملفقة # ليست بنبع إذا عدت ولا غرب # لما خرجت الملكة وجواريها من خيمة الملك تبعهن الناسك كما يتبع الظل الشمس، والتفت إلى ~~الملك قبل أن يخرج من باب الخيمة وقال له: «ويل لمن يرفض مشورة الكنيسة ليصغي إلى مشورة ~~أعدائه! فسوف تجني ما جنت يدك.» # فقال الملك: «ليكن كما قلت.» ثم التفت إلى الحكيم وقال له: «أيتجاسر الدراويش على ملوككم ~~كما يتجاسر هؤلاء النساك علينا؟» فقال الحكيم: «الدراويش إما عقلاء وإما مجانين؛ ~~فالعقلاء يعرفون قدر الملوك، والمجانين لا عتب عليهم ولا ملام.» فقال الملك: «أظن أن صاحبنا ~~من النوع الأخير، ولكن ما لنا وله، هات قل لي ما هي طلبتك؟» فقال الحكيم: «ألا تذكر أني ~~نجيت نفسك من الموت؟» فقال: «وأظنك أتيت لتطلب نجاة نفس بنفس.» فقال: «نعم، أتيت لأطلب حجب ~~دم هذا الفارس الذي لم يغو إلا كما أغوي جدنا آدم عليه السلام.» فقال الملك: «أولا ~~تذكر أن آدم مات من أجل غوايته؟» قال ذلك وهو عابس، ثم أظهر البشاشة وقال: «يا للعجب! ماذا ~~جرى حتى اتفقت قوات الأرض وجاءتني تباعا تطلب نجاة هذا الفارس؟!» ثم ضحك حتى استلقى على ~~ظهره وكانت سورة الغيظ قد ابتدأت تنكسر من نفسه. فقال للحكيم: «إني أهبك مهما شئت من ~~الهبات، وأما هذا الرجل فقد حكم عليه بالموت ولن يرد الحكم.» فقال الحكيم: «ليس لي بالهبات ~~من أرب، ولا غرض لي إلا بهذا الفارس.» فقال الملك: «وما غرضك به؟» فقال: «إن الدواء الذي ~~شفاك هو طلسم نطبخه بالصوم ومراقبة الكواكب، ولا بد من أن نشفي به اثني عشر شخصا على الأقل ~~كل شهر، وإلا زالت منه قوة الشفاء وتعرض الطبيب والمريض الأخير الذي داواه به للموت في مدة ~~سنة، وأنا قد شفيت به أحد عشر شخصا هذا الشهر ونجيتهم من الموت، ولا بد لي من نجاة الشخص ~~الثاني عشر وإلا بطل فعله وتعرضت أنا وأنت للموت ms072 في سنة من الزمان.» # فقال الملك: «اخرج إلى المعسكر تر مئات من المرضى فاشف من شئت منهم. ومع هذا فلا أرى كيف ~~أن نجاة إنسان من القتل تعد شفاء وتكمل قصتك الملفقة.» فقال: «أتعلم كيف أن جرعة من الماء ~~البارد شفتك من الحمى المحرقة؟ فإن كنت لا تعلم ذلك فلا تنف أمورا لا تعلمها ولا تفهمها ~~ولا تعرض حياتك وحياتي للخطر.» فأجابه الملك قائلا: «لك أن تراقب النجوم والأفلاك وتلبس ~~أقوالك بما شئت من التوريات والاستعارات، أما أنا فلا أخاف من النجوم ولا أرهب من ~~الطلاسم. # والعلم في شهب الأرماح لامعة # بين الخميسين لا في السبعة الشهب # كما قال شاعركم.» فقال الحكيم: «إني لأعجب أيها الملك كيف تنكر فعل هذا الطلسم؟! بل كيف ~~تضن به على المرضى والمشرفين على الموت؟! أويصدق أن الملك الذي يذبح الناس بالألوف لا ~~يستطيع أن يحجب دم إنسان واحد؟! فكأن الله خلقك نقمة للعباد لا رحمة لهم! # فاغتاظ الملك من هذا الخطاب وقال للحكيم: «إنا اتخذناك طبيبا لنا لا مشيرا علينا، فلا ~~تتعرض لما لا يعنيك.» فرفع الحكيم صوته وقال: «أبهذا الجزاء يجازي ملوك الإفرنج من ينجي ~~حياتهم من الموت؟!» فاعلم أيها الملك أنني سأذيع اسمك في المشرق والمغرب، في قصور الملوك ~~وأكواخ الصعاليك وكل مكان يتغنى فيه الناس بمدح الأبطال والأقيال، وأبين لأهل الخافقين ~~إنكارك للجميل ومجازاتك الإحسان بالسيئات.» # فلما سمع الملك ريكارد هذا الخطاب طار عقله وقال له: «ألي تقول هذا الكلام؟!» وقام إليه ~~وهم بضربه. فقال له الحكيم: «اضرب لكي يتزكى وصفي لك بفعلك القبيح.» فأطرق الملك وجعل ~~يتمشى في خيمته ذهابا وإيابا وهو يتنفس الصعداء ثم التفت إلى الحكيم وقال له: «قد اخترت ~~جزاءك، فاذهب وخذ هذا الاسكتسي فقد وهبتك إياه، وليتك طلبت تاجي ولم تطلبه.» ثم أخذ قلما ~~وقرطاسا وكتب سطرين وسلمهما له وقال: «خذه وليكن عبدا لك، ولكن إياك وأن يرى وجهي.» فقال ~~الحكيم: «سمعا وطاعة.» وهم بالخروج فقال له الملك: «هل لك حاجة أخرى فنقضيها؟» فقال: «أطال ~~الله ms073 عمر الملك، فقد وفاني وأوفى.» ثم خرج فنظر إليه الملك وهو خارج وقال: «كيف نجا هذا ~~الفارس من العقاب الذي استحقه؟ ولكن لا ندامة في ذلك لأنه شجاع.» ثم نادى البارون ده فو، ~~فدخل ودخل معه الناسك المتقدم ذكره، فالتفت الملك إلى البارون وقال له: «اذهب حالا إلى ~~خيمة هذا الذي يسمونه دوق النمسا، وادخل عليه وهو في بلاطه وبين بطانته وأظهر له ما شئت من ~~الازدراء، وقل له إنه هو سرق العلم بيده أو بأمره، وعليه أن يرده إلى مكانه في ساعة من ~~الزمان ويكون حاضرا وقت نصبه هو وكل خواصه، مكشوفي الرءوس وليس عليهم شيء من حلل الشرف، ~~وعليه أن يركز على الجانب الواحد من العلم علم النمسا منكوسا مهانا، وعلى الجانب الآخر ~~رمحا عليه رأس المشير الأقرب إليه أو الذي ساعده في هذه الفعلة الشنعاء، وقل له إنه إذا ~~فعل كل ذلك ولم يخل بشيء منه قط سامحناه عما بقي من ذنوبه.» # فقال البارون ده فو: «وماذا أفعل إذا أنكر الدوق أنه سرق العلم أو أنه يعلم من سرقه؟» ~~فأجابه الملك: «قل له إننا نثبت ذلك في ميدان النزال ونفوض إليه أن يختار المكان والزمان ~~والأسلحة.» ولكن قبل أن يخرج ده فو اعترضه الناسك وقال: «إنني باسم الله تعالى وباسم الحبر ~~الأقدس رئيس الكنيسة على الأرض أحرم هذا العمل ولا أجيز لأميرين من أمراء النصارى قد تعاهدا ~~على المحبة والإخاء أن يتقاضيا إلى السيف، فارجع أيها الملك عن عزمك، واعلم أن حياتك في ~~خطر، وقد دنا الموت منك، وبعد الموت الدينونة!» فقال له الملك: «أيها الأب المحترم، أنتم ~~معشر خدمة الدين تغتاظون إذا تعدينا على حقوقكم الدينية، فأعطوا ما لقيصر لقيصر ولا تتعدوا ~~على حقوقنا.» فقال الناسك: «من أنا حتى أتعدى على حقوق الملوك؟! ولكنني أتوسل إليك على ~~ركبتي أن ترحم بلادك وترحم النصرانية كلها.» قال ذلك وركع أمامه على ركبتيه، فأنهضه الملك ~~بيديه وقال له: «لا يليق أن تركع أمام المخلوق بهاتين الركبتين اللتين تركع بهما ms074 أمام ~~الخالق، ومن هو هذا الدوق حتى أخاف على بلادي من أجله؟!» فقال الناسك: «نظرت في أبراج ~~السماء ورقبت مطالع الكواكب، فعلمت منها أن منيتك قد حانت، وأن العدو ظمآن لشرب ~~دمك!» # فتأفف الملك من هذا الكلام، وقال: ««تخرصا وأحاديثا ملفقة» وخرافات يعتقد بها عبدة ~~الأصنام، وما عهدي بالنصارى يرعونها سمعا، فما أظنك إلا مهولا.» فقال الناسك: «ما أنا من ~~أهل التهويل، وقد أبقى لي الله عقلا لأخدم به هذا الجهاد، فاسألني عن أمره ترني من أحكم ~~الحكماء، واسألني عن غيره ترني كأحد المجانين.» # فتأمل الملك في الأمر قليلا، ثم قال: «لا أرب لي بإيقاع الخلاف بين هذه الجنود، ولكن بم ~~يعوضون عما وقع بي من الإهانة؟» فأجابه الناسك قائلا: «هذا الذي أتيت لأجله مرسلا من مجمع ~~الأمراء الذي التأم الآن بأمر ملك فرنسا، فقد اتفقت آراؤهم على رد علم إنكلترا إلى الأكمة ~~التي كان عليها، وعقاب كل من اشترك في سرقته وإطعام لحمه لغربان السماء ووحوش ~~البرية.» # فقال الملك: «وماذا يفعلون بدوق النمسا وهو المتهم بهذا الفعل؟» فأجاب الناسك: «قد أجمعوا ~~على أن يبرر نفسه بما يرتئيه بطريرك أورشليم.» فتهلل وجه ريكارد وقال: «هذا حسبي أيها الأب ~~المحترم.» ثم جعل يتهكم على الدوق فانتهره الناسك، وقال له: «لا يليق بالملوك أن يغتاب ~~بعضهم بعضا، وإني لآسف جدا أن سيف النصرانية وعزها المشهود له بالحكمة والدراية، وهو في ~~ساعة الرضى يصير كالأسد الكاسر في ساعة الغيظ، الله يعلم ضعف البشر وهو راض عنك، وقد أجل ~~موتك إلى حين، ولكنك ستموت قتلا وتذهب بلا عقب ولا يندبك أحد من شعبك؛ لأنك أفنيتهم ~~بالحروب ولم تهتم براحتهم ورفاهتهم.» # فقال ريكارد: «ربما أموت بلا عقب، ولكن لا أموت بلا شهرة ولا بلا زوجة تبل تراب قبري ~~بالدموع، وهذا حسبي من الدنيا وبه أمتاز عليك.» فتأوه الناسك وقال: «هل تخفى علي محبة ~~الشهرة ولذة الحب؟! اعلم أيها الملك أني لست دونك حسبا ونسبا؛ فإني أنا ألبرك مرتمار سليل ~~لوزينيان وكدفراي.» # 1 # فقال ريكارد: «أأنت ms075 ألبرك مرتمار الذي ذاعت شهرته في الأقطار، فكيف سقطت من ~~أوج مجدك واحتجبت عن الأبصار؟» فقال الناسك: «أنا هو ذلك الكوكب الساقط، وسأميط لك الستار ~~عن ماضي حياتي، لعلي أنزع منك هذا العتو وأجعلك تتواضع أمام إلهك وكنيستك: إنني كنت شريف ~~النسب قوي الذراع سديد الرأي، وكان أشرف فتيات هذه البلاد وأعلاهن نسبا يتسابقن إلى ضفر ~~أكاليل الفخار لرأسي، ولكنني أحببت فتاة فقيرة لا حسب لها ولا نسب، فلما علم أبوها بذلك لم ~~ير لها ملجأ غير الدير، فربطها بنذور الرهبنة. وكنت غائبا في إحدى الغارات فرجعت ومعي ~~غنائم لا تقدر ولكنني لم أجد حبيبتي حيث تركتها! فخلعت عدة الحرب والجلاد ولبست ثوب ~~الرهبنة، ولم يطل علي الأمر حتى ارتفع مقامي بين الرهبان واشتهرت بالفضائل كما اشتهرت ~~بالبسالة، ثم عينت معرفا لدير من أديرة الراهبات فرأيت حبيبتي بينهن، ووسوس إلي الشيطان ~~فجئت أمرا فريا، فقتلت نفسها لتنجو من العار، فدفنتها في الكهف الذي أنا فيه؛ ومن ثم ~~إلى الآن أقمع جسدي وأعذبه، ولم يبق لي الله من العقل إلا ما أميز به تعاستي وشقاء حالي ~~وأحض به المسيحيين على الجهاد، فلا تشفق علي ولا ترث لحالي، بل اتعظ بأمري واعتبر بمثالي، ~~فإنك الآن في أوج المجد، فاطرح عنك كبرياءك وترفك وحبك لسفك الدماء، وإلا هبطت إلى حضيض ~~الذل.» # فاغتاظ ريكارد من هذا الكلام ولكنه تجلد وحوله إلى المزاح، وقال: «قد طرحت كبريائي ~~ووهبتها لرؤساء الكنيسة، وترفي ووهبته لرهبانها، وحبي لسفك الدماء ووهبته ~~للهيكليين.» # فقال الناسك: «إني أطلب من الله أن يفسح لك في الأجل سنة أخرى لترى فساد ظنونك وتتضع ~~أمام كنيسته.» ثم صرخ صرخة شديدة وخرج من الخيمة، وأقام ريكارد بعد خروجه يتأمل في كلامه ~~وفيما أنبأه به من دنو أجله وموته بلا عقب، ثم قال في نفسه: «إن هذا الناسك يراقب النجوم ~~ويعرف حوادث الغيب والاستقبال، فليتني سألته عن سارق العلم لعله يعرف من هو.» وحينئذ ~~دخل البارون ده فو وقال: «إن رئيس أساقفة صور بالباب، وهو يطلب ms076 الدخول على الملك ليكلمه في ~~قضية سرية.» # | الفصل التاسع عشر # وحسن ظنك بالأيام معجزة # فظن شرا وكن منها على وجل # وشأن صدقك عند الناس كذبهم # وهل يطابق معوج بمعتدل # إن كان ينجع شيء في ثباتهم # على العهود فسبق السيف للعذل # اختير رئيس أساقفة صور من بين كل الرؤساء للدخول على الملك ريكارد؛ لأنه كان رجلا جليلا ~~مهيبا، والمسألة ذات بال لا يجسر أحد أن يكلم ريكارد فيها غيره. فدخل عليه وأخبره الأخبار ~~التي قطعت آماله من استرجاع بيت المقدس بالسيف، ومما يناله من المجد والشهرة. وبين له أن ~~صلاح الدين جمع جيوشا لا يحصيها العد، وأن ملوك النصارى قد فترت همتهم وضعفت عزيمتهم، وفي ~~مقدمتهم فيليب ملك فرنسا الذي عزم أن يرجع إلى بلاده حالما يرى ملك الإنكليز قد تعافى، ~~واقتدى به أرل شمبانيا ودوق النمسا. فلا يبقى في دار الحرب إلا الملك ريكارد وبعض المتطوعة، ~~ويبقى أيضا مركيز منسرات ورئيس الهيكليين، وكل منهما يؤثر نفسه ويود أن يبقى في البلاد ~~وحده. فاغتاظ ريكارد في أول الأمر على جاري عادته، ولكنه رأى صدق كلام الأسقف وإخلاص نيته، ~~ولم يخف عليه الأسقف أن حدته (أي حدة ريكارد) كانت من أقوى الأسباب لتفريق كلمة الصليبيين. ~~فلما سمع ريكارد هذا الكلام لاحت على وجهه لوائح الكدر وانكساف البال، وقال لرئيس الأساقفة: ~~«إنني لا أنكر أيها الأب المحترم حدة طبعي، ولكن أنحرم من الفوز في هذه الحرب المجيدة من ~~أجل حدة إنسان واحد؟ لا وتربة أجدادي، فلأرفعن الصليب فوق أسوار أورشليم أو ترفعوه على ~~قبري.» # فقال الأسقف: «يمكنك أن ترفعه فوق أسوار أورشليم ولا تسفك نقطة من دمائنا، فإن صلاح الدين ~~قد وعد أن يسلمنا مدن الساحل ويبيح للجميع زيارة بيت المقدس، ويسمح لنا ببناء حصن متين فيه ~~ويلقبك حامية أورشليم.» # فاندهش ريكارد من هذا الكلام وقال: «أيلقبني حامية أورشليم؟! هذا هو الفوز بعينه! ولكن هل ~~تسميه فوزا إذا نلناه مكرهين وكلمتنا متفرقة؟ وهل يبقى صلاح الدين سلطانا على هذه ~~البلاد؟» فقال الأسقف: «نعم، ms077 يبقى قسيما لك في السلطنة إذا شئت أن تصاهره .» فقال ريكارد: ~~«بمن أصاهره؟ أأصاهره بجوليا بلنتجنت؟! أرأيت ذلك في حلم أم أخبرني به أحد؟» فقال الأسقف: ~~«أظن أن الناسك أخبرك به؛ لأنه لما رأى تفرق كلمتنا حاول بكل جهده أن يصالحنا مع صلاح الدين ~~ويجعل شروط الصلح مناسبة لنا.» # فقال ريكارد: «أيحل لنا أن نزوج نسيبتنا برجل من غير ملتنا؟» فقال الأسقف: «لا يكون ذلك ~~إلا بسماح من الحبر الأعظم.» ثم أخذ يخبره عن مصاهرة النصارى والمسلمين في بلاد الأندلس، ~~وعن الفوائد الجمة التي تصدر عن هذه المصاهرة، وجعل يطنب في مدح صلاح الدين، فقال ريكارد: ~~«لو تكلم أحد قبل الآن بهذا الكلام لقطعت رأسه في الحال، أما الآن فلا أرى سببا لامتناعي ~~عن مصاهرة ملك عادل شجاع كريم، يكرم عدوه إذا كان باسلا كما يكرم صديقه، على حين أرى رؤساء ~~النصارى يلتمسون الأسباب لهجر حلفائهم، فاسمح لي أيها الأب المحترم أن أحاول مرة أخرى لم ~~شعث هؤلاء الرؤساء وجمع كلمتهم، فإن نجحت نجحت، وإلا عدنا إلى هذا الحديث، فإنني لا أحب ~~هذه المصاهرة ولا أكرهها. والآن هيا بنا إلى مجمع الأمراء فترى اتضاع ريكارد ولين جانبه.» ~~قال ذلك ونادى خدمه ليعينوه على لبس ثيابه، ثم مضى مع رئيس الأساقفة إلى نادي الأمراء ~~فوجدهم مجتمعين ومنتظرين قدومه، وكانوا قد اغتنموا فرصة غيابه ونددوا بعيوبه كلها وبالغوا ~~فيها ما أمكنهم، واتفقوا على أن لا يحتفلوا به ولا يقوموا له، ولكن لم تطأ رجله باب الخيمة ~~التي كانوا مجتمعين فيها، حتى نهض ملك فرنسا ودوق النمسا إجلالا له، ونهض معهم جميع الحضور ~~وصرخوا: «ليحي ملك إنكلترا، ليحي قلب الأسد.» فتهلل وجهه وحياهم بالسلام، وقال: «أيها ~~الأمراء والرؤساء، أتوسل إليكم أن تسمحوا لي ببضع دقائق أكلمكم فيها بما يخص شخصي الحقير.» ~~ولما قال ذلك سكت الجميع سكوتا تاما فقال: «أيها الأمراء والرؤساء الكرام، أنتم تعلمون ~~أن ريكارد الواقف أمامكم رجل حرب حاد الطباع، يده تسبق لسانه، ولسانه لا يعرف التبجيل، ~~فلا تبطلوا هذا ms078 الجهاد المجيد بسبب ما ترونه منه من الخفة والنزق ، ولا تتركوا هذا الشرف ~~الأثيل بسبب ما ترونه فيه من الخطأ وحدة الطباع، وإن كنت قد أسأت إلى أحد منكم فأطلب منه ~~المعذرة والصفح. هل أسأت إليك أيها الملك فيليب؟» قال ذلك ومد يده لملك فرنسا فأجابه: «كلا ~~أيها الأخ، فأنا لم أعزم أن أترك هذا الجهاد إلا لأن أحوال مملكتي تضطرني إلى ذلك.» ثم مد ~~له يده وتصافحا. فتقدم ريكارد نحو دوق النمسا، وقال: «أنت حاقد علي أيها الدوق وأنا حاقد ~~عليك، فلنرفع الأحقاد من بيننا ونتصالح ونتصاف، ونكن يدا واحدة في هذا الجهاد المجيد، وإن ~~كنت قد أخذت علمي فرده إلى مكانه وأنا أعتذر إليك عما صدر مني في ساعة غيظي.» فوقف الدوق ~~أمامه صامتا مطرقا إلى الأرض كأنه لا يستطيع الكلام، وحينئذ تقدم رئيس أساقفة أورشليم، ~~وقال: «إن الدوق قد أنكر هذه التهمة بأعظم الأقسام.» فقال ريكارد: «إذن قد أخطأنا باتهامه ~~ولذلك نلتمس منه الصفح.» قال ذلك ومد له يده لكي يصافحه، فلم يمد الدوق يده! فقال ريكارد: ~~«أيبخل علينا الدوق بالمصافحة في هذا النادي كما بخل علينا بالمناجزة في ميدان النزال؟ ~~ولكننا نغض الطرف عن ذلك ونعد هذه الإهانة جزاء لما بدا منا في حقه ونحن في حدة الغيظ.» ~~ثم حول وجهه عنه والتفت إلى باقي الحضور، ونادى أرل شمبانيا ومركيز منسرات ورئيس ~~الهيكليين، وقال: «هل أسأت إليكم بشيء فأكفر عن ذنبي؟» # فقام مركيز منسرات وقال: «دعواي عليك أنك تحرمنا نحن إخوانك كل ما نستحق من الشهرة.» ثم ~~وقف رئيس الهيكليين وقال: «إن دعواي أعظم من دعوى مركيز منسرات، وقد تقولون إنه لا يليق ~~بي أن أتقدم غيري في هذا المحفل الحافل بالأمراء والرؤساء وأبين ما لنا من الشكاوى على هذا ~~الملك، ولكن قد اشتدت الأزمة فيجب أن نبين له في حضرته ما نقوله في غيبته؛ إننا نعجب ببسالة ~~ملك إنكلترا ونباهي بها، ولكننا نستاء جدا حينما نراه يغتنم كل فرصة لإظهار سيادته علينا ~~كأننا من بعض ms079 أتباعه، فنحن من تلقاء أنفسنا نقر له بالبسالة والغيرة والثروة والقوة ونخضع ~~له في أمور كثيرة، ولكنه إذا اضطرنا إلى ذلك اضطرارا انحططنا في عيون رجالنا من رتبة ~~المحالفين لهذا الملك إلى رتبة التابعين الخاضعين له، وزالت سلطتنا عنهم وثلت عروشنا. ~~وقد طلب منا أن نصدقه الخبر، فلا أظنه يستاء إذا قام واحد مثلي قد ترك أمجاد الدنيا وكل ~~سلطة زمنية، إلا فيما يعود إلى رفع شأن هيكل الله وأجابه إلى ما طلب، لا سيما وأن ما تكلمت ~~به يصدق له كل أحد من هؤلاء الحضور.» # فثار الدم إلى رأس الملك ريكارد حينما سمع الرئيس يتكلم بهذا الكلام، فاحمرت وجنتاه وتقطب ~~حاجباه وتطاير الشرر من عينيه، ولا سيما حينما رأى الجميع يظهرون علامات الاستحسان، فقال في ~~نفسه: «إذا أجبته جواب الغيظ والانتقام كما يستحق خطابه أنلته مبتغاه فأثبت علي دعواه.» ~~فتربص قليلا حتى هدأ روعه ثم رفع يده وقال: «أحقيق أن إخواننا مغتاظون منا لأجل ما يرونه ~~فينا من حدة الطبع، ومؤاخذونا بهفواتنا التي تصدر منا، إما لشدة غيرتنا وإما لخشونة طباعنا؟ ~~فلم يخطر على بالي أن هذه الهفوات التي تصدر مني عن غير قصد رديء تقع هذا الموقع في عيون ~~حلفائي، فيرتدون عن هذا الجهاد المجيد بسببي ويرجعون عن أورشليم بعد أن فتحت سيوفهم ~~الطريق إليها، بل كنت واثقا أن حسناتي تزيد على سيئاتي لأني إن كنت أول من يخرج إلى القتال ~~فأنا آخر من يرجع عنه، وإن كنت أهتم برفع علمي على الأماكن التي نتغلب عليها فأنا أترك ~~الغنائم كلها لغيري، وإن كنت أتشبث برأيي في إجراء أمر من الأمور، فأنا أول من يجريه بدمه ~~ودم رجاله، وإن كنت آمر جنود غيري عند الضرورة كما آمر جنودي، فأنا أعاملهم كما أعامل جنودي ~~حينما أقسم عليهم الأطعمة والأدوية التي لا يقدر رؤساؤهم أن يبتاعوها لهم، وإني لأخجل من ~~تذكيركم بهذه الأمور، ولكن الشيء بالشيء يذكر فلننس الماضي ونهتم بالاستقبال، فسأردع نفسي ~~وأخمد عنفواني حتى لا أكون عثرة في هذا ms080 الطريق المجيد الذي يجبركم دينكم وشرفكم أن تسيروا ~~فيه ، فخير لي أن أموت موتا من أن تكون هفواتي وسقطاتي سببا لحل هذا الارتباط المجيد ~~وتفريق هؤلاء الأمراء العظام، والله يشهد أني عن طيب نفس أتنازل عن كل حقوقي، بل عن قيادة ~~رجالي ونخضع جميعا لأمر من تعينونه قائدا علينا، وإن كنتم قد مللتم حمل السلاح وسئمت ~~نفوسكم من تواصل الحروب فأبقوا معي عشرة آلاف من جنودكم، ومتى تغلبنا على مدينة صهيون لا ~~نكتب على بابها اسم ريكارد، بل أسماء الأمراء الذين أبقوا جنودهم معه ...» # فلم يتم كلامه حتى دبت الحمية في نفوس الحاضرين وتصوروا الغرض الذي جاءوا لأجله، فصرخوا ~~قائلين: «هيا بنا قلب الأسد لا يقودنا غيرك في هذا الجهاد، هيا بنا إلى أورشليم، هيا بنا ~~إلى أورشليم، هذه هي مشيئة الله.» وامتد النداء إلى الحرس ومنهم إلى الجنود وانتشر في كل ~~المحلة، فلم تكن تسمع إلا كلمة «هيا بنا إلى أورشليم، هذه مشيئة الله.» ولم يعد أحد يتكلم ~~في مجمع الأمراء إلا فيما يتعلق بالحرب والزحف على أورشليم حالما تنتهي الهدنة. والمخالفون ~~لذلك لم يجسروا أن يقولوا الخلاف، ثم انفض المحفل على أن يستعدوا للحرب. # وخرج مركيز منسرات ورئيس الهيكليين ومشيا معا، فقال المركيز: «طالما قلت لك إن أشراكك ~~يقطعها ريكارد كأنها خيوط العنكبوت. انظر كيف ينقاد إليه هؤلاء المجانين ويتقلبون مع ~~الأهواء كأنهم ريشة بمهب الرياح.» فقال المركيز: «نعم، ولكن الريح تهجع فيقف الريش ولا ~~يتحرك.» فقال الرئيس: «وهب أنهم انحلوا من الآن، فالأرجح أن ريكارد يصير ملكا على القدس ~~ويتهادن مع صلاح الدين على الشروط التي يريدها.» فأجابه المركيز: «أتظن أن ريكارد يصاهر ~~صلاح الدين؟ ذلك محال؛ ولذلك سعيت فيه لإغاظة الفريقين؛ لأن أخذ ريكارد للبلاد بالسلم يضر ~~بنا مثل أخذه لها بالسيف.» فقال الرئيس: «لم تصب المحز على ما فهمت من رئيس الأساقفة؛ لأن ~~ريكارد ميال إلى المصاهرة، وكذا سرقة العلم لم تجد نفعا، فإن كانت هذه جعبة حيلك فقد ~~فرغت. ولكن أتعرف أحدا من الخوارج؟» ms081 فقال: «كلا، ولكنني أعرف أنهم من الغلاة في الإباحية .» ~~فقال الرئيس: «أنا أعرف واحدا منهم قد نذر أن يريح الدنيا من هذا الملك، وهو الآن في قبضة ~~يدي.» فقال المركيز: «نعم نعم نعم، والخطب جسيم، ولكن للضرورة أحكام.» فقال الرئيس: «قد ~~أفشيت لك هذا السر لتكون على حذر؛ لأن هؤلاء الإنكليز سيهيجون ويموجون.» # | الفصل العشرون # كم سمعنا بل رأينا أسدا # صاده طرف المهى المكتحل # لما رأى ريكارد أنه نال بغيته وألف بين قلوب الصليبيين حتى وطدوا عزائمهم على مداومة ~~القتال، عزم أن يصلح ما وقع في بيته من الخلل، ويستقصي أخبار علمه المفقود، فأرسل البارون ~~ده فو ليحضر له السيدة كالستا، وهي الأولى بين نساء الملكة، فلما بلغ خيمة الملكة وأخبرها ~~بأمر الملك اضطربت، وقالت للملكة: «ماذا أقول له يا مولاتي؟» فقال لها البارون: «لا تخافي ~~أيتها السيدة؛ لأن الملك قد حجب دم الفارس ووهبه للحكيم، فلا يمكن أن يعامل السيدات ~~بالقسوة.» وأما الملكة فقالت لها: «اخترعي له قصة من عند نفسك ولا تخبريه بشيء مما جرى.» ~~فاعترضتها الأميرة جوليا وقالت: «قصي عليه القصة كما جرت تماما وإلا قصصتها أنا عليه.» ~~فقال البارون: «العفو منك أيتها الملكة، أنا أرى أن الأميرة جوليا مصيبة فيما قالت؛ فإن ~~الملك وإن صدق كل ما تقولينه أنت له لا يصدق كل ما يقوله غيرك.» فقالت السيدة كالستا: «قد ~~أصاب البارون، فإني لو قدرت على تلفيق القصة، لما تجاسرت أن أقصها عليه.» ثم ذهبت مع ~~البارون وأخبرت الملك بكل ما جرى، وألقت اللوم على الملكة. وكانت سؤرة الغضب قد زالت من رأس ~~ريكارد كما تقدم، فقال لها: «اذهبي وقولي لمولاتك إنني سأزورها بعد قليل.» فعادت إلى الملكة ~~وقالت لها: «إن الملك سيتظاهر بالغيظ في أول الأمر حتى يراك تخضعين بين يديه وتطلبين ~~السماح، وحينئذ يسامحنا كلنا.» فقالت لها الملكة: «كم ظبية تنجو وصياد يقع! فسيجد ريكارد ~~غير ما ينتظر.» ثم لبست أفخر حللها وجلست تنتظره، فأتى وفي نيته أنه داخل على قوم مذنبين ~~ليؤدبهم أو ms082 ليسمع استرحامهم، فإذا الملكة قد استقبلته باللوم والعتاب وقالت له إنها لم تأمر ~~القزم ليأتي بالفارس إلى خيمتها، ولا حسبت أنه يحدث شيء مما حدث. ثم جعلت تعنفه لأنه بخل ~~عليها بحياة إنسان واحد استحق العقاب بسببها، وكانت تبكي وتسكب العبرات وتقول له: «لو بقيت ~~على عزمك وقتلت هذا الفارس لنغصت عيشي حياتي بطولها، وبقي خياله يترصدني في منامي وقيامي، ~~فلا أفهم كيف تدعي بمحبتي ولا تعفو عن رجل واحد يورثني عقابه التعاسة والشقاء كل أيامي.» ~~وكانت تتكلم وتبكي من كبد حرى، فاحتار الملك وحاول أن يقنعها بالأدلة فلم يجد منها إلا ~~اللوم والتعنيف، فدارت الدائرة عليه واضطر أن يدافع عن نفسه ويطيب خاطرها بقوله إن الفارس ~~لم يزل حيا وإنه وهبه للطبيب العربي فهو عنده بمأمن من المرض أيضا، ولما قال لها ذلك زاد ~~بكاؤها ونحيبها، وقالت له: «إنك أكرمت هذا الطبيب وهو من أعدائنا أكثر مما أكرمتني وأنا ~~زوجتك!» فقال لها: «اسمعي يا برنغاريا، إن هذا الطبيب قد نجاني من الموت، فإن كان لحياتي ~~قيمة عندك فلا تستعظمي عليه هذه الهبة التي لم يقبل سواها.» ولما قال ذلك وجدت أنها بلغت ~~غايتها وأن الزيادة تفريط، فقالت: «أحسنت يا حبيبي.» فاصطلحا وألقيا اللوم كله على القزم ~~فنفياه من بلاطهما، وأجمع رأيهما على إهدائه هو وزوجته إلى السلطان صلاح الدين مع الهدية ~~التي كان ريكارد عازما على إرسالها له لنواله الشفاء عن يد طبيبه. # وبقي على ريكارد أن يقابل الأميرة جوليا في ذلك اليوم، فاستعد لتعنيفها الشديد، ولكنه لم ~~يخفه كما خاف تعنيف زوجته، فدخل خيمتها وكانت بجانب خيمة الملكة، وجلس بجانبها ثم قال: ~~«إن ابنة عمنا جوليا غاضبة علينا ولا عجب، فنحن لا ننكر أننا انقدنا كرها عنا إلى اتهامها ~~بأمر مخالف لما نعهده فيها، ولكننا ما دمنا في هذه الدنيا فنحن عرضة للخطأ، أفلا تسامحين ~~نسيبك ريكارد على ما فرط منه في حدة غيظه؟» فقالت: «من لا يسامح ريكارد إذا كان الملك ~~يسامحه؟!» فقال لها: «طيبي نفسا وقري ms083 عينا، وانزعي هذا البرقع الأسود، فقد بلغك أنه لا ~~داعي لحزنك، فعلام تلبسين ثوب الحداد؟» قالت: «إني حزينة على شرف بلنتجنت الذي زال، وعلى ~~المجد الذي زايل بيت أبي.» فعبس وجعل يردد هذه الكلمات، وهي: «الشرف الذي زال، المجد الذي ~~زايل بيت أبي.» ثم قال: «أخبريني يابنة العم بم أخطأت؟» فقالت: «إن ابن بلنتجنت إما أن ~~يعاقب أو يسامح ولا يليق به أن يستعبد رجلا مسيحيا حرا وفارسا شجاعا باسلا، ويهبه ~~لأعدائه عبدا، فلو قتلته لكان قتله قساوة، ولكن عليه صورة العدل، أما استعباده على هذه ~~الصورة فهو الظلم بعينه.» # فقال: «إذا كنت من اللواتي يعددن الحبيب المفارق كالميت، فإننا نرسل في طلبه فيحضر في أقل ~~من لمحة عين، فنستقصي البحث لعلنا نجد سببا يوجب موته لا نفيه.» فاحمر وجه الأميرة جوليا ~~وقالت له: «إليك عن هذا المزاح المذموم، واعلم أنك حرمت معسكر الصليب فارسا من فرسانه ~~ومنحته لأعدائنا، وفتحت لأهل الظنون والأغراض بابا ليقولوا: «إن ريكارد قلب الأسد قد نفى ~~هذا الفارس من معسكره خوفا من أن يقاسمه الشهرة!»» فصرخ ريكارد قائلا: «ألي تقولين هذا ~~القول؟! أأنا أغار من أحد؟! ليته كان هنا الآن حتى أطرح تاجي وصولجاني وألاقيه في ميدان ~~النزال، وأريك أن ريكارد بلنتجنت لا يخاف مخلوقا ولا يغار من إنسان، هذا ليس رأيك في فلا ~~يكن غيظك أو حزنك أو فقد حبيبك سببا لسوء ظنك في نسيبك.» فقالت له: «أتسميه حبيبي؟! نعم، ~~إنه كان يحبني وقد ضحى حياته ليثبت حبه لي، وأنا على ضعفي كنت له نورا يرشده في سبيل ~~البسالة والمجد، على أن كل من يقول إني نسيت منزلتي أو أنه تعدى حدود منزلته فقوله باطل، ~~ولو كان الملك نفسه.» فقال لها: «لا تنسبي إلي يا عزيزتي أقوالا لم أقلها، فإني لم أقل إنك ~~أكرمت هذا الفارس أكثر مما يستحقه هو أو غيره منك أو من أية أميرة كانت، ولكني أعلم كيف ~~يبتدئ الحب، ولكن لا فائدة من الكلام مع فتاة تظن نفسها أحكم من ms084 كل الناس.» ثم استأذن منها ~~وخرج. # وبعد أربعة أيام من ذهاب السر وليم عبدا مع الحكيم العربي جلس الملك ريكارد في خيمته ~~يتبصر في أمر الزحف على أورشليم، وكان الجنود يهتمون بإصلاح أسلحتهم وبيطرة خيولهم ~~والاستعداد لعرض الجيوش في الغد. وكان الملك قد أرسل البارون ده فو إلى عسقلان ليأتيه ~~بالمدد والميرة، وفيما هو يصغي إلى أصوات الجنود دخل واحد من الفرسان وقال: «أيها الملك، إن ~~بالباب رسولا من صلاح الدين.» فقال: «علي به.» فأدخله الفارس وإذا هو عبد أسود طويل ~~القامة مهيب الطلعة حسن الملامح، لا تظهر عليه سمة الزنوج مع أنه أسود مثلهم، وهو معتم ~~بعمامة بيضاء ولابس ثوبا من جلد النمر يصل إلى ركبته، وموشح بوشاح أبيض وساعداه عاريان، ~~ومعه كلب كبير يقوده بسلسلة من ذهب! فلما صار أمام الملك سجد وعفر، ثم ركع على إحدى ركبتيه ~~وناول الملك منديلا من الحرير، ففتحه وإذا فيه رسالة من السلطان صلاح الدين يقول فيها: # بسم الله الرحمن الرحيم # من صلاح الدين ملك الملوك إلى ريكارد ملك الإنكتار، سلام على من اتبع الهدى، أما ~~بعد، فقد علمنا من كتابك أنك فضلت الحرب على السلم والعداوة على الصداقة، فسينصرنا ~~الله ونبيه عليك ونريك بفساد رأيك. وفيما بقي فأنت مكرم عندنا معزز، وهداياك وقعت ~~منا موقعا حسنا، ولا سيما القزمان اللذان بعثتهما إلينا، وقد بعثنا إليك الآن ~~عبدا نوبيا صادق الخدمة حسن الرأي يستطيع أن يعبر عما في ذهنه بالإشارة؛ لأن ~~الله سبحانه قد أعدمه النطق، فاقبله منا واستعن به على أمرك، ونحن نسأله تعالى أن ~~يهديك إلى السراط المستقيم أو يجمعنا بك في ميدان القتال. # فقرأ الملك ريكارد الرسالة، ثم التفت إلى العبد وتأمله فأعجبه منظره جدا، فقال له: ~~«أوثني أنت؟» فرفع العبد رأسه ورسم رسم الصليب على وجهه، فقال الملك: «إذن أنت مسيحي، فهل ~~تعرف أن تجلو السلاح؟» فأشار العبد بالإيجاب، وقام إلى سلاح الملك وأنزله عن عمود الخيمة ~~وأشار إلى كيفية جلائه. فقال له الملك: «أحسنت، وستبقى في خيمتي ms085 إكراما لمن أرسلك لي.» ~~فسجد العبد ثانية وعفر ثم نهض ووقف بعيدا عن الملك، فقال له الملك: «اشرع من الآن في جلاء ~~هذا الترس واصقله حتى يصير كالمرآة.» فأنزل الترس وجلس يجلوه، وحينئذ دخل السر هنري نفيل ~~وقال: «أتت التحارير من إنكلترا يا مولاي.» فأخذ الملك رزمة التحارير وفتحها وقال: «أواه! ~~هل يعلمون المخاطر المحيقة بملكهم؟!» ثم قال لنفيل: «اخرج الآن لأني أحب أن أقرأ هذه وحدي.» ~~فخرج وجعل الملك يقرأ عن اختلاف أخويه يوحنا وجوفري، وشبوب الحروب الأهلية في البلاد، وكان ~~يقابل الأخبار بعضها ببعض ليرى ما بينها من المطابقة والمخالفة وهو بقرب باب الخيمة، وقد ~~أمر برفع السجف عنه ليتمتع بالنسيم، وكان العبد جالسا وراءه يجلو السلاح ويصقله، وقد جلا ~~ترسا كبيرا كان الملك يحمله عند الهجوم على الحصون، وليس عليه رنك ولا رسوم فلا يمتاز به ~~الملك عن غيره من آحاد الجند، وأتقن العبد جلاءه حتى صار صقيلا كالمرآة. # وفيما كان الملك يقرأ المكاتيب ويتأمل فيها وأفكاره مضطربة بالحوادث التي حدثت في مملكته، ~~دخل المخيم أحد المشعوذين بثياب أخلاق فرآه الجنود ولم يستغربوا أمره؛ لأن كثيرين من اليهود ~~والأقباط والأتراك والمغنين والمشعوذين كانوا يدخلون المعسكر كل يوم، فاجتمع حوله نفر من ~~الحرس وطلبوا منه أن يرقص وتهددوه بالضرب إن لم يجب طلبهم، فجعل يطفر على الأرض ويرقص وهو ~~يتنقل من جهة إلى أخرى حتى دنا من خيمة الملك وصار على نحو أربعين خطوة منها، وحينئذ طفر ~~طفرات شديدة ووقع على الأرض مغمى عليه، فاجتمع الجنود حوله وقال أحدهم: «اسقوه ماء وإلا ~~مات.» فقال الآخر: «هاتوا النبيذ لنسقيه.» فقال الأول: «أنا أراهنك أنه لا يشرب النبيذ ولو ~~مات.» فقال آخر: «هاتوا القرن فإننا نسقيه كما نسقي الخيل.» وفتحوا فمه برأس الخنجر وأدخلوا ~~طرف القرن فيه وسقوه كوبة كبيرة دفعة واحدة، فشربها ثم تنهد طويلا، وقال: «الله كريم.» ~~فقهقهوا قهقهة نبهت الملك، فالتفت إليهم وانتهرهم فخافوا وجعلوا يختفون من وجهه، ولكنه عاد ~~إلى قراءة المكاتيب فعادوا إلى المشعوذ وحاولوا ms086 إنهاضه عن الأرض فلم ينهض، فحاولوا جره فكان ~~يمانعهم ويئن ويغط، ثم التفت الملك إليهم ثانية فتركوا المشعوذ واختفوا فبقي المشعوذ في ~~مكانه. # | الفصل الحادي والعشرون # تقدم أن الملك ريكارد كان جالسا في خيمته عند بابها، يقرأ المكاتيب التي وردت عليه من ~~بلاده، والعبد النوبي جالسا وراءه يجلو الترس الكبير، والمشعوذ نائما أو متناوما أمام ~~باب الخيمة، والحرس والجند لاهين بألعابهم التي كانوا يلعبون بها صامتين؛ لئلا يسمعهم ~~الملك، فرأى العبد في الترس الذي صار صقيلا كالمرآة صورة المشعوذ يرفع رأسه ويتلصص، ثم ~~يزحف نحو خيمة الملك زحفا بطيئا لا ينتبه إليه، ثم يسكن ويرفع رأسه ويتلصص ويزحف قليلا، ~~فرابه ذلك وقال في نفسه: «لا بد من غرض قبيح لهذا الرجل!» فاستعد له. # ولما صار المشعوذ على نحو عشر خطوات من باب الخيمة نهض على رجليه ووثب على الملك، كأنه ~~الأسد الضاري، وأخرج خنجرا من كمه وهم بطعنه، فرآه العبد حينما وثب فوثب أيضا وقبض على ~~يده التي فيها الخنجر، فحول المشعوذ يده وطعن العبد به في ذراعه، فقبض العبد عليه وجلد به ~~الأرض، فالتفت الملك ورأى ما حدث فنهض قائما ورفع الكرسي الذي كان جالسا عليه، وضرب به ~~رأس المشعوذ ففقصه فقصا، ثم نادى بالحراس فركضوا حالا إلى الخيمة، فقال لهم: «أهذا شأن ~~حراس الملك؟» فجعلوا يتعوذون بالله، فقال لهم: «اخرسوا وسدوا أفواهكم، ألم تروا قتيلا قبل ~~الآن؟! أخرجوا هذه الجثة من هنا واقطعوا رأسها وارفعوه على رمح، وأما أنت يا صديقي الأسود ... ~~ما هذا؟! أجرحت بهذا الخنجر المسموم؟ فلا بد أن يكون هذا الخنجر مسموما وإلا ما هجم به هذا ~~الكلب على الأسد.» ثم التفت إلى من حوله وقال: «مصوا له السم من الجرح؛ فإن السم لا يفعل ~~بالفم.» فنظر الحراس بعضهم إلى بعض مندهشين فقال الملك: «ما لكم؟ أتخافون من الموت؟!» فقال ~~له أحدهم: «إني لا أخاف من الموت، ولكنني لا أريد أن أموت مسموما من أجل عبد أسود يباع في ~~السوق كما يباع رأس البقر.» وقال ms087 آخران: «جلالته يأمرنا بمص السم كأنه أكلة طيبة!» فقال ~~الملك: «إني لا أطلب من أحد أن يفعل ما لا أفعله أنا.» قال ذلك وقبض على ذراع العبد غصبا ~~عنه وعن ممانعة الحاضرين، وجعل يمص الدم بفمه، ولكنه لم يشرع بمصه حتى تملص العبد منه ولف ~~يده بطرف وشاحه وأشار برأسه ويديه وعينيه إشارات كثيرة تدل على الممانعة، وتقدم أحد الحراس ~~أيضا وقال إنه مستعد أن يمص كل نقطة من دم العبد، بل أن يأكله أكلا ولا يدع الملك يمص ~~نقطة أخرى من دمه. # وحينئذ دخل السر هنري نفيل وشدد اللوم على الملك، فانتهره الملك وقال له: «إن الجرح طفيف ~~وما هو إلا خمش صغير فلا خطر منه.» وكأنه خجل من تنازله إلى هذا الحد، فقال لنفيل: «أنا لم ~~أفعل ذلك إلا لأقنع هؤلاء الجهال الجبناء أن مص السم من الجراح لا يضر، وأنه إذا أصيب أحدهم ~~بسهم مسموم فعليهم أن يمصوا السم بفمهم من جرحه فيشفى. والآن خذ هذا العبد وأبقه عندك واحرص ~~عليه، فقد تغير فكري في شأنه، واعتن به ولا تضيق عليه، بل أطلق له الحرية في خيامك، ولكن ~~لا تدعه يخرج منها. وأنتم أيها الحراس النهماء ارجعوا إلى أماكنكم ولا تحسبوا أنفسكم في ~~بلادكم حيث لا يؤخذ أحد بالغدر، بل تمشي العداوة في نور النهار كما تمشي الصداقة. اذهبوا ~~وافتحوا عيونكم وآذانكم وإلا قطعت جرايتكم وأمتكم جوعا.» فخرج الحراس وجعل نفيل يلوم ~~الملك لأنه لم يعاقبهم على تغاضيهم، فانتهره الملك وقال له: «أتريد أن أهتم بأمر جرى ضد ~~شخصي أكثر مما اهتممت بأمر جرى ضد علم إنكلترا وشرفها؟! فقد سرق علم إنكلترا وأهين شرفها ~~وحتى الآن لم نفعل شيئا، وهؤلاء العرب يقولون: # لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى # حتى يراق على جوانبه الدم» # ثم التفت إلى العبد وقال له: «إن السلطان يقول إنك خبير بكشف الغوامض والأسرار، فإن كنت ~~تكشف السارق أعطيك ثقلك ذهبا، فما قولك؟» # فحاول العبد النطق وكأنه عجز عنه، فأحنى رأسه كمن يقول: «نعم، ms088 أقدر أن أكشفه.» فتهلل وجه ~~الملك وقال: «أتقدر أن تكشف السارق؟» فأشار العبد بالإيجاب. فقال الملك: «ولكن كيف نفهم ~~مرادك؟ أتقدر على الكتابة؟» فأشار العبد بالإيجاب أيضا، فقال الملك: «أعطوه دواة ~~وقرطاسا.» فقال نفيل: «إن هذا الرجل ساحر، والسحرة يستخدمهم الشيطان لزرع الزوان بين ~~الحنطة.» فانتهره الملك وقال له: «قد عثرت على واسطة أزيل بها العار عن إنكلترا، فهل تمنعني ~~من استخدامها؟!» وكان العبد قد أخذ القرطاس وكتب عليه باللغة الإفرنسية لا باللغة العامة ~~الكلام الآتي: # إلى ريكارد ملك إنكلترا الذي لا يقهر # الخفايا ضمن صناديق مقفلة، ولكن الحكمة تجد مفاتيحها، فلو وقف هذا العبد ومر ~~أمامه جميع جنود الصليبيين بالترتيب وكان السارق معهم لعرفه ولو كان متبرقعا بسبعة ~~براقع! # فلما قرأ الملك الكتابة قال لنفيل: «قد أسأت الظن في هذا الرجل، والآن أنت تعلم أن جميع ~~الصليبيين سيمرون غدا ويحيون العلم الجديد، ولا بد من أن يكون السارق معهم، وإلا فغيابه ~~عنهم كاف لإشهاره، فإذا عرفه هذا العبد من بينهم فالله ينصف بيني وبينه.» # فقال نفيل: «انتبه يا مولاي إلى ما تفعل، فقد اجتمعت كلمتنا مرة أخرى على غير انتظارنا، ~~فهل تفتح بإشارة من هذا العبد الأسود جراحا لم تندمل حتى الآن؟ أوتستخدم اجتماع أحلافنا ~~ومرورهم أمام علمنا لكي يعوضوا عما لحق بنا من الإهانة واسطة لتفريق كلمتنا وإحياء أسباب ~~الخلاف القديمة؟ وأنا لم أجسر على هذا القول إلا لأن محاولة إيجاد السارق تخالف العهد الذي ~~تعهدت به أمام مجمع الأمراء.» فاعترضه الملك وقال له: «أخطأت يا نفيل، فإنني لم أعد أحدا ~~بالكف عن السعي في إيجاد من أهان شرفي. والأولى بي أن أتخلى عن مملكتي، بل عن حياتي، من أن ~~أعد هذا الوعد، وكل ما قلته يعود إلى هذا القول، وهو إذا كان دوق النمسا يقوم ويعترف بأنه ~~سرق العلم أو له دخل في سرقته، فأنا أسامحه من أجل هذا الجهاد.» فقال نفيل: «وما أدرانا أن ~~هذا العبد لا يخدعنا؟» فقال الملك: «أنت تظن نفسك أحكم الحكماء، والحال ms089 أنك من أجهل الجهال! ~~خذ هذا العبد كما قلت لك واحترس عليه فإنه فوق ما تظن.» ثم التفت إلى العبد وقال له: «كن ~~مستعدا لتتميم ما وعدت به وتمن علينا بعد ذلك ما شئت.» فأخذ العبد ورقة وكتب فيها: ~~«ليس للعبد أن يتمنى إذا فعل ما أمره به مولاه؛ إذ لا ثواب على الواجب.» فأخذ الملك الورقة ~~وقرأها ووقف على قوله: «لا ثواب.» وقال: «هذا من اصطلاحات الفرسان الخصوصية، فحقا إن ~~هؤلاء المشارقة أمهر الناس في تعلم اللغات!» # | الفصل الثاني والعشرون # نعود الآن إلى ما كان من أمر الحكيم والسر وليم الذي وهب له عبدا فنقول: تبع العبد مولاه ~~الحكيم إلى خيامه كمن وقع عن شاهق فتحطم وبقي فيه من الحياة رمق يزحف به إلى بيته. فلم يلبث ~~أن وصل إلى خيام مولاه الجديد حتى طرح نفسه على الأرض وجعل يبكي ويتأوه. وكان الحكيم قد أمر ~~رجاله أن يتأهبوا للرحيل قبل الفجر، فلما سمعه يبكي جلس إليه وأخذ يعزيه ويطيب قلبه، وقال ~~له: «اسمع ما قال الشاعر: # وما في سطوة الأرباب عيب # ولا في ذلة العبدان عار # وما أنت بخير من يوسف بن يعقوب - عليهما السلام - وقد بيع للعزيز عبدا، ولا أنا ممن ~~يعامل الناس بالجفاء.» فأراد السر وليم أن يشكره فخنقته العبرات واعتقل لسانه عن الكلام، ~~فتركه الحكيم ودخل الخيمة وجلس، فقدموا له الطعام فأكل، ثم أمر أن يقدموه للسر وليم فأبى أن ~~يأكل. وقبل بزوغ الفجر قام الخدم ورفعوا الخيام وحملوها على الجمال، ثم أيقظوه وأيقظوا ~~الحكيم وقدموا لهما فرسين مسرجين، فركب الحكيم على فرسه وأشار إلى السر وليم أن يركب ~~الثانية، وساروا جميعا يتقدمهم الحرس الإنكليزي خوفا من أن يتعرض لهم أحد في أثناء مسيرهم ~~في المعسكر. فلما خرجوا من المعسكر سار اثنان من فرسان الحكيم في المقدمة واثنان في الساقة؛ ~~لكي لا يباغتهم عدو في الطريق. وكان السر وليم يلتفت إلى خيام الصليبيين والقمر مشرق عليها ~~ويودعها بالعبرات الغزار فالتفت إليه الحكيم وقال: ~~«تصبر للعواقب وانتظرها ms090 # فأنت من العواقب في اثنتين # تريحك بالمنى أو بالمنايا # فإن الموت إحدى الراحتين» # فقال الفارس في نفسه: «يا حبذا الموت!» ولكنه لم يجب الحكيم بشيء خوفا من إطالة الوعظ ~~والإنذار، فلما رأى الحكيم منه ذلك نادى واحدا من رجاله وقال له: «قص علينا قصة تخفف عنا ~~مشقة السرى.» وكان هذا الرجل راوية من مشاهير الرواة، فجعل يقص النوادر وينشد الأشعار إلى ~~أن بدت غرة الصباح، فنزل الحكيم ورجاله وصلوا الصبح والفارس ينظر إليهم ويتعجب من شدة ~~تدينهم وورعهم، ثم ركبوا وجدوا السير إلى أن بلغوا أرضا كثيرة الحزون والآكام، فرأوا عن ~~بعد غبارا قد سد الآفاق، ومن تحته كوكبة من الفرسان قد أطلقوا الأعنة وأشرعوا الأسنة، ~~فنادى الحكيم رجاله قائلا: «كونوا على حذر.» فقال له السر وليم: «علام تخاف هؤلاء الفرسان ~~ونحن الآن في هدنة؟!» فقال: «إن هؤلاء من فرسان الهيكليين الذين لا عهد لهم ولا ذمام، فإن ~~الأسد ريكارد والنسر فيليب يعفوان عند المقدرة، ودب الألمان ينام إذا شبع، وأما هؤلاء ~~الذئاب فلا يعفون عن شيء ولا يشبعون، وقد جاءوا الآن ليقطعوا عنا طريق الماء، ولكن خاب ~~مسعاهم وساء فألهم، وأوردهم القضاء والقدر حتفهم، فهيا بنا نقابلهم بالسيف والقنا.» فقال ~~السر وليم: «أما أنا فليس لي في منازلتهم أرب؛ لأنني قد أقسمت بالله أن لا أحارب أحدا من ~~جنود النصارى.» فقال له الحكيم: «إن لهم في قتلك الغرض الأول لكي لا تشهد بنكثهم لعهد ~~الهدنة، هذا ونحن لم تجر لنا عادة أن نجبر أحدا على الحنث بيمينه، فاذهب مع الجمال والعبيد ~~إلى لحف تلك الأكمة، وأنا أقابل هؤلاء الأنذال بفرساني وسينصرنا الله عليهم ونتبعكم بعد ~~قليل.» فسار السر وليم مع العبيد والجمال وهو يقول: «إن هؤلاء الهيكليين لا يستحقون أن ترعى ~~لهم حرمة؛ لأنهم لم يرعوا حرمة الهدنة.» # أما الحكيم فتفرق هو وفرسانه وأحاطوا بالهيكليين إحاطة الهالة بالقمر أو الأكمام بالثمر، ~~وابتدروهم برمي النبال فانهالت عليهم انهيال السيل، وكان الهيكليون بالخوذ والمغافر والدروع ~~والسراويل والقفافيز والجراميق، وكلها من ذكر ms091 الحديد والزرد النضيد. وكانت دروع الزرد مسبغة ~~على خيولهم أيضا حتى كنت ترى الفارس وفرسه فتحسبهما قطعة واحدة من الحديد. ثم بوق واحد ~~منهم فاجتمعوا تحت لوائهم وهجموا على جنود الحكيم هجمة تزحزح الجبال، فالتقاهم الحكيم ~~وجنوده بالبيض الصفاح، وكانت بينهم ساعة تشيب الأطفال وتقصر الآجال، هذا والحكيم يصرخ ~~في رجاله ويحرضهم على القتال إلى أن كل الفريقان من الكر والفر. ثم بوق الهيكليون ثانية ~~فاجتمعوا كلهم تحت لوائهم وأقاموا ساعة يتداولون وكأنهم ندموا على ما فعلوا أو رأوا أنهم ~~أخطئوا الغرض، فألووا أعنة خيولهم وساروا الهوينا وتركوا قتلاهم وقتلى عدوهم في ساحة ~~القتال. فنادى الحكيم رجاله وقال: «ادفنوا قتلاكم واجمعوا سلب أعدائكم وسيروا بنا في إثر ~~الجمال.» فقيدوا الجرحى، وجمعوا أسلاب القتلى، وساروا على أثر الجمال إلى أن وصلوا إلى ~~غور الأردن، فوجدوها عند الينبوع الذي نزل السر وليم عنده لما كان ذاهبا إلى عين جدي، فركض ~~العبيد للقاء مولاهم وهنأوه بالسلامة وأخذوا فرسه وحلوا حزامها، وكان السر وليم واقفا ~~بجانب الينبوع والدموع ملء عينيه فالتفت إليه الحكيم وقال: ~~«هي شدة يأتي الرخاء عقيبها # وأسى يبشر بالسرور العاجل # فقد دنونا من منازلنا وسترى فيها ما تحب وتشتهي.» فحاول السر وليم أن يشكره على إحسانه ~~فمنعته العبرات والزفرات عن الكلام. ثم صلى الحكيم ورجاله صلاة الظهر وأكلوا ما حضر من ~~الزاد وقدموا للسر وليم فلم يأكل ولم يشرب. فقام إليه الحكيم وجس نبضه فقال: «أراك متعبا ~~ومحتاجا إلى الراحة.» ثم أخرج حنجرا وصب منه في كأس من الماء وسقاه، فلم يكن إلا برهة ~~قصيرة حتى وقع عليه سبات عميق. # | الفصل الثالث والعشرون # وإذا نظرت فإن بؤسا زائلا # للمرء خير من نعيم زائل # لما استيقظ السر وليم من نومه وجد نفسه في ثياب الحرير على فراش الإستبرق، وحول سريره ~~كلة تكاد لا ترى لدقة نسجها تقيه من البعوض الذي أنحل جسمه وحرمه النوم منذ مجيئه إلى ~~بلاد الشام، فظن نفسه في حلم وجعل يغمض عينيه ويفتحهما ليرى أفي يقظة هو أم ms092 في منام، ثم نهض ~~من السرير ليلبس ثيابه وعدته ، فلم يجد أمامه إلا كساء شرقيا وسيفا هنديا، فقال في ~~نفسه: «ما هذه إلا وسائط يستعملها هذا الحكيم لكي يغريني بالإسلامية، ولكن ما كنت لأفعل ولو ~~ملكني الهند والسند.» وفيما هو يتأمل في هذا الأمر إذا بالحكيم يناديه ويقول: «هل من مانع ~~من الدخول؟» فقال: «أهلا بسيدي الحكيم.» فقال الحكيم: «وإن كنت آتيك بصورة غير صورة ~~الحكيم؟» فقال: «أهلا بك، كيفما أتيت.» فدخل الحكيم وإذا به الأمير شيركوه الكردي الذي ~~حاربه ثم صافاه ورافقه إلى عين جدي. فقال السر وليم في نفسه: «ما هذا إلا حلم!» وجعل يتفرس ~~في الحكيم متعجبا من أمره. فقال الحكيم: «أتعجب من مهارتي في صناعة الطب وأنا من فرسان ~~الحرب؟! أولا تعلم أن رجل الحرب يجب أن تكون له مشاركة بفن الطب أيضا؟ أوتتعجب من تقلب ~~الإنسان بتقلب الأحوال؟ أولا تعلم أن الظواهر قد لا تدل على البواطن؟» فقال: «صدقت، فها ~~أنا في الظاهر خائن وفي الباطن أصدق مقيم على العهد والولاء.» فقال الحكيم: «وهذا هو ~~اعتقادي فيك، ولذلك سعيت في نجاتك لأني آكلتك وشاربتك عند الناسك. ولماذا أراك الآن قلقا؟ ~~ألا تستحسن هذا اللباس؟» فقال: «بلى أستحسنه، إن لم يقصد به تحويلي عن مذهبي.» فقال له ~~الحكيم: «إني لأعجب من سوء ظنك فينا، أتظن أننا نجلب الناس إلى ديننا بالرشوة؟! أولا تعلم ~~أن من لم يهده الله فليس له من هاد، وأن الذين يدينون بديننا من قومكم طمعا في أموالنا ~~يصليهم الله عذاب السعير؟! فالبس هذه الثياب حتى إذا جلست في معسكر صلاح الدين لا يتعرض لك ~~أحد.» # فقال: «وكيف يمكنني أن أجول في المعسكر وأنا عبد مقيد؟» فقال: «معاذ الله أن نستعبد الرجل ~~الذي ناجزنا في ميدان النزال!» فقال السر وليم: «بالله عليك أيها الأمير الجليل لا ترني ~~سبيلا للعتق تأباه نفسي الأبية.» فقال الحكيم: «وما قولك في سبيل يزيل عنك العار ويرد لك ~~الشرف؟ وذلك بكشف اللص الذي سرق العلم، فإني قادر أن ms093 أمكنك من ذلك إذا أطعتني.» فقال ~~الفارس: «يا مولاي ، أنا مقتنع بحكمتك وكرم أخلاقك، فأعدك بالطاعة التامة في كل ما تأمرني ~~به، إلا فيما يمس معتقدي.» فقال: «إن كان الأمر كذلك فاسمع ما أقول: إن كلبك قد شفي الآن.» ~~فقال الفارس: «كفى، فقد فهمت مرادك.» فقال الحكيم: «وهل في المحلة أحد يعرفه؟» فقال الفارس: ~~«كلا، لأنني لما سرق العلم وعلمت أن لا نجاة لي من الموت أطلقت خادمي وأرسلتهما إلى ~~بلادي. ولكن أنا معروف في المحلة جيدا.» فقال الحكيم: «سأغير لونكما حتى لا يعرفكما ~~أحد.» # | الفصل الرابع والعشرون # «يؤذي القليل من اللئام بطبعه» # كالكأس تكدر بالقذى فنعيفها # ولكم رأينا البغي فرق بين أن # صار فصارت كالهباء صفوفها # قد علم القارئ مما تقدم من هو هذا العبد الأسود، وما غرضه من الوقوف بجانب قلب الأسد على ~~الأكمة التي سرق عنها العلم الإنكليزي. فإن الملك ريكارد نصب خدرا لزوجته وابنة عمه ~~وجواريهما على الأكمة، ووقف هو وأمراء مملكته في عرضها وبجانبه أخوه وليم أرل سلسبري الملقب ~~بالسيف الطويل، وهو رافع العلم الجديد وأمامهم الجيوش الصليبية تتموج في عرض ذلك البر كأنها ~~البحر العجاج، وفي صدر كل جيش رئيسه والأعلام والبنود تخفق فوق رأسه وهم يسيرون الهوينا ~~أمام تلك الأكمة، وكلما دنا منها رئيس من الرؤساء يتقدم نحو الملك ريكارد ويحييه ويحيي ~~العلم الإنكليزي الجديد ثم يسير مع جيشه ولسان الحال يقول: # تمضي المواكب والأبصار شاخصة # منها إلى الملك الميمون طالعه # وكان الغرض من عرض الجيوش على هذه الصورة إرضاء الملك ريكارد، والتعويض عن الإهانة التي ~~لحقت بشرف إنكلترا، وهذا ارتآه الأمراء من تلقاء أنفسهم ورضي به الملك ريكارد، فلم تكن ترى ~~إلا خيولا صاهلة ورماحا بارقة، وأعلاما خافقة وفرسانا غائصين في الزرد والحديد. # مبرقعي خيلهم بالبيض متخذي # هام الكماة على أرماحهم عذبا # إن المنية لو لاقتهم وقفت # خرقاء تتهم الإقدام والهربا # فيناديهم لسان الحال ويقول: # أبني العوالي السمهرية والسيو # ف المشرفية والعديد الأكثر # من منكم الملك المطاع كأنه # تحت السوابغ تبع في ms094 حمير # فيجيبه لسان حالهم قائلا: # القائد الخيل العناق شوازبا # خزرا إلى لحظ السنان الأخزر # قلب الأسد المفدى، ذلك هو قائدنا وإمامنا إذا التطم القنا بالقنا، وفيما سوى ذلك فلكل ~~فريق ملك أو أمير له يخضع وبأمره يصدع. # وكان الملك ريكارد راكبا على جواد مطهم وعلى رأسه تاج مرصع بالدر والجوهر وهو يرد التحية ~~للقواد على حسب رتبهم، ويلتفت إلى العلم الخافق فوق رأسه كأنه يقول: «إن هذه التحية لك وأنا ~~أردها عنك.» وكلما مر قائد من القواد الذين يظن فيهم السوء يلتفت إلى العبد والكلب. ولما مر ~~ملك فرنسا ووقف مقابل الأكمة وهم بصعودها لاقاه ريكارد فالتقيا في منتصف الطريق التي ~~بينهما وتصافحها، فضجت العساكر كلها بأصوات الفرح والحبور، ثم مر فرسان الهيكليين وتحتهم ~~الخيول العربية تخطر كالعرائس، وفي مقدمتهم رئيسهم العظيم، فنظر إلى الملك ريكارد ورفع يده ~~وباركه؛ لأنه من رؤساء الدين، ثم مر دوق النمسا فالتفت الملك إلى العبد، وقال له: «كن على ~~حذر ودع الكلب يراه جيدا.» فلم يبد الكلب حراكا، ثم تقدم مركيز منسرات، وكان قد قسم ~~جنوده إلى ثلاث فرق وركب في فرقة منها وعليه حلل مزخرفة بالذهب والفضة ومرصعة بالحجارة ~~الكريمة، وبجانبه رجل شيخ محلوق اللحية والشاربين، لا أثر للعظمة عليه مع أن مقامه رفيع ~~جدا، فقد كان مرسلا من قبل البنادقة لمراقبة أحوال المركيز، فلما دنا المركيز من الملك ~~ريكارد مشى الملك نحوه خطوتين أو ثلاثا ليلاقيه وقال له: «أرى خيالك يتبعك حيثما ذهبت.» ~~فتبسم وفتح فاه ليجاوب الملك، ولكن قبل أن ينطق بكلمة هجم الكلب عليه كالأسد الضاري وأمسك ~~بخناقه ورماه على الأرض. فالتفت الملك إلى العبد وقال: «قد أصاب كلبك المحز، فأبعده عن ~~هذا الخائن لئلا يقتله.» فبذل العبد كل قوته حتى أبعد الكلب عنه، فأسرع كثيرون من قادة ~~الجيش إلى المركيز ورفعوه عن التراب وهم يقولون: «قطعوا العبد والكلب تقطيعا.» فنادى ~~الملك ريكارد بأعلى صوته وقال: «كل من يلمس العبد أو الكلب يموت موتا. وأنت يا مركيز ~~منسرات رجل خائن ms095 فاستعد للمحاكمة.» فقال المركيز: «ما هذا الصنيع؟ وما هذا الاحتقار؟ أهذه ~~هي العهود التي عاهدتنا بها بالأمس؟!» ثم تقدم رئيس الهيكليين وقال: «هل صار ملوك الصليبيين ~~أرانب حتى يصطادهم ملك الإنكليز بالكلاب؟» وتقدم ملك فرنسا وقال: «لا بد من خطأ فيما حدث.» ~~فقال رئيس أساقفة صور: «أرى أن هذه مكيدة من العدو، فيجب أن نقتل الكلب ونعذب العبد.» ~~فقال ريكارد: «كل من يمسهما موتا يموت. وأنت يا مركيز، قف وأنكر إن استطعت ما يدعي عليك ~~به هذا الحيوان الأبكم، وهو أنك أهنت شرف إنكلترا وحاولت قتل هذا الحيوان.» فقال المركيز: ~~«إني لم ألمس علم إنكلترا بيدي.» فقال الملك: «وما أدراك أني أردت علم إنكلترا؟! ولكن ~~أنت تعرف جريمتك وهي التي قادتك إلى القول بما قلت.» وكان الشغب قد اشتد، فنادى ملك فرنسا ~~وقال: «أيها الأمراء والأشراف، احقنوا دماء عباد الله واصرفوا جنودكم إلى أماكنها، ونحن ~~نجتمع في نادينا ونتذاكر في هذا الأمر.» فقال ريكارد: «كنت أحب أن نستنطق هذا الخائن وهو ~~معفر بالتراب، ولكن ليكن كما قلت أيها الملك.» وحينئذ ضربت الأبواق واجتمع كل فريق حول ~~قائده وانصرفوا إلى أماكنهم، وهم نادمون على ما اعتقدوه في ريكارد من الشهامة ومضمرون له ~~السوء. # وانعقد نادي الأمراء ودخل المركيز بعد أن غير أثوابه التي كانت عليه، ودخل معه دوق النمسا ~~ورئيس الاسبتارية وغيرهم من الرؤساء كأنهم منتصرون له، ثم دخل ريكارد وهو بالثياب التي كان ~~راكبا بها ونظر إلى الرؤساء المحيطين بالمركيز نظر الازدراء وادعى عليه بأنه سرق علم ~~إنكلترا، وجرح الكلب الذي كان يحميه. فقام المركيز وأنكر هذه التهمة، وكان ملك فرنسا جالسا ~~في مجلس القضاء، فقال مخاطبا ملك إنكلترا: «أيها الأخ، إن هذه الدعوى غريبة لم يسمع ~~بمثلها، وأنت قد بنيت حكمك على الظن وعلى هجوم الكلب على المركيز، فلا يليق بنا أن نكذب قول ~~أمير ونصدق هذا الحيوان الأعجم!» فأجابه الملك ريكارد قائلا: «لا يغرب عن فطنتك أيها الأخ ~~أن الله القدير قد منح الكلب طبيعة لا تعرف الخداع، ms096 فهو يذكر العدو والصديق والسيئة ~~والإحسان، ويماثل الإنسان في الفطنة ولا يماثله في الخداع. فقد يمكنك أن ترشي الإنسان حتى ~~يقتل سيده والقاضي حتى يعوج قضاءه، ولكن لا يمكنك أن ترشي الكلب حتى يسيء إلى من أحسن ~~إليه. ألبس هذا المركيز ما شئت من الحلل، وادهن وجهه بما شئت من الأدهان، وأخفه بين ~~مئات من الناس، وأنا أراهنك على تاجي وصولجاني أن الكلب يعرفه من بينهم ويعامله كما عامله ~~على الأكمة، وهذه الحادثة ليست نادرة على غرابتها، فقد اتخذت شهادة الكلب دليلا كافيا ~~على إثبات التهمة على القتلة واللصوص، وحدث شيء من ذلك في بلادك أيها الملك، وتبارز الناس ~~مع الكلب، وإني أؤكد لك أن الجماد نفسه قد يكون كافيا لكشف الجرائم وإثباتها.» # فقال الملك فيليب: «نعم، جرى ذلك في أيام أحد أسلافنا حينما كان الناس يتحاربون بالعصي، ~~أما الآن فلا يليق بنا أن نجعل أميرا يرمي سيفه ورمحه وينازل كلبا بالعصا.» فقال الملك ~~ريكارد: «وأنا أيضا لا أرضى أن أخاطر بحياة هذا الكلب الأمين ولكن هو ذا قفازنا # 1 # فنحن ندعوه للمبارزة معنا والله ينصر المحق منا، ولا أظنك تحسب أننا غير كفء ~~لمبارزة مركيز.» ولما قال ذلك طرح قفازه في وسط النادي، فقال ملك فرنسا: «أنا لا أسلم أن ~~ملكا ينازل مركيزا، لا سيما وأنت أيها الملك سيفنا وترسنا.» وقال سفير البنادقة: «وأنا لا ~~أسلم لملك إنكلترا بمبارزة أحد قبلما يدفع لنا الخمسين ألف دينار التي استدانها منا فحسبنا ~~أننا خاطرنا بأموالنا وأبحنا له أن يبارز الأعداء.» وقال أرل سلسبري: «وأنا لا أدع أخي ~~يبارز هذا المركيز، فاسترد قفازك أيها الأخ وأنا أرمي قفازي مكانه.» وحينئذ نهض المركيز ~~وقال: «أيها الأمراء والأشراف، ليكن معلوما عندكم أنني لا أرتضي بمبارزة الملك ريكارد؛ ~~لأننا قد اخترناه قائدا لنا، ولكن إذا كانت ذمته تطاوعه على طلبي إلى المبارزة فلا أراني ~~ملوما إذا أجبته إلى ذلك، فأنا مستعد أن أبارز أيا كان من أخيه فنازلا.» فقال رئيس ~~أساقفة صور: «أصاب المركيز فيما ms097 قال؛ لأنه إذا انتهى الأمر على هذه الصورة لا يمس شرف ~~أحد.» فقال ملك فرنسا: «نعم، إذا أصر الملك ريكارد على شكواه.» فقال الملك ريكارد: «قد ~~ادعيت على هذا المركيز أنه سرق علمي في جنح الدجى وأنا واثق بصدق دعواي وسأعين من يبارزه.» ~~ثم التفت إلى أخيه وقال له: «أما أنت يا وليم فلا تجرد سيفك بدون إذننا.» # فلما رأى ملك فرنسا أن الأمر تم على هذه الصورة قال: «إذن أنا أحكم أن تفصل هذه الدعوة ~~بالمبارزة بين هذا المركيز والفارس الذي يعينه الملك ريكارد، وأعين اليوم الخامس من هذا ~~اليوم لهذه المبارزة، ولكن لا أعلم أين نعين مكان ميدان المبارزة؛ لأنني لا أريد أن يكون ~~بقرب المعسكر خوفا من أمر يحدث.» فقال ريكارد: «أنا أرى أن نطلب من السلطان صلاح الدين أن ~~يعين لنا مكانا عنده، ولا أظنه إلا مجيبا طلبنا.» فقال الملك فيليب: «ليكن كما قلت، ~~وسنرسل ونخبر صلاح الدين بذلك، ولو لم يحسن بنا أن نطلع أعداءنا على ما بيننا من الاختلاف. ~~والآن أفض هذا المحفل وأطلب منكم جميعا أن لا تقلقوا لهذا الأمر، ولا تقلقوا به أفكار ~~جنودكم، بل تطلبوا من الله تعالى أن يقضي بين المتخاصمين بما يشاء.» فصرخ الجميع: «آمين.» ~~وحينئذ أسر رئيس الهيكليين إلى المركيز قائلا: «أمستعد أنت للمبارزة؟» فقال: «نعم، ولا ~~أخاف أحدا إلا ريكارد وحده.» فقال الرئيس: «إن هذا الكلب قد نفعنا في تفريق كلمة هؤلاء ~~الناس أكثر من كل دسائسك ومن خنجر الخارجي، فإني أرى فيليب مسرورا والدوق يكاد يطير فرحا ~~وهو يدنو منا.» ولما اقترب منهما قال له الرئيس: «قد ثغرنا أسوار أورشليم.» فضحك وقال: ~~«نعم، وعما قليل يعود كل منا إلى بلاده إن شاء الله، ولكن ليبق ذلك سرا بيننا. وأنت أيها ~~المركيز كان الأجدر بك أن تنازل ريكارد؛ لأنك أمهر منه بالرمح، وأنا لم أتأخر عن منازلته ~~إلا لأن مصلحة الجهاد تمنع من منازلة أميرين مالكين.» # | الفصل الخامس والعشرون # وبعد يومين اجتمع الملك فيليب بالملك ريكارد وأثنى ms098 على همته وإقدامه، ثم أخبره أنه عازم ~~على الرجوع إلى بلاده، وأراه لائحة من دوق النمسا وغيره من الأمراء يعلنون فيها عزمهم على ~~ترك الجهاد، وينسبون ذلك إلى ما رأوه في الملك ريكارد من الاستبداد والحدة، فحزن ريكارد ~~حزنا شديدا ولم يتمالك عن البكاء، ولكن سبق السيف العذل. ولما عاد إلى خيامه وجد أن ~~السلطان صلاح الدين قد بعث إليه رسولا يخبره أنه عين مكان المبارزة في غور الأردن بقرب درة ~~القفر، وأنه ينتظر قدوم ريكارد وخصمه إلى هناك، وجرى الاتفاق على أن يركب الملك ريكارد ~~وأخوه أرل سلسبري الملقب بالسيف الطويل ومعهم مائة فارس، ويركب المركيز ودوق النمسا ورئيس ~~الهيكليين ومعهم مائة فارس إلى غور الأردن، ويسير كل فريق في طريق ويلاقيهم الملك صلاح ~~الدين بخمسمائة فارس فيتبارز المركيز والفارس الذي يعينه الملك ريكارد. # فركب الملك ريكارد بفرسانه وأخذ معه زوجته وابنة عمه الأميرة جوليا، وجدوا المسير إلى أن ~~صاروا على مقربة من درة القفر، وقبل أن ينكشف لهم المكان رأوا فارسا على أكمة من الآكام ~~يترصد قدومهم، فلما رآهم أطلق العنان لجواده فعدا به كالبرق، وكان البارون ده فو راكبا ~~بجانب الملك فقال له: «ألا تسمح لي يا مولاي أن أتقدم وأرى ما وراء هذه الآكام؟ لأن أمر هذا ~~الفارس قد رابني وما أدرانا أن صلاح الدين لا يغدر بنا في هذا القفر.» فقال: «كلا، وتقدمك ~~لا يدفع مكروها ولا يغني فتيلا.» وبعد قليل أشرفوا على المكان المعد لنزولهم، فرأوا فيه ~~خياما مضروبة وفرسانا واقفين بجانب خيولهم، ثم رأوهم اجتمعوا وركبوا وأطلقوا الأعنة، ~~فارتفع العثير حتى حجبهم عن الأبصار. # ولم يكن إلا القليل حتى رأوهم حولهم يلعبون برماحهم ألعابا تحير العقول، ويرمونهم ~~بالسهام، فوقع سهم على هودج الملكة فصرخت صرخة عظيمة، وسمع الملك صراخها ونادى برجاله: ~~«كونوا على حذر.» وكان هودج الأميرة جوليا بالقرب منه، فقبضت على سهم من السهام وقالت له: ~~«انظر أيها الملك إن سهامهم لا رءوس لها!» فأقسم وقال: «لقد غلبتنا كلنا. فانظروا يا ~~رجالي، ms099 إن السهام بلا رءوس والرماح بلا سنان فسيروا الهوينا لئلا يروا اضطرابنا فيضحكوا ~~بنا.» # ولما اقتربوا من المحلة اجتمع هؤلاء الفرسان في صف واحد وساروا وراء فرسان الملك ريكارد، ~~ثم خرج للقائهم كتيبة أخرى من الفرسان بالأسلحة المذهبة والخيول المطهمة، وكلهم في عنفوان ~~الشباب، فلما التقوا بفرسان الملك ريكارد اصطفوا صفين، فاجتاز بينهم هو وفرسانه، وكان قد ~~سار في مقدمتهم؛ لأنه علم أن السلطان قد خرج لاستقباله، ولم يكن إلا القليل حتى التقى هذان ~~الملكان العظيمان، فترجلا وتصافحا، وكان السلطان لابسا أثوابا عاطلة من الزينة والزخرفة، ~~وإنما كان في عمامته ريشة فيها الجوهرة الشهيرة المسماة بحر النور، وفي يده خاتم يساوي كل ~~جواهر ريكارد وفي قبضة خنجره جوهرة نادرة المثال، ولما ترجلا ترجلت كل الفرسان ومشوا في ~~خدمتهما. # وترحب السلطان بالملك ريكارد وعين خياما مخصوصة لنزول الملكة برنغاريا ورفيقاتها، وأرسل ~~الخصيان لحراستهن، ثم التفت فرأى سيف الملك ريكارد طويلا عريضا، فقال له: «لو لم أر لمعان ~~هذا السيف في ميدان القتال ما صدقت أنه يمكن لإنسان أن يرفعه بيديه، فهل لك أن تريني فعلك ~~به؟» فقال: «حبا وكرامة.» ثم تناول لتا من الحديد من أحد الحضور ووضعه على خشبة فقال له ~~البارون ده فو بالإنكليزية: «انتبه يا مولاي إلى ما أنت فاعل، فإنك لم تسترد عافيتك بعد ~~المرض، فلا تحاول ضرب هذا اللت؛ لئلا تشمت العدو بنا.» فانتهره ريكارد، ثم استل سيفه وضرب ~~اللت فبراه بري القلم. فتعوذ السلطان من هول تلك الضربة، ونظر إلى يد الملك الضخمة وقابلها ~~بيده النحيفة، فقال ده فو بالإنكليزية: «ألا تخجل أن تقابل يدك بيد الأسد؟!» فقال له الملك: ~~«اخرس، فلعله يفهم ما تقول.» فقال السلطان: «إنني لا أستطيع أن أضرب بسيفك، ولكن أستطيع ~~شيئا آخر ربما تحب أن تراه.» وأمر فأتي بوسادة محشوة بريش النعام. فقال للملك: «أتقدر أن ~~تقطع هذه الوسادة قطعتين بسيفك؟» فقال الملك: «كلا، وأي سيف يقطع ما لا مقاومة له؟!» فقال: ~~«انظر.» ثم استل سيفه وضرب الوسادة فقطعها شطرين، ms100 فتقدم البارون ده فو وأمسك الشطرين بيده ~~وقال: «هذا هو السحر بعينه!» وكأن السلطان فهم مقاله فأخذ منديلا دقيق النسج جدا وبسطه ~~على حد السيف، ثم رفع السيف وجره فقص المنديل قطعتين، فتعجب الملك من مهارته، وقال: «وجب ~~علينا أن نخاف من مهارتكم كما تخافون من قوتنا.» ثم سأله عن الحكيم، وقال: «إني أحب أن ~~أراه.» فأمر السلطان فأتوه بقلنسوة فوضعها على رأسه، فاندهش الملك لما رأى أن الحكيم الذي ~~شفاه من مرضه هو السلطان صلاح الدين نفسه، ووقف البارون ده فو مبهوتا وقد جحظت عيناه ~~وانفتح فمه فقال الملك: «إن هذا لمن أعجب ما رأته عيني وسمعت به أذني.» فقال السلطان: «وهذا ~~شأن الدنيا والمرء بأصغريه.» فقال الملك: «أأنت الذي نجى ذلك الفارس وصبغه بالصبغ الأسود، ~~وأرسله لكشف العلم؟! جازاك الله عني خيرا.» فقال السلطان: «نعم، والفارس مستعد ليمحو عار ~~تهامله.» فقال الملك: «وهل أخبرته بنفسك؟ وهل علمت أن أنظاره طامحة إلى من أنت راغب فيها؟» ~~فقال: «نعم، ولكن محبته هي السابقة وأظنها الثابتة، فلا يليق بي أن أنتقم منه على خيبة ~~آمالي؛ إذ لا ناقة له في ذلك ولا جمل. وما من عاقل يلوم تلك الفتاة إذا أحبت بطلا من قومها ~~واستخارته علي.» فشمخ الملك ريكارد بأنفه، وقال: «إن دمه لأحقر من أن يمتزج بدم بلنتجنت.» ~~فقال السلطان: «هذا عندكم وأما نحن فنقول: # لا تقل أصلي وفصلي أبدا # إنما أصل الفتى ما قد حصل # والآن علي أن أستقبل دوق النمسا ومن معه لا إكراما لهم، بل قياما بحقوق الضيافة.» قال ~~ذلك وقام لمقابلة ضيوفه وإنزالهم في المكان المعد لهم، أما الملك ريكارد فجلس ينظم شروط ~~المبارزة، وقضى عليها وقتا طويلا يشاور فيه دوق النمسا والسلطان صلاح الدين مرارا، ولما ~~تمت الشروط كتبت بالعربية والفرنسوية، وأمضاها السلطان صلاح الدين والملك ريكارد والدوق ~~ليوبولد، والأول بمقام فيصل في هذه المبارزة، والأخيران بمقام حاميين للمتبارزين على ما ~~اقتضته المبارزة حينئذ، ثم دخل البارون ده فو على الملك ريكارد وقال: «إن الفارس ms101 المستعد ~~للمبارزة منتظر أمر مولاه.» فقال له الملك: «أرأيته وهل هو في العدة الكاملة؟» فقال ~~البارون: «نعم، وعليه الدرع البندقية التي عرضت على جلالتك للمبيع.» فقال الملك: «الظاهر ~~أن هؤلاء البنادقة البخلاء باعوها لصلاح الدين.» فقال البارون: «يا حبذا لو كان مولاي يجتنب ~~هذا الكلام، فإن الجميع قد صاروا أعداءنا بسببه، فإذا عادانا البنادقة أيضا فمن يساعدنا ~~على الرجوع بحرا؟!» فقال الملك: «أصبت، ولكن لا تكثر اللوم والتعنيف. والآن أخبرني هل أتيت ~~الفارس بمعرف؟» فقال: «نعم، أتيته بالناسك الكرملي الذي عرفه قبلا لما كان مستعدا ~~للموت.» فقال الملك: «قل للفارس إنني لا أقابله إلا بعد أن يمحو وصمة ذنبه في ميدان النزال، ~~واذهب إلى خيمة الملكة وقل لها أن تستعد لقدومي.» وبعد ساعة من الزمان ذهب الملك إلى خيمة ~~الملكة فوجد أمام بابها واحدا من أشهر المغنين، فقال له: «علام لا تدخل؟» فقال: «لأن ~~هؤلاء الخصيان يقطعونني إربا إربا إذا حاولت الدخول.» فقال له: «هلم معي.» فلما وقع نظر ~~الخصيان على الملك أحنوا رءوسهم ووقفوا كالأصنام، فدخل هو والمغني والتقى هناك بالأميرة ~~جوليا، فقال لها: «ألم تزالي حاقدة علينا يابنة العم؟» فقالت: «ومن يحقد على الملك ريكارد ~~إذا ظهر بمظهره الطبيعي مظهر البسالة والنبالة والكرم.» قالت ذلك ومدت له يدها فقبلها علامة ~~على المصالحة، وقال لها: «لا تظني يا عزيزتي أنني أظهرت ما لا يجب من الصرامة، فإن هذا ~~الفارس قد تعدى واجباته، فهو مذنب شرعا، مهما كان السبب الذي دعاه إلى ذلك، وقد حانت له ~~والحمد لله فرصة يخلع بها ثوب العار عنه ويلبسه للص الحقيقي، وهذا يسرني كما يسرك، ومهما ~~لامني الناس على حدة طبعي، فلا حق لهم أن يلوموني على صرامتي؛ لأنني أقضي بالعدل حينما يجب ~~العدل، وبالرحمة حينما تجوز الرحمة.» # فقالت له: «دع مدحك لغيرك، فقد يعد الناس عدلك جورا ورحمتك هوى.» فقال لها: «وأنت لا ~~تفتخري علينا كأن فارسك خرج من الميدان منصورا؛ لأن كنراد منسرات (هو المركيز) بطل صنديد ~~وقرم عنيد، فما يصيبك إذا ms102 قهر هذا الاسكتسي؟» فقالت: «إن ذلك ضرب من المحال؛ لأنني أنا رأيت ~~كنراد يرتجف كالقصبة، فهو مجرم، والمبارزة ليست إلا بقضاء الله، والله يسكب كأس غضبه على ~~رءوس المجرمين. ولو دعيت أنا لمبارزته لما تأخرت.» فقال: «هذا لا ريب فيه؛ لأنني لم أر أعرق ~~منك في نسب بلتنجنت، ولكنني آمل أنك لا تنسين بعد منزلتك عن منزلة هذا الفارس.» فقالت: «ما ~~معنى هذه النصيحة في مثل هذا الوقت؟ فهل تعدني من خفيفات العقول اللواتي يتقلبن مع ~~الأهواء؟!» فقال: «كلا، ولكن أريد منك أن تقولي لي ماذا تكون منزلة هذا الفارس عندك إذا خرج ~~من الميدان منصورا.» فاحمرت خجلا وقالت: «لا تكون منزلته عندي أكثر مما تكون عند الملكة ~~برنغاريا لو حارب باسمها عوضا عن أن يحارب باسم فتاة حقيرة مثلي، وأنت تعلم أن أحقر ~~الفرسان يمكنه أن يحارب باسم أعظم الملكات.» فقال: «ولكن هذا الفارس قد تحمل مشقات كثيرة من ~~أجلك.» فقالت: «وأنا جازيته على قدر طاقتي؛ فكنت أفرح لسرائه وأحزن لضرائه، وهذا كل ما ~~يناله مني.» فقال الملك: «كذا تقول البنات، ولكن إذا أتاهن طالب راغب ولج الطلب قلن: «هذا ~~نصيبنا».» فقالت: «كن مطمئن البال يابن العم، فأنا ليس من نصيبي أن أتزوج بأحد إلا من ملتي ~~ومن منزلتي، والآن أرجوك أن تدعني أسمع صوت المغني، فإنه أطرب لأذني من صوت توبيخك.» # | الفصل السادس والعشرون # جرى الاتفاق على أن تكون المبارزة بعد شروق الشمس بساعة لشدة الحر في ذلك الغور. وكان طول ~~ميدان المبارزة مائتي خطوة وعرضه سبعين خطوة، وهو ممتد شمالا وجنوبا لكي لا يتعرض أحد ~~المبارزين لأشعة الشمس أكثر من رفيقه، ونصبوا شرقي الميدان عند منتصفه خدرا للملكة والنساء ~~اللواتي معها لكي يرين المتبارزين والجموع المحتشدة، ولا يراهن أحد فلم ترض الملكة بذلك؛ ~~لأن المرأة تحب أن ترى كما ترى، ولكنها سلمت به مراعاة لعوائد المشارقة. ونصبوا إلى غربيه ~~عرشا للسلطان صلاح الدين، وعلى جانبيه عرشين آخرين؛ الواحد للملك ريكارد والآخر لدوق ~~النمسا. # ورأى الدوق أن عرشه ms103 أوطأ قليلا من عرش الملك، فلم يرد أن يجلس عليه وعرف ذلك الملك ~~فتجاهل وقال: «الأجدر بنا أن نبقى على فرسينا.» ولما أشرقت الشمس قام الملك ريكارد ومضى إلى ~~حيث كان الفارس الاسكتسي، ورأى عدة حربه وجلاده، أما الدوق فلم يأت لرؤية المركيز؛ لأنه كان ~~مترنحا بخمر شيراز التي قدمها له السلطان، فأتى رئيس الهيكليين عوضا عنه فمنعه الحرس من ~~الدخول إلى خيمة المركيز وقالوا إن مولاهم قاصد أن يعترف أمام الناسك الكرملي. # فاضطرب الرئيس لما سمع ذلك. ودخل الخيمة غصبا عنهم، فرأى المركيز راكعا أمام الناسك، ~~وقد هم أن يشرع في الاعتراف، فانتهره وقال له: «ما معنى هذا العمل؟! ألا تعلم أنني أنا ~~هنا؟! فعلام لا تعترف لي؟! ثم أمر الناسك أن يخرج من هناك، فقال الناسك للمركيز: «إذا كنت ~~لا تريد أن تعترف لي فأنا أخرج، ولكنني لا أخرج بأمر هذا الرئيس المتغطرس.» فقال المركيز: ~~«كيف العمل؟ اخرج الآن وسنلتقي في وقت آخر.» فخرج الناسك بعد أن تهددهما بالعقاب. وجعل ~~الرئيس يشجع المركيز ويشدد عزائمه، وسر بأنه منعه من الاعتراف عند غيره؛ لأن خفاياهما ~~مشتركة. # ثم جاءت الساعة المعينة للمبارزة، وبوقت الأبواق واصطفت الفرسان حول الميدان، وركب ~~الفارسان ورفعا المغافر عن وجهيهما، ودار كل واحد منهما ثلاث دورات، وكان الفارس الاسكتسي ~~طلق الوجه باسما كأنه ذاهب إلى وليمة، وأما المركيز فكان عابسا مظهرا العظمة والعنفوان، ~~فلم يخف ذلك على الناظرين إليهما، وكان الناسك والكهنة الذين حضروا معه قد أقاموا مذبحا ~~بجانب خدر الملكة، فأتى الفارسان إلى هذا المذبح، وحلف كل منهما على الإنجيل الطاهر أنه محق ~~في عمله وطلب من الله أن ينصر المحق منهما. وحلفا أيضا على أنهما لا يستعملان إلا الأسلحة ~~العادية ولا يستخدمان السحر ولا الطلاسم، ودنا رئيس الهيكليين من المركيز وقال: «تشجع وتشدد ~~وإلا فإن قهرت ونجوت من يد هذا الفارس فلا تنجو من يدي.» وصلى الكهنة وطلبوا من الله أن ~~يقضي بالعدل بين المتبارزين، ثم بوقت الأبواق ونادى المنادي قائلا: «قد أتى الفارس ms104 وليم ~~الاسكتسي بالنيابة عن الملك ريكارد ملك إنكلترا الذي ادعى على كنراد مركيز منسرات أنه ~~خانه وأهان شرفه.» ونادى المركيز مبررا نفسه، وقال إنه راض بهذه المبارزة لتزكية قوله، ~~وحينئذ تقدم حاملا الأسلحة، وقدما للفارسين رمحيهما وترسيهما، وكان على ترس الفارس ~~الاسكتسي صورة النمر وسلسلة مقطوعة إشارة إلى أسره، وعلى ترس المركيز صورة أرض كثيرة ~~الأطناف والصخور. # ووقف الفارسان أحدهما قبالة الآخر، وأرخى كل منهما مغفره على وجهه فتغطيا بالحديد، وأحدقت ~~بهما العيون وشخصت إليهما الأبصار، ثم أشار السلطان فبوقت الأبواق وانقض الفارسان أحدهما ~~على الآخر فالتقيا في حومة الميدان، وطعن كل خصمه طعنة ترقص لها عجائز وائل، فاستلقى ~~الفارس رمح خصمه بترسه فتشظى الرمح شظايا صغيرة من سنانه إلى رجه. وتقهقر جواد الفارس سبع ~~خطوات ووقع على عجزه، ولكنه أنهضه حالا فلم ينله مكروه. واستلقى المركيز رمح الفارس بترسه ~~فخرق الترس والدرع والزردية وجرحه جرحا بليغا في صدره وألقاه عن ظهر جواده فوقع يتمرغ ~~بالتراب، ثم استل الفارس سيفه ووقف فوق رأسه وقال له: «اعترف بذنبك!» وكان السلطان صلاح ~~الدين والملك والدوق وغيرهم من الأمراء قد اجتمعوا حول المركيز، وكشفوا الخوذة عن رأسه فنظر ~~إلى السر وليم وقال له: «قد قضى الله بالعدل وأنا المذنب، ولكن في مخيمنا من ذنبه أعظم من ~~ذنبي، فارحموني وأتوني بأحد يعرفني.» فالتفت الملك ريكارد إلى السلطان صلاح الدين وقال له: ~~«علينا بدوائك المشهور أيها السلطان لحفظ حياة هذا المركيز ولو ساعة من الزمان.» فقال ~~السلطان: «إن هذا الرجل لا يستحق أن يحيا، ولكني إكراما لك أستعمل له الدواء.» ثم نادى ~~خدمه وقال: «احملوه إلى خيامكم.» فتقدم الدوق والرئيس وقالا: «لا نريد أن تستعمل له أدوية ~~مسحورة، ولا أن يحمل إلى غير خيامنا.» فالتفت إليهما الملك وقال: «ألا تريدان أن يعالج ~~ويشفى؟» فقال الرئيس: «إذا أراد السلطان أن يعالجه فليكن في خيامنا.» فالتمس الملك من ~~السلطان أن يتنازل إلى ذلك، ثم نادى رجاله وقال: «بوقوا بالأبواق.» ونادوا بشرف إنكلترا ~~والتفت إلى السر وليم وقال ms105 له: «هلم أيها البطل إلى حضرة السيدات، فهن أعلم منا بمجازاة ~~الأبطال.» ولما صارا في حضرة الملكة ناداها ونادى الأميرة جوليا، وطلب منهما أن تنزعا أسلحة ~~الفارس بيديهما إكراما لما أظهره من القوة والبسالة، فركع أمامهما وجعلتا تنزعان أسلحته ~~كما أمرهما الملك، ولما نزعتا الخوذة عن رأسه وبان وجهه الصبوح من تحتها قال الملك: «أهذا ~~وجه العبد النوبي أم هو وجه فارس مجهول الحسب والنسب؟ لا وتربة أجدادي ههنا انتهت مدة تخفيك ~~أيها الأمير العظيم، فقد ركعت أمامنا ولا يعرف من أمرك إلا ما اشتهرت به من البسالة ~~والإقدام، فقم مكللا بالمجد والشرف، قم أيها البرنس داود ابن ملك اسكتلندا وولي ~~عهده!» # فاندهش جميع الذين سمعوا هذا الكلام، وكانت الخوذة بيد الأميرة جوليا فسقطت من يدها لشدة ~~دهشتها، فقال الملك: «نعم أيها السادة، إن اسكتلندا وعدتنا أن تنجدنا بهذا الأمير الجليل ~~وبكتيبة من نخبة رجالها، ثم عدلت عن عزمها، فلم يرتض هذا الأمير أن يغمد السيف الذي كان قد ~~وطن نفسه على نجدتنا به، فجمع نفرا من الفرسان وغير اسمه وانضم إلينا في جزيرة صقلية، ثم ~~قتل كل أتباعه ولم يبق معه إلا واحد منهم، وكاد هذا التخفي يجعلنا نقتل أشرف أمير من أمراء ~~أوروبا. لماذا لم تعرفنا بنفسك أيها الأمير؟ أخفت من أننا نغتنم هذه الفرصة ونفتك بك لما ~~بيننا وبين قومك من العدوان؟» # فقال الأمير: «كلا أيها الملك، فإن ذلك لم يخامر فكري قط، ولكن لم تسمح عزة نفسي أن أتخذ ~~نسبي وسيلة للتكفير عن ذنبي، ولا سيما لأنني آليت على نفسي أن أبقى متخفيا إلى أن تنقضي ~~هذه الحرب، ولم أظهر من أنا إلا عند الضرورة الشديدة، وذلك في سر الاعتراف لهذا الناسك.» ~~فقال الملك: «قد فهمنا الآن لماذا كان الناسك يلح علينا أن نحجب دمك، ولماذا قال إننا سنندم ~~ونود لو قطعت يدنا ولم نقتلك. نعم نود أن يقطع رأسنا ولا يقال: «إن ريكارد قتل ولي عهد ~~اسكتلندا لما كان في قبضة يده».» # فقالت الملكة: «ألا ms106 يجوز لنا أن نعرف أيها الملك كيف اتصلت إلى معرفة أصل هذا الأمير ~~الجليل؟» # فقال: «أتتنا رسائل من بلادنا تقول إن ملك اسكتلندا قبض على ثلاثة من أشرافنا وأخذهم ~~رهنا، مدعيا أن ابنه الذي ظنه أولا في جرمانيا هو معنا في هذه الحرب، ثم إن ده فو رأى ~~خادم هذا الأمير في عسقلان، وكان قد ذهب إليها ليكشف لده فو هذا السر الذي كان يجب عليه أن ~~يكشفه لنا ولا يتحمل مشقة السفر.» # فقال ده فو: «يجب أن تعذره؛ لأنه يعلم أنني ألين قلبا من آل بلنتجنت.» فصرخ الملك: «أأنت ~~ألين منا قلبا؟ معاذ الله! فنحن في السلم إنس وفي يوم الوغى جان، نحن ألين الناس قلبا، ~~أليس الأمر كذلك يا جوليا؟» قال ذلك والتفت إليها وأخذ يدها ويد البرنس داود بيده فصبغ ~~الخجل وجنتيها وكلل العرق جبينها. # وكان السلطان صلاح الدين قد أدب مأدبة للملك ريكارد ورجاله ودوق النمسا ورجاله، فأتى ~~الضيوف إلى مكان الوليمة فوجدوه خيمة فسيحة الرحاب مفروشة بالبسط الفاخرة، وفيها سماط من ~~الحرير الصيني الموشى بالذهب، وعليه صحاف الطعام وكئوس الشراب، وهي من الذهب الإبريز والخزف ~~الصيني النادر المثال، والشراب مبرد بالثلج ومطيب بالطيوب الغالية الأثمان، وحول السماط ~~وسادات من الحرير والكشمير ليجلس عليها الفرسان بدل الكراسي، وجدران الخيمة مغطاة بالأعلام ~~والبيارق التي غنمها السلطان في حروبه وفتوحه. # وقبل أن يدخل الضيوف ركض نكتبانس القزم إلى السلطان وهو يقول باللاتينية: «خذها خذها.» ثم ~~قص عليه قصة وهو يرتجف ويرتعد، وحينئذ بوقت الأبواق معلنة قدوم الضيوف، فقام صلاح الدين ~~للقائهم وترحب بهم وهنأ البرنس داود (أي السر وليم) على الظفر. وقبل أن يشرعوا في الطعام ~~التفت البرنس إلى الجلاب الذي أمامهم، وكان مبردا بقطع الثلج وقال: «عجبا ممن لا يعرف ~~الجليد ويبرد شرابه بالثلج!» أشار بذلك إلى ما جرى بينهما من الحديث بقرب درة القفر. فأجابه ~~السلطان: «البس لكل حالة لبوسه، وأنا لم يحسن بي أن أكلمك حينئذ إلا بما كلمتك.» فلما ~~سمع دوق النمسا ذكر الثلج ms107 التفت فرأى كئوس الجلاب مبردة به فتناول كأسا كبيرة وجرع جرعة ~~منها وناولها لرئيس الهيكليين فهم أن يشربها، وكان صلاح الدين واقفا بجانبه فنادى القزم ~~فأقبل وهو يقول باللاتينية: «خذها خذها.» فارتعدت فرائص المركيز وأدنى الكأس من فمه ليخفي ~~اضطرابه، وقبل أن تمسها شفتاه استل صلاح الدين سيفه وضربه به فأطاح رأسه عن كتفيه وبقيت ~~جثته لحظة قائمة وقابضة الكأس، فأجفل دوق النمسا حاسبا أن رأسه يكون الثاني ووضع بقية ~~الفرسان أيديهم على سيوفهم، فالتفت إليهم السلطان وقال: «لا تخف أيها الدوق، وأنت أيها ~~الملك لا تغتظ مما جرى، فإنني لم أقتل هذا الخائن لأنه حاول قتلك غدرا، ولا لأنه تبعني ~~وتبع هذا الأمير (مشيرا إلى البرنس) وحاول الإيقاع بنا، ولا لأنه جيش الموارنة علينا في ~~هذا الوقت حتى اضطررت أن أضع جيوشي على مقربة منا خوفا، بل لأنه منذ أقل من نصف ساعة طعن ~~مركيز منسرات طعنة قضت عليه لكي لا يعترف بالمكايد الكثيرة التي كان مشتركا معه ~~فيها.» # فصرخ ريكارد: «أقتل كنراد؟! أوقتله هذا الرجل؟!» إنني لا أشك في قولك أيها السلطان ~~المعظم، ولكن لا بد من إقامة البينة على ذلك وإلا اضطررتنا إلى ما لا نحب.» # فقال السلطان: «إن الله سبحانه وتعالى يكشف الخفيات، وما على الله أمر عسير، ثم قص عليهم ~~ما أخبره به القزم وهو أنه دخل خيمة المركيز فوجده نائما بفعل الدواء، ولم يجد عنده أحدا، ~~ثم رأى رئيس الهيكليين مقبلا فاختفى في زاوية من الخيمة بحيث يرى ولا يرى، فدنا الرئيس ~~من المركيز ففتح المركيز عينيه وكأنه أوجس منه خيفة، فجعل يتوسل إليه أن يرفق به، فقال له ~~الرئيس: «قد أتيت لأحلك.» ثم طعنه بخنجره في صدره وهو يقول: «خذها خذها.» فقتله، وإن كنتم ~~في ريب من ذلك فانظروا في جثة المركيز.» فقال الملك ريكارد: «إننا متأكدون صدق مقالك، ولكن ~~علام قتلته بيدك؟ وعلام قتلته هذه الساعة؟» فقال السلطان: «إنه لو أكل من طعامي وشرب من ~~شرابي لحرم علي قتله ولزمتني حمايته، ولو ms108 كان قاتلا أبي.» ثم أمر فرفعوا الجثة وأزالوا ~~البسط الملطخة بالدماء، وأقام لضيوفه بحقوق الضيافة، ولكن كانت أفكارهم مضطربة فلم يلتذوا ~~بطعام ولا بشراب. # وفي اليوم التالي عقدت شروط الصلح بين السلطان صلاح الدين والملك ريكارد ومن معه من ~~الأمراء الصليبيين، كما هي مقررة في كتب الأخبار، وعاد الصليبيون إلى أوطانهم واقترن البرنس ~~داود بالأميرة جوليا، وأرسل إليهما السلطان صلاح الدين هدية نفيسة وفي جملتها الطلسم الذي ~~شفى به الملك ريكارد، وهو حجر صغير مثلث الشكل أحمر اللون، ولم يزل هذا الحجر في اسكتلندا ~~إلى يومنا هذا. ا.ه. # | الخاتمة # قد لخصنا هذه الرواية من رواية إنكليزية شهيرة اسمها الطلسم (تلسمن) للكاتب البليغ السر ~~والتر سكوت، وتصرفنا فيها بزيادة، وإسقاط، وتغيير، وإبدال؛ لتوافق ذوق القراء في هذه ~~البلاد، وهي تطابق الحقائق التاريخية في أكثر وقائعها. وأشهر مخالفتها لها في أن دوق النمسا ~~لم ينصب علمه بجانب علم الإنكليز في وسط المحلة، بل على أسوار عكاء، ومركيز منسرات لم ~~يقتله رئيس الهيكليين بل اغتاله اثنان من الخوارج في مدينة صور، وصلاح الدين لم يقتل رئيس ~~الهيكليين بل قتل رينو ده شاتيليون أمير الكرك. ومن جملة فوائد هذه الرواية الجليلة تفصيل ~~عوائد الناس في تلك الأيام، وتمثيل أحوالهم أحسن تمثيل، فعسى أن تقع عند القراء الكرام موقع ~~القبول والاستحسان. ms109