######OpenITI# #META# URI: 1345YacqubSarruf.Victoria.Hindawi81392607 #META# Tags: history #META# ID: 81392607 #META# Title: فكتوريا: ملكة الإنجليز وإمبراطورة الهند #META# AuthorID: 59284082 #META# Author: يعقوب صرُّوف #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تمهيد‏ # 1 - أصل العائلة المالكة‏ # 2 - أبو الملكة وأمها‏ # 3 - حداثة الملكة‏ # 4 - جلوس الملكة فكتوريا‏ # 5 - تتويجها‏ # 6 - زواج الملكة‏ # 7 - البرنس ألبرت زوج الملكة‏ # 8 - حياة الملكة العائلية‏ # 9 - حياة الملكة السياسية‏ # 10 - أولاد الملكة‏ # 11 - ارتقاء بلادها في عهدها‏ # 12 - يوبيل ألماس‏ # تمهيد‏ # 1 - أصل العائلة المالكة‏ # 2 - أبو الملكة وأمها‏ # 3 - حداثة الملكة‏ # 4 - جلوس الملكة فكتوريا‏ # 5 - تتويجها‏ # 6 - زواج الملكة‏ # 7 - البرنس ألبرت زوج الملكة‏ # 8 - حياة الملكة العائلية‏ # 9 - حياة الملكة السياسية‏ # 10 - أولاد الملكة‏ # 11 - ارتقاء بلادها في عهدها‏ # 12 - يوبيل ألماس‏ # | فكتوريا # | فكتوريا # | ملكة الإنجليز وإمبراطورة الهند # تأليف # يعقوب صروف # | تمهيد # أمران يضيق بهما الكاتب ذرعا؛ قلة المادة حتى تقصر عن مراده، وكثرتها حتى تزيد عليه. ~~والثاني شأن من يحاول أن يلخص في صحف قليلة سيرة ملكة عظيمة جلست على سرير الملك ستين ~~عاما، وساست نحو أربعمائة مليون من البشر في مشارق الأرض ومغاربها، وشدت أزرها بأحكم ~~الوزراء وأدهى رجال السياسة، فارتقت بلادها في عهدها ارتقاء لا مثيل له في عصر من العصور؛ ~~فإن المادة غزيرة تملأ مجلدات كثيرة ومجال البحث واسع لا يتسنى للمؤرخ أوسع منه، ولكن ~~تلخيصه في صحف قليلة يوقع الكاتب في حيرة فيتردد بين الإقدام والإحجام. غير أن مناقب هذه ~~الملكة العظيمة، وتشوف المشارقة إلى استطلاع أخبارها والوقوف على سر السياسة التي ارتقى بها ~~شعبها هذا الارتقاء النادر المثال، وخلو اللغة العربية من كتاب سطر فيه تاريخها وانضواء ~~ملايين كثيرة من المتكلمين بها تحت اللواء البريطاني؛ كل ذلك حملنا على استخفاف المشاق ~~والجري في هذه العقبة الكئود، فجمعنا الفصول التالية معتمدين على ما كتبه مترجمو حياتها، ~~وعلى ما طالعناه في كثير من المجلات العلمية، وسنوجز المقال على قدر الإمكان. # الفصل الأول # | أصل العائلة المالكة # العائلة المالكة الآن في بلاد الإنكليز من أصل ألماني دمه ممتزج بدم ملوك إنكلترا وملوك ~~سكتلندا، وهي لم تستول على البلاد الإنكليزية بالفتح بل بحق وراثي خولها إياه الشعب ~~البريطاني نفسه، وبحمايتها لمذهب ms01 الإصلاح المعروف بالمذهب البروتستانتي؛ فإنه لم يكد هذا ~~المذهب ينتشر في ألمانيا حتى بلغ إنكلترا ومال إليه فريق كبير من أهاليها، ثم توالت على ~~البلاد حوادث قوت شأن البروتستانت فيها واتفق أن فر ملكها من وجه شعبه فاستدعى الشعب ~~أميرا ألمانيا ليكون ملكا عليهم، وهو ابن ابنة ملكهم تشارلس الأول، وزوج ابنة ملكهم جمس ~~الثاني، فملك على البلاد هو وزوجته من سنة 1689 إلى سنة 1694 وتوفيت زوجته فاستقل بالملك ثم ~~توفي سنة 1702، فخلفته أخت زوجته، وتوفيت سنة 1714 بلا عقب، فاستدعى الشعب الإنكليزي الأمير ~~جورج لويس أمير هنوفر وملكوه عليهم؛ لأنه بروتستانتي المذهب، ونسب أمه متصل بملكهم جمس ~~الأول، فملك على البلاد الإنكليزية باسم جورج الأول وتوفي سنة 1727، وخلفه ابنه جورج الثاني ~~فملك 33 سنة وتوفي فجأة سنة 1760، وخلفه حفيده جورج الثالث جد الملكة فكتوريا، وكان صالحا ~~محبا لشعبه فارتقت البلاد في أيامه واتسعت تجارتها ووفرت ثروتها، ولكنها خسرت الولايات ~~المتحدة الأميركية، خسرتها لتصير بلادا جمهورية من أغنى جمهوريات الأرض وأقواها. # وتوفي الملك جورج الثالث سنة 1820، وكان ابنه قد ناب عنه في العشر السنوات الأخيرة من ~~حياته، فاستقل بالملك حينئذ باسم جورج الرابع وتوفي سنة 1830، وكان له ابنة واحدة بارعة ~~الجمال اسمها تشارلت اقترن بها الأمير ليوبولد الألماني أخو الأميرة التي صارت زوجة لأمير ~~كنت ووالدة للملكة فكتوريا، وكانت الأمة الإنكليزية معلقة آمالها بالأميرة تشارلت لأدبها ~~وكمالها، وحاسبة أن الملك يئول إليها لكنها توفيت سنة 1817 أي قبل أبيها وجدها فانتقلت ~~ولاية العهد إلى أعمامها ومنهم دوق كنت أبو الملكة فكتوريا. # الفصل الثاني # | أبو الملكة وأمها # إن أبا الملكة فكتوريا ولقبه دوق كنت هو الابن الرابع من أبناء الملك جورج الثالث، وكان ~~طويل القامة جميل المنظر طلق المحيا لين العريكة فصيحا في الإنكليزية والفرنسوية، ميالا ~~إلى حزب الأحرار، ولم يكن هذا الحزب مقربا إلى بلاط أبيه، فاختار أن يكون جنديا وهو في ~~الثامنة عشرة من عمره، فأرسل إلى هنوفر حيث درس الفنون الحربية، وكان المال المقطوع له ~~قليلا جدا ms02 لا يقوم بنفقاته، فاضطر أن يستدين وعاد إلى إنكلترا من غير أمر أبيه فسخط عليه ~~وأقصاه وبعث به إلى جبل طارق قائدا لحاميته، وكانت الحامية على غاية من فساد الآداب، فلما ~~رأت منه اللين والتؤدة تمردت عليه فأرسلت إلى كندا بأميركا، وأرسل معها إلى تلك البلاد ~~فأقام فيها إلى سنة 1794، وحضر بعض المعارك في جزائر الهند الغربية، وعاد إلى بلاد الإنكليز ~~سنة 1800 وجعل حاكما على جبل طارق، وكانت حاميته قد شقت عصا الطاعة فرأى أن سبب ذلك السكر؛ ~~فأخمد ثورتها وقاص زعماءها، ومنع باعة المسكرات من بيعها فأخلدت إلى السكينة. # وكان كريما مبذالا فاشترك في أكثر الجمعيات الخيرية التي كانت في عصره، ورأس في سنة ~~واحدة اثنتين وسبعين جلسة من جلساتها، وكان محبا للعلم والتعليم وهو أول من أنشأ مدرسة ~~لتعليم الجنود، ولكرمه وبذله وسعيه في مصالح الناس كان يقصد من كل فج فلا يخيب طالبا، قيل ~~إنه كان عائدا مرة من ألمانيا إلى إنكلترا فأصابه الدوار واشتد عليه ورآه أحد المسافرين ~~على تلك الحالة، فقال لأحد خدمه قل لمولاك إن معي دواء يريحه من ألم الدوار، فلما قال له ~~ذلك قال: من هذا الرجل الذي همه أمري وأراد تخفيف كربي؟ فقيل له هو رجل ذاهب إلى إنكلترا في ~~طلب الرزق. فقال: قولوا له أن يوافيني إلى قصر الملك بعد وصوله، فوافاه إلى هناك فسعى له في ~~منصب يليق به. # شكل 2-1: الأميرة تشارلت. # هذا من قبيل دوق كنت أبي الملكة فكتوريا، أما أمها فاسمها فكتوريا أيضا وهي ابنة دوق ~~ألماني وأخت البرنس ليوبولد زوج الأميرة تشارلت الذي صار ملكا لبلاد البلجيك سنة 1831، ~~ولدت سنة 1786 واقترنت بأمير ألماني فمات عنها سنة 1814 ولها منه ولدان صبي اسمه تشارلس ~~وابنة اسمها فيودورا. # ورآها دوق كنت وهو يفتش عن زوجة فأعجبه حسنها ورائع أدبها، فاقترن بها في الخامس عشر من ~~شهر يوليو (تموز) سنة 1818 وهو موقن أن الملك يصل إليه وينتقل إلى نسله؛ لأنه كان أقوى من ~~إخوته بنية، ms03 وأجود منهم صحة، ولما علم أنها حامل أسرع بها إلى البلاد الإنكليزية؛ لكي تلد ~~فيها ويكون المولود إنكليزيا مولدا فولدت له الملكة فكتوريا في الرابع والعشرين من شهر ~~مايو (أيار) سنة 1819، وفرح بولادتها فرحا عظيما، وكان ينظر إليها معجبا ويقول: اعتنوا ~~بها فإنها ستكون ملكة إنكلترا يوما ما. ولما جاء الشتاء انتقل بها إلى سواحل ديفونشير؛ ~~لأنها أقل بردا من مدينة لندن فقضى البرد عليه؛ وذلك أنه ذهب يوما في طريق كثير الثلج ~~وعاد وحذاؤه مبلل، وفيما هو ذاهب إلى غرفته رأى ابنته مع المرضع فوقف يلعب مع الابنة إلى أن ~~أصابته قشعريرة من تبلل حذائه وبرد رجليه، وتبع القشعريرة التهاب في رئتيه قضى عليه في عشرة ~~أيام، فحزنت عليه زوجته والبلاد الإنكليزية حزنا شديدا، وأوصى قبل وفاته أن تكون زوجته ~~وصية على ابنته فقامت بحق الوصاية أحسن قيام كما سيجيء، وتركت بلادها وأهلها لكي تربي ~~ابنتها في البلاد الإنكليزية على الأخلاق الإنكليزية، وقد ربتها حتى يكون غرضها الأول أن ~~تسلك مع شعبها سلوكا يجعله أمينا لها مقيما على ولائها، ونجحت فيما توخته النجاح التام، ~~فشكرتها الأمة الإنكليزية وأحبتها العائلة المالكة ورأت بعينيها نجاح عملها وتوفيق الله ~~له، وهذا هو السرور الأكبر. # الفصل الثالث # | حداثة الملكة # ولدت الملكة فكتوريا في قصر كنسنتون بمدينة لندن في الرابع والعشرين من شهر مايو (أيار) ~~سنة 1819 كما تقدم وعمدت (نصرت) في الشهر التالي، وحضر عمادها عمها الأكبر وكان نائبا ~~عن الملك، وعمها الثاني دوق يورك نائبا عن قيصر الروس إسكندر الأول، واقترح أن تسمى ~~ألكسندرينا جيورجينا نسبة إلى قيصر الروس وملك الإنكليز، فاعترض عمها الأكبر على ذلك وقال: ~~لا أريد أن يجعل اسم الملك تاليا لاسم آخر فليدع اسمها ألكسندرينا فكتوريا باسم القيصر ~~واسم أمها، فسميت كذلك وغلب عليها اسم فكتوريا وحده، وسندعوها باسم الأميرة فكتوريا فيما يلي ~~إلى أن تعطى لقب ملكة. # شكل 3-1: أم الملكة فكتوريا. # وكانت قوية البنية من صغرها فمرت الأيام والأعوام وهي تنمو وتتقوى وتزيد جمالا واعتدالا ~~على ms04 رزانة ودعة ووقار كما شهد الذين رأوها في صغرها، ومرت عليها مخاطر كثيرة فحفظتها ~~العناية منها. كان ولد يرمي العصافير بجانب غرفتها وهي في الشهر السادس من عمرها، فمر ~~الخردق (الرش) بجانب رأسها تماما ولكنه أخطأها ، ولما كان لها أربع سنوات من العمر كانت ~~سائرة في مركبة يجرها فرس من الأفراس الصغيرة القد فقلبت المركبة بها، وكان أحد الجنود ~~مارا فأسرع إليها وأخرجها من المركبة قبل أن تصل إلى الأرض فنجاها من الموت وهو لا يعلم ~~من هي فجوزي في الحال بجانب من المال. # شكل 3-2: الأميرة فكتوريا في السادسة من عمرها. # وأحسنت أمها ومعلماتها تعليمها وتهذيبها عالمات أنها ستكون يوما ما ملكة على المملكة ~~الإنكليزية، فقرأت مبادئ العلوم والفنون، وتعلمت الألمانية والفرنسوية والإيطالية ~~واللاتينية مع آداب اللغة الإنكليزية والرسم والموسيقى. # وتوفي عمها الأول الملك جورج الرابع سنة 1830 وخلفه عمها الثالث وسمي وليم الرابع؛ لأن ~~عمها الثاني دوق بورك توفي سنة 1827 قبل عمها الأول، وكان لعمها وليم الرابع ابنتان فتوفيتا ~~قبله وصارت الأميرة فكتوريا ولية عهده، ولم تكن تعلم ذلك لكن معلمتها البارونة لهزن وضعت لها ~~شجرة العائلة المالكة في كتاب تاريخي كانت تدرسه، فلما رأتها قالت ما هذه الورقة فإني لم ~~أرها قبلا؟ فقالت لها المعلمة: لم نر أنه يحسن بك أن تريها إلا الآن. ثم أمعنت نظرها فيها ~~ففهمت مغزاها وقالت: إذن أنا أقرب إلى الملك مما كنت أظن! فقالت معلمتها: نعم. فصمتت ثم ~~قالت: إن كثيرين يفتخرون إذا كانوا في مقامي؛ لأنهم لا يعلمون مصاعبه ففيه مجد كثير وفيه ~~تعب أكثر. ثم رفعت يدها وقالت: أما أنا فسأسير السير الحسن. وقد اتضح لي الآن لماذا تحثينني ~~على الدرس حتى على درس اللغة اللاتينية التي هي أساس اللغة الإنكليزية - كما قلت لي - وأصل ~~كل التعبيرات البديعة فيها، وقد درستها كما طلبت مني، أما الآن فصرت أعلم سبب ذلك، ثم كررت ~~قولها الأول وهو أني سأسير السير الحسن. # فقالت لها معلمتها: ربما يولد أولاد أيضا لامرأة عمك ms05 الملك فيكون الملك لهم لا لك. ~~فقالت: إن ذلك لا يغيظني بل يسرني؛ لأني أعلم أنها تحب الأولاد من محبتها لي. # ولما توفيت ابنتا عمها كتبت أمها إلى دوقة كنت أم الأميرة فكتوريا تقول: ماتت ابنتاي ولكن ~~ابنتك حية وهي ابنتي. إلا أن عمها الملك لم يكن وديعا مثل زوجته ولا كان بلاطه لائقا ~~بأميرة مثل الأميرة فكتوريا فأبعدتها أمها عنه. # وذكر كثيرون من الكتاب الأميرة فكتوريا في ذلك الحين ووصفوها بالنباهة والدعة، قال السر ~~ولترسكوت الشاعر الشهير في يوميته بتاريخ 19 مايو سنة 1828: «تغديت اليوم مع دوقة كنت فرحب ~~بي البرنس ليوبولد (أخوها) وقابلت فكتوريا الصغيرة ولية العهد، وقد أحسنوا تهذيبها ولم ~~يدعوا أحدا من الخدم يهمس في أذنيها قائلا إنك ولية العهد، ولكنني أظن أننا إذا دخلنا إلى ~~أعماق قلبها وجدنا أن حمامة أو طائرا آخر من طيور السماء نقل هذا الخبر إليه.» وجاء في ~~سيرة لورد كمبل أنه زار قصر كنسنتون وشاهد الأميرة فكتوريا فوجدها أنيسة المحضر على غاية ~~الحشمة والتأدب. # وكل الذين ذكروها في حداثتها أطنبوا في مدحها، وأكثرهم لا يحسبون أن ما كتبوه يشيع ويطلع ~~عليه أحد لأنهم كتبوه في يومياتهم أو في مكاتيب خصوصية، وقد ظهرت ثمرة تعليمها وتهذيبها ~~فيما أبدته من حسن السياسة وفي تحملها الرزايا التي حلت بها بالصبر الجميل كما ~~سيجيء. # وسنة 1836 زارها خالها دوق سسكس كوبورج مع ولديه أرنست وألبرت، وكأن الغاية من ذلك أن ترى ~~هذين الأميرين لعلها تطلب الاقتران بأحدهما، ويقال إنها أحبت البرنس ألبرت من ذلك الحين، ~~وكتبت إلى خالها تقول أتوسل إليك يا خالاه أن تهتم بصحة من هو عزيز إلي وتعتني به اعتناء ~~خاصا، وإني أثق أن كل شيء يجري طبق المرام في هذا الأمر الذي صار عندي كبير ~~الأهمية. # ولم يخبر البرنس ألبرت بهذا الكتاب ولكن غيرت دروسه في المدرسة لكي تناسب البلاد ~~الدستورية التي كانت الآمال معقودة بمجيئه إليها. # وفي الرابع والعشرين من شهر مايو (أيار) سنة 1837 بلغت الأميرة فكتوريا سن ms06 الرشد حسب ~~شرائع الإنكليز، وهو الثامنة عشرة لأولياء العهد، فاحتفل بذلك احتفالا عظيما وجاءتها هدية ~~نفيسة من عمها الملك، وكان قد علم أنها ستخلفه على سرير الملك، وود أن تبلغ سن الرشد قبل ~~وفاته، وبعد أيام قليلة وفد البارون ستكمار من قبل خالها البرنس ليوبولد للغرض الآتي ذكره ~~في الفصل التالي. # الفصل الرابع # | جلوس الملكة فكتوريا # مرض الملك وليم الرابع بضعة أسابيع وقضى نحبه في قصر وندسور في العشرين من شهر يونيو ~~(حزيران) سنة 1837 الساعة الثانية بعد نصف الليل، وكان رئيس أساقفة كنتربري عنده فقام هو ~~ومركيز كوننهام وطبيب من الأطباء الذين شاهدوا وفاته وأسرعوا إلى قصر كنسنتون؛ حيث الأميرة ~~فكتوريا فبلغوه الساعة الخامسة صباحا، وجعلوا يقرعون الباب مدة إلى أن استيقظ الحاجب وفتح ~~لهم فطلبوا أن يروا الأميرة فكتوريا ليخبروها بأمر هام، فقال لهم الخدم: إنها نائمة. فقالوا ~~إننا جئنا بأمر متعلق بمملكتها فيجب أن تستيقظ لأجله. فنهضت حالا وطرحت رداء على كتفيها ~~وقابلتهم على تلك الحالة والدموع ملء عينيها، ويقال إنه لما أخبرها رئيس الأساقفة بوفاة ~~عمها، قالت له: ألتمس منك أن تصلي لأجلي. فركعوا كلهم وطلبوا العون الإلهي. # وانتشر نعي الملك في البلاد حالا، وأول شيء فعلته الملكة فكتوريا أنها كتبت تعزي امرأة ~~عمها وعنونت الكتاب «إلى جلالة الملكة في قصر وندسور» واطلع بعض الحضور على العنوان قبل ~~إرسال الكتاب، فقالوا لها: أنت هي الملكة! فقالت: نعم، ولكنني لا أريد أن أكون السابقة إلى ~~تذكير امرأة عمي بذلك. وعرضت على امرأة عمها أن تبقى في قصر وندسور فلم تر مسوغا ~~لذلك. # وبعد بضع ساعات أقبل لورد ملبرن رئيس الوزراء إلى قصر كنسنتن؛ لكي يقابل الملكة ويتلقى ~~أوامرها، وكان شيخا واسع الاختبار، لين العريكة، عارفا بأطوار الناس، عرك الدهر أعواما ~~كثيرة، وخبر ضروب السياسة، ولما وقع نظرها عليه عرفت بالزكانة التي يمتاز بها نوع النساء ~~أنه موضع ثقتها ومعتمد سياستها، وكانت أمها قد علمتها كل ما يتعلق بتاريخ بلادها وأحوالها ~~السياسية على ما في كتب التاريخ والسياسة، ms07 وأرتها واجبات الحاكم الدستوري، وكيف يجب أن ~~يتصرف مع شعبه ووزرائه إلا أن هذا التعليم كان نظريا، ولم يبتدئ أن يكون عمليا إلا ~~حينئذ حينما أخذت تشارك وزراءها في سياسة بلادها ولا سيما وزيرها اللورد ملبرن، فإنه كان ~~يحترمها احتراما يفوق الوصف ويخلص لها النصح، ويشرح لها كل المسائل شرحا واضحا، لا هو ~~بالطويل الممل ولا بالقصير المخل، وكان يقيم معها أربع ساعات كل يوم ويخرج معها راكبا ~~ساعتين وهو يخاطبها في شئون الملك، ويشرح لها مشاكله ويفسر غوامضه حتى غار منه كثيرون من ~~رجال الدولة، ولا سيما الذين يعدون مقامهم أرفع من مقامه، وعجب أصدقاؤه من صبره ونشاطه مع ~~أنه كان محبا للراحة كارها للتعب ولم يكن له غرض من اهتمامه بشئون الملكة إلى هذا الحد ~~إلا القيام بما شعر أنه واجب عليه نحو وطنه وأمته. # وجاء أيضا عماها دوق كمبرلند ودوق سسكس ورئيسا الأساقفة وغيرهم من رجال الدولة، ولما كان ~~عددهم كثيرا ارتأى أحدهم أن تدخل لجنة منهم فتخبر الملكة بما تم فكان كذلك، واجتمع المجلس ~~الخاص وخرجت اللجنة من حضرة الملكة ومعها المنشور التالي منها فتلاه على الحضور وهو: # إن الخسارة الفادحة التي أصابت الأمة بوفاة جلالة عمي المحبوب قيدتني بواجبات ~~الاهتمام بحكومة هذه السلطنة، وقد ألقيت علي هذه الواجبات فجأة على صغر سني، ~~ولولا اعتقادي أن العناية الإلهية التي دعتني إلى هذا المنصب تؤيدني في القيام بما ~~يطلب مني، ولولا أني أجد من نبالة مقاصدي وغيرتي على خير شعبي العضد الذي يرافق ~~الشيخوخة وطول الخبرة لرزحت تحت هذا العبء، وإني ألقي اتكالي على حكمة العناية ~~الإلهية وعلى ولاء شعبي وحبه لي، ولقد كان من نصيبي أن أخلف ملكا أحبه شعبه ~~واحترمه؛ لأنه كان محافظا دائما على ما لشعبه من الحقوق والحرية، ولأن أقصى مرامه ~~كان ترقية البلاد وإصلاح قوانينها، وإني ربيت في البلاد الإنكليزية، ربتني أمي بما ~~يعهد فيها من الحنو والذكاء، وهي أشد الأمهات حبا، وتعلمت من حداثتي أن أحترم ~~قوانين بلادي وأحبها، وسيكون غرضي ms08 الدائم أن أحتفظ الاحتفاظ التام بالديانة المصلحة ~~التي قررتها الشرائع مذهبا لهذه البلاد، مبيحة لكل أحد الحرية الدينية وأحمي حقوق ~~كل رعاياي وأزيد من راحتهم ورفاهتهم بكل جهدي. # وقد مرت سبعون سنة منذ نطقت بهذه الوعود والعهود، وكل سنة منها تشهد بأنها قامت بعهودها، ~~ولم تخلف وعدا من وعودها والسماء والأرض وأمم الشرق والغرب تزكي هذه الشهادة، ومن لا ~~يزكيها وهو يرى بلاد الإنكليز ملجأ لكل مضطهد لسبب ديني أو سياسي، ورايات النجاح والفلاح ~~تخفق في البلاد الإنكليزية في كل القارات والجزائر في مشارق الأرض ومغاربها. # وفيما كان الجرس الكبير في كنيسة مار بولس يدق دقة الحزن على الملك، كان رجال السلطنة ~~ومشيرو الدولة تفدون إلى قصر كنسنتون لمبايعة الملكة، ولما انتظم عقدهم دخلت عليهم بثياب ~~الحداد فاستقبلها عماها وركعا أمامها وبايعاها الملك وأقسما لها يمين الطاعة، فاحمر وجهها ~~خجلا كأنها استغربت الفرق الشاسع بين علائق الناس النسبية والسياسية، ثم دنا بقية رجال ~~الدولة وركعوا أمامها بحسب طبقاتهم، وقبلوا يدها فقابلتهم وهي على تمام الرصانة والهدو ~~كأنها ألفت ذلك منذ حداثتها، قال السر روبرت بيل الوزير الشهير إنه كانت تلوح على وجهها ~~أمارات من يعرف ثقل مهام الملك فيهابها ولكنه لا يجزع منها. # وهذه ترجمة البيعة التي تليت حينئذ: # لقد شاءت العزة الإلهية أن تتوفى إلى رحمتها ملكنا وسيدنا ومولانا الملك وليم الرابع ~~السعيد الذكر الذي بوفاته آل تاج الممالك المتحدة ممالك بريطانيا العظمى وأرلندا إلى ~~الأميرة العظيمة السامية ألكسندرينا فكتوريا مع حفظ حق من يولد لملكنا وليم الرابع المتوفى ~~بعد وفاته، فنحن أمراء هذه المملكة الروحيين والزمنيين المجتمعين في هذا المكان مع الذين من ~~مجلس ملكنا المتوفى الخاص، وغيرهم من السادة وذوي المقامات ومحافظ لندن وسكانها نعترف ونعلن ~~بصوت واحد واتفاق اللسان والقلب، أن الأميرة السامية القديرة ألكسندرينا فكتوريا قد صارت ~~الآن بموت ملكنا السعيد الذكر ملكتنا الوحيدة الشرعية بنعمة الله ملكة الممالك المتحدة ~~بريطانيا العظمى وأرلندا حامية الإيمان، التي لها نعترف بالولاء التام والطاعة الدائمة ~~بالحب والخضوع، ونسأل ms09 الله الذي منه الملوك والملكات ينالون الملك أن يبارك الأميرة ~~فكتوريا لتملك علينا سنين كثيرة سعيدة. # وكان دوق ولنتون القائد الشهير والسر روبرت بيل الوزير الكبير بين الحضور الذين بايعوها، ~~وأقسموا يمين الطاعة فخرجا مدهوشين مما شاهداه من عزة نفسها ووقار مجلسها، وقال اللورد كمبل ~~«لقد أبهجني سلوك هذه الملكة الفتية؛ فإنني لم أشاهد شيئا أوقع في النفوس مما شاهدته منها، ~~حشمة ودعة وحزن وحذر ومهابة ووقار وشمم وعزة نفس.» # ونودي بها ملكة في اليوم التالي وهو الحادي والعشرون من شهر يونيو (حزيران) في قصر سنت جمس باحتفال عظيم، وسر شعبها بذلك وحيوها بالغناء والتهليل، ولما رأت شدة حبهم وولائهم ~~ملأت عينيها العبرات، وقد أشارت إلى ذلك أليصابات برونن الشاعرة الإنكليزية؛ حيث قالت ما ~~معناه: # سلام الله يا من قد تولت # ودمع العين هطال هتون # سلام الله يملأ منك قلبا # وديعا لا تخامره الظنون # وحين تغادرين العرش طوعا # لمن في أمره كاف ونون # تتوجك الملائك تاج مجد # ولا دمع هناك ولا شجون # ودهش رجال السياسة المحنكون مما كان يبدو على الملكة من دلائل الذكاء والحزم مع الوقار ~~والدعة، فقالوا إن في نفسها جوهرا مكنونا تظهره الأيام وتجلوه التجارب. ومرت الأيام وهي ~~تلتفت إلى كل أمر من الأمور، وتقوم الساعة الثامنة صباحا وتأكل الغداء في غرفتها ثم تقرأ ~~المراسلات السياسية، وتنظر في مهام المملكة المعروضة عليها إلى الساعة الحادية عشرة فيأتيها ~~الوزير ملبرن حينئذ وينظر معها في الأشغال إلى الساعة الثانية بعد الظهر فتركب جوادها، ~~وتخرج بموكب كبير والوزير ملبرن معها وتبقى في النزهة ساعتين وتعود الساعة الرابعة وتقيم ~~إلى الساعة السابعة تتسلى بالموسيقى والغناء والرياضة، وتجلس للعشاء الساعة الثامنة ~~فيتقدمها رجال بلاطها وتتلوها أمها والسيدات اللواتي عندها، وتأخذ بيد أعلى الحضور مقاما ~~وتدخل غرفة المائدة وتجلس في صدرها ولورد ملبرن عن يسارها، ثم تقابل الحضور بعد العشاء في ~~غرفة الاستقبال وتكلم كلا منهم، وتقيم معهم إلى الساعة الحادية عشرة وتنام بين الساعة ~~الحادية عشرة والثانية عشرة، وجرت على ذلك أكثر ms10 أيام حياتها. # شكل 4-1: قصر بكنهام. # وبعد ستة أيام من المناداة بها ملكة على المملكة الإنكليزية جاءها كتاب من ابن خالها ~~البرنس ألبرت يقول فيه: «الآن أنت ملكة على أقوى مملكة في أوروبا، وفي يديك سعادة ملايين ~~من الناس، أسأل الله أن يعضدك ويقويك بقوته لكي تقومي بمهام الملك، وأرجو أن تكون سنو ~~ملكك طويلة سعيدة مجيدة، وأن تجازي على سعيك بشكر شعبك وحبهم لك.» # وكان مجلس الوزراء قد رفع إليها ختوم مناصبه بعد اجتماع المجلس الخاص على جاري العادة ~~فردتها إليه؛ أي إنها ثبتت الوزراء في مناصبهم. # وبقيت في قصر كنسنتون مع أمها، ولكنها أقامت في قسم خاص منه لكي لا يقال إن أمها تتعرض ~~لشئون الملك، وبقيت البارونة لهزن معها دائما لا تفارقها إلا حينما يأتي الوزراء ليعرضوا ~~عليها مهام الملكة، وكانت تنظر في كل المسائل بالتروي ولا تبت حكما قبل إعمال النظر فيه، ~~وكان اللورد ملبرن كبير الوزراء حينئذ قد اختار لها النساء اللواتي يقمن على خدمتها فلم ~~تعارضه في ذلك، ولكنها اختارت أيضا مربيتها البارونة لهزن؛ لتكون كاتمة لأسرارها، ومعلمتها ~~مس دافس لتكون من خادمات الشرف، وجعلت أباها الدكتور دافس مطرانا على بتربرو، وكانت تحكم في ~~بيتها بسلطة ووداعة، قيل إن خادمة من خادمات الشرف تأخرت عن الحضور ثلاث مرات، وفي المرة ~~الثالثة رأت الملكة قائمة في انتظارها وساعتها في يدها، فانتبهت لذلك وقالت لعلي تأخرت عن ~~جلالتك. فقالت الملكة: نعم، عشر دقائق. فاحمرت هذه خجلا وجعلت يداها ترجفان جزعا، ورأت ~~الملكة منها ذلك فرأفت عليها وساعدتها في إصلاح ردائها وهي تقول: سنصطلح كلنا إن شاء الله ~~ونقوم بواجباتنا. # وفي الثالث عشر من يوليو (تموز) انتقلت بحاشيتها إلى قصر بكنهام المرسوم [في شكل # 4-1 ~~] وهو في مدينة لندن يحيط به جنات يانعة مساحتها خمسون فدانا فيها بحيرة مساحتها ~~عشرة أفدنة وجعلت بلاطها فيه، وفي السابع عشر من الشهر ذهبت بنفسها إلى البرلمنت وحلته ~~وجرت الانتخابات العمومية لمجلس النواب في شهر أغسطس (آب) وكانت ميالة إلى حزب ms11 الأحرار؛ لأن ~~أباها كان ميالا إليه. # وفي تلك الأثناء حوكم أحد الجنود في مجلس حربي وحكم عليه بالقتل، فجاءها دوق ولنتون ~~بالحكم لكي تؤيده فارتاعت من ذلك، وقالت له والدموع ملء عينيها: «ألم يفعل هذا الرجل شيئا ~~يستحق الرأفة!» فقال: كلا؛ فإنه هرب من الجيش ثلاثا. فقالت فكر أيضا. فقال: يا مولاتي، ~~إن هذا الرجل لا يصلح للجندية ولكنني سمعت واحدا يقول إنه حسن السيرة، فلا يبعد أن تكون ~~سيرته حسنة في بيته. فتنهدت وقالت: الحمد لله وكتبت يعفى عنه. ولما رأت البرلمنت رقة ~~قلبها عفاها من تأييد أحكام القتل. # وفتحت البرلمنت الأول في 20 نوفمبر (ت2) فجعل راتبها 385000 جنيه في السنة، وراتب أمها ~~30000 جنيه، وأخذت البلاد تستعد للاحتفال بتتويجها. # الفصل الخامس # | تتويجها # كان تاج الملك وليم الرابع عم الملكة فكتوريا كبيرا ثقيلا لا يحسن أن تتوج به، فصنعوا ~~لها تاجا صغيرا يصلح لرأسها ويقدر ثمن ما فيه من الحجارة الكريمة بمائة وثلاثة عشر ألف ~~جنيه، وتوجت به بعد أن نودي بها ملكة بسنة وثمانية أيام، وكان لتتويجها احتفال لم يكن له ~~مثيل اجتمعت له إنكلترا كلها. # قال المستر غرافل كاتب المجلس الخاص ما ترجمته: «لم تر هذه العاصمة (لندن) في وقت من ~~الأوقات كما ترى الآن، فكأن عدد سكانها قد تضاعف خمسة أضعاف بغتة، والجلبة والضوضاء مما ~~يفوق الوصف والفرسان والمشاة والمركبات تزدحم وتختبط، والناس يرقون السواري وينصبون الأعلام ~~وأصوات المطارق تصم الآذان، والمدينة كلها ازدحام واضطراب، والناس كالبناء المرصوص يموجون ~~كالبحر ويتلفتون يمنة ويسرة، والروض مملوء بالخيام والأعلام ولا تزال الطرق غاصة بالواردين ~~إلى المدينة والمركبات مزدحمة بهم والمناظر كلها غريبة مدهشة، ولكن المرء يود أن ينقضي ~~أمرها وتزول بأسرع ما يكون.» # وأصبح الصباح يوم الاحتفال والأمطار تهطل والمدافع تطلق، وخرجت الملكة من قصر بكنهام ~~الساعة العاشرة صباحا بموكب يعز نظيره، وسارت سيرا وئيدا بين صفوف الجماهير وهم يحيونها ~~بالهتاف ويحسبون أنها أول مرة صار فيها الملك للشعب لا الشعب للملك، إلى أن بلغت كنيسة ~~وستمنستر ms12 حيث يتوج ملوك الإنكليز، وكانت الكنيسة قد زينت زينة يعجز القلم عن وصفها؛ أفرغ ~~فيها الصناع أقصى مهارتهم وجمعوا بين أبهة الملك وعظمة الديانة، وانتظم في ذلك البناء ~~الفاخر نخبة رجال الإنكليز ونسائهم، رجال السيف ورجال القلم، رجال الحرب والسياسة، رجال ~~الثروة والجاه، رجال الصناعة والتجارة، وكل حسناء فتانة ، ولما وصلت الملكة إلى باب الكنيسة ~~قابلها الأساقفة وقدمها رئيس أساقفة كنتربري إلى الشعب قائلا: أقدم إليكم أيها السادة ~~الملكة فكتوريا، ملكة هذه المملكة التي لا ريب في صحة دعواها، فهل تعاهدونها عهد الطاعة؟ ~~فأجابوه داعين لها بطول البقاء. ويقال إنه فيما كان التاج يوضع على رأسها انكشفت غيوم ~~السماء، وبان وجه الشمس، ودخلت أشعتها الكنيسة، وانعكست عن جواهر التاج فتلألأت تلألؤا ~~أبهر الأبصار وتفاءل به الناس أن ملكها سيكون بهيجا كنور الشمس. # وقال المستر غرافل بتاريخ 29 يونيو: انقضى الاحتفال ولله الحمد ولم يكن الهواء حارا ~~ولا باردا، وكان الازدحام شديدا في الشوارع ولكن النظام كان سائدا فلم يحدث ما يكدر ~~الصفاء. ثم وصف كيفية الاحتفال داخل الكنيسة، وقال إن القائمين به اضطربوا في أمرهم حتى لم ~~يكونوا يدرون ما يعملون، مثال ذلك أن خاتم الياقوت الذي وضع في أصبع الملكة حينئذ صيغ ~~لخنصرها فقال رئيس الأساقفة: إن الرسوم تقضي بوضعه في البنصر لا في الخنصر. فأدخله في ~~بنصرها غصبا فآلمها كثيرا واضطرت بعد ذلك أن تغطس يدها في ماء مثلوج حتى أمكنها ~~إخراجه. # وقبل أن مسحت بالزيت وألبست تاج الملك وقف رئيس الأساقفة أمامها وسألها عما إذا كانت ~~تحكم بلادها حسب دستور البرلمنت وشرائع البلاد وقوانينها وعوائدها، وعما إذا كانت تقرن ~~الشريعة بالعدل والرحمة، وعما إذا كانت تقيم حدود الله وتحافظ على حقوق خدمة الدين، فركعت ~~أمام التوراة ووضعت يدها عليها، وأقسمت أنها تفعل ذلك بكل جهدها، وكان لورد ملبرن واقفا ~~بجانبها وبيده سيف المملكة وإلى يساره عمها دوق سسكس ووراءه دوق ولنتن القائد الشهير وحولهم ~~أمراء المملكة وعظماؤها، ويرى كل ذلك واضحا في [شكل # 5-1 ~~]، ثم ~~مسحها رئيس ms13 الأساقفة بالزيت على جبينها ويديها، وقال لتمسحي بالزيت المقدس ملكة على هذا ~~الشعب الذي أعطاك إياه الرب إلهك؛ لتملكي عليه كما مسح الملوك والكهنة والأنبياء من قبلك، ~~وقدم لها لورد ملبرن سيف المملكة ثم افتداه منها بخمسة جنيهات حسب عوائد البلاد، وألبست ~~حلة الملك وخاتمه، وأعطيت الكرة والصولجان، ووضع رؤساء الكهنة التاج على رأسها، وللحال وضع ~~الأمراء والعظماء تيجانهم على رءوسهم، وأطلقت المدافع، وصدحت الآلات الموسيقية بالنشيد ~~الوطني، وأجلست على عرش الطاعة، ودنا منها رئيس أساقفة كنتربري وجثا على ركبتيه بالنيابة ~~عن رؤساء الدين ثم قبل يدها، وتبعه سائر رؤساء الكهنة في تقبيل يدها، وتلاهم عماها دوق سسكس ~~ودوق كمبردج فرفعا تاجيهما وخضعا لها ولمسا تاجها، وتلاهم سائر الأمراء والعظماء، وكان رئيس ~~كل فريق منهم يقسم يمين الطاعة نيابة عن فريقه، وكان بينهم أمير اسمه لورد رول كان شيخا ~~جاوز الثمانين فعثر وهو صاعد على درج العرش وسقط فأنهضه اثنان من الأمراء وساعداه على ~~الصعود، ورأت الملكة ذلك فنهضت عن عرشها ودنت منه ومدت إليه يدها لتساعده على الدنو منها، ~~ورأى الناس ذلك فسرهم عملها وهتفوا لها بالدعاء، وجرت رسوم أخرى لا داعي لبسطها هنا، وتم ~~الاحتفال نحو الساعة الرابعة بعد الظهر، وعادت الملكة إلى قصر بكنهام وتاج الملك على رأسها ~~والصولجان في يدها، وعاد معها الأمراء والعظماء وتيجانهم على رءوسهم رجالا ونساء، ولا تسل ~~عن بهاء ذلك المشهد وما فيه من الأبهة والمجد، وكانت الشوارع والكوى والشرفات والسطوح ~~المشرفة على الشوارع التي سار الموكب فيها غاصة بالجماهير وهم يهتفون هتاف الفرح ~~والابتهاج. # شكل 5-1: الملكة تقسم على التوراة. # وأولمت الملكة وليمة فاخرة تلك الليلة لمائة من رجالها، وأولم رجال الدولة ولائم عظيمة ~~احتفالا بتتويجها. # وبلغت النفقات التي أنفقتها الحكومة على تتويج الملكة سبعين ألف جنيه، ودفع الشعب مائتي ~~ألف جنيه أجرة للأماكن التي وقفوا فيها لمشاهدة موكب الاحتفال. # الفصل السادس # | زواج الملكة # قلنا في فصل سابق إن الملكة رأت البرنس ألبرت ابن خالها آرنست، وأحبت أن تقترن به ولكنها ms14 ~~لما تربعت في سرير الملك شغلتها مهامه عن الزواج، فكتبت إلى خالها ليوبولد ملك البلجيك أنها ~~صرفت فكرها عن الزواج حينئذ، وأنها لا تقدر أن تهتم به قبل بضع سنوات، وبلغ البرنس ألبرت ذلك ~~فقال لخاله إنني أنتظرها كما تريد إذا كنت واثقا أنها تقترن بي بعد ذلك، ولكنني لا أريد أن ~~أنتظرها بضع سنوات ثم أجد أنها عدلت عن الزواج فأصير هزءا في الدنيا ومضغة في أفواه ~~الناس. # وحدث في تلك الأثناء أن استعفت وزارة ملبرن لأنها غلبت في مجلس النواب، فحزنت الملكة من ~~جراء ذلك واستدعت دوق ولنتن ليشكل وزارة جديدة، وأخبرته بحزنها على استعفاء الوزارة القديمة ~~ولا سيما على استعفاء رئيسها لورد ملبرن لما كانت تراه فيه من صدق النصح ولين العريكة، فسر ~~ولنتن بما أبدته له من حرية الضمير، وقال لها إنه لا يستطيع أن يشكل وزارة لكبر سنه وضعف ~~سمعه، ولكنه نصح لها أن تستدعي السر روبرت بيل وتطلب منه تشكيل الوزارة، فكتبت تدعوه إليها ~~فحضر وقبل بتشكيل الوزارة الجديدة، واقترحت عليه أمورا أجراها حالا لكنه قال لها إنه لا بد ~~من إبدال بعض السيدات القائمات على خدمتها بغيرهن من السيدات اللواتي حزبهن السياسي لا ~~يخالف حزبه؛ لكي لا يعرقلن مساعيه فأبت عليه ذلك وأصرت على الإباءة، فقال لها إنه يستشير ~~إخوانه في هذا الأمر وانصرف وهو يرى أن تشكيل الوزارة على تلك الحال ضرب من المحال، فعادت ~~وزارة ملبرن إلى منصة الأحكام والأمة غير راضية عنها وكثر القيل والقال بسبب ذلك. # وبلغ الملك ليوبولد ومشيره البارون ستكمار ما جرى فرأيا أن الملكة أمست في مركز حرج أمام ~~وزرائها، فلاما لورد ملبرن وبادرا إلى رفء الخرق قبل اتساعه، وحسبا أن لا بد للملكة من مشير ~~حكيم يخلص لها النصح، وتجد من نفسها ارتياحا إلى اتباع مشورته، وكان البارون ستكمار واثقا ~~أنها إذا رأت البرنس ألبرت حينئذ تذكرت ماضي حبها له ودعته ليكون زوجا لها وشريكا في ~~السراء والضراء، فأتى البرنس ألبرت وأخوه البرنس آرنست إلى ms15 بلاد الإنكليز فرحبت بهما، ولما ~~وقع نظرها على البرنس ألبرت، وكان قد صار رجلا بارع الجمال تلوح في وجهه مخائل النجابة ~~والهمة، كتبت إلى خالها الملك ليوبولد في اليوم التالي تقول إن جمال ألبرت يفوق الوصف، وهو ~~على جانب عظيم من الأنس والطلاقة، وهو وأخوه غاية في الدعة وأنس المحضر، وقد سرني مجيئهما إلى ~~هنا. # والقوانين المتبعة في بيوت الملك تقضي أن تكون الملكة هي البادئة في مخاطبة من تريد ~~الاقتران به فدعته إليها بعد أيام قليلة، وسألته عما إذا كان يريد أن يقاسمها أفراح الحياة ~~وأحزانها فأجابها بالإيجاب، وكتبت ذلك اليوم إلى خالها تقول: # خالي الأعز # لا بد من أنك تسر بكتابي هذا؛ لأنك كنت دائما تعرب عن سرورك واهتمامك بكل ما ~~يختص بي، قد صممت النية الآن على الاقتران بألبرت وأخبرته بذلك وسررت جدا بما بدا ~~منه من دلائل الحب الصادق، وإني أراه عين الكمال وأعتقد أني سأكون سعيدة به، وسأبذل ~~جهدي لأخفف عليه الخسارة التي سيخسرها لأجلي، وأراه شديد الدربة وذلك لازم جدا ~~لمن كان في منصبه، وقد مرت هذه الأيام القليلة كأنها أحلام، وتركتني مضطربة في أمري ~~حتى لا أدري كيف أكتب إليك، ولكنني مسرورة جدا، ولا بد من كتم هذا الخبر فلا تخبر ~~به أحدا إلا خالي آرنست (أبو البرنس ألبرت) حتى يجتمع البرلمنت، وإلا حسب عدم جمعي ~~البرلمنت واطلاعه على هذا الأمر إهمالا مني. # وقد استشرت لورد ملبرن في كل شيء فصوب رأيي وأظهر السرور التام، وجرى في هذه ~~المسألة كما جرى في غيرها باللطف التام، واستحسنا أنا وألبرت أن يكون اقتراننا في ~~أوائل فبراير (شباط) المقبل بعد اجتماع البرلمنت. # وختمت كتابها بعد أن أباحت له أن يخبر البارون ستكمار بذلك فأجابها في الرابع والعشرين من ~~الشهر بما ترجمته: # ما كنت لأسر بشيء كما سررت بكتابك، وكدت أقول كما قال الشيخ سمعان «الآن تطلق ~~عبدك يا سيد بسلام.» فقد اخترت من كنت واثقا أنه أصلح لراحتك من كل أحد، ولأنني كنت ~~مقتنعا بذلك تمام ms16 الاقتناع كنت أخشى ألا يتم؛ لأن الدهر كثيرا ما يعكس ~~الآمال. # وأنت في منصبك السياسي المحفوف بالمتاعب لا يمكنك أن تستغني عن الراحة والسعادة ~~اللتين يجدهما الإنسان في بيته، وأنا واثق أن في ألبرت من المناقب ما يلزم لسعادتك ~~وما يناسب أخلاقك وطبعك. # ولقد قلت إنه يخسر كثيرا إذا اقترن بك، وهذا صحيح من وجوه كثيرة؛ لأنه يكون في ~~مركز حرج جدا، ولكن خسارته وربحه يتوقفان عليك، فإن كنت تحبينه وتكرمينه سهل ~~عليه ما يجده في هذا الموقف الحرج، وهو صبور رضي الأخلاق فلا يصعب عليه ~~ذلك. # وقد استحسنت رأيك في كتم الأمر إلى حين اجتماع البارلمنت؛ لأن جمع أعضائه الآن ~~ليس بالأمر السهل عليهم. # وكتب البرنس ألبرت بعد ذلك بأيام إلى جدته يقول: # جدتي العزيزة # أخذت القلم ويدي ترتجف؛ لأنني أخشى أن ما سأخبرك به يجعلك تفتكرين بأمر آخر يؤلمك ~~كما يؤلمني وهو الفراق، فقد تم الأمر الذي كنا نتذاكر فيه. استدعتني الملكة منذ ~~أيام، وقالت لي صريحا إنني أنيلها أقصى السعادة إذا أمكنني أن أقاسمها سراء الحياة ~~وضراءها، ولو كان في ذلك خسارة كبيرة علي، وقالت إن الأمر الوحيد الذي يكدر صفاء ~~عيشها هو أنها لا تحسب نفسها أهلا لي، قالت ذلك على أسلوب سحر لبي ببساطة فلم أر ~~لي بدا من التسليم لها، وإني أثق أننا سنعيش عيشة راضية. # وكتب إلى البارون ستكمار يجيبه على كتاب بعث به إليه، فقال: # تمت نبوءتك بأسرع مما كنا ننتظر، وقد حفظت وصيتك الصالحة من قبيل الأساس الذي ~~تبنى عليه راحتي وسعادتي، وهذه الوصية تنطبق على المبادئ التي اتخذتها أساسا ~~لأعمالي؛ أي أن أكون في آدابي وسلوكي مستحقا لرضا الملكة وشعبها وحبهم وثقتهم، ~~فإذا كنت كذلك وبدا مني قصور أو تقصير وجدت من يقيل عثرتي؛ لأنه مهما كانت ~~الأعمال عظيمة والغايات نبيلة لا يرتفع بها مقام المرء ما لم يكن فيه من الأخلاق ما ~~يحمل الناس على الثقة به، فإذا أثبتت أعمالي أني أمير نبيل كما تنتظر مني سهل علي ~~السلوك ms17 الحسن المقرون بالحكمة والسداد، واجتنيت ثماره الصالحة، وإني أراني شديد ~~العزيمة لكي أتحلى بأفضل المناقب ولكن لا بد لي من النصح الصالح ومن أقدر منك عليك، ~~فحبذا لو استطعت أن تنقطع إلى إرشادي ولو في السنة الأولى من قيامي في هذه ~~البلاد. # هذه كتابة شاب في العشرين من عمره، وغني عن البيان أن من كان في هذا السن وبدت منه هذه ~~الشمائل وخط قلمه هذه الحكم؛ حيث لا داعي إلى التصنع والمراءاة لجدير بأن توسد له المناصب ~~السامية ويكون شريكا لأعظم ملكة ورئيسا على بيتها. # وكان يعلم علم اليقين أن مركزه سيكون حرجا جدا بعد اقترانه بالملكة؛ لأن مقامه الزوجي ~~أعلى من مقامها ولكن الشعب الإنكليزي لا يرضى إلا أن يبقى مثل واحد من رعيتها، أما هو فساد ~~بيته كما يحق للرجل الفاضل الحكيم بالصبر والرزانة والدعة، وساعده على ذلك تعقل الملكة وحسن ~~نظرها في العواقب، والفضل كل الفضل للحب المشترك الذي ساد عليهما كليهما وقادهما في سبيل ~~الوفاق والوئام، وأبعد عنهما كل أسباب الجفاء والخلاف. # ويقال إنه لما جرى الاحتفال بقرانهما سألها الأسقف عما إذا كانت تبيح له قراءة فصل من ~~الكتاب المقدس تؤمر فيها المرأة بطاعة زوجها وهو يقرأ عادة في صلاة الزواج، فقالت: «إنني ~~أقترن كامرأة لا كملكة فلا تحذف شيئا من قول الكتاب.» وهو جواب حكمة وسداد لا يصعب على من ~~تقوله في مثل ذلك الموقف أن تعيش مع زوجها كزوجة لا كملكة، وقد عاشت كذلك كما سيجيء. # ودعت أعضاء مجلسها الخاص إلى قصر بكنهام وأخبرتهم بما تم من أمر الخطبة، وهذه ترجمة ما ~~تلته عليهم حيئنذ: # جمعتكم الآن لكي أخبركم بما عزمت عليه في أمر له ارتباط شديد بخير شعبي ~~وبسعادة نفسي، فقد عزمت أن أقترن بالبرنس ألبرت السكسكوتي، وعلمت أن الأمر هام جدا؛ ~~ولذلك لم أقدم عليه إلا بعد التبصر الطويل وبعد أن تحققت أنه يدعو إلى راحتي ~~البيتية ويخدم مصالح بلادي ببركة الله القدير، وقد رأيت أن أطلعكم على ذلك في ~~أول فرصة ms18 لكي تعلموا هذا الأمر الهام لي ولمملكتي، والذي أشعر من نفسي أنه ~~مقبول جدا لدى رعيتي المحبوبة. # وكتبت في يوميتها حينئذ تقول في الساعة الثانية تماما دخلت المجلس وكان غاصا بالحضور، ~~وأنا لا أعلم من هم وشاهدت اللورد ملبرن بينهم وعيناه مغرورقتان بالدموع فتلوت عليهم الخبر ~~ويداي ترتجفان، وفرحت لما أتيت على آخره ثم قام اللورد لنسدون (رئيس المجلس الخاص) وطلب مني ~~باسم المجلس أن أسمح بطبع هذا الخبر ونشره. # وفرح الشعب الإنكليزي بذلك فرحا عظيما؛ لأنهم كانوا يخشون أن تعيش ملكتهم عزبة كالملكة ~~أليصابات الشهيرة فنموت بلا عقب ويخلفها ملك هنوفر لأنه كان الوريث الوحيد لها ولم يكن ~~محبوبا لدى الشعب الإنكليزي. # ولما اجتمع البرلمنت بعد ذلك (في 16 يناير) أتته الملكة نفسها، وأعلنت فيه خطبتها فهنأها ~~أعضاؤه جميعا، واقترح لورد ملبرن أن يجعل راتب البرنس ألبرت خطيبها خمسين ألف جنيه في ~~السنة، فلم يقر البرلمنت إلا على ثلاثين ألف جنيه، وعين له الوزير ملبرن سكرتيرا ليكون ~~معه ويطلع على كل أموره، وهو سكرتير اللورد ملبرن الخاص فغاظه ذلك أولا ولا سيما لأنه كان ~~يكره الانحياز إلى حزب من الأحزاب، ولكنه عاد فرأى ذلك السكرتير موضع ثقة فسر به واعتمد ~~عليه. # وعين يوم الزواج، وكان البرنس ألبرت قد عاد إلى بلاده فأتى منها مع أبيه وأخيه وقوبل ~~باحتفال عظيم ودخل في الرعوية الإنكليزية، وزار أعضاء العائلة المالكة ولقي منهم كل أنس ~~ووداد. # وجرى الاحتفال بصلاة الإكليل ظهيرة العاشر من شهر فبراير سنة 1840 في كنيسة قصر سنت جمس، ~~وتقاطر الناس لمشاهدة موكب الزفاف في ذهابه إلى الكنيسة وإيابه منها، وقام رئيس أساقفة ~~كنتربري بصلاة الإكليل وعاد الموكب إلى قصر بكنهام الساعة الثانية بعد الظهر وانتظم حول ~~المائدة الملكية، وبعد الطعام ذهبت الملكة وزوجها البرنس ألبرت إلى قصر وندزور وهو إلى ~~الجنوب الغربي من مدينة لندن على ضفة نهر التيمس اليمنى، والقصر قديم من قبل أيام وليم ~~الظافر، ولكنه تجدد مرارا كثيرة وأضيفت إليه مبان فخيمة وحوله رياض نضرة وغياض ms19 يكثر فيها ~~الصيد، وترى في [شكل # 6-1 ~~] صورة عرش الملكة في إحدى مقاصير هذا القصر. # شكل 6-1: عرش الملكة في قصر وندزور. # واحتفلت البلاد الإنكليزية احتفالا باهرا بزفاف الملكة ووقفت الجماهير على الطريق ~~المؤدي إلى قصر وندزور يحيون العروسين بأصوات الهتاف ويدعون لهما بالعيش الرغيد والعمر ~~المديد. # الفصل السابع # | البرنس ألبرت زوج الملكة # ولد البرنس ألبرت في السادس والعشرين من شهر أغسطس سنة 1819، واقترن بالملكة فكتوريا في ~~العاشر من فبراير سنة 1840 - كما تقدم - وأصيب بالحمى التيفويدية، وتوفي في الرابع عشر من ~~ديسمبر سنة 1861، وهو الابن الثاني من أولاد البرنس إرنست دوق سسكس كوبرج من نسل منتخبي ~~سكسونيا. # وبدت على هذا البرنس مخايل النجابة من صغره فبرع في دروسه الكثيرة وامتاز بالصلاح من ~~نعومة أظفاره، وكان يسعى جهده ليعين غيره ويذكر كل صنيعة تصنع له بالشكر والامتنان مهما ~~كانت طفيفة، ولما كان له ست سنوات من العمر بلغه أن رجلا مسكينا احترق بيته، فأخذ يجمع له ~~المال من المحسنين ولم يهنأ له عيش حتى جمع له ما يكفي لبناء بيته ثانية، ونما خلق الإحسان ~~فيه بتقدمه في السن حتى صار ديدنا له. # وكان أخوه آرنست أكبر منه بسنة وقد ربيا معا وعاشا كروح واحدة في جسمين، ولذلك شق عليه ~~فراقه كثيرا لما قضى عليه اقترانه بالملكة أن يقيم في البلاد الإنكليزية بعيدا عنه، وقد ~~أشارت الملكة إلى ذلك مرارا في يوميتها، وعبرت عنه على أسلوب يحق أن يكون أنموذجا لكل ~~زوجة، قالت: ما أشد ما أشعر به نحو زوجي العزيز! فقد ترك أباه وأخاه وبلاده لأجلي، فأسأل ~~الله أن يأخذ بيدي وينعم علي حتى أجعله يسلو الذين فارقهم لأجلي وسأبذل جهدي في هذا ~~السبيل. # وكان مع ذكائه ونجابته ولين قلبه شجاعا مهابا من حداثته، قيل إنه كان يلعب مع أترابه ~~وهو فتى صغير السن فمثلوا الهجوم على برج قديم، وقال واحد منهم: هلم ندخل البرج من ثغرة ~~وراءه. فقال لهم: كلا، لا يليق بفرسان مثلنا أن يهاجموا عدوهم إلا مواجهة. ms20 ولما أقام في ~~البلاد الإنكليزية عرف أنه من أفرس الفرسان وأصبرهم على متون الجياد، وكان مغرما بالصيد ~~والقنص، ولكنه كان يكره قتل الحيوانات لرقة قلبه. # شكل 7-1: البرنس ألبرت زوج الملكة. # ولما اقترن بالملكة رأى أن لا بد له من تجنب المشاكل الكثيرة التي يدعو إليها انحيازه إلى ~~حزب من حزبي المملكة فتجنبهما كليهما وجعل نفسه فوق الأحزاب السياسية، وكتب إلى أبيه سنة ~~1841 يقول كل ما يمكنني أن أقوله عن مركزي السياسي الآن هو أنني أدرس المسائل السياسية ~~الحاضرة باجتهاد عظيم، وأتجنب كل حزب سياسي، وأهتم بكل الجمعيات والنوادي العمومية وأكلم ~~الوزراء جهارا في كل المواضيع لكي يكون لي إلمام بها كلها، ولا أجد منهم إلا كل لطف ودعة، ~~وغرضي أن أساعد فكتوريا في منصبها بكل طاقتي. # ولم يمض وقت طويل حتى صارت الملكة تعتمد عليه في كل المسائل وتعمل برأيه في حل المشاكل ~~حتى لما توفاه الله قالت: إنني سأشرع الآن في حكمي من جديد. قال المستر غرافل سكرتير ~~المجلس الخاص: إن اللقب كان للملكة، وأما إدارة شئون المملكة فكانت بيد زوجها. وقال ~~دزرائيلي لسفير سكسونيا لما توفي البرنس ألبرت: «قد دفنا الآن ملكنا، فإن هذا الأمير ~~الألماني حكم إنكلترا إحدى وعشرين سنة، وكان في حكمه أحكم من كل ملك من ملوكنا، ولقد كان ~~وزيرا للملكة كل مدة حياته معها، ولو بقي حيا إلى بعد وفاة فريق من وزرائنا المحنكين ~~لنلنا به فوائد الحكومة المستقلة المضمونة بكل الضمانات الدستورية، أما نحن الأحداث الذي ~~يحق لنا الانتظام في مجلس الوزراء فكل واحد منا يعترف للبرنس ألبرت بالفضل والتقدم، ولا ~~نعلم ما يأتي به الغد، ونحن من اليوم سائرون في ليل بهيم يحيط بنا الظلام من كل ناحية.» وقال ~~المسيو دورين ده ليس السياسي الفرنسوي: «إن الحكومة الإنكليزية لم تقلد البرنس ألبرت منصبا ~~سياسيا، ولكنه ساس بفضائله الشخصية والعمومية، بمحبته لكل ما هو صالح بفعله السامي ومعارفه ~~الواسعة، وفضائله الشخصية رفعت له عرشا لا ينازعه فيه أحد، عرشا في مملكة ms21 العلم والصناعة ~~لا تصل إليه اضطرابات السياسة.» وقال غيره من مشاهير الكتاب: إن البرنس ألبرت كان يعرف ~~أحوال البلاد والزمان، فترك مشاغل الأحزاب السياسية للذين يسرون بها، ووقف نفسه على ما هو ~~أسمى منها على المطالب العلمية والمنافع العمومية؛ حيث لا ينازعه أحد في سلطته، فخسر عرشا ~~ماديا ليقيم لنفسه عرشا عقليا أدبيا. وسنأتي على طرف من أعماله فيما يلي من الفصول ~~عن سيرة الملكة وأحوال البلاد في أيامها. # الفصل الثامن # | حياة الملكة العائلية # كانت الملكة فكتوريا تكتب كل ما يجري لها يوما بعد يوم حسب العادة الجارية عند كثيرين من ~~الأوروبيين، ولم تكن تقتصر على سرد الحوادث مجردة بل كانت تعقب عليها بما يبدو لها من ~~الآراء، وكانت تطالع الجرائد وتقرأ فيها الخطب والمناظرات التي تتلى في مجلس النواب ~~والأعيان وتكتب خلاصتها، واقتطفت من ذلك كتابا نشرته سنة 1868 وضمنته كثيرا من حوادث ~~حياتها بين سنة 1848 وسنة 1861، ثم أتبعته بكتاب آخر سنة 1883 نهجت فيه منهج الأول وجعلته ~~تتمة له. وألف السر ثيودور مارتن كتابا كبيرا بإرشادها في ترجمة زوجها البرنس ألبرت وهو ~~في خمسة مجلدات، وكانت النساء المنتظمات في خدمتها يكتبن في يومياتهن ما يرينه ويسمعنه منها ~~وما يشاهدنه في قصورها، وكثيرا ما كن يصفن ذلك فيما يكتبن به إلى أهلهن، وعليه فالمواد ~~كثيرة لوصف حياتها كامرأة وزوجة ووالدة، وكثيرة أيضا لوصفها كملكة مما هو مشاهد من ~~الارتقاء العظيم في ممالكها، ومما كتبه كبار المؤرخين عن ملكها، وهي في كل حال من هذه ~~الأحوال قد بلغت غاية ما يطلب من نوع الإنسان من الكمال. # والحياة سهول وحزون وصفاء وكدر، والحكيم من لم تأخذه هزة الطرب إذا صفت له ولا أبطرته ~~النعمة إذا جاءته، ومن يتحمل الأكدار بالصبر الجميل ويتعظ بها ويتعلم منها الإشفاق على ~~المبتلين، ولقد أحسن من قال: # ألا إنما الدنيا كظل غمامة # إذا ما رجاها المستظل اضمحلت # فلا تك مفراحا إذا هي أقبلت # ولا تك محزانا إذا هي ولت # وما الملوك بمعزل عما ينال أبناء ms22 نوعهم من ضروب السراء والضراء، وما هم بالنسبة إليها إلا ~~على ما فيهم من الأمزجة وما أدبوا به من مهذبات الأخلاق ومثقفات العقول. # ومن طالع الفصول الماضية عن حداثة الملكة فكتوريا وزوجها يتوقع لهما العيش الرغد لا ~~بالنسبة إلى أنهما كانا محفوفين بكل أسباب الراحة والرفاهة؛ لأن هذه قد تسعد المرء وقد ~~تشقيه، بل بالنسبة إلى حسن تربيتهما وتدينهما ورضي أخلاقهما، لكن نوائب الدهر لم تحالفهما ~~وشمس الحياة لم تقو دواما على تبديد غيوم الهموم والغموم من أمامهما، وإذا لم يكن في هذه ~~الحياة الدنيا سوى المرض والموت، فكفى بهما مكدرين لكل صفاء، أضف إلى ذلك حسد الحاسدين ~~وحماقة الحمقى. # وأول بلية كادت تقع بهما ودفعتها الأقدار أن البرنس ألبرت ركب مرة وذهب يطارد الأوعال ~~وأطلت الملكة من إحدى كوى القصر فشاهدته راكبا فرسا جموحا، وقد عدا به في غابة غبياء ~~ملتفة الأشجار فخفق فؤادها ووقفت حيرى في أمرها، ولطم البرنس بفرع كبير من فروع الأشجار ~~فسقط عن الجواد وترضض قليلا، فركب جوادا آخر وعاد إلى القصر والملكة بانتظاره وهي لا تكاد ~~تصدق بسلامته، وحدث ذلك بعد زواجهما بشهرين. # وبعد شهرين آخرين كانت الملكة والبرنس سائرين في مركبة مفتوحة نحو شروق الشمس في جهة ~~الروض الأخضر، فلقيهما فتى في أثناء الطريق وأخرج غدارة من جيبه وأطلقها على الملكة ~~فأجفلت الخيل وأوقفها السائق، لكن البرنس أمره أن يبقى سائرا، والتفت إلى الملكة وسألها عما ~~إذا كانت قد ارتعبت مما جرى فضحكت وانغضت رأسها، لكن الفتى صوب غدارة أخرى وأطلقها عليها، ~~وأحنى البرنس رأسها فمرت الرصاصة فوقه، وبادر الناس إلى الفتى فأمسكوه ووقفت الملكة في ~~المركبة لتري شعبها أنها لم تصب بمكروه، ثم أسرعت مع زوجها إلى بيت أمها لئلا يبلغها الخبر ~~فتضطرب، وعادت بعد ذلك إلى الروض، وكان الذين فيه قد بلغهم ما جرى لها فاجتمعوا بمركباتهم ~~واصطفوا صفين سارا حول مركبتها كحراس لها وهي تومئ إليهم وتشكرهم باسمة مسرورة، ولكنها عادت ~~إلى قصرها ودخلت غرفتها اغرورقت عيناها بالدموع شكرا لله ms23 واستعظاما للخطر الذي نجت ~~منه. # وفي الصيف ذهبت هي والبرنس إلى قصر وندزور هربا من دخان لندن، وهما بارعان في الفنون ~~الجميلة فكانا يقضيان ساعات الفراغ في التصوير والنقش والموسيقى. ورزقت ابنة في الحادي ~~والعشرين من نوفمبر، وهي أرملة فردرك وليم إمبراطور ألمانيا المتوفى، ووالدة وليم الثاني ~~الإمبراطور الحالي، وقبل أن مرت سنة على زواجهما كان البرنس يجري على الجليد في بحيرة قصر ~~بكنهام فانكسر الجليد به وسقط في الماء المثلوج ولو لم تبادر الملكة إلى إغاثته لكن الخطب ~~عظيما. # وحكم بالقتل على الفتى الذي أطلق الرصاص عليها فكرهت أن يقتل أحد بسببها، وبعد مداولة ~~طويلة في هذا الموضوع أبدل القضاة عقوبة القتل بالنفي، ويوم اشتهر هذا الحكم حاول رجل آخر ~~قتلها، وأطلق النار عليها فأخطأها فقالت إنني لا أستغرب ذلك ما دام قتل الملوك يعد في ~~شريعتنا ذنبا سياسيا لا جناية، وبلغ السر روبرت بيل ذلك وكان رئيسا للوزراء فبادر إليها ~~ليتداول مع البرنس ألبرت في هذا الأمر، ولما وقع نظره عليها اغرورقت عيناه بالدموع خجلا ~~مما جرى، وللحال أقرت الحكومة الإنكليزية على ما طلبته الملكة وهو أن تحسب محاولة قتلها ~~جناية كبرى. # وزارها في تلك الأثناء مندلسن الموسيقي الشهير وكتب إلى أمه يقول: # دعاني البرنس ألبرت لكي أرى أرغنه الجديد قبلما أبرح البلاد الإنكليزية، فذهبت إليه ~~ووجدته جالسا وحده في غرفته، ودخلت الملكة حينئذ بثياب الصباح وقالت إنها عزمت على المضي ~~إلى كلارمنت بعد ساعة ثم التفتت إلى ما حولها وقالت: انظروا كيف عبثت الرياح بأوراق ~~الموسيقى وملأت أرض الغرفة بها، وانحنت وصارت تجمعها فأخذنا نساعدها في ذلك أنا والبرنس، ثم ~~رجوت من البرنس أن يضرب على الأرغن أولا، حتى أفتخر بذلك حينما أعود إلى بلادي فضرب غيبا ~~وأجاد إجادة يفتخر بها كل موسيقي، ووقفت الملكة بجانبه مسرورة، وتلوته أنا فضربت الفصل ~~القائل ما أجمل إقدام المبشرين! وقبل أن آتي على آخر السطر الأول شاركاني في الغناء ... ثم ~~سألتني الملكة عما إذا كنت قد نظمت أغاني جديدة، وقالت ms24 إنها مولعة بأغاني المطبوعة، فقال ~~لها البرنس إذن يجب أن تغني له واحدة منها، فامتنعت أولا ثم قالت إنها تغني وفتشت عن ~~الأغنية فلم تجدها؛ لأنها كانت قد ربطت مع بعض الأوراق والكتب لترسل إلى كلارمنت؛ حيث كانت ~~عازمة أن تذهب، فقلت: لماذا لا تفكها؟ فنادت إحدى السيدات لتفكها وتأتي بها، ولما لم تحضر ~~حالا ذهبت هي بنفسها لتأتي بها، فأعطاني البرنس ألبرت حينئذ خاتما بديعا من ألماس، وقال ~~إن الملكة ترجو منك أن تقبل هذه الهدية تذكارا. ثم عادت الملكة وقالت إن الكتب قد أرسلت ~~الآن فلا سبيل إلى إرجاعها، فقلت عساني ألا أحرم مما وعدت به بإرسالها، فجعلت تتداول مع ~~زوجها، وأخيرا قر القرار على أن تغنينا أغنية أخرى، فذهبنا معها إلى غرفتها لنفتش عن هذه ~~الأغنية فوجدت هناك مجموعة من أغاني الأول فطلبت إليها أن تغني واحدة منها بدل تلك، ~~فأخذتها وغنتها ولم تخطئ إلا في صوت واحد منها، وأجادت في بقية الأصوات إجادة لا مثيل لها، ~~لكنها قالت إنها خافت مني لأني أستاذ هذا الفن فلم تحسن الغناء أمامي، فمدحتها بما هي أهله ~~وأشرت إلى الصوت الذي لم تجده، ثم غنى البرنس وغنيت أنا وأجدت على خلاف عادتي في مثل ذلك ~~الموقف، واستأذنت بالانصراف فطلبا مني أن أعود إلى البلاد الإنكليزية سريعا ~~وأزورهما. # ومرت السنون بحوادثها الكثيرة والناس يسعدون ويشقون في أطراف المعمورة، والملكة فكتوريا ~~تشارك شعبها في سرائه وضرائه، وزوجها يدرس الشرائع الإنكليزية ويحل المشاكل السياسية، ~~ورزقهما الله أربعة بنين وخمس بنات من سنة 1840 إلى سنة 1857 فربياهم في خوف ~~الله. # والملكة فكتوريا مشتهرة بالتقوى ولكنها تكره التعصب الديني، والأدلة على ذلك كثيرة، منها ~~كلام كتبته سنة 1850 وكانت مدرسة أكسفورد الجامعة ومدرسة كمبردج الجامعة والمجلس البلدي في ~~مدينة لندن قد بعثوا إليها وفودا يشكون مما حسبوه اعتداء من الكاثوليك على سلطتها فكتبت: ~~«إنني لا أريد أبدا أن أقول قولا تشتم منه رائحة التعصب، نعم إني متمسكة بمذهب البروتستنت ~~أشد التمسك، وسأبقى متمسكة به ms25 ما دمت حية، ومستاءة من الذين يظهرون التدين وهم غير متدينين، ~~لكنني آسفة جدا على ما أراه من التعصب الذي يبدو من كثيرين، ولا أحتمل أن أسمع الأقوال ~~التي تقال ضد المذهب الكاثوليكي؛ لأنها تؤلمني جدا ولأنها اعتداء على كثيرين من الكاثوليك ~~الفضلاء، ومع ذلك فإني أرجو أن تزول أسباب هذا الاضطراب حالا، وتكون النتيجة حسنة على ~~كنيستنا.» # ومن كانت كذلك يسهل عليها أن تحكم ملايين من الناس على اختلاف مذاهبهم وتربي أولادها في ~~خوف الله وحب القريب، ونشأ أولادها على ما ربتهم، وابنتها الأولى صورت صورة بديعة وهي في ~~الخامسة عشرة من عمرها وعرضتها في معرض الصور فبيعت بمائتي جنيه، فدفعت ثمنها لأرامل الضباط ~~الذين قتلوا في حرب القرم، وذلك أدل دليل على حسن التربية والرأفة بالمبتلين. # ولم تكتف بتعليم أولادها وتهذيبهم بل عودتهم هي وزوجها تحمل المشاق من صغرهم؛ لكي يرثوا ~~للرعية، فكان الصبيان يعملون مع العمال في بستان قصر وندزور، ويأخذون أجرة مثلهم، وبنوا مرة ~~حصنا بأيديهم وضربوا له الآجر وشووه أيضا، وكانت البنات يتمرن على كل الأعمال المنزلية ~~حتى الطبخ، وكن يطبخن ويوزعن ما يطبخنه على الفقراء، وكانت الملكة تمضي بأولادها إلى ~~المعابد في أوقات العبادة وتنتبه إلى مواعظ الواعظين أشد الانتباه وتستفيد منها، قالت مرة ~~في يومياتها: «وعظنا القس كيرد المحترم وهو من أشهر الوعاظ في سكتلندا، فأبان لنا أن ~~الديانة الصحيحة تتغلب على كل أعمال الإنسان، لا تقتصر على القيام بالفروض الدينية، ولا تمنع ~~معاملة الناس، بل تجعل صاحبها صالحا في كل أعماله.» وقد مدحت هذه العظة وأمرت بطبعها على ~~نفقتها. # ودخلت سنة 1861 والحزن بين يديها فتوفيت فيها أم الملكة فحزنت عليها الملكة وزوجها ~~وأولادهما حزنا شديدا، وكان البرنس قد أصيب بألم عصبي في وجهه، فجاء موت حماته واهتمامه ~~الشديد بتوزيع تركتها؛ لأنها أقامته وصيا عليها ضغثا على إبالة، ثم بلغه أن الحمى ~~التيفويدية دخلت بلاط ملك البرتغال فأماتت الملك وأخاه، وكان هذا الملك صديقا حميما له، ~~فحزن عليه حزنا شديدا، وجعل يفكر ms26 في زوال الدنيا ودنو الأجل، وقال للملكة: لو عرفت أن ~~أحبائي الذين أتركهم يعتنى بهم الاعتناء الواجب لقلت إني مستعد لمفارقة هذه الحياة ~~غدا. # وكانت جراثيم الحمى التيفودية قد دخلت بدنه من حيث لا يدري، وحاربت جيوش الكريات ~~الدموية وتغلبت عليها فلزم فراشه أياما وهو يزداد ضعفا وسقما والملكة قائمة على خدمته ~~بنفسها لا تفارقه ساعة، ولما دنا الأجل اجتمع أولاده في غرفته وركعوا حول سريره هم ~~ووالدتهم، فتنفس النفس الأخير وفاضت روحه إلى باريها، ولا تسل عما شمل البلاد الإنكليزية من ~~الدهشة والكآبة، أما حزن الملكة عليه فلا يصفه لسان ولا يعبر عنه قلم، وقفت في أول الأمر ~~حيرى وقد جفت الدموع من عينيها فخاف الأطباء من ذلك وأوجسوا شرا، ثم احتضنت ابنتها الصغرى ~~ففاضت عيناها بالدموع وجرى الحزن مجراه الطبيعي، ولولا ذلك لقضي عليها. وقد تكرر هذا المصاب ~~على الملكة بموت ابن وابنة وحفيد، ولكن موت زوجها كان أشد مصاب عليها، ولم تبرأ نفسها من ~~أثره حتى الآن، وتزوج أولادها بعد ذلك وتوالت عليها أسباب الهناء والسرور، لكن حزنها لم ~~يفارقها ولو لم يصرفها عن القيام بمهام ملكها والاهتمام بشأن أولادها. # شكل 8-1: الملكة فكتوريا تكلم ابنة صغيرة في مستشفى لندن. # وتعلمت من هذا المصاب الفادح أن ترثي لكل مصاب من رعاياها ومن غيرهم، وقد انتبه المصورون ~~لذلك فصوروها وهي تزور المستشفيات وتكلم المرضى وتواسيهم وترثي لمصابهم كما ترى في [شكل # 8-1 ~~]، وقد حدث ذلك في مستشفى لندن سنة 1876؛ فإنها كانت تطوف في غرف ذلك المستشفى يوما ~~ما وبلغ ابنة صغيرة أنها هناك فجعلت تنادي بأعلى صوتها دعوني أر الملكة، فإن رأيتها زال ما ~~بي من المرض، وبلغ الملكة ذلك فأسرعت إليها وأخذت بيدها وجعلت تكلمها باللطف والدعة كما ترى ~~في [شكل # 8-1 ~~]، وصوروها أيضا وهي تصنع الأحرمة بيديها كما ترى في [شكل # 8-2 ~~] لتبعث ~~بها إلى المرضى في المستشفيات، ذلك فوق الأموال الطائلة التي تجود بها كل سنة على المعوزين، ~~نعم إن حراما تصنعه لا يدفئ المتدثر ms27 به أكثر من حرام يصنعه غيرها، ولكن في هذا الصنيع ~~فائدة لا تقدر للأمة كلها؛ لأن الناس على دين ملوكهم، فإذا رأوا هذا الفضل وهذا الاهتمام من ~~ملكتهم أخذوا إخذها وجروا على خطتها. # شكل 8-2: الملكة فكتوريا وابنتها البرنسس بينرس تصنعان أحرمة لمستشفى ننلي. # الفصل التاسع # | حياة الملكة السياسية # لا نجد بين الألوف الذين سادوا الممالك وقاموا بمهام الملك إلا قليلا من النساء، كأن ~~المرأة لم تولد لتسود بل لتساد ولو كانت سيدة في بيتها، لكن النساء القليلات اللواتي أدليت ~~الأحكام إليهن كزينوبيا ملكة تدمر، وكاترينا ملكة الروس، وأليصابات ملكة الإنكليز؛ قبضن على ~~أزمتها بأيد من حديد وسسن ممالكهن بالحكمة والسداد، والملكة فكتوريا أطولهن حكما وأوفرهن ~~حكمة بإجماع كل الذين انتقدوا أعمال الملوك، وسر نجاحها في حكمها جريها على إرادة شعبها ~~ووزرائها، فإنها لم تترك شعبها ليختار له النواب الذين يريدهم، فتسلم مقاليد الأحكام لزعيم ~~الحزب الأكبر من هؤلاء النواب، ولا تقف عند هذا الحد ولا تكف عن الاهتمام بشئون المملكة، بل ~~تساعد وزراءها في أعمالهم كأنها تصب عليها زيتا وبلسما حتى يقل، الاحتكاك بين مصالح العباد ~~ويصحب كل سهم نافذ بمرهم يداوي الجراح ويزيل الآلام، فتاريخها السياسي هو تاريخ وزرائها ~~الذين ولتهم الأحكام من حين تربعت في سرير الملك إلى الآن، وسنقتصر على ذكر أشهرهم. # لورد ملبرن # لما دعيت الملكة فكتوريا من المدرسة إلى سرير الملك كان لورد ملبرن رئيسا للوزراء، ~~فجعل غرضه الأول اطلاعها على أسرار السياسة وأساليبها، فنجح في ذلك نجاحا تاما؛ لأنه ~~كان ينظر إليها نظر الوالد إلى ولده، فاعتبرته والدا رءوفا وصديقا حميما، لكن تعليمه ~~لها لم يقتصر على شرح أساليب السياسة وغوامضها بل تناول تعويدها الصفح والتغاضي عن ~~الذين يسيئون إليها، وكان هو أول مسيء في أمر الراتب الذي عين لزوجها وفي أمر تقدمه على ~~غيره في الاحتفالات الرسمية، فإنه جعل الراتب أولا خمسين ألف جنيه في السنة، ولكنه لم ~~يذاكر زعماء المحافظين فيه قبل أن يعرضه على المجلس كما هو الواجب عليه، فعارضوه ms28 فيه لما ~~عرضه، وجعلوه ثلاثين ألف جنيه فقط، ثم جعل منزلة زوجها بعدها تماما ولم يذاكر زعماء ~~الأشراف قبل أن يعرض عليهم هذا الأمر فأغضوا عنه، وبقي البرنس كأحد العامة، ولا يخفى ما ~~في ذلك من الإهانة للملكة والغض من كرامة زوجها، لكنها تحملته بالصبر الجميل وأغضت عنه ~~إغضاء الكرام، ولم ينقص اعتبار لورد ملبرن في عينيها لعلمها أن الإساءة غير مقصودة وأن ~~الحسنات يذهبن السيئات. # وكان لورد ملبرن شيخا واسع الرواية عارفا بأساليب السياسة وأخبار الأيام، قوي ~~الحافظة يستحضر ما يشاء من الأخبار والأشعار فيرويها على صحتها، وكان السر روبرت بيل ~~نده في السياسة يقول إن ليس للملكة سبيل أفضل من اتباع مشورة لورد ملبرن في كل ما يشور ~~به عليها، وكذلك دوق ولنتن زعيم حزب المحافظين في مجلس الأعيان قال جهارا في ذلك ~~المجلس إن لورد ملبرن قد خدم الملكة أعظم خدمة ممكنة بإطلاعها على أساليب السياسة ~~وتدريبها على الحكومة الدستورية وتعليمها كيف تسوس شعبها بموجبها. # شكل 9-1: الملكة ورؤساء وزرائها. # وكان خالها ملك البلجيك ومشيره البارون ستكمار يبذلان الجهد في تدريبها على الجري، ~~بموجب مطالب الحكومة الدستورية وترفعها عن الأحزاب السياسية؛ حتى لا تنقاد إلى حزب من ~~حزبي بلادها فتغضب الحزب الآخر وتصبح زعيمة حزب لا ملكة البلاد كلها، بل تبقى فوق ~~الحزبين وتراعي مصالحهما على حد سوى، ولو كان لورد ملبرن قليل الولاء لمولاته أو مفضلا ~~مصلحة حزبه على مصلحتها؛ لسهل عليه أن يقودها إلى حزبه ويجعلها منه لكنه لم يفعل ذلك ولا ~~تركها تنقاد إلى حزبه من تلقاء نفسها، بل قاوم ميلها الطبيعي وعلمها أن تكون ملكة على ~~البلاد كلها لا أن تكون رئيسة حزب من حزبيها. # ولما سقطت وزارة ملبرن حزنت على فراقه، ثم لما فارق الحياة الدنيا سنة 1848 لم يحزن ~~عليه أحد قدر ما حزنت، بعد أن بذلت هي وزوجها جهدها ليسراه ويحليا مرارة حياته في ~~السنين الأخيرة من عمره، وكتبت في يوميتها تقول: «إني أندب الآن، فقد الصديق الصادق ~~والخل الوفي ms29 الذي كان يودني ويسعى في مصلحتي بكل جهده عن إخلاص تام وحب صادق، الذي كان ~~صديقي الوحيد تقريبا في السنتين الأوليين من ملكي.» # وحدثت حوادث سياسية ذات شأن مدة وزارته، فثار أهالي كندا ونهض محمد علي باشا في مصر ~~على الدولة العلية، فاتفقت إنكلترا والنمسا مع تركيا على إخراج إبراهيم باشا من سورية، ~~وأخذت بيروت وهدمت حصون عكاء وردت العمارة التركية إلى الدولة العلية، وكادت تنشب الحرب ~~بين إنكلترا وفرنسا بسبب ذلك؛ لأن فرنسا كانت عازمة على مظاهرة محمد علي باشا لكي يكون ~~لها الشأن الأعلى في مصر فتنضم عمارة مصر إلى عمارتها في البحر المتوسط وتصير قادرة على ~~مقاومة إنكلترا، فأحبطت مساعي فرنسا بالمحالفة التي عقدت في 15 يوليو سنة 1840 بين ~~إنكلترا والنمسا وبروسيا وروسيا وتركيا؛ لحماية القطر المصري، وكان تيرس وزيرا لفرنسا ~~فدهش لما سمع بهذه المحالفة وأخذ منه الغيظ كل مأخذ، وعزم الفرنسويون على محاربة ~~الإنكليز لو لم يصرفهم ملك البلجيك عن ذلك، وكان قد اقترن بابنة الملك لويس فيليب ملك ~~فرنسا، ونشبت الحرب بين إنكلترا والصين بسبب تجارة الأفيون، وعقد الصلح سنة 1842 على أن ~~تدفع الصين 21 مليون ريال وتتنازل لإنكلترا عن هنغ كنغ. # وولد لورد ملبرن سنة 1779 وتوفي سنة 1848. # السر روبرت بيل # تولى الوزارة سنة 1841بحكم الشعب؛ لأن أكثرية النواب كان من المحافظين، فاضطرت ~~الملكة أن تسند الوزارة إلى زعيمهم، وكان قد طلب منها أن تبدل نساء بلاطها بغيرهن على ~~ما تقدم فساءها ذلك جدا، ثم كرر الإساءة إليها بطلبه تخفيض المال الذي قطع لزوجها ~~لكن لورد ملبرن علمها مدة وزارته أن أول واجب عليها الخضوع لمطالب الأمة، فلم تر بدا ~~من إسناد الوزارة إلى السر روبرت بيل حينما فاز حزبه في الانتخابات العمومية، فأخذت ~~الختوم من الوزراء المعزولين وسلمتها له وللوزراء الذين اختارهم معه، ولم تكن قد فعلت ~~ذلك قبلا، فعلت وجهها حمرة الخجل لكنها ملكت نفسها، وأظهرت الحزم الشديد ورأست مجلس ~~الوزراء بعزيمة صادقة، واضطرب السر روبرت بيل في أمره ms30 أكثر منها مع ما هو مشهور عنه من ~~الهمة والإقدام؛ لأنه شعر من نفسه أنه كان السبب في الإساءة إليها لكنه لم ير منها إلا ~~كل دعة ولطف، فسكن جأشه ولا سيما لما رآها تكلمه كما كانت تكلم وزيرها السابق كأنها ~~صفحت عما مضى وقصرت نظرها على مصلحة البلاد. ولما اعتزل الوزارة بعد خمس سنوات كتبت إلى ~~خالها ملك البلجيك تقول: «لقد كان أمس يوما عبوسا؛ إذ اضطررت أن أفارق السر روبرت بيل ~~ولورد إبردين وفراقهما خسارة لا مثيل لها علينا وعلى البلاد، فإنهما كانا صديقين مخلصين ~~وكنا في أشد الأمن والاطمئنان معهما، وفي كل هذه السنوات الخمس التي توليا فيها الوزارة ~~لم يشيرا بشيء إلا وفيه المصلحة لي ولبلادي.» # وفي مدة وزارته قهرت الحامية الإنكليزية في مدينة كابول وأوقع الأفغان بها وهي عائدة، ~~وكان فيها 4500 من الجنود و12 ألفا من القديديين فلم يسلم منهم سوى رجل واحد ترك ~~حيا ليبلغ حامية جلال آباد ما حل برفاقه، لكن الإنكليز أخذوا بثأر إخوانهم وفتحوا ~~كابول عنوة. # وتوفي السر روبرت بيل سنة 1850 فحزنت الملكة عليه حزنا شديدا، وقالت: «إنه كان ~~صديقنا الأصدق ومشيرنا الأحكم.» وكأنها تتكلم بصيغة الجمع؛ لأن زوجها كان قد صار شريكا ~~لها في الملك. # اللورد جون رسل # لما سقطت وزارة السر روبرت بيل استدعت الملكة اللورد جون رسل وطلبت منه أن يشكل وزارة ~~جديدة ففشل في أول الأمر، وعاد بيل إلى الوزارة، ثم اضطر إلى الاستعفاء ثانية، فشكل ~~اللورد رسل وزارة سنة 1846 واضطر أن يستعفي سنة 1852 كما سيجيء، وتلاه لورد دربي ولورد ~~إبردين، وأخذ نظارة الخارجية في وزارة لورد إبردين وعاد إليها في وزارة بامرستون ~~الثانية، ثم عاد إلى الوزارة بعد موت بامرستون سنة 1865 ولم يقم فيها طويلا، وأوقع ~~المملكة في اضطراب شديد مدة وزارته، فاغتاظت الملكة منه لكنها صفحت عنه حالا، ولما ~~توفي سنة 1878 كتبت إلى زوجته تقول: إني أسيفة على صديقي الذي أخلص لي الولاء أربعين ~~سنة، وزيري الأول والأشهر الذي ms31 لا أنسى لطفه لي في أوقات الشدة والضيق. # وهذا شأنها مع كل وزرائها، فإنها تنظر إلى الكبير منهم نظر الابنة إلى أبيها، وإلى ~~الصغير نظر الأخت إلى أخيها، وإلى الجميع نظر الصديق إلى صديقه. # لورد بامرستون # لما استعفى السر روبرت بيل وسلمت الملكة مقاليد الوزارة للورد جون رسل جعل اللورد ~~بامرستون وزيرا للخارجية، وكان بامرستون شديد العزيمة في السياسة الخارجية يقتحم ~~مخاطرها غير هياب، فلقب بالشعلة النارية، ولما اعترض على سياسته في مجلس النواب دافع ~~عنها بخطبة طويلة دامت خمس ساعات، ففاز على خصومه. # ولما أراد لويس نبوليون الارتقاء إلى عرش عمه نبوليون الأول كتبت الملكة إلى وزيرها ~~اللورد جون رسل تقول: إنها استغربت جدا الحوادث التي حدثت في باريس، واهتمت بها أشد ~~الاهتمام، ولكنها تحسب أنه يجب أن يخبر سفيرها في باريس؛ لكي يبقى على الحياد ولا يشترك ~~فيما هو جار فيها بوجه من الوجوه؛ لأن كل كلمة يقولها يمكن أن تفسر على غير مراده. ولا ~~يخفى أن رأي الملكة هذا عين الصواب، لكن بامرستون لم يعمل به، بل سبق فأخبر سفير فرنسا ~~في إنكلترا أنه مستحسن لما فعله لويس نبوليون، ولم يستشر اللورد جون رسل ولا الملكة، ~~فأشار عليه اللورد رسل أن يستعفي من منصبه، فاستعفى ثم اعترض على وزارة اللورد رسل ~~فأسقطها، وقامت بعدها وزارة لورد دربي، فلم يشترك فيها مع أن لورد دربي عرض عليه أحد ~~مناصبها، ثم سقطت وزارة لورد دربي، وأتت بعدها وزارة أرل إبردين سنة 1852، فجعل فيها ~~وزيرا للداخلية، وسقطت هذه الوزارة سنة 1854، فسلمت الملكة مقاليدها للورد بامرستون، ~~وكان حينئذ في الحادية والسبعين من عمره، وكانت نار حرب القرم مستعرة، فأذكى نارها إلى ~~أن انقضت بأخذ سباستوبول وعقد الصلح. # وحدثت في مدة وزارته الحرب الأهلية في أميركا، والحرب بين فرنسا والنمسا، وبين النمسا ~~وبروسيا والدنمارك، وتوفي سنة 1865. # وقد يظن لأول وهلة أن الحوادث تحدث والملكة غافلة عنها لعلمها أن وزراءها يديرون دفة ~~السياسة على ما يرام، والواقع على الضد من ذلك؛ لأنها تراقب ms32 سياسة بلادها وسياسة ~~البلدان الأخرى بعين ساهرة، وتشارك وزراءها في آرائهم، وإذا أصروا على عمل شيء مخالف ~~لإرادتها جارتهم فيه ولو رغما عنها؛ لأنها تعلم أن ذلك واجب عليها لا مفر لها منه ما ~~دامت حكومة بلادها دستورية. # ومما يذكر لها مشفوعا بشكر شعبها أنها تشاركهم دائما في السراء والضراء، فلما اشتدت ~~الفاقة عليهم سنة 1847 بمحل الغلال حثت أهالي البر على جمع الصدقات للمحتاجين، وتصدقت ~~عليهم بجانب كبير من مالها الخاص، وأمرت ألا يستعمل الدقيق الجيد في قصرها، واقتدى بها ~~عظماء المملكة فحرموا أنفسهم الملاذ لكي يطعموا الفقراء. # وعقبت سني الشدة سنو الرخاء، وكانت الجنود الإنكليزية تلاقي الأهوال في بلاد الهند، ~~فاستتب النصر لها أخيرا، وتغلبت على مملكة بنجاب وضمتها إلى السلطنة الهندية. # وخافت إنكلترا أن يقفو نبوليون الثالث خطوات عمه نبوليون الأول، أما هو فأكد لأوروبا ~~أن السلم غرضه الذي يرمي إليه، فاعترفت به إنكلترا وبروسيا والنمسا ثم روسيا، وعلم أن ~~ملوك أوروبا لا يرغبون في مصاهرته، فاختار له زوجة أميرة إسبانية، وزار معها إنكلترا ~~فرحبت بهما الملكة والشعب الإنكليزي، وأقامت له ليلة راقصة في غرفة ووترلو، وكتبت إلى ~~خالها تقول «من أغرب ما حدث الآن أني أنا حفيدة جورج الثالث رقصت مع الإمبراطور نبوليون ~~ابن أخ عدو إنكلترا الألد في غرفة ووترلو وهو الآن حليفي الأقرب.» # وردت له الزيارة في باريس مع زوجها وولي عهدها فرحب بهم الفرنسويون أعظم ترحيب، وزارت ~~قبر نبوليون الأول متكئة على ذراع نبوليون الثالث، وكتبت في هذا الصدد تقول: «إنها وقفت ~~أمام قبر عدو إنكلترا الألد وأرغن الكنيسة يضرب سلامها، وكأن هذه الزيارة وتقديم هذا ~~الإكرام لرفات العدو الميت محيا العداوة القديمة.» # وكان قيصر الروس نقولا الأول قد كاشف وزراء إنكلترا بغرضه في تركيا، وأشار عليهم أن ~~يأخذوا مصر وكريت ويتركوه وشأنه، ثم حدث خلاف في أورشليم بين الأرثوذكس واللاتين نشبت ~~بسببه حرب القرم بين روسيا والدولة العلية، فبذلت إنكلترا جهدها لمنع هذه الحرب، ولما ~~رأت أنها لم تفلح اتحدت مع فرنسا ms33 لمعاونة الدولة العلية على الروس، فألقت الحرب أوزارها، ~~وتوفي القيصر نقولا الأول في 2 مارس «آذار» سنة 1855، وخلفه ابنه إسكندر الثاني فسار في ~~خطة أبيه، واهتمت الملكة فكتوريا في غضون هذه الحرب بصحة جنودها ومؤاساة جراحهم، وكانت ~~تصنع الأحرمة بيديها، وترسل بها إلى الجنود فاقتدى بها نساء المملكة في هذا العمل ~~المبرور، ولما بلغها ما حل بالجنود من الشدة والضنك كتبت إلى قائدهم تقول لا يمكنك أن ~~تتصور مقدار ألمنا وشدته من جراء ذلك، وعادت الجرحى الذين أعيدوا إلى بلادهم فلم تسر ~~برؤية المستشفى الذي كانوا فيه لضيق غرفه وعلو كواه فطلبت من وزير الحربية أن يبني ~~غيره. # ورأت في زيارة أخرى أحد الجرحى، وكانت يده اليمنى قد قطعت في الحرب، فسألته عما إذا ~~كان يشعر بألم، فقال: نعم إني أشعر بألم ها هنا. وأراد أن يضع يده السليمة على قلبه فدلت ~~على كتفه، فنظرت إلى الطبيب وقالت: سمعت أن الإنسان قد يفقد عضوا من أعضائه فيشعر بألم ~~في مكان آخر، ولكنني لم أتحقق ذلك قبلا. فقال الجندي: كلا يا مولاتي، بل لما كانت ~~ذراعي سليمة كنت أحارب بها في خدمتك، ولو كان لي خمسون ذراعا لوقفتها كلها لك ولبلادي، ~~أما الآن ففقد ذراعي يؤلم فؤادي. ففهمت الملكة مراده وشكرته شكرا جزيلا. # وسنة 1857 اتقدت نار الثورة في بلاد الهند، وكانت تحت سلطة شركة الهند الشرقية، ~~فأشارت الملكة بإرسال المدد إلى الجنود التي فيها حالا وصوبت رأي القائلين بزيادة ~~الجنود الإنكليزية في تلك البلاد، وأشارت بأن يرسل المدد فيالق كاملة لا فصائل متفرقة، ~~لكي يبقى القواد مع جنودهم الذين عرفوهم، وأن يزاد عدد الجنود في البلاد الإنكليزية إلى ~~الحد الذي سمح به البرلمنت بدل الجنود التي ترسل إلى الهند خوفا من أمر يأتي فجأة، ~~فأجابها لورد بامرستون أنه تلقى إشارتها وعلم ما فيها مما كانت تقوله لو كانت في مجلس ~~النواب. وقال: إن الذين يخالفونها في ذلك يشكرون الله؛ لأنها ليست في ذلك المجلس وإلا ~~للقوا منها خصما عنيدا قوي ms34 الحجة سديد البرهان، أما الذين يوافقونها فيرون فيها أعظم ~~نصير لهم لو كانت في مجلس النواب. أما من حيث ما تستدعيه أحوال الهند الحاضرة فقال: إن ~~وزارته لا تألو جهدا عن عمل ما تقتضيه الأحوال، ولكن لا بد من أن يكون ذلك رويدا ~~رويدا. فلم ترتض الملكة بهذا الجواب ولا بهذه السياسة، سياسة الإمهال والتسويف، فكتبت ~~إليه تقول: «إنها تريد أن يرسخ في نفوس وزرائها أنه لا بد من الاهتمام حالا بمركز ~~إنكلترا الحربي بنوع عام، والجري على خطة تكفل راحتها في المستقبل بدلا من الجري على ~~مقتضى الحال ومداواة الحاضر بالحاضر، والأسلوب الذي تحسب أن لا بد من اتباعه هو أن يرسل ~~إلى بلاد الهند كل الجنود التي تحتاج إليهم، ثم يعوض عنهم حالا بجنود أخرى تجمع بدلا ~~منهم، وذلك لا يكلف الخزينة شيئا، بل يرفع عنها بعض الكلفة الحاضرة؛ لأن شركة الهند ~~الشرقية تدفع كل نفقات الجنود التي ترسل إليها، فالنفقات التي كانت الخزينة تدفعها لهم ~~تدفعها للجنود التي تجمع بدلا منهم وترد الضباط الذين تدفع لهم معاشات الآن إلى الخدمة ~~فتقتصد الخزينة المعاشات التي كانت تدفعها لهم. وإن قيل: إن جمع الجنود ليس بالأمر ~~السهل، قلت امتحنوا ذلك قبل أن تحكموا فيه، وإن قيل إن شركة الهند لا ترغب في استخدام ~~الجنود الإنكليزية، قلت يجب أن تجبر على ذلك.» فعملت الحكومة برأي الملكة ونجحت وأخمدت ~~الثورة في بلاد الهند، ولكن بعد عناء شديد، وسفك دماء كثيرة، وانتقلت سلطنة الهند ~~الوسيعة من يد شركة الهند إلى يد الدولة الإنكليزية وكان ذلك سنة 1859. # وتوفي اللورد بامرستون في الثامن عشر من أكتوبر سنة 1865، وهو في الحادية والثمانين ~~من عمره، ودفن في وستمنستر مدفن عظماء الإنكليز، وكان أشهر وزراء عصره، محبوبا في بلاده ~~مرهوبا في سائر البلدان، وبقيت فيه همة الشباب إلى حين وفاته. # لورد إبردين # ولد سنة 1774 ودرس في مدرسة كمبردج الجامعة شأن غيره من أولاد الأشراف في بلاد ~~الإنكليز فإنهم يدرسون في أكبر المدارس، ويأخذون العلم عن أكبر ms35 العلماء، وقد يشاركون ~~فيه حتى يبلغوا منزلة رفيعة منه، فإن لورد إبردين هذا نال رتبة معلم في الفنون في ~~العشرين من عمره، وهي لا تعطى إلا لمن قرن العلم بالعمل، ثم دخل مجلس الأشراف وجلس مع ~~حزب المحافظين ثم جعل سفيرا في بلاد النمسا سنة 1813 فأتم عقد المحالفة بين إنكلترا ~~والنمسا، وانتظم في وزارة دوق ولنتون وزيرا للخارجية وفي وزارة السر روبرت بيل واستعفى ~~معه سنة 1846. وتألفت وزارة ممتزجة من المحافظين والأحرار سنة 1852 فقبل أن يكون رئيسا ~~لها إجابة لطلب الملكة، فإن أحوال الملكة كانت في اضطراب شديد، واشتد الخلاف بين حزبيها ~~فرأت الملكة أن تصلح بينهما بتأليف وزارة رجالها منهما كليهما، فتألفت تلك الوزارة وكان ~~ذلك غاية ما تمنته الملكة كما صرحت مرارا. # ومرت الأيام ووزارة لورد إبردين مفلحة في سياستها ناجحة في أعمالها إلى أن نشبت حرب ~~القرم واحتدمت نارها فلم يقو على احتمال شدائدها وهياج الأمة الإنكليزية بسبب ما أصاب ~~أبناءها، واستعفى اللورد جون رسل أحد أعضاء الوزارة فأضعف ذلك عزائم اللورد إبردين ~~فسقطت وزارته وخلفه لورد بامرستون كما تقدم، وذلك في سنة 1855، وتوفي لورد إبردين في ~~مدينة لندن في 13 ديسمبر سنة 1860. # لورد بيكنسفيلد # هو بنيامين بن إسحاق دزرائيلي من يهود إسبانيا الذين هجروها في أواخر القرن الخامس ~~عشر فرارا من ديوان التفتيش، لجأت عائلته إلى البندقية فأثرت فيها، ثم هاجرت إلى ~~إنكلترا وولد فيها بمدينة لندن في أواخر سنة 1804 وختن حسب شريعة اليهود، ثم نصر ~~ودرس علم الحقوق ليتعاطى المحاماة، وألف كثيرا من الروايات فاشتهر بها بين رجال الأدب ~~ومال إلى السياسة، فدخل البرلمنت سنة 1837 بعد عناء شديد، ولما خطب أول خطبة فيه قابله ~~الأعضاء بالضحك والهزء حتى إذا فرغ صبره قال لهم: «لقد شرعت في أمور كثيرة مرارا ~~مختلفة، وكنت في الغالب أنجح فيها أخيرا، نعم إني أصمت الآن، لكنه سيأتي وقت تصغون فيه ~~إلي.» وفي أقل من تسع سنوات جاء ذلك الوقت فأصغت البلاد كلها إلى أقواله وقاد حزب ms36 ~~المحافظين في مجلس النواب ضد وزارة الأحرار سبع سنوات، ثم جعل رئيسا للوزراء سنة 1868 ~~واستعفى في آخر تلك السنة، وأعطته الملكة لقب لورد بيكنسفيلد، فاعتذر عن قبوله لكي لا ~~يحرم من الجلوس في مجلس النواب ومناضلة الوزارة، ولكنه أبقاه لزوجته وأخذ رئاسة الوزراء ~~ثانية سنة 1874 وبقي فيها إلى سنة 1880، وهو الذي ابتاع أسهم ترعة السويس من مصر فجعل ~~لإنكلترا المصلحة الكبرى في هذه الترعة والشأن الأعظم في القطر المصري، وهو الذي أعطى ~~الملكة فكتوريا لقب إمبراطورة الهند، ونودي بها بلقب قيصر الهند في دلهى عاصمة ملوك ~~المغول في غرة سنة 1877، ونودي كذلك في بمباي وكلكتا ومدراس. ولم تكن الملكة تسمع عنه ~~في أول أمره ما يسرها؛ لأنه كان شديد الوطأة على مناظريه في مجلس النواب، وكان أولئك ~~المناظرون من المقربين إليها، ولكن لما رأت حسن سياسته نسيت السيئات ونظرت إلى الحسنات ~~على جاري عادتها، ولا سيما لأنه أظهر ولاءه لها على أسلوب يؤثر في النفوس وفي أوقات يصل ~~تأثير المؤاساة فيها إلى أعماق الفؤاد، ذلك أنه لما توفيت دوقة كنت أم الملكة تكلم في ~~مجلس النواب في صدد كتاب التعزية الذي أراد المجلس أن يبعث به إليها، فقال: «إن الفاجعة ~~الشديدة التي فجعت بها الملكة ليس لها عندنا إلا سبيل واحد للعزاء، وهو ذكر أمانتنا ~~للفقيدة وحبنا لها، وإن الملكة لحرية بأن ترى منا هذا الذكر المعزي المسلي، ولقد يقال إن ~~حزن الناس يقل بارتفاع مناصبهم ولكن ذلك لا يصدق على هذه الحال؛ لأن الملكة التي تملك ~~علينا اختارت من نفسها أن يكون بيتها مثل بيوت شعبها مع ما هي محفوفة به من مظاهر الملك ~~والعظمة.» # ولما نشبت الحرب الأخيرة بين الدولة العلية وروسيا أخذ يناصر الدولة العلية، وبعث ~~الأسطول الإنكليزي إلى الدردنيل لصد الروس واستدعى الجنود الهندية إلى مالطة، وطلب من ~~مجلس النواب ستة ملايين من الجنيهات تأهبا للحرب، وحضر مؤتمر برلين مع اللورد سلسبري ~~وعقد معاهدة برلين المشهورة واحتل قبرص. ثم نشبت حرب الأفغان وحرب الزولو، ms37 ولا يسعنا ~~المقام لوصف ما حدث في هاتين الحربين من الويلات، وإنما نكتفي بالإلماع إلى حرب الزولو ~~وقتل البرنس إمبريال ولي عهد نبوليون الثالث لما ظهر فيه من عواطف الملكة، فإن هذا ~~البرنس كان يدرس في المدرسة الحربية الإنكليزية بولج، فلما نشبت حرب الزولو ذهب إليها ~~متطوعا وأمر رؤساؤه ألا يدعوه يقتحم المخاطر، وذهب يوما للاستطلاع مع قليل من الجنود، ~~وبينا كانوا جالسين يطعمون خيلهم، ويرسمون شكل البلاد فاجأهم الزولو وقتلوه، وكان ذلك في ~~غرة يونيو سنة 1879، ولما بلغ نعيه الملكة انقض عليها كالصاعقة، وقد كتبت في هذا ~~الصدد تقول: «قرع برون الباب ودخل، فسألته: ما الخبر ؟ قال: شر. قلت: وما هو؟ قال: ~~قتل البرنس الفرنسوي. فلم أفهم مراده، وكررت السؤال عليه، وحيئنذ دخلت بيترس (ابنتها) ~~وبيدها تلغراف وهي تقول: وا حسرتاه! فقد قتل البرنس إمبريال، وإني أكتب هذه الكلمات ~~الآن وأعضائي ترتعش، وللحال مسكت رأسي بيدي وقلت: كلا كلا! ذلك ضرب من المحال وأعولت ~~في البكاء، وكانت بيترس تبكي بجانبي والتلغراف بيدها فأعطتني إياه. # وا حسرتاه عليك! وا لهفتاه عليك أيتها الإمبراطورة العزيزة! ولدك الوحيد الوحيد يا ~~للمصيبة! ضاع رشدي ولم أعد أفتكر بأمر آخر، وا مصيبتاه! كلما فكرت في هذا المصاب زادني ~~هما وغما، وقد شملتنا الدهشة كلنا فلم أنم حتى الفجر.» # ويقال إن الحكومة الإنكليزية أخطأت في قبول هذا البرنس بين جنودها، ولكن إذا وقع ~~القدر بطل الحذر. # واشتدت المجاعة في بلاد الهند وساءت أحوال التجارة، فعلت شكوى الناس ونقموا على ~~الوزارة حتى إذا جرت الانتخابات العمومية سنة 1880، كانت الأكثرية من حزب الأحرار ~~فاستعفى اللورد بيكنسفيلد وجلس في مجلس الأعيان، وتوفي في السنة التالية في التاسع عشر ~~من أبريل، فحزنت عليه الملكة حزنا شديدا وسار أولادها الثلاثة؛ برنس أوف ويلس ودوق ~~كنوت والبرنس ليوبولد في جنازته، ووضعوا على نعشه إكليلين من الأزهار بعثت بهما الملكة ~~أولهما من زهر البرمروز وكان مولعا به، وكتبت عليه «جزية المحبة من الملكة فكتوريا.» ثم ~~زارت قبره هي وابنتها البرنسس بيترس ووضعتا ms38 عليها إكليلا آخر، واشتركت البلاد ~~الإنكليزية كلها في الحزن على هذا الوزير العظيم، وحتى الآن يغطي تمثاله بأزهار ~~البرمروز في التاسع عشر من أبريل تذكارا لوفاته، ويلبس الناس أزهار هذا النبات يومئذ ~~تذكارا لذلك، وألفت جمعية سياسية سميت باسم هذا الزهر تذكارا له أيضا. # لورد روزبري # هو من بيت اسكتلندي قديم عريق في المجد، ولد بمدينة لندن سنة 1847، وأبوه لورد دلمني ~~وأمه ابنة أرل ستنهوب الرابع وأخت أرل ستنهوب الخامس المعروف بلورد ماهون، توفي أبوه ~~سنة 1851 فتزوجت أمه بدوق كلفلند وهي المعروفة الآن بدوقة كلفلند المشهورة بمؤلفاتها ~~التاريخية. # درس في مدرسة أكسفرد الجامعة حيث درس غلادستون، واشتهر بالاعتدال من حداثته، وحسب بين ~~رجال السياسة قبل أن يناهز الرابعة والعشرين من عمره، حتى إنه لما خطب خطبته الأولى ~~اعترف له زعيم الحزب المضاد لحزبه بالمقدرة وقوة المعارضة. # وجعل وزيرا للخارجية في وزارة غلادستون التي تألفت سنة 1885، ولم تعش إلا بضعة أشهر ~~ثم عاد إلى وزارة الخارجية سنة 1892 فاقتفى فيها خطوات سلفه لورد سلسبري كما يعلم سكان ~~هذا القطر، وخلف غلادستون في رئاسة الوزارة - كما سيجيء - وهو في السابعة والأربعين من ~~عمره، وبقي فيها إلى أن انحلت وزارته بسبب مسألة طفيفة وأعيدت الانتخابات ففاز ~~المحافظون وصارت الوزارة منهم إلى الآن. # وتزوج لورد روزبري بابنة البارون مايرده رشيلد، وهي وريثة أبيها الوحيدة، وتوفيت سنة ~~1890 بعد أن أقامت معه اثنتي عشرة سنة، وكتب تاريخ الوزير بت الشهير وأتمه سنة 1891 بعد ~~وفاة زوجته فقال في مقدمته «ألفت هذا الكتاب الصغير والعوائق كثيرة، وما غرضي منه سوى ~~تقرير الحقائق، ولقد كان غاية مناي أن أتمه وأهديه إلى زوجتي، أما الآن فإني أجعله ~~تذكارا لها.» وقد أظهر في هذا الكتاب تضلعه من السياسة كما أظهر امتلاكه ناصية ~~الإنشاء. # غلادستون # هو وليم أورت غلادستون، ولد بلفربول في 29 سبتمبر سنة 1809 ودرس في مدرسة أكسفرد ~~الجامعة، وقد رأينا تمثاله فيها يباهي به أساتذتها كما يباهون بجميع العظماء الذين ~~تلقوا الدروس فيها، واشتهر وهو في ms39 المدرسة بقوة العارضة في الخطابة، وكان يكره ~~المتطرفين في السياسة ويقول قول المحافظين، فتوسم المحافظون فيه سمات الخبر، وقالوا إنه ~~سيكون من زعمائهم ولا سيما لأن ظل سلطتهم كان قد تقلص في ذلك الحين، وخيف من نزع مقاليد ~~السياسة من الأمراء والوجهاء وإعطائها لعامة الشعب. # وترشح لعضوية مجلس النواب فانتخب عضوا من المحافظين سنة 1832، وأول خطبة ألقاها ~~كانت دفاعا عن أبيه في معاملة العبيد، فإنه كان ذا أملاك واسعة في الهند الغربية، ~~واتهم بامتهان العبيد الذين فيها، فدافع عنه دفاعا مفحما اختلب الألباب ببلاغته ~~وحسن بيانه، وجاهر حينئذ بكراهة الرق وبوجوب تحرير الأرقاء، ولكنه عارض الإسراع في ~~تحريرهم كلهم دفعة واحدة لما في ذلك من الضرر عليهم وعلى أسيادهم فأعجب السامعون ~~بفصاحته، والظاهر أن كبار رجال النقد وأصحاب الحل والعقد رأوا من ذلك الحين جوهره ~~وأنبئوا بما سوف يكون منه، فلقبه كبيرهم ماكولي برجاء المحافظين. # ولما أدليت الوزارة إلى السر روبرت بيل في آخر سنة 1834 عين غلادستون في نظارة ~~المالية، وبعد شهرين عينه وكيلا لوزارة المستعمرات، وتقلبت الشئون السياسية حينئذ بسبب ~~موت الملك وتنصيب الملكة فكتوريا وإعادة انتخاب مجلس النواب، فلم يعين له منصب سياسي ~~حتى سنة 1841 فأقيم نائبا لرئيس ديوان التجارة، ورئيسا لدار الضرابة ثم رئيسا لديوان ~~التجارة ثم وزيرا للمستعمرات، ولكنه اضطر أن يستعفي من النيابة عن البلاد التي كانت ~~تنيبه عنها؛ لأنه رأى مذهبه السياسي لا ينطبق على مذهب الأمير الذي له الشأن الأكبر في ~~تلك البلاد فانتخبته مدرسة أكسفرد الجامعة نائبا عنها. # وامتاز من ذلك الحين على أكثر رجال السياسة بالشهامة والشفقة على المظلومين إلى حد ~~ينسى معه غرضه السياسي، وزار نابلي سنة 1850 ورأى سجونها والفظائع التي تجري فيها ~~فوصفها وصفا اهتزت له أوروبا كلها فطبقت شهرته آفاقها. # وفي تلك السنة مات السر روبرت بيل ففقد به صديقا صدوقا ومرشدا أمينا لكن موته لم ~~يضر به، بل كشف فضائله أمام الجمهور فعدته البلاد زعيما من أعظم الزعماء في مجلس ~~نوابها، وأول خطبة أطارت ms40 شهرته في البلاد كانت ردا على دزريلي (لورد بيكنسفيلد)، فإن ~~دزريلي يئس مرة من بقاء وزارته - وهو من الرجال الذين ينهض اليأس همتهم ويقوي عزيمتهم - ~~فخطب في مجلس النواب خطبة اختلبت الألباب ببلاغتها ومزقت الخصوم بأدلتها ونكتها، ولم ~~يكد يجلس في كرسيه حتى انبرى له غلادستون وقاوم الحجة بالحجة والدليل بالدليل، واستخرج ~~الدر من بحار الفصاحة، واستنزل السحر من سماء البيان حتى لم يبق في النفوس أثرا لخطبة ~~دزريلي، ومن تلك الساعة عد خطيبا من أبلغ الخطباء الذين نبغوا في البلاد ~~الإنكليزية، وابتدأ حينئذ النضال بين هذين البطلين المجربين دزريلي وغلادستون ودام ~~أربعا وعشرين سنة بلا انقطاع، وكان غلادستون قد عدل عن آراء المحافظين واعتنق مبادئ ~~الأحرار، فعين وزيرا للمالية في وزارة اللورد بامرتسون، ولما قدم الميزانية للمجلس ~~خطب فيه خطبة طويلة جدا دامت ساعات كثيرة، ولكن الحضور سمعوا كل كلمة منها بلهفة ~~كأنهم يسمعون غناء أطرب المغنين. ويقال إن هذه الخطبة تستحق أن تحفظ في دواوين الإنشاء ~~والسياسة كما تحفظ صور أشهر المصورين في متاحف الفنون. # وسنة 1865 توفي اللورد بامرستون فشكل اللورد رسل وزارة وجعل غلادستون رئيسا لمجلس ~~النواب، واتفقا كلاهما على توسيع نطاق الانتخاب وأنشآ لائحة في ذلك قدماها إلى المجلس ~~فقاومها المحافظون وجم غفير من الأحرار، فسقطت الوزارة بسبب ذلك ودعي دزريلي لتأليف ~~وزارة جديدة، ولكنه رأى أن لا بد له من السير في خطتهما من حيث توسيع نطاق ~~الانتخابات. # ثم التفت غلادستون إلى أرلندا وما فيها من الضيق فاهتم بإصلاح شئونها وتعليم شعبها ~~وتوسيع نطاق التعليم في البلاد الإنكليزية كلها، وغلب الوزارة في أمور كثيرة فحل مجلس ~~النواب وأعيدت الانتخابات فكانت الأكثرية من الأحرار، فجعل رئيسا للوزارة وذلك سنة ~~1869، ومن ثم أخذ الإصلاح يتسع نطاقه في أرلندا وإنكلترا كلها، ودامت وزارته إلى سنة ~~1873 ثم غلبت فاستعفى وأعيدت الانتخابات فكان الفوز للمحافظين ورأس دزريلي الوزارة سنة ~~1874. # وكثر اشتغال غلادستون حينئذ بالتأليف والتصنيف في المواضيع الأدبية والتاريخية، ثم ~~حدثت حوادث البلغار فرمى الأقلام والدفاتر وهاج خواطر ms41 أوروبا كلها ضد الدولة العثمانية، ~~وحل مجلس النواب الإنكليزي سنة 1880 وأعيد الانتخاب، ففاز الأحرار ورأس الوزارة ~~والمشاكل كثيرة في كل مكان لكنه نجح في توسيع نطاق الانتخاب حتى كاد يكون عاما. ولم ~~يصف لوزارته الزمان فحدثت في أيامها مشاكل كثيرة أهمها الثورة العرابية وسقوط الخرطوم، ~~ثم قدم لائحة الاستقلال الإداري في أرلندا فانشق الأحرار بسبب ذلك وخرج كثيرون من ~~مشاهيرهم واتحدوا مع المحافظين ضده فغلبوه، وما من أحد منهم ينكر عليه خلوص النية وحسن ~~الطوية فيما أراده لأرلندا ولو كان غير ما تقضي به مصلحة إنكلترا، وتربع المحافظون في ~~الوزارة إلى سنة 1892 وحينئذ أعيدت الانتخابات فأجلت عن فوز الأحرار بأكثرية قليلة ~~فأدليت رئاسة الوزارة إليه وهي المرة الرابعة . وفي غرة مارس من سنة 1894 خطب الخطبة ~~الأخيرة في مجلس النواب، واستعفى في اليوم التالي؛ لأنه أصيب بالكتركتا في عينيه ~~كلتيهما وعملت له عملية الكتركتا في شهر مايو، ولا يزال مكبا على الأشغال العلمية ~~والكتابات الجدلية في أشهر جرائد إنكلترا، وقد ناظر الأستاذ هكسلي مناظرة عنيفة في مجلة ~~القرن التاسع عشر في العلم والوحي تدفقت فيها ينابيع البلاغة تدفقا لا مثيل له؛ لأن ~~الرجلين من أشهر كتاب العصر وأرفعهم منزلة وأكثرهم اطلاعا. # وتذهلنا خطبه في مجلس النواب؛ فإنها كلها مفعمة بالمعاني والأدلة العقلية والنقلية، ~~ولو كانت ارتجالية لأمر يدعو إليه الحال أو الجدال بينه وبين الخصم أو لإيضاح مشكل أو ~~للرد على منتقد، فقد يتكلم ساعة كاملة لا يكرر عبارة ولا يتردد في قول ولا تغيب عن ~~ذاكرته حادثة تاريخية ولا تفوته نكتة أدبية، أما كتاباته الجدلية فلا تخلو من الضعف إذا ~~كانت المواضيع علمية طبيعية؛ لأنه ليس ثقة في موضوع منها. # ولقد أجمع مشاهير الكتاب على أنه لم يفقه أحد في الخطابة والجدل من وزراء الإنكليز، ~~والمرجح أيضا أنه لم يبلغ أحد شأوه فيهما حتى الآن. # وسياسة غلادستون معروفة مشهورة، وهو مثل بامرستون في عزمه وحزمه، وينظر إلى الملكة ~~كرقيبة على سياسة البلاد وممهدة لعقابها، وهي تصب على ms42 حدته زيتا وبلسما، وتوفق بينه ~~وبين خصومه بحكمة فائقة، كما يظهر من حوادث كثيرة نؤثر منها الحادثة التالية: # دخل الوزارة سنة 1869 ومعه أكثرية عظيمة في مجلس النواب وهو عازم أن يجري بواسطتها ~~أمرا للكنيسة الأرلندية لا توافق عليه الملكة ولا رئيس أساقفة كنتربري، فطلبت منه أن ~~يقابل رئيس الأساقفة ويتفق معه على ما به المصلحة العامة، فقال لها: إن رئيس الأساقفة ~~قد رفض كل اتفاق من هذا القبيل فلا سبيل له لمقابلته في ذلك، فكتبت من ساعتها إلى رئيس ~~الأساقفة وقالت إنها قابلت غلادستون فرأته على تمام الاستعداد لمقابلته، وإنه راغب ~~جدا في الاتفاق معه، وطلبت من رئيس الأساقفة أن يمهد السبيل لهذه المقابلة ولا يكون ~~أقل رغبة منه في الاتفاق معه، فكتب رئيس الأساقفة إلى غلادستون فزاره غلادستون في اليوم ~~التالي وشرح له مشروعه فاستحسنه وزالت أسباب الجفاء من بينهما. # قد كان يوافيها دائما بخلاصة الخطب التي تتلى في مجلس النواب والمناظرات التي تدور ~~بين أعضائه، ونسب نجاحها ونجاح مملكتها في عهدها إلى أنها «تدرك إدراكا تاما شروط ~~العهد العظيم المعقود بينها وبين شعبها وتعمل به.» # سلسبري # هو روبرت آرثر تلبت غسكوين سسل مركيز سلسبري، ولد في الثالث عشر من فبراير سنة 1830 ~~من عائلة قديمة عريقة في المجد يتصل نسبها بداود سسل الذي كان في عصر الملك هنري السابع ~~منذ أربعمائة سنة، وقد أعطيت إمارة سلسبري لسلفائه سنة 1605، أي منذ مائتين وثلاث وتسعين ~~سنة، درس في مدينة أكسفرد - حيث درس غلادستون - باسم اللورد روبرت سسل، ونبغ في العلوم ~~الرياضية، وكان يناضل عن حزب المحافظين، وانتخب عضوا في مجلس النواب وهو في الثالثة ~~والعشرين من عمره، واشتغل بالسياسة حالا فنصر رجال الدين في مجلس النواب، وقاوم ~~غلادستون في مسألة رسوم الورق بقوة وبلاغة، فعرف النواب قدره وأجلسوه على المقاعد ~~الأمامية حيث يجلس زعماؤهم، واشتهر حينئذ بدقة البحث وقوة العارضة، ولكنه لم يكن قوي ~~الحجة إلا إذا تكلم عن الكنائس والمدارس أو عن المسائل الخارجية. # وعين سنة 1866 وزيرا ms43 للهند (وكان يلقب بلقب لورد كرنبورن بدل أخيه الأكبر الذي مات) ~~ولكنه لم يقم في هذا المنصب طويلا، بل استعفى وعارض غلادستون في مسألة كنائس أرلندا، ~~وسنة 1868 انتقل إليه لقب مركيز سلسبري بموت أبيه، فدخل مجلس الأعيان ولم يمض عليه ~~سنتان حتى اعترف له الجميع أنه زعيم المحافظين في ذلك المجلس. # ولما غلب الأحرار سنة 1874 وصار دزريلي رئيسا لوزارة المحافظين اختار سلسبري وزيرا ~~للهند، ولم تمض عليهما سنة حتى اختصما لكنهما لم يفترقا؛ لأن مصالح المملكة كانت تقضي ~~اتحادهما، وأنفذ حينئذ إلى الآستانة العلية لمنع الحرب الروسية فلم يفلح. # ثم توفي لورد بيكنسفيلد فصار سلسبري زعيما للمحافظين بعده، ولما خذل الأحرار سنة ~~1885 دعي لتأليف وزارة فألفها وأخذ نظارة الخارجية لكن وزارته لم تدم طويلا ؛ لأن ~~الانتخابات العمومية التي حدثت تلك السنة رجحت جانب الأحرار، فعاد غلادستون إلى الوزارة ~~ثم غلبت وزارته في لائحة استقلال أرلندا الإداري، فخلفه سلسبري وحدث عيد الملكة ~~الخمسيني في وزارته هذه، وقد زارته الملكة بنفسها في قصر هتفيلد وذلك فخر عندهم قلما ~~يناله أحد، ثم زاره فيه إمبراطور ألمانيا، وغلبت وزارته سنة 1892 وتلتها وزارة ~~غلادستون وروزبري ثم عادت الوزارة إليه سنة 1895 ولم يزل رئيسا لها. # وهو خطيب مفلق وسياسي محنك ولا سيما في المسائل الخارجية يحفظها سرا غامضا لا ~~يكاشف بها إلا الذين يعنيهم أمرها. # وقد اشتهر بكثرة البحث في المسائل الطبيعية ولا سيما فيما يتعلق منها بالكهربائية، ~~وله الخطبة المشهورة في مجاهل العلم التي خطبها في مجمع ترقية العلوم البريطاني وأتينا ~~عليها في المقتطف. # هذه فذلكة من تاريخ وزراء الملكة ومن تاريخ حياتها السياسية. # قال المستر ستد صاحب مجلة المجلات إنه زار بلاد الروس سنة 1888، وقابل القيصر إسكندر ~~الثالث وكلمه في بعض المهام ثم قص ما قاله له القيصر على السر روبرت مورير سفير إنكلترا ~~في بطرسبرج، فكتب السفير ذلك في كتاب وتلاه على المستر ستد فسأله المستر ستد مستغربا: ~~هل تقصد أن ترسل هذا الكتاب كبلاغ إلى الحكومة؟ فقال: ms44 «معاذ الله، بل إنما كتبته ~~لأبعث به إلى الملكة، فهو كتابي لها خاصة لا يطبع في الكتاب الأزرق ولا يطلع عليه ~~الجمهور، ونحن نكتب إليها دائما بكل المهام السياسية.» # وقد شبه المستر ستد الملكة بمحرر جريدة يكتب فيها ما يشاء وينقح ما يشاء مما يكتبه ~~فيها المساعدون له، والجريدة هي إدارة شئون السلطنة، ووزراؤها ورجال السياسة فيها ~~المحررون والملكة رئيسة التحرير تكتب ما تشاء وتنقح ما تشاء، ولكن مشيئتها منطبقة على ~~مشيئة شعبها ومصلحته؛ لأن الحكومة دستورية كما يتضح مما تقدم في الفصول السابقة ومما ~~يأتي في الفقرات التالية. # لما استعفت وزارة لورد ملبرن الأولى سنة 1839 - على ما تقدم - غلب الحزن على الملكة ~~لحداثة سنها حينئذ، فإنها كانت في التاسعة عشرة حتى إذا جاءها اللورد جون رسل ليخبرها ~~باستعفاء الوزارة قابلته وعيناها مغرورقتان بالدموع حزنا على وزرائها، وخوفا من السر ~~روبرت بيل الذي كان لا بد لها من وضع مقاليد الوزارة في يده؛ لأنها حسبته رجلا صعب ~~المراس ولأنها كانت حينئذ متشيعة لحزب الأحرار مثل زعيمه لورد ملبرن، فأثبتت اهتمامها ~~الشديد بسياسة مملكتها وهي فتاة في التاسعة عشرة من العمر. # ولما اقترنت بالبرنس ألبرت أشركته في مهام المملكة، فقام بأعبائها أحسن قيام مدة ~~حياته معها، قال الكونت فتزوم وزير سكسونيا: «إن البرنس ألبرت زوج الملكة كان الحاكم ~~المطلق في بيته والعنصر الفعال في السلطنة الإنكليزية المنتشرة في أقطار المسكونة، ولقد ~~كان يهتم بمصالح كل تلك الملايين الخاضعين لها ولو كان الأمر عظيما عليه لحداثة سنه، ~~وفي يده كانت مقاليد المملكة مدة عشرين سنة حتى لم تخرج رسالة من وزارة الخارجية إلا ~~بعد اطلاعه عليها وإمعانه النظر فيها وتنقيحها إذا رآها محتاجة إلى التنقيح، ولم يأت ~~تقرير مهم من سفير من السفراء إلا اطلع عليه، وكان كل من وزير المستعمرات ووزير الحربية ~~ووزير الداخلية ووزير البحرية يقدم له كل يوم رزمة من الأوراق لا تقل عن أوراق وزارة ~~الخارجية، فيقرأ كل ورقة منها ويعلق عليها ما يبدو له من الآراء، ms45 وكان فوق ذلك يكاتب ~~الملوك والسفراء وحكام الولايات في الهند وكندا، ولم يجر شيء في بلاط الملكة إلا ~~بأمره.» # وقد يكون في هذا الكلام شيء من المبالغة، ولكن لا مبالغة في أن الملكة قبضت على أزمة ~~المملكة بيديها قبل اقترانها، وأشركت زوجها معها مدة حياته ثم استقلت بالملك بعد وفاته، ~~وهي التي فضت كثيرا من المشاكل الداخلية والخارجية، ولولاها لبلغ بسمارك مأربه من ~~إنكلترا بمعاضدة روسيا، ولاشتركت إنكلترا في الحرب الأمريكية الأهلية سنة 1861 وفي ~~الحرب الأوروبية سنة 1864 فعادت منهما بالخزي والخسران، ولولاها ما بلغ مجد إنكلترا ما ~~بلغه في مشارق الأرض ومغاربها، وكانت في كل ذلك محافظة على نظام البلاد الدستوري وجارية ~~بحسب إرادة شعبها. # الفصل العاشر # | أولاد الملكة # رزقت الملكة فكتوريا خمس بنات وأربعة بنين على هذا الترتيب: ~~(1) # البرنسس فكتوريا إمبراطورة الألمان، ولدت سنة 1840، واقترنت سنة 1858 بفردرك ~~وليم الذي صار إمبراطورا لألمانيا وهو أبو الإمبراطور الحالي، فإن ذلك البرنس ~~زار بلاد الإنكليز ورأى البرنسس فكتوريا وطلب الاقتران بها فأجابته إلى ما طلب ~~وعرض الأمر على مجلس النواب فأقر عليه أعضاؤه كلهم بلا خلاف، وأقروا أيضا على ~~إعطائها أربعين ألف جنيه صداقا وثمانية آلاف جنيه كل سنة مدى الحياة، واحتفل ~~بزيجتها في الكنيسة الملكية بقصر سنت جمس في الخامس والعشرين من شهر يناير سنة ~~1858، وتوفي زوجها الإمبراطور فردرك الأول في 15 يونيو سنة 1888 فخلفه ابنها ~~ولهلم الثاني الإمبراطور الحالي. ~~(2) # البرنس ألبرت إدورد برنس أوف ويلس، ولد في التاسع من نوفمبر (ت2) سنة 1841، ~~واقترن بالبرنسس ألكسندرا ابنة كرستيان التاسع ملك الدنمارك في العاشر من شهر ~~مارس (آذار) سنة 1863، فرزق منها ابنين: البرنس ألبرت فكتور ولد سنة 1864 وتوفي ~~سنة 1892، والبرنس جورج دوق ولد سنة 1865، وثلاث بنات: لويزا زوجة دوق فيف، ~~ومود زوجة البرنس كارل الدنماركي وفكتوريا، وفي حياة برنس أوف ويلس وحياة زوجته ~~أمور كثيرة لا يليق الإغضاء عن ذكرها، ولو التزمنا الاختصار التام في هذه ~~الفصول. # ولدت البرنسس ألكسندرا زوجة برنس ويلس سنة 1844، ولم يكن أبوها ms46 ملكا ولا كان ~~قريبا من سرير الملك بل لم يكن نسبه متصلا بنسب ملك الدنمارك إلا في أسلافهما ~~في القرن الخامس عشر، ثم ترجح أن الملك سيموت بلا عقب فيخلفه أبوها؛ إذ لا أقرب ~~منه إليه، ويقال إنه لم يكن على شيء من الثروة في ذلك الحين، ولكن لما ظهر أنه ~~ولي العهد حسنت حاله، حتى إذا صارت البرنسس ألكسندرا في السادسة عشرة من عمرها ~~كان قادرا على السياحة معها في مدائن أوروبا، واتفق أن برنس أوف ويلس لقيها ~~أكثر من مرة في سياحته فوقعت عنده موقعا عظيما وخطبها إلى أبيها سنة 1862، ~~فسر أهالي إنكلترا وأهالي الدنمارك بهذه الخطبة لا سيما وأن البرنس خطبها حبا ~~بها لا لغرض سياسي كما يحدث كثيرا في زيجة الملوك، ولما حان الوقت المعين ~~للزيجة جاء بها أبوها وأمها وإخوتها إلى البلاد الإنكليزية فبلغوها في السابع ~~من شهر مارس سنة 1863، فرحبت بها البلاد أعظم ترحيب واحتفل بالزيجة في العاشر ~~من مارس في كنيسة قصر وندزور، ولم تحضر الملكة الاحتفال رسميا لحدادها على ~~زوجها، بل أقامت وراء مشبك ترى منه الاحتفال ولا ترى. # شكل 10-1: البرنس أوف ويلس. # شكل 10-2: برنسس أوف ويلس وبناتها. # ومن ذلك الحين إلى الآن امتزجت حياة هذه الأميرة بحياة زوجها وأولادها، فلا ~~يراها الإنكليز إلا معهم أو مهتمة بأعمال البر، وقد أحبوها حبا صادقا ~~لجمالها ودعتها وفضائلها الكثيرة حتى قال أحد أساقفة الكنيسة الإنكليزية: «إنها ~~مقيمة في قلوب شعبها.» # وأصيب ولي العهد بالحمى التيفويدية سنة 1871 فاهتمت الأمة الإنكليزية كلها ~~بمرضه اهتماما شديدا كأن في كل بيت منها مريضا، وكانت البرنسس تجلس بجانب ~~سريره نهارا وليلا تمرضه بنفسها، واشتد عليه الداء وغاب عن الصواب، ولم يعد ~~يعي على شيء لكنه فتح عينيه ذات يوم وكان عيد ميلادها فقال: «اليوم عيد ميلاد ~~البرنسيس.»، ثم غاب عن الصواب ثانية فأظهر بهذه الكلمات الوجيزة أن اهتمامه بها ~~لم يكن أقل من اهتمامها به، ولو تغلب عليه الداء حتى أخرجه عن دائرة ~~الشعور. # ومن الله ms47 عليه بالشفاء فاجتمع الناس في الكنائس ألوفا مؤلفة؛ ليشكروا ~~الله على ذلك، وقد زادوا إكراما لزوجته على ما بدا منها من الحب له ~~والاهتمام به. # ولا يغرب عن الأذهان أن نصف نوع الإنسان نساء، وأن للنساء في البلاد ~~الإنكليزية وفي كل الممالك الأوروبية شأنا لا يقل عن شأن الرجال؛ فأولئك ~~النساء ينظرن إلى الملكة فكتوريا وإلى كنتها البرنسس ألكسندرا كمثالي الكمال ~~الواحدة في رفعة المقام ونفوذ الكلمة، والثانية في حسن المنظر وجمال الطلعة ~~والعطف على البائسين، فهما قدوة النساء والمثال الذي يحاولن النسج على ~~منواله. # وقد امتاز ولي العهد وزوجته بحبهما لأولادهما وتعلقهما بهم واستصحابهما إياهم ~~كلهم أو بعضهم أينما ذهبا، وبناتهما الثلاث بارعات الجمال مثل أمهن كما ترى في [شكل # 10-3 ~~، شكل # 10-4 ~~] ومحبات البر والإحسان مثلها. # شكل 10-3: دوق سسكس كوبرج. # شكل 10-4: دوق كنوت. # ولا ينشأ مقام خيري ولا عمومي في البلاد الإنكليزية إلا ويشترك البرنس أو ~~زوجته في وضع حجر زاويته، وكثيرا ما يشترك في إظهار فضل الفضلاء وتعظيم مقام ~~العلماء كما يشارك أمه في استعراض الجيوش والأساطيل، وقد وصفته إحدى الجرائد ~~الأمريكية بأنه أكثر الناس شغلا في البلاد الإنكليزية؛ لأنه من حين وفاة أبيه ~~إلى الآن وهو يقوم بأعمال أبيه في كل الاحتفالات الرسمية وبجانب كبير من أعمال ~~أمه، وقد استعد لذلك بالدرس في مدرسة أكسفرد وكمبردج ثم ساح في أوروبا وأميركا ~~وآسيا وإفريقيا ورأس دار العلم الإمبراطورية، واشترك في كل الأعمال النافعة، ~~وهو مشهور بطلاقة الوجه وحسن المحاضرة والصيد والقنص وكل ما يباهي به رجال ~~الإنكليز، ولا يظهر اهتمامه بشئون السلطنة الإنكليزية الآن؛ لأن مقاليدها في يد ~~أمه، ولكن العارفين بحقائق الأمور لا ينكرون عليه هذا الاهتمام. ~~(3) # البرنس ألفرد دوق أدنبرج، وهو الآن دوق ساكس كوبرج غوثا بألمانيا، ولد في ~~التاسع من أغسطس سنة 1844، واقترن بابنة القيصر إسكندر الثاني سنة 1874، ودخل ~~الخدمة البحرية وهو في الرابعة عشرة من عمره جاريا في خطة أسلافه الذين عززوا ~~قوة إنكلترا البحرية بانضمامهم إليها، ولم يكن له امتياز ms48 على غيره من التلامذة ~~البحرية ولم يبلغ رتبة ملازم إلا بعد أن صار له تسع عشرة سنة من العمر، وعرض ~~عليه قبيل ذلك أن يكون ملكا على بلاد اليونان فأبى مفضلا أن يكون ضابطا ~~صغيرا في بلاده على أن يكون ملكا في غيرها، ثم ارتقى في المناصب البحرية ~~رويدا رويدا إلى أن صار ثاني القبطان بعد ثلاث سنوات، واتصل به حينئذ لقب دوق ~~أدنبرج، وأول سفينة وضعت تحت إمارته سفينة غلاطية فاشتهرت بحسن إدارتها، وبقي ~~يرتقي في المناصب البحرية مثل غيره من أمراء البحر إلى أن توفي عمه دوق كوبرج ~~سنة 1893، فآلت تلك الدوقية إليه، وهو ميال إلى الموسيقى فيحسن اللعب على ~~الكمنجة وحيثما حل اجتمع حوله الراغبون فيها. ~~(4) # دوق كنوت، ولد في غرة مايو سنة 1850، ودخل المدرسة الحربية بولج وهو في ~~السادسة عشرة من عمره، وارتقى في المناصب العسكرية رويدا رويدا إلى أن بلغ ~~رتبة جنرال سنة 1893، وقاد آلاي الغاردس في الحملة المصرية، وحضر معركة التل ~~الكبير سنة 1882، وقاد الجنود الهندية من سنة 1887 إلى سنة 1890، ثم خلف السر ~~أفلن ود في الدرشت سنة 1893 وحيثما اتجه عد من نخبة القواد. # وللملكة ثلاث بنات أخرى، وهن: البرنسس هيلانة زوجة أمير شلسوغ هلستن، والبرنسس لويز زوجة ~~مركيز لورن بكر دوق أرجيل، والبرنسس بيترس زوجة البرنس هنري باتنبرج الذي توفي في أوائل سنة ~~1896، وتوفي لها ابن وابنة حزنت عليهما الممالك الإنكليزية كلها حزنا شديدا، وعقبت ~~وفاتهما وفاة ابن برنس أوف ويلس ولي عهدها وهو خاطب وعلى أهبة الاقتران، فزادت وفاته في ~~أحزانها ونغصت عيش أبويه، وما الملوك والعظماء بمأمن من نوائب الدهر، بل هم فيها مثل أضعف ~~رعاياهم وقد تكون وطأتها عليهم أشد، ومهما بالغوا في اتقاء الكوارث يبقى الموت لهم ~~بالمرصاد، وكتبت الملكة حينئذ إلى رعاياها تقول: إن وفاة حفيدها هذا كانت أشد المصائب عليها ~~هولا بعد وفاة زوجها، وختمت كتابها بما ترجمته: # إن المشاغل والمتاعب التي تحف بمنصبي عظيمة جدا، ولكني أطلب من الله أن يديم لي الصحة ~~والعافية ms49 ما دمت في قيد الحياة؛ لكي أقوم بما يجب علي لخير بلادي وسلطنتي ~~وسعادتهما. # وولاية عهدها الآن لابنها برنس أوف ويلس، ومن بعده لابنه دوق يورك ثم لحفيده البرنس ألبرت ~~بن دوق يورك الذي ولد سنة 1894، فلها الآن ثلاثة من ولاة العهد الواحد بعد الآخر، وقد رسموا ~~معها في [شكل # 10-5 ~~]. # شكل 10-5: الملكة وولاة عهدها الثلاثة الواحد بعد الأخرى. # الفصل الحادي عشر # | ارتقاء بلادها في عهدها # ارتقاء بلاد كبيرة كالبلاد الإنكليزية عمل عظيم جدا يستدعي إعمال ألوف من العقول ~~الكبيرة والآراء السديدة مدة سنين كثيرة، لكن هذه الآراء وتلك العقول قد تعجز عن ترقية ~~البلاد إذا كان ملكها ظالما غشوما أو خاملا لا يسعى في مصلحة بلاده ولا يهتم بإصلاح ~~شأنها، فالملك الحكيم الذي يشارك رجاله في سياسة بلاده ويختار الأكفاء منهم لتولي خططها ~~ويقودهم بحكمته في مسالك الأمن الشأن الأعظم في إنجاح البلاد وتعزيز أركانها. # وغني عن البيان أن للملكة فكتوريا اليد الطولى فيما بلغته البلاد الإنكليزية من ~~الارتقاء في عهدها؛ لأنها اتصفت بكل صفات الملك الحكيم العادل المشارك لرجاله في كل ما يعود ~~على بلاده بالخير والفلاح، وارتقاء بلادها لا يتضح مقداره إلا بالمقابلة بين حاضرها ~~وماضيها، وهذه المقابلة لا توفى حقها في أقل من مجلد كبير، لكن الارتقاء عظيم وشامل لكل ~~الأعمال والمعاملات مادية كانت أو أدبية حتى تكفي الإشارة إليها بالإيجاز إذا تعذر الإسهاب ~~فنقول: جلست الملكة فكتوريا على سرير الملك والحواجز كبيرة والأسوار منيعة بين السوقة ~~والأعيان، هؤلاء يتربعون في المناصب العالية ويتمتعون بأطايب الحياة، وأولئك يقصون عنها ~~ويمنعون من الدنو منها، نعم كانت قوانين البلاد تقضي بالمساواة وعدم المحاباة لكن كان فيها ~~عوامل أخرى تخص النعم والمنافع بقوم دون غيرهم، فكانت خدمة الحكومة مباحة للجميع ولكن لم ~~يكن يعين فيها ولا ينتفع منها إلا أناس مخصوصون لقيود وروابط كثيرة يقضي بها ذوو المآرب ~~مآربهم، وكذلك قل عن حق الانتخاب والدخول في مجلس النواب وفي المدارس العالية، فقام أنصار ~~الحق في عهد الملكة فكتوريا ms50 وقطعوا تلك القيود ويسروا على الوضيع مجاراة الرفيع ولا يزال ~~هذا دأبهم. # وسعى العلماء والأطباء في اكتشاف أسباب الأمراض والوقاية منها وساعدتهم المجالس البلدية ~~على اتخاذ التدابير الصحية، فقل معدل الوفيات وخفت وطأة الأوبئة، فزاد عدد السكان زيادة ~~عظيمة حتى ملئوا الجزائر الإنكليزية، وهاجر أكثر من تسعة ملايين منهم لتعمير مستعمراتها ~~الوسيعة، وللانضمام إلى إخوانهم في الولايات المتحدة الأميركية، وحيثما ذهبوا أخذوا معهم ~~لغتهم وعلومهم ومبادئ الحرية والإنصاف التي نشئوا عليها، وهذا سر نجاحهم في مستعمراتهم، ~~فإنهم لا يكتفون برفع رايتهم على البلدان التي يفتحونها بل يرتحلون إليها ويسكنون فيها ~~ويشاركون أهلها في تعميرها. # وقد زادت مستعمراتهم في هذه الأثناء زيادة لا مثيل في تاريخ الممالك، فزادت مساحتها في ~~بلاد الهند 275 ألف ميل مربع؛ أي أكثر من مساحة بلاد النمسا، وفي سائر آسيا 80 ألف ميل ~~مربع؛ أي قدر مساحة بريطانيا نفسها، وفي جنوبي إفريقيا 200 ألف ميل مربع، وفي شرقيها مليون ~~ميل مربع، وكانت مساحة البلاد الإنكليزية ومستعمراتها حينما جلست الملكة على سرير الملك ~~8329000 ميل مربع، فبلغت الآن 11250000 أي زادت 2921000 ميل مربع في ستين سنة، وكان عدد ~~سكانها 168 مليونا فبلغ الآن 400 مليون، وكان عدد الإنكليز في جزائرهم 25750000 وفي ~~مستعمراتهم نحو 1500000 فبلغ عددهم الآن في جزائرهم 39500000 وفي مستعمراتهم 10500000 أي ~~زاد عددهم من 27 مليونا إلى خمسين مليونا عدا الذين هاجروا منهم إلى الولايات المتحدة ~~الأميركية، وكان دخل الحكومة الإنكليزية منذ ستين سنة نحو 75 مليون جنيه 50 منها في ~~بريطانيا و25 من الهند، وهو الآن 110 ملايين جنيه من بريطانيا و63 مليون جنيه من الهند و30 ~~مليون جنيه من أستراليا و8 ملايين جنيه من كندا و7 ملايين جنيه من بلاد الراس، و7 ملايين من ~~سائر المستعمرات الإنكليزية، وجملة ذلك 225 مليون جنيه. # واتسع نطاق التعليم والتهذيب في الممالك الإنكليزية بنوع عام وفي البلاد الإنكليزية ~~الأصلية بنوع خاص، فبلغ عدد تلامذتها اليوم ستة ملايين ونصف، وكانوا قبلا 250 ألفا فقط، ~~وبلغت ms51 الأموال التي تنفقها الحكومة على التعليم عشرة ملايين جنيه، وكانت لا تزيد على مليون ~~جنيه. # ولانتشار المعارف واستتباب الأمن اتسع نطاق الصناعة، فمن بعد ما كان الإنكليز يستخرجون ~~عشرين مليون طن في العام من الفحم الحجري، ومليونا وخمس مليون طن من الحديد في السنة صاروا ~~يستخرجون الآن 190 مليون طن من الفحم الحجري و # مليون طن من الحديد، وباتساع نطاق ~~الصناعات والمستعمرات اتسع نطاق التجارة اتساعا لم يسمع بمثله في سابق الأعصار، فقد كانت ~~قيمة الصادر والوارد في بدء ملكها 260 مليون جنيه في السنة فصارت الآن 738 مليونا، وكان ~~محمول سفنها التجارية نحو مليونين ونصف مليون طن، فصار الآن تسعة ملايين طن، وزاد طول السكك ~~الحديدية فيها من 2400 ميل إلى 21000 ميل، وكانت قيمة الصادر والوارد إلى مستعمراتها 49 ~~مليون جنيه، فبلغت الآن 484 مليون جنيه. # وزادت ثروة الأمة الإنكليزية في بلادها من ألفي مليون جنيه إلى عشرة آلاف مليون، وزادت ~~أسباب الرفاهة والنعيم على أكثر من هذه النسبة، وزاد المال الذي يقتصده فقراء الأمة في بنوك ~~الاقتصاد من # مليون جنيه إلى 150 مليونا. # وكثر عدد المحسنين، فبنوا ملاجئ للأرامل والأيتام والمنقطعين وبيوتا صحية للفقراء على ~~اختلاف طبقاتهم، ومن هؤلاء المحسنين بيبدي الغني الأمريكي الذي وهب فقراء لندن خمسمائة ألف ~~جنيه، ولما كانت الملكة شاعرة بكل ما يجري في مملكتها كما يجب أن يكون الرأس في الجسم الحي، ~~عرفت قدر هذه الهبة وكتبت إليه تقول: # بلغ الملكة أن المستر بيبدي عزم على العودة إلى أميركا، وهي لا تريد أن يترك بلادها من ~~غير أن تثبت له شدة اعتبارها للعمل الشريف والهبة التي تفوق هبات الملوك التي أراد بها ~~تخفيف المصايب عن الفقراء من رعاياها المقيمين في مدينة لندن، وفي اعتقاد الملكة أن هذا ~~العمل الشريف لا مثيل له بين أعمال الناس، وأفضل جزاء له ما شعر به عامله من السرور حينما ~~يعلم مقدار النفع العظيم الذي نفع به أولئك المساكين، ولم تكن الملكة لترضى بإظهار شكرها من ~~غير ms52 أن تعطي المستر بيبدي علامة من علامات دولتها تدل على اعترافها بفضله العظيم، وكانت ~~تسر لو منحته رتبة عالية أو نشانا ساميا ولكن بلغها أن المستر بيبدي ممنوع من قبول ذلك ~~بقوانين بلاده، فلم يبق للملكة والحالة هذه سوى أن تقدم له هذه السطور المعربة عما تشعر به ~~من الشكر وتطلب منه أن يقبل منها صورة من صورها تصور له خاصة، ومتى تم تصويرها ترسل إليه ~~إلى أميركا أو تعطى له حينما يعود إلى هذه البلاد؛ إذ بلغها ما سرها وهو أنه عازم على ~~العودة إلى هذه البلاد المديونة له دينا عظيما. # وصنعت الصورة حسب إشارة الملكة، وهي أول مرة صنعت فيها صورتها لتهدى إلى غير الملوك، ~~والصورة من المينا على لوح من الذهب يحيط بها برواز كبير من الذهب الإبريز وعليه التاج ~~الملكي والملكة فيها لابسة الحلة الملكية التي فتحت بها البارلمنت، وهي الحلة الملكية ~~الوحيدة التي لبستها بعد ترملها. # ومنذ ثلاث سنوات احتفل أهل مدينة بيبدي بأميركا بعيد مائة سنة من يوم ميلاده، فبعثت إليهم ~~الملكة رسالة برقية تقول فيها: «إن تذكار جورج بيبدي لم يزل يتجدد في قلبي وقلب شعبي بالشكر ~~الجزيل لما له من المبرات المقرونة بالكرم والفضل.» فملكة مثل هذه تنهض همم المحسنين وتحيي ~~آثارهم، توجدهم من العدم وتجعل المال في أيدي الأغنياء آلة للبر والإحسان بدلا من أن يكون ~~آلة للشر والفساد. # ومما يذكر في هذا الصدد أنه لما نشبت الحرب الأخيرة بين فرنسا وبروسيا جمع الإنكليز ~~الصدقات والإعانات وبعثوا بها إلى فرنسا على جاري عادتهم، فكتب الفرنسيون ألف عريضة من ~~عرائض الشكر، وأمضوها باثني عشر مليون إمضاء وجلدوها أربع مجلدات كبيرة وقدموها إلى الملكة ~~مع وفد من عظمائهم، ولا يعرف الفضل إلا ذووه. # والارتقاء الصحيح سلسلة محكمة الحلق، فلما زادت المستعمرات واتسع نطاق التجارة دعت الحال ~~إلى تقوية العمارة البحرية لكي تحمي السفن التجارية والمستعمرات النائية، ولما استوت الملكة ~~فكتوريا على سرير الملك كانت إنكلترا سلطانة البحار، وكانت أساطيلها قد قهرت أساطيل فرنسا ms53 ~~وإسبانيا والدنمارك، ولم يبق لها ند في المسكونة، ومضت ستون سنة والدول تجد وتسعى في ~~مناظرتها، ولا تزال سلطانة البحار ولا يزال أسطولها يغالب أساطيل كل الدول التي يمكن أن ~~تجتمع عليها فيغلبها، لكن بوارجها التي محقت بها أسطول بونابرت في أبي قير تعد كالعصافة ~~أمام البوارج التي بنتها في هذه الأعوام، فقد استعرضت بوارجها سنة 1814 أمام إسكندر الأول ~~قيصر الروس وفردرك وليم ملك بروسيا، وكانت أربع عشرة من النوع المسمى ببوارج المصاف وإحدى ~~وثلاثين فرقاطة، وكان علم أمير البحر حينئذ على بارجة محمولها 2270 طنا، وفيها 98 مدفعا ~~كبيرا و10 مدافع صغيرة وأكبر مدافعها وزن قنبلته 32 ليبرة، واستعرض الأسطول الإنكليزي في ~~الصيف الماضي وقت يوبيل الملكة فكان فيه اثنتا عشرة بارجة من البوارج المدرعة بنيت منذ أقل ~~من عشر سنوات ست منها محمول، كل بارجة منها خمسة عشر ألف طن وسرعتها 18 ميلا بحريا في ~~الساعة، ويمكنها أن تقيم في عرض البحر دائما مهما كان النوء شديدا ولا تضطر أن تلجأ إلى ~~مرفأ، وليس في أساطيل الدول الأوروبية والأميركية كلها ست بوارج مثل هذه، ومدافعها من أحدث ~~المدافع المصنوعة من أسلاك الفولاذ، وثقل المدفع منها 46 طنا وثقل قنبلته 850 رطلا، إذا ~~أصابت حائطا من الفولاذ سمكه متر خرقته كما تخرق الرصاصة لوح الخشب الرقيق، وكان الإنكليز ~~قد صنعوا مدفعين ثقل كل منهما 111 طنا لكنهم وجدوا هذه المدافع أقوى فعلا، وبعد هذه ~~الستة البارجة المسماة رينون وهي أسرع منها سيرا ثم خمس بوارج كبيرة المدافع ثقل كل مدفع ~~من مدافعها 67 طنا، وثقل قنبلته 125 رطلا، أما البوارج التي بنيت منذ أكثر من عشر سنوات ~~إلى عشرين سنة فعرض منها ثمان بوارج ومنها البارجة دفاستاشن المرسومة في [شكل # 11-1 ~~] وهي ~~أصغرها، فإن محمولها 9330 طنا ولكنها إذا قوبلت بها البوارج الحربية التي كانت عند ~~الإنكليز في أول حكم الملكة باتت أمامها كالولد الصغير أمام الجبار الكبير، وفي هذه البوارج ~~من الآلات البخارية والكهربائية ومن أحكام الصناعة ms54 الهندسية ونتائج العلوم الطبيعية ما لو ~~قيست به معارف الناس منذ ستين عاما لبانت كالمصباح الضئيل أمام شمس الظهيرة، وهذا الارتقاء ~~الهندسي والصناعي غير خاص بإنكلترا ولكن نصيبها منه أعظم من نصيب غيرها؛ لأنها تفوق كل ~~الممالك في الصنائع الهندسية ولا سيما في بناء البوارج الحربية والسفن البخارية. # شكل 11-1: البارجة دفاستلشن. # وأبلغ من تقدمها العقلي والمادي تقدمها الأدبي والاجتماعي، فأخص ما يمتاز به حكمها تعميم ~~الحرية والمساواة حتى يشترك في خيرات ممالكها كل أحد من رعاياها كبيرا كان أو صغيرا، ~~غنيا أو فقيرا. وكل بلاد ارتفع فيها العلم البريطاني صارت مقصدا للناس على اختلاف ~~أجناسهم يقصدونها للارتزاق والاتجار فتساوي بينهم كأنهم من رعاياها. وقد منحت كندا ~~وأستراليا وزيلندا الجديدة وبلاد الراس حكومة نيابية تكاد تكون مستقلة في كل شيء، بل صار ~~النساء ينتخبن أيضا للنيابة في بعضها، ولا يبعد أن تشمل الحكومة النيابية أقسام بلاد الهند ~~فتصير السلطنة الإنكليزية كلها مجموع ولايات مستقلة تربطها رابطة الحرية الشخصية والمصلحة ~~العمومية. # وخلاصة الكلام أن الملكة فيكتوريا سادت على قلوب شعبها بمزايا حكمها، فإذا ذكرت الفتوحات ~~وضخامة الملك «كان الإسكندر وقيصر ونابوليون بونابرت دونها كثيرا؛ لأنه لم يحكم أحد منهم ~~على ربع أهل الأرض مثلها، ولا أنشأ سلطنة لا تغيب الشمس عنها مثل سلطنتها، وإن ذكر المجد ~~والغنى وعظمة الشأن لم يقم في الأرض ملك بلغت مملكته ما بلغت مملكتها في ذلك كله، وإن ذكرت ~~العدالة والحرية ولا سيما الحرية الدينية، فأي ملك يشبه فكتوريا وهي الملكة المسيحية التي ~~يخضع لها نيف وستون مليونا من المسلمين ومعظم الإسرائيليين وأكثر من 260 مليونا من ~~الوثنيين؟ فهي الأولى بين الملوك والسلاطين في كثرة رعاياها المسلمين، والثانية في كثرة ~~رعاياها الوثنيين، والثالثة في كثرة رعاياها المسيحيين، وكلهم أحرار في ديانتهم وعبادتهم ~~وعوائدهم وآرائهم وأقوالهم. وكل بلادها وممالكها مفتوحة الأبواب للغريب ليستوطنها ويتاجر ~~فيها ويكسب منها بلا امتياز لأهلها عليه خلافا لما تفعله الممالك الأخرى. وإذا ذكرت ~~الأريحية والمروءة لإغاثة الملهوف وإجارة المرهق والعطف على المنكوب، ms55 فإنكلترا بلاد الصدقات ~~والمبرات والحسنات بلا خلاف. # فلا غرو إذا كانت هذه منزلتها عند قومها، ولا عجب إذا استعظمها كل محب للعدل والحرية ~~والتمدن والتقدم، وود أن يكون تقدم بلاده كتقدم بلادها وأحكام مملكته كأحكام ~~مملكتها.» # الفصل الثاني عشر # | يوبيل ألماس # الشكر على النعمة فرض، وله أساليب شتى تعلو شأنا بارتقاء الحضارة فلا تبلغ أسماها إلا ~~عند أرقى الشعوب، لكن هؤلاء لا تخلو أساليب شكرهم مما هو فطري محض تشاركهم فيه العجماوات ~~جريا على كل الأفعال التي تشترك فيها القوى العقلية والعواطف النفسية، فيظهرون شكرهم بأسمى ~~الأعمال الأدبية ويظهرونه أيضا بالطرب والجذل، والعيد الذي عيده الإنكليز في الصيف ~~الماضي لمرور ستين سنة منذ رقيت ملكتهم سرير الملك وهو المسمى بيوبيل ألماس إنما هو شكر ~~نفوسهم على ما نالوه في عهدها من الراحة والرفاهة والمجد والسؤدد، وقد أبدوه على أساليب شتى ~~من إقامة المدارس والمستشفيات وإطعام الجياع وإكساء العراة وإنشاء المقالات الضافية في ~~الصحف والمجلات إلى الرقص والطرب وإيقاد الأنوار والنيران، واشترك فيه خاصتهم وعامتهم في ~~مشارق الأرض ومغاربها، وبين كل الشعوب والألسنة فأعربوا عن شكرهم قولا وفعلا، وشهدت لهم ~~أمم الأرض كلها أنهم محقون فيما أبدوا من ضروب البهجة ومظاهر الافتخار. # قال أحد كتاب العربية القدماء وأجاد: «لقد سمعت تغريد الأطيار بالأسحار في فروع الأشجار، ~~وسمعت خفوق أوتار العيدان وترجيع أصوات القيان، فما طربت من صوت قط طربي من ثناء حسن بلسان ~~حسن على رجل قد أحسن، وما سمعت أحسن من شكر حر لرجل حر.» # ومن ينكر على الأمة الإنكليزية ما أبدته من مظاهر الشكر في عيد ملكتها وقد بلغت في عهدها ~~شأوا لم يبلغه الرومان في عهدهم، فملكت خمس الكرة الأرضية ودان لها ربع سكانها، بل من ينكر ~~على أولئك السكان المستظلين بالعلم البريطاني مشاركتهم للأمة الإنكليزية في عيد ملكتها ~~وكلهم حر مطلق؛ ليتمتع بثمار عقله وجني يديه، وكيفما اتجه وحيثما سار رافقته الحماية ~~البريطانية. # شكل 12-1: فكتوريا ملكة الإنكليز وإمبراطورة الهند. # وقد شرع الإنكليز في الاهتمام بهذا اليوبيل ms56 من أول السنة الماضية، وجاهر سكان مستعمراتهم ~~برغبتهم في مشاركة الأمة الإنكليزية في هذا الاحتفال، وطلبت دول الأرض كلها أن تشترك فيه، ~~خمسون دولة مستقلة لم تحجم واحدة منها عن إنابة من ينوب عنها في المجيء إلى مدينة لندن ~~والاشتراك في هذا الاحتفال؛ لأنه ليس بين دولة منها والدولة الإنكليزية عداء يمنع هذا ~~الاشتراك. وأول خاطر خطر للإنكليز في بلادهم ومستعمراتهم وكل البلدان التي يقيم فيها جمهور ~~منهم أن يظهروا شكرهم وولاءهم لملكتهم بعمل نافع وأثر ثابت، كمستشفى يقيمونه لتطبيب المرضى ~~وتخفيف الآلام، أو مدرسة ينشئونها لتثقيف العقول وتهذيب الأخلاق، أو وليمة يولمونها للفقراء ~~والمساكين الذين حرموا من أطايب الحياة، وقام شعراؤهم وكتابهم يتغنون بفضائلها ويصفون ~~مزايا ملكها لتبقى نفثات أقلامهم أثرا راسخا لا تمحوه كرور الأيام. # وابتدأ الاحتفال رسميا يوم السبت في التاسع عشر من شهر يونيو الماضي، وسار موكبه في بعض ~~أنحاء لندن التي لا يسير فيها يوم الثلاثاء، وهو يوم الاحتفال العظيم لكي يراه سكانها، وكان ~~فيه 2236 فارسا و150 ضابطا، وفي اليوم التالي - وهو يوم الأحد - اجتمعت الجماهير في ~~الكنائس تشكر الله على نعمه وتدعو للملكة بطول البقاء، ويوم الاثنين خرجت الملكة من قصر ~~وندزر وجاءت إلى قصر بكنهام في مدينة لندن وأولمت فيه وليمة ملكية فاخرة للأمراء والعظماء ~~الذين وفدوا من كل البلدان للاحتفال باليوبيل، واستقبلتهم في المساء، وهي ترى في [شكل # 12-2 ~~] جالسة واللورد سالسبري كبير وزرائها منحن أمامها لتقبيل يدها ~~ووراءها أمير من أمراء الهند بعمامته وما عليها من الجواهر، وإلى يمينها ولي عهدها برنس أوف ~~وايلس. وأقر الأعيان والنواب في مجلسيهم ذلك اليوم على رفع عريضتين لها يظهرون فيهما الشكر ~~والولاء، فلم يعترض على ذلك إلا نفر قليل من أعضاء أرلندا وهم على قلتهم لم يحذروا المجاهرة ~~بمخالفة سائر النواب بل بمخالفة أمم الأرض كلها، فكانوا دليلا آخر على بلوغ الحرية ~~والاستقلال في الرأي حدا لا مثيل له في تواريخ الأمم. # شكل 12-2: الملكة تستقبل عظماء السلطنة. # ويوم الثلاثاء - وهو اليوم المشهود ms57 - انشق فجره عن سماء موشحة بالغيوم، ثم أخذت الغيوم ~~تنقشع رويدا رويدا فصفا وجه السماء، وتكسرت أشعة الشمس عن أسلحة الفرسان وحللهم المقصبة ~~وجواهر العقائل ربات المجد والدلال، وكان الموكب قسمين: قسم المستعمرات، وفيه فرسان من كندا ~~وأستراليا وزيلندا الجديدة ورأس الرجاء الصالح وناتال وسيلان وترينيدال وقبرص وروديسيا ~~ومشاة من هنغ كنغ وسنغافورة وجزائر الهند الغربية وشاطئ الذهب وغير ذلك من البلدان ~~الإفريقية، وفيه أيضا وزراء المستعمرات. وقسم المملكة وفيه فرسان ومدافع من أقسام الجيوش ~~الإنكليزية وأمراء السلطنة وقواد جيوشها البرية وأمراء أساطيلها البحرية ونواب الدول وأعضاء ~~العائلة المالكة وأمراء الهند، وفيه مركبة الملكة نفسها يجري ثمانية من الجياد المطهمة ~~ومعها زوجة ولي العهد وبرنسس كرستيان، وقد ركب دوق كمبردج على يسارها وبرنس أوف ويلس ودوق ~~كنوت على يمينها، وأمام المركبة أربعون أميرا بأبهى الحلى والحلل، وخرجت الملكة من قصر ~~بكنهام الساعة العاشرة صباحا والموسيقى تصدح والمدافع تطلق، وأصوات التهليل والابتهاج من ~~الجموع المزحمة في كل المسالك والكوى والشرفات تملأ عنان السماء، ولما خرجت من باب القصر ~~وضعت يدها على زر آلة كهربائية، فأرسلت رسالة برقية في تلك اللحظة إلى كل الممالك ~~الإنكليزية في أقطار المسكونة تقول فيها: «إنني من صميم الفؤاد أشكر شعبي المحبوب ولتحل ~~عليه بركات الله.» ولما بلغت مدخل المدينة القديمة مكان تمبل بار كان محافظ لندن وحكام ~~أقسامها وأعضاء مجلسها البلدي في انتظارها فترجل المحافظ وحكام أقسام المدينة ودنا من ~~مركبتها وبيده سيف المدينة على حسب العادات القديمة، فرحب بها وقدم لها السيف فلمسته بيدها ~~كما ترى في [شكل # 12-3 ~~] وأمرته أن يرده إلى مكانه ويحتفظ به ويتقدمها إلى المدينة، فصدع ~~بالأمر وعاد إلى ظهر جواده وسار أمامها حاسر الرأس والسيف في يمينه، وكان الأساقفة ورؤساء ~~الأساقفة قد انتظموا على درج كنيسة مار بولس أكبر كنائس لندن، وقام حول رواقها الوزراء ~~والسفراء وأعضاء المجالس وكبار المستخدمين هم وزوجاتهم، فلما وصلت مركبة الملكة إلى أمام ~~باب الكنيسة علت أصوات المرتلين تشاركهم الموسيقات العسكرية وصلى رؤساء الأساقفة، واستنزلوا ms58 ~~البركات الإلهية ثم عادوا إلى الترتيل، ولم يكن إنشاد سلام الملكة في ترتيب الاحتفال، لكن ~~الموكب اندفع إلى إنشاده من تلقاء نفسه وإلى الدعاء بطول العمر، ثم عاد الموكب إلى السير ~~فبلغ قصر بكنهام نحو الساعة الثانية بعد الظهر. # شكل 12-3: محافظ لندن يقدم السيف إلى الملكة. # وزينت المدينة تلك الليلة زينة باهرة لم يسبق لها مثيل، اشتركت فيها أنوار الغاز ~~والكهربائية والأكسجين والهيدروجين، وأوقدت النيران الكبيرة في ألفين وخمسمائة مكان في ~~إنكلترا وسكتلندا وأرلندا. # ويوم الأربعاء جاء نواب الأمة من مجلس الأعيان ومجلس النواب ورفعوا إلى الملكة عريضتي ~~الشكر المشار إليهما آنفا، ثم استقبلت رؤساء المجالس البلدية وحكام الأقاليم، وعادت إلى ~~وندزور واستعرضت عشرة آلاف ولد من تلامذة المدارس الابتدائية. # ويوم الخميس استقبلت أمراء الأساطيل البحرية التي حضرت للاحتفال باليوبيل، وكانت زوجة ولي ~~العهد قد سعت في جمع مال تولم به وليمة فاخرة لفقراء مدينة لندن، فدفع واحد من المحسنين ~~خمسة وعشرين ألف جنيه لهذا الغرض، وبعثت بلاد أستراليا عشرين ألف خروف وأكل في هذه الوليمة ~~310000 نفس، وقضي يوم الجمعة بالولائم والأفراح، واستعرضت البوارج الحربية يوم السبت فكان ~~استعراضها أعظم ما جرى في هذا الاحتفال، وهي 65 بارجة ثمنها 35 مليون جنيه ومحمولها 549885 ~~طنا، وقوة آلاتها البخارية مليون حصان، وفيها من الرجال والضباط 38577، وكل بارجة منها ~~مجهزة بكل ما يلزم لها لتسير حالا إلى أي مكان قريبا كان أو بعيدا، بل سار بعضها فعلا ~~إلى أبعد الأقطار حالما تم الاستعراض. # ولما استعرضت وقفت في خمسة صفوف طول كل صف منها نحو خمسة أميال، وما هي إلا قسم من ~~البوارج الإنكليزية المنتشرة في كل البحار، ولم تدع واحدة منها للاشتراك في ذلك الاستعراض ~~بل بقيت في أماكنها لتقضي ما يطلب منها من حماية المستعمرات الإنكليزية والتجارة الإنكليزية ~~وهي 125 بارجة كبيرة وبعضها من أكبر البوارج وأسرعها، وما أحسن ما قاله الفيكونت ده فوغوي ~~في جريدة الفيغارو الفرنسوية في وصف البوارج التي استعرضت حينئذ وهو: «إن البحر وطنها، وهو ms59 ~~الدار التي تسير فيها على هدى ولو كانت مغمضة العينين، والمادة التي تتصرف فيها كيف شاءت، ~~ووراء هذه البوارج التي تصل إليها أبصارنا يرى الإنكليز بوارج أخرى كحلقات كثيرة متصلة من ~~سلسلة تحيط بالكرة الأرضية، فإن البوارج التي كنا نراها حينئذ هي الأولاد المقيمة في البيت، ~~أما أخواتها المنتشرة في كل البحار فلم تتحرك عن أماكنها وهي اليوم رابضة في بحار آسيا ~~وإفريقيا والبحر المحيط كما كانت أمس وما قبله، منتظرة أمرا من إنكلترا لتعمل به، والأمر ~~يبلغها في لحظة من الزمان يجري في قاع البحر على الأسلاك الإنكليزية وسطح البحر وقاعه ~~شبكتان من الحديد: شبكة تجري عليها الأوامر، وشبكة تقوم بها الأعمال وكلتاهما محيطة بالأرض. ~~الدنيا كلها في شبكة الأمة الإنكليزية، سلطنة لا تعد سلطنة الرومان في جنبها إلا ولاية، وقد ~~تخطئونني وتقولون شبهها بقرطاجنة لا برومية، نعم هي مثل قرطاجنة من بعض الوجوه بتفضيلها ~~المصالح المادية ورغبتها الشديدة في الكسب، ولكن الإنصاف يجبرنا على أن نشبهها برومية ~~أيضا، برومية في الحزم والشجاعة وسمو المدارك وشرف المبادئ.» # ولم تحضر الملكة هذا الاستعراض، بل حضره ولي عهدها بالنيابة عنها في السفينة المسماة ~~فكتوريا وألبرت تتبعها السفينة قرطاجنة وعليها أمراء الهند، ثم سفن أخرى تقل أمراء البحرية ~~ووزراء المستعمرات وسفراء الدول وأعضاء مجلس الأعيان وأعضاء مجلس النواب، وكانت البوارج ~~تطلق مدافع التحية كلما مرت بها هذه السفن، وفي المساء بزغت فيها كلها الأنوار الكهربائية ~~في لحظة واحدة، وكانت مصفوفة على جوانبها وسواريها فترسم أشكالها بالنور الساطع على صفحات ~~ذلك الليل البهيم. # ولقد شارك العثمانيون الأمة الإنكليزية في أفراحها، فبعث مولانا السلطان الأعظم سفيره في ~~باريس إلى لندن مندوبا خاصا لحضور الاحتفال باليوبيل، وبعث سمو الخديوي المعظم أخاه ~~البرنس محمد علي لهذه الغاية، وظهرت الجرائد العربية والتركية كلها مدبجة بالمديح ناشرة ~~فضائل الملكة فكتوريا مهنئة الأمة الإنكليزية بما حازته في عهدها من المجد ورفعة ~~الشأن. # هذا ما أردنا جمعه ونشره من تاريخ الملكة فكتوريا إفادة للقراء وتذكرة لأرباب السيادة ~~منهم، وقد اقتصرنا ms60 على ما قل ودل لضيق نطاق المقتطف؛ حيث نشرنا هذه الفصول أولا، أما تاريخ ~~الملكة فكتوريا بالتفصيل فلا تستوفيه المجلدات الكبيرة، والله مالك الأرض وما ~~عليها. ms61