######OpenITI# #META# URI: 1346AminWasif.IttihafAbnaCasr.Hindawi17949406 #META# Tags: history #META# ID: 17949406 #META# Title: إتحاف أبناء العصر بتاريخ ملوك مصر #META# AuthorID: 19358649 :: 59413848 #META# Author: أمين واصف :: عبد العزيز محمود #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # 1 - في تاريخ مصر‏ # 2 - في التاريخ القديم لأمم الشرق‏ # 3 - في تاريخ مصر وهي في حكم الفرس‏ # 4 - في تاريخ قدماء اليونان‏ # 5 - في الكلام على مصر تحت حكم اليونان أي زمن البطالسة‏ # 6 - في تاريخ قدماء الرومان‏ # 7 - في تاريخ مصر تحت حكم الرومان‏ # 8 - في الكلام على إمبراطورات القسطنطينية ودولة اليونان السفلى‏ # 9 - في تاريخ العرب‏ # 10 - الدولة الأيوبية الكردية‏ # 11 - السلجوقيون وحروب الصليب‏ # 12 - في المماليك البحرية‏ # 13 - دولة الجراكسة‏ # 14 - مصر تحت حكم الدولة العثمانية المرة الأولى‏ # 15 - الجيش الفرنساوي في مصر‏ # 16 - مصر تحت حكم الدولة العثمانية المرة الثانية‏ # مقدمة‏ # 1 - في تاريخ مصر‏ # 2 - في التاريخ القديم لأمم الشرق‏ # 3 - في تاريخ مصر وهي في حكم الفرس‏ # 4 - في تاريخ قدماء اليونان‏ # 5 - في الكلام على مصر تحت حكم اليونان أي زمن البطالسة‏ # 6 - في تاريخ قدماء الرومان‏ # 7 - في تاريخ مصر تحت حكم الرومان‏ # 8 - في الكلام على إمبراطورات القسطنطينية ودولة اليونان السفلى‏ # 9 - في تاريخ العرب‏ # 10 - الدولة الأيوبية الكردية‏ # 11 - السلجوقيون وحروب الصليب‏ # 12 - في المماليك البحرية‏ # 13 - دولة الجراكسة‏ # 14 - مصر تحت حكم الدولة العثمانية المرة الأولى‏ # 15 - الجيش الفرنساوي في مصر‏ # 16 - مصر تحت حكم الدولة العثمانية المرة الثانية‏ # | إتحاف أبناء العصر بتاريخ ملوك مصر # | إتحاف أبناء العصر بتاريخ ملوك مصر # تأليف # أمين واصف وعبد العزيز محمود # بسم الله الرحمن الرحيم # حمدا لمن تفرد بالبقاء والقدم، وتنزه عن الفناء والحدوث والعدم، فهو الذي ~~ملك الوجود بقوته، وأوجده باختياره وإرادته، وأتقن العالم بحكمته فأبدعه على ~~أحسن مثال، وأبرزه بقدرته فاخترعه على أتم منوال، وصلاة وسلاما على سيدنا محمد ~~الذي أرسله إلى الخلق بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، وعلى ~~آله وأصحابه الذين ملكوا بعزمهم المشارق والمغارب. # وبعد، فيقول الراجي تحصيل المعارف، الفقير محمد أمين واصف: إني لما كنت بالمدارس ~~التجهيزية الأميرية جمعت رسالة في تاريخ الأمم المشرقية من أغلب مؤلفات مؤرخي العرب ~~والفرنج المعتبرين، والعلماء المحققين؛ ms001 للمساعدة بها في مذاكرة البحث لنوال شهادة ~~البكلوريا، فأشار علي بعض الإخوان بطبعها لتعميم الفائدة بها، ولما وجدت أن هذه ~~الرسالة لا يحسن طبعها بالطريقة التي كانت عليها، وكان لا بد من تكميلها وتهذيبها، ~~بل ووضعها في قالب المؤلفات المعتادة، حتى يسهل الأخذ عنها إذا ازدحم الطلاب ~~بموردها، اخترت من بين إخواني لمشاركتي في هذا المقام الجليل حضرة أخي الفاضل عبد ~~العزيز أفندي محمود؛ لعلمي أنه من ذوي الدراية التامة بالعلوم التاريخية وغيرها، ~~فقام حضرته بتكميلها أجل قيام، وذهب في إتمامها من طرق مختلفة، ثم نقحناها ~~ورتبناها على النسق الموجود، فجاءت بعون الله عجالة منزهة عن الترهات خالية من ~~الخرافات، وسميناها «إتحاف أبناء العصر بتاريخ ملوك مصر»، مع اشتمالها على تاريخ ~~سكان الشرق السالفين، خدمة لأهل الوطن عموما وأبناء المدارس خصوصا، وطبعت المرة ~~الأولى وقدمت للنظارة فقررت تدريسها، وهذه هي الطبعة الثانية نقدمها لحضرات إخواننا ~~الأفاضل أبناء المدارس المصرية في عصر ازدهرت أغصانه وتماست أفنانه، عصر أعيد فيه ~~مجدنا وسلطان عز كان على أهبة الرحيل؛ عصر مولانا الخديو المعظم «عباس حلمي باشا ~~الثاني» أفاض الله عليه من أثواب التأييد حصيفها، وجعله للمعارف وأهلها نصيرها ~~وظهيرها، لا زال والنصر خادمه والسعد نديمه، تلبس به مصر لباس الشبيبة بعد الهرم، ~~وتحيا به الأرض بعد ميتتها، «ولله در القائل»: # لا تنظرن إلى العباس من صغر # فيه وانظر إلى المجد الذي شادا # إن النجوم نجوم الجو أصغرها # في العين أكثرها في الجو إصعادا # فقد ألبس - حماه الله - كل مصري نعمة ورفع عنه نقمة، حتى أجمع الناس على محبته ~~وأصبح لسان الحال وهو يقول: # ولو قيل اطلبوا شرفا لقلنا # يعيش لنا الأمير ولا نزاد # ولما أبى الدهر إلا نصرته وتعزيز سلطانه، وتأييد كلمته، قيض الله له رجل السياسة، ~~ورب الحكمة والدراية، وقطب دائرة المعارف، من رضع من أظآر الحوادث حلوها ومرها، ~~فادخر لصروف الزمان، مهلك الطغاة، مبيد العدو وأهل الضلال، صاحب الدولة والإقبال ~~الوزير الخطير «رياض باشا». # لا زال يسلك في العلياء خطتها # ومصر ترجوه ms002 دون العرب والعجم # هذا ونرجو ممن يطلع على عثرة أن يصلحها # إن الحسنات ~~يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين * ~~واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ~~. # | مقدمة # (1) في ثمرة علم التاريخ وأقسامه # ذكر ابن خلدون رحمه الله تعالى في أول مقدمة تاريخه ما نصه: # اعلم أن فن التاريخ فن عزيز المذهب، جم الفوائد، شريف الغاية؛ إذ هو ~~يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم، والأنبياء في سيرهم، ~~والملوك في دولهم وسياستهم، حتى تتم فائدة الاقتداء في ذلك لمن يرومه في ~~أحوال الدين والدنيا. # فالتاريخ هو مرآة الأزمان، ومنبع العلم والحكم، وناصر العدل والفضيلة، فهو يرشد ~~الإنسان أن الفضل دون غيره يورث العظم والاحترام، ويشخص لنا الوقائع وقد سلفت، ~~ويعيد لنا الممالك وقد ذهب رسومها وعفت، فيرى الإنسان دماء الأبرياء والشهداء قد ~~جعله التاريخ أسواطا للحق يضرب بها أهل الشر إلى يوم الميقات، ويلطخ بها صفحاتهم ~~حتى تكون عبرة لمن اعتبر، وكذا يسمع عند تقليب مهارقه صياح الأمم وأنينهم تحت نير ~~العبودية القديمة، فيخرج وقد آلى على نفسه أن يكون من أنصار الجنس البشري وأعوانه، ~~يطلب الحرية أينما كانت، ويمد يد المساعدة لمن يطلبها، وكذلك يطلعنا على أحوال من ~~مضى من الرجال أولي المنازل الخطيرة، ويوقفنا على كافة أحوالهم وأفعالهم ومشروعاتهم ~~ومقاصدهم وفضائلهم، فيعلي قدرهم ويلبسهم ثوب التجلة، فمن ذلك تعلم نفاسة علم ~~التاريخ وفائدته العظمى. # وينقسم علم التاريخ إلى قسمين عظيمين؛ تاريخ طبيعي، وتاريخ مدني. # أما الأول: # فليس من موضوع كتابنا هذا. # وأما الثاني: # فهو علم بأصول يبحث فيه عن الإنسان من حيث التمدن والعمران، ~~وينقسم إلى فرعين: تاريخ عام وتاريخ خاص. # فالتاريخ العام: هو عبارة عما يشمل تاريخ النوع الإنساني وحاله العمراني من عهد ~~الخليقة إلى عصرنا هذا. # وقد جرت عادة مؤرخي الفرنج وغيرهم على تقسيم التاريخ العام إلى ثلاثة أقسام؛ ~~الأول: التاريخ القديم أو العالم القديم، وذلك من ابتداء الخليقة إلى ظهور المسيح ~~عيسى عليه السلام. الثاني: التاريخ المتوسط أو القرون الوسطى، وذلك منذ ظهور المسيح ~~عليه السلام ms003 إلى استكشاف أمريكا سنة 1492م. الثالث: التاريخ الحديث أو القرون ~~المتأخرة وذلك من استكشاف أمريكا لغاية وقتنا هذا. # وقد ينقسم أيضا إلى قسمين: قبل الطوفان، وبعده. أما قبل الطوفان فهو من ابتداء ~~الخليقة إلى حادثة الطوفان. # وأما بعد الطوفان: فينقسم إلى فرعين؛ الأول: من ابتداء حادثة الطوفان لغاية فتوح ~~القسطنطينية بالإسلام في عهد السلطان أبي الفتح محمد خان سنة 1453. والثاني من ~~ابتداء فتوح القسطنطينية بالإسلام لغاية وقتنا هذا. # وأما التاريخ الخاص فينقسم أيضا في اصطلاح المؤرخين إلى قسمين؛ الأول: التاريخ ~~الخصوصي، وهو عبارة عما يختص بغرض واحد معين كتاريخ مدينة أو عائلة ملوكية أو ذات ~~مخصوصة، وهذه الصورة الأخيرة تعرف في اللغة الفرنساوية باسم بيوجرافيا «السيرة أي ~~القصة» كسيرة سيدنا محمد # صلى الله عليه وسلم # وغيره. # الثاني: التاريخ الجزئي وهو ما يتعلق بخصوص مدة شهيرة أو حادثة كبيرة كتاريخ حروب ~~الصليب وغيرها. # وينقسم علم التاريخ إلى ما يسمى في اللغة الفرنساوية باسم الكرونولوجيا؛ أي علم ~~الأزمان، وهو ما يتبع ترتيب الإعصار على وجه الانتظام. # وإلى ما يسمى الإتنوجرافيا، وهو ما يتتبع تاريخ كل أمة على حدتها، فإن تتبع جميع ~~الحوادث الواقعة من الأمم الشتى في عصر واحد سمي باسم السنكرونيسم. ويسمى ~~بالتاريخ النظري أو الفلسفي إذا كان المؤرخ قد اقتص الوقائع مع توضيح أسبابها ~~ومسبباتها وغير ذلك. ~~(2) تشعب الأمم # يظهر لمن درس لغات الأمم وسمع رواياتهم وكان على جانب من علم سيما الوجوه أن ~~الأمم القاطنين عند مصبات نهر التنك في آخر حدود المشرق، والأمم القاطنين على ~~امتداد سواحل البحر الأبيض المتوسط هما من نسل عائلتين كبيرتين يخرجان من أصل واحد، ~~غير أنهما انفصلا بفاصل عظيم ألا وهو اختلاف لغاتهم. وهاتان الأمتان قاطنة ~~إحداهما غربي نهر الدجلة سامية الأصل، والأخرى قاطنة في الشمال الغربي من بلاد ~~الهندآرية الجنس وتسمى بالجنس الهندي الأوروبي، وهذا الجنس ينقسم إلى فرعين؛ الأول: ~~الأمم التي تتكلم بالسنسكريتي (أي اللغة الأصلية القديمة)، وذهبوا إلى الشرق جهة ~~الهندستان. والثاني: الأمم التي تتبع الكتاب المقدس المسمى «بالزند» قطنوا ms004 بالغرب ~~جهة العجم، وقد مكثت البراهمة ومن تتبع مذهب زرادشت في الوحدة والعزلة خارجا عن ~~التمدن الأوروبي إلى عهد الإسكندر؛ حيث بث فيهم روح التمدن وأخذوا في التقدم ~~والارتقاء، فمن هذا المحتد الأصلي خرجت أمم لا عداد لها في زمن غير معلوم لدى ~~التاريخ، ونزلوا بالأرجاء الغربية إلا أنه يوجد طريقان يظهران هؤلاء الأمم قد ~~ولجوهما عند قيامهم من آسيا إلى أوروبا؛ الأول جهة الجنوب إما من بلاد العجم أو من ~~بلاد آسيا الصغرى والآخر في شمال بحر الخزر بصحراء «سرماسيا». # ولقد أغلق الباب الأول مدة في سالف العصر ممالك آشور وميد على أمة البيلاج ~~والليديين وأمة هيلانة الذين ذهبوا واندثرت أخبارهم وكانوا أصل الأمم القاطنة بآسيا ~~الصغرى واليونان وإيطاليا. وأما الطريق الثاني فقد كان مفتوحا من سالف العصر لأمة ~~«السلت» والجرمانيين «والسلاف»، فظهر حينئذ أن أمتين من أهل آسيا سكنتا قارة أوروبا ~~على يمين وشمال جبلي الهيموس والألب، وكان من سكن جهة الألب أقدم ممن سكن بالهيموس، ~~والغالب على الظن أن اللغات التي كانت تتكلم بها الأمم القاطنة تحت هذين الجبلين ~~مشتقة من السنسكريتي، وأن اللهجات الجرمانية للأمم الشمالية تقرب من لغة «الزند» ~~وبعض لغات أمة «السلت» و«الجايليك» تقرب من لغة البراهمة، والبعض الآخر يقرب من لغة ~~المجوس فالهند وبلاد فارس وآسيا الصغرى، وكافة أوروبا جميعها من الجنس الآري. وأما ~~الجنس السامي فهو الجنوب الغربي من آسيا وشمال أفريقا وجنوب إسبانيا، وفي هذين ~~الجنسين وجد الجنس الإنساني تمامه المادي والأدبي. وكلما تقدم الإنسان جهة الغرب ~~وجد أن الجنس الآري والسامي قد صادما في طريقهما قدماء قارة أوروبا القديمة؛ فأمم ~~السلت وجدوا أمامهم أقوام «الأيبر»، فدفعوهم إلى جبال البرينيه، ولم تزل ذريتهم ~~باقية إلى الآن، ويعرفون باسم «اسكوبالدونا». وقابلت الأمم الجرمانيون وأمة السلاف ~~وأمة «فينوا» و«لايون»، فطردوهم إلى الأقاليم الشمالية، وقد استأصلت أمة القوقاز في ~~أقاليمها العالية الصعبة العبور أمما لم يعلم لهم أصل لدى التاريخ. # وفي أعالي جبال الأطلس وطأت البرابرة بأرجلهم تأثير سلطة المور «المغاربة» وأهل ~~نوميديا وقرطاجة ms005 وروما والعرب والترك، بحفظهم لغاتهم الأصلية، واستقلالهم. وفي ~~الزمن الذي تأسست فيه مملكة شارلمان بأوروبا كانت هؤلاء الأمم منقسمة إلى: «أمة ~~الأيبر الأصلية»، وكانت تسكن جبال البرينيه بين نهر الجارون والأيبر الأعلى، وقد ~~خالطهم بعض الفنيقيين في جهة بيطيق بإسبانيا، وبعض أمة الغالة جهة نهر التاج ~~«وسلتيبريا»، ولقد سكنت أمة «السلت» بريطانيا العظمى وبلاد الغالة وبعض بلاد أكيتين ~~وجزء من بلاد «تربونيز» وأعالي إيطاليا وجبال الألب وعددا عظيما من بلاد الشاطئ ~~الأيمن لنهر الدانوب وبعض أيالات آسيا الصغرى «جالاتيا». وأما الجرمانيون وأمة ~~السلاف أو السارمات فقد اقتسموا السهول الواسعة التي بين المحيط المتجمد الشمالي ~~وبحر الخزر، وتزاحموا وراء نهري الرين والطونة. وأما أمم اليونان واللاتين فقد ~~سكنوا أواسط مملكة شارلمان، والأول قد توجهت أنظارهم إلى المشرق، وأطاعوا الإسكندر ~~والأخر إلى المغرب؛ حيث هناك كانوا ينشرون عوائدهم ولغاتهم. # وأما جهة الجنوب فقد سكنت الأمم السامية شواطئ أفريقا، جهة البحر الأبيض، تحت اسم ~~المور وأمة نوميديا والفنيقيين، واختلطوا في مصر بأمة الزنج - أي أهل الأتيوبيا - ~~وفي بلاد الأرمن بالجنس الآري، وكذا بشبه جزيرة العرب وفلسطين. وأما من سكن بلاد ~~الشام فقد خالطهم أمة هيلانة، وكان وراءهم أمة الزند وأمة السنسكريت أو الهنود، وفي ~~أواخر المشرق الأمم المسماة «سير». ~~(3) في استمداد تاريخ مصر # يستمد تاريخ مصر من كلام المؤرخين القدماء والآثار. ~~(3-1) المؤرخون الأقدميون # اعلم أن تاريخ مصر قبل معرفة اللغة البربائية (الهيروغليفية) كان يستوعر طريق ~~استيفائه ووصفه، ومن المستحيل إدراك تحديده وتكييفه وكنهه. نعم، وإن كانت نصوص ~~التوراة دلتنا على بعض معلومات من تاريخ مصر كعلاقة المصريين بالعبرانيين ~~مثلا؛ حيث دلتنا على أن موسى عليه السلام ولد في عهد رمسيس ميامون الثاني، ~~وأن خليفته «منفطا» هو الذي في عصره كان خروج بني إسرائيل من مصر. شيشنق الأول ~~أحد ملوك العائلة الثانية والعشرين حاصر مدينة أرشليم، إلا أن هذه النصوص لم ~~تكن كافية لمعرفة الكرونولوجيا المصرية، ولم يكن إلا في القرن السابع قبل ~~المسيح عليه السلام، أي في القرن الثالث عشر قبل الهجرة، ms006 على صاحبها أفضل ~~التحية؛ حيث عثر على أرقام مضبوطة تنسب إلى الكرونولوجيا اليونانية. واعلم أن ~~أقدم مؤرخ قد كتب لنا شيئا من تاريخ مصر هو المؤرخ اليوناني «هيرودوت»، الذي ~~راد سواحل النيل في سنة 455ق.م، وقد جاء بعده المؤرخ «ديودور الصقلي» في سنة ~~8ق.م، وكذا الجغرافي «استرابون» أحد معاصري المؤرخ السابق الذكر والبيان، وهو ~~الذي جاب مصر إلى الشلالات، وكذا المؤرخ «بلو تاركه» الذي ألف رسالته التي ~~موضوعها الكلام على الإلهين «إزيس» و«أوزيريس» في آخر القرن الأول من الميلاد. ~~وهؤلاء المؤرخون قد وصفوا لنا مصر بما عهد فيهم من الصداقة وعوائد المصريين ~~وأخلاقهم ودياناتهم ونظاماتهم وجميع الأعمال التي صادفت سياحتهم، غير أن ~~مؤلفاتهم هذه لم تكن كافية لتشييد دعائم هذا العلم؛ نظرا لجهلهم لغة البلد، ~~فإنهم وصلوا إلى روايات غير قادرين على تحقيقها. # وفي القرن الثالث قبل المسيح ألف المصري «مانيتون السمنودي» والقسيس الأول ~~لمعبد «هيليوبوليس» وأمين خزائنه تاريخا لمصر، لكن لسوء الحظ فقد هذا ~~المؤلف العظيم، ولم نعثر على شيء منه إلا بعض ما نقله إلينا المؤرخ «يوسف» ~~في تاريخ الأمة العبرانية، والمؤرخ «إيزيب» و«جيورج لوسنسل» اليوناني في القرن ~~الثامن من المسيح، وجدول الملوك الذي اعتمده بعض علماء الفرنج، وهذا الجدول ~~الذي اعتنى بجمعه القسيس المذكور مقسم إلى عائلات ملوكية تشمل جميع الفراعنة ~~الذين حكموا مصر منذ تأسيس الهيئة الحكومية إلى ظهور الإسكندر المقدوني، وقد ~~أودعه بعض التفاصيل البيوجرافية وتعيين بعض السنين، وبجمع هذه السنين نستدل ~~على أن الهيئة الحكومية قد أسست بمصر قبل المسيح عيسى عليه السلام بمدة تزيد ~~عن 5000 سنة. # إلا أنه لم تتفق كلمة المؤرخين على هذا التاريخ، والصعوبة التي أوقفت معرفة ~~مدة حكم كل عائلة هي كون المصريين كانوا يجهلون أمر الكرونولوجيا، ومع كل ~~فإن الفاضل «ماسبيرو» استدل بصحيفة ترجمها أن سنة 1400 قبل الميلاد تقابل إحدى ~~سنى حكم رمسيس الثاني، ولكن هذه العبارة وغيرها لا يحققهما شيء من هذا القبيل، ~~وإن حققهما شيء يتحقق عندنا كثير من التواريخ بدون أن تتعين نقطة تكون ms007 مبدأ ~~للتاريخ، ولكن يمكن أن يقال على رأي العلامة ماريت باشا إن استعمال تاريخ خاص ~~كان مجهولا عند المصريين القدماء، بل كان من عادتهم أن يحسبوا الحوادث بسني ~~حكم الملك الذي وقعت في مدته تلك الحادثة، فمن ذلك يتعسر الوقوف على شيء من ~~أمر الكرونولوجيا بما أنهم كانوا تارة يحسبون من ابتداء السنة التي مات فيها ~~الملك السابق وتارة من يوم مبايعة الملك الذي أخلفه، فمهما كانت المقادير ~~الظاهرية لهذه الحسابات ومهما كان تقدم العلم الحالي سنقف عند تحديد زمن ~~للكرونولوجيا المصرية لجميع السنين السابقة لحكم «بساميتيك الأول» سنة ~~665ق.م. # ولا يمكننا أن نضبط هذه التواريخ إلا على وجه التقريب وإن «مانيتون» هو ~~الواجب علينا اتباعه في مثل هذه الريوب، ولو أن ما نصه ضاده كثير من ~~المترجمين الذين ترجموا كثيرا من الصحف الهيروغليفية. # وجدول الملوك يعتبر فيه في الغالب أسماء الملوك، وأما التواريخ فهي فاسدة لا ~~يعول عليها. # وأما إذا اتبعنا طريقة البحث والتدقيق فإننا لا نرى الكرونولوجيا قد عملت لنا ~~معرفة جيدة لا نقض فيها ولا إبرام إلا من القرن السابع قبل المسيح، ولكن ~~الصعوبة تتزايد علينا كلما شرعنا في تعيين زمن حكم كل عائلة قبل هذا الوقت، ~~ويلزم اعتبار تاريخ ما قبل «بساميتيك» ليس إلا ريبا محضا لا نهاية له، وأما ~~من خصوص مجموع التواريخ وتعاقب العائلات والآثار التاريخية فاتحاد المؤرخين ~~عليها كفاية. # وقد قال المعلم «فونتان» قد يمكن أن نتسع في المناقشة إذا نظرنا لمسألة وحيدة ~~وهي هل منا أو مصرايم كان هو أول ملك لمصر وهو منظم البلد أو هو ليس إلا ملك ~~من ملوكها قد سبقه غيره من الملوك، ولكن لا يمكننا أن نجحد حكمه أصلا؛ لأن ~~التاريخ القديم لمصر خلا بعض تفاصيل هو معلوم جيدا من ابتداء «منا» لغاية ~~دخول مصر تحت حكم الرومان. # ومن عهد الأزمان الغابرة كانت تعرف المصريون السنة الشمسية وتقسيمها إلى 360 ~~يوما وإلى 12 شهرا، وكل شهر ثلاثين يوما و5 أيام في آخر السنة وهي المعروفة ~~بأيام النسيء. ms008 وبعد ذلك اخترعوا زمنا فلكيا بديعا؛ لأجل أن يتوصلوا به من ~~زمن إلى آخر، لاتحاد هذه السنة بالسنة الحقيقية وهي 365 وربع، ولكن لما كانوا ~~لا يعرفون مثلنا الآلات البصرية المستعملة في الأرصادات فما كان عندهم من ~~المعلومات ليس إلا نتيجة أرصادات عينية، فعوضا عن أنهم كانوا يضيفون يوما ~~واحدا في آخر كل أربع سنوات كانوا يضيفون سنة كاملة في كل 1460 سنة؛ أعني 365 ~~في 4، وأوائل هاتين السنتين تتحد مع زمن شروق كوكب الزهرة (المسمى سوتيس) أو ~~سيريس (التي كان شروقها دليلا على أول السنة وحصول فيضان النيل، وكان لهذا) ~~الوقت أعياد ومواسم كبيرة في البلاد، وقد جرب كثير من العلماء صحة جدول ~~«مانيتون» باشتغالهم بتحقيق بعض التواريخ المعاصرة لبعضها المتنازع فيها، ~~فمثلا لما اعتبر على وجه التجربة شروق الزهرة مناسبا لسنة من سني حكم ذكره ~~«مانيتون»، فكل من العلامة بيوت وروجيه الفلكيين أمكنهما بواسطة حسابات قمرية ~~بطرق فلكية تعيين زمن هذه الظاهرة بالسنين الجليانية، وبذلك علم حكم الملك ~~الذي حصلت في مدته هذه الظاهرة الفلكية ولكن هذه النتيجة الحسناء الصادرة عن ~~فكرة وذكاء لم تسلم من نقد العلماء. # وقد ذكر لنا المؤرخ «فرنسيس لونورمان» أن الملك رمسيس الثالث نقش على جدران ~~هيكل مدينة «أبو» تعديلا عظيما للأعياد والمواسم الدينية، حينئذ على حسب هذا ~~التعديل فيوم عيد شروق كوكب الزهرة يعين لنا أن نقش تذكاره يستفاد منه أن ~~السنة الثانية عشرة من حكم الملك رمسيس الثالث كانت إحدى هذه السنين التي ~~اعتبرت مبدأ للعصر الفلكي للمصريين. وفي هذه السنين تطابقت السنين الاعتيادية ~~365 والسنة الشمسية، وبواسطة حسابات الفلكي الشهير «بيوت» علم أن هذا التطابق ~~النادر كان قد حصل في سنة 1300 قبل المسيح، ومنه يعرف أن جلوس رمسيس الثالث ~~على تخت الأريكة المصرية كان سنة 1311ق.م. # وقد قرأ العلامة «شاباس» على ورقة من البردي عبارة يستدل منها على أنه في ~~السنة التاسعة من حكم الملك «منقرع» حصل شروق الزهرة، وبما أنه عندنا جملة نقط ~~مبدأ معينة لجملة شروقات للزهرة ms009 فبالحساب نجد أن السنة التاسعة من حكم هذا ~~الملك هو محصور ما بين 3007 و3010ق.م، ويرى من هذه الحالة أن زمن العائلات ~~الأولى كان زمنا بعيدا جدا، ولكن هذه الطريقة ليست مقبولة إلا احتياطا ~~فقط؛ لأنها تعين الكرونولوجيا المصرية بواسطة أرصادات فلكية هي من الضروري غير ~~مضبوطة، ومع ذلك يمكننا أن نقول على رأي «مارييت» باشا إن فرق 700 إلى 800 سنة ~~في مثل هذه الأحوال ليست إلا نتيجة خطأ من المحتمل صحته. ~~(3-2) الآثار # لا ريب أن قدماء المصريين هم أول أمة لها الفضل الأوفر على ما عداها من ~~الأمم؛ إذ علمتهم مبادئ التمدن وأخرجتهم من مفاوز الجهالة وكهوف الهمجية إلى ~~علم الظهور والارتقاء، وملوكهم هم الجبارون الذين لهم ذكر القتال والغلبة في ~~مواطن الحروب، وهم الملوك الذين أثاروا الأرض وعمروها، وبنوا المدائن وحصنوها، ~~وجعلوا فيها القصور الشاهقة والمباني العالية والمسلات الشامخة، رفلوا في حلل ~~المجد والفخار أكثر من سبعين قرنا، يشهد لهم بذلك ما عثرنا عليه في القبور من ~~موتاهم والآثار العديدة، وخصوصا الجبانات العظيمة فهي الشاهد العدل والدلائل ~~القاطعة؛ إذ هي الآن بمثابة الكتب الضخمة، وكذا الهياكل والمعابد كل ذلك يدلنا ~~على فضل الأمة المصرية وتفاصيل عوائدهم وأخلاقهم في تلك الأزمان ~~الغابرة. # والآثار العجيبة التي لا عداد لها تعرب عن فخر الفراعنة الذين شيدوها؛ فإننا ~~نرى منقوشا على جدران هياكل طيبة وغيرها باطنا وظاهرا، وعلى سطوح المسلات ~~وداخل الدهاليز نصراتهم وفتوحاتهم وبها رسومات تدل على سطوتهم وعلى طاعتهم ~~لآلهتهم، وكذا الموميات تدلنا على عيشتهم الخصوصية الإفرادية وإن كانت في بعض ~~الأحيان لا تخلو من المبالغة والغلو، وكذا تعرب عن عيشتهم التي كانوا يرغبونها ~~في دار الآخرة والبقاء، فأضحوا رفاتا وأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم وآثارهم ~~التي ازينت بها متاحف أوروبا عموما ودار التحف المصرية خصوصا، التي أسسها ~~الفاضل الفرنساوي المسيو «مارييت» باشا ببولاق، ونقلت الآن بسراي الجيزة، وهي ~~الآن مشحونة بما صنعته يد الحرف والصنائع القديمة. # ومن الآثار التي اعتبرت أساسا للمعلومات التاريخية التي تحصلنا عليها هي: ms010 # أولا: # اللوح البردي الملوكي المحفوظ الآن بمدينة توران ~~«بإيطاليا»، ولو كان هذا اللوح باقيا على حالة تمامه ~~الأولية لأصبح أنفس أثر يوجد لعلم الآثار القديمة ~~المصرية المعروف عند الفرنج باسم «الأرشيولوجيا المصرية»، ~~وهو يشتمل على رسومات حقيقية وخرافية لمن حكم مصر في سالف ~~العصر منذ أقصى العصور الأولية لغاية مدة لا يمكن لنا ~~الوقوف عليها لداعي أن ذيل هذا اللوح مشطور، وهو محرر في ~~عهد الملك رمسيس الثاني؛ أعني في أبهى العصور وأبهجها فهو ~~إذن متصف بجميع الشروط التي تجعله من المستندات الرسمية ~~ليكون لعلم التاريخ إعانة قوية، حتى إنك ترى أمام كل ملك ~~رقم مدة ولايته، وبعد كل عائلة رقم مدة حكمها بتمامه، إلا ~~أنه لسوء الحظ ليس إلا قطعا متفرقة تبلغ 165 قطعة لم ~~يتمكن من ترتيبها كما كانت عليه في الأصل. # ثانيا: # قاعة الأسلاف، وهو أثر وجد بهيكل الكرنك ومحفوظ الآن ~~بدار التحف الملوكية بباريس، وهو عبارة عن قاعة صغيرة وجد ~~مصورا على جدرانها صورة الملك طوطميس الثالث على هيئة ~~المتنسك أمام ستين ملكا من أسلافه؛ ولذلك سميت قاعة ~~الأسلاف، ومما يجب التنبيه عليه أن المصور الذي عني ~~برسم هؤلاء الملوك لم يلتفت إلا إلى حسن التصوير والتزويق ~~لا إلى ترتيبهم وتعاقب أزمانهم، ومنه استفيد ضبط أسماء ~~ملوك العائلة الثالثة عشرة المصرية ولو لم يعتره ~~التشويه لكان هذا الأثر أنفع من غيره لعلم ~~التاريخ. # ثالثا: # جدول أبيدوس وجد هذا الأثر بأطلال مدينة العربة ~~المدفونة، ونقل الآن إلى أنتيكخانة لوندرة، وهو تصوير ~~حالة تنسكية وهيئة تعبدية مركبة من جملة ملوك ~~فراعنة غير مرتبين لأسباب مجهولة، ولداعي ما اعتراه من ~~التشويه كاد أن يكون لا قيمة له في التاريخ، ولكن المسيو ~~«مارييت» عثر على نسخة أخرى منه في إحدى هياكل المدينة ~~المذكورة مؤرخا من عهد الملك سيتوس الأول أتم من ~~الأولى، فجاء هذا اللوح محققا لما رواه «مانيتون» من ~~أسماء ملوك عائلات فرعونية من العائلات الستة ~~الأول. # رابعا: # أثر سقارة عثر عليه أيضا «مارييت» باشا، وهو محفوظ الآن ~~بدار ms011 الآثار بالجيزة، وبه تأكد ما وجد بجدول أبيدوس ~~الجديد، ووجد في مقبرة أحد القسس الذين كانوا موجودين في ~~عصر رمسيس الثاني واسمه «توناري»، وإلى غير ذلك من الآثار ~~التي تحقق لنا فخر المصريين وتقادم عهدهم وتمدنهم ~~وارتقاءهم في هذا العالم الدنيوي، وبذلك نعلم أيضا أن لا ~~يوجد تاريخ أمة من الأمم محرر على مستندات حقيقية أثرية ~~وأقوال مؤرخين محققين ورواة مدققين أكثر من تاريخ الأمة ~~المصرية، ومما ساعد كثيرا على كشف أسرار هذه الآثار ~~الكفرية فك رموز اللغة الهيروغليفية الآتي ذكرها. # اللغة الهيروغليفية # اعلم أن اليونان والرومان لم يشتغلوا بشيء من أمر اللغة البربائية التي ~~كانت تتكلم بها سكان مصر لغاية مدة حكمهم، فلذلك طرحها الكتاب من ~~أفكارهم، فأصبحت سرا مكنونا وحجابا مستورا مصونا، حتى وفد على مصر ~~علماء فرنساويون صحبة التجريدة الفرنساوية التي غزى بها بونابارت الديار ~~المصرية سنة 1798 ميلادية، ففي سنة 1800 ميلادية بينما كان الضابط ~~الطوبجي المسيو بوسارد مشتغلا بالحفر جهة رشيد لإنشاء المتاريس ~~والاستحكامات للتحصن هناك عثر على حجر منقسما إلى ثلاثة أقسام؛ «القسم ~~الأول» مكتوب بالقلم الهيروغليفي الذي كانت تستعمله الكهنة في الكتب ~~المقدسة. «والقسم الثاني» مكتوب بالقلم الديموطيقي الخط المعتاد. «والقسم ~~الثالث» الأسفل بالخط اليوناني، ومكتوب في آخره أنه ترجمة ما سبق بالخط ~~البربائي، فأخطر هذا الضابط جمعية تقدم المعارف الفرنساوية بهذا الحجر ~~المشتمل على أمر عال صادر من بطليموس الخامس فتلاعبت أفكار العلماء بحل ~~ما يكنه هذا الحجر وسموه «حجر رشيد». # وما زال جملة من علماء أوروبا يتعاقبون الواحد بعد الآخر فذهبت أعمالهم ~~سدى ولم تأت بأدنى فائدة، غير أن العلامة «زويجا» اقترح أن أسماء الملوك ~~عند قدماء المصريين كانت توضع في نوع مستطيل ضلعاه الصغيران قوسان سماه ~~«خرطوشا»، واستمر ما اشتمل عليه هذا الحجر مكنونا زمنا طويلا، غير أن ~~المعلم الإنكليزي يونج استخرج بعض الحروف الهجائية، وظهر بعده الشاب ذو ~~القريحة الوقادة الذكي الفطنة الفرنساوي «حنا فرنسيس شمبوليون» فاشتغل ~~منذ شبيبته بتعلم اللغات الشرقية وخصوصا القبطية، ومارس كثيرا من ~~النقوش الأثرية ms012 إلى أن عرف أن الخط البربائي ليس إلا كاللغات الأخرى ذات ~~علامات يتلفظ بها كالحروف، وأنه يكتب على ثلاثة أشكال خط هيروغليفي وهو ~~الخاص في الغالب بالأديان وخط هيراطيقي وديموطيقي وهما مختصر الخط ~~الهيروغليفي، كالنسخ والرقعة والديواني، فشرع في سنة 1238 هجرية في ~~استخراج ما توقفت فيه العلماء ، ففي مدة سنتين استخرج جملة حروف ~~هجائية. # والطريقة التي اتبعها هي أنه لما وجد في النص اليوناني اسم بطليموس أخذ ~~ما يقابله من الخرطوش المدون في الخط البربائي الذي تحته، فبمقابلة هذين ~~الخطين عرف الحروف الأصلية من الزوائد، ثم قابل ما عنده من الحروف باسم ~~كليوبطرة فاستخرج بعض حروف أخرى، وهكذا اسم إسكندر الأكبر وبساميتيك ~~وتحوتمس حتى عرف الحروف الهجائية، ثم بقي عليه مسألة معضلة أظهر فيها هذا ~~العالم ما يدل على رفعته وقدره وحدة ذكائه، وهي معرفة اللغة نفسها؛ إذ ~~ماذا يفيد النطق بالألفاظ مع جهل المعنى، فما زال يطابق الثلاثة خطوط ~~المرسومة على حجر رشيد على بعضها إلى أن استخرج بعض علامات أخرى، وهكذا ~~سلك أسلوب الترقي من المعلوم للمجهول حتى ابتدع فن الكتابة المصرية ~~القديمة المعروفة بالبربائية أو الهرمسية، وألف لها آجرومية شبيهة ~~بالآجرومية القبطية وقاموسا لهذه اللغة، ومع كل فلم يسلم من سهام ~~النقد والتنديد؛ حيث خطأه كثير من العلماء، ومع كل فإنه لما مات ~~شمبوليون سنة 1249 هجرية سنة 1832 ميلادية اشتغل كثير من العلماء بتعلم ~~هذه اللغة مع كثرة المناقضة فيها، ولم تزل إلى الآن الناس تشتغل بالقلم ~~المصري حتى صار الآن مربوطا بقواعد وأحكام غير منقوضة، ولم تزل تزداد ~~بزيادة هؤلاء الطلبة، وبهذه الطريقة عينها حلت العلماء الأوروباويون ~~اللغة الآشورية والبابلية المعروفة بالحروف الزاوية الشكل العلامة ~~«جروتيفان» سنة 1802 والعلامة «أجين برنوف» مع ما كان عندهما من لغة ~~السنسكريتي، فالأول كان موضوع بحثه اسمين علمين دارا وأكزركيس، والثاني ~~صحيفة وجدت في جبل الفان على مقربة من إستخر، وكذا غيرهم من العلماء، وقد ~~قرئت الصحائف واتضحت كمال الإيضاح، وتحصلوا على حروف الهجاء خلا بعض ~~علامات اعتراها ms013 بعض التغيير من حيث المعنى. # فوا عجبا من جد هؤلاء الأغراب في كشف رموز هذه اللغة وإبراز تاريخنا من ~~عالم الخفاء إلى عالم الظهور وتقاعدنا عن مثل هذه الأعمال وغيرها التي ~~نحن أحق بها من غيرنا. ~~(4) العصور # قسم مؤرخو الفرنج العصور إلى ثلاثة أقسام وهي: الأعصار الأولية والأعصار الخرافية ~~والأعصار التاريخية . # أما الأعصر الأولية فهي: # المدة التي ابتداؤها خلق الإنسان وغايتها حادثة الطوفان؛ وذلك ~~أنها عندهم منقسمة إلى فرعين؛ المدة الدنيوية والمدة ~~الطوفانية: # والأعصر الخرافية هي: # المدة التي ابتداؤها تفرق الأمم وتبلبل الألسن وبناء المدن ~~وتأسيس الممالك ببلاد الصين ومصر واليونان إلى ظهور الأنبياء ~~المرسلين والشعراء المشهورين ووضع أساس العالم الدنيوي؛ ولذلك ~~قسمها مؤرخو الأوروبيين إلى أزمان وثنية وأزمان بطلية «نسبة ~~للشجاع البطل» وأزمان نبوية أو شعرية، فأول الأزمان هو الذي ~~كانت فيه مصر واليونان وغيرهما ميالين لترقية ملوكهم إلى رتبة ~~الآلهة، والثاني: الزمن الذي ظهرت فيه الجبابرة الذين شنوا ~~الغارات وأسسوا المدن، والثالث: ظهور الأنبياء الكرام والشعراء ~~المعتبرين كالخليل إبراهيم وموسى عليهما السلام وشعراء ~~اليونان. # وأما الأعصر التاريخية فهي: # الأزمان التي أخذ فيها علم التاريخ في الظهور، وهذه المدة ~~تنقسم إلى جملة أقسام منها المدة التشريعية؛ أي الزمن الذي ظهر ~~فيه المتشرعون كلكورغة في إسبارطة وسولون في أتينا ونوما ~~بومبليوس في روما «ثاني ملوكها» وكونفسيوس ببلاد الصين وغيرهم، ~~ومنها مدة فخار اليونان، ومدة اختلال الجمهورية ~~الرومانية. ~~(5) مصر الأصلية # اعلم أن هذا الوطن العزيز والبلد الأمين الذي حكى الفردوس ماء وزرعا صاحب ~~الخيرات الوافرة والفيض العميم كان فيما سلف من الأعصار خاليا من القرى والأمصار، ~~وكان الوجه البحري الذي هو أبهى وأبهج وأزهى وأزهر الأقاليم المصرية وأعمرها الآن ~~تعلوه المياه، وقد امتدت تيارات البحر الأبيض إلى أمد بعيد، وتلاطمت أمواجه بالسهول ~~المرملة التي بها الأهرام الآن، وكانت مصبات النيل تنتهي إلى قرب منفيس والدلتا ~~مغطاة بعضها بماء النيل والبعض الآخر بمياه الملح وبها بعض جزائر ينبت فيها البردي، ~~والغاب وعلى يمينها وشمالها كان يغير النيل بلا انقطاع مجراه الأصلي، وأما ms014 أراضي ~~الشاطئ فكانت جدبة رملية ليس بها ماء ولا زرع ولا نبت ولا ضرع، وما زال حتى عرف ~~الناس حفر الترع وصنع الجسور وتنظيم النيل وحمل مياه الري إلى أراضي الوادي ~~البعيدة، فجاءت مصر بصنع أهلها مملكة مستعدة وأرضا جافة تزرع بعد أن كانت بحورا ~~حرية بالإقلاع، وأوجد النيل أراضي مصر وأخرج لها منظرا عاما يفيض عليه مياهه كل ~~عام، وصار النيل على توالي الأعصار يحمل من أقصى الأقطار وجبال الحبش وبحيرات خط ~~الاستواء رمالا ومواد طينية وجيرية، حتى ارتفعت الأرض وردمت الخليج الذي كان أوجده ~~البحر بالوجه البحري ونشأ من ذلك سهل عظيم به مستنقعات يتخلله برك، ومن بينها يأخذ ~~النيل مجراه على الدوام. ثم تكونت أراضي الدلتا على شكل مثلث رأسه تقرب من منفيس ~~وضلعه الثالث المتعرج المتباعد نحو الستين فرسخا من الرأس، ينتهي بشمال أطلال ~~أتريب «بنها العسل الآن»، ثم بعد ذلك أخذ النيل في ردم الأراضي بطميه، حتى تراكمت ~~في شمال الدلتا، فاندفعت بجملتها في الانحدارات، وما زالت تتسع الأرض كما في أيامنا ~~هذه بما يجلبه النيل شيئا فشيئا من أقاصي أفريقا وأما مدة تكون الأراضي بمصر ~~فمجهولة الحال؛ حيث قال الأقدمون إنها أزمان طويلة جدا، وأما العلماء الحاليون ~~فقالوا إنها تبلغ ثلاث آلاف أو أربعة آلاف سنة. # الفصل الأول # | في تاريخ مصر # اعلم أن تاريخ مصر هو تاريخ أهل الفلسفة والبراعة والقوانين والسياسة، فإن مصر حفظت ~~لرتبتها العلية مدة سبعين قرنا، ولما دخلت تحت حكم الدولة اليونانية والرومانية لم يزل ~~فضلها باقيا؛ إذ فاقت من عداها بقوة العلم. # وينقسم تاريخ مصر إلى قسمين عظيمين؛ الأول قبل الإسلام، والثاني بعده. أما قبل الإسلام، ~~فينقسم إلى فرعين؛ أحدهما: الزمن الذي فيه أهل مصر كانت عاكفة على عبادة الأصنام. ~~والثاني: إشهار دين المسيح عيسى عليه السلام. وأما بعد الإسلام فهو معتبر من ابتداء فتح ~~مصر بالإسلام سنة 20 من الهجرة في خلافة سيدنا عمر بن الخطاب إلى عصرنا هذا. ~~(1) تاريخ مصر قبل الإسلام # اتفق المؤرخون على أن أول ms015 ملوك مصر بعد الطوفان كان يدعى «منيس أو منا» وقد قسم ~~«مانيتون» المؤرخ المصري تاريخ مصر القديم إلى ثلاث طبقات وإلى إحدى وثلاثين عائلة، ~~وهم المعروفون عند مؤرخي الإسلام بدول الفراعنة: # الطبقة الأولى: # وأولها العائلة الأولى، وغايتها العائلة الحادية عشرة. # الطبقة الثانية: # وأولها العائلة الثانية عشرة، وغايتها العائلة الثامنة ~~عشرة. # الطبقة الثالثة : # وأولها العائلة الثامنة عشرة، وغايتها العائلة الحادية ~~والثلاثون. # ولنتكلم على تاريخ مصر في سالف العصر على هذا الترتيب فنقول: ~~(1-1) تاريخ مصر القديم لغاية افتتاحها بالأعجام «أي عصر الفراعنة» # الطبقة الأولى ~~(أ) العائلة الأولى الطينية # رأس هذه العائلة هو منا المذكور، ومسقط رأسه بمدينة أبيدوس «العربات ~~المدفونة»، وكان في مبدأ أمره قائد الجيوش المصرية في زمن الكهنة «طائفة ~~الحرشسو» ثم قام وحاربهم وأخذ الملك من يدهم وترك مدينة طيبة وأسس مدينة ~~«منف» أو «منفيس» سنة 5700ق.م (الآن البدرشين وميت رهينة) وجعلها مقر ~~دولته وقاعدة سلطنته، ولم يمض عليها برهة من الزمن إلا وصارت مركز ~~التمدن والمعارف، وهو الذي سن القوانين ونظم السياسة ورتب الديانة وقسم ~~مصر إلى أقسام كل منها يسمى «نوم»، وحول النيل عن مجراه الأصلي، ولذلك ~~صنع جسر قشيشة، وجعله يجري في وسط الوادي، وغزى سكان ليبيا، وأدخلهم تحت ~~الطاعة ومات بعد أن حكم 62 سنة، وقد ضربنا صفحا عن من أخلفه لعدم شهرة ~~أعمالهم، وجملة ملوك هذه العائلة تسعة. ~~(ب) العائلة الثانية الطينية # أشهر ملوك هذه العائلة الملك «بينوسيريس»، وهو الذي أبدع قانونا جوز ~~فيه للنساء الجلوس على سرير الملك؛ قاصدا بذلك عدم خروج الملك من ~~العائلة الملوكية، وحاصل هذا القانون أن الملك إذا مات وكان له أولاد ~~ذكور كانوا أحق بالملك، وإن لم يكن له ذكور أو انقرضوا كان أحق بالملك ~~بناته، وأن كل ملك توفي عن زوجة ولم يكن له ولد أو كان له ولد قاصر تولت ~~الملك بعده زوجته بشرط أن لا تتزوج غيره بعد موته، فإن تزوجت غيره من ليس ~~له الحق في الملك لا يجوز لزوجها هذا أن يكون ملكا، ms016 وإنما يكون لذريته ~~منها، فيعطى لهم منصب الملك. وصرح الملك «بينوسيريس» في قانونه أن سلاطة ~~الملوك على رعاياهم هي حقوق وجب عليهم أداؤها نيابة عن المعبودات، وبالغ ~~في هذا الأمر على زعم أن دماء المعبودات سرت في عروق جسده، وبذا جعل ~~لنفسه السلطة المطلقة على سائر رعيته، ولقب نفسه بابن الشمس المعبودة ~~لهم؛ ليثبت ذلك لنفسه ولمن كان من نسله من الملوك أن لهم القرابة بينه ~~وبين المعبودات، واقتدت به الملوك بعده إلى عهد الرومان. # وأخذ قدماء المصريين من هذا القانون أن كل من أراد تأسيس عائلة ملوكية ~~ووصلها بالعائلة التي قبلها فليتزوج من نساء الملوك أو يأخذ منهن لأولاده ~~لوصل القرابة بينهما. ~~(ج) العائلة الثالثة المنفية # أول ملوك هذه العائلة هو الملك «نفرقرع»، في مبدأ حكمه خرجت عليه سكان ~~صحراء ليبيا فغزاهم وأدخلهم تحت طاعته حينما شاهدوا حادثة خسوف القمر، ~~لظنهم أن الله غضب عليهم، ولما انتهى الحرب استتبت الراحة وانتشرت العلوم ~~بين العباد، واتسعت دائرة الصنائع والفنون في سائر البلاد. وأما باقي ~~ملوك هذه العائلة لم تعلم لهم آثار مخصوصة، بل تزايدت ثروة المملكة، ~~وتزايدت مبانيها؛ فمن تلك المباني أبو الهول الموجود الآن بين هرمي ~~الجيزة، ويسمونه بشمس الأفقين. # ومنها: الهيكل الموجود بالجهة القبلية من أهرام الجيزة، ويعرف الآن ~~بالكنيسة، وهو من بدائع عصرهم، ومحاسن صنعهم؛ لكونه مبنيا بالحجر ~~الصوان المنحوت. # ذكر مآثر الملك سنفرو: # لما تولى ملك ~~مصر صار محسنا لأهل مملكته، وفي مدته قامت عليه سكان جبل الطور، فتوجه ~~لقتالهم وقهرهم وأخذ أرضهم، وبنى فيها قلاعا وحصونا وديارا وبيوتا، ~~وجعل فيها رجالا تستخرج له المعادن والأحجار النفيسة، ولقب نفسه ألقابا ~~وهي؛ أولا: الحاكم. ثانيا: صاحب التاجين، تاج العقاب وتاج الثعبان. ~~ثالثا: المنصور الظافر بأعدائه. رابعا: ملك الوجه القبلي والوجه ~~البحري. وختم ذلك بجملة أدعية وهي: دام بصحة وعافية. ولما عاد إلى مصر ~~بعد هذه الغزوة بنى قلاعا في حدود الدلتا استمرت إلى عهد العائلة ~~الثانية عشرة، ولحبه لرعيته عبدته المصريون بعد وفاته، واستمرت على ذلك ~~إلى ms017 عصر البطالسة، وأما باقي ملوك هذه العائلة لم يكن لهم آثار تدل على ~~تاريخهم، بل ما ورد عن المؤرخ «مانيتون» يفيد أن في مدتهم تزايدت ثروة ~~المملكة وتكاثرت مبانيها، فمن تلك المباني جملة مقابر كانت سكان منف تدفن ~~بها موتاهم، وكانت تلك المقابر تبعد عن منف بمقدار خمسة آلاف متر من ~~الجانب الغربي، ومن مآثر هذه العائلة التمثالان الموجودان بمتحف الجيزة ~~«دار الآثار القديمة» أحدهما تمثال «رع حتب». والثاني تمثال زوجته ~~«نفرت»، المتخذان من حجر واحد، وعليهما نقوش تدل على أن «رع حتب» كان ~~الكاهن الأكبر لمدينة المطرية وقائد الجيوش المصرية، وأن زوجته «نفرت» - ~~أعني الجميلة - حفيدة ملك لم يعلم اسمه. ~~(د) العائلة الرابعة المنفية # حكمت هذه العائلة من سنة 4900ق.م إلى سنة 4800ق.م، وأشهر ملوكها الملك ~~خوفو الآتي ذكره. # ذكر مآثر الملك خوفو: # في مدة حكمه قد ~~استنار تاريخ مصر ولا سيما بتكاثر العمارات الشهيرة التي أعظمها الهرم ~~الأكبر الذي بناه هذا الملك سنة 4900ق.م، وهو الكائن بجوار الجيزة، وهو ~~أقدم عمارة في الدنيا بعد برج بابل، ويبلغ 455,75 قدما، وعرضه 67 قدما، ~~وقد بناه في مدة 30 سنة؛ عشرة في قطع الأحجار وعشرون في تشييده، ولم يكن ~~هذا الهرم موضوعا وضعا حيثما اتفق، بل هو موضوع كمزولة يعرف منه أول ~~يوم في السنة، كما أثبت ذلك سعادة المرحوم محمود باشا الفلكي، وكتب في ~~ذلك رسالة صغيرة، ولم تك همة هذا الملك قاصرة على تشييد العمارات فقط، ~~بل كان محبا للغزو والجهاد، ويرى في وادي مغارة (قريبا من عيون موسى ~~بشبه جزيرة جبل الطور) مصورا على شكل مقاتل يقمع بني عون (قبيلة من عرب ~~البدو الذين كانوا يتعدون على حدود مصر من جهة الشرق) وقد دعت اليونان ~~هذا الملك في كتبهم بالظالم، ادعاء منهم على أنه حمل رعيته على نقل أحجار ~~هرمه من صحراء ليبيا وألهاهم عن العبادة، وأمر بغلق الهياكل والمعابد، ~~وهذا كذب لا أصل له بدليل ما ثبت من أن هذا الملك أهدى هدايا ثمينة ~~للمعبودات المصرية، ms018 وأنه استعمل في بناء هرمه الأسرى الذين أسرهم من بني ~~عون السابق ذكرهم، وهذه عادة عند جميع الملوك، وحكم 68 سنة، واستولى بعده ~~الملك خفرع أو كفرن، وهو الباني للهرم الثاني البالغ ارتفاعه 447 قدما، ~~واستولى بعدهما الملك منقرع أو منقريوس، وهو الباني للهرم الثالث البالغ ~~ارتفاعه 302 قدما، وكان ملكا عادلا، وقد ألف في أيامه عدة كتب في علم ~~التيولوجيا - أي علم اللاهوت - (الديانة). # وأشهر ملوكها أيضا الملك سبسقاف، وهو أحد المشرعين الخمسة، ورتب ~~الديانة ترتيبا جديدا، ودون علم الهندسة، ورصد الكواكب، وسن قانونا ~~للقرض جوز فيه أن كل إنسان له أن يقترض ما يشاء ممن يشاء بشرط أن يرهن ~~جثة أبيه عند المقترض، وأذن له أن يتصرف في قبر المديون حتى يوفيه دينه، ~~فإن لم يوفه إياه حرم من الدفن هو وذريته بعد موتهم. ~~(ه) العائلة الخامسة الأسوانية # لم يكن لها ملوك يستحقون الذكر، فلذلك ضربنا صفحا عنهم، وعدد ملوكها ~~تسعة. ~~(و) العائلة السادسة الأسوانية # أشهر ملوك هذه العائلة «ماري ببي أو ماري بيبوس» وهو الذي حارب السودان ~~وأدخلها تحت الطاعة حينما مدوا أبصارهم إلى ملك مصر، واستخرج من جبل ~~الطور معدن النحاس والتوتيا والفيروزج، وتحارب مع عربان جبل الطور الذين ~~كانوا يشنون الغارات دائما على أطراف مصر من تلك الجهات، وأجلاهم عن ~~أرضهم، وصنع الطريق الموصل من بندر قنا إلى القصير، واستخرج من وادي ~~الحمامات الذي بتلك الجهة أحجارا كريمة، خصوصا الزمرد. # ذكر الملك منتصاف: # ومن ملوك هذه العائلة الملك منتصاف، ولم يحكم إلا ~~سنة واحدة وقتله أعداؤه. # واستولت بعده أخته المسماة نيتوكريس وكانت زوجته ~~أيضا، وأضمرت على أخذ الثأر من قاتلي أخيها الذي هو ~~زوجها، فشيدت سرايا تحت الأرض وسلطت عليها ماسورة ~~من النيل، ودعت قاتلي أخيها إليها، فبينما هم على ~~المائدة يأكلون؛ إذ فتحت عليهم ماسورة الماء ~~فأغرقتهم عن آخرهم، ولخوفها على نفسها من الانتقام ~~ألقت نفسها في النار فاحترقت ودفنت بالهرم «الأصغر ~~بالجيزة» حيث تممت بناءه. وكانت مدة حكمها عشر ~~سنين. ~~(ز) العائلة السابعة ms019 والثامنة والتاسعة والعاشرة # اعلم أنه بانقراض العائلة السادسة لا يعرف شيء من التاريخ بخصوص هؤلاء ~~العائلات، وغاية ما نعرفه هو أن تخت مصر كان في مدينة هرقليوبوليس، وهي ~~المعروفة الآن باسم «أهناس المدينة». ~~(ح) العائلة الحادية عشرة الطيبية # لم يكن لملوك هذه العائلة شيء من الآثار يستحق الذكر، وعدد ملوكها ستة ~~عشر. # الطبقة الثانية ~~(أ) العائلة الثانية عشرة # ذكر الملك أوزرتسن الأول: # وهو صاحب المسلة الموجودة الآن بالمطرية أمام هيكل ~~الشمس، ويبلغ ارتفاعها 20 مترا وكسورا. ومكتوب عليها ما ~~صورته: # العظيم، معطي الحياة لكل مولود، ملك الصعيد ~~والبحيرة، دام بقاء أوزرتسن ابن الشمس، محب إله بلد ~~الشمس، صاحب التاج، معطي الحياة لكل موجود، صنع هذا ~~الشغل العظيم وأنهاه في يوم عيده الأكبر لتخليد ذكره ~~على ممر الدهور والأعوام. # وأقام مسلة أخرى بقرية بجيج بالفيوم، وقد حارب السودان، ~~وهو أول من بنى أساس هيكل الكرنك بالصعيد بمدينة طيبة، ~~ويرى اسمه منقوشا على مبنى قديم جهة الشلال الثاني، ~~ويلقب باسم الملك المنصور على أمة القوس والنشاب، وجلب ~~الذهب من بلاد السودان وجعله في خزينة مدينة «قفط» ~~بالصعيد. # الملك أوزرتسن الثالث: # كان هذا الملك صاحب حزم وعزم حتى عبدته الناس بعد موته، ~~وقد جرد جملة تجريدات حربية لمقاتلة العبيد جنوب مصر، ~~وشيد بوادي حلفة استحكامات لمنع تعدي العبيد على مصر؛ ~~منها: قلعتان يعرف أطلالهما الآن باسم سمنة وقمنة، وكتب ~~على حجر هناك ما صورته: # إن هذا الحجر هو آخر حدود مصر من جهة الجنوب، ~~ولا يسوغ لأحد من أمة الزنج أن يتجاوزه إلا إذا كانت ~~سفنه مشحونة بالثيران والمعز والحمير. # الملك أمنما الثالث: # ويسمى أيضا «أمنمحعت الثالث»، وهو الذي نظم جسور النيل ~~وحفر الترع العظيمة وصنع البركة المعروفة عند الجغرافيين ~~باسم «بركة موريس» بالفيوم، وصنع بوسطها هرمين يعلوهما ~~صورته وصورة زوجته، وهو الذي بنى هرم اللاهون وحفر الترعة ~~المعروفة الآن باسم بحر يوسف بالفيوم، وشيد سرايا بها ~~1500 أودة تحت الأرض و1500 فوقها، وأعدها مجلسا لأعيان ~~مصر والكهنة ليتداولوا فيها في الأمور السياسية ms020 والمنافع ~~العامة، وهي المعروفة الآن باسم سراي «لبرنت أو التيه أو ~~البرية» وقد بنى هذا الملك مقياس النيل بوادي حلفة وموجود ~~أثره إلى الآن، وانتظمت أحوال مصر في مدته واشتهرت ~~بالعلوم والصنائع وأتقن فن البناء ونحت الأحجار. # وأما العائلة الثالثة عشرة والرابعة عشرة لم يعلم لهما ~~شيء من الآثار، والأولى تختها طيبة والثانية سخا. ~~(ب) العائلة الخامسة عشرة # هذه العائلة مجهولة الحال أيضا ، غير أن عرب الرعاة أغاروا على مصر في ~~مدة حكمها، ونزعوا الملك منها، وجعلوا تخت حكمهم مدينة منفيس. # ذكر عرب الرعاة أو الهكسوس: # ذكر ~~المؤرخون أن قبائل الهكسوس كانوا أخلاطا من العرب وأهل الشام ~~والكنعانيين، وكانت قبائل رحل نزل، أغاروا على مصر (2213ق.م) من جهة ~~الشمال الشرقي واستولوا عليها وقتلوا العباد وأحرقوا البلاد وخربوا ~~الهياكل ونهبوا ما كان بها، ورحل بعض الوطنيين إلى الصعيد، ومكثوا بمدينة ~~طيبة. وأما عرب الرعاة فقد اختاروا ملكا عليهم يدعى سلاطيس، فبادر ~~بتشييد القلاع والحصون في الجهات التي يخشى عليها، وفي عصر هؤلاء الأقوام ~~تكاثر ورود أهل آسيا واتخذوا منهم جنود ليكونوا لهم أعوانا عند الشدائد، ~~ولم يمض على العرب زمن طويل إلا وتدينوا بدين المصريين، وتركوا الغلظة ~~والفظاظة، وشرعوا في إحياء التمدن ونشر العلوم بعد ما تعلموا القراءة ~~والكتابة، وفي أيام هؤلاء الأمم وفد يوسف الصديق على مصر وبيع فيها، ودخل ~~بعد ذلك في خدمة الدولة المصرية، وما زال يترقى إلى أن صار عزيزها، ~~والقصة مشهورة، ثم جاء يعقوب عليه السلام وأولاده الأحد عشر، فأنزلهم ~~يوسف عليه السلام جهة الشرقية وأقطعهم وادي غسان، وهو المعروف برأس ~~الوادي. ثم قامت الحروب على قدم وساق بين المصريين وأمة الهكسوس، ولم ~~يتمكن المصريون من إجلائهم عن مصر إلا في مدة الملك أحميس رأس العائلة ~~الثامنة عشرة. # الطبقة الثالثة ~~(أ) العائلة الثامنة عشرة الطيبية 1703-1462ق.م # الذين حكموا من هذه العائلة أربعة عشر ملكا، ومدة حكمهم 241 سنة، ظهرت ~~هذه العائلة من مبدأها بأقوى مظهر، وتفاخرت بانفرادها بالشوكة الملوكية ~~والسطوة الأهلية، ومن أشهر ملوكها الملك أحميس ms021 الذي طرد عرب الرعاة بعد ~~أن مكثوا بمصر أكثر من خمسة قرون، وكانت زوجته أتيوبية؛ ولذلك انقادت ~~له أهل الأتيوبيا، وصارت له الكلمة النافذة على كل مصر من الشلالات لغاية ~~البحر الأبيض المتوسط. # كيفية طرد عرب الرعاة (1703ق.م): # هي أن هذا الملك تحارب مع عرب الرعاة فانهزم منهم ~~وفر هاربا إلى بلاد السودان وتزوج بابنة ملكها، ~~فعاد مع عساكر سودانية متحدا مع قواد العساكر ~~المصرية، وقامت الحروب على قدم وساق بين الطرفين، ~~فانهزمت أمة الهكسوس، والتجأت إلى قلعتهم المسماة ~~أواريس فحاصرهم الملك أحميس بها، وتم الأمر أخيرا ~~بخروجهم بشرط أن يأخذوا جميع ما يمتلكونه من بر ~~مصر، وخرجوا منها واقتفى أثرهم إلى أن أدخلهم أرض ~~كنعان، وتخلفت منهم طائفة مكثت بين صحراء مديرية ~~الغربية وفروع النيل الشرقية، وهم القاطنون الآن حول ~~بركة المنزلة، وحرفتهم صيد السمك وقنص الطيور، ~~واجتهد هذا الملك في تشييد العمارات والمباني ~~الجسيمة، وفي ترميم ما دمرته جماعة الرعاة، ويرى ~~اسمه منقوشا في جبل المعصرة، يستفاد منه أن هذا ~~الملك قطع أحجارا من محاجرها وانتخب أحجارها ~~البيضاء لتشييد جملة هياكل ومبان. # ذكر مصر وشوكتها بعد أمة الهكسوس: # قد علمنا أن الملك «أحميس» هو الذي طرد عرب الرعاة، ~~وقد اعتبره المؤرخون مؤسسا لذرية ملوكية وهي ~~العائلة الثامنة عشرة لداعي الانقلاب الذي أحدثه ~~لإجلاء جماعة الرعاة من أرض مصر، وكان كل من جلس على ~~سرير الملك بعد «أحميس» المذكور يعرف باسم «طوطوميس» ~~أو «أمنحتب»، وكانوا ملوكا ذوي غزو وفتوحات، حتى ~~أدخلوا البلاد تحت طاعتهم وقهروا العباد واستولوا ~~على الممالك الواسعة، وافتتح لهم في تاريخ مصر باب ~~عصر جديد كما هو آت. # ذكر الملك أمنحتب الأول: # لما جلس هذا الملك على سرير الملك بعد «أحميس» وسع ~~حدود مملكته في بلاد الأتيوبيا التي كانت تسمى باسم ~~بلاد «الكوش»، ومن وقتئذ صارت كلمة الكوش عنوانا ~~لولي عهد مصر. # ذكر الملك طوطوميس الأول: # لما تولى هذا الملك قويت أطماعه في توسيع دائرة مصر ~~فاستمر يحارب جنوبا وشمالا، فتحارب مع أهل ~~الأتيوبيا، وامتدت حكومته ms022 إلى محاجر مدينة «إتبو» ~~بوسط النوبة، بدليل وجود اسمه منقوشا هناك، وفي ~~عصره اتسعت حدود مصر فكانت تمتد جهة الجنوب إلى جبل ~~«إيتا» بالحبشة وجهة الشمال إلى آخر أساكل أهل آسيا، ~~وكانت بلاد الأتيوبيا منبع الثروة المصرية بكثرة ~~بضائعها وصنائعها ومعادنها، وبعد أن أدخل النوبة تحت ~~طاعته ورتب فيها الحكام زحف بجيوشه على القوم ~~القاطنين بين نهر الدجلة والفرات فانتصر عليهم، ~~ولهذا الملك جملة عمارات منها: تشييد جزء من معبد ~~«آمون» بالكرنك، ومسلتان إحداهما بباب المعبد ~~والثانية ضاعت. وفي أيامه جلب المصريون الخيل معهم، ~~ولم تكن معهودة قبل الآن في بر مصر، وتعلموا من «أمة ~~الرطنو» صنع العربات الحربية، وصارت من وقتئذ من ~~المهمات الحربية المصرية، ومع انهزام سكان آسيا ~~وخضوعهم لملك مصر فإنهم حافظوا على قوانينهم ~~ودياناتهم، وانحصرت عبوديتهم في تقديم جزية سنوية ~~لفراعنة مصر. # ذكر طوطوميس الثاني: # في أثناء حكمه أرسل جيوشا لبلاد الشام والأتيوبيا ~~فبايعوه من غير حرب، وقهر الأقطار السودانية التي ~~كانت قائمة، وأدخلهم تحت طاعته، وصير بلادهم من ~~الشلال الأول إلى بلاد الحبشة ولاية مصرية بعد أن ~~كانت مستقلة، وعين عليها مأمورين من طرفه. وتوفي ~~بدون أولاد ذكور فورثه أخوه طوطوميس الثالث، ولكونه ~~قاصرا قامت أخته حعتشبسو بالنيابة عنه. # ذكر الملكة حعتشبسو: # وتسمى أيضا الملكة حتزو، ولما تولت الملك شرعت في ~~تشييد هياكل ومباني سمتها باسمها، وحافظت على الوجه ~~القبلي والبحري، وأخذت الجزية من سكان سوريا ~~الشمالية، وحاربت بلاد «بون» بجنوب بلاد العرب ~~المشهورة بالأخشاب والذهب والفضة والعطريات؛ وذلك ~~لتوسيع مملكتها؛ ولهذا الغرض عملت في البحر الأحمر ~~مراكب حربية وانتصرت عليهم، ويرى على حجر بالدير ~~البحري «بالصعيد» أشكال السفن الحربية تشحنها رجال ~~الأعداء منقادين بالحيوانات الغريبة كالظرافات ~~والقردة والنمور، ومن جهة أخرى يرى أنواع الأسلحة ~~وسبائك الذهب والنحاس، وسفن أخرى تحمل صناديق أنواع ~~الأشجار والعطريات المضمخ أسفلها بالطين؛ لغرسها ~~بمدينة طيبة. ومن أعمالها المسلتان الموجودتان ~~بأطلال الكرنك، ولم تزل إحداهما قائمة الآن وعليها ~~كتابة بالهيروجليفي معناها أنها عملت هاتين المسلتين ~~لبقاء ذكر والدها «طوطوميس الأول»، ms023 وكان على رأس كل ~~مسلة إكليل هرمي الشكل من الذهب المغتنم من الأعداء، ~~فلما بلغ أخوها رشده أشركته في الحكم معها إلى أن ~~ماتت. # ذكر طوطوميس الثالث: # لما تولى هذا الملك محا آثار أخته يريد بذلك محو ~~اسمها من الدنيا، وهذا الملك هو مصباح تاريخ مصر، ~~ولما جلس على سرير الملك شرع في إخماد نيران الثورة ~~الناشئة بأرض الشام، وهزم أعداءه في واقعة حربية ~~عظيمة في مدينة مجدوا المعروفة الآن باسم «مجدلة» ~~بالقرب من جبل الكرمل، وسار على طريق أبيه «طوطوميس ~~الأول» لقتال الأعداء، وعبر نهر الفرات وجبال أرض ~~الجزيرة «أو الميزو بوتاميا»، ويقال لها أيضا جزيرة ~~ابن عمرو، ودخل في مدينة «نينوى» وهو مظفر منصور، ~~واستولى عليها كما استولى على غيرها من البلاد ~~العظيمة، ومما يؤيد ذلك ما وجد منقوشا على لوح حجر ~~بمعبد الكرنك، وهو محفوظ الآن بدار التحف بالجيزة، ~~يتضمن أخبار وقائع هذا الفاتح وغزواته، يعرف الآن ~~باسم لوح الكرنك الإحصائي، وسمي بذلك لأنه اشتمل ~~على بيان عدد قتلاه وأسراه في كل واقعة حربية، ثم ~~استولى على أغلب جزائر بحر الروم بمساعدة سفن ~~الفنيقيين «أهل صور وصيدا»، ويستفاد من اللوح ~~المذكور فتحه هذه الواقعة البحرية، ففيه أن أسطوله ~~بعد ما أخضع جزيرتي قبرص وكنديا «كريت» توجه لغزو ~~جزائر الأرخبيل الرومي، وبعد ما فاز بالنصر التام ~~عليها ملك قسما عظيما من بلاد اليونان وآسيا ~~الصغرى، والمظنون أنه أدخل تحت طاعته سواحل جنوب ~~إيطاليا، ويفهم منه أنه أخضع سواحل ليبيا وأدخلها ~~تحت الطاعة. وقد بلغت مدة حكمه 54 سنة، وله كثير من ~~الآثار الباقية الآن في كل من مدينة هليوبوليس ~~«المطرية» ومنفيس «ميت رهينة»، ولقصر أبي الحجاج ~~وجزيرة «إلفنتين» بأسوان التي بها القصر المشهور ~~الآن باسم «قصر أنس الوجود»، وجميع ذلك يشهد له بسمو ~~القدر وعلو الشأن. # ذكر الملك أمنوفيس الثالث: # في عصر هذا الملك اشتدت الفتن فشرع في إطفائها، ~~ونقش ذلك على تاج هيكل القصر، وكان هذا الملك ذا ~~وقار ومهابة في زمن الحروب محبا للتدبير والسياسة ~~في ms024 زمن الصلح؛ وبذا لم تتنازل مصر في أيامه؛ وسعى في ~~تقدم العلوم والصنائع، وقد وجد اسمه منقوشا على ~~كثير من قطع الأحجار أن هذا الملك قتل من أول سنة من ~~حكمه إلى السنة العاشرة 102 أسدا ولم تنطف زهرة ~~جنودها، بدليل ما وجد مرسوما على بعض أحجار بمتحف ~~الجيزة، ولشهرة هذا الملك بالأقطار الغربية سمته ~~اليونان بالممنون، وصنع صنمين عظيمين موضوعين في باب ~~هيكل لقصر أبي الحجاج يعرفان الآن باسم «شامة ~~وطامة»، ولغاية سنة 27م كان لم يلتفت أحد لهما إلى ~~أن حصلت زلزلة فأسقطت جزء أحدهما الأعلى، وشوهد أن ~~هذه القاعدة متى سقط عليها النداء في الصباح سمع لها ~~صوت مستطيل عند شروق الشمس، فكان السياحون من ~~اليونان والرومان يتعجبون من ذلك، إلى أن اعتقدوا أن ~~صورة الملك أمنوفيس هذه هي صورة شمسون أحد أرباب ~~الأتيوبيين، أبوه نيسون وأمه أورور، وأنه هو الذي ~~أعان برياموس على اليونان في حرب «تروادة»، وأنه ~~يشير بالتحية عند طلوع الشمس إلى والدته أورور «أعني ~~الفجر» ثم اعتقدوا فيه اعتقادات غير ذلك، واعتقده ~~غالب السياحيين، فصاروا ينقشون أسماءهم على سيقان ~~هذين الصنمين إلى سنة 150م؛ حيث وفد على مصر ~~الإمبراطور «أدريان» ملك الرومان وزوجته إلى الصعيد ~~لسماع صوت هذا المعبود، فلما عاين منه ذلك أخذته ~~الرأفة عليه فوضع الجزء الملقى على الأرض فوق ~~قاعدته، فلما امتلأت فوارغه بالمونة، صار لا يسمع له ~~صوت، فاتضح أن صوته الرنان كان ناشئا عن تأثير ~~النداء والشمس في الحجر، فهي خاصية طبيعية، ومتى ظهر ~~السبب بطل العجب. # أمنوفيس الرابع: # في عصر هذا الملك انتقل تخت المملكة من طيبة إلى ~~مدينة جديدة اختطها هذا الملك، يعرف مكانها الآن ~~بمحل يسمى «تل العمارنة» بمديرية «المنيا»، وكان ~~محافظا على بلاده جريا على عادات أبيه، بدليل ما ~~شوهد على الآثار من أن الأتيوبيين والشام والولايات ~~الشرقية وجزائر البحر الأبيض المتوسط كانوا يدفعون ~~له جزية سنوية، وفي مدته تجددت بمصر عبادة الشمس ~~التي كانت معدومة من قبل عصر هذا الملك، وسبب ذلك ~~أنه ms025 تزوج بامرأة أجنبية كما كانت أمه أجنبية أيضا، ~~فدخلت معها عبادة الشمس، ولخوفه على نفسه من الأهالي ~~رحل من مدينة طيبة، وسكن بالمدينة التي شيدها، وركن ~~إلى السودان وأهل ليبيا وجعل جيشه منهم، وهدم جميع ~~هياكل معبودات المصريين، وبمجرد موت هذا الملك قام ~~المصريون بعزم وحزم وأطفئوا بدعته الدينية، ثم قامت ~~الحروب الأهلية على قدم وساق مدة الملوك خلفائه ~~المجهولة لنا أسماؤهم، فخربت البلاد وهدمت العمارنة ~~وهيكل المعبود «آتن» الإله الجديد، ومحي اسم ~~«أمنوفيس الرابع» من جميع المباني، وأعيدت عبادة ~~الإله «آمون» وباقي الآلهة المصرية كما كانت. # وصعد على سرير الملك بعده ملك يدعى «حرمحب»، وهو ~~الذي أطفأ نار الفتن وشرع في إدخال السودان تحت ~~طاعته؛ حيث رفع لواء العصيان مدة الاضطرابات ~~الأهلية، وكذا خرج عليه سكان آسيا، فشرع في إخضاعهم ~~ثانيا، إلا أن الموت حال بينه وبين أغراضه. ~~(ب) ذكر العائلة التاسعة عشرة القرن ~~14ق.م # ذكر مآثر الملك سيتوس: # ويسمى أيضا ستي، اقتدى هذا الملك بأعمال جده ~~«تحتمس الثالث» أو «طوطوميس» في تحصيل سمو القدر ~~لديار مصر، كما تشهد له بذلك الآثار، ففي أول سنة من ~~حكمه حارب بدو مدينة «بيتوم» إلى أن أدخلهم أرض ~~كنعان، ثم توجه إلى بلاد الأرمن والشام، وتحارب معهم ~~حتى هزمهم، ووضع عليهم حكاما مصريين ومحافظين في ~~جميع الاستحكامات، كغزى وعسقلان. وبعد ذلك حارب ~~الفلسطينيين، ولكن خرجت عن طاعته الجهات المجاورة ~~لنهر الفرات. ومن الآثار: يستفاد أنه حكم ~~الأتيوبيين، وأوصل نهر النيل بالبحر الأحمر بواسطة ~~ترعة حفرها كان فمها من تل بسطة إلى أن تصب في ~~البحيرات المرة، وأسس استحكامات في شرق مصر وفتح ~~طريقا في الجبل للقوافل توصل من قرية «أراسيا» ~~بإقليم إسنا إلى معدن الذهب بجبل «أتوكي»، وأحدث ~~عينا صناعية لشرب المسافرين، ومات وخلفه ابنه ~~«رمسيس الثاني» الآتي ذكره. # ذكر مآثر رمسيس الثاني سنة 1400ق.م: # ارتقى هذا الملك صغيرا على سرير الملك في حياة ~~والده، ولم تحسب مدة حكمه إلا من بعد وفاة والده ~~«ستي» السابق الذكر، وقد سمته اليونان «سيزوستريس» ~~وهو ms026 لقب اشتقوه له من كلمة «سيزوسترع» التي كانت ~~عنوانا عاما لجميع فراعنة مصر، وقد نسب إليه ~~الرواة أغلب أفعال أسلافه، وشابوها بقصص خرافية، ~~ونسبوا إليه أيضا حروبا وغزوات من قبيل الأكاذيب ~~مثل غزوة بلاد فارس، والهند. وقد أفادتنا الآن آثاره ~~أنه كان من كبار الملوك أرباب الغزو والجهاد، وكانت ~~أجل غزواته في شمال بر الشام، ومع حداثة سنه أرسله ~~والده لغزو تلك البلاد، وكان عمره وقتئذ عشر سنين ، ~~فغزاهم وأطاعهم، ثم حارب بلاد الأتيوبيا والقبائل ~~القاطنة هناك على سواحل النيل، فصارت تتواتر مفاخره ~~شيئا فشيئا إلى أن نال أعظم الفضل، فلما مات والده ~~اشتغل بالملك، وعزم على توسيع بلاده بالفتوحات، ففي ~~السنة الرابعة من حكمه قامت عليه سكان آسيا ~~الشمالية، وصاروا إلى أن وصلوا بقرب حدود مصر، فقام ~~رمسيس بجيشه، فاستظهروا عليه في مبدأ الأمر، ولكن ~~أخيرا ظفر بهم، وفي حالة رجوع العساكر المصرية من ~~هذه الحرب قام الكنعانيون وجيرانهم على الجيوش ~~المصرية وكذلك الخيتاسيون حتى صار جميع سكان سواحل ~~نهر الفرات إلى سواحل النيل تقاتل المصريين، وقد ~~اجتمع المصريون مع أمة الخيتاس في قلعة «كدش» في ~~وادي الجريت - وهو وادي نهر العاص بجوار عكا - فظهرت ~~فيه بسالة مفرطة تخلدت في بطون التواريخ، وكانت ~~سببا في القصيدة التي ألقاها الكاتب بنتاؤر - ~~معناها الشاعر اللبيب - المنقوشة على جدران هيكل ~~الكرنك، ولما تيقن أن الخيتاسيين كمنوا له خلف قلعة ~~كدش، بعث يستصرخ بجيشه، فأحدق به الأعداء من كل ~~جانب، فلما عاين خواصه ما حل به تركوا ملكهم في ~~ساحة القتال وفروا على أقدامهم مدبرين، فعند ذلك ~~انقض على عسكر الأعداء بمفرده وجال في جموعهم جول ~~البأس، وصار وهو محدق بالأخطار يبتهل إلى إله مدينة ~~طيبة المدعو «آمون رع»، ويذكر الهياكل الجليلة ~~والمعابد العديدة التي أقامها إحسانا له وهو يقول: # يا أبتي يا آمون! أما لبيت صوتك ومشيت طوع ~~أمرك! أما قربت لك القربان العديدة! أما شيدت ~~لجلالتك معبدا مخلدا على ممر الدهور والأعوام! أما ~~ملأت بيتك بالأسراء أعدائك! ... فأنا أدعوك يا أبتي ms027 يا ~~آمون، قد تركتني عساكر الرماة والفرسان الكماة، لكن ~~أنت حسبي يا إلهي من الجيوش المؤلفة والفرسان ~~المتكاثفة والعساكر والجنود والأعلام ~~والبنود. # ثم قال الشاعر المذكور إن الإله لبى نداه، وقبل ~~دعاه، وملأ قلبه بسالة، وملأ قلب العدو خوفا. ~~فاندفع بعربته ست مرات بين الصفوف، وهزم المئين ~~والألوف، ثم أدركه بقية خواصه، فلما دخل الليل ~~تكاملت عنده عساكره، فباتوا تلك الليلة، وفي الصباح ~~أمر الملك بالحملة على الأعداء ، فهجم الفريقان ودارت ~~الدائرة فيها على أمة الخيتاس، ففاز المصريون ~~بالنصر، فطلب ملك الأعداء منه الصلح، وقد مكثت هذه ~~الحرب مدة خمس عشرة سنة، وأخيرا حصلت عهود بين ~~رمسيس ميامون المذكور وملك الخيتاس كتبت على لوح من ~~فضة (موجود الآن بالأنتيكخانة بلندرة)، وبعد انقضاء ~~الحرب بالعهود المذكورة شرع رمسيس في تشييد المباني، ~~فشيد بكل مدينة معبدا لمعبودها، حتى قيل إنه لم ~~يوجد محل قديم بمصر والنوبة إلا وله فيه أثر، وأشهر ~~هذه المباني هيكل مدينة «أبسمبول جنوب مصر» وهو الذي ~~حفر بحيرات التمساح، ومهد الطريق الموصل لاستخراج ~~المعادن من بلاد النوبة، وطهر ترع الوجه البحري وحصن ~~حدود الصحراء بالاستحكامات لمنع إغارة العرب على ~~مصر، ولعدله كانت الأهالي تحبه، وكان إذا أراد ~~التوجه إلى بلد من بلاده قابلته مشايخ البلاد ~~بالملابس العظيمة واضعين على رءوسهم شعورا جديدة ~~معطرة، واقفين على أبوابها وبأيديهم ورد، وهم ~~ينادون: لقد حصل السرور بمشاهدتك يا رمسيس، دمت بصحة ~~وعافية. ومات بعد أن حكم ستين سنة. # ذكر مآثر الملك منفطا الأول: # وهو ابن رمسيس الثاني، كان هذا الملك مباشر الأحكام ~~مدة السنتين الأخيرتين من حكم والده، وجلس على تخت ~~الملك وهو طاعن في السن، وشرع في تشييد المباني ~~العظيمة بالوجه القبلي والبحري، وفي مبدأ حكمه كانت ~~البلاد في هدوء وراحة، ثم ابتدأت إغارات الأجانب؛ ~~حيث ظهر في بحر الروم أسطول حامل جما غفيرا من ~~مقاتل البربر مثل: السليقيون «قبائل اليونان»، وسكان ~~جزيرة صقلية «سيسيليا». وأتي على سواحل ليبيا وانضمت ~~عساكره لعساكر تلك البلاد وهجموا على مصر، وقد دلت ~~النقوشات ms028 البربائية أن مصر لم يدخلها عدو منذ خروج ~~عرب الرعاة منها؛ فألقى المصريون سلاحهم مدة نصف ~~قرن، فسقطت همتهم عن استعماله، فلذا لم يوجد عندهم ~~من يقاومهم، فتقدموا حتى كادوا يدخلون مدينة منفيس، ~~فقام منفطا بجيش عرمرم وهزمهم واستولى المصريون ~~على غنائمهم وسلبوا ما كان معهم، وهذه أول واقعة ~~حربية حصلت بين المصريين والأوروباويين. # وبعد موته حصلت حروب أهلية، لم نقف على تفاصيل ~~حوادث هذه الحقبة المضطربة، والذي نعلمه أنه لم ~~يتيسر لابنه «سيتوس الثاني» أن يجلس على تخت ~~الفراعنة إلا بعد موت أبيه بنحو اثنتي عشرة سنة، ومن ~~المحتمل أنه تعاقب على تخت المملكة اثنان بطريق ~~التعدي، منقوش اسمهما على المباني القديمة، ومن ~~المحقق أن ذرية عرب الرعاة القاطنين بالوجه البحري ~~خلعوا أطواق الطاعة من أعناقهم، وأوقعوا السلب ~~والنهب وأشعلوا النيران واللهيب وتجاروا على ذلك عدة ~~أعوام. # معاملة المصريين لبني إسرائيل وخروجهم من مصر سنة ~~1350ق.م: # كانت عادة الفراعنة استعمال الأسراء في تشييد ~~المباني والعمارات، وقد تكاثر عدد أولئك الأسراء في ~~عهد العائلة الثامنة عشرة والتاسعة عشرة، وكان منهم ~~بنو إسرائيل الذين استعبدهم المصريون واستمروا في ~~العذاب إلى عهد رمسيس الثاني الذي زاد عليهم في ~~التشديد، فشيد مدينة «رعمسيس» بعمال إسرائيليين، ومع ~~شدة ذل الإسرائيليين بأرض مصر نموا وانتشروا، ~~وأخيرا أمر فرعون برمي أولادهم في النيل وقت ~~ميلادهم، وقد نجا موسى عليه السلام بأمر الله على يد ~~ابنة الملك، ثم بعثه الله رسولا للإسرائيليين؛ ~~لإنقاذهم من جور المصريين. # وقد ذكرت التوراة أن نبي الله موسى عليه السلام ~~ألزم فرعون الحاكم وقتئذ بعد ما أراه الآية الكبرى ~~أن يسمح لبني إسرائيل بالخروج من مصر؛ حيث كانوا ~~مقيدين بقيد الأسر ورق العبودية، فقادهم عليه ~~السلام إلى شبه جزيرة جبل الطور، ثم ندم فرعون على ~~تخليصهم من طوق الطاعة فاقتفى أثرهم يقود جيشا ~~جرارا، ولحقهم بالقرب من شاطئ البحر الأحمر بقرب ~~الجهة المعروفة الآن بالسويس، فانفلق البحر لموسى ~~وعبر وقومه سالمين، ولما أراد فرعون أن يتبعهم غرق ~~مع قومه. # وقد حمل المؤرخون ms029 عبارة التوراة على فرعون منفطا ~~الأول، مع أن النصوص البربائية عارضت هذا القول، ~~وثبتت أنه مات حتف أنفه، فإن صح ذلك كان وقوع هذا ~~الحادث المريع مدة الاضطرابات السابقة أو اللاحقة ~~لحكم سيتوس الثاني ابنه. ~~(ج) العائلة المتممة للعشرين القرن 13-12ق.م # ذكر مآثر الملك رمسيس الثالث: # وهو آخر مشاهير ملوك مصر، ولما تولى الملك اهتم في تحفظ ~~مصر وملحقاتها، وسعى في تقدم داخليتها، وفي أول حكمه قام ~~عليه الناس من كل جهة؛ فالبدو هددوا شرقي الدلتا، وخرجت ~~عن طاعته ولايات الشام، وأغار الليبيون على غرب المملكة، ~~فلما رأى تعصب هؤلاء الأقوام قام لقتالهم، فهزم أولا ~~البدو، ثم الليبيين ومن معهم، فلما علم أهل آسيا الصغرى ~~والجزائر اليونانية بهذه الحرب أرادوا الخروج عن طاعته، ~~فشنوا الغارة واندفعوا بجيوشهم على مصر من جهة الدلتا، ~~وتقابلت جيوشهم وسفنهم الحربية بجيوش وسفن المصريين، ~~وحصلت واقعة هائلة انتهت بنصرة المصريين على هؤلاء ~~الأقوام، وبعد ذلك هاج الليبيون مرة ثانية، ولكن المصريين ~~قاتلوهم وانتصروا عليهم، واغتنموا غنائم كثيرة ما بين عدد ~~حرب ومواش، وأسروا منهم عددا وافرا، وبعد ذلك حصل ~~الأمن والراحة، وأرسل رمسيس المذكور في البحر الأحمر ~~سفنا إلى بلاد العرب لجلب الخيرات منها، ثم أرسل تجريدة ~~حربية إلى شبه جزيرة جبل الطور وأدخل أهلها تحت حكمه، وفي ~~أواخر حكمه أشرك معه ابنه رمسيس الرابع، ثم بعد وفاته لم ~~تشتغل الملوك خلفاؤه بالحروب، بل توجهت أفكار الأهالي إلى ~~اتخاذ الصناعة والتجارة، وكرهوا الحروب التي أهلكت ~~أموالهم وأولادهم، فدخل العناد والاضطراب في جميع فروع ~~الحكومة واستفحل أمر كبار كهنة المعبود «آمون» واستولوا ~~بالتدريج على أعظم مناصب البر والرياسة العسكرية، فلما ~~مات رمسيس الحادي عشر قام رئيس الكهنة المدعو «حرحور» ~~واغتصب التاج الملوكي، وجعل نفسه ملكا سنة 1150ق.م على ~~كل مصر والشام، وأمر بنفي الملك وعائلته من مدينة طيبة ~~إلى مدينة «تنيس» صان الحجر «بالشرقية»، وجلس الكاهن ~~المذكور على تخت مصر، وبعد موته أخلفه قسيسان آخران، وفي ~~مدتهما وقع هرج عظيم ببلاد مصر، وخرجت الأهالي هاربة من ms030 ~~دفع الجزية، وكان تختهما مدينة «تنيس»، ووقع بين الطرفين ~~شقاق ومنازعات شديدة، وقامت الحروب على قدم وساق، وآل ~~الأمر بنزع الملك من يد الكهنة بظهور الملك «سمنديس» رأس ~~العائلة الحادية والعشرين. ~~(د) ذكر العائلة الحادية والعشرين القرن 11ق.م # رأس هذه الدولة هو سمنديس، وكان مقر حكومتها مدينة صان الحجر «شرقي ~~الدلتا»، وقد أفنى عمره في حرب ذرية الكاهن حرحور ملك الصعيد بطيبة، وبعد ~~موته استمرت الحروب سجالا بين ملوك مدينة صا الحجر وملوك طيبة، فكانت ~~جيوش الوجه البحري مؤلفة من جنود الليبيين والأقوام الذين كانوا قاطنين ~~على مصبات النيل، وكادت أن تكون رؤساء هذه الجنود المجمكة مستقلة وبيدهم ~~الحل والربط، وكان شيشاق أو شيشنق أحد رؤساء هذه الجنود، وكان أجنبي ~~الأصل، وهو الذي هدم أركان الدولة الحادية والعشرين، وأسس الدولة الثانية ~~والعشرين وحكم جميع أرض مصر، وفي مدته عاد لمصر رونقها القديم، وأما ذرية ~~حرحور الكاهن فإنها انهزمت أمامه وهربت إلى بلاد الأتيوبيا، وأسسوا دولة ~~مستقلة وجعلوا تختها مدينة «نباتا» بالقرب من جبل البركل في جنوب «دنقلة ~~القديمة»، وكان شيشاق المذكور معاصرا لسيدنا سليمان عليه السلام ملك بني ~~إسرائيل، وبعد موته بخمسة أعوام هجم شيشاق على سبطي يهوذا وبنيامين، ودخل ~~بيت المقدس الشريف سنة 970ق.م، واستولى على جميع خزائن سليمان، ويوجد ~~منقوشا على جدران معبد الكرنك أسماء المدن التي خضعت لجبروته، ومن ~~أعماله أيضا إيوان البسائط الباقية آثاره إلى الآن بتل بسطة، وفي أيام ~~خلفائه عادت الفتن كما كانت عليه وكثرت العربدة بين الأكابر والأصاغر، ~~بحيث إن شيشاق الرابع الذي هو آخر هذه الدولة لم يكن ملكا إلا على مدينة ~~تل بسطة وما جاورها، وما زال الأمر يشتد ونيران الفتن تشتعل إلى أن ظهرت ~~العائلة الثالثة والعشرون من سنة 810 إلى سنة 721 التي كان مقرها مدينة ~~«تنيس»؛ حيث انقسم الملك بين عشرين أميرا مستقلا لقب أربعة منهم ~~بالألقاب الفرعونية، فارتفع شأن أحدهم وهو تفنخت المؤسس للدولة الرابعة ~~والعشرين الآتي ذكرها. ~~(ه) ذكر العائلة الرابعة والعشرين الصاوية القرن ~~8ق.م # نسبة ms031 إلى مدينة صا الحجر، ورأس هذه العائلة هو «تفنخت» أحد الأمراء ~~العشرين كما تقدم. # وفي مبدأ أمره شرع في نزع هؤلاء الأمراء، فاستعان بالأتيوبيين الذين كان ~~لهم في ذلك الوقت سطوة عظيمة، وكان تختهم مدينة مرو بالأتيوبيا، ولما ~~جعلته الأتيوبيون ملكا على مصر أخذ في محاربة بعض الملوك المجاورة له ~~إلى أن انتصر عليهم، ثم حارب الأمراء المذكورين فهزمهم وأخذ ما كان ~~بأيديهم ثم توجه إلى الصعيد، فأذعنت له الأمراء بالطاعة إلى أن وصل إلى ~~قسم أرمنت، واستولى عليه، ثم وضع الضرائب على قسم أهناس المدينة التي ~~كانت تحت حكم الأتيوبيين، فلما بلغ ذلك ملك الأتيوبيا «بعنخي» قاتله حتى ~~انتصر عليه، وجعل مصر ملحقة ببلاده، وأبقى لرؤسائها الامتياز، وأبقى ~~«تفنخت» ملكا عليهم، واستقر في صا الحجر، وبعد موته أخلفه ابنه ~~باخوريس. # ذكر مآثر الملك باخوريس: # كان هذا ~~الملك ضعيف البنية، صائب الرأي، ثاقب الفكر، مشرعا عاقلا، وقاضيا ~~عادلا. ولما تولى الملك شرع في نزع مصر الوسطى والوجه البحري من ~~الأمراء ونجح في ذلك، وجعل مصر مستقلة تحت حكمه، ثم أهان العجل «أبيس» ~~معبود المصريين، وجعل الإهانة له أعظم ذلة، فاستعانوا عليه بملك ~~الأتيوبيا المدعو سباقون، فبادر بجنوده لقتال ملك مصر وانضم مع الأمراء ~~الذين كانوا يبغضونه، فوقع باخوريس في قبضة الأسر، فألقاه سباقون في ~~النار حيا، وآل الأمر حينئذ للأتيوبيين وذلك سنة 1100ق.م. ~~(و) ذكر العائلة الخامسة والعشرين الأتيوبية القرن ~~7ق.م # حكمت هذه العائلة من سنة 715 إلى سنة 665ق.م، وعدد ملوكها أربعة، ومدة ~~حكمها 53 سنة. # السبب في استيلاء ملوك السودان على مصر هو تغير الأحوال الناشئ من ~~اختلاف الكلمة بين ملوك العائلة الرابعة والعشرين لعدوانهم وبغضهم لبعض، ~~حتى ورد عنهم في التوراة ما معناه: «إن ملوك تنيس صاروا لا عقول لهم، ~~وملوك منف ضلوا وأضلوا قومهم، فقضينا أن نعطي ملك مصر إلى ملك ~~جبار.» # ففسر الأحبار الملك الجبار بسباقون السوداني الآتي ذكره. # ذكر مآثر الملك سباقون: # لما تولى هذا الملك ملك مصر تلقب بالألقاب الفرعونية، ~~وشرع في تنظيم ms032 البلاد، وأحسن التدبير فقوى الجسور ~~وشيدها، وحفر الترع وطهرها؛ خوفا على البلاد من الغرق ~~والشرق، وسعى في تعمير مدينة بسطة، وبنى ما تخرب منها ~~ومن منفيس، وأبطل العقوبة بالقتل بالأشغال الشاقة، وعمل ~~معاهدة مع الفنيقيين وبني إسرائيل وأهل فلسطين ضد ملك ~~آشور فأتت عليه بالوبال؛ حيث حاربه ملك آشور، فانهزمت ~~الجيوش المصرية، وهرب الملك سباقون وكانت هذه الهزيمة ~~سببا لهيجان الوجه البحري عليه وعلى السودانيين، حتى ~~طردوهم إلى طيبة، فقام «استيفانيس» قريب الملك «باخوريس» ~~أو «باكوريس» إلى إعادة نظام حكومة الوجه البحري، وأعلن ~~أنه هو الملك، أما سباقون فانحاز إلى الصعيد، ومات بعد ~~قليل، وترك حكم الأتيوبيا والوجه القبلي لابنه «سباخون» ~~الذي حارب ملوك الوجه البحري انتقاما لأبيه، فظفر بهم، ~~وحكم كل مصر، ولكن بعد قليل تغلب عليه طهراقه ~~وقتله. # ذكر مآثر الملك طهراقه: # كان هذا الملك رجلا محاربا، وفي عصره أغار عليه ملك ~~آشور، وطرده وأرجع الحكومة لأمرائها العشرين، وجعلهم ~~يحكمون تحت رياسة نيخاؤس الأول، ولكن في سنة 669ق.م أغار ~~طهراقه على مصر ثانيا، فحاصره ملك آشور وهزمه، وطرد ~~السودانيين وأرجع الحكم للأمراء السابقين، وعلى ذلك ~~استمرت البلاد طورا في أيدي السودانيين، وطورا في أيدي ~~الآشوريين. ومكثت مصر تابعة لملوك الآشوريين مدة من ~~الدهر، ثم عرفوا أن ملك مصر يحتاج لكثير من المشقة والتعب ~~فتركوها، وآلت بعد ذلك إلى نوات ميامون ملك ~~الأتيوبيين. # ذكر مآثر نوات ميامون: # في هذه المدة اضمحلت مملكة آشور، فخرجت مصر من حوزتها، ~~فلما رأى ملك الأتيوبيا ذلك فاجأ المصريين وأغار عليهم، ~~فاستولى على الوجه القبلي بدون معارضة؛ لوجود حزب ~~الأتيوبيين هناك فساعده على ذلك، أما الوجه البحري ~~فاستعمل المقاومة، ولكن أخيرا انقادت أمراؤه لهذا الملك ~~وقدموا له الطاعة، وحكم كل مصر ثلاث سنوات. ~~(ز) الفترة بين العائلة الخامسة والعشرين والسادسة والعشرين 665 ~~إلى 650ق.م # لما انتهت حروب الأتيوبيا، وانجلت بعض عساكرها عن أرض مصر أدت مصر إلى ~~انحطاط قدرها وكسرت شوكتها، وشق على أهلها تحمل حكم ملوك الأتيوبيا مع ~~عدلهم؛ إذ كان أصعب ما ms033 على الأمة المصرية الانقياد للأغراب، فتعصبت وجهاء ~~المدن وأعيانها، وتعاهدوا على نزع الملك من يد السودانيين، فقاموا عليهم ~~وطردوهم من الوجه البحري وتقاسموا الملك بينهم، وكانوا اثني عشر حاكما، ~~كل واحد يحكم إقليما، فسميت حكومتهم بالتقاسيم الاثني عشرية، وكانت ~~عبارة عن جمهورية، وكان بساميتيك من ضمن هؤلاء الأمراء، فاستعان عليهم ~~بعساكر يونانية متطوعة حتى أخذ مصر من يدهم، واستبد بحكمها فصارت مملكة ~~واحدة، وصار هو مبدأ العائلة الصاوية السادسة والعشرين، وبانفراد هذا ~~الملك انفتح لمصر ثانيا باب مجد جديد، وعاد لها رونقها الأول وشوكتها ~~القديمة، وقد مكثت مدة الدولة الاثني عشرية 15 سنة. ~~(ح) ذكر العائلة السادسة والعشرين الصاوية القرن ~~6ق.م # حكمت هذه العائلة سنة 650ق.م، ومدة حكمها 138 سنة، وملوكها ستة. # بساميتيك الأول 650-617ق.م: # لما كان هذا الملك أجنبيا عن الملك، تزوج ببنت من ~~العائلة المصرية الملوكية، وكانت مصر في مبدأ حكمه قد ~~اعتراها الخراب في حربها مع الآشوريين والأتيوبيين، حتى ~~طمت الترع وتلفت الطرق، فشرع «بساميتيك» - على ما رواه ~~هيرودوت المؤرخ اليوناني - في إحياء مصر، فأصلح الترع ~~والطرق، وأعاد الراحة والأمن، وبث العلوم، وعمر بيوت ~~العبادة، وأصلح ما تهدم من معبد الكرنك وغير ذلك من ~~المنافع العمومية، وسعى في تحسين سياسته مع الممالك ~~المجاورة بجنوب مصر وشمالها، وهي مملكة الأتيوبيا وآشور ~~والقيروان، ولحفظ بلاده شيد قلاعا في مضايق طرق الشام، ~~وفي ضواحي بركة المنزلة من الجهة الغربية، وفي الشلال ~~الأول، وبعد أن تمم ذلك قام لغزو النوبة فظهر عليها، وبعد ~~ذلك قام لفتح الشام فزحف عليها وملك فلسطين، وأخذ مدينة ~~أشدود واكتفى بذلك، وبعد هذه الفتوحات دهم مصر مصيبة ~~كبرى، وهي أن هذا الملك اقتدى بأسلافه الفراعنة، وجلب إلى ~~مصر الأجانب، فأكرم نزل اليونان وأقطعهم أرضا على شواطئ ~~بحر الطينة جهة الفرمة، وفي هذا الوقت أيضا قدم قوم ~~آخرون ورسوا بساحل بحر رشيد، وأسسوا هناك معسكرا متسعا، ~~فقويت شوكتهم واختلطوا بالمصريين، وأدخل أطفالهم المدارس ~~المصرية، وكان منهم سولون وفيثاغورث وأفلاطون «بمدرسة عين ~~شمس الآن المطرية» وكان المصريون ينظرون ms034 لهم بعين ~~الاحتقار، ويأنفون من الاختلاط بهم، وكانت كراهتهم لهم ~~مضمرة أولا، ولكن بعد ذلك انكشفت؛ وسبب ذلك أن الملك ~~أنعم عليهم بالرتب، فأصبحت مصر تحت محافظتهم، وأخيرا لما ~~اشتد غيظ المصريين من ميل الملك للأجانب اجتمع منهم نحو ~~240000 نفس شاكي السلاح، وهاجروا إلى بلاد الأتيوبيا، ~~وهناك قابلهم ملكها بالترحاب ثم وطنهم بين البحر الأبيض ~~والأزرق، فنشأت منهم أمة عظيمة اشتهرت بطائفة الأسماط؛ أي ~~حجاب، ولكن سياحي اليونان سمتهم باسم أوتوموليس، وبقي هذا ~~الاسم معروفا إلى القرن الأول من الميلاد، ومات هذا ~~الملك سنة 611ق.م، ودفن في صا الحجر، وورثه نيخاؤس ~~الثاني. # ذكر الملك نيخاؤس الثاني 617-600ق.م: # تولى هذا الملك طاعنا في السن، وسلك بهمة ونشاط سلك ~~مشاهير الفراعنة، حتى ألبس مصر ثوب المجد، ووجه همته إلى ~~إتمام السفن الحربية، واعتني بأمرها كثيرا؛ لأنه كان ~~يريد الاستيلاء على سواحل البحر الأحمر والبحر الأبيض ~~المتوسط، فندب لهذا العمل مهندسين من اليونان أنشئوا له ~~معامل بحرية، وغيروا المراكب المصرية القديمة بمراكب ~~حربية جديدة تسير بالمجاذيف، وتسمى بالأغربة، وتشبث أيضا ~~بمشروع مهم وهو إيصال البحر الأحمر بالبحر الأبيض لقطع ~~برزخ السويس، فحفر ترعة امتدادها أربع مراحل بحرية، ~~وعرضها يسع سفينتين، كان مبدؤها مدينة تل بسطة، وآخرها ~~بركة التمساح، إلا أنه هلك في حفرها 120000 نفس، فتشائم ~~الملك منها وأمر بإبطالها، سيما لما أخبرته الكهنة بأن حظ ~~الانتفاع يكون لأمة أجنبية، وقال أرسطاطاليس إن الملك كف ~~عن عمل الترعة بناء على إخبار المهندسين له؛ لأن سطح ~~البحر الأحمر مرتفع عن أرض مصر فخاف عليها من الغرق، وبعد ~~ذلك انفتح لهذا الملك مشروع مهم، وهو أنه بلغه من ملاحي ~~صور وقرطاجة أنهم اكتشفوا على سواحل أفريقا بلادا فيها ~~كثير من الذهب والعاج والأخشاب العجيبة فأمر الملك ملاحي ~~الفنيقيين بأن يذهبوا بسفنهم في طلب تلك البلاد، فطافوا ~~حول أفريقا مدة ثلاث سنين، لكنهم لم يجدوا تلك البلاد، ~~وخاب سعيهم. وفي هذا الوقت كان انحطاط مملكة آشور، فقام ~~نيخاؤس سنة 603 بحيش جرار إلى آسيا وهجم ms035 على بلاد فلسطين، ~~فقهر ملك يهوذا المدعو يوشيا، وقتله في مدينة مجدو ~~«مجدلة»، وألبس التاج إلى يهوياقيم، وضرب عليه الجزية، ~~وبعد ذلك صار بدون معارض حتى وصل الفرات، مرتبا الحراس ~~في كل إقليم استولى عليه، ولما أدخل الجهات البحرية تحت ~~طاعته انعطف جهة الجنوب، ونزل بأرض بجوار حمص، وأقام هناك ~~منتظرا قدوم أهل الشام للتحية عليه، فبلغه تظاهر اليهود ~~عليه، فأحضر ملكهم وعزله وعين بدله وضرب عليه الجزية، ~~وبعد أن استولى على بلاد الشام وفلسطين عاد لمصر، فقام ~~بختنصر ملك بابل وحارب نيخاؤس، وأخذ منه جميع البلاد التي ~~فتحها، وبعد ذلك أراد نيخاؤس أن يسترجع البلاد التي أخذت ~~منه فمات بدون أن يبلغ إربه. # ذكر الملك واح أبرع أو أبرياس بن بساميتيك الثاني ~~594-570ق.م: # في عصر هذا الملك استنجد به صدقيا وجاهر بالعصيان على ~~ملك بابل، فقام بختنصر وهزم ملك اليهود، ودخل بيت المقدس ~~الشريف، وبعد ذلك توجه لقتال ملك مصر؛ حيث كان حضر هو ~~وجنوده لإعانة ملك اليهود، فانهزم المصريون بمجرد وصول ~~عساكر بابل، وعاد بختنصر إلى بلاد اليهود، وقتل أولاد ~~صدقيا، فالتجأت اليهود بعد ذلك إلى مصر، فاستقبلهم ملكها ~~وأقطعهم أرضا بقرب زفتى، وبعضهم سكن صعيد مصر. وبعد أن ~~فرغ ملك بابل من قتال أهل آسيا رجع على مصر وقتل ملكها ~~وأقام عليها حاكما من طرفه، وأخذ معه اليهود على ما رواه ~~يوسيفوس المؤرخ اليهودي، ولكن هذه الحادثة نقضت ما قاله ~~هيرودوت المؤرخ اليوناني من أن النصرة كانت للمصريين، ~~وقيل إنه بعد هذه النصرة استنجدت به سكان سواحل ليبيا على ~~قبائل اليونان بالقيروان، فأرسل عليهم جيشا مركبا من ~~عساكر مصرية، فانهزم المصريون وقتلوا، ولم ينج منهم سوى ~~من هرب لمصر، فتسبب عن ذلك عصيان وثورة من المصريين ضد ~~الملك فأرسل عليهم جيشا تحت رياسة رجل من الرعاع اسمه ~~أحميس، وبينما كان ينصحهم لردهم عن عصيانهم إذ أقبل عليه ~~أحد الجنود العاصية وألبسه التاج، وقال قد رضيناك ملكا ~~علينا، فقبل منهم ذلك وقام معهم لقتال الملك، فالتقى ~~الجيش المصري ms036 والجيش اليوناني الذي كان مع الملك بقرب ~~مدينة صا الحجر، فانتصرت الجنود المصرية، ووقع الملك في ~~قبضة أحميس فأحسن مثواه وعامله معاملة الملوك، ولكن بعد ~~ذلك طلب المصريون تسليم الملك لهم، فبمجرد ما أخذوه ~~خنقوه. # الملك آموزيس وهو أحميس الثاني 570-529ق.م: # قال هيرودوت: «لما تولى هذا الملك تزوج بحفيدة الملك ~~بساميتيك الأول، ليؤسس بذلك لنفسه عائلة ذات حق، ~~وحافظ على نفوذ الشوكة المصرية في فنيقيا، وأتم فتوح ~~جزيرة قبرص، وكان ذكي الفطنة، ولخوفه على بلاده من ~~العجم أحسن سياسته مع ملكهم قيروش أو كرش، فتمتع ~~بالراحة 25 سنة، وكانت مملكته في درجة عالية من ~~الثروة، ووسع الترع، وأصلح شأن الزراعة والتجارة، ~~حتى أصبحت مصر به غنية، وقطع الأحجار، وأصلح جميع ~~آثار الكرنك وغيرها، وأصلح الوجه البحري؛ إذ كان ~~متخربا وقتها، وبعناية هذا الملك صارت مصر في درجة ~~لم تصل إليها غير أيامه، حتى قيل إن مدنها بلغت في ~~عصره 20000 مدينة عامرة، وكثرت بها التجارة، خصوصا ~~مع اليونان الذين كان دائما شاملا لهم بأنظاره، ~~ولحبه لهم تزوج منهم، وقد بلغ عدد اليونان في ذلك ~~الوقت 200000 نفس، فأعطاهم مدينة نقراطيس، ولعلها ~~«فوه»، واشتغلت أولئك اليونان بنقل كل ما يسمعونه ~~من أخبار المصريين إلى البلاد الأجنبية، فقويت أطماع ~~الناس في مصر، وصار يأتيها كثير من الفلاسفة والتجار ~~والعسكر الأغراب المتنوعة، وفي هذا الوقت توفي قيروش ~~ملك العجم، وتولى بعده ابنه قمبيز الذي غزى مصر كما ~~سيأتي، ولخوف قمبيز على عساكره من صحراء العرب قيض ~~الله له رجلا يونانيا يدعى فانيس، حضر إليه من ~~مصر، فأطلعه هذا اليوناني على حقيقة تلك البلاد، ~~ودله على الطريق الموصل إليها، وبناء على ذلك عقد ~~قمبيز معاهدة مع العربان الذين كانت لهم اليد على ~~الطريق الموصل للنيل ليأتوا بالماء لجيشه، وعلى ذلك ~~سارت جيوش العجم حتى حلت أمام الطينة، وفي هذا الوقت ~~توفي أحميس وأخلفه «بساميتيك الثالث».» # الملك بساميتيك الثالث 525ق.م: # وفي عهد هذا الملك اشتدت الحروب بين العجم والمصريين عند ~~الطينة، وكان من جملة الجيوش ms037 المصرية فرقة من اليونان ~~أرباب الجمكية، فأرادوا أن ينتقموا من فانيس الذي ترك ~~أولاده وهرب عند العجم، فأحضروهم إلى المعسكر وذبحوهم بين ~~الصفين وأبوهم ينظر إليهم ويتقطع قلبه حسرة عليهم، ووضعوا ~~دمهم في إناء ومزجوه بالنبيذ وشربوه، وبعد ذلك اقتحمت ~~المقتلة بين الفريقين، واحتال قمبيز على ما قيل بحيلة ~~عجيبة، وهي وضع كثير من القطط والكلاب والحيوانات المقدسة ~~في مقدم جيشه؛ لعلمه بأن هذه الحيوانات هي معبودات ~~المصريين، ولذلك لا يمكنهم أن يرموا سهامهم عليهم، وبهذه ~~الحيلة تقهقر المصريون، ولم يثبت في القتال سوى عساكر ~~اليونان، فانتهت الواقعة بهزيمة المصريين، فأرسل بعد ذلك ~~ملك العجم إلى المصريين رسولا في سفينة من عنده، يطلب ~~منهم التسليم، فكسر المصريون السفينة وقتلوا من بها، ~~فحضرت العجم قلعة منفيس، وحاصرتها واستولت عليها، وقتلت ~~ابن الملك وكثيرا من أعيان المصريين، وبذلك خضعت مصر إلى ~~الملك قمبيز، ووقع بساميتيك في الأسر فأبقاه حيا، ويقال ~~إنه بعد تسليم «منفيس» أمر قمبيز بإحضار أولاد الملك ~~وبناته بملابس الرق حاملين قدور الماء على رءوسهم، ثم طلب ~~أيضا أولاد أعيان المصريين الذين حكم عليهم بالقتل ~~ليمروا أمامهم قبل القتل، وكان بساميتيك مشاهدا لذلك مع ~~إظهار الصبر، وأخيرا أراد أن يجعله نائبا على مصر بدله، ~~فقال: «الموت ولا النيابة»، فقتله وسلم حكم مصر إلى ~~إيرندس الفارسي، وبهذا الملك انتهت العائلة السادسة ~~والعشرون، وتليها العائلة السابعة والعشرون الفارسية إن ~~شاء الله. ~~(1-2) ديانة قدماء المصريين # كانت الأمة المصرية أعظم الأمم تدينا، وفضلا عن تعدد الأصنام التي كانوا ~~يعبدونها فإننا نرى أكابر مصر وحكماءها يعتقدون وحدانية الله، وما عداهم من ~~الأمة فكانت عاكفة على عبادة الأصنام. # أما ديانة المصريين فكانت مؤسسة على عبادة الشمس، وكان لها عندهم أسماء ~~وأشكال مخصوصة حسب سيرها في السماء مدة النهار، وكان لكل مدينة وإقليم إله ~~مخصوص، فكان إله مدينة طيبة «آمون» وغيره، وكان إله مدينة منفيس «بتاح» وغيره. ~~وكانت هذه الأسماء تتغير في بعض الأقاليم، أما عبادة أوزوريس وأبيس وهوروس، ~~فكانت منتشرة أكثر من غيرها، وكثيرا ما ms038 كانت هذه الآلهة تتشكل عندهم بأشكال ~~حيوانات كالطيور والتماسيح وغيرها، وكانت هذه الحيوانات عبارة عن رموز على ~~قدرة الخالق سبحانه وتعالى، وكانوا يعرفون أن العبادة التي تقدم لهذه الآلهة ~~إنما تقدم لله جل شأنه؛ حيث قدمت لصفاته. # وكانت هذه الحيوانات تعبد في أفخر هياكل البلاد، وتخدم كخدمة الملوك وتحنط ~~عند موتها، وتدفن في مدافن عظيمة. وكان أقدس حيوان عندهم هو الثور «أبيس»، ~~ومحل عبادته مدينة منف وهو رمز على الإله بتاح، وكان يعرف بعلامات مخصوصة ~~عندهم، وكان موته يعتبر مصيبة كبرى على عموم الأمة، ويوم تنصيب غيره يكون يوم ~~عيد عام، وبعد موته كان يحنط ويدفن في سيرابيوم «مدفن بسقارة». ومن أهم ~~أركان ديانتهم الاعتقاد بخلود الروح؛ بمعنى أن النفس الصالحة تدوم مع أوزوريس ~~ثلاث آلاف سنة، ثم تعود إلى الأرض وتدخل الجسم الذي خرجت منه، فيسعى ويعيش كما ~~كان أولا، ويتكرر عليه الموت والبعث عدة مرات حتى يبلغ الدرجة العظمى وكمال ~~السعادة. # واعتقادهم بخلود الروح هو السبب في حرصهم على أجساد موتاهم وتحنيطهم ودفنهم ~~في المدافن العظيمة والقبور العجيبة والأهرام البازخة أعظم مباني العالم، وكان ~~أمر خلود الروح وتوقف السعادة الأبدية على حسن السيرة. # ولغاية هنا قد انتهى ملخص ما ألقاه من دروس الفراعنة حضرة العالم الأديب ~~واللوذعي الأريب، أستاذنا أحمد أفندي نجيب مفتش مصلحة الآثار المصرية ومعلم ~~هذا العلم بمدرسة التجهيزية سابقا. # الفصل الثاني # | في التاريخ القديم لأمم الشرق # «الشرق»: يعنى بهذا الاسم في علم الجغرافية أحد الجهات الأصلية؛ أي محل شروق الشمس، ~~ولكن في التاريخ تطلق هذه الكلمة على الممالك الواقعة شرقي أوروبا والبحر الأبيض ~~المتوسط، وهي مصر وفلسطين والشام وبلاد العرب وأرض الجزيرة «جزيرة ابن عمرو» وبلاد العجم ~~والهند والصين، وهاتان الأخيرتان يعدونهما ضمن البلاد المشرقية في بعض الأحيان. # وقد ذكرنا فيما سلف أن مصر مضى عليها جملة أعصر وأحقاب، وهي حافظة لشوكتها وعظمتها، ثم ~~خضعت لدولة الفرس التي امتدت من نهر الهندوس لغاية صحراء برقة أو ليبيا، ولكن قبل الشروع ~~في ذكر أخبار هذه الدولة ms039 العظيمة التي هدمها الإسكندر الأكبر ملك مقدونيا نذكر طرفا من ~~أخبار الأمم والممالك العظيمة التي تقدمت عليها، واندرجت ضمن هذه الدولة في أيام قيروش ~~وخلفائه، وكانت آسيا الغربية مشتملة على عدة ولايات يحدها شمالا جبل قوقاز «الجركس» ~~والبحر الأسود، ومن الغرب بحر الروم المسمى بحر سفيد (البحر الأبيض المتوسط)، وجنوبا ~~صحراء العرب، وشرقا السهول العالية لبلاد فارس. وهذه الولايات عبارة عن الدولة ~~العثمانية الواقعة الآن في آسيا. ~~(1) في تاريخ الآشوريين والبابليين # كانت بلاد آشور عبارة عن الأراضي الواقعة بين أرمانستان والجزيرة وبلادميد وبابل. ~~وسميت هكذا نسبة إلى آشور أو آسور بن سام بن نوح عليه السلام. وكانت بلاد ~~الكلدانيين في جنوب آشور بين بلاد الفرس وجزيرة العرب والخليج الفارسي. وسميت هكذا ~~نسبة إلى كاليدوس بن سام بن نوح عليه السلام. # وأما بلاد بابل بين نهري الدجلة والفرات، وهي المسماة ميزوبوتاميا «أرض الجزيرة»، ~~وهي بين آسيا الصغرى وسوريا «أي الشام»، وسميت هكذا باسم بابيلون أي مدينة البرج، ~~وقيل باب أيل أي مدينة الرب، وقد أسسها في سالف الأزمان نمرود الجبار، وبعد الطوفان ~~نزل أولاد نوح عليه السلام من جبل عرارات «ببلاد القوقاز» إلى الأرض وسكنوا بهذه ~~الأراضي وسموها أرض سنهار، وتناسلوا واجتمعوا على بناء برج عال يحفظهم من إغارة ~~الطوفان، فبنوا برجا على شاطئ نهر الفرات وعلوا بناءهم، فأخذتهم صيحة فبلبلت ~~ألسنتهم، ودكت برجهم، فتفرقوا شعوبا في الأرض، فأتى آشور ومن معه وسكنوا شرقي نهر ~~الدجلة، وتناسل منهم قوم الآشوريين، وأتي كاليدوس ومن معه وسكنوا بجوار نهر شط ~~العرب (نهر الفرات)، وتناسل منهم قوم الكلدانيين، وأتى أرامة ومن معه وسكنوا بين ~~نهري دجلة والفرات، وتناسل منهم الأراميون، وأتى ميد ومن معه وسكنوا شرقي أرمانستان ~~بجانب بحر الخزر، وتناسل منه الميديون، وأتى عيلام ومن معه وسكنوا في الوسط بجانب ~~ميد، وتناسل منه العلاميون والفرس. وكلهم من أولاد سام بن نوح عليه السلام، ونزل ~~كنعان بن حام في أرض بابل، ونزل مصرايم أرض مصر. ~~(1-1) مبدأ سلطنة آشور وبابل # وبعد تفرق بني حام ms040 في الأرض تناسلوا، وكثرت ذريتهم في وقت يسير، وكان أول من ~~قام بتدبير مملكة آشور هو «آشور»، فبنى لهم مدينة عظيمة على شاطئ نهر الدجلة، ~~وجعلها قاعدة البلاد، وفي هذا الوقت بنى كاليدوس مدينة «كالدة»، التي هي محلها ~~الآن كربلا، وجعلها قاعدة بلاده، وبنى نمرود أسوار مدينة بابل على شاطئ ~~الفرات، ثم أخذت هذه الأمم في الارتباط والاتحاد؛ واجتمعوا مملكة واحدة تحت ~~إدارة ملك واحد. # وأما ديانة الربانيين والبابليين وغيرهم فكانت أولاد نوح عليه السلام بعد ~~الطوفان قد ضلت عن الحق وعبدت الكواكب ثم عبدت الأصنام، واعتقدوا في الأصنام ~~اعتقادات تامة، فكانوا يعبدون صنم بعل مروداخ أو بعلوس «الشمس»، وكانوا أيضا ~~يعتقدون الألوهية في بعض الأشخاص والطيور، ويبنون لها الأبنية العظيمة ~~والهياكل، كما كانت تفعل الفراعنة المصرية، وكذلك عبدوا الملكة سمراميس، ~~وقالوا إنها بعد موتها تحولت إلى حمامة، وبعد أن كانت بابل وآشور متفرقة تحت ~~رؤساء جعلوا بلادهم سلطنة واحدة، فكانت هي أقدم ممالك الأرض بعد مصر، وجدوا ~~في الفنون والصنائع، والكهنة هم أول من تكلم في علم الفلك، وقسموا الحركة ~~الشمسية إلى بروج، وعرفوا كيفية سير الكواكب وحركاتها وانتقالها، وعرفوا ~~المزاول، ووضعوا أحرف الكتابة التي أخذها الميديون منهم، وسموها بالكتابة ~~المقدسة، ومن الميديين تعلم أهل فارس، وتمهروا في علم الفلك، وأتقنوه للغاية. ~~وكانوا يكتبون أسماء الأدوية المفيدة في ألواح، ويعلقونها في هيكل إله ~~الطب. ~~(1-2) في الكلام على ملوك بابل وآشور # ذكر الملك نينوس # وهو أول من انفرد بالحكم في دولة آشور، وكان بطلا حارب البلاد، واستولى ~~على بلاد ميد وأذربيجان والعراق العجمي والعراق العربي وبلاد بابل ~~وسوريا. وبنى مدينة «نينوى» على نهر الدجلة، وجعل تلك البلاد جميعها ~~مملكة واحدة سلطانية وذلك سنة 2000 قبل المسيح، وأقام مسلات ومعابد ~~كثيرة، وعمل التماثيل في «نينوى»، وامتد حكمه من سواحل بحر الهند إلى ~~سواحل البحر الأبيض المتوسط (أو بحر الروم). # ذكر الملكة سمراميس # وهي في الأصل من نساء بعض أمراء العساكر، وكانت ذات قوة عظيمة، فلما كان ~~«نينوس» مجدا في الفتوحات ms041 والغزوات رآها في بعض الوقائع، وهي تحارب ~~محاربة الشجعان، فأعجبه فراستها، فأخذها من زوجها وتزوج بها، وسلم إليها ~~في الأمور، فلما مات نينوس انفردت بعده بالملك، وجدت في تشييد المدن ~~وأسوار مدينة بابل الذي كان يمر من وسطها نهر الفرات، وجعلت في وسطها ~~البساتين والهياكل، وبنت هيكلا عظيما ليكون معبدا للصنم بعل أو بعلوس، ~~وأقامت له تمثالا من الذهب. وبنت في وسط المدينة برجا ارتفاعه ستمائة ~~قدم، وفوقه سبعة أبراج ارتفاع كل واحد منها 75 قدما، وجعلت في أعلى برج ~~منها معبدا فيه مائدة من الذهب ، وفي أسفل برج معبدا فيه صنم من الذهب، ~~وبقربه مائدة وكرسيا من ذهب، وخارجه مذبحين من ذهب لتقديم القربان، ومن ~~بعد ذلك قامت للغزو والفتوحات ولم تقنع بهذه المملكة المتسعة، بل أرادت ~~أنها تستولي على جميع أراضي الدنيا، فغزت بلاد فلسطين وسواحل مصر والحبش، ~~ثم عادت لمحاربة الهندستان، وكان ملك الهند في ذلك الوقت مجهزا جيوشه ~~وحصن قلاعه بالعساكر، وكانوا يحاربون على الأفيال، فلما وصلت الملكة ~~سمراميس إلى الهند أمرت بسلخ البقر ذوات الجلود الحمر، فسلخوها ~~وألبسوها للجمال بعد ما فصلوا الجلود على هيئة الأفيال، ولما التقى ~~الجيشان هجم الهنود بالأفيال، وقابلتهم سمراميس برجالها، فانكشفت حيلة ~~الآشوريين، فشددوا عليهم الهنود، فانهزموا وانهزمت سمراميس، وعادت إلى ~~مدينة بابل مهزومة وتركت الحرب حتى قتلها ابنها نيلاس. # ذكر الملك نيلاس # تولى الملك بعد قتل والدته، وذلك سنة 350 من التاريخ الطوفاني، وكان ~~ظالما لقومه، ضعيف الهمة، يحب الكسل، وترك الأحكام بلذات نفسه، وكان ~~السريانيون قد تعودوا على الغزو والشجاعة، فلما رأوا حال ملكهم أضمروا ~~على أذيته، فمن خوفه على نفسه وضع على محله خفرا وحفظة خوفا من الغدر ~~والخيانة، ومكث على ذلك حتى مات، وبعد موته تعدت الأمراء على كرسي ~~المملكة، وصاروا يحكمون واحدا بعد واحد مدة 800 سنة، ولكن لم تكتسب ~~المملكة منهم في هذه المدة الطويلة غير الانحطاط والضعف؛ لسوء تدبيرهم، ~~ولم يكن لهم ما يذكرون به في الآثار، ومضت مدتهم بدون منفعة، واستقلت ~~البلاد ms042 التي كان فتحها الملك نينوس وسمراميس مثل سوريا والشام وفلسطين، ~~ولم يبق تابع لآشور سوى بلاد بابل وبلاد ميد، ومن بعد هذه المدة الطويلة ~~تولى السلطنة الملك سردنفول أو سردنبال الآتي ذكره. # ذكر الملك سردنبال من 800-789ق.م # تولى ملك آشور وبابل، وكان شابا جميل الصورة، ولما حكم ترك الأمور ~~وانتبه إلى لذات نفسه، وكان يمضي أوقاته بالسكر ومجالسة النساء، حتى إنه ~~كان يتخلق بأخلاقهن، وكان يتزين بلبسهن، فكرهته الرعية، فقام سر عسكر ~~الميديين المدعو أرباس وسر عسكر بابل المدعو بيليزيس، واتفقا على خلعه من ~~السلطنة، وجمعا 40500 فارس وهجما بهم على آشور وحاصرا سردنبال، فلما يئس ~~من الحياة جمع أمواله ونساءه وخدمه في قاعة من قاعات سرايته، وأشعل فيها ~~النار، واحترقت الدار بما فيها، وحرق نفسه ومن معه. واستقل أرباس بحكم ~~ميد وبيليزيس بحكم بابل، وذلك سنة 789ق.م، وزالت الدولة الآشورية ~~الأولى. ~~(1-3) الدولة البابلية الأولى وذكر فول من 787-747ق.م # وبعد خراب مدينة نينوى كان الميديون قد اكتفوا باسترجاع استقلالهم وخروجهم عن ~~طاعة الدولة الآشورية، ولكن القائد البابلي أو الكلداني المدعو باسم فول ~~«بيليزيس المذكور» استولى على الأقاليم الآشورية وجعلها تابعة لبلاد بابل وضم ~~إليها بلادا أخرى، ثم إن «فول» المذكور نزل على سوريا، وكان السوريون مقتسمين ~~المملكة؛ عشرة أسباط منهم في سوريا، وقاعدة ملكهم مدينة السامرة، وسبطان ~~«يهوذا وبنيامين» كانا يسكنان بلاد فلسطين أو كنعان، وقاعدة ملكهم أورشليم، ~~فلما أغار فول على هذه البلاد وقاتله ملك الأسباط المدعو مخيم الإسرائيلي، ~~وانتصر عليه فول المذكور استولى على أكثر ولايات سوريا حتى دفع له مخيما ألف ~~طونولاته من الفضة. ~~(1-4) الدولة الآشورية الثانية # وذكر الملك تجلات فلصر الثاني من 744-727ق.م # ولم تدم غلبة الكلدانيين على البلاد الآشورية إلا لغاية وفاة الملك فول سنة ~~747ق.م، ثم قامت الحروب على قدم وساق بين الآشوريين والكلدانيين مدة ثلاث ~~سنين، وتمت أخيرا بهزيمة البابليين، وتقلد تجلات فلصر بملك الآشوريين ~~والبابليين بما أنه كان رئيس هذا الهيجان، وذلك سنة 744ق.م، ولما حكم تجلات ~~المذكور حارب الأراميين ms043 وانتصر عليهم مرارا، وفي وقتها نزل قوم من الأراميين ~~سكان الجزيرة حاربوا اليهود وانتصروا عليهم، فاستنجدوا بتجلات المذكور فأنجدهم ~~بجيوشه وقاتل الأراميين وحاصرهم مدة في القدس ثم افتتحها وسبى أهلها. # الملك سلمنصر بن تجلات فلصر من 727-722ق.م # كان ملكا جبارا يحب الغزو، ولما حكم أغار على ملوك سوريا وأهلك كثيرا ~~من الإسرائيليين، وأخيرا دفع له الجزية يوشع ملك الإسرائيليين بعد ما ~~أسر ملوك الأسباط العشرة، وأدخل مدينة السامرة تحت حكمه وحمل أهلها إلى ~~آشور، وأتى بطائفة من الآشوريين وأسكنهم فيها، ثم نزل على الفنيقيين ~~وقاتلهم، وحاصر مدينة صور تخت ملكها مدة سنة ثم تركها وعاد إلى بلاده، ~~وبهذا الملك انقرضت العائلة الملوكية الآشورية؛ إذ كانوا انقرضوا بالكلية ~~ولم يوجد منهم من يلي المرتبة السلطانية، واجتمع الأعيان وقلدوا بمنصب ~~الملك رئيس الجنود المدعو «سرجون» الآتي ذكره. # ذكر سرجون من 722-704ق.م # وقد كان هذا الملك من أعظم الملوك أرباب الغزو والجهاد، وإن كانت مدته ~~قد مكثت مدة قصيرة لكنها قد ألفت على وجه التاريخ بهجة عظيمة؛ لأن الملك ~~سرجون في مبادي حكمه كان قد أخذ مدينة «السامرة» وأخربها بالكلية، وحارب ~~الملك سباقون الحبشي ملك مصر وغلبه في واقعة «رافيا» ببلاد الشام سنة 721ق.م ثم شن الغارة على بلاد أرمينيا حتى أدخلها تحت الطاعة إلا أشياء ~~قليلة منها، وفتح بلاد فلسطين سنة 710ق.م، وكذلك جزيرة قبرص سنة 708، ~~وكانت هذه الجزيرة محكومة في ذلك الوقت بجملة ملوك طوائف صغيرة أصل ~~أكثرهم من اليونان، وفي آخر حكمه اختط مدينة «خورازاباد» بدلا عن مدينة ~~نينوى من بعد خرابها، ومات مقتولا في سنة 704ق.م؛ حيث قتله جماعة من ~~أرباب الفتن ببابل. # ذكر سنحاريب بن سرجون 704-681ق.م # كان شجاعا صاحب حروب وغزوات كثيرة، ولما حكم آشور وبابل جهز الجيوش ~~لقتال اليهود، ونزل على فلسطين وقاتل أهلها، فاستعان عليه اليهود بملك ~~مصر سباقون الأتيوبي، فأنجدهم بجيوشه، فكسره سنحاريب - كما تقدم - ~~وحاصر بيت المقدس، وكان على اليهود في ذلك الوقت حزقيا الصالح، فلما ضاقت ~~نفوسهم من شدة الحصار تضرعوا إلى ms044 الله سبحانه وتعالى، واستغاثوا به، ~~وكان فيهم النبي أشعيا، فلما أصبح سنحاريب ورأى جيشه قد تلف منه عدد عظيم ~~خاف على نفسه، ورجع إلى بلاده ودخل نينوى، والتفت إلى تنظيم المباني، ~~وبناء الهياكل والمعابد، وكانت عادته إذا زار الأصنام يسجد لها مدة، ففي ~~يوم دخل هيكلا بعد ما تبرك بصنمه سجد طويلا، فدخل اثنان من أولاده ~~وقتلاه، ثم خافا من أخيهما الثالث وكان جبارا، فهربا إلى جبال الموصل في ~~أرمينيا واختفيا هناك، ثم أتيا إلى بيت المقدس، واستجارا بحزقيا ودخلا في ~~ملته. # ذكر الملك آسارادون بن سنحاريب من 681-668ق.م # حكم آشور وبابل، وأخذ في الغزوات، وكان ملوك الأسباط بعد سنحاريب قد ~~استقلوا بملكهم فنزل عليهم وقاتلهم كثيرا، ودخل مدينة «السامرة» بالسيف ~~وسبى أهلها، وبعد انتصاره على سوريا، نزل فلسطين وقاتل اليهود، وأسر منشا ~~بن حزقيا ملك اليهود واستولى على كنعان وديار مصر، ثم اعتراه المرض وأحس ~~بالعجز عن القيام بواجب الملك فتنازل عن سرير المملكة لولده البكري ~~المدعو آسور بانيبال في سنة 668ق.م. # ذكر آسور بانيبال 668-647ق.م # كان هذا الملك هو آخر الملوك الآشوريين المجاهدين، وهو الذي يعرف عند ~~اليونان باسم سردانابال الثاني، ومكث مدة ثلاث سنوات متواليات بالديار ~~المصرية وهو يقاتل الملك «طهراقه» ملك الأتيوبيا، وينازعه في مملكة مصر، ~~واستولى على مدينة طيبة «بالصعيد» مرتين، وأسلمها إلى السلب والنهب، ثم ~~انتهى أمره لأن ترك الديار المصرية؛ حيث رأى أن ملك مصر يحتاج إلى ~~كثير من المشقة والتعب، وكان له أخ يدعى «سامو لسموجان» كان عاملا من ~~طرفه على بابل، فقام عليه وأراد أن يستقل بنفسه، ورفع لواء العصيان، ~~واستعان في ذلك بملك بلاد العرب، وذلك في سنة 663ق.م، ووقعت بينهما حروب ~~عظيمة دارت الدائرة فيها على جنود القوم الخوارج، فهزمهم ملك نينوى، وأخذ ~~أخاه أسيرا ثم أطلق سبيله وعفا عنه، ولما توفي آسور بانيبال تملك على ~~مملكة نينوى ولد له يدعى باسم «آسور ديليلي»، وفي أيامه خرج عليه ملك ~~الميديين «فراوورت»، وأغار على بلاد آشور فقابله «ديليلي» هذا بجيوشه ms045 في ~~مضايق الجبال الكائنة بتلك البلاد في سنة 635ق.م، وحصلت واقعة وقتل بها ~~الملك «فراوورت» المذكور، وهلكت الجيوش الميدية، وهذه غاية نصرة عسكرية ~~حصلت على يد ملوك الطبقة الثانية بمدينة نينوى، وكان موت الملك آسور ~~ديليلي سببا في ظهور الفتن والاختلال في بلاد السلطنة الآشورية، فحضر ~~ملك الميديين «سياكزار» بجنوده أمام مدينة نينوى، وحصرها وضيق عليها، ~~وكان العامل الكلداني المدعو «نابو بولصر» قد أثار الفتنة في مدينة بابل، ~~وأعلن لنفسه بالسلطنة فيها، وكادت مدينة نينوى أن تسقط لولا ما حصل في ~~ذلك العصر من إغارة القوم السيتيين «قبائل يأجوج ومأجوج» على بلاد ~~الميديين سنة 625، فرجع الملك سياكزار من الحصار، وأراد أن يوقف إغارة ~~هؤلاء الأقوام، ومكثت الإغارة المذكورة مدة 19 سنة، وكان الملك «ساروق ~~آسور آفوس» قد قبض على قضيب الملك بمدينة نينوى في تلك المدة، وبعد خروج ~~السيتيين من البلاد الميدية عاد سياكزار إلى ما كان عليه، وحاصر مدينة ~~نينوى، وأخذها بعد قتل الملك «ساروق» وحرق القصور والهياكل العديدة، ~~وصارت مدينة نينوى عبارة عن تلال وأطلال متهدمة، وذلك سنة 606ق.م وهذا ~~هو خراب مدينة نينوى الأكبر؛ لأنها لم تعد للعمارة مرة أخرى بعد ~~ذلك. ~~(1-5) الدولة الكلدانية أو البابلية الثانية # ذكر نابوكودو نوزور 607-551ق.م # وهو المعروف عند مؤرخي العرب باسم بختنصر الجبار، تولى بعد موت أبيه ~~نابو بولصر سنة 607ق.م، وهو أشهر ملوك بابل وأعظمهم، ففي مبدأ حكمه نزل ~~بلاد الموصل ودخلها بالسيف ثم حارب الإسرائيليين، ونزع منهم أيالات ~~سوريا، وكانت وقتئذ فلسطين أيالة خراجية يحمل ملكها يهوياقيم الجزية ~~سنويا إلى نيخاؤس ملك مصر، فلما فتح بختنصر سوريا حمل إليه يهوياقيم ~~الجزية بدون قتال، فتحول عنه وسار لقتال الفنيقيين، وحاصر مدينة صور، وفي ~~هذا الوقت عصى «يهوياقيم» فعاد إليه بختنصر وأسره وحمله إلى بابل ومعه ~~طائفة من الأحبار «علماء العبرانيين»، وكان منهم دنيال عليه السلام، وعاد ~~بختنصر إلى محاصرة سوريا، وكان قد تولى على اليهود «يخنيو» بن يهوياقيم ~~فعصى على بختنصر، فأرسل إليه وحمله إلى بابل فمات بالطريق، وولى ms046 مكانه ~~عمه المدعو صدقيا، فجمع اليهود وعصى على بختنصر بمساعدة ملك مصر المدعو ~~«أبرياس»، فأتى ملك بابل، وقتل خلقا كثيرا من اليهود وأسر صدقيا، وكحله ~~بالنار وقتله ونهب أمتعة بيت المقدس وحرقها، ولحق القدس الخراب الأكبر، ~~وهو الخراب الثاني، وذلك سنة 588ق.م وتشتت اليهود في البلاد، وأتت منهم ~~طائفة إلى مصر، فاجتمعت بفرعون مصر «نيخاؤس»، فطلبهم بختنصر منه، فأبى ~~وتجهز لمحاربته، والتقيا المصريون والبابليون في مدينة «قرقيش» جهة ~~الفرات، وكسر «نيخاؤس» ودخل مصر مهزوما، وعاد بختنصر إلى صور ودخلها ~~بالسيف، ونهبها وسبى أهلها، بعد أن حاصرها مدة 13 سنة، وبعد رجوعه إلى ~~بابل تجبر وتنمرد، ودعا الناس إلى السجود لتمثاله، وفي آخر حكمه سلب ~~عقله، فترك المملكة وخرج إلى الغابات وأقام بها، وصار يقتات بالحشائش، ~~وفي هذه المدة كانت امرأته «نيتوكريس» تدبر الأمور، ثم إنه شفي من مرضه ~~وعاد إلى المملكة، وحكم سنة واحدة ومات. # ذكر الملك بلطازار # وهو آخر ملوك الدولة البابلية الثانية، تولى ملك بابل وآشور، وعلق على ~~اللذات، فترك الأمور للحكام، وفي ذات يوم جمع أحبابه وندماءه في وليمة ~~أعدها لهم، وكان يوم عيد عند البابليين، فبينما هم في حالة الأنس وشرب ~~المدام؛ إذ فاجأهم «قيروش» بجنوده الفارسيين، ودخل المدينة من مجرى النهر ~~على حين غفلة من أهلها، فاتفق أن أحد قواد عسكر العجم المدعو باسم «دارا ~~الميدي» المكلف بهذه الإغارة الليلية قتل بلطازار بيده فكافأه مولاه بأن ~~قلده الولاية السترابية على بابل، وبذلك زالت مملكة آشور وبابل بالكلية ~~سنة 835ق.م. ~~(2) في تاريخ الميديين والعجم # بلاد ميد عبارة عن أرض أزربيجان، وهي تحد من جهة الشمال ببحر الخزر وبلاد ~~أرمينيا والغرب ببلاد آشور الأصلية، ومن جهة الجنوب ببلاد فارس، ومن جهة الشرق ~~بالبلاد المسماة ببلاد الفرثية، وهي القطر الكائن بشرقي العراق العجمي وغربي خراسان ~~الآن، وجبال الخزر تستر سائر سطح الجهة الشمالية منها، وفي تلك الجهة أيضا ما يوجد ~~من الأنهار، وذلك غديران يسمى أحدهما باسم فورش أوقور، والثاني يسمى آراس. وقد كانت ~~مدنها الأصلية في سالف ms047 الأزمان كل من مدينة إيكباتان - وهي المعروفة الآن بهمدان - ~~ثم مدينة «راجيس» أي مدينة الري الآن. # أما حدود بلاد فارس أو فارستان، فقد كانت في سالف الأزمان عبارة عن الأرض المحصورة ~~ما بين بلاد ميد المذكورة أعلاه والخليج الفارسي من جهتي الشمال والجنوب، وبلاد ~~الكرمان وبلاد بابل من جهتي الشرق والغرب، وفيها من جهتي الشمال والغرب جبال لا ~~يمكن منها الدخول إليها إلا بغاية الصعوبة، وكانت مدنها الأصلية في سالف الأزمان ~~كلا من مدينة برسبوليس - ولعلها الآن إتشهيل منار أو إستخر - ثم مدينة «بازار ~~جاد» وهي مدينة «بازا أو فازا». ~~(2-1) ديانة الفرس والميديين # وكانت ديانة الفرس تمتاز بصفة روحانية عن ديانة الآشوريين، فإن الفرس كانوا ~~يعترفون بوجود ذات علية لا يحويها مكان، وكانوا يعبدون النار ويعدونها كأشرف ~~العناصر. # واعلم أن الذي أسس دين القوم الفارسيين في سالف الأزمان هو زرادشت، ولم يتحقق ~~تاريخ مضبوط لوقت وجود هذا الرجل، إلا أن الأقرب للصحيح أنه قد كان في القرن ~~الخامس أو السادس والعشرين قبل المسيح عليه السلام، ولا يعلم شيء ثابت صحيح ~~فيما يتعلق بحياة زرادشت المذكور، غير أنه قد كان هو المنشئ للمذهب الديني ~~الذي اسمه لغاية الآن مشهور، وقد دون أحكامه الدينية في كتاب يعرف الآن باسم ~~«زندوستا»، ولا يعرف له أيضا وطن معين، ويقال إنه كان في بلاد ~~بكتريان. # أورموزد وأهريمان # وقد كان أورموزد في اعتقاد زرادشت ومن تبع دينه عبارة عن إله الخير ~~فيقولون بأنه هو الذي خلق الخلق، وهو الروح العاقل الحكيم، ويعبر عنه ~~بروح القدس وأصل الخير، ويتصور عندهم بالنور والشمس، والنار يدعونها بصفة ~~ولده، وأنه خالق كل شيء، وله إله آخر، وهو على الدوام والاستمرار خصم له، ~~وأن إله الخير في نزاع مستمر بقصد أن يتسلطن عليه ويعلو فوقه، وأنه هو ~~الروح الخبيث أو أصل الشر، ويدعونه باسم «أهريمان» ويقال إنه خلق الشر ~~والموت، ولا بد أن يأتي عليه يوم في آخر الزمان يغلبه إله الخير ويعلو ~~عليه، ويستحيل إله الشر إلى حالة العدم، ms048 وتعود الخليقة كما كانت قبل من ~~الصفو والنقاوة، ويذهب أهريمان المذكور إلى حيث لا يرجع، ويسمى مذهب ~~زرادشت هذا بالديانة المزدية، وأما ديانة المجوس عبارة عن مذهب اعتزال ~~ناشئ عن أصل دين زرادشت، مبني على عقيدة التثنية الإلهية، كدين المزدية، ~~غير أن الفرق بينهما أن المجوس يعتقدون مساواة الأصليين أرموزد وأهريمان ~~اللذين هما إله الخير وإله الشر عندهم، ويتعبدون لعدد عظيم من الآلهة ~~المتعددين والأصنام المعبودين؛ حيث سرى لهم ذلك من ديانة الأمم المجاورة ~~لهم، لا سيما الآشوريين، وهذا أمر مناقض بالكلية لأصل شريعة زرادشت ~~الأصلية. ~~(2-2) ذكر الدولة الميدية # أرباس والدولة الجمهورية الميدية # قد تقدم أن أرباس وفول البابلي قسما المملكة الآشورية قسمين، واستقل كل ~~منهما بقسم، وبعد هذه الفتنة استقر «أرباس» في بلاده الأصلية، إلا أنه لم ~~يكن فيها ملكا حقيقيا، بل كان قائدا عسكريا، ورئيسا جهاديا لملة ~~مرتبة ترتيبا سياسيا أساسيا على هيئة ما يعرف الآن عند الأمم ~~المتأخرين بالحكومة الجمهورية، وبقي الحال كذلك حتى لحقته الوفاة، فاستمر ~~الميديون على تلك الهيئة الجمهورية من بعد وفاته، غير أنهم لم يوجد فيهم ~~من يقوم بأشغالهم، فتفرق شملهم وتمزق حالهم، وبعد زمن قليل قامت الدولة ~~الآشورية من سقطتها في أسرع وقت وأعادت قوتها العسكرية، فقامت هذه ~~الدولة وعزمت على إعادة الدول التي كانت خرجت عن طاعتها لولا تعصبات ~~الأمم عليها، وقد كادت بلاد ميد أن تقع في حبالة أسر الدولة العراقية ~~بالثاني، ثم استمروا على ما هم عليه إلى أن اجتمعوا في هيئة دولة واحدة ~~قوية، واتخذوا هيئة الحكومة الملوكية. # ذكر ديجوسيس، ومنشأ ترتيب الملك ببلاد الميديين # كان هذا الملك في مبدأ أمره رجلا معتبرا في قومه، فبذل جهده بأن يقضي ~~بالحق بين أهل عشيرته بخلاف سائر القبائل الميدية الأخر، ولما شاهد أهل ~~بلاده حسن سيرته ولوه عليهم قاضيا، فسلك في جميع أعماله مسلك العدل ~~والاستقامة، واستمروا على ذلك إلى أن ولوه ملكا عليهم، وبعد ذلك أمرهم ~~بأن يشيدوا له قصرا يليق بمرتبته ويرتبوا له حرسا يقومون بحفظ ذاته، ms049 ~~فامتثلوا لذلك الأمر، وبنوا له في المكان الذي أشار إليه عمارة جسيمة ~~متسعة حصينة، ودار مملكة جميلة متينة، وأباحوا له أن ينتخب من شاء من ~~جميع أفراد الأمة، ليكونوا لنفسه طائفة حرس ملوكية، وبمجرد أن صعد على ~~سرير الملك أخبر الرعية على أن يبنوا له مدينة ويزينوها بأنواع الزينة ~~ويحصنوها بالقلاع، فأذعنوا إليه كل الإذعان، وشيدوا له ما أمرهم به، وهي ~~المسماة في ذلك الوقت باسم «إيكباتان» وهي مكانها الآن «همدان». # ذكر الملك فراوورت من 657-635ق.م # ولما مات الملك ديجوسيس تولى بعده ولده المدعو فراوورت، وكان ملكا ~~مغازيا محبا للجهاد، ولا نعلم شيئا صحيحا من أخبار أوائل مدة حكمه ~~غير ما يظهر لنا من أنه كان قد أشغلها بطرد الآشوريين من سائر الأماكن ~~التي كانوا لم يزالوا عليها مستولين من بلاد ميد، ولم يبتدئ في مغازيه ~~الكثيرة إلا في سنة 650ق.م، فأطاع أولا بلاد فارس الأصلية، وكانت في ذلك ~~العصر قد أخذت في أن تتكون في هيئة مملكة متحدة بعد أن كانت قد مكثت مدة ~~مديدة وهي متجزئة إلى عدة قبائل صغيرة متعددة، وكان ملك الفرس المسمى ~~عند اليونان باسم آشيمينوس هو آخر ملك استقل بمملكة فارس الأصلية، ثم ~~حاربه الملك «فراوورت»، وأدخله تحت طاعته، وإليه نسبت العائلة ~~الأشيمينوسية، وهي التي تسمى عند العرب والفرس بعائلة الكيانية. # ولم تك همة هذا الملك قاصرة على فتح تلك الجهات، بل إنه أطاع لدولته ~~سائر الأمم المتوطنين وراء جبال «هندوكوش»، وأدخل أيضا بلاد بكتريان ~~«وبكترية» وملحقاتها من ولاية «هركانيا» والمرجيان والسوجديان تحت طاعته، ~~وكانت الأمة الأرمينية مذعنة بالتبعة لسلطنته، وحيث كان الملك فراوورت قد ~~استولى على جميع هؤلاء الأمم، وبذلك جعل المملكة الميدية سلطنة جهادية ~~متسعة ودولة عسكرية حربية، وظن أنه يمكنه الاستيلاء على مدينة نينوى، ~~وكانت قامت من سقطتها لسالف بهجتها وعظمتها بعناية الملك ديليلي، وشرع في ~~أن يطيعها لدولته، لكن خاب أمله، وهلك هو وجنوده جميعا، وذلك في سنة ~~635ق.م. # ذكر الملك سياكزار من 635-595ق.م # ولما مات الملك فراوورت تقلد ابنه ms050 المسمى «سياكزار» بملك الميديين، فكان ~~أكثر حبا للجهاد من والده، وفي مبدأ أمره خرجت عن طاعته أمة الفرثيين، ~~فسار إليهم بجيشه وحاربهم وأطاعهم، ثم عزم على تتميم قصد والده، وهو فتح ~~مدينة نينوى، ولحسن تدبيره وسياسته تعاهد مع ملك الكلدانيين، وهو نابو ~~بولصر. وزوج ابنته لابن ملك الكلدانيين المذكور، وهو بختنصر السابق الذكر ~~بشرط أن يقتسما دولة بني آشور، فاجتمع جيش الميديين مع الكلدانيين، ~~وأغاروا على مملكة آشور، وذلك بعد وفاة ملكها «ديليلي» سنة 635، وحاصروا ~~مدينة نينوى، إلا أن في ذلك الوقت نزل أقوام عديدة من السيتيين وشنوا ~~الغارة على سائر البلاد الميدية، فرجع الملك سياكزار من الحصار وأراد أن ~~يوقف إغارة هؤلاء الأقوام، فلم يمكنه وانهزم، واضطر لأن يصير تحت طاعة ~~هؤلاء الأقوام المتوحشين، واستمروا مدة 19 سنة يخربون في بلاد آسيا إلى ~~أن وصلوا إلى الديار المصرية، ثم قام الميديون وأشهروا لواء العصيان ~~وطردوا من كان عندهم من هؤلاء الأقوام. # وبعد ذلك قام الملك «سياكزار» وجدد المعاهدة مع نابو بولصر لتنفيذ ما ~~كان قد عقد عزيمته عليه، وتحبب إليه العزم على خراب مدينة نينوى، فقاما ~~لحصار تلك المدينة، وظفرا بها تمام الظفر، وقسما البلاد الآشورية إلى ~~قسمين، فأخذ الميديون جهة الشمال، واستولى البابليون على جهة الجنوب، ثم ~~بعد ذلك بثلاث سنوات - أعني سنة 603ق.م - حصلت حروب بينه وبين ملك ~~الليديين، تمت هذه الحروب أخيرا بالصلح بينهما، وتزوج ابن الملك ~~«سياكزار» المدعو «إستياج» بابنة الملك أليات ملك الليديين. # ذكر الملك إستياج وزوال مملكة الميديين من 595-560ق.م # وكان إستياج بن سياكزار المذكور قد خلف أباه على سرير الملك في سنة ~~595ق.م، وكان ملكا ظالما، لا فخر ولا مجد له. وكان قد رأى في المنام ~~أنه يعزله عن سرير مملكته ابن بنته المسماة باسم «مندانه»، وكان قد زوجها ~~بولد من ذرية العائلة الفارسية القديمة، يدعى قمبيز - غير قمبيز الذي ~~فتح مصر - فأراد أن يقتل الطفل الذي ولد لهما عند ولادته وهو «قيروش»، ~~وكلف بهذه المأمورية رجلا من كبار ضباطه يقال له ms051 هرباجوس، وهذه القصة ~~مبنية على ما حكاه أهل فارس نفسهم في حكاياتهم الأهلية ورواياتهم ~~التاريخية، أن هرباجوس المذكور لما أمره الملك إستياج بفعل هذه المأمورية ~~أخذته الرأفة على هذا الطفل، فألقاه عند راع من الرعاة، فلما كبر خرج ذات ~~يوم يلعب مع الأطفال، ويجري صورة رسوم المملكة عليهم، ويلقي الأوامر ~~العلية إليهم، فعرفه الملك بتقاطيع وجهه فأخذه إلى قصره وضمه إلى دولته، ~~وانتقم الملك من هرباجوس المذكور بأن أطعمه لحم ابنه في هيئة لحم جدي ~~مشوي، فحقد هرباجوس المذكور، وحمل قيروش على الخروج عن طاعة جده وساعده ~~على ذلك، فعمل الحيلة، وتوصل لأن أشعل نيران الفتنة والعصيان عند أبناء ~~أوطانه الأصليين؛ أعني الأقوام الفارسيين، وكان الملك إستياج قد أساء ~~التدبير؛ إذ قلد هرباجوس هذا برياسة جنده المتوجه لقمع الفتنة لداعي ما ~~كان قد أسره في باطنه من الحقد عليه بما أجراه من ذبح ولده وإطعامه ~~إياه، فترك راية الظفر ومزية الغلبة لرئيس جند القوم الفارسيين على ~~الميديين، فقام الملك بنفسه على رأس جنوده، وأراد أن يدفع الجنود ~~الفارسية فلم ينجح ووقع نفسه في يد أعدائه، وكان قد مكث على سرير السلطنة ~~مدة 35 سنة، وهو آخر ملوك الدولة الميدية. ~~(2-3) تاريخ الفرس القديم # ذكر قيروش 559-545ق.م # وكانت هزيمة «إستياج» المذكور وافتتاح بلاد ميد أن صار بيد الملك قيروش ~~«كسرى الأول» الولاية السلطنية على سائر البلاد التي كانت تابعة للسلطنة ~~الميدية، وصار له اليد العليا، خصوصا على الأمم الإرانيين المتوطنين ~~فيما وراء جبال «هندوكوش» وصحارى بلاد القرمان، فبادر بوضع اليد بالفعل ~~عليها، وأجرى رسوم السلطنة بالعمل فيها، وقد كان ذلك الأمر سهلا عليه؛ ~~إذ كان سائر الملل يميلون إليه. # ولما كانت بلاد بكتريان معرضة لكثرة إغارات الأقوام الأغراب، وتكرر سقوط ~~هؤلاء القبائل المتوحشة عليها بالقتل والنهب، كان أول ما تعلقت به همة ~~الملك «قيروش» أن ابتدأ لقصد الحصول على الأمن فيها بأن حارب القوم ~~التورانيين (المسمين الساسيين) وهم قوم من أقوام «يأجوج ومأجوج» كانوا ~~قاطنين حوالي ينابيع نهر سيحون «سيرداريا»، فغلبهم ms052 وانتصر عليهم وأسر ~~ملكهم المسمى «آمورجيس»، وجعل بلادهم سترابية أي محكومة بحاكم يدعى ~~ستراب «أي مرزبان» بمعنى العامل على إقليم من أقاليم الدولة الفارسية، ~~وفتح البلاد المجاورة لجبال القوقاز بعد أن قاسى فيها مقاساة عظيمة، ~~وهلك منه أناس كثيرون، وقد أدخل تحت طاعته كلا من إقليمي طاغستان ~~والجرج والأقوام المدعوين باسم «الكولشيديين» سكان إقليم كولشيدة، (وهو ~~المعروف الآن بولايتي إيمرسيا ومنغوليا)، وكذا الأقوام الذين كانوا ~~قاطنين في الجبال الكائنة على الساحل الجنوبي الغربي من بحر الخزر وهم ~~المارديون والمكرونيون وأمة الطبرانيين، وهم قوم كانوا مشهورين عند الأمم ~~السالفين من أقدم الأعصار السالفة بعمل المصنوعات المعدنية، وباختراع ~~حديد الصلب كلهم كانوا أطاعوا لصولته، ودخلوا تحت أسر دولته، وبذلك ~~صار قيروش الفارسي المذكور مستوليا على سائر الأقطار الكائنة بآسيا ~~الصغرى - بلاد الأناضول الآن - إلى حد نهر قزيل يرموق. # وكان «كريزوس» ملك الليديين - أمة بآسيا الصغرى - معاصرا لقيروش، وكان ~~هذا الملك مشهورا بغناوته، فاتفق ذات يوم أنه وجد أحد فلاسفة اليونان ~~المدعو «سولون» في معيته، فسأله: هل يوجد أحد في الدنيا أغنى مني؟ فجاوبه ~~هذا الفيلسوف اليوناني قائلا: إن الإنسان لا يعد نفسه غنيا إلا إذا ~~انقضت باقي أيامه بالسلم. فلم تمض مدة من الزمن إلا وقد ثبت كلام هذا ~~الفيلسوف الأجنبي. # نصرة قيروش على كريزوس: # ولما علم ~~كريزوس بنصرة العجم على الميديين فبالنسبة لقرابته لإستياج «صهره» عزم ~~على كسر شوكة الأعجام، وكان قد أخبره أحد كهنة المعبود «دلفوس» أنه إذا ~~تعدى نهر قزيل يرموق لخرب مملكة عظيمة، فنظرا لذلك قام لمجادلة الأعجام، ~~فالتقى الفريقان في محل متسع أمام مدينة «سردوس» قاعدة سلطنة الليديين، ~~وتم الأمر بهزيمة الملك كريزوس، ووقع في قبضة الأسر، فأمر قيروش بإلقائه ~~في النار، فصاح ملك الليديين قائلا: «سولون»، ثلاث مرات. فأراد قيروش أن ~~يستفهم عن سبب ذلك، فقص عليه القصة، فلما سمع ذلك قيروش أخذته الرأفة، ~~وخاف من تقلب الأزمان وأطلق سبيل كريزوس، وعامله بالإحسان، وكان في أغلب ~~الأوقات يستشيره في مشروعاته. # وبعد أن أخضع قيروش آسيا الصغرى، ms053 هجم على مدينة بابل، ولم يمكنه ~~الاستيلاء عليها؛ بالنسبة للحصون والقلاع المحصنة، فتصنع بحيلة، وهي أنه ~~أمر بتحويل مياه نهر الفرات إلى بحيرة صناعية، فنقصت المياه إلى أن صارت ~~لقرب الرضفة، فدخل الفرس المدينة؛ حيث كانت الأهالي مشتغلة بيوم العيد، ~~فلم يروا إلا مساء دخول الفرس عليهم، واستولى قيروش على المدينة، وقتل ~~أحد قواده المدعو باسم «دارا الميدي» الملك بلطازار بن نابونيد كما ~~تقدم. # وبعد ذلك بسنتين ترك سبيل القوم العبرانيين الذين كانوا بمدينة بابل ~~مأسورين، وأذن لهم ببناء هيكل أورشليم «بيت المقدس» بالثاني، وذلك سنة ~~536ق.م. # وبعد أن أتمم فتوحاته رجع إلى محاربة الماساجيتيين، أمة من السيتيين، «يأجوج ومأجوج، ~~قوم من الأتراك» كانوا قاطنين حوالي شاطئ بحيرة الخزر، فلم يمكنه إطاعتهم، فتصنع الملك ~~بترك معسكره، فدخل جند الماساجيتيين، وشربوا النبيذ الذي تركوه الأعجام فغابت عقولهم، فعاد ~~قيروش ومن معه، وقتلوا خلقا كثيرا منهم، فقتل ابن ملكتهم «توميريس»، فأرادت هذه الملكة أن ~~تأخذ بثأر ولدها، فعقدت الحرب والقتال مع ملك فارس، فتم الأمر بنصر الماساجيتيين على ~~الأعجام، وقتل قيروش في أثناء ذلك، ويقال إن «توميريس» المذكورة قطعت رأسه وغمرتها في قربة ~~مملوءة بدم القتلى وهي تقول: «فلأشبعنك من دم البشر الذي كنت ترتوي منه مدة حياتك.» ومات ~~قيروش سنة 529ق.م، وترك ولدين الأكبر منهما يدعى قمبيز، كان قد تقلد من بعده بتاج المملكة ~~الفارسية، والأصغر يدعى «سمرديس» كان قد تقلد بالعمل على ولاية بلاد بكتريان من أعمال سلطنة ~~فارس، بشرط أن لا يدفع لأخيه خراجا، وإنما يعترف له بالأعلوية السياسية، ولما تولى قمبيز ~~وجد همته لأن يشهر نفسه بالفتوحات، فقام أولا لفتح الديار المصرية كما تقدم. ~~(3) في تاريخ الليديين # اعلم أن مملكة الليديين كانت مملكة واقعة في غربي آسيا الصغرى، وكان قيروش فتحها ~~بعد أن فتح مملكة الميديين، وكان تختها مدينة «سردوس»، وهي مدينة على ملتقى نهري ~~بكتول وهرموس، وكانت مياه نهر البكتول، تحتوي على صفائح ذهبية، ومن هناك أتت ثروة ~~ملوك ليديا التي طالما بولغ في كثرتها. ~~(3-1) ذكر ms054 قندول وجيجيس # وقد مكثت هذه المملكة مدة طويلة وهي خاملة الذكر، وكان يحكمها الهرقيليون «أي ~~ذرية هرقول»، وآخر الهرقيليين هو «قندول»، وقد حكى أفلاطون وسيسورون أن أحد ~~رعاة الملك المسمى جيجيس وجد في صورة حصان من نحاس أصفر خاتما عجيبا خاصيته ~~إخفاء من كان حامله عن أعين الناس، فأخذه جيجيس، وبواسطة هذا الطلسم دخل قصر ~~قندول وقتله واغتصب الملك، وهذه القصة رويت عن هيرودوت ورويت بعبارات أكثر ~~قبولا للعقل من هذه، وهي أن سبب قتل الملك قندول أنه ذات يوم أمر امرأته أن ~~تكشف وجهها على جيجيس، فلما وجدت ما حصل لها من الإساءة؛ حيث كانت هذه العادة ~~مذمومة عند أهل الشرف، فعزمت الملكة على أن تعاقب من أخل بشرفها، وعزمت أن لا ~~تخلي سبيل جيجيس، وقالت له: «إما أن تقتل قندول الملك وإما أن تقتل نفسك»، ~~وبناء على ذلك قتل الملك وجلس على كرسي الملكة، وذلك سنة 738ق.م. # إغارة السميريين على آسيا الصغرى # وكان لليونان جملة نزل على سواسل آسيا الصغرى، وهذه النزل كانت تمنع ~~الليديين من الوصول إلى البحر، فقام جيجيس المذكور، وحارب سكان النزل ~~اليونانية، واستولى على مدينة كلوفون، فلما مات سنة 720ق.م قام ابنه ~~المدعو أرديس، وأخذ مدينة بريين وهدد مدينة «ميلته» ثم هلك هو وجيوشه في ~~إغارة السميريين الذين طردهم السيتيون من بلادهم، فأتوا إلى آسيا الصغرى ~~وهجموا عليها هجمة السيل على الأباطح، فأغرقوها في بحر ظلمهم، ودخلوا ~~مدينة «سردوس»، ولا نعلم ما فعلوه هؤلاء الأقوام، لكنهم قد انقرضوا ~~بالحروب شيئا فشيئا، وفي سنة 617ق.م قام «أليات»، وطرد من بقي منهم من ~~بلادهم، وكان في ذلك العصر حصلت إغارة السيتيين على بلاد ميد كما ~~تقدم. # وفي سنة 610ق.م حصلت بين الليديين والميديين حروب طويلة انتهت بالصلح ~~عندما شاهدوا حادثة كسوف الشمس، وتزوج إستياج بن سياكزار ملك ميد بابنة ~~ملك الليديين «أليات»، وحصل بين الفريقين جملة مواثيق وعهود. ~~(3-2) ذكر كريزوس بن أليات # ولما مات أليات قام بالأمر بعده ابنه «كريزوس»، وهو آخر ملوك هذه الدولة، ms055 ~~وكان ملكا قد اشتهر في الأزمان السالفة والأحقاب الخالية بالغناوة والثروة، ~~فلما علم بأن قيروش هزم إستياج صهره قام لمساعدته كما تقدم، فالتقى مع جيوش ~~الفرس، ووقعت بينهما مقتلة شديدة هلك فيها نفوس عديدة من الطرفين، إلا أنه لم ~~تتحقق النصرة لأي من الفريقين حتى دخل الليل، فانتهى بذلك الحرب، فعاد ~~كريزوس إلى مدينة «سردوس» التي هي قاعدة سلطنته ومركز حكومته وبعث يطلب المدد ~~من الديار المصرية وبابل ولقدمونيا «ببلاد اليونان» لما كان بينه وبينهم من ~~العهود، وعزم على أن يعود بالحرب في فصل الربيع الآتي، ثم بلغ الخبر ملك الفرس ~~بأن كريزوس اعتمد على طول المدة وفرق شمل جنوده، فبادر في الحال ملك الفرس ~~وحاصر مدينة سردوس، فجمع ملكها ما قدر عليه من العساكر، والتقى الصفان والتحم ~~الجيشان في سهل متسع عظيم مكشوف أمام مدينة سردوس المذكورة عند ملتقى نهري ~~هيلوس وهرموس، وهو النهر المعروف الآن بنهر «شرابات أو القادوس» بالقرب من ~~مدينة أزمير، فهزمت الجيوش الليديون شر هزيمة، وانحصر الملك كريزوس في مدينته ~~أربعة عشر يوما من ذلك الحصار، هجم ملك العجم بجنوده على تلك المدينة، فدفعهم ~~القوم المحصورون في أول الأمر، وكان بعض جنود الفرس قد لحظ بالأمس طريقا يوصل ~~إلى مكان من سور القلعة، فأرشد إخوانه إليه، وصعد عليها وتبعه كثير من أصحابه، ~~وبذلك دخل قيروش المدينة وزالت مملكة الليديين. ~~(4) في تاريخ الكنعانيين والفنيقيين # وقد كانت مدائن الكنعانيين من أول الأمر على سواحل الخليج الفارسي في إقليم بلاد ~~العرب المعروف الآن باسم «القطيف أو البحرين»، وفي سنة 2500ق.م تقريبا كانوا قد ~~اضطروا للخروج من مساكنهم الأولية هذه، إما لداعي زلازل أرضية وقعت فأخرجتهم منها ~~كما ذكر ببعض الروايات، وإما لداعي حروب حصلت بينهم وبين ملوك بابل، وكانوا قد ~~انتصروا عليهم فيها فاضطروا للمهاجرة من أوطانهم الأصلية، وهاجروا كلهم منها إلى ~~بلاد الشام، ولما استقروا بها تغلبوا على تلك البلاد ووضعوا اليد عليها، وتفرقوا ~~هناك إلى فروع عدة؛ طوائف منهم مكثت ببلاد فلسطين، وبعضهم مكث بين جبل ms056 لبنان والبحر ~~المتوسط، ومنهم قبيلة تعرف باسم «الهينيين» استقرت بوادي نهر العاص، وقسم أغار على ~~مصر مسترشدا بجماعة من القوم «الهينيين» المذكورين واستولوا عليها، وهم المعروفون ~~باسم أمة الهكسوس السابقة الذكر. # أما أمة الفنيقيين الموصوفة بالجراءة والنشاط وحب السفر لما رأت نفسها محصورة بين ~~جبل لبنان والبحر الأبيض، وجهت همتها للملاحة والتجارة، فامتدت أسفارها لأقاصي ~~العالم المعروف وقتئذ، وبهذا زادت ثروتها وقوتها حتى فاقت عن غيرها في الصنائع التي ~~منها معرفة عمل الزجاج الذي أخذته هو وباقي معارفها من المصريين، وقد اشتهرت ~~منسوجات الفنيقيين المصبوغة باللون القرمزي، كما وأنه ينسب إلى هذه الأمة اختراع فن ~~الكتابة التي وصل منها إلى اليونان ، وقد اشتهرت مدن فنيقيا منها مدينة صيدا ~~وصور. ~~(4-1) مدينة صيدا # وبينما كان جماعة من الكنعانيين قد توجهوا نحو ديار مصر وفتحوها في ذلك العصر ~~«ملوك الرعاة» قد كان من بقي من مدينة صيدا من الكنعانيين وهم المعبر عنهم ~~بالصيداويين «أي سكان مدينة صيدا» يظهر أنهم لم يكن لهم أطماع حربية ولا رغبة ~~جهادية في الأرض القارة، فلذلك انصرفت قوتهم وتجردت نشاطتهم وشهامتهم للتشبت ~~بالأعمال البحرية، وقد مكثت «صيدا» في قبضة المصريين من العائلة الثامنة عشرة ~~إلى العائلة المتممة للعشرين. # وفي عصر فرعون رمسيس الثالث ملك مصر أغار على فنيقيا قوم يعرفون بالقوم ~~الفلسطينيين، وهم قوم كانوا قد خرجوا بطريق البحر من جزيرة «كريت»، وكان أول ~~نزولهم على سواحل بر الشام نواحي «غزة» و«أشدود» و«عسقلان»، وبعد ذلك بنحو ~~مائة سنة كانت قد اشتدت قوتهم، وامتدت شوكتهم حتى تعلقت أطماعهم بأن يستولوا ~~على سائر بلاد سوريا الجنوبية وتجاروا على أن شنوا الغارة على بني إسرائيل ~~ووقعت لهم عدة وقائع حربية كان لهم فيها النصر عليهم وبذلك استولوا على سائر ~~بلاد بني إسرائيل، وأذاقوهم أشد الجور والظلم مدة أكثر من نصف قرن وفي سنة ~~1209ق.م قام أسطول من سفن الفلسطينيين المذكورين، ووقف على حين غفلة أمام ~~مدينة صيدا ولم يكن عند أهلها استعداد لذلك، فنزلت السفن الفلسطينية على مدينة ~~«صيدا» الفنيقية ms057 العظيمة هذه التي كانت بنت كنعان البكرية، وأخذوها بالقوة ~~القهرية وأخربوها وأزالوها من ظهر الدنيا بالكلية، وهذا هو المسمى بعصر ~~الصيداويين أي وقت أن كانت صيدا هي مركز قوة الفنيقيين. ~~(4-2) مدينة صور # وقد كانت جموع الأقوام المهاجرين من أهل «صيدا» قد اجتمعوا في مدينة صور، ~~وكانت هذه المدن لغاية ذلك الوقت من المدن ذات الدرجة الثانية من جملة المدن ~~الفنيقية، وبواسطة هذه الحادثة تحولت حالها وتغيرت صفتها وارتقت حالتها دفعة ~~واحدة، وبلغ عدد سكانها إلى أكثر من أضعاف ما كانوا عليه مرتين، وصارت هي ~~الكرسي الأصلي والمركز السياسي لسائر المدن الفنيقية بعد أن كانت لهم هي ~~المركز الديني فقط، وخلعت مدينة صيدا من كل ما كانت عليه من السعادة والرفاهية ~~ودرجة الأعلوية وكان بها معبد بعل ملوخ (ميلكارت). # ذكر محالفة مدينة صور مع بني إسرائيل في سنة 1051ق.م # وقد كان نزول القوم الفلسطينيين المذكورين سببا في تبديل أحوال العلائق ~~التي كانت بين بني إسرائيل والفنيقيين في ذلك الوقت، وذلك أن ~~الإسرائيليين في أول مبادئ فتحهم لبلاد الشام كانوا أعداء للصيداويين، ~~كما كانوا كذلك بالنسبة لسائر الأقوام الكنعانيين، ثم لما رأى بنو ~~إسرائيل والفنيقيون أن القوم الفلسطينيين قد شنوا الغارة عليهم دفعة ~~واحدة وظفروا بهم، فخوفا من أن يستولوا عليهم ويستعبدوهم استعبادا ~~مخلدا تمكن في أذهان الطرفين شدة لزوم عقد محالفة بين الجانبين، وكان ~~الملك «هرام» الثاني ملك صور معاصرا لسيدنا داود عليه السلام ملك ~~اليهود، فبعث إليه رسلا من طرفه عقدوا معه عقد محبة بين الملكين ~~المذكورين، ثم تفرغ الملك هرام إلى بناء الهياكل والمعابد والقصور بمدينة ~~صور وغير ذلك، فبينما كان ملك صور المذكور مشتغلا بهذه الأعمال النافعة ~~العظيمة؛ إذ توفي داود وخلفه على سرير الملك ولده سليمان عليهما السلام، ~~فبادر ملك صور وهو هرام بأن بعث إلى القدس الشريف سفارة لقصد تهنئة ولد ~~حليفه على تقليده بملك بني إسرائيل، وكان داود قد عهد قبل وفاته إلى ولده ~~سليمان بأن يبني هيكل بيت المقدس لعبادة المولى سبحانه وتعالى، ms058 فطلب هرام ~~لمساعدته، وتعاهدا على أن يعملا بمصاريف مشتركة، وذلك سنة 1018ق.م، ولما ~~مات هرام المذكور خلفه ملوك لا فائدة في ذكرهم بالنسبة لعلم ~~التاريخ. ~~(4-3) تأسيس مدينة قرطاجة # ولما مات «ماتان» ثالث ملوك هذه العائلة كان قد خلف اثنين، أحدهما ذكر يبلغ ~~من العمر 12 سنة يدعى باسم «بيجماليون»، والثاني أنثى كانت أكبر منه سنا ~~تسمى «ألياسار»، وكان أبوهما قد عهد إليهما بالاشتراك في الحكم، وكان عوام ~~الرعية يرغبون في تغيير صورة ولاية الأمر الفنيقية من هيئة الحكومة الملوكية ~~ويبدلونها إلى هيئة دولة أهلية، فأثاروا فتنة داخلية، وولوا على سرير المملكة ~~الصورية بيجماليون وحده دون أخته، واتخذوا له مجلس شورى من أرباب المناصب ~~الدولية المساعدين على هيئة الدولة الأهلية، وبذلك خرجت أخته من حق المملكة، ~~فما كان منها إلا أن تزوجت برئيس طائفة خدمة المعبود «ميلكارت» المدعو ~~«زيشاربعل»، فقتله بيجماليون المذكور؛ إذ كان يرى أنه مزاحم له على سرير ~~المملكة، فتعصبت «ألياسار» مع جم غفير على عزل أخيها، فقويت الفتن واشتدت ~~المطاعنة للحصول على الغرض المذكور، فلم ينجح سعيهم بمدينة صور، فصمموا على ~~الخروج من ديارهم الصورية استنكافا من أن يبقوا فيها تحت ذل العصبة الأهلية، ~~واستولوا على السفن المتجهزة للإقلاع على حين غفلة، وركبوا فيها وسافروا في ~~البحر تحت قيادة «ألياسار»، وساروا حتى نزلوا بساحل أفريقا، واختطوا هناك ~~مدينة قرطاجة «لعلها الآن تونس»، وذلك سنة 869ق.م، وصارت هذه المدينة قرينة ~~«روما» الكبيرة - كما سيأتي - وسميت «ألياسار» المذكورة باسم ديدون (أي ~~الهاربة باللغة الفنيقية، ومعنى قرطاجة المدينة الجديدة). # وبعد ذلك استمر ملوك صور مدة من الزمن في حروب بينهم وبين ملوك آشور إلى أن ~~وقعت فنيقيا وما جاورها من المدن في قبضة الآشوريين، أما مدينة صور بعد أن ~~حاصرها بختنصر ملك بابل مدة 13 سنة ودمر جزءا منها، انتقلت على جزيرة صغيرة ~~مجاورة للساحل، إلا أنها لم تقدر على إعادة مجدها القديم، ثم وقعت مملكة ~~فنيقيا بعد ذلك في حوزة فرعون مصر «واح أبرع»، وبعده دخلت ضمن مملكة فارس ms059 أيام ~~قمبيز ملك العجم. ~~(4-4) الأراميون # كان الأراميون الذين هم من بني سام ساكنين من منذ الأزمان الغابرة شمال سوريا ~~الممتدة من جبال لبنان لغاية نهر الفرات، ولم ير في التاريخ ما يدل على أنها ~~انضمت إلى بعضها، بل بقيت فروعها متفرعة، كل فرع قائم بذاته، وسنقص بالذكر ~~أشهر هذه الفروع؛ كان الخيتاسيون أحد فروعها، وهي التي تلفت من القوى أقصاها، ~~ومن الصولة أعلاها، حتى اقتدرت بما لها من قوى وعزائم وجليل الهمم على مكافحة ~~فرعون مصر خصوصا رمسيس الثاني صاحب الفتوحات الباهرة، ومن أشهر مدن سوريا ~~مدينة دمشق التي بعد أن انفكت من أسر الإسرائيليين ارتقت إلى درجة سامية من ~~العز حتى صارت قاعدة مملكة شهيرة لها شأن عظيم في التواريخ، ومع كل ذلك لم نجد ~~نصوصا تاريخية تدل على أن بلاد سوريا توحدت فيها الكلمة، بل توالت عليها ~~القرون وهي متجزئة بين ساكنيها، وهذا التفرق وعدم توحيد الكلمة بين أهلها أضعف ~~شوكتها، وبذا لم تتمكن من مصادمة هجمات الفاتحين العديدين الذين ساروا ~~بالتعاقب على بلاد سوريا الغربية على ممر الأعصار، وبعد أن تعاقب عليها ~~المصريون والآشوريون والبابليون انتهى أمرها بالدخول ضمن مملكة الفرس، واشتهرت ~~على من جاورها من الممالك. ~~(5) في تاريخ العبرانيين # كان إبراهيم الخليل عليه السلام من ذرية سام بن نوح عليهما السلام، وهو جد ~~العبرانيين والعرب، ولد في مدينة أور (أورفا أو الرها) بالفرات، فهجر وطنه سنة ~~2200ق.م، ووصل أرض كنعان بجنوب الشام، وكان من نسله إسماعيل وإسحاق ويعقوب عليهم ~~السلام، الذين قاموا بعبادة الله وحده حينما كانت جميع الأمم غارقة في بحر الضلال ~~يعبدون الأوثان، ولما ترقى يوسف عليه السلام، أحد الأسباط الاثني عشر أولاد يعقوب ~~«إسرائيل» عليهم السلام إلى درجة سامية في عصر ملوك الرعاة أحضر بني إسرائيل ~~وأسكنهم وادي غسان (المعروف الآن برأس الوادي)، ومن المحتمل أن حسن استقبال ملوك ~~الرعاة لأولاد إبراهيم عليه السلام مترتب على بعض المجانسة في الشبه بين هذين ~~الجنسين، وبعد أن قطن العبرانيون بمصر أربعة قرون كثر عددهم؛ ms060 حيث صاروا أمة لا ~~تحصى، وكانت فراعنة العائلة الثامنة عشرة والتاسعة عشرة يبغضونهم كلما تذكروا عصر ~~ملوك الرعاة، خصوصا لما عاينوا سرعة نمو هذا الأمة الأجنبية المغايرة لهم في الدين ~~والعوائد، فحملوهم ما لا طاقة لهم به، وعاملوهم معاملة السوء، واستعملوهم في ~~الأشغال الجسيمة التي شرعت فيها العائلة التاسعة عشرة مدة رمسيس الثاني؛ حيث ~~استعملهم في تشييد هيكل مدينة بيتوم ورمسيوم بوادي غسان. # وكان موسى عليه السلام من نسل بني إسرائيل، وتربى في دار الفراعنة المصرية، وتعلم ~~ما بيد الكهنة المصرية من العلوم، وقام لتخليص قومه، فنجاهم من العذاب، فقادهم إلى ~~خارج مصر، ومن المحتمل أن يكون أحد خلفاء منفطا الأول هو فرعون ذلك العصر ، وكان أذن ~~لبني إسرائيل بالخروج ثم ندم على ذلك واقتفى أثرهم بجيشه الجرار، فغرقوا جميعا في ~~بحر القلزم (خليج السويس)، وقد ذكرت التوراة أنه هلك مع قومه في ذلك البحر. # أما العبرانيون فإنهم بعد ما جاوزوا البحر مكثوا في صحراء وادي التيه «بجبل الطور» ~~في بلاد العرب مدة أربعين سنة، وأوحى الله إلى نبيه موسى عليه السلام بجبل الطور ~~قانونا كلفهم بعبادة الله وحده سبحانه وتعالى، وعلمهم آيات أصول الأدب، وأدخل فيهم ~~الحياة الدينية والمدنية، ولما مات موسى عليه السلام قام بالأمر بعده يوشع عليه ~~السلام، وأغار بهم على أرض كنعان، فاستولى عليها وقسم أرضها التي على شاطئ نهر ~~الأردن بين الأسباط الاثني عشر أولاد يعقوب عليهم السلام، وكانت هذه الأسباط عبارة ~~عن أمم متعاهدة مع بعضها يجمعها علاقة الدين والأحاديث العامة، ولما كان العبرانيون ~~تحيطهم الأعداء من كل ناحية جعلوا لهم حاكما، سموه قاضيا؛ ليدفع صولة الصائلين، ~~وكان أشهر هؤلاء القضاة «جزعون» و«نفتح»، وهما اللذان خلصا قومهما من جور جيرانهم، ~~وأما شمسون فكان ذا قوة مفرطة، فزع منها أهل فلسطين ثم شمويل عليه السلام، وكان ~~حبرا وقاضيا للاثني عشر سبطا، وأراد أن يحدث حادثة كبيرة في ترتيب دولة بني ~~إسرائيل؛ لقصد زيادة تثبيت دولتهم، فشرع في جعل ولاية أمرهم العليا وراثية لعائلته، ~~لكن لم ms061 يتيسر فيهم من يقوم بواجب العدل والإنصاف، وصاروا يأخذون الرشا على الحكام، ~~فحصلت فتنة داخلية، وأراد بنو إسرائيل أن يقيموا عليهم ملكا ينظر في أمورهم، ~~فامتنع من ذلك أولا؛ مستندا للأصل القديم المقتضي أن بني إسرائيل لا ملك لهم غير ~~الله سبحانه وتعالى، ثم لما أبوا الإجابة توجه نظره إلى شاب جميل الصورة بسبط ~~بنيامين، وهو شاول - المعروف في تاريخ أبي الفدا باسم طالوت - فانتخبوه ملكا ~~عليهم، وهو أول من تلقب بالملك منهم، وذلك في سنة 1092ق.م. ~~(5-1) تاريخ بني إسرائيل مدة ملوكهم # ذكر شاول أو طالوت 1092-1056ق.م # وقام شاول المذكور بقيادة بني إسرائيل، لكن تملكه على الأمة العبرانية ~~وولايته على الملة الإسرائيلية لم تكن إلا ولاية جهادية ومملكة عسكرية لا ~~غير، بما أنه استمر مدة مديدة وهو تحت طاعة صاحب الولاية الدينية، وهو ~~شمويل، وقد كان ملك العمونيين المدعو «نابال» كان قد غزى بني إسرائيل، ~~ووضع الحصار على إحدى مدنهم «يبس» أو «سالم» التي نشأت في مكانها ~~«أرشليم»، فجمع شاول من بني إسرائيل نحو ثلاثة آلاف مقاتل، فانهزمت أمة ~~العمونيين، ونزل مدينة «جلجالة» منتظرا قدوم العبرانيين للتحية عليه، ~~فحيوه بملك بني إسرائيل من جديد، وهنئوه بهذا النصر السديد، وكان ~~الفلسطينيون قد عادوا بجنود عديدة للغارة على أرض بني إسرائيل بالثاني، ~~ولكن انتصر عليهم؛ حيث ساعده ولده «يوناتاس» الذي كان اشتهر بالشجاعة ~~والإقدام، وبعد ذلك شن الغارة على العمالقة انتقاما لما فعلوه ببني ~~إسرائيل؛ حيث كانوا قد منعوهم عند حضورهم من مصر للتوطن بأرض كنعان، ~~فحاربهم وقتلهم وأسر ملكهم المدعو «أجاج»، ثم إنه خالف أمر شمويل؛ حيث ~~كان قد أمره بقتلهم وقطع دابرهم، فعفا عن «أجاج» المذكور، ومن ثم تمت ~~المقاطعة بين شاول وشمويل، وتحكمت العداوة بينهما، وهاجر شمويل إلى بيت ~~لحم، وجعل داود ملكا على بني إسرائيل، وكان شاول قد أصيب بداء ~~«الماليخوليا»، وكان لا يسكن إلا إذا جاء داود عليه السلام، وضرب له على ~~عوده المشهور، فأحبه وغمره بنعمه، ورقاه لمرتبة سائس ركابه، وهو لا يدري ~~أنه قد ms062 لبس التاج في السر بدلا عنه، ثم اشتهر داود بقتل «جالوت» أحد ~~أبطال الفلسطينيين، فلما عاين ذلك الأعداء فروا على أقدامهم هاربين، ~~وتبعتهم بنو إسرائيل وفرقوا شملهم وغنموا منهم غنائم عظيمة، فلما بلغ ذلك ~~شاول صاهره، لكن لما شاع صيته بالشجاعة عند بني إسرائيل بغضه شاول وأراد ~~قتله ففر هاربا، واتفق أن الفلسطينيين كانوا قد شنوا الغارة على بني ~~إسرائيل، فقتل شاول وابنه يوناتاس، فعاد داود وقلد بولاية الأمر، وذلك ~~سنة 1056ق.م. # ذكر داود عليه السلام 1056-1016ق.م # ولما كانت الأقوام الفلسطينية يسطون على الدوام على أمة اليهود ويأخذون ~~منهم الجزية، فلم يسع داود أن يستطع لهذا العار، فقام وحارب هؤلاء ~~الأقوام، وأدخلهم تحت طاعته، وحارب العمالقة والأيدوميين جنوب بلاد ~~الشام، وكذا العمونيين «سكان بلاد عمان»، وبالنسبة لذلك قامت القيامات ~~والعصب في جميع البلاد الكائنة بين نهري الأردن والفرات، فلم ينزعج داود ~~منهم، بل سار بنفسه إليهم، وقاتلهم واستولى على مدينة دمشق وسوريا وحمص، ~~وشتت شمل أمة الأيدوميين بوادي الملح، وأحدث طرق مواصلات تجارية فيما بين ~~ممالكه وبحر القلزم وأقصى بلاد آسيا وأفريقا، ونزل على القوم المسمين ~~باسم «اليبسيين»، وهم أشجع الأقوام الكنعانيين فقاتلهم وأخذ منهم قلعتهم ~~المسماة باسم «يبس» أو «سالم»، وهي التي نشأت في مكانها مدينة أورشليم أو ~~بيت المقدس فيما بعد، وجعلها مقر مملكته وقاعدة دولته من ذلك العهد، ~~وأدخل فيها النظام العسكري والمدني، وكان عصره أعظم أعصار أمة اليهود، ~~وفي آخر سنة من حكمه خرج عليه ولده المسمى باسم «عادونياش»، وكان داود ~~عهد بالملك لولده «سليمان»، فتخلى عن «عادونياش» أصحابه المتعصبون ~~معه، فدخل تحت طاعة أبيه وعفا عنه. # ذكر سليمان عليه السلام 1016-976ق.م # قد اشتهر سليمان بالحكمة وفصل الخطاب. وكان أبوه وطد له دعائم المملكة، ~~فلم يحتج عليه السلام لإقامة حروب مع أي أمة ما، غير أن أخاه المدعو ~~«عادونياش» السالف الذكر قام عليه ونازعه في الحكم فقتله سليمان؛ ليصفو ~~له سرير الملك من العاهات التكديرية، وبعد ذلك صرف مدة حكمه التي هي ~~عبارة عن أربعين سنة ms063 في أنس، وكان مهادنا لكل من جاوره من الأمم، وهو ~~الذي بنى معبد القدس الشريف حسب وصية من أبيه، فأمده «هرام الثاني» ملك ~~صور كما تقدم، بكل ما يلزم لبنائه من عمال ومواد، وأتمه في سبع سنين، ~~وكان يوجد به كثير من التماثيل التي لم يسمع بها. # وقد اشتهر سليمان بالحكمة كما أسلفنا، فكان مهابا محترما عند جميع ~~الأمم، حتى سعت إليه بلقيس ملكة سبأ من أقصى بلاد العرب لسماع حكمته، ~~وتزوج بها، وكان يميل للمشروعات الجسيمة، فكانت أساطيله تجول الإقيانوس ~~الهندي لتبحث فيه على الذهب والعاج والأمتعة الثمينة، وكان ملاحوه من ~~الفنيقيين، ولا يخفى أن هذا الأمر يحتاج لتبذير أموال جسيمة، فلذا ألزم ~~أهل ملته بالمغارم، فحصل لها ضجر عظيم ظهرت نتيجته بعد موته. ~~(5-2) ذكر مملكتي يهوذا وبني إسرائيل # ذكر راحبعم # وبمجرد موت «سليمان» كان قد قام بعده على الفور ابنه «راحبعم»، وذهب إلى ~~مدينة سيشار أو «نابلس»؛ إذ كان قد اجتمع فيها سائر بني إسرائيل؛ ليقلدوه ~~ملكا عليهم، وكان رئيسهم رجل يدعى يربعم، فطلبوا منه أن يحط عنهم بعض ~~ما كان أبوه قد كلفهم به من كثرة الضرائب عليهم، فامتنع من ذلك وأغلظ لهم ~~الجواب، فقام جميع بني إسرائيل ودخلوا خيامهم، فأرسل «راحبعم بن سليمان» ~~وزيره المدعو باسم «عادورام» لمنع هذا القيام فرجموه بالأحجار حتى مات، ~~وخشي «راحبعم» على نفسه ففر هاربا إلى أورشليم، وخرج عن طاعته عشرة ~~أسباط من الإسرائيليين ما عدا سبطي يهوذا وبنيامين؛ حيث بقيا على طاعته، ~~وبايع الأسباط العشرة يربعم المذكور، وهكذا انقسمت إلى قسمين: قسم في ~~الجنوب: عبارة عن سبطين، وسمي مملكة يهوذا، وقاعدته القدس الشريف. ~~وقسم في الشمال: عبارة عن عشرة أسباط، وسمي مملكة بني إسرائيل، ~~وقاعدته مدينة السامرة. # ذكر مملكة يهوذا # مكنت هذه المملكة نحو 893 سنة، وفي السنة الخامسة من حكم راحبعم بن ~~سليمان دخل شيشنق رأس العائلة الثانية والعشرين أرض فلسطين بجيش جرار، ~~واستولى على بيت المقدس ونهب الأواني المقدسة من الهيكل، وكذا القصر ~~السليماني، ثم رجع إلى ms064 بلاده بهذه الغنائم، وذلك سنة 970ق.م وقد كابدت ~~هذه الدولة محنا جسيمة من مهاجمة الأمم المجاورة لها، من ذلك: أن ~~سنحاريب هدد بيت المقدس، فالتزم حزقيا ملك اليهود وقتئذ أن يعقد معاهدة ~~مع ملك مصر سباقون الأتيوبي، فهلك من جيش سنحاريب عسكر لا تحصى - كما سبق ~~ذلك - ثم وقع منشا بن حزقيا الصالح في قبضة «أسارادون» ملك آشور سنة ~~675ق.م، ولما قام «نيخاؤس الثاني» تقدم إلى نهر الفرات، وحاصر مدينة ~~قرقيش الكائنة على هذا النهر، بيد أنه انهزم أمام خصمه بختنصر، وعاد ~~المصريون بالخيبة إلى بلادهم، أما البابليون فاستولوا على بيت المقدس، ~~وقتلوا ملكه وولوا بدله صدقيا بن يوشيا، فعصى على بختنصر، واستنجد بملك ~~مصر «أبرياس» «واح أبرع»، فانهزم أمام خصمه، ووقع بيت المقدس في يد ~~بختنصر بعد حصار ثمانية شهور، ودمره الكلدانيون، وأسر صدقيا بن يوشيا ~~الذي هو الملك المتمم للعشرين بعد سيدنا داود عليه السلام، وأسروا جميع ~~من نجا من القتل. # ولو أنه لم يكن لليهود دور مهم في السياسة مع أنها دون غيرها من الأمم ~~التي يختلط بها في المدن، إلا أننا نرى لها تأثيرا مهما على الآداب ~~لمحافظتها على عقيدة وحدانية الله سبحانه وتعالى، ومع أنها احتجبت عن ~~العلوم والصنائع، إلا أنها قد ارتفعت بواسطة الوحي إلى درجة عالية من سمو ~~الأفكار كما يتبين ذلك من صحف الأنبياء التي التوراة إحداها. # ذكر مملكة بني إسرائيل # وقد بقيت هذه المملكة نحو 255 سنة، وفيها انتشرت عبادة الأوثان، ونرى ~~تاريخها مشحونا بالكبائر والكفريات، حتى قام عليها ملكا آشور، وهما ~~«تجلات فلصر الثاني» و«سلمنصر»، ودمراها وسبيا أهلها، ثم بعد ذلك بمدة ~~حضر سرجون، وحاصر مدينة السامرة، ثم استولى عليها، ونهبها ونقل أهلها إلى ~~بلاد ميد، وأرسل إلى تلك المدينة بدلهم بأمم من آشوريين ~~وكلدانيين. # الفصل الثالث # | في تاريخ مصر وهي في حكم الفرس # (1) العائلة السابعة والعشرون الفارسية # ذكر قمبيز بن قيروش من 529-525ق.م # ولما تمكن الملك قمبيز من ديار مصر وتسلطن عليها، سعى في أن يجذب قلوب ~~المصريين إليه ms065 بواسطة تقليد من بقي من أعيانهم بعلامات الامتياز، وقرب إليه ~~أمناء الديانة؛ ليتعلم منهم ما اشتهروا به من العلوم والفنون، حتى إنه كان قد ~~اتخذ لنفسه ألقابا سلطانية مصرية، وأراد أن يوهم الناس أنه من نسل العائلات ~~الملوكية الفرعونية، وسمى نفسه أيضا بختنصر الثاني. # وكانت مصر قد تمهدت للقوم الفارسيين، ولم ير فيها كما في عهد افتتاح ~~الأتيوبيين لها واستيلائهم عليها في العصر السالف؛ أن قام بالأقاليم البحرية ~~«أي الدلتا» منها بعض عصب أهلية، ولا حصل بها حروب حربية لقصد إخراج القوم ~~الفاتحين لها منها، بل كان فتح الديار المصرية بالجيوش الفارسية قد أفزع سائر ~~الأمم المجاورين لها، حتى إن الليبيين أذعنوا له بالطاعة من غير قتال ، وكذلك ~~اليونان سكان برقة، ولما صفا له الحال شرع في ثلاث غزوات: الغزوة الأولى كانت ~~مع أهل قرطاجة. والثانية نحو «واحات آمون». والثالثة نحو بلاد الأتيوبيا. فجهز ~~للأولى أسطولا مركبا من أناس بحارة من الفنيقيين أي الصوريين، فامتنعوا من ~~موافقته على التوجه للهجوم؛ لداعي قرابتهم بالقرطاجيين، فتوجه قمبيز بجنوده ~~إلى بلاد الأتيوبية بجراءة لا يتصورها العقل غير ملتفت لمؤنة جيوشه من الذخائر ~~الضرورية، ولا لما يلزم لنفسه من وسائل الاحتراس، ولما وصل إلى مدينة «طيبة» ~~الصعيدية وجه فرقة من جنوده الفارسية تبلغ نحو خمسين ألف عسكري لمحاربة ~~الآمونيين «سكان واحة سيوه» التي بها معبد آمون عند اليونانيين باسم ~~«جوبيتير»، وأمر عسكره بإحراق ذلك الهيكل وما فيه من الكهنة، واستمر على السير ~~بباقي جنوده إلى جهة بلاد الأتيوبية، وأراد أن يختصر الطريق، فانحرف عن شواطئ ~~النيل من عند اعوجاجه الكبير، وتوغل بعساكره الكثيرة في الصحراء المعروفة الآن ~~بصحراء «كروسكو» لكونها أقرب طريق للأتيوبيا، فلما قطع ربع الطريق ووصل إلى ~~سهول متسعة من الرمال لا شجر فيها ولا علف للدواب، ولا ماء للشرب، فخلص زاده ~~ولحق جيشه القحط والجوع حتى أكل بعضهم بعضا بالإقراع، ثم خاف على نفسه فرجع ~~هو ومن بقي معه. وأما من توجه منهم إلى واحات «آمون» فلم يعرف لهم خبر، ولم ms066 ~~يقف لهم على أثر، وبقي حالهم مجهولا لغاية الآن، وقد روي عن بعض الكهنة ~~الآمونيين، أن فرقة الجيوش الفارسيين الذين كانوا قد توجهوا إلى تلك الناحية، ~~لما وصلوا إلى نحو نصف الطريق من تلك الصحاري الليبية كانت قد قامت عليهم من ~~جهة الجنوب ريح عاصفة شديدة، فدفنتهم تحت جبال من الرمال. # ثم اعتراه داء الجنون، وصارت أفعاله اختلالات ومفاسد، حتى اتفق عند رجوعه من ~~غزوته الخائبة إلى مدينة «منف» عيد إقامة معبود لهم جديد، وهو العجل المشهور ~~باسم «أبيس»، حيث مات لهم عجل قديم، فظن أنهم فرحوا لهزيمته، فقتل الكهنة ~~وأرباب الحل والعقد دون أن يسألهم عن الأسباب، وطعن العجل معبودهم، فأدماه على ~~الأرض، ونهب ما كان بالمقادير من النفائس القديمة، وقتل أخته التي هي زوجته ~~أيضا، وكان قد تزوج بها على خلاف عاداتهم؛ إذ كانت العادة عندهم لا تجوز ~~للأخ أن ينكح أخته إن كانا شقيقين. # ويقال إنه كان يتسلى بقتل الأعجام ويذبحهم كالأغنام، وقد قيل إنه دفن اثني ~~عشر رجلا من أعناقهم أحياء في ساعة واحدة، وهال عليهم التراب؛ إذ خطر له ~~أنهم يستحقون هذا العقاب، ونبش قبر الملك أمازيس، وضرب بالمنخاس جثته، وأيضا ~~القبر المشهور باسم سيرابيوم «مدفن بسقارة كان يدفن فيه العجل أبيس بعد ~~موته»، وأخذ ما كان به من الحلي، وإلى غير ذلك من الأحوال الشنيعة، ثم خرج من ~~مصر بعد أن جعل نائبه على مصر «أرياندس» العجمي، قاصدا بلاد فارس لإطفاء ~~الفتنة التي أقادها غومات المجوسي المسمى أيضا «جوماتيس» المدعى أنه ~~«سمرديس» أو «برديا» أخو قمبيز؛ لكونه كان مساويا له في الذات، ولما وصل إلى ~~بر الشام وجد غومات يدعو الناس للمبايعة، وبالجملة يطلب مبايعة عسكر قمبيز، ~~فمنعهم من المبايعة متعللا أن أخاه قتل، وأن غومات المذكور ليس من بيت الملك، ~~فلم يصغوا لقوله، بل حملوه على الحقد لأخيه، ثم نزل ليقضي بعض حاجته، وبعد ~~قضائها أراد أن يركب جواده، فانزلق سيفه من غمده وجرحه جرحا بليغا ألزمه ~~الفراش، فمات بعد ذلك بقليل. # ذكر ms067 سمرديس الكذاب # واستمر المجوسي المذكور ملك بلاد العجم حتى ظهر غشه، فقام سبعة من الأعيان، ~~كان من جملتهم رجل يدعى داريوس - المعروف عند مؤرخي العرب باسم دارا - فأشار ~~على الأمة بالتوجه في الحال ليهجموا على الملك المجوسي في قصره ويقتلوه، ~~فوافقه جميعهم على ذلك، وقتلوه وكل من صادفوه في قصره من المجوس، وبلغ هذا ~~الخبر إلى جميع البلاد الفارسية، فقام أهل البلاد وقتلوا كل من قابلهم من ~~المجوس، ولما تم الأمر بهذا الوجه المذكور اجتمع السبعة المتعصبون على من يكون ~~الملك؛ إذ كان أهل بيت الملك قد انقرضوا، فاتفقوا على أن يتوجه كل واحد من ~~السبعة الأعيان المذكورين من صباح يوم الغد راكبين على ظهور أفراسهم أمام ~~المدينة، وأول من يسلم على الشمس وهي طالعة بأول صهيل حصانه صار هو الملك ~~المتقلد بتاج الملك دون غيره منهم، وكان الذي فاز بذلك هو دارا المذكور بواسطة ~~حيلة وخديعة من سائسه، فتولى السلطنة سنة 521ق.م. # ذكر دارا الأول بن هيستاب 521-485ق.م # وبمجرد موت قمبيز كثرت الفتن، واشتدت العربدة بمملكة فارس، وما زالت تأخذ في ~~الازدياد إلى عهد تقليد دارا بتاج المملكة، وكان بمدينة بابل رجل زعم أنه ابن ~~الملك نابونيد «والد بلطازار» الذي هو آخر ملوكها، وعصى على دارا فتوجه إليه ~~بجنوده، وقاتلهم أشد القتال، فانتصر عليهم على شواطئ نهر الدجلة، وأخرى على ~~نهر الفرات، فالتجئوا إلى مدينة بابل فحاصرهم بها مدة عشرين شهرا، ولم ينته ~~هذا الحصار - حسب ما حكاه هيرودوت (المؤرخ اليوناني) - إلا بواسطة خديعة حصلت ~~على يد رجل فارسي يقال له زوبير (بالزاي المعجمة)، وهو أحد الأمراء السبع ~~السالفي الذكر، فقطع أنفه وآذانه، وذهب على هذه الهيئة إلى القوم البابليين؛ ~~لقصد أن يوهمهم أن الملك «دارا» هو الذي فعل به تلك الفعلة القاسية، وأنه ~~انحاز إليهم؛ لينتقم لنفسه من سوء معاملته هذه الظاهرة، فتمت عليهم هذه الحيلة ~~وصدقوه، فسلم المدينة لملك فارس بواسطة هذه المكيدة، فكافأه مولاه بأن قلده ~~الولاية السترابية على بابل. # وحصلت جملة فتن في الأقاليم الشمالية، ms068 لكنها قمعت بعناية الملك دارا، وبعد ~~أن أطفأ سائر الفتن الأهلية، ورتب جميع بلاد سلطنته ترتيبا سياسيا، تراءى ~~له من عزم الأمور السياسية وحزم الآراء الاحتراسية فتح بلاد أوروبا، فشن ~~الغارة على القوم السيتيين من جهة شمال بحر «بنطوكسان»، فاجتاز بوغاز البسفور ~~- وهو بوغاز القسطنطينية الآن - وذلك بوضع سفنه بجانب بعضها، واخترق أراضي ~~«تراقيا» وأنشأ قناطر على نهر الدانوب «الطونة»، واجتاز بهم عليها وأقام من ~~كان في جيشه من اليونانيين حرسا عليها، وأخذ يتتبع الأقوام السيتيين في تلك ~~الجهات، فلم يثبتوا أمامه، بل صاروا كلما دنا منهم يتباعدون، وهكذا ما زالوا ~~ينتقلون ويرتحلون أمام الفرس في سهول متسعة لا آخر لها، حتى كادت أن تنفذ ~~ذخائر جنوده ، ويلحق القحط جيوشه، فرجع القهقرى لأجل أن لا يقع في مثل ما وقع ~~فيه سلفه «قمبيز» من المصائب بديار مصر، وكانوا قد تركوا مرضاهم في الطرق ولم ~~يحملوهم معهم؛ حيث كان العدو كاد أن يلحقهم ويبطش بهم؛ حيث علموا أن جيوش ~~الفرس قد اضمحلت قوتها وعاد «دارا» إلى بلاد آسيا بعد أن هلك عدد عظيم من ~~جيشه. وكانت مصر في أيامه سعيدة؛ لأنه عامل أهلها بحسن المعاملة كي ينسوا ما ~~وقع من سلفه قمبيز، وهذا الملك هو الذي شرع في عملية حفر الترعة التي توصل ~~النيل بالبحر الأحمر - كما دلت المنقوشات الفارسية التي وجدت بتلك الجهة - ~~وأصلح الطريق الموصل من بندر قنا إلى القصير، وأمر بقتل «إيرياندس» العجمي؛ ~~حيث ظلم المصريين، ولما كانت عادة الفرس الجور على رعاياهم خرجت مصر عن حكمه ~~في السنة الأخيرة، ولبس التاج الملوكي المصري أحد ذرية بساميتيك المدعو «خببش» ~~فاجتهد دارا في إدخالها تحت الطاعة، فمات والفتنة باقية بمصر سنة ~~485ق.م. # ذكر الملك خببش # وكان استيلاؤه على مصر باتفاق رأي الأمة المصرية، قال «مارييت»: «وفي مبدأ حكمه حصن مصر بالقلاع المتينة، حتى صارت مستعدة لدفع هجوم ~~الفرس عليها، وكان مكث ثلاث سنين في تقوية الوجه البحري وتحصين ~~الأباطح وأشاتيم النيل؛ لأنه كان يظن أن الفرس ستهاجمه من البحر، ms069 ~~فجعل أقوى استحكاماته في السواحل، فلما فاجأه شيارش بالهجوم لم تثبت ~~أهل الوجه البحري في صف القتال إلا قليلا حتى استسلمت العساكر ~~الفرس، فعاملتهم الفرس معاملة القسوة والجبروت، وضربوا المغارم على ~~كهنتهم، ونهبوا ما كان في معبد «بوتو» من الأمتعة والنفائس، وفي ~~خلال تلك الواقعة اختفى خببش المذكور، ولم يعلم له مقر إلى ~~الآن.» # ذكر الملك شيارش 485-492ق.م # ولما دخل مصر وضبط أهل الفتنة وعاقبهم، جعل أخاه «أخيمينيس» واليا على مصر، ~~ومات الملك «شيارش» بعد ذلك بقليل، وبمجرد موت الملك المذكور رفع المصريون ~~لواء العصيان؛ لأنهم كانوا يبغضون الأعجام، ولو أنه وجد مرسوما في هيكل من ~~هياكل المصريين ما يفيد مدح الأعجام، فقد وجد منقوشا في آثارات لقصر التعبير ~~عن شيارش بأنه المولى المحسن سيد الجميع، فهذه كتابة رسمية فقط، والدليل على ~~بغض المصريين لهم أنهم كانوا يطلبون استقلالهم عند موت كل ملك من هذه ~~الدولة. # ذكر الملك أرتخشيارش # وهو الرابع من ملوك الفرس، وقد اجتهد في قطع الفتن القائمة بأرض مصر، وكان ~~بين المصريين واليونانيين محالفات وعهود على أن يطرد اليونانيون من سواحلهم ~~سفن دولة فارس وعساكرها، حتى لا يبقى بمصر دولة للعجم كبيرة، ووضعت حكومة ~~أتينا سفنها الحربية في البحر؛ لمنع عبور سفن العجم، وبعثت إلى مصر جنودا ~~يونانية لتنضم إلى جنود مصر، فعند ذلك انهزم جند العجم، وانحازوا إلى جهة منف، ~~فهجمت عليهم جنود المصريين في تلك الناحية، فاجتهد هذا الملك في تفريق عصبة ~~اليونانيين من المصريين، وقبض ثانيا على زمام مملكة مصر واستعبد أهلها ~~وأذلهم، واستمر على ذلك حتى مات. # ذكر الملك شيارش الثاني، وسوغوديانوس، ودارا نوطيس # ولم يحكم الأول إلا مدة 45 يوما، ثم قتله أحد أولاده المدعو «سوغوديانوس»، ~~فحكم ستة أشهر وخمسة عشر يوما، ثم عزله وقتله دارا الثاني الملقب «رع ~~ميامون»، وأخذ الحكم منه، ولبث حاكما تسع عشرة سنة على قول «مانيتون»، وفي ~~عصره كانت دولة الفرس في اختلال، ولحق بأهلها الضيم والهوان، وكان متزوجا ~~بخالته، وكانت امرأة قاسية فاسدة، فلما رأى المصريون ms070 ذلك الاختلال استدعوا ~~«أميريتيس» للتخلص من دولة الأعجام، فحضر وأقاموه رئيسا عليهم سنة 408ق.م، ~~فهم ومن معه من العساكر أن يطرد نائب دارا وعساكره المحتلة بالديار المصرية ~~وأخذ في طردهم، ومات دارا في أثناء ذلك، وملك المصريون وطنهم، واشتغل بالملك، ~~وأجرى الأصول والأحكام القديمة من سياسة وديانة، وبهذا الملك انقرضت دولة ~~الفرس من مصر التي هي عبارة عن العائلة السابعة والعشرين، فكانت مدتها 121 ~~سنة. ~~(2) ذكر العائلة الثامنة والعشرين الصاوية # ذكر الملك أميريتيس # كان هو وأبوه «بوزيريس» حاكمين على بعض الأقاليم المصرية، ولكن لما ~~استدعى المصريون «أميريتيس» سنة 408ق.م تقريبا من صا الحجر قام وطرد ~~العجم بعزمه وتدبيره، فملكوه عليهم، فكان هو المؤسس للعائلة الثامنة ~~والعشرين، وبمجرد صعوده على كرسي المملكة بعد وفاة دارا الثاني اشتدت ~~بمصر الفتن، وقامت القيامات، فسعى في إطفائها وتوطيد سطوته وتأييد نفوذه، ~~فلما اعترف له غالب المصريين بالسيادة تلقب بالألقاب الفرعونية، ومع كونه ~~حكم سبع سنين فإنه أصلح ما دمرته دولة فارس من المعابد والهياكل والصنائع ~~الأهلية بعد بذل همته في الحروب الطويلة مع العجم التي كان بها خلاص وطنه ~~منهم، وبوفاته انقضت العائلة الثامنة والعشرون. # العقد الثمين ~~(3) ذكر العائلة التاسعة والعشرين الأشمونية # نسبة إلى أشمون الرمان «منديس»، وكان ابتداء حكمها سنة 400ق.م تقريبا، وعدد ~~ملوكها خمسة؛ الأول «نفروطس». # ولم يزل هذا الملك من وقت توليته على مصر يهدد الأعجام، ويبعث إليهم العساكر، ~~واجتهد في عقد معاهدة مع جمهورية إسبارطة اليونانية لمعاونته على الأعجام؛ لأنها ~~خصم للفريقين، وشيد قلاعا واستحكامات على حدود بر الشام، ومات بعد أن حكم خمس ~~سنوات. # ذكر الملك هوقور # كان هذا الملك كسلفه أيضا في عقد المعاهدات مع الأجانب، فعقد معاهدة مع أهل ~~قبرص والعرب وبرقة، وبالأخص مع اليونانيين الذين ساعدوه كل المساعدة عند ~~محاربة العجم له ونصرته عليهم، وفي أيامه قدم جملة من حكماء اليونان ليتعلموا ~~الحكمة من حكماء مصر، وكان من جملتهم أفلاطون الحكيم، ومات بعد أن حكم 13 ~~سنة. ~~(4) ذكر العائلة الثلاثين السمنودية # نسبة إلى سمنود، وكان ابتداء ms071 هذه العائلة سنة 378ق.م تقريبا، وعدد ملوكها ثلاثة: ~~(1) # رأس هذه العائلة هو «نقطانب الأول»: وكانت أيامه كلها حروب وشدائد بينه وبين العجم، ~~فقد حول جيوشه نحو الطينة أو الفرمة، فأغار الأعجام على مصر من جهة مدينة أشمون الرمان، ~~وطردوا العساكر المصرية التي بتلك الجهات، فقام نقطانب من الفرمة مسرعا إلى مدينة أشمون ~~الرمان، ووقع الحرب بين الطرفين، فهزمت الجيوش الفارسية، واغتنم المصريون منهم غنائم شتى ~~وتبعوهم حتى نزلوا سفنهم، ومات هذا الملك بعد أن حكم عشر سنين. ~~(2) ~~«طاخوس»: وكانت أيامه أغلبها محاماة عن الأقطار من العجم، وقد مكن المعاهدة مع ~~اليونان، فبعثوا إليه جيشا جرارا تحت قيادة أجزيلاس، فلما حضر القائد المذكور أشار إليه ~~أننا لا نهتم على العجم إذا قدموا على مصر، فقام لاستقبالهم على سواحل بر الشام، فبمجرد ~~خروجه من حدود مصر قامت عليه العساكر وخلعوه وولوا مكانه نقطانب الثاني ابن أخيه الذي هو ~~السبب في خلع عمه طاخوس، وكانت مدة حكمه سنتين. ~~(3) ~~«نقطانب الثاني»: تولى هذا الملك عقب خلع عمه فقامت ضده أخصامه، فأشار إليه أجزيلاس ~~أن يبدد شملهم قبل انتظامهم، فقام وحاربهم وانتصر عليهم، ثم عقد معاهدة مع أهل صور وصيدا؛ ~~إذ كانا على خوف من العجم كأهل مصر، ولذا لما قصد العجم محاربة أهل مصر ابتدءوا بمحاربة ~~الصوريين والصيدويين، فبعث ملك مصر لمساعدتهما أربعة آلاف مقاتل، وكذا ساعدتهم أهل قبرص، ~~فانكسرت الجنود الفارسية، فغضب من ذلك «دارا أخوس» ملك فارس من هزيمة جيشه، فجمع 300000 ~~نفس، وسار بهم إلى مصر. فلما سمع نقطانب ملك مصر بقدوم ملك فارس جهز من العساكر ما يقوم ~~بمحاماة وطنه، ولما حاصر دارا أخوس مدينة الفرمة «بيلوزة» خرج نقطانب قبل حصول الواقعة ~~وفر هاربا إلى السودان فخضعت مصر للأعجام فكان هذا الملك آخر ملوك مصر الوطنيين، ومن ذلك ~~الوقت إلى عصرنا هذا، لم تعد مصر لحكم أهلها الأصليين، بل حكمت بأمة اليونان والرومان ~~والعرب وإلى غير ذلك. ~~(5) مصر تحت حكم العجم المرة الثانية # ذكر العائلة الحادية والثلاثين الفارسية # عدد ملوك ms072 هذه العائلة ثلاثة: دارا أخوس، وابنه أرسيس، ودارا الثالث. # دارا أخوس: # لما حكم هذا الملك - بعد موت أرتخشيارش الثاني الذي حصل في مدته رجوع ~~العشرة آلاف الشهيرة كما سيأتي - سمى نفسه أرتخشيارش الثالث، واستعمل القوة ~~والفظاظة مع دولة فارس، فأهلك أبناء وبنات الملك؛ لمحو ذكر أسلافه، وأدخل مصر تحت ~~طاعته. ويقال إنه هو الذي شيد قصر الشمع «بمصر القديمة»، وجعل فيه هيكلا، وفي عصره ~~أخذت مقدونيا في الظهور والارتقاء بين الدول، ووجهت أطماعها إلى أخذ آسيا الصغرى من ~~الفرس، وسهل ذلك أن أدخل الأغا «باغواس» السم في طعام الملك دارا أخوس فمات، وترك ~~الملك لابنه «أرسيس»، ولم يكن لهذا الملك شيء من الآثار يذكر به بعد موته، ومات ~~بعد أن حكم سنتين، وتولى بعده دارا الثالث. # ذكر دارا الثالث # وكان هذا الملك معاصرا لملك مقدونيا، وهو الإسكندر الأكبر الذي شتت دولة ~~فارس، وهدم أركانها وهزمه في واقعة «إربل» الشهيرة بزوال مملكة الفرس، وهو آخر ~~ملوك العجم كما سيأتي بيانه إن شاء الله عند التكلم على الإسكندر الأكبر ~~الرومي. # الفصل الرابع # | في تاريخ قدماء اليونان # اعلم أن بلاد اليونان أو هيلاس كانت مشتملة على الجزء الجنوبي من تركية أوروبا وبلاد ~~الروم والمورة، وعدة جزائر من البحار المجاورة لها، وقد انقسمت هذه البلاد إلى خمسة ~~أقسام وهي: أولا مقدونيا، وهي الجزء الشمالي من بلاد العارناعود «ألبانيا»، وثانيا ~~تساليا، وهي على شكل مربع في الجنوب الشرقي من بلاد العارناعود أيضا، وثالثا: بيروس، ~~وهي على شكل مستطيل في الجنوب الغربي من بلاد العارناعود، ورابعا: بلاد اليونان الأصلية ~~المسماة الآن بلاد الروم، وخامسا: بيلوبونيزيا المسماة أيضا بشبه جزيرة المورة، وكان ~~يتبعها جزائر بحر الأرخبيل وجزيرة كنديا. # وينقسم تاريخ هذه البلاد إلى قسمين عظيمين؛ الأول تاريخ الأزمنة المجهولة، أي من أول ~~ذكرها إلى مهاجمة الفرس تحت دارا بن هيستاب سنة 490ق.م، وتسمى العصور الخرافية. الثاني ~~تاريخها من مهاجمة الفرس إلى إخضاعها للرومانيين. ~~(1) تاريخ الأزمنة المجهولة # قيل إن اليونان من نسل ياوان بن يافث بن نوح عليه ms073 السلام، وكانوا قديما متوحشين ~~يسكنون المغارات، ويلبسون الجلود ويأكلون جذور النباتات والبذور، وقيل لم يك يعرفون ~~فائدة النار، وكانوا أولا يعمرون مساكنهم متفرقة عن بعضها، ثم وبالتدريج اجتمعت ~~المساكن حتى صارت قرى صغيرة، وهذا هو السبب في انقسام بلادهم إلى ممالك صغيرة، ~~واستمروا على هذه الحالة حتى أتى إليهم قوم من فنيقيا يدعون أمة التيتانيين، ~~وأدخلوا فيها قليلا من التمدن، وأخيرا انقطع هؤلاء الأقوام بسبب الحروب فعاد ~~اليونانيون إلى حالتهم الأولى، وبقوا على ما هم عليه مدة 200 سنة، ثم دخل عندهم ~~«سكروبس» المصري، وجمعهم وجعل سكان قسم آتيكا اثنتي عشرة قرية، وأسس مدينة «أتينا» ~~وعلمهم زراعة الزيتون، وملك بعده رجل يدعى أمفكتيون، وفي عصره أي سنة 1455ق.م أدخل ~~قدموس الصوري حروف الهجاء وفن الكتابة، وكان اليونان أولا يكتبون سطرا من اليسار ~~إلى اليمين، ثم سطرا من اليمين إلى اليسار، وهلم جرا. ~~(1-1) حرب تروادة 1194-1184ق.م # تروادة كانت مملكة عظيمة في الشمال الغربي من قسم آسيا الصغرى، وملكها في ذلك ~~الوقت كان يدعى «برياموس»، فأحد أولاده المسمى باريس سافر إلى بلاد اليونان، ~~ونزل عند «منيلاوس» ملك «إسبارطة»، فأخذ زوجته «هيلانة» وفر هاربا إلى بلاده ~~ليلا، فلما أصبح الصباح وعلم ملك «إسبارطة» ما حل بامرأته هو وأخوه ~~«أغاممنون»، وكان شجاعا تهابه الناس، وغضب لذلك أمراء اليونانيين، وقالوا إن ~~هذه فعلة ما حصلت لأمة من الأمم، وفضيحة ما وقع مثلها بين العرب والعجم، ولئن ~~رضينا بهذا سقطنا من أعين الناس، فصمموا على حرب تلك المدينة ونهب أهلها ~~انتقاما لهذه الحادثة، فتجهزوا للحرب، وصحبوا معهم ألف مركب حربية لابسين ~~جلود النمور يقودهم «أخللاوس» كالليث الكاسر ومعه جملة من الشجعان، وكان ~~أكبرهم سنا «نيتوس» من بيلوس (مدينة بالجنوب الغربي من المورة)، وأضعفهم من ~~أخذت المدينة بحيلته وهو «أوديسايس» أو «عوليس» من إيتسكا (مدينة بجزيرة ~~يابونيا بالأرخبيل)، ولم يكن أعداؤهم أيضا ضعفاء، بل كان منهم برياموس أبو ~~الأمير باريس السابق الذكر، وكان شجاعا تنقاد لشجاعته الأبطال، وكانت مدينة ~~«تروادة» ذات أسوار متينة، وقام لمعاونته أيضا ms074 جملة من أمراء آسيا الصغرى، ~~وتقوى أيضا بولده «هيكتور»؛ لأنه كان شجاعا تذل لشجاعته الأبطال، فلما علم ~~أهل تروادة بقدوم اليونان إلى مدينتهم دخلوا المدينة وأغلقوا الأبواب وحصنوا ~~الأسوار، فمكث اليونانيون عشر سنين خارج المدينة، وهم يرمونهم بالنبال، ~~وينتظرون بروزهم للقتال، حتى اشتد بأهل تروادة ما هم فيه من الحصر والكرب، ~~ففتحوا الأبواب وخرجوا مشعلين نار الحرب، وبعد جملة مناوشات حصلت بين الطرفين، ~~وقتل «أخللاوس» «هيكتور»، فقتله «باريس» انتقاما لأخيه «هيكتور»، ثم علم ~~اليونان أنه لا يمكنهم أخذ هذه المدينة؛ لشدة حصونها ومقاومة أهلها، فأخذ ~~«أوديسايس» في إعمال حيله لفتح المدينة وهلاك أهلها، فأمر بإعمال هيكل عظيم من ~~الخشب على صورة حصان ودخل فيه مع جملة من شجعان اليونان، وأمر بوضعه أمام تلك ~~المدينة، وأن يقوض اليونانيون خيامهم ويوهم أهالي المدينة بأنهم كفوا عن حربهم ~~وقتالهم، فحملوا خيامهم ورحلوا حتى وصلوا البحر ونزلوا في السفن، واستمروا ~~سائرين إلى أن وصلوا جزيرة «ثينيدوس»، ولما عاين أهالي تروادة ارتحالهم دخلهم ~~الغرور، وأخذوا هذا الهيكل وأرادوا أن يدخلوه من باب المدينة، فلم يسع الباب ~~لإدخاله، فهدموا سور المدينة وأدخلوه، فلما انتصف الليل فتح «أوديسايس» بطن ~~الحصان وخرج ومن معه من الشجعان، وصاروا يضربون وينهبون ويأسرون، ورجع أيضا ~~باقي اليونانيين وعلا صياحهم في المدينة، ونهبوا ما بها من الأشياء الثمينة ~~وهرب برياموس مع أولاده إلى هيكل، فأدركه بعض اليونانيين فقتلوه هناك هو ~~وأولاده، ولم ينج من أهل المدينة سوى من هرب، وأخذ منيلاوس زوجته الملكة التي ~~هي السبب في خراب مدينة تروادة وأكرمها غاية الإكرام. وأتت طائفة من ~~الترواديين بعد ذلك إلى مصر وأسسوا مدينة تره «من أعمال مصر» ومن ذلك الوقت ~~سقطت تروادة الشهيرة. ~~(1-2) إغارة الدريانيين 1104ق.م # ذكر المؤلف «دوبركس» في كتابه أن قبيلة الدريانيين إحدى قبائل اليونان الأربع ~~الشهيرة، «وهم الآشيون والآيوليون والآيونيون والدريانيون»، إلا أنهم لبثوا في ~~التوحش مدة طويلة عن باقي القبائل اليونانية، وكانوا يسكنون بالقرب من جبال ~~ويتا - جبل بين بلاد هيلانة أو بلاد اليونان الأصلية وبلاد تساليا ms075 - في مملكة ~~كانت تسمى دوريد، وفي سنة 80 بعد حرب تروادة تجاوز الدريانيون البوغاز الفاصل ~~لبلاد اليونان الأصلية، وشبه جزيرة المورة «بيلوبونيز»، وأغاروا على هذه ~~المملكة الأخيرة، وفتحوا أرغوليد وليكاونيا، واستولوا أيضا على قورنتة. فهاجر ~~الآيونيون من شبه جزيرة المورة إلى قسم آتيكا، وصارت هذه المملكة الأخيرة ~~ملجأ لجميع المهاجرين، ثم أراد الدريانيون طرد هؤلاء الأقوام من قسم آتيكا، ~~فتجاوزا برزخ قورنتة، وتقدموا إلى مدينة أتينا، فأخبر وحي دلفوس الدريانيين ~~أنه إذا مات ملك الأتينيين ظفروا بكم، وإذا مات ملككم ظفرتم بهم، فلما سمعوا ~~قول ذلك الوحي احترسوا كل الاحتراس عن قتل ملك أتينا، وكان ملكها يدعى ~~«قودروس»، فدخل متخفيا في معسكر الدريانيين، فقتله أحد هؤلاء القوم، فلما عرف ~~الدريانيون جثة ملك الأتينيين رجعوا إلى بلادهم خائبين، وتسمى هذه الإغارة ~~أيضا برجوع الهركلديين، وقد نشأ من هذه الإغارة جملة مهاجرات أسست نزلا ~~يونانية على شواطئ آسيا الصغرى وأفريقا وسيسيليا وإيطاليا. ~~(1-3) الكلام على ديانة اليونان # أما ديانة اليونان فكانت عبارة عن عبادة الغابات والجبال والرياح والمياه ~~التي كانوا يشخصونها في جمعية الآلهة التي هي على صورة الإنسان ولهم الشهوات ~~والمصائب. # وقد كان لأمة اليونان - فيما يزعمون - آلهة متفاوتون في الدرجات ومتباينون في ~~الامتيازات والاعتبارات، فكان من أعظمهم عندهم قدرا وأرفعهم ذكرا سائس أو ~~جوبيتير، وكانت سلطنته في السماء، وكان ملك باقي الآلهة، وعلى يمينه صاعقة ~~وبجواره نسر معدا لركوبه عليه، ومنهم «بوسايدون أوربيتون» وهو مدبر البحر، ~~وكان يسير على الموج بعربة من الصدف يجرها بعض المدبرين الآخرين، وكان بيده ~~شيء كهيئة شكل مثلث له ثلاث شوكات أعدها للزلازل، ومنهم أبلوتون وهو مدبر ~~الأرض السفلى والعالم المظلم، ومنهم آبولون «آبولو»، ومن شأنه الإخبار بالغيب ~~وإظهار الفنون العجيبة كالموسيقى والأشعار، وكان أجمل من غيره، وله معرفة بضرب ~~الطنبور، وكانوا يقدمون الذبائح والقربانات لآلهتهم، وكان لهم احترام زائد ~~للهياكل والمعابد اعتبارا لآلهتهم، حتى إذا دخل مذنب في هيكل ليحتمي فيه لم ~~يتعد عليه أحد ما دام داخل المعبد. ~~(1-4) ذكر جمهورية إسبارطة # اعلم ms076 أن مدينة إسبارطة كانت قاعدة ليكاوينا، بناها القديمون في القرن الخامس ~~عشر قبل المسيح، وبعد رجوع الهركلدية واستيلائهم على ليكاوينا وأرغوس وميسيني ~~ملك على ليكاوينا ابنا «أرستود» اللذان اسم أحدهما «أورشين» والآخر «بردكليس»، ~~وبقيت المملكة بعد وفاتهما مقسومة إلى قسمين بين نسلهما نحو 900 سنة، وجرى بين ~~ملوك القسمين الشقاق والمخاصمات في غضون تلك المدة. وفي سنة 884ق.م توفي ~~«بوليديكتوس» ملك أحد القسمين تاركا زوجته حاملا، وكان له أخ اسمه ~~«ليكورغوس»، فراودته امرأة أخيه طالبة أن يتزوج بها ويتقلد بالملك بعد أخيه ~~وأنها تهلك الجنين إذا قبل ذلك، فكره «ليكورغوس» أن يرتكب هذا الأمر القبيح، ~~وعندما وضعت امرأة أخيه ذكرا اهتم بتربيته ودعاه ملك إسبارطة الشرعي، وكان ~~يدبر أمور الدولة بالنيابة عن ابن أخيه، ولكن إذ حدث نفور بينه وبين امرأة ~~أخيه كره أن يبقى على تلك الحالة، فسافر إلى جزيرة كريت (كنديا الآن) ثم إلى ~~آسيا الصغرى ومصر لكي يدرس علوم تلك البلاد وشرائعها، فحدث في مدة غيابه ~~مخاصمات وفتن كثيرة في إسبارطة، وجاهر كثيرون بالعصيان على الملك وشرائع ~~المملكة، فأرسل الأهالي يطلبون من ليكورغوس أن يوفيهم عاجلا، ويتقلد زمام ~~الملك، ويقي البلاد من الدمار، فأجابهم إلى ذلك، وأخذ في إصلاح البلاد وإخماد ~~الفتن، وغير هيئة الحكومة من الملكية إلى الجمهورية؛ حيث اقتدى به كثير من ~~ممالك اليونانيين، وأصبح الحكم الجمهوري غالبا في أكثر البلاد وأراد التسوية ~~بين وجاهة الملوك والأكابر والعامة، ورتب لذلك ديوانا مركبا من 28 عضوا ~~ينتخبون من أعيان الأهالي، وقسم المملكة بين الأهالي بالمساواة لكي لا يكون ~~بينهم فقير ولا غني، وأبطل المعاملة بالذهب والفضة، وجعل عوضهما قطعا من ~~حديد، وكانت تؤخذ أولادهم وقت ميلادهم، ويتربون بالحكومة ليتعودوا على اقتحام ~~الأهوال، وكانوا يعلمون الأولاد احترام الشيوخ والشرائع واحتقار الآلام ~~والموت. ~~(1-5) ذكر جمهورية أتينا # كانت أتينا مركز حكومة قسم آتيكا، وكان حكمها ملكيا لغاية زمان «قودروس» ~~السالف الذكر، أحد ملوكها الذي عاهد شاول أول ملوك بني إسرائيل، وفي زمانه كان ~~رجوع الهركلدية كما تقدم، وبعد ms077 موته أبطل الأتينيون الحكم الملكي، وأقاموا ~~عوضا عن الملك رئيسا سموه «أركونا»، وأول أركون أقاموه هو «ميدون بن قودروس» ~~المذكور، وبقيت هذه الوظيفة في نسله 331 سنة، وكان الأراكنة في أول الأمر ~~يقيمون في وظيفتهم مدة حياتهم، ثم بعد ذلك تغيرت إلى عشر سنين ثم إلى سنة ~~واحدة فقط، وزيد عددهم رويدا رويدا إلى تسعة يشتركون في جميع الأمور، ولما ~~لم تكن الشرائع مرتبة ترتيبا حسنا شرع أدراكون رئيس الأراكنة وقتئذ في ~~تنظيمها وتجديدها وسن قوانين صارمة جدا جاعلا الموت عقابا لكل مذنب، وفي ~~سنة 604ق.م كان رئيس الأراكنة سولون الحكيم من نسل قودروس، فسن قوانين ~~وشرائع جديدة مناسبة لأحوال البلاد، وفي عصره حصر السلطنة العظمى في جمعية من ~~الأهالي لا يدخلها إلا من بلغ من العمر 30 سنة، ورتب مجلسا عدد أعضائه 400 ~~نفس، واهتم سولون بتوسيع التجارة وتكثير البضائع والمعامل، ثم سافر سولون إلى ~~ليديا، وكان ملكها يومئذ «كريزوس»، ومكث هناك عشر سنين - وقد تقدم ذلك - ولما ~~رجع إلى بلاده وجد الفتن قائمة، فلم يستطع أن يخمدها؛ لأن رجلا اسمه فستراتوس ~~كان قد اختلس الحكم من الأراكنة، فبذل جهده لتخليص البلاد من يده فلم ينجح؛ إذ ~~نجح «فستراتوس» باستمالة الأهالي إليه، ومات سولون بعد ذلك بسنتين، وبعد ~~فستراتوس خلفه ابناه هبياس وهيرجوس، فقام اثنان من أهل أتينا على هيرجوس ~~وقتلاه فقتلهما هبياس، وشرع يظلم الأتينيين، فاستغاثوا بأهل إسبارطة طالبين ~~عزله من الملك، فأجابوهم وأخذوا المدينة، فهرب هبياس إلى آسيا الصغرى عند أحد ~~نواب الفرس من طرف دارا الأول الذي كان عازما على استفتاح بلاد اليونان، ~~فأرسل إلى الأتينيين طالبا ترجيع هبياس إلى ملكه وإذا لم يقبلوا ذلك جعل عدم ~~قبولهم سببا لمهاجمته بلادهم. ~~(2) تاريخها من مهاجمة الفرس إلى إخضاعها للرومانيين ~~(2-1) الكلام على الحروب الفارسية # الحرب الأولى 490ق.م # وبعد أن فتح الأعجام آسيا الغربية ومصر، أرادوا فتح بلاد اليونان ففتحوا ~~أولا نزلهم الموجودة بآسيا الصغرى، ثم أرسل دارا الأول ملك العجم رسلا ~~إلى بلاد اليونان يعلنهم بالطاعة له ms078 أهل أتينا وإسبارطة، فألقوا هؤلاء ~~السفراء في الآبار، فاغتاظ دارا من ذلك وتقدم إلى المحل المعروف باسم ~~مراتون ببلاد اليونان ومعه 100000 مقاتل، فتقابل مع 10000 أتيني و1000 ~~بلاتيني، فهزمت الجيوش الفارسية، واقتفى اليونانيون أثرهم حتى نزلوا ~~سفنهم. # الحرب الثانية 480ق.م # وبعد ذلك بعشر سنين قام شيارش ومعه مليون مقاتل و1200 سفينة حربية، فقام ~~الملك ليونيداس ملك إسبارطة ومعه 3000 مقاتل، فمات ومن معه في المضيق ~~المعروف باسم ترموبيل، ودخل شيارش في أتينا وحرقها، ولكن هزمت جيوشه ~~البحرية عند مرورها من جانب جزيرة سلامين، وفي السنة عينها هزمت جيوشه ~~البرية في واقعة بلاتية، وفعلت هذه الواقعة الأخيرة بعناية بوزانياس ~~ملك إسبارطة. # الحرب الثالثة أي انتهاء الحروب الفارسية # وبعد ذلك أيضا قام اليونانيون، وطردوا جيوش العجم الموجودة في جزائر ~~بحر الأرخبيل والموجودة على سواحل آسيا الصغرى، وفتحوا جزءا من جزيرة ~~قبرص التي كانت تابعة لهم. # ولما رأى أرتخشيارش الأول ملك الفرس أن مملكته قد ضعفت في الحروب ~~الكثيرة المستطيلة اضطر إلى أن يطلب الصلح، فأجابه سيمون (رئيس في أتينا) ~~إلى ذلك تحت شروط ثلاثة، وهي أولا: أن يرفع يده عن ممالك اليونان ~~الموجودة بآسيا فتكون ممالك مستقلة بذاتها. ثانيا: أن يمنع سفنه عن ~~السير في بحر الأرخبيل. ثالثا: أن لا تتجاوز عساكره أكثر من ثلاثة أميال ~~ضمن حدود النزل اليونانية. ~~(2-2) عصر بريكليس # أما سيمون فلم يتمتع بثمرة أعماله العظيمة؛ إذ توفي من جرح أصابه في حصار ~~جزيرة قبرص سنة 449ق.م، فبقي بريكليس رئيسا في أتينا بعد موت سيمون مدة عشرين ~~سنة، واهتم كثيرا بتحصينها وترتيبها، وفي عصره بلغ أهل أتينا الدرجة القصوى ~~في الصنائع والفنون ومعامل البناء، لا سيما بالنقش والتصوير، واشتهرت بالمعارف ~~والعلوم. ~~(2-3) حرب المورة # لما وقعت الحرب بين مملكة كورنته وجزيرة قرسيرا المسماة الآن قرقوس، حرض ~~بريكليس الأتينيين على مساعدة أهل قرسيرا، فحسب ذلك الإسبارطيون نقضا للعهد ~~الذي أقيم بين ممالك اليونان، فانشبكوا جميعا في حروب شديدة، فكان من الجهة ~~الواحدة إسبارطة وكورنته وجميع ممالك المورة إلى ms079 أرغوس وأكثر الممالك ~~الشمالية، ومن جهة أخرى أتينا وتساليا وبعض جزائر الأرخبيل. وكان عدد جيش ~~إسبارطة 60000 مقاتل تحت أمر أرخداموس ملكهم، وعدد جيش أتينا 32000، لكنها ~~فاقت على إسبارطة كثيرا بقوتها البحرية، ومكثت هذه الحروب 28 سنة، تارة ~~انتصرت أتينا وتارة إسبارطة. وكان في السنة الثامنة والعشرين رئيس جيش إسبارطة ~~رجلا يدعى ليساندر، فانتصر على الأتينيين في واقعة بحرية، وحاصر مدينة أتينا ~~برا وبحرا حتى سلمت له، وصارت أتينا تحت حكم إسبارطة، وأما ليساندر فأبطل ~~الحكم الجمهوري من أتينا، وجعل مكانه ثلاثين رئيسا تحت أمر حكومة إسبارطة ~~الذين ظلموا الأتينيين ظلما شديدا، وقتلوا منهم في مدة ثمانية شهور 1500 ~~نفس، ثم قام عليهم الأتينيون وطردوهم، ورجعوا الحكم الجمهوري، وفي هذا العصر ~~ظهر سقراط أشهر فلاسفة اليونان، وكان يعلم بوجود إله واحد سبحانه ~~وتعالى. # وفي آخر زمان حرب المورة توفي دارا نوطيس ملك فارس، وخلفه ابنه أرتخشيارش ~~منيمون الثاني، وكان له أخ اسمه قيروش الذي حسب وصية أبيهما تولى على ليديا ~~والولايات المجاورة لها، فقام قيروش هذا على أخيه قاصدا عزله عن الملك، فأخذ ~~عشرة آلاف من عساكر اليونانيين تحت أمر كليارخوس رجل من إسبارطة، فانتصر ~~أرتخشيارش عليهم في واقعة بقرب من مدينة بابل، وقتل قيروش، وتسمى هذه ~~الواقعة بواقعة «كونا كزه»، ثم مكر ملك الفرس بكليارخوس وقتله، وبعد ذلك انتخب ~~اليونانيون «كسينيفون» رئيسا عليهم، وأخذوا في الرجوع إلى بلادهم، وقاسوا ~~مشقات كثيرة من البرد والجوع إلى أن وصلوا البحر الأسود ووصلوا مدينة ~~«طرابزون» التي كانت أحد نزل اليونان، وسميت هذه الحادثة برجوع العشرة ~~آلاف. # واعلم أن تجريدة العشرة آلاف هي إحدى الحوادث العظيمة القدر والشهرة التي ~~حفظها التاريخ منذ الأزمان الغابرة، نظرا لها ولنتائجها؛ فإن شهامة ~~اليونانيين في أواخر القرن الخامس وأوائل الرابع قبل الميلاد قد ظهرت مظهر ~~الفخار، وكانت محط التعجب أكثر من غيرها؛ حيث كانت الجنود المؤلفة منها هذه ~~التجريدة جنودا مجمكة من أقوام ذوي شراهة ومحبي السلب والنهب، غير أنهم ~~وصفوا بالبأس الصادق وقوة العزم والاقتدار على ms080 تتبع مقصدهم ولو بالقتال. فيا ~~لها من خصال عجيبة! وزد على ذلك ما اشتهروا به من النظام وفن تصفيف الصفوف ~~العسكرية اللذين فاقوا بهما معاصريهم كافة عامة، ولهذه الفرقة أيضا مزية لا ~~تقدر هي علم بأصول الحرب لا يقتصر على القواد، بل للضباط أيضا اليد الطولى ~~فيه، وعدم الزيغ عن طريق مستقيم إذا حل بهم الخطب أو نزل ما لم يكن على بالهم، ~~وقصارى الكلام أن الشعائر الدينية بقت فيهم معززة السلطان حتى حين المجازفة ~~وقطع الطريق؛ فهي كانت لهم مصدر وثوق وحماسة، فكان رؤساؤهم لا يشرعون في زحف ~~ولا ينشبون أقل حرب قبل أن يؤكدوا أن الآلهة عنهم راضون، فلو أن أمة عندها جيش ~~من هؤلاء الأقوام - ولو قل عدده - لن تجد أمة في المشرق قاطبة تقاومها، ولن ~~تجد في المغرب غير الرومانيين، فإنهم هم الذين ربما أوقفوا سيرها، وإن تجريدة ~~اليونانيين الذين كانوا في خدمة قيروش استلفتت أنظار اليونان ووجهت أطماع ~~المغرب بأثره نحو الشرق، وأن عدة عجالات تألفت في عصرها، منها رسالة كسينيفون ~~التي زادت هذه الحادثة شهرة على شهرتها التي أفادتها إياها الروايات، فكيف ~~يتصور أن عشرة آلاف يوناني قد قاوموا في مضمار القتال أربعمائة ألف من الفرس ~~وقاوموا القوة والخداع، فكانت هذه التجريدة سببا في إذاعة ضعف المملكة ~~الفارسية، واعتبرت كقاعدة سياسية أن عشرة آلاف قاوموا جنود الفرس إذن ثلاثون ~~ألفا منهم يكونون أكفاء لإخضاعهم، فكانت تلك القاعدة سببا في غزوة أجيسيلاس ~~والإسكندر الأكبر؛ وأن غزوة الإسكندر ليست إلا نتيجة من غزوة العشرة آلاف وإن ~~لم تعقبها مباشرة. # فكانت التجريدة المذكورة إحدى الحوادث التي من بعض الجهات شرفت الإنسانية ~~وأعلت قدرها، ففي أي ظرف من الظروف كان يتعالى عزم الإنسان هذا في العالم ~~الدنيوي، وما كانت الحوادث تنقاد زمنا طويلا لعزم أو لذكاء مستمرين، وما ~~أفادته هذه الغزوة لفن الحرب هو الركن الأعظم والفائدة الكبرى؛ فلقد كانت له ~~هذه الغزوة أساسا ينتمي إليها ويرجع في مؤلفاته عليها، فإنها مثل يضرب ~~لقواد وضباط وعساكر كل عصر. ms081 ومن أعمال هذه التجريدة النظامات العسكرية والحيل ~~المصطنعة لمفاجأة العدو وأنواع التكتيكات للبيادة والسواري. # ولما كان اليونانيون القاطنون في آسيا الصغرى قد قاموا على أرتخشيارش مع ~~قيروش المذكور أرسلت إسبارطة عساكر لمعاونتهم تحت قيادة أجيسيلاس ملك إسبارطة، ~~فوقعت الحرب ثانيا بين اليونان والفرس، فحرض ملك الفرس ممالك المورة أن ~~يقوموا على إسبارطة، فالتزم أجيسيلاس أن يرجع إلى بلاده لحمايتها وبعد حرب عدة ~~سنين عقد الصلح تحت شرط تسليم آسيا الصغرى وجزيرة قبرص للفرس وجزيرة لمنوس ~~وسيرا لأتينا، واعتمد ذلك الصلح سنة 87ق.م. ~~(2-4) جمهورية طيوة # إن طيوة كانت مدينة معتبرة من بيوثيا، ولما كانت الحروب قائمة بين أتينا ~~وإسبارطة وضعفتا كلتاهما تقوت طيوة حتى صارت قاعدة السلطنة لجميع البلاد ~~المجاورة لها، فخافت إسبارطة لئلا تزيد قوة طيوة وسطوتها، فأرسلت جيشا ~~وأخذت المدينة، وأقامت عليها ولاة من قبلها فقتلوا كثيرين من أهاليها، وهرب ~~آخرون إلى أتينا منهم رجلان اسم أحدهما «أبامينونداس» والآخر «بلوبيداس»، ~~فقاما على ظالم بلادهم وقتلاه بمساعدة بعض الأهالي، فاضطربت بسبب ذلك حرب ~~شديدة بين إسبارطة وطيوة، فانتصر جيش طيوة بقرب «لوكريا» - إحدى مدن أركاديا - ~~بالمورة وأضربوا ليكاونيا بالنار والسيف حتى أبواب إسبارطة ذاتها، وعادوا إلى ~~بلادهم، ثم تجددت الحرب بعد برهة من الزمن، وانتصرت طيوة، ولكن قتل ~~أبامينونداس. # وبقرب هذا الوقت حدث في مقدونيا قلاقل كثيرة؛ إذ توفي إمنتاس ملكها تاركا ~~ثلاثة أولاد، فشرع هؤلاء يتنازعون الملك، فطلب المقدونيون الإسعاف من طيوة، ~~فأرسلت جيشا تحت قيادة بلوبيداس لكي يصلح أحوال تلك البلاد، وعند وصوله إلى ~~هناك ثبت الملك في يد فرديكاس، وأخذ أخاه فيلبش وثلاثين من أولاد أكابر البلاد ~~رهنا، وأرسلهم إلى طيوة، وفي مدة إقامة فيلبش هناك تعلم قواعد الحكم والحرب ~~من أبامينونداس وبلوبيداس، وبعد عقد الصلح بين طيوة وإسبارطة لم يحدث بين ~~اليونانيين أمر مهم إلا في زمن الملك فيلبش المذكور. ~~(2-5) تاريخ مقدونيا # اعلم أن مبدأ تاريخ هذه المملكة مجهول الحال، فقيل إن مؤسسها هو أول ملوكها ~~المدعو كرانوس سنة 794ق.م، وكان إمنتاس أبو فيلبش ms082 سادس عشر ملوكها بعد كرانوس، ~~وقد تقدم أن فيلبش تعلم من طيوة قليلا من أمور السياسة، وكان عمره وقتئذ عشر ~~سنين، فأقام فيها اثنتي عشرة سنة، ولما بلغه خبر قتل أخيه هرب من طيوة، فوجد ~~أهل بلاده مكتئبين من قتل ملكهم فرديكاس في واقعة مع أهل «إيليريا»، وكان ~~لفرديكاس ابن صغير، فأخذ فيلبش على نفسه أن يكون وصيا له، وحكم باسمه، إلا ~~أنه بعد قليل طلب المقدونيون أن يكون هو الملك، وأنهم لا يريدون طفلا يملك ~~عليهم، فأجاب طلبهم وملك سنة 360ق.م وعمره 56 سنة، ثم أخذ في تدبير الوسائط ~~لإخضاع الممالك اليونانية، وضمها إلى مملكته وإذ كانت أتينا وإسبارطة قد ضعفتا ~~في الحروب مع الأعجام، وكانت طيوة أيضا قد ضعفت من حروبها مع إسبارطة، فأخذ ~~يزرع الفساد بين ممالك اليونان، وكان له في جميعها خدمة في أهلها وأكابرها ~~ساعدوه على إجراء مقاصده، وفتح بقرب مدينة «فيلبي » معادن الذهب والفضة، ~~واستخرج منها كل سنة مبلغا وافرا من المال، فيغلب بالدراهم إذ لم يستطع أن ~~يغلب بالسلاح. وفي السنة الرابعة من حكمه ولدت زوجته «ولمبياس» ابنا في مدينة ~~«بلا»، وسماه الإسكندر، وكلف بتعليمه وتهذيبه أرستطاليس الفيلسوف. # وبقرب هذا الزمان نشأت حروب بين اليونان سميت بالحروب المقدسة، سببها أن أهل ~~قوسيا وضعوا أيديهم على أرض تابعة لهيكل «أوبلون» في «دلفوس»، وحكمت عليهم ~~المشورة الأمفكتيونية أن يدفعوا مبلغا وافرا للتكفير عن هذا الذنب، فلم ~~يخضعوا لهذا الحكم، بل زعموا بأنهم أحق من غيرهم بتدبير أوقاف الهيكل ~~وصيانتها، فاضطربت عند ذلك حروب مدة عشر سنين بين «قوسيا» و«أتينا» و«إسبارطة» ~~من جهة وطيوة ولوكريا وتساليا من جهة أخرى، فعرض «فيلبش» نفسه وسيطا أو ~~مصلحا بينهم وصيروه عضوا من أعضاء المشورة الأمفكتيونية خلافا لإرادة ~~الأتينيين؛ إذ كان «ديموستين» الخطيب بأتينا يحذرهم دائما من فيلبش، ويريهم ~~أن مقاصده نزع حريتهم وإخضاعهم تحت سلطنته، وبعد ذلك وضع أهل «لوكريا» أيديهم ~~على أوقاف الهيكل المذكور، وأبوا الخضوع للمشورة الأمفكتيونية، فدعت المشورة ~~فيلبش؛ لكي يجري حكمها غصبا، ولما أجابهم متقدما ms083 إلى بلاد اليونان بجيشه رأى ~~«ديموستين» نتائج عمله فتوجه إلى إخضاع البلاد، فحرض أهل أتينا وطيوة على ~~مقاومته، فجمعوا جيشا ولكن هزمهم فيلبش في واقعة كيرونيه «في بيوثيا»، ~~واستولى على بلاد اليونان، وإذ كان مستعدا لمحاربة الفرس قتله بوزانياس أحد ~~أتباعه في السنة السابعة والأربعين من عمره، وخلفه ابنه الإسكندر الآتي ~~ذكره. # ذكر الإسكندر الأكبر 336-323ق.م # تولى بعد موت أبيه فيلبش، ويعرف في التواريخ باسم إسكندر الأكبر الرومي، ~~ويلقب بذي القرنين (غير ذي القرنين المذكور في القرآن الشريف)، وهو صاحب ~~الفتوحات العجيبة التي خلدت اسمه في دفاتر مشاهير المؤرخين. # واعلم أن غزوة الإسكندر للبلاد الفارسية هي أعظم حادثة حفظها التاريخ ~~بعد الحروب الميدية وأجلها شهرة ونفعا، كيف لا وقد أقامت الحروب ~~الميدية التمدن من مهده، فأرشدته تلك العزوة وهو في شرخ شبابه طريق رفعته ~~وفوزه! وكان ذلك أول القتال الذي انتشب بين التمدن والهمجية؛ حيث لم يكن ~~قبلا يتجاسر على نزال خصمه، فمن سعده وحسن حظه أنه انقلب على عقبيه ~~مدبرا ونجا بعمره، فنما مستقلا في ركن من زوايا الأرض وترك المملكة ~~لخصمه، فخرج أخيرا بعد كسرته وأقبل بعد أدباره تحت كنف الإسكندر، فوضع ~~قدميه في ساحة القتال ونازع خصمه في ملكية الأرض، فكأن أوجدت هذه الغزوة ~~شيئا جديدا، ألا وهو التمدن. # ولم تكن هذه الغزوة على نهج الغارات البربرية والغزوات الوحشية التي ~~سبقتها، بل كان الإسكندر بدل أن يقهر بالقوة غلب بالحيل، وقد كان يشيد ~~ولا يهدم، ويرفع ولا يضع، خلا بعض مدارس الكهنة الذين كانوا يخفون ما ~~عندهم من العلم على قلته، فلم ينفعهم ما جمعوا ولا أغنى عنهم ما كسبوا، ~~بل دمر مساكنهم وأحرقها، فلم تسمع لها بعد ذلك ركزا، ولم يصادف الإسكندر ~~في طريقه إلا همجية تتبجح بدعوى المال عارية عن الفضائل ومرزبانات وأرقاء ~~ليسوا بأناس فانتشرت سلطة اليونان في النفوس والعقول، وخلع الناس ناف ~~الذل والبلاء، فكانت هذه التجريدة بعثة نورا وهدى للناس الذين ~~استعبدتهم الدولة الفارسية فوقاهم الله شر ذلك، ونجاهم بهذا القائد الذي ms084 ~~اتصف بذكاء الرسل وفطنة الأنبياء، ألا ترى أنه كان بعد نصرته يعتبر نفسه ~~أنه تلميذ أرستطاليس، أوليس هو ملك مقدونيا الذي أعطى النصر في مواطن ~~الحروب والمواقف أوليس هو الذي أخضعهم باقتحام المخاطر والمخاوف، وقبل ~~غزوة الإسكندر لم يكن وجود دنيا تستحق هذا الاسم، بل كانت أرضا معمورة ~~بأقوام منفردين يجهلون بعضهم البعض ذوي عوائد وأخلاق مختلفة المقصد قد ~~جمعها قيروش كباقي الملوك المتبربرة، وجعلها مملكة واحدة، وأما غزوة ~~الإسكندر فربطت تلك الأمم بروابط الائتلاف والمودة، وجعلتهم تحت ناموس ~~واحد، فبهذه المثابة علمت كل أمة معارف الأخرى وأفكارها وتعلموا ما لم ~~تتوصل عقولهم إليه، ووقفوا على حقائق الأمور، وتجمعوا حول مصباح معارف ~~اليونان، وبهذا الاتحاد وجد عالم متمدن جدير بهذا الاسم حري، ولم يبارح ~~الإسكندر بلاد اليونان إلا بعد أن أمن على مقدونيا من الأقوام المتبربرين ~~المجاورين لها وبعد أن أخضع بلاد اليونان بأثرها، ولم يخضعها إلا تنفيذا ~~لمآربه؛ هاجم الأقاليم البحرية، وأمر جيشه البري أن يسير وسواحل البحر؛ ~~لكيلا يفصل بينه وبين أسطوله فاصل، وقد استعان بالنظام على العدة بما ~~يقضي العجب، وإذا كان من المحقق أن النصر قد منحه كل شيء، فإنه أيضا عمل ~~كل شيء في نوال النصر، وفي أوائل مشروعه حيث كانت أقل هزيمة تكفي لعكس ~~أمله لم يركن إلى الصدفة إلا في قليل من أموره، ولما أسعفته المقادير ~~بالظفر بالحوادث اتخذ المجازفة من وسائله، وقبل سفره كان قد زحف على ~~الإيليريين، ولما رجع إلى بلاد اليونان لم يفتح طيوة ويهدمها إلا رغم ~~أنفه، فإنه عسكر أمامها مدة؛ ينتظر أن تعقد معه الصلح، فكانوا هم الجانين ~~على أنفسهم، واستعان في هدم قوى الفرس العسكرية بجسارة القائد ~~«بارميتيون» وبمهارة نفسه، فكان من حكمته فصل الفرس عن أسطولهم وإكراههم ~~بأنفسهم الملاحة، وكانوا فيها بارعين، وكانت «صور» تابعة للفرس، وكانوا ~~لا يستغنون عن تجارتها وملاحتها، فأعدمها ودخل مصر التي كان قد تركها ~~دارا بلا حماية حيثما كان يجمع قوته في جهة أخرى. # فعبوره نهر «الجرانيك» سنة 334 ترتب عليه ms085 الاستيلاء على المستعمرات ~~اليونانية وواقعة طرسوس أهدته صور وملك مصر، وواقعة إربل - بالقرب من ~~الموصل - سنة 331 قلدته سيادة العالم، وبعد واقعة طرسوس المذكورة ترك ~~دارا واشتغل في تثبيت دعائم فتوحاته وتنظيمها. وأما بعد واقعة إربل تبعه ~~حتى لم يترك له ملجأ في دولته، فكان زحف الإسكندر سريعا جدا، حتى إنه ~~يخيل لنا أن تملكه على العالم كان جزاء له على سيره لا أجرا لما أحرزه ~~من النصر، كما كان يحرز قصب السبق من سبق في ألعاب بلاد اليونان. # فهكذا كان فتح البلاد، فانظر الآن كيف ساسها! لم يطاوع الإسكندر من أراد ~~معاملة اليونان معاملة السادة، والفرس معاملة الأرقاء؛ بل فكر في أن يؤلف ~~بين الأمتين وأن يعدم امتياز الأمة الغالبة على الأمة المغلوبة. وقد ترك ~~بعد الفتح جميع الأوهام والخزعبلات على حالتها وتخلق بأخلاق الفرس ~~وعوائدهم ليرضيهم، وليتقلدوا هم بعوائد اليونان، واحترم غاية الاحترام ~~امرأة دارا ووالدته حين وقعن في قبضته بعد واقعة طرطوس، فأرسل دارا إليه ~~طالبا أن يفدي نساءه بمبلغ وافر وأنه يعقد الصلح معه، ويزوجه بابنته، ~~وأن يجعل صداقها الأراضي الواقعة بين نهري الفرات وبحر الروم، فأجابه ~~الإسكندر أن يسلمه إياهن بشرط إذا جاء بنفسه يطلبهن، فخاف دارا، واستمر ~~حتى ساقه الإسكندر بعد واقعة إربل ثم لم يعلم له أثر بعد ذلك، وقد ذكر ~~المعلم بطرس البستاني في دائرة المعارف أنه مات في السنة الثالثة من حكم ~~الإسكندر. # فاستعمال الرأفة واحترام الديانات واستعمال المشورة في الأمور كل ذلك ~~مما جعل أمة فارس تأسف لفقده، فانظر أيها القارئ - سهل الله إلى نفائس ~~الخيرات طريقك - هذا الفاتح الذي بكت عليه الأمم التي أخضعها بسيفه ~~ورادفها بسهامه، وهذا المغتصب الذي عند موته سكبت عليه العائلة التي ~~اغتصب منها الملك الدموع زفرات وساءهم إعدامه، فتلك آية من آيات حياته ما ~~روى لنا المؤرخون أن أحدا من الفاتحين تباهى بمثلها. # ولما كان يعلم أن لا شيء يؤيد الفتح أكثر من التأليف بين الأمتين تزوج ~~الإسكندر بنساء فارسيات، وأمر معيته كذلك، وقد ms086 حزا حزوه بقية أهل ~~مقدونيا، وشيد في بلاد فارس نزلا يونانية وشاد عدة مدن، وأرسى قواعد ~~الدولة الجديدة في جميع أنحائها حتى إنه بعد موته لم ينشر لواء العصيان ~~إقليم بعد طيه، ولكيلا يقلل اليونان والمقدونيين أرسل إلى الإسكندرية ~~طائفة اليهود، ولم يعبث بما اعتادت عليه هذه الأمة ما داموا له من ~~المخلصين، ولم يترك للأمم المقهورة أخلاقهم وعوائدهم فقط، بل ترك لهم ~~قوانينهم المدنية وأيضا ملوكهم وحكامهم الأصليين، وجعل المقدونيين ~~قوادا للجيوش وأهل الشرطة والوطنيين حكاما لجهات الإدارة والقضاء، ~~وكانت ملوك الفرس قد هدمت معابد المصريين وهياكلهم وكذا معابد البابليين ~~واليونان، فأعادها فكأنه لم يفتح أمة إلا ليكون ملكها الخصوصي وليكون أول ~~وطني بها. # وقد جاء بأمرين منكرين وهما حرق مدينة إستخر وقتل «كليتوس» الذي نجاه من ~~الفارسين اللذين قصدا قتله بعد واقعة نهر الجرانيك، إلا أنه ندم على ذلك ~~شديد الندم، حتى إنه أنسى الناس أفعاله القاسية وذكرهم احترامه للفضيلة؛ ~~حيث اعتبرهما من المصائب التي فاجأته في عمره والتي أتى بها من خطأ ~~إرادته. # وكان الإسكندر مغلول اليد في مصاريفه الخصوصية مبسوطها في المصروف ~~العام؛ والدليل على ذلك أنه كان في نظام بيته «مقدونيا» ولدفع ديون ~~العساكر وإخبار اليونان بفتوحاته، وفي إسعاد كل رجل من جنده كان ~~«الإسكندر». # وبعد أن تم فتح ملك فارس دخل بلاد الهند وهزم ملوكها لا سيما بيروس ~~العظيم القدر، ولم توقف سيره الصحاري ولا الأنهار ولا الجبال، إلا أنه ~~اضطر أن يطيع أمر جنده الذين ملوا من الحروب وطلبوا الراحة، واكتفى ~~بترك آثاره الفاخرة على شواطئ نهر آراسب، وعاد بجيشه من طريق آخر، وأخضع ~~جميع البلاد التي قابلته وعاد إلى بابل مهابا محترما، ولكن هذه المملكة ~~الواسعة لم تقم إلا بمقدار عمره القصير ومات وهو في سن الثلاث والثلاثين ~~من عمره، بينما كان متشبثا بأجل المقاصد التي لم يتشبث بها أحد على وجه ~~الأرض بعشم زائد في نجاحها، فاختطفته المنية ولم تتركه زمنا لتثبيت ~~أعماله، وأخلف أخا له مهبولا وولدا رضيعا غير أكفاء ms087 للقيام بأعباء ~~هذا الحمل العظيم، ومما عاد على بيته بالشؤم ومملكته بالخراب والدمار أن ~~ترك قوادا عودهم على الحروب والغزوات والطمع، فلا يرجون شيئا ~~سواها. وكان مستشعرا بما سيحصل بعد موته، ومن خوفه أن لا يطاع أمره لم ~~يتجاسر على تعيين خليفة له ولا وصي لأولاده، بل أخبر أن أصحابه سيشيعون ~~جنازته بوقائع سافكة للدماء، وقد رأى في حياته تقسيم مملكته وخراب بيته، ~~وأما مملكته التي ورثها من أجداده منذ أزمان طويلة وهي مقدونيا فقد أغير ~~عليها كأنها ميراث ليس له وارث وحكمتها عائلة غير عائلته، فهكذا تكون ~~حالة الفاتح العظيم الذي ذهب بفضل الشهرة، وأن يكون آخر ملوك عائلته، فلو ~~أنه قعد في مملكته ساكنا فما كانت مملكته تقسمت بين ضباطه وكان ترك ~~مملكة آبائه لأبنائه، ولكنها لما كبرت واتسعت كان سببا في زوال ملكه ~~الخاص، فتلك ثمرة كثرة الفتوحات والغزوات. # وهو الذي اختط مدينة إسكندرية في محل القرية التي كانت تعرف في ذلك ~~اليوم باسم «راكوتيس» وجعلها على نسق المباني المقدونية، وذلك سنة ~~332ق.م وقد عين بنفسه محل المباني والهياكل سواء كانت مصرية أو مقدونية، ~~وهذا دليل على إباحة الديانة المصرية عنده وجعلها مركزا للتجارة ~~المشرقية والمغربية، ومات الإسكندر بالحمة المتقطعة، وذلك من انهماكه على ~~شرب الخمور زيادة عن الطاقة، وذلك سنة 323ق.م، ومدة حكمه 12 سنة، وعمره ~~33 سنة. قال بعض المؤرخين إنه مات ببابل، وقد ذكر المعلم بطرس البستاني ~~في دائرة المعارف أنه مات بشهرزور بعلة الخوانيق، وكان عمره 36 سنة، ~~ودفن في تابوت من ذهب مرصع بالجوهر، وطلي بالصبر لئلا يتغير، وحمل إلى ~~أمه بالإسكندرية، وبنى الإسكندر 12 مدينة منها أصبهان وهراة ومرو ~~وسمرقند، وبنى بالسواد مدينة لروشنك وبأرض اليونان مدينة وبمصر ~~الإسكندرية. # خلفاء الإسكندر # ومات الإسكندر ولم يعين خليفة له، وكان له ابن ولد بعد موته ببضع شهور ~~وأخ أحمق لا شرف ولا مجد له، فصارا يتقلبان على سرير الملك مدة من الزمن، ~~ثم قام أتباع الإسكندر وقسموا ممالكه إلى خمسة أقسام؛ استولى «أنطيباتيه» ms088 ~~على مقدونيا، و«أنتيجون» على آسيا الصغرى، و«إيمين» - بإمالة الألف ~~والميم - على قبادوسيا، و«سيلوخوس» على بابل، و«بطليموس» على مصر، وجعلوا ~~«لفرديكاس» الذي كان قد أعطى له الإسكندر قبل موته خاتمه الرياسة عليهم؛ ~~لكن بعد ذلك أبوا رياسة فرديكاس وأرادوا أن يكون لهم الرياسة المطلقة على ~~أقاليمهم، ومن ثم حصلت مخاصمات ومنازعات، فاشتد الحرب بين هؤلاء الطمعة ~~فقتل «فرديكاس» وقام «أنطيباتيه» ثم «إيمين» وجدوا في طلب حقوق عائلة ~~الإسكندر، ولكن «إيمين» بعد أن انتصر نصرات عظيمة هزمه أخيرا «أنتيجون» ~~وقتله، وبعد موته لم تجد عائلة الإسكندر من يقوم بحمايتها ووقعت بين أيدي ~~أعدائها واتبعوها بالقتل حتى أهلكوها ولم يبق منها غير المستضعفين، وقبض ~~«أنتيجون» وابنه «ديمتروس» على زمام أقاليم آسيا، فتعصب عليهما بطليموس ~~وسيلوخوس وأحزابهما، ووقعت الحروب بينهما، فدارت الدائرة فيها على ~~أنتيجون ومن معه بالقرب من مدينة أبسوس «بآسيا الصغرى» سنة 310ق.م، وقتل ~~أنتيجون. وأما ابنه ديمتريوس ففر هاربا، وكانت واقعة «أبسوس» المذكورة ~~سببا في انقطاع الشقاق والتطاعن، وانقسمت ممالك الإسكندر بعد ذلك إلى ~~ثلاثة أقسام؛ الأول: مصر، وتولاها بطليموس صوتير. والثاني: سوريا، ~~وتولاها سيلوخوس. والثالث: مقدونيا، وتولاها كساندر. ~~(2-6) تاريخ اليونان بعد موت الإسكندر # الحزب الأخيواني وذكر أراتوس # ولما انحطت بلاد اليونان جميعها استعبدها ملوك مقدونيا، فشرعت في إنقاذ ~~نفسها وأول من اجتهد في ذلك من أهلها الشهير «أراتوس» فخلص مدينته التي ~~ولد بها من الطاغية، وأراد كذلك إنقاذ وطنه بتمامه من طغيان أهل مقدونيا، ~~ولكن كان يتوقف نجاحه على اتحاد البلاد اليونانية في الكلمة كما فعلت ~~أيام الحروب الميدية فتسنى لها طرد الأجانب، لكن لما كانت مدائن «أشاء» ~~أو «أخيا» يدا واحدة عقد أهلها مع بعضهم المعاهدات، فجمع شملهم، وعامل ~~كل منهم أخاه على وتيرة واحدة، وبالجملة كانت «أخيا» عبارة عن حزب، فبث ~~«أراتوس» في الحزب الأخيواني روح الحمية، وسعى في ضم بلاد اليونان جميعها ~~إلى حزبه، فتمكن من ذلك وأنقذ كورنته من حاميتها المقدونية، وأدخل في ~~الحزب جملة مدائن منها «أتينا»، وكان ذلك نحو سنة 250ق.م. # الحزب الإيطولياني ms089 # قد اضمحلت مقدونيا بالفتن الداخلية وصارت هي والحزب الأخيواني أعداء ~~ألداء للأقوام المعروفين باسم الإيطوليين «بشمال المورة» الذين كانوا ~~يشنون الغارة دائما على أطراف تلك الجهات ويهددونها بالسلب والنهب، ثم ~~اجتمعوا في هيئة حزب سمي بالحزب الإيطولياني، وانتشبت الحرب بين ~~الأخيوانيين والإيطوليين انتهت بحصول معاهدة بينهما، وقبل ذلك أراتوس. ~~وكانت إسبارطة قد قامت من سقطتها بعناية أحد ملوكها المدعو «آجيس» الذي ~~نشر أحكام «لوكورغه» ليحيي بذلك وطنه، فابتدأ بإبطال الديون، ثم قسم ~~الأرض بين الأهالي، فغضب لذلك أغنياء إسبارطة، وأغروا على قتله. ولما ~~تولى كليومين الثالث «بإمالة الميم» الملك صمم على تنفيذ مشروع «آجيس»، ~~فابتدأ في تنظيم القوة العسكرية لبلاد «لقديمونيا»، وأراد كسر شوكة الحزب ~~الأخيواني، فقام وهجم على أراتوس، وانتصر عليه جملة نصرات، ورجع إلى ~~«لقديمونيا»، وحبب إليه العزم في استرجاع أحكام لوكورغه، وشدد في ذلك، ~~ومن ثم عاد لإسبارطة شوكتها القديمة، وصار كليومين له الرياسة الملوكية ~~على أغلب مدن المورة، فلما شاهد «أراتوس» ذلك وعرف مقاصد «كليومين» ~~استنجد بملوك مقدونيا، فبعثوا لمساعدته جيشا من المقدونيين ~~والأخيوانيين، فانهزم الإسبارطيون بالقرب من مدينة «سيللازيا» «لاكونيا» ~~سنة 222ق.م، وأما كليومين ففر هاربا إلى مصر والتجأ إلى بطليموس ~~الثالث، ثم قتل نفسه، وذلك سنة 221ق.م. # وبعد واقعة «سيللازيا» انتشبت الحروب بين الأخيوانيين والإيطوليين؛ حيث ~~كان غرض الإيطوليين أن يكون الحكم المقدوني في أيديهم، وسميت هذه الحرب ~~«حرب الحزبين»، فانهزم الأخيوانيون والتجئوا إلى مقدونيا، وكان ملكها ~~وقتئذ فيلبش الثالث، وفي سنة 213 مات أراتوس مسموما بأمر فيلبش المذكور، ~~وبذلك تحكمت يده على بلاد اليونان. # الفصل الخامس # | في الكلام على مصر تحت حكم اليونان أي زمن البطالسة # اعلم أن ملوك البطالسة هم ذرية بطليموس السالف الذكر، وقد مكثت مصر تحت حكمهم مدة 270 ~~سنة، وكان مقر حكومتهم الإسكندرية، وعدد ملوكهم أربعة عشر بما فيهم كليوبترة التي كانت ~~خاتمة لهذه الدولة، ولنذكرهم على الترتيب فنقول: # ذكر الملك بطليموس الأول # ويلقب باسم صوتير - أي المخلص - وقد وقعت مصر في قبضته حينما انقسمت ممالك ~~الإسكندر، وكانت مصر ms090 أعظم ممالك العالم وأبهجها، ولما تحكمت يده في مصر أحسن ~~التدبير والسياسة، واستمال عقول الأهالي، وقد أدخل جمهورية القيروان تحت حكمه لما ~~قامت بها فتنة داخلية، وهو الذي تمم الهياكل والمباني، وصارت الإسكندرية من أعظم ~~مدن الدنيا، فمن ضمن هذه المباني ضريح الإسكندر الذي خفي الآن عن العيون، وظن أنه ~~في محل بمدفن النبي دنيال عليه السلام، ومنارة الإسكندرية التي أنشأها بجوار المينة ~~البحرية لمنافع التجارات وفوائد السياحات والمعاملات، وهي إحدى بنيان العالم العجيب ~~الذي بقي على ممر الزمان من عجائب الدنيا، ومن أنفع مباني بطليموس المذكورة مدرسة ~~الإسكندرية المسماة بالرواق؛ حيث جمع فيها علوم ذلك الوقت من فلسفيات ورياضيات ~~وطبيعيات وحكم وآداب، فكانت هذه المدرسة موصلة لقصره بقرب عمود السواري المشهور، ~~وقد جلب إليها علماء اليونان وغيرهم من سائر البلدان، وما مضى على الإسكندرية برهة ~~من الزمن إلا وصارت مركز التمدن والعلوم والفنون، وأنشأ فيها خزائن كتب ملوكية جمع ~~فيها الكتب القديمة المعتنى بها، وكان له مزيد عناية بالفنون المتجربة حتى كان ~~عنوانه في ديوان مقدونيا قابودان الأسطول، وكثرت في أيامه التجارات والمخالطات مع ~~البلاد البعيدة، وقد ذكر المؤرخون أن مصر في أيامه كان في وسعها الاستحضار على مائة ~~ألف من العساكر وأربعين ألف من الفرسان وعلى ألف مسلح من المناشير والمناجل، وكان ~~في مخزن المملكة مائة ألف طقم مجهزة من الزرد، وكانت بالترسخانة نحو 3590 سفينة ~~كبيرة، وكان ما يبقى في كل سنة من الإيراد بعد الصرف 200000 كيس، ومات سنة ~~285ق.م. # بطليموس الثاني 285-247ق.م # ويلقب فيلادلفيس، سمي بهذا الاسم من باب التهكم والتمسخر؛ لأنه كان يبغض إخوته ~~ويتقصدهم بالقتل، وكان سنه وقت تقليده السلطنة 24 سنة، وقد سار على سيرة أبيه وتفرغ ~~إلى تقديم العلوم، وهو الذي أمر القسيس «مانيتون» المصري بتأليف تاريخ مصر باللغة ~~اليونانية، ثم ترجم إلى اللغة الفرنساوية، ثم إلى اللغة العربية في عصرنا هذا ~~«الأستاذ عبد الله بك الشهير بأبي السعود مدير عموم المكاتب الأهلية سابقا»، فجمع ~~المؤلف تاريخها من الدفاتر المصرية والتذاكر ms091 القديمة المحفوظة بالهياكل والمعابد ~~المصرية، ولم يبق من هذا التاريخ إلا بعض جزئيات وصلت إلى الفرنج ضمن كتب ~~المؤرخين، وكانت مصر في عصره أعظم البلاد، وقد اعتنى بمعرفة حقائق البلاد، فاستكشف ~~داخل بلاد أفريقا وسواحل بحر فارس المعادن والأحجار الكريمة، وقد اجتهد في استكشاف ~~منبع النيل، وأرسل لذلك جملة إرساليات، واستكشف أيضا السودان والنوبة وجنوب بلاد ~~«مرو»، وقد جدد عملية حفر ترعة السويس التي كان شرع فيها من الفراعنة نيخاؤس ومن ~~الفرس دارا الأول، ففتح هذا الخليج من فرع الطينة بالقرب من تل بسطة عند الزقازيق ~~ووصله إلى البحر الأحمر بقرب السويس في الجهة الشمالية، وأرسل كثيرا من الكشافين ~~لاستكشاف شبه جزيرة العرب إلى بحر الهند وأخذ مساحتها، وقد شرع في بناء هيكل عظيم ~~لزوجته التي هي أخته أيضا، وهو أول من أمر بترجمة التوراة من اللسان العبراني إلى ~~اللسان اليوناني، ومات سنة 247ق.م. # الملك بطليموس الثالث 241-222ق.م # ويلقب أيضا أورجيطة - أي المرحوم - لقب بذلك من باب التهكم، ولم يمكث زمنا ~~طويلا إلا وقد اضطر إلى الحرب مع سيلوخوس الثاني ملك الشام، واستمرت المشاجرة ~~بينهما أزمانا؛ وسبب ذلك أن سيلوخوس المذكور قتل أخته بعد أن تغلب على ملك زوجها ~~أنطيوخوس الثاني، فآل الأمر بهزيمة سيلوخوس، ودخل بطليموس المذكور بلاد الشام ~~واستولى على سواحل آسيا الصغرى، وتقدم إلى نهر الفرات، ودخل أرض الجزيرة وبلاد بابل ~~والعجم والميديين، وزحف لغاية بلاد بكتريان ثم رجع إلى مصر؛ لداعي الاضطرابات التي ~~حصلت بها، فترك هذه الولايات ولم يبق منها سوى فلسطين وسواحل آسيا الصغرى لغاية ~~بوغاز الدردنيل، ولما عاد إلى مصر وأطفأ نار الفتنة زحف بجيوشه إلى بلاد الأتيوبيا، ~~فقهر ملك مملكة مرو واستولى على بلاد الحبش واتسع نطاق مملكته من ينابيع النيل ~~الأزرق لغاية بوغاز باب المندب، وقد أدخل جزيرة قبرص تحت طاعته وأيضا برقة وليبيا، ~~وجلب من هذه الفتوحات غنائم شتى، ولما كان غائبا خافت عليه زوجته فنذرت نذرا إن ~~رجع زوجها سالما تكرس شعر رأسها للزهرة، فحين رجع وفت بالنذر وكرست ms092 شعرها ووضعته ~~في هيكل الزهرة، ومكث بالهيكل المذكور عدة أيام، ثم سرقه أحد القسس، فأمر الملك ~~بقتل جميع القسس الموجودين بالهيكل، فخاف الحراس على أنفسهم، فنجاهم أحد المنجمين ~~بقوله للملك إن الزهرة قد نقلت شعر الملكة إلى السماء ووضعته بين النجوم، ومن ثم ~~سمي مجموع من مجاميع النجوم «شعر برنيقا» المعبر عنه بالثريا، وهو الذي بنى ~~«المعبد الأكبر» بمدينة «إدفو»، وكان في مدته وجود الفلكي «إيراتوستين» الذي ثبت ~~ثبوت الأرض وتحرك الأجرام السماوية، واستمر رأيه مدة أربعة قرون؛ أعني إلى ظهور ~~بطليموس الذي كان بمدينة «الفرما»، وأثبت رأي إيراتوستين ولم يزل علماء هذا الفن ~~يعتقدونه إلى الجيل الخامس عشر حتى جاء العلامة كوبرنيق الألماني وأظهر حقيقة ~~المسألة، ومات أورجيطة سنة 222ق.م. # بطليموس الرابع 222-205ق.م # ويلقب فيلوباطور أي المحب لأبيه، لقب بهذا الاسم على سبيل التهكم والاستهزاء؛ ~~لأنه اتهم بقتل أبيه بالسم، وفي عصره خرج عليه أنطيوخوس الأعظم ملك الشام، يريد ~~بذلك القبض على زمام الأقاليم التي فتحها أورجيطة، فتقابلا الجيشان في مدينة رافيا، ~~وهزم الجيش الشامي، وفتح فيلوباطور بلاد فلسطين وجزءا من بلاد سوريا، وكان ضعيف ~~الرأي؛ حيث كان وزيره «سوسبيوس» يدخل عليه الأراجيف والوهميات التي لا أصل لها، ~~واستمال عقله حتى أغراه على قتل أخيه وأعيان دولته وزوجته، وأمر أيضا بقتل يهود ~~الإسكندرية؛ حيث منعه «الحاخام» من زيارة بيت المقدس، ومات سنة 205ق.م. # بطليموس الخامس 205-181ق.م # ويلقب «أيبيفان» أي الماجد، تولي هذا الملك وهو ابن خمس سنوات، وأقيم عليه أحد ~~وزرائه كفيلا، وصار هذا الوزير يرتكب الجرائم والمفاسد، وكذا قامت عليه الأهالي ~~وأخذوه واستأذنوه في قتله، وقتلوه مع جميع أحبابه، ونقلت الكفالة، وولت الأهالي ~~كفيلا غيره، فتغيرت الأحوال، فأغار عند ذلك ملك الشام، ولكن انتصر عليه ملك مصر ~~بكثرة جنوده. # الملك بطليموس السادس والسابع 181-117ق.م # ويلقب أيضا فيلوماطور أي المحب لأمه، سمي بهذا الاسم تهكما، وكان بينه وبين ملك ~~الشام حروب شديدة انهزم فيها بطليموس وأخذ أسيرا، ولما رأت أعيان البلد ما حصل ~~لملكهم أقاموا أخاه بطليموس السابع فيسكون ms093 «الحنطاء»، ولما سمع بذلك ملك الشام ذهب ~~إلى الإسكندرية وحاصرها، ثم إن اليهود شاعت أن ملك الشام مات في حصار مدينة ~~الإسكندرية، فاضطربت أحوال بلاد الشام، فلما علم ملك الشام تلك المسألة توجه إلى ~~وطنه وترك الحصار. # وعاد بطليموس، فعند ذلك حصل النزاع بين الأخوين، فذهب فيسكون إلى بلاد اليونان ~~واستعان بهم، فحكم له أن يكون واليا على بلاد القيروان وبرقة فلم يرض، فزادوه ~~جزيرة قبرص، فغضب بطليموس المحب لأمه، وانتشبت الحرب بين الأخوين، فغلب بطليموس محب ~~أمه أخاه فيسكون، وأخذه أسيرا ثم عفا عنه وزوجه بنته كليوبترة الصغيرة. # بطليموس الثامن 117-107ق.م # فكان ملكا على القيروان، ولما سمع بموت أخيه فيسكون تزوج بأخته كليوبترة التي ~~كانت زوجة أخيه المتوفى، وذبح يوم عقده ابنها على حجرها، ثم تزوج بابنتها أيضا، ~~وانهمك على اللذات والمعاصي، فبغضته الرعية، ففر هاربا إلى جزيرة قبرص، وخاف أن ~~يمتلك ابنه المملكة، فأرسل إليه ولما حضر عنده أمر بذبحه، ووضعه بزنبيل وأرسله إلى ~~زوجته كليوبترة، ولما نظرت ما حصل بابنها جهزت عساكر وتحاربت مع عمها الذي هو ~~زوجها، فهزمها وتولى على مصر ثانيا. # بطليموس التاسع 107-88ق.م # ويلقب أيضا بالأرقط؛ لأنه كان له علامة في وجهه، وكان الملك مبغوضا عند أمه؛ ~~لأنه كان عازما على قتلها بالسم، فقومت عليه الأهالي، ففر هاربا إلى جزيرة قبرص ~~وأخفى نفسه، فجاءت أمه وألبست التاج لأخيه الأصغر المدعو الإسكندر الثاني. # بطليموس العاشر 81ق.م # ومكثت أمه تحاربه وهو في جزيرة قبرص، فكانت تارة تغلبه وتارة يغلبها، ثم قتلها ~~ابنها الإسكندر المذكور وأراح العباد منها، ونبش قبر الإسكندر الأكبر، وأخذ التابوت ~~الذهب الذي كان مدفونا فيه، ووضع تابوتا بدله من البلور؛ فلذا بغضته الأهالي، ~~وأحضروا أخاه بطليموس الزامر ملكا محل أخيه، ومات سنة 80ق.م. # بطليموس الحادي عشر 80-52ق.م # ويلقب بالزامر، سمي بذلك الاسم لتولعه بسماع المزمار، وكان بينه وبين أخيه ~~الإسكندر اضطرابات عظيمة وحوادث جسيمة إلى أن مات الإسكندر سنة 80ق.م، ولما انفرد ~~بطليموس الزامر بالحكم تعاهد مع بومبيوس ويولص قيصر ملكا روما ودفع ms094 لهما مبلغا ~~جسيما، وتحصل على هذه الأموال بزيادة الجزية، فبغضته الأهالي ففر هاربا من مصر، ~~ثم عاد مع جيش روماني وقتل الأمراء وأعيان مملكته واستولى على أمتعتهم. # بطليموس الثاني عشر والثالث عشر وكليوبترة الكبيرة # تولى بطليموس الثاني عشر على مصر سنة 52ق.م وهو قاصر مع أخته كليوبترة، فبغضها ~~الأهالي فهربت إلى الشام، وبقي بطليموس الثاني عشر حاكما وحده، وفي هذه المدة قامت ~~فتنة بين ملكي روما وهما يولص قيصر وبومبيوس قيصر، ولما انهزم بومبيوس فر إلى مصر ~~واحتمى عند بطليموس الثاني عشر، فما كان منه إلا أن قتله وبعث رأسه إلى يولص قيصر، ~~فشق عليه ذلك الأمر، وأمر بإحضار بطليموس الثاني عشر وأخته كليوبترة، وحبسهما عنده، ~~فالتمس أهل الإسكندرية من يولص قيصر أن يرسل لهم بطليموس ليكون حاكما عليهم، ولأجل ~~أن ينتقموا من كليوبترة فامتنع من ذلك، فوقع الحرب بين أهالي الإسكندرية والملك ~~يولص قيصر، فغلبوه وأرادوا أن يأخذوا سفنه فأحرقها بيده أيضا ، واشتعلت نيرانها من ~~البحر حتى وصلت إلى القصر الملوكي، ومنه اتصلت إلى كتبخانة الإسكندرية، ثم إن مدينة ~~روما لما استشعرت بذلك أرسلت إلى يولص قيصر عددا من العساكر، فانتصروا على ~~المصريين، وبعد ذلك أطلق لهم يولص قيصر بطليموس الثاني عشر، ولما خرج من عنده جهز ~~عساكر بحرية، فانهزم أمام خصمه، فأخذه وقبض عليه وأغرقه هو وعساكره في النيل، وعاد ~~يولص قيصر إلى بلاده سالما سنة 48ق.م. # وأمر يولص قيصر بطليموس الثاني عشر وكليوبترة أن يحكما بالاشتراك، ومات بطليموس ~~مسموما سنة 44ق.م فتزوجت أخته بأنطينيوس ملك روما، فكان له شريك في الملك يدعى ~~أقطاوس فحصل بينهما مثل ما حصل بين يولص قيصر وبومبيوس، فانهزم أنطينيوس، ورجعت ~~كليوبترة من الشام إلى مصر، وأرسلت لزوجها تعلمه أنها قتلت نفسها، فلما بلغه الكلام ~~قتل نفسه، ودخل أقطاوس مصر، ولما استشعرت بذلك قتلت نفسها بثعبان، وقيل إنها قتلت ~~نفسها حينما لم يقبل أقطاوس أن يتزوج بها وذلك سنة 31ق.م، ومن ذلك الوقت صارت مصر ~~إقليما رومانيا. # الفصل السادس # | في تاريخ قدماء الرومان ms095 # (1) تأسيس مدينة روما # اعلم أن اللذين أسسا مدينة روما هما «رومولوس» و«ريموس»، من سلالة ملوك «ألب ~~لالنغ» سنة 753ق.م، ووضعا هذه المدينة على نهر التبر، ثم جعلاها بعد ذلك تختا ~~لملكهما، ثم قتل «رومولوس» أخاه «ريموس» وانفرد بالحكم، واشتغل بالجهاد والحروب مع ~~من جاوره من الأمم لا سيما السابينيين، فإنه قتل رجالهم وسبى نساءهم وأدخلهم تحت ~~طاعته، ثم قسم الأراضي بين رعاياه، وأسس مجلسا مكونا من مائة عضو، وسماه مجلس ~~السناتو - أي مجلس الأعيان - ليقوم بخدمة المملكة، وقسم الأهالي ثلاثة أقسام؛ أشراف ~~الناس، والشوالية، وهم اللذين يخرجون إلى الحرب بخيولهم. وفقراؤهم وعامتهم، ثم تجبر ~~وتنمرد، فقتله أرباب المجلس، وأشاعوا أنه رفع إلى السماء، فعبدوه وسموه «كيرينوس»، ~~وذلك سنة 716ق.م. # وبعد موت «رومولوس» بقي التخت بلا ملك نحو سنة، وكان الحكم في هذه الفترة لأعضاء ~~المجلس، ثم اتفق أهل المدينة على تولية رجل يدعى «تومامبليوس» ملكا عليهم، فسار ~~فيهم سيرا حسنا واجتهد في تهذيب أخلاقهم، ورتب لهم محافل دينية، وأسس طائفة ~~الرهبان الوستالية - أي لعبادة الإله «وستا» - ومات بعد أن حكم 43 سنة، وذلك سنة ~~672ق.م ومن ملوك روما أيضا تركان الثاني الملقب بالتكبر، وهو السابع من ملوكهم، ~~جلس هذا الملك على تخت المملكة قهرا عن أهل المدينة، حينما قتلت زوجته «توليا» ~~أباها سيرويوس توليوس، ونفى رؤساء المجلس السناتو، وجعل معيته رجالا أغرابا، وجعل ~~على الأهالي ضرائب مختلفة، فأذعنوا له وأدوها إليه، ثم إن ابنه سكستوس فحش بامرأة ~~تسمى لوقريس، فقتلت نفسها، وأوصت زوجها أن يأخذ بثأرها، وعند ذلك بلغ نفور قلوب ~~الأهالي منه منتهاه، فانتهز الفرصة نمونيوس بروطوس، وكان الملك «تركان» هذا قد قتل ~~أباه وأخاه، فحرض أهل المدينة على العصيان وإشهار السلاح، ولم يكن الملك «تركان» ~~وقتئذ بالمدينة، فأجمعوا على نفيه مع عائلته مدة حياته، وإبطال السلطنة الملوكية، ~~ونشروا في ذلك قرارات، وذلك سنة 509ق.م. ~~(2) تأسيس الجمهورية الرومانية # وبعد طرد «تركان» سنة 510ق.م وخروجه من المدينة شرعوا في تأسيس الحكم بكيفية ~~جديدة، فأجمعوا على عقد جمعية من مشاور الفرق ms096 المئينية؛ لانتخاب حاكمين - أي قنصلين ~~- لإجراء الأحكام العليا، فكانت سطوتهما كسطوة الملوك، إلا أنهما لا يحكمان إلا سنة ~~واحدة، فوقع الانتخاب أولا على بروطوس وقللتان زوج لوقريس المذكورة، فلم يعد على ~~الأمة من هذه التغيرات فائدة؛ لأنه بعد أن كان الظالم واحدا صار متعددا، وصار أهل ~~المدينة حزبين أغراضهما مختلفة؛ أحدهما الأشراف، وغرضهم أن يكون الحكم لهم، والثاني ~~الرعاع، ورغبتهم أن يكون لهم دخل في الحكم، ومكث تركان بعد طرده يحارب أهل المدينة ~~مدة مديدة من الزمن فلم ينجح، وقيل إنه فتح المدينة لكن تركها لعصيان رعيته. ~~(3) الشقاق الداخلي بين الرعاع والأشراف # لما صارت الحكومة جمهورية سطت يد القوي على الضعيف، وتجاهر بعض الأهالي بالعصيان، ~~فحصل بروما نزاع عظيم بين رعاع الناس وأشرافهم؛ بسبب معاملة الأشراف لهم من شدة ~~الظلم والصعوبة في الحكم، فخرجت الرعاع وتركت المدينة إلى جبل صغير مجاور لها يسمى ~~الجبل المقدس، فلما شاهد ذلك مجلس السناتو التزم بأن ينتخب قاضيين يقومان بالمدافعة ~~عن حقوقها؛ لأجل تهديد تلك الأمة، فصار بعد ذلك قاضيان نائبان عن الأمة، وصار الحكم ~~في أيديهم يتزعزع كما كان في يدي مجلس السناتو، وانتهى أخيرا بتفريق الجمهورية ~~وشطاطها، وبعد مضي زمن قليل قالوا على حسب ما بدا لهم من رأي العين أن لا يحكمان ~~بالقوانين الموضوعة في الأصل إلا بعد إضافة بعض أحكام أخر لها، ولأجل نهي ذلك الأمر ~~أرسلوا رسولين إلى مدينة أتينا لإحضار قوانين سولون، وعند رجوع الرسولين من تلك ~~المأمورية كلف عشرة رجال من الأشراف بتحرير تلك القوانين، وأطلقوا عليهم «جمعية ~~انتخاب القوانين»، فعملوا ما أمروا به، ولكن درجوا ما ليس هو مدون فيه من الظلم ~~والعدوان، فقامت عليهم الأمة لما ظهر لها من ظلمهم وجورهم وطردوهم، وأما المسيو ~~«أبيوس كوديوس» الذي كان فائقا في الظلم فكان عقابه الموت، وبعد ذلك حصل بين هاتين ~~الأمتين معاهدات عظيمة، أهمها عقد الزواج بينهما، وبعد مضي 70 سنة حصل من أحد قضاة ~~الأمة المسمى سيسينوس ستولون هيجان عظيم، بقوله إن القانون لا يجوز ms097 لأي وطني أن ~~يستأجر أكثر من 500 فدان من الأراضي الميرية، ولا بد أن أحد القضاة يكون من أصاغر ~~الناس - أي من عائلة فقيرة - فلم يقبل منه ذلك إلا بعد مضي عشر سنوات أي بعد انقطاع ~~الشقاق الداخلي. # وفي سنة 366ق.م كان أول قاض في البلد هو سيكتيوس من أسافل الناس، وأخيرا فإن صحة ~~أقوال ذلك القانون تم قبولها بواسطة رعاع الناس بشرط أن يستحقوا ألقاب الشرف أو ~~رؤساء الديانة، وقد انقطع من وقتئذ الشقاق الداخلي من تلقاء نفسه الذي جعل روما منذ ~~مدة مديدة في اضطراب عظيم، وتقدمت في فتوحاتها من ذلك الوقت تقدما لا يدرك العقل ~~سبيل كنهه. ~~(4) إغارة الغول على روما سنة 390ق.م # ولما كانت الحرب عند الرومانيين من أعظم الوسائل لاتساع مملكتهم، تقدم عندهم هذا ~~الفن واشتهروا به، وحيث كانت مصاريف الحرب في أول الأمر على الأهالي فكانت أيامه ~~قصيرة، وكانوا إذا مضى عليهم في الحرب عشرون أو ثلاثون يوما قعدوا عنه وانصرفوا ~~لأشغالهم، فأشار مجلس السناتو بترتيب ماهية للعساكر، فقبلت الأهالي منه ذلك وعدوه ~~إحسانا، وفي ذلك الوقت ابتدأت شوكة الجمهورية في الظهور لدوام جيوشها تحت السلاح، ~~ولولا الوسائل التي بها حجز الرؤساء العسكرية تحت السلاح لما نجحوا في واقعة مدينة ~~«وييس» التي مكثوا في محاصرتها عشر سنين، وكان الفخر في هذه المدينة التي هي قرينة ~~مدينة روما لكاميل - أحد الجنرالات الرومانية - وذلك قبل المسيح بنحو 405 سنة، ~~فكوفئ هذا الرجل الشهير بالنفي؛ لأنه اتهم ظلما وعدوانا بإخفاء جزء من الأموال ~~المغتنمة من المدينة المذكورة، فلما حكم عليه بالنفي ذهب إلى الأدرياتيين وأقام ~~عندهم، وفي ذلك الوقت هجم جيش عظيم من الغول - وهم قدماء الفرنساويين - كان عبر ~~جبال الألب تحت قيادة «برينوس» وأتلف كل ما مر به، وأفنى الجيش الروماني قريبا من ~~نهر الأليا، ودخل روما وكان قد تركها أهلها، وحرقت المدينة، وذلك سنة 390ق.م، وكان ~~مانيليوس في ذلك الوقت انضم إلى بعض الشبان الرومانيين وتحصن معهم في قلعة ~~الكابيتول، فسد الغول طرقها ومسالكها وضيقوا ms098 عليهم، ودفعهم مانيليوس مرارا، فلما ~~بلغ كاميل ما حل بأهل وطنه نسي ما كان وقع منهم في حقه من الإساءة، وخرج من عند ~~الأدرياتيين لمساعدة وطنه، فقلده مجلس السناتو برتبة الدكتاتورية - ولي الأمر ~~المنفرد بالحكم - فقيل إنه حاربهم وقطع دابرهم ولم يبق منهم من يبلغ خبرهم لأهل ~~وطنه، فكان كاميل ومانيليوس هما اللذان أنقذا وطنهما من الغول إلا أن طمع مانيليوس ~~كان سببا في إلقائه من أعلى قلعة الكابيتول. ~~(5) الحروب القصصية ~~(5-1) الحرب الأولى # قد ذكرنا فيما تقدم أن قرطاجة قد أسسها جملة من المهاجرين الصوريين سنة ~~869ق.م، وكان الرومانيون قد عقدوا جملة معاهدات تحالفية وتجارية مع أهل ~~قرطاجة، ثم إن كلا من هاتين الأمتين كان متطلبا الاستيلاء على جزيرة ~~سيسيليا، فصار ذلك منشأ لوقوع الشقاق بينهما، فلما استولى المامرتينيون على ~~مدينة مسينا وهي إحدى مدن تلك الجزيرة، حاربهم هيرون ملك سيراقوزة «بالجزيرة ~~عنها»، فأتى القرطاجيون وأعانوهم عليه، إلا أن المامرتينيين لخوفهم من عدوهم ~~هيرون المذكور وغدر القرطاجيين لهم دخلوا في حماية روما، وفي سنة 264ق.م ~~ذهب القنصل أوبيوس قلوديوس إلى سيسيليا وكسر القرطاجيين والملك هيرون، فتعصب ~~الفريقان على روما، فاقتضى الحال محاربة الرومانيين مدينة قرطاجة التي كانت ~~لها الشوكة القوية والمكانة العلية عند من جاورها من الأمم لا سيما الملاحة، ~~ولم يكن للرومانيين وقتئذ قوة بحرية فصنعوا مراكب حربية، وتولى القنصل دويليوس ~~قيادة الدونانمة الجديدة وفاز بنصرة عظيمة على القرطاجيين، وهذه أول واقعة ~~بحرية حصلت من الرومانيين وانتصروا فيها، واستولوا على جزيرتي قورسة ~~وسردينيا. # وبعد ذلك توجه أحد الجنرالات الرومانية المدعو ريجولوس مع جيش إلى قرطاجة، ~~إلا أن كزنتيب اللقديمونياني الذي كان قد أتى لمساعدة المدينة المذكورة هجم ~~على ريجولوس وكسره وأخذه أسيرا، ووضعه في الحديد، واستمرت الحرب إلا أنها ~~كانت متراخية ودولا بينهم، وقيل إن القرطاجيين عذبوا ريجولوس عذابا شديدا ~~حتى مات، ثم فاز الرومانيون بنصرة عظيمة قريبا من جزائر أغاتة تحت قيادة ~~القنصل لوتاسيوس سنة 242ق.م، والتزم القرطاجيون بدفع جزية سنوية لروما، وهذا ~~هو الحرب الأول القصصي ms099 الذي مكث مدة 22 سنة. ~~(5-2) الحرب الثانية # وذكر أنيبال وكورنيليوس سيبيون # واستمر القرطاجيون يدفعون الجزية للرومانيين إلى أن نشأ فيهم أنيبال أحد ~~جنرالاتها وقتئذ عدوا للرومانيين، فحرض أهل بلاده على حربهم، فشرعوا في ~~محاربة ساجونتا إحدى مدن إسبانيا، وكانت هذه المدينة حليفة روما، فحرقها ~~أنيبال وصيرها رمادا، واجتاز جبال بيرينية ونهر الرون وجبال الألب وذلك سنة ~~218ق.م، فهزم ثلاثة جيوش رومانية، وأعظم هذه الوقائع وقعة «كانه» سنة 217ق.م، ~~فقتل فيها القنصل إيمليوس 70000 من العساكر الرومانية، إلا أن هذه الواقعة ~~أفقدت القرطاجيين عساكر كثيرة، فذهب بعد ذلك إلى جهة «كابو» التابعة لبلاد ~~قبانية، فلينت لذات الجهة المذكورة طباع عساكره، فنسي الرومانيون الشقاق ~~الداخلي، وجمعوا جيوشا جديدة، وصار بذلك إنقاذ روما، وفي أثناء ذلك الوقت فتح ~~مارسيلوس مدينة سيراقوزة سنة 212ق.م، واشتهر سيبيون في إسبانيا، وطرد ~~القرطاجيين من شبه جزيرة إسبانيا، ولما عاد إلى روما أراد التوجه والهجوم على ~~أفريقا فقبل منه المجلس، وفي السنة الثانية أزعج قرطاجة بجيشه المهول ، فدعت من ~~إيطاليا أنيبال لمعاونتها، إلا أنه كان لم يتيسر لأحد مقاومة هذا الشهم ~~الروماني، فهزم أنيبال في «أودية زاما» سنة 202، ولما غلب أنيبال ومن معه نصح ~~أهالي مدينته بقبولهم الصلح من عدوهم؛ حيث لم يتيسر لهم غلبة بعد ذلك، وأما ~~أنيبال فإنه خرج من بلده وذهب يبحث في غير تلك البلاد على من يكون عدوا ~~للرومانيين، أما قرطاجة فضرب عليها الجزية، وهذا هو الحرب الثاني ~~القصصي. # الحروب الأخيرة بين الرومانيين وأهل مقدونيا والشام # ولما أمد فيليبش الثالث ملك مقدونيا أنيبال بالإمدادات الحربية جرد ~~الرومانيون عليه التجريدات الحربية للانتقام منه، وانضموا إلى اليونان ~~أعدائه، وهجموا على مقدونيا تحت قيادة القنصل «فلامينينوس»، فهزمه بالقرب ~~من مدينة سيتوسيفالة «بتساليا»، فالتزم هذا الأمير بتحمل مشارطة صلح ~~موجبة لذله وحقارته، وبإعطاء ديمتريوس أحد أولاده رهينة عند الرومانيين، ~~وذلك سنة 196ق.م. # وفي سنة 191ق.م ابتدأت الحروب بين الرومانيين وأنطيوخوس الأكبر ملك ~~الشام الذي كان قد التجأ إليه أنيبال، وأيضا كان قد قام لمساعدة ~~الإيطوليين ببلاد ms100 اليونان، فهزمه الرومانيون في مضايق ترموبيل، وفر ~~هاربا إلى آسيا الصغرى، فتبعه القنصل «لوسيوس سيبيون» أخو سيبيون ~~الأفريقاني وانتصر عليه أيضا بالقرب من مدينة مانيزيا سنة 179ق.م، ~~فالتزم الملك المذكور أن يترك للرومانيين جميع أقاليمه التي بآسيا إلى ~~جبل الطور، فأخذ الرومانيون منها أموالا جسيمة، ولقب سيبيون المذكور ~~بالآسياتيقي. # وفي سنة 170ق.م جد بيرسي بن فيليبش الثالث في التخلص من رق الرومانيين، ~~فغلبه القنصل «بول إيميل» في واقعة بيدنا - مدينة بمقدونيا - وبعث به ~~أسيرا إلى روما ومعه جماعة من أكابر اليونان، وكان من ضمن هؤلاء الأسارى ~~المؤرخ الشهير «بوليب»، وبعد ذلك ببضع سنين قام ابن بيرسي المذكور وأشهر ~~لواء العصيان، لكنه هزم أمام حصن ميتيليوس، وصارت مقدونيا من ذلك الوقت ~~إقليما رومانيا. # وفي سنة 146ق.م دخل الرومانيون بلاد اليونان، وكانت قد ضعفت من الفتن ~~والعرابيد المتوالية، فلذا لم يجدوا عندهم من يكافحهم غير الحزب ~~الأخيواني، فحصلت وقعة بالقرب من مدينة كورنته فانهزم الحزب المذكور، ~~ودخل القنصل موميوس المتوحش المدينة المذكورة ، ونقل إلى روما جميع ملحها ~~وبضائعها ونفائسها وأسلمها إلى اللهيب، وصارت مملكة اليونان من ذلك الوقت ~~إقليما رومانيا وسموه إقليم إخيا. ~~(5-3) ذكر الحرب الثالثة # ولما أغار «ماسينسه» ملك نوميديا - بلاد الجزائر - على أراضي قرطاجة الذي كان ~~يهددها بالهجوم دائما، ترتب على ذلك مشاجرات ألزمت مجلس السناتو بإرسال رسل ~~لإزالة هذه المشاجرات؛ حيث كان هذا الملك حليف روما، وكان ضمن الرسل المذكورين ~~«قاتون»، فلما رأى هذا الجنرال وسائل الاستعداد عند القرطاجيين رجع إلى روما ~~منزعجا، وحرض أهل بلاده بالتخلص من كل خوف يخشونه في المستقبل، وختم كلامه ~~بقوله: يلزم هدم قرطاجة، فتولى سيبيون إيميليان قيادة الجيش الروماني، وكانت ~~الأوامر التي صدرت له عارية عن الشفقة بالكلية، فلما رأى أهل قرطاجة أنه لا ~~ناصر ولا مانع لهم من أعدائهم دافعوا عن أنفسهم بكل ما في وسعهم من الحمية، ~~إلا أنهم فترت قواهم من كثرة عدد عدوهم وأخذت المدينة قهرا، وسلمت ليد ~~اللهيب، فبقيت النار سبعة عشر يوما، وهدمت جميع ديارها وذلك ms101 سنة 146ق.م، ولقب ~~سيبيون كجده بالأفريقاني لكونه تمم الحرب الثالث القصصي. ~~(5-4) مجاذفة الجراكيين من 133-121ق.م # فلما تمت الحروب الخارجية وقع الشقاق بين أهالي المدينة، فكان يرى في روما ~~جم غفير من الفقراء لا يمتلكون القوت الضروري، وجم آخر يملك أراضي كان من ~~الواجب أن تكون تحت يد الجمهورية، فشرع رجلان مشهوران بمعارفهما وهما طيبريوس ~~جراكوس وكيوس جراكوس أولاد كورنيليا بنت سيبيون الأفريقاني على أن يحاميا عن ~~الأهالي، ويغرسا شجرة العدل والإحسان ليدثر بذلك آثار الظلم والعدوان، وكان ~~طيبريوس قد استحصل على نيابة الأهالي، فأمر بنشر قانون الفلاحة وصار يساعد ~~الفقراء في أمرهم هذا، ومن ثم كثرت أعداؤه، فصار قريبه سيبيون نازيكة مقدم ~~الفرقة المضادة له، وأغار على محل اجتماعه بالأمة، وكانت الأمة مجتمعة هناك، ~~فقتل طيبريوس من شدة الضرب مع ثلثمائة من أحزابه، وذلك سنة 133ق.م. # وأما كيوس جراكوس فإنه مع ما حصل لأخيه من القضاء والقدر توظف مكانه وسلك ~~طريقته، فكانت عاقبته مثل عاقبة أخيه، وذلك أن أوبيموس الذي كان من أعدائه لما ~~تقلد بالقنصلية قام على جماعته وقتل منهم ثلاثة آلاف، وكان من جملتهم كيوس ~~جراكوس المذكور، وألقى رممهم في نهر التبر، وذلك سنة 121، ومن ثم انتصرت أشراف ~~الناس، لكن بئس ما فعلوه. ~~(5-5) الحروب الداخلية بين ماريوس وسيللا # ذكر ميتريدات # ولما انتصر ماريوس على ليوغورتا ملك نوميديا وأيضا على الجيشين ~~العظيمين من السمبريين والطوطونيين المتوحشين الذين كانوا قد شنوا الغارة ~~على أطراف إيطاليا الشمالية بغضه سيللا، فاتحد ماريوس مع أرباب الفتن ~~والفساد لنزع الحكم من يد الأشراف ونقلها لأيدي العامة؛ حيث كان هو من ~~رعاع الناس وأسافلهم، وسعى هو وحزبه في عزل سيللا، فخرج الأمير الأخير ~~وعساكره على روما سنة 87ق.م، فولى ماريوس ومن معه هاربين، ثم توجه سيللا ~~لمحاربة متيريدات الأكبر ملك بونت بآسيا الصغرى، فقويت قلوب حزب ماريوس ~~واستولوا على روما ثانيا، وأحضر ماريوس، إلا أنه تجاوز الحد في الظلم ~~والقساوة وقتل جميع أحزاب سيللا، وقلد نفسه بالقنصلية، وتوفي وهو في ~~أعظم شوكة وسطوة، ms102 إلا أنه لما بلغه نصرات سيللا على ميتريدات كدر عليه ~~آخر أيام حياته، وعاد سيللا إلى إيطاليا بجيشه ودخل روما وهو ظافر ~~بأعدائه، إلا أنه دخلها خاليا من الرأفة والشفقة كما كان ماريوس كذلك، ~~فلم يقاومه أحد، وأعطى لعساكره أموال القتلى، وجمع لنفسه جميع الوظائف ~~فانزعج منه مجلس السناتو، وقلده بوظيفة ولاية الأمر الدائمية، وذلك سنة ~~81ق.م، ثم تنازل عن الحكم ومات بعد قليل. ~~(5-6) حكومة الثلاثة رجال الأولى # الحروب الداخلية بين يولص قيصر وبومبيوس قيصر # ولما مات كراسوس شريكهما في الملك واشتهر يولص قيصر «سيزار» بفتح بلاد الغول، ~~حقد عليه بومبيوس قيصر «بومبيه»، وأغرى المجلس عليه حتى نزع منه رياسته، إلا ~~أن يولص قيصر المذكور كان قد أحدث له بروما حزبا عظيما، ومع ذلك فإن الجيوش ~~التي قادها مدة مديدة من الزمن كانوا محبين له، فامتنع من الامتثال لأمر مجلس ~~السناتو، فأشهره في الحال عدوا عموميا، وأمر بومبيوس بالقيام بملاحظة ~~المملكة وذلك سنة 49ق.م، فخرج يولص قيصر على روما، ولما دنا منها هرب بومبيوس ~~إلى مقدونيا، فتبعه خصمه فيها، فاقتضى الحال لمعركة قاطعة لهذا المشكل، فحصل ~~ذلك في أودية فرساله وذلك سنة 48ق.م، فانتصر عليه يولص قيصر وفر هاربا إلى ~~بطليموس الثاني عشر ملك مصر الذي كان له الفضل عليه؛ حيث ساعده في توليته ملك ~~مصر، فقتله هذا الملك الخائن. وقيل إن يولص قيصر لما بلغه هذا الخبر لم يستطع ~~أن يحجز دموعه، وتم الأمر كما تقدم، ثم توجه إلى آسيا لمحاربة فرناس بن ~~ميتريدات وانتصر عليه، ومحا آثار حزب بومبيوس من الدنيا، وتقلد بمنصب ~~الدكتاتور الدائمي - أي الذي لا يعزل - وحكم بغاية العدل والإنصاف، وعفا عن ~~أعدائه، ولكن تعصب عليه جملة من الجمهورية، فلما بلغه هذا الخبر تعند ودخل ~~المجلس في اليوم الذي كان قد اجتمع فيه المتعصبون على قتله فضربوه ثلاثة ~~وعشرين خنجرا، وذلك سنة 44ق.م. ~~(5-7) حكومة الثلاثة رجال الثانية «وذكر واقعة أكسيومه» # ولما قتل يولص قيصر حصل عصيان مهول بين الأمة وحوادث جسيمة، تسبب عنها ms103 التجاء ~~مرك أنطوان إلى ليبيدوس رئيس الغول القاطنين وراء جبال الألب، وأما أقطاوس ~~«أوكتاف» وارث الدكتاتور المقتول - لم يكن ابنه وإنما كان متخذه ابنا - لما ~~رأى أن اعتباره بروما أخذ في الانحطاط ذهب إلى أنطوان وليبيدوس وأشركهما معه ~~في الحكم، فبدءوا بتشتيت جميع أعدائهم وجرى الدم في أطراف روما، وكان يعلق في ~~المحل العمومي صبيحة كل يوم قوائم طويلة بأسماء من صدرت الأوامر بقتلهم، فلما ~~تعبت القضاة الثلاثة من الأمر بالشنق والانتقام ختموا ذلك بقتل بروطوس الذي ~~كان موجودا في مقدونيا، ثم إن الاتفاق بينهم لم يطل؛ وذلك أن أقطاوس ابتدأ ~~بنفي ليبيدوس وحكم هو وأنطوان بالاشتراك مع بعضهما، ثم قسم المملكة بينهما، ~~واكتفى أقطاوس بأمر المغرب، وأنطوان بأمر المشرق، لكن لما تنازل أنطوان عن ~~الأقاليم الرومانية الشرقية لامرأته كليوبترة ملكة مصر قام أقطاوس وأعلن حرب ~~أنطوان، الذي كان نسي نفسه من وجوده عند كليوبترة التي دهشته محاسنها، فانهزم ~~أمام خصمه في واقعة بحرية قريبا من مدينة أكسيومه - في الشمال الغربي من بلاد ~~اليونان - وذلك سنة 31، وقتل أنطوان وكليوبترة نفسهما كما تقدم ذلك، ودخلت مصر ~~تحت حكم الرومان. # الفصل السابع # | في تاريخ مصر تحت حكم الرومان # ولما انفرد أقطاوس بالحكم لقب نفسه بأغسطس قيصر، وأبطل تأثير الجمهورية، ولم يبق لها ~~إلا الاسم فقط؛ لأن أغسطس قيصر كان مطلق التصرف والحكم، ولما صار ملكا تشبث بالعدل، مع ~~أنه قبل توليته كان ذا قساوة، وشرع في ترتيب القوانين العدلية لراحة الرعية، فرغبت في ~~حكمه ممالك الشرق، وكان العامل من طرفه على مصر إليوس غالوس، فاجتهد هذا العامل في إصلاح ~~ما أفسدته يد الفتن في آخر حكم البطالسة، ثم عزله أغسطس؛ لداعي أنه رحب بأعدائه المنفيين ~~من روما، وولى مكانه بطرونيوس، ففي مدته صدرت إليه الأوامر القيصرية بمحاربة بلاد العرب، ~~فما أمكنه إطاعتها؛ لداعي صعوبة أقطارهم، ولما كان هذا النائب غائبا ببلاد العرب هجمت ~~على مصر ملكة السودان المسماة قنداس، واستولت على أقاليم الصعيد، فحين رجع هزم ~~السودانيين شر هزيمة، وضرب عليهم الجزية ms104 وصير مملكتهم تابعة لبلاد روما. # وكان العامل من طرف أغسطس قيصر على أمة اليهود هو هيرودوس الذي في عصره ولد المسيح عيسى ~~عليه السلام 622 قبل الهجرة، فأراد قتله هذا العامل، فأخذته أمه السيدة مريم ويوسف ~~النجار وهربت إلى مصر، ومكثت مدة سنتين، وكانت ولادته في بيت لحم «بالقدس»، ثم عادت إلى ~~الشام ونزلت بمدينة الناصرة، وبها سميت النصارى، وكان في ذلك الوقت مات هذا العامل، ومات ~~أغسطس 14م، فكانت مدة حكمه 43 سنة غير رياسة الجمهورية، وفي عصره وفد على مصر الجغرافي ~~استرابون اليوناني ووصفها وصفا عجيبا. # ذكر الإمبراطور طيبريوس بن أغسطس # وكانت مصر في أيامه سعيدة الطالع لم تتنازل عن بهجتها، ولكونه كان قاسي القلب على ~~أكابر روما كان لا يسوغ لحكام أقاليمه بظلم الرعية أصلا، وهو الذي بنى مدينة طبرية ~~بالشام، وفي عهده رفع المسيح عيسى عليه السلام إلى السماء، وكان هو الذي أمر ~~بتسليمه لليهود؛ كي يصلبوه - والقصة مشهورة - وكان قد تعدى قبحه أن قتل جميع أقاربه ~~وأصدقائه ومن كان محترما من الأهالي، وكان المساعد له سيجان وزيره، فكسا مدينة ~~روما ملابس الحزن، وذهب إلى جزيرة كابريه - في مدخل خليج نابولي - وانهمك على ~~اللذات والمعاصي إلى أن مات سنة 37م. # وتحت حكم كاليغولة تكاثر ورود بني إسرائيل إلى مصر، وأرادوا أن يتمتعوا فيها كما ~~كان ذلك زمن البطالسة؛ حيث كان لهم علاقات مع المقدونيين، فأمرهم عامله على مصر ~~بدخول تمثال الإمبراطور في كنائسهم، ومن يمتنع من ذلك ولم يؤد له حق الإله على ~~المعبود عذب عذابا شديدا، فذهب فوكون أحد علماء ذلك العصر إلى روما ليترافع عن ~~حقوق أبناء وطنه، فلم يعد من سفره فائدة، وكان أقسى قلبا من طيبريوس وأخف عقلا ~~منه، حتى إنه قلد حصانه بوظيفة القنصلية. # ومن ابتداء حكم الإمبراطور كلود الذي خلف هذا الإمبراطور لغاية حكم الإمبراطور ~~ويسبيزيان لم يحدث بمصر أمور مهمة تستحق الذكر، وفي عصر الإمبراطور الأخير حصل مصاب ~~عظيم ببلاد إيطاليا أورث المملكة هما وغما؛ وذلك أن جبل النار ms105 المسمى قيزوف حصل ~~فيه فوران فابتلع مدينتي هيرقولانوم وبومبي، وخرب الحريق معابد كثيرة في روما، ~~ومكث بها ثلاث أيام ثم أعقب ذلك طاعون أهلك أناسا كثيرين. # فتح تيتوس عاشر إمبراطورات روما مدينة بيت المقدس، وعمر هيكل الإسرائيليين الذي ~~كان بمحل يعرف باسم «تل اليهود»، وفي نصف القرن الثاني من التاريخ المسيحي أغار على ~~مصر والنوبة أمم متبربرة كانوا على شواطئ البحر الأحمر، فقتلوا العباد وأحرقوا ~~البلاد ودمروا الهياكل والمعابد. # وفي زمن الإمبراطور تراجان استولى الرومانيون على بلاد العرب النباتيين، وأخذوا ~~مدينة «بترة» وزخرفوها بمباني على نسق المباني اليونانية، باقية آثارها إلى الآن، ~~وحق على التاريخ أن يلوم عليه على ما وقع منه من التسلط في حق النصارى، وفي ذلك ~~الوقت نقصت مياه الترعة التي كان فيها تل بسطة، وتصب بالبحيرات المرة التي كان ~~حفرها بطليموس فيلادلفيس، فأنشئت ترعة أخرى فيها بالقرب من مصر القديمة «بابيلون مصر» وتصب بالبحر الأحمر بالقرب من القرية المسماة قديما بالقلزم - السويس الآن - ~~وتوفي تراجان في سيسيليا، فاختار عساكر الشام قريبه أدريان، وصدق مجلس السناتو ~~على ذلك، فأخذ بالسياحة في جميع ممالكه، وفي أيامه عصت عليه أمة اليهود فطردهم من ~~فلسطين وتفرقوا في البلاد. وفي زمنه وعصر أنطونين ومرك أوريل كانت بلاد مصر في هدوء ~~وراحة، والإمبراطور الأخير هو الملقب باسم «الفيلسوف»؛ لأنه كان فيلسوفا علما ~~وعملا، ولم يمنعه ذلك من القيام بواجب المملكة، فإنه انتصر مرارا على متوحشي ~~الجرمانيين، وكانت جيوشه من النصارى، ومن ثم عاملهم بالعدل والإنصاف، وتوفي مرك ~~أوريل سنة 180م، وفي ذلك العصر كان وجود الجغرافي بطليموس صاحب الكتاب المجسطي ~~الشهير، وكان بمدينة الفرما - من أعمال مصر. # وفي عصر الإمبراطور غاليان كان قد لحق الإسكندرية الخراب التام، وأشركه في الملك ~~شيخ عربي يدعى «أودينه» الذي هزم الفرس شر هزيمة، وبعد موت العربي قام بالأمر بعده ~~امرأته المسماة زينوبيا التي أتت إلى مصر، ولم يمكنها فتح مدينة الإسكندرية إلا بعد ~~موت قلوديوس الذي كان قد أشهر نفسه إمبراطور مدينة الإسكندرية، وكان مقر حكومتها ms106 ~~مدينة البالمير - بالشام - ثم هزمها الإمبراطور أوريليان وحملها إلى مدينة «إيمسه»، ~~فأحد أتباعها المدعو فورموس الشامي أثار فتنة بالوجه القبلي كانت سببا في عصيانه ~~على أوريليان، فبذل همته الإمبراطور المذكور وأطفأ نار تلك الفتن، وقتل الشامي ~~المذكور، وذلك سنة 271م. وفي زمن الإمبراطور دقلطيانوس الذي حكم من 284 إلى 305م ~~عصت عليه أهل مصر؛ لجور نوابه على رعاياهم، فأتى الإمبراطور المذكور وجاليريوس ~~شريكه في الحكم إلى مصر؛ لإطفاء نيران ذلك العصيان، فخربا الوجه القبلي وأحرقا ~~بلاده حتى مدينة قبط 292م، وقد ترك دقلطيانوس لأمة النوبة الأراضي الواقعة بين ~~الشلالين الأوليين، وبنى سورا باق في آثاره إلى الآن؛ لمنع تعدي الأمم المتبربرة ~~على مصر، وبعد ذلك ظهر بالإسكندرية العامل «أشللي»، وأعلن لنفسه الإمبراطورية، فأتى ~~دقلطيانوس بنفسه وحاصر مدينة الإسكندرية مدة ثمانية شهور، وأخذ المدينة المذكورة ~~وقمع أهل الفتنة، ووضع تمثال الإمبراطور على عمود في وسط هيكل سيرابيوم ~~بالإسكندرية، وسموه عمود بومبيه، وهو المعروف الآن بعمود السواري، وقتل أناسا ~~عديدين من المسيحيين، وألقى رممهم غنيمة للحيوانات المفترسة، قاصدا بذلك دخول أهل ~~مصر في ملته، ومع ذلك لم ينجح في جميع مقاصده، وتؤرخ القبط من حادثته. # وأما الإمبراطور قسطنطين الذي حكم من 306-337م ففي عصره انتشرت ديانة المسيح عليه ~~السلام، وتوجه أحد سكان الإسكندرية المدعو فريمنتوس إلى بلاد الحبشة وتكلم في شأن ~~الديانة المسيحية التي لم تتبع إلا بعد ذلك بقرنين، وفي عصر قسطنطين انتقل تخت ~~المملكة من روما إلى القسطنطينية؛ حيث كان الذي أسسها وجمع البطارقة ووضعوا له ~~الشرائع النصرانية، وسارت أمة هيلان - أي اليونان - إلى القدس، وأخرجت خشبة الصليب، ~~وأقامت لذلك عيدا، ومن ذلك الوقت أطلق على أهل مصر اسم الأقباط نسبة إلى مدينة قبط ~~التي بالصعيد. # وقبل موته قسم المملكة بين أولاده، فمن هذا التقسيم حصل الاختلاف بينهم وقتل بعضهم ~~بعضا، وما زال هذا الاختلاف إلى عصر الإمبراطور تيودوز الذي حكم سنة 379م، وفي ~~مدته صدرت الأوامر القيصرية لجميع الولايات الرومانية باتباع الديانة المسيحية، ~~ونشرت قرارات بغلق معابد وهياكل الديانة ms107 الوثنية وهدمها، ومن ثم هدم هيكل سيرابيوم ~~سنة 879م واحترقت الكتبخانة، وأصلح الأحوال بحسن سياسته وتدبيره، وكان له ولدان ~~وهما أرقاديوس وهونوروس فقسم المملكة بينهما، ولكن لم يحصل ذلك إلا بعد موت شريكه ~~فالنتينيان الثاني سنة 389، وجعل الأول على المشرق وتخته مدينة القسطنطينية، وجعل ~~الثاني على المغرب وقاعدته مدينة روما، وهذا التقسيم كان سببا في خرابها الأخير ~~وزوالها بظهور دولة آل عثمان. # الفصل الثامن # | في الكلام على إمبراطورات القسطنطينية ودولة اليونان السفلى # حكمت هذه الدولة بعد انقسام المملكة الرومانية سنة 395م، وانقرضت بظهور السلطان محمد ~~خان الثاني من آل عثمان 1453م. ولنذكر أشهر إمبراطوراتها فنقول: # ذكر الإمبراطور أرقاديوس # وهو أول ملوك هذه الدولة وكانت مملكة الروم في عهده ضعيفة؛ لأنه كان قاصرا وكان ~~الحل والعقد في يد وزيره رومين، وفي مدته صدرت أوامر لجميع الولايات الرومانية ~~باتباع الديانة العيسوية، وأمر بغلق الهياكل والمعابد ولا سيما هياكل مصر، ومات بعد ~~أن حكم 13 سنة وذلك سنة 408م. # جوستسيانوس الثاني # وكان أول أمره حميد السيرة موصوفا بالعدل، ثم ظلم وجار على الرعية وانكب على ~~الملاهي، وترك الحكم لامرأته «صوفية» التي أحبت شابا يسمى «طيباريوس» متصفا ~~بالذكاء والآراء السديدة، فكانت تستشيره في جميع أمورها، فحملت زوجها بأن يوصي له ~~بالقيصرية، قاصدة بذلك أن يتزوج بها، وأرسل إليه ملك التتار الهبارة سفير العقد ~~معاهدة، فرفض «جوستسيانوس» هذا الطلب وأظهر التعاظم والكبرياء، ثم اتفق بعد ذلك مع ~~ملك التركمان وتحالف معه على حرب «كسرى أنوشروان» ملك الفرس؛ بسبب منازعتهما على ~~بلاد أرمينيا، فقامت الحروب بين «جوستسيانوس» وأنوشروان، واستمر القتال بين ~~الدولتين إلى موت الملكين، فانقطعت الحروب بموتهما بعد أن حكم 13 سنة، وقام بالأمر ~~بعده «طيباريوس الثاني». # طيباريوس الثاني # عند جلوسه على كرسي المملكة تحارب مع «هرمز بن أنوشروان»، وكان أرسل لقتاله قائدا ~~من قواده يدعى «موريس» مع ثمانين ألف فارس، فحارب العجم وانتصر عليهم أكثر من ثلاث ~~مرات، فكافأ الملك هذا القائد وزوجه ابنته، وتعهد بأن يكون هو الملك بعده، وعند موت ~~هذا الملك ms108 المذكور تولى «موريس» على الملك. # موريس # وفي أيامه حدثت فتنة في بلاد العجم جبرت «هرمز بن أنوشروان» أن يفر من بلاده إلى ~~«موريس» ليغيثه، فقابله المذكور بالترحاب، وأمده بجيوشه، وأعاده ملكا على بلاد ~~العجم تحت اسم خسرو برويز، ثم حول جيوشه إلى محاربة التتار الهبارة الذين كانوا ~~قد أتوا من آسيا إلى بلاد المجر وسكنوا فيها، فانتصر عليهم عدة نصرات عظيمة، وكان ~~ملك التتار أسر في هذه الواقعات عشرة آلاف فارس، فطلب منه ملك التتار فداء كل واحد ~~منهم دينارا فلم يقبل، ثم طلب منه على كل رأس نصف دينار فأبى أن يعطيه شيئا، ~~فاغتاظ ملك التتار وذبح جميع أسراء الروم، فلما اشتهر هذا الأمر نفرت قلوب الرعية ~~منه ورفعوا لواء العصيان عليه، وولوا بدله رجلا من رعاع الجند يدعى «فوكاس»، ~~فبايعوه بالسلطنة سنة 602م، وكان «موريس» وقتئذ بالقسطنطينية، فلما بلغه الخبر فر ~~هاربا مع عائلته، فأرسل «فوكاس» مجدا في طلبه، فقبضوا عليه، وأمر بضرب أعناق ~~أولاده ثم قتله. # فوكاس # ولما حكم فوكاس أمر عماله الموجودين بمصر برفت جنس المصريين من الوظائف الميرية، ~~فحدث من ذلك اضطراب وفتنة في الإسكندرية، وكان أكثر أهل هذه الفتنة طائفة اليهود، ~~فحكم عليهم هذا الملك بأن يتنصروا فأطاعوه. # وأما خسرو الثاني ملك الفرس الذي هو أبرويز فعند سماعه بقتل موريس الذي أعاده إلى ~~ملك أبيه أظهر الحزن والأسف، وانتهز الفرصة لفتح باب الحرب مع الروم متخذا ذلك حجة ~~وسببا للانتقام من فوكاس، فأخذ جملة حصون وقلاع، واتصلت إغاراته إلى بلاد سوريا، ~~وكان فوكاس قد جرد له جيشا، فانهزم هو وجيشه وتفرق شمله، وكانت أمة الروم قد صممت ~~على خلعه من أعماله القبيحة، فكتبت إلى هيراقليوس أو هرقل والي أفريقا أن يحضر ~~ليخلص القسطنطينية من يد فوكاس، فسار هيراقليوس بجيش مهول إلى القسطنطينية، فقبض ~~الشعب على فوكاس، فأمر بضرب عنقه وعنق إخوته، وبايعوا هيراقليوس سنة 610 وعمره 35 ~~سنة. # هرقل # قد ذكرنا أن «أبرويز خسرو» ملك الفرس تغلب على أكثر ولايات الروم الشرقية في زمن ms109 ~~فوكاس، وقد استمر أيضا في افتتاح البلاد في زمن هرقل حتى فتح أنطاكية وبيت المقدس، ~~ثم اتصلت إغاراته إلى الديار المصرية وبلاد المغرب، وصالح المصريين واتفق معهم على ~~أن يدفعوا له أموالا معلومة كما كانوا يدفعون إلى قياصرة الروم، ثم بعد ذلك قصد ~~بلاد الأناضول فاستولى على بروسة الواقعة على بوغاز البوسفور، واستعان هناك بقبائل ~~التتار الهبارة، وتعاهد معهم على أن يهجموا على بلاد الروملي، فأغاروا على تلك ~~الجهات ونهبوا المدن والقرى، واستمروا على ذلك حتى دنوا من أسوار مدينة ~~القسطنطينية، فلما اشتد الحال على هيراقليوس وآيس من النصرة؛ لقلة عدد جيوشه ولعدم ~~وجود النقود الكافية لتعيين الجيوش، صمم على أن يسافر إلى تونس وينقل تخت المملكة ~~هناك؛ لأنها كانت تابعة لدولته، فصده عن ذلك بطريق القسطنطينية، وفتح خزائن ~~الكنيسة، وأمده بما لزم من الأموال لتعيين الجنود، فصالح التتار ورفع عنه أشغالهم ~~نظير مبلغ معلوم من المال، ثم إنه عين جيشا عرمرما وزحف بنفسه لقتال الفرس، وعند ~~وصوله إلى مدينة أبسوس - حيث انتصر هناك الإسكندر على الفرس - وافته جنود الفرس ~~فانتصر عليهم بعد قتال شديد، ثم رجع إلى القسطنطينية ظافرا منصورا، ولم تزل عساكر ~~الفرس بعد هذه الهزيمة تشن الغارة وتلقي الفساد في أطراف تلك البلاد، فحاربهم ~~هيراقليوس مرة ثانية لصدهم وردعهم، وذلك لكونه عبر البحر الأسود، وقطع جبال ~~أرمينيا، وكان قد اتحد مع التركمان على قتال الفرس فأمدوه بجانب من الجيش، ثم قصد ~~بلاد العجم، وعند وصوله إلى نينوى حصل بينه وبينهم قتال مهول فانتصر أيضا عليهم، ~~واتفق بعد ذلك بأيام قليلة أن شيرويه قتل أباه المدعو أبرويز خسرو وجلس مكانه، وعقد ~~صلحا مع هرقل بعد أن رد إليه جميع ولايات الروم الشرقية التي كان أخذها والده، ~~ورجع إلى القسطنطينية فائزا بالنصر، ثم ترك إدارة الحكم وانهمك في مجادلات دينية ~~من جهة لاهوت المسيح، وقد أرسل إليه النبي # صلى الله عليه وسلم # كتابا فقام يسلم لولا امتناع ~~البطارقة، ولم يقع بينه وبين الرسول حروب، لكن حاربه أبو بكر الصديق ms110 وأخذ منه دمشق ~~واستولى على جانب عظيم من سوريا، وكانت مدة حكمه 31 سنة، وكان عامله على مصر ~~المقوقس الذي حاربه عمرو بن العاص في خلافة عمر بن الخطاب وهزمه شر هزيمة وأخذ مصر ~~منه، واستمرت القياصرة واحدا بعد واحد إلى أن جاءت ولاية تيوفيل الذي حاربه ~~المأمون كما سيأتي، ثم ميخائيل الثالث وهو آخر ملك من ذرية هرقل، وحكم سنة ~~842م. # واستمر حكمه إلى أن قتله رجل يدعى باسيل واغتصب الحكم منه سنة 867م، وفي مدة حكمه ~~لم تنقطع الحروب بينه وبين المسلمين في خلافة المتوكل على الله. # ذكر الإمبراطور باسيل # وقام بالولاية سنة 867، وهو أول إمبراطورات الدولة المقدونية، أصله من عائلة ~~فقيرة، كان سائسا عند سلفه ميخائيل الثالث، وكان ماهرا جدا في تربية الخيول، ~~فأحبه ميخائيل لما ساعده على توليته كرسي المملكة بقتل الإمبراطور بردايس، وأشركه ~~معه في الأحكام؛ ولذا كان هذا الإمبراطور موصوفا بالفراسة والذكاء ومحبا لانتشار ~~المعارف، لم يتحمل أطوار ميخائيل الفظة وقساوته الشنيعة فعمل على قتله، واستبد ~~بالحكم سنة 886م، وأعاد للسلطنة جانبا من عزها وشرفها الأولين، وأصلح شرائع البلاد ~~وتحصينها وتقويتها بحيث تستطيع أن تفتح حروبا وتقاوم هجوم العرب وقبائل أوروبا؛ ~~ولهذا الإمبراطور تأليف يعرف بفن الأحكام كتبه لابنه «ليون» وطبع في باريس سنة ~~1584، وترجم إلى اللغة الفرنساوية سنة 1590، وله أيضا مجموع للشرائع في ستين ~~مجلدا تعرف بالباسيلية، ابتدأ فيها باسيل وأتمها ابنه وهي مطبوعة أيضا. # ومن أشهر سلاطينها وأعظمهم نيفوروس فوكاس - غير الذي حاربه الرشيد بما أن نيفوروس ~~الذي حاربه الرشيد كان من عائلة هرقل - ويوحنا زمسيس فكانت البلاد في أيامهما نامية ~~زاهية، وكان يوحنا زمسيس قد حارب المسكوف عند إغارتهم على القسطنطينية فانتصر عليهم ~~وقهرهم، ثم زحف إلى بلاد الشام المعروفة باسم سوريا واستخلص جملة مدن من أيدي ~~المسلمين، وعبر نهر الفرات وفتح مدنا حصينة في تلك الجهات، ولما مات هذا الملك ~~أخلفه ملوك غير مشهورين، فلهذا الداعي ضربنا صفحا وصرفنا النظر عن ذكرهم، وكان ~~آخرهم ميخائيل السادس الذي في مدته اضمحلت ms111 دولة الروم، ووقعت في أيامه الدولة في ~~حالة السقوط والضعف. # ولما رأى الروم ضعف ملوكهم وسقوط دولتهم بايعوا إسحاق كومنينوس بالسلطنة سنة ~~1056م، وكان المذكور من عائلة معتبرة من أعيان الرومانيين، فاستبد بالأحكام سنتين، ~~ثم تنازل عن الحكم لداعي مرض أصابه. ومن خلفائه كومنيوس أليكسيوس الذي جلس على سرير ~~الملك سنة 1081، وفي أيامه وقعت دولة الروم في حروب عظيمة مع الترك، وحاربه روبرت ~~غسكار ملك النورمنديين فغلبه وانهزمت الروم شر هزيمة، واشتهر أليكسيوس هذا في ~~التاريخ بخيانته للصليبيين، ومقاومته لهم سرا، فكان يدعوهم في مبدأ الأمر من ~~أوروبا ويعدهم بالمساعدة على أعدائهم؛ ليضعف بواسطتهم قوة الأتراك السلجوقيين الذين ~~كانوا يهددونه بالحروب، ثم عند انتصاراتهم يعمل على ضررهم، وكان جل قصده بهذه ~~التدابير السياسية تهييج ممالك أوروبا، وتشغيل أفكارهم بتجهيز الرجال وجمع الأموال ~~لمحاربة سوريا وفلسطين، لكي يقي سلطنته من محاربة طوائف الفرنج التي كانت طالما ~~تشتاق لمحاربة تلك البلاد لتفتحها طمعا لاكتساب غناها، وقد نال مرامه في ذلك؛ لأنه ~~بسبب حروب الأتراك مع الصليبيين انتهز الفرصة واستخلص عدة مدن وجزائر كانت فتحها ~~المسلمون واستولوا عليها حالة كون هذه البلاد في يده، وبقيت البلاد بعده في أمن ~~وسلم مدة طويلة من الزمان، ومات سنة 1195. # وفي سنة 1355 تولى الملك يوحنا باليولوغوس، وكانت مدة حكمه نحو 36 سنة، وكان ملكا ~~ظالما قاسيا قبيح السيرة، ومن ضمن قبائحه أنه جعل أخاه الأكبر المسمى أندرونيكوس ~~مفقود العينين، وحفيده يوحنا، وسجنهما فهاج الشعب من هذا العمل الشنيع، واجتمع ~~أعيانهم وأخرجوا الأعميين من السجن، وأعادوهما رغما عنه إلى كرسي المملكة، فالتزم ~~باليولوغوس أن يهرب مع ابنه مانويل، وبسبب ذلك وقعت تحزبات وانقسامات بين الأهالي ~~ألجأتهم إلى إشهار السلاح بعضهم على البعض الآخر، وأخيرا اتفقوا على تقسيم السلطنة ~~إلى قسمين أحدهما لباليولوغوس وهي مدينة القسطنطينية، والثاني إلى الأميرين ~~الأعميين وهو ما بقي من المملكة، وفي سنة 1365 أغار على القسطنطينية السلطان بايزيد ~~من آل عثمان وتهدد ملكها بالخراب، فضرب عليها الخراج، ثم هجم عليها ثانيا سنة 1399 ms112 ~~تحت حجة الأخذ بثأر يوحنا الأعمى، وحاصرها فهرب مانويل إلى فرنسا يطلب المدد فلم ~~ينجده أحد، واتفق ظهور تيمورلنك وإغارته على البلاد العثمانية، فاضطر السلطان ~~بايزيد أن يرحل عن القسطنطينية خوفا من سطوة تيمورلنك، فهزم بايزيد وقتل في واقعة ~~بالقرب من مدينة أنقرة، واستمرت القسطنطينية في أيدي أهلها إلى عهد السلطان محمد ~~الثاني، وكان من الشجعان الموصوفين بالفراسة؛ حيث جهز جيشا لفتح القسطنطينية، وكان ~~ملكها في هذا الوقت قسطنطين الثالث عشر الذي هو آخر ملوكها، فحاصرها محمد خان برا ~~وبحرا إلى أن افتتحها سنة 1453، وصارت كرسي مملكة الدولة العثمانية. # الفصل التاسع # | في تاريخ العرب # اعلم أن العرب يسمون بلادهم جزيرة العرب، وهي في الحقيقة شبه جزيرة، ويحدها من الشمال ~~فلسطين وبعض سوريا والجزيرة، ومن الشرق الجزيرة أيضا والعراق العربي والخليج الفارسي ~~وجزء من بحر الهند، ومن الجنوب بحر الهند أيضا، ومن الغرب بوغاز باب المندب والبحر ~~الأحمر المعروف بخليج العرب وبوغاز السويس. # وتنقسم بلاد العرب إلى خمسة أقسام: وهي اليمن والحجاز ونجد واليمامة وأرض البحرين وهي ~~معدودة عند أكثرهم من العراق، وهي في الحقيقة في بلاد العرب إلا أنها متصلة ~~بالعراق. ~~(1) أمة العرب قبل الإسلام # اعلم أن العرب ينسبون أنفسهم إلى ذرية إبراهيم الخليل عليه السلام، فكان قحطان ~~وإسماعيل أصلين للنسلين العظيمين اللذين عمرا شبه جزيرة العرب، الأول في جنوبها ~~والثاني في شمالها، ويقال لهذين النسلين العرب المستعربة والعرب المتعربة لتمييزهما ~~عن عرب العربا الذين يقال إنهم من نسل قومي عاد وثمود. # فأما عاد فعلى حسب الروايات القديمة كان يسكن ومعه قومه صحراء الأحقاف - شمال ~~حضرموت - وقد أرسل الله إليهم هودا عليه السلام، فلم يؤمن بالله منهم إلا قليل، ~~فأرسل الله عليهم ريحا صرصرا فأهلكهم عن آخرهم. وأما ثمود وقومه فكانوا يسكنون ~~الأقطار الحجازية، فأرسل الله إليهم صالحا عليه السلام، فدعاهم إلى التوحيد، فما ~~تبعه إلا المستضعفون منهم، فأرسل الله عليهم صيحة من السماء فأصبحوا في ديارهم ~~جاثمين على الركب، وسار صالح عليه السلام إلى الشام. # والعمالقة وهم من ذرية ms113 سام على رأي البعض أو من ذرية حام على رأي البعض الآخر، ~~وأما العرب المتعربة وهم بنو قحطان فقد توطنوا باليمن وأسسوا فيها عائلتين ~~ملوكيتين؛ عائلة ملوك سبأ والثانية عائلة ملوك حمير، وبقي لسان العرب العرباء هو ~~اللغة العربية الحقيقية المستعملة إلى الآن في الحجاز ونجد، ولكن سكان مدن اليمن قد ~~استعملوا لغة بني حمير التي تعلمتها بنو قحطان من آبائهم الأول. # وأما العرب المستعربة فظهروا بعد زوال بني قحطان بزمن طويل، وقد قيل إن إبراهيم ~~الخليل عليه السلام لما أوحي إليه من قبل الله عز وجل بأن يبني في مكة المشرفة ~~هيكلا أي معبدا مباركا رحل من الشام امتثالا لأمر الله، ونزل في بلاد العرب ~~وشيد فيها الكعبة سنة 2740ق.م التي عظمتها العرب منذ أزمان طويلة بأنواع التعظيمات ~~الدينية، وقد أقعد بناؤها خليل الرحمن عن الرحيل من الحجاز مدة عدة سنين، وعاونه ~~على بنائها ابنه إسماعيل عليه السلام المولود بأرض مكة عينها، وعين الماء التي عثرت ~~عليها هاجر - والدة إسماعيل - تسمى بئر زمزم، وأن الحجر الأسود المشهور جاء به ~~لإسماعيل جبريل عليهما السلام، ولم يزل هذا الحجر موضوعا من قديم الزمان في بناء ~~الكعبة، ومن نسل إسماعيل عدنان الذي ينتهي إليه النسب الصحيح للنبي # صلى الله عليه وسلم ~~. # وأما حمير الخامس عشر من أولاد يعرب بن قحطان - الذي هو أول من تكلم باللغة ~~العربية - إليه تنسب عائلة بني حمير التي حكمت باليمن ما ينوف عن عشرين قرنا، وهو ~~الذي طرد ثمود وقومه إلى الحجاز، ومن ملوك الحميرية إسكندر ذو القرنين المذكور في ~~القرآن الشريف، ومنهم أيضا أفريقش وذو الأذعار والهدهاد وبنته بلقيس التي أتت ~~طائعة إلى سيدنا سليمان كما تقدم وتزوجها، ومنهم تبع وإليه تنسب التبابعة، وحكم ~~منهم 24، واستمر حكمهم إلى سنة 96ق.ه، ومنهم ذو نوانس ودخل في دين اليهود وجبر ~~الناس على الدخول في هذا الدين، ومن لم يدخل فيه يحرق، وظلم المسيحيين فاستعانوا ~~بالنجاشي ملك الحبشة الذي كانت ديانته مسيحية، ولما طلبوا معاونته لإنقاذهم من هذا ~~الظلم ms114 أرسل المذكور ابنه أرياط مترئسا على جيش مهول ليستولي على بلاد اليمن، فدخل ~~فيها وفتح بعض مدنها وهزم آخر ملوك التبابعة، ثم قتل أرياط فترأس على الجيوش أبرهة ~~الأشرم صاحب الفيل الذي عزم على فتح مكة المشرفة، وكانت في هذا الوقت تحت رياسة عبد ~~المطلب جد النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، فقام عبد المطلب وحارب خصمه وهزمه في سنة 571م، ومات ~~أبرهة عند وصوله إلى اليمن، وسميت هذه السنة بعام الفيل، وآخر ملوك الحبشة باليمن ~~كان مسروق، ثم حكمت اليمن ثانيا ملوك حمير، والذي حكمها هو سيف بن ذي يزن الحميري، ~~وقد أمده كسرى أنوشروان ملك الفرس على الحبشة بجيش، فطرد جيوش الحبش، وتقرر سيف في ~~الملك واستمر حاكما إلى أن قتل، فأرسل كسرى عمالا من طرفه على اليمن واحدا بعد ~~واحد إلى أن كان آخرهم بازان الذي دخل في الديانة الإسلامية المحمدية سنة 10 ~~هجرية. # وأما المهاجرون الذين خرجوا من بلاد اليمن بعد السيل العرم الذي حصل سنة 700ق.ه ~~فأنهم أسسوا في شمال بلاد العرب مملكتين، إحداهما على شاطئ نهر الفرات وتعرف باسم ~~مملكة الحيرة، دخلت في دين الإسلام سنة 11ه، وثانيتهما مملكة غسان، وهي في ضواحي ~~مدينة دمشق، وأسلمت سكان هذه المملكة سنة دخول أهل بلاد الشام في الديانة ~~الإسلامية؛ أعني في زمن خلافة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه. ~~(1-1) الكلام على طباع العرب وأخلاقهم # ذكر المؤلف هردر أن العرب كانت منتشرة من قديم الزمان خلف شبه جزيرتهم - أعني ~~في زمن الجاهلية الذي يطلق على الأعصر الأول من تاريخهم - وكانت العرب قد أسست ~~ممالك صغيرة في العراق والشام كما تقدم، وكان بعض قبائلهم يسكن وادي مصر، وكان ~~الحبش من نسلهم، وقد توطن العبرانيون الذين بعث إليهم موسى بن عمران عليه ~~السلام مع قبائل العرب في أغلب الأزمان، وكانت تحافظ قدماء العرب على أخلاق ~~أجدادهم، ولكن تغيرت طباعهم بعد ذلك فصاروا سفاكين للدماء، ومع كونهم ذوي حرية ~~وكرم وعزة نفس فإنهم سريعو الغضب أقوياء الجراءة، فترى في ms115 الواحد منهم صفات ~~الفضائل والرذائل التي عليها أمته، وفخارهم بالسيف وإقراء الضيف وفصاحة ~~اللسان، بل كان السيف هو الكفيل الوحيد في إثبات حقوقهم والوقوف على معرفتها ~~جيدا، وكان إقراء الضيف معتبرا أنه القانون الجامع لقوانين الإنسانية، وكانت ~~الفصاحة لعدم معرفتهم بالكتابة والقراءة تستعمل في فصل المخاصمات التي كانت ~~لا تنهيها المحاربات، وكانوا لا يتزوجون أمهاتهم ولا بناتهم، ويسمون من يتزوج ~~امرأة الأب الضيزن ويعيبونه بذلك، ولهم عوائد كثيرة لا يسع المقام ~~شرحها. ~~(2) سيدنا محمد # صلى الله عليه وسلم ~~(2-1) صاحب الشريعة الغراء # ولد # صلى الله عليه وسلم # يوم الاثنين 9 ربيع الأول الموافق 20 إبريل سنة 571م - كما أثبت ~~ذلك سعادة المرحوم محمود باشا حمدي الشهير بالفلكي في كتابه المؤلف باللغة ~~الفرنساوية، وترجمه حضرة أحمد أفندي زكي، المسمى نتائج الأفهام في تقويم العرب ~~قبل الإسلام - وهو سيدنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف ~~بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن ~~كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان (كذب ~~النسابون بعد عدنان)، توفي أبوه عبد الله بالمدينة وكان عمره 25 سنة، ودفن ~~بمحل يعرف بدار النابغة الجعدي، وكان رسول الله يومئذ حملا، وتوفيت أمه آمنة ~~بنت وهب بالمحل المعروف بالأبواء بين مكة والمدينة، حين بلغ عمره ست سنين، ~~فكفله جده عبد المطلب، فلما بلغ النبي ثمان سنين مات عبد المطلب، فقام بأمره ~~عمه أبو طالب بوصية من عبد المطلب، وأقام عنده حتى بلغ، فكان أحسن الناس ~~منطقا إذا تكلم، وأصدقهم حديثا، فدعي الأمين في قومه، ولما بلغ عمره # صلى الله عليه وسلم # 25 سنة سافر إلى بر الشام في تجارة لخديجة بنت خويلد التي صارت زوجته ~~فيما بعد، وعمرها أربعون سنة، وكل أولاده منها إلا إبراهيم فإنه من مارية ~~القبطية - التي أهداها له المقوقس - وتوفيت خديجة وأبو طالب قبل الهجرة بثلاث ~~سنين أي في سنة ms116 16 من النبوة. # وفي سنة 35 من عمره بنت قريش الكعبة، وتنازعوا في وضع الحجر الأسود؛ لأن كل ~~قبيلة تريد أن تضعه، ومكثت في المنازعة مدة أربعة أيام، ثم اتفقوا على تحكيم ~~أول داخل من باب «بني شيبة»، فكان أول داخل منه النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، فأمرهم بأن ~~يحضروا ثوبا فوضع الحجر الأسود فيه وكل قبيلة أخذت طرفا من أطرافه، ولما ~~وصلوا إلى محله أخذه النبي # صلى الله عليه وسلم # ووضعه وبنى عليه. # ولما بلغ سن الأربعين بعثه الله على فترة من الرسل إلى كافة الناس بشيرا ~~ونذيرا، وكان ذلك بعد ولاية كسرى أبرويز ملك الفرس بعشرين سنة، وأول ما بدئ ~~به من الوحي الرؤيا الصادقة الصريحة، فكان لا يرى رؤيا إلا وتقع مثل ما يرى، ~~ثم حبب إليه الخلا، فكان يتعبد في غار «حراء»، وكان يمكث فيه ليالي مختلفة ~~إلى أن جاءه الوحي، وقال له: اقرأ، فقال: ما أنا بقارئ، ثلاث مرات، ثم قال له: # اقرأ باسم ربك الذي خلق # الآية فكانت هذه أول آية نزلت من القرآن، وبعد ذلك فتر الوحي، ثم تتابع، فقام ~~يدعو الناس سرا، فأول من أسلم من الرجال أبو بكر الصديق رضي الله عنه، ومن ~~النساء خديجة الكبرى، ومن الصبيان علي بن أبي طالب، ومن الموالي زيد بن حارثة . ~~ومكث يدعو إلى دين الله سرا مدة ثلاث سنين، ثم أمر بإظهار دعوته، ولما اشتد ~~أذى المشركين لأصحابه أذن لهم بالهجرة إلى بلاد الحبشة، وهذه هي الهجرة ~~الأولى، فأرسلت قريش في طلبهم عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد بهدايا للنجاشي ~~ملك الحبش، فخاب سعيهم جميعا، فتعاهدت قريش على بني هاشم والمطلب أن لا ~~يناكحوهم ولا يبايعوهم وإلى غير ذلك، وأسري بالنبي عليه السلام في السنة ~~الثالثة عشرة من النبوة من مكة إلى بيت المقدس ومنه إلى السماء، وفرضت عليه ~~الصلاة، وفي هذه السنة كانت الهجرة الثانية. ~~(2-2) الهجرة # وفي سنة 622م تكاثر دخول أهل يثرب في دين الإسلام، فلما علمت كفار قريش بذلك ~~أجمعوا ms117 على قتله # صلى الله عليه وسلم # وتفريق دمه في القبائل، بأن يأخذ رجل من كل قبيلة ~~سيفا ويضربوه مرة واحدة فيتفرق دمه ولا يمكن الأخذ بثأره حينئذ، فأذن له ~~بالهجرة عليه الصلاة والسلام من مكة دار ولادته إلى المدينة دار وفاته، فخرج ~~ليلا مع أبي بكر الصديق، بينما كان علي بن أبي طالب يبذل نفسه في صرف ~~المهاجمين عنه # صلى الله عليه وسلم ~~، وكان النبي والصديق قد سلكا معا طريقا مغايرا ~~لطريق يثرب، فمكثا جملة أيام في غار بجبل ثور الكائن على بعد ثلاثة أميال من ~~مكة من جهة الجنوب، وأدركا بفطانتهما أن الأعداد تبعت أثرهما، فسارا حتى وصلا ~~إلى ساحل البحر الأحمر وبعد أن نجاهما الله من أعدائهما وصلا بعد ذلك بستة ~~أيام إلى أرض يثرب، فنزلا قباء التي بنى فيها أول مسجد للإسلام، ولم يزل ذلك ~~المسجد باقيا إلى الآن، وقد صارت الهجرة من مكة إلى يثرب مبدأ تاريخ السنين ~~والحوادث عند الإسلام بناء عن أوامر سيدنا عمر بن الخطاب ثاني الخلفاء ~~الراشدين، وكانت في يوم الاثنين 8 ربيع الأول/20 من شهر سبتمبر سنة 622م ~~(نتائج الأفهام في تقويم العرب قبل الإسلام)، فأقام النبي عليه أفضل الصلاة ~~وأتم السلام في قباء حتى لحقه علي بن أبي طالب، ثم دخل يثرب بمحفل عظيم، وقبل ~~فيها ضيافة أبي أيوب، واشترى قطعة أرض وبنى فيها مسجدا، وسميت يثرب بالمدينة ~~المنورة، واختلطت القبيلتان الأوس والخزرج اللتان تجمعتا تحت لواء الإسلام بعد ~~التشاحن والتباغض، وسميتا بالأنصار - أي المساعدين للنبي # صلى الله عليه وسلم # على أعدائه ~~- وسمي المسلمون من أهل مكة بالمهاجرين، وفي السنة الثانية من الهجرة حولت ~~القبلة إلى الكعبة بعد بيت المقدس، وفرض صوم رمضان وتزوج علي فاطمة ~~الزهراء. ~~(2-3) ابتداء الحروب بين النبي # صلى الله عليه وسلم # وكفار قريش ووصف واقعة بدر سنة 624م ~~الموافقة 3 هجرية # قد مضت تلك المدة على النبي # صلى الله عليه وسلم # في مقاساة تلك المحن السابقة، ثم أذن له ~~بالحرب لإحياء الأحكام الدينية التي يدعوهم ms118 إليها، وبالجملة فكانت نصرته في ~~غزواته هي البرهان الأكبر على إمداده بنصر الله وحمايته إياه، فلما عزم على ~~فتح مكة تعاهد مع أصحابه على أن يكونوا معه في جهاد أعدائه للانتقام منهم ~~لمخالفتهم ومبارزتهم له بالإساءات التي أساءوه بها مدة إقامته في مكة، ~~وإخراجهم إياه منها. فلما نهب عبد الله بن جحش قافلة في شهر رجب لأحزاب النبي # صلى الله عليه وسلم # جهز غزوة لمحاربته، ثم لما بلغه أن قافلة قريشية راجعة من الشام، ~~وكان قائد هذه القافلة أبا سفيان بن حرب، فلما أخبر بسير المسلمين لنهب ~~القافلة أرسل إلى أهل مكة أن يغيثوه بإمداد، فتوجه ألف مقاتل من قريش قائدهم ~~أبو جهل إلى وادي بدر، وكان أهل الإسلام قد سبقوهم إليه، فبعث أبو سفيان إلى ~~أبي جهل سفيرا يخبره بأن القافلة نجت، فلم يرجع إلى مكة، وظن أنه قد تحققت ~~النصرة لقريش على الإسلام، فقامت الحروب بين الفريقين، وقتل أبو جهل في تلك ~~الواقعة، وعاد منها على النبي أعظم النصر والفخار # صلى الله عليه وسلم ~~. ~~(2-4) وصف واقعة أحد وحرب الخندق 626-627م الموافقة 5-6ه # ولما اجتمع تحت قيادة أبي سفيان ثلاثة آلاف من المشركين، وساروا من مكة حتى ~~وصلوا إلى المدينة، وخرج النبي # صلى الله عليه وسلم # لقتالهم في ألف، فانخذل عنه المنافقون ~~وبقي معه سبعمائة، ونزل الشعب من أحد، وجعل ظهره إلى أحد، ثم تقارب الجيشان، ~~فانهزم المشركون، فطمعت الرماة في الغنيمة، فرجع المشركون إليهم، وأشاعوا بأن ~~محمدا قتل، وانكشف المسلمون فقتل منهم سبعون، ومن المشركين اثنان وعشرون، ~~وأصيبت رباعية الرسول، وشج وجهه، وجرحت شفته، ثم صعد أبو سفيان الجبل وقال: ~~الحرب سجال، يوم بيوم بدر. ثم قال: موعدكم العام المقبل، فأمر النبي أن يقال ~~له: هو بيننا وبينك. وفي هذه الواقعة جرح علي بن أبي طالب الذي أشهر نفسه في ~~ابتداء القتال بعجيب الفروسية وغريب البسالة وأبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب ~~رضي الله على الجميع، وقتل عم النبي حمزة رضوان الله عليه، ولما بلغ الرسول # صلى ms119 الله عليه وسلم # تحزب قبائل العرب عليه أمر أصحابه بحفر الخندق حول المدينة ~~المنورة، فلما أراد الأعداء ومعاهدوهم أن يهجموا على المدينة عجزت عزائمهم عن ~~الوصول إليها، وفي ذلك الوقت اتضح انفساخ المعاهدة اليهودية التي كان انضم ~~إليها بنو قريظة، وذلك أن المسلمين ألقوا الشقاق بين رؤساء تلك المعاهدة، ~~ورفع الحصار عن المدينة المنورة بعد مناوشات أظهر فيها علي بن أبي طالب ~~عزائمه وبأسه وانتصاره، فبذل الرسول # صلى الله عليه وسلم # بعد رفع الحصار الجهد في ~~محاربتهم حتى أذلهم واحدة بعد الواحدة، فحارب أولا بني قينقاع فقتل منهم علي ~~- على قول مؤرخي العرب - سبعمائة رجل، ثم غزا قبيلة قريظة ثم قبيلة لحيان ثم ~~قبيلة المصطلق بينما كانت بعوثه ينتقمون من القبائل الأخر المعادية ~~لهم. ~~(2-5) سير الرسول إلى الحديبية وحرب خيبر # وفي سنة 628م أي سنة 7ه خرج الرسول معتمرا في ألف وأربعمائة من المهاجرين ~~والأنصار لا يريد حربا، وساق حتى نزل الحديبية أسفل مكة، فبعثت قريش إليه عمر ~~بن مسعود الثقفي رئيس الطائف يقول: إن قريشا لبست جلود النمور وعاهدوا الله ~~أن لا تدخل عليهم مكة عنوة أبدا، فرأى من احترام الصحابة للرسول ما لم ير ~~مثله لملك من الملوك، فرجع إلى قريش، وقال لهم: «إني أتيت كسرى وقيصر في ~~ملكهما، فوالله ما رأيت ملكا في قومه مثل محمد في أصحابه.» ثم بعث الرسول ~~إليهم «عثمان بن عفان » يعلمهم أنه لم يأت للحرب وإنما جاء معتمرا، فذهب ~~وأخبرهم بذلك فمنعوه من الرجوع إلى النبي، وأشيع في الصحابة أن عثمان قتل، ~~فقال النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «لا نبرح حتى نناجز القوم.» ودعا إلى بيعة الرضوان تحت ~~الشجرة، فبايعهم على أن لا يفروا ولا يتخلفوا عنه، وبايع لعثمان بإحدى يديه ~~على الأخرى، وقال هذه بيعة عثمان، فبينما هم كذلك؛ إذ بعثت قريش إلى الرسول ~~سهيل بن عمرو في الصلح فأجاب، وكتبوا بذلك كتابا فيه وضع الحرب على الناس عشر ~~سنين وغير ذلك. ثم نحر الرسول هديه وحلق رأسه، وكذا المسلمون، ms120 ورجع ~~المدينة. # وفي سنة 7ه تزوج النبي أم حبيبة وميمونة وصفية بنت يحيى بن أخطب، وقدم مهاجرو ~~الحبشة، وسار الرسول والصحابة إلى قتال يهود خيبر؛ حيث كانوا ساكنين في موضع ~~على بعد قدره خمسة فراسخ من المدينة المنورة، وكانوا يستجلبون لأنفسهم معظم ~~متاجر الحجاز ونجد، وأبدى علي بن أبي طالب في هذه الواقعة من الشهامة ما ~~أزال به جميع العوائق وتحصن أهل خيبر في القلاع الحصينة التي كانت خزائن ~~أموالهم مدخرة فيها، فأعدم بذلك الحرب إلى الأبد شوكة اليهود السياسية، ثم سار ~~النبي إلى وادي القرى وحاصرها وفتحها عنوة، وبعد ذلك جاء كثير من قبائل نجد ~~إلى النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، فحيوه بسيد سادات جزيرة العرب، وأذعنوا له بالحكم المطلق ~~عليهم، وسألوه أن يصحبوه في الحروب التي سيخرج إليها، وفي هذه السنة تتابعت ~~رسله # صلى الله عليه وسلم # إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام، فأرسل إلى كسرى أبرويز ملك ~~الفرس، فمزق كتابه، ولما بلغه # صلى الله عليه وسلم # أن المذكور فعل هذا الفعل قال: «وكذلك ~~سيمزق الله ملكه.» وأما الملك هرقل فبعث بجواب تلطف فيه، وكذلك المقوقس عامل ~~مصر من طرف هرقل، والنجاشي ملك الحبش، فبعثوا إليه هدايا، ودخل بازان عامل ~~اليمن من قبل الفرس في دين الإسلام، وأما الحارث ملك غسان وهوذة ملك القبيلة ~~النصرانية من بني حنيفة سكان اليمامة فأبيا الإجابة لما دعيا إليه. ~~(2-6) حرب مؤتة سنة 8ه، وفتح مكة سنة 630م وسنة 9ه، وحرب حنين وحصار مدينة ~~الطائف # ولما قتل شرحبيل أحد ملوك غسان التابع إلى الملك هرقل (إمبراطور ~~القسطنطينية) سفيرا من سفراء النبي # صلى الله عليه وسلم # كان قد نزل بمدينة بصرى أثار ~~حربا سافكة للدماء ما بين العرب والروم، فسار من المسلمين ثلاثة آلاف مجاهد ~~تحت قيادة زيد رضي الله تعالى عنه، ودهموا الجيش الرومي والجيش العراقي بقرب ~~مؤتة في جنوب دمشق بأرض البلقاء، فاستشهد زيد بن حارثة قائد المسلمين، وخلفه ~~جعفر بن أبي طالب فقطع الأعداء يديه، فمسك الراية بذراعيه، واستشهد في هذه ms121 ~~الواقعة وبه نحو خمسين جرحا كلها في الجهة الموجهة للأعداء، فأخلفه عبد الله ~~بن رواحة واستشهد كذلك، ثم خلفه خالد بن الوليد وانتصر على الأعداء وردهم ~~القهقرى، ورجع إلى المدينة المنورة حائزا أشرف النصر في تلك الواقعة. # وكان قد بقي على النبي # صلى الله عليه وسلم # أن يفتح مكة حتى يتم له النصر؛ إذ كانت ~~مركزا لعبادة الأصنام وتخت مدن بلاد العرب؛ لكي يؤسس فيها ما جاء به من الدين ~~تأسيسا متينا بدلا عما كانت عليه العرب من العبادة الجاهلية، فلاحت له ~~الفرصة في فتحها؛ وهي أن كفار مكة نقضوا العهد فقام الرسول عليه الصلاة ~~والسلام وجميع القبائل البدوية الحديثة الدخول في الإسلام، ثم سار مع عشرة ~~آلاف مقاتل لقتال أهل مكة، فلما رأوه بهذه الحالة وقع الرعب في قلوبهم ولم ~~يقاوموه أدنى مقاومة، وسلم العباس وأبو سفيان له من غير قتال سنة 630م سنة 9ه، ~~فسار النبي عقب ذلك إلى الكعبة وكسر جميع الأصنام قائلا: «جاء الحق وزهق ~~الباطل.» وفي هذه السنة بعث خالد بن الوليد إلى بني خزيمة، وفيها غزوة حنين، ~~وبينه وبين مكة ثلاث ليال تجمعت هوزان وثقيف وبنو سعد بن بكر لحرب الرسول، ~~ولما بلغه خرج إليهم من مكة مع اثني عشر ألف، فانهزم المسلمون أولا؛ إذ ~~أعجبتهم كثرتهم كما أخبر الله، ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ~~وأنزل جنودا لم يروها فانهزم المشركون، وألجئت ثقيف إلى الطائف. # وأما عرب ثقيف المتعاهدون مع هوزان فإنهم وإن كانوا مصرين بعنادهم على عبادة ~~إلههم اللات فقد قاوموا المسلمين المحاصرين مدينة الطائف عشرين يوما، ولما ~~رأى النبي # صلى الله عليه وسلم # ذلك منهم أمر برفع الحصار عنهم مؤملا أن مقتضيات الزمن ~~المستقبل تئول إلى الدخول في دين الإسلام، فرجع عن تلك المدينة إلى مكة وزار ~~الكعبة ثم رجع إلى المدينة المنورة. # فصار فتح مكة وإسلام كفار قريش وهزم قبائل هوزان وهدم الهياكل التي كانت معدة ~~لعبادة الأصنام سببا في زوال عبادة العرب الجاهلية. ~~(2-7) الكلام على غزوة ms122 تبوك وسنة السفارات للملوك # ولما أشيع أن الروم والعرب النصارى يجمعون جيوشهم في حدود بر الشام خطب النبي ~~خطبة حث فيها المؤمنين على الجهاد، وأمده الأغنياء بأموالهم، فجهز عشرة آلاف ~~فارس وعشرين ألف رجل واثني عشر ألف جمل، وسار بذلك الجيش حتى وصل إلى تبوك ~~الكائنة في منتصف الطريق بين المدينة ودمشق الشام، ثم أمر بالرجوع واكتفى ~~بانقياد أربع مدن وهي جرباء وأذرح وأيلة ودومة الجندل. # وأما باقي السنة أي سنة 620م الموافقة سنة 10ه، وهي المعروفة في تواريخ ~~الإسلام بسنة السفارات للملوك، فقد اشتهرت بدخول خلق كثير من الأجلة في ~~الدين المحمدي، وكذلك سكان مدينة الطائف وقبائل ثقيف ومشايخ اليمن الحميرية ~~ومشايخ إقليم مهرة وملوك حضرموت وعمان وجزائر البحرين واليمامة، قد بعثوا إلى ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # رسلا ليبايعوه على الإسلام، وباقي القبائل أطاعهم خالد بن ~~الوليد بعضهم بالحرب وبعضهم طوعا. وبعث علي بن أبي طالب إلى اليمن ومعه ~~معاذ بن جبل، فأسلمت همذان في يوم واحد. # وفيها حجة الوداع، فخرج النبي حاجا في ذي القعدة، وعلم الناس مناسك الحج ~~والسنن، وأنزل عليه: # اليوم يئس الذين كفروا ~~من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت ~~لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم ~~الإسلام دينا ~~. وفي سنة 11ه في سنة 622م توفي النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وكفن في ثلاثة أبواب أدرجا، وصلوا عليه ودفن في الموضع الذي قبضت ~~روحه فيه. # وعلى حسب أبحاثات سعادة محمود باشا حمدي، وجد أنه # صلى الله عليه وسلم # لاقى ربه إما يوم ~~الأحد 11 ربيع الأول الموافق 7 يونيو، وإما الاثنين 12 ربيع الأول الموافق 8 ~~يونيو سنة 632م، وعمره 61 سنة شمسية و84 يوما أو 63 سنة قمرية وثلاثة ~~أيام. ~~(3) الخلفاء الراشدون ~~(3-1) خلافة أبي بكر الصديق # ويلقب بخليفة رسول الله، ولما قبض الله نبيه # صلى الله عليه وسلم # قال عمر: «من قال إن ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # مات علوت رأسه بسيفي هذا، وإنما ارتفع إلى السماء»، فقرأ ~~أبو بكر: # وما ms123 محمد إلا رسول قد خلت ~~من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على ~~أعقابكم # الآية، فرجع القوم إلى قوله، ومات # صلى الله عليه وسلم # ولم ~~يعين خليفة له، ومن ثم كثرت المطامع التي أراقت الدماء في القرن الأول من ~~الهجرة، ومع ذلك فلما علم أصحابه # صلى الله عليه وسلم # أن أمراء الأنصار يتهيئون لانتخاب ~~سعد بن عبادة الخزرجي خليفة بادروا بانتخاب أبي بكر الصديق رضي الله تعالى ~~عنه؛ لأن النبي # صلى الله عليه وسلم # كان كلفه بأن يصلي بالناس بدلا عنه، فبايعه عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه فاقتدى به الصحابة في المبايعة، ولم يمتنع من مبايعته إلا ~~أناس قليلون بايعوه بعد قليل، وأنفذ جيش أسامة بن زيد الذي كان رسمه رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قبل وفاته، فصار يحثهم على الجهاد ويشجعهم وهو ماش وأسامة راكب، ثم ~~رجع، واستمر أسامة في الجهاد، وأطاع القبائل المترددة، وشن الغارة على أهل ~~أبنى وقتل رجالهم وسبى نساءهم ورجع إلى المدينة، وكان عمر أسامة وقتئذ سبع ~~عشرة سنة، وفي مدة خلافته امتنعت قبيلة بني يربوع عن أداء الزكاة فأرسل إليهم ~~خالد بن الوليد لمحاربتهم، فحاربهم حتى رجعوا. وفي أيامه فتحت الحيرة بعد وقعة ~~عظيمة بين أهلها والمجاهدين من الإسلام، وادعت النبوة سجاح بنت الحارث بن سويد ~~التميمية، واتبعها بنو تميم وأخوالها من تغلب وغيرهم من بني ربيعة، وقصدت ~~مسيلمة الكذاب، ولما وصلت إليه اجتمعت به مدة ثلاثة أيام، وآل أمرها إلى أن ~~أسلمت في زمن معاوية، وماتت بالبصرة. وأما مسيلمة الكذاب المدعي النبوة ~~فأرسل إليه خالد بن الوليد فقاتله باليمامة وقتله. وأما «الأسود العنسي» ~~المدعي النبوة فقتل في حياة الرسول، وفي أيام أبي بكر الصديق جمع القرآن في ~~مصحف واحد وحفظ في دار السيدة حفصة زوجة النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وكان قبل جمعه في ~~المصاحف في صدور الناس، وفي أيامه فتحت مدينة بصرة ودخل محافظها المدعو ~~رومانوس في دين الإسلام؛ حيث إنه هو السبب في استيلاء العرب على هذه المدينة ms124 ~~تحت قيادة خالد. ولما فتح المسلمون مدينة بصرة قصدوا عقب ذلك دمشق فحاصروها، ~~فأرسل هرقل إليها جيشا تحت قيادة وردان أوباهان، فلما علم المسلمون بذلك كفوا ~~عن الحصار وساروا لقتال الروم، فقتل عدد عظيم من جيوش الروم، فولوا الأدبار، ~~وهذه هي المعروفة بوقعة أجنادين، وذلك سنة 633م الموافقة لسنة 12ه. ثم عادوا ~~لحصار مدينة دمشق، وحصلت جملة مناوشات بين العرب والروم الذين كانوا قد تجمعوا ~~تحت رياسة توما صهر الإمبراطور هرقل، فكانت النصرة فيها للإسلام، وأخيرا ~~فتحها أبو عبيدة عامر بن الجراح صلحا. وفي سنة 13م مات خليفة رسول الله رضي ~~الله عنه وعمره 63 سنة، ودفن بجوار الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~. ~~(3-2) خلافة عمر بن الخطاب 634-644م # بويع بالخلافة بعد وفاة أبي بكر الصديق بوصية منه، وهو أول من تلقب بأمير ~~المؤمنين، وبينما كان خالد مقيما في دمشق؛ إذ بلغه الخبر بوفاة أبي بكر وجلوس ~~عمر رضي الله عنه، وهو العدو الأكبر له، وبلغه أيضا عزله من منصب قيادة ~~الجنود فامتثل للعزل ولم يظهر غضبا ولا ضجرا، واستمر يحارب تحت أوامر أبي ~~عبيدة عامر بن الجراح، وفتحت حمص وحماة. وتوجهوا بأمر أمير المؤمنين عمر لفتح ~~أنطاكية فصاروا محازين لشاطئ نهر العاص، وبينما هم مشتغلون بفتحها؛ إذ بلغهم ~~خبر التجريدات الحربية التي جهزها لهم «هرقل»، وأن هذه التجريدات انقسمت إلى ~~فرقتين؛ إحداهما سافرت إلى أنطاكية لتوقف سير العدو إليها، والأخرى آتية من ~~إقليم فلسطين؛ لتحمل على المسلمين من خلفهم، وذلك سنة 635 من الميلاد الموافقة ~~لسنة 14 هجرية، فرجعوا إلى ناحية نهر الأردن ليمنعوا الجيش المقبل من فلسطين ~~من أن يمر إلى جهة أنطاكية، وكان «قسطنطين بن هرقل» يقوده بنفسه، فذهب إلى ~~مدينة قيصرية واكتفى بتفريق كتائبه على المدن البحرية من غزة إلى طرابلس ~~الشام، وكان أبو عبيدة وخالد بعساكر الإسلام على شواطئ نهر اليرموك (نهير ~~منبعه من جبل هرمون ويصب في بحيرة طبرية)، وكان الجيش الرومي يقدمه عرب غسان ~~تحت قيادة رئيسهم جبلة بن الأيهم، فانتصر المسلمون على ms125 هؤلاء الأقوام وسميت ~~هذه الواقعة بواقعة اليرموك، وفي هذه السنة أمر الخليفة ببناء البصرة، وبعد ~~ذلك سلم أبو عبيدة قيادة الجيوش إلى خالد، فاستمرت الحروب بين الجمعين أياما، ~~وغلبت الروم فيها المسلمين ثلاث مرات، ثم آل الأمر بنصر المسلمين على جيش ~~المشركين. وكان ثمر هذه النصرة انقياد أهل غسان ودخولهم في دين الإسلام، أما ~~رئيسهم جبلة بن الأيهم ففر هاربا إلى القسطنطينية، ولم تزل ذريته فيها إلى أن ~~هربوا منها في القرن الخامس عشر بعد الميلاد العيسوي إلى جبال بلاد الجركس ~~فرارا من حكم الملوك العثمانيين. # وفي سنة 15 من الهجرة حاصر عمرو بن العاص مدينة القدس «المسماة قديما إيليا» ~~التي كان البطرق سوفرونيوس يحامي عنها بغاية عزمه وجهده، وكان فتح هذه المدينة ~~من أعظم الأهميات عند الإسلام، فقدم أبو عبيدة وأحدق بها بجيوشه وشدد عليها في ~~الحصار حتى أشرف أهلها على الهلاك، فارتضى «سوفرونيوس» أن يسلمها للمسلمين ~~بشرط أن يعقد المشارطة مع الخليفة نفسه، فأجابه عمر بن الخطاب لما طلبه، ~~واستخلف عليا على المدينة، ولم يمنعه عن السفر تخويف سيدنا عثمان ومنعه ~~إياه، فسار إلى مدينة القدس وبايعهم على أن يبقوا على دينهم، وأن لا يتعدى ~~مسلم على كنيسة من كنائسهم، ولم يلزمهم إلا بدفع الجزية، وقد بحث عن موضع ~~الهيكل الذي بناه نبي الله سليمان عليه السلام وهو المسجد الأقصى وبنى محله ~~مسجدا عظيما سمي بمسجد عمر، ولما فرغ من بنائه عاد إلى المدينة المنورة ~~ومعه عمرو بن العاص، وكان أعده لفتح وادي مصر، وذلك سنة 637م؛ أعني سنة ~~16ه. # ولما بلغ سيدنا عمر فتح مدينة الرملة فرح بنصر الله ورضي عن خالد، وأعاد إليه ~~الإمارة على المجاهدين، فسار إلى حلب وأنطاكية وفتحهما وطرابلس ويافا وجملة ~~بلاد من الشام، فلما أيس هرقل من الشام رحل إلى مدينة القسطنطينية، وفي هذه ~~السنة وضع عمر الدواوين وفرض العطاء للمسلمين، وقد حصلت وقعة بين المسلمين ~~والفرس الذين كانوا تحت قيادة رستم وقائد المسلمين سعد بن أبي وقاص انتهت ~~بهزيمة العجم وقتل ms126 رستم المذكور، وذلك سنة 15ه. # وفي سنة 16ه عبر سعد ومن معه نهر الدجلة، وهرب الفرس من المدائن، وكان كسرى ~~يزدجرد قد قدم عياله إلى حلوان (من أعمال فارس) وخرج هو ومن معه بما قدروا ~~عليه، فدخل المسلمون المدائن وقتلوا كل من وجدوه، ونزل سعد بالقصر الأبيض، ~~واتخذ إيوان كسرى مصلى، واحتاط على أموال تخرج عن الإحصاء وأدركوا بغلا وقع ~~في الماء عليه تاج كسرى ودرعه وغير ذلك مكللا بالجواهر، واستوهب سعد ما يخص ~~أصحابه من بساط كسرى؛ حيث كان على هيئة روضة فيها الزهور بالجواهر على قضبان ~~الذهب، وبعث به إلى عمر فقسمه بين المسلمين، وأقام سعد بالمدائن «بالقرب من ~~كتيسيفون القديمة»، وحصلت بينه وبين الأعجام وقعة فقتل عدد عظيم من الفرس، وفر ~~يزدجرد من حلوان فقصدها المسلمون، ثم فتحوا تكريت وقرقيسيا، وفيها قدم جبلة بن ~~الأيهم على عمر وحج معه، ثم هرب إلى القسطنطينية وتنصر بعد إسلامه. وفي سنة ~~17ه اختطت الكوفة وتحول سعد إليها، وفي سنة 18ه كان طاعون عمواس الذي مات فيه ~~أبو عبيدة رضي الله تعالى عنه، وأما خالد فإنه نجا من هذا الطاعون؛ لكونه غضب ~~عليه أمير المؤمنين عمر وعزله ثانيا لما أوشي في حقه، واستخلف أبو عبيدة معاذ ~~بن جبل فمات بالطاعون فاستخلف عمرو بن العاص، ثم بعد ذلك أمر الخليفة عمرو بن ~~العاص بفتح مصر، فتوجه إليها هو والزبير بن العوام وفتحوها «كما سيأتي»، وكان ~~استخلف يزيد بن أبي سفيان ثم معاوية فمكث واليا وخليفة مدة أربعين سنة، وفي ~~سنة 21ه وقعت نهاوند مع الأعجام تمت بهزيمتهم، وفتح المسلمون مدينة أصفهان ~~وهمذان وطبرستان وأزربيجان، وتوفي خالد بن الوليد في هذه السنة ودفن، قيل بحمص ~~وقيل بالمدينة. وفي آخر سنة 23ه توفي عمر بن الخطاب بطعنة ابن أبي لؤلؤة عبد ~~المغيرة بن شعبة، وعمره 63 سنة، ودفن بجوار النبي # صلى الله عليه وسلم ~~. ~~(3-3) خلافة عثمان بن عفان 644-655م # وفي سنة 24ه الموافقة لسنة 644م عقب موت عمر اجتمع أهل الشورى وهم علي ms127 وعثمان ~~وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم، وشرط ~~عمر أن يكون ابنه عبد الله شريكا في الرأي ولا يكون له حظ في الخلافة، وجعل ~~المدة ثلاثة أيام، وقال: «لا يمض اليوم الرابع إلا ولكم أمير، وإن اختلفتم ~~فكونوا مع فريق عبد الرحمن بن عوف»، فوقع الانتخاب على سيدنا عثمان رضي الله ~~عنه، فبويع بالخلافة، ولما تولى الخلافة عزل المغيرة عن الكوفة وولى سعد بن ~~أبي وقاص، ثم عزله وولى مكانه عبد الله بن أبي سرح، وفي مدته امتدت فتوحات ~~العرب إلى بلاد المغرب وصحراء ليبيا وسواحل بلاد الروم وجزيرة قبرص، وفي سنة ~~30 من الهجرة بلغ الخليفة اختلاف أهل الشام والعراق في القرآن، فأمر الخليفة ~~الصحابة بنسخ جملة مصاحف من المصحف الذي كتب زمن أبي بكر وأودع عند حفصة رضي ~~الله عنها، وتولى نسخها زيد بن ثابت وعبد الله الزبير وسعيد بن العاص وعبد ~~الرحمن بن الحارث، وقال عثمان: «إذا اختلفتم في كلمة فاكتبوها بلسان قريش؛ لأن ~~القرآن نزل بلسانهم.» وفي هذه السنة سقط خاتم الرسول من يد عثمان في بئر ~~«أريس»، وفي سنة 31 هلك كسرى يزدجرد آخر ملوك العجم، قيل قتله أهل مرو - من ~~أعمال فارس، وقيل قتله الترك وقتلوا أصحابه، وفيها عصت خراسان ففتحها ثانيا، ~~ومات أبو سفيان بن حرب. # وفي سنة 33ه تكلم جماعة أن عثمان ولى من أهل بيته أناسا لا يصلحون للولاية، ~~فكتب سعيد بن العاص والي الكوفة إليه بذلك، فأمره عثمان أن يسير الذين تكلموا ~~بذلك إلى معاوية بالشام فأرسلهم، فقدموا على معاوية وجرى بينهم كلام كثير، ~~وحذرهم الفتنة فوثبوا وأخذوا بلحيته ورأسه، وكتب بذلك إلى عثمان، فكتب إليه ~~يردهم إلى سعيد بن العاص فردهم، وأطلقوا ألسنتهم في عثمان، واجتمع إليهم أهل ~~الكوفة، وفي سنة 34ه قدم سعيد إلى عثمان وأخبره بما فعله أهل الكوفة وأنهم ~~يختارون أبا موسى الأشعري، فولى عثمان أبا موسى الكوفة، فخطبهم أبو موسى ~~وأمرهم بطاعة عثمان فأجابوه لذلك. وفي ms128 سنة 35 قدمت جموع الأمصار من مصر ~~والكوفة والبصرة، وكانت رغبة المصريين مع علي، ورغبة الكوفيين مع الزبير، وميل ~~البصريين إلى طلحة، فدخلوا المدينة وأثاروا على عثمان يوم الجمعة وهو على ~~المنبر، ودافع جماعة من المدينة عنه منهم سعد بن أبي وقاص والحسن بن علي وزيد ~~بن ثابت وأبو هريرة، فأرسل عثمان يعزم عليهم بالانصراف، وطلبوا منه عزل عبد ~~الله بن أبي سرح عن مصر ومروان بن الحكم عن كتابته فأجابهم لذلك، ومكثت الجموع ~~في المسجد ثلاثين يوما، ثم منعوه من الصلاة، ولزم أهل المدينة بيوتهم وعثمان ~~محصور في داره أربعين يوما وقيل خمسين، ثم اتفق علي مع عثمان على ما طلبه ~~الناس منه من عزل مروان عن كتابته وعبد الله بن أبي سرح عن مصر فأجاب عن ~~الثانية دون الأولى، وولى محمد بن أبي بكر مصر، وتوجه المذكور مع مهاجرين ~~وأنصار، فبينما هم في الطريق وإذا بعبد علي هجين يجهد فقالوا له: «إلى أين؟» ~~قال: «إلى العامل بمصر.» قالوا: «هذا هو العامل.» يعنون بذلك محمد بن أبي بكر. ~~قال: «بل العامل الآخر» يعني ابن أبي سرح. ففتشوه فوجدوا معه كتابا مختوما ~~بختم عثمان يقول: # إذا جاءك محمد بن أبي بكر ومن معه بأنك معزول فلا تقبل واحتل ~~لقتلهم وأبطل كتابهم. # فرجع محمد ومن معه وجمعوا الصحابة بالمدينة، وقرءوه عليهم، وسألوا عثمان عنه ~~فاعترف بالختم وخط كاتبه، وحلف بالله أنه لم يأمر بذلك، فطلبوا منه مروان ~~ليسلموه إليهم بسبب ذلك، فامتنع فجدوا في قتاله، فأقام علي ابنه الحسن يذب ~~عنه، وأقام الزبير ابنه عبد الله، وطلحة ابنه محمدا، بحيث جرح الحسن وانصبغ ~~بالدم، ثم تسوروا على عثمان من دار بجانب داره، ونزل عليه جماعة منهم محمد بن ~~أبي بكر فقتلوه صائما يتلو في المصحف، وذلك في شهر ذي الحجة سنة 35 ~~هجرية. ~~(3-4) خلافة علي بن أبي طالب 655-666م # بويع بالخلافة بعد قتل سيدنا عثمان فامتنع في مبدأ أمره عن الخلافة؛ حيث قال: ~~«لا حاجة لي في أمركم، من اخترتم ms129 رضيت به، وأكون وزيرا خير من أن أكون ~~أميرا.» فأبوا إلا مبايعته، فأتى المسجد فبايعوه، وقيل بويع في بيته، ولم ~~يمتنع من المبايعة إلا أناس قليلون، وبعد أن بايعه طلحة والزبير سافرا إلى مكة ~~ولحقا بعائشة هناك، وفي سنة 36 أرسل علي عماله إلى البلاد، فمنهم من رجع ~~إليه من الطريق، ومنهم من وصل وعزلته فرقته، فخرج طلحة والزبير وعائشة أرملة ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # وعبد الله بن عامر وجماعة من بني أمية يطلبون دم عثمان؛ لأنه ~~اتهم بقتله، وصاروا في جم عظيم لفتح البصرة، واكتفوا بمعاوية في أمر ~~الشام، وأرادت عائشة الرجوع فلم يسمحوا لها، وأخيرا استولوا على البصرة. ولما ~~بلغ ذلك الإمام عليا خرج إليهم في أربعة آلاف مقاتل، وانضم إليهم جم غفير من ~~الكوفة، والتقوا بمكان يسمى الخريبة، فرجع الزبير إلى المدينة، فقتل في ~~الطريق، وتزاحف الفريقان واقتتلا وعائشة على الجمل، فتمت الهزيمة على من معها ~~وقتل طلحة في هذه الواقعة المسماة واقعة الجمل، وأمر الإمام علي عائشة ~~بالرجوع إلى المدينة، وجهز لها ما احتاجت إليه، ورجعت إلى المدينة وبصحبتها ~~الحسن والحسين، وبعد وصولها إلى المدينة رجعا إلى أبيهما، واستعمل على البصرة ~~عبد الله بن عباس، وسار إلى الكوفة، وتم له الأمر بالعراق ومصر واليمن ~~والحرمين وفارس وخراسان، ثم أرسل إلى معاوية ليعطي بيعته فماطله، وكان ~~النعمان بن بشير سار إليه بثوب عثمان ملطخا بالدم إلى الشام، فكان معاوية ~~يعلقه على المنبر تحريضا على قتال علي كرم الله وجهه، ثم اتفق مع عمرو بن ~~العاص على حربه، فلما بلغ علي ذلك خرج من الكوفة، وخرج لذلك معاوية وعمرو من ~~الشام، والتقى الفريقان في محل يدعى «صفين»؛ ولذلك سميت تلك الواقعة بهذا ~~الاسم، وذلك سنة 37 هجرية، وقتل من الطرفين خلق كثير، وحصلت بينهم أكثر من ~~تسعين واقعة، ثم قال علي كرم الله وجهه: «يا معاوية، ابرز إلي، فأينا قتل ~~صاحبه تم له الأمر، فعلام نقتل المسلمين؟!» فلم يرض معاوية بذلك، واستمر ~~القتال مدة من الزمن، وبعد ms130 ذلك رفع أهل الشام المصاحف في وجوه فريق سيدنا علي، ~~وكانت حيلة وخديعة من عمرو بن العاص، وانتهى الأمر أخيرا إلى الحكم بينهما، ~~فوكل سيدنا علي أبا موسى الأشعري، ووكل معاوية عمرو بن العاص، واتفق الحكمان ~~على خلع معاوية وعلي، ويجعل الأمر شورى بين المسلمين، واجتمع الشعب «بدومة ~~الجندل» فتكلم أبو موسى الأشعري وقال: «إني خلعت خليفتي كما أخلع سيفي هذا من ~~غمده.» # ثم مكر عمرو وقال: «إني أثبت خليفتي كما أثبت سيفي هذا في غمده.» فسلمت ~~على معاوية أهل الشام بالخلافة، ورجع الإمام علي إلى الكوفة، ودعا الناس إلى ~~اتحاد الكلمة وهم يخادعونه مدة مديدة من الزمن حتى دخلت سنة 40 هجرية، فاجتمع ~~ثلاثة من الخوارج وهم «عبد الرحمن بن ملجم، وعمرو بن بكير التميمي، والبرك بن ~~عبد الله التميمي وقيل اسمه الحجاج» وقالوا: «لو قتلنا أئمة الضلالة أرحنا ~~منهم العباد.» فقال ابن ملجم: «أنا أكفيكم عليا.» وقال البرك: «أنا أكفيكم ~~معاوية.» وقال عمرو بن بكير: «أنا أكفيكم عمرو بن العاص.» وتواعدوا على ليلة ~~17 رمضان سنة 40ه، واتفق مع ابن ملجم وردان من تيم الرباب وشبيب، ووثبوا على ~~علي وقد خرج إلى الصلاة، فضربه شبيب فوقع سيفه فهرب شبيب ونجا، وضربه ابن ~~ملجم في جبهته، وهرب وردان، وقبض على ابن ملجم وأحضر مكتوفا بين يدي علي ~~رضي الله عنه، وأحضر الحسن والحسين، وقال: «أوصيكما بتقوى الله ولا تبغيا ~~الدنيا ولا تبكيا على شيء زوي عنكما منها.» ثم قبض، وأما البرك فجرح صاحبه ~~جرحا بليغا، وأما عمرو فقتل نائب صاحبه في الصلاة تلك الليلة، ودفن علي ~~بالكوفة وكان عمره 63 سنة. ~~(3-5) فتح مصر بالإسلام 638-641م # وبظهور الإسلام تضعضعت دولة الروم الشرقية، وأخذت في الانحطاط شيئا فشيئا. ~~ففي خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه جاء إلى مصر عمرو بن العاص، وكان العامل ~~عليها من طرف هرقل هو المقوقس، وكان عمرو شاعرا شجاعا قد اشتهر في وقائع ~~الإسلام الأولية، وبذل عزمه وحزمه أيضا في فتح الشام مع الأمراء الأخر، ms131 وكان ~~غاية منيته أن يكلفه أمير المؤمنين عمر بفتح مصر، فبمجرد ما وعده أمير ~~المؤمنين بأن يرسله لفتح مصر سافر من غزة ومعه أربعة آلاف مقاتل، وسار حتى وصل ~~إلى مدينة «بيلوزه»، ولما ظهر عمرو بجنوده في أرض مصر وقعت الحرب بين العرب ~~والروم في مدخل برزخ السويس، فانهزم الرومانيون والتجئوا إلى المدن الحصينة، ~~ولما لم يجد عمرو من يقاومه مر برجاله من صحراء برزخ السويس وجعل معسكره ~~أمام مدينة «بيلوزه»، وكانت هذه المدينة مفتاح الوجه البحري، وحاصرها فلم تصبر ~~على الحصار إلا شهرا واحدا، فاستولى عليها في أسرع وقت، وذلك سنة 639؛ أعني ~~18ه، وساروا بعد ذلك حتى وصلوا إلى مدينة منف التي كانت قاعدة الحكم، وبادروا ~~بحصارها فانجبرت أهلها لعقد المبايعة مع عمرو بن العاص، وأمر كل من بأرض مصر ~~من الأقباط أن يعترفوا بحكم المسلمين، وأن يدفعوا عن كل نفس دينارين في السنة، ~~فتحصل من تلك الجزية في السنة الأولى اثني عشر مليونا، وأنه لا مانع من أن ~~يبقوا على دينهم، ولما فرغ عمرو والمقوقس من المبايعة وامتثال الأقباط لها دخل ~~مدينة منف واتخذها تخت حكومته، وذلك سنة 641م؛ أعني سنة 40ه. # فتح مدينة الإسكندرية سنة 640م # وبعد ذلك بادر عمرو بن العاص بالعود إلى المحاربة مع الروم فسار برجاله ~~من منف إلى الوجه البحري، وهزم الروم في واقعة كوم الشريك؛ حيث كانوا قد ~~تجمعوا بعد الشتات، واقتفى أثرهم حتى دخلوا مدينة الإسكندرية فحاصرها مدة ~~أربعة أشهر، وكان عمرو قد أخذ أسيرا ولم يطلق سبيله إلا بحيلة من عبده ~~وردان، فكانت النصرة للإسلام على الروم بما عندهم من الحمية الدينية، ~~فهجموا على تلك المدينة هجمة الآساد على الأغنام، فامتلكوها في 21 ديسمبر ~~سنة 641م؛ أعني سنة 21ه. # ووكل الأقباط بتحصيل الأموال؛ حيث رآهم أعرف من المسلمين بإدارة الفروع ~~المتنوعة من أمور التدبير؛ لأنهم يعرفون درجات الناس ولغتهم، فتحصلت من ~~ذلك أموال جسيمة صرف معظمها أمير المؤمنين عمر في أشغال نافعة لبلاد مصر، ~~منها تجديد خليج السويس الذي كان ms132 يوصل النيل بالبحر الأحمر، وكان عمرو ~~يريد أن يحفر برزخ السويس؛ ليصل البحر الأحمر بالأبيض إلا أن عمر أبى من ~~ذلك؛ خوفا من فتح طريق للروم إلى مكة والمدينة. وقد بنى عمرو جامعه ~~المشهور باسمه لغاية الآن، واختط مدينة مصر القديمة، وكانت تعرف قديما ~~باسم الفسطاط - أي الخيمة - والسبب في ذلك أنه لما أمر المسلمين بالرحيل ~~إلى مدينة الإسكندرية أخبر بأن زوج يمام عشش فوق خيمته، وأنه قرب على ~~الفقس. فأجابهم قائلا: «معاذ الله أن يأبى مسلم أن يكون ملجأ لأي مخلوق، ~~دعوا خيمتي بمحلها حتى أعود.» فبقيت الخيمة في محلها، وأسست حولها ~~المدينة، وسميت باسم الفسطاط بدلا عن مدينة منف التي انهدمت. # عمرو بن العاص # اعلم أن عمرا كان في الجاهلية من الثلاثة الهاجين لرسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وهم عمرو المذكور وأبو سفيان بن حرب وعبد الله بن الزبعرى، وقد ~~تقدم أنه فتح الديار المصرية في سنة 20ه في خلافة عمر بن الخطاب، ومكث ~~واليا مدة خلافة أمير المؤمنين، ثم عزل في خلافة سيدنا عثمان، وأعيد ~~واليا عليها من طرف معاوية أول خلفاء الدولة الأموية، وكان مستقلا ~~بأحكامها حسب شروط معه؛ لأنه هو الذي أعان معاوية على سيدنا علي في ~~حروبه، وهو الذي صنع الحيلة على أبي موسى الأشعري، وعزل عليا وثبت ~~معاوية، ولما ظهر معاوية على علي وتم له الأمر بالخلافة جهز جيشا تحت ~~قيادة عمرو بن العاص؛ لمحاربة عامل سيدنا علي بمصر وهو محمد بن أبي بكر ~~الصديق، فكتب محمد إلى علي يستنجده، فأرسل له جيشا تحت قيادة ابن ~~الأشتر، فصنع عمرو حيلة وأحضر عجوزا من أهالي مصر وأعطاها عسلا مسموما ~~وقال لها: «أعطي هذه الهدية لرئيس الجيش العربي الذي حضر بالقلزم»، فأهدت ~~الهدية لابن الأشتر فمات، ولما بلغ ذلك معاوية قال: «إن لله جنودا من ~~عسل.» ودخل عمرو مصر وقاتل أصحاب محمد بن أبي بكر ومن بقي منهم، وأخذ ~~أسيرا فأحضروه إلى معاوية بن خديج فقتله وألقاه في جيفة حمار، وأحرقه. ~~وكانت مصر مدة ms133 ولاية عمرو طعمة له بعد رواتب الجنود حسب شروط بينه وبين ~~معاوية، ومكث عمرو واليا على مصر إلى أن مات، ودفن بالمقطم، وذلك سنة 43 ~~من الهجرة؛ أعني سنة 663م. ~~(4) الدولة الأموية # أصل هذه الدولة من بني هاشم، وكان مقر ملوكها بدمشق الشام، وعدتهم أربعة عشر ~~خليفة، ومدة حكمهم 52 سنة، وكان ابتداء ملكهم سنة 39 من الهجرة؛ أعني سنة 661م، ~~وانتهائها سنة 133ه الموافقة لسنة 750م، ولنذكر خلفاءهم على الترتيب فنقول: ~~(4-1) خلاف معاوية بن أبي سفيان 661-681م # بويع بالخلافة يوم الحكمين، ويوم قتل سيدنا علي، قيل ببيت المقدس، ويوم ~~تنازل الحسن، وقيل إن عليا جهز جيشا لحرب معاوية، فاتفق قتله في هذه السنة، ~~فلما بويع الحسن بلغه مسير أهل الشام إليه مع معاوية، فتجهز الحسن في ذلك ~~الجيش وسار من الكوفة، فحصلت فتنة في الجيش أثناء الطريق، فنفر قلبه منهم ~~وأرسل إلى معاوية واشترط شروطا إن أجابه إليها سمع وأطاع، فأجابه معاوية ~~إليها، فتنازل الحسن وأقام بالمدينة إلى أن مات، وقيل إن زوجته «جعدة بنت ~~الأشعث» سمته، قيل بأمر «معاوية»، وقيل بأمر «يزيد بن معاوية»، أطمعها بالتزوج ~~بها ولم يف، ولما بلغ معاوية الخبر بوفاة الحسن سجد لله سبحانه وتعالى، ولما ~~مات عمرو بن العاص استخلف معاوية ابنه عبد الله على مصر ثم عزله، وكان علي ~~استعمل زيادا على فارس، ولما سلم الحسن الأمر إلى معاوية منع زياد بفارس ~~الطاعة، فأهم معاوية أمره؛ خوفا أن يدعو إلى أحد من بني هاشم فيعيد الحرب، ~~وقدم المغيرة عامل معاوية بالكوفة على معاوية، وشكا إليه امتناع زياد بفارس، ~~فتوجه المغيرة بالأمان إلى زياد، فأحضره وبايع معاوية، وفي سنة 48ه أرسل جيشا ~~تحت قيادة سفيان بن عوف، فحاصر القسطنطينية ولم يتمكن منها، فقتل جانب عظيم من ~~جيشه، وفقدت منه عدة مراكب بالحريق. وفي هذه السنة بنى عقبة بن نافع عامل ~~معاوية على أفريقا مدينة القيروان. # وفي سنة 54ه ولى معاوية سعيد بن عثمان بن عفان خراسان فقطع جيحون إلى سمرقند، ~~وفتح جملة ms134 بلاد، وكان معه قثم بن العباس، ثم بايع معاوية الناس ليزيد بولاية ~~عهده، وبايعه أهل الشام والعراق، وأراد مروان بن الحكم عامله بالمدينة البيعة ~~له، فامتنع الحسين رضي الله عنه منها وعبد الرحمن بن أبي بكر وعبد الله بن ~~الزبير وعبد الله بن عمر، وامتنع الناس لامتناعهم، ثم قدم معاوية الحجاز بألف ~~فارس وبايع ليزيد أهل الحجاز إلا المذكورين. وفي سنة 58ه توفيت عائشة رضي الله ~~عنها وأخوها عبد الرحمن، وفي سنة 59ه توفي أبو هريرة رضي الله عنه واسمه عبد ~~الرحمن بن صخر، وفي سنة 60ه توفي معاوية وعمره 75 سنة، ومدة خلافته 19 سنة، ~~فكان واليا وخليفة مدة أربعين سنة وهو أول من بايع ولده وعمل المقصورة في ~~المسجد وخطب جالسا. ~~(4-2) خلافة يزيد بن معاوية 681-683م # ولما مات أبوه أرسل إلى عامله بالمدينة بإلزام الحسين وعبد الله بن الزبير ~~وعبد الله بن عمر، فقال عبد الله بن عمر: «إن أجمع الناس على مبايعته بايعته.» ~~وأما الحسين وعبد الله بن الزبير فلحقا بمكة ولم يبايعا، وأرسل عامل المدينة ~~جيشا مع عمرو بن الزبير لقتال الحسين وأخيه، وكان شديد البغض لأخيه، فانتصر ~~عبد الله بن الزبير عليه، وأخذه أسيرا وحبسه حتى مات، ثم ورد إلى الحسين ~~مكاتبات أهل الكوفة بالمسير إليهم ليبايعوه، فأرسل ابن عمه مسلم بن عقيل ليأخذ ~~البيعة، وكان العامل على الكوفة وقتئذ النعمان بن بشير، فقيل بايعه ثلاثون ~~ألفا، وقيل ثمانية وعشرون ألفا، وبلغ يزيد عن النعمان بن بشير كلام لا يرضيه ~~فولى الكوفة عبيد الله بن زياد والي البصرة، ورأى ما الناس عليه، فخطب وحث ~~الناس على طاعة يزيد، وقبض على مسلم بن عقيل وأمر بضرب عنقه، ولما بلغ الحسين ~~سار من مكة قاصدا العراق، ووقعت بينه وبين عبيد الله بن زياد حروب انتهت ~~بقتله بأرض كربلاء، وذلك يوم عاشوراء سنة 61ه، وبعثوا برأسه مع أولاده ونسائه ~~إلى ابن زياد، ومنها إلى يزيد، وعلقت على باب دمشق ثم طيف بها في البلاد، وقيل ~~دفنت بعد ms135 ذلك بالمدينة، وقيل بعسقلان. ثم نقلها أبو طلائع بن رزبك من وزراء ~~دولة الفواطم وبنى عليها المشهد الحسيني المشهور بالقاهرة، وكان عمره رضي الله ~~عنه خمسة وخمسين سنة، وفي سنة 63ه اتفق أهل المدينة على خلع يزيد، فأرسل إليهم ~~جيشا وردهم عن ذلك ثم حاصروا مكة مدة 40 يوما وارتحلوا عنها حين بلغهم موت ~~يزيد سنة 64ه، وكان عامله على مصر سعيد بن يزيد ابنه. ~~(4-3) خلافة معاوية بن يزيد # وكان شابا دينا، تولى الخلافة ثلاثة أشهر، ثم بعد ذلك جمع الناس، وقال: ~~«قد ضعفت عن أمركم ولم أجد لكم مثل عمر بن الخطاب لأستخلفه ولا مثل أهل ~~الشورى، فأنتم أولى بأمركم، فاختاروا من أحببتم.» ثم دخل منزله وأقام به حتى ~~مات، وأوصى أن يصلي الضحاك بن قيس حتى يقوم لهم خليفة. ولما مات بويع ابن ~~الزبير بمكة، فقصد مروان بن الحكم المسير إليه من المدينة لمبايعته، ثم توجه ~~إلى الشام مع بني أمية، وقيل كتب ابن الزبير إلى عامله بالمدينة أن لا يترك ~~بها أحدا من بني أمية، وهرب عبيد الله بن زياد من البصرة إلى الشام، وبايع ~~أهل البصرة ابن الزبير وأيضا أهل العراق والحجاز واليمن وأهل مصر، وبايع له ~~في الشام الضحاك بن قيس والنعمان بن بشير بحمص، وزفر بن الحارث الكلابي ~~بقنسرين، وكاد يتم له الأمر، وأقام مروان بن الحكم بالشام في أيام ابن الزبير ~~واجتمع به بنو أمية، وصار الناس بالشام فرقتين؛ اليمانية مع مروان، والقيسية ~~مع الضحاك مبايعين لابن الزبير، واقتتلوا بمرج راهط، وتمت الهزيمة على الضحاك ~~ومن معه، ودخل مروان دمشق، واستوثق الشام له، وسار فملك مصر، ومات مروان بخنق ~~أم خالد زوجته، ودفن بدمشق، وكان عامله على مصر عبد العزيز بن مروان ~~ابنه. ~~(4-4) خلافة عبد الملك بن مروان 685-705م # بويع بالخلافة يوم موت أبيه سنة 685م الموافقة سنة 66ه، وكان هذا الملك ~~سفاكا للدماء، وهو أول من ضرب السكة في الإسلام، ونهى عن التكلم في حضرات ~~الملوك، وفي أيامه خرج المختار ms136 بن عبيد الله الثقفي بالكوفة طالبا دم الحسين ~~في جمع كثير، واستولى عليها وبايعوه بها على كتاب الله وسنة رسوله والطلب بدم ~~أهل البيت، وتجرد المختار لقتل قتلة الحسين، وظفر بشمر بن ذي الجوشن المتهم ~~بقتل الحسين، واستولى على الموصل، وقدم على الجيش إبراهيم بن الأشتر النخعي، ~~وقاتلوا جيش «عبيد الله بن زياد»، وقتل عبيد الله المذكور وانهزم أصحابه، وبعث ~~برأسه وعدة من رءوس أصحابه إلى المختار، وذلك سنة 67ه، وفي هذه السنة ولى ابن ~~الزبير أخاه مصعبا البصرة، ثم سار مصعب من البصرة بعد أن جاء له المهلب بن ~~أبي صفرة من خراسان بمال وعسكر كثير، فسارا جميعا إلى قتال المختار - حيث لم ~~تكن نيته صافية في طلب دم الحسين - بالكوفة، فالتقاهما المختار بجموعه، فانهزم ~~المختار وأصحابه بعد قتال شديد، وحصر في قصر الإمارة بالكوفة، فقاتل المختار ~~حتى قتل. وفي سنة 69ه تجهز عبد الملك إلى العراق وتجهز مصعب لملتقاه، وأقبل ~~الجمعان فتخلى العراقيون عن مصعب، وكانوا قد كاتبوا عبد الملك، فقاتل مصعب حتى ~~قتل، ودخل عبد الملك الكوفة واستوثق له ملك العراقيين، ثم رجع إلى دمشق وحول ~~العمرة من بيت الله الحرام إلى بيت المقدس؛ لحصول الألفة بأهل الشام، ولتتخلى ~~عن الزبير أصحابه. وبعد ذلك جهز عبد الملك الحجاج بن يوسف في جيش إلى مكة ~~لقتال عبد الله بن الزبير، فسار حتى نزل بالطائف، وجرت بينه وبين أصحاب ابن ~~الزبير حروب، وكانت الهزيمة فيها على أصحاب ابن الزبير، وآخر ذلك أنه حصر ابن ~~الزبير بمكة، ونصب المنجنيق على جبل أبي قبيس بالقرب من مكة، وصار يرمي الكعبة ~~بالأحجار، واستمر ذلك سبعة أشهر، وقاتل ابن الزبير حتى قتل، وبعد ذلك بويع ~~لعبد الملك بالحجاز واليمن، وبعث رأسه إلى عبد الملك، ثم صلب جسده نحو سنة، ثم ~~أنزل بشفاعة أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق، وجعل عبد الملك واليا على مكة ~~والمدينة، وكان الحجاج عنيف السياسة. وفي سنة 74ه هدم الحجاج الكعبة وأخرج ~~الحجر عن البيت، وبنى الكعبة على ما ms137 كانت عليه في زمن الرسول # صلى الله عليه وسلم # وهي على ~~ذلك إلى الآن. # وفي سنة 75 ولى عبد الملك الحجاج العراق، فسار من المدينة إلى ~~الكوفة، وخرج في أيامه شبيب الخارجي بالعراق، وله مع الحجاج حروب كثيرة، ~~وانتهى أمره أن تفرقت جموعه وغرق شبيب بالفرات. وكذلك خرج عبد الرحمن بن ~~الأشعث واستولى على خراسان، ثم قصد الحجاج وتغلب على الكوفة، وقويت شوكته، ~~فأمده عبد الملك بالجيوش من الشام، وآخر الأمر أن جموع عبد الرحمن تفرقت ~~وانهزم إلى ملك الترك، ثم تهدد الحجاج ملك الترك بالغزو وطلبه منه، فقبض عليه ~~ملك الترك وعلى أربعين من أصحابه، وبعث بهم إلى الحجاج، فألقى عبد الرحمن نفسه ~~في الطريق فمات، وفي أيامه توفي عبد العزيز بن مروان بمصر، ومات عبد الملك ~~وخلافته منذ قتل ابن الزبير 13 سنة، وكان حازما عاقلا عالما دينا، ~~ولبخله سمي برشح الحجر، وعهد بالخلافة بعده لابنه الوليد، وذلك سنة 86ه، وكان ~~عامله على مصر عبد الله ابنه. ~~(4-5) خلافة الوليد بن عبد الملك 705-715م # بويع بعد موت أبيه، وفي أيامه كثرت الفتوحات في بلاد الأندلس، وولى الحجاج ~~خراسان مع العراق، فتغلغل في بلاد الترك، ودخل مسلمة بن عبد الملك بلاد الروم، ~~وفتح محمد بن القاسم الثقفي بلاد الهند، وولى الوليد ابن عمه عمر بن عبد ~~العزيز المدينة، فصدرت إليه أوامر الخليفة بهدم مسجد رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وهدم ~~بيوت أزواجه رضي الله عنهن، وأن يدخل البيوت في المسجد ويضع أثمان البيوت في ~~بيت المال، فأجاب أهل المدينة إلى ذلك، وتجرد لذلك عمر بن عبد العزيز رحمة ~~الله عليه، وبنى الجامع الأموي بدمشق بأموال جسيمة، وفي سنة 92ه غزا طارق بن ~~زياد وموسى بن نصير عامل الوليد على أفريقا بلاد الأندلس «إسبانيا» وتجاوز ~~البوغاز المعروف باسم جبل طارق، فلما علم بذلك ملك إسبانيا «روديريك» جمع ~~جيشا عظيما، ولكن انهزم بالقرب من مدينة كسيريس «بإمالة السين والراء»، ثم ~~قاومتهم أمة «الجوت» مدة مديدة، وأخيرا فترت قواها بكثرة عدد ms138 عدوهم، لما دخلت ~~أقارب الكونت جوليان في حماية العرب كان ذلك سببا في انهزام جموع المسيحيين، ~~وفر الإمبراطور روديريك هاربا فغرق في النهر المسمى بالوادي الكبير، وبعد ~~هذه النصرة العظيمة لم تحصل وقائع مهمة، فأسرع طارق وموسى بن نصير وابنه عبد ~~العزيز في إتمام فتح باقي الأقاليم، ولما تمهد ملك إسبانيا لهم أدخلوا فيها ~~ديانتهم وأخلاقهم وعوائدهم وإلى غير ذلك، وفتحوا جزيرة سردينيا، وتوفي الحجاج ~~سنة 95ه، وتوفي الوليد سنة 96ه وكان عامله على مصر «قرة بن شريك». ~~(4-6) خلافة سليمان بن عبد الملك 715-717م # بويع بالخلافة بعد سبعة أيام من موت أخيه، وأحسن السيرة ورد المظالم، واتخذ ~~ابن عمه عمر بن عبد العزيز وزيرا له، وبينما كان موسى بن نصير متهيأ لفتح ~~بلاد الغول «فرنسا» إذ بلغه موت الخليفة وتولية أخيه سليمان، وبلغه أيضا عزله ~~هو وطارق المذكور، وحضرا إلى دمشق، وحكم عليهما بالنفي إلى مكة، ثم أمر ~~الخليفة بقتل عبد الله وعبد العزيز اللذين كانا بقيا بالنيابة عن أبيهما ببلاد ~~الأندلس والمغرب الأقصى، فمات ابن نصير حينما بلغه خبر موت ولديه، ومع ذلك فإن ~~نفي موسى وطارق لم يوقف فتوحات العرب، فإنهم بعد أن جاوزوا جبل البيرينية ~~استولوا على مدينة «ناربون» وبعض مدن من فرنسا الجنوبية، وامتدت فتوحاتهم إلى ~~قسم «يرجونيا» ثم قام عبد الرحمن بجيش جرار قاصدا بذلك فتح باقي بلاد الغول، ~~فوضع الحصار على مدينة «بوردو» واستولى عليها، وتقدم إلى نهر «لوار» فقابله ~~«شارل بن ييبين دوهير ستال» لما علم بقدوم عبد الرحمن المذكور، فانهزم العرب ~~أمام الجيش المكون من الغول والجرمانيين تحت قيادة شارل المذكور بالقرب من ~~بندر بواتيه، ورجعوا إلى إسبانيا واكتفوا بأمرها، وذلك سنة 118 من الهجرة ~~الموافقة لسنة 732م. وفي سنة 97ه خرج سليمان بالجيوش، ونزل بمرج دابق وبعث ~~أخاه مسلمة إلى القسطنطينية، وقال: «أقم عليها حتى تفتحها». وأقام مسلمة ~~قاهرا لها حتى جاءه الخبر بموت أخيه سليمان، وذلك سنة 99ه، وفي أيامه بنى ~~أسامة بن يزيد الملقب «بالتنوخي» مقياس النيل بالروضة ms139 سنة 97ه حينما وقع مقياس ~~النيل الموجود بحلوان، وأوصى بالخلافة بعده لعمر بن عبد العزيز، وكان عامله ~~على مصر عبد الملك بن رفاعة. ~~(4-7) خلافة عمر بن عبد العزيز 717-720م # وهو الأشج الذي ورد في حقه الحديث الشريف، بويع بالخلافة بعد موت سليمان، فمن ~~يوم توليته رفع المظالم التي صدرت ممن سبقه من الملوك، وغير سب الإمام علي كرم ~~الله وجهه على المنابر، ووضع محلها آية من القرآن: # إن ~~الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ~~وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم ~~لعلكم تذكرون ~~. ولهذا الخليفة مناقب كثيرة لا تحصى؛ ~~منها: أنه باع جميع ما يملكه وكذا نساؤه برضاهم وأدخله في بيت المال، ومنها ~~المحافظة على ما في بيت مال المسلمين، قيل إن خادمه أتاه يوما بماء يقضي به ~~حاجته، فقال: «بأي شيء أسخنت هذا الماء؟» فقال له: «من خشب بيت المال.» فأمر ~~بشراء غيره ورده إلى محله، وكان العامل من طرفه على مصر هو أبو أيوب بن ~~الصباح، وبشير بن صفوان. وقد مات رضي الله عنه مسموما، سمه خدامه بواسطة ~~أقاربه، فتفحص عن الأسباب، فقيل إنه أخذ منه جعلا فأخذه منه وأدخله بيت ~~المال، ولم يتعرض له بسوء، وفوض أمره إلى الله، ومات بعد أن حكم سنتين، ودفن ~~بدير سمعان بالشام، وبويع بعده لزيد بن عبد الملك، فلم يحدث في أيامه أمور ~~مهمة إلا خروج يزيد بن المهلب بن أبي صفرة، فأرسل إليه أخاه مسلمة، فقتل آل ~~المهلب المشهورين بالكرم والشجاعة، وتوفى سنة 105ه بعد تصرفه أربع ~~سنين. ~~(4-8) خلافة هشام بن عبد الملك 720-747م # تولى الخلافة عقب موت يزيد بن عبد الملك، وفي أيامه غزا مسلمة بن عبد الملك ~~الروم، وغزا نصر بن سيار ما وراء النهر، وقتل ملك الترك. وفي سنة 122 خرج زيد ~~بن علي بن الحسين بالكوفة، ودعا إلى نفسه، وبايعه خلق كثير، وكان والي الكوفة ~~من جهة هشام يوسف بن عمر الثقفي، فجمع الجموع وقاتل زيدا، فأصابه سهم في ~~جبهته، فمات وعمره 42 سنة، ms140 وصلب يوسف بن عمر جثته، وبعث برأسه إلى هشام فنصبت ~~بدمشق، ودامت جثته حتى مات هشام وتولى الوليد، فأحرقت وأدريت في الهواء، ومات ~~هشام سنة 125ه، وبموته ختم الوليد على ماله، فكفن بالدين، وقال شعرا: # انظر لمن ملك الدنيا بأجمعها # هل راح منها بغير القطن والكفن # وكان العامل من طرفه على مصر «محمد بن عبد الملك» وفي مدته حصل بمصر وباء ~~عظيم مكث شهرين، وجملة ولايته على مصر ثمانية أشهر. ~~(4-9) خلافة الوليد بن يزيد 748-749م # كان هو وأصحابه في البرية؛ خوفا من هشام في ضيق وسوء حال، فكتب إليه بموت ~~هشام، فحضر وتولى الخلافة، وعكف على الشرب والغناء، وزاد الناس في عطائهم ~~عشرات، ثم زاد أهل الشام زيادة بعد العشرات عشرة أخرى، وفي سنة 126ه قتله ~~«يزيد بن الوليد بن عبد الملك» الملقب بالناقص بعد أن ثقل على الناس لهو ~~الوليد وشربه واجتماعه بالفساد، دعا يزيد إلى نفسه، ونهاه أخوه العباس بن ~~الوليد بن عبد الملك وتهدده، فأخفى الأمر عنه، وكان يزيد مقيما بالبادية؛ ~~لوخم دمشق، فلما تم له أمره قصد دمشق متخفيا ودخل دمشق ليلا، وبايعه أكثر ~~أهلها، وكان عامل الوليد على دمشق عبد الملك بن محمد بن الحجاج، فظهر يزيد ~~بدمشق واجتمع عليه الجند وغيرها، وأحضر عامل الوليد بالأمان، ثم جهز يزيد ~~جيشا إلى الوليد بن يزيد بن عبد الملك تحت قيادة عبد العزيز بن الحجاج بن عبد ~~الملك، وكان الوليد وقتئذ بالأعذق في عمان، فسار الوليد إليه وجرت بينهما حروب ~~انتهت بتفريق الناس عن الوليد، فركب بمن معه وقاتل قتالا شديدا، ثم انهزم هو ~~وأصحابه، فدخل القصر وأغلقه، وحاصروه ثم قتلوه، وبعثوا برأسه إلى يزيد فسجد ~~شكرا لله سبحانه وتعالى، وطيف بالرأس على رمح في دمشق. ~~(4-10) خلافة يزيد بن الوليد # وبعد قتل الوليد استقر الحكم له فنقص العشرات التي زادها الوليد، فلقبوه ~~بالناقص، وفي أيامه خرجت عليه أهل حمص ونهبوا دار أخيه العباس، فسار إليهم ~~وهزمهم، وأخذ البيعة عليهم، وكذا خرج أهل فلسطين على عامله، ms141 وأحضروا يزيد بن ~~سليمان بن عبد الملك فجعلوه عليهم، ودعا الناس إلى قتال يزيد الناقص، فأرسل ~~إليه يزيد الناقص جيشا مع سليمان بن هشام بن عبد الملك، فلما قرب منهم الجيش ~~المذكور تفرقوا ، وقدم سليمان في طلب يزيد بن سليمان ونهبه، وسار سليمان حتى ~~نزل طبرية وبايع بها ليزيد، ثم بالرملة وبايع بها كذلك، وعزل منصور بن جمهور ~~عن العراق وولاها عبد الله بن عمر بن عبد العزيز، وتوفي الناقص بعد أن حكم ~~خمسة أشهر تقريبا. ~~(4-11) خلافة إبراهيم بن الوليد # وكانت مدة خلافته أربعة أشهر، وفيها سار مروان بن محمد بن مروان بن الحكم في ~~جيش عظيم قاصدا عزله من الخلافة، ولما علم بذلك إبراهيم بن الوليد جهز إليه ~~جيشا مع سليمان بن هشام، واقتتلوا فانهزم أصحاب إبراهيم الخليفة وسليمان ~~المذكور، وقتلوا ابني الوليد بن يزيد وكانا في السجن، ثم اختفى إبراهيم ونهب ~~سليمان بيت المال وقسمه على أصحابه وخرج من دمشق. ~~(4-12) خلافة مروان بن محمد # بويع بالخلافة عقب فرار إبراهيم بن الوليد، ولما استقر له الأمر أرسل له ~~إبراهيم المخلوع وسليمان بن هشام يستأمنان منه، فأمنهما وقدما عليه ومع ~~سليمان إخوته وأهل بيته، فبايعوا مروان، وفي أيامه عصت عليه أهل حمص ففتحها ~~وقتل وصلب بعض أهلها، ثم خالف عليه أهل فلسطين، فكتب مروان إلى أبي الورد، ~~فسار وهزمهم بالقرب من طبرية، ثم خرج عليه سليمان بن هشام بن عبد الملك واجتمع ~~إليه من الشام سبعون ألفا، وعسكر بقنسرين، وسار إليه مروان، والتقوا بأرض ~~قنسرين، فانهزم سليمان وفر هاربا إلى حمص واجتمع إليه أهلها، فهزمه مروان. ~~وعصى عليه أهل حمص ثانيا، فحاصرهم طويلا، وأخيرا سلموا إليه، وكان عامله ~~على مصر عبد الملك ابنه. وفي سنة 129ه ابتدأت الدعوة لبني العباس في خراسان ~~وغيرها من طرف محمد الملقب بالإمام ابن علي بن عبد الله بن عباس على يد أبي ~~مسلم الخراساني الذي ولاه محمد الإمام الأمر في استدعاء الناس سرا، ولما مات ~~محمد الإمام العباسي وقام بعده ولده إبراهيم ms142 الإمام أقر أبا مسلم على الدعوة ~~وأمره أن يظهرها بخراسان، وكان الوالي عليها من طرف مروان «نصر بن سيار»، ولما ~~بلغ مروان ذلك أرسل إلى عامله بالبلقاء أن يرسل إليه إبراهيم الإمام المقيم ~~بقرية الحميمة «بضم الحاء» بلدة الشام، فبعثه إليه، فحبسه مروان بحران حتى ~~مات، وبويع أبو العباس بالخلافة بعد موت إبراهيم الإمام أخيه، فجهز جيشا تحت ~~قيادة عمه عبد الله بن علي لقتال مروان بن محمد، فالتقى الجمعان بالقرب من ~~الموصل، فكانت النصرة لعبد الله، وانهزم مروان والتجأ إلى حران، ومكث بها ~~عشرين يوما حتى دنا منه عسكر أبي العباس، وانهزم إلى حمص، وقدم عبد الله بن ~~علي حران ثم سار مروان إلى دمشق ثم سار إلى فلسطين، وكان السفاح قد كتب إلى ~~عمه عبد الله بن علي اتباع أثر مروان، فسار حتى وصل إلى فلسطين، وفي أثناء ~~الطريق وجدوا جماعة من بني أمية، فأمر بمدهم وصاروا يجلسون عليهم ويأكلون ~~ويشربون عليهم إلى أن ماتوا، ثم ورد إليه كتاب أبي العباس بإرسال أخيه صالح بن ~~علي في طلب مروان، ولم يزل متتبعا أثر مروان إلى أن أدركه في قرية أبو صير ~~بالجيزة «من أعمال مصر»، فضربه بالرمح واحتز رأسه وسار بها إلى أبي العباس ~~بالكوفة. # ولم يزل أبو العباس يتبع أثر بني أمية حتى أهلكهم؛ ولذا سمي بالسفاح؛ (أي ~~سافك الدماء)، ولم يبق منهم إلا المستضعفين من الرجال والنساء، ثم هرب منهم ~~جماعة إلى المغرب منهم: عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك الذي دخل ~~الأندلس، وبويع فيها بالخلافة، وأسس دولة قرطبة، فكان مروان الجعدي هذا آخر ~~ملوك بني أمية، وهرب عبيد الله وعبد الله ابنا مروان إلى الحبشة، فقتل عبيد ~~الله، ونجا عبد الله في عدة ممن معه وبقي إلى خلافة المهدي، فأخذه نصر بن ~~محمد بن الأشعث عامل فلسطين، وبعث به إلى الخليفة، وكانت مدة خلافة مروان 5 ~~سنين تقريبا. ~~(5) الدولة العباسية # أصل هذه الدولة من سلالة العباس عم النبي # صلى الله عليه وسلم ms143 ~~، وكان مقر ملكهم بالعراق وعدتهم ~~37 خليفة بالعراق، و15 بمصر، ومدة تصرفهم 500 سنة، وكان ابتداء ملكهم سنة 133ه ~~الموافقة سنة 750م، وانتهاؤه سنة 657ه الموافقة لسنة 1658م، ولا نتكلم هنا إلا على ~~من دخلت مصر تحت حكمه، فنقول: ~~(5-1) خلافة أبي العباس السفاح 750-754م # وبعد أن تم له الأمر على الوجه المذكور دخل سديف الشاعر وعنده سليمان بن هشام ~~بن عبد الملك، وكان أمنه وأكرمه، فأنشد يقول: # لا يغرنك ما ترى من رجال # إن بين الضلوع داء دويا # فضع السيف وارفع الصوت حتى # لا ترى فوق ظهرها أمويا # ففي الحال أمر بقتل سليمان المذكور، وأمر عبد الله بن علي بنبش قبور الأمويين ~~وإحراق ما فيها من العظام، وتتبع قتل بني أمية، ولم يسلم من القتل سوى الرضيع ~~أو من فر إلى الأندلس، وقتل سليمان بن علي بالبصرة جماعة من بني أمية، وألقاهم ~~في الطريق تأكلهم الكلاب، فتشتت من بقي منهم واختفوا في البلاد، وجعل السفاح ~~أخاه المنصور واليا على الجزيرة وأزربيجان وأرمينيا، وولى عمه المدينة ومكة ~~واليمن، وولى ابن أخيه عيسى بن موسى الكوفة، وكان على الشام عمه عبد الله، ~~وعلى مصر أبو عون، وعلى خراسان أبو مسلم. وفي سنة 133 استولى قسطنطين ملك ~~الروم على مالطة، وفيها ولى السفاح عمه سليمان البصرة وأرض البحرين وعمان، ~~وفيها عزل السفاح أخاه يحيى عن الموصل؛ لكثرة قتله فيهم وولى عمه إسماعيل بن ~~علي. وفي سنة 134 تحول السفاح من مقامه بالحيرة إلى الأنبار، ومات السفاح سنة ~~136 وخلافته من قبل مروان أربع سنين، وعهد بالخلافة لأخيه المنصور. ~~(5-2) خلافة أبي جعفر المنصور 754-775م # ولما مات السفاح كان المنصور في الحج، فأخذ له عيسى بن موسى البيعة على ~~الناس، وأرسل أعلمه بذلك فبايعه أبو مسلم والناس، ولما قدم من الحج إلى الكوفة ~~وصلى بأهلها الجمعة وسار فأقام بالأنبار، وفي أيامه بايع عمه المنصور عبد الله ~~بن على لنفسه بالخلافة، فأرسل إليه أبو مسلم، فانهزم عبد الله وأصحابه، ~~واستولى أبو مسلم على عسكره، ms144 ثم قتل أبا مسلم الخراساني؛ لوحشة جرت بينهما؛ ~~لأنه كتب لأبي مسلم بعد أن هزم عبد الله عمه بالولاية على مصر والشام وصرفه ~~على خراسان، فلم يجب أبو مسلم إلى ذلك، وتوجه يريد خراسان، وسار المنصور من ~~الأنبار إلى المدائن، وكتب يطلب أبا مسلم فاعتذر عن الحضور، وطالت بينهما ~~المراسلات، وأخيرا قدم إليه أبو مسلم في ثلاثة آلاف، وخلف باقي عسكره بحلوا ~~ن(من أعمال فارس)، ودخل على المنصور فأمر بقتله. وفي سنة 133 وسع المنصور ~~المسجد الحرام، وفي أيامه دخل عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بلاد الأندلس، ~~واستولى عليها. وفي سنة 145 أمر الخليفة ببناء بغداد وسماها مدينة السلام، ~~وانتقل من مدينة أبي هبيرة إلى بغداد، ونقل إليها أبواب مدينة واسط لتكميل ~~عمارتها، وأمر بنقل أنقاض القصر الأبيض «إيوان كسرى» إلى بغداد، ثم كف عن ذلك ~~الشغل لصعوبته. ومات الإمام أبو حنيفة في مدته. وفي سنة 151 بنى المنصور ~~الرصافة لابنه المهدي، وهي في الجانب الشرقي من بغداد، وسار المنصور بعد ذلك ~~إلى الشام وجهز جيشا إلى المغرب لقتال الخوارج، ومات المنصور سنة 158، وكان ~~العامل من طرفه على مصر أبو عون الجرجاني، وفي مدته صدرت إليه أوامر الخليفة ~~بسد قنال السويس الذي كان شرع فيه عمرو بن العاص، وقد بلغ عدد نوابه بمصر ~~ثمانية، أولهم أبو عون المذكور وآخرهم موسى بن العباسي. ~~(5-3) خلافة المهدي 775-785م # بويع بالخلافة بعد موت أبيه، وفي أيامه أمر باتخاذ المصانع في طريق مكة ~~وتجديد الأميال والبرك، وتجهز المهدي لغزو الروم واستخلف ابنه الهادي ببغداد، ~~ولما وصل إلى حلب بلغه أن بتلك الناحية زنادقة، فجمعهم وقتلهم. وجهز ابنه ~~هارون لغزو بلاد الروم، فرحل الرشيد إلى خليج القسطنطينية، ولم يمكنه فتحها ~~فعاد، وأقام المهدي بريدا بين مكة والمدينة واليمن بغالا وإبلا، وزاد ~~المهدي في المسجد الحرام والمسجد النبوي، ومات المهدي سنة 168، وتولى من طرفه ~~على مصر ستة أولهم عيسى بن نعمان، ومنهم أبو داود الذي منع غلق الدروب ~~ليلا، ومنع حرس الحمامات وقال: «من ضاع ms145 له شيء فعلي أداؤه.» ومنهم إبراهيم ~~بن صالح الذي خرج في مدته «دحية بن مروان» بالصعيد، ودعا لنفسه بالخلافة، ~~فتراخى إبراهيم ولم يحفل بأمره حتى ملك عامة الصعيد، فسخط عليه المهدي وعزله. ~~ومنهم عصامة بن عمر الذي بعث إلى دحية جيشا مع أخيه «بكار»، فحارب يوسف بن ~~نصر وهو على جيش دحية فتطاعنا، فوضع يوسف الرمح في خاصرة بكار ووضع الرمح في ~~خاصرة يوسف فقتلا معا، ورجع الجيشان منهزمان. ~~(5-4) خلافة الهادي 785-786م # ولما مات المهدي كان الهادي مقيما بجرجان يحارب أهل طبرستان، فأخذت البيعة ~~له، فلما بلغه بجرجان موت أبيه سار حتى دخل بغداد. وفي مدته ظهر الحسين بن علي ~~بن الحسن بن الحسين رضي الله عنه بالمدينة في جمع من أهل بيته، وجرى بينه وبين ~~عامل الهادي على المدينة، وهو عمر بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ~~قتال، فانهزم عمر المذكور، وبايع الناس الحسين، ثم خرج الحسين ومن معه إلى ~~مكة، وكان قد حج جماعة من بني العباس منهم سليمان بن أبي جعفر المنصور، وانضم ~~إليه شيعتهم ومواليهم، واقتتلوا فقتل الحسين وانهزم أصحابه وأخذت رأسه ورأس ~~جملة من أهل المدينة وبعثوا بها إلى الهادي، وكان العامل من طرفه على مصر «علي ~~بن سنان». ~~(5-5) خلافة هارون الرشيد 786-809م # وهو الخامس من بني العباس، تولى الخلافة بعد موت أخيه الهادي سنة 170 هجرية؛ ~~أعني سنة 786م، كان هذا الخليفة أشهر وأفضل بني العباس، عاقلا مهابا موصوفا ~~بالحكمة والتدبير، مولعا بمطالعة التواريخ والكتب الأدبية، وفي عصره اتسعت ~~دائرة التجارة ونطاق المعارف؛ لأنه أصدر أمرا بترجمة الكتب اليونانية من ~~فلسفيات ورياضيات وغيرها إلى اللغة العربية، وتنافست الكتاب في ترجمتها، وله ~~غزوات كثيرة، من أشهرها غزوة بلدة هرقلة في عصر ملكها «نيسيفوروس»، المعروف في ~~التواريخ الإسلامية باسم «نقفور»، حين امتنع عن أداء الخراج، فهزمه شر هزيمة، ~~وعاد عليه الخراج كما كان، وقيل إن الرشيد حضر بنفسه ثمان غزوات، وقاتل فيها ~~قتالا حسنا، ومن مناقب هذا الخليفة أنه كان ms146 غير محتجب عن أرباب الدعاوى، ~~محافظا على راحة الرعية، كان يطوف أغلب الليالي مختفيا في شوارع بغداد؛ ~~ليطلع على أحوال الرعية، فإذا رأى مظلوما أعانه وانتقم من ظالمه. قيل إن ~~امرأة دخلت عليه وشكت إليه أذى العساكر حين مرورهم في أرض تخصها، فأجابها ~~الرشيد قائلا: «جاء في الحديث أن من عادة العساكر أن يضروا بالأرض عند مرورهم ~~بها للغزو والجهاد، فيجب على أصحاب الأملاك أن يتحملوا أضرارهم ويقوموا ~~بخدمتهم.» فأجابته على الفور قائلة: «جاء في الحديث أن الملوك الذين يسمحون ~~بظلم رعيتهم تجلب خرابا على مملكتهم.» فاستحسن الرشيد جوابها، ودفع لها ضعف ~~خسائرها من بيت المال. وله مناقب كثيرة من هذا القبيل، وكان عامله على مصر ~~موسى بن عيسى العباسي الذي أمر القبط في إعادة الكنائس ثانيا التي كان هدمها ~~على بن يوسف، وقاموا عليه أهل مصر، وقالوا إنه يصلح للخلافة، ولما سمع الرشيد ~~بذلك سخط عليه وعزله وولى مكانه موسى المذكور، وجملة نوابه بمصر أكثر من عشرة. # ولما اشتهر الرشيد في الأقطار الغربية بالحكمة والتدبير أرسل له «شرلمان» أو ~~«شارل الأكبر» ملك الفرنج ومدبر السلطنة الغربية رسلا، فأرسل إليه الخليفة ~~هدية ساعة ميكانيكية وأشياء أخرى فاخرة، وكانت الساعات لم تكن معروفة من قبل، ~~فكانت هي أول ساعة ظهرت في أوروبا، وفاق الرشيد من سلفوا من الخلفاء والملوك، ~~وزخرف بغداد والمدن الشهيرة بأنواع البساتين والزينة، وصرفت امرأته زبيدة ~~مليون ومائة ألف دينار لحفر عين ماء لشرب أهل مكة والمدينة، وكان الرشيد قد ~~استوزر يحيى البرمكي، ثم استوزر بعده ابنه جعفر، وكان الرشيد لا يفعل شيئا ~~إلا باستشارته، ومن فرط حبه له زوجه أخته ميمونة بشرط عدم الاجتماع بها، ثم ~~نكب به وقتله ونصب رأسه على الجسر وجعل جثته نصفين، كل نصف على جسر، وحبس ~~أهله، وأخيرا قتلهم، وذلك لأسباب سياسية، وقيل إن البرامكة أحضروا له ~~الزندقة، وقيل إن جعفرا اجتمع بأخته المذكورة فحملت بغلام، وهذا القول بعيد، ~~وقيل إن الرشيد كلما مر على قرية أو ضيعة سأل: «هي لمن؟» قيل: ms147 «لجعفر.» وهذا ~~هو الصحيح. ومات الإمام مالك وسيبويه إمام النحو في مدته، ومات الرشيد بمدينة ~~طوس من أعمال خراسان حين توجه لقمع رافع بن الليث وقت إظهاره العصيان عليه، ~~وذلك سنة 193، وعهد بالخلافة لابنه الأمين ثم المأمون. ~~(5-6) خلافة محمد الأمين 809-813م # بويع بالخلافة يوم مات أبوه، وفي زمنه هاجت الجنود بمصر، فحصل من ذلك فتنة ~~شديدة قتل فيها أناس كثيرون، فسار الحسن بن البحباح من مصر بمال الخراج إلى ~~الخليفة الأمين، فخرج عليه أهل الرملة ونهبوه وأخذوا مال الخراج منه، فولى ~~الحاتم بن هرثمة، فأتى إلى مصر بألف فارس، ونزل بهم في مدينة بلبيس، وأخذ ~~الخراج من البلاد وذهب إلى مدينة الفسطاط، ثم عزل وتنصب على مصر مكانه جابر ~~بن الأشعث الطائي، فاستمر إلى أن حدثت الفتنة بين الأمين والمأمون، وسبب ذلك ~~أن أخاه الأمين خلعه من الخلافة وأبطل اسمه من الخطبة وخطب لموسى ابنه ولقبه ~~الناطق بالحق، فأرسل المأمون لقتاله طاهر بن الحسين وهرثمة بن أعين، فحاصراه ~~ببغداد، فهرب بمركب في البحر، فرماه رجال أصحاب طاهر بالحجارة، فشق الأمين ~~ثيابه وسبح في الماء إلى بستان، فلما خرج أدركوه وركبوا عليه وذبحوه من قفاه، ~~وأخذوا رأسه إلى طاهر بن الحسين، فأرسلها إلى المأمون وبصحبتها خاتم الخلافة ~~وبردة رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، فلما وضعت الرأس بين يدي المأمون خر ساجدا ~~شكرا لله تعالى على ما رزقه من الصغر، وأعطى الرسول ألف درهم، وكان قتل ~~الأمين سنة 198 في محرم، وأتى السري بن الحكم إلى مصر، وبايع الناس للمأمون، ~~وعزل جابر الذي كان عاملها من طرف الأمين. ~~(5-7) خلافة المأمون 813-833م # بويع بالخلافة عقب قتل أخيه، وكان هذا الملك متحليا بجميل الأخلاق، يحب ~~العلم وأهله، مشتغلا بالعلوم لا سيما علم الفلك، فتحارب مع الإمبراطور ~~«تيوفيل» حينما امتنع عن إرسال أحد علماء الفلك المدعو «ليون» إليه، وجمع ~~مكتبة من الكتب اليونانية، وأمر بترجمتها إلى اللغة العربية، فمن أفخر كتبها ~~كتاب «إقليدس» المهندس المشهور. # واعلم أن المأمون هو أول من قاس ms148 الدرجة الأرضية، وعرف مقدارها، وقد كان مع ~~هذه الأوصاف صاحب غزوات وفتوحات، فإنه غزا بلاد «سيليسيا» وجزيرة «كنديا». ~~وجملة نوابه بمصر ثمانية منهم صالح بن شيراز الذي ظلم الناس وجار عليهم ~~فقتلوه، ومنهم عيسى الجلودي الذي حارب أهل الحوف بالمطرية وهزموه، فأتى إليه ~~المعتصم بأربعة آلاف من الأتراك، فقاتلهم وقتل أكابرهم، ومنهم عيسى بن منصور ~~الذي خالف عليه عرب مصر وأقباطها، وكانت بينهم حروب عظيمة، وذلك سنة 216، وفي ~~مدته حضر المأمون إلى مصر، وبحضوره طفئت نار الفتنة، ثم أراد البحث عن حقيقة ~~أهرام الجيزة، وهدم جزءا منها فكف عن ذلك الشغل لصعوبته. وقال: «إن الملوك ~~الذين بنوا الأهرام كانوا بمنزلة لا ندركها نحن ولا أمثالنا.» وقد تقدم الكلام ~~على الأهرام، وقد حمل الناس على القول بخلق القرآن الشريف وتفضيل الإمام علي ~~على جميع الصحابة، فأجابته طائفة وامتنع الإمام أحمد بن حنبل، فأمر بشد يديه ~~وحبسه. وفي سنة 200 أمر المأمون بإحصاء ولد العباس فبلغوا 3300 ما بين ذكر ~~وأنثى كما ذكر ذلك ابن الوردي. وفي سنة 202 بويع لإبراهيم بن المهدي ببغداد، ~~ولقب المبارك، وذلك بعد أن خلعوا المأمون، واستولى إبراهيم على الكوفة وعسكر ~~بالمدائن، واستعمل على الجانب الغربي من بغداد العباس بن موسى الهادي، وعلى ~~الجانب الشرقي إسحاق بن الهادي، واستخلف المأمون على خراسان «غسان بن عباد»، ~~وقصد العراق، ولما وصل سرخس وثب أربعة فقتلوا الفضل بن سهل، وبلغ إبراهيم بن ~~المهدي والمطلب الذي أخذ البيعة لإبراهيم قدوم المأمون، فتمارض المطلب وتوجه ~~إلى بغداد وسعى باطنا في البيعة للمأمون وخلع إبراهيم، وبلغ ذلك إبراهيم وهو ~~بالمدائن، فقصد بغداد وطلب المطلب فامتنع، فنهبه ونهب أهله، ولم يظفر بالمطلب. ~~وفي سنة 203ه خلع أهل بغداد إبراهيم المذكور ودعوا للمأمون، فقدم المأمون ~~وكانت ولايته سنتين تقريبا، فانقطعت الفتن بقدوم المأمون سنة 204ه. وفي هذه ~~السنة توفي بالفسطاط الإمام الشافعي رضي الله عنه واسمه محمد بن إدريس، وكان ~~العامل على مصر وقتئذ السري بن الحكم. وفي سنة 210ه ظفر المأمون بإبراهيم بن ~~محمد ms149 بن عبد الوهاب بن إبراهيم ابن الإمام المعروف بابن عائشة وبجماعة معه ~~سعوا في البيعة لإبراهيم بن المهدي، فحبسهم ثم صلب ابن عائشة. وفي هذه السنة ~~قبض على إبراهيم بن المهدي وأحضر إلى المأمون فحبسه، فأنشد يقول: # أتيت ذنبا عظيما # وأنت للعفو أهل # فإن عفوت فمن # وإن أخذت فعدل # فعفا عنه، وقال: # قومي همو قتلوا أميم أخي # فإذا رميت يصيبني سهمي # وفي سنة 216ه سار إلى مصر المأمون كما تقدم، وأمر عماله ببناء ما تهدم من ~~مقياس النيل ونقش ذلك عليه بالحروف الكوفية. ~~(5-8) خلافة المعتصم # وهو أبو إسحاق محمد بن هارون الرشيد، تولى الخلافة سنة 218ه الموافقة 838م، ~~كان هذا الملك عاريا عن العلوم والمعارف، وحمل الناس على القول بخلق القرآن، ~~وعقد في ذلك مجالس كثيرة وأمر بشد يدي أحمد بن حنبل حتى تخلفت أكتافه، وما زال ~~متوجعا إلى أن مات رضي الله عنه، وكان عامله على مصر كيدر ثم ابنه المظفر، ~~وقد استخدم في معيته نحو خمسين ألفا من الأتراك والتتار، فقويت شوكتهم، وصار ~~الأمر بين يديهم، ولم يكن للخليفة في زمنهم إلا مجرد الخطبة والاسم، وقبض ~~المعتصم على وزيره الفضل بن مروان، ولم يكن للمعتصم معه أمر، وولى مكانه محمد ~~بن عبد الملك الزيات. ~~(5-9) خلافة الواثق هارون # بويع بالخلافة يوم وفاة أبيه، وفي مدته فتح المسلمون أماكن من جزيرة صقلية، ~~وكان أميرها محمد بن عبد الله بن الأغلب، وخرجت المجوس من أقاصي بلاد الأندلس ~~في البحر إلى بلاد المسلمين، وجرى بالأندلس وقائع انهزم فيها المسلمون، ثم ~~وافاهم عبد الرحمن الأموي صاحب الأندلس والمسلمون، فانهزم المجوس وغنم ~~المسلمون منهم أربعة مراكب بما فيها، وعاد المجوس إلى بلادهم، وكان عامله على ~~مصر كيدر بن عبد الله الصفدي ومنصور بن عيسى. ~~(5-10) خلافة المتوكل على الله # بويع بالخلافة يوم مات أخيه الواثق، فولى ابنه المنتصر الحرمين واليمن ~~والطائف، وفي أيامه ظهر بمدينة سامرا «من أعمال فارس» محمود بن فرخ وادعى ~~النبوة وأنه ذو القرنين، وتبعه سبعة وعشرون رجلا، فألزم ms150 المتوكل أصحابه أن ~~يصفعوه كل منهم عشر صفعات، ثم حبسه وضربه حتى مات، وأمر المتوكل بهدم قبر ~~الحسين رضي الله عنه، وهدم ما حوله من المنازل لشدة بغضه لعلي كرم الله وجهه ~~وأهل بيته، وكان نديمه عبادة المخنث، ومنع القول بخلق القرآن، ومات في أيامه ~~الإمام أحمد بن حنبل وذو النون المصري، وقتل المتوكل برأي ابنه المنتصر، وقتل ~~معه وزيره الفتح بن خاقان سنة 247. ~~(5-11) خلافة المنتصر # امتنع الناس أولا من مبايعته؛ حيث إنه قتل والده، فأخرج أحمد بن الخطيب ~~كتابا من المنتصر أن الفتح بن خاقان قتل المتوكل، فقتلته به، فبايعوه. وفي ~~مدته توفي أبو العباس أمير صقلية، فولى الناس ابنه عبد الله. ثم ورد من أفريقة ~~خفاجة بن سفيان أميرا، فغزى وفتح، ثم اغتاله بعض أصحابه فولى الناس ابنه ~~محمدا، ثم أقره محمد بن أحمد بن الأغلب صاحب القيروان، وبقي محمد بن خفاجة ~~أميرا إلى سنة 257 من الهجرة، فقتلته طوشية وهربوا، فقتلوا. والمنتصر هو الذي ~~أمن العلويين وأمرهم بزيارة قبر الحسين، ومات بسامرا سنة 248ه. ~~(5-12) خلافة المستعين بالله # وهو أحمد بن محمد بن المعتصم، بويع بالخلافة عقب موت المنتصر، وفي أيامه ورد ~~إليه خبر موت طاهر بن عبد الله أمير خراسان، فولى ابنه محمد بن طاهر عليها، ~~وحمل أهل حمص على كيدر عامله فأخرجوه. وفي سنة 249 التقى المسلمون والروم بمرج ~~الأسقف وقتل عمر بن عبد الله الأقطع مقدم عساكر الخليفة، فانهزم المسلمون وقتل ~~منهم كثير، فأغار الروم على ثغور الجزيرة. وفي هذه السنة شغب الجند والعامة ~~على الأتراك بسبب استيلائهم على الأمور، يقتلون من شاءوا من الخلفاء ويستخلفون ~~من شاءوا، ثم اتفقت العامة بسامرا وأطلقوا من في السجون، فقتلت الأتراك من ~~العامة جماعة حتى سكنت الفتنة، وقتل العبيد «أيامش» رئيس الترك ونهبوا داره، ~~وفي أيامه ظهر أبو الحسن من نسل الحسين بالكوفة، وكثرت جموعه، فأرسل إليه ~~جيشا مع محمد بن طاهر، فقتله وبعث رأسه إلى الخليفة، وخرجت عليه أهل حمص، ~~وطردوا العامل الفضل بن فارن، ms151 فأرسل المستعين إليهم جيشا تحت قيادة موسى بن ~~بغاء الكبير ففتحها وقتل خلقا كثيرا وأحرقها. وفي سنة 251 شغب الجند وحصروا ~~المستعين في القصر بسامرا، فهرب هو وبغاء الصغير ووصيف باغر التركي إلى بغداد، ~~واستقر بها المستعين فخافت الأتراك منه، فأخرجوا المعتز بن المتوكل من الحبس ~~وبايعوه. ~~(5-13) خلافة المعتز بالله # بويع بالخلافة عقب خلع المستعين، فأرسل جيشا يبلغ خمسين ألفا من الأتراك ~~إلى حزبه، فتحصن المستعين ببغداد وألزمه بخلع نفسه ومبايعته له بعد قتال شديد، ~~ثم نقل المستعين من الرصافة إلى قصر الحسن بن سهل بأهله وأخذ منه البردة ~~والقضيب والخاتم، ومنعه من مكة فأقام بالبصرة ووكل به جماعة وانحدر إلى ~~«واسط»، وكتب إلى أحمد بن طولون بقتل المستعين، فامتنع ابن طولون من ذلك فسلمه ~~إلى الحاجب سعيد بن صالح فضربه سعيد حتى مات، وبعث برأسه إلى الخليفة المعتز ~~بالله، وخلافته ثلاث سنين وتسعة أشهر، وفي أيامه عقد «لعيسى بن الشيخ» على ~~الرملة فجهز نائبه أبا المعتز إليها لما كانت فتنة الأتراك بالعراق، وتغلب ~~«ابن الشيخ» على دمشق وأعمالها، وقطع ما كان يحمل من الشام إلى الخليفة، وملك ~~يعقوب الصفار هراة وبوشنج وهابه أمير خراسان. # وفي سنة 254ه؛ أعني سنة 868م ولي أحمد بن طولون مصر، وفي سنة 255ه استولى ~~يعقوب بن الليث الصفار على كرمان ثم استولى على فارس، ودخل شيراز ونادى ~~بالأمان، وكتب إلى الخليفة بطاعته، وصار سلطانا بها سنة 255ه الموافقة سنة ~~868م، وأسس دولة بني الصفار وخلع المعتز سنة 255ه أي سنة 868م، وذلك أن ~~الأتراك طلبوا حقوقهم فلم يكن عنده مال، فاتفق الأتراك فساروا إلى منزله ~~وضربوه، ثم اتفقوا على خلعه، ثم حبس ومنع من الطعام والشراب مدة ثلاثة أيام، ~~فمات ودفن بسامرا. ~~(5-14) خلافة المهتدي # وهو محمد بن الواثق، بويع بالخلافة سنة 255ه/868م، وفي أيامه كان أول ~~خروج صاحب الزنج علي بن محمد، فجمع الزنج الذين كانوا يحملون السباخ جهة ~~البصرة وادعى أنه من نسل الحسين، وعبر نهر الدجلة ونزل الأنبار، وكان المذكور ms152 ~~بمدينة سامرا، وخرج منها سنة 249ه/862م إلى البحرين فدعى نسبته بالعلويين، ~~وأقام في الإحساء ثم في البصرة سنة 254ه/868م، ثم خرج في هذه السنة ~~واستفحل أمره وبث أصحابه للإغارة والنهب. وفي سنة 256ه/870م خلع المهتدي؛ ~~لأنه قصد قتل موسى بن بغاء، وكتب إلى «بابكيال» من مقدمي الترك أن يقتل موسى ~~ويصير موضعه، فأطلع بابكيال موسى على ذلك واتفق على قتل المهتدي، فسار بابكيال ~~إلى سامرا ودخل على المهتدي، فحبسه وقتله، وركب لقتال موسى فتخلوا عنه ~~الأتراك، فضعف المهتدي وهرب، فقبض عليه وصفعوه حتى مات، ولما قتل «بابكيال» ~~صارت الأمور بيد «ياركوج» التركي، وكان بينه وبين أحمد بن طولون مودة متأكدة، ~~فاستعمله على ديار مصر جميعها؛ حيث كان بابكيال قد استعمله على مصر سوى ~~الثغور، فلما تولى مصر قوي أمره وعلا شأنه ففي خلافة المعتمد تغلب أحمد بن ~~طولون وصار ملكا. ~~(6) الدولة الطولونية ~~(6-1) أحمد بن طولون # تولى سنة 258ه أي سنة 872م، وهو أول من تسلطن بمصر من ولاة الدولة العباسية، ~~وكان عاقلا حازما كثير المعروف والصدقة، يحب العلماء وأهل الدين، وهو الذي ~~بنى قلعة «يافا» وبنى الجامع المشهور باسمه بالمقطم في محل يعرف مكانه باسم ~~«تنور فرعون» سنة 263ه أي سنة 277م وبنى «القطائع» المعروف أطلالها الآن باسم ~~«كيمان طولون»، ونقل إليها كرسي المملكة؛ حيث كان بالفسطاط، وبنى أيضا قلعة ~~الكبش، وفي أيامه عصت عليه أهل برقة، فجهز جيشا مع لؤلؤ غلامه، وأمره بالرفق ~~واستعمال اللين، فإن انقادوا كان بها وإلا بالسيف، فسار إليها وحاصرها، فما ~~أمكنه فتحها مع استعمال ما أمره به، فأرسل ابن طولون بالجد في حربهم، فنصب ~~عليهم المنجنيق وجدوا في قتالهم فطلبوا الأمان، وقبض على جماعة من رؤسائهم ~~وضربهم بالسياط وقطع أيدي بعضهم، وأخذ معه جماعة وعاد إلى مصر، ولما وصل لؤلؤ ~~إلى مصر خلع عليه ابن طولون، وطيف بالأسرى في البلد. # وفي سنة 265ه أي سنة 879م أراد الموفق أخو المعتمد كسر شوكة ابن طولون فأرسل ~~جيشا مع موسى بن بغاء السالف الذكر، فخرج ms153 ابن طولون عليه واستخلف ابنه العباس ~~بمصر، ولم يستطع ابن بغاء لمكافحته، فدخل الشام وسلم إليه العامل «علي بن ~~أماجور» فخلع عليه ابن طولون، وملك دمشق وحمص وحماه وكذلك حلب، فملك ذلك كله ~~ثم سار إلى أنطاكية ودعا العامل التركي «سيما الطويل» أمير أنطاكية إلى طاعته، ~~فأبي فقاتله وملك أنطاكية عنوة وقتل سيما المذكور، ثم ملك عدنة وطرسوس من ~~سيليسيا، وأراد الإقامة بطرسوس فغلا سعرها فعاد منها إلى الشام، فأتاه خبر ~~ولده العباس الذي قد استخلفه على مصر أنه عصى عليه وأخذ الأموال وسار إلى برقة ~~مشاققا لأبيه، فلم ينزعج من ذلك وثبت حتى قضى أشغاله وضبط بلاده ثم عاد إلى ~~مصر وأرسل إلى ابنه ولاطفه فلم يرجع، فحاربه حربا شديدا، فأخذ العباس ~~أسيرا وحمل إلى أبيه فحبسه في داره إلى أن قدم باقي الأسرى من أصحابه، فأمره ~~أبوه أن يقطع أيدي أعيانهم وأرجلهم ففعل، فلما فرغ منه وبخه وضربه ثم رده إلى ~~الحبس فخنق به. وفي عصره حصلت حادثة فلكية وهي تساقط النجوم من السماء، فخافها ~~الناس وانزعجوا منها، وحصلت في أيامنا هذه مثلها سنة 1303ه أي سنة 1885م، ~~وفسرها علماء الفلك الحاليون بأنها ليست نجوما، وإنما هي حجيرات صغيرة صعدت ~~إلى الجو وصارت بجانب بعضها فمزقتها الكهربائية الجوية وتصاعد من ذلك شرار. ~~ومات ابن طولون سنة 270ه أي سنة 884م، ومدة خلافته 26 سنة نائبا ~~وخليفة. ~~(6-2) خمارويه بن أحمد # بويع بعد موت أبيه، وكان ملكا صاحب أفعال حميدة وآراء سديدة، وأبقى في ~~حكومته جميع من كان مستخدما مدة حياة أبيه، وشرع في تزيين القطائع بمباني ~~فاخرة وأخذ الميدان العمومي وجعله بستانا واحدا، وزرع فيه أنواع الرياحين ~~وأصناف الشجر وإلى غير ذلك من أشياء النزهة. وفي سنة 271ه أي سنة 885م جرت ~~واقعة بين الموفق وخمارويه بن أحمد بالقرب من دمشق، وتسمى بواقعة الطوحين، ~~آخرها هزيمة المعتضد وأصحابه بين دمشق والرملة، وانهزم خمارويه إلى حدود مصر ~~وثبت عسكره ولم يعلموا بهزيمته، وانهزم المعتضد ولم يعلم بهزيمة خمارويه، أي ms154 ~~إنها كانت واقعة غير قطعية كان سببها عداوة قديمة بين الموفق والطولونيين، ~~وبعد ذلك بقليل تولى أحمد بن الموفق الخلافة، ولقب بالمعتضد بالله، فلما علم ~~بذلك خمارويه أرسل يهنئه بذلك وتعهد له أن يدفع جزية سنوية قدرها 300 ألف ~~دينار، وحصل الاتفاق بينهما، وتزوج الخليفة «قطر الندا» بنت خمارويه، فأرسل ~~إليه الخليفة الحسين بن عبد الله بن الجصاص بهدايا عظيمة، وقد أرسل جيشا مع ~~طغج بن جف لمحاربة الروم، فبلغ مدينة طرسوس وانتصر هناك على الروم جملة نصرات، ~~ثم توجه إلى دمشق لإطفاء الفتنة التي بها فقتل. وذلك سنة 282ه أي سنة ~~896م. # ولما مات خمارويه بويع لابنه جيش الملقب بأبي العساكر، ثم خلع طغج بن جف أمير ~~دمشق جيش بن خمارويه منها، واختلف جيش أبي العساكر المذكور عليه؛ لحداثة سنه ~~وتقريبه الأرازل وتهديده لقواد أبيه، فثاروا عليه وقتلوه ونهبوا داره، ونهبوا ~~مصر وأحرقوها، وأقعدوا أخاه هارون في الولاية، وكانت مدة جيش المذكور تسعة ~~أشهر، وفي مدة هارون اختل حال ملك بني طولون، واختلف القواد عليه، وانحل نظام ~~مملكته، فانتهز الفرصة ابن جف واستقل بالشام، وفي ذلك الوقت مات المعتضد، ~~وأخلفه ابنه المكتفي، فبعث جيشا مع محمد بن سليمان فاستولى على دمشق ثم على ~~مصر وصاحبها هارون بن خمارويه، ففارقه غالب قواده ولحقوا بعسكر الخليفة، وخرج ~~هارون بمن بقي معه، وجرى بينه وبين محمد بن سليمان واقعات، ثم وقع في عسكر ~~هارون خصومة فاقتتلوا، فركب هارون لتسكينهم، فزرقه مغربي بمزراق فقتله، فقام ~~عمه شيبان بالأمر وطلب الأمان فأمنه محمد بن سليمان، ثم هرب شيبان ليلا ~~واستولى ابن سليمان على مصر، وأمسك بني طولون وكانوا بضعة عشر رجلا فحملهم ~~إلى بغداد، وذلك سنة 292ه أي سنة 904م، وعادت مصر إلى الدولة العباسية ~~ثانيا. ~~(7) الدولة العباسية المرة الثانية ~~(7-1) خلافة المكتفي بالله # بويع بالخلافة عقب موت أبيه المعتضد، وهو السابع عشر من خلفاء بني العباس، ~~وكان «بالرقة» وبلغه الخبر فأخذ البيعة على من عنده أيضا ودخل بغداد. وفي سنة ~~290ه أي سنة ms155 902م ابتدأت شوكة القرامطة حتى هزموا جيش طغج بن جف أمير دمشق ~~وحصروها، ثم اجتمعت عليهم العساكر، وقتلوا مقدمهم يحيى المعروف بالشيخ، فقام ~~في القرامطة أخوه الحسين، وسمى نفسه أحمد، وأظهر شامة بوجهه، وزعم أنها آيته، ~~وكثر جمعه فصالحه أهل دمشق على مال دفعوه له، وانصرف عنها إلى حمص، وخطبوا له ~~على منابرها، وسمي بالمهدي أمير المؤمنين وعهد إلى ابن عمه عبد الله ولقبه ~~«المدثر». ثم سار إلى حماة والمعرة وغيرهما، وقتل أهلها وأخذ سلمية بالأمان ~~وقتل أهلها، ولما اشتد أمر القرمطي صاحب الشامة خرج المكتفي من بغداد ونزل ~~الرقة وأرسل إليه الجيوش. وفي السنة الثانية وقعت عساكر الخليفة مع صاحب ~~الشامة بقرب حماة، فانهزم القرمطي المذكور، وقبضوا عليه هو وابن عمه المدثر، ~~وأحضروا إلى الخليفة فسار بهم إلى بغداد ، وطيف برأس صاحب الشامة، وقد علمنا أن ~~هذا الخليفة هو الذي أرسل محمد بن سليمان إلى مصر وملكها، ولما خرج محمد بن ~~سليمان من مصر ظهر الخلنجي الخارجي بمصر واستفحل أمره، فسار إليه أحمد بن كيعلغ عامل دمشق، فطمعت القرامطة فيها عند غيابه فنهبوها وقتلوا كثيرا من ~~أهلها، ونهبوا أيضا طبرية، ثم قصدوا جهة الكوفة، فسير إليهم المكتفي عساكره ~~فانهزمت عساكر الخليفة. وفي سنة 249ه أخذت القرامطة الحجاج من طريق العراق ~~وقتلوهم، وكانوا نحو عشرين ألفا، وأخذوا منهم أموالا جسيمة، وكان رئيس ~~القرامطة إذ ذاك «زكرويه» فبعث المكتفي إليه جيشا، فانهزم «زكرويه» وقتل، ~~فبعث برأسه إلى الخليفة. # ومات الخليفة سنة 295ه أي سنة 906م، وكان عامله على مصر عيسى النوشري، وبويع ~~بالخلافة بعده للمقتدر وهو أبو الفضل جعفر بن المعتضد، وحكم سنة واحدة وخلع، ~~وبويع لعبد الله بن المعتز، وجرت في أيامه بين المريدين له والمريدين للمقتدر ~~حروب، تمت فيها الهزيمة عليه وعلى أصحابه فهرب وقبض عليه وحبس، قيل خنق ~~بالحبس، وقيل مات حتف أنفه، وعاد المقتدر ثانيا إلى الخلافة، وكان عامله على ~~مصر عيسى النوشري أيضا، الذي في مدته قدم مصر زيادة الله الأغلبي صاحب ~~القيروان، وسبب ذلك أن ms156 زيادة الله المذكور انهمك على اللذات وشرب الخمور وقتل ~~من الأغالبة جما غفيرا، فقوي أمر أبي عبد الله الشيعي القائم بدعوة الدولة ~~الفاطمية بالمغرب، فأرسل إليه زيادة الله جيشا تحت قيادة إبراهيم ابن عمه ~~فهزمهم الشيعي، فضعف زيادة الله وجمع أمواله ووفد على مصر عند عيسى المذكور، ~~فكتب عامل مصر إلى الخليفة المقتدر يعلم الخليفة بذلك، ثم سار زيادة الله إلى ~~الرقة فأمره المقتدر بالعود إلى المغرب لقتال الشيعي المذكور، وكتب إلى ~~النوشري عامله بإمداد زيادة الله، فقدم إلى مصر فمطله النوشري هذا، وزيادة ~~الله ملازم للهو وسماع الغناء وشرب الخمر، وطال مقامه فتفرق أصحابه ومرض وآيس ~~من النوشري، فسار ليقيم بالقدس فمات ودفن بالرملة، ولم يبق من بني الأغلب ~~أحد. وكانت مدة ملكهم 112 سنة، فكان زيادة الله هو آخر ملوك بني الأغلب ~~وابتداء ملك العلويين، وفي أيامه بعث المهدي جيشا مع ابنه أبي القاسم محمد ~~إلى ديار مصر فاستولى على الإسكندرية والفيوم، فبعث إليهم المقتدر جيشا ~~فأجلاهم فعادوا إلى المغرب. # وفي سنة 302ه/913م أرسل المهدي ثانيا جيشا مقدمه حباشة بطريق البحر ~~فاستولى على الإسكندرية، فأرسل المقتدر جيشا مقدمه مؤنس الخادم، فانهزمت ~~المغاربة وقتل خلق كثير منهم، وعادوا إلى بلادهم. وفي سنة 306ه/915م كان ~~العامل تكين الذي في أيامه جهز المهدي جيشا مع ابنه القائم إلى مصر، فوصل ~~الإسكندرية واستولى عليها، ثم وصل الجيزة وملك جزءا من الصعيد، وبعث المقتدر ~~مؤنسا الخادم، وجرت بينه وبين القائم وقعات، ووصل إلى الإسكندرية من جهة ~~المغرب مراكب حربية للقائم، فأرسل المقتدر مراكب من طرسوس لقتال مراكب القائم، ~~فاقتتلت العساكر في البر، فانهزمت عساكر المغرب، وعادوا إلى أفريقا. وفي سنة ~~312ه/923م قبض المقتدر على وزيره ابن الفرات وقتله هو وابنه المحسن. وفي ~~سنة 319ه/931م أرسل المقتدر عسكرا لقتال مرداويج، فالتقوا بنواحي همدان، ~~فانهزم عسكر الخليفة، فأرسل مرداويج إلى أصفهان فملكها، وفي سنة 320ه/932م ~~قتل المقتدر لوحشة جرت بينه وبين مؤنس الخادم، فتوجه مؤنس إلى الموصل، فكتب ~~أهلها إلى بني حمدان بصد مؤنس عن ms157 الموصل، وجرى بينهم قتال شديد، واستولى ~~مؤنس على الموصل، وأتى بجيش وحارب المقتدر، فانهزم الخليفة وقتل. ~~(7-2) خلافة القاهر # وهو محمد بن المعتضد، فحصلت وحشة أيضا بينه وبين مؤنس فعمل الحيلة على قبض ~~مؤنس وقتله. وفي أيامه استولى عماد الدولة بن بويه علي شيراز، وذلك سنة ~~323ه/934م، وأصل بويه المذكور رجل متوسط الحال بالديكم، وكان له ثلاثة أولاد؛ ~~عماد الدولة وركن الدولة ومعز الدولة، وكانوا في خدمة «ما كان الديلمي»، فلما ~~قهره مرداويج السالف الذكر دخلوا في خدمته وتركوا «ما كان»، فأحسن إليهم ~~مرداويج، وقلد عماد الدولة بن بويه كرج، فقوي وكثر جموعه، فأرسل مرداويج جماعة ~~للقبض عليه فقابلهم بالترحاب واستمال عقولهم حتى وجبت عليهم طاعته، فلما بلغ ~~ذلك «مرداويج» اغتاظ، ثم قصد ابن بويه أصفهان، فأرسل مرداويج إلى ابن بويه ~~يلاطفه وابن بويه يعتذر، ثم استولى أيضا على أرجان، وأرسل ابن بويه المذكور ~~أخاه ركن الدولة إلى «كازرون» وغيرها من أعمال فارس، فاستخرج أموالها، وامتد ~~ملك بني بويه من بحيرة الخزر إلى العراق العجمي. رجعنا إلى ما نحن بصدده. وفي ~~سنة 322ه الموافقة سنة 934م خلع القاهر وبويع الراضي بالله، فولى مصر لمحمد بن ~~طغج بن جف السالف الذكر، ولما تولى على مصر كان العامل عليها أحمد بن كيعلغ ~~فأجبره على الرحيل إلى بلاد المغرب؛ إذ قد ظهرت دولة العلويين فالتجأ ابن ~~كيعلغ المذكور إلى القائم بأمر الله وأقام هناك، وذلك سنة 323ه الموافقة سنة ~~934م، ولما توطدت صولته في مصر خرج عن طاعة الراضي بالله، ولقب نفسه بالإخشيد ~~«آق شيد أي شمس بيضاء»، ودخلت مصر تحت حكم الدولة الإخشيدية. ~~(8) الدولة الإخشيدية ~~(8-1) محمد الإخشيد # تولى محمد الإخشيد نائبا على مصر من جهة الراضي بالله، وقبل ذلك تولى مدينة ~~الرملة من قبل المقتدر، وأقام بها إلى سنة 318، ثم جاءته أوامر الخليفة ~~بولايته على دمشق، واستمر واليا عليها إلى خلافة الراضي بالله، فأمره ~~بالولاية على مصر والشام، واستقر بها فطمع في ثروتها سنة 323ه الموافقة سنة ~~935م، ثم جرد له ms158 الراضي جيشا تحت قيادة أبي الفتح بن جعفر لخلع الإخشيد، فوقع ~~بينه وبين أبي الفتح عدة وقائع انتهت بهزيمة أبي الفتح، فصار الإخشيد من وقتئذ ~~سلطانا، وفي سنة 328ه الموافقة سنة 940م استولى ابن راتق على الشام، وطرد ~~بدرا نائب الإخشيد، وبلغ العريش يريد مصر، فأرسل إليه الإخشيد جيشا مع كافور ~~أحد مواليه، فانهزم كافور فخرج إليه الإخشيد بنفسه، وجرى قتال شديد آخره انهزم ~~ابن راتق إلى دمشق، ثم جهز الإخشيد إلى ابن راتق الجيوش مع أخيه، واقتتلوا ~~فانهزم عسكر الإخشيد وقتل أخوه، فأرسل إلى ابن راتق يعزي الإخشيد في أخيه، ~~ويقول: إنه لم يقتل بأمري، وأرسل ولده مزاحما وقال: إن أحببت فاقتل ولدي به، ~~فخلع الإخشيد على مزاحم المذكور، وأعاده إلى أبيه، واستقرت مصر للإخشيد والشام ~~لابن راتق. وفي سنة 330ه الموافقة سنة 942م استولى ابن البريدي على بغداد، ~~وهرب ابن راتق والخليفة المتقي إلى جهة الموصل، ونهب ابن البريدي بغداد ، ولما ~~وصل المتقي وابن راتق تكريت كاتبا ناصر الدولة ابن حمدان ليستنجدا به. وقدما ~~الموصل فخرج عنها ناصر الدولة إلى الجانب الآخر، فأرسل المتقي إليه ابنه ~~المنصور وابن راتق فأكرمهما ناصر الدولة، ولما قاما لينصرفا أمر ناصر الدولة ~~أصحابه، فقتلوا ابن راتق. ثم سار ابن حمدان إلى المتقي، فخلع عليه الخليفة ~~المذكور وجعله أمير الأمراء، وخلع على أخيه أبي الحسن علي ولقبه سيف الدولة، ~~ثم سار المتقي وناصر الدولة إلى بغداد، فهرب عنها ابن البريدي، ودخل الخليفة ~~واستقر بها، ولما بلغ الإخشيد قتل ابن راتق سار إلى الشام واستولى عليها وضمها ~~إلى الديار المصرية، ومات الإخشيد بالقدس سنة 334ه الموافقة سنة 946م، وتولى ~~بعده ابنه أبو القاسم الملقب بأبي الحور، واستولى على الأمر كافور الإخشيد ~~لصغر سنه، ثم سار إلى مصر بعد موت مولاه، فسار سيف الدولة إلى دمشق وملكها، ~~فتوجه كافور إلى دمشق وأخرج سيف الدولة، ورجع كافور إلى مصر بعد أن ولى عليها ~~بدرا الإخشيد، فأقام سنة ثم ولاها لأبي المظفر بن طغج، وسيف الدولة ~~حلب. ms159 # وفي مدة أبي القاسم ولد الإخشيد هجم ملك النوبة على مصر وزحف لغاية أسوان، ~~فقام كافور وهزمه، واقتفى أثره لغاية قلعة أبريم التي هي على بعد 50 فرسخا من ~~أسوان، ولما مات أبو القاسم أخلفه أبو الحسن أخوه، وفي مدته حصل قحط بمصر ~~استمر تسع سنين، وعند وفاته انتقلت الشوكة إلى كافور، وفي عصره استولى عسكر ~~الفاطميين على الفيوم، وهجموا عليه ونزعوا منه أغلب بلاد الصعيد، ومات سنة ~~968م الموافقة سنة 357ه، وكان كافور أحد أرقاء محمد الإخشيد، فلما اشتهر ~~بالسياسة والعدالة قلده مولاه قيادة الجيوش المصرية، ومدحه المتنبي الشاعر ~~المشهور، ثم هجاه وهرب إلى بلاد العجم ومات هناك، وتوفي كافور بعد أن تصرف ~~سنتين، وتولى بعده أبو الفوارس سنة واحدة، وبه انتهت دولتهم كما سيأتي، ومدة ~~حكمهم 43 سنة وكسور. ~~(9) ابتداء ملك العلويين أو الفاطميين # قد علمنا فيما سبق أن زيادة الله آخر ملوك بني الأغلب وفد على مصر زمن الخليفة ~~المقتدر بسبب ظهور شيعة العلويين؛ لأن الدعاة بالمغرب كانوا يدعون إلى محمد والد ~~المهدي، وكان بمدينة سلمية «بالمشرق»، فلما توفي أوصى بالخلافة بعده لابنه عبيد ~~الله المهدي وأطلعه على حال الدعاة، وكان ذلك في أيام الخليفة المتقي، فطلب الخليفة ~~عبيد الله، فهرب هو وابنه أبو القاسم الملقب بالقائم وتوجها نحو المغرب، ثم ورد إلى ~~عيسى النوشي عامل مصر كتاب الخليفة بطلب المهدي وابنه، فجد المهدي وقدم طرابلس ~~الغرب، وكان قبل ذلك بقليل قدم مصر زيادة الله الأغلبي كما تقدم ذلك، فأرسل إلى ~~اليسع بن مدرار صاحب سجلماسة بالقبض على عبيد الله، فهاداه المهدي على أنه تاجر، ~~فأرسل إليه زيادة الله يقول له: إن هذا هو الذي يدعو أبو عبد الله الشيعي إليه، ~~فحبسه ابن مدرار بسجلماسة «من أعمال طرابلس الغرب»، فقدم الشيعي وحاربه، فهرب ابن مدرار ودخل الشيعي المذكور سجلماسة، وأطلق المهدي وابنه من الحبس ثم جدوا في طلب ~~اليسع بن مدرار، وأحضروه بين يدي المهدي فأمر بقتله، وسار حتى وصل إلى «رقادة» فدون ~~الدواوين وبعث العمال إلى ms160 سائر بلاد المغرب، وزال بالمهدي ملك بني الأغلب وبني ~~مدرار وبني رستم من «تاهرت»، وباشر المهدي الأمور بنفسه، ولم يبق للشيعي ولا لأخيه ~~أبي العباس حكم فحقدا عليه، فطلبهما وقتلهما سنة 296ه الموافقة سنة 908م، وبنى ~~المهدي مدينة مهدية «بتونس» وجعلها دار مملكته وقاعدة سلطنته، وذلك سنة 303ه ~~الموافقة سنة 914م. والفاطميون ينسبون أنفسهم إلى فاطمة الزهراء كريمة رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~. وكان ابتداء هذه الدولة سنة 297ه الموافقة سنة 909م وانقراضها سنة 597ه ~~الموافقة سنة 1171م، وعدد خلفائهم أربعة عشر؛ ثلاثة منهم حكموا ببلاد المغرب، وهم ~~عبيد الله المهدي وابنه القاسم الملقب بالقائم بأمر الله، ثم ابنه المنصور بالله، ~~وأحد عشر حكموا بمصر أولهم المعز لدين الله. ~~(9-1) خلافة المعز لدين الله # وكان شهما شجاعا اتسعت مملكته وكثرت عساكره، وكان صاحب خيرات، ولما مات ~~كافور الإخشيد اضطربت أحوال مصر فسير إليها جوهرا الصقلي غلام والده المنصور ~~«وسمي بالصقلي نسبة إلى صقلية؛ لأنه رومي الأصل» في جيش عظيم إلى الديار ~~المصرية فاستولى عليها بلا حرب ولا قتال، وعسكر في المحل المعروف الآن بالجامع ~~الأزهر وخان الخليلي وبيت القاضي، وأقيمت الدعوة للمعز بالجامع العتيق، وكان ~~ذلك في سنة 358ه، ثم قدم جوهر إلى جامع ابن طولون، وأمر فأذن فيه بحي على ~~خير العمل. ولما استقر جوهر بمصر شرع في بناء القاهرة، وسميت القاهرة لرمي ~~أحجارها عند توسط المريخ المعروف عند أرباب الفلك من الإسلام باسم القاهر، ~~وسميت الفسطاط بمصر القديمة، وحول إلى القاهرة كرسي النيابة بعد أن كان ~~بالقطائع، ثم أمر ببناء الجامع الأزهر سنة 359ه أي سنة 969م، وأتمه سنة 361ه ~~أي سنة 971م، وجعل جوهر حارة زويلة وغيرها وما جاورها للعساكر القادمة مع ~~المعز من المغرب، وشيد سراي القصر العيني للخليفة وسير جمعا كثيرا مع جعفر ~~بن فلاح إلى الشام، فبلغ الرملة وبها الحسن بن عبد الله بن طغج وغيره، فاستولى ~~عليها ثم سار إلى طبرية فوجد أهلها قد أقاموا الدعوة للمعز قبل وصوله، فسار ~~عنها إلى ms161 دمشق فقاتلوه، فظفر بهم وملك دمشق ونهب بعضها، وأقام الخطبة للمعز ~~وذلك سنة 359ه، وقطعت الخطبة العباسية، وجرت في أثناء هذه السنة بعد الخطبة ~~العلوية فتنة بين أهل دمشق وجعفر بن فلاح، ووقع بينهم حروب، وقطعت الخطبة ~~العلوية، ثم استظهر ابن فلاح، واستقرت دمشق للمعز. # وفي سنة 360ه أي سنة 970م وصلت القرامطة إلى دمشق وكبسوا جعفر بن فلاح نائب ~~المعز خارج دمشق وقتلوه، وملكوا دمشق وأمنوا أهلها، ثم ملكوا الرملة، واجتمع ~~إليهم خلق من الإخشيدية، فقصدوا مصر ونزلوا بعين شمس، وجرت بينهم وبين ~~المغاربة حرب، فانتصرت القرامطة ثم انتصرت المغاربة، فعادت القرامطة إلى ~~الشام، وكان رئيس القرامطة وقتئذ الحسن بن أحمد بن بهرام. وفي آخر سنة 361ه ~~سار المعز من المهدية واستعمل عليها يوسف بن بلكين بن زيري، وعلى صقلية الحسن ~~بن علي، وعلى طرابلس الغرب عبد الله بن يحلف الكناني، ولما وصل إلى برقة كان ~~معه محمد بن هانئ فقتل ولم يظهر الذي قتله، وكان شاعرا عند المغاربة بمقام ~~المتنبي، وقد اتسع في مدح المعز حتى كفر؛ فمما قاله: # ما شئت لا ما شاءت الأقدار # فاحكم فأنت الواحد القهار # وسار حتى وصل الإسكندرية، فأتاه أهلها وأعيانها، فأكرمهم ودخل القاهرة في ~~رمضان سنة 362ه أي سنة 973م وحصل بينه وبين القرامطة بالقرب من عين شمس ~~«المطرية» حروب، وكان رئيسهم الحسن بن أحمد بن الإحسائي، فلما رأى المعز كثرة ~~جموعه استعظم ذلك وأهمه وتحير في أمره، ولم يقدم على إخراج عساكره لقتاله، ~~فاستشار أهل الرأي من نصحائه، فقالوا: «لا حيلة غير السعي في تفريق كلمتهم ~~وإلقاء الخلف بينهم.» ففعل المعز ذلك بواسطة ابن الجراح أحد قوادهم؛ حيث برز ~~له مقدارا من الدراهم، فانهزمت القرامطة وتبعتهم عساكر المعز، وأخذ جماعة ~~منهم وأمر بضرب عنقهم، ثم اقتفوا أثرهم إلى بلدهم الإحساء والقطيف، وهي بالقرب ~~من الخليج الفارسي شرقي بلاد العرب. # وفي سنة 364ه/974م لما انهزم أفتكين مولى معز الدولة أمير الترك من ~~بختيار صاحب «واسط» سار إلى حمص، ثم إلى دمشق، وكان ms162 العامل عليها من طرف المعز ~~«زبان الخادم»، فاتفق أفتكين مع أهل دمشق على إخراج «زبان»، وقطعوا خطبة المعز ~~وولوا أفتكين، فعزم المعز على قتاله فاتفق موت المعز، وذلك سنة 365ه/سنة ~~975م. ~~(9-2) خلافة العزيز بالله # ولما مات أبوه جهز القائد جوهر لقتال أفكتين بدمشق، فاستنجد بالقرامطة، فلما ~~قربوا رحل جوهر إلى جهة مصر فتبعه أفتكين والقرامطة وتبعهم خلق فلحقوا جوهرا ~~قرب الرملة فدخل عسقلان ضعفا عنهم، فحصروه فعاين الهلاك هو وأصحابه من الجوع، ~~فبذل لأفتكين أموالا ليطلقه، فرحل أفتكين عنه، وسار جوهر إلى مصر وأعلم ~~العزيز بالحالة، فسار العزيز بنفسه إلى الشام، ووصل الرملة فقاتله أفتكين ~~والقرامطة، فانتصر العزيز وقتل وأسر كثيرا، وجعل لمن يحضر أفتكين مائة ألف ~~دينار، ودخل أفتكين في هزيمته ببيت صاحبه «مفرج بن دغفل الطائي»، فأسره مفرج ~~في بيته وأعلم العزيز به فأعطاه الجعل، وأحضر أفتكين فأطلقه العزيز وأطلق ~~أصحابه وأنعم عليه وصحبه إلى مصر، وبقي بمصر معظما حتى مات بها. وفي سنة 372ه ~~بعث العزيز بالله من مصر جيشا مع بكتكين إلى الشام، فوصل فلسطين وقد استولى ~~عليها مفرج بن الجراح، فاقتتلوا وانهزم ابن الجراح، ثم سار بكتكين إلى دمشق ~~فقاتله قسام المتولي عليها، فغلبه بكتكين وملك دمشق وأمسك قساما وأرسله إلى ~~العزيز، فاستقر بدمشق وزالت منها الفتن، وكان العزيز مولعا بالصيد، ومات ~~ببلبيس سنة 386ه أي سنة 996م. وتولى بعده ابنه الحاكم، وكان جبارا عنيدا ~~وشيطانا مريدا، لم يل مصر بعد فرعون أشر منه رام أن يدعي الألوهية كما ~~ادعاها فرعون، فأمر الرعية إذا ذكر الخطيب اسمه على المنبر أن يقوموا إجلالا ~~لذكره واحتراما لاسمه، فكان ذلك في سائر ممالكه حتى الحرمين الشريفين، وأراد ~~أن يفعل الفاحشة بأخته فعملت على قتله، فركب ليلة إلى الجبل المقطم ينظر في ~~النجوم مثل عادته، فآتاه عبدان فقتلاه بالقرب من حلوان وحملاه إلى دار أخته ~~ليلا فدفنته في دارها سنة 411ه/1021م، وهو الذي بنى الجامع المعروف الآن ~~بجامع الحاكم بالقاهرة. وتولى بعده ابنه الظاهر لإعزاز دين الله، وكانت ms163 أفعاله ~~جميعها تقرب من أفعال أبيه، ومات سنة 427ه أي سنة 1036م. ~~(9-3) خلافة المنتصر بالله معد بن الظاهر # تولى بعد موت أبيه سنة 1036م، وأقام حاكما مدة ستين سنة، ولم يقم هذه المدة ~~خليفة ولا ملك في الإسلام قبله، وفي مدته قطع المعز بن باديس بالمهدية خطبة ~~العلويين، وخطب للقائم بأمر الله العباسي فجرد عليه الجيوش، فلاقاهم ومعه ~~ثلاثين ألف فارس، فانهزم ودخل القيروان مهزوما، ثم استولت جيوش المستنصر على ~~القيروان ففر هاربا إلى المهدية ونهبوها. وفي سنة 449ه/1057م قبض ~~المستنصر بمصر على وزيره اليازرودي لما وجد عنده مكاتبات من بغداد، وكان قبل ~~توليته الوزارة قاضيا بالرملة. # وفي أيامه سار أرسلان البساسيري لإقامة الدعوة للمستنصر بالعراق، وكان طغرلبك ~~قد ترك بغداد، واقتفى أثر أخيه إبراهيم نيال إلى همدان؛ حيث كان خرج عن طاعته ~~مرارا، فلما خرج عليه هذه السنة أسره طغرلبك وخنقه، فانتهز الفرصة عند غياب ~~طغرلبك عن بغداد ودخلها البساسيري ومعه قريش بن بدران العقيلي ومعه مائتا فارس ~~وأربعمائة غلام، وخطب للمستنصر بجامع المنصور وأذن بحي على خير العمل، وقطع من ~~الخطبة اسم الخليفة القائم بأمر الله العباسي، ثم خطب للمستنصر أيضا بجامع ~~الرصافة، وجرى بينه وبين مخالفيه حروب، ثم نزل القائم بأمر الله وأمير الأمراء ~~إلى قريش، وسارا معه باتفاق منه، فأرسل البساسيري يذكر قريشا بما عاهده عليه ~~من المشاركة في الأمر، ثم اتفقا على أن يتسلم البساسيري أمر الأمراء لأنه ~~عدوه، وبقي الخليفة عند قريش، ونهبت دار الخلافة، ثم سلم قريش الخليفة لابن ~~عمه مهاوش، فسار مهاوش والخليفة في هودج إلى حديثة عانة، فنزلا بها وسار أصحاب ~~الخليفة إلى طغرلبك، فعاد طغرلبك مع جيشه لقتال البساسيري فهزمه وأصحابه، ~~وقتله وبعث برأسه إلى الخليفة، وكان البساسيري مملوك بهاء الدولة بن ~~بويه. # وفي سنة 454ه أي سنة 1062م حصلت فتنة بين الأتراك والعبيد كانت سببا في خراب ~~الأقاليم المصرية، وسببها أن أحد الأتراك قتل عبدا وهو سكران، فاجتمعت العبيد ~~وقتلوه، وبلغ ذلك الأتراك فاجمعوا على مقاتلة العبيد، وتقابل ms164 الفريقان في كوم ~~الشريك «بمديرية البحيرة»، وحصلت وقعة انهزم فيها فرقة العبيد، فشق ذلك على ~~والدة المستنصر؛ حيث إنها قد كانت السبب في كثرة جموعهم بمصر بشرائها لهم، حتى ~~بلغ تعدادهم نحو خمسين ألفا، وقد أمدتهم في تلك الوقعة سرا، وكانت قد تحكمت ~~في الدولة ونفذت كلمتها، وحثت على قتال الأتراك، فوقعت الفتن ثانيا بين ~~الطرفين آل أمرها إلى وقعة بالقرب من الجيزة، وانهزم فيها العبيد أيضا، وفروا ~~إلى الصعيد وذلك سنة 459ه/1066م، فازدادت قوة الأتراك بمصر واستخف رئيسهم ~~ناصر الدولة حفيد ناصر الدولة بن حمدان بالخليفة، وصاروا يطلبون منه أموالا ~~حتى نفذ جميع ما في الخزينة والتزم ببيع ما عنده، وبعد ذلك سار ناصر الدولة ~~إلى الصعيد لقتال العبيد، فقتل منهم خلقا كثيرا، وعاد إلى القاهرة واستبد ~~بسلطنة مصر، حتى دخلت سنة 461ه فثقل مكانه على الأتراك فاجتمعوا جميعا على ~~عزله، فأمره الخليفة بالخروج من القاهرة، فخرج إلى الجيزة ثم عاد ليلا، ودخل ~~دار القائد تاج الملوك شادي، وترامى عليه فقام لنصرته، وحصلت وقعة عظيمة بينه ~~وبين عسكر الخليفة، فانكسر فيها ناصر الدولة وفر إلى البحيرة، وكثر النهب ~~واشتد الغلاء حتى أكل الناس الجيف، وقطعت الطرق، وكثر القتل فيها إلى أن دخلت ~~سنة 463ه أي سنة 1069م. فجهز الخليفة جيشا لقتال ناصر الدولة، فانهزمت عسكر ~~الخليفة واستولى ناصر الدولة على الوجه البحري وخطب باسم الخليفة القائم بأمر ~~الله العباسي، ونهب أكثر الوجه البحري، فعظم البلاء واشتد القحط وكثرت الموتى، ~~فاضطر الخليفة إلى مصالحة ناصر الدولة بمال يحمل إليه، وبعد قليل وقع ~~الاختلاف بينهما فأتى ناصر الدولة وحاصر القاهرة ونهبها ورجع إلى البحيرة، ~~ومكث هذا الغلاء سبع سنين، وخربت الفسطاط والقطائع. # ولما رأى الخليفة ضعفه ~~واستيلاء ناصر الدولة على مصر والعبيد على الصعيد كتب إلى أمير الجيوش محمود ~~بدر الجمالي الأرمني، واستدعاه من عكا لقمع أرباب الفتن. وفي ذلك الوقت فطن ~~لأمور ناصر الدولة حموه المدعو إيلدكوز، فاتفق هو وجماعة على قتله، وقصدوا ~~داره فخرج إليهم مطمئنا بقوته، فضربوه بسيوفهم ms165 حتى قتلوه وأخذوا رأسه، ~~وقتلوا أخاه فخر العرب، وقتلوا جميع بني حمدان بمصر، وأتى بدر الجمالي لما ~~استنجده الخليفة من الشام إلى دمياط، وانحدر جهة الجنوب وسار حتى وصل قليوب، ~~فأمر أمير الجيوش بدر الجمالي أمراء الترك بالقبض على «إيلدكوز» فأجابوه ~~لطلبه، وبعد ذلك عزمهم في وليمة وقتلهم جميعا، ومن ثم صار بدر الجمالي مهابا ~~محترما، وصارت له الكلمة النافذة على مصر، فقلده الخليفة بأمير الجيوش، وأخذ ~~في قمع أرباب الفتن بعد أن قتل إيلدكوز، وشرع في إحياء التمدن، ونشر العلوم ~~التي اندثرت مدة تلك الحروب الداخلية، ومنع الضرائب السنوية مدة ثلاث سنين عن ~~سكان المدن والأرياف؛ لينصلح بذلك حال الأهالي، ولم تحصل بمصر أمور مهمة في ~~مدته سوى إغارة أمة التركمان تحت قيادة «أتزيز» الذي استولى على القدس ودخل ~~مصر ووصل إلى القاهرة، فقام أمير الجيوش وطردهم ومزقهم كل ممزق واقتفى أثرهم ~~إلى أن أدخلهم أرض الشام، وهناك مات رئيسهم «أتزيز»، ومات أمير الجيوش في سن ~~الثمانين، وحكم مصر مدة 20 سنة، ونشر العلوم وأوسع نطاق التجارة والزراعة ~~والفنون، وله آثار عظيمة باقية إلى الآن؛ منها باب زويلة وباب الفتوح وباب ~~النصر، ومات المستنصر سنة 1094م أي سنة 487ه، وكان ضعيف الرأي متكاسلا، ومن ~~ثم قاسى أهوالا جسيمة ، مع أن آخر حكمه عادت مصر لبهجتها القديمة أي لما كانت ~~عليه زمن الفراعنة، ثم أخذت بعده دولة الفواطم في الاضمحلال شيئا ~~فشيئا. # وتولى بعده ابنه أحمد، ولقب نفسه بالمستعلي، وكان الحكم في أيامه لوزيره ~~جاهين شاه بن بدر الجمالي، ولقب نفسه بالأفضل، وفتح القدس في زمن أميرها ~~«أورنك» وابنه «أكساك»، وبعد ذلك بقليل حصلت حرب الصليب الأول تحت قيادة ~~«جدوفروادو بويون»، فأرسل الأفضل جيشا مع سعد الدولة، فهزم أصحاب الصليب في ~~عسقلان، وهو الذي بنى الجيوشي فوق المقطم، ومات المستعلي بعد ذلك بسنتين، وصار ~~الأفضل وصيا على ابنه المنصور؛ حيث كان صغير السن، ولقب بالآمر بأحكام الله، ~~وفي مدته استولى المسيحيون على أغلب المدن البحرية من الشام كعكا وطرابلس ~~الشام، ms166 وأرادوا التوجه والهجوم على مصر، وذلك سنة 1101م سنة 495ه تحت رياسة ~~بودوين الأول ملك القدس الشريف، وساروا حتى وصل مدينة الفرما، ونهب ما مر به ~~من البلاد، ثم اعتراه مرض فمات بالعريش في محل يعرف باسم «رمال بودوين»، وقتل ~~الخليفة بعد قليل وخلفه ابن عمه الحافظ لدين الله، فأخذ في اللهو وشرب الخمر ~~وانهمك على اللذات مدة عشرين سنة، ثم نقل الخلافة إلى ابنه إسماعيل ولقب ~~الظافر بأعداء الله، فكانت أفعاله كأفعال أبيه، ثم أهان وزيره عباسا فقتله ~~وولى الخلافة إلى الفائز بنصر الله فحكم ست سنين، ومات عباس الوزير، ومات ~~الخليفة بعده بقليل، فتولى الوزارة بعد عباس طلائع بن رزيك، وتولى الخلافة ~~العاضد سنة 1160م سنة 555ه وهو آخر خلفاء الفاطميين. وطلائع بن رزيك هو الذي ~~نقل رأسا من عسقلان قيل إنها رأس الحسين وبنى عليها المشهد الحسيني المشهور ~~بالقاهرة، وزوج ابنته للخليفة فعظمت شوكته وتكبر وتنمرد فقتلوه أعداؤه، ~~فاستوزر الخليفة بعده شاور، فتغلب عليه درغام فسار شاور إلى نور الدين محمود ~~بن زنكي صاحب الموصل، فأمده نور الدين، وأعاده إلى وظيفته بالثاني؛ حيث أرسل ~~معه جيشا مع أسد الدين شركوه الكردي، وكان معه ابن أخيه صلاح الدين يوسف، ~~فهزم درغام وقتل، وأعيدت الوزارة إلى شاور، ولخوفه من غدر نور الدين بن زنكي ~~تعاهد مع «أموري الأول» ملك القدس، فأتى وحاصر مدينة بلبيس، فهزمه شركوه وفر ~~أموري المذكور إلى الشام، فخلع الخليفة عليه وقلده الوزارة بدل شاور؛ حيث هو ~~الذي أطمع الفرنج في الإسلام بعد أن قتله. # واستمر شركوه وزيرا إلى أن مات، فخلفه صلاح الدين يوسف الكردي. وفي أيامه ~~أراد أموري الاستيلاء على دمياط فخاب أمله بالكلية الجزئية؛ حيث تبعه صلاح ~~الدين إلى أن أدخله أرض فلسطين وانتصر عليه بالقرب من مدينة «غزة»، وعند رجوعه ~~من هذه الغزوة صدرت إليه أوامر نور الدين بقطع اسم العاضد الفاطمي من الخطبة، ~~ورجوع الدعوة إلى الخليفة العباسي المستدعي بالله، وهو الخليفة الثالث ~~والثلاثون من خلفاء بني العباس، ومات العاضد بعد ms167 ذلك بقليل، وبه انتهت الدولة ~~الفاطمية، وذلك سنة 1171م سنة 567ه. # الفصل العاشر # | الدولة الأيوبية الكردية # صلاح الدين يوسف بن أيوب # قبل موت الأتابكي نور الدين لم يكن معتبرا إلا كقائد أو عامل الأتابكي المذكور، ~~وعند موت نور الدين الشهيد سنة 570ه أي سنة 1175م أشهر لواء الاستقلال، وصار ~~سلطانا. وفي حياة نور الدين اجتمع السودانيون في جمع كثير قاصدين ملك بلاد مصر، ~~وحاصروا مدينة أسوان وقصدوا نهب قراها، وكان بها الأمير كنز الدولة، فبعث يعلم صلاح ~~الدين ويطلب منه المدد، فأرسل له جزءا من جيشه مع الشجاع البعلبكي، فلما وصل إلى ~~أسوان وجد السودانيين قد رحلوا عنها بعد أن أخربوا أرضها فأتبعهم الشجاع المذكور ~~وكنز الدولة، وحصلت وقعات عظيمة قتل فيها من الفريقين عالم عظيم، ورجع الشجاع ~~المذكور، ثم أنفذ الملك الناصر صلاح الدين أخاه شمس الدولة في عسكر كثيف إلى ~~السودان، فوجد السودانيين دخلوا بلاد النوبة فسار قاصدا بلادهم، وشحن مراكب كثيرة ~~في النيل بالعساكر والذخائر وأمرهم بالمسير إلى بلاد النوبة، وساروا حتى وصلوا ~~أبريم وافتتحوها بعد حصار ثلاثة أيام، وغنم منها أموالا عظيمة. # ثم رجع شمس الدولة إلى أسوان وذلك سنة 568ه أي سنة 1173م بعد أن سلم قلعة أبريم ~~إلى جماعة من الأكراد تحت قيادة إبراهيم الكردي، ثم خرج إبراهيم قاصدا جزيرة ~~زبدان، فغرق إبراهيم وجماعة من أصحابه، ورجع الباقي إلى قلعتهم أبريم، ثم أخلوها ~~بعد ذلك بسنتين، ولما مات نور الدين صاحب الموصل سار صلاح الدين إلى الشام فحاصر ~~كثيرا من مدنها واستباح أهلها وفتح أرض الجزيرة، وهزم عز الدين صاحب الموصل ~~واستولى عليها، وعاد إلى مصر وأمر ببناء القلعة الموجودة الآن بالقاهرة، وكان محلها ~~يعرف وقتئذ بقصر الهواء، وقد ذكر العالم المدقق والجهبذ المحقق سعادة علي مبارك ~~باشا في خططه ما نصه: # بنى قلعة الجبل لتكون له معقلا وحصنا يعتصم به من أعدائه، فإنه كان يحذر من شيعة ~~الفاطميين، فاختار لها المحل الذي بنيت فيه، وأقام على عمارتها الأمير بهاء الدين ~~قراقوش الأسدي، وبنى ms168 سور القاهرة في سنة 572ه، وهدم ما هنالك من المساجد وأزال ~~القبور وهدم الأهرام الصغار التي كانت بالجيزة، وكانت كثيرة العدد، ونقل أحجارها ~~وبقى بها السور، وبنى قناطر الجيزة لأجل سهولة نقل الأحجار، وقصد صلاح الدين أن ~~يكون السور محيطا بالقاهرة والقلعة فمات قبل أن يتم، فأهمل العمل إلى أن كانت ~~سلطنة الملك الكامل. انتهى. # وعاد صلاح الدين إلى الشام بجيش آخر وفتح بيت المقدس بعد وقعة عظيمة بالقرب من ~~مدينة طبرية سنة 1187م سنة 583ه أسر فيها ملك بيت المقدس «جي لوزينيان» وسجنه ومعه ~~جماعة من رؤساء المعابد والمضايف، وفتح كثيرا من البلاد الشامية التي كانت بيد ~~الإفرنج، وله حروب كثيرة مع الصليبيين سيأتي ذكرها، وكان شجاعا كريما حليما حسن ~~الأخلاق متواضعا صبورا. ومات بقلعة دمشق سنة 589ه أي سنة 1193م، ودفن بشمال ~~الجامع الأموي. # الملك العزيز بن صلاح الدين # ولما مات صلاح الدين قام بالأمر بعده ابنه العزيز عماد الدين أبو الفتح عثمان، ~~وكان ينوب عن أبيه بمصر في حياته، ولما قبض على زمام مملكة أبيه حصلت حروب بينه ~~وبين أخيه الملك الأفضل استولى فيها على دمشق؛ لوحشة جرت بينهما، وكان العزيز حسن ~~السيرة حميد الأخلاق، وإنما كان ضعيف الرأي حتى إن جماعة من أمراء مملكته وأعيانها ~~أشاروا عليه بهدم الأهرام الكبيرة؛ لزعمهم أن بها دفائن وكنوز، فأصدر أمرا بهدمها، ~~فجمعوا لذلك العمال وصناع اللغم، وجعل عليهم بعض الأمراء، وأقاموا على ذلك ثمانية ~~أشهر، وكان لا يمكنهم إلا خلع حجر أو حجرين في اليوم، فكف عن هذا الأمر بعد أن صرف ~~عليه أموالا جسيمة، وكان ذلك سنة 593ه/1196م، وفي سنة 594ه/1198م منع ما ~~كان يحصل في موسم خليج القاهرة، وكان الناس قد اعتادوا على ذلك من القديم، فعظم ~~الأمر عليهم وحصل الاضطراب، حتى هموا بخلعه والخروج عن طاعته لولا أن بلغهم خبر ~~موته، وذلك سنة 595ه/1199م ودفن بتربة الإمام الشافعي. # الملك المنصور بن الملك العزيز # وبموته اشتدت الفتن؛ لأنه عهد لابنه الملك المنصور وعمره تسع سنين، فقام بأمور ms169 ~~الدولة بهاء الدين قراقوش الأسدي (عبد خصي) الأتابكي، فاختلف عليه الأمراء وكاتبوا ~~عنه الملك الأفضل علي، فقدم من «صرخد» واستولى على الأمور، فلم يبق للمنصور معه ~~سوى الاسم، وولد سيدي أحمد البدوي رضي الله عنه في ذلك الوقت، أي سنة 596ه/1200م، وأراد الأفضل أخذ دمشق من عمه الملك العادل، فجهز الجيوش إليها، وحصل بينهما ~~وقائع تمت بهزيمة الأفضل، فدخل العادل مصر وأعاد الأفضل إلى صرخد، وقام بكفالة ~~المنصور ثم خلعه وحبسه بالقلعة حتى مات، واستبد بسلطنة مصر وبلاد الشام، وأخرج ~~المنصور وإخوته من القاهرة إلى الرها، وأخذ في تدبير مملكته، وأعلى شأنها بمحاربة ~~أعدائها والدفاع عنها، وكان جسورا صبورا على الأهوال حليما كريما جزيل العطاء، ~~ومات سنة 615ه/1218م. # الملك الكامل أبو الفتح ناصر الدين محمد # تولى بعد موت أبيه العادل، وهو الذي أتم بناء قلعة الجبل، وأنشأ بها الدور ~~السلطانية في أثناء نيابته عن أبيه سنة 604ه، ولما مات أبوه انتقل من دار الوزارة ~~الكبرى بالدرب الأصفر إليها، وهو أول من سكن القلعة، وجعلها منزلا للرسل، ونقل سوق ~~الخيل إلى الرملية، فأخذت الناس من وقتئذ في تعمير ما حولها من الدرب الأحمر ~~والمحجر وجهة القطائع والصليبة، بعد أن كان بعضها بساتين وبعضها مقابر، وعمر ~~القبة على ضريح الإمام الشافعي رضي الله عنه ومات سنة 635ه ودفن بدمشق. # سيف الدين أبو بكر # ولما مات الكامل قام بالأمر بعده ابنه سيف الدين، ولقب بالملك العادل الأصغر، فوقع ~~بينه وبين أخيه الملك الصالح نجم الدين منازعات، انتهت بخنقه بيد الأمراء؛ لكونهم ~~استوحشوا منه بسبب انهماكه على اللهو واشتغاله بالشهوات، وكان موته سنة 637ه ودفن ~~عند الإمام الشافعي. # الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل # تولى بعد موت أخيه سيف الدين، وفي مدته سنة 647ه أخذ الإفرنج دمياط، تحت قيادة ~~لويز التاسع ملك فرنسا، وهو المعروف عند مؤرخي الإسلام باسم «فرنسيس»، فمات ~~بالمنصورة فأخفت زوجته شجرة الدر موته، وصارت تعلم بعلامته سرا، وحمل إلى ~~القاهرة ودفن هناك، وأرسلت إلى ابنه «توران شاه»، فحضر وكان ms170 بديار بكر، فحارب ~~الفرنج وأسر ملكهم لويز التاسع السالف الذكر في واقعة فرسكور، وسجنه بالمنصورة بمحل ~~يعرف بدار لقمان، ووكل بحفظه طواشي يقال له صبيح، وبقي أسيرا إلى ولاية شجرة الدر، ~~وقتل «توران شاه» المذكور بعد أن حكم شهرين، فقامت بالأمر بعده شجرة الدر، وكانت ~~تحسن التدبير عن زوجها، وجعلت عز الدين أيبك التركماني نائبا عنها، وأطلقت لويز من ~~السجن بعد اتفاق بينها وبين الفرنج، وسلموا دمياط إلى المصريين، ودفعوا أموالا ~~جسيمة، وتركوها بعد أن أقامت بيدهم أحد عشر شهرا، ثم تزوجت بنائبها المذكور، وبعد ~~ذلك اتفق الأمراء على تولية الملك الأشرف موسى ابن الملك الصالح، وأشركوا اسمه مع ~~شجرة الدر، وذلك سنة 648ه/1251م، وفي ذلك الوقت عظم أمر المماليك البحرية، ~~وتسلطنوا على مصر، وكانوا ألف مملوك، قد اصطفاهم الملك الصالح لخدمته، وأسكنهم ~~بالقلعة التي بالروضة، وكان لهم على شطوط النيل مراكب مشحونة بالسلاح، ومهمات ~~الحرب، ولهذا كانوا يسمون المماليك البحرية. # وقبل التكلم على هذه الدولة أي دولة المماليك البحرية نذكر طرفا من أخبار ~~السلجوقيين، الذين بظهورهم ضعفت خلفاء بني العباس وزالت بالكلية والجزئية بإغارة ~~المغول. # الفصل الحادي عشر # | السلجوقيون وحروب الصليب # كان دقاق أبو سلجوق من مقدمي الترك، ونشأ سلجوق وعليه أمارات النجابة، فقدمه بيغو ملك ~~الترك، ثم خاف من بيغو فدخل وكل من أطاعه في دين الإسلام لسعادته، وأقام بنواحي جند - ~~بفتح فسكون - قرية وراء بخارى، وصار يقاتل كفار الترك، وتوفي سلجوق المذكور بجند وعمره ~~107 سنة، واستمر أولاده أرسلان وميكائيل وموسى في غزو الترك، حتى قتل ميكائيل في ~~الغزوات وخلف أربعة؛ بيغو وطغرلبك وجعروبك داود وإبراهيم نيال، قربوا من بخارى فأساءهم ~~أميرها، فالتجئوا إلى بغراخان ملك التركستان، واتفق طغرلبك وأخوه داود أن لا يجتمعا ~~ببغراخان حذرا من غدره، فتقدم إليه طغرلبك فقبض عليه ملك التركستان وسجنه، ولم يمكنه ~~القبض على داود، فأرسل بغرا جيشا لقتال داود، فانهزم عسكر بغرا، وسار داود وأخرج أخاه ~~من السجن، وأقاما بجند حتى انقرضت الدولة السامانية، وملك إيلك خان بخارى، فعظم عنده ms171 ~~أرسلان بن سلجوق. # ثم سار إيلك خان وجعل عامله على بخارى علي تكين ومعه أرسلان، حتى جاء ~~السلطان محمود بن سبكتكين وقصد سنجار، فهرب علي المذكور من بخارى، وكاتب أرسلان السلطان ~~محمودا، فلما دخل بخارى قبض على أرسلان وجماعة السلجوقيين، وفرقهم نواحي خراسان على ~~خراج يدفعونه إليه، فجارت العمال عليهم، فانفصل جماعة منهم وساروا إلى أذربيجان ومكثوا ~~بها، واسمهم هناك الترك الغزية، وسار طغرلبك وأخوه داود وبيغو إلى بخارى، فقاتلهم عسكر ~~علي تكين، وأخيرا استمرت الحروب بين طغرلبك وإخوته وبين مسعود ابن السلطان محمود انتهت ~~بهزيمة مسعود، واستولى السلجوقيون على خراسان، وخطب لهم على المنابر في آخر سنة 431ه، ~~واستمر طغرلبك في فتوحاته إلى أن قدم إلى العراق ونزل بحلوان، فعظم الإرجاف ببغداد، وبذل ~~قوادها له الطاعة والخطبة بإذن الخليفة العباسي القائم بأمر الله، ثم استأذن طغرلبك في ~~دخول بغداد فدخلها، وقبض أيضا على الملك الرحيم آخر ملوك العراق من بني بويه، واستيلاء ~~طغرلبك على الأمور كان سببا في انحطاط الدولة الإسلامية، وانتقال شوكة العربية إلى ~~الأتراك الذين كانوا قد دخلوا في خدمة الدولة منذ قرنين، فلما ارتفع شأن طغرلبك ازدادت ~~قوة الأتراك وأشهروا السلاح، واستمروا في الفتوحات الإسلامية التي وقفت بظهور دولة بني ~~العباس، وهم الذين قاوموا المسيحيين مدة حروب الصليب، إلا أن نمو التمدن وقف بالبلاد ~~المشرقية، وحصل التعصبات والفشل والمصائب الكبيرة التي أهمها إغارة المغول. # ولما مات طغرلبك أخلفه ابن أخيه ألب أرسلان ، فأخذ في الغزوات، واستولى على سيليسيا التي ~~كان قد أخذها من العرب إمبراطور القسطنطينية المدعو «حنازيميسكس»، فقهر الإمبراطور ~~المعاصر له وهو «ديوجين»، وامتد حكم ألب أرسلان إلى أقصى بلاد العرب، ثم توجه لغزو بلاد ~~التركستان، فقتل هناك فأخلفه ابنه جلال الدين ملك شاه، الذي به ازدادت قوة السلجوقيين، ~~فاجتهد في توطيد سطوته وتوسيع مملكته، وكان وزيره نظام الملك قد اشتهر بالفضل والكرم ~~كجعفر البرمكي، وفي مدته كثرت المدارس والجوامع ببغداد وتجددت الشوارع وإلى غير ذلك من ~~الأشغال الداخلية، وقد بعث جيشا مع وزيره نظام ms172 الملك لفتح البلاد، ففتح مدينة أنطاكية، ~~وجملة مدن أخرى من بلاد الجزيرة وطرد الروم، وتبعهم إلى بوغاز البوسفور وجميع البلاد ~~الممتدة من جبال قوقاز لغاية بلاد أرمينيا، ولم يبق للروم سوى المدن البحرية فقط، وصارت ~~جميع البلاد من نهر الهندوس لغاية البحر الأحمر وبحر الأرخبيل مذعنة الطاعة لملك شاه، ~~ولما مات قسمت مملكته بين أولاده الأربعة؛ محمود وبارقيارك وسنجار ومحمد إلى أربعة ~~أقسام، بعد حروب شديدة حصلت بينهم وهي العجم والقرمان والشام والروم «قبادوسيا»، وكان ~~تخت الأخيرة قونية، وتمزقت ممالك ملك شاه، واستقل عماله على أقاليمهم، فإن زنكي الملقب ~~بالأتابكي استقل بالموصل، وأرتك التركماني تغلب على المقدس، وفي مدته قاست النصارى الظلم ~~والجور، فلما أتى أحد الحجاج الفرنساويين المدعو بطرس أرميت لزيارة الأرض المقدسة، وعاين ~~ما هو فيه أبناء جنسه، عاد إلى فرنسا وقص ما شاهده، فكان ذلك سببا للحرب الصليبية ~~الأولى، وسميت بهذا الاسم؛ لأنه كان بملابس المجاهدين فيها صلبان حمر من معادن ~~مختلفة. # الحرب الأولى # وكانت ركبة غير منتظمة، ولم تكن رؤساؤها من أهل الخبرة، قاموا من أوروبا سنة 1096م ~~الموافقة سنة 426ه، وساروا على شواطئ نهر الدانوب، وأخربوا جزءا عظيما من بلاد ~~المجر والصرب ودمروا كل ما مروا به، وعند وصول هؤلاء الأقوام إلى القسطنطينية ~~أدخلهم إمبراطورها «أليكسيوس كومنينوس» آسيا الصغرى، فلما وصلوا إلى مدينة أنجورا ~~قام عليهم ملك الروم السلجوقي وهزمهم ومزقهم كل ممزق، ولم يعد عليهم شيء من هذه ~~الإغارة إلا فقد أرواحهم . وفي السنة الثانية أتى جيش أقل عددا من الجيش المتقدم، ~~إلا أنه كثير الجراءة، وكان قواده أناسا ذوي شهامة ومهارة، وكان الرئيس الأكبر ~~لهذه الركبة هو «جدوفروادو بويون» فاجتاز بوغاز البوسفور، وحاصر مدينة نيسيا ~~وأدخلها تحت طاعة الإمبراطور السابق الذكر، ثم انتصر على الأتراك في وقعة بالقرب من ~~مدينة دورليا، وكانت هذه المدينة مفتاح آسيا الصغرى، لكنه هلك منهم جزء عظيم ~~بالأمراض والحروب المستمرة بينهم وبين الأتراك، فلما وصلوا إلى مدينة أنطاكية كان ~~في طاقة المسلمين الظفر بأعدائهم لولا الشقاق الداخلي بين ms173 الرؤساء السلجوقيين، وبعد ~~ثمانية شهور من الحصار وقعت هذه المدينة في قبضة الصليبيين، فقام أمير الموصل ~~«كتبغا» لمساعدة تلك المدينة، فهزم شر هزيمة سنة 1099م الموافقة سنة 429ه، ومع أن ~~بيت المقدس كان ذا حصون متينة أخذه الصليبيون وصار «جدوفروادو بويون» ملكا عليه، ~~وذلك بعد موت أخيه «بودوين» السالف الذكر بسنتين، وعاد الصليبيون إلى أوروبا بعد أن ~~نظموا بيت المقدس على نسق الممالك الغربية، واستمر أهل القدس النصارى في حروب دائمة ~~مع المسلمين حتى اتسعت مملكتهم، وفتحوا مدينتي أنطاكية وأورفا، وجعلوهما مدينتين ~~حصينتين لتكونا لهم ملجأ عند الشدائد. # الحرب الثانية # ولما استولى عماد الدين زنكي على مدينة أورفا وطرد منها نواب الصليبيين كان ذلك ~~سببا في حرب صليبية ثانية تحت قيادة «لويز السابع» ملك فرنسا و«جونراد الثاني» ~~إمبراطور ألمانيا، فماصروا دمشق ولكنهم التزموا بالرحيل عنها؛ لأن جيوشهم قد هلكت ~~من الحروب والأمراض المتكاثرة، وقد كانت مملكة بيت المقدس في حالة سيئة، ولما تولى ~~«صلاح الدين يوسف» ملك مصر واستولى على دمشق وحلب والموصل وهزم ملك بيت المقدس «جي ~~لوزنيان» ودخل القدس وهدم مملكة بيت المقدس النصرانية كما تقدم، شرع «فريديريك ~~بربيروس» إمبراطور ألمانيا و«فيليبش» ملك فرنسا و«ريتشار قلب الأسد» ملك إنجلترا في ~~حروب صليبية ثالثة، فتوفي فريديريك في الطريق، ووصل الصليبيون إلى فلسطين، واستولوا ~~على عكا وبعد هذا النجاح العظيم عاد أغلب الصليبيين إلى أوروبا فاستمر «ريشار» ~~بنفسه في قتال المسلمين، ولكنه بعد ذلك نزل أرض فلسطين بعد أن تعاهد مع صلاح الدين ~~يوسف سنة 1192م الموافقة سنة 522ه، وشرع في حروب صليبية أخرى، فحصلت بعد ذلك بيسير، ~~وكانت تارة بالشام وتارة بمصر وتارة بتونس، ولكن كانت سجالا ودولا بين الطرفين، ~~وأخيرا بقيت الشام للمسلمين وانضمت إلى مصر في زمن الأيوبيين والمماليك البحرية ~~والجراكسة. # إغارة المغول # وفي سنة 1257م أي في زمن الخليفة المستعصم الذي هو آخر خلفاء بني العباس أغار على ~~العراق أمة المغول، فنهبوا الأموال والخزائن الموجودة ببغداد وقتلوا كثيرا من ~~عساكر الخليفة، وسبب ذلك أن وزيره ابن ms174 العلقمي كان رافضيا عدو أهل السنة يريد ~~زوال الخلافة من بني العباس، فصار يكاتب إمبراطور المغول «بني الأصفر» ويخبره بضعف ~~الخليفة ويعلمه صورة أخذ بغداد ويحسن للمستعصم توفير الخزينة وعدم الصرف على ~~العساكر، فوفر في مرة عشرين ألف مقاتل وأظهر للخليفة أنه وفر من مصاريفهم أموالا ~~جسيمة في بيت المال فأعجبه رأيه لكونه يحب المال وجمعه، فأرسل إمبراطور المغول أخاه ~~«هولاكو» إلى العراق ومعه جيش جرار، فلما علم الخليفة بذلك استيقظ من غفلته وجمع من ~~قدر عليه من الجيوش فلم يقدر عليهم، وغرق من عسكره كثير في نهر الدجلة، وقتل ~~أكثرهم، وأسروا الخليفة وأولاده، ووقع وزيره لعنة الله عليه في الذل والهوان إلى أن ~~مات، وعملت جملة قصائد ببغداد منها: # يا عصبة الإسلام نوحي واندبي # حزنا على ما تم للمستعصم # دست الوزارة كان قبل زمانه # لابن الفرات فصار لابن العلقم # وكان ذلك سنة 1258م الموافقة سنة 656ه وانتقل بيت الخلافة من بغداد إلى مصر في زمن ~~السلطان بيبرس البندقداري، وكان أولهم المستنصر، وصل إلى مصر واجتمع بالظاهر بيبرس ~~وأثبت نسبه عند قضاة الشرع، وبايعه بالخلافة وأجرى عليه نفقة، وليس له من الأمر إلا ~~اسم الخليفة وأولاده بعده على هذا المنوال. # الفصل الثاني عشر # | في المماليك البحرية # كان ابتداء هذه الدولة في سنة 648ه الموافقة سنة 1251م، وعدد ملوكها 24 ومدة حكمهم 136، ~~وأول ملوكها عز الدين أيبك زوج شجرة الدر، وسبب استيلائه أن «الأشرف موسى» كان صغيرا ~~وبلغ أهل مصر قدوم التتار للبلاد، فاجتمعت الآراء على إقامة عز الدين بمفرده، ولما تسلطن ~~شرع في تحصيل الأموال واستخدام الرجال، واستوزر «أبا سعيد هبة الله» وكان أول قبطي تولى ~~الوزارة، وأوجد مكوسا سماها حقوقا، ثم إن «عز الدين» لما صفا له الوقت وتمكن وكثرت ~~عساكره هربت جماعة البحرية إلى الشام مع رؤسائهم بيبرس البندقداري وقلاوون الألفي ~~وغيرهما، واستولى على أموالهم، وأبطل ما كان قدره وزيره المذكور من المكوس وغيرها، ~~وخطب بنت صاحب الموصل، فلما سمعت بذلك زوجته شجرة الدر تغيرت عليه فعزم على ms175 قتلها، ولما ~~بلغها ذلك خافت على نفسها واتفقت مع محسن أغا الجوهري على قتله، فقتلاه في الحمام، فلما ~~بلغ مماليكه قتله، دخلوا على شجرة الدر ليقتلوها فسبقتهم زوجته أم ولده وجواريها فضربوها ~~إلى أن ماتت. وكان المعز أيبك ملكا شجاعا حسن التدبير والسياسة، غير أنه كان سفاكا ~~للدماء، وكانت مدة سلطنته سبع سنوات تقريبا، وفي مدته ظهرت النار بالمدينة فأحرقت ~~المسجد النبوي. # سيف الدين قطز # ولما قتل عز الدين قام بالأمر بعده ابنه نور الدين علي، وكان سنه عشر سنين، وجعل ~~الأمير قطز نائبه، وفي أيامه أخذ التتار بغداد وقتلوا الخليفة المستعصم كما تقدم، ~~وزحفوا على الشام فاستشار الأمير «قطز» الأمراء وقبض على الملك ووالدته وإخوته، ~~واعتقلهم بدمياط ببرج السلسلة، بعد أن حكم سنتين فلم يلبث أن جاء الخبر بأن ~~«هولاكو» حفيد «جنجيس خان» والتتار وصلوا بلاد الشام، واستنجد أهلها بملك مصر فسار ~~بجيوشه والتقى مع التتار بعين جالوت، فهزمهم وغنم منهم كثيرا، وكان بيبرس ~~البندقداري من أعيان مملكته فساق وراء التتار وطردهم عن بلاده، وكان السلطان وعده ~~بحلب ولم يف له، فوقعت الوحشة بينهما انتهت بقتل السلطان وتولى بيبرس ~~السلطنة. # السلطان بيبرس البندقداري # وهو من مشاهير ملوك هذه الدولة، وهو صاحب الفتوحات العظيمة، تولى سنة 658ه ~~الموافقة سنة 1260م، أصله تركي، اشتراه الملك الصالح «نجم الدين أيوب»، وأعتقه. ولا ~~زالت الأقدار تساعده حتى وصل ما وصل. وكان شجاعا يباشر الحروب بنفسه، له الوقائع ~~الهائلة مع التتار ثم مع الفرنج، وفتح بلاد النوبة ودنقلة ولم تفتح قبله مع كثرة ~~الغزوات، وجدد عمارة الجامع الأزهر بعد أن خرب، وانقطعت الخطبة منه مدة طويلة، ~~فأعادها كما كانت، وله صدقات وأوقاف كثيرة، وبنى الجامع الكبير بالحسينية، وأكمل ~~عمارة المسجد النبوي من الحريق، وغسل الكعبة بماء الورد بيده، وبنى المدرسة تجاه ~~البيمارستان «النحاسين» بالقاهرة، وقناطر أبي المنجا جهة قليوب، وقنطرة السباع أمام ~~السيدة زينب، ولما خرج لقتال التتار استفتى العلماء في أخذ أموال من الرعية للإعانة ~~بها فأفتوه، إلا النووي فانه امتنع وكلمه كلاما ms176 شديدا، فغضب عليه وأمره بالخروج ~~من الشام، فخرج إلى بلدة نوى، ثم أمر برجوعه فامتنع وقال: لا أدخلها والظاهر فيها، ~~والظاهر هو أول من رسم موكبي المحمل وكسوة الكعبة بمصر، وذلك سنة 675ه الموافقة ~~لسنة 1276م، ومات الظاهر بعد أن حكم 17 سنة وكسورا، وخلف الظاهر بيبرس ابنه الملك ~~السعيد «ناصر الدين أبو المعالي محمد بركة» سنة 676ه الموافقة لسنة 1676م، فلم يمكث ~~إلا قليلا وخلع سنة 687ه، وخلفه أخوه الملك العادل بدر الدين سلامش، فخلع بعد أشهر ~~وبعث به إلى الكرد فسجن مع أخيه. # الملك المنصور سيف الدين قلاوون الألفي # وهو رأس الدولة القلاوونية باعتبار مؤرخي الإسلام؛ ولذلك يسمى بأبي الملوك، وسمي ~~بالألفي؛ لأنه اشتري بألف دينار، وأصله من مماليك الصالح «نجم الدين أيوب»، وكان ~~شهما بطلا منصورا في حروبه، وله محاربات ووقائع كثيرة مع التتار، وغزى بلاد ~~النوبة سنة 687ه الموافقة سنة 1288م، وكان له فيها فتوحات عظيمة، وعاد منها بغنائم ~~جسيمة، وله عمارات كثيرة منها: المدرسة المنصورية، ونقل إلى هذه العمارات أعمدة ~~قلعة الروضة ورخامها، وقد أكثر من شراء المماليك الجراكسة وأسكنهم بالقلعة حتى بلغ ~~عددهم ستة آلاف، وهو الذي بنى بقلعة الجبل دار النيابة في سنة 687ه، وكانت تجلس بها ~~النواب إلى أن هدمها ابنه الناصر محمد وأبطل النيابة والوزارة، فبناها بعده الصالح ~~إسماعيل بن الناصر محمد بن قلاوون، وفي سنة 679 مات المنصور قلاوون، وأحدث في أيامه ~~وظيفة كتابة السر واللعب بالرمح في موكبي المحمل والكسوة، وأبطل عدة مكوس. # الملك الأشرف صلاح الدين خليل # تولى بعد موت أبيه سنة 690ه الموافقة سنة 1291م. وفي أيامه كانت الحروب قائمة بينه ~~وبين الفرنج في السواحل الشامية فأجلاهم عنها، وفتح عكا وهدمها وجملة حصون، وبعد ~~عودته توجه إلى قوص، ومن هناك سافر إلى اليمن وإلى الكرك ثم عاد إلى مصر. وفي أيامه ~~بلغ عدد المماليك عشرة آلاف، وسمح لهم بالخروج إلى داخل البلد نهارا ويبيتون ~~بالقلعة ليلا. وفي سنة 692ه الموافقة لسنة 1293م بنى بالقلعة قصر الأشرفية، وعمر ms177 ~~أيضا الرفرف وجعله عاليا، وصور فيه أمراء الدولة، وعقد عليه قبة على عمد وزخرفها، ~~وكان مجلسا يجلس فيه السلطان إلى أن هدمه الناصر محمد بن قلاوون. والغالب أن محله ~~القصر الأبلق «الطوبخانة الآن». وفي سنة 693ه قتل؛ وسبب ذلك أنه كان خرج إلى الصيد ~~وساق إلى الطرانة فتبعه الأمير بيدره ومعه جماعة فقتلوه هناك، وحكم بعده، وسمى نفسه ~~الملك القاهر فحكم يوما واحدا وقتل، ودفن الأشرف بجوار مشهد السيدة ~~نفيسة. # الملك الناصر محمد بن قلاوون # تولى سنة 693ه وعمره تسع سنين، فأقيم كفيلا له الأمير «كتبغا المنصور» فقتل؛ ~~قتله الملك الأشرف، وقبض على بعضهم وولى عقوبتهم بيبرس الجاشنكر، وآل أمرهم إلى أن ~~قطعت أيديهم وأرجلهم وعلقت في أعناقهم، وشهروا في مصر والقاهرة. ثم إن مماليك ~~الأشرف أحدثوا فتنة، قبض على ثلثمائة نفس منهم، وقطعت أيديهم وأرجلهم وصلبوا بباب ~~زويلة وذلك سنة 694ه، ورجع إلى السلطنة وعزل؛ ورجع ثالثا ومكث حاكما حتى مات سنة ~~740ه، وكانت مدة خلافته 43 سنة دون اعتزاله السلطنة. # الملك العادل كتبغا # هو الملك العادل «زين الدين المنصوري»، أصله من مماليك قلاوون، وحصل في أيامه ~~غلاء مفرط؛ لأن مد النيل قصر حتى أكل الناس الجيف. وفي زمنه وفد على مصر طائفة ~~من المغول فرارا من ملكهم غازان يدعون باسم «الأويراتية». فإنه لما تغلب التتار ~~على ممالك الشرق والعراق وجفل الناس إلى مصر نزلوا بالحسينية، وعمروا بها المساكن ~~وأيضا أمراء الدولة، وصارت من أعظم عمائر القاهرة، وكان السلطان كلما نزل من ~~القلعة إلى الميدان لم يجد أحدا؛ لقلة الناس وشغلهم بما هم فيه من الغلاء والوباء، ~~واشتد خوفه من الفتنة فأظهر العناية بأمر الأويراتية ؛ لأنهم كانوا من جنسه، وكان ~~مراده أن يكونوا أعوانا له عند الشدائد، فخشوا إيقاعه بهم، فآل الأمر أخيرا ~~بسببهم وبسبب عدم مسيره إلى بلاد الشام لمحاربة التتار إلى قيام بعض الأمراء عليه، ~~فترك الملك وفر هاربا إلى دمشق. # السلطان حسن بن قلاوون # تولى السلطنة وعمره 13 سنة، فعهد إلى الأمير منجك اليوسفي بالوزارة، فنقص ms178 كثيرا ~~من مصروف الدولة والرواتب، ومد يده لأخذ الرشوة، وصار يولي الوظائف بمال يأخذه ممن ~~يتولاه، واشتد تحريق النيل، واتفق الرأي على سده من جهة الجيزة لتحويل الماء إلى ~~مصر، ووكل لهذا الأمر وزيره منجك، فجمع أموالا عظيمة من الرعية، وصنع مراكب وشحنها ~~أحجارا ورماها في مجرى النيل مما يلي بر الجيزة فلم تحصل ثمرة، وعزل منجك من ~~الوزارة ثم أعيد إليها ثانيا، واشتد ظلمه وجمع أموالا عظيمة، وكثرت حوادثه إلى أن ~~عزل بالثاني، وحمل إلى الإسكندرية وسلب ماله، ثم أعيد إليه جزء من ماله. وفي سنة ~~749ه حصل طاعون عم الديار المصرية فخرب البلاد وقتل العباد. وفي سنة 751 جمع ~~السلطان حسن القضاة والأمراء ورشد نفسه، وبعد أيام قبض على جماعة من الأمراء كان ~~منهم منجك المذكور وحملهم إلى الشام، فتعصبوا وقاموا عليه سنة 752ه، وكان رأس ~~الفتنة الأمير «طاز» فقبضوا عليه وسجنوه بالقلعة، فأقام إلى أن أعيد إلى السلطنة ~~ثانيا سنة 755ه، فأقام ست سنين وكسور وقتل سنة 762ه. وفي أيامه بني الجامع المسمى ~~باسمه وجامع شيخون ومدرسته بالرميلة. # أبو المعالي زين الدين شعبان # تولى سنة 764ه، ولقب بالملك الأشرف، وعمره عشر سنين. وكان المتكفل به الأمير ~~«يلبغا العمري». وفي سنة 767ه أراد أن يجعل الأمير «طنبغا الطويل» عامله على الشام، ~~وكان هذا الأمير إذ ذاك برأس الوادي، فأرسل إليه كتابا مع جملة أمراء فلم يمتثل ~~لهذا الأمر واتحد مع الأمراء المرسلين إليه، ورفعوا لواء العصيان، فقام يلبغا ~~وحاربهم وانتصر عليهم بالقرب من الجبل الأحمر بجهة تعرف بقبة النصر وقتل منهم خلقا ~~كثيرا. وفي هذه السنة وردت مراكب صاحب قبرص إلى «الإسكندرية»، فقام عليهم نائب ~~الإسكندرية وحاربهم بما عنده من العرب والعساكر ، فهزموه ودخلوا المدينة ونهبوها ~~وقتلوا كثيرا من أهلها، ورحلوا عنها قبل وصول عساكر الملك إليهم الواردة من ~~القاهرة، وبهذا السبب وكثرة فساد مراكب الفرنج في البحر وقطعهم طرق التجارة شرع في ~~إنشاء مراكب حربية، فلما كملت رحل ليتفرج عليها، وعاد إلى «الطرانة» بقصد النزهة، ~~ونصب بها ms179 خيامه، وكان مماليك «يلبغا» قد اتفقوا على قتله فهرب ليلا إلى القلعة، ~~فتوجه المماليك إلى السلطان وأرادوا أن يعينهم، فلم يمكنه غير الموافقة. ولما بلغ ~~«يلبغا» ذلك جمع جموعه واستدعى الأمير «أتوك» أخا السلطان ولقبه بالملك المنصور، ~~وسار به إلى الجزيرة الوسطى والسلطان الأشرف في بر إمبابة، وصاروا يترامون بالنشاب، ~~فسار السلطان وطلع القلعة على حين غفلة، فلما سمع بذلك أصحاب «يلبغا» فارقوه أغلبهم ~~وآل الأمر بالقبض على يلبغا وقتلوه. وكانت داره هي المعروفة الآن «بالحوض المرصود»، ~~وكانت مدة السلطان «زين الدين شعبان» كلها ثورات وتعاظم عليه، وكانت الحروب ~~بالرميلة وبولاق والجزيرة، وجعل للأشراف العمائم الخضر ليمتازوا عن غيرهم. وفي سنة ~~778ه خرج للحج فلما وصل العقبة قام عليه المماليك، فكر راجعا واختفى بالقاهرة ~~إلى أن قبض عليه وخنق ووضع بزنبيل وألقي في بئر. وفي أيامه ولى الكثير من أولاد ~~الناس المناصب السامية والوظائف العالية، وهو الذي بنى المدرسة الأشرفية تجاه ~~القلعة وهدمت في زمن السلطان «برقوق». # زين الدين الملك حاجي # كان عمره وقت تقليده السلطنة عشر سنين، فلم يكن له من السلطنة سوى الاسم فقط، وكان ~~الأمر بيد برقوق الوزير، وكانت المملكة في حالة الاضطراب؛ لأن كل أمير كان يريد ~~الرياسة، وكثرت العربدة في البلاد، واشتدت نيران الفتن، فاتفق برقوق مع خشداشيته، ~~وهجم على باب السلسلة الذي هو باب العزب، أحد أبواب القلعة، واستحضر الخليفة ~~الموجود وهو المتوكل على الله العباسي والقضاة والأمراء، واتفقوا على خلع الملك ~~الصالح حاجي وتولية برقوق، وتقررت بينهم سلطنة برقوق، فكانت مدة سلطنته سنة ~~وكسورا، فكان من تولى من ذرية الناصر اثني عشر، أقاموا ثلاثا وأربعين سنة، مع أن ~~الناصر محمد بن قلاوون أقام بها أربعا وأربعين سنة، ومدتهم جميعا كانت شدائد حتى ~~اشتد الضرر بالناس، مع أن في مدتهم جددت العمارات الكثيرة بمصر والقاهرة. # الفصل الثالث عشر # | دولة الجراكسة # حكمت هذه الدولة سنة 784ه، وانقضت سنة 923ه، وعدد سلاطينهم 22 سلطانا، وأولهم برقوق، ~~ولنذكر من اشتهر منهم فنقول: # الظاهر برقوق # أصله من مماليك ms180 يلبغا المتقدم الذكر، ولما استقر برقوق في السلطنة أكثر في شراء ~~المماليك وأمر لهم بالسكنة في القاهرة، وتزوجوا بنساء أهل المدينة، وتغيرت أحوال ~~البلاد وعوائدها، ثم رفع نواب الشام لواء العصيان عليه، وجرت بينه وبينهم حروب ~~شديدة، ودام الاضطراب حتى حضر «يلبغا الناصري» بعساكر من الشام، واقتتل مع عساكر ~~برقوق خارج باب النصر، فانهزمت عسكر السلطان، واختفى برقوق، واستولى «يلبغا» على ~~القلعة، وأخرج السلطان الصالح حاجي من السجن وولاه السلطنة ثانيا، وأكثر القتل في ~~مماليك السلطان برقوق، وما زال مجدا في طلبه حتى عثر عليه، فبعث به أسيرا إلى ~~الكرك، وحبس هناك وصار الحل والعقد بيد «يلبغا»، ثم حصلت فتنة من يلبغا والأمير ~~منطاش، فتحاربا في الرميلة وآل أمرها بهروب يلبغا وأصحابه، وصار الحل والعقد بيد ~~«منطاش»، فتمكن برقوق من الخروج من الكرك فخرج وانضم إلى بعض مماليكه وكثير من ~~العرب، وحصلت وقعات بينه وبين نواب الشام والسلطان «حاجي»، انتهت باسترجاعه إلى ~~السلطنة، وهرب «يلبغا» فصار يهجم على بلاد الشام إلى أن قتل يلبغا وأتي برأسه ~~وعلقت على باب زويلة، وفرح السلطان برقوق لقتله. وفي ذلك الوقت كان ظهور «تيمورلنك» ~~يعثو في البلاد بعساكره، وحصلت بينه وبين عساكر مصر وقعات عظيمة، واستولى على ~~بغداد، فهرب صاحبها القان أحمد إلى مصر فقابله ملكها بالترحاب وأنزله بقصر الأمير ~~«طقوزدمور» - وهو محل المدارس الميرية الآن بدرب الجماميز - وجهز جيشا وسار معه ~~إلى بلاد الشام، وكان تيمورلنك قد رحل عنها، فرجع السلطان برقوق إلى مصر وتوجه ~~القان أحمد إلى مملكته، فكانت مدته كلها حروب وشدائد، فكانت سلطنته بالديار المصرية ~~والشامية ست عشرة سنة وكسورا، وكان كثير البر والصدقات، ومات سنة 801ه. # الملك الناصر أبو السعادات فرج بن برقوق # تولى السلطنة وعمره عشر سنين ، وفي مدته قام عليه الأمير «أيتمش» بمماليكه يريد ~~خلعه من السلطنة، فتحزب عليه مماليك الظاهر مع كثير من الأمراء، واقتتلوا بالرميلة ~~وحول القلعة، فانهزم «أيتمش» وفر إلى الشام، وقتل في هذه الواقعة أناس كثيرون، ~~ونهب العوام بيوت الأمراء الذين كانوا مع ms181 «أيتمش»، وأحرقوا باب مدرسة السلطان ~~«حسن»؛ حيث كان أيتمش حاصر القلعة منها، وقام بدل «أيتمش» «بيبرس السيفي»، فهدد ~~الناس وأصلح حال الرعية، وكان أيتمش هرب إلى الشام وعثا هناك بالقتل والسلب، فجهز ~~إليه جيشا جرارا وسار إليه وقتله وجملة من أصحابه، وأتى إلى مصر بموكب هائل، وعلق ~~رأسه ورءوس أصحابه على باب زويلة، وفي ذلك الوقت كان تيمورلنك قد قتل العباد وأحرق ~~البلاد ونهبها، حتى قيل إنه بنى من الرءوس عشر منارات دور كل منارة عشرون ذراعا، ~~وكل ذلك وفرج المذكور في لهو وشرب، فسخط عليه الأهالي، فقام بيبرس السيفي وصمم على ~~قتله فهرب. # الملك أبو النصر شيخ # ولما تولى السلطنة أمير المؤمنين الخليفة المستعين بالله أبو الفضل العباس وتولى ~~النيابة المؤيد شيخ، فشاركه المؤيد في الخطبة، وصار الأمر للمؤيد فتغلب على ~~السلطنة، وصار الخليفة له الاسم فقط ثم جمع القضاة والأمراء وخلع الخليفة من ~~السلطنة ولم يخلعه من الخلافة، فأقام بالقلعة ثم خلعه من الخلافة أيضا وبعث به إلى ~~الإسكندرية، وسجن هناك إلى زمن الملك الأشرف «برسباي» فأخرجه من السجن، وسكن هناك ~~إلى أن مات سنة 833ه، ودفن هناك، ولما خلع الخليفة سنة 815ه جلس هو بمفرده، وكان ~~هذا الملك من مماليك الظاهر برقوق واسمه أبو النصر شيخ وتلقب بالمؤيد، ولما بلغ ~~نوروز عامل الشام خلع المستعين، فلم يقطع خطبة المستعين، واستمر يخطب باسم الخليفة، ~~فسار إليه المؤيد وحاربه وقتله ورجع إلى القاهرة، وولى منكلي بغا الشمسي محتسبا، ~~وكان هذا أول تركي تولى الحسبة، وعصى عليه نواب الشام، فسار إليهم ففروا هاربين ~~وولى بدلهم وعاد إلى القاهرة، وصفا له الوقت، وأكثر من شراء المماليك، وقتل ابنه ~~إبراهيم لما بلغه أنه مصمم على نزعه من السلطنة، ودفنه بالجامع الموجود بجوار باب ~~زويلة، ثم مات ودفن معه، وكان أكثر إقامته ببولاق، ووقع في زمنه وباء عظيم حتى حصل ~~للناس من ذلك ضرر، وكان كريما يحب العلم والعلماء، إلا أنه كان كثير السفك للدماء، ~~قتل كثيرا من النواب. # السلطان أبو النصر قايتباي ms182 # لما تولى أبو النصر قايتباي تلقب بالملك الأشرف، وهو أعظم سلاطين هذه الدولة، له ~~عمارات عظيمة بمصر والمدينة ومكة وغيرها، منها جامع بجزيرة الروضة، وجامع بقلعة ~~الكبش، والإيوان الكبير بالقلعة وغير ذلك، وهو من مماليك الظاهر «جقمق»، وأنشأ عدة ~~قناطر وجسور في الأقاليم، ووقف أوقافا كثيرة لعمارته. وفي سنة 884 هجرية حج ~~السلطان قايتباي، ولم يحج من سلاطين الجراكسة غيره، ورتب لأهل الحرمين ثمانية آلاف ~~إردب قمح. وفي سنة 887 هجرية توجهت عساكر مصر تحت قيادة يشبك إلى «حسن الطويل» ملك ~~العراق، وجرى بينهما حروب كثيرة انهزم فيها العساكر المصرية ومات «يشبك»، ووقعت ~~الحرب بينه وبين السلطان «محمد» ملك الروم من سلاطين آل عثمان، وسبب ذلك أن بعض ~~تجار الهند أهدى هدية إلى السلطان محمد المذكور، فسمع بها قايتباي فأخذها. فلما بلغ ~~ذلك السلطان محمدا حاربه، فتظاهر عليه المصريون، ثم إن السلطان المذكور بلغه تظاهر ~~بعض الأمراء المصرية عليه فأراد أن يتنازل عن السلطنة، فامتنع أمراء الأهالي من ذلك ~~فرجع إلى السلطنة ثانيا، ثم جاءت الأخبار بإغارة العساكر العثمانية على بلاد الشام ~~تحت رياسة السلطان بايزيد خان من آل عثمان قاصدا حرب قايتباي، وسبب ذلك أنه رحب ~~بأخيه «جم» الذي كان منازعا له في الملك، فجهز إليه سلطان مصر قايتباي العساكر مع ~~الأمير أزبك الذي نسبت إليه الأزبكية، فانتصر المصريون عليه مرارا، ثم حصل الصلح ~~بينهما وترك قايتباي عدنة وطرطوس إليه، وكان سفير قايتباي جانبلاط بن يشبك السالف ~~الذكر والبيان، ومات قايتباي سنة 901ه، وكان محبا لجمع الأموال وغير عجول في ~~الأمور. # السلطان قانصوه الغوري # هو أبو النصر قانصوه، تولى السلطنة سنة 906ه، ولقب بالملك الأشرف فأقام 15 سنة، ~~ولما اتفق العساكر على توليته اشترط معهم أن لا يقتلوه وإن رغبوا عزله انعزل. وكان ~~جبارا كثير القتل والسفك، وله عدة مباني منها المنارة المعتبرة بالأزهر، والبستان ~~تحت القلعة، والسبع سواقي لمجرى الماء من مصر العتيقة إلى القلعة، وعمر بعض ~~أبراج الإسكندرية، وعمل بطريق الحج عدة خانات وآبار، وهو صاحب القبة ms183 الموجودة الآن ~~بالبلدة التي سميت بها قرب المطرية، ومع ذلك فإنه كان كثير الطمع والظلم يأخذ أموال ~~من يموت، ومماليكه يظلمون الناس، ووقعت بينه وبين السلطان «سليم الأول» من آل عثمان ~~حروب بمرج دابق انهزم فيها الغوري ولم يعلم له حال، وسبب هذه الفتنة أنه رحب بأخيه ~~كركود الذي كان ينازعه في الملك، ودخلت الشام من وقتئذ تحت حكم الدولة العلية، وقام ~~السلطان سليم بالشام شهرا ثم رحل إلى مصر، فوجد عسكر مصر قد ولوا عليهم «طومان ~~باي» ابن أخ «الغوري»، ووقع بينهم حروب كثيرة، ثم ذهب طومان باي إلى السلطان سليم ~~طائعا، فقتله وأبقاه في باب زويلة مشنوقا ثلاثة أيام، ودفن بمدفن الغوري المشهور، ~~وبموت طومان باي انتهت دولة الجراكسة. # الفصل الرابع عشر # | مصر تحت حكم الدولة العثمانية المرة الأولى # أول من ملك مصر من بني عثمان هو السلطان سليم الأول، وذلك سنة 923ه/1530م. وكان ~~ملكا شديد البأس مولعا بمطالعة التواريخ بليغا في اللغة الفارسية والرومية والعربية ~~والتركية. وكان كثير السفك للدماء عظيم الكشف عن أحوال الملوك، وكان يتجسس بالليل ~~والنهار متخفيا، ويطلع على الأخبار، وكان قد توجه لقتال العجم فلم يتمكن من بلادهم شدة ~~التمكن بسبب انقطاع القوافل التي أعدها لتتبعه بمؤنة العساكر، فبلغه أن سببه سلطان مصر ~~«قانصوه الغوري»؛ لأن بينه وبين إسماعيل شاه العجم مودة ومراسلات، فكان ذلك سببا في غزو ~~بلاد مصر كما تقدم، وكان مقره بمصر في قلعة الروضة، وبني له كشك عند قاعة المقياس، وهو ~~مشرف على النيل. # ولما أراد التوجه إلى الروم تقدم إليه خاير بك بمفاتيح البلد، فردها عليه وولاه عليها ~~إلى أن يموت، فشاوره على أن أبناء الجراكسة يريدون الدخول في خدمة الدولة، فأجابه لطلبه ~~وشاوره على إبقاء أوقاف الجراكسة، وهي نحو عشرة قراريط من أرض مصر ، فأبقاها على ما كانت ~~عليه، فغضب وزيره، وقال: «أفنوا مالنا وعساكرنا وتبقى لهم أوقافهم يستعينون علينا بها؟!» ~~فأمر السلطان سليم بضرب عنق الوزير، وقال: «عاهدناهم على أنهم إن مكنونا من بلادهم ~~أبقيناهم عليها، ms184 وجعلناهم أمراءها. فهل يجوز لنا أن نخون العهد ونغدر؟ وإذا أدخلنا ~~أبناءهم في حيزنا فهم أولاد مسلمين، وتأخذهم الغيرة على ديارهم، وأما أراضيهم فأصلها ملك ~~الغانمين، ومنهم من وقف ومنهم من قامت ذريته من بعده. فهل يجوز أن ننازعهم في أملاكهم؟ ~~وأنا أزلت الوزير كراهة أن يغير علي اعتقادي بتكرار كلامه.» وكانت مدة ولاية «خاير بك» ~~سنتين ونصف تقريبا، ومن بعده أرسلت الدولة العلية نائبا من طرفها إلى سنة 1765م أي في ~~زمن السلطان مصطفى الثالث، فإنه قطع إرسال النواب إلى مصر وولاها للمماليك البادي ذكرهم ~~آنفا، بشرط أن يدفعوا نصف الأموال السلطانية إلى الأستانة العلية والنصف الثاني يصرف ~~برسم المرتبات، وأقام بينهم أميرا لصدور الأوامر، فكانت المماليك تصرف الأموال على ~~شهواتهم ويدعون أنهم يصرفونها على المصالح الميرية، وفي آخر العام يرسلون الدفتر مسددا ~~عن يد الوزير المذكور الذي لم يكن في مصر إلا على سبيل الصورة فقط، وكانوا يظلمون الناس ~~ولا يبالون في نجاح البلاد، وكان كبيرهم يسكن القاهرة ويلقبونه بشيخ البلد، ومع تمادي ~~الأيام خرجوا عن طاعة الدولة العلية لما حكم كبيرهم «علي بك الكبير» الذي خطب على ~~المنابر باسمه، واستمر العصيان إلى سنة 1798م الموافقة سنة 1213ه حين حضر الجنرال ~~«بونابارت» وحاربهم وشتت شملهم. # الفصل الخامس عشر # | الجيش الفرنساوي في مصر # وفي سنة 1798م هجمت الأمة الفرنساوية على مصر تحت قيادة الجنرال «بونابارت» بأربعين ~~ألفا من العساكر الفرنساوية، فأولا ملكوا الإسكندرية، ثم نزلوا على مصر ووقع بينهم ~~وبين المصريين وقائع شتى، فأول واقعة كانت عند الرحمانية، فهزمت الجيوش المصرية، ~~والتجئوا إلى الجيزة، فاقتفى الفرنساويون أثرهم، والتقوا عند قرية وسيم فهزمهم ~~الفرنساويون ثاني مرة، ففر «مراد بك» ومن معه من المماليك إلى الصعيد، وفر «إبراهيم بك» ~~شيخ البلد ومن معه من المماليك إلى الشام، وبعد تمام نصرتهم دخلوا مصر ورتبوا الدواوين ~~لتنصلح الأحوال، وأظهروا أنهم لا يظلمون أحدا ولا يتعرضون للرعية إلا بكل خير وأنهم ~~مرسلون من طرف الدولة العلية، ولكن بعد يسير أظهروا ضد ما قالوه ونهبوا ms185 أمتعة المماليك ~~ثم الأهالي وقتلوهم، وكذا قتلوا بكل قرية من قرى مصر من امتنع عن أداء ما فرض عليه من ~~الأموال، وقد قتلوا كثيرا من العلماء عند دخولهم الجامع الأزهر، ونشروا الخزائن التي ~~ظنوا أن بها أموالا، وأخذوا الكتب النفيسة التي بها، ونقلوها إلى باريس، وهي موجودة ~~لغاية الآن بكتبخاناتهم، وربطوا خيولهم بالجامع الأزهر يوما وليلة، ثم توجه بونابرت إلى ~~الشام، وقاتل بها «أحمد باشا الجزار»، ثم عاد إلى مصر وترك جزءا من جيشه لمحافظة ~~العريش، ثم نهض لمقاومة «مصطفى باشا» بأبي قير حين حضوره من بلاد الترك، فهزمه وأخذه ~~أسيرا وقتله، وبعد أن جمع الأموال وولى مكانه كليبر سرى عسكر جيشه وسافر إلى ~~فرنسا. # وفي سنة 1214ه تحركت همة مولانا السلطان سليم الثالث، وجهز جيشا تحت قيادة يوسف باشا ~~المعدني؛ لمقاتلة الفرنساوية بمصر وبصحبته العساكر الإنكليزية المتحدة مع هذه الدولة في ~~هذه الحرب، ففتح منهم مدينة غزة، فطلبوا الصلح وأمهلهم أربعين يوما يجمعون فيها ~~عساكرهم، فأجابهم لهذا الطلب، فجمعوا عساكرهم وخدعوه وغدروا به عند مدينة الخانكة فخاب ~~أمله، ولما رجع الفرنساويون منعهم عن الدخول في القاهرة حسن بك الجداوي ومحمد بك الألفي ~~وإبراهيم بك شيخ البلد والسيد أحمد المحروقي والسيد بيومي مكرم والشيخ الصاوي، فحاربهم ~~الفرنساويون وهزموهم، وفي هذه الواقعة حرقوا بعض محلات باب الشعرية وبولاق. وصار كليبر ~~ينهب أموال الأهالي، ويطلب منهم الطلبات الباهظة، فمن جملة طلبه من شيخ السادات سيدي ~~محمد أبي الأنوار خزينة مال، فباع أمتعته هو ونساؤه فلم يف بنصف مطلوبه. وفي سنة 1215ه ~~خرج رجل من مجاوري الشوام بالأزهر على كليبر وقتله في بستان البيت الذي بالأزبكية، فقبض ~~على المجاور المذكور وصلبوه، وبعد زمن شرع الفرنساويون في تشييد السور من باب النصر إلى ~~باب الحديد، وجعلوا جامع الحاكم وجامع الظاهر بيبرس قلعتين. # وفي سنة 1216ه وافتهم العساكر السلطانية والإنكليزية معا تحت قيادة بوهان باشا، ووقعت ~~بينهم وقائع شتى، وأخيرا انتهت بالنصرة لبوهان باشا، وهزم الفرنساويين. فطلبوا الصلح ~~فأمهلهم جملة أيام ونزلوا في مراكب، ودخلت ms186 العساكر الشاهانية والإنكليزية مصر منصورين، ~~وكانت مدة تصرف الفرنساوية ثلاث سنين، ورجعت مصر لحوزة الدولة العلية ثانيا. # الفصل السادس عشر # | مصر تحت حكم الدولة العثمانية المرة الثانية # وبعد أن تمت النصرة للدولة العلية على الأمة الفرنساوية أقرت الدولة «محمد خسرو باشا» ~~واليا عليها، وأصدرت إليه أوامر لقتال المماليك، فلما سمع هذا الخبر أكابر المماليك، ~~وهما عثمان بك البرديسي ومحمد بك الألفي، نهضا لمقاومة الوالي المذكور، واستظهروا عليه ~~وهزموا جيشه، فنسبت هذه الهزيمة إلى محمد علي باشا الكبير، وأضمر الوالي المذكور قتله ~~فحاوله، وانضم بمن معه من الشجعان إلى طائفة المماليك وهزموه. ولما سمع ذلك السلطان ~~«سليم الثالث» شق عليه وأرسل «علي باشا الجزايرلي» وأمره بالقبض على المماليك والأرنؤد، ~~فبحضوره إلى مصر خلعوا طاعته وكسروا جيشه وقتلوه، وبعد أيام قلائل وقعت فتنة بين محمد بك ~~الألفي وعثمان بك البرديسي، انتهت بالمعاداة بينهما. # ولم يمض زمن يسير حتى توفاهما الله فاتفق سادات مصر على أن يكون «محمد علي» باشا ~~قائمقام البلد، فصادقوه على ذلك لما رأوا فيه من كمال الاستعداد، ولما كان المتولي على ~~مصر أحمد باشا، طلع محمد علي باشا والأرنؤد في مقابلة أحمد باشا وجماعته، فجعل محمد باشا ~~يضرب عليهم بالمدافع حتى أخرب جهة الداودية وأضعفهم، ففر أحمد باشا وانضم أتباعه إلى ~~محمد علي باشا، فقابلهم بكل ممنونية، وصار محمد على باشا من ذلك الوقت يستميل قلوب ~~الأهالي والعساكر إليه حتى أحبه العموم، وبغضوا الأمراء إلى أن دخلت سنة 1220م اتفق ~~الجنود والعلماء والعامة على عزل أحمد باشا وتولية محمد علي باشا، فامتنع أحمد باشا، ~~فحاربه محمد علي باشا، وحصره بالقلعة فهرب من باب الجبل، فطلع محمد علي باشا القلعة وورد ~~إليه فرمان في سنة 1221م بولايته على مصر، ثم أمر بعد ذلك بالتوجه إلى سالونيك وأن يسلم ~~البلد إلى أكابر المماليك، بشرط أن يدفعوا للدولة خمسة آلاف كيس كل عام، فتلى الفرمان ~~على مشايخ البلاد فأجابوه جميعا: نحن عبيد السلطان، ولكن لا نقبل إعادة حكم المماليك ~~ثانيا، وأوردوا أن ms187 لا يقبلوا واليا سوى محمد علي باشا الكبير لعلو همته ومكارم أخلاقه، ~~فأجابهم السلطان إلى هذا الطلب؛ لإطفاء الفتنة، وصدرت الأوامر السلطانية بتقرير عزيز مصر ~~محمد علي باشا الكبير واليا عليها، وذلك سنة 1219ه الموافقة سنة 1804م، ودخلت مصر تحت ~~حكم الدولة المحمدية العلوية، وها نحن تحت ظل رعيتها على أحسن حال وأتم منوال. خلد الله ~~ملكها إلى آخر الزمان بجاه سيد ولد عدنان. ms188