######OpenITI# #META# bkid: 20643 #META# bk: تفسير ابن بدران = جواهر الأفكار ومعادن الأسرار المستخرجة من كلام العزيز الجبار #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: جواهر الأفكار ومعادن الأسرار المستخرجة من كلام العزيز الجبار #META# المؤلف: عبد القادر بن أحمد بدران #META# المحقق: زهير الشاويش #META# الناشر: المكتب الإسلامي، بيروت - لبنان #META# الطبعة: الأولى، 1420 هـ - 1991 م #META# عدد الصفحات: 529 #META# أعده للشاملة: رابطة النساخ، تنفيذ (مركز النخب العلمية)، وبرعاية (مؤسسة سليمان الراجحي الخيرية) #META# digitization_comments: [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] #META# inf: None #META# auth: ابن بدران #META# authinf: عَبْد القَادِر بَدْرَان (000 - 1346 هـ = 000 - 1927 م). عبد القادر بن أحمد بن مصطفى بن عبد الرحيم بن محمد بدران. • فقيه أصولي حنبلي، عارف بالأدب والتاريخ، له شعر. • ولد في «دومة» بقرب دمشق، وعاش وتوفي في دمشق. • كان سلفي العقيدة، فيه نزعة فلسفية، حسن المحاضرة، كارها للمظاهر، قانعا بالكفاف، لا يعني بملبس أو بمأكل، يصبغ لحيته بالحناء، وربما ظهر أثر الصبغ على أطراف عمامته. • ضعف بصره قبل الكهولة، وفلج في أعوامه الأخيرة. • ولي إفتاء الحنابلة. وانصرف مدة إلى البحث عما بقي من الآثار، في مباني دمشق القديمة، فكان أحيانا يستعير سلما خشبيا، وينقله بيديه ليقرأ كتابة على جدار أو اسما فوق باب. • وزار المغرب، فنظم قصيدة همزية يفضل بها مناظر المشرق:. من قال إن الغرب أحسن منظرا ... فلقد رآه بمقلة عمياء. له تصانيف، منها:. • «المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل - ط». • «شرح روضة الناظر لابن قدامة - ط» في الأصول، جزآن. • «تهذيب تاريخ ابن عساكر - ط» سبعة أجزاء من 13 جزءا، ولا تزال بقيته مخطوطة. • «ذيل طبقات الحنابلة لابن الجوزي - خ» لم يكمله. • «موارد الأفهام من سلسبيل عمدة الأحكام - خ» مجلدان، في الحديث. • «الآثار الدمشقية والمعاهد العلمية - خ» تاريخ. • «منادمة الأطلال ومسامرة الخيال - ط» في معاهد الشام الدينية القديمة. • «ديوان خطب - خ». • «الكواكب الدرية - ط» رسالة في عبد الرحمن اليوسف والأسرة الزركلية. • «تسلية الكئيب عن ذكرى حبيب - خ» ديوان شعره. • «سبيل الرشاد إلى حقيقة الوعظ والارشاد» جزآن. • «فتاوى على أسئلة من الكويت». • «إيضاح المعالم من شرح ابن الناظم» على الألفية ثلاثة أجزاء، وغير ذلك. • وله «رسالة - خ» تهكمية، شرح بها أبياتا من هزل ابن سودون البشبغاوي، فحوّلها إلى أغراض صوفية على لسان «القوم» (1). __________. (1) مذكرات المؤلف. والمدخل: مقدمته. ومجلة الفتح 25/ 4 / 1346 ثم 23/ 8 / 1348 والأعلام الشرقية 2: 128 ومعجم المطبوعات 541. نقلا عن: «الأعلام» للزركلي #META# tafseernam: None #META# islamshort: 0 #META# onum: 20643 #META# over: 1 #META# seal: 2219DD52 #META# oauth: 1007 #META# bver: 1 #META# pdf: 1 #META# oauthver: 3 #META# vername: None #META# cat: التفاسير #META# lng: عبد القادر بن أحمد بن مصطفى بن عبد الرحيم بن محمد بدران #META# higrid: 1346 #META# ad: 1346 #META# aseal: 1889599E #META# blnk: None #META# pdfcs: 1 #META# shrtcs: 0 #META# ScrapeDate: 2019-10-16 #META# ScrapeURL: http://shamela.ws/index.php/book/20643 #META#Header#End# ### | AUTO سورة الفاتحة # {بسم الله الرحمن الرحيم (1) الحمد لله رب العالمين (2) الرحمن الرحيم ~~(3) مالك يوم الدين (4) إياك نعبد وإياك نستعين (5) اهدنا الصراط المستقيم ~~(6) صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين (7)} آمين. # لا يخفى على أحد ممن له أدنى إلمام بعلم العربية، أن "الباء" من {بسم} ~~حرف جر، متعلقة بمحذوف، وأن الكلام على البسملة امتلأت به بطون المؤلفات، ~~فلا نشتغل بنقله، لكننا نقول: قدر علماء البلاغة هذا المحذوف متأخرا، وهو ~~مما يعول عليه، ويناسب ما لأجله كان نزول القرآن، لأنه نزل لدحض حجج ~~المخالفين، وإبطال عبادة ما سوى الله تعالى، وكان المشركون يبتدئون في جميع ~~أفعالهم باسم آلهتهم، فيقولون حينما يشرعون في أمر: باسم اللات، وباسم ~~العزى، وكان كل عابد شيء مما سوى الله تعالى، يبتدئ باسم إلهه الذي يعبده ~~بزعمه، وكان التقديم منهم لمجرد الاهتمام الناشئ من قصد التبرك والتعظيم. # ولم يكن قصدهم به الاختصاص، لأنهم لم يكونوا ينفون التبرك به تعالي، ~~لأنهم كانوا يقرون به بدليل: {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن ~~الله} [لقمان: 25]. # وأخبر تعالى عنهم بأنهم يقولون عن أصنامهم: # {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} [الزمر: 3]. # بل كانوا يتبركون به أيضا، فأرشد سبحانه وتعالى بالبسملة الموحدة، إلى ~~أنه يجب عليه أن يقصد بعبارته قطع شركة الأصنام، بل قطع شركة كل ما سوى ~~الله PageV01P031 ### || CHECK تعلق الجار والمجرور في البسملة # تعالى، كيلا يتوهم منه تجويز الابتداء باسم سوى اسم الله تعالى. # وعلى هذا فيكون في الكلام قصر إفراد، والمقصود من الابتداء، الفعل الذي ~~يبدأ به، فإن المشرك لما كان يبتدئ في أفعاله المخصوصة باسم آلهته، وجب على ~~الموحد أن يبتدئ في أفعاله المخصوصة باسم الله تعالى، ردا على المشرك، ~~وإظهارا للتوحيد الذي هو المقصود من بعثة الرسل عليهم الصلاة والسلام، ~~وإنزال الكتب، وليس هذا المعنى مقصودا على ما تقدم من الرد على المشركين، ~~ولكنه عام لغيرهم أيضا، ممن استند إلى الأسباب. # وذلك أن الله لما أظهر حكمة التسبيب، وأرى الخلق أن بعض الأشياء مستفادة ms001 ~~من أشياء أخر، مرتبة عليها ومتقدمة عليها، حتى صارت كأنها أسبابها، كما يرى ~~أن النبات لا يكون إلا بالمطر، وأن البذار مثلا لا ينبت إلا بالماء، إذا ~~كانت الأرض التي هو فيها مساعدة على إنباته، وقف بعض الناس عند أول سبب فلم ~~ير ما قبله، ومنهم من وقف عند سبب السبب، كالذي يعتقد: أن منشأ الأشياء ~~الكونية من الأثير، وأنه هو السبب الفاعل لما نشاهده، ومنهم من وقف عند ~~أسباب بحسب ما انتهى إليه عقله. # فلا جرم، طوى الحق تعالى تلك الأسباب، وأظهر بتقديم الجار والمجرور من ~~البسملة، أن كل شيء ظهر في الوجود، إنما كان باسمه سبحانه وتعالى ... (¬1) ~~إن أمثال هذه المعاني نلحظها ولا نلقي لها بالا، وربما يغرب عن خاطرنا ~~المقصود منها، فلا بد لنا من تقريرها بما يقرب من معنى ما تقدم، لترسخ في ~~النفس فنقول: # إن كثيرا منا من يقول: عملت هذا العمل باسم فلان، يقصد بذلك التباعد عنه ~~والانسلاخ من عمله، ويقول: بنيت هذه الدار باسم الأمير فلان، أو باسم كذا ~~وكذا، فإذا كان العمل خالصا لله تعالى، وجب على العامل أن يقول عند ~~الابتداء به: بسم الله، فكأنه يقول: إنما عملي هذا هو بأمر الله، وهو خالص ~~له، وليس PageV01P032 ### || CHECK معنى لفظ الجلالة {الله} ### || CHECK معنى الاسم # لي منه شيء، طارحا الرياء والافتخار به، لأنني عبد مملوك له تعالى، فلا ~~أعمل شيئا لنفسي، وهل أنا ونفسي إلا ملك له تعالى، وليست القدرة التي أنشات ~~بها هذا العمل، إلا منه تعالى، ولولا أنه تفضل علي بها، لما كنت قادرا على ~~فعل شيء، ولا على صدوره، ولست أستمد القوة إلا منه، ولا أرجو الإحسان إلا ~~منه، فلفظ "الاسم" مراد هنا. # و"الاسم" من السمو، لأن التسمية تنويه بالمسمى، أي الارتفاع، ورفع الصوت ~~به، ومعناه: رفع المسمى عن حضيض الخفاء إلى منصة الظهور، ليتجلى لأعين ~~البصائر، وإعلاء قدره حيث جعل معتدا به، ونصب علامة بإزائه أي: بجانبه. # فالتسمية: وضع اللفظ بإزاء المعنى، ويليق بقول من قال: إن الاسم ms002 مأخوذ من ~~السمة، وهي العلامة، أي: ينطبق على هذا المعنى، ولسنا الآن بصدد بيان ~~الاشتقاق. # ولفظ الجلالة مختص بالمعبود بحق، لم يطلق على غيره، قالوا: هو مشتق من ~~"أله إلهة"، بمعنى: عبد عبادة، أو: من "أله" إذا تحير، لأن العقول تتحير في ~~معرفته، أو: من "ألهت إلى فلان" إذا سكنت إليه، لأن القلوب تطمئن بذكره، ~~والأرواح تسكن إلى معرفته، وقال بعضهم: هو علم لذاته المخصوصة، لأنه يوصف ~~ولا يوصف به، ولأنه لا بد له من اسم تجري عليه صفاته، ولا يصلح له مما يطلق ~~عليه سواه، وترجيح أحد القولين على الآخر محل مناقشات تكفل بها من كتب على ~~البيضاوي و"الكشاف" (¬1) فلا نطيل بها، لعلمنا أن كل أحد يعلم من لفظ ~~"الله" أنه علم على الذات، التي لا يسع العقل إنكار وجودها، المستحقة لجميع ~~المحامد، المتصفة بالأسماء الحسنى والصفات العليا. # و{الرحمن الرحيم} اسمان بنيا للمبالغة، فوزن الأول فعلان: كغضبان وعطشان، ~~وهذا الباب يأتي للصفات العارضة، ألا ترى أن الغضب والعطش صفات تعرض وتزول، ~~ووزن الثاني فعيل: كعليم وجميل وحليم، وهو يدل على المعاني الثابتة؛ ألا ~~ترى أن الحلم صفة ثابتة، وكذا العليم، وهما من جملة PageV01P033 ### || CHECK الكلام على الحمد والشكر والفرق بينهما # الأخلاق والسجايا: فلفظ {الرحمن}، لما كان يدل على من تصدر منه آثار ~~الرحمة بالفعل، التي هي إفاضة النعم والإحسان، اختلج في قلب السامع، أن هذا ~~الوزن للصفات العارضة التي ربما لا تدوم، أردفه بقوله: {الرحيم}، الدال على ~~الصفات الثابتة، إشارة إلى أنه تعالى مفيض لجميع النعم، سواء كانت عارضة، ~~أو ثابتة، فالوصف الثاني دال على منشأ هذه الرحمة والإحسان، وعلى أن هذه ~~الصفة ثابتة واجبة، فليس الثاني تأكيدا للأول، بل هو كذكر الدليل بعد ~~المدلول؛ والرحمة معناها في اللغة: العطف والحنو، وليس هذا المعنى مقصودا ~~هنا، وإنما المقصود غايته، فالرحمة مجاز عن إنعام الله على عباده، لأن ~~الملك إذا عطف على رعيته ورق لهم، أصابهم بمعروفه وإنعامه كما أنه إذا ~~أدركته الفظاظة والقسوة، عنف بهم ومنعهم خيره ومعروفه. # و{الحمد} ms003 هو القول الدال على كون المحمود مختصا بفضيلة معينة، وهي فضيلة ~~الإنعام والإحسان، ويقال في حده: هو النعت بالجميل على الجميل، اختياريا ~~كان، أو مبدأ له على وجه يشعر ذلك، بتوجيهه إلى المنعوت، فالحمد أخص من ~~المدح، وهو أعم منه، لأنه عبارة عن القول الدال على كون الممدوح مختصا بنوع ~~من أنواع الفضائل، ولأن المدح قد يكون قبل الإحسان، وقد يكون بعده، والحمد ~~لا يكون إلا بعد الإحسان، ويفرق بين الشكر والحمد، بأن الحمد يعم ما إذا ~~وصل الإنعام إليك أو إلى غيرك، وأما الشكر فهو مختص بالإنعام الواصل إليك، ~~ومن هنا تعلم وجه اختيار الحمد هنا، لأنه يدل على أن المحمود فاعل مختار، ~~وعلى أن القائل، مقر بأن إله العالم، ليس موجبا بالذات كما يقوله قدماء ~~الفلاسفة، بل هو فاعل مختار، وهذا المعنى لا يدل عليه لفظ المدح، لأنه يكون ~~للفاعل المختار ولغيره، وأما الشكر؛ فكما علمت من أنه مختص بالإنعام الواصل ~~إليك، والحمد ثناء عليه تعالى، بسبب كل إنعام صدر منه ووصل إلى غيره، ولا ~~شك أنه أفضل، لأن التقدير كان العبد يقول: يا الله أنت مستحق للحمد العظيم، ~~سواء أعطيتني أم لم تعطني، فإنعامك واصل إلى كل العالمين. # و"ال" في الحمد، يجوز أن يكون للاختصاص اللائق، لأن الحمد لا يليق إلا به ~~تعالى؛ لغاية جلاله؛ وكثرة فضله وإحسانه، وأن يكون للملك لأنه تعالى PageV01P034 ### || CHECK معنى قوله تعالى: {رب العالمين} # مالك للكل، فوجب أن يملك منهم كونهم مشتغلين بحمده، وأن تكون للقدرة، ~~والاستيلاء، على حد قولك: "البلد للسلطان"، والله سبحانه وتعالى له القدرة، ~~لأنه واجب لذاته، وما سواه ممكن لذاته، والواجب لذاته مستول على الممكن ~~لذاته، فالحمد بمعنى: أن الحمد لا يليق إلا به، وبمعنى: أنه هو المستولي ~~على الكل، والمستعلي على الكل. # ثم لما أثبت له الحمد، لاستحقاقه لجميع المحامد، لاتصاف ذاته بجميع ~~الكمالات، أشار إلى أنه يستحقه أيضا من جهة كونه ربا مالكا، فقال: {رب ~~العالمين}، مشيرا به إلى ابتداء الخلق تنبيها على الاستدلال، بالمصنوع على ms004 ~~الصانع، وبالبداءة على الإعادة، فالرب بمعنى: المالك، كما يقال: رب الدار ~~لمالكها، ويكون بمعنى التربية، ويصح إرادة المعنيين هنا؛ فيكون معناه: ~~المالك الذي يسوس من يملكه، ويربيه، ويدبره، والمربي، إما أن يربي شيئا ~~ليربح عليه بسبب تربيته، وإما أن يربيه ليربح المربي، وتربية جميع الخلق من ~~القسم الأول، فهم يربون غيرهم ليربحوا عليه، إما ثوابا أو ثناء، والله ~~تعالى يربي العالمين، ليربحوا عليه لا ليربح عليهم، فهو تعالى يربي، ويحسن، ~~يربي العالمين لا لغرض نفسه، بل لغرضهم، يربيهم ولا تنقص تربيتهم شيئا من ~~خزائنه، وإذا ألحوا عليه في الطلب أحبهم، يعطي قبل السؤال ولا ينقطع ~~إحسانه. # و{العالمين} جمع عالم، وهو كل موجود سوى الله، سواء كان متحيزا قابلا ~~للقسمة، كالجسم، سواء كان علويا، كالأفلاك والكواكب، وغيرها من العلويات، ~~كالعرش والكرسي. أو سفليا كالهواء والأرض والماء والنبات والمعادن ~~والحيوانات، على كثرة أقسامها، وتباين أنواعها. أو غير قابل للقسمة، كالجزء ~~الذي لا يتجز، وهو الجوهر الفرد. # وسواء كان ممكنا صفة للمتحيزات، كالأعراض من الألوان والطعوم والروائح، ~~أو ممكنا ليس متحيزا ولا صفة لمتحيز، كالأرواح، وهي إما سفلية خيرة كصالحي ~~الجن، أو شريرة كالمردة والشياطين، وإما علوية، كالملائكة، ولا يحقق بعض ~~هذا المقام إلا من برع في فن طبقات الأرض، وفي فنون أحوال الجو والفلك ~~والنبات، فإن هذه الفنون يضطر المفسر إليها، وكل من كان أكثر إحاطة بها كان ~~أكثر إحاطة ووقوفا PageV01P035 ### || CHECK مناسبة قوله: {مالك يوم الدين} لقوله: {الرحمن الرحيم} ### || CHECK كيف يتأتى الوصف بصفة الرحمة مع عقاب الله # على تفسير رب العالمين، وإذا تأملت في أحوال عجائب النبات والمعادن ~~والحيوان، وآثار حكمة الرحمن في خلق الإنسان، قضى صريح عقلك بأن أسباب ~~تربية الله كثيرة، ودلائل رحمته لائحة ظاهرة، وعند ذلك يظهر لك قطرة من ~~معنى الحمد لله رب العالمين، وأن المراد بالعالمين ما سوى الله، ولكنه جمع ~~جمع مذكر سالما على سبيل التغليب، لأن العرب لا يطلقون هذا اللفظ، إلا على ~~الجمل التي تتمايز أفرادها، ويكون لها صفات تقربها من العاقل ms005 الذي جعلت له ~~هذا الجمع، وقد نبه تعالى الحامد بقوله: {رب العالمين}، على أنه يملك عبادا غيره. # ولما كانت مرتبة الربوبية، لا تستجمع الصلاح إلا بالرحمة، أتبع ذلك ~~بصفتي: الرحمن الرحيم، ترغيبا في لزوم حمده، وذلك لأنه ربما يختلج في خاطر ~~البعض أن لفظ "الرب"، يفهم منه الجبروت والقهر، فأراد تعالى أن يذكرهم ~~برحمته وإحسانه، فذكر هذين الاسمين الشريفين، ليبين له أن ربوبيته تعالى ~~لهم، ربوبية رحمة وإحسان، وليعرفهم أن هذه الصفة، هي التي ربما يرجع إليها ~~معنى الصفات، وما ذلك إلا لتتعلق القلوب به، وتقبل على ما فيه اكتساب ~~مرضاته بانشراح واطمئنان. # فإن قال قائل: كيف يتأتى الوصف بصفة {الرحمن الرحيم} مع ما شرعه الله من ~~العقوبات في الدنيا، ومع ما أعده لخلقه من العذاب في الآخرة لمن يتعدى ~~حدوده، وينتهك محارمه، أجيب بأن هذا وإن سمي قهرا ظاهرا، فإنه في الحقيقة ~~تربية للناس، وزجر لهم عن الوقوع فيما يخرج عن حدود الشريعة الإلهية، وفي ~~الانحراف عنها شقاؤهم وبلاؤهم، وفي الوقوف عندها سعادتهم ونعيمهم، فهو في ~~حقيقته وغايته، رحمة لمن تأمله ببصيرته، فهو تعالى مرب رؤوف، يربي عبده ~~بالترغيب فيما ينفعه، والإحسان إليه إذا قام به، وربما لجأ إلى الترهيب ~~والعقوبة، إذا اقتضت ذلك الحال، وهذا من تمام معنى {الرحمن الرحيم}. # ولما كان الرب المنعوت بالرحمة قد لا يكون مالكا، وكانت الربوبية لا تتم ~~إلا بالملك المفيد للعزة، المقرون بالهيبة، المشعر بالبطش والقهر المنتج ~~لنفوذ الأمر أتبع ذلك بقوله: {مالك يوم الدين} ترهيبا من سطوة مجده، و ~~"اليوم" ما يتم فيه مقدار أمر ظاهر، ومنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام، ~~فإن المراد PageV01P036 ### || CHECK بيان معنى "الدين" في قوله: {مالك يوم الدين} # بالأيام ليس ما يفهم من أن اليوم من طلوع الشمس إلى غروبها، كما نصت عليه ~~التوراة التي بأيدي اليهود اليوم، لأنه قبل خلق السماوات لم تكن شمس ولا ~~نهار ولا ليل، ولكن المراد بها الأطوار التي تقلبت على السماوات والأرض، ~~واليوم الذي يتم به أمر ظاهر، من ms006 أنها كانت موجا مكفوفا، ثم صار الكل رتقا، ~~ثم فتق كل منها عن الأخرى، فانفصلت الأرض، ثم بردت بعد أن كانت ملتهبة، ثم ~~تكونت فيها الجبال والوهاد والسهول والأبحر، ثم صارت صالحة لسكنى الحيوان، ~~فانتهاء كل طور من هذه الأطوار يسمى: يوما، و {يوم الدين} هو: مقدار ما يتم ~~به جزاء العباد وحسابهم، و {الدين} يطلق على الجزاء والمكافأة، وعلى الطاعة ~~وعلى الإخضاع وعلى السياسة، ومعناها هنا: مالك يوم البعث والجزاء، يوم يخضع ~~الخلق خضوعا كاملا لعزته وعظمته، يوم يفرق بين المحسن والمسيء، والمطيع ~~والعاصي، والموافق والمخالف، وذلك لا يظهر إلا يوم الجزاء. # واعلم أن من سلط الظالم على المظلوم، ثم لا ينتقم منه، فإن ذلك لا يكون ~~إلا لعجز أو لجهل، أو لرضاء منه بذلك الظلم، وهذه الصفات الثلاث محال على ~~الله تعالى، فوجب أن ينتقم للمظلومين من الظالمين، ولما لم يحصل هذا ~~الانتقام في دار الدنيا، علم أنه لا بد من حصوله في الآخرة، وهذا هو المراد ~~بقوله: {مالك يوم الدين} وخص بالذكر لامتيازه عن غيره من سائر الأيام، لأن ~~الجزاء على الأعمال، وإن كان يقع في الدنيا، لكنه ربما لم يظهر لأربابه إلا ~~للبعض دون الآخر، وأما يوم الجزاء فإنه يظهر ظهورا تاما لعموم الخلق، فمن ~~ثم سمي ذلك اليوم يوم الجزاء دون غيره، والأولى أن يجعل الجزاء عاما لما في ~~الدنيا والآخرة، بمعنى أنه تعالى مالك ليوم الجزاء المطلق، فلا جزاء في ~~الدنيا ولا في الآخرة، إلا وهو مالك له، إن شاء صرفه عن المجازى، وإن شاء ~~أوصله إليه. # وهذه الأوصاف التي أجريت على الله (¬1) تعالى من كونه ربا مالكا ~~للعالمين، لا يخرج منهم شيء من ملكوته وربوبيته، ومن كونه منعما بالنعم ~~كلها، الظاهرة PageV01P037 ### || CHECK معنى قوله: {إياك نعبد وإياك نستعين} ### || CHECK نكتة الإلتفات في قوله تعالى: {إياك نعبد .. } # والباطنة، والجلائل والدقائق، ومن كونه مالكا للأمر كله في العاقبة يوم ~~الثواب والعقاب، بعد الدلالة على اختصاص الحمد به، وأنه به حقيق في قوله: ~~{الحمد لله}، دليل ms007 على أن من كانت هذه صفاته، لم يكن أحد أحق منه بالحمد ~~والثناء عليه بما هو أهله. # ولما استجمع الأمر استحقاقا بالحمد، وتحبيبا بصفة الرحمة، والترغيب بها، ~~وترهيبا بمالكيته يوم الدين، قال عادلا عن أسلوب الغيبة إلى الخطاب، مقدما ~~للوسيلة على طلب الحاجة، لأنه أجدر بالإجابة: {إياك نعبد واياك نستعين} ~~وذلك أنه لما ذكر الحقيق بالحمد، وأجرى عليه تلك الصفات العظام، تعلق العلم ~~بمعلوم عظيم الشأن، حقيق بالثناء، وغاية الخضوع والاستعانة في المهمات، ~~فخوطب ذلك المعلوم المتميز بتلك الصفات، فقيل: إياك يا من هذه صفاته، نخص ~~بالعبادة والاستعانة، لا نعبد غيرك، ولا نستعينه، ليكون الخطاب أدل على أن ~~العبادة له، لذلك التميز الذي لا تحق العبادة إلا به، فهذه نكتة أرباب ~~المعاني، وأشار إليها في "الكشاف". # وللعدول عن الغيبة إلى الخطاب، نكتة تدق عن فهم أرباب المعاني، وهي: أنه ~~أتى بالكاف إشارة إلى مقام الإحسان الذي أشار إليه النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - بقوله، لما سئل عن الإحسان: "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم [تكن] ~~تراه فإنه يراك" رواه البخاري عن أبي هريرة، ومسلم عن عمر بن الخطاب، ~~ومعناه: أن يعبد المؤمن ربه في الدنيا على وجه الحضور والمراقبة، كأنه يراه ~~بقلبه، وينظر إليه في حال عبادته، فإذا تحقق هذا المقام صح له أن يخاطبه ~~بخطاب الحضور، فيقول: {إياك نعبد واياك نستعين}، ويكون جزاؤه وراء ذلك، ~~النظر إلى وجه الله تعالى عيانا في الآخرة. # وأما الذين اتخذوا دونه حجب الوسائط، ورأوا سواه حين العبادة، وتمسكوا ~~بأناس بجعلونهم أربابا من دون الله، فيقولون: إن فلانا يتصرف في ربع ~~المعمور، وفلانا يتصرف في بلدة، وفلانا أعطي قوة التصرف حيا وميتا، إلى غير ~~ذلك من أحوالهم، فإن الران (¬1) يتراكم على قلوبهم حتى يحجبهم عن PageV01P038 # معرفة الله، ومراقبته في الدنيا، وأنى تصح المعرفة والمراقبة لمن يعتقد ~~التصرف في الكون لغير الله تعالى؟ أم كيف يحصل التجلي، لمن يعتقد أن ثمة ~~ضارا ونافعا، ورازقا ومتصفا بصفات الكمال غير الله تعالى؟ أم كيف يتجاسر ~~بالكذب ms008 على الله تعالى فيقول: {إياك نعبد وإياك نستعين} من جعل من دونه ~~أولياء اغتصب صفات الله فجعلها لهم، إن هؤلاء قد خاطبهم تعالى بقوله: {كلا ~~بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون (14)} [المطففين: 14]. # إن العبد إذا عبد الله كأنه يراه ولا يرى سواه، بأن استحضر قربه، وأنه ~~بين يديه، أوجب ذلك له الخشية والخوف، والهيبة والتعظيم، والنصح في ~~العبادة، وبذل الجهد في تحسينها، وإتمامها، وإكمالها، فإذا لم يتيسر للمؤمن ~~هذا المقام، فليجعل نفسه في المقام الذي هو أدنى منه، وهو ما أشار إليه - ~~صلى الله عليه وسلم - بقوله: "فإن لم تكن تراه فإنه يراك"، وذلك أن الأمور ~~في عالم الحس ثلاثة: معاصي، وطاعات، ومباحات المعايش، والسالك إذا علم أن ~~الله يراه في جميع حالاته، فإذا هم بمعصية وتذكر رؤية الله له كف ورجع عنها ~~بحصول البرهان الإحساني عنده، وذلك هو البرهان الذي رآه يوسف عليه السلام، ~~وإذا كان في طاعة، وقام عنده البرهان بأن الله يراه، انجذب سره إلى الخضوع ~~والخشوع، وإخلاص العمل. اللهم إلا أن يكون زنديقا جاحدا للربوبية جحدا ~~حقيقيا كالزنادقة والدهريين. أو يكون من أرباب الوسائط الذين لا يعرفون ~~الله، إلا معرفة تقليدية مشوبة بإقامة ما لا يحصى من الأرباب. # وإذا كان في مباحات المعايش استحيا أن يعطيها جهده، ثم هو ينسى ما أوجبه ~~عليه خالقه تبارك وتعالى، ألا ترى أن العبد إذا فكر في مواطن الآخرة، من ~~موت، وقبر، وحشر وغير ذلك، وعلم أنه معروض على الله تعالى في ذلك ومواطنه، ~~تهيأ لذلك العرض بزينة أهل الآخرة ما استطاع، وإذا علم أن سره موضع نظر ~~الله وجب عليه تصفيته لمولاه، وإصلاحه وتصفيته مما يكره الله أن يراه، ~~وينظر إليه في قلوب أوليائه، فيزيل الصفات المهلكات ويطهره منها, ويتصف ~~بالمحمودات حتى يجعل سره كالمرآة المجلوة. PageV01P039 ### || CHECK في الكلام على العبودية والاستعانة # وأين هذه الدقائق ممن تركوا هذه الأذواق واستعانوا بغير الله، وشبهوه ~~بخلقه فقالوا: إنا نرى السلاطين والأمراء لا نصل إلى خيرهم وبرهم إلا ~~بواسطة الشفعاء، فكذلك ms009 الله لا يوصل إلى خلقه إلا بواسطة من ندعوهم. وهذا ~~القياس فاسد، لأن من ذكروا من السلاطين والأمراء لا يسمعون نداء الداعين، ~~ولا يعرفون المحق من المبطل، ولا المحتاج من غيره، إلا بواسطة مبلغ لهم، ~~والله بخلاف ذلك فإنه يسمع السر وأخفى، و {يعلم خائنة الأعين وما تخفي ~~الصدور (19)} [غافر: 19] {وهو معكم أين ما كنتم} [الحديد: 4]، فأتوا بسلطان ~~هذه صفته، ولم تجعلوا له واسطة؛ وأتوا بميت يسمع نداءكم أينما كنتم، ثم هو ~~يقدر على إنقاذكم مما ألم بكم من حزن وسقم، فيا لندمكم يوم تبلى السرائر، ~~ويا لخجلتكم يوم العرض على رب العالمين، مالك يوم الدين، ويا لكذبكم حينما ~~تقفون بين يديه، ثم تقولون: {وإياك نستعين}. # ما أبعدكم عن مقام المشاهدة حيث يعمل العبد على مقتضى مشاهدته لله تعالى ~~بقلبه، وهو أن يتنور القلب بالإيمان وتنفذ البصيرة بالعرفان، حتى يصير ~~الغيب كالعيان، ويصح قول الصادق {إياك نعبد} بكاف الخطاب، ولم يحم حول قلبه ~~حلول ولا اتحاد، فالعبادة نوع من الخضوع بلغ نهايته، فوصل العابد به إلى ~~مقام الإحسان، فاستشعر قلبه عظمة للمعبود لا يعرف منشأها، واعتقد أن فوق ~~قدرته سلطة لا يدرك ماهيتها وكنيتها، ولا يعرف منها إلا أنها محيطة به وهي ~~فوق إدراكه. # والعبادة شرعت في كل الشرائع السماوية لتذكر بهذا الشعور، الذي هو منشأ ~~التعظيم والخضوع المؤثر في تقويم أخلاق القائم بها، وتهذيب نفسه، فكل عبادة ~~خالية من هذا المعنى ليست بعبادة. # ولما كان هذا المعنى لا يتهيأ للعبد إلا بمعونته تعالى، ناسب أن يطلب ذلك ~~من حضرة مولاه فيقول: {وإياك نستعين}، مقرا بالعجز واستشعار الافتقار ~~والاعتصام بحوله وقوته، وتقديم المفعول للتعظيم والاهتمام به، والدلالة على ~~الحصر، وأطلقت الاستعانة فلم تتقيد بالمفعول الثاني، كأن يقال: وإياك ~~نستعين على كذا، لتتناول كل مستعان فيه، لأن العبد عاجز عن الاستقلال بجلب PageV01P040 # مصالحه، ودفع مضاره، ولا معين له على مصالح دينه ودنياه إلا الله، فمن ~~أعانه الله فهو المعان، ومن خذله فهو المخذول، ومن ترك الاستعانة بالله ~~واستعان بغيره، وكله الله ms010 إلى من استعان به، فصار مخذولا. # والاستعانة طلب المعونة التي هي سد العجز، والمساعدة على إتمام العمل ~~الذي يعجز عنه المستعين بنفسه، ولذلك كان أهل الإيمان الكامل لا يطلبون ذلك ~~إلا من القادر عليه كما أرشدهم الله إلى ذلك في كتابه المنزل على نبيه، ~~ولكن أهل المقت أبوا أن يسمعوا لله تعالى، ومالوا إلى قوم من الموتى حسا ~~ومعنى، كالذين في قبورهم، أو معنى فقط كالأحياء الذين لا يقدرون على دفع ~~الضر عن أنفسهم، فجعلوهم حجبا ووسائط بينهم وبين الله تعالى، فاستعانوا ~~بهم، وطلبوا منهم المساعدة على إتمام أعمال هم عاجزون عن إتمامها، فوكلهم ~~الله إلى من يدعونه، وأبعدهم عن جناب القرب إليه. # نعم إنه قال: {وتعاونوا على البر والتقوى} [المائدة: 2]، ولكنه ليس من ~~جنس ما يفعله هؤلاء، لأن معنى هذه الآية أن نقوم بالأعمال جهدنا، ونبذل في ~~إتقانها جهد المستطاع، جملة وفرادى، ويساعد بعضنا بعضا، ثم نفوض الأمر فيما ~~وراء كسبنا إلى حضرة القادر على كل شيء، ونلجأ إليه وحده ونطلب منه المعونة ~~المتممة للعمل، والموصلة لثمرته. إذ لا يقدر علي الأسباب الممنوحة لكل ~~البشر على السواء إلا هو تعالى، وأما الميت فأي معونة له للحي، وأي تصرف له ~~مع الله تعالى، وأي معونة موصلة لثمرة الأعمال من حي سوى الله تعالى، ~~فالعارف يحقق هذا المقام، ويعلم أن هذه الجملة ترشدنا إلى أن نعمل الأعمال ~~النافعة، ونجتهد في إتقانها قدر وسعنا، لأن طلب المعونة لا يكون إلا على ~~عمل قد بذل فيه المرء غاية جهده، فلم يوفه حقه، أو يخاف من أن لا يحصل له ~~النجاح به، فيطلب المعونة على إتمامه وإكماله، وهذا عدا عما أفاده الحصر من ~~تخصيص الاستعانة به تعالى كما تقدم. # وأيضا فيه تحرير العبد من رق الشيوخ الدجالين، والرؤساء الروحيين، الذين ~~يزخرفون الأقوال، ويتقلبون في أنواع الخداع ليجعلوا البسطاء أرقاء لهم، ~~فكأنه PageV01P041 ### || CHECK معنى طلب الهداية في قوله: {اهدنا الصراط} # تعالى يقول: إن المؤمن من لم تتوجه رغباته إلا إلى خالقه، فهو مع جناب ~~الحق ms011 عبد خاضع، ومع الناس حر خالص. # ولما ابتدأ سبحانه وتعالى في هذه السورة بأسماء الذات، ثم دل عليها ~~بأسماء الأفعال، ثم رقي إلى الصفات، ثم رجع إلى الذات إيماء إلى أنه الأول ~~والآخر، ثم ندب إلى اعتقاد العجز والاستشعار بالافتقار، والاعتصام بحوله ~~وقوته اقتضى ذلك توجيه الرغبات إليه بالسؤال، فقال: {اهدنا الصراط ~~المستقيم} قال علامة خوارزم في "الكشاف": معنى طلب الهداية وهم مهتدون، طلب ~~زيادة الهدى بمنح الألطاف، كقوله: {والذين اهتدوا زادهم هدى} [محمد: 17] ~~{والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} [العنكبوت: 69] وعن علي وأبي رضي الله ~~عنهما: (ثبتنا) (¬1)، وصيغة الأمر والدعاء واحدة، لأن كل واحد منهما طلب، ~~وإنما يتفاوتان في الرتبة، انتهى. # وكلامه كلام مدقق، أخذ بمعصم البلاغة، فانقادت إليه لكنها لم تكشف له ~~الحجاب عن جميل محياها، وإن شئت التمتع بنظرة من ذلك الجمال الباهر، فقل: ~~إن آخر كل سورة له مناسبة وتعلق بأول السورة التي بعدها، وآخر سورة الناس ~~التي هي آخر القرآن في الترتيب، له مناسبة بسورة الفاتحة التي هي أوله. # ولما طلب الله تعالى من عبده في سورة الناس الاستعاذة من شر الوسواس الذي ~~يوسوس في صدور الناس، ثم عمم ذلك الموسوس، فقال: {من الجنة والناس} وقف ~~العبد وقفة المنتبه، وعلم أن له أعداء من الجن والناس، لا يريدون منه أن ~~يكون منفصلا عنهم تاركا لسبيلهم، فإذا رأوه على الصراط المستقيم، احتالوا ~~كل لحظة في رجوعه عنه، وجدوا في جذبه إلى طريق المغضوب عليهم والضالين، فهو ~~ملعبة للأهواء، وللنفس الأمارة بالسوء، وأراد الخلاص من هذا الأمر الملم ~~به، فلم يجد مرشدا حقيقيا إلا من أمره PageV01P042 ### || CHECK المقصود ب {الصراط المستقيم} # بالاستعاذة به، والالتجاء إليه، فسأله عن كيفية التخلص قائلا: يا من أفاض ~~الإحسان على سائر الموجودات، إليك ألتجئ في عبادتي للتخلص ممن يريد صرفي ~~عنها، وبك أستعين عليه. فأجاب تعالى طلبه، وقال له: قل في أكثر أحيانك: ~~{اهدنا الصراط المستقيم}. # فكأنه يقول: إني كلما سلكت طريقا من شأنه أن يوصلنا إلى رضاك، فوسوس لي ~~الوسواس الخناس في ms012 العدول عنه، وزين لي غيره، فإنى ألتجئ إليك لتهديني إلى ~~صراطك المستقيم، وحينئذ لا حاجة إلى أن يقال: إن من خص الحمد بالله تعالى، ~~وأجرى عليه الصفات المشتملة على أحوال المبدأ والمعاد وما بينهما، وحصر ~~العبادة والاستعانة فيه كان مهتديا، فكيف يطلب الهداية، والهدى مرجع الضال ~~إلى ما ضل عنه. # و{الصراط}: الطريق الخطر السلوك لتشعبه، وكثرة الصادين عنه، ولذا وصفه ب ~~{المستقيم}، أي المستوي، وهو طريق الحق، قال تعالى: {وإنك لتهدي إلى صراط ~~مستقيم (52) صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض} [الشورى]، ~~وهذا تفسير للمستقيم، وقال لنبيه المصطفى - صلى الله عليه وسلم -: {وأن هذا ~~صراطي مستقيما فاتبعوه} [الأنعام: 153]. # ولما كان السائر على صراط الله سبحانه وتعالى لابد وأن يتحمل المشاق ~~العظيمة، وتتسلط عليه أعداء الحق بنسبة النقائص إليه زورا وبهتانا، كما جرى ~~ذلك للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، كما يعلمه من اطلع على تاريخ حياتهم، ~~وعلى سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكما جرى للصحابة والعلماء الذين ~~صدعوا بالحق، وكان من جملة الهداية إلى الطريق المستقيم إرشاد الخلق إلى ~~الحق، وكان فيه من المشاق ما يعلمه من اطلع على سيرتهم لا جرم وصف الله ~~تعالى الصراط المستقيم بقوله: {صراط الذين أنعمت عليهم} ليتأسى طالب ~~الهداية بهم، إذا حصل له من أعدائه الضرر والرمي بالزور والبهتان، فيقول ~~إذا أصيب بشيء: لي أسوة بالذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين ~~والشهداء والصالحين، فيذهب عنه ما يجده من الوحشة والقلق، ويصبح نشيطا ~~منشرح الصدر، غير متوان عن قصده. PageV01P043 ### || CHECK فائدة في أقسام الهداية # ثم إن بعض الحكماء جعل الهداية أربعة أقسام: # أولها: هداية الوجدان والإلهام الفطري، وهذه تكون للأطفال فإنهم عندما ~~يولدون، يهديهم الله إلى الشعور بألم الحاجة إلى الغذاء، فيصرخ طالبا الثدي ~~بفطرته، فإذا وصل إليه امتصه والتقمه. # والثانية: هداية الحواس والمشاعر، هما من متممات الهداية الأولى في ~~الحياة الحيوانية، وهذه يشترك فيها الإنسان والحيوان الأعجم، إلا أنها تكون ~~للحيوانات العجم كاملة بالنسبة لاستعداده بزمن قليل، وتكون للإنسان ~~بالتدريج في ms013 زمن غير قصير، وما ذلك إلا لأنه مستعد للوصول إلى الكمالات فلا ~~يقف عند حد، فلذلك تزداد فيه كلما ازداد عقلا وإدراكا، إلا أن عقله أكثر ~~نموا منها، ولذلك كثيرا ما يغلط الحس. # والثالثة: هداية العقل، وهي للإنسان، لأنه ما خلق ليعيش منفردا، بل خلق ~~ليعيش مجتمعا، ولم يعط من الإلهام والوجدان ما يكفي مع الحس الظاهر لهذه ~~الحياة الاجتماعية، كما أعطي النحل والنمل، فكان كل واحد مؤديا وظيفة العمل ~~للجميع، ووظيفة العمل للواحد، كما هو مشاهد، فمن ثم أعطى الله الإنسان ~~هداية هي أعلى من هداية الحس والإلهام، ألا وهي العقل المصحح لغلط الحواس ~~والمشاعر، فإذا أدركت الحواس شيئا وأخطات في إدراكها له، قام العقل حاكما ~~بفساد ذلك الإدراك. # والرابعة: هداية الدين، وهي المهيمنة على الكل، لأن العقل قد يغلط أيضا، ~~وربما يهوي في دركات الزلل، لتسلط القوة الشهوانية عليه، وحكم العادة عليه ~~أيضا، فإذا وقعت المشاعر في مزالق الزلل، وصار العقل رفيقا للحظوظ استنبط ~~لها أنواع الحيل، واسترسل في ذلك استرسالا يمنع الإنسان من أن يعيش سعيدا، ~~لأن هذه الحظوظ والأهواء ليس لها حد تقف عنده، ولا يمكن صاحبها أن يعيش ~~منفردا، فتستطيل يده بالتعدي على مال غيره وعلى نفسه، فتحصل المدافعة ~~والمجادلة، والمواثبة، والحروب، والسلب والنهب، حتى يكاد الجنس PageV01P044 # البشري يفني بعضه بعضا، ولا تغني عنهم هدايات الوجدان والحواس شيئا، ~~فاحتاجوا إلى هداية ترشدهم في ظلمات أهوائهم إذا غلبت على عقولهم، وتبين ~~لهم حدود أعمالهم ليقفوا عندها، ويكفوا أيديهم عما وراءها. ثم إن مما أودع ~~في غرائز الإنسان، الشعور بسلطة غيبية متسلطة على الأكوان، ينسب إليها كل ~~ما لا يعرف له سببا، لأنها هي الواهبة كل موجود ما به قوام وجوده، وبأن له ~~حياة وراء هذه الحياة المحدودة، فهل يستطيع أن يصل بتلك الهدايات الثلاث ~~إلى تحديد ما يجب عليه لصاحب تلك السلطة الذي خلقه وسواه، ووهبه هذه ~~الهدايات وغيرها، وما فيه سعادته من تلك الحياة الثانية؟ كلا إنه في أشد ~~الحاجة إلى هذه الهداية الرابعة التي ms014 هي الدين؛ وقد منحه الله تعالى إياها. # وبقي بعد هذا هداية خامسة، وهي الإعانة والتوفيق، والسير في طريق مع ~~الهداية الرابعة التي هي الدلالة، وهي بمنزلة إيقاف الإنسان على رأس ~~الطريقين: المهلك والمنجي، مع بيان ما يؤدي كل منهما إليه. # ولما كان العبد محتاجا إلى تلك المعونة في كل وقت، احتاج أن يطلبها دائما ~~من حضرة مفيضها، قائلا: {اهدنا الصراط المستقيم (6) صراط الذين أنعمت عليهم ~~غير المغضوب عليهم ولا الضالين (7)} وتقدم أن المقصود من الصراط الأول، ~~صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والشهداء، والصديقين، وهذا الصراط ~~وإن كان معناه مجملا في الفاتحة، فهو مفسر في القرآن لمن تدبر معناه، بأن ~~نتتبع تاريخ الأمم السابقة وننظر في أحوالها، فنعلم أسباب سعادتها فنتمسك ~~بها، ونعلم أسباب شقاوتها، ودمارها، وفنائها، فنتباعد عنها لئلا يصيبنا ما ~~أصابهم، وإلى هذا المعنى الإشارة بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما مر ~~على ديار قوم ثمود أسرع وقال: "لا تمروا على هؤلاء القوم إلا وأنتم باكون" ~~فليس الأمر بالبكاء للحزن عليهم، ولكن مخافة أن نسلك مسالكهم فيصيبنا ما ~~أصابهم. # وحذف المنعم به لحكمة بينها بقوله: {وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها} ~~[إبراهيم: 34, والنحل: 18]. # وإذا نظرنا إلى تفصيل هذا المجمل في أوائل سورة "البقرة"، تبين لنا أن ~~الذين أنعم الله عليهم، هم: المتقون الموصوفون بالصفات المعلومة، وأن ~~{المغضوب PageV01P045 ### || CHECK معنى قول العبد: "آمين" ### || CHECK حقيقة الذين أنعم الله عليهم، وحقيقة الضالين # عليهم} هم المشار إليهم بقوله: {إن الذين كفروا} (¬1) الآيتين، وأن ~~{الضالين} هم المشار إليهم بقوله تعالى: {ومن الناس من يقول آمنا بالله ~~وباليوم الآخر} (¬2) الآيات؛ وذلك لأنهم ضلوا الطريق، فلا يعرفون كيف ~~يسيرون، والمغضوب عليهم ساروا على الطريق المعوج، وهم {صم بكم عمي} ~~[البقرة: 18 و 171]، لم تنفعهم هداية الحواس شيئا، ولم يريدوا هداية الدين، ~~فخرجوا عن الحق مع العلم به، ورفضوا اتباعه ولم يتقبلوه انصرافا عن الدليل، ~~وساروا بسير الأسلاف وإن كانوا على غير هدى، فعمهم الله بآثار غضبه التي هي ~~العقوبة والانتقام. # وأما الضالون ms015 فكانوا مع هؤلاء، ومع هؤلاء، أي: {مذبذبين بين ذلك لا إلى ~~هؤلاء ولا إلى هؤلاء} [النساء: 143]. # وفي الآية إشارة إلى أن طريق المنعم عليهم واحد، منذ أرسل الله الرسل، ~~إلى يوم القيامة كما قال تعالى: {فبهداهم اقتده} [الأنعام: 90]: وأن طريق ~~غيرهم متشعب متعدد كما قال تعالى: {ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} ~~[الأنعام: 153] وقيل: {المغضوب عليهم}، هم: الذين ظهرت منهم المراغمة، ~~وتعمد المخالفة الموجب للغضب من الأعلى، والبغض من الأدنى، و {الضالين}: ~~الذين وجهوا وجهة هدى، فراغوا عنها من غير تعمد لذلك. # وقول: "آمين" مأخوذة من الأمين، مدلولها أن المدعو مأمون منه أن يرد من ~~دعاه، لأنه لا يعجزه شيء ولا يمنعه، وهي لا تصلح إلا لله، لأن ما دونه لا ~~ينفك عن عجز أو منع. PageV01P046 ### || CHECK مكان وسبب نزول السورة # تفسير ### | AUTO سورة البقرة # روى المفسرون عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن هذه السورة نزلت بالمدينة، ~~وهي أول ما نزل بها، ولا ينافي هذا ما قيل من أن قوله تعالى: {واتقوا يوما ~~ترجعون فيه إلى الله} (¬1) الآية نزلت بمكة، لأننا نقول على تسليم هذا ~~القيل: نعم، إنها نزلت بمكة، ولكن في حجة الوداع، وكان النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - مقيما بالمدينة، غاية الأمر أنها نزلت في إحدى أسفاره؛ ومئل ~~ذلك لا تحصل به المنافاة، وحصولها إنما يكون لو قيل: إنها نزلت بمكة قبل ~~الهجرة، ومما يؤكد أنها مدنية اشتمالها على أوصاف المنافقين، وهم لم يظهروا ~~إلا في المدينة، وبيان هؤلاء يظهر مما يأتي: # وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، لما أتى المدينة صار الكفار معه ~~ثلاثة أقسام: # قسم صالحهم ووادعهم على أن لا يحاربوه، ولا يظاهروا عليه، ولا يوالوا ~~عليه عدوه، وهم على كفرهم آمنون على دمائهم، وأموالهم. # وقسم حاربوه، ونصبوا له العداوة. # وقسم تاركوه، فلم يصالحوه، ولم يحاربوه، بل انتظروا ما يؤول إليه أمره ~~وأمر أعدائه، ئم من هؤلاء من كان يحب ظهوره وانتصاره في الباطن، ومنهم من ~~كان يحب ظهور عدوه عليه، وانتصاره، ومنهم ms016 من دخل معه في الظاهر وهو مع عدوه ~~في الباطن، ليأمن الفريقين، وهؤلاء هم المنافقون الذين ذكر الله أوصافهم في ~~أوائل هذه السورة، وهذا من جملة الأدلة على أن هذه السورة مدنية. # {الم (1) ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين (2)}. PageV01P047 ### || CHECK أقوال المفسرين في قوله تعالى: {الم} # ذهب المتكلمون في التفسير في كلامهم على {آلم} وأمثالها من فواتح السور ~~مذهبين: # أولهما وأولاهما: أن هذا علم مستور، وسر محجوب، استأثر الله تعالى بعلمه، ~~فلا حظ للبشر من الوصول إلى حقيقته، إلا أن يقولوا: الله أعلم بمراده بذلك، ~~وإلى هذا أشار أبو بكر الصديق رضي الله عنه بقوله: # "لله في كل كتاب سر، وسره في القرآن أوائل السور"، ونقل قريب من هذا عن ~~علي كرم الله وجهه. # وأنت إذا رأيت ما بقي من التوراة والإنجيل، مما يغلب على الظن أنه غير ~~مبدل وجدت فيهما رموزا، منها ما أشير به إلى ما سيأتي بعد نزولهما، ~~كالإعلام بنبوة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومنها ما استغلق معناه على ~~أفهام أهله، فلا التفات لاعتراض بعض ما يدعي أتباعهما على القرآن، لأنهم إن ~~قالوا ذلك قابلناهم بالمثل، أو نجيبهم بما قاله أهل المذهب الثاني، وهذا ~~القول مروي عن أكابر الصحابة والتابعين. # وقد قال ابن عباس رضي الله عنه: "إن الحروف المذكورة في فواتح السور، ~~عجزت العلماء عن إدراكها"، ويمكن أن يكون المروي عنه خلاف هذا - من قوله: ~~"الألف آلآء الله، واللام لطفه، والميم ملكه" - شيء ابتدعه بعض القصاصين ~~الكذابين ونسبه إليه، لأن ابن عباس لم يفسر القرآن في صحيفة، وإنما نقله ~~عنه جماعة ممن كانوا ملازمين له، منهم الثقات كمجاهد وأضرابه؛ ومنهم غير ~~الثقات كما أوضحناه في المقدمة (¬1). # فإن قال قائل: إن هذا المذهب يبطله العقل والنقل، لأنه لا يجوز أن يرد في ~~كتاب الله ما لا يكون مفهوما للخلق، فمن النقل قوله تعالي: {أفلا يتدبرون ~~القرآن أم على قلوب أقفالها (24)} [محمد: 24] وقوله: {نزل به الروح الأمين ~~(193) على قلبك لتكون من المنذرين (194) بلسان عربي مبين (195)} [الشعراء: ms017 ~~193 - 195]، والمحتج بذلك هم المتكلمون، قالوا: أمرهم في PageV01P048 # الآية الأولى أن يتدبروا القرآن، ولو كان غير مفهوم لما أمرهم بتدبره، ~~لأنه حينئذ تكليف بما لا يطاق؛ والآية الثانية تنفي كون القرآن غير مفهوم، ~~لأنه لو كان كذلك لبطل كون الرسول منذرا به، وإذا كان بلسان عربي مبين وجب ~~أن يكون مفهوما؛ ومما استدل به المتكلمون من الأدلة العقلية قولهم: لو ورد ~~شيء في القرآن لا سبيل إلى العلم به، لكانت المخاطبة به تجري مجرى مخاطبة ~~العربي باللغة الزنجية؛ ولما لم يجز ذلك فكذا هذا، وأيضا إنما المقصود من ~~الكلام إفهام المخاطب، فلو لم يكن الكلام مفهوما لكانت المخاطبة عبثا ~~وسفها، وذلك لا يليق بالحكيم، وأيضا فإن التحدي وقع بالقرآن وما لا يكون ~~معلوما لا يجوز وقوع التحدي به. # قلنا في الجواب: لا ينكر أحد أن الأفعال التي كلفنا الله بها قسمان: # أحدهما: ما عرفنا وجه الحكمة فيها على الجملة، كالصلاة التي هي تواضع ~~محض، وتضرع للخالق؛ والزكاة التي هي سعي في دفع حاجة الفقير؛ والصوم الذي ~~هو سعي في كسر الشهوة، وتذكر الجوع والعطش، ليتعلم الغني ما يقاسيه الفقير منهما. # وثانيهما: ما لا نعرف وجه الحكمة فيه، كأفعال الحج، فإن عقولنا لا تعرف ~~وجه الحكمة في رمي الجمرات؛ والسعي بين الصفا والمروة؛ والطواف حول الكعبة؛ ~~والوقوف على عرفات؛ وتقبيل الحجر الأسود. # فإذا كان هذا في الأفعال، وكان المقصود من أولاهما: أن فاعلهما لا يدل ~~على انقياده بفعله، لاحتمال أنه السنة، أتى بما أتى به لمعرفته وجه المصلحة ~~فيه، ومثل هذا لا يكون دليلا على الإخلاص بالعبودية، وكان المقصود من ~~ثانيهما: دلالة الفاعل على كمال انقياده، ونهاية تسليمه، لأنه لما لم يعرف ~~فيه وجه مصلحة ألبتة، لم يكن إتيانه به إلا لمحض الانقياد والتسليم، فلم لا ~~يجوز أن يأتي مثل ذلك في الأقوال، وهو أن يأمرنا الله تارة أن نتكلم بما ~~نقف على معناه، وتارة بما لا نقف على معناه، ويكون المقصود من ذلك ظهور ~~الانقياد والتسليم من المأمور للآمر؟ # وفيه ms018 فائدة أخرى، وهي أن الإنسان إذا وقف على المعنى وأحاط به، سقط وقعه ~~عن القلب، واذا لم يقف على المقصود مع قطعه بأن المتكلم بذلك أحكم PageV01P049 ### || CHECK مدلول الإشارة في قوله: {ذلك الكتاب} # الحاكمين، بقي قلبه ملتفتا إليه أبدا، ومتفكرا فيه أبدا، وباب التكليف هو ~~إشغال السر بذكر الله، والتفكر في كلامه، فلا يبعد أن يعلم الله، أن في ~~بقاء العبد ملتفت الذهن، مشتغل الخاطر بذلك أبدا، مصلحة عظيمة له، فيتعبده ~~بذلك تحصيلا لهذه المصلحة. # وثاني المذهبين: أن المراد بهذه الفواتح معلوم، ثم إنك تجد في تعيينهم ~~لذلك المعلوم اختلافا كثيرا، وأقرب ما قالوه إلى القبول قولان: # أحدهما: أنها أسماء للسور، وهو قول النحاة، وقد أفرد لها سيبويه في كتابه ~~بابا في حد ما لا ينصرف، ولكن هؤلاء لم يقصدوا إلا البحث عن الإعراب، ولم ~~يلتفتوا إلى جانب المعنى، ويرجع هذا القول القهقرى عند اعتراضك عليه، إذا ~~وجدنا السور الكثيرة اتفقت في آلم وحم، فالاشتباه حاصل فيها، والمقصود من ~~اسم العلم إزالة الاشتباه، وأيضا لو كانت هذه الألفاظ أسماء للسور، لوجب أن ~~يعلم ذلك بالتواتر، لأن هذه الأسماء ليست على قوانين أسماء العرب، والأمور ~~العجيبة تتوفر الدواعي على نقلها، لا سيما فيما لا يتعلق بإخفائه رغبة أو ~~رهبة، ولو توفرت الدواعي على نقلها لصار ذلك معلوما بالتواتر، وارتفع ~~الخلاف فيه، فلما لم يكن الأمر كذلك، علمنا أنها ليست من أسماء السور، ~~وأيضا لو كانت أسماء لهذه السور، لوجب اشتهار هذه السور بها، لا بسائر ~~الأسماء، لكنها إنما اشتهرت بسائر الأسماء، كقولهم سورة البقرة، وسورة آل عمران. # وثانيهما: ما ذكره المبرد، وجمع عظيم من المحققين: أن الله تعالى إنما ~~ذكرها احتجاجا على الكفار، وذلك أن الرسول لما تحداهم أن يأتوا بمثل هذا ~~القرآن، أو بعشر سور، أو بسورة واحدة، فعجزوا عنه، أنزلت هذه الحروف تنبيها ~~على أن القرآن ليس إلا من هذه الحروف، وأنتم قادرون عليها وعارفون بقوانين ~~الفصاحة، فكان يجب أن تأتوا بمثل هذا القرآن، فلما عجزتم عنه دل ذلك ms019 على ~~أنه من عند الله لا من البشر. # وقوله: {ذلك الكتاب} ينحى في اسم الإشارة هنا طريقان: # أولها: ما تقدمت الإشارة إليه في سورة الفاتحة، وبيانه أنهم لما قالوا في ~~الفاتحة: {اهدنا الصراط المستقيم} إلى آخرها، صاروا كأنهم في حيرة وشوق PageV01P050 # إلى بيانه وإيضاحه، وتوجهت رغبات السالكين في ذلك إليه تعالى، فبين لهم ~~تعالى في أوائل السورة التي تليها، أن الهدى المسؤول عنه هو {ذلك الكتاب}، ~~ثم وصفه بأوصافه اللائقة به وبأنه {لا ريب فيه}، ثم ندد بالمرتابين، وبأنه ~~{هدى للمتقين}، فكأنه قال: ذلك الصراط المستقيم الذي تطلبونه، هو هذا ~~الكتاب. # وثانيهما: أن اسم الإشارة، راجع إلى ما نزل من القرآن، قبل نزول هذه ~~السورة، وقد يسمى بعض القرآن قرآنا مجازا، قال تعالى: {وإذا قرئ القرآن ~~فاستمعوا له} [الأعراف: 204] وقال تعالى حاكيا عن الجن: {إنا سمعنا قرآنا ~~عجبا (1)} [الجن: 1] وهم لم يسمعوا إلا بعضه، والأقرب في إعراب هذه الجملة، ~~أن يجعل {ذا} مبتدأ خبره {الكتاب}، أي: ذلك الكتاب المنزل هو الكتاب ~~الكامل، أو "الكتاب" صفته، والخبر ما بعده. # و ### || AUTO حقيقة الريبة # : قلق النفس واضطرابها، ومنه حديث الحسن بن علي مرفوعا: "دع ما يريبك إلى ~~ما لا يريبك" (¬1)، ثم أطلق الريب على الشك لأنه يقلق النفس، ويزيل ~~الطمأنينة، والمعنى: أن العاقل إذا تأمل براهينه الساطعة، وآياته الواضحة، ~~لا يبقى عنده ريب في أنه من عند الله تعالى، وأنه بالغ حد الإعجاز، وليس ~~الأمر ههنا على سبيل الفرض، بل هو على سبيل القطع واليقين، فإن العرب مع ~~بلوغهم النهاية في الفصاحة، عجزوا عن معارضة أقصر سورة من القرآن، وذلك ~~يشهد بأنه بلغت هذه الحجة في الظهور، إلى حيث لا يجوز للعاقل أن يرتاب فيه، ~~فالمقصود نفي الريب عنه في حد ذاته، لا نفي أن أحدا لا يرتاب فيه، وهذا ~~كقولك: إن العسل لا ريب في أنه حلو، فهو في حد ذاته حلو بلا ريب، ولكن قد ~~يأتي صاحب فم مريض فيجده مرا، فتكون الآفة من الفم لا من العسل. # ثم إن ms020 قراءة نصب ريب التي هي المشهورة، توجب ارتفاع الريب بالكلية، لأن ~~هذا التركيب يدل على نفي الماهية، ونفي الماهية يقتضي نفي كل فرد من ~~أفرادها، لأنه لو ثبت فرد من أفراد الماهية لثبتت الماهية، وذلك يناقض نفي ~~الماهية، والدليل PageV01P051 ### || CHECK الفرق بين أولياء الرحمن، وأولياء الشيطان ### || CHECK معنى التقوى ### || CHECK الوقف على (فيه) في قوله: {ذلك الكتاب لا ريب فيه} # على أن المقصود نفي الريب في حد ذاته، لا على أن المقصود نفي أن أحدا لا ~~يرتاب فيه، ما سيأتي من قوله تعالى: {وإن كنتم في ريب} (¬1) الآية، فإنه ما ~~أبعد بها الريب عنهم، بل عرفهم الطريق الذي إذا سلكوه انزاح عنهم الريب، ~~وهو أن يجتهدوا في معارضة أقصر سورة منه، ويبذلوا فيها غاية جهدهم، حتى إذا ~~عجزوا عن المعارضة، تحقق لهم أن ليس ثم مجال للشبهة، ولا مدخل للريبة. # والوقف الصحيح على {فيه}، فهي خبر لا النافية للجنس، و {هدى} خبر لمبتدأ ~~محذوف تقديره هو هدى، أي: أن الكتاب نفسه هدى، كما وصفه تعالى بذلك في ~~مواضع من أنه نور وهدى، على طريقة التشبيه البليغ، ووضع المصدر الذي هو ~~{هدى} موضع الوصف الذي هو هاد، وأتى به منكرا، إشارة إلى أنه هدي عظيم لا ~~يكتنه كنهه، ولا تحيط العبارة به، والهدى هو: الدلالة مطلقا سواء أوصلت إلى ~~المطلوب أم لم تصل إليه، قال تعالى: {وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى ~~على الهدى} [فصلت: 17]، ومعناه: دللناهم على طريق النجاة، فلم يتبعوه. # والتقوى: الخشية، وقد فسر الله المتقين بأوصافهم التي وصفهم بها في هذه ~~الآية، فلا حاجة لذكر أوصاف لهم غيرها، لأنه ليس بعد بيان الله بيان. # وبهذه الآية أيضا يفرق بين أولياء الرحمن، وأولياء الشيطان، قال تعالى: ~~{ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون (62)} [يونس: 62] ثم بين ~~مجمل وصفهم بقوله: {الذين آمنوا وكانوا يتقون (63)} [يونس: 63] وأجمل وصفهم ~~أيضا مع الحصر، بقوله: {إن أولياؤه إلا المتقون} [الأنفال: 34] ومن المعلوم ~~أن النفي إذا جاء بعده الاستثناء أفاد الحصر، فيكون المعنى: ms021 ليس أولياؤه ~~إلا المتقين، ثم بين ذلك المجمل هنا بقوله: {الذين يؤمنون بالغيب} [البقرة: ~~3] فدل أنه لا يكون العبد وليا حتى يتصف بهذه الصفات، فإن حاد عنها، كان من ~~أولياء الشيطان لا من أولياء الرحمن. # وجازف بعض المدعين للولاية في زمننا، فقال: هذا وصف للولاية العامة، ~~وفقها ولاية أعلى خاصة. فقلنا له: إن أردت التفاوت في درجات الإيمان PageV01P052 # بالغيب، وبما بعده، وبعبارة أخصر، إن أردت التفاوت في درجات التقوى، فهذا ~~صحيح، لأن التقوى لها درجات بعضها أعلى من بعض، قال تعالى: {اتقوا الله حق ~~تقاته} [آل عمران: 102] وإن أردت غير ذلك من أنواع الزندقة، ككون الولي هو ~~من يتصرف في الكون كيف شاء، وأنه أعلى مقاما من الأنبياء والرسل، وأنه ~~يشارك الله في أفعاله المنفرد بها، فقد خالفت صريح الكتاب العزيز، وافتريت ~~على الله وعلى رسله وأنبيائه، وأتيت بصفة لا يوجد أحد في الكون متصف بها، ~~فأنكرت الولاية من حيث هي، لأن وجود شخص بأوصاف مستحيلة مستحيل، وسجلت على ~~نفسك بالكذب لأنك تدعي الولاية، ولم تتصف بشروطها التي وصفت، وكذلك ادعيت ~~الولاية لبعض من تعتقدها فيهم عندك، ثم إنك نفيتها عنهم بشروطك التي ~~اشترطتها، فما أشد انسلاخك عن العلم، وغرقك في بحر الجهل، فارتد مبهوتا. # وفي قوله: {هدى للمتقين} إشارة إلى أنهم المهتدون به، والمنتفعون بنصبه، ~~وإن كانت دلالته عامة لكل ناظر فيه من أفراد البشر، كما قال تعالى: {هدى ~~للناس} (¬1)، فالناظرون فيه، منهم من يكون على قلبه غطاء التعامي المورث عن ~~الآباء والأجداد، أو يكون منطمس البصيرة، لا يفقه الحق ولا يمكنه أن يرجع ~~إليه، فهؤلاء لا يهتدون به، وإن كان هو في الحقيقة هدى، ومنهم من من الله ~~عليه بصقال العقل، فاستعمله في تدبر الآيات، والدلائل، والنظر في المعجزات، ~~وتعرف النبوات، فجعل هذا الكتاب إماما له، وهاديا في كل طريق يريد سلوكه، ~~وكلما أشكل عليه أمر في سيره رجع إليه، فاقتبس من أنواره، فكان له كالغذاء ~~الصالح لحفظ الصحة. # فالدواء المذكور، كما أنه يحفظ صحة الجسم، كذلك الهداية ms022 والعرفان ~~المستفادان من القرآن، كل منهما صالح لحفظ صحة الروح، وكما أن الدواء ~~المذكور لا يجلب نفعا إلا إذا كانت الصحة حاصلة، كذلك هدى القرآن، لا ينفع ~~إلا إذا كانت العقول سليمة، وأما العقول المريضة، فإن دواء الصحة لا ~~ينفعها، وإلى هذا السر أشار تعالى بقوله: {وننزل من القرآن ما هو شفاء PageV01P053 # ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا} [الإسراء: 82]. # ولما كان المراد بالمتقين هم الذين جبلوا على التقوى من أصل الخلقة، ~~وأنهم هم الذين يهتدون به ولا يرتابون بين أوصافهم، بقوله: # {الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون (3)}. # أي يصدقون بالأمر الغائب الذي لا ينفع في الإيمان غيره، وهو قسمان: # قسم لا دليل عليه، وهو المعني بقوله تعالى: {وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها ~~إلا هو} [الأنعام: 59] وقسم نصب عليه دليل، كالصانع وصفاته، واليوم الآخر ~~وأحواله، فيصدقون بكلا القسمين مما لا يدركه الحس، ولا تقتضيه بديهة العقل، ~~لأن الله ورسوله أخبرا بذلك، تصديقا حقيقيا ليس كتصديق المنافقين الذين ~~يقولون بأفواههم ما ليس بقلوبهم. وقوله: # {ويقيمون الصلاة} يديمون فعلها من غير خلل في أركانها وشروطها، وهذا ~~كقولهم فلان قيم بأرزاق الجند، ولا يوصف بذلك إلا إذا أعطى الحقوق من غير ~~بخس، وفيه إشارة إلى أن الحقيق بالمدح، من راعى حدودها الظاهرة من الفرائض ~~والسنن، وحقوقها الباطنة من الخشوع والإقبال على الله تعالى، لا المصلون ~~الذين هم عن صلاتهم ساهون، ولذلك ذكر في سياق المدح: {والمقيمين الصلاة} ~~[النساء: 162]، وفي معرض الذم: {فويل للمصلين (4) الذين هم عن صلاتهم ساهون ~~(5)} [الماعون: 4، 5]. # ولما ذكر وصلة الخلق بالخالق، وكانت النفقة مع أنها أعظم دعائم الدين صلة ~~بين الخلائق، أتبعها بها تنبيها ب {من} التي للتبعيض، على النهي عن ~~الإسراف، وعلى طيب النفقة، لأن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وآمرا بالورع ~~وزاجرا عما فيه شبهة فقال: # {ومما رزقناهم ينفقون} أي: ومما مكناهم من الانتفاع به على عظمة PageV01P054 ### || CHECK معنى قوله تعالى: {يؤمنون بالغيب} ### || CHECK معنى الإيمان # خزائننا، وهو لنا دونهم، ينفقون في مرضاتنا، مما هو ms023 لازم لهم، من الزكاة، ~~والحج، والجهاد، والنفقات الواجبة، ومما يتطوعون به من الصدقات وغيرها؛ ~~والمراد من هذه الأفعال، إيجاد حقائقها على الدوام، لأن المضارع، وهو قوله: ~~{ينفقون} هنا، قد لا يلاحظ به زمان معين، من حال أو استقبال، فيدل إذ ذاك ~~على الاستمرار، قاله: "أبو حيان" في تفسيره في سورة الحج. وعمم بعض ~~المفسرين في قوله: {ومما رزقناهم} فجعله شاملا لجميع النعم الظاهرة، ~~كالمال، والباطنة كالعلم، والجاه وحسن الأخلاق، فقال: ومما خصصناهم به من ~~أنواع المعرفة، يفيضون على غيرهم. وهو معنى حسن وتعميم لطيف. # ولما وصفهم بإيمان جملة، أشار إلى بعض تفصيله على وجه يدخل فيه أهل ~~الكتاب دخولا أوليا فقال: # {الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون}. # الإيمان إذا عدي بالباء كان معناه التصديق، وهنا يراد به التصديق مع ~~المعرفة، لأنه خرج مخرج المدح، والمصدق مع الشك، ولا يؤمن أن يكون كاذبا، ~~فهو إلى الذم أقرب، والآية متصلة بما قبلها اتصال الصفات بعضها ببعض، ~~والصفات إذا تكررت جاز توسط العاطف بينها، قال الشاعر: # إلى الملك القرم وابن الهمام ... وليث الكتيبة في المزدحم (¬1) # فعطف الصفات بالواو، والمعنى: أن المتقين هم الجامعون بين تلك الصفات، ~~وعلى هذا، فهذه الآية بيان للإجمال الواقع في قوله تعالى: {يؤمنون بالغيب}، ~~لأن الايمان بالكتب المنزلة، يندرج تحت الإيمان بالغيب، وأيضا فإن الإيمان ~~بما أنزل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وبما أنزل من قبله، مشترك بين ~~المؤمنين قاطبة، فلا وجه لقول بعض المفسرين: أراد بالذين يؤمنون مؤمني أهل ~~الكتاب، كعبد الله بن سلام وأصحابه، ومما يبعد، أنا لا نعلم أن هذه الآية PageV01P055 ### || CHECK معنى قوله تعالى: {وما أنزل من قبلك} # نزلت قبل إيمان ابن سلام، أو بعده، لأن غاية ما نعلمه أن نزول الآية، ~~وإسلام ابن سلام، كل منهما مدني، ولكن لا نعلم السابق منهما حتى يصح لنا ~~ذلك القول، على أن ألفاظ القرآن في مثل هذا تحمل على العموم. # والمعنى: أن هؤلاء هم الجامعون بين الإيمان بما يدركه العقل جملة، ~~والإتيان بما يصدقه ms024 من العبادات البدنية والمالية؛ وبين الإيمان بما لا ~~طريق إليه غير السمع. # والضمير في {إليك} للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وعنى به القرآن بأسره، ~~والشريعة عن آخرها، وعبر عنه بلفظ الماضي، وإن كان بعضه يومئذ مترقبا ~~نزوله، تغليبا للموجود على ما لم يوجد، فجعله كله كأنه قد نزل وانتهى ~~نزوله، لتحقق وقوعه، وأراد ب {ما أنزل من قبلك}، التوراة والإنجيل، وغيرهما ~~من الكتب السالفة، فإن الاعتقاد بأنها منزلة من عند الله تعالى فرض عين، ~~والإيمان بها إجمالا كذلك، وأما الإيمان بما أنزل على النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، فإنه يفترض علينا الإيمان به تفصيلا لا إجمالا، وفي هذه الآية ~~الإشارة إلى معنى لطيف، وهو الإشارة إلى أن اليهود، لم يؤمنوا بنزول ~~التوراة من عند الله، نزولا حقيقيا، لأن أكثرهم يقول: إن الله ألهم البشر ~~الذين هم أنبياء بني إسرائيل، بما تكلموا به، وجعلهم واسطة لإنفاذ مقاصده، ~~من غير أن يجردهم من صفاتهم الذاتية، ومن غير أن يخرجوا عن النفوذ الإلهي، ~~وأنهم لم يزالوا حين ذلك الإلهام، في حالة حسنة من الشعور والوجدان، فجمعت ~~أقوالهم من بعدهم في أسفار. # وبهذا الاعتبار قيل: إن الله أوحى بهذه الأسفار، وقال بعضهم: إن للوحي ~~بالتوراة ثلاثة طرق. # أولها: بتبليغ الأنبياء لأفكار الله بصفة نواب عنه نيابة مطلقة. # الثاني: بالتخاطب المتبادل بين الله والإنسان. # الثالث: بأن ينطق الكاتب بما عنده مهما رأى ذلك بالروح الإلهي. # وأما النصارى فإنهم يقولون: إن كلمة "إنجيل" مأخوذة عن اللغة اليونانية، ~~ومعناها: بشارة مفرحة، ويدعون أن طريقة وصول هذه البشارة للبشر ما استنتجوه ~~من اعتقادهم، من أن الله الآب، وكلمته الأزلية، وروح القدس، هم ثلاثة في ~~واحد، وواحد في ثلاثة، ذات واحدة في ثلاثة أقانيم، وهذا الإله ليس منفصلا ~~عن PageV01P056 ### || CHECK تعليق في تغاير النصارى في مفهومهم في الصفات # كائناته، بل إنه أعلن ذاته للبشر بطرق مختلفة، بواسطة كلمته التي كون بها ~~العالم، ثم إن تلك الكلمة عندهم صارت جسدا، وحلت في العالم، وذلك الجسد هو ~~ابنه الذي جعله وارثا ms025 لكل شيء، قالوا: وهذه هي كلمته المنزلة، وهي ليست ~~كتابا أو غيره من الجماد، بل كيان حي، ذو وجدان وحياة تجسد وتأنس، وحل ~~بينهم مدة قصيرة، ثم إن أفعاله وأقواله دونت في الأناجيل، التي هي بين أيدي ~~النصارى اليوم، وهذا الاعتبار لما كان المسيح كلمة الله على زعمهم، كانت ~~جميع أقواله وأفعاله موحى بها، حتى نفس أقواله غير المنطوق بها، فليس ~~الإنجيل على رأيهم كتاب منزل من الله تعالى، وإنما هو نفس كلام عيسى، ونفس ~~حكاية أحواله، فهو منزل عندهم منزلة الأحاديث، فينكرون أن يكون الإنجيل، أو ~~أي كتاب آخر، نزل على عيسى، لأنه هو نفسه كان الكلمة، فلم تكن الكلمة عنده، ~~وهو كان نفسه إعلان الله، فكيف يصح القول بأن كتابا ما، أو غيره من وسائط ~~الإعلان، أنزل عليه؟ # وخلاصة القول عندهم، أن هذه الكلمة لم تنقطع بعد صعوده إلى السماء، بل هي ~~باقية مستمرة تؤخذ بواسطة الروح القدس وإلهامه، فأعمال بولس وبطرس ويعقوب ~~ويوحنا، وغيرهم، وأقوالهم، هي جزء من إعلان الله بالمسيح. # هذا ما علمناه من رأي الفريقين مما هم عليه الآن، ولكن ويا للأسف إن هذه ~~الكلمة نزلت إلى الأرض، فتسلط عليها أناس ضعاف فصلبوها بزعمهم، ولم تقدر ~~على خلاص نفسها، واستجارت فلم تجد مجيرا، بل بقيت تحت قهر قوم، لو عادوا ~~مثل عنترة لأبادهم عن آخرهم، فوا رحمتاه كيف رأى الآب ابنه مصلوبا وهو ساكت ~~لا يتحرك، وقلبه يتفطر على ولده، حيث لم يكن له حيلة في خلاصه، فما أفظع ~~هذه المقولة، وما أجمد ذهن معتقدها (¬1). # وأنت علمت مما تقدم أن أهل الكتابين، لم يعتقدوا نزولهما من عند الله PageV01P057 ### || CHECK معنى قوله تعالى: {وبالآخرة هم يوقنون} # نزولا حقيقيا، فلذلك اشترط الله علينا في كتابه، : أن نؤمن بأن الله ~~تعالى أنزل على الأنبياء كتبا فيها شرائعه وأحكامه، وأن ذلك التنزيل صحيح، ~~وأنه أنزل هذا الكتاب على محمد - صلى الله عليه وسلم -، نزولا حقيقيا، ~~والمؤمن من صدق بجميع ما فيه، تصديقا تفصيليا، لأنه هو الذي يجب علينا ~~العمل ms026 بما أمر به، والتباعد عما نهى عنه فيه. # ولما كان الإيمان بالبعث من الدين بمكان عظيم، بينه بالتقديم، إظهارا ~~لمزيد الاهتمام، فقال: {وبالآخرة} التي هي دار الجزاء، ومحل التجلي وكشف ~~الغطاء، ونتيجة الأمر، {هم يوقنون}، أي: يعلمون ذلك علما صافيا من شوائب ~~الشك والشبهة، مقترنا بالاستدلال. # ولما كان الإيقان لا يكون إلا بعد الشك، لم يوصف به الباري تعالى، وكذلك ~~لم توصف به العلوم الضرورية، وفي الآية تعريض بكل من لم يؤمن بالمعاد، الذي ~~وصفه تعالى بقوله: {كما بدأنا أول خلق نعيده} [الأنبياء: 104]، وإشارة إلى ~~أن كل من لم يوقن به لا يكون مؤمنا. # ولما أخبر تعالى عن أفعال المتقين الظاهرة، من أنهم هم الذين يقيمون ~~الصلاة، ويحافظون على خشوعها، ومعانيها، فيتحلون لأجلها بكل خير، ويتخلون ~~عن كل شر، حتى تصير صلاتهم تنهاهم عن الفحشاء والمنكر، وينفقون أموالهم ~~ابتغاء مرضاة الله، والأعمال الباطنة من الإيمان بالغيب وبما أنزل على ~~الأنبياء، وباليوم الآخر، وبما يكون فيه من ثواب وعقاب وحساب، أخبر بثمرة ~~تلك الأعمال فقال: # {أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون (5)}. # أي: أن الموصوفين بتلك الصفات، يستحقون الوصف بأنهم متمكنون من الهدى، ~~ومستقرون عليه، ومستمسكون به، فشبهت حالهم بحال من اعتلى على الشيء وتمكن ~~منه، تمكنا جعله في قبضته، فهم متمكنون من هدى عظيم، منحوه وأعطوه من ربهم ~~الذي هو خالقهم، ومثله لا يحصل إلا باستفراغ الفكر، وإدامة النظر في حجج ~~القرآن وبراهينه، والمواظبة على محاسبة النفس في العمل، وأتى ب {هدى} ~~منكرا، ليفيد نوعا مبهما لا يقدر قدره، قال "عون بن عبد الله": "الهدى PageV01P058 ### || CHECK المقصود "بالفلاح" في قوله: {أولئك هم المفلحون} # من الله كثير، ولا يبصره إلا بصير، ولا يعمل به إلا يسير، ألا ترى أن ~~نجوم السماء يبصرها البصراء، ولا يهتدي بها إلا العلماء؟ ". # ولما لم يكن الهدى دالا على الفلاح بدلالة الالتزام، عطف عليه قوله: ~~{وأولئك هم المفلحون}، أي: أن أصحاب تلك الرتبة هم أهل الظفر بالمطلوب، ~~كأنهم هم الذين انفتحت لهم وجوه الظفر، ولم ms027 تستغلق عليهم، وفي تكرير ~~{أولئك}، إشارة إلى أنه كما يثبت لهم الأثرة، وهي التقدم بالهدى، فهي ثابتة ~~لهم بالفلاح، فجعلت كل واحدة من الأثرتين في تميزهم بها عن غيرهم، بالمثابة ~~التي لو انفردت كفت مميزة على حياتها، وأنت خبير بأن أرباب تلك المرتبة، ~~الموصوفين بالصفات المتقدمة اتصافا كاملا، هم المخصوصون بالفلاح، ولا يختص ~~بذلك، إلا أولو النباهة والذكاء، الذين ينفون عن كتاب الله انتحال ~~المبطلين، وتأويل الجاهلين، وتحريف الضالين، وهؤلاء لا يخلو منهم زمان، ولا ~~يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله، كما أخبرت بذلك الأحاديث الصحيحة، ~~وأتباعهم هم المفلحون أيضا، لأن السائر بسير المفلح مفلح، وهؤلاء هم ~~الأبدال. # وقد روى ابن ماجه عن أبي عنبة الخولاني- بالنون بعد العين-، وكان قد صلى ~~إلى القبلتين مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال: سمعت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرسا ~~يستعملهم في طاعته" (¬1) ومعناه: لا يزال الله يوجد في أهل هذا الدين ولدا ~~ينبته إنباتا كما قال: {والله أنبتكم من الأرض نباتا (17)} [نوح: 17]، وهذا ~~الولد يستعمل أهل الدين في طاعته، أي: في طاعة الدين، والدين إنما هو ~~الإيمان بالغيب، وفعل ما عطف عليه في هذه الآية، وحكى "ابن مفلح" في كتابه ~~"الآداب الشرعية الكبرى" عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى، أنه قال في شرح ~~"لا يزال الله يغرس" إلى آخره، هم: أصحاب الحديث. ونص أحمد على أن لله ~~أبدالا في الأرض، وقال أيضا عنهم: إن لم يكونوا، يعني: الأبدال، هؤلاء PageV01P059 # الناس، يعني: أصحاب الحديث، فلا أدري من من الناس. انتهى. # وأنت إذا نصرت الحق، علمت أن هؤلاء الأبدال حقيقة، لا كما يقوله ~~المبطلون، من أن الأبدال هم الذين يتصرفون في الكون أحياء وأمواتا، وأن لهم ~~رئيسا يقال له: القطب، وأنهم يجتمعون كل سنة في غار حراء أو غيره، فيكون ~~القطب في الصدر، وقدامه الأوتاد، ووراءه الأبدال والنجباء، وتأتي الأموات ~~لذلك الديوان، ثم إن القطب يتلقى الأمر مباشرة عن الله تعالى، ثم ms028 يلقيه إلى ~~الأوتاد، فتلقيه الأوتاد إلى الأبدال، ثم يصدعون بما أمروا به، فهم يديرون ~~رحى الكون، ويبصرون ما كان وما سيكون، ويرون كل شيء في مشارق الأرض ~~ومغاربها، حتى إنهم يعلمون بزعمهم ما تخفي الصدور، وما تضمره الأنفس، وليت ~~شعري، أي عاقل يتجاسر على أن يجعل القطب، أعلى مقاما من النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، ثم لا يكتفي بذلك، حتى يجعل أولئك القوم الذين لا وجود لهم ~~متصفين بهذه الصفات، إلا في مخيلة هذا المبطل، شركاء لله تعالى في ~~الألوهية. # ثم هو يعترض على النصارى بالتثليث، فكأن لسان حاله يقول: لا يجوز أن يكون ~~الله ثالث ثلاثة فقط، بل هو على زعمه ثاني اثنين، وخامس أربعة الذين هم ~~الأوتاد، والواحد بعد الأربعين الذين هم الأبدال، والواحد بعد الستين ~~والثلاثمئة الذين هم الأنجاب، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وأيضا فقد ~~أخبر القرآن أن سيدنا محمدا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو خاتم ~~النبيين، وأن الوحي انقطع من بعده، وهؤلاء يقولون: إن القطب يوحى إليه ~~مباشرة، ومشافهة عن الله تعالى، وأنه ثاني اثنين لواجب الوجود، وأن قومه ~~شركاء مع الله تعالى، فاليهود والنصارى أسعد حالا من هؤلاء، فأي فرق بين ~~قولهم هذا وبين قول اليهود: إن كاتبهم ينطق بما عنده مهما رأى ذلك بالروح ~~الإلهي، وبين قول النصارى: إن عيسى هو الكلمة، وأنها لم تنقطع بعد صعوده ~~إلى السماء، بل هي باقية مستمرة تؤخذ بواسطة الروح القدس، وإن أفعال بولس ~~وجماعته وأقوالهم، هي جزء من إعلان الله بالمسيح، وهؤلاء جعلوا مقالتهم هذه ~~تمهيدأ لمعتقدات اليهود والنصارى، فوصفوا القطب بما وصفت النصارى به عيسى، ~~ووصفوا قومه بما وصفت به اليهود أحبارهم، وبما وصفت به النصارى بولس ~~وجماعته، وزادوا عليهم بالتمهيد لمذهب عبادة الأوثان، وإذا طالبتهم بالدليل ~~قالوا: PageV01P060 # إن علومنا لدنية ذوقية، وكذلك النصارى إذا طالبتهم بالدليل العقلي قالوا: ~~إن معرفة اللاهوت ذوقية، لا يعرفها إلا من ذاقها، فمصيبة الفريقين واحدة. # وإلى بيان حال هذه الفرق أشار تعالى بقوله: # {إن الذين كفروا ms029 سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون (6) ختم ~~الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم (7)}. # أي: إن الذين ثبتوا قلبا ولسانا على معتقداتهم الباطلة، فكفروا بالله ~~تعالى، وحكم بكفرهم حكما مؤبدا، إنذارك إياهم في هذا الكتاب، وفي هذا الوقت ~~وعدمه فيه، وفيما بعده سواء، وكذلك إنذار هذا الكتاب لهم، في كل وقت، وعدمه ~~سواء، لأنهم إما لا يصدقون بأنه كتاب منزل من الله تعالى، وما أنهم يحرفونه ~~عن مواضعه، ويتلاعبون به، حتى يجعلوه تابعا لما ذهبوا إليه، ولا يجعلونه ~~متبوعا كما هو شأن الممقوتين، وإذا ناداهم إلى التمسك به، قالوا: لا نترك ~~ما ألفينا عليه آباءنا لندائك، وهل أنت إلا تابع لنحلتنا، وخادم لمقالاتنا، ~~وما ذلك إلا لأن الله تعالى ختم بجلاله ختما مستعليا على قلوبهم، وعلى ~~سمعهم، فهي لا تعي حق الوعي، ولا تسمع حق السمع، لأن الختم على الشيء يمنع ~~الدخول إليه، والخروج منه. # وأفرد السمع، لأن التفاوت فيه نادر، وشركه في الختم مع القلب لأن أحدا لا ~~يسمع إلا ما عقل، وجعل على أبصارهم غشاوة عظيمة، فهم لا ينظرون بالتأمل، ~~ولما وصفهم بذلك أخبر عن عاقبتهم بقوله: {ولهم عذاب عظيم}، ومن هنا تعلم أن ~~التعريف بالذي، والذين، من بين سائر الموصولات، كتعريف ذي باللام، في كونه ~~للعهد تارة، وللجنس أخرى، سواء جعلت من المعرف باللام كما ذهب إليه شرذمة ~~من النحاة، أو لا، كما عليه المحققون، وعليه فإن التعريف هنا للجنس، فهو ~~متناول كل من صمم على كفره تصميما لا يرعوي بعده، سواء كان المتصف بذلك في ~~زمن نزول القرآن، أو كان بعده، حتى آخر الأمر، لأن القرآن يبقى حكمه إلى ~~آخر الدوران، ودل على تناوله للمصرين قوله: {سواء عليهم} الآية، ومعناها: ~~أن الذين كفروا مستو عندهم الإنذار وعدمه، فالقائل بأن التعريف PageV01P061 ### || CHECK المراد بالكفر في قوله تعالى: {إن الذين كفروا} # للعهد، وأن المراد به ناس بأعيانهم، كأبي جهل وأبي لهب، والوليد بن ~~المغيرة، وأضرابهم، قول لا حظ له في شيء من ms030 التحقيق، بل هو قول من لا يرى ~~أن القرآن عام لجميع الأزمان. # والكفر في اللغة الستر، وأصله الفتح، ومنه قيل للزارع: كافر، لأنه يستر ~~الحب في الأرض، قال تعالى: {كمثل غيث أعجب الكفار نباته} [الحديد: 20] وسمي ~~الليل كافرا لأنه يستر المبصرات بظلمته، قال الشاعر (¬1): # "في ليلة كفر النجوم غمامها" # أي: ستر النجوم غمامها، والمتكلمون استصعبوا حد الكفر، والذي انتهى إليه ~~كلامهم: أن جميع ما ينقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنه ذهب إليه، ~~أو قال به، فإما أن يعرف صحة ذلك النقل بالضرورة، والا بالاستدلال، أو بخبر ~~الواحد. # فإن كان الأول: فإن من صدق الرسول في جميع ما جاء به، فهو مؤمن، ومن لم ~~يصدقه في ذلك، فإما أن لا يصدقه في جميع ما أتى به، وإما أن لا يصدقه في ~~البعض دون البعض، وعلى كل فهو كافر؛ إذ الكفر عدم تصديق الرسول في شيء مما ~~علم بالضرورة مجيؤه به، كمن أنكر وجود الصانع أو أنكر كونه واحدا في ذاته، ~~وفي صفاته، وفي أفعاله، أو جعل له شريكا في أفعاله، أو ادعى حلوله في ~~الأجسام، أو أنكر نبوة النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو أنه خاتم ~~الأنبياء، أو أنكر صحة القرآن الكريم. # وإن كان الثاني: وهو الذي عرف بالاستدلال بأنه من دين النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، مثل كونه تعالى خالقا لأفعال العباد أم لا، وكونه مرئيا أو ~~لا، وكونه عالما للعلم أو لذاته وغير ذلك مما لم ينقل فيه النص على أحد ~~القولين عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، بل كان ترجيح أحدهما على الآخر ~~بالاستدلال (¬2) فإن مثل هذا لما لم يكن إنكاره، ولا الإقرار به داخلا في ~~ماهية الإيمان، لم يكن موجبا للكفر، لأنه لو كان داخلا في PageV01P062 ### || CHECK معنى {سواء} في الآية # ماهية الإيمان، لكان الواجب على الرسول - صلى الله عليه وسلم -، أن لا ~~يحكم بإيمان أحد إلا بعد أن يعرف الحق في تلك المسألة، ولو كان الأمر كذلك، ~~لاشتهر قوله في تلك المسألة بين جميع ms031 الأمة، ولنقل ذلك على سبيل التواتر، ~~فلما لم ينقل ذلك دل على أنه عليه الصلاة والسلام لم يوقف الإيمان عليها، ~~وإذا كان لم يوقف الإيمان عليها، وجب أن لا تكون معرفتها من الإيمان، ولا ~~إنكارها موجبا للكفر. # وإن كان الثالث: وهو الذي لا سبيل إلى معرفته إلا بأخبار الآحاد ~~وروايتهم، فظاهر أنه لا يمكن توقف الكفر والإيمان عليه، وهذا هو الذي اطمأن ~~إليه الفخر الرازي، وقال: "إنه هو القول الحق"، وأنت خبير بأن ما جاء به ~~الرسول: اعتقاد، وقول، وعمل، وأن كل فرد من أفراد ما علم أنه من الدين ~~بالضرورة، لا يتم إلا إذا أقر به المكلف إقرارا شاملا للثلاثة؛ فالإيمان ~~بوجود الله تعالى، لا بد من أن يعتقده المكلف بقلبه، وإلا كان منافقا، ولا ~~بد أن تكون أقواله وأفعاله، أقوال وأفعال من يصدق بوجود الله تعالى، وإلا ~~كان مستهزئا، وكذلك الصلاة، إذا لم يعتقد المكلف بها وجوبها، كان ممن أخبر ~~تعالى عنهم بقوله: {فويل للمصلين (4) الذين هم عن صلاتهم ساهون (5) الذين ~~هم يراءون (6) ويمنعون الماعون} [الماعون: 4 - 7] وإذا اعتقد وجوبها، ولم ~~يصرح به، ولم يفعلها، اختل شطران من الإيمان بها، وحينئذ لا محيص عن قول ~~السلف: الإيمان قول وفعل، ويزيد وينقص، قال الله: {ليزدادوا إيمانا مع ~~إيمانهم} [الفتح: 4] {ويزداد الذين آمنوا إيمانا} [المدثر: 31] إلى غير ~~ذلكم من الآيات، الدالة نصا وتصريحا على أن الإيمان يزيد وينقص. # وقال "ابن أبي مليكة": أدركت ثلاثين من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول: إنه على إيمان جبرائيل، ~~وميكائيل. # و{سواء} اسم بمعنى: الاستواء، جرت على ما اتصف بها، كما تجري المصادر على ~~ما اتصف بها، كأنه قيل: إن الذين كفروا مستو عليهم إنذارك وعدمه، وهذا بناء ~~على أن {سواء} خبر {إن}، وقوله: {أأنذرتهم أم لم تنذرهم}، في PageV01P063 ### || CHECK فائدة في همزة التسوية # موضع رفع على الفاعلية، ويصح أن يكون {أأنذرتهم} في موضع رفع على ~~الابتداء، و {سواء} خبرا مقدما، بمعنى: سواء عليهم إنذارك وعدمه، ms032 والجملة ~~خبر ل {إن}، وصح جعل الفعل هنا مبتدأ، لأن الفعل أريد به الحدث المدلول ~~عليه ضمنا على الاتساع، فصار كالاسم في الإضافة والإسناد إليه كقوله تعالى: ~~{يوم ينفع الصادقين صدقهم} [المائدة: 119] وقول بعض العرب: "تسمع بالمعيدي ~~خير من أن تراه" (¬1)، والهمزة هنا للتسوية، وضابطها: أنها الداخلة على ~~جملة يصح حلول المصدر محلها، والإنذار هو: التخويف من عقاب الله بالزجر عن ~~المعاصي، وجعل الرازي هذه الآية دليلا على صحة تكليف ما لا يطاق، وقرر وجه ~~الدليل بقوله: إنه تعالى كلف هؤلاء الذين أخبر عنهم أنهم لا يؤمنون، ~~بالإيمان ألبتة والإيمان يعتبر فيه تصديق الله تعالى في كل ما أخبر عنه، ~~ومما أخبر عنه أنهم لا يؤمنون قط، فقد صاروا مكلفين بأن يؤمنوا بأنهم لا ~~يؤمنون قط، وهذا تكليف بين النفي والإثبات. # وقال أيضا: إنه تعالى عاب على الكفار، أنهم حاولوا فعل شيء على خلاف ما ~~أخبر الله عنه في قوله: {يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم ~~قال الله من قبل} [الفتح: 15]، فثبت أن القصد إلى تكوين ما أخبر الله عن ~~عدم تكوينه، قصد لتبديل كلام الله، وذلك منهي عنه، ثم ههنا أخبر الله عنهم ~~بأنهم لا يؤمنون ألبتة، فمحاولة الإيمان منهم، تكون قصدا إلى تبديل كلام ~~الله، وذلك منهي عنه، وترك محاولة الإيمان يكون أيضا مخالفة لأمر الله ~~فيكون الذم حاصلا، على الترك والفعل، قال: وهذا الكلام هو الهادم لأصول ~~الاعتزال. # والحق: أن التكليف بالممتنع لذاته، وإن جاز عقلا من حيث إن الأحكام لا ~~تستدعي غرضا غير الامتثال، لكنه غير واقع للاستقراء، والإخبار بوقوع الشيء ~~أو عدمه، لا ينفي القدرة عليه، كإخباره سبحانه وتعالى عما يفعله هو أو ~~العبد باختياره. # وفائدة الإنذار، بعد العلم بأنه لا ينجع، إنما هو إلزام الحجة، وحيازة ~~الرسول فضل الإبلاغ، ولهذا قال {سواء عليهم}، ولم يقل: سواء عليك، كما PageV01P064 ### || CHECK اختلاف المفسرين في صفة الختم على القلوب # قال لعبدة الأصنام: {سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون (193)} ~~[الأعراف: 193]. # ثم إنه تعالى، لما بين ms033 شأن الذين كفروا، أردف البيان ببيان السبب الذي ~~لأجله لم يؤمنوا، وهو الختم، وأصله الطبع، والخاتم هو الطابع، يقال منه: ~~ختمت الكتاب إذا طبعته، واستعماله في الأوعية، والظروف، والغلف، ولما كانت ~~القلوب بمعنى الأوعية لما أودعت من العلوم، وبمعنى الظروف لما جعل فيها من ~~المعارف بالأمور، كان الختم عليها وعلى الأسماع التي بها تدرك المسموعات، ~~ومن قبلها يتوصل إلى معرفة حقائق الأشياء من المغيبات، نظير الختم على ~~الأوعية والظروف. # واختلف المفسرون في صفة ذلك الختم على أقوال كثيرة، الحق فيها ما صح من ~~حديث أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إن المؤمن إذا ~~أذنب ذنبا، كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستغفر، صقل قلبه، فإن ~~زاد زادت حتى يغلف قلبه، فذلك الران الذي قال جل ثناؤه: {كلا بل ران على ~~قلوبهم ما كانوا يكسبون (14)} [المطففين: 14] ورواه الترمذي (¬1) وقال: ~~حديث حسن صحيح، ولفظه: "إن العبد إذا أخطأ خطيئة، نكتت في قلبه نكتة سوداء، ~~فإن هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه، وإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه وهو ~~الران الذي ذكر الله: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} فأخبر - صلى ~~الله عليه وسلم -، أن الذنوب إذا تتابعت على القلوب أغلفتها، وإذا أغلفتها ~~أتاها حينئذ الختم من قبل الله عز وجل، والطبع، فلا يكون للإيمان إليها ~~مسلك، ولا للكفر منها مخلص، فذلك هو الطبع والختم الذي ذكره الله تعالى، ~~نظير الطبع والختم على ما تدركه الأبصار من الأوعية والظروف، التي لا يوصل ~~إلى ما فيها إلا بفض ذلك عنها، ثم حلها، فكذلك لا يصل الإيمان إلى قلوب من ~~وصف الله أنه ختم على قلوبهم إلا بعد فض الخاتم، وحل الرباط عنها، وإلى هذا ~~المعنى ركن أبو جعفر الطبري في تفسيره وقال: إنه الحق في ذلك. PageV01P065 ### || CHECK الفرق بين العظيم والكبير # وقوله: {وعلى أبصارهم غشاوة} ابتداء كلام، والغشاوة في كلام العرب ~~الغطاء، قال الحارث بن خالد بن العاص: # هويتك إذ عيني عليها غشاوة ... فلما انجلت ms034 قطعت نفسي ألومها (¬1) # والمعنى: أن أبصارهم، لأنها لا تجتلي آيات الله المعروضة، ودلائله ~~المنصوبة كما تجتليه أعين المعتبرين المستبصرين، كأنما غطي عليها، وحجبت ~~وحيل بينها وبين الإدراك. # والعذاب مثل "النكال" وزنا ومعنى، لأنك تقول: أعذبت عن الشيء إذا أمسكت ~~عنه، كما تقول: نكل عنه، ومنه العذب لأنه يقمع العطش ويردعه، ثم اتسع فيه ~~فسمي كل ألم فادح عذابا، وإن لم يكن نكالا، أي: عقابا يرتدع به الجاني عن ~~المعاودة. # والفرق بين {العظيم} والكبير، أن العظيم نقيض الحقير، والكبير نقيض ~~الصغير، فكان العظيم فوق الكبير، كما أن الحقير دون الصغير، ومعنى التنكير، ~~أن على أبصارهم غشاوة، هي نوع من الأغطية غير ما يتعارفه الناس، وهو غطاء ~~التعامي عن آيات الله، ولهم من بين الآلام العظام نوع عظيم لا يعلم كنهه ~~إلا الله. # ولما وصف الله سبحانه في مفتتح السورة، الذين أخلصوا دينهم لله، ووافقت ~~فيه قلوبهم ألسنتهم، وواطأ سرهم علنهم، وفعلهم قولهم، وثنى بالذين محضوا ~~الكفر ظاهرا وباطنا، قلوبا وألسنة، ثلث بالذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن ~~قلوبهم، وأبطنوا خلاف ما أظهروا، وهم الذين قال فيهم {مذبذبين بين ذلك لا ~~إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء} [النساء: 143]، وسماهم المنافقين، وكانوا أخبث ~~الكفرة، وأبغضهم إليه، وأمقتهم عنده، لأنهم خلطوا بالكفر تمويها وتدليسا، ~~وبالشرك استهزاء وخداعا، فوصف حال الذين كفروا في آيتين، وحال الذين نافقوا ~~في ثلاث عشرة PageV01P066 # آية، نعى عليهم فيها خبثهم، ومكرهم، وفضحهم وسفههم، واستجهلهم واستهزأ ~~بهم، وتهكم بفعلهم، وسجل بطغيانهم وعمههم، ودعاهم صما بكما عميا وضرب لهم ~~الأمثال الشنيعة فقال: # {ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين (8)}. # أجمع أهل التأويل، على أن هذه الآية نزلت في قوم من أهل النفاق، وأن هذه ~~صفتهم، وقد مرت الإشارة إلى هذا في مفتتح تفسير هذه السورة، ومما ذكر ~~إجمالا هناك، ما يليق بنا هنا أن نشير إلى شيء من تفصيله، وهو أن الله ~~تعالى لما جمع لرسوله أمره في المدينة التي هي دار هجرته، وجعل كلمته هي ~~العليا وكلمة مخالفيه هي ms035 السفلى، فأعز الله المسلمين، فقهروا من كان بها من ~~أهل الشرك من عبدة الأوثان، وأذلوا من كان بها من أهل الكتاب الذين لم ~~يذعنوا لما جاء به - صلى الله عليه وسلم -، أظهر أحبار يهود المدينة لرسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - الضغائن؛ وأبدوا له العداوة حسدا وبغيا، إلا ~~نفرا منهم هداهم الله للإسلام فأسلموا، ووافقهم سرا على معاداة النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، [قوم من المنافقين] (¬1) كانوا قد عتوا في شركهم ~~وجاهليتهم، وظاهروهم على ذلك خفاء غير جهار، حذرا من القتل على أنفسهم، ~~والسباء من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه وركونا إلى اليهود ~~لما هم عليه من الشرك، وسوء البصيرة بالإسلام، فكان منهم ما قص الله علينا ~~من قصصهم في هذه الآيات، تبكيتا لهم ولمن كان على شاكلتهم، معاديا لهذا ~~الدين القويم باطنا، ومدعيا للتمسك به ظاهرا. # وجوز أهل المعاني في {من} أن تكون موصوفة، فيكون المعنى: ومن الناس ناس ~~يقولون آمنا، وعليه فاللام في الناس للجنس، أتى بها للتنبيه على أن الصفات ~~المذكورة تنافي الإنسانية، فينبغي أن يجهل كون المتصف بها من الناس، ويتعجب ~~منه، وأن تكون موصولة، واللام للعهد، كقوله: {ومنهم الذين يؤذون النبي} ~~[التوبة: 61]، ولكن هذا يعترض بأن يقال: كيف يجعلون بعضا من الذين كفروا PageV01P067 # المحدث عنهم بالختم على قلوبهم، والمنافقون غير من أخبر عنهم فيما تقدم ~~بالختم، ويجاب بأن الكفر جمع الماحضين المصرين، والمنافقين المصممين معا، ~~وجعلهم جنسا واحدا، وكون المنافقين نوعا من نوعي هذا الجنس، مغايرا للنوع ~~الآخر، بزيادة زادوها على الكفر الجامع بينهما من الخديعة والاستهزاء، لا ~~يخرجهم من أن يكونوا بعضا من الجنس، كما أشار إلى هذه المعاني صاحب الكشاف، ~~فإن الأجناس، إنما تنوعت لمغايرات وقعت بين بعضها البعض، وتلك المغايرات ~~إنما تأتي بالنوعية ولا تأبى الدخول تحت الجنسية، وقوله تعالى حكاية عنهم: ~~{آمنا} أي: صدقنا {بالله وباليوم الآخر}، أي: بالبعث يوم القيامة الذي هو ~~يوم لا يوم بعده سواه، فادعوا أنهم حازوا الإيمان من جانبيه، وأحاطوا ~~بقطريه، فقال تعالى تكذيبا ms036 لهم: {وما هم بمؤمنين} لأنهم يبدون بأفواههم ~~خلافا لما في ضمائر قلوبهم، وضد ما في عزائم نفوسهم، فهم غير مصدقين فيما ~~يزعمون أنهم به مصدقون. # وقد يلوح لفكر المتامل لهذه الآية إشكال، وهو: أن الأخبار عن المنافقين، ~~وكانوا مشركين ويهود، فأما المشركون فهم غير مؤمنين بالله واليوم الآخر، ~~فقوله: {وما هم بمؤمنين} منطبق عليهم، وأما اليهود فقد كانوا يؤمنون بالله، ~~وهم أهل كتاب، فكيف نفى عنهم الإيمان، وعند الاطلاع على نحلة اليهود، ~~يتلاشى هذا الإشكال، لأن الإيمان بالله يجب أن يكون على حقيقته، وعلى وفق ~~ما جاء عن رسله، واليهود ليسوا كذلك، لأن فرقة منهم تزعم أن العزير ابن ~~الله، وجميعهم يعتقد أن الله جسم، وكذلك اعتقادهم باليوم الآخر، ليس على ما ~~جاءت به الرسل، وكل من كان إيمانه على غير ما جاءت به الرسل فليس بمؤمن، ~~ومن راجع التوراة التي بأيديهم اليوم، ورأى هذياناتهم ومفترياتهم جزم بذلك، ~~وسيمر بك في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى، ما يتبين به حقيقة ما هم عليه ~~من الكفر، وعدم الإيمان بالله تعالى، كقولهم كل يوم في صلاتهم ما معناه ~~بالعربية: أنه لا يظهر أن الملك لله، إلا إذا صارت الدولة لليهود، الذين هم ~~أمته وصفوته، فأما ما دامت الدولة لغير اليهود، فإن الله خامل الذكر عند ~~الأمم، وأنه مطعون في ملكه، مشكوك في قدرته. وكقولهم بالعبرانية ما معناه ~~بالعربية: انتبه لم تنام يا رب؟ استيقظ من رقدتك، ومنه PageV01P068 ### || CHECK معنى المخادعة في قوله تعالى: {يخادعون الله .. } # أيضا: أن الله ندم على خلق البشر في الأرض، وشق عليه، إلى غير ذلك مما هو ~~مصرح به في توراتهم، فأي إيمان لهم بالله وباليوم الآخر، مع وجود هذه ~~الكفريات. # ويندرج في هذا القسم من يقول بأنه مؤمن بالله ثم ينتحل الزندقة والإلحاد، ~~ويدعي الحلول، وأنه تعالى حال في جميع الأشياء، أو في بعضها، أو أن له ~~مشاركا في أفعاله من جماد أو حي، أو ميت. كما هو زعم كثير من الفرق ~~المنتمية إلى الإسلام في ms037 زمننا هذا، بل ضرر هؤلاء على الدين أشد من ضرر ~~غيرهم عليه، لأنهم يتلبسون به، ويدعون الزهد والتقى والصلاح، ثم يبثون ~~مقاصدهم لأولي العقول السقيمة، فيأخذونها على أنها من الأسرار الربانية ~~المفاضة عليهم من عالم القدس، فهؤلاء أعظم ضررا من المنافقين. # ثم إنه تعالى بين علة عقول أولئك الذين نعتهم وخفة حلومهم، بأنهم يخادعون ~~من لا يخادع، ولو كان عندهم نوع من الشعور، أو شيء من الإدراك لما فعلوا ~~ذلك، فقال: # {يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون (9)}. # والخديعة: إظهار ما يوهم السلامة والسداد، وإبطان ما يقتضي الإضرار ~~بالغير، والتخلص منه، فهو بمنزلة النفاق في الكفر، والرياء في الأفعال ~~الحسنة، ولما كان هؤلاء لا يعرفون الله تعالى حق معرفته، ولا يعلمون بأنه ~~عالم بخائنة الأعين، وما تخفي الصدور، قادهم الجهل إلى تشبيهه تعالى بخلقه، ~~فظنوا أن الخداع يروج عليه كما يروج على المخلوقين، فكذب ظنهم تعالى بقوله: ~~{وما يخدعون إلا أنفسهم}، وفضحهم وأبان ما استكن في نفوسهم، بأن ما يظهرونه ~~بألسنتهم من القول والتصديق، خلاف الذي في قلوبهم من الشك والتكذيب ليدرؤوا ~~عن أنفسهم، بما أظهروا بلسانهم حكم الله عز وجل، اللازم من كان بمثل حالهم ~~من التكذيب، لو لم يظهر بلسانه ما أظهر من التصديق والإقرار من القتل ~~والسباء، فذلك معنى خداع المنافق ربه، وأهل الإيمان بالله تعالى، وهذا أولى ~~من قول من قال: إن الله ذكر نفسه في قوله: {يخادعون الله}، وأراد به رسوله ~~على عادته في تفخيم أمره، وتعظيم شأنه، قال: PageV01P069 # {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله} [الفتح: 10]، وهذا المعنى ليس ~~بكثير البعد عن معنى الآية، لأنهم لما خادعوا النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، كانوا كالمخادعين لله تعالى، ولكن ما ذكرناه أقرب إلى المرام، ومن قول ~~من قال أيضا: إن صورة حالهم مع الله حيث يظهرون الإيمان، وهم كافرون، صورة ~~من يخادع، وصورة صنيع الله معهم حيث أمر بإجراء أحكام المسلمين عليهم، وهم ~~عنده في عداد الكفرة صورة صنيع المخادع، وكذلك صورة صنيع المؤمنين ms038 معهم، ~~حيث امتثلوا أمر الله فيهم، فأجروا أحكامه عليهم. # وقد أبدى أبو جعفر الطبري سؤالا فقال: إن قال قائل: وكيف يكون المنافق ~~لله وللمؤمنين مخادعا، وهو لا يظهر بلسانه خلاف ما هو له معتقد إلا تقية؟ ~~وأجاب بما حاصله: أن العرب لا تمتنع من أن تسمي مثل هذا خداعا، ولما كان ~~المنافقون يظهرون ذلك، ليتخلصوا من القتل والسباء في العاجل، وطمعوا في ~~أموال الغنائم، وهم لغير ما أظهروا مستبطنون، كان فعلهم هذا خداعأ لأنفسهم ~~في الحقيقة، لأنهم يظهرون لما يفعلون من ذلك بها، أنه يعطيها أمنيتها، ~~ويسقيها كأس سرورها، وهم يوردونها به حياض عطبها، ويجرعونها به كؤوس ~~عذابها، ويزيدونها من غضب الله، وأليم عقابه ما لا قبل لها به، فذلك ~~خديعتهم أنفسهم، ظنا منهم مع إساءتهم إليها في أمر معادها، أنهم إليها ~~محسنون، كما قال تعالى: # {وما يخدعون إلا أنفسهم ولا يشعرون} إعلاما منه عباده المؤمنين، أن ~~المنافقين بإساءتهم إلى أنفسهم، وإسخاطهم ربهم بكفرهم، وشركهم وتكذيبهم، ~~غير شاعرين، ولا دارين، ولكنهم على عمياء من أمرهم مقيمون، ومن هنا تعلم أن ~~المفاعلة أتت على بابها، من كونها بين اثنين، والمعنى: أن المنافق يخادع ~~الله، ويكذبه بلسانه، على ما قد تقدم وصفه، والله تعالى يجري عليه أحكام ~~الدنيا فيوصله إلى مقصده من النجاة، من القتل والسباء، ولكنه يخذله عن حسن ~~البصيرة بما فيه نجاة نفسه، في أجل معاده، وهذا نظير قوله تعالى: {يوم يقول ~~المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من PageV01P070 ### || CHECK مخادعة النفس وأمراض القلب # نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب} (¬1) الآية. # وقوله: {وما يخدعون إلا أنفسهم}، معناه: أن المنافقين خادعوا الله ~~والمؤمنين فلم يخدعوهم، بل كان الخداع لأنفسهم دون غيرها، لأن من خادع ~~العالم بخداعه، لا يكون خداعه إلا لنفسه، وهذا كقولك: فلان يضار فلانا، وما ~~يضار إلا نفسه، أي: دائرة الضرار راجعة إليه، وغير متخطية إياه، ويصح أن ~~يكون المعنى: وهم في ذلك يخدعون أنفسهم حيث يمنونها الأباطيل، ويكذبونها ~~فيما يحدثونها به، وأنفسهم كانت ms039 تمنيهم وتحدثهم بالأماني، ونفس الشيء ذاته، ~~والشعور: علم الشيء على حس، والمعنى: أن لحوق ضرر ذلك بهم كالمحسوس، وهم ~~لتمادي غفلتهم كالذي لا حس له. # ثم بين سبحانه أن سبب الغفلة عن هذا الظاهر، كون آلة إدراكهم شغلها المرض ~~عن إدراك ما ينفعها، فهي لا تجنح إلا لما يؤذيها، فقال: # {في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون (10)}. # أي: إن في قلوبهم مرضا من أصل الخلقة، يوهن قوى الإيمان التي فيها، كذا ~~حكاه "البقاعي" في كتابه "نظم الدرر"، والذي لاح لي، أن ذلك المرض وإن كان ~~مرضا حقيقيا متصلا بهم من أصل الخلقة، وهو الذي سبب لهم سوء الاعتقاد ~~والكفر، إلا أنه لما كان ذلك متأصلا في نفوسهم، وجاءهم الكتاب العزيز ~~بالبينات والهدى، ودين الحق، وقفوا حائرين بين أحد أمرين، إما أن يتبعوا ~~ذلك الهدى ويطيعوا النبي - صلى الله عليه وسلم -، فيسلموا من عذابي الدنيا ~~والآخرة، وإما أن يجاهروا بالعصيان والامتناع، فيحصل لهم المقت دنيا وأخرى، ~~فمنعهم مرض قلوبهم من اتباع الخطة الأولى، ولضعفهم لم يستطيعوا المجاهرة ~~بالثانية، فمزجوا بينهما، ولبسوا ثوب الخداع، فأظهروا الإيمان بالله ~~وبرسوله، وأبطنوا الكفر، وارتقبوا حلول السوء بالنبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، ولما رأوا أنه هو الغالب، وأن أمره لا يزال في ازدياد، وشأنه لم يزل في ~~اعتلاء، امتلأت صدورهم حسدا وحقدا، وغلت صدورهم على رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، PageV01P071 ### || CHECK الغل والحسد من أمراض القلب # والمؤمنين، غلا وحنقا، و {بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر} ~~[آل عمران: 118]، فأثر ذلك في أوهامهم فامتلكها، وسرى إلى قلوبهم فأثر ~~فيها، والحسود المبغض، كلما ازدادت نعمة المحسود ازداد حسرة، وقلقا ومرضا، ~~فازداد مرض قلوبهم الطبيعي لذلك، زيادة ترتقي كلما علا شأن الإسلام، وسرى ~~نوره في الأقطار، وإلى هذا الإشارة بقوله تعالى: {فزادهم الله مرضا} بإظهار ~~الله هذا الدين على جميع الأديان، وتفضل الله على نبيه حتى أظهره على الدين كله. # كانوا يعللون أنفسهم، ويداوون مرض قلوبهم، بما يتحدثون به في نواديهم، ms040 ~~بأن ريح الإسلام تهب حينا، ثم تسكن، ولواءه يخفق أياما ثم يقر، فأكذب الله ~~أمانيهم، فرجعوا بصفقة المغبون، وقطع آمالهم، فضعفت قلوبهم حين ملكها ~~اليأس، عندما أنزل الله على رسوله النصر، وأظهر دين الحق، واعتراها مرض لا ~~يزال في ازدياد وعذاب أليم، من الحسرة، واتقاد نيران الحسد في الدنيا، ~~وعذاب أليم يوم تجد كل نفس ما أحضرت، يوم ينكشف الغطاء، وتزدلف الجنة ~~للمتقين، غير بعيد، ولشبه هذا المعنى، يرمي قول "ابن عباس": {في قلوبهم ~~مرض}، المرض: النفاق، وقول جمع من الصحابة: في قلوبهم شك، وقد لاح لك مما ~~قدمناه، أنا حملنا المرض في الآية على حقيقته، وهو الموافق لبلاغة القرآن ~~الكريم، ولا مانع من أن يحمل المرض على معناه المجازي، فتجعله استعارة لبعض ~~أعراض القلب، كسوء الاعتقاد والغل والحسد، والميل إلى المعاصي، والعزم ~~عليها، واستشعار الجبن، والضعف، وغير ذلك مما هو فساد وآفة، شبهه بالمرض، ~~كما استعيرت الصحة والسلامة في ضد هذه المذكورات. # والمراد به هنا ما في قلوبهم من سوء الاعتقاد والكفر، أو من الغل والحسد ~~والبغضاء، وإذا تأملت هذا المعنى وجدته مندرجا في المعنى الذي قبله، لأن ~~ذلك نتيجة هذا، أو تقول: إن في هذا بيان السبب، وفي ذاك بيان ما تسبب عنه. # وقوله جل شأنه: {فزادهم الله مرضا}، معناه: على مرضهم، وزادهم من الأسباب ~~التي أنتجت له ذلك المرض، فزادهم غما على غمهم، وزادهم من نظير ما في ~~قلوبهم من الشك والحيرة. # و{الأليم} الموجع، على حد قول الشاعر: PageV01P072 ### || CHECK مبحث في حقيقة أدب المنافقين # وخيل قد دلفت لها بخيل ... تحية بينهم ضرب وجيع (¬1) # ومعناه: ولهم عذاب مؤلم، فصرف مؤلم إلى أليم. # قال الضحاك: وكل شيء في القرآن من الأليم فهو الموجع. # وقوله: {بما كانوا يكذبون}، رمز إلى قبح الكذب وسماجته، وتخيل أن العذاب ~~الأليم لاحق بهم من أجل كذبهم، في قولهم: {آمنا بالله وباليوم الآخر}، وهذا ~~المعنى يناسب قراءة "يكذبون" بفتح المثناة التحتية، وسكون الكاف، وهي قراءة ~~معظم أهل الكوفة، وقرأ معظم أهل المدينة والحجاز والبصرة "يكذبون" ms041 بضم ~~المثناة التحتية، وفتح الكاف، وكأنهم رأوا أن الله تعالى أوجب للمنافقين ~~العذاب الأليم، بتكذيبهم نبيهم محمدا - صلى الله عليه وسلم -، وليس هذا ~~المعنى بجيد لما جرت سنة الله به في كتابه، أن يفتتح ذكر محاسن أفعال قوم، ~~ثم يختم ذلك بالوعد على ما افتتح به ذكره من أفعالهم، ويفتتح ذكر مساوئ ~~أفعال آخرين، ثم يختم ذلك بالوعيد على ما ابتدأ به ذكره من أفعالهم، وهنا ~~أخبر الله عن المنافقين في أول الخبر عنهم في هذه السورة، بأنهم يقولون: ~~{آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين (8)} [البقرة: 8]، وما كان قولهم ~~هذا إلا خداعا وكذبا، فالواجب إعادة قوله: {بما كانوا يكذبون} إلى هذا، PageV01P073 ### || CHECK عاقبة المفسدين ومعنى الفساد # وأن يقرأ "يكذبون" بفتح الياء، ليكون الوعيد منه لهم، على ما افتتح به ~~الخبر عنهم من قبيح أعمالهم، وذميم أخلاقهم، دون ما لم يجر له ذكر من ~~أفعالهم، ولك أن تأخذ هذه القاعدة وتسير بها في تفسير كل ما رأيته من هذا ~~النمط، ليتضح لك دقائق الختام من ملاءمته للبدء، كان جعل "يكذبون" بضم ~~الياء، من "كذب" بتشديد الذال المعجمة، على معنى الدلالة على قوة الكذب، ~~وعظمه، كما يدل بين المشدد والياء، على كمال ظهور الشيء واتضاحه كأنه قيل: ~~يكذبون كذبا عظيما، أو جعل "يكذبون" بمعنى الكثرة، في الفاعل، كقولهم: "موت ~~الإبل"، بتشديد الواو، استقام المعنى، وعاد التكذيب إلى كذبهم الذي كذبوه ~~في أول الخبر. # ولما أخبر تعالى عن بواطنهم، أتبعه من وصف الظاهر ما يدل على الباطن، ~~فبين أنهم إذا نهوا عن الفساد العام ادعوا الصلاح العام فقال: # {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون (11)}. # والمعطوف بالواو هنا، يصح أن يكون معطوفا على "يكذبون"، ويكون المعنى: ~~{ولهم عداب أليم بما كانوا يكذبون}، وبالذي {إذا قيل لهم لا تفسدوا}، ~~ومعناه: أن العذاب الأليم الذي وعدوا به، مسبب عن كذبهم، وعن فسادهم في ~~الأرض، لما في تينك الخصلتين من القبح الواجب على كل عاقل أن يحترز عنه، ~~والصناعة النحوية لا ms042 تمنعك من عطفه على {آمنا}، ويكون المعنى: ومن الناس ~~ناس إذا قيل لهم لا تفسدوا، وعلى هذا الوجه تكون الآيات على نمط تعديد ~~قبائحهم، وإفادتها اتصافهم بكل من تلك الأوصاف استقلالا، وقصدا، ودلالتها ~~على أن لحوق العذاب الأليم بسبب كذبهم الذي هو أدنى أحوالهم في كفرهم ~~ونفاقهم، فما ظنك بسائرها، ولطافة هذا المعنى لم ترتق إلى درجة حسن المعنى ~~الأول، ولا إلى لطافته، حيث إنه لم يجعل المفسدين في الأرض مشاركين لمن ~~قبلهم في العذاب الأليم، بخلاف المعنى الثاني، فإنه جعلهم مشتركين فيه. # والفساد: خروج الشيء عن حال استقامته، وعن كونه منتفعا به، ونقيضه ~~الصلاح، وهو: الحصول على الحالة المستقيمة النافعة، والفساد في الأرض: ~~العمل فيها بما نهى الله عنه، وتضييع ما أمر الله بحفظه، كما قال الله ~~تعالى PageV01P074 ### || CHECK فائدة في معنى "ألا" الاستئنافية # حكاية عن الملائكة أنهم قالوا: {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء} ~~[البقرة: 30] كأنهم يقولون: أتجعل في الأرض من يعصيك ويخالف أمرك، ألا ترى ~~أن الكاذب ينتج كذبه غش الناس وخداعهم، والذي لم يقف عند حدود الله كيف ~~يغتصب مال هذا، ويتوصل بالزور والبهتان إلى ضرر هذا، والحاكم بغير ما أنزل ~~الله، كيف يوقع الناس في تضييع الحقوق، وإعطاء المال لغير مالكه، يتصرف فيه ~~مع حرمان المالك عنه، إلى غير ذلك من الموبقات التي من جملتها إثارة الحروب ~~والفتن، وانتفاء الاستقامة عن أحوال الناس، والزروع والمنافع الدينية ~~والدنيوية، فكذلك صفة أهل النفاق بمعصيتهم في الأرض ربهم، وركوبهم فيها ما ~~نهى الله عن ركوبه، وتضييعهم فرائضه، وشكهم في دين الله الذي لا يقبل عملا ~~من أحد إلا بالتصديق به، والإيقان بحقيقته، وكذبهم المؤمنين بدعواهم، غير ~~ما هم عليه مقيمون من الشك والريب، وبمظاهرتهم أهل التكذيب بالله وكتبه ~~ورسله، على أولياء الله، إذا وجدوا إلى ذلك سبيلا، فذلك إفساد المنافقين في ~~أرض الله، وهم يحسبون أنهم بفعلهم ذلك مصلحون فيها، فلم يسقط الله عنهم ~~عقوبته، ولا خفف عنهم أليم ما أعد من عقابه لأهل معصيته، بحسبانهم أنهم ms043 ~~فيما أتوا من معاصي الله مصلحون، بل أوجب لهم الدرك الأسفل من ناره، ~~والأليم من عذابه. # ورد عليهم إفكهم بقوله: # {ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون (12)}. # فأتى ب {ألا} الدالة على التنبيه، على أن ما بعدها محقق، وهي مركبة. من ~~الهمزة التي للاستفهام، و "لا" النافية، وهمزة الاستفهام إذا دخلت على ~~النفي أفادت التحقيق، ومن أجل ذلك لا تكاد تقع الجملة بعدها، إلا مصدرة ~~بنحو ما يتلقى به القسم، فرد الله ما ادعوه من الانتظام في سلك المصلحين ~~أبلغ رد، وأدله على سخط عظيم، و {ألا} ملغية جاءت من جهة الاستئناف، ومن ~~جهة ما في {ألا}، و "إن"، من معنى التأكيد، ومن جانب تعريف الخبر، وتوسيط ~~ضمير الفصل بين اسم إن وخبرها. PageV01P075 ### || CHECK لماذا سمى المولى سبحانه المنافقين بالسفهاء # ثم ختم الرد بقوله: {ولكن لا يشعرون} أي: لم يحصل لهم شعور بأنهم كذلك، ~~لأنهم يظنون أن الذي هم عليه من إبطان الكفر صلاح، فالشعور ذاهب عنهم، ~~والتفريق بين الرشاد والغي ليس من شأنهم، ولا من شأن من كان على شاكلتهم، ~~في كل زمان ومكان. # والآية وإن كان ظاهرها التنديد بأفعال المنافقين، الذين كانوا في زمن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإنها شاملة لكل من حذا حذوهم وسلك طريقهم، ~~وقد أشار "سلمان الفارسي" إلى هذا المعنى فيما روي عنه من قوله: "لم يجيء ~~هؤلاء الموصوفون بهذه الصفات بعد" ومعناه: أن أصحاب هذه الصفة لم ينقرضوا، ~~بل كلما ذهب فوج منهم خلفه فوج آخر، وإذا تأملت سبيل الوجود، وسنة الله في ~~خلقه، وجدت هؤلاء في كل زمان، ولم تتأخر الأمم ويأتيها الفساد إلا من ~~جهتهم، ثم إن المصلحين إذا فاتحوهم بالنصيحة قالوا: إنما نحن مصلحون، وهم ~~لعدم شعورهم يعتقدون الفساد إصلاحا، والغي نجاحا، فإذا قبح لهم أحد ما ~~كانوا عليه لبعده من الصواب، وجره إلى الفساد والفتنة، أو بضرهم بالطريق ~~المستقيم، وأنه في اتباع ذوي العقول، وفي الدخول في عدادهم، قابلوا النصيحة ~~بالتسفيه والتجهيل، فما أشد ضررهم على الأمة، وما أعظم ms044 ما يجرونه إليهم من ~~الضرر وتخريب البلاد. # ولما بين سبحانه وتعالى حالهم إذا أمروا بالصلاح العام، بين أنهم إذا ~~دعوا إلى الصلاح الخاص، الذي هو قبل كل صلاح، حملتهم الجلافة على النفور ~~وعدم الانقياد، فسموا سفهاء فقال: # {وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم ~~هم السفهاء ولكن لا يعلمون (13)}. # والمعنى: أنه إذا قيل لهم: {آمنوا} ظاهرا وباطنا، {كما آمن الناس، قالوا: ~~أنؤمن كما آمن السفهاء} الذين استدرجهم إلى ما دخلوا فيه، بعد ترك ما كان ~~عليه آباؤهم، كان ذلك منهم لخفة نشات عن ضعف عقولهم، فحصر سبحانه السفه ~~فيهم، حيث قال: {ألا إنهم هم السفهاء} لا غيرهم، لجمودهم على PageV01P076 ### || CHECK مبحث في معنى السفه # رأيهم، مع أن بطلانه أظهر من الشمس ليس فيه لبس، ولكن ليس لهم علم أصلا ~~بذلك، ولا بغيره، ولا يمكن أن يكون لهم علم، لأن جهلهم مركب، وهو أسوأ ~~الجهل، والعلم: ما أخذ بعلامة أو أمارة نصبت عليه، ولما كان الفساد يكفي في ~~معرفته، والصد عنه، أدنى تأمل، والسفه لا يكفي في إدراكه والنهي عنه إلا ~~رزانة العلم، ختمت كل آية بما يناسب ذلك من الشعور والعلم، ولما كان العام ~~جزءا من الخاص، قدم عليه. # فقوله: {كما آمن الناس}، "ما" مصدرية، والمراد ب {الناس} الكاملون في ~~الإنسانية، وهم الجامعون لما يعد من خواص الإنسان وفضائله، فهم لذلك ~~يستحقون أن يحصر فيهم الجنس كأنهم الجنس كله، فهذا الحصر بالنظر إلى ~~كمالهم، وإذا لوحظ أن غير المؤمنين كالبهائم، في فقد التمييز بين الحق ~~والباطل، بل أدنى مرتبة منها، فلا يندرجون في الناس، بل كان منحصرا في ~~المؤمنين إيمانا حقيقيا، الآخذين بأساليب الإصلاح وطرقه الحقيقية، الناجحين ~~في جميع مساعيهم بمساعدة العناية الربانية، كان هذا حصرا بالنظر إلى نقصان ~~من عداهم، وقصورهم عن رتبة الإنسانية، ومعنى الإنكار في {أنؤمن}، أن ذلك لا ~~يكون أصلا. # و{السفهاء}: جمع سفيه، وهو الجاهل الضعيف الرأي، القليل المعرفة بمواضع ~~المنافع والمضار، وإنما نسبوا المؤمنين إلى السفه، وإلى ركاكة ms045 العقل وخفته، ~~لأنهم بجهلهم وإخلالهم بالنظر، وبإنصاف أنفسهم، اعتقدوا أن ما هم فيه هو ~~الحق، وأن ما عداه باطل، ومن ركب متن الباطل كان سفيها، ولأن المنافقين ~~كانوا في رياسة وبسطة في قومهم، وكانوا في يسار، وكان أكثر المؤمنين فقراء، ~~وفيهم الموالي، فدعوهم سفهاء تحقيرا لشأنهم. # لقد قص الله علينا نبأ المنافقين في هاته الآيات ليعلمنا العلم ~~الاجتماعي، ويرشدنا إلى مسالك البشر، ويرشدنا إلى أن الاعتماد على النفس من ~~السبل الناجحة الموصلة إلى المطلوب، وأن الركون إلى العادة التي كان عليها ~~الآباء هي العثرة العظيمة في سبيل السير، وأن المصلح لا بد له من أن يخلع ~~لباس اتباع العادات، ولا يبالي باستهزاء أعداء الإصلاح، ولا بما يوقعونه في ~~سبيله من PageV01P077 # العقبات، معتمدا في ذلك على الله، سائلا منه أن يوفقه لمقاصده، لئلا يزيغ ~~كما زاغ أولئك الذين إذ قيل لهم: {لا تفسدوا}، جعل العادة هاديا لهم، ~~فاختلط عليهم الحق بالباطل، فقالوا: {إنما نحن مصلحون}، ومثل هؤلاء موجود ~~في كل زمان، وفي كل مكان، وإذا نصحهم الناصح بأن يتبعوا طريق الحق، ويجعلوا ~~النور المبين ضياء لهم في سيرهم، بدلا من ظلام اتباع العوائد، أخذتهم ~~الأنفة، وقادهم الكبر إلى الغرور، فقالوا: أنتخذ من الكتاب المنزل مأمنا ~~كما اتخذه السفهاء، لاعتقادهم أن عقولهم أوفى العقول وأشرفها، وأن ما كان ~~عليه أسلافهم لا ينبغي العدول عنه بوجه من الوجوه، وأن من عدل عنه كان ضعيف ~~الرأي سفيها، ولم يدروا أن ما هم عليه هو السفه بذاته، فعلى العاقل أن ~~يتدبر أسرار هذا الموضع، وما فيه من الإرشاد إلى علم الاجتماع، ولا يقرأه ~~قراءة من يقرأ القصص، ولا يعلم ما ترمي إليه، كما هو شأن المقلدين ~~لأسلافهم، المغترين بما عندهم من نقطة ماء يحسبونها بحرا، واتخذوا التلون ~~شرعة ومنهاجا، وعدم الثبات ديدنا لهم، كما أخبر عنهم تعالى بقوله: # {وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا ~~معكم إنما نحن مستهزئون (14)}. # يقال: لقيته ولاقيته، إذا استقبلته قريبا منه، والمعنى: أنه إذا حصل ms046 منهم ~~استقبال للذين آمنوا، {قالوا} لهم: {آمنا} بمحمد، وبما جاء به من عند الله، ~~ولم يكن قولهم ذلك، إلا خداعا عن دمائهم وأموالهم، وذراريهم، {واذا خلوا ~~إلى شياطينهم} أي: انفردوا مع مودتهم وأهل العتو والشر، والخبث منهم، ومن ~~سائر أهل الشرك الذين هم على مثل الذي هم عليه من الكفر بالله، وبكتابه، ~~ورسوله، وهم شياطينهم، {قالوا} لهم: {إنا معكم} على دينكم وظهراؤكم على من ~~خالفكم فيه، وأولياؤكم دون أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم -، و {إنما نحن ~~مستهزؤون} بالله وبكتابه، وبرسوله، وساخرون بذلك وبالمؤمنين، ولاعبون بهم، ~~وأنت خبير بأن مثل هؤلاء لا يكيدون عدوا، ولا يعينون في أمر مهم ولا يحصل ~~منهم إلا الضرر. # ولما كان فعلهم ليس على مقتضى أفعال الإنسانية أجابهم تعالى بقوله: PageV01P078 # {الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون (15)}. # الاستهزاء في كلام العرب: إظهار المستهزئ للمستهزأ به، من القول والفعل ~~ما يرضيه ويوافقه ظاهرا، وهو بذلك من قوله وفعله، مورثه مساءة باطنا، وكذلك ~~معنى الخداع والسخرية والمكر، وحيث إن هذا ### || AUTO معنى الاستهزاء # ، وكان الله تعالى قد جعل لأهل النفاق في الدنيا من الأحكام، بما أظهروا ~~بألسنتهم من الإقرار بالله ورسوله، وبما جاء به من عند الله المدخل لهم في ~~عداد من يشمله اسم الإسلام، وإن كانوا مستبطنين خلاف ذلك، منطوية ضمائرهم ~~على خلاف ما عليه أهل الإيمان الصحيح، مع علم الله تعالى بكذبهم، وإطلاعه ~~على خبث اعتقادهم، وشكهم فيما ادعوا بألسنتهم، أنهم به مصدقون، حتى ظنوا ~~أنهم يحشرون في الآخرة في عداد من كانوا في عدادهم في الدنيا، وأنهم واردون ~~موردهم وداخلون مدخلهم، والله تعالى، مع إظهاره ما قد أظهر لهم من الأحكام ~~التي ألحقتهم بالمؤمنين، جعل تمييزا بينهم وبين أوليائه، وتفريقا بينهم ~~وبينهم، وأعد لهم في الآخرة من العقاب والنكال ما أعده لأعدى أعدائه، وأشر ~~عباده، وأعد لهم الدرك الأسفل من النار، ثم هم فيه لا يجدون وليا ولا ~~نصيرا، كما كانوا يجدون ذلك في الدنيا، وأعد لهم في الدنيا نكالا خفيا، وهو ~~أنهم لا ms047 يزالون في حسرة وحزن واتقاد نار الحسد في قلوبهم، يزداد ذلك ~~بازدياد فوز المؤمنين على أعدائهم، وبإعلاء كلمة الإيمان، ويتجدد بذلك ~~تجددا لا يرجى انقاطعه، وما فعله بهم، وإن كان مجازاة لهم على أفعالهم، ~~فإنه منه سبحانه وتعالى عدل، لاستحقاقهم إياه بعصيانهم له، وكان بما أظهر ~~لهم من الأمور التي أظهرها لهم، من إلحاقه أحكامهم في الدنيا باحكام ~~أوليائه، وهم له أعداء، وحشره إياهم في الآخرة مع المؤمنين، وهم به من ~~المكذبين، إلى أن ميز بينهم وبينهم مستهزئا وساخرا، ولهم خادعا وبهم ماكرا، إذ كان ### || AUTO معنى الاستهزاء # ، والسخرية، والمكر والخديعة، ما وصفنا قبل، دون أن يكون ذلك معناه في ~~حال فيها المستهزئ بصاحبه له ظالم، أو عليه فيها غير عادل، بل ذلك معناه في ~~كل أحواله، إذا وجدت الصفات التي قدمنا ذكرها في ### || AUTO معنى الاستهزاء # ، وروى أبو جعفر الطبري عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: {الله يستهزئ ~~بهم}، قال: يسخر منهم للنقمة منهم. PageV01P079 ### || CHECK معنى شراء المنافقين الضلالة بالهدى # ومعنى {يمدهم}: يزيدهم، ويملي لهم ويتركهم {في طغيانهم}، أي: في ضلالهم ~~وكفرهم، وتجاوز الحد في ذلك {يعمهون}، أي: يترددون حيارى (¬1) ضلالا لا ~~يجدون إلى المخرج سبيلا، قد طبع الله على قلوبهم، وختم عليها فأعمى أبصارهم ~~عن الهدى، وأغشاها فلا يبصرون رشدا، ولا يهتدون سبيلا، فقوله: {يمدهم}، ~~مضارع "مد" الجيش، وأمده إذا زاده، وألحق به ما يقويه ويكثره، و"الطغيان": ~~الغلو في الكفر، ومجاوزة الحد في العتو، ومعنى {يعمهون} يتخبطون تخبط الذي ~~لا بصيرة له أصلا، مأخذوة من العمه، وهو: انبهام الأمور التي فيها دلالات ~~ينتفع بها عند فقد الحس، فلا يبقى لصاحبه سبب يرجعه عن طغيانه، فلا يتعدى ~~حدا إلا عمه، فلم يرجع عنه، فهو أبدا متزايد الطغيان. ولما تقرر ذلك كله ~~كانت فذلكته بدون توقف: # {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين (16)}. # إن قال قائل: كيف اشترى هؤلاء القوم الضلالة بالهدى، وقد كانوا منافقين ~~لم يتقدم نفاقهم إيمان فيقال فيهم: باعوا هداهم الذي ms048 كانوا عليه بضلالتهم ~~التي استبدلوها منه، والشراء اعتياض شيء، ببذل شيء مكانه عوضا منه، ~~والمنافقون الذين وصفهم الله بهذه الصفة، ألم يكونوا قط على هدى فيتركوه ~~ويعتاضوا منه كفرا ونفاقا؟ أجيب بما روي عن ابن عباس وابن مسعود، أنهما ~~قالا: أخذوا الضلالة وتركوا الهدى، وذلك أن كل كافر بالله مستبدل بالإيمان ~~كفرا، باكتسابه الكفر الذي وجد منه، بدلا من الإيمان الذي أمر به، لأن كل ~~مشتر شيئا فإنما يستبدل مكان الذي يؤخذ منه من البدل آخر بدلا منه، فكذلك ~~المنافق والكافر، استبدلا بالهدى، الضلالة والنفاق، كما قال تعالى: {ومن ~~يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل (108)} [البقرة: 108] فأضل الله ~~أولئك وسلبهم نور الهدى، فترك جميعهم {في ظلمات لا يبصرون} [البقرة: 17]، ~~فخسروا بذلك، {فما ريحت تجارتهم}، لأن PageV01P080 ### || CHECK لماذا أسند عدم الربح إلى التجارة؟ # الرابح من التجار، هو: المستبدل من سلعته المملوكة عليه بدلا هو أنفس من ~~سلعته التي هي بضاعته، أو أفضل من ثمنها الذي يبتاعه به، فأما المستبدل من ~~سلعته بدلا دونها، ودون الثمن الذي يبتاعها به، فهو الخاسر في تجارته لا ~~شك، فكذلك الكافر والمنافق لأنهما اختارا الحيرة والعمى، على الرشاد ~~والهدى، والخوف والرعب على الحفظ والأمن، فاستبدلا في العاجل، بالرشاد ~~الحيرة، وبالهدى الضلالة، وبالحفظ الخوف، وبالأمن الرعب؛ مع ما قد أعد لهما ~~في الآجل من أليم العقاب، وشديد العذاب، فخابا وخسرا، ذلك هو الخسران ~~المبين، استبدلوا الدين القيم الذي هو فطرة الله التي فطر الناس عليها، ~~بالضلال، فكل من ضل فهو مستبدل خلاف الفطرة. # فإن قلت: كيف أسند عدم الربح إلى التجارة، وإنما هو لأصحابها لا لها. # قيل: هو من الإسناد المجازي، وهو أن يسند الفعل إلى شيء يتلبس بالذي هو ~~في الحقيقة له، كما تلبست التجارة بالمشترين، وذلك أن الله تعالى خاطب عربا ~~فسلك في خطابه إياهم وبيانه لهم، مسلك خطاب بعضهم بعضا، وبيانهم المستعمل ~~بينهم، وأنت إذا تأملت الكتاب العزيز، وجدته سالكا هذا الأسلوب البديع من ~~التعبير بالحقيقة، حيث تكون البلاغة في جانبها، وبالمجاز حيث ms049 تكون البلاغة ~~في جانبه، وبالأوصاف التي تعرفها العرب، كما في أوصاف الجنة، من أن فيها: ~~فاكهة ونخلا ورمانا، والنار من أن فيها سلاسل، وأغلالا وسعيرا، وإن كانت ~~حقيقة ما فيهما وراء ذلك، وما هو إلا وصف للشيء بما يقربه إلى العقول، وهذه ~~القاعدة تنفع في كثير من تفسير الكتاب العزيز. # وقوله: {وما كانوا مهتدين}، معناه: أنهم ما كانوا رشداء في اختيارهم ~~الضلالة على الهدى، واستبدالهم الكفر بالإيمان، واشترائهم النفاق بالإقرار ~~والتصديق، فلم يهتدوا لطرق التجارة، كما يكون التجار المتصرفون العالمون ~~بما يربح فيه ويخسر. # تلك أوصاف المنافقين، قصها الله علينا لنعتبر بها، ونعلم أن كل من خادع ~~في شرع الله وفي دينه، مندرج مع أولئك خاسر في تجارته، وغير مهتد إلى PageV01P081 ### || CHECK الأمثال في القرآن الكريم # السلوك في طريق الحق، كل من أظهر التقى والصلاح، ليوقع الناس في شباك ~~مكره وحيلته، وكل من دلس عليهم، يبتغي الاستفادة من أموالهم سفها وظلما، ~~فذلك خاسر في تجارته، غير مهتد إلى سواء، متصف بأوصاف المنافقين، أولئك ~~الذين كانوا يقفون عقبة، أمام ترقي النوع الإنساني ليستفيدوا جر مغنم خاص ~~إليهم، ولا يبالون بهلاك غيرهم، لأن الشرائع لم تأت إلى البشرية لترقي ذلك ~~النوع، وتفيض عليه أنواع العلوم بخالقه، وبما يرشده إلى سلوك سبيل الهدى في ~~معاشه ومعاده، ليكون سعيدا في الدارين. # فإذا صادمها مصادم، أو صادها صاد، كان خارجا عن فطرة الله التي فطر الناس ~~عليها، فوجه الله اللوم إليه وغمره بعظيم عقابه، وخيب مساعيه، وكان مثله ~~ومثل من هم على شاكلته، كما أخبر تعالى بقوله: # {مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم ~~في ظلمات لا يبصرون (17)}. # ضرب الأمثال في الكلام نوع عال من أنواع البلاغة، وكلما كان المثل مطابقا ~~لمقتضى الحال، ارتقى الكلام رتبة في درجات البلاغة، لأن الأمثال تؤثر في ~~القلوب، ما لا يؤثره وصف الشيء في نفسه، لما فيها من تشبيه الخفي بالجلي، ~~والغائب بالشاهد، فيتأكد الوقوف على ماهيته، ويصير الحس مطابقا للعقل، ألا ~~ترى ms050 أن الإيمان، إذا مثل بالنور، يتأكد وقوعه في القلب، تأكدا لا يكون كذلك ~~إذا ذكر مجردا بدون تشبيه؟ وأن الكفر إذا ذكر مجردا عن التمثيل لم ينفر ~~القلب منه، مثل نفرته عنه إذا شبه بالظلمة؟ ولا تتأكد النفرة مثل تأكدها ~~إذا مثل بها؟ ولهذا مثل تعالى حالة المنافقين في تحيرهم وتلاعبهم، وما هم ~~عليه من الأحوال العجيبة الشأن بحالة الذي استوقد نارا، ولما كانوا بأجمعهم ~~متفقين على حالة واحدة، ومسلك واحد من النفاق، وسالكين قانونا واحدا لا ~~يتجاوزونه، عد فعلهم كانه فعل رجل واحد منهم، فمثل بحالة شخص استوقد نارا، ~~وهو نوع من البلاغة يعد في طبقة الإعجاز، وأشار إلى ذلك بقوله: {مثلهم} ~~فكان المعنى: أن مثلهم في أفعالهم، وأحوالهم التي وإن تعدد الفاعلون لها ~~كانت لاتفاقهم عليها، PageV01P082 ### || CHECK الفرق بين الضوء والنور # كفعل رجل واحد، {كمثل الذي استوقد نارا} ووقود النار: سطوعها وارتفاع ~~لهبها، و {استوقد} بمعنى أوقد كما قال الشاعر: # وداع دعا يا من يجيب إلى الندى ... فلم يستجبه عند ذاك مجيب (¬1) # يريد: فلم يجبه، وهذا المسلك الذي سلكناه أولى ببلاغة الكتاب العزيز، ~~وبعض المفسرين سلك في الآية مسلكا، ارتكب به نقل الكلمة عن معناها الذي هو ~~الأغلب في استعمال العرب إلى غيره، من غير حجة ولا برهان، ولا موجب يقتضي ~~ذلك، فجعل {الذي} بمعنى "الذين"، ولم يدر أن التشبيه إذا كان للذوات لزم ~~تشبيه المتعدد بالمتعدد، فتقول: كأن أجسام هؤلاء النخل، ولا تقول كأن ~~أجسامهم النخلة، وإذا كان التشبيه للأخلاق والأفعال، كان الأفصح تشبيه ~~أخلاق الجماعة أو أفعالهم بالواحد، كما أشرنا إليه، فتقول: إن أخلاق هؤلاء ~~كطعم الحنظلة، وإن فعلهم كمثل الذي اقتدى بفرعون. # وأما النار فعلى مصطلح أهل اللغة هي: جوهر لطيف، مضيء حار محرق والنور ~~ضوؤها وضوء كل نير، وهو نقيض الظلمة، واصطلح الحكماء على أن الضوء: ما يكون ~~للشيء لذاته، كما للشمس، والنور: ما يكون من غيره، كما للقمر، فإن نوره ~~مستفاد من نور الشمس، وهذا مما يشهد له الكتاب العزيز في قوله تعالى: ms051 {جعل ~~الشمس ضياء والقمر نورا} [يونس: 5] وفي قوله: {فلما أضاءت ما حوله} لأن ضوء ~~النار ما يكون لها لذاتها، والمعنى: أن ذلك المستوقد لما أوقد النار، وأراد ~~أن ينتفع بضوئها في إبصار ما يريد إبصاره، {ذهب الله} الذي له كمال العلم ~~والقدرة {بنورهم} المستفاد من النار، ولا نور لهم سواه، {وتركهم} أي: صيرهم ~~{في ظلمات لا يبصرون} يخبطون في ظلمة، ويتورطون في حيرة، وما أصعب سلب ~~الشيء بعد الوصول إليه، وأسند تعالى الإضاءة إلى النار، على سبيل المجاز ~~العقلي على نمط أنبت PageV01P083 # الربيع البقل، ثم بين بقوله: {ذهب الله بنورهم}، أنه هو الفعال المطلق، ~~والقادر الذي لا يعجزه شيء، إن شاء سلب الأشياء خصائصها، والملزومات ~~لوازمها، فيسلب النار ضوءها إذا شاء، ويهبها إياه إذا أراد. # لما فرغ من المثل، كشف المراد بظلماتهم، بأنها ما في آذانهم من الثقل ~~المانع من الانتفاع بالسماع، وما في ألسنتهم من الخرس عن كلام الخير، ~~الناشئ عن عدم الإدراك، الناشئ عن عمى البصائر، وفساد الضمائر والسرائر، ~~وما على أبصارهم من الغشاوة المانعة من الاعتبار، وعلى بصائرهم من الأغطية ~~المنافية للادكار، فقال: # {صم بكم عمي فهم لا يرجعون (18)}. # هذا خبر من الله جل ثناؤه عن المنافقين، أنهم باشترائهم الضلالة بالهدى ~~لم يكونوا للهدى والحق مهتدين؛ بل هم {صم} عن السماع النافع الموصل إليهما، ~~فلا يسمعون بها لغلبة خذلان الله عليهم، {بكم} عن النطق بهما، فلا ينطقون ~~بهما لأن قلوبهم مختوم عليها، فلا ينبعث منها خير تقذفه إلى الألسنة؛ ~~والبكم الخرس، وهو جمع أبكم. {عمي} عن أن يبصروهما فيعقلوهما، لأن الله قد ~~طبع على قلوبهم بنفاقهم فلا يهتدون، وقد سبق لي أثناء الكلام على تفسير هذه ~~الآية في الدرس، أن قلت: إن السمع والبصر ينقسمان إلى قسمين؛ الأول: سمع ~~وبصر طبيعيان موجودان من أصل الخلقة والفطرة، وهذان يشترك فيهما جميع ~~الحيوانات إلا النادر؛ والثاني: سمع وبصر موهوبان من الله تعالى، وبهما ~~يطلع صاحبهما على أسرار الكون واستجلاء الحقائق، ولهما معين، وهو الفكر ~~المستنير بنور من الله تعالى، ms052 المستمد من حكمة آثار الكون وعجائبه بواسطة ~~البصر، ومن كلام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، بواسطة السمع. # فإذا اهتدت النفس الناطقة، بسبب هذه الثلاثة، انطلق اللسان بالحق، وأنبأ ~~عن تفجر ينابيع الحكمة في القلب، وإلا أصبح اللسان أبكم عن النطق بتلك ~~المواهب، والأعين عميا عن رؤية الآثار الإلهية في الكون، والآذان صما عن ~~سماع كلام الأنبياء، وحكمة الحكماء. # فالمنافقون وإن وهبوا القسم الأول فإنهم لم يوهبوا القسم الثاني، كما ~~أخبر PageV01P084 ### || CHECK مبحث لابن القيم حول أقسام بصائر الناس # تعالى عنهم بذلك، وجعله علة لعدم رجوعهم عن غيهم وضلالهم، وإلى هذا ~~الإشارة يقول ابن عباس، فيما رواه عنه ابن جرير، حيث قال: لا يسمعون الهدى ~~ولا يبصرونه، ولا يعقلونه. # ثم رأيت للحافظ شمس الدين محمد ابن قيم الجوزية، في كتابه "مفتاح دار ~~السعادة" عند الكلام على قوله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم} [المائدة: 3] ~~كلاما من هذا الموضوع حسنا، وذلك أنه قال: وبصائر الناس في نور القرآن ~~الباهر تنقسم إلى ثلاثة أقسام: # أحدها: من عدم بصيرة الإيمان جملة، فهو لا يرى من محاسن هذا الدين إلا ~~الظلمات والرعد والبرق، فهو يجعل أصبعيه في أذنيه من الصواعق، ويده على ~~عينيه من البرق، خشية أن يخطف بصره، ولا يجاوز نظره ما وراء ذلك من الرحمة، ~~وأسباب الحياة الأبدية، فهذا القسم هو الذي لم يرفع بهذا الدين رأسا، ولم ~~يقبل هدى الله الذي هدى به عباده، ولو جاءته كل آية، لأنه ممن سبقت له ~~الشقاوة، وحقت عليه الكلمة، ففائدة إنذار هذا إقامة الحجة عليه، ليعذب ~~بذنبه، لا بمجرد علم الله فيه. # القسم الثاني: أصحاب البصيرة الضعيفة الخفاشية، الذين نسبة أبصارهم إلى ~~نور الشريعة الغراء، كنسبة أبصار الخفاش إلى جرم الشمس، فهم تبع لآبائهم ~~وأسلافهم، دينهم دين العادة والمنشأ، وهم الذين قال فيهم أمير المؤمنين علي ~~بن أبي طالب: "أو منقادا للحق لا بصيرة له في إصابة" فهؤلاء إذا كانوا ~~منقادين لأهل البصائر، لا يتخالجهم شك ولا ريب، فهم على سبيل النجاة. # القسم الثالث: وهم خلاصة الوجود، ms053 ولباب بني آدم، وهم أولو البصائر ~~النافذة، الذين شهدت بصائرهم نور الحق المبين، فكانوا منه على بصيرة ويقين، ~~ومشاهدة لحسنه وكماله، بحيث لو عرض على عقولهم ضده لرأوه كالليل البهيم ~~الأسود، وهذا هو المحك والفرقان بينهم وبين الذين قبلهم، فإن أولئك بحسب ~~داعيهم، ومن يقرن بهم، كما قال فيهم علي بن أبي طالب: "أتباع كل ناعق، ~~يميلون مع كل صائح، لم يستضيؤوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق"، PageV01P085 # وهذا علامة عدم البصيرة، فإنك تراه يستحسن الشيء وضده، ويمدح الشيء ويذمه ~~بعينه، إذا جاء في قالب لا يعرفه، فيعظم طاعة الرسول ويرى عظيما مخالفته، ~~ثم هو من أشد الناس مخالفة له، ونفيا لما أثبته، ومعاداة للقائمين بسنته، ~~وهذا من عدم البصيرة؛ ثم قال: وتحت كل من هذه الأقسام أنواع لا يحصي مقادير ~~تفاوتها إلا الله، قال بعض السلف: وما أوتي أحد أفضل من بصيرة في دين الله، ~~وكان بعض السلف الصالح يقول عن الدين الإسلامي: "يا له من دين لو أن له ~~رجالا". # ثم إنه تعالى، أخبر عن القوم، بأنهم لا يرجعون عن اشترائهم الضلالة ~~بالهدى، إلى ابتغاء الهدى وإبصار الحق من غير حصر منه جل ذكره، من حالهم ~~إلى وقت دون وقت، وحال دون حال، فقال: {فهم لا يرجعون}، أي: لا يقلعون عن ~~ضلالتهم، ولا يثوبون إلى الإنابة من نفاقهم، فأيس المسلمون من أن يبين ~~هؤلاء رشدا، ويقولوا حقا، أو يسمعوا داعيا إلى الهدى، أو أن يذكروا فيتوبوا ~~من ضلالتهم، كما آيس من توبة قادة كفار أهل الكتاب والمشركين، وأحبارهم ~~الذين وصفهم بأنه قد ختم على قلوبهم، وعلى سمعهم، وغشي على أبصارهم. # ثم ضرب لهم مثلا آخر في سماعهم القرآن فقال: # {أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من ~~الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين (19) يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما ~~أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم ~~وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير (20)}. # التمثيل الأول والثاني، من ms054 جملة تشبيه هيئة بهيئة، دون تشبيه مفرد بمفرد، ~~والتمثيلات المركبة أبلغ من التمثيلات المفردة، وذلك لأنه يحصل في النفس من ~~تشبيه الهيئات المركبة ما لا يحصل من تشبيه مفرداتها، فإنك إذا تصورت حال ~~من أخذهم الصيب، وهو المطر النازل المنحدر المدرار، في ليلة أرخت سدولها ~~وتكاثفت ظلماتها، بما تراكم بها من السحب، وصارت قطراتها منتسجة مع بعضها ~~بعضا، وتواترت فيها الرعود الهائلة، والبروق المخيفة، والصواعق المختلفة PageV01P086 # المهلكة، وهم في أثناء ذلك يزاولون غمرات الموت، حصل في نفسك هيئة عجيبة، ~~توصلك إلى معرفة حال المنافقين، على وجه يتقاصر عنه تشبيهك الدين بالصيب، ~~والشبهات بالظلمات، والرعد والبرق، بالوعد والوعيد، والتكاليف الشاقة. قال ~~السكاكي: "كلما كان التركيب خياليا أو عقليا، من أمور أكثر، كان حاله في ~~البعد والغرابة أقوى"، والتمثيل في هذه الآية أدل على فرط الحيرة، وشدة ~~الأمر وفظاعته من التمثيل الأول، جريا على قوانين البلاغة في التدرج في نحو ~~هذا من الأهون إلى الأغلظ، وإنما أردف الصيب بقوله: {من السماء}، وهو لا ~~يكون إلا من جهتها، لأنه لما صح إطلاق لفظ سماء على كل ناحية وأفق منها، ~~جيء بها هنا معرفة باللام لتفيد العموم، ويدل على أنه غمام مطبق أخذ بآفاق ~~السماء، ولو نكرت لجاز أن يكون الصيب من بعض الآفاق، لأن كل أفق من آفاقها ~~سماء، ولما كان قوله: {أو كصيب}، معطوفا على ما قبله، حذف لفظ المثل إيجازا ~~واختصارا، والتقدير: أو كمثل صيب، أي: ذوي صيب نازل {من السماء فيه ظلمات}، ~~جمع ظلمة؛ والسحاب إذا كان أسود مطبقا، فظلماته: سواده وتطبيقه، مضمومة ~~إليهما ظلمة الليل، والمطر إذا تكاثف كانت له ظلمة، ويزيدها تهطاله ~~وانسجامه بتتابع القطر، وتشتد بإظلال الغمامة مع ظلمة الليل، ولهذا أتى ~~بلفظ الظلمات بالجمع. PageV01P087 ### || CHECK مبحث في الرعد والبرق والصواعق # الرعد والبرق والصواعق # وأما الرعد والبرق، فليس في هذه الآية إشارة إلى أن منشأهما من أي شيء، ~~غاية الأمر أنهما وقعا في تركيب التشبيه، فكان من اللازم أن نلوي عنان ~~البحث عن الكلام عليهما؛ وعن الصواعق ms055 أيضا، بل كان من اللائق أن لا نفسر ~~شيئا من ألفاظها، لأن أحدا يعلم اللغة العربية لا يجهلها؛ غير أن المفسرين ~~استطردوا هنا ذكر أسبابها بحسب ما لاح لهم، فلزمنا أن نذكر منها شيئا، وإن ~~كان سيأتي في كتابنا هذا أكثر مما ذكرناه، فنقول: # تكلم الناس قديما وحديثا على السبب الذي فيه البرق والرعد، والصواعق ~~كلاما كثيرا، وأطالوا في الأدلة وأخذ كل متأخر ينقض قول من تقدمه إلى يومنا. # وسيجيء قوم ينقضون جميع ما ذكره القوم من الأدلة، ويظهر لهم غير ما نحن ~~عليه اليوم، وما ذلك إلا لأن علام الغيوب هو المظهر لما في الكائنات، ولا ~~يمكن لمخلوق أن يطلع على حقيقة الموجودات، وأن يعلمها علما يقينيا لا يقبل ~~النقض بحال من الأحوال، ويعلم ما قلناه مسلما به، من يطالع كتب الحكماء، ~~فإنه يرى كثرة اختلافهم في أسباب الأمور المشهودة، واستدراك المتأخر منهم ~~على المتقدم، ونقض أدلته وزعمه أن السبب غير ما ذكره من سلف، أو أن السبب ~~المذكور غير تام السببية، وغير ذلك مما يدل على أن أقوالهم رجم بالغيب. # وإليك نموذجا من ذلك: # ذكر المتقدمون من المفسرين، كابن جرير الطبري، وأضرابه، ومتابعيه: # "أن الرعد ملك يزجر السحاب بصوته". # وروي عن ابن عباس، ومجاهد: أنه ملك موكل بالسحاب، يسوقه كما PageV01P088 ### || CHECK قول منسوب إلى سيدنا علي بن أبي طالب # يسوق الحادي الإبل، يسبح كلما خالفت سحابة أختها صاح بها، فإذا اشتد غضبه ~~طارت النار من فيه (¬1)، فهي الصواعق التي رأيتم (¬2). # وروي عن ابن عباس، أن الصواعق تخرج من اصطكاك السحاب بعضه ببعض. # وقال بعض من المفسرين الأقدمين: إن الرعد ريح تختنق تحت السحاب، فتتصاعد ~~فيكون منه ذلك الصوت. # وأما البرق، فروى ابن جرير عن علي بن أبي طالب أنه قال: "إنه مخاريق ~~الملائكة" (¬3) وقال آخرون: إنه سوط من نور يزجر به الملك السحاب، وهو مروي ~~عن ابن عباس؛ وقال أبو الجلد: هو ماء، إلى غير ذلك من الأقوال التي لا شك ~~بأنها مأخذوة عن الإسرائيليات. # وأما غير هؤلاء ms056 فلهم مذاهب شتى، فذهب بعض المتقدمين إلى أن البرق شعاع ~~الشمس يحتبس في السحاب، أو أنه قطعة من نار الأثير تختنق فيه، وقيل هو عكس ~~شعاعي، وقيل: لما خلق الله السائل الذي تكونت منه الأرض، جعل منه عنصرا ~~شعاعيا ناريا سيالا في غاية اللطافة، منتشرا في جميع الأجسام بمقادير ~~مختلفة، وله أوصاف وألوان كأوصاف الشمس وألوانها، وتنشا عنه أمور عجيبة، ~~وسبب تكون هذا السائل ينشأ دائما على سطوح البحار الواسعة، المتأثرة دائما ~~بأشعة الشمس، ومن ذلك التأثر ينشأ هذا السائل، ويصعد إلى الجو من غير ~~انقطاع، كما أن البخار يتصاعد من غير انقطاع. # وهذا يشبه ما ذكره أهل عصرنا من أن سبب البرق الكهربائية السارية في ~~السحاب، ونحن بحسب ما عرفناه اليوم، يمكن أن يكون هذا القول صحيحا، اللهم ~~إلا أن يأتي بعدنا أو في زمننا قوم يكتشفون خلاف هذا، فإن هذه الفنون PageV01P089 ### || CHECK معنى الإحاطة في قوله: {والله محيط بالكافرين} # سائرة إلى الأمام، ولقد شاهدنا الشرر الكهربائي ليلا من سلك في بيروت ~~ونحن في جبل لبنان، فرأينا لا فرق بينه وبين البرق بوجه من الوجوه، إلا ~~بالعلو والسفل، وهذا يتبين بما قاله الحكماء المتأخرون من أن الكهربائية ~~موجودة في كل شيء بلا فرق، بين السحاب وغيره، فإذا تقاربت سحابتان ~~كهربائيتان، إحداهما مثبتة والأخرى منفية (¬1)، لم يقو الهواء على الفصل ~~بينهما تجاذبتا حتى تصيرا على بعد محدود، فتقدم كل واحدة منهما إلى الأخرى ~~بشدة، فيظهر منهما نور هو البرق، ويسمع بعده دوي هو الرعد، فإن قوي الهواء ~~على الفصل بينهما، وقاربت السحب من الأرض انقضت الشرارة الكهربائية أحيانا ~~منهما، فتنزل صاعقة تهلك ما تصيبه. # وبالجملة فإن هذا من فعل القادر المختار، ومن آثار قدرته الباهرة سبحانه ~~وتعالى. # وقوله تعالى: {يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق}، جواب عما عسى قائل يقول: # كيف حالهم مع مثل ذلك البرق والرعد والظلمات؟ . # فقيل: يجعلون أصابعهم في آذانهم، أي: أناملهم، فأطلق الكل وأراد البعض، ~~على سبيل الاتساعات في اللغة، وفي ذكر الأصابع من المبالغة ما ms057 لا يوجد في ~~الأنامل، و {من الصواعق} متعلق ب {يجعلون}، أي: من أجل الصواعق، و {حذر ~~الموت}، مفعول له للجعل المعلل بقوله: {من الصواعق} وقوله: {والله محيط ~~بالكافرين}، جملة اعتراضية، فائدتها التنبيه على أن الحذر من الموت لا ~~يفيد، وإنما قال: {محيط بالكافرين}، مع أن المقام للضمير، فكان حق المقال ~~أن يقال: والله محيط بهم، للدلالة على أن المشبه حالهم بحال أصحاب الصيب ~~كفار، ليظهر استحقاقهم شدة الأمر عليهم، وإحاطة الله بالكافرين، مجاز شبه ~~شمول قدرته تعالى إياهم، بإحاطة المحيط بما أحاط به، في امتناع الفوات، على ~~سبيل الاستعارة التبعية، في الصفة التي هي محيط سارية إليها من مصدرها، ~~ويصح أن يكون على سبيل الاستعارة التمثيلية بأن شبه حاله تعالى PageV01P090 ### || CHECK معنى قوله تعالى: {كلما أضاء لهم مشوا فيه} # معهم، بحال المحيط مع المحوط، أي: شبه هيئة منتزعة من عدة أمور، بهيئة ~~مثلها، وحينئذ لا تصرف في شيء من ألفاظ مفرداتها، إلا أنه لم يصرح ههنا إلا ~~بلفظ ما هو العمدة في الهيئة المشبه بها، أعني: الإحاطة، والبواقي من ~~الألفاظ منوية في الإدارة. # ثم استأنف تعالى الحديث عن بقية حالهم فقال: {يكاد البرق يخطف أبصارهم}، ~~بكسر الطاء، والفتح أفصح، والخطف الآخذ بسرعة. # ولما كان من المعلوم أن البرق ينقضي لمعانه بسرعة، كان كأنه قيل: ماذا ~~يصنعون عند ذلك؟ ، فقال: # {كلما} أضاء لهم، الآية، وهذا من تمام التمثيل لشدة الأمر على المنافقين، ~~بشدته على أصحاب الصيب، وما هم فيه من غاية التحير، والجهل بما يأتون وما ~~يذرون، إذا صادفوا من البرق لمعانا، مع خوف أن يخطف أبصارهم انتهزوا ذلك ~~اللمعان فرصة، فخطوا خطوات يسيرة، لأن زمان اللمعان قصير جدا، فإذا خفي ~~لمعانه وفتر، بقوا واقفين متقيدين عن الحركة، ولو شاء الله لزاد في قصيف ~~الرعد فأصمهم وأعماهم. # وفي جملة {لو شاء الله} حذف، والتقدير: ولو شاء الله أن يذهب بسمعهم ~~وأبصارهم لذهب بها، وقد تكاثر هذا الحذف في: "شاء" و"أراد"، لا يكادون ~~يبرزون المفعول، إلا في الشيء المستغرب، كما في قول ms058 الشاعر (¬1): # ولو شئت أن أبكي دما لبكيته ... عليه ولكن ساحة الصبر أوسع # ثم إنه تعالى لما حذر المنافقين بأسه وسطوته، وأخبرهم بأنه محيط بهم ~~وقدير على إذهاب أسماعهم وأبصارهم، وصف نفسه بالقدرة على كل شيء، بقوله: ~~{إن الله على كل شيء قدير}، أي: إن الله على كل شيء يصح أن تقع عليه ~~المشيئة، قدير بقدرة لا تتقيد بالأسباب. # وهنا مباحث للمتكلمين من المعتزلة والأشعرية، وخلاف بينهم، في أن PageV01P091 # الشيء هل يتناول الموجود والمعدوم، كما ذهب إليه المعتزلة؟ أو: لا يتناول ~~إلا الموجود؟ على معنى أن القدرة تتعلق بإيجاده. # وكلا البحثين محلهما كتب الكلام، ومسلكنا أن كل ما تعلق قدرة الباري ~~تعالى بإيجاده، ظهر من عالم الخفاء، إلى عالم الوجود، فهو تعالى الفاعل ~~المختار. # وليعلم: أن الله تعالى بسط في أوائل هذه السورة أحوال المنافقين، وضرب ~~لهم الأمثال، ليظهر المعقول في صورة المحسوس، ليعلمنا بأنهم لما أضربوا عن ~~سماع الحق، وعن النطق به، وعموا عن رؤية النور الباهر والبرهان الساطع، ~~أمسوا في حيرة وجزع، ولم ينفعهم التملق ولا شقشقة اللسان بالقول بأنهم من ~~أهل الإيمان، وليست هذه الإخبارات مقصورة على الذين كانوا حين نزول القرآن، ~~بل هي غاية لكل من كان على صفتهم، وحذا حذوهم، وأخلد إلى التقليد المحض، ~~ولم يفرض ما فهمه على كتاب الله، وعلى ما قاله رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، وإذا حدقت ببصيرتك رأيت جما غفيرا من تلك الطائفة، في كل زمان ~~ومكان، وعلمت أن القول بوجوب التقليد لمن قال واجب، ولا يليق عرضه على هذين ~~الأصلين قول بأن العلم لا يمكن أن يعلم، وبأن الوصول إلى حقائق الأحكام، ~~تعلقت قدرة الله تعالى بإفاضته على المتقدمين، ثم صار من بعدهم مستحيلا، ~~يمتنع تعلق قدرة الله به، والقرآن يناديهم فلا يسمعون، ويتلونه ولا يفهمون، ~~كلما سمعوا نداءه كان الوقر في آذانهم، وكلما أضاءت لهم إضاءة توافق مشربهم ~~مشوا، فتأتي آية بعدها تقبح أفعالهم، فيقفون حائرين {يجعلون أصابعهم في ~~آذانهم من الصواعق} {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله ms059 زلفى} [الزمر: 3] {بل ~~نتبع ما ألفينا عليه آباءنا} [البقرة: 170] وأعظم من هذا، أن يقرؤوا {إن ~~الله على كل شيء قدير}، ثم يصرحون بمقالتهم التي ينحل معناها إلى دعواهم، ~~أن خزائن المواهب العلمية الإلهية، كانت ملأى في أيام المتقدمين، ثم نضب ~~ماؤها وفرغت، فلم يبق بها شيء يفيض منه على المتأخرين، وكل ذلك كفر صريح ~~ودخول في عداد المنافقين، الذين بين تعالى أحوالهم في هذه الآيات. PageV01P092 ### || CHECK الأمر بالخضوع والطاعة والتذلل لله سبحانه وتعالى # ولما عدد الله فرق المكلفين من المؤمنين، والكفار والمنافقين، وذكر ~~صفاتهم وأحوالهم، ومصارف أمورهم وما اختصت به كل فرقة، مما يسعدها، ويشقيها ~~ويحظيها، عند الله تعالى، ويرديها، أقبل عليهم بالخطاب على سبيل الالتفات، ~~ليرشدهم إلى الطريقة الحميدة في مجاري الأمور، وليستووا على جادة السداد في ~~المصادر والموارد، فقال: # {ياأيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون (21)}. # أمرهم بالخضوع له بالطاعة، والتذلل له بالاستكانة، وإفراد الربوبية له ~~والعبادة، دون الأصنام والأوثان والآلهة، لأنه جل ذكره هو خالقهم، وخالق من ~~قبلهم من آبائهم، وأجدادهم، وخالق أصنامهم وأوثانهم وآلهتهم، والقادر على ~~نفعهم وضرهم فهو أولى بالطاعة ممن لا يقدر لهم على نفع، ولا ضر، {لعلكم ~~تتقون} بعبادتكم {ربكم الذي خلقكم}، وطاعتكم إياه فيما أمركم به ونهاكم ~~عنه، وإفرادكم له بالعبادة لتتقوا سخطه وغضبه أن يحل عليكم، وتكونوا من ~~المتقين الذين رضي عنهم ربهم. # والإشارة في الآية إلى ما كأنه تعالى يقول: جعلت الرسول واسطة بيني وبينك ~~أيها المنادي أولا، ثم إني الآن أزيد في إكرامك وتقريبك، فأخاطبك من غير ~~واسطة، ليحصل لك مع التنبيه على الأدلة شرف المخاطبة والمكالمة. # وأتى ب {يا} التي هي في الأصل حرف وضع لنداء البعيد، تنزيلا لمن ناداهم ~~منزلة الساهي والغافل، وإعلاما بأن الخطاب الذي يتلوه معني به غاية ~~العناية، لأنهم لو فطنوا إلى أن الله هو الذي خلقهم والذين من قبلهم، وجعل ~~لهم الأرض فراشا إلى غير ذلك مما هو مذكور، لم يكن لهم نفس تطيعهم على ~~البقاء على حالتهم التي ms060 وصفها تعالى في الآيات السابقة، ولهذا تجد كل ما ~~نادى الله له عباده، من أوامره ونواهيه، وعظاته وزواجره، ووعده ووعيده، ~~واقتصاص أخبار الأمم الماضية، وغير ذلك مما نطق به كتابه، أمورا عظاما، ~~وخطوبا جساما، ومعاني عليهم أن يتيقظوا لها، ويميلوا بقلوبهم وبصائرهم ~~إليها، وهم عنها غافلون. # فاقتضى الحال أن ينادوا مناداة الساهي الغافل، ليستيقظوا من رقدة غفلتهم، ~~ويتنبهوا لما نودوا لأجله. PageV01P093 ### || CHECK نفي الواسطة والشريك # ولما كان المشركون يعتقدون ربوبيتين، ربوبية الله، وربوبية آلهتهم، وكان ~~لفظ الرب يشترك فيه الربوبيتان، على نحو ما كانوا يزعمونه، وصفه بقوله: ~~{الذي خلقكم}، أي: اعبدوا الرب الحقيقي، الذي خلقكم، فإن ما سواه ليس بخالق ~~فلا يستحق العبادة، وجملة {لعلكم تتقون}، حال من فاعل {خلقكم}، والمعنى: ~~اعبدوا ربكم طالبا منكم التقوى، ويصح أن تكون حالا من المفعول، وما عطف ~~عليه بطريق تغليب المخاطبين على الغائبين، لأنهم المأمورون بالعبادة، ~~والمعنى: خلقكم وإياهم مطلوبا منكم التقوى. # والأوجه عندي: أن تكون الجملة علة لما قبلها. # ومعنى {لعل} هنا التعليل، وهذا المعنى أثبته لها جماعة، منهم الأخفش، ~~والكسائي، وحملوا عليه قوله تعالى: {فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى ~~(44)} [طه: 44] وإنما أثبتنا هذا لأن المفهوم من الآية أن خلقهم على تلك ~~الحال في معنى: خلقهم لأجل التقوى، كأنه تعالى يقول: أنتم تعبدون الأوثان ~~والأصنام، والنجوم وغيرهم من المعبودات، لتقربكم إلينا زلفى، وتجعلونهم ~~واسطة، كأن أبواب الرحمة عليها حارس لا يدخل إلا الأفراد، وأن ما تعبدونهم ~~لا يدفعون عن أنفسهم ضرا، ولا يجلبون لها نفعا، فكيف ينفعون غيرهم؛ أو ~~يضرونهم، وحيث أنكم عبدتموهم لعلة الواسطة، فانظروا إلى الحقيقة الأصلية، ~~فاعبدوا الذي خلقكم وخلق أسلافكم، وأصنامكم، لأجل هذه القدرة الباهرة، ~~والحكمة العظيمة، ولما كانت التقوى قصارى أمر العابد، ومنتهى جهده قال هنا: ~~{لعلكم تتقون}، لأن التقوى إذا لزمتهم كان ما هو أدنى منها أكرم، والإتيان ~~به أهون. # ثم اعلم أن الآية الكريمة مع كونها بعبارتها ناطقة بوجوب توحيده تعالى، ~~وتحتم عبادته على كافة الناس، مرشدة لهم بطريق الإشارة، إلى أن ms061 مطالعة آيات ~~الكون، المنصوبة في الأنفس والآفاق، مما يقضي بذلك قضاء متقنا، وقد بين ~~فيها أولا من تلك الآيات ما يتعلق بأنفسهم من خلقهم، وخلق أسلافهم، لما أنه ~~أقوى شهادة وأظهر دلالة، ثم عقب بما يتعلق بمعاشهم فقال: PageV01P094 # {الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من ~~الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون (22)}. # لفظة {الذي} كلمة موضوعة للإشارة إلى مفرد، عند محاولة تعريفه بقضية ~~معلومة له، ولهذا تسمع علماء البيان يقولون: والمقام الصالح للموصولية هو: ~~أن يصح إحضار الشيء بواسطة جملة معلومة الانتساب إلى مشار إليه، بحسب ~~الذهن، لأن وضع الموصول على أن يطلقه المتكلم على ما يعتقد أن المخاطب ~~يعرفه بكونه محكوما عليه بحكم حاصل له، فقوله: {الذي جعل لكم الأرض فراشا}، ~~الآية يقتضي أن المخاطبين كانوا عالمين بأن هذه الأشياء المذكورة لم توجد ~~لذاتها، وأنها موجودة بإيجاد موجد لها، وذلك تحقيق قوله تعالى: {ولئن ~~سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله} [لقمان: 25، والزمر: 38]. # ولما كان العقل يقضي بأن العبادة والانقياد، يقتضيان أن يكونا للموجد ~~الحقيقي، وأن ما يعبدونه من دونه محض افتراء وضلال، ذكر هنا خمسة أنواع من ~~الدلائل، الدالة على أن العبادة لا تكون إلا لخالق الأكوان على الإطلاق، ~~فذكر من الأدلة اثنين من الأنفس، وثلاثة من الآفاق، فبدأ أولا بقوله: ~~{خلقكم}، ثم ثنى بالآباء والأمهات بقوله: {والذين من قبلكم}، ثم ثلث بكون ~~{الأرض فراشا}، ثم أتى بالدليل الرابع، وهو كون {السماء بناء}، ثم أتى ~~بالدليل الخامس المتضمن للأمور الحاصلة من السماء والأرض، فقال: {وأنزل من ~~السماء ماء} الآية، ثم ندد عليهم بقوله: {فلا تجعلوا لله أندادا} ثم وبخهم ~~على جريهم على غير مقتضى العلم، بقوله: {وأنتم تعلمون}. # إن في كلامه تعالى إرشادا للضالين، وهداية للمستدلين، وبيانا للمتعلمين. # وقد خاطبت هذه الآية الأصناف الثلاثة، وأرشدت المتعلمين إلى كيفية ترتيب ~~الأدلة، وذلك أنه لما كان أقرب الأشياء إلى الإنسان نفسه، وعلمه بأحوالها ~~أظهر من علمه بأحوال غيره، وكان الغرض من ms062 الاستدلال إفادة العلم، فكلما كان ~~أظهر دلالة، كان أقوى إفادة، وكان أولى بالذكر، فلهذا السبب، قدم ذكر نفس PageV01P095 ### || CHECK معنى السماء والرد على من زعم تسطيح الأرض # الإنسان، ثم ثناه بآبائه وأمهاته، ثم ثلث بالأرض لأنها أقرب إلى الإنسان ~~من السماء، والإنسان أعرف بحال الأرض منه بأحوال السماء، ثم لما كان نزول ~~الماء من السماء، وخروج الثمرات بسببه، كالأمر المتولد من السماء والأرض، ~~والأثر متأخر عن المتأثر، قدم ذكر السماء عليهما، وأوضح هذا البيان بتقديم ~~سابقة النعم، ومقدمتها، والسبب من التمكن في العبادة والشكر، وهو أنه خلقهم ~~أحياء قادرين، ثم نبههم إلى أنه تعالى جعل لهم الأرض التي هي مكانهم، ~~ومستقرهم الذي لا بد لهم منه فراشا، أي: بمنزلة عرصة المسكن (¬1)، ومتقلبه ~~ومفترشه، وروي عن ابن عباس، وجماعة من الصحابة، أنهم قالوا في قوله تعالى: ~~{جعل لكم الأرض فراشا}، هي فراش يمشي عليها، وهي المهاد والقرار، ثم ذكر ~~بآية ثانية من آلائه فقال: {والسماء بناء} أي: جعلها كالقبة المضروبة، ~~والخيمة المطنبة، على هذا القرار؛ قال ابن جرير الطبري في تفسيره: سميت ~~السماء سماء، لعلوها على الأرض، وعلى سكانها من خلقه، وكل شيء كان فوق شيء ~~آخر فهو لما تحته سماء، ولذلك قيل لسقف البيت: سماؤه، لأنه فوقه، مرتفع ~~عليه، ولذلك قيل: سما فلان لفلان، إذا أشرف له وقصد نحوه، عاليا عليه، كما ~~قال "الفرزدق": # سمونا لنجران اليماني وأهله ... ونجران أرض لم تدب مغاولة (¬2) # وكما قال "نابغة بني ذبيان": سمت لي نظرة فرأيت منها (¬3) .... # يريد بذلك أشرفت لي نظرة وبدت، فكذلك السماء، سميت للأرض سماء PageV01P096 # لعلوها وإشرافها عليها، وإنما ذكر السماء والأرض جل ثناؤه، فيما عدد ~~عليهم من نعمه التي أنعمها عليهم، لأن منهما أقواتهم وأرزاقهم، ومعايشهم، ~~وبها قوام دنياهم، فأعلمهم أن ذلك الذي خلقهما وخلق جميع ما فيهما، وما ~~فيهم من النعم هو المستحق عليهم الطاعة، والمستوجب منهم الشكر والعبادة، ~~دون الأصنام والأوثان التي لا تضر ولا تنفع، قال صاحب "الكشاف": فإن قلت هل ~~في قوله تعالى: {الذي جعل لكم ms063 الأرض فراشا}، دليل على أن الأرض مسطحة، ~~وليست بكروية؟ قلت: ليس فيه إلا أن الناس يفترشونها، كما يفعلون بالمفارش، ~~وسواء كانت على شكل السطح؛ أو شكل الكرة، فالافتراش غير مستنكر ولا مدفوع ~~لعظم حجمها، واتساع جرمها، وتباعد أطرافها، وإذا كان الافتراش متسهلا في ~~الجبل، وهو وتد من أوتاد الأرض، فهو في الأرض ذات الطول والعرض أسهل، قال: ~~والبناء مصدر، سمي به المبني، بيتا كان أو قبة، أو خباء أو طرافا، وأبنية ~~العرب أخبيتهم، ومنه: بنى على امرأته، لأنهم كانوا إذا تزوجوا ضربوا عليها ~~خباء جديدا، انتهى. # فقد علمت، أن الآية لا تشير إلى شكل الأرض، ولا إلى دورانها وعدمه، ولا ~~إلى أن السماء ما هي وما شكلها. فما يقوله بعض المتفلسفين من أن القرآن ~~الكريم يخالف ما علم بالأدلة القطعية إنما هو محض افتراء، وكذا ما يدعيه ~~الجامدون من أنه مصادم لفني الهيئة، وطبقات الأرض، إنما هو لعدم علمهم، ~~وبعد فهمهم لمدارك التنزيل، فالجامدون أعداء للدين (¬1) .... ويرحم الله ~~القائل: # ومن البلية عذل من لا يرعوي ... عن جهله وخطاب من لا يفهم # وإني ذاكر في هذا الموضع إجمال الكلام في هذا المقام، ليكون كالمقدمة لما ~~يأتي في مواضع كثيرة من هذا الكتاب، فأقول: # حيث إن الصانع جل وعلا، هو الموجد لجميع الكائنات، فالبحث عن أشكالها ~~وأوضاعها مع الإقرار بوجود صانعها لا يضرنا، بل هو من جملة التفكر في خلق ~~السموات والأرض والاستدلال على قدرته الباهرة بآثارها الظاهرة. PageV01P097 ### || CHECK حول كروية الأرض وكونها مسطحة # ومن جملة الذين استخدموا أفكارهم في معرفة بدائع خلق السموات والأرض، وما ~~في الأولى من الكواكب، علماء الهيئة، فلما نظروا في شكل الأرض اختلفوا على ~~قولين: الأول: أنها مسطحة، والثاني: أنها كروية الشكل. # واستدل أصحاب القول بالكروية فقالوا: هي كروية من جهة الطول ومن جهة ~~العرض، أما من جهة الطول فيما بين المشرق والمغرب، فلأن البلاد المتوافقة ~~في العرض، أو التي لا عرض لها، كلما كانت أقرب إلى الغرب، كان طلوع الشمس ~~وسائر الكواكب عليها متاخرا بنسبة واحدة، ms064 وكذا الحال في الغروب، ولا يعقل ~~ذلك التأخر في الطلوع والغروب بتلك النسبة، إلا في الكرة، ودليل هذا المدعي ~~أننا لما رصدنا خسوفا بعينه في وقت من الليل، وجدناه في بلاد شرقية مثلا ~~آخر الليل. وفي بلاد غربية تبعد عنها بنحو ألف ميل. قبل آخر الليل بساعة، ~~وفي بلاد تبعد عنها إلى الغرب بالف ميل أيضا، قبل الأول بساعتين، وقبل ~~الثاني بساعة، وعلى هذا القياس فعلمنا أن طلوع الشمس على الغربية متأخر ~~بنسبة واحدة، وأما كرويتها من جهة العرض فيما بين الشمال والجنوب، فلأن ~~السالك في الشمال كلما توغل فيه ازداد القطب ارتفاعا عليه، بحسب إيغاله ~~فيه، على نسبة واحدة، حتى يصير بحيث يراه قريبا من سمت راسه، ولذلك تظهر له ~~الكواكب الشمالية التي كانت مختفية عليه، وتختفي عنه الكواكب الجنوبية التي ~~كانت ظاهرة عليه، والسالك الواغل في الجنوب بالعكس من ذلك. # وأما فيما بين الطول والعرض، فإن السالك فيما بين الشرق والشمال، يتقدم ~~عليه الطلوع بمقدار قربه من المشرق، ويزداد ارتفاع القطب عليه بمقدار وغوله ~~في الشمال، وقس على هذا حال السالك فيما بين المغرب والشمال، وحال السالك ~~في السمتين المقابلين لهما. # ومن الأدلة أيضا، أن الدليل التجريبي دل على أن غاية الأشكال التدوير، ~~وهوالشكل الطبيعي للمادة، وعلى أن كل شيء مائل بطبعه للشكل الكروي ما لم ~~يعرض عليه سبب خارجي يؤثر فيه، إلى غير ذلك من الأدلة الواضحة الدالة على ~~كرويتها، مما ترى كثيرا منها أثناء هذا الكتاب؛ وقال المعارضون: إن على سطح PageV01P098 ### || CHECK الاختلاف حول سكون الأرض وحركتها # الأرض وهادا وجبالا شاهقة، وانخفاضا وارتفاعا، وهو مناف لكرويتها فأجاب ~~المثبتون بأن أعظم جبل على وجه الأرض نسبته إلى مساحتها، كنسبة سبع عرض ~~شعيرة إلى كرة قطرها ذراع، ومثل هذا لا ينافي كرويتها، وبين المتأخرون ~~الجواب، بأن أعظم ارتفاع الجبال، لم يتجاوز التسع كيلومترات، والانخفاض لم ~~يتجاوز ثلاث كيلومترات، وهذا لا يعد شيئا بالنسبة إلى نصف قطر الأرض البالغ ~~طوله ستة آلاف وثلاثمئة وستة وستين كيلو مترا. # ثم اختلفوا ms065 في كونها متحركة أو ساكنة، وهذا الخلاف قديم، فإن "فيثاغورث" ~~(¬1) كان قبل سيدنا عيسى بخمسمئة عام، وكان يعلم تلامذته في مدرسة ~~"كورتونيا" على طريقة أن الأرض متحركة، فلما جاء بطليموس الرومي قبل ميلاد ~~المسيح بمئة وأربعين سنة، اختار القول بأن الأرض ساكنة، وأن الشمس تدور ~~عليها، وبنى مذهبه على ذلك، فشاعت قاعدته بين الناس، واشتهرت في البلاد ~~لاستيلاء الروم على أقطار الأرض، فلما جاء الإسلام وترجمت الكتب، وقع في ~~أيديهم كتب الهيئة على ما ذهب إليه الروم، فاعتنى بنقلها وهذبها كثير، منهم ~~"الفارابي" في أوائل القرن الرابع من الهجرة، وتبعه "ابن سينا" وغيره ممن ~~جاء بعده، وهجرت الطريقة التي كان عليها فيثاغورث. # ثم نبغ ببلاد لهستان رجل يقال له "كوبر نيكوس" (¬2) وكان ماهرا بالعلوم ~~الرياضية، واشتغل بالهيئة والرصد والحكمة من سنة خمسمئة وألف إلى سنة ~~ثلاثين وخمسمئة بعد الألف على التاريخ المسيحي، وهي سنة سبع وثلاثين ~~وتسعمئة من PageV01P099 # الهجرة النبوية، فرجع إلى الطريقة التي كان عليها فيثاغورث- بالثاء آخره ~~أو بالسين - المؤسسة على حركة الأرض، وقرر أن الشمس مركز، وأن الأرض وجميع ~~السيارات تدور عليها، وأيد هذه الطريقة بتطبيقها على العلوم الرياضية، وألف ~~في ذلك كتابا سماه "حركات الأجرام السماوية" فقام عليه يومئذ علماء دين ~~النصرانية، ورموه بالزيغ والإلحاد، ونهوا عن مطالعة كتابه، وكان ذلك في ~~مجمع كنيسة رومية، ثم اشتهر كتابه وشاع هذا المذهب فنسب إليه، وقام يناصر ~~هذه الطريقة جماعة في أوقات مختلفة، حتى صارت هي المتعارفة والمعول عليها، ~~وسميت بالهيئة الجديدة، وأنت خبير بأنها ليست بجديدة بل هي قديمة، وموجودة ~~في الكتب الإسلامية، وقد فصلها كثير من علماء الهيئة، ومن جملتهم "القاضي ~~عضد الدين الإيجي" في كتاب "المواقف"، فإنه تكلم عليها في المقصد السادس من ~~القسم الثالث، المشتمل على الكلام على العناصر، وكانت وفاته سنة ست وخمسين ~~وسبعمئة من الهجرة النبوية، وحكاها أيضا الإمام "فخر الدين الرازي" في ~~مواضع من تفسيره، وأطال عند تفسير هذه الآية بما حاصله: # اعلم أنه تعالى ذكر ههنا أنه جعل الأرض فراشا، وكونها ms066 كذلك مشروط بأمور ~~من جملتها كونها ساكنة، إذ لو كانت متحركة لكانت حركتها إما بالاستقامة أو ~~بالاستدارة، فإن كانت بالاستقامة لما كانت فراشا على الإطلاق لأن من قفز من ~~موضع عال، كان يجب عليه أن لا يصل إلى الأرض لأن الأرض هاوية، وكذلك ~~الإنسان هاو، والأرض أثقل من الإنسان، والثقيلان إذا نزلا كان أثقلهما ~~أسرعهما، والأبطأ لا يلحق الأسرع، فكان يجب أن لا يصل الإنسان إلى الأرض، ~~فثبت أنها لو كانت هاوية لما كانت فراشا، أما لو كانت حركتها بالاستدارة لم ~~يكتمل انتفاعنا بها، لأن حركة الأرض مثلا إذا كانت إلى المشرق والإنسان ~~يريد أن يتحرك إلى جانب المغرب، ولا شك أن حركة الأرض أسرع، فكان يجب أن ~~يبقى الإنسان على مكانه وأنه لا يمكنه الوصول إلى حيث يريد، فلما أمكنه ذلك ~~علمنا أن الأرض غير متحركة، لا بالاستدارة، ولا بالاستقامة، فهي ساكنة. # وعجيب من الإمام الرازي ذكر مثل هذا الدليل الضعيف، إذ لا علاقة، بين PageV01P100 ### || CHECK مبحث في معنى قوله تعالى: {والسماء بناء} # حركة الأرض وبين حركة الماشي عليها، لأن الماشي يقصد نقطة من الأرض ~~معينة، فمهما سارت الأرض بسرعة، كان هو عليها سائرا إلى النقطة التي ~~يقصدها، كالراكب في السفينة، بخارية كانت أو هوائية، فإنه يسير إلى جهة ~~الغرب، أو الشرق على ظهرها، ويبلغ مكان قصده بلا عناء، وإن كانت السفنية ~~سائرة إلى غير جهة قصده، وكذلك النملة تمشي على حجر الرحى وهو متحرك ~~بالاستدارة، فتعاكس حركته وتبلغ مكان قصدها، ولا يؤخرها دوران الرحى شيئا، ~~نعم إنما يتم استدلال الإمام، فيما إذا كان السائر على الأرض، يطلب نقطة ~~معينة من غير الأرض، فإنه حينئذ لا يبلغها، كالراكب في السفينة البرية، ~~فإنها إذا كانت في سرعة سيرها، وأراد أن يلقي نفسه في نقطة معينة من الأرض، ~~فإنه يعسر عليه أن يصل إلى النقطة التي قصدها، ومثل هذا ثابت بالمشاهدة ~~والعيان، فلا حاجة إلى تطويل الكلام فيه، وحيث انتفى الدليل انتفى المدلول. # وأما قوله تعالى: {والسماء بناء}، فقد تقدم قول ms067 ابن جرير الطبري: إن ~~العرب تطلق السماء على كل شيء فوق شيء. وقول صاحب الكشاف: إن البناء مصدر ~~سمي به المبني. وأنت إذا تأملت الجو من جهة العلو، ومن جهاته الأربع، رأيت ~~نظرك قد انتهى إلى منظر بديع، فإنك ترى قبة زرقاء قد أرخت أطرافها على ~~الأرض، وهذا المرئي وإن لم يكن جسما، لكن يخيل للناظر أنه جسم حقيقي لا ~~وهمي، ومن ثم قال "الجاحظ": # إذا تأملت في هذا العالم وجدته كالبيت المعد فيه كل ما يحتاج إليه، ~~فالسماء مرفوعة كالسقف، والأرض محدودة كالبساط، والنجوم منورة كالمصابيح، ~~والإنسان كمالك البيت المتصرف فيه، وضروب النباتات مهيآت لمنافعه، وضروب ~~الحيوان مصرفة في مصالحه، فهذه جملة واضحة دالة، على أن المراد من السماء، ~~ما نراه من الأشياء المحيطة بنا، بواسطة أن شعاع المبصر يخرج على شكل ~~مخروطي متسع الأسفل، ضيق الأعلى، ولذلك نرى الجمل إذا كان أمامنا على هيئة، ~~وإذا بعد عنا نراه صغيرا على نسبة بعده عنا، إلى أن يبعد بمسافة ما يمكن ~~البصر أن يشاهده بها فيختفي، وكذلك إذا نظرنا إلى الجو من جهاته PageV01P101 # الخمس، ينتهي بصرنا إلى غاية محدودة على التساوي، فيرتسم لنا قبة محيطة ~~بنا، وحيث إن الله تعالى يخاطبنا على مقدار ما نفهم ونعقل، ونحن بحسب ~~الرؤية نرى أن تلك القبة كأنها بناء فوقنا لا جرم، قال تعالى: {الذي جعل ~~لكم الأرض فراشا والسماء بناء} فقد علمت: أنه ليس المراد بالبناء هنا ما ~~يفهم عند العامة من أنه وضع لبنة فوق لبنة، كيف يكون وقد فسر تعالى ذلك ~~البناء في موضع آخر في قوله: {أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها (27) رفع ~~سمكها فسواها (28) وأغطش ليلها وأخرج ضحاها (29)} [النازعات]. # فبين أن معنى بنائها، إنما هو جعل مقدار ارتفاعها، وذهابها في سمت العلو ~~مديدا رفيعا، وأفاض عليها ما يتم به كمالها من الكواكب، والتداوير، من ~~قولهم: سوى فلان أمره إذا أصلحه، وكذلك فسر دحو الأرض بقوله: {أخرج منها ~~ماءها ومرعاها (31) والجبال أرساها} [النازعات] وهذا لا ينافيه ما ذهب إليه ~~أهل ms068 الهيئة في هذه الأعصار المتأخرة، من أن الأرض تدور حول الشمس، وأن هذا ~~المرئي الذي نسميه سماء أو فلكا هو فضاء واسع، وزرقته من اكتناف الأشعة ~~الشمسية، ومن أنهم سموا كل كوكب ثابت شمسا، وقالوا: إن لكل واحدة من هذه ~~الشموس دائرة، وعدة متعلقات كثيرة، تدور حولها من السيارات والملتزمات، ~~وذوات الأذناب، وكل واحد من هذه المتعلقات عالم مثل كرة أرضنا، ومن جملة ~~هاتيك الشموس هذه الشمس المشهورة، ولها دائرة مخصوصة بها، وعدة متعلقات ~~تدور حولها من السيارات والملتزمات، ومن جملة السيارات الدائرة حولها هذه ~~الأرض، التي نحن عليها، والقمر ملتزم لها، ويدور عليها ومعها على الشمس، ~~وفوق ذلك صفوف دوائر شمسية متكاثرة بعضها فوق بعض، إلى حيث لا يحيط به ~~النظر، ولا يدركه الفكر، {وما يعلم جنود ربك إلا هو} [المدثر: 31]، قال ~~"أبو العلاء المعري": # يا أيها الناس كم لله من فلك ... تجري النجوم به والشمس والقمر # هين على الله ماضينا وغابرنا ... فما لنا في نواحي غيره خطر PageV01P102 ### || CHECK الأرض هي كالأم # فالسماوات عندهم عبارة عن هذه الدوائر بما فيها من الكواكب الكثيرة، ~~وأرجعوا كونها طباقا إلى معنى، أن الكواكب الثابتة سبع طبقات، فما كان منها ~~يرى في غاية الظهور والإضاءة فهو الطبقة الأولى، ويسمونها بالمرتبة الأولى، ~~والقدر الأول، وما كان أبعد منها غير كثير وأقل في الظهور والإضاءة، بمقدار ~~يسير، فهو الطبقة الثانية، وهكذا إلى الطبقة السادسة، كل طبقة ترى كواكبها ~~أبعد من التي تحتها، وأقل منها ظهورا واستنارة، والطبقة السابعة هي التي لا ~~ترى كواكبها إلا بالمنظرة المعظمة، فهذه الطبقات عندهم هي طباق السماوات، ~~وإذا أورد عليهم قوله تعالى: {ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح} [الملك: 5] ~~قالوا: السماء الدنيا، عبارة عن الدوائر الشمسية التي نحن فيها، المزينة ~~بما فيها من السيارة، وسيارة السيارة، وذوات الأذناب، وغيرها، من ~~متعلقاتها. # على أننا لسنا الآن بصدد بيان علم الهيئة، ولا أننا نبين أمثال هذا لنوضح ~~به اعتقادنا، ولكننا نورد أمثاله، لبيان أن البحث عن أشكال الأرض وأوضاعها، ~~والسماوات ونجومها وأفلاكها، لا ms069 ينافيه القرآن، كما يعلمه من تدبره بعقل ~~وفهم، والحقيقة ربما تكون على خلاف ما يقره علماء الهيئة وغيرهم، والله ~~أعلم بحقائق الأمور. # وأما قوله: {وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم} فإنه ~~يشير إلى شيء عجيب في القدرة العظيمة، وذلك أنه تعالى لما خلق الأرض، وكانت ~~كالدخان، ثم صارت ماء، وإليه الإشارة بقوله: {وكان عرشه على الماء} [هود: ~~7]، ثم صارت كالصدف والدرة المودعة فيه هي آدم وأولاده، وخلق في تلك الأرض ~~أصناف حاجاتهم، وعلم آدم أسماءها كلها، وألهمه إلى أنها مخلوقة له، كما ~~قال: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا} [البقرة: 29] فكأنه قال: يا آدم ~~لا أحوجك إلى شيء غير هذه الأرض، التي هي لك كالأم، فانظر يا عبدي، إن أعز ~~الأشياء عندك الذهب والفضة، ولو أني خلقت الأرض منهما، هل كان يحصل منها ~~هذه PageV01P103 # المنافع، ثم إني جعلت هذه الأشياء في هذه الدنيا، مع أنها موصوفة ومعروفة ~~بكونها سجنا، فكيف حال الجنة التي جعلتها دار القرار والنعيم الأبدي؟ وكذلك ~~جعلت باطن هذه الأرض نارا تلظى، وأقمت شاهدا عليها البراكين، وهي الجبال ~~التي تقذف من جوفها نارا، وهذه النار تذيب المعادن وتنضجها، فكيف حال النار ~~التي جعلتها دار المستقر والعذاب؟ # فالحاصل: أن الأرض أمك بل أشفق من الأم، لأن الأم تسقيك لونا واحدا من ~~اللبن، والأرض تطعمك ألوانا ربما لا تقدر على استقصائها، ثم أكد أنها أعظم ~~من الأم بقوله في مكان هذا: {منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة ~~أخرى (55)} [طه]. # ومعناه: نردكم إلى هذه الأم، ثم نخرجكم منها مرة ثانية، وهذا ليس بوعيد، ~~لأن المرء لا يوعد بأمه، وذلك لأن مكانك من الأم التي ولدتك أضيق من مكانك ~~من الأرض، ثم إنك مكثت في بطن الأم تسعة أشهر، فما مسك جوع ولا عطش، فكيف ~~إن دخلت بطن الأم الكبرى، ولكن الشرط أن تدخل بطن هذه الأم الكبرى، كما كنت ~~في بطن الأم الصغرى، ما كانت لك زلة فضلا عن أن تكون لك كبيرة، ms070 بل كنت ~~مطيعا لله بحيث دعاك مرة أخرى إلى الخروج إلى الدنيا، فخرجت إليها بالرأس ~~طاعة منك إلى ربك، واليوم يدعوك للانقياد له، وإفراده بالوحدانية، وأنت ~~تتلاهى عنه وربما اتخذت إلها غيره، وعظمت ذلك الغير حتى أردت أن تجعله ~~مكانه، فناداك وخاطبك بهذه الآي وغيرها لعلك تنتبه من رقدتك. # ثم بسط لك الدليل فأعلمك بما يكون من شبه الاتصال (¬1) بين السماء ~~والأرض، بإنزال الماء من السماء على الأرض، وإخراج ما في بطنها به مما يشبه ~~النسل الحاصل من الحيوان، من أنواع الثمرات رزقا لبني آدم ليتفكروا في ~~أنفسهم، وفي أحوال ما فوقهم وما تحتهم ويعرفوا أن شيئا من هذه الأشياء لا ~~يقدر على PageV01P104 ### || CHECK تفسير السماء بالسحاب # تكوينها وتخليقها، إلا من كان مخالفا لها في الذات والصفات، وذلك هو ~~الصانع الحكيم سبحانه وتعالى. # وقد يدعي متفلسفة زمننا، أن في الماء طبيعة مؤثرة، وفي الأرض طبيعة ~~قابلة، فإذا اجتمعا حصل الأثر من تلك القوى، فما وجه نسبة الإيجاد إلى الله ~~تعالى؟ ؟ # فنقول: # إن وجود تلك الآثار على هذه الصفة، لا ينافي كونه بإيجاد الله تعالى، ~~لأنه هو الموجد في الماء تلك الطبيعة، وفي الأرض تلك القابلية، كما يشير ~~إليه ضمير {به} العائد إلى الماء، في قوله: {فأخرج به} أي: بالماء. # فإن ادعى القائل نسبة الإخراج إلى طبيعة الماء، وقابلية الأرض قلنا له: ~~هل هذه الطبيعة وتلك القابلية، وجدتا بأنفسهما؟ أم بإيجاد موجد، فإن قال: ~~وجدتا بأنفسهما، قلنا: هذا ترجيح بلا مرجح، لم لا يجوز أن يكون النبات وجد ~~نفسه، وكانت الأرض سكنا له لاحتياجه إلى مكان يستقر به؟ وإن قال: إنهما ~~وجدتا بإيجاد موجد، نقلنا الكلام إلى ذلك الموجد، وقلنا: لا يخلو إما أن ~~يكون وجد بنفسه أم لا؟ فإن كان الأول، انقطع النزاع وعاد الأمر إلى تسليم ~~الخالق الفعال لما يريد، وإن كان الثاني توقف الموجد على موجد، وهكذا، ~~فيدور الأمر أو يتسلسل، والدور والتسلسل باطلان، فما لزم منهما باطل. # على أنه سيمر بك في هذا الكتاب ما هو أوضح ms071 من هذا وأوسع مجالا. # وقد يشكل قوله تعالى: {وأنزل من السماء ماء}، وغيره من الآيات المشابهة ~~لها، على بعض علماء الهيئة من جهة كونه يقتضي نزول المطر من السماء، فيقول: ~~الأمر ليس كذلك، لأن الأمطار إنما تتولد من أبخرة ترتفع من الأرض، وتتصاعد ~~إلى الطبقة الباردة من الهواء، فتجتمع هناك بسبب البرد، ثم تتقاطر بعد ~~اجتماعها وذلك هو المطر، فيقال له: قد علمت مما سبق أن العرب تطلق السماء ~~على كل ما سما، أي: علا، وحيث إنه يصح إطلاق السماء على PageV01P105 # السحاب، والمطر ينزل منه فلا إشكال، على أن كثيرا من المفسرين حتى الخازن ~~والسيوطي، فسر السماء هنا بالسحاب، وهما أشد الناس نفرة من العلوم ~~الطبيعية، وقال "البيضاوي" في تفسيره: و {من} الأولى، أي: في قوله تعالى: ~~{من السماء} للابتداء، سواء أريد بالسماء السحاب فإن ما علاك سماء، أو ~~الفلك، فإن المطر يبتدئ من السماء إلى السحاب، ومنه إلى الأرض على ما دلت ~~عليه الظواهر، أو من أسباب سماوية تثير الأجزاء الرطبة من أعماق الأرض إلى ~~جو الهواء، فتنعقد سحابا ماطرا، انتهى. # قال "الشهاب الخفاجي" في حاشيته المسماة ب "عناية القاضي": وتفصيل هذا ~~الكلام، كما في كتب الحكمة الطبيعية، أن الشمس إذا سامتت بعض البحار ~~والبراري، أثارت من البحار بخارا رطبا، ومن البراري بخارا يابسا والبخار ~~أجزاء هوائية، يمازجها أجزاء صغار مائية، لطفت بالحرارة حتى لا تتمايز في ~~الحس، لغاية صغرها، فإذا صعد البخار إلى طبقة الهواء الثالثة، تكاثف، فإن ~~لم يكن البرد قويا، اجتمع ذلك البخار وتقاطر لثقله بالتكاثف، فالمجتمع هو ~~السحاب، والمتقاطر هو المطر، وإن كان البرد قويا كان ثلجا وبردا، وقد لا ~~يعقد سحابا ويسمى ضبابا، انتهى. # وأيا ما كان، فقد اتفق كل من علماء فن العلوم الطبيعية، والمفسرون على أن ~~المطر ينزل من جهة العلو، وإذا كان بخارا ارتفع إلى حيث شاء الله تعالى، ~~فإذا تكاثف انحط عن مرتبته، ثم كان مطرا أو ثلجا أو بردا، ولما كان السحاب ~~جرما عظيما، كان كأنه جبل بين السماء ms072 والأرض. # والإشارة في هذه الآية إلى أن ما سواه عز وجل، من شبه [الاتصال] (¬1) بين ~~الأرض والسماء، بإنزال الماء من السماء على الأرض، والإخراج به من بطنها ~~أشباه النسل الذي ينتج من الحيوان، من ألوان الثمار رزقا لبني آدم، لتكون ~~تلك الإشارة اعتبارا في مخلوقاته تعالى، وسلما يصعدون به إلى النظر الموصل ~~إلى PageV01P106 ### || CHECK الإشراك بالله سبحانه وتعالى هو نهاية سخافة العقل # توحيده تعالى، وإفراده بالربوبية، والخلق والتدبير، وليعلموا أن هذه ~~الأشياء نعمة منه تعالى، فيقابلونها بدوام الشكر، ويتفكرون في خلق أنفسهم ~~وخلق ما فوقهم وما تحتهم، وأن شيئا من هذه المخلوقات كلها لا يقدر على ~~إيجاد شيء منها، فيتيقنوا عند ذلك، أنه لا بد لها من خالق، ليس كمثلها، حتى ~~لا يجعلوا المخلوقات أندادا له، وهم يعلمون أنها لا تقدر على نحو ما هو ~~عليه قادر، ولذلك ختم هذه الآية بقوله: {فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم ~~تعلمون}، فهو مفرع على قوله: {الذي جعل لكم} على معنى: أن من خصكم بهذه ~~النعم الجسام، والآيات العظام، ينبغي أن لا يشرك به، و"الند" المثل، ولا ~~يقال إلا للمثل المخالف المعادي، قال "جرير" (¬1): # أتيم تجعلون إلي ندا ... وما تيم لذي حسب نديد # فإن قلت: كان المشركون يسمون أصنامهم باسمه ويعظمونها، بما يعظم به من ~~القرب، ولم يكونوا زاعمين أنها تخالف الله وتعاديه، بل كانوا يجعلونها ~~شفعاء عنده، فلا تصلح تسميتها أندادا له! قيل في الجواب: # إنهم لما تقربوا إليها، وعظموها، وسموها آلهة، أشبهت حالهم حال من يعتقد ~~أنها آلهة مثله، قادرة على مخالفته ومضادته، فقيل لهم ذلك على سبيل التهكم ~~بهم، بتنزيلهم منزلة من يعتقد أنها آلهة حقيقية، والخطاب عام لكل من كانت ~~حالته كحالتهم، ممن يفزع في الشدائد إلى مخلوق ما، مدعيا أنه يجعله واسطة ~~بينه وبين خالقه. # ثم إنه تعالى ختم هذا البيان بقوله: {وأنتم تعلمون}، ومعناه: وحالكم ~~وصفتكم أنكم من صحة تمييزكم بين الصحيح والفاسد، والمعرفة بدقائق الأمور ~~وغوامض الأحوال، والإصابة في التدابير والدهاء، والفطنة، بمنزل لا تدفعون ~~عنه، وهكذا ms073 كانت العرب، خصوصا ساكني الحرم من قريش وكنانة، لا تنال نارهم ~~ليصطلى بها في استحكام المعرفة في الأمور، وحسن الإحاطة بها، وقد نزل PageV01P107 # تعالى: {تعلمون} منزلة اللازم، قصدا إلى إثبات حقيقته في مقام المبالغة، ~~فكأنه قيل: وأنتم من أهل العلم والمعرفة، والتوبيخ فيه آكد، أي: أنتم ~~العارفون المميزون، ثم إن ما أنتم عليه من أمر ديانتكم من جعل الأصنام لله ~~أندادا هو غاية الجهل، ونهاية سخافة العقل، هذا التفسير على تقدير تنزيل ~~الفعل المتعدي منزل اللازم، ويجوز أن تجعل المفعول محذوفا لقرينة تدل عليه، ~~وتقديره: وأنتم تعلمون أنه لا يماثل، أو أنتم تعلمون ما بينه وبينها من ~~التفاوت، أو: أنتم تعلمون أنها لا تفعل مثل أفعاله، كما قال في موضع آخر: ~~{هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء} [الروم: 40] وهذه التقديرات ذكرها ~~صاحب الكشاف، وهي في غاية اللطافة. # وللسلف في تفسير الآية مسالك، إيرادها يزيد المقام إيضاحا، وهي: # قال ابن عباس، وابن مسعود، وناس من الصحابة، في قوله تعالى: {فلا تجعلوا ~~لله أندادا}، معناه: أكفاء من الرجال تطيعونهم في معصية الله تعالى. # وقال ابن وهب، قال ابن زيد (¬1): الأنداد الآلهة التي جعلوها معه، وجعلوا ~~لها مثل ما جعلوا له. # وقال أبو جعفر الطبري: إن الله تعالى عنى بهذه الآية كل مكلف عالم ~~بوحدانية الله، وأنه لا شريك له في خلقه، مشرك له في عبادته غيره كائنا من ~~كان من الناس، عربيا كان أو أعجميا، كاتبا أو أميا، وإن كان الخطاب لكفار ~~أهل الكتاب، الذين كانوا حوالي دار هجرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~وأهل النفاق منهم: وممن بين ظهرانيهم، ممن كان مشركا، فانتقل إلى النفاق ~~بمقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، انتهى. # وبه يتضح أنه ليس في العالم أحد يثبت لله شريكا يساويه في الوجود ~~والقدرة، والعلم والحكمة، وهذا مما لم يوجد، حتى إن المنكرين لوجوده يحومون ~~حول إثبات صانع سواه، فيتحيرون ولا يجدون إليه سبيلا، ولكن الجهل PageV01P108 # تلاعب بعباد الأوثان، فزين عبادتها لهم باستنباطات عديدة، ms074 تلاعب بها بكل ~~قوم على قدر عقولهم، فطائفة دعاهم إلى عبادتها من جهة تعظيم الموتى، الذين ~~صوروا تلك الأصنام على صورهم، وهذا هو الغالب على عوام المشركين، وأما ~~خواصهم فإنهم اتخذوها بزعمهم على صور الكواكب المؤثرة في العالم عندهم، ~~وجعلوا لها بيوتا وسدنة وحجابا وحجا وقربانا (¬1). # ولم يزل موجودا في الدنيا، وآثاره بادية للعيان، وجاءت الأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام لإنكاره ومناظرة أهله، وأولهم سيدنا نوح عليه السلام، وقد ~~أمر قومه بترك عبادة "ود ويغوث ويعوق ونسرا"، وهم أسماء لأصنامهم. # ثم سيدنا إبراهيم عليه السلام، فإنه ناظر قومه في بطلان الشرك، وكسر ~~حجتهم بعلمه، وآلهتهم بيده، وآخرهم سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام. PageV01P109 ### || CHECK إعجاز القرآن # وطائفة زعموا أن الشمس ملك من الملائكة لها نفس وعقل، وهي أصل نور القمر ~~والكواكب، ومنها تكونت الموجودات السلفية كلها، فعبدوها بحجة أنها ملك ~~فتستحق التعظيم، والسجود والدعاء. # وقوم عبدوا القمر بحجة أنه مدبر للعالم السفلي، ومنهم من يعبد أصناما ~~اتخذوها على صورة الكواكب وروحانيتها، بزعمهم، وبنوا لها هياكل ومتعبدات، ~~فوضع الصنم إنما كان في الأصل على شكل معبود غائب، فجعلوا الصنم على شكله ~~وهيئته وصورته، ليكون نائبا منابه، وقائما مقامه، وإلا فمن المعلوم أن ~~عاقلا لا ينحت خشبة أو حجرا بيده، ثم يعتقد أنه إلهه ومعبوده. # وبالجملة فإن أكثر أهل الأرض مفتونون بعبادة الأوثان والأصنام، ولم يتخلص ~~منها إلا الحنفاء، أتباع ملة إبراهيم عليه السلام، وعبادتها في الأرض من ~~قبل نوح عليه السلام، كما تقدم وهياكلها ووقوفها وسدنتها وحجابها، والكتب ~~المصنفة في شرائع عبادتها، طبق الأرض والأمم التي أهلكها الله بأنواع ~~الأهلاك، كلهم كانوا يعبدون الأوثان. # والقرآن، بل وسائر الكتب الإلهية، من أولها إلى آخرها مصرحة ببطلان هذا ~~الدين، وكفر أهله، وأنهم أعداء الله ورسله، وأنهم أولياء الشيطان وعباده، ~~وأنهم هم أهل النار. # ومن أسباب عبادة الأوثان الغلو في المخلوق، وإعطائه فوق منزلته، حتى جعل ~~فيه حظ من الإلهية، وشبه بالله سبحانه، وهذا هو التشبيه الواقع في الأمم ~~الذي أبطله الله سبحانه وتعالى، وأقام الأدلة ms075 على جهل مدعيه، ووبخهم هنا ~~بقوله: {فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون}. # ولما أقام تعالى الدلائل القاهرة على إثبات الصانع، وأبطل القول بالشريك، ~~عقبه بما يدل على النبوة، ولما كانت نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم -، ~~مبنية على كون القرآن معجزا، أقام الدلالة على إعجازه بقوله: # {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا ~~شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين (23)}. PageV01P110 # هذا احتجاج لنبيه - صلى الله عليه وسلم -، على مشركي قومه من العرب، ~~ومنافقيهم، وكفار أهل الكتاب، وضلالهم الذين افتتح بقصصهم قوله: {إن الذين ~~كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون (6)} [البقرة] وإياهم ~~يخاطب بهذه الآيات، ويدحض الشبهة عنهم في كون القرآن معجزة، ويريهم كيف ~~يتعرفون أهو من عند الله كما يدعي، أم هو من عند نفسه، كما يدعون؟ بإرشادهم ~~إلى أن يقدروا أنفسهم، ويذوقوا طباعهم، وهم أبناء جنسه وأهل جلدته. # فقال: {وإن كنتم} أيها المشركون من العرب، والكفار من أهل الكتابين، أنتم ~~ومن كان على شاكلتكم، {في ريب} أي: في شك {مما نزلنا على عبدنا} محمد - صلى ~~الله عليه وسلم -، من النور الساطع، والبرهان القاطع، وآيات القرآن، وأني ~~أنزلته إليه فلم تؤمنوا به، ولم تصدقوه فيما يقول: {فأتوا} بحجة تدفع حجته، ~~لأنكم تعلمون أن حجة كل صاحب نبوة على صدقه في دعواه النبوة، أن يأتي ~~ببرهان يعجز جميع الخلق عن أن يأتوا بمثله، ومن حجة محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - على صدقه، وبرهانه على نبوته، وأن ما جاء به من عندي، عجز جميعكم ~~وجميع من تستعينون به من أعوانكم وأنصاركم، عن أن يأتوا بسورة من مثله، ~~وإذا عجزتم عن ذلك وأنتم أهل البراعة في الفصاحة، والبلاغة والدراية، فقد ~~علمتم أن غيركم عما عجزتم عنه من ذلك أعجز، كما كان برهان من سلف من رسلي ~~وأنبيائي على صدقه، وحجته على نبوته، من الآيات ما يعجز عن الإتيان بمثله ~~جميع خلقي، فتقرر حينئذ عندكم أن محمدا لم يتقوله، ولم يختلقه، لأن ذاك لو ~~كان ms076 منه اختلاقا وتقولا، لم يعجز جميع خلقي عن الإتيان بمثله، لأن محمدا - ~~صلى الله عليه وسلم -، لم يتجاوز أن يكون بشرا مثلكم، وفي مثل حالكم في ~~الجسم، وبسطة الخلق، وذرابة اللسان، فيمكن أن يكون به اقتدار على ما عجزتم ~~عنه، أو يتوهم منكم عجز عما اقتدر عليه. # والعدول عن "أنزلنا" المزيد في أوله الهمزة، إلى {نزلنا} المضاعف العين، ~~لأن المراد النزول على سبيل التدريج والتنجيم، وهو من مقاطعه (¬1) لمكان PageV01P111 ### || CHECK الدليل العقلي على أن القرآن الكريم معجز ### || CHECK حكمة نزوله منجما # التحدي، وذلك أنهم كانوا يطعنون في القرآن، ويرتابون فيه، من حيث أنه كان ~~مدرجا على قانون الخطابة والشعر، فكان ينزل سورة بعد سورة وآيات غب آيات، ~~على قدر النوازل وعددها، وعلى مماثلة الحوادث، فكانوا يظنونه على مذهب أهل ~~الخطابة والشعر، من وجود ما يوجد منهم مفرقا موزعا على الأحيان، حسب ما ~~يبدو ويظهر لهم من الأحوال المتجددة، والحاجات السانحة، لا يلقي الناظم ~~ديوان شعره دفعة، ولا يرمى الناثر بمجموع خطبه أو رسائله ضربة، ويقولون: ~~{لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة} [الفرقان: 32] فقيل لهم: إن ارتبتم في ~~هذا الذي أنزل تدريجا، فهاتوا أنتم بنجم من نجومه، وسورة من سوره، فإنه ~~أيسر عليكم من أن تنزل الجملة دفعة واحدة، ويتحدى بمجموعه، فقد جعل ما ~~اتخذوه ريبة قادحة، وسيلة إلى كونه حقا لا يجول حول حماه شك، تقوية للتحدي، ~~ودفعا لما في صدورهم من الشبه، وهذا غاية الإلزام والتبكيت لهم، ولمن يأتي ~~بعدهم من الطوائف التي تدعي أن القرآن اخترعه محمد من تلقاء نفسه، ولمن ~~يقول بأنه اخترعه بإعانة جماعة من أصحابه، وينسبون رواية أخبار الماضين إلى ~~سلمان الفارسي، إلى غير ذلك من المطاعن التي يتشبث بها بعض الضالين من أهل ~~زمننا وغيره. # وتقرير الدليل على المناهج العقلية، أن يقال: إن هذا القرآن لا يخلو حاله ~~من ثلاثة وجوه لا زائد عليها، وهي: إما أن يكون مساويا لسائر كلام الفصحاء؛ ~~أو زائدا على سائر كلامهم، بقدر لا ينقض العادة؛ أو زائدا عليه ms077 بقدر ينقض ~~العادة، والقسمان الأولان باطلان، لأنه لو كان كذلك لكان من الواجب أن ~~يأتوا بمثل سورة منه، إما منفردين، وإما مجتمعين، داعين شهداءهم من دون ~~الله، أو غير داعين لهم، فإن حصل التنازع وحصل الخوف من عدم القبول، ~~فالشهود والحكام يزيلون الشبهة، وذلك لغاية الاحتجاج لأنهم كانوا في معرفة ~~اللغة، والاطلاع على قوانين الفصاحة، في الدرجة القصوى، وكانوا في محبة ~~إبطال أمره في الغاية، حتى بذلوا النفوس والأموال، وارتكبوا ضروب المهالك ~~والمحن، وكانوا في الحمية والأنفة على حد لا يقبلون الحق، فكيف الباطل؟ وكل ~~ذلك يوجب الإتيان بما يقدح في قوله، والمعارضة أقوى PageV01P112 ### || CHECK أنماط إعجاز القرآن الكريم # القوادح، فلما لم يأتوا بها، علمنا عجزهم عنها، وبهذا البيان ظهر بطلان ~~القسمين الأولين، وثبت القسم الثالث، وأن القرآن لا يماثل قولهم، وأن ~~التفاوت بينه وبين كلامهم ليس تفاوتا معتادا، فهو إذن تفاوت ناقض للعادة، ~~فوجب أن يكون معجزا، فهذا هو المراد من تقرير هذه الدلالة. فظهر أنه سبحانه ~~كما لم يكتف في معرفة التوحيد بالتقليد، فكذا في معرفة النبوة لم يكتف ~~بالتقليد. # ويقال في تقرير الدليل وجه آخر، وهو أن هذا القرآن لا يخلو من أن يكون ~~بلغ في الفصاحة حد الإعجاز، وإما أن لا يكون قد بلغ هذا الحد، فإن كان ~~الأول ثبت أنه معجز، وإن كان الثاني كانت المعارضة ممكنة على تقديره، فعدم ~~إتيانهم بها مع كونها ممكنة، ومع توفر دواعيهم على الإتيان بها أمر خارق ~~للعادة، يثبت كونه معجزا على جميع الوجوه. # واعلم أن القرآن العظيم مشتمل على أنماط من الإعجاز كثيرة، لكن يمكن ~~اندماج أصنافها، واندراج أجناسها في أربعة أصول: # الأصل الأول: حسن تأليفه، وانتظام كلماته، في سلك مبانيها المتناسبة ~~لمقتضى معانيها، المتناسقة بين أعاليها وأدانيها، وفصاحته ووجوه إيجازه، ~~وبلاغته في عجائب التراكيب وغرائب الأساليب، وبدائع العبارات وروائع ~~الإشارات، الخارقة عادة العرب وهم، هم: في الفصاحة والبلاغة. # الأصل الثاني: صورة نظمه العجيب، والأسلوب الغريب، المخالف لأساليب العرب ~~في كلامهم، ومناهج نظمها ونثرها التي جاء القرآن عليه، ms078 ووقفت مقاطع آياته، ~~وانتهت فواصل كلماته إليه، ولم يوجد قبله ولا بعده نظير له، ولا استطاع أحد ~~مماثلة شيء منه، بل تحيرت فيه عقولهم، واندهشت دونه أحلامهم، ولم يهتدوا ~~إلى مثله في جنس كلامهم من نثر أو نظم، أو سجع أو رجز أو شعر، ومن علم فنون ~~البلاغة، وصنوف الفصاحة، وأرهف خاطره ولسانه أدب هذه الصناعة، ونطق بالشعر ~~وأبدع في النثر، لم يخف عليه ما قلناه، فمن كان في شك من ذلك، فليقتحم هذا ~~الميدان، ليرى نفسه كيف ترجع بالخيبة والحرمان. PageV01P113 # الأصل الثالث: ما انطوى عليه من الإعلام بالمغيبات الكائنات في الأزمنة ~~السابقة، وما لم يكن ولم يقع بعد، فوجد في الأيام اللاحقة مطابقا لما ورد، ~~ومن أهمها: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون (9)} [الحجر] فكان كذلك ~~لا يكاد يعد من سعى في تغييره، وتبديل محكمه من الحلولية والاتحادية، ~~وأمثالهما، والمعطلة القائلين بتعطيل الكون عن المكون، لا سيما القرامطة، ~~فأجمعوا كيدهم، وجهدهم وقوتهم، إلى يومنا هذا، فما قدروا على إطفاء شيء من ~~نوره، ولا تغيير كلمة من كلامه، ولا تشكيك المسلمين في حرف من حروفه، على ~~أنه لا عبرة بمن اغتر بشيء من كلام الملحدين، فظنه تصوفا، فخرج من العقل ~~إلى الجنون. # الأصل الرابع: ما أنبأ به من أخبار القرون الماضية، والأمم الهالكة ~~الفانية، والشرائع الدارسة، مما كان لا يعلم منه القصة الواحدة إلا الفرد ~~الواحد، من أحبار أهل الكتاب الذي قطع عمره في تعلم ذلك، فيورده النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - على وجهه، ويأتي به كما قرأه من غير تصرف في لفظه، ~~فيعترف العالم بذلك بصحته وصدقه، وأن مثله لم ينله بتعليم، وقد علم جميعهم ~~أنه - صلى الله عليه وسلم - أمي لا يقرأ ولا يكتب، في جميع عمره، ولا اشتغل ~~بمدارسة مع العلماء، ولا مجالسة مع الشعراء والفضلاء، ولم يغب عنهم غيبة ~~يمكنه التعلم فيها من غيرهم، ولا جهل أحد منهم حاله منذ كان صغيرا إلى أن ~~بعث كبيرا، وقد كان أهل الكتاب كثيرا ما يسألونه عن أشياء، ms079 فينزل عليه من ~~القرآن ما يتلو عليهم منه ذكرا، فلم يقدروا على تكذيب ما ذكره، بل كانوا ~~يذعنون لذلك، فمن توفق آمن، ومن شقي تولى حسدا وعنادا، ومن لم ينكر ولم ~~يكذب، وادعى أن عنده مخالفة لما في الذكر الحكيم، أقام عليه الحجة، وكشف ~~دعوته وقال له: {قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} [البقرة: 111، والنمل: 64]. # ومما ينتظم في سلك هذه الأصول، الروعة التي تلحق قلوب سامعي القرآن ~~وأسماعهم عند سماعه، والهيبة التي تعتريهم عند تلاوته لقوة حاله ورفعة ~~قدره، وعظمة أمره، وهي على المكذبين به أعظم، حتى إنهم يستثقلون سماعه، PageV01P114 ### || CHECK تصحيح ما أخطأ به صاحب الكشاف ### || CHECK مبحث لطيف حول "من " ### || CHECK القرآن الكريم معجز عبر العصور والدهور # ويزيدهم نفورا ويودون انقطاعه لكراهتهم له، وأما المؤمن به، فلا تزال ~~روعته به وهيبته إياه مع تلاوته، توليه انجذابا، وتكسبه هشاشة لميل قلبه ~~إليه، وتصديقه به، ويدل على أن هذا شيء خص به هذا الكتاب، أنه يصيب بهذه ~~الروعة من لا يفهم معانيه، ولا يعلم تفاسيره، فكيف بمن علمها. # ثم هو يناديهم قائلا: {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة ~~من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله}، من يوم نزلت هذه الآية إلى الآن، وقد ~~مضى على نزولها ثلاثة عشر قرنا (¬1)، ويسمع هذا النداء علماء اللسان، وأئمة ~~البلاغة، وفلاسفة العالم، وفرسان الكلام، وجهابذة البلاغة، وفيهم الملحد ~~والزنديق والمخالف، فما منهم من أتى بشيء يروى في معارضته، ولا ألف كلمتين ~~في مناقضته، ولا قدر فيه على مطعن صحيح، ولا قدح من تكلف ذلك من ذهنه إلا ~~بزند شحيح، بل المروي عن كل من قصد ذلك إلقاؤه في العجز بيديه، والنكوص على ~~عقبيه، وهو يدعوهم إلى المعارضة، ويسفه رأيهم، ويذم نحلهم، ويبكتهم وينذرهم ~~ويحذرهم، وهم ساكتون، وإذا اعترضوا عليه بشيء، لم يلبث أن يذهب أدراج ~~الرياح، ويأتيه من إعجازه ريح عقيم لا تمر على شيء من المفتريات إلا جعلته ~~كالرميم، فقوله تعالى: # {من مثله}، متعلق {بسورة} صفة لها، والتقدير: فأتوا ms080 بسورة كائنة من مثل ~~ما نزلنا على عبدنا، ف {من} هنا للبيان، لأن السورة المفروضة التي تعلق بها ~~الأمر التعجيزي، مثل المنزل في حسن النظم، وغرابة الشأن، فالعجز عن الإتيان ~~بالمثل الذي هو المأتي به، وهذا لا يتبين إلا بجعل {من} للبيان، ولا يصح من ~~جهة المعنى أن تجعل {من} تبعيضية، لأنها توهم حينئذ أن للمنزل مثلا عجزوا ~~عن الإتيان ببعضه، فيصير التقدير كأنه قيل: {فأتوا} ببعض ما هو مثل للمنزل، ~~فالمماثلة المصرح بها ليست من تتمة المعجوز عنه، حتى يفهم أنها منشأ العجز. # وجوز صاحب الكشاف، أن يكون ضمير {من مثله} عائدا على {عبدنا}، وفيما جوزه ~~غلط من وجوه: PageV01P115 # أحدها: أنا لو صرفنا الضمير إلى محمد عليه الصلاة والسلام، لأوهم ذلك أن ~~صدور مثل القرآن ممن لم يكن مثل محمد، في كونه أميا ممكن، ولو صرفنا إلى ~~القرآن كما قلنا به سابقا، لدل على أن صدور مثله من الأمي، وغير الأمي ~~ممتنع، فكان القول بذلك أحق بالاعتبار. # وثانيها: أن الصرف المذكور يؤدي إلى كون القرآن معجزا، إنما يكمل بتقرير ~~كمال حاله - صلى الله عليه وسلم -، في كونه أميا بعيدا عن العلم، لا يكتب ~~ولا يقرأ المكتوب، وهذا وإن كان معجزا أيضا، إلا أنه لما كان لا يتم إلا ~~بتقرير نوع من النقصان في حقه عليه الصلاة والسلام، كان ما رقمناه سابقا ~~أولى، لأن إرجاع الضمير إلى القرآن، يعلمنا أنه هو المعجوز، عن الإتيان ~~بمثله، لكمال حاله في الفصاحة والبلاغة. # وثالثها: أن صرف الضمير لما نزلنا مطابق لسائر الآيات الواردة في باب ~~التحدي، لا سيما لقوله تعالى في سورة يونس: {وما كان هذا القرآن أن يفترى ~~من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب ~~العالمين (37) أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من ~~دون الله إن كنتم صادقين (38)} [يونس]. # فإنك ترى ضمير {مثله} هنا عائدا إلى القرآن قطعا، ودالا على أن الضمير ~~هنا عائد لما نزلنا، لأن البحث إنما وقع ms081 في المنزل، لأن الآية يصرح معناها، ~~بأانه إن ارتبتم بأن القرآن منزل من عند الله، فهاتوا أنتم شيئا مما ~~يماثله. # ولو كان الضمير مردودا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لكان ~~المعنى أن يقال: # وإن ارتبتم في أن محمدا منزل عليه فهاتوا قرآنا من مثله. # ورابعها: أن عود الضمير إلى القرآن، يقتضي كونهم عاجزين عن الإتيان ~~بمثله، سواء اجتمعوا أو انفردوا، وسواء كانوا أميين أو كانوا عالمين، وهذا ~~المعنى لا يتم لو أرجعنا الضمير إلى محمد - صلى الله عليه وسلم -، لأنه ~~يصير حينئذ أن الآحاد من الأميين PageV01P116 ### || CHECK معنى الشهداء في قوله تعالى: {وادعوا شهداءكم} # عاجزون عنه، لأنه لا يكون مثل محمد إلا الشخص الواحد الأمي، فأما لو ~~اجتمعوا وكانوا قارئين لم يكونوا مثل محمد، لأن الجماعة لا تماثل الواحد، ~~والقارئ لا يماثل الأمي، ولا شك أن الإعجاز على الوجه الأول أولى. # وقوله تعالى: {وادعوا شهداءكم}، الآية، فمعناه: فأتوا بسورة من مثل ~~القرآن، واستنصروا واستعينوا على ذلك بأعوانكم، الذين يشاهدونكم، ~~ويعاونونكم على تكذيبكم الله ورسوله، ويظاهرونكم على كفركم ونفاقكم، ~~واستعينوا أيضا بأوثانكم وبرؤسائكم، وأكابركم إن كنتم محقين في ادعائكم، أن ~~ما جاءكم به محمد - صلى الله عليه وسلم -، اختلاق وافتراء لتمتحنوا أنفسكم ~~وغيركم، هل يقدرون على أن يأتوا بسورة من مثله، فيقدر محمد على أن يأتي ~~بجميعه من قبل نفسه اختلاقا. # وإنما قلنا بالتعميم في معنى الشهداء، فجعلناه شاملا للأوثان والرؤساء ~~والأعوان، لأن الشهداء جمع شهيد، بمعنى: الحاضر، أو القائم بالشهادة، ولا ~~مانع من جعله مجازا على المعين والناصر وأوثانهم وأكابرهم، مشتركة في أنهم ~~كانوا يعتقدون فيهم كونهم أنصارا لهم، وأعوانا، وإذا حمل اللفظ على هذا ~~المفهوم المشترك دخل الكل فيه، واستعمل لفظ دون هنا، وفي أمثاله في كل ما ~~يجاوز حدا إلى حد. # فمعناه هنا: وادعوا إلى المعارضة من شئتم غير الله سبحانه وتعالى، فإنه ~~لا يقدر أن يأتي بمثله إلا هو سبحانه وتعالى، ثم أحضروا من شئتم إذا أتيتم ~~بشيء، وزعمتم أنه مثل القرآن ليشهد لكم أنه ms082 مثله، فإنكم لا تقدرون على ذلك، ~~وهذا نوع من التبكيت لهم غريب، حيث أطلق لهم العنان في المعارضة، وأعطاهم ~~الحرية فيها، ليقروا بالعجز من تلقاء أنفسهم، ويوضحه أن يقال: لو أن إنسانا ~~ادعى قلب الحقائق، وجعل ينازع في إثبات دعواه، ويشاغب، فتترك أنت شغبه، ~~وتقول له: اقلب حقيقة هذه الشجرة، من حقيقة الشجرية إلى حقيقة الذهبية، ~~فإنك متى طلبت له ذلك نكص على عقبه، وانقطع شغبه، وختم ذلك التبكيت بقوله: # {إن كنتم صادقين}، بأن هذا القرآن من كلام البشر، وإلا فارعواؤكم عن غيكم ~~أولى لكم. PageV01P117 ### || CHECK دليلان في إثبات نبوة سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - # ولما أرشدهم إلى الجهة التي يتعرفون بها أمر النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، وما جاء به حتى يعثروا على حقيقته وسره، وامتياز كونه حقا من كونه باطلا ~~قال لهم: # {فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت ~~للكافرين (24)}. # أي: فإن لم تعارضوه، ولم يتسهل لكم مطلوبكم الذي تطلبونه، وبغيتكم التي ~~تبغونها، وظهر لكم أن القرآن معجوز عن الإتيان بمثله، فقد انكشف الحق عن ~~خالصه، ووجب التصديق. {فاتقوا النار} أي: آمنوا وخافوا العذاب المعد لمن ~~كذب؛ ففي الآية دليلان على إثبات نبوة النبي صلى الله عليه وسلم: # أحدهما: كون المتحدى به معجزا، لأن تلك الطائفة التي عجزت عن الإتيان ~~بمثله مع تكاثر عددها، وتهالكها على المغالبة، كانت في غاية البلاغة، ~~ونهاية الفصاحة، فلما عجزت عن ذلك، علم عادة أنه معجوز عن الإتيان بمثله ~~أبد الدهر، إذ لا يتصور زيادة عما كانوا عليه من العدد التي تؤهلهم ~~للمعارضة وأسبابها. # والثاني: الإخبار بقوله: {ولن تفعلوا}، وهو غيب لا يعلمه إلا الله تعالى، ~~ويمكن في هذا المقام أن يقال: إن صدق الأخبار إنما يعلم بعد انقراض الأعصار ~~كلها، ويوضح بما ينفي هذا المقول، بأن الخطاب إنما كان خطاب مشافهة، فيختص ~~بالموجودين، فإذا انقرضوا ولم يفعلوا تبين صدقه، وكان معجزة، وكذا قبل ~~انقراضهم للقطع بأن قدرتهم لا تزيد بعد ذلك الزمان الذي تحدوا فيه. # وقد ms083 حرر هذا الجواب جماعة من المفسرين المتأخرين، منهم السيد الشريف ~~الجرجاني في حاشية أوائل الكشاف، والذي أراه أن هذه الآية حجة على ~~المعارضين في كل عصر، وفي كل جيل، والقرآن ينادي كل من يروم المعارضة، ~~ويقيم الحجة على الموجودين، فإذا وجد المعدومون أقام عليهم الحجة مجددا، ~~وأظهر المعجزة، وهكذا في كل جيل ليكون الإيمان بأن القرآن منزل من عند الله ~~اجتهادا لا تقليدا، وبعلم كل فرد وجد، بأنه كما أن من قبله لم يفعل ~~المعارضة، PageV01P118 ### || CHECK لطيفة لغوية في قوله: {فإن لم تفعلوا} # والإتيان بمثل هذا القرآن، كذلك هو ومن في عصره لم يقدروا على المعارضة ~~ولم يفعلوا ولن يفعلوا، ويوضحه أنه من أيامه عليه الصلاة والسلام، إلى ~~عصرنا هذا، لم يخل وقت من الأوقات ممن يعادي الدين والإسلام، وتشتد دواعيه ~~في الوقيعة فيه، ثم إنه مع هذا الحرص الشديد، لم توجد المعارضة قط، وهذا ~~يدل على فساد قول الجهال الذين يقولون: إن كتاب الله لا يشتمل على الحجة ~~والاستدلال. # وههنا لطيفة لغوية، وهي: أنه لو قيل إن المقام في قوله: {فإن لم تفعلوا} ~~"إذا" لأنها للجزم في المعنى، دون {إن} التي هي للشك، فلم لم يؤت بإذا، ~~ويقال: وجه العدول عن "إذا" إلى "إن" إنما هو للتهكم بهم، وكما يقول ~~الموصوف بالقوة، الواثق من نفسه بالغلبة، على من يقاومه: إن غلبتك ماذا ~~تفعل؟ وهو يعلم أنه غالبه، ولكنه يقول له ذلك تهكما به، ولأن يساق القول ~~معهم على حسب حسبانهم، فإنهم كانوا بعد غير جازمين بالعجز عن المعارضة، هم ~~وكل من أتى على شاكلتهم لاتكالهم على فصاحتهم، واقتدارهم على الكلام. # ووجه اتصال {فاتقوا النار}، وفائدة اشتراطه يظهر من ترتيب مقدماته، وهي: ~~أنهم إذا ظهر عجزهم عن المعارضة، صح عندهم صدق الرسول، وإذا صح ذلك، ثم ~~لزموا العناد، استوجبوا العقاب بالنار، فاتقاء النار يوجب ترك العناد، وهذا ~~هو الإيجاز الذي هو أحد أبواب البلاغة، وفيه تهويل لشأن العناد، وإنابة ~~اتقاء النار منابه، متبعا ذلك بتهويل صفة النار وتفظيع أموها. # والوقود: ms084 ما ترتفع به النار، وهو بفتح أوله الحطب، وبضمه الاتقاد. # والمعنى: أنها نار ممتازة عن النيران، بأنها لا تتقد إلا بالناس ~~والحجارة، فهي لإفراط حرها تتقد في الحجر، فليست كنار الدنيا التي نشاهدها، ~~لأن سائر النيران إذا أريد إحراق الناس بها، أو إحماء الحجارة، أوقدت أولا ~~بوقود، ثم طرح فيها ما يراد إحراقه أو إحماؤه، وتلك أعاذنا الله منها ~~برحمته الواسعة، توقد بنفس ما تحرق. # وفي الآية إشارة إلى أمرين: PageV01P119 ### || CHECK آية {وقودها الناس والحجارة} تفيد أمرين # أحدهما: يدل على الإخبار بغيب، وهو أن من الحجارة ما هو قابل لأن يكون ~~وقودا الآن، والآية، وإن كانت مسوقة لتهويل أمر النار في الآخرة، إلا أن ~~الحكمة الإلهية اقتضت أن يكون كثير مما في الآخرة له نموذج في الدنيا، ولما ~~كان الأمر كذلك، وكانت الحجارة الفحمية مخبوءة في خزائن الأسرار، حين نزول ~~القرآن إلى أن ظهرت تلك الإشارة إلى الوجود، وأظهر لهم تعالى حجارة تقوم ~~مقام الحطب في الاشتعال، ليزدادوا يقينا بوعده تعالى ووعيده، {وما يذكر إلا ~~أولو الألباب (269)} [البقرة]. # وثانيهما: أن المشركين لما قرنوا أنفسهم في الدنيا بالحجارة حيث نحتوها ~~أصناما فعبدوها من دون الله تعالى، وقالوا: إنها الشفعاء والشهداء، الذين ~~يستشفعون بهم، ويستدفعون بهم المضار عن أنفسهم تمسكا بهم، جعلها تعالى ~~عذابهم، فقرنهم بها محماة في نار جهنم إبلاغا وإغرابا في تحسرهم، وقد جاء ~~هذا المعنى مفسرا في قوله تعالى: {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم} ~~[الأنبياء: 98] والحصب هو: الوقود، وعلى طريق هذا المعنى قوله تعالى في ~~الذين يكنزون الذهب والفضة، ولا ينفقونها في سبيل الله: {يوم يحمى عليها في ~~نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم} [التوبة: 35]. # هذا وقد قارب المعنى الذي أشرنا إليه سابقا، ما رواه ابن جرير الطبري، عن ~~ابن عباس، وابن مسعود، وناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: # أن الحجارة هي حجارة في النار من كبريت أسود. وبه قال ابن جريج. # والحجر الفحمي، يشبه الكبريت في كونه مشتعلا، ويفارقه في اللون، ولا ms085 # مانع من أن تكون العرب وضعت لفظ الكبريت لكل حجر من شأنه الاشتعال، فيكون ~~الحجر الفحمي منه. # وقوله: {أعدت للكافرين}، أي: هيئت للجاحدين أن الله ربهم المتوحد PageV01P120 ### || CHECK معنى الجنة ### || CHECK وصف لأهل الجنة # بخلقهم، وخلق الذين من قبلهم؛ المشركين معه في عبادته الأنداد والآلهة، ~~وهو المنفرد لهم بالإنشاء، والمتوحد بالأقوات والأرزاق. # ولما تكلم سبحانه في التوحيد والنبوة، تكلم بعدهما في المعاد، ولما كان ~~من عادته سبحانه وتعالى في كتابه، أن يذكر الترغيب مع الترهيب، ويشفع ~~البشارة بالإنذار إرادة التنشيط لاكتساب ما يقرب من رضائه تعالى، والتثبيط ~~عن اقتراف ما يبعد عنه، فلما ذكر الكفار وأعمالهم، وأوعدهم بالعقاب، ذكر ~~بعد ذلك بشارة عباده الذين جمعوا بين التصديق والأعمال الصالحة، من فعل ~~الطاعات وترك المعاصي، قال: # {وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به ~~متشابها ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون (25)}. # لم يأمر تعالى بقوله: {وبشر} واحدا بعينه، وإنما كل أحد مأمور به، ~~والبشارة أصلها: الخبر بما يسر المخبر به، إذا كان سابقا به كل مخبر سوى ~~مخبره الأول. و {الصالحات}: كل ما استقام من الأعمال، فصلح لترتب الثواب ~~عليه، بدليل العقل والكتاب والسنة، ومعنى {الجنة} في اللغة: البستان من ~~النخل والشجر المتكاثف، المظلل بالتفاف أغصانه، كأنه يستر ما تحته سترة ~~واحدة، قال "زهير" (¬1): # كأن عيني في غربي مقتلة ... من النواضح تسقي جنة سحقا # شبه عينيه في تذارف الدموع بالغرب، وهي: الدلو العظيمة، والمقتل من ~~الدواب: الذي ذل ومرن على العمل، والناضح: الجمل الذي يسقى عليه، وقوله: ~~"تسقي جنة سحقا"، معناه: نخل طوال. # ثم وصف الجنات بكونها تجري من تحتها الأنهار، إشارة إلى أن المراد بالجنة ~~أشجارها وثمارها وغروسها، وأن الماء يجري تحت هذه المذكورات، ولم PageV01P121 # يرد أرضها، وأن الماء يجري تحتها، لأنه إذا كان جاريا تحتها، لم يكن ~~للعيون حظ منه إلا بكشف الساتر بينها وبينه، وقد تكرر وصف أنهار الجنة ms086 في ~~القرآن المجيد، فقال تعالى في هذه الآية: {تجري من تحتها الأنهار}، وقال في ~~موضع آخر: {تجري تحتها الأنهار} [التوبة: 100] وفي موضع آخر: {تجري من ~~تحتهم الأنهار} [الأعراف: 43، ويونس: 9، والكهف: 31]. وهذا يدل بظاهره على أمور: # أحدها: وجود الأنهار فيها حقيقة. # الثاني: أنها جارية لا واقفة. # الثالث: أنها تحت غرفهم وقصورهم وبساتينهم، كما هو المعهود في أنهار ~~الدنيا. # وقد ظن بعض المفسرين، أن معنى ذلك جريان الأنهار بأمر أهل الجنة، ~~وتصريفهم لها كيف شاؤوا، وكأن الذي حمل ذلك القائل على ذلك، أنه لما سمع أن ~~أنهارها تجري بغير أخدود، فهي جارية على وجه الأرض، حمل قوله: {تجري من ~~تحتها الأنهار} على أنها تجري بأمرهم، إذ لا يكون فوق المكان تحته، وهؤلاء ~~أتوا من ضعف الفهم، فإن أنهار الجنة، وإن قيل: إنها تجري في غير أخدود، فهي ~~تحت القصور والمنازل والغرف، وتحت الأشجار، والله تعالى لم يقل: من تحت ~~أرضها، وقد أخبر سبحانه عن جريان الأنهار تحت الناس في الدنيا، فقال: {ألم ~~يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا ~~السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم} [الأنعام: 6] فهذا على ~~ما هو المعهود المتعارف، وكذا ما حكاه من قول فرعون: {وهذه الأنهار تجري من ~~تحتي} [الزخرف: 51]. # هذا، ومما ينبغي أن يتنبه له العاقل أمران: # أحدهما: ما أخرجه "أبو نعيم الفضل بن دكين" أن "عائشة" قالت - في PageV01P122 ### || CHECK بحث هل النيل والفرات وسيحان وجيحان من أنهار الجنة ### || CHECK نهر الكوثر # تفسير قوله تعالى: {إنا أعطيناك الكوثر (1)} [الكوثر]-: "هو نهر في ~~الجنة، ليس أحد يدخل إصبعيه في أذنيه إلا سمع خرير ذلك النهر" وهذه الرواية ~~على فرض صحتها، متنافية الظاهر، وليس معناها إلا أن خرير ذلك النهر يشبه ~~الخرير الذي يسمعه حين يدخل إصبعيه في أذنيه، وإلا فكل من طالع شيئا من فن ~~خواص الأعضاء، يعلم سبب الدوي الذي يحصل في الأذن عند سدها بالأصبع ونحوها. # وثانيهما: أن بعض البسطاء يروون قوله صلى الله عليه وسلم: ms087 # "النيل والفرات وسيحان وجيحان من أنهار الجنة" ثم هم لا يوفونه حقه من ~~الشرح والبيان، فيجعلون للطاعن مكانا، ويفتحون له بابا للطعن، كما أنهم ~~يفتحون كثيرا من هذه الأبواب بالجهل، وهم غافلون عن النتائج، فيقول الطاعن ~~حينئذ: إن هذه الأنهار الأربعة قد علم مخرجها، وعرف من أين تجيء مياهها، ~~فكيف يمكن أن يقال: إنها من الجنة؟ وبيان حق الحديث من الشرح، أن يقال: إن ~~معناه على ظاهره، بلا تكلف تأويل أصلا، وهو: أن هذه الأربعة أسماء لأنهار ~~في الجنة، كالكوثر والسلسبيل، وليس في الحديث ما يدل على أن الفرات والنيل، ~~وسيحان وجيحان الموجودين في الدنيا هم من أنهر الجنة حتى يكون للطاعن مجال ~~للطعن، فإن تمسك الطاعن بما رواه عثمان بن سعيد الدارمي، حدثنا سعيد بن ~~سابق، حدثنا مسلمة بن علي، عن مقاتل بن حيان، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: # "أنزل الله من الجنة خمسة أنهار سيحون وهو نهر الهند، وجيحون وهو نهر ~~بلخ، ودجلة والفرات، وهما نهرا العراق، والنيل وهو نهر مصر، أنزلها الله من ~~عين واحدة من عيون الجنة، من أسفل درجة من درجاتها على جناح جبريل، ~~فاستودعها الجبال وأجراها في الأرض، وجعل فيها منافع للناس في أصناف ~~معايشهم فذلك قوله: {وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا على ~~ذهاب به لقادرون (18)} [المؤمنون] فإذا كان عند خروج يأجوج أرسل جبريل، ~~فرفع من الأرض القرآن والعلم كله، والحجر الأسود PageV01P123 ### || CHECK تفسير قوله تعالى: {كلما رزقوا منها من ثمرة} ### || CHECK الرد على حديث "ابن عدي" # من ركن البيت، ومقام إبراهيم، وتابوت موسى بما فيه، وهذه الأنهار الخمسة ~~فرفع ذلك كله إلى السماء، فذلك قوله: {وإنا على ذهاب به لقادرون}، فإذا ~~رفعت هذه الأشياء من الأرض، فقد حرم أهلها خيري الدنيا والآخرة". # ويجاب بأن هذا الحديث موضوع لا أصل له، ولا تحل روايته إلا على سبيل بيان ~~وضعه، والعقل يشهد بأنه لا صحة له، ورواه "ابن عدي" في ترجمة مسلمة، وقال: ~~عامة أحاديثه غير محفوظة، وبالجملة فهو من ms088 الضعفاء، وقال البخاري: منكر ~~الحديث، وقال النسائي: متروك، وقال أبو حاتم: لا نشتغل به، وأما عكرمة ~~فمجهول هنا، فإن كان هو مولى ابن عباس، وهو الأقرب، فقد تكلم فيه علماء ~~الجرح والتعديل لقوله بالرأي (¬1). # ولما ذكر تعالى، أن جزاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها ~~الأنهار، وكان لا يخلو قلب السامع أن يقع فيه، هل ثمار تلك الجنات أشباه ~~ثمار جنات الدنيا، أم هي أجناس أخر، لا تشابه هذه الأجناس، بين تعالى أنها ~~نوع آخر مغاير لثمرات الدنيا بقوله: # {كلما رزقوا منها من ثمرة} أي: كلما رزقوا من الجنات من أي ثمرة، كانت من ~~تفاحها أو رمانها أو عنبها، قالوا ذلك، فمن الأولى والثانية لابتداء ~~الغاية، لأن الرزق قد ابتدئ من الجنات، قد ابتدئ من ثمره، ف "من" الأولى ~~متعلقة بالرزق، مطلقا عن أي قيد كان، و {من} الثانية متعلقة به مقيدا بكونه ~~من الجنات، والمراد من ال {ثمرة} هنا، النوع من أنواع الثمار، والضمير في ~~قوله {منها} يرجع إلى الجنات، وإنما المعنى لأشجارها، وقولهم: {هذا الذي ~~رزقنا من قبل}، معناه: شبيهه ونظيره لا عينه. # وذهب المفسرون في تفسير قوله تعالى: {من قبل} مذهبين: PageV01P124 ### || CHECK ما ذهب إليه المفسرون في تفسير قوله تعالى: {من قبل} # أولهما: أن المعنى: رزقنا من قبل من ثمار الجنة، لأن المرزوق ثانيا لشدة ~~مشابهته للأول في اللون والطعم، جعلوه كأنه هو، ومما تمسك به أرباب هذا ~~القول، ما رواه ابن جرير وغيره، عن أبي عبيدة أنه قال: نخل الجنة نضيد من ~~أصلها إلى فرعها، وثمرها مثل القلال، كلما نزعت منها ثمرة عادت مكانها ~~أخرى، قالوا: فإنما اشتبهت عند أهل الجنة، لأن التي عادت نظيرة التي نزعت ~~فأكلت، بكل معانيها، قالوا: ولذلك قال تعالى: {وأتوا به متشابها} لاشتباه ~~جميعه في كل معانيه. # وثانيهما: أن معنى الآية، هذا الذي رزقنا من قبل في الدنيا، ورجح هذا ~~القول ابن جرير الطبري وقال: إنه قول ابن عباس وابن مسعود وناس من أصحاب ~~النبي - صلى الله عليه وسلم ms089 -. وعمدة المرجح أن الله تعالى لم يخصص بقوله: ~~{من قبل}، بأن ذلك من قيلهم في بعض دون بعض، فإذا كان قد أخبر عنهم، أن ذلك ~~من قيلهم في كل ما رزقوا من ثمرها، فلا شك أن ذلك من قيلهم في أول رزق ~~رزقوه من ثمارها أتوا به بعد دخولهم الجنة، واستقرارهم فيها، الذي لم ~~يتقدمه عندهم من ثمارها ثمرة، فإذا كان لا شك أن ذلك من قيلهم في أوله، كما ~~هو من قيلهم في وسطه، وما يتلوه، فمعلوم أنه محال أن يقولوا لأول رزق رزقوه ~~من ثمار الجنة: {هذا الذي رزقنا من قبل}، هذا من ثمار الجنة، وكيف يجوز أن ~~يقولوا لأول رزق رزقوه من ثمارها هذا هو الذي رزقناه من قبل، ولما يتقدمه ~~عندهم مثال؟ إلا أن ينسبهم ذو غرة وضلال إلى قيل الكذب الذي قد طهرهم الله ~~منه؛ أو يدفع دافع أن يكون ذلك من قيلهم لأول رزق يرزقونه من ثمارها، فيدفع ~~صحة ما أوجب الله صحته بقوله: {كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا} من غير نصب ~~دلالة على أنه معني به حال من أحوالهم دون حال. # فقد تبين بما بينا أن معنى الآية: كلما رزق الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ~~من ثمرة من ثمار الجنة في الجنة رزقا، قالوا: هذا الذي رزقنا من قبل هذا في ~~الدنيا، وأنت خبير بأن ما قاله ابن جرير لا يلزم أصحاب القول الأول، لأنهم ~~يخصون هذا العام، بما عدا الرزق الأول، لدلالة العقل والسياق عليه، وليس ~~هذا PageV01P125 ### || CHECK معنى قوله تعالى: {وأتوا به متشابها} والأقوال فيها # ببدع من طريقة القرآن، وأنت مضطر إلى تخصيصه ولا بد، بأنواع من ~~التخصيصات: # أحدها: أن كثيرا من ثمار الجنة، وهي التي لا نظير لها في الدنيا، لا يقال ~~فيها ذلك. # الثاني: أن كثيرا من أهلها، لم يرزقوا جميع ثمرات الدنيا التي لها نظير ~~في الجنة. # الثالث: أنه من المعلوم أنهم لا يستمرون على هذا القول أبد الآباد، كلما ~~أكلوا ثمرة واحدة قالوا: هذا الذي رزقنا في ms090 الدنيا، ويستمرون على هذا ~~الكلام دائما إلى غير نهاية، والقرآن العظيم لم يقصد إلى هذا المعنى، ولا ~~هو مما يعتني بهم من نعيمهم ولذتهم، وإنما هو كلام مبين خارج عن المعتاد ~~المفهوم من الطيب، ومعناه: أنه يشبه بعضه بعضا، ليس أوله خيرا من آخره، ولا ~~هو مما يفرض له ما يفرض لثمار الدنيا عند تقادم الشجر وكبرها، من نقصان ~~حملها وصغر ثمرها، وغير ذلك. بل أوله مثل آخره وآخره مثل أوله، وهو خيار ~~كله، يشبه بعضه بعضا، فهذا وجه قولهم، ولا يلزم مخالفة ما نصه الله سبحانه ~~وتعالى، ولا نسبة أهل الجنة إلى الكذب بوجه، والذي يلزمهم من التخصيص، يلزم ~~على ما قاله ابن جرير نظيره وأكثر منه. # وأما قوله تعالى: {وأتوا به متشابها}، فالضمير عائد إلى الرزق المفهوم من ~~{رزقوا}، وقال الحسن البصري في معنى التشابه: خيار كلها لا رذل (¬1) فيها، ~~وقال أيضا: ألم تروا إلى ثمار الدنيا كيف ترذلون بعضه، وإن ذلك ليس فيه ~~رذل، وقال قتادة: {وأتوا به متشابها}، أي: خيارا لا رذل فيه، وإن ثمار ~~الدنيا ينقى منها ويرذل منها، وثمار الجنة خيار كله لا يرذل منها شيء. وعلى ~~هذا فالمراد بالتشابه، التوافق والتماثل. PageV01P126 # وقالت طائفة أخرى: التشابه إنما هو في اللون، والطعم مختلف، وهو مروي عن ~~ابن عباس، وابن مسعود، وناس من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ وبه ~~قال مجاهد، والربيع بن أنس. # وقال بعضهم: تشابهه في اللون والطعم، وهو مروي عن مجاهد ويحيى بن سعيد. # وقال بعضهم: تشابهه، تشابه ثمر الجنة وثمر الدنيا، في اللون، وإن اختلف ~~طعومهما، وهو قول قتادة وعكرمة. # وقال بعضهم: لا يشبه شيء مما في الجنة ما في الدنيا إلا الأسماء، وهو قول ~~لابن عباس، ومحمد بن بشار (¬1)، وعبد الرحمن بن زيد، واختار ابن جرير ~~الطبري هذا القول، وإليه جنح المتأخرون من علماء اللغة والبيان، فقال ~~العلامة في "الكشاف": # إنما تشابه كل من ثمر الدنيا وثمر الآخرة، لأن الإنسان بالمألوف آنس، ~~وإلى المعهود أميل، واذا رأى ما لم يألفه ms091 نفر عنه طبعه، وعافته نفسه، ولأنه ~~إذا ظفر بشيء من جنس ما سلف له به عهد، وتقدم له معه إلف، ورأى فيه مزية ~~ظاهرة، وفضيلة بينة، وتفاوتا بليغا بينه وبين ما عهد، أفرط ابتهاجه ~~واغتباطه، وطال استعجابه واستغرابه، وتبين كنه النعمة فيه، وتحقق مقدار ~~الغبطة به، ولو كان جنسا لم يعهده، وإن كان فائقا، حسب أن ذلك الجنس لا ~~يكون إلا كذلك، فلا يتبين موقع النعمة حق التبين، فحين أبصروا الرمانة من ~~رمان الدنيا، ومبلغها في الحجم، وأن الكبرى لا تفضل عن حد البطيخة الصغيرة، ~~ثم يبصرون رمانة الجنة تشبع السكن، كان ذلك أبين للفضل، وأظهر للمزية وأجلب ~~للسرور، وأزيد في التعجب من أن يفاجؤوا بذلك الرمان من غير عهد سابق بجنسه، ~~هذا كلامه. # ونحن قد سردنا هنا الأقوال، وتكلمنا بحسب ما تقتضيه اللغة، مع علمنا بأن ~~الأمر غيب، وأنه لا شيء مما في الدنيا يشبه شيئا مما في الآخرة شبها تاما، PageV01P127 ### || CHECK معنى {وهم فيها خالدون} مع تفصيل وجه الاستثناء في سورة هود ### || CHECK معنى الأزواج المطهرة # كما يرشد إليه قوله تعالى: {متشابها}، فإن المتشابهين لا تكون حقيقتهما ~~واحدة، وإلا لعدا متماثلين، والله تعالى أعلم بحقيقة الحال. # وأما قوله تعالى: {ولهم فيها أزواج مطهرة}. فالضمير في {لهم} ل {الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات}، والمعنى: وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات، بأن ~~لهم في الجنة أزواجا مطهرة مما يختص بالنساء من الحيض والاستحاضة، وما لا ~~يختص بهن من الأقذار والأدناس، ومطهرة أيضا من دنس الطباع، وطبع الأخلاق ~~التي عليه نساء الدنيا، مما يكتسبن بأنفسهن ومما يأخذنه من أعراق السوء ~~والمناشئ المفسدة، ومن سائر عيوبهن ومثالبهن، وخبثهن وكيدهن، والعموم ~~مستفاد من حذف المتعلق، حيث لم يقل: مطهرة من كذا وكذا، فقد جمع الله تعالى ~~في هذه البشارة بين نعيم البدن بالجنات، وما فيها من الأنهار والثمار، ~~ونعيم النفس بالأزواج المطهرة، ثم ختم بنعيم القلب، وقرة العين بمعرفة دوام ~~هذا العيش أبد الآباد، وعدم انقطاعه، فقال: {وهم فيها خالدون}، وخلودهم في ~~الجنات دوام بقائهم ms092 فيها، على ما أعطاهم الله فيها من الخيرة والنعيم ~~المقيم، واعلم أن أبدية الجنة، وأنها لا تفنى ولا تبيد، مما نادى به الكتاب ~~المنزل، وصرحت به أحاديث النبي المرسل. # فإن قال قائل: إن الله تعالى استثنى في قوله: {وأما الذين سعدوا ففي ~~الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ ~~(108)} [هود] أي: مقطوع، فما وجه الاستثناء هنا؟ ! # قلنا: "إن الذين سعدوا" مراد به العموم، وهم في الجنة خالدون فيها، إلا ~~مدة كونهم يوم القيامة في الموقف، وعلى هذا فليس في الآية تخصيص، لأنه من ~~المعلوم: أن إحيائهم هو أول يوم من أيام قيامهم، وهم لا يدخلون الجنة من ~~أول الأمر، بل لا بد لهم من الوقوف في الموقف. # وأما أهل العربية, فقال سيبويه والفراء: إن {إلا} هنا بمعنى "لكن"، نظير ~~قولك: لي عليك ألف إلا الألفين اللذين قبلها، والمعنى على هذا: سوى ما PageV01P128 ### || CHECK إن ذكر النحل والذباب والعنكبوت والنمل، في القرآن الكريم هو على سبيل الحكم البالغة # شاء الله من الزيادة على مدة دوام السماوات والأرض، وحينئذ تتضح المناسبة ~~بين أول الآية وبين قوله تعالى: {عطاء غير مجذوذ}. واختار ابن قتيبة: أن ~~{إلا} بمعنى سوى، وقال: المعنى خالدين فيها مدة العالم، سوى أن يزيدهم من ~~الخلود على مدة العالم، وقيل: إن {ما} في {ما دامت} بمعنى "من"، والمعنى ~~نظير قوله: {فانكحوا ما طاب لكم} [النساء: 3]، والمعنى: إلا من شاء ربك أن ~~يدخله النار بذنوبه من السعداء، وهذه الأقوال متقاربة. # والقول الحق: أن الله سبحانه أخبر عن خلودهم في الجنة كل وقت، إلا وقتا ~~يشاء أن لا يكونوا فيها، وهذا يتناول وقت كونهم في الدنيا وفي البرزخ، وفي ~~موقف القيامة، وعلى الصراط، وكون بعضهم في النار مدة. # ثم إنه تعالى لما بين بالدليل كون القرآن معجزا، أورد هنا شبهة أوردها ~~الكفار قدحا في ذلك، وأجاب عنها فقال: # {إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما الذين آمنوا ~~فيعلمون أنه الحق ms093 من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا ~~مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين (26) الذين ~~ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في ~~الأرض أولئك هم الخاسرون (27)}. # وتقرير الشبهة: أنه جاء في القرآن ذكر النحل والذباب، والعنكبوت والنمل، ~~وهذه الأشياء لا يليق ذكرها بكلام الفصحاء، فاشتمال القرآن عليها قدح في ~~فصاحته، فضلا عن كونه معجزا. # فأجاب الله تعالى بأن صغر هذا الأشياء، لا يقدح في الفصاحة، إذا كان ~~ذكرها مشتملا على حكم بالغة. # فهذا هو الإشارة إلى كيفية تعلق هذه الآية بما قبلها، وسبب نزولها أن ~~اليهود لما نزل قوله تعالى: {وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت} [العنكبوت: ~~41] PageV01P129 # قالوا: أي قدر للذباب والعنكبوت حتى يضرب الله المثل بهما، وكذلك طعن ~~المنافقون في ضرب الأمثال بالنار والظلمات، والرعد والبرق، في قوله تعالى: ~~{مثلهم كمثل الذي استوقد نارا} [البقرة: 17] وطعن المشركون أيضا كما طعن ~~المنافقون، فأنزل الله هذه الآية، نداء على جهلهم بأساليب البلاغة وبيانا، ~~لأن ما استنكره الجهلة والسفهاء وأهل العناد والمراء من الكفار، واستغربوه ~~من أن تكون المحتقرات من الأشياء مضروبا بها المثل، ليس هو مما يستنكر ~~ويستغرب، من جهة أن التمثيل، إنما يصار إليه لما فيه من كشف المعنى ورفع ~~الحجاب عن الغرض المطلوب، وجعل المتوهم قريبا من المشاهد، فإذا كان المتمثل ~~له عظيما كان المتمثل به مثله، وإن كان حقيرا كان المتمثل به كذلك، فليس ~~العظم والحقارة في المضروب به المثل، إذا إلا أمرا (¬1) تستدعيه حالة ~~المتمثل له، وتستجره إلى نفسها، فيعمل الضارب للمثل على حسب تلك القضية، ~~وعلى هذا درج البلغاء في محاوراتهم ومخاطباتهم، وهذه أمثال العرب قد تمثلوا ~~فيها بأحقر الأشياء، فقالوا: "أجمع من ذرة، وأجرأ من الذباب، وأسمع من ~~قراد". ولقد ضربت الأمثال في الإنجيل بالأشياء المحقرة كالزؤان والنخالة، ~~وحبة الخردل، والدود والزنابير. ولكن سجية المحجوج المبهوت الذي لم يبق له ~~متمسك بدليل ولا متشبث بأمارة ولا إقناع، أن يرمي لفرط ms094 الحيرة والعجز عن ~~إعمال الحيلة بدفع الواضح، وإنكار المستقيم والتعويل على المكابرة ~~والمغالطة، إذا لم يجد سوى ذلك معولا. # وأنت إذا تأملت سوابق هذه الآية ولواحقها، وجدت أن هذه الآية تشير إلى ~~أنها وردت جوابا لنكير الكفار والمنافقين ما ضرب لهم من الأمثال، في هذه ~~السورة، وليست جوابا لنكيرهم ما ضرب من الأمثال في سائر السور، لأن الأمثال ~~التي ضربها الله لهم ولآلهتهم في سائر السور، أمثال موافقة للمعنى لما أخبر ~~عنه PageV01P130 ### || CHECK المراد بالاستحياء في هذه الآية ### || CHECK إن آية {إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما} الآية، إنما وردت جوابا لنكير الكفار # أنه لا يستحيي أن يضرب مثلا إذ كان بعضها تمثيلا لآلهتهم بالعنكبوت ~~وبعضها تشبيها لها بالضعف والمهانة بالذباب، وليس ذكر شيء من ذلك بموجود في ~~هذه السورة، فيجوز أن يقال: إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما فإن هذا ~~بخلاف ما ظن، وذلك أن قوله تعالى: {إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما ~~بعوضة فما فوقها}، إنما هو خبر منه تعالى أنه لا يستحي أن يضرب في الحق من ~~الأمثال صغيرها وكبيرها، ابتلاء بذلك لعباده واختبارا منه لهم، ليميز به ~~أهل الإيمان والتصديق به، من أهل الضلال والكفر به، إضلالا منه لقوم وهداية ~~منه لآخرين. # وقد روي عن ابن عباس، وابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنهم قالوا: إن الله لما ضرب هذين المثلين للمنافقين يعني ~~قوله: {مثلهم كمثل الذي استوقد نارا} [البقرة: 17] وقوله: {أو كصيب من ~~السماء} [البقرة: 19] الآيات الثلاث، قال المنافقون: الله أعلى وأجل من أن ~~يضرب هذه الأمثال، فإنزل الله تعالى هذه الآية. # فإن قال قائل: أين الإشارة إلى ما زعمت من أن الآية وردت جوابا لنكير ~~الكفار؟ وأين ما يدل على ذلك النكير؟ # قلنا: أشار إلى ذلك قوله تعالى: {فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ~~ربهم ... } إلى آخر الآية. # والاستحياء هنا: الخشية، والمعنى: أن الله لا يخشى أن يصف شبها لما شبه ~~به، ms095 و {ما} بمعنى: الذي، أي: الذي هو بعوضة في الصغر والقلة، فما فوقها ~~مثلا، وهذا على قراءة من قرأ {بعوضة} بالرفع، وأما على قراءة النصب ف {ما} ~~هذه إبهامية، وهي التي إذا اقترنت باسم نكرة أبهمته إبهاما، وزادته شيوعا ~~وعموما، كقولك: أعطني كتابا ما تريد: أي كتاب كان، و {بعوضة} عطف بيان ل ~~{مثلا}، أو مفعول ل {يضرب}، و {مثلا} حال من النكرة مقدمة عليه، وقوله: ~~{فما فوقها} معناه: ما تجاوزها وزاد عليها في المعنى الذي ضربت فيه مثلا، ~~وهو القلة والحقارة، ونظيره قولك لمن يقول فلان أسفل الناس وأنذلهم: هو فوق ~~ذاك، تريد هو أبلغ وأعرق فيما وصف به من السفالة والنذالة، ولك أن PageV01P131 ### || CHECK ما يترتب على ضرب هذا المثل من آثار # تقول: معناه فما فوقها بالحجم، أي: ما زاد عليها في الجسم، ويكون القصد ~~بذلك رد ما استنكروه من ضرب المثل، وهذا الوجه هو الذي تتراءى من خلال ~~التنزيل صحته، وتنادي بلاغته بالتعويل، وبيان بعض أسراره: أن الشيء كلما ~~كان أصغر كان الاطلاع على أسراره أصعب، فإذا كان في نهاية الصغر لم يحط به ~~علما إلا علام الغيوب، فكان التمثيل به أقوى في الدلالة على كمال الحكمة من ~~التمثيل بالشيء الكبير، ولا يتنبه إلى الحقائق إلا من خلع ربقة التقليد من ~~عنقه، وأطاع البراهين والحجج الدامغة فكان مع الحق يدور معه حيثما دار، ~~وهناك يتبين العاقل من الجاهل، وتختبر العقول {فأما الذين آمنوا}، أي: ~~نظروا فيما نصبه الله تعالى من البراهين في أنفسهم وفي الآفاق، فصدقوا الله ~~ورسوله، {فيعلمون}، أي: فيعرفون أن المثل الذي ضربه الله تعالى لما ضربه، ~~هو الحق من ربهم، ويذعنون للحقيقة، وينكشف به الغطاء عن بصائرهم. {وأما ~~الذين كفروا} أي: جحدوا آيات الله كفرا وعنادا كالمنافقين، أو تقليدا ~~لسلفهم كالمشركين، أو غلطا في تأويل كتابهم وتقليدا لمن سلف منهم، كأهل ~~الكتاب، فأولئك حجبهم ما هم فيه، عن اتباع الحق، وحملهم على أن يقولوا: ~~{ماذا أراد الله بهذا مثلا}، أي: ما الذي أراده الله ms096 بهذا المثل، لأن ما هم ~~عليه من التقليد المحض، والاستكبار عن اتباع الحق، أقفل أبواب أذهانهم، ~~وأجمدها، وحصر عقولهم ضمن دائرة صغيرة، فلا يتعدونها ولا يفهمون الإشارات، ~~ولا يدركون مرامي الأدلة والبراهين. والله تعالى {يضل به}، أي: بذكر المثل ~~{كثيرا} من أهل النفاق والكفر، فيزيدهم ضلالا إلى ضلالهم، وتكذيبا إلى ~~تكذيبهم، {ويهدي به}: أي: بالمثل كثيرا من أهل الإيمان، والتصديق، فيزيدهم ~~هدى إلى هداهم، وإيمانا إلى إيمانهم، لتصديقهم بما قد علموه حقا يقينا أنه ~~موافق لما ضربه الله له مثلا، وإقرارهم به، وذلك هداية الله لهم به، ألا ~~ترى أن طالب الحق كلما قدمت له البراهين نظر بها، فعزل غثها عن سمينها، ~~وازداد بها معرفة وعرفانا، وكلما ازدادت عنده البراهين، ازداد عرفانا، وأما ~~المقلد والمستكبر عن اتباع الحق حسدا، فإن البراهين القاطعة لا تزيده إلا ~~نفورا، ولا تفيده إلا زيادة في الضلال، ونفورا عن طريق الهدى. PageV01P132 ### || CHECK مبحث في معنى "الضلال"، المستفاد من قوله تعالى: {يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا} الآية ### || CHECK مبحث في معنى الفسق # ثم إنه تعالى استأنف الكلام، فقال: {وما يضل به إلا الفاسقين} وأصل الفسق ~~في كلام العرب: الخروج عن الشيء، والمنافقون والكفار أطلق عليهم الفسق ~~لخروجهم عن طاعة ربهم، ولذلك قال تعالى في صفة إبليس: {إلا إبليس كان من ~~الجن ففسق عن أمر ربه} [الكهف: 50] يعني به: خرج عن طاعته واتباع أمره. # وقوله تعالى: {الذين ينقضون} الآية، صفة للفاسقين، وكشف عن معناهم، وفي ~~الآية بحث طويل ومقام طالما رددته أفهام الفحول، فأصبحت العقول به حيرى، ~~وسيرد عليك أثناء الكتاب حججه ودلائله في مواضعها إن شاء الله تعالى، ~~ولكننا نكتب هنا حاصله، وما ذاك إلا في قوله تعالى: {يضل به كثيرا ويهدي به ~~كثيرا}، فإنه بظاهره يفهم منه بطلان ما أجمعت عليه الأمة (¬1) بأسرها، من ~~أنه تعالى لم يدع إلى الكفر، ولم يرغب فيه، بل نهى عنه وزجر وتوعد بالعقاب ~~عليه، وإذا أمعنت النظر في الآية، وجدتها لا تفيد هذا المعنى أصلا لوجوه: # أولها: أن ms097 القرآن إنما نزل بلغة العرب، فيجب تأويله على مقتضى كلامهم، ~~وقد استعمل الضلال في كلامهم بمعنى: الضلال في العلوم التي تستفاد من جهة ~~النظر والاستدلال، ولما كان ضرب الأمثال يحتاج المراد منه إلى النظر نزلت ~~منزلة العلوم النظرية، وأطلق على عدم معرفتهم ما يراد منها أضلال، ثم نسب ~~إلى من ضرب المثل لصدوره منه، ألا تراك أنك إذا ناظرت ضالا عن طريق الهدى ~~فأوردت له البراهين على الحق، وأوضحت له الأدلة الناطقة به، فلم يصغ إليها، ~~ولامك لائم على صنيعك معه، قلت له: أنا أبرهن على الهدى، وبرهاني إما أن ~~يهدي الذي أناظره واما أن يضله، بمعنى: أنه إما أن يوقعه في الشك فيضله عن ~~طريق قصده، وإما أن يزيده بعدا ونفورا واستكبارا، فلا يذعن لناصح، ولا يصغي ~~لمحق، وعلى كلا التقديرين فلا إشارة في الآية للجبر أصلا، ومن هذا المعنى ~~قوله تعالى: {ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ~~ضلالا بعيدا} [النساء: 136]. PageV01P133 # وثانيهما: قال ابن السكيت: يقال للشيء الثابت في موضعه إلا أنك لم تهتد ~~إليه: ضللته؛ قال "الفرزدق" (¬1): # ولقد ضللت أباك يدعو دارما ... كضلال ملتمس طريق وبار # وعليه فمعنى الآية: أن الله أورد لهم من الأمثال، ما علم كثير منهم ما هو ~~المراد منها فاهتدى، وخفي على كثير منهم فضل، ولم يهتد إلى ما هو الواجب ~~عليه أن يعرفه، فيحكم الله بذلك في الدنيا، ويعدل به عن طريق الجنة إلى ~~النار، في الآخرة. # ثالثها: أن الرجل إذا ضل باختياره عند حصول شيء، من غير أن يكون لذلك ~~الشيء أثر في إضلاله، يقال لذلك الشيء: إنه أضله، قال تعالى في حق الأصنام: ~~{رب إنهن أضللن كثيرا من الناس} [إبراهيم: 36] ومعناه: ضلوا بهن، وقال في ~~حقهم أيضا: {وقد أضلوا كثيرا} [نوح: 24] أي: ضل كثير من الناس بهم. # وفي هذه الآية، لما قال الكفار: ما الحاجة إلى هذه الأمثال؟ وما الفائدة ~~منها؟ واشتد عليهم هذا الامتحان، حسن أن يقول تعالى: {يضل به كثيرا} ويجوز ~~أن يكون الإضلال من ms098 التخلية، وترك المنع بالقهر والجبر، فيقال: أضله إذا ~~خلاه وضلله، ويقال لمن ترك سيفه في الأرض الندية حتى فسد وصدئ: أفسدت سيفك ~~وأصدأته. # وهذه المعاني واضحة لمن تأملها، ولا يخفى على من له معرفة بمعاني كلامه ~~تعالى، أنه سبحانه يبين لعباده طريق الهدى وطريق الضلال، ويبرهن على حسن ~~الأول وقبح الثاني، فإن تبع العبد طريق الهدى، نسب هداه إلى الله تعالى من ~~حيث إنه بينه له، وإذا تبع طريق الضلالة نسب إضلاله إلى الله تعالى، ~~باعتبار أنه بين له أن هذه طريق الضلالة وحذره منه فاتبعه، وهذا على حد ما ~~لو بينت PageV01P134 ### || CHECK معنى قوله تعالى: {وما يضل به إلا الفاسقين} # لسالك طريقين: أحدهما فيه فلاحه ونجاحه، والثاني فيه خساره، ثم تقول له ~~قد هديتك وأضللتك، ومن ثم ذهب إمام الحرمين إلى أن الأفعال واقعة بقدرة ~~يخلقها الله في العبد، إذا قارنت حصول الشرائط وارتفاع الموانع، انتهى. # ولما كان البيان يزيد المهتدي هدى، والضال ضلالا، قال: {وما يضل به إلا ~~الفاسقين}، والفاسق: الخارج عن الطاعة، مأخوذ من قولهم فسقت الرطبة من ~~قشرها، أي: خرجت، وهذا بعينه معنى قوله تعالى: {الذين ينقضون عهد الله} أي: ~~يخرجون عنه بعدما دخلوا فيه، فهو تفسير للفاسقين، وإذا تحققت هذه المسالك، ~~وهو أن القرآن يفسر بعضه بعضا، وأنه يجب تفسير مفرداته على مقتضى ما كان ~~مصطلحا عليه أيام نزوله من كلام العرب، علمت ما يغلط به كثير من الناس من ~~أنهم قد تعودوا ما اعتادوه، إما من خطاب عامتهم، وإما من خطاب علمائهم، ~~باستعمال اللفظ في معنى، فإذا سمعوه في القرآن والحديث، ظنوا أنه مستعمل في ~~ذلك المعنى، فيحملون كلام الله ورسوله على لغتهم النبطية (¬1)، وعادتهم ~~الحادثة، وهذا مما دخل به الغلط على طوائف، بل الواجب أن يعرف اللغة ~~والعادة والعرف الذي نزل به القرآن والسنة، وما كان الصحابة يفهمون من ~~الرسول عند سماع تلك الألفاظ، فبتلك اللغة والعادة والعرف خاطبهم الله ~~ورسوله، لا بما حدث بعد ذلك، وهذه قاعدة كبيرة من قواعد التفسير. # وقو ms099 له تعالى: {الذين ينقضون عهد الله} الآية، يلوح بأنوار أسرار ~~البلاغة، وذلك أن أصل النقض، إنما هو: الفسخ وفك التركيب، ثم إن العرب لما ~~كانوا يسمون العهد بالحبل، لما فيه من إثبات الوصلة بين المتعاهدين، جاز ~~استعمال النقض، الذي يوصف به الحبل، في إبطال العهد جريا على عادتهم من ~~سكوتهم عن ذكر الشيء المستعار، والرمز إليه بشيء من روادفه، فينبهوا بتلك ~~الرمزة على مكانه، و {العهد} الموثق، يقال: عهد إليه في كذا، إذا وصاه به ~~ووثقه عليه، واستعهد منه إذا اشترط عليه واستوثق منه. PageV01P135 ### || CHECK معنى قوله تعالى: {الذين ينقضون عهد الله} وأن المقصود منها اليهود وأحبارهم خاصة # والمراد من هؤلاء الناقضين، هم الذين نزلت فيهم، وهم كفار أحبار اليهود، ~~الذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول الله، وما قرب منها من بقايا بني ~~إسرائيل، ومن كان على شركه من أهل النفاق المبين قصصهم فيما مضى، غير أنه ~~وإن كانت الآية نزلت فيهم فإنها لا تختص بهم، بل هي شاملة لهم، ولكل من كان ~~على مثل ما كانوا عليه من الضلال، وقد عنى أيضا بما وافق منها صفة ~~المنافقين، ولما وافق منها صفة كفار أحبار اليهود، جميع من كان نظيرا لهم ~~في كفرهم، وذلك أن الله جل جلاله يعم أحيانا جميعهم بالصفة لتقديمه، ذكر ~~جميعهم في أول الآيات التي ذكرت قصصهم، ويخص أحيانا بالصفة بعضهم، لتفصيله ~~في أول الآيات بين فريق المنافقين من عبدة الأوثان، وأهل الشرك بالله، ~~وفريق كفار أحبار اليهود، والعهد الذي نسب تعالى نقضهم إليهم، هو: تركهم ما ~~عهد إليهم من الإقرار بمحمد - صلى الله عليه وسلم -، وبما جاء به، وتبيين ~~نبوته للناس، وكتمهم بيان ذلك بعد علمهم به، وبما قد أخذ الله عليهم من ~~الميثاق في ذلك، كما قال: {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه ~~للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم} [آل عمران: 187]، ونبذهم ذلك وراء ~~ظهورهم، هو نقضهم العهد الذي عهد إليهم في التوراة الذي وصفناه، وتركهم ~~العمل به. والذي يدل على هذا المنحى ms100 من التفسير أنه من ابتداء الخمس أو ~~الست الآيات من أول هذه السورة، إنما نزل فيهم إلى تمام قصصهم، ثم جاءت ~~الآية التي بعدها مخبرة عن خلق آدم وأبنائه، ثم أعاد الكلام عليهم في قوله: ~~{يابني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم} ~~[البقرة: 40] وفي خطابه إياهم بالوفاء في ذلك خاصة دون سائر البشر، ما يدل ~~على أن قوله: {الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه}، مقصود به كفارهم ~~ومنافقوهم، ومن كان من أشياعهم من مشركي عبدة الأوثان على ضلالهم. # غير أن الخطاب، وإن كان لهؤلاء، لكنه يدخل في أحكامهم، وفيما أوجب الله ~~عليهم لهم من الوعيد والذم والتوبيخ، كل من كان على سبيلهم ومنهاجهم، من ~~جميع الخلق وأصناف الأمم، المخاطبين بالأمر والنهي. PageV01P136 ### || CHECK مبحث في معنى الميثاق والقطع المذكورين في قوله تعالى: {من بعد ميثاقه، ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل} الآية # فمعنى الآية حينئذ: وما يضل به إلا التاركين عهود الله التي عهدها إليهم ~~في الكتب التي أنزلها إلى رسله، وعلى ألسن أنبيائه باتباع أمر رسوله وما ~~جاء به، وطاعة الله فيما افترض عليهم في التوراة من تبيين أمره للناس، ~~وإخبارهم إياهم أنهم يجدونه مكتوبا عندهم، أنه رسول من عند الله، مفترضة ~~طاعته وترك كتمان ذلك لهم، ونكثهم ذلك. # ونقضهم إياه هو: مخالفتهم الله في عهده إليهم، فيما وصف أنه عهد إليهم، ~~بعد إعطائهم ربهم الميثاق بالوفاء بذلك، كما وصفهم به تعالى بقوله: {فخلف ~~من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن ~~يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله ~~إلا الحق} [الأعراف: 169]، وإلى ما ذكر جنح ابن جرير الطبري. # وأما قوله: {من بعد ميثاقه}، فهو اسم من التوثق، ومعناه: من بعد توثق ~~الله منه، بأخذ عهوده بالوفاء له بما عهد إليه في ذلك، فالضمير في ميثاقه ~~يعود إلى اسمه تعالى. # وقد يدخل في حكم هذه الآية، كل من كان بالصفة التي وصف ms101 الله بها هؤلاء ~~الفاسقين، من الكفار والمنافقين في نقض العهد، وقطع الرحم والإفساد في ~~الأرض، ولهذا قال قتادة: إياكم ونقض هذا الميثاق، فإن الله قد كره نقضه، ~~وأوعد فيه، وقدم فيه في آي القرآن حجة وموعظة ونصيحة، وإنا لا نعلم الله جل ~~ذكره أوعد في ذنب ما، ما أوعد في نقض الميثاق، فمن أعطى عهد الله وميثاقه ~~من ثمرة قلبه، فليف به لله. # وقال الربيع في تفسير هذه الآية، أشارت الآية إلى ست خصال في أهل النفاق، ~~إذا كانت لهم الظهرة أظهروا هذه الخلال الست: إذا حدثوا كذبوا، وإذا وعدوا ~~أخلفوا، وإذا اؤتمنوا خانوا، ونقضوا عهد الله من بعد ميثاقه، وقطعوا ما أمر ~~الله أن يوصل، وأفسدوا في الأرض. وإذا كانت عليهم الظهرة أظهروا الخلال ~~الثلاث الأول. PageV01P137 # وقوله: {ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل} خصه بعض المفسرين بقطع الرحم، ~~وليس الأمر على التخصيص، وإنما معناه العموم، فيشمل قطع الرحم التي منع ~~الله من الظلم في ترك أداء ما ألزم من حقوقها، وأوجب من برها ووصلها أداء ~~الواجب لها إليها من الحقوق التي أوجب لها، والتعطف عليها بما يحق التعطف ~~به عليها، ويشمل الذم أيضا لكل قاطع قطع ما أمر الله بوصله، فإن الله تعالى ~~أمر بوصل حبل المؤمنين فيما بينهم، فقال: {إنما المؤمنون إخوة} [الحجرات: ~~10]، فكل من سعى في بت هذا الحبل، ونقض هذا الميثاق بين المؤمنين يشمله ~~الذم، بحكم هذه الآية. ولكل من سعى بالتفريق بين اثنين، أو بين جماعة، ~~بغيبة أو نميمة أو احتيال وغير ذلك من طرق التفريق، ولكل من احتال على أكل ~~أموال الناس بالباطل، لأن الله تعالى أمر بالوصلة بين ما يملكه الإنسان ~~وبينه، فلا يفرق بين المالك وملكه إلا بحق، والمتحيل كل أموال الناس ~~بالباطل والمتسلط على ذلك، قاطع ما أمر الله به أن يوصل، ولكل من سعى في ~~قطع طريق خير، لأنه لا فرق بين من يقطع السابلة على المارة، وبين من يعرقل ~~المساعي في الأعمال الخيرية، ولكل من اختلس المدارس والمساجد ms102 وأوقافها، لأن ~~المدارس ونحوها سبب لإيصال العلم إلى المتعلمين، وقد أمر الله بها بتلك ~~الوصلة، فالساعي في اختلاسها قاطع لما أمر الله أن يوصل، إلى غير ذلك مما ~~يعلمه من أمعن النظر في هذه الآية، وهي شاملة أيضا لما يفعله أهل الكتاب من ~~قطعهم ما بين الأنبياء من الوصلة والاتحاد والاجتماع على الحق، في إيمانهم ~~ببعض، وكفرهم ببعض. # وما ذكرناه آنفا داخل في عموم قوله تعالى: {ويفسدون في الأرض}، لأنه ما ~~من خصلة ذميمة، إلا ويصدق عليها أنها فساد في الأرض. # {أولئك هم الخاسرون} الإشارة فيه ترجع إلى المتصفين بالأوصاف المذكورة في ~~الآية ومعناه: أن الذين اتصفوا بذلك هم الخاسرون، لأنهم استبدلوا النقض ~~بالوفاء، والقطع بالوصل، والصلاح بالفساد، وعقابها بثوابها، فخسروا دنيا ~~وأخرى، فكانوا كمن خسر في تجارته بأن يوضع من رأس ماله في بيعه، فكذلك PageV01P138 ### || CHECK الحكمة من ذكر "كيف" في قوله تعالى: {كيف تكفرون بالله} الآية # أصحاب الأوصاف المتقدمة، خسروا بحرمان الله إياهم رحمته التي خلقها ~~لعباده في القيامة، وهم يومئذ أحوج ما يكون إلى رحمته، ويخسرون في الدنيا ~~حظهم من الشرف والكرم، لأنه ما من عامل إلا ويظهر عمله، وهو وإن خفي في ~~المبدأ، لا بد وأن يظهر في المآل كما هو مشاهد ومعلوم، وكتب التاريخ من ~~أقوى الأدلة على ذلك. # ولما تكلم تعالى في دلائل: التوحيد والنبوة، والمعاد إلى هذا الموضع، شرح ~~النعم التي عمت جميع المكلفين من هنا إلى قوله: {يابني إسرائيل اذكروا ~~نعمتي التي أنعمت عليكم} [البقرة: 40] فقال: # {كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ~~ترجعون (28)}. # ذكرهم في هذه الآية بنعمة الإحياء، مبرزا الكلام بصورة الاستفهام ~~والاستخبار، لكن المراد به التبكيت والتعنيف، لأن عظم النعمة يقتضي عظم ~~معصية المنعم، ألا ترى أن الوالد كلما عظمت نعمته على الولد، بأن رباه ~~وعلمه، وخرجه وموله، وعرضه للأمور الحسان، كانت معصيته لأبيه أعظم، فبين ~~سبحانه وتعالى بذلك عظم ما أقدموا عليه من الكفريات، فذكرهم بنعمه العظيمة ~~عليهم، ليزجرهم بذلك عما أقدموا عليه ms103 من التمسك بالكفر، ويبعثهم على اكتساب ~~الإيمان، فذكر تعالى من نعمه ما هو الأصل في النعم، وهو الإحياء، فهذا هو ~~المقصود الكلي. # فإن قيل: ما الحكمة في تصديره تعالى هذه الآية: ب {كيف} التي معناها ~~الاستفهام في غالب أحوالها؟ والاستفهام لا يكون إلا ممن خفي عنه حال ~~المستفهم عنه، وهو محال عليه تعالى لأنه علام الغيوب. # قلنا: ليس الاستفهام هنا على حقيقته كما أشرنا إليه سابقا، لكنه لما كان ~~الحال حال العلم بالصانع، الموجبة للصرف عن الكفر، وكان صدور الكفر ممن لهم ~~صورة اختيار في الترك مع الصارف القوي مظنة تعجب وتعجيب، وإنكار PageV01P139 ### || CHECK تمسك الكافرين بإنكار الخالق والبعث، وقولهم بالطبع المحيي، والدهر المفني ### || CHECK المراد من تذكير الله تعالى للكافرين بنعمه # وتوبيخ، صار كأنه قيل لهم: ما أعجب كفركم، والحال أنكم عالمون بهذه القصة ~~وهي أنكم {كنتم أمواتا}، أي: نطفا في أصلاب آبائكم، فجعلكم أحياء، {ثم ~~يميتكم} بعد هذه الحياة، وهذه مما لا يشك فيها، لأنها من المشاهدات، ثم ~~أردفها بالقضايا التي لا يشك فيها أيضا لنصب الأدلة عليها وإزاحة العلة ~~عنها، والدليل على أن المراد من قوله تعالى: {وكنتم أمواتا}، أي: غير ~~موجودين، الإتيان ب {كنتم} الدالة على المضي, والعرب تقول للشي الدارس، ~~والأمر الخامل الذكر: هذا شيء ميت، وهذا أمر ميت، يراد بوصفه بالموت خمول ~~ذكره، ودروس أثره من الناس، وكذلك يقال في ضد ذلك وخلافه: هذا أمر حي، يراد ~~بوصفه بذلك: أنه نابه متعالم في الناس. # وقوله: {فأحياكم} أي: بإنشائكم بشرا سويا، حتى ذكرتم وعرفتم وحييتم، {ثم ~~يميتكم} بقبض أرواحكم وإعادتكم رفاتا لا تعرفون ولا تذكرون في البرزخ إلى ~~يوم تبعثون، {ثم يحييكم} بعد ذلك بنفخ الأرواح فيكم لبعث الساعة، وصيحة ~~القيامة، ثم إلى الله ترجعون بعد ذلك فتردون موقف الحساب، وتأتون ديوان ~~الجزاء، فمردكم إليه أولا وآخرا. # والحاصل: أنه تعالى بين في هذه الآية، أن المبدأ والمعاد إنما هو بأمره ~~سبحانه وتعالى، ليجمل في الرد على المشركين، ثم فصله في آيات كثيرة في ~~القرآن العظيم، ms104 وذلك أن العرب الذين كانوا حين نزل القرآن، وإرسال محمد - ~~صلى الله عليه وسلم -، أصنافا شتى، فمنهم معطلة، ومنهم محصلة، نوع تحصيل، ~~فأما المعطلة فهم أصناف، فصنف منهم أنكروا الخالق والبعث والإعادة، وقالوا ~~بالطبع المحيي، والدهر المفني، وهم الذين رد الله عليهم في هذه الآية، ~~وأخبر عنهم في آية أخرى أنهم قالوا: {وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ~~ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر} [الجاثية: 24] إشارة إلى الطبائع المحسوسة، ~~وقصر الحياة والموت على تركبها وتحللها، فالجامع هو الطبع، والمهلك هو ~~الدهر، {وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون (24)} ~~[الجاثية]، فاستدل عليهم PageV01P140 # بضرورات فكرية، وآيات قرآنية فطرية في كم آية وكم سورة، وسيمر بك بيانها ~~أثناء هذا الكتاب، فثبتت الدلالة الضرورية من الخلق على الخالق، بأنه قادر ~~على الكمال إبداء وإعادة، وصنف منهم أقروا بالخالق وابتداء الخلق والإبداع، ~~وأنكروا البعث والإعادة وهم الذين أخبر عنهم القرآن المجيد بقوله: {وضرب ~~لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحي العظام وهي رميم (78)} [يس] فاستدل عليهم ~~بالنشأة الأولى لأنهم يعترفون بها، فقال: {قل يحييها الذي أنشأها أول مرة} ~~[يس: 79]. وصنف منهم أقروا بالخالق وابتداء الخلق ونوع من الإعادة، وأنكروا ~~الرسل وعبدوا الأصنام، وزعموا أنهم شفعاؤهم عند الله تعالى في الآخرة، ~~وحجوا إليها ونحروا لها الهدايا، وقربوا القرابين، وتقربوا إليها بالمناسك ~~والمشاعر، وحللوا وحرموا، وهم الدهماء من العرب، إلا شرذمة منهم وهم الذين ~~أخبر التنزيل عنهم: {وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ~~لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا (7) أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة ~~يأكل منها وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا (8)} [الفرقان] فاستدل ~~عليهم بأن المرسلين كانوا كذلك، وشبهات العرب مقصورة على هاتين الشبهتين: ~~إحداهما: إنكار البعث، بعث الأجساد، والثانية: جحد البعث، بعث الرسل, ~~وعبروا عن ذلك في أشعارهم، فقال بعضهم (¬1): # حياة ثم موت ثم نشر ... حديث خرافة يا أم عمرو # ولبعضهم في رثاء من قتل يوم بدر: # وماذا بالقليب قليب بدر ms105 ... من الشيزى تكلل بالسنام # يخبرنا الرسول بأن سنحيا ... وكيف حياة أصداء وهام؟ # والكتاب العزيز تضمن الرد على هذه الفرق كلها، كما أنه تضمن الرد PageV01P141 ### || CHECK مبحث في عقيدة أصناف المعطلة # على غيرها، ولنتكلم الآن على الصنف الأول من أصناف المعطلة، لأن عقيدة ~~هذا الصنف قد شاعت في زمننا شيوعا عظيما، ولا سيما في البلاد الهندية، وأصل ~~هذه النحلة الشنعاء، أن حكماء اليونان في القرن الرابع والثالث قبل المسيح ~~عليه السلام، ذهب فريق منهم إلى نفي كل موجود سوى المادة والماديات، وإلى ~~أن صنف الوجود مختص بما يدرك بالحواس الخمس، لا يتناول شيئا وراءه، وعرفت ~~هذه الطائفة: بالماديين، ولما سئلوا عما ينشأ من الاختلاف في صور المواد ~~وخواصها، وعن التنوع الواقع في آثارها، نسبه الأقدمون منهم إلى الطبيعة، ~~ولهذا اشتهرت هذه الطائفة: بالطبيعيين عند أهل اللغة العربية. # وذهب فريق منهم إلى وجود ذات مجردة عن المادة والمدة، مخالفة للمحسوسات ~~في لوازمها، منزهة عن لواحق الجسمانية وعوارضها، وأثبت أن سلسلة الموجودات ~~مادية ومجردة، تنتهي إلى موجود مجرد واحد من جميع الوجوه، مبرأ الذات عن ~~التأليف والتركيب، ومحال عند العقل تصور التركيب فيه، وجوده عين حقيقته، ~~وحقيقته عين وجوده، وهو المصدر الأول، والموجد الحقيقي، والمبدع لجميع ~~الكائنات، مجردة كانت أو مادية، واشتهرت هذه الطائفة: بالمتأهلين، يعني: ~~الخاضعين لله تعالى، ومنهم "أرسططاليس" (¬1) الذي ترجمت كتبه في الملة ~~الإسلامية، واشتهر مذهبه فيما بين فلاسفتهم. وهو ما ينتحله "فيثاغورث ~~وسقراط (¬2) وأفلاطون" (¬3) ثم اختلف هؤلاء بعد أن أصلوا PageV01P142 # أصلهم، واعتمدوه في تكوين الكواكب، وانشاء الحيوانات والنباتات. فذهب ~~"ديمقراطيس" (¬1) إلى أن العالم أجمع، سواء كان من الأرضيات، أو من ~~السماويات، مؤلف من أجزاء صغار صلبة متحركة بالطبع، ومن تلك الحركة ~~الطبيعية التي هي لها، ظهرت أشكال الأجسام وهيآتها بقضاء العماية المطلقة، ~~يعني بالصدفة التي لا تعلم حقيقتها، فأدتهم سخافة عقلهم إلى تجويز الترجيح ~~بلا مرجح الذي لا يسلم به العقل السليم، ويعده مستحيلا. # وذهب فريق آخر: إلى أن العلويات والسفليات من الأجرام السماوية، والكرة ~~الأرضية كانت على هيئتها ms106 هذه من الأزل، ولا تزال على هذه الهيئة، فلا ~~ابتداء لسلسلة النباتات والحيوانات، وزعم هؤلاء أن في كل بذرة نباتا مندمجا ~~فيها، وفي كل نبات بذرة كامنة، ثم في هذه البذرة الكامنة نبات فيه بذرة، ~~وهكذا إلى غير النهاية، وأداهم مسلكهم هذا إلى القول بأن في كل جرثومة من ~~جراثيم الحيوانات حيوانا تام التركيب، وفي كل حيوان كامن في الجرثومة ~~جرثومة أخرى، وهكذا يذهب كذلك إلى غير النهاية، كما في النباتات، وفات ~~هؤلاء: أن قولهم هذا أداهم إلى القول بوجود مقادير غير متناهية في مقدار ~~متناه، وهذا مما ينادي العقل السليم بأنه من المحالات الأولية التي لا يمكن ~~إنكار كونها محالا. # وذهب فريق ثالث، إلى أن سلسلة النباتات والحيوانات قديمة بالنوع، كما أن ~~الأجرام العلوية قديمة بالشخص، ولكن لا شيء من جزئيات الجراثيم الحيوانية، ~~والبذور النباتية بقديم، بل كل جرثومة وبذرة بمنزلة قالب يتكون فيه ما ~~يشاكله من جرثومة وبذرة أخرى، ولم يفطن هؤلاء إلى أن قولهم هذا، أداهم إلى ~~ما يبطل مذهبهم من أصله، وهو أن كثيرا من الحيوانات الناقصة الخلقة قد ~~يتولد عنها حيوان تام الخلقة، وأن كثيرا من الحيوان التام الخلقة قد يتولد ~~عنه ناقصها أو زائدها. # ثم جاء "أبيقور" المتوفى سنة مئتين وسبعين قبل ميلاد المسيح، فمال هو ~~وأتباعه إلى الإبهام في البيان، وقالوا: PageV01P143 # إن أنواع النباتات والحيوانات انقلبت في أطوار، وتبدلت عليها صور مختلفة ~~بمرور الزمان، وكرور الدهور، حتى وصلت إلى هيآتها وصورها الموجودة المشهورة ~~لنا، وذلك على زعمه: أن الجواهر متحركة حركة أزلية في فراغ هذا الخلاء الذي ~~لا نهاية له بانحراف فيه، لا بعضها عن موازاة بعض بحيث يصطدم بعضها ببعض، ~~وتحدث حركة لولبية مخروطية كحركة الزوابع، وهذه الحركة تؤدي إلى تراكيب ~~وصور عديدة متنوعة ومتغيرة، ومن مزاعمه هذه استنتج بعض من اعتنى بكلامه، أن ~~جميع ظواهر الطبيعة عنده، ليست إلا فعل الصدفة العمياء، ومن مزاعم أبيقورس: ~~أن الإنسان في بعض أطواره كان مثل الخنزير، مستور البشرة بالشعر الكثيف، ثم ~~أنه لم يزل ms107 ينتقل من طور إلى طور حتى وصل بالتدريج إلى ما نراه من الصور ~~الحسنة والخلق القويم، ثم أنه لم يقم دليلا على ما ادعاه، ولم يستند إلى ~~برهان فيما زعمه، من أن مرور الزمان علة لتبدل الصور وترقي الأنواع، وعند ~~أبيقورس: أن جميع الآلهة ليست إلا بشرا أكمل من البشر، ومكانها في مكان ~~سعيد خال من الوجع، وأنها كوائن أزلية لا يعتريها موت ولا عمل لها، وهي ~~مقيمة في الفسحات الكائنة بين العوالم لا يهمها من الأرض شيء، ولا من مجرى ~~الطبيعة، وعنده أن احترامها لا يجب إلا بالنظر لكمالها. # ولم يزل مثل هذا الاختباط سائدا إلى أن ظهر فن طبقات الأرض، المسمى: ~~"بالجيولوجيا"، فكشف لهم بطلان القول بقدم الأنواع، فرجع المتأخرون من ~~الماديين عن ذلك القول إلى القول بالحدوث، ولكنهم صاروا بعد ذلك فريقين في ~~كيفية كون الجراثيم النباتية والحيوانية، فذهب فريق: إلى أن جميع الجراثيم ~~على اختلاف أنواعها، تكونت عندما أخذ التهاب الأرض في التناقص، ثم انقطع ~~التكون بانقضاء ذلك الطور الأرضي. وذهب الفريق الثاني: إلى أن الجراثيم لم ~~تزل تتكون حتى اليوم، خصوصا في خط الاستواء حيث تشتد الحرارة، وليس عند ~~الفريقين برهان يعولون عليه، أو برهان يستندون إليه، إلا مجرد المزاعم ~~والدعوى، الذي لأجله على زعمهم بقيت تلك الجراثيم حية لا يعتريها فناء، ~~خصوصا بعدما أسسوه من قواعدهم، بأن الحياة فاعل في بسائط الأجرام، موجب ~~لالتئامها، حافظ لكونها، وأن قوتها الغازية هي التي تجعل غير PageV01P144 # الحي من الأجزاء حيا بالتغذية، فإذا ضعفت الحياة ضعف تماسك البسائط ~~وتجاذبها، ثم صارت إلى الانحلال، إلى غير ذلك من المزاعم التي لا يقبلها ~~العقل، ولا يقدر منتحلوها على تأييدها بالبرهان، كقول من قال: إن تلك ~~الجراثيم كانت مع الأرض عند انفصالها عن كرة الشمس، وما درى ذلك القائل ~~بأنه هو وأشياعه يقولون: بأن الأرض كانت يومئذ جذوة نار ملتهبة، فكيف هذه ~~النيران المستعرة لم تحرق تلك الجراثيم، ولم تمح صورها. # هذا وما زال الرأي المادي ينمو تارة، ويخبو ناره تارة، ms108 وتنقلب عليه آراء ~~جماعة "كداروين" وغيره. وهو في الحقيقة لا ينسب إلى رأي معلوم، ولا إلى ~~مذهب خاص، لاختلاف آراء جماعته وناصريه إلى أن صار الرأي المادي اليوم: أن ~~المادة وحدها ليست هي التي تفعل الأفاعيل، وليست هي المتكلفة بالتركيب ~~والتحليل، وأنها فوق كل شيء، بل إنما أفاعيلها بانضمام القوة والإدراك ~~إليها، حيث قال: وهذه الفلسفة لا تقتضي لقضاياها العصمة المطلقة، ولا ~~تستنزل من سوابح الأفكار في ذرى سماء الخيال نواميس الكون، بل بالضد من ~~ذلك، تقف عند حد أبحاث العلوم الصحيحة، وهذا الحد غير ثابت، بل يزداد بعدا ~~سنة عن سنة كلما تقدمت هذه العلوم، وقد يقع الخطأ فيها أكثر من مرة، إلا أن ~~هذا الخطأ لا يضر، بل يفيد لاكتشاف الحقيقة على حد المثل القائل: لا ينتقل ~~من الخطأ إلى الصواب إلا العاقل، ولا يقف إلا المجنون، انتهى. # وقد استهزأ الطبيب المظفر بن معرف (¬1) بهذه الطائفة فقال: # وقالوا: الطبيعة مبدأ الكون ... فيا ليت شعري ما هي الطبيعة؟ # أقادرة طبعت نفسها ... على ذاك أم ليست بالمستطيعة؟ # وقال أيضا: PageV01P145 ### || CHECK جواب القرآن الكريم للمعطلة # وقالوا الطبيعة معلومنا ... ونحن نبين ما حدها # ولم يعرفوا الآن ما قبلها ... فكيف يرومون ما بعدها # ونحن ننتظرهم حتى ينتقلوا من الخطأ إلى الصواب، وقد صار لهم ألوف من ~~السنين وهم في اختباط حتى قرنوا المادة بالقوة، وعساهم أن يهتدوا إلى الحق، ~~فيجعلوا تلك القوة هي قدرة خالق الأكوان المبدع للمادة، ولما يتآلف منها، ~~فتكون فلسفتهم قد نجحت، واهتدوا بعد أن حاروا ألوفا من السنين. # وكأنك بالقرآن يعجب من حيرتهم وخبطهم في دياجير الظلام، ويناديهم: {كيف ~~تكفرون بالله} الذي هو الخالق للمادة، والمفيض عليها القدرة التي تدعونها، ~~والخصائص، التي تكتشفونها، {وكنتم} أي: كانت الذرات التي تبحثون عنها ~~أمواتا عدما لا وجود لها مع الشمس، ولا مع انفصال الأرض عنها، ولا وجود لها ~~أيضا مطوي، بل هو الذي أحياكم بإحياء تلك الذرات، وأمره لها بالانضمام ~~والنمو، وبيده النشأة الأولى، ثم هو الذي يميتكم بسلب السر الذي كانت ms109 به ~~تلك الذرات متماسكة تدب فيها الحياة، ويعاون بعضها بعضا فتنحل وتتبدد، {ثم ~~يحييكم} إذا شاء للمعاد، وليريكم حقائق ما أنتم مختلفون فيه الآن، فيقول ~~المقلدون لكم: {ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا (67)} ~~[الأحزاب]، {ثم إليه ترجعون} فتعلمون أنه لا فاعل سواه، وأن المادة مخلوقة ~~له، وأن هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، فرجوعكم إليه في الدنيا بعد أن ~~تفنى مزاعمكم، وتقفون عندما يتجلى لكم العلم الصحيح، قائلين: {ربنا ما خلقت ~~هذا باطلا} [آل عمران: 191]، لأنكم لا يأتي زمان إلا ويتغير ما انتحله أهل ~~الزمان الأول، وهذا طريق الرجوع إليه تعالى، ورجوعكم في الآخرة ليبدل لكم ~~الشك باليقين، والظن بالحقائق، ولو أنكم تبعتم الرسل فيما جاؤوا به، لكفيتم ~~عناء التعب، ولوقفتم على اليقين من أول الأمر، فهذا من بعض ما ترمي إليه ~~هذه الآية الكريمة، وتنادي بإبطال القول بالصدفة، والقول بأن البشر كان ~~حيوانا ثم ترقى بالتدريج، كما ذهب إليه أستاذكم داروين، الذي PageV01P146 ### || CHECK مقتضى هذه الآية الكريمة وما فهمه الإباحيون والاشتراكيون {الشيوعيون} ### || CHECK المراد من كلمة "هو" في قوله تعالى: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا .. } الآية # يلزم منه إمكان أن يصير البرغوث فيلا بمرور القرون، وكر الدهور، وأن ~~ينقلب الفيل برغوثا كذلك. # ثم إنه تعالى بين، أنه ليس هو الخالق للذرات المتركب منها الإنسان فقط، ~~بل أن جميع الأكوان علويها، وسفليها، مخلوق له تعالى، ومكون بإرادته ~~ومشيئته، فأبرز الكلام في معرض تذكر النعم، بأسلوب لطيف لئلا ينفر ~~المخاطبون، فقال: # {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع ~~سماوات وهو بكل شيء عليم (29)}. # فقوله: {هو} يعود إلى لفظ الجلالة في قوله: {كيف تكفرون بالله}، وهي كلمة ~~مراد بها هنا غيب الإلهية القائم بكل شيء، الذي لا يظهر لشيء، فذاته تعالى ~~غيب، وظاهره الأسماء المظهرة من علو إحاطة اسم الله، إلى تنزيل عالم الملك، ~~فكأنه يقول: هو، أي ما غاب عنكم، ولم يوقفكم علمكم وأفكاركم وعقولكم عليه، ~~ولم يهدوكم إليه، وزعمتم أنه ms110 الطبيعة أو المادة والقوة، والإدراك أو ~~الكواكب، أو غيرها مما تدعيه الفرق، مما هو في السماوات والأرض، إنما هو ~~الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا، من المادة والقوة والإدراك، ومن جميع ما ~~يوجد على ظاهر الأرض وباطنها، ومن القوى الموجودة فيها، مما يظهر شيئا ~~فشيئا على يدي الاختراع، وخلق ذلك إنما هو لكم تتصرفون به، فإذا كان لكم ~~وأنتم تصرفونه كيف شئتم، فكيف يكون خالقا، فقوله: {لكم}، معناه: لأجلكم، ~~ولانتفاعكم به في دنياكم، كما هو ظاهر لكم، وفي دينكم لتنظروا عجائب الصنع، ~~فتستدلوا به على وجود الخالق، وقوله: {جميعا}، إنما هو إعلام بأن حاجة ~~الإنسان لا تقوم بشيء دون شيء، وإنما تقوم بكلية ما في الأرض، حتى لو بطل ~~منها شيء تداعى سائرها، وأن تلك الكلية هي مباحة لكم، فقد خلق الكل للكل، ~~ومقابلة الكل في قوله: {لكم}، الدالة على الجمع بالكل، الذي يدل عليه، ما ~~في لفظ {ما} من العموم، يقتضي مقابلة الفرد بالفرد، وتعيين المالكية لهذا ~~ولهذا، إنما يستفاد من دليل آخر. PageV01P147 # فما استدل به الإباحيون والاشتراكيون، من هذه الآية من أنها تدل على أنه ~~تعالى أخبرنا بأنه خلق الكل للكل، فلا يكون لأحد اختصاص بشيء أصلا، إنما هو ~~قول باطل مصادم لشرائع الأنبياء، وهذه الطائفة موجودة في زمننا هذا، ويقال ~~لهم: "الاشتراكيون" (¬1)، وطريقتهم وطريقة الدهرية واحدة، وهم يزعمون ظاهرا ~~أنهم سند الضعفاء والمطالبون بحقوق المساكين والفقراء؛ وما قصدهم باطنا إلا ~~رفع الامتيازات الإنسانية كافة، وإباحة الكل في الكل، وإشراك الكل في الكل، ~~وهم لا يستدلون بهذه الآية ولا غيرها، ولكن البعض منهم إذا لاحى متدينا ~~عارضه بها، ولكن استنادهم على أن جميع المشتهيات الموجودة على سطح الأرض ~~منحة من الطبيعة، وفيض من فيوضها، وأن جميع الأحياء سواء في التمتع بها، ~~وأن اختصاص فرد من الإنسان بفرد منها دون سائر الأفراد، بدعة في شرع ~~الطبيعة، سيئة يجب محوها والإراحة منها. # قال المنقبون، في ### || AUTO ما ترمي إليه هذه الفرقة # : إن من مزاعمهم: أن الدين والملك عقبتان عظيمتان، ms111 وسدان منيعان، يعترضان ~~بين أبناء الطبيعة، ونشر شريعتها التي هي الإباحة والاشتراك، وليس يوجد ~~مانع أشد من هذين المانعين، فالواجب على طلاب الحق الطبيعي، أن ينقضوا هذين ~~الأساسين، ويبيدوا الملوك ورؤساء الأديان، ثم بعد أن يصلوا إلى غايتهم ~~يعمدوا إلى الملاك وأهل السعة في الرزق، ويطالبوهم بأحد أمرين: إما ~~بالانقياد لشرع الطبيعة، وإما بقتلهم وإبادتهم، حتى يعتبر بهم من يكون على ~~شاكلتهم، فلا يعصون أحكام شرعهم، ثم إنهم فكروا في كيفية نشر أفكارهم، ~~فوجدوا أحسن وسيلة إنما هي زرع بذور الفساد، في أذهان الأحداث بالتعليم، ~~إما بإنشاء المدارس بدعوى نشر المعارف، أو بالدخول في سلك المعلمين في ~~مدارس غيرهم، ليقرروا أصولهم في أذهان الأطفال وهم في طور السذاجة، فتنتقش ~~المدارك في أذهانهم على التدريج؛ PageV01P148 ### || CHECK الحكمة من انتقال الكلام عن الأرض إلى الكلام عن السماء ### || CHECK مبحث فيما يؤخذ من هذه الآية لمن هم مؤمنين بالله ورسوله # وسلك مسلكهم جميع الدهريين، فلذلك ترى منهم من همه بناء المدارس، ودعوة ~~الناس، ومنهم المتفرقون في البلاد يطلبون وظائف التعليم، وينالون من ذلك ~~مطالبهم، والكل يتعاونون على إذاعة خيالاتهم الباطلة، فلذلك كثرت أضرابهم ~~في الأقطار، ولا جرم أنه إذا استفحل أمرهم، كانوا سببا لانقراض النوع ~~البشري، فليكن العاقل على بصيرة من أمره في هذا الزمن، ولا يغتر بظواهر ~~الأقوال. # ثم إن ههنا بحثا يؤخذ من هذه الآية على مسلك أصحابنا المؤمنين بالله ~~وبرسوله، وبكتابه المنزل، وهو: أن بعض الفقهاء استدل بهذه الآية على أن ~~الأصل في الأشياء الإباحة، فلا يمنع شيء إلا بدليل، وإليه ذهب الحنفية وبعض ~~الحنابلة، وقال قوم: الانتفاع بالأعيان قبل ورود الشرع على المنع، وإليه ~~ذهب بعض المعتزلة، وبعض الحنابلة، وقال جماعة: بالوقف، وهم الذين يقفون في ~~الأحكام عند تجاذب الأدلة لها. # والمسألة طويلة الذيل، وقد أطيل الكلام عليها في "فن أصول الفقه" والذي ~~تقتضيه الآية: أن الله تعالى خلق لنا ما في الأرض جميعا، وإذا كان مخلوقا ~~لنا، والله تعالى ذكره في معرض النعم التي عمت المكلفين بأسرهم، فيكون ms112 ~~مباحا لنا، إلا أن يأتي بيان من الشرع بمنع شيء منه، فإننا نتركه عملا بذلك ~~البيان، وكذلك تفيد الآية، أننا إذا أهملنا استعمال ما خلق لنا، وتركنا أمر ~~الزراعة مهملا، ولم نمل إلى استخراج المعادن من مكامنها لنفع عباد الله ~~تعالى، ولم ننظر في خصائص الأشياء للانتفاع بها، وأعرضنا عن هذه النعم ~~ونأينا عنها جانبا، كان ذلك إعراضا منا عما خلق لأجلنا من النعم، فيوشك أن ~~تسلب منا وتعطى إلى غيرنا ممن ينتفع بها، ففي الآية دليل وبيان واستبصار. # ولما أقام تعالى الدليل على المبطلين من خلقه، ومما يشاهدونه من أنفسهم، ~~أقام دليلا آخر مما يشاهدونه من خلق السموات، فقال: {ثم استوى إلى السماء} ~~ابتدأ بخلق الأرض أولا، ثم بخلق السماء كما هو شأن البناء، حيث يبدأ بعمارة ~~القواعد والأساس، ثم يبني الأعالي بعد ذلك، نعم هو القادر على أن ينشئ ~~الأعالي قبل التحت، ولكنه أراد أن يعلمنا سنته في خلقه، ويرشدنا إلى أن ~~الأمور PageV01P149 ### || CHECK مبحث في قوله تعالى: {ثم استوى} # كلها، لا بد لها من بناء أساس لها أولا، وأنه ما من شيء ركب على غير أساس ~~إلا انهار وتلاشى، وأعلمنا أيضا بقوله: {ثم استوى}، إلى أنه تعالى لم يخلق ~~هذا الخلق عبثا، ولا أنه كان بطريق التصادف، كما يزعم الماديون، بل كان هذا ~~الخلق قصدا منه تبارك وتعالى، ومن هنا قال كثير من المفسرين، كابن كثير، ~~وغيره: {ثم استوى إلى السماء}، أي: قصد، والاستواء ههنا مضمن معنى القصد ~~والإقبال، لأنه عدي ب "على"، يعني في غير هذه الآية. وقال الربيع بن أنس ~~فيما أسنده عنه ابن جرير الطبري في تفسيره: {ثم استوى إلى السماء} يقول: ~~ارتفع إلى السماء، انتهى. ومراده بالعلو هنا علو ملك وسلطان، لا علو انتقال ~~وزوال، والمراد بالسماء جهة العلو كما بيناه سابقا، فهي بمعنى الجنس، فلذلك ~~أعيد إليها ضمير الجمع، بقوله: {فسواهن}، وقال جملة من المفسرين: الضمير في ~~{فسواهن} مبهم، و {سبع سماوات} تفسير له، كقول القائل: ربه رجلا، وفائدته: ~~أن المبهم إذا ms113 تبين كان أفخم وأعظم من أن يبين أولا، لأنه إذا أبهم تشوقت ~~النفوس إلى الاطلاع عليه، وفي البيان بعد ذلك شفاء لها بعد التشوق، وهذا ما ~~اختاره صاحب الكشاف وذيله بقوله: وهو الوجه العربي، والتسوية: إعطاء أجزاء ~~الشيء حظه لكمال صورة ذلك الشيء ... والمعنى والله أعلم: ثم أعطى كل جزء من ~~السماوات حظها من اكتمال صورتها، وترتيب نجومها، وتسييرها حتى صارت على هذا ~~النظام البديع، والخلق المحكم، ومن المعلوم: أن هذه الآية واردة على جهة ~~تعديد النعم، على أن خلق الأرض مقدم على خلق السماء، ولا على العكس، بل ~~مثالها مثال قول الرجل لغيره: قد أعطيتك النعم العظيمة، ثم رفعت قدرك، ثم ~~دفعت الخصوم عنك، ولعل بعض ما أخره في الذكر قد تقدم في الوجود، وسيأتي ~~لهذا مزيد بيان في محاله من هذا الكتاب. # هاهنا للمفسرين أقوال ينقلها بعضهم عن السلف، وقد شحنوا بها كتبهم، لا ~~ينبغي لعاقل أن يعول عليها، مثل قولهم فيما حكاه ابن جرير، وتبعه كثير ممن ~~ينقل الكلام على علاته: أن الله خلق الأرض على حوت، وهو المراد بقوله ~~تعالى: {ن والقلم} هو الحوت في الماء، والماء على ظهر صفاة، والصفاة على ~~ظهر ملك، والملك على صخرة والصخرة في الريح. وكقولهم: إن الأرض على PageV01P150 ### || CHECK اعتراضان لعلماء الهيئة على القول بأن السماوات سبع والرد عليهم # قرن ثور، وليس شيء من هذا ما صح نقله عن السلف، وإنما يعد من كلام ~~الإسرائيليين، دسوه فيما بين القوم ليجد الضال مطعنا على السلف، وقد كنت ~~رأيت قديما كتابا ترجم عن اللغة اليونانية يحتوي على بيان خرافات اليونان، ~~يعني على الرموز التي رمزها الفلاسفة الأقدمون، فرأيت هذه معدودة في جملة ~~الخرافات، وتأملتها فوجدت مخترعها قد رمز بها إلى الجاذبية، فهو يزعم بها ~~أن الأرض مجذوبة بجاذبية الثور والحوت، اللذين هما من جملة منازل الشمس، ~~وكحكاية هاروت وماروت وغيرها، مما هو في الأصل رمز فأخذه بعضهم على الحقيقة ~~وشحن به سفن علمه هذا. # وقد علم من نص القرآن الكريم أن السماوات ms114 سبع، ولعلماء الهيئة الجديدة ~~هنا اعتراضان: # أحدهما: على قوله تعالى: {ثم استوى إلى السماء}، فيقولون: لا وجود ~~للأفلاك كليا، وهذا المرئي إنما هو بعد مجرد عن المادة، ويعتقدون أن ~~الكواكب تدور بحركتها اللازمة على مدار موهوم. # الثاني: أنا لو سلمنا أن المراد بالسماوات السيارات السبع، لانتقض الحصر ~~بأن "الهرشل" أحد الراصدين من الإنكليز، اكتشف كوكبا يتم دوره في أربع ~~وثمانين سنة شمسية، وثمان وعشرين يوما، وعده من الأفلاك الكلية وسماه ~~باسمه، أعني: فلك الهرشل، ويقال له أيضا: "أورانوس" وقد قال: إن الكواكب ~~الست اتخذته مركزا تدور حوله. # وأقول: قد تقدم في تفسير قوله تعالى: {وأنزل من السماء ماء} [البقرة: ~~22]، معنى السماء، وأنه: كل ما علاك فأظلك، ومن المحقق أن القرآن نزل بلغة ~~العرب، وإليها يرجع في تفسيره، ولم نجد في القرآن تعداد الأفلاك بسبع، ~~وإنما هو اصطلاح لعلماء الهيئة الأقدمين والمتقدمين، كما مر بك بيانه، وفرق ~~في اللغة بين الفلك والسماء، ففي القاموس: الفلك: مدار النجوم، والجمع ~~أفلاك، وفلك بضمتين، وموج البحر المضطرب، والماء الذي حركته الريح، والتل ~~من الرمل حوله فضاء، وقطع من الأرض تستدير وترتفع عما حولها، انتهى. PageV01P151 # وفرق القرآن أيضا بين السماء وبين الفلك فقال: {كل في فلك يسبحون (33)} ~~[الأنبياء: 33] ولم يقل كل في سماء، ثم إن الكتاب لم يبين جنس السماء، ولا ~~أنها جسم مركب أو غير مركب، غاية الأمر أنه ذكر أنه خالق للعلو كما أنه ~~خالق لما تحته فكيف يعترض المعترضون بأن لا وجود للأفلاك كليا، ويطلقون ~~الأفلاك على السماوات، ثم ينكرونها، وما ذلك إلا لعدم علمهم باللغة العربية ~~وشغفهم بالتحكك بالكتاب الذي {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه} ~~[فصلت: 42]، ثم إن قولهم: إن الكواكب تدور بحركتها اللازمة على مدار موهوم، ~~هو معنى قوله تعالى: {كل في فلك يسبحون}، لأن مدار النجوم يسمى فلكا، ~~والمدار مصدر بمعنى الدوران، فسمى الله تعالى مدار النجوم أو دورانها فلكا، ~~ولا يضرنا بعد ذلك، أن يكون المدار موهوما أو محققا، على أنهم استفادوا ~~كلامهم من ms115 القرآن، ثم اعترضوا به عليه. وبيانه: أن السبح في لغة العرب ~~الفراغ، وقال أهل اللغة: {والسابحات} [النازعات: 3] النجوم تسبح في الفلك، ~~أي: تذهب فيه بسطا، كما يسبح السابح في الماء سبحا، فشبه الله تعالى سير ~~النجوم بالسابح الذي يسبح في الماء، وهذا عين ما اختاروه، ثم قلبوا العبارة ~~واعترضوا بها، وما حملهم على هذا إلا خلط الاصطلاحات بعضها ببعض. # ثم إن قولهم في الاعتراض الثاني: إنا لو سلمنا أن المراد بالسماوات ~~السبع: السيارات، لانتقض الحصر بالهرشل، مدفوع أيضا بأننا نتنزل معهم في ~~البحث، ونقول: إن السماوات عبارة عن السيارات السبع، ولكن انتقاض الحصر ليس ~~بلازم لنا، لأن العدد لا مفهوم له، ولو سلمنا أن له مفهوما، ولكن الكتاب ~~العزيز لم يقتصر على ذكر السبع بل زاد عليها اثنين، وهما الكرسي والعرش، ~~وهما عند الحكماء مما يطلق عليهما لفظ الفلك، فإذا انضما إلى السبعة، صارت ~~تسعة وهم إلى الآن لم يكتشفوا الثامن من بعد ألوف من السنين، ونحن ندعهم ~~حتى يكتشفوا التاسع بعد دهر، وهناك يذعنون لنا. # هذا، وقد حاول الطوسي الجمع من وجه آخر، فقد قال العلامة "الشيرازي" في ~~"التحفة الشاهية": سمعت العلامة "الطوسي" يقول حين قرأت الهيئة منه: إذا PageV01P152 ### || CHECK مبحث فيما تتعلق "إذ" من قوله تعالى: {إذ قال ربك للملائكة .. } # فرضنا الكواكب الثابتة، ودائرة البروج على مثل زحل، وتعلق نفس واحدة ~~بمجموع الأفلاك وحركتها بالحركة اليومية، ويتحرك ممثل زحل بحركته الذاتية، ~~أمكن انحصار التسعة بسبعة، لكن إنما يصح هذا لو لم يفرض زحل في البعد إلا ~~بعدا أصلا، أو لم يوجد الكوكب من الثوابت معتد به القدر في حول أوج زحل، ~~هذا خلف، فإن قيل: لو فرض المحل من جرم الممثل فوق أوج زحل للكواكب ~~الثابتة، لصح الرأي المذكور، قلنا: ارتكاب هذا التمحل خروج على قاعدة الفن، ~~ولما كانت هذه القضايا مما تحار فيه العقول، ولا يمكن إدراكها إلا بإعلام ~~من اللطيف الخبير، وكان الخلق على هذه الكيفية، دالا بالبديهة على أتم قدرة ~~لصانعه، وكان العلم بأن مبنى ms116 ذلك على العلم محتاجا إلى تأمل، اعتنى في مقطع ~~الآية بقوله: {وهو بكل شيء عليم}. # ولما ذكر الحياة والموت المشاهدين، تنبيها على القدرة على ما اتبعهما به ~~من البعث، ثم دل ذلك أيضا بخلق هذا الكون كله على هذا النظام البديع، وختم ~~ذلك بصفة العلم، ذكر ابتداء خلق هذا النوع البشري المودع من صفة العلم ما ~~ظهر به فضله بقوله تعالى: # {وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد ~~فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون ~~(30)} [البقرة: 30]. # إذ من البداءة تعلم العودة لمن تدبر هذا، إذا قدرنا، {وإذ} عطفا على ~~قوله: {اعبدوا ربكم} [البقرة: 21]، وبيانا لقوله: {رب العالمين}، ويجوز أن ~~تكون {إذ}، متعلقة بفعل محذوف تقديره: واذكر، والمناسبة على هذا أنه تعالى ~~لما خاطبهم خطابا على سبيل الاستفهام الإنكاري بقوله: {كيف تكفرون} ~~[البقرة: 28]، ذاكرا اسمه تعالى "الله" وأتبعه بعض ما له منكرون أو به ~~جاهلون، وأشار بقوله: {لكم}، إلى أنه لم يخلق هذا النوع البشري للفناء بل ~~للبقاء، بما أبان عن أنه إنما خلق جميع ما في هذه الأكوان لأجلهم، فالبعض ~~رزق لهم، PageV01P153 ### || CHECK مبحث في المثبتين لوجود الجن والملائكة # والبعض أسباب له، والبعض أسجدهم لأبيهم، وهم في صلبه، والبعض جعل لهم ~~وظائف مختلفة ككتابة الأعمال، لم يكونوا أهلا لفهم هذا الخطاب حق فهمه، ~~فأعلم سبحانه وتعالى رسوله كأنه يقول له: إن هذا لا يفهمه حق فهمه عنا ~~سواك، وهم إلى الفهم عنك أقرب، فاذكر لهم ما كان في بدء خلقهم: {إذ قال ربك ~~... } وسياق الكلام هنا، إنما هو لإيراد الرفق والبشارة على لسان الرسول - ~~صلى الله عليه وسلم - استعطافا لهم إليه وتحبيبا فيه. # ولما علمت الإشارة، لكن لأهل البصيرة، أتبعها قصة آدم عليه السلام، دليلا ~~ظاهرا ومثالا بينا لخلاصة ما أريد بهذه الجملة، من أن النوع الآدمي هو ~~المقصود بالذات من هذا الوجود، وأنه لا يجوز في الحكمة أن يترك بعد موته من ~~غير إحياء، يرد ms117 به إلى دار لا يكون في شيء من أمورها من أحد نوع من الخلل، ~~وتكون الحكمة فيها ظاهرة تمام الظهور، لا خفاء بها أصلا، ولذلك ذكر تفصيل ~~آدم بالعلم، ثم بإسجاد الملائكة له، ثم بإسكانه الجنة، ثم بتلقي أسباب ~~التوبة عند صدور الهفوة، ومن هنا يظهر سر العطف بالواو، الذي هو حرف يجمع ~~ما بعده مع شيء قبله إفصاحا باللفظ، أو إفهاما في المعنى، حيث قال: {وإذ ~~قال ربك} أي: المحسن إليك برحمته، العباد بك. و "الملائكة": جمع ملك، ويقال ~~في حقيقتهم: إنهم أجسام لطيفة هوائية، تقدر على التشكل بأشكال مختلفة، ~~مسكنها السماوات، وهذا قول أكثر المسلمين، حكاه صاحب "مفاتيح الغيب" وغيره. # ومن المعلوم: أن الأمم مختلفون في وجود الجن والملائكة، والمثبتون لهم ~~مختلفون أيضا في حدهم وتعريفهم، فأما المثبتون لهم فطائفتان: # طائفة ذهبت إلى أن الكتب السماوية نصت على وجودهم نصا لا ريب معه، ولا ~~سيما الكتاب العزيز، فإنه حكى أصنافهم وأوصافهم. # أما أصناف الملائكة فحكي: أن منهم حملة العرش والحافين حوله، وصرح باسم ~~{وجبريل وميكال} [البقرة: 98]، اللذين هما من أكابرهم، وأن منهم ملائكة ~~الجنة، وخزنة النار، والموكلين ببني آدم، وكتبة الأعمال، {والصافات}، وهم ~~الموكلون بأحوال هذا العالم. PageV01P154 # وأما أوصافهم، فقد بين تعالى أنه {جاعل الملائكة رسلا} [فاطر: 1]، وأنهم ~~{عنده لا يستكبرون عن عبادته} [الأنبياء: 19]، وبين أنهم الصافون ~~والمسبحون، لا يعصون الله شيئا {ويفعلون ما يؤمرون} [النحل: 50, والتحريم: ~~6] , وأنهم {لا يسبقونه بالقول} [الأنبياء: 27]، وأن منهم صاحب الصور. # وأما الجن، فقد بين تعالى أنه {وخلق الجان من مارج من نار (15)} [الرحمن: ~~15]، وأن منهم {كل بناء وغواص (37)} [ص: 37]، وقال تعالى حاكيا عن سليمان: ~~{يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل} [سبأ: 13] إلى غير ذلك مما يعلمه من ~~قرأ الكتاب العزيز. # وأما حقيقة هذين الجنسين، فلم ترد في القرآن الكريم، لأنه لا منفعة لنا ~~بها، ولو كان لنا بها وببيانها منفعة لبينها سبحانه وتعالى. # والطائفة الثانية من المثبتين قالوا: لا تخلو الملائكة من أن تكون ذوات ~~قائمة بأنفسها أو لا، فالثاني باطل، ms118 والأول يقال عليه: لا تخلو تلك الذوات ~~من أن تكون متحيزة، أو لا تكون، وقد ذهب إلى كل من القولين أمة، ثم إن ~~القائلين بأن الملائكة ذوات متحيزة، ذهبوا مذاهب: أحدها المذهب الذي قدمناه ~~آنفا؛ ثانيا: مذهب عبدة الأوثان، قالوا: إن الملائكة هي الحقيقة في هذه ~~الكواكب الموصوفة بالسعد والنحس، ويزعمون أن الكواكب أحياء ناطقة. وثالثها: ~~مذهب المجوس، القائلين بأن العالم مركب من أصلين أزليين، وهما النور ~~والظلمة، ثم إن جوهر النور فاضل شريف لم يزل يولد الملائكة، لا على سبيل ~~التناكح، بل على سبيل تولد الحكمة من الحكيم، والضوء من المضيء، وجوهر ~~الظلمة شرير لم يزل يولد الأعداء، وهم الشياطين ولكن لا على سبيل التناكح، ~~بل على سبيل تولد السفه من السفيه. # والقائلون بأن الملائكة ذوات قائمة بأنفسها، وليست بمتحيزة افترقوا ~~فرقتين: فرقة قالت: إن الملائكة في الحقيقة هي الأنفس الناطقة المفارقة ~~لأبدانها، على نعت الخير والصفاء، وذلك لأن هذه النفوس المفارقة إن كانت ~~صافية خالصة فهي الملائكة، وإن كانت خبيثة كدرة فهي الشياطين، وينسب هذا ~~القول لقدماء PageV01P155 # النصارى. والفرقة الثانية: وهم الفلاسفة، قالوا: إن الملائكة جواهر قائمة ~~بأنفسها ليست بمتحيزة ألبتة، وأنها بالماهية مخالفة لأنواع النفوس الناطقة ~~البشرية، وأنها أكمل قوة منها، وأكثر علما منها، وأنها للنفوس البشرية ~~جارية مجرى الشمس بالنسبة إلى الأضواء، ثم إن هذه الجواهر على قسمين: منها ~~ما هو بالنسبة إلى أجرام الأفلاك والكواكب كنفوسنا الناطقة بالنسبة إلى ~~أبداننا، ومنها ماهي لا على شيء من تدبير الأفلاك، بل هي مستغرقة في معرفة ~~الله ومحبته، ومشتغلة بطاعته، وهذا القسم هم الملائكة المقربون، ونسبتهم ~~إلى الملائكة الذين يدبرون السماوات، كنسبة أولئك المدبرين إلى نفوسنا ~~الناطقة. # هذه مذاهب الناس في هذا الجنس، قد أوردناها خالية من الدليل والتعليل، ~~لضيق المقام عن ذلك، وربما يمر بك شيء من الاستدلال أثناء هذا الكتاب. # وحاصل ما يقال هنا: أن الله تعالى أخبرنا بأن له عبادا سماهم الملائكة، ~~وأن رسله الكرام أخبروا بوجودهم، والعقل يقول: إن الذي خلق الإنسان من طين ms119 ~~وسواه، قادر على أن يخلق خلقا من النور، يقال لهم: الملائكة، وخلقا من نار ~~يقال لهم الجن، فمن أثبت وجود الله وقدرته يرى أن ذلك جائزا، ومن لم يثبت ~~وجود الله لا كلام لنا معه، لأنه أنكر الأصل، فليس بعجيب أن ينكر الفرع، ~~فلذلك قال المليون في شأن الجن والشياطين: إنهم من الجواهر الغائبة عن ~~حواسنا، وهي أجسام تتشكل بأي شكل شاءت، وتقدر على أن تتولج في بواطن ~~الحيوانات، وتنفذ في منافذها الضيقة، نفوذ الهواء المستنشق. # وأما الفلاسفة فإنهم حكموا العقل المجرد في إثبات الجن، فقالوا: إن الجن ~~لا تخلو من أن تكون أجساما لطيفة أو لا، فإن كان الأول لزم أن لا تقدر على ~~الأفعال الشاقة، لأنها تتلاشى بأدنى قوة، وبأدنى سبب من خارج يصل إليها، ~~وهو خلاف ما يعتقده القائل بوجودهم، فالقول به باطل. وإن كان الثاني، وهو ~~كونهم أجساما كثيفة لا نراها، فإنه غير مسلم أيضا، لأنه يؤدي إلى جواز أن ~~يكون بحضرتنا جبال وبلاد لا نراها، وبوقات وطبول لا نسمعها، وهذا سفسطة فهو ~~باطل. PageV01P156 ### || CHECK مبحث في معنى "خليفة" من قوله تعالى: {إني جاعل في الأرض خليفة} والفائدة من هذا القول # وأجاب المثبتون لهم من المتقدمين، بما يظهر منه الحيرة في الجواب، ~~فقالوا: إنا نختار الشق الأول، وهو كونهم أجساما لطيفة، ولا يلزم من كونها ~~كذلك عدم قوتها على الأفعال الشاقة، لجواز أن يفيض الله عليها مع لطافتها ~~قوة عظيمة، فإن القوة لا تتعلق بالقوام يعني الكثافة، {وما يعلم جنود ربك ~~إلا هو} [المدثر: 31]. # وأقول: قد قارب القوم في الجواب، وحاموا حول الصواب، ومخترعات عصرنا ~~أبرزت مثل هذا للعيان لقوم يعقلون، وذلك أنه أظهر أجساما لطيفة تنفذ فى ~~المسام، وتفعل ما لا يقدر على فعله المئات من الناس، فهذه الكهرباء السارية ~~في الوجود تسير السفن البرية، وتدير آلات الصنائع بسرعة فائقة، وتجر ما لا ~~يقدر على جره العصبة أولو القوة، وتظهر الأضواء، وتنقل الكلام من قطر إلى ~~قطر آخر، كما يفعله التلغراف والتلفون، وإذا مسها شخص ms120 سارت بسرعة في جميع ~~أعضائه فتسري مسرى الدم، ومع ذلك فهي أجسام لطيفة لا نراها، وإنما نرى ~~آثارها، فلو رآها الفلاسفة المتقدمون، لعدلوا كثيرا من تعاليمهم، فأي مانع ~~مع مشاهدة هذا أن يكون لله خلق لطيف، يقدر على الأعمال الشاقة. وكذلك يقال: ~~إن الأطباء اليوم اكتشفوا لأسباب الأمراض سببا يقال له الجراثيم، وهم ~~يسمونه بالميكروب، ومن قوة بعضه أنه يسري في اللحم والدم، فأي مانع حينئذ ~~أن يخلق الله أجساما لا ترى، وهي تجري من ابن آدم مجرى الدم، فليتأمل ~~العاقل بديع قدرة الله تعالى، ويعلم أنه لا يعجزها شيء. # هذا وقوله تعالى: {إني جاعل في الأرض خليفة} معناه والله أعلم: اني مصير ~~في جميع الأرض خليفة، والخليفة: من يخلف غيره، ويقوم مقامه، قال تعالى: {ثم ~~جعلناكم خلائف في الأرض} [يونس: 14] {واذكروا إذ جعلكم خلفاء} [الأعراف: 69 ~~و 74] فالآية تدل على أن الأرض كانت مسكونة بعالم غير آدم، والله تعالى ~~جعله خلفا عنهم، وأما جنس هذا العالم وصفته وكيف هو، فالقرآن الكريم لم ~~يصرح به، ولم يأتنا ببيانه حديث صحيح يعول عليه في البيان، فالبحث عنه ليس ~~من غرض المفسرين، وروى ابن جرير الطبري، عن عطاء، عن PageV01P157 # ابن سباط (¬1) مرفوعا: "إن الأرض دحيت من مكة، وكانت الملائكة تطوف ~~بالبيت، فهي أول من طاف به، فهي الأرض التي قال الله: {إني جاعل في الأرض ~~خليفة} " وهذا المروي قد سقط من إسناده الصحابي، فهو مرسل، ومثله لا يفيد ~~اليقين، على أنه يقتضي أن يكون الله جعل آدم خليفة في بعض الأرض، وظاهر ~~القرآن بخلافه، وأيضا يقتضي أن عالما من البشر كانوا في غير أرض مكة، فلم ~~يخلفهم آدم، ولم يكونوا من صلبه. # بقي أن يقال: ما الفائدة في قوله تعالى للملائكة: {إني جاعل في الأرض ~~خليفة} مع أنه تعالى منزه عن الحاجة إلى المشورة؟ ويجاب بأنه تعالى قال ذلك ~~ليعلم عباده المشاورة في الأمور، ولذلك قال: {وشاورهم في الأمر} [آل عمران: ~~159] {وأمرهم شورى بينهم} [الشورى: 38]، وليعلم أيضا طلب الدليل على ~~المدعى، فلا ms121 يأخذون القول على علاته، وليبين لهم الإيقاف على الحكمة في ~~إيجاد من يقع منه شر، وليسألوا ذاك السؤال، ويجابوا بما أجيبوا به، فيعرفوا ~~حكمته في الاستخلاف قبل وجوده، صيانة لهم عن اعتراض الشبهة في وقت ~~الاستخلاف، فمن ثم قالوا على سبيل التعجب، من أن يستخلف مكان أهل الطاعة ~~أهل المعصية، وهو الحكيم: {أتجعل فيها من يفسد فيها} الآية، قالوا ذلك: لما ~~ثبت في علمهم أن الملائكة وحدهم هم الخلق المعصومون، وكل خلق سواهم ليسوا ~~على صفتهم، أو أنهم قاسوا من يأتي من صلب آدم على من كان قبله من سكان ~~الأرض، فقالوا طالبين الإيقاف على الحكمة في إيجاد من يقع منه شر، {أتجعل ~~فيها} أي: في الأرض، {من يفسد فيها} بأنواع المعاصي، بسبب ما ركب فيهم من ~~الشهوة النفسانية، {ويسفك الدماء}، أي: يسكبها بغير حقها بسطوة بالقوة ~~الغضبية، لعدم عصمتهم، {ونحن} أي: والحال أنا نحن نسبح بحمدك، أي: نسبح ~~حامدين لك، وملتبسين بحمدك، لأنه لولا إنعامك علينا بالتوفيق واللطف، لم ~~نتمكن من عبادتك، والتسبيح: تنزيه الله عن السوء، وكذلك تقديسه مأخوذ من ~~قول PageV01P158 ### || CHECK هل اسم سيدنا آدم - عليه السلام - هو لفظ مشتق وله معنى؟ # العرب سبح في الأرض والماء، وقدس في الأرض، إذا ذهب فيها وأبعد، ولما ~~تضمن قولهم هذا أنهم نسبوا أنفسهم إلى العلم المثمر للإحسان، ونسبوا ~~الخليفة إلى الجهل المنتج للإساءة، أعلمنا سبحانه وتعالى لنشكره أنه حاج ~~ملائكته عنا، فبين لهم أن الأمر على خلاف ما ظنوا، بقوله، على سبيل ~~الاستئناف: {إني أعلم ما لا تعلمون} يعني: أن الخيرات الحاصلة من أجل تركيب ~~العالم السفلي أكثر من الشرور الحاصلة فيهما، والحكمة تقتضي إيجاد ما هذا ~~شأنه لا تركه. # ولما أعلم سبحانه وتعالى الملائكة أن الأمر على خلاف ما ظنوا، شرع في ~~إقامة الدليل عليه فقال: {وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة ~~فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين (31)}. تكلف الناس لاشتقاق لفظ ~~"آدم" تكلفات بعيدة، فبعضهم قال: مشتق من الأدمة، وهي السمرة. وبعضهم قال: ~~مشتق ms122 من أديم الأرض، وهو وجهها، ومنهم من قال غير ذلك. والحق: أن لفظ "آدم" ~~أعجمي لا ينطبق على الاشتقاقات العربية، وإنما يلهج بمثل هذا أقوام صرفوا ~~أوقاتهم في الاشتغال بالألفاظ، وأضربوا عن جانب المعنى، فتراهم يتكلفون ~~لاشتقاقاتها، ولو كانت من غير لغتهم، ثم إنهم يبنون على تلك الاشتقاقات ~~تعليلات وحكايات يخترعونها، لم تتطابق نقلا ولا عقلا، وتفسير كتاب الله ~~تعالى في غنى عنها. # ثم إن المفسرين جالوا في ميدان تفسير الأسماء التي علمها الله آدم عليه ~~السلام، وأطالوا النفس في هذا الموضوع، وتبعهم علماء الأصول، فأنشؤوا ~~المقالات الباحثة عن كون اللغات وضعية وضعها كل قوم حسب اصطلاحهم، أم هي ~~توقيفية لا تعلم إلا بوحي من الله تعالى، فمن قائل بأنها توقيفية، وأن الله ~~تعالى علم آدم جميع الأسماء التي يتعارف بها الناس، من إنسان ودابة، وأرض ~~وسهل وجبل وبحر، وأشباه ذلك وهؤلاء يعممون القول، فيقولون: علمه جميع PageV01P159 ### || CHECK {باء البشرية ### || CHECK ما هي حقيقة الأسماء التي علمها الله تعالى سيدنا آدم - عليه السلام - # اللغات التي ينطق بها أولاده إلى آخر الدهر. ومن قائل: إنه علمه أسماء ~~الملائكة كلهم. ومن قائل: إنه علمه أسماء ذريته أجمعين. وأنت خبير بأن حمل ~~الأسماء على سائر اللغات لا يصح، لأنه يؤدي إلى أن آدم تكلم بجميع اللغات ~~التي يتكلم بها جميع الناس إلى يوم القيامة، وأن تلك اللغات اتصلت إلى ~~أولاده فلا يتكلمون إلا بها، وهذا كذب ظاهر، فإن آدم لا يصح في العقل أن ~~ينقل عنه إلا بنوه، وقد أغرق الله عام الطوفان جميع ذريته إلا من حملته ~~السفينة، وأهل السفينة لم يبق من ذريتهم إلا ذرية نوح، ولم يكونوا يتكلمون ~~بجميع ما تكلمت به الأمم بعدهم، فإن اللغة الواحدة كالفارسية، والعربية، ~~والرومية، والتركية فيها من الاختلاف والأنواع ما لا يحصيه إلا الله، ~~والعرب أنفسهم لكل قوم منهم لغات لا يفهمها غيرهم، فكيف يتصور أن ينقل هذا ~~جميعه عن أولئك الذين كانوا في السفينة، وأولئك جميعهم لم يكن لهم نسل ~~وإنما النسل لنوح، ms123 وجميع الناس من أولاده الثلاثة: سام، وحام، ويافث، كما ~~قال تعالى: {وجعلنا ذريته هم الباقين (77)} [الصافات: 77] فلم يجعل باقيا ~~إلا ذريته، وقد أخرج الإمام أحمد في مسنده عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: "إن أولاد نوح ثلاثة" (¬1)، ومعلوم: أن الثلاثة لم ينطقوا بهذا كله، ~~ويمتنع نقل ذلك عنهم، فإن الذين يعرفون هذه اللغة لا يعرفون هذه، وإذا كان ~~الناقلون ثلاثة، فهم قد علموا أولادهم، وأولادهم علموا أولادهم، ولو كان ~~كذلك لاتصلت، ونحن نجد بني الأب الواحد يتكلم كل قبيلة منهم بلغة لا تعرفها ~~الأخرى، والأب الواحد لا يقال: إنه علم أحد ابنيه لغة، وابنه الآخر لغة، ~~فإن الأب قد لا يكون له إلا ابنان، واللغات في أولاده أضعاف ذلك، والذي ~~أجرى الله عليه عادة بني آدم، أنهم إنما يعلمون أولادهم لغتهم التي ~~يخاطبونهم بها أو يخاطبهم بها غيرهم، فأما لغات لم يخلق الله من يتكلم بها، PageV01P160 ### || CHECK محاجة الله عز وجل للملائكة # فليس من العادة أن يعلموها أولادهم، وأيضا فإنه يوجد من بني آدم قوم ~~يتكلمون بألفاظ ما سمعوها قط من غيرهم، كما أورد هذا الإمام "تقي الدين ~~الحراني" في كتاب "الإيمان" له. # والذي يقتضيه سياق الكلام المنزل، أن الله ألهم النوع الإنساني أن يعبر ~~عما يريده ويتصوره بلفظه، وأن أول من علم ذلك أبوهم آدم عليه السلام، وهم ~~علموا كما علم، وإن اختلفت اللغات، فالإلهام كاف في النطق باللغات من غير ~~مواضعة متقدمة، فمن ادعى وضعا متقدما على استعمال جميع الأجناس، فقد قال ما ~~لا علم له به، وإنما المعلوم بلا ريب هو الاستعمال، نعم إن إلهام الله لآدم ~~أن يعبر عن جميع ما يريده بلفظه، كان على سبيل العموم، لأن لفظ {الأسماء} ~~عام مؤكد بقوله {كلها}، فلا يجوز تخصيصه بالدعوى، فآدم كان في إمكانه أن ~~يقدر على تسمية ما يراه من جميع الأجناس بلا استثناء، فكان له لسان خاص به، ~~ثم اختلفت اللغات لاختلاف أمزجة الألسنة، واختلاف أمزجة الألسنة علته وسببه ~~اختلاف الأهوية وطبائع الأمكنة. فإذا غلب البرد ms124 مثلا على مكان برد هواءه، ~~وطبع البرد التكثيف والتثقيل، لأن العنصرين الباردين، وهما الماء والأرض ~~ثقيلان، كثيفان، والماء أشدهما بردا والأرض أشدهما كثافة، فيغلب الثقل على ~~ألسنة سكان ذلك البلد، فيثقل النطق على ألسنتهم، ثم يضعون الألفاظ المخصوصة ~~للمعاني المخصوصة، فيجيء النطق بها ثقيلا كالعجمي والتركي، وغيرهما. وإذا ~~غلب الحر على مكان سخن هوائه، وطبع الحرارة التخفيف والتحليل والتلطف، ~~فتغلب الخفة على ألسنة أهل ذلك المكان، فيخف النطق على ألسنتهم، ثم يضعون ~~الألفاظ المخصوصة للمعاني المخصوصة، فيجيء النطق بها خفيفا سمحا سهلا، ~~كاللغة العربية، ولهذا كانت أفصح اللغات وأشرفها وأحسنها، وحصل الإعجاز ~~والتحدي بكلام الله تعالى النازل بها دون كلامه النازل بغيرها، مع أنه قد ~~كان في قدرة الله سبحانه وتعالى أن يعجز أهل كل لسان بما نزله من كلامه ~~بذلك اللسان. # ثم إن الله لما ألهم آدم أن يعبر عن كل ما يريده ويتصوره بلفظه، وأظهر ~~ذلك من القوة إلى الفعل، {عرضهم} أي: عرض مسميات الأسماء على الملائكة، ~~فقال معجزا لهم: {أنبئوني} أي: أخبروني إخبارا قاطعا بأسماء هؤلاء PageV01P161 ### || CHECK إجابة الملائكة # الموجودات بتفرسكم فيها {إن كنتم صادقين} فيما تفرستموه في الخليفة، وفي ~~أنساله، في قولكم: أني إن جعلت خليفتي في الأرض من غيركم، عصتني ذريته ~~وأفسدوا وسفكوا الدماء، وإن جعلتكم فيها أطعتموني واتبعتم أمري بالتعظيم لي ~~والتقديس، فإنكم إذا كنتم لا تعلمون أسماء هؤلاء الذين عرضتهم عليكم من ~~خلقي، وهم مخلوقون موجودون، ترونهم وتعاينونهم، وعلمه غيركم بتعليمي إياه، ~~فأنتم بما هو غير موجود من الأمور الكائنة التي لم توجد بعد، وبما هو مستتر ~~من الأمور التي هي بعيدة عن أعينكم، أحرى أن تكونوا غير عالمين بها فلا ~~تسألوني ما ليس لكم به علم، فإني أعلم بما يصلحكم ويصلح خلقي (¬1) وإني ~~أعلم أن بعضكم تاج المعاصي وخاتمها وهو إبليس فلما اتضح لهم موضع خطأ قيلهم ~~وبدت لهم هفوة زلتهم أنابوا إلى الله بالتوبة كما أخبر عنهم بقوله: # {قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم (32)}. # وكذلك ms125 فعل كل مسدد للحق، موفق له، سريعة إلى الحق إنابته، قريبة إليه ~~أوبته، فإذا اعترته الهواجس بالاعتراض على حكمة الحق جل وعلا؛ نكص على ~~عقبيه بالتوبة والإنابة قائلا: # {سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا}، أطلق لنا سراح عقولنا في الأكوان. # وعلم الإنسان من أسرارها ما لم يعلم، وألهمه تسمية الأشياء ليبين المرء ~~لأخيه ما يكنه في ضميره، فسرح الفكر في النبات والحيوان والمعادن، حتى ~~اهتدى إلى خواصها، وما ينفق منها، ثم أطلق المجال في تركيب الأعضاء، وفيما ~~يخرجها عن اعتدالها، وما يعيده إليها إذا انحرفت عنه، وعلمه سير الكواكب، ~~وكيفية مدارها، وجعل له أثناء سيره مشكلات وغوامض لا يمكنه حلها، ولا كشفها ~~بفكره مهما بالغ في أعماله، ليقهره على أن يقول كما قالت الملائكة من قبله: ~~{لا علم لنا إلا ما علمتنا}، فيقر بأن قوة تتصرف فيه أعظم من قوته، وأن تلك ~~القوة هي قدرة خالقه، ويعلم علم اليقين بأن العبد لو علم جميع ما يعلمه PageV01P162 ### || CHECK تعليق: تصويب للشيخ محمود شاكر في تفسير الطبري # خالقه، لكان مساويا له، في صفة العلم، ولما كانت الصنعة لا يمكن أن تدرك ~~حقيقة صانعها، وكانت المساواة بالفاعل المختار مستحيلة، كانت مساواة ~~المخلوق لخالقه في صفة العلم، وفي غيرها من صفاته تعالى مستحيلة أيضا، وكان ~~العلم بحقيقة الخالق من المستحيل أيضا، وما على المخلوق إلا أن يثبت لخالقه ~~ما أثبته من الصفات لنفسه، وما أثبته له رسله قائلا عما وراء ذلك من ~~حقائقها: {لا علم لنا إلا ما علمتنا}، يا من له التنزيه عن أن يحيط أحد ~~بعلمه، ومن ثم قال أبو جعفر الطبري: وفي هذه الآيات الثلاث العبرة لمن ~~اعتبر، والذكرى لمن يتذكر، والبيان {لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ~~(37)} [ق: 37]. [كما] (¬1) أودع سبحانه وتعالى في هذا القرآن من لطائف ~~الحكم التي تعجز عن أوصافها الألسن، وذلك أن الله جل ثناؤه احتج فيها ~~لنبيه، على من كان بين ظهرانيه من يهود بني إسرائيل، بإطلاعه إياه من علوم ~~الغيب الذي ms126 لم يكن جل ثناؤه أطلع عليها من خلقه إلا الخواص، ولم يكن مدركا ~~علمه إلا بالإنباء والإخبار، لتتقرر عندهم صحة نبوته، ويعلموا أن ما أتاهم ~~به إنما هو من عنده، ودل فيها على أن كل مخبر بخبر عما قد كان- أو عما هو ~~كائن، مما لم يكن ولم يأته به خبر، ولم يوضع له على صحته برهان- فمتقول ما ~~يستوجب به من ربه العقوبة، ألا تسمعون الله جل ذكره رد على الملائكة قيلهم: ~~{أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني ~~أعلم ما لا تعلمون (30)}، وعرفهم أن قيل ذلك، لم يكن جائزا لهم، بما عرفهم ~~من قصور علمهم عند عرضه ما عرض عليهم من أهل الأسماء، فقال: {أنبئوني ~~بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين (31)}، فلم يكن لهم مفزع إلا الإقرار بالعجز ~~والتبري إليه، إلا ما علمهم بقولهم: {سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا}. ~~فكان في ذلك أوضح الدلالة وأبين الحجة على كذب مقالة كل من ادعى شيئا من ~~علوم الغيب، من الحزاة والكهنة والعافة (¬2) والمنجمة، وذكر بها الذين PageV01P163 ### || CHECK ثلاثة خواص يفارق بها علم الخلق علم الله تعالى # وصفنا أمرهم من أهل الكتاب سوالف نعمه على آبائهم، وأياديه عند أسلافهم، ~~عند إنابتهم إليه، وإقبالهم على طاعته مستعطفهم بذلك إلى الرشاد، ومستعتبهم ~~به إلى النجاة، وحذرهم بالإصراء والتمادي في البغي، والضلال، حلول العقاب ~~بهم نظير ما أحل بعدوه إبليس، إذ تمادى في البغي والخسار. وقد أشار إلى هذا ~~إشارة خفيفة ترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنه، فيما رواه عنه ~~ابن جرير، حيث قال: {سبحانك}، تنزيها لله من أن يكون أحد يعلم الغيب غيره، ~~تبنا إليك، {لا علم لنا إلا ما علمتنا}، تبريا منهم من علم الغيب {إلا ما ~~علمتنا}، كما علمت آدم، فكأنهم قالوا: # إنا نبرأ من أن نعلم شيئا غير ما علمتنا {إنك أنت} يا رب، {العليم} من ~~غير تعليم، بجميع ما كان وما هو كائن، وعلام الغيوب دون جميع خلقك. # وذلك أنهم ms127 نفوا عن أنفسهم بقولهم {لا علم لنا إلا ما علمتنا}، أن يكون ~~لهم علم، إلا بما علمهم ربهم، وأثبتوا ما نفوا عن أنفسهم من ذلك لربهم ~~بقولهم: {إنك أنت العليم}، يعنون بذلك العالم من غير تعليم، إذ كان من سواك ~~لا يعلم شيئا إلا بتعليم غيره إياه. # قال ابن عباس: {العليم} الذي قد كمل في علمه، و {الحكيم} الذي قد كمل في ~~حكمه، انتهى. # وكمال العلم أن يحيط علما بكل شيء ظاهره وباطنه، دقيقه وجليله، أوله ~~وآخره، عاقبته وفاتحته، وهذا من حيث الوضوح والكشف على أتم ما يمكن فيه، ~~بحيث لا تتصور مشاهدة وكشف أظهر منه، ثم لا يكون مستفادا من المعلومات، بل ~~تكون المعلومات مستفادة منه. ولا يليق هذا الوصف إلا بالله تعالى، فإن علم ~~الخلق يفارق علم الله تعالى في الخواص الثلاثة: # أحدها: في المعلومات في كثرتها، فإن معلومات العبد وان اتسعت فهي محصورة ~~في قلة، فأنى يناسب ما لا نهاية له. # الثاني: أن كشفه وإن اتضح، فلا يبلغ الغاية التي لا تكمن وراءها غاية، PageV01P164 ### || CHECK مبحث في معنى الحكيم # بل تكون مشاهدته للأشياء كأنه يراها من وراء ستر دقيق، ولا ننكرن تفاوت ~~درجات الكشف، فإن البصيرة الباطنة كالبصر الظاهر، وفرق بين ما يتضح في وقت ~~الإسفار، وبين ما يتضح وقت صحوة النهار. # والثالث: أن علم الله تعالى غير مستفاد من الأشياء، بل الأشياء مستفادة ~~منه، وعلم العبد بالأشياء تابع للأشياء وخالص بها، وهذا هو الفرق بين ~~الصفتين كما أشار إليه "الإمام الغزالي" في "المقصد الأسنى". # ثم قال في تفسير "الحكيم": إنه صاحب الحكمة، والحكمة عبارة عن معرفة أفضل ~~الأشياء، بأفضل العلوم، وأجل الأشياء، هو الله تعالى، ولا يعرف كنه معرفته ~~غيره، فهو الحكيم الحق، لأنه يعلم أجل الأشياء بأجل العلوم، إذا أجل العلوم ~~هو العلم الأزلي الدائم، الذي لا يتصور زواله، المطابق للمعلوم مطابقة لا ~~يتطرق إليه خفاء وشبهة، ولا يتصف بذلك إلا علم الله تعالى، وقد يقال لمن ~~يحسن دقائق الصناعات: ويحكمها ويتقن صناعتها حكيم، وكمال ms128 ذلك أيضا ليس إلا ~~لله، فهو الحكيم الحق. ومن ثم كان من عرف جميع الأشياء ولم يعرف الله ~~تعالى، لا يستحق أن يسمى حكيما، لأنه لم يعرف أجل الأشياء وأفضلها، والحكمة ~~أجل العلوم، وجلالة العلم بقدر جلالة المعلوم، ولا أجل من الله، ومن عرف ~~الله فهو حكيم، وإن كان ضعيف الفطنة في سائر العلوم الرسمية، كليل اللسان ~~قاصر البيان فيها، إلا أن نسبة العبد إلى حكمة الله كنسبة معرفته به إلى ~~معرفة الله بذاته، وشتان بين المعرفتين، فشتان بين الحكمتين، هذا ما قاله. ~~ومنه يتضح سر ختم هذه الآية بهذين الاسمين، لأن الملائكة لما ادعوا العلم ~~بالأشياء، وزعموا الاطلاع على حكمة خلق آدم، بين لهم تعالى الفرق بين علمه ~~وعلمهم، وحكمته وحكمتهم، فأذعنوا لذلك ونفوا العلم الحقيقي، والحكمة ~~الحقيقية عن أنفسهم، وأثبتوا ذلك لله تعالى بطريق القصر المستفاد من تأكيد ~~اسم "إن" ب {أنت} الدال على الخطاب، ثم أثبت لهم هذا المعنى على طريق أبسط ~~من قوله: {إني أعلم ما لا تعلمون}، وأشرح له، لينتقلوا من مقام الغيب ~~المعلوم من {إني أعلم ما لا تعلمون}، إلى مقام المشاهدة، وهو أبلغ من غيره ~~وأقنع في البحث. PageV01P165 ### || CHECK معنى قوله تعالى: {يا آدم أنبئهم بأسمائهم} # وليعلمنا تعالى آداب المناظرة، وأنه كيف ينبغي فيها التدرج من الإجمال ~~إلى التفصيل، ومن الغيب إلى الحضور، ومثال ذلك: أنك تبين لمن تنصحه حكاية ~~تاريخية على وجه النصح، وتذكر له عاقبتها، ثم تمثلها له تمثيلا ظاهرا ~~للعيان، ليرى بداية الحال وتتضح له المعاقبة تمام الإيضاح، فمن ثم فعل معهم ~~كما أخبر عن ذلك بقوله: # {قال ياآدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني ~~أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون (33)}. # يقول سبحانه وتعالى لآدم عليه السلام: # {ياآدم أنبئهم}، أي: أخبرهم، والضمير عائد إلى الملائكة، بأسماء الذين ~~{عرضهم على الملائكة}، وإنما كان ذلك الأمر لأجل إظهاره عجز ملائكته الذين ~~سألوه أن يجعل لهم الخلافة في الأرض، ووصفوا أنفسهم بأنهم أهل طاعته ~~والخضوع ms129 لأمره، دون غيرهم الذين يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء، وليعلمهم ~~جهلهم بمواقع تدبير الحكمة الإلهية، ومحل القضاء، قبل إطلاعه إياهم عليه، ~~على نحو ما جهلوه من أسماء الذين عرضهم عليهم، إذ كان ذلك مما لا يعلمهم ~~فيعلموه، وأنهم وغيرهم من أهل العناد لا يعلمون من العلم إلا ما علمهم إياه ~~ربهم، وأنه يخص من شاء من الخلق بما شاء من العلم، ويمنع منه من شاء، كما ~~علم آدم أسماء من عرض على الملائكة؛ ومنعهم علما إلا بعد تعليمه إياهم. # ومن هذا تعلم أن معنى قوله: {بأسمائهم}: إنما هو بأسماء المسميات التي ~~عرضها على الملائكة، والضمير كناية عما تضمنه قوله: {أنبئوني بأسماء ~~هؤلاء}، {فلما أنبأهم}، أي: أخبرهم بما لم يعرفوه، وأيقنوا أنهم كانوا ~~مخطئين في قولهم: {أتجعل فيها من يفسد فيها}، الآية، وأقروا بذلك، قال لهم ربهم: # {ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض}، والغيب هو: ما غاب عن ~~أبصارهم، فلم يعاينوه، وكان ذلك من الله عز وجل توبيخا لهم على ما سلف من ~~قيلهم، وفرط منهم من خطأ مسألتهم. PageV01P166 ### || CHECK فائدة في أقسام الأفعال # وهنا للحكماء مقال وتعليل، فإنهم قالوا: # إن أقسام الأفعال خمسة بالقسمة العقلية، وذلك لأن الفعل؛ إما أن يكون ~~خيرا محضا، أو شرا محضا، أو ممتزجا، والممتزج إما أن يتساوى فيه الأمران، ~~الخير والشر، وإما أن يكون الخير غالبا والشر مغلوبا، وإما العكس. # فهذه أقسام خمسة لا سادس لها. فأما الخير المحض فالحكمة تقتضي إيجاده، ~~وأما الذي يكون الخير فيه غالبا فالحكمة تقتضي إيجاده أيضا، لأن ترك الخير ~~الكثير لأجل الشر القليل شر كثير، فالملائكة ذكروا الفساد والقتل، وهو شر ~~قليل بالنسبة لما يحصل من بني آدم من الخيرات. فقوله: {إني أعلم غيب ~~السماوات والأرض}، معناه: إني أعرف أن خيرهم غالب على هذه الشرور، فلذاك ~~اقتضت الحكمة إيجادهم وتكوينهم. # ونقول: إن الملائكة لما قاسوا الغائب على الشاهد، ونظروا إلى أنفسهم نظرة ~~الكمال، كان لسان حالهم يقول: لا يمكن إبداع عالم أحسن من عالمنا، وأقدر ~~على نوال ms130 العلم منا، وكانت القدرة الإلهية لا منتهى لإبداعها واختراعها، لا ~~جرم قال لهم: {إني جاعل في الأرض خليفة}، فقالوا ما قالوه مما وصل إليه ~~علمهم، وانتهى إليه مرمى نظرهم، فلما أظهر تعالى ما أراده وظهر بشرا سويا، ~~أراهم أن هذا النوع قد تصل أفراده إلى درجات لا يصلون إليها، في العلوم ~~والمعارف، والارتقاء معرفة بالربوبية، وبما يجب لها، وبما أودعه تعالى من ~~خزائن الأسرار في الأرض والجو، والعوالم وخصائصها، أراد أن يريهم نموذجا من ~~استعداد ذلك النوع، ف {وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة} فكان ~~ما كان من أمرهم، فأقنعهم البرهان، إلا واحدا وهو إبليس، وقد قص الله علينا ~~هذه القصة لنعتبر بها فلا نرضى بالدون من المقامات، ولا نقف موقف الجمود، ~~بل نطلب الرقي دائما في العقل، والأفكار، والأعمال، والعلوم والمعارف، وأن ~~نطلب البرهان الحقيقي حتى إذا لاح لنا نتبع نتائجه، ولا نكابر شططا وغلطا، ~~فإذا فعلنا ذلك كنا من أولاد ذلك الأصل الطاهر من علمه الله الأسماء كلها، ~~وإذا أخلدنا إلى ما توحيه لنا أنفسنا الشريرة، فارتكبنا متن الشطط، واتبعنا ~~الهوى، PageV01P167 ### || CHECK حقيقة السجود في الآية الكريمة ### || CHECK معنى قوله تعالى: {إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم .. } # وأعرضنا عن البرهان المستنير كبرا وعنادا، وافتخرنا على غيرنا بالأصل ~~والجنس، لا بالعلم والمعرفة، كنا أولاد إبليس، معنى لا ولادة، وأنصاره ~~وأشياعه. ألا يرى أن كثيرا من المشركين كانوا يعلمون أن هذا الكتاب معجز، ~~وأن من أنزل عليه صادق في دعواه، ثم لا يؤمنون به كبرا وعنادا، مقتدين ~~برئيسهم إبليس، حتى استكبر عن السجود لآدم، وقال: {أنا خير منه خلقتني من ~~نار وخلقته من طين (76)} [ص: 76] فالمقلد الذي لا يعير البرهان آذانا ~~صاغية، لا يسلم غالبا من العثار، والتدهور في مهاوي الغلط، وارتكاب الشطط. # ولما أخبرنا تعالى بهذه النعمة التي تقدمت الإشارة إليها، ضم إليها الخبر ~~بالإنعام بإسجاد الملائكة لجدنا الأعلى آدم، ونحن في ظهره، فقال عاطفا على ~~إذ الأولى: # {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر ms131 وكان من ~~الكافرين (34)}. # عدل عن الغيبة إلى المتكلم، ثم إلى كونه في مظهر العظمة، إعلاما بأنه أمر ~~فصل لا فسحة في المراجعة فيه، ولهذه الآية مناسبة ثانية للتي قبلها، وهي: ~~أنه تعالى، لما ذكر مفاوضة الملائكة، وإذعانهم وتسليمهم للبرهان، شأن ~~المسترشد الذي إذا اتضح له البرهان سلم به، واستسلم له؛ نظم بذلك نبأ ~~انقيادهم لآدم فعلا كما انقادوا له علما، إظهارا لكمال حالهم، في التسليم ~~علما وعملا، كما اقتدى بهم أتباع الرسل فكانوا معهم قلبا ولسانا. # فقوله تعالى: {وإذ قلنا} أي: على عظمتنا {للملائكة} الذين أكرمناهم ~~بقربنا، {اسجدوا} لعبدنا "آدم" اعترافا بفضله الذي فضلناه به، سجودا على ~~وجه التكرمة، فجعله تعالى بابا إليه، وكعبة ليعظموه بتعظيم الله، ومحرابا، ~~وقبلة يكون سجودهم له سجودا لله تجاه آدم، كسجود آدم وبنيه لله تجاه ~~الكعبة. وقد أجمع المسلمون على أن ذلك السجود ليس سجود عبادة، لأن سجود ~~العبادة لغير الله كفر! والأمر لا يرد بالكفر، ومن ثم قال ابن عباس فيما ~~رواه عنه ابن أبي حاتم: كانت السجدة لآدم، والطاعة لله. وقال الحسن البصري: ~~أمرهم أن PageV01P168 ### || CHECK تعليق في معنى الخلافة # يسجدوا فسجدوا له كرامة من الله أكرم بها آدم. وقال أبو إبراهيم المزني، ~~فيما أخرجه عنه ابن عساكر: إن الله جعل آدم كالكعبة، وعاب بعض الناس هذا ~~المعنى، فقال: لو كان الأمر كذلك، لقيل: اسجدوا إلى آدم، وهذا القول يدل ~~على ضعف قائله بمعرفته أساليب اللغة العربية التي نزل بها القرآن المجيد، ~~فإن العرب كثيرا ما تجعل اللام موضع إلى، ومنه قوله تعالى: {ولو ردوا ~~لعادوا لما نهوا عنه} [الأنعام: 28] والعود إنما يكون إلى الشيء، لا له، ~~لأن "عاد" يتعدى ب "إلى" فأقيم اللام مقامها، وقال تعالى: {بأن ربك أوحى ~~لها (5)} [الزلزلة: 5] أي: إليها، وقال: {كل يجري لأجل مسمى} [الرعد: 2, ~~فاطر: 13, الزمر: 5] أي: إلى أجل، ومن هذا المعنى {أقم الصلاة لدلوك الشمس} ~~[الإسراء: 78] فالصلاة لله لا للدلوك، فإن كان هذا جائزا، لم لا يجوز أن ~~يكون معنى {اسجدوا لآدم}، اسجدوا إليه، فيكون ms132 هو قبلة، والسجود لله، ودليله ~~من الشعر قول حسان (¬1): # ما كنت أعرف أن الأمر منصرف ... عن هاشم ثم منها عن أبي حسن # أليس أول من صلى لقبلتكم ... وأعرف الناس بالقرآن والسنن # فقوله: صلى لقبلتكم، أراد به إلى قبلتكم، وهو نص في المقصود. PageV01P169 ### || CHECK اختلاف العلماء في إبليس ### || CHECK هل الفاء في قوله تعالى: {فسجدوا} تدل على التعقيب # ثم إن اللائح من قوله تعالى: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا} أن ~~آدم لما صار حيا سجدت إليه الملائكة، لأن الفاء تدل على التعقيب، ومعناه ~~هنا: أنه لما أمرهم بالسجود سجدوا، وقوله تعالى: {إني خالق بشرا من طين ~~(71) فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين} [ص: 71] يدل على أن ~~أمر الله الملائكة بالسجود لآدم، كان قبل أن يسويه، وأن ينفخ فيه الروح، ~~فلما كان بشرا سويا سجد له الملائكة، فكان الأمر متقدما على الفعل، كذا لوح ~~به جماعة من المفسرين. # والتحقيق: أنه لا منافاة بين الآيتين، إذ الفاء في الآية التي نحن بصدد ~~الكلام عليها وإن كانت للتعقيب، إلا أن علماء العربية قد صرحوا بأن تعقيب ~~الشيء للشيء منظور فيه للعرف، فهو في كل شيء بحسبه، فقوله تعالى: {وإذ قلنا ~~للملائكة اسجدوا لآدم}، وإن كان سابقا على سجودهم له، يعد تعقيبا حيث لم ~~يكن بين القول وبين السجود إلا خلق آدم وتصويره، ومثله قوله تعالى: {ألم تر ~~أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة} [الحج: 63]. ومن المعلوم أن ~~اخضرار الأرض لا يعقب نزول المطر، بل يقع بعد مدة وتراخ، إلا أن العرف يعد ~~هذا تعقيبا، وذلك لأن نزول المطر هو الذي يجعل الأرض متهيئة لإخراج النبات، ~~ومن هذا قولهم: تزوج فلان فولد له، إذا لم يكن بينهما إلا مدة الحمل، وإن ~~كانت متطاولة، وهذا المسألة مشهورة بين صغار الطلبة، إلا أنه لما كان الفخر ~~الرازي أبدى بحثها في تفسيره في هذا الموضع، وسكت عن الجواب عنها احتجنا ~~لبيانها. # ثم ليعلم أن العلماء اختلفوا في "إبليس"، هل هو من ms133 الملائكة أم من الجن؟ ~~فذهب بعض المتكلمين، ولا سيما المعتزلة، ومنهم صاحب الكشاف، إلى أنه لم يكن ~~من الملائكة. وذهب كثير من الفقهاء، إلى أنه كان من الملائكة، ولكل أدلة، ~~ولكن يمكن أن يرجع القولان إلى الاتفاق في المعنى والاختلاف في التعبير، ~~فقد أخرج ابن جرير الطبري في تفسيره، عن ابن عباس، PageV01P170 ### || CHECK معنى قوله تعالى: {أبى واستكبر} وحقيقة كونه من الكافرين # أنه قال: كان إبليس من حي من أحياء الملائكة يقال لهم: الجن. وقال أيضا ~~كان إبليس [قبل أن يركب] المعصية من الملائكة. # والقول الأول مروي عن كثير من الصحابة. # وقال ابن عباس أيضا: كان من أشراف الملائكة وأكرمهم قبيلة، وكان يقول: لو ~~لم يكن من الملائكة، لم يؤمر بالسجود، انتهى. # وهذا الذي تدل (¬1) عليه الآية لأنه تعالى قال: {وإذ قلنا للملائكة}، ~~فصرح بأنهم هم المأمورون بالسجود، وإذا كان إبليس ليس منهم فلا يكون ~~مأمورا، فكيف يعاقب على ترك شيء لم يؤمر به. وأما قوله تعالى في سورة الكهف ~~[50]: {إلا إبليس كان من الجن} فلا يوجب أن لا يكون من الملائكة، لأن الجن ~~مأخوذ من الاجتنان وهو الستر، ولهذا سمي الجنين جنينا لاستتاره، ومنه الجنة ~~لكونها ساترة، والجنة لكونها مستترة بالأغصان، ومنه الجنون لاستتار العقل فيه. # ولما كان هذا معروفا عند أهل اللغة، والملائكة مستورون عن العيون، وجب ~~إطلاق لفظ الجن عليهم بحسب اللغة. # وقوله تعالى: {أبى} مأخوذة من الإباء، وهو الامتناع عما حقه الإجابة فيه، ~~{واستكبر} عن السجود له، مشتق من الاستكبار، وهو استجلاب الكبر، ومعناه بطر ~~الحق، وغمص الناس، وغمطهم، وموجب ذلك استحقار الغير من وجه، واستكمال النفس ~~من ذلك الوجه، وذلك أن إبليس تكبر عن أن يتخذ آدم وصلة في عبادة ربه، أو ~~يعظمه أو يتلقاه بالتحية، ويسعى فيما فيه خيره وصلاحه، وكان في أصل جبلته ~~{من الكافرين}، الذين سبق العلم بشقاوتهم، وإنما علم أنه كان في أصل جبلته ~~من الكافرين، من الإتيان بلفظ {من}، الدالة على الابتداء، ومعناه اقتباس PageV01P171 ### || CHECK معنى قوله تعالى: {وقلنا يا ms134 آدم اسكن أنت وزوجك الجنة} # الشيء، مما جعل منه، فإذا قلت: سرت من دمشق إلى بيروت، كان المعنى أني ~~اقتبست السير من الأولى إلى الثانية، وهنا المعنى على هذا المرام، وهذا ~~الخطاب، وإن كان من الله خبرا عن إبليس، فإنه تقريع لمن كان على شاكلته ~~وطريقته، من خلق الله الذين يتكبرون عن الخضوع لأمر الله، والانقياد ~~لطاعته، فيما أمرهم به، وفيما نهاهم عنه، والتسليم له فيما أوجب لبعضهم على ~~بعض من الحق، قرع سبحانه وتعالى بهذه القصة اليهود، الذين كانوا بين ظهراني ~~المهاجرين، فاستكبروا عن الإجابة لدعاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -, ~~وقرع أيضا غيرهم، ولا تزال هذه تقرع وتحذر كل من كان مستكبرا عن الحق، ~~متبعا هوى نفسه، متصفا بالأوصاف التي وصف بها إبليس من الاستكبار والحسد، ~~والاستنكاف عن الخضوع لمن أمره الله بالخضوع له، وزاد على ذلك أن قال: ~~{وكان من الكافرين} نعم الله عليه وأياديه عنده بخلافه عليه، فيما أمر به ~~من السجود لآدم، والذي يلوح لي من هذا المقام، أن آدم عليه السلام كان ~~مظهرا لأمر الله تعالى، وإشارة إلى أنه تعالى يودعه رسالته، فكان الأمر ~~بالسجود له، إنما هو أمر بالانقياد إلى أوامره تعالى. # ولما فرغ تعالى من نعمة التفضيل في الصفات الذاتية، بين النعمة، بشرف ~~المسكن، مع تسخير زوج من الجنس لكمال الأنس، وما يتبع ذلك، فقال: # {وقلنا ياآدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا ~~هذه الشجرة فتكونا من الظالمين (35)}. # فأتى بلفظ {اسكن}، الذي هو فعل أمر من السكون، وهو الهدوء في الشيء الذي ~~في طيه إقلاق، أي: اتخذ الجنة مسكنا لتستقر فيها، لأنها موضع استقرار، ~~ولبث، وأسكن معه زوجته ليكمل له بها الأنس، ومساق الآية يدل على أن حواء ~~كانت موجودة حين أمره بسكنى الجنة، ولما كان السياق هنا لمجرد بيان النعم ~~استعطافا إلى المؤالفة، كان عطف الأكل بالواو، في قوله: PageV01P172 ### || CHECK تصويب لتصحيف وقع فيه المؤلف ### || CHECK اختلاف المفسرين في تعيين الشجرة التي منع آدم وحواء ms135 منها # {وكلا منها}، كافيا في ذلك، وكان التصريح بالرغد الذي هو من أجل النعم، ~~عظيم الموقع، فقال تعالى: {رغدا}، وهو وصف لمصدر محذوف، وتقديره أكلا رغدا، ~~أي واسعا رافها طيبا هنيئا، {حيث} أي مكان من الجنة {شئتما ولا تقربا هذه ~~الشجرة} بالأكل منها، فإنكما إن قربتماها لتأكلا منها، "تكونا" {من ~~الظالمين}، الواضعين الشيء في غير محله، كمن يمشي في الظلام. ويدل قوله ~~تعالى: {اسكن أنت وزوجك الجنة}، على أنه لا بد من خروجهما منها، لأن المخلد ~~لا يناسب أن يكون معرضا للخطر، بأن يمتنع عليه فعل شيء، أو يؤمر بشيء، أو ~~ينهى عنه، فلما كان الأمر بالسكنى مقرونا بالنهي دل على أنها لا تدوم. # هذا وقد اختلف المفسرون في تعيين الشجرة، فمن قائل أنها شجرة البر، وقيل: ~~هي الكرمة، وقيل: هي التينة، والصحيح أنه لم يرد تعيينها في أثر يعول عليه، ~~ولا ورد تعيينها في الكتاب العزيز، ولا داعي لبيان نوعها لأن سياق القصة ~~لبيان شؤم المخالفة، هذا ورأيت في ترجمة التوراة بعد ذكر خلق السماوات ~~والأرض، ما صورته: أراد الله أن يخلق خلقا يتسلط على حيتان البحر، وطير ~~السماء، وعلى الدواب وجميع السباع، وعلى الحشرة التي تدب على الأرض فخلق ~~آدم بصورته ذكرا وأنثى، وبارك عليهما، وقال: انميا واكثرا، وتسلطا على ~~حيتان البحر، وطير السماء (¬1)، والدواب، وجميع السباع، إلى آخر ما فيها ~~مما يشمله كله قوله تعالى: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا} [البقرة: ~~29] الآية. # وأما قوله: على صورته فالضمير فيه راجع لآدم، ومعناه: أنه من بدء خلقه ~~يظهر صورته التي كان عليها، فلم يكن كغيره من ذريته طفلا، ثم كبر بالتدريج ~~هذا ما يفهم من الترجمة التي ألمعنا إليها، وأما ترجمة التوراة الموجودة ~~الآن في أيدي البروتستانت، فإن بها أشياء تخالف ترجمة التوراة القديمة، وفي ~~هذه الترجمة أن PageV01P173 ### || CHECK مبحث في اختلاف الناس في الجنة ### || CHECK مسالك المفسرين في كيفية خلق حواء # الشجرة التي نهي عن أكلها، هي شجرة الخير والشر. وعلى كل فالله، أعلم ~~بها، ms136 ولا يتعلق في بيان نوعها حكم، إذ لو تعلق به حكم لبين سبحانه وتعالى نوعها. # وغاية الأمر أن قوله تعالى لآدم: {اسكن أنت وزوجك الجنة}، مشتمل على ما ~~هو إباحة، وعلى ما هو تكليف، أما الإباحة، فإنه كان مأذونا في الانتفاع ~~بجميع نعم الجنة، وأما التكليف فهو أن المنهي عنه كان حاضرا، وآدم كان ~~ممنوعا عن تناوله. # وللمفسرين هنا مسالك في كيفية خلق حواء، وفي كيفية إدخاله الجنة وفي غير ~~ذلك، وكلها مأخوذة عن الإسرائيليات، والله أعلم بصحتها، منها ما يروونه عن ~~ابن عباس، وابن مسعود، وناس من الصحابة: أن آدم لما أسكن الجنة بقي فيها ~~وحده، وما كان معه من يستأنس به، فألقى الله عليه النوم، ثم أخذ ضلعا من ~~أضلاعه من شقه الأيسر، ووضع مكانه لحما فلما استيقظ وجد عند رأسه امرأة ~~قاعدة، فسألها: من أنت؟ قالت: امرأة. قال: ولم خلقت؟ فقالت: لتسكن إلى، ~~فقالت الملائكة: ما اسمها؟ قال: حواء، قالوا: ولم سميتها حواء؟ قال: لأنها ~~خلقت من شيء حي. وأنت تعلم أن معنى هذه الرواية في التوراة وهي مأخوذة ~~منها، ولفظ ترجمة التوراة السبعينية أن الله ألقى على آدم سباتا، فرقد، ~~فنزع ضلعا من أضلاعه، وأخلف له بدله لحما، فخلق الله من الضلع الذي أخذ من ~~آدم امرأة فأقبل بها إلى آدم، فقال: هذه الآن التي قرنت إلي، وفي هذه عظم ~~من عظامي ولحم من لحمي، فلتدع امرأة لأنها أخذت من الرجل، ولذلك يدع الرجل ~~أباه وأمه، ويلحق بامرأته ويكونان كلاهما جسدا واحدا. وهذه المعاني موجودة ~~في نسخ ترجمة التوراة الموجودة اليوم في الأيدي، وإذا تأملت الحكايات التي ~~ينقلها المفسرون من هذا النمط وأمثاله، وجدت أكثرها في التوراة، أو هي من ~~كلام كعب الأحبار، أو وهب بن منبه، ولا يثبت منها شيء عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم. # ومما يلحق بهذا البحث، اختلاف الناس في الجنة التي أسكنها آدم عليه ~~السلام، وأهبط منها هل هي جنة الخلد، أو جنة أخرى غيرها في موضع عال من ~~الأرض، وقد ms137 قال بالأول طائفة من العلماء. PageV01P174 # ورجح منذر بن سعيد (¬1) في تفسيره الثاني، وقال: إنه قول تكثر الدلائل ~~الشاهدة له، الموجبة للقول به، وحكى أبو الحسن الماوردي هذا الخلاف في ~~تفسيره، ثم قال: ومن قال بأنها جنة أعدها الله لآدم وحواء، وجعلها دار ~~ابتلاء، وليست هي جنة الخلد التي جعلها دار جزاء، اختلفوا فيها على قولين: ~~أحدهما أنها في السماء، لأنه أهبطهما منها وهذا قول الحسن، الثاني: أنها في ~~الأرض لأنه امتحنهما فيها بالنهي عن الشجرة التي نهيا عنها دون غيرها من ~~الثمار، وهذا قول ابن بحر، وكان ذلك بعد أمر إبليس بالسجود لآدم، والله ~~أعلم بصواب ذلك، هذا كلامه. # وقد أطال الحافظ ابن القيم الكلام في هذه المسألة، وذكر حجج القائلين وما ~~لها وما عليها، بإطناب يطول بيانه، وأودع ذلك كتابه "حادي الأرواح". # وحكى الخلاف أيضا ابن الخطيب المعروف بالفخر الرازي، في تفسيره، وختمه ~~بقوله: إن الكل ممكن، والأدلة النقلية ضعيفة ومتعارضة، فوجب التوقف وترك ~~القطع، انتهى. # والحق في ذلك مع ابن الخطيب. # غير أن القائلين بأنها جنة في الأرض ليست جنة الخلد، يساعدهم ظاهر الآيات ~~البينات، وهو الذي يلوح من التوراة، بل هي تصرح بذلك، فإن ترجمتها تقول: ~~وكان ينبوع يظهر في قعر عدن، فيسقي جميع وجه الأرض، فجبل الله الرب آدم من ~~تربة الأرض، ونفخ في وجهه نسمة الحياة، فصار آدم ذا نفس حية، وغرس الرب ~~فردوسا بعدن من قبل وأسكنه لآدم ... ثم قالت: وكان نهر يخرج من عدن فيسقي ~~الفردوس، وكان ينفصل من هناك ويتفرق على أربعة أطراف، ثم ذكرت سيحون المحيط ~~بأرض الهند، وجيحون المحيط بجميع أرض الحبشة، PageV01P175 ### || CHECK المراد بالهبوط في الآية الكريمة ### || CHECK القول في أن الجنة التي هبط منها آدم - عليه السلام - إنما هي في الأرض وليست جنة الخلد # ودجلة الذي يخرج قبالة الموصل والفرات. فهذا يصرح بأن الجنة كانت في ~~الأرض (¬1). # وقال منذر بن سعيد: والقول بأنها جنة في الأرض ليست جنة الخلد، قول أبي ~~حنيفة وأصحابه. # وقد رأيت أقواما نهضوا لمخالفتنا ms138 في جنة آدم بتصويب مذهبهم من غير حجة، ~~إلا الدعاوي والأماني، ما أتوا بحجة من كتاب ولا سنة، ولا أثر عن صاحب، ولا ~~تابع، ولا تابع التابع لا موصولا ولا شاذا مشهورا، وقد وجدنا أن فقيه ~~العراق، ومن قال بقوله، قالوا: إن جنة آدم ليست جنة الخلد، وهذه الدواوين ~~منحوتة من علومهم، ليسوا عند أحد من الشاذين، بل بين رؤساء المخالفين. # وإنما قلت هذا ليعلم أني لا أنصر مذهب أبي حنيفة، وإنما أنصر ما قام لي ~~عليه دليل من القرآن والسنة. # ثم نقل عن ابن عيينة أنه قال: في قوله تعالى: {إن لك ألا تجوع فيها ولا ~~تعرى (118)} [طه: 118] يعني في الأرض، ثم حكى كلام ابن قتيبة في المعارف، ~~ولكنه مأخوذ كله من التوراة وحكى كلام وهب، وهو كذلك. # وصريح قوله تعالى: {إني جاعل في الأرض خليفة}، يدل على أنه تعالى خلق آدم ~~في الأرض، ولم يذكر في موضع واحد أصلا أنه نقله إلى السماء بعد ذلك، ولو ~~كان نقله بعد ذلك إلى السماء، لكان هذا أولى بالذكر، لأنه من أعظم الآيات، ~~ومن أعظم النعم عليه، فإنه يكون معراجا ببدنه وروحه من الأرض إلى فوق ~~السماوات، وأما قوله تعالى: {قلنا اهبطوا منها} فإنه على حد قوله تعالى: ~~{اهبطوا مصرا}، والعرب تقول: هبط فلان أرض كذا، يريدون أنه نزلها. وقال PageV01P176 ### || CHECK مبحث في قوله جل وعلا: {فأخرجهما مما كانا فيه} ### || CHECK معنى قوله تعالى: {فأزلهما} # ابن الأثير في "النهاية": وفي حديث الطفيل بن عمرو، وأنا أتهبط إليهم من ~~الثنية، معناه: أنحدر، ففسر الهبوط بالانحدار. والحاصل: أن أدلة الجانبين ~~متعارضة، وأرجحها أنها كانت في الأرض، والله أعلم. # ولما كان السياق لبيان شؤم المخالفة وبركة التوبة، بين أنهما أسرعا ~~المواقعة بقضية خلقهما على طبائع الشهوة لما نهيا عنه، فقال: # {فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض ~~عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين (36)}. # فقوله: {فأزلهما} مأخوذ من الزلل، وهو: تزلق الشيء الذي لا يستمسك فيه، ~~فالمعنى: أنه زلقهما ms139 عن المكان الذي كان، كما يتزلق الطل المجتمع على ~~الأوراق والأزهار في الصباح. أو المعنى: أزالهما وهو مأخوذ من الزوال، وهو ~~التنحية من المكان أو المكانة، ومنه يقال: زل الرجل في دينه إذا هفا فيه ~~وأخطأ، فأتى ما ليس له إتيانه فيه، وأزله غيره، إذا سبب له ما يزل من أجله ~~في دينه ودنياه، ولذلك أضاف تعالى إلى إبليس خروج آدم وزوجته من الجنة، ~~فقال: {فأخرجهما}، يعني الشيطان، {مما كانا فيه}، لأنه الذي سبب لهما ~~الخطيئة التي عاقبهما الله عليها، فأخرجهما من الجنة التي هي مكان النعمة ~~التي أنعم تعالى بها عليهما، وفي الآية إشارة دقيقة حيث نسب إلى الشيطان ~~أنه المتسبب بالذنب، وهي أن الله عز وجل يعطي عباده الخير بواسطة وبلا ~~واسطة، كما أعطى الله آدم وزوجته الجنة بلا واسطة، ولا ينالهم شر إلا ~~بواسطة نفس، كما وقع لإبليس من الإباء عن السجود، فكانت خطيئته من ذات ~~نفسه، أو بواسطة شيطان من الجن والإنس، كما وقع لآدم عليه السلام، فكانت ~~خطيئته ليست من ذات نفسه، ولكنها كانت عارضة عليه من قبل عدو، تسبب له ~~بأدنى ما منه، من زوجته التي هي من أدنى خلقه، فمحت التوبة الذنب العارض ~~لآدم، وأما الشيطان، فإنه لما كان ذنبه النفساني ثبت على الإصرار. وأنت إذا ~~تأملت ذلك تبين لك موقع قوله تعالى: {فأزلهما}، لأن الزلل لا يكون إلا هفوة ~~ولا يلبث صاحبه أن يفيء فيرجع، وأما المتعمد المستكبر فلا يرجع عن هفوته بل ~~يبقى مصرا عليها، وإنما قال تعالى: PageV01P177 ### || CHECK وجوب الرجوع إلى تفسير العلامة ابن كثير ### || CHECK الكلام حول عصمة الأنبياء ### || CHECK فائدة في الفرق بين "إبليس" و"شيطان" # {فأزلهما الشيطان}، ولم يقل: فأزلهما إبليس، لأن الشيطان يشير إلى معنى ~~الشيطنة، وهي تدل على البعد والسرعة، التي تقبل التلافي والرجوع، فأشار إلى ~~أنه لا بد من رجوع آدم، وأما لفظ "إبليس" فإنه يشير إلى معنى الإبلاس، ولما ~~كان هذا المعنى يلوح بقطع الرجاء، لم يكن ذكره من البلاغة على ما يرام. # وهنا ms140 مجال طويل، قد أطال علماء التوحيد وغيرهم البحث فيه، وهو الكلام على ~~عصمة الأنبياء، ولنذكر خلاصته، لأن الكتب مشحونة بما يغنينا عن الإطالة، ~~وذلك أن الأدلة العقلية والنقلية، قد قامت على أن الأنبياء لم يصدر عنهم ~~الذنب حال النبوة البتة، لا الكبيرة ولا الصغيرة، لأننا نعلم ببديهة العقل، ~~أنه لا شيء أقبح من نبي رفع الله درجته، وائتمنه على وحيه، وجعله خليفة في ~~عباده وبلاده يسمع ربه يناديه: لا تفعل كذا، فيقدم عليه، ترجيحا للذاته، ~~وغير ملتفت إلى نهي ربه ولا منزجر بوعيده. # هذا معلوم القبح بالضرورة، ولذلك كاد العلماء أن يتفقوا على أن ما صدر من ~~آدم عليه السلام من الأكل من الشجرة، إنما كان قبل أن ينبأ بلا شك، لأن ~~نبوته حينئذ، لو كانت لكان إرساله عبثا وقتئذ، لأنه لم يكن من يرسل إليه، ~~على أننا لو تأملنا حقيقة الأمر، لوجدنا أن آدم لم يفعل ما فعل إلا ناسيا ~~كما قال: {ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما (115)} [طه: ~~115] (¬1). ولم يكن ما فعله اغترارا بقول إبليس، لأنه كان يعلم تمرده عن ~~السجود، وكونه مبغضا له، وحاسدا له على ما آتاه الله من النعم، وقد قال ~~الله له: {إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى (117)} [طه: ~~117]، وهذا يدل على ما قلناه. # وأيضا لو كان إقدام آدم على الأكل من الشجرة اتباعا لإغواء إبليس، لكانت PageV01P178 ### || CHECK مقالات المفسرين المقتبسة عن أهل الكتاب حول دخول إبليس الجنة # معصيته في اتباعه أعظم من الأكل من الشجرة، لأن قوله له ولزوجته: {ما ~~نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين (20)} ~~[الأعراف: 20]، فيه إلقاء سوء الظن إليهما، ودعاؤهما إلى ترك التسليم بأمره ~~والرضاء بحكمه، وإلى أن يعتقدا فيه كون إبليس ناصحا لهما وأن الرب تعالى قد ~~غشهما، ولاشك أن هذه الأشياء أعظم من الأكل من الشجرة، وهي توجب أن تكون ~~المعاتبة أشد، فلما لم يكن الأمر كذلك ثبت الادعاء المتقدم، على أنه ms141 ليس في ~~الآية أنهما أقدما على ذلك الفعل، عند ذلك الكلام أو بعده. # هذا وأما صدور المعصية من الأنبياء قبل النبوة فمختلف فيه، وأيا ما كان، ~~فإن ما فعله آدم كان صغيرة في الظاهر، ومطابقا للحكمة الإلهية في الباطن، ~~لأن الله لم يخلقه لأن يكون في الجنة، بدليل قوله تعالى للملائكة: {إني ~~جاعل في الأرض خليفة} ولم يقل: في الجنة، ولأكثر المفسرين في هذا المقام ~~مقالات اقتبسوها عن أهل الكتاب، وأكثرها من كلام وهب بن منبه اليماني، ~~والسدي، وأضرابهما، والغالب أنها تأتي مرفوعة إلى ابن عباس رضي الله عنه ~~على أن روايتها لا تصح أصلا، ولا تنطبق على معاني كتاب الله تعالى، فيجب ~~إطراحها وعدم اعتبارها ولنذكر نموذجا منها ليعلم الباقي: وهو أن القصاص ~~يروون عن وهب بن منبه، والسدي عن ابن عباس وغيره: أنه لما أراد إبليس أن ~~يدخل الجنة منعته الخزنة، فأتى الحية وهي دابة لها أربع قوائم كأنها ~~البختية (¬1)، وهي كأحسن الدواب، بعدما عرض نفسه على سائر الحيوانات فما ~~قبله واحد منها، فابتلعته الحية وأدخلته خفية من الخزنة، فلما دخلت الحية ~~الجنة خرج إبليس واشتغل بالوسوسة، فلا جرم لعنت الحية، وسقطت قوائمها، ~~وصارت تمشي على بطنها، وجعل رزقها في التراب، وصارت عدوا لبني آدم. # واعلم أن هذا القول فاسد من وجوه ذكرها الإمام الرازي في تفسيره: منها أن ~~إبليس لو قدر على الدخول في فم الحية، فلم لم يقدر على أن يجعل نفسه حية PageV01P179 ### || CHECK معنى الهبوط في قوله تعالى: "وقلنا اهبطوا منها" # ثم يدخل الجنة؟ ولأنه لما فعل ذلك بالحية فلم عوقبت الحية مع أنها ليست ~~بعاقلة ولا مكلفة؟ وبعضهم لما علم فساد هذا القول احتال لإثباته فقال: إن ~~إبليس كان في الأرض، وأوصل الوسوسة إليهما في السماء، وهذا قول من لم يعرف ~~اللغة العربية، لأن الوسوسة كلام خفي، والكلام الخفي لا يمكنه إيصاله من ~~الأرض إلى السماء، هذا وإن ابن عباس رضي الله عنه، هو إمام التفسير، وحاشاه ~~أن يصح عنه جميع ما نسب إليه، ms142 وما ذلك إلا أن المبتدعة أرادوا أن يروجوا ~~مذاهبهم بنسبتها إليه، وقد أخرج ابن عساكر (¬1) في تاريخه، في ترجمة [بشير] ~~بن كعب العدوي البصري، أنه أتى ابن عباس، فجعل يحدثه، ويقول: قال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -، وابن عباس لا يلقي إليه مسمعه، ولا ينظر إليه، ~~فقال له: يا ابن عباس ما لي أراك لا تصغي لحديثي، فقال له: كنا إذا سمعنا ~~رجلا يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتدرته أبصارنا، وأصغينا ~~إليه بآذننا، فلما ركب الناس الصعبة والذلول، لم نأخذ من الناس إلا ما ~~نعرف. فمثل ابن عباس، لا يصدق عنه تلك المفتريات التي افتراها عليه القصاص ~~وأرباب الجهالة. # وأما قوله تعالى: {قلنا اهبطوا منها} [البقرة: 38] فهو خطاب لآدم وحواء، ~~وأتى بضمير الجمع لأنه أقامهما مقام الذرية، ولما كانا أصل الذرية، جعل ~~الهبوط لهما ولذريتهما، بدليل قوله تعالى: {اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض ~~عدو} [طه: 123] ويدل على ذلك قوله تعالى: {فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا ~~هم يحزنون (38) والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها ~~خالدون (39)} [البقرة] وما هو إلا حكم يعم الناس. واختلف الناس في معنى ~~الهبوط هنا، فمن قال: إن جنة آدم كانت في السماء، فسره بالنزول من العلو ~~إلى الأسفل، ومن قال: إنها كانت في الأرض، فسره بالتحول من موضع إلى غيره، ~~كقوله: {اهبطوا مصرا} [البقرة: 61]. # وقوله: {بعضكم لبعض عدو} معناه: ما عليه الناس من التعادي والتباغى، PageV01P180 ### || CHECK حكمة إهباط آدم - عليه السلام - إلى الدنيا ### || CHECK المقصود من قوله تعالى: {ومتاع إلى حين} # وتضليل بعضهم لبعض، وليست هذه هي العداوة، المأمور بها في قوله تعالى: ~~{إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا} [فاطر: 6] لأن هذا مأمور به، وذلك غير ~~داخل في الأمر، بل المراد اهبطوا وسيكون حالكم أن بعضكم لبعض عدو، ولأن ~~عالم التضاد والتنافس، ليس كعالم الأنوار الذي لا تعاند فيه ولا تمانع، ~~{ولكم في الأرض مستقر} أي: استقرار، أو موضع استقرار حالتي الحياة والموت، ~~{ومتاع} أي: تمتع بالعيش؛ {إلى ms143 حين} هو يوم القيامة، أو حين انقضاء آجالكم، ~~والحين: المدة سواء كانت طويلة أو قصيرة، وفي لفظ المتاع إشعار بانقطاع ~~الإمتاع بما في هذه الدنيا، ونقص ما به الانتفاع عما كانا فيه، لأن المتاع ~~أطلق في لسان العرب على الجيفة، التي هي متاع المضطر، وأرزاق سباع الحيوان ~~وكلابها، فكذلك الدنيا هي جيفة متع بها أهل الاضطرار بالهبوط من الجنة ~~وجعلها حظ من لا خلاق له في الآخرة، وهذا منزع الحكماء والصوفية من هذه ~~الآية، وقال كثير من المفسرين: ولكم في الأرض منازل ومساكن تستقرون فيها، ~~وتستمتعون بها، وبما جعلت لكم فيها من المعاش والرياش، والدين والملاذ، ~~وبما أعطيتكم على ظهرها أيام حياتكم ومن بعد وفاتكم، لأرماسكم وأجداثكم، ~~تدفنون فيها، وتبلغون باستمتاعكم بها إلى أن أبدلكم بها غيرها. وهذا منزع ~~علماء العمران من هذه الآية، ولكل من الفريقين ملحظ، فالأول نظر إلى ~~المحاكمة ما بين نعيم الجنة ونعيم الدنيا، فحق له أن يقول ما قال، والثاني ~~نظر إلى محض الوجود في الدنيا، فقال ما قال، وكلا القولين تشهد لهما الآيات ~~البينات. # وأما الحكمة في إهباط آدم إلى الدنيا، فقد أطال الحكماء في بيانها، ~~ولنلخص أقواها وأقربها إلى العقل والنقل فنقول: إنما أهبطه ليظهر له مقابلة ~~الضد بالضد، فجعله أولا في دار النعيم، ثم نقله إلى دار النصب، والهموم، ~~والأوصاب، ليعرف قدر الجنة إذا عاد إليها، وأردف وجوده في الدنيا بالتكاليف ~~للابتلاء والاختبار، ليجعل المطيع كالسبيكة إذا أدخلت محل التخليص، فترجع ~~صافية لا دنس فيها، ولا شيء مما يخالط معدنها بها، فمن ثم جعل في ولد آدم PageV01P181 # الأنبياء والرسل، والأصفياء، وأيضا لما كان آدم مخلوقا من ماء وطين، وكان ~~هذان العنصران أصل المعادن، وهي منوعة إلى أنواع شتى، منها العالي في ~~جوهره، ومنها السافل، وكانت الجنة لا تتفق مع عموم عناصر المعادن، لا جرم، ~~جعل آدم بها أولا ليعلمه أن ليس يستحقها إلا من كان عنصره على مثل عنصره، ~~وأن ذريته ستصل إلى أنواع المعادن الكامنة به، فمنها ما تقبله هذه الدار، ms144 ~~ومنها ما لا تقبله، فأخرجه إلى الدنيا، وأنشأ منه ذريته فخرجوا على أنحاء ~~شتى، وابتلاهم بالتكاليف ليمتاز أهل دار النعيم، من أهل دار الجحيم، ~~وليتأهل كل فرد منهم إلى قابليته، كما يدل على هذا قوله صلى الله عليه ~~وسلم: "اعملوا فكل ميسر لما خلق له" (¬1) وقوله: "الناس معادن كمعادن الذهب ~~والفضة خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا" (¬2) وأيضا فإنه ~~تعالى وصف نفسه بصفاته العليا، وأسمائه الحسنى التي منها التواب، والغفار، ~~والمنتقم، والجبار، ولا بد من جريان هذه الصفات، ولو بقي آدم وذريته في ~~الجنة لما ظهر أثر كثير منها، فكان من الحكمة إهباطه إلى الأرض، وتكليفه هو ~~وذريته بالتكاليف، ليظهر دور كل اسم من أسمائه تعالى، فيغفر لمن يشاء، ويعز ~~من يشاء، ويذل من يشاء، إلى غير ذلك من مظاهر أثر الأسماء والصفات، ولما ~~كان هذا التدبير والتصرف الإلهي، تارة يكون شهودا ومحله الجنة، وتارة يكون ~~غيبا ومحله دار التكليف، وكان الإيمان بالغيب أظهر للعبودية، والإذعان ~~لتصرفات الربوبية، لا جرم جعل آدم وذريته في الأرض ليعلو قدر المطيع منهم ~~بالإيمان بالغيب، وهو الإيمان النافع بخلاف إيمان الشهادة فإنه غير نافع، ~~ولذلك كان الإيمان في الآخرة عند معاينة الجنة والنار لا يفيد شيئا، ولهذا ~~صدر هذه السورة بقوله: {الذين يؤمنون بالغيب} ثم ذكر بعد كثير من الآيات، ~~إهباط آدم إلى الأرض، فكأنه يشير إلى الحكمة من إهباطه، قبل ذكر قصته، وأنت ~~إذا تأملت من أول السورة إلى هنا، لاح لك الدليل على جميع ما ذكرناه، وعلمت ~~الأصناف التي يمكن لجواهرها أن تكون عامرة للجنة، والتي لا PageV01P182 ### || CHECK الدعاء الذي ألهم آدم - عليه السلام - الدعاء به ### || CHECK الحكمة في نهي آدم - عليه السلام - عن الأكل من الشجرة # يمكن لجواهرها أن تكون كذلك. اللهم فقهنا في الدين وألهمنا أسرار كتابك ~~المنزل. # ومن حكمة الإهباط أيضا، إقامة الحجة على الملائكة القائلين: {أتجعل فيها ~~من يفسد فيها}، حيث عمموا في المقال، فأهبطه إلى الأرض ليكون من ذريته ~~الأنبياء والرسل، والعباد المخلصون، وسلط إبليس، ms145 فلم يكن له بهم يد، وليميز ~~أيضا بين العدو الألد الذي هو إبليس، وبين صفيه، ليبين أن صفيه المطيع له ~~لا يثنيه عنه وسوسة، ولا مداخلة عدو، وأن المتلبس يظهر عداوته بأدنى أمر ونهي. # هذا ولما تسبب عن جزاء آدم عليه السلام بالإهباط الذي هو كفارة له، أنه ~~ألهم الدعاء بما رحم به، عبر عن ذلك بقوله: # {فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم (37)}. # ومن الحكمة في نهي آدم عن الأكل من الشجرة، ثم إقدامه على الأكل منها، ~~التعليم والإرشاد، لأن الذنب يوجب لصاحبه التيقظ والتحرز من مصائد عدوه ~~ومكامنه، ومن أين يدخل عليه اللصوص والقطاع ومكامنهم، ومن أين يخرجون عليه ~~وفي أي وقت يخرجون، فهو قد استعد لهم وتأهب، وعرف بماذا يستدفع شرهم ~~وكيدهم، فلو أنه مر عليهم على غرة وطمأنينة، لم يأمن أن يظفروا به ويجتاحوه ~~جملة، وأيضا فإن القلب يكون ذاهلا عن عدوه، معرضا عنه مشتغلا ببعض مهماته، ~~فإذا أصابه سهم من عدوه، استجمع له قوته وحاسته وحميته، وطلب بثأره إن كان ~~قلبه حرا كريما كالرجل الشجاع إذا جرح فإنه لا يقوم له شيء، بل تراه بعدها ~~هائجا طالبا مقداما، والقلب الجبان المهين إذا جرح كالرجل الضعيف المهين ~~إذا جرح، ولى هاربا والجراحات في أكتافه، وكذلك الأسد إذا جرح فإنه لا ~~يطاق، فلا خير فيمن لا مروءة له، يطلب أخذ ثأره من أعدى عدوه، فلا شيء أشفى ~~للقلب من أخذه بثأره من عدوه، ولا عدو أعدى له من الشيطان، فإن كان قلبه من ~~قلوب الرجال المتسابقين في حلبة المجد، جد في أخذ الثأر، وغاظ عدوه كل ~~الغيظ، وأضناه، فآدم لما علم بتسلط عدوه عليه، وكيده له، PageV01P183 ### || CHECK مذاهب المفسرين حول تفسير الكلمات التي تلقاها آدم - عليه السلام - من ربه # غاظه بالالتجاء إلى الله تعالى، وقطع عليه طريق مداخلته بينه وبين مولاه، ~~فقبله وأقبل عليه، فتلقى من ربه كلمات استقبلها بالأخذ والقبول، والعمل بها ~~حين علمها، {فتاب عليه} فرجع عليه بالرحمة والقبول، وأخذت بيده ms146 محنته إلى ~~الاصطفاء والاجتباء، والتوبة والهداية، ورفعة المنزلة، ولولا تلك المحنة ~~التي جرت عليه، وهي إخراجه من الجنة وتوابع ذلك، لما وصل إلى ما وصل إليه، ~~فكم بين حالته الأولى وحالته الثانية في نهايته. # ثم إن للمفسرين مذاهب شتى في الكلمات التى تلقاها آدم، وأحسن ما يقال: ~~تفسير القرآن بالقرآن، وهو: أن الله أخبر عن آدم وحواء بأنهما: {قالا ربنا ~~ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين (23)} [الأعراف] ~~وهو قول قتادة وأبي العالية، ومجاهد، وما سوى هذا القول ليس بمدفوع، ولكنه ~~قول لا شاهد عليه من حجة يجب التسليم لها، فيجوز لنا إضافته إلى آدم، وأنه ~~مما تلقاه من ربه عند إنابته إليه من ذنبه، كما أشار إلى ذلك ابن جرير ~~الطبري. # وهذه القصة تعريف منه تعالى جميع المخاطبين بكتابه، كيفية التوبة إليه من ~~الذنوب، وتنبيه للمخاطبين، بقوله: {كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم} ~~[البقرة: 28] على موضع التوبة مما هم عليه من الكفر بالله وأن خلاصهم مما ~~هم عليه مقيمون من الضلالة، نظير خلاص أبيهم آدم من خطيئته، مع تذكيره ~~إياهم بالسالف إليهم من النعم التي خص بها أباهم آدم وغيره من آبائهم، و ~~{التواب} هو: البليغ التوبة المكرر لها. # ولما كان قد جعل على نفسه أن يتفضل على المحسن قال: {الرحيم}، أي: لمن ~~أحسن الرجوع إليه، وأهله لقربه. # ثم إنهم لما أعلموا بالعداوة اللازمة، كان كأنه قيل: فما وجه الخلاص ~~منها؟ فقيل: اتباع شرعنا، والشروع بالتوبة والرحمة فإننا: PageV01P184 ### || CHECK الإشارات المستخلصة من قوله تبارك وتعالى: {قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى .. } الآية # {قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون (38)}. # لما كان الهبوط المذكور في الآية المتقدمة، يحتمل أن يكون من مكان من ~~الجنة إلى أدنى منه، ولم يخرجوا منها، كرره هنا للتأكيد لشؤم المعصية، ~~وتبشيعا لها، وأتى بلفظ {جميعا} ليدل على معنى: لا يتخلف منكم أحد، سواء ~~كان ذلك في آن واحد، أو على ms147 التعاقب، وأيضا كرره لما نيط به من زيادة قوله: ~~{فإما يأتينكم}، أي وعهدنا إليهم عند الهبوط إلى دار التكليف، أنا نأتيهم ~~بالهدى ليؤديهم إلى الجنة مرة أخرى، واعدين من اتبع، متوعدين من امتنع، ~~فقلنا: {فإما يأتينكم مني هدى} برسول أبعثه إليكم، وكتاب أنزله عليكم، {فمن ~~تبع} أدنى اتباع يعتد به، وسعى أثر علم الهدى، {فلا خوف عليهم} من شيء آت، ~~فإن الخوف اضطراب النفس من توقع فعل ضار، {ولا هم يحزنون} على شيء فات، ~~لأنهم ينجون من النار ويدخلون الجنة، والحزن: توجع القلب لأجل نازح قد كان ~~في الوصلة به روح، والقرب منه راحة، وهو معنى قول الصحاح، الحزن خلاف ~~السرور، وفي الآية إشارات: # أولاها: أن في قوله {جميعا} إشعارا بكثرة ذرية الخلقين من آدم وإبليس. ~~وكثرة الأحداث في أمر الديانة من الثقلين، كما وقع من أن كل فئة انتحلت ~~نحلة وابتدعت بدعة. # ثانيها: أن الهدى الذي هو البيان، لا يستلزم الاهتداء، بل لا بد أن يكون ~~مشفوعا بالاتباع، كما أن القول لا يفيد شيئا ما لم يكون مقرونا بالعمل. # ثالثها: أنه قال تعالى: {فمن تبع هداي} فأضاف الهدى إلى نفسه، إشارة إلى ~~أن كل ما هو في صورة هدى، ولم يكن مأخذه من الوحي المنزل على الأنبياء لا ~~يسمى هدى، ولا ينفي عن صاحبه الخوف والحزن يوم القيامة، وإذا كان من طريق ~~العقل، فشرطه أن يوافق ما أتت به الرسل، ومن ثم قال العارف "عمر السهروردي" ~~في كتابه "رشف النصائح الإيمانية": العقل حجة الله الباطنة، والقرآن حجته ~~الظاهرة. وحكى الرازي عن القاضي: أنه استدل بهذه الآية على إبطال التقليد، ~~لأن المقلد لا يكون متبعا للهدى، انتهى. PageV01P185 ### || CHECK المقصود ب {الذين كفروا وكذبوا بآياتنا} # وبيانه: أن الله تعالى قال: {فمن تبع هداي}، أي: الهدى المنسوب إلي، ولا ~~نزاع في أن المقلد تابع لمن قلده لا يدري سوى هداه، ولا يعرف سوى طريقه فهو ~~كالأعمى الذي يسيره قائده كيفما شاء. # ولما وعد الله متبع الهدى بالأمن من العذاب والحزن، عقبه بذكر ms148 من أعد له ~~العذاب الدائم فقال: # {والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (39)}. # {الذين كفروا} هم: الذين لم ينظروا في بديع صنع الله تعالى فيستدلوا به ~~على وجود بارئهم، ولم يروا الآيات التي جعلها الله علما على غيب عهده، وهي ~~جميع ما تدركه الحواس من السماء والأرض وما بينهما، لأن الحق تعالى أظهر ~~الكون كتابة دالة على أمره، وجعل في العقل نورا يقرأ به كتابه، فمن لا نور ~~له فهو من أصحاب النار، أوجد تعالى الأشياء وخصائصها، وعلم الإنسان ما لم ~~يعلم، من خصائص المعادن والنبات والحيوان، وعلمه أسرارها وعجائبها، ونبهه ~~إلى سير النجوم وحركاتها، وأنار له (¬1) بها طريق الهدى، فمن عمي عنها رجع ~~من النور إلى الظلمة، فكفر بالله وجحد وجوده، ونسب الفعل إلى الطبيعة، ومن ~~تبع ذلك الهدى ازداد علما بتلك الآيات، ومعرفة بوجودها فاهتدى، ضل الأولون ~~ولو تدبروا لازدادوا إيمانا بالخالق، و {وكذبوا} بآيات الله تعالى فنسبوها ~~إلى الطبيعة كما ينسب عباد الشمس الفعل إليها، فجمعوا بالكفر والتكذيب بين ~~أفكار القلوب والألسنة، ف {أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}، في الدنيا ~~وفي الآخرة، أما في الدنيا فهم في الغم والحزن واليأس، وفيما يحرق بواطنهم، ~~لكنهم لم يحسوا بذلك لاشتغالهم بما يمنعهم عن الإحساس، فإذا ماتوا صار ذلك ~~الغيب شهادة. # ولما أقام سبحانه دلائل التوحيد والنبوة والمعاد أولا، وعقبها بذكر ~~الإنعامات العامة داعيا للناس عامة، لا سيما بني إسماعيل الذين هم قوم ~~الداعي، وكان أحق من دعي بعد الأقارب وأولاه بالتقديم، أهل الدين والعلم، ~~كانوا على PageV01P186 ### || CHECK معنى قوله تعالى: {اذكروا نعمتي} والعهد الذي أخذه عليهم ### || CHECK من هو إسرائيل # حق فزاغوا عنه، ولا سيما إن كانت لهم قرابة، لأنهم جديرون بالمبادرة إلى ~~الإجابة بأدنى بيان، وأيسر تذكير، فإن رجعوا اقتدى بهم الجاهل فسهل أمره، ~~وانحسم سره، وإن لم يرجعوا طال جدالهم، فبان للجاهل ضلالهم، فكان جديرا ~~بالرجوع والكف عن غيه، والنزوع، وعرفت من تمادي الكلام معهم الأحكام، وبان ~~الحلال من الحرام. # فلذلك لما فرغ ms149 من دعوة العرب الجامعة لغيرهم باختصار، وختم، بأن وعد ~~باتباع الهدى، وتوعد، شرع سبحانه يحض العلماء من المنافقين بالذكر، وهم من ~~كان أظهر الإسلام من أهل الكتاب، على وجه استلزم عموم المصارحين منهم ~~بالكفر، إذ كانوا من أعظم من خص بإتيان ما أشير إليه من الهدى والبيان، بما ~~فيه الشفاء، وكان كتابهم المشتمل على الهدى، من أعظم الكتب وأشهرها ~~وأجمعها، فقص عليهم ما مثله يلين الحديد، ويخشع الجلاميد، فقال تعالى مذكرا ~~لهم بنعمه الخاصة بهم: # {يابني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم ~~وإياي فارهبون (40)}. # وقد نظم هذه المناسبة في نظم الدرر من يناسب الآيات والسور، وأنت إذا ~~تأملت القرآن الكريم، ورأيته يخاطب المشركين واليهود والنصارى، وكل من اتخذ ~~معبودا غير الله تعالى، ويخاطب المؤمنين بوجه خاص، تجلى لك البرهان بعموم ~~رسالة من أنزل عليه، فكن لهذا السر حافظا، وأمعن النظر فيه تزداد إيمانا وهدى. # و{إسرائيل}: هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، عليهم السلام، فكأنه تعالى ~~يقول: يا بني يعقوب الذي شرفته وشرفت بنيه من أجله، {اذكروا نعمتي التي ~~أنعمت عليكم}، واذكروا: مأخوذ من الذكر بالكسر والضم وهما بمعنى واحد عند ~~كثير من النحويين، وكلاهما يكون باللسان وبالقلب، وفرق الكسائي بينهما ~~فقال: ما كان بكسر الذال فهو الذكر باللسان، وما كان بالضم فهو الذكر ~~بالقلب، والذي بالقلب ضده: النسيان، والذي باللسان ضده: الصمت. وقد أمرهم ~~تعالى أن لا يتركوا شكر النعمة، وأن يعتدوا بها ويستعظموها، وأن PageV01P187 # يستحضروا منها ما سبقه النسيان، ويطيعوا من أعطاهم إياها، وأراد بالنعمة ~~هنا: ما أنعم به على آبائهم، مما عدده سبحانه وتعالى في الآيات الآتية, ومن ~~غير هذه السورة، وما أنعم به عليهم من إدراك بعثة محمد - صلى الله عليه ~~وسلم -، المبشر به في التوراة والإنجيل، والنعمة هي: أن ينال الشخص ما ~~يوافقه ظاهرا من أهله وحشمه، أو ظاهرا وباطنا، والباطنة نعمة التوحيد، ~~والعلم والمعرفة، والعقل وجودة الرأي. # وقوله تعالى: {وأوفوا بعهدي}، أي: أوفوا بما عاهدتموني عليه من أنكم ~~تؤمنون بي، وتطيعونني ms150 فيما آمركم به، {أوف} لكم بما عاهدتكم عليه من حسن ~~الثواب على حسناتكم. ولعل أحدا يفكر في أن ما هنا يعارض قوله تعالى: {وإن ~~تعدوا نعمت الله لا تحصوها} [إبراهيم: 34 , النحل: 18] فيقول: إذا كانت ~~النعم منه تعالى غير متناهية، فكيف أمرهم تعالى بذكرها، والذكر لا يكون إلا ~~لشيء محصور؟ فنقول له: إن النعم غير متناهية بأفرادها لا بأجناسها، والنعمة ~~جنسها واحد، وهو: نيل الشخص ما يوافقه ظاهرا وباطنا، والمأمور به أن ~~يتذكروا كل ما كان خيرا ناله أسلافهم أو وصل إليهم، ويعتقدوا بأنه صار من ~~فضل الله تعالى. ولعل المراد من العهد هنا، عهد الله ووصيته الذي أخذه على ~~بني إسرائيل في التوراة، أن يبينوا للناس أمر محمد - صلى الله عليه وسلم -، ~~الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل، أنه نبي الله، وأن يؤمنوا ~~به وبما جاء به من عند الله تعالى، وهذا القول هو الصواب، لأن التوراة قد ~~نسخت بنبوة محمد - صلى الله عليه وسلم -، ولم يبق شيء منها، يطالبهم الله ~~بالوفاء به، وبالعمل بما فيه، إلا هذا الأصل العظيم، وقد أخذ تعالى عهدهم ~~وميثاقهم بأن يؤمنوا به، فإذا وفوا بهذا العهد أنجز لهم ما وعدهم عليه ~~بتصديقه واتباعه، بوضع ما كان عليهم من الإصر والأغلال التي كانت في ~~أعناقهم، بذنوبهم التي كانت من إحداثهم، وهذا معنى ما روي عن ابن عباس في ~~هذا الموضع، والآيات القرآنية تدل عليه, كما قال تعالى: {الذين يتبعون ~~الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل} ~~[الأعراف: 157] ويدل عليه أيضا الآية التي بعد هذه. وقوله تعالى: {وإياي ~~فارهبون} معناه: وإياي فاخشوني واتقوني لا غيري، أيها المضيعون عهدي من بني ~~إسرائيل، PageV01P188 ### || CHECK محاجة الله تعالى لبني إسرائيل # والمكذبون رسولي الذي أخذت ميثاقكم فيما أنزلت من الكتب على أنبيائي أن ~~تؤمنوا به وتتبعوه، [و] أن أحل بكم من عقوبتي، إن لم تنيبوا وتتوبوا إلي ~~باتباعه، والإقرار بما أنزلت إليه، ما أحللت بمن خالف أمري، وكذب رسلي من ~~أسلافكم. # وقد أطال سبحانه وتعالى ms151 في حجاجهم، جريا على قانون النظر في جدال العالم ~~الجاحد، وخطاب المنكر المعاند. # وفي قوله تعالى: # {وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به ولا تشتروا ~~بآياتي ثمنا قليلا وإياي فاتقون (41)}. # تقرير لقوله تعالى: {ذلك الكتاب لا ريب فيه}، وقد أمروا بتجديد الإيمان ~~بالقرآن، لما فيه من الإخبار بأمور من المغيبات التي لم تكن في كتابهم، ~~كتأصيل أمور الآخرة التي استوفاها القرآن، لأنه خاتم ليس وراءه كتاب ينتظر ~~فيه بيان، وقد أبقى الله لكل كتاب قبله بقية، أحيل فيها على ما بعده ~~ليتنامى البيان إلى غاية ما أنزل به القرآن، حين لم يعهد إليهم إلا في أصله ~~على الجملة. # وفي قوله: {ولا تكونوا أول كافر به}، معنى دقيق في تبكيتهم، وأمر جليل من ~~تعنيفهم، وذلك أن لفظ {أول} ليس المراد به معناه الحقيقي المتبادر إلى ~~الذهن، فإن العرب كثيرا ما تطلق الأول ولا تريد حقيقته، بل تريد المبالغة ~~في السبق، ومعناه هنا: ولا تكونوا أول من كفر به، أو: أول فريق أو فوج كافر ~~به، أو: لا يكن كل واحد منكم أول كافر به، وهذا تعريض بأنه كان يجب أن ~~يكونوا أول من يؤمن به، لمعرفتهم به وبصفته، ولأنهم كانوا المبشرين بزمانه، ~~والمستفتحين على الذين كفروا به، وكانوا يعدون أنفسهم من أتباعه، أول الناس ~~كلهم، فلما بعث كان أمرهم بصحته في غاية اللجاجة، فكان عملهم في كفرهم، وإن ~~تأخر عمل من يسابق شخصا إلى شيء، وأيضا إنه لم يمنعهم من الإيمان به PageV01P189 ### || CHECK مبحث في فصول من التوراة تلزم اليهود بالإقرار بنبوة سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - # جهل بالنظر، ولا عدم اطلاع على ما أتى به أنبياؤهم من البشارة به، بل ~~إنما كان ذلك لمجرد الحسد للعرب أن يكون منهم نبي، المستلزم لحسد هذا النبي ~~بعينه، لأن الحكم على الأعم، يستلزم الحكم على الأخص بما هو أفراد الأعم، ~~فصارت رتبة كفرهم قبل رتبة كفر العرب، فكان أهل الكتاب أول كافر به، لا ~~يمكن أن يقع كفرهم ms152 إلا على هذا الوجه، الذي هو أقبح الوجوه. فالمعنى: لا ~~تكفروا به فإنه إن وقع منكم كفر به، كان أول كفر، لأن رتبته أول رتب الكفر ~~الواقع ممن سواكم، فكنتم أول كافر فوقعتم في أقبح وجوه الكفر، ولذا أفرد ~~ولم يقل كافرين، كما أشار إلى ذلك في "نظم الدرر". # وقرأت في كتاب "بذل المجهود في إقناع اليهود" (¬1) للحكيم السموأل بن ~~يهوذا، فصولا بها جمل من التوراة تلزم اليهود بالإقرار بنبوة محمد - صلى ~~الله عليه وسلم -، وقد ذكرها بالعبرانية ونقلها إلى العربية، فقال: ذكر ~~الآيات والعلامات التي في التوراة الدالة على نبوة محمد - صلى الله عليه ~~وسلم -، : إنهم لا يقدرون أن يجحدوا هذه الآية من الجزء الثاني من السفر ~~الخامس من التوراة، وهي ما معناه بالعربية: نبيا أقيم لهم من وسط إخوتهم، ~~مثلك به فليؤمنوا، وإنما أشار بهذا إلى أنهم يؤمنون بمحمد - صلى الله عليه ~~وسلم -، فإن قالوا: إنه قال من وسط إخوتهم، وليس من عادة كتابنا أنه يعني ~~بقوله: "إخوتكم" إلا بني إسرائيل، قلنا: بلى قد جاء في التوراة، إخوتكم بني ~~العيص، وذلك في الجزء الأول من السفر الخامس "أحيحيم بني عيسى ووهيوشيم ~~بسيعير" تفسيره: أنتم عابرون في تخوم إخوتكم بني العيص، المقيمون في سيعير، ~~إياكم أن تطمعوا في شيء من أرضهم، فإذا كان بنو العيص إخوة لبني إسرائيل، ~~لأن العيص ولد إسحاق، فكذلك بنو إسماعيل، إخوة لجميع ولد إبراهيم، فإن ~~قالوا: إن هذا القول إنما أشير به إلى شموئيل النبي، لأنه قال من وسط ~~إخوتهم مثلك، وشموئيل إنما كان مثل موسى، لأنه من أولاد "ليوي" يعنون: من ~~السبط الذي كان منه موسى، قلنا لهم: فإن كنتم صادقين فأي حاجة بكم إلى أن ~~يوصيكم PageV01P190 # بشموئيل، وأنتم تقولون: إنه لم يأت بزيادة ولا نسخ، هل أشفق من أن لا ~~تقبلوه، لأنه إنما أرسل ليقوي أيديكم على أهل فلسطين، وليردكم إلى شرع ~~التوراة؟ ومن هذه صفته، فأنتم أسبق الناس إلى الإيمان به، فليس خوفه من ~~تكذيبكم إلا لمن ينسخ مذهبكم، ويغير أوضاع ms153 ديانتكم، فالوصية بالإيمان به ~~مما لا يستغني مثلكم عنه، ولذلك لم يكن بموسى حاجة إلى أن يوصيكم بالإيمان ~~بنبوة "أرميا" و "أشعيا" وغيرهما من الأنبياء، وهذا دليل على أن التوراة ~~أمرتكم بهذا الفصل، بالإيمان بالمصطفى وأتباعه. # ثم قال: في "بذل المجهود" تحت عنوان الإشارة إلى ذكر محمد - صلى الله ~~عليه وسلم -، في التوراة ما حاصله: قال في الجزء الثالث من السفر الأول من ~~التوراة مخاطبا لإبراهيم الخليل: وأما إسماعيل فقد قبلت دعاءك، فإني قد ~~باركت فيه، وأثمره وأكثره جدا جدا، ثم قال في الجزء الثالث من السفر الأول ~~عن التوراة مخاطبا لإبراهيم عليه السلام: "وليشماعيل شمعيتخا هني براختى ~~أوثو وهفريتي أوثو وهر بيتي أوثو بمادماد" # فهذه الكلمة: "بمادماد" إذا عددنا حساب حروفها بالجمل (¬1) بلغت اثنين ~~وتسعين، وذلك عدد حروف اسم محمد، وإنما جعل ملغزا في هذا الموضع لئلا تبدله ~~اليهود، وتسقطه من التوراة، كما صنعوا في غيره. فإن قيل: إن كثيرا من ~~الكلمات في التوراة إذا أخذت حسابها بالجمل بلغت هذا العدد، وهذا دليل على ~~أن عدد هذه الكلمة حصل اتفاقا لا قصدا. قلنا: لا نسلم ذلك لأن هذه الكلمة ~~جاءت في معرض الشرف لإسماعيل عليه السلام، والوعد من الله تعالى لإبراهيم ~~بما يكون من شرف إسماعيل، وليس في التوراة آية ثانية بهذا الصدد حتى يكون ~~لها أسوة بها، وأيضا ليس في التوراة كلمة معناها جدا جدا تساوي أعداد ~~حروفها اسم محمد في العدد الحسابي، فليس بعجيب أن تتضمن الإشارة إلى شرف ~~أولاد إسماعيل، وعظم قدرهم، ورفعة بيتهم. PageV01P191 # وأيضا فإن التوراة ناطقة بالإشارة إلى محمد - صلى الله عليه وسلم -، ففي ~~الفصل العشرين من السفر الخامس ما معناه بالعربية: أن الله تجلى من طور ~~سيناء، وأشرق نوره من سيعير، وطلع في فاران، واليهود يعلمون أن سيناء هو ~~جبل الطور، وأن سيعير هو من جبال الشراة، الذي كان فيه بنو العيص الذين ~~آمنوا بالمسيح، لكنهم لا يعلمون أن فاران هو جبل مكة، وهذا جحود منهم حيث ~~إن التوراة صرحت بتفسيره، حيث قالت ms154 ما معناه: وأقام، يعني إسماعيل، في برية ~~فاران، ذلك قولها: "وييسب بمذبار فاران" وإذا كانت التوراة فيما سبق أشارت ~~إلى نبوة تنزل على جبل فاران، لزم أن تلك النبوة تنزل على ولد إسماعيل، ~~لأنهم سكان ذلك الجبل، وقد علم الناس قاطبة أن المشار إليه بالنبوة من ولد ~~إسماعيل، هو محمد - صلى الله عليه وسلم -، وأنه بعث من مكة التي كان فيها ~~مقام إبراهيم وإسماعيل، فيدل ذلك على أن جبال فاران هي جبال مكة، وأن ~~التوراة أشارت في هذا الموضع إلى نبوة المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، ~~وبشرت به، إلا أن اليهود لجهلهم وضلالهم، لا يحسنون (¬1) الجمع بين هاتين ~~العبارتين من الآيتين، بل يسلمون المقدمتين، ويجحدون النتيجة، وقد شهدت ~~عليهم التوراة بأنهم شعب عادم الرأي، وليس فيهم فطانة فإنها قالت: "كي بمو ~~أو باذ عيصوث هيما وأين باهيم تبونا". # وإذا تاملت قوله تعالى: {والتين والزيتون (1) وطور سينين (2) وهذا البلد ~~الأمين (3)} [التين] تجدها تشير إلى الآية السابقة من التوراة، لأن سيعير ~~كانت محل أشجار التين، والمسجد الأقصى هو مسجد الزيتون، وطور سينين معلوم ~~أنه الذي كلم موسى، والبلد الأمين هو فاران، فحقق ذلك. # ولما نهى الله اليهود عن الكفر بالآيات نهاهم عن الحامل عليه، فقال: {ولا ~~تشتروا}، أي: لا تستبدلوا {بآياتي} التي تعلمونها في الأمر باتباع هذا ~~النبي الكريم {ثمنا قليلا} وهو رئاسة قومكم وما تأخذونه من الملوك وغيرهم، ~~وأشار PageV01P192 ### || CHECK معنى قوله تعالى: {ولا تلبسوا الحق بالباطل} # تعالى بقوله: {قليلا} إلى أن الفاني بأجمعه، قليل بالنسبة إلى اليسير ~~الباقي، {وإياي} خاصة {فاتقون}، أي: اجعلوا لكم وقاية من إنزال غضبي، ~~فالتقوى نتيجة الرهبة، كما أن هذه الأفعال نتيجة ما في الرهبة. # ثم قال تعالى ينهاهم عن تبديل كتابهم المنزل على نبيهم، فقال: # {ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون (42)}. # فقوله: {وآمنوا بما أنزلت}، أمر بترك الكفر والضلال، وقوله: {ولا تلبسوا ~~الحق بالباطل}، أمر بترك الإغواء والإضلال، فالمناسبة بين الآيتين ظاهرة، ~~ولا يخفى أن إضلال الغير ليس له إلا طريقان: # أحدهما: أن ms155 يكون قد سمع دلائل الحق، وهذا هو المشار إليه بقوله تعالى: ~~{ولا تلبسوا الحق بالباطل}. # ثانيهما: أن يكون بحيث لم يسمع شيئا من دلائل الحق، فإضلاله إنما يكون ~~بإخفاء تلك الدلائل عنه، ومنعه من الوصول إليها، وهذا هو المشار إليه بقوله ~~تعالى: {وتكتموا الحق}، والمعنى: ولا تكتبوا في التوراة ما ليس منها، ~~فيختلط الحق المنزل بالباطل، الذي كتبتم، حتى لا يميز بين حقها وباطلكم، ~~فالباء حينئذ صلة. وإن جعلتها للاستعانة، كان المعنى: ولا تجعلوا الحق ~~ملتبسا مشتبها بباطلكم الذي تكتبونه، وكتمانهم الحق أن يقولوا: لا نجد في ~~التوراة صفة محمد - صلى الله عليه وسلم - أو لا نجد حكم كذا، أو يمحوا ذلك ~~ويكتبوه على خلاف ما هو عليه، وأنتم في حال علمكم أنكم لابسون كاتمون، وهو ~~أقبح لهم، لأن الجهل بالقبيح ربما عذر راكبه. # وهذا الخطاب وإن كان واردا في بني إسرائيل، فهو تنبيه لسائر الخلق، ~~وتحذير من مثله، فصار الخطاب وإن كان خاصا في الصورة، لكنه عام في المعنى، ~~وأنت ترى كثيرا من الذين يروجون مقاصدهم يؤولون الأدلة، ويحيلونها إلى وجه ~~بعيد، ويكتمون الحق ويسترونه بالباطل، حتى إذا كانت الأدلة لهم، قاموا في ~~تأييدها ونصرتها، وإن كانت عليهم حرفوها وبدلوها، ونبذوها وراء ظهورهم، ~~فكتموا الحق تارة، ولبسوه بالباطل تارة ثانية. PageV01P193 ### || CHECK المعنى من أمر الله تعالى لبني إسرائيل بقوله جل وعز: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين} # ولما فرغ سبحانه من أمر أهل الكتاب بالإيمان بالله، والنبي والكتاب الذي ~~هو من الهدى الآتي إليهم، المشار إلى ذلك كله بالإيفاء بالعهد عطف بقوله: # {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين (43)}. # أي: حافظوا معاشر اليهود على صلاة المسلمين، وزكاتهم واركعوا مع الراكعين ~~منهم، لأن اليهود لا ركوع في صلاتهم، ولك أن تجعل الركوع هنا بمعنى الخضوع ~~لله بالطاعة، فيكون هذا من الله لمن ذكر من أحبار بني إسرائيل ومنافقيها ~~بالإنابة والتوبة إليه، وبإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والدخول مع المسلمين ~~في الإسلام، والخضوع له بالطاعة، وأما الزكاة فمعناها: التطهير، لأنها ~~تطهير ms156 لما بقي من مال الرجل، وتخليص له من أن تكون فيه مظلمة لأهل السهمان. # ولما أمر علماءهم بما تركوا من معالي الأخلاق، من الإيمان والشرائع، بعد ~~أمرهم بذكر ما خصهم به من النعم، ونهاهم عما ارتكبوا من سفسافها من كفر ~~النعم، ونقض العهود وما تبع ذلك، وكانوا يأمرون غيرهم بما يزعمون أنه ~~تزكية، وينهون عما يدعون أنه تردية، أنكر عليهم ترغيبا فيما ندبهم إليه، ~~وحثهم عليه، وتوبيخا على تركه بقوله: # {أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون (44)}. # فالهمزة للتقرير مع ### || AUTO التوبيخ والتعجب من حالهم # ، و"الأمر" هو: الإلزام بالحكم، و "البر" هو: التوسع في أفعال الخير، وكل ~~طاعة لله تعالى تسمى برا والمعنى: {أتأمرون الناس} بطاعة الله وتتركون ~~{أنفسكم} تعصيه، فهلا تأمرونها بما تأمرون به الناس من طاعة ربكم، وقد ~~عيرهم بذلك، وقبح إليهم قبيح ما أتوا به، ومعنى نسيانهم في هذا الموضع، ~~نظير النسيان الذي قال الله جل ثناؤه: {نسوا الله فنسيهم} [التوبة: 67]، ~~بمعنى: تركوا طاعة الله فتركهم الله. # وقوله: {وأنتم تتلون الكتاب}، تبكيت، مثل قوله: {وأنتم تعلمون}، PageV01P194 ### || CHECK الإرشاد بعد الاستنكار ### || CHECK دليل أن التوراة تأمرهم باتباع سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - # والمعنى: وأنتم تدرسون وتقرؤون التوراة، وفيها الوعيد على الخيانة وترك ~~البر، ومخالفة القول العمل، {أفلا تعقلون} يعني: أفلا تفطنون لقبح ما ~~أقدمتم عليه، حتى يصدكم استقباحه عن ارتكابه، وكأنكم في ذلك مسلوبو العقول، ~~لأن ما أتيتكم به تأباه العقول، وتدفعه. # وقوله: {وأنتم تتلون الكتاب} , أعظم منبه على أن من حكم التوراة اتباعه ~~صلى الله عليه وسلم، ومشير إلى أن المعصية من العالم، أقبح منها إذا صدرت ~~من غيره، وذلك أن من وعظ الناس وأظهر علمه للخلق، ثم لم يتعظ صار ذلك الوعظ ~~سببا لرغبة الناس في المعصية، لأن الناس يقولون: إنه مع هذا العلم لولا أنه ~~مطلع على أنه لا أصل لهذه التخويفات، لما أقدم على المعصية، فيكون هذا ~~داعيا لهم إلى التهاون بالدين، والجرأة، على المعصية. فإذا كان غرض الواعظ ~~الزجر ms157 عن المعصية، ثم أتى بفعل يوجب الجرأة عليها، كان قد جمع بين ~~متناقضين، وذلك لا يليق بأفعال العقلاء. # وأنت خبير بأنه ما قاد الأمة في الأزمان المتأخرة إلى الانحطاط، إلا ~~اتباع علمائهم خطة بني إسرائيل، فتراهم إذا لاح لهم نفع دنيوي تحيلوا له ~~بكل حيلة، ونسوا ما هو مسطور في الكتاب العزيز، وفي سنة الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم -، وإذا لم يكن لهم من أمر نفع دنيوي أقاموا النكير، واحتجوا ~~بالآيات وبالسنن، وأظهروا أنفسهم في مصاف الزاهدين المتقين. # ثم إنه تعالى لما أنكر على بني إسرائيل اتباع الهوى، أرشدهم إلى دوائه ~~بأعظم أخلاق النفس، وأجل أعمال البدن، فقال عاطفا على ما مضى من الأوامر: # {واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين (45) الذين ~~يظنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم إليه راجعون (46)}. # أي: {واستعينوا} على إظهار الحق، والانقياد له {بالصبر} على كل ما كرهته ~~نفوسكم من طاعة الله، وترك معاصيه. وأصل الصبر: منع النفس محابها وكفها عن ~~هواها، فهو ضياء للقلوب تبصر به ما يخفيه عنها الجزع من الخروج عن PageV01P195 ### || CHECK ما يفهم من أمر الله تعالى لبني إسرائيل بالصلاة وهم ينكرونها # العادة، فيما تنزع إليه الأنفس، {و} استعينوا ب {الصلاة} التي هي تواضع ~~للخالق، واشتغال بذكر الله تعالى، فهى الموصلة إلى المقام الأعلى، فإن قيل: ~~كيف أمر بني إسرائيل بالصلاة وهم ينكرونها، ومن أنكر شيئا لا يكاد يقال له: ~~استعن به، قلنا: الجواب من وجهين: # أحدهما: أن المعنى، كان الله يقول لهم: اتركوا الجحود والإباء، عن ~~الإيمان بمحمد - صلى الله عليه وسلم -، {واستعينوا} على ذلك الترك {بالصبر ~~والصلاة}، فإنكم تفلحون حينئذ، فيكون الأمر بالاستعانة أمرا بالإيمان ضمنا. # والثاني: أنا لا نسلم إنكارهم لأصل الصلاة، وإنما حصل الاختلاف في ~~الكيفية، فإن صلاة اليهود واقعة على كيفية ثانية، وإذا كان متعلق الأمر هو ~~الماهية التي هي التواضع للخالق، والاشتغال بذكره الذي هو القدر المشترك، ~~زال الإشكال. # ولهذا يقال: لما أمرهم تعالى بالإيمان، وبترك الإضلال، وبالتزام الشرائع ~~وهي الصلاة والزكاة، وكان ذلك شاقا عليهم ms158 لما فيه من ترك الرياسات، ~~والإعراض عن المال والجاه، لا جرم عالج هذا المرض، فقال: {واستعينوا بالصبر ~~والصلاة وإنها} أي: الصلاة، {لكبيرة} لشاقة ثقيلة {إلا على الخاشعين}، ~~لأنهم يتوقعون ما ادخره الله تعالى للصابرين على متاعبها فتهون عليهم، كما ~~أشار تعالى إلى ذلك بقوله: {الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم إليه ~~راجعون} أي: يتوقعون لقاء ثوابه، ونيل ما عنده، ولذلك فسر {يظنون}: ب: ~~"يتيقنون". # وأما من لم يوقن بالجزاء، ولم يرج الثواب، كانت عليه مشقة خالصة، فثقلت ~~عليه كالمنافقين والمرائين بأعمالهم، ومثله من وعد على بعض الأعمال ~~والصنائع أجرة زائدة على مقدار عمله، فتراه يزاول العمل برغبة ونشاط ~~وانشراح صدر، ومضاحكة لحاضريه، كأنه يستلذ مزاولته، بخلاف حال عامل يتسخره ~~بعض الظلمة. # وخصت الصلاة بالكبر دون الصبر، لأن الصبر صغار للنفس، والصلاة وجهة للحق، ~~والله هو العلي الكبير، وقال تعالى: {الذين يظنون} فعبر بالظن عن PageV01P196 ### || CHECK المبالغة في اللطف بهم إثر التخويف والتوجيه في قوله تعالى: {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم .. } الآية # العلم، تهويلا للأمر وتنبيها على أنه يكفي العاقل في الحث على ملازمة ~~الطاعة، ظن لقاء الملك المطاع المرجو المخوف، فكيف والأمر متيقن لا مراء ~~فيه، ولا تطرق للريب إليه؟ ! ويجوز أن يراد ظن الموت في كل لحظة، فإنه إذا ~~كان على ذكر من الإنسان أوجب له السعادة، والمراد من الرجوع إلى الله ~~تعالى، الرجوع إلى حيث لا يكون لهم مالك سواه، وأن لا يملك لهم أحد نفعا ~~ولا ضرا غيره، كما كانوا كذلك في أول الخلق، فجعل مصيرهم إلى مثل ما كانوا ~~عليه، أولا رجوعا إلى الله، من حيث كانوا في سائر أيام حياتهم قد يملك غيره ~~الحكم عليهم، ويملك أن يضرهم وينفعهم، وإن كان تعالى مالكا لهم في جميع ~~أحوالهم. # ولما كان الغالب على أكثر الناس الجمود، كرر النداء لهم مبالغة في اللطف ~~بهم إثر التوجيه والتخويف، فقال: # {يابني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين (47)}. # أي: {يابني إسرائيل}، الذي أكرمته وأكرمت ms159 ذريته من بعده بأنواع الكرامة، ~~{اذكروا نعمتي}، ثم فخم أمر تلك النعمة بقوله: {التي أنعمت عليكم}، بإنزال ~~الكتب، وإرسال الرسل، {وأني فضلتكم} فزدتكم من حظوة جانب القرب والرفعة، ~~فيما يقبل الزيادة والنقصان منه {على العالمين}، وهم: من كان قد برز إلى ~~الوجود في ذلك الزمان بالتخصيص بذلك دونهم، ولا يدخل في هذا من لم يكن برز ~~إلى الوجود في ذلك الزمان، وكذلك كل تفضيل يقع في الكتاب والسنة، وذلك لأن ~~العالم من شمله الوجود، لا ما أحاط به العلم بعد، لأن ذلك لم يرفع علم ~~وجوده في الشهود، وفيه إشعار بأنهم كما فضلوا هم على عالمي زمانهم فليس ذلك ~~بمقصور عليهم، بل كذلك يفضل المسلمون في زمان نبوتهم على بني إسرائيل، وعلى ~~جميع الموجودين في زمانهم. # وهذا أولى من قول العلامة صاحب الكشاف: {على العالمين}: على الجم الغفير ~~من الناس، كقوله تعالى: {باركنا فيها للعالمين (71)} [الأنبياء: 71]، يقال: ~~رأيت عالما من الناس، ويراد الكثرة، ثم إنه من المعلوم أن جميع ما PageV01P197 ### || CHECK معنى قوله تعالى: {واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا} الآية # خاطب الله به بني إسرائيل تنبيه للمسلمين، لأن الفضيلة بالنبي قد لحقتهم، ~~وجميع أقاصيص الأنبياء، تنبيه وإرشاد، قال تعالى: {الذين يستمعون القول ~~فيتبعون أحسنه} [الزمر: 18] وقال تعالى: {لقد كان في قصصهم عبرة لأولي ~~الألباب} [يوسف: 111]. # وحيث انتهى الخطاب إلى تذكر ظاهرة النعمة، بعد التذكير بباطن الفضيلة، لم ~~يبق وراء ذلك إلا التهديد بوعيد الآخرة، عطفا على تهديد يقتضيه الإفهام، ~~بتغيير ما بقي عليهم من النعمة في الدنيا، فكأن مفهوم الخطاب: فاحذروا أن ~~يصيبكم مثل ما أصاب المؤاخذين في الدنيا، فقال تعالى: # {واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها ~~عدل ولا هم ينصرون (48)}. # أمرهم بأن يتقوا، وهو من وقيت الشيء أقيه، إذا صنته، وسترته عن الأذى، ~~والمتقى إنما هو الجزاء الواقع في يوم القيامة، وإنما حذفه وأقام اليوم ~~مقامه تفخيما له، وتنبيها على أن عقابه لا يدفع، كما يدفع ما ms160 في غيره ~~بأنواع الحيل، وذلك اليوم هو من العظمة بحيث {لا تجزي}، أي: تقضي وتغني فيه ~~{نفس}، أي نفس كانت، {عن نفس}، كذلك من الجزاء، ولا تقضي عنها {شيئا} من ~~الحقوق، ولما كان الإجزاء قد يكون بنفس كون المجزى موجودا، وهو بحيث يخشى ~~أن يسعى في النكال بنوع حيلة، فتتحرك القلوب لإجابته، وفك أسره، فيحمل ذلك ~~من أسره على إطلاقه، وقد يحتال بالفعل إلى التوصل إلى فكه في خفية، بسرقته ~~أو فتح سجنه، أو نحو ذلك، وكانت وجوه الإجزاء المشهور ثلاثة، عطفها على ~~الإجزاء الأعم منها، {ولا يقبل منها} أي النفس الأولى أو الثانية {شفاعة ~~ولا يؤخذ منها عدل} تبذله غير الأعمال الصالحة. والعدل في كلام العرب: ~~الفدية، وقال قتادة: لو جاءت بكل شيء لم يقبل منها. PageV01P198 ### || CHECK مبحث في قوله تعالى: {ولا هم ينصرون} الآية # ولما كان عدم النصرة للجمع يستلزم عمومها للمفرد بطريق الأولى، جمع فقال: ~~{ولا هم ينصرون}، أي: لا يتجدد لهم نصر يوما ما ممن ينقذهم قهرا كائنا ما ~~كان، فلا ينصرهم ناصر، كما لا يشفع لهم شافع، ولا يقبل منهم عدل ولا فدية. ~~بطلت هنالك المحاباة واضمحلت الرشى والشفاعات، وارتفع من القوم التعاون ~~والتناصر، وصار الحكم إلى العدل الجبار، الذي لا ينفع لديه الشفعاء ~~والنصراء، فيجزي بالسيئة مثلها، وبالحسنة أمثالها. # والنصر يراد به المعونة، ويراد به الإغاثة والانتقام، فقوله تعالى: {ولا ~~هم ينصرون}، يحتمل هذه الوجوه، هذا وقد أورد صاحب الكشاف اعتراضا، وأجاب ~~عنه على مقتضى مسالكه (¬1) فقال: فإن قلت: هل في الآية دليل على أن الشفاعة ~~لا تقبل للعصاة؟ قلت: نعم، لأنه نفى أن تقضي نفس عن نفس حقا أخلت به من فعل ~~أو ترك، ثم نفى أن يقبل منها شفاعة شفيع، فعلم أنها لا تقبل للعصاة. # وأجاب المخالفون لمسالكه بأن الضمير في قوله تعالى: {منها}، إما أن يجعل ~~راجعا للنفس الأولى، أو الثانية، فإن جعل راجعا إلى النفس الثانية، وهي ~~العاصية، كان معنى قوله تعالى: {ولا يقبل منها شفاعة}، أنها إن جاءت بشفاعة ms161 ~~شفيع لا يقبل منها، وحينئذ لا دليل في الآية على إنكار الشفاعة للعصاة، ~~غاية الأمر أن الشفيع الذي تأتي به النفس العاصية لا يقبل منها، وإن جعل ~~الضمير عائدا على النفس الأولى، ثم السؤال، إذ المعنى حينئذ إما أن يقال: ~~إن الدليل إذا طرقه الاحتمال سقط به الاستدلال، أو يقال بأن الآيات ~~القرآنية تدل على أن للحساب مواطن، فبعضها لا تقبل فيه شفاعة أصلا، وبعضها ~~تكون الشفاعة فيه مقبولة، فتحمل الآيات على المواطن، وعلى أن العاصي أحق ~~بالشفاعة من غيره. # ولما قدم تعالى ذكر نعمه على بني إسرائيل إجمالا، بين بعد ذلك أقسام تلك ~~النعم على سبيل التفصيل، ليكون أبلغ في التذكير، وأعظم في الحجة فقال: PageV01P199 ### || CHECK وصف حال نجاة بني إسرائيل من فرعون وجنوده # {وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون ~~نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم (49)}. # أي: واذكروا {إذ نجيناكم} وهو من التنجية، وهي: تكرار النجاة، أي: ~~خلصناكم المرة بعد المرة. {من آل فرعون} من أهله، وأوليائه وأتباعه، الذين ~~عزموا على إهلاككم، وأصل السوم من: سام السلعه إذا طلبها، فكأنه هنا بمعنى ~~يبغونكم، ويقال: سامه خسفا: إذا أولاه ظلما، و {سوء العذاب} أشده وأفظعه، ~~كأنه قبحه بالإضافة إلى سائره، ثم بينه بقوله: {يذبحون أبناءكم ويستحيون ~~نساءكم}، فكانوا يقتلون الصبيان ويتركون النساء أحياء، سواء الكبار منهن ~~والصغار في ذلك، ويدل على هذا التفسير: أن الله تعالى أمر أم موسى أن ~~ترضعه، فإذا خافت عليه تلقيه في التابوت، ثم تلقيه في اليم، ولو لم يكن آل ~~فرعون لم يقتلوا سوى الأطفال لما أمر الله أم موسى بذلك، ثم قال تعالى: ~~{وفي ذلكم}، أي: وفي الذي فعلنا بكم من إنجائنا إياكم مما كنتم فيه من عذاب ~~آل فرعون إياكم على ما وصفت {بلاء} لكم {من ربكم عظيم}، والبلاء: النعمة، ~~أي: نعمة من ربكم عظيمة. # ولما كان ما فعل بهم في البحر إهلاكا للرجال، وإبقاء للنساء، طبق ما ~~فعلوا ببني إسرائيل عقبه به، فقال: # {وإذ فرقنا بكم ms162 البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون (50)}. # أي: واذكروا {إذ فرقنا بكم البحر}، فصلنا بين بعضه وبعض، حتى صارت فيه ~~مسالك لكم، وتلك المسالك كانت اثنتي عشرة على عدد الأسباط، وقوله {بكم} ~~معناه: بسببكم، عقب إخراجنا لكم من أسر القبط، فأنجيناكم، وهو مأخوذ من ~~الإنجاء الذي هو الإسراع في الرفعة عن الهلاك، إلى نجوة الفوز، {وأغرقنا آل ~~فرعون} في البحر {وأنتم تنظرون} إسراعه إليهم في انطباقه عليهم. # وقد ذكر المفسرون هنا حكايات مختلفة، وقصصا متباينة، ولنذكر منها ما نطق ~~به الكتاب العزيز، وذلك أن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام: PageV01P200 ### || CHECK بعض ما نقل من الإسرائيليات في هذا السياق والرد عليه # {أن أسر بعبادي} [طه: 77، والشعراء: 52] أي: أخرجهم ليلا، فلما سرى بهم ~~بلغ ذلك فرعون، فلم يتهيأ له اللحاق بهم إلى شروق الشمس، كما قال تعالى: ~~{فأتبعوهم مشرقين (60)} [الشعراء] فساروا في طلبهم حتى أدركوهم، {فلما ~~تراءى الجمعان} ونظر بعضهم إلى بعض، {قال أصحاب موسى إنا لمدركون} ~~[الشعراء] فواقعون في قبضة أعدائنا. ف {قال} لهم موسى: {كلا} لا يدركوننا، ~~وإني خرجت بأمر من ربي، وهو {معي} - معية حفظ ومعونة- {سيهدين}، سيدلني على ~~طريق النجاة من الأعداء، ثم وقفوا متحيرين، البحر أمامهم والعدو من ورائهم، ~~فأوحى الله {إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر}، فلما ضرب حسبما أمره الله ~~تعالى، {فانفلق} وانشق فرقا {فكان كل فرق كالطود} أي: كالجبل {العظيم}، ثم ~~هبت الريح فيبست الطرق، وتيسر سلوكها، فسلك كل سبط من أسباط بني إسرائيل ~~طريقا، فلما رأى فرعون وجنده الطرق طمع في سلوكها، فأتبعهم ودخل البحر، حتى ~~إذا خرج بنو إسرائيل إلى الساحل، وصار فرعون وقومه في البحر، انضم الماء ~~بعضه إلى بعض فغرقوا. # وللمفسرين هنا حكايات منقولة عن الإسرائيليات، أضربنا عنها لأن العقل لا ~~يسلم بأكثرها، حتى إنها مخالفة للتوراة التي هي اليوم بالأيدي، وإليك إشارة ~~إلى بعضها لتعلم مكان الباقي، وذلك أن الفخر الرازي، وابن جرير الطبري، ~~وغيرهما من المولعين بنقل الإسرائيليات، حكوا: أن فرعون لما أصبح صباح ~~الليلة التي سار ms163 فيها بنو إسرائيل، دعا بشاة فذبحت، ثم قال: لا أفرغ من أكل ~~كبد هذه الشاة حتى يجتمع إلي ستمئة ألف من القبط، فعلى رواية ابن جرير: لم ~~يفرغ من كبدها حتى اجتمع إليه ستمئة ألف من القبط، وقال الرازي: قال قتادة: ~~اجتمع إليه ألف ألف ومئتا ألف نفس، كل واحد منهم على فرس حصان. # فانظر أيها العاقل المنصف إلى هذه المبالغة التي يتبرأ منها العقل، وتأمل ~~كيف يمكن أجمع، هذا الجمع العظيم على خيولهم في مدة أكل كبد الشاة، وأنت ~~تعلم أن أعظم ملوك الأرض اليوم الذي ملك فرعون بالنسبة إلى ملكه جزء صغير، PageV01P201 # لا يقدر على جمع ربع هذا العدد في مدة أسبوع، مع وجود السفن البخارية ~~البرية، والبحرية، وانتظام الطرقات والأسلاك الناقلة للأخبار بالسرعة، ~~وانظر أي برية تسع هذا الجيش، وأي طريق يمكنه السير به، وهم على أفراسهم ~~البالغة مثل عددهم، وإذا فرضنا أن طريقا يسعهم فانظر أين يكون أولهم، وأين ~~يصير آخرهم. # وقالوا أيضا: إن بني إسرائيل كانوا يومئذ ستمئة ألف، لأنهم كانوا اثني ~~عشر سبطا كل سبط خمسون ألفا، وهذا أيضا بعيد التصديق إذا رجحنا ما قاله ابن ~~خلدون: من أن الذي بين موسى وإسرائيل إنما هو أربعة آباء، على ما ذكره ~~المحققون، وقال المسعودي: دخل إسرائيل مصر مع ولده الأسباط، وأولادهم حين ~~أتوا إلى يوسف سبعين نفسا (¬1)، وكان مقامهم إلى أن خرجوا من مصر مع موسى ~~عليه السلام إلى التيه مئتين وعشرين سنة، تتداولهم ملوك القبط من الفراعنة، ~~ويبعد أن يتشعب النسل في أربعة أجيال إلى مثل هذا العدد، انتهى. # وكذلك إذا اعتبرنا نسخة التوراة التي بأيدينا اليوم فإنها تقول: وأما ~~إقامة بني إسرائيل التي أقاموها في مصر، فكانت أربعمئة وثلاثين سنة، كان ~~الأمر بعيدا أيضا، ولا يتشعب النسل في هذه المدة إلى مثل هذا العدد، اللهم ~~إلا إلى المئين والآلاف، فربما يكون، وأما أن يتجاوز إلى ما بعدهما من عقود ~~الأعداد فبعيد، واعتبر ذلك في الحاضر المشاهد والقريب المعروف، تجد هذا ~~الزعم كاذبا والنقل ms164 باطلا، وكذلك نجد لقومنا من الغلو في الحكايات ~~الإسرائيلية ما ليس عند الإسرائيلين أنفسهم. # وهذه النعمة التي ذكر الله تعالى بها بني إسرائيل، من أعظم النعم الحاصلة ~~لهم بعد الإيمان, لأنها نقلتهم من الاستعباد إلى فضاء الحرية، ومن حكم ~~الأغيار إلى حكم أنفسهم، وجعلتهم ملوكا بعد أن كانوا أرقاء، وأرجعتهم إلى ~~أوطانهم التي نشأ بها سلفهم، وأهلك عدوهم أمام أعينهم. PageV01P202 ### || CHECK مبحث في ذكر الإنعام الثالث لله تعالى على بني إسرائيل # فنسأله تعالى أن يخلص المسلمين من أسر الكفرة الأشرار، وأن لا يولي عليهم ~~غير أهل دينهم وملتهم. # ثم إنه تعالى ذكر الإنعام الثالث بقوله: # {وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون (51) ~~ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون (52)}. # لما خرج موسى عليه السلام بقومه وصار عند جبل سيناء، بعد أن حارب ~~"عماليق" وانتصر عليه، جلس يوما ليقضي بين الناس، فمكث من الصباح إلى ~~المساء، والناس أمامه وقوفا، وكان "يثرون" كاهن مدين، أحد أقارب زوجة موسى ~~جالسا معه، فقال له: ما بال الشعب واقفا هذه المدة، فقال موسى: إنما يأتيني ~~لأقضي بينه، فقال يثرون: إن هذا الأمر أعظم منك، لا تستطيع أن تصنعه وحدك، ~~بل علم القوم الفرائض والشرائع، وعرفهم الطريق الذي يسلكونه، والعمل الذي ~~يعملونه، وانظر إلى ذوي القدرة الأمناء الخائفين الله تعالى، المبغضين ~~للرشوة، واجعلهم رؤساء ألوف، ورؤساء مئين، ورؤساء خمسين، ورؤساء عشرات، ~~فيقضون للشعب كل حين، واجعلهم قضاة للشعب في الدعاوي الصغيرة، وأما الدعاوي ~~الكبيرة فتكون أنت الذي يقضي بها، فحينئذ طلب موسى عليه السلام. هذا ما ~~يؤخذ من التوراة التي بأيدينا اليوم. # وقال صاحب الكشاف: لما دخل بنو إسرائيل مصر بعد هلاك فرعون، ولم يكن لهم ~~كتاب ينتهون إليه، وعد الله موسى أن ينزل عليه التوراة، وضرب له ميقاتا، ذا ~~القعدة وعشر ذي الحجة، انتهى. # وقيل: أربعين ليلة لأن الشهور غررها بالليالي، فالأربعون ليلة كلها داخلة ~~في الميعاد. # والأول أقرب للصواب، وكل قوم أعلم بتاريخهم من غيرهم. PageV01P203 ### || CHECK ذكر قصة ms165 السامري والعجل وما يستفاد منها ### || CHECK هل لفظ موسى مشتق ### || CHECK معنى قوله تعالى: {وإذ واعدنا موسى} # وقوله تعالى: {وإذ واعدنا موسى}، قرئ {وعدنا} بدون ألف، و {واعدنا} ~~بالألف، فأما بغير ألف، فوجهه ظاهر، لأن الوعد كان من الله تعالى، وأما ~~بالألف فهو من باب المفاعلة، وهي لا تكون إلا بين اثنين، فيقال: إن الوعد ~~وإن كان من الله تعالى، فقبوله كان من موسى عليه السلام، وقبول الوعد يشبه ~~الوعد، لأن القابل للوعد لا بد وأن يقول: أفعل ذلك، أو يقال: إن الله وعد ~~موسى الوحي، وموسى وعد الله المجيء للميقات إلى الطور. # وأعلم أن للمفسرين هنا كلاما في اشتقاق لفظ {موسى} كأن البعض منهم ظن أن ~~هذه اللفظة عربية، وهذا شأنهم في كثير من الألفاظ، والصحيح أن موسى لفظة ~~عبرانية، ففي الإصحاح الثاني من سفر الخروج من التوراة: أن موسى لما فطم ~~جاءت به مرضعته إلى ابنة فرعون، فصار لها ابنا، ودعت اسمه موسى، وقالت: إني ~~انتشلته من الماء، فدل على أن هذا اللفظ مركب من كلمتين عبرانيتين الأولى ~~"مو" وهو الماء والثانية "سى" وهو الشجر, لأنه وجد بين شجر الحلفاء في الماء. # فلما خرج موسى إلى الميعاد، استخلف أخاه هارون على بني إسرائيل، وقال له: ~~إني متعجل إلى ربي ف {اخلفني في قومي} ... {ولا تتبع سبيل المفسدين (142)} ~~[الأعراف]، ثم إنهم في أيام مواعدة موسى اتخذوا العجل إلها كما قال تعالى: ~~{ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون} بإشراككم. # وذلك أن موسى لما خرج إلى الميعاد استبطأه قومه، وكان معهم مال من أموال ~~القبط، وكان موسى أمرهم بقذفها، فاستبقى السامري- وهو رجل من قومه- بقية من ~~تلك الأموال من أثر الرسول، الذي هو سيدنا موسى عليه السلام، وذلك كما أخبر ~~تعالى عنه بقوله: {فقبضت قبضة من أثر الرسول} [طه: 96] والأثر: ما بقي من ~~رسم الشيء، فصنع منه عجلا من الذهب، وجعله على نسبة هندسية، قال ابن عباس ~~كما رواه عنه ابن جرير الطبري: كان الريح يدخل من دبره ويخرج من فيه، ms166 فيسمع ~~له صوت آه، فكان من أجل ذلك PageV01P204 # له خوار, أي: صياح، فلما رآه بنو إسرائيل قالوا: {هذا إلهكم وإله موسى ~~فنسي (88)} [طه] كما أخبر تعالى عن ذلك في سورة طه، وسيأتي تمام الكلام ~~هناك إن شاء الله تعالى. # ثم أعقب تعالى بعد بيان ما ارتكبوه بجهلهم، قوله: {ثم عفونا عنكم}، أي: ~~تركنا معاجلتكم بالعقوبة، {من بعد ذلك}، أي: من بعد اتخاذكم العجل إلها ~~{لعلكم تشكرون}، أي: لأجل أن تشكروا، ف "لعل" معناها هنا التعليل كما قاله ~~الأخفش والكسائي. وحملوا عليه: {فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى ~~(44)} [طه]. ومن لم يثبت ذلك يحمله على الرجاء. # وهذه القصة تدل على أن القوم، كانوا لا يزال فكر فرعون مؤثرا عليهم، ~~بادعاء الحلول، فلما رأوا ذلك العجل فطنوا لما كمن في طبائعهم من الحلول، ~~فعبدوا العجل، وكذلك كل فرقة يبقى في أفكارها شيء من هذه العقيدة سرعان ما ~~تميل إليه، وتترك الدين الخالص، وأعلم أن ما أفسد الشرائع وأخرج الناس عن ~~الصراط المستقيم، إلا هذه القاعدة الشيطانية، ففكر في أمر الفرق والأديان ~~والملل والنحل، واجعل هذه القاعدة أساس البحث، تجد صدق هذا القول. # وفي هذه القصة تحذير عظيم من التقليد والجهل بالدلائل، فإن أولئك ~~الأقوام، لو أنهم عرفوا الله بالدليل معرفة تامة، لما وقعوا في شبهة ~~السامري، وكذلك في كل زمان سامري يتحيل لإلقاء الشبه بين المؤمنين، ويدعو ~~إلى الحلول، فبين الله تعالى هذه القصة ليعتبر بها الذين يصغون لحيل ~~المارقين الملبسين على الأمة، وأيضا فإن أشد الناس مجادلة للنبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، في أيامه، كانوا اليهود، وكانوا هم أشد أعدائه، فكأنه تعالى ~~قال: إن هؤلاء إنما يفخرون بأسلافهم، ثم إن أسلافهم كانوا في البلادة ~~والجهالة والعناد إلى هذا الحد، فكيف هؤلاء الأخلاف - والظلم في أصل اللغة: ~~النقص- والمعنى: أنهم لما تركوا عبادة الخالق المحيي المميت، واشتغلوا ~~بعبادة العجل، صاروا ناقصين في خيرات الدين والدنيا. PageV01P205 ### || CHECK مبحث في ذكر الإنعام الرابع والخامس لله تعالى على بني إسرائيل # ثم ذكر الله تعالى ms167 الإنعام الرابع على بني إسرائيل فقال: # {وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون (53)}. # {الفرقان} هو: الكتاب الذي فرق به بين الحق والباطل، وهو نعت للتوراة ~~وصفة لها، فيكون الكتاب نعت للتوراة أقيم مقامها، استغناء به عن ذكر ~~التوراة، ثم عطف عليه بالفرقان، إذ كان من نعتها، كذا نقل معناه عن ابن ~~عباس، ويدل على صحته ذكر الكتاب، وأن معنى الفرقان: الفصل. وقوله {لعلكم ~~تهتدون}، لتهتدوا على ما مر في قوله تعالى {لعلكم تشكرون} ثم ذكر تعالى ~~الإنعام الخامس بقوله: # {وإذ قال موسى لقومه ياقوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى ~~بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب ~~الرحيم (54)}. # تأويل ذلك: واذكروا أيضا {إذ قال موسى لقومه} من بني إسرائيل: {يا قوم ~~إنكم ظلمتم أنفسكم}، ظلما تستحقون به العقوبة {باتخاذكم العجل} إلها من دون ~~الله، فجعلتم أنفسكم متذللة لمن لا يملك لها نفعا ولا ضرا، ولمن هي أشرف ~~منه، فأنزلتموها من رتبة عزها، بخضوعها لمولاها الذي لا يذل من والاه، ولا ~~يعز من عاداه، بخضوعها لمن هو دونكم أنتم، هذا هو أسوأ الظلم، فإن المرء لا ~~يصلح أن يتذلل لمثله، فكيف بمن دونه من حيوان، فكيف بما يشبه بالحيوان من ~~جماد الذهب الذي هو من المعادن، وهو أخفض الكائنات رتبة، حين لم تبلغها ~~حياتها أن تبدو فوق الأرض كالنبات من النجم، والشجر، ولما فيه من الانتفاع ~~بما يكون منه الحب والثمر، الذي ينتفع به غذاء ودواء، والمعادن لا ينتفع ~~بها إلا في الآلات والنقود، ومنفعتها إخراجها لا إثباتها. # ثم أمرهم موسى بالمراجعة من ذنبهم، والإنابة إلى الله من ردتهم بالتوبة ~~إليه، والتسليم لطاعته فيما أمرهم به، وأخبرهم أن توبتهم من الذنب الذي ~~ركبوه قتلهم أنفسهم. PageV01P206 ### || CHECK مبحث في ذكر الإنعام السابع لله تعالى على بني إسرائيل ### || CHECK الاعتقاد الفاسد الذي تمسك به بنو إسرائيل ### || CHECK تفسير القتل في قوله تعالى حكاية عن سيدنا موسى: {فاقتلوا أنفسكم} # والبارئ معناه: التدقيق للشيء بحسب التهيؤ لصورته، وقوله: ms168 {فاقتلوا ~~أنفسكم}، معناه: أن توبتكم بقتل أقاربكم، وإن كانوا آباء أو أبناء، عبر ~~عنهم بالنفس لذلك، فكأنه يقول: اقتلوا أنفسكم التي أوجدها بارئكم فقادتكم ~~إلى غيره، ولما كان ما أمرهم به أمرا لا يكاد يسمح به عظم الرغبة فيه، ~~فقال: {ذلكم} الأمر العظيم، وهو القتل، {خير لكم عند بارئكم} القادر على ~~إعدامكم، كما قدر على إيجادكم، وفي التعبير بالبارئ ترغيب لهم في طاعته ~~بالتذكير بالإحسان، وترهيب بإيقاع الهوان، فإن فعلتم ذلك فقد تاب عليكم مع ~~عظم جرمكم، ثم علل ذلك بقوله: {إنه} أي: لأنه {إنه هو التواب الرحيم} , أي: ~~ما زال هذا صفة له، لا لاستحقاق منكم عليه. # واختلف المفسرون في تفسير القتل، فذهب أكثرهم إلى أن الذين لم يعبدوا ~~العجل قتلوا الذين عبدوه، وفسروا {فاقتلوا أنفسكم} بالاستسلام للقتل. وفسر ~~صاحب الكشاف اقتلوا أنفسكم بالبخع، وهو القتل غما، وظاهر التلاوة يشير إلى ~~معنى القتل على حقيقته، وما يذكره القوم من كيفية، فإنما ظن وتخمين. # ولما استتيبوا من عبادة العجل الذي يضرب به المثل في الغباوة، وطلبوا ~~رؤية بارئهم بالحس على ما له من صفات الكمال، ناسين جميع النعم والنقم، ~~مسرعين في الكفر الذي هو من شأن الحائر، فكان من أمرهم ما أخبر به تعالى في قوله: # {وإذ قلتم ياموسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم ~~تنظرون (55) ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون (56)}. # هذه الآية تدل دلالة صريحة على أن القوم كانوا يعتقدون التجسيم في حق ~~البارئ سبحانه وتعالى، وعلى ذلك تدل التوراة التي بأيديهم اليوم. وقد ذكر ~~الله تعالى معتقد أسلافهم وبلادتهم، في قوله: {وإذ قلتم}، بعدما رأيتم من ~~الآيات وشاهدتم، من الأمور البينات: {ياموسى}، دعوه باسمه جفاء وغلظة كما ~~يدعو PageV01P207 # بعضهم بعضا، وقولهم: {لن نؤمن لك}، معناه: لن نصدقك، ولن نقر بما جئتنا ~~به، {حتى نرى الله جهرة} عيانا من غير خفاء، ولا نوع لبس برفع الساتر بيننا ~~وبينه، وكشف الغطاء دوننا ودونه، حتى تنظر إليه أبصارنا، وقد ذكر الله بني ~~إسرائيل اختلاف آبائهم، ms169 وسوء استقامة أسلافهم لأنبيائهم، مع كثرة معاينتهم ~~لآيات الله، وعبره التي تختلج بأقلها الصدور، وتطمئن بالتصديق معها النفوس، ~~وذلك مع تتابع الحجج عليهم، وسبوغ النعم من الله لديهم، وهم مع ذلك، مرة ~~يسألون نبيهم أن يجعل لهم إلها غير الله، ومرة يعبدون العجل من دون الله، ~~ومرة يقولون: لا نصدقك حتى نرى الله جهرة، إلى غير ذلك من أفعالهم التي نطق ~~بها الكتاب العزيز، وآذوا نبيهم بها، وبين تعالى أن هؤلاء الموجودين حين ~~نزول القرآن، لن يعدوا أن يكونوا كأسلافهم في تكذيبهم، وجحودهم نبوة من ~~أنزل عليه هذا الكتاب، وتركهم الإقرار به، وما جاء به مع علمهم به، ~~ومعرفتهم بحقيقة أمره. # ثم بين تعالى ما حصل لهم من الجزاء بقوله: {فأخذتكم}، لما صدر منكم من ~~الفظاعة وانتهاك الحرمة، {الصاعقة وأنتم تنظرون} إليها، والصاعقة: كل أمر ~~هائل رآه الشخص أو عاينه، أو أصابه، حتى يصير من هوله وعظيم شأنه إلى هلاك ~~وعطب، وإلى ذهاب عقل وغمور فهم، أو فقد بعض آلات الجسم، صوتا كان أو نارا ~~أو زلزلة أو رجفا، وما ذلك إلا بسبب تجرئهم على طلب ما لا يمكن حصوله، ولما ~~كان إحياؤهم من ذلك في هذه الدار، غاية البعد وخرق العادة، عبر عنه بأداة ~~التراخي فقال: {ثم بعثناكم}، أي: أحييناكم {من بعد موتكم} بالصاعقة التي ~~أهلكتكم، وقد فعلنا بكم ذلك لتشكروني على ما أوليتكم من نعمتي عليكم، ~~بإحيائي إياكم، لتتمكنوا من الإيمان، ومن تلافي ما صدر منكم من الجرائم. # ثم ذكر تعالى الإنعام السابع بقوله: # {وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما ~~رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (57)}. PageV01P208 ### || CHECK ما تحمله هذه الآية الكريمة من تحذير لمن يتلى عليهم القرآن الكريم ولا يلتزمون به ### || CHECK ماهية المن والسلوى # {وظللنا} معطوف على قوله: [{بعثناكم}] (¬1)، والتأويل: {ثم بعثناكم من ~~بعد موتكم ... وظللنا عليكم الغمام}، وعدد عليهم سائر ما أنعم به عليهم. ~~والغمام هو: ما غم السماء، فألبسها من سحاب وقتام، وغير ذلك مما يسترها عن ~~أعين ms170 الناظرين، وكل مغطى فإن العرب تسميه مغموما، والمعنى: فعلنا ذلك ~~لترقية أجسامكم، وترويح أرواحكم، وذلك أن الله سخر لهم السحاب في التيه، ~~يسير بسيرهم، ويظلهم من الشمس، وأنزل عليهم {المن}، وهو الترنجبين مثل ~~الثلج، يسقط من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، لكل إنسان صاع، {والسلوى}: هي ~~طير السماني. # وهذه الخارقة، قد كان الصحابة رضي الله عنهم في غنية عنها، لأنهم كانوا ~~إذا احتاجوا دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - بما عندهم من فضلات الزاد، ~~فيدعو فيكثره الله تعالى، حتى يكتفوا عن آخرهم (¬2)، وأيضا فإن بني إسرائيل ~~كانوا يومئذ في التيه، لما كانوا عليه من مخالفة موسى عليه السلام، ~~والصحابة رضي الله عنهم لم يخالفوا النبي - صلى الله عليه وسلم -، في ساعة ~~من الساعات، حتى يحصل لهم ما حصل لقوم موسى، أو يقاسوا عليهم، هذا والذي في ~~التوراة أن المن شيء دقيق مثل القشور، كان كالجليد على الأرض، فكان كل واحد ~~يلتقط منه على حسب أكله، وكانوا يلتقطونه صباحا فصباحا، فإذا حميت الشمس ~~ذاب، إلا يوم السبت فكان لا ينزل، وقيل لهم: {كلوا من طيبات ما رزقناكم}، ~~أي: كلوا من مشتهيات رزقنا الذي رزقناكموه، {وما ظلمونا} فيه، والتقدير: ~~فخالفوا ما أمرناهم به، وعصوا ربهم ثم رسوله إليهم، وما ظلمونا بفعلهم ذلك ~~ومعصيتهم، أي: ما وضعوا فعلهم ذلك وعصيانهم إيانا موضع مضرة علينا، ومنقصة ~~لنا، ولكن هم وضعوه من أنفسهم موضع مضرة عليها ومنقصة لها. # وفي هذه الآية ونحوها تحذير لمن يتلى عليهم القرآن، أن ينحوا نحو ما نحاه ~~أولئك القوم، فيصيبهم مثل ما أصابهم، لأن قصص القرآن ليس القصد منها PageV01P209 ### || CHECK عصيان اليهود بعدما أمروا بالتوبة والاستغفار ### || CHECK الإنعام الأعظم وهو تبيان ما تمحى به الذنوب # مقصورا على ذكر الأولين فقط، بل كل قصة منه إنما ذكرت لما يلحق هذه الأمة ~~في أمد يومها من شبه أحوال من قص عليهم قصصه، ولذلك تجد القصة تكرر تكررا ~~بحسب أهميتها، حتى لا ينسى ولا يجهل مكان الإشارة منها. # ولما بين تعالى نعمه عليهم ms171 بأن ظلل لهم من الغمام، وأنزل عليهم المن ~~والسلوى، وهو من النعم العاجلة، أتبعه بنعمه عليهم في باب الدين، حيث أمرهم ~~بما يمحو ذنوبهم، وبين لهم طريق المخلص مما استوجبوه من العقوبة، فقال: # {وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب ~~سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين (58) فبدل الذين ظلموا ~~قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا ~~يفسقون (59)}. # أكثر المفسرين على أن القرية المذكورة هنا، هي: بيت المقدس، وقيل: هي ~~أريحا، يقول تعالى: {وإذ قلنا} لبني إسرائيل {ادخلوا هذه القرية}، وقد ~~أمروا بدخولها بعد الخروج من التيه، {فكلوا منها} من هذه القرية {حيث شئتم} ~~أكلا (رغدا}، وعيشا هنيئا واسعا بغير حساب، {وادخلوا الباب سجدا} أي: باب ~~القرية، وقيل: هو باب القبة التى كانوا يصلون إليها، وهم لم يدخلوا بيت ~~المقدس في حياة موسى عليه السلام، وليكن دخولكم حالة كونكم ساجدين شكرا ~~لله، وتواضعا، {وقولوا حطة}، أي: وقولوا دخولنا ذلك سجدا حطة لذنوبنا، أي: ~~ليحط الله عنا بذلك ذنوبنا وخطايانا، فإنكم إن فعلتم ذلك {نغفر لكم} ~~ذنوبكم، نتغمد بالرحمة {خطاياكم} ونسترها عليكم، فلا نفضحكم بالعقوبة ~~عليها، {وسنزيد المحسنين}، أي من كان محسنا منكم، كانت هذه الكلمة سببا في ~~زيادة حسناته وثوابه، ومن كان مسيئا كانت له توبة ومغفرة. {فبدل الذين ~~ظلموا}، أي: غير الذين فعلوا ما لم يكن لهم فعله، {قولا غير الذي قيل لهم}، ~~أي: بدلوا قولا غير الذي أمروا أن يقولوه، فقالوا خلافه، وذلك هو التبديل ~~والتغيير الذي كان منهم، وحاصله: أنهم أمروا بقول معناه: التوبة ~~والاستغفار، فخالفوه إلى قول ليس معناه معنى ما أمروا به، ولم يمتثلوا أمر ~~الله، وليس الغرض أنهم أمروا بلفظ بعينه، وهو لفظ "الحطة" فجاؤوا بلفظ آخر، ~~لأنهم لو جاؤوا PageV01P210 ### || CHECK انفجار الماء بعد عطشهم في التيه ### || CHECK معنى الرجز الذي أهلكوا به # بلفظ آخر مستقل بمعنى ما أمروا به، لم يؤاخذوا به، كما لو قالوا: مكان ~~حطة نستغفرك ونتوب إليك، ms172 أو اللهم اعف عنا، وما أشبه ذلك (¬1). # ثم بين سبحانه وتعالى أنه خص المبدلين بالعقاب نعمة منه، فقال: {فأنزلنا ~~على الذين ظلموا}، زيادة في تقبيح أمرهم، وإيذانا بأن أنزل الرجز عليهم ~~لظلمهم، والرجز: العذاب، وأخرج ابن جرير الطبري: أنهم هلكوا بذلك الرجز، ~~ولم يبق منهم إلا الأبناء، ففيهم الفضل والعبادة والخير التي توصف في بني ~~إسرائيل، وهلك الآباء كلهم. وقوله: {بما كانوا يفسقون} معناه: بما كانوا ~~يتركون طاعة الله تعالى، فيخرجون عنها إلى معصيته، وخلاف أمره. # ولما بين تعالي نعمته عليهم بالإمكان من القرية، بالنصر على أهلها، ~~والتمتع بمنافعها، وختمه بتعذيبهم، أتبعه التذكير بنعمته عليهم في البرية ~~بما يبرد الأكباد، ويحيي الأجساد، مذكرا لهم بقدرة الصانع، فقال: # {وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة ~~عينا قد علم كل أناس مشربهم كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض ~~مفسدين (60)}. # لما عطشوا في التيه، دعا لهم موسى عليه السلام بالسقيا، والمعنى: {وإذ} ~~استسقانا {موسى}، أي: سألنا أن نسقي قومه ماء، فترك ذكر المسؤول لدلالة ~~الكلام عليه، {فقلنا} له: {اضرب بعصاك الحجر} فضربه، {فانفجرت}، فترك ذكر ~~الخبر عن ضرب موسى الحجر، إذ كان فيما ذكر دلالة على المراد منه، وللمفسرين ~~في بيان الحجر أقوال كثيرة، وليس على شيء منها دليل، غاية الأمر أن الله ~~تعالى أخبر أنه قال لموسى عليه السلام: اضرب بعصاك الحجر، ولو كان لنا حاجة ~~في بيانه لبينه تعالى. PageV01P211 ### || CHECK تبيين ما كان عليه القوم من الدناءة في مطالبهم ### || CHECK معجزة سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - أظهر وأبلغ من معجزة سيدنا موسى - عليه السلام - # ثم إنه أظهر لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - معجزة أعظم من معجزة موسى ~~عليه السلام، وهي نبع الماء من بين أصابعه، وذلك أن نبع الماء إنما يكون من ~~الحجر من الجبال والتلال، ومن التراب، فإن نبعه من دم ولحم فليس هذا من ~~مظانه، فبذلك حصل الفرق بين المعجزتين. وأتى بلفظ الانفجار الذي يدور معناه ~~على انشقاق فيه ms173 سيلان وانبعاث. # وقوله: {منه}، أي: من الحجر {اثنتا عشرة عينا}، لكل سبط من الأسباط ~~الاثني عشر عين، ولما توقع السامع إخبار المتكلم، هل كانت الأعين الموزعة ~~بينهم معروفة أو ملبسة؟ قال: {قد علم كل أناس مشربهم}، أي: مكتفاهم من ~~الشرب المردد مع الأيام، ومع الحاجات، في كل وقت، لأن مفعل مصدر هنا، أو ~~اسم محل يلزمه التكرار عليه، والتردد، فجعل سبحانه سقياهم آية من آياته في عصاه. # ولما كان السياق للامتنان، قال على إرادة القول: {كلوا واشربوا من رزق ~~الله}، مما رزقكم من الطعام، وهو المن والسلوى، ومن ماء العيون، وقيل: ~~الماء تنبت منه الزروع والثمرات، فهو رزق يؤكل منه ويشرب، وقوله: {ولا ~~تعثوا}، العثي أشد الفساد، أي: قيل لهم: لا تتمادوا في الفساد في حال ~~فسادكم، لأنهم كانوا متمادين فيه. # ولما امتن عليهم بالنعم المار ذكرها، بين ما كان عليه القوم من الدناءة ~~في مطالبهم فقال: # {وإذ قلتم ياموسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت ~~الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدنى ~~بالذي هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة والمسكنة ~~وباءوا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين ~~بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (61)}. # لما كان القوم فلاحة، نزعوا إلى أصلهم الرديء، وأعمالهم السيئة، وإلى ~~عادتهم وديدنهم، فبطروا ما كانوا فيه من النعمة، وطلبت أنفسهم الشقاء، ~~وهكذا PageV01P212 ### || CHECK معنى قوله تعالى: {اهبطوا مصرا} # كل من ربي على عادة سيئة، لا بد أن ينزع إلى عادته مهما طال فراقها، ~~ودنيء الأصل مهما هذبته، لا بد أن يقابل النعمة بالكفران، والحسنة بالسيئة. # فلذلك كان من شأنهم ما أخبر عنه تعالى بقوله: {واذ قلتم}، أي بعد هذه ~~النعم كلها: {ياموسى}، منادين له باسمه من غير تعظيم، {لن نصبر} صبرا طويلا ~~{على طعام واحد}، أرادوا ما رزقوا في التيه من المن والسلوى، وجعلوهما ~~طعاما واحدا، وإن كانا اثنين، باعتبار أن ذلك الطعام ms174 لا يتبدل وإن كان ~~متعددا، وإن كان شريفا لا تعب فيه. أو أن المعنى كأنهم قالوا: إن المن ~~والسلوى ضرب واحد لأنهما من طعام أهل التلذذ والترف، ونحن قوم فلاحة أهل ~~زراعات، فما يزيد إلا ما ألفناه من الأشياء المتفاوتة كالحبوب والبقول، ~~فلذلك قالوا: {فادع لنا ربك يخرج لنا}، يظهر لنا، ويوجد {مما تنبت الأرض من ~~بقلها} وهو ما تنبته الأرض من الخضر، والمراد به: أطايب البقول التي يأكلها ~~الناس، {وقثائها وفومها} وهو الحنطة في قول أكثر المفسرين، وهو المناسب لما ~~هنا، لأنهم أرادوا مع هذه الأشياء الخبز، وقيل: هو الثوم، وهو الموجود في ~~نسخة من التوراة مترجمة إلى العربية في القرن الثامن، وهو للعدس والبصل ~~أوفق، وقرأ ابن مسعود: وثومها وعدسها وبصلها. # ثم كأنه قيل: إن هذا العجب منهم، فما قال لهم موسى عليه السلام؟ فقيل: ~~{قال} منكرا عليهم: {أتستبدلون}؟ أي: أتأخذون {الذي هو أدنى} في المنزلة ~~والطعم، {بالذي هو خير}، أي: بدله، فالباء للبدل، ثم كأنه قيل: فهل أجابهم ~~إلى سؤالهم؟ فقيل (¬1): نعم، قال: {اهبطوا مصرا} من الأمصار، ف {إن} فيه ~~{لكم ما سألتم}، وينقطع عنكم المن والسلوى، و "المصر" هو: البلد الجامع لما ~~يتعاون عليه من أمور الدنيا، التي تجمع هذه المطالب التي طلبوها، لأن ما ~~دون الأمصار لا يكون فيها، إلا بعضها، والهبوط هنا بمعنى النزول، يقال: هبط ~~فلان الوادي، إذا نزل به، وهبط منه إذا خرج، والمعنى: انحدروا من التيه إلى ~~مصر من الأمصار. PageV01P213 ### || CHECK الذل والمسكنة اللذان عوقب بهما بنو إسرائيل ### || CHECK إيثارهم للعاجلة على الآجلة # ولما نظم سبحانه بنبأ موسى عليه السلام، ما كان من نبئهم من يوشع بعده، ~~نظم في هذه الآية بخطاب موسى ما كان منهم بعد يوشع، إلى آخر اختلال أمرهم، ~~وانقلاب أحوالهم من جنس المظاهرة لنبيهم، وإلى حال الاعتداء والقتل ~~لأنبيائهم عليهم السلام. # وفي جملته إشعار بأن ذلك لم يكن منهم، إلا لأجل إيثار الدنيا ورياستها ~~وما لها على الآخرة، إيثارا للعاجلة على الآجلة. وفي طيه أشد التحذير لهذه ms175 ~~الأمة في اتباعهم لسنن أهل الكتاب في مثل أحوالهم، ولذلك انتظم بها الآية ~~الجامعة، وابتدأ بذكر الذين آمنوا من هذه الأمة، ثم استوفى الملل التي لها ~~صحة على ما يذكر آنفا إن شاء الله، ولما كان التقدير: ففعلوا ما أمروا به ~~من هبوط المصر، فكان ما وعد به، عطف عليه، قوله: {وضربت عليهم الذلة}، ~~ملازمة لهم محيطة بهم، من جميع الجوانب، كما يحيط البيت من الشعر المضروب ~~على الإنسان به. والذلة: اسم الذل، وهو صغار في النفس عن قهر وغلبة. ~~{وضربت} عليكم {المسكنة}، وهي: ظهور معنى الذل أو التذلل على ظاهر الهيئة ~~والصورة، سكونا وانكفاف حراك، فسلط الله عليهم العدو، فاستأصل منهم من شاء ~~الله، ومن بقي منهم أخذ بأنواع من الهوان، {وباؤوا} أي: رجعوا، وصاروا ~~أحقاء بغضب من الله، لجرأتهم على هذا المقام الأعظم المرة بعد المرة، ~~والكرة بعد الكرة. # قال "الحرالي": وفيه تهديد لهذه الأمة بما غلب على أهل الدنيا منهم، من ~~مثل أحوالهم، باستبدال الأدنى في المعنى من الحرام [و] المتشابه، بالأعلى ~~من الطيب، والأطيب المأخوذ عفوا واقتناعا. # ولما كان الغضب إنما يكون على من راغم الجليل في معصيته، ووقعت منهم ~~المراغمة في معصيتهم واعتدائهم، ذكر فعلهم فقال: {ذلك} أي: ما تقدم من ضرب ~~الذلة والمسكنة عليهم، وإحلاله غضبه بهم، بسبب "أنهم" كانوا أي جبلة وطبعا ~~{يكفرون}، أي: مجددين مستمرين في الكفر {بآيات الله}، فالكفر: تغطية الشيء ~~وستره، وآيات الله حججه وأعلامه وأدلته، على توحيده PageV01P214 ### || CHECK مبحث في المراد بالذين آمنوا في قوله تعالى: {إن الذين آمنوا والذين هاد والنصارى .. } الآية ### || CHECK مبحث في أنواع المعاصي والآثام التي ارتكبها بنو إسرائيل # وصدق رسله، ومعنى الكلام: أنا فعلنا بهم ذلك، من أجل أنهم كانوا يجحدون ~~حجج الله على توحيده وتصديق رسله، ويدفعون حقيتها، ويكذبون بها. # ويعني بقوله: {ويقتلون النبيين بغير الحق}: يقتلون رسل الله الذين ~~ابتعثهم لإنباء ما أرسلهم به عنه لمن أرسلوا إليه، وكان قتلهم لهم وهم ~~يعتقدون أنهم معتدون عليهم، وأن قتلهم لهم كان بغير حق، ms176 وما ذلك إلا لأن ~~الأنبياء نصحوهم ودعوهم إلى ما ينفعهم فقتلوهم، ولو سئلوا وأنصفوا من ~~أنفسهم، لم يذكروا وجها يستحقون به القتل عندهم، ثم علل هذه الجرأة بقوله: ~~{ذلك}، أي: الأمر الكبير من الكفر والقتل، {بما عصوا} أي: بسبب ارتكابهم ~~أنواع المعاصي، واعتدائهم حدود الله في كل شيء، وبما ارتكبوه من الاعتداء، ~~وهو مجاوزة الحدود على سبيل التجدد والاستمرار، فإن من فعل ذلك مرد عليه، ~~ومرن فاجترأ على العظائم. # ولما أنهى سبحانه وتعالى، نبأ أحوال بني إسرائيل، وذكر نهايته، مما بين ~~إعلاء تكرمتهم بالخطاب الأول، إلى أدنى الغضب على من كفر منهم بهذا النبأ ~~الآخر، الذي أخبرنا بالإعراض عنهم في مقابلة الإقبال الأول، وكانوا هم أول ~~أهل كتاب، أشعر تعالى بهذا الختم أنهم صاروا قدوة لجميع من بعدهم، وأن جميع ~~من بعدهم يكون لهم تبعا فيما أصابهم من جميع أهل الملل الأربعة، فقال: # {إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم ~~الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (62)}. # اختلف المفسرون في بيان المراد من قوله تعالى: {إن الذين آمنوا}، وسبب ~~اختلافهم قوله تعالى في آخر الآية: {من آمن منهم بالله واليوم الآخر} ~~{البقرة: 126} فروي عن ابن عباس: أن المراد بهم من آمن قبل مبعث النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -، وقال سفيان الثوري، ما معناه: أنه تعالى ذكر في أول ~~السورة طريقة المنافقين، ثم طريقة اليهود، فالمراد من قوله تعالى: هم الذين ~~يؤمنون باللسان دون القلب، وهم: المنافقون، فذكر المنافقين، ثم اليهود، ثم ~~النصارى، ثم الصابئين، فكأنه قال: هؤلاء المبطلون كل من أتى منهم بالإيمان ~~الحقيقي، صار PageV01P215 ### || CHECK مبحث في معنى "الذين هادوا" و"النصارى" و"الصالحين" # من المؤمنين عند الله. وقال المتكلمون: المراد من {الذين آمنوا} هم: ~~المؤمنون بمحمد - صلى الله عليه وسلم - في الحقيقة، وهو عائد إلى الماضي، ~~ثم قوله: {من آمن بالله} يقتضي المستقبل، فالمراد الذين آمنوا في الماضي ~~وثبتوا على ذلك واستمروا عليه في المستقبل، انتهى. # والذي أراه الصواب من ms177 القول في هذه الجملة [من الآية]: أن المراد من ~~{الذين آمنوا}، من آمن مطلقا، سواء كان الإيمان ظاهرا وباطنا، أم ظاهرا ~~فقط، ثم إنه تعالى فصل في آخر هذه الآية، فأخبر أن من آمن منهم إيمانا ~~حقيقيا، له أجر إيمانه عند ربهم، ومن لا، فلا، ويشهد لهذا التأويل قوله: ~~{منهم} الدالة على التبعيض، وهذا التأويل يضم إليه جميع الأقوال التي مضت ~~عن المفسرين. و {الذين هادوا} معناه: تهودوا، يقال: هاد يهود وتهود، إذا ~~دخل في اليهودية، وهو هائد والجمع هود. والنصارى قيل: سموا بذلك لأنهم ~~نصروا المسيح، وقيل نسبة إلى قرية الناصرة. وأما الصابئون فإن هذا اللفظ ~~مأخوذ من صبأ، إذ خرج من الدين، والسياق يقتضي أن يكون المراد من الصابئين، ~~كل أمة لم تتقيد بدين اليهود، أو النصارى أو المسلمين، سواء كانت من ~~المجوس، أو من عباد الأوثان والملائكة والجن، أم من غيرهم. # وقد روى ابن جرير عن مجاهد أنه قال: الصابئون ليسوا يهودا ولا نصارى، ولا ~~دين لهم. وفي "الملل والنحل" للشهرستاني يقال: صبا الرجل إذا مال وزاغ، ~~فبحكم ميل هؤلاء عن سنن الحق، وزيغهم عن نهج الأنبياء، قيل لهم: الصابئة، ~~وقد يقال: صبا الرجل إذا عشق وهوى، وهم يقولون: الصبوة هي الانحلال عن قيد ~~الرجال، ومدار مذهبهم على التعصب للروحانيين، انتهى. # إذا عرفت ذلك علمت أن قبسا من هذا المذهب، سار بين أصناف البشر، فكثير ~~منهم من يتعصب للأرواح، سواء كانت مفارقة لأجسادها، أو هي روح صرفة، فهؤلاء ~~المذكورون في هذه الآية {من آمن} منهم، أي: داوم على الإيمان، إن كان مؤمنا ~~حقا، أو جمع إلى الإيمان بلسانه الإيمان بقلبه، أو دخل في الإيمان إن كان ~~كافرا، وكان إيمانه {بالله واليوم الآخر}، PageV01P216 ### || CHECK بيان كيف أخذ الله ميثاق بني إسرائيل بالقوة ### || CHECK حكمة إدخال هذه الآية في أثناء قصة بني إسرائيل # فدخل في الإيمان بالله، الإيمان بما أوجبه، أعني: الإيمان برسله، ودخل في ~~الإيمان باليوم الآخر جميع أحكام الآخرة. ثم عطف عليه قوله: {وعمل صالحا}، ~~أي وصدق ms178 ما ادعاه من الإيمان باتباع شرع الرسول الذي في زمانه، بالأعمال ~~الظاهرة، ولم يفرق بين أحد من الرسل، ولا أخل بشيء من اعتقاد ما جاءت به ~~الكتب من الصلاح، فهؤلاء {لهم أجرهم} الذي وعدوه على إيمانهم وعملهم {عند ~~ربهم}، متيقن جاري مجرى الحاصل، {ولا خوف عليهم} في حال الثواب في الآخرة، ~~{ولا هم يحزنون}، يومئذ، وذلك يوجب أن يكون نعيمهم دائما، لأنهم لو جوزوا ~~كونه منقطعا لاعتراهم الحزن العظيم. # ثم إنه تعالى، بعد أن أدخل هذه الآية أثناء قصة بني إسرائيل- لما لها من ~~المناسبة في هذا الموضع، ولما بها من ترويح نفس القارئ لطول قصتهم، وهذا ~~باب من البلاغة عجيب، لأن القصة الطويلة إذا سردت سردا ولم يتخللها معنى ~~غريب، مل سامعها، بخلاف ما إذا تخللها بيان غرائب موضوعها - لا جرم رجع إلى ~~قصصهم على أحسن وجه، مبينا أن هؤلاء أغلظ الناس أكبادا، وأكثرهم جرأة ~~وعنادا لا يرعوون لرهبة، ولا يثبتون لرغبة - أو يقال: لما قرر الله سبحانه ~~وتعالى، المذعن كائنا من كان، تلاه بما لليهود من الجلافة الداعية إلى ~~النفور عن خلال السعادة التي هي ثمرة العلم، وما له فسبحانه من التطول ~~عليهم بإكراههم على ردهم إليه- فقال: # {وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما ~~فيه لعلكم تتقون (63) ثم توليتم من بعد ذلك فلولا فضل الله عليكم ورحمته ~~لكنتم من الخاسرين (64)}. # يقول تعالى مخاطبا بني إسرائيل: {و} اذكروا {إذ أخذنا ميثاقكم}، أي: ~~ميثاق ابائكم بالعمل على ما في التوراة، {ورفعنا فوقكم الطور} حتى قبلتم، ~~وأعطيتم الميثاق. PageV01P217 # وهذه الآية تقتضي أن القوم لما نزلت التوراة على موسى عليه السلام، ~~امتنعوا عن قبولها، وعن العمل بما فيها من التكاليف وادعوا أن موسى عليه ~~السلام افتراها من تلقاء نفسه، فجعل الله تعالى رفع الطور فوقهم، علامة على ~~أنها من عند الله تعالى، ولما كان الجبل قد صار فوقهم كالظلة، وصار عاما ~~لهم- بحيث إنه إذا وقع عليهم لم يفلت منهم إنسان كما قال تعالى: {وإذ نتقنا ~~الجبل فوقهم كأنه ms179 ظلة وظنوا أنه واقع بهم} [الأعراف: 171]- أسقط حرف الجر ~~هنا، فقال: {فوقكم}، ولم يقل: من فوقكم {الطور}، ترهيبا لكم لتقبلوا ~~الميثاق الذي هو سبب سعادتكم، وقلنا لكم وهو مطل فوقكم: {خذوا ما آتيناكم} ~~من الكتاب {بقوة} وبجد وعزيمة، {واذكروا مافيه}، واحفظوا ما في الكتاب ~~وادرسوه ولا تنسوه، ولا تغفلوا عنه {لعلكم تتقون}، رجاء منكم أن تكونوا ~~متقين، أو إرادة أن تكونوا من المتقين، ولما كان التقدير فأخذتم ذلك، ~~وأوثقتم العهد به، خوفا من أن ندفنكم بالجبل، عطف عليه ب {ثم} المشيرة ~~للبعد، إشارة إلى أنه كان من حقكم البعد عن التولي، فقال: {ثم توليتم}، أي: ~~أعرضتم عن الأخذ به {من بعد ذلك}، وذلك أن النفوس إذا توطنت على أمر الله ~~فرأت محاسنه، رجعت بذلك إلى نحو من الفطرة الأولى، {فطرت الله التي فطر ~~الناس عليها} [الروم: 30]، ثم لم ترجع عنه إلا لمنازعة من الهوى شديدة، ~~ولما كان توليهم لم يستغرق زمن البعد، أدخل الجار، فقال: {من بعد ذلك}، أي: ~~من بعد التأكيد على الوفاء به، ولولا تسبب عن توليكم أنه {لولا فضل الله ~~عليكم ورحمته} بالعفو والتوبة، والإكرام بالهداية، والنصر على الأعداء، ~~{لكنتم من الخاسرين} بالعقوبة. # ودل قوله تعالى: {خذوا ما آتيناكم بقوة، واذكروا ما فيه} على أن الإيمان ~~في الجملة ليس بمنج، وليس المنجي إلا الإيمان بجميع ما أخذ عليهم به ~~الميثاق، وهو جميع ما أتاهم في التوراة إيمانا مصحوبا بالقوة، يعني: ~~بالاعتقاد الجازم بوجود الله والعمل بما في كتابهم عملا خالصا لله. وكان من ~~جملة ما كلفوا به الإيمان بنبوة عيسى، ومحمد عليهما السلام. PageV01P218 ### || CHECK حقيقة رفع جبل الطور # فكذلك لا يكون الإيمان منجيا لهذه الأمة إلا بالعمل بما في كتاب الله ~~وشرعه، عملا خالصا لله تعالى (¬1). # فلذلك ذكر الله تعالى هذه الآية تقريعا لليهود، وإرشادا لهذه الأمة أن لا ~~يقتدوا بأولئك. # ثم إن {الطور} اسم للجبل المعهود الذي وقعت المناجاة عليه، ومن الملاحدة ~~من أنكر هذه القضية، وقال: لا يمكن وقوف الثقيل في الهواء بلا عماد، ثم ms180 ~~اعترض عليهم بوقوف الأرض أو حركتها وهي في الفضاء، فقالوا: إنما كانت كذلك ~~لأنها بطبعها طالبة للمركز، فلا جرم وقفت به. وهذا منهم إنكار لقدرة الله ~~تعالى، الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها، وهو تعالى قادر على جميع ~~الممكنات، ووقوف الثقيل من جملة الممكنات فوجب أن يكون الله قادرا عليه. # وقوله: {بغير عمد ترونها} [الرعد: 2]، إشارة إلى الجاذبية لأنها لا ترى، ~~فالأفلاك كلها المستقر منها والمتحرك إنما حصل وظيفته بالجاذبية المخلوقة ~~لله تعالى، والقوم إن أنكروا وجودها عدوا جاهلين، وإن أثبتوها قيل لهم: إذا ~~كان خالق الأكوان هو المتصرف في الجاذبية التي تجذب تلك الكرات العظيمة، ~~فكيف يعجزه أن يسلط جزءا منها على رفع جبل، هو ذرة بالنسبة إلى جبل عظيم من ~~الأجرام العلوية. # وقد يقول البعض: إن هذا خطاب لمن كان بين ظهراني رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، من أهل الكتاب في أيامه، وهم لم يفعلوا شيئا مما ذكر، فكيف ~~يخاطبون بذلك؟ فيقال له: هذا وإن كان خبرا من أسلافهم، لكنه خرج مخرج الخبر ~~عنهم، على نحو ما كانت تفعله العرب، من أن القبيلة كانت تخاطب القبيلة عند ~~الفخار أو غيره، بما مضى من فعل أسلاف المخاطب، بأسلاف المخاطب، فتضيف فعل ~~أسلاف المخاطب إلى نفسها فتقول: فعلنا بكم، وفعلنا بكم. PageV01P219 ### || CHECK بيان العذاب الذي عوقبوا به نتيجة لتعمدهم العدوان في يوم السبت # ولما بين سبحانه وتعالى أنهم ضيعوا أمرا واحدا من أوامره، واستخفوا به، ~~وهو تحريم السبت، عذبهم بعذاب لم يعذب به أحد من العالمين فقال: # {ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين ~~(65) فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين (66)}. # يقول تعالى: {ولقد علمتم الذين اعتدوا}، أي: تعمدوا العدوان {منكم في ~~السبت}، بأن استحلوه وتركوا ما حللهم فيه من التجرد للعبادة وتعظيمه، ~~واشتغلوا بالصيد. وسبب ذلك: أن الله أمرهم بيوم الجمعة فأبوا إلا السبت، ~~فألزمهم الله إياه، وجعله لهم محنة، وحرم عليهم فيه العمل، فابتلاهم ~~بالسمك، فما كان يبقى حوت في ms181 البحر إلا أخرج خرطومه يوم السبت، فإذا مضى ~~تفرقت، كما قال تعالى: {تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا ~~تأتيهم كذلك نبلوهم} [الأعراف: 163]، فحفروا حياضا عند البحر وشرعوا إليها ~~الجداول، فكانت الحيتان تدخلها فيصطادونها يوم الأحد، فذلك الحبس في الحياض ~~هو اعتداؤهم، ثم إنهم كانوا يصطادون على تهيب وخوف من العقوبة، فلما طال ~~زمن عفوه عنهم، وحلمه سبحانه، فتجاهروا بالمعصية، كان أمرهم على ما ذكره ~~تعالى بقوله: {فقلنا لهم: كونوا قردة خاسئين}، أي: كونوا جامعين بين ~~القردية والخسوء، وهو: الصغار والطرد، {فجعلناها} أي: تلك المسخة {نكالا} ~~أي: عبرة، تنكل, أي: تمنع من اعتبر بها، وقيدا مانعا {لما بين يديها} من ~~المعاصي من أهل عالمها الشاهدين لها، {وما خلفها} ممن جاء بعدهم من الأمم ~~والقرون، لأن قصتهم ذكرت في كتب الأولين فاعتبروا بها، واعتبر بها من ~~بلغتهم من الآخرين، {وموعظة للمتقين} الذين نهوهم عن الاعتداء من صالحي ~~قومهم، ولكل متق من غيرهم، وقد أشعر هذا أن التقوى عصمة من كل محذور، وأن ~~النقم تقع في غيرهم وعظا لهم، هذا وقوله تعالى: {كونوا قردة خاسئين} ليس ~~بأمر لهم لأنهم لم يكونوا قادرين على أن يقلبوا أنفسهم على صورة القردة، بل ~~المراد PageV01P220 ### || CHECK بيان قساوة بني إسرائيل في مصالح أنفسهم ### || CHECK اختلاف المفسرين في معنى {كونوا قردة} # منه سرعة التكوين، كقوله تعالى: {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له ~~كن فيكون (40)} [النحل] والمعنى: أنه تعالى لم يعجزه ما أراد إنزاله من ~~العقوبة بهؤلاء، بل لما قال {لهم كونوا قردة خاسئين} صاروا كذلك, أي لما ~~أراد بهم ذلك صاروا كما أراد. # وقد اختلف المفسرون في معنى {كونوا قردة}، فروى عن مجاهد: أنهم لم يصيروا ~~قردة حقيقة؛ ولكن الله مسخ قلوبهم، بمعنى: أنه طبع وختم عليها. والأولى ~~إبقاء الآية على ظاهرها، ولا يستبعد ذلك عقلا لأن بنية الإنسان عرضة ~~للتبدل، فقد يكون السمين هزيلا وبالعكس، ولما كانت الأجزاء متبدلة تبدلا ~~ظاهرا، علم أن الإنسان أمر وراء هذا الهيكل المحسوس، وهو موجود مجرد، ms182 فلا ~~امتناع في بقائه مع تطرق التبدل إلى هيكله، وهذا هو المسخ بذاته على ما ~~تشير إليه هذه الآية، وليس المراد من المسخ هنا ما يدعيه القائلون ~~بالتناسخ، من أن النفوس الناقصة التي بقي شيء من كمالاتها بالقوة تتردد في ~~الأبدان الإنسانية، وتنتقل من بدن إلى آخر، حتى تبلغ النهاية فيما هو ~~كمالها من علومها وأخلاقها، ويسمى هذا عندهم: نسخا. وقالوا: ربما تنازلت ~~إلى الأبدان الحيوانية، فتنتقل من البدن الإنساني إلى بدن حيواني يناسبه في ~~الأوصاف، كبدن الأسد للشجاع، والأرنب للجبان، ويسمى مسخا، وربما تنازلت إلى ~~الأجسام النباتية، ويسمى رسخا، أو إلى الجمادية كالمعادن ويسمى فسخا، ~~ويدعون أن هذه التنازلات المذكورة هي مراتب العقوبات، وإليها الإشارة بما ~~ورد من الدركات الضيقة في جهنم، ولنا عودة إلى هذا الموضوع في المحال ~~المناسبة له إن شاء الله تعالى. # ولما بين تعالى قساوة بني إسرائيل في حقوقه عامة، أتبعه بيان قساوتهم في ~~مصالح أنفسهم، لينتج أنهم أسفه الناس فقال: # {وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا ~~قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين (67) قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي ~~قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك فافعلوا ما تؤمرون ~~(68) قالوا ادع لنا PageV01P221 ### || CHECK إخفاء قصة البقرة في التوراة وذكر ما وضع بدلا منها # ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر ~~الناظرين (69) قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا ~~إن شاء الله لمهتدون (70) قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا ~~تسقي الحرث مسلمة لا شية فيها قالوا الآن جئت بالحق فذبحوها وما كادوا ~~يفعلون (71) وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون (72) ~~فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون (73)}. # قال البقاعي في كتابه "نظم الدرر": لم أر قصة البقرة في التوراة، فلعله ~~مما أخفوه لبعض نجاستهم كما أشير إليه ms183 بقوله تعالى: {تجعلونه قراطيس ~~تبدونها وتخفون كثيرا} [الأنعام: 91] والذي رأيت فيها مما يشبه ذلك ويمكن ~~أن يكون مسببا عنه، أنه قال في السفر الخامس منها ما نصه، فذكر ما يأتي، ~~وأقول: وأنا أيضا اطلعت على ما ذكر في هذا السفر في نسخة التوراة التي بيدي ~~حين الكتابة، وقابلته على ما ذكره البقاعي، فوجدت فيه اختلافا يسيرا في ~~التعريب دون المعنى، ولكني أوردت ما نقله هو لأن تعريبه أتقن (¬1) قال؛ ~~فإذا وجدتم قتيلا في الأرض التي يعطيكم الله ربكم، مطروحا لا يعرف قاتله، ~~يخرج أشياخكم وقضاتكم، ويذرعون ما بين القتيل والقرية، فأي قرية كانت قريبة ~~من القتيل يأخذ أشياخ تلك القرية عجلا لم يعمل به عمل، ولم يحرث فيه حرث، ~~يذبحون العجل في ذلك الوادي، ويتقدم الأحبار بنو اللاوي الذين اختارهم الله ~~بكم أن يخدموا ويباركوا اسم الرب، وعن قولهم يقضي كل قضاء، ويضرب كل مضروب، ~~وجميع أشياخ تلك القرية القريبة من القتيل، يغسلون أيديهم فوق العجل ~~المذبوح في الوادي، ويحلفون ويقولون ما سفكت أيدينا هذا الدم، وما رأينا من ~~قتله، فأغفر يارب لآل PageV01P222 ### || CHECK بيان لماذا قال بنو إسرائيل: {أتتخذنا هزوا} # إسرائيل شعبك الذي خلصت، ولا تؤاخذ شعبك بالدم الزكي، ويغفر لهم على ~~الدم، وأنتم فافحصوا عن الدم، واقضوا بالحق، وأبعدوا عنكم الإثم، واعملوا ~~الحسنات بين يدي الله ربكم، انتهى. # وهو كما ترى يشبه أن يكون فرع الأصل المذكور في القرآن العظيم، والذي ~~تشير إليه في هذه القصة ما حكي عن ابن عباس، ونسبه الرازي إلى سائر ~~المفسرين: أن رجلا في بني إسرائيل قتل رجلا، فاتصل خبره بموسى عليه السلام، ~~فاجتهد في أن يعرف القاتل، فلم يظهر له، فقال له بنو إسرائيل: سل ربك حتى ~~يبينه، فسأل ربه، فكان من أمره ما قصه الله علينا، وهو قوله {وإذ قال موسى ~~لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة} لتعرفوا بها أمر القتيل الذي أعياكم ~~أمره، والتاء في {بقرة} ليست للتأنيث الحقيقي، بل هي التاء الدالة على وحدة ~~الجنس، فتقع على الذكر ms184 والأنثى. # ولما كان من حقهم المبادرة إلى الامتثال، والشكر على أن أجاب الله سؤالهم ~~ولكنهم لم يفعلوا، بين فظاظتهم على طريق الاستئناف معظما لها، بقوله حكاية ~~عنهم: {قالوا أتتخذنا هزوا}، أتجعلنا مكان هزؤ، أو أهل هزؤ، والهزؤ اللعب ~~والسخرية، يقولون لموسى: إنك سخرت ولعبت بنا، ولا ينبغي أن يكون من أنبياء ~~الله فيما أخبرت عن الله من أمر ونهي، هزؤ أو لعب. فطنوا بموسى أنه في أمره ~~إياهم من أمر الله تعالى بذبح البقرة عند تدارئهم في القتيل إليه، أنه هازئ ~~لاعب، ولم يكن لهم أن يظنوا ذلك بنبي الله، وهو يخبرهم أن الله هو الذي ~~أمرهم بذبح البقرة، وحذفت الفاء من قوله {أتتخذنا هزوا}، وهو جواب، ~~لاستغناء ما قبله من الكلام عنه. # {قال أعوذ بالله} أي: اعتصم بالله من {أن أكون من الجاهلين}، لأن الهزؤ ~~في مثل هذا من باب الجهل والسفه. # {قالوا} تماديا في الغلظة: {ادع لنا ربك}، وهذا منهم في غاية الجفاء، حيث ~~خصصوا موسى بالإضافة إلى الرب، ولم يقولوا: ربنا {يبين} أي: يبالغ PageV01P223 ### || CHECK مبالغتهم في الاستفسار عن أوصاف البقرة # في البيان، لأن صيغة التفعيل تقتضي المبالغة {لنا ما هي} تلك البقرة؟ # {قال إنه يقول}، ولما كانوا يتعنتون أكد بقوله: {أنها بقرة لا فارض} أي: ~~ليست مسنة فرضت سنها أي: قطعتها، وبلغت آخرها، {ولا بكر}، أي: وليست فتية ~~صغيرة، بل هي {عوان} أي: نصف {بين ذلك} أي: بين الفارض والبكر، {فافعلوا ما ~~تؤمرون} فإن الإعتراض على من يجب التسليم له كفر. # ولما قال لهم موسى عليه السلام، ذلك لم يفعلوا، بل سألوا بيان اللون بعد ~~بيان السنن. # ف {قالوا ادع لنا ربك}، عادوا إلى جفائهم، {يبين لنا ما لونها} بعد بيان ~~سنها فقال لهم مؤكدا لكلامه أيضا {قال إنه يقول: إنها بقرة صفراء}، وأكد ~~شدة صفرتها بالعدول عن فاقعة إلى {فاقع لونها}، أي: خالص في صفرته، والفقوع ~~في الصفرة نظير النصوع في البياض، {تسر الناظرين}، أي تبهج نفوسهم. قال ~~وهب: إذا نظرت إليها خيل إليك أن ms185 شعاع الشمس يخرج من جلدها، والسرور لذة في ~~القلب عند حصول نفع أو توقعه. # {قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي}، ثم عللوا تكريرهم ذلك بقولهم: {إن ~~البقر تشابه علينا}، أي: إن البقر الموصوف بالتعوين والصفرة كثير، فاشتبه ~~علينا أيها نذبح، {وإنا أن شاء الله لمهتدون} إلى البقرة المراد ذبحها، ~~وإلى ما خفي علينا من أمر القاتل. # {قال إنه يقول أنها بقرة لا ذلول}، أي: لم تذلل لقلب الأرض بالحرث، ~~وإثارة الأرض، {ولا تسقي الحرث}، أي: وليست من النواضح التي يسنى عليها ~~لسقي الحروث، {مسلمة} من العيوب، أو معفاة من العمل، سلمها أهلها منه، {لا ~~شية فيها} أي: لا علامة فيها تخالف لونها بل هي صفراء كلها. # {قالوا الآن جئت بالحق} أي: بحقيقة وصف البقرة، وما بقي إشكال في أمرها، ~~{فذبحوها}، أي فحصلوا البقرة الجامعة لهذه الأوصاف كلها فذبحوها، PageV01P224 ### || CHECK بيان أن في القصة تقريعين لبني إسرائيل # {وما كادوا يفعلون}، أي: قاربوا قبل هذه المراجعة الأخيرة الفعل، وهذا ~~بيان الاستثقال لاستقصائهم واستبطاء لهم، وأنهم لتطويلهم المفرط وكثرة. ~~استكشافهم، ما كادوا يذبحونها، وما كادت تنتهي سؤالاتهم، وما كاد ينقطع خيط ~~إسهابهم فيها وتعمقهم. # ولما قسمت القصة شطرين تنبيها على النعمتين، نعمة العفو عن التوقف عن ~~الأمر، ونعمة البيان للقائل بالأمر الخارق للعادة، وتنبيها على أن لهم بذلك ~~تقريعين: # أحدهما: بإساءة الأدب في نسبة الاستهزاء لسيدنا موسى عليه السلام، ~~والتوقف عن الامتثال. والثاني: على القتل وما تبعه، ولو رتبت القصة ترتيبها ~~في الوجود، لم يحصل ذلك، وقدم الشطر الأنسب لقصة السبت، ثم أتبعه الآخر، ~~وذلك أنه لما وجب عليهم السبت، أخذوا يقترحون ويسألون إياه حتى شدد عليهم ~~كما فعلوا في أمر البقرة. # والشطر الثاني هو قوله تعالى: {وإذ قتلتم نفسا}، أسند الفعل إلى الكل، ~~والقاتل واحد لأن ذلك عادة العرب، لأن عادة القبيلة المدافعة عن أحدهم، ~~{فادارأتم}، فاختلفتم واختصمتم في شأنها، لأن المتخاصمون، يدرأ بعضهم بعضا, ~~أي: يدفعه ويزحمه، ويصح أن يراد ب "ادارأتم" توافقتم، بمعنى: طرح قتلها ~~بعضكم على بعض، ms186 فدفع المطروح عليه الطارح، فكأن لهم بذلك ثلاثة آثام: إثم ~~الكبيرة، وإثم الإصرار، وإثم الافتراء بالدفع، قال الكلبي: وذلك قبل نزول ~~القسامة في التوراة. # ولما كان فعلهم في المداراة فعل غافل عن إحاطة علم الخالق سبحانه، قال ~~يحكي حالهم إذ ذاك: {والله مخرج ما كنتم تكتمون}، أي مظهر لا محالة ما ~~كتمتم من أمر القتل ألا يتركه مكتوما. # ثم بين لهم تعالى سر عظمته وكبريائه، وغفلتهم عن إحاطة علمه تعالى، فقال: ~~{فقلنا اضربوه}، أي اضربوا النفس التي قتلتموها {ببعضها}، أي ببعض البقرة، ~~وذكر النفس على إرادة الشخص بها. قال أبو علي الفارسي في كتاب PageV01P225 ### || CHECK ذكر قصة الشاة المسمومة التي أهدت إلى سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - # "الحجة": قلنا اضربوا المقتول ببعض البقرة، فضربوه به فحيي، يعني: ~~والدليل على هذا المحذوف قوله تعالى {كذلك} أي مثل هذا الإحياء العظيم على ~~هذه الهيئة الغريبة، {يحيي الله الموتى} مثل هذا الإحياء الذي عوين وشوهد. # وهذه المعجزة الخارقة للعادة، هي مثل ما جرى لنبينا - صلى الله عليه وسلم ~~-، فيما رواه البخاري ومسلم، عن أنس والإمام أحمد عن ابن عباس، والدارمي ~~والبيهقي عن جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، لما افتتح خيبر واطمأن ~~الناس، أهدت زينب بنت الحارث لصفية زوج النبي - صلى الله عليه وسلم -، شاة ~~مصلية وقد سألت: أي عضو الشاة أحب إلى رسول الله، فقيل لها: الذراع فأكثرت ~~فيها السم، ثم سمت سائر الشاة، فدخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، على ~~صفية ومعه بشر بن البراء بن معرور (بمهملات) فقدمت إليه الشاة المصلية، ~~فتناول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الكتف، وفي لفظ الذراع، وانتهس ~~منها فلاكها، وتناول بشر عظما فانتهس منه، قال ابن إسحاق: فأما بشر فساغها، ~~وأما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلفظها، وقال ابن شهاب الزهري: فلما ~~استرط رسول الله، استرط بشر ما في فيه، فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "ارفعوا ما في أيديكم فإن كتف هذه الشاة يخبرني أني نعيت فيها". ~~قال ms187 بشر بن البراء: والذي أكرمكم لقد وجدت ذلك في أكلتي، فما منعني أن ~~ألفظها إلا أني أعظمت أن أبغضك في طعامك، فلما استقر ما في فيك لم أكن أرغب ~~بنفسي عن نفسك، ورجوت أن لا أكون استرطتها، فلم يقم بشر من مكانه حتى عاد ~~لونه كالطيلسان، يعني: أصفر شديد الصفرة، قال ابن حجر في "فتح الباري": ~~وماطله وجعه، واحتجم رسول الله وبقي ثلاث سنين، حتى كان وجعه الذي توفي ~~فيه؛ وقال ابن القيم في "زاد المعاد": إن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~لما انتهس من ذراع الشاة أخبره الذراع بأنه مسموم فلفظ الأكلة، انتهى. # ولما كان حصول المعصية من بني إسرائيل بعد رؤية هذا الأمر الخارق مستبعد ~~التصور فضلا عن الوقوع أشار إليه بقوله: # {ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما ~~يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من ~~خشية الله وما الله بغافل عما تعملون (74)}. PageV01P226 ### || CHECK بيان الإشارات المستخلصة من قوله تعالى: {ثم قست قلوبكم من بعد ذلك .. } الآية ### || CHECK وصف حال قلوب بني إسرائيل بعد رؤيتهم للمعجزة # جعل تعالى وصف قلوبهم بالقسوة والغلظة، مثلا لنبوها وتباعدها عن ~~الاعتبار، وأن المواعظ لا تؤثر فيها وقوله: {من بعد ذلك}، إشارة إلى إحياء ~~القتيل، أو إلى جميع ما تقدم من الآيات المعدودة، فهي في قسوتها مثل ~~الحجارة التي هي أبعد الأشياء عن حال القلوب، فإن القلب أحيى حي، والحجر ~~أجمد جامد، ولم يشبهها بالحديد لما فيه من المنافع، ولأنه قد يلين، ولما ~~كانت القلوب بالنظر إلى حياتها ألين لين، وبالنظر إلى ثباتها على حالة أصلب ~~شيء، كانت بحيث تحير الناظر في أمرها، هل هي في القسوة {كالحجارة أو أشد ~~قسوة} لأنها لا تلين للذي حقه أن يلينها، والحجر يلين لما حقه أن يلين، وكل ~~وصف للحي يشابه ما دونه يكون أقبح في الحي مما دونه، من حيث إن الحي مهيأ ~~لضد تلك المشابهة بالإدراك، ولما كان ms188 لقلوبهم فضل على الحجارة في شدة ~~القسوة، قال تقريرا لقوله: {أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه ~~الأنهار}، أي: من الحجارة {وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء}، أي: وإن من ~~الحجارة ما فيه خروق واسعة يتدفق منها الماء الكثير الغزير، ومنها ما ينشق ~~انشقاقا بالطول أو بالعرض فينبع منه أيضا، {وإن منها لما يهبط من خشية ~~الله}، أي: ينتقل من مكانه من أعلى الجبل إلى أسفله، لأمر الملك الأعلى ~~سبحانه وتعالى له بذلك، وقلوب هؤلاء وهم بنو إسرائيل ومن كان على شاكلتهم، ~~لا تنقاد لشيء من الأوامر، فجعل الأمر في حق القلوب لما فيها من العقل، ~~كالإرادة في حق الحجارة لما فيها من الجمادية، وفي ذلك تذكير لهم بالحجارة ~~المتهافتة من الطور عند تجلي الرب. # ولما كان التقدير: وما أعمالكم مما يرضي الله، عطف عليه قوله: {وما الله ~~بغافل عما تعملون}، فانتظروا عذابا مثل عذاب أصحاب السبت، والمعنى: وما ~~الله بغافل يا معشر المكذبين بآياته، والجاحدين نبوة رسوله - صلى الله عليه ~~وسلم -، والمتقولين عليه الأباطيل، من بني إسرائيل وأحبار اليهود، عما ~~تعملون من أعمالكم الخبيثة، وأفعالكم الرديئة، ولكنها يحصيها عليكم ~~فيجازيكم بها في الآخرة، أو يعاقبكم بها في الدنيا. # هذا وفي الآية إشارات: أولها: أن التشديد في السؤال والتعنت فيه موجب PageV01P227 ### || CHECK أقوال المتقدمين من الحكماء # للتشديد في التكليف، ولهذا نهانا الله عنه بقوله: {ياأيها الذين آمنوا لا ~~تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} [المائدة: 101] ويبين تعالى عاقبة ~~التشديد في السؤال، والتعنت في هذه الآية، بما هو غني عن الإيضاح. # ثانيها: يبين تعالى في هذه الآية أن من الحجارة ما يتردى من الموضع ~~العالي الذي يكون فيه، فينزل إلى أسفل، وهؤلاء الكفار مصرون على العناد ~~والتكبر، فلا يهبطون من علو تكبرهم وعنادهم إلى الخضوع والانقياد، فالحجارة ~~أحسن حالا منهم، وكذلك من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار، وأن منها لما ~~يتشقق فيخرج منه الماء المحيي للأرض، والمخرج منها أنواع النبات والثمرات، ~~وقلوب هؤلاء قد طبع الله عليها ms189 بكفرهم، فلا تتفجر منها ينابيع الهداية، ولا ~~تخرج منها الحكمة التي تحيي النفوس، كما يحيي الماء الأرض، فلا يزالون هم ~~ومن كان على شاكلتهم، في عمى وضلال وغي لا يرجى زواله، فنعوذ بالله كان ~~الخذلان. # ثالثها: حكى الرازي عن الحكماء المتقدمين (¬1): أن الأنهار إنما تتولد عن ~~أبخرة تجتمع في باطن الأرض، فإن كان ظاهر الأرض رخوا انشقت تلك الأرض ~~وانفصلت، وإن كان ظهر الأرض صلبا حجريا اجتمعت تلك الأبخرة، ولا يزال يتصل ~~تواليها بسوابقها حتى تكثر كثرة عظيمة، فيعرض حينئذ من كثرتها وتواتر مدها، ~~أن تنشق الأرض وتسيل تلك المياه أودية وأنهارا، انتهى. # وسيمر بك تحقيق هذا البحث في أماكنه إن شاء الله تعالى. # ولما ذكر تعالى، ما كان من قبيح من سلف من بني إسرائيل قبل نزول الكتاب ~~العزيز، شرح من هنا قبائح أفعال اليهود الذين كانوا وقت نزول القرآن ~~العظيم، وذلك لمقاصد، منها الدلالة بها على صحة نبوة محمد - صلى الله عليه ~~وسلم -، لكونه كان أميا لا علم له بشيء منها إلا بطريق الوحي؛ ومنها تعديد ~~النعم على أسلافهم، PageV01P228 ### || CHECK تصويب نقل من تفسير البقاعي ### || CHECK تسلية من الله تبارك وتعالى لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - جراء ما يكابده من أهل الكتاب # ومقابلتهم كل نعمة منها بالكفران، ومنها تحذير أهل الكتاب الموجودين حين ~~نزول القرآن من نزول العذاب عليهم، كما نزل بأسلافهم من قبل ومنها الاحتجاج ~~على المشركين من العرب المنكرين للحشر والنشر، وهو المراد من قوله تعالى: ~~{كذلك يحيي الله الموتى} وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم -، يضيق صدره ~~بسبب عناد أولئك القوم وتمردهم، مع شدة حرصه على الدعاء إلى الحق، وقبولهم ~~الإيمان منه، فقص الله أخبار بني إسرائيل في العناد العظيم مع مشاهدة ~~الآيات الباهرة، تسلية لرسوله فيما يظهر من أهل الكتاب في زمنه، من قلة ~~القبول والاستجابة، فقال تعالى: # {*أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه ~~من بعد ما عقلوه وهم يعلمون (75)}. # الخطاب لرسول الله - صلى الله ms190 عليه وسلم - والمؤمنين، والطمع: تعلق البال ~~بالشيء من غير تقدم سبب له، {أن يؤمنوا} هؤلاء الذين بين أظهركم، وقد سمعتم ~~ما اتفق لأسلافهم من الجفاء والغلظة، والخلف منهم راضون بذلك، ولو لم ~~يكونوا راضين به لآمنوا بمجرد هذا الإخبار عن هذه القصص من هذا النبي ~~الأمي، الذي يحصل التحقيق بأنه لا معلم له بها حالة كونهم معترفين {لكم}، ~~والحال أنه {قد كان فريق}، أي: ناس يقصدون الفرقة والشتات {منهم يسمعون ~~كلام الله} وهو ما يتلونه من التوراة {ثم يحرفونه}، أي يزيلونه عن وجهه ~~برده على حرفه، ووصف الفريق بما ذكر من الأوصاف تأكيد لعظيم تهمكهم (¬1) في ~~العصيان، بأنهم كانوا بعد ما وصف من أحوالهم الخبيثة فرقا في الكفر ~~والعدوان، والتبري من جلباب الحياء. # وقوله: {من بعد ما عقلوه}، معناه: من بعد ما فهموه وضبطوه بعقولهم، ولم ~~تبق لهم شبهة في صحته {وهم يعلمون} أنهم كاذبون مفترون، والمعنى: إن PageV01P229 ### || CHECK مبنى في المراد من {كلام الله} ### || CHECK مبحث في معنى قوله تعالى: {يحرفونه من بعد ما عقلوه} الآية # كفر هؤلاء وحرفوا، فلهم سابقة في ذلك، ومعنى التحريف هنا: تبديل المعنى، ~~وتأويله وتغييره، وأصله من انحراف الشيء عن جهته، وهو ميله عنها إلى غيرها ~~فكذلك قوله: {يحرفونه}، أي: يميلونه عن وجهه ومعناه الذي هو معناه، إلى ~~غيره، كما قاله الإمام ابن جرير الطبري، فأخبر الله جل ثناؤه أنهم فعلوا ما ~~فعلوا من ذلك، على علم منهم بتأويل ما حرفوا، وأنه بخلاف ما حرفوه إليه، ~~فقال: {يحرفونه من بعد ما عقلوه}، يعني: من بعد ما عقلوا تأويله، وهم ~~يعلمون أنهم في تحريفهم ما حرفوا من ذلك مبطلون كاذبون، وذلك إخبار من الله ~~تعالى عن إقدامهم على البهت، ومناصبتهم العداوة له ولرسوله موسى عليه ~~السلام، وأن بقاياهم- من مناصبتهم العداوة لله ولرسوله محمد - صلى الله ~~عليه وسلم -، بغيا وحسدا- على مثل الذي كان عليه أوائلهم من ذلك، في عصر ~~موسى عليه السلام. # وحكى ابن اسحاق، عن بعض أهل العلم، وهو قول الربيع بن أنس: أن الله ms191 تعالى ~~إنما عنى بقوله: {يحرفونه}، من سمع كلامه تعالى من بني إسرائيل مثل ما سمعه ~~موسى عليه السلام منه، ثم حرف ذلك وبدل من بعد سماعه وعلمه به، وفهمه إياه، ~~وذلك أن الله تعالى إنما أخبر أن التحريف كان من فريق منهم، كانوا يسمعون ~~كلام الله استعظاما من الله، لما كانوا يأتون من البهتان، بعد توكيد الحجة ~~عليهم والبرهان، وإيذانا منه تعالى عباده المؤمنين، قطع أطماعهم من إيمان ~~بقايا نسلهم بما أتاهم به محمد - صلى الله عليه وسلم -، من الحق والنور ~~والهدى، فقال: {أفتطمعون} إلى آخر الآية. هذا ما اختاره الطبري من تفسير ~~هذه الآية. # والذي أختاره: أن المراد بقوله تعالى {كلام الله}: هو التوراة وسائر ~~الأمر والنهي، لأنك تقول: قرأت كلام الله وتريد به القرآن، وقال تعالى: ~~{وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله} [التوبة: 6] ~~والمراد به: القرآن العظيم، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ذلك، وإن صح ~~أن بني إسرائيل قالوا لموسى: قد حيل بيننا وبين رؤية الله، فأسمعنا كلامه ~~حين يكلمك، فحصل لهم السماع، ثم حرف فريق منهم معنى ما سمع، كان هذا أيضا ~~داخلا فيما اخترناه، وجعل كلام الله عاما هنا، أولى من حصره في هذه القضية ~~على ما اختاره الطبري، PageV01P230 ### || CHECK علاقة {ثم يحرفونه} بقوله تعالى: {كلام الله} # لأن الآيات الآتية في هذا المعنى تدل على أنهم كانوا يحرفون كلام الله ~~مطلقا، سواء كان في أسفار موسى عليه السلام، أو في غيرها. # ودل ظاهر قوله تعالى، {ثم يحرفونه} باعتبار الضمير العائد إلى كلام الله، ~~أن التحريف كان للفظ، لأن كلام الله إذا كان باقيا على جهته وغيروا تأويله، ~~فإنما يكونون مغيرين لمعناه، لا لنفس الكلام المسموع، والتحريف هنا مطلق لا ~~يدل على أنهم حرفوا أي نوع، هل هو صفة محمد - صلى الله عليه وسلم -، أو ~~غيرها، فينبغي أن يحمل على جنس التحريف، وإذا حمل على الجنس ارتفع الوثوق ~~بجميع الأنواع، لأن كل نوع يتطرق الظن إليه بأنه ربما يكون من المحرف. ms192 ولما ~~كان سلف أولئك القوم يتعمدون التحريف، وكان المقلدة من خلفهم لا يقبلون إلا ~~قولهم، ويأخذونه على علاته، ولا يلتفتون إلى قول الحق ولو أضاء لهم الدليل ~~السبيل، وظهرت الحجة ظهور الشمس في الضحى، كان ذلك سببا لليأس من إيمان ~~مقلديهم. وهذا كقولك للرجل: كيف تفلح، وأستاذك فلان؟ أي: وأنت عنه تأخذ ولا ~~تأخذ عن غيره، وهذا معنى ما نقله الرازي عن القفال، وهو حسن، وأنت جبير بأن ~~المسبب يدور مع السبب وجودا وعدما، فكأن المعنى: أن إيمان أولئك المقلدة ~~لأسلافهم من المحرفين، لا مطمع فيه ما داموا في الجمود في التقليد لهم، ~~فإذا ارتقوا عما هم فيه من الجمود، إلى درجة التحقيق، واستضاؤوا بضياء ~~البرهان، رجي إيمانهم، كما حصل لعبد الله بن سلام وأضرابه، ولذلك كان مما ~~امتن الله به على أفاضل علماء هذه الأمة، أنهم يدورون مع الحق كيفما دار، ~~ويميلون معه حيثما مال، فلا يجمدون على قول متقدم لمجرد تقدمه، ولا يغترون ~~بما يقول من هو مشهور بين الناس، بل يقولون: الرجال تعرف بالحق، وليس الحق ~~يعرف بالرجال. # وهنا يجدر بنا أن نلم بمسألة جديرة بالاهتمام، معينة على بيان مواضع ~~كثيرة من تفسير آي الكتاب، وهي أننا نذكر محصل فصل حكاه الحكيم السموأل بن ~~يهوذا الذي كان يهوديا فأسلم، في كتابه "بذل المجهود في إقناع اليهود" وهذا ~~الكتاب ينقل فيه عبارة التوراة بالعبرانية وينقلها إلى العربية، ويناقش ~~اليهود بها، وذلك الفصل PageV01P231 ### || CHECK لمحة عن تاريخ اليهود ذكرها السموأل ### || CHECK فصل فيما حكاه السموأل عن ذكر السبب في تبديل التوراة # الذي ننقل محصله الآن، وسمه ب "ذكر السبب في تبديل التوراة"، فقال: إن ~~علماء اليهود، وأحبارهم يعلمون أن هذه التوراة التي بأيديهم لا يعتقد أحد ~~منهم أنها المنزلة على موسى ألبتة، لأن موسى وإن التوراة عن بني إسرائيل، ~~ولم يبثها فيهم، وإنما سلمها إلى عشيرته أولاد "ليوي"، وكان بنو هارون قضاة ~~اليهود وحكامهم، لأن الإمامة وخدمة القرابين وبيت المقدس كانت موقوفة ~~عليهم، ولم يبذل موسى من التوراة لبني ms193 إسرائيل إلا سورة واحدة، يقال لها ~~"هاأزينو" لتكون شاهدا على بني إسرائيل، وكانت مشتملة على ذم طبائعهم، ~~وأنهم يخالفون شرائع التوراة، وأن السخط يأتيهم بعد ذلك وتخرب ديارهم، ~~ويشتتون في البلاد، وفي هذه السور يقول: "كي لوتشا خاخ مفي زرعون"، تفسيره: ~~لأن هذه السورة لا تنسى من أفواه أولادهم، وهذا يدل على أن غيرها من السور ~~ينسى، ثم إن بقية التوراة بقيت عند أولاد هارون إلى أن جاء "عزرا"، فأخرج ~~لهم هذا الكتاب الموجود بأيديهم اليوم، ولهذا يعظمونه غاية التعظيم، وزعموا ~~أن النور لا يزال يظهر على قبره الذي عند البطائح بالعراق, لأنه عمل لهم ~~كتابا يحفظ لهم دينهم، ومن قرأ فصول ذلك الكتاب الذي بأيديهم علم يقينا، أن ~~الذي جمعه رجل فارغ جاهل الصفات الإلهية، فلذلك نسب إلى الله تعالى صفات ~~التجسيم والندامة على ماضي أفعاله، والإقلاع عن مثلها، وغير ذلك مما يستحيل ~~على الله سبحانه وتعالى، وحاشى أن يأتي بمثله كتاب منزل. # ثم قال في "بذل المجهود" بعد هذا: ولا ينبغي للعاقل أن يستبعد اصطلاح ~~كافة هذه الطائفة على المحال، واتفاقهم على فنونهم من الكفر والضلال، فإن ~~الدولة إذا انقرضت من أمة باستيلاء غيرها عليها، وأخذها بلادها، انطمست ~~حقائق سالف أخبارها، واندرس قديم آثارها، وتعذر الوقوف عليهما، لأن الدولة ~~إنما يكون زوالها من أمة بتتابع الغارات والمضايقات، وإخراب البلاد وإحراق ~~بعضها، فلا تزال هذه الفتن متتابعة إلى أن تستحيل علومها جهلا، وآثارها ~~قلا، وكلما كانت الأمة أقدم، واختلفت عليها الدول المتناولة لها بالإذلال، ~~كان حظها من اندراس الآثار أكثر، وهذه الطائفة أعظم الطوائف حظا مما ذكرنا، ~~لأنهم من أقدم الأمم عهدا، ولكثرة الأمم التي استولت عليها، مثل الكسدانيين ~~والبابليين، PageV01P232 # والفرس، واليونان، والنصارى، والمسلمين، وما من هذه الأمم إلا من قصدهم ~~أشد القصد، وطلب استئصالهم وبالغ في إحراق بلادهم وإخرابها، وإحراق كتبهم ~~إلا المسلمين، فإن الإسلام صادف اليهود تحت ذمة الفرس، ولم يبق لهم قبله ~~مدينة ولا جيش إلا العرب المتهودة بخيبر، وأشد ما كان على اليهود من ذلك، ms194 ~~ما أصابهم من ملوكهم العصاة، مثل: "أحاب، وأحزيا وأمصيا ويهورام ويربعام بن ~~نباط" وغيرهم من الملوك الإسرائيليين الذين قتلوا الأنبياء، وبالغوا في ~~تطلبهم ليقتلوهم، وعبدوا الأصنام، وأحضروا من البلاد سدنتها لتعظيمها ~~وتعليم رسوم عبادتها، وابتنوا لها البيع والهياكل، وعكف على عبادتها الملوك ~~ومعظم بني إسرائيل، وتركوا أحكام التوراة والشرع مدة طويلة، وأعصارا متصلة. # فإذا كان هذا من تواتر الآفات عليهم من قبل ملوكهم، ومن أنفسهم فما ظنك ~~بالآفات المتفننة التي تواترت عليهم من استيلاء الأمم فيما بعد عليهم، ~~وقتلهم أئمتهم، وإحراقهم كتبهم، ومنعهم إياهم عن القيام بشرائعهم، فإن ~~الفرس كثيرا ما منعوهم من الختان، وكثيرا ما منعوهم عن الصلاة، لمعرفتهم ~~بأن معظم صلاة هذه الطائفة دعاء على الأمم بالبوار، وعلى البلاد بالخراب، ~~سوى بلادهم التي هي أرض كنعان، فلما رأت اليهود الجد في الفرس في منعهم من ~~الصلاة، اخترعوا أدعية يدعون أنها (¬1) فصولا من صلاتهم سموها الخزانة، ~~وصاغو لها ألحانا عديدة، وصاروا يجتمعون في أوقات صلاتهم على تلحينها ~~وتلاوتها، والفرق بين هذه الخزانة وبين صلاتهم الأصلية، أن الصلاة بلا لحن، ~~وأن المصلي يتلو الصلاة وحده ولا يجهر معه غيره، وأما الخزان فيشترك جماعة ~~بالجهر بالخزانة، ويعاونونه وينوحون أحيانا على أنفسهم. # ومن العجب أن دول الإسلام يقرون أهل الذمة على أديانهم، وبذلك صارت ~~الصلاة مباحة لهم، ومع ذلك فإن الخزانة صارت عند اليهود من السنن المستحبة ~~في الأعياد والمواسم والأفراح، يجعلونها عوضا عن الصلاة، ويستغنون بها ~~عنها، من غير ضرورة تبعثهم على ذلك. PageV01P233 ### || CHECK مبحث في معنى كلمة الفتح في قوله تعالى: {أتحدثونهم بما فتح الله عليكم} الآية ### || CHECK سبب نزول قوله تعالى: {وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا .. } الآية # هذا كلامه، وهذا من جملة التحريف الذي حرفوه، ومن تأمل هذا الكلام وجده ~~مطابقا لما حكاه، وشرحه الإمام علي بن حزم في المجلد الأول من كتابه المسمى ~~ب "الفصل في الملل والأهواء والنحل" مع أن ابن حزم كان في القرن الرابع، ~~وصاحب "بذل المجهود" كان في القرن السابع. # ولما كان الكلام ms195 في الآية السابقة مرشدا إلى [أن] (¬1) التقدير: فهم ~~لجرأتهم على الله إذا سمعوا كتابكم حرفوه، وإذا حدثوا عباد الله لا يكادون ~~يصدقون، عطف عليه قوله: # {وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا ~~أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون (76) أولا ~~يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون (77)}. # روى ابن جرير عن ابن عباس في تفسير الآية: أن نفرا من اليهود في زمن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، كانوا إذ لقوا أصحاب محمد - صلى الله عليه ~~وسلم -، قالوا: آمنا بالذي آمنتم به، ونشهد أن صاحبكم صادق، وأن قوله حق، ~~ونجده بنعته وصفته في كتابنا، ثم إذا خلا بعضهم إلى بعض، قال الرؤساء: ~~أتحدثونهم بما فتح الله عليكم من نعته وصفته في كتابه، ليحاجوكم به، فإن ~~المخالف إذا اعترف بصحة التوراة واعترف بشهادة التوراة على نبوة محمد - صلى ~~الله عليه وسلم -، فلا حجة أقوى من ذلك، فلا جرم كان بعضهم يمنع بعضا من ~~الاعتراف بذلك عند محمد - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه. # فقوله تعالى: {وإذا لقوا الذين آمنوا}، معناه: آمنوا بمحمد - صلى الله ~~عليه وسلم - قالوا نفاقا منهم: آمنا بأنكم على الحق، وأن محمدا هو الرسول ~~المبشر به، {وإذا خلا بعضهم} الذين لم ينافقوا {إلى بعض}، وهم الذين كانوا ~~ينافقون، {قالوا} عاتبين عليهم: {أتحدثونهم بما فتح الله عليكم}، الفتح: ~~توسعة الضيق حسا ومعنى، والمعنى: بما فتح الله عليكم من العلم القديم الذي ~~أتاكم على ألسنة رسلكم في التوراة وأسفار الأنبياء، ويطلق الفتح في كلام ~~العرب على النصر، PageV01P234 # والقضاء، والحكم، ومنه: {ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق} [الأعراف: ~~89]، أي: احكم، والمعنى على هذا: أتحدثونهم بما حكم الله به عليكم وقضاه ~~فيكم، ومن حكمه ما أخذ به ميثاقكم من الإيمان بمحمد - صلى الله عليه وسلم ~~-، ومن قضائه فيهم أن جعل فيهم القردة والخنازير، وغير ذلك من قضائه ~~وأحكامه فيهم. وكل ذلك كان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وللمؤمنين به ~~حجة على المكذبين به ms196 من اليهود، المقرين بحكم التوراة وغير ذلك. # وأنت إذا تأملت سابق هذه الآية ولاحقها، علمت أن معنى: {بما فتح الله ~~عليكم} من بعث محمد - صلى الله عليه وسلم - إلى خلقه، وإخبارهم المؤمنين ~~بنعته وصفاته، وزمن خروجه، لأن الله تعالى قص علينا في أول هذه الآية ما ~~كانوا يظهرون من قولهم للمؤمنين: آمنا بمحمد - صلى الله عليه وسلم -، وبما ~~جاء به، ثم يتلاومون فيما بينهم إذا خلوا على ما كانوا يخبرونهم بما هو حجة ~~للمسلمين عليهم عند ربهم، والمحاجة فيما ألزم الله به من أتباع الرسل، تصح ~~أن توصف بأنها محاجة فيه لأنها محاجة في دينه. # وقوله: {أفلا تعقلون} راجع إلى الذين خلوا، والمعنى: أنه عندما خلا بعضهم ~~ببعض قالوا لهم: أتحدثونهم بما يرجع وباله عليكم، وتصيرون محجوجين به، أفلا ~~تعقلون أن ذلك لا يليق بما أنتم عليه. وقيل: إن معنى قوله تعالى: {أفلا ~~تعقلون}، راجع للمؤمنين المخاطبين بقوله تعالى: {أفتطمعون}، والمعنى: أفلا ~~يكون لكم عقل ليردكم ذلك عن تعليق الأمل بإيمانهم. وهذا الوجه وإن كان قريب ~~المعنى لكن الذي قبله أظهر. # ولما كان ظن الذين قالوا: {أتحدثونهم}، الآية، ظاهر الفساد, لأنه لو لم ~~يكن علمه من قبل الله تعالى لم يقدر أن يعبر بعبارة تعجز الخلائق عن ~~مماثلتها، وبخهم الله بقوله: {أولا يعلمون}، أي: ألا يعلمون أن علم ~~المؤمنين لذلك لم يكن إلا عن الله لما قام عليه من دليل، {أولا يعلمون أن ~~الله يعلم ما يسرون}، أي: يخفون من قولهم لأصحابهم، ومن غيره، {وما يعلنون} ~~أي يظهرون ذلك فيخبر به أولياؤه، ومن جملة ما يعلنون وما يظهرون، إسراراهم ~~الكفر وإعلانهم الإيمان. PageV01P235 ### || CHECK بيان تقسيم اليهود إلى أربع فرق ### || CHECK أحكام تستنبط من هذه الآية # ومن الأحكام التي تستنبط من هذا الآية: أن الحجاج والنظر كان طريقة ~~الصحابة والمؤمنين، وأن ذلك كان ظاهرا عند اليهود، حتى قال بعضهم لبعض ما ~~قالوا، وأن الحجة قد تكون إلزامية، لأنهم لما اعترفوا بصحة التوراة ~~باشتمالها على ما يدل على نبوة محمد - صلى الله ms197 عليه وسلم -، لا جرم لزمهم ~~الاعتراف بالنبوة، ولو منعوا إحدى تينك المقدمتين لما تمت الدلالة، وأن ~~الآتي بالمعصية مع العلم بكونها معصية يكون أعظم جرما ووزرا. # ولما ذكر سبحانه وتعالى هذا الفريق الذي هو أعلاهم كفرا، وأعتاهم أمرا ~~عطف عليه قسما أعتى منه، وأفظ، لأن العالم يرجى لفته عن رأيه، أو تخجيله ~~بالحجاج، بخلاف المقلد العاتي الكثيف الجافي، فقال: # {ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون (78) فويل ~~للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا ~~قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون (79)}. # هذه الآية والآيات السالفة، قسمت اليهود إلى أربع فرق: # أولاها: الفرقة الضالة المضلة، وهم الذين يحرفون الكلم عن مواضعه. # والفرقة الثانية: المنافقون. # والفرقة الثالثة: الذين يجادلون المنافقين. # والفرقة الرابعة: هم المذكورون في هذه الآية بقوله تعالى: {ومنهم أميون}، ~~أي: ومنهم عامة أميون، لا معرفة عندهم بقراءة ولا كتابة، وطريقهم التقليد ~~وقبول ما يقال لهم. # فبين تعالى: أن الذين يمتنعون عن قبول الإيمان ليس سبب ذلك الامتناع ~~واحدا، بل لكل قسم منهم سبب آخر، كذا قاله الفخر، وقال: ومن تأمل ما ذكره ~~الله تعالى في هذه الآية من شرح فرق اليهود، وجد ذلك بعينه في فرق هذه ~~الأمة، فإن فيهم من يعاند الحق ويسعى في إضلال الغير، وفيهم من يكون PageV01P236 ### || CHECK ما يؤخذ من أحكام في هذه الآية ### || CHECK معنى قوله تعالى: {لا يعلمون الكتاب إلا أماني} الآية # متوسطا، وفيهم من يكون عاميا محضا مقلدا، وهذا كلامه. # أقول: وفيهم من يكون مجادلا للمنافق، والذي فسرنا الأمي به، من أنه الذي ~~لا يحسن القراءة ولا الكتابة، هو المعروف من كلام العرب والمستفيض فيما ~~بينهم، وكأن الأمي نسبة إلى أمه، لأن الكتاب كان في الرجال دون النساء، ~~فنسب من لا يكتب ولا يخط من الرجال إلى أمه في جهله بالكتاب دون أبيه، ~~ويجوز أن يراد بالأمي المعنى الأعم وهو: من لا يحسن الكتابة، ومن يحسنها ~~ولكنه غليظ الطبع، بعيد ms198 عن الفهم، قال في القاموس: والأمي: العيي الجلف ~~الجافي القليل الكلام، انتهى. # وقد وصف تعالى أولئك بقوله: {لا يعلمون الكتاب}، أي: لا يعرفون التوراة ~~ليطالعوها ويتحققوا ما في تضاعيفها من دلائل النبوة فيؤمنوا، أو أنهم لا ~~يعرفون إلا القراءة الخالية عن التدبر والفهم، المقرونة بالتمني، ولذا قال ~~{إلا أماني}، جمع "أمنية"، وهي تقدير الوقوع فيما يترامى إليه الأمل، ~~والمعنى: إذا كانت الأماني مما يصح وصفه بالعلم فهي لهم، لا غيرها من جميع ~~أنواعه، وقيل: الأماني بمعنى الأكاذيب، والمعنى عليه: لا يعلمون الكتاب إلا ~~أماني، أي: أكاذيب مختلقة سمعوها من علمائهم فتقبلوها على التقليد، وهذا ~~يساعده إخبار الله تعالى عنهم بأنهم يحرفون الكلم عن مواضعه, أي: أن ~~أسلافهم حرفوا الكلام، ومزجوا شرحها بالأكاذيب والتمويه والتضليل، وهؤلاء ~~أخذوا ذلك منهم من غير تمحيص ولا نظر، يساعده قوله تعالى: {وإن هم إلا ~~يظنون}، أي: ما هم إلا قوم قصارى أمرهم التقليد والظن، من غير أن يصلوا إلى ~~رتبة العلم، فأنى يرجى منهم الإيمان المؤسس على قواعد اليقين، وفي الإتيان ~~ب {إن} التي معناها النفي، والاستثناء ب {إلا} تأكيد لنفي العلم عنهم. # ولما ذم الله تعالى من لا يعلم، علم أن المعارف كسبية لا ضرورية. # ويؤخذ من أحكام هذه الآية: أن الاكتفاء بالظن في أصول الدين غير جائز، ~~وأن التقليد لا يعد علما, لأنه أخذ قول الغير بلا دليل، ومثل هذا لا يليق ~~أن PageV01P237 ### || CHECK بيان عظم ذنب من باع آخرته بدنياه ### || CHECK معنى الويل في قوله تعالى: {فويل للذين يكتبون الكتاب} الآية # يكون متصفا بالعلم أصلا، لأن هذه طريقة العوام، وأن المضل وإن كان ~~مذموما، فالمغتر بإضلال المضل أيضا مذموم, لأنه تعالى ذمهم وإن كانوا بهذه الصفة. # ولما أثبت لهذا الفريق القطع على الله بما لا علم لهم به، وكان هذا معلوم ~~الذم محتوم الإئم، سبب عنه الذم والإثم بطريق الأولى لفريق هو أردؤهم ~~وأضرهم لعباد الله، وأعداهم فقال: {فويل}، والويل جماع الشر كله, أي: ما ~~يجمع الشر كله كائن {للذين يكتبون} منهم، ms199 أو من غيرهم، {الكتاب} الذين ~~يعلمون أنه من عندهم لا من عند الله تعالى، أو يكتبون التأويلات الزائفة ~~{بأيديهم} تأكيد لدفع توهم المجاز كقولك: كتبته بيميني. # ثم أشار إلى قبح هذا الكذب وبعد رتبته في الخبث ب {ثم} المفيدة للتراخي، ~~فقال: {ثم يقولون}، أي: لما كتبوه كذبا وبهتانا {هذا من عند الله}. # ثم بين بالعلة الحاملة لهم على ذلك خساستهم وتراميهم إلى النجاسة، ~~ودناءتهم، فقال: {ليشتروا به}، أي: بذلك الكذب الذي صنعوه {ثمنا قليلا}، ثم ~~سبب عنه قوله: {فويل لهم مما كتبت أيديهم} من ذلك الكذب على الله، {وويل ~~لهم مما يكسبون}، أي: يجددون كسبه مما اشتروه به، والمراد مما يكسبون من ~~الخبث، ولكنه حذفه لوضوح الدلالة عليه بقرينة ما تقدم. # وفي هذه الآية بيان لما شرف به كتابنا من أنه لإعجازه، لا يقدر أحد أن ~~يأتي من عنده بما يدسه فيه، فيلبس به، فله تعالى الحمد والمنة. # وأشارت الآية إلى أن كسبهم هذا في غاية الرداءة لأنهم ضلوا عن الدين، ~~وأضلوا، وباعوا آخرتهم بدنياهم، فذنبهم أعظم من ذنب غيرهم، فإن المعلوم أن ~~الكذب على الغير مم يضر بعظم إثمه، فكيف بمن يكذب على الله ويضم إلى الكذب ~~الإضلال، ويضم إليهما حب الدنيا والإحتيال في تحصيلها، ويضم إليها أنه مهد ~~طريقا في الإضلال باقيا على وجه الدهر، فلذلك عظم الله تعالى ما فعلوه. PageV01P238 ### || CHECK إدعاؤهم الباطل في أن النار لن تمسهم إلا أياما معدودة # وفي هذه الآية دليل على أن أخذ المال على الباطل، وإن كان بالتراضي فإنه ~~محرم، لأن الذي كانوا يعطونه من المال كان على محبة ورضا، ومع ذلك فقد نبه ~~تعالى على تحريمه. # ولما أرشد الكلام إلى أن التقدير فحرفوا كثيرا في كتاب الله، وزادوا ~~ونقصوا، عطفوا عليه ما بين به جرأتهم وجفاءهم، وعدم اكتراثهم بما يرتكبونه ~~من الجرائم التي هم أعلم الناس بأن بعضها موجب للخلود في النار، فقال تعالى: # {وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا فلن ~~يخلف الله عهده ms200 أم تقولون على الله ما لا تعلمون (80)}. # هذا القول على كل حال جهل منهم، ولكن يحتمل أن هؤلاء القوم كانوا على ~~مذهب من سلف من الفلاسفة القائلين: "بأن الأرواح وإن صارت مكدرة بأفعال ~~الأشباح، إلا أنها بعد المفارقة ورجوع العناصر إلى أصلها تصير إلى حظائر ~~القدس، ولا يزاحمها شيء من نتائج الأعمال، إلا أياما معدودة بقدر فطام ~~الأرواح عن لبان التمتعات الحيوانية، ثم تتخلص من العذاب وترجع إلى حسن ~~المآب". # وعلى هذا يكون الرد في الآية على كل فريق انتحل هذه النحلة، واتبع هذه ~~البدعة، وذلك ما قاله تعالى رادا على فريق منهم: {وقالوا لن تمسنا النار ~~إلا أياما معدودة} أي: منقضية، لأن كل معدود منقض، وإنما الذي لا انقضاء له ~~هو الذي يعسر عده، ولما ادعوا ذلك كان كأنه قيل: فبماذا نرد عليهم؟ فقال: ~~قل منكرا لقولهم: {أتخدتم} في ذلك {عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده} أم ~~لم يكن ذلك {أم تقولون على الله ما لا تعلمون} ومعنى الإنكار في الاستفهام: ~~أنه ليس واحد من الأمرين واقعا لا أنتم اتخدتم عهدا ولا أنتم قلتم ذلك ~~جهلا، بل قلتموه وأنتم تعلمون خلافه. # وفي حديث أبي هريرة عند البخاري والدارمي أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال يوم خيبر لليهود: "من أهل النار؟ " فقالوا: نكون فيها يسيرا ثم ~~تخلفونا، فقال لهم: "اخسؤوا فيها، والله لا نخلفكم فيها أبدا". PageV01P239 ### || CHECK مبحث في معنى قوله تعالى: {من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته} الآية # ولما انتفى في الآية الأمران، علم أن الكائن غير ما ادعوه، فصرح به في قوله: # {بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (81)}. # فكذب تعالى القائلين من اليهود: {لن تمسنا النار إلا أياما معدودة}، ~~وأخبر: أنه تعالى يعذب من أشرك به، وكفر به وبرسله، وأحاطت به ذنوبه، ~~ويجعله مخلدا في النار، فقوله تعالى: {بلى}، إثبات لما نفوه من مساس النار ~~لهم، فإن {بلى}، و "بل" حرفا استدراك، ومعناها نفي الخبر الماضي، وإثبات ~~الخبر المستقبل, ms201 أي: بلى تمسكم النار وتخلدون فيها، بدليل قوله: {هم فيها ~~خالدون}. # وقوله: {من كسب سيئة}، فسر قتادة ومجاهد السيئة هنا بالشرك بالله تعالى، ~~وبذلك قال غيرهما من المفسرين، فجعلوا السيئة في هذه الآية من الخاص، ~~وقالوا: هي وإن كان لفظها يدل على العموم، لكن لما قضى الله على أهلها ~~بالخلود في النار، وكان الخلود بها لأهل الكفر بالله دون أهل الإيمان به، ~~لتظاهر الإخبار عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، بأن أهل الإيمان لا ~~يخلدون فيها، وأن الخلود في النار لأهل الكفر، كان هذا قرينة على التخصيص، ~~وإلى هذا جنح الطبري: وذهب غيره إلى إبقاء السيئة على عمومها وتناولها جميع ~~المعاصي، ولكن لما كان من الجنائز أن يظن أن كل سيئة صغرت أو كبرت، فحالها ~~سواء في أن فاعلها يخلد في النار، أردفها بقوله: {وأحاطت به خطيئته}، ليدل ~~على أن الذي يستحق به الخلود هو الذي تكون سيئته قد أحاطت به، ومعلوم أن ~~لفظ الإحاطة حقيقة في إحاطة جسم بجسم آخر، كإحاطة السور بالبلد، والكوز ~~بالماء، وذلك ههنا ممتنع، فيحمل حينئذ على ما إذا كانت السيئة كبيرة، لأنها ~~تحيط بثواب الطاعات، فتكون كالستارة لها، وإذا أحاطت بها كانت مستولية على ~~تلك الطاعات ومحيطة بها، فكأنه تعالى قال: بلى من كسب كبيرة وأحاطت كبيرته ~~بطاعته، فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون. PageV01P240 ### || CHECK بيان صفات أهل الجنة ### || CHECK مذاهب بعض المفسرين والمتكلمين في تفسير هذه الآية # وجنح إلى هذا كثيرون منهم الزمخشري وفخر الدين الرازي، وهو الذي نختاره، ~~قال في الكشاف: سأل رجل الحسن البصري عن الخطيئة، فقال: سبحان الله ألا ~~أراك ذا لحية، وما تدري ما الخطيئة؟ انظر في المصحف فكل آية نهى الله فيه ~~عنها، وأخبرك أنه من عمل بها أدخله النار فهى الخطيئة. انتهى. # فإن قيل: هذه الآية وردت بحق اليهود، قلنا العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص ~~السبب، ولبعض المفسرين والمتكلمين مسارح في هذا المقام طويلة جدا حاصلها أن ~~هنا ثلاثة مذاهب: # أولها: إثبات الخلود في النار لأهل الكبائر ms202 الذين ماتوا ولم يتوبوا منها، ~~وهو قول جمهور المعتزلة والخوارج، ومنهم من أثبت وعيدا منقطعا، وهو قول بشر ~~المريسي والخالدي. # وثانيها: القطع بأنه لا وعيد لهم، وهو قول شاذ ينسب إلى مقاتل بن سليمان ~~المفسر. # وثالثها: القطع بأنه سبحانه وتعالى يعفو عن بعض العصاة، ويعذب ببعض ~~المعاصي، مع التوقف في حق كل أحد على التعيين، أنه هل يعفو عنه أم لا، ~~والقطع بأنه تعالى إذا عذب أحدا منهم مدة، فإنه لا يعذبه إلى الأبد، بل ~~يقطع عذابه، وهذا قول أكثر الصحابة والتابعين، وهو قول جمهور العلماء، ~~وأكثر الإمامية، ولكل من هذه الفرق [أدلة] (¬1) يطول بيانها، ومحلها كتب ~~الكلام، وقد ذكر الرازي منها جملا. # ولما كان من فضله تعالى، أنه لا يذكر في القرآن آية في الوعيد إلا ويذكر ~~بجنبها آية الوعد، قال: # {والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون (82)}. # يعني ب {الذين آمنوا}: الذين صدقوا بما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم ~~-، بألسنتهم، PageV01P241 # {وعملوا الصالحات}، أطاعوا الله فأقاموا حدوده، وأدوا فرائضه، واجتنبوا ~~محارمه، فبينوا أن قلوبهم مطمئنة بالإيمان، {أولئك} الذين علت مراتبهم ~~وشرفت مناقبهم {أصحاب الجنة هم فيها خالدون}، مقيمون فيها أبدا، وترك الفاء ~~من {أولئك} هنا ليدل على أن سبب سعادتهم إنما هو الرحمة المفاضة عليهم منه ~~تعالى، لا بسبب أعمالهم. # ثم شرع سبحانه يقيم ### || AUTO الدليل على أن اليهود ممن أحاطت به خطيئته # فقال: # {وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وذي ~~القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون (83)}. # فقوله تعالى {وإذ أخذنا}، معناه: اذكروا ما تعلمون في كتابكم من حال من ~~أصاب سيئة محيطة، واذكروا إذ أخذنا ميثاقكم، فالمقام هنا مقام إضمار، ولكنه ~~أظهر لطول الفصل بذكر وصف يعمهم وعيرهم، فقال: {ميثاق بني إسرائيل}، وهذا ~~على تقدير حذف ما تعلقت به {إذ}، ويجوز أن يكون معطوفا على {نعمتي} في قوله ~~تعالى: {يابني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم} [البقرة: ms203 40 - 47] ~~لأن الكل في مخاطبتهم وبيان أمورهم. # ولما كان الدين، إنما هو الأدب بين الخالق والخلق، ذكر المعاهد عليه من ~~ذلك مرتبا له على الحق فالأحق، فقال: ذاكرا له بصيغة الخبر، مريدا به النهي ~~والأمر، وهو أبلغ من صريح الأمر والنهي, لأنه كأنه سورع إلى الامتثال ~~والانتهاء، فهو يخبر عنه ودل على إرادة ذلك بعطف: {وقولوا للناس حسنا} ~~عليه، و {الميثاق} وزنه مفعال، مأخوذ من التوثق باليمين ونحوها من الأمور ~~التي تؤكد القول، فكأنه تعالى يقول: إنه ما من شريعة، إلا وقد [أخذنا] على ~~أهلها الميثاق بأن لا يعبدوا إلا الله المنعم الحقيقي الذي له الأمر كله، ~~وأنتم معشر بني إسرائيل، قد أخذ عليكم هذا الميثاق بذاته، فلم نقضتم ~~الميثاق وغيرتم وبدلتم وعبدتم الأشخاص؟ PageV01P242 ### || CHECK مبحث في حقوق الوالدين # ثم بين بقية ما أمرهم به، إعلاما بأن الشرع إنما هو معرفة الخالق ومعرفة ~~ما يجب له، ثم معرفة حقوق الخلق على بعضهم بعضا فقال: {لا تعبدون إلا الله ~~وبالوالدين إحسانا} أي: وأحسنوا، أو تحسنون بالوالدين إحسانا عظيما، وإنما ~~قدم الإحسان بالوالدين على ما بعده وعطفه على قوله: {لا تعبدون إلا الله}، ~~لأن الوالدين في المرتبة الثانية، حيث جعلهما الله سبحانه السبب في نعمة ~~الإيجاد الأول، والمباشرين للتربية، واسمهما مشتق من الولادة لأنهما السبب ~~أيضا في استبقاء ما يتوقع ذهابه، بظهور صورة منه تخلف صورة نوعه، ولذلك أكد ~~سبحانه وتعالى الوصية بهما وكررها في كتابه العزيز فقالها: {وبالوالدين ~~إحسانا}، فأطلق الوالدين ولم يقيدهما بكونهما مؤمنين، ولا بكونهما كافرين، ~~ومن المعلوم في فن الأصول أن الحكم إذا ترتب على وصف أشعر بعلية ذلك الوصف، ~~فالاية دالة على أن الأمر بتعظيم الوالدين لمحض كونهما والدين، وهذا يقتضي ~~العموم. # ثم إنه تعالى بين في قوله: {وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا (24)} ~~[الإسراء]، السبب الذي من أجله كان وجوب التعظيم، وبالغ في المنع من ~~إيذائهما بقوله: {فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما (23) ~~واخفض لهما جناح الذل من الرحمة} [الإسراء] ثم قص ms204 علينا قصة إبراهيم عليه ~~السلام وكيف كان يتلطف في دعوة أبيه من الكفر إلى الإيمان، في قوله: {ياأبت ~~لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا (42)} [مريم] إلى محال من ~~الكتاب الكريم جاءت في هذا الصدد، ثم إن أباه كان يؤذيه ويجيبه بالأجوبة ~~الغليظة، وهو يتحمل ذلك ولا يعامله إلا بالإحسان، ولم يقص الله علينا قصته ~~إلا لأجل أن نفتدي به كما أرشدنا إلى ذلك بقوله: {ثم أوحينا إليك أن اتبع ~~ملة إبراهيم حنيفا} [النحل: 123] ومن الإحسان إليهما أن لا يؤذيهما ألبتة، ~~وأن يوصل إليهما من المنافع قدر ما يحتاجون إليه، وأن يدعوهما إلى الإيمان، ~~إن كانا كافرين وهو مؤمن ويأمرهما بالمعروف على سبيل الرفق إن كانا فاسقين. PageV01P243 ### || CHECK تعليق عن رواية المؤلف للأحاديث بالسند المتصل ### || CHECK الحض على صلة الرحم # وقد قرن الله تعالى عقوق الوالدين بالشرك فيما رويناه (¬1) من طريق ~~البخاري ومسلم والترمذي، عن أبي بكرة رضي الله عنه، أنه قال: قال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر، ثلاثا" قلنا: بلى يا ~~رسول الله، قال: "الإشراك بالله، وعقوق الوالدين"، وكان متكئا فجلس، فقال: ~~"ألا وقول الزور، وشهادة الزور"، فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت. # ومن طريق البخاري عن عبد الله بن عمرو، مرفوعا: "الكبائر الإشراك بالله، ~~وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين المغموس". # ولما كان حق ذي القربى كالتابع لحق الوالدين، لأن الإنسان إنما يتصل به ~~أقرباؤه بواسطة اتصالهم بالوالدين، والاتصال بالوالدين مقدم على الاتصال ~~بذي القربى لا جرم قد ذكر الوالدين، ثم عطف عليهما قوله {وذي القربى} ولا ~~يخفى في هذا من القواعد التي يحتاج إليها العمران وذلك لأن القرابة مظنة ~~الاتحاد والألفة والرعاية والنصرة فلو لم يحصل شيء من ذلك لكان ذلك أشق على ~~القلب وأبلغ في الإيحاش والضرر وكلما كان أقوى كان دفعه أوجب، فلهذا وجبت ~~رعاية حقوق الأقارب. # ويدل لهذا المعنى، حديث الصحيحين عن أنس بن مالك أنه قال: قال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: "من ms205 سره أن يبسط عليه" وفي رواية "له في رزقه، ~~وينسأ في أثره فليصل رحمه" ورواه البخاري والترمذي، عن أبي هريرة بلفظ: "من ~~سره أن يبسط له في رزقه، وأن ينسأ له في أثره، فليصل رحمه" فبين - صلى الله ~~عليه وسلم -: أن صلة الرحم تكون سببا من جملة أسباب بسط الرزق, أي: كثرته ~~ووسعه، وسببا في إنساء الأثر أي: تأخير الأجل. # وبيانه: أن الله تعالى ربط الأسباب بمسبباتها في هذا العالم، ولا يمكن PageV01P244 # التوصل إلى المسببات إلا بأسباب التعاون والتعاضد، وحصول ذلك مشروط ~~بارتباط القلب بالخالق أولا ثم بحسن السياسة مع الوالدين، واكتساب رضائهما، ~~ثم بحسن السياسة مع ذوي القربى، لأن الارتباط معهما يسهل أسباب المعاش ~~ويحصل به التعاون والتعاضد على التجارة والزراعة والصناعة، وليس إخلاص ~~قريبك لك كإخلاص البعيد عنك لأن قريبك إذا كان مخلصا لك ربما قدمك على نفسه ~~لما بينكما من عطف القرابة، ووداد الألفة والمحبة، بخلاف البعيد عنك، وإذا ~~حصل التعاون والتعاضد والإحسان من القريب انبسط الرزق، ورأى الواصل لرحمه ~~وأقاربه بركة في حياته ونوع هناء بها، فيكون كأنه في أجله، وشتان بين من ~~ينقضي عمره في كدر، وبين من هو في يسر وبسطة عيش. # وأيضا فإن الاشتغال بمقاومة الأقارب يضيع الأوقات فيما لا نفع فيه، وذلك ~~كناية عن قصر العمر، ومسالمتهم ووصلتهم تجعل الأوقات متفرغة للأعمال ~~العائدة على الواصل بالنفع، وهذا كناية عن التأخير في الأجل، من هنا انتزع ~~ابن خلدون قوله في "مقدمة تاريخه": إن صلة الرحم طبيعي في البشر إلا في ~~الأقل، ومن صلتها النعرة على ذوي القربى وأهل الأرحام أن ينالهم ضيم أو ~~تصيبهم هلكة، فإن القريب يجد في نفسه غضاضة من ظلم قريبه أو العداء عليه، ~~ويود لو يحول بينه وبين ما يصله من المعاطب والمهالك، نزعة طبيعية في البشر ~~مذ كانوا، فإذا كان النسب المتواصل بين المتناصرين قريبا جدا بحيث حصل به ~~الاتحاد والالتحام، كانت تلك الوصلة ظاهرة فاستدعت ذلك بمجردها ووضوحها، ~~وإذا بعد النسب بعض الشيء فربما تنوسي بعضها، ويبقى ms206 منها شهرة فتحمل على ~~النصرة لذوي نسبه بالأمر المشهور منه فرارا من الغضاضة التي يتوهمها في ~~نفسه من ظلم من هو منسوب إليه بوجه. # ومن هذا الباب الولاء والحلف، إذ نعرة (¬1) كل أحد على أهل ولائه وحلفه ~~للألفة التي تلحق النفس من اهتضام جارها، أو قريبها، أو نسيبها بوجه من PageV01P245 ### || CHECK الأمر بالعطف على اليتامى والمساكين # وجوه النسب، وذلك لأجل اللحمة الحاصلة من الولاء، مثل لحمة النسب أو ~~قريبا منها ومن هذا تفهم معنى قوله - صلى الله عليه وسلم -: "تعلموا من ~~أنسابكم ما تصلون به أرحامكم" (¬1) بمعنى: أن النسب إنما فائدته هذا ~~الالتحام الذي يوجب صلة الأرحام حتى تقع المناصرة والنعرة، وما فوق ذلك ~~مستغنى عنه، إذ النسب أمر وهمي لا حقيقة له، ونفعه إنما هو في هذه الوصلة ~~والالتحام. # فإذا كان ظاهرا واضحا حمل النفوس على طبيعتها من النعرة كما قلناه، وإذا ~~كان إنما يستفاد من الخبر البعيد ضعف فيه الوهم، وذهبت فائدته وصار الشغل ~~به مجانا ومن أعمال اللهو المنهي عنه، ومن هذا الاعتبار معنى قولهم: النسب ~~علم لا ينفع، وجهالة لا تضر، بمعنى: أن النسب إذا خرج عن الموضوع وصار من ~~قبيل العلوم، ذهبت فائدة الوهم فيه عن النفس، وانتفت النفرة التي تحمل ~~عليها المعصية، فلا منفعة فيه حينئذ، هذا كلام ذلك العالم العمراني. # ولما كانت الشفقة على الضعيف من مقتضى الكمالات الإنسانية، والقسوة عليه ~~من مقتضى التوحش، عطف تعالى على قوله: {وذي القربى}، قوله: {واليتامى ~~والمساكين}، فأوصى باليتامى لضعفهم، وبالمساكين لكسرهم، وأيضا فإن اليتيم ~~كالتالي لرعاية حقوق الأقارب، وذلك لأنه لصغره لا ينتفع به، وليتمه وخلوه ~~عمن يقوم به يحتاج إلى من ينفعه، والإنسان قلما يرغب في صحبة مثل هذا، وإذا ~~كان هذا التكليف شاقا على النفس لا جرم، كانت درجته عظيمة في الدين، وأخر ~~المساكين عن اليتامى في الذكر، لأن المسكين قد يكون بحيث ينتفع به في ~~الاستخدام، فكان الميل إلى مخالطته أكثر من الميل إلى مخالطة اليتامى، ولأن ~~المسكين أيضا يمكنه الاشتغال بتعهد نفسه ms207 ومصالح معيشته، واليتيم ليس كذلك. # وقد حض النبي - صلى الله عليه وسلم -، على السعي على المسكين واليتيم، ~~فأخرج البخاري ومسلم، والإمام أحمد والترمذي والنسائي، عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه، أنه PageV01P246 ### || CHECK معنى قوله تعالى: {وقولوا للناس حسنا} الآية # قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الساعي على الأرملة ~~والمسكين كالمجاهد في سبيل الله .. " قال: وأحسبه قال: "كالقائم لا يفتر، ~~وكالصائم لا يفطر"، وفي لفظ: "كالذي يصوم النهار". # وأخرج مسلم عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "أنا ~~وكافل اليتيم - له أو: لغيره- أنا وهو كهاتين في الجنة". وأشار الراوي ~~بالسبابة والوسطى. # ولما لم يكن وسع الناس عامة بالإحسان بالفعل ممكنا، أمر بجعل ذلك بالقول، ~~فقال: {وقولوا للناس حسنا} أي: حسنا بالتحريك، وبها قرئ، ويجوز أن حسنا ~~بسكون السين، بمعنى: وقولوا للناس قولا هو حسن في نفسه، على حد قولك: زيد ~~عدل, أي: لإفراط حسنه صار كأنه هو الحسن. وقال سفيان الثوري: في معنى: ~~{وقولوا للناس حسنا}، مروهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر، وقال عطاء بن أبي ~~رباح: من لقيت من الناس فقل له حسنا من القول. # والذي يلوح من سر الآية التفصيل، واعتبار كل مقام بحسبه، فإن كان القول ~~للدعوة إلى الإمام فليكن بالرفق واللين، كما قال الله تعالى لموسى وهارون: ~~{فقولا له قولا لينا} [طه: 44] وقال لمحمد - صلى الله عليه وسلم -: {ولو ~~كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك} [آل عمران: 159] وإن كان لدعوة الفساق ~~ونحوهم للطاعة، فليكن بحسن القول كما قال تعالى: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة ~~والموعظة الحسنة} [النحل: 125] {ادفع بالتي هي أحسن} [المؤمنون: 96]. # ومن المعلوم: أنه إذا أمكن التوصل إلى الغرض باللطيف من القول لم يعدل ~~عنه إلى غيره، وما دخل الرفق في شيء إلا زانه، وما دخل الخرق في شيء إلا ~~شانه، فثبت أن جميع آداب الدين والدنيا داخلة تحت قوله تعالى: {وقولوا ~~للناس حسنا} وأنت إذا تأملتها حق تأملها أرشدتك إلى قواعد العمران، وإلى ~~المدنية الصحيحة، لأن القائم بأمر ما لا ms208 يقدر على القيام به بنفسه، ولابد ~~له من معونة أبناء جنسه، فإذا قام به بفظاظة وغليظ القلب واستبداد، تربص به ~~قومه السوء، PageV01P247 ### || CHECK بيان أعظم جامع على الله من الأعمال # وتحينوا الفرص للإيقاع به، وإذا قام به الحسنى واختبار طباع قومه، وساسهم ~~بالقول الحسن، ولم يدع ممكنا في اتحادهم، وتأليف قلوبهم إلا سلكه، التفوا ~~حوله، وقالوا بقوله، وانتظموا في سلك إرادته، وأوصلوه إلى غايته، فإن ~~للكلام مغناطيسا في خاصية الجذب إذا أحسن المتكلم استعماله، وخاصية التنفير ~~إذا رتب على غير مقتضاه. # وإلى هذا يشير الأثر المشهور: "إن من الشعر لحكمة، وإن من البيان لسحرا" ~~ولا تخفاك تلك الروعة التي تأخذك حينما تسمع المواعظ والزواجر من كلام علام ~~الغيوب، وترى منها تأثير الجاذبية التي تكاد تجذبك إلى الملأ الأعلى وإلى ~~مقام القدس، وتهدي لك روحا لم تكد تخطر من قبل في خيالك، وانظر نفسك إذا مر ~~على أذنك كلام لم يلائم طبيعتك، ولمن يتفق مع مشربك، كيف يحصل لك ذلك ~~الانقباض وتلك النفرة التي ربما لم تكن تعهدها من نفسك، فيا لله ما أكثر ~~معاني قوله تعالى: {وقولوا للناس حسنا} وما أبهرها للعقول. # ولما أمر الله تعالى بني إسرائيل بما إن امتثلوه، اجتمعت كلمتهم، ذكر ~~أعظم جامع على الله من الأعمال فقال: {وأقيموا الصلاة} ثم ذكر ما به تمام ~~الجمع ودوامه، فقال: {وآتوا الزكاة} ولما كان الإعراض عن هذه المحاسن في ~~غاية البعد، ولا سيما إذا كانت بعهد، ولا سيما إذا كان العهد من الله، أشار ~~إلى ذلك بأداة التراخي فقال: {ثم توليتم}، سالكا هذا اللفظ مسلك الالتفات, ~~أي: توليتم عن الميثاق ورفضتموه {إلا قليلا منكم}، إلا من عصمه الله منكم ~~فوفى الله بعهده وميثاقه، و {أنتم معرضون}، وأنتم قوم عادتكم الإعراض عن ~~المواثيق وعادتكم التولية، ومعنى الإعراض التولي، وهذا الخطاب لبني إسرائيل ~~الذين وجدوا حين نزول القرآن، وبعد نزوله، فكأنه تعالى يقول: إن سلفكم ~~أمروا بهذه المأمورات، فتولى أكثرهم عنها وأعرضوا، وأنتم تابعون لهم في ~~التولي والإعراض، فحق عليكم ما ms209 حق على سلفكم من كلمة العذاب. # وقص تعالى على المؤمنين هذه القصة، تحذيرا لهم من أن يسلكوا ما سلكه بنو ~~إسرائيل، فيصيبهم ما أصابهم. PageV01P248 ### || CHECK بيان أن آية {وإذ أخذنا ميثاقكم .. } الآية هي خطاب لأسلاف اليهود، وتقريع لمن خلفهم من بعدهم، وزجر للمؤمنين # ولما كان أكبر الكبائر بعد الشرك: القتل، تلاه بالتذكير بما أخذ عليهم من ~~العهد، وقرن به الإخراج من الديار، لأن المال عديل الروح والمنزل أعظم ~~المال، وهو للجسد كالجسد للروح، فقال: # {وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم ~~أقررتم وأنتم تشهدون (84)}. # هذه الآية خطاب لأسلاف اليهود، وتقريع لمن خلفهم من بعدهم، وزجر للمؤمنين ~~من أن يفعلوا ذلك. # وقوله: {لا تسفكون دمائكم}، يصح حمله على الحقيقة وعلى المجاز، فأما حمله ~~على الحقيقة فيكون على معنى: لا تفعلون القتل بأنفسكم لشدة تصيبكم، وحنق ~~يلحقكم، وإلى هذا يشير ما أخرجه البخاري ومسلم والترمذي بتقديم وتأخير، ~~والنسائي، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنه قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالدا ~~مخلدا فيها أبدا، ومن تحسى سما فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم ~~خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في ~~نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا" فقوله: تردى معناه: رمى بنفسه من الجبل أو ~~غيره، وقوله يتوجأ يها مهموزا معناه: يضرب بها نفسه. # وأخرج البخاري عنه، أنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"الذي يخنق نفسه يخنقها في النار، والذي يطعن نفسه يطعن نفسه في النار، ~~والذي يقتحم يقتحم النار". # وأخرج مسلم عن جندب بن عبد الله مرفوعا: "أن رجلا كان ممن كان قبلكم خرجت ~~بوجهه قرحة، فلما آذته انتزع سهما من كنانته فنكأها فلم يرقأ الدم حتى مات، ~~قال ربكم: قد حرمت عليه الجنة" قوله: "فلم يرقأ" معناه: لم يجف، ولم يسكن ~~جريانه. والكنانة بكسر الكاف جعبة النشاب، ونكأها ms210 بالهمز نخسها وفجرها. وفي ~~البات أحاديث في دواوين المحدثين ليس هنا محل استقصائها. PageV01P249 ### || CHECK الآية ترشد إلى أن المؤمنين كالجسد الواحد # وأما حمله على المجاز فمعناه: لا تقتلوا أنفسكم بارتكابكم ما يوجب ذلك، ~~كالارتداد والزنى بعد الإحصان، والمحاربة وقتل النفس بغير حق، ونحو ذلك مما ~~يزيل عصمة الدماء. # أو معناه: لا يفعل ذلك بعضكم ببعض، على جعل غير الرجل نفسه إذا اتصل به ~~أصلا أو دينا، وهذا المعنى اختاره الزمخشري ويشهد له قوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض" (¬1). # وقد يظن في بادئ الأمر أن هذا النهي لا فائدة فيه، ولكن متى تأمل ~~الاحتمالات المتقدمة تلاشى ذلك الظن، وعلم من أولها أنه نهى عما يعتقده ~~فلاسفة الهند من البراهمة وغيرهم، من أنهم يقدرون في قتل النفس التخلص من ~~عالم الفساد الذي هو عالم العناصر، واللحوق بعالم النور والصلاح الذي هو ~~عالم الروح. # ولا يخفى ما في هذا النهي من انتظام أمر العمران، وما في ضده من الخضوع ~~للذل المؤدي إلى خراب الدنيا، وجعل أصحاب هذا الفكر خاضعين لسلطة الغير ~~عليهم، ثم إذا انتقلوا بقتل أنفسهم إلى عالم النور الذي يتوهمونه وصلوا إلى ~~عالم الظلمة، فيتألمون به أبد الآباد، ولما كانوا في هذيان وضلال، ردهم ~~تعالى إلى الحق في هذه الآية والتي قبلها. # وفي قوله تعالى: {لا تسفكون دماءكم، ولا تخرجون أنفسكم من دياركم} سر ~~آخر، وهو أنه أشار بالكاف والميم الدالين على الجمع، إلى أنه متى كانت ~~الملة واحدة كان جميع المتبعين لها كرجل واحد، قال عليه الصلاة والسلام: ~~"إنما المؤمنون في تراحمهم وتعاطفهم بينهم بمنزلة الجسد الواحد إذا اشتكى ~~بعضه تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر" (¬2). وقوله: {ولا تخرجون أنفسكم ~~من PageV01P250 ### || CHECK إقرار بني إسرائيل بميثاقهم وشهادتهم عليه # دياركم}، يشارك ما قبله في معانيه، فيكون معناه: لا تفسدوا فيكون الإفساد ~~مسببا لإخراجكم من دياركم، أو: لا يخرج بعضكم بعضا من دياره، أو لا تسيئوا ~~جوار من جاوركم فتلجئوهم إلى الخروج من دياركم، أو: ms211 لا تخرجوا أنفسكم يعني: ~~إخوانكم، لأنكم كنفس واحدة حيث كنتم ملة واحدة. # (ثم أقررتم} بالميثاق واعترفتم على أنفسكم بلزومه {وأنتم تشهدون} عليها، ~~وإقرارها بذلك الميثاق وإن كان مأخوذا على أسلافهم لكنهم لما وصلهم بواسطة ~~التوارة، وأذعنوا لصدقه، صاروا مشاركين لمن أخذ الميثاق عليهم في زمن موسى ~~عليه السلام، ومعنى هذا الميثاق مذكور في التوراة، في السفر الثاني منها، ~~كما ذكر أمر المناجاة وحضورهم عند الجبل، ولشهرة التوراة اليوم استغنينا عن ~~نقل هذا السفر هنا. # ثم إنه تعالى بين مخالفتهم لما أخذ عليهم من الميثاق مع شهادتهم به فقال: # {ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون ~~عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم ~~أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في ~~الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما ~~تعملون (85)} # الكلام خارج مخرج الاستبعاد لما أسند إليهم من القتل، والإجلاء والعدوان، ~~بعد أخذ الميثاق منهم وإقرارهم وشهادتهم، والإشارة بهؤلاء إلى أنهم ~~الحقيرون المقدور عليهم، المجهولون الذين لا يعرف لهم اسم ينادون به، ~~المرجؤون الأن. # و{أنتم} هنا مبتدأ خبره {هؤلاء}، ثم استأنف البيان عن هذه الجملة فقال: ~~{تقتلون أنفسكم}، ولا تلتفتون إلى هذا العهد الوثيق، {وتخرجون فريقا منكم} ~~أي: ناسا مساكين من أسفالكم، فهم جديرون منكم بالإحسان لا بالإخراج من ~~ديارهم. PageV01P251 ### || CHECK بيان أن اليهود قد خالفوا ما أخذ عليهم من الميثاق في قوله تعالى: {ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم .. } الآية # روى أبو العالية: أن بني إسرائيل كانوا إذا استضعفوا قوما أخرجوهم من ~~ديارهم، ولما كان من المستبعد جدا بعد الاستبعاد الأول أن يقعوا في ذلك على ~~طريق العدوان، استأنف ذلك بقوله: {تظاهرون} أي: تتعاونون وتتناصرون {عليهم ~~بالإثم}، وهو أسوأ لاعتدائه في قول أو فعل أو حال، ويقال للكذوب: أثوم ~~لاعتدائه بالقول على غيره، وقيل: الإثم هو الذي تنفر منه النفس ولا يطمئن ~~له القلب، وهذا القول أولى لأن النبي- صلى الله عليه وسلم - فسر ms212 الإثم ~~بقوله: "والإثم ما حاك في القلب، وكرهت أن يطلع عليه الناس" (¬1). # على أن القولين عند التحقيق يرجعان لمعنى واحد، لأن الاعتداء والكذب لا ~~يطمئن لهما القلب، ويخشى صاحبهما من اطلاع الناس على حاله وانكشافه لهم، ~~{والعدوان} هو تجاوز الحد في الظلم، {وإن يأتوكم} أي: هؤلاء الذين تعاونتم ~~أو عاونتم عليهم {أسارى} جمع أسرى، وهو جمع أسير، وأصله المشدود بالأسر، ~~وهو "القد" وهو ما يقد أي: يقطع من السير، {تفادوهم} أي: تخلصوهم بالمال، ~~مأخوذ من الفداء، وهو الفكاك بعوض، وتفادوهم من المفاداة وهي الاستواء في ~~العوضين، ثم أكد تحريم الإخراج بزيادة لفظ "هو" والجملة الاسمية في قوله: ~~{وهو محرم عليكم} مأخوذ من التحريم، وهو تكرار الحرمة بكسر الحاء، وهي ~~المنع من الشيء لدناءته، والحرمة بالضم المنع من الشيء لعلوه، ولما كان ~~المتقدم أربعة أشياء: قتل النفس، والإخراج من الديار، والتظاهر بالإثم ~~والعدوان، والمفاداة، وكلها محرمة، خصص الإخراج من الديار بقوله: ~~{إخراجهم}، لأنه أعظم إخوانه، لأن الإخراج من الديار فيه من معرة الجلاء، ~~والنفي ما لا ينقطع شره إلا بالموت، بخلاف القتل فإنه وإن كان فيه هدم ~~البنية لكنه ينقطع به الشر دفعة واحدة، وبخلاف المفاداة فإنها من جريرة ~~الإخراج من الديار والتظاهر، لأنه لولا الإخراج من الديار والتظاهر عليهم ~~ما وقعوا في قيد الأسر. # ثم إنه تعالى أنكر عليهم التفرقة بين الأحكام، فقال: {أفتؤمنون ببعض ~~الكتاب} أي: التوراة وهو الموجب للمفاداة، {وتكفرون ببعض}، وهو المحرم PageV01P252 ### || CHECK اختلاف العلماء في قوله تعالى: {أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض} # للقتل والإخراج، وإنما كانوا يفعلون ذلك فيبذلون المال لتخليص الأسرى، ~~ويتركون بقية المأمور به، لئلا يتبع الأسرى غير دين اليهودية، فهم يفعلون ~~بهم ذلك ليردوهم إلى الكفر، وبذلك يندفع ما أورد في هذا المقام، وتحير ~~الفخر الرازي رحمه الله في الجواب عنه فقال: {أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ~~ببعض} فقد اختلف العلماء فيه على وجهين: # أحدهما: إخراجهم كفر، وفداؤهم إيمان، وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما، ~~وقتادة: وابن جريج، ولم يذمهم على الفداء، وإنما ms213 ذمهم على المناقضة إذ أتوا ~~ببعض الواجب وتركوا البعض، وقد تكون المناقضة، أدخل في الذم. لا يقال: هب ~~أن ذلك الإخراج معصية، فلم سماها كفرا، مع أنه ثبت أن العاصي لا يكفر؟ لأنا ~~نقول: هم صرحوا أن ذلك الإخراج غير واجب، مع أن صريح التوراة كان دالا على وجوبه. # وثانيهما: المراد به التنبيه على أنهم في تمسكهم بنبوة موسى عليه السلام ~~مع التكذيب بمحمد - صلى الله عليه وسلم -، مع أن الحجة في أمرهما على سواء، ~~يجري مجرى طريقة السلف منهم في أن يؤمنوا ببعض ويكفروا ببعض. هذا كلامه. # وأنت خبير بأن الله تعالى إنما ذمهم، لأنهم لا هم لهم إلا مقاومة دين ~~الله وشرعه، والتلاعب به على مقتضى أهوائهم، حفظا لرياستهم واستبدادا منهم ~~على ضعفائهم، فانتقض بذلك أمرهم عليهم، وحل بهم ما حل من البلاء، وكذلك كل ~~أمة سلكت هذا المسلك فإنه يصيبها ما أصابهم، ويتلاشى أمرها حتى ترجع إلى دينها. # وهنا للمفسرين أقوال: منها أن بني قريظة كانوا حلفاء الأوس، وبنو النضير ~~كانوا حلفاء الخزرج، فكان كل فريق يقاتل مع حلفائه، وإذا غلبوا خربوا ~~ديارهم وأخرجوهم، واذا أسر رجل من الفريقين جمعوا له حتى يفدوه، فعيرتهم ~~العرب وقالت: كيف تقاتلونهم ثم تفدونهم؟ فيقولون: أمرنا أن نفديهم، وحرم ~~علينا قتالهم، ولكنا نستحي أن نذل حلفاءنا، ومنها أن عبد الله بن سلام مر ~~على رأس الجالوت بالكوفة، وهو يفادي من النساء من لم يقع عليه الحرب، ولا ~~يفادي من PageV01P253 ### || CHECK بيان ما ستؤول إليه حالهم يوم القيامة ### || CHECK بيان جزاؤهم في الدنيا وما ينتظره من عذاب يوم القيامة # وقع عليه الحرب، فقال له ابن سلام: أما إنه مكتوب عندك في كتابك أن ~~تفاديهن كلهن. # وقال مجاهد: معناه إن وجدته في يد غيرك فديته، وأنت تقتله بيدك. # ثم إنه تعالى سبب عما ذكره في الآية قوله: {فما جزاء من يفعل ذلك منكم ~~إلا خزي}، أي: إلا ضد ما قصدتم بفعلكم من العز، والخزي إظهار القبائح التي ~~يستحي من إظهارها عقوبة، وهذا معنى ms214 من فسر الخزي بالذم العظيم والتحقير ~~البالغ، وبعض المفسرين خصه ببعض الأنواع، فالأولى فيه التعميم، وهذا وعيد ~~لهم في الدنيا وجزاؤهم بها. # ثم بين جزاءهم في الآخرة، وأنهم يجازون على ذلك في الدنيا والأخرى، فقال: ~~{ويوم القيامة يردون} أي: يصيرون إلى أشد العذاب، لأن عذاب الدنيا ينقضي ~~وعذاب الآخرة لا انقضاء له، ولما كانت المواجهة بالتهديد أدل على الغضب، ~~التفت إليهم فقال: {وما الله بغافل عما تعملون}، أي: عن شيء مما تعملون من ~~هذا ومن غيره. والالتفات مبني على قراءة الجماعة تعملون بتاء الخطاب، وقرأ ~~نافع وابن كثير يعملون بالغيب على الأسلوب الماضي، وأورد الرازي على هذه ~~الآية سؤالا هو: أن عذاب الدهرية الذين ينكرون الصانع، يجب أن يكون أشد من ~~عذاب اليهود، فكيف قال في حق اليهود: {يردون إلى أشد العذاب}؟ وقد تقدم لك ~~التلميح عن هذا الجواب، ويصرح به ما أجاب به الرازي، بأن المراد من {أشد ~~العذاب}، أن العذاب الذي يعذبون به في الآخرة أشد من العذاب الذي يعذبون به ~~في الدنيا، من الخزي الحاصل لهم بها، فلفظ الأشد، وإن كان مطلقا إلا أنه ~~مقيد من هذه الجهة. # ولما كانت هذه الآيات كلها كالدليل على قوله تعالى: {وضربت عليهم الذلة ~~والمسكنة} [البقرة: 61] الآية، كان فذلكة، ذلك قوله تعالى: # {أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ~~ينصرون (86)} PageV01P254 ### || CHECK مبحث في سبب وقوع اليهود في تلك الخطايا # وفي لفظ {أولئك} الذي هو اسم الإشارة، دليل على أنه أشير به إلى الذين ~~جمعوا الأوصاف السابقة الذميمة {الذين اشتروا} أي: آثروا بهجة الدنيا ~~ونعيمها وزينتها على النعيم السرمدي، إيثارا للعاجل الفاني على الآجل ~~الباقي، قال أرباب المعاني: إن الدنيا ما دنا من شهوات القلب، والآخرة ما ~~اتصلت برضاء الرب، انتهى. # وبهذا يتضح المقصود من ذم الدنيا، فكلما حرصت على إحرازه لتتمتع به على ~~انفرادك، ولم يكن لربك فيه رضاء، فهو الدنيا المذمومة، وكلما سعيت في ~~تحصيله لنفعك ونفع إخوانك المؤمنين، فهو من الآخرة الممدوحة. إذا كان ms215 فيه ~~رضاء ربك عز وجل، وهذه هي طريقة السلف الصالح، فقد كانوا يجاهدون ويعملون ~~بأيديهم، ويتجرون ويعتقدون أن ذلك من أعمال الآخرة، فليعلم ذلك وليتنبه ~~لأمثاله أولو اليقين والتحقيق. # ثم إنه تعالى بين المسبب عن فعلهم بقوله: {فلا يخفف عنهم العذاب} في واحد ~~من الدارين {ولا هم ينصرون} أي: لا يجدون مأمنا يدفع عنهم ما حل بهم من ~~عذاب الله، وهذه الآية من أعظم الدلالة على خذلان من غزا لأجل المغنم، أو ~~غل في الغنيمة، أو خان إخوانه المسلمين، وقد أخرج الإمام مالك، عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما ظهر الغلول في ~~قوم إلا ألقى الله في قلوبهم الرعب". # ولما بين لهم أنهم نقضوا العهود فأحاطت بهم الخطايا، فاستحقوا الخلود في ~~النار، توقع السائل الإخبار عن سبب وقوعهم في ذلك، هل هو جهل أو فساد؟ فبشع ~~الله ذلك عليهم بما افتتحه بحرف التوقع، فقال: # {ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل وآتينا عيسى ابن مريم ~~البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ~~ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون (87)}. # اللام هنا يحتمل أن تكون للتأكيد. وأن تكون جواب قسم، والإيتاء: PageV01P255 # الإعطاء، وهو بمعنى الإنزال هنا، ويصح أن يكون بمعنى: أفهمناه ما انطوى ~~عليه من الحدود والأحكام، والأنباء والقصص، وغير ذلك. # والكتاب هنا: التوراة، والمعنى أنكم نقضتم تلك العهود مع أن عندكم فيها ~~كتاب الله التوراة تدرسونه كل حين، فلم ندعكم هملا بعد موسى عليه السلام، ~~بل ضبطنا أمركم بالكتاب. # {وقفينا}: أصل هذا اللفظ أن يجيء الإنسان تابعا لقفا الذي اتبعه، ثم توسع ~~فيه حتى صار لمطلق الاتباع، وإن بعد زمن المتبوع عن زمان التابع، والضمير ~~في {من بعده} يرجع إلى موسى عليه السلام، أي: ثم لم نقتصر على الضبط ~~بالكتاب الذي تركه فيكم موسى، بل واترنا من بعده إرسال الرسل مواترة، ~~وجعلنا بعضهم في قفا بعض، ليجددوا لكم أمر الدين، ويؤكدوا عليكم العهود. # {وآتينا عيسى ابن مريم} الذي أرسلناه ms216 لنسخ بعض التوراة، وتجديد ما درس من ~~بقيتها {البينات} من الآيات العظيمة التي لا مرية فيها. والبينة من القول: ~~ما لا ينازعه منازع لوضوحه، وما أوتيه عيسى بن مريم من المعجزات الواضحات ~~والحجج كإحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، والإخبار بالمغيبات، هو ~~كذلك، وإنما أضاف عيسى إلى أمه ردا على اليهود فيما أضافوه إليه، ونسبوه ~~إلى ما لا يليق بمقامه العالي، وأثبت له النبوة والرسالة أيضا، ردا عليهم ~~في إنكار رسالته. # {وأيدناه} أي: قويناه على ذلك كله {بروح القدس} أي: الروح الطاهر ~~فأعطيناه روحا مقدسة قوية تقدر على حمل الرسالة وأدائها، فكان الغالب عليه ~~الروحانية، ويصح أن يراد بالروح هنا: الإنجيل، وسمي بذلك لأن الدين يحيا ~~به، وتنتظم مصالح الدنيا لأجله، ومن ثم سمي القرآن: روحا. والذي جنح إليه ~~الطبري والرازي: أن المراد بروح القدس هنا جبريل عليه السلام، وتفسير ~~القرآن على إطلاقه أولى، وإنما أجمل تعالى ذكر الرسل، ثم فصل ذكر عيسى لأن ~~من قبله من الرسل جاؤوا بشريعة موسى، فكانوا متبعين له، وليس كذلك عيسى، ~~لأن شرعه نسخ أكثر شرع موسى عليهما السلام. PageV01P256 ### || CHECK بيان ما كان حالهم مع الرسل # ولما كان هذا حالهم مع الرسل، مع أنسهم ومعرفتهم بأحوالهم واتصالهم بالله ~~وكمالهم، علم أنهم في منابذتهم لهم، عبيد الهوى، وأسرى الشهوات، فتسبب عن ~~ذلك الإنكار عليهم فقال: {أفكلما} أي: أفعلتم ما فعلتم من نقض العهود، مع ~~مواترة الرسل ووجود الكتاب، فكلما {جاءكم رسول} من عند ربكم {بما لا تهوى ~~أنفسكم} أي: بما لا تحبه وتختاره {استكبرتم} عن إجابته احتقارا للرسول أو ~~استبعادا للرسالة؟ ! وفي ذلك ما كانوا عليه من طبيعة الاستكبار الذي هو محل ~~النقائص ونتيجة الإعجاب، وهو نتيجة الجهل بالنفس المقارن للجهل بالخالق، ~~وأن ذلك كان يتكرر منهم بتكرير مجيء الرسول إليهم، وقد كذبوا النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فيما جاء به، وسقوه السم ليقتلوه، وأما الكبر، فقد فسره ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، بأنه: "سفه الحق، وغمط الناس" (¬1) والسفه ~~في الأصل: الخفة والطيش، والغمط: الاستهانة والاستحقار. ms217 # ثم إنه تسبب عن طلبكم الكبر، أنكم {فريقا كذبتم} كعيسى ومحمد عليهما ~~السلام، {وفريقا تقتلون}، وبدأ بالتكذيب لأنه أول ما يفعلونه من الشر، ~~ولأنه المشترك بين الفريقين المكذب والمقتول، وهذا الكلام نهاية الذم لهم، ~~ولمن كان على شاكلتهم في تكذيب الأنبياء، وذلك لأن اليهود من بني إسرائيل ~~كانوا إذا أتاهم رسول بخلاف ما تهواه أنفسهم كذبوه، وإن تهيأ لهم قتله ~~قتلوه، وإنما كانوا كذلك لإرادتهم الرفعة في الدنيا وطلبهم لذاتها، والترؤس ~~على العامة منهم، وأخذ أموالهم بغير حق، وكانت الرسل تبطل عليهم ذلك، ~~فيكذبونهم لأجل ذلك، ويوهمون عوامهم كونهم كاذبين، ويحتجون لذلك بالتحريف ~~وسوء التأويل. # ومنهم من كان يستكبر على الأنبياء استكبار إبليس على آدم، قص الله علينا ~~ذلك من نبئهم لنكون على بينة من أمرنا، فلا نسلك مسالكهم، وأن لا نكون كمن ~~أعمى الله قلوبهم، فإذا رأوا آية قرآنية، أو حديثا صحيحا عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، لم يوافق كل منهما هوى أنفسهم، أسرعوا إلى تأويله على ~~مقتضى مشتهياتهم، فإن لم يمكنهم التأويل أو كانوا من أهل الجهل المركب، ~~طرحوا الآية والحديث جهارا، PageV01P257 ### || CHECK بيان نوع آخر من قبائح أفعالهم ### || CHECK تبيين من الله تعالى عن شدة بهتان اليهود وقوة عنادهم # وتأبطوا السفسطة والشر، فكذبوا الناصح لهم وأهانوه، لما يظهره من شرع ~~الله تعالى، وشهدوا عليه بالزور وطعنوا في دينه، وفعلوا مثل فعل من ذمهم ~~الله تعالى في كتابه العزيز. # ثم إنه تعالى بين شدة بهتهم وقوة عنادهم، فأخبر عنهم بقوله: # {وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون (88)}. # {وقالوا} في جواب ما كانوا يلقون إليهم من جوهر العلم التي هي أوضح من ~~الشمس: {قلوبنا غلف}، وإنما قالوا ذلك بهتا ودفعا لما قامت عليهم الحجج ~~وظهرت لهم البينات، وأعجزتهم عن مدافعة الحق المعجزات، نزلوا عن رتبة ~~الإنسانية إلى رتبة الحيوانية البهيمية، والغلف: المستورة عن الفهم ~~والتمييز، ولذلك أضرب سبحانه وتعالى عن النسبة التي تضمنها قولهم: {قلوبنا ~~غلف}، بقوله: {بل} أي: ليس الأمر كما قالوا: من أن ms218 هناك غلفا حقيقة، {بل ~~لعنهم الله}، أي: طردهم عن قبول ذلك لأنهم ليسوا بأهل للسعادة، فكأنه تعالى ~~يقول: ليس عدم قبولهم الحق لأن قلوبهم غلف كما قالوا، بل هي خلقت متمكنة من ~~قبول الحق مفطورة لإدراك الصواب، فأخبروا عنها بما لم تخلق عليه. # ثم أخبر تعالى: أنهم لعنوا بسبب ما تقدم من كفرهم، وجازاهم بالطرد الذي ~~هو اللعن المتسبب عن الذنب الذي هو الكفر، ولما أخبر بلعنهم سبب عنه قوله: ~~{فقليلا ما يؤمنون} فوصفه بالقلة، وأكده ب {ما} إيذانا بأنه مغمور بالكفر ~~لا غناء عنه، وذهب الأصم وأبو مسلم تبعا لقتادة: إلى أن القليل صفة للمؤمن، ~~والمعنى: لا يؤمن منهم إلا القليل. # ولما ذكر الله تعالى في جلافتهم ما ختمه بلعنهم، ذكر نوعا آخر من قبائح ~~أفعالهم، فقال: # {ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على ~~الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين (89)}. # أما قوله {كتاب}، فقد اتفق المفسرون على أنه: القرآن، لأن قوله PageV01P258 # {مصدق لما معهم} يدل على أن هذا الكتاب غير ما معهم، وما ذلك إلا القرآن، ~~وأما قوله: {مصدق لما معهم} فهو وصف ثان لذلك الكتاب، ذكر للتحبيب لهم به، ~~فوصفه أولا بكونه من عند الله، للدلالة على أنه جدير بأن يقبل ويتبع ما فيه ~~ويعمل بمضمونه، إذ هو وارد من عند خالقهم وإلههم الذي هو ناظر في مصالحهم. ~~ثم حببه إليهم بالوصف الثاني، وهو {مصدق لما معهم} أي: موافق لكتبهم فيما ~~يختص بتكليفهم بتصديق محمد - صلى الله عليه وسلم -، وفيما يدل على نبوته من ~~العلامات والنعوت والصفات، وفي ذلك قاصمة لهم، لأن كتابهم يكون شاهدا على كفرهم. # والمراد بقوله: {لما معهم}، التوراة والإنجيل. # ولما بين شهادة كتابهم، أتبعه بشهادتهم لئلا يحرفوا معنى ذلك، فقال: ~~{وكانوا} أي: والحال أنهم كانوا {من قبل}، أي: من قبل مجيئه {يستفتحون} أي: ~~يسألون الفتح والنصر، وكانوا يقولون: اللهم افتح علينا وانصرنا بالنبي ~~الأمي {على الذين كفروا}، يعني: أنهم لم يكونوا ms219 في غفلة عنه، بل كانوا أعلم ~~الناس به، وقد وطنوا أنفسهم على تصديقه، {فلما جاءهم} برسالة محمد - صلى ~~الله عليه وسلم -، {ما عرفوا} من صدقه بما ذكر من نعوته في كتابهم {كفروا ~~به}، اعتلالا بأنواع من العلل البينة الكذب، منها زعمهم أن جبريل عدوهم وهو ~~الآتي به، ولم يتعللوا بالعلل الكاذبة إلا بغيا وحسدا وحرصا على الرياسة. # وفي قوله تعالى: {ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم}، إشارة إلى ~~أنه وإن كان الذي في التوراة والإنجيل من أوصاف النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، وصفا إجماليا، وأن أهل الكتابين لم يعرفوا نبوته بمجرد تلك الأوصاف (¬1) ~~إلا أن تلك الأوصاف صارت بظهور معجزته - صلى الله عليه وسلم -، كالمؤكدة ~~لها، فلذلك ذمهم الله تعالى على الإنكار. # ولما بين الله تعالى بهذا أنهم أعتى الناس وأشدهم تدليسا وبهتا، بل كذبا ~~وفسقا كانوا أحق الناس بالكفر، سبب عن ذلك قوله: {فلعنة الله على ~~الكافرين}، PageV01P259 # جعل اللعنة مستعلية عليهم، كأنه شيء جاءهم من أعلاهم فجللهم بها، ثم نبه ~~على علة اللعنة وسببها وهي: الكفر. # ولما استحقوا بهذا وجوه المذام كلها وصل به قوله: # {بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من ~~فضله على من يشاء من عباده فباءوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين (90)}. # {بئسما} كلمة جامعة للمذام، وهي مقابلة ل "نعم" [الجامعة] (¬1) لوجوه ~~المدائح كلها، وأما "ما" فذهب سيبويه إلى أن موضعها رفع على أنها فاعل بئس ~~فقال: هي معرفة تامة، التقدير بئس الشيء، والمخصوص بالذم على هذا محذوف، ~~أي: شيء {اشتروا به أنفسهم} و {أن يكفروا}، بدل من ذلك المحذوف، واختار هذا ~~القول أبو حيان الأندلسي في "النهر" (¬2)، ولا نطيل الكلام بهذا هنا لأنه ~~مفروغ منه في علم النحو، وقد بسطنا القول عليه في كتابنا "إيضاح المعالم من ~~شرح العلامة ابن الناظم على ألفية والده محمد بن مالك". # {اشتروا} هنا بمعنى: باعوا، وفي "المنتخب": أن الاشتراء هنا على بابه لأن ~~المكلف إذا خاف على نفسه من ms220 العقاب، أتى بأعمال يظن أنها تخلصه، وكأنه قد ~~اشترى نفسه بها، فهؤلاء اليهود لما اعتقدوا فيما أتوا به أنه يخلصهم، ظنوا ~~أنهم اشتروا أنفسهم، فذمهم الله تعالى، انتهى. # وهذا القول يرده وجوه: أولها: أن سياق الآية لا يوافقه، لأنه لو كان ~~كذلك، لكان ينبغي أن يندد عليهم بالخطأ أو بالجهل، ولا يقال لهم: {فباءوا ~~بغضب على غضب}. PageV01P260 ### || CHECK إقامة الدليل على اليهود باستحقاقهم للخلود في النار بكفرهم بالكتاب # وثانيها: أن الله تعالى لم يذمهم في هذه الآية، ولكن أوعدهم الوعيد ~~الشديد، ومثل هذا الوعيد لا يكون على الظن. # وثالثها: أن قوله تعالى: {بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من ~~عباده} فإنه يدل على أن المراد ليس اشتراءهم أنفسهم بالكفر ظنا منهم أنهم ~~يخلصون من العقاب، بل ذلك كان على سبيل البغي والحسد، لكونه تعالى جعل ~~الرسالة في محمد - صلى الله عليه وسلم -. والفخر الرازي اعتمد ما قاله صاحب ~~المنتخب، وجوابه كجوابه. # ولما كان البغي قد يكون لوجوه شتى، بين تعالى غرضهم من هذا البغي بقوله: ~~{أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده} والقصة لا تليق إلا بما إذا ~~كان المعنى، أنهم ظنوا أن هذا الفضل العظيم بالنبوة المنتظرة يحصل في ~~قومهم، فلما وجدوه في العرب، حملهم ذلك على البغي والحسد، والبغي هو الحسد ~~والظلم، ثم علل بغيهم بقوله: {أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده} ~~الذين حسدوهم، والمقصود ب {من} هو النبي محمد - صلى الله عليه وسلم -، ~~والفضل: النبوة. # ثم سبب عن ذلك قوله: {فباءوا} أي: رجعوا لأجل ذلك {بغضب} في حسدهم لهذا ~~النبي الكريم لكونه أرسل من العرب، ولم يكن من بني إسرائيل، {على غضب} ~~كانوا استحقوه بكفرهم بأنبيائهم عنادا ثم علق الحكم الذي استحقوه بوصفهم، ~~تعميما وإشارة إلى أنه سيؤمن بعضهم، فقال: {وللكافرين} الذين هم راسخون في ~~هذا الوصف، منهم ومن غيرهم، {عذاب مهين}، من الإهانة، وهي الاطراح إذلالا ~~واحتقارا. # ولما أقام سبحانه وتعالى الدليل على استحقاقهم للخلود في ms221 النار بكفرهم ~~بالكتاب، وبغيهم، أقام دليلا آخر على ذلك أبين منه، وذلك بكفرهم بكتابهم ~~نفسه فقال: # {وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون ~~بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن ~~كنتم مؤمنين (91)}. PageV01P261 ### || CHECK كشف ستر مقالتهم وذلك بأن الإيمان بالتوراة واستحلال قتل الأنبياء لا يجتمعان # {وإذا قيل لهم} أي: لهؤلاء الذين نقضوا عهود كتابهم، وسياق الآية يدل على ~~أن المراد آباء الذين كانوا زمن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، لأنهم هم ~~الذين قتلوا الأنبياء، وحسن ذلك أن الراضي بالشيء كفاعله، وأنهم جنس واحد، ~~وأنهم متبعون لهم ومعتقدون ذلك، وأنهم يتولونهم فهم منهم: {آمنوا بما أنزل ~~الله}، أي: بالقرآن الذي أنزله الله، {قالوا نؤمن بما أنزل علينا}، يريدون ~~التوراة، وما جاءهم من الرسالات على لسان موسى عليه السلام، ومن بعده من ~~أنبيائهم، وذموا على هذه المقالة لأنهم أمروا بالإيمان بكل كتاب أنزله ~~الله، فأجابوا بأن آمنوا بمقيد، والمأمور به عام فلم يطابق إيمانهم الأمر. # ثم عجب من دعواهم هذه بقوله: {ويكفرون}، أي: قالوا ذلك والحال أنهم ~~يكفرون {بما وراءه} أي وراء ما أنزل عليهم مما أنزله الله على رسله، {وهو} ~~يشمل ما قبل التوراة وما بعدها، لأن "وراء" يراد بها تارة "خلف" وتارة ~~"أمام"، فإذا قلت: زيد ورائي، صح أن يراد: في المكان الذي أواريه أنا ~~بالنسبة إلى من خلفي، فيكون أمامي، وأن يراد في المكان الذي هو متوار عني ~~فيكون خلفي، والحال أن ذلك الذي وراءه: {الحق} الواصل إلى أقصى غاياته ~~بدلالة أل الدالة على الكمال، {مصدقا لما معهم}، فصح أنهم كافرون بما ~~عندهم، لأن ما أنزل عليهم غير مخالف للقرآن، ومن لم يصدق ما وافق ما أنزل ~~عليه لم يصدق به، وإذا دل الدليل على كون ذلك منزلا من عند الله وجب ~~الإيمان به، فالإيمان ببعض دون بعض متناقض. # ثم كشف ستر مقالتهم هذه بأبين نقض، فقال: {قل} يا من يريد جدالهم إن كنتم ~~آمنتم ms222 بما أنزل عليكم {فلم تقتلون أنبياء الله} لأن الإيمان بالتوراة ~~واستحلال قتل الأنبياء لا يجتمعان، فقولكم أنكم آمنتم بالتوراة كذب، وبهت، ~~فإنه لا يؤمن بالقرآن من استحل محارمه، ثم بين أن كفرهم بهذا القتل إنما هو ~~بطريق الرضاء بقتل أسلافهم، {من قبل}، وفي الإتيان بصيغة المضارع تصوير ~~لشناعة هذا الفتل بتلك الحال الفظيعة، ورمز إلى أنهم لو قدروا الآن لفعلوا ~~مثل فعل أسلافهم، لأن التقدير: وتصرون على قتلهم من بعد، وفيه إيماء إلى ~~حرصهم على قتل النبي - صلى الله عليه وسلم -، تحذيرا منهم، ولقد صدق PageV01P262 ### || CHECK شدة قبح ذنبهم باتخاذهم العجل في أيام موسى # هذا الإيماء الواقع، فقد عزم بنو النضير على أن يلقوا صخرة على النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -، وسمه أهل خيبر. # ثم أورد مضمون دعواهم بأداة الشك بقوله: {إن كنتم مؤمنين} إشعارا بأن مثل ~~ذلك لا يصدر من متلبس بالإيمان، ولما دل على كذبهم في دعوى الإيمان بما ~~فعلوا بعد موسى، مما استحقوا به الخلود في النار، أقام دليلا آخر أقوى من ~~كل ما تقدمه، فإنه لم يعهد إليهم في التوراة ما عهد إليهم في التوحيد، ~~والبعد عن الإشراك، وهو في النسخ الموجودة بين أظهرهم الآن. # وقد نقضوا جميع ذلك، باتخاذ العجل في أيام موسى وبحضرة هارون عليهما ~~السلام، كما هو منصوص الآن في أيام موسى فيما بين أيديهم منها، بقوله: # {ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون (92)}. # أعاد سبحانه وتعالى ذكر موسى في هذه الآية، وما جاء به من الآيات ~~البينات، ثم أخبر أنهم مع وضوح ذلك أجازوا أن يتخذوا العجل إلها، وهو مع ~~ذلك صابر ثابت على الدعاء إلى ربه، والتمسك بدينه وشرعه، فكأنه تعالى يقول ~~لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: قل لهؤلاء اليهود الذين هم خلف من كان زمن ~~موسى: إن حالي معكم كحال موسى مع سلفكم، وإن بالغتم في تكذيب ما فعل سلفكم ~~مع موسى وبالغتم في إنكاره. # وفي هذه الآية استعظام لعبادة سلفهم العجل، حيث إنهم عبدوه عن ms223 علم بأنه ~~لا يضر ولا ينفع، لأنهم عبدوه بعد أن جاءهم موسى بالبينات والبراهين الدالة ~~على إفراده تعالى بالوحدانية، وأنه ليس بجسم ولا يشبهه الجسم، والعجل الذي ~~عبده أسلافكم هو جسم مصنوع، وجماد ملقى على الأرض، وكذلك كانت عبادتهم له ~~بعد أن رأوا من خوارق العادة ما لا يقبل الشك، أفنسوا جميع الخوارق وأصغوا ~~إلى خوار عجل صنعه السامري لهم؟ PageV01P263 ### || CHECK تقريع اليهود في أنهم لم يزالوا دائما عبيدا لهوى أنفسهم # ومثل هذا يقال لكل من علم الحق بأدلته وبراهينه، ثم انقلب عنه إلى الباطل ~~بأدنى شبهة، وإذا لامه لائم على فعله تعلل بأنه وافق غيره، قائلا للأئمة: ~~أكل هؤلاء القوم مخطئون وأنت وحدك المصيب؟ # وفي هذه الآية تقريع لهم من وجه آخر، وهو أنه تعالى كرر هذه الآية ~~لدعواهم أنهم يؤمنون بما أنزل إليهم وهم كاذبون في ذلك، ألا ترى أن اتخاذ ~~العجل ليس في التوراة، بل فيها أن يفرد الله بالعبادة. # ولما كانت عبادة غير الله أكبر المعاصي، كرر الخبر بعبادتهم العجل تنبيها ~~على عظم جرمهم، والعرب متى أرادت التنبيه على تقبيح شيء أو تعظيمه كررته، ~~وفي هذا التكرير أيضا من الفائدة تذكارهم بتعداد نعم الله عليهم، ونقمه ~~منهم ليزدجر الأخلاف بما حل في الأسلاف. # ثم إنه تعالى ذكر أمرا آخر هو أبين في عنادهم، وأنهم لم يزالوا دائما ~~عبيدا لهوى أنفسهم فقال: # {وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا ~~قالوا سمعنا وعصينا وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم قل بئسما يأمركم به ~~إيمانكم إن كنتم مؤمنين (93)}. # لهذا التكرار فوائد، أحدها: ما ذكر آنفا. وثانيها: أن هذا وأمثاله ~~للتأكيد، وإيجاب الحجة على الخصم على عادة العرب. وثالثها: أنه تعالى ذكر ~~ذلك مع زيادة وهي قولهم {سمعنا وعصينا}، وذلك يدل على نهاية لجاجهم. ويظهر ~~لي وجه رابع، وهو: أن التكرار هنا للتبكيت والتقريع، على حد لو أن إنسانا ~~فعل أمرا منكرا ما كان من حقه أن يفعله، ثم إنه أصر على خطئه عنادا، فإن ~~الموبخ له ms224 لا يزال يذكره بفعله كلما أصر على عناده، ليكون ضميره موبخا له، ~~وملجئا له إلى الرجوع عن غيه، وأيضا فإن في قصة الطور ذكر توليهم عما أمروا ~~به من قبول التوراة، وعدم رضائهم بأحكامها اختيارا، حتى ألجئوا إلى القبول ~~اضطرارا، فدعواهم الإيمان بما أنزل عليهم غير مقبولة، ومن أسرار هذا ~~التكرار أيضا، PageV01P264 ### || CHECK معنى قولهم سمعنا وعصينا # تذكارهم بتعداد نعم الله عليهم، ونقمه منهم، ليزدجر الأخلاف بما حل ~~بالأسلاف. # وتفسير الآية: {وإذ أخذنا ميثاقكم} على السمع والطاعة، {ورفعنا فوقكم ~~الطور} الجبل العظيم الذي جعلناه زاجرا لكم عن الرضا بالإقامة في حضيض ~~الجهل، ورافعا إلى أوج العلم، وقلنا لكم وهو فوقكم: {خذوا ما آتيناكم ~~بقوة}، ولما كانت فائدة السماع القبول، ومن سمع فلم يقبل كان كمن لم يسمع، ~~قال: {واسمعوا}، وإلا جعلنا هذا الجبل مدفنا لكم، وذلك حيث يكفي غيركم في ~~التأديب رفع الدرة والسوط عليه، فينبعث للتعلم الذي أكثر النفوس الفاضلة ~~تتحمل فيه المشاق الشديدة لما له من الشرف، ولها به من الفخار، وفي هذا ~~دلالة على أن التخويف وإن عظم لا يوجب الانقياد. # وفي قوله تعالى مخبرا عنهم، {قالوا}: التفات، إذ لو جاء على الخطاب لقال: ~~قلتم، ولما ضلوا بعد هذه الآية الكبرى، وظهر أن العناد لهم طبع لازم، قال ~~تعالى مترجما عن أغلب أحوال أكثرهم: {قالوا سمعنا وعصينا}، أي: وعملنا بضد ~~ما سمعنا، وساق تعالى قولهم ذلك لغرابته مساق جواب سؤال سائل، فكأنه قال: ~~رفع الطور فوقهم أمر هائل جدا، مقتض للمبادرة إلى إعطاء العهد ظاهرا وباطنا ~~والثبات عليه، فما فعلوا؟ فقيل: بادروا إلى خلاف ذلك. وعندي أن في الآية ~~إشارة إلى أن أولئك القوم، لم يعرفوا الله تعالى معرفة لائقة بجلال عظمته، ~~لأنهم لو عرفوه كذلك، لما احتاجوا إلى هذا التخويف، ولكن لما كانت قلوبهم ~~خالية من معرفته، تلقت قلوبهم محبة غيره، كما يدل عليه قوله تعالى مخبرا ~~عنهم: {وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم} أي: وأشربوا حب عبادة العجل بسبب ~~كفرهم، أي: إن حبه والحرص على عبادته ms225 دخل قلوبهم كما يتداخل الصبغ الثوب، ~~كما قال الشاعر (¬1): # إذا ما القلب أشرب حب شيء ... فلا تأمل له عنه انصرافا PageV01P265 ### || CHECK الدليل على أن اليهود لا يحبون لقاء الله ولا يتمنون الموت، مع وقاحتهم بالادعاء بالإيمان والاختصاص بالجنان # وفي {وأشربوا} إشارة إلى أنه كما أن الشرب مادة لحياة ما تخرجه الأرض، ~~فكذا تلك المحبة كانت مادة لجميع ما صدر عنهم من الأفعال، وقوله تعالى: ~~{بئسما يأمركم} معناه: {قل} لهم يا محمد أو قل يا من يجادلهم: {بئسما ~~يأمركم به إيمانكم} بالتوراة، لأنه ليس في التوراة عباد العجاجيل، وأضاف ~~الأمر إلى إيمانهم لأجل التهكم بهم، وكذلك إضافة الإيمان إليهم، وأما قوله ~~تعالى: {إن كنتم مؤمنين} فالمراد به التشكيك في إيمانهم، والقدح في صحة ~~دعواهم. # ثم ذكر تعالى نوعا آخر من قبائحهم: # {قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت ~~إن كنتم صادقين (94) ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين (95)}. # لما بين سبحانه وتعالى، في الآية السابقة عظيم كفرهم وعنادهم، مع وقاحتهم ~~بادعاء الإيمان والاختصاص بالجنان، ثم أمر نبيه أن يتهكم بهم بقوله: {بئسما ~~يأمركم به إيمانكم}، ونهضت الأدلة على أنه لا حظ لهم في الآخرة غير النار، ~~وذلك نقيض دعواهم أن الجنة لهم وحدهم، ختم سبحانه وتعالى ذلك بدليل قطعي ~~بديهي، فقال: {قل إن كانت لكم الدار الآخرة}، أي: الجنة {خالصة} أي: سالمة ~~لكم، خاصة بكم، ليس لأحد سواكم فيها حق، يعني: إن صح قولكم: {لن يدخل الجنة ~~إلا من كان هودا} [البقرة: 111]، وقدم الجار والمجرور الذي هو {لكم} ~~للاختصاص، وقوله: {من دون الناس}، معناه: سائرهم، لا يشرككم فيها أحد، ~~{فتمنوا الموت}، لأن ذلك علم على صلاح حال العبد مع ربه، وعمارة ما بينه ~~وبينه، ورجائه للقائه. # قال الحرالي: على قدر نفرة النفس من الموت يكون ضعف منالها من المعرفة ~~التي تأنس بربها، فتتمنى لقاءه وتحبه، ومن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ~~ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه، انتهى. PageV01P266 ### || CHECK مبحث ms226 في أن الآية تدل على تجاسر اليهود وفيه وجوه # ثم سجل الله عليهم بالكذب فقال: {إن كنتم صادقين}، أي: معتقدين للصدق في ~~دعواكم خلوص الجنة لكم، ولما كان في الكلام محذوف، أغنى سياق الكلام عن ~~ذكره، وكان ذلك المحذوف، "فقال لهم: فما تمنوه"، عطف عليه قوله: {ولن ~~يتمنوه أبدا} إخبارا بالغيب، وقطعا للعناد. ثم إنه على مذهب من يقول: إن ~~"لن" معناها اقتضاء النفي على التأبيد، يكون قوله {أبدا} للتأبيد. وعلى ~~مذهب من يقول: إن "لن"، بمعنى "لا" تكون {أبدا}، مفيدة لاستغرق الأزمان، ~~والمعنى ما يستقبل من زمن أعمارهم. # وقد زعم كثير من المفسرين منهم "المهدوي" في كتاب "التحصيل" و"ابن عطية" ~~في تفسيره، إلى أن هذه المعجزة كانت على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~ثم ارتفعت بوفاته. وهذا القول مخالف لظاهر القرآن، لأن {أبدا} ظاهره أن ~~يستغرق مدة أعمارهم، كما بيناه سابقا. # ثم ذكر السبب في عدم التمني فقال: {بما قدمت أيديهم} أي: من الظلم، وعبر ~~باليد التي بها أكثر الأفعال إشارة إلى أن أكثر أفعالهم لقباحتها كأنها ~~خالية عن القصد، ثم ختم الآية بالتهديد لهم، فقال: {والله عليم بالظالمين}، ~~وذلك أن علم الله يتعلق بالظالم وغير الظالم، فلما اقتصر على ذلك الظالم دل ~~على أن مساقه للتهديد والوعيد. # ثم إن هذه الآية تدل على تجاسرهم، وهذا معلوم من هذه الآية ومن غيرها من ~~الآيات، ولكن الخفي إنما هو سببه، وهو يحتمل وجوها: # أحدها: أن الذي جرأهم على ذلك، اعتقادهم أنهم أبناء الله وأحباؤه، وعليه ~~فتكون هذه الآية تهديدا لهم، ولكل من اغتر بمثل غرورهم، فظن أنه بمجرد ظنه ~~بأنه من أحباب الله تعالى، كان مغفورا له جميع ما عمل، فتراه يسرح ويمرح، ~~وربما وسوس له الشيطان بأن من وصل إلى درجة المعرفة سقط عنه التكليف، ~~وهنالك يزداد في الطغيان فيهوي في مهاوي الخسران. # وثانيها: يحتمل أن الحامل لهم على ذلك، دعواهم بأنهم على الحق وسواهم على ~~باطل، فقادتهم دعواهم تلك إلى معاداة كل من نادى بخلاف PageV01P267 ### || CHECK مبحث ms227 في أن الحق تبارك وتعالى أثبت أن اليهود يعلمون بسوء منقلبهم # معتقدهم، وعليه فتكون هذه الآية مهددة لهم، ولكل من جاراهم في مضمارهم، ~~ممن إذا صمم فكره على شيء جمد عليه، ولو كان باطلا، وإذا أتيته بأعظم ~~الأدلة القاطعة للخصم لم يتزلزل عما هو عليه، ولم يحد عن باطله الذي جمد ~~عليه، وجادل بالباطل ليدحض به، فتراه مقيدا على تقليد العوام، متمسكا ~~بالتعاليم التي تلقاها عن أمثاله غاية التمسك، ولما كان هذا من القبح ~~بمكان، لا جرم أكثر الله تعالى من ذم سلف اليهود الذين ابتدعوا المنكرات، ~~فاقتدى بهم خلفهم اقتداء وتقليدا أعمى، ولذلك كان - صلى الله عليه وسلم - يقول: # "اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا ~~اجتنابه" (¬1). # وثالثها: يحتمل أن الحامل لهم على هذا اعتقادهم، أن انتسابهم إلى أكابر ~~الأنبياء عليهم السلام كيعقوب وإسحاق وإبراهيم، يخلصهم من عقاب الله تعالى، ~~ويوصلهم إلى ثوابه، وتكون لهم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس، ~~فكذبهم الله في هذه الدعوى، وأعلمهم أن هذا الانتساب مع تكذيب أمر الله ~~تعالى لا يفيدهم شيئا، وكذلك شأن كل من اغتر بهذه الترهات، فإن عاقبة أمره ~~تكون الندامة يوم القيامة. # ولما بين سبحانه وتعالى أنهم لا يتمنون الموت، أثبت لهم ما فوق ذلك من ~~تمني الضد الدال على علمهم بسوء منقلبهم، فقال: # {ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف ~~سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر والله بصير بما يعملون (96)}. # قوله تعالى: {ولتجدنهم} هو من وجد، بمعنى علم المتعدي إلى مفعولين، وأفرد ~~أفعل التفضيل الذي هو {أحرص} لأنه أضيف إلى معرفة، والمعنى: {لتجدنهم} بما ~~تعلم من أحوالهم {أحرص الناس على حياة} والحرص طلب الاستغراق فيما يختص فيه ~~الحظ، والتنكير في ال {حياة} للإشارة إلى أنهم PageV01P268 # يحرصون على مطلقها، على أي صفة كانت، وهم قاطعون بأنه لا يخلو يوم منها ~~عن كدر، فإنهم يعلمون أن الحياة وإن كانت في غاية الكدر خير لهم مما بعد ~~الموت ms228 {و} أحرص {من الذين أشركوا} بالله تعالى سواء كان الذين أشركوا من ~~عبدة الشمس أو الكواكب أو النور والظلمة، أو كانوا يعملون عمل الشرك. # وفي هذا الكلام توبيخ عظيم لليهود، لأن الذين أشركوا لا يؤمنون بعاقبة، ~~ولا يعرفون إلا الحياة الدنيا، فحرصهم عليها لا يستبعد لأنها جنتهم، فإذا ~~زاد عليهم في الحرص من له كتاب، وهو مقر بالجزاء، كان حقيقا بأعظم التوبيخ، ~~ومن وصل إلى هذه الدرجة من الحرص على الحياة ونسيان يوم الجزاء، كان سبيله ~~سبيل أولئك اليهود الذين ذمهم تعالى في كتابه العزيز، وكان وجوده داعيا إلى ~~اختلال نظام العمران، وذلك أن المرء متى اشتد حرصه على الحياة اشتد حرصه ~~على الاستئثار بالغلبة، والتفوق على أقرانه واتساع نطاق معيشته، فيدأب على ~~استحصال الأسباب التي توصله لذلك، فإذا انضم إلى هذا نسيان الآخرة، وسلك ~~مسلك من لا يعلم أن له معاقبا يعاقبه على ما يفعل، استرسل في الظلم ~~والتعدي، وسلب الناس حقوقهم وسعى في الأرض فسادا، ولم يصغ لناصح، ولم يتأمل ~~وعظ واعظ، وأعماه الكبر والتيه عن الحق، واقتدى به غيره، وفشى هذا الخلق ~~إلى أن يصير كالملكة الراسخة في النفس، فيتغلب حينئذ القوي على الضعيف, ~~وترجع الرابطة الدينية إلى الانحلال فيختل نظام العمران، وتستعد الأمة إلى ~~أن تصير محكومة من غيرها مغلوبة على أمرها، كما حصل ذلك لبني إسرائيل، وكما ~~جرى ذلك لغيرهم من الأمم الذين أخلدوا إلى الترف والنعيم، وتنافسوا في ~~التفوق والغلبة، فأصبحوا فرقا وشيعا، ونشأ من بعدهم على مثل حالتهم، ~~فانقرضت العصبية من بينهم، وآل أمرهم إلى الانحلال. # ولما بين تعالى شدة حرصهم على الحياة، بين مقدار ما يتمنونه، فقال: {يود} ~~مأخوذ من الود، وهو صحة نزوع النفس للشيء المستحق نزوعها له. {أحدهم} أي: ~~واحد منهم، فهو يتناول كل واحد منهم على سبيل البدل، فكأن المعنى: أنك إذ ~~انظرت إلى حرص واحد منهم، وشدة تعلق قلبه بطول الحياة، وجدته {يود} {لو ~~يعمر ألف سنة}. PageV01P269 # والمراد هنا أنه تعالى بعدهم عن تمني الموت، من حيث إنهم ms229 يتمنون هذا ~~البقاء، ويحرصون عليه هذا الحرص الشديد، ومن هذا حاله كيف يتصور منه تمني ~~الموت، وأما قول من قال: إن المراد خصوص الألف سنة، وأن هذا إشارة إلى قول ~~الأعاجم لبعضهم: عش ألف نيروز أو ألف مهرجان، فهو بعيد كل البعد عن معنى ~~الكتاب العزيز، وعن صريح الآية الكريمة. # وأورد السهيلي في "الروض الأنف" معنى آخر، وهو: أن العرب تطلق السنة على ~~الدار، ثم أتبع هذا بقوله: فتامل هذا فإن العلم بتنزيل الكلام، ووضع ~~الألفاظ في مواضعها اللائقة بها يفتح بابا من العلم لإعجاز القرآن، انتهى. # وهذا المعنى تساعده قراءة، لو يعمر، بكسر الميم لو وجدت (¬1). # ثم قال تعالى: {وما هو} أي تعميره. {بمزحزحه من العذاب}، أي: وما ذلك ~~التعمير المتمنى مؤثرا في إزالة العذاب أقل تأثير، وعبر ب {من} دون "عن" ~~إعلاما بأنهم لم يفارقوا العذاب دنيا ولا آخرة، وإن لم يحسوا به في الدنيا، ~~ثم فسر الضمير في "مزحزحه" بقوله: {أن يعمر}، أي: إنما يزحزحه من العذاب ~~الطاعة المقرونة بالإيمان الصحيح، الذي ليس فيه تفرقة، وقوله تعالى: {والله ~~بصير بما يعملون} يتضمن الوعيد والتهديد، والإعلام بأن علمه تعالى بجميع ~~الأعمال، علم إحاطة وإدراك للخفيات. # ولما بين تعالى أعمالهم السابقة ذكر ما هو دقيق منها، من عراقتهم في ~~الكفر، بعداوتهم لخواص الملائكة الذين هم خير محض، لا حامل أصلا على بغضهم ~~إلا الكفر، وبدأ بذكر المنزل للقرآن، لأن عداوتهم للمنزل عليه من أجل ما ~~نزل عليه عدواة لمنزله، لأنه سبب ما كانت العداوة لأجله فقال أمرا لنبيه، ~~إعلاما بما أبصره من خفي مكرهم القاضي بضرهم: # {قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين PageV01P270 ### || CHECK الاختلاف في كيفية العداوة ### || CHECK عداوة بني إسرائيل لسيدنا جبريل - عليه السلام - # يديه وهدى وبشرى للمؤمنين (97) من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل ~~وميكال فإن الله عدو للكافرين (98)}. # أجمع أهل التفسير على أن اليهود قالوا: جبريل عدونا، واختلفوا في كيفية ~~ذلك، فروى ابن جرير وأبو داود الطيالسي، والإمام ms230 أحمد، وعبد بن حميد، وابن ~~أبي حاتم، والطبراني، وأبو نعيم، والبيهقي في "الدلائل"، عن ابن عباس قال: # حضرت عصابة من اليهود، رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقالوا: يا أبا ~~القاسم حدثنا عن خلال نسألك عنهن لا يعلمهن إلا نبي، فقال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: # "سلوا عما شئتم ولكن اجعلوا لي ذمة الله، وما أخذ يعقوب علي بنيه، لئن ~~أنا حدثتكم شيئا فعرفتموه أتبايعني على الإسلام؟ " قالوا: ذلك لك، فقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "سلوني عما شئتم" فقالوا: أخبرنا عن ~~أربع خلال نسألك عنهن: أخبرنا أي الطعام حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن ~~تنزل التوراة، وأخبرنا كيف ماء المرأة وماء الرجل، وكيف يكون الذكر منه ~~والأنثى، وأخبرنا بهذا النبي الأمي في التوراة ووليه من الملائكة، فقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "عليكم عهدا لله لئن أنا أنبأتكم ~~لتبايعني" فأعطوه ما شاء الله من عهد وميثاق، فقال: "نشدتكم بالذي أنزل ~~التوراة على موسى، هل تعلمون أن إسرائيل يعقوب مرض مرضا شديدا فطال سقمه ~~منه، فنذر لله لئن عافاه من سقمه ليحرمن أحب الطعام والشراب إليه؟ وكان أحب ~~الطعام إليه لحم الإبل"، قال ابن جرير: فيما أروي (¬1)، "وأحب الشراب إليه ~~ألبانها"، فقالوا: اللهم نعم، فقال رسول الله: "أشهد الله عليكم وأنشدتكم ~~بالذي لا إله إلا هو الذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن ماء الرجل ~~أبيض غليظا وأن ماء المرأة أصفر رقيقا، فأيهما علا كان الولد والشبه بإذن ~~الله، فإن علا ماء الرجل ماء المرأة كان الولد ذكرا بإذن الله، وإن علا ماء ~~المرأة ماء الرجل كان الولد أنثى بإذن الله؟ " قالوا: اللهم نعم، قال: ~~"اللهم اشهد" قال: "وأنشدتكم بالذي أنزل التوراة على موسى هل تعلمون أن هذا ~~النبي الأمي تنام عيناه ولا ينام PageV01P271 # قلبه؟ " قالوا: اللهم نعم، قال: "اللهم اشهد" قالوا: أنت الآن تحدثنا من ~~وليك من الملائكة، فعندها نجامعك أو نفارقك، قال: "فإن وليي جبريل، ولم ~~يبعث الله نبيا قط إلا هو وليه"، ms231 قالوا: فعندها نفارقك، لو كان وليا سواه ~~من الملائكة تابعناك وصدقناك، قال: "فما يمنعكم أن تصدقوه؟ " قالوا: إنه ~~عدونا، فأنزل الله عز وجل: {من كان عدوا لجبريل} إلى قوله: {كأنهم لا ~~يعلمون} [البقرة: 101] فباءوا بغضب على غضب. # ومثل ذلك روي عن شهر بن حوشب، والقاسم بن أبي بزة. # وذهب الشعبي وقتادة والسدي، إلى أن سبب نزولها محاورة وقعت بين اليهود ~~وبين عمر بن الخطاب، وذلك أن عمر نزل الروحاء فرأى رجالا يبتدرون أحجارا ~~يصلون إليها، فقال: ما هؤلاء؟ فقالوا: يزعمون أن رسول الله صلى ههنا، فكره ~~وقال: أيما (¬1)؟ رسول الله أدركته الصلاة بواد فصلى، ثم ارتحل فتركه. # ثم ذكر عمر أنه شهد يوم مدراسهم (¬2) فجعل يعجب كيف أن التوراة تصدق ~~القرآن، وكيف أن القرآن يصدق التوراة، قال: فبينا أنا عندهم ذات يوم، ~~قالوا: يا ابن الخطاب ما من أصحابك أحد أحب إلينا منك، قلت: ولم ذلك؟ ~~قالوا: إنك تغشانا وتأتينا، فقلت: إني آتيكم فأعجب من الفرقان يصدق ~~التوراة، ومن التوراة كيف تصدق الفرقان، قال: ومر رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، فقالوا: يا ابن الخطاب ذاك صاحبكم فألحق به، قال: فقلت لهم ~~عند ذلك: أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو، وما استرعاكم من حقه واستودعكم ~~من كتابه أتعلمون أنه رسول الله؟ قال: فسكتوا، قال: فقال عالمهم وكبيرهم: ~~إنه قد عظم عليكم فأجيبوه، قالوا: أنت عالمنا وسيدنا فأجبه أنت، قال: أما ~~إذا نشدتنا به فإنا نعلم أنه رسول الله، قال: فقلت: ويحكم، إذا (¬3): ~~هلكتم، قالوا: إنا لم نهلك، قلت: كيف ذلك وأنتم تعلمون أنه رسول الله ثم لا ~~تتبعونه ولا تصدقونه؟ قالوا: إن لنا عدوا من PageV01P272 ### || CHECK تصويب من تفسير البقاعي "نظم الدرر" ### || CHECK تصويب من كلام الشيخ شاكر # الملائكة، وسلما من الملائكة، وإنه قرن به عدونا من الملائكة، قال: قلت: ~~ومن عدوكم ومن سلمكم؟ قالوا: عدونا جبريل وسلمنا ميكائيل، قال: فقلت: وفيم ~~عاديتم جبريل؟ وفيم سالمتم ميكائيل؟ قالوا: إن جبريل ملك الفظاظة والغلظة ~~والإعسار، والتشديد والعذاب ونحو هذا. وإن ms232 ميكائيل ملك الرأفة والرحمة ~~والتخفيف، ونحو هذا. قلت: وما منزلتهما من ربهما؟ قالوا: أحدهما عن يمينه ~~والآخر عن يساره، قلت: فوالله الذي لا إله إلا هو، إنهما والذي بينهما لعدو ~~من عاداهما، وسلم لمن سالمهما، ما ينبغي لجبريل أن يسالم عدو ميكائيل، ولا ~~لميكائيل أن يسالم عدو جبريل، قال: ثم قمت فاتبعت النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، فلحقته وهو خارج من مخرفة (¬1) لبني فلان، فقال: يا ابن الخطاب ألا ~~أقرئك آيات نزلن، فقرأ علي: {قل من كان عدوا لجبريل} الآيات، قال: فقلت: ~~بأبي وأمي يا رسول الله، والذي بعثك بالحق لقد جئت وأنا أريد أن أخبرك ~~الخبر، فاسمع اللطيف الخبير قد سبقني إليك بالخبر! # وهذا الأثر رواه ابن أبي شيبة في المصنف، وإسحاق ابن راهويه في مسنده ~~[وابن جرير] وابن أبي حاتم. # هذا وحاصل ما كانوا يتحملونه لعدواتهم لجبريل عليه السلام: أنه يأتي ~~بالخسف والهلاك، والجدب، ولو كان ميكائيل صاحب محمد لاتبعناه، لأنه يأتي ~~بالخصب والسلم، ولكون جبريل دافع عن بختنصر حين أردنا قتله فخرب بيت المقدس ~~وأهلكنا، وأنه يطلع محمدا على سرنا، والخطاب في قوله تعالى: {قل} للنبي - ~~صلى الله عليه وسلم -، وقوله: {من كان عدوا لجبريل} فعل شرط جوابه محذوف، ~~دل عليه ما بعده، تقديره: لا وجه لها إلا العناد وادعاء الباطل، فلا يبالى بها. # وأشار "الحرالي" (¬2) إلى أن هذه الآية تقتضي تكفير المعادي لجبريل، PageV01P273 ### || CHECK مبحث في المقصود من قوله تعالى: {فإنه نزله على قلبك} # والمبغض له، فإنه قال: {من كان عدوا لجبريل} فإنه لا يضر إلا نفسه، لأنه ~~لا يبلغ ضره بوجه من الوجوه، ولعداوته، بعداوته له، لله الذي خصه بقربه، ~~واختاره لرسالته، فكفر حينئذ هذا المعادي له بجميع كتب الله ورسله وجبريل انتهى. # ثم إنه تعالى علل ذلك بالخبر المحذوف بقوله: {فإنه نزله}، أي: فإن جبريل ~~نزل القرآن {على قلبك} وذلك هو الكتاب الذي كفر به اليهود لحسدهم للذي أنزل ~~عليه بعدما كانوا يستفتحون به، الآتي بما ينفعهم، الداعي إلى ما يصلحهم، ~~فيرفعهم، فالضمير في ms233 قوله: {فإنه نزله} يعود إلى القرآن، والثاني إلى ~~جبريل، وإنما أرجع الضمير إلى القرآن، ولم يسبق له ذكر، ليبين فخامة شأن ~~صاحبه، حيث يجعل لفرط شهرته كأنه يدل على نفسه، ويكتفي عن اسمه الصريح بذكر ~~شيء من صفاته. وما جنحنا إليه أولا من أن جواب قوله تعالى: {من كان عدوا ~~لجبريل} محذوف، هو ما ذهب إليه "أبو حيان" في "البحر" وتبعه غيره، وجعل في ~~"الكشاف" الجواب قوله: {فإنه نزله} وجعل فيه وجهين: # أحدهما: إن عادى جبريل أحد من أهل الكتاب، فلا وجه لمعاداته حين نزل ~~كتابا مصدقا للكتب بين يديه، فلو أنصفوا لأحبوه وشكروا له صنيعه لأن في ~~إنزاله ما ينفعهم، ويصحح المنزل عليهم. # والثاني: إن عاداه أحد، فالسبب في عداوته أنه نزل عليك القرآن مصدقا ~~لكتابهم وموافقا له، وهم كارهون للقرآن ولموافقته لكتابهم، ولذلك كانوا ~~يحرفونه ويجحدون موافقته له، كقولك: إن عاداك فلان فقد آذيته وأسأت إليه، انتهى. # فيكون دخول الفاء في الجزاء على هذا الوجه مستحقا لسببين: أحدهما: أنه ~~جملة اسمية، والآخر: أنه ماض صحيح، ورده أبو حيان بأنه تقرر في علم العربية ~~أن اسم الشرط لا بد أن يكون في الجواب ضمير يعود عليه، فلو قلت: من يكرمني، ~~فزيد قائم لم يجز، وقوله: {فإنه نزله على قلبك}، ليس فيه ضمير يعود على ~~{من}. وأيضا: فإن فعل التنزيل ماض فلا يصح أن تكون الجملة جزاء. قوله ~~تعالى: {فإنه نزله على قلبك}، معناه: حفظك إياه وفهمكه بإذن الله وتيسيره ~~وتسهيله، وإنما قال: {على قلبك} وهو يعني بذلك قلب محمد - صلى الله عليه ~~وسلم -، لأن من PageV01P274 ### || CHECK مبحث في وصف الكتاب المنزل # شأن العرب إذا أمرت رجلا أن يحكى ما قيل له عن نفسه، أن تخرج فعل المأمور ~~مرة مضافا إلى كناية نفس المخبر عن نفسه، إذا كان المخبر عن نفسه، ومرة ~~مضافا إلى اسمه، كهيئة كناية اسم المخاطب، لأنه به مخاطب، فتقول في نظير ~~ذلك: قل للقوم: إن الخير عندي كثير، فتخرج كناية اسم المخبر عن نفسه، لأنه ~~المأمور ms234 أن يخبر بذلك عن نفسه، وقل للقوم: إن الخير عندك كثير، فيخرج كناية ~~اسمه كهيئة كناية اسم المخاطب، لأنه وإن كان مأمورا بقيل ذلك، فهو مخاطب ~~مأمور بحكاية ما قيل له، ومن ذلك قوله تعالى: {قل للذين كفروا ستغلبون} [آل ~~عمران: 12] ويغلبون، بالتاء والياء، ولا يستتب لك أن يجعل هذا من باب ~~الخروج من الغيبة إلى التكلم الذي يسمى التفاتا، فإن في هذا مزيدا. # وأتى بلفظ {على} في {على قلبك}، لأن القرآن مستعل على القلب، إذ القلب ~~سامع له ومطيع، يمتثل ما أمر به ويجتنب ما نهي عنه، وكانت أبلغ من "إلى" ~~لأن "إلى" تدل على الانتهاء فقط، و "على" تدل على الاستعلاء، وما استعلى ~~على الشيء يتضمن الانتهاء إليه، وقال: {على قلبك} ولم يقل: "عليك"، لأن ~~القلب هو محل العلم والعقل وتلقي الواردات، وهو سلطان الجسد، بدليل قوله - ~~صلى الله عليه وسلم -: "إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا ~~فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب" (¬1)، ويصح أن يراد بالقلب هنا الجملة ~~الإنسانية، ودليله أن الله قد ذكر الإنزال على نبيه - صلى الله عليه وسلم - ~~في أماكن فقال: {طه (1) ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى (2)} [طه] {وأنزل الله ~~عليك الكتاب والحكمة} [النساء: 113]، فأتى بالكاف المشار إليها إلى الجملة ~~الإنسانية. # ثم وصف الكتاب المنزل بقوله: {مصدقا لما بين يديه} من كتب الله المنزلة، ~~التي أعظمها كتاب اليهود المبغضين لجبريل، ولو أنصفوا لكانوا أحق الناس ~~بالإيمان به، وكان جبريل أحق الملائكة بمحبتهم له لإنزاله، وكان كفرهم به PageV01P275 ### || CHECK مبحث في معنى العداوة في قوله تعالى: {من كان عدوا لله} ### || CHECK وصف الله تعالى القرآن بأنه هدى وبشرى للمؤمنين # كفرا بما عندهم، فلا وجه لعداوتهم له، و {مصدقا}: منصوب على [الحال] (¬1) ~~من الضمير المنصوب في {نزله}، ومعنى كونه مصدقا لما بين يديه، موافقا لما ~~قبله من كتب الأنبياء، فيما يرجع إلى المبادئ والغايات دون الأوساط التي ~~يتطرق إليها الاختلاف بتبدل الأزمان والأوقات. # ثم وصفه وصفا ثانيا بقوله: {وهدى وبشرى للمؤمنين}، ms235 أي: {هدى} إلى كل خير، ~~لأنه كان ما وقع التكليف به من أفعال القلوب والجوارح، {وبشرى للمؤمنين} ~~لأن المؤمن إذا سمع القرآن حفظه ووعاه، وانتفع به واطمأن إليه، وصدق بموعود ~~الله الذي وعده فيه، وكان على يقين من ذلك، فتحصل له البشرى بما أعد الله ~~له من الثواب على أعماله التي أخلصها لمولاه، والبشارة في كلام العرب: ~~إعلام الرجل بما لم يكن به عالما مما يسره من الخبر قبل أن يسمعه من غيره، ~~أو يعلمه من قبل غيره. # لما كانت عداوة واحد من الحزب - لكونه من ذلك الحزب - عداوة لجميع ذلك ~~الحزب، تلاه بقوله: {من كان عدوا لله} لعداوته واحدا من أوليائه لكونه من ~~أوليائه {وملائكته} الذين لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، ~~{ورسله وجبريل وميكال}، فإنه قد كفر فأهلك نفسه بكفره، وعلى ذلك دل قوله ~~تعالى: {فإن الله عدو للكافرين}، وإنما لم يقل "عدو لهم"، فجاء بالظاهر ~~دليلا على ما ذكرنا من أن من عادى أولياء الله وملائكته، فإنه يعادي الله ~~تعالى، ومن عادى الله تعالى فهو كافر، وحاصل المعنى: ومن عاداهم عاداه الله ~~وعاقبه أشد العقاب. # فإن قلت: كيف يجوز أن يكونوا أعداء الله، ومن حق العداوة الإضرار بالعدو، ~~وذلك محال على الله تعالى؟ # أجيب بأن معنى العدواة على الحقيقة لا يصح إلا فينا، لأن العدو للغير هو ~~الذي يريد إنزال المضار به، وذلك محال على الله تعالى، بل المراد منه أحد ~~وجهين: PageV01P276 ### || CHECK بيان أن القرآن يميز أهل الحق عن أهل الباطل # إما أن يعادوا أولياء الله على ما ذكرنا فيكون عداوة لله كقوله: {إنما ~~جزاء الذين يحاربون الله ورسوله} [المائدة: 33] وكقوله: {إن الذين يؤذون ~~الله ورسوله} [الأحزاب: 57]، لأن المراد بالآيتين أولياء الله دونه، ~~لاستحالة المحاربة والأذية عليه. # وإما أن يراد بذلك كراهتهم القيام بطاعته وعبادته، وبعدهم عن التمسك ~~بذلك، فلما كان العدو لا يكاد يوافق عدوه أو ينقاد له، شبه طريقتهم في هذا ~~الوجه بالعداوة، فأما عداوتهم لجبريل والرسل فصحيحة، لأن الإضرار جائز ~~عليهم، ms236 لكن عداوتهم لا تؤثر فيهم لعجزهم عن الأمور المؤثرة فيهم، وعداوتهم ~~مؤثرة في اليهود لأنها في العاجل تقتضي الذلة والمسكنة، وفي الآجل تقتضي ~~العذاب الدائم. # لما فرغ سبحانه وتعالى من ترغيبهم في القرآن بأنه من عند الله، وأنه مصدق ~~لكتابهم، وفي جبريل بأنه الآتي به بإذن الله، ومن ترهيبهم من عداوته، أتبعه ~~مدح هذا القرآن وأنه واضح الأمر لمريد الحق، وأن من كفر به منهم أو من ~~غيرهم، فاسق، أي: خارج عما يعرف من الحق بحيث لا يخفى على أحد، فقال: # {ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون (99)}. # فقوله: {ولقد}، معطوف على قوله: {فإنه نزله على قلبك} [البقرة: 97]، أو ~~على قوله: {ولقد جاءكم موسى بالبينات} [البقرة: 92]، ويصح أن يكون عطفا على ~~مقدر تقديره: بان (¬1) بهذا الذي نزله جبريل أن الآخرة ليست خالصة لهم، ~~وأنهم ممن أحاطت به خطيئته لكفره. # والآيات البينات هي الدلالة الفاصلة بين القضية الصادقة والكاذبة، ~~والمعنى: ولقد أنزلنا إليك يا محمد علامات واضحات دالات على نبوتك، فاصلات ~~بين الحق والباطل، وتلك الآيات هي ما حواه ذلك الكتاب الذي أنزل إليك من ~~خفايا علوم اليهود، ومكنون سرائر أخبارهم وأخبار أوائلهم من بني إسرائيل، ~~والنبأ عما PageV01P277 # تضمنته كتبهم التي لم يكن يعلمها إلا أحبارهم وعلماؤهم، وما حرفه أوائلهم ~~وأواخرهم، وبدلوه من أحكامهم التي كانت في التوراة، فأطلع الله في كتابه ~~الذي أنزله نبيه محمدا - صلى الله عليه وسلم -، على ذلك، فكان، [في] ذلك من ~~أمره، الآيات (¬1) البينات لمن أنصف نفسه، ولم يدعه إلى إهلاكها الحسد ~~والبغي. # إذ كان في فطرة كل ذي فطرة صحيحة، تصديق من أتى بمثل الذي أتى به محمد - ~~صلى الله عليه وسلم - من الآيات البينات، التي وضعت من غير تعلم تعلمه من ~~بشر، ولا أخذ شيئا منه عن آدمي، {وما يكفر} بتلك الآيات ويجحدها {إلا} ~~الخارج منهم عن دينه، التارك منهم فرائضي في الكتاب الذي تدين بتصديقه، ~~فأما المتمسك منهم بدينه والمتبع منهم حكم كتابه، فإنه بالذي أنزلت إليك من ~~آياتي مصدق، ms237 وهم الذين كانوا آمنوا بالله وصدقوا رسوله محمدا - صلى الله ~~عليه وسلم - من يهود بني إسرائيل. # هذا وقد جاء تفسير الفسق بالكفر، قال الحسن: إذا استعمل الفسق في نوع من ~~المعاصي وقع على أعظم ذلك النوع من كفر وغيره، وعليه فكأنه قيل: وما يكفر ~~بها إلا المبالغ في كفره، المنتهي به إلى أقصى غايته، و "ال" في {الفاسقون} ~~للجنس أو للعهد في اليهود، لأن سياق ما قبله وما بعده يدل عليهم، ~~والاستثناء هنا مفرغ. # لما أنكر عليهم أولا ردهم للرسل لأمرهم بمخالفة الهوى في قوله: {أفكلما ~~جاءكم رسول} [البقرة: 87] وأتبعه بما يلائمه إلى أن ختم بأن آيات هذا ~~الرسول من الأمر البين الذي شهد به كتابهم، وقد أخذ عليهم العهد باتباعه، ~~كما أرشد إليه قوله تعالى: {فإما يأتينكم مني هدى} [البقرة: 38] الآية، ~~أنكر عليهم ثانيا كفرهم بما أتى به الرسل بقوله: # {أوكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون (100)}. # الواو للعطف على محذوف، ومعناه: أكفروا بالآيات البينات وكلما عاهدوا، ~~وقرأ "أبو السمال" بسكون الواو، على أن {الفاسقون} بمعنى: الذين PageV01P278 ### || CHECK كفر اليهود بالنبي محمد - صلى الله عليه وسلم - وعدم تصديقهم له ### || CHECK نقض اليهود للعهود من طبائعهم ### || CHECK بيان تفسير الفسق بالكفر # فسقوا، بجعل "ال" موصولة، فكأنه قيل: وما يكفر بها إلا الذين فسقوا أو ~~نقضوا عهد الله مرارا كثيرة، واليهود موسومون بالغدر ونقض العهود، وكم أخذ ~~الله الميثاق منهم ومن آبائهم فنقضوا، وكم عاهدهم رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فلم يفوا، كما أخبر عنهم تعالى بقوله: {الذين عاهدت منهم ثم ~~ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون} [الأنفال: 56] سعيا في التفرقة، ~~وهكذا حال كل من نبذ عهد الله وشرعه، فإنه لا يستقيم على حالة، ولا يرى إلا ~~غادرا كاذبا مخادعا، مراوغا، ولقد قص تعالى علينا نبأ أولئك اليهود، يحذرنا ~~من أن نصنع مثل صنعهم، فيحيق بنا ما حاق بهم من العذاب. # وقوله: {نبذه}، النبذ الرمي بالذمام وطرحه محتقرا له، والاستفهام في هذه ~~الآية، للإنكار وإعظام ms238 ما يقدمون عليه، والمراد بالعهد هنا ما له تعلق بما ~~تقدم ذكره، فيحمل نقضه على ترك ما تضمنته الكتب المتقدمة والدلائل العقلية، ~~من صحة القول ونبوة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقال ابن جريح: لم يكن ~~في الأرض عهد يعاهدون عليه إلا نقضوه، ويعاهدون اليوم وينقضون غدا. # وقوله تعالى: {بل أكثرهم لا يؤمنون}، يحتمل أن يكون معناه، أكثر أولئك ~~الفساق لا يصدقون بك أبدا لحسدهم وبغيهم، وأن يكون {أكثرهم لا يؤمنون}، أي: ~~لا يصدقون بكتابهم، لأنهم كانوا في قومهم كالمنافقين مع الرسول، يظهرون لهم ~~الإيمان بكتابهم وبرسولهم، ثم لا يعملون بموجبه ومقتضاه. # ثم إنه تعالى أتبع هذا الإنكار ذكر الكتاب والرسول، كما فعل في الإنكار ~~الأول، غير أنه صرح هنا بما طواه هناك فقال: # {ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا ~~الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون (101)}. # أي: {ولما} جاء علماء اليهود وعلماؤها من بني إسرائيل، {رسول}، وهو محمد ~~- صلى الله عليه وسلم - {من عند الله مصدق لما معهم}: وصف الرسول بأنه {من ~~عند الله} وبأنه {مصدق} تفخيما لشأنه، إذ الرسول على قدر المرسل، وهذا PageV01P279 ### || CHECK إقبال بني إسرائيل على كلام الشياطين واتباعه في قوله تعالى: {واتبعوا ما تتلوا الشياطين} ### || CHECK مبحث في معنى النبذ في قوله تعالى: {نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم} # يفيده الوصف الأول. والوصف الثاني يفيد: أنه خلق على الوصف الذي ذكر في ~~التوراة، ويحتمل: أن المراد به تصديقه على قواعد التوحيد وأصول الدين، ~~وأخبار الأمم والمواعظ والحكم. # ويحتمل: أن المراد أنه كان معترفا بنبوة موسى عليه السلام، أو بصحة ~~التوراة. ثم {لما جاءهم الرسول} الموصوف بهذه الصفات {نبد فريق من الذين ~~أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم}، فكتاب الله هو التوراة لأنهم بكفرهم ~~برسول الله المصدق لما معهم كافرون بها، نابذون لها. وقيل: كتاب الله ~~القرآن، وهو الأظهر، إذ الكلام مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - نبذوه ~~بعدما لزمهم تلقيه بالقبول، كأنهم ms239 لا يعلمون أنه كتاب الله لا يدخلهم فيه ~~شك، يعني: أن علمهم بذلك رصين، ولكنهم كابروا وعاندوا ونبذوه وراء ظهورهم. ~~مثل لتركهم وإعراضهم عنه، مثلا بما يرمى به وراء الظهر، استغناء عنه وقلة ~~التفات إليه. # قال الشعبي: هو بين أيديهم يقرؤونه ولكنهم نبذوا العمل به. وقال سفيان: ~~أدرجوه في الديباج والحرير، وحلوه بالذهب، ولم يحلوا حلاله ولم يحرموا ~~حرامه، لكن كلام الشعبي وسفيان يدل على أن المراد بكتاب الله: التوراة. # ويمكنني أن أقول: المراد به جنس كتاب الله، لأن القرآن لما كان مصدقا لما ~~معهم ونبذوه ظهريا، كان نبذهم له نبذا للتوراة، ويكون معنى قوله: {كأنهم لا ~~يعلمون}، أن القرآن والتوراة والإنجيل كتب الله، وأن كل واحد منها حق ~~والعمل به واجب، وأشعر نفي العلم عنهم بأن ذلك النبذ كان عن علم ومعرفة، ~~لأنه لا يقال ذلك إلا فيمن يعلم، فدلت الآية من هذه الجهة على أن هذا ~~الفريق كانوا عالمين بصحة نبوته، إلا أنهم جحدوا ما يعلمون، وقد ثبت أن ~~الجمع العظيم لا يصح الجحد عليهم، فوجب القطع بأن أولئك الجاحدين كانوا في ~~القلة بحيث تجوز المكابرة عليهم. # ولما كانت سنة الله جارية، بأنه: ما أمات أحد سنة إلا زاد في خذلانه، بأن ~~أحيا على يده بدعة، أعقبهم نبذهم لكلام الله أولى الأولياء، إقبالهم على ~~كلام الشياطين الذين هم أعدى الأعداء، فقال: PageV01P280 ### || CHECK عرض في اختلاف المفسرين في من هو المخبر عنه قوله تعالى: {واتبعوا} # {واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين ~~كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما ~~يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون ~~به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما ~~يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما ~~شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون (102)}. # فهذا هو نوع آخر من قبائح أفعالهم. وجملة {واتبعوا} معطوف ms240 على جميع ~~الجملة السابقة، من قوله: {ولما جاءهم} إلى آخرها، وهو إخبار عن حالهم عن ~~اتباعهم ما لا ينبغي أن يتبع، ولا يصح عطف {واتبعوا} على {نبذ فريق منهم}، ~~لأن الاتباع ليس مرتبا على مجيء الرسول، لأنهم كانوا متبعين ذلك قبل مجيء ~~الرسول، بخلاف نبذ كتاب الله، فإنه مترتب على مجيء الرسول. # وقوله: {ما تتلو} قيل: معناه: تتبع، قاله ابن عباس. أو تدعي، أو تقرأ، أو ~~تحدث، قاله عطاء. أو تروي، قاله يمان. أو تعمل أو تكذب، قاله أبو مسلم. وهي ~~أقوال متقاربة والأصح، أن {تتلو} بمعنى: تكذب، وعبر بالمضارع إشارة إلى ~~كثرة الاتباع وفشوه واستمراره. # واختلف المفسرون في من هو المخبر عنه بقوله تعالى: {واتبعوا}؟ فذهب ابن ~~جرير إلى أن ذلك توبيخ من الله تعالى، لأحبار اليهود الذين أدركوا رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، فجحدوا نبوته وهم يعلمون أنه لله رسول مرسل, ~~وتأنيب لهم في رفضهم تنزيله وهجرهم العمل به، وهو في أيديهم يعلمونه ~~ويعرفون أنه كتاب الله، واتباعهم واتباع أسلافهم وأوائلهم ما تلته الشياطين ~~في عهد سليمان، وكثيرا ما يضاف أفعال أسلافهم إليهم في الكتاب العزيز، لحذو ~~المتأخر منهم حذو المتقدم. # وذهب الرازي إلى أن الخبر يتناول الكل، أعني من كان زمن سليمان ومن بعده، ~~قال: وهذا أولى لأنه ليس صرف اللفظ إلى البعض أولى من صرفه إلى غيره، إذ لا ~~دليل على التخصيص، انتهى. PageV01P281 ### || CHECK تبيين من الله تعالى بأن الشياطين هم السحرة وهم الكافرون ### || CHECK تنزيه سيدنا سليمان - عليه السلام - عن السحر وما يتعلق به من كفر ### || CHECK مبحث فيمن هو المراد ب {الشياطين} # وأقول: ما قاله ابن جرير أولى، لأنا بينا أن الآية معطوفة على التي ~~قبلها، وهي: {ولما جاءهم رسول} والجائي هو محمد - صلى الله عليه وسلم -، ~~فيكون هذا دليلا على التخصيص، وأيا ما كان فالمعنيان متقاربان. # واختلف فيما هو المراد ب "الشياطين"، وظاهر اللفظ أنهم شياطين الجن، لأنه ~~إذا أطلق الشيطان تبادر إلى أنه من الجان، وقيل: المراد شياطين الإنس، وهو ~~قول ms241 المتكلمين من المعتزلة، وقيل: هم شياطين الإنس والجن. # والذي يظهر لي: أن المراد بهم شياطين الإنس لأنهم هم الذين يظهرون للناس ~~ويتلون عليهم الأخبار، ويفسدون عليهم عقائدهم، وذلك أن تلك الفئة من ~~الشياطين طعنوا في نبوة سيدنا سليمان، وأوهموا الناس أنه كان ساحرا، وأنه ~~ما وصل إلى ما وصل إليه من الملك إلا بسبب السحر، وأنه كان يسخر به الجن ~~والإنس والريح التي كانت تجري بأمره، وأن ما كان يظهر على يده ليس بشيء من ~~المعجزات وإنما هو سحر محض. # ومن هنا شاع بين الناس صنع العزائم لتسخير الأرواح واستخدامها، وشاع ~~بينهم أسماء خاتم سليمان، وأسماء عصا موسى، وتناقل الناس أمثال ذلك سلفا عن ~~خلف حتى إلى زمننا هذا، وأودع الكتب. # ومن هنا أيضا كان المنافقون والمشركون يقولون عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: إنه ساحر، فقوله تعالى: {على ملك سليمان}، متعلق بمحذوف تقديره: ~~افتراء {على ملك سليمان}، وملكه: شرعه ونبوته وحاله. # ولما كان السحر كفرا نزه الله تعالى نبيه عنه، فقال: {وما كفر سليمان ~~ولكن الشياطين كفروا}، الآية، أي: ليس ما اختلقه الجن من نسبة ما تدعيه إلى ~~سليمان تعاطاه سليمان لأنه كفر، ومن نبأه الله منزه عن المعاصي الكبائر ~~والصغائر، فضلا عن الكفر، وفي هذا دليل على صحة نفي الشيء عما لا يمكن أن ~~يقع منه، لأن النبي لا يمكن أن يقع منه الكفر، ولا يدل هذا على أن ما نسبوه ~~إلى سليمان من السحر يكون كفرا، إذ يحتمل أنهم نسبوا إليه الكفر مع السحر. PageV01P282 ### || CHECK مبحث في موضع "ما" من قوله تعالى: {وما أنزل على الملكين} ### || CHECK بيان ما أنزل على الملكين عطف على السحر وليس هو السحر ### || CHECK مبحث في سبب كفر الشياطين # ثم بين تعالى كفر الشياطين بقوله: {يعلمون الناس السحر} أي: الذي ولدوه ~~هم بما يزينونه من حاله ليعتقد أنه مؤثر بنفسه ونحو ذلك، كما أن الأنبياء ~~وأتباعهم يعلمون الناس الحق بما يتبينونه من أمره. # واختلف المفسرون في سبب كفر الشياطين هنا فقيل: هو ms242 بتعليم السحر، وقيل: ~~تعلمهم به، وقيل: بتكفيرهم سليمان عليه السلام، وظاهر الآية يقتضي أنهم ~~إنما كفروا لأجل أنهم كانوا يعلمون الناس السحر، لأن ترتيب الحكم على الوصف ~~مشعر بالعلية، وتعليم ما لا يكون كفرا لا يوجب الكفر، فصارت الآية دالة على ~~أن تعليم السحر كفر، وعلى أن السحر أيضا كفر. # ومن لا يسلم بأن قاعدة ترتيب الحكم على الوصف تفيد العلية، يقول: إنهم ~~كفروا، وهم مع ذلك يعلمون الناس السحر، فيجعل جملة {يعلمون} في موضع الحال ~~من الضمير في {كفروا}، وصاحب القول الأول يجعل الجملة بدلا من {كفروا} بدل ~~الفعل من الفعل، واختار أبو حيان في "البحر" و "النهر" أنها استئناف إخبار. # وعلى كل فكفر الشياطين لم يكن لأجل السحر، بل لأجله مقترنا به قصد ~~الإغواء والإضلال، لأن سياق الآية يدل على أنهم إنما فعلوا ذلك إضلالا ~~للقوم، لينفوا نبوة سليمان عليه السلام، وليبدلوا ما جاء في شرعه بما لفقوه ~~من السحر والمحال، فلا يقال: لو كان تعليم السحر كفرا لكفرت الملائكة الذين ~~كانوا ببابل، مع أن الملائكة معصومون. # وقوله تعالى: {وما أنزل على الملكين}، عطف على السحر، أي: ويعلمونهم ما ~~أنزل الله على الملكين، وظاهر العطف التغاير، فلا يكون ما أنزل على الملكين ~~سحرا، وقيل: هو معطوف على {ما تتلوا الشياطين} والمعنى: واتبعوا ما تتلوا ~~الشياطين والذي أنزل، وظاهره أن ما علموه للناس أو ما اتبعوه هو منزل، ومن ~~ثم قال الحرالي: فيه إنباء بأن هذا التخييل ضربان: مودع في الكون، وهو ما ~~علمته الشياطين؛ ومنزل من غيب، وهو المتعلم من الملكين، انتهى. PageV01P283 ### || CHECK ما الذي أنزل على الملكين هاروت وماروت؟ وكيف أن الشياطين حرفوه ### || CHECK هجر الناس لكتاب الله وللعمل بأحكامه وتمسكهم بطلاسم وعزائم ابتدعوها # والذي أختاره: أن موضع {ما} من قوله تعالى: {وما أنزل}، جر عطفا على {ملك ~~سليمان} وتقديره: {واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان}، {و} على {ما ~~أنزل على الملكين}، وذلك لأن السحر لو كان نازلا عليهما لكان منزله هو الله ~~تعالى، ولا يليق ms243 به تعالى إنزال ذلك، ولا ينبغي أن يستبعد هذا، لأن هذا ~~القرآن منزل من عند الله تعالى، ومع ذلك قد ترى كثيرا من الناس تركوا العمل ~~به وأتوا آياته فجعلوها طلاسم وعزائم، فقالوا مثلا: الآية الفلانية إذا ~~كتبت مقلوبة مثلا على عظم ميت أو غيره بدم خفاش، وقنفذ أو نحو ذلك، ودفنت ~~في طريق قوم أو في منزلهم حصلت بينهم العدواة والبغضاء، وإذا نفر محب عن ~~محبوبه فلتكتب له آية كذا في أشياء اخترعوها، فإن المحبين يتواصلان إلى غير ~~ذلك مما هو مسطور في كثير من الكتب التي بأيدي الناس، وحاشى أن يكون القرآن ~~أنزل لأمثال هذه المقاصد السافلة. # فإن قلت: ما هو الذي أنزل على الملكين حينيذ؟ # قلت: هو الشرع والدين، وكيفية ترتيب الأجرام العلوية، وتشريح الأفلاك وما ~~أوح تعالى بها من الخصائص، ويحتمل أن يكون مع ذلك فن النبات وما أودع فيها ~~وفي المعادن من الخواص، وباقي المواليد الثلاثة وما يشملها من الطبيعي ~~والرياضي، ثم إن الشياطين تركوا ما أنزلت هذه العلوم لأجله، واشتغلوا ~~بأحكام فن النجوم ليتوصلوا به إلى السحر، واستعملوا المعدنيات فيما يورث ~~التخيل، ويحل رابطة الألفة بين المرء وزوجه. # وكان الملكان يقولان للمتعلم منهما: {إنما نحن فتنة}، أي: إنا أتينا هذه ~~العلوم فتنة واختبارا لكم، وتعليما لما ينفعكم في أمر معاشكم من معرفة ~~الأوقات، وإظهار حكمة الباري تعالى، فلا تتركوا ما لأجله كانت هذه العلوم، ~~وتتبعوا ما لم تنزل لأجله فتكفروا بذلك، فكانوا لا يصغون إلى النصيحة، ~~ويتعلمون منهما الذي يقصدون به التفريق بين المرء وزوجه، وأمثال هذه ~~المؤذيات. # فرد عليهم تعالى في بقية هذه الآية، فكان مثله كمثل من يتعلم فن النبات ~~والحيوان والمعادن، ثم لا يلتفت منه إلا إلى تركيب السموم والأشياء المضرة PageV01P284 ### || CHECK مسالك المفسرين في قوله تعالى: {إنما نحن فتنة فلا تكفر} ### || CHECK مبحث عن مدينة بابل # بالعقل والدماغ، وكمن يتعلم فنون الفلك من تشريح الأفلاك، ورصد كواكبها، ~~ومعرفة فن الميقات بها، ثم يترك ذلك ويشتغل بفن أحكام النجوم ليتوصل إلى ms244 ~~كشف المغيبات بزعمه. # وإلى استخدام روحانية الكواكب على نمط مخصوص كما جرى ذلك لأهل بابل، ~~فإنهم توغلوا في هذا النوع حتى ادعوا ألوهية الكواكب، وجعلوها معبودة لهم ~~من دون الله تعالى، وصوروا لها صورا ورتبوا لها الأدعية وقربوا لها ~~القربان، واخترعوا لعبادتها لباسا مخصوصا، وهذا كله معلوم لمن اطلع على ~~البقية الباقية من الكتب المأخوذة عن القوم، ولهذا كثر الرد عليهم في ~~القرآن الكريم، ونبهنا تعالى عن أن نكون مثلهم في هذه الآية الكريمة. فتأمل ~~ما أجملناه هنا، فلعله أن يكون مرادا من هذه الآية الكريمة، وهو تعالى ~~الهادي. # وقوله: {على الملكين}، قرأهما الحسن بكسر اللام، وهو مروي عن "الضحاك، ~~وابن عباس" وأما {بابل}، فقال في القاموس: بابل كصاحب، موضع بالعراق ينسب ~~إليه السحر والخمر، وقال أبو معشر: الكلدانيون هم الذين كانوا ينزلون ببابل ~~في الزمن الأول، ويقال: إن أول من سكن بابل نوح عليه السلام، وهو أول من ~~عمرها وكان نزلها عقب الطوفان، فسار هو ومن خرج معه من السفينة إليها لطلب ~~الدفء، فأقاموا بها وتناسلوا فيها، وكثروا من بعد نوح وملكوا عليهم ملوكا ~~وابتنوا بها مدائن، فصارت مساكنهم متصلة بدجلة والفرات إلى أن بلغوا من ~~دجلة إلى أسفل كسكر، ومن الفرات إلى ما وراء الكوفة، وموضعهم هو الذي يقال ~~له: السواد، وكانت ملوكهم تنزل بابل، وكان الكلدانيون جنودهم، فلم تزل ~~مملكتهم قامة إلى أن قتل "دارا" آخر ملوكهم، ثم قتل منهم خلق كثير، فذلوا ~~وانقطع ملكهم كذا في "معجم البلدان" لياقوت. # وقال "هشام بن محمد": إن الذي بنى مدينة بابل "بيوراسف الجبار" واشتق ~~اسمها من اسم المشتري، لأن بابل باللسان البابلي الأول، اسم لكوكب المشتري، ~~وذكر في التوراة أن آدم عليه السلام كان في أول أمره مقيما ببابل. PageV01P285 ### || CHECK حقيقة معنى قوله تعالى: {فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه} # وهاروت وماروت بيان للملكين علمان لهما، وقيل بدل من الناس، وعليه فلا ~~يكونان اسمين للملكين، وعلى الأول اقتصر صاحب الكشاف. ثم بين تعالى نصيحة ~~الملكين بقوله: {وما ms245 يعلمان من أحد} ف {من} جيء بها لتأكيد استغراق الجنس، ~~لأن {أحد} من الألفاظ المستعملة للاستغراق في النفي العام، فزيدت هنا ~~لتأكيد ذلك. # وقوله: {حتى يقولا إنما نحن فتنة} أي: ابتلاء واختبار من الله، وذلك كما ~~ابتلي قوم طالوت بالنهر، {فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني} ~~[البقرة: 249]. وقوله: {فلا تكفر}، قد بينا فيما مضى ما ظهر لنا من معناه، ~~ولنذكر هنا مسالك المفسرين: أي فلا تتعلم منا السحر معتقدا أنه حق فتكفر. ~~قال علي رضي الله عنه: كانا يعلمان تعليم إنذار لا تعليم دعاء إليه، كأنهم ~~يقولان: لا تفعل كذا. وقال "المهدوي": إن قولهما {إنما نحن فتنة فلا تكفر} ~~استهزاء، لأنهما إنما يقولانه لمن قد تحققا ضلاله. وقال غيره: إنما هو ~~توكيد لقبول الشرع والتمسك به، فكانت طائفة تمتثل وأخرى تخالف. وهذه ~~الأقوال وغيرها تحوم حول ما ذكرناه. # وقوله: {فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه}، معطوف على شيء دل ~~عليه أول الكلام، كأنه قال: فيأبون فيتعلمون، واختار "الزجاج" هذا الوجه، ~~وقال "الفراء": هو عطف على {يعلمون الناس السحر ... فيتعلمون منهما}، ~~والأقرب أنه معطوف على {يعلمان} المنفية لكونها موجبة في المعنى، وقوله: ~~{منهما} الضمير في الظاهر عائد على الملكين، وقال "أبو مسلم": عائد على أو ~~{فتنة} والكفر الذي هو مصدر مفهوم من قوله: {فلا تكفر}، والتقدير: فيتعلمون ~~من الفتنة والكفر مقدار {ما يفرقون به بين المرء وزوجه}، والتفريق هنا ~~تفريق الألفة والمحبة، بحيث تقع الشحناء والبغضاء فيفترقان، وتحتمل أن يكون ~~المراد به تفريق الدين، بحيث إذا تعلم فقد كفر وصار مرتدا، فيكون ذلك مفرقا ~~بينهما، والآية لا تدل على أن الذي يتعلمونه منهما ليس إلا هذا القدر، لكن ~~ذكرت هذه الصورة تنبيها على سائر الصور، فإن استكانة المرء إلى زوجته ~~وركونه PageV01P286 ### || CHECK مبحث في الحكمة من إثبات العلم لليهود ثم نفيه عنهم بقوله تعالى: {لو كانوا يعلمون} ### || CHECK أثبت الله تعالى بأن اليهود يعلمون بضرر السحر وعدم نفعه ### || CHECK تعلم السحر لا يحصد إلا الضرر ms246 # إليها معروف زائد على كل مودة، فنبه تعالى بذكر ذلك على أن السحر إذا ~~أمكن به هذا الأمر على شدته فغيره به أولى. # أما قوله تعالى: {وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله} فإنه يدل على ~~ذلك المعنى، لأنه أطلق الضرر ولم يقصره على التفريق بين المرء وزوجه، فدل ~~ذلك على أنه تعالى إنما ذكره لأنه من أعلى مراتبه. ولما أكد تعالى استغراق ~~هذه الجملة بضروب من التأكيد، تلاه بمعيار العموم، فقال: {إلا بإذن الله} ~~لأنه ربما أحدث الله عنده فعلا من أفعاله وربما لم يحدث. ولما كان هذا الذي ~~تقدم وإن كان للعامل به نفع على زعمه، فضره أكبر من نفعه، أتبعه قسما آخر ~~ليس للعامل به شيء غير الضر، فليس الحامل على تعلمه إلا إيثار اللحاق ~~بإبليس وحزبه، فقال: {ويتعلمون}، أي: من السحر ما يضرهم، لأن مجرد العمل به ~~كفر أو معصية. ثم حقق أنه ضرر كله لا شائبة للنفع فيه، بقوله: {ولا ~~ينفعهم}، لأنه لا تأثير له أصلا، أو لأنهم يقصدون به الشر، والآية تدل على ~~أن اجتنابه أصلح، كتعلم أحكام النجوم وأشباهه، لأنه لا يؤمن أن يجر إلى ~~الغواية. # ثم أتبع تعالى ما يعرف أنهم ارتكبوه على علم، فقال محققا مؤكدا: {ولقد ~~علموا" أي: اليهود، وهذا كان لأنهم أسفه الناس، {لمن اشتراه} أي: آثره على ~~ما يعلم نفعه من الإيمان، بأن استبدل {ما تتلو الشياطين} من كتاب الله {ما ~~له في الآخرة} الباقية الباقي نفعها {من خلاق} أي: نصيب موافق أصلا، ~~والخلاق: الحظ اللائق لمن يقسم له النصيب، من الشيء، كأنه موازن به خلق ~~نفسه وخلق جسمه. # ثم جمع لهم المذام على وجه التأكيد فقال: {ولبئسما شروا}، أي: باعوا على ~~وجه اللجاجة {به أنفسهم}، إشارة إلى أنه مما أحاط بهم فاجتث نفوسهم من ~~أصلها، فأوجب لهم الخلود في النار. # ثم قال، بعد إثبات العلم لهم: {لو كانوا يعلمون}، أي: لو كان لهم قابلية ~~لتلقي واردات الحق، إشارة إلى أن هذا لا يقدم عليه من ms247 له أدنى علم، فعلمهم ~~الذي أوجب لهم الجرأة على هذا عدم، بل العدم خير منه. PageV01P287 ### || CHECK مبحث في معنى قوله تعالى: {ولو أنهم آمنوا} ### || CHECK تبيين من الله تعالى بأن اليهود أعرضوا عن الخير والثواب # وبهذا يتضح الجواب عن السؤال الوارد هنا، وهو أن يقال: كيف أثبت لهم ~~العلم أولا في قوله: {ولقد علموا} على سبيل التأكيد القسمي، ثم نفاه في ~~قوله: {لو كانوا يعلمون} وأجاب عنه في "الكشاف" بقوله: معناه {لو كانوا ~~يعلمون} بعلمهم، جعلهم حين لم يعملوا به كأنهم منسلخون عنه. وأجاب ~~"الأخفش"، و "قطرب" بالفرق، فجعلا الذين علموا هم الذين علموا السحر ودعوا ~~الناس إلى تعلمه، وهم الذين قال تعالى في حقهم: {نبذ فريق من الذين أوتوا ~~الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون (101)} [البقرة: 101]، وأما ~~الجهال الذين يرغبون في تعلم السحر، فهم الذين لا يعلمون. وأجيب أيضا ~~بتسليم أن الكل واحد، المثبت لهم العلم والنافي عنهم، لكنهم علموا شيئا ~~وجهلوا شيئا آخر، علموا أنهم ليس لهم في الآخرة خلاق، لكنهم جهلوا مقدار ما ~~فاتهم من منافع الآخرة، وما حصل لهم من مضارها وعقوباتها. # ولما بين تعالى ما عليهم فيما ارتكبوه من المضار، أتبعد ما في الإعراض ~~عنه من المنافع، فقال: # {ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون (103)}. # {ولو أنهم آمنوا} أي: بما دعوا إليه من هذا القران، ومن اعتقاد أن الفاعل ~~في كل شيء إنما هو الله تعالى، لا السحر، {واتقوا} ما يقدح في الإيمان من ~~الوقوف مع ما كان حقا فنسخ من التوراة فصار باطلا، ومن الإقدام على ما لم ~~يكن حقا أصلا من السحر، لأثيبوا خيرا مما تركوا لأن (من ترك شيئا لله عوضه ~~الله خيرا منه) (¬1)، هكذا الجواب، ولكنه عبر عنه بما يقتضي الثبوت والدوام ~~والشرف إلى غير ذلك مما تقصر عنه الأذهان من بلاغات القرآن، فقال: {لمثوبة} ~~صيغة مفعلة بضم العين، من الثواب، وهو الجزاء بالخير، وفي الصيغة إشعار ~~بعلو وثبات، وشرفها [بقوله: {من عند الله} ms248 زادها شرفا] (¬2) بقوله: {خير} ~~مع حذف المفضل عليه. PageV01P288 # قال الحرالي: وسوى بين هذه المثوبة ومضمون الرسالة في كونهما من عند الله ~~تشريفا لهذه المثوبة، وإلحاقا لها بالنمط العلي من علمه وحكمته، ومضاء ~~كلمته، انتهى. # ويجوز أن يكون قوله: {ولو أنهم آمنوا} تمنيا لإيمانهم على سبيل المجاز عن ~~إرادة الله إيمانهم واختيارهم له، كأنه قيل: وليتهم آمنوا، ثم ابتدأ ~~{لمثوبة من عند الله خير}، وقال الشيخ "برهان الدين البقاعي" في كتابه "نظم ~~الدرر في تناسب الآيات والسور": وهذه المثوبة عامة لما يحصل في الدنيا ~~والأخرى من الخيرات، التي منها ما يعطيه الله لصالحي عباده، من التصرف ~~بأسماء الله الحسنى على حسب ما تعطيه مفهوماتها من المنافع، ومن ذلك واردات ~~الآثار، ككون الفاتحة شفاء، وآية الكرسي حرزا من الشيطان، ونحو ذلك من ~~منافع القرآن والأذكار والتبرك بآثار الصالحين ونحوه. # ثم أكد الخبر بقوله: {لو كانوا يعلمون}. جواب {لو} محذوف، تقديره: {لو ~~كانوا يعلمون} لكان تحصيل المثوبة خيرا، يعني: سبب المثوبة وهو الإيمان ~~والتقوى، وقيل: المعنى {لو كانوا يعلمون} بعلمهم، ولما انتفت ثمرة العلم ~~الذي هو العمل جعل العلم منفيا. # وقال: "علي بن أحمد بن الحسن التجيبي الحرالي" بتشديد اللام، المغربي ~~نزيل "حماة" في كتابه "مفتاح الباب المقفل لفهم القرآن المنزل": في قوله ~~تعالى: {لو كانوا يعلمون} إشعار برتبة من العلم أعلى وأشرف من الرتبة التي ~~كانت تصرفهم عن أخذ السحر، لأن تلك الرتبة تزهد في علم ما هو شر، وهذه ترغب ~~في منال ما هو خير، وفيه بشرى لهذه الأمة، بما في كتابهم من قبول هذا العلم ~~الذي هو علم الأسماء، ومنافع القرآن يكون لهم عوضا من علم السيمياء الذي هو ~~باب من السحر، وعساه أن يكون من نحو المنزل على الملكين. # قال - صلى الله عليه وسلم -: "من اقتبس علما من النجوم اقتبس بابا من ~~السحر، زاد ما زاد" (¬1) PageV01P289 # وحقيقة السيمياء أمر من أمر الله، أظهر آثاره في العالم الأرضي على سبيل ~~أسماء وأرواح خبيثة، من بواطن الفتن في العلويات من النيرات ms249 والكواكب ~~والصورة، وما أبداه منه في علوم وأعمال لا يثبت شيء منه مع اسمه تعالى، بل ~~يشترط في صحته إخلاؤه عن اسم الله وذكره والقيام بحقه، وصرف التحنثات ~~والوجهة إلى ما دونه، فهو لذلك كفر، موضوع فتنة لمن شاء الله أن يفتنه به، ~~حتى كانت فتنة اسم السيمياء من هدى الاسم بمنزلة اسم اللات والعزى من هداية ~~اسم الله العزيز، ولله كلية الخلق، والأمر، هدى وإضلالا، إظهارا لكلمته ~~الجامعة الشاملة لمتقابلات الأرواح، قسمه إلى دارين، دار نور رحماني من ~~اسمه العزيز الرحيم، ودار نار انتقامي من اسمه الجبار المنتقم {ويوم تقوم ~~الساعة يومئذ يتفرقون (14)} [الروم: 14]. # ولما جعل سبحانه من المضرة في السحر ونحوه، كان من المثوبة لمن آمن واتقى ~~من هذه الأمة سورة الفلق والناس المعوذتان حرزا وابطالا، وتلقفا لما يأفك ~~سحر الساحرات عوضا دائما باقيا لهذه الأمة من عصا موسى، فهما عصا هذه الأمة ~~التي تلقف ما يأفك سحر الساحرات، عوضا دائما بما فيهما من التعويذ الجامع ~~للعوذة من شر الفلق الذي من لمحة منه كان السحر مفرقا، فهما عوذتان من وراء ~~ما وراء السحر ونحوه، وذلك من مثوبة الدفع مع ما أوتوا من مثوبة النفع، ~~ويكاد أن لا يقف مرجاة هذه الآية (¬1) لهذه الأمة عند غاية من منال ~~الخيرات، ووجوه الكرامات، انتهى كلامه. PageV01P290 ### || CHECK العلاقة بين علماء بابل وعلماء مصر ### || CHECK لمحة تاريخية عن أصول السحرة والمنجمين ### || CHECK كيف حرف العلم الذي أنزل على هاروت وماروت ### || AUTO استنباط الأحكام من هذه الآية # دلت هذه الآية الكريمة على أمور: # أحدها: أن علوم الأوائل أنزلت على هاروت وماروت ببابل، وعلى أن الشياطين ~~سواء كانوا من الجن، أو من الإنس، هم الذين يعلمون السحر للناس، فيصرفون ~~تلك العلوم عن مقاصدها الأصلية، وعما وضعت له إلى ما ينتج عنها من نتائج ~~الضرر، وقد صرحت هذه الآية بأن أهل بابل هم أول من اشتغل بتلك العلوم، وقد ~~أنبأ بذلك آثارهم التي وجدت وتوجد إلى الآن في بطون آثار بابل، ثم تهافت ~~عليهم أهل ms250 مصر القدماء، فأخذوا الفلسفة والسحر عنهم. # ولما كان أهل بابل أهل عبادة أصنام وأوثان، وخدمة للكواكب وتقرب إليها، ~~كان أقباط مصر كذلك؛ لأخذهم العلوم عنهم، فعبدوا الكواكب، وتقربوا إليها ~~وأقاموا لها التماثيل، واخترعوا لها الأدعية والعزائم، فكان حكماء اليونان ~~وفلاسفتهم وغيرهم، يتهافتون على أهل مصر يريدون التقريب إليهم، لما كان ~~عندهم من علوم السحر والطلسمات، والهندسة والنجوم والطب، والحساب والسيمياء ~~والكيمياء، وكانت كهنة مصر أعظم كهان ذلك الزمان قدرا، وأجلها بالكهانة ~~علما كما ذكره "ابن أبي أصيبعة" قال: # وكانت حكماء اليونان تصفهم بذلك وتشهد لهم به، وكانوا ينحون بكهانتهم نحو ~~النجوم، ويزعمون أنها هي التي تفيض لهم العلوم وتخبرهم بالغيوب، وهي التي ~~تعلمهم أسرار الطوالع وصفة الطلاسم، وتدلهم على العلوم المكتومة والأسماء ~~الجليلة المخزونة، فعملوا الطلسمات والنواميس، وولدوا الأشكال الناطقة، ~~وصوروا الصور المتحركة، وبنوا العالي من البنيان، ورمزوا علومهم في PageV01P291 ### || CHECK كيف دس الإسرائيليون الخرافات في كتب الملة الإسلامية # الحجارة، وعملوا من الطلسمات (¬1) ما نفوا به الأعداء عن بلادهم، وآثارهم ~~ظاهرة إلى اليوم في البراري (¬2) والأهرامات. # ولما خالط الإسرائيليون أهل مصر أخذوا منهم فن السحر والطلسمات، واتبعوا ~~ذلك، وازداد اتباعهم له في عهد سليمان، فتركوا شرعهم وأنكروا النبوات ~~اتباعا للفلاسفة، فرد عليهم تعالى، بهذه الآية بقوله: {واتبعوا ما تتلو ~~الشياطين على ملك سليمان} [البقرة: 102] وأخبر أن معتقدهم إنما هو اعتقاد ~~البابليين الصابئة عبدة الأوثان، وأن هذا كفر، وأن ما كان يفعله سليمان ~~إنما هو بطريق المعجزة، لا بطريق ما ادعوه من أنه سخر الجن والريح بالسحر، ~~لأنه كفر، {وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا} [البقرة: 102] فانظر إلى ~~هذا الذي نقله العلماء عن أهل بابل ومصر، وانظر إلى تلك الآية فإنك تراها ~~مجملة تاريخ العلوم الفلسفية، ونشأتها في أهل بابل وانتقالها إلى أقباط ~~مصر، ثم انتقال نوع منها إلى الإسرائيليين على أبلغ وجه وأخصره. # وكان أهل بابل، ثم الأقباط، ثم فلاسفة اليونان من بعدهم، لهم مسلك في نوع ~~من علومهم، سلكوا في بيانه مسالك الخرافات، بأن يرتبوا حكاية على ألسنة ~~البهائم ms251 أو غيرها، يشيرون بها إلى نوع من علومهم على سبيل الرمز والإيماء، ~~كما اخترعوا قصة "إبسال وسلامان" وأشار إليهما الشيخ الرئيس "ابن سينا"، ~~وقصة "حي بن يقظان" التي شرحها "أبو جعفر بن الطفيل"، وكما اخترعوا "لغز ~~قابس" إشارة إلى أن دوران الفلك وتصرفات الأمور ليس إلا على سبيل الصدفة، ~~وكذلك اخترعوا قصة "هاروت وماروت" و"الزهرة"، ولقد رأيت كتابا مترجما على ~~اللغات سماه صاحبه "خرافات اليونان"، وفيه كثير من الأشياء التي يذكرها ~~المفسرون في كتبهم. # ثم إن الإسرائيليين لغلظ أكبادهم، أخذوا تلك الخرافات على حقيقتها ودسوها ~~في أول الملة الإسلامية، فأخذت عنهم على سبيل الحقيقة، وأودعها المؤلفون ~~كتبهم بأسانيد متصلة إلى كعب ووهب وغيرهما، وجعلوها في كتب PageV01P292 ### || CHECK الاستدلال في أن السحر يؤثر في أمور غريبة # تفسير كتاب الله تعالى، غير منبهين على مقاصدها، فعلق الناس بها وجعلوها ~~من جملة الآثار، وفطن لها بعض المحققين من علماء هذه الملة، فزيفوها وبينوا ~~المقاصد منها. # وممن صرح بأن حكاية الزهرة مع هاروت وماروت مخترعة على سبيل الخرافات، ~~العلامة المحقق "عبد الحكيم السيالكوتي" في حاشيته على شرح المواقف، فإنه ~~قال عند قول صاحب المواقف: "وأما الرؤيا فخيال باطل عند المتكلمين". ما ~~لفظه: أي: تجعله إحساسا بشيء وليس ذلك بإحساس، لانتفاء شرائطه الحقيقية أو ~~العادية، وهذا لا ينافي كونه حكاية عن أمر ثابت في نفس الأمر، موجبا لعلمه ~~بعد التعبير، كالحكايات المخترعة للمعارف الحقيقية، كقصة هاروت وماروت، ~~وسلامان، وإبسال. انتهى. # فصرح بأن هاتين الحكايتين وأمثالهما مما اخترع للمعارف الحقيقية، فظن بعض ~~من لا إلمام له بالحقائق: أنها هي الحقيقة ذاتها، ويحتمل أن ابن عباس وغيره ~~ممن رويت عنه تلك الحكايات - إن صحت الرواية، أنهم ذكروها على سبيل المثال، ~~وحكاية رمز القدماء لعلومهم، فأخذها الراوون عنهم مسلمة على ظاهرها، فتفطن ~~لذلك، ومحص ما يصل إليك من العلوم، وزنه بميزان العقل تظفر بالهدى (¬1). # الأمر الثاني: دلت الآية على كون السحر يؤثر في أمور غريبة، كما قال ~~تعالى: {فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه} [البقرة: 102] ودلت ms252 ~~عليه السنة كقصة لبيد بن الأعصم مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهي ~~مروية في كتاب الطب من صحيح الإمام البخاري، ومن أنكره من القدرية فقد خالف ~~كتاب الله وسنة نبيه، وإجماع الأمة أيضا، إذ ما من عصر من عهد الصحابة إلى ~~ظهور المخالفين، إلا وكان الناس يتفاوضون فيه، في أمر السحر وتأثيراته، حتى ~~اختلف الفقهاء في حكم PageV01P293 ### || CHECK تقسيم العلماء للسحر ### || CHECK اختلاف الفقهاء في حكم الساحر # الساحر، هل يجب قتله أم لا؟ فقال بعضهم بالوجوب، وقال بعضهم: هو كافر، ~~وفصل بعضهم فقال: إذا اعترف بأنه قتل شخصا بسحره، وبأن سحره إنما يقتل ~~غالبا، وجب عليه القود، ولم ينكره أحد، فكان إجماعا، كذا قاله الآمدي. # الأمر الثالث: دلت الآية على أن السحر نوعان: منه ما يؤثر عن الشياطين، ~~ومنه ما يتوصل إليه بسبب علوم لم تكن موضوعة له خاصة، كالذي أنزل على ~~الملكين ببابل. وقد قسم العلماء السحر إلى أقسام: # أولها: سحر "الكلدانيين" وهم: أهل بابل، و"الكسدانيين" وهم: النبط الذين ~~كانوا في قديم الدهر، وهم قوم يعبدون الكواكب، ويزعمون أنها هي المدبرة ~~لهذا العالم، ومنها تصدر الخيرات والشرور، والسعادة والنحوسة، وهم الذين ~~بعث الله إبراهيم عليه السلام مبطلا لمقالتهم ورادا عليهم في مذاهبهم، وكان ~~لهم في هذا النوع تآليف وآثار قد وصل إلى علماء هذه الملة منها النزر ~~اليسير، فأخذوا منه فن أحكام النجوم، وصور الدرج، والكواكب والسيمياء ~~والكيمياء. # وأكثر من اعتنى بتخليص ذلك وضبط قواعده "مسلمة بن أحمد المجريطي ~~الأندلسي" في كتابه الذي سماه "غاية الحكيم". # ثانيها: سحر أصحاب الأوهام والنفوس القوية، وعلله الرئيس ابن سينا في ~~"الشفاء"، بأن الأحوال الجسمانية تابعة للأحوال النفسانية، وذلك أن الوهم ~~إذا تسلط على شيء أثر فيه تأثيرا ظاهرا. # وعندي لذلك تعليل أسميه بالكهربائية النفسانية، وذلك أن الهمة إذا سلطت ~~على شيء اهتماما تاما، انفصل من صاحب تلك الهمة مغناطيس جذاب، فاتصل بالشيء ~~التي وجهت الهمة نحوه فحصل له الجذب والانفعال، وتصرف الجاذب بالمجذوب ~~تصرفا قهريا له، وهذا يشبه اتصال العاشق بالمعشوق، ms253 فإن المعشوق لما كانت ~~كهربائيته أقوى، جذب العاشق جذب ملك وقهر، وتلك الكهربائية لا ينكر وجودها ~~في الأجسام إلا من ليس له اطلاع على هذا الفن، وعسانا أن نوضح هذا ونثبته ~~في مكان آخر، ومن هذا النوع ما يسمى في زمننا بالتنويم المغناطيسي الذي ~~اشتهر عند كثير من الناس. PageV01P294 # ثالثها: من السحر التخيلات والأخذ بالعيون، كما هو شأن المشعبذ الحاذق، ~~فإنه يظهر عمل شيء يشغل أذهان الناظرين به، ويأخذ عيونهم إليه حتى إذا ~~استغرقهم الشغل بذلك الشيء والتحديق نحوه، عمل عملا آخر بسرعة شديدة، فيبقى ~~ذلك العمل خفيا لتفاوت الشيئين، أحدهما اشتغالهم بالأمر الأول، والثاني ~~سرعة الإتيان بهذا العمل الثاني، وحينئذ يظهر لهم شيء آخر غير ما انتظروه، ~~فيتعجبون منه جدا، ولو أنه مكث ولم يتكلم بما يصرف الخواطر إلى ضد ما يريد ~~أن يعلمه، ولم تتحرك النفوس والأوهام إلى غير ما يريد إخراجه، لفطن ~~الناظرون لكل ما يفعله. # رابعها: الاستعانة بالأرواح الأرضية بأعمال مخصوصة يذكرها أصحاب هذه ~~الصناعة في كتبهم، وهذا النوع هو المسمى: بالعزائم وتسخير الجن. # خامسها: الأعمال العجيبة التي تظهر من تركيب الآلات المركبة، على النسب ~~الهندسية تارة، وعلى ضروب الخيلا أخرى، ومن هذا النوع ما يسمى في زمننا ~~"بالسيموتوغرافيا"، حيث يظهر للناظر بتسلط الأشعة الكهربائية على الستار ~~صورة البحر والجبال، والجيوش والبساتين والأنهار، والناس والدواب تغدو ~~وتروح، ومن هذا النوع كان سحر سحرة فرعون، ويندرج فيه فن جر الأثقال، وهذا ~~النوع لا يعد من السحر إلا من كونه مما لطف ورق، ويمكن أن يكون هذا مما ~~أنزل على الملكين ببابل. # سادسها: الاستعانة بخواص الأدوية المبلدة المزيلة للعقل. # سابعها: تعليق القلب، وهو أن يدعي الساحر أنه قد عرف الاسم الأعظم، وأن ~~الجن يطيعونه وينقادون له في أكثر الأمور، فإذا اتفق أن كان السامع لذلك ~~ضعيف العقل قليل التمييز، اعتقد أنه حق، وتعلق قلبه بذلك، وحصل في نفسه نوع ~~من الرعب والمخافة، وإذا حصل الخوف ضعفت القوى الحساسة، فحينئذ يتمكن ~~الساحر من أن يفعل حينئذ ما يشاء. ومن ms254 هذا النوع ما يفعله المدعون للتصوف، ~~ويرغبون في إقبال الناس عليهم جرأ للمنافع الدنيوية، وكم رأينا مثل هؤلاء ~~من تصرف في أموال مريده وغيرهم بتعليق قلوبهم بالوصول إلى فن الكيمياء PageV01P295 ### || CHECK سبب نزول قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا} ### || CHECK بيان أن من تحصن بذكر الله لا يضره مكر ماكر ولا سحر ساحر # والجفر والزايرجة، وسر الوفق والحروف، وبالوصول إلى المقامات العالية، ~~التي حرم الخواص الوصول إليها بزعمهم. # ثامنها: السعي بالنميمة من وجوه حفيفة لطيفة، وذلك شائع في الناس. # هذا وقد دلت الآية: على أن من كان عدوا لله، أي: مخالفا لأمره ومبغضا ~~لملائكته ورسله، فإن الله عدوه، أي: معامله بما يناسب فعله القبيح، وأن من ~~ترك كتاب الله واتبع السحر، فإنه ملحق بأولئك اليهود الذين تركوا الشرع ~~{واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان}، وأن من اتكل على الله وتحصن ~~بذكره وعبادته، لا يضره مكر ماكر، ولا سحر ساحر، وأن الأمور جارية كلها ~~بقضاء الله وقدره. # ولما كان من الحق إجراء الأمور على حكم ما أثبتها الحق لأنها بذلك حق، هو ~~مثال للحق المبين، وصرفها إلى من لم يثبتها الحق في حيزه إفك وقلب عن وجهه، ~~فهو خيال باطل، هو في باب الرأي بمنزلة السحر في الحس، فهو خيال لما صحة ~~النسبة فيه مثال، أتبع الآيات الذامة للسحر الحقيقي، التنبيه على السحر ~~المجازي، الذي خيلوا به الخير، وقصدوا به الشر، ليكون النهي عنه نهيا عن ~~الأول بطريق الأولى، فقال ملتفتا (¬1) عن ذكرهم إلى خطاب المؤمنين، الذي هو ~~أخص من {يابني إسرائيل}، الأخص من {ياأيها الناس اعبدوا ربكم} [البقرة: 21]: # {ياأيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين ~~عذاب أليم (104)}. # كان المسلمون يقولون: لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، إذا ألقى إليهم ~~شيئا من العلم: {راعنا} يا رسول الله، أي: راقبنا، وانتظرنا وتأن بنا حتى ~~نفهمه ونحفظه. وكانت لليهود كلمة يتسابون بها عبرانية أو سريانية وهي: ~~راعينا، فلما سمعوا بقول المؤمنين {راعنا} اغتنموا ذلك فرصة وخاطبوا ms255 الرسول ~~بهذه الكلمة، وهم يعنون بها تلك المسبة، فنهى الله المؤمنون عنها وأمرهم ~~بما هو في معناها، وهو أن PageV01P296 ### || CHECK بيان اختلاف المفسرين في معنى {راعنا} # يقولوا: {انظرنا} أي: أمهلنا حتى نحفظ {واسمعوا} وأحسنوا سماع ما يكلمكم ~~به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويلقي عليكم من المسائل، بآذان ~~واعية، وأذهان حاضرة حتى لا تحتاجوا إلى الاستعادة وطلب المراعاة. # أو المعنى: {اسمعوا} سماع قبول وطاعة، ولا يكن سماعكم مثل سماع اليهود، ~~حيث {قالوا سمعنا وعصينا} [البقرة: 93]. أو المعنى: {اسمعوا} ما أمرتم به ~~بجد، حتى لا ترجعوا إلى ما نهيتم عنه، تأكيدا عليهم ترك تلك الكلمة، ~~{وللكافرين} أي: لليهود الذين تهاونوا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وسبوه، {عذاب أليم}. # قال الأصفهاني: وهذا النهي اختص بهذا الوقت، قال الواحدي: لإجماع الأمة ~~على جواز المخاطبة بهذا اللفظ الآن. # وللمفسرين في معنى {راعنا} اختلاف كثير، والأولى ما قاله ابن جرير من أن ~~الله عز وجل نهى المؤمنين أن يقولوا لنبيه - صلى الله عليه وسلم - كلمة ~~كرهها الله لهم أن يقولوها لنبيه، محافظة على تعظيمه، كما نهاهم عن رفع ~~أصواتهم فوق صوته، وأن يجهروا له بالقول كجهر بعضهم لبعض وخلاصته: أنه ~~أمرهم أن يتخيروا لخطابه من الألفاظ أحسنها، ومن المعاني أرقها، فكان من ~~ذلك قولهم: راعنا لما فيه من احتمال معنى ارعنا نرعاك، إذ كانت المفاعلة لا ~~تكون إلا من اثنين، ومعنى أرعنا سمعك حتى نفهمك وتفهم عنا، فنهى الله أصحاب ~~نبيه أن يقولوا ذلك كذلك، وأن يفردوا مسألته بانتظارهم وإمهالهم، فيعقلوا ~~عنه بتبجيل منهم له وتعظيم، وأن لا يسألوه ما سألوه من ذلك على وجه الجفاء ~~والتهجم منهم له، ولا بالفظاظة والغلظة تشبيها منهم باليهود في خطابهم له، ~~بقولهم له: {واسمع غير مسمع وراعنا} [النساء: 46]. ويدل على صحة هذا المعنى ~~قوله تعالى {ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم ~~من خير من ربكم} [البقرة: 105]. فدل بذلك أن الذي عاتبهم عليه مما يسر ~~اليهود والمشركين. # ولما بين تعالى حال ms256 اليهود والكفار في العداوة والمعاندة، حذر المؤمنين ~~منهم فقال: PageV01P297 ### || CHECK مبحث في الرحمة التي يختص الله تعالى بها من يشاء ### || CHECK تحذير من الله تعالى للمسلمين بان أهل الكتاب والمشركين يستنبطون الضغن والحسد والبغضاء لهم # {ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ~~ربكم والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم (105)}. # فنفى عن قلوبهم الود والمحبة لكل ما يظهر به فضل المؤمنين. # والمعنى: {ما} يحب الكافرون {من أهل الكتاب ولا} من {المشركين} بالله من ~~عبدة الأوثان، من أي نوع كان شركهم، بغضا فيكم وحسدا لكم، {أن ينزل عليكم ~~من} الخير الذي كان الله ينزله عليهم، لأن مخالفة الأعداء من الأغراض ~~العظيمة للمتمكنين في الأخلاق الفاضلة من ذوي الأدوات الكاملة، فتمنى ~~المشركون، وكفرة أهل الكتاب أن لا ينزل الله على المؤمنين الفرقان، وما ~~أوحاه إلى محمد من حكمه وآياته، وإنما أحب أهل الكتاب، وهم اليهود والنصارى ~~وأتباعهم من المشركين، ذلك حسدا منهم، وبغيا على المؤمنين، وفي هذه الآية ~~دلالة بينة على أن الله تعالى، نهى المؤمنين عن الركون إلى أعدائهم، من أهل ~~الكتاب والمشركين، والاستماع من قولهم، وقبول شيء مما يأتونهم به على وجه ~~النصيحة لهم منهم، باطلاعه جل ثناؤه على ما يستنبطه لهم أهل الكتاب ~~والمشركون من الضغن والحسد، وإن أظهروا بألسنتهم خلاف ما هم مستنبطون. # ولما بين سبحانه ما يودون، أتبعه التعريف بأن له التصرف التام، رضي من ~~رضي وسخط من سخط قال: {والله} أي: ما يودون، والحال أن الله {يختص برحمته ~~من يشاء}، فيختص من شاء بنبوته ورسالته، فيرسله إلى من يشاء من خلقه، ~~فيتفضل بالإيمان على من أحب فيهديه به، واختصاصه إياهم بها إفرادهم دون ~~غيرهم من خلقه، وإنما جعل سبحانه رسالته إلى من أرسل إليه من خلقه، وهدايته ~~من هدى من عباده، رحمة منه فيصيره بها إلى رضائه ومحبته، وفوزه بها بالجنة، ~~واستحقاقه بها ثناؤه، وكل ذلك رحمة من الله له. # ولما كان ذلك ربما أوهم أنه ms257 إذا فعله لم يبق من رحمته ما يسع غير المختص، ~~نفاه بقوله: {والله ذو الفضل العظيم} الذي لا يحصر بحد، ولا يدخل تحت عد. PageV01P298 ### || CHECK موقف المفسرين من قوله تعالى: {ما ننسخ من آية} # وفي قوله: {والله يختص برحمته} الآية، تعريض بأهل الكتاب، أن الذي آتاه ~~نبيه والمؤمنين به من أهل الهداية تفضلا منه، وأن نعمه لا تدرك بالأماني، ~~ولكنها مواهب منه يختص بها من يشاء من خلقه. # والآية أيضا تشير من الوجهة العمرانية، إلى أنه يجب على المؤمنين أن ~~يعتمدوا على الله، ثم على أنفسهم في أسباب معاشهم، فيسابقون أهل الكتاب ~~والمشركين إلى العلوم النافعة لهم، وإلى فنون الصنائع التي يظهرها الله على ~~أيدي من يشاء، آنا فآنا، حتى يبرزوا عليهم، فلا يحتاجون إلى أعدائهم، لأنهم ~~إذا تكاسلوا احتاجوا إليهم، فاختلطوا بهم، فأفسدوا عليهم أمر معاشهم كما ~~أفسدوا عليهم دينهم، وجعلوهم خدمة لهم، وامتلكوا بلادهم وأذلوهم ~~واستعبدوهم، لأن الله حذر المؤمنين منهم بقوله: {ما يود الذين كفروا من أهل ~~الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم} فإذا كانوا لا يريدون ~~الخير للمؤمنين، فكيف يركنون إليهم، ومن تبصر في أحوال أولئك الأعداء تجلى ~~له مصداق هذه الآية الكريمة عيانا. # ثم إنه تعالى بين نوعا ثانيا من ### || AUTO طعن اليهود في الإسلام # ، حيث قالوا: ألا ترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه، ويأمرهم ~~بخلافه ويقول اليوم قولا وغدا يرجع عنه، فنزلت هذه الآية. # {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على ~~كل شيء قدير (106)}. # للمفسرين في تفسير هذه الآية مسالك، كل واحد منهم سلك بها مسلكا على ~~مقتضى الفن الذي غلب عليه. # فالأصولي يذكر هنا قواعد الأصول من جهة النسخ وغيره، كما فعله محمد بن ~~عمر الرازي، والنحوي يدلي بحجته، والبياني يضع فن البيان نصب عينيه، وكل ~~صاحب فن يدندن حول فنه، وإننا نسلك في تفسيرها مسلكا نرجو أن يكون هو ~~الصواب، غير مقلدين لواحد يريد ترويج فنه، ms258 وإمالة كتاب الله إلى PageV01P299 ### || CHECK المعنى من قوله تعالى: {ما ننسخ من آية} # مقاصده، فنذكر أولا ما يفهم من تركيب ألفاظها، ثم نتبعه باستنباط الأحكام منها. # فنقول: ### || AUTO أصل النسخ في اللغة # : إزالة الشيء بغير بدل يعقبه، نحو نسخت الشمس الظل، ونسخت الريح الأثر. ~~أو نقل الشيء من غير إزالة، نحو نسخت الكتاب، إذا نقلته ما فيه إلى مكان ~~آخر. والنسيئة التأخير. والمعنى {ما ننسخ من آية} أي: نزلها بإبدال أخرى ~~مكانها، "أو ننسأها" على قراءة الهمز، أي: نؤخرها ونذهبها لا إلى بدل، {أو ~~ننسها} نذهب بحفظها عن القلوب. # والمعنى: أن كل آية يذهب بها على ما توجبه المصلحة من إزالة لفظها وحكمها ~~معا، أو من إزالة أحدهما إلى بدله، أو غير بدل. {نأت ب} آية {خير منها} ~~للعباد، أي: بآية العمل بها أكثر للثواب، {أو مثلها} في ذلك، ف {من} في ~~قوله تعالى: {من آية} للتبعيض، والمعنى: أي شيء من الآيات، وهذا النسخ عام، ~~لما كان من شرع ما قبلنا، كنسخ استقبال بيت المقدس أو غيره، أو لم يكن. ~~وصيغة "ننسخ" التي بوزن نفعل، تشعر بأن من تقدم ربما نسخ عنهم ما لم يعوضوا ~~به مثلا، ولا خيرا، ففي طيه ترغيب للذين آمنوا بكتابهم الخاص بهم، وأن يكون ~~لهم عند النسخ حسن قبول، فرحا بجديد أول اغتباطا بما هو خير من المنسوخ، ~~ليكون حالهم عند تناسخ مقابل لحال الآبين من قبوله المستمسكين بالسابق، ~~المتقاصرين عن خير لاحق وجدته. # والأصح في تفسير قوله تعالى: {أو ننسها}: أن المعنى على قراءة "أو ~~ننسأها" بالهمز، نؤخر نسخها، وعلى قراءة "أو ننسها" نتركها زمنا ثم ننسخها، ~~كالقبلة، {نأت بخير منها أو مثلها}، ولما كانت الآية في بيان أغلاط اليهود، ~~وأنهم هم الذين أنكروا النسخ عنادا، أعرض تعالى عن خطابهم تعريضا بغباوتهم، ~~إلى خطاب نبيه الذي هو أعلم الخلق، بقوله: {ألم تعلم أن الله} الحائز لجميع ~~أوصاف الكمال {على كل شيء قدير} فأتى بالكلام على وجه الاستفهام المتضمن، ~~لأجل قصد اليهودية للإنكار، والتقرير المشار ms259 فيه للتوعد والتهديد، PageV01P300 ### || CHECK تعليق من تفسير البقاعي ### || CHECK بيان أن الله يفعل ما يشاء وهو على كل شيء قدير # فيخلق بقدرته من الأسباب ما يصير الشيء في وقت مصلحة، وفي وقت مفسدة، ~~لحكم ومصالح دبرها لتصرم هذا العالم وتقضي هذا الكون بشمول علمه بكل ما ~~تقدم وما تأخر، ولو أراد لجعل الأمر على سنن واحدة، والناس على قلب رجل ~~واحد، ولكنه مالك الملك يتصرف فيه على حسب ما يريد لا راد لأمره، ولا معقب ~~لحكمه، ولا يسوغ الاعتراض عليه بوجه. # ثم أتبع ذلك بما هو كالدليل على شمول القدرة، فقال: # {ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض وما لكم من دون الله من ولي ~~ولا نصير (107)}. # أي: {ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض}، يفعل في ذواتهما ~~وأحوالهما ما يشاء، فهو يملك أموركم ويدبرها ويجريها على حسب ما يصلحكم، ~~وهو أعلم بما يتعبدكم به من ناسخ ومنسوخ، فقوله: {وهو على كل شيء قدير} ~~(¬1) إشارة إلى تفصيل الآيات، وهو بما {له ملك السماوات والأرض} يدبر الأمر. # ولما أتم سبحانه ما أراد من إظهار قدرته وسعة ملكه، تهيأت قلوب السامعين ~~وصفت، فلفت الخطاب إليهم ترهيبا في إشارة إلى ترغيب، فقال: {وما لكم من دون ~~الله من ولي} يتولى أموركم {ولا نصير} فأقبلوا بجميع قلوبكم إليه، ولا ~~تلتفتوا عنه، وفي ذلك تعريض بالتحذير للذين آمنوا ولم يبلغوا درجة ~~المؤمنين، من مخالفة أمره إذا حكم عليهم بما أراد كائنا ما كان، لئلا تلقن ~~بواطنهم عن اليهود، نحوا مما لقنت ظواهر ألسنتهم بأن تستمسك بسابق فرقانها، ~~فتتثاقل عن قبول لاحقه ومكمله، فيكون ذلك تبعا لكثرة أهل الكتاب في إبائها ~~نسخ ما لحقه التغيير من أحكام في كتابها، وهو في الحقيقة خطاب جامع لتفصيل ~~ما يرد من النسخ في تفاصيل الأحكام والأحوال. PageV01P301 ### || CHECK إقامة الحجة على اليهود في جواز النسخ وبأنه ورد في شريعتهم ### || CHECK الآية تذم اليهود وتكذبهم # وفي هذه الآية تكذيب لليهود الذين أنكروا نسخ أحكام التوراة، وجحدوا نبوة ~~عيسى، وأنكروا ms260 محمدا - صلى الله عليه وسلم -، لمجيئهما بما جاءا به من عند ~~الله، بتغيير ما غير الله من حكم التوراة، فأخبرهم تعالى: بأنه الفعال ~~المطلق يفعل ما يشاء، ويحكم بما يريد. # وهذا ولما كانت الآية في معرض ذم اليهود والنداء على غباوتهم بإنكارهم ~~النسخ، وكان الله تعالى قد جعل إلى إفحامهم طريقا مما يتداولونه في أيديهم ~~من نص تنزيلهم، وأعماهم الله عنه عند تبديلهم، ليكون حجة عليهم موجودة في ~~أيديهم؛ اقتضى المقام أن نبين غلطهم وخطأهم من نص كتابهم، فيقال لهم: هل ~~كان قبل نزول التوراة شرع أم لا؟ فإن قالوا: لا؟ كذبهم السفر الأول من ~~التوراة، حيث فيه ما تعريبه من اللغة العبرانية في الكلام على شرع نوح: ~~سافك دم الإنسان يحكم عليه بسفك دمه، لأن الله خلق الآدمي بصورة شريفة. ~~وكذبهم أيضا الجزء الثالث من السفر من التوراة، الناطق: بأنه كان في شرع ~~إبراهيم ختان المولود في اليوم الثامن من ميلاده. وهذا وأمثاله شرع، لأن ~~الشرع لم يخرج عن كونه أمرا ونهيا من الله، سواء أنزل على لسان رسول، أو ~~كتب في أسفار، أو ألواح، أو غير ذلك. # وإن أقروا بأنه قد كان شرع قلنا لهم: فما تقولون في التوراة، هل أتت ~~بزيادة على تلك الشرائع أم لا؟ فإن قالوا: لا، قلنا: قد صارت عبثا إذ لا ~~زيادة فيها على ما تقدم، ولم تغن شيئا، فلا يجوز أن تكون صادرة عن الله ~~تعالى، فيلزمكم أن التوراة ليست من عند الله، وذلك كفر على مذهبكم، وإن ~~كانت التوراة أتت بزيادة، فهل في تلك الزيادة تحريم ما كان مباحا أم لا؟ ~~فإن أنكروا ذلك، بطل قولهم من وجهين: # أحدهما: أن التوراة حرمت الصناعة يوم السبت بعد أن كانت مباحة به، وهذا ~~هو النسخ بعينه. # والثاني: أنه لا معنى للزيادة في الشرع إلا تحريم ما تقدمت إباحته، أو ~~إباحة ما تقدم تحريمه. PageV01P302 # فإن قالوا: إن الحكيم لا يحظر، أي: لا يحرم شيئا ثم يبيحه، قلنا: إن من ~~أمر بشيء وضده في زمانين ms261 مختلفين، كان غير مناقض بين أوامره، وإنما يكون ~~كذلك لو كان الأمران في وقت واحد. # فإن قالوا: إن التوراة حظرت أمورا كانت مباحة من قبل ولم تأت بإباحة ~~محظور، والنسخ المكروه هو إباحة المحظور، لأن من أبيح له شيء، فامتنع عنه ~~وحظره على نفسه فليس بمخالف، وإنما المخالف من منع من شيء فأتاه لاستباحته ~~المحظور. # فالجواب: إن من أحل ما حظره الشرع في طبقة المحرم لما أحله الشرع، إذ كل ~~منهما قد خالف المشروع، ولم يقرأ الكلمة على معاهدها، فإذا جاز أن يأتي شرع ~~التوراة بتحريم ما كان إبراهيم عليه السلام، ومن تبعه على استباحته، فجائز ~~أن يؤتى بشريعة أخرى، بتحليل ما كان في التوراة محظورا، وأيضا فلا تخلو ~~المحظورات من أن يكون تحريمها مفترضا في كل الأزمنة، أم لا؟ فإن كان ~~الثاني، فقد لزمتكم الحجة، وإن كان الأول فلا يخلو إما أن يكره الله ذلك ~~المحظور لعينه، وإما أن لا يكرهه لعينه بل نهى عنه في بعض الأزمنة، فإذا ~~كان الله نهى عن عمل الصناعات في يوم السبت لعين السبت، فينبغي أن يكون هذا ~~التحريم على نوح وإبراهيم وآدم، لأن عين السبت كانت أيضا موجودة في زمانهم، ~~وهي على التحريم، وإذا كان ذلك غير محرم على إبراهيم ومن قبله، فليس النهي ~~عنه لعينه، أعني في جميع أوقات وجود عينه. # فإذا لزمكم أن تحريم الأعمال الصناعية يوم السبت ليس بمحرم في جميع وجود ~~أوقات السبت، فليس بممتنع أن ينسخ هذا التحريم في زمن آخر، وإذا ظهر قائم ~~بمعجزات الرسالة وأعلام النبوة في زمن آخر بعد فترة طويلة، فجائز أن تأتي ~~بنسخ كثير من أحكام الشريعة التي قبله، سواء حظر مباحاتها أو أباح ~~محظوراتها. # وكيف يجوز أن يحاج بالبينة باعتراض فيما ورد به من أمر أو نهي، سواء وافق ~~العقول البشرية، أو باينها، ولاسيما أن الخصوم قد طالما تعبدوا بفرائض ~~مباينة للعقول، كطهارة نجاستهم برماد البقرة التي كان الإمام الهاروني ~~يحرقها قبيل أوان الحج، ونجاسة ظاهرهم بذلك الرماد بعينه. PageV01P303 ### || CHECK وجه ms262 آخر للرد على اليهود # على أن الذي يروم تنزيله منزلة هذا أقرب كثيرا إلى العقل فإن الأفعال ~~والأوامر الإلهية منزهة عن الوقوف عند مقتضى العقول البشرية، وإذا كانت ~~التعبدات الشرعية غير عائدة بنفع لله عز وجل، ولا دافعة عنه ضررا لتنزيه ~~الله سبحانه عن الانتفاع والتأذي بشيء، فما الذي يحيل أو يمنع كونه تعالى ~~يأمر أمة بشريعة ثم ينهى أمة أخرى عنها، أو يحرم محظورا على قوم ثم يحله ~~لأولادهم، ثم يحظره ثانيا على من يجيء بعد؟ وكيف يجوز للمتعبد أن يعارض ~~الرسول في تحليله ما كان حراما على قوم، ويستدل بذلك على كذبه بعد أن جاءهم ~~بالبينة وأوعب العقلاء تصديقه وتحكيمه؟ أليس هذا تحكما وضلالا وعدولا عن ~~الحق؟ ! وإلى هذا يشير قوله تعالى: {ألم تعلم أن الله له ملك السموات ~~والأرض} الآية، فرد الأمر إلى ذاته تعالى، ولم يرد على اليهود تبكيتا لهم ~~ونكاية بهم. # وثم وجه آخر للرد عليهم على مقتضى أصولهم، وهو أن يقال لهم: هل أنتم ~~اليوم على ملة موسى عليه السلام؟ فإن قالوا: نعم، قلنا لهم: أليس في ~~التوراة أن من مس عظما، أو وطئ قبرا أو حضر ميتا، عند موته صار من النجاسة ~~في حال لا مخرج له منها، إلا برماد البقرة التي كان الإمام الهاروني ~~يحرقها؟ فلا تمكنهم المخالفة في ذلك، لأنه نص ما يتداولونه. # فنقول لهم: فهل أنتم اليوم على ذلك؟ فيقولون: لا نقدر على ذلك، فنقول ~~لهم: كيف جعلتم لمس العظم والقبر بعد ذلك طاهرا يصلح للصلاة وحمل التوراة، ~~والذي في كتابكم خلافه؟ فإن قالوا: لأنا عدمنا أسباب الطهارة، وهي رماد ~~البقرة والإمام المطهر المستغفر، قلنا: فهل ترون هذا الأمر مع عجزكم عنه، ~~مما تستغنون عنه في الطهارة أم لا؟ فإن قالوا: نعم، فقد أقروا بالنسخ لتلك ~~الفريضة، لحال اقتضاها هذا الزمان، وإن قالوا: لا نستغني في الطهارة عن ذلك ~~الطهور، فقد أقروا بأنهم هم الأنجاس أبدا، ما داموا لا يقدرون على سبب ~~الطهارة، فنقول لهم: فإذا كنتم أنجاسا على رأيكم ms263 وأصولكم، فما بالكم ~~تعتزلون الحائض بعد انقطاع الحيض سبعة أيام، اعتزالا تفرطون فيه إلى حد أن ~~أحدكم لو مس ثوبه ثوب المرأة لاستنجستموه مع ثوبه؟ فإن قالوا: لأن ذلك من ~~أحكام PageV01P304 ### || CHECK إقحام اليهود والرد عليهم # التوراة، قلنا: أليس في التوراة أن ذلك يراد به الطهارة؟ فإن كانت ~~الطهارة قد فاتتكم، والنجاسة التي أنتم فيها على معتقدكم لا ترتفع بالغسل، ~~كنجاسة الحيض لما أنكم ترون أن الحائض طاهرة إذا كان من غير ملتكم، ولا ~~تستنجسون لامسها ولا الثوب الذي تلمسه، وتخصيص هذا الأمر أعني نجاسة الحيض ~~بطائفتكم مما ليس في التوراة، فهذا كله منكم نسخ أو تبديل، فإن قالوا: إن ~~هذا وإن كان النص غير ناطق به فقد جاء في الفقه، قلنا لهم: فما تقولون في ~~فقهائكم؟ هل الذين اختلفوا فيه من مسائل الخلاف والمذاهب، على كثرتها ~~لديكم، كان ثمرة اجتهاد واستدلال [أو] (¬1) منقولا بعينه؟ فهم يقولون: إن ~~جميع ما في كتب فقهائنا نقله الفقهاء، عن الأحبار، عن الثقاة، عن السلف، عن ~~"يهوشع بن نون"، عن "موسى الكليم"، عن الله عز وجل، فيلزمكم في هذه المسألة ~~الواحدة التي اختلف فيها اثنان من فقهائكم، أن يكون كل واحد منهما ناقلا ~~مذهبه فيها نقلا مسندا إلى الله، وفي ذلك من الشناعة اللازمة أن يجعلوا ~~الله قد أمر في تلك الساعة في شيء وخلافه، وهو النسخ الذي يدفعونه بعينه. # فإن قالوا: إن الخلاف غير مستبعد، لأن الأولين كانوا بعد اختلافهم في ~~المسألة، يرجعون إلى أصل واحد، وهو المقطوع به، قلنا: إن رجوعهم بعد ~~الاختلاف إلى الاتفاق على مذهب، إما لأن أحدهم رجع عما نقل أو طعن في نقله ~~فيلزمه السقوط عن العدالة، ولا يجوز لكم أن تعاودوا الالتفات إلى نقله، ~~وإما أن يكون الفقهاء اجتمعوا على نسخ أحد المذهبين أو تكون رواية أحدهما ~~ناسخة لرواية الآخر، وما أحد من الفقهاء، إلا وقد ألغي مذهبه في مسائل ~~كثيرة، وهذا جنون ممن لا يقر بالنسخ، ولا يرى كلام أصحاب الخلاف اجتهادا ~~ونظرا، بل نقلا محضا. ms264 # وثم وجه آخر للرد عليهم، نقول لهم: ما تقولون في صلاتكم وصومكم، هل التي ~~فارقكم عليها موسى عليه السلام؟ فإن قالوا: نعم قلنا: فهل كان موسى وأمته ~~يقولون في صلاتهم كما تقولون: اللهم اضرب ببوق عظيم لعتقنا، واقبضنا جميعا ~~من أربعة أقطار الأرض إلى قدسك، سبحانك يا جامع تشتيت بني إسرائيل؟ PageV01P305 # أم كانوا على عهد موسى يقولون: كما تقولون كل يوم: اردد حكامنا كالأولين ~~ومسراتنا كالابتداء وابن "يروشليم" قرية قدسك في أيامنا، وعزنا ببنائها يا ~~باني يروشليم؟ أم هذه فصول شاهدة بأنكم لفقتموها بعد زوال دولتكم، أما صوم ~~إحراق بيت المقدس، وصوم حصاره، وصوم كذلينا (¬1) التي جعلتموها فرضا هل كان ~~موسى يصوم ذلك؟ أو أمر به هو أو خليفته يوشع بن نون؟ أو صوم صلب هامان؟ هل ~~هذه الأمور مفترضة بالتوراة أم زيدت لأسباب اقتضت زيادتها في هذه الأعصار؟ # فإن قالوا: وكيف يلزمنا النسخ بهذه الآي، قلنا: لأن التوراة بهذه الآية ~~نطقت، وهي ما تفسيره بالعربية: لا تزيدوا على الأمر الذي أنا موصيكم به ~~شيئا، ولا تنقصوا منه شيئا، فإن زدتم أشياء من الفرائض فقد نسختم تلك الآية. # وثم وجه آخر وهو أن يقال لهم: أليس عندكم: أن الله اختار من بني إسرائيل ~~الأبكار ليكونوا خواص للخدمة في الأقداس؟ فيقولون: بلى، فنقول لهم: أليس ~~عندكم أيضا: أن موسى لما نزل من الجبل وعنده الألواح فوجد القوم عاكفين على ~~عبادة العجل، وقف بطرف العسكر ونادى: من كان لله تعالى فليحضرني. فانضم ~~إليه بنو ليوي، ولم ينضم إليه البكور، على أن مناداته وإن كان لفظها يقتضي ~~العموم، فإنه لم يكن أشار بها إلا إلى البكور، إذ هم خاصة الله يومئذ دون ~~أولاد ليوي، فقال الله لموسى: ما تفسيره بالعربية: وقد أخذت الليويين عوضا ~~عن كل بكر في بني إسرائيل. أفليس الله قد عزل الأبكار عن ولاية الاختصاص ~~وأخذ أولاد ليوي عوضا عنهم؟ ! فهم لا يقدرون على إنكار ذلك، وهذا يلزمهم ~~منه القول بالبداء والنسخ اللذين هم ينكرانهما. # هذا وفي قوله تعالى: {ألم ms265 تعلم أن الله له ملك السموات والأرض} فيه رد ~~على القائلين بأن النسخ يلزم منه البداء، وهو ظهور الشيء بعد أن كان خفيا، ~~لأن PageV01P306 ### || CHECK إشارة إلى فتاوى بدران ### || CHECK معنى النسيان في قوله تعالى: {ما ننسخ من آية أو ننسها} # البداء ينافي كمال العلم، لأنه يستلزم الجهل المحض، وهو مستحيل على الله ~~تعالى، فالبداء مستحيل على من له ملك السماوات والأرض. # وما النسخ إلا أن الله تعالى علم المصلحة في الحكم تارة فأثبته بالشرع، ~~وعلم المفسدة فيه تارة فنفاه بالنسخ، وذلك لفوائد منها رعاية الأصلح ~~للمكلفين تفضلا منه تعالى، لا وجوبا. ومنها امتحانهم بامتثالهم الأوامر ~~والنواهي، خصوصا في أمرهم بما كانوا منهيين عنه، ونهيهم عما كانوا مأمورين ~~به، فإن الانقياد له أدل على الإيمان والطاعة، وقد تكلمنا على تفسير هذه ~~الآية بأطول من هذا، وأبدينا منها حكما غريبة في كتابنا الموسوم ب "الأجوبة ~~عن المسائل القازانية" (¬1)، مما إيراده هنا يجعل الكلام مطولا، فليراجعه ~~من أحب. # بقي هنا أن يقال: إن قوله تعالى: {ما ننسخ من آية أو ننسها} [البقرة: ~~106] على هذه القراءة يشير إلى صدور النسيان من النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، وقد أجاب عنه "ابن عطية" في تفسيره بقوله: والصحيح في هذا: أن نسيان ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أراد الله أن ينساه، ولم يرد أن يثبته ~~قرآنا - جائز. وأما النسيان الذي هو آفة في البشر، فالنبي - صلى الله عليه ~~وسلم - معصوم منه قبل التبليغ وبعده، ما لم يحفظه أحد من الصحابة، وأما بعد ~~أن يحفظ فجائز عليه ما يجوز على البشر، لأنه قد بلغ وأدى الأمانة، ومنه ~~الحديث حين أسقط آية فلما فرغ من الصلاة قال: "أفي القوم أبي" قال: نعم يا ~~رسول الله، قال: "فلم لم تذكرني" قال: خشيت أنها رفعت، فقال: "لم ترفع ~~ولكني نسيتها" (¬2). # ولما كان رسخ ما ذكره سبحانه من تمام قدرته، وعظيم مملكته، وما أظهر ~~لذاته المقدسة من العظم بتكرار اسمه العلم! وإثبات أن ما سواه عدم، فتأهلت ~~القلوب للوعظ، صدعها ms266 بالتأديب بالإنكار الشديد، فقال: PageV01P307 ### || CHECK اختلاف في من هو المخاطب في قوله تعالى: {أم تريدون أن تسألوا رسولكم .. } ### || CHECK زجر وتأديب المؤمنين من أن يتعنتوا على نبيهم، كما فعل اليهود مع سيدنا موسى # {أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ومن يتبدل الكفر ~~بالإيمان فقد ضل سواء السبيل}. # أي: أتريدون أن تردوا أمر خالقكم في النسخ، أم تريدون أن تتخذوا من دونه ~~إلها لا يقدر على شيء، بأن تسألوا رسولكم أن يجعل لكم إلها غيره، كما سئل ~~موسى ذلك، فقال له قومه: {أرنا الله جهرة} [النساء: 153] و {اجعل لنا إلها ~~كما لهم آلهة} [الأعراف: 138]؟ ! # وعلى كل، فقد أدب الله المؤمنين وزجرهم عن أن يتعنتوا على نبيهم في زمنه، ~~أو على شرعه من بعده، كما تعنت اليهود على نبيهم، فقد روي أن بعض المشركين ~~حذا حذو اليهود في التعنت، فقال رهط من قريش: يا محمد اجعل لنا الصفا ذهبا، ~~ووسع لنا أرض مكة، وفجر الأنهار خلالها تفجيرا، ونؤمن لك. وكان بعضهم يقول: ~~ائتنا بكتاب من السماء جملة، كما أتى موسى بالتوراة. وكان الآخر يقول: لن ~~نؤمن لك حتى تأتي بالله والملائكة قبيلا. وسأله قوم أن يجعل لهم "ذات ~~أنواط" كما كانت للمشركين، وهي شجرة كانوا يعبدونها ويعلقون عليها الثمرة ~~وغيرها من المأكولات، وأسلحتهم. # [و {أم} هنا منقطعة، وتتقدر المنقطعة ب "بل والهمزة"، فالمعنى: بل ~~أتريدون، ] (¬1) ولفظة: "بل"، تفيد الإضراب عما قبله، ومعنى الإضراب هنا هو ~~الانتقال من جملة إلى جملة، لا على سبيل إبطال الأولى. # واختلف في المخاطب في هذه الآية، فقال الأصم والجبائي وأبو مسلم: هو ~~للمؤمنين، وهو الذي قدمناه كما رأيت، وعليه فالضمير في {رسولكم} جاء على ما ~~في نفس الأمر، وعلى ما أقروا به من رسالته. وقال فخر الدين الرازي في ~~تفسيره: المراد بها، اليهود، وهذا القول أصح، لأن هذه السورة من أول قوله: ~~{يابني إسرائيل اذكروا نعمتي} حكاية عنهم، ومحاجة معهم، ولأن الآية مدنية، ~~ولأنه PageV01P308 ### || CHECK معنى التبدل في قوله تعالى: {ومن يتبدل الكفر ms267 بالإيمان} # جرى ذكر اليهود وما جرى ذكر غيرهم، ولأن المؤمن بالرسول لا يكاد يسأله، ~~فإذا سأل كان متبدلا كفرا بالإيمان، انتهى. # وعلى هذا فتكون إضافة الرسول على حسب الأمر في نفسه، لا على إقرارهم به، ~~وفيه إشارة إلى تأكيد النسخ، فكأن الإضافة تشير إلى أنه قد نسخ شرع موسى ~~وعدد من الأنبياء، بشرع محمد - صلى الله عليه وسلم -، والآن هو رسولكم، فلا ~~تتعنتوا عليه كما تعنت أسلافهم على موسى من قبل، {ومن يتبدل الكفر} منكم ~~{بالإيمان}، بأن يبقى على متمسكه الأول المنسوخ {فقد ضل سواء السبيل}. # وعندي أن الآية في حق اليهود وكما اختاره الفخر، وأن المراد بالرسول هو ~~محمد - صلى الله عليه وسلم -، لأنه مرسل إليهم قطعا، وأنها في حق المؤمنين ~~على سبيل الوعظ، والصدع، أن لا يسلكوا مسلك اليهود في التعنت وكثرة السؤال، ~~كما قالوا: اجعل لنا ذات أنواط. وقال ابن جرير: هذه الآيات من قوله: ~~{ياأيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا} خطاب من الله للمؤمنين من أصحاب محمد ~~- صلى الله عليه وسلم -، وعتاب منه لهم على أمر سلف منهم مما سر به اليهود، ~~وكرهه رسول الله لهم، فكرهه الله لهم، فعاتبهم على ذلك وأعلمهم أن اليهود ~~أهل غش لهم، وحسد وبغي، وأنهم يتمنون لهم المكاره، ويبغونهم الغوائل، ~~ونهاهم أن ينتصحوهم، وأخبرهم أن من ارتد منهم عن دينه فاستبدل بإيمانه كفرا ~~فقد أخطأ قصد السبيل، انتهى. # وظاهر الآية يدل على أن السؤال لم يقع منهم، ألا ترى أنه قال: {أم تريدون ~~أن تسألوا} فوبخهم على تعلق إرادتهم بالسؤال، إذ لو كان السؤال قد وقع، ~~لكان التوبيخ عليه لا على إرادته، وكان يكون للفظ: "أتسألون رسولكم" وما ~~أشبه ذلك، مما يؤدي معنى وقوع السؤال، لكن تظافرت النقول من المفسرين في ~~سبب نزول هذه الآية، وإن اختلفت في التعيين، على أن هذا السؤال قد وقع. # ثم بين تعالى: أن من سأل الرسول ما سأل، مع ظهور المعجزات، ووضوح الدلائل ~~على صدقه، كان سؤاله تعنتا وإنكارا، وذلك كفر، فقال: {ومن يتبدل} ms268 أي: ومن ~~يأخذ الكفر بدل الإيمان، وهذا كناية عن الإعراض عن الإيمان، والإقبال على ~~الكفر، كما في قوله تعالى: {اشتروا الضلالة بالهدى}، أو: المعنى PageV01P309 ### || CHECK تنبيه للفخر الرازي لمعنى الآية الكريمة # ومن ترك الثقة بالآيات المنزلة، وشك فيها، واقترح غيرها، {فقد ضل سواء ~~السبيل}، أي: وسطه، أو قصده، ولما كانت الشريعة توصل سالكها إلى رضوان الله ~~تعالى كنى عنها ب {السبيل}، وجعل من حاد عنها كالضال عن الطريق، وكنى عن ~~سؤالهم نبيهم ما ليس لهم أن يسألوه ب {يتبدل الكفر بالإيمان} وأخرج ذلك في ~~سورة شرطية، وصورة الشرط لم تقع بعد تنفيرا عن ذلك، وتبعيدا منه، فوبخهم ~~أولا على تعلق إرادتهم بسؤال ما ليس لهم سؤاله، وخاطبهم بذلك ثم أدرجهم في ~~عموم الجملة الشرطية، وأن مثل هذا ينبغي أن لا يقع، لأنه ضلال عن المنهج ~~القويم، فصار صدر الآية إنكارا وتوبيخا، وعجزها تكفيرا أو ضلالا، وما أدى ~~إلى هذا فينبغي أن لا يتعلق به غرض، ولا طلب ولا إرادة. # تنبيه: أورد الرازي هنا سؤالا فقال: اعلم أن السؤال الذي ذكروه، إن كان ~~طلبا للمعجزات فمن أين أنه كفر؟ ومعلوم أن طلب الدليل على الشيء لا يكون ~~كفرا، وإن كان طلبا لوجه الحكمة المفصلة في نسخ الأحكام، فهذا أيضا لا يكون ~~كفرا، لأن الملائكة طلبوا الحكمة التفصيلية في خلقه البشر، ولم يكن ذلك ~~كفرا. ثم أجاب بقوله: فلعل الأولى حمل الآية على أنهم طلبوا منه أن يجعل ~~لهم إلها كما لهم آلهة، وإن كانوا طلبوا المعجزات، فإنهم كانوا يطلبونها ~~على سبيل التعنت واللجاج، فلهذا كفروا بسبب هذا السؤال، انتهى. # أقول: من المعلوم أن القرآن يفسر بعضه بعضا، وأن السؤال هنا إنما وقع ~~سؤالا مقيدا بأن يكون مثل ما سئل موسى من قبل، وما سئل موسى قد نطق به ~~القرآن وفصله في آيات، فكانوا تارة يقولون: {اجعل لنا إلها كما لهم آلهة} ~~[الأعراف: 138] وتارة يقولون تعنتا ولجاجا: {فادع لنا ربك يخرج لنا مما ~~تنبت الأرض} [البقرة: 61] إلى غير ذلك مما هو معلوم ms269 من لجاجهم وعنادهم الذي ~~ضلوا به سواء السبيل، فنهى الله المؤمنين عن أن يكونوا ذلك، وهذا تصريح ~~بهذا المعنى لا حمل للآية عليه وتأويل لها. # ولما كان أكثر المثيرين لهذه الشكوك في صور أهل الإسلام، قال تعالى PageV01P310 ### || CHECK معنى قوله تعالى: {يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم} ### || CHECK ذكر المراد بهم في قوله تعالى: {ود كثير} ### || CHECK تحذير من الله تعالى للمؤمنين من الذين في قلوبهم زيغ # مخاطبا للمؤمنين وهم في غمارهم، تنفيرا لهم عن الضلال الذي هو في نفسه ~~أهل لأن ينفر عنه، فكيف وهو شماتة العدو، وبتخييله ودادتهم، وتحذيرا لهم من ~~مخالطته فقال: # {ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند ~~أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن ~~الله على كل شيء قدير}. # فقوله: {ود كثير} هو تعليل لمعنى الكلام، وهو: فلا تتبدلوا الكفر ~~بالإيمان بعد تعليله بالضلال، وذكر المفسرون أن المراد بذلك الكثير "كعب بن ~~الأشرف"، وقيل: "حيي بن أخطب" وقيل غيرهما، والقرآن لم يعين أحدا، وإنما ~~أخبر بودادة كثير من أهل الكتاب، فينبغي أن يبقى المعنى على العموم في ذلك ~~الكثير من غير تعيين، ولما كان المشركون عربا عالمين بأن طبع العرب الثبات، ~~لم يدخلهم في هذا الود، وقال: {من أهل الكتاب} إنباء بأن المصافي منهم ~~قليل، وبشر سبحانه بأن ما يودونه من قسم المحال، بسوقه سوق المتمنى، فقال: ~~{لو يردونكم} أي: بأجمعكم، ثم حقق أمر التمني في كونه محالا مشيرا بالإثبات ~~الجار إلى قناعتهم به، ولو في زمن يسير، فقال: {من بعد إيمانكم} أي: الراسخ ~~{كفارا}، أي: لتكونوا مثلهم فتخلدوا معهم في النار، {حسدا} على ما آتاكم ~~الله من الخير الهادي إلى الجنة. # والحسد: قلق النفس من رؤية النعمة على الغير، وعبر عن بلوغ الحسد إلى ~~غاية لا حيلة معها في تركه، بقوله: {من عند أنفسهم} أي: أنه راسخ في ~~طبائعهم، فلا تطمعوا في صرفه بشيء، فإن أنفسهم غالبة ms270 على عقولهم، ثم زاده ~~تأكيدا بقوله مشيرا بإثبات الجار إلى ذمهم: بأنهم استمروا على الضلال بعد ~~الدعوة، لا يطلبون الحق مع القدرة على تعرفه، حتى هجم عليهم بيانه، وقهرهم ~~عرفانه ثم لم يرجعوا إليه، وما كفاهم ضلالهم في أنفسهم حتى تمنوا إضلال ~~غيرهم بالرجوع عنه، {من بعد ما تبين لهم}، أي: بيانا عظيما بوضوحه في نفسه PageV01P311 ### || CHECK المراد بالعفو والصفح في قوله تعالى: {فاعفوا واصفحوا} وفي أنه منسوخ في موضع آخر من القرآن # {الحق}، أي: من صحة رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم -، وأنه خاتم ~~النبيين، أرسل إلى الناس كافة، بشهادة ما طابقه من التوراة، ثم أرشد إلى ~~الدواء بقوله مسببا عن الإخبار بأن ودهم محال، وبعدم رجوعهم: {فاعفوا} أي: ~~عاملوهم معاملة العافي، بأن لا تذكروا لهم شيئا مما تظهره تلك الودادة ~~الناشئة عن هذا الحسد من الأقوال والأفعال، ولا تأخذوا في مؤاخذتهم به، ~~فإنهم لا يضرونكم ولا يرجعون إليكم {واصفحوا} أي: أظهروا لهم أنكم لم ~~تطلعوا على شيء من ذلك، ثم حثهم على أن يكون فعلهم ذلك اعتمادا على تفريجه ~~سبحانه بقوله: {حتى يأتي الله بأمره} الذي لا أمر لأحد معه بأمره، فبشرهم ~~بذلك بظهورهم على من أمروا بالعفو عنه، والصفح عنهم، ولما كان النصر- وهم ~~في القلة والضعف بحال عظيم، وقوة عدوهم وكثرتهم أعظم- مستبعدا قال: {إن ~~الله على كل شيء قدير} ففي هذا الختم بشرى للمؤمنين بتقديرهم، كما أن في ~~الختم بالعلم بشرى بتعليمهم، وفي إفهامه نذارة للكافرين بمقابل ذلك. # ودل قوله تعالى: {من بعد ما تبين لهم الحق} على أن تلك الودادة ابتدأت من ~~زمن وضوح الحق وتبيينه لهم، فليسوا من أهل الغباوة، الذين قد يغرب عنهم ~~وضوح الحق، بل ذلك على سبيل الحسد والعناد، وهكذا دأبهم وشأنهم إلى الآن، ~~فإن أحبارهم ورهبانهم يرسلون المبشرين إلى البلاد، وينفقون عليهم الأموال ~~العظيمة لاستغواء بسطاء المؤمنين، وردهم عن دينهم، ويؤلفون الكتب في الرد ~~على القرآن، وفي تزييفه بزعمهم، ويختلقون الأقوال فيرجعون بغير طائل، ولا ~~يفيدهم سعيهم شيئا يذكر، ولم تزدد ms271 حججهم إلا ضعفا وتزييفا. # وقوله: {حتى يأتي} أمر يدل على الأمر بالعفو والصفح عنهم، كان معنيا ~~بالإتيان بأمر الله، أي: فيحدث لكم من أمره فيكم ما يشاء، ويقضي فيهم ما ~~يريد، فقضى فيهم تعالى ذكره، وأتى بأمره، لنبيه والمؤمنين به: {قاتلوا ~~الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا ~~يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} ~~[التوبة: 29] فنسخ الله تعالى العفو عنهم والصفح، بفرض قتالهم على ~~المؤمنين، حتى تصير كلمتهم وكلمة المؤمنين واحدة، أو يؤدوا الجزية عن يد ~~صغارا، وبذلك قال: ابن PageV01P312 ### || CHECK دأب اليهود دوما إلقاء الشبه في قلوب المسلمين والتخليط عليهم وذلك في قوله تعالى حكاية عنهم: {وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى} ### || CHECK أمر الله تعالى للمؤمنين بأن يلحظوا أنفسهم ويصلحوها بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة في قوله جل وعلا: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} # عباس وقتادة والربيع والسدي، ولقد أطال الرازي هنا بشرح الحسد وتقبيحه، ~~ونقل قول الغزالي في "إحياء علوم الدين" فيه، وذكر أحاديث لم ينسبها إلى ~~مخرجها، ولما كان محل ذلك كتب "الترغيب والترهيب" وكتب الوعظ ك "الإحياء" ~~وغيره أضربنا عنه. # ولما أمر تعالى بالعفو والصفح عن اليهود، عقبه بقوله: # {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله ~~إن الله بما تعملون بصير}. # تنبيها على أنه كما ألزمهم العفو والصفح لحظ الغير وصلاحه، فكذلك لحظ ~~أنفسهم وصلاحها، القيام بالصلاة والزكاة الواجبتين، ونبه بهما على ما ~~عداهما من الواجبات، ثم قال بعده: {وما تقدموا لأنفسكم من خير} والمراد به ~~التطوعات من الصلوات والزكوات، وقوله تعالى: {تجدوه عند الله} معناه: تجدوا ~~ثوابه وجزاءه عند الله، ثم قال: {إن الله بما تعملون بصير} أي: أنه لا يخفى ~~عليه القليل ولا الكثير من الأعمال، وهو ترغيب من حيث يدل على أنه تعالى ~~يجازي على القليل كما يجازي على الكثير، وتحذير من خلافه الذي هو الشر، ~~وأما الخير فهو النفع ms272 الحسن وما يؤدي إليه، فلما كان ما يأتيه المرء من ~~الطاعة، يؤدي به إلى المنافع العظيمة، وجب أن يوصف بذلك، وعلى هذا الوجه ~~قال تعالى: {وافعلوا الخير لعلكم تفلحون} [الحج: 77]. # ثم إنه تعالى ذكر النوع الرابع من تخليط اليهود، وإلقاء الشبه في قلوب ~~المسلمين، فقال: # {وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا ~~برهانكم إن كنتم صادقين (111) بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ~~ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون}. # {وقالوا} أي: أهل الكتاب من اليهود والنصارى حسدا منهم على المسبب PageV01P313 ### || CHECK رد الله تعالى عليهم ونقض دعواهم # الذي هو الجنة، كما حسدوا على السبب، وهو إنزال ما اقتضى الإيمان الموصل ~~إلى الرضوان، الذي به تستباح الجنة، {[لن يدخل الجنة] (¬1) إلا من كان هودا ~~أو نصارى}، أي وقالت اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان هودا، وقالت ~~النصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى، فلف بين القولين ثقة بأن السامع ~~يرد إلى كل فريق قوله، وأمنا من الإلباس لما علم من التعادي بين الفريقين، ~~وتضليل كل منهما لصاحبه، ومثل هذا قوله تعالى: {وقالوا كونوا هودا أو نصارى ~~تهتدوا} [البقرة: 135] ولما كانوا أبعد الناس عن هذه الأماني التي تمنوا ~~لأنفسهم، قال تعالى مشيرا إلى بعدهم عن ذلك: {تلك أمانيهم} تهكما بهم، وجمع ~~الأماني مع أن قولهم {لن يدخل الجنة} أمنية واحدة، إشارة إلى الأماني ~~المذكورة، وهي أمنيتهم أن لا ينزل على المؤمنين خير من ربهم، وأمنيتهم أن ~~يردوهم كفارا، وأمنيتهم أن لا يدخل الجنة غيرهم، أي: تلك الأماني الباطلة ~~أمانيهم. # ولما كان كل مدع لغيب مفتقرا في تصحيح دعواه إلى دليل، وكان مثل هذا لا ~~يقنع فيه إلا بقاطع أمر أعلم الخلق، لأنه لا ينهض بإخراسهم في علمهم ولددهم ~~غيره، بمطالبتهم بذلك، ناقضا لدعواهم، فقال: {قل هاتوا برهانكم} أي: هلموا ~~حجتكم، على اختصاصكم بدخول الجنة، {إن كنتم صادقين} في دعواكم، وهذا أهدم ~~شيء لمذهب المقلدين، وإن كل قول لا دليل ms273 فهو باطل غير ثابت، و"هات" صوت ~~بمنزلة هاء بمعنى: أحضر، و "البرهان" هو البيان والحجة والبينة- ويقال له: ~~الشاهد- قال: # من ادعى شيئا بلا شاهد ... لا بد أن تبطل دعواه # ولما نادى عليهم بالكذب في قوله: {إن كنتم صادقين} أثبت لغيرهم بقوله: ~~{بلى} ما ادعوا الاختصاص به، ف {بلى} إثبات لما نفوه من دخول غيرهم الجنة، ~~وأفادت أيضا أنه تعالى لما نفى أن يكون لهم برهان، أثبت لمن PageV01P314 ### || CHECK معنى قوله تعالى: {من أسلم وجهه لله وهو محسن} # أسلم وجهه لله برهانا، وأفادت أيضا ترغيبهم في الإسلام، وبيانا لمفارقة ~~حالهم لحال من يدخل الجنة لكي يقلعوا عما هم عليه، ويعدلوا إلى هذه ~~الطريقة، فكأنه قيل لهم: أنتم على ما أنتم لا تفوزون بالجنة، بلى إن غيرتم ~~طريقتكم وأسلمتم وجهكم لله، وأحسنتم فلكم الجنة. # ثم بين أهل الجنة بقوله: {من أسلم وجهه لله} أي: من أخلص نفسه لله لا ~~يشرك به غيره، وأتى ب "الوجه" هنا عبارة عن الذات، لأنه أشرف ما ظهر من ~~الإنسان، فمن أسلمه أسلم كله، كما أن الإيمان إذعان القلب الذي هو أشرف ما ~~بطن، وإذعان جميع الأعضاء، وأيضا قد يكنى بالوجه عن النفس، قال تعالى: {كل ~~شيء هالك إلا وجهه} [القصص: 88] {إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى (20)} [الليل: ~~20]؛ وأيضا فإن أعظم العبادات السجود، وهو إنما يحصل بالوجه. # وأما قوله: {وهو محسن} فمعناه: لا بد وأن يكون تواضعه لله بفعل حسن لا ~~بوجه قبيح، فإن كثيرا من الكفار يتواضعون لله، لكن بأفعال قبيحة، ويصح أن ~~تقول: وهو محسن في جانب الحق، بإذعان القلب، وفي جانب الخلق بإرضاء الرب، ~~فصار يعبد الله كأنه يراه، فطابق سره علنه. # ولما نفوا الأجر عن غيرهم، وأثبته سبحانه للمتصف بالإسلام منهم وممن ~~سواهم، وكان ربما قيل: إنه أعطى غيرهم لكونه الملك المطلق بغير سبب، ربط ~~الأجر بالفاء دليلا على أن إسلامهم هو السبب، فقال: {فله} خاصة {أجره عند ~~ربه} إحسانا إليه بإثبات نفعه، على حسب مأربه به في كل شريعة، ولما كان ~~ربما ادعى أنه ms274 ما أفرد الضمير في قوله: {فله أجره عند ربه} إلا لأن المراد ~~واحد بعينه، فلا يقدح ذلك في دعوى أنه لن يدخل الجنة إلا اليهود، أو ~~النصارى، جمع فقال: {ولا خوف عليهم} من آت، {ولا هم يحزنون} على شيء فات، ~~دفعا لضرهم. # ولما أبطل دعوى اختصاصهم بالرحمة قدحا منهم في غيرهم، وأثبتها للمحسنين، ~~أتبع ذلك قدح كل فريق منهم في الآخر وبيان انتفائها عنهم بإساءتهم، PageV01P315 ### || CHECK معنى قول النصارى ليست اليهود على شيء ### || CHECK معنى قول اليهود ليست النصارى على شيء ### || CHECK الرد الآخر وهو قدح كل فريق منهم بالآخر وذلك في قوله تعالى: {وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء} # بإبطال كل فرقة منهم دعوى الأخرى مع ما يشهد به كتاب كل من بطلان قوله، فقال: # {وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء ~~وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم ~~القيامة فيما كانوا فيه يختلفون}. # قيل: المراد عامة اليهود وعامة النصارى، فهذا من الأخبار عن الأمم ~~السالفة، وتكون "ال" للجنس، ويكون ذلك تقريع لمن بحضرة النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، ولمن بعده من الفريقين، وتسلية له إذ كذبوا بالرسل وبالكتب ~~قبله. وقيل: المراد يهود المدينة، ونصارى نجران، حيث تماروا عند الرسول ~~وتسابوا، وأنكرت اليهود الإنجيل ونبوة عيسى، وأنكرت النصارى التوراة ونبوة ~~موسى، فتكون حكاية حال و"ال" للعهد، وإني أميل إلى صحة القول الأول، لأن ~~الله جمعهم في الخبر الأول على العموم، ثم فصلهم في هذه الآية، وبين قول كل ~~فريق منهم في الآخر، وكيف تنكر كل طائفة دين الأخرى، وأنث فعلهم في قوله: ~~{وقالت} لضعف قولهم وجمع أمرهم. # فقوله: {وقالت اليهود ليست النصارى على شيء} أي: على شيء يصح ويعتد به، ~~وهذه مبالغة عظيمة لأن المحال والمعدوم يقع عليه اسم الشيء، فإذا نفي إطلاق ~~اسم الشيء عليه، فقد بولغ في ترك الاعتداد به إلى ما ليس بعده، وهذا ~~كقولهم: أقل من لا ms275 شيء، ومعنى "ليس" مطلق النفي لمتقدم إثبات أو مقدرة. # {وقالت النصارى ليست اليهود على شيء} ونظير هذا قوله تعالى: {قل ياأهل ~~الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة} [المائدة: 68] فإن قيل: كيف قالوا ~~ذلك، مع أن الفريقين كانا يثبتان الصانع وصفاته وذلك قول فيه فائدة؟ ، قيل ~~في الجواب: إنهم لما ضموا إلى ذلك القول الحسن قولا باطلا يحبط ثواب الأول، ~~فكأنهم ما أتوا بذلك الحق، أو أنه يخص هذا العام بالأمور التي اختلفوا ~~فيها، PageV01P316 ### || CHECK المراد من قوله تعالى: {وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم} # وهي ما يتصل بباب النبوات، هكذا أجاب الفخر الرازي. # وعندي أن قولهم هذا كان على سبيل المبالغة، في أن كل فريق لم يعتد بما ~~الآخر عليه، وأن نفي كل فريق ما عليه الآخر، ليس كما قاله الرازي، بل إن ~~النصارى كانت تعتقد التثليث، وإلى الآن هم على ذلك، فقال لهم اليهود: لستم ~~على شيء من الدين، واليهود تعتقد التجسيم، وفريق منهم يقول: "عزير" ابن ~~الله، فنفى النصارى قولهم وطعنوا فيه. # ثم إنه تعالى عجب منهم في هذه الدعوى لما قبل التبديل والنسخ، ولما بعده، ~~بقوله: {وهم} أي: والحال أنهم {يتلون الكتاب}، أي: مع أن في كتاب كل منهم ~~حقيقة أصل دين الآخر، ثم شبه بهم في نحو هذا القول الجهلة، الذين ليس لهم ~~كتاب، الذين هم عندهم ضلال، وفي هذا غاية العيب لهم، لتسوية حالهم مع علمهم ~~بحال الجهلة، في القطع في الدين بالباطل، كما سوى حالهم بهم في الحرص على ~~الحياة في الدنيا، ومنهم عبدة الأصنام الذين منهم العرب الذين أخرجوا ~~الرسول من بلده ومنعوه مسجد أبيه، إبراهيم عليهما الصلاة والسلام، الذي هو ~~الحقيق بهم دونهم، وساق ذلك مساق جواب سائل، كأنه قال: هذا قول العلماء ~~بالكتاب، فما حال من لا علم له فقال: {كذلك} أي: مثل هذا القول البعيد عن ~~القصد، {قال الذين لا يعلمون} أي: وقال الجهلة الذين لا علم عندهم ولا ~~كتاب، كعبدة الأصنام والمعطلة وغيرهم، {مثل ms276 قولهم}، فعاندوا وضللوا ~~المؤمنين أهل العلم بالكتاب الخاتم، الذي لا كتاب مثله، وضللوا أهل كل دين. # ولما وقع الخلاف بين هذه الفرق تسبب عنه حكم الملك الذي لم يخلقهم سدى ~~بينهم، فقال: {فالله يحكم بينهم} و "الحكم": قصر المصرف على بعض ما يتصرف ~~فيه، وعن بعض ما تشوف إليه، وحقق أمر البعث بقوله: {يوم القيامة فيما كانوا ~~فيه يختلفون} و "الاختلاف" افتعال من الخلاف، وهو: تقابل بين رأيين فيما ~~ينبغي انفراد الرأي فيه، وهذه الآية تشير إلى نهي هذه الأمة أن يسلكوا ~~مسالك أهل الكتاب، ومسالك الذين لا يعلمون، فيختلفوا في هذا القرآن المجيد، PageV01P317 ### || CHECK مبحث في اختلاف المفسرين في سبب نزول قوله تعالى: {ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه} # ويتفرقوا شيعا، ويتحزبوا أحزابا و {كل حزب بما لديهم فرحون} [الروم: 32]، ~~يطعن كل حزب في الآخر، ويؤول القرآن على مقتضى رأيه انتصارا لمقالته، فتكفر ~~كل طائفة منهم الأخرى، أو تفسقها، أو تبدعها، وما الحق، إلا ما جاء به صريح ~~القرآن الكريم، ونطق به الصادق الأمين، وقد ورد افتراق هذه الأمة إلى ~~اثنتين وسبعين فرقة، كما افترق أهل الكتاب على ذلك من قبل، وبين أن الفرقة ~~الناجية، هي فرقة الجماعة الناجية، هي على ما كان عليه السلف، وإن كانت ~~رجلا واحدا كما روي ذلك عن ابن مسعود رضي الله عنه (¬1)، وقد أوضحنا ذلك في ~~كتاب "الأجوبة النجدية"، وسيمر بك كثير من هذا في هذا الكتاب. # ولما اشترك جميع هذه الفرق في الظلم، وزاد الجهلة منع حزب الله من عمارة ~~المسجد الحرام، بما يرضيه من القول والفعل، فازدادوا بذلك ظلما آخر، وكان ~~من منع مسجدا واحدا- لكونه مسجدا- مانعا لجميع المساجد، قال: # {ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما ~~كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم}. # اختلف المفسرون في سبب نزول هذه الآية، فقيل: إنها نزلت في "نطوس ابن ~~إسبسيانوس" الرومي الذي خرب بيت ms277 المقدس، ولم يزل خرابا إلى أن عمر في زمن ~~عمر بن الخطاب، وقيل: نزلت في الروم الذين أعانوا "بخنتصر" على تخريب بيت ~~المقدس، حين قتلت بنو إسرائيل يحيى بن زكريا، وقيل: نزلت في بختنصر ذاته، ~~واختار ابن جرير أنها نزلت في النصارى، وذلك أنهم هم الذين سعوا في خراب ~~بيت المقدس. PageV01P318 # وعندي: أن هذه الأقوال كلها سرت من اليهود، أما كونها نزلت في النصارى أو ~~بختنصر، فذلك غلط كما صرح به أبو بكر الرازي في كتابه "أحكام القرآن"، لأنه ~~لا خلاف بين أهل العلم بالسير أن عهد بختنصر كان قبل مولد المسيح عليه ~~السلام بدهر طويل، والنصارى كانوا بعد المسيح، فكيف يكونون مع بختنصر في ~~تخريب بيت المقدس، وأيضا فإن النصارى يعتقدون تعظيم بيت المقدس مثل اعتقاد ~~اليهود وأكثر، فكيف أعانوا على تخريبه، ومن هذا يعلم الخطأ في بقية ~~الأقوال. # وأقول: الأولى في تفسير هذه الآية والله أعلم: أنه لما غير اليهود ~~والنصارى الذين ذكرهم الله تعالى في الآية السابقة، وبدلوا دينهم، سعوا في ~~منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، على سبيل التوحيد الحقيقي، الذي هو ~~إفراد الحق بالوحدانية، وأبدلتها النصارى بجعلها مواضع للصور والصلبان. ~~وأخرجتها اليهود عن حقيقتها التي وضعت لها أيام سيدنا موسى والأنبياء من ~~بعده عليهم السلام. وشاركهم المشركون فجعلوا الكعبة البيت الحرام محلا ~~لأصنامهم، وصدوا النبي - صلى الله عليه وسلم - عنه، ومنعوه في مبدأ الأمر ~~عن إظهار دينه به. أنزل تعالى هذه الآية مبينا قبيح أفعالهم وأفعال من كان ~~على شاكلتهم. # والذي يقوي هذا التفسير أن ظاهر الآية العموم في كل مانع، وفي كل مسجد، ~~والعموم وإن كان سبب نزوله خاصا، فالعبرة به لا بخصوص السبب، وذلك بناء على ~~صحة السبب والقطع به، كيف وأسباب النزول لم يصح منها إلا النزر اليسير، ~~وسنوضح هذا بعد الكلام على تفسير الآية. # فقوله تعالى: {ومن أظلم} مورد الاستفهام ومعناه: النفي، أي: لا أحد أظلم ~~ممن منع، وقد تكرر هذا اللفظ في القرآن، وهذا أول موارده، وقوله: {ممن منع ms278 ~~مساجد الله} "من" في [قوله {ممن منع}] (¬1) في موصولة بمعنى: الذي، وجوز ~~أبو البقاء. أن تكون نكرة موصوفة، و {أن يذكر} ثاني مفعولي PageV01P319 ### || CHECK المراد بالخراب في قوله تعالى: {وسعى في خرابها} ### || CHECK معنى قوله تعالى: {أن يذكر فيها} # {منع} أو مفعولا لأجله، بمعنى منعها كراهية أن يذكر فيها اسم الله، وهو ~~حكم عام لجنس مساجد الله، وأن مانعها من ذكر الله مفرط في الظلم، وكنى بذكر ~~الله عما يقع في المساجد من الصلوات والتقربات إلى الله تعالى، بالأفعال ~~القلبية والقالبية، من تلاوة كتبه، وحركات الجسم من القيام والركوع، ~~والسجود والقعود، الذي تعبد به، وإنما ذكر تعلق المنع بذكر اسم الله، ~~تنبيها على أنهم منعوا من أيسر الأشياء، وهو التلفظ باسم الله، فمنعهم لما ~~سواه أولى. # قال ابن عطية: وهذه الآية تتناول كل من منع من مسجد إلى يوم القيامة، أو ~~خرب مدينة إسلام، لأنها مساجد وإن لم تكن موقوفة، إذ الأرض كلها مسجد لما ~~في الصحيح، "وجعلت في الأرض مسجدا وطهورا" (¬1). # وقوله: {وسعى في خرابها} معناه إما حقيقة بأن خربها واستبدل بها الدور ~~والمساكن والخانات، كما جرى ذلك في زمننا وفي الأزمنة السابقة عليه، من أن ~~المتولين على المساجد والمدارس تحيلوا لاختلاس أوقافها، بحيل أسندوها إلى ~~الشرع، وسموها بالمرصد والكدك والحكر، وأسماء ما أنزل الله بها من سلطان، ~~ثم لما ذهبت الأوقاف وضعوا أيديهم على المساجد، وعلى المدارس ومساجدها ~~فخربوها، وابتنوا مكانها دورا للسكنى، وحوانيت وخانات، ومنازل للأجرة، فهل ~~الخراب إلا مثل هذا؟ # وإما مجازا بانقطاع الذكر فيها ومنع قاصديها منها، إذ ذاك يؤول بها إلى ~~الخراب، فجعل المنع خرابا، كما جعل التعاهد بالذكر والصلاة عمارة، وذلك مجاز. # وقال: {ومن أظلم} ليعلم أن قبح الاعتقاد يورث تخريب المساجد، كما أن حسن ~~الاعتقاد يورث عمارة المساجد، ومن هذا النوع ما اصطلح عليه حكام زمننا ~~والذي قبله، من منع الإمام إذا كان أهلا للإمامة، وتولية الجاهل بدلا منه، ~~وتوجيه التدريس المشروط في مسجد ومدرسة للجاهل، ومنع العالم، فإذا تولى PageV01P320 ### || CHECK بيان ms279 وصف الذين سعوا في خراب المساجد حال دخولها # الجاهل أو من هو قريب منه التدريس، حفظ كلمات فألقاها في درسه، وساعده من ~~كان من شيعته أياما، ثم يترك التدريس، فالمولي لأمثال هؤلاء، يصدق عليه أنه ~~ساع في خراب المساجد. # ثم ذكر تعالى ما رتبه عليه فعلهم من الخوف في المسجد الذي سعوا في خرابه، ~~والخزي في الدنيا والآخرة، ضد ما رتبه لمن أحسن، فقال: {أولئك} المانعون ~~{ما كان لهم أن يدخلوها}، أي: ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد الله {إلا ~~خائفين}، على حال التهيب وارتعاد الفرائص، أي: ما كان الحق والواجب إلا ~~ذلك، وما كان أمنهم فيها إلا بسبب كثرة المساعد على ما ارتكبوه من الظلم ~~والتمالؤ على الباطل، وسنزيل ذلك، ففيه بشارة المؤمنين وأهل الحق بعلو كلمة ~~الإسلام والحق، وقهر من عاداه. # ويجوز أن يكون المعنى: {أولئك ما كان} ينبغي {لهم أن} يدخلوا مساجد الله، ~~{إلا} وهم خائفون من الله، وجلون من عقابه، فكيف لهم أن يتلبسوا بمنعها من ~~ذكر الله والسعي في تخريبها، إذ هي {بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه ~~يسبح له فيها بالغدو والآصال (36) رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر ~~الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار} ~~[النور: 36، 37] وما هذه سبيله ينبغي أن يعظم ذكر الله فيه، ويسعى في ~~عمارته، ولا يدخله الإنسان إلا وجلا خائفا، إذ هو بيت الله، أمر بالمثول ~~فيه بين يديه للعبادة، ففي ذلك تقبيح عظيم على ما وقع منه، إذ كان ينبغي أن ~~يقع ضده، وهو التبجيل والتعظيم. ومما يؤيد هذا المعنى وقوع {كان} في قوله: ~~{ما كان لهم} ولو كان المعنى أنهم يدخلونها خائفين، لقيل: أولئك ما ~~يدخلونها إلا خائفين، وإلى هذا جنح أبو حيان في تفسيره "البحر". # ثم بين تعالى الجزاء المناسب لهم، في قوله: {لهم في الدنيا خزي} الآية، ~~أما الخزي في الدنيا فهو الهوان والإذلال لهم، وهو مناسب للوصف الأول لأن ~~فيه إهمال المساجد بعدم ذكر الله وتعطيلها ms280 من ذلك، فجوزوا على ذلك بالإذلال ~~والهوان، وأما العذاب العظيم في الآخرة فهو العذاب بالنار، وهو إتلاف ~~لهياكلهم PageV01P321 ### || CHECK مبحث في نوع الجزاء الذي سوف يلاقيه من يسعى في خراب المساجد # وصورهم، وتخريب لها بعد تخريب {كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ~~ليذوقوا العذاب} [النساء: 56]، وهو مناسب للوصف الثاني، وهو سعيهم في تخريب ~~المساجد، فجوزوا على ذلك بتخريب صورهم، وتمزيقها بالعذاب. # ومن غريب التفسير هنا، ما رواه ابن جرير عن السدي بأن خزيهم في الدنيا: ~~أنه إذا قام "المهدي" وفتحت القسطنطينية، قتلهم. وغرابته أن القسطنطينية ~~فتحها المرحوم السلطان "محمد الفاتح" المشهور من بني عثمان، فإن كان هو ~~المهدي فلا إشكال، وإن لم يكن هو فأين ما زعمه السدي؟ وقد كشفنا حقيقة هذا ~~المنتظر في كتابنا "الأجوبة النجدية"، وكتابنا الثاني "الأجوبة القازانية". # ومن غريبه أيضا ما ذكره القشيري: من أن الإشارة في هذه الآية إلى ظلم من ~~خرب أوطان المعرفة بالمنى والعلاقات، وهي قلوب العارفين وأوطان العبادة، ~~بالشهوات وهي نفوس العباد، وأوطان المحبة بالحظوظ، والمساكنات وهي أرواح ~~الواجدين، وأوطان المشاهدات، بالالتفات إلى القربات وهي أسرار الموحدين، ~~لهم في الدنيا خزي، ذل الحجاب، وفي الآخرة عذاب لاقتناعهم بالدرجات انتهى. # قال أبو حيان: وهو تفسير عجيب، ينبو عنه لفظ القرآن، وكذا أكثر ما يقوله ~~هؤلاء القوم، انتهى. # ولقد رأينا تفاسير عدة على هذا النمط، وأكثرها أخرج القرآن عن موضوعه، ~~وعندي أن هذا سرى لأهلها من الباطنية، ومن تأمل كتبهم، علم أن المورد ~~متشابه، ولم يقصد الباطنية بذلك إلا هدم القرآن والشرع، وكثيرا ما ينحو هذا ~~المنحى "الحسن بن محمد بن حسين القمي النيسابوري" في كتابه "غرائب القرآن، ~~ورغائب الفرقان" الذي اختصر به تفسير فخر الدين الرازي، ونحن لا نظن به إلا ~~خيرا، ولكن الواجب عدم التقليد والاستضاءة بمصباح علام الغيوب، واجتناب ~~دسائس الباطنية غاية الاجتناب، ولا يقدر على ذلك إلا من عرف مسالكهم، وطالع ~~الكثير من كتبهم، وفرق بين التصوف الحقيقي وبين الممزوج بكلام أهل الإلحاد. PageV01P322 ### || CHECK مبحث في قوله تعالى: {أولئك ما ms281 كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين} # ومن الغريب أيضا: ما ذكره في "الدر المنثور" وغيره عن قتادة والسدي أنهما ~~قالا: ليس في الأرض نصراني يدخل بيت المقدس إلا خائفا، وهذا مردود، لأن بيت ~~المقدس بقي أكثر من مئة سنة في أيدي النصارى بحيث لم يتمكن أحد من المسلمين ~~من الدخول فيه إلا خائفا، إلى أن استخلصه الملك "صلاح الدين يوسف بن أيوب" ~~كما هو مذكور في تاريخه وغيره. # وقال بعض المعاصرين لنا من المصريين في تفسير له {أولئك ما كان لهم} ~~الآية، خبر بمعنى الأمر أي: أذلوهم بالجهاد، فلا يدخلها منهم أحد إلا ~~خائفا، انتهى. # وهو معنى حسن، وأشار إليه "الرازي"، وعليه يؤخذ من الآية النهي عن تمكين ~~الكفار، والتخلية بينهم وبين المساجد. # وتدل الآية على تحريم ما يفعله بعض الناس من الحيل لاختلاس أوقاف المساجد ~~والمدارس، وجعلها دورا وحوانيت وخانات، ويدعون أنهم فعلوا ذلك بوجه شرعي، ~~وينسبون جواز ذلك لمذهب إمام المحدثين والفقهاء أحمد بن محمد ابن حنبل، رضي ~~الله عنه، ومذهبه بريء من تلك الضلالات، وإنما ذلك افتراء عليه من المفتين ~~والقضاة على مذهبه، وهذه كتب مذهبه الصحيحة، فمن ادعى صحة ذلك فليحاكمنا ~~إليها ولكن {ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور (40)} [النور: 40]. # ويدل قوله تعالى: {أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين} أن الكافر لا ~~يحل له دخول المسجد، لكن عندي في هذه الدلالة نظر، لأن أول الآية يخص من ~~{منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، وسعى في خرابها} فيجب أن يخص تحريم ~~الدخول بمن كانت هذه صفته مطلقا، سواء كان كافرا أو غير كافر، وعليه فمن ~~اغتصب مسجدا أو مسجد مدرسة، وجعله دارا أو غيرها، أو تحيل لاغتصاب وقف مسجد ~~بأي حيلة كانت، لا يجوز له دخول ذلك، ويمنع منه وإن نزع الحاكم ذلك من يده ~~وأعاده لأصله كان قد فعل قربة إلى الله تعالى. PageV01P323 ### || CHECK اختلاف المفسرين في سبب نزول قوله تعالى: {ولله المشرق والمغرب} # وفي الآية إشارة إلى أن ms282 الله تعالى أجرى سنته، أن من لم يقم حرمة مساجده، ~~شرده منها وأحوجه لدخولها تحت رقبة وذمة من أعدائه، كما قد شهدت مشاهدة ~~بصائر أهل التبصرة، فكل طائفة ساء عملها في مسجدها شردت منه، ودخلت في بضع ~~الأخرى خائفة، كذلك حتى تكون العاقبة للمتقين. # ولما أفهمت الآية أنه حصل لأولي الإيمان منع من عمارة بيت الله بذكره، ~~وكان الله تعالى قد من على هذه الأمة بأن جعل الأرض كلها لها مسجدا، سلى ~~المؤمنين بأنهم أينما صلوا بقصد عبادتهم لقيهم ثوابه، لأنه لا تختص به جهة ~~دون جهة لأن ملكه للكل على حد سواء، فكان كأنه قيل: فأقيموا الصلاة التي هي ~~أعظم ذكر الله حيثما كنتم، فإنها لله، كما أن المسجد الذي منعتموه لله، عطف ~~عليه قوله: # {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم}. # اختلف المفسرون في سبب نزول هذه الآية اختلافا كثيرا على عادتهم في هذه ~~الآية وغيرها، وأكثر ما يذكرونه في أسباب النزول متعارض، وضعيف الإسناد، ~~فلا ينبغي أن يقبل منه إلا ما صح، وقد صنف الواحدي وغيره في ذلك كتبا لا ~~يعول على ما ذكروه فيها إلا على الصحيح منه. # وقال أبو حيان في "البحر"، وعن عامر بن ربيعة: أن ذلك جرى مع رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، في السفر، ولو صح ذلك لم يعدل إلى سواه، انتهى. # أقول هذا السبب مروي بسند صحيح، فقد أخرج البخاري والبيهقي وابن أبي شيبة ~~عن جابر بن عبدالله، قال: "رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يصلي ~~على راحلته قبل المشرق، فإذا أراد أن يصلي المكتوبة نزل واستقبل القبلة وصلى". # وأخرج مسلم والترمذي والنسائي وابن أبي شيبة، والطبراني والبيهقي وعبد ~~ابن حميد، عن ابن عمر، قال: "كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي على ~~راحلته تطوعا أينما توجهت به" ثم قرأ ابن عمر {فأينما تولوا فثم وجه الله}، ~~وقال ابن عمر: في هذا أنزلت هذه الآية. PageV01P324 ### || CHECK المراد من قوله تعالى: {ولله المشرق والمغرب} ### || CHECK ms283 معنى قوله تعالى: {فأينما تولوا فثم وجه الله} # وأخرج الدارقطني، والحاكم وصححه، وابن أبي حاتم وابن جرير، عن ابن عمر، ~~قال: "أنزلت {أينما تولوا فثم وجه الله}، أن تصلي حيثما توجهت بك راحلتك في ~~التطوع". # وأخرج البخاري والبيهقي عن جابر قال: "رأيت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - في غزوة أنمار يصلي على راحلته متوجها قبل المشرق تطوعا"، وفي الباب ~~عن أبي داود الطيالسي وابن ماجه، وكذا روى الإمام أحمد نحو ما تقدم. # وروى الترمذي وابن أبي شيبة في جامعه عن عامر بن ربيعة، قال: "كنا مع ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر في ليلة مظلمة، فلم ندر أين القبلة ~~فصلى كل رجل منا على حياله، فلما أصبحنا ذكرنا ذلك للنبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، فنزلت: {فأينما تولوا فثم وجه الله}، قال الترمذي: هذا حديث غريب، ~~وفي سنده أشعث السمان وهو يضعف في الحديث، انتهى. # فالأحاديث الأولى هي الصحيحة بما هو بمعنى ما تقدم، ومنه يعلم أن الآية ~~مخصوصة بصلاة النافلة، وليست بمنسوخة، وفي معنى النافلة ما إذا جهلت القبلة ~~ولم يعلم مكانها وصلى المصلي بالاجتهاد، فالآية جاءت مجيء العموم، والمراد ~~الخاص، وذلك أن قوله: {فأينما تولوا فثم وجه الله}، يحتمل: أينما {تولوا} ~~في حال سيركم في أسفاركم في صلاة التطوع، وفي حال محاربتكم عدوكم في تطوعكم ~~ومكتوبتكم، {فثم وجه الله}، ويحتمل: {فأينما تولوا} من أرض الله، فتكونوا ~~بها، {فثم} قبلة {الله} التي توجهون وجوهكم إليها، لأن الكعبة ممكن لكم ~~التوجه إليها منها، ويحتمل: {فأينما تولوا} وجوهكم في دعائكم فهنالك وجهي ~~استجيب لكم دعاءكم، لكن هذا الاحتمال الأخير بعيد عن معنى الآية، إذ لا ~~إشارة إلى الدعاء هنا. # فقوله تعالى: {ولله المشرق والمغرب} معناه: بلاد المشرق والمغرب، والأرض ~~كلها لله هو مالكها ومتوليها، وذلك لما كان المشرق موضع الشروق وهو مطلع ~~الأنوار، والمغرب هو موضع أفولها، وكان هذان الأفقان مدارا لجميع الكواكب، ~~عبر بهما عن جميع الجهات لتحول الأفلاك حال الدوران إلى كل منها، PageV01P325 ### || CHECK بيان سعة ملك الله ms284 تبارك وتعالى وسعة فضله # فلذلك تسبب عن ذكرهما قوله: {فأينما تولوا فثم وجه الله} أي: فأي مكان ~~أوقعتم فيه التولية للصلاة إلى القبلة التي أمرتم بالتولية إليها، {فثم}، ~~أي: فذلك الموضع {وجه الله}، أي: جهته التي وجهكم إليها، أو مكان استقباله ~~والتوجه إليه، وما يستقبلكم من جلاله وجماله، ويتوجه إليكم من بره وأفضاله، ~~فإن نسبة جميع الأماكن والجهات في القرب والبعد إليه سواء. # وقال بعض المفسرين كما نقله أبو حيان: هذه الآية ليست في الصلاة، بل هي ~~خطاب للذين يخربون المساجد، أي: أينما تولوا هاربين عني فإني ألحظهم، ويقوي ~~هذا التفسير قراءة الحسن، "فأينما يولوا" بياء الغائب، انتهى. # قلت: وهو تفسير غير بعيد، وذكره الفخر الرازي في تفسيره، ولم يعزه لأحد، ~~وقال: وفي ذلك تحذير من المعاصي وزجر عن ارتكابها. # وقوله: {إن الله واسع عليم} نظير قوله: {إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار ~~السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان (33)} [الرحمن: 33] فعلى هذا ~~يكون المراد منه سعة العلم، وهو نظير: {وهو معكم أين ما كنتم} [الحديد: 4]. # ولما أخبر عن سعة فضله مبثوثا في واسع ملكه، بما وقفت العقول عن منتهى ~~علمه، علله بما صغر ذلك في جنبه، فقال: {إن الله واسع}، أي: محيط بما لا ~~تدركه الأوهام، فلا يقع شيء إلا في ملكه، {عليم} فلا يخفى عليه فعل فاعل ~~أينما كان، وكيفما كان، فهو يعطي المتوجه إليه على قدر نيته بحسب بلوغ ~~إحاطته، وشمول علمه وقدرته. # ولما أفاد ما تقدم وصفه تعالى بتمام القدرة، واتساع الملك والفضل، وشمول ~~العلم، كان من المحال افتقاره إلى شيء، ولد أو غيره، فذم أهل الأديان ~~الباطلة كلهم بافترائهم في الولد: اليهود في عزير، والنصارى في "المسيح"، ~~وعبدة الأوثان في "الملائكة". PageV01P326 ### || CHECK مبحث في أصل التثليث عند النصارى ونسبة الولد عند اليهود ### || CHECK العطف في قوله تعالى: {وقالوا اتخذ الله ولدا} # فقال معجبا ممن اجترأ على نسبة ذلك إليه مع معرفة ما تقدم، عاطفا على ما ~~سبق من دعاويهم: # {وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل ms285 له ما في السماوات والأرض كل له قانتون ~~(116) بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون}. # أي: ومن دعاويهم الباطلة، أنهم {وقالوا اتخذ الله} الذي له الكمال كله ~~{ولدا}، وقال {ولدا}: الصالح للذكر والأنثى لينظم بذلك مقالات الجميع، ولما ~~كان العطف على مقالات أهل الكتاب، ربما أوهم اختصاص الذم بهم، حذفت واو ~~العطف في قراءة ابن عامر على طريق الاستئناف في جواب "من" كأنه قال: هل ~~انقطع حبل افترائهم؟ إشارة إلى ذم كل من قال بذلك، وذلك إشارة إلى شدة ~~التباسها بما قبلها، كما قال أبو علي الفارسي. وبغير واو هي في مصاحف أهل ~~الشام، انتهى. # لأن جميع المتحزبين على أهل الإسلام مانعون لهم من إحياء المساجد بالذكر، ~~لشغلهم لهم بالعدواة عن لزومها، والحاصل: أنه إن عطف كان انصباب الكلام إلى ~~أهل الكتاب، وكان غيرهم تبعا لهم للمساواة في المقالة، وإذا حذفت الواو ~~انصب إلى الكل انصبابا واحدا. # ثم اعلم: أن ادعاء الولد لله كان شائعا في جميع الأمم، ولم تزل له آثار ~~إلى يومنا هذا، وأقدم القائلين بذلك هم الوثنيون، فإنهم قائلون بالأب ~~والابن وروح القدس، وعنهم أخذ النصارى التثليث، ويسمي الوثنيون ذلك "ثري ~~مورتي" أي: ثلاث هيئات، وادعى الأقدمون النبوة في "أورقية" ملك نزاس، وفي ~~"أفلاطون" في القرن الحادي عشر قبل الهجرة، وفي "الإسكندر" وفي "هيركول" في ~~القرن الثاني عشر قبل الهجرة. # وأما من ادعوا فيهم الألوهية والتجسد فكثيرون أيضا، منهم "بوذا" المصلح ~~الشهير لديانة البراهمة، ولد في القرن الحادي عشر قبل الهجرة، وزعم أتباعه ~~فيه PageV01P327 # ذلك قبلا، وإلى الآن وهم مما يزيد على خمسمئة ألف ألف (¬1)، وكل عام يسلم ~~منهم الخلق الكثير والجم الغفير، ومنهم "برهما" فإن أتباعه يدعون أن الخالق ~~حل فيه، ثم في "فيشنو" ثم في "سيفا" ويصورونهم ملتصقين إشارة إلى هذا ~~التجسد الثلاثي، ولهم من الأتباع نحو من ثلاثمئة ألف ألف، يسلم منهم الخلق ~~الكثير في كل سنة، وتأسست هذه الديانة من قبل زمننا بأكثر من ألفي سنة، ~~ويعتقد البوذيون أن ms286 الإله فيشنو، وهو أحد أركان التثليث عند الوثنيين من ~~أهل الهند، تجسد مرارا عديدة لينجي العالم من الهلاك، وفي المرة التاسعة ~~تجسد في بوذا، وسبب هذه المزاعم الفاسدة غلو الأمم في تقديس أنبيائهم. # والصينيون يقولون: إن أصل كل شيء واحد، وهذا الواحد الذي هو أصل الوجود، ~~اضطر إلى إيجاد ثان، والأول والثاني، انبثق منهما ثالث، ومن هذه الثلاثة ~~صدر كل شيء. # والمصريون القدماء كانوا يعبدون إلها مثلث الأقانيم، على نمط أهل الصين، ~~وكذلك الكلدانيون. # وكان الآشوريون يقولون عن "مردوخ": أنه ابن الله البكر. # وقدماء اليونان كانوا يقولون بالتثليث، ويقال إن "فيثاغورث" و ~~"هيركليتوس" و "بلاتوا": أخذوا فلسفتهم في التثليث عن "أورفيوس"، ثم نشروها ~~في بلادهم. # فقول اليهود: عزير ابن الله، قلدوا فيه قدماء المصريين، وقول النصارى ~~المسيح ابن الله، قلدوا فيه الوثنيين، والرومانيين القدماء، والفرس ~~الأقدمون، كالهنود في التثليث، والثلاثة عندهم "أورمزد، ومترات، وأهرمان"، ~~فالأول الخلاق، والثاني ابن الله المخلص والوسيط، والثالث المهلك. ~~والفنيقيون كانوا على هذا النمط. # ومثلهم الفلنديون والإسكندنافيون والدرديون، وسكان سيبيريا القدماء، PageV01P328 ### || CHECK تنافي الولادة والملكية في معنى قوله تعالى: {بل له ما في السماوات والأرض وكل له قانتون} ### || CHECK معنى {سبحانه} # المعبر عنهم بيأجوج ومأجوج (¬1)، والتتر الوثنيون، وسكان جزائر ~~الأوقيانوس، وأهل المكسيك الهندوس، والهندوس الكنديون، وكل أولئك يدعون في ~~الابن أنه صلب كما تدعي النصارى، والكلام على استيفاء هذه المباحث طويل، ~~وله محال يؤخذ منها. # والحاصل أن قوله تعالى: {وقالوا اتخذ الله ولدا}، شامل لجميع الأمم ~~الوثنية، ومنهم النصارى واليهود، ولما ضل كثير من الأمم بهذا الاعتقاد نزه ~~تعالى نفسه، بقوله: {سبحانه} أي: تنزيها له عما نسبه إليه الكفار من اتخاذ ~~الولد، والتجسد، والحلول، علوا وارتفاعا عن ذلك، وأخرج الحاكم وصححه، وابن ~~مردويه والبيهقي، عن طلحة بن عبيد الله قال: سألت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، عن تفسير سبحان الله، فقال: "هو تنزيه الله من كل سوء" ورواه ~~عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والديلمي. # ثم إنه تعالى أخذ في إبطال تلك ms287 المقالة، فقال: {بل له ما في السماوات ~~والأرض} أي: جميع ذلك مملوك له. ومن جملتهم من ادعوا أنه ولد لله، والولادة ~~تنافي الملكية، لأن الوالد لا يملك ولده، ولما ذكر أن الكل مملوك لله ~~تعالى، ذكر أنهم كلهم {قانتون} له، أي: مطيعون خاضعون له، وهذه عادة ~~المملوك أن يكون طائعا لمالكه، ممتثلا لما يريده منه، واستدل بنتيجة ~~الطواعية على ثبوت الملكية، ومن كان بهذه الصفة لم يجانس الولد، إذ الولد ~~يكون من جنس الوالد، وأتى ب {ما} الموضوعة لما لا يعقل، تحقيرا لهم وتصغيرا ~~لشأنهم. # والمقصود من القنوت هنا، الذي بمعنى الطاعة، أنهم خاضعون لتصرفه فيهم، ~~ويفعل بهم ما يشاء ويختار، فله الحكم المطلق كما أخبر تعالى عن السماوات، ~~والأرض، بأنهما قالتا: {أتينا طائعين} [فصلت: 11] والمعنى: أنهم مخلصون ~~خاشعون متواضعون، لاستسلامهم لقضائه من غير قدرة على دفاع، ولا PageV01P329 ### || CHECK اختلاف المفسرين في مخاطبة الله تعالى للمعدوم في قوله جل وعز {كن فيكون} ### || CHECK معنى قوله تعالى: {وإذا قضى أمرا} ### || CHECK معنى الإبداع في قوله تعالى: {بديع السماوات والأرض} # تطلع إلى نوع امتناع العاقل وغيره، كأنهم يسعون في ذلك ويبادرون إليه ~~مبادرة اللبيب الحازم، وما أحسن قول ابن ميلق في ذلك: # والعبد فهو فقير رب راوية ... بالدهر غر وبالأحوال غير دري # قد ساقه قدر نحو القضاء ومن ... يستطع رد قضاء جاء عن قدر؟ # ولما ذكر أنه مالك لجميع من في السماوات والأرض، ذكر الطرفين وخصهما ~~بالبداعة، لأنهما أعظم ما نشاهده من المخلوقات، فقال: {بديع السماوات ~~والأرض} أي: خالقهما على غير مثال سبق، والمعنى: أنه تعالى بارئ السماوات ~~ومبدعها، على غير مثال سابق، وهو الذي ابتدع من ينسبونه إليه بأنه ولده ~~بقدرته، فكيف يجوز عليه أن يكون له ولد. # ولما ذكر ما دل على الاختراع، ذكر ما يدل على طواعية المخترع، وسرعة ~~تكوينه، فقال: {وإذا قضى} أي: أراد {أمرا} منهما أو من غيرهما، تكون ذلك ~~الأمر، ودخل تحت الوجود من غير امتناع ولا توقف، كما أن المأمور المطيع ~~الذي يؤمر فيمتثل لا ms288 يتوقف، ولا يمتنع، ولا يكون منه الإباء، أكد بهذا ~~الاستبعاد الولادة لأن من كان بهذه الصفة من القدرة، كانت حاله مباينة لحال ~~الأجسام في توالدها. # وقد اختلف المفسرون هنا اختلافا كبيرا في مخاطبة المعدوم، وقالوا: إن ~~الشيء قبل وجوده يكون معدوما، فكيف يخاطبه تعالى ب: {كن} وأطالوا في ذلك، ~~ومحصل ما قاله ابن جرير: أن قوله تعالى: {وإذا قضى أمرا} عام، في كل ما ~~قضاه الله وبرأه، وإذا كان ذلك كذلك، فأمر الله لشيء إذا أراد تكوينه ~~موجودا بقوله {كن} في حال إرادته إياه مكونا، لا يتقدم وجوده الذي أراد ~~إيجاده وتكوينه، إرادته إياه، ولا أمره بالكون والوجود، ولا يتأخر عنه، ~~فغير جائز أن يكون الشيء مأمورا بالوجود، مرادا كذلك إلا وهو موجود، ولا أن ~~يكون موجودا، إلا وهو مأمور بالوجود، مرادا كذلك، ونظير هذه الآية: {ومن ~~آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم ~~تخرجون (25)} [الروم: 25] فإن خروج القوم من قبورهم، لا يتقدم دعاء الله ~~ولا يتأخر عنه، انتهى. PageV01P330 ### || CHECK معنى قوله تعالى: {وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله} الآية # وهذا كما تراه بسط لما أجمل فيما تقدم، وعندي: أن السؤال غير وارد من ~~أصله، لأن ما أراد الله وجوده إنما هو موجود في علمه تعالى، وإن كان معدوما ~~في الخارج، فإذا أراد الله تعالى إبراز ذلك الموجود إلى الخارج، أمره ~~بالتكوين فتكون، وأفعاله تعالى لا تقاس على أفعال المخلوقين {فلا تضربوا ~~لله الأمثال} [النحل: 74]، وقال الرازي: إن المراد من كلمة {كن} سرعة نفاذ ~~قدرة الله في تكوين الأشياء، وأنه تعالى يخلق الأشياء لا بفكرة ومعاناة ~~وتجربة، وجعل هذا مثال قول السماوات والأرض: {أتينا طائعين} [فصلت: 11]، ~~وقد مر بك هذا. # ولما تقرر بما أنبأ من بديع آياته في منبث مصنوعاته، أن عظمته تقصر عنها ~~الأوهام، وتنكص خاسئة دونها نوافذ الأفهام، عجب من الجرأة عليه بما استوى ~~فيه حالة الجهلة من العرب بالعلماء من أهل الكتاب، تبكيتا لهم وتنفيرا ~~منهم، بأنه لا حامل ms289 لهم على الرضا لأنفسهم، بالنزول من أوج العلم إلى حضيض ~~أهل الجهل، إلا اتباع الهوى، فقال: # {وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية كذلك قال الذين من ~~قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم قد بينا الآيات لقوم يوقنون (118)}. # أي: {وقال} الجهلة من المشركين، ومن أهل الكتاب، ونفى عنهم العلم، لأنهم ~~لم يعملوا به: {لولا} أي: هلا {يكلمنا الله}، أي: يوجه كلامه لنا، قالوا ~~ذلك على طريقة الاستكبار والعتو، {أو تأتينا آية}، أي: هلا يكون أحد هذين: ~~إما التكلم، وإما إتيان آية، أي: علامة على حسب اقتراحنا، عادين ما أتاهم ~~من الآيات على ما فيها من آية القرآن التي لا توازيها آية أصلا عدما، ولما ~~كان قولهم هذا جديرا بأن لا يصدق، نبه عليه بقوله: {كذلك} أي: الأمر كما ~~ذكرنا عنهم، ولما كان كأنه قيل: هل وقع مثل هذا قط؟ ! قيل: نعم وقع ما هو ~~أعجب منه، وهو أنه {قال الذين من قبلهم مثل قولهم} ثم علله بقوله: {تشابهت ~~قلوبهم} أي: قلوب هؤلاء، ومن قبلهم في PageV01P331 ### || CHECK شهادة من الله تبارك وتعالى بصحة رسالته - صلى الله عليه وسلم - ### || CHECK بيان مراد المشركين وأهل الكتاب من وراء هذا الطلب # العمى، وهذا نظير قوله تعالى: {أتواصوا به} [الذاريات: 53] وإن كانت ~~مختلفة باعتبار العلم، وفي ذلك تسلية للنبي - صلى الله عليه وسلم -، بأنه ~~كما تعنت عليه، تعنت على من قبله. # وحاصل المعنى: أنا قد أيدنا قول محمد - صلى الله عليه وسلم -، بالمعجزات، ~~وبينا صحة قوله بالآيات، وهي القرآن وسائر المعجزات، فكان طلب هذه الزوائد ~~من باب التعنت، ولما كان ذلك توقع السامع الإخبار عن البيان، فكان كأنه ~~قيل: هل قالوا ذلك جهلا أو عنادا؟ ! فقيل؛ بل عنادا لأنا قد بينا الآيات في ~~كل آية في الكتاب المبين المسموع، والكتاب الحكيم المرئي، ولما كان يقع ~~البيان خاصا بأهل الإيقان، قال: {لقوم يوقنون} وفيه بعث للشاك على تعاطي ~~أسباب الإيقان، وهو صفاء العلم عن كدر تطرق الريب، لاجتماع شاهدي السمع ~~والعين. # ولما تضمن هذا ms290 السياق شهادة بصحة رسالته - صلى الله عليه وسلم -، وأنه ~~ليس عليه إلا البيان، صرح بالأمرين بقوله مؤكدا لكثرة المنكرين، فقال: # {إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ولا تسأل عن أصحاب الجحيم (119)}. # أي: {إنا أرسلناك} لأن تبشر وتنذر، لا لتجبر على الإيمان، وهذا تسلية ~~لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وتسرية عنه لأنه كان يغتم ويضيق صدره، ~~لإصرارهم وتصميمهم على الكفر، {ولا} نسألك {عن أصحاب الجحيم}، ما لهم لم ~~يؤمنوا بعد أن بذلت جهدك في دعوتهم، وهذا نظير قوله تعالى: {فإنما عليك ~~البلاغ وعلينا الحساب} [الرعد: 40] فأقبل على أمرك ولا تبال بهم، واحتقرهم، ~~فإنهم أقل من أن يلتفت إليهم، وقيل: إن معنى {ولا نسأل عن أصحاب الجحيم} ~~تعظيم ما وقع فيه الكفار من العذاب، كما إذا سألت عن إنسان واقع في بلية، ~~فيقال لك: لا تسأل عنه، وهذا على قراءة "ولا تسأل" بفتح التاء، ووجه ~~التعظيم أن المسؤول يجزع أن يجري على لسانه ما هو فيه لفظاعته، فلا تسأله ~~ولا تكلفه ما يضجره، أو أنت يا مستخبر لا تقدر على استماع خبره، لإيحائية ~~السامع وإضجاره، فلا تسأل. PageV01P332 ### || CHECK أهل الكتاب يقنطون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من إسلامهم، وذلك في قوله تعالى: {ولن ترضى عنك اليهود والنصارى حتى تتبع ملتهم} # ولما جرت العادة بأن المبشر يسر بالبشير، أخبر تعالى أن أهل الكتاب من ~~قسم المنذرين، فهم لا يزالون عليه غضابا، فقال عطفا على ما اقتضاه ما قبله: # {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو ~~الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير}. # الرضا هو: إقرار ما ظهر عن إرادة، والمعنى: {لن ترضى عنك اليهود ولا ~~النصارى} لشيء من الأشياء، {حتى تتبع ملتهم} أي؛ تكون بشيرا لهم، ولن تكون ~~بشيرا لهم حتى توافقهم فيما أحدثوه من أهوائهم، بأن تتبع كتابهم على ما ~~بدلوا فيه وحرفوا، وأخفوا. كما يشير إلى هذا إضافة الملة إليهم، لا إلى ~~صاحبها ms291 المعصوم، وهو إبراهيم عليه السلام، ويكون ذلك برغبة منك تامة، كما ~~أفهمته صيغة الافتعال، لأن "اتبع" "افتعل"، ومصدره الاتباع، وهو افتعال، ~~وتترك كتابك الناسخ لفروع كتابهم، ومفادهم أنه تعالى علق رضائهم عنه بأمر ~~مستحيل الوقوع منه - صلى الله عليه وسلم -، وهو اتباع ملتهم، والمعلق ~~بالمستحيل مستحيل. # وهذا الخطاب وإن كان للنبي - صلى الله عليه وسلم -، لكنه في ضمنه التأديب ~~لأمته، فإنهم يعلمون قدره عند ربه، وإنما ذلك ليتأدب به المؤمنون، فلا ~~يوالون الكافرين، فإنهم لا يرضيهم منهم إلا اتباع دينهم، والملة هي: الدين، ~~وإذا كان لا يرضيهم إلا ذلك، كان مستحيلا، لأن اليهود لا يرضون إلا باتباع ~~دينهم، والنصارى لا يرضون إلا باتباع دينهم، والوثنيون لا يرضون إلا باتباع ~~دينهم، وكلها أديان متنافرة، ولا يمكن للشخص الواحد أن يجتمع فيه دينان ~~متخالفان، فضلا عن أديان. # ولما كان الحال كأنهم قالوا: لن نرضى عنك وإن أبلغت في طلب رضانا، حتى ~~تتبع ملتنا، إقناطا منهم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، عن دخولهم، ~~فحكى الله عز وجل كلامهم، ولذلك قال: {قل} أي: على طريق إجابتهم عن قولهم: ~~{إن هدى الله هو الهدى} أي: {إن هدى الله} الذي هو الإسلام {هو الهدى} ~~بالحق، والذي يصح أن يسمى هدى، وهو الهدى كله ليس وراءه هدى، وما تدعون إلى ~~اتباعه ما هو بهدى إنما هو هوى، ألا ترى إلى قوله: {ولئن اتبعت أهواءهم} ~~يعني: PageV01P333 ### || CHECK مبحث في أن بعض المفسرين شمل المسلمين في هذه الآية ### || CHECK معنى قوله تعالى: {الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته} # أقوالهم التي هي أهواء وباع، {بعد الذي جاءك من العلم} أي: من الدين ~~المعلوم صحته بالبراهين الصحيحة، {ما لك من الله من ولي ولا نصير}، أي: ~~معين يعصمك ويذب عنك، بل الله يعصمك من الناس، إذا أقمت على الطاعة ~~والاعتصام بحبله. # ولما أفصح بمن يستحق النذارة منهم بتغيير الدين بأهوائهم، فأفهم من يستحق ~~البشارة، تلاه بالإفصاح بالقسمين من يستحق البشارة منهم، ومن يستحق النذارة فقال: # {الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق ms292 تلاوته أولئك يؤمنون به ومن يكفر به ~~فأولئك هم الخاسرون}. # المعنى: أن مؤمني أهل الكتاب يتلون كتابهم بغير تحريف ولا تبديل، فيؤديهم ~~إلى الإيمان بجميع رسل الله وبالقرآن، {أولئك يؤمنون به} حقا، {ومن يكفر ~~به} بالتحريف والتبديل، {فأولئك هم الخاسرون}، أي: الهالكون، حيث اشتروا ~~الضلالة بالهدى. # وبعض المفسرين جعله شاملا للمؤمنين أيضا، وهو عندي حسن، ويكون المعنى على ~~ما تقدم: {الذين آتيناهم الكتاب} يعني: القرآن، {يتلونه حق تلاوته}، ~~فيبينون ما أنزل الله فيه من الأحكام والآداب والمواعظ، {أولئك يؤمنون به} ~~إيمانا حقيقيا، {ومن يكفر به} فيؤوله على مقتضى هواه ليروج به نحلته ~~وبدعته، كما فسره الباطنية فأخرجوه عن معناه، وحرفوه وغيروه، وبدلوه كما هو ~~مشاهد في تفاسيرهم له، واختراع معان له لا يدل عليها منطوق، ولا مفهوم، ولا ~~كناية، ولا يمكن أن تفهم منه بدلالة من الدلالات، {فأولئك هم الخاسرون}. # ولم يصل اليهود في تحريف كتابهم إلى درجة أولئك الباطنية، فإن اليهود ~~حرفوا بعضا من كتابهم، وهؤلاء حرفوا القرآن من أوله إلى آخره، وأسندوا بعضا ~~من ذلك التحريف إلى أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، وإلى أكابر أهل البيت، PageV01P334 ### || CHECK أعاد الله مخاطبة اليهود بالتذكير بنعمه والتحذير من حلول نعمه بقوله تعالى: {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم} # وهم براء من ذلك، وسيمر بك إن شاء الله تعالى، كثير من تحريفهم في هذا ~~الكتاب، لتتبصر وتتأمل مفترياتهم. # ويشهد لهذا الوجه من التفسير ما أخرجه عبد ابن حميد، عن قتادة قال في هذه ~~الآية: منهم أصحاب محمد الذين آمنوا بآيات الله وصدقوا بها. وعن ابن مسعود: ~~والله إن {حق تلاوته}: أن يحل حلاله، ويحرم حرامه، ويقرأه كما أنزله الله، ~~ولا يحرفه عن مواضعه. وقال عمر بن الخطاب: لقد مضى بنو إسرائيل، وما يعني ~~بما تسمعون غيركم. # ولما طال المدى في استقصائه كفرهم بالنعم، ثم في بيان عوارهم، وهتك ~~أستارهم، وختم ذلك بالترهيب بخسارهم، لتضييع أديانهم بأعمالهم، وأحوالهم ~~وأقوالهم، أعاد ما صدر به قصتهم من التذكير بالنعم، والتحذير من حلول ms293 ~~النقم، فقال: # {يابني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين ~~(47) واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ ~~منها عدل ولا هم ينصرون (48)}. # تقدم لبني إسرائيل تذكير بهذا المعنى، والتكرار هنا مبالغة في نصحهم، ~~وإيقاظ لحميتهم، وقوله تعالى: {ولا يقبل منها عدل} أي: فداء يبذل في فكاكها ~~من غير الأعمال الصالحة، وقوله: {ولا تنفعها شفاعة} أي: غير مأذون فيها، ~~{ولا هم ينصرون} وإن كثرت جموعهم. # ولما وصل الحق تعالى بالدعوة العامة الأولى في قوله: {يآأيها الناس} ذكر ~~أمر آدم، وافتتاح استخلافه، ليقع بذلك الناس كافة في طرفين، في اجتماعهم، ~~في أب واحد، ولدين واحد، نظم بذلك وصل خطاب أهل الكتب، بذكر إبراهيم ليقع ~~بذلك اجتماعهم أيضا في أب واحد، وملة واحدة، اختصاصا بتبعية الإمامة ~~الإبراهيمية، من عموم تبعية الخلافة الآدمية، تنزيلا للكتاب، وترفيعا للخلق ~~إلى علو اختصاص الحق. PageV01P335 ### || CHECK مبحث ما قيل في الكلمات التي ابتلى بهن إبراهيم ### || CHECK معنى الابتلاء في قوله تعالى: {وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن} # وأيضا لما علي سبحانه أهل الضلال، وكان جلهم من ذرية إبراهيم عليه ~~السلام، وجميع طوائف الملل تعظمه، ومنهم العرب وبيته الذي بناه أكبر ~~مفاخرهم، وأعظم مآثرهم، ذكر الجميع ما أنعم به عليه، تذكيرا يؤدي إلى ثبوت ~~هذا الدين، باطلاع هذا النبي الأمي الذي لم يخالط عالما قط، على ما لا ~~يعلمه، إلا خواص العلماء، وذكر البيت الذي بناه فجعله عمادا لصلاحهم، وأمر ~~بأن يتخذ بعض ما هناك مصلى، تعظيما لأمره وتفخيما لعلي قدره. # وفي التذكير بوفائه بعد ذكر الذين وفوا بحق التلاوة، وبعد دعوة بني ~~إسرائيل عامة إلى الوفاء بالشكر، حث على الاقتداء به، وكذا في تذكير ~~الإسلام والتوحيد هز لجميع من يعظمه إلى اتباعه في ذلك، فقال: # {وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ~~ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين (124)}. # يعني تعالى جل ثناؤه بقوله: {وإذ ابتلى} وإذ اختبر قال تعالى: {وابتلوا ~~اليتامى} [النساء: ms294 6] يعني: اختبروهم، وكان اختبار الله تعالى إبراهيم، ~~اختبارا بفرائض فرضها عليه، وأمرا أمره به، وذلك هو الكلمات التي أوحاهن ~~إليه، وكلفه العمل بهن، امتحانا منه له، واختبارا، وفي قوله: {ربه} إشعار ~~بأن تكليف العباد هو غاية الإحسان إليهم. # وأما الكلمات فقد أطال المفسرون في تعيينها، وفي مقدمتهم "جلال الدين ~~السيوطي" في كتابه "الدر المنثور" فإنه فيه حاطب ليل. والصواب: أنه غير ~~جائز لأحد أن يقول عن الله بالكلمات التي ابتلى بهن إبراهيم شيئا بعينه دون ~~شيء، إلا بحجة يجب التسليم لها من خبر عن الرسول، أو إجماع من الحجة، ولم ~~يصح في شيء من ذلك خبر عن الرسول، بنقل الواحد، ولا بنقل الجماعة التي يجب ~~التسليم لما نقلته، وأقرب ما قيل في ذلك قول من قال: أراد بقوله بكلمات ~~قوله: {إني جاعلك للناس إماما} وقوله: {وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن ~~طهرا بيتي للطائفين} [البقرة: 125] PageV01P336 ### || CHECK معنى قوله تعالى: {قال إني جاعلك للناس إماما} الآية # وسائر الآيات التي هي نظير ذلك، كالبيان عن الكلمات التي ذكر الله أنه ~~ابتلى بهن إبراهيم. # وفي "الكشاف": أن ابن عباس قرأ: "وإذا ابتلى إبراهيم ربه"، على جعل ~~"إبراهيم" فاعلا، و "رب" مفعولا به، ونسب هذه القراءة إلى أبي حنيفة، قال: ~~والمعنى: أنه دعاه بكلمات من الدعاء، فعل المختبر، هل يجيبه إليهن أو لا، انتهى. # وقوله {فأتمهن} معناه: فقام بهن حق القيام، وأداهن أحسن التأدية من غير ~~تفريط وتوان، كما قال تعالى: {وإبراهيم الذي وفى (37)} [النجم: 37] وفى ~~الأخرى لله تعالى، بمعنى: فأعطاه ما طلبه لم ينقص منه شيئا، وفي قوله: ~~{فأتمهن} بيان لأن أسنى أحوال العباد الإذعان والتسليم، لمن قامت الأدلة ~~على صدقه، والمبادرة لأمره، دون اعتراض ولا توقف، ولا بحث عن علة، ثم لما ~~كان كأنه قيل: فما جوزي على شكره بالإتمام؟ قيل {قال} له ربه، ويجوز أن ~~يكون "قال" بيانا ل {ابتلى} كما ذكرناه آنفا {إني جاعلك للناس} أي: مصيرك ~~للناس إماما يؤتم به ويقتدى به، وكثير من المفسرين فسر الإمامة هنا بالنبوة ~~وهو ms295 الصواب، وهذا الجعل يقتضي العصمة، لأن الإمام هو الذي يؤتم به، فلو ~~صدرت المعصية منه لوجب الاقتداء به في ذلك، فيلزم أن يجب على المؤتمين به ~~فعل المعصية، ، وذلك محال لأن كونه معصية، عبارة عن كونه ممنوعا من فعله، ~~وكونه واجبا عبارة عن كونه ممنوعا من تركه، والجمع بينهما محال. # وقوله: {ومن ذريتي} متعلق بمحذوف، التقدير: {و} اجعل {من ذريتي} إماما، ~~لأن إبراهيم فهم من قوله تعالى: {إني جاعلك للناس إماما} الاختصاص، فسأل ~~الله أن يجعل من ذريته إماما، فأجابه تعالى بقوله: {لا ينال عهدي الظالمين} ~~أي: قد أجبتك وعاهدتك بأن أحسن إلى ذريتك, لكن {لاينال عهدي} الذي عهدته ~~إليك بالإمامة {الظالمين} , منهم لأنهم نفوا أنفسهم عنك في أبوة الدين، وفي ~~ذلك أتم ترغيب في التخلق بوفائه، لاسيما للذين دعوا قبلها PageV01P337 ### || CHECK التكليف الثاني لسيدنا إبراهيم وهو تطهير البيت ### || CHECK اختلاف المفسرين في معنى العهد في قوله تعالى: {لا ينال عهدي الظالمين} # إلى الوفاء بالعهد، وإشارة إلى أنهم إن شكروا أبقى رفعتهم، كما أدام ~~رفعته، كان ظلموا لم تنلهم دعوته، فضربت عليهم الذلة وما معها، ولا يجزي ~~أحد عنهم شيئا، ولا هم ينصرون. # واختلف المفسرون في معنى العهد، فقيل: النبوة، وقيل: الإمامة، وقيل: ~~الأمان، والصواب أنه: النبوة والإمامة في الدين. وقوله تعالى: {لا ينال ~~عهدي الظالمين} هو من الجواب الذي يزيد على السؤال، لأن إبراهيم طلب من ~~الله وسأل: أن يجعل من ذريته إماما، فأجابه إلى أنه لا ينال عهده الظالمين، ~~ودل بمفهوم الصفة على أنه ينال عهده من ليس بظالم، وكان ذلك دليلا على ~~انقسام ذريته إلى ظالم وغير ظالم، وحيث فسرنا الإمامة بالنبوة، استغنينا عن ~~تقليد المفسرين هنا بما أطالوه به من شروط الإمامة، التي هي الإمارة، ~~وإطالتهم في ذلك حتى كادوا يذكرون شروط الإمام في الصلاة. # ولما كان من إمامة إبراهيم عليه السلام، اتباع الناس له في حج البيت الذي ~~شرفه الله، ببنائه قال إثر ذلك ناعيا على أهل الكتاب مخالفته، وترك دينه، ~~وموطئا لأمر القبلة: # {وإذ ms296 جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وعهدنا ~~إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود ~~(125)}. # بين تعالى في الآية التي قبل هذه، كيفية حال إبراهيم حين كلفه بالإمامة، ~~ثم شرح هنا التكليف الثاني، وهو التكليف بتطهير البيت، والبيت هنا التكليف ~~الثاني، وهو التكليف بتطهير البيت، و {البيت} هنا الكعبة والحرم كله، ولكن ~~لما كانت حرمة الحرم كله معلقة بالبيت، جاز أن يعبر عنه باسم البيت، ~~ونظيره: {هديا بالغ الكعبة} [المائدة: 95] فإن المراد الحرم كله لا الكعبة ~~نفسها، لأنه لا يذبح في الكعبة ولا في المسجد الحرام. # والمعنى: {وإذ جعلنا البيت}، أي: الحرم {مثابة للناس}، و "جعل" PageV01P338 ### || CHECK تعليق عن خط سكة حديد الحجاز ### || CHECK قد يكون قول الله تعالى: {وإذ جعلنا البيت} على سبيل الأمر ### || CHECK معنى المثابة والأمن من قوله تعالى: {وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا} # بمعنى "صير" ف {مثابة} مفعول ثان، وقيل: هي بمعنى خلق أو وضع، و ~~"المثابة" المرجع، وتاؤها للمبالغة، لكثرة من يثوب إليه، أو لتأنيث المصدر، ~~أو لتأنيث البقعة، ويجوز أن تكون "المثابة" بمعنى الجمع، أي: {وإذ جعلنا ~~البيت} مجمعا للناس، أي: جعلناه مجمعا للحجاج، وقال ابن عباس: معاذا وملجأ. ~~والأقرب قول من قال: مرجعا، ومعناه: يرجعون إليه بكلياتهم، كما تفرقوا عنه ~~اشتاقوا إليه، هم أو غيرهم، آية على رجوعهم من الدنيا إلى ربهم، {وأمنا} ~~مصدر، جعل البيت إياه على سبيل المبالغة لكثرة ما يقع فيه من الأمن، وكان ~~في الجاهلية معاذا لمن استعاذ به، وكان الرجل منهم لو لقي قاتل أبيه أو ~~أخيه فيه لم يهجه، ولم يعرض له بشيء حتى يخرج منه، وكان كما قال الله ~~تعالى: {أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم} [العنكبوت: ~~67] قال الأصفهاني: وهذا شيء توارثه العرب من دين إسماعيل عليه السلام، ~~فبقوا عليه إلى أيام النبي - صلى الله عليه وسلم -، فاليوم من أصاب في ~~الحرم جريرة أقيم عليه الحد بالإجماع، انتهى. # ويصح أن يكون على سبيل الأمر، والمعنى: ms297 أن الله تعالى أمر الناس بأن ~~يجعلوا ذلك الموضع آمنا من الغارة والقتل، فيكون محترما بحكم الله، وإنما ~~جعل الله البيت مثابة للناس وأمنا لما فيه من منافع الدنيا والآخرة، أما ~~منافع الدنيا، فلأن أهل الشرق والغرب يجتمعون هناك، فيحصل هناك من التجارات ~~وضروب المكاسب ما يعظم به النفع، وأيضا فيحصل بسبب السفر إلى الحج عمارة ~~الطرق والبلاد، كما جرى في زمننا من إنشاء السفن البرية من دمشق حتى ~~المدينة، وسيتصل سيرها إلى مكة (¬1)، وإعمار ما كان قابلا للعمران من تلك ~~البقاع، وفيه أيضا مشاهدة الأحوال المختلفة في الدنيا، واجتماع المسلمين ~~الذي لولا الحج لم يجتمعوا، وتعارف بعضهم ببعض، وشكاية بعضهم لبعض ما ~~أهمهم، فيقوم أولو الحمية بنصرة بعضهم بعضا، ويقوم العارفون بتلك الحكمة ~~بضم الشمل وجمع PageV01P339 ### || CHECK سبب نزول قوله تعالى: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} # الكلمة، لتخلص البلاد التي يستولي عليها الأعداء من أيديهم، بمعونة أهل ~~الإيمان بعضهم لبعض، فيكون البيت هو سبب أمنهم، لأنهم ما داموا بيد الأعداء ~~كانوا في خوف، فإذا خلصوا كانوا في أمن. # فانظر إلى هذه الحكمة التي أشار إليها تعالى في هذه الآية، وقل: هنيئا ~~لمن يفقهها ويسلك مسالكها، ويؤدي ذلك الواجب الذي أوجبه تعالى عليه. # وأما منافع الدين، فلأن من قصد البيت رغبة منه في النسك والتقرب إلى ~~الله، وإظهار العبودية، استحق بذلك ثوابا عظيما، وهو المثوبة على فعله. # ولما كان التقدير: فثاب الناس إليه ائتماما ببانيه، وآمنوا بدعوته فيه، ~~عطف عليه قوله: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} أخرج البخاري والترمذي ~~والنسائي وابن ماجه وأحمد والدارقطني والدارمي، عن أنس قال: قال عمر بن ~~الخطاب: "وافقت ربي في ثلاثة" أو: وافقني ربي في ثلاث: قلت؛ يا رسول الله ~~لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت: {واتخدوا من مقام إبراهيم مصلى} ~~وقلت: يا رسول الله إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو أمرتهن أن ~~يحتجبن، فنزلت آية الحجاب. واجتمع على رسول الله نساؤه في الغيرة، فقلت ~~لهن: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا ms298 خيرا منكن فنزلت كذلك. # وروى الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح، عن أنس أن عمر قال: يا رسول الله، ~~لو صلينا خلف المقام، فنزلت: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى}. فقوله تعالى: ~~{واتخذوا} على إرادة القول، أي وقلنا: اتخذوا منه موضع صلاة تصلون فيه، وهو ~~على وجه الاختيار والاستحباب دون الوجوب، وهذا على قراءة كسر الخاء، وهي ~~قراءة ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي، والجمهور. وقرأ نافع ~~وابن عامر بفتحها، جعلوه فعلا ماضيا فيكون المعنى كما ذكرناه آنفا، فثاب ~~الناس إليه فاتخذوا، ومقام إبراهيم هو المقام المعروف بهذا PageV01P340 ### || CHECK اختلاف كلام المفسرين في تقييد معنى الأمن ### || CHECK مناداة إبراهيم لربه والدعاء الذي دعا به # الاسم الذي هو في المسجد الحرام، و "المصلى" موضع الصلاة، أمروا أن يصلوا عنده. # وقوله تعالى: {وعهدنا} معناه أمرنا، أو وصينا، أو أوحينا، أو قلنا إلى ~~إبراهيم وإسماعيل: {أن طهرا بيتي} عن كل رجس حسي، ومعنوي، فلا يفعل بحضرته ~~شيء لا يليق في الشرع، وإضافة البيت إليه تعالى إضافة تشريف لا مكان محل ~~لله تعالى، والمراد ب {الطائفين} من يقصد البيت حاجا أو معتمرا فيطوف به، ~~وب {العاكفين} من يقيم هناك ويجاور، وب {الركع السجود} من يصلي هناك. # ولما ذكر الله تعالى أمر البيت على ما تضمنته الآية الشريفة ذكر باهتمامه ~~بأهله، ودعائه لهم مبكتا لمن عق إبراهيم من ذريته، فقال: # {وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن ~~منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار ~~وبئس المصير (126)}. # {رب} منادى مضاف إلى الياء، ونادى إبراهيم بلفظ الرب مضافا إليه، لما في ~~ذلك من تلطف السؤال والنداء، بالوصف الدال على قبول السائل، وإجابة ضراعته، ~~وأسقط ياء النداء الدالة على البعد من اللفظ إنباء بقربه، كما هو حال أهل ~~الصفوة، {اجعل} بمعنى صير، و {هذا البلد} أي الموضع الذي جعلت فيه بيتك، ~~وأمرتني بأن أسكنه من ذريتي، أي صيره بلدا يأنس من يحل به أمنا، ms299 إفصاحا بما ~~أفهمه، {وإذ جعلنا البيت}، وقوله: {آمنا} أي ذا أمن كقولهم عيشة راضية، أي ~~ذات رضا أو على الاتساع، لما كان يقع فيه الأمن جعله {آمنا}، كقولهم نهارك ~~صائم، وليلك قائم، وأطلق تعالى قوله: {آمنا} ولم يقيده بشيء، واختلف كلام ~~المفسرين في تقييده على عادتهم، فقيل: {آمنا} من الجبابرة والمتسلطين، أو ~~من أن يعود تحريمه حلالا، أو من أن يخلو من أهله، أو {آمنا} من القتل، أو ~~من الخسف والقذف، أو من القحط والجدب، أو من دخول الدجال، أو من أصحاب ~~الفيل، أو معناه مأمونا فيه ... إلى غير ذلك مما لا يخلو PageV01P341 ### || CHECK متى حرمت مكة المكرمة ### || CHECK حرم الرسول - صلى الله عليه وسلم - المدينة كما حرمت مكة # أكثره من اعتراض عليه، فإن "عمرا بن لحي" و "الحجاج بن يوسف" والقرامطة، ~~دخلوا الحرم وأكثروا القتل في أهله، وكذلك إن تلك البقعة أكثر بلاد الله ~~قحطا وجدبا، كما قال {ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك ~~المحرم} [إبراهيم: 37]. # وحيث اختلفت الأقوال فالمرجع إلى ما صح سنده من كلام رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، أو من كلام أصحابه رضوان الله عليهم، فقد أخرج الإمام ~~أحمد ومسلم والنسائي، عن جابر مرفوعا "إن إبراهيم حرم مكة، وإني حرمت ~~المدينة ما بين لابتيها، فلا يصاد صيدها، ولا يقلع عضاهها"، وفي رواية ~~لمسلم عن رافع بن خديج مرفوعا: "إن إبراهيم حرم مكة وإني أحرم ما بين ~~لابتيها" يعني: المدينة، وقد ورد في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم: # "إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض" بغير تحريم منه على لسان أحد ~~من أنبيائه ورسله، فالله تعالى جعل مكة حرما حين خلقها وأنشأها، ولكن بمنع ~~من أرادها بسوء، وبدفعه عنها من الآفات والعقوبات، وعن ساكنيها ما أحل ~~بغيرها من النقمات، فلم يزل ذلك أمرها حتى بوأها الله إبراهيم خليله، وأسكن ~~بها أهله هاجر وولده إسماعيل، فسأل حينئذ إبراهيم ربه إيجاب فرض تحريمها ~~على عباده على لسانه، ليكون ذلك سنة لمن ms300 بعده من خلقه، يستنون به فيها، إذ ~~كان تعالى ذكره قد اتخذه خليلا، وأخبره أنه جاعله للناس إماما يقتدى به، ~~فأجابه ربه إلى ما مسألة، وألزم عباده حينئذ فرض تحريمه على لسانه، فصارت ~~مكة - بعد أن كانت ممنوعة بمنع الله إياها، بغير إيجاب الله فرض الامتناع ~~منها على عباده، ومحرمة بدفع الله عنها، بغير تحريمه إياها على لسان أحد من ~~رسله- فرض تحريمها على خلقه على لسان خليله، وواجب على عباده الامتناع من ~~استحلالها واستحلال صيدها وعضاهها بإيجابه الامتناع عن ذلك ببلاغ إبراهيم ~~رسالة الله إليه، بذلك إليهم. فلذلك أضيف تحريمها إلى إبراهيم، فقال: رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله حرم مكة"، لأن فرض تحريمها الذي ~~ألزم الله عباده PageV01P342 ### || CHECK مبحث في معنى تخصيص الرزق بالثمرات ### || CHECK اتباع الرزق بالأمن في قوله تعالى: {وارزق أهله من الثمرات} # على وجه العبادة له به- دون التحريم الذي لم يزل متعبدا (¬1) لها به على ~~وجه الكلاءة والحفظ لها قبل ذلك- كان عن مسألة إبراهيم ربه إيجاب فرض ذلك ~~على لسانه، [وهو الذي] (¬2) لزم العباد فرضه دون غيره، وإلى هذا مال ابن ~~جرير، وأقره، وبه يندفع عن الأحاديث الواردة ما يظن أنه متناقض من قوله: ~~"إن إبراهيم حرم مكة"، "وإن الله حرم مكة". # ولما ذكر تعالى الأمن أتبعه الرزق فقال {وارزق أهله من الثمرات من آمن ~~منهم بالله واليوم الآخر} وذلك أن إبراهيم لما بنى البيت في أرض مقفرة، ~~وكان حال من يتمدن من الأماكن يحتاج فيه إلى ماء يجري، ومزرعة يمكن فيها ~~القطان بالمدينة، دعا الله للبلد بالأمن، وبأن تجبى له الأرزاق، فإنه إذا ~~كان البلد ذا أمن، أمكن وفود التجار إليه لطلب الربح، ولما سمع في الإمامة ~~قوله تعالى: {لا ينال عهدي الظالمين} قيد هنا من سأل له الرزق، فقال: {من ~~آمن منهم بالله واليوم الآخر} والضمير في {منهم} عائد إلى {أهله}، دعا ~~لمؤمنهم بالأمن والخصب، لأن الكافر لا يدعى له بذلك، ألا ترى أن قريشا لما ~~طغت دعا عليها رسول الله - صلى ms301 الله عليه وسلم -، فقال: "اللهم اشدد وطأتك ~~على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف" (¬3) وكانت مكة إذ ذاك قفرا لا ماء ~~فيها ولا نبات، كما قال: {بواد غير ذي زرع} [إبراهيم: 37]، فبارك الله فيما ~~حولها كالطائف وغيره، وأنبت الله فيها أنواعا من الثمر، قال البرهان ~~البقاعي في تفسيره: قال: {من الثمرات} ولم يقل: من الحبوب، لما في تعاطيها ~~من الذل المنافي للأمن، لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، رأى سكة ~~حرث فقال: "ما دخلت هذه بيتا إلا ذل" (¬4) انتهى. # أقول: الدليل لا يفيد المدعى، لأن الحبوب كما تحتاج إلى السكة للحرث PageV01P343 ### || CHECK إجابة الله تعالى لدعاء إبراهيم - عليه السلام - # كذلك الأشجار تحتاج إليها، بين الاحتياج القليل أو الكثير، فمن أين جاءه ~~التخصيص، وأيضا فإن الثمرات مفردة ثمرة، وحكى صاحب "البصائر" عن ابن عباس: ~~أن الثمر أنواع المال، وقال في "القاموس": الثمر محركة حمل الشجر، وأنواع ~~المال. وقرأ أبو عمرو بن العلاء: "وكان له ثمر" وفسره بأنواع المال كذا في ~~"الصحاح"، وقال: الأزهري في "التهذيب"، قال مجاهد في قوله تعالى: {وكان له ~~ثمر} [الكهف: 34] ما كان في القرآن من ثمر فهو المال، فدل كلام أهل اللغة، ~~على أن الثمر يكون في بعض الاستعمالات عاما في ثمر الأشجار والحبوب، وصنوف ~~المال، وساعدهم على هذا النقل عن سلف المفسرين، والمقام هنا مقام دعاء ~~بالغذاء، والحبوب أهم من الثمار في الغذاء، فينبغي أن يفسر دعاء إبراهيم ~~هنا بما هو أعم من ثمر الأشجار، ليكون شاملا للحبوب ولأصناف المال الذي ~~تحتاج إليه المدنية، ولا تقوم إلا به. # وقوله: {ومن كفر} عطف على {من آمن}، والمعنى وأرزق من كفر، فأمتعه قليلا، ~~لأني أرزق البر والفاجر، قال أبي بن كعب: هو قول الرب جل ذكره، وروي عن ابن ~~عباس: أنه من قول إبراهيم عليه السلام، والصواب من التأويل قول أبي رضي ~~الله عنه. # والمعنى: قال الله: يا إبراهيم قد أجبت دعوتك، ورزقت مؤمني هذا البلد ~~وكفارهم، متاعا لهم إلى بلوغ آجالهم، ثم أضطر كفارهم بعد ms302 ذلك إلى النار، ~~أي: فأجعل ما أرزقه الكافر من ذلك، في حياته متاعا يتمتع به إلى وقت مماته، ~~ودليل صحة هذا القول أن الله تعالى إنما قال ذلك لإبراهيم، جوابا لمسألته ~~ما سأل من رزق الثمرات لمؤمني أهل مكة، فكان معلوما بذلك أن الجواب، إنما ~~هو فيما سأله إبراهيم لا في غيره، وقوله: {ثم أضطره} أي: أسوقه {إلى عذاب ~~النار}، والاضطرار الإكراه والإلجاء، أي: أدفعه إلى العذاب، وأسوقه سحبا ~~وجرا على وجهه، {و} ساء {المصير}، عذاب النار بعد الذي كانوا فيه من متاع ~~الدنيا الذي متعتهم فيها، و {المصير} هو: الموضع الذي يصير إليه الكافر ~~بالله في عذاب النار، وفي الآية بيان أن نعمة المؤمن في الدنيا موصولة ~~بالنعمة في الآخرة، PageV01P344 ### || CHECK وصف لبناء البيت مع ذكر ماهية هذا البيت # بخلاف الكافر فإن نعمته في الدنيا تنقطع عند الموت، وتتخلص منه إلى ~~الآخرة. # ولما ذكر الله تعالى بما مهده من أمر البيت دينا ودنيا، أتبعه ببنائه ~~مشيرا إلى ما حباهم به من النعم وما قابلوه به من كفرها، باختيارهم لأن ~~يكونوا من غير الأمة المسلمة فقال تعديدا لوجوه النعم على العرب (¬1)، ~~بأبيهم الأعظم استعطافا إلى التوحيد: # {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت ~~السميع العليم (127) ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا ~~مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم (128) ربنا وابعث فيهم رسولا منهم ~~يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم ~~(129)}. # جملة {وإذ يرفع} معطوفة على ما قبلها، و {يرفع} حكاية حال ماضية، و ~~{القواعد} جمع قاعدة وهي الأساس والأصل لما فوقه، وهي صفة غالبة، ومعناها: ~~الثابتة، ورفع الأساس: البناء عليها، لأنها إذا بني عليها نقلت من هيئة ~~الانخفاض إلى هيئة الارتفاع، وتطاولت بعد التقاصر، ويجوز أن يكون المراد ~~بالقواعد سافات البناء، لأن كل ساف قاعدة للذي يبنى عليه، ويوضع فوقه، ~~ومعنى: رفع القواعد، رفعها بالبناء، لأنه إذا وضع سافا فوق ساف فقد رفع ~~السافات، ويجوز أن يكون ms303 المعنى: {وإذ يرفع إبراهيم} ما قعد {من البيت}، أي: ~~استوطأ، يعني: جعل هيئة القاعدة المستوطأة مرتفعة عالية بالبناء. # وقد أطال المفسرون هنا، فذكروا ماهية هذا البيت، وقدمه وحدوثه، ومن أي ~~شيء كان بابه، وكم مرة حجه آدم، ومن أي شيء بناه إبراهيم، ومن ساعده على ~~البناء، وذكروا قصصا كثيرة واستطردوا من ذلك للكلام في البيت المعمور، وفي ~~طول آدم والصلع الذي عرض له ولولده، وفي الحجر الأسود، وطولوا في PageV01P345 ### || CHECK اقتران الدعاء بالعمل إشعارا واعترافا بالتقصير # ذلك بأشياء لم يتضمنها القرآن ولا الحديث الصحيح، وبعضها يناقض بعضا، ~~وذلك على جري عاداتهم في نقل ما دب وما درج، ولا ينبغي أن يعتمد إلا على ما ~~صح في كتاب الله وسنة رسوله. # والصواب: أن {إسماعيل} عليه السلام كان مشاركا لإبراهيم في البناء، كما ~~أخبر الله تعالى بذلك، فلا عبرة يقول من نفى مشاركة إسماعيل له. # ثم وصل بهذا العمل الشريف قوله: {ربنا} مرادا فيه القول، محذوفا منه ياء ~~النداء الدالة على البعد، أي: يقولون: {ربنا تقبل منا} عملنا بفضلك، ولا ~~ترده علينا، إشعارا بالاعتراف بالتقصير لحقارة العبد، وان اجتهد في جنب ~~عظمة مولاه، ولما تضمن سؤال القبول المشعر، بخوف الرد، علم الناقد البصير ~~بالتقصير علله بقوله: {إنك أنت السميع} لدعائنا، {العليم} بنياتنا ~~وضمائرنا، وفي هذا الدعاء دليل واضح على أن بنائهما ذلك لم يكن مسكنا ~~يسكنانه، ولا منزلا ينزلانه، بل هو دليل على أنهما بنياه ورفعا قواعده، لكل ~~من أراد أن يعبد الله، تقربا منهما إلى الله بذلك، ولذلك قال: {ربنا تقبل ~~منا} ولو كانا بنياه مسكنا لأنفسهما، لم يكن لقولهما {تقبل منا} وجه مفهوم، ~~لأنه كان يكون لو كان الأمر كذلك سائلين أن يتقبل منهما، ما لا قربة فيه ~~إليه، وليس موضعهما مسألة الله قبول ما لا قربة إليه فيه. # ولما سألا القبول، سألا الزيادة عليه بقولهما: {ربنا واجعلنا مسلمين لك} ~~مخلصين لك أوجهنا، من قوله تعالى: {أسلم وجهه لله} [البقرة: 112، والنساء: ~~125] أو مستسلمين، أي خاضعين مذعنين، والمعنى: زدنا إخلاصا أو ms304 إذعانا لك، ~~ولم يريدا بقولهما: {واجعلنا مسلمين لك}، حقيقة الإسلام بل أرادا والله ~~أعلم: الدعاء بالدوام، كما في {اهدنا الصراط المستقيم (6)} [الفاتحة: 6] ~~واشارة إلى أن الإسلام لما كان ظاهر الدين كان سريع الانثلام، لأجل مضايقة ~~أمر الدنيا، وإنما يتم الإسلام بسلامة الخلق من يد العبد ولسانه، والإلقاء ~~بكل ما بيده لربه، وذلك مما ينازع فيه وجوه النفس، ومتضايق الدنيا، كان هو ~~مطلبا لأهل PageV01P346 ### || CHECK معنى قوله تعالى: {وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم} ### || CHECK دعاء إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام لذريتهما # الصفوة في خاتمة العمر، ليكون الخروج من الدنيا عن اللقاء للحق وسلام ~~للخلق، كما قال يوسف عليه السلام: {توفني مسلما} [يوسف: 101]. # وقوله: {ومن ذريتنا} معناه: واجعل بعض {ذريتنا أمة مسلمة لك}، وإنما خصا ~~بذلك بعض الذرية، لأن الله قد كان أعلم إبراهيم قبل مسألته هذه، أن من ~~ذريته من لا ينال عهده لظلمه وفجوره، فلذلك خصا بالدعوة بعض ذريتهما، وقال ~~السدي: المراد من ذلك البعض: العرب، وهو قول باطل، لأن ذرية إبراهيم العرب ~~وغيرهم، وأيضا فإنه ليس كل العرب من ولد إبراهيم، ولو كان قوله صحيحا لكان ~~يلزم لذلك التخصيص تعميم، ليعم كل العرب، ولا عموم هنا. # وقوله تعالى: {أمة مسلمة لك} معناه: جماعة، وخص ذريته بالدعاء، للشفقة ~~وللحنو عليهم، ولأن في صلاح نسل الصالحين نفعا كثيرا لمتبعهم، إذ يكونون ~~سببا لصلاح من ورائهم، ودل صدر هذا الدعاء، على أن كمال سعادة العبد في أن ~~يكون مسلما لأحكام الله وقضائه وقدره، وأن لا يكون ملتفت المخاطر إلى شيء ~~سواه، ولما كان المسلم مضطرا إلى العلم، قال: {وأرنا مناسكنا} أي: وبصرنا ~~متعبداتنا في الحج، وعرفناها {وتب علينا} أي: أدم توبتنا {إنك أنت التواب} ~~صيغة مبالغة، أي: الرجاع بعباده إلى مواطن النجاة من حضرته، بعدما سلط ~~عليهم عدوهم بغوايته، ليعرفوا فضله عليهم، وعظيم قدرته، ثم أتبعه وصفا هو ~~كالتعليل له، فقال: {الرحيم}. # وقال فخر الدين الرازي، من جملة أوجه ذكرها: لما أعلم إبراهيم أن في ~~ذريته من يكون ظالما عاصيا ms305 لا جرم، سأل ههنا أن يجعل بعض ذريته أمة مسلمة، ~~ثم طلب منه أن يوفق أولئك العصاة المذنبين للتوبة، فقال: {وتب علينا} أي: ~~على المذنبين من ذريتنا، والأب المشفق على ولده، إذا أذنب ولده فاعتذر ~~الوالد عنه، فقد يقول: أجرمت وعصيت، وأذنبت فأقبل عذري، ويكون مراده أن ~~ولدي أذنب فأقبل عذره، لأن ولد الإنسان يجري مجرى نفسه، ثم إن الرازي قوى ~~هذا التأويل، واستدل له، وإنما جنح إلى PageV01P347 ### || CHECK وصف النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - ولشريعته الغراء على لسان إبراهيم - عليه السلام - ### || CHECK الدعوة الثالثة لإبراهيم - عليه السلام - لما فيه خير الآخرة لذريته بعد دعوتي الأمن والخصب في قوله تعالى: {ربنا وابعث فيهم رسولا منهم} # هذا التأويل، لأن الأنبياء معصومون عن الصغائر والكبائر، ولما جوز ~~المعتزلة وقوع الصغائر من الأنبياء، قال الزمخشري مشيا على قاعدتهم: وتب ~~علينا ما فرط منا من الصغائر، واستيفاء هذا البحث محله كتب الكلام، فلا ~~نطيل به ههنا. # ولما دعى ربه بالأمن لمكة، وبالرزق لأهلها، وبأن يجعل من ذريته أمة ~~مسلمة، ختم الدعاء لهم بما فيه سعادتهم دنيا وآخرة فقال: {ربنا وابعث فيهم ~~رسولا منهم} فشمل دعاؤه لهم الأمن والخصب والهداية، فقوله: {ربنا وابعث ~~فيهم}، أي: في الأمة المسلمة التي من ذريتي وذرية ابني إسماعيل، {رسولا ~~منهم} ليكون أرفق بهم، وأشفق عليهم، ويكونوا هم أجدر باتباعه، والترامي في ~~نصره، وذلك الرسول هو محمد - صلى الله عليه وسلم -، فإنه لم يبعث من ~~ذريتهما بالكتاب غيره، فهو دعوة إبراهيم أبي العرب، وأكرم ذريته، ففي ذلك ~~أعظم ذم لهم بعداوته، مع كونه مرسلا لتطهيرهم بالكتاب الذي هو الهدى، وإليه ~~الإشارة بقوله: {يتلو عليهم آياتك} ولذلك كان - صلى الله عليه وسلم - يقول: ~~"أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى" (¬1) ولما طلب بعثة رسول منهم، ذكر ~~لذلك الرسول صفات فقال: {يتلو} أي: يقرأ عليهم آياتك، ويبلغهم ما يوحى إليه ~~من دلائل وحدانيتك، وصدق أنبيائك {ويعلمهم الكتاب}، أي يفهمهم، ويلقي إليهم ~~معانيه، {و} يعلمهم {الحكمة}، أي: الشريعة وبيان الأحكام، وكل أمر يشرعه ms306 ~~لهم، فيحفظهم في سبيل معاشهم ومعادهم، من الزيغ المؤدي إلى الضلال الموجب ~~للهلاك، وقوله {ويزكيهم} أي يطهر قلوبهم بما أوتيه من دقائق الحكمة، فيرتقي ~~بصفائها ولطفها من ذروة الدين إلى محل يؤمن عليها فيه أن ترتد على أدبارها، ~~وتحرف كتابها كما فعل من تقدمها، والتزكية: إكساب الزكاة، وهي نماء النفس ~~بما هو لها بمنزلة الغذاء للجسم، ثم علل بقوله: {إنك أنت العزيز} أي: الذي ~~يغلب كل شيء ولا يغالبه شيء، {الحكيم} الذي يتقن ما أراد، فلا يتأتى نقضه، ~~ولا متصف بشيء من ذلك غيرك، وفي ذلك إظهار عظيم لشرف العلم، وطهارة ~~الأخلاق، وأن ذلك لا PageV01P348 ### || CHECK توبيخ من الله تعالى لليهود والنصارى والمشركين لإنكارهم واستبعادهم النبوة عن سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - # ينال إلا بمجاهدات لا يطيقها البشر، ولا تدرك أصلا إلا بجد تطهره العزة، ~~وترتيب أبرمته الحكمة، هذا لمطلق ذلك، فكيف بما يصلح منه للرسالة، وفيه ~~إشارة إلى أنه يكبت أعداء الرسل، وإن زاد عددهم، وعظم جدهم، ويحكم أمورهم، ~~فلا يستطيع أحد نقض شيء منها. # ودلت الآية على أنه سيكون في تلك الذرية الإبراهيمية الإسماعيلية جهال لا ~~حكمة فيهم، ولا كتاب، وأن الشرك ينجسهم، كما قال تعالى: {إنما المشركون ~~نجس} [التوبة: 28]، وأنه تعالى يبعث فيهم رسولا منهم يطهرهم، ويجعلهم حكماء ~~الأرض بعد جهلهم. # ولما ذكر إبراهيم عليه السلام ما ذكر في الآيات السابقة، عجب الناس فقال: # {ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه ~~في الآخرة لمن الصالحين (130)}. # هذه الآية توبيخ لليهود وللنصارى، ولمشركي العرب، وإنكار واستبعاد لأن ~~يكون في العقلاء من يرغب عن الحق الواضح الذي هو ملة إبراهيم، وذلك لأن ~~اليهود إنما يفتخرون به ويتوصلون بالوصلة التي بينهم وبينه، من نسب ~~إسرائيل، والنصارى ليس افتخارهم إلا بعيسى، وهو منتسب من جانب الأم إلى ~~إسرائيل، وأما قريش، فإنهم إنما نالوا كل خير في الجاهلية بالبيت الذي ~~بناه، فصاروا لذلك يدعون إلى كتاب الله وسائر العرب وهم العدنانيون، مرجعهم ~~إلى إسماعيل، وهم ms307 يفتخرون على القحطانيين بإسماعيل بما أعطاه الله من ~~النبوة، فرجح عند التحقيق افتخار الكل بإبراهيم عليه السلام. # ولما ثبت أن إبراهيم هو الذي طلب من الله بعثة هذا الرسول، وهو الذي تضرع ~~إلى الله في تحصيل هذا المقصود، فالعجب ممن أعظم مفاخره وفضائله الانتساب ~~إلى إبراهيم، ثم إنه لا يؤمن بالرسول الذي هو دعوته، ومطلوبه PageV01P349 ### || CHECK معنى قوله تعالى: {إلا من سفه نفسه} ### || CHECK المراد بالملة في قوله تعالى: {ومن يرغب عن ملة إبراهيم} # بالتضرع، لا شك أن هذا مما يستحق أن يتعجب منه، ف {من} من قوله تعالى: ~~{ومن يرغب} اسم استفهام إنكاري، ولذلك دخلت إلا بعد، والمعنى: لا أحد {يرغب ~~عن ملة إبراهيم}، التي هي دعاؤه وتضرعه إلى الله، وطلبه منه بعثة هذا ~~الرسول ونصرته وتأييده ونشر شريعته. # ولما سلم اليهود والنصارى والعرب كون إبراهيم محقا بمقاله، وجب عليهم ~~الاعتراف بنبوة هذا الشخص، وذلك لأن هذا الخبر المخبر عن دعاء إبراهيم ~~بإرسال ذلك الرسول، شاع بين تلك الأمم، ولم ينكره منكر منهم، فدل على أنهم ~~سلموه، وليس المراد بال {ملة} هذه عين ما جاء به الرسول، لأنه يرد عليه ~~حينئذ أن يقال: إن ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - لا يخلو، إما أن ~~يكون عين ملة إبراهيم في الأصول، أعني: التوحيد والنبوة ورعاية مكارم ~~الأخلاق، وفي الفروع أيضا، أو أنها عينها في الأصول فقط؟ وأيا ما كان فهما ~~يختلفان في فروع الشرائع، وكيفية الأحكام. # والمختار: أن الملة هنا هي الأصول التي لا تختلف بمر الأعصار، وكر ~~الدهور، وهي الدعاء إلى توحيد الله وحده، وترك عبادة الأوثان والأصنام، ~~ونفي التجسيم الذي تدعيه اليهود، والحلول والتثليث الذي تدعيه النصارى، ~~وعبادة الأصنام والأوثان التي عكف عليها العرب، قال تعالى: {ثم أوحينا إليك ~~أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا} [النحل: 123]. # وقوله تعالى: {إلا من سفه نفسه} معناه: امتهنها واحتقرها، واستخف بها، ~~أي: فعل بها ما أدى إلى ذلك، وقال الشيخ عبد العزيز الديريني في كتابه ~~"التيسير": # سفة أي: ضيع، قدر جنسه ms308 ... والنفس (¬1) قل: تقديره في نفسه # وقيل: [أي] (¬2) أهلكها، وقل: جهل ... فهو على المفعول منصوبا حمل PageV01P350 ### || CHECK بيان الوصية التي وصى بها إبراهيم - عليه السلام - ### || CHECK معنى قوله تعالى: {إذ قال له ربه أسلم} الآية ### || CHECK بيان أن مخالفة محمد - صلى الله عليه وسلم - مخالفة لإبراهيم - عليه السلام - # يريد أن قوله: {نفسه}، اختلف في إعرابه، فقيل: مفعول به، وقال الكوفيون: ~~منصوب على التمييز، لأنه جار مجرى الإضافة فلا تؤثر فيه الإضافة، على حد: ~~وطبت النفس، وهذا الوجه اختاره ابن جرير في تفسيره، وهو كوفي المذهب، ~~والأول هو الذي اختاره أبو حيان في البحر. # ولما حكم تعالى بسفاهة من رغب {عن ملة إبراهيم}، بين السبب فقال: {ولقد ~~اصطفيناه في الدنيا} أي: اخترناه للرسالة من دون سائر الخليقة، وعرفناه ~~الملة التي هي جامعة للتوحيد والعدل والشرائع، والإمامة الباقية إلى قيام ~~الساعة، فليحقق كل ذي لب وعقل أن الراغب عن ملته سفيه، وأن من خالف ما جاء ~~به محمد - صلى الله عليه وسلم -، فهو لإبراهيم مخالف، ومن خالف إبراهيم ~~خالف الله تعالى. # ولما بين عظم منزلته في الدنيا، بين عظمها في الأخرى فقال: {وإنه في ~~الآخرة لمن الصالحين} قال ابن عباس: {لمن الصالحين} أي: الأنبياء، وقال ~~غيره: أي: الواردين في موارد قدسه، والحالين مواطن أنسه. # ولما حكم تعالى بسفاهة من رغب عن ملة إبراهيم بين السبب فقال: {إذ قال له ~~ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين} [البقرة: 131]. أي: {قال له ربه} أخلص لي ~~العبادة واخضع لي بالطاعة، قال مجيبا لربه: خضعت بالطاعة، وأخلصت العبادة ~~لمالك جميع الخلائق ومدبرها دون غيره، وكان ذلك من بعد ما امتحنه بالكواكب ~~(¬1)، والشمس، والقمر، ثم قال: {ياقوم إني بريء مما تشركون (78) إني وجهت ~~وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين (79)} [الأنعام: ~~78 - 79] وفي الآية التفات، إذ لو جرى على الكلام السابق لكان: إذ قلنا له أسلم. # ثم ذكر تعالى نوعا آخر من الأمور المستحسنة التي حكاها عن إبراهيم، فقال: PageV01P351 # {ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يابني إن ms309 الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن ~~إلا وأنتم مسلمون} [البقرة: 132]. # أي: {ووصى بها} أي: بهذه الكلمة، أعني بقوله: {أسلمت لرب العالمين}، ~~{بنيه} عهد إليهم بذلك، وأمرهم به، {و} وصى بها من بعده {يعقوب} بنيه أيضا، ~~وقال المهدوي: ضمير {بها} عائد على ال {ملة}، وهذا القول أجمع من عوده على ~~الكلمة، إذ الكلمة بعض الملة، ومعلوم أنه لا يوصي إلا بما كان أجمع للفلاح ~~والفوز في الآخرة، والأول مختار ابن جرير. والوصية هي: المتقدم في الشيء ~~النافع المحمود عاقبته. # وقوله: {يابني} على إضمار القول عند البصريين، أي: قالا: {يابني}، فيكون ~~القول محذوفا. وعند الكوفيين، يتعلق ب {وصى} لما فيه من معنى القول: {إن ~~الله اصطفى لكم الدين} أي: أعطاكم الدين الذي هو صفوة الإيمان، وهو دين ~~الإسلام، ووفقكم للأخذ به، {فلا تموتن} أي: فلا يكن موتكم إلا على حال ~~كونكم ثابتين على الإسلام، فالنهي في الحقيقة عن كونهم على خلاف حال ~~الإسلام، إذا ماتوا، فإن موتهم على غير حال الإسلام موت لا خير فيه، وليس ~~هو موت السعداء، وأدخل الألف واللام في {الدين}، لأن الذين خوطبوا بتلك ~~الوصية كانوا عارفين له ومتدينين به، ومعنى: {فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون} ~~لا تفارقون هذا الدين أيام حياتكم لأنكم لا تدرون متى تأتيكم مناياكم حتى ~~تموتوا عليه. # وقد اشتملت هذه الجملة على لطائف منها الوصية، ولا تكون إلا عند خوف ~~الموت، ففي ذلك ما كان عليه إبراهيم من الاهتمام بأمر الدين حتى {وصى به. . ~~بنيه}، ومنها اختصاصه بنيه، ولا يختصهم إلا بما فيه سلامة عاقبتهم، ومنها ~~أنه عمم بنيه ولم يخص أحدا منهم، ومنها إطلاق الوصية، ولم يقيدها بزمان ولا ~~مكان، ثم ختمها بأبلغ الزجر أن يموتوا غير مسلمين ثم التوطئة لهذا النهي ~~والزجر بأن الله هو الذي اختار لكم دين الإسلام. PageV01P352 ### || CHECK مبحث في حقيقة أم في قوله تعالى: {أم كنتم} ### || CHECK لمن الخطاب في قوله تعالى: {أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت} ### || CHECK تأكيد الحجة على اليهود والنصارى بأن وصية إبراهيم ms310 - عليه السلام - هي ذاتها قد وصى بها يعقوب بنيه # ولما حكى تعالى عن إبراهيم أنه بالغ في وصيته بنيه بالدين والإسلام، ذكر ~~عقيبه أن يعقوب وصى بنيه بمثل ذلك، تأكيدا للحجة على اليهود والنصارى، ~~ومبالغة في البيان، فقال: # {أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا ~~نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون ~~(133) تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا ~~يعملون} [البقرة: 133 - 134]. # {أم} هنا منقطعة متضمنة معنى "بل"، ومعنى الهمزة فيها الإنكار، أي: بل ما ~~{كنتم شهداء}، والشهداء جمع شهيد بمعنى الحاضر أي: ما {كنتم} حاضرين يعقوب ~~{إذ} حضره {الموت}، أي: حين احتضر، والخطاب للمؤمنين بمعنى: ما شاهدتم ذلك، ~~وإنما حصل لكم العلم به من طريق الوحي. وقيل: الخطاب لليهود، وهو قول ~~السدي، واختاره ابن جرير وغيره، وهو الأولى عندي، وذلك لأنهم كانوا يقولون: ~~ما مات نبي إلا على اليهودية، إلا أنهم لو شهدوا وسمعوا ما قاله لبنيه وما ~~قالوه، لظهر لهم حرصه على ملة الإسلام، ولما ادعوا عليه اليهودية، فالآية ~~منافية لقولهم، فكيف يقال لهم: {أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت}؟ ولكن ~~الوجه أن {أم} متصلة على أن يقدر قبلها محذوف، كأنه قيل: أتدعون على ~~الأنبياء اليهودية، {أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت}، يعني: أن أوائلكم ~~من بني إسرائيل كانوا مشاهدين له، إذ أراد بنيه على التوحيد وملة الإسلام، ~~وقد علمتم ذلك، فما لكم تدعون على الأنبياء ما هم منه برءاء، هذا ما قاله ~~الزمخشري هنا، وحاصله: أنه جعل {أم} متصلة، وأنه حذف قبلها ما يعادلها، ~~واعترض عليه، وهذا بأنه لم يجز أحد حذف هذه الجملة، ولا يحفظ ذلك لا في شعر ~~ولا في غيره. # وهذا الاعتراض قاله أبو حيان في "البحر"، والقاضي عماد الدين الكندي في ~~تفسيره المسمى ب: "الكفيل" وزاد: أن "أم" المتصلة لا بد أن تقدر ب "أيهما" ~~أو "أيهم"، لأن المستفهم بها يجهل ms311 أحد الشيئين، فيريد تعيينه، وهذا مستحيل ~~في PageV01P353 ### || CHECK تنبيه في أن هذه الآية تمسك بها فريقان ### || CHECK التأكيد في الإيصاء بالسؤال بقوله تعالى حكاية عن يعقوب - عليه السلام -: {ما تعبدون من بعدي} # حق البارئ؛ ورده الدماميني في "شرح المغني" بأنه ما ادعاه من أن حذف ~~المعطوف عليه هنا شاذ غير مقيس، لم أقف عليه إلا من جهته. وقد خرج جماعة ~~على ذلك قوله تعالى: {اضرب بعصاك الحجر فانفجرت} [البقرة: 60] أي فضرب ~~فانفجرت، ولم يتعقبه أحد من الأئمة فيما علمت، وقال ابن مالك في "التسهيل": ~~ويغني عن المعطوف عليه المعطوف بالواو كثيرا وبالفاء قليلا، ولم يذكر وقوع ~~ذلك مع "أم"، وقد نقل ابن هشام في "المغني" كلام الزمخشري، ولم يناقشه فيه ~~بل أقره. # وقوله: {ما تعبدون} أي: أي شيء {تعبدون}، ولفظ {ما} عام في كل شيء، ولو ~~قيل: "من تعبدون" لم يعن إلا أولي العلم وحدهم، ويجوز أن يقال: {ما تعبدون} ~~سؤال عن صفة المعبود، وهذه الوصية وهذا السؤال يدلان على أن شفقة الأنبياء ~~على أولادهم كانت في باب الدين، وهمتهم مصروفة إليه دون غيره. # وقوله: {من بعدي} يريد من بعد موتي، {قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم ~~وإسماعيل وإسحاق} عطف بيان ل {آبائك}، وجعل إسماعيل، وهو عمه من جملة آبائه ~~لأن العم أب، والخالة أم، لانخراطهما في سلك واحد، وهو والإخوة لا تفاوت ~~بينهما. # وقوله: {إلها واحدا}: بدل من {إله آبائك}، أو هو منصوب على الاختصاص، ~~ومعناه: نريد ب {إله آبائك} إلها واحدا، {ونحن له مسلمون}، أي: منقادون ~~خاضعون بالعبودية والطاعة. # تنبيه: حكى الرازي صاحب "المنتخب" أن هذه الآية تمسك بها فريقان: # إحداهما: المقلدون، قالوا: إن أبناء يعقوب اكتفوا بالتقليد، وهو لم ينكره ~~عليهم، فدل أن التقليد كاف. # وثانيهما: التعلمية: قالوا: لا طريق إلى معرفة الله إلا بتعليم الرسول PageV01P354 ### || CHECK معنى قوله تعالى: {تلك أمة قد خلت لها ما كسبت} # والإمام، فإنهم لم يقولوا نعبد الإله الذي دل عليه العقل، بل قالوا: لا ~~نعبد إلا الذي أنت تعبده، وآباؤك تعبده، ms312 وهذا يدل على أن طريق المعرفة ~~التعلم. # وما ذهبوا إليه لا دليل عليه، لأن الآية لم تتضمن إلا الإقرار بعبادة ~~الله، وهو لا يدل على أن ذلك ناشئ عن تقليد ولا تعليم، ولا أنه أيضا ناشئ ~~عن استدلال بالعقل، فبطل تمسكهم بالآية، وإنما لم تتعرض الآية للاستدلال ~~العقلي لأنها لم تجئ في معرض ذلك، لأنه إنما سألهم عما يعبدونه من بعد ~~موته؟ فأحالوه على معبوده ومعبود آبائه، وهو الله تعالى، فكان ذلك أخصر في ~~القول من شرح صفاته تعالى، وأقرب إلى سكون نفس يعقوب، فكأنهم قالوا: لسنا ~~نجري إلا على طريقتك. # وقوله تعالى: {تلك أمة} إشارة إلى الأمة المذكورة التي هي إبراهيم، وما ~~عطف عليه، وبنوهم الموحدون والمعنى: أن أحدا لا ينفعه كسب غيره متقدما كان ~~أو متأخرا، فكما أن أولئك لا ينفعهم إلا ما اكتسبوا، فكذلك أنتم لا ينفعكم ~~إلا ما اكتسبتم، وذلك أنهم افتخروا بأوائلهم، وقد شايعهم في هذه الأمة أناس ~~اتكلوا على الأنساب، وعملوا بأكثر ما حرمه الكتاب، وأبناء العلماء تركوا ~~العلم وادعوا أن ولد العالم لا يكون إلا عالما، كأنهم يقولون بالتناسخ، ~~ويزعم بعضهم أن أرواح آبائهم تمدهم وتلهمهم العلم إلهاما بدون تعلم، وما ~~أقبح هذه الدعوى وما أفظعها. # وقوله تعالى: {ما كسبت} يدل على أن كسب كل واحد مختص به، ولا ينتفع به ~~غيره، وهذا يدل على بطلان التقليد، كما قاله الرازي، إذ لو كان التقليد ~~جائزا لكان كسب المتبوع نافعا للتابع، فكأنه قال: إني ما ذكرت حكاية ~~أحوالهم طالبا منكم أن تقلدوهم، ولكن لتنبهوا على ما يلزمكم، فتستدلوا ~~وتعلموا أن ما كان عليه إبراهيم، وما عطف عليه من الملة هو الحق، وفي الآية ~~رد على اليهود لأنهم يقولون: بأن صلاح آبائهم ينفعهم، ويقولون: إنهم يعذبون ~~في النار لكفر آبائهم باتخاذ العجل. # ولما بين تعالى بالدلائل التي تقدمت صحة دين الإسلام، حكى بعدها أنواعا ~~من شبه المخالفين الطاعنين في الإسلام فقال: PageV01P355 ### || CHECK دعوة اليهود والنصارى التي ما زالت حتى يومنا هذا وما فيها من باطل ms313 # {وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من ~~المشركين}. # أي: أن اليهود {وقالوا} لمحمد - صلى الله عليه وسلم -، ولأصحابه من ~~المؤمنين: {كونوا} يهودا. . {تهتدوا}. وقالت النصارى: {كونوا. . نصارى ~~تهتدوا}، أي: تصيبوا طريق الحق، وهذا معنى قول ابن عباس، فيما رواه عنه ابن ~~إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، أن عبد الله بن صوريا ~~الأعور قال لرسول الله ولأصحابه: ما الهدى إلا ما نحن عليه فاتبعنا يا محمد ~~تهتد، وقالت النصارى: مثل ذلك. فأنزل الله تعالى هذه الآية، فاحتج الله ~~تعالى لنبيه بأبلغ حجة وأوجزها، وأكملها، وعلمها نبيه فقال: يا محمد قل ~~للقائلين لك ولأصحابك هذا القول: تعالوا نتبع {ملة إبراهيم} التي أجمع ~~جميعنا على الشهادة لها بأنها دين الله الذي ارتضاه واجتباه وأمر به، فإن ~~دينه كان الحنيفية المسلمة، وندع سائر الملل التي نختلف فيها، فينكرها ~~بعضنا ويقر بها بعضنا، فإن ذلك - على اختلافه - لا سبيل لنا إلى الاجتماع ~~عليه، كما لنا السبيل إلى الاجتماع على ملة إبراهيم. # وهذه الدعوى التي ادعاها أولئك لم تزل دعواهم إلى يومنا هذا، وإلى ما ~~بعده، ولكن اليهود لما لم يكن لهم شوكة، وكانت عادتهم البخل والشح لم ~~يظهروها، وأما النصارى فإنهم يجاهرون بها، ويرسلون المبشرين لأجلها إلى ~~الأقطار ويصحبونهم بالأموال الطائلة، ويفتحون المدارس في بلاد المسلمين ~~لاتساع تلك الدعوى وبثها، ويؤلفون الكتب في الرد على القرآن وتزييفه على ~~زعمهم، وفي الرد على الدين الإسلامي، ويأخذون الخرافات التي حشاها جهلة ~~المؤلفين في كتبهم، وينسبونها إلى الدين الإسلامي طعنا فيه، ويأتون من حشو ~~أدمغتهم بالخرافات التي ليست من دين الإسلام في شيء، فيقولون لهم: إن ~~النصارى لم ترتق إلا بدينها، فلذلك عظمت دولهم، واهتدوا إلى الاختراعات ~~العجيبة، وأما أنتم معاشر المسلمين، فإن دينكم هو الذي أخركم وجعلكم أحط ~~الأمم قدرا، وأعظمها فقرا، فيروج ذلك على عباد الأوهام. # وأما من يدخل مدارسهم فيكون على ثلاثة أقسام: PageV01P356 ### || CHECK تحقيق الرجوع إلى عبادة الله وحده في قوله تعالى: {بل ملة ms314 إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين} ### || CHECK خطر تلك الدعوة وأثرها على عالمنا الإسلامي، وأنه يجب أن نحمل على عاتقنا أمر محاربتها بكل ما أوتينا من قوة ونحن مسؤولون بذلك أمام الله عز وجل # قسم منهم وهو القليل يتمسك بدينه الإسلامى، لكنه يكون متهاونا بالعبادات ~~وبالتكاليف. # وقسم منهم ينسلخ من الأديان كلها ويأخذ بالزندقة والإلحاد، ويعتقد أن ~~الطبيعة هي الفعال المطلق، وأن لا إله في الوجود. # وقسم يميل إلى النصرانية ميلا لا اتباعا، فيكون مذبذبا بين النطق بكلمة ~~التوحيد، وبين الزندقة والنصرانية. # والذي نشهد الله عليه: أنه ما أضل من ضل إلا جهلة المؤلفين والمدرسين، ~~وبعض أهل العلم الذين يلقون إلى العامة الخرافات التي لم يأت بها قرآن، ولا ~~صح منها شيء عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا عن أصحابه، ولا عن ~~التابعين لهم بإحسان، وإنما هي دسائس من الوثنين والنصارى واليهود، ~~والزنادقة، وأهل التناسخ من القرامطة، ومن كان على شاكلتهم وخصوصا ~~القرامطة، فإنهم كانت لهم دولة، وكان لهم دعاة يلبسون دعوتهم لباس الفلسفة، ~~ويبرزونها في صورة التصوف، ومن دعاتهم من كان واسع التخيل إما بطبعه، وإما ~~باستعمال ما يعين على ذلك، كالحشيشة وأمثالها، فتجرؤوا على تفسير كتاب الله ~~تعالى حتى أخرجوه عن موضوعه، وظهروا بمظهر الفقر والإرشاد، فراج مظهرهم على ~~العوام، وعلى المغفلين من أهل العلم، فقلدوهم في ذلك وشرحوا أقوالهم، ~~وزينوا بها مؤلفاتهم على زعمهم، وراموا اللحاق بمقامات زينها لهم الداعون، ~~فماتوا ولم يصلوا إليها، لأنها خيال في خيال، لا حقيقة لها، حتى جرهم ذلك ~~إلى القول بالاتحاد وطرح التكاليف الشرعية، وقالوا: إن العارف إذا وصل إلى ~~مقام المعرفة سقط عنه التكليف، وما التكليف إلا حجاب بين العبد وبين ربه، ~~وأن الله سبحانه حال في الأشخاص كلها وفي جميع الموجدات، فأنت هو، وهو أنت، ~~فمن المكلف؟ ، هل تكلف ذاته ذاته؟ وهذا هو مقام المعرفة عندهم، لهذا المذهب ~~في زمننا رواج عظيم، حتى عند المغفلين من أعاظم العلماء، فإذا كان النصارى ~~كفروا بالتثليث فهؤلاء جعلوا آلهة لا يحصيها ms315 إلا الله تعالى، هؤلاء أولى ~~بأن يقال لهم: {قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين} [البقرة: ~~135]، قال الديريني الشهير بالدميري في "التيسير": PageV01P357 ### || CHECK معنى قوله تعالى: {قولوا آمنا بالله} الآية # وقل حنيفا مائلا منعدلا ... عن كل غي لم يزل معتدلا # أخذ ما قاله الزمخشري في "الكشاف": الحنيف: المائل عن كل دين باطل إلى ~~دين الحق. وقال القفال: الحنيف لقب لمن دان بالإسلام كسائر ألقاب الديانات، ~~وأصله من إبراهيم عليه السلام. # وتضمنت هذه الآية معنى لطيفا، وذلك كأنه سبحانه قال: إن كان المعول في ~~الدين على الاستدلال والنظر، فقد قدمنا الدلائل، وإن كان المعول على ~~التقليد، فالرجوع إلى دين إبراهيم وترك اليهودية والنصرانية أولى، وقوله ~~{وما كان من المشركين} تعريض بهم وإيذان ببطل دعواهم اتباع إبراهيم، مع ~~إشراكهم بقولهم: عزير ابن الله والمسيح ابن الله. # وقرأ الجمهور {ملة} بالنصب، بإضمار فعل إما على المفعول، أي، بل نتبع ~~{ملة}، وإما على الإغراء، أي: الزموا {ملة}، وقرئ "ملة" بالرفع، على معنى ~~أي: بل الهدى ملة، فتكون "ملة" خبرا لمبتدأ محذوف، و {حنيفا} حال من المضاف ~~إليه، أو من المضاف، على جعل ال {ملة} بمعنى الدين، وعلى التقديرين فالحال لازمة. # ولما أجابهم تعالى بالجواب الجدلي أولا، ذكر بعده جوابا برهانيا، فقال: # {قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ~~ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين ~~أحد منهم ونحن له مسلمون} [البقرة: 136]. # وبيانه: أن الطريق إلى معرفة نبوة الأنبياء ظهور المعجزة عليهم، ولما ظهر ~~المعجز على يد محمد - صلى الله عليه وسلم -، وجب الاعتراف بنبوته، والإيمان ~~برسالته، فإن تخصيص البعض بالقبول، وتخصيص البعض بالرد يوجب المناقضة في ~~الدليل، وأنه ممتنع عقلا، فهذا هو الرد من قوله: {قولوا آمنا} الآية، ومعنى ~~الإيمان المذكور هنا: هو أن نؤمن بأن كل واحد من تلك الشرائع، كان حقا في ~~زمن أتى به، لا أننا نؤمن بكل واحدة منها إذ هي منسوخة، واختلف في المخاطب ~~بتلك ms316 PageV01P358 ### || CHECK ميزة الإسلام الكمال وأنه منتهى سائر الأديان ### || CHECK فائدة في معنى البسط # الآية، فقيل: إنه خطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - ولأمته، وهذا قول ~~الحسن، وجوز الزمخشري أن يكون خطابا للكافرين، أي: قولوا لتكونوا على الحق، ~~وإلا فأنتم على الباطل. # وفي قوله: {وما أوتي النبيون من ربهم} تعميم بعد تخصيص، وقوله: {لا نفرق ~~بين أحد منهم} معناه: لا نؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعلت اليهود والنصارى، ~~أو المعنى: لا نقول: إنهم يتفرقون في أصول الديانات، و {أحد} في معنى ~~الجماعة، ولذلك صح دخول {بين} عليه، إذ هو اسم عام تحته أفراد، وأما ~~الأسباط فقال الخليل: السبط في بني إسرائيل كالقبيلة في العرب، انتهى. # و{الأسباط} الحفدة، وهم حفدة يعقوب عليه السلام، وذراري أبنائه الاثني عشر. # وأنت إذا تأملت هذه الآية والتي قبلها، وجدتهما يشيران إشارة من ألطف ~~الإشارات، ويلفتان إلى معنى من أدق المعاني، ويلوحان إلى أن النصارى ~~واليهود وأمثالهما يدعون إلى دينهما، فلا تطعهما في دعواهما، واتبع دين ~~الفطرة والاستدلال الذي هو دين إبراهيم عليه السلام، حيث استدل بالمصنوعات ~~على الصانع، وذلك مما فطر كل كامل العقل عليه، فأفرد الحق تعالى ~~بالوحدانية، وذلك دين لا يتغير بتغير الأزمان، ولا يختلف بتبدل الأمم ~~واختلاف ألسنتها، ومجيء أمة بعد أمة، وهو الإيمان بالله تعالى إيمانا خاليا ~~مما دسه المبتدعون، وتقوله المتقولون، والإيمان لما أنزله من الكتب إجمالا، ~~وبسائر أنبيائه ورسله الذين أوحى إليهم وأرسلهم إلى الأمم كلهم فإن الإيمان ~~ببعضهم دون البعض، يوقع العالم في الشقاق المؤدي إلى انفراط المدنية الحقة، ~~ويجر من آمن بالبعض إلى التعصب لمن آمن به، حتى يزعم أنه ليس على وجه ~~البسيطة ناس غيره يستحق من الله الوحي إليه. # ولما كانت هذه الأمة أكمل الأمم دينا بشهادة: {اليوم أكملت لكم دينكم} ~~[المائدة: 3] وأن الدين الذي هذا شأنه ينهض بصاحبه إلى الارتقاء في الفكر PageV01P359 ### || CHECK التأمل بقوله تعالى: {قولوا آمنا بالله} # والعمل، لا جرم أمر الله المؤمنين بقوله: {قولوا آمنا بالله} الآية، ~~يدعوهم بها إلى أن يكونوا ms317 في مقدمة الأمم في إصلاح النوع الإنساني كله، ~~الذي لم تبعث به أمة من الأمم قبلهم، بدليل قوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس كافة" (¬1). فكل نبي من ~~الأنبياء كان يبعث إلى إصلاح أمته، ونبينا بعث لإصلاح جميع الأمم، ولا يمكن ~~ذلك الإصلاح إلا بالدين الفطري الأصلي، والتسليم لنبوة سائر أنبياء الله ~~تعالى، من أي أمة كانوا، وفي أي زمان وجدوا. # وهذا المعنى كان نصب أعين الصحابة رضوان الله عليهم، فلذلك جدوا بما ~~كانوا يجدون فيه، ولأجله كان انتهاء سائر الأديان إلى هذا الدين، كما ورد ~~في الحديث: "لو كان موسى حيا لما وسعه إلا اتباعي" (¬2)، وهذا سر ما ورد من ~~أنه - صلى الله عليه وسلم -، صلى بالأنبياء إماما ليلة المعراج، ولذلك كان ~~هذا الدين هو النقطة الجامعة لكل الأمم على السواء، لأن مبناه الإيمان ~~بالله، وهو بلا شك إله السماوات والأرض وما بينهما، والإيمان بسائر رسله ~~الذين أرسلهم إلى الأمم، وعدم التعصب لنبي دون نبي، فأي عذر بعد هذا لهندي ~~أو لصيني أو لإفريقي أو لأوربي، وغيرهم في عدم اتباعهم هذا الحق المبين، ~~والبرهان الطاهر الظاهر، وأي حجة لهم في تعصب كل منهم لتصديق نبي دون نبي. # واعلم: أن من يلاحظ حالة الحياة الاجتماعية العمومية اليوم، ويحصل له ~~إلمام باشتباك المصالح التجارية ببعضها، ويعلم مقدار تأثير الروابط ~~الاقتصادية بين الأمم في وجود الاتفاق، والاتحاد بينها، يعلم تبعا لذلك: أن ~~ذلك التقرب سيكسر من شره التعصبات الدينية الذميمة، ويمحو من بينهم تلك ~~الأحقاد الاعتقادية الموروثة، ولا يمكن للإنسان أن يتخيل نقطة جامعة يرضى ~~بها الكل على السواء، إلا بتصديق كل أمة بأنبياء جاراتها وبكتابها المنزل ~~عليها، فما أبدع الإشارة بقوله تعالى: {قولوا آمنا بالله} الآية. PageV01P360 ### || CHECK مبحث في معنى الصبغة في قوله تعالى: {صبغة الله} ### || CHECK الضمان من الله عز وجل لإظهار الرسول - صلى الله عليه وسلم - في قوله تعالى: {فسيكفيكهم الله} ### || CHECK الترغيب بالإيمان في قوله تعالى: {فإن آمنوا بمثل ما آمنتم ms318 به فقد اهتدوا} # ولو أن العقلاء رجعوا إلى كتب الله المنزلة قبل القرآن، وجردوا وحيها ~~الإلهي مما افتراه عليه أكثر الأمم من الخرافات وخلطوه به من أفكارهم مما ~~لا ينطبق عليه، لوصلوا إلى الدين الفطري، النقي من الشوائب ولما كان الدين ~~الإسلامي الخالي من الخرافات، ومن تقولات الملحدين والمخدوعين بهذه المثابة ~~صح أن يكون هو الناسخ لجميع الأديان قبله، وأنه لا ناسخ له على ممر الزمان، ~~وأنه لا يأتي زمان إلا ويغرس الله تعالى فيه غرسا ينفون عنه تقول الضالين، ~~وإلحاد الملحدين، ولن تزال طائفة من أهله قائمة على الحق لا يضرها من ~~خذلها، ولا من افترى عليها، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك. # ولما بين تعالى الطريق الواضح في الدين، وهو أن يعترف الإنسان بنبوة من ~~قامت الدلالة على نبوته، وأن يحترز في ذلك عن المناقضة، رغبهم بمثل هذا ~~الإيمان، فقال: # {فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق ~~فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم} [البقرة: 137]. # هذا من باب التبكيت لأن دين الحق واحد لا مثل له، وهو دين الإسلام {ومن ~~يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه} [آل عمران: 85]، فلا يوجد إذن دين آخر ~~يماثل دين الإسلام في كونه حقا، حتى إن آمنوا بذلك الدين المماثل له كانوا ~~مهتدين، فقيل: {فإن آمنوا} فأتى ب (إن) التي هي للشك على سبيل الفرض ~~والتقدير، أي: {فإن} حصلوا دينا آخر مثل دينكم، مساويا له في الصحة ~~والسداد، {فقد اهتدوا}، وفيه أن دينهم الذي هم عليه وكل دين سواه مغاير ~~لدين الإسلام، غير مماثل له، لأنه حق وهدى، وما سواه باطل وضلال، {وإن ~~تولوا} عما يقولون لهم، ولم ينصفوا فما {هم} إلا {في شقاق} أي: في مناوأة ~~ومعاندة لا غير، وليسوا من طلب الحق في شيء، {فسيكفيكهم الله}، ضمان من ~~الله لإظهار رسوله عليهم، وقد أنجز تعالى له الوعد في المواطن كلها، وأتى ~~بالسين إشعارا بأن ذلك كائن لا محالة، وإن تأخر إلى حين. PageV01P361 ### || CHECK تعليق: ms319 في الخلفاء والملوك الكثير من الشعراء والأدباء ### || CHECK الاحتجاج بين المسلمين وأهل الكتاب # وقوله: {وهو السميع العليم} وعيد لهم، أي: يسمع ما ينطقون به، ويعلم ما ~~يضمرون من الحسد والغل، وهو معاقبهم عليه، ويصح أنه وعد لرسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، والمعنى: أن الله يسمع ما تدعو به ويعلم نيتك، وما تريده ~~من إظهار دين الحق، وهو مستجيب لك وموصلك إلى مرادك. # ولما ذكر تعالى الجواب الثاني، وهو أن ذكر ما يدل على صحة هذا الدين، ذكر ~~بعده ما يدل على أن دلائل ذلك الدين واضحة، فقال: # {صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون} [البقرة: 138]. # الصبغة: الدين. وهو الفطرة التي فطر الله الناس عليها، فإنها حلية ~~الإنسان، كما أن الصبغة حلية المصبوغ، والعرب تسمي ديانة الشخص لشيء ~~واتصافه به: صبغة، قال بعض شعراء ملوكهم (¬1): # وكل أناس لهم صبغة ... وصبغة همدان خير الصبغ # صبغنا على ذاك (¬2) أبناءنا ... فأكرم بصبغتنا في الصبغ # وقال الراغب: الصبغة إشارة إلى ما أوجده في الناس من بدائه العقول التي ~~ميزنا بها عن البهائم، ورشحنا بها لمعرفته ومعرفة طلب الحق، هو المشار إليه ~~بالفطرة، وسمي ذلك بالصبغة من حيث إن قوى الإنسان إذا اعتبرت جرت مجرى ~~الصبغة في المصبوغ، فكأنه تعالى قال: إن دين الله الذي ألزمكم التمسك به، ~~فالنفع به سيظهر دينا ودنيا، كظهور حسن الصبغة. # والمعنى: أن الله يصبغ عباده بالإيمان، ويطهرهم به من أوساخ الكفر، فلا ~~صبغة أحسن من صبغته، و {صبغة} منصوب انتصاب المصدر المؤكد عن قوله: {قولوا ~~آمنا بالله} وقيل: عن قوله: {ونحن له مسلمون}. وقوله: {ونحن له PageV01P362 ### || CHECK الزجر والتوبيخ في قوله تعالى: {أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى} # {عابدون} أي: خاضعون مستكينون له، غير مستكبرين عن اتباع أمره، والإقرار ~~برسالة رسله، كما استكبرت الأمم غيرنا. # ولما كان ما تقدم مقام احتجاج بين المسلمين وأهل الكتاب، قال تعالى: # {قل أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له ms320 ~~مخلصون} [البقرة: 139]. # أي: {قل} يا محمد لمعاشر اليهود والنصارى، الذين قالوا لك ولأصحابك: ~~{كونوا هودا أو نصارى تهتدوا}، وزعموا أن دينهم خير من دينكم، وكتابهم خير ~~من كتابكم، لأنه كان قبل كتابكم، وزعموا أنهم من أجل ذلك أولى بالله منكم: ~~{أتحاجوننا}؟ أتجادلوننا وتخاصموننا {في} شأن {الله}؟ وترون أنكم أولى ~~بالله منا {وهو ربنا وربكم} بيده الخيرات، وإليه الثواب والعقاب، والجزاء ~~على الأعمال: الحسنات منها والسيئات، فتزعمون أنكم أولى بالله منا من أجل ~~أن نبيكم كان وجوده قبل نبينا، وكتابكم قبل كتابنا، وربكم وربنا واحد، وإن ~~لكل فريق منا عمل واكتسب من صالح الأعمال وسيئها ويجازى فيثاب أو يعاقب، لا ~~على الأنساب، وقدم الدين والكتاب، وما جدالكم هذا إلا تعصب للقومية ~~والجنسية. # ثم قال: {ونحن له مخلصون} أي: موحدون، نخلصه بالإيمان، فلا تستبعدوا أن ~~يؤهل أهل إخلاصه لكرامته بالنبوة. # ولما ذكر سبحانه وتعالى، الاستفهام بقوله: {أتحاجوننا} معاشر اليهود ~~والنصارى؟ أردفه باستفهام آخر فقال: # {أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو ~~نصارى قل أأنتم أعلم أم الله ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله ~~بغافل عما تعملون} [البقرة: 140]. # كأنه قال: {أتحاجوننا. . أم تقولون}؟ وهذا على قراءة {تقولون} بالتاء، ~~وهي قراءة ابن عامر وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم، وقرأ الباقون بالياء PageV01P363 ### || CHECK معنى قوله تعالى: {ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله} ### || CHECK سبة الجهل إلى أهل الكتاب في قوله تعالى: {أأنتم أعلم أم الله} # على أنه إخبار عن اليهود والنصارى، فعلى الأول يحتمل أن تكون {أم} متصلة، ~~وتقديره: بأي الحجتين تتعلقون في أمرنا؟ أبالتوحيد؟ فنحن موحدون، أم باتباع ~~دين الأنبياء؟ فنحن متبعون، وأن تكون منقطعة بمعنى بل أتقولون؟ ! والهمزة ~~للإنكار أيضا، وعلى الثاني تكون منقطعة لانقطاع معناه، بمعنى الانقطاع إلى ~~حجاج آخر غير الأول، كأنه قيل: أ {تقولون إن} الأنبياء كانوا قبل نزول ~~التوراة {هودا أو نصارى}؟ ولما كان قولهم هذا باطلا، أورد الله هذا الكلام ~~في معرض الاستفهام على سبيل الإنكار، والغرض منه ms321 الزجر والتوبيخ، وأن يقرر ~~الله في نفوسهم، أنهم يعلمون أنهم كانوا كاذبين فيما يقولون. # وقوله: {قل أأنتم أعلم أم الله} معناه: إن الله أعلم، وخبره أصدق، وقد ~~أخبر في التوراة والإنجيل، وفي الفرقان على لسان نبيه محمد - صلى الله عليه ~~وسلم -: أنهم كانوا مسلمين مبرئين عن اليهودية والنصرانية، فأخبر تعالى ~~بنقيض ما ادعوه، فإن قالوا ذلك عن ظن، فقد بان لهم خطؤهم، وإن قالوا ذلك عن ~~جحود وعناد، فما أجهلهم وأشقاهم، فإن فائدة الكلام: إما التنبيه، وإما ~~التجهيل. # وقوله: {ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله} إما أن يتعلق {من الله} ب ~~{أظلم}، فالمعنى: لو كان إبراهيم وبنوه، هودا أو نصارى، ثم إن الله كتم هذه ~~الشهادة، لم يكن أحد ممن يكتم شهادة أظلم منه، لأن الظلم من الأعدل أشنع، ~~وإما أن يتعلق ب {كتم}، فالمعنى: لا أحد أظلم ممن عنده شهادة ثم لم يقمها ~~عند الله، وكتمها وأخفاها منه، وإما أن يتعلق ب {شهادة}، كقولك: عندي شهادة ~~من فلان، ومثله {براءة من الله ورسوله} [التوبة: 1]، فالمعنى: ليس أحد أظلم ~~ممن كتم شهادة عنده جاءته من الله، وفيه إشارة إلى أن المؤمنين لا يكتمون ~~ما عندهم من الحق، وشهدوا لإبراهيم بالحنيفية، وتعريض بأن أهل الكتاب قد ~~كتموا شهادات الله، فأنكروا نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم -، وحنيفية ~~إبراهيم، وغير ذلك من تحريفهم. PageV01P364 ### || CHECK بيان أن كل إنسان مسؤول عن عمله، ونهي وزجر لمن يقلد # وقوله: {وما الله بغافل عما تعملون} كلام جامع لكل وعيد، ومن تصور أنه ~~تعالى عالم بسره وإعلانه ولا تخفى عليه خافية، وأنه من وراء مجازاته، إن ~~خيرا فخير، وإن شرا فشر، لا تمضي عليه طرفة عين إلا وهو حذر خائف، ألا ترى ~~أن أحدنا لو كان عليه رقيب من جهة سلطان يعد عليه الأنفاس، لكان دائم الحذر ~~والوجل، مع أن ذلك الرقيب لا يعرف إلا الظاهر، فكيف بالرب الرقيب الذي يعلم ~~السر وأخفى، إذا هدد وأوعد بهذا الجنس من القول؟ # ولما حاج تعالى اليهود والنصارى ms322 في هؤلاء الأنبياء عقب ذلك الحجاج بقوله: # {تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا ~~يعملون}. # لتكون هذه الآية وعظا لهم وزجرا، حتى لا يتكلوا على فضل الآباء، فكل واحد ~~يؤخذ بعمله، وإعلاما لهم، بأنه متى لا يستنكر أن يكون فرضكم عين فرضهم، ~~لاختلاف المصالح، لم يستنكر أن تختلف المصالح، فينقلكم محمد - صلى الله ~~عليه وسلم -، من ملة إلى ملة. # وتدل الآية على أن كل إنسان مسؤول عن عمله، ولا عذر له في ترك الحق، إن ~~توهم أنه متمسك بطريقة من تقدم، لأنهم أصابوا أو أخطؤوا، لا يضر هؤلاء ولا ~~ينفعهم، لئلا يتوهم أن طريقة الدين التقليد. # وفي الآية زجر عظيم لمن جعل التقليد مذهبه، وسار مع قول مقلده كيفما كان، ~~ثم إن أتاه الحق وظهر له الدليل أعرض عنه جانبا، وراغ عنه، وأخذ يؤوله ~~حسبما يريد، ويختار له هواه، ويسلك مسالك أولئك المعاندين، الذين قلدوا ~~أحبارهم ورهبانهم فيما ابتدعوه لهم من الدين، ورتبوه لهم من المفتريات، ~~ولما جاءهم الحق الذي لا مرية فيه وهو القرآن الكريم، أعرضوا عنه اتباعا ~~لقول أحبارهم ورهبانهم، كما أضل هؤلاء من سار سيرهم واتبع طريقتهم، فأعرض ~~عن كتاب الله وسنة نبيه، وحرفه وبدله وساقه نحو هواه، PageV01P365 ### || CHECK الفراغ من تفسير الجزء الأول # {ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور} [النور: 40] وتكرير هذه الآية ~~يدل، والله أعلم، على أنه متى اختلفت الأوقات والأحوال والمواطن، لم يكن ~~التكرار عبثا فكأنه تعالى قال: ما هذا إلا شر، فوصف هؤلاء الأنبياء فيما ~~أنتم عليه من الدين، لا يسوغ التقليد في هذا الجنس، فعليكم بترك الكلام على ~~إبراهيم وما عطف عليه من تلك الأمة، فلها ما كسبت، وانظروا فيما دعاكم إليه ~~محمد - صلى الله عليه وسلم -، فإن ذلك أنفع لكم وأعود عليكم بكل خير، ولا ~~تسألون إلا عن عملكم، {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك ~~رحمة إنك أنت الوهاب} [آل عمران: 8]. # يقول الفقير عبد القادر ms323 بن أحمد بن مصطفى بدران: # إلى هنا انتهى بنا المجال على سبيل الاختصار، في تفسير الجزء الأول من ~~كتاب الله تعالى، مع العجز والتقصير، وكنت ابتدأت به من قبل بسنين تعد ~~بالسبع أو الثمان، فكتبت منه قطعة ثم منعتني عنه موانع، وصرفتني عنه أمور، ~~منها اشتغالي بتهذيب تأريخ الإمام أبي القاسم علي ابن عساكر، الذي يربو ~~تهذيبه عن الثلاثة عشر مجلدا، ومنها بعض مؤلفات اقتضت الضرورة تقديمها، ~~ومنها أشغال تشغل القلب وتعله، ليس هنا مواضع ذكرها، ثم لما فرغت من "تهذيب ~~تأريخ ابن عساكر"، صرفت العناية نحو إتمامه حتى وقع الفراغ منه يوم الجمعة ~~الحادي عشر من شهر شوال سنة خمس وثلاثين وثلاثمئة بعد الألف، أيام كانت نار ~~الحرب مشتعلة في جميع أقطار المعمور، وغلاء ما يحتاجه الإنسان يفوق التصور، ~~والأكدار تصب صبا، وريح التقلبات يعلو على النكباء، فالله حسبنا ونعم ~~الوكيل، وقد خطر لي أن أسمي الكتاب كله "جواهر الأفكار، ومعادن الأسرار، ~~المستخرجة من كلام العزيز الجبار" أسأله تعالى الإعانة على إتمامه بفضله وكرمه. # يتلوه تفسير الجزء الثاني: {سيقول السفهاء من الناس} الآية. PageV01P366 ### || CHECK تفسير الجزء الثاني من تفسير ابن بدران # تفسير بدران الجزء الثاني من جواهر الأفكار ومعادن الأسرار المستخرجة من ~~كلام العزيز الجبار # تأليف العبد الفقير لمولاه المنان عبد القادر بن أحمد بن مصطفى المدعو ~~بابن بدران عفا الله عنه PageV01P367 ### || CHECK سبب نزول قوله تعالى: {سيقول السفهاء من الناس} # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى. # أما بعد: # فأقول: لما بين سبحانه وتعالى الشبهة الأولى، التي ذكرها اليهود والنصارى ~~طعنا في دين الإسلام، بين الشبهة الثانية، وذلك أنه لما كان ادعاؤهم أن ~~أسلافهم على دينهم، لئلا تنتقض دعواهم، أن الجنة خاصة بهم، مع كونه فضولا ~~(¬1) لا سند له يثبت به شيء، محاولة لعدم جواز النسخ، وكان إبطال الله ~~لقولهم، وعيبهم بما أحدثوا في دينهم، وتقريعهم به، ملزوما لأن يكونوا ~~أباحوا لأنفسهم منه ما منعوا خالقهم، وهو لا يسأل عما يفعل، كانوا ms324 أسفه ~~الناس. فعقبه بالتصريح بعيبهم، والتعجيب منهم في إنكارهم لنسخ القبلة، ~~وخفتهم بالاعتراض على ربهم، فقال واصلا له بما قبله على وجه أعم: # {سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله ~~المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} [البقرة: 142]. # لأنهم إذا لم يكونوا يعلمون حقيقة ذلك، فلم يتبعوهم، فلا أقل من أن يكفوا ~~عن غيهم، فكيف وهم عالمون بأنه الحق؟ # وسبب نزول هذه الآية، ما أخرجه البخاري في الصحيح، عن البراء بن عازب، قال: # لما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة، فصلى نحو بيت المقدس ~~ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحب ~~أن يتوجه نحو الكعبة، فأنزل الله: PageV01P369 ### || CHECK معنى قوله تعالى حكاية عن اليهود: {ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها} ### || CHECK معنى السفهاء في قوله تعالى: {سيقول السفهاء من الناس} ### || CHECK فائدة الإخبار بقولهم قبل وقوعه # {قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها} [البقرة: 144]. فقال ~~السفهاء من الناس - وهم اليهود -: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية. # قال في "الكشاف": فإن قلت: أي فائدة في الإخبار بقولهم قبل وقوعه؟ قلت: ~~فائدته أن مفاجأة المكروه أشد، والعلم به قبل وقوعه أبعد من الاضطراب إذا ~~وقع، لما يتضمنه من توطين النفس، وأن الجواب العتيد قبل الحاجة إليه أقطع ~~للخصم، وأرد لشغبه، وقبل الرمي يراش السهم، انتهى. # وعلى هذا المنوال جرى علماء الجدل في مناظرة الخصم، حيث يقولون له: فإن ~~قلت كذا، أو: إن الذي تعارضه بكذا، سيقول كذا، فجوابه كيت وكيت. وهي نكته ~~بديعة أحسن ما يستدل على صحتها بهذه الآية. # و{السفهاء}: جمع سفيه، وهو الذي يعمل لغير دليل، إما بأن لا يلتفت إلى ~~دليل، فلا يتوقف إلى أن يلوح له، بل يتبع هواه، أو يرى غير الدليل دليلا، ~~ويطلق لفظ السفيه على من لا يميز بين ما له وما عليه، ويعدل عن طريق منافعه ~~إلى ما ms325 يضره، ولفظ {السفهاء} هنا عام شامل لأهل الكتاب ولغيرهم، كما يدل ~~عليه قوله: {من الناس} فيعم كل من قال ذلك، لأن الأعداء مجبولون على القدح ~~والطعن، فإذا وجدوا مجالا لم يتركوا مقالا البتة. # وقولهم: {ما ولاهم} أي: ما صرفهم {عن قبلتهم التي كانوا عليها} أكثر ~~المفسرين على أن القبلة المذكورة هي: بيت المقدس، أي: ما صرفهم إلى الكعبة ~~عن بيت المقدس، والقبلة ما يجعل قبالة الوجه، وقيل: إنهم قالوا: حينما ترك ~~التوجه إلى الكعبة في الصلاة، وتحول إلى بيت المقدس، وفي ذلك إشارة، إلى ~~أنه لما انقطعت حججهم، ألقوا هذه الشبهة إلى من اختدعوه من المنافقين، ولم ~~يقدروا أن يواجهوا بها أحدا ممن خالط الإيمان بشاشة قلبه، كما قالوا فيما ~~تقدم: {كونوا هودا أو نصارى} ونحوه، علما منهم بأن المحاج لهم عن المؤمنين ~~من له الحجة البالغة، ولذلك جاء جوابهم استئنافا لجواب من يقول: فما نقول ~~لهم إذا PageV01P370 ### || CHECK معنى قوله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} ### || CHECK كلام المفسرين حول الحكمة من تحويل القبلة # قالوا ذلك؟ فكأنه قال: الجواب: {قل لله المشرق والمغرب}، أي: بلاد المشرق ~~والمغرب والأرض كلها، {يهدي من يشاء} من أهلها {إلى صراط مستقيم}، وهو ما ~~توجبه الحكمة والمصلحة من توجيههم تارة إلى بيت المقدس، وأخرى إلى الكعبة. # قال صاحب "البحر": قد أكثر المفسرون وغيرهم الكلام، في الحكمة التي كان ~~لأجلها تحويل القبلة، بأشياء لا يقوم على صحتها دليل، وعللوا ذلك بعلل لم ~~يشر إليها الشرع، قال: ومن طلب للوصفيات تعاليل، فأحرى بأن يقل صوابه، ~~ويكثر خطؤه. # وأما ما نص الشرع على حكمته، أو أشار، أو قاد إليه النظر الصحيح، فهو ~~الذي لا معدل عنه، ولا استفادة إلا منه، انتهى. # وقد لاح لي احتمال في حكمة استقبال الكعبة على وجه الخطور بالبال، وهو ~~أنه: لما كان مطلع شمس النبوة المحمدية من مكة، وكان هناك مبدأ الشريعة ~~الأحمدية، ومشرق أنوارها، لا جرم أمر الله المؤمنين بالتوجه إلى تلك الجهة ~~في أعظم عباداتهم، وهي الصلاة، ليكونوا متذكرين تلك النعمة ms326 فلا ينسونها، ~~ويحمدون الله عليها بقولهم في افتتاحها: {الحمد لله رب العالمين}، وليظلوا ~~متذكرين أن هذا الدين المبين، من هناك نشأته، ومن تلك البقاع مبدؤه، ~~فيزدادون حبا لمن أتى به، على وجه يقتدون به في أفعاله وأقواله، والله أعلم. # ولما بين استقامة القبلة التي وجههم إليها، عرف أنها وسط لا جور فيها، ~~فأتبع ذلك قوله: # {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم ~~شهيدا} [البقرة: 143]. # الكاف للتشبيه، و"ذا" اسم إشارة، والمشار إليه ما تضمنه قوله: {يهدي من ~~يشاء}. أي: ومثل ذلك الجعل العجيب {جعلناكم أمة وسطا} شبه جعلهم أمة وسطا، ~~بجعلهم على الصراط المستقيم؛ أي: {جعلناكم أمة وسطا}، مثل ذلك PageV01P371 ### || CHECK مبحث في معنى قوله تعالى: {لتكونوا شهداء على الناس} # الجعل العجيب الذي فيه اختصاصكم بالهداية, لأنه قال: {يهدي من يشاء}، فلا ~~تقع الهداية إلا لمن شاء الله. # ويصح أن يكون المعنى: كما خصصناكم بالتوفيق لقبلة إبراهيم وملته، بذلك ~~على من سواكم من أهل الملل، وكذلك خصصانكم ففضلناكم على غيركم من أهل ~~الأديان، بأن {جعلناكم أمة وسطا}، وال {أمة} هي القرن من الناس، والصنف ~~منهم ومن غيرهم، و "الوسط" العدل. # فقد أخرج الإمام أحمد والترمذي والنسائي والحاكم، وصححه عن أبي سعيد ~~الخدري، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في قوله تعالى: {وكذلك ~~جعلناكم أمة وسطا}: {عدلا} (¬1). ورواه ابن جرير عن أبي هريرة؛ ورواه ~~الإمام أحمد والبخاري والترمذي، عن أبي سعيد مرفوعا في حديث طويل، ورواه ~~سعيد بن منصور، وابن ماجه والبيهقي في كتابه "البعث والنشور". وحيث صح هذا ~~التفسير عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلا يعدل عنه إلى غيره. # واحتج جمهور المعتزلة بهذه الآية، على أن إجماع الأمة حجة، قالوا: أخبر ~~الله عن عدالة هذه الأمة وعن خيرتهم، فلو أقدموا على شيء وجب أن يكون قولهم ~~حجة، والكلام على هذه المسألة مستوفى في فن أصول الفقه، وسمي العدل وسطا ~~لأنه لا يميل إلى أحد الخصمين؛ والعدل هو المعتدل الذي لا يميل إلى أحد ~~الطرفين. # وقوله ms327 تعالى: {لتكونوا شهداء على الناس} الآية، معناه {وكذلك جعلناكم ~~أمة} عدولا {شهداء} لأنبيائي ورسلي على أممها بالبلاغ، أنها قد بلغت ما ~~أمرت ببلاغه من رسالاتي إلى أممها، {ويكون} رسولي محمدا {شهيدا} عليكم ~~بإيمانكم به، وبما جاءكم به من عندي، ويدل لهذا ما أخرجه الإمام أحمد، PageV01P372 ### || CHECK تخصيص أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - بالوسطية والشهادة # وعبد بن حميد، والبخاري والترمذي والنسائي والبيهقي في "الأسماء والصفات" ~~وغيرهم عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"يدعى نوح يوم القيامة فيقال له: هل بلغت؟ فيقول: نعم. فيدعى قومه، فيقال ~~لهم: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، وما أتانا من أحد. فيقال لنوح: ~~هل من يشهد لك؟ - وفي لفظ الترمذي - فيقال: من شهودك؟ فيقول: محمد وأمته، ~~فيؤتى بكم تشهدون أنه قد بلغ. فذلك قول الله: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا ~~لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا} ". قال: "والوسط، ~~العدل". وفي رواية: "فتشهدون له بالبلاغ، وأشهد عليكم" قال الترمذي: هذا ~~حديث حسن صحيح. ورواه أحمد والنسائي وابن ماجه والبيهقي، عن أبي سعيد بلفظ: ~~"يجيء النبي يوم القيامة ومعه الرجل، والنبي ومعه الرجلان، وأكثر من ذلك، ~~فيدعى قومه فيقال لهم: هل بلغكم هذا؟ فيقولون: لا. فيقال له: هل بلغت قومك؟ ~~فيقول: نعم. فيقال له: من يشهد لك. فيقول: محمد وأمته. فيقال لهم: هل بلغ ~~هذا قومه؟ فيقولون: نعم، فيقال: وما علمكم؟ فيقولون: جاء نبينا فأخبرنا أن ~~الرسل قد بلغوا" (¬1). فذلك قوله: {وكذلك جعلناكم} الآية. # وقد ورد أن الشهادة تكون في الدنيا كما تكون في الآخرة، فقد أخرج أحمد ~~والبخاري ومسلم والنسائي وأبو داود الطيالسي، عن أنس قال: مروا بجنازة ~~فأثني عليها خيرا، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "وجبت" كررها ثلاثا، ~~ومروا بجنازة فأثني عليها بشر، فقال: "وجبت" وكررها ثلاثا؛ فسأله عمر، ~~فقال: "من أثنيتم عليه خيرا وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شرا وجبت له ~~النار، أنتم شهداء الله في الأرض" (¬2) قالها ثلاثا. ورواه الحاكم وصححه، ~~وزاد في ms328 آخره، ثم تلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: {وكذلك جعلناكم ~~أمة وسطا} الآية. # أخرج أحمد وابن ماجه والطبراني والحاكم في "الكنى"، والدارقطني في PageV01P373 ### || CHECK تبيين العلة في التوجه إلى قبلتين ### || CHECK مبحث في الشهادة # "الأفراد"، والحاكم في "المستدرك"، والبيهقي في "سننه"، عن أبي زهير ~~الثقفي مرفوعا: "يوشك أن تعلموا خياركم من شراركم" قالوا: بم يا رسول الله؟ ~~قال: "بالثناء الحسن، والثناء السيئ، أنتم شهداء الله في الأرض" (¬1). # وأخرج مسلم وأبو داود، عن أبي الدرداء مرفوعا: "لا يكون اللعانون شهداء ~~ولا شفعاء يوم القيامة" والأحاديث في هذا المعنى ليس هنا محل استيعابها. # وحاصل ما أشار إليه قوله تعالى: {لتكونوا شهداء على الناس} أنهم يتحملون ~~الشهادة في الدنيا، لأنهم أثبتوا الحق، عرفوا عنده من القابل ومن الراد، ثم ~~يشهدون بذلك يوم القيامة، كما أن الشاهد على العقود يعرف ما الذي تم وما ~~الذين لم يتم، ثم يشهد به، ثم يشهد بذلك عند الحاكم، وأنهم يشهدون في ~~الدنيا على نحو ما تقدم في حديث أنس. ومن ذلك أن شهادة المتميزين منهم ~~بالعلم، الواصلين إلى رتبة الاجتهاد للحكم، تجعله حكما مجمعا عليه، مبينا ~~الحق للناس، ويؤكد ذلك قوله تعالى: {ويكون الرسول عليكم شهيدا} لأن الإجماع ~~لا ينعقد إلا بمستند من الكتاب والسنة، فيكون الرسول الجائي بهما شهيدا ~~عليهم، يعني: مؤديا ومبينا لمواقع الإجماع. # وقوله تعالى: {أمة وسطا} أي عدولا، يشير إلى أن إجماع الفاسقين ~~والمبتدعين لا يعد إجماعا، ولا يعتبر في الإجماع إلا العدل العارف بما جاء ~~به الرسول. # ولما أعلم تعالى بما سيقول السفهاء، وأوحى إلى نبيه ما يكون الجواب لهم، ~~وبين سر تحويل القبلة، بين علة التوجه إلى قبلتين، فقال: # {وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب ~~على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع ~~إيمانكم إن الله بالناس لرءوف رحيم} [البقرة: 143]. PageV01P374 ### || CHECK مبحث في قوله تعالى: {إلا لنعلم} ### || CHECK أوجه الاختلاف في تفسير قوله تعالى: {وما جعلنا القبلة ms329 التي كنت عليها إلا لنعلم} # فقوله: {وما جعلنا} معناه: ما شرعنا وما حكمنا القبلة التي كنت عليها، ~~أي: كنت معتقدا لاستقبالها؛ فقوله: {التي} وما بعده، ليس صفة للقبلة، وإنما ~~هو ثاني مفعولي "جعل"، يريد {وما جعلنا القبلة} الجهة {التي كنت عليها إلا ~~لنعلم}، الآية. وإلى هذا جنح "الزمخشري"، وتبعه "الرازي"، ولم يرضه صاحب ~~"البحر". فجعل {القبلة} المفعول الثاني، و {التي كنت عليها} المفعول الأول؛ ~~و {جعل} بمعنى صير، وعلل ذلك بأن التصيير هو الانتقال من حال إلى حال، ~~فالمتلبس بالحالة الأولى هو المفعول الأول، والمتلبس بالحالة الثانية هو ~~المفعول الثاني؛ والمعنى على هذا التقدير: # {وما جعلنا} الكعبة {التي} كانت قبلة لك أولا، ثم صرفت عنها إلى بيت ~~المقدس قبلتك الآن، {إلا لنعلم}. # وهنا إعرابات مختلفة، يختلف التفسير باختلافها، فلا محل للإطالة بها، ~~وأيا ما كان فالكلام يقتضي وجهين: # أولهما: أن يكون بيانا للحكمة في جعل الكعبة قبلة؛ وذلك لأنه عليه الصلاة ~~والسلام كان يصلي بمكة إلى الكعبة، ثم أمر بالصلاة إلى بيت المقدس بعد ~~الهجرة، تأليفا لليهود، ثم حول إلى الكعبة فيكون المعنى: وما رددناك إلى ~~الكعبة إلا امتحانا للناس وابتلاء. # وثانيهما: أن يكون بيانا (¬1) للحكمة في جعل بيت المقدس قبلة، فيكون ~~المعنى: أن أصل أمرك أن تستقبل الكعبة، وأن استقبالك بيت المقدس كان أمرا ~~عارضا لغرض، وهو امتحان الناس، ليظهر {من يتبع الرسول}، ومن لا يتبعه وينفر عنه. # ولذلك قال: {إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه} أي: يرتد، ~~فيدبر بعد إقباله منتكسا {على عقبيه}، علما متعلقا بموجود تقوم به الحجة في ~~مجاري عاداتكم، وقال الحرالي: لنجعل علما ظاهرا على الصادق وغيره، PageV01P375 # ليشمل العلم به من علم الغيب قبل كونه، وبعد كونه، ومن لا يعلم الغيب إلا ~~عن علم بما ينبئ عنه نون الاستتباع، فهذا وجهه ووجه ما يرد من نحوه في ~~القرآن والسنة، انتهى. # وأراد بنون الاستتباع: نون "نعلم" لأنها للمتكلم، و "من يستتبعه"، أي: من ~~يكون معه، وقوله: "ووجه ما يرد إلخ"، أي: من مثل ms330 قوله تعالى: {ونحن أقرب ~~إليه} [ق: 16، الواقعة 85] وكل ما أتى فيه بالنون الدالة على المتكلم وعلى ~~غيره، وهذا جواب عما يقال: كيف؟ يقال: لنعلم، ولم يزل عالما بذلك؟ # وحاصل الجواب: أن معنى {لنعلم}، لنجعل علامة، مجاراة لكم على عادتكم، ~~لأنكم لا تعلمون الشيء إلا بعلامة تدل عليه، وهو معنى حسن؛ وأجاب الزمخشري ~~عنه بقوله: معناه لنعلمه علما يتعلق به الجزاء، وهو أن يعلمه موجودا حاصلا. انتهى. # ومعناه: أن الفعل قبل وجوده يستحيل أن يعلمه الله موجودا، فقوله: {إلا ~~لنعلم}، معناه: إلا لنعلمه موجودا: وهذا التأويل مبني على أن علم الله بأن ~~الشيء سيوجد، هل هو علم بوجوده إذا وجد؟ فيه خلاف مشهور عند المتكلمين محله ~~كتب الكلام. # وهنا قول آخر، وهو: إنما قيل: {إلا لنعلم}، وهو بذلك عالم قبل كونه، وفي ~~كل حال، على وجه الترفيق بعباده، واستمالتهم إلى طاعته، على حد قوله: {وإنا ~~أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين} [سبأ: 24] وقد علم أنه "على هدى" وأنهم ~~على {ضلال مبين}؛ ولكنه رفق بهم في الخطاب، فلم يقل: أنا على {هدى}، وأنتم ~~على {ضلال}، وكذلك قوله: {إلا لنعلم} والمعنى: إلا لتعلموا أنتم إذ كنتم ~~جهالا به، قبل كونه، فأضاف العلم إلى نفسه رفقا بخطابهم، وهو معنى حسن. # هذا وقد تظاهرت الأخبار بأنه لما حولت القبلة من بيت المقدس إلى PageV01P376 ### || CHECK تبيين الحكمة في ذلك التحويل ### || CHECK بيان بعض ما ظهرت به الأخبار عند تحول القبلة وفيه تمحيص للمؤمنين # الكعبة، ارتد فيما ذكر رجال ممن كان قد أسلم، وأظهر كثير من المنافقين من ~~أجل ذلك نفاقهم، وقالوا: ما بال محمد، يحولنا مرة إلى ها هنا ومرة إلى ها ~~هنا؟ وقال المسلمون، فيمن مضى من إخوانهم المسلمين، وهم يصلون إلى بيت ~~المقدس: بطلت أعمالنا وأعمالهم وضاعت. وقال المشركون: تحير محمد في دينه، ~~وقال قائلون: لقد اشتاق الرجل إلى بلد أبيه ومولده، فكان ذلك فتنة للناس، ~~وتمحيصا للمؤمنين. # وعندي أن من جملة الحكمة في ذلك التحويل، تعليمنا قاعدة عظيمة من قواعد ~~السياسة؛ ms331 وهي أن الأمير إذا أراد أن يختبر رعيته، أمرهم اليوم بأمر هو ~~أمرهم قبل بخلافه، ولا سيما إذا كان الثاني مخالفا لعادتهم ومألوفهم، ~~يمتحنهم بذلك، ليعلم المطيع منهم، ومن كان مضمرا للمخالفة. فقوله تعالى: ~~{لنعلم} لم يرد حقيقة العلم لنفسه، وإنما أراد به التنزل في الخطاب، ~~ليعلمنا أن السياسة في مبدئها تكون بالمساواة، فنزل سبحانه - تعليما لنا - ~~نفسه منزلة المخاطبين، في كونهم لا يعلمون الأشياء إلا بعد كونها، لا أن ~~المقصود أن هذا الشيء كان غائبا عنه، ثم فعل ذلك ليعلمه، تعالى الله عن ~~ذلك. وهذا يشير إلى المساواة تنزيلا لا حقيقة، وفي هذا من الحكمة والنفع ~~لنا، ما لا يعلمه إلا من أوتي فهما في كتاب الله تعالى، وفقها فيه، ألا ترى ~~أنه تعالى لما أشار إلى هذا، انتقل إلى بيان شدة التحويل، على من أخلد إلى ~~العادة بغلبة القوة الحيوانية البهيمية، ولم يتمرن في الانقياد للأوامر ~~الإلهية على خلع وذل النفس، فقال: {وإن كانت} أي: الجعلة المشار إليها ~~بقولنا: {وما جعلنا القبلة} {لكبيرة} أي: ثقيلة شاقة جدا، لأن مفارقة الإلف ~~بعد طمأنينة النفس إليه، أمر شاق جدا. # ثم استنثى من أيده بروح منه وسكينة فقال: {إلا على الذين هدى الله} أي: ~~جعل الهداية في قلوبهم، فانقادوا لما هداهم إليه بنصب الأدلة؛ أي: إلا ~~الثابتين الصادقين في اتباع الرسول، الذين لطف الله بهم، وكانوا أهلا ~~للطفه، ولما كان قبولهم لهذا الأمر، وثباتهم عند تغير الأحكام، إنما كان عن ~~إيمان وعلم محيط، جعل الله أعمالهم وتوجههم إلى القبلة الأولى من الإيمان، ~~فقال: {وما كان الله PageV01P377 ### || CHECK الفرق بين الرأفة والرحمة في قوله تعالى: {إن الله بالناس لرؤوف رحيم} # ليضيع إيمانكم} أي: المصرح به في قولكم: {آمنا بالله} المشار إلى صدق ~~الدعوى فيه، بقولكم: {ونحن له مخلصون} [البقرة: 139]، في شيء من الأشياء، ~~لا في صلاتكم إلى القبلة الأولى، ولا في تمييز الصادق منكم من المنافق، ~~بالامتحان بتغيير الأحكام من القبلة وغيرها، ولا في اختصاصكم به سبحانه، ~~دون أهل الكتاب الجاحدين لآياته، ms332 الناكبين عن مرضاته، الناكثين لعهوده. # ولما نزه تعالى نفسه المقدسة عن هذه الإضاعة، علل ذلك بما هو أعم، فقال: ~~{إن الله بالناس} كلهم {لرءوف رحيم} أي: راحم لمن يشاء ممن توصل إليه بعمل ~~صالح، رأفة منه به. # وفرق القفال بين الرأفة والرحمة، فجعل الرأفة مبالغة في رحمة خاصة، وهي: ~~دفع المكروه وإزالة الضرر، والرحمة: اسم جامع يدخل فيه هذا المعنى، ويدخل ~~فيه الإفضال والإنعام، ولذلك فرق تعالى بينهما فقال: {لرءوف رحيم}. فالرحيم ~~أعم وأشمل من الرؤوف؛ والمعنى: إن الذين آمنتم به رؤوف رحيم، فكيف يضيع ~~إيمانكم، وهو أيضا باتصافه بهاتين الصفتين، لا ينقلكم من شرع إلى آخر، إلا ~~والثاني أصلح لكم، وأنفع لكم في الدين والدنيا. # وقيل: عنى بالإيمان في هذا الموضع الصلاة، وذلك أنه لما حولت القبلة من ~~بيت المقدس إلى الكعبة، قال المسلمون: ليت شعري عن إخواننا الذين ماتوا وهم ~~يصلون إلى بيت المقدس، هل تقبل الله منا ومنهم أو لا؟ فأنزل الله تعالى: ~~{وما كان الله ليضيع إيمانكم} أي: صلاتكم، فسمى الصلاة إيمانا؛ وهو قول: ~~ابن عباس، والبراء بن عازب، وجماعة من التابعين. واعتمده البخاري في صحيحه، ~~والترمذي في سننه. # ولما أشعر الكلام السابق أهل البلاغة بإحداث أمر في القبلة، فتوقعوا ~~الخبر عن ذلك، وبين رأفته ورحمته بالناس عموما، بين ذلك برسوله، بأن تحويله ~~إلى الكعبة رأفة منه به، ورحمة له، مع ما تقدم من فوائده فقال تعالى: # {قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر PageV01P378 ### || CHECK مبحث في ما روي من أحاديث عن تحويل القبلة ### || CHECK معنى قوله تعالى: {قد نرى تقلب وجهك في السماء} ### || CHECK تبيين الرأفة بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله تعالى: {قد نرى تقلب وجهك في السماء} # المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره وإن الذين أوتوا الكتاب ~~ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون (144)}. # في هذه الآية المصدرة ب {قد نرى} نبأ إسماع لمن يرتقب أمرا أو خبرا، يفيد ~~ذلك النبأ مع ms333 المستقبل ندرة الوقوع، ففيه إعلام بأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، لما انطوى ضميره على إرادة التوجه للكعبة، التي هي قيام للناس، حين ~~كان هو رسولا لكافة الناس، وكان على ملة أبيه إبراهيم، يكتفي بعلم الله به ~~عن مسألته، لأن الدعاء للطالبين قضاء حاجة، وللمكتفين بعلم الله عبادة، ~~أجاب الله: {تقلب وجهك} على قلة وقوع ذلك منه، على ما تشعر به {قد} ~~بالتقليل، للتقلب وللرؤية للسماء، فيه إعلام بما جعله من اختصاص السماء ~~بوجه الداعي، كما اختص غيب القلوب بوجهة المصلي، فالمصلي يرجع إلى غيب ~~قلبه، ولا يرفع طرفه إلى السماء: "لينتهين أقوام عن رفع أبصارهم إلى السماء ~~في الصلاة، أو لتخطفن أبصارهم" (¬1) والداعي يتوجه إلى السماء، انتهى ملخصا ~~من كلام الحرالي. # وفي الحديث عن البراء بن عازب، قال: لما قدم رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - المدينة صلى نحو بيت المقدس ستة أو سبعة عشر شهرا، وكان يحب أن يوجه ~~إلى الكعبة، فأنزل الله: {قد نرى تقلب وجهك في السماء} الآية. وكان يحب ~~ذلك. . الحديث، رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح. ورواه سفيان ~~الثوري، انتهى. # ورواه ابن ماجه أيضا عن البراء، ولفظه: قال البراء: صلينا مع رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - نحو بيت المقدس ثمانية عشر شهرا، وصرفت القبلة إلى ~~الكعبة بعد دخوله المدينة بشهرين، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~إذا صلى إلى بيت المقدس أكثر تقلب وجهه في السماء، وعلم الله من قلب نبيه ~~أنه يهوى الكعبة، فصعد جبريل، فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتبعه ~~بصره، وهو يصعد بين السماء والأرض، ينظر ما يأتيه به، فأنزل الله: {قد نرى ~~تقلب وجهك في السماء} الآية. . الحديث. PageV01P379 # وهذا الحديث رواه الترمذي وإسحاق وابن ماجه، عن أبي إسحاق، عن البراء. ~~وأبو إسحاق معدود في المدلسين، لكن قال الحافظ ابن حجر العسقلاني، في كتاب ~~"الإيمان" من شرحه على البخاري، قد جاء سماع أبي إسحاق عن البراء في غير ~~هذا الحديث، فلا ضعف فيه من تدليس أبي ms334 إسحاق. انتهى. # قلت: وإلى هذه النكتة أشار الترمذي إلى حسن هذا الحديث وصحته، ورواية ابن ~~ماجه حكم عليها الحافظ بالشذوذ، وبيانه أن قوله: صلينا مع رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - نحو بيت المقدس، إلى آخره. يدل على أنه صرفت القبلة إلى ~~الكعبة بعد دخوله المدينة بثمانية عشر شهرا؛ وقوله: وصرفت القبلة إلى ~~الكعبة بعد دخوله إلى المدينة بشهرين، يدل على خلاف ما أفادته الجملة ~~الأولى، وذلك لأن صلاة البراء مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ كانت ~~بعد دخول رسول الله المدينة، إلا أن يقال: أراد بقوله: صلينا، الإشارة إلى ~~صلاة الصحابة مطلقا، ولو بمكة، وهذا مبني على أنه - صلى الله عليه وسلم -، ~~وجه إلى بيت المقدس وهو بمكة، وكان على ذلك بعد دخوله المدينة بشهرين، ثم ~~صرفت القبلة إلى الكعبة، وهذا خلاف المشهور بين الجمهور، قال الحافظ ابن ~~حجر العسقلاني: كان قدومه - صلى الله عليه وسلم - المدينة في شهر ربيع ~~الأول بلا خلاف، وكان التحويل في نصف شهر رجب من السنة الثانية على الصحيح، ~~وبه جزم الجمهور. # وبالجملة فهذه رواية شاذة مخالفة للروايات المشهورة في حديث البراء، فليس ~~منها الجملة الثانية أصلا. وقد حكم الحافظ على هذه الجملة بالشذوذ، وقال: ~~هما من طريق أبي بكر بن عياش، وهو سيئ الحفظ، وقد اضطرب فيه، والجملة ~~الأولى جاءت في بعضها على الشك بين ستة عشر أو سبعة عشر، وفي بعضها الجزم ~~بسبعة عشر، وحديث الترمذي أخرجه البخاري ومسلم والنسائي. # فقوله تعالى: {قد نرى} مضارع بمعنى الماضي. وقد ذكر بعض النحاة: أنا {قد} ~~مما يصرف المضارع إلى الماضي في بعض المواضع، والتقلب: التحول والتصرف. # ويعني بقوله: {في السماء} نحو السماء وقبلها، والمعنى: قد رأينا تحول PageV01P380 ### || CHECK تفسير قوله تعالى: {شطر المسجد} ### || CHECK معنى قوله تعالى: {فلنولينك قبلة ترضاها} # وجهك، وتصرف نظرك في جهة السماء، ترغب نزول الوحي آمرا لك بالتوجه في ~~صلاتك إلى الكعبة، فقد أجبناك إلى ما ترغب فيه، وإنما كان يرغب ذلك لأن ~~الكعبة قبلة إبراهيم أبيه، والتوجه إليها ms335 في الصلاة أدعى للعرب إلى ~~الإيمان، لأنها مفخرتهم ومزارهم ومطافهم، ولمخالفة اليهود، وأيضا فإنه أحب ~~أن يحصل هذا الشرف للمسجد الذي في بلدته ومنشئه، لا في مسجد آخر، ليعلم ~~أمته كيف تكون محبة الوطن، وأن كل فرد منهم ينبغي أن يفكر فيما يعود على ~~محل تربيته ومنشئه بالخير والعمران، ويرغب في ذلك، كما يشير إلى هذا الآيات ~~الحاثة على حسن الجوار، والأحاديث المرغبة فيه، وفي حسن المعاملة للأصحاب ~~والخلان، وغالبا يكونون من موضع المنشأ. # وفي قوله تعالى: {فلنولينك قبلة ترضاها} إذن في ذلك، ودرجه في جملة محاسن ~~هذه الشريعة الغراء، فمن يرغب في ضرر وطنه، فهو من المخدوعين الذين لم ~~يعلموا أسرار ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم -. # وقوله تعالى: {فلنولينك} معناه: فلنعطينك ولنمكننك من استقبال {قبلة ~~ترضاها}، تحبها وتميل إليها لأغراضك الصحيحة التي أضمرتها ووافقت مشيئة ~~الله تعالى وحكمته، فلذلك قال تعالى: {فول وجهك شطر المسجد الحرام} أي: ~~الكعبة، قال الماوردي: كل موضع ذكر فيه المسجد الحرام، فالمراد الحرم، إلا ~~هذا فالمراد به الكعبة. انتهى. # و{شطر المسجد}، منصوب على الظرفية، أي: اجعل تولية الوجه تلقاء المسجد، ~~أي: في جهته وسمته، لأن استقبال عين القبلة فيه حرج عظيم على البعيد، وذكر ~~{المسجد الحرام} دون الكعبة، دليل على أن الواجب مراعاة الجهة دون العين؛ ~~قال أبو العالية: {شطر المسجد} تلقاءه؛ وبه قال ابن عباس ومجاهد وقتادة ~~والربيع والبراء، كما رواه عنهم ابن جرير وأبو داود في ناسخه، والبيهقي ~~وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم وغيرهم، وقال ابن جرير: الشطر ~~النحو والقصد والتلقاء، كما قال الهذلي: PageV01P381 ### || CHECK مبحث في اختلاف الفقهاء في مسألة التوجه شطر الكعبة # إن العسير بها داء مخامرها ... فشطرها نظر العينين محسور (¬1) # يعني بقوله: شطرها، نحوها. وكما قال الراجز: # تعدو بنا شطر جمع وهي عاقدة ... قد كارب العقد من إيفادها الحقبا (¬2) # وقال الشاعر أيضا: # ألا من مبلغ عنا رسولا ... وما تغني الرسالة شطر عمرو (¬3) # أي: نحوه. وتقول العرب: هؤلاء القوم يشاطروننا، إذا كانت بيوتهم ms336 تقابل ~~بيوتهم، وقال على شطره قبله. # ومن هنا نشأ اختلاف العلماء في المسألة؛ فذهب الحنفية والحنابلة والشافعي ~~في أحد قوليه: إلى أن المصلي إن كان معاينا للكعبة، ففرضه الصلاة إلى ~~عينها، وهذا مما لا خلاف فيه؛ حتى قال الإمام أبو الوفاء ابن عقيل البغدادي ~~من الحنابلة: إن خرج بعضه عن مسامتة الكعبة لم تصح صلاته، وإن كان بعيدا ~~عنها، ففرضه التوجه إلى الجهة، واستدل مالك في "الموطأ": على أن الفرض ~~للبعيد الجهة، بما رواه عن نافع، أن ابن عمر قال: ما بين المشرق والمغرب ~~قبلة إذا توجه قبل البيت، وروي هذا عن عثمان وعلي وابن عباس، وما رواه مالك ~~موقوفا، رواه ابن ماجه عن أبي هريرة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"ما بين المشرق والمغرب قبلة"، ورواه الترمذي وصححه. وقال ابن عبد البر: ~~إنما تضيق القبلة على أهل المسجد الحرام، وهي لأهل مكة أوسع، ثم لأهل الحرم ~~أوسع ثم لأهل الآفاق أوسع. انتهى (¬4). # وبنوا على هذا أنه إن انحرف عن القبلة يسيرا لم يعد، ولكن يتحرى الوسط، ~~وقال الشافعي في الرواية الثانية: الفرض إصابة العين. # وأجاب الأولون بأن الحديث: "ما بين المشرق والمغرب قبلة"، وبأنه لو PageV01P382 # كان الفرض إصابة العين، لما صحت صلاة أهل الصف الطويل على خط مستو، ولا ~~صلاة اثنين متباعدين يستقبلان قبلة واحدة، فإنه لا يجوز أن يتوجه إلى ~~الكعبة مع طول الصف إلا بقدرها، فإن قيل: مع البعد يتسع المحاذي، قلنا: ~~إنما يتسع مع تقوس الصف، أما مع استوائه فلا (¬1). # وشطر البيت نحوه وقبله، وأيضا فشطر الشيء ما يقسمه نصفين؛ فكان المسجد ~~الحرام إذا أخذ منه خط مستقيم إلى آخر نصف الكرة، وخط آخر إلى آخر نصفها ~~الآخر فقد قسمها نصفين، كما يقسم الدائرة قطرها نصفين، ولا يلزم منه تساوي ~~المقسومين في المقدار، ولا يفهم من كلام العرب الشطر بمعنى العين. # هذا وذهب ابن جرير الطبري إلى [أن] من ولى وجهه شطر المسجد الحرام، هو ~~المصيب القبلة، وإنما على من توجه إليه النية بقلبه ms337 أنه إليه متوجه. انتهى، ~~فكأنه جمع بين الأقوال، وهو جمع حسن. # قال أبو حيان في "البحر": واستدل مالك من قوله: {فول وجهك شطر المسجد ~~الحرام} على أن المصلي ينظر أمامه لا إلى موضع سجوده، خلافا للثوري ~~والشافعي والحسن بن حي: في أنه يستحب أن ينظر إلى موضع سجوده، وخلافا لشريك ~~القاضي: في أنه ينظر القائم إلى موضع سجوده، وفي الركوع إلى موضع قدميه، ~~وفي السجود إلى موضع أنفه، وفي القعود إلى موضع حجره. انتهى. # قلت: والنظر إلى موضع سجوده هو قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد، خلافا ~~لمالك كما علمته سابقا، وما ذكره مالك حسن ظاهر من الآية. # ولما بشر تعالى نبيه بالتحويل أولا، بقوله: {قد نرى} الآية، وأوقع المبشر ~~به ثانيا بقوله: {فول وجهك شطر المسجد الحرام} أشار إلى بشارة ثالثة بتكثير PageV01P383 ### || CHECK مبحث فيما يترتب على قوله تعالى: {وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره} ### || CHECK بعد البشرى الأولى وهي التحويل أتبعها المولى جل وعز بشرى ثانية وثالثة بقوله تعالى: {فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره} # أمته، ونشرهم في أقطار الأرض، فجمعهم إليه بقوله: {وحيث ما كنتم} من جهات ~~الأرض {فولوا وجوهكم شطره} أي: في وقت صلاتكم، وهذا وإن كان عاما في ~~الأشخاص والأحوال، إلا أن القرائن خصصته بالصلاة. # وقد ذكر كثير من المفسرين هنا أحكام استقبال القبلة، وخلاف الأئمة في ~~ذلك، وإيراد الأدلة ونقضها، مما محله كتب الفروع والخلاف؛ وإننا لا نتعرض ~~في كتابنا لهذا، ولكننا نذكر الأحكام المستنبطة من الآيات خاصة. # وحيث كان الأمر كذلك نقول: إن قوله تعالى: {وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم ~~شطره} يوجب الاستقبال، وقد ثبت عقلا أنه لا سبيل إلى الاستقبال إلى الجهات ~~إلا بالاجتهاد، وثبت بالعقل أن ما لا يتم الوجوب إلا به فهو واجب، لزم ~~القطع بوجوب الاجتهاد، والاجتهاد لا بد وأن يكون مبنيا على الظن، فكانت ~~الآية دالة على التكليف بالظن، فثبت بهذا أن التكليف بالظن واقع في الجملة، ~~ودلت الآية أيضا على وجوب تعلم أدلة القبلة، ms338 وتلك الأدلة مذكورة في كتب ~~أعمال الأسطرلاب والربع المقنطر والربع المجيب، والأعمال الهندسية، وأقرب ~~الكل الآلة المعروفة ببيت الإبرة، فإنها كيفما وضعت انجذب طرف إبرتها إلى ~~القطب الجنوبي والآخر إلى القطب الشمالي، فيحصل من ذلك معرفة الجهات ~~الأربع، هذا إذا كانت غير معروفة بالخطأ، وهذه الطريقة يدركها العالم ~~والجاهل، كما أن الساعة المعروفة في زمننا تعلم منها الأوقات، ويستوي الناس ~~في معرفتها، ولشهرتها وكثرة إصابتها، أغنت عن أخذ الارتفاع بالربعين ~~والأسطرلاب. # وهناك ### || AUTO قاعدة للعالم بفن الميقات # ، وهي أن يؤخذ الجزء الذي يسامت رؤوس أهل مكة، من فلك البروج، وهو (زيح) ~~من الجوزاء، و (كج، ح) من السرطان، فيضع ذلك الجزء على خط وسط السماء في ~~الأسطرلاب المعمول لعرض البلد، ويعلم على المرى علامة، ثم يدير العنكبوت ~~إلى ناحية المغرب إن كان البلد شرقيا عن مكة، بقدر ما بين الطولين من أجزاء ~~الحجرة، ثم ينظر أين وقع ذلك الجزء من مقنطرات الارتفاع، فما كان فهو ~~الارتفاع الذي عنده يسامت هذا الجزء رؤوس أهل مكة، ثم يرصد مسامتة الشمس ~~ذلك الجزء، فإذا انتهى PageV01P384 ### || CHECK اختلاف القراءة بقوله تعالى: {وما الله بغافل عما يعملون} # ارتفاع الشمس إلى ذلك الارتفاع، فقد سامتت الشمس رؤوس أهل مكة، فينصب ~~العامل مقياسا، ويخط على ظل المقياس خطا من مركز العمود إلى طرف الظل، فذلك ~~الخط خط الظل، فيبنى عليه المحراب. # ثم إن قوله تعالى: {وحيث ما كنتم} الآية، أمر لأمة محمد - صلى الله عليه ~~وسلم -، لما تقدم أمره بذلك، أراد أن يبين أن حكمه وحكم أمته في ذلك واحد، ~~مع مزيد عموم في الأماكن، لئلا يتوهم أن هذه القبلة مختصة بأهل المدينة، ~~فبين أنهم في أيما حلوا من بقاع الأرض، وجب عليهم أن يستقبلوا شطر المسجد، ~~ولما كان - صلى الله عليه وسلم - هو المتشوق لأمر التحويل، بدا بأمره، ثم ~~أتبع أمر أمته ثانيا، لأنهم تبع له في ذلك، ولئلا يتوهم أن ذلك مما اختص به ~~- صلى الله عليه وسلم -، ولما حرر ذلك وقرره، بين أن العائبين ms339 لدينه بذلك، ~~من أهل الكتاب عالمون بحقية هذا التحويل، وأنه من أعلام نبوته، فقال: {وإن ~~الذين أوتوا الكتاب} من اليهود والنصارى، ولم يصفهم هنا بالسفه لإثبات ~~العلم في قوله: {ليعلمون أنه} أي: هذا التحويل {الحق}، أي: ليس بعده في أمر ~~القبلة حق آخر يرفعه أصلا {من ربهم}، أضاف الرب إليهم تنبيها على أنه يجب ~~اتباع الحق الذي هو مستقر، ممن هو معتن بإصلاحهم. # والمعنى: أن هؤلاء الأحبار والعلماء من أهل الكتاب، يعلمون أن التوجه نحو ~~المسجد الحرام، هو الحق الذي فرض الله على إبراهيم وذريته، وسائر عباده بعده. # ثم إنه سبحانه جعل في سياق مهدد لهم (¬1) مرج له - صلى الله عليه وسلم - ~~ولأتباعه تسلية لهم، وتثبيتا وتقوية لعزائمهم، وتمكينا حيث ختم الآية بقوله: # وما الله بغافل عما تعملون قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي، بالتاء على ~~الخطاب، فيحتمل أن يراد به المؤمنون، لقوله: {فولوا وجوهكم شطره}، ويحتمل ~~أن يراد به أهل الكتاب، فيكون من باب الالتفات، ووجهه أن في خطابهم، بأن ~~الله لا يغفل عن أعمالهم، تحريكا لهم بأن يعملوا بما علموا من PageV01P385 ### || CHECK تبيين شدة معاندة الذين أوتوا الكتاب ومكابرتهم عن اتباع الحق وفيه تسلية للرسول - صلى الله عليه وسلم - # الحق، لأن المواجهة بالشيء تقتضي شدة الإنكار، وعظم الشيء الذي ينكره، ~~ومن قرأ بالياء، وهم الباقون، فالظاهر أنه عائد على أهل الكتاب، لمجيء ذلك ~~في نسق واحد من الغيبة، وعلى كلتا القراءتين فهو إعلام بأن الله تعالى لا ~~يهمل أعمال العباد، ويغفل عنها، وهو متضمن الوعيد. # ولما بين تعالى في الآية الأولى، أن الذين أوتوا الكتاب يعلمون أن هذه ~~القبلة حق، بين بعد ذلك أن صفتهم لا تتغير في الاستمرار على المعاندة، فقال: # {ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع ~~قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من ~~العلم إنك إذا لمن الظالمين (145)}. # وهذا الكلام إنما هو تسلية للرسول - صلى الله عليه وسلم -، عن قبول أهل ~~الكتاب الحق، ms340 بأنهم قد انتهوا في العناد، وإظهار المعاداة إلى رتبة لو ~~جئتهم فيها بجميع المعجزات، التي تقتضي كل معجزة منها قبول الحق، ما تبعوك ~~ولا سلكوا طريقك، وإذا كانوا لا يتبعونك مع مجيئك لهم بجميع المعجزات، ~~فأحرى لهم أن لا يتبعوك إذا جئتهم بمعجزة واحدة. # والمعنى: {بكل آية} تدل على أن توجهك إلى الكعبة هو الحق، وأطلق {الذين ~~أوتوا الكتاب}، فقال جماعة: المراد جميع أهل الكتاب من اليهود والنصارى، ~~علمائهم وعامتهم، والأولى أن يكون المراد بهم علماؤهم، الذين أخبر الله ~~عنهم في الآية المتقدمة بقوله: {وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق ~~من ربهم} ويدل على هذا الإيتاء المفهوم من {أوتوا}، لأنه لا يكون حقيقة إلا ~~للعلماء الذين يفهمونه ويبلغونه للعوام، فهم لهم تبع. # ودلت الآية على أن إعراضهم عن قبول هذا الدين، لم يكن لشبهة تزول بإيراد ~~الحجة، بل هو محض المكابرة والعناد والحسد، وذلك لا يزول بإيراد الدلائل. # وقوله تعالى: {وما أنت بتابع قبلتهم} حسم لأطماعهم إذا كانوا حاجوا في PageV01P386 ### || CHECK ما يدل عليه قوله تعالى: {ولئن اتبعت أهواءهم} ### || CHECK مبحث في قوله تعالى: {وما بعضهم بتابع قبلة بعض} # ذلك وقالوا: لو ثبت على قبلتنا لكنا نرجو أن يكون صاحبنا الذي ننتظره، ~~وطمعوا في رجوعه إلى قبلتهم. # وقوله: {وما بعضهم بتابع قبلة بعض} يعني: أنهم مع اتفاقهم على مخالفتك، ~~مختلفون في شأن القبلة، لا يرجى اتفاقهم، كما لا ترجى موافقتهم لك، وذلك أن ~~اليهود تستقبل بيت المقدس، والنصارى مطلع الشمس، فأخبر عز وجل عن تصلب كل ~~حزب فيما هو فيه، وثباته عليه، فالمحق منهم لا يزل عن مذهبه لتمسكه ~~بالبرهان، والمبطل لا يقلع عن باطله، لشدة شكيمته في عناده، خلا من أمن أهل ~~الكتاب، فقوله: {ما تبعوا قبلتك} أي: ما تبعوا ذلك. # وأشارت الآية: إلى أنهم وإن لم يؤمنوا بك، فإن كل طائفة منهم لا تتبع دين ~~الطائفة الأخرى، فاليهودي لا يتنصر، والنصراني لا يتهود، فكل منهم إذا ترك ~~دينه، إما أن ينتقل عنه إلى الإسلام، وإما إلى الزندقة ms341 وطرح الأديان ~~بالكلية، كما جرى منهم سابقا، ونشاهده الآن في زمننا. # ثم لما كان دينهم قد نسخ، أعلم سبحانه بأن ثباتهم على قبلتهم مع ذلك مجرد ~~هوى، فقال منفرا للأمة عنهم، بخطاب الرأس، ليكون ذلك أدعى لقبول الأتباع: # {ولئن اتبعت أهواءهم} الآية، خصه بالنهي دون غيره، لما ذكرنا، ولأن كل من ~~أنعم الله عليه أكثر، كان صدور الذنب منه أقبح، فكان أولى بالتخصيص، ولأن ~~مزيد الحب يقتضي التخصيص بمزيد التحذير؛ وعلى كل، فهذا الكلام وارد على ~~سبيل الفرض والتقدير، بمعنى: {ولئن} اتبعتهم مثلا بعد وضوح البرهان وحقيقة ~~الأمر، {إنك إذا لمن الظالمين}، المرتكبين الظلم الفاحش. # وفي ذلك لطف للسامعين، وزيادة تحذير واستفظاع لحال من يترك الدليل بعد ~~إنارته، ويتبع الهوى، وفي ذلك أيضا تهييج وإلهاب للسامعين من المؤمنين على ~~الثبات. # وقد دلت الآية: على أنه لا ينبغي لأحد من الأمة، مخالطة أهل الكتاب PageV01P387 ### || CHECK فضح ما يبطنه أهل الكتاب من معرفتهم للرسول - صلى الله عليه وسلم - وذلك بقوله تعالى: {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم} # واتباع أهوائهم وزيهم، والاقتداء بهم فيما كان هوى، وعلى أن توجه الوعيد ~~على العلماء أشد من توجهه على غيرهم, لأن قوله: {من بعد ما جاءك من العلم} ~~يدل على ذلك. # ولما ختم الخطاب بالإشارة - بقوله: {أهواءهم} - إلى علمهم بحقية هذا ~~التحويل تلويحا، كما فتحه بالإعلام به تصريحا، كرر على تأكيد الإعلام بما ~~هم عليه في أمرها من التحقق، إشارة [إلى] (¬1) ما يبطنونه من العناد الموجب ~~للتمادي في الفساد، فقال مضمرا له على وجه يصلح أن يكون للنبي- صلى الله ~~عليه وسلم -، معظما لهذه المعرفة بإسناد الإيتاء إليه: # {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ~~ليكتمون الحق وهم يعلمون (146) الحق من ربك فلا تكونن من الممترين}. # قيل: ضمير {يعرفونه} راجع إلى البيت الحرام، أي: يعرفون بأنه القبلة {كما ~~يعرفون أبناءهم} وهو قول قتادة والربيع وابن عباس والسدي وابن زيد وابن ~~جريج، ولم يذكر ابن جرير غيره. وذلك أن في الآية السابقة قال تعالى: ms342 {وإن ~~الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم} ثم قال: هنا يعرفونه، أي: ~~ذلك الحق، ثم قال: {وإن فريقا منهم ليكتمون الحق}. # وقيل: ضمير {يعرفونه} عائد إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أي: ~~يعرفونه معرفة جلية، يميزون بينه وبين غيره، كما يعرفون أبناءهم، لا تشتبه ~~عليهم أبناؤهم وأبناء غيرهم، وهذا قول ابن عباس؛ واختاره الزجاج والرازي، ~~ورجحه التبريزي، وبدأ به في "الكشاف"، وجعل القائلون بذلك الآية من باب ~~الالتفات، ورجحه الرازي بأن الضمير إنما يرجع إلى مذكور سابق، وأقرب ~~المذكورات العلم المراد به النبوة في قوله: {من بعد ما جاءك من العلم} ~~فكأنه تعالى قال: إنهم يعرفون ذلك العلم الذي هو نبوتك، كما يعرفون ~~أبناءهم، وبأن الله ما أخبر في القرآن أن أمر تحويل القبلة مذكور في ~~التوراة والإنجيل، بل أخبر أن نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - مذكورة PageV01P388 ### || CHECK مبحث في قوله تعالى: {ولكل وجهة هو موليها} ### || CHECK مبحث في قوله تعالى: {وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون} مع بيان أصناف الذين يكتمون معرفته # فيهما، فكان صرف هذه المعرفة إلى أمر النبوة أولى، [و] بأن المعجزات لا ~~تدل أول دلالتها إلا على صدق محمد عليه السلام، فأما أمر القبلة، فذلك إنما ~~يثبت لأنه أحد ما جاء به محمد عليه السلام، فكان صرف المعرفة إلى أمر ~~النبوة أولى. # وأنت خبير بأن الحمل على هذا الوجه أولى، لأنه يتضمن الوجه الأول وزيادة، ~~لأنهم إذا كانوا يعرفون الرسول بجميع نعوته، معرفة لا يشكون فيها، نتج عن ~~ذلك معرفة تحويل القبلة بأنه حق، لأن الرسول لا يأتي إلا بالحق. # وقوله تعالى: {وإن فريقا منهم} أي: من أهل الكتاب، وإنما قال: {فريقا} ~~ليخرج من آمن منهم، وليبقى الكلام متناولا للمصرين على الكفر والعناد، ~~{ليكتمون الحق} والحق المكتوم هنا: نعت الرسول، قاله قتادة ومجاهد؛ وهذا ~~بناء على القول الثاني، أو التوجه إلى الكعبة، أو أنها القبلة، بناء على ~~القول الأول، و"يكتمونه"، يخفونه ولا يعلنونه، {وهم يعلمون} أنه حق وأنهم ~~آثمون في كتمانه. ms343 # فهم ثلاثة أصناف: عارف ثابت؛ وعارف منكر - وهو أردؤهم - وكاتم لا حق به. # وقوله: {الحق من ربك} معناه: يا محمد إن الحق ما أعلمك به ربك وأتاك من ~~عنده {فلا تكونن من الممترين} أي: من الشاكين فيه وهذا الكلام الذي تخرجه ~~العرب مخرج الأمر أو النهي للمخاطب به، والمراد به غيره. # ولما بين أن أحدا من هؤلاء الفرق لا يتبع قبلة الآخر، وتضمن ذلك أن لكل ~~منهم قبلة، وقرر أن ذلك من أهل الكتاب على وجه العناد، أثبت ما تضمنه ~~الكلام السابق على وجه أعم منه، وسبب عنه النتيجة فقال: # {ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا ~~إن الله على كل شيء قدير} [البقرة: 148]. # فقوله تعالى: {ولكل وجهة} يحتمل أن يكون المعنى: {ولكل} أهل ملة {وجهة}، ~~فحذف أهل الملة واكتفى بدلالة الكلام عليه، وبه قال ابن جريج وابن زيد، ~~وابن عباس، والسدي، وتبعهم جماعة من المفسرين. PageV01P389 ### || CHECK الحث على التسابق إلى الخير # ويحتمل أن المعنى: {ولكل} ناحية وجهك إليها ربك يا محمد قبلة، الله ~~{موليها} عباده، وروى ابن جرير معنى هذا عن قتادة، ومسالك المفسرين من ~~المتأخرين تحوم حول الأول. وقيل: المراد: {لكل} قوم من المسلمين {وجهة}، ~~أي: جهة [إلى] (¬1) الكعبة يصلي إليها، جنوبية، أو شمالية، أو شرقية، أو ~~غربية، وهذا القول حسن لوجهين: # أولهما: قوله تعالى: {هو موليها} يعني: الله {موليها}، وتولية الله لم ~~تحصل إلا في الكعبة، لا في غيرها. # وثانيهما: أن الله عقبه بقوله: {فاستبقوا الخيرات} والظاهر أن المراد من ~~هذه {الخيرات}، ما لكل أحد من جهة، والجهات الموصوفة بالخيرية ليست إلا ~~جهات الكعبة. # وعندي (¬2): أنه يجوز أن يكون المعنى على أعم من القبلة وغيرها، فيكون ~~نظم الكلام: {ولكل} من المذكورين وغيرهما {وجهة}، أي: مقصد يقصده، ويوجه ~~وجهه إليه، ويقبل بقلبه عليه، {هو} تعالى مولي تلك الجهة، والمولي لها مائل ~~إليها بوجهه، مستقبل وتابع لها، لأن المادة تدور على الميل بكل ترتيب، وفيه ~~إشعار باختلاف جبلات أهل الملل، وإقامة كل طائفة ms344 منهم بما جبلت عليه، وهذا ~~المعنى ينطبق على الآيات السابقة، إذ علم {الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه ~~الحق}، وإعراضهم عنه {وجهة} وقصد لهم، وكونهم لو أتاهم {بكل آية ما تبعوا} ~~قبلته وكونهم {يعرفونه كما يعرفون أبناءهم}، ولكنهم لا يظهرون ذلك كذلك. # ولما كانت الوجهة مختلفة، وكان منها الخير وغير الخير؛ قال تعالى: ~~{فاستبقوا الخيرات} أي: فاجعلوا أنتم مقصدكم أنواع الخير من القبلة وغيرها، ~~وتسابقوا في قصدكم إليها، أي: كونوا في المبادرة إلى أفعال الخير كمن يسابق ~~خصما، فهو يجتهد في سبقه. # ثم حثهم على ذلك، وحذرهم من تركه على وجه التعليل، فقال: {أين ما PageV01P390 ### || CHECK آراء المفسرين حول الحكمة في هذا التكرار في هذه الآية # تكونوا} أي: من الجهات التي استبقتم إليها، الحسية والمعنوية، {يأت بكم ~~الله جميعا} يوم الجزاء، الموافق والمخالف فلا تعجزونه، ثم علل ذلك بقوله: ~~{إن الله على كل شيء قدير} ففي هذه الآية حث المؤمنين على طاعته، والتزود ~~في الدنيا للآخرة، وبها أيضا وعد لأهل الطاعة ووعيد لأهل المعصية. # ولما عظم تعالى في شأن القبلة انتشار أقوالهم في تنويع شغبهم وجدالهم، ~~وكانوا أهل علم وكتاب، وقد مرت لهم دهور وهم موسومون بأنهم على صواب، ~~فاشرأب لذلك النفاق، ودارت رحى الباطل والشقاق وقامت سوق الفسوق فيما هنالك ~~على ساق؛ كان الحال مقتضيا لمزيد تأكيد في أمرها، تعظيما لشأنها، وتوهية ~~لشبه السفهاء، قال تعالى ثانيا معبرا بعبارة مشعرة بإمامته - صلى الله عليه ~~وسلم -، وانتظار المصلين له: # {ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك وما الله ~~بغافل عما تعملون (149) ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما ~~كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم ~~فلا تخشوهم واخشوني ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون (150)}. # حام المفسرون حول الحكمة في هذا التكرار في هذه الآية، وفيما قبلها، ~~وغاصوا بحر معانيها لاستخراج تلك الدرة اليتيمة، وقد ذكر في الدخول عليها ~~قريبا ما منه يعلم ذلك. # وقيل: إنه لما كان للمصلي ms345 ثلاث أحوال؛ لأنه إما أن يكون في المسجد الحرام ~~نفسه؛ أو يكون في مكة خارجا عنه؛ أو يكون خارجا عن البلد موجودا في قطر من ~~أقطار الأرض. # فالآية الأولى لبيان حكم الأول، والثانية للثاني، والثالثة للثالث. # وقيل: إنما أعاد الله ذلك ثلاث مرات، لأن كل مرة تعلق بها فائدة زائدة؛ ~~وهي في الآية الأولى: بيان أن أهل الكتاب يعلمون نبوة محمد - صلى الله عليه ~~وسلم -، وأن هذه القبلة حق لأنها قبلة إبراهيم عليه السلام، وهو الذي بني ~~الكعبة ودعى لأهلها. PageV01P391 # وفي الثانية: بيان أنه تعالى يشهد أن ذلك حق، وشهادة الله بكونه حقا ~~مغاير لعلم أهل الكتاب بكونه حقا. # وفي الثالثة: بيان أنه إنما فعل ذلك لئلا يكون للناس عليكم حجة، فلما ~~اختلفت الفوائد حسنت الإعادة ليترتب على كل معاد فائدة لم تكن في غيره. # وقيل: إنه تعالى لما قال في الآية الأولى: {فلنولينك قبلة ترضاها} ربما ~~خطر ببال جاهل، أنه فعل ذلك إرضاء لنبيه، فكرر تعالى ما بعدها من الآيتين، ~~فكأنه يقول في الأولى المكررة: نحن ما حولناك إلى هذه القبلة بمجرد رضاك، ~~بل لأجل أن هذا التحويل، هو الحق الذي لا محيد عنه، فاستقبلها ليس لأجل ~~الهوى والميل. # وكأنه يقول في الثانية: دوموا على هذه القبلة في جميع الأزمنة والأوقات، ~~ولا تولوا، فيصير ذلك التولي سببا للطعن في دينكم، بمعنى: أنها لن تنسخ في ~~المستقبل. # ومحصل ذلك: أن كل آية من الآيات المكررات قرنت بفائدة لم تكن في التي ~~قبلها، ولما كانت هذه الواقعة أول وقائع النسخ، حسن الإطناب فيها والتكرار، ~~لأجل التأكيد والتقرير، وإزالة الشبهة وإيضاح البينات. # فقوله تعالى: {ومن حيث خرجت} معناه: ومن أي بلد خرجت للسفر {فول وجهك شطر ~~المسجد الحرام} إذا صليت، {وإنه} أي: هذا المأمور به {للحق من ربك وما الله ~~بغافل عما تعملون}، قرئ بالتاء وبالياء، {ومن حيث خرجت} من بقاع الأرض ~~للصلاة، {فول وجهك شطر المسجد الحرام}، فذلك حتم لا فتور عنه ولا رخصة، إلا ~~ما استثني في الأحاديث من صلاتي ms346 النفل والخوف. # ثم بين أن ذلك الحكم غير مختص به - صلى الله عليه وسلم -، بل هذا الفرض ~~عليه وعلى أمته فقال: {وحيث ما كنتم} أيتها الأمة، من جميع أقطار الأرض ~~الدانية والقاصية، {فولوا وجوهكم شطره}، نحوه للصلاة، ففيه إشعار بلحظ صحة ~~صلواتهم PageV01P392 ### || CHECK معنى قوله تعالى: {فلا تخشوهم واخشوني ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون} ### || CHECK مبحث في معنى قوله تعالى: {لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم} # فرادى، وفي بيوتهم، وفي المساجد، وفي الأبنية والصحراء، لا يختص ذلك ~~بموضع دون موضع، إلا لعلة تمنع إيقاع الصلاة توجد في ذلك الموضع. # ولما كان ربما يظن، أن الرجوع إلى القبلة الأولى يزيل الكلام، بين سبحانه ~~أن الأمر بخلاف ذلك، فقال: {لئلا يكون للناس} أي: لأحد منهم {عليكم حجة}، ~~بأن يقولوا: النبي المبشر به يستقبل بيت إبراهيم عليه السلام، ثم لا ينحرف ~~عنه، وهذا لم يفعل ذلك؛ أو يقولوا: ما جاء بشيء جديد، وإنما هو تبع لنا في ~~قبلتنا، يعني: التي كان عليها، وهي استقباله بيت المقدس، ولما كانت الحجة ~~كلاما ينشأ عن مقدمات يقينية مركبة تركيبا صحيحا، وقع الاستثناء باعتبار ~~تلبس المستثنى بجزء المعنى الذي نفي عن المستثنى منه بدلالة التضمن، فهو ~~قريب من الاستخدام، فقال: {إلا الذين ظلموا} أي: الناس {الذين ظلموا منهم}، ~~فإنهم لعنادهم ولددهم (¬1) لا يرجعون إلى الحق الذي يعرفونه، بل يكون لهم ~~عليكم مجرد كلام هو مادة الحجة، لا حجة بما دل عليه، وصفهم بالظلم الذي هو ~~وضع الشيء في غير محله، وبكون الاستثناء على هذا منقطعا، بمعنى: {لئلا} ~~يحتج أحد {عليكم}، لكن {الذين ظلموا} يقولون، أو يظهرون فجورا ولددا في ~~ذلك، كلاما يسمونه حجة. # ويمكن أن يكون المراد بال {حجة}، ما هو أعم من الدليل القطعي والظني، ~~فيكون الاستثناء متصلا، وحاصله: إن أريد بالحجة الدليل الصحيح، فالاستثناء ~~منقطع، لأنهم ليس لهم دليل صحيح؛ وإن أريد بها الاحتجاج والخصومة، ~~فالاستثناء متصل، والاتصال هو الذي نختاره. # ولما نفى عن أهل هذه القبلة بالثبات عليها كل سبيل، تسبب ms347 عنه قوله: {فلا ~~تخشوهم} في هذا الأمر ولا في غيره، فإني أرد عنكم كيدهم، وأوهن أمرهم، ~~{واخشوني} فلا تخالفوا أمري، ولا تخالفوا ما رأيته مصلحة لكم، {ولأتم نعمتي ~~عليكم} وإرادتي اهتداءكم، أمرتم بذلك. ف "لام" {ولأتم}، PageV01P393 ### || CHECK مبحث في معنى قوله تعالى: {كما أرسلنا فيكم رسولا منكم} # متعلقة بمحذوف، أو هو معطوف على علة مقدرة، فكأنه قال: {واخشوني} لأوفقكم ~~{ولأتم نعمتي عليكم} بهذا الدين المفيد لعز الدارين {ولعلكم تهتدون}، ففي ~~كلمة "لعل" إبهام يشعر بتصنيفهم صنفين: مهتد بالثبات على السنة، ومتغير فيه ~~بوجه من وجوه بدعة، وذلك بناء على القاعدة المعروفة، من أنه: كل ما كان ~~للخلق تردد، فهو من الحق تقسيم وإبهام في تعيين ذلك التقسيم والتصنيف، ففيه ~~إعلام القوم بالاهتداء الدائم بما تفهمه صيغة الدوام، وإشعار بانقطاع قوم ~~عن ذلك التمادي، بما يفهمه ما هو للخلق بموضع [الترجي] (¬1)، وفي طيه إشعار ~~باستبدادهم بالأمر بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وانقسامهم فيه ~~بين ثابت عليه، دائم الاهتداء فيه، ومتغير عنه، كما ظهر فيما كان من ثبات ~~من ثبت بعده، وردة من ارتد. # ثم إن قوله تعالى: # {كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب ~~والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون} [البقرة: 151]. # إما أن يتعلق بما قبله، أي: {ولأتم نعمتي عليكم} في الآخرة بالثواب، كما ~~أتممتها عليكم في الدنيا بإرسال الرسول، أو هو متعلق بما بعده، أي كما ~~ذكرتكم بإرسال الرسول، وقوله: {رسولا منكم} وارد مورد الامتنان، أي: تعرفون ~~من صفاته العلى، وهممه الحاملة على اتباعه، والتيمن برأيه، ما لا يعرفه ~~غيركم، ولتكونوا أهل شرف كامل، حيث إن الرسول {منكم يتلو عليكم آياتنا} ~~فتجعلوها عوضا من تناشدكم الأشعار، وتغنيكم عن إعمال الفكر في تكسب العلم ~~والحكمة، كما كان الأوائل يجهدون أفكارهم في ذلك، ثم لا يصلون إلى معرفة ~~الحق، فتلاوة الآيات تغنيكم عن التعب في ترتيب المقدمات، والاستدلال لها ~~للتوصل إلى النتيجة، وأخذ الأمور بالشواهد، وتولى الله ورسوله تعليمهم، ~~ليكون شرف المتعلم بحسب علاء من علمه، ms348 ففضل علماء هذه الأمة على سائر ~~العلماء، PageV01P394 ### || CHECK مبحث في معنى الذكر ### || CHECK تبيين أعظم نعمتين كلف الله عباده بهما الذكر والشكر في قوله تعالى: {فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون} ### || CHECK معنى قوله تعالى: {ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون} ### || CHECK معنى قوله: {ويزكيكم} # كفضل النبي - صلى الله عليه وسلم - على معلميهم ممن سواه، ولكن هذا الفضل ~~إنما هو لمن أخذ علمه من الآيات البينات، ومن كلام معلمه، وهو الرسول ~~الأعظم، لا لمن سار وراء معلم آخر تقليدا له بما لا يعلم معناه، ولا يعرف ~~من أين أخذه، فهو كالدابة التي يقودها صاحبها، لا تعلم ما يقصد، ولا إلى أي ~~وجهة هي سائرة. # وقوله: {ويزكيكم} معناه: يطهركم في أقوالكم وأفعالكم، وينميكم بإنعاش ~~قلوبكم، لتشرق بالمعاني الصالحة، والأخلاق الطاهرة، الموجبة للفوز الدائم، ~~والنجاة من شباك المبتدعين، وأهواء الضالين، فكما تتنامى الأجساد بماء ~~المزن والغذاء، تتنامى القلوب بالكتاب العزيز والحكمة، ومتى نمت النفس وزكت ~~قويت على ما شأن قواها أن تناله. # وقوله: {ويعلمكم الكتاب} أي: يعلمكم الفقه فيه، والفهم لمعانيه، فإن لم ~~يفقه معناه، واستنباط الأحكام منه، لا تنمو نفسه، {والحكمة} دقائق الإشارات ~~الشافية لأمراض القلوب المانعة من اتباع الهوى، ف {الحكمة} المأخوذة من ~~الرسول، هي الغاية الجامعة لكل كتاب وحكمة بما يعلمه الأولون والآخرون، ~~ولذلك كان - صلى الله عليه وسلم - يتكلم في علوم الأولين، بكلمات يعجز فيها ~~إدراك الخلق: الأطباء، والفلاسفة. # {ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون} أي: من الاستنباط من الكتاب، من المعارف ~~بما يدريكم به من الأقوال والأفعال، ويسلككم به من طرق الخير الكاشفة لظلام ~~الظلم، الجالية لمرائي الأفكار، المنفذة لبصائر الاعتبار. # ولما كان ذلك من أعظم النعم، كلف الله عباده عليه بأمرين: الذكر والشكر، فقال: # {فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون}. # فالذكر يكون باللسان وبالقلب وبالجوارح، أمرهم بذكر القلب، بالتفكر في ~~الدلائل الدالة على ذاته وصفاته، والتفكر في الجواب عن الشبه القادحة في ~~تلك الدلائل، وأن يتفكروا في الدلائل الدالة على التكاليف من غير استرواح ~~إلى ms349 طريق PageV01P395 ### || CHECK معنى تخصيص الصبر والصلاة في قوله جل وعلا: {يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين} # حاطب ليل (¬1) وأن يتفكروا في أسرار المخلوقات، فيعلموا ما في طيها من ~~الدلائل الدالة على الوحدانية، وما في طيها أيضا من المنافع الدنيوية على ~~ما تضمنه فن المواليد الثلاثة، النبات، والحيوان، والمعدن. وما ينتج عن ذلك ~~من الأمور المسهلة لمنافع الخلق، كما نشاهد اليوم من المخترعات التي تدهش ~~العقول، وأمرهم بذكر الجوارح، وهي: أن تكون مستغرقة في الأعمال التي أمروا ~~بها، وخالية عن الأعمال التي نهوا عنها وأمرهم بذكر اللسان، وهو تلاوة ~~القرآن والأذكار التي رويت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وجاء ~~الكتاب العزيز بها لا غير، فإنكم إن ذكرتموني كذلك {أذكركم} بالرحمة، ~~وبإجابة النداء في الدعاء، والإحسان، والثناء، والنعمة، والمعونة والهداية، ~~وعند النبلاء فأرفعه عنكم {ولا تكفرون}، فإنكم إن فعلتم ذلك سلبت عنكم ~~نعمتي، وفيه إشارة إلى أنه لما كان للعرب ولع بذكر آبائهم ووقائعهم ~~وأيامهم، وذلك علمهم وكتابهم، عوضهم الله عن ذلك كتاب الله وحكمته، فقص ~~عليهم أحسن القصص، وعلمهم طرق الهداية. # ولما علم من هذه الآيات إعضال ما بينهم وبين السفهاء، وأمرهم بالدواء ~~المنجح، من الإعراض عنهم والإقبال على ذكره وشكره، أتبع ذلك بالإشارة إلى ~~أن الأمر يصل إلى أشد مما توهموه، فقال: # {ياأيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين} ~~[البقرة: 153]. # خص الصبر والصلاة بالذكر، لما فيهما من المعونة على العبادات؛ أما الصبر ~~فهو: قهر النفس على احتمال المكاره في ذات الله تعالى، وتوطينها على تحمل ~~المشاق وتجنب الجزع، ومن حمل نفسه قلبه على هذا التذليل، سهل عليه فعل ~~الطاعات، وتحمل مشاق العبادات، وتجنب المحظورات. # وأما الاستعانة بالصلاة، فلأنها تفعل على طريق الخضوع والتذلل للمعبود، ~~والإخلاص له، ويجب أن يوفر همه وقلبه عليها، وعلى ما يأتي فيها من قراءة، ~~فيتدبر الوعد والوعيد، والترغيب والترهيب، ومن سلك هذه الطريقة في الصلاة، PageV01P396 ### || CHECK معنى قوله تعالى: {بل أحياء ولكن لا تشعرون} ### || CHECK سبب ms350 نزول قوله تعالى: {ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أمواتا} # فقد ذلل نفسه لاحتمال المشقة فيما عداها من العبادات، ولذلك قال تعالى: ~~{إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} [العنكبوت: 45]. # وقوله تعالى: {إن الله مع الصابرين} يعني: في النصر لهم، فكأنه ضمن لهم ~~إذ هم استعانوا على طاعته {بالصبر والصلاة}، أن يزيدهم توفيقا وتسديدا ~~وإلطافا. # ثم قال تعالى: # {ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون} ~~[البقرة: 154]. # وجه تعلق هذه الآية بما قبلها، كأنه قيل: {واستعينوا بالصبر والصلاة} في ~~إقامة ديني، فإن احتجتم في تلك الإقامة إلى مجاهدة عدوي بأموالكم وأبدانكم، ~~ففعلتم ذلك، فتلفت نفوسكم، فلا تحسبوا أنكم ضيعتم أنفسكم، بل اعلموا أن ~~قتلاكم {أحياء} عندي. # قيل: إن هذه الآية نزلت في قتلى بدر. # وقيل: إن الكفار والمنافقين قالوا: إن الناس يقتلون أنفسهم طلبا لمرضاة ~~محمد من غير فائدة، فنزلت. # والصحيح عندي: أن هذه الآية مرتبطة بما قبلها، وبينهما التناسب الذي ~~ذكرنا، فإن صح سبب نزولها فهو عارض لا أصلي. # وهذه الآية تدل على أن الشهداء {أحياء} حياة لا شعور لنا بها، كما قال ~~تعالى: {ولكن لا تشعرون} أي: أنها ليست مما يشعر به بالمشاعر الظاهرة من ~~الحياة الجسمانية، وإنما هي أمر روحاني لا يدرك بالعقل بل بالوحي. # وقوله: {ولكن لا تشعرون} يشير إلى أن حياة الشهداء عند ربهم أكمل من PageV01P397 # حياتهم في هذه الدنيا، وأتم وأطيب، وإن كانت أجسادهم متلاشية، ولحومهم ~~متمزقة، وأوصالهم متفرقة، فإن الحياة الدنيوية محفوفة بالكدر، محاطة ~~بالتنغيص، مسجونة الأرواح في سجنها؛ فإذا خلصت من ذلك السجن، أفضى بها ~~الخروج إلى روح وريحان وصفاء لا كدر معه، وكيف يشوبها كدر وهم {عند ربهم ~~يرزقون (169) فرحين بما آتاهم الله من فضله} [آل عمران: 169 - 170]، فما ~~حياتهم في الدنيا بالنسبة إلى تلك الحياة، إلا كحياتهم في بطون أمهاتهم ~~بالنسبة إلى خروجهم إلى الدنيا، ولكننا في الدنيا لا نشعر بتلك الحياة كما ~~قال تعالى: {ولكن لا تشعرون} وأي شعور لنا بما لم نحط به ms351 علما؟ # وقال في "روح البيان": حياة الشهداء حياة برزخية يتنعمون بها، لأنهم ~~أجسام لطيفة كالملائكة، فإنهم موجودون أحياء. # وقال الفناري في تفسير سورة الفاتحة: كل نعيم يتنعم به الصديقون والشهداء ~~والصالحون في البرزخ خيالي، وكل عذاب كذلك. انتهى. # ولكن ما ذكرناه أتم وأصفى، ومن الناس من لم ينتبه للسر المودع في قوله ~~تعالى: {ولكن لا تشعرون} فقال: معنى كونهم {أحياء}، أنكم لا تطلقوا اسم ~~الموت على من {يقتل في سبيل الله}، ولكن قولوا: هم {أحياء}، فجعل المنهي ~~عنه إطلاق اسم الموت عليهم. وقيل: يجوز أن يجمع الله من أجزاء الشهيد جملة ~~فيحييها، ويوصل إليها النعيم، وإن كانت في حجم الذرة، وقيل: {أحياء} ~~بإحيائه وبقائه وثبوت الأجر. وقيل: هذه الحياة بقاء أرواحهم دون أجسادهم، ~~وقال أكثر المفسرين: إنهم في الوقت أحياء، كأن الله أحياهم لإيصال الثواب ~~إليهم، واختار هذا القول الفخر الرازي. # ولما كان البشر من شأنه أن لا يخلص من الشوائب إلا بعد معاناة شديدة، ~~تصفيه منها كما يصفى الذهب بالنار الشديدة، قال تعالى معلما لنا التربية ~~بما حصل به التصفية، عطفا على ما أرشد إليه من مناصبة الكفار ومقارعة أهل ~~دار البوار: PageV01P398 ### || CHECK مبحث في قوله تعالى: {ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع} # {ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر ~~الصابرين (155) الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون ~~(156) أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون (157)}. # أي: ولنصيبنكم كذلك، إصابة تشبه فعل المختبر لأحوالكم، هل تصبرون وتثبتون ~~على ما أنتم عليه من الطاعة، وتسلمون لأمر الله وحكمه أم لا؟ # وقال الحرالي: الصبر الأول، أي: المذكور في قوله تعالى: {إن الله مع ~~الصابرين} إنما هو عن الكسل وعلى العمل، والصبر الثاني في {وبشر الصابرين} ~~إنما هو على مصائب الدنيا، فلذلك انتظم بهذه الآيات آية {ولنبلونكم}، ~~وتجاوز الأمور يؤخذ بها من لم يجاهد في سبيل الله، ضعفا عن صبر النفس عن ~~كره القتال: {كتب عليكم القتال وهو كره لكم} [البقرة: 216] فمن لم يحمله ~~الصبر ms352 الأول على الجهاد، أخذ بأمور هي بلايا في باطنه، تجاوزها الخطاب ~~فانعطف عليها، {ولنبلونكم بشيء من الخوف}، وهو حذر النفس من أمور ظاهرة ~~تضرها؛ {والجوع} وهو غلبة الحاجة إلى الغذاء على النفس، حتى تترامى لأجله ~~فيما لا تتأمل عاقبته، فإذا كان على غير غلبة مع حاجة، فهو "الغرث"، فلذلك ~~في الجوع بلاء ما، والغرث عادة جارية. انتهى. # أي: وهو بفتحتين من باب "فرح" قال في "تاج العروس": هو أيسر الجوع، وقيل ~~شدته. وقال أيضا: الجوع فراغ الجسم عما به قوامه، كفراغ النفس عن الأمنة ~~التي بها قوامها فأفقدها القوامان في ذات نفسها بالخوف، وفي بدنها بالجوع، ~~لما لم تصبر على كره الجهاد، وقد كان ذلك لأهل الصبر عليه، أهون من الصبر ~~على الخوف والجوع. وإنما كان أول نائلهم من هذا الابتلاء الخوف، حيث خافوا ~~الأعداء على أنفسهم فجاءهم إلى مواطنهم، من لم يمش إلى طبيبه ليستريح، جاء ~~الطبيب لهلاكه، وشتان بين خوف المغازي للعدو في عقره، وبين خوف المحصر في ~~أهله، وكذلك شتان بين أرزاق المجاهد وتزويده، و {خير الزاد التقوى} ~~[البقرة: 197] في سبيله لجهاده، وبين جوع المتخلف في عياله، هذا كلامه. PageV01P399 ### || CHECK ذكر ما في هذه الآية من أسرار # ففي الآية سر عجيب، يظهر هذا السر في كل زمان، ولا سيما في زماننا، فإن ~~الأمة الإسلامية لا زالت تتخلف عن الجهاد، وعن إعداد العدة له، فلم تسابق ~~أعداءها في الفنون الحربية، وفي المخترعات التي اخترعوها لهلاكها، حتى أكثر ~~غزو الأعداء لها في عقر دارها، فأخذوا ينقصون أرضها من أطرافها، تارة ~~بالحيل والدسائس، وإثارة الفتن، وتفريق الكلمة؛ وتارة بالتهويل والإرهاب، ~~وتارة بالحرب في عقر الديار، حتى أمسى معظم بلاد المسلمين في أيدي الأعداء، ~~والمسلمون معانقون للبله، مخلدون للسكون كالأرقاء، فطمع العدو بهم، ونظر ~~إليهم نظر الاحتقار، وتألب بأجمعه على كيدهم، حتى غزاهم في عقر دارهم في ~~البقية الباقية لهم من البلاد؛ وفي أثناء كتابتي لهذه الأسطر، وقبلها بثلاث ~~سنين، اشتعلت نيران الحرب من أقصى المغرب إلى أقصى المشرق، ومن الجنوب ms353 إلى ~~الشمال، وما ذلك إلا للقضاء على البقية الباقية من البلاد بأيدي المسلمين، ~~فابتلوا ب {الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات}، فلم يكن لهم ~~ملجأ إلا الصبر على الجهاد، نسأله تعالى حسن العاقبة (¬1). # وأتى بقوله {بشيء} منكرا منونا تنوين تقليل، وعطف عليه ما بعده كذلك، حثا ~~على الشكر، بالإشارة إلى أن كل ما أصاب منها، ففي قدرة الله ما هو أعظم ~~منه، فعدم الإصابة به نعمة، فإذا لاحظ السامع هذا، أخلص حالة البلاء لله، ~~ورجع إلى بابه أكثر من إخلاصه حالة إقبال الدنيا عليه. # ولما كان الجوع قد يكون عن رياضة، بين أنه عن حاجة بقوله: {ونقص} وهو ~~التقاصر عن الكفاف من الأموال، أي: النعم التي كانت منها أغذيتهم، وقال ابن ~~جرير الطبري: قوله {بشيء من الخوف}، يعني: {من الخوف} من العدو، وب ~~{والجوع} يعني: القحط. يقول: لنختبرنكم بشيء من خوف ينالكم من عدوكم وسنة ~~تصيبكم ينالكم فيها مجاعة وشدة، وتعذر المطالب عليكم، فتنقص لذلك PageV01P400 ### || CHECK التعليق على ما قاله ابن جرير الطبري في شرحه على قوله تعالى: {بشيء من الخوف} # أموالكم، وحروب تكون بينكم وبين أعدائكم من الكفار فينقص لها عددكم، وموت ~~ذراريكم وأولادكم، وجدوب تحدث فتنقص لها ثماركم، كل ذلك امتحان مني لكم، ~~واختبار مني لكم، فيتبين صادقوكم في إيمانهم من كاذبيهم فيه، ويعرف أهل ~~البصائر في دينهم منكم، من أهل النفاق فيه، والشك والارتياب، كل ذلك خطاب ~~منه تعالى لنبيه وأصحابه. انتهى. # أي: ولأمته، فكأن ابن جرير تكلم عن الحالة التي نحن عليها من عام اثنين ~~وثلاثين وثلاثمئة وألف، إلى عام كتابتنا في تفسير هذه الآية، في العشرين من ~~شعبان من سنة خمس وثلاثين. فإننا ابتلينا بجميع ذلك، وارتفعت الأسعار من ~~الواحد إلى ما فوق العشرة، وأظهر أكثر الناس ما في دخائلهم من النفاق والغش ~~والفجور، وعبد التجار الدرهم والدينار علنا، واحتكروا كل ما من شأنه أن ~~يكون قوتا أو ملبوسا، وعقدوا النية على ضرر الأمة، وضرر الوطن والدولة، وكل ~~ما يلوذ بالحكومة، وقد أخرجت الحكومة ms354 بدلا عن النقود قراطيس، وسمتها بوسام ~~خاص بها، أظهرتها للتداول بها، لتقوم بها أودها، وتستغني عن أموال الأعداء، ~~فاتخذها التجار تجارة، وتلاعبوا بها أيما تلاعب، وأنقصوها عن أثمانها نقصا ~~فاحشا، فأضروا بذلك بالمجاهدين وبعيالهم وبأولادهم، بل وبالأمة أجمع، ~~وظهروا بمظهر لم يظهر به المنافقون الذين كانوا في زمن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - بعشرة، وأكثروا من الإرهاب، واختلاق الأباطيل ما لم يكن يظن ~~ظهوره، ويعجز القلم عن شرحه، وأظهر الباعة منهم من السفه والتعدي، ونقص ~~الكيل والميزان، وإطالة اللسان، وكشف نقاب الحياء، ما لم يظهر في أمة من ~~الأمم، ومن فساد الأخلاق ما لم يكن مثله في الجاهلية الأولى، فحسبنا الله ~~ونعم الوكيل عليهم (¬1) ويرحم الله الربيع حيث قال في تفسير هذه الآية: قد ~~كان ذلك، وسيكون ما هو أشد من ذلك انتهى. PageV01P401 ### || CHECK مبحث في معنى قوله تعالى: {أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة} ### || CHECK معنى قوله تعالى: {وبشر الصابرين} الآية # ثم قال تعالى: {وبشر الصابرين} الآية، فكأنه تعالى يقول لنبيه: يا محمد ~~بشر الصابرين على امتحاني بما أمتحنهم (¬1) به، والحافظين أنفسهم عن التقدم ~~على نهيي عما أنهاهم عنه، والآخذين أنفسهم بأداء ما أكلفهم من فرائضي، مع ~~ابتلائي إياهم بما أبتليهم (¬2) به، القائلين إذا أصابتهم مصيبة: {إنا لله ~~وإنا إليه راجعون} فأمره الله تعالى ذكره، بأن يخص - بالبشارة على ما ~~يمتحنهم به من الشدائد - أهل الصبر الذين وصف الله صفتهم، وأصل التبشير: ~~إخبار الرجل [الرجل] (¬3) الخبر، يسره أو يسوءه، لم يسبقه به إليه غيره. # وقوله: {الذين إذا أصابتهم مصيبة} جواب سؤال مقدر، وهو عندي أرجح من أن ~~يكون نعتا للصابرين، أو منصوبا على المدح، فكأنه قيل: من الصابرون؟ فقال: ~~{الذين إذا أصابتهم مصيبة} الآية، أي: الذين يعلمون أن جميع ما بهم من نعمة ~~فمني، فيقرون بعبوديتي، ويوحدونني بالربوبية، ويصدقون بالمعاد والرجوع إلي، ~~فيستسلمون لقضائي، ويرجون ثوابي ويخافون عقابي، ويقولون - عند امتحاني ~~إياهم في بعض محني، وابتلائي إياهم بما وعدتهم أن أبتليهم (2) به، {من ~~الخوف والجوع، ونقص .. من الأموال والأنفس ms355 والثمرات}، وغير ذلك من المصائب ~~التي أنا ممتحنهم بها -: إنا مماليك ربنا ومعبودنا أحياء، ونحن عبيده (¬4)، ~~وإنا إليه بعد مماتنا صائرون. تسليما لقضائي، ورضا بأحكامي. # وقوله: {أولئك عليهم صلوات} الآية، معناه: هؤلاء الصابرون - الذين وصفهم ~~ونعتهم - {عليهم}، لهم {صلوات}، يعني: مغفرة، وإقبال عليهم بعطفه، إخراجا ~~لهم من حال ظلمة إلى رفعة نور، قال تعالى: {هو الذي يصلي عليكم وملائكته ~~ليخرجكم من الظلمات إلى النور} [الأحزاب: 43]. PageV01P402 ### || CHECK فائدة فيما يكون فيه الصبر محمود شرعا # وقوله: {ورحمة} يعني {و} لهم مع المغفرة - التي بها صفح عن ذنوبهم، ~~وإخراج لهم من الظلمات إلى النور- {رحمة} من الله ورأفة، ومعنى الصلاة ~~والرحمة متقارب، وإنما جمع بينهما عليهم رأفة بعد رأفة، ورحمة أي رحمة. # ثم أخبر تعالى- مع الذي ذكر أنه معطيهم على اصطبارهم على محنه، تسليما ~~منهم لقضائه من المغفرة والرحمة - أنهم {هم المهتدون} المصيبون طريق الحق، ~~والقائلون ما يرضي الله عنهم، والفاعلون ما استوجبوا به من الله الجزيل من ~~الثواب. # قال ابن عباس: أخبر الله أن المؤمن إذا أسلم الأمر إلى الله، ورجع ~~واسترجع عند المصيبة، كتب له ثلاث خصال من الخير: الصلاة من الله، والرحمة، ~~وتحقيق سبيل الهدى. # وقال عمر بن الخطاب في ختم هذه الآية: نعم العدلان، ونعمت العلاوة، ~~فالعدلان: الصلاة والرحمة، والعلاوة: الهداية. # واعلم أن الأحسن في قوله تعالى: {وبشر الصابرين} أن يفسر بالصبر مطلقا ~~بلا تقييد، ليكون المعنى: {وبشر} كل من صبر صبرا محمودا شرعا، لأن حقيقة ~~الصبر، تعارض العقل والشهوة في شيء، فلذلك كان له أسماء يرجع معانيها إلى الصبر: # فإن كان عن شهوة الفرج والبطن سمي: عفة. # وإن كان عند المصيبة سمي: صبرا. وضده: الجزع. # وإن كان في الغنى سمي: ضبط النفس. وضده: البطر. # وإن كان في الحرب سمي: شجاعة. وضده: الجبن. # وإن كان في نائبة مضجرة سمي: سعة صدر. وضده: الضجر. # وإن كان في إخفاء كلام، سمي: كتمانا. وضده: الإعلان. # وإن كان في فضول الدنيا سمي: زهدا. وضده: الحرص. PageV01P403 ### || CHECK مقولة الإمام الرازي في الحكمين اللذين اشتملت عليهما ms356 هذه الآية ### || CHECK مبحث في حقيقة الصبر # وإن كان على يسير من المال سمي: قناعة. وضده: الشره. # وقد جمع الله في كتابه أقسام ذلك، وسمى جميعها صبرا، فقال: # {والصابرين في البأساء} أي: المصيبة. # {والضراء}، أي: الفقر. # {وحين البأس} [البقرة: 177] أي: المحاربة. # قال القفال: ليس الصبر أن لا يجد الإنسان ألم المكروه، ولا أن لا يكره ~~ذلك، إنما هو حمل النفس على ترك إظهار الجزع، وإن ظهر دمع عين، أو تغير ~~لون، ولو ظهر منه أول، ما لا يعد معه صابرا، ثم صبر، لم يعد ذلك سلوانا. # هذا وقد دلت هذه الآية، على أن كل هذه المحن من الله تعالى، خلافا لما ~~يقوله الثنوية: الذين ينسبون الأمراض وغيرها إلى شيء آخر. # وخلافا لقول المنجمين: الذين ينسبونها إلى سعادة الكواكب ونحوسها. # وقال أبو بكر الرازي: اشتملت الآية على حكمين، فرض ونفل. # أما الفرض: فهو التسليم لأمر الله، والرضا بقضائه، والصبر على أداء ~~فرائضه، لا يصرف عنها مصائب الدنيا. # وأما النفل: فإظهار القول: ب {إنا لله وإنا إليه راجعون}، فإن في إظهاره ~~فوائد جزيلة، منها: أن غيره يقتدي به إذا سمعه، ومنها: غيظ الكفار، وعلمهم ~~بجده واجتهاده في دين الله، والثبات عليه وعلى طاعته، انتهى. # وفي قوله تعالى: {أولئك} التي هي أداة البعد، إشارة إلى علو مقام المشار ~~إليهم، وعز مرامهم، ولذا عبر عن هدايتهم بالجملة الإسمية على وجه يفهم ~~الحصر، والصلاة: الإنعام بما يقتضي التشريف، والرحمة: الإنعام بما يقتضي ~~العطف والتحنن، والله الموفق. PageV01P404 ### || CHECK بيان أن هناك ثلاثة أنواع من التكاليف في قوله تعالى: {إن الصفا والمروة من شعائر الله} الآية ### || CHECK التحول من الكلام مع الطاعنين بالإسلام ومحاججتهم وختم ذلك بالهدى والخير والتكليف # ولما فرغ ما قصه الله تعالى مما أراد من أحوال الطاعنين في القبلة، التي ~~هي (قيام للناس) (¬1)، وما استتبع ذلك مما يضطر إليه في إقامة الدين من ~~جدالهم وجلادهم، وختم ذلك بالهدى، شرع في ذكر ما كان البيت به قياما للناس ~~من المشاعر القائدة إلى كل خير، الحامية ms357 عن كل ضير، التي جعلت مواقفها ~~أنموذجا لقيام الناس إلى المحشر، ولا سيما والحج أخو الجهاد في المشقة، ~~والنزوح عن الوطن، فقال: # {إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن ~~يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم (158)}. # فهو كالتعليل لاستحقاق البيت أن يكون قبلة، وأيضا فإن التكليف على ثلاثة أقسام: # أولها: ما يحكم العقل بحسنه في أول الأمر، وقد ذكره تعالى بقوله: اذكروني ~~{أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون (152)} [البقرة] فإن كل عاقل يعلم أن ذكر ~~المنعم بالمدح والثناء والمواظبة على شكره، أمر مستحسن في العقول. # وثانيها: ما يحكم العقل بقبحه في أول الأمر، إلا أنه بسبب ورود الشرع به ~~يسلم حسنه، وذلك مثل إنزال الآلام والفقر والمحن، فإن ذلك كالمستقبح في ~~العقول، لأن الله تعالى لا ينتفع به، ويتألم العبد منه، فكان ذلك ~~كالمستقبح، إلا أن الشرع لما ورد به وبين الحكمة فيه، وهي الابتلاء ~~والامتحان، وهذا هو المشار إليه بقوله: {ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع} ~~[البقرة: 155]، فحينئذ يعتقد المسلم حسنه، وكونه حكما وصوابا. # وثالثها: الأمر الذي لا يهتدي لا إلى حسنه ولا إلى قبحه، بل يراه كالعبث ~~الخالي عن المنفعة والمضرة، وهو مثل الحج من السعي بين الصفا والمروة ~~وغيره. PageV01P405 ### || CHECK معنى الصفا والمروة ومعنى أنها من شعائر الله # فذكر الله تعالى هذا القسم عقيب القسمين الأولين، ليكون قد نبه على جميع ~~أقسام تكاليفه، وذاكرا لكلها على سبيل الاستيفاء والاستقصاء. # هذا وقد روي في ### || AUTO سبب نزول هذه الآية # ، ما أخرجه البخاري ومسلم والترمذي، عن عاصم الأحول، قال: "سألت أنس بن ~~سيرين عن الصفا والمروة، فقال: كانا من شعار الجاهلية، فلما كان الإسلام ~~أمسكنا عنهما، فأنزل الله {إن الصفا والمروة} الآية (¬1)، قال الترمذي: هذا ~~حديث حسن صحيح. # وروى الحاكم وصححه وابن مردويه عن عائشة قالت: "نزلت هذه الآية في ~~الأنصار، كانوا في الجاهلية إذا أحرموا، لا يحل لهم أن يطوفوا بين الصفا ~~والمروة، فلما قدمنا المدينة ذكروا ذلك لرسول الله ms358 - صلى الله عليه وسلم -، ~~فأنزل الله: {إن الصفا والمروة}. # ورواه الطبراني في "الأوسط" عن ابن عباس بنحوه، ورواه عنه بنحوه أيضا ابن ~~جرير وابن أبي داود في "المصاحف"، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، ورواه ابن ~~جرير عن ابن عمر. # و{الصفا} جمع صفاة وهي: الصخرة الملساء، وهو لفظ مفرد، وتثنيته صفوان، ~~وجمعه: أصفاء وصفياء وصفيا. # و{المروة} هي: الحصاة الصغيرة، يجمع قليلها مروات، وكثيرها المرو، مثل ~~تمرة وتمرات وتمر. # والمراد من {الصفا والمروة} الجبلان المعروفان. # وقوله: {من شعائر الله} يعني: من معالم الله التي جعلها لعباده معلما ~~ومشعرا يعبدونه عندها، إما بالدعاء وإما بالذكر، وإما بأداء ما فرض عليهم ~~من العمل عندها. # والحج: القصد. والاعتمار: الزيارة، ثم غلبا على قصد البيت وزيارته ~~للنسكين المعروفين. PageV01P406 ### || CHECK تبيين الأحكام التي تستنبط من هذه الآية: الحكم الأول # وأصل ال {جناح}: الميل إلى الإثم، ثم أطلق على الإثم، يقال: جنح إلى كذا ~~جنوحا، مال، و {تطوع} تفعل من الطوع، وهو الانقياد. # فقوله تعالى: {إن الصفا والمروة من شعائر الله} معناه: أن الطواف بين ~~الصفا والمروة من شعائر الله، أي: من معالمه، فالكلام على حذف مضاف، لأن ~~الجبلين ذاتهما ليسا من شعائر الله، وإذا فسرنا الشعائر بمواضع العبادة، لا ~~نحتاج إلى تقدير مضاف، إذ المعنى حينئذ أن الصفا والمروة من مواضع عبادة الله. # ولما كان الطواف بينهما ليس عبادة مستقلة، إنما يكون عبادة إذا كان بعض ~~حج أو عمرة، بين تعالى ذلك بقوله: {فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح} أي: ~~أثم {عليه أن يطوف بهما} أي: يدور بهما، ويسعى بينهما. # ثم قال تعالى: {ومن تطوع خيرا} أي: من تطوع بالحج والعمرة {فإن الله ~~شاكر} له على تطوعه له بما تطوع به من ذلك ابتغاء وجهه، فمجازيه به {عليم} ~~بما قصد وأراد بتطوعه بما تطوع منه. # هذا ولنذكر الأحكام التي تستنبط من هذه الآية فنقول: # أولها: إن ظاهر قوله تعالى: {فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن ~~يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر ms359 عليم} يشير إلى أن الطواف، أي: ~~السعي بين الصفا والمروة سنة، وإلى هذا ذهب جماعة من السلف، فقد روى ابن ~~جرير عن ابن جريج عن عطاء قال: "لو أن حاجا أفاض بعد ما رمى جمرة العقبة، ~~فطاف بالبيت ولم يسع، فأصابها - يعني امرأته - لم يكن عليه شيء، لا حج ولا ~~عمرة، من أجل قول الله في مصحف ابن مسعود: {فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح ~~عليه أن يطوف بهما} ". قال: ابن جريج: فعاودته بعد ذلك فقلت له: إنه ترك ~~سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "ألا تسمعه يقول: فمن تطوع خيرا" ~~فأبى أن يجعل عليه شيئا. # وقال أنس: الطواف بينهما تطوع، وكان ابن عباس يذهب إلى هذا ويقرأ: فلا ~~جناح عليه أن لا يطوف بينهما. وقال بذلك مجاهد، وعبد الله بن الزبير. PageV01P407 ### || CHECK اختلاف الفقهاء حول أن الأمر هنا بالسعي هل هو للوجوب أم للإستحباب # والقول بأنه سنة، رواية عن الإمام أحمد، نقلها العلامة محمد بن مفلح ~~المقدسي الحنبلي، في كتابه المسمى "بالفروع" فقال في عد أركان الحج: السعي ~~ركن وعنه، أي: الإمام أحمد، يجبره دم، وعنه سنة. # وقال إمام الحنابلة في زمنه القاضي أبو يعلى ابن الفراء في كتابه ~~"التعليق الكبير": السعي ركن في الحج، لا ينوب عنه الدم، في أصح الروايتين، ~~وفيه رواية أخرى، يعني: للإمام أحمد، ليس بركن، وقال أبو حنيفة: يجب بتركه ~~دم. انتهى. # واستدل أصحاب القول الأول، بما رواه الإمام أحمد في "المسند" بسنده إلى ~~حبيبة بنت أبي تجراة (¬1)، إحدى نساء بني عبد الدار، قالت: نظرت إلى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو يسعى بين الصفا والمروة، فرأيته يسعى، ~~وإن مئزره ليدور من شدة السعي، حتى لأقول: إني لأرى ركبتيه، وسمعته يقول: # "اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي" (¬2). ورواه الشافعي أيضا، وصححه ~~الدارقطني. # وبما رواه الإمام أحمد عن صفية بنت شيبة، أن امرأة أخبرتها أنها سمعت ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - بين الصفا والمروة يقول: # "كتب عليكم السعي فاسعوا". # قلت: المرأة المجهولة ms360 هنا حبيبة المتقدمة كما صرح به الشافعي في مسنده. # وحجتهم أن قوله: "اسعوا" أمر، والأمر للوجوب. # واستدل أصحاب القول بان السعي سنة بهذه الآية، فقال: إنها تقتضي أن PageV01P408 ### || CHECK الاحتجاج بالأحاديث والرد عليها # السعي يكون بعد الفراغ من الحج، لأن الله تعالى قال: {فمن حج البيت أو ~~اعتمر} ثم قال: {فلا جناح عليه أن يطوف بهما} فلو كان السعي ركنا لما أثبت ~~له الحج والعمرة قبل وجوده. # وأجاب القائلون بالركن: بأن هذا لا يدل على ما قاله، لأن من قال: من صلى ~~فليقرأ فيها بفاتحة الكتاب، أو فليقرأ فيها من القرآن، لا يدل على أن ~~الصلاة تخلو من القرآن. # وأقول: الفرق بين الآية والمثال، كالصبح ظاهر، لأن الآية ليس فيها تلك ~~الظرفية المذكورة في المثال، ولولاها ما ظهر المعنى الذي أراده المدافع، ~~ألا ترى أنه لو قيل: من صلى فليقرأ بفاتحة الكتاب، يدل على أن القراءة تطلب ~~خارج الصلاة، ولا يتعين المعنى الذي أراده، وقولهم: الأمر للوجوب ليس على ~~إطلاقه، فإن القائل بذلك قال: إن الأمر إما أن يكون مجردا أو مقترنا، فإن ~~كان مقترنا بقرينة تدل على أن المراد به الوجوب أو الندب أو الإباحة، حمل ~~على ما دلت عليه القرينة، وإن كان مجردا عن قرينة، فهو يقتضي الوجوب، وهذا ~~عند أئمة الفقهاء الأربعة، وبعض المتكلمين كأبي الحسين البصري والجبائي، ~~وقال أبو هاشم المعتزلي وجماعة من المتكلمين: هو لمطلق رجحان الفعل، أي: ~~للقدر المشترك بين الوجوب والندب، وقيل: إنه للإباحة، وقيل: بالوقف. # وبعد: فحديث حبيبة، مداره كما قاله أبو بكر ابن المنذر على عبد الله بن ~~مؤمل، وقد قال الإمام أحمد: أحاديثه مناكير. وقال يحيى بن معين مرة عنه: هو ~~ضعيف، ومرة: ليس به بأس، ولم يخرج هذا الحديث أحد من أهل الكتب الستة، وفي ~~إسناده اختلاف، وحديث صفية رواه الدارقطني، وفي سنده منصور ابن عبد الرحمن، ~~قال أبو حاتم: لا يحتج به. وقال يحيى بن معين: هو ثقة، وهو غير مخرج في ~~السنن أيضا، لكن قال الحافظ شمس ms361 الدين محمد بن عبد الهادي، في كتابه "تنقيح ~~التحقيق": قال شيخنا - يعني شيخ الإسلام تقي الدين أحمد ابن تيمية -: هو ~~حديث صحيح الإسناد، ومنصور بن PageV01P409 ### || CHECK بقية الأحكام المستنبطة من الآية # عبد الرحمن ثقة، مخرج له في الصحيحين، وليس هذا بمنصور الغداني (¬1)، هذا ~~ما قاله ابن عبد الهادي. وأيا ما كان، فلا يعارض الآية، ولا يدل على ~~الركنية. # وعندي: أن الآية تدل على أن السعي تطوع في الحج، لقوله تعالى: {فلا جناح ~~عليه أن يطوف بهما} ولقوله: {ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم} فلو كان ~~السعي ركنا لتوعد الله على تركه، كما هو عادة الكتاب العزيز، والحق: أن ~~يترك حكم القرآن على ظاهره، ولا يعدل به إلى التأويل، ليوافق قولا قاله ~~قوم، على أننا لو سلمنا صحة الحديث، فإن الآية تكون قرينة على صرف قوله - ~~صلى الله عليه وسلم -: "اسعوا ... " الذي هو أمر عن الوجوب، فضلا عن ~~الركنية، والحق أحق أن يتبع. # والحكم الثاني: المستنبط من هذه الآية، أن العقل وحده لا يدرك جميع ما هو ~~حسن أو قبيح إلا بواسطة الشرع، ألا ترى أن أفعال الحج يراها العقل كالعبث ~~الخالي عن المنفعة والمضرة، ومنها السعي وقد دلت الآية على أن من فعلها، ~~كان الله له شاكرا لما يفعله الساعي، عالما به، فيجزيه أحسن الجزاء، على ~~فعله، وهذا هو المقصود من النفع شرعا. # والحكم الثالث: أن قوله تعالى: {فمن حج البيت أو اعتمر} يدل على أن السعي ~~ليس عبادة تامة في نفسه، وإنما يصير عبادة إذا صار بعضا من أبعاض الحج، ~~ولهذا السر بين الله الموضع الذي يصير فيه السعي عبادة. # والحكم الرابع: أن قوله تعالى: {فإن الله شاكر} يدل على أن طاعة العبد ~~مقبولة عند الله تعالى، وواقعة موقع القبول في أقصى الدرجات. # ودل قوله: {عليم} على أن العمل لا بد من الإخلاص فيه، فإن الله عليم بفعل ~~العبد، إن أخلص العمل له أثابه عليه، وإلا وكله لمن عمل له من الأغيار. # والحكم الخامس: دلت الآية على أن ms362 الطواف إنما يكون بالصفا والمروة، فمن ~~سعى بينهما من غير صعود عليهما لم يعد طائفا، ودلت الآية أيضا على مطلق PageV01P410 ### || CHECK اختلاف فيمن نزلت آية {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات} # الطواف، لا على كيفية ولا عدد، غير أن الأحاديث الصحيحة هي التي تعين ~~ذلك، ولها محل تذكر فيه، وليس هنا محل استقصائها (¬1). # ولما تقدم أن بعض أهل الكتاب يكتمون ما يعلمون من هذا الحق، وختم ما ~~أتبعه له بصفتي الشكر والعلم، ترغيبا وترهيبا بأنه يشكر من فعل ما شرعه له، ~~ويعلم من أخفاه، وإن دق فعله، وبالغ في كتمانه، انعطف الكلام إلى تبكيت ~~المنافقين منهم والمصارحين، ولعنهم على كتمانهم ما يعلمونه من الحق، إذ ~~كانت هذه كلها في الحقيقة قصصهم، والخروج إلى غيرها، إنما هو استطراد على ~~الأسلوب الحكيم المبين، لأن هذا الكتاب هدى. # وكان السياق مرشدا إلى أن التقدير بعد قوله {شاكر عليم}، ومن أحدث شرا ~~فإن الله عليم قدير، فوصل به استئناف قوله على وجه يعمهم وغيرهم: # {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في ~~الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون (159)}. # فقوله تعالى: {إن الذين يكتمون} بيان لجزائهم، وبقوله: {ما أنزلنا} ~~انتظمت هذه الآية في ختمها لهذا الخطاب، بما مضى في أوله من قوله: {ولا ~~تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون} [البقرة: 42] فكانت ~~البداية خاصة، وكان الختم عاما، ليكون ما في كتاب الله أمرا، على نحو ما ~~كان أمر محمد - صلى الله عليه وسلم -، ومن تقدمه من الرسل خلقا، لينطبق ~~الأمر على الخلق بدءا وختما انطباقا واحدا، فعم كل كلام من الأولين (¬2) ~~والآخرين، قاله الحرالي. # فقوله: وكان الختم عاما، هو ما يدل عليه سياق الكلام، من أن الآية تتناول ~~كل من كتم شيئا من الدين؛ وهو أولى مما يقوله كثير من المفسرين، من أنها ~~نزلت في اليهود خاصة، ومن أنها نزلت في اليهود والنصارى، وذلك لأن اللفظ ~~عام، والعارض الموجود، وهو نزوله عند سبب معين، لا يقتضي الخصوص، لأن ms363 PageV01P411 # العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولأن جماعة من الصحابة حملوا هذا ~~اللفظ على العموم، فقد أخرج البخاري وابن ماجه، والحاكم وابن سعد، وعبد بن ~~حميد وابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن أبي هريرة قال: "لولا آيتان ~~من كتاب الله، ما حدثت حديثا بعد أن قال الناس: أكثر أبو هريرة"، وفي لفظ: ~~"ما حدثت أحدا بشيء أبدا"، ثم تلا: {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات ~~والهدى} الآية. # وقال ابن جرير: وهذه الآية، وإن كانت نزلت في خاص من الناس، فإنها معني ~~بها كل كاتم علما فرض الله بيانه للناس، وذلك نظير الخبر الذي روي عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال: "من سئل عن علم يعلمه فكتمه، ألجم ~~يوم القيامة بلجام من نار" انتهى. # قلت: والحديث أخرجه أبو يعلى والطبراني بسند صحيح عن ابن عباس، بلفظ: "من ~~سئل عن علم فكتمه، جاء يوم القيامة ملجما بلجام من نار" (¬1). ورواه أيضا ~~الترمذي وابن ماجه، وعبد بن حميد والحاكم، عن أبي هريرة مرفوعا بلفظه، إلا ~~أنه قال: "من سئل عن علم عنده". ورواه ابن ماجه عن أنس بنحوه، والطبراني عن ~~ابن مسعود مرفوعا. # وقوله تعالى: {من البينات والهدى} أريد ب {البينات} التي لا يحتاج سامعها ~~المجرد عن الهوى في فهمها إلى شيء معها، و {والهدى} هو: الذي من شأنه أن ~~يقود من أحسه (¬2) إلى صراط مستقيم، ولما كان المراد الترهيب من الكتمان في ~~وقت ما ولو قل، أثبت الجار فقال: {من بعد ما بيناه للناس} أي: الذين هم في ~~أدنى طبقات المخاطبين، وفيه تبكيت عظيم لبني إسرائيل، فإنهم من أعظم ~~المقصودين بذلك، لكتمانهم ما عندهم. PageV01P412 ### || CHECK ذكر ما قاله الإمام الرازي في قوله تعالى: {ما أنزلنا من البينات} ### || CHECK جزاء من يكتم العلم ### || CHECK الإشارة إلى أن ما بينه الله تعالى في كتابه لا يحل كتمانه # وقوله: {في الكتاب} إشارة إلى أن ما بينه الله في الكتاب لا يحل كتمه، ~~لما ذكر من أن الكتاب هو ما ms364 احتوى على الأحكام والحدود، بخلاف ما يختص ~~بالفرقان، أو يعلو إلى رتبة القرآن، ولما كان المضارع دالا على التجديد ~~المستمر، وكان الإصرار المتصل بالموت دالا على سوء الجبلة، أسقط فاء السبب ~~إشارة إلى استحقاقهم للخزي في نفس الأمر، من غير نظر إلى سبب، فقال: ~~{أولئك} أي: البغضاء البعداء {يلعنهم الله} أي: يطردهم {ويلعنهم اللاعنون} ~~أي: كل من يصح منه لعن. # وقد دلت هذه الآية بظاهرها على استحقاق اللعنة على من كتم ما أنزل الله، ~~وإن لم يسأل عنه، بل يجب التعليم والتبيين، وإن لم يسألوا {وإذ أخذ الله ~~ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه} [آل عمران: 187]. # وقال الرازي: قوله تعالى: {ما أنزلنا من البينات} يعم كل ما أنزله على ~~الأنبياء كتابا ووحيا، دون أدلة العقول، وقوله تعالى: {والهدى} يدخل فيه ~~الدلائل العقلية والنقلية، قال: واعلم أن الكتاب لما دل على أن خبر الواحد، ~~والإجماع، والقياس حجة، فكل ما يدل عليه أحد هذه الأمور، فقد دل عليه ~~الكتاب، فكان كتمانه داخلا تحت الآية، فثبت أنه تعالى توعد على كتمان ~~الدلائل السمعية والعقلية، وجمع بين الأمرين في الوعيد، فهذه الآية تدل على ~~أن من أمكنه بيان أصول الدين بالدلائل العقلية لمن كان محتاجا إليها، ثم ~~تركها، أو كتم شيئا من أحكام الشرع مع شدة الحاجة إليه، فقد لحقه الوعيد ~~العظيم. انتهى. # قلت: وخصوصا في زمننا هذا، فإن أولي المعارف من أهله، كادوا لا يعرفون ~~إلا الأدلة العقلية، أشد مما كان عليه القوم أيام الرازي والغزالي، فلذلك ~~كانت معرفة العلوم العقلية على نمط مصطلح أهل هذا الزمن، وترتيب الأدلة على ~~مقتضاها من ألزم ما يحتاجه صاحب العلم، والمدرس والمؤلف. # وقال ابن حزم رحمه الله تعالى: الحظ لمن آثر العلم، وعرف فضله، أن PageV01P413 ### || CHECK ذكر طريق التوبة في قوله تعالى: {إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا} الآية # يستعمله جهده، ويقرنه بقدر طاقته، ويحققه ما أمكنه، بل لو أمكنه أن يهتف ~~به على قوارع طرق المارة، ويدعو إليه في شوارع السابلة، وينادي عليه في ms365 ~~مجامع السيارة، بل لو تيسر له أن يهب المال لطلابه، ويجري الأجور لمقتبسيه، ~~ويعظم الأجعال للباحثين عنه، ويسني مراتب أهله، صابرا في ذلك على المشقة ~~والأذى، لكان ذلك حظا جزيلا، وعملا جيدا، وسعدا كريما، وإحياء للعلم، وإلا ~~فقد درس وطمس، ولم يبق منه إلا آثار لطيفة، وأعلام دائرة، انتهى كلامه. # ولما بين تعالى عظيم الوعيد في {إن الذين يكتمون ما أنزل الله} [البقرة: ~~174]، كان يجوز أن يتوهم أن الوعيد يلحقهم على كل حال، فبين تعالى أنهم إذا ~~{تابوا} تغير حكمهم، ودخلوا في أهل الوعد، فقال: # {إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم ~~(160)}. # فقوله: {إلا الذين تابوا} استثناء متصل، والتوبة عبارة عن الندم على فعل ~~القبيح، لا لغرض سواه، لأن من ترك رد الوديعة، ثم ندم عليه؛ لأن الناس ~~ذموه، أو لأن الحاكم رد شهادته، لم يكن تائبا، وكذلك لو عزم على رد كل ~~وديعة، والقيام بكل واجب، لكي تقبل شهادته، أو يمدح بالثناء عليه، لم يكن ~~تائبا، وهذا معنى الإخلاص في التوبة. # ثم بين تعالى: أنه لا بد له بعد التوبة من إصلاح ما أفسده، مثلا لو أفسد ~~على غيره دينه بإيراد شبهة عليه، يلزمه إزالة تلك الشبهة. # ثم بين ثالثا: أنه بعد ذلك يجب عليه فعل ضد الكتمان، وهو البيان لما ~~كانوا كتموه فظهرت توبتهم بالإقلاع، وهو المراد بقوله: {وبينوا} فدلت هذه ~~الآية على أن التوبة، لا تحصل إلا بترك كل ما لا ينبغي، وبفعل كل ما ينبغي. # وقوله تعالى: {فأولئك} إشارة إلى من جمع هذه الأوصاف من التوبة والإصلاح ~~والتبيين، {أتوب عليهم} أي: أقبل توبتهم فأحفظهم. # ولما كان من شأن الإنسان معاودة الذنوب لصفة النسيان، ختم الآية بما دل PageV01P414 ### || CHECK كيف يكون اللعن في قوله تعالى: {أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين} ### || CHECK معنى قوله تعالى: {إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار} الآية # على أن التقدير: فإني أحب التوابين، فقال: {وأنا التواب} أي: مرة بعد ~~مرة، لمن كر على الذنب، ثم راجع، كرة ms366 إثر كرة {الرحيم} لمن فعل ما يرضيني، ~~وختم تعالى هذه الآية بهذين الاسمين الشريفين، ترغيبا في التوبة، وإشعارا ~~بأن هاتين الصفتين هما له، فمن رجع إليه عطف عليه ورحمه، وأنه يقبل توبة ~~التائبين بعد التفريط العظيم منهم. # ولما لعن تعالى الكاتمين، واستثنى التائبين، ذكر المصرين معبرا عن ~~كتمانهم بالكفر، لتعم العبارة كل كافر فقال: # {إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس ~~أجمعين (161) خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون (162)}. # ظاهر هذه الآية العموم في حق كل من كان كذلك؛ وهو المشار إليه بقول أبي ~~العالية وقتادة والسدي؛ كما رواه عنهم عبد بن حميد؛ وإليه ذهب ابن جرير فقال: # يعني تعالى ذكره بقوله: {إن الذين كفروا} إن الذين جحدوا نبوة محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - وكذبوا به من اليهود والنصارى، وسائر أهل الملل والمشركين ~~من عبدة الأوثان، {وماتوا وهم كفار}، يعني: {وماتوا وهم} على جحودهم ذلك، ~~وتكذيبهم محمدا - صلى الله عليه وسلم -، {أولئك عليهم لعنة الله ~~والملائكة}، أي: أبعدهم الله وأسحقهم من رحمته، ولعنتهم الملائكة أجمعون. # وقال قتادة: يعني بقوله: {والناس أجمعين} المؤمنين؛ وبه قال الربيع؛ وقال ~~أبو العالية: هذه اللعنة تكون يوم القيامة، حيث يقف الكافر على رؤوس ~~الأشهاد، فيلعنه الكل. # ثم قال ابن جرير: والصواب: أن لعن جميع الناس إياهم، هو قولهم: لعن الله ~~الظالم أو الظالمين، فإن كل أحد من بني آدم لا يمنع من قيل ذلك، كائنا من ~~كان، ومن أي ملة كان، فيدخل بذلك في لعنته كل كافر، كائنا من كان. انتهى. # وبهذا يتحصل الجواب عما عساه يقال: وكيف تكون اللعنة على من مات PageV01P415 # كافرا بمحمد - صلى الله عليه وسلم -، من جميع الأمم، وأكثرهم ممن لا يؤمن ~~به ولا يصدقه؟ # وأما قول قتادة المخصص للناس بالمؤمنين؛ - (وقول الزمخشري متابعا له، حيث ~~قال: فإن قلت: ما معنى قوله {والناس أجمعين}؟ وفي الناس المسلم والكافر، ~~قلت: أريد بالناس من يعتد بلعنه، وهم المؤمنون. انتهى) - فهو قول ظاهر ~~التنزيل بخلافه، ولا برهان ms367 على حقيقته من خبر ولا نظر، فإن كان ظن أن ~~المعني به المؤمنين، من أجل أن الكفار لا يلعنون أنفسهم ولا أوليائهم، فإن ~~الله قد أخبر أنهم يلعنونهم في الآخرة، ومعلوم منهم أنهم يلعنون الظلمة، ~~وداخل في الظلمة كل كافر بظلمه نفسه، وجحوده نعمة ربه، ومخالفته أمره. # وذكر تعالى لعنته لهم أولا، ثم ثنى بالملائكة لما في النفوس من عظم ~~شأنهم، وعلو منزلتهم وطهارتهم، ثم ثلث بالناس لأنهم من جنسهم، فهو شاق ~~عليهم، لأن مفاجأة المماثل من يدعي المماثلة بالمكروه، أشق، بخلاف صدور ذلك ~~من الأعلى. # وقوله: {خالدين فيها} أي: في اللعنة، لا يخفف عنهم العذاب لاستعلاء اللعن ~~عليهم، وإحاطته بهم. وهم لا {ينظرون}، أي: لا يمهلون، ولا يؤجلون، فالفعل ~~مشتق من الإنظار؛ أو لا ينتظرون ليعتذروا، أو لا ينظر إليهم نظر رحمة، وفي ~~الآية دليل على أنه لا يجوز لعن كافر معين، لأن حاله عند الوفاة لا تعلم، ~~فلعله يموت على الإسلام، وقد شرط الله في هذه الآية إطلاق اللعنة على من ~~مات على الكفر. # ولما أفاض تعالى عليهم ما أفاض من بحار الحجاج، وقرر ما أراد من شرائع ~~الإسلام، وأرشد هذا السياق المذكور فيه ثواب المطيع، وعقاب العاصي، إلى أن ~~التقدير ف {إلهكم إله واحد} لا شريك له يدافعه عما يريد، لا إله إلا هو ~~المنتقم من أعدائه، العظيم في كبريائه، عطف عليه مكررا الزاجر لكل منافق ~~وفاجر، ومذكرا بالعاطف لكل موافق مؤالف، قوله: # {وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم (163)}. PageV01P416 ### || CHECK معنى التوحيد في قوله تعالى: {وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم} # بين بقوله {إله واحد}، أن الوحدة معتبرة في نفس الأمر في الإله الحق، فلا ~~يصح أصلا أن يكون منقسما بالنوع، ولا بالشخص، ولا بالوصف، ولا بالفعل، ولا ~~بغير ذلك بوجه من الوجوه، وإليه هذا الإشارة بإعادة لفظ الإله، وأنه هو ~~الواحد الذي لا ينقسم بوجه من الوجوه، لا بمجانسة ولا بغيرها؛ وهو مع ذلك ~~{لا إله إلا هو}، فهذا تقرير ms368 للوحدانية بنفي غيره وإثباته، فلا يصح بوجه، ~~ولا يمكن في عقل أن يصلح للألوهية غيره أصلا، فلا يستحق العبادة إلا هو، ~~لأنه {الرحمن}، أي: العام الرحمة بالنعم الدنيوية الزائلة لأوليائه وأعدائه ~~{الرحيم}، أي: المخصص بالنعم الباقية لأوليائه، فثبت للتفرد بالألوهية، أنه ~~حائز لجميع العظمة، وبيده مجامع الكبرياء والقهر، وبوصفي (¬1) الرحمة، أنه ~~مفيض لجلائل النعم ودقائقها، فكل ما سواه إما نعمة، أو منعم عليه، فهو ~~المخشي سطوته، المرجى رحمته، أن يعترض عليه في شيء من ذلك. # قال البرهان البقاعي، في كتابه "نظم الدرر": ولا يبعد عندي، وإن بعد ~~المدى، أن تكون الواو في قول {وإلهكم}، عاطفة على قوله في أوائل السورة، ~~{وهو بكل شيء عليم}، قبل قوله: {وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض ~~خليفة} فإن التوحيد هو المقصود بالذات، وعنه تنشأ جميع العبادات، فلما قال ~~أولا: {ياأيها الناس اعبدوا ربكم} أتبعه في قوله: {الذي خلقكم} إلى آخره، ~~بوصف هو دليل استحقاقه للعبادة، فلما قام الدليل قال: {فلا تجعلوا لله ~~أندادا} إعلاما بأنه لا شريك له في العبادة، كما أنه قد تبين أنه لا شريك ~~له في الخلق، ثم أتبعه بما يليق بذلك المقام، مما تقدم التنبيه عليه؛ ثم ~~رجع إليه قائلا ثانيا: {كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم} [البقرة: ~~28] إلى آخرها، فأعاد الدليل على وجه أبين من الأول وأبسط، فلما تقرر على ~~وجه لا مطعن فيه أمر الوحدانية والإعادة، كان الأنسب ما أولاه من الآيات ~~السابقة، لما ذكر فيها من غير ذلك من المهمات؛ إلى أن صار إلى ذكر الكاتمين ~~والتائبين والمصرين، وذكر ما أعد لكل من الجزاء، PageV01P417 ### || CHECK ذكر إشارة لطيفة لصاحب كتاب "مفتاح الباب المقفل" في قوله تعالى: {وإلهكم} ### || CHECK رأي البرهان البقاعي في عطف الواو في قوله تعالى: {وإلهكم} # فأتبع ذلك هذه الآية عاطفا لها على ما ذكرته، على وجه أصرح مما تقدم في ~~إثبات التوحيد، بيانا لما هو الحق، وإشارة إلى أنه تعالى ليس كملوك الدنيا، ~~الذين قد يحول بينهم وبين إثابة بعض الطائعين، وعقوبة ms369 بعض العاصين، بعض ~~أتباعهم، فإنه واحد لا كفؤ له، بل ولا مداني، فلا مانع لنفوذ أمره؛ ولا ~~يستنكر تجويز هذا العطف، لأنه جرت عادة البلغاء، أن أحدهم إذا أراد إقامة ~~الحجة على شيء، لأمر يرتبه عليه، أن يبدأ بدليل كاف، ثم يتبعه تقريب ~~الثمرات المجتناة منه، ثم يعود إلى تأكيده على وجه آخر، لتأنس به النفوس، ~~وتسر به القلوب. # وربما كان الدليل طويل الذيول، كثير الشعب، فيشرح كل ما يحتاج إليه من ~~ذيوله، وما يستتبعه من شعبه، فإذا استوفى ذلك، ورأى أن الخصم لم يصل إلى ~~غاية الإذعان، أعاد له الدليل على وجه آخر عاطفا له على الوجوه الأول، ~~تذكيرا بما ليس بمستنكر، ذلك في مجاري عاداتهم، ومباني خطاباتهم. انتهى. # وهو تدقيق بديع، واستنباط حسن، وهنا إشارة ألطف، أبداها صاحب كتاب "مفتاح ~~الباب المقفل" حاصلها: أنه لما كان مضمون الكتاب دعوة الخلق إلى الحق، ~~والتعريف بحق الحق على الخلق، وإظهار مزايا المصطفين من الملائكة والأنبياء ~~والرسل، ومن سار بسيرهم، واقتدى بهم، وإقامة الحجة بذلك على من دونهم في ~~إلزامهم اتباعهم، وكان الضار للخلق إنما هو الشتات، كان النافع لهم إنما هو ~~الوحدة، فلما أظهر لهم تعالى مرجعهم إلى أبوة آدم في جمع الذرية، ووحدة ~~أبوة ابراهيم في جمع الإسلام، ووحدة أحمدية محمد - صلى الله عليه وسلم -، ~~في جمع الدين، فاتضح لهم عيب الشتات والتفرق، وتحقق لهم شاهد النفع في ~~الجمع إلى وحدات، كان ذلك آية على أعظم الانتفاع بالرجوع إلى وحدة الإلهية ~~في أمر الحق، وفي إفهام ذلك وحدات ما بطن في ظاهر الوحدات الظاهرة، من وحدة ~~الروح، ووحدة النفس والعقل، فقال تعالى عطفا على ما ظهر بناؤه من الوحدات ~~الظاهرة، وما أفاده إفهامها من الوحدات الباطنة: {وإلهكم إله واحد} فإذا ~~قبح الشتات مع وحدة الأب الوالد فكيف به مع وحدة أب الدين، فكيف به مع وحدة ~~النبي المكمل، فكيف به مع وحدة الإله الذي هو الرحمن الرحيم. هذا ولما اطلع PageV01P418 ### || CHECK ذكر ثمانية دلائل يستدل بها على وجوده تعالى ms370 وذلك بقوله تعالى: {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار} الآية ### || CHECK مبحث في الوحدانية # البقاعي على هذه الإشارة، وزين بها كتابه، وأطال بها، أقدم على ما ذكره ~~سابقا من العطف، وانفتح له ذلك الباب المقفل. # ثم اعلم أن الحق تعالى واحد باعتبارين: # أحدهما: أنه ليست ذاته مركبة من [اجتماع] (¬1) أمور كثيرة. # والثاني: أنه ليس في الوجود ما يشاركه في كونه واجب الوجود، وفي كونه ~~مبدأ (¬2) لوجود جميع الممكنات. # وإنما خص تعالى هذا الموضع بذكر {الرحمن الرحيم}، لأن ذكر الإلهية ~~والفردانية يفيد القهر والعلو، فعقبهما بذكر هذه المبالغة في الرحمة، ~~ترويحا للقلوب عن هيبة الإلهية، وعزة الفردانية، وإشعارا بأن رحمته سبقت ~~غضبه، وأنه ما خلق الخلق إلا للرحمة والإحسان. # ولما حكم تعالى بالفردانية والوحدانية، ذكر ثمانية أنواع من الدلائل التي ~~يمكن أن يستدل بها على وجوده تعالى أولا، وعلى توحيده وبراءته عن الأضداد ~~والأنداد ثانيا، فقال: # {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في ~~البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد ~~موتها PageV01P419 ### || CHECK بيان العلوم الأربعة التي أرشدت إليها هذه الآية الكريمة # {وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض ~~لآيات لقوم يعقلون (164)} # هذا الاستدلال إنما هو استدلال بالأثر على المؤثر، وبالصنعة على الصانع، ~~فأرشدنا تعالى للاستدلال بهذا الخلق الغريب، والبناء العجيب، وعرفنا طريق ~~النظر، وفيما ننظر، فبدأ أولا بذكر العالم العلوي فقال: {إن في خلق ~~السماوات} وخلقها: إيجادها واختراعها، أو: خلقها وتركيب أجرامها، وائتلاف ~~أجزائها، من قولهم خلق فلان حسن، أي: خلقته وشكله؛ ثم ثنى بالعالم السفلي ~~فقال: {والأرض}؛ ثم ثلث بما بينهما، فأرشدت الآية إلى النظر في عدة علوم: # أحدها: علم الهيئة الذي يبحث في العلويات، من حيث تشريحها وسير شموسها ~~وأقمارها ونجومها وحركاتها، وما يتصل بذلك مما هو من متعلقات هذا الفن. # وثانيها: فن المواليد الثلاثة، وفن طبقات الأرض، ففي تلك الطبقات تكون ~~المعادن بأنواعها من الجامد والسائل والمنطرق، وغير ms371 ذلك، وهذا من المواليد أحدها. # وفي قوله: {فأحيا به الأرض بعد موتها} يشير إلى فن النبات بأنواعه، ~~كالزراعة وخواص النبات، وما يتولد منه من الأدوية والصباغ، والفواكه ~~والثمرات، والحبوب المغذية وغير المغذية، والبزور؛ فقد شمل فن الصيدلة إذا ~~انضم إليه المعادن؛ وفن العطارة؛ وفنونا أخرى لا تخفى على الناظر. # وثالثها: فن الحيوان بأجمعه، المشار إليه بقوله: {وبث فيها من كل دابة} ~~إذ الدابة في الأصل كل ما يدب على الأرض، فتشمل سائر الحيوانات. # ورابعها: علم الأحوال الجوية، المشار إليه بقوله تعالى: {وتصريف الرياح ~~والسحاب} الآية. # فهذه الفنون، وما ينضم إليها مما هو تتمات لها، كالهندسة والحساب، ~~المتعلقين بفن الهيئة، وما يتوصل به إلى غيرها، كلها دلائل على أنه PageV01P420 ### || CHECK الكلام عن الأفلاك والكواكب # تعالى {إله واحد لا إله إلا هو} [البقرة: 163]، ولكن ليست هذه الدلائل ~~إلا {لقوم يعقلون}، فأولئك هم الذين يطرحون التعصب جانبا، ويدأبون على ~~إدراك الحقيقة، ثم إذا جعلوا المذكورات دلائل تدلهم على الهدى والصراط ~~المستقيم، أوصلتهم إلى النتيجة الصحيحة، وهي: أن الخالق لها، هو الإله الذي ~~{لا إله إلا هو الرحمن الرحيم}. # وأدرج تعالى في غضون ذلك فن الاجتماع البشري، المعبر عنه بعلم العمران، ~~أو سياسة المدينة أو المدنية، وذلك في قوله تعالى: {والفلك التي تجري في ~~البحر بما ينفع الناس} فأرشد تعالى إلى أن هذا من جملة الدلائل الدالة على ~~وجوده، وإفراده بالوحدانية، كما سنشرحه أثناء الكلام على هذه الآية. # فقوله تعالى: {إن في خلق السماوات} أي: في النظر في تركيب أجرامها، ~~وائتلاف أجزائها، وإبداعها ذلك الإبداع الغريب، {لآيات}، فالآية تدل على ~~أنه لا بد من الاستدلال على وجود الصانع بالدلائل العقلية، وأن التقليد ليس ~~طريقا البتة إلى تحصيل هذا الغرض، وكم فى القرآن من آيات تدل على ذلك، ~~وتشير إليه. # وقد حكى ابن الخطيب في تفسيره "مفاتيح الغيب": أن عمر بن الخيام، كان ~~يقرأ كتاب "المجسطي" على عمر الأبهري، فقال له بعض الفقهاء يوما: ما الذي ~~تقرؤه؟ فقال: أفسر آية من القرآن، وهو قوله تعالى: ms372 {أفلم ينظروا إلى السماء ~~فوقهم كيف بنيناها} [ق: 6] فأنا أفسر كيفية بنيانها، قال ابن الخطيب: ولقد ~~صدق الأبهري فيما قال، فإن كل من كان أكثر توغلا في بحار مخلوقات الله ~~تعالى، كان أكثر علما بجلال الله وعظمته. انتهى. # فأما ترتيبها فمما وقفت فيه العقول حيرى، فبذل المتقدمون جهدهم، حتى ~~حصروا الأفلاك في سبع على عدد النجوم السيارة، وأثبتوا بالطرق العلمية أن ~~كل أسفل يكسف الأعلى من تلك الكواكب، وبتلك الطريقة عرفوا الأعلى من PageV01P421 # الأسفل، والمتأخرون المنتصرون لمذهب (فيثاغورث) خالفوا في سير الشمس ~~ودورانها، فجعلوها مركزا تدور عليه الكوكب، وجعلوا الأرض دائرة حول الشمس ~~كبقية الكواكب. # وادعى بعض المتأخرين منهم، أنه اكتشف كوكبا ثامنا للسيارات، وسماه ~~"نبتون" باسم مكتشفه. # والذي يلوح لي: أن هذا الكوكب هو الذي يعبر عنه الأقدمون بفلك الثوابت، ~~وهو كثير الذكر في كتب الهيئة، وقد بقي عليهم فلك آخر، لم يكتشفوه، وهو فلك ~~الأفلاك، والفلك الأعظم والأطلس، وقالوا: إنه محيط بجميع الأجسام، وليس ~~وراءه شيء، لا خلاء ولا ملا؛ ولقد سبق القرآن الكريم إلى ذكر هذين ~~الكوكبين، فقوله تعالى: {وسع كرسيه السماوات والأرض} [البقرة: 255] يشير ~~إلى الثامن؛ وقوله تعالى: {الرحمن على العرش استوى (5)} [طه] يشير إلى ~~التاسع. # وحيث إن العقول وقفت حيرى دون الاطلاع على حقيقة تلك الأفلاك، وما تضمنته ~~من السيارات وغيرها، واختلفت آراء أقوام ادعوا أنهم حازوا القدح المعلى في ~~معرفة الأفلاك، فقوم قالوا: بأن هذه السيارات سائرة في فضاء غير متناه؛ ~~وقوم قالوا: إن لها أفلاكا مركوزة هي في ثخنها، دل ذلك على أن لها خالقا ~~صانعا مختارا لا تدرك كنه حكمته، ولا يمكن الاطلاع على حقيقة ما أودعه في ~~كونه، وأن من رام معرفة تلك الحقيقة، تاه في ديجور الأوهام، ويمكن أن يأتي ~~زمان ترتقي فيه الأرصاد إلى اكتشاف ما هو أعلى من نبتون، فسبحان من حبرت ~~حكمته العقول. # ومن جملة الحيرة في هذا المكان، ما قاله ابن سينا في "الشفا": من أنه لم ~~يتبين لي إلى الآن، أن كرة الثوابت كرة واحدة، ms373 أو كرات منطبق بعضها على بعض. # وقال غيره: إن الذي ذكره الرئيس في كرة الثوابت، قائم في جميع الكرات، PageV01P422 ### || CHECK ذكر بعض الدلالات الواضحات والآيات البينات على عظم قدرة الله سبحانه وتعالى # فلا يمكن الجزم بوحدة الكرة المتحركة بالحركة اليومية، فلعلها كرات كثيرة ~~مختلفة في مقادير حركاتها بمقدار قليل جدا، لا تفي بضبط ذلك التفاوت ~~أعمارنا، وبعضهم أثبت كرة بين كرة الثوابت والفلك الأعظم، ولا يحيطون بشيء ~~من علمه إلا بما شاء، فهذا الذي علموه، والذي سيعلمونه، هو مما شاء سبحانه ~~وتعالى، ولقد نقل لنا أن أحد فلاسفة الفرنجة في زمننا، كتب في مجلة [من] ~~المجلات الفرنسوية ما معناه: نحن لا نحتاج اليوم مطلقا لمعجزات وخوارق ~~وعادات، تثبت لنا وجود الخالق، وتحثنا على العبادة، والإخبات لله، فإن هذا ~~الكون البديع الذي لا نهاية له من وجهتيه، هو بالنسبة لنا المعجزة الخالدة ~~التي تصلح لإيقاظ عاطفة الدين في أفئدتنا أكثر من المعجزات السابقة، وأطال ~~في هذا المعنى. # فانظر كيف تنطبق هذه الآية التى نحن بصدد تفسيرها على مطلوب روح كل عصر ~~تمام الانطباق، وتتفق على ما تنشده العقول الصحيحة كمال الاتفاق، وهذا بحث ~~طويل لا يهتدي إلى نتيجته إلا العقول المفاض عليها هداية الله تعالى. # فالأرض والبحار والهواء وكل ما تحت السماوات، بالإضافة إلى السماوات، ~~كقطرة في بحر، قال تعالى: {أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها (27) رفع سمكها ~~فسواها (28)} [النازعات] ولهذا قل أن تجيء سورة في القرآن، إلا وفيها ذكر ~~السماوات، إما إخبارا عن عظمتها وسعتها، وإما إقساما بها، وإما دعاء إلى ~~النظر فيها، وإما إرشادا للعباد أن يستدلوا بها على عظمة بانيها ورافعها، ~~وإما استدلالا منه سبحانه بخلقها، على ما أخبر به من المعاد والقيامة، وإما ~~استدلالا منه بربوبيته لها على وحدانيته، وأنه هو الذي لا إله إلا هو، وإما ~~استدلالا منه بحسنها واستوائها والتئام أجزائها، وعدم الفطور فيها على تمام ~~حكمته وقدرته، وكذلك ما فيها من الكواكب، والشمس والقمر، والعجائب التي ~~تتقاصر عقول البشر عن قليلها، فكم من قسم ms374 في القرآن بها، كقوله: {والسماء ~~ذات البروج} - {والسماء والطارق} - {والسماء وما بناها} - {والسماء ذات ~~الرجع} - {والشمس وضحاها} - {والنجم إذا هوى} - و {النجم الثاقب} - {فلا ~~أقسم بالخنس} وهي الكواكب التي تكون خنسا عند طلوعها، PageV01P423 # جواري في مجراها ومسيرها، كنسا عند غروبها، فأقسم بها في أحوالها ~~الثلاثة، ولم يقسم في كتابه بشيء من مخلوقاته، أكثر من السماء والنجوم ~~والشمس والقمر، وهو سبحانه يقسم بما يقسم به من مخلوقاته، لتضمنه الآيات ~~والعجائب الدالة عليه. # وكل ما كان أعظم آية، وأبلغ في الدلالة، كان إقسامه به أكثر من غيره، ~~ولهذا يعظم سبحانه هذا القسم كقوله: {فلا أقسم بمواقع النجوم (75) وإنه ~~لقسم لو تعلمون عظيم (76)} [الواقعة] والأظهر: أن المراد مواقع هذه النجوم ~~التي هي في السماء، فإنه تعالى لم يطلق لفظ النجوم في كتابه العزيز إلا ~~عليها، فلقد تعرف تعالى إلى خلقه بأنواع التعرفات، ونصب لهم الدلالات، ~~وأوضح لهم الآيات البينات، {ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة} ~~[الأنفال: 42]. # ثم إنه تعالى بعد أن نبهنا إلى عظم خلق السماوات، نبهنا إلى عظم خلق ~~الأرض، فإن من تأمل - في شكلها من الاستدارة، وفي حيزها من كونها واقعة في ~~مركز العالم، على ما ذهب إليه الأكثر، حتى انبعث منها بوقوع الشمس عليها ~~مخروط ظلي في مقابلة الشمس، متى وقع القمر فيه انخسف، ومن انكشاف بعضها عن ~~كرة الماء لمكان الاستقرار عليها، وفي اختلاف أوضاع بقاعها بالنسبة إلى ~~السماء، حتى اختلف مرور الشمس وسائر الكوكب، بسمت رؤوس قطان البلدان، ~~وتباينت الفصول والأمزجة والأخلاق، وتغايرت الطوالع والمطالع بحسب تغاير ~~الآفاق، ومن سائر أعراضها ومنافعها التي تقرر طرف منها في تفسير قوله: ~~{الذي جعل لكم الأرض فراشا} [البقرة: 22]- علم افتقارها إلى مدبر قدير ~~وعليم خبير، واحد في ملكه، يفعل ما يشاء ويختار، هذا إذا نظر إليها نظرا ~~سطحيا، وأما إذا نظرنا إلى ذلك نظرا حقيقيا، ورأينا ما أودع في جوفها من ~~أنواع المعادن التي يفنى الزمان ولا تفنى عجائبها، فإننا نزداد معرفة ~~بعجائب قدرة الله تعالى، فانظر ms375 إلى تولد الأحجار الفحمية في جوفها، التي عم ~~نفعها العالم في صنائعه، وسفنه البرية والبحرية، PageV01P424 ### || CHECK مبحث في علم الأرض مما تكونت وكيف تكونت # وإلى الأبخرة المنبعثة من جوفها المسماة بالغازات، وإلى اشتعالها ~~واستخراج الأضواء منها. # ولهذا قال علماء الهيئة الذين بحثوا في الأرض على ما يتبين لهم: إن جميع ~~المواد الداخلة في تركيب الأرض، كانت ابتداء على حالة غازات، أو أبخرة ~~بتأثير الحرارة الشديدة التي سلطها الله تعالى عليها، وحينئذ يتخيل أن ~~الأرض، كانت في ابتداء أمرها مادة غازية، ومتى علم أن الجواهر الصلبة التي ~~تستحيل إلى غازات، تشغل حجما قدر حجمها الذي تبقى عليه ألفا وثمانمئة مرة، ~~نتج من ذلك أن هذه الكتلة الغازية كانت ذات حجم عظيم، وتخيلنا الفرق الذي ~~بين حجم أرضنا هذه، وكتلتها الغازية الأولوية، وحيث إن الكتلة الغازية التي ~~كانت تتكون منها الأرض ذات حرارة مرتفعة جدا، كانت تضيء في الفراغ كما تضيء ~~الشمس الآن، وكما تضيء النجوم الثابتة والسيارة ليلا، وهذه الكتلة الغازية ~~المضطرمة، لما دارت حول الشمس على مقتضى قوانين الجذب العام الفلكي، كانت ~~منقادة إلى القوانين المؤثرة في بقية الجواهر المادية، فكانت تبرد وتترك ~~جزءا من حركتها لطبقات الفراغ الباردة جدا، التي بين الأفلاك، فبسبب هذا ~~التبريد المستمر، مع طول الزمن الذي لا يمكن تعيين مدته، ولو على وجه ~~التقريب، صارت الأرض سائلة بعد أن كانت غازية، فتناقص حجمها تناقصا عظيما، ~~وقد تقرر في علم رفع الأثقال، أن الجسم السائل المتحرك حركة رحوية، يكتسب ~~شكلا كرويا، فبهذه الكيفية اكتسبت الأرض الشكل الكروي المميز لها، ولأغلب ~~الأجسام السماوية، وليست الأرض منقادة لحركة دحوية فقط، بل لها حركة دوران ~~على محورها أيضا، يتكون منها تعاقب الليل والنهار، وقد ثبت في العلم ~~المذكور، وثبت بالتجارب، أن الكتلة السائلة المتحركة، تنفتح نحو خط ~~الاستواء، وتتفرطح نحو قطبها بسبب اختلاف القوة المركزية الطاردة، وبسبب ~~هذه الظاهرة، لما كانت الأرض سائلة انتفخت نحو خط الاستواء، وتفرطحت نحو ~~القطبين، فاستحالت من الشكل الكروي إلى شكل كرة مفرطحة نحو ms376 قطبها، واعلم ان ~~انتفاخ الأرض نحو خط الاستواء، وتفرطحها نحو القطبين، دليل على أن الأرض ~~كانت سائلة ابتداء، فإن الكرة الصلبة التي من العاج لا يتغير شكلها إذا ~~دارت على محورها قرونا، ومتى كانت PageV01P425 ### || CHECK مبحث في خلق السماوات والأرض وما ينشأ عنهما من ليل ونهار # سائلة، أو شبه العجين، انتفخت نحو وسطها، أو تفرطحت نحو طرفي محورها. # إذا علمت هذا، فاعلم أنه إذا تأمل العاقل في هذه اللطائف والعجائب، ~~وافتقارها إلى هذه التدابير، اضطر قطعا أن يعتقد بإثبات وجود الصانع ~~الحكيم، المقتدر العليم، الذي جعل الأرض دائرة لاختصاصها من المخصص لها ~~بالمنافع التي تصدر منها، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. # واعلم: أنه تعالى ذكر أمر السماوات والأرض في كتابه في عدة مواضع، ولا شك ~~أن إكثار الله تعالى من ذكرهما، يدل على عظم شأنهما، وعلى أن له سبحانه ~~وتعالى فيهما أسرارا عظيمة، وحكما بالغة لا تصل إليها أفهام الخلق ولا ~~عقولهم. # وكان الشيخ ضياء الدين عمر رحمه الله يقول: إن لله تعالى في كل جوهر فرد، ~~أنواعا غير متناهية من الدلائل الدالة على القدرة والحكمة والرحمة، وذلك ~~لأن كل جوهر يمكن وقوعه في أحياز غير متناهية على البدل ويمكن أيضا اتصافه ~~بصفات غير متناهية على البدل، وكل واحد من تلك الأحوال المقدرة، فإنه ~~بتقدير الوقوع يدل على الافتقار إلى وجود الصانع الحكيم، والله سبحانه ~~وتعالى أعلم. # ولما قال تعالى: {إن في خلق السماوات والأرض} ذكر ما ينشأ عنهما، فقال: ~~{واختلاف الليل والنهار} ف {اختلاف}: افتعال من الخلف، وهو ما يقع من ~~افتراق بعد اجتماع في أمر من الأمور، وقدم {الليل} لأنه الأقدم والأصل ~~{وآية لهم الليل نسلخ منه النهار} [يس: 37] فالآية من الاحتباك، ذكر الخلق ~~أولا دليلا على حذفه ثانيا والاختلاف ثانيا بناء على حذفه أولا، وإنما أردف ~~تعالى ذكر اختلاف الليل والنهار، لما ذكره من خلق السماوات والأرض، لأنه ~~لما كان تقابل بينهما من جهة العلو والسفل، لاجرم نظم بهما اختلاف الأفقين ~~اللذين فيهما ظهور مختلفي ms377 الليل والنهار، ليتريع اعتبارهم بين اعتبار ~~الأعلى والأسفل، والمشرق والمغرب، فتقع شواهد PageV01P426 # الإحاطة بهم عليهم في توحيد ربهم، وإرجاع ذلك إليه، دون أن يعزى ذلك إلى ~~شيء من دونه، مما هو داخل في حصر موجود هذه الإحاطة، من المحيط الأعلى ~~والمحيط الأسفل، والمحيط بالجوانب كلها، من ملبس الآفاق من الليل والنهار، ~~خطاب إجمال يناسب مورد السورة، التي موضوعها إجمالات ما يتفسر فيها، وفي ~~سائر القرآن من حيث إنها فسطاطه (¬1) وسنامه (¬2). # ثم اعلم أن النهار عبارة عن مدة كون الشمس فوق الأفق، وفي الفجر زيادة ما ~~بين طلوع الفجر الصادق، إلى غروب جرم الشمس، وأما الليل فعبارة عن مدة خفاء ~~الشمس تحت الأفق، أو بنقصان الزيادة المذكورة، وذلك أن الشمس إذا غابت ~~ارتفع رأس مخروط ظل الأرض إلى فوق، فوقع الإبصار داخله إلى أن يظهر الضلع ~~المستنير منه من جانب الأفق الشرقي، فيكون أول الفجر الكاذب إن كان الضوء ~~مرتفعا عن الأفق بعد، وأول الفجر الصادق إذا قرب من الأفق جدا وانبسط ~~النور، حتى إذا غاب رأس المخروط تحت الأفق، طلع مركز جرم الشمس في مقابله ~~فظهر أن الليل والنهار كيف يختلفان، أي يتعاقبان مجيئا وذهابا. # وإلى هذا الإشارة بقوله تعالى: {وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة} ~~[الفرقان: 62] والمراد بقوله تعالى: {واختلاف الليل والنهار} ظلاما وضياء، ~~أو طولا وقصرا، لأن زيادة أحدهما تستلزم نقصان الآخر، ضرورة كون مجموعهما ~~أربعا وعشرين ساعة، أو كيف يختلفان في الأمكنة، فإن نهار كل بقعة ليل بقعة ~~تقابلها، ضرورة كروية الأرض، أو كيف يختلفان باختلاف البلدان، فإن البلد ~~كلما ازداد عرضا عن خط الاستواء، وهو الموضع المحاذي لمنطقة الفلك الأعظم، ~~المسماة معدل النهار، ازداد نهاره في الصيف طولا، وفي الشتاء قصرا، وبالعكس PageV01P427 ### || CHECK مبحث في معنى قوله تعالى: {والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس} ### || CHECK ذكر كيف جعل الله الليل سكنا ولباسا وعكسه النهار # في الليل. وقد يرتقي طول النهار بحسب تزايد ارتفاع القطب، إلى حيث يعيد ~~اليوم بليلته نهارا كله، ثم إلى أكثر ms378 من ذلك، إلى حيث يكون نصف السنة ~~نهارا، ونصفه الآخر ليلا، وذلك إذا صار قطب الفلك الأعظم محاذيا لسمت ~~الرأس، وكون الليل والنهار في أنفسهما آيتين على وجود الصانع ووحدانيته ~~ظاهر، وكذا من جهة ارتباطهما بحركة النير الأعظم، وكذا من جهة انتظام أحوال ~~العباد بهما بسبب طلب المعاش في الأيام، والنوم والراحة في الليالي. # ومن جهة ثانية، لينظر العاقل كيف جعل الله الليل سكنا ولباسا، يغشى ~~العالم فتسكن فيه الحركات، وتأوي الحيوانات إلى بيوتها، والطير إلى ~~أوكارها، وتستجم فيه النفوس، وتستريح من كد السعي والتعب، حتى إذا أخذت منه ~~النفوس راحتها وسباتها، وتطلعت إلى معاشها وتصرفها، جاء {فالق الإصباح} ~~[الأنعام: 96] سبحانه وتعالى بالنهار، يقدم جيشه بشير الصباح، فهزم تلك ~~الظلمة ومزقها كل ممزق، وكشفها عن العالم فإذا هم مبصرون، فانتشر الحيوان، ~~وتصرف في معاشه ومصالحه، وخرجت الطيور من أوكارها، فيا له من معاد ونشأة، ~~دالان على قدرة الله سبحانه، وعلى المعاد الأكبر وتكرره، ودوام مشاهدة ~~النفوس له، بحيث صار عادة ومألفا منعها من الاعتبار به، والاستدلال به على ~~النشأة الثانية، وإحياء الخلق بعد موتهم، ولا ضعف في قدرة القادر التام ~~القدرة، ولا قصور في حكمته ولا في علمه يوجب تخلف ذلك، ولكن الله يهدي من ~~يشاء ويضل من يشاء، وهذا أيضا من آياته الباهرة، أن يعمي عن هذه الآيات ~~الواضحة البينة من شاء من خلقه، فلا يهتدي بها، ولا يبصرها لمن هو واقف في ~~الماء إلى حلقه، وهو يستغيث من العطش، وينكر وجود الماء، وبهذا وأمثاله ~~يعرف الله عز وجل، ويحمد ويشكر. # ولما ذكر تعالى ما أنشأه عن سير الكواكب في ساحة الفلك - بفتح الفاء-، ~~أتبعه سير الفلك - بضم الفاء - في باحة البحر فقال: {والفلك التي تجري في ~~البحر بما ينفع الناس}. # ويقال من وجه آخر: لما ذكر الله تعالى جملة الخلق وجملة الاختلاف في PageV01P428 # الوجهين، وصل بذلك إحاطة البحر بالأرض، وتخلل البحار فيها لتوصل المنافع ~~المحمولة في الفلك، مما يوصل من منافع المشرق للمغرب، ومنافع الشمال ~~للجنوب، وبالعكس، فما ms379 حملت جارية شيئا ينتفع به إلا قد تضمنه مبهم كلمة ~~"ما" في قوله: {بما ينفع الناس} ثم إن المفسرين يجعلون {في} في قوله: ~~{ولأصلبنكم في جذوع النخل} للاستعلاء، وهذا أحد معانيها، وحمل أهل البيان ~~على ذلك قوله تعالى: {ولأصلبنكم في جذوع النخل} [طه: 71] وجعلوه من باب ~~الاستعارة التبعية؛ والكونيون يجعلون مثل هذا للاستعلاء الحقيقي؛ ولكن ~~الزمان جعلها للظرفية المكانية، وللاستعلاء أيضا، على قول من يجوز استعمال ~~اللفظ في حقيقته ومجازه، وذلك أن السفن التي تجري في البحر صارت في زمننا قسمين: # أحدهما: يجري على وجه البحر مستعليا عليه، وهو الأكثر. # والثاني: ما يجري في جوف البحر وهي الغواصات التي تغوص في البحر. # وكلا القسمين يجري بما ينفع الناس، وكيفية الاستدلال بجريان الفلك في ~~البحر على وجود الصانع تعالى أن السفن وإن كانت من تركيب الناس، إلا أنه ~~تعالى هو الذي خلق الآلات التي بها يمكن تركيب هذه السفن، وسخر الرياح ~~لإجراء بعضها، وعلم الناس استخدام البخار، وما يكون مسببا له لإجراء البعض ~~الآخر، فلولا خلقه لها لما أمكن ذلك. # وأيضا: فإنه تعالى خص كل طرف من أطراف الأرض والعالم بشيء معين، وأحوج ~~الكل إلى الكل، فصار ذلك داعيا يدعوهم إلى اقتحام هذه الأخطار في هذه ~~الأسفار، ولولا أنه تعالى خص كل طرف بشيء وأحوج الكل إليه، لما ركبوا هذه ~~السفن، فالحامل ينتفع به لأنه يربح، والمحمول إليه ينتفع بما يحمل إليه، ~~فيكون ذلك توسيعا للعمران، وتعميما للمعارف والعلوم. # وأيضا: تسخير الله تعالى البحر لحمل الفلك، مع قوة سلطان البحر إذا هاج، ~~وعظم الهول فيه إذا أرسل الله الرياح، فاضطربت أمواجه، وتقلبت مياهه. PageV01P429 # وأسند (الجري) إلى {الفلك}، ومن المعلوم أنها لا جري لها حقيقة، ولا فعل ~~بوجه من الوجوه، ترقية إلى اعتقاد مثل ذلك في النجوم، إشارة إلى أنه لا فعل ~~ولا تدبير، كما يعتقد ذلك بعض الفلاسفة الماضين؛ واقتصر على ذكر النفع، وإن ~~كانت تجري بما يضر أيضا، كالمدرعات التي تكون للحرب ونحوها، لأنه ذكرها في ~~معرض الامتنان؛ وذكر تعالى ms380 {الناس} في هذه الآية، لأنهم أول من يقع به ~~الاجتماع والتعاون، والتبصر بوجه ما، وأدنى ذلك في منافع الدنيا، الذي هو ~~شاهد هذا القول. # ولما ذكر نفع البحر بالسفن، ذكر من نفعه ما هو أهم من ذلك، فقال: {وما ~~أنزل الله من السماء}: أي جهتها باجتذاب السحاب له. # ولما كان النازل منها على أنواع، وكان السياق للاستعطاف إلى رفع الخلاف، ~~ذكر ما هو سبب الحياة، فقال: {من ماء فأحيا به الأرض}. # ولما كان الإحياء يستغرق الزمن المتعقب للموت، نفى الجار فقال: {بعد ~~موتها}. # ولما ذكر حياة الأرض بالماء، أشار إلى أن حياة كل ذي روح به [فقال] (¬1): ~~{وبث} أي: فرق آحادا مستكثرة، في جهات مختلفة {فيها} بالخصب {من كل دابة} ~~من الدبيب، وهو الحركة بالنفس، فكنى بالإحياء عن ظهور ما أودع فيها من ~~النبات، وبالموت عن استقرار ذلك فيها وعدم ظهوره، وهما كنايتان غريبتان، ~~لأن ما برز منها بالمطر، جعل تعالى فيه القوة الغاذية والنامية والمحركة، ~~وما لم يظهر فهو كامن فيها كأنه دفين فيها، وهي له قبر. # وفي هذه الآية أنواع من الدلائل على وجوده تعالى: # منها: أن تلك الأجسام، وما قام بها من الرقة والرطوبة واللطافة والعذوبة، ~~لا يقدر أحد على خلقها إلا الله. PageV01P430 ### || CHECK مبحث في معنى قوله تعالى: {وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض} # ومنها: أن الماء جعله تعالى سببا لحياة الإنسان، ولأكثر منافعه، وسببا لرزقه. # ومنها: أن حدوث الحيوانات قد يكون بالتوليد، وقد يكون بالتوالد، وعلى ~~التقديرين فلا بد فيهما من الصانع الحكيم. # ولما ذكر تعالى بث ما هو السبب للنبات المسبب عن الماء، ذكر بث ما هو سبب ~~السحاب المسبب للمطر المسبب للحياة، فقال: {وتصريف الرياح} أي: إجرائها على ~~مقتضى الحكم عليها، يرسلها مرة {لواقح} [الحجر: 22]، وتارة يجعلها "عقيما" ~~(¬1)، وآونة يبعثها عذابا {تدمر كل شيء بأمر ربها} [الأحقاف: 25]. # قال ابن جرير: وزعم بعض أهل العربية، أن معنى قوله: {وتصريف الرياح} أنها ~~تأتي مرة جنوبا وشمالا، وقبولا ودبورا، ثم قال: وذلك تصريفها. وهذه الصفة ms381 ~~التي وصف الرياح بها، صفة [تصرفها لا صفة] (¬2) تصريفها. لأن ["تصريفها"] ~~(¬3): تصريف الله لها، و "تصرفها": اختلاف هبوبها. وقد يجوز أن يكون معنى ~~قوله: {وتصريف الرياح} تصريف الله هبوب الريح باختلاف مهابها. انتهى. # ومن آياته تعالى، ما جعل فيها من القوة التي تقلع الأشجار؛ وتعفي الآثار ~~وتهدم، وتهلك الكفار كما أهلكت قوم عاد؛ وتربية الزرع وتنميته واشتداده ~~بها؛ وسوق السحاب إلى البلد الماحل؛ وأنها لو انقطعت ساعة عن الحيوان لمات. # {والسحاب} وهو: المتراكم في جهة العلو، من جوهر ما بين الماء والهواء ~~المنسحب في الجو {المسخر} أي: المجرى على مقتضى غرض ما سخر له {بين السماء ~~والأرض} لا يهوي إلى جهة السفل مع ثقله بحمله بخار الماء، كما تهوي بقية ~~الأجرام العالية، حيث لم يكن لها ممسك محسوس، ولا يعلو ولا PageV01P431 ### || CHECK فائدة في معنى القوم ### || CHECK إجمال كل تلك الظواهر العجيبة بقوله تعالى: {لآيات} # ينقشع، مع أن الطبع يقتضي أحد الثلاث: فالكثيف يقتضي النزول؛ واللطيف ~~يقتضي الصعود؛ والمتوسط يقتضي الانقشاع. # و"التسخير": التذليل، وذلك أن السحاب لا بد له من قاسر قاهر، يقهره على ~~بقائه في جو الهواء على خلاف الطبع، وأن يقدره بالمقدار المعلوم، وأن لا ~~يجعله واقفا في موضع معين، بل يسوقه بواسطة تحريك الرياح له إلى حيث يشاء ويريد. # ولما ذكر تعالى، الأعلى والأسفل، ومطلع الليل والنهار من الجانبين، ~~وإنزال الماء، ذكر ما يملأ ما بين ذلك من الرياح والسحب، الذي هو ما بين ~~حركة هوائية، إلى استنارة مائية، إلى ما يلزم ذلك من بوادي نيراته، من نحو ~~صواعقه، وجملة أحداثه، فكان في جملة هذا الخطاب اكتفاء بأصول من مبادئ ~~الاعتبار، فذكر السماء والأرض، والآفاق وما بينهما من الرياح والسحب، ~~والماء المنزل، الذي جملته قوام الخلق في عاجل دنياهم، ليجعل لهم ذلك آية ~~على علو أمر وراءه، ويكون كل وجه منه آية على أمر من أمر الله، كما قال ~~تعالى: {لآيات} وذلك لتكون "السماء" آية، على علو أمر الله، فيكون أعلى من ~~الأعلى، وتكون {الأرض} آية على ms382 باطن أمر الله، فيكون أبطن من الأبطن، ويكون ~~{اختلاف الليل والنهار}، آية على نور بدوه، وظلمة غيبته، مما وراء أمر ~~الليل والنهار، ويكون ما أنزل من الماء لإحياء الأرض وخلق الحيوان، آية على ~~ما ينزل من نور علمه على القلوب، فتحيا به حياة تكون حياة الظاهر آية عليه، ~~ويكون {وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض} آيات على تصريف ما ~~بين أرض العبد، الذي هو ظاهره، وسمائه الذي هو باطنه، وتسخير بعض لبعض، ~~ليكون ذلك آية على علو الله على سمائه العلي في الحس (¬1)، وعلى سماء ~~القلوب العلية في الوجدان. # فلجملة ذلك، جعل تعالى صنوف هذه الاعتبارات آيات {لقوم} وهم الذين يقومون ~~في الأمر حق القيام؛ ولذلك لا يناله من هو في سن الناس، حتى يتناهى PageV01P432 ### || CHECK مبحث في تقسيم الممكنات الموجودة إلى قسمين ### || CHECK بيان أن هذه الآية قد اشتملت على جميع ما يجب اعتقاده في الله سبحانه وتعالى # طبعه، وفضيلة عقله، إلى أن يكون من قوم يقومون في الاعتبار، قيام المنتهض ~~في أمور الدنيا، وذلك لأن العرب جرى عرفهم في القوم أنهم لا يستعملونه إلا ~~لأجل النجدة والقوة، حتى يقولون: قوم أو نساء، تقابلا بين المعنيين، كما ~~قال زهير: # وما أدري وسوف إخال أدري ... أقوم آل حصن أم نساء (¬1) # فقد اشتملت هذه الآية على جميع ما نقله البيهقي في كتابه "الأسماء ~~والصفات" عن الحليمي، أنه مما يجب اعتقاده في الله سبحانه وتعالى، خمسة أشياء: # الأول: إثباته سبحانه ليقع به مفارقة التعطيل. # والثاني: وحدانيته لتقع بها البراءة من الشرك. # والثالث: إثبات أنه ليس بجوهر ولا عرض، لتقع به البراءة من التشبيه. # والرابع: إثبات أن وجود كل ما سواه، كان بإبداعه له، واختراع إياه، لتقع ~~به البراءة من قول من يقول: بالعلة والمعلول، كما يوضحه قوله تعالى: {إن في ~~خلق السماوات والأرض} الآية. # والخامس: أنه مدبر ما أبدع، ومصرفه على ما يشاء، لتقع به البراءة من قول ~~القائلين: بالطبائع، أو تدبير الكواكب، أو تدبير الملائكة، وهذا من قوله: ~~{وما أنزل ms383 الله من السماء من ماء} إلى آخرها. انتهى. # ثم إنه من المعلوم أن الأدلة على التوحيد كثيرة في الكتاب العزيز، ~~والحكمة في ذلك، أنه لما كانت عقول الناس متفاوتة، جعل الله سبحانه ~~الممكنات الموجودة، وهي كل ما سواه مما يدل على وجوده وفعله، بالاختيار على قسمين: # الأول: ما من شأنه أن يدرك بالحواس الظاهرة، المسمى في عرف أهل الشرع: ~~الشهادة، والخلق، والملك. PageV01P433 ### || CHECK معنى الند في قوله تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا} # والثاني: ما لا يدرك بالحواس الظاهرة، ويسمى: الغيب، والأمر، والملكوت. # فالأول يدركه عامة الناس، والثاني يدركه أولو الألباب، الذين خلصت عقولهم ~~عن الوهم والوساوس، كما أشار إلى ذلك قوله تعالى: {لقوم يعقلون}، فالله ~~تعالى بكمال عنايته، جعل العالم بقسميه محتويا على جمل وتفاصيل من وجوه ~~متعددة، دليلا على وحدانيته بعض ذلك الدليل أوضح من بعض، ليشترك الكل في ~~المعرفة، فيحصل لكل بقدر ما هيئ له، اللهم إلا أن يكون ممن طبع على قلبه، ~~فذلك هو الشقي، والعياذ بالله تعالى. # ولما سطعت البراهين في هذه الآية، وقررت أدلة التوحيد القاهرة القاطعة، ~~أردف تعالى ذلك بتقبيح ما يضاد التوحيد، لأن تقبيح ضد الشيء مما يؤكد حسن ~~الشيء، كما قيل: وبضدها تتبين الأشياء. أردف تعالى الآية الدالة على ~~التوحيد بقوله: # {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا ~~أشد حبا لله ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن ~~الله شديد العذاب (165)}. # قالوا: الواو، عاطفة هذه الآية على ما قبلها، على ما قلنا بمناسبتها لها؛ ~~ويصح أن يكون التقدير: فمن الناس من عقل تلك الآيات فآمن بربه، وفني بحبه، ~~{ومن الناس} وهم من لا يعقل {من يتخذ} الآية، فيكون العطف على مقدر. # والند: المثل المنازع، ويحمل هنا على العموم، فيشمل الأوثان التي اتخذوها ~~آلهة لتقربهم إلى الله زلفى، ورجوا من عندها النفع والضر، وقصدوها ~~بالمسائل، ونذروا لها النذور، وقربوا لها القرابين، ويشمل السادة الذين ~~كانوا يطيعونهم، فيحلون لمكان ms384 طاعتهم ما حرم الله، ويحرمون ما أحل الله. # ويرجح هذا الثاني، أن الله تعالى ذكر بعد هذه الآية: {إذ تبرأ الذين ~~اتبعوا من الذين اتبعوا} وذلك لا يليق الا بمن اتخذ الرجال أندادا وأمثالا ~~لله تعالى، PageV01P434 ### || CHECK المراد من قوله تعالى: {يحبونهم كحب الله} # يلتزمون من تعظيمهم والانقياد لهم، ما يلتزمه المؤمنون من الانقياد لله ~~تعالى، وقال تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله} [التوبة: 31]. # ولفظ {الناس} عام، والأولى حمله على كل من أهل الكتاب وعبدة الأوثان، ومن ~~كان فعله يقرب من فعل هؤلاء. # وقوله: {يحبونهم} معناه: يعظمونهم، ويخضعون لهم، تعظيم المحبوب. # وقوله: {كحب الله} أورد فيه ابن جرير سؤالا فقال: فإن قال قائل: فكيف ~~قيل: {كحب الله}؟ وهل يحب الله الأنداد؟ وهل كان متخذو الأنداد يحبون الله ~~تعالى فيقال: {كحب الله}؟ قيل: إن معنى ذلك بخلاف ما ذهبت إليه، وإنما نظير ~~ذلك، قول القائل: بعت غلامي كبيع غلامك، بمعنى بعته كما بيع غلامك، وكبيعك ~~غلامك، واستوفيت حقي منه استيفاء حقك، بمعنى: استيفائك حقك، فتحذف من ~~الثاني كناية اسم المخاطب، اكتفاء بكنايته في "الغلام" و "الحق" كما قال ~~الشاعر: # فلست مسلما ما دمت حيا ... على معن (¬1) بتسليم الأمير # يعني بذلك كما يسلم على الأمير. فمعنى الكلام إذا، {ومن الناس من يتخذ} ~~أيها المؤمنون {من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله}. انتهى. # وحاصله: أن المعنى يحبونهم كما يحب الله تعالى، فالحب على هذا مصدر PageV01P435 ### || CHECK تبيين سوء منقلب من يتخذ من دون الله أندادا # من المبني للمفعول، وإنما استغنى عن ذكر من يحبه، لأنه غير ملبس، وهذا ~~مبني على جواز بناء المصدر للمفعول، ويجوز أن يراد به هنا المبني للفاعل، ~~وفاعله ضمير المتخذين، والمعنى: يسوون بين الله وبين الأنداد في محبتهم، ~~على كمال قدرة الله، ولطيف صنعه، وذلة الأنداد وقلتها، وهذا بناء على أنهم ~~كانوا يقرون بالله، ويتقربون إليه، فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين ~~له الدين. # ويرجح هذا قوله تعالى بعد: {والذين آمنوا أشد حبا لله} فأخبر عن ms385 المؤمنين ~~بأنهم لا يعدلون عن حب الله إلى غيره، بخلاف المشركين، فإنهم يعدلون عن ~~أندادهم إلى الله عند الشدائد، فيفزعون إليه، ويخضعون له، ويجعلونهم وسائط ~~بينهم وبينه، فيقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، ويعبدون الصنم زمانا، ثم ~~يرفضونه إلى غيره، وحب العبد لله: تعظيمه والتمسك بطاعته، وحب الله العبد: ~~إرادة الثناء عليه وإثابته؛ وأصل الحب في اللغة: اللزوم، لأن المحب يلزم ~~حبيبه ما أمكن. # وقال جمهور المتكلمين: المحبة نوع من أنواع الإرادة، لا تعلق لها إلا ~~بالجائزات، فيستحيل تعلق المحبة بذات الله وصفاته، فإذا قلنا: يحب الله، ~~فمعناه يحب طاعة الله وخدمته، وثوابه وإحسانه. # ولما عجب سبحانه من حال من يتخذ من دون الله أندادا، حذر من سوء منقلبهم ~~ومآلهم، فقال: {ولو يرى الذين ظلموا} أي: ولو يعلم هؤلاء الذين ارتكبوا ~~الظلم العظيم بشركهم، أن القدرة كلها لله، على كل شيء من العقاب والثواب، ~~دون أندادهم، ويعلمون شدة عقابه للظالمين، إذا عاينوا العذاب يوم القيامة، ~~لكان منهم من لا يدخل تحت الوصف من الندم والحسرة، ووقوع العلم بظلمهم ~~وضلالهم؛ فجواب {لو} محذوف. # وقرأ نافع وحده، "ولو ترى" بالتاء المثناة من فوق، فيكون الخطاب للرسول، ~~أو كل مخاطب، وتقدير جواب {لو}: لرأيت أمرا عظيما. ورجح ابن جرير هذه ~~القراءة، فقال: وإن كان على هذه القراءة يكون مخرج الخطاب للرسول معنيا به ~~غيره، لأنه كان لا شك عالما ب {أن القوة لله جميعا}، لكن القوم إذا رأوا PageV01P436 ### || CHECK معنى التبرؤ في قوله تعالى: {إذ تبرأ الذين اتبعوا} # العذاب يوقنون ب {أن القوة لله جميعا}، فلا وجه أن يقال: لو يرون أن ~~القوة لله جميعا حينئذ، لأنه إنما يقال: "لو رأيت"، لمن لم ير، فأما من قد ~~رآه، فلا معنى لأن يقال له: لو رأيت. # ودخول "لو" و"إذ" على المستقبل مع أنهما للماضي، لينتظم المستقبل في سلك ~~الماضي المقطوع به، لصدور الكلام عمن لا خلاف في أخباره، وقيل: لأن الساعة ~~قريب، فكأنها قد وقعت. # وكذا الكلام في {إذ تبرأ}، وأنه بدل من {إذ يرون ms386 العذاب} وقيل: هو معمول ~~{شديد}، من قوله تعالى: {شديد العقاب}، والبدل أو المتعلق، هو قوله تعالى: # {إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب ~~(166) وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا كذلك ~~يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار (167)}. # التبرؤ: طلب البراءة، وإيقاعها بجد واجتهاد، وهي: إظهار التخلص من وصلة ~~أو اشتباك، أي: وقت ما يتبرأ المتبوعون، وهم الرؤساء والأوثان من أتباعهم، ~~الذين أفنوا عمرهم في عبادتهم، واعتقدوا أنهم من أوكد أسباب نجاتهم فإذا هم ~~تبرؤوا منهم عند احتياجهم إليهم. ونظيره قوله تعالى: {يكفر بعضكم ببعض ~~ويلعن بعضكم بعضا} [العنكبوت: 25]. وقال تعالى: {الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض ~~عدو إلا المتقين (67)} [الزخرف]. # وقوله: {ورأوا العذاب} معناه: تبرؤوا في حال رؤيتهم العذاب، عندما عجز ~~المتبعون عن تخليصهم مما رأوه من الأهوال والشدائد العظيمة، لأن قوله: ~~{وتقطعت بهم الأسباب} يدخل في معناه أنهم لم يجدوا إلى تخليص أنفسهم ~~وأتباعهم سببا، والآيس من وجه يرجو به الخلاص مما نزل به بأوليائه من ~~البلاء، PageV01P437 ### || CHECK بيان أمن اتخذ من دون الله أندادا فهو خالد في النار ### || CHECK معنى قوله تعالى: {كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم} ### || CHECK البديع في قوله تعالى: {اتبعوا من الذين اتبعوا} # يوصف بأنه تقطعت به الأسباب، و {الأسباب} هنا: الوصل التي كانت بينهم، من ~~الاتفاق على دين واحد، ومن الأنساب والمحاب، والاتباع والاستتباع. # وفي قوله: {اتبعوا} و {اتبعوا} وقوله: {ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب} ~~نوع من البديع يسمى: الترصيع، وهو أن يكون الكلام مسجوعا. # وقوله: {وقال الذين اتبعوا} الآية، معناه أنهم تمنوا الرجوع إلى الدنيا، ~~حتى يطيعوا الله، ويتبرؤوا منهم في الآخرة إذا حشروا جميعا، مثل ما تبرأ ~~المتبوعون أولا منهم. ف {لو} هنا للتمني، ولذلك أجيب بالفاء الذي يجاب به ~~التمني، فكأنه قيل: ليت {لنا كرة فنتبرأ منهم}. # وقوله تعالى: {كذلك} الكاف للتشبيه، والتقدير: مثل إراءتهم تلك الأهوال ~~الفظيعة {يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم} أي: ندامات، وقيل: "الحسرة": أشد ms387 ~~الندامة، والمعنى: {يريهم الله أعمالهم} التي فرضها عليهم في الدنيا ~~فضيعوها، ولم يعملوا بها، حتى استوجبت ما كان الله أعد لهم، لو كانوا عملوا ~~بها، في جناته من المساكن والنعم، وغيرهم بطاعته ربه، فصار ما فاته من ~~الثواب، الذي كان الله أعده له عنده، لو كان أطاعه في الدنيا، إذا عاينه ~~عند دخوله النار، أو قبل ذلك أسى وندامة، وحسرة عليه؛ وقيل: {كذلك يريهم ~~الله أعمالهم} السيئة {حسرات عليهم}، لم عملوها وهلا عملوا بغيرها مما يرضي ~~الله تعالى؟ وهذا القول يدل عليه ظاهر لفظ الله، وهو أولى مما قبله. # ثم قال تعالى: {وما هم} أي: خاصة، وأكد النفي بالجار، فقال: {بخارجين من ~~النار} يوما من الأيام، ولا ساعة من الساعات، بل هم خالدون فيها على طول ~~الآباد، ومر الأحقاب، وفيه إشعار بقصدهم الفرار منها والخروج، كما قال ~~تعالى: {كلما أرادوا أن يخرجوا} [الحج: 22، والسجدة: 20] فأنبأ تعالى أن ~~وجهتهم للخروج لا تنفعهم، فلم تبق لهم منة تنهضهم منها، حتى ينتظم قطع ~~رجائهم من منة أنفسهم، بقطع رجائهم ممن تعلقوا به من شركائهم. PageV01P438 ### || CHECK سبب نزول هذه الآية ### || CHECK ذكر التلطف والاستعطاف بعد الزجر والتنبيه في قوله تعالى: {يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا} # وأصل {وما هم بخارجين}: وما يخرجون، لأن المناسب أن تعطف جملة فعلية على ~~جملة فعلية، لكن عدل به إلى هذه العبارة للمبالغة في الخلود والإقناط عن ~~الخلاص، والرجوع إلى الدنيا. # ولما بين تعالى التوحيد ودلائله، وما للموحدين من الثواب، وأتبعه بذكر ~~الشرك، و {من يتخذ من دون الله أندادا}، ويتبع رؤساء الكفرة، أتبع ذلك بذكر ~~إنعامه على الفريقين، وإحسانه إليهم، وأن معصية من عصاه، وكفر من كفر به، ~~لم تؤثر في قطع إحسانه ونعمه عنهم، فقال: # {ياأيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان ~~إنه لكم عدو مبين (168) إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ~~ما لا تعلمون (169)}. # أقبل تعالى في هذه الآية على عباده إقبال متلطف، مترفق، مستعطف، مناديا ms388 ~~لهم إلى تأبيد نفعهم، قائلا: {ياأيها الناس} أي: كافة. # وأبدى الحرالي هنا نكتة لطيفة، حاصلها: أنه لما استوفى تعالى ذكر أمر ~~الدين، وكان هو غذاء القلوب، وزكاة الأنفس؛ نظم به ذكر غذاء الأبدان من ~~الأقوات، ليتم بذكر النماءين، اللذين هما نماء البدن ظاهرا، ونماؤه الديني ~~باطنا، لما بين تغذي الأبدان، وقوام الأديان من التعاون، على جمع أمري صلاح ~~العمل ظاهرا، وقبوله باطنا. # ولما كانت رتبة الناس من أدنى المراتب في خطابهم، أطلق لهم الإذن تلطفا ~~بهم، ولم يلجئهم بالتقييد، فقال مبيحا لهم ما أنعم به: {كلوا .. } إلى آخر الآية. # قال البيضاوي: نزلت هذه الآية في قوم حرموا على أنفسهم رفيع الأطعمة ~~والملابس. انتهى. # والمشهور عند المفسرين: أنها نزلت في ثقيف وخزاعة، وعامر بن أبي PageV01P439 ### || CHECK مبحث في معنى هذه الآية # صعصعة، حرموا على أنفسهم من الحرث والأنعام، وحرموا البحيرة والسوائب ~~والوصيلة والحام. # وأيا ما كان سبب نزولها، فهو خاص واللفظ عام، والعبرة بعموم اللفظ، لا ~~بخصوص السبب. ومن ثم قال الحسن البصري: نزلت في كل من حرم على نفسه شيئا لم ~~يحرمه الله عليه. انتهى. # فالمعنى: {ياأيها الناس كلوا مما} أحللت لكم من الأطعمة على لسان رسولي، ~~فطيبته لكم، مما تحرمونه على أنفسكم من البحائر والسوائب والوصائل، وما ~~أشبه ذلك مما لم أحرمه عليكم، دون ما حرمته عليكم من المطاعم والمآكل ~~فنجسته، من ميتة ودم ولحم خنزير، وما أهل به لغيري، ودعوا {خطوات الشيطان} ~~الذي يؤنبكم فيهلككم، ويوردكم موارد العطب، ويحرم عليكم أموالكم، فلا ~~تتبعوها ولا تعملوا بها، {إنه}، أي: الشيطان {لكم عدو مبين} قد أبان عداوته ~~لكم منذ القدم، فأغوى أباكم آدم بالأكل من الشجرة، حتى أخرجه من الجنة، فلا ~~تتخذوه ناصحا مع إبانته لكم العداوة، ودعوا ما يأمركم به، والتزموا طاعتي ~~فيما أمرتكم به ونهيتكم عنه، مما أحللته لكم وحرمته عليكم، دون ما حرمتموه ~~أنتم على أنفسكم، وحللتموه طاعة للشيطان، واتباعا لأمره، لأنه {إنما يأمركم ~~بالسوء والفحشاء}، من خبائث الأنفس الباطنة، التي يورث فعلها مساءة، ~~ويأمركم بما يكرهه ms389 الطبع من رذائل الأعمال الظاهرة، مما ينكره العقل، ~~ويستخبثه الشرع، فيتفق في حكمه آيات الله الثلاث، من الشرع والعقل والطبع، ~~فبذلك يفحش الفعل. # {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون}، مما تستقبحون قوله في أقل الموجودات ~~من إشراك به؛ وادعاء ولد له؛ وتحليل ما لم يحلل؛ وتحريم ما لم يحرم، طاعة ~~منكم للشيطان، واتباعا لخطواته؛ واقتفاء منكم آثار أسلافكم الضلال، وآبائكم ~~الجهال، الذين كانوا بالله وبما أنزل على رسوله جهالا، وعن الحق ومنهاجه ~~ضلالا، فصرتم على حد قوله تعالى: {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا ~~بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا} [البقرة: 170]. PageV01P440 ### || CHECK مبحث في قوله تعالى: {ولا تتبعوا خطوات الشيطان} ### || CHECK معنى الحلال # فالحلال: المباح الذي انحلت عقدة الحظر عنه، وأصله من الحل الذي هو نقيض ~~العقد. ثم إن الحرام قد يكون حراما لخبثه، كالميتة والدم والخمر، وقد يكون ~~حراما لا لخبثه، كملك الغير إذا لم يأذن في أكله. # فالحلال هو الخالي عن القيدين، والطيب في اللغة: الحلال، وقد يكون بمعنى ~~الطاهر؛ والحلال يوصف بالطيب، لأن الحرام يوصف بالخبيث، والمراد به هنا ~~الطاهر من كل شبهة. # فقوله: {ولا تتبعوا خطوات الشيطان} معناه: فتدخلوا في حرام أو شبهة، أو ~~تحريم حلال، أو تحليل حرام، و"من" في قوله: {مما في الأرض} للتبعيض، لأن كل ~~ما في الأرض ليس بمأكول، و {خطوات} بضمتين، وأصلها: ما بين القدمين، ~~والمعنى هنا: {ولا تتبعوا} سبيل {الشيطان}، ولا تسلكوا طريقه، أو: لا ~~تأتموا به، ولا تقفوا أثره، وهذان التفسيران متقاربان، وإنما هما بمقتضى ~~اللغة، وليس بمراد هنا، بل المراد كأنه تعالى يقول لمن أبيح له الأكل على ~~الوصف المذكور: احذر أن تتعداه إلى ما يدعوك إليه الشيطان. فزجر المكلف ~~بهذا الكلام عن تخطي الحلال إلى الشبه، كما زجره عن تخطيه إلى الحرام، لأن ~~الشيطان إنما يلقي للمرء ما يجري مجرى الشبهة، فيزين بذلك ما لا يحل له، ~~فزجر الله عن ذلك، ثم بين العلة في هذا التحذير بقوله: {إنه لكم عدو مبين}. # ثم إن ms390 قوله: {إنما يأمركم بالسوء} كالتفصيل لجملة عداوته، وحاصلها: ~~"السوء"، وهو يتناول جميع المعاصي، سواء كانت من أعمال الجوارح أو من أعمال ~~القلوب. {والفحشاء} هي: أقبح أنواع السوء، وهو ما يستعظم ويستفحش من ~~المعاصي، والقول على الله بغير علم، وكأنه أقبح أنواع الفحشاء. # وهذه الثلاثة تفسير ل {خطوات الشيطان}، بأنه يدعو إلى الصغائر والكبائر، ~~والكفر والجهل بالله، ويشبه أن يكون معنى قوله تعالى: {ياأيها الناس كلوا ~~مما في الأرض حلالا طيبا} الآية، هو المشار إليه بما رواه البخاري ومسلم عن ~~النعمان بن بشير، رضي الله عنهما، قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-، يقول: "إن الحلال بين وإن الحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات، لا يعلمهن ~~كثير من الناس، PageV01P441 ### || CHECK إشارة عن "غاية المرام" للألباني تخريج "الحلال والحرام" للقرضاوي ### || CHECK ما يستفاد من هذه الآية # فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، ~~كالراعي يرعى حول الحمى، يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن ~~حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت ~~فسد الجسد كله، ألا وهي القلب" (¬1). فإذا لاح الحرام، وتراءت الشبهات، كان ~~للشيطان مدخل، وكان الإنسان كالراعي يرعى حول الحمى. # وقد استنبط الإمام أحمد بن تيمية، الملقب بشيخ الإسلام، من هذه الآية ~~معنى حسنا، في كتابه المسمى ب "الإيمان" فقال: إن الله تعالى لم يأذن ~~للكفار في كل شيء، ولا أحل لهم شيئا، ولا عفا لهم عن شيء يأكلونه، بل قال: ~~{يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا} فشرط فيما يأكلونه أن يكون ~~حلالا، وهو المأذون فيه من جهة الله ورسوله، والله لم يأذن في الأكل إلا ~~للمؤمن به، فلم يأذن لهم في أكل شيء، إلا إذا آمنوا، ولهذا لم تكن أموالهم ~~مملوكة لهم ملكا شرعيا، لأن الملك الشرعي هو القدرة على التصرف الذي أباحه ~~الشرع، والشارع لم يبح لهم تصرفا في الأموال إلا بشرط الإيمان، فكانت ~~أموالهم على الإباحة. # فإذا ms391 قهر طائفة منهم قهرا يستحلونه في دينهم، وأخذوها منهم، صار هؤلاء ~~فيها كما كان أولئك، والمسلمون إذا استولوا عليها فغنموها، ملكوها شرعا، ~~لأن الله أباح لهم الغنائم، ولم يبحها لغيرهم، ويجوز لهم أن يعاملوا الكفار ~~فيما أخذه بعضهم من بعض، بالقهر الذي يستحلونه في دينهم، ويجوز أن يشتري من ~~بعضهم ما سباه من غيره، لأن هذا بمنزلة استيلائه على المباحات، ولهذا سمى ~~الله ما عاد من أموالهم إلى المسلمين فيئا، لأن الله أفاءه إلى مستحقه، أي: ~~رده إلى المؤمنين به، الذين يعبدونه ويستعينون برزقه على عبادته. # فإنه إنما خلق الخلق ليعبدوه، وإنما خلق الرزق ليستعينوا به على عبادته. ~~ولفظ الفيء، قد يتناول الغنيمة، كقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~غنائم حنين: "ليس لي مما PageV01P442 ### || CHECK مبحث فيمن خصوا بهذه الآية ### || CHECK ذم المقلدين وتبكيتهم في قوله تعالى: {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل يتبع ما ألفينا عليه آباءنا} الآية ### || CHECK ما ذكر في {مفاتيح الغيب} حول قوله تعالى: {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} # أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود عليكم" (¬1)، لكنه لما قال ~~تعالى: {وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب} ~~[الحشر: 6] صار لفظ الفيء إذا أطلق في عرف الفقهاء، يكون لما أخذ من مال ~~الكفار بغير إيجاف خيل ولا ركاب، والإيجاف: نوع من التحريك. انتهى كلامه. # وقال في "مفاتيح الغيب": قوله {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} يتناول ~~جميع المذاهب الفاسدة، بل يتناول مقلد الحق، لأنه وإن كان مقلدا للحق، لكنه ~~قال ما لا يعلمه، فصار مستحقا للذم لاندراجه تحت الذم في هذه الآية. قال: ~~وتمسك نفاة القياس بهذه الآية. وأجيب عنه: بأنه متى قامت الدلالة على أن ~~العمل بالقياس واجب. كان العمل بالقياس قولا على الله بما يعلم، لا بما لا ~~يعلم. هذا كلامه. # وكفى بذلك المقلدون ذما، ومهما دافعوا عن أنفسهم، فالآية تبكتهم، وتجعل ~~مدعاهم هباء منثورا، ويناديهم القرآن بما نادى به من ms392 قبلهم، بقوله: # {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا ~~أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون (170)}. # ضمير {لهم} عائد على {الناس} المذكورين في الآية السابقة، على ما اختاره ~~صاحب "الكشاف" فقال: الضمير للناس، وعدل بالخطاب عنهم، على طريقة الالتفات ~~للنداء على ضلالهم، لأنه لا ضال أضل من المقلد، كأنه يقول للعقلاء: انظروا ~~إلى هؤلاء الحمقى ماذا يقولون. انتهى. # وهذا الوجه أصح [من] الأوجه الآتية، وفيه دلالة على ذم التقليد، وهو قبول ~~الشيء بلا دليل ولا حجة، وإنما كان هذا الوجه أصح وأولى، لأنه إنما وقع عقب ~~قوله تعالى: {ياأيها الناس} الآية، فلأن يكون خبرا عنهم، أولى من أن يكون ~~خبرا عن الذين أخبر أن منهم {من يتخذ من دون الله أندادا}، مع ما بينهما PageV01P443 ### || CHECK مبحث في بطلان التقليد في العقيدة إجماعا ### || CHECK مبحث في معنى هذه الآية # من الآيات، وانقطاع قصصهم بقصة مستأنفة غيرهما، وقيل: الضمير عائد على ~~{من} في قوله تعالى: {من يتخذ من دون الله أندادا} وهم مشركو العرب، وقد ~~علمت بعده. وقيل: الآية مستأنفة، والكناية في {لهم}، تعود إلى غير مذكور، ~~واستدل قائل هذا بما رواه الطبري عن ابن عباس: دعا رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - اليهود من أهل الكتاب إلى الإسلام، ورغبهم فيه، وحذرهم عقاب ~~الله ونقمته، فقال له رافع بن خارجة، وخالد بن عوف: {بل نتبع ما ألفينا ~~عليه آباءنا} فإنهم كانوا أعلم وخيرا منا، فأنزل لنا الله هذه الآية، ردا عليهم. # والمعنى: أنه إذا قيل لهؤلاء الكفار: {كلوا مما} أحل الله لكم، ودعوا ~~{خطوات الشيطان} وطريقه، واعملوا بما أنزل الله على نبيه في كتابه، ~~استكبروا عن الإذعان للحق، وقالوا: {بل} نأتم بآبائنا، ف {نتبع ما} وجدناهم ~~عليه، من تحليل ما كانوا يحلون، وتحريم ما كانوا يحرمون. فقال تعالى: {أولو ~~كان آباؤهم} - يعني: آباء هؤلاء الكفار الذين مضوا على كفرهم بالله العظيم- ~~{لا يعقلون شيئا} من دين الله وفرائضه، وأمره ونهيه فيتبعون على ما سلكوا ~~من ms393 الطريق، ويؤتم بهم في أفعالهم، {لا يهتدون} لرشد فيهتدي بهم غيرهم، ~~ويهتدي بهم من طلب الدين، وأراد الحق والصواب. # يقول الله لهؤلاء الكفار: فكيف أيها الناس تتبعون ما وجدتم عليه آباؤكم، ~~فتتركون ما يأمركم به ربكم، وآباءكم لا يعقلون من أمر الله شيئا، ولا هم ~~مصيبون حقا، ولا مدركون رشدا؟ وإنما يتبع المتبع ذا المعرفة بالشيء، ~~المستعمل له في نفسه، فأما الجاهل فلا يتبعه فيما هو به جاهل، إلا من لا ~~عقل له ولا تمييز. # والواو في قوله: {أولو كان آباؤهم} للحال، والهمزة بمعنى الرد والتعجب؛ و ~~{ألفينا} بمعنى وجدنا، بدليل قوله: {بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا} [لقمان: ~~21] وهذه الآية صريحة في ذم التقليد، صراحة لا تقبل التأويل ولا الصرف عن ~~ظاهرها. # وقد حكى ابن عطية: أن الاجماع منعقد على إبطاله في العقائد (¬1). PageV01P444 # وقرر فخر الدين الرازي في تفسيره، بطلان التقليد بوجه عقلي، فقال: يقال ~~للمقلد: هل تعترف بأن شرط جواز تقليد الإنسان، أن يعلم كونه محقا، أم لا؟ ~~فإن اعترفت بذلك، لم تعلم جواز تقليده إلا بعد أن تعرف كونه محقا، فكيف ~~عرفت أنه محق؟ وإن عرفته بتقليد آخر لزم التسلسل (¬1)، وإن عرفته بالعقل ~~فذاك كاف، فلا حاجة إلى التقليد، وإن قلت: ليس من شرط جواز تقليده، أن يعلم ~~كونه محقا، فإذن قد جوزت تقليده، وإن كان مبطلا؟ ! فإذن أنت على تقليدك لا ~~تعلم أنك محق أو مبطل؟ # وأيضا هب أن ذلك المتقدم الذي قلدته كان عالما بذلك الشيء، إلا أنا لو ~~قدرنا أن ذلك المتقدم، ما كان عالما بذلك الشيء قط، وما اختار فيه البتة ~~مذهبا، فأنت ماذا كنت تعمل؟ فعلى تقدير أن لا يوجد ذلك المتقدم ولا مذهبه، ~~كان لا بد من العدول إلى النظر؛ فكذا ههنا. # وأيضا إذا قلدت من قبلك، فذلك المتقدم كيف عرفته؟ أعرفته بتقليد أم لا ~~تقليد؟ فإن عرفته بتقليد لزم إما الدور (¬2)، وإما التسلسل، وإن عرفته لا ~~بتقليد، بل بدليل، فإذا أوجبت تقليد ذلك المقدم، وجب أن تطلب العلم بالدليل ~~لا ms394 بالتقليد، لأنك لو طلبت بالتقليد لا بالدليل، مع أن ذلك المتقدم طلبه ~~بالدليل لا بالتقليد، كنت مخالفا له! ! فثبت أن القول بالتقليد يفضي ثبوته ~~إلى نفيه، فيكون باطلا. # وما قاله هنا، الدليل يعم المقلد في التوحيد، والمقلد في الفروع، وقد جعل ~~العلماء للمقلد في الفروع ميزانا عادلا، فاتفقوا على أن المكلف متى عرف ~~الحق، لا يجوز له تقليد أحد في خلافه (¬3). PageV01P445 # وإنما تنازعوا في جواز التقليد للقادر على الاستدلال، وإن كان عاجزا عن ~~إظهار الحق الذي يعلمه، فهذا يكون كمن عرف أن دين الاسلام حق، وهو بين ~~النصارى، فإذا فعل ما يقدر عليه من الحق، فلا يؤاخذ بما عجز عنه، وهؤلاء ~~كالنجاشي وغيره. # وقد أنزل الله في هؤلاء آيات من كتابه، كقوله تعالى: {وإن من أهل الكتاب ~~لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم} [آل عمران: 199] وقوله: ~~{ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون (159)} [الأعراف] وقوله: {وإذا ~~سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق} ~~[المائدة: 83]. # وأما إن كان المتبع للمجتهد عاجزا عن معرفة الحق على التفصيل، وقد فعل ما ~~يقدر عليه مثله من الاجتهاد في التقليد، فهذا لا يؤاخذ إن أخطأ، كما في ~~الاجتهاد في القبلة، وأما إن قلد شخصا دون نظيره باتباع هواه، ونصره بلسانه ~~ويده من غير علم أن معه الحق، فهذا من أهل الجاهلية، وإن كان متبوعه مصيبا ~~لم يكن عمله صالحا، وإن كان متبوعه مخطئا كان آثما. كمن قال في القرآن ~~برأيه فإن أصاب فقد أخطأ، وإن أخطأ فليتبوأ مقعده من النار. # ومن ثم قال الشافعي: أجمع المسلمون، على أن من استبانت له سنة رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -، لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس. # وقال ابن عبد البر وغيره: أجمع الناس على أن المقلد ليس معدودا من أهل ~~العلم، وأن العلم معرفة الحق بدليله. # وهذا كما قال، فإن الناس لا يختلفون، أن العلم هو: المعرفة الحاصلة عن ~~الدليل، وأما بدون الدليل ms395 فإنما هو التقليد، فقد تضمن هذان الإجماعان إخراج ~~المتعصب بالهوى، والمقلد الأعمى عن زمرة العلماء، وسقوطهما باستكمال من ~~فوقهما الفروض من وراثة الأنبياء، فإن العلماء هم ورثة الأنبياء، فإن ~~الأنبياء لم PageV01P446 ### || CHECK مبحث في معنى قوله تعالى: {ومثل الذين كفروا كمثل} ### || CHECK وصف المقلدين دون نظر أو تدبر وهو عن قلة اهتمام بالدين في قوله: {ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء} # يورثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر ~~(¬1)، وكيف يكون من ورثة الرسول، من يجهد ويكدح في رد ما جاء به إلى قول ~~مقلده ومتبوعه، ويضيع ساعات عمره في التعصب والهوى. # ولما كان أولئك المقلدة المذكورين في هذه الآية، بالوصف الذي ذكره تعالى ~~عنهم- من ترك النظر والتدبر والإخلاد إلى التقليد بقولهم: {بل نتبع ما ~~ألفينا عليه آباءنا} ضرب لهم مثلا تنبيها للسامعين لهم، أنهم إنما وقعوا ~~فيما وقعوا فيه بسبب ترك الإصغاء، أو قلة الاهتمام بالدين، فصيرهم من هذا ~~الوجه بمنزلة الأنعام، فقال: # {ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي ~~فهم لا يعقلون (171)}. # وذلك لأن مثل هذا المثل يزيد السامع معرفة بأحوال الكفار، ويحقر إلى ~~الكافر نفسه إذا سمع ذلك، فيكون كسرا لقلبه، وتضييقا لصدره، حيث صيره ~~كالبهيمة، فيكون في ذلك نهاية الزجر والردع لمن يسمعه، عن أن يسلك مثل ~~طريقه في التقليد. # فقوله: {ومثل} فيه مضاف محذوف، تقديره: {ومثل} داعي {الذين كفروا} إلى ~~الإيمان، في أنهم لا يسمعون من الدعاء إلا جرس النغمة، ودوي الصوت، من غير ~~إلقاء أذهان ولا استبصار {كمثل} الناعق بالبهائم التي لا تسمع {إلا دعاء} ~~الناعق ونداءه، الذي هو تصويت بها وزجر لها، ولا تفقه شيئا آخر، ولا تعي، ~~كما يفهم العقلاء ويعون. # قال في "الكشاف": وقيل معناه: ومثلهم في دعائهم الأصنام، {كمثل} الناعق ~~{بما لا يسمع}. # إلا أن قوله: {إلا دعاء ونداء} لا يساعد عليه، لأن الأصنام لا تسمع شيئا. ~~انتهى. PageV01P447 # قال في "البحر": لحظ ms396 الزمخشري في هذا القول تمام التشبيه من كل جهة، فكما ~~أن المنعوق به {لا يسمع إلا دعاء ونداء}، فكذلك مدعو الكافر من الصنم، ~~والصنم لا يسمع، فضعف عنده هذا القول. # ونحن نقول: التشبيه وقع في مطلق الدعاء، لا في خصوصيات المدعو، فشبه ~~الكافر في دعائه الصنم، بالناعق بالبهيمة، لا في خصوصيات المنعوق به، انتهى. # وما قاله ربما يكون صحيحا من جهة البلاغة، وأما من جهة ما سبق الكلام، ~~فقد يرتقي إلى درجة البطلان، وذلك أن ما قبل هذه الآية، وما بعدها يدل على ~~أنها نزلت في اليهود، وإياهم عنى الله بها، ولم تكن اليهود أهل أوثان ~~يعبدونها، ولا أهل أصنام يعظمونها، ويرجون نفعها، أو دفع ضررها، فلا وجه ~~حينئذ للتأويل الذي أوله في "البحر". # وقال ابن زيد، فيما رواه الطبري عنه، في قوله: {ومثل الذين كفروا} الآية، ~~هو الرجل الذي يصيح في جوف الجبال، فيجيبه فيها صوت يراجعه، يقال له: ~~الصدى، فمثل آلهة هؤلاء لهم، كمثل الذي يجيبه بهذا الصوت، لا ينفعه، {لا ~~يسمع إلا دعاء ونداء}. قال: والعرب تسمي ذلك الصدى. # فالفاعل على هذا في قوله: {لا يسمع} ضمير عائد على {الذي ينعق}، ويكون ~~الضمير العائد على "ما" الرابط للصلة بالموصول محذوفا لفهم المعنى، تقديره: ~~{بما لا يسمع} [منه] (¬1)، لكن يعارضه أنه ليس فيه شروط جواز الحذف، لأن ~~الضمير مجرور بحرف جر الموصول بغيره. # ويجوز أن يقال: {مثل الذين كفروا} في اتباعهم آباءهم وتقليدهم لهم، ~~{كمثل} الراعي إذا تكلم مع البهائم، فكما أن الكلام مع البهائم عبث عديم ~~الفائدة، فكذا الكلام مع المقلد، لا يعود بفائدة لأنه لا دليل له، ولا ~~برهان يرجع إليه، بل قصارى أمره أن يقول: إنا {بل نتبع ما ألفينا عليه} ~~رؤساءنا، أو {آباءنا}، PageV01P448 ### || CHECK الزيادة على الكفار بالتبكيت بقوله تعالى: {صم بكم عمي فهم لا يعقلون} # أو متبعونا، لا يزيد على ذلك، فهو كالنعم السارحة، {لا يسمع إلا دعاء ~~ونداء}. # وقال سيبويه في تفسير الآية: ومثلك يا محمد، {ومثل الذين كفروا كمثل} ~~الناعق والمنعوق ms397 به. فعلى قوله يكون المعنى: {ومثل الذين كفروا} وداعيهم، ~~كمثل الغنم والناعق بها، ولك أن تجعل هذا من التشبيه المركب، وأن تجعله من ~~التشبيه المفرق، فإن جعلته من المركب، كان تشبيها للكفار في عدم فقههم ~~وانتفاعهم، بالغنم التي ينعق بها الراعي، فلا تفقه من قوله شيئا غير الصوت ~~المجرد، الذي هو الدعاء والنداء؛ وإن جعلته من التشبيه المفرق، فالذين ~~كفروا بمنزلة البهائم، ودعاء داعيهم إلى الطريق والهدى بمنزلة الذي ينعق ~~بها، ودعاؤهم إلى الهدى بمنزلة النعق، وإدراكهم مجرد الدعاء والنداء، ~~كإدراك البهائم مجرد صوت الناعق. وأما النعيق: فهو دعاء الراعي وتصويته ~~بالغنم. قال الشاعر: # فانعق بضأنك، يا جرير، فإنما ... منتك نفسك في الخلاء ضلالا (¬1) # ويقال: نعق المؤذن (¬2). ويقال: نعق ينعق، نعيقا ونعاقا ونعقا؛ وأما "نغق ~~الغراب" فبالغين المعجمة، وقيل أيضا: يقال بالمهملة في الغراب؛ نقله أبو ~~حيان في "البحر". # ولما شبه تعالى الكفار بالبهائم، زاد في تبكيتهم فقال: {صم بكم عمي} ~~لأنهم صاروا بمنزلة "الصم"، في أن الذي سمعوه كأنهم لم يسمعوه؛ وبمنزلة ~~"البكم"، في أن لا يستجيبوا لما دعوا إليه؛ وبمنزلة "العمي"، من حيث إنهم ~~أعرضوا عن الدلائل، فصاروا كأنهم لم يشاهدوها. و"صم" مرفوع خبر لمبتدأ محذوف. # وقوله: {فهم لا يعقلون} المراد به العقل الاكتسابي، لأن العقل المطبوع ~~كان حاصلا لهم، فإن العقل عقلان: مطبوع، ومسموع، ولما كان طريق اكتساب PageV01P449 ### || CHECK مبحث في معنى قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات من رزقناكم} الآية # العقل المكتسب هو الاستعانة بهذه القوى الثلاث، فلما أعرضوا عنها فقدوا ~~العقل المكتسب. ولهذا قيل: من فقد حسا فقد علما. # وأورد بعض المفسرين على هذه الآية سؤالا فقال: فإن قيل: قوله: {لا يسمع ~~إلا دعاء ونداء} ليس المسموع إلا الدعاء والنداء، فكيف ذمهم بأنهم لا ~~يسمعون إلا الدعاء؟ وكأنه قيل: لا يسمعون إلا المسموع، وهذا لا يجوز. # فالجواب: أن في الكلام إيجازا، وإنما المعنى: لا يفهمون معاني ما يقال ~~لهم، كما لا تميز البهائم بين معاني الألفاظ التي لا تصوت بها، وإنما تفهم ms398 ~~شيئا يسيرا قد أدركته بطول الممارسة، وكثرة المعاودة. فكأنه قيل: ليس لهم ~~إلا سماع النداء، دون إدراك المعاني والأغراض. # وقال علي بن عيسى: إنما ثنى فقال: {دعاء ونداء} لأن الدعاء طلب الفعل، ~~والنداء إجابة الصوت. # ولما أخبر تعالى أن الكفار غرقوا في التقليد، فصاروا صما بكما عميا عن ~~البرهان، واتباع ما أنزل الله في كتابه العزيز، وكسر قلبهم، وضيق صدرهم، ~~بضرب المثل الذي ضربه لهم، بأن نظمهم في سلك البهائم السارحة، خاطب تعالى ~~أولي العقول الراجحة، الذين هجروا التقليد إلى ما أنزل الحكيم الحميد، آمرا ~~لهم أمر إباحة، وهو إيجاب في تناول ما يقيم البنية ويحفظها، فقال: # {ياأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه ~~تعبدون (172)}. # هذه الآية شبيهة بما تقدم من قوله: {كلوا مما في الأرض حلالا طيبا} ~~[البقرة: 168]. # ولما تكلم تعالى من أوائل السورة إلى ههنا، في دلائل التوحيد والنبوة، ~~واستقصى في الرد على اليهود والنصارى، شرع في بيان الأحكام. # والمعنى: {ياأيها الذين آمنوا}، أي صدقوا الله ورسوله، وأقروا بالعبودية، # وأذعنوا بالطاعة، {كلوا من طيبات ما رزقناكم}، أي: اطعموا من حلال الرزق ~~الذي أحللناه لكم، فطاب وصار مستلذا لكم، بتحليلي إياه لكم مما كنتم تحرمون PageV01P450 ### || CHECK بيان ما يحمل عليه هنا الأمر بالأكل ### || CHECK معنى الطيبات في قوله تعالى: {كلوا من الطيبات} # أنتم، ولم أكن حرمته عليكم من المطاعم والمشارب، {واشكروا لله}، يقول: ~~وأثنوا على الله بما هو أهله منكم على النعم التي رزقكم وطيبها لكم، {إن ~~كنتم إياه تعبدون}، يقول: إن كنتم منقادين لأمره، سامعين مطيعين، فكلوا مما ~~أباح لكم أكله، وحلله وطيبه لكم، ودعوا في تحريمه خطوات الشيطان. # أخرج مسلم في صحيحه, والترمذي في جامعه عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن ~~الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: {ياأيها الرسل كلوا من ~~الطيبات واعملوا صالحا} [المؤمنون: 51] وقال تعالى: {ياأيها الذين آمنوا ~~كلوا من ms399 طيبات ما رزقناكم}، ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه ~~إلى السماء، يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي ~~بالحرام، فأنى يستجاب لذلك" (¬1). # والطيب معناه: الطاهر، وطيبات الرزق: خلاف الخبيث، بدليل أنه تعالى وصف ~~رسوله، بأنه {ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث} [الأعراف: 157]. # وقد أرشد الله المؤمنين في هذه الآية إلى ترك ما كانوا يحرمونه في ~~جاهليتهم من المطاعم، وهو الذي ندبهم إلى أكله، ونهاهم عن اعتقاد تحريمه، ~~إذ كان تحريمهم إياه كان في الجاهلية طاعة منهم للشيطان، واتباعا لأهل ~~الكفر منهم بالله من الآباء والأسلاف، هذا بالنسبة لما خوطبوا بهذه الآية ~~حال نزولها، وأما بالنسبة إلى ما يقتضيه العموم، فلعل أقواما ظنوا أن ~~التوسع في المطاعم، والاستكثار من طيباتها ممنوع منه، فأباح تعالى ذلك بهذه الآية. # والمعنى حينئذ: كلوا من لذائذ ما أحللناه لكم، فكان تخصيصه بالذكر لهذا ~~المعنى. وظاهر قوله تعالى: {كلوا}، الأمر بالأكل المعهود. PageV01P451 ### || CHECK مبحث فيما يراد من كلمة "إنما" ### || CHECK تبيين الخبيث حتى يجتنب وذلك بقوله تعالى: {إنما حرم عليكم الميتة والدم .. } الآية # وقيل: المراد الانتفاع به، ونبه بالأكل على وجوه الانتفاع، إذ كان أكل ~~أعظمها، إذ به تقوم البنية. واستدل لذلك بأنه تعالى ما خص الحل والحرمة ~~بالمأكولات، بل بسائر ما ينتفع به من أكل وشرب ولبس، وغير ذلك. # وفي قوله: {ما رزقناكم} إسناد الرزق إلى ضمير المتكلم بنون العظمة، لما ~~في الرزق من الامتنان والإحسان. # وعلى تفسير "الطيبات" بالحلال، يكون الرزق منقسما إلى الحلال والحرام، ~~خلافا لما ذهب إليه قوم، من أن الرزق لا يكون إلا حلالا، وإلى هذا ذهب صاحب ~~"الكشاف"، بناء على أصل مذهبه، فقال: {من طيبات ما رزقناكم}، من مستلذاته, ~~لأن كل ما رزقه الله لا يكون إلا حلالا. # وفي قوله تعالى: {واشكروا لله} التفات، إذ خرج من ضمير المتكلم إلى اسم ~~الغائب، وقدم المفعول، فقال: {إن كنتم إياه تعبدون} ليفيد الاختصاص، أي: إن ~~صح أنكم تخصونه بالعبادة، وتقرون أنه مولى النعم. # ولما قيد ms400 تعالى الإذن لهم بالطيب من الرزق، افتقر الأمر منه إلى بيان ~~الخبيث ليجتنب فبين صريحا ما حرم عليهم، مما كان المشركون يحلونه ويحرمون ~~غيره، وأفهم حل ما عداه، وأنه كثير جدا، ليزداد المخاطب شكرا فقال: # {إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن ~~اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم (173)}. # كلمة {إنما} للحصر، وهو إثبات الحكم في المذكور، ونفيه عما عداه، ولكن ~~هذا الحصر تارة يكون مطلقا، وتارة يكون مخصوصا، ويفهم ذلك بالقرائن ~~والسياق، كقوله تعالى: {إنما أنت منذر} [الرعد: 7، والنازعات: 45] وظاهر ~~ذلك الحصر للرسول في النذارة، والرسول لا ينحصر في النذارة، بل له أوصاف ~~جميلة كثيرة، كالبشارة وغيرها, ولكن PageV01P452 # مفهوم الكلام يقتضي حصره في النذارة لمن لا يؤمن، وبقي كونه قادرا على ~~إنزال ما شاء الكفار من الآيات. # وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام: "إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي" (¬1) ~~معناه حصره بالبشرية بالنسبة إلى الاطلاع على بواطن الخصوم، لا بالنسبة إلى ~~كل شيء؛ فإن له أوصافا أخر كثيرة. وكذلك قوله تعالى: {إنما الحياة الدنيا ~~لعب ولهو} [محمد: 36] الآية: يقتضي والله أعلم الحصر، باعتبار من قدمها على ~~الآخرة وقدمها عليها؛ وأما بالنسبة إلى ما في نفس الأمر فقد تكون سبيلا إلى ~~الخيرات، أو يكون ذلك من باب التغليب للأكثر في الحكم على الأقل؛ وكذلك هذه ~~الآية: {إنما حرم عليكم الميتة} فإن ظاهرها يقتضي قصر الحكم على ما ذكر، ~~وكم من محرم ورد تحريمه على لسان الشارع، ولم يذكر هنا، فالمراد والله أعلم ~~قصر الحرمة على ما ذكر، مما استحل الكفار لا مطلقا، وقصر ذلك على حال ~~الاختيار، كأنه قال: {إنما حرم عليكم} هذه الأشياء، ما لم تضطروا إليها. # وقال البقاعي في "نظم الدرر": معناه والله أعلم: إنكم حرمتم الوصيلة ~~والسائبة، وغيرهما مما أحله الله، وأحللتم الميتة والدم، وغيرهما مما حرمه ~~الله، ولم يحرم الله عليكم من السائبة، وما معها مما حرمتموه، ولا غيره مما ~~استحللتموه، إلا ما ذكرته هذه الآية، ms401 وإذا راجعت ما في قوله تعالى في ~~الأنعام: {فكلوا مما ذكر اسم الله عليه} [الأنعام: 118] وقوله: {ولا تأكلوا ~~مما لم يذكر اسم الله عليه} [الأنعام: 121] وقوله: {قل لا أجد في ما أوحي ~~إلي محرما} [الأنعام: 145] عرفت المراد من هذه الآية. انتهى. # فهذا وردت لفظة "إنما" فاعتبرها، فإن دل السياق، والمقصود من الكلام على ~~الحصر في شيء مخصوص، فقل به، وإن لم يدل على الحصر في شيء مخصوص، فاحمل ~~الحصر على الإطلاق. PageV01P453 ### || CHECK استثناء ميتة البحر بالحل دون سائر الميتة ### || CHECK اختلاف القراءات في هذه الآية # وقرئ {حرم} مسندا إلى ضمير اسم الله، وما بعده منصوب، وهي قراءة الجمهور، ~~ف "ما" على هذا، مهيئة في {إنما}، هيأت "إن" لولايتها الجملة الفعلية. # وقرأ ابن أبي عبلة برفع "الميتة" وما بعدها، فتكون "ما" موصولة اسم "إن"، ~~والعائد محذوف، أي: إن الذي حرمه الله "الميتة"، وما بعدها خبر "إن". # وقرأ أبو جعفر "حرم" مشددا مبنيا للمفعول، فاحتملت "ما" وجهين: # أحدهما: أن تكون موصولة اسم "إن"، والعائد الضمير المستكن في "حرم"، ~~و"الميتة" خبر "إن". # والوجه الثاني: أن تكون "ما" مهيئة، و"الميتة" مرفوع ب "حرم". # وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي: "إنما حرم" بفتح الحاء، وضم الراء مخففة، ~~جعله لازما، و"الميتة" وما بعدها مرفوع، وتحتمل "ما" الوجهين من التهيئة ~~والوصل، فعلى الأول "الميتة" فاعل ب "حرم"؛ وعلى الثاني هي خبر "إن". # واختلفت القراءات أيضا في {الميتة}، فقرأها بعضهم بالتخفيف، وبعضهم ~~بالتشديد، وهما لغتان معروفتان في القراءة وفي كلام العرب، والمراد من ~~تحريم {الميتة}، تحريم تناولها، فإن التحليل والتحريم إنما يتعلقان ~~بالأفعال دون الأعيان؛ و"الميتة": ما فارقه الروح من غير ذبح، وهو مما ~~يذكى، إنما شأنه التذكية، فخرج السمك والجراد, لأنهما ليسا من شأنهما ذلك. # وقد روى الإمام أحمد وابن ماجه والدارقطني، من طريق عبد الرحمن بن زيد بن ~~أسلم عن أبيه، عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أحل ~~لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد ~~والطحال" (¬1). ورواه الدارقطني أيضا ms402 من رواية عبد الله بن زيد بن أسلم عن ~~أبيه، بإسناده. قال الإمام PageV01P454 # أحمد وابن المديني: عبد الرحمن بن زيد ضعيف، وأخوه عبد الله ثقة. وأخرجه ~~الشافعي والبيهقي أيضا. # وعن أبي شريح، وهو صحابي قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن ~~الله ذبح ما في البحر لبني آدم". رواه الدارقطني، وذكره البخاري عن أبي ~~شريح موقوفا. # وعن عمر في قوله تعالى: {أحل لكم صيد البحر} [المائدة: 96] قال: صيده ما ~~اصطيد، {وطعامه} ما رمي به. # وقال ابن عباس: {وطعامه} ميتته، إلا ما قذرت منها. ذكر ذلك البخاري في صحيحه. # وروى الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي، - وقال: حديث ~~حسن صحيح - عن أبي هريرة قال: سأل رجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال: يا رسول الله، إنا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإن ~~توضأنا به عطشنا، أفنتوضا بماء البحر؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته" (¬1). # ومن ثم ذهب الجمهور إلى إباحة ميتة البحر، سواء ماتت بنفسها، أو ماتت ~~بالاصطياد. # وروي عن الحنفية، وعن الهادي، والقاسم، والإمام يحيى، والمؤيد بالله في ~~أحد قوليه - وهم من أئمة أهل البيت - أنه لا يحل إلا ما مات بسبب آدمي، أو ~~بإلقاء الماء عنه، أو جزره عنه، وأما ما مات، أو قتله حيوان غير آدمي فلا ~~يحل؛ واستدلوا بحديث أبي الزبير عن جابر مرفوعا، بلفظ: "ما ألقاه البحر أو ~~زجر عنه فكلوه، وما مات فيه وطفا فلا تأكلوه" (¬2). أخرجه أبو داود مرفوعا ~~من رواية PageV01P455 ### || CHECK بيان الأحكام المستفادة من الآية مثل ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة # يحيى بن سليم الطائفي، عن أبي الزبير، عن جابر. وقد أسند من وجه آخر عن ~~ابن أبي ذئب، عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعا. وقال الترمذي: سألت البخاري ~~عنه، فقال: ليس بمحفوظ، ويروى عن جابر خلافه. انتهى. # ويحيى بن سليم صدوق سيئ الحفظ، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال يعقوب: ~~إذا حدث من كتابه فحديثه حسن، ms403 وإذا حدث حفظا ففي حديثه ما يعرف وينكر. وقال ~~أبو حاتم: ليس بالحافظ. وقال ابن حبان في "الثقات": كان يخطئ. وقد توبع على ~~رفعه، أخرجه الدارقطني، من رواية أبي أحمد الزبيري عن الثوري مرفوعا، لكن ~~قال: خالفه وكيع وغيره، فوقفوه على الثوري وهو الصواب. # وروي عن ابن أبي ذئب وإسماعيل بن أمية مرفوعا ولا يصح، والصحيح أنه ~~موقوف. قال الحافظ ابن حجر: وإذا لم يصح إلا موقوفا، فقد عارضه ما ذكره ~~البخاري عن أبي بكر، أنه قال: الطافي حلال. # وقال أبو داود: روى هذا الحديث سفيان الثوري، وأيوب وحماد عن أبي الزبير، ~~أوقفوه على جابر. # قال الحافظ المنذري: وقد أسند هذا الحديث من وجه ضعيف، وأخرجه ابن ماجه. # قال الحافظ ابن حجر: والقياس يقتضي حله, لأنه لو مات في البر لأكل من غير ~~تذكية، ولو نضب عنه الماء لأكل ولو مات، فكذلك إذا مات وهو في البحر. # وقوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة} [المائدة: 3] يشمل ما قطع منها في حالة ~~الحياة، لما رواه ابن ماجه عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "ما قطع من بهيمة وهي حية، فما قطع منها فهو ميتة" (¬1). وأخرجه ~~البزار والطبراني في "الأوسط"، من حديث هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن ~~ابن عمر. لكن قال الدارقطني: كونه PageV01P456 ### || CHECK حكم الجنين الذي في بطن أمه المذكاة واختلاف الفقهاء فيه # مرسلا أشبه بالصواب، ويقوي حكمه ما أخرجه الإمام أحمد والترمذي وأبو ~~داود، عن أبي واقد الليثي مرفوعا: "ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة" (¬1). # وأما {والدم}: فكانت العرب تجعله في المباعر (¬2) وتشويها ثم تأكلها، ~~فحرم الله الدم المسفوح الذي يفعل به أهل الجاهلية؛ وقد علمت مما مر أنه ~~يستثنى منه الكبد والطحال، وقد بلغني أن أناسا من أهل زماننا، يفعلون بالدم ~~مثل فعل الجاهلية ثم يأكلونه، وسئلت عن ذلك فأفتيت بالحرمة، وتلوت الآية ~~الكريمة مستدلا بها. # وبقي هنا أن يقال: إن كثيرا ما تذبح الذبيحة التي يحل أكلها، فيوجد في ~~بطنها جنين ms404 ميت، فهل له حكم الميتة أم لا؟ # والجواب: أن ظاهر الآية يقتضي إلحاقه بالميتة، وإلى ذلك ذهبت العترة وأبو ~~حنيفة، فقالوا: لا تغني تذكية الأم عن تذكيته؛ واحتجوا بعموم هذه الآية، ~~لكن ذلك الاحتجاج معارض بوجهين: # أولهما: أنه من ترجيح العام على الخاص الوارد في الأحاديث الآتية، وقد ~~تقرر في فن الأصول بطلانه. # وثانيهما: ما أخرجه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه، عن أبي سعيد الخدري، ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في الجنين: "ذكاته ذكاة أمه" ~~(¬3)، وفي رواية, قلنا: با رسول الله، ننحر الناقة، ونذبح البقرة والشاة، ~~في بطنها الجنين، أنلقيه أم نأكل؟ قال: "كلوه إن شئتم، فإن ذكاته ذكاة ~~أمه". رواه الإمام أحمد وأبو داود، وإلى ذلك ذهب الثوري والشافعي، والحسن ~~بن زياد، وصاحبا أبي حنيفة (¬4). PageV01P457 ### || CHECK بيان الأقوال في المراد من لحم الخنزير # واعتذر المانعون عن الحديث بأعذار لا تغني شيئا؛ وظاهر الحديث أن الجنين ~~يحل بذكاة الأم مطلقا، سواء خرج حيا أو ميتا؛ فالتفصيل ليس عليه دليل. # وقولهم: المراد ذكاة الجنين كذكاة أمه، مردود بأنه لو كان المعنى على ذلك ~~لكان منصوبا بنزع الخافض، والرواية بالرفع، ويؤيده أنه روي بلفظ: "ذكاة ~~الجنين في ذكاة أمه" أي: كائنة، أو: حاصلة في ذكاة أمه. وروي: "ذكاة الجنين ~~بذكاة أمه" - والباء للسببية. # وقوله {ولحم الخنزير} أراد الخنزير بجميع أجزائه، لكنه خص اللحم لأنه ~~المقصود بالأكل، وفائدة تخصيص لحم الخنزير دون لحم سائر السباع، أن كثيرا ~~من الكفار ألفوا لحم الخنزير، فخص بهذا الحكم، وهذا قول سائر أهل العلم. # ونقل أبو حيان في "البحر" عن داود الظاهري (¬1) أنه قال: المحرم من ~~الخنزير اللحم دون الشحم، انتهى. # واستدل بظاهر الآية، ودليله قوي، إلا إذا أتى ما يعارضه، وسيمر بك ذلك ~~المعارض، وعندي في النقل عن داود وقفة، فقد قال أبو محمد بن حزم الظاهري، ~~في كتابه "المحلى" ما لفظه: ولا يحل أكل شيء من الخنزير، لا لحمه ولا شحمه، ~~ولا جلده ولا عصبه، ولا غضروفه ولا حشوته، ولا مخه ولا ms405 عظمه، ولا رأسه ولا ~~أطرافه، ولا أليته ولا شعره، الذكر والأنثى، والصغير والكبير سواء، انتهى. # فيحتمل أن هذا مذهب لابن حزم انفرد به عن داود، ويحتمل أنه مذهب داود، ~~وقد غلط أبو حيان في النقل عنه، مع أنه كان ظاهريا، وكثيرا ما يحصل الغلط ~~في النقل عن الأئمة لمن لم يراجع كتبهم. # قال ابن حزم: ولا يحل الانتفاع بشعر الخنزير لا في خرز ولا في غيره، ثم ~~استدل لذلك بحديث الصحيحين: "ينزل عيسى بن مريم حكما عدلا، فيكسر PageV01P458 ### || CHECK مبحث في معنى قوله تعالى: {وما أهل به لغير الله} # الصليب، ويقتل الخنزير" وأطال في ذلك، ثم أتبعه الاستدلال بقوله تعالى: ~~{قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما ~~مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس} [الأنعام: 145]. قال: والضمير في لغة العرب ~~التي نزل بها القرآن، راجع إلى أقرب مذكور إليه، فصح بالقرآن أن الخنزير ~~بعينه {رجس}، و {الرجس} حرام واجب اجتنابه. # فالخنزير كله حرام، لا يخرج من ذلك شعره ولا غيره، حاشا ما أخرجه النص عن ~~الجلد إذا دبغ فحل استعماله (¬1). # ثم إنه رد على من يقول: إن تحريم شحمه إنما هو بالقياس على لحمه، وبرهن ~~على أن تحريم الشحم إنما هو بطريق النص، لا بطريق القياس؛ وهذا قريب من قول ~~ابن عطية في تفسيره، خص ذكر اللحم من الخنزير، ليدل على تحريم عينه، ذكي أو ~~لم يذك، وليعم الشحم وما هنالك من الغضاريف وغيرها. # وقوله تعالى: {وما أهل به لغير الله} الإهلال: رفع الصوت، ومنه الإهلال ~~بالتلبية، ومنه سمي الهلال لارتفاع الصوت عند رؤيته، ومنه إهلال الصبي ~~واستهلاله، وهو صياحه عند ولادته. # ومعناه والله أعلم: ما ذبح للآلهة والأوثان، يسمى عليه {لغير} اسم ~~{الله}، أو قصد به الأصنام، وإنما قيل: {وما أهل به} , لأنهم كانوا إذا ~~أرادوا ذبح ما قربوه لآلهتهم، سموا اسم آلهتهم التي قربوا ذلك لها وجهروا ~~بذلك أصواتهم، فجرى ذلك من أمرهم على ذلك، حتى قيل لكل ذابح ms406 - يسمي أو لم ~~يسم، جهر بالتسمية أو لم يجهر-: مهل، فرفعهم أصواتهم بذلك هو الإهلال الذي ~~ذكره الله فقال؛ {وما أهل به لغير الله}. # وقال قتادة: هو ما ذبح {لغير الله} مما لم يسم عليه؛ وقال الضحاك: هو PageV01P459 # ما أهل به للطواغيت. وروى ابن جرير عن عقبة بن مسلم التجيبي، وقيس بن ~~رافع الأشجعي، أنهما قالا لحيوة: # هل أحل لنا ما ذبح لعيد الكنائس، وما أهدي لها من خبز ولحم، فإنما هو ~~طعام أهل الكتاب؟ # قال: لا. قلت: أرأيت قول الله: {وما أهل به لغير الله}؟ # قال: إنما ذلك المجوس، وأهل الأوثان، والمشركون. # وقال علي والحسن: هو ما قصد به غير وجه الله للتفاخر والتباهي. # قال في "البحر": والذي يظهر من الآية، تحريم ما ذبح {لغير الله}، فيندرج ~~في لفظ "غير الله"، الصنم والمسيح، والتفاخر واللعب. # وفي "غرائب القرآن"، لنظام الدين النيسابوري: قال العلماء: لو أن مسلما ~~ذبح ذبيحة، وقصد بذبحها التقرب إلى غير الله تعالى، صار مرتدا، وذبيحته ~~ذبيحة مرتد. # وفي كتاب "الروض" للشافعية: أن المسلم إذا ذبح للنبي، كفر. # قال الشوكاني، بعد أن نقل كلامه: إذا كان الذبح لسيد الرسل - صلى الله ~~عليه وسلم - كفرا عنده، فكيف بالذبح لسائر الأموات، انتهى. # وكره الإمام أحمد الذبح عند القبر وأكل ذلك، لخبر أنس: "لا عقر في ~~الإسلام" (¬1) حديث صحيح. رواه أحمد وأبو داود، وقال: قال عبد الرزاق: ~~كانوا يعقرون عند القبر بقرة أو شاة. وروى المروذي عن الإمام أحمد: كانوا ~~إذا مات الميت، نحروا جزورا، فنهى عليه السلام عن ذلك. # وفسره غير واحد بعد ذلك بمعاقرة الأعراب: يتبارى رجلان في الكرم، فيعقر ~~هذا ويعقر هذا، حتى يغلب أحدهما الآخر، فيكون {أهل .. لغير الله}، PageV01P460 ### || CHECK مبحث في الاضطرار ومعنى غير باغ ولا عاد في قوله تعالى: {فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه} # ذكره البيهقي؛ وروى أبو داود بإسناد جيد عن ابن عباس، أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: "نهى عن طعام المتباريين" (¬1)، ورواه أيضا الحافظ ~~المقدسي في "المختارة" ms407 بإسناد جيد. # وسيأتي مزيد على ذلك إن شاء الله تعالى في سورة المائدة. # وبقي هنا أن يقال: هذا الحكم في غير ذبائح أهل الكتاب، أما ذبائحهم فتحل ~~لنا، لقول الله تعالى {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم} [المائدة: 5] ولما ~~كان شأن الاضطرار أن يشمل جمعا من الخلق، أنباهم تعالى: بأن هذا الذي رفع ~~عنهم من التحريم، لا يبرأ من كلية الأحكام، بل يبقى مع هذه الرخصة موقع ~~للأحكام في الغي والعدوان، فقال: {فمن اضطر غير باغ ولا عاد} الآية. # أي: فمن حلت له ضرورة مجاعة، إلى ما حرمت عليكم من {الميتة والدم ولحم ~~الخنزير وما أهل به لغير الله}، وهو بالصفة التي وصفنا، {فلا إثم عليه} في ~~أكله إن أكله، فقوله: {فمن اضطر} افتعل من الضرورة، و {غير باغ} نصب على ~~الحال من {فمن}، فكأنه قيل: من اضطر لا باغيا ولا عاديا فأكله، فهو له حلال. # وللمفسرين هنا أقوال كثيرة في معنى "غير باغ ولا عاد"، وكلها ترجع إلى ~~التخصيص، وأولاها التعميم، فتشمل ما إذا كان الآكل مكرها على الأكل، ~~والخارج على الأمة بسيفه باغيا عليهم بغير جور، ولا عاديا عليهم بحرب ~~وعدوان، فمفسد عليهم السبيل، والذي يقطع الطريق، والخارج في معصية الله، ~~والآكل من الميتة، وما عطف عليها, وله مندوحة عن أكلها، والمتعدي بأكله فوق ~~ما لا بد منه، فكل أولئك لم يجز لهم أكل الميتة، فيفسر الاعتداء بكل معانيه ~~المحرمة. # وقوله تعالى: {فلا إثم عليه} معناه: من أكل ذلك على الصفة التي وصفنا، ~~فلا تبعة عليه في أكله ذلك كذلك، ولا حرج. وأبدى الحرالي هنا لطيفة، PageV01P461 ### || CHECK المراد من قوله تعالى: {إن الله غفور رحيم} # وهي: أن تحريم أكل الميتة إنما هو للضرر الموجود فيها، فإذا أكلها غير ~~المضطر لحقه الضرر الموجود بها، وإذا أكلها المضطر ارتفع ذلك الضرر, لأن ~~الله تعالى، إذا أباح شيئا أذهب ضره، واستدل بذلك لما ورد في الخبر "إن ~~الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها" (¬1). قال: ففيه تنبيه لتغيير هذه ~~الأعيان ms408 للمضطر، عما كانت عليه حتى تكون رخصة في الظاهر، وتطييبا في ~~الباطن، فكما رفع عنه حكم الكتابي، يتم فضله فيرفع عنه حكمها الطبيعي. # ثم علل هذا الحكم مرغبا ومرهبا، بقوله: {إن الله غفور رحيم}، أشعر بقوله: ~~{رحيم} بأنه لا يصل إلى حال الاضطرار إلى ما حرم عليه أحد، إلا عن ذنب ~~أصابه، فلولا المغفرة لتمت عليه عقوبته, لأن المؤمن أو الموقن لا تلحقه ~~ضرورة, لأن الله لا يعجزه شيء، وعبد الله لا يعجزه ما لا يعجز ربه، {وإن ~~كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين} [الروم: 49]. فاليأس الذي ~~يحوج إلى ضرورة، إنما يقع لمن هو دون رتبة اليقين، ودون رتبة الإيمان, ~~واستدل لذلك بما روي عن جابر في قصة طويلة: أنهم كانوا [في] غزاة، فنفد ~~زادهم وهم على سيف البحر، فألقى البحر إليهم دابة يقال لها العنبر، فأكلوا ~~منها نصف شهر، فلما رجعوا أخبروا النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك، فقال: ~~"هل عندكم منه شيء تطعموني؟ " (¬2). ووجه الاستدلال من جهة أن الله تعالى ~~لم يحوجهم إلى ضرورتهم، إلى ما حرم عليهم، بل جاءهم في ضرورتهم بما هو أطيب ~~مأكلهم في حال السعة من صيد البحر، الذي هو: "الطهور ماؤه، الحل ميتته". # وفي قوله هنا: {رحيم} إنباء بأن من اضطر، فأصاب مما اضطر إليه شيئا، لم ~~يبغ فيه، ولم يعده، تناله من الله رحمة، توسعه عن أن يضطر بعدها إلى مثله، ~~فيغفر له الذنب السابق الذي أوجب الضرورة، ويناله بالرحمة الواسعة التي ~~ينالها من لم يقع منه ما وقع ممن اضطر إلى مثله. PageV01P462 # ولما كان في بيان هذه المحرمات الإشارة إلى عيب من استحلها من العرب، ~~وترك ما أمر به من الطيبات جهلا وتقليدا, أردفها هذه الآية بتكرار عيب ~~الكاتمين لما عندهم من الحق، مما أنزل في كتابهم، فقال: # {إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما ~~يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم ~~عذاب أليم (174)}. # روى ms409 ابن جرير عن قتادة: أن هذه الآية، مراد بها أهل الكتاب، كتموا ما ~~أنزل عليهم، وبين لهم من الحق الهدى، ونعت محمد - صلى الله عليه وسلم - ~~وأمره. وروي مثل ذلك عن الربيع والسدي وعكرمة. وهذا وإن كان كذلك، إلا أن ~~خطاب النبي - صلى الله عليه وسلم - به، يشعر بوقوع ذلك من طائفة من أمته، ~~حرصا على الدنيا، كما يقع من المتأولين لكتاب الله وسنة رسوله، ليجعلونها ~~مستندا لبدعتهم، وجلب حطام الدنيا، ويكتمون معنى ما أنزل إليهم من ربهم. # فالأولى أن يقال: نزلت هذه الآية، في كل كاتم حق، لأخذ عرض أو إقامة غرض، ~~من مؤمن ويهودي، ومشرك ومعطل، وإن صح سبب النزول، فهي عامة، والحكم للعموم؛ ~~وإن كان السبب خاصا، فيتناول من علماء المسلمين من كتم الحق مختارا لذلك، ~~لسبب دنيا يصيبها. # فقوله تعالى: {يكتمون} تأوله المفسرون على وجهين: # أولهما: ما روي عن ابن عباس، أنهم كانوا يحرفون التوراة والإنجيل. # وثانيهما: ما قاله المتكلمون: من أن هذا ممتنع, لأنهما كانا كتابين بلغا ~~في الشهرة والتواتر إلى حيث يتعذر ذلك فيهما، بل كانوا يكتمون التأويل, ~~لأنه قد كان فيهم من يعرف الآيات الدالة على نبوة محمد - صلى الله عليه ~~وسلم -، وكانوا يذكرون لها تأويلات باطلة، ويصرفونها عن محاملها الصحيحة ~~الدالة على نبوة محمد عليه السلام. فهذا هو المراد من الكتمان، فيصير ~~المعنى: إن الذين يكتمون معاني ما أنزل الله من الكتاب. وعلى هذا يدخل في ~~الوعيد الباطنية والزنادقة، وأشياعهم PageV01P463 # وأشباههم، الذين يؤولون القرآن والسنة إلى درجة يلزم منها الحلول، وتعطيل ~~الأمر والنهي، ويصرفون معاني الألفاظ إلى غير ما وضعت له، ويبدلون ما أنزل ~~الله من الكتاب، فيجعلون الكلمة الواحدة كلمتين أو أكثر، توصلا إلى تأييد ~~نحلتهم، فيغيرون حدود الكتاب وأحكامه. # ولما كان من الكتم ما يكون لقصد خير - وكم من كلمة حق أريد بها باطل- ~~قيده بقوله: {ويشترون به ثمنا قليلا}. والثمن ما لا ينتفع بعينه، حتى يصرفه ~~إلى غيره من الأعواض، فالإيعاد على ما يتضمن جهل الكاتم وحرصه، باستكسابه ~~بالعلم، وإجرائه ms410 في غير ما أجراه تعالى على ألسنة أنبيائه {وما أسألكم عليه ~~من أجر} [الشعراء: 109، 127، 145، 164، 180] ووصف الثمن بالقلة، إشارة إلى ~~أن كل ما لم يثبت من خير الدنيا في الآخرة -وإن جل- فهو حقير قليل مهان، ~~{أولئك} الذين هذه صفتهم {ما يأكلون في بطونهم} أي: ملء بطونهم؛ يقال: أكل ~~فلان في بطنه، وأكل في بعض بطنه، وقوله: {إلا النار} جار مجرى قول العرب: ~~أكل فلان الدم، إذا أكل الدية التي هي بدل منه، وهنا إذا أكل ما يتلبس ~~بالنار، لكونها عقوبة عليه، فكأنه أكل النار، ولما كانت النار تحرق ما تصل ~~إليه، كان عقابهم في الدنيا موت قلوبهم وحواسهم، فلا يحسون بالحق، ولا ~~يدرونه، فهم كالخدر الذي يجعل يده في الماء الحار ولا يحس به، فيشعر ذلك ~~بموت حواس هؤلاء عن حال ما تناولوه كما نشاهد ذلك من أكل مال اليتيم بغير ~~حق، وما أشبهه، وعقابهم في الآخرة النار، يأكلونها في بطونهم، {ولا يكلمهم ~~الله} كلاما يدل على مرضي (¬1)، لكونهم لم يكلموا الناس بما كتب عليهم، ~~وهذا تعريض بحرمانهم حال أهل الجنة، في تكرمة الله إياهم بكلامه، وتزكيتهم ~~بالثناء عليهم، وإنما يكلم الله هؤلاء بقوله: {اخسئوا فيها ولا تكلمون} ~~[المؤمنون: 108] وإنما كان عدم تكليمهم {يوم القيامة} , لأنه هو اليوم الذي ~~يكلم الله فيه كل الخلائق بلا واسطة، فيظهر عند كلامه السرور في PageV01P464 ### || CHECK مبحث في معنى قوله تعالى: {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فما أصبرهم على النار} # أوليائه, وضده في أعدائه، ويتميز أهل الجنة بذلك من أهل النار، فلا جرم ~~كان ذلك من أعظم الوعيد، {ولا يزكيهم} لما أوقعوا فيه الناس من التعب، ~~بكتمهم عنهم ما يقيمهم على الواضحة البيضاء، والصراط السوي. # وقد علمت مما سبق أن هذه الآية، وإن قال المفسرون: إنها نزلت في اليهود, ~~لكنها عامة في حق كل من كتم شيئا من باب الدين يجب إظهاره، فتصلح لأن يتمسك ~~بها القاطعون بوعيد أصحاب الكبائر. # ولما وصف تعالى علماء اليهود، ومن كان على شاكلتهم بكتمان الحق، وعظم في ms411 ~~الوعيد عليه, وصف ذلك الجرم ليعلم أن ذلك العقاب إنما عظم لهذا الجرم ~~العظيم، فقال: # {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فما أصبرهم على ~~النار (175) ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا في الكتاب ~~لفي شقاق بعيد (176)}. # اعلم: أن الفعل: إما أن يعتبر حالة في الدنيا، وإما في الآخرة. أما في ~~الدنيا فأحسن الأشياء الاهتداء والعلم، وأقبح الأشياء الضلال والجهل، فلما ~~تركوا الهدى والعلم في الدنيا، ورضوا بالضلال والجهل، فلا شك أنهم في نهاية ~~الخيانة في الدنيا، وأما في الآخرة فأحسن الأشياء المغفرة، وأخسرها العذاب، ~~فلما تركوا المغفرة، ورضوا بالعذاب، فلا شك أنهم في غاية الخسارة في ~~الآخرة، وإذا كانت صفتهم على ما ذكرناه، كانوا لا محالة أعظم الناس خسارا ~~في الدنيا وفي الآخرة. # وإنما حكم تعالى عليهم بأنهم اشتروا العقاب بالمغفرة, لأنهم لما كانوا ~~عالمين بما هو الحق، وكانوا عالمين بأن في إظهاره وإزالة الشبهة عنه أعظم ~~الثواب، وفي إخفائه وإلقاء الشبهة فيه أعظم العقاب، فلما أقدموا على إخفاء ~~ذلك الحق، كانوا بائعين للمغفرة بالعذاب لا محالة. PageV01P465 ### || CHECK معنى قوله تعالى: {ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد} # وقوله: {فما أصبرهم على النار} تعجب من حالهم في التباسهم بموجبات النار ~~من غير مبالاة منهم، والمعنى: ما أجرأهم على عذاب النار، وأعملهم بأعمال ~~أهلها، وقد سمع من العرب: ما أصبر فلانا على الله، بمعنى: ما أجرأه عليه، ~~وإنما يعجب الله خلقه بإظهار الخبر عن القوم {الذين يكتمون ما أنزل الله}، ~~واشترائهم بكتمان ذلك ثمنا قليلا من السحت (¬1) والرشا (¬2) التي أعطوها، ~~على وجه التعجب من إقدامهم على ذلك، مع علمهم بأن ذلك موجب لهم سخط الله، ~~وأليم عقابه، وسبيل هذا سبيل قولهم: ما أشبه سخاءك بحاتم، يريدون ما أشبه ~~سخاءك بسخاء حاتم. # وقوله تعالى: {ذلك} أي: ذلك الذي ذكر من أكلهم النار وما بعده، بسبب أن ~~{الله نزل} ما نزل من {الكتاب بالحق}، فمن كتمه فقد حاول نفي ما أثبت الله، ms412 ~~فضاد الله في ملكه، ومن خالف فيه، وهو الذي لا شبهة تلحقه، فقد عد الواضح ~~ملبسا، فقد أبعد المرمى، {وإن الذين اختلفوا في الكتاب} في كتب الله، ~~فقالوا في بعضها حقا، وفي بعضها باطلا. {لفي شقاق}، لفي خلاف {بعيد} عن ~~الحق، هذ ابناء على جعل اللام في {الكتاب} للجنس، وإن جعلت للعهد كانت ~~الإشارة، إما إلى التوراة، واختلافهم حيث آمنوا ببعضها، وكفروا ببعضها ~~بكتمه، وإما إلى القرآن واختلافهم فيه، قول بعضهم هو سحر، وبعضهم شعر، ~~وبعضهم أساطير الأولين. # وقوله: {لفي شقاق بعيد} يعني: أن أولئك لو لم يختلفوا, ولم يشاقوا، لما ~~جسر هؤلاء أن يكفروا، وهذه حالة من أصله الله على علم، ولما كان الخطاب في ~~هذه الآيات، والتي قبلها ظاهره خطاب لليهود والنصارى، على مقتضى أسباب ~~النزول، كان الأمر على طريق عموم اللفظ، فألحق بهم سائر من تنكب عن طريق ~~الهدى، فيلحق باليهود منافقو أمتنا، ممن ارتاب بعد إظهار ايمانه، وفعل ~~أفاعيلهم من المكر والخديعة والاستهزاء، ويلحق بالنصارى من اتصف بأحوالهم، PageV01P466 ### || CHECK اختلاف المفسرين في تأويل قوله تعالى: {ليس البر} # وبالمشركين من جعل سندا واعتقد فعلا لغيره، على غير طريقة الكسب، والمجوس ~~لاحقون بأهل الشرك، والشرك أكثر هذه الطرق تشعبا، ولهذا قال عليه الصلاة ~~والسلام: "الشرك أخفى من دبيب النمل" (¬1). ومن فعل أفعال من ذكره، ولم ~~ينته به الأمر إلى مفارقة دينه، والخروج في شيء من اعتقاده، خيف عليه أن ~~يكون ذلك وسيلة إلى اللحوق بمن تشبه به، ولهذا قال عليه السلام: "أربع من ~~كن فيه كان منافقا خالصا: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا أوعد أخلف، ~~وإذا خاصم فجر" (¬2). إلى أشباه هذا من الأحاديث. # ولما بين سبحانه وتعالى كفر أهل الكتاب، الطاعنين في نسخ القبلة بتكذيب ~~الرسول، وكتمان الحق، وغير ذلك، أتبعه الإشارة إلى أن أمر الفروع أخف من ~~أمر الأصول؛ لأن الفروع ليست مقصودة لذاتها، وإنما المقصود بالذات الإيمان, ~~فإذا وقع تبعته جميع الطاعات، فقال: # {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من ms413 آمن بالله ~~واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى ~~واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى ~~الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين ~~البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون (177)}. # اختلف المفسرون في تأويل قوله تعالى: {ليس البر} فقال ابن عباس: هو ~~الصلاة، يعني {ليس البر} الصلاة وحدها، {ولكن البر} الخصال التي أبينها لكم. # وقال مجاهد: {البر} ما ثبت في القلوب من طاعة الله، كما قال تعالى: {ولكن ~~البر من آمن} الآية، وقال ابن عباس: {ليس البر أن} تصلوا ولا تعملوا غير ~~ذلك. PageV01P467 # وقال آخرون: عني الله بقوله: {ليس البر} اليهود والنصارى، وذلك أن اليهود ~~تصلي فتوجه قبل المغرب، والنصارى تصلي فتتوجه قبل المشرق، فأنزل الله فيهم ~~هذه الآية؛ يخبرهم فيها أن البر غير العمل الذي يعملونه، ولكنه ما بيناه في ~~هذه الآية؛ وبمثل هذا قال قتادة، والربيع بن أنس. # وهذا القول يدل عليه سياق الآيات, لأن الآيات التي مضت كانت موبخة لليهود ~~والنصارى، ولائمة لهم، ومخبرة عنهم، وعما أعد لهم من أليم العذاب. وهذه ~~الآية في سياق ما قبلها، فينبغي أن يكون المعنى: {ليس البر} أيها اليهود ~~والنصارى، أن يولي بعضكم وجهه {قبل المشرق و} بعضكم قبل {المغرب ولكن البر ~~من آمن بالله} الآية. # وعلى القول الأول المشعر بأن الآية نزلت في المؤمنين، يكون المعنى: أنه ~~نهاهم أن يتعلقوا من شريعتهم بأيسر شيء، كما تعلق أهل الكتابين، ولكن عليهم ~~العمل بجميع ما في طاقتهم من تكاليف الشريعة، على ما بينه الله. # أخرج ابن جرير، وعبد بن حميد، وابن المنذر، عن قتادة، قال: كان الرجل قبل ~~الفرائض، إذا شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، ثم مات على ~~ذلك، يرجى له، ويطمع له في خير، فأنزل الله: {ليس البر} الآية. وكانت ~~اليهود توجهت قبل المغرب، والنصارى قبل المشرق، فأنزل الله هذه الآية. انتهى. # وهذا القول كأنه جمع بين القولين، وعليه فالآية عامة للفريقين، وهو أولى ~~ما تفسر ms414 به. # وقوله: {ولكن البر} معلوم أن {البر} معنى من المعاني، فلا يكون خبره ~~الذوات، التي هي هنا، {من آمن} إلا مجازا، فإما أن يجعل {البر} هو نفس {من ~~آمن} على طريق المبالغة، قال أبو عبيدة: والمعنى: {ولكن} البار، وإما أن ~~يكون على حذف من الأول، أي: {ولكن} ذا البر، قاله الزجاج؛ أو من الثاني، ~~أي: {ولكن البر} بر {من آمن}؛ قاله قطرب. وعلى هذا خرجه PageV01P468 ### || CHECK بيان ما تضمنته هذه الآية # سيبويه، قال في كتابه: وقال جل وعز: ولكن البر من آمن، وإنما هو، {ولكن ~~البر} بر {من آمن بالله}. انتهى. # ومضمون الآية: أن البر لا يحصل باستقبال المشرق والمغرب، بل بمجموع أمور: # أحدها: الإيمان بالله، وأهل الكتاب أخلوا بذلك، أما اليهود فللتجسيم، ~~ولقولهم: عزير ابن الله، وأما النصارى فلقولهم: المسيح ابن الله. # الثاني: الإيمان باليوم الآخر، واليهود أخلوا به، حيث قالوا: {لن تمسنا ~~النار إلا أياما معدودة} [البقرة: 80] والنصارى أنكروا المعاد الجسماني. # والثالث: الإيمان بالملائكة، واليهود عادوا جبريل، والمشركون قالوا: ~~الملائكة بنات الله. # والرابع: الإيمان بكتب الله، واليهود والنصارى قد أخلوا بذلك, لأن مع ~~قيام الدلالة على أن القرآن كلام الله وكتابه، ردوه ولم يقبلوه. # والخامس: الإيمان بالنبيين، واليهود أخلوا بذلك، حيث قتلوا الأنبياء، على ~~ما قال تعالى: {ويقتلون النبيين بغير الحق} [البقرة: 61] وحيث طعنوا في ~~نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. # والسادس: بذل الأموال على وفق أمر الله سبحانه، واليهود أخلوا بذلك، ~~لأنهم يلقون الشبهات لطلب المال القليل، كما قال تعالى: {واشتروا به ثمنا ~~قليلا} [آل عمران: 187]. # السابع: إقامة الصلوات والزكوات، واليهود كانوا يمنعون الناس منها. # والثامن: الوفاء بالعهد، حيث قال تعالى: {وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم} ~~[البقرة: 40]. PageV01P469 ### || CHECK بيان ترتيب المذكور أن المتصفة بالبر في الآية الكريمة # فقوله تعالى: {ليس البر} الآية، وقوله: {ولكن البر} الآية، ليس فيه إخراج ~~التوجه إلى القبلة عن {البر}، كما هو الظاهر من جهة أن فيه، {وأقام ~~الصلاة}، ومن شروطها التوجه إلى جهة القبلة، ولكن المراد نفي الكمال، لا ~~نفي أصل البر. كأنه ms415 قال: {ليس البر} كله هو هذا، فإن البر اسم لمجموع ~~الخصال الحميدة، واستقبال القبلة واحد منها، فلا يكون ذلك تمام البر؛ أو ~~يقال: إن {ليس} نفت الأصل, لأن استقبالهم {المشرق والمغرب} بعد النسخ، كان ~~إثما وفجورا، فلا يعد في البر؛ أو يقال: إن استقبال القبلة لا يكون برا، ~~إذا لم تقارنه معرفة الله تعالى، وإنما يكون برا مع الإيمان, وما عطف عليه ~~في هذه الآية. # وترتيب المذكورات جار على ألطف الحكمة, لأنه تعالى قدم الإيمان به تعالى، ~~المتضمن للإقرار بوجوده، وباتصافه بما وصف الله به نفسه، ووصفه به رسوله؛ ~~ثم ثنى ب {اليوم الآخر} , لأنه أبعد الأشياء عن الحقائق، عند المنكر له، ~~ومن لا يعرفه ولا معنى به، ثم ثلث ب {الملائكة}، اعتبارا للترتيب الوجودي، ~~لأن الملك يوجد أولا، ثم يحصل بوساطة تبليغه نزول الكتب، ثم يصل ذلك الكتاب ~~إلى الرسول، وأيضا فإن الوحي إلى الأنبياء، إنما كان بوساطة الملك، وإنكار ~~وجود الملائكة، يتضمن إنكار الوحي، فلذلك كان الإيمان بوجود الملائكة لا ~~يتم الإيمان إلا به، ونفي وجودهم يتضمن نفي الرسالة، فلذلك قدم الإيمان ~~بوجودهم على الإيمان بالرسل، ثم ذكر {الكتاب والنبيين} , لأن المكلف له وسط ~~ومبدأ ومنتهى، ومعرفة المبدأ والمنتهى هو المقصود بالذات، وهو المراد ~~بالإيمان بالله وباليوم الآخر، وأما معرفة مصالح الوسط فلا تتم إلا ~~بالرسالة، وهي لا تتم إلا بأمور ثلاثة: الملائكة الآتين بالوحي؛ والموحى ~~به؛ وهو الكتاب؛ والموحى إليه، وهو الرسول. # وقال الحرالي: الإيمان بالنبيين وبما قبلهم، فيه قهر النفس وللإذعان لمن ~~هو من جنسها، والإيمان بغيب من ليس من جنسها, ليكون في ذلك ما ينزع النفس ~~عن هواها. انتهى. # وفي تعقيب الصدقة بالإيمان, إشعار بأنها المصدقة له، فمن بخل بها، كان ~~مدعيا الإيمان بلا بينة، وإرشادا إلى أن في بذلها السلامة من فتنة المال. ~~كما قال PageV01P470 ### || CHECK بيان من هو المسكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب ### || CHECK مبحث في رجوع الضجر في قوله تعالى: {وآتى المال على حبه} # تعالى: {إنما أموالكم وأولادكم فتنة} [التغابن: 15]، لأن ms416 من آمن وتصدق، ~~كان قد أسلم لله روحه وماله الذي هو عديل روحه، فصار عبدا لله حقا، وفي ذلك ~~إشارة إلى الحث على مفارقة كل محبوب سوى الله في الله. # قال الحرالي: من ظن أن حاجته يسدها المال، فليس برا، إنما البر الذي أيقن ~~أن حاجته إنما يسدها ربه ببره الخفي. انتهى. # والضمير في قوله تعالى: {وآتى المال على حبه} راجع إلى المال، والتقدير: ~~{وآتى المال على} حب المال. ويؤيده ما رواه ابن جرير عن عبد الله بن مسعود، ~~أنه في هذه الآية: يؤتي المال وهو صحيح شحيح، يأمل العيش، ويخشى الفقر؛ ~~ورواه عنه عبد الرزاق. # وقيل الضمير راجع إلى الإيتاء المفهوم من قوله {وآتى}، كأنه قيل: يعطي ~~ويحب الإعطاء، رغبة في ثواب الله تعالى. وهذا نفي لما كانوا يفعلونه في ~~الجاهلية من إعطاء المال حبا بالتفاخر. # وقدم {ذوي القربى} لأنهم أولى الناس بالمعروف, لأن إيتاءهم صدقة وصلة. # {واليتامى} علم لذوي القربى وغيرهم، وإعطاؤهم لأنهم أعجز الناس. # وعطف عليهم المساكين, لأنهم بعدهم في العجز، ويدخل فيهم الفقراء، و ~~{المساكين}: الدائم السكون إلى الناس, لأنه لا شيء له، {وابن السبيل}: ~~المسافر المنقطع، وجعل ابنا للسبيل، لملازمته له، وإعطاؤه لعجزه بالغربة، ~~وإذا جعلنا ذلك أعم من الحال والمآل، دخل فيه المغازي والضيف، والسائلين ~~المستطعمين. # وقد روى الإمام أحمد مرفوعا: "للسائل حق وإن جاء على فرس" (¬1) وذلك لأن ~~الغالب أن سؤالهم يكون عن حاجة؛ ويدخل فيهم الغارم. PageV01P471 ### || CHECK معنى قوله تعالى: {والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس} # ومعنى {وفي الرقاب}، معاونة المكاتبين حتى يفكوا رقابهم المسترقة التي ~~يرام فكها بالكتابة؛ ومنه فك الأسرى؛ وقيل: في ابتياع الرقاب واعتاقها؛ ~~والأولى أن يجعل عاما في الكل. # ولما ذكر تعالى مواساة الخلق، وقدمها حثا على مزيد الاهتمام بها, لتسمح ~~النفس بما زين لها حبه من المال، أتبعها حقه تعالى فقال: {وأقام الصلاة} ~~أي: أدام العمل بها بحدودها، والمحافظة عليها، {وآتى الزكاة} أعطاها على ~~مقتضى ما فرضه الله عليه. # فقوله: {وآتى المال على حبه} حث على الصدقة ms417 المندوبة، وهنا حث على ~~المفروضة، وفي الاقتصار فيها على الإيتاء، إشعار بأن إخراج المال على هذا ~~الوجه، لا يكون إلا مع الإخلاص. # {والموفون بعهدهم إذا عاهدوا} هم الذين لا ينقضون عهد الله بعد المعاهدة، ~~ولكن يوفون به ويتمونه على ما عاهدوا عليه، من عاهدوه عليه، وهو عام للعهد ~~مع الله أو مع الناس، و {الموفون} عطف على {من آمن} وقيل: رفعه على إضمار: ~~{و} هم {الموفون}. # وقوله: {والصابرين} منصوب على الاختصاص والمدح، إظهارا لفضل الصبر في ~~الشدائد، ومواطن القتال على سائر الأعمال. وقرئ: و"الصابرون"، وقرئ ~~"الموفون والصابرون" (¬1)، و {في البأساء} أي: عند حلول الشدة بهم في ~~أنفسهم من الله بلا واسطة، أو منه بواسطة العباد، وقال في "الكشاف": الفقر ~~والشدة، {والضراء} المرض والزمانة. انتهى. # والأولى أن يفسر بكل ما يضر، سواء كان الضرر في الأبدان، أو في الأموال، ~~وفسرها في "القاموس" بالشدة، والنقص في الأموال والأنفس، فهو حينئذ أعم، ~~ليكون الأخص مذكورا مرتين، مرة في ضمن الأعم، وهو "البأساء"، PageV01P472 ### || CHECK مبحث في معنى كتب في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى} # ومرة بنفسه، {وحين البأس}، أي: وقت شدة القتال في الحرب. {أولئك} أي: ~~خاصة، الذين علت هممهم، وعظمت أخلاقهم وشيمهم، {الذين صدقوا} فيما ادعوه من ~~الإيمان, ففيه إشعار بأن من لم يفعل أفعالهم، لم يصدق في دعواه. # {وأولئك هم المتقون} الذين اتقوا عقاب الله، فتجنبوا عصيانه، وحذروا ~~وعده، فلم يتعدوا حدوده، وخافوه فقاموا بأداء فرائضه. # {ياأيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد ~~بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه ~~بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم (178)}. # أصل الكتابة الخط الذي يقرأ، وعبر به هنا عن معنى الإلزام والإثبات، أي: ~~فرض وأثبت, لأن ما كتب جدير بثبوته وبقائه، وهذا المعنى موجود في كلام ~~العرب، ومستفيض في أشعارهم، ومنه قول الشاعر (¬1): # كتب القتل والقتال علينا ... وعلى المحصنات جر الذيول # وقول النابغة ms418 الجعدي: # يا بنت عمي كتاب الله أخرني ... عنكم فهل أمنعن الله ما فعلا (¬2)؟ ! # ويأتي {كتب} بمعنى أمر، كقوله تعالى حكاية: {ياقوم ادخلوا الأرض المقدسة ~~التي كتب الله لكم} [المائدة: 21] ويشهد لأن {كتب} هنا بمعنى: فرض، أن لفظة ~~"على" تشعر بالوجوب، كقوله تعالى: {كتب عليكم الصيام} [البقرة: 183] , PageV01P473 ### || CHECK معنى قوله تعالى: {كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى} # {ولله على الناس حج البيت} [آل عمران: 97] ومنه الصلوات المكتوبات، أي: ~~المفروضات. # وأما القصاص، فهو أن يفعل بالإنسان مثل ما فعل، من قولك: اقتص فلان أثر ~~كذا، إذا فعل مثل فعله، وهنا كأنه يتبع بالجاني أثر ما جنى، فيتبع أثر ~~عقوبته أثر جنايته؛ وإنما بني الفعل للمجهول, لأنه لما حصل التهذيب بما وقع ~~سابقا من التأديب، علم المخاطبون أن الفعل كله لله، فبنى {كتب} لما لم يسم فاعله. # و{القتلى} جمع قتيل كالصرعى، وإنما يجمع الفعيل على الفعلى إذا كان صفة ~~للموصوف به، بمعنى الزمانة، والضرر الذي لا يقدر معه صاحبه على البراح من ~~موضعه ومصرعه، نحو القتلى في معاركهم، والصرعى في مواضعهم، وما أشبه ذلك. # فتأويل الكلام حينئذ: فرض {عليكم} أيها المؤمنون {القصاص في القتلى}، أن ~~يقتص {الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى}. ثم ترك ذكر "أن يقتص" ~~اكتفاء بدلالة قوله: {كتب عليكم القصاص}. واختلف في ### || AUTO سبب نزول هذه الآية # : # فروى البخاري عن ابن عباس، قال: كان في بني إسرائيل القصاص، ولم يكن فيهم ~~الدية، فقال الله تعالى هذه الآية. وهذا يشير إلى أنه لما بدل أهل الكتاب ~~حكم التوراة في القصاص، الذي أشير إليه بآية المائدة، إلى أنه كتب عليهم ~~العدل فيه، فكان من كان منهم أقوى، جعل لقومه في ذلك فضلا، فكان بنو ~~النضير، كما نقله ابن هشام في السيرة: يأخذون في قتلاهم الدية كاملة، وبنو ~~قريظة نصف الدية، وكان بعضهم -كما نقله البغوي في تفسير سورة المائدة عن ~~ابن عباس- يقتل النفسين بالنفس، أشار تعالى إلى مخالفتهم في هذه الآية. # وأيا ما كان سبب النزول، فإن ms419 العبرة بعموم اللفظ، وإننا مخاطبون بهذه ~~الآية، وبيان ذلك، أن قوله تعالى: {كتب عليكم القصاص} يدل على أنه فرض ~~علينا، وإقامة ذلك الفرض واجبة على الإمام، أو من يجري مجراه, لأنه متى PageV01P474 ### || CHECK مبحث في معنى قوله تعالى: {فمن عفي له من أخيه شيء} # حصلت شرائط وجوب القود (¬1)، فإنه لا يحل للإمام أن يترك القود, لأنه من ~~جملة المؤمنين، إلا إذا أراد ولي الدم العفو. # وتدل الآية أيضا على أن القاتل كتب عليه تسليم نفسه عند مطالبة الولي ~~بالقصاص، وليس له أن يمتنع، ولا أن ينكر, لأن القصاص حق الآدمي، بخلاف ~~الزاني والسارق، فإن لهما الهرب من الحد، ولهما أيضا أن يستترا بستر الله ~~ولا يقرا, لأن حدهما حق لله تعالى لا لغيره. # وفي الآية دليل على إيجاب القتل, لأنها تدل على إيجاب التسوية فيه بين ~~الأحرار والعبيد وغيرهم، والتسوية في القتل صفة القتل، وإيجاب الصفة يقتضي ~~إيجاب الذات، وأيضا فإنه لو لم تدل الآية على وجوب القصاص، لما كان لقوله ~~تعالى: {فمن عفي له من أخيه شيء} معنى مفهوم, لأنه لا عفو بعد القصاص، ~~فيقال: {فمن عفي له من أخيه شيء}. # وأفادت الآية أيضا المكافأة، بأن لا يفضل القاتل المقتول حال الجناية ~~بالإسلام، أو الحرية، أو الملك، فلا يقتل المسلم ولو عبدا، بالكافر ولو ~~حرا، ولا ذميا بالعبد ولو مسلما، ولا المكاتب بعبده ولو كان ذا رحم محرم له. # ويقتل الحر المسلم ولو ذكرا، بالحر المسلم ولو أنثى، والرقيق كذلك، وبمن ~~هو أعلى منه، والذمي كذلك. # وقوله تعالى: {فمن عفي له من أخيه شيء} الآية، معناه: فهذا عما ولي الدم، ~~عن شيء يتعلق بالقاتل، فليتبع القاتل ذلك العفو بمعروف؛ وقوله {شيء} مبهم، ~~فلا بد من حمله على الذكور السابق، وهو وجوب القصاص إزالة للإبهام. # فتقدير الآية إذن: إذا حصل العفو للقاتل عن وجوب القصاص، فليتبع القاتل ~~العافي بالمعروف، وليؤد إليه مالا بإحسان، وبالإجماع لا يجب أداء غير PageV01P475 # الدية، فوجب أن يكون ذلك الواجب هو الدية، وهذا يدل على أن ms420 موجب العمد هو ~~القود أو المال ولو لم يكن كذلك، لما كان المال واجبا عند العفو عن القود. # ومما يؤكد هذا المعنى قوله تعالى: {ذلك تخفيف من ربكم ورحمة}، أي: إثبات ~~الخيار لكم في أخذ الدية، وفي القصاص، {رحمة} من الله عليكم، لأن الحكم في ~~اليهود حتم القصاص، والحكم في النصارى حتم العفو، فخفف عن هذه الأمة، وجعل ~~لهم التخيير بين القصاص والدية. و {ذلك تخفيف من} الله {ورحمة} في حق هذه ~~الأمة؛ لأن ولي الدم قد تكون الدية آثر عنده من القود، إذا كان محتاجا ~~للمال، وقد يكون القود آثر، إذا كان راغبا في التشفي، ودفع شر القاتل عن ~~نفسه، فجعل الخيرة له فيما أحبه، {ورحمة} من الله في حقه. # ودلت الآية على أن مرتكب الكبيرة، لا يخرج بارتكابها عن الإيمان, لأنه ~~تعالى قال: {فمن عفي له من أخيه} فسماه أخا، ولا شك أن هذه الأخوة تكون ~~بسبب الدين، لقوله تعالى: {إنما المؤمنون إخوة} [الحجرات: 10] فلولا أن ~~الإيمان باق مع الفسق، لما بقيت الأخوة الحاصلة بسبب الإيمان. # وقوله تعالى: {تخفيف من ربكم ورحمة} اسم الإشارة فيه يعود إلى الحكم ~~المذكور من العفو والدية، وأضاف هذا التخفيف إلى الرب, لأنه المصلح لأحوال ~~عباده، الناظر لهم في تحصيل ما فيه سعادتهم الدينية والدنيوية. # وقد حصل التخفيف على هذه الأمة، من أن أهل التوراة كتب عليهم القصاص ~~البتة، وحرم العفو وأخذ الدية، وكتب على أهل الإنجيل العفو، وحرم القصاص ~~والدية. # وأما هذه الأمة فقد خيرت بين الثلاث: القصاص والعفو والدية، توسعة عليهم ~~وتيسيرا. وعطف {رحمة} على {تخفيف} لأن من استبقى مهجتك بعد PageV01P476 ### || CHECK بيان المقصود من العذاب الأليم في قوله تعالى: {فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم} ### || CHECK المراد بالرحمة في الآية "ذلك تخفيف من ربكم ورحمة" # استحقاق إتلافها فقد رحمها، وأي رحمة أعظم من ذلك، ولعل القاتل المعفو ~~عنه يستقبل من الأعمال الصالحة في المدة التي عاشها بعد استحقاق قتله، ما ~~يمحو به هذه الفعلة الشنعاء، فمن الرحمة إمهاله لعله ms421 يصلح أعماله. # ولما كانت هذه منة عظيمة، تسبب عنها تهديد من أباها، قال تعالى: {فمن ~~اعتدى بعد ذلك} التخفيف، فتجاوز ما شرع له من قتل غير القاتل، أو القتل بعد ~~أخذ الدية، فقد كان الولي في الجاهلية يؤمن القاتل بقبوله الدية، ثم يظفر ~~به فيقتله {فله عذاب أليم}، أي: نوع من العذاب شديد الألم في الآخرة، هذا ~~ما قاله أكثر المفسرين. # وقال عكرمة، وابن جبير، والضحاك: العذاب الأليم هو في الدنيا، وهو قتله ~~قصاصا. ومذهب جملة من العلماء، أنه إذا قتل بعد سقوط، كان كمن قتل ابتداء، ~~إن شاء الولي قتله، وإن شاء عفا عنه. وذهب ابن جرير على عادته، فجعل العذاب ~~الأليم عذاب الدنيا بالقتل، قال: لأن الله تعالى جعل لكل ولي قتيل قتل ~~ظلما، سلطانا على قاتل وليه، فقال: {ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا ~~فلا يسرف في القتل} [الإسراء: 33]. فإذ كان ذلك كذلك، وكان الجميع من أهل ~~العلم مجمعين على من قتل قاتل وليه بعد عفوه عنه، وأخذه منه دية قتيله، أنه ~~بقتله إياه له ظالم في قتله، كان بينا أن لا يولى من قتله ظلما كذلك، ~~السلطان عليه في القصاص والعفو، وأخذ الدية، أي ذلك شاء (¬1)، وإذ كان ذلك ~~كذلك، كان معلوما أن ذلك عذابه, لأن من أقيم عليه حده في الدنيا، كان ذلك ~~عقوبته من ذنبه، ولم يكن به متبعا في الآخرة، على ما قد ثبت به الخبر عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. # ولما أخبر تعالى بفائدة العفو، أخبر بفائدة مقابله، تتميما لتأنيب أهل ~~الكتاب على عدولهم عن النص، وعماهم عن الحكمة، فقال: PageV01P477 ### || CHECK تبيين الحكمة البالغة في قوله تعالى: {ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون} # {ولكم في القصاص حياة ياأولي الألباب لعلكم تتقون (179)}. # في هذه الآية حكمة بالغة، وبلاغة في التعبير يقصر دونها الوصف، فسبحان من ~~هذا كلامه، قال في "الكشاف": كلام فصيح لما فيه من الغرابة، وهو: أن القصاص ~~قتل وتفويت للحياة، وقد جعل مكانا وظرفا للحياة، ms422 ومن إصابة محز البلاغة ~~بتعريف القصاص، وتنكير الحياة. لأن المعنى: ولكم في هذا الجنس من الحكم، ~~الذي هو القصاص حياة عظيمة، وذلك أنهم كانوا يقتلون بالواحد الجماعة، وكم ~~قتل مهلهل بأخيه كليب، حتى كاد يفني بكر بن وائل، وكان يقتل بالمقتول غير ~~قاتله، فتثور الفتنة، ويقع بينهما التناحر. # فلما جاء الإسلام بشرع القصاص، كانت فيه حياة، أي حياة، أو نوع من ~~الحياة، وهي الحياة الحاصلة بالارتداع من القتل، لوقوع العلم بالاقتصاص من ~~القاتل, لأنه إذا هم بالقتل، فعلم أنه يقتص منه فارتدع، سلم صاحبه من ~~القتل، وسلم هو من القود، فكان القصاص سببا لحياة نفسين، هذا كلامه. # فقوله: كلام فصيح، لما فيه من الغرابة، جعل فيه أحد الضدين محلا للآخر، ~~وهذا الجعل، إما أنه وهم منه أو تسامح, لأن شرط تضاد الحياة والموت، ~~اجتماعهما في محل واحد تقديرا، ولا تضاد بين حياة غير المقتص منه وموت ~~المقتص. # والبلاغة التي أوضحها في الآية بينة بدون هذا الإطلاق، وكلامه يوهم أن ~~نفس القصاص حياة، فيرد عليه أن القصاص إزالة للحياة، وإزالة الشيء يمتنع أن ~~تكون من ذلك الشيء وليس كذلك، بل المراد أن شرع القصاص، يفضي إلى الحياة في ~~حق من يريد أن يكون قاتلا، وفي حق من يراد جعله مقتولا، وفي حق غيرهما ~~أيضا. كما تقدم إيضاحه في كلام العلامة رحمه الله تعالى. # ولك أن تجعل نفس القصاص سببا للحياة، على معنى أن سافك الدم، إذا أقيد ~~منه ارتدع من كان يهم بالقتل فلم يقتل، فكان القصاص نفسه سببا للحياة من ~~هذا الوجه، ولك أيضا أن تجعل المراد بالقصاص إيجاب التسوية، فيكون المراد ~~أن في إيجاب التسوية حياة لغير القاتل, لأنه لا يقتل غير القاتل، بخلاف ما ~~كان يفعله أهل الجاهلية، وإلى هذا جنح السدي، فروى عنه ابن جرير بأنه قال: ~~{ولكم في القصاص حياة}، بقاء، لا يقتل إلا القاتل بجنايته. PageV01P478 ### || CHECK ما يترتب من الحكمة في القصاص # هذا وقد ظهر لي توجيه هذا من جهة ثانية، وهي أن القاتل لما ms423 تعمد القتل، ~~ورأى أنه لم يؤاخذ به، صارت نفسه شريرة يهون عليها سفك الدماء، وإعدام كل ~~من أغضبه وعاداه، فيقدم على القتل بلا مبالاة، ويكون بقاؤه خطرا على ~~المجتمع الإنساني والمدنية الفاضلة، فربما أهلك أنفسا، وفرق بين أرواح ~~وأجسام، فشرع الله القصاص، إشارة إلى أن مثل هذا يجب إخراجه من المجتمع ~~المدني، لما فيه من الضرر عليه، لتتأتى حياة الباقي بعده. # ألا تراك إذا زرعت حنطة جيدة، في أرض ذات إنبات، فخرج الزرع جيدا، ثم نبت ~~بينه نبات مضر له، وقاتل لنموه، تسرع في إزالة ذلك المضر، وتسوقه إلى ~~النار، ليسلم لك زرعك الذي فيه قوام حياتك، وكذلك المجتمع الإنساني، إنما ~~هو لحفظ حياة بعضه بعضا، فهذا تسلط عليه شرير ففتك ببعض أفراده، كانت ~~إزالته واجبة لحياة ذلك المجتمع، ولذلك أباح الشارع مدافعة الصائل على ~~النفس أو المال أو الحرم، وإذا لم يمكن دفعه إلا بالقتل، جاز للمدافع قتله، ~~ولقد حام عقلاء العرب وفصحاؤهم حول هذا المعنى، وقصدوا أن ينظموا ما يفيده ~~في سلك جوامع الكلم، فلم يوفوه حقه من الشرح والبيان، كما وفته الآية ~~الكريمة؛ فقالوا تارة: قتل البعض إحياء للبعض؛ وقالوا: أكثروا القتل ليقل ~~القتل؛ وأجود ما قالوه في هذا الباب: القتل أنفى للقتل (¬1)، وأكف للقتل، ~~فكانت كل جملة مما قالوه تجلب النظر نحو الاعتراض، من جهة أن ظاهر قولهم ~~يقتضي كون وجود الشيء سببا لانتفاء نفسه، وهو محال، ومن جهة تكرير القتل في ~~جملة واحدة، وذلك خلاف البلاغة، والآية الكريمة سالمة من ذلك التكرار ~~والمحال؛ وأيضا فإن كلامهم يشمل القتل ظلما، مع أنه لا يكون نافيا للقتل، ~~والآية بخلاف ذلك, لأن حقيقة القصاص لا يندرج فيها القتل ظلما، بخلاف ~~كلامهم. # وبيانه: أن القتل ظلما قتل، مع أنه لا يكون نافيا للقتل، بل هو سبب ~~لزيادته، إنما النافي لوقوع القتل هو القتل المخصوص، وهو القصاص، فظاهر PageV01P479 ### || CHECK اقتران مشروعية القصاص بذكر ذوي العقول والبصائر والحكمة منه # قولهم باطل، أما الآية فهي صحيحة ظاهرا وتقديرا، وأيضا فالقصاص في الآية ms424 ~~أعم من القتل، فيدخل فيه القصاص في الجراح والشجوج، وذلك لأنه إذا علم أنه ~~إذا جرح عدوه اقتص منه، زجره ذلك عن الإقدام، فيصير سببا لبقائهما, لأن ~~المجروح لا يؤمن فيه الموت، وكذلك الجارح إذا اقتص منه، وأيضا فالشجة ~~والجراحة التي لا قود فيها، داخلة تحت الآية، لا يأمن أن تؤدي جراحته إلى ~~زهوق النفس، فيلزم القود، فخوف القصاص حاصل في النفس، والقتل لا يكون إلا ~~في النفس، فالآية أعم وأنفع في تحصيل الحياة. # ونبه بالنداء في قوله: {ياأولي الألباب}، ذوي العقول والبصائر على ~~المصلحة العامة، وهي مشروعية القصاص، إذ لا يعرف عنه محصولها إلا أولو ~~الألباب، القابلون لامتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه، وهم الذين خصهم ~~الله بالخطاب: {إنما يتذكر أولو الألباب} [الرعد: 19، الزمر: 9] , {لآيات ~~لقوم يعقلون} [البقرة: 164، الرعد: 4، النحل: 12، الروم: 24] {لآيات لأولي ~~الألباب} [آل عمران: 190] {لآيات لأولي النهى} [طه: 54 و 128] {لذكرى لمن ~~كان له قلب} [ق: 37]. # وأولو الألباب هم: الذي يعرفون العواقب، ويعلمون جهات الخوف، إذ من لا ~~عقل له، لا يحصل له الخوف، فلهذا خص به ذوي الألباب، {لعلكم تتقون} القصاص ~~فتكفون عن القتل، وتتقونه حذرا من القصاص، أو الانهماك في القتل، أو تتقون ~~الله باجتناب معاصيه، أو تعملون عمل أهل التقوى، في المحافظة على القصاص، ~~والحكم به، وهو خطاب له فضل اختصاص بالأئمة. وهذه أقوال خمسة. أولاها: ما ~~سيقت له الآية من مشروعية القصاص، وقد أبدى الحرالي هنا نكتة لطيفة، نبهته ~~إليها لفظة "لعل"، وهي: أنها أشارت إلى تصنيف المخاطبين صنفين: الأول ~~منهما: من يثمر له ذلك الخطاب تقوى، والكفاف عن الأذى، والثاني: من لا ~~يزيده إلا اعتداء، ولا يحمله إلا معاندة الأمر. PageV01P480 ### || CHECK فرض الوصية في قوله تعالى: {كتب عليكم إذ حضر أحدكم الموت} الآية # ولما حث سبحانه وتعالى في الآيات السابقة على بذل المال، ندبا وإيجابا، ~~في حالة الصحة والشح، وتأميل الغنى، وخشية الفقر، تصديقا للإيمان، وأتبعه ~~بذل الروح التي هو عديلها، بالقتل الذي هو أحد أسباب الموت، أتبع ذلك ~~دلالته على حالة الإشراف ms425 على النقلة من دار الفناء إلى دار البقاء، ليستدرك ~~المشرف على الموت ما فاته من بذل المال على حبه، فقال: # {كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين ~~بالمعروف حقا على المتقين (180)}. # اعلم أن {كتب} في مثل هذا المقام، يقتضي الوجوب كما استفاض في الشرع، ~~وأكد هنا بالتعبير ب "على"، أي: فرضا {عليكم} أيها المؤمنون الوصية، {إذا ~~حضر أحدكم الموت أن ترك خيرا}، وهو المال؛ {للوالدين والأقربين بالمعروف}، ~~وهو: ما أذن الله فيه، وأجازه في الوصية، مما لم يتعمد الموصي به ظلما ~~لورثته، {حقا على المتقين}. # يعني بذلك: فرض عليكم هذا وأوجبه، وجعله حقا واجبا على من اتقى الله ~~فأطاعه أن يعمل به. # وأما قوله: {إذا حضر أحدكم الموت} فمعناه: إذا دنا منه، وظهرت أماراته. # وقوله: {حقا على المتقين} مصدر مؤكد، أي: حق [ذلك] (¬1) حقا، أي: واجبا. # قال ابن جرير: فإن قال قائل: أوفرض على الرجل ذي المال أن يوصى لوالديه ~~وأقربيه الذين لا يرثونه؟ PageV01P481 ### || CHECK مسالك الفقهاء في هذه الآية ### || CHECK سبب نزول الآية # قيل: نعم، فإن قال: فإن هو فرط في ذلك، فلم يوص لهم، أيكون مضيعا فرضا ~~يحرج بتضييعه؟ # قيل: نعم، فإن قال: فما الدلالة على ذلك؟ قيل: قول الله تعالى ذكره: {كتب ~~عليكم إذا حضر أحدكم الموت} الآية. فأعلمه أنه قد كتبه علينا وفرضه، كما ~~قال: {كتب عليكم الصيام} [البقرة: 183] ولا خلاف بين الجميع: أن تارك ~~الصيام وهو عليه قادر، مضيع بتركه فرضا عليه، فكذلك هو بترك الوصية لوالديه ~~وأقربيه، وله ما يوصي لهم فيه، مضيع فرض الله عز وجل. انتهى. # وسبب نزول هذه الآية، كما قال الأصم: أنهم كانوا يوصون للأبعدين طلبا ~~للفخر والشرف، ويتركون الأقارب في الفقر والمسكنة. فأوجب الله تعالى في أول ~~الإسلام الوصية لهؤلاء، منعا للقوم عما كانوا اعتادوه، وهذا بين. # واعلم أن للفقهاء مسلكين في هذه الآية: ### || AUTO المسلك الأول: أنها منسوخة في حق من يرث # ، واستدل القائلون بذلك بما أخرجه البخاري في صحيحه, عن ابن عباس، ms426 قال: ~~"كان المال للولد، وكانت الوصية للوالدين، فنسخ الله من ذلك ما أحب، فجعل ~~للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس، وجعل للمرأة ~~الثمن والربع، وللزوج الشطر والربع". # وبحديث عمرو بن خارجة قال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم -، خطب على ~~ناقته وأنا تحت جرانها، وهي تقصع بجرمها، وإن لعابها يسيل بين كتفي، فسمعته يقول: # "إن الله أعطى كل ذي حق حقه، ولا وصية لوارث" (¬1). # الحديث رواه الترمذي من طريق شهر بن حوشب، ثم قال: وسمعت أحمد بن الحسن ~~يقول: قال أحمد بن حنبل: لا أبالي بحديث شهر بن حوشب. PageV01P482 # قال (¬1): وسألت محمد بن إسماعيل عن شهر بن حوشب فوثقه؛ وقال: إنما يتكلم ~~فيه ابن عون، ثم روى ابن عون عن هلال بن أبي زينب، عن شهر بن حوشب. قال ~~الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، انتهى. # قلت: شهر هذا وثقه ابن معين، والإمام أحمد. وقال يعقوب بن سفيان: شهر ~~واه. وقال ابن عون: تركوه وهو ثقة. وقال ابن معين: ثبت. وقال النسائي: ليس ~~بالقوي. وقال أبو زرعة: لا بأس به. # ورواه النسائي من طريق شهر، ورجاله البقية ثقات. ورواه ابن ماجه، وفي ~~إسناده سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. قال أحمد فيه: هو قدري لم يكن له كتاب، ~~وإنما كان يحفظ. وقال ابن معين: ثقة من أثبتهم في قتادة. وقال أبو حاتم: ~~ثقة قبل أن يختلط. وقال دحيم: اختلط سنة خمس وأربعين ومئة. # واستدلوا أيضا بحديث أبي أمامة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # "إن الله قد أعطى لكل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث" (¬2). الحديث رواه ~~الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. انتهى. # لكن في رواته إسماعيل بن عياش، وقد قال فيه الترمذي في روايته عن أهل ~~العراق وأهل الحجاز: ليس بذاك فيما تفرد به, لأنه روى عنهم مناكير، وروايته ~~عن أهل الشام أصح. هكذا قال محمد بن إسماعيل، يعني: البخاري. قال: سمعت ~~أحمد بن الحسن يقول: قال أحمد بن حنبل: إسماعيل بن عياش أصلح ms427 من بقية، ~~ولبقية أحاديث مناكير عن الثقات. وسمعت عبد الله بن عبد الرحمن، سمعت زكريا ~~بن عدي يقول: قال أبو إسحاق الفزاري: خذوا عن بقية ما حدث عن الثقات، ولا ~~تأخذوا عن إسماعيل بن عياش ما حدث عن الثقات، ولا عن غير الثقات، هذا كلام ~~الترمذي. PageV01P483 ### || CHECK المسلك الثاني: أنها منسوخة بآية المواريث # وقال في "خلاصة التذهيب": وثقه أحمد وابن معين ودحيم والبخاري، وابن عدي ~~في أهل الشام، وضعفوه في الحجازيين. # وروى حديث أبي أمامة أبو داود، من طريق ابن عياش، عن شرحبيل بن مسلم، ~~وشرحبيل وثقه العجلي وأحمد، وقال ابن معين: ضعيف. ورواه ابن ماجه من ~~طريقهما أيضا، ورواه أيضا من طريق محمد بن شعيب بن شابور، عن أنس بن مالك، ~~قال في "الزوائد": إسناده صحيح. ومحمد بن شعيب وثقه دحيم، وباقي رجال ~~الإسناد على شرط البخاري. انتهى. # ومن هذا تعلم أن هذا الحديث متكلم فيه، وأنه لم يقول إلا بضم أسانيده ~~بعضها إلى بعض، حتى تحصل له مرتبة العمل به، وأيا ما كان فلا يصلح أن يكون ~~ناسخا للآية، ولا مخصصا لها، على ما هو المختار عند الأصوليين، من أن نسخ ~~الكتاب، ومتواتر السنة بآحادها، جائز عقلا لا شرعا. # وقد نقل الشيخ عبد الله المقدسي في كتابه "روضة الناظر" - وتبعه الطوفي ~~في "مختصره" وشرحه - إجماع الصحابة على أن القرآن ومتواتر السنة لا يرفع ~~بخبر الواحد، على أن الخلاف قد جرى في أن متواتر السنة هل ينسخ القرآن أم ~~لا؟ فنقل في "الروضة الأصولية" أن الإمام أحمد رضي الله عنه، قال: لا ينسخ ~~القرآن إلا قرآن مثله يجيء بعده. # وحكى الآمدي هذا القول عن الشافعي وأكثر أصحابه، وأكثر الظاهرية، وحكي ~~الجواز عن مالك والحنفية وابن سريج، وأكثر الأشاعرة والمعتزلة. قال ~~القرافي: هو جائز عند أكثر أصحابنا. انتهى. # والأول هو الذي نختاره، وندين الله به، فإذا كان القرآن لا ينسخ ~~بالمتواتر، فلأن لا ينسخ بالآحاد من باب أولى. # المسلك الثاني من مسلك الفقهاء: أنها منسوخة بآية المواريث، وإلى ذلك ذهب ms428 ~~ابن عباس؛ كما دل على ذلك رواية البخاري المتقدمة عنه؛ وإلى ذلك ذهب الإمام ~~مالك، فقال في "الموطأ": قول الله تبارك وتعالى: {إن ترك خيرا الوصية PageV01P484 ### || CHECK بيان فيمن ذهب إلى أن هذه الآية محكمة # للوالدين والأقربين} نسخها ما نزل من قسمة الفرائض، في كتاب الله عز وجل. انتهى. # ولما كان قول ابن عباس اجتهادا منه، ولم يكن من جنس المرفوع، وصار مالك ~~إليه تقليدا، جاز أن يناقش فيه، بأن يقال: إن نسخ هذه الآية بآية المواريث ~~بعيد, لأنه لا يمتنع مع قدر من الحق بالميراث، وجوب قدر آخر بالوصية، وأكثر ~~ما يوجبه ذلك التخصيص لا النسخ، بأن يقول قائل: إنه لا بد وأن تكون منسوخة ~~فيمن لم يخلف إلا الوالدين، بحيث يصير كل المال حقا بسبب الإرث، فلا يبقى ~~للوصية شيء، إلا أن هذا تخصيص لا نسخ. # وممن ذهب إلى أن هذه الآية محكمة غير منسوخة، أبو مسلم الأصفهاني، وقرر ~~فخر الدين الرازي مذهبه من وجوه: # أولها: أن هذه الآية ما هي مخالفة لآية المواريث، ومعناها: كتب الله ~~عليكم ما أوصى به الله تعالى من توريث الوالدين والأقربين، من قوله تعالى: ~~{يوصيكم الله في أولادكم} [النساء: 11] أو كتب على المحتضر أن يوصي ~~للوالدين والأقربين، بتوفير ما أوصى به الله لهم عليهم، وأن لا ينقص من ~~أنصبائهم. # وثانيها: أنه لا منافاة بين ثبوت الميراث للأقرباء، مع ثبوت الوصية ~~بالميراث عطية من الله تعالى، والوصية عطية ممن حضره الموت، فالوارث جمع له ~~بين الوصية والميراث، بحكم هاتين الآيتين. # وثالثها: لو قدرنا حصول المنافاة، لكان يمكن جعل آية الميراث مخصصة لهذه ~~الآية، وذلك لأن هذه الآية توجب الوصية للأقربين، ثم آية الميراث تخرج ~~القريب الوارث، ويبقى القريب الذي لا يكون وارثا داخلا تحت هذه الآية، وذلك ~~لأن من الوالدين من يرث، ومنهم من لا يرث، وذلك بسبب اختلاف الدين والرق ~~والقتل، ومن الأقارب الذين لا يسقطون في فريضة من لا يرث بهذه الأسباب ~~الحاجبة، ومنهم من يسقط بحال، ويثبت في حال، إذا ms429 كان في الواقعة من هو PageV01P485 ### || CHECK اختلاف المفسرين في معنى قوله تعالى: {إن ترك خيرا} ### || CHECK تبيين المختار من هذه المسألة # أولى بالميراث منهم، ومنهم من يسقط في كل حال إذا كانوا ذوي رحم، فكل من ~~كان من هؤلاء وارثا لم تجز الوصية له، ومن لم يكن وارثا جازت الوصية له، ~~لأجل صلة الرحم؛ فقد أكد الله تعالى ذلك بقوله: {واتقوا الله الذي تساءلون ~~به والأرحام} [النساء: 1]. وبقوله: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ~~ذي القربى} [النحل: 90] هذا كلامه. # والذي نختاره أن آية الميراث مخصصة لهذه الآية لا ناسخة لها، وأن العمل ~~بهما على مقتضى الوجه الثالث، وبذلك يمكن العمل بالآيتين وبالحديث أيضا، ~~ومن غير إطراح واحد من الكل, لأن الآية المخصصة يبقى العمل بما بقي بعد ~~التخصيص، بخلاف النسخ، فإنه مبطل للعمل بها كلها، وهذا خلاف ما يقتضيه ~~العقل في كلام الله تعالى. # هذا وادعى قوم: أن هذه الآية منسوخة بالإجماع، وهذا مردود لأن الإجماع لا ~~يجوز أن يكون ناسخا للقرآن, لأنه يدل على أنه كان الدليل الناسخ موجودا، ~~إلا أنهم اكتفوا بالإجماع عن ذكر ذلك الدليل؛ ولقائل أن يقول: لما ثبت أن ~~في الأمة من أنكر وقوع هذا النسخ، فكيف يدعي انعقاد الإجماع على حصول النسخ هذا. # وقد اختلف المفسرون في قوله تعالى: {إن ترك خيرا}. فقال الزهري: المال ~~مطلقا يسمى {خيرا}، بلا فرق بين القليل والكثير, لأن الله سمى القليل خيرا، ~~فقال: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره (7)} [الزلزلة: 7]. وقال تعالى، حكايته ~~عن موسى عليه السلام: {رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير} [القصص: 24]. # وأيضا الخير ما ينتفع به، والمال القليل كذلك، فيكون خيرا، وقد اعتبر ~~الله أحكام المواريث فيما يبقى من المال، قل أم أكثر، بدليل قوله تعالى: ~~{للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان ~~والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا (7)} [النساء: 7] , فوجب أن يكون ~~الأمر كذلك في PageV01P486 ### || CHECK مبحث في معنى قوله تعالى: {فمن بدله بعدما سمعه فإنما ms430 إثمه على الذين يبدلونه} الآية # الوصية، وهذا هو الحق لما ذكر من الأدلة، ولقول مجاهد: "الخير" في القرآن ~~كله: المال، قال تعالى: {وإنه لحب الخير لشديد (8)} [العاديات: 8] , {إني ~~أحببت حب الخير} [ص: 32] , {فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا} [النور: 33] , ~~{إني أراكم بخير} [هود: 84]. # وإلى هذا ذهب ابن عباس وقتادة والسدي والربيع، والضحاك وعطاء. # وقال جماعة: لفظ الخير في هذه الآية: المال الكثير، واحتجوا لذلك بحجج ~~عقلية، منها أن المال؛ وإن كان يطلق على القليل والكثير، لكنه أطلق على ~~الكثير مجازا، لاطباقهم على أن من ترك درهما، لا يقال: إنه ترك خيرا، ومثل ~~هذا الدليل يتضاءل عند مقابلة النصوص له. # ولما ذكر الله أمر الوصية ووجوبها، وعظم أمرها، أتبعه بما يجري مجرى ~~الوعيد في تغييرها، فقال: # {فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم ~~(181)}. # يصح أن تكون "من" واقعة على الوصي أو على الشاهد، أو على سائر الناس. # أما الوصي: فبأن يغير الوصية، إما في الكتابة، أو في قسمة الحقوق. # وأما الشاهد: فبأن يغير شهادته أو يكتمها. # وأما غيرهما: فبأن يمنع من وصول ذلك المال إلى مستحقه، فهؤلاء كلهم ~~داخلون تحت قوله تعالى: "فمن بدله". # وقيل: إن "من" واقعة على الموصي، فهي عن تغيير الوصية عن المواضع التي ~~بين الله تعالى بالوصية إليها. # والحق أن "من" هنا عامة للوصي والموصي والشاهد، ومن له دخل في تغيير ~~الوصية وتبديلها، حتى أنها تشمل الحاكم إذا علم صحتها ولم يحكم بها. PageV01P487 ### || CHECK تحقيق معنى الخوف من قوله تعالى: {فمن خاف من موص جنفا} # والظاهر: أن ضمير {بدله} يعود على {الوصية}، بمعنى الإيصاء؛ أي: {فمن} ~~بدل الإيصاء عن وجهه، إن كان موافقا للشرع، {بعد ما سمعه} سماع تحقق وتثبت. ~~وعوده على الإيصاء أولى من عوده على {الوصية} , لأن تأنيث {الوصية} غير ~~حقيقي, لأن ذلك لا يراعى في الضمائر المتأخرة عن المؤنث المجازي، بل يستوي ~~المؤنث الحقيقي والمجازي في ذلك. تقول: خرجت والشمس طلعت، ولا يجوز طلع، ~~إلا في الشعر. # والضمير ms431 في {سمعه} عائد على الإيصاء كما شرحناه، وقيل: يعود إلى أمر الله. # وقوله: {فإنما إثمه على الذين يبدلونه} {فإنما} للحصر، أي: فما إثم ~~الإيصاء المغير، أو ما إثم التبديل، إلا على مبدليه دون غيرهم من الموصي أو ~~الموصى له، وغيرهما لأنهما بريئان من الحيف. # ولما كان للموصي والمبدل، أقوال وأفعال ونيات، حذر تعالى بقوله: {إن الله ~~سميع عليم}، أي: {سميع} لما يقوله كل منهما، {عليم} بسره وعلنه بذلك، ~~فليحذر من عمل السوء، ومن دعاء المظلوم، فإنه مستجاب. # ولما كان التحذير من التبديل، إنما هو في عمل العدل، وكان الموصي ربما ~~جار في وصيته، لجهل أو غرض، تسبب عنه قوله: # {فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه إن الله غفور ~~رحيم (182)}. # الظاهر أن الخوف هو الخشية هنا، جريا على أصل اللغة في الخوف، فيكون ~~المعنى: ومن توقع الجنف أو الإثم من الموصي. قال مجاهد: المعنى من خاف أن ~~يجنف الموصي، ويقطع ميراث طائفة، ويتعمد الأذية أو يأتيها دون تعمد، وذلك ~~هو الجنف، دون إثم، وإذا تعمد فهو الجنف في إثم، فوعظه في PageV01P488 ### || CHECK مبحث في معنى الجنف وما يترتب عليه # ذلك ورده، فصلح بذلك ما بينه وبين ورثته، {فلا إثم عليه إن الله غفور} عن ~~الموصي إذا عملت فيه الموعظة، ورجع عما أراد من الأذية، {رحيم}، به. # وقيل: يراد بالخوف هنا العلم، والعلاقة بين الخوف والعلم، حتى أطلق على ~~العلم الخوف، [و] أن الإنسان لا يخاف شيئا حتى يعلم أنه مما يخاف منه، فهو ~~من باب التعبير عن السبب بالمسبب. # ويرد على التفسير الأول أن يقال: إنما يصح في أمر مرتبط، والوصية قد ~~وقعت، فكيف يمكن تعليقها بالجواب؟ # ويجاب عنه: بأن المصلح إذا شاهد الموصي يوصي، فظهرت منه أمارات الجنف، أو ~~التعدي بزيادة غير مستحق، أو نقص مستحق، أو عدل عن مستحق، فأصلح عند ظهور ~~الأمارات, لأنه لم يقطع بالجنف والإثم، فناسب أن يعلق بالخوف, لأن الوصية ~~لم تمض بعد، ولم تقع. أو علق بالخوف وإن ms432 كانت قد وقعت, لأنه له أن ينسخها ~~أو يغيرها بزيادة أو نقصان، فلم يصر الجنف والإثم معلومين, لأن تجويز ~~الرجوع يمنع من القطع. أو علق بالخوف، وإن كانت الوصية استقرت ومات الموصي، ~~يجوز أن تقع بين الورثة والموصى لهم مصالحة، على وجه يزول به الميل والخطأ، ~~فلم يكن الجنف ولا الإثم مستقرا، فعلق بالخوف، والجواب الأول أقوى. # والجنف: الميل في الأمور، وأصله العدول عن الاستواء، والفرق بينه وبين ~~الإثم، أن الجنف هو الخطأ حيث لا يعلم به، والإثم هو العمد، والظاهر أن هذا ~~المصلح هو الوصي، الذي لا بد منه في الوصية، وقد يدخل تحته الشاهد؛ وقد ~~يكون المراد منه من يتولى ذلك بعد موته، من وال، أو ولي، أو وصي، أو من ~~يأمر بالمعروف، فكل هؤلاء يدخلون تحت قوله تعالى: {فمن خاف من موص}، إذا ~~ظهرت لهم أمارات الجنف والإثم في الوصية، أو علموا ذلك، فلا وجه للتخصيص ~~هنا، بل الوصي والشاهد أولى بالدخول تحت هذا التكليف, لأن بهم تثبت الوصية، ~~فكان تعلقهم بها أشد. # وإلى هذا يشير ما أخرجه عبد الرزاق عن الثوري، قال: "بلغنا أن الرجل كان PageV01P489 ### || CHECK اختلاف أهل التأويل في الذين عنى الله بقوله: {كما كتب على الذين من قبلكم} ### || CHECK معنى الصيام في اللغة # إذا أوصى تغير وصيته، حتى نزلت: {فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح ~~بينهم}، فرده إلى الحق". # ويؤخذ من هذا أنه إذا ظهرت وصية من رجل، قد جعلها على مقتضى ما يتصور، ~~وجعل فيها شيئا مخالفا للشرع، لا يجوز إسقاط الوصية من أصلها، وإنما يجوز ~~إثباتها وإصلاحها، فما وافق فيه الشرع أثبته الحاكم أو الوصي، ونحوهما، وما ~~لم يوافق الموصي فيه الشرع، رد إلى الشرع، وإن من فعل ذلك لا يكون داخلا ~~تحت قوله تعالى: {فمن بدله بعد ما سمعه} الآية. # ولما أخبر تعالى أولا بكتب القصاص، وهو إتلاف النفوس، وهو من أشق ~~التكاليف، فيجب على القاتل إسلام نفسه للقتل؛ ثم أخبر ثانيا بكتب الوصية، ~~وهو إخراج المال الذي ms433 هو عديل الروح، انتقل ثالثا إلى كتب الصيام المنهك ~~للبدن، المضعف له، المانع والقاطع لما ألفه الإنسان من الغذاء بالنهار، فقال: # {ياأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم ~~تتقون (183)}. # يعني تعالى ذكره بقوله: {ياأيها الذين آمنوا} بالله ورسوله، وصدقوا بهما ~~وأقروا؛ ويعني بقوله: {كتب عليكم الصيام}، فرض عليكم مثل الذي فرض {على ~~الذين من قبلكم}. # وأصل الصيام في اللغة: الإمساك عن الشيء والترك له، ومنه قيل للصمت: صوم, ~~لأنه إمساك عن الكلام؛ ثم نقل في الشرع إلى الإمساك من حين طلوع الفجر إلى ~~غروب الشمس. # ثم اختلف أهل التأويل في الذين عني الله بقوله: {كما كتب على الذين من ~~قبلكم} وفي المعنى الذي وقع فيه التشبيه، من فرض صومنا، وصوم الذين من قبلنا؟ # فقال بعضهم: إن التشبيه يعود إلى وقت الصوم، وإلى قدره الذي هو لازم PageV01P490 ### || CHECK المراد من قوله تعالى: {أياما معدودات} ### || CHECK معنى قوله تعالى: {لعلكم تتقون} # لنا اليوم فرضه، وهو قول الشعبي، وهو ضعيف, لأن تشبيه الشيء بالشيء، ~~يقتضي استواءهما في أمر من الأمور، فأما أن يقال: إنه يقتضي الاستواء في كل ~~الأمور فلا، ثم القائلون بهذا القول، اختلفوا في "الذين من قبلنا" من هم؟ ~~فقال السدي: هم النصارى؛ وبه قال الربيع، وقال مجاهد: هم أهل الكتاب. # وقال قتادة: هم الناس كلهم، وأولى هذه الأحوال بالصواب قول من قال: هم ~~أهل الكتاب، وقال بعضهم: التشبيه عائد إلى أصل إيجاب الصوم، يعني: هذه ~~العبادة كانت مكتوبة واجبة على الأنبياء والأمم، من لدن آدم إلى عهدكم، ما ~~أخلى الله أمة من إيجابها عليهم، لا يفرضها عليكم وحدكم. # وفائدة هذا الكلام: أن الصوم عبادة شاقة، والشيء الشاق إذا عم سهل تحمله. # وقوله: {لعلكم تتقون}، أي: بالمحافظة على تلك الوظيفة، وتعظيمها لأصالتها ~~وقدمها، أو لعلكم تتقون المعاصي, لأن الصائم أظلف لنفسه، وأردع لها من ~~مواقعة السوء، أو لعلكم تنتظمون في زمرة المتقين, لأن الصوم شعارهم. # وقوله تعالى: # {أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على ms434 سفر فعدة من أيام أخر}. # منصوب بمضمر من الفعل. كأنه قيل: {كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من ~~قبلكم}، أن تصوموا {أياما معدودات}، أي: موقتات بعدد معلوم، وفائدة وصفها ~~بذلك، التسهيل على المكلف بأن هذه الأيام يحصرها العد، ليست بالكثيرة التي ~~تفوت العد، وعنى الله تعالى بهذه الأيام المعدودات شهر رمضان ليس إلا, لأنه ~~لم يأت خبر تقوم به حجة، بأن صوما فرض على أهل الإسلام غير صوم شهر رمضان، ~~ثم نسخ بصوم شهر رمضان، وبأن الله تعالى قد بين في سياق الآية، أن الصيام ~~الذي أوجبه جل ثناؤه علينا، هو صيام شهر رمضان دون غيره من الأوقات، ~~بإبانته عن الأيام التي أخبر أنه كتب علينا صومها، بقوله: {شهر رمضان}. PageV01P491 ### || CHECK الاختلاف في حقيقة وأنواع المرض ### || CHECK الاستثناء وما يترتب عليه في قوله تعالى: {فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} # فمن قال: إن الأيام المعدودات، صوم ثلاثة أيام من كل شهر فريضة، أو تطوعا ~~لا فريضة، ثم نسخ ذلك، طولب بالدليل على ما قاله، من خبر تقوم به حجة، ~~وعوقب على إسراعه إلى ادعاء النسخ، وليس هو بالأمر السهل، والمعنى على ذلك: ~~{أياما معدودات} هي {شهر رمضان}. # ويجوز أن يكون معناه: {كتب عليكم الصيام}، كتب عليكم {شهر رمضان}، أي: ~~صومه. قال الحرالي: وفي تأسيسه على العد، ملجأ يرجع إليه عند إغماء الشهر ~~الذي هو الهلال، فصار لهم العدد في الصوم، بمنزلة التيمم في الطهور، يرجعون ~~إليه عند ضرورة فقد إهلال الرؤية، كما يرجعون إلى الصعيد عند فقد الماء. # ولما كان للمريض حاجة إلى الدواء والغذاء، بحسب تداعي جسمه، رفع عنه ~~الكتب، فتسبب عما مضى قوله تعالى: {فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من ~~أيام أخر} يقول جل ثناؤه: من {كان منكم} ممن كلف الصوم {مريضا أو} كان ~~صحيحا غير مريض، ولكنه راكبا {سفر فعدة}، أي: فعليه صوم عدة الأيام التي ~~أفطرها في مرضه، أو في سفره، {من أيام أخر}، غير أيام سفره ms435 أو مرضه. # ف {عدة} بالرفع، على معنى: فعليه عدة؛ وقرئ بالنصب على معنى فليصم عدة، ~~ونظم الكلام يشعر بأن تقدير الرفع، فالمكتوب عدة, لأن الآية مصدرة بقوله: ~~{كتب عليكم الصيام}، و "عدة" هنا مصدر بمعنى اسم المفعول، أي: معدودة، وبين ~~الشرط وجوابه محذوف، والتقدير: {فمن كان منكم مريضا أو على سفر} فأفطر، ~~فالمكتوب عليه عدة، أي: أيام معدودة من أيام أخر، غير التي أفطرها، ف {من ~~أيام} في موضع الصفة، لقوله {فعدة}؛ و {أخر} صفة ل {أيام}. # وظاهر الآية اعتبار مطلق المرض، بحيث يصدق عليه الاسم، وإلى هذا ذهب جمع ~~من السلف. # قال البخاري في "صحيحه"، قال عطاء: يفطر من المرض كله، كما قال الله PageV01P492 ### || CHECK الاختلاف في المسافة التي يفطر بها المسافر # تعالى؛ وقال الحسن وإبراهيم: في المرضع والحامل إذا خافتا على أنفسهما، ~~أو ولدهما تفطران، ثم تقضيان. # ونقل أبو حيان في "البحر" القول بمطلق المرض عن ابن سيرين والبخاري؛ وقال ~~الرازي: إن (¬1) أي مريض كان، وأي مسافر كان، فله أن يترخص تنزيلا للفظه ~~المطلق على أقل أحواله، وهذا قول الحسن وابن سيرين. يروى أنهم دخلوا على ~~ابن سيرين في رمضان وهو يأكل، فاعتل بوجع أصبعه. انتهى. # وحيث جرى الخلاف في معنى كلمة بني الكتاب العزيز، كان المرجع في تفسيرها، ~~إما إلى لغة العرب، وإما إلى الحقيقة الشرعية، ولا يلتفت إلى ما اصطلح عليه ~~بعد نزول الكتاب العزيز، ولما كان الفقهاء قد اختلفوا في حد المرض المبيح ~~للفطر، رجعنا إلى اللغة، فنقلنا قول علمائها, وإليك قولهم: # قال في "العباب": المرض إظلام الطبيعة واضطرابها بعد صفائها واعتدالها. ~~انتهى. وهو قول ابن الأعرابي، وبذلك فسره صاحب القاموس. # وقال ابن دريد: المرض السقم، وهو نقيض الصحة، يكون للإنسان والبعير، وهو ~~اسم للجنس. انتهى. # وقوله: {مرضى} جمع مريض، ويجمع على مراضى أيضا. # وقال ابن عرفة: المرض في الأبدان فتور الأعضاء، فعلى هذا فالمرض المبيح ~~للفطر، هو الذي يكون منه انحراف الصحة عن اعتدالها الطبيعي، فكل مرض كان ~~كذلك، جاز لمن ابتلي به الفطر. ms436 # وقوله تعالى: {أو على سفر} يشمل كل سفر، طالت مسافته أو قصرت. قال ~~الأزهري: وسمي المسافر مسافرا، لكشف قناع الكن عن وجهه، وبروزه للأرض ~~الفضاء. وقال المحقق شمس الدين محمد بن القيم، في كتابه "زاد PageV01P493 ### || CHECK إشارة إلى "صحيح ابن خزيمة" طبع المكتب الإسلامي ### || CHECK إشارة إلى "مختصر زاد المعاد" للشيخ محمد بن عبد الوهاب طبع المكتب الإسلامي # المعاد" (¬1): ولم يكن من هديه - صلى الله عليه وسلم - تقدير المسافة ~~التي يفطر فيها الصائم بعد، ولا صح عنه في ذلك شيء، وقد أفطر دحية بن خليفة ~~الكلبي في سفر ثلاثة أميال، وقال لمن صام: قد رغبوا عن هدي محمد - صلى الله ~~عليه وسلم -، وكان الصحابة حين ينشئون السفر، يفطرون من غير اعتبار مجاوزة ~~البيوت، ويخبرون أن ذلك سنته وهديه - صلى الله عليه وسلم -. كما قال عبيد ~~بن بشير: "ركبت مع أبي بصرة الغفاري، صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-، في سفينة من الفسطاط في رمضان، فلم نجاوز البيوت حتى دعا بالسفرة، قال: ~~اقترب، قلت: ألست ترى البيوت، قال أبو بصرة: أترغب عن سنة رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -". رواه أبو داود وأحمد (¬2). # ولفظ أحمد: "ركبت مع أبي بصرة من الفسطاط إلى الإسكندرية، في سفينة، فلما ~~دنونا من مرساها، أمر بسفرته فقربت، ثم دعاني إلى الغداء، وذلك في رمضان، ~~فقلت: يا أبا بصرة، والله ما تغيب عنا منازلنا بعد، فقال: أترغب عن سنة ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقلت: لا، فقال: كل. قال: فلم نزل ~~مفطرين حتى بلغنا". # وقال محمد بن كعب: "أتيت أنس بن مالك في رمضان وهو يريد السفر، وقد رحلت ~~راحلته، وقد لبس ثياب السفر، فدعا بطعام فأكل، فقلت له: سنة؟ قال: سنة، ثم ~~ركب" (¬3). قال الترمذي: حديث حسن؛ وقال الدارقطني: فأكل وقد تقارب غروب الشمس. # وهذه الآثار صريحة في أن من أنشا السفر في أثناء يوم من رمضان، فله الفطر ~~فيه، انتهى. PageV01P494 # ويقرب من معنى المسافر، ما لو دنا الصائمون في الحرب من عدوهم، فإن ms437 كانوا ~~مسافرين فلهم الفطر، وإن كانوا في الحضر، وكان في الفطر قوة لهم على لقاء ~~عدوهم، فهل. لهم الفطر فيه؟ للعلماء قولان، أصحهما دليلا أن لهم ذلك. # قال ابن القيم: وهو اختيار شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية، وبه أفتى العساكر ~~الإسلامية، لما لقوا العدو بظاهر دمشق (¬1). # ولا ريب أن الفطر لذلك أولى من الفطر لمجرد السفر، بل إباحة الفطر ~~للمسافر، تنبيه على إباحته في هذه الحالة، فإنها أحق بجوازه, لأن القوة ~~هناك تختص بالمسافر، والقوة هنا له وللمسلمين، ولأن مشقة الجهاد أعظم من ~~مشقة السفر، ولأن المصلحة الحاصلة بالفطر للمجاهد، أعظم من المصلحة بفطر ~~المسافر، ولأن الله قال: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة} [الأنفال: 60] , ~~والفطر عند اللقاء من أعظم أسباب القوة، والنبي - صلى الله عليه وسلم - قد ~~فسر القوة بالرمي، وهو لا يتم ولا يحصل به مقصوده، إلا بما يقوي ويعين عليه ~~من الفطر والغذاء، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للصحابة، لما ~~دنوا من عدوهم: "إنكم قد دنوتم من عدوكم، فأفطروا أقوى لكم" (¬2)، وكان ~~رخصة، ثم نزلوا منزلا آخر فقال: "إنكم مصبحو عدوكم، والفطر أقوى لكم، ~~فأفطروا" (¬3) وكانت عزيمة، فعلل بدنوهم من عدوهم، واحتياجهم إلى القوة ~~التي يلقون بها العدو وهذا سبب آخر غير السفر، والسفر مستقل بنفسه، ولم ~~يذكره في تعليله، ولا أشار إليه بالتعليل به، اعتبارا لما ألغاه الشارع في ~~هذا الفطر الخاص، وإلغاء وصف القوة التي يقاوم بها العدو، واعتبار السفر ~~المجرد إلغاء لما اعتبره الشارع وعلل به. PageV01P495 # وبالجملة فتنبيه الشارع وحكمته، يقتضي أن الفطر لأجل الجهاد أولى منه ~~لمجرد السفر، فكيف وقد أشار إلى العلة، ونبه عليها وصرح بحكمها، وعزم عليهم ~~أن يفطروا لأجلها؟ ويدل عليه ما رواه عيسى بن يونس عن شعبة عن عمرو بن ~~دينار، قال: سمعت ابن عمر يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~لأصحابه يوم فتح مكة: "وإنه يوم قتال، فأفطروا" (¬1). تابعه سعيد بن الربيع ~~عن شعبة. فعلل بالقتال، ورتب عليه الأمر بالفطر بحرف الفاء، وكل أحد ms438 يفهم ~~من هذا اللفظ أن الفطر لأجل القتال، وأما إذا تجرد السفر عن الجهاد، فكان ~~رسول الله يقول في الفطر: "إنه رخصة من الله، فمن أخذها فحسن، ومن أحب أن ~~يصوم فلا جناح عليه". # هذا وقد أخرج الترمذي عن عائشة: أن حمزة بن عمرو الأسلمي، سأل رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - عن الصوم في السفر، وكان يسرد الصوم، فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: # "إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر" (¬2). قال الترمذي: حديث عائشة هذا حديث ~~حسن. وفي المقام مباحث محلها كتب الحديث وشروحها. # ولما بين تعالى أحكام المسافرين والمرضى، وأنهم إذا أفطروا في شهر رمضان ~~وجب عليهم القضاء فقط، بين تعالى حكم من أفطر عامدا وهو مطيق للصوم، وليس ~~مريضا ولا على سفر فقال: # {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن ~~تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون (184)}. # معناه: {وعلى الذين} يطيقون الصوم، ويقدرون عليه، إذا هم أفطروا من غير ~~عذر يبيح لهم ذلك: القضاء كغيرهم، من أولي الأعذار، ويزيدون عليهم بدفع ~~{فدية طعام مسكين}، فالمحذوف من الآية الأولى جملة واحدة، وهي: PageV01P496 ### || CHECK القول فيمن أفطر عامدا في نهار رمضان # فأفطروا؛ والمحذوف من هذه الآية تلك الجملة بعينها، وجملة {فعدة من أيام ~~أخر}، أي: فعليهم عدة من أيام أخر. فالمحذوف الأول دل عليه المقام، والثاني ~~من باب الحذف من الثاني، لدلالة الأول عليه، وبما قلناه هنا قال العيني، ~~فإنه قال في كتاب الصوم من شرحه على صحيح البخاري، عند الكلام على هذه ~~الآية، قوله تعالى: {وعلى الذين يطيقونه}، أي: {وعلى الذين} يطيقون الصوم، ~~الذين لا عذر لهم، إن أفطروا، {فدية طعام مسكين}، نصف صاع من بر أو صاع من ~~غيره عند أهل العراق، وعند أهل الحجاز مد، انتهى. # لكن فاته أن يقدر ما هو مصرح به في الآية التي قبلها، وهو: {فعدة من أيام أخر}. # وقال الترمذي في "سننه" (¬1): اختلف أهل العلم فيمن أفطر في رمضان متعمدا ~~من أكل أو شرب، فقال ms439 بعضهم: عليه القضاء والكفارة، شبهوا الأكل والشرب ~~بالجماع، وهو قول سفيان الثوري وابن المبارك وإسحاق. # وقال بعضهم: عليه القضاء ولا كفارة عليه, لأنه إنما ذكر عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، الكفارة في الجماع، ولم تذكر عنه في الأكل والشرب، ~~وقالوا: لا يشبه الأكل والشرب الجماع، وهو قول الشافعي وأحمد. # وقال الشافعي: وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -، للرجل الذي أفطر فتصدق ~~عليه: "خذه فأطعمه أهلك"، يحتمل هذه المعاني يحتمل أن تكون الكفارة على من ~~قدر عليها. وهذا رجل لم يقدر على الكفارة، فلما أعطاه النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - شيئا وملكه، فقال الرجل: ما أجد أفقر إليه منا، فقال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: "خذه فأطعمه أهلك". لأن الكفارة إنما تكون بعد الفضل ~~عن قوته، واختار الشافعي لمن كان على مثل هذا الحال أن يأكله، وتكون ~~الكفارة عليه دينا، فمتى ما ملك يوما ما كفر. انتهى. # ومحصله: أن الفطر في شهر رمضان فيه الكفارة عند أهل العلم، لكن تسقط عند ~~العجز عنها في المشهور من مذهب أحمد، وتكون دينا في ذمته عند الشافعي. PageV01P497 # وأما من أفطر بغير الجماع من غير عذر، ففي إلزامه الكفارة خلاف، والآية ~~الكريمة دليل لمن قال بلزوم الكفارة، خلافا لمن قال: إنها منسوخة, لأن ~~ادعاء النسخ ليس بالأمر السهل. # وذهب بعضهم في الآية مذهبا آخر، فقال: إن حكمها خاص بالشيخ الكبير ~~والمريض، اللذين يطيقان الصوم، كان مرخصا لهما أن يفديا صومهما بإطعام ~~مسكين ويفطرا، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} ~~[البقرة: 185] فلزمهما من الصوم مثل الذي لزم الشاب، إلا أن يعجزا عن ~~الصوم، فيكون ذلك الحكم الذي كان لهما قبل النسخ ثابتا لهما حينئذ بحاله؛ ~~ونسب الطبري هذا القول إلى ابن عباس، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وقتادة، ~~والربيع. # وذهب آخرون إلى أن الآية محكمة، وحكمها مثبت منذ نزلت إلى قيام الساعة، ~~وقالوا: أما الذين يطيقونه، فالرجل كان يطيقه وقد صام قبل ذلك، ثم يعرض له ~~الوجع، أو العطش أو المرض الطويل، ms440 أو المرأة المرضع لا تستطيع أن تصوم، فإن ~~أولئك عليهم مكان كل يوم إطعام مسكين، فإن أطعم مسكينا فهو خير له، ومن ~~تكلف الصيام فصامه فهو خير له، ونسب هذا القول إلى ابن عباس، وبه قال ابن ~~عمر في الحامل والمرضع، وإلى سعيد بن المسيب، وكان ابن عباس يقرأ: "وعلى ~~الذين يطوقونه"، ويقول: هو الشيخ الكبير يفطر ويطعم عنه؛ وقال عكرمة: الذين ~~يطوقونه يعجزون عنه؛ وقال ابن عباس: يتكلفونه. # والذاهبون إلى أن الآية منسوخة، استدلوا بما رواه مسلم عن سلمة بن ~~الأكوع، قال (¬1): "لما نزلت هذه الآية {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام ~~مسكين}، كان من أراد أن يفطر ويفتدي، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها". ~~ورواه عن سلمة البخاري في التفسير، والنسائي أيضا في تفسيره، ورواه أبو ~~داود والترمذي، لكن لهذا الأثر علة خفية أشار إليها البخاري، وذلك أنه رواه ~~عن قتيبة، PageV01P498 # قال: حدثنا بكر بن مضر، عن عمرو بن الحارث، عن بكير بن عبد الله، عن يزيد ~~مولى سلمة بن الأكوع، عن سلمة، ثم قال: قال أبو عبد الله: مات بكير قبل ~~يزيد؛ انتهى. # فأشار إلى أن رواته ثقات على شرطه، ولكن السماع يحتمل الوهم، فلم يأخذه ~~البخاري على عاتقه، ولكنه أشار إليه، فرحمه الله ما أدق نظره، ورواه مسلم ~~بعين هذا الإسناد، لكنه لم ينبه على علته. # وفي لفظ لمسلم عن سلمة، قال: "كنا في رمضان على عهد النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، من شاء صام، ومن شاء أفطر فافتدى بطعام مسكين، حتى أنزلت هذه ~~الآية {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} [البقرة: 185] ". هذا وإن سلمنا فيه ~~النسخ، فإنه منصب على عدم القضاء، كما يشير إليه قول سلمة: من شاء صام ومن ~~شاء أفطر، ثم نزل قوله تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} فدل على وجوب ~~الصوم اللازم منه القضاء، فهذه الآية تفسير لتلك لا ناسخة لها، وإلى هذا ~~يشير ما نقله أبو الليث السمرقندي، في تفسيره، حيث قال: قال أبو عبيد: قد ~~علمنا بالإجماع أن المطيق للصوم لا ms441 يجزئه الإطعام دون الصوم. انتهى. # أي: فلا بد مع الإطعام من القضاء، وقال القرطبي في شرح مسلم: جمهور ~~العلماء على أن الإطعام عن كل يوم مد؛ وقال أبو حنيفة: مدان، ووافقه ~~صاحباه، وقال أشهب المالكي: مد وثلث لغير أهل المدينة، هذا ما ذكره من ~~الخلاف، والمعول عليه هو قول الجمهور (¬1). # وقوله تعالى: {فمن تطوع خيرا فهو خير له}. راجع إلى الإطعام، أي: {فمن} ~~أطعم مسكينين، فهو أفضل من إطعام مسكين، {وأن تصوموا خير لكم} من إطعام ~~مسكينين، وإلى هذا ذهب ابن عباس ومجاهد، وطاوس وعطاء والسدي، وغيرهم كما ~~رواه عنهم ابن جرير في تفسيره. PageV01P499 ### || CHECK تبيين ما أبهمه سبحانه وتعالى في الآية السابعة من قوله: {أياما معدودات} فجاء التبيين بقوله تعالى: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن} ### || CHECK معنى الخيرية من قوله تعالى: {وأن تصوموا خير لكم} # وإنما ساق سبحانه وتعالى الإفطار عند الإطاقة، والفدية واجبها، ومندوبها ~~مساق الغيبة، وترك ذكر الفطر وإن دل السياق عليه، إشارة إلى خساسته تنفيرا ~~عنه، جعل أهل الصوم محل حضرة الخطاب، إيذانا لما له من الشرف على ذلك كله، ~~ترغيبا فيه، وحضا عليه، بقوله: # {وأن تصوموا}، يعني: أيها المطيقون {خير لكم} من الفدية، وإن زادت، ففيه ~~إشعار بأن الصائم يناله من الخير في صحته وجسمه ورزقه حظ وافر، مع عظيم ~~الأجر في الآخرة. # كما أشار إليه الحديث القدسي الصحيح: "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه ~~لي، وأنا أجزي به" (¬1). # وذلك لأنه لما كانت الأعمال أفعالا وإنفاقا، وسيرا وأحوالا، مما شأن ~~العبد أن يعمله لنفسه ولأهله في دنياه، وكان من شأنه، كانت له، ولما كان ~~الصوم ليس من شأنه، لم يكن له، ولذلك ختم هذه الآية بقوله: {إن كنتم ~~تعلمون}، أي: خير الأمرين لكم أيها المؤمنون من الإفطار والفدية، أو الصوم ~~على ما أمركم الله به، أو {إن كنتم تعلمون} فضل الصيام على الافتداء، وقدر ~~ثواب الله للصائمين، فإنكم {إن كنتم تعلمون} الله حتى تخشونه، كان الصوم ~~خيرا لكم. # ولما أبهم سبحانه وتعالى ms442 الأمر أولا في الأيام بقوله: {أياما معدودات}، ~~بين سبحانه تلك الأيام بقوله: # {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن ~~شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد ~~الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما ~~هداكم ولعلكم تشكرون (185)}. PageV01P500 ### || CHECK مبحث في معنى الشهر في اللغة ### || CHECK تقدير الابتداء في قوله تعالى: {شهر رمضان} # وإنما أبهم تعالى الأمر فيما مضى، وفسره هنا لأن ذلك أضخم، وآكد من ~~تعيينه من أول الأمر، فإنه تعالى لما قال: {أياما معدودات}، ثم ذكر حكمها، ~~اشرأبت نفس المخاطب إلى بيان تلك الأيام، فبينها له بقوله: {شهر رمضان}. ~~فهو خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هو، أي: المكتوب {شهر رمضان}، هكذا أعرب ~~الأخفش. # وقال الفراء: ذلك {شهر رمضان}، وهو قريب من الأول. # ويجوز تقدير المبتدأ: هن، أي: الأيام المعدودات، {شهر رمضان}، ويجوز أن ~~يكون المعنى: أنه تعالى، لما قال: {ياأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام}، ~~اتجه في نفس المخاطب أن يقول: ما نصوم على التعيين؟ فأجيب بقوله: {شهر ~~رمضان}. والتقدير: صوموا، فيكون {شهر} منصوبا، ونصبه قراءة ذكرها أبو عبد ~~الله الحسين بن خالويه، في كتاب "البديع" له. # والشهر هو: الهلال الذي شأنه أن يدور في فلكه، دورة من حين يهل إلى أن ~~يهل ثانيا، فيقطع الثمانية والعشرين التي هي منازله، سواء كان عدد أيامه ~~تسعة وعشرين، أو ثلاثين، كلا العددين في صحة التسمية بالشهر الواحد، فهو ~~شائع في فردين متزايدي العدد، فكمال العدة أحد الفردين المسمى ب {رمضان}، ~~ولما كانت العرب أمة أمية، كما في حديث البخاري ومسلم، وأبي داود والنسائي، ~~عن ابن عمر، أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إنا أمة أمية، لا نكتب ~~ولا نحسب، الشهر هكذا ... " (¬1). # وهكذا قال الراوي: يعني: مرة تسعة وعشرين، ومرة ثلاثين. جعل تعالى صومهم ~~بالشيء المحسوس لهم، الذي تدل زيادته ونقصانه على ما مضى منه وما بقي، وهو ~~الشهر القمري، لأنهم أهل شهور ms443 ناظرون إلى الأهلة، ليسوا بالمستغرقين في ~~حساب الشمس ومنازلها، فجعل صومهم لرؤية الشهر، وجعل لهم الشهر يوما واحدا، ~~فكأنهم نقلوا من صوم أيام معدودات، إلى صوم يوم واحد PageV01P501 ### || CHECK ترغيب الله تعالى عباده بهذا الشهر # غير معدود لوحدته، وأيضا فإن الشمس تبقى على حالة واحدة، فلا يعلم ~~انتقالها في البروج الذي هو كناية عن الشهر، إلا من له معرفة بفني الهيئة ~~والحساب، وهذا يصعب أن يكون جميع المخاطبين سواء في معرفته، بخلاف القمر ~~فإن انتقاله في منازله مشاهد لكل أحد بزيادته ونقصانه، لا يحتاج إلا لحساب ~~ما مضى وما بقي منه. # وخطاب القرآن إنما هو للعموم لا للخصوص، فلذلك أنيط الصوم بالشهر القمري، ~~ولم ينط بالشمسي. # ثم إنه تعالى رغب النفوس في هذا الشهر، حيث مدحه بقوله: {الذي أنزل فيه ~~القرآن}، أي: ابتدئ فيه إنزال القرآن على محمد - صلى الله عليه وسلم -، ~~وكان ذلك في رمضان، وكل سورة تسمى قرآنا، وكذا الآية، بدليل قوله تعالى: ~~{وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} [الأعراف: 204]. وآية {وإذا قرأت ~~القرآن} [الإسراء: 45]، والمراد بالمقروء ليس القرآن كله بل بعضه؛ وهنا ~~قوله: {الذي أنزل فيه القرآن}، إشارة إلى ابتداء نزوله، وإذا حمل على ~~القرآن كله لم يستقم المعنى، لأنه حين نزول هذه الآية، لم يكن القرآن تام ~~النزول، وكم من سورة وآية نزلت بعدها؛ فلا شك أن (ال) في القرآن هنا إشارة ~~إلى حصة معينة سميت قرآنا. # وفي هذه الآية إشعار لطيف، بأن الله لم يكلف عباده المشقة في دينه، بل ~~جعله ميسرا لهم، حيث جعل الصوم على الشهر القمري، ولم يكلفهم بما يشق عليهم ~~من الحساب الشمسي، ليتفرغوا لأعمالهم في أمر معاشهم، وبأن {شهر رمضان} شهر ~~صوم وتلاوة قرآن، لا شهر عبادة بما لم ينزل الله به قرآنا، كالبدع ~~المبتدعة، بذكر الله تعالى بما لم يسم به نفسه، ولا سماه به رسوله. # وأكثر ما يكون رواج البدع في هذا الشهر، فلذلك قال تعالى: {الذي أنزل فيه ~~القرآن}، أي: ولم ينزل فيه تلك التي ابتدعها من ms444 لم يعرف من الدين إلا اسمه، ~~ولا من القرآن إلا رسمه. PageV01P502 ### || CHECK ما يترتب من معنى قوله تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} ### || CHECK مبحث في قوله تعالى: {هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان} # ومن ثم عقبه بقوله: {هدى للناس}، إشارة إلى أن الهدى محصور فيه، بحيث لا ~~يوجد في غيره مما ابتدع، وفي غير ما جاء به الرسول، الذي أوتي القرآن، ~~ومثله معه. # {وبينات}، أي: هو آيات واضحات مكشوفات، مما يهدي إلى الحق، ويفرق بين ~~الهدى والغواية. # وقوله: {من الهدى}، أي: الأعم الأتم، الشامل لكافة الخلق. # {والفرقان} الأكمل الفاصل بين الحق والباطل، وذلك أنه تعالى لما ذكر أنه ~~{هدى للناس}، وكان الهدى على قسمين، هدى بينا جليا، وهدى لا يكون بهذا ~~الوصف، لا جرم اشرأبت النفس إلى معرفة هذا الهدى من أي الصنفين، فقال ~~تعالى: {هدى للناس} بينا واضحا فارق بين الهدى والغي، وبين الحقيقة ~~والتمويه. # ولما أتم ما في ذكر الشهر من الترغيب من بعدما عينه، ذكر ما فيه من عزيمة ~~ورخصة، فقال: # {فمن شهد منكم الشهر فليصمه}، أي: فمن [كان] (¬1) منكم شاهدا، أي: حاضرا ~~مقيما غير مسافر في الشهر، فليصم فيه ولا يفطر. # وفي الإتيان ب "من" الشائعة في العموم، إشارة إلى إلزام من رأى الهلال ~~وحده بالصوم، و"من" واقعة على المكلف الذي يليق به الخطاب، فلا يدخل في ~~عمومها الصبي والمجنون، لأنهما ليسا أهلا للخطاب ولا للتكليف، ولفظ {الشهر} ~~محمول على جزء من أجزائه في جانب الشرط، وحل الكلام أن يقال: من شهد جزءا ~~من أجزاء الشهر فليصم الشهر كله، ولو حملنا الشهر على تمامه، لزم أن يكون ~~شهوده لا يحصل إلا عند الجزء الأخير من الشهر، وهذا يقتضي بظاهر الآية، أنه ~~لا يجب صوم الشهر إلى عند شهود الجزء الأخير منه، وهذا PageV01P503 ### || CHECK اختلاف العلماء في هل يلزم إضمار فعل في قوله تعالى: {فمن كان منكم مريضا أو على سفر} ### || CHECK بيان التيسير وعدم الحرج في قوله تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم ms445 العسر} # محال، لأنه يفضي إلى إيقاع الفعل في زمن قد انقضى، وذلك لأن الجملة ~~المركبة من الشرط والجزاء، وما لم يوجد الشرط بتمامه، لا يترتب عليه ~~الجزاء. # ثم إن قوله تعالى: {فمن شهد منكم الشهر} عام، يتناول عمومه أن من دخل ~~عليه الشهر وهو مقيم أو صحيح، ثم سافر أو مرض، كان الواجب عليه أن يصوم الكل. # فمن ثم كان هذا العموم مخصصا بقوله تعالى: {ومن كان مريضا أو على سفر ~~فعدة من أيام أخر}، والخاص مقدم على العام، فثبت أنه وإن سافر أو مرض بعد ~~شهود الشهر، حل له الإفطار، وعليه القضاء عدد ما أفطر {من أيام أخر}، وحيث ~~فهم من هذه الآية، أن كل من أدرك جزءا من رمضان لزمه صوم كل رمضان، كان ذلك ~~الحكم شاملا للمجنون إذا أفاق في أثناء الشهر، أنه يلزمه صوم كل رمضان، ~~وحيث إنه لم يمكن صوم ما تقدم، كان القضاء واجبا عليه. إلا أن يقال: إن ~~قوله تعالي: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}، ينفي القضاء على ~~المجنون، لأن الجنون ليس من فعله، بخلاف السفر، ولأن المريض له عقل يصلح أن ~~يكون مناطا للتكليف، بخلاف المجنون، فإنه أثناء جنونه ليس بأهل للتكليف، ~~فالحق بموجب هذه الآية أنه لا قضاء عليه. # ويفهم من هذه الآية: أنه متى كان المريض بحيث يعسر عليه الصوم، جاز له ~~الفطر، وعليه القضاء؛ وقد تقدم الكلام في ذلك. # واختلف العلماء، في أنه هل يلزم إضمار فعل في قوله تعالى: {فمن كان منكم ~~مريضا أو على سفر}، أن يضمر: "فأفطر"، ثم يقول: {فعدة من أيام أخر}. فذهب ~~ابن عباس وابن عمر، وأبي بن كعب والضحاك، إلى إمرار الآية على ظاهرها، ~~وقالوا: من صام في السفر فعليه القضاء إذا أقام، وبه قضى عمر، وإليه ذهب ~~أبو هريرة وعروة، روى ذلك عنهم أبو جعفر الطبري في تفسيره، وهو نص ظاهر ~~الآية، والإضمار خلاف الأصل، لأن الله تعالى فرض صوم شهر رمضان على من شهده ~~مقيما غير مسافر، وفرض ms446 على من كان مريضا أو على PageV01P504 # سفر، عدة من أيام أخر يصومها، بدلا مما فاته من صوم رمضان، فكما أنه لم ~~يجز للمقيم الصحيح الإفطار، لم يجز للمريض والمسافر الفطر. # ويؤيد هذا ما رواه ابن جرير، عن عبد الرحمن بن عوف، قال: قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: "الصائم في السفر كالمفطر في الحضر" (¬1). # وذهب قوم إلى أن الفطر في السفر رخصة، فقالوا: إن صام في السفر سقط عنه ~~القضاء في الحضر. # وروي هذا عن عمر بن عبد العزيز، وأنس بن مالك، وواثلة بن الأسقع، وعطاء، ~~ومجاهد، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، وأبي بن كعب، والأسود ابن يزيد، ~~وعمرو بن ميمون، وأبو وائل، والقاسم بن محمد، وابن جرير الطبري، وهذا يدل ~~عليه قوله تعالى: # {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}. ولا عسر أعظم من إلزام من صام ~~رمضان في السفر، أن يصومه أو بعضه في الحضر، وقد تكلف أداء فرضه في أثقل ~~الحالين عليه، حتى قضاه وأداه. # ويؤيد هذه الأحاديث الصحيحة، وهذه الآية، وإن وردت عقب آية الصوم. # وروي عن علي وابن عباس، ومجاهد والضحاك: أن اليسر في هذه الآية، الفطر في ~~السفر، وأن العسر الصوم فيه. # إلا أنها تحمل على العموم، وتتخذ قاعدة، في أنه كلما دار الأمر بين الحكم ~~على الشيء بتغليظ، وبين الحكم عليه بسهولة، كان جانب السهولة راجحا على ~~جانب العسر، وذلك في جميع الأحوال الدنيوية والأخروية، وفي الحديث: "دين ~~الله يسر" (¬2)؛ يسر ولا تعسر (¬3)؛ و"ما خير - صلى الله عليه وسلم -، بين ~~أمرين إلا اختار PageV01P505 ### || CHECK إشارة إلى أن الدعاء لا بد وأن يكون مسبوقا بالثناء الجميل وذلك في قوله تعالى: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب} الآية لما فيها من تعقيب على الآية السابقة ### || CHECK معنى قوله تعالى: {ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون} # أيسرهما" (¬1). وقال تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} [الحج: 78]، ~~وقال: {ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم} [الأعراف: 157]. # ولما كانت علة التيسير المؤكد ms447 بنفي التعسير الإطاقة، فكان التقدير: ~~"لتطيقوا ما أمركم به، ويخف عليكم أمره"، عطف عليه قوله: {ولتكملوا}، مأخوذ ~~من الإكمال، وهو: بلوغ الشيء إلى غاية حدوده، في قدر أو عدد، حسا أو معنى. # {العدة}: أي: عدة أيام رمضان مما أفطرتم من أيام أخر، فهذه الآية علة ~~الأمر بمراعاة العدة. # وقوله: {ولتكبروا الله على ما هداكم}، علة ما علم من كيفية القضاء، ~~والخروج من عهدة الفطر. # وقوله: {لعلكم تشكرون}، علة الترخيص والتيسير. قال في "الكشاف": وهذا نوع ~~من اللف لطيف المسلك، لا يكاد يهتدي إلى تبيينه إلا النقاب المحدث من علماء ~~البيان. و"التكبير": تعظيم الله والثناء عليه. # ولما قال تعالى، بعد إيجاب فرض الصوم، وبيان أحكامه: {ولتكبروا الله على ~~ما هداكم ولعلكم تشكرون}؛ فأمر العبد بالتكبير الذي هو الذكر، وبالشكر، بين ~~سبحانه أنه بلطفه ورحمته قريب من العبد، مطلع على ذكره وشكره، فيسمع نداءه، ~~ويجيب دعاءه، ولا يخيب رجاءه، فقال: # {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي ~~وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون (186)}. # وفي تعقيب هذه الآية لما قبلها، إشارة إلى أن الدعاء لا بد وأن يكون ~~مسبوقا بالثناء الجميل، لأنه تعالى أمر أولا بالتكبير، ثم رغب في الدعاء ~~ثانيا، كما PageV01P506 # أرشدنا تعالى إلى ذلك في فاتحة الكتاب، حيث علمنا الثناء أولا، ثم عقبه ~~بقوله، آمرا لنا أن نقول: {اهدنا الصراط المستقيم}. # وأخبر تعالى عن الخليل عليه السلام، أنه قدم الثناء على الدعاء، حاكيا ~~عنه أنه قال: {الذي خلقني فهو يهدين (78)} [الشعراء]، إلى قوله: {والذي ~~أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين (82)} [الشعراء]. وكل هذا ثناء منه على ~~الله تعالى، ثم شرع بعده في الدعاء فقال: {رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين ~~(83)} [الشعراء]. # وفي الآية إشارة أيضا إلى فضيلة الدعاء في الصوم، لأنه تعالى، بعد أن بين ~~وجوب الصوم، وبين أحكامه، قال: {ولتكبروا الله على ما هداكم} إلى ما فيه ~~لكم السعادة في الأولى، والعقبى، والتكبير إنما هو الذكر؛ ثم أرشد إلى الشكر. # ثم بين أن سبحانه وتعالى ms448 يفيض على العبد أنواع بره وكرمه إذا امتثل أمره، ~~فقال: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب} الآية، وأيضا فإن الصوم، لما كان ~~فيه من إظهار العبودية ما لا يخفى، أرشد عباده إلى تمامها بالخضوع والتضرع ~~والدعاء، فإن العبد لا غنى له عن سيده؛ وقوله: {وإذا سألك عبادي عني}، أي: ~~هل أنا على حال المتكبرين من ملوك الدنيا في البعد عمن دونهم؟ # فأخبرهم: أني لست كذلك، وفيه إيماء إلى غلط الذين يضربون لله الأمثال ~~بجهلهم، فيقولون: لا بد لنا من الواسطة؛ ثم إنهم يستدلون بأنه، كما أن ~~الملوك لا يصل إليهم قاصدهم، إلا بواسطة أعوانهم، فكذا الله تعالى، لن يصل ~~إليه أحد إلا بواسطة واحد من أهل القبور، ويجعلون وساطتهم دينا. # فيجابون أولا بهذه الآية الكريمة؛ وثانيا بأن الملوك، لما كانوا لا يدرون ~~بما وراء جدرانهم، احتاجوا إلى مبلغ يبلغهم حاجة المضطر والملهوف، والله ~~تعالى {يعلم السر وأخفى (7)} [طه]، فلو كان محتاجا إلى الواسطة، للزم أن لا ~~يكون عالما بأسرار عباده، واللازم باطل بالإجماع. PageV01P507 # قالوا: إننا مضمخون بالذنوب والمعاصي، فلا يليق بنا أن نخاطب الحضرة ~~الإلهية رأسا، فوجب علينا أن نجعل وسائط طاهرة من الذنوب، ثم أنهم يلجؤون ~~إلى واحد من المقبورين، فيجعلونه واسطة. # قيل لهم أولا: من أخبركم بأن واسطتكم بريئة من الذنوب؟ وأنها في مقام ~~القرب من الله تعالى؟ لأن دعوى مثل ذلك، لما عدا الأنبياء عليهم السلام، غي ~~وجهل، ولئن سلمت براءتهم من الذنوب، فقد ذم الله تعالى عباد الأصنام، وأخبر ~~عنهم بأنهم قالوا: {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} [الزمر: 3]. # فإن قالوا: إن هؤلاء عبدوهم! ونحن لم نعبد الوسائط. # قيل لهم: إن نفيتم العبادة الاصطلاحية، والقرآن لم ينزل على اصطلاح ~~اتخذتموه لأنفسكم، بل نزل بلغة العرب. # وقد قال أهل اللغة، في قوله تعالى حكاية: {وعبد الطاغوت} [المائدة: 60]، ~~أي: خدم الطاغوت، فأولئك لم يصلوا ولم يصوموا للطاغوت، ولكنهم خضعوا له، ~~وخدموه خدمة العبد لسيده. # والعبادة: هي الذل، والخضوع، والانقياد. # وأيضا فإن الله تعالى يقبل على عبده العاصي ms449 إذا دعاه، ويفرح بتوبته، كما ~~ثبت ذلك في الحديث الصحيح، ويجيب دعوة المضطر إذا دعاه، بلا واسطة مخلوق، ~~والواسطة إليه تعالى، والوسيلة إنما هي التوبة، والتذلل بباب عزه، والثناء ~~عليه بما هو أهله، وشكره واتباع أمره واجتناب نهيه، ليس إلا، ألا ينظر ~~البعيد عن حضرته تعالى، إلى قوله سبحانه: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب ~~أجيب دعوة الداع إذا دعان}، ولم يشترط هنا واسطة مخلوق، بل أرشد إلى الثناء ~~عليه في الآية التي قبلها، على ما بيناه سابقا، فخذ ما أرشدناك إليه، واهجر ~~الدسائس والوساوس والزخارف مليا. PageV01P508 ### || CHECK معنى القرب في حقه سبحانه وتعالى # ومن ثم قال الأستاذ أبو القاسم القشيري، ما معناه: الذين يسألون عن ~~الجبال، وعن اليتامى، وعن المحيض، ونحوها، يجابون بالواسطة، أي: بلفظ {قل} ~~أو {فقل}، وأما الذين يسألون عني، فأنا أرفع الوسائط بيني وبينهم. # وقال الإمام ناصر الدين بن الميلق، ما معناه: أنه سبحانه، لما كان قد ~~تعرف إلى عباده؛ بأفعاله وآياته، وما ركز في العقول من معرفته، كان حذف ~~الواسطة في الإخبار عنه، بخلاف الأهلة ونحوها، فإن العقول لا تستقل ~~بمعرفتها، فكأن الإخبار عنها بواسطة الرسول، الذي لا تعرف إلا من جهته أنسب. # وقوله: {وإذا سألك عبادي عني}، أي قال: هل يسمع دعاءنا ربنا؟ وهل إذا سمع ~~دعاءنا يجيبنا إلى مطلوبنا؟ وهل يفعل ما نسأله؟ ويرى تضرعهم؟ فكأن الجواب ~~منه تعالى: بأني قريب أسمع دعاءهم، وأرى تضرعهم، ولا يخفى علي شيء، مما ~~تكنه ضمائرهم، وهذا هو معنى {قريب} في هذه الآية. # ويدل لهذا ما أخرجه البيهقي في كتابه "الأسماء والصفات"، بسنده إلى أبي ~~موسى الأشعري، قال: كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، كلما أشرفنا على ~~واد هللنا وسبحنا، وارتفعت أصواتنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # "يا أيها الناس اربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنه ~~معكم سميع قريب" (¬1). ورواه البخاري في الصحيح، عن محمد بن يوسف الفريابي، ~~وأخرجه البخاري ومسلم من أوجه أخر؛ ورواه أبو داود والترمذي والنسائي، وابن ~~ماجه ms450 وابن مردويه؛ ورواه خالد الحذاء، عن أبي عثمان النهدي، وزاد فيه: # "إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته". # قال الحليمي: ومعنى القريب أنه لا مسافة بين العبد وبينه، فلا يسمع ~~دعاءه، ويخفى عليه حاله، كيفما تصرفت به، فإن ذلك يوجب أن تكون له نهاية، ~~وحاشى له من النهاية. PageV01P509 ### || CHECK معنى قوله تعالى: {أجيب دعوة الداع إذا دعان} # وقال الخطابي: معناه أنه قريب بعلمه من خلقه، قريب ممن يدعوه بالإجابة، ~~كقوله: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان}، هذا كلامه. # وليس هذا من التأويل الذي يميل اللفظ إلى غير ظاهره، بل إنه تعالى أخبر ~~عن نفسه، بأنه {قريب}، ثم فسر ذلك القرب، بقوله: {أجيب دعوة الداع إذا ~~دعان}، فلا يتوهمن متوهم من هذا: القرب المكاني، فإن الله تعالى منزه عنه، ~~وعن الحلول، ولهذا حافظ تعالى على تفسير هذا اللفظ، لئلا يقع العباد في ~~الوهم، وفي نسبته تعالى إلى ما يليق به من الحلول والاتحاد، ومن هذا النمط ~~قوله تعالى: {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد (16)} [ق]. # وقوله تعالى: {أجيب دعوة الداع إذا دعان}. ذهب المتقدمون فيه وجهين: # أولهما: أن معناه {أجيب دعوة الداع إذا دعان}، إن شئت، فيكون ذلك، وإن ~~كان عاما مخرجه، بالنسبة إلى مخرجه في التلاوة، خاصا بالنسبة إلى معناه. # والثاني: أن يكون معنيا بالدعوة العمل بما ندب الله إليه، وأمره بك. # فيكون تأويل الكلام: وإذا سألك عبادي عني، فإني قريب ممن أطاعني، وعمل ~~بما أمرته به، أجيبه بالثواب على طاعته إياي إذا أطاعني؛ فيكون معنى ~~الدعاء، مسألة العبد ربه ما وعد أولياءه على طاعتهم، بعملهم بطاعته، ومعنى ~~الإجابة من الله التي ضمنها له: الوفاء له بما وعد العاملين له، بما أمرهم به. # وهذان الوجهان ذكرهما الإمام ابن جرير الطبري في تفسيره، جوابا عما عساه ~~أن يقال: ما معنى هذا القول من الله تعالى ذكره، وأنت ترى كثيرا من البشر ~~يدعون الله، فلا يجاب لهم دعاء، وقد قال: {أجيب دعوة الداع إذا دعان}؟ ms451 # وأقول: الجواب الصحيح أن يقال: أخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري في ~~"الأدب المفرد" و"الحاكم"، عن أبي سعيد، أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~قال: "ما من PageV01P510 # مسلم يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم، ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه الله بها ~~إحدى ثلاث: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن ~~يصرف عنه من السوء مثلها" قالوا: إذن نكثر، قال: "الله أكثر" (¬1). # وأخرج الحاكم عن عائشة، قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا ~~يغني حذر من قدر، والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، وإن البلاء لينزل ~~فيتلقاه الدعاء، فيعتلجان إلى يوم القيامة" (¬2). # وأخرج البخاري في "الأدب المفرد" عن أبي هريرة، قال: قال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: "يستجاب لأحدكم ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، أو يستعجل ~~فيقول: دعوت فلا أرى يستجيب لي، فيدع الدعاء" (¬3). # وأخرج البخاري أيضا في "الأدب" والحاكم عن أبي هريرة مرفوعا: "ما من عبد ~~ينصب وجهه إلى الله في مسألة، إلا أعطاه الله إياها، إما أن يعجلها له في ~~الدنيا، وإما أن يدخرها له في الآخرة". # والأحاديث في هذا كثيرة، ومعناها يرجع إلى ما ذكرناه، ومنها تعلم أن ~~الإجابة لا بد منها، ما لم يكن الدعاء بإثم أو قطيعة رحم، ولكن الإجابة ~~ليست على ما يتوهمه السامع، بل على ما ذكر في هذه الأحاديث، ورسول الله ~~أعلم بكتاب الله منا. # وقوله تعالى: {فليستجيبوا لي}، معناه: فليطيعوني، وهو المعروف في كلام ~~العرب، قال كعب بن سعيد الغنوي: # وداع دعا: يا من يجيب إلى الندى ... فلم يستجبه، عند ذاك، مجيب (¬4) PageV01P511 ### || CHECK معنى الرشد في قوله تعالى: {لعلهم يرشدون} # يريد: فلم يجبه. ومعناه هنا: فأجيبوني بالطاعة، وقيل: معناه فليدعوني، ~~وهو بمعنى الأول، إذا الدعاء من الطاعة للأمر به. # وقوله: {وليؤمنوا بي} فمعناه: وليؤمنوا بي إذا هم استجابوا إلي بالطاعة، ~~أني لهم من وراء طاعتهم لي في الثواب، وإجرائي الكرامة لهم عليها؛ أو ~~المعنى: فليؤمنوا بي أني أستجيب لهم. # وأما قوله ms452 تعالى: {لعلهم يرشدون}، فمعناه: {لعلهم} يهتدون، أي: ليكونوا ~~على رجاء من الدوام على إصابة المقاصد، والاهتداء إلى طريق الحق؛ قال ~~الحرالي: الرشد حسن التصرف في الأمر، حسا أو معنى، في دين أو دنيا. وختم ~~هذه الآية برجاء الرشد من أحسن الأشياء، لأنه تعالى، لما أمرهم بالاستجابة ~~له، وبالإيمان به، نبه على أن هذا التكليف ليس القصد منه إلا وصولك ~~بامتثاله إلى رشادك في نفسك، لا يصل إليه تعالى منه شيء من منافعه، وإنما ~~ذلك مختص به. # ولما كان الإيمان شبه بالطريق المسلوك في القرآن ناسب ذكر الرشاد، وهو ~~الهداية، كما قال: {اهدنا الصراط المستقيم}. # ولما تصور المخاطبون بهذه الآية الشريفة قربه وحبه، على عظمته وعلوه، ~~فتذكروا لذيذ مخاطبته فيما قبل، فاشتاقوا إليها، وكان قد يسر لهم أمر الصوم ~~حتما على جميعهم، وكيفا على أهل الضرورة منهم، كانوا كأنهم سألوه التيسير، ~~على أهل الرفاهية، فيما حرم عليهم، كما حرم على أهل الكتاب من الوطء في شهر ~~الصوم، والأكل بعد النوم، فقال تحقيقا للإجابة والقرب: # {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم ~~الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ~~ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ~~من الفجر PageV01P512 # ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك ~~حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون (187)}. # سبب نزول هذه الآية، ما رواه البخاري في صحيحه، بسنده إلى البراء بن ~~عازب، قال: لما نزل صوم رمضان، كانوا لا يقربون النساء رمضان كله، وكان ~~رجال يخونون أنفسهم، فأنزل الله تعالى: {علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم ~~فتاب عليكم وعفا عنكم}. # وأخرج أيضا بسنده إلى الشعبي، عن عدي بن حاتم، قال: أخذ عدي عقالا أبيض، ~~وعقالا أسود، حتى كان بعض الليل، نظر فلم يستبينا، فلما أصبح قال: يا رسول ~~الله، جعلت تحت وسادتي، قال: "إن وسادك إذا لعريض، إن كان الخيط ms453 الأبيض ~~والأسود تحت وسادتك". وفي رواية له عن عدي، قال: قلت: يا رسول الله، ما ~~الخيط الأبيض من الخيط الأسود؟ أهما الخيطان؟ قال: "إنك لعريض القفا، إن ~~أبصرت الخيطين" ثم قال: "لا، بل هو سواد الليل وبياض النهار". # وأخرج أيضا عن سهل بن سعد الساعدي قال: أنزلت {وكلوا واشربوا حتى يتبين ~~لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود} ولم ينزل {من الفجر} وكان رجال إذا ~~أرادوا الصوم، ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود، ولا يزال ~~يأكل حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله بعده، {من الفجر}، فعلموا أنما يعني ~~الليل من النهار. # فقوله تعالى: {أحل لكم}، معناه: أطلق {لكم} وأبيح؛ ويعني بقوله: {ليلة ~~الصيام}، في {ليلة الصيام}، وليس المراد من ليلة الصيام ليلة واحدة، بل ~~المراد الإشارة إلى الليلة المضافة إلى هذه الحقيقة. # وقال الواحدي: أراد ب {ليلة الصيام} ليالي الصيام، فوقع الواحد موقع ~~الجماعة. PageV01P513 ### || CHECK تعليق للشيخ محمود شاكر ### || CHECK مبحث في الوطء ليلة الصيام ومعنى الرفث # {الرفث}، كناية عن الجماع في هذا الموضع، يقال: هو {الرفث} والرفوث، وقد ~~روي أنها في قراءة عبد الله بن مسعود: "أحل لكم ليلة الصيام الرفوث إلى ~~نسائكم". # وهو قول قتادة ومجاهد، وسالم بن عبد الله، والسدي، وابن عباس، وقال: ~~{الرفث}: الجماع. ولكن الله كريم يكني؛ و {الرفث} في غير هذا الموضع، ~~الإفحاش في المنطق، كما قال العجاج (¬1): # عن اللغا ورفث التكلم. # وعدى الرفث ب {إلى}، مع أنه يتعدى بالباء، لتضمنه معنى الإفضاء، قال ~~تعالى: {وقد أفضى بعضكم إلى بعض} [النساء: 21]، كأنه قيل: أحل لكم الإفضاء ~~إلى نسائكم بالرفث. # {هن} أي: نساؤكم {لباس لكم وأنتم لباس لهن} وجه هذا، أنه لما كان الرجل ~~والمرأة يعتنقان، ويشتمل كل واحد منهما على صاحبه في عناقه، شبه باللباس ~~المشتمل عليه. قال الجعدي: # إذا ما الضجيج ثنى عطفها ... تثنت، فكانت عليه لباسا (¬2) # قال في "الكشاف": وجعل موقع {هن لباس لكم} استئنافا، كالبيان لسبب ~~الإحلال، وهو أنه إذا كانت بينكم وبينهن مثل هذه المخالطة والملابسة، قل PageV01P514 # صبركم عنهن، ms454 وصعب عليكم اجتنابهن، فلذلك رخص لكم في مباشرتهن، وقد تضمنت ~~هذه الآية ثلاثة أنواع من البيان: # الطباق المعنوي بقوله: {أحل لكم} فإنه يقتضي تحريما سابقا، فكأنه قال: ~~{أحل لكم} ما حرم عليكم من قبل، أو ما حرم على من قبلكم. # والكناية بقوله {الرفث} الذي هو كناية عن الجماع. # والاستعارة البديعة في قوله: {هن لباس لكم}، وأفرد اللباس لأنه كالمصدر، ~~تقول: لابست ملابسة ولباسا. # وإنما قلنا: {أحل لكم} ما حرم عليكم من قبل .. إلى آخره، إشارة إلى ~~اختلاف المفسرين في هذه، وذلك أن جمهور المفسرين، ذهب إلى أنه كان في أول ~~أمر شرعنا، أن الصائم إذا أفطر، حل له الأكل والشرب والجماع، بشرط أن لا ~~ينام وأن لا يصلي العشاء الأخيرة، فإذا فعل أحدهما حرم عليه هذه الأشياء، ~~ثم إن الله تعالى، نسخ ذلك بهذه الآية. # وقال أبو مسلم الأصفهاني: لم تكن هذه الحرمة ثابتة في شرعنا البتة، بل ~~كانت ثابتة في شرع النصارى، والله تعالى نسخ بهذه الآية ما كان ثابتا في ~~شرعهم، وبنى أبو مسلم ذلك على أصله الذي أصله، وهو أنه لم يقع في شرعنا نسخ ~~البتة، وهذه الآية نفسها ترد على ما ادعاه، لأن قوله: {أحل}، لو كان لشيء ~~ثابت لهذه الأمة من قبل، لم يكن له فائدة. # وأصرح من هذه، قوله تعالى: {علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم}، يدل على ~~أنه، لو كان ذلك حلالا لهم، لما كان بهم حاجة إلى أن يختانوا أنفسهم، وأيضا ~~لولا أن ذلك كان محرما عليهم، وأنهم أقدموا على المعصية بسبب الإقدام على ~~ذلك الفعل، لما صح قوله: {فتاب عليكم وعفا عنكم}. وأيضا لو كان الحل ثابتا ~~قبل ذلك، كما هو الآن، لم يكن لقوله تعالى: {فالآن باشروهن} فائدة. PageV01P515 # وقوله تعالى: {علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم} تظلمونها، وتنقصونها ~~حظها من الخير. والاختيان مأخوذ من الخيانة، كالاكتساب من الكسب، فيه زيادة ~~وشدة، {فتاب عليكم} حين تبتم مما ارتكبتم من المحظور. # أو المعنى: خفف عنكم بالرخصة والإباحة، فيكون كقوله تعالى: {علم أن ms455 لن ~~تحصوه فتاب عليكم} [المزمل: 20]. أي: خفف عنكم. # {وعفا عنكم} يحتمل أن يريد عن المعصية بعينها، فيكون تأكيدا وتأنيسا، ~~زيادة على التوبة، ويحتمل أن يراد، عفا عما كان ألزمكم من اجتناب النساء، ~~بمعنى: تركه لكم، كما تقول: شيء معفو عنه، أي: متروك. # {فالآن} أي: فالوقت الذي كان يحرم عليكم فيه الجماع من الليل؛ {باشروهن} ~~أي: جامعوهن {وابتغوا ما كتب الله لكم} واطلبوا ما قسم الله لكم من الولد، ~~أي: لا تباشروا لقضاء الشهوة وحدها، ولكن لابتغاء ما وضع الله له النكاح من ~~التناسل. # وقال السمرقندي: {ابتغوا} بالقرآن {ما} أبيح {لكم} منه، والحق: أن معناه، ~~واطلبوا جميع معاني الخير المطلوبة، لكن أشبه المعاني بظاهر الآية، أن ~~يكون: {وابتغوا ما كتب الله لكم} من الولد، لأنه جاء عقيب قوله: {فالآن ~~باشروهن}. {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم} أي: إلى أن يتبين لكم {الخيط ~~الأبيض} هو أول ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق، كالخيط الممدود {من ~~الخيط الأسود} ما يمتد معه من غبش الليل، شبها بخيطين أبيض وأسود؛ ~~وتشبيههما بالخيط معروف في كلام العرب. قال أبو دؤاد (¬1): # فلما أضاءت لنا سدفة ... ولاح من الصبح خيط أنارا # وعليه فيكون المعنى: {وكلوا} بالليل في شهر صومكم {واشربوا}، PageV01P516 ### || CHECK المقصود بالخيط الأبيض والخيط الأسود # وباشروا نساءكم مبتغين ما كتب الله لكم من الولد، من أول الليل، إلى أن ~~يقع لكم ضوء النهار، بطلوع الفجر من ظلمة الليل وسواده، وبهذا قال جمهور ~~المفسرين، كالحسن والسدي، وقتادة وابن عباس. # وهو الذي بلغنا من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد روى ابن ~~جرير وأحمد والبخاري، ومسلم وأبو داود والترمذي والبيهقي وسفيان بن عيينة ~~وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر، من حديث عدي بن حاتم، أن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -، قال: "إنما ذاك بياض النهار من سواد الليل". وفي ~~لفظ [ابن] جرير، وابن أبي حاتم: "إنما هو ضوء النهار من ظلمة الليل". # وهذا يدل على أن مجرد طلوع الفجر الثاني، هو مبدأ الإمساك في الصوم، ms456 وذهب ~~جماعة من المفسرين، إلى أن الخيط الأبيض، أن يكون الضوء منتشرا مستفيضا في ~~السماء، يملأ بياضه وضوءه الطرق، فأما الضوء الساطع في السماء، فهو غير ~~الذي عناه الله بقوله: {الخيط الأبيض من الخيط الأسود}. # وبذلك قال أبو مجلز، ورواه الأعمش عن مسلم وعطاء ومحمد بن عبد الرحمن بن ~~ثوبان؛ ورواه ابن جرير ووكيع وابن أبي شيبة ومسلم وأبو داود والترمذي ~~والنسائي، عن سمرة بن جندب قال: "لا يمنعكم من سحوركم أذان بلال، ولا الفجر ~~المستطيل، ولكن المستطير في الأرض" (¬1). وأخرجه الإمام أحمد، عن طلق بن ~~علي، بلفظ: "ليس الفجر بالمستطيل في الأفق، ولكنه المعترض الأحمر" (¬2). # وذهب جماعة الى أن الخيط الأبيض هو ضوء الشمس، والخيط الأسود هو سواد ~~الليل. وروى ابن جرير هذا عن حذيفة والأعمش؛ وروى ابن جرير، عن هبيرة عن ~~علي، أنه لما صلى الفجر، قال: "هذا حين يتبين الخيط الأبيض، من الخيط ~~الأسود من الفجر"؛ وروي مثل هذا عن ابن مسعود، وروي عن إبراهيم PageV01P517 ### || CHECK زعم أبو مسلم الأصفهاني في المفطرات # النخعي، أنه قال: "الوتر بالليل والسحور بالنهار". قال ابن جرير: وعلة من ~~قال هذا القول، أن الوقت إنما هو النهار دون الليل. قالوا: وأول النهار ~~طلوع الشمس، كما أن آخره غروبها؛ قالوا: ولو كان أوله طلوع الفجر، لوجب أن ~~يكون آخره غروب الشفق، وفي إجماع الحجة، على أن آخر النهار غروب الشمس، ~~دليل واضح على أن أوله طلوعها، قالوا: وفي الخبر عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه تسحر بعد طلوع الفجر (¬1)، أوضح دليل على صحة قولنا. # قال أبو جعفر الطبري: وأولى التأويلين بالآية، التأويل الذي روي عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال: "الخيط الأبيض بياض النهار، والخيط ~~الأسود سواد الليل". قال: وأما الأخبار التي رويت عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، أنه شرب أو تسحر، ثم خرج إلى الصلاة، فإنه غير دافع صحة ما ~~قلناه في ذلك، لأنه غير مستنكر أن يكون - صلى الله عليه وسلم -، شرب قبل ~~الفجر، ثم ms457 خرج إلى الصلاة؛ إذ كانت الصلاة - صلاة الفجر- على عهده تصلى ~~بعدما يطلع الفجر، ويتبين طلوعه، ويؤذن لها قبل طلوعه. انتهى. # قلت: ولفظ {الخيط} يشعر بابتداء طلوع الفجر، لأنه آنئذ يكون شبيها به، ~~فأما إذا استطار وانتشر فلا، وكذلك {الفجر} يشعر بالانفجار، وانفجار الشيء ~~إنما يكون مبتدأه؛ وعلى كل فنقول: إن ههنا مذاهب شتى، ولكنها على حد ما ~~قاله الرازي: وهذه المذاهب قد انقرضت، والفقهاء أجمعوا على بطلانها، فلا ~~فائدة في استقصاء الكلام عليها، ثم من المعلوم، أن {حتى} في قوله تعالى: ~~{حتى يتبين لكم} الآية، لانتهاء الغاية، فدلت هذه الآية، على أن حل ~~المباشرة، والأكل والشرب، ينتهي عند طلوع الفجر؛ وزعم أبو مسلم الأصفهاني: ~~أنه لا شيء من المفطرات، إلا أحد هذه الثلاثة، فأما الأمور التي يذكرها ~~الفقهاء، من تكلف القيء، والحقنة، والسعوط (¬2) فليس شيء منها بمفطر، قال: ~~لأن كل هذه الأشياء كانت مباحة، ثم دلت هذه الآية على حرمة هذه الثلاثة على ~~الصائم بعد PageV01P518 # الصبح، فبقي ما عداها على الحل الأصلي، فلا يكون شيء منها مفطرا. # قال الرازي: إن الفقهاء قالوا: إن الله تعالى خص هذه الأشياء الثلاثة ~~بالذكر، لأن النفس تميل إليها؛ وأما الحقنة والقيء، فالنفس تكرههما، ~~والسعوط نادر، فلذلك لم يذكرها. انتهى. # قلت: أما هذه الثلاثة، فالإجماع على أنها من المفطرات، وأما الباقي، فقد # ثبت أكثره عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. فأما الحجامة (¬1): فقد روى ~~أحمد والترمذي، عن # رافع بن خديج، ، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أفطر ~~الحاجم والمحجوم" (¬2). # وروى أحمد وأبو داود وابن ماجه، من حديث ثوبان، وحديث شداد بن أوس مثله؛ ~~ورواه أيضا أحمد وابن ماجه، عن أبي هريرة مرفوعا؛ ورواه الإمام أحمد، من ~~حديث عائشة، وأسامة بن زيد، والحسن بن معقل بن سنان الأشجعي؛ قال الامام ~~أحمد: أصح شيء في هذا الباب، حديث رافع بن خديج. وقال علي بن المديني: أصح ~~شيء في هذا الباب، حديث ثوبان، وشداد بن أوس. # وإلى هذا ذهب الامام أحمد، وخالفه الأئمة الثلاثة، عملا بما ms458 رواه أحمد ~~والبخاري، عن ابن عباس، أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "احتجم وهو محرم، ~~واحتجم وهو صائم" (¬3). وفي لفظ: "احتجم وهو محرم صائم". رواه أبو داود ~~وابن ماجه والترمذي وصححه. # وما القيء والاكتحال (¬4)، فقد روى أحمد والبخاري ومسلم، وأبو داود ~~والترمذي، وابن ماجه، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"من ذرعه القيء PageV01P519 # فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمدا فليقض" (¬1). وقال ابن الأثير في ~~"النهاية": ذرعه القيء: سبقه وغلبه في الخروج. # وعن عبد الرحمن بن النعمان بن معبد بن هوذة، عن أبيه، عن جده، عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: "أنه أمر بالإثمد المروح (¬2) عند النوم، وقال: ~~ليتقه الصائم" (¬3). رواه أبو داود والبخاري في "تاريخه". # قال مجد الدين عبد السلام ابن تيمية، في "المنتقى": وفي إسناده مقال ~~قريب، قال ابن معين: عبد الرحمن هذا ضعيف؛ وقال أبو حاتم الرازي: هو صدوق؛ انتهى. # وقال محمد بن مفلح في "الفروع"، قال أحمد وابن معين: حديث منكر، يعني ~~الحديث المذكور؛ ومن ثم اختار شيخ الإسلام، أحمد ابن تيمية - وفاقا لمالك ~~والشافعي- أن الكحل لا يكون مفطرا. # قلت: وهو المختار. # فهذه جملة ما ورد في الأحاديث من المفطرات، مما لم يكن معلوما من الآية ~~الكريمة، فلو ذهب ذاهب، إلى أنه لا فطر في غير ما نص عليه الكتاب والسنة، ~~لكان قد ذهب مذهبا حقا صحيحا، لا غبار عليه. # ويدل قوله تعالى: {حتى يتبين} أن ابتداء الإمساك يكون من التبين، فمن شك ~~فيه، وفعل شيئا من المفطرات، ثم انكشف له أن الفجر كان طالعا وصامه، أنه لا ~~قضاء عليه، لأنه غياه بتبين الفجر للصائم لا بالطلوع. # وروي عن ابن عباس: أنه بعث رجلين ينظران له الفجر، فقال أحدهما: PageV01P520 ### || CHECK معنى قوله تعالى: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} # طلع الفجر، وقال الآخر: لم يطلع، فقال: اختلفتما، فأكل ولم يقض، وهو قول ~~أحمد والثوري، وعبيد الله بن الحسن والشافعي، وأبي حنيفة في أحد قوليه. # وروي معناه عن أبي بكر، وابن عمر، وبه قال ابن ms459 عباس، وعطاء، والأوزاعي؛ ~~ولفظ "التبين" يشعر أيضا بجواز المباشرة إلى التبيين، فلا يجب عليه ~~الاغتسال قبل الفجر، لأنه إذا كانت المباشرة مأذونا فيها إلى الفجر، لم ~~يمكنه الاغتسال إلا بعده. # وقوله تعالى: {ثم أتموا الصيام إلى الليل}، بيان لغاية الصوم، وإشارة إلى ~~أنه لا صوم في الليل، كما أنه لا فطر بالنهار، ومنه يؤخذ أن المواصل مجوع ~~نفسه في غير طاعة ربه. # واعلم أنه من المقرر عند أكثر علماء العربية، أن الغاية، إن كان ما بعدها ~~ليس من جنس ما قبلها، لم يدخل في حكم ما قبلها، {والليل} ليس من جنس ~~النهار، فلا يدخل في حكمه، لكن من ضرورة تحقق علم انقضاء النهار، دخول جزء ~~ما من الليل، فمن ثم كان هذا الجزء واجب الصوم. # قال الراغب: وفي الآية دليل على جواز النية بالنهار، انتهى. # وهذا الدليل ليس بظاهر، لأن المأمور به إتمام الصوم لا إنشاء الصوم، بل ~~في ذلك إشعار بصوم سابق أمرنا بتتميمه، فلا تعرض في الآية للنية بالنهار. # وبعض من كتب في التفسير من الشافعية (¬1)، لما لم يتفطن لهذا قال: {ثم ~~أتموا الصيام} من الفجر {إلى الليل}، ثم قال: إنما قدرت في الآية الكريمة: ~~"من الفجر"، ليدل على عدم جواز النية في النهار، في صوم رمضان، كما هو مذهب ~~الشافعي، هذا كلامه. # ولقد أخطأ في ذلك، حيث قدر في كلام الله تعالى، ما لا حاجة إليه، ليجعل ~~أصل إمامه أصلا، والقرآن فرعا له، وما جره إلى ذلك إلا فرط التعصب PageV01P521 ### || CHECK المقصود بالمباشرة في الآية ### || CHECK معنى قوله تعالى: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} # في التقليد، وكان حقه أن يجعل كتاب الله أصلا، وقول إمامه مفرعا عنه. # وقوله تعالى: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد}، معناه: لا تجامعوا ~~نساءكم في حال عكوفكم في المساجد، وتلك حال حبسهم أنفسهم على عبادة الله ~~تعالى في مساجدهم؛ والعكوف أصله المقام، وحبس النفس على الشيء. # وقد اختلف أهل التفسير في معنى المباشرة، التي نهى الله عنها في هذه الآية. # فقال ms460 ابن عباس: هذه في رمضان، أو في غير رمضان، فحرم الله أن تنكح النساء ~~ليلا أو نهارا حتى يقضي اعتكافه. # وقال الضحاك: كانوا يجامعون وهم معتكفون، حتى نزلت هذه الآية؛ وبذلك قال ~~الربيع، وقتادة، والسدي، ومجاهد. # وقالوا: نهى الله المعتكف عن جماع النساء فقط، سواء كان في المسجد أو غيره. # وقال مجاهد أيضا: نهوا عن جماع النساء في المساجد، ولا يباشرها، ولا ~~يتلذذ منها بشيء، لا قبلة ولا غيرها، هذا كلامه. # والآية لا تدل إلا على النهي عن المباشرة، وهي من باب المفاعلة، فيكون ~~النهي عن الجماع، وعما هو سبيل له، وأما المباشرة التي لا تلذذ بها، ~~فالظاهر أنها غير داخلة في هذه الآية. # وقال أبو جعفر الطبري: وأولى القولين عندي بالصواب، قول من قال: معنى ذلك ~~الجماع، أو ما قام مقام الجماع مما أوجب غسلا، وذلك لأنه لا قول في ذلك، ~~إلا أحد قولين: إما جعل حكم الآية خاصا، أو جعله عاما، وقد تظاهرت الأخبار ~~عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نساءه كن يرجلنه (¬1) وهو معتكف. ~~فلما PageV01P522 ### || CHECK فوائد في الاعتكاف وأحكامه # صح ذلك عنه، علم أن الذي عنى به من معاني المباشرة، البعض دون الجميع. ~~قال: فلما كان الجماع محرما على المعتكف، كان كل ما قام مقامه في الالتذاذ ~~من المباشرة، انتهى. # أي: فيكون تحريمها شاملا، وما قاله هو الذي تميل إليه النفس، وتركن إليه. # وقوله تعالى: {وأنتم عاكفون في المساجد} يشير إلى أنه يصح الاعتكاف في كل ~~مسجد، وهو قول أبي قلابة، وابن عيينة، والشافعي، وداود، والطبري، وابن ~~المنذر، وأحد قولي مالك. # وبعضهم نظر إلى أن الجمعة واجبة على المعتكف، فقال: "لا اعتكاف إلا في ~~مسجد يجمع فيه". وهذا القيد لم يجئ من الآية، وإنما جاء من أمر خارج، وهو ~~قول عبد الله، وعائشة، وإبراهيم، وابن جبير، وعروة، وقال في "المقنع" ~~الحنبلي: ولا يصح الاعتكاف إلا في مسجد يجمع فيه، إلا المرأة، لها الاعتكاف ~~في كل مسجد، إلا مسجد بيتها. # وقال الشربيني الشافعي، في تفسيره: ms461 دلت الآية على أن الاعتكاف يكون في ~~المسجد لا في غيره. انتهى. # وهذه الدلالة غير مسلمة، لأن النهي عن الشيء مقيدا بحال لها متعلق، لا ~~يدل على أن تلك الحال إذا وقعت من المنهيين، يكون ذلك المتعلق شرطا في ~~وقوعها؛ ونظير ذلك إذا قلت: لا تضرب زيدا وأنت راكب فرسا، فلا يلزم من هذا ~~أنك متى ركبت فلا يكون ركوبك إلا فرسا، فتبين من هذا أن الاستدلال بهذه ~~الآية، على اشتراط المسجد في الاعتكاف ضعيف. # نعم: إن الآية تومئ إلى أنه لا يشترط الصوم في الاعتكاف، وذلك لأن الله ~~منع المعتكف من مباشرة المرأة، ولو كان اعتكافه باطلا، لما كان ممنوعا ترك ~~العمل بظاهر هذا اللفظ إذا ترك النية، فيبقى فيما عداه على الأصل، وأيضا لو ~~كان الاعتكاف لا يجوز إلا مقارنا بالصوم، لخرج الصائم بالليل عن الاعتكاف، PageV01P523 ### || CHECK نكتة في قوله تعالى: {فلا تقربوها} مع قوله: {فلا تعتدوها} # لخروجه فيه عن الصوم، ولما كان الأمر بخلاف ذلك علمنا أن الاعتكاف يجوز ~~مفردا أبدا بدون الصوم. # وقد روي عن عمر، رضي الله عنه، قال: يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية ~~أن أعتكف لله ليلة، فقال عليه الصلاة والسلام: "أوف بنذرك" (¬1). ومعلوم ~~أنه لا يجوز الصوم في الليل. # قوله تعالى: {تلك حدود الله فلا تقربوها}، {تلك} إشارة إلى كل ما تقدم، ~~في أول آية الصوم إلى ههنا؛ {فلا تقربوها}، فلا تغشوها، فكأنه تعالى يقول: ~~هذه أشياء حددتها لكم، وأمرتكم أن تجتنبوها في الأوقات التي أمرتكم أن ~~تجتنبوها، وحرمتها فيها عليكم، {فلا تقربوها}، وأبعدوا منها أن تركبوها، ~~فتستحقوا بها من العقوبة ما يستحقه من تعدى حدودي، وخالف أمري، وركب معاصي. # وأبدى صاحب "الكشاف" هنا نكتة لطيفة، على عادته في استخراج اللطائف، ~~فقال: فإن قلت: كيف قيل: {فلا تقربوها}، مع قوله: {فلا تعتدوها ومن يتعد ~~حدود الله} [البقرة: 229]؟ قلت: من كان في طاعة الله، والعمل بشرائعه، فهو ~~متصرف في حيز الحق، فنهي أن يتعداه، لأن من تعداه وقع في حيز الباطل. ثم ms462 ~~بولغ في ذلك، فنهي عن أن يقرب الحد، الذي هو الحاجز بين حيزي الحق والباطل، ~~لئلا يداني الباطل، وأن يكون في الواسطة متباعدا عن الطرف، فضلا عن أن ~~يتخطاه، كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "واعلم أن لكل ملك حمى ~~وحمى الله محارمه، فمن رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه" (¬2). فالرتع حول ~~الحمى، وقربان حيزه واحد، ويجوز أن يريد بحدود الله محارمه ومناهيه خصوصا، ~~لقوله: {ولا تباشروهن}، وهي حدود لا تقرب، هذا كلامه. # قال ابن المنير، في "الانتصاف": وفي هذه الآية دليل بين لمذهب مالك في سد ~~الذرائع، والاحتياط للمحرمات، لا يدافع عنه. PageV01P524 ### || CHECK معنى قوله تعالى: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} # قوله تعالى: {كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون}، أي: كما بينت لكم ~~أيها الناس واجب فرائضي عليكم من الصوم، وعرفتكم حدوده وأوقاته، وما عليكم ~~منه في الحضر، وما لكم فيه في السفر والمرض، وما اللازم لكم تجنبه في حال ~~اعتكافكم في مساجدكم، فأوضحت جميع ذلك لكم، ف {كذلك} أبين أحكامي، وحلالي، ~~وحرامي، وحدودي، وأمري ونهيي، في كتابى وتنزيلى، وعلى لسان رسولي للناس. # ويعني بقوله: {لعلهم يتقون}، يقول: أبين لهم ذلك ليتقوا محارمي ومعاصي، ~~ويتجنبوا سخطي وغضبي، بتركهم ركوب ما أبين لهم في آياتي، أني حرمته عليهم ~~وأمرتهم بهجره وتركه. # ولما كان من يعبد الله تعالى بالصيام، فحبس نفسه عما تعوده من الأكل ~~والشرب والمباشرة بالنهار، ثم حبس نفسه بالتقييد في مكان تعبد الله فيه، ~~ممنوعا من اللذة الكبرى بالليل والنهار، جدير أن لا يكون مطعمه وملبسه ~~ومشربه، إلا من الحلال الخالص، الذي ينور القلب، ويزيده بصيرة، ويفضي به ~~إلى الاجتهاد فى العبادة، فلذلك قال: # {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا ~~من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون (188)}. # أي: لا يأكل بعضكم مال بعض بالباطل، أي: بالوجه الذي لم يبحه الله ولم ~~يشرعه، فجعل تعالى بذلك، آكل مال أخيه بالباطل، كالآكل مال نفسه بالباطل، ~~ونظيره قوله تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم} [النساء: ms463 29]، على معنى: ولا يقتل ~~بعضكم بعضا، لأنه تعالى جعل المؤمنين إخوة، فقاتل أخيه كقاتل نفسه. # وكذلك تفعل العرب، تكني عن أخواتها بأنفسها، وتكني عن أنفسها بأخواتها، ~~فتقول: أخي وأخوك، أينا أبطش؟ تعني: أنا وأنت نصطرع، فننظر أينا أشد، فيكني ~~المتكلم عن نفسه بأخيه، لأن أخا الرجل عنده كنفسه. PageV01P525 ### || CHECK معنى {وتدلوا بها إلى الحكام} # وقوله تعالى: {ولا تأكلوا}، ليس المراد منه الأكل خاصة، لأن غير الأكل من ~~التصرفات، كالأكل في هذا الباب، لكنه لما كان المقصود الأعظم من المال، ~~إنما هو الأكل، وقع التعارف فيمن ينفق ماله، أن يقال: إنه أكله فلهذا السبب ~~عبر تعالى عنه بالأكل. # وأما قوله: {وتدلوا بها إلى الحكام} فإنه يعني: ولا تخاصموا بها، يعني: ~~بأموالهم إلى الحكام، {لتأكلوا فريقا} طائفة {من أموال الناس بالإثم}، ~~يعني: بالحرام الذي حرمته عليكم، {وأنتم تعلمون} أي: تعمدون أكل ذلك ~~بالإثم، على قصد منكم، إلى ما حرم الله عليكم منه، ومعرفة بأن فعلكم ذلك ~~معصية الله وإثم. # قال ابن عباس: هذه الآية في الرجل، يكون عليه مال، وليس عليه فيه بينة، ~~فيجحد المال، فيخاصمهم فيه إلى الحكام، وهو يعرف أن الحق عليه، وهو يعلم ~~أنه آثم، آكل حراما، والحاكم لا يحل حراما، ولا يحرم حلالا، وإنما يقضي على ~~نحو ما يسمع، وأصل الإدلاء، إرسال الرجل الدلو في البئر بسبب متعلقا به في ~~البئر (¬1)، فقيل للمحتج بدعواه: أدلى بحجته، إذا كانت حجته التي يحتج بها ~~سببا له، هو به متعلق في خصومته، كتعلق المستقي من بئر بدلو قد أرسلها ~~فيها، بسببها الذي الدلو بها متعلقة. يقال فيهما جميعا- أعني من الاحتجاج ~~ومن إرسال الدلو في البئر بسبب-: أدلى فلان بحجة، فهو يدلي بها إدلاء، ~~وأدلى دلوه في البئر، فهو يدليها إدلاء. # وتشمل هذه الآية صرف المال في الباطل، سواء كان مال نفسه، كأن يصرفه في ~~القيان، والقمار، والبطالة، وما شاع في هذا الزمان، من (التياترو) (¬2)، ~~وأنواع الملاهي التي لا يجوزها الشرع؛ أو مال غيره، بأن تحيل على أخذ مال ~~غيره، بتلك الملاهي، ms464 وبالغش والخداع، ونقص الكيل والميزان، والغصب والنهب ~~والرشوة، وأكل مال اليتيم. PageV01P526 ### || CHECK معنى قوله تعالى: {ويسألونك عن الأهلة} # وفي قوله تعالى: {وأنتم تعلمون}، إشارة إلى أن الإقدام على المعصية، مع ~~العلم بكونها معصية، أشد من الإقدام عليها من غير شعور بتحريمها. # ولما كانت آية الصيام تشير إلى الهلال، سأل السائلون عن حكمته، فقال ~~سبحانه وتعالى: # {يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج وليس البر بأن تأتوا البيوت ~~من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله لعلكم ~~تفلحون (189)}. # ليس في قوله تعالى: {يسألونك عن الأهلة}، بيان أنهم، عن أي شيء سألوا، ~~لكن الجواب كالدال على موضع السؤال، لأن قوله {قل هي مواقيت للناس والحج}، ~~يدل على أن سؤالهم كان عن وجه الفائدة والحكمة في تغير حال الأهلة في ~~النقصان والزيادة، فصار القرآن والخبر متطابقين، في أن السؤال كان عن هذا ~~المعنى. # وبيانه: {يسألونك} يا محمد {عن الأهلة} ومحاقها، وسرارها، وتمامها، ~~واستوائها، وتغير أحوالها، بزيادة ونقصان، ومحاق واستسرار، وما المعنى الذي ~~خالف بينه وبين الشمس، التي هي دائمة أبدا على حالة واحدة، لا تتغير بزيادة ~~ولا نقصان. ف {قل} يا محمد: خالف بين ذلك ربكم، لتصييره {الأهلة} التي ~~سألتم عن أمرها، ومخالفة ما بينها وبين غيرها، فيما خالف بينها وبينه ~~{مواقيت} لكم ولغيركم من بني آدم، في معايشهم، ترقبون زيادتها ونقصانها، ~~ومحاقها واستسرارها، ليظهر لكم بذلك وقت حل ديونكم، وانقضاء مدة إجازة من ~~استأجرتموه، وتصرم عدة نسائكم، ووقت صومكم وإفطاركم، فجعلها {مواقيت ~~للناس}، وجعلها أيضا ميقاتا ل "حجكم"، تعرفون بها وقت مناسككم وحجكم. # ومن هنا تعلم، أنه ليس السؤال عن ذات الأهلة، حتى يكون الجواب على خلاف ~~ما يترقبون، كما يحتج بذلك سعد الدين التفتازاني، في كتابيه "المطول" ~~و"المختصر"، ونسب العرب العرباء- المشهور لهم بسلامة الذوق والذكاء- إلى ~~البله، واستحالة إدراكهم الدقائق. PageV01P527 # ويدل لما ذكرناه قوله تعالى في القمر: {وقدره منازل لتعلموا عدد السنين ~~والحساب} [يونس: 5]. # وقوله تعالى: {وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية ~~النهار مبصرة ms465 لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب} [الاسراء: 12]. # فهاتان الآيتان تدلان على أنهم لم يسألوا إلا عن الحكمة في تغير الأهلة، ~~ولم يكن سؤالهم عن مقدار جرمها، وكيفية انتقالها في الفلك، ولما كان الحج ~~من أعظم ما يطلب ميقاته - وأشهره إنما تكون بالأهلة - أفرده بالذكر، وكأنه ~~تخصيص بعد تعميم، إذ قوله: {مواقيت للناس}، ليس المعنى مواقيت لذوات الناس، ~~وإنما المعنى مواقيت لمقاصد الناس، المحتاج فيها للتأقيت، دينا أو دنيا، ~~فجاء الحج بعد ذلك تخصيصا بعد تعميم؛ ففي الحقيقة ليس معطوفا على "الناس", ~~بل على المضاف المحذوف، الذي ناب "الناس" منابه في الإعراب. ولما كانت تلك ~~المقاصد يفضي تعديدها إلى الإطناب، اقتصر على قوله: {مواقيت للناس}. # وأبدى القفال لإفراد الحج بالذكر نكتبة ثانية، فقال: إنما أفرد بالذكر ~~لبيان أن الحج مقصور على الأشهر التي عينها الله تعالى لغرض الحج، وأنه لا ~~يجوز نقله عن تلك الأشهر لأشهر أخر، كما كانت العرب تفعل ذلك في النسيء (¬1). # قوله تعالى: {وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها} الآية. روى البخاري ~~في كتاب "التفسير" من صحيحه، عن البراء بن عازب، قال: كان العرب غير الحمس، ~~وهم قريش، إذا أحرموا في الجاهلية، أتوا البيت من ظهره، فأنزل الله تعالى: # {وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها} الآية؛ فالمعنى حينئذ: # {ليس البر} أيها الناس {بأن تأتوا البيوت} في حال إحرامكم {من PageV01P528 # ظهورها ولكن البر من اتقى} الله مخافة، وتجنب محارمه، وأطاعه بأداء ~~فرائضه التي أمره بها، فأما إتيان البيوت من ظهورها، فلا بر لله فيه، ~~ف"أتوها" من حيث شئتم، {من أبوابها}، ما لم تعتقدوا تحريم إتيانها من ~~أبوابها، في حال من الأحوال، فإن ذلك غير جائز لكم اعتقاده، لأنه مما لم ~~أحرمه عليكم. # وقوله: {واتقوا الله لعلكم تفلحون}، يريد، {واتقوا الله} أيها الناس، ~~فاحذروه، وارهبوه: بطاعته فيما أمركم من فرائضه، واجتناب ما نهاكم عنه، ~~لتفلحوا فتنجحوا في طلباتكم لديه، وتدركوا به البقاء في جناته، والخلود في ~~نعيمه؛ وهذه الآية بالنسبة إلى ما قبلها، يجوز أن يكون ms466 جريانها على وجه ~~الاتصال بما قبلها، على معنى أنهم لما سألوا عن الأهلة والحكمة ... # إلى هنا انتهى ما وجدناه من مخطوط المؤلف عليه رحمة الله ms467