######OpenITI# #META# URI: 1346IlyasAyyubi.MisrKhadiwiIsmacil.Hindawi24697404 #META# Tags: history #META# ID: 24697404 #META# Title: تاريخ مصر في عهد الخديو إسماعيل باشا #META# AuthorID: 25259074 #META# Author: إلياس الأيوبي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # أهم مصادر الكتاب‏ # تقدمة الكتاب‏ # رأي اللجنة العلمية المشكلة لفحص مؤلفات المتبارين في هذا الكتاب‏ # الكتاب المرسل من المجمع العلمي المصري إلى المؤلف‏ # مقدمة الكتاب‏ # شكر المؤلف من تفضلوا بمساعدته‏ # تمهيد‏ # الجزء الأول‏ # 1 - وفاة محمد سعيد باشا1‏ # 2 - الأمير (إسماعيل)1‏ # 3 - سمو الوالي (إسماعيل1 باشا)‏ # الجزء الثاني‏ # 1 - إيقاظ الآمال1‏ # 2 - زيارة السلطان عبد العزيز للديار المصرية1‏ # الجزء الثالث‏ # الباب الأول: تحقيق الشطر الأول منها1‏ # 1 - إصلاح الإدارة1‏ # 2 - توسيع نطاق الزراعة والري والمواصلات1‏ # 3 - فتح أبواب التجارة والصناعة والعمل1‏ # 4 - إحياء مالية القطر1‏ # 5 - انتعاش التعليم والحركة الفكرية1‏ # 6 - التغييرات التي أدخلت على الحياة الاجتماعية المصرية فأوجبت تطورها المستمر1‏ # الباب الثاني: تحقيق الشطر الثاني‏ # 1 - إزالة القيد الأول1‏ # 2 - إزالة القيد الثاني1‏ # 3 - إزالة القيد الثالث1‏ # الباب الثالث: تحقيق الشطر الثالث من الخطة المرسومة‏ # 1 - القوة المادية واتساع السلطان بالفتح والاستعمار1‏ # 2 - العناية بالعلوم وتوسيع دائرتها1‏ # 3 - أبهة الملك وجلاله لا سيما في المواسم والأعياد والأفراح1‏ # الباب الرابع: المساعدون على نفاذ الخطة‏ # 1 - فصل فذ1‏ # الباب الخامس: العقبات التي اعترضت سبل نفاذ الخطة‏ # 1 - الكوارث الطبيعية1‏ # 2 - الحملات المصرية المرسلة مساعدة لتركيا1‏ # الجزء الرابع‏ # 1 - السحاب في السماء‏ # 2 - سفر في تاريخ مصر المالي1‏ # الجزء الخامس‏ # 1 - نحو التوقف عن الدفع1‏ # 2 - انقلاب ظهر المجن1‏ # 3 - نكبة إسماعيل صديق باشا1‏ # الجزء السادس‏ # 1 - تعقد حلقات الضيق1‏ # 2 - الكتابة على الحائط1‏ # 3 - بين يدي المندوبية1‏ # 4 - الوزارة المسئولة1‏ # 5 - بين الكاپيتول والصخرة الترپيئية1‏ # الجزء السابع‏ # 1 - حيرة وارتباك1‏ # 2 - البروق تشق السحاب1‏ # 3 - قضي الأمر1‏ # 4 - فصل أخير1‏ # ملحق‏ # أهم مصادر الكتاب‏ # تقدمة الكتاب‏ # رأي اللجنة العلمية المشكلة لفحص مؤلفات المتبارين في هذا الكتاب‏ # الكتاب المرسل من المجمع العلمي المصري إلى المؤلف‏ # مقدمة الكتاب‏ # شكر المؤلف من تفضلوا بمساعدته‏ # تمهيد‏ # الجزء الأول‏ # 1 - وفاة محمد سعيد باشا1‏ # 2 - الأمير (إسماعيل)1‏ # 3 - سمو الوالي (إسماعيل1 باشا)‏ # الجزء الثاني‏ # 1 - إيقاظ الآمال1‏ # 2 - زيارة السلطان عبد العزيز للديار المصرية1‏ # الجزء الثالث‏ ms001 # الباب الأول: تحقيق الشطر الأول منها1‏ # 1 - إصلاح الإدارة1‏ # 2 - توسيع نطاق الزراعة والري والمواصلات1‏ # 3 - فتح أبواب التجارة والصناعة والعمل1‏ # 4 - إحياء مالية القطر1‏ # 5 - انتعاش التعليم والحركة الفكرية1‏ # 6 - التغييرات التي أدخلت على الحياة الاجتماعية المصرية فأوجبت تطورها المستمر1‏ # الباب الثاني: تحقيق الشطر الثاني‏ # 1 - إزالة القيد الأول1‏ # 2 - إزالة القيد الثاني1‏ # 3 - إزالة القيد الثالث1‏ # الباب الثالث: تحقيق الشطر الثالث من الخطة المرسومة‏ # 1 - القوة المادية واتساع السلطان بالفتح والاستعمار1‏ # 2 - العناية بالعلوم وتوسيع دائرتها1‏ # 3 - أبهة الملك وجلاله لا سيما في المواسم والأعياد والأفراح1‏ # الباب الرابع: المساعدون على نفاذ الخطة‏ # 1 - فصل فذ1‏ # الباب الخامس: العقبات التي اعترضت سبل نفاذ الخطة‏ # 1 - الكوارث الطبيعية1‏ # 2 - الحملات المصرية المرسلة مساعدة لتركيا1‏ # الجزء الرابع‏ # 1 - السحاب في السماء‏ # 2 - سفر في تاريخ مصر المالي1‏ # الجزء الخامس‏ # 1 - نحو التوقف عن الدفع1‏ # 2 - انقلاب ظهر المجن1‏ # 3 - نكبة إسماعيل صديق باشا1‏ # الجزء السادس‏ # 1 - تعقد حلقات الضيق1‏ # 2 - الكتابة على الحائط1‏ # 3 - بين يدي المندوبية1‏ # 4 - الوزارة المسئولة1‏ # 5 - بين الكاپيتول والصخرة الترپيئية1‏ # الجزء السابع‏ # 1 - حيرة وارتباك1‏ # 2 - البروق تشق السحاب1‏ # 3 - قضي الأمر1‏ # 4 - فصل أخير1‏ # ملحق‏ # | تاريخ مصر في عهد الخديو إسماعيل باشا # | تاريخ مصر في عهد الخديو إسماعيل باشا # | من سنة 1863 إلى سنة 1879 # تأليف # إلياس الأيوبي # | أهم مصادر الكتاب # اسم الكتاب # اسم المؤلف # مصر القديمة والحديثة # أود سكالكي # سورية ومصر في عهد سلاطين تركيا الخمسة الأخيرين # باركر # مصر اليوم من الخديو الأول إلى الخديو الثالث # فريزر # مصر في سنة 1798 إلى 1900 # برهييه # التاريخ المصري من القدم إلى اليوم # ليدي أمهرست أوڨ هاكني # مذكرات إنجليزي عن مصر من سنة 1863 إلى 1887 # البارون دكوزيل # تاريخ مصر تحت حكم محمد علي من سنة 1823 إلى 1838 # مانچين # أحوال وعوائد المصريين الحديثين # لين # تقرير عن مصر وكنديا سنة 1840 # باورنج # موجز تاريخ مصر سنة 1840 # كلوت بك # مصر تحت حكم محمد علي # هامون # مصر بعد ms002 صلح سنة 1841 # هامون # في بلد محمد علي (ترجمة إنجليزية) # باكلرموسكاو # مصر في سنة 1845 # شلشر # مصر تحت حكم محمد علي # مارسيل # مصر تحت حكم عباس # بل سانت چون # مصر الحديثة من محمد علي إلى سعيد باشا # مريو # كشف الستار عن أسرار مصر # مدام أولمپ إدوار # مصر وإسماعيل باشا # سكريه وأوتريون # مصر القديمة والحديثة في معرض باريس العام 1867 # تييرس # رسائل في مصر الحديثة # چليون دانجلار # مصر الخديو أو دار الرق القديمة في عهد أرباب حديثين # إدون دي ليون # مصر كما هي الآن سنة 1877 # ماك كون # مصر وأوروبا بقلم قاض مختلط قديم # ڨان بمين # مصر في عهد إسماعيل # ماك كون # إسماعيل باشا من سنة 1830 إلى 1895 # راڨس # مناظرة متغير أو تذكارات عن أناس عديدين في بلاد عديدة # سير إدورد مالت # الفرنساويون والإنجليز بمصر # بيوڨيس # مصر - الحكام الوطنيون والتدخل الأجنبي # فون مالورتي # وصف مصر - القاهرة وضواحيها # ڨوچاني # مصر الأخيرة # لپيك # خديويون وباشاوات # مو برلي بل # حياة البلاط بمصر # بتلر # مصر # ساندي إي كاسترو # المسألة المصرية # فريسينيه # مصر الحديثة # جڨين # مصر وتسليمها # فارمان # رحلة إلى سوريا ومصر في سنة 1783 و1784 و1785 # ڨولني # رسائل مكتوبة من مصر # برتلمي سانت إلير # سياحة الماريشال دوق دي راجوزا في سوريا وفلسطين ومصر # مارمون # ليالي مصر # ديدييه # خمسمائة ميل على النيل # ديدييه # رحلة السلطان عبد العزيز من استامبول إلى القاهرة # جاردييه # رسائل من مصر من سنة 1863 إلى 1865 # ليدي دف جوردون # رسائل من مصر سنة 1869 # ليدي دف جوردون # الفلاح سنة 1869 # آبو # حياة البؤساء بمصر سنة 1869 # ماري واتلي # بين أكواخ مصر سنة 1871 # ماري واتلي # الرسائل الأخيرة من مصر سنة 1877 # ليدي دف جوردون # مصر مجتازة مراحل مراحل # رونيه # الكولرا بمصر سنة 1850 وسنة 1855 # كولتشي # الإدارة الصحية العمومية بمصر من سنة 1860 إلى 1865 # كولتشي # حوادث من التاريخ المعاصر # لوكوڨيتش # الملك العقاري بمصر # يعقوب أرتين باشا # مذكرات عن أهم الأشغال العمومية المفيدة التي عملت بالقطر المصري من أقصى ~~القدم حتى ms003 يومنا هذا # لينان ده بلفون # النقود المصرية # فؤاد سلطان بك # حالة مصر المالية سنة 1874 # أنونيم # فتح برزخ السويس: إيضاح ومستندات رسمية من سنة 1855 إلى 1860 # فردينان دي لسبس # رسائل ويومية ومستندات ليؤخذ منها تاريخ ترعة السويس من سنة 1854 إلى ~~1870 # فردينان دي لسبس # برزخ السويس وترعته # شارل رو # تاريخ مصر المالي من أيام سعيد باشا سنة 1854 إلى 1876 # أنونيم # صاحب السعادة شريف باشا مصر سنة 1887 # سانتير دي يوڨ # مصر تحت حكم إسماعيل باشا ميلانون سنة 1880 # سانتي # بعض اعتبارات عن التعليم العام بمصر سنة 1894 # يعقوب أرتين باشا # المعارف العمومية بمصر سنة 1890 # يعقوب أرتين باشا # مصر الحديثة # لورد كرومر # تراجم مصرية: إسماعيل صديق باشا وموت المفتش مصر سنة 1879 # پ.ل.ه.دي.س # تاريخ السودان # نعوم شقير بك # الفرمانات السلطانية والأوراق الرسمية الخاصة بمصر من سنة 1840 إلى ~~1879 # فيليب جلاد # كيف يوزع القضاء بمصر سنة 1866 # لوكوڨيتش # الإصلاح القضائي بمصر. المداولات والاجتماعات التي سبقته وأدت إليه ~~(مكتبة الاستئناف المختلط) ~~- # محاكم مصر المختلطة # هيريروس # إسماعيلية # بيكر باشا # الدارفور تحت إدارة جوردون باشا # مساداليا # تاريخ محمد علي # كلوت بك # تاريخ مصر في القرن التاسع عشر # جوين # مصر عملا بمعاهدات سنة 1840 وسنة 1841 # بوردنيانو # حملة المصريين على الحبشة # سوتزارا # شراء أسهم ترعة السويس في نوفمبر سنة 1875 # شارل. لساچ # رسائل الدكتوربرون محررة من مصر والإسكندرية إلى المسيو مول بباريس من ~~سنة 1838 إلى 1854 # أرتين باشا # مصر وضواحيها # لامپ لاو # في الطاعون الذي فتك بالقطر المصري سنة 1835 # جائتاني # ترعة السويس إلخ # سرڨنسنت هورد # مصر المسلمة والحبشة المسيحية # داي # خراب مصر # روزستين # بيان عن حال التعليم الطبي إلخ في القطر المصري سنة 1849 # كلوت بك # سبع سنوات في السودان المصري # چيسي باشا # التعليم في مصر # دور بك # ترجمة حياة علي مبارك باشا # الدكتور دري بك # قناة السويس # محمد طلعت حرب بك # تاريخ محمد علي # مورييه # | تقدمة الكتاب # | إلى حضرة صاحب الجلالة فؤاد الأول ملك مصر # نور ساطع ظهر ms004 حديثا في سماء الشرق. # إدون دي ليون # مولاي، هذه جملة حقة وصف بها المؤرخ إدون دي ليون والدك الجليل وكان يعرفه عن كثب، إذ ~~كان على عهده قنصلا جنرالا لجمهورية الولايات المتحدة بالقطر المصري. # ولا يسع المرء، إذا أجال الطرف فيما كانت عليه مصر يوم ارتقى (إسماعيل) عرشه وما وصلت ~~إليه من حضارة وتقدم يوم اعتزاله الأريكة الخديوية، إلا أن يعترف بأن إدون دي ليون ~~السياسي المؤرخ لم يقل إلا الحقيقة الواقعة، فقد اعتلى (إسماعيل) أريكة مصر والبلاد لم ~~تخلص بعد من ظلمات القرون الوسطى التي حاول جدكم الأكبر (محمد علي) أن ينتشلها منها، ~~فحال الأجل بينه وبين إتمام عمله، فوقفت مشروعاته الجليلة، وتعطلت أنظمة العدل، وكادت ~~تعفوا آثار العلم، وتخبو جذوة التطور الذي بدت بشائره في سبيل المدنية، أضف إلى ذلك ~~صعابا، منها ما نشأ عن امتياز قناة السويس الذي منحه (سعيد باشا) للشركة المعروفة، فقد ~~كان يلزم مصر بتعهدات من شأنها أن تمس سيادتها في جزء كبير من أراضيها، ومنها ما اشتملت ~~عليه الفرمانات الصادرة في سنة 1841 من نصوص تجعل تبعية مصر للدولة العثمانية في حالة ~~أقل ما توصف بها أنها غير مرضية، وأنها تعرض البلاد لطوارئ ليست في الحسبان، كما أن ~~الامتيازات التي منحتها الدولة العثمانية لرعايا الدول الأجنبية في مصر كانت حملا ~~ثقيلا على عاتق المصريين، اضطربت لها العدالة، وتعددت بسببها السلطات المختلفة في ~~البلد الواحد، حتى كانت النظم الداخلية مختلة معتلة. # أما في الخارج فكانت مصر مفقودة المكانة لا يعرفها على حقيقتها إلا النفر القليل، ~~ويظن أكثر العالم المتمدين أنها لا تمتاز عن بقية بلاد أفريقيا التي لا تزال تعيش عيشة ~~همجية. # تلك كانت حال البلاد، ولكن بعد أن تولى (إسماعيل) العرش ست عشرة سنة ونصف السنة أصبحت ~~لمصر حكومة منسقة تنسيق الأنظمة المتبعة في أرقى البلدان الأوروبية، من حيث نظامها ~~النيابي والإداري والسياسي. # وزادت مساحة أرضها المزروعة نيفا وألف ألف فدان، وتقدم الري فيها تقدما عظيما: ~~فشقت الترع التي لا يحصر عددها ولا ms005 تجحد فوائدها، نذكر منها ترعتي الإبراهيمية ~~والإسماعيلية، وشيدت القناطر العديدة، وأقيم من الكباري نحو أربعمائة على النهر الأعظم ~~وفروعه: منها كوبري قصر النيل الفخيم، وكوبري الإنجليز، وأنشئت الطرق الزراعية ~~المترامية الأطراف في أنحاء البلاد، ومدت السكك الحديدية، والأسلاك البرقية على أبدع ~~وضع حتى بلغت ديار السودان، وأنشئت المواصلات البريدية، وأصلح توزيع الضرائب على أرباب ~~الأطيان، وأنشئت شركات الملاحة وغيرها من شركات المساهمة، وأصبحت موانئ الإسكندرية ~~وبورسعيد والسويس، وهي أهم ثغور القطر، تضارع أحسن موانئ السواحل الأوروبية والبحر ~~الأبيض المتوسط عملا وحركة، كما نصبت المنارات الجميلة على طول الشاطئ المصري حتى ~~سواحل المحيط الهندي. # أما الفنون والمهن والحرف على تباينها، والصناعات على اختلاف أنواعها، فقد انتعشت ~~انتعاشا عظيما، ونشطت المشروعات العامة نشاطا جديدا، وظهرت مدن القطر بمظهر غير ~~مظهرها الأول، وعلى الأخص مدينتا الإسكندرية والقاهرة بعد أن رصفت طرقها وأضيئت بمصابيح ~~الغاز ووزعت بهما المياه بطريقة محكمة، وأوجد فيها نظام خاص للكنس والرش، وقد غرست فيها ~~الحدائق الغناء، وأنشئت الميادين والمتنزهات الفسيحة الجميلة على طراز حدائق باريس ~~ومتنزهاتها وساحات السباق، وازداد بهاؤها بالمباني الفخمة، مثل بناء الأوبرا، ودور ~~التمثيل الأخرى، وما أحدث فيها من الأحياء الجديدة على النسق الأوروبي، وما شيد من ~~القصور والمساجد التي تضاهي أبدع ما أنتج فن البناء من عهد المماليك. # وقد زاد عمار البلاد في هذه الفترة وبنيت عدة مدن جديدة، أهمها الإسماعيلية وحلوان، ~~واتخذت في هذا العهد جميع الوسائل اللازمة لحفظ الصحة العامة في القطر: فأعيد تنظيم ~~الإدارة الخاصة بها، وأصبحت البلاد - على قدر المستطاع - في مأمن من غوائل الأوبئة ~~والوافدات، وقد نفخت في التجارة روح جد زادت بها الواردات وضوعفت الصادرات حتى بلغت ~~أربعة أضعاف ما كانت عليه من قبل، وألغي الالتزام الخاص بالجمارك، ونظمت إدارتها أحسن ~~تنظيم. # أما التعليم فحدث عنه ولا حرج، لأنه دفع إلى الأمام دفعة كان من شأنها أن أنشئت ~~المدارس على اختلاف أنواعها في جميع الأنحاء: منها مدارس الفتيات ومدارس العميان ومدارس ~~الخادمات التي انفردت مصر دون الشرق كله بإيجادها، ms006 وزودت المدارس الخاصة والأجنبية ~~بالتشجيع، ورتبت لها الإعانات، ونفحت من الهبات الجميلة الشيء الكثير، وظلت البعثات ~~المدرسية للبلدان الخارجية تتوالى ويتسع نطاقها، وصارت العربية لغة رسمية في مصالح ~~الحكومة والمدارس الأميرية بدل اللغة التركية. # كل هذا أدى إلى اتساع دائرة العلوم والمعارف والآداب الاجتماعية: فنبغ في مصر فطاحل ~~الكتاب، ونطس الأطباء، ورجال الصحافة الأكفاء، والمفكرون الحكماء ذوو الرأي الصائب ~~والفكر السديد، وأنشئت مدرسة العلوم المصرية القديمة، ودار الآثار العربية، ودار الكتب ~~الخديوية الفخمة، فأصبحت كأنها حلقة وصلت مصر الفراعنة بمصر القرون الوسطى ومصر ~~الحديثة. # كما أنه امتاز عهد والدكم الجليل بالتطور الاجتماعي السريع الذي نهض بعقلية القطر ~~المصري وكاد يرفعها إلى مصاف بلاد الغرب. فارتقت العوائد وأنماط الحياة المنزلية ~~والعمومية، ونظمت إدارة الحفظ والأمن على أسس جديدة، وانفصلت السلطات بعضها على بعض: ~~فأصبحت السلطة التنفيذية مستقلة عن السلطة القضائية وحق (لإسماعيل) أن يفخر بما فعل ~~قائلا: «انفصلت بلادي عن إفريقيا لأننا أصبحنا جزءا من أوروبا». # وفي ذلك العهد المجيد تخلصت مصر مما ترتب على امتياز قناة السويس من المساس بحقوق ~~سيادتها، وتعاقبت الفرمانات التي نالتها بما بذلته من نفائس ثروتها مؤذنة برفع القيود ~~التي كانت مصر راضخة لها بحكم التبعية للدولة العثمانية، فتفككت هذه القيود واحدا بعد ~~واحد ولم يبق منها إلا أمر الخراج ، واتخذ العزيز لقب «الخديو» بدلا من لقب «ولي» الذي ~~كان يشاركه فيه حكام الولايات العثمانية، ثم قرر التوارث في العرض على مبدأ الابن البكر ~~من «أولاد صاحب العرش»، وأصبح استقلال مصر استقلالا حقيقيا - بالرغم من صلة التبعية ~~الاسمية - بدليل اشتراكها كدولة مستقلة في المعرض العام الذي أقيم سنة 1867 في باريس، ~~وترؤس مليكها حفلات افتتاح قناة السويس التي تعد من أبدع وأبهى صفحات عهده، وذلك ~~بالرغم مما أبدته تركيا من الاحتجاجات على ترؤسه لها. # ولما كانت الامتيازات الأجنبية قد أدى الإفراط في تطبيقها إلى مساوئ عدة، فقد درئ ~~ضررها على قدر الطاقة بإنشاء المحاكم المختلطة التي تعد صفحة أخرى مجيدة في تاريخ حكم ~~(إسماعيل) وكان من ms007 شأنها أن تعيد إلى مصر كرامتها وحقوقها في السيادة الداخلية. # وبينما كان العمل سائرا بجد ونشاط في إنجاز هذه العجائب المدهشات، كان الفتح ~~سائرا من جهة أخرى للقضاء على الرق والنخاسة، فنجم عن ذلك أن قضي على الرق والنخاسة ~~قضاء لا رجوع فيه، وخضع السودان بأكمله لسيطرة مصر التي امتدت إلى الشاطئ الغربي للبحر ~~الأحمر والمحيط الهندي حتى بلغت رأس غاردافوي، فأصبحت مصر إمبراطورية عظيمة، ولما دخلت ~~في عداد الأمم المتمدينة حازت بينها المكان اللائق بمجدها الأثيل وأعمالها ~~الجليلة. # ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل شكلت البعثات العلمية التي تجاوز عددها الثلاثين بعثة ~~لاستقصاء الجهات المجهولة في أواسط أفريقيا وشرقها، سعيا وراء خدمة العلم والمعارف، ~~ورفع شأن القطر المصري، فأنشئت الجمعية الجغرافية الخديوية، وسارع أقطاب العلماء إلى ~~الانخراط في سلكها لنوال شرف الانتساب لها. # فلم يك والدك الجليل نورا ساطعا فحسب، بل كان شمسا متألقة في سماء مصر، ولا غرو ~~إذا اتجهت رغبتك يا مولاي - وأنت أبر أبناء هذا المصلح العظيم، الذي تمت على يديه ~~جميع هذه المدهشات - إلى أن يفصل التاريخ وقائعها؛ لذلك تكرمت ووضعت تحت إشراف المجمع ~~العلمي المصري المبارة التي أدت إلى ظهور هذا الكتاب، وتفضلت - مذ قررت اللجنة ~~العلمية التي انتدبت لفحص مختلف مؤلفات المتبارين أفضليته على سواه - فشملته وشملت ~~مؤلفه بتعطفاتك الملكية العالية. # فلتتفضل جلالتكم وتأذنني برفعه إلى سدتكم الملكية مقدما بين يدي من صادق ~~إخلاصي وعظيم طاعتي وعبوديتي لكم خير شفيع. # العبد الخاضع # إلياس الأيوبي # | رأي اللجنة العلمية المشكلة لفحص مؤلفات المتبارين في هذا الكتاب # كتاب إلياس الأيوبي، يتألف من مجلدين مجموع صفحاتهما 1084 صفحة، في كل صفحة ~~عشرون سطرا كتابة. # وينقسم إلى سبعة أجزاء تشتمل على اثنين وثلاثين فصلا. # أقسام المؤلف معقولة وعملية. قص الحوادث مضبوط ولا تحيز فيه. # الإنشاء عصري وأنيق، ليس فيه كلمات بطل استعمالها، والكلمات المستحدثة قليلة ~~فيه. # | الكتاب المرسل من المجمع العلمي المصري إلى المؤلف # حضرة المحترم # بأمر جلالة الملك يتشرف المجمع العلمي بإعلانكم، فيما يخصكم، بنتيجة المباراة ms008 ~~التي وضعها صاحب الجلالة تحت إشراف جمعيتنا لتأليف كتاب في تاريخ مصر مدة حكم سمو ~~الخديو إسماعيل: # إن جائزة الثلاثمائة جنيه قد منحت لكم، وقد صرح لكم أن تتلقبوا بلقب «الفائز في ~~المباراة»، وستدفع لكم نظارة خاصة جلالته المبلغ المذكور عند تقديمكم هذا الكتاب، ~~هذا وإن صاحب الجلالة يضع تحت تصرفكم مبلغا آخر تكميليا إذا أردتم أن تترجموا ~~مؤلفكم إلى اللغة الفرنساوية. # وإني بتبليغي هذه القرارات لكم أرجوكم أن تقبلوا مني خالص تهانئي وشعور احترامي ~~الفائق. # عن رئيس المجمع العلمي المصري ~~(الوكيل): ا.پيوبك # مصر في 8 مايو سنة 1922 # | مقدمة الكتاب # بسم الله الرحمن الرحيم # بينما نحن مشتغلون في كتابة الجزء السادس من تاريخ مفصل خصصنا نفسنا لوضعه في ~~شؤون مصر الإسلامية بين الفتح العربي والفتح العثماني، إذا بأحد الأدباء من ~~أصدقائنا أشار علينا بالتنكب، مؤقتا، عن موضوعنا هذا إلى الاشتغال بتحرير تاريخ ~~مصر في حكم (إسماعيل) قائلا: «إن أحوال مصر الحاضرة ربما كانت إلى إيقاف الناس على ~~ما أدى إلى تشبك المصالح المختلفة في هذا البلد الأمين تشبكا غربيا، أدعى منها ~~إلى إيقافهم على ما تم في عصور خلت، قد لا يهتم لها واحد في الألف، لا سيما وأن الأمير # 1 # فؤادا قد أقام مباراة تحت إشراف المجمع العلمي المصري، ووضع جائزة لمن ~~يحرر أحسن تاريخ لمصر في عهد أبيه». # فرأينا أن نعمل بإشارة الصديق الأديب على ما في العمل بها من حرج ومشقة، فإننا، ~~من جهة، نكاد نكون معاصرين لعهد (إسماعيل) - والحقائق التاريخية إنما يظهرها ~~البعد، فقط، في حلتها أو صبغتها الحقيقية - ومن جهة أخرى، فإنا على ما أوجدته فينا ~~معرفتنا بتاريخ (إسماعيل) السطحية السابقة من ميل فطري إلى الرجل وإعجاب به، كنا ~~لتأثرنا بالأحاديث والروايات المتناقلة عنه، نعتقد - ولو اعتقادا غير راسخ ومصبوغا ~~بصبغة مجرد الأخذ برأي الغير أخذا لا يبرره تحكيم عقل - أنه ربنا استفادت سمعة ~~(إسماعيل) من عدم تعرض أحد لإزالة السدول عنها، ومن إبقائها ما بين النور والغسق، ~~حيث أجمع على ذلك كتاب العربية، ms009 بدلا من إبرازها إلى نور النهار الساطع. # ولكننا فيما يختص بقرب معاصرتنا للأيام التي دعينا للتلكم عنها، قلنا في نفسنا: ~~«إننا، إذا توخينا الحقيقة بإخلاص، وبحثنا عنها باعتناء، وقررناها بشجاعة وبدون ~~هوى، قد لا نجد بأسا في إقدامنا على كتابة تاريخ (إسماعيل)، ولئن لم نستطع إيفاءه ~~حقه - لأن المصادر التي سوف يستقي منها مؤرخو المستقبل غير موجودة الآن تحت تصرفنا ~~- فإن ما لا يدرك كله لا يترك كله، وربما قدمت كتابتنا بعض المادة المفيدة لمن ~~سوف يتلونا في هذا المضمار». # وفيما يختص بما لدينا من فكرة غير مبنية على تحكيم عقل في شخصية (إسماعيل)، فإنا ~~قلنا في نفسنا: «فوق أنه يعار علينا، بصفتنا من المفكرين، أن نقيم بناء اعتقادنا في ~~الأشخاص التاريخيين على محض التعرف السطحي بهم، أو على مجرد آراء الغير فيهم، ~~فإن إقدامنا على كتابة تاريخ الرجل يلزمنا، حتما، درس شخصيته وأعماله درسا ~~تاما، فيغمر، في معارفنا، فراغا شائنا، وقد يؤدي بنا إلى تعديل فكرنا وفكر ~~قرائنا الكرام في الخديو الأول تعديلا يوجبه تعرفنا بأخلاقه وخصاله تعرفا ~~صحيحا، ووقوفنا على جميع أعماله وقوفا حقا». # فأقدمنا، إذا، على العمل، وأخذنا في مطالعة كل ما كتب عن (إسماعيل) وعصره، بل ~~معظم ما كتب عن أسرته في العربية والفرنسية والإنجليزية والإيطالية وما ترجم إلى ~~هذه اللغات من اللغات الأجنبية الأخرى التي لا نعرفها، ودرس ذلك جميعه درسا ~~تاما. ~~••• # وإذا بنا كلما زادنا تعرفا بعمل (إسماعيل) المتنوع، وإدراكا لنتائجه ~~الاجتماعية في القطر، زاد إعجابنا به وعلا قدره في نفسنا، وما فرغنا من البحث ~~والتنقيب، والمطالعة والدرس، إلا وقد رسخ فينا الاعتقاد الثابت بأن (إسماعيل) كان ~~رجلا عظيما ومصريا صميما، وأنه عمل لمصلحة مصر ورقيها وتقدمها ما لم يعمله ~~عاهل تولى عرشها منذ قرون؛ وأنه - وإن لم يخل من نقائص: فكثر عليه، لذلك، عدد ~~الطاعنين - قد كان أميرا شرقيا، جديرا بأن يوضع في مصاف عظماء الشرق، وجديرا ~~بأن يقرن اسمه، بعد مماته، بصفات التمجيد والتبجيل التي كان يقرن بها وهو مستو على ~~عرشه ms010 الساطع سنى. ~~••• # فأقبلنا بارتياح، بل بابتهاج، على تدوين تاريخ مصر في أيامه، ولم نعد نخشى إلا ~~شيئا واحدا، وهو: أن يحول عجزنا دون إيفائنا الموضوع حقه، وأن لا تخرج مينرڨا # 2 # من رأسنا إلا مجردة من سلاحها. # على أنه إذا كانت الأعمال إنما توزن بالنيات، فإنا نقدم عملنا هذا إلى ~~الجمهور ونحن واثقون من أنه سيغتفر لنا كثيرا، لأن نيتنا في الحقيقة صالحة، ولم ~~نبتغ سوى تقرير الأمور كما خيل إلينا أنها هي هي في الواقع، فإن أخطأنا النظر ~~إليها، فلقصر طبيعي في العين، لا لأنا وضعنا عليها نظارة الغرض والتحيز. # إلياس الأيوبي # الإسكندرية في 25 يناير سنة 1923 # | شكر المؤلف من تفضلوا بمساعدته # قد تفضلت اللجنة العلمية في دار الكتب المصرية التي يرأسها حضرة العالم الكبير ~~والفيلسوف المفكر صاحب العزة أحمد لطفي السيد بك بقبول طبع هذا الكتاب في مطبعة القسم ~~الأدبي في تلك الدار، وحت إشرافها النافع، وهي لا تطبع فيها من الكتب إلا ما تحكم بأنه ~~جدير بأن ينظم في عقد المؤلفات الفاخرة التي تعمل بنشرها على إحياء آداب اللغة العربية, ~~فقلدتنا بذلك منة لم تقلد بها أحدا من المعاصرين لنا قبلنا، وجعلت لكتابنا قيمة ~~ثمينة فوق القيمة التي أكسبه إياها حكم المجمع العلمي المصري والمندوبية العلمية الخاصة ~~فيه بأنه أفضل المؤلفات المقدمة إلى تقديرها في المبارة العلمية التي وضعها صاحب ~~الجلالة مولانا الملك (فؤاد الأول) إذ كان - حفظه الله - لا يزال الأمير المعظم ~~فؤادا. # ومهما شكرنا، فإنا لن نوفي ما توجبه هذه المنة الفريدة من شكر علينا! # ومما زاد في مقدارها لدينا هو أن حضرة العالم الفاضل والحسيب النسيب السيد محمد علي ~~الببلاوي، نقيب أشراف الديار المصرية وأحد أعضاء تلك اللجنة الجليلة ومراقب إحياء ~~الآداب العربية، قد وقف بشخصه الكريم على طبع كتابنا هذا، مهذبا، مجهدا نفسه في ~~جعله خلوا من كل شائبة. # ولا يسعنا هنا إلا شكر دار الكتب المصرية في المحروسة والمكتب البلدية بالإسكندرية ~~على التسهيلات التي جادتا بها علينا بإعارتنا كل ما احتجنا ms011 إليه من كتب، وشكر أمنائهما، ~~حضرات الأفاضل: علي فكري أفندي وخليفة قنديل أفندي وسيد عمر أفندي، أمناء دار الكتب ~~المصرية، وحضرة الأستاذ العالم الشيخ أحمد أبي علي، أمين المكتبة البلدية بالإسكندرية، ~~على حفاوتهم بنا، ولطفهم بالفائق نحونا، وآدابهم الجمة في معاملتنا. # ونحن في حاجة إلى أن نشكر، على الأخص، صاحب العزة والمروءة وسليل بيت المجد والحسب ~~سليمان يسري بك، القاضي بمحكمة الإسكندرية الأهلية، الذي تفضل ووضع تحت تصرفنا مكتبته ~~النفيسة، بلطف نفس، وكرم أخلاق، وسماحة شيم، زادت في جمال معروفه. # وبما أنا في مقام شكر من نرى شكرهم واجبا، فإنا نقدم هنا أجمل عبارات اعترافنا ~~بالفضل والجدارة إلى حضرة صديقنا الفاضل وزميلنا الكريم بولص غانم أفندي، المترجم ~~بمحكمة مصر المختلطة، الذي أمدنا بسعة اطلاعه على أصول البلاغة العربية، وقضى معنا ~~ساعات طويلة في مراجعة هذا المؤلف. # وكذلك نشكر حضرة محمد عصمت أفندي رئيس القسم الأدبي بدار الكتب، وحضرات المصححين فيه ~~فقد ساعدوا مساعدة ممدوحة، وأخص بجميل الشكر حضرة الشاب الفاضل الأديب عباس السيد أفندي ~~ملاحظ مطبعة دار الكتب المصرية فإنه لم يدع مجهودا إلا وبذله في سبيل تصحيح الغلطات ~~المطبعية، وإتقان العمل بسرعة وتيقظ تام، حتى تمكن من إبرازه في حلة قشيبة قبل ~~الميعاد المتفق عليه. ~~••• # فإن ظهرت - مع ذلك - في الكتاب شوائب، فإن الكمال لله وحده! # | تمهيد # كانت مصر حتى سنة 1798م تحت حكم الأمراء المماليك الفعلي وحكم الدولة العثمانية ~~الأسمي، فأتت في سنة 1798 حملة فرنساوية تحت قيادة الجنرال بونابرت فقضت على حكم ~~المماليك، واحتلت القطر، فعز ذلك على إنجلترا، فما زالت بالدولة العثمانية حتى حملتها ~~على إشهار الحرب على فرنسا وإرسال جيش زاخر إلى مصر لإخراج الجيش الفرنساوي منها، ولكن ~~الجنرال بونابرت قضى على ذلك الجيش قضاء مبرما في واقعة أبي قير في 25 يولية سنة ~~1799. # غير أن أحوال فرنسا الداخلية والخارجية ما لبثت أن اضطرت الجنرال بونابرت إلى مغادرة ~~القطر، فخابر خلفه الجنرال كليبر الإنجليز والأتراك في أمر انسحابه بجيشه من مصر والعود ~~إلى فرنسا على ms012 مراكب إنجليزية، وأبرم معهم لهذا الغرض معاهدة العريش في أوائل سنة 1800 ~~وسلم الصدر الأعظم يوسف باشا معظم البلاد. # ولكن الحكومة الإنجليزية لاعتقادها الوهن التام في الجيش الفرنساوي المعقود لواءه ~~لكليبر أبت التصديق على معاهدة العريش، وأبت إلا أن يسلم الجيش الفرنساوي سلاحه فتنقله ~~المراكب الإنجليزية أسيرا إلى إنجلترا. # فهاج هذا الأمر ثورة الغضب والحمية في صدر الجنرال كليبر، فأرسل إلى الصدر الأعظم ~~يوسف باشا يأمره بإعادة البلاد إلى الفرنساويين والارتداد إلى سوريا - وكان يوسف باشا ~~قد بلغ بجيشه العثماني المطرية وعسكر فيها - فأبى يوسف باشا إلا استمرار الزحف إلى ~~القاهرة. # فخرج الجنرال كليبر إليه بعشرة آلاف فرنساوي وهزمه هزيمة مخجلة في عين شمس، وعاد ~~واسترد القطر كله. # ولكن سليمان الحلبي ما لبث أن قتله في 14 يونية سنة 1800؛ فآلت القيادة إلى الجنرال ~~منيو - وكان قد اعتنق الإسلام وتسمى عبد الله، ولم يكن من الدراية بأمور الحرب على ~~شيء. # فاغتنمتها إنجلترا فرصة وأرسلت حملة إنجليزية تحت قيادة الجنرال آبر كرمبي لإخراج ~~الفرنساويين من مصر، فتحارب الجيشان الغربيان في ضواحي الإسكندرية - ما بين سيدي جابر ~~والمعمورة - وانجلت المعركة عن فوز الإنجليز وقتل قائدهم، فارتد الفرنساويون إلى ~~الإسكندرية وتحصنوا فيها، وخلف الجنرال هتشنسن القائد المقتول، فغمر الأرض حول ~~الإسكندرية بالمياه بكسره سد أبي قير، وزحف بمعظم جيشه إلى العاصمة، وبعد مناوشات ~~ووقائع صغيرة وحصارات لا داعي إلى ذكرها في هذه النبذة، انتهى الأمر بانجلاء الجيش ~~الفرنساوي عن مصر على قاعدة معاهدة العريش. # فأراد الأمراء المماليك - على ما أوجدته في طائفتهم من ضعف عظيم حروبهم مع ~~الفرنساويين - العود إلى الاستقلال بأحكام البلاد، وأرادت الدولة العثمانية استئصال ~~شأفتهم ليستقيم لها عود الحكم في مصر أسوة بباقي المماليك الشاهانية. # فقام إذا نزاع عنيف وقتال مخيف بين الولاة المعينين على مصر من لدن الدولة العثمانية ~~والأمراء المماليك، ودارت الحرب بينهم سجالا. # وكان قد حضر إلى مصر الجيش العثماني المكلف بمهمة إخراج الفرنساويين منها رجل مكدوني ~~من أهل قولة يقال له: (محمد علي)؛ فاغتنم فرصة ذلك النزاع ms013 وأخذ يتقدم على أكتاف الولاة ~~تارة وطورا على أكتاف المماليك، حتى أصبح من كبار زعماء الجنود، فشرع حينذاك يعمل في ~~الخفاء على إسقاط الولاة ويقاتل المماليك جهارا حتى آل به الأمر إلى تهشيم مراكز ~~الفريقين وفل كلمتهم، فأجمع العلماء وشعب القاهرة على اختياره أميرا على مصر في 14 ~~مايو سنة 1805؛ وعضدهم في ذلك الجنرال سيبستياني السفير الفرنساوي في الأستانة عملا ~~بتوصية القنصل الفرنساوي بمصر المدعو ماتييه دي لسبس، والد فردينان دي لسبس صاحب قناة ~~السويس. # فأقرت الأستانة محمدا عليا واليا على القطر في 9 يولية سنة 1805، فما تواني لحظة ~~في تثبيت مركزه ضد دسائس تركيا، ومساعي الإنجليز وعدائهم، وتمردات الجنود وبأس ~~المماليك، والاحتياج إلى المال حتى انتهى به الكفاح، بعد عناء شديد، إلى الفوز التام، ~~فوطد قدميه نهائيا على السدة المصرية؛ وقهر الإنجليز وأجلى عن البلاد حملة أرسلوها ~~إليها في سنة 1807؛ وأفنى الجنود غير النظامية في حروب أرسلها إليها في البلاد العربية ~~لمقاتلة الوهابيين، وفي السودان للبحث عن مناجم ذهب وجلب السود؛ وفرغ من أمر المماليك ~~بالمكيدة الهائلة التي دبرها لهم وجزرهم فيها بالقلعة يوم أول مارس سنة 1811؛ وعالج ~~مسألة المال معالجة قطعية بأن استولى شيئا فشيئا على جميع موارد الرزق في البلاد وعلى ~~أطيان القطر برمتها. # حينذاك أقبل ينشئ من مصر دولة حديثة وأمة شابة جديدة، ولكنه أدرك بأن ذلك لن يتسنى له ~~إلا إذا جمع على ولائه عواطف العالم الإسلامي، وإلا إذا نقل البلاد - ولو بعنف - من ~~البيئة التي بنت القرون المنصرمة جدرانها حولها، إلى بيئة جديدة تكون مصطبغة القاعدة ~~والجدران بصبغة المدنية الغربية، اصطباغا متفقا مع روح الإسلام. # فلجمع عواطف الإسلام على ولائه هب يقضي على الوهابيين قضاء مبرما - والعالم الإسلامي ~~كان يعتبرهم خوارج ومنشقين - وهب ينجد الدولة العثمانية المسلمة على إخماد ثورة ~~اليونان المسيحيين، فأفلح في الأمرين. # ولنقل مصر إلى البيئة الجديدة المرغوب فيها عمل ما يأتي: # أولا: # نظم البلاد إداريا على النمط الغربي. # ثانيا: # أنشأ من أبناء البلاد جيشا زاهرا وبحرية عامرة مدربين على الطريقة ms014 ~~الغربية، بالرغم من صعاب كانت الواحدة منها كافية لفل الحديد ودك ~~الجبل. # ثالثا: # جدد بجدة المعارف، بتغييره برنامج التعليم وطريقته وفتح ميدانا جديدا ~~للعلم أدخل الأمة فيه قسرا، فأنشأ المدارس المختلفة تترى: ابتدائية ~~وثانوية وعالية متنوعة، وأدخل فيها التلامذة والطلبة رغم أنوفهم وأنوف ~~أهلهم، وعلمهم فيها العلوم الوضعية الغربية على يد أساتذة أكفاء أتى بهم من ~~بلاد الغرب، وأرسل البعثات تلو البعثات إلى المعاهد العلمية في أوروبا لا ~~لكي تقتبس علوم الأمم الغربية وفنونها فحسب، بل ليتخرج منها أساتذة يعلمون ~~تلك العلوم لمواطنيهم بعد عودتهم إلى بلادهم. # ثم أضاف إلى تجديد بجدة المعارف إقامة المعامل والمصانع في طول البلاد ~~وعرضها ليتمكن القطر من ترويج المصنوعات على الطراز الغربي في داخليته - ~~لاعتقاد (محمد علي) أن تغيير معالم المادية يساعد كثيرا على تغيير معالمها ~~المعنوية - ومن الاستغناء عن الواردات الأجنبية. # رابعا: # غطى وجه القطر بالأشغال والأعمال المفيدة وسخر فيها الأيدي تسخيرا؛ ~~ولولا ذلك ما اشتغلت ولا تمت تلك الأعمال، فأقام السدود وقوى الجسور وبنى ~~ما رأى بناءه منها واجبا؛ وعزز القناطر واحتفر الترع العديدة وأقام عليها ~~القناطر الحاجزة المسهلة للري؛ وابتنى الترسانة والأحواض لتصليح السفن؛ ~~وشيد القناطر الخيرية الكبرى - وهي معجزة أعماله - وأقام الحصون والقلاع؛ ~~وأنشأ القصور والسرايات، واختط الشوارع؛ وهلم جرا، من الأعمال العظيمة ~~التي غيرت وجه القطر تغييرا محسوسا. # خامسا: # هدم الحواجز التي كانت العصور السالفة قد أقامتها بين تعامل الغرب ~~والشرق؛ ومكن العالمين من الاختلاط معا، لا بالإتجار الواسع فقط، بل ~~بالاحتكاك اليومي، وفي العادات والأخلاق والعقلية؛ ومنع كل تجاوز قد يجر ~~ذلك الاحتكاك إليه. # سادسا: # سن قانونا للبلد كل مواده متشربة بالرغبة في فتح عصر جديد للأمة، عصر ~~تكون المساواة فيه بين الأفراد تامة؛ ويكون الفرد فيه آمنا على حريته ~~الشخصية من كل عبث، ما دام لا يرتكب جرما، ولا يأتي أمرا تؤاخذه عليه ~~الشرائع. # سابعا: # فتح أذهان المصريين إلى أمرين لم يكونوا ليفكروا فيهما البتة: (الأول) أن ~~مصر والسودان قطران توءمان أبوهما النيل، فإما أن يدوما ملتصقين ms015 كما ولدا، ~~وإما أن يكونا متحالفين أبدا، وإلا فللقوي منهما أن يجبر الثاني على إحدى ~~هاتين الخلتين، كما أجبرت ولايات الشمال الأمريكية ولايات الجنوب على ~~البقاء متحدة معها، بحرب الانفصال بين سنة 1861 وسنة 1865؛ و(الثاني) أن ~~لمصر قومية شخصية منفصلة تامة الانفصال عن قوميات الشعوب الأخرى القاطنة في ~~الأقاليم التي كانت تتكون منها القومية العثمانية في ذلك العصر، وإنما فتح ~~أذهان المصريين إلى هذين الأمرين بالحربين اللتين قام بهما في مجاهل ~~السودان وفي سوريا والأناضول؛ وأفضتا إلى استتباب السلطة المصرية على ~~السودان نهائيا وعلى سوريا وإقليم اضاليا، بضع سنين. # ولكن إنجلترا أبت أن تقوم على ضفاف النيل دولة مصرية قوية تجعل طريقها إلى الهند غير ~~آمنة، فألبت على (محمد علي) روسيا وبروسيا والنمسا؛ وأرسلت ضد قواه في سوريا حملة؛ ~~وبذلت في سبيل إثارة الأهلين عليه في تلك البلاد نقودا جمة، فاضطرته إلى الانسحاب من ~~الأناضول والشام والاكتفاء بمصر، ثم استصدرت له من السلطان عبد المجيد، بالاتفاق مع ~~الدول الأوروبية، فرماني 13 فبراير سنة 1841 اللذين بقيا دستور الحكومة المصرية، حتى ~~أبطلت مساعي (إسماعيل الأول) معظم نصوصهما، وأوصلت القطر إلى استقلال تام لا يقيده سوى ~~قيد الجزية السنوية. # فأقام (محمد علي)، بعد هذه الحوادث، أكثر من سبع سنوات على دست الأحكام يعمل بثبات ~~على تنفيذ مراميه؛ ويحوط الدولة الحديثة التي أنشأها بعنايته اليقظة، حتى داهمه الخرف ~~وهو في التاسعة والسبعين من عمره . # فخلفه ابنه الأكبر (إبراهيم باشا)، قائد الجيوش المصرية المنصورة في الملاحم ~~والمعامع، وقاهر الوهابيين واليونان والأتراك، ولكن ولايته لم تدم إلا ثلاثة أشهر: لأن ~~المنون اخترمته وهو في أجد سعيه إلى إسعاد البلاد، بينما أبوه لا يزال حيا. # فأعقبه (عباس الأول) ابن أخيه طوسن المتوفى سنة 1816 - وكان أرشد ذكور الأسرة - ~~فملك حتى سنة 1854 ملكا حاول جهده، في السنين الست التي انتشر كابوسه فيها على الصدور، ~~أن يتنكب بمصر عن الجادة الحديثة التي أدخلها فيها جده العظيم (محمد علي)، ليعود بها ~~إلى دياجير العصور الوسطى المدلهمة. # ولكنه قتل، ms016 وهو في ريعان رجولته، وخلفه على العرش عمه (محمد سعيد باشا) ابن (محمد ~~علي) العظيم، فملك تسع سنوات كانت كلها خيرا على البلاد وسعادة، ولولا أنه أثقل كاهل ~~الحكومة المصرية ببعض نصوص تجاوزية في الامتياز الذي منحه لفردينان دي لسبس لإنشاء قناة ~~السويس، وبالضائقة المالية التي جرها إسرافه على موظفيه ومستخدميه، بالدينين - ~~السائر والمسجل - المركبين على عاتق البلاد والبالغين معا ما يقرب من أحد عشر مليونا ~~ونصف مليون من الجنيهات، واللذين لم يكن لهما مقابل من أعمال عمومية نافعة، لعدت سنوات ~~ملكه التسع العصر الذهبي في تاريخ مصر الحديث. # وكانت بنيته القوية لما ارتقى سدة الإمارة تبشر بعمر طويل؛ ولكن إسرافه في اللذات ~~قتله، هو أيضا، وهو في الأربعين من سنه، فخلفه (إسماعيل الأول) ابن أخيه (إبراهيم) ~~العظيم، وهو الذي يسرد كتابنا هذا تاريخ مصر في عهده! # | الجزء الأول # السحر # الفصل الأول # | وفاة محمد سعيد باشا1 # توافق الناس والزمان # فحيث كان الزمان كانوا # عاد محمد سعيد باشا، والي مصر، من أوروبا، في أواخر سنة 1862 إلى الإسكندرية، والمرض ~~الذي ذهب إلى بلاد الغرب، ليتطبب منه، على يد نطس أطبائها، قد تمكن من حياته، تمكنا، ~~سمم كل ينابيعها، فبات ميئوسا من نجاته: وأخذ الموت ينسج أكفانه، ويسدل حوله ~~ظله. # وكما أن الناس، حين تميل الشمس إلى الغروب، يأخذون في الشخوص إليها ويرقبون مغيبها، ~~وتجيش العواطف في صدر كل منهم طبقا لميوله وآماله، فهكذا كان المصريون ومستوطنو مصر، ~~والذين تربطهم بها مصالح، ينظرون إلى مغيب حياة محمد سعيد باشا، وتواريها وراء أفق هذا ~~العالم المنظور، بأعين تختلج فيها عواطف القلوب المختلفة. # فالأفاقون الذين احتاطوا بالأمير المحتضر، أيام كانت زهرة حياته وصولته يانعة، ~~فأثروا من إسرافه واعتزوا من هواه، كانوا ينظرون إلى دخوله في حشرجة الموت، وقلوبهم ~~شاعرة بأن انقلاب ظهر المجن لهم بات قريبا، وأن الأوان آن ليقتلعوا خيامهم من الأرض ~~المصرية ويقصدوا أقطارا غيرها. # والبطانة التي لم تحط به إلا لأنه الأمير والحاكم وولي النعم، ما رأته يحتضر وتأكدت ~~من أنه، ms017 لا محالة، ميت إلا وولت وجهها شطر الشمس المنتظر شروقها؛ لأنها شمس من سيصبح ~~الأمير والحاكم وولي النعم. # والذين أحاطوا بمحمد سعيد باشا، ليرتكنوا عليه في أعمال نافعة أقدموا عليها، ومشروعات ~~جليلة أخرجوا بعضها إلى حيز الوجود، وتعلقت آمالهم في إخراج الباقي منها، إلى الحيز ~~عينه، بحياة الرجل المائت، إنما كانوا ينظرون إلى زواله، وقلوبهم واجفة، وآمالهم ~~مضطربة، لا يدرون ما المصير. # والشعب المصري، الذي رأى من الوالي المولى حبا خاصا له، واعتناء كبيرا بمصالحه، ~~ورغبة حقيقية في تحسين أحواله؛ وتخفيف أثقاله؛ ورأى منه إقبالا على إحياء اللغة ~~العربية وإحلالها في دوائر الحكومة محلا رسميا؛ والجيش المصري الذي كان محط انتباهه ~~ومعزته، ووجد نعيم الحياة تحت لباس جنديته، كانا ينظران من بعيد إلى تصاعد أواخر أنفاس ~~الأمير المحتضر، والقلب حزين مكتئب، والنفس ضارعة إلى الله أن يحذو الخلف حذو السلف؛ ~~وأن تكون الأيام التالية ظهر الخير، إذا صح اعتبار الأيام المتصرمة فجره. # وأما الرجال المحافظون المتمسكون بالتقاليد العباسية، الراغبون عن كل عين تتفجر في ~~مصر للمدنية الغربية، وعن كل طريق يمهد لها؛ الناقمون على محمد سعيد باشا تركه سياسة ~~سلفه، للسير في خطوات (محمد علي) أبيه العظيم، فإنهم كانوا ينظرون إلى احتضار ذلك ~~الأمير، نظرة القليل الصبر، ويرقبون عن كثب، ساعة لفظه نفسه الأخير، معللين الأنفس بعود ~~العهد القديم إلى البزوغ من وراء سرير موته؛ لاعتقادهم أن مذهب الخلف مذهبهم، وأن ~~(إسماعيل) يكره ما يكرهون ويحب ما يحبون. # وأما (إسماعيل) نفسه، فإنه منذ تأكد أن رقدة عمه لرقدة لا يعقبها قيام؛ وأن الموت بات ~~محتما، بالرغم من أن شجرة العمر لم تثقلها السنون، ساورته الانفعالات الطبيعية التي ~~تساور كل إنسان في مركزه، وأخذ ينتظر وهو في القاهرة، أن ترد عليه الأنباء المبشرة ~~بارتقائه سدة جده. الباشا العظيم! # وكانت قد جرت العادة أن ينعم بلقب (بك) على أول من يحمل إلى الوالي الجديد خبر صيرورة ~~العرش المصري إليه؛ وأن ينعم عليه بالباشوية إذا كان بيكا. # فلم يغادر (بسي بك) مدير المخابرات ms018 التلغرافية، عدته، ثمان وأربعين ساعة؛ لكي يكون ~~أول المبشرين، فيصبح باشا؛ ولكن النعاس غلبه في نهاية الأمر؛ فاستدعى أحد صغار موظفي ~~مصلحته؛ وأمره بالقيام بجانب العدة، ريثما يذهب، هو، إلى مخدعه وينام قليلا؛ وبالإسراع ~~إلى إيقاظه حال ورود إشارة برقية من الإسكندرية تنبئ بانتقال محمد سعيد باشا إلى دار ~~البقاء، ووعده بجائزة، قدرها خمسمائة فرنك مقابل ذلك، ثم ذهب إلى مخدعه، ونام على سريره ~~وهو بلباس العمل. # ولم يكن الموظف الصغير الذي أنابه عنه، يجهل عادة الإنعام التي ذكرناها - فلما انتصف ~~الليل بين اليوم السابع عشر واليوم الثامن عشر من شهر يناير سنة 1863، وردت من ~~الإسكندرية الإشارة البرقية المنتظرة بفارغ الصبر، فتلقاها ذلك الموظف الصغير وأسرع بها ~~إلى سراي الأمير (إسماعيل) وطلب المثول بين يديه. # وكان (إسماعيل) لا يزال جالسا في قاعة استقباله، سهران، يحيط به رجاله وتسامره ~~هواجسه. # فلما رفع إليه طلب ذلك الموظف، أمر بإدخاله حالا، فأدخل، وأحدقت به أنظار ~~الجميع. # فجثا الرجل أمامه وسلمه الإشارة البرقية الواردة، فقرأها (إسماعيل)، وما أتى على ما ~~دون فيها، إلا ونهض والفرح منتشر على محياه - فوقعت الإشارة من يده - وشكر الله بصوت ~~عال على ما أنعم به عليه من رفعه إلى سدة مصر السنية، ثم ترحم على عمه ترحما ~~طويلا. # فشاركه رجاله المحيطون به في فرحه، وتصاعدت دعواتهم له بطول البقاء ودوام العز؛ ~~وأخذوا يهنئونه ويهنئ بعضهم بعضا. # ثم نظر (إسماعيل) إلى الموظف الجاثي أمامه، (والذي كان قد التقط الإشارة البرقية ~~حالما وقعت من يد مولاه، ووضعها في جيبه)، وتبسم وقال: «انهض يا بك!» وبعد أن حباه نفحة ~~من المال أذن له بالانصراف. # فعاد الموظف مسرعا إلى مصلحة التلغرافات، لرغبته في الحصول على جائزة الخمسمائة فرنك ~~التي وعد بها، زيادة على الذهب الذي أصابه؛ ودخل بتلك الإشارة على رئيسه، بسي بك، ~~وأيقظه وسلمها إليه. # فتناولها بسي بك وقرأها، ثم فتح كيسه بسرعة وأعطى الرجل المبلغ الذي وعده به، ثم أسرع ~~بالرسالة إلى سراي الأمير (إسماعيل)، وهو يرى أنه قد أصبح باشا، ms019 وتتلذذ نفسه ~~بذلك. # فلما دخل على الأمير، وعرض عليه الإشارة، قابله (إسماعيل) بفتور وقال: «لقد أصبح هذا ~~لدينا خبرا قديما!» # فأدرك الرجل أن موظفه خانه، وسبقه إلى استجلاء أنوار الشمس المشرقة ونعمها، ثم ضحك ~~عليه واستخلص منه خمسمائة فرنك، فاستشاط غضبا ونقمة، وعاد إلى مصلحته، واستدعى ذلك ~~المكير المائن، واندلث عليه. # فأوقفه الموظف عند حده، قائلا: «صه! فإني أصبحت بيكا مثلك!» # هكذا أضاع بسي بك ثمرة سهره ثمانيا وأربعين ساعة، بعدم تجلده على الاستمرار ساهرا. ~~بضع سويعات أخرى! # 2 # وما نشرت المدافع، المطلقة من قلعة الجبل، الخبر في أنحاء العاصمة، وأعلمت سكانها ~~بغروب شمس حياة محمد سعيد باشا، وشروق شمس حكم (إسماعيل باشا)، إلا وأسرع كبار القوم ~~ووجوه البلد وقناصل الدول بمصر إلى سراي هذا الأمير وهنئوه، وتمنوا له ملكا طويلا ~~سعيدا. # وما بزغ نهار الثامن عشر من شهر يناير، إلا وورد إلى العاصمة آخر من كان قد بقي حول ~~سرير الوالي المحتضر في الإسكندرية، وفارقه حالما فارقته الروح، وأسرع هو أيضا إلى ~~سراي الوالي الجديد، ليقدم له فروض عبوديته، ويتلمس من محظوظيته، نعمته. # ولم يبق بجانب جثة من كانت كلمته بالأمس حياة وموتا إلا فرنساوي يقال له: المسيو ~~براڨيه، كان صديق المتوفى الحميم. # 3 # وبينما تعد في مصر معدات الاحتفال بارتقاء الوالي الجديد كرسي أبيه وجده، صدرت ~~الأوامر إلى أولي الشأن في الإسكندرية، بالإسراع إلى مواراة محمد سعيد باشا التراب، ~~لكيلا ينشر الناسور، الذي قتله، الفساد في جثته بسرعة فتذهب الرائحة الكريهة التي قد ~~تنبعث عنه، بالمهابة الواجبة لمقامه السامي، وقضت تلك الأوامر بأن يكون مدفن الوالي ~~المتوفى بجانب مدفن إسكندر المقدوني العظيم ومدافن البطالسة الكرام، إجلالا له، ولكي ~~يكتسب، من ذلك الجوار الساطع، حقا أمام أعين الأجيال المقبلة، في أن تظلله سحابة ~~الفخار المنتشرة حول قبور الصالحين من أولئك العواهل الأماجد. # 4 # فامتثل ذوو الشأن بالإسكندرية تلك الأوامر، ووريت جثة محمد سعيد باشا في مرقده ~~الأبدي، في الروضة المسورة الكائنة في سفح قلعة الديماس بجوار المسجد المعروف بمسجد ms020 نبي ~~الله دانيال - ونودي بالقلعة بمصر بولاية (إسماعيل) ابن أخيه. # فتزينت المدن والبنادر ثلاث ليال؛ وأقيمت الولائم والأفراح، وفرقت سمو الأميرة أم ~~(إسماعيل) الهدايا النفيسة على أرباب الدولة والعلماء والمشايخ، وأقامت الأدعية في ~~المساجد أياما: ورسمت بترميم بعض أضرحة الأولياء والصالحين من مالها الخاص. # 5 # الفصل الثاني # | الأمير (إسماعيل)1 # وإذا رأيت من الهلال نموه # أيقنت أن سيكون بدرا كاملا # هو ثاني ثلاثة أنجال البطل المغوار، والقائد المقدام، إبراهيم باشا، ابن محيي الديار ~~المصرية، الباشا العظيم والغازي المهيب، الأمير (محمد علي) المكدوني مولدا، والمصري ~~قلبا ومطامع وجهادا. # ولد في 31 ديسمبر سنة 1830، على أصح تقدير، في قصر المسافرخانه، بمصر، ومن المؤرخين ~~من يجعل مولده في 15 أو 27 ديسمبر سنة 1827 - من والدة غير والدتي أخويه الاثنين: ~~البرنس أحمد رأفت والبرنس مصطفى فاضل: وتربى في حجر والده وبحياطة جده، في المدرسة ~~الخصوصية التي أنشأها في القصر العيني (محمد علي باشا) لتربية الأمراء أولاده الصغار ~~وأولاد أولاده. # فتعلم (إسماعيل) فيها، على يد نخبة من مهرة الأساتذة، مبادئ العلوم واللغات العربية ~~والتركية والفارسية، ونزرا يسيرا من الرياضيات والطبيعيات. # ولكنه أصيب برمد صديدي، لم تفتأ آثاره، بعد زواله، تؤلم جفونه، وعجز الأطباء بمصر عن ~~مداواته، فأرسل إلى ڨيينا، وهو في الرابعة عشرة من عمره، ليعالج فيها، ويربى، في الوقت ~~عينه، تربية أوروبية. # فقضى هناك عامين تحسنت صحته فيهما تحسنا بينا، وفارق الألم جفونه، فأمر جده ~~بانتقاله إلى المدرسة المصرية في باريس، وهي دار تربية أسسها في تلك العاصمة (محمد علي) ~~عينه - عملا بنصائح فرنساوي يقال له: المسيو چومار - للنشأة المصرية اللبيبة، وأرسل ~~إليها ولديه الأميرين حليم وحسين والأمير أحمد ولد إبراهيم ابنه مع نخبة من شبان مصر ~~الأذكياء، منهم شريف باشا، ومراد باشا، وغيرهما، تحت رياسة وجيه أرمني اسمه اسطفان بك، ~~وإدارة وكيل له اسمه خليل أفندي تشيراكيان. # فانتقل الأمير (إسماعيل) إليها، وهو في السادسة عشرة من عمره، وتبارى على مقاعدها، ~~وفي مضمار تعليمها، مع أذكى أولئك الشبان وأكثرهم نشاطا، وبرع على الأخص في ms021 علم ~~الهندسة وفي فني التخطيط والرسم؛ وأتقن، إتقانا تاما، اللغة الفرنساوية؛ والطبيعيات ~~والرياضيات. # فلما أتم علومه المدرسية، عاد إلى القطر المصري؛ وكان والده الفارس المهيب قد استلم ~~زمام الحكم فيه، وأخذ يظهر للملأ أن كفاءته الإدارية لا تقل عن كفاءته الحربية. # فشرع الأمير (إسماعيل) يتعلم، في مدرسة أبيه الحازم، ضروب الحكم وفنون الإدارة، ويعلل ~~نفسه بالنبوغ فيها، نبوغه في سائر العلوم التي تلقاها، كما أنه أخذ يتشرب لبان الأحكام ~~القائمة على قاعدة التطور طبقا لمقتضيات الأيام. # ولكن المرض، الذي كان قد أنشب أنيابه إنشابا أليما، في أحشاء إبراهيم باشا لم يمهله ~~كثيرا؛ ولم يرحم القطر المصري الذي باتت آماله كلها في تحسين أحواله، وترقية شئونه، ~~وسعادة أيامه، متعلقة بأذيال تلك الحياة الثمينة، فحصد الموت عمر قاهر (نزيب)، بعد عود ~~ابنه الأمير (إسماعيل) إلى مصر بقليل؛ وغادر أولاد ذلك الرجل العظيم الثلاثة، حزانى، ~~كسيري الفؤاد، بالرغم من الثروة الواسعة المخلفة لهم. # وإنما كان حزنهم وانكسار فؤادهم مسببين لهم، أولا: من فقدانهم أبا، قلما جادت بمثله ~~لغيرهم الأيام؛ ثانيا: من تحكم الداء العضال في جسم (محمد علي) العظيم وعقله، بحيث ~~أحرمهم مؤاساته في ذلك المصاب وأعوزهم تعضيده؛ وثالثا: لأن ارتقاء ابن عمهم (عباس ~~الأول) السدة المصرية، مع ما اشتهر عنه من الجفاء لوالدهم جفاء حمل إبراهيم باشا في ~~حياته على إبعاده إلى مكة المكرمة، # 2 # لم يكن من شأنه أن يلهمهم الصبر، ويحل من قلوبهم، محل بلسم العزاء الذي ~~كانت قلوبهم محتاجة إليه. # غير أنهم تقووا وتجلدوا، وبذلوا مجهودهم ليكونوا مع الوالي الجديد على أتم ما يرام من ~~الصفاء. # ولما كان الأمير (إسماعيل) لا يزال يافعا، وقليل الحنكة في الأشغال المالية، عهد ~~النظر في شئون دائرته إلى إدارة خاصة، باشرتها برهة مباشرة لم ترضه الرضا كله، فشمر عن ~~ساعد الحزم والجد وأخذ زمام تلك الإدارة بيده؛ فنجحت أموره نجاحا باهرا، وازدادت ~~ثروته زيادة عظيمة. # وكانت له في الصعيد الأطيان الشاسعة، من التي يزرع فيها قصب السكر وتأتي بمحصول جيد ~~منه، فأقبل على ms022 تحسين زراعتها تحسينا ضاعف محصولها، وأوجد في تلك الأصقاع معملا ~~بخاريا لتكرير السكر، على مثال المعامل الإنجليزية الأولى. # وبينما هو موجه كل اهتمامه إلى أشغاله هذه الخصوصية، ومكب عليها بكل نشاط نفسه ~~النشيطة، إذا بملك الموت نزل مرة أخرى، وقبض بالإسكندرية، بقصر رأس التين، روح (محمد ~~علي) المنزوي عن العالم! # فما واروه التراب في مسجده الرخامي المرمري الذي أنشأه على جبين قلعة الجبل، إلا وقام ~~نزاع بين (عباس) و(سعيد) مبني على اختلاف في تقسيم تركته. # ولما كان الحق في جانب (سعيد)، وكانت مصلحته مصلحة عموم الأسرة؛ وكانت دعاوى عباس من ~~شأنها أن تذهب، فيما لو حققت، بمعظم ثروة البيت العلوي، انحاز سائر الأمراء، وفي جملتهم ~~(إسماعيل)، إلى (سعيد) وأخذوا يقاومون مطامع (عباس) المقاومة كلها. # فكبر النفور بين الطرفين، وبات موقف المقاومين حرجا؛ لأن (العباس) لم يكن يحجم عن ~~ارتكاب جريمة عائلية، والكل كان يعلم أنه حاول قتل عمته، الأميرة زهرة باشا، الشهيرة ~~بنازلي هانم، أرملة محمد بك الدفتردار. لولا أن أهل قصرها تمكنوا من تهريبها. # 3 # ولكن الأمراء، و(إسماعيل) في مقدمتهم، لم يكونوا ليرهبوا سطوة ذلك العاتي، وأخذوا ~~يكاتبون في شأن دعواهم الباب العالي، ملحين عليه الإلحاح الوحيد المفهوم لديه، ~~بإنصافهم. # فوقع في خلد (عباس) الإقدام على عمل يلقي الرعب في قلوبهم ويرعد فرائصهم ويجعلهم ~~يعتبرون بما يجري لواحد منهم، فاتهم الأمير (إسماعيل) بقتل أحد خدمه؛ وأراد أخذه بجريرة ~~تلك التهمة، كأنما قتل خادم كان أمرا ذا شأن في نظر عباس في تلك الأيام. # 4 # ولكن الأمير (إسماعيل) لم يجد صعوبة في دحض تلك التهمة والخروج منها سليما، على أنه ~~اتخذ لنفسه عبرة، واعتبر بها الأمراء كذلك، فقر رأيهم جميعا، على مغادرة القطر المصري، ~~والذهاب إلى الأستانة ليعرضوا أمرهم على السلطان ويستنصفوه من قريبهم المغتصب العاتي، ~~وذهبوا إليها. # فصدرت إرادة السلطان عبد المجيد بإنفاذ فؤاد أفندي - وهو الذي أصبح فيما بعد فؤاد ~~باشا الطائر الصيت - وجودت أفندي - الذي أصبح فيما بعد، جودت باشا، واشتهر بتآليفه ~~التاريخية وغيرها - إلى مصر ليسويا ms023 الخلاف، ويصلحا بين أفراد الأسرة العلوية ~~الكريمة. # فأتيا، ونجحا في مهمتهما، فعاد الأمراء إلى مصر إلا (إسماعيل)، فإنه فضل البقاء في ~~الأستانة على الرجوع إلى قطر يحكمه (عباس)، قطر قد يجد فيه عقارب وحيات تحت ~~قدميه. # فحفه عبد المجيد بعنايته، وأنعم عليه برتبة الباشوية الرفيعة، وعينه عضوا في مجلس ~~أحكام الدولة العلية. # فاشتهر الأمير (إسماعيل) في وظيفته هذه، ببعد النظر وصائب النصيحة، ولبث فيها، والحرب ~~قائمة بين تركيا وروسيا؛ ولم يعد إلى مصر إلا بعد أن قتل (عباسا) في سرايه ببنها ~~العسل، المملوكان اللذان أرسلتهما بهذه المهمة إلى مصر الأميرة نازلي هانم عمته الناقمة عليه # 5 ~~- يوليو سنة 1854. # فولاه عمه محمد سعيد باشا رئاسة مجلس الأحكام المصري الأعلى، فاهتم بشأنه أعظم اهتمام ~~ونظمه على مثال مجلس أحكام الدولة العلية. # وفي سنة 1855، أوفده سعيد إلى أوروبا بمهمة سرية لا يعلم التاريخ ما هي، ولكنه يظنها ~~مختصة بالسعي إلى توسيع نطاق الاستقلال المصري الداخلي، عقب فوز الجنود المتحالفة، التي ~~منها الحملة المصرية، على جنود الروس، فوق ربى بحيث جزيرة القرم، وزوده بكتابين خاصين ~~مرسلين منه إلى الإمبراطور نابليون الثالث وإلى البابا پيس التاسع، ليسلمهما إياهما ~~يدا بيد. # 6 # فقام الأمير (إسماعيل) بتلك المهمة، قياما رفع شأنه في أعين العاهل الفرنساوي والحبر ~~الروماني، وأوجب ممنونية محمد سعيد له. # أما العاهل الفرنساوي فإنه - بعد أن وقف منه على دقائق الإدارة المصرية وحركة تطور ~~المدنية في القطر المصري بالنسبة لتزايد نزوح الجاليات الأجنبية إليه - وعده بالنظر ~~فيما اقترحه عليه من توسيع نطاق الاستقلال الداخلي بمصر في مؤتمر الصلح المقبل، إذا ما ~~وجد إلى ذلك سبيلا. # وأما الحبر الروماني - وكان لشخصه، في تلك الأيام، منزلة سامية: أولا بسبب مركزه؛ ثم ~~للمشهور عن ميوله وفضائله؛ وأخيرا بسبب صداقة نابليون الثالث له - فإنه قبل هدايا ~~ضيفه، بممنونية عظمى، واحتفى به حفاوة فائقة؛ ووعده بمساعدته جهد الطاقة والاستطاعة ~~خيرا؛ ورجاه أن يرفع إلى سدة عمله السنية وصيته بالاكليرس الكاثوليكي والكاثوليكيين ~~المصريين إحسانا. # فلما عاد الأمير (إسماعيل) إلى مصر، وجد ms024 من مظاهر شكر عمه له، ما أثلج صدره، وأنساه ~~مشاق سفره. # وفي مايو سنة 1858، أقام محمد سعيد باشا حفلة حافلة في الإسكندرية - وكانت حفلات ذلك ~~الوالي عديدة فخمة - ودعا إليها جميع أمراء بيته العالي؛ سواء في ذلك الذين كانوا في ~~الإسكندرية، والذين كانوا بمصر أو غيرها من الجهات. # فلبى الأمراء الدعوة؛ وفي مقدمتهم أحمد باشا رأفت أكبر أولاد إبراهيم باشا؛ وحليم ~~باشا أصغر أنجال (محمد علي) واعتذر الأمير (إسماعيل)؛ لأنه كان متوعك المزاج. # وقد كان توعك مزاجه في ذلك الظرف، أمرا ساقه إليه حسن الحظ: فإنه لما انقضت الحفلة ~~عاد الأميران السابق ذكرهما إلى مصر بقطار خاص مع حاشيتهما ورجالهما، فوقعت العربة التي ~~كانت تقلهما في النيل، عند كفر الزيات، فغرق الأمير أحمد باشا ونجا الأمير حليم ~~باشا. # فأصبح الأمير (إسماعيل) ولي عهد السدة المصرية؛ لأنه بات أرشد رجال البيت العلوي بعد ~~موت أحمد باشا أخيه الأكبر. # وقد اختلفت في سبب تلك الكارثة الروايات، فمن قائل: إن الكوبري نسي مفتوحا سهوا ~~فسقط القطار في النيل عندما بلغه؛ لأن السائق لم يتمكن من إيقافه؛ ومن قائل - وهو ~~الأقرب إلى الصدق: لأن كوبري كفر الزيات لم يكن قد أنشئ بعد - إن القطارات كانت، في ذلك ~~العهد، تجتاز النيل عند كفر الزيات، في معدية تنقل عرباتها، ثلاثا ثلاثا؛ مع ترك ~~الخيار للركاب في النزول اتقاء للخطر، أو العبور فيها؛ وإن الأميرين - وكانا معا في ~~عربة واحدة - خيرا فأبيا إلا البقاء في العربة وعبور النهر وهي تقلهما؛ وإن المنوط ~~بهم أمر نقل العربات إلى المعدية دفعوا بعربتهما بقوة إليها إظهارا لنشاطهم وغيرتهم؛ ~~فتدحرجت عنها إلى النهر وغرقت فيه. أما أحمد - وكان بدينا - فلم يستطع الوثوب من نافذة ~~العربة إلى الماء، فأخرج ميتا مخنوقا؛ وأما حليم - وكان خفيف الجسم، متمرن العضلات - ~~فإنه وثب من النافذة إلى الماء واجتازه سباحه. # 7 # ولكن النميمة - وكان ذلك بدء قيامها؛ ولكم حاولت، فيما بعد، تسوء سمعة (إسماعيل) وطمس ~~معالم فخره ومجده - أبت إلا أن تغتنمها فرصة لتنفث عليه وعلى ms025 عمه سعيد سمومها وتحاول ~~تعكير مياه الصفاء، والتوادد بينهما. # 8 # غير أن الأميرين لم يباليا، في نقاوة ضميرهما، بما أذاعته الألسنة الشريرة حولهما، ~~وظهر ذلك جليا في أعمالهما. # فإن محمد سعيد باشا، حينما سافر إلى سوريا زائرا في سنة 1859 (ومكث في بيروت ثلاثة ~~أيام، نزل فيها ضيفا كريما على وجهاء المدينة، وكان في أثناء مروره في الطرقات، ينثر ~~الذهب على الناس)، عهد في قائمقامية الولاية: مدة غيابه إلى ابن أخيه الأمير (إسماعيل)، ~~فدل ذلك على مقدار ثقته به وبإخلاصه. # 9 # كذلك حينما قصد البلاد الحجازية لتأدية فريضة الحج في أوائل سنة 1861، أقامه نائبا ~~عنه وقائما مقامه، وسر جدا من الكيفية التي أدى بها الأمير (إسماعيل) واجبه، وأظهر ~~له امتنانه حين عودته، بتقليده قيادة أربعة عشر ألف عسكري، وبتعيينه سردارا عاما ~~للجيش المصري؛ وعهد إليه في إخماد ثورة بعض القبائل المتمردة على حدود السودان. # فقام الأمير (إسماعيل) بهذه المهمة خير قيام: لأنه تمكن بحسن دهائه وفطنته من تسكين ~~نيران تلك الفتنة بدون سفك نقطة دم واحدة. # 10 # ولما أحس محمد سعيد باشا بأول وخزات الداء الأليم، الذي قضى فيما بعد على حياته، وشعر ~~بأنامله تهدم بسرعة هيكل جسمه القوي، وعزم على السفر إلى أوروبا للتطبب منه، في أواخر ~~صيف سنة 1861، عهد أيضا بالنيابة عنه في كرسي ولايته، إلى ابن أخيه الأمير (إسماعيل): ~~كأنه كان شاعرا أن الموت بات قاب قوسين أو أدنى؛ وأنه يجدر به أن يقدم، لولي عهده، ~~الفرص التي تمكنه من تعلم شئون الحكم، قبل التلبس، لنفسه، بواجبات أعبائه. # غير أن أطباء أوروبا لم يتمكنوا، أكثر من أطباء مصر، من التغلب على داء سعيد العضال، ~~فعاد الرجل إلى مصر، وهو يائس من الحياة، وما لبث أن فارقها غير باك عليها، تاركا ~~ثروته القليلة، نسبيا، لابنه الأمير طوسون وأرملته الأميرة أنجا هانم البديعة الجمال، ~~ومخلفا ملكه لابن أخيه (إسماعيل باشا). # الفصل الثالث # | سمو الوالي (إسماعيل1 باشا) # وإذا سألت عن الكرام وجدتني # كالشمس لا تخفى بكل مكان # وكان عمره، عند ms026 ارتقائه السدة المصرية، اثنين وثلاثين عاما وسبعة عشر يوما: أو ما ~~يقرب من ثلاث وثلاثين سنة قمرية. # فكان، والحالة هذه، في ريعان حياته وظهر أيامه: ناضج الفكر والتصور؛ يانع الجسم؛ ~~ممتلئه؛ زاهر البنية؛ قويها؛ ربعة القامة؛ عريض الجبهة؛ كثيث اللحية والشارب والحاجبين؛ ~~متلألئهما، كأنهما من ذهب الجنيهات؛ وكانت عيناه تتقدان حدة وذكاء مع قليل ميل نحو ~~الحول، من أثر الرمد الصديدي الذي مني به في حداثته، وانجلى عن إبقاء إحدى عينيه أصغر ~~قليلا من الأخرى. # وكان، إذا حادث إنسانا، كسر على عينه اليمنى، وشخص إلى محدثه باليسرى، شخوصا ~~مزعجا، لشدة تألقها: كأنه يريد أن يجتلي أعماق أفكاره، بالنور الساطع المنبعث ~~عنها. # وبلغه، مرة، أن أحد القناصل العامة، قال، بعد مثوله بين يديه ومحادثته وانصرافه: «إنه ~~إنما ينظر بعين ويسمع بالأخرى»، فقال: «وإني لأفكر بالاثنتين معا». # 2 # وكان عظيم الهيبة؛ جليل المقام، ولا غرابة: فإنه ابن (إبراهيم) وحفيد (محمد علي)، ~~والهيبة كانت ميزة كل حركاتهما وسكناتهما، والجلال كان يحف بهما كأنه ظلهما ~~الظليل. # وكان حسن الفراسة؛ يدرك، حالا، ما انطوت عليه سريرة محادثة، ولكنه كان أيضا حسن ~~الظن بالناس، لا سيما بالأجانب وأفراد الجاليات الغربية: فأدى ذلك إلى جملة أضرار ~~أصابته وأصابت بلاده؛ لأن عدد المخلصين إليه الولاء في خدمتهم، من أولئك الأجانب، لم ~~يتجاوز - على كثرتهم - عدد الأصابع. # وكان كبير النفس، عالي الهمة؛ يشعر شعورا عميقا بأن كونه ابن (إبراهيم باشا) الأمير ~~الذي قاتل في قارات العالم القديم الثلاث، ليوطد دعائم ملك مصر، ويوسع نطاقه؛ ثم تمنى، ~~حينما آلت إليه أزمة الأحكام، لو يمن الله عليه بعمر طويل، ليتمكن من السير بمصر، ~~بخطوات واسعة، في مضمار المدنية الغربية والرقي العصري؛ وكونه حفيد (محمد علي)، الباشا ~~العظيم، الذي أخرج مصر من بطن العدم إلى عالم الحياة؛ ومن حضيض الذل إلى عرش السيادة؛ ~~وسدد خطاها في سبيل العمل وميدان الفخار، نيفا وأربعين عاما، يجعلانه محط آمال تاريخية ~~عظيمة يتحتم عليه تحقيقها؛ ويوجبان عليه أعمالا صاعدة، لا مندوحة له من الإقدام ~~عليها. # فوضع ms027 نصب عينيه، حالما انفتح عصر ملكه أمامه، الجري على خطة تجعل التاريخ يضعه في صف ~~جده وأبيه، وينعته بنعتهما، فيقول: (إسماعيل العظيم) ابن (إبراهيم العظيم) ابن (محمد ~~علي العظيم). # وصمم على تنفيذ تلك الخطة، وعدم الحياد عنها، مهما تكاثرت في سبيله العقبات ومهما ~~اضطرته صروف الأيام إلى اللين، مؤقتا؛ والتظاهر بعكس ما يرمي إليه من الأغراض ~~البعيدة. # تلك الخطة كانت ترمي: # أولا: # إلى السير بمصر بصراحة تامة في سبيل المدنية الحديثة؛ والسير بها، ~~بعزم ثابت وقدم راسخة، في جميع تشعبات ذلك السبيل. # ثانيا: # إلى الفوز بالاستقلال السياسي لها. # ثالثا: # إلى النهوض بها إلى مصاف الدول العظمى. # ولكنه كان يعلم أن تحقيق هذه المرامي عن سبيل القوة يكاد يكون محالا: (أولا) لعدم ~~نضوج العقلية العامة في البلاد، نضوجا يساعده على إدراك متمنيات نفسه؛ و(ثانيا) لأن ~~مركز مصر من الدولة العلية ومن الدول الغربية يجعلها أضعف بكثير من أن تحاول، مرة ~~ثانية، تغليب سيفها على سيوف تلك الدول (وما أصاب جده في ذلك كان خير عبرة له). فصمم ~~على تحقيقها عن سبيل الدهاء والإقناع، وبالارتكان على الدولة الغربية التي يتضح له ~~رجحان كفتها في ميزان السياسة العمومية. # غير أن حزب الناقمين على محمد سعيد باشا ميوله إلى الأجانب، واستسلامه إليهم؛ ~~المتوسمين في خلفه إقلاعا عن تلك الميول وعودة إلى المبادئ العباسية ومقتضياتها؛ ~~والمنضمين في أهوائهم حول هذا الحلف، توهما منهم أنه رئيسهم وزعيم حزبهم المعارض لكل ~~إصلاح، لم يكونوا يعلمون ما انطوى عليه ضميره، وصح عليه عزمه. # فظنوا، لما أغمض محمد سعيد جفونه الإغماض الأبدي، أن دورهم قد حل؛ وأن الأوان قد آن ~~للحمل على الجالية الغربية، حملة تزعزع أركانها، وتفني شأنها. # فأضرموا نار الأحقاد والضغائن الدنيئة في قلوب زمرة من السوقة والزعانف ودفعوا بهؤلاء ~~إلى نوع من الفتنة والقيام على الغربيين، وحرضوا ثلاثة من العساكر - ولعلهم كانوا ~~ألبانيين من بقايا أجناد الأرناؤط الثمانية آلاف الذين اتخذهم (عباس الأول) حراسا له، ~~وعزم على تسريح ما تبقى من الجيش المصري ليحلهم في قوة ms028 البلاد العسكرية مكانهم - على ~~إهانة أحد الفرنساويين، والانهيال عليه ضربا بدون سبب، ثم على تطويقه بحبل في رقبته، ~~وسحبه في الشوارع ومحاولة قتله؛ وهم يظنون أنهم يعملون عملا يقع من قلب الوالي الجديد ~~موقعا حسنا. # فهب قنصل فرنسا العام بالإسكندرية مدافعا عن المهان من رعايا دولته، وطالب الحكومة ~~المصرية بمعاقبة الجناة وتقديم المعذرة. # فترددت الحكومة قليلا؛ لأنها لم تكن قد وقفت بعد على نيات الأمير الجديد، ولكن ~~(إسماعيل) أصدر الأوامر حالا بضرب المعتدين ضربة تكون عبرة لأمثالهم، ورادعا ~~لمهيجيهم. # فجردت الحكومة الجناة من رتبهم؛ وأنزلتهم من درجاتهم؛ ونفتهم إلى أقاصي البلاد، ثم ~~أمرت فرقة عسكرية بتقديم التحية إلى الراية الفرنسية، # 3 # فأدرك الرجعيون ساعتئذ خطأهم، وأخلدوا إلى السكينة، ريثما تتهيأ لهم فرص ~~مناسبة، وأمسوا يعتقدون بأن (إسماعيل) ليس رجلهم؛ وأن آمالهم يجب أن تعقد بغيره. # | الجزء الثاني # بزوغ الشمس # الفصل الأول # | إيقاظ الآمال1 # وما زلت تواقا إلى كل غاية # بلغت بها أعلى البناء المقوم # غير أنه لم يكن من مصلحة (إسماعيل) ولا من مصلحة البلاد أن ينفر رجال ذلك الحزب؛ ~~لأنهم، وأن لم يكن يرجى منهم نفع مطلقا، لانغلاق عقولهم دون أشعة كل نور من أنوار ~~التطور الاجتماعي، كانوا قادرين على تعكير مياه التفاهم بين مصر والأستانة، وذلك ~~التعكير لم يكن مرغوبا فيه، بل كان المرغوب فيه عكسه لنجاح سياسة الدهاء التي عول ~~(إسماعيل) على اتباعها في تحقيق أمنيات نفسه. # لذلك، فإنه، بعد أن انقضت مراسم التهاني بارتقائه سدة جده وأبيه، صرح بعزمه على ~~السفر إلى الأستانة العلية لتناول فرمان التولية فيها، اقتداء بأبيه (إبراهيم) وعملا ~~بنصوص فرمان سنة 1841. # فأقام حليم باشا عمه مقامه في غيبته؛ وسافر إليها، ومثل بين يدي السلطان عبد العزيز - ~~وكان قد أخلف، منذ أقل من سنتين، أخاه عبد المجيد على عرش آل عثمان - فلقي منه كل حفاوة ~~وإكرام وقلده السلطان بيده أفخر نياشين الدولة فوق تقليده إياه إمارة مصر. # فاغتنم (إسماعيل) فرصة فيض هذه التعطفات، والتمس من عبد العزيز التنازل إلى زيارة ~~القطر المصري؛ فوعده ms029 السلطان بذلك عاجلا؛ فشكر وعاد راضيا محظوظا. # ولما وصل إلى الإسكندرية وقابله جميع قناصل الدول وكبار رجال الجاليات الغربية ~~ليهنئوه بسلامة الإياب وفرمان التولية، ألقى على مسامعهم خطابا نفيسا، كان بمثابة ~~إعلان للخطة التي رسمها لنفسه، فيما يختص بإدارة مصر الداخلية، وهاك نصه: # 2 # يا حضرات القناصل # إني أشعر شعورا عميقا بالواجب الذي وضعه الله سبحانه وتعالى على عاتقي ~~باستدعائه المرحوم عمي إلى جواره وانتخابه إياي لتولي زمام الأحكام المصرية، ~~وإني آمل في ظل صاحب الجلال الهمايوني السلطان الأعظم أن أقوم قياما حسنا ~~بأداء ذلك الواجب. # وإني موطن العزم توطينا حقا، يا حضرات القناصل، على تخصيص كل ما أوتيت من ~~ثبات وهمة لترقية شئون القطر الملقاة تقاليد حكمه إلي، وإنماء رخائه. # وبما أن أساس كل إدارة جيدة إنما هو النظام والاقتصاد في المالية فإني ~~سأجعلهما نبراسي في كل أعمالي، وأعمل على توطيد أركانهما بكل ما في ~~وسعي. # ولكي أقدم مثالا صالحا للجميع ودليلا محسوسا على إرادتي هذه الأكيدة فإني ~~قد عزمت منذ الآن على ترك الطريقة المتبعة من أسلافي، وعلى تقرير مرتب سنوي لي، ~~لن أتجاوزه أبدا، فأتمكن بذلك من تخصيص عموم إيرادات القطر لإنماء شئونه ~~الزراعية وتحسينها. # وإني قررت أيضا إلغاء طريقة السخرة المشئومة، التي اتبعتها الحكومة دائما ~~في أشغالها، والتي هي السبب الأهم، بل الأوحد، الحائل دون بلوغ القطر كل النجاح ~~الذي هو جدير به. # وإني لمتيقن أن التجارة الحرة ستجد فائدتها ومصلحتها في هذه الإجراءات، فتنشر ~~الرخاء وتعممه بين جميع الطبقات من الأهالي والسكان. # أما التعليم، وهو أس النجاح والرقي؛ وإقامة معالم العدالة بقسطاس حق، وهي ~~محور كل أمن؛ فإني سأخصهما بفائق عنايتي، فينجم عن النظام في المالية والإدارة؛ ~~وعن توزيع العدالة توزيعا لا تشوبه شائبة، زيادة في سهولة المعاملات، وضمانة ~~لسلامتها بين الأوروبيين والقطر. # وإني آمل، يا حضرات القناصل، أن أجد منكم اقتناعا بهذه العواطف التي تملأ ~~فؤادي، وإقبالا على وضع أيديكم في يدي بإخلاص، لنعمل معا في سبيل نير، على ما ~~فيه خير البلاد وساكنيها. ms030 # 3 # فكان لهذا الخطاب وقع حسن، ليس فقط عند سامعيه، بل في عموم الأرض المصرية، وفي ذات ~~البلاد الخارجية؛ وتيقن الجميع أن الملك الجديد البازغ فجره، يحمل في طيات مستقبله ~~سعادة، قلما حلمت الأقطار الشرقية بمثلها. # وكان فرديناند دي لسيبس، صاحب مشروع ترعة السويس، خائفا على مشروعه انقلابا في ~~الوالي الجديد، وانحرافا كان قد هول به كثيرون حوله، فرأى (إسماعيل) أن يسري عنه ~~مخاوفه، ويسكن مخاوف الشركة العالمية القائمة بذلك المشروع مع إبقاء يديه حرتين في ~~المستقبل. # فاغتنم فرصة وجود فرديناند في زمرة القناصل العامة المحيطين بشخصه في تلك الحفلة ~~الرسمية التاريخية، وقال له على مسمع من الجميع: إني، يا مسيو دي لسيبس لأرى نفسي غير ~~جدير بالملك إذا لم أكن قناليا أكثر منك، وإنك، لو كنت والي مصر، وأنت رئيس شركة ~~القنال، لما فعلت في مصلحتها، بالأستانة، أكثر مما فعلت أنا. # 4 # فبدد، بذلك، سحابة الوهم التي كانت قد غشيت أفكارا كثيرة؛ وتمكن، بباكورة أعماله هذه ~~التي سردنا تفاصيلها، من بلوغ غايتين معا: (الأولى) المحافظة على وداد الرجعيين ~~ومحبيهم؛ و(الثانية) اكتساب ثقة الأوروبيين وإعجابهم به. # أما شعبه فكان فرحا به، فرحا بتوليته، ولا فرح الصبي بيوم العيد. # الفصل الثاني # | زيارة السلطان عبد العزيز للديار المصرية1 # كانت زيارتكم هذي لنا أملا # واليوم قد بلغ الآمال راجيها # وبينما الملأ في القطر لا يزالون يتحدثون بسفر سمو الوالي إلى القسطنطينية، والحفاوة ~~التي قوبل بها هناك، والإكرام الذي ناله؛ وبما اشتملت عليه الخطبة الرسمية من بدور سعد ~~تسطع في سماء البلاد؛ وبينما الكل يشاهدون بدء تحقيق الخطة التي رسمها لنفسه في ذلك ~~الخطاب، فيما أصدره من الأوامر إلى وزارة المالية بتخصيص مبلغ ستين ألف كيس (أي: ما ~~ينوف قليلا على سبعة عشر مليونا ونصف من الفرنكات) بصفة مرتب سنوي له، لن يتعداه، ~~وصرف كل ما يزيد على ذلك في مصالح البلاد - إذا بخبر دوى في وادي النيل جعله يهتز طربا ~~من أعلاه إلى أقصاه، وجعل عيون عموم العالم الإسلامي تتجه إليه، وتنظر نظرة ms031 إجلال ~~وإعظام إلى العاهل الحاكم فيه. ذلك النبأ إنما كان تحرك الركاب السلطانية العثمانية إلى ~~زيارة الديار المصرية، والبر بالوعد الذي وعد (عبد العزيز) تابعه به. # وإنما كان لذلك النبأ، ذلك الوقع العظيم؛ لأنه منذ أن فتح السلطان سليم خان الأول ~~القطر المصري وأضافه إلى ممالكه الشاسعة الأرجاء، وبارحه بعد أن أقام فيه حكومته ~~المملوكية المزدوجة، التي كانت من أكبر أسباب فقره وتعاسته، لم تطأه قدم سلطان عثماني ~~مطلقا؛ ولا وقع في خلد أحد أن خليفة الإسلام يأتي إليه ليزوره، بعد أن فارقت الخلافة ~~العباسية ربوعه؛ ولأنه منذ أن أغمض الموت جفون السلطان مراد خان الرابع في سنة 1630 لم ~~يرو عن سلطان عثماني مطلقا أنه فارق عاصمة ملكه، لا لجهاد تقي ولا لتفقد أحوال رعيته، ~~ولا لزيارة غيره من عواهل الدنيا وملوكها. # فلم يكد العالم يصدق ذلك النبأ، لولا أنه رأى من تحقيقه ما قطع قول كل متكهن وبدد ~~الشك من جميع الصدور. # ففي يوم الجمعة، ثالث أبريل سنة 1863 - وكانت الجمعة المقدسة عند الطوائف الغربية - ~~ركب السلطان عبد العزيز ومعه ابنه الأمير يوسف عز الدين، ووزيراه فؤاد باشا وزير ~~الحربية ومحمد باشا وزير البحرية، وغيرهما من كبار موظفي الدولة والمابين والخاصة ~~السلطانية، اليخت الفخم (فيض جهاد)، بعد أن تبرك بدعاء والدته السلطانة المعظمة؛ وركب ~~كل من الأمراء الفخام مراد أفندي وحميد أفندي ورشاد أفندي أولاد أخيه المرحوم عبد ~~المجيد، الفرقاطه (مجيدية)؛ وركب وراءهم جمهور عديد من الياوران والضباط والموظفين ~~والجنود سفنا عثمانية أخرى؛ وأقلع الجميع من الأستانة إلى مصر. # فمروا بغليبولي في اليوم الرابع من أبريل - وكان يوم سبت النور - فأطلقت طوابي الشاطئ ~~الأوربي وطوابي الشاطئ الأسيوي مائة مدفع ومدفعا، إجلالا وتعظيما لاجتياز الباديشاه ~~العثماني وأمراء بيته السلطاني مياه الدردنيل. # وما بلغ اليوم السابع من أبريل ضحاه، إلا ووصل الأسطول المجيد إلى عرض بحر ~~الإسكندرية، فتجلت لهم هذه المدينة، وهم في البعد، كأنها العروس المنتظرة ساعة ~~الزفاف. # فدنوا منها في جهة مرفأ رأس التين، وأعين قاطني السراي شاخصة ms032 إليهم، وقلوبهم مختلجة ~~سرورا؛ وروح (إسماعيل) تستمرئ لذة المطمع المحقق. # فلما أضحوا من البوغاز، بحيث يشرفون على جميع دائرته الشاسعة بأنظارهم، رأوا السفن ~~مكتظة فيه، والأعلام العثمانية تخفق فوقها، وترفرف في جميع فضاء الساحل المنظور. # فما زالوا يتقدمون، حتى إذا بلغوا أقرب نقطة في البحر تستطيع السفن البخارية الرسو ~~فيها، أطلقوا مدافع أسطولهم تسليما على الأرض المصرية. # فدوت المدافع من الطوابي المحيطة بالمدينة، إيجابا وإجلالا؛ وملأ الفضاء صدح ~~الموسيقات العديدة من عسكرية وغيرها المصطفة على الشاطئ، وارتفعت أصوات الجم الغفير ~~المحتشد المزدحمة أقدامه على الساحل، ضاجة. عاجة - وقد مزجت التحية السلطانية بالتحية ~~الأميرية - وصائحة: «بادشاهمز چوق يشا» و«أفندمز چوق يشا» معا. # ونزل (إسماعيل) ومعه عمه حليم باشا وغيره من أكابر رجاله، في زورقة الفخم تحيط به ~~انبعاثات ذلك الفرح العمومي، وسار قاصدا اليخت السلطاني لتهنئة متبوعة الأعظم بسلامة ~~الوصول، وتقديم فروض الاحترام والأجلال له، وللسلام على ضيوفه الكرام ~~واستقبالهم. # فقبل يد السلطان، وصافح باحترام وانحناء أمراء البيت العثماني؛ ثم حمد وشكر ودعا ~~دعاء صالحا. # فوجد من لدن عبد العزيز حفاوة فائقة؛ وإكراما جديدا: فإن مدافع الأسطول العثماني ~~أرسلت طلقاتها، مرة أخرى، إجلالا له، وأقبل السلطان عليه، وقلده بيده سيفا مرصعا، ~~كأنه يريد تثبيت توليته الرسمية، عسكريا، ثم أبقاه في ضيافته ساعة وأكثر، أظهر له في ~~خلالها ما ضاعف سروره وزاد إخلاصه. # ثم سار الجميع إلى الزوارق المعدة لهم، فتخلى السلطان عن زورقه الخاص إلى الأمراء ~~حميد ورشاد وعز الدين، وركب هو زورق الوالي بمعية مراد و(إسماعيل). # ونزل الباقون في الزوارق الأخرى، والمدافع تدوي من البحر والبر؛ والموسيقات تصدح؛ ~~والأصوات تضج؛ والدعوات تتعالى، وساروا قاصدين سراي رأس التين العامرة في وسط مظاهر ذلك ~~الاختفاء العام المستمر. # وكان في انتظارهم، أمام باب السراي، فرقة كاملة من الجنود المصرية مصطفة على الرصيف، ~~ومرتدية أفخر ملابسها العسكرية، فرفعت سلاحها حالما مست أقدامهم الأرض المصرية، وقدمت ~~لهم تحيتها العسكرية؛ ونادى جنودها بأعلى أصواتهم، وسلاحهم يتصلصل: «بادشا همز چوق يشا» ~~- وهي التحية التي كانت تدوي الآفاق ms033 بها في ذلك اليوم. # وكانت سراي رأس التين قد أعدت إعدادا فخما لنزول الركاب السلطانية فيها. # فوجد عبد العزيز من زخرفها ورياشها والبذخ المنتشر في جميع أثاثها، ومن أسباب الراحة ~~والهناء كلية كانت أم جزئية، المتوفرة في كل جهاتها، ما أوجب إعجابه (بإسماعيل) وضاعف ~~تقديره للثروة المصرية. # وبعد أن استراح، وتناول طعام الغداء - وكان شيئا فاخرا يفوق وصف كل واصف، وقدم ~~باستمرار على مائدتين: إحداهما في السلاملك، للسلطان وأمراء بيته؛ والأخرى في دار ~~الحريم، للحاشية والمعية والمابين؛ ثم استراح ثانية - أخذ يحدق بنظره، من نوافذ ~~السلاملك المفتوحة، بالأعمال المدهشة التي خلقتها إرادة (محمد علي) الباشا العظيم، من ~~العدم؛ ويعجب بها إعجابا عظيما، ثم طلب إلى (إسماعيل باشا) أن يقص عليه كيف تمكن ذلك ~~الجد الكبير من إتمام ما تم على يديه. # فقص عليه (إسماعيل) كيف أن (محمد علي) - في بلد كانت تعوزه كل الوسائل ما عدا يد ~~الإنسان، وكانت كل الآراء فيه مجمعة على معارضة آرائه؛ وسدول الجهل وشبح الهمجية مخيم ~~على ربوعه - قد أنشأ كل تلك المعجزات في أقل من ثمان سنوات، كيف أنه - بعد أن أضاع أكثر ~~من سنة، وأنفق مليونا ونيفا من النقود لإيجاد الترسانة - اتضح له من الأدلة التي ~~أقامها أمامه سريزي بك المهندس الفرنساوي (بالرغم من أنه قدم إلى خدمته مصحوبا بتوصية ~~ضئيلة) أن جميع مجهودات شاكر أفندي رئيس أعماله التركي، لن تجدي نفعا، لمخالفتها ~~للأصول؛ فأوقف حالا سير تقدمها؛ وضرب صفحا عن المبالغ الطائلة التي صرفت سدى وشرع، ~~بدون أدنى إبطاء، في تنفيذ تصميمات ذلك الفرنساوي الحكيم، وكيف أنه - بالرغم من كل ~~الصعوبات القائمة في سبيله - حفر الحوض اللازم لترسانته؛ وأقام المخازن والمعامل فيها ~~وحولها؛ وبنى أسطوله العظيم المؤلف مما يزيد على خمس وثلاثين قطعة مشتملة على أكثر من ~~ألف وخمسمائة مدفع بالرغم من عدم وجود الخشب والحديد لديه، وكيف أنه أوصل ماء النيل إلى ~~الإسكندرية، بحفر ترعة المحمودية التي يرى مصبها أمامه؛ وبحفره إياها بدون آلات ومعاول، ~~بل بمجرد أيدي الفلاحين وأصابعهم، لعدم ms034 وجود تلك الآلات والمعاول في البلاد، وكيف أنشأ ~~سراي رأس التين والطوابي الحصينة التي تدرأ عنها وعن الساحل تعديات كل عدو، والتي وضع ~~رسمها وقام بتنفيذها المسيو دي سريزي عينه، وكيف أقام المنارة الشاهقة، هدى للسفن ~~والجاريات، لئلا ترتطم بالصخور القائمة عند مدخل البوغاز. # وقص عليه أيضا كيف تم في عهد عباس، وبالرغم من إرادته، مد خط السكة الحديدية بين ~~الإسكندرية ومصر على يد شركة إنجليزية فكرت في مده حالا بعد النجاز من مد السكة ~~الحديدية بين لندن وليڨربول؛ إذ لم يكن قد مد من ذلك شيء في معظم البلاد الأوروبية ~~الأكثر حضارة. # فارتاحت نفس عبد العزيز إلى أحاديثه وتاقت إلى استعادتها والتوسع فيها، لا سيما فيما ~~كان منها خاصا بالمحمودية والسكة الحديدية؛ لتيقنه من أن الترع والسكك الحديدية، ~~بصفتها أهم طرق المواصلات بين البشر، أهم ما يستطيع حاكم بار برعاياه وملكه الإقبال على ~~الإكثار منها في دائرة بلاده. # ولما غربت الشمس وهبطت حرارة النهار، وانسدلت ظلال الغسق خرج البادشاه من سراي رأس ~~التين، في أفخر عربات القصر المكشوفة، تجرها أربعة جياد مطهمة ناصعة البياض، ويتقدمها ~~ثمانية عداءون بملابسهم المزركشة بالذهب، ونفر يسير من الحراس المرتدين ملابسهم الحمراء ~~الساطعة؛ واجتاز - و(إسماعيل) على يساره، والعربات المقلة أمراء البيتين العثماني ~~والعلوي تتلو عربته الفاخرة - شارع رأس التين، فشارع الميدان، فشارع نوبار، فالمنشية ~~وباب رشيد، وقد اكتظت كلها بالمتفرجين وقوفا على جانبي الطريق، وتزينت بالرايات ~~والأعلام الخفاقة، وازدانت بالأنوار المتألقة. # أما في الشوارع الآهلة بالسكان الوطنيين، فإن الرعايا كانوا واقفين على حافات ~~حوانيتهم، المزينة بالبيارق، وقفة الخاشعين، يهتفون بملء أصواتهم «بادشا همز چوق يشا» ~~وإذا ما دنا منهم الموكب يكادون يسجدون عبادة أمام جلالة الخليفة الفائت بينما أناس ~~منهم ينثرون الورد والزهور في طريق الموكب، أو ينشرون في الهواء دخان البخور العطر ~~ويحرقون العود والند، وجوقات موسيقية واقفة على بعد مائة متر الواحدة من الأخرى، تصدح ~~بأطرب الأنغام فتشنف الأسماع وتشجي القلوب. # ولم يكن من نساء ولا أولاد إلا في نوافذ البيوت وعلى ms035 أسطحة المنازل، حيث كانت تزدحم ~~الرءوس البيضاء والرءوس السوداء وتدوي الزغاريد والتهاليل. # وأما في الشوارع الآهلة بالأجانب، ولا سيما المنشية، فإن القبعات كانت تلوح في ~~الهواء؛ وصيحات الابتهاج تملأ الفضاء؛ ويقتدي الأهالي بالغربيين فيصيحون معهم ويفوقونهم ~~بأصواتهم، ويجتهدون في أن يظهروا لسلطانهم بحركاتهم وأنظارهم، مقدار الحب والإخلاص ~~اللذين تكنهما قلوبهم له؛ بينما السيدات ينثرن من النوافذ باقات الزهور والرياحين أو ~~يرفرفن بمناديلهن في الفضاء، وكانت الزينات يأخذ سناها بالأبصار، وعلى الأخص الزينة ~~التي أقامها الكونت زيزينيا عند مدخل المنشية. # فلما فرغ السلطان من المرور عاد إلى سراي رأس التين من الطريق التي أتى منها بين ~~مظاهر الإجلال والتعظيم. # وما استقر في قاعة جلوسه إلا وتألق حوله البر والبحر بالأنوار المختلفة الألوان ~~البهية الأشكال؛ ودوت في الآفاق الألعاب النارية المتنوعة الأوضاع، وأخذت تتساقط، أمام ~~نوافذه، بأشكال أهلة وبدور ونجوم، يأخذ سناها بالأبصار؛ واستمرت الحال كذلك حتى بعد ~~منتصف الليل. # فلما كان اليوم التالي (يوم الأربعاء ثامن أبريل) حوالي الساعة العاشرة صباحا، ~~استقبل السلطان، وبجانبه (إسماعيل باشا) وفؤاد باشا، قناصل الدول العامة القادمين ~~للتهنئة بسلامة الوصول؛ وألقى عليهم خطبة جميلة، أعرب لهم فيها عن سروره بما رآه من ~~أسباب العمران في القطر المصري الذي هو إحدى ممالكه الشاهانية؛ وعن نياته الطيبة، ~~البارة برعاياه التي يرجو الله أن يمكنه من تحقيقها. # فترجم فؤاد باشا الخطبة لهم، فشكروا السلطان على ما تفضل به من مقابلتهم وخرجوا ~~وألسنتهم تلهج بالثناء على مقاصده ونياته. # ولما كانت ساعات العصر، خرج عبد العزيز و(إسماعيل) وأمراء البيتين العثماني والعلوي ~~وجميع رجال حاشيتهما للتفرج على قسم المدينة الغربي ، وساروا بعد ذلك بجانب ترعة ~~المحمودية، وبعد أن استراح السلطان في بستان البرنس حليم (وهو الذي عرف، في أيامنا، ~~بسراي نمرة 3 التي كانت مخصصة لسكنى الغازي أحمد مختار باشا قبل سنة 1914؛ إذ كان ~~مندوبا ساميا للدولة العثمانية بالقطر المصري) ولقي من احتفاء البرنس حليم بجلالته ~~ما استوجب محظوظيته منه ثم عاد إلى سراي رأس التين؛ وقضى ليلته في راحة وهناء كما ms036 قضى ~~الليلة السابقة، والمدينة كلها حوله أنوار وأفراح وتهاليل وزغاريد. # وفي يوم الخميس (تاسع أبريل) اجتاز، بمركبته المفتوحة، المدينة مرة أخرى، فقابلته بما ~~قابلته به المرة الأولى، وتوجه إلى المحطة، حيث كان في انتظاره القطار المعد لركوبه، ~~ليقله إلى مصر عاصمة الديار، ولم يكن قد رأى قبل ذلك قطارا، فاستوقفت أنظاره آلاته ~~وعدته؛ وأهاجت فيه عواطف حب الاستطلاع - وكانت قوية في قلبه. # فأخذ يستفهم ويستفسر عن كل ما يرى؛ فتقدم إليه ناظر المحطة ومهندس القاطرة بكل بيان ~~شاء وإيضاح طلب والإيضاحات التي سأل عنها، حتى إذا أتت الساعة الحادية عشرة، صعد إلى ~~صالونه الخاص، وجلس (إسماعيل) وفؤاد باشا في مقعد آخر مجاور ليكونا تحت طلبه، وركب باقي ~~الأمراء العثمانيين والعلويين في عربات القطار الأخرى؛ وكذلك رجال الحاشيتين، فسار بهم ~~القطار يقطع سهول الوجه البحري، والراكبون يتحادثون بما توجبه المناظر الممتدة أمامهم ~~من مواضيع الحديث، حتى إذا بلغ بهم القطار كوبري كفر الزيات الفخم، أخذ الكل يعجبون ~~ببنائه، ويعظمون من شأنه، ويبالغون في تقدير نفقاته، واستفهم السلطان عنه من (إسماعيل) ~~فقال: إنه بلغ ما يزيد على السبعة ملايين من الفرنكات، وأخذ البرنس حليم يقص على من معه ~~في المقعد حكاية نجاته من الموت في حادثة سقوط القطار في النيل، منذ خمس سنوات ~~تقريبا. # ولما مروا على طنطا، ورأوا ازدحام الأقدام على محطتها، ونظروا مآذن الجامع الأحمدي ~~تعلو في آفاقها؛ طلب عبد العزيز بعض إيضاحات عنها وعن أهميتها فأجابه (إسماعيل) إلى ~~طلبه، وقص عليه ما يعمل فيها أيام المولدين الأحمديين الأصغر والأكبر. # وحكى له على سبيل الفكاهة كيف أن نساء الريف المجاور - حينما جعل (محمد سعيد باشا) ~~الخدمة إجبارية على الجميع - تجمهرن حول سرايه بطنطا وأخذن يصحن ويصخبن وبلغ من بعضهن ~~الحمق مبلغه، فأقبلن بعصي في أيديهن على جدران مسجد مجاور يضربنها صائحات: «خذ! هذا ~~جزاؤك، أيها الظالم، الذي تريد انتزاع أولادنا منا!» بينما (سعيد باشا) - وكان مصابا ~~برمد في عينيه، وقد استفهم عن سبب اللجاج والهرج الواصلين إلى أذنه، وعلمه - يقهقه ms037 ~~ويكاد يستلقي على ظهره من كثرة الضحك؛ وكيف أن إحدى تلك النساء لمحت ناظر المحطة ~~الفرنجي واقفا على رصيفها القريب من القصر فنادت زميلاتها وأشارت إليه قائلة: «هاكن ~~النصراني الذي يسير أولادنا في عربات النار، هلم لننتقم منه!» فتحول تيار سخطهن صوب ذلك ~~المسكين وهجمن عليه كمجنونات، غضابى، وهن يصحن: «لنقتلنه! لنقتلنه!» ففر الرجل من ~~وجوههن، هائما خائفا؛ واقتفين أثره؛ وركبن خلفه كأنه الصيد وهن السلوقية، وما زال ~~يجري وهن يطاردنه حتى وصل باب سراي الأمير، فاقتحمه خائفا منذعرا، وبعد أن أوصده ~~وراءه صعد وسقط على قدمي سعيد هاتفا: «أنقذني يا مولاي» وأخبره الخبر، فكاد سعيد يغشى ~~عليه من الضحك، ولم يعد يستطيع جمع أجزاء جسمه المترجرج. # 2 # ولما بلغ القطار براكبيه كوبري بنها، ورأوا، من خلال النوافذ، السراي الفريدة التي ~~أقامها عباس باشا، عند أحد تعاريج النيل، في نقطة تجتلي عين الناظر منها مساحة من ~~الأفق، قلما يضارع جمال أي منظر في العالم، جمالها الطبيعي، تمثلت أمام أعينهم الفاجعة ~~الرهيبة التي قضت على حياة ذلك الوالي، في أعماق تلك السراي، المهملة منذ ذلك الحين - ~~فسرت في أجسامهم قشعريرة كأنهم يرونها تمثل من جديد؛ وتخيلوا الألفي بك، محافظ مصر، ~~آتيا منها مرة أخرى؛ داخلا ذلك القصر الدامي؛ مخرجا منه الجثة الهامدة، مرتدية ~~ملابس الجسم الحي: مجلسا لها في صدر العربة - كأن عباسا لا يزال العاهل الحاكم، وكأنه ~~لم يمت - آمرا الحوذي، الذي كان يجهل كل شيء، أن يسير إلى مصر؛ داخلا العاصمة، وهو ~~جالس في تلك العربة على يسار جثة الوالي القائمة - كأن الموت لم ينزل على عرش مصر منذ ~~سويعات؛ متخذا كل استعداد وحيطة لحرمان محمد سعيد باشا ولي العهد الحقيقي من ميراثه ~~وإقامة إلهامي باشا الغائب في الأستانة مكان عباس أبيه. # وقص (إسماعيل) على عبد العزيز كيف أن قناصل الدول عارضوا الألفي بك فيما أراد فعله ~~واحتجوا عليه، فلم يتم له ما نوى، واستتب الأمر لمحمد سعيد، فبلغ من رعب ذلك الرجل، ~~بالرغم من تأكيدات الوالي الجديد الطيب ms038 القلب له، بأنه قد صفح عنه وغفر له زلته، أنه، ~~حالما دوت في أفق مصر، أول طلقة من المدافع المؤذنة بتولية سعيد، وقع مغشيا عليه ~~وفارق الحياة. # 3 # وبينما القطار واقف بالمسارفين ببنها، لمحوا على أحد أرصفتها، القطار القائم إلى ~~الزقازيق. # فسأل السلطان (إسماعيل) عن الوجهة التي يقصدها ذلك القطار، فأجابه بإيضاح واف، ~~واستطرد الحديث إلى التكلم عن السويس وترعتها، واغتنمها فرصة ليبذر بذور أغراضه الخفية ~~في الأذن السلطانية، حتى إذا ما جاءت الأيام، التي يرى إظهار تلك الأغراض فيها، يكون ~~السلطان مستعدا لتعضيده في إنجاحها. # وبعد ما فارقوا بنها وأخذوا يقتربون من مصر؛ وبدأت قمم الأهرام العظيمة تبدو في البعد ~~كأنها تناطح السحاب، مجللة بثوب العثير الدقيق الذي تلحفها به الرياح الهابة على ~~الصحراء حولها، دارت الأحاديث على ماضي مصر المكنون وعلى الأعمال القديرة المعجزة، التي ~~تمت فيها على أيدي فراعنتها الأماجد، وأحس (إسماعيل) في تلك الحظة، بأن هاجسا قام في ~~قلبه يحدثه بأن ملكه معد ليعيد مجد العصور الفرعونية التي دالت؛ ويسر له قائلا: «إن ~~التاريخ سيقيمك في مصاف أكبر أولئك الفراعنة مجدا وفخارا». # ولما قارب القطار طوخ، تحول الحديث إلى القناطر الخيرية التي أنشأها الباشا العظيم ~~على مفرقي النيل: فأجمع الكل على اعتبارها مضارعة، في العظمة، لأعظم ما خلقته إرادة ~~فراعنة القدم؛ وزائدة، في الفائدة، على كل ما أوجده أولئك القديرون، ولم يكن (مرييت) ~~و(بروجن) و(ماسبيرو) قد أماطوا، بعد، حجاب السر عن تاريخ الأسرة الثانية عشرة الرفيعة ~~الشأن، أسرة أزرتسن وأمنمحعت، بانية اللابرنت، ومحتفرة خزان ميريس. # وهكذا مرت على المسافرين الساعات، وهم لا يشعرون بمرورها، حتى وقف القطار بهم أخيرا ~~بالقرب من قصر النيل. # فنزل السلطان، واستراح هنيهة، في المحل الفخم المعد له؛ وكذلك أمراء بيته الكرام؛ ~~وأقام الجميع هناك إلى أن تجهزت المعدات التي صدرت الأوامر بها. # فلما سدل المساء سدوله، سار الموكب السلطاني من قصر النيل إلى سراي القلعة عن طريق ~~شارع كوبري قصر النيل؛ فباب اللوق؛ فحسن الأكبر؛ فغيط العدة؛ فباب الخلق؛ فتحت الربع؛ ms039 ~~فالدرب الأحمر - وهذه الشوارع بحاراتها ودروبها وسككها وعطفاتها مزينة بأبهى زينة؛ ~~متألقة بأجمل الأنوار؛ مكتظة بأناس من مختلف الأمم والملل والنحل؛ ممتزجين، امتزاجا ~~يقر العين، ويشرح الصدر؛ هاتفين بالتحية السلطانية - وكان قد تقرر أن لا يهتف بغيرها، ~~إجلالا لصاحبها، على طول الطريق؛ ومظهرين من عواطف الولاء والإخلاص والعبودية ما تحار ~~له العقول والألباب؛ ناثرين الزهور؛ حارقين البخور؛ مكبرين؛ مهللين؛ وقد انتشرت بينهم ~~الچوقات الموسيقية على أبعاد قليلة بعضها من بعض صادحة بالسلام السلطاني، بينما النساء ~~والأولاد قد انعقدت عناقيدهم فوق السطوح وفي النوافذ وعلى درجات الجوامع والمساجد ~~والزوايا الخارجية وفي نوافذها، والجميع يدعون للسلطان كل بلسانه، وكيفيته الخاصة وعلى ~~طريقته المعتادة. # وكان السلطان شيقا، وكذلك من معه، إلى رؤية تلك القلعة الشهيرة، وسرايها التاريخية؛ ~~لازدحام تذكارات التاريخ حولهما من أيام صلاح الدين وبيبرس وقلاوون وبرقوق وقايتباي إلى ~~أيام سليم خان وبونابرت ومحمد علي؛ لا سيما ما كان من تلك التذكارات لا يزال حاضرا ~~بالأذهان. # وكانت سراي القلعة قد أعدت لنزول الضيوف الكرام فيها، إعدادا شبيها بما يروى عن ~~مثله في كتاب ألف ليلة وليلة، مما لم يكن يستطيع القيام به إلا سلاطين الجن. # فما ارتاح السلطان في مخادعه، ومرت أمام عيني مخيلته، أشخاص العظماء الذين سبق وجودهم ~~في تلك الأماكن وجوده فيها؛ ثم تناول طعام العشاء، وكان أفخر ما تتلذذ به الأذواق، ~~وتستمرئه الألسنة؛ كثيرا وفيرا؛ ممدودا على عدة موائد للآكلين، إلا ودوت حوله الآفاق ~~بالمدافع المؤذنة بصلاة العشاء - وكان (إسماعيل) قد أمر أن تضرب عند حلول كل وقت من ~~مواقيت الصلاة، لكي يكون الشعور عاما بأن أيام إقامة الخليفة بمصر لأيام أعياد مباركة ~~- وعلت ضجة المدينة العظيمة، حافلة بالدعوات الصالحات؛ عاجة بالهتاف: «باديشا همز چوق ~~يشا». # وما هي إلا لحظة، وتألقت الزينات، وأشعلت ألعاب النار، وشقت السواريخ كبد السماء؛ ~~وانتثرت الأهلة والنجوم منها متباينة الألوان في الفضاء؛ وبرزت المدينة كلها تسطع في ~~جميع جهاتها بالأشعة المنبعثة إليها من كل صوب. # فتقدم السلطان إلى حيث استجلت أنظاره أرجاء القاهرة بأسرها، ms040 هذه القاهرة الثملة فرحا ~~بتشريفه أرضها، فمتع عينيه بذلك المنظر الشائق - وكان الليل قد كساه ثوبا خياليا ~~يلعب باللب ويسكره - وأحس في صميمه بلذة سماع كل تلك الأصوات، المصعدة إلى أذنيه ~~الدعوات التي ترسلها الرعية المخلصة لسلطانها نحو قدمي العرش الإلهي. # ففاض صدره بالحبور المتدفق إليه من كل حدب وصوب؛ وأراد إظهار امتنانه ومحظوظيته ~~(لإسماعيل)، فنزع وسام «المجيدية» المرصع المتدلي على صدره السلطاني، وعلقه بيده على ~~صدر (إسماعيل)؛ وقال له: «إني لا أدري كيف أشكرك على كل ما بذلته لتملأ نفسي سرورا»، ~~فأجابه (إسماعيل): «إنما قدمت لمولاي ما هو له»، فزاد هذا الجواب في سروره. # وبعد أن استجلى من موقفه السامي جمال المناظر المبسوطة تحت قدميه، دخل إلى مخادعه ~~ونام نوما هادئا هنيئا. # وكان الغد يوم جمعة، فتقرر أن يصلي الخليفة صلاته الجامعة في مسجد (محمد علي) بالقلعة ~~عينها، وأن يذهب إليه من السراي التي بات فيها راكبا على جواد مطهم في موكب يكون كل من ~~فيه فارسا. # فلما آذنت ساعة الصلاة، امتطى عبد العزيز الحصان الذي قدم له؛ واقتدى به أمراء ~~بيته السلطاني وأمراء البيت العلوي والوزراء العثمانيون والمصريون وكبار رجال المابين ~~والمعية، وكوكبة من الفرسان، وسار جمعهم في موكبهم الحافل المهيب، داخل القلعة، من ~~السراي إلى الساحة الفسيحة الأرجاء المنبسطة أمام مسجد (محمد علي) حيث كانت جميع ~~الأعالي المحيطة، المطلة على تلك الساحة، غاصة بالمتفرجين، وداوية بدعائهم. # وبعد أن انقضت الصلاة، توجه السلطان إلى زيارة قبر الباشا العظيم، الراقد رقدته ~~الأبدية، في ذلك الجامع المرمري البناء، المطل من علاه على القاهرة كلها، كأنه روح ~~(محمد علي) تشرف على جسم القطر الذي أعادت إليه الحياة، لتتعهده وترعاه. # فوقف إليه، برهة، خاشعا، ثم التفت إلى من حوله وقال على مسمع من الملأ: «لقد كان ~~رجلا عظيما، وإن ذكره ليخلد». # ثم عاد إلى سراي القلعة حيث استقبله وفود المهنئين من الأعاظم والعلماء والبطاركة ~~والرؤساء الروحانيين، والوجهاء والأعيان والتجار، ولكي يظهر لهم بجملة واحدة مقدار ~~انشراحه من زيارته للقطر المصري، قال لهم: ms041 «إني ضيف إسماعيل وضيفكم»، فكان لقوله هذا ~~وقع عظيم في القلوب؛ لأنه كان بمثابة إعلان رسمي لاستقلال مصر! # لذلك كانت الزينات، التي أقيمت في مساء ذلك اليوم، أجمل بكثير من زينات الليلة ~~السابقة، وكان أبدعها شكلا ما أقيم منها أمام قصري (إسماعيل باشا) وحليم باشا وسراي ~~عابدين، وبلغ من تفنن صانعي الألعاب النارية ومن إعجاب السلطان بها أنه طلب بعضهم من ~~(إسماعيل) ليأخذهم معه إلى القسطنطينية. # ومما يحسن ذكره في مقابلة السلطان للعلماء، اللطيفة الآتية وهي: أن (إسماعيل) كان ~~يعتقد في علماء الأزهر الأجلاء عدم خبرة ودراية بواجبات الرسميات في موقف كهذا - وكان ~~هذا هو الواقع - فحسن لديه أن يختار أربعة منهم فقط ليتشرفوا بالمثول بين يدي الحضرة ~~السلطانية، وهم: السيد مصطفى العروسي شيخ الجامع الأزهر، والشيخ السقاء، والشيخ عليش، ~~والشيخ العدوي من كبار علمائه، وأولهم وثانيهم من دواهي الرجال وأوسعهم صدرا؛ وثالثهم ~~من المتصوفين؛ وأما الرابع فكان من الورع والتوكل على الله، بحيث لا تهمه ولا ترهبه ~~العظمات البشرية. # ثم وكل إلى قاضي القضاة التركي أمر تعليمهم آداب المثول بين يدي الخليفة، فأفهمهم ~~فضيلته أن المقابلة ستكون في قاعة يقف السلطان في صدرها، على منصة مرتفعة عن الأرض ~~قليلا، بينها وبين باقي القاعة حاجز، مفتوح من وسطه؛ وأنه ينبغي لهم إذا ما بلغوا ~~الباب ووقعت أعينهم على جلالته أن ينحنوا انحناء عظيما، ويسلموا بكلتا اليدين، حتى ~~تمسا الأرض؛ ثم يتقدم كل منهم نحو فتحة الحاجز، بخطوات موزونة حتى إذا صار أمامها، كرر ~~الانحناء والتسليم، ووقف أو يرد السلطان عليه تحيته، فيعيد؛ حينئذ الانحناء والتسليم ~~مرة أخرى، ثم يرجع متقهقرا ووجهه إلى السلطان إلى أن يبلغ باب الدخول؛ فيكرر الانحناء ~~والتسليم عينهما؛ ثم ينصرف مثل ما دخل، حتى يتوارى عن نظر السلطان. # فاستغرب العلماء أن تنحصر المقابلة في تلك الصور من الانحناء والاحترام، ولكن قاضي ~~القضاة أكد لهم أن الأمر كذلك، فقالوا: «قد فهمنا». # فلما جاء دورهم في المقابلات، دخل الشيخ العروسي أولا، فالشيخ السقاء بعده، فالشيخ ~~عليش، وفعل كل ms042 منهم ما علمه القاضي أن يفعل. # وكان (إسماعيل) واقفا وراء السلطان بمسافة، وعينه تراقب كل حركاتهم، فأعجب من ~~إتقانهم الدرس الذي ألقي عليهم إتقانا محكما. # فلما أتى دور الشيخ العدوي، دخل هذا الأستاذ الفاضل، وانحنى عند الباب كزملائه؛ ثم ~~أسرع، بعد ذلك، نحو السلطان بمشيته الاعتيادية، ولم يعاود الانحناء ولا التسليم فبدأ ~~قلب (إسماعيل) يخفق - ثم تقدم بقدم ثابتة حتى وصل إلى الحاجز، وجاوزه، وصعد إلى المنصة، ~~التي كان السلطان واقفا عليها - وقلب إسماعيل يجف ونظر إليه بعين ثابتة وقال: «السلام ~~عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله»، فوثب قلب (إسماعيل) في صدره، ولولا مهابة السلطان ~~لركل الرجل وأخرجه. # ولكن السلطان ابتسم ابتسامة لطيفة، ورد على الشيخ العدوي تحيته وأحسن منها، وانحنى ~~أمامه انحناء خفيفا. # فخاطبه الشيخ فيما يجب على السلطان نحو رعاياه، بصفته كبير الحكام؛ لأن الحكام خلفاء ~~الأنبياء في الناس؛ وفيما يجب على أمير المؤمنين، بصفته خليفة الرسول، نحو المؤمنين؛ ~~وهول في المسئولية الملقاة على عبد العزيز؛ وأكد له أن ثوابه عند الله سيكون بمقدار ثقل ~~المسئولية، وحسن نفاذه فيها؛ كما أن عقابه عند الله تعالى سيكون على قدر إهماله ~~واجباتها. # فامتقع لون (إسماعيل)، ولعن الساعة التي اختار فيها ذلك الشيخ الأبله، ومن أشار عليه ~~به، وأخذ يحسب لغضب السلطان ألف حساب. # ولكنه لم ير على وجه السطان علامات الغضب مطلقا، بل وجد ملامح عبد العزيز مرتاحة إلى ~~كلام ذلك الأستاذ؛ لا سيما أنه لم يفهم منه شيئا لجهله اللغة العربية. # أما العدوي فلما فرغ من خطبته، ختمها بالسلام الذي بدأها به ثم انحنى أمام السلطان، ~~وأقفل خارجا بوجهه لا بظهره كسابقيه، وسبحته بيده فوجد هؤلاء في انتظاره على الباب ~~يلومونه على فعلته التي كانت على زعمهم «قذى في العيون». # فقال لهم: «أما أنا فقد قابلت أمير المؤمنين، وأما أنتم فكأنكم قابلتم صنما، وكأنكم ~~عبدتم وثنا». # ثم سأل السلطان عبد العزيز (إسماعيل): «من الشيخ؟» فأجابه: «هذا شيخ من أفاضل ~~العلماء، ولكنه مجذوب، وأستميح جلالتكم عفوا عن سقطته»، فقال السلطان ms043 «كلا. بل إني لم ~~أنشرح لمقابلة أحد انشراحي إلى مقابلته» وأمر للشيخ العدوي بخلعة سنية وألف جنيه. # 4 # وكان يوم السبت التالي حادي عشر أبريل، يوم تشييع المحمل المصري إلى الأقطار ~~الحجازية، فتقرر أن يرأس جلالة السلطان نفسه الحفلة السنوية المعتادة، واتخذت جميع ~~الوسائل لكي تكون، بسبب وجوده على رأسها، يتيمة الحفلات التي من نوعها؛ لأنه لم يسبق ~~لسلطان عثماني أن ترأس مثلها منذ الفتح السليمي، ولم يكن أحد يتوقع أن تجود الأيام ~~بزيارة سلطانية أخرى في العصر ذاته. # فلما كانت الساعة العاشرة، نزل السلطان من القلعة، وسار نحو الكشك الذي أقامه محمد ~~علي خصيصا لذلك تحت السور إلى جنوب باب العزب، وهو قريب من المكان الذي يروى أن الأمير ~~المملوك أمين بك وثب منه وثبته المشهورة في حادثة ذبح المماليك. # فلفت بعض الحضور نظر السلطان إلى ذلك، فرغب عبد العزيز في أن تلقى على مسامعه ~~الرواية، بينما تتم حوله مراسم الاحتفال. # وكانت تفاصيل تلك الرواية مختلفا فيها، فما حكي للسلطان منها هو أن أمين بك، لما ~~قذف بحصانه من فوق السور، وانكسرت أرجل الجواد حينما مست الأرض، فسقط ميتا، وقع هو ~~أيضا عن صهوته وأصيب برضوض أفقدته رشده، فبصر به بعض البدو، فأسرعوا إليه واحتزوا ~~ثلاثة أرباع عنقه، لكي يسرقوا سلاحه ونقوده؛ غير أنه لم يمت، وتمكن - وحده، على قول ~~بعضهم؛ وبمساعدة بعض ذوي الرحمة، على قول آخرين - من النهوض والاختفاء في مكان أمين ~~تعالج فيه إلى أن شفي واستطاع الالتجاء إلى سوريا. # وبعد الفراغ من حفلة المحمل، توجه السلطان للتنزه في المدينة، فزار مساجد آل البيت ~~الكرام وغيرها وكان الناس من السوقة والعامة، كلما مر بجموعهم المحتشدة، صاحوا: ~~«الفاتحة لمولانا السلطان!» فينظر إليهم كأنه يحييهم، وهو إنما يستغرب لذلك، ويقارن في ~~سره بينه وبين خشوع الأستانة وسكوتها؛ وإطراق العيون فيها إلى الأرض حينما يمر في ~~شوارعها ذاهبا إلى صلاة الجمعة. # 5 # ثم عاد من طوافه، فتناول طعام الغداء في سراي الجزيرة، ولما كان الأصيل، أبدى رغبته ~~في رؤية ms044 أنجال (إسماعيل)، فأرسل (إسماعيل) من أحضرهم من قصرهم بالمنيل في جزيرة الروضة، ~~حيث كانوا منقطعين إلى علومهم تحت عناية المسيو چاكليه؛ بعيدين عن كل المؤثرات ~~الخارجية، لا سيما مؤثرات الحريم، فأعجب السلطان بهم وبنباهتهم وذكائهم؛ وشجعهم بأقوال ~~حكيمة على الاستمرار في دروسهم بنشاط وهمة ورغبة صادقة، ليكونوا قرة عين أبيهم الكريم، ~~وفخر مصر، وخير أحفاد للرجلين العظيمين (إبراهيم باشا) و(محمد علي). # ثم عاد إلى القلعة، ولما أسدل الغسق ظلاله، بدت مصر، مرة ثالثة، في حلل زينتها ~~البهية؛ وأخذت نجوم الألعاب النارية وأهلتها تباري مرة أخرى نجوم السماء، وبدورها في ~~السطوع واللألأة والجمال. # فأظهر عبد العزيز (لإسماعيل) نيته في الإقامة بمصر عدة أيام؛ ورجاه الاكتفاء بما عمل ~~من الزينات والألعاب، والامتناع عنها في الليالي التالية؛ حثا براحة القائمين بها، ~~وراحة السكان معا. # وكان قد أرسل من الإسكندرية باخرة تحمل البريد إلى القسطنطينية، فأوفد إليها، أيضا، ~~في تلك الليلة، المصاحب عبد الكريم أغا، ليبلغ جلالة السلطانة والدته، أنباء صحته ~~الجيدة؛ ويحمل إلى بابه العالي، الأوراق الدولية الخاصة بالإدارة اليومية. # ثم كلف رامز أغا، أحد خصيانه، بالذهاب ببطاقة زيارته إلى أربعة عشر «حريما» بمصر، ~~ليبلغ «تحياته وتسليماته السلطانية» إلى أرامل محمد علي باشا وإبراهيم باشا، وعباس ~~باشا، ومحمد سعيد باشا وغيرهن. # وفي يوم الأحد ثاني عشر أبريل - وكان عيد الفصح عند الطوائف الشرقية - ذهب لزيارة قصر ~~النزهة، في طريق شبرا؛ وكان (لإسماعيل)، وهو الوحيد الذي تفننت الهندسة المعمارية في ~~تجميله وتزيينه، على صغر حجمه، فأعجب به أيما إعجاب، وأمر بعض الرسامين الذين بمعيته أن ~~يأخذوا رسمه - ولكنه لم يمكث فيه طويلا وغادره إلى قصر شبرا ذاتها - وكان لحليم باشا، ~~الذي أراد السلطان أن ينزل في ذلك اليوم ضيفا عليه. # فاستقبله حليم باشا في تلك الروضة الغناء، التي أنشأها لوالده، أبدع الخيالات ~~الشعرية، وكانت مزدهية بالزهور والرياحين، المغروسة على أبدع نظام وأجمل تنسيق؛ حافلة ~~بالطيور المغردة المختلفة الأجناس والأنواع والأشكال - وكانت الزهور والطيور أحب ~~المخلوقات إلى قلب عبد العزيز، وأعز ما ترتاح إليه نفسه ms045 بعد ربات الخدور. # فقضى بقية نهاره، وبعض مسائه في تلك الجنة الأرضية، متجولا بين رياحينها وأزاهرها ~~طورا، وطورا جالسا أمام بحيرتها، المحيطة بها، المظلة الرخامية البديعة الصنع، ~~العديمة المثيل في العالم بأسره، أو جالسا في القاعة العظمى الكائنة في الزاوية على ~~يمين الداخل، والتي قلما بذلت في تشييد سواها الأموال التي بذلت في تشييدها؛ وقلما ~~ازدهت غيرها، بالصنعة الدقيقة المواد الثمينة التي ازدهت، هي، بها: كأن (محمد علي) أراد ~~أن يجعلها قصرا من قصور الجنان، بجانب تلك المظال الرخامية، المتتابعة صفوفها على شكل ~~دائرة بيضاوية حول تلك البحيرة المعدة لمسابحة جواريه فيها، وقد أقيم في وسطها بناء ~~مرمري على شاكلة باقة أزهار، تجلت الدقة كلها في صنعه وتكوينه، وأعد لجلوسه، هو، على ~~أريكة حريرية فيه لكي يتسنى له في شيخوخته - والمياه تجري من تحته، والجواري يسبحن ~~حوله، ويتداعبن أمامه، والروائح العطرية تتأرج من الأزاهير النابتة في كل مكان، وداخل ~~كل مظلة من هاتيك المظال، والمتدلية إلى حافة البحيرة بشكل من أبدع الأشكال - أن يتخيل ~~أنه انتقل إلى جنة الفردوس التي أعدها ربه للصالحين والمحسنين من عباده، وأن يتمتع، وهو ~~حي في هذه الدار، ببعض لذات الدار الأخرى التي بات منها على أدنى من قاب قوسين. # 6 # أسفا على تلك! # آه لتلك الروضة الفيحاء الغناء! كيف عبثت بها أيدي الإهمال، وكيف جردها من محاسنها ~~الفريدة تغيب أيدي الصيانة عنها! # وأسفا على ذلك! # وآه ثم آه! لذلك الإيوان البديع الأكبر المكون من مجموع هاتيك المظال الصغيرة الكلية ~~الجمال، المزرية الواحدة منها بجمال إيوان كسرى المشهور! كيف تناولتها أيدي الدمار: ~~فأتلفت رخامها البديع؛ وذهبت ببهجة صنعها المدهش؛ وباتت تهددها بخراب عاجل! # وقضى عبد العزيز وقته فيها يتحادث مع حليم باشا وفؤاد باشا عن زراعة البساتين ~~والزراعة على العموم؛ ثم عن القناطر الخيرية - وكان الأمير مراد أفندي، ولي العهد، قد ~~ذهب في ذلك اليوم عينه لزيارتها في مركب بخارية والتفرج عليها. وأرسلت هناك أورطتان ~~مصريتان للقيام بفروض استقباله، ولكنه لم يفارق المركب؛ وتفقد، وهو ms046 فيها، القناطر: ~~الأمر الذي لم يرتح له ضباط تينك الأورطتين والذي لم يمكنهم من التفرج على القلعة ~~السعيدية - وهي حصن أنفق محمد سعيد باشا على إقامته عند نقطة انقسام فرعي النيل، مبلغا ~~طائلا من المال، بدون جدوى، كان الأجدر به إنفاقه على إتمام عمل القناطر الخيرية ~~الضخم، الجليل، الذي أقبل عليه أبوه، الباشا العظيم، بضع سنوات فقط قبل أن يوافيه الأجل ~~المحتوم. # ولما توغل المساء في الليل، عاد السلطان إلى القلعة فلم يفارقه الانشراح من شبرا ~~وبستانها وإيوانها! # وفي يوم الإثنين ثالث عشر أبريل - ووافق وقوع عيد شم النسيم، احتفلت القاهرة به ~~احتفالها المعهود ولكن زاده بهجة وجود السلطان - قصد عبد العزيز المتحف المصري - وكان ~~مديره حينذاك مرييت بك، الاچيبتولوچي الشهير - فتفقد جميع غرفه ومحتوياته، واستفسر عن ~~كل ما رآه فيه، وارتاح إلى البيانات التي استطاع مرييت أن يبديها له. # ثم ذهب من هناك لزيارة معامل القطن والحرير ببولاق - وكانت أعمالها ناجحة تبشر بفلاح ~~باهر في المستقبل، لم يحقق، وا أسفاه المستقبل شيئا منه - فسره ما رآه فيها من حسن ~~الترتيب والنظام وانشرح صدره لعلامات النجابة والذكاء، البادية على وجوه الشبان ~~المشتغلين فيها. # ولما كانت المحادثة بالأمس عن القناطر الخيرية قد شوقته إلى رؤيتها، ركب زورقا ~~بخاريا من زوارق (إسماعيل باشا)، أعد خصيصا لذلك الغرض، وتوجه فيه من بولاق إليها، ~~فتفقدها بعناية؛ وأعجب بها إعجابا عظيما: وأكبر من إقدام وهمة الباشا العظيم الذي ~~باشر إنشاءها بالرغم من طعنه في الشيخوخة، وحكم بأنها لمن أجل أعمال الدنيا فائدة، وأن ~~محمد علي قد استحق ببنائها شكر الأرض المصرية إلى الأبد. # ثم عاد إلى قصر النيل وتناول طعام الغداء فيه. # وفي يوم الثلاثاء، رابع عشر أبريل، ذهب إلى زيارة الأهرام، ومعه أمراء البيت ~~العثماني، وأمراء البيت العلوي، وجمهور كبار رجال البلاطين. # وبعد أن عبروا النيل إلى شاطئه الغربي، عند الجيزة، ركب السلطان عربة مفتوحة تجرها ~~أربعة جياد، وركب وراءه (إسماعيل باشا) و(فؤاد باشا) في عربة أخرى يجرها جوادان فقط، ~~وامتطى الباقون خيولا. # ولما ms047 تكن الطريق إلى الأهرام قد مهدت بعد، فكثيرا ما كانت تجتاز حقولا مزروعة أو ~~تمر في أرض تربة، ترفع حوافز الخيول الواقعة عليها، سحابات عثير كثيف منها تملأ بها ~~الفضاء. # وكانت عربة السلطان سائرة في طليعة الموكب اتقاء للغبار، وخيولها القوية العفية تتخطى ~~بها المنحدرات في المرتفعات، ولأنها كانت أربعة صافنات، تمكنت من الاستمرار مقلة راكبها ~~الكريم، حتى مدخل الصيوان الذي أعد له في ظل الهرم الأكبر، وعند قاعدته. # وأما عربة (إسماعيل باشا) وفؤاد باشا، فإن الجوادين فيها أجهدا تعبا، أدى بهما إلى ~~التوقف عن المسير، بالرغم من كل حث وتحريض، فاضطر الراكبان الكريمان أن ينزلا منها ~~ويمتطيا جوادين آخرين. # وهكذا سار الموكب، والعثير وراءه يتناول عنان السماء، حتى بلغ الأهرام، حيث كانت ~~موائد الطعام قد مدت في الصواوين المعدة لذلك كأنها في أكبر القصور اشتمالا على ~~معداتها. # فاستراح القوم ثم أكلوا، وبعد ذلك أقبل عبد العزيز يسرح الطرف ويستفهم متخطيا من ~~جوار هرم خوفو، إلى الرابية البارز من قمتها أبو الهول، والمعبد المصري القديم الذي ~~بجواره، ومقبرته، وامتطى جوادا إلى هرم منقورا الذي كان لا يزال معظم جزئه الأعلى ~~مكسوا بطلائه العجيب، فإلى هرم نيتوكريس الأحمر الجميل! # ألا ليت شعري! من ينبئني بما جال في مخيلة سلالة سلاطين آل عثمان، وهم يتجولون حول ~~آثار الفراعنة الخالدة، الدالة على عظمتهم الزائلة، والقائمة على مدخل الصحراء الشاسعة، ~~معالم ماض كان قصيا، وقتما خط التاريخ أول صفحاته! من ينبئني بما قالت لهم - لا ~~سيما لعبد الحميد - عينا أبي الهول السريتان الشاخصتان بصفاء أبدي أمامهما، كأنهما ~~تريدان أن تحجبا مكنونات الأيام وراءه؛ وتشعران الحاضر، مهما كان فخما عظيما، بضآلته، ~~تجاه مجموعة المفاخر البشرية، التي حركتها القرون بالتتابع (من خوفو إلى أوزورتسن، ~~وآمنمحهت؛ ومن أحمس إلى توطمس وآمن هوتب؛ ومن راع مسيس إلى نيخاؤ وبتامتك؛ ومن كمبيز ~~إلى إسكندر الأعظم والبطالسة الأماجد؛ ومن قيصر الأكبر إلى هدريان وديوكليسيان؛ ومن ~~عمرو بن العاص إلى أحمد بن طولون والمعز لدين الله؛ ومن صلاح الدين إلى بيبرس ms048 وقلاوون ~~وبرقوق وبرسباي وقايتباي؛ ومن سليم الرهيب إلى پونابرت العجيب) كسينما توغراف أمام تينك ~~العينين؛ ثم وارتها في طيات الدهور! # ولما مالت الشمس إلى الغروب عاد الموكب السلطاني إلى الجيزة وتناول الجميع طعام ~~العشاء في سرايها البديعة - ولم يكن (إسماعيل) قد أجرى فيها التحسينات التي صيرتها فيما ~~بعد لؤلؤة قصوره، ودرة منتزهاته الخصوصية. ثم رجع السلطان إلى القلعة وما استقر فيها ~~برهة إلا وحانت صلاة العشاء، فقام ينادي بها، بعد إطلاق المدافع، خمسة عشر مؤذنا ~~اختيروا اختيارا دقيقا لجمال أصواتهم وأخذوا يتبارون في التلحين والإنشاد مباراة حملت ~~كل من سمعهم على الظن بأنهم بلابل الفضاء برزت من خلواتها تشجي بأنغامها المطربة، في ~~ذلك المساء المجلوة سماؤه، ضيوف مصر وواليها. # وكان الغد يوم الأربعاء، خامس عشر أبريل، فجعل يوم راحة عامة وخصص لتجهيز معدات السفر ~~إلى الإسكندرية. # فلما بزغت شمس يوم الخميس، سادس عشر أبريل، ازدحمت شوارع العاصمة وساحاتها وظهور ~~منازلها ودرجات سلالم جوامعها، بجماهير الناس على اختلاف مللهم ونحلهم وأجناسهم، ~~انتظارا لمرور السلطان وموكبه العظيم - وحالما وافت الساعة التاسعة صباحا، أخذت ~~المدافع ترمي طلقاتها بين كل دقيقة وأخرى إيذانا بالرحيل، لغاية الساعة العاشرة، حتى ~~إذا دقت هذه، نزل السلطان من القلعة بموكب فخم، مهيب؛ فمر على تلك الجماهير محييا ~~مسلما، وأمر بأن توزع مبالغ طائلة من المال على فقراء العاصمة وخدمة مساجدها. # فانطلقت ألسن تلك الجماهير بالدعاء لجلالته؛ وذرفت عيون كثيرة دموعا سخينة في ~~توديعه، وما زالت أصوات الدعاء ترتفع من كل فم، إلى أن بلغ الموكب القطار المعد له، ~~فأقله، فشخصت إليه الأبصار، وشيعته القلوب حتى توارى. # وكان السلطان قد أبدى عزمه على زيارة المقام الأحمدي بطنطا، فأقيم له صيوان فخم بجوار ~~محطتها، ولكنه رجع عن عزمه في آخر لحظة، واكتفى بإيقاف القطار قليلا قبالة ذلك ~~الصيوان، لكي تتمكن الجماهير الغفيرة، المزدحمة هناك، من استجلاء منظر وجهه البهي، ~~والقيام بفروض الدعاء له. # ثم سار إلى الإسكندرية ونزل في سلاملك رأس التين الذي كان قد أقام فيه. # وفي اليوم التالي، ms049 وكان يوم الجمعة سابع عشر أبريل، صلى السلطان الصلاة الجامعة، ~~بأبهة وجلال عظيمين، خارجا وراجعا منها، ممتطيا فرسا ضليعا أصيلا، في موكب تحف ~~به فخامة وعظمة، يزيد في كمال مظهرهما ما في لباس عبد العزيز من البساطة، وكان عبارة عن ~~كسوة إفرنجية تزين صدرها أنسجة حمراء فقط؛ وليس على طربوشه أية علامة تميزه عن غيره؛ ~~بينما ملابس أمراء بيته ووزرائه وكبار رجال حاشيته موشاة بالمذهبات الساطعة؛ محلاة ~~بالنياشين اللامعة. # وبعد الفراغ من صلاة الجمعة، والإحسان بجانب عظيم من النقود على فقراء الإسكندرية، ~~وخدمة مساجدها، عاد عبد العزيز إلى سراي رأس التين، وتناول طعام الغداء، ثم استراح ~~قليلا، ريثما انتصفت الساعة الثالثة بعد الظهر. # حينذاك نزل هو وأمراء بيته وكبار دولته ورجال مابينه، يرافقهم (إسماعيل باشا) وأمراء ~~بيته وكبار دولته، في الزوارق المعدة لهم، فذهبت بهم إلى اليخت السلطاني «فيض جهاد» ~~وسفن الأسطول المرافقة له، بينما كانت الطوابي والبواخر الراسية في البوغاز (ومن ضمنها ~~المركب الإيطالية المسماة ڨيكتور عمانويل، المرسلة من قبل ملك إيطاليا الملقب بالملك ~~الحلو الشمائل، لتشترك في تعظيم الخاقان العثماني) وقلاع الساحل لغاية المكس والعجمي من ~~جهة؛ ولغاية سيدي بشر وأبي قير من الجهة الأخرى، تطلق مدافعها تحية وإجلالا؛ وبينما ~~الجماهير يكتظ بها الشاطئ وهي هاتفة مهللة! فصعد السلطان إلى يخته يصحبه (إسماعيل) وصعد ~~باقي الأمراء إلى سفنهم؛ وأخذت المراكب تستعد للرحيل. # فتقدم (إسماعيل) إلى توديع عبد العزيز، فقال له السلطان: «إني أعيد لك تشكراتي ~~القلبية على ضيافتك البهية لي ولآل بيتي، وأؤكد لك أني لن أنسى زيارتي لهذه الديار ما ~~حييت؛ وأؤمل أن الشعب المصري، بفضل عنايتك واهتمامك وغيرتك على مصالحه، سيزداد رخاء ~~وسعادة، وإني في كل سانحة سأشمله بتعطفاتي هو وأميره الجدير بها». # فانحنى (إسماعيل) وشكر وأثنى، ثم أذن له السلطان بالانصراف، فنزل إلى زورقه، وأخذت ~~السفن العثمانية تبتعد رويدا رويدا عن الأرض المصرية، والأرض المصرية ترتج ارتجاجا ~~في توديعها، حتى توارت عن الأبصار! # هكذا انقضت الزيارة السلطانية للقطر المصري! وهكذا مرت أيامها العشرة البهية! ولم ms050 يبق ~~أثر منها في البلاد، بعد ذكراها، سوى اسم (عبد العزيز) الذي أطلق على أحد شوارع ~~العاصمة، إحياء لتلك الذكرى؛ وسوى النياشين؛ والألقاب والرتب التي فاضت بها التعطفات ~~السلطانية على كبار الموظفين المصريين! # أسفا! هل كان يدور في خلد الأمراء، عائشى تلك الأيام وأعيادها، أن الأقدار ستنسج، ~~لكل منهم، خيوط مأساة سوداء: فلا تمضي أربع عشرة سنة إلا ويتدهور عبد العزيز عن عرشه ~~الرفيع إلى سجن ضيق، لا تلبث أيدي الإثم، أياما، إلا وتسلبه الحياة فيه، بقص شرايين ~~ذراعيه واستصفاء دمه - ولا يرفع مراد على الأكف سلطانا، إلا ليزج به في حبس انفرادي، ~~يوافيه الموت الخفي فيه بعد ثلاثين سنة، وليس بين الرفع والسقوط إلا ما يوشك أن يكون ~~طرفة عين! - ثم لا تمضي ست عشرة سنة وبضعة أشهر إلا ويصدر أمر عبد الحميد بخلع الخديو ~~الأول (إسماعيل) عن عرش مصر السني؛ فيخرجه إلى منفى، مر مذاقه؛ وحياة معكرة أيامها، بعد ~~الإقامة على أوج العز الأقعس، وفي نعيم الحكم المطلق، والرخاء غير المحدود! ولا تمضي ~~خمس وأربعون سنة إلا وتثل ثورة عسكرية عرش عبد الحميد عينه وتخرجه بدوره ليذوق حرقة ~~السجن ومرارة المنفى، وألم التسيير، قسرا، من حبس إلى حبس؛ ومن اعتقال سري إلى اعتقال ~~سري؛ ويموت، أخيرا، موت صعلوك، لا يكاد أحد يلتفت إليه، كأنه لم يكن السلطان الرهيب، ~~الذي لبثت ترتعد الفرائص، ثلاثة وثلاثين عاما، لدى ذكر اسمه! ولا تمضي إحدى وخمسون سنة ~~إلا ويرى رشاد نفسه وقد كان سجنه أخوه عبد الحميد ثلاثا وثلاثين سنة، بعيدا عن كل ~~مظاهر العالم، لا يدري ما فيه، حتى إذا جاءت الثورة العسكرية، وجدته شيخا هرما؛ ~~فأخرجته من حبسه وهو لا يكاد يصدق؛ وأجلسته على عرش أجداده، وهو كأنه في منام، أميرا ~~للمؤمنين مدخلا رغم أنفه في الحرب العالمية العظمى بعد أن داهمته، مرغما أيضا، الحرب ~~الطرابلسية وحرب البلقان: فيرى أنه لم يرتق عرش أجداده إلا وقد جرد هذا العرش من كل ~~ديباج وخز؛ وأصبح سريرا خشبيا، كله شظايا تجرح الجسم، ms051 وأشواك هموم واخزة تحيط ~~بالجالس عليه، بدلا من أزهار اللذات السالفة! ولا تمضي اثنان وخمسون سنة إلا وتقتل يد ~~أثيمة، صبرا وغدرا، يوسف عز الدين، ذلك الذي كان في تلك الأيام شابا في مقتبل ربيع ~~حياته، وكانت الدنيا تبتسم له ابتساماتها كلها في ظل سلطة أبية العليا ومقامه الأرفع! ~~... # ألا أف للدنيا! ما أكذب مظاهرها! وما أقصر حياة سرورها ولذاتها! # على أن (إسماعيل) لم يدع فرصة تلك الزيارة السلطانية تمر، دون أن يحاول الانتفاع منها ~~لتقديم أمنياته في سبيل تحقيقها. # فاستهواء لنفس عبد العزيز وحملا لها على مساعدته في المستقبل، كل المساعدة الممكن ~~توقعها، لم يكتف بما بذله له بسخاء فائق، من مسببات الارتياح والسرور، وبأخذه على نفقات ~~جيبه الخاص، كل المصاريف التي عن لضيوفه صرفها، وهم في ضيافته؛ بل بالغ في تقديم ~~الهدايا والتحف الفاخرة وتنويعها، حتى ملأ بها سفينة برمتها، لعبد العزيز عينه، ولأمراء ~~بيته السلطاني، وكبار رجال دولته، وزود فؤاد باشا، الصدر الأعظم، وقت فراقه، بمبلغ ستين ~~ألف جنيه ليجعله عونا له، وطوع بنانه. # فسافر السلطان من مصر، وهو في حال نفسية تجعله مستعدا لقبول أي طلب يقدمه (إسماعيل) ~~إليه، إذا كان مشفوعا بما يجعل الطلبات كلها مقبولة في الأستانة، ومثل (إسماعيل) لم ~~يكن ليجهل الوسيلة. # فما أقلع الأسطول العثماني من ثغر الإسكندرية، وعاد الوالي إلى عاصمة دياره، إلا ~~وأقبل بكل ما في وسعه على تحقيق الخطة التي رسمها لنفسه. # | الجزء الثالث # رابعة النهار # الباب الأول # | تحقيق الشطر الأول منها1 # العمل على تحقيق الخطة المرسومة # | إجمال # فليدخل مصر بصراحة في مضمار المدنية الحديثة، ويسير بها، بعزم ثابت وقدم راسخة ، ~~في طريقها، وفي جميع تشعبات هذا الطريق، أوجد في أعمال القطر، على اختلاف أنواعها، ~~روحا جديدة، أصلحت إدارته، وكيفتها تكييفا، من شأنه ضمانة دوام تطور البلاد ~~الاجتماعي - ووسعت نطاق الزراعة بتوسيع نطاق الري، وتنظيمه، وتكثير طرق المواصلات، ~~وترتيبها وتوزيع الضرائب توزيعا عادلا - وفتحت أبواب التجارة والصناعة والعمل ~~واسعة، أمام مجهودات الجميع: فأحيت، بذلك كله، مالية البلاد؛ وضاعفت إيراداتها ms052 ~~وصادراتها - وأنعشت التعليم بعد مواته؛ وعممته؛ ونوعته؛ ورقته، حتى جعلته كفيلا ~~بأن يكون التطور الاجتماعي المستمر، متجها على الدوام، نحو الحسن والمفيد، بالرغم ~~من كل عقبة تعترضه وعثرة تعتور سبيله - وأدخلت، في نهاية الأمر، على الحياة ~~الاجتماعية المصرية، تغييرات أساسية، جعلت بقاءها على جمودها القديم أمرا في منتهى ~~التعذر؛ وأوجبت تحركها من عقالاتها القرنية نحو بيئات جديدة وعقلية حديثة. # وبما أن هذا الإجمال قد يقع لدى جاهلي تاريخ (إسماعيل) ولدى المتحاملين عليه ~~تحاملا مبنيا على مجرد ما سمعوا عنه من أفواه قادحيه، موقع الاستنكار، إن لم نقل ~~موقع السخرية، فإنا لا نرى بدا من تفصيل ما أجملنا تفصيلا تاما، إظهارا ~~للحقائق. # الفصل الأول # | إصلاح الإدارة1 # مصر بلد، إذا حسنت الإدارة فيه، أكل العامر الصحراء. # وإذا ساءت الإدارة فيه، أكلت الصحراء الأرض العامرة! # نابليون الأول # كانت مصر، في مدة المماليك الأخيرة، تنقسم إلى خمسة عشر إقليما: تسعة منها في ~~الوجه البحري وهي: البحيرة، ورشيد، والغربية، ومنوف، ودمياط، والمنصورة، والشرقية، ~~وقليوب، والجيزة، وثلاثة في مصر الوسطى وهي: إطفيح، والفيوم، وبني سويف، وثلاثة في ~~مصر العليا وهي: أسيوط، وجرجا، وقوص (طيبة). # وكان على رأس كل إقليم أمير مملوك يقال له: الكاشف، ومرجع الكل إلى الأمير ~~المملوك المدعو «شيخ البلد» المقيم في القاهرة، والذي كان حاكم القطر الحقيقي، ~~بالرغم من وجود وال عثماني بالقلعة، يرسل من لدن القسطنطينية كلما عن لرجال ~~الحكم هناك أن يعزلوا سلفه، أو كلما أرسل «شيخ البلد» إليه رسوله، المعروف عند أهل ~~مصر بلقب «أبي طبق» لينذره بعزله بأن يقول له: «انزل يا باشا». # وقد حافظ بونابرت على هذا التقسيم. # فلما استتب الأمر لمحمد علي عدله، وروى كلوت بك أن القطر المصري كان في سنة 1840 ~~منقسما إلى سبع مديريات فقط؛ منها أربع في الوجه البحري وهي: البحيرة، والمنوفية، ~~والدقهلية، والشرقية، علاوة على محافظتي الإسكندرية ومصر، وواحدة في مصر الوسطى ~~وهي: بني سويف والفيوم معا؛ واثنتان في الصعيد وهما: المنيا، وإسنا. # وقسم (محمد علي) كل مديرية إلى عدة مراكز، وكل ms053 مركز إلى عدة أقسام، وكل قسم إلى ~~عدة نواح، فبلغ عدد المراكز في تلك السنة أربعة وستين، وعدد الأقسام ثلاثمائة ~~ونيفا، وعدد النواحي ثلاثة آلاف وخمسمائة. # وأغرب ما في التقسيم، الذي قال عنه كلوت بك أن الجيزة كانت جزءا من البحيرة؛ ~~والغربية جزءا من المنوفية؛ وأن العريش كان تابعا للدقهلية؛ والقليوبية تابعة ~~لمصر. # و(محمد علي) أول من سمى رئيس المديرية «مديرا»، ورئيس المركز «مأمورا» ورئيس ~~القسم «ناظرا»، وأما رئيس الناحية فما فتئ اسمه «شيخ بلد» منذ القدم. # وأوجد في كل ناحية، بجانب شيخها، مستخدما سماه «الخولي» وظيفته مراقبة الزراعة ~~ومسح الطين؛ وآخر يقال له: «صراف» لجمع الأموال وتوريدها للمأمور؛ وثالثا يقال له: ~~«الشاهد» وهو المأذون من قبل القاضي للحكم في قضايا الأحوال الشخصية، وتحرير عقود ~~الزوجية وغيرها. # وكان مرجع شيخ البلد إلى الناظر؛ ومرجع الناظر إلى المأمور؛ ومرجع المأمور إلى ~~المدير؛ ومرجع المدير إلى ديوان الداخلية. على أن كل مأمور كان مكلفا ككل مدير ~~برفع تقرير أسبوعي عن أعماله وإجراءاته إلى ذلك الديوان عينه ليقف هذا على مجريات ~~الأمور. # أما المديرون فكانوا كلهم أتراكا أو مماليك من مماليك الباشا العظيم، وأما ~~المأمورون فقد اجتهد (محمد علي) في جعل معظمهم من أبناء مصر دون أن يبالي بكونهم ~~مسلمين أو أقباطا، وكذلك نظار الأقسام. # لكن التجربة لم تفلح، لسببين: # الأول: هو أن المصريين، في تلك الأيام، بالنسبة لوجود معايب الشعوب المستعبدة ~~زمنا طويلا، ونقائصها فيهم، لم تكن لهم ذاتية، ولم يكونوا أكفاء للإمرة، فكان ~~المقلد منهم سلطة يستبد بمن كانوا إخوانه بالأمس استبدادا فاحشا، مع خنوعه أمام ~~رؤسائه خنوعا شائنا. # والثاني: هو أن هيبة الأتراك ، بالرغم من أن الجيش المصري كسر أولئك العتاة الذين ~~استعبدوا المصريين أجيالا وقرونا، كانت لا تزال متأصلة في نفوسهم تأصلا عظيما: ~~فكان مأمور المركز، أو ناظر القسم المصري يقف محتشما أمام قواصه التركي ذاته ~~احتشاما فائقا؛ فما بالك في حضرة ملتزم من الملتزمين الأتراك، أو حضرة ذي حيثية ~~من رجال ذلك العنصر القاهر؟ # وكان (محمد علي) عينه، ms054 بالرغم من كل مجهوداته لرفع درجة العنصر الفلاح المصري إلى ~~مستوى درجة العنصر التركي، لا يستطيع - لأن تربيته الأصلية تركية وشعوره تركي محض - ~~أن يحمل نفسه على تقدير فلاحي مصر أكثر من الأتراك، والركون إليهم في المهمات أكثر ~~من ركونه إلى أبناء جنسه، ولا أدل على استمرار الشعور التركي حيا فيه حياة قوية، ~~بالرغم من تعشقه مصر وامتلاء قلبه بحبها، وبالرغم من اشتباكه مع تركيا في حرب كان ~~يلعب فيها بعرشه، بل بذات حياته وحياة أولاده، من الجواب الذي أجاب به ذات يوم ~~وجيها من الغربيين أقبل يهنئه بالانتصارات التي أحرزها جيشه المصري على الجيوش ~~التركية، ويكيل الثناء جزافا لأبناء مصر البواسل، المقاتلين بفوز مستمر، فوق ربوع ~~الشام وبطاح الأناضول، فإن (محمد علي) قطع عليه كلامه قائلا: «لا تنس، يا صديقي. ~~أن الذين يفوزون في المعارك إنما هم الضباط لا الجنود، وأن ضباط الجيش المصري كلهم أتراك». # 2 # وأما مشايخ البلاد فكانوا من الفلاحين، طبعا، وكذلك الخوليون، والصيارفة - ~~وهؤلاء كانوا كلهم أقباطا - والشهاد. # وكان الكل مأجورين تتناسب مرتباتهم مع أهمية وظائفهم، ويرتدون ملابس عليها شارات ~~تلك الوظائف، فشيوخ البلاد كانوا يتقلدون وساما من فضة، ونظار الأقسام وساما ~~ذهبيا، والمأمورون وساما من ماس، وأما المديرون فكانوا بكوات أو باشاوات من ~~أصحاب الرتب العسكرية السامية يتقلد كل منهم كسوة رتبته. # وجعل (محمد علي)، على رأس الإدارة، عدة دواوين للنظر في شئونها المختلفة، كديوان ~~الداخلية وديوان الحربية، وديوان البحرية، وديوان الخارجية، وديوان التجارة، وديوان ~~المعارف العمومية، وديوان الزراعة، وديوان الصحة، وهلم جرا، وجعل فوقها كلها ~~المجلس الخاص، الذي كان هو نفسه يرأسه، تعرض عليه كل الأمور، صغيرها وكبيرها، ليطلع ~~عليها ويبدي رأيه فيها، وكان يدعى «ديوان المعونة» للدلالة على ماهيته. # وكان، إذا أراد الإقدام على أعمال كبرى في الزراعة، أو على أشغال ذات منفعة ~~عمومية هامة، يجمع المديرين في أحد تلك الدواوين ويعرض المشروع عليهم ويأخذ رأيهم ~~فيه، فإذا وافقت أغلبيتهم عليه نفذه؛ وإلا انتدب مخصصين يعيدون بحثه، ويستصفون ~~خلاصته. # فلما آلت الأحكام ms055 إلى عباس باشا، أغمض عينيه عن سير الإدارة في الطريق الذي اختطه ~~(محمد علي) لها؛ ورأى، مع تجرده عن الرغبة في فحص الأمور بنفسه، أن يحل هواه محل ~~نظر الدواوين: ففتح أمام الجاسوسية مجالا تطرق منه الخلل إلى العمل؛ وأدى، بعد زمن ~~قليل، إلى تعطيله، واستتباب استبداد الحكام، لا سيما كبارهم، بالرعية استبدادا ~~فاحشا. # فهال الأمر محمد سعيد باشا، بعد توليته بقليل؛ وكبر عليه شقاء الأهلين! ولكنه لم ~~ير إصلاحا يقدم عليه، خيرا من إلغاء وظائف المديرين - لأنهم كانوا، في نظره، ~~جرثومة ذلك الاستبداد وقرومته - وجعل ديوان الداخلية يشرف رأسا على أعمال ~~المأمورين ونظار الأقسام: فزاد الطين بذلك بلة، وأضر، بالرغم من حسن نياته، من حيث ~~أراد أن يفيد. # فلما استلم (إسماعيل) زمام الأمور، وتجلى أمام ذكائه الاختلال الشائن الذي أوجدته ~~في نظام الإدارة روح عباس الظنانة شرا وروح سعيد المتطلبة خيرا من غير تبصر، رأى ~~أنه لا بد له من إصلاح عام يدخله على ذلك النظام سريعا، ليكون قاعدة لكل إصلاح ~~تال. # فقسم القطر إلى ثلاثة أقسام كبرى: البحري، والمتوسط، والصعيد، وقسم هذه الأقسام ~~الثلاثة إلى أربع عشرة مديرية وثمان محافظات. # 3 # فمن المديريات سبع في الوجه البحري وهي: الجيزة، والبحيرة، والقليوبية، والشرقية، ~~والمنوفية، والغربية، والدقهلية، وثلاث في الإقليم المتوسط وهي: بني سويف، والفيوم، ~~والمنيا، وخمس في الصعيد وهي: أسيوط، وجرجا، وقنا، والقصير، وإسنا. # أما المحافظات الثمان فهي: العاصمة، والإسكندرية، ودمياط، ورشيد، والعريش، ~~وبورسعيد، والسويس، وسواكن. # وحافظ على تقسيم المديريات إلى مراكز، والمراكز إلى أقسام، والأقسام إلى نواح، ~~وقسم محافظتي العاصمة والإسكندرية إلى أقسام، جعل كل قسم منها يضاهي مركزا في ~~المديريات، وأنشأ وظائف مفتشين ورؤساء مفتشين للأقاليم، كان، فيما بعد، أعظمهم شهرة ~~وأكبرهم شأنا إسماعيل باشا الذي عرف «بالصغير» و«المفتش»، وسلطان باشا، وعمر باشا ~~لطفي. # وعهد برياسة النواحي إلى عمد بدلا منها إلى مشايخ، وجعل هؤلاء مساعدين لأولئك في ~~أعمالهم، وفوض إلى أهالي كل ناحية أمر انتخاب عمدتها ومشايخها، وأبقى الصيارفة ~~والمأذونين، ولكنه ألغى وظائف الخوليين: لأنه لم ms056 يعد من سبب لوجودها، بعد أن منح ~~محمد سعيد باشا حق امتلاك أترية الأطيان، وحق زراعتها كما يشاءون، وأبقى مرجع ~~الإدارة كلها إلى وزارة الداخلية. # وكان محمد سعيد باشا قد حول بعض دواوين أبيه كالداخلية والمالية والحربية إلى ~~وزارات؛ وعهد في الأولى إلى الأمير أحمد باشا رأفت؛ وفي الثانية إلى مصطفى باشا ~~فاضل؛ وفي الثالثة إلى الأمير حليم باشا، فحول (إسماعيل) باقي الدواوين الكبرى - ~~كالبحرية، والخارجية، والأشغال، والمعارف - إلى وزارات كذلك، وأنشأ في أوائل سنة ~~1865 وزارة جديدة دعاها «وزارة الزراعة» ضمها إلى وزارة الأشغال، وعهد فيهما، معا، ~~إلى نوبار باشا، مكافأة له على فوزه في مسألة قناة السويس التي سيأتي الكلام ~~عنها. # غير أن أعظم تحسين أدخله على الإدارة إنشاؤه هيئات نيابية في المراكز والمديريات ~~قصد منها أن يعلم الأمة، بإشراك وجوهها ونوابغها مع حكامها في أعمالهم الإدارية، ~~كيفية الوصول إلى حكم نفسها بنفسها. # فأقام، لهذا الغرض، في كل مركز، مجلسا إداريا يستشير المأمور أعضاءه في إنجاز ~~الأعمال المركزية؛ وأقام، حول كل مدير، مجلسا محليا ينتخب الأهلون أعضاءه ~~ليكونوا أعين المدير ومستشاريه، وليضربوا على تجاوزات مشايخ البلاد وعمدها. # 4 # وكان قد اضطر، في بادئ الأمر، إلى اتخاذ المديرين كلهم من العنصر التركي، لعدم ~~وجود أكفاء من أولاد العرب للقيام بمهام تلك الوظائف الخطيرة، ولكنه - مع تقادم ~~أيام ملكه، وإخراج المدارس المصرية وسلوك الإدارة رجالا يعتمد عليهم من أبناء ~~البلاد، وبما أن الحوادث التي تلت أظهرت عدم كفاءة الأتراك للإدارة، بالرغم من ~~كفاءتهم غير المنكورة للإمرة والحكم - أخذ يستبدل المديرين الأتراك بمديرين من ~~المصريين الصميمين، رويدا رويدا، حتى أصبحت معظم مديريات القطر مرءوسة في سنة ~~1877 بمديرين من أبناء البلاد، بالرغم من أن هيبة الأتراك، من جهة، كانت لا تزال ~~كبيرة في نفوسهم؛ وأنه كان يخشى أن تحملهم هذه الهيبة في معاملاتهم الإدارية مع ~~كبار رجال العنصر التركي الخاضع لحكمهم، على خور في العزائم، قد تنجم عنه مضار ~~للمصلحة العامة؛ وبالرغم من أن هيبة الحاكم المصري، من جهة أخرى، لم ms057 يكن لها أصل في ~~نفوس إخوانه المصريين، لا سيما أهله وذويه وبلدييه؛ وكان يخشى أن تحمله ألفتهم على ~~تهاون في واجباته، يخل إخلالا بالغا في تلك المصلحة العامة عينها. # ويروى، للدلالة على هذين الأمرين معا، أن وجيها من وجهاء الصعيد عين مديرا ~~للمديرية التي فيها بلده؛ فوجد من ملازمة أهله ومعارفه له وجلوسهم معه، بدون أقل ~~تكلف، في حجرته الرسمية الخاصة به، وتضييعهم وقته عليه في محادثات لا طائل تحتها، ~~أو لا تهم سواهم من الناس، ما رأى، معه، مهابته مفقودة في أعين مرءوسيه والأهالي ~~معا، وما غصت به روحه، ولكنه لم يجد من نفسه القوة الأدبية الكافية لإيقافهم عند ~~حدهم، فأوعز إلى قواصه التركي - وكان ألبانيا، عالي القامة ضخم الجثة، ذا شاربين ~~كشاربي عنترة وأبي زيد في صورتيهما المتداولتين بين أيدي الناس - أن يدخل يوما، ~~فجأة، على أولئك الأهل والمعارف، عندما يراهم جالسين في حجرته الخاصة؛ ويزجرهم ~~ويطردهم من حضرته، عساهم يرتدعون. # فامتثل القواص للأمر من الغد؛ ودخل على جمع بلديي المدير الملازمين له في غرفته، ~~وقد فتل شاربيه الكثيفين حتى مس طرفاهما أذنيه؛ وحملق عينيه حملقة مروعة، وهجم ~~عليهم صارخا بصوت مخيف: «يلا! سكتر! كرتا! فلاح أدپسيز!» فذعر الجمع وارتعدت ~~فرائصهم، وما هي إلا لحظة وقد أخلوا المكان مهرولين يتسابقون ويتدافعون إلى الباب؛ ~~ولكن المدير كان أولهم هروبا، لشدة ما وقع في نفسه من هيبة قواصه وهول منظره وصورته. # 5 # وتوج (إسماعيل) إصلاحه الإداري بإقدامه على إشراك الأمة المصرية معه في الحكم ~~وتحقيقه، في إنشاء مجلس نيابي، الفكرة التي دارت في خلد جده، الباشا العظيم، ولم ~~تمكنه الأيام من إخراجها إلى حيز العمل. # 6 # فبسط في أواخر سنة 1864، رغبته في استدعاء أكابر التجار والأعيان والمزارعين إلى ~~جمعية عمومية، تطلع على حال البلد المالية، ويناط بها أمر المناقشة في الضرائب ~~وتحديدها وتقريرها ثم توزيعها توزيعا عادلا. # وفي أوائل سنة 1866 نفذ تلك الرغبة، ومنح القطر هيئة نيابية، وضع لها قانون ~~انتخاب في منتهى الحكمة والسماحة؛ حتى لقد قال فيه ms058 بعض كتاب الفرنج «إنه يصلح لأن ~~يكون نموذجا وقدوة لعموم الأقطار بلا استثناء؛ وإنه لخليق بأن يحسد العالم ~~المتمدين مصر عليه»، وجعل اختصاصات تلك الهيئة واسعة؛ ومداولاتها نافذة في الأمور ~~المالية والإدارية؛ واستشارية، خليقة بالعمل بها، متى كانت صائبة، في الأمور ~~التشريعية. # وفي 25 نوفمبر من السنة عينها افتتح أول جلساتها بحفلة شائقة، تلا فيها بنفسه ~~خطابا وجيزا فصيحا، أظهر فيه للنواب الغرض من اجتماعهم؛ وطلب إليهم مساعدة ~~حكومته على تنفيذ الأشغال العمومية المفيدة الجارية في البلاد؛ وتحديد مواعيد سنوية ~~لجباية الأموال؛ وأحاطهم علما بما تم، في ذلك العام، من تعديل نظام إرث العرش ~~المصري، والموجبات التي ألزمته، والنفقات والتعهدات التي استلزمها وسيأتي بيان كل ~~ذلك في حينه. # فكان - مع أنه شرقي - أول عاهل، بعد كارلو البرتو دي ساڨويا، ملك سردينيا، روى ~~التاريخ عنه، أنه تنازل، عن طيبة خاطر وبمجرد إرادته، عن جزء من سلطته المطلقة، ومن ~~ميزات تاجه الملكي؛ وأول عاهل أعاد إلى أمته جانبا من السلطة التشريعية المستمدة، ~~في الحقيقة، منها، فسبق، في هذا المضمار، موتسو هيتو، ميكادو اليابان المجيد الطائر ~~الصيت؛ ومظفر الدين خان، شاه العجم الممدوح الذكر! # وإنا، إذا وعينا تماما أن إنجلترا نفسها، العريقة في الأحكام الدستورية، لم ~~تنل مزية هذه الأحكام إلا بعد أن قاتلت عليها، مدة ملكها (يوحنا العديم الأرض)، أخا ~~ريكاردوس قلب الأسد؛ وأنها أضرمت، لاستعادتها والمحافظة عليها، نيران ثورتين؛ وثلث ~~عرشين، أغرقت قوائم أولهما في دم تشارلز الأول الستيورتي الجالس عليه؛ وأنه ما من ~~أمة في أوروبا، إلا وكابدت في سبيل الحصول على تلك المزية أجسم المشاق، وأهرقت أزكى ~~دماء نبلاء الشعور والأفهام من أولادها؛ وأن الصحافة العالمية استنفدت كل كلمات ~~الشكر والثناء ، في تحبيذ عمل ميكادو اليابان وشاه العجم المذكورين حينما تم، أدركنا ~~مقدار ما يستحق عمل (إسماعيل) من إعجاب؛ وما هو خليق به من مدح جزيل! # ولا يضيره ما أخذه عليه بعض الكتاب من أن الهيئة النيابية التي جاد بها على ~~بلاده لم تكن - لجهل معظم أعضائها المطبق، ولثقل ms059 ظلم ستين قرنا على عواتقهم - ~~تستطيع تقدير المنحة المجود بها حق قدرها، ولا استخدام الآلة الموضوعة بين يديها ~~استخداما حسنا؛ وأنها اعتقدت من واجباتها أن ترى أنها ملتئمة للتصديق، فقط، على ~~رغائب «ولي النعم». # فإنه إذا صدقت الرواية الزاعمة أن النواب - حينما أفهمهم شريف باشا وزير الداخلية ~~في تلك السنة، أن المجالس النيابية الأوروبية منقسمة دائما إلى حزبين: حزب يعضد ~~الحكومة، وحزب يعارضها ويقاومها؛ وأنه يجدر بهم، والحالة هذه، أن ينقسموا أيضا إلى ~~حزبين: حزب مع الحكومة، وحزب عليها، فيجلس رجال حزب الحكومة على مقاعد اليمين، ~~ورجال حزب المعارضين لها على مقاعد اليسار - تسابقوا جميعهم إلى مقاعد اليمين، ~~هاتفين: «إنا كلنا عبيد أفندينا، فكيف نكون مقاومين لحكومته؟» # 7 # وإذا صح ما تزعمه الليدي (دف جوردون) في مراسلاتها من أن أحد المنتخبين قال لها: ~~«إنا، معشر النواب، إنما نحن ذاهبون إلى مصر، وقلوبنا في جزمنا؛ لأنه، إذا كان ~~أحدنا لا يستطيع أن يجاوب المدير، على أي أمر يصدره إليه، مهما كان جائرا، سوى ~~بعبارة «حاضر! على عيني ورأسي!» أفتريدين أن نجسر على مقاومة إرادة أفندينا، الذي ~~يملك أعناقنا؛ وحق التصرف في أعمارنا؛ ويستطيع في أي وقت يشاء أن يخسف الأرض تحت ~~أقدامنا، ويقطع خبرنا في أقاصي الفازوغلي؟» # 8 # وإذا صح أن خوف الأهلين من المديرين ومن معاداتهم جعلهم يفرون من الانتخابات؛ وأن ~~هذه - بالرغم من القانون الجميل الموضوع لها - لم تجر إلا بالقوة القاهرة، وطبقا ~~لرغائب أولئك الحكام؛ وإذا صح أخيرا أن النواب كانوا، في أول جلوسهم على كراسيهم، ~~متهيبين لا يدرون ماهي واجباتهم؛ فإنه يجب أن لا يغيب عن الأذهان ثلاثة أمور: # الأول: # أن (إسماعيل) كان يعلم حق العلم أن هناك أقلاما أوقفها أعداؤه ~~على تسوئة سمعته وتسويد صحيفة أعماله؛ وإظهار كل الإصلاحات التي ~~يقدم عليها كأنها مجراة لا لرغبة حقيقية فيها، وابتغاء للفائدة ~~التي تعود منها على البلاد؛ ولكن لذر الرماد في أعين الدول ~~الغربية؛ وحمل العالم المتمدين، على الاغترار بالطلاء واعتباره ~~مجرى تلك الإصلاحات من أعاظم رجال القرون ms060 و«أكبر حاكم وجد على رأس ~~مصر الإسلامية منذ الفتح العربي»؛ كما كان يقول محبوه والمغمورون ~~بأفضاله من أصحاب الجرائد الفرنساوية والإنجليزية والإيطالية ~~الكبرى في بلادهم، وكان يعلم أن الواقفين على نوع عقلية الأمة ~~المصرية وماهيتها، في تلك الأيام، قد يسخرون بمنحته، ويستنكرونها، ~~حتى فيما لو اعتبروها صادرة عن إخلاص حقيقي في حب البلاد، ورغبة ~~صادقة في رقيها؛ وأنه، مع ذلك، لم يخف طعن الطاعنين المتحاملين؛ ~~ولم يخش استهزاء المستهزئين، في سبيل السير بأمته في معارج المدنية ~~الحديثة، والنهوض بها إلى مستواها بأية وسيلة يراها مجدية ~~نفعا. # الثاني: # أن أي عمل إنساني كان يراه الوقت الحاضر سخيفا هزأة، قد لا ~~يلبث، مع مرور الأيام عليه وهو قائم، أن يكسبه الزمان حلة من ~~الكمال، ويحوطه بهالة من الجلال، لا تجعلانه كبيرا في العيون، ~~فقط، بل مثمرا ثمرا شهيا، وأن خير معبر عن هذه الحقيقة، ما ~~قاله ذلك النبيل الفرنساوي الذي منحه نابليون الثالث لقب شرف كان ~~لأعرق الأسرات الفرنساوية قدما، واندثر باندثارها، وهو: «إنه ~~ليخجلني، حقا، أن يلقبني عارفي بالدوق دي مونمورانسي: لأنهم ~~يعلمون أني لست من هذه الأسرة، ولكني متأكد أنه لن تمضي خمسون سنة ~~إلا ويكون الملأ قد نسي من منح بيتي هذا اللقب ومتى منحه؛ ~~فيعتبرونه، في أحفادي، إرثا عن أسرته القديمة؛ ويصبح مصدر فخار ~~لهم: لأن الزمان يقدس كل شيء». # 9 # ومن يعلم أن شريف باشا ذاته - الذي رأى النواب الأولين يتسابقون ~~إلى مقاعد اليمين، لكيلا يعتبروا من حزب المعارضين للحكومة - أصبح، ~~فيما بعد، من أشد الناس تمكسا بالهيئة النيابية بمصر، ومن أكبر ~~أنصار الحكم الدستوري، حتى إنه فضل اعتزال الأحكام في أوائل حكم ~~توفيق على توليها، ولا هيئة نيابية فيها # 10 # من يراجع، بعد ذلك، تاريخ الحركة الفكرية النيابية ~~بالقطر المصري في نصف القرن الذي تلا افتتاح أول مجلس نيابي فيه، ~~ويقف على مقدار تطور العقلية فيها، يدرك إدراكا تاما مقدار ~~الحكمة المستكنة في قول ذلك النبيل الفرنساوي؛ ويتمكن من الوقوف ~~على التطور الاجتماعي الذي أوجبته، على ms061 ممر الأيام، منحة ~~(إسماعيل): فيقدرها تقديرها الحق، ولا يبخل على صاحبها بالثناء ~~والشكر اللذين يستحقهما. # الثالث: # أنه لم يمض على تشكيل ذلك المجلس بضعة أعوام، إلا وأنجب نوابا ~~عن مصالح الأمة حقيقين بهذا الاسم؛ ولو أن عددهم لم يتجاوز أصابع ~~اليد الواحدة؛ نوابا لم يروا أن مهمتهم تنحصر كلها في التصديق على ~~أعمال الحكومة وتحبيذها، لم يخافوا التصدي لمعارضتها ومناقشتها ~~الحساب؛ بالرغم من علمهم أنها إنما تنطق بلسان الأمير وتعبر عن ~~إرادته، ومع ذلك، فإن التاريخ لا يذكر أنهم أصيبوا بسوء بسبب حرية ~~ضمائرهم وألسنتهم، ولو أن بعض ذوي الأمر امتعضوا منها، وهددوا ~~أصحابها بضر إن لم يصمتوا. # الفصل الثاني # | توسيع نطاق الزراعة والري والمواصلات1 # الزراعة حياة مصر؛ والري روح الزراعة؛ والمواصلات من البلد كالشرايين من ~~الجسد. # كهنوت مصري قديم # من المعلوم أن (محمد علي)، في أوائل سني ملكه، أي ما بين سنة 1808 وسنة 1814، ~~مقابل ترتيبه إيراد سنوي، لحاملي حجج الأطيان المصرية، يوازي إيرادها السنوي ~~المعتاد، استولى على جميع هذه الأطيان، بما فيها أطيان ديوان الأوقاف ورزق المساجد ~~- ما عدا «الوسيات» - وهي أطيان تخلفت للنواحي عن فلاحين ماتوا بدون وريث؛ أو تنازل ~~عنها أصحابها الفقراء، لعدمهم، إلى ملتزم الناحية مقابل مبلغ يسير من النقود؛ فأصبح ~~الملتزم يزرعها لحسابه، نظير دفعه مالا سنويا للميري، ليمكنه من القيام ببعض ~~نفقات في المصلحة العامة كتطهير الترع وصيانة السواقي، وما لبث الملتزم، بعد عهد ~~قليل، أن امتنع عن دفع ذلك المال، مع احتفاظه بالوسية؛ كما فعل البطريقيون «بالأجر ~~العام» في جمهورية روما القديمة، فحقق (محمد علي)، بذلك التملك، الحلم الذي رآه في ~~صباه، وهو في قوله، إذ نظر نفسه يشرب كل ماء النيل، ليروي ظمأ اعتراه، ولا ~~يرتوي. # ومن المفهوم ، بداهة، أنه إنما استولى على جميع أطيان القطر، لا لطمع أو جشع في ~~أملاك الغير؛ ولكن لسببين: الأول رغبته في إدخال أصناف مزروعات جديدة على الزراعة ~~المصرية المعاصرة له (كالقطن، والكتان، والأفيون، والنيلة والتوت إلخ)، من شأنها ~~زيادة الثروة العمومية، وإنماء رخاء البلاد؛ ms062 وعلمه أن جمود الفلاحين المصريين في ~~الاقتصار على أنواع المحصولات القديمة يحول دون تحقيق رغبته. والثاني تصميمه على ~~احتكار تجارة القطر عامة، ظنا منه أن في ذلك مصلحة البلاد؛ لاعتقاده أنه يدري من ~~أساليب التجارة وضروبها ما لا يدريه الفلاحون؛ وإراداته، والحالة هذه، أن يتمكن من ~~زرع ما يشاء، أنى يشاء، وبأية كمية يشاء. # فأدخل، الأصناف الجديدة، التي كان راغبا فيها، على زراعة البلاد؛ وتصرف في زرعها ~~التصرف الذي رآه مناسبا لمصلحته ومفيدا لتجارة القطر، فأكثر، مثلا، من زراعة ~~أصناف المستعمرات (كالقطن وأمثاله) في الوجه البحري، حتى كاد يجعل زراعة هذا ~~الإقليم كلها قاصرة عليها، وخص الصعيد بزراعة الغلال والحبوب. # وكيلا تحرم مصر الاستفادة حتى من الأطيان البائرة، أنعم بعد سنة 1830 بأكثر من ~~مائتي ألف فدان منها على كبار أتراكه؛ وأعفاهم من دفع ضريبة ما عليها مدة تتراوح ~~بين ست وعشر سنين؛ على شرط أن يحيوها ويزرعوها، وقد عرفت هذه الأطيان باسم ~~«الأبعاديات» أو «الأباعد»، وأكثر (محمد علي) فيما بعد من الإنعام بها على المخلصين ~~في خدمته من رجاله الأمناء، بصفة مكافآت لهم على أعمالهم التي أحرزوا بها رضاه؛ ~~ورغبة منه في إنماء المساحة الصالحة للزرع في القطر المصري. # وقد اقتدى به في الاعتناء بالزراعة، بل فاقه تفننا في أساليبها، ابنه إبراهيم ~~باشا: فإنه، على كونه جنديا أكثر منه رجل زراعة، ما كاد يقتني الأطيان الشاسعة ~~بالقطر إلا وأدرك، أكثر من كل مزارع، مقدار الخيرات التي يمكن للأرض المصرية أن ~~تدرها، إذا بوشرت زراعتها على حسب الأصول الفنية. # فأقبل يشتغل بمنتهى الذكاء والتفنن؛ وأدخل تحسينات جمة على الطرق الزراعية ~~القديمة المتبعة؛ واستنبط طرقا أخرى؛ وباشر زراعة نباتات غير النباتات المعروفة ~~(كشجر الزيتون) مثلا: فإنه غرس منه ما ينيف على ثمانين ألفا، ثم أصلح جملة أطيان ~~بائرة، وحولها إلى أطيان زراعية في غاية الجودة. ناهيك بالإصلاحات التي أدخلها على ~~فن إقامة الحدائق والبساتين، وتحويله جزيرة الروضة إلى اسم على مسمى حقا، وقد قال ~~عنه البرنس پكلر مسكاو في كتابه المعنون ms063 «مصر تحت حكم محمد علي»: «إن إبراهيم باشا ~~معجب به في مصر كمحسن عظيم، فما هو بالغراس والمزارع على مقياس شاسع فحسب؛ بل إنه ~~قد مد ظل إصلاحاته فوق أرجاء الصحراء الشرقية التي ما وراء القاهرة، والمسلم أمر ~~تحويلها إلى جنة غناء للمسيو بونفور، وهو رجل لا يعرف الملل ويشغل تحت إدارته عشرة ~~آلاف عامل بأجرة تتراواح ما بين قرش ونصف إلى ثلاثة قروش يوميا تدفع، لهم كل يوم ~~جمعة بانتظام مستمر». # 2 # ولم يكن ليغيب عن ذهن (محمد علي) أن روح الزراعة بمصر إنما هي حسن توزيع مياه ~~الري وأن توسيع نطاق الفلاحة فيها لن يدرك إلا بتوسيع نطاق الري عينه، ونطاق طرق ~~المواصلات؛ وأن خير ضمان لاستمرار الفلاحين مقدمين بنشاط وحب على الزراعة إنما هو ~~استفادتهم وإثراؤهم منها ورؤيتهم أنفسهم غير مرهقين بالضرائب وطرق تحصيلها. # فما وضع يده على الأرض المصرية، للغرضين الذين قلنا عنهما، إلا وأقبل بهمته ~~الفائقة على الاعتناء بذلك جميعه: # فلم يترك جزءا من الأطيان التي كان يمكن ريها بالوسائل الموجودة منذ زمن ~~المماليك، إلا وضمن له وصول المياه إليه بكيفية ثابتة، وربما كانت رغبة تمكنه من ~~القيام بهذا العمل سببا ثالثا في إقدامه على نزع الأطيان من أيدي أصحابها؛ لأن ~~هؤلاء كانوا لا يفترون يتنازعون على الري. يقاتل أهالي الجهة أحيانا جيرانهم أهالي ~~الجهة الأخرى على فتح ترعة أو سدها. مثال ذلك ما كان يقع دائما من المنازعات بسبب ~~ترعة الفرعونية، هذه الترعة كانت تصل بين فرعي النيل، وبين عين شمس ونضير، مارة ~~بمنوف، وبما أنها كانت تحول جانبا عظيما من مياه فرع دمياط إلى فرع رشيد، فتسبب - ~~لا سيما في أيام التحاريق - شرقا جسيما لمزروعات الأرز في شمال الدلتا والدقهلية، ~~من المنصورة إلى دمياط؛ كان المزارعون الذين في جوار فرسكور وبعض جهات الدلتا ~~الشمالية، والمزارعون الذين على فرع رشيد في نزاع مستمر بعضهم مع بعض: أولئك يرغبون ~~في سد الترعة ومنع تحويل مياه فرع دمياط إلى فرع رشيد؛ وهؤلاء يرغبون بالعكس في ~~فتحها ms064 وتحويل المياه إلى فرعهم، وقد رفع كلا الطرفين شكوى في هذا الشأن إلى الجنرال ~~بونابرت في سنة 1799 فكان أحد الأوامر الأخيرة التي أصدرها ذلك الرجل العظيم وهو ~~بمصر خاصا بإجراء تحقيق في المسألة أمام لجنة من المهندسين المرافقين لحملته، ثم ~~حدث، بعد ذلك بسنوات، أن مياه النيل، إما بفعلها الطبيعي وإما بفعل بعض ذوي ~~المصلحة، ذهبت بالجسر الساد للفرعونية، وأحيت المنازعات القديمة بين أولئك ~~المزارعين، فرأى (محمد علي) أن يفض الخلاف بينهم فضا نهائيا: فسد الفرعونية ~~بحاجز من البناء الثابت المتين؛ وعوض على أهل مديرية البحيرة والجانب من الدلتا، ~~الذين كانوا يطالبون بفتح تلك الترعة، خسائرهم الناجمة عن ذلك السد بإنشاء عدة ترع ~~في فرع رشيد أفادتهم أكثر مما كانوا يستفيدون من ترعة الفرعونية. # 3 # ولكن وسائل الري المخلفة عن المماليك كانت قليلة، ولم يكن في القطر من ترع هامة ~~سوى بحر يوسف، وبحر مويس، وبحر شبين الكوم، والجعفرية، فرأى (محمد علي) أنه، رغم كل ~~اعتناء يبذله في الانتفاع بكل ما يمكن الانتفاع به من مياه هذه الترع، فإن جانبا ~~عظيما من الأطيان ذات التربة الخصبة يستمر بورا لعدم وصول مياه النيل ~~إليه. # فعلى الرغم من اشتباكه في حروب عظمى - اضطر إلى الدخول فيها إما لحفظ الأمن في ~~البلاد؛ وإما امتثالا لأوامر سلطان تركيا؛ أو لرغبة في التوسع وفي إحياء شأن الأمة ~~العربية - أقبل على إنشاء وسائل ري، يعتبرها التاريخ أسطع ماسة في تاج مجده، وخير ~~وسام على ثوب فخره. أهمها: ترعتا المحمودية والخطاطبة في البحيرة؛ ومد ترعة ~~الجعفرية؛ وترعتا مسد الخضراء، والبقيدي في الغربية؛ والنعناعية، والسرساوية، ~~والباجورية في المنوفية؛ والبوهية، والمنصورية، وترعة دوده، والشرقاوية في الدقهلية ~~- وقد أنشأ هذه الترعة الأخيرة، لأن مزارعي الأطيان التي على الفرع الدمياطي، على ~~الرغم من سد الفرعونية، لم يفتروا يشتكون من قلة المياه وعدم كفايتها لمقاومة دخول ~~البحر الملح في النيل بالقرب من المنصورة، وأنشأهما في جهة أعلى بكثير من النقطة ~~التي يصل عندها امتزاج الماء العذب بالماء الملح: فجعل مزارع الأرز ms065 ضامنة الحصول ~~على الماء الجيد طوال العام - ومصرف بلبيس، وترعة الوادي في الشرقية؛ والزعفرانية، ~~والباسوسية، والشرقاوة في القليوبية؛ وبضع جداول أخرى في الصعيد، لا نأتي على ~~ذكرها؛ لأن الوجه القبلي ما فتئ قليل الري وغير منتظمه لغاية أيام ~~(إسماعيل). # ولم يقتصر (محمد علي) على إنشاء هذه الترع؛ ولكنه أقام على معظمها قناطر حاجزة، ~~مسهلة للري: لأنها بحفظها المياه في مستوى موافق من العلو تمكن من تسريبها إلى ~~الأرض بمجرد قطع يعمل في هذه؛ أو من توصيلها إليها بواسطة آلات رافعة كالسواقي ~~والتوابيت والشواديف، وقد أنشأ (محمد علي) منها في القطر عامة ما يزيد على خمسين ~~ألفا، وبعض تلك القناطر على جانب عظيم من الأهمية. # وتوج كل ما عمله في هذا الباب المفيد بشروعه في إنشاء القناطر الخيرية الجليلة، ~~الشاسعة الأطراف، البديعة الصنعة الهندسية، على فرعي النيل، في الموضع الذي أشار ~~نابليون الأول في مذكراته بوجوب إقامتها عنده. # ولم يهمل في الوقت عينه، توسيع نطاق المواصلات؛ لعلمه أنه إذا تعذر نقل حاصلات ~~الزراعة إلى حيث يسهل بيعها بأثمان موافقة، فإنها لا تلبث أن تتلف أو تباع بأثمان ~~بخسة: فلا يعود الاشتغال في إنمائها يجدي؛ وتبور الفلاحة مع تمادي الأيام، ولو بلغت ~~وسائل الري درجة الكمال، واتسع نطاقه إلى أقصى ما يتصوره الفكر؛ اللهم إلا إذا كانت ~~تلك الوسائل طرق مواصلات أيضا. # فاجتهد أولا في جعل معظم ترع القطر الكبرى صالحة للملاحة كالنيل بتطهير مجراها ~~بين حين وحين، ثم زاد عدد المراكب الماخرة فيها زيادة مطردة: فبينما كان الموجود ~~منها على النيل، في أيام الاحتلال الفرنساوي، سبعمائة من أسوان إلى القاهرة؛ ~~وتسعمائة من القاهرة إلى البحر الأبيض المتوسط، أصبح في سنة 1839 ثلاثة آلاف ~~وثلاثمائة؛ منها ثمانمائة للحكومة خاصة، وذلك غير مراكب الصيد التي كانت تمخر في ~~بحيرات البرلس والمنزلة وإدكو ومريوط. # ولما انتشر اختراع فلتن الأمريكي، وبنيت السفن البخارية أسرع (محمد علي) وبنى ~~لنفسه واحدة منها كلها من حديد؛ ظنها الأهالي، أول ما رأوها، حيوانا بحريا ضخما ~~ولد في مياه النيل ms066 حديثا، ولكنه لم يستطع تعميم استعمال ذلك الاختراع في النيل ~~لعدم وجود مناجم فحم حجري في القطر. # ولم يكن، قبله، طرق في البلاد، بالرغم من أن جسور الترع كانت تصلح لهذا الغرض، لو ~~خصت بشيء من العناية، ولكن حكام مصر الذين سبقوه على سدتها، كانوا، كلهم، من رأي ~~ذلك التركي القائل بضرر إنشاء الطرق السلطانية؛ ووجوب تعطيل الموجود منها؛ لأنها ~~بتسهيلها نقل المدافع من مكان إلى مكان، تمكن الأجانب من غزو البلاد، وأما عدمها، ~~فيحول دون توغل أي جيش فاتح فيها. # 4 # فجعل (محمد علي) جسر ترعة المحمودية التي أنشأها، طريقا للمرور، واختط عدة طرق ~~سلطانية أخرى، أهمها السكة التي بين مصر وقصره في شبرا، وهي من أجمل ما يكون، تظلل ~~الأشجار الباسقة جانبيها، وفائدتها، لنقل حاصلات الأطيان المجاورة لها إلى العاصمة، ~~لا تنكر. # على أن أهم طريق للمواصلات أوجدت في أيام الباشا العظيم، هي الطريق التي أنشأها ~~الملازم الإنجليزي (واجهورن) ما بين الغرب والشرق الأقصى، وعرفت باسم «ذي أوڨر ~~لاندروت»؛ وكانت، ما بين السويس والقاهرة والإسكندرية، ذات محطات ونظام وأدوات ~~جعلتها مصلحة تامة المعنى، أطلق عليها اسم مصلحة «الترانزيت»، وكانت في بادئ أمرها ~~إنجليزية محضة، وكل عمالها من الإنجليز، ولكن (محمد علي) تربص حتى تذرع بغلطة ~~ارتكبها مديرها: فدفع تعويضات كافية لعمالها، وصرفهم، وأحل محلهم عمالا من لدنه، ~~فصير المصلحة مصرية سنة 1845. # وكانت إنجلترا منذ سنة 1837، أي حالما فرغ من مد الخط الحديدي بين لندن وليڨربول ~~- وهو أول خطوط العالم الحديدية - وقبل أن تمد غيره البلاد البريطانية عينها، قد ~~فاتحته في أمر إنشاء سكة حديدية بين مصر والسويس؛ وراق المشروع في عينه، فبعث من ~~استحضر من أوربا الأدوات والمواد اللازمة له، وهب إلى نفاذه، ولكن فرنسا خافت أن ~~يئول الأمر، إذا ما تم على يد شركة إنجليزية، إلى استيلاء بريطانيا العظمى على ~~القطر المصري، فعارضت في المشروع - ولم يكن (محمد علي) في تلك الأيام يعتمد في ~~الملمات إلا عليها - فأبى إغضابها؛ ورأى، من جهة أخرى، أن نفقات تلك السكة ms067 قد تربو ~~على خمسة وعشرين مليونا من الفرنكات، بين أن إيراداتها قد لا تأتي بأرباح مطلقا، ~~لاقتصار منافع الخط المرغوب في إنشائه على المواصلات مع الهند، وعدم استفادة ~~الزراعة منه بشيء، فأهمل المشروع وطرحه في زوايا النسيان. # أما أمر إثراء الفلاحين من زراعتهم وعدم إرهاقهم بالضرائب وطرق جبايتها، فإن ~~الأيام السوداء التي آل فيها عرش مصر إليه، والمصاعب الكبيرة الجمة، من كل نوع، ~~التي أحاقت به، لم تمكنه من تحقيقهما، على كثرة رغبته في ذلك - ولا أدل على هذه ~~الرغبة من إرساله شبانا كثيرين إلى أوروبا ليتلقوا علم الزراعة الفني؛ ومن ابتنائه ~~في شبرا عزبة أحب أن تكون نموذجا للمعيشة الفلاحية السعيدة - فمات وفي نفسه من ذلك ~~غصة: (أولا) لشعوره بحقيقة قول الشاعر الفرنساوي: «إني أريد، ولكن، يا للشقاء ~~الأكبر! فإني لا أصنع الخير الذي أحب، وأعمل الشر الذي أكره.» # 5 # و(ثانيا) لعلمه بأن أعداء اسمه ومجده سيجدون، في عدم تحقيقه ذينك ~~الأمرين، متسعا للطعن عليه، وتشويه وجه شمس حياته الساطعة! # وبما أن المشهور عن عباس الأول، هو أنه عامل القطر المصري كأنه بلد فتحه بحد ~~السيف، فمن البديهي أنه لم يكن ينتظر منه الالتفات إلى ما يعود على أهله وساكنيه ~~بالرفاهية والخير. # فاستمر الفلاح المصري، إذا، مقيما على أطيان لا يملك منها شيئا، واستمر يزرع ~~وينمي ما لا نصيب له في اختياره؛ ويجني محصولا لا يستطيع التصرف فيه، ولما رأى أن ~~الحكومة أصبح يعوزها شيء كثير من الحكمة والرأفة النسبيتين اللتين امتازت بهما أيام ~~الباشا العظيم وإبراهيم الهمام؛ وأن عباسا لا يهمه من أمره إلا أن يملأ خزائنه ~~بالنقود التي يعصر جسمه للحصول عليها؛ وأنه، فيما عدا لذاته، غير مشتغل في شأن من ~~الشئون العامة، اللهم إلا في إحلال الجنود الألبانيين وغيرهم من الأتراك محل الجنود ~~المصريين، وتسليحهم بمسدسات أميريكية - كأن الشر المندلع من طبنجاتهم لا يكفي ~~لإلقاء الرعب في القلوب - ورأى أن مشروع مد سكة حديدية بين الإسكندرية ومصر لم ينفذ ~~إلا رغم إرادة ذلك الوالي، أخذت عنايته ms068 بالحقول تقل، واهتمامه بريها، ودفع طوارئ ~~الحدثان عنها، وتطهير الترع الصغرى الموكول أمر صيانتها إلى القرى، يزول، وبات ~~الخراب يهدد الزراعة المصرية بأسرها. # فلما آل زمام الحكم إلى (سعيد) هاله الأمر؛ وكبر عليه أن تصبح معظم نواحي القطر، ~~بسبب إهمال الري والمواصلات ورزوح الفلاحين تحت ثقل الضرائب الفادحة وغلظة طرق ~~جبايتها الوحشية، قاعا صفصفا وقفرا بلقعا، وأدرك أن ما كان صالحا ومفيدا في ~~أول عهد أبيه، لم يعد له في عهده من موجب؛ بل إن ضرره الفاحش بات يرى بالعين ~~ويلمس باليد. # 6 # فأصدر أمرا بتوزيع الأطيان، في كل ناحية، على القائمين بزراعتها ليتصرفوا في ~~زرعها كما يشاءون، وأمر بتقييد ذلك التوزيع في سجلات خاصة، تكون بمثابة حجج ملكية ~~لأولئك المزارعين، ولئن لم يمنحهم حق امتلاك الأرض بالمعنى الذي يفهم من هذا ~~التعبير (لأن ذلك لم يكن ممكنا بسبب الاعتقاد السائد من أن ملكية الأرض حق من حقوق ~~السلطان دون غيره)، فإنه أباح لهم حق التصرف فيها بيعا ورهنا، على أن تكون ~~«أثريتها» - كما كانوا واستمروا يسمونها لغاية عهد غير بعيد - لا هي بعينها، موضوع ~~ذلك التصرف، فأنعش بذلك الزراعة المصرية وجعلها تترعرع وتشتد. # وتوصلا إلى استئصال كل الأشواك من سبيلها دفعة واحدة، أقبل على الضرائب، وعدل ~~طريقتي ربطها وجبايتها: فأبطل النظام التضامني الذي كان قاعدتها؛ وهو نظام - بما ~~كان يوجبه من التضامن في دفع الأموال، بين أهل الناحية الواحدة، وأهل نواحي القسم ~~الواحد، وأهل أقسام المركز الواحد، وأهل مراكز المديرية الواحدة - كان يلزم العامل ~~النجيب النشيط بسد العجز الناجم عن كسل رفاقه، وتهاونهم، أو جهلهم؛ والعجز الناتج ~~عن الفراغ الذي يحدثه الموت، أو أي طارئ كان في عدد سكان الناحية أو القسم أو ~~المركز أو المديرية: وفي ذلك من الغبن والظلم ما لا يسلم به عقل. # ثم أسقط، جملة واحدة، كل المتأخرات التي كانت على النواحي - وكانت تبلغ ثمانين ~~مليونا من القروش؛ أي: سدس الأموال جميعها في عهد (محمد علي) أبيه - والمتأخرات ~~نتيجة طبيعية لسوء ربط الضرائب وسوء جبايتها. ms069 # وتنازل أخيرا عن الاحتكار التجاري الذي كان لأسلافه، فعدل، بإذنه عن أخذ الضرائب ~~فعلا: وأطلق الحرية للمزارعين في بيع محصولاتهم، أنى يشاءون ولمن يشاءون، وطالبهم ~~بدفع الأموال الأميرية نقدا. # ورغبة منه في تسهيل الانتقال عليهم من طور إلى طور وجعله أمين العواقب، قسط تلك ~~الأموال على اثني عشر قسطا شهريا؛ ونظم طريقة تحصيلها، طبقا لما كان متبعا في ~~فرنسا حينذاك، ومنح مهلا للدفع، ريثما يتاح لدى المزارعين مال كاف، وتجاوز، في بعض ~~الأحيان ولبعض النواحي المشتدة عضة الفقر على ساعدها عن ضرائب سنة برمتها. # ثم أضاف إلى جميع هذه النعم نعمة أخرى وهي: رفع الضرائب سنويا، عن كل أرض لا ~~تبلغها مياه النيل، إما لقلة في الفيضان، أو لأي سبب كان - مقتفيا في ذلك أثر ~~أسلافه عن عواهل مصر الصالحين: كأحمد بن طولون، والمعز لدين الله، والعزيز بالله، ~~وصلاح الدين. # وتوج كل ما فعل في هذا الباب، بإنشاء قرية للفلاحين على نظام قرى الغرب الريفية؛ ~~جعل فيها جميع أسباب النظافة والراحة متوفرة، لتكون نموذجا يبني فلاحو القطر قراهم ~~على مثاله؛ ولكن الفلاحين أبوا إلا البقاء على معيشتهم القذرة، ولم تمض مدة يسيرة ~~حتى أهمل ساكنوا القرية الأنموذجية منازلها الجميلة، وابتنوا لأنفسهم عششا كالتي ~~اعتادوا، من صغرهم، سكناها، فاندثرت قرية سعيد. # 7 # غير أن إصلاحاته لم تكن لتجدي الزراعة النفع المرغوب فيه، لو لم تقترن باعتناء ~~تام بوسائل الري وطرق المواصلات. # فأقبل عليهما، ولكنه ما ألقى نظره على الواجب عليه عمله في شأن الري، حتى هالته ~~جسامته؛ وذلك لأن الأوحال كادت تطمر الترع التي أنشأها أبوه، بما فيها المحمودية؛ ~~لقلة الاعتناء بها وقلة صيانتها؛ ولأن أمر تطهيرها فقط - ناهيك بحفر ترع غيرها - ~~كان من شأنه استنفاد همة رجل مقدام في عدة سنوات، فأحجم. # ولكنه - حينما أفهمه موچيل بك أن المحمودية التي كلفت أموالا وأعمارا ثمينة، ~~والتي تستقي الإسكندرية منها ماءها، إن لم تتدارك حالا بالتطهير، انطمرت بعد قليل، ~~وباتت غير صالحة للملاحة بتاتا، حتى ولا للشرب - شمر عن ساعد الجد والنشاط، ms070 وأصدر ~~إلى المديريات الأوامر بتسيير العدد اللازم من الأنفار إلى ضفاف تلك الترعة ~~ليشتغلوا في تطهيرها، فأرسلت النواحي مائة وخمسة عشر ألف عامل؛ وخصص لكل منهم عمل ~~يؤديه؛ ووعد وعدا صريحا بتسريحه حالما ينجزه، فجدوا، وتباروا؛ وبالرغم من أنه لم ~~يعط إلا فأسا واحدة لكل خمسة منهم، أتموا العمل على ما يرام في ظرف اثنين وعشرين ~~يوما فقط؛ دون أن يموت أحد منهم، بل دون أن يمرض أكثر من خمسة في كل ألف، بفضل ~~الاحتياطات والوقايات الصحية التي اتخذت. # فإذا تذكرنا أن أكثر من اثني عشر ألف عامل من الذين حفروا المحمودية في سنة 1818 ~~ماتوا في خلال عشرة شهور، ودفنوا تحت أتربة الجسرين المقامين على ضفتيها، أدركنا ~~مقدار تقدم الأيام نحو الأحسن في غضون بضع وأربعين سنة من وجود مصر تحت أحكام ~~الأسرة العلوية. # 8 # غير أن إقدام سعيد على تتميم مد السكة الحديدية بين الإسكندرية ومصر - وهي سكة ~~افتتحها في أول يناير سنة 1856 - وإنشاء خط آخر بين القاهرة والسويس؛ وانشغال فكره ~~في الإصلاحات التي عزم على إدخالها في حكومة السودان؛ وفي الامتياز الذي منحه ~~المسيو دي لسبس لأجل حفر ترعة السويس؛ ثم في عقد القرض الذي أورث خلفه عبأه؛ ~~ومداهمة المرض له، على أثر ذلك، مداهمة هدمت بناء جسمه الشديد؛ كل ذلك حال دون ~~مثابرته على عمل تطهير الترع التي أنشأها والده، ودون التفكير في إنشاء ~~غيرها. # فلما مات ترك الزراعة في أزمة، كان لا بد لحلها من همة شماء، ونشاط فائق، يبذلان ~~بسخاء في سبيل ذلك. # تلك الهمة وذلك النشاط وجدا، لحسن حظ مصر، في (إسماعيل) خليفته، فإنه وقد رأيناه ~~وهو أمير، وولي عهد فقط، يقبل على تحسين مزروعاته الخاصة تحسينا ضاعف محصولها - ~~صمم أن يعمل للقطر، بشكل كبير واسع، ما عمل في أملاكه بشكل صغير ذي دائرة ~~ضيقة. # فأقدم، أولا، على إنماء مساحة الأطيان المنزوعة قطنا بمصر، لا سيما في الصعيد، ~~إنماء كبيرا، وذلك لأن الحرب الأهلية بالولايات المتحدة كانت حينذاك في أشد ~~استعارها، ونشأ ms071 عنها بوار مزارع أميركا القطنية بوارا عظيما، فتحولت أنظار ~~المعامل النسجية البريطانية وغيرها إلى القطن المصري؛ وأخذت تقبل على ابتياعه أيما ~~إقبال، بأثمان عالية علوا لم يكن يحلم أحد به. # فلكي ينال غرضه سريعا أعلن في عموم مديريات مصر العليا على ألسنة كبار موظفي ~~الإدارة والعمد والمشايخ عن استعداده لإعطاء المزارعين، مجانا، كل البذرة التي ~~يحتاجون إليها، مهما بلغت مقاديرها وقيمتها، فبينما كانت مساحة الأطيان المنزرعة ~~قطنا في الصعيد تقرب من أربعة آلاف فدان فقط، إذا بها قد أصبحت، بفضل سعيه ودأبه، ~~مائة ألف فدان في نهاية سنة 1864؛ أي: بعد مرور أقل من سنتين على تبوئه سدة ~~الإمارة. # وكان كثيرون من الفلاحين يزرعون أطيانا، وجدوها مهملة، فوضعوا أيديهم عليها ~~واستغلوها، دون أن يكون عندهم حجج ملكية بها؛ فيحدث كثيرا أن أهواء أصحاب الأمر أو ~~الجاه في نواحيهم، تغتنم ذلك لتنزعها من بين أيديهم متذرعين بأية وسيلة كانت أو ~~ترهقهم في مطالبات مالية عليها، تحملهم على تركها والإقلاع عن زراعتها؛ فتعود ~~بورا، فتنقص بذلك المساحة المنزرعة في القطر؛ وتضيع على المالية الضرائب التي كانت ~~تلك الأطيان تدفعها، فخول (إسماعيل) لأولئك الفلاحين حق استخراج حجج ملكية لتلك ~~الأطيان، على أن يدفعوا جانبا يسيرا من النقود بصفة رسوم عليها، فتهافتوا على ~~الانتفاع بالحق المخول لهم؛ وأصبحت الأطيان التي كانوا يزرعونها وهم متخوفون، ملكا ~~حرا لهم، لا يستطيع أحد منازعتهم فيه، وباتت فلاحتها مضمونة؛ والأموال المربوطة ~~عليها، كذلك؛ بعد أن كان تحصيلها موكولا إمكانه إلى طوارئ الحدثان. # على أن إنماء (إسماعيل) كمية الأطيان المزروعة في القطر إنماء كبيرا لم يكن إلا ~~باكورة أعماله في مضمار، كان يهمه أن يجري شوطا بعيدا فيه، بقدر ما تهمه الفائدة ~~التي تعود عليه منه، بصفته أكبر مزارع في القطر. # فإنه ما لبث أن استقدم من أوروبا عددا عظيما من ماكينات الري البخارية - وكان ~~استعمالها قد شاع هناك، وحل محل معظم الآلات الرافعة - وأقامها في أطيانه الخاصة، ~~فاقتدى به كبار الملاك وصغارهم، من الباشا والبك، إلى العمدة والشيخ، واستوردوا ms072 من ~~تلك الماكينات ما كاد يجعل، بسبب الدخان المنبعث عنها والمخيم في الأفق، ضفاف النيل ~~شبيهة بضفاف التيمس. # وتسهيلا لمهمة هذه الماكينات من جهة؛ ولكي يزيل من جهة أخرى الخطر الذي كان يهدد ~~زراعة البلاد كلها بسبب انطمار ترع القطر بالطمي المتراكم في قاعها، أقبل، بكل همة ~~ونشاط، على تطهير الكبري من تلك الترع - وكان أمر تطهيرها منوطا بالحكومة رأسا - ~~وأصدر الأوامر إلى المديريات بإلزام النواحي والكفور بتطهير صغرياتها المارة بها ~~والملقى أمر صيانتها إليها، وشدد في تلك الأوامر تشديدا كفل نفاذها، وما فتئ كل ~~سنة يكلف المديرين بالإسراع، أيام التحاريق، في إنجاز الأشغال اللازمة لحفظ جسور ~~النيل، حفظا فعالا، حتى تكون على أتم ما يرام، في أوان الفيضان - لأنه كان قد علم ~~بنفسه، وهو أمير، أن الهيئات الحاكمة، كثيرا ما تهمل تلك الأشغال، أو لا توفيها ~~حقها من العناية؛ فتصاب الزراعة والقرى بمضار جسيمة، حتى في السنوات التي يكون ~~فيضان النيل فيها عاديا. # وما كاد يمضي على تبوئه العرش ثلاثون شهرا حتى أنشأ، للدلالة على مقدار اهتمامه ~~بالزراعة، خمسة مجالس زراعية: اثنين منها في الوجه البحري، وثلاثة في مصر الوسطى ~~والصعيد؛ شكل كل منها من رئيس ومهندس تعينهما الحكومة، وأعضاء على قدر عدد المراكز ~~في كل مديرية تنتخبهم المجالس المحلية من الأعيان. # 9 # وجعل اختصاص تلك المجالس: # أولا: # الاطلاع على مشاريع كل ترميم تقتضيه الأشغال العمومية ~~الجارية. # ثانيا: # درس كل مشروع خاص بإنشاء أشغال جديدة تستلزمها المنفعة العامة، ~~فإذا وافق الأعضاء على شيء من ذلك، وزعت الأموال اللازمة لنفاذه ~~على الجهات بنسبة مقدار استفادتها منه ومقدار نصيبها في ~~إجرائه. # ثالثا: # وعلى الأخص الاهتمام في تحسين الشئون الزراعية سواء أكان ذلك ~~بالنصائح والإرشادات والتعليمات التي تلقيها على الفلاحين، أم ~~بتشجيع كل ما من شأنه أن يوجد رقيا في أصناف المزروعات ويزيدها ~~جودة، فأدى ذلك الاهتمام إلى اكتشاف أحد اليونانيين نوع القطن ~~المدعو «يوانوڨيتش» ورواجه في القطر: وهو صنف قطن كان له، في ~~أيامه، الشأن الذي بلغه في أيامنا الصنف المعروف ms073 باسم «ساكلاريدس»، ~~ومكتشفه؛ وأدى، في سنة 1873، إلى اكتشاف أحد الأقباط، بالقرب من ~~بركة السبع، شجيرة قطن دعاها «قطن البامية» لمشابهتها لشجيرة ~~الباميا؛ وأتت، إذ اعتنى بزراعتها، بثلاثة أضعاف محصول شجيرات ~~القطن العادية، وبيع إردب بذرتها بثمن تراوح بين خمسة وعشرين ~~وثلاثين جنيها؛ بينما أن إردب البذرة الأخرى لم يكن يباع إلا ~~بجنيه فقط. # وأنشأ فوق تلك المجالس، وزارة الزراعة التي أشرنا إليها؛ وعهد بها إلى أكفأ رجاله ~~وهو نوبار باشا، ليكون مرجع تلك المجالس إليها: فتجد من حكمة الوزير الذي على رأسها ~~خير مسدد لآرائها وأعمالها. # ولكن إنماء عدد الأطيان الزراعية؛ وإحضار ماكينات بخارية، بمصاريف كثيرة، من ~~البلاد الأوروبية؛ وإدارتها بمصاريف تكاد لا تقل عن جملة أثمانها الأصلية؛ وتوسيع ~~نطاق الإدارة الزراعية؛ كل ذلك كان يوجد لكي ينطبق الكنه على المظهر ويكون الصيد في ~~جوف الفرا حقا، ألا يكتفي بتطهير الترع القديمة وصيانتها، والاعتناء بوسائل ~~المواصلات الموجودة وحفظها، بل أن يوجه الجهد إلى الاستفادة من مخترعات العصر، ~~لإنشاء ترع جديدة، ووسائل مواصلات حديثة، تكون وافية بالحاجة. # ولم يكن (إسماعيل) الرجل الذي يفوته ذلك، لا سيما وأنه - مذ جعل لنفسه مرتبا ~~سنويا، وفصل، بذلك، بين ماله الخاص ومال الخزينة المصرية - أقبل إقبالا عظيما ~~على إنماء ثروته العقارية؛ وأخذ نظار مزارعه ومفتشوها - لا سيما إسماعيل المعروف ~~«بالمفتش» - في جميع أنحاء القطر، يبذلون من المجهود، وتفتيق الذهن، والتفنن في حمل ~~الفلاحين على بيع أطيانهم إلى سموه، ما صير، في أقل من ثلاث سنوات، خمس أطيان القطر ~~الجيدة ملكا له. # ولما كان معظم تلك الأطيان في مصر العليا؛ وكان هذا الجزء من القطر قد أعوزه جانب ~~عظيم من العناية التي أحاط (محمد علي) الوجه البحري بها - وأن يكن قد عهد، في أواخر ~~سني حياته إلى لينان بك رئيس مهندسي ديوان أشغاله، أمر تحسين وسائل الري فيه - فما ~~فتئ أهلوه ومزارعوه متألمين من قلة تلك الوسائل، فإن (إسماعيل) بدأ في الصعيد ~~بتنفيذ الخطة التي وضعها لنفسه بخصوص الإكثار من حفر ترع وجداول جديدة في القطر، ms074 ~~وأنشأ، غربي النيل، الترعة العظمى التي سماها «الإبراهيمية» إكراما لذكر أبيه: وهي ~~ترعة تخرج من النيل بالقرب من أسيوط؛ وعرضها، من مبدأها لغاية ثلث مجراها، ثلاثمائة ~~قدم؛ وأما عرض الثلثين الباقيين فخمسون قدما، فتسير ما بين ديروط وما فوق الواسطة ~~بقليل، أي مسافة تسعين ميلا، على موازاة بحر يوسف، راوية مديريتي أسيوط والمنيا، ~~وجميع الأطيان ما بين البهنسة والسلسلة العربية، ثم تستمر متجهة نحو الشمال حتى تصب ~~في فرع رشيد. # ولما كان الحكم، الذي أصدره نابليون الثالث في مسألة الخلاف القائم بين الحكومة ~~المصرية وشركة ترعة السويس، قضى بتخلي هذه الشركة للحكومة المصرية عن كل حق في مد ~~الترعة ذات الماء العذب من مصر إلى السويس وبورسعيد، التي كانت الشركة مباشرة ~~حفرها؛ وإلزام الحكومة المصرية بمدها، هم (إسماعيل) في الوقت عينه، بنفاذ ذلك ~~الحكم؛ لا سيما أنه كان شديد الرغبة في إحياء ما يستطيع إحياءه من أرجاء الصحراء ~~العربية الشمالية: فلم يمض إلا زمن يسير وسارت مياه النيل تتهادى في مجرى الترعة، ~~المحفورة ما بين بولاق والسويس، والمدعوة بالإسماعيلية إكراما لمنشئها، وأصبحت ~~الملاحة ميسورة فيها حتى للسفن التي حمولتها أربعمائة طن فانتعشت أرجاء شاسعة من ~~الصحراء العربية ما بين مصر والسويس؛ وعلى الأخص ما عرف منها، فيما بعد، باسم ~~«تفتيش الوادي» - وهو أرض «جسان» التي أقطعها يوسف بني اسرائيل، على ما جاء في ~~التوراة، وبوصول ماء النيل العذب باستمرار إلى مدينة السويس، لأول مرة منذ نشأتها، ~~أمكن هذا الثغر أن يكبر بسرعة عجيبة ويزداد سكانا وأهمية تجارية. # وكانت القناطر الخيرية أوشكت أن تتخرب؛ تلك القناطر التي أنفق الباشا العظيم على ~~تشييدها بمعرفة لينان بك أولا، وموچيل بك بعده، أموالا طائلة وزمنا مديدا؛ ~~وحدثته نفسه، يوما، لتشهيل بنائها، بهدم الأهرام الأبدية واستخدام حجارتها الضخمة فيه، # 10 # بل أصدر أمره بذلك فعلا إلى لينان بك ؛ وصمم على نفاذه؛ لولا أن هذا ~~المهندس أقنعه بالأرقام، بأن ثمن المتر المكعب من الحجر الذي يستخرج من هدم تلك ~~الآثار الفرعونية، يكلف عشرة قروش ونصفا، بين ms075 أن المتر المكعب المستخرج من ~~المحاجر، لا يكلف أكثر من ثمانية قروش وخمسة وسبعين فضة؛ # 11 # تلك القناطر، التي مات ذلك الباشا العظيم، وهي بعيدة عن التمام؛ وما ~~زال موچيل بك، بعده، يلح على عباس خليفته بنجازها، لإدراك فائدتها، وكيلا تضيع ثمرة ~~الأموال الكثيرة التي أنفقت والمتاعب الجسيمة التي كوبدت، حتى أعيا صبره وحمله على ~~أن يقول له ذات يوم، هو أيضا، وهو يشير إلى الأهرام: «إني لا أدري ما الفائدة من ~~وجود تلك الجبال من الصخور المرصوصة فوق بعضها، فاذهب واهدمها واستخدم حجارتها في ~~تتميم عمل القناطر!» فاضطر موچيل - لكي يتخلص من تنفيذ أمر، كان مجرد التصور أنه ~~المنفذ له، وأن اسمه سيمر، إذا، إلى العصور التالية، ونعت «هادم الأهرام» مقرون به، ~~يوقف شعر رأسه رعبا - إلى إعادة عمل لينان، وعرض تقرير تفصيلي بالنفقات اللازمة ~~على ذلك الوالي الظنان، ولما لم يكن عباس يدري من الأرقام شيئا، افتكرها خدعة من ~~المهندس الغربي، قصد بها الفرار من تنفيذ أمره: فألقى نظره شزرا، على ذلك التقرير؛ ~~وقال لموچيل: «ما هذا؟» فأفهمه موچيل مضمونه بدقة، حتى حمله على الاقتناع بأن هدم ~~الأهرام يكلف أكثر من استخراج الحجارة من محاجرها بكثير؛ فقال له عباس حينئذ: ~~«دعني، إذا، من شأن تتميم قناطرك». # 12 # تلك القناطر؛ التي كان أقل ما فيها من فائدة إغناؤها عن خمسة وعشرين ألف ساقية ~~وشادوف، وري أربعة ملايين من الأفدنة؛ فكيف بها، وهي، بمنعها استمرار انصراف مياه ~~فرع دمياط إلى فرع رشيد، لانخفاض مجرى هذا عن مجرى ذاك، تمنع الشرق عن كل الأطيان ~~الواقعة شرقي ذلك الفرع؟ # تلك القناطر؛ التي بالحال التي هي عليها، وبالرغم من نقصها، كانت محط الإعجاب ~~وموضع الفخار الأبدي. # هذه بالنسبة لمرور كل حكم عباس وسعيد عليها دون أن تنجز أو ترمم، كانت قد أخذت ~~تئول إلى السقوط، وكما قلنا، فاستدعى (إسماعيل) المستر فولر، أكبر مهندسيه، وكلفه ~~بإتمام عملها، حتى يبلغ درجة الكمال؛ وألا يألوا في ذلك جهدا حتى يفرغ منه، مهما ~~كلفه من نفقات، أو ms076 استدعى من عمال. # فاشتغل المستر فولر في ذلك العمل ثلاث سنوات، حتى تمكن من إنهائه، وأبرز في سنة ~~1878 القناطر الخيرية في حلتها القشيبة التي كان (محمد علي) يود أن يراها فيها لتقر ~~بها عيناه. # فقلد (إسماعيل) بذلك، الوجه البحري عامة، منة ليس بعدها منة؛ وأولى البلاد خيرا ~~لو لم يولها غيره، لكفى! # ولكنه لم يقف في عمله عند ذلك الحد، بل ما فتئ يفحر مجاري ترع وينشئ جداول، حتى ~~إنه لم تنقض أيام ملكه إلا وقد خدد منها في الأرض المصرية أكثر من مائتين استدعت ~~حفرا زاد 65٪ على ما أوجبته ترعة السويس، على قول المستر فولر؛ وبلغت نفقاتها ما ~~يقرب من ثلاثة عشر مليونا من الجنيهات؛ وطولها ما يزيد على ثمانية آلاف وأربعمائة ~~ميل؛ كما أثبت المستر ملهل في «الكنتمبورري رڨيو» (أكتوبر سنة 1882)؛ وبلغت مساحتها ~~المائية مائة ألف ميل مربع. # ناهيك بزيادة الآلات الرافعة عما كانت عليه في أيام (محمد علي) زيادة هائلة؛ حتى ~~بلغ عدد السواقي في سنة 1877 ثلاثين ألفا وأربعا وثمانين؛ والشواديف سبعين ألفا ~~ومائة وثمانية وخمسين؛ والتوابيت ستة آلاف وتسعمائة وستة وعشرين؛ والماكينات ~~البخارية أربعمائة وستا وسبعين؛ واشتغل فيها أكثر من ستين ألف حيوان، ومائة ~~وثمانية وخمسين ألف رجل كل مائة وثمانين يوما. # وناهيك بالكباري التي أقامها على تلك الترع وعددها أربعمائة وستة وعشرون كبريا: ~~منها مائة وخمسون في مصر العليا، ومائتان وستة وسبعون في الوجه البحري. علاوة على ~~ثمانية كباري ضخمة أهمها كوبري قصر النيل الفخم، الذي قلما كان له مثيل في تلك ~~الأيام، في العالمين الغربي والشرقي معا؛ وعد من أفخر أعمال العالم الهندسية، وقد ~~بلغ ما أنفق على تشييدها كلها مليونين ومائة وخمسين ألف جنيه! # فأدى هذا جمعيه إلى زيادة ما يقرب من مليون ونصف مليون من الأفدنة، على مساحة ~~الأرض المزروعة في القطر، يربو إيرادها السنوي على أحد عشر مليونا من الجنيهات، ~~ثمن محصولات؛ وتزيد إيجاراتها، في ذلك الوقت، على مليونين. # ولعلمه أن تحسين طرق المواصلات يجب أن يقترن دائما بتحسين ms077 وسائل الري، مهد أكثر ~~من ستة آلاف ميل من السكك الزراعية، في القطر عامة، ولا سيما في الوجه البحري، ~~ولمناسبة زيارة الإمبراطورة أوچيني للبلاد المصرية في سنة 1869 أنشأ، في أقل من ~~ثلاثة أسابيع، السكة الجميلة الموصلة من بر الجيزة المقابل مصر إلى الأهرام؛ ~~والمغروسة، على جانبيها، بالأشجار الباسقة التي جعلتها أهم متنزهات سكان القاهرة ~~وأبهاها. # ولما كانت السكك الحديدية والتلغرافات أكبر وسائل للمواصلات أوجدها العلم الحديث، ~~كان من البديهي أن يخصها (إسماعيل) بأكبر جانب من عنايته في سبيل إحياء الزراعة من ~~مواتها. # فلما ارتقى العرش المصري، لم يكن في القطر كله سوى الخط الحديدي الواصل ما بين ~~الإسكندرية ومصر وطوله مائة وثلاثون ميلا؛ والخط الواصل ما بين بنها والزقازيق ~~وطوله أربعة وعشرون ميلا؛ والخط الواصل ما بين مصر والسويس عن طريق بلبيس وطوله ~~تسعون ميلا؛ أي ما كان مجموعه مائتين وأربعة وأربعين ميلا. # فزاد، هو، على ذلك أكثر من ألف ومائة ميل، فإنه هو الذي أنشأ الخطوط: من بولاق ~~إلى اتياي البارود؛ ومن الإسكندرية إلى رشيد؛ ومن طنطا إلى دسوق، وإلى زفتى، وإلى ~~دمياط، وإلى شبين الكوم؛ ومن الزقازيق إلى المنصورة؛ ومن بنها إلى ميت بره؛ ومن ~~قليوب إلى القناطر؛ ومن الزقازيق إلى الإسماعيلية والسويس على محاذاة الترعة ~~البحرية؛ ومن أبو كبير إلى الصالحية؛ ومن مصر إلى حلوان، وإلى المرج؛ ومن بولاق ~~الدكرور إلى أسيوط؛ ومن الواسطى إلى الفيوم؛ ومن أسوان إلى الشلال الأول؛ علاوة على ~~ستين م يلا تحويلات، وإذا عرفنا أن النفقات اللازمة لمد ميل واحد من هذه السكك ~~كانت تبلغ، عادة، نيفا وأحد عشر ألف جنيه، فإنا لن نستغرب أن يكون ما صرف على ~~إنشاء جميع هذه الخطوط قد تجاوز الثلاثة عشر مليونا من الجنيهات. # على أن ما هو أهم من أمر إنشاء السكك الحديدية، أمر إصلاح إدارتها؛ فقد كانت في ~~أيام عباس، بل في أيام سعيد عينها، فوضى لا ضوابط لها: يركب المسافر في قطاراتها، ~~وهو غير متأكد من صدق مواعيد قيامها، ولا من بلوغه ms078 المكان الذي يقصده، لكثرة ما ~~يعتور القيام والطريق من عراقيل وموانع، فقد يكون القطار على أهبة السفر من محطة ~~الإسكندرية مثلا، فيأتي ناظر المحطة رسول من قبل قنصل من القناصل العامة، أو خصي ~~من لدن أحد الباشاوات، أو البيكوات الأتراك، ويأمره بتأجيل ميعاد قيام القطار ريثما ~~يأتي القنصل أو الباشا أو البيك، أو حرم أحدهما، فيؤجل الناظر الميعاد، ويقيم ~~المسافرون على أحر من الجمر في انتظار مجيء حضرة القنصل أو سعادة السري التركي ~~وحرمه؛ وربما طال انتظارهم ساعات، وقد يكون القطار مسافرا، فتتعطل عدته؛ أو يخرج ~~عن الخط لجهل السواق؛ أو يصادفه مانع آخر، كإرسال أحد باشاوات الريف رسولا إلى ~~إحدى المحطات ينبئها بحجز القطار لحين تشريفه، فيقف في الطريق ساعات وساعات؛ ~~وأحيانا، أياما، ريثما يزول أو يزال ذلك المانع. # ويحكى، في هذا الموضوع، أن القطار تعطل مرة في محطة طنطا وفيه تجار من الإنجليز ~~قادمون من الهند وذاهبون ببضائعهم إلى الإسكندرية؛ فبعد أن عيل صبرهم من طول ~~الانتظار، ذهبوا ليبثوا شكواهم من التأخير إلى ناظر المحطة، وكان إنجليزيا؛ ولكنه ~~تزيا بزي البلاد وتقمص في عوائدها؛ وتظاهر بعدم معرفة غير التركية والعربية فرارا ~~من شكاوى الأجانب - لا سيما من بني جنسه - الكثيرة؛ وابتغاء للتمتع بقلة الاهتمام ~~بالأمور وعدم المبالاة بتضييع الوقت، الخصيصتين بنا، معشر الشرقيين، في تلك الأيام؛ ~~واتخذ لنفسه مترجما بينه وبين الغربيين - فوجدوه في حجرته، جالسا على أريكة، يدخن ~~شيشة عجمية، ولا يعنيه من الدنيا إلا التلذذ بها والنظر إلى الدخان المتصاعد منها ~~في الفضاء، على هيئة أنصاف دوائر، فأفرغوا جعبة تشكياتهم أمامه بالإنجليزية؛ ~~ومترجمه المصري يترجمها له بالعربية، وهو لا يبالي بها ولا يزداد إلا تدخينا، كأنه ~~لا يفهم الإنجليزية ولا العربية؛ أو كأن الحديث غير موجه إليه، فاحتدم غيظ أولئك ~~التجار، وقالوا للمترجم: «قل لشيخك هذا الأبله أن يبطل جعل نفسه مدخنة، ويلتفت إلى ~~ما نحن فيه؛ وإلا شكوناه إلى قنصلنا العام بالإسكندرية، ورجوناه أن يطلب من سمو ~~الوالي، أن يركله من وظيفته ركلا!» فضحك الناظر، ms079 بين أسنانه، لما سمع ذلك؛ ولكنه ~~استمر متظاهرا بعدم فهمه الإنجليزية، واستمر على عدم مبالاته بقولهم، بعد أن ترجمه ~~مترجمه له، ولم يتنازل إلى إجابتهم عن لسانه إلا بعد مدة، ليقول لهم: «على رسلكم! ~~تمهلوا فالأمور مرهونة بأوقاتها!» وأضاف، لكي يثبت لهم أنه شرقي تماما، التعبير ~~الشرقي المتداول، عادة، على الألسن، لحمل قليل صبر على الصبر؛ وهو: «إن الله خلق ~~العالم في ستة أيام!» فخرجوا من حضرته وهم يلعنونه ويحرقون الأرم. # وكان (سعيد)، بعد إعراضه عن نوبار مدة ثم إقباله عليه، قد عهد إلى ذلك الرجل ~~الحازم - ولم يكن، حينذاك، إلا بيكا - أمر إدخال الإصلاح في تلك الإدارة المختلفة، # 13 # فبذل نوبار جهده، ولكن الخلل كان متأصلا أيما تأصل، فلم يستطع تلافيه ~~تماما، لا سيما أن السكك الحديدية كانت ملكا للوالي، وكان تقلب أهواء (سعيد) ~~السريع، من جهة؛ وميله، من جهة أخرى، إلى إرضاء ذوي الدالة من التجار الغربيين، ~~والذوات، ومهزاريه، والقناصل العامة خاصة، ولا سيما ساباتييه، القنصل الفرنساوي ~~الذي كان سعيد يقول عنه، هو نفسه، إنه لم يكن يستطيع مقابلته إلا ويشعر بوجف غريب ~~في قلبه وتهيب يحمله على الرضوخ لطلباته، أية كانت # 14 ~~- يحولان دون استتباب قدمي إصلاح قطعي عام. # واستمرت الحال كذلك في أيام (إسماعيل) الأولى: لأن مفتشي مزارعه وكبار مستخدمي ~~دائرته الخاصة، لعلمهم أن السكك الحديدية، بالرغم من كونها مصلحة عامة، ملك خاص به، ~~كثيرا ما كانوا يتجاوزون حدود الاعتدال في تصرفاتهم مع إدارتها، لا سيما في مواسم ~~القطن، فيحتكرون القطارات، ويعطلون سفر بضائع التجار عامة، حتى يفرغوا من شحن بضائع ~~مولاهم الخاصة وتسفيرها؛ فيصيب التجار، من جراء ذلك، خسائر جسيمة، لتأخرهم ~~الاضطراري عن تسليم بضائعهم في الأوقات المحددة لتسليمها، ويحمل الغيظ بعضهم ~~أحيانا، على ارتكاب أعمال قحة، يعضدهم قناصلهم فيما بعد، على الخروج منها بدون ~~أذى. مثال ذلك ما فعله أحد تجار اليونان، فإنه، لما أيقن أنه، بسكوته على تصرفات ~~أولئك المفتشين والمستخدمين، وتأخره عن تسليم الأقطان التي اشتراها إلى المحلات ~~التجارية التي باعها لها، ms080 قد تصيبه خسائر فادحة ربما ذهبت بكل ثروته، استأجر عدة ~~أشخاص من بني جنسه، وأقامهم على المحطة المكدسة أكياسه فيها؛ ولما وصل قطار البضاعة ~~المحمل أقطان سمو الوالي، أوقفه، بواسطتهم عنوة؛ وأفرغ مشحونه؛ وشحن أقطانه فيه ~~بدله؛ وأجبر سواق القطار، إرهابا، على السير بها إلى الإسكندرية. # على أنه ما تقدمت الأيام بملك (إسماعيل)، إلا وقد تناول ظل الإصلاح جميع فروع ~~إدارة السكك الحديدية؛ لا سيما بعد أن اتخذ (إسماعيل) سواقا لقاطراته الخاصة ~~السواق الذي كان لنابليون الثالث؛ وسمع ثناء جميلا على محافظة ذلك العاهل على ~~مواعيد أسفاره بدقة؛ # 15 # ووقف بنفسه، عقب رحلاته الأوروبية، على نظام السكك الحديدية في أوروبا، ~~فترتبت مواعيد سفر القطارات ووصولها، ترتيبا، لم تدخل عليه الأعوام التاليات إلا ~~تعديلات طفيفة؛ وانتظمت انتظاما لم يعد للخلل إليه من سبيل إلا نادرا. # حينذاك أخذ (إسماعيل) يفكر في إنشاء سكك حديدية في السودان، ترويجا للزراعة فيه، ~~وللتجارة بينه وبين القطر المصري. # فكلف المستر فولر بدرس الموضوع درسا دقيقا وتقديم تقرير واف عنه - وكانت طبيعة ~~الأرض بين أسوان والخرطوم قد درست قبل ذلك في سنة 1865 درسا حسنا - فذهب ذلك ~~المهندس الإنجليزي إلى وادي حلفا، وقضى عدة أسابيع، متجولا في ربوع النوبة ~~والسودان الشرقي وبطاحهما، يقيس، ويبحث، ويحسب ويفحص مباحث أسلافه، ثم عاد وقدم ~~تقريره إلى الأمير، مشيرا بعمل سكة حديدية من وادي حلفا إلى المتمة - وطولها ~~خمسمائة وخمسون ميلا - وأخرى من شندي إلى كسلا، فمصوع - وطولها خمسمائة ميل - وقدر ~~نفقات الأولى بأربعة ملايين من الجنيهات، منها مليونان ونصف، أجرة المهندسين ~~والعمال من الفرنج وثمن الأدوات اللازمة؛ والباقي أجرة العمال المحليين وثمن ~~المباني الواجب إقامتها، وقدر نفقات السكة الثانية بأربعة ملايين مثلها، ولو أنها ~~أقصر طولا من الأولى، لزيادة الابتعاد عن مصادر الأدوات، ووعورة المسالك. # 16 # فاعتمد (إسماعيل) تقريره وبدئ في العمل سنة 1873 وبعد أن سير فيه أكثر من ثلاث ~~سنوات؛ وأنفق عليه ما يزيد على أربعمائة ألف جنيه؛ وأخذت بشائر الخير العميم تبدو ~~من خلال الخطوط الموضوعة؛ اضطر ms081 الدائنون الأجانب الحكومة المصرية إلى توقيفه ~~وإبطاله ضنا منهم بالنقود، فلم يقضوا بذلك على مصلحة تجارية وزراعية عظيمة فحسب، ~~بل على حياة السودان عينها، مدة تنيف على ربع قرن؛ ومكنوا الثورة المهدية من ~~الانتشار فيما بعد فوق ربوعه وتخريبها، ونشر ظل الموت عليها؛ لأنه لا يختلف اثنان ~~في أنه لو كانت السكة الحديدية مجتازة جهات السودان، بعد قيام المهدي محمد أحمد، ~~لتمكنت الحكومة المصرية من القضاء على دعوته، ولما نسجت الأيام أكفان حملة هكس ~~باشا، ولا ذهبت روح جوردون ضحية تباطؤ الحكومة الإنجليزية في إرسال النجدات إليه، ~~وتباطؤ (ولسلي) الاضطراري في السير بتلك النجدات إلى الخرطوم لإنقاذه. # 17 # وتلا انتشار السكك الحديدية، انتشارها العظيم، تشعب مد الأسلاك البرقية في ~~البلاد. ~~(فمحمد علي) كان قد أنشأ ما يقوم مقامها، على ما هي عليه الآن، أبنية مرتفعة ~~ممتدة على خط واحد بين المدن الكبيرة، وبين البناء والبناء من المسافة ما لا يحجب ~~نظر قمة كل منهما من قمة الآخر، وأقام على كل بناء آلة على طريقة (شاپ) تلغرافي ~~حكومة الكنڨنسيون الفرنساوية الرهيبة، ترسل الأنباء إلى آلة البناء التالي؛ وهذه ~~توصلها إلى التي بعدها؛ وهلم جرا. # 18 # فلما انتشر في أميركا وأوروبا اختراع المستر سامويل مورس الأمريكي - وهو التلغراف ~~الحالي - أدخله (سعيد) إلى القطر، ولكنه لم يمد من أسلاكه إلا شيئا يسيرا. # فلما استلم (إسماعيل) زمام الحكم بيده القديرة، أقبل على هذا الفرع أيضا من طرق ~~المواصلات العمومية، ونفخ فيه من روحه: فتشعبت الأسلاك التلغرافية في البلاد تشعبا ~~مدهشا في مدة وجيزة حتى بلغ طولها خمسة آلاف وخمسمائة ميل؛ فيها من السلوك ما طوله ~~عشرة آلاف وخمسمائة ميل، موزعة كالآتي: # من مصر إلى الإسكندرية # 142 ميلا على سبعة أسلاك # من مصر إلى ضواحيها # 32 ميلا على سلكين # من مصر إلى حلوان # 18 ميلا على سلك واحد # من مصر إلى قليوب والقناطر # 17 ميلا على سلكين # من مصر إلى إتياي البارود # 71 ميلا على سلك واحد # من مصر إلى السويس عن طريق بلبيس # 154 ms082 ميلا على سلك واحد # من مصر إلى المنصورة عن طريق قليوب # 96 ميلا على سلكين # من أبي كبير للصالحية # 25 ميلا على سلكين # من بنها إلى ميت بره # 9 أميال على سلكين # من بنها إلى الزقازيق والسويس # 123 ميلا على سلكين # من طنطا إلى طلخا ودمياط # 73 ميلا على سلكين # من طنطا إلى زفتى # 33 ميلا على سلكين # من طنطا إلى دسوق # 47 ميلا على سلكين # من طنطا إلى شبين الكوم # 19 ميلا على سلكين # من نشرت إلى كفر الشيخ # 10 أميال على سلكين # من الإسكندرية إلى ضواحيها # 12 ميلا على سلكين # من الإسكندرية إلى رشيد # 46 ميلا على سلكين # من دمنهور إلى العطف ورشيد # 50 ميلا على سلكين # من بورسعيد إلى السويس # 96 ميلا على سلك واحد # من بورسعيد إلى القنطرة # 26 ميلا على سلك واحد # من مصر إلى غزة عن طريق بنها # 288 ميلا على سلكين # من مصر إلى أسيوط # 239 ميلا على ثلاثة أسلاك # من الواسطى إلى الفيوم # 25 ميلا على سلكين # من ببا إلى الروضة # 91 ميلا على سلكين # من أسيوط إلى أبي تيج # 5 أميال على سلكين # من أسيوط إلى أسوان # 300 ميل على سلكين # من قنا إلى القصير # 164 ميلا على سلكين # من أسوان إلى الخرطوم # 1012 ميلا على سلكين # من بربر إلى كسلا # 407 أميال على سلك واحد # من كسلا إلى مصوع # 447 ميلا على سلك واحد # من كسلا إلى سواكن # 300 ميل على سلك واحد # من الخرطوم إلى الأبيض # 407 أميال على سلك واحد # من الخرطوم إلى المسلمية وسنار # 162 ميلا على سلك واحد # وأنشأ مكاتب لهذه الأسلاك البرقية في كل مدينة وبندر وناحية كبيرة على طول مسافات ~~امتدادها؛ وقسمها إلى ثمانية أقسام، وهي: ~~(1) # محطات الوجه البحري. ~~(2) # ما بين مصر وأسيوط. ~~(3) # ما بين أسيوط وإسنا. ~~(4) # ما بين إسنا ووادي حلفا ودنقلا. ~~(5) # ما بين دنقلا وبربر. ~~(6) # ما بين بربر والخرطوم. ~~(7) # ما بين الخرطوم ومصوع. ~~(8) # ما بين مصر وسوريا. # وجعل ثمن الإشارة البرقية ذات ms083 العشرين كلمة علاوة على العنوان عشرة قروش صحيحة في ~~كل قسم، وجعل لغة التراسل: جنوبي مصر، عربية؛ وشماليها، عربية أو فرنساوية أو ~~إنجليزية أو تليانية أو تركية، وأقام على إدارتها المستر جورج الإنجليزي وأناط أمر ~~هندستها بالمستر هوز بورن الذي أنشأ أسلاك السودان. # وفي عهده، وبتصريح منه، أنشأت الشركة الإنجليزية الشرقية خطا بين الإسكندرية ~~والسويس وما وراء البحر الأحمر؛ وآخر عن طريق صحراء شبه جزيرة سينا إلى سوريا ~~والأناضول، وأنشأت شركة ترعة السويس خطا خاصا بها على طول الترعة ما بين ~~بورسعيد والسويس، وأصبح الاتصال بأوربا والقارات الأخرى ميسورا إما عن طريق غزة ~~وإما بواسطة الشركة الإنجليزية الشرقية كالآتي: # من الإسكندرية إلى الأستانة عن طريق كريت ورودس وأزمير. # من الإسكندرية إلى أوترنتو عن طريق كريت وزانتي. # من الإسكندرية إلى إيطاليا عن طريق مالطة وسقاليا. # من الإسكندرية إلى إنجلترا عن طريق مالطة وجبل طارق واشبونه. # من الإسكندرية إلى فرنسا عن طريق مالطة وبونا ومرسيليا. # أما الاتصال بين القطر المصري والشرق الأقصى وأستراليا ونيوزيلانده فعن طريق ~~البحر الأحمر. # 19 # وبلغت نفقات إنشاء كل هذه الخطوط ما يقرب من مليون من الجنيهات. # ومن ألطف ما يروى في شأن ربط القطر المصري، بالأسلاك التلغرافية، بالأستانة أن ~~موظفي الحكومة المصرية لم يكونوا ليصدقوا في بادئ الأمر أن الكلام ممكن بين القاهرة ~~ودار السعادة بواسطة تلك الأسلاك؛ فأقبلوا يتخاطبون مع رجال الباب العالي، ولا غاية ~~لهم إلا التحقق من صحة الزعم، فلما تيقنوا من صحته، ذاقوا من التكلم لذة فائقة؛ ~~فقضوا أكثر من ثلاث ساعات وهم يخاطبون الأستانة، بكلام لا طائل تحته ويسألون أسئلة ~~عن صحة رجالها وعن حال الطقس فيها حتى أفقدوا الخزينة المصرية ما يزيد على خمسين ~~ألف جنيه ثمن كلام فارغ. # وبما أننا في سياق الكلام عن طرق المواصلات على أنواعها، فيجدر بنا التكلم هنا عن ~~المواصلات البريدية أيضا؛ ولو أن علاقتها بتحسين الزراعة قليلة لا سيما في ذلك ~~العهد؛ وأنها إلى موضوع ترقية الشئون التجارية والاجتماعية أقرب منها إلى غيره من ~~المواضيع. ms084 ~~(فمحمد علي) كان قد رتب بريدا رسميا يحمل على أيدي السعاة برا وفي السفن ~~بحرا، واكتفى خلفاؤه (إبراهيم وعباس وسعيد) به: فلم يزيدوا عليه شيئا، ولولا ~~إقدام الدول الأجنبية وبعض أفراد من الجاليات الغربية على إنشاء مكاتب بريدية في ~~الإسكندرية ومصر وغيرها، لاستمرت البلاد المصرية محرومة من التواصل البريدي كما ~~كانت في عهد المماليك. # وأشهر أولئك الأفراد السنيور موتسي الإيطالي - وكان، لغاية سنة 1865، قائما ~~لحسابه الخاص بأعمال بريدية عامة في العاصمتين؛ يساعده جملة مستخدمين بأجور يدفعها ~~إليهم على استلام الخطابات والمراسلات حتى الرسمية منها وتصديرها إلى جهاتها ~~وتسليمها إلى أربابها. # فرأى (إسماعيل) أن استمرار مهمة كهذه من وسائل المواصلات في يد إدارة فردية، مع ~~احتياج الحكومة نفسها إليها، لأمر يشين الحكومة المصرية كثيرا لأنه ينم عن تأخرها ~~في المضمار الجارية فيه الدول المتمدينة، فاشترى مصلحة البريد من ذلك الإيطالي ~~النشيط بمبلغ ستة وأربعين ألف جنيه؛ وأنعم عليه بلقب بك، وأبقاه مديرا لها؛ وخصص ~~له، في ميزانية حكومته، مبلغا وفيرا لينفقه على تحسين نظامها وترقية ~~شئونها. # فأبقى موتسي بك مستخدميه القدماء فيها - وكان معظمهم من الإيطاليين، وباقيهم ~~خليطا من السوريين والفرنسيين والجريك والنمساويين والروس والمصريين - واجتهد في ~~إنماء عدد المكاتب وحركة التراسل، بجملة إصلاحات أدخلها على مصلحته تباعا. # وفي سنة 1876 طلب إقالته منها، فمنحه (إسماعيل) مكافأة سنية؛ وعين خلفا له ~~إنجليزيا يقال له: المستر كليار (وهو الذي أصبح فيما بعد، كليار باشا؛ وعين ~~مديرا عاما للجمارك المصرية؛ وترك لنفسه أثرا جميلا في قلوب المصريين) ولما ~~رأى المدير الجديد أن عدد المستخدمين أكثر مما يستدعيه العمل؛ وأن معظمهم لا موجب ~~لوجودهم في المصلحة إلا دالتهم على بعض كبار موظفيها، صرف ربعهم وأبدل بكثيرين من ~~الباقين غيرهم من الأكفاء؛ وبالخليط، أولاد عرب بالتدريج. # وبعد أن نظم أقلام الإدارة العامة، أقبل ينشئ مكاتب جديدة في القطر حتى أبلغ ~~عددها إلى مائتي مكتب وعشرة، فيها ثمانمائة وثلاثون مستخدما، عدا عن ثلاثمائة ~~واثنين وأربعين جمالا وبربريا، وجعل توزيع المراسلات يوميا بين مصر ~~والإسكندرية وجميع الجهات ms085 المهمة، بعد أن كان أسبوعيا أولا؛ فمرتين، ثم ثلاثا ~~في الأسبوع، وما فتئ يحسن فيه حتى صيره إلى ثلاثة وأربعة وخمسة توزيعات في النهار ~~على محطات السكك الحديدية الكبرى، ولما كان عدم انتظام الشوارع وعدم تنمير المنازل ~~في المدن والبنادر يحولان دون توزيع المراسلات على أبواب البيوت، ويوجبان حصرها في ~~شبابيك المكاتب، أنشأ في العاصمتين صناديق خاصة لمراسلات من شاء الاشتراك فيها من ~~التجار والأعيان. # فبلغ عدد المراسلات في سنة 1878 مليونين ونصفا، معظمها تجاري، وبلغت قيمة النقود ~~التي تصدرت، صرا، من عموم المكاتب، عشرة ملايين من الجنيهات، وما من شيء أبلغ من ~~هذه الأرقام في بيان مقدار الخدمات الجليلة التي قامت بها مصلحة البريد بعد أن ~~جعلها (إسماعيل) مصرية. # على أننا، إذا علمنا أنها قامت بها، ومصالح بريد أوروبية بجانبها في الإسكندرية ~~ومصر والسويس، تزاحمها في أعمالها، وتستدعي إلى نفسها، طبعا، لا سيما في أوائل ~~قيام المصلحة المصرية، ثقة التراسلين الغربي والشرقي على السواء؛ وإذا علمنا أن ~~البريد لم يكن يستطيع السفر بين أسيوط وأسوان، وبين أسوان والسودان، إلا كل خمسة ~~عشر يوما على سفن تجارية، ازداد في أعيننا قدر تلك الخدمات وازددنا ثناء على ~~مسديها. # بقي علينا أن نرى ما الذي عمله (إسماعيل) في آخر سبيل من سبل توسيع نطاق الزراعة؛ ~~وأعني به كيفية ربط الضرائب على الأطيان وتوزيعها توزيعا حسنا. # فلا مشاحة في أن القاعدة التي يجب لكل حكومة أن تقيم عليها أمر فرض الأموال على ~~العقارات، إنما هي ثمن هذه الحقيقي، ومقدار ما يجنى منها من ثمار؛ ولا خلاف في أن ~~أثمان الأطيان المصرية ارتفعت في أوائل عهد (إسماعيل) ارتفاعا عظيما؛ وبيعت ~~حاصلاتها، لا سيما القطنية، بأثمان تكاد تكون منامية: وذلك بسبب الحرب الأمريكية ~~الأهلية، وبوار زراعة الولايات المتحدة ومزارعها. # وليس من ينكر أن اتساع نطاق الري وطرق المواصلات، الاتساع الذي بيناه، كان من ~~شأنه أن يجعل ارتفاع أثمان الأطيان، وزيادة حاصلاتها، مطردين. # فلا غرابة، والحالة هذه، في أن تكون الضرائب في عهد (إسماعيل) قد زادت ms086 على ما ~~كانت عليه في عهد سلفه؛ وأن يكون قد أدخل على فئاتها شيء من التعديل، في مصلحة ~~«الميري». # ولكن (إسماعيل)، قبل زيادة أي شيء فيها أو تعديله، رأى أن يعيد فك زمام القطر ~~كله، ويروكه روكا جديدا؛ لكيلا يقع على أحد حيف بسبب ربط الضرائب الجديدة؛ لأنه ~~كان يحدث كثيرا، في تلك الأيام، أن ذوي الجشع من القابضين على القوة الإدارية، ~~وسواهم من ذوي الجاه كانوا يغتصبون أملاك صغار المزارعين، ويضعون أيديهم عليها، ~~ولكن بدون نقل تكليفها إلى أسمائهم: فيستمتعون بغلائها، ويستمر الفلاحون، أصحابها ~~الأصليون، يطالبون بأموالها ويجبرون على دفعها. # فصدرت الأوامر، إذا، إلى مشايخ البلاد وعمدها، بالاجتماع في المراكز، وتعيين ~~مندوبين من قبلهم يكلفون بتقديم بيان واف إلى المديرين عن زمام الأطيان التابعة ~~لدائرة نواحيهم، وكشف بأسماء ملاكها الحقيقيين، لكي تتمكن الحكومة من ربط الضرائب ~~عليها، على نسبة ما هي عليه من الجودة، وتحصيلها ممن هو ملزم بدفعها في ~~الواقع. # وكانت الأطيان المزروعة كلها تنقسم إلى قسمين: «خراجية» و«عشورية». # أما «الخراجية»، فهي التي آلت ملكيتها إلى أصحابها بموجب الأمر الذي قلنا إن ~~(سعيد باشا) أصدره بأن تكلف الأطيان على أسماء المشتغلين فيها. # وأما «العشورية»، فهي الأطيان المعروفة بالأباعد والوسيات، وهي التي أنعم بها على ~~أصحابها ليفلحوها في مقابل إعفائهم من دفع أموال عليها، مدة معينة؛ ومقابل ربط ~~أموال يسيرة عليها، بعد انقضاء تلك المدة - وكان المنعمون بها يشترطون، في بادئ ~~الأمر، نظير هذا الإعفاء، عودتها إلى الحكومة عند موت من وهبت إليهم، ولكن هذا ~~الشرط أهمل فيما بعد؛ وأصبحت الأطيان العشورية تورث كالأطيان الخراجية، وقد بلغ ~~مقدارها في أواخر أيام (إسماعيل) مليونا ومائتين وخمسين ألف فدان. # فلما تم روك البلاد، جعل متوسط ما ربط على الفدان من الطين الخراجي مائة قرش ~~وعشرة؛ ومتوسط ما ربط على الفدان من الطين العشوري خمسة وثلاثين قرشا؛ علاوة على ~~ريال أضيف إلى مال كلا الصنفين من الأطيان للقيام بأعمال الري وحفظ الترع ~~والجسور. # فلا نزاع في أن هذه الفئات لم تكن لتتعب ms087 الفلاحة أو ترهقها؛ وأن أقصى ما كان يؤخذ ~~عليها هو عدم مساواة الأطيان العشورية بالأطيان الخراجية فيها، مع أن معظم الأطيان ~~العشورية كان لا يقل جودة عن مثله من الأطيان الخراجية. # ولكنه يجب ألا يغيب عن الأذهان: # أولا: # أن الفرق في المعاملة كان نتيجة تعهدات سابقة بين طرفين، لم يكن ~~إلى نقضها من سبيل إلا باتفاق هذين الطرفين معا، أي الحكومة ~~وأصحاب الأطيان العشورية عينها. # ثانيا: # أن معظم أصحابها، إن لم نقل كلهم، كانوا من الأغنياء الجهلاء ~~الذين يرون في عدم مساواتهم بالفلاحين البسطاء، رفعة لشأنهم ~~وإجلالا لقدرهم؛ ويهمهم أن يحافظوا عليها أكثر مما تهمهم مبادئ ~~العدالة والإنصاف؛ وأنه لم يكن في الاستطاعة، والحالة هذه، ~~مساواتهم بالفلاحين، قسرا، إلا بإحداث ثورة قد تتحول من اقتصادية ~~إلى فتنة سيئة العواقب، كانت البلاد في غنى عنها. # ولكن الذي أتعب الفلاحة وأرهقها، هو أن طريقة جباية الأموال ما فتئت، منذ أنشئت ~~حكومات في الشرق، حتى الحلقة التاسعة من القرن التاسع عشر لمصر، آفة من الآفات ~~الكبرى التي بليت بها البلاد؛ وأن المنوط بهم أمر تحصيل الأموال كانوا يسيئون طريقة ~~تحصيلها، ويتجاوزون حد المعقول في المواعيد التي يطالبون الفلاحين بدفعها فيها: إما ~~لأن عين صاحب الأمر الأعلى لا تراهم، لانشغاله في تحقيق أمنيات نفسه السامية؛ وإما ~~لأنهم، بالنسبة لدنوهم من قلبه، كانوا متأكدين من أنه لا يشك في إخلاصهم وأمانتهم. # 20 # فمن المشهور، مثلا، عن إسماعيل صديق باشا، المعروف «بالمفتش» و«الصغير»، وزير ~~المالية، أنه كان يتبجح علانية، ويفتخر بأنه يحصل عادة من الفلاحة المصرية مليونين ~~من الجنيهات سنويا أكثر من الظاهر في حساباته. # ومن المعلوم أيضا أن المديرين والحكام الآخرين المتولين شأن التحصيل - لا سيما ~~في المديريات البعيدة عن العاصمة - كانوا يغتنمونها فرصة ليبتزوا من الفلاح التعيس، ~~بوسيلة الكرباج، ما يزيدون به رخاءهم وثروتهم؛ وأنهم لكي يتمكنوا من حمل الصيارفة ~~على الثبات في تحصيل ما يستطيعون تحصيله من الفلاح، تحت أسماء متنوعة، كانوا يأنفون ~~من تعريفة المواعيد المقررة لدفع الأموال؛ بالرغم من أن الإرادة ms088 العليا، وقرارات ~~مجلس شورى النواب جعلتها في الأوقات المناسبة؛ أي: بعيد جناء كل محصول هام. # وأما أن (إسماعيل) نفسه كان يرغب في ألا يصاب المزارع المصري بضيم؛ وأنه كان يفضل ~~مصلحة الفلاحين من رعاياه على مصلحته الخصوصية ذاتها، فذلك واضح: # أولا: # من أنه - لما وضعت الحرب الأهلية الأمريكية أوزارها في أوائل سنة ~~1865؛ وتسبب عن انتهائها غير المنتظر نزول أسعار القطن في بورصة ~~ليڨربول نزولا فاحشا وإصابة سوق الإسكندرية بخسائر جسيمة؛ ~~وارتجاج الأرياف المصرية ارتجاجا سيئا فائقا؛ لأن المزارعين، ~~ارتكانا على أن أثمان القطن ستستمر، حتما، غالية وأسعاره متمسكة، ~~كانوا قد توسعوا في زراعته توسعا كبيرا، واستلفوا، لذلك، أموالا ~~طائلة برهون عقارية، فأدى سقوط أسعاره فجأة إلى اختلال التوازن بين ~~قيمة الأقراض وقيمات ضمانات سدادها العقارية، اختلالا نجمت عنه ~~توقفات عديدة عن الدفع، أوجبت شكاوى ودعاوى، هددت بيوتا كثيرة ~~بالخراب والمحق - تداخل (إسماعيل) في الأمر وتلافاه، فأصدر، وهو في ~~ڨيشي يتطبب بمياهها المعدنية، أمره إلى ماليته، بفحص طلبات دائني ~~المزارعين المصريين، وتحقيقها، وتسديد ما يثبت صحته منها، مقابل ~~إصدار أذونات بالمبالغ المدفوعة تدعى «أذونات القرى»، يسدد أصحاب ~~الأملاك المدينون قيماتها إلى المالية على ثمانية أقساط، ابتداء من ~~سنة 1869؛ أي: بعد الأزمة بأربع سنوات، فصدعت المالية بالأمر؛ ~~وسددت من ديون المزارعين المصريين ما أصدرت به أذونات قيمتها خمسة ~~وثلاثون مليونا من الفرنكات. # 21 # ولعل الذي حمل (إسماعيل) على إنقاذ مزارعي بلاده من هذه الورطة ~~التي وقعوا فيها، علاوة على رغبته في رفع الضيم عنهم، رغبته في عدم ~~تحويل ثقة رءوس الأموال الغربية عن الأرض المصرية، لاعتباره هذه ~~الثقة من عوامل تقدم البلاد في سبيل الحضارة، ومن أكبر أسباب إحياء ~~روح العمل والنشاط فيها - وإلا، فإن المقرضين الغربيين الذين باتت ~~أموالهم، بسبب هبوط أسعار القطن الفجائي، عرضة للضياع، أو إنها ~~ضاعت بالفعل، لم يكونوا ليلوموا في ذلك إلا سوء تبصرهم، وشدة ~~مطامعهم؛ ولم يكونوا جديرين بمواساة ما، فضلا عن العناية بهم؛ لأن ~~معظمهم كانوا يقرضون المزارعين بفوائد معدلها ثلاثة أو أربعة، ~~وأحيانا، خمسة ms089 في المائة شهريا! # ثانيا: # من أنه لما زاد النيل في سنة 1870 زيادة عظيمة هددت بالغرق، ~~ثلاثا من قرى مصر، وبالخراب التام أهلها، ونما الخبر إلى ~~(إسماعيل )، أمر بكسر الجسور فوق تلك القرى، في وسط أطيانه ~~الخصوصية، لتتحول إليها وتغمرها المياه المتدفقة المهددة: فتنجو ~~قرى الفلاحين البائسين ومزارعهم، فكسرت الجسور؛ وغرقت أطيان الأمير ~~بالفعل، فأصابته، من جراء ذلك، خسائر قدرت بأربعة ملايين من ~~الفرنكات، ولكن قرى المزارعين ومحصولاتهم نجت وأبعد، عنهم وعنها، ~~البؤس والشقاء، فأعلن (إسماعيل) أن هذا يسره سرورا يجعل خسارته لا ~~قيمة لها عنده بالمرة. # 22 # فأمير هذه عنايته بمزارعي بلاده وفلاحيها، حتى وهو في بلاد الغربة يتطبب وهذا ~~شعوره، لم يكن ليرضى أن تثقل كاهلهم جباية الأموال المقررة على أطيانهم منهم ولئن ~~أوخذ على شيء من المظالم والمغارم التي أحاقت بهم، في هذا الباب، فإنه إنما يؤاخذ ~~بحق، على عدم تنزيله العقاب الصارم بموظفيه المجرمين المتجاوزين الحدود في ذلك، ~~مثلما أنزله بإسماعيل صديق باشا كبيرهم، وعلى سماحه لنفسه بأن تغيب تلك المظالم ~~والمغارم عن نظره وهو يتطلع إلى آفاق كان من شأن شرور الحاضر أن تتضاءل فيها، ~~وتتوارى أمام عظمة المستقبل وزهوه وخيراته الجمة، التي كان يسعى إلى ~~تحقيقها! # على أن عذره في ذلك، هو أنه لا بد، لجاني الورد، من وخز الشوك؛ ولا مفر، لقاطف ~~العسل، من إبر النحل! # الفصل الثالث # | فتح أبواب التجارة والصناعة والعمل1 # هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا ~~فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه ~~النشور ~~. # قرآن شريف # إن التجارة أصبحت حرة، منذ تنكب محمد سعيد باشا جادة الاحتكار؛ وشاد حرية الأخذ ~~والعطاء على القوائم الأربع الآتية: # الأولى: # أن كل فلاح مصري حر في إنماء المحصول الذي يراه أكبر فائدة له من ~~سواه. # الثانية: # أنه حر في بيع محصوله نقدا لأي مشتر يشاء وبالثمن الذي ~~يريده. # الثالثة: # أن التجار أحرار في نقل المحصولات التي يشترونها، بجميع الوسائل، ~~برا وبحرا كما يشاءون. # الرابعة: # أن عموم الدخوليات والجمارك الداخلية تلغى، منعا لتحمل البضائع ~~مصاريف ms090 تضاعف أثمانها. # 2 # وكانت الحكومة المصرية قد قررت في عهد عباس - ولا ندري لماذا - ألا تخرج السفن من ~~ميناء السويس إلا بالترتيب، فما دامت السفينة التي عليها رقم 1، مثلا لم تنته من ~~مشحونها، أو لا تزال غير مستعدة للسفر، فإن السفينة التي عليها رقم 2 تضطر إلى ~~الانتظار وعدم الخروج، ولو أنها قد انتهت من شحن مشحونها وباتت على غاية الاستعداد ~~للرحيل؛ وهلم جرا. # 3 # فشاحنو البضائع إلى موانئ البحر الأحمر كانوا يضطرون، مهما استدعت إرسالياتهم من ~~إسراع، إلى الانتظار، ريثما يروق الإقلاع لصاحب السفينة السابق رقمها رقم سفنهم، ~~فإن لم يرق له، ورغبوا، هم في السفر، تحتم عليهم الخضوع لكل الشروط التي يوحي بها ~~الطمع، فينجم عن ذلك أحد أمرين: إما أن تزيد مصاريف الشحن زيادة فاحشة، وإما أن ~~تتأخر البضائع في السويس تأخرا ضارا. # فألغى محمد سعيد باشا هذا النظام؛ واستبعد من قوانين الموانئ كل ما من شأنه إيجاد ~~عراقيل في سبيل الإتجار. # فنزل سعر الشحن نزولا محسوسا جدا وراجت الأسواق التجارية رواجا عظيما؛ كانت ~~نتيجته، من جهة، أن التجارة الخارجية سارت في طريق الصعود سيرا حثيثا؛ وارتفعت ~~حركة الثغر الإسكندري - وكان المصدر العام لها تقريبا - من 81173050 فرنكا في سنة ~~1841 إلى 183902000 فرنك في سنة 1856 وإلى نحو مائتي مليون فرنك؛ أي: ما يقرب من ~~ثمانية ملايين من الجنيهات في سنة 1862. # وتلا ارتفاعها أن اتخذ النشاط التجاري في الإسكندرية شكلا لم تعهده القرون ~~الأولى فيها، منذ الفتح العربي؛ وأنشأ بورصة مالية انتشرت المضاربات فيها، على أثر ~~صعود أسعار القطن في سنة 1862، بسبب الحرب الأهلية الأمريكية، انتشارا مروعا، ~~ضارع في شدته وعنفه المشاهد منه في العواصم الأوروبية؛ وأدى إلى ثروات عظيمة زالت ~~بسرعة فجائية عظيمة أيضا، لقيامها على بيع وشراء يعقد بالكلام لا بالتسليم، وتتحول ~~إلى الغير بمكاسب طائلة أو بخسائر فاحشة. # وكانت نتيجة الرواج، من جهة أخرى، أن التجارة الداخلية انتقلت إلى أيدي الأهلين؛ ~~وانحصرت فيهم شيئا فشيئا، لتفوقهم على عمال التجار الأجانب في معرفة عادات ms091 البلد ~~وتقاليده ولغته وأساليبه؛ ولا سيما لقناعتهم في المأكل والمكسب، وأصبحت المراكب ~~والسفن الشراعية التي تجتاز المحمودية، على الأخص، ومجاري النيل، على العموم، ~~مشحونة، إن لم يكن كلها، فجلها، ببضائع لتجار من الأهلين، اشتروها من المزارعين ~~مباشرة، في داخلية البلاد، ليبيعوها في الإسكندرية إلى التجار الأجانب نقدا ~~وعدا. # وقد قال يومئذ أحد كبار التجار الغربيين لكاتب فرنساوي بليغ كان قد زار البلاد في ~~أواخر سنة 1856، وهو يشير إلى امرأة مصرية، حافية القدمين، ومرتدية لباسا يكاد ~~يكون رثا: «أتراني إذا قلت لك إني دفعت الآن إلى هذه المصرية، ذات المظهر الحقير ~~المبتعدة أمامك، أربعمائة جنيه إنجليزي ثمن بضائع أتتني بها، أتصدقني؟» # 4 # وحمل اتساع التجارتين الخارجية والداخلية سعيد باشا على إنشاء شركتين للملاحة: ~~إحداهما بحرية، والثانية نيلية. # فالأولى، ودعيت «المجيدية»، إكراما للسلطان العثماني عبد المجيد، تأسست بفرمان ~~همايوني استصدره محمد سعيد باشا في أواخر ربيع الأول سنة 1273 من السلطان المذكور؛ ~~وبرأس مال قدره عشرون مليونا من الفرنكات، مقسم إلى أربعين ألف سهم، قيمة السهم ~~الواحد خمسمائة فرنك، وغرضها استغلال شواطئ القلزم لغاية الخليج الفارسي استغلالا ~~تجاريا؛ ونقل الحجاج الذاهبين، سنويا، إلى الأقطار الحجازية، لتأدية الفريضة ~~المقدسة، نقلا سريعا منظما؛ وربط نظام الملاحة في البحر الأحمر، بنظام سفن ~~بخارية تمخر في البحر الأبيض المتوسط؛ وتقوم بخدمة سواحل السلطنة العثمانية. # وقد وضعت هذه الشركة تحت رياسة الأمير مصطفى فاضل، أصغر أنجال إبراهيم باشا ~~الكبير؛ وعين لها بطريقة استثنائية، مجلس إدارة مؤلف من نوبار بك وكيلا للرئيس ~~ومراقبا لعموم أعمال الشركة في حال تغيب سموه؛ وكان من كبار الموظفين المصريين ~~والتجار الأجانب. # والثانية، ودعيت «الشركة المصرية لقيادة السفن بالبخار على النيل والترع ~~المصرية»؛ تأسست برأس مال قدره خمسة ملايين من الفرنكات؛ وبامتياز من محمد سعيد ~~باشا في 9 محرم سنة 1271 /2 أكتوبر سنة 1854 إلى مؤسسيها، وهم زمرة من كبار التجار ~~الغربيين؛ أشهرهم ذكرا السنيور پوپولاني؛ وبعض كبار موظفي الحكومة المصرية كذي ~~الفقار باشا، المشرف العام على المالية المصرية؛ وكوينج بك سكرتير ms092 سمو الأمير ~~الخاص؛ وموچيل بك كبير مهندسيه، وغرضها الانفراد بقوة البخار لجر بضائع الوارد ~~والصادر في عموم دائرة القطر المصري، على النيل والترع المصرية بطلب من أصحاب ~~المراكب المشحونة فيها تلك البضائع، وبالأسعار التي تضعها الحكومة المصرية لكل صنف ~~منها، وذلك الانفراد مقابل إنشائها طلمبات نارية في العطف تكون قوتها كافية لحفظ ~~المحمودية دائما في حال صالحة للملاحة ولري عشرين ألف فدان ريا صيفيا؛ وتزويد ~~الإسكندرية بالماء اللازم لها، حتى فيما لو غيرت الحكومة طريقة المجارير المائية ~~فيها. # غير أن هاتين الشركتين المساهمتين - وكانتا أول ما تأسس من نوعهما في القطر ~~المصري، ولذلك توسعنا قليلا في ذكرهما - بالرغم من أن مدة أولاهما جعلت ثلاثين ~~سنة، ومدة ثانيتهما خمس عشرة سنة لم تقوما بأعمالهما، أعواما قليلة، حتى تطرق ~~الخلل الناجم عن الإهمال وعدم الاعتناء؛ لا سيما بعد أن أخذ المرض من (سعيد) مأخذه، ~~فخسرتا جانبا كبيرا من رأسي مالهما؛ وبات الخراب التام يهددهما حينما آل الأمر ~~إلى خلفه. # فشمر (إسماعيل) عن ساعد الجد في هذا الباب من المصلحة العامة، ومد يده إلى الشركة ~~المجيدية، فجمع ما بقي من حطامها؛ ثم صفاها؛ وأنشأ، محلها، شركة جديدة، دعاها ~~«العزيزية» إجلالا للسلطان عبد العزيز، كان جل رأس مالها من جيبه الخاص وساعده على ~~ذلك ثروته الشخصية حينما ارتقى عرش مصر فقد كان إيراده لا يقل عن مائة وستين ألف ~~جنيه سنويا ولم يكن عليه دين ما؛ وجعل مهمتها القيام بالشأن الذي أسست المجيدية ~~من أجله. # ولما رأى أعمال الملاحة سائرة على أتم ما يرام في البحر الأحمر وعلى سواحل البحر ~~المتوسط العثمانية، وريح اليسر والرخاء نافخة في قلوع «العزيزية» تاقت نفسه إلى ~~توسيع نطاقها وجعل سفنها تمخر في المياه الأوروبية، حاملة في مرافئها الجنوبية، ~~الراية المصرية وهي خافقة فوق بضائع مصرية. # فأرسل اثنين من أخصائه ومن كبار رجال الجاليتين الإيطالية والفرنسية، يدعى أحدهما ~~السنيور فرنشسكو ييني بك، والثاني المسيو چورنو بك إلى البندقية ومرسيليا، ليمهدا ~~له سبل العمل والنجاح فيهما، فعقدا اتفاقا في إيطاليا ms093 وفرنسا، ولكنهما صادفا، من ~~منافسه ومن حسد الملاحة الأجنبية هناك في إيطاليا وفرنسا، لا سيما من شركتي ~~البننسيولر والأورنيتل الإنجليزية، والمساچيري امپريال ماريتيم الفرنساوية، ما اضطر ~~الأمير إلى العدول عن فكرته، والاقتصار على ملاحتي القلزم وسواحل البحر الأبيض ~~الجنوبية، وتحويل جهوده في إنماء تجارة بلاده إلى وجهات أخرى. # 5 # فطفق، من جهة، يعضد، بأمواله الخصوصية، رءوس الأموال الفردية، لتكوين شركات ~~مساهمة عديدة، بدون نظر إلى جنسية المساهمين فيها، أو دينهم: فتأسست، بحضه، وتحت ~~تأثير موحيات رغائبه، وبرءوس أموال كان ما يخصه فيها أهم رءوس الأموال الفردية ~~المكتتب بها، شركة اعتمادات مالية زراعية مساهمة، غرضها تسليف المزارعين، ولا سيما ~~أصاغرهم، نقودا بفوائد خفيفة لإنقاذهم من أيدي المرابين اليونانيين واليهود ~~وغيرهم؛ وشركة مساهمة لاستيراد الماكينات البخارية من أوروبا، وبيعها إلى المزارعين ~~المصريين بأقساط تناسب درجة ثرواتهم، وتركيبها في الأماكن التي تعين لها؛ وشركة ~~مساهمة ثالثة للقيام بنفاذ مشاريع الري والطرق الزراعية التي تقرها المجالس المحلية ~~وتعتمدها الحكومة؛ وشركة رابعة لاستغلال السودان والإتجار بحاصلاته المتنوعة، وعمد ~~فيما بعد إلى تأسيس شركات اعتمادات مالية لتعزيز مركز مصر المالي وتحريره من ~~الاحتياج إلى رءوس الأموال الغربية، كمصرف أهلي أو مصرف عقاري، يكون هو أكبر ~~مساهميها وأهم عملائها، وأنشأ، أثناء وجوده في باريس سنة 1869 بالاشتراك مع ~~الخواجات ا.دي.چيراردين وأعوانه الماليين الشهيرين الذين عرفه بهم نوبار باشا ~~«الشركة العمومية المصرية» للإتجار والاستغلال، لحفر ترعة كبرى لري جزء الوجه ~~البحري الشمالي الغربي - فدفع، هو، معظم رأس مالها وكل مصاريف تأسيسها - وأسس كذلك ~~المصرف (البنك) الفرنساوي المصري، بالاشتراك مع المسيو ليڨي كريميي اليهودي الذي ~~ربط بين سموه وبينه وثاق صداقة متينة رجل مالي كان مخصصا لخدمته في تلك العاصمة. # 6 # وطفق، من جهة أخرى، وهو يعمل على توسيع نطاق السكك الحديدية - أساس رقي كل تجارة ~~في العالم، بل كل رقي على الإطلاق - يفكر في جعل ميناءي الإسكندرية والسويس - وهما ~~أكبر الثغور المصرية على البحرين الأبيض والأحمر - على درجة من الاتساع والأمن ~~يتسنى لهما أن يباريا أكبر الموانئ العالمية ms094 في أهمية حركتهما التجارية. # أما السويس، فإن شركة البنسيو لراند أورينتل الإنجليزية كانت قد طلبت في سنة 1842 ~~من (محمد علي) أن يأذن لها بإجراء أعمال هامة فيها، تجعلها فرضة فسيحة أمينة، ~~وإنشاء حوض عام لتصليح السفن؛ فأبى. # فلما آلت الأحكام إلى محمد سعيد باشا رفعت إليه شركة المساچيري امپريال ماريتيم ~~طلبا في المعنى عينه؛ وتوسمت منه قبولا لما اشتهر عنه من الميل إلى فرنسا وحبه ~~للفرنساويين، فعضد طلبها المسيو براڨيه - وكان أخص أخصاء محمد سعيد باشا. فأجابها ~~إليه في سنة 1861؛ واتفق معها على أن يدفع لها سبعة ملايين من الفرنكات على أن تقوم ~~هي بعمل الحوض العائم، فقط؛ علاوة على تقديمه يد السخرة المصرية إليها لتستعين بها ~~على نجازه. # فكلفت الشركة بالعمل محل دوسو اخوان # Dussan ~~- وهو ~~الذي بنى فيما بعد ميناء بورسعيد - وشرع ذلك المحل في سنة 1862 ولكن الحكومة ~~المصرية رأت، بعد ذلك، لأسباب لا داعي إلى بيانها هنا، أن تمنع يد السخرة، وتعوض ~~الشركة منها بإعطائها مليونا ونصفا من الفرنكات، علاوة على السبعة المتفق عليها، ~~ولم يقف سخاؤها عند هذا الحد بل تجاوزه حتى وصل المبلغ إلى تسعة ملايين. على أن ~~العمل لم يتم إلا في عهد (إسماعيل)؛ ولم يفتح الحوض المذكور إلا في سنة ~~1866. # فأراد (إسماعيل) أن تعمل ميناء واسعة هناك؛ لا سيما بعد الفراغ من عمل ترعة ~~السويس وفتحها، فأمر؛ فشرع في العمل في سنة 1870 وأنشئ حوض خارجي دعاه (إسماعيل) ~~«بور إبراهيم»، إكراما لاسم أبيه الهمام، وربطه بالسويس بسكة حديدية، أنشأ إلى ~~جانبها سكة عربات؛ وما زال يعمل ويحسن لتأمين السفن وراحتها حتى بلغ مجموع ما أنفقه ~~في هذا السبيل، مليونا وخمسمائة ألف وعشرة آلاف جنيه. # أما ميناء الإسكندرية - وطولها ستة أميال وعرضها ميلان بين رأس التين ورأس العجم ~~من الشمال الشرقي إلى الجنوب الغربي، وهي مقفلة من كل جانب إلا من هذا الجانب ~~الأخير - فإن (إسماعيل) كان قد أحس بوجوب تصليحها منذ ارتقائه سدة جده، للمسه، ~~بيده، المضار الناجمة عن قيام الصخور ms095 متشعبة في مدخلها ومجراها، ولكن ذلك الإحساس ~~زاد فيه، بعد فتح ترعة السويس، زيادة لم يعد يستطيع معها صبرا على بقاء الحال كما ~~هي، لا سيما بعد أن رأى تحول جانب عظيم من تجارة الإسكندرية بسبب صعوبة مدخل ~~مينائها إلى مجرى تلك الترعة البحرية. # فعقد، قبل نهاية سنة 1870، عقدا مع محل جرينفلد وشركائه الهندسي بلندن، كلفه ~~بمقتضاه بإقامة حاجز ضخم خارجي؛ وإنشاء ميناء داخلية؛ وبناء أرصفة فيها للسفن، تكفل ~~لها وللمسافرين الراحة التامة، نظير تقاضيه مبلغ مليونين من الجنيهات ~~الإنجليزية. # فبعد بضعة أشهر صرفت في تجهيزات لم يكن منها بد (ووجد المهندسون الإنجليز، في ~~خلالها، سبيلا إلى جعل المليونين المتفق عليهما - بالرغم من احتوائهما على زيادة ~~في التقدير تبلغ ثمانين في المائة، أسوة بجميع الأشغال العمومية والخصوصية التي قام ~~بها مهندسون غربيون في عهد (إسماعيل) - مليونين ونصفا، وذلك بإضافتهم بعض تعديلات ~~إلى التصميمات والرسوم الأصلية) شرع في العمل في بدء ربيع سنة 1871، بعد حفلة شائقة ~~وضع الخديو فيها بيده أول حجر في ذلك الميناء الفخم. # فسير بالحاجز، أولا، جنوب منارة رأس التين الغربي، وعلى بعد خمسين مترا منها، ~~مسافة قدرها ألف متر، ثم ميل به نحو الجنوب الجنوبي الغربي مسافة قدرها ثلاثمائة ~~وخمسون مترا: واجتيز به الثغر كله، فإذا به ميلان يشتملان على ألف وأربعمائة فدان ~~مياها هادئة تستطيع أكبر مراكب العالم وعمارات الدول كلها الرسو باطمئنان والاجتماع ~~براحة فيها، وإذا بالمدخل الأهم دائر خلف الحاجز الجنوبي الغربي على بعد 1500 متر ~~من الشاطئ، والممر الضيق لدخول المراكب الصغيرة وخروجها، إلى جهة رأس التين، وإذا ~~بالبناء قد برز على علو سبعة أقدام فوق كل علو قد تبلغ إليه أمواج البحر في أشد ~~ارتفاعها، وشمل، من جهة الشاطئ الحاجز ~~“Mole” # الواسع، على مسافة تسعمائة متر من فم المحمودية، لجهة رأس التين، واشتمل على أرصفة ~~طولها 1440 مترا في منتهى المتانة والجودة. # ثم أوصل ذلك جميعه بسكة حديد القباري، بخط حديدي أنشئ لهذا الغرض خصيصا، فأصبحت ~~القطارات تستطيع تفريغ مشحونها على الأرصفة ms096 الراسية البواخر بجانبها مباشرة؛ ~~وتستطيع البواخر تفريغ مشحونها مباشرة أيضا، في القطارات العاجة التي تملأ صغار ~~قاطراتها تلك الأرصفة! وبلغت قيمة ما تقاضته الحكومة من الرسوم سنويا من السفن ~~الداخلة إلى ذلك المرفأ لغاية سنة 1877 مائة وثلاثين ألف جنيه. # 7 # على أن همة (إسماعيل) لم تقتصر على توسيع ميناءي السويس والإسكندرية؛ ولكنها ~~تناولت موانئ البحر الأحمر القصية عنها، من القصير إلى زيلع وبربرة، وأدخلت عليها ~~من التحسينات ما كان متناسبا مع انتعاش حركة السودان التجارية في عهده، ~~ونموها. # ولعلم (إسماعيل) أنه لا بد للموانئ، لكي تقوم بعملها قياما نافعا في النهار ~~والليل، من منارات فيها، ترشد السفن إلى أحواضها الداخلية الأمينة، وتدرأ عنها ~~أخطار الشعاب الصخرية، أكثر من إنشاء هذه السرج الجزيلة النفع على جميع شواطئ ~~مملكته المترامية الأطراف. # فإنه، حين أدركت (سعيدا) منيته، لم يكن من تلك المنائر سوى منارة الإسكندرية ~~ونور عائم في خليج السويس، فما ابتعدت الأيام بملك (إسماعيل) إلا وقد قامت سبع ~~منارات عظيمة على ساحل البحر الأبيض، غير الصغرى منها، وسبع أخرى على سواحل البحر ~~الأحمر، وواحدة على ساحل الأوقيانوس الهندي، وإليك بيانها: # أولا: # على ساحل البحر الأبيض: أربع بالإسكندرية وهي: منارة رأس التين ~~تبعث أنوارها المتألقة إلى بعد عشرين ميلا، ومنارة طرف الحاجز، ~~تبعث أنوارها إلى بعد ستة أميال؛ ومنارة العجمي؛ ومنارة الخليج ~~الغربي؛ ثم منارة رشيد، ونورها الأبيض والأحمر جميل للغاية؛ ومنارة ~~رأس البرلس، ونورها أبيض ثابت؛ ومنارة دمياط، ونورها أبيض كذلك؛ ~~ومنارة بورسعيد الكبرى، وهي مثيلة منارة الإسكندرية، وتبعث أنوارها ~~الجميلة إلى بعد عشرين ميلا. # ثانيا: # على ساحل البحر الأحمر، منارة السويس الكبرى، تبعث أنوارها على ~~بعد ثمانية عشر ميلا؛ أنشئت في الميناء، علاوة على النور العائم ~~في الخليج والنور الأبيض المقام على مدخل الثغر؛ ومنارة أخرى دون ~~الكبرى بقليل، تبعث أنوارها إلى مدى أربعة عشر ميلا، من قمة رأس ~~الزعفران، الواقع على بعد خمسين ميلا جنوبي السويس؛ ومنارة ثالثة ~~مثلها يرى نورها من بعد أربعة عشر ميلا كذلك، على قمة ms097 رأس غريب، ~~ويبعد عن رأس الزعفران جنوبا خمسين ميلا أخرى؛ ورابعة، أقوى ~~منها، في جزيرة الجبل، على مدخل الخليج، تبعث أنوارها إلى بعد ~~ثمانية عشر ميلا؛ وخامسة قائمة على صخور ديدلوس في وسط البحر ~~الأحمر في خط 24 و55 شمالا، تبعث أنوارها إلى بعد أربعة عشر ~~ميلا؛ وسادسة مثلها في سواكن؛ وسابعة في الوجه بمحطة الأربعينيات ~~(الكورنتينات). # وأما التي على ساحل الأوقيانوس الهندي، فواحدة في بربرة، قائمة هناك، دليلا ~~ساطعا على نور المدينة والحضارة المنبعث عن (إسماعيل) إلى أقصى أطراف مملكته، ~~والمنبئ بشروق شمس أيامه في شرق القارة السوداء، لتبدد غياهب ظلماتها الهمجية ~~وتخترق حجب دياجيرها المدلهمة. # وقد بلغ ما أنفق في إقامة هذه المنارات الشاهقة التي كان معظم حراسها من الإنجليز ~~الخبيرين بعملها، نيفا ومائة وتسعين ألف جنيه؛ وقد اعتنى بها وبتنظيمها اعتناء ~~جعلها في مقدمة مثيلاتها في البلاد الغربية عينها، وجعل ما يتقاضى من الرسوم على ~~السفن المنتفعة بها يزيد على ما تستدعيه صيانتها من نفقات - والفضل في ذلك إلى ~~مديرها العام ماك كيلوب باشا. # 8 # وكانت السفن التي تجتاز قنال السويس إلى الشرق الأقصى تدفع رسوما في ذهابها ~~وإيابها؛ وأما التي تقف في السويس ثم تعود إلى بورسعيد فلم تكن تدفع سوى رسوم ~~الذهاب؛ والسفن الحربية لا تدفع شيئا؛ وأما السفن البريدية فكان يعمل خصم قدره ~~5٪. # ولعلم (إسماعيل)، أيضا، أن نفخ روح الحياة في أصناف الصناعات والفنون وأبواب ~~العمل، من شأنه أن يضاعف الحركة التجارية بإكثار مستورداتها وصادراتها أكب على ~~الأمرين معا بكل نشاط نفسه النشيطة. # أما الصناعات والفنون - وقد كانت مصر في أيام الفاطميين والأيوبيين، بل في ذات ~~أيام السلاطين المماليك من بحريين وبرچيين، مهبطها وكعبتها - فإن الحكم التركي ~~المملوكي - الذي أنشأه في الديار السلطان العثماني سليم خان الأول عقب انتصاره على ~~جنود طومان باي البواسل، في واقعة الريدانية، وذبحه نيفا وخمسين ألفا من سكان ~~القاهرة، وسلبه كنوزها ونفائسها وتسييره صناعها ومشاهير رجال فنونها إلى الأستانة، ~~مع الزمرة من أعيانها التي اعتقلها فيها صحبة المتوكل على ms098 الله آخر خليفة عباسي ~~بمصر - كان قد قضى عليها قضاء مبرما؛ كما قضى على كل حركة حيوية غيرها: فبت ترتاد ~~البلاد من الإسكندرية إلى أسوان فلا تجد مصنعا واحدا من المصانع العديدة التي ~~كانت تعمل فيها النفائس والطرف من أنواع ما تحفظه دار آثارنا العربية بمصر، ~~اليوم. # فلما استلم (محمد علي) زمام الحكم بيده القوية، وصفا له الجو بزوال أيام معارضيه ~~من مماليك وغيرهم؛ ووقع في خلده أن ينشئ في مصر، ومن مصر، دولة شابة يقيمها على ~~جبهة الشرق، ساطعة السنا، رأى أنه لا بد له من إحياء الصناعات والفنون فيها، ليتمكن ~~من نيل أغراضه وقضاء أوطاره. # فأقبل ينشئ المعامل والمصانع في كل جهة؛ منها ما هو لصنع الأشياء الشرقية التي ~~كانت البلاد تصنعها في أيام عزها السابق - ونرى بعضها الآن مما صنع في عهده في قصور ~~أفراد أسرته الكريمة و«سراياتهم»؛ ومنها ما هو لصنع الأشياء الغربية المستوردة من ~~الخارج. # تلك المعامل والمصانع أقيمت، في الوجه البحري: بمصر، وقليوب وميت غمر وزفتى ~~والمحلة الكبرى وسمنود والمنصورة ودمياط وفوة وشبراخيت إلخ، وفي الوجه القبلي: في ~~بني سويف والمنيا ومنفلوط وأسيوط وطهطا وجرجا وسوهاج وإخميم وإسنا إلخ؛ واشتغل فيها ~~نيف وعشرون ألف عامل. # ولكنها، بالرغم من وجود الرؤساء المستقدمين من أوروبا حتى من أميركا بكثرة فيها، ~~لتعليم الصناع المصريين المشتغلين تحت إدارتهم، ما لبثت كلها أن تعطلت وأقفلت في ~~عهد (محمد علي) عينه، ما عدا معمل الطرابيش بفوة، فإنه بقي قائما بفضل استيراد ~~جميع أفراد الجيش والهيئة الإدارية طرابيشهم منه. # 9 # والمرجع في هذا البوار والتعطيل إلى سببين رئيسيين: (الأول) عدم وجود المواد ~~الأولية كالحديد والفحم، في البلاد، وضرورة استحضارها من الخارج بأثمان باهظة كان ~~من شأنها جعل مجاراة المصنوعات المصرية للمصنوعات الأجنبية، في أثمانها، ومساواتها ~~فيها، أمرا متعذرا؛ و(الثاني) أخذ الحكومة المصرية بمبدأ الاحتكار التجاري، وهو ~~مبدأ من شأنه قتل كل همة فردية والقضاء على روح كل إقدام. # ولم تجد الصناعة تعضيدا من خلفاء (محمد علي) الثلاثة الأول، فإبراهيم لم يعش؛ ms099 ~~وعباس لم يهتم؛ وانصرفت الأمة في مدة سعيد بكلياتها وجزئياتها إلى الفلاحة، عقب ~~التسهيلات التي قدمت لها، ولم تكن قد اعتادتها. على أن تهافت الأجانب على القطر في ~~مدة سعيد، أوجب توسع العمارة بالإسكندرية، مع ما توجبه شيئا فشيئا من تغيير معالم ~~ونشوء مصانع ميكانيكية؛ ولكنه لم يدخل تغييرا محسوسا، حتى ولا تعديل على نظام ~~الصناعات والفنون البلدية. # فبقي هذا النظام معمولا به كما كان منذ قديم الزمان: أثرا للماضي الفرعوني؛ ~~واتخذ من العصر التركي اسما جديدا لم تعهده مصر العربية وهو «الطوائف». # فكل صناعة أو حرفة كان يقال لها: «طائفة» وكان لكل طائفة شيخ ينتخبه كبار رجاله، ~~وتصدق الحكومة على تعيينه مقابل رسم يدفعه إليها، ويختلف مقداره مع اختلاف ~~الأيام. # فمتى تعين الشيخ رسميا، أصبح حاكم «الطائفة» المطلق والمسئول الوحيد عن كل ~~شئونه، فهو الذي يحدد أثمان العمل؛ ويرتب درجات الأجور؛ ويقبل دخول أعضاء جديدين في ~~الطائفة؛ ويرشد إلى كيفية إنجاز الاتفاقات؛ وينتدب الصناع الذين ينجزونها؛ ويجمع ~~العوائد المفروضة على رجال الطائفة؛ ويمنح الأعضاء، ساعة قبولهم، الشهادات التي ~~تثبت كفاءتهم وتبين مقدار الأجرة اليومية الواجبة لهم؛ لأنه إذا جاز لرجل الطائفة ~~أن يقاول على الشغل بالقطعة، لم يكن يجوز له أن يقاول عليه باليومية؛ لأن يوميته ~~كانت معلومة ومبينة في شهادته، ولا سبيل له إلى زيادتها ولا إلى تنقيصها، فكانت ~~المزاحمة، والحالة هذه، معدومة بالمرة؛ وكان العمل على العموم تحت رحمة شيوخ ~~«الطوائف»؛ فإذا بلغهم أن أحد رجال الطائفة اشتغل بأجرة زائدة على المبينة في ~~شهادته أو ناقصة عنها جاز لهم أن يطلبوا عقابه من الحكومة وحبسه وينالونهما. # على أنه كان يباح للصانع أن يشتغل في فرعين من فروع فنه بشرط دفع ضريبة مضاعفة؛ ~~كذلك إذا احترف بحرفتين - وهو ما كان نادرا - إلا إذا اتفق سرا مع الشيخ، وحمله ~~برشوة على غض نظره. # 10 # أما الصناعة الغربية المستوطنة، فلم تكن خاضعة لهذا النظام، ولكنها لقلتها، لم ~~يكن في استطاعتها أن تزاحم الصناعة المحلية، مزاحمة محسوسة، ومن المعلوم أن قلة ms100 ~~المزاحمة تعود الخمول، وتحول، عادة، دون تحسين العمل ورقيه وبلوغه درجة ~~الكمال. # فلا عجب، والحالة هذه، من بقاء الصناعات والفنون المحلية في مستوى واحد، طوال ~~المدة ما بين سنة 1800 وسنة 1863. # فلما نفخ (إسماعيل) فيها، من روحه، أخرجت الأرض المصرية أولا، برأس مال قدره ستة ~~ملايين من الجنيهات، معامل سكر في مصر الوسطى، تمتد على طول تسعين ميلا على شاطئ ~~النيل الأيسر، من بني سويف إلى برج أسيوط؛ وتستغل محصول 257000 فدان بمعاصرها ~~القائمة بالفشن، ومغاغة، وآبا، وبني مزار، ومطاي، وسمالوط، والمنيا، وفرشوط؛ ومعامل ~~سكر أخرى في الصعيد، تمتد ما بين أرمنت، والضبعة والمطاعنة وتستغل أربعين ألف فدان؛ ~~ومعامل سكر ثالثة في واحة الفيوم، تستغل حاصلات ديميرس، وسليكس، والفيوم، وأبو ~~كساه، ومعصرة دودا؛ وكل معمل منها يشغل نيفا وألفي عامل، كلهم مصريون ما عدا ~~المهندسين - فإنهم كانوا إنجليز - ويخرج، علاوة على السكر، عسلا أسود (دبسا) أجود ~~من عسل جزر الهند الغربية، وروما من أطيب المشروب، بثمن إجمالي قدره سنويا مائة ~~وسبعون ألف جنيه. # وأخرجت، ثانيا، معامل نسيج عديدة، اشتغل فيها من الصانعين ما ربا عددهم على عدد ~~صناع كل حرفة أخرى: فألف وستمائة منهم كانوا يشتغلون في معامل دوائر الوالدة باشا، ~~بفوة، وبولاق، وشبرا، والمعمل الأول كان يخرج خمسين ألف طربوش، في السنة، يباع ~~معظمها إلى رجال الجندية والبحرية، وباقيها للعموم؛ والأخرى تخرج 315 ألف ثوب من ~~الصوف، معظمها للجنود أيضا. # وأقام بمصر ستين معملا لنسج القطن والتيل؛ وعشرين لنسج الصوف؛ وأحد عشر لعمل ~~الأبسطة؛ ومائة وسبعة للحياكة ونسج البفتة. # وأقيم بالإسكندرية ثمانية وثلاثون محلا لنسج القطن؛ وواحد وثلاثون محلا لعمل ~~الأبسطة. # ونشأ في دمياط مائة وستة وستون دكانا لنسج الحرير واثنان وستون لصناعته، وقام ~~المجتهدون، في بني سويف، يكثرون من عمل البساط الصعيدي المعروف بالكليم والأنسجة ~~التيلية الخشنة للبس الفلاحين؛ وكان في كل دكان من دكاكينهم من منوال إلى اثني عشر ~~منوالا. # وأخرجت، ثالثا، معامل لصنع المعادن؛ منها ثلاثة للحكومة، وهي: مسبك مدافع، ومعمل ~~بنادق - وفيه ماكينات لتصليح البنادق ms101 من أحدث طراز رمنجتن - وعنابرهما ببولاق؛ ~~ومعمل خرطوش بالإسكندرية؛ علاوة على معمل سلاح، وعنابر للبواخر والسفن الحربية - ~~وهو ما أنشئ فيما بعد نظير له في السويس. # أما معامل شغل المعادن الخاصة بالأهلين فكانت بمصر: خمسة وثمانين مسبك حديد، و73 ~~معملا للنحاس، و80 محلا للتبييض، عدا 240 محل صائغ، وعدة معامل سلحدارية ~~وحدادين، تخرج من الأسلحة أنفسها وأجملها، ومن الأدوات الحديدية الصغرى، ما تدعو ~~إليه الحاجة؛ وبالإسكندرية: 6 مسابك حديد، و43 محل حدادة، و20 معمل نحاس، و93 محل ~~صياغة. # ثم أنشأت الحكومة، بقليوب، معملا لضرب اللبن كان يخرج 4700000 لبنة حمراء كل ~~عام؛ ثمن الألف منها تسعون قرشا صاغا - وكان معظم البناء حينذاك بالأجر والقليل ~~منه جدا بالحجر. وكانوا يستخرجون الحجر، بمصر، من المقطم؛ وبالإسكندرية، من المكس ~~كما هو شأنهم اليوم، بعد أن كانوا، قبل سنوات قليلة من ذلك العهد، ينهبون المعابد ~~القديمة كلما أرادوا إنشاء بناء بالحجر. # وبدت الدباغة وصناعة الجلود فأنشأت الحكومة، لهذا الغرض، مصنعا بالإسكندرية، ~~كانت تدبغ فيه من ثلاثين إلى أربعين ألف جلد سنويا، ما بين جلود بقر وجاموس وخراف ~~وماعز. # وأنشأ الأفراد نيفا وثلاثين مصنعا بمصر والإسكندرية، تجهز وتدبغ أكثر من مائتي ~~ألف جلد سنويا، فكثر تصدير الجلود المصرية إلى الخارج، وراجت صناعة السروجية في ~~داخل القطر رواجا عظيما. # ولسنا نقول شيئا عن صناعة الخزف؛ لأنه من المعلوم أن صنع القلل والزلع والأباريق ~~والأزيار، وما على شاكلة ذلك جميعه، والتفنن في صنعه، قديمان بمصر قدما تكاد ~~الذاكرة لا تدركه؛ ومن المعلوم أيضا أن هذه الصنعة بلغت في مصر القديمة شأوا لم ~~تبلغه في مصر الحديثة، ولكنا نقول إن أفضل أدوات حرفته إنما كانت تخرجها مصانع قنا ~~وبلاص وأسيوط ومنفلوط وملوي؛ وتنزل إلى المراكب في النيل منها، سنويا، خمسمائة ~~ألف قطعة، كما كانت تفعل في أيام طوطمس العظيم، وأيام أن أكره بنو إسرائيل على ~~مغادرة مصر. # وأخرجت هذه الأرض المصرية أيضا من ثمانية إلى عشرة معامل زجاج - واسم أحدها لا ~~يزال مطلقا على إحدى المحطات بين الإسكندرية ms102 ودمنهور - كانت تصنع للأسواق نيفا ~~وعشرة آلاف قطعة متنوعة سنويا؛ عدا عشرين ألف زجاجة مصباح. نذكر هذا: والألم ~~ملء الفؤاد، في هذه الأيام التي لا معمل زجاج لنا فيها حتى أصبحت زجاجة المصباح ~~البسيطة ذات العشرين الفضة دارجة، سابقا، تباع بنصف ريال، منذ أن حالت الحرب ~~العالمية الكبرى دون أن ترسل مصانع الغرب شيئا منها إلينا. # 11 # وماذا نقول عن معامل الورق التي أقامتها الدائرة السنية - أي: دائرة (إسماعيل ) - ~~ببولاق سنة 1870، وكان يشتغل فيها 220 عاملا وطنيا تحت رقابة مهندسين ورؤساء ~~أعمال من الإنجليز؛ فيخرجون 18 طنا من الورق المستعمل للف السكر، وسبعين ألف ~~فريدة ورق طباعة وكتابة، من أنواع مختلفة، يصنع أوطؤها قيمة من الحلفاء وقشر القصب، ~~وكانت تكفي كل الحاجة إليها بمصر، ويصدر الزائد على الحاجة منها بالات بالات إلى ~~الحجاز، بل إلى الهند؟ # نحن لا نتوسع في ذكرها، خشية إيلام النفوس؛ لأن عدمها الآن بمصر، مع انعدام ~~الوارد من الخارج أصبح يهدد المدارس، بالإقفال، لا الصحافة والتأليف فقط بالتعطيل، ~~ومصالح الحكومة بالارتباك. # أما المطبعة الأميرية التي أنشأها (محمد علي) فإن (إسماعيل) وسعها توسيعا أصبحت ~~معه تستطيع أن تطبع كل ما تحتاج إليه مصالح الحكومة، وجميع كتب التدريس التي تقررها ~~وزارة المعارف العمومية باللغتين العربية والتركية، وفي كل لغة من اللغات الأوروبية ~~الكبرى، كالفرنساوية والإنجليزية والطليانية، طبعا نظيفا متقنا، خليقا بأي ~~مطبعة بباريس ولندن، مهما كانت كبيرة، ومعتنى بها، أن تفتخر به؛ مع أن عمالها - ~~وكانوا أكثر من مائة - كانوا جميعا من المصريين. # على أن الإقدام الشخصي شرع، مع ذلك في مزاحمتها مزاحمة كبيرة منذ ذلك الحين، ~~فالدائرة السنية أنشأت محل ليتوغرافيا لها ببولاق؛ وأنشأ بعض الفرنج والأهلين خمس ~~مطابع وخمسة محال ليتوغرافيا بمصر، وأربعة بالإسكندرية؛ ولكن العمال فيها كانوا ~~إفرنج كلهم. # وازداد عدد المشتغلين في باقي الحرف، فالطحانون والفرانون أصبحوا طائفة كبيرة؛ ~~وبلغ عدد الخبازين في المدن والبنادر وحدها - خلاف الفلاحين والبدو - 2300 خباز ~~منهم 1000 بمصر و490 بالإسكندرية، وبلغ عدد صانعي الفطير والحلوى ألفا ومائتين، ~~منهم ms103 800 بمصر، و200 بالإسكندرية، والباقي في البنادر، وبلغ عدد الطواحين البخارية ~~27 بمصر و21 بالإسكندرية؛ وما يدار منها بالخيل 575 بمصر و127 بالإسكندرية، علاوة ~~على 37 طاحونة هوائية بهذا الثغر، وجملة طواحين بطنطا والزقازيق والمنصورة، وكان ~~للحكومة طاحنة بخارية عظمى، تقوم بطحن الغلال اللازمة للجيش والبحرية؛ ومخبزان ~~عظيمان بمصر والإسكندرية، لتوزيع الخبز على الجنود والنوتية، وعلى جهات البر ~~والمدارس والحجاج العابرين. # وزاد عدد البنائين وصانعي الأحذية والسمكريين، وازدادوا اتقانا لصنائعهم، حيال ~~المزاحمة الأجنبية؛ كذلك كان شأن التطريز والصياغة، ولو أنهما استمرا يشتغلان على ~~النماذج القديمة المصرية. # غير أن صنعة عمل المشربيات والتفنن فيها أخذا يزولان شيئا فشيئا، وتحل محلهما ~~الصنعة على الطراز الغربي؛ حتى أصبح ثمن «العينة» فقط من الصنعة القديمة أغلى مما ~~كان ثمن الشباك كله في عهد علي بك الكبير ومحمد بك أبي الذهب، وكذلك بات شأن ~~التزويق والتنميق في داخل المنازل والقصور: فإن الذوق والصنعة القديمين زالا منهما، ~~وحل مكانهما الذوق والصنعة الألمانيان. # أما التفريخ فبقي كما كان قديما، ووصفه هيرودوتس المؤرخ اليوناني، غير أن معامله ~~- وكان عددها 600 في القطر - ازدادت نشاطا وطفقت تخرج نيفا واثني عشر مليون دجاجة ~~سنويا. # وأدت الحرب الأميركية الأهلية إلى إنشاء معامل قطن في البلاد، منها ستة بخارية، ~~بتسعة مكابس بالإسكندرية؛ ومعملان في داخلية القطر، أحدهما بالمنصورة، خاصة و«تورت ~~اخوان»، كان أكبر المعامل قاطبة، لاشتماله على ثمانين محلجا وسبعين مكبسا وآلات ~~لتنظيف الذرة وطواحين زيت وطواحين دقيق عظمى وآلات لفرز الكتان. # وأحيت روح (إسماعيل) العمل في مناجم الزمرد، بجبل زبارا ووادي سقيط، بين إدفو ~~والبحر الأحمر؛ وفي مناجم الرصاص، بجبل الرصاص، في الجهة عينها؛ وفي مناجم الذهب في ~~بلاد البشاريين؛ وفي مناجم الفيروز بمغاور شبه جزيرة سينا؛ وفي محاجر المقطم وأسوان ~~الغرانيتية، ومحاجر وادي عمرحوب المرمرية، وجبلي الدخان الأبيض والأحمر الرخامية؛ ~~وحثث: فأوجد البحث قليلا من الحديد والرصاص والنحاس في بعض الصخور بشلال أسوان ~~وجبل زبارا. # ونشط استخراج النطرون من مديرية البحيرة، واستخراج النترات والأملاح من البحيرات ~~ومن الصخور، حوالي شواطئ ms104 البحر الأحمر. # أما النطرون فأصبح له ثمانية أحواض كبيرة، وبركتان صغيرتان تجفان في الصيف، ~~استغلت الحكومة جانبا منها، واستغل الأهالي الباقي؛ واشتغل فيها ثلاثمائة عامل، ~~منهم مائة راهب قبطي مقيمون في أربعة أديرة. # وأما النترات، فإنه أضحى يستخرج منه 650 كيلو من أنقاض المدن القديمة، وينظف في ~~المعامل المصرية، فيؤدي 560 كيلو من نترات البوتاسا. # وأما الملح، فإنه أصبح يشتغل في استخراجه ألف شخص وثلاثمائة حيوان من اثنتي عشرة ~~حفرة؛ فيستخرجون منه 72000 إردب سنويا. # ووجد زيت حجر (بترول) على بعد مائة ميل جنوب السويس؛ فأحضرت الماكينات لاستغلال ~~ينابيعه، وبوشر العمل؛ وما لبث أن أخذ يبشر بنجاح قريب. # وراج صيد الأسماك في المصايد والنيل والبحر فاشتغل نيف و3700 صياد، في نيف ~~وثمانمائة قارب، على النيل وفي البحر؛ وما يزيد على ستة آلاف صياد، في أربعة آلاف ~~قارب، على بحيرة المنزلة؛ حتى بلغت العوائد المربوطة على هذه البحيرة فقط ستين ألف ~~جنيه؛ وراجت كذلك الملاحة النيلية: فبلغ عدد المشتغلين فيها ستة وثلاثين ألفا؛ ~~وكانوا أكثر الناس بسطة في السرور، وأشدهم ميلا إلى الابتهاج والغناء، وكثيرا ما ~~كانت الحكومة، ساعة احتياجها إلى نوتية في سفنها الحربية أو التجارية، تستدعيهم ~~إليها وتنظمهم في سلكها بأجور جيدة. أما المراكب النيلية التي كانوا يعملون فيها، ~~فكانت على ستين نوعا من الدهبية الفخمة إلى الصندل البسيط. # وقد وضع بعضهم تعدادا لأرباب الحرف والصنائع في القطر، سنة 1877، فإذا بهم ~~كالآتي: 371 صانع أسلحة؛ 2605 حداد؛ 434 صانع لبن؛ 6473 نشارا ونجارا؛ 320 ~~فحاما؛ 770 صانع ملابس؛ 1296 نحاسا؛ 5109 صائغ؛ 1871 مطرزا، 320 حفارا؛ 86 ~~قمرياتيا؛ 2630 جوهرجيا؛ 2482 حراق جير؛ 285 مرخماتي؛ 4113 بناء؛ 1463 حصريا؛ ~~686 نقاشا؛ 257 عامل شباك؛ 540 طوانيا؛ 834 فخرانيا؛ 190 خيالا؛ 770 ~~سروجيا؛ 2235 صانع أحذية؛ 589 مغربلا؛ 1404 حجارا؛ 2520 خياطا؛ 971 دباغا؛ ~~510 قصديري؛ 4360 سمكريا؛ 582 منجدا؛ 300 مطبعي؛ 200 صانعي ورق؛ 250 صانع زجاج؛ ~~10000 نساج؛ 9600 صائد سمك؛ 36000 مراكبي (نوتي)؛ 910 قلفاطي؛ 350 مركب ms105 ~~مزاريب. # فكان، والحالة هذه، مجموع المشتغلين في الحرف والصنائع مائة ألف وأكثر، أي بنسبة ~~1 إلى 12 من مجموع الذكور البالغين في القطر جميعه، وهذه نسبة تدل على مقدار الحركة ~~والعمل في مضماري الصناعة والفن. # وكانت الأشغال الهندسية، في كل ما تستدعي الحرف المذكورة منها، معهودا بها في ~~بادئ الأمر إلى رجال من الإنجليز بمرتبات تتراوح بين 8 و25 جنيها شهريا، ولكن ~~الحركة التعليمية ما لبثت أن أحلت المصريين، لا سيما المتخرجين من مدرسة الفنون ~~والصنائع ببولاق، محلهم بمرتبات من 8 إلى 10 جنيهات شهريا. # غير أن هذه الصنائع والحرف كلها، ولو أنها كانت بحركتها الحثيثة، والنشاط الذي ~~أوجبته، تجعل مصر شبيهة بخلية نحل، الكل فيها يشتغل، لم تكن سوى وجه من وجهي الحياة ~~العملية التي دبت في جسم القطر إذ نفخ (إسماعيل) فيه من روحه. # وأما الوجه الثاني فالأعمال والمنشآت الخصوصية والعمومية، التي أشغل فيها ذلك ~~الأمير المقدام الهمم والمجهودات. # فإنه ما ارتقى العرش، إلا ووضع نصب عينيه، لا سيما فيما يختص بعمارة الإسكندرية ~~ومصر، الاقتداء بأغسطس قيصر الروماني، القائل: «وجدت روما مبنية باللبن، فتركتها ~~مبنية بالرخام»؛ أو بالإمبراطور نابليون الثالث، الذي وطن عزمه على تغيير شكل ~~باريس، من حسن إلى أحسن؛ وما فتئ ينفذه حتى صير العاصمة الفرنساوية عروس مدائن ~~العالم طرا. # أما الإسكندرية، فإنها بعد عزها الأقعس في أيام البطالسة والرومان والبيزنطيين ~~أنفسهم، إذ كانت ثانية عواصم المسكونة، وكان عدد سكانها يربو على ستمائة ألف آلت ~~إلى الخراب والدمار، شيئا فشيئا على توالي القرون، لتخلي السياسة عنها. # أولا: # مذ اتخذ عمرو مدينة الفسطاط عاصمة له (عملا برغبة أمير المؤمنين ~~عمر بن الخطاب في ألا يكون بينه وبين المسلمين بمصر ماء)، ~~فالمعسكر، فالقطائع، فالقاهرة، وابتعاد التجارة عن شواطئها. # ثانيا: # منذ أن أنشأ الطولونيون مدينة رشيد، وبعد أن ابتنى الظاهر بيبرس ~~دمياط الحديثة على أنقاض دمياط القديمة؛ وما زالت مبانيها تتهدم، ~~وأكوام المهدوم تكتنف المعمور، وتزاحمه على قواعده، وتحصره فيما ~~عرف، لغاية عهد (محمد علي) الكبير، بالجزيرة الخضراء؛ وما ms106 فتئ عدد ~~سكانها يتضاءل، حتى باتت ضيعة حقيرة، لا يؤبه بها؛ وبات سكانها لا ~~يزيدون، إلا قليلا، على ستة آلاف، حينما احتلها الفرنساويون في ~~سنة 1798. # فلما استخلص (محمد علي) الحكم لنفسه من أيدي الباشوات المرسلين من لدن الأستانة ~~وأيدي المماليك، ومن مطامع الدول المستعمرة؛ وعن له أن يتخذ الإسكندرية عاصمة ~~لدولته الحديثة، ومقرا ومرجعا لتجارتها؛ وأقبل يعمرها، ويحسنها، ويجملها، لا ~~سيما بعد أن أوصل مياه المحمودية إليها: فأنشأ حولها الحدائق والبساتين، وأقام، على ~~ضفاف تلك الترعة، القصور والمنازل الخلوية البديعة؛ ومد ما بين باب رشيد وسرايه ~~الفخمة برأس التين، شارعا جميلا مرصوفا بحجر مستخرج من الجبل الأحمر فوق مصر، ~~ومكسوا بمسحوق الجير والبتسولانة الصناعية، لتمتزج أجزاء ذلك الحجر معا، وتبرز ~~متجانسة لا نتوء فيها؛ وبنى الترسانة على يد سير يزي بك مشيد عمارته البحرية، التي ~~خلفت أسطوله المدمر في واقعة ناڨارينو؛ وأنشأ الحوض الحديدي العائم لتصليح سفنه ~~التجارية والحربية، على يد موچيل بك؛ فصنع بفرنسا، وأتى به، جاهزا، إلى ~~الإسكندرية، فوضع في المحل المعد له، وكلف 127 ألف جنيه؛ وأصلح الميناء الجديدة؛ ~~وصرح للفرنج بالخروج من وكالتهم المدعوة «فندق» التي كانت متاجرهم فيها، ويأوون ~~إليها ليلا وتقفل عليهم أبوابها، لئلا يمتزجوا بالأهلين أو يمتزج الأهلون بهم، ~~وأذن لهم بالانتشار في المدينة: فأقبلوا ينشئون لأنفسهم الحي الذي عرف فيما بعد ~~باسمهم؛ وقد اقتدى به ابنه إبراهيم، وأنشأ الميدان المعروف بالمنشية، وشيد حوله ~~المنازل الفخمة التي شرع يؤجرها بأجور عالية إلى قناصل الدول العامة، حتى دعي ذلك ~~الميدان باللغة الأجنبية «ميدان القناصل»؛ وأقدم زعماء التجارة، المتعاملون مع ~~(محمد علي) مباشرة، كزيزينيا، وأنسطاسي، وجباره، وغيرهم، على بناء قصور لهم ومنازل ~~لا يأنف الملوك أنفسهم السكنى فيها؛ حينذاك أخذت الإسكندرية تنمو شيئا فشيئا ~~وتتسع، فتتلاشى أكوام الخراب أمام تقدم خطوات العمار؛ وتتكون الأحياء الجديدة فوق ~~رفات الأحياء الميتة؛ وتختط الشوارع الحديثة فوق خطوط شوارع الإسكندرية، الراقدة ~~تحت تراب القرون؛ إسكندرية البطالسة والرومان؛ حتى أصبحت مدينة مساحتها خمسة أضعاف ~~ما كانت عليه، يوم أن فتحها ms107 بونابرت، وجرح كليبير في رأسه وهو يهاجمها من جهة باب ~~رشيد؛ وأصبح عدد سكانها نيفا وستين ألفا، وما زالت تنمو، بعد ذلك، وتزداد بتدفق ~~حياة القطر وتجارته كلها إليها، ونزوح الريف العامل للسكنى فيها، وحب سعيد لها، ~~وتفضيله إياها على العاصمة، مقتديا في ذلك بأبيه المجيد، حتى أصبحت في عهده مدينة ~~ذات مائة ألف نفس تقريبا تزدهي بالقصور والبساتين والمنتديات العامة، ما تزدهي به ~~المدن الغربية التي هي من درجتها. # ولكن نموها لم يكن منظما ولا مطابقا لروح العصر الجديد، فإنها بقيت قليلة ~~الشوارع الواسعة المسلوكة؛ كثيرة الأزقة والدروب الضيقة، المعوجة، القذرة؛ كثيرة ~~الحفر والنقر، في ذات الشوارع المهمة؛ فما بالك بالحارات والمسالك الصغيرة؟ لا ~~تنظيم فيها، ولا اعتناء بنظافة ورش وصيانة؛ تتكوم الأتربة والأقذار في طرقاتها ~~وسككها التربة، التي لا بلاط يغطيها؛ إذا هبت ريح عليها، انتشرت، عثيرا شريرا ~~ضارا ، في الفضاء، وأصابت المارة بأمراض في أعينهم؛ أو ضربتهم بأوبئة في أحشائهم؛ ~~وإذا سقط مطر، تحولت إلى وحول، بعيدة الغور، تغرق فيها الأرجل حتى الركب، والعربات ~~حتى ما فوق نصف العجل؛ فيبيت المرور منها متعذرا، وتنقطع حركة الأخذ والعطاء، إلا ~~إذا استخدمت الجمال والهجن لنقل البضائع من الجمرك إلى الأسواق، ومن الأسواق إلى ~~الجمرك، بأجور باهظة؛ وإذا ما جن الليل، وانسدلت سدول ظلماته البهيمة، انباعت ~~الأخطار والأهوال في تلك الشوارع والأزقة والدروب، لعدم وجود تنوير عام فيها؛ ~~وانقطع مرور الأقدام منها، إلا أقدام من لم يخف التعرض لشر اللصوص وقطاع الطرق، أو ~~اضطرته أشغاله للتغرير بنفسه؛ وباتت الضواحي، حتى عند أبواب المدينة عينها، محطا ~~للإثم والإجرام، وبما أن استقاء أغلبية الأهالي، بالرغم من توصيل مياه النيل إليهم ~~في ترعة المحمودية، استمر من الصهاريج، كما كان قديما؛ أو إذا تحول إلى مياه ~~المحمودية، قلما اعتنى بتقطيرها أو ترويقها؛ وبما أن الوقايات الصحية لم تكن ~~مألوفة، وكان ذبح المواشي اللازمة للغذاء، مثلا، يتم على قوارع الطرق أو في داخل ~~حوانيت الجزارة؛ وكان دفن الموتى يباح في جوار المنازل وداخل المدينة، حتى ms108 في ~~المساجد والبيوت، ما فتئت الأوبئة، ولا سيما الطاعون، تهاجم الإسكندرية الجديدة ~~وتفتك بأهلها، بين حين وحين، فتكا ذريعا. # فأقبل (إسماعيل) يغير ذلك جميعه؛ ولو أنه لم يكن يحب مدينة الإسكندرية ولا ~~الإقامة بها، لتطيره منها، بعد أن قال له منجم: إنه سيلقى منيته فيها، وإذا بالسائح ~~الذي زار تلك المدينة في أوائل سنة 1863، يكاد لا يعرفها لدى عودته إليها في سنة ~~1869؛ ويكاد لا يعرفها، من جديد، لدى عودته إليها مرة أخرى في سنة 1878.‏ # 12 # فشوارعها وسعت بالتدريج توسيعا مستمرا؛ وانتزعت منها أكوام الأقذار والأتربة؛ ~~وطمرت الحفر والنقر؛ ومهدت تمهيدا حسنا؛ وبلطت بلاطا جميلا أتى به من تريستي، ~~بمصاريف كبيرة؛ وغرس بعضها، على جانبيه، بالأشجار الباسقة: فأصبحت حركة التجارة ~~فيها آمنة مطمئنة؛ وحركة النقل والتنقل سهلة تتم بمصاريف قليلة من الجمرك وإليه، ~~وبين أنحاء المدينة قاطبة. # وحاراتها وأزقتها وسعت بالمثل؛ ونظفت؛ وأبعد عنها كل مسببات الأمراض والأوبئة؛ ~~وفصلت أحياؤها بعضها عن بعض بقواعد تنظيمية، ما فتئ مفعولها يزيد، بين أقسام ~~المدينة، فراغا جميلا، أضحى يملأ حدائق وبساتين؛ وأنشئت أحياء جديدة، أهمها حي ~~للعمال، بني على الأراضي الواقعة بجوار عامود الصواري - وكانت ملكا للمسيو براڨيه ~~السابق ذكره، فاشتراها (إسماعيل) منه ووهبها للحكومة - وأمر بأن تنفق أجور المساكن ~~التي يدفعها العمال في سبيل إنشاء مستشفى لهم يتطببون فيه مجانا، واختطت شوارع ~~جديدة، منها ما هو للنزهة المحضة كشارع المحمودية وسكة الرمل - وهما من أجمل ~~متنزهات القطر؛ وتجليا، حين تما، عروسي السكك المصرية قاطبة - ومنها ما قضت به ~~الحاجة في الأحياء الجديدة. # وأنيرت جميع هذه الشوارع والأحياء والضواحي بالأنوار الغازية، إنارة بديعة، على ~~مثال المدن الأوروبية الكبرى، فزالت الأخطار والأهوال منها؛ وولت أقدام الإثم ~~مدبرة؛ وسادت الطمأنينة وانتشر الأمن في كل جهة بعد مغيب غزالة النهار. # وأنشئت بلدية للاعتناء بأمور التنظيم، والصيانة، والنظافة: فأبطل الذبح داخل ~~البيوت والحوانيت، وجعل له محل خاص، وأبطل دفن الأموات في المدافن الخاصة بجوار ~~المنازل وداخل المساجد؛ وغيرت طرق الاستقاء، ووزعت المياه على البيوت مروقة جهد ~~الاستطاعة؛ وأقيمت ms109 الوقايات الصحية، على يد الإدارة الصحية المعروفة إذ ذاك باسم ~~«الانتندانس سانيتير»؛ فخفت وطأة الأمراض والأوبئة، وأخذت تتلاشى جراثيمها شيئا ~~فشيئا. # وخرج بالعمار خارج الحدود والأبواب القديمة؛ وسيرته شرقا وجنوبا وشمالا، سيرا ~~حثيثا، وقامت القصور في وسط الرياض الفيحاء والغياض الزاهرة، تمتد، حلقة متصلة، ~~على شاطئ البحر، من طابية الرومان إلى سيدي جابر، وما فوقها؛ وأجملها كلها وأكبرها ~~حجما القصور التي شادها (إسماعيل) لنفسه ولأبنائه وبناته، ابتغاء تشغيل العمال ~~ومساعدتهم على القيام بشئون حياتهم، واتفق أن أحد تلك القصور - وهو الذي شاده لنفسه ~~خاصة، وكان أوسع الكل أرجاء - احترق بعد الفراغ من بنائه؛ فأمر بإعادته أحسن مما ~~كان. # ناهيك بالأعمال والأشغال العظمى التي عملت في الميناء واستوقفت إعجاب الكل، مما ~~سبق لنا بيانه. # فزاد ذلك جميعه في مساحة البلد المبنية، حتى أصبحت أربعة أضعاف ما كانت عليه في ~~عهد سعيد؛ وزاد في عدد سكانها حتى أضحى، في أقل من خمسة عشر عاما، نيفا و240 ~~ألفا، منهم 48 ألفا غربيون، بعد أن كانوا 7 آلاف فقط، عند ممات الباشا العظيم! ~~ولكي يبرهن أن عصره عصر رقي فكري صحيح، وعهد تقدم حق في مسالك الحضارة، أقام في شهر ~~أغسطس من سنة 1874 في ميدان المنشية الذي أنشأه (إبراهيم) أبوه، تمثالا نحاسيا ~~لجده العظيم، تجلى فيه (محمد علي)، فارسا مهيبا، يشرف على الساحة الفسيحة، ويده ~~الثابتة على خاصرته القوية، تدل على أن النصر بات طوع بنانه وأنه نشر مجده في ~~الفضاء الحاف به! # وأما مصر القاهرة # 13 # فإنها، بعكس الإسكندرية، ما فتئت تزداد عمارا واتساعا، منذ أن أنشأها ~~جوهر قائد جيوش المعز لدين الله الفاطمي، حتى انقراض دولة الأمراء المماليك، وقيام ~~الأسرة المحمدية العلوية، ولكنها بالرغم من كل بناء قام فيها، ما فتئت محصورة بين ~~بابي الفتوح والنصر شمالا، والخليج المصري غربا، والجبل وقرافة المماليك ~~وسلاطينهم شرقا، وخرائب الفسطاط جنوبا، وكان كل حد من هذه الحدود يمتاز بتلال ~~سوداء من الخرابات والأقذار تعلو عنده حتى يبلغ ارتفاع بعضها من خمسين إلى مائة ~~قدم، ms110 كالتلال التي لا تزال نراها جنوب مسجد أحمد بن طولون إلى يومنا هذا وهي أطلال ~~مدينة القطائع، عاصمة الطولونيين، الواقعة بين فسطاط عمرو وقاهرة المعز، وكان سكان ~~كل حد، ما عدا الحد الغربي، لا يفتأون يزيدون تلك الآكام القذرة ارتفاعا، بما ~~يرمونه عليها، يوميا، من أقذار منازلهم، وأما الحد الغربي، وهو الخليج، فكما أنه ~~كان - أيام الفيضان - مستقى المنازل المقامة على شاطئه، والمتدلية منها الأدلاء ~~فيه، كان - أيام التحاريق - مصب مجارير كل تلك المنازل. إلا أنه كان، في وسطه، عند ~~بركة أوجدها هناك الفيضان، يتكيف تكيفا يقر العين، بما أنشئ فيه من بساتين منذ عهد ~~الأمير أزبك، قائد جنود (قايتباي) التي قهرت عثمانيي (بايازيد الثاني)، في ربوع ~~سوريا القصية، حتى عهد الاحتلال الفرنساوي، وأطلق على مجموعها اسم الأزبكية، ~~إكراما لذلك الأمير. # فكان القادم إلى مصر، من أية جهة يصل إليها، حتى من جهة الغرب - لأن تلال الأقذار ~~كانت تفصل الأزبكية عن بولاق - يرتد نظره عند وقوعه على تلك الدمن؛ ويود لو أن في ~~الاستطاعة إزالتها وملاشاتها؛ ولكنه لا يلبث أن يسلم بأن ذلك محال، بعدما يتأمل ~~جسامة الأكوام، ويقدر الهمة الواجبة للإقدام على ذلك العمل الشاق فوق كل تصور، ~~والذي يعد بجانبه ما قام به هرقل، البطل اليوناني من تنظيف إسطبلات أوچياس الملك، ~~لعب أطفال؛ حتى جادت الأيام لمصر (بإبراهيم) الهمام. # فبينما (محمد علي) أبوه يكلف برهان بك رئيس إدارة الأشغال العمومية، وأحد تلامذة ~~البعثة المصرية الأولى إلى باريس، بوضع مشروع لتحويل الأزبكية ببركتها إلى بستان ~~عام، يشتمل من الخضرة السندسية والظل والماء على ما تنشرح له الصدور، وبينما برهان ~~بك يصدع بالأمر، ويضع مشروعه، ويقدمه إلى الأمير، فيعتمده ويأخذ من وقف الأسرة ~~البكرية الأربعين فدانا المتكونة جهة الأزبكية منها، ويعطيهم - بدلا عنها - ~~أطيانا ببلدة بهتيم قدرها عشرة أضعاف المأخوذ منهم؛ بينما يقدم برهان بك على نفاذ ~~المشروع، ويحول الأزبكية إلى المتنزه المرغوب فيه، سنة 1837، أمر (إبراهيم باشا) ~~المسيو بونفور مهندسه بإزالة الأكوام كلها الواقعة ما بين النيل وبولاق، ومصر ms111 ~~القاهرة، والفسطاط (مصر العتيقة)؛ وإنشاء متنزهات خاصة مكانها، تمتد مدى البصر، ~~ووضع تحت تصرفه ما شاء من الأموال والرجال، فأقدم المسيو بونفور بهمة على تنفيذ ما ~~أمر به؛ ولم تمض ثمان سنوات إلا وتم ثلثا المهمة، وتجلت الرياض والغياض الفيحاء ~~تزينها الأشجار الباسقة - لا سيما الجميز واللبخ - حيث كانت تعلو الأكوام الجارحة ~~للنظر. # ولما عاد (إبراهيم) من حروبه بسوريا، سهل الأعمال الجارية وأتم بونفور ما كلف به، ~~فزالت الأكوام كلها من باب الحديد إلى مصر القديمة، غربي القاهرة بأسرها. # 14 # حينذاك أقبل (إبراهيم) على إزالة ما كان منها بحريها أيضا؛ أي: ما بين بابي ~~الفتوح والنصر، من جهة؛ والعباسية والظاهر والفجالة الحالية، حتى باب الحديد، من ~~الجهة الأخرى، ولم يكن في استطاعة غير المنصور في (نزيب) تتميم ذلك العمل التيتاني، ~~فأقبلت الأيدي بتأثير إرادته القوية وهمته الشماء، تعمل، بكثرة واستمرار، معاول ~~القطع والجرف، في تلك الدمن المتكدسة، فتنزعها وتطرحها في البرك المجاورة - وأخصها ~~بركة الرطلي، وبركة طبالة المستنصر الفاطمي - فتطمها، حتى نظفت منها الجهة ما بين ~~بابي القاهرة الشماليين والفجالة؛ وجففت، في ذات الوقت، تلك البرك التي كثيرا ما ~~كان الفيضان وعدم الاعتناء يحولانها إلى مستنقعات، تتولد فيها جراثيم ~~الأمراض. # وإذا بالموت داهم أبا (إسماعيل) الهمام، وقطع شجرة حياته، وهي في إبان إثمارها ~~فوقف العمل، وفرحت الأوبئة. # وكان حي الأزبكية في أثناء ذلك قد تغيرت معالمه مرتين: فبرهان بك حاطه، أولا، ~~بسد كان من شأنه أن الأرض داخله تتحول كلها إلى بحيرة عظيمة تمخر فيها المراكب، ~~أيام الفيضان؛ وتصير، في باقي السنة، إلى حقل، بساطه السندسي من البرسيم العطر، ~~والأشجار المغروسة فيه مظال خضراء كمظال الجنان، تغرد على أويكاتها الطيور ويهدل ~~الحمام، وحفر، خارج ذلك السد، ترعة عرضها عشرون قدما تجري في طوله وتتصل - بفتحات ~~- بالبحيرة، فتوصل إليها الماء اللازم لري أرضها أيام جفاف فرشها؛ وتفصل السد عن ~~الشارع الدائر حول ذلك الحي - هو شارع كان عرضه مائة قدم تحف به من خارجه البيوت، ~~ومن داخله صفوف من شجر اللبخ ms112 الزكي الشذا - فكنت، وأنت مستظل بها، تمتع نظرك بماء ~~البحيرة وزمرد أوراق الشجر، أو بالبساط السندسي السابق ذكره، وتلذذ سمعك بخرير مياه ~~الترعة. أما الوجه الحسن فلا تعدمكه الصدف في ساعات النهار، وقد كان يحيط بحي ~~الأزبكية، من جهاته الثلاث، قصور فخمة مشيدة على النسق الشرقي، ووقف التاريخ في ~~بعضها، مفكرا أنى يجري مجاريه، فمنها القصر الذي شاده محمد بك الألفي بعد هدم ~~ثلاثة غيره لم تقم طبقا لذوقه، فلما أتم بناءه وجاء وفق مرامه، داهمت الحملة ~~الفرنساوية الحكم المملوكي وبددت شمله شذر مذر، فذهب الألفي بك، بعد كسرة إمبابة، ~~يهيم على وجهه خلف مراد بك زعيمه، وحلت قدما بونابرت، رجل الأقدار، في ذلك القصر: ~~فكان كأنه بني له، ومنها القصر الذي اتخذه كليبير مقرا لأركان حربه؛ فوافاه في ~~البستان المحيط به سليمان الحلبي وقتله - وكان والي دمشق قد وعد ذلك اليافع المتحمس ~~دينيا، بإطلاق سبيل أبيه من السجن الذي كان قد زجه فيه، إذا هو أقدم على الفتك ~~بقاهر الصدر الأعظم يوسف باشا، في ساحة وغى هليوبوليس، فبر سليمان بوعده غير أن ~~أباه لم يفز بالنجاة وخوزق؛ # 15 # وجعل (محمد علي) في ذلك القصر عينه ديوان معارفه العمومية، ولكنه ألحق ~~بستانه - حيث ذهبت المأساة المفجعة، بطالع فرنسا في مصر - بالسراي الفاخرة التي ~~كانت لابنته زهرة هانم، زوجة الدفتردار الشهير بقسوته الطبيعية المتناهية؛ ومنها ~~القصر الذي كان لخسرو باشا، عدو (محمد علي) اللدود، والذي أراد اغتياله، مرة، تحت ~~ستار الليل البهيم، ولم يفلح؛ والقصر الذي كان (لمحمد علي) عينه، يوم كان لا يزال ~~يرتقي درجات سلم طالعه العجيب، وحمل فيه زعماء جنده على أن يقسموا على حسامه بطاعته ~~طاعة عمياء في كل ما يأمرهم به، وألا يتخلوا عنه ما دام حيا، كيفما دارت حوادث ~~الزمان؛ وأما الجهة الرابعة، فكان يشغلها صف بيوت خشبية عالية مظلمة وغريبة الشكل ~~يملكها ويسكن فيها جماعة من الأقباط. # ثم تمادت الأيام وأساء بعض سكان تلك القصور، لا سيما القناصل الأجانب، استعمال ~~الترعة ذات العشرة الأمتار ms113 عرضا، وحولوا مجراها - في أيام التحاريق - إلى إسطبلات ~~لدوابهم وزرائب لطيورهم ودجاجهم؛ ثم لم يلبثوا، لكيلا تضيع منهم هذه المزية، أن ~~طلبوا ردمها زاعمين أن حميات خبيثة تنبعث منها. # فردمت؛ وفقدت الأزبكية بذلك خير جزء من أسباب بهجتها؛ فأهملت؛ وما مضى إلا زمن ~~يسير حتى تحولت إلى دمنة؛ ثم باتت مكانا ترتكب فيه أعمال عربدة وسكر، في القهوات ~~والحانات المنتشرة في جنباتها، وأعمال سرقة وتهتك تحت ظل أشجارها، حملت أقدام ~~الكرام على هجرها والابتعاد عنها، بعد أن كانت تؤمها كوكبات الفرسان الفاخري ~~الملابس للتنزه فيها، وسياسهم في ركابهم يحملون لهم شبكاتهم. # ومع أن القاهرة واقعة على مقربة من النيل، فإن الاستقاء كان متعذرا فيها لبعد ~~النهر في الحقيقة عنها، وعدم صلاحية مياه الخليج للشرب معظم أيام السنة، ولم يخف ~~هذا العيب الأساسي في موقع المدينة العظيمة، على الخليفة الفاطمي المعز لدين الله، ~~سيد جوهر الصقلي بانيها؛ فيروى أنه قال له ؛ إذ قدم إليها من المهدية في المغرب: ~~«لقد بنيتها، يا جوهر، في بقعة لا هي على قمة الجبل، فتتحصن بها، ولا هي على شاطئ ~~النهر فتنتفع به.» ولذلك فكر هو وخلفاؤه من بعده في تحصينها من جهة الصحراء ~~الشرقية، وفي جلب مياه النيل إليها من الجهة الغربية، فاحتفر المعز، الخندق الذي ~~قاتل القرامطة عنده، شرقيها؛ ووفق حفيده، الحاكم بأمر الله، إلى احتفار الخليج ~~المصري، الذي عرف مدة باسم الخليج الحاكمي، والذي بات يروي عطش القاهرة دهرا، ~~ولكنه لم يكن وافيا بالغرض، لا سيما بعد أن تراخت المحافظة على نظافته، في عهد ~~الحكم العثماني، وبات مستودع أقذار ومصرفها، وعاد الأهالي إلى الاستقاء رأسا من ~~النيل على أيدي سقائين. # فوجه (محمد علي) اهتمامه بنوع خاص إلى هذه المسألة الحيوية، مسألة تموين القاهرة ~~بماء للشرب، وفكر، في بادئ الأمر، في تعميق فرش الخليج المصري ذاته، بحيث يصبح ترعة ~~صيفية تستمد مياهها لري الأطيان الواقعة شمالي العاصمة، فوق انتفاع أهل القاهرة بها ~~لشربهم. # ولكن عقبات كثيرة حالت دون ذلك، أهمها أن أساسات جدران معظم ms114 المباني القائمة على ~~ضفة ذلك الخليج أقل غورا في الأرض من العمق المنوي إبلاغ قاعه إليه، فلو عمق ~~الخليج لتداعت. # ففكر، إذا، في طرق أخرى كإيجاد آلات رافعة عند فم الخليج، أو إنشاء مصرف جامع في ~~وسطه؛ أو احتفار ترعة يكون فمها على بعد كاف، فوق القاهرة، بحيث إن مياهها، إذا ~~انصبت في الخليج، كفته ماءه طول السنة؛ وفكر في تسيير تلك الترعة بين أكوام ~~الفسطاط، أو من وراء القلعة، والذهاب بمصبها في الخليج إلى شمالي مصر. # ولكن المصاعب التي قامت دون تحقيق كل ذلك أدت إلى الإحجام عن المشروع ~~بتاتا. # فلما شاد (عباس الأول) قصره المشهور في الصحراء الشمالية فوق الظاهر - فتسمت تلك ~~الصحراء العباسية، باسمه - فكر، هو أيضا، في توزيع المياه على القاهرة، وتسيير فرع ~~كبير منها إلى ذلك القصر، وكلف بالعمل لينان بك، ثم ضم إليه لامبير بك والمسيو ~~بوديسو، فوضعوا المشروع وأفاضوا في تفصيلاته، وقدروا نفقات تنفيذه بمبلغ 3669334 ~~فرنكا؛ وبدءوا يسوون الأرض، ويخطون تصميمات الشوارع التي عزموا على تسيير مواسير ~~المياه تحتها، ولكن العمل لم يخط إلى الأمام خطوة، ووقف حيثما ابتدأ. # فأراد (سعيد) أن يبدي هو أيضا اهتماما فيه، فأجاز، على فم ساباتييه، القنصل ~~الفرنساوي العام، لفرنساوي يقال له: الميسو كردييه، بوضع مشروع جديد للغاية عينها ~~غير الذي سبق لعباس باشا المصادقة عليه، فأسس كردييه هذا شركة لذلك الغرض وباشر ~~الأعمال التمهيدية لتمام المشروع، ولكن الاهتمام لم يتعد هذا الحد؛ لأن صعوبة ~~التنفيذ كانت جسيمة. # ولا يخفى أن تعذر وجود الماء يوجب تراكم القذارة، حتما، وعدم التمكن من رش ~~الأحياء إلا نادرا، وأمام منازل الموسرين، فقط على أيدي الرجال المعروفين ~~بالسقائين. # فشوارع القاهرة - قاهرة عهد المماليك وعهدي الفرنساويين و(محمد علي) وقد كانت ~~ضيقة ضيقا جعل سير العربات فيها أمرا مجهولا إلى اليوم الذي قدمت فيه لإبراهيم ~~بك الكبير عربة من فرنسا على سبيل الهدية (ومع ذلك فإن القوم هناك لما رأوا، بعدها ~~بقليل، الجنرال بونابرت يتجول في أحياء مصر وبولاق بعربة تجرها ستة جياد ms115 استغربوا ~~الأمر جدا ودهشوا له) - وكانت معوجة، قليلة التمهد، تزدحم الأخطار فيها بسبب ~~ازدحام الأقدام في مضايقها - كانت، إذا، تربة كثيرة الغبار، وتنجم عن انعقاد ذلك ~~الغبار، الكثير المكروبات، في الهواء، نفس المضار الناجمة عن انعقاد نظيره في ~~الإسكندرية، وبما أن ما كان يجري في الثغر من أمور مخالفة للقواعد الصحية ومسببة ~~للأوبئة وداعية لانتشارها، كان يجري بكيفية أوسع، وعلى قياس أكبر في مصر القاهرة، ~~لزيادة اتساع هذه عن ذاك، وبعدها عن البحر الملح؛ أي: عن أعظم مصادر الهواء النقي، ~~كان انتشار الأمراض والحميات الخبيثة والأوبئة سهلا فيها؛ وفتكها بالأهالي ذريعا، ~~وقد ترقب بعضهم حركتها؛ فاتضح له أن الطاعون على الأخص، كان يعاود العاصمتين كل عشر ~~سنوات، ويجتاح عددا عظيما من سكانهما. # فلما وطن (إسماعيل) عزمه على الاقتداء بأغسطس قيصر وناپليون الثالث، وأقبل على ~~تنفيذ ذلك العزم بهمته المعتادة التي لم تعرف الملل ولا الكلل، يزيدها نشاطا، ما ~~كان يعتقده من صحة في قول أحد أولياء الله في عهد جده، وهو «إن هذه الأسرة المحمدية ~~العلوية، ما دامت مقبلة على التشييد والبناء كان الملك والعز مضمونين لها، فإذا ~~أقلعت عنهما أو توانت فيهما، تلاشت أو اضمحلت» رمى إلى إصابة غرضين: (الأول) إدخال ~~ما يمكن إدخاله من الإصلاحين الاجتماعي والصحي على قاهرة المعز لدين الله، مع ~~إبقائها على ما هي عليه من ذاتية تجعل العصور الوسطى، بفروسيتها، وتقواها الخشنة ~~الخالصة واتجاه الصناعة والفن فيها نحو ما يلعب بالتصور، مع استمراء الذوق لذاته ~~الحقيقية: وتجعل موصوفات روايات ألف ليلة وليلة، أيضا حاضرة أمام المخيلة، كأن ~~الأجيال لم تمر وتتوال، وكأن تلك العصور لا تزال حية حاضرة؛ و(الثاني) إنشاء قاهرة ~~أخرى غربيها يدعوها العصران، الحاضر والمستقبل «قاهرة إسماعيل» وتختص دون الأولى، ~~بإعجاب القلوب، وتلذذ الأعين، بشوارعها الفسيحة، الظليلة، ذات الأرصفة الأمينة؛ ~~وميادينها الواسعة، الجميلة ذات الفسقيات الزاهرة؛ وقصورها الفخمة، النبيلة، ~~المقامة على أحدث طراز عصري؛ وبساتينها الزاهية، المتنوعة فيها النباتات الغريبة، ~~وملاعبها الفاخرة، المتلألئة بالأنوار ليلا؛ وأحيائها الطلقة الصقيلة، القائمة ~~الصحة على حراستها، ms116 بدل الأبواب القديمة. # فأقبل، أولا، يزيل ما بقي شمالي قاهرة المعز من أكوام قذرة؛ ويطمر ما لم يزل غير ~~مطمور من مستنقعات وبرك تبعث كريه الروائح؛ وينظف ما بين بابي الفتوح والنصر، وقلعة ~~الكبش، والسيدة زينب، من شوارع وأزقة ودروب وأسواق، بتعميم الكنس والرش فيها، ومنع ~~ثورة الغبار وكل مخالف للقواعد الصحية ثم اختط ما بين الظاهر وباب الحديد، الشارع ~~المدعو الآن بشارع الفجالة؛ واختط ما بين باب الحديد والأزبكية الشارع الذي أطلق ~~عليه اسم كلوت بك؛ لا لتكريم الطبيب الفرنساوي عالي الهمة، منشئ مدرستي أبي زعبل ~~والقصر العيني الطبيتين، والذي يعد بحق أبا الطب الحديث بمصر فحسب، ولكن للدلالة، ~~بنوع أخص، على أن الإصلاح الصحي سيسير من شمالي المدينة إلى جنوبها؛ ويتناول ~~بذراعيه شرقها وغربها، ثم اختط جنوب الأزبكية بشرق، إلى القلعة، الشارع الفخم الذي ~~أطلق عليه اسم جده العظيم، إشعارا بأن القلعة، وإن بناها صلاح الدين، فإنما أصبحت ~~تعرف بمحمد علي؛ لأن دولته قامت فيها، وشمس حياته توارت في المقام المشيد على ~~جبينها، فأصبح السبيل إلى ذلك الحصن سهلا أمينا، بعد أن كان الوصول إليه عن ~~الطريق، التي يتبعها المحمل سنويا، منه إلى الحسينية، وعرا كثير التعرجات، ~~والمنعطفات، والمضايق. # ولما عاد سنة 1867 من زيارته لمعرض باريس، وقد أخذت بلبه التحسينات الجارية في ~~العاصمة الفرنسية على طريقة هوسمن الشهير، أقدم على الأزبكية؛ فقلبها رأسا على ~~عقب؛ وطلب من بستاني فرنساوي، أن يعملها له على شاكلة حدائق تلك العاصمة فكيفها ذلك ~~البستاني تكييفا بديعا، وتصرف في الترعة التي كانت دائرة حولها والبحيرة التي ~~كانت داخل السد الذي بناه (محمد علي) تصرفا جميلا؛ وإذا بما كان مجرى لمياه ~~راكدة، وصفوف أشجار لا نظام لها، وبحيرة أقرب إلى المستنقع منها إلى بساط يقر ~~العين النظر إليه، قد تحول إلى بستان على مثال الپرك منسو بباريس وخرج إلى ~~الوجود، نزهة من أنزه المنتزهات، ومكانا بديعا يخلب الألباب، تنيره الأنوار ~~الغازية، وتزينه الفسقيات الناثرة الماء في الأعالي، لؤلؤا ساطعا، والمغائر ~~الصناعية، المنحدر منها ms117 الماء بخرير تلذ به الأسماع، إلى بحيرة صافية، تجري الأسماك ~~فيها ملونة. # وأقبل على الحي المحيط به؛ فجعل ينتزع ملكية منازله الخشبية التي كانت للأقباط ~~مقابل تعويضات يدفعها إليهم، ويزيل تلك المساكن العتمة، ويهب الأرض التي كانت قائمة ~~عليها هبة إلى من شاء التعهد بإقامة مبان فخمة عليها، تتفق مع عظمة القاهرة الجديدة ~~المراد إنشاؤها. # فكان أكبر أولئك المتعهدين شأنا، وأكثرهم مالا وإقداما، الدوق أوف سيوذرلاند ~~فإنه ما فتئ يقيم، في حي الأزبكية هذا، القصور والفنادق؛ ويعدل، ويكيف الموجود منها ~~فيه حتى بلغ به إلى ما نراه الآن عليه، من العظمة والرونق والجمال. # فاتخذه (إسماعيل) محورا لعظمته؛ وبعد أن أوصله بالموسكي شرقا، تحول إلى غربية؛ ~~فأزال ما كان يعرف بباب الجنينة - وهو باب كان قائما على مدخل ذلك الحي، في منتهى ~~الطريق الواصلة ما بينه وبين بولاق - واختط إلى جنوبيه بميل نحو الغرب الأحياء ~~البديعة المعروفة الآن بأحياء التوفيقية وعابدين والإسماعيلية؛ بعد أن أقام، في طرف ~~الأزبكية الجنوبي، المسرحين الفخمين المضارعين في الجمال، والجلال والأبهة، مسارح ~~أوروبا وهما المسرح الجديد والأوبرا، وأنشأ، أمام هذه، الميدان الفسيح الأرجاء ~~المنظم الزوايا، المزري بميدان ڨندم ذاته الشهير في باريس: وفي هذا الميدان الآن ~~تمثال لأبيه البطل الهمام؛ تجلى (إبراهيم) فيه، فارسا صنديدا، يتطاير البرق من ~~عينيه، وقائدا بصيرا، تكسوه المهابة ويظلله الجلال؛ كما تجلى، حقا، لعسكره ~~المصري المعجب به، وللعسكر العثماني المأخوذ رعبا منه، يومي قنية ونزيب، وقد كان ~~هذا التمثال في عهد (إسماعيل) بميدان العتبة الخضراء أنزله العرابيون أيام الحوادث ~~العرابية، ثم بعد أن سكنت تلك الفتنة نصب في ميدان الأوبرا حيث هو الآن. # ثم اختط، في تلك الأحياء، الشوارع العريضة، الظليلة، الواصلة بين جهاتها ~~المختلفة؛ الشوارع، التي، بالرغم من كل ما حدث بعدها، لا تزال من أفخر مسالك ~~القاهرة، وأكبر شرايين مواصلاتها، وأهمها: شارع عبد العزيز، والشارع الذي أقام ~~نوبار باشا فيه قصره الفخم فسمي باسمه، شمالا؛ وشارع كوبري قصر النيل، وشارع سراي ~~الإسماعيلية، غربا: وغيرها وغيرها مما امتازت به القاهرة ms118 الإسماعيلية. # أما جنوبا، فإن كل ما اختط من سكك فقد انتهى إلى رحبة فسيحة الأرجاء، مترامية ~~الأطراف، تركت بين الشوارع والأحياء الجديدة، وبين الدروب والأزقة، الموصلة من ~~عابدين إلى السيدة زينب، لتمتد أمام السراي المنشأة بعابدين، مقرا للملك، بدل ~~سراي القلعة؛ كما تمتد ساحة الكونكرد، في باريس أمام قصر التويلري ~~الإمبراطوري! # ألا كم أبدع التفنن والتنسيق في سراي عابدين هذه، وفي تزيينها بالرياش والأثاث ~~الفاخر! وكم أنفق من مال في سبيل ذلك، وفي سبيل جعل الحديقة الداخلية، في تلك ~~السراي، قطعة من جنان الفردوس! # وأما غربا، فإنه لما بلغ العمار النيل - وكان العمل من جهة أخرى، قائما على قدم ~~وساق لإنشاء سراي الجزيرة الفذة - لم يعد يحسن إبقاء العبور، من شاطئ إلى شاطئ، على ~~كوبري من المراكب المصفوفة بعضها بجانب بعض، والممدودة عليها ألواح الخشب، أو في ~~معديات بسيطة؛ وبات من المحتم إقامة كوبري يتناسب في فخامته وجماله مع أبهة الأحياء ~~المجاورة له، فعهد (إسماعيل) إلى شركة فرنساوية أمر إنشائه، فأنجزته في سنة 1872 ~~وبلغت نفقاته مائة ألف وثمانية آلاف من الجنيهات. # وبينما هو يقام، شعر (إسماعيل) بالحاجة إلى ربط الجزيرة ببر الجيزة أيضا؛ فكلف ~~محلا إنجليزيا بإنشاء كوبري، يصل بينهما، فأنجز في السنة عينها، وبلغت تكاليفه ~~نيفا وأربعين ألف جنيه. # وفي أثناء السير في هذه المنشئات العظيمة، وبينما القصور الباذخة تقام في كل جهة ~~يصلح أن يقام فيها قصر، ويبلغ عددها عشرات العشرات، أهمها: قصر الجزيرة ببستانه ~~الساحر، وقصر النزهة على سكة شبرا، وقصر حلوان، وقصر القبة، وقصر الإسماعيلية، وقصر ~~الزعفران؛ بينما قصور أخرى قديمة تجدد تجديدا لا يعيد إليها بجدتها فقط، بل يزيدها ~~رونقا وبهجة: كالقصر العالي، وقصر المسافرخانه، وقصر النيل، وسراي القلعة؛ بينما ~~المساجد، لا سيما مسجد الرفاعي، والمدارس توضع قواعدها الجرانيتية، وتنشأ في كل جهة ~~من جهات المدينة العظيمة - منها ما يشيده (إسماعيل)، ومنها ما يشيده البر؛ وبينما ~~وزراء مصر ووجهاؤها وأعاظم سراتها، كشريف ونوبار، وإسماعيل صديق، وعلي شريف، ~~وغيرهم، كطلعت ورياض، يقتدون بالأمير ويقيمون في ms119 الأحياء المنشأة حديثا أو في ~~الأحياء العتيقة؛ المزدانة بقصور المماليك القدماء، كحي الدرب الأحمر، وحي الحلمية ~~القديمة، وغيرهما، المنازل الفاخرة، والبيوت العامرة، ذات الرياض والبساتين ~~الداخلية - كان العمل قائما على قدم وساق، وبكيفية لا تدري ما هو الملل أو الكلل، ~~لإنجاز ما لم تتمكن العزائم السالفة من إنجازه، وأعني به توزيع المياه على أحياء ~~القاهرة توزيعا منظما مستمرا، فحثت همم الشركات، وحملت الجهود على المباراة؛ ولم ~~يمض زمن إلا وأقيمت المباني اللازمة لرفع المياه وتخزينها؛ ومدت المواسير تحت ~~الشوارع وفي الحارات والدروب، وسير ماء النيل مقطرا من خزاناته إليها، فتسرب منها ~~إلى الحنفيات في البيوت، وحلت مشكلة قديمة العهد، بفضل إرادة (إسماعيل) ~~الحديدية. # ولما بات الماء ميسورا غزيرا، توسع القوم في وسائل النظافة والصيانة، وطفق طل ~~الرش يهطل على الشوارع في الصباح والعصر بانتظام؛ وأخذت المنازل، حتي الحقيرة منها، ~~تغسل مرارا في الأسبوع وبغزارة: فقلت الأمراض، وتحسنت الصحة العمومية. # وكان العمل قائما ، كذلك، على قدم وساق، بالكيفية عينها، وفي عموم الأحياء، ~~قديمها وجديدها، لتعميم الإنارة بالغاز، فكانت مواسير السائل المنير توضع بجانب ~~مواسير الماء المحيي؛ حتى إذا تمت الأحياء البديعة، وشيدت القصور الرفيعة، وغرست ~~البساتين الجميلة، وتجلت الشوارع الفسيحة، ناصعة النظافة، ظليلة الجانبين، تدفقت ~~إليها في وقت معا المياه، وسطعت فيها الأنوار: فتجلت المدينة، كلها، المعتادة ~~الظلام ليلا، منذ نشأتها - وقد تكيف قديمها، وبرز جديدها يرفل في حلله البهية - ~~عروس الشرق قاطبة ويتيمة عواصمه. # وبلغت نفقات هذه المباني والمنشئات، والتحسينات، وتوزيع المياه والنور على ~~العاصمتين، وفي السويس بعدهما، ثلاثة ملايين وثلاثمائة ألف جنيه. # فإذا تمثلنا مقدار ما اقتضته كل هذه الأعمال المختلفة من حركة تجارية متنوعة، ~~وأضفنا إلى ذلك جميعه ما نجم، في سني ملك (إسماعيل) الأخيرة، من مضاعفته لتلك ~~الحركة عينها، عن انضمام بواخر الأسطول المصري إلى سفن الشركة العزيزية في أعمالها، ~~وتكوينها معها ما عرف فيما بعد باسم «الوابورات الخديوية»، لم نستغرب اطراد الزيادة ~~في الواردات والصادرات على العموم، ولا سيما في عامي 1872 و1873 وهما السنتان ~~اللتان ms120 بلغ العمل فيهما أقصاه، والجهود غايتها، كما يتضح ذلك من الجدول التالي: # 16 # سنة # جنيه # سنة # جنيه # حركة الواردات # 1866 # 4662210 # 1871 # 4512143 # 1867 # 4399097 # 1872 # 5505995 # 1868 # 3582969 # 1873 # 6127564 # 1869 # 4021601 # 1874 # 5322400 # 1870 # 4512969 # 1875 # 5694820 # حركة الصادرات # 1866 # 9723564 # 1871 # 10192021 # 1867 # 8623974 # 1872 # 13317825 # 1868 # 8094974 # 1873 # 14208882 # 1869 # 9089866 # 1874 # 14801448 # 1870 # 8680072 # 1875 # 12730195 # وأدركنا صدق قول السير بارتل فرير في محاضرة ألقاها في «الادنبرج فيلوز فيكل ~~انستتيوش» وهو: «إن التجارة والسكك الحديدية عملت بمصر عملها في كل قطر أوروبي ~~تقريبا»؛ وأدركنا كذلك صدق قول القنصل المؤلف الأمريكي إدون دي ليون القائل في سنة ~~1875: «الحقيقة هي أن التصليحات والتحسينات والأشغال العمومية التي شرع فيها وأنجزت ~~في الاثنتي عشرة سنة الأخيرة، في القطر المصري، كانت مدهشة عجيبة لا مثيل لها في أي ~~قطر مساحته أربعة أضعاف مساحة القطر المصري؛ وسكانه أربعة أضعاف سكانه». # 17 # وإذا عرفنا أن ثمن مجموع الواردات، ما بين سنة 1865 وسنة 1875، زاد على ثمن ~~مجموعها، ما بين سنة 1855 وسنة 1865، خمسة عشر مليونا وستمائة ألف جنيه؛ وأن ثمن ~~مجموع الصادرات، ما بين سنة 1865 وسنة 1875، زاد على ثمن مثيله، ما بين سنة 1855 ~~وسنة 1865، واحدا وستين مليونا وستمائة وواحدا وثلاثين ألفا وخمسمائة وستة من ~~الجنيهات؛ أدركنا بسهولة مقدار الثروة الضخمة التي دخلت القطر زيادة على الثروة ~~الهائلة التي أصابها أهله في الاثنتي عشرة سنة الأولى من ملك (إسماعيل) # 18 # وكبرت حركة القطر الزراعية التجارية العملية في عيوننا؛ وبتنا أقرب إلى ~~النظر، بلا تحيز، إلى ما يهول به من جسامة الضرائب وفداحة الديون. # هذا إذا صح الاعتماد على صدق الأرقام المبينة أعلاه، ولكن المعلوم أنها دون ~~الحقيقة بكثير، وذلك لأن مصلحة الجمارك لم يدخلها الإصلاح، بمعانيه كلها، إلا في ~~سنة 1877 فإنها كانت، في أيام (محمد علي) التزاما يمنح، مقابل جعل سنوي معلوم، إلى ~~أفراد يستغلونه لحسابهم الخاص، أسوة بأبواب إيراد أخرى كانت حكومة (محمد علي) ~~تعطيها التزاما لمن يرسو عليه ms121 آخر عطاء. # وكانت الجمارك نوعين: جمارك الثغور والحدود والجمارك الداخلية، فكانت الرسوم في ~~جمارك الثغور تؤخذ على الواردات والصادرات؛ وتؤخذ في جمارك الحدود على الواردات فقط ~~سواء أكانت من السودان أم من الغرب والشرق، وأما الجمارك الداخلية فكانت رسوما ~~تدفع على البضائع لدى إدخالها في أي بلد من بلاد القطر الهامة، وكان يقال لها في ~~مصر وطنطا وغيرها: «دخوليات» وفي أسوان وإسنا وباقي الصعيد حتى أسيوط «جمارك»، ~~والاختلاف في التسمية نتيجة الاختلاف في الواردات، فمن أسوان لغاية أسيوط كانت ~~تتقاضى، على الأخص، من الجلابين، على الرقيق المجلوب؛ وأما فيما عداها من المدن ~~فكانت تؤخذ على البضائع، ولا سيما مواد الطعام، كالخضر والفواكه والأسمان ~~واللحوم. # وقد رأينا أن محمد سعيد باشا ألغى جميع الجمارك الداخلية والدخوليات، كما أنه ~~أبطل أن تكون جمارك الحدود والثغور التزامات، وأنه جعلها مصلحة أميرية ~~مستقلة. # غير أنها لم تنتظم: (أولا) لأن وظائفها كانت تباع بيعا كما كانت تباع مناصب ~~القضاء في فرنسا قبل الثورة العظمى فيها سنة 1789؛ (ثانيا) لأن المرتبات كانت ~~قليلة، وغير وافية بالحاجة، فتلزم متقاضيها بالركون إلى «البقشيش» والرشوة ليعيشوا ~~فكانوا يأخذون جنيها، مثلا، على صندوق البضائع الحريرية، الملزم بدفع رسوم قدرها ~~ثلاثة وعشرون جنيها وثمانية عشر شلنا للحكومة، ويسمحون له بالخروج من الجمرك؛ أو ~~يعتبرون البضائع الحريرية بضائع قطنية، ويتقاضون عليها الرسوم المفروضة على البضائع ~~القطنية؛ أو كانوا، أيضا، لا يراعون حقوق الأولية: فيمكنون من يزيد بقشيشه من ~~التجار على بقشيش سواه من تخليص بضائعه والخروج بها قبل غيره، ولو كان آخر ~~القادمين، غير تبخيس أثمانها الحقيقية ساعة التثمين؛ و(ثالثا) وأخيرا لأن التهريب ~~كان كثيرا ومنظما؛ ومعظم المهربين يونانيون في منتهى الجسارة؛ ونظام الامتيازات ~~يحميهم، فيمكنهم من الاستهزاء بالحكومة المصرية عمالها، ولا أدل على ذلك مما رواه ~~موريس بك، أحد كبار رجال خفر السواحل ضبطوا ذات يوم كمية كبيرة من تبغ وتمباك كان ~~بعض المهربين اليونانيين يحاولون تهريبها، فلما نمى خبر الضبط إلى القنصل اليوناني ~~- وكان يشاطر المهربين أرباحهم - جمع في الحال خمسمائة ms122 «جريكي» من حرافيش القوم ~~وزعانفهم وأوباشهم، علاوة على جماعة المهربين أنفسهم؛ وهاجم، بجمهورهم الغفير، ~~خفراء السواحل، في عقر مقرهم، ليستخلص منهم المضبوط، فدارت بين الطرفين معركة ~~فظيعة، عض القنصل فيها بأسنانه ذراع أحد العساكر عض كلب، رأى موريس بك أثره بعدئذ، ~~في ذراع الرجل، وعرف أن القنصل هو العاض، لأن سنا من أسنان هذا الموظف الأمثل ~~الأمامية كانت ناقصة في فكه، وظهر أثر نقصها في دائرة العضة، فلما رفع الأمر إلى ~~الحكومة، أتدري أيها القارئ اللبيب، ماذا كانت نتيجة الشكوى؟ أن السياسة تداخلت في ~~الأمر: فعوقب خفراء السواحل ولم يصب المهربين أذى. # 19 # فعهد (إسماعيل) إلى موظف إنجليزي في جمرك لندن، يقال له: المستر سكر يڨنور، ~~بتنظيم مصلحة الجمارك المصرية وترتيبها، وكان الرجل خبيرا في العمل، لاشتغاله ~~زمنا طويلا فيه، وتقلده عدة مناصب إدارية جمركية في البرتغال والبرازيل. # فأدخل إصلاحات جمة على المصلحة المعهودة أمورها إليه، لا سيما على حساباتها، التي ~~وصفها لي كبير من موظفي الحكومة المحالين على المعاش ممن كانوا في الجمرك في ذلك ~~العهد البعيد، فلم يجد تعبيرا عن حالتها أظهر للخلل السائد فيها من قوله لي: «إنها ~~كانت بطن حمار». # ولكن خللا كبيرا استمر، بالرغم من مساعي المستر سكر يڨنور ومجهوداته، منتشرا ~~في عدة أفرع من مصلحة الجمارك؛ ولم يعمها الإصلاح تماما إلا في عصرنا هذا وعلى ~~أيدي حكومتنا الحالية بفضل مجهودات مديريها كليار باشا وشيتي بك والمستر كنج لويس ~~خليفتهما. # فلو كان نظامها الحالي نظامها سنة 1875، لأمكن لنا أن نقف، تماما، على حقيقة ~~الثروة التي دخلت القطر ما بين سنة 1865 وسنة 1875؛ ولتجلى لنا أن مقدارها ضعفا ما ~~أثبتته الإحصائية الجمركية في تلك الأيام، مذ أوجب إنشاء وزارة تجارة مستقلة سنة ~~1876. # الفصل الرابع # | إحياء مالية القطر1 # المال! المال! فكل شيء بدون المال - على ما يقال - جدوب. # بوالو # إن عنوان هذا الفصل وحده، متى وقع عليه نظر بعض القراء، قد يجعلهم يبتسمون ~~ابتسامة الازدراء، ويقفونها بسؤال يمتزج فيه الاستغراب والاستنكار معا ~~امتزاجا تاما، كالسؤال الآتي: «أوكيف؟ ms123 (إسماعيل)، الذي أثقل مالية القطر ~~بالدين الباهظ، الذي لا يزال القطر يئن تحت فداحة ثقله، (إسماعيل) أحيا مالية ~~مصر؟ إنك يا هذا تمزح!» ولكنا لا نمزح مطلقا، بل نقول، ونحن نزن الكلام في ميزان ~~التعقل التام: نعم إن (إسماعيل) أحيا مالية القطر، وإليكم الدليل بل الأدلة. # مات (سعيد)، وعلى الخزينة المصرية - غير القرض الذي عقده وقدره مليونان وسبعمائة ~~وخمسة وخمسون ألفا وخمسمائة جنيه إنجليزي - دين سائر يربو على عشرة ملايين جنيه، ~~لا تبرره أعمال عمومية نافعة مطلقا؛ وإنما أوجبه: # أولا: # أن سعيدا كان لا يعرف للنقود قيمة. يدل على ذلك أن المسيو ~~براڨيه، صديقه الحميم، الذي سبق لنا الكلام عنه، شكا له، يوما، أن ~~تقدير ثمن أحد الأشغال، التي كلف بعملها، بليرات إيطالية، مجحف ~~بحقوقه إجحافا كبيرا، فقال له (سعيد): «دعهم يقدرونه، إذا، ~~بليرات إنجليزية!» غير مبال بأن الليرة الإنجليزية تساوي الليرة ~~الطليانية خمسا وعشرين مرة. # 2 # ثانيا: # أنه كان متلافا، لا يعرف تبذيره حدا يقف عنده، حتى لقد أنفق ~~مرة على زخرفة حجرة في أحد قصوره نيفا وسبعة ملايين من الفرنكات؛ # 3 # وكان معطاء للهي، لا يعرف سخاؤه أن يميز بين من يصح ~~أن يكون موضع إنعام، ومن لا يصح، حتى لقد أهداه، مرة، مالي أجنبي ~~من المقيمين بالإسكندرية سل فاكهة، ثم طلب منه نفحة بخمسة عشر ألف ~~جنيه، ففعل. # ثالثا: # أن المتعهدين بتوريد ما تحتاج إليه حكومته أو ما يحتاج إليه هو، ~~لا سيما الأجانب منهم، لعلمهم بقلة تقديره للنقود، كانوا لا ينفكون ~~يغشونه ويسرقونه، وهو لا يبالي بأعمالهم، إما تعاليا، وإما لعدم ~~اهتمام منه بهم. # رابعا: # أن مطالبات الغربيين على ألسنة قناصلهم بتعويضات عن أضرار وهمية، ~~يزعمون أنهم أصيبوا بها، في اتفاقات أبرموها مع الحكومة المصرية، ~~كثرت جدا في عهده وبلغت، في خروجها عن طور المعقول، حدا جاوز ~~كل احتمال، وضاقت، دونه، رحبة تسامح (سعيد) على سعتها: لأنه بات لا ~~يعمل، أو لا يهمل عملا، تعاقد عليه مع إفرنجي، إلا وتكون نتيجته ~~مطالبة ذلك الإفرنجي إياه بتعويض، ms124 وأي تعويض! يكاد يتضاءل بجانبه ~~مبلغ الستة والخمسين ألف جنيه إسترليني، الذي تقاضاه من عباس ~~الأول، المهندس الإنجليزي مخطط سير السكة الحديدية من إسكندرية ~~إلى مصر، أجرة على تخطيطه؛ ومبلغ الستة عشر ألف جنيه الذي طالب به ~~لتعديل ذلك السير، بعد أن اتضح تعذر تنفيذه كما خططه - على أنه لم ~~ينل منه سوى ستة آلاف، عملا بما حكم به المستر بروس القنصل ~~البريطاني العام، المحكم في الموضوع! # 4 # وقد أشار (سعيد) ذات اليوم، بنكتة لطيفة، إلى ما كانت تغص به نفسه من تلك ~~المطالبات الجائرة الحمقاء، فإنه كان يستقبل أحد قناصل الدول الكبرى، في سلاملك رأس ~~التين، في قاعة تطل شبابيكها الواسعة على البحر؛ وكان الزمن صيفا، وتلك الشبابيك ~~مفتوحة، ونسيم البحر العليل يدخل منها، كأنه نسمة من الجنان، فجلس القنصل مكشوف ~~الرأس، بجانب (سعيد) أمام أحد تلك الشبابيك، وما لبث أن عطس؛ فأسرع (سعيد) وقال له ~~باهتمام، وهو يبتسم: «تفضل يا جناب القنصل، تفضل والبس قبعتك! فقد يصيبك زكام، وأنت ~~عندي فتهب دولتك إلى مطالبتي بتعويض». # 5 # وكان سعيد يقول في هذا الصدد: «إني لأخشى أن ينظر جوادي شذرا في طرقات ~~الإسكندرية إلى إفرنجي، فيهب ويطالبني بتعويض». # 6 # وتذكرنا هاتان النكتتان بما كان عليه (سعيد) من خفة الروح وظريف الملح، بسبب ~~تربيته الفرنساوية، ومنبته الفرنساوي البحت، فقد ذهب إلى زيارة لندن مرة، أيام ~~إقامة أول معرض فيها، فإذا بطقسها لم ينفك مغيما، ماطرا، طوال مدة إقامته هناك، ~~فبينما هو، ذات يوم، يتفقد إحدى حجر ذلك المعرض، رأى شعاع شمس نافذا من السقف ~~الزجاجي إلى الداخل، ومنتشرا فوق مكان من المعروضات، كأنه وضع فيه خصيصا، فالتفت ~~(سعيد) إلى ذي الفقار باشا، مراقب عموم ماليته، ونديم سفره، وقال له باسما: «ألا ~~ترى ما أندر الشمس هنا! فقد بلغ من ندرتها لديهم أنهم أصبحوا يعرضونها ضمن نفائسهم». # 7 # ولكن (سعيد) المسكين كان كفرنساويي أيام الكردينال مازارين: إذا تململوا من ~~ضريبة، وضعوا فيها أغنية سخرية، ورددوها مدة، دون أن يمنعهم ذلك من دفع ms125 الضريبة، ~~حتى كانت عادة الكردينال أن يقول عنهم بفرنساويته المشوبة بإيطالية: «إل كانتارون ~~ما إل پاجرون» أي: سيغنون؛ ولكنهم سيدفعون. # و(سعيد) كان، إذا تململ من جور طلبات التعويضات، انتقم لنفسه بنكتة كالتي ~~ذكرناها، ثم أفضى به الأمر إلى دفع المطلوب. # فأدى ضغط ذلك الدين السائر الباهظ على عاتق الخزينة المصرية إلى ضائقة مالية ~~شديدة باتت معها مرتبات الموظفين والمستخدمين، في سني حكمه الأخيرة، لا تصرف لهم ~~إلا نادرا؛ وإن صرفت، فبمطل وبطء، ونجم عن عدم صرفها أن أوراقا مالية من نوع ~~جديد، لم يرو عن مثلها أبدا، برزت إلى عالم الوجود في الأسواق المصرية، وكانت ~~عبارة عن تحاويل على المالية المصرية أخذ يحررها أولئك المستخدمون والموظفون ~~ويسلمونها إلى ممونيهم، سدادا لمطلوباتهم. # فبات يحيط بأبواب المالية جيش من البدالين والقصابين وخلافهم، لا تستطيع الحكومة ~~التخلص منه ومن طلباته: (أولا) لندرة النقود في خزائنها؛ و(ثانيا) لعدم تمكنها - ~~بسبب أن معظم أولئك المطالبين أجانب، يحميهم نظام الامتيازات - من فض جموعهم ~~بكرابيج رجال الشرطة، كما كانت تفض تجمهر الدائنين الوطنيين من أرباب الحرف ~~والصناعات ورجال المقاولات، الذين اشتغلوا لحسابها وداينوها؛ فإن مطالب هؤلاء ~~الأهالي كانت تدفع إليهم لكما وركلا وسياطا، في نهاية الأمر، ولو استعملت ~~الحكومة طريقة الضرب هذه مع أولئك الأجانب، لفتحت على نفسها أبواب ويلات لا فراغ ~~منها إلا بدفع تعويضات مالية جسيمة ، وتقديم ترضيات أدبية تحط من شأنها حطا ~~كبيرا. # فكانت تلجأ، إذا، إلى المماطلة والمراوغة؛ ولكنها تضطر إلى الدفع بعد استنفاد كل ~~وسائل التعطيل والتأجيل والتسويف. # وباتت تلك الحال السيئة نظامية إلى حد أنه أصبح لتلك التحاويل سوق خاصة بها ومعدل ~~خصم جار؛ وكان معدلا يتجاوز حدود الاعتدال، بقدر تجاوز فرص الدفع دائرة الاحتمال؛ ~~أو على قدر ما تتجاوز صعوبات التحصيل حد المألوف. # غير أن ضغط الاحتياج أدى إلى تداول تلك التحاويل تداولا أثرى منه عدة صيارفة ~~بمصر والإسكندرية وغيرهما من البنادر التي كانت مقرا لموظفي الحكومة ~~ومستخدميها. # فلما آل الحكم إلى (إسماعيل)، أمر: (أولا) بصرف جميع المتأخرات، سواء أكانت ms126 ~~للمستخدمين والموظفين، أم لرجال الجيش؛ و(ثانيا) بصرف المرتبات لمستحقيها في ~~أوقاتها بانتظام، فاختفت تلك التحاويل من السوق؛ وزالت عن عنق المالية المصرية ~~للمطالبة اللحوحة بسدادها، التي كانت ناشبة أظفارها فيه. # ولما كان إقبال المعامل الغزلية والنسجية الأوروبية على ابتياع القطن المصري ~~بكثرة، بسبب الحرب الأمريكية الأهلية، قد أوجب تحسينا فجائيا في أسعاره، ورفعها ~~رفعا مطردا إلى حد منتظر أو محلوم به؛ ونجم عن غزارة النقود في البلد، أن التوازن ~~بين قيمتها وقيمات مواد الغذاء والترف، أصبح مختلا اختلالا جسيما - كما هي ~~الحال في أيامنا هذه بسبب الحرب العالمية واحتياج السلطة العسكرية إلى محصولات ~~البلاد وأيدي العملة - أمر (إسماعيل) بزيادة رواتب موظفي حكومته، ولا سيما كبارهم، ~~زيادة مناسبة، تساعدهم على حفظ كرامتهم، وتحول دون تدنيهم إلى المال الحرام. # 8 # فاكتسب بهذين العملين ثقتهم بحكومته وولاءهم لشخصه. # ولعلمه أنه لا يستطيع الاستمرار على دفع المرتبات في حينها، فضلا عن دفع ~~العلاوات التي جاد بها، إلا إذا كانت خزينة المالية ممتلئة دائما؛ ولعلمه أن لا ~~شيء يملؤها أكثر من توسيع موارد إيراداتها؛ وأنه لا سبيل إلى ذلك التوسيع إلا ~~بإنماء مساحة أرض القطر الصالحة للزراعة وتنويع مزروعاتها، وإنماء تجارة البلاد ~~وتكبير دائرة العمل فيها، أقدم على ذلك جميعه بما سبق لنا بيانه من الهمة والنتائج، ~~ونجم عن إقدامه هذا أنه بينما كانت إيرادات الحكومة في سنة 1835 مليونين وستمائة ~~ألف جنيه، وفي سنة 1862 أربعة ملايين وتسعمائة وتسعة وعشرين ألف جنيه، يقابلها ~~مصروف قدره مليونان وثلاثمائة جنيه، في سنة 1835 - أي: باقتصاد ثلاثمائة ألف جنيه، ~~وأربعة ملايين وثلاثمائة وثلاثون ألف جنيه، في سنة 1862 - أي: باقتصاد نحو ستمائة ~~ألف جنيه - أصبحت إيراداتها، في سنة 1876، عشرة ملايين وسبعمائة واثنين وسبعين ~~ألفا وستمائة وأحد عشر جنيها، تقابلها مصروفات قدرها ثمانية ملايين وتسعمائة ~~وواحد وثمانون ألفا وثمانمائة واثنان وخمسون جنيها - أي باقتصاد ما يقرب من ~~مليوني جنيه، وذلك بعد دفع الفوائد المطلوبة على الديون المسجلة وستمائة وخمسة ~~وثمانين ألفا وثلاثمائة وثمانية عشر جنيها، مقدار الجزية السنوية ms127 ~~للأستانة. # وإنما نذكر سنة 1876؛ لأنها السنة الأخيرة من حكم (إسماعيل) وهو مستقل عن كل ~~رقابة أوروبية، ولأن عظمته بلغت أوجها فيها. # ومصادر تلك الإيرادات: الأموال، والرسوم، والسكك الحديدية، ومختلفات. # أما الأموال، فأربعة ملايين وثلاثمائة ألف جنيه وخمسة آلاف جنيه من الأطيان ~~الزراعية، ومساحتها أربعة ملايين وثمانمائة وخمسة آلاف وثمانمائة وسبعة أفدنة بين ~~خراجية وعشورية؛ و189000 جنيه من النخيل وعدده 4467000 نخلة و422000 جنيه من الرخص ~~الحرفية. # وأما الرسوم، فسبعمائة وتسعة وثلاثون ألف جنيه من الجمارك، و264000 جنيه من ~~الدخان. # وأما إيراد السكك الحديدية، فبعد أن كان 361300 جنيه، في سنة 1863، أصبح 990200 ~~جنيه في سنة 1876. # وأما المختلفات، فبلغت 2100000 جنيه، وليس بين أبوابها في عهد (إسماعيل) باب واحد ~~لم يكن في عهد (محمد علي) بين أن كثيرا من الضرائب المفروضة في عهد (محمد علي) لم ~~تكن مفروضة في عهد (إسماعيل)، ومن شاء المقارنة بين ضرائب العهدين فما عليه إلا ~~مراجعة كتاب هامون «مصر تحت حكم محمد علي» وكتاب ماك كون «مصر تحت حكم إسماعيل»؛ ~~فيرى أن الخراج في أيام (إسماعيل) كان ستة شلنات ونصفا على كل ذكر من سن عشرة فما ~~فوق، ما عدا المستخدمين والجنود؛ وأنه كان مربوطا على كل بيت من بيوت الريف - ~~وعددها ثمانمائة وثلاثون ألفا - أربعة قروش صحيحة سنويا؛ وأن المربوط على الرخص ~~التي كانت تعطى للتجار والصناع والمحترفين، كان يتراوح بين تسعة شلنات ونصف، وسبعة ~~جنيهات وخمسة عشر شلنا على الفرد؛ وأنه كان هناك ضرائب على المواد الأولية ~~المستعملة في الصناعة؛ وضرائب على المصنوعات بمصر وإسكندرية ورشيد ودمياط؛ ودخوليات ~~قدرها 25٪ على المأكولات والأتبان، ومواد الوقود والبناء؛ وضريبة قدرها 10٪ على كل ~~ما يعرض للبيع في الأسواق، سواء أوزن أم لم يوزن فوق 10٪ أخرى كانت تتقاضى على ~~البضائع عينها لمصلحة الجيش؛ وأنه كانت هناك ضرائب على العربات وحيوانات النقل ~~كلها، والبقر والثيران، تختلف من ثلاثة إلى أربعة جنيهات عن كل عربة، وإلى سبعة ~~شلنات ونصف على حمار الفلاح أو الحمار. غير رسم آخر يتقاضونه منها جميعا، ويتراوح ms128 ~~بين ثلاثة قروش، وعشرين فضة صاغ، كلما دخلت تلك العربات والحيوانات مدينة من المدن؛ ~~وأنه كان هناك ضرائب على الملح، وعلى الدخان، وعلى الخرفان المذبوحة، وعلى ~~المعديات؛ وضريبة على الملاحة عموما وقدرها واحد وعشرون شلنا سنويا عن كل مركب؛ ~~وقرشان ونصف عن كل إردب من الحمولة، علاوة على رسوم المرور، تحت الكباري، و50٪ على ~~المصايد؛ وأنه كان هناك ضريبة على الزواج، وأخرى قدرها خمسة شلنات ونصف على كل ميت ~~يدفن، سواء كان رجلا أم امرأة أم طفلا، وأن البدل العسكري كان 112 جنيها، ويرى ~~أن هذا جميعه كان موجودا في عهد (محمد علي)، ما عدا البدل العسكري، وما لم يكن ~~يمكن وجوده، لعدم وجود موجبه، كرسوم المرور تحت الكباري؛ لأن الكباري في أيام ~~الباشا العظيم لم تكن معروفة. # 9 # فالزيادة الكبيرة في الإيرادات في سنة 1876، كانت، والحالة هذه، نتيجة اتساع نطاق ~~الزراعة اتساعا عظيما، ونتيجة اتساع نطاق التجارة والصناعة والعمل اتساعا لم ~~تعهده أيام (محمد علي)، ونتيجة تعديل طريقة ربط الضرائب وطريقة تحصيلها؛ لا نتيجة ~~إرهاق الأهالي بالضرائب إرهاقا فاحشا غير معهود، كما قيل كثيرا. # ولولا أن البلد، لما استلمه (إسماعيل)، كان خاليا من كل أسباب الحضارة وأقرب ~~إلى الخراب والهمجية منه إلى العمران والمدنية؛ لولا أنه كان يجب أن ينشأ كل شيء ~~فيه، مع قيام رغائب أهله في عكس تيار كل إصلاح على العموم؛ ولولا أن كل شيء خلق فيه ~~بسرعة لم تترك للنمو الطبيعي مجالا - وذلك لشدة الشوق إلى قطف ثمر الغراس المغروس؛ ~~فاقتضت الحال عدم النظر إلى كمية المنفق، وقلة الاكتراث بالديون، مهما بلغت، وأنى ~~وصلت، في سبيل نيل بغية النفس السامية، وتحقيق الخطة النبيلة الموضوعة، لولا ذلك ~~جميعه، لأدى ازدياد الإيرادات في الخزينة المصرية ازديادا مطردا إلى إبراز عجائب ~~في عالم الوجود، مزرية بعجائب أيام الباشا العظيم ومعجزاتها، على سطوعها. # على أن التاريخ لن يغمط (إسماعيل) فضله في أنه عمل على إفادة بلاده من ذلك ~~الازدياد كل الإفادة، التي كان مركزها السياسي والاجتماعي يمكنها من نيلها ms129 على ~~يديه؛ وأنه لم يترك ميدانا من ميادين الإصلاح والعمران والرقي إلا وأدخلها فيه ~~بهمته، وعدا بها في حلبته بغيرة ملتهبة لا تعمل حسابا للصعوبات، ولا تبالي بثمن ~~إزالة العقبات من السبيل. # أما وقد تكلمنا عن نجاحه في مضمار الماديات، فإنه لم يبق لنا إلا التكلم عن نجاحه ~~في مضمار التعليم والحركة الفكرية، وفي مضمار ترقية شئون حياة أمته ~~الاجتماعية. # الفصل الخامس # | انتعاش التعليم والحركة الفكرية1 # تعلم: فليس المرء يولد عالما # وليس أخو علم كمن هو جاهل # فإن كبير القوم لا علم عنده # صغير إذا التفت عليه المحافل # عمر بن عبد العزيز # لما دخل الفرنساويون مصر سنة 1798، لم يكن في القطر كله إلا مدرسة الأزهر ~~ومكتبتها الحاوية لكتب علوم الدين وكتب لغة وآداب، ومع أن الأساتذة المدرسين في تلك ~~الكلية كانوا عديدين فإن عدد الطلبة كان قليلا بالنسبة لما هو الآن، ومع أنه كان ~~يوجد سبعة أروقة للعلوم، فإنه لم يكن التعليم يتجاوز تجويد القرآن، ومعرفة الحديث؛ ~~وتعدد الأروقة إنما كان لسبب تعدد أنواع الطلبة وجنسياتهم، كما هي الحال الآن؛ غير ~~أنه كان في القاهرة عينها عدد يعتد به من الكتاتيب المخصص لها أوقاف خيرية لتعليم ~~الأولاد مبادئ القراءة والكتابة، والقرآن الكريم. # فلما بدأ حكم (محمد علي) يستقر في القطر، نجم - عن القليل من النظام والأمن ~~اللذين أدخلهما على الحياة القومية، وعن إعفاء طلاب العلم من الخدمة العسكرية - رقي ~~محسوس لعدد المتعلمين في الأزهر والبيئات العلمية الأخرى، ولكنه لم ينجم عنها رقي ~~في طرق التعليم إلا بعدما عن لمحمد علي باشا فتح ميدان جديد للعلم وإدخال الأمة ~~فيه قسرا. # وتفضيل ذلك أن هذا الأمير، بعد أن قتل المماليك في مجزرة القلعة الشهيرة، امتلك ~~الصبيان والشبان من مماليكهم، فأدخل هؤلاء في حرسه، وجميع الآخرين في مدرسة بالقلعة ~~ليتعلموا فيها القرآن، والكتابة، واللغة التركية، وضروب العسكرية العملية، وفن ~~الفروسية بفروعه: مقتديا في ذلك بالسلاطين المماليك البرچيين وبعض كبار الأمراء ~~المماليك أنفسهم الذين استأصل شأفتهم من الأرض المصرية. # ولما فكر في سنة 1816 ms130 في تشكيل جيش على النظام الغربي، ولم يفلح في بادئ الأمر ~~بسبب الثورة التي قام بها الجنود غير النظاميين حوله، أرسل أكبر الشبان من مماليكه ~~القائمين بالقلعة إلى مصر العليا، ليكون منهم مدرسة عسكرية تحت إدارة معلمين ~~غربيين، ثم لكي يملأ الفراغ الذي قد يحدثه في هذه المدرسة، إنشاء الأورط، أسس بمصر، ~~في القصر العيني، مدرسة أخرى تحضيرية للدخول في المدرسة الأولى؛ وذلك حوالي سنة ~~1825 ووضع فيها 500 ولد من الشراكسة، والكرج، والأتراك، والأكراد، والأرناؤط، ~~والأرمن، واليونان - ليس فيهم مصري واحد - ليتعلموا القرآن، والكتابة، والقواعد ~~اللغوية، والآداب التركية، والفارسية، ومبادئ اللغة العربية، والحساب والهندسة، ~~والجبر، والرسم، واللغة التليانية - لأنها كانت لغة معظم معلمي العسكرية الناشئة - ~~وجعل اللغة التركية أساس التعليم كله. # ولكنه، لإدراكه أن تعليم أولئك الشبان لم يتم بالسرعة والمتانة اللتين يريدهما، ~~ولرغبته في سرعة تكوين هيئة أركان حرب مصرية، أرسل، منذ سنة 1826، إلى ليڨرنو، ~~وميلانو، وفلورنسا، وروما، بعض المماليك الشبان، ليتعلموا صناعة بناء السفن، ~~والفنون الحربية، والطباعة، والهندسة العسكرية والمدنية، وهلم جرا، ثم أرسل، بعد ~~سنتين، طلبة آخرين إلى إنجلترا، ليتعلموا الهندسة المدنية، وهندسة الآلات المائية، ~~والميكانيكا، وفن الملاحة. # ولما كان الباعث له على كل هذا الاهتمام الفرعي اهتمامه الأصلي بتكوين جيش، فكر ~~في إنشاء مدرسة للطب، وفي الواقع أنشأها منذ سنة 1825، ولكن الذي يستوقف الانتباه ~~هنا هو أنه عدل، في اختيار الطلبة لها، عن طريقته في اختيار الطلبة لمدرستيه ~~الحربيتين التحضيرية والعسكرية؛ وجعل كل تلامذتها من المصريين، لا سيما من شبان ~~الطلبة الأزهريين. # وفي سنة 1826 أرسل إلى فرنسا أول بعثة تلميذية أرسلت إليها؛ وكانت مؤلفة من 40 ~~شابا، معظمهم من تلامذة القصر العيني، وبعضهم من طلبة مدرسة الطب وأمرهم بتعلم ~~الفنون العسكرية، والقوانين الإدارية، والهندسة المدنية والحربية، وعلى الإجمال ~~جميع العلوم التي كان الباشا مضطرا، من أجلها، إلى استخدام الغربيين، لعدم وجود ~~مصريين خبيرين فيها. # فنجحت تلك البعثة نجاحا حمل الباشا العظيم في سنة 1834، تقريبا، على إيجاد نيف ~~ومائة طالب في باريس، وعلى إبطال البعثات ms131 إلى إيطاليا، وإنجلترا، والبلاد ~~الأخرى. # ولم يقتصر غرض (محمد علي)، من هذه البعثات المتوالية ومن المدارس الأولى التي ~~أنشأها، على محض تعليم بعض الأفراد من المصريين وساكني مصر فقط؛ بل إنه رمى إلى ~~تكوين أساتذة منهم، يتمكن بواسطتهم، بعد نبوغهم، من نشر ظل العلوم الوارف على القطر ~~كله؛ والنهوض به من هاوية الجهل السحيق التي طرحته فيها من حالق حكومة الأتراك ~~العثمانيين والأمراء المماليك. # ولا أدل على ذلك من أنه في سنة 1834، لما عاد طلبة البعثة الأولى الأربعون إلى ~~مصر، قابلهم الأمير بنفسه، وسلم إلى كل منهم كتابا فرنساويا في العلم الذي ~~تعلمه، وكلفه بترجمته إلى التركية. # وأمر بهم، بعد خروجهم من حضرته، فأغلقت عليهم أبواب القلعة ثلاثة أشهر بأكملها ~~ليترجموا تلك الكتب؛ ولم يفرج عنهم إلا عند فراغهم من ترجمتها، وبعد أن طبعت تلك ~~الترجمات بالمطبعة الأهلية التي أسسها الباشا ببولاق، وزعت على أساتذة وطلبة ~~المدارس التي كانت الأصول الفرنساوية قد أحضرت لأجلها. # ثم أنشأ حوالي سنة 1836 مجلسا أعلى للمعارف، مؤلفا من نخبة من أولئك الطلبة ~~وبعض علماء الفرنساويين؛ ووضع على رأس إدارته وزيرا اسمه مصطفى بك مختار، كان أول ~~وزير معارف عين في مصر على ممر سني تاريخها، وجعل أهم أغراض ذلك المجلس تقديم العدد ~~الكافي من الضباط الأكفاء لجيشه النامي على ممر السنين، والذي لم يعد يمكن ملء ~~الفراغات التي يحدثها الموت في صفوفه بشبيبة جديدة من المماليك الشراكسة، لصعوبة ~~جلبهم من بلادهم؛ ولا بأولاد خدام (محمد علي) الأمناء من الأسيويين والأتراك، لظهور ~~نسل هؤلاء الموظفين في مظاهر أجسام ضعيفة يعوزها الذكاء والصحة، فضلا عن قلة ~~عدده. # وبما أن كل أعضاء ذلك المجلس الأعلى كانوا قد تربوا بفرنسا تربيتهم كلها، سواء في ~~ذلك الفرنساويون منهم وغير الفرنساويين، فإن نزعاتهم كانت فرنساوية محضة، ولا غرابة ~~في كونهم أدخلوا على القطر طرق التعليم الفرنساوية، وأنهم حاولوا تطبيقها على ~~احتياجاته بقدر ما استطاعوا. # على أن تربيتهم الفرنساوية كانت قد غذتهم بلبان آمال لمستقبل البلاد، لم يكن لهم ~~بد من ms132 السعي إلى تحقيقها، ومنها أمل إنشاء دولة عربية جديدة تجاه الدولة التركية ~~المتداعية، المشتبكة مصر في حرب معها، لتحل من العالم الإسلامي محلها. # ولا شك في أن هذا الأمل كان يدور، في ذلك الحين المضطرب، في مخيلة الكثيرين من ~~أبناء البلاد، بل الكثيرين من الأتراك المتمصرين أنفسهم، ولم يكن (محمد علي) يرى ~~مصلحة في اجتثاث جذوره، بالرغم من أن ميوله كانت كلها تركية؛ لأنه كان، هو نفسه، ~~يحلم بدولة عربية تكون أسرته مالكة لها، كما كانت الأسرة العباسية العربية مالكة ~~لدولة أركانها فارسية. # فاستصدر المجلس الأعلى، لذلك إذنا منه بإدخال العنصر المصري في المدارس بكثرة، ~~بعد أن كان إدخاله فيها قاصرا، حتى ذلك الحين، على عدد معلوم قليل جدا، وفتح، ~~لنيل الغرض المقصود، عدة مدارس ابتدائية وثانوية في القطر عامة، يعلم فيها، في مدة ~~ثماني سنوات، على نسق الليسيهات الفرنساوية، العلوم الآتية وهي: القرآن؛ الكتابة؛ ~~اللغة العربية؛ اللغة التركية؛ اللغة الفرنساوية؛ مبادئ الرياضيات؛ مبادئ التاريخ؛ ~~مبادئ الجغرافيا؛ الرسم. # ونجم عن تغلب العنصر المصري على عدد طلبة هذه المدارس، وعن الرغبة في تحقيق أمنية ~~إنشاء دولة عربية، أن اللغة العربية أصبحت لغة التعليم العام، وأن اللغة التركية لم ~~يعد يعتنى بها، إلا من حيث هي لغة إضافية فقط، منزلتها من الأهمية تكاد تكون أقل ~~من منزلة اللغة الفرنساوية. # أما المدارس الابتدائية التي أسست، في ذلك العهد، فهي: # في الغربية، مدارس: أبيار، والمحلة الكبرى، وزفتى، وشربين، وفوه، ~~وميت غمر، والجعفرية، ونبروه. # وفي المنوفية، مدارس: أشمون جريس، وشبين الكوم، ومنوف. # وفي الدقهلية، مدارس: المنصورة، والمنزلة، وصهرجت، وفارسكور، ومحلة ~~دمنة، والعزيزية. # وفي الشرقية، مدارس: الزقازيق، وبلبيس، وكفور نجم، وميت العز. # وفي القليوبية، مدارس: الخانقاه، وأبي زعبل، وبنها، وقامولا، ~~وقليوب. # وفي الجيزة، مدرستا: الجيزة، وحلوان. # وفي الفيوم، مدرسة الفيوم. # وفي بني سويف، مدرستا: بني سويف، وبوش. # وفي المنيا، مدارس: الفشن، والمنيا، وبني مزار. # وفي أسيوط، مدارس: أسيوط، وأبي تيج، والساحل، وساقية موسى، وسنبو، ~~ومنفلوط. # وفي جرجا، مدارس: جرجا، وسوهاج، وطهطا. # وفي قنا، مدرستا: فرشوط، وقنا. ms133 # وفي إسنا، مدرسة إسنا. # وأنشئت كلها في فبراير سنة 1837، ما عدا مدرسة أبي زعبل، فإنها أنشئت في أكتوبر ~~سنة 1836، ومدرسة ساقية موسى، فإنها أنشئت في نوفمبر سنة 1838. # وكان قد أسس في الصعيد، في شهر مايو سنة 1833، مدارس في: أسيوط، وملوي، ومنفلوط، ~~وأبي تيج، والساحل، وإخميم، وجرجا، وسوهاج، وطهطا؛ ولكنها أقفلت كلها في أبريل سنة ~~1835. # وأما المدارس الثانوية والعالية والخصوصية التي أسست في عهد (محمد علي) فهي: ~~مدرسة الخانقاه العليا في سنة 1836؛ مدرسة أبي زعبل الإعدادية في أكتوبر سنة 1836؛ ~~مدرسة القصر العيني العسكرية في سنة 1825؛ مدرسة البيادة بالخانقاه في سبتمبر سنة ~~1832؛ مدرسة البيادة بدمياط في يونيو سنة 1834؛ مدرسة البيادة بأبي زعبل في فبراير ~~سنة 1841؛ مدرسة البيادة بأباض في يوليو سنة 1832؛ مدرسة اللغات بالأزبكية في يونيو ~~سنة 1836؛ المدرسة البوليتكنيكية ببولاق في مايو سنة 1834؛ مدرسة المصانع العسكرية ~~بمصر في يوليو سنة 1833؛ المدرسة المعدنية بمصر العتيقة في مايو سنة 1834؛ مدرسة ~~المدفعية بطره في يونيو سنة 1831؛ مدرسة الخيالة بالجيزة في أبريل سنة 1831؛ مدرسة ~~الصيدلية بالقلعة في نوفمبر سنة 1829؛ مدرسة الطب البيطري بأبي زعبل في يونيو سنة ~~1831؛ مدرسة الحسابات بالسيدة زينب في فبراير سنة 1837؛ مدرسة الطب والتوليد بمصر ~~في فبراير سنة 1837؛ مدرسة العمليات (الصنائع والفنون) بمصر في مارس سنة 1839؛ ~~مدرسة البحرية بمصر في سبتمبر سنة 1831؛ مدرسة الموسيقى في الخانقاه بمصر في أغسطس ~~سنة 1827؛ مدرسة الطبول والأصوات بمصر في سنة 1824؛ مدرسة الطبول بمصر في أغسطس سنة ~~1824؛ مدرسة العزف بالنخيلة في أبريل سنة 1829؛ مدرسة الآلاتية بمصر في نوفمبر سنة ~~1834. # غير أن معظم هذه المدارس سواء أكانت ابتدائية أم ثانوية أم عالية لم تعمر طويلا، ~~وأقفل معظمها، بعد أن وضعت الحرب بين مصر وتركيا أوزارها، فاضطر (محمد علي) إلى ~~القعود عن الفتح والتوسع، وإلى تخفيض عدد جيشه من مائة وخمسين ألف مقاتل إلى ثمانية ~~عشر ألفا. # والباقي أقفل، إما قبل ذلك العهد، وإما بعده، فمدارس: الرحمانية، والنجيلة، ~~وشبراخيت، وإبيار، والمحلة الكبرى، وزفتى، وطنطا، وفوه، والجعفرية، ونبروه، وأشمون ~~جريس، وشبين الكوم، والمنصورة، والمنزلة، والعزيزية، وبلبيس، وكفور نجم، وميت العز، ~~وقموله، ms134 وقليوب، وبوش، والمنيا، وأسيوط، وأبي تيج، والساحل، وساقية موسى، ومنفلوط، ~~وجرجا، وسوهاج، وطهطا، وقنا، وإسنا، ومدرسة البيادة بدمياط، أقفلت في سنة 1841؛ ~~ومدارس: دمنهور، ومنوف، وصهرجت، ومحلة دمنة، وبني مزار، أقفلت في سنة 1837 عينها؛ ~~ومدارس: شربين، وبنها، والفيوم، والفشن، في سنة 1838؛ ومدرسة ميت غمر في سنة 1846؛ ~~ومدرسة الخانقاه الابتدائية في سنة 1839؛ وكذلك مدارس: سنبو، وإخميم، وفرشوط، وفي ~~هذه السنة أقفلت أيضا مدرسة الزراعة، وكانت قد تأسست بشبرا في سنة 1836؛ وأبطلت في ~~سنة 1837، مدرسة القصر العيني العسكرية المؤسسة في سنة 1825؛ وفي سنة 1834، مدرسة ~~البيادة بالخانقاه المؤسسة في سنة 1832؛ وفي سنة 1849، مدرسة البيادة بأبي زعبل ~~المؤسسة سنة 1841؛ وفي سنة 1836، المدرسة المعدنية بمصر العتيقة المؤسسة في سنة ~~1834؛ وفي سنة 1838، مدرسة الحسابات بالسيدة زينب؛ وفي سنة 1849، مدرسة ~~البحرية. # ولما أصبحت اللغة العربية أساس التعليم كله، دعت الحال إلى الاستعانة بالعلماء ~~الأزهريين، ليقوموا بشئون تعليمها في جميع هذه المدارس؛ فجعل معظم الابتدائية منها ~~تحت إدارة نخبة منهم كالشيخ خليل الخوانكي، ناظر مدرسة الرحمانية؛ والشيخ غنيم ~~سالم، ناظر مدرسة شبراخيت؛ والحاج أحمد عصافير، ناظر مدرسة دمنهور؛ والشيخ يوسف ~~البرادعي؛ والشيخ محمد حسن، ناظري مدرسة أبيار؛ والشيخ مصطفى النبراوي؛ والشيخ حسن ~~الطويل؛ والشيخ محمد أبو النجا؛ والشيخ رضوان بالي، نظار مدرسة المحلة الكبرى؛ ~~والشيخ وهبة مصطفى، ناظر مدرسة بندر زفتى؛ والشيخ محمد كفافي، ناظر مدرسة شربين؛ ~~والشيخ سليمان الخطيب، ناظر مدرسة فوه؛ والشيخ عبد الرحمن الغمري، ناظر مدرسة ميت ~~غمر؛ والشيخ أحمد الشيخ، ناظر مدرسة فارسكور؛ والشيخ علي القهتيم؛ والشيخ جوده ~~مصطفى، ناظري مدرسة العزيزية؛ والشيخ محمد عبد الرحمن، ناظر مدرسة الزقازيق؛ وهلم ~~جرا. # ومن البديهي أنه لم يكن بد للتعليم الملقن على أيدي مثل هؤلاء الأساتذة من التأثر ~~بقلة معارفهم، وعدم سعة عقولهم، ووقوف حركة التطور في عقلياتهم؛ لأن الأزهر، في ذلك ~~العصر، كان قد بلغ من الاقتصار على العلوم اللغوية والدينية، ما لم يكن معه مندوحة ~~عن الانحطاط في ميادين العلوم العقلية الاجتماعية، وفي ذات القوة المتعقلة، ولو ~~اقتصر التعليم على أولئك الأساتذة، لما استفاد ms135 طلاب تلك المدارس، أكثر مما كان ~~يستفيد الطلاب الأزهريون، في سني مجاورتهم الأولى. # ولكنه كان قد وجد في القطر، لحسن طالعه، عنصر آخر لم تغفل وزارة المعارف العمومية ~~الحديثة استخدامه، ذلك العنصر كان مكونا من الأشخاص الذين تخرجوا من المدارس ~~المؤسسة منذ سنة 1816، والتي كانت تعلم فيها العلوم الدنيوية، كالتاريخ والرياضيات ~~والجغرافيا والهندسة والرسم إلخ. # هؤلاء الأشخاص، إما لعدم تمكنهم من الدخول في الجيش والإدارات، وإما لإحالتهم على ~~المعاش، أو لأية أسباب أخرى، كانوا قد كونوا هيئة تعليمية في القطر فيها الكفاية ~~لسد احتياجات ذلك الوقت؛ ولو أنهم كانوا بعيدين عن درجة الكفاءة التامة ~~بمراحل. # غير أن طلبة البعثات العلمية إلى الديار الأوروبية أخذوا، مع تمادي الأيام، ~~يعودون إلى القطر وينضمون إلى تلك الهيئة المعلمة، ويساعدون، إما بترجماتهم، وإما ~~بمؤلفاتهم على رفع مستواها وتحسين قيمتها. # والتلامذة لغاية سنة 1836، كانوا جميعا من المماليك القفقاسيين، أو من أولاد ~~موظفي الوالي وضباطه الأجانب، فكانوا يعتبرون كأنهم ملكه الخاص، أو بالحري ملك ~~حكومته، فيربون على نفقته؛ ولما عدل نظام انتقاء الطلبة، وحل أولاد المصريين، في ~~المدارس، محل أولئك الشبان، الأجانب، ربوا، هم أيضا، على نفقة الحكومة، وبالكيفية ~~والشروط، التي كان أولئك يربون بها. # ولم يكن خلاف ذلك ممكنا: لأن الكره الذي أبداه الفلاحون المصريون، في أول أمرهم، ~~للتعلم ودخول المدارس، بالرغم من المزايا العديدة المرتبطة بالأمرين والناجمة ~~عنهما، كان كالكره الذي أبدوه للخدمة العسكرية، فاضطر (محمد علي) إلى استعمال ~~الوسائل القهرية معهم لتعليمهم وتربيتهم، كما استعمل الوسائل القهرية لتكوين جيش ~~منهم، فكان أعوانه يهاجمون القرى مهاجمة، وينتزعون الأولاد من أحضان أهاليهم قسرا، ~~ويوزعونهم على المدارس بحسب سنهم وبنيتهم وقامتهم فعندما تظهر الأيام ميولهم، كانوا ~~ينقلونهم إلى المدارس التي يمكن فيها لتلك الميول أن تسير بهم إلى ذروة النبوغ، ~~وأما من أثبتت الخبرة تجرده من كل ذكاء، كان يعاد إلى فلاحة آبائه. # تلك كانت حال التعليم في أيام (محمد علي)؛ ولم يدخل على نظامها تعديل، إلا ما ~~أشارت به الخبرة، أو جاد به هوى المنوط ms136 بهم الأمر، أو أوجبته احتياجات ~~الحكومة. # فلما استلم (إبراهيم باشا) زمام الأحكام، عن له إدخال إصلاحات شتى على تلك ~~الحال؛ ولكن قصر مدة ملكه لم يمكنه من نفاذ شيء مما رغب، وأهم ما وقع في خلده في ~~هذا الموضوع تعديل كيفية تشكيل البعثات العلمية إلى أوروبا، وتغيير شكل إقامتها ~~هناك. # فالمندوبية المشكلة في سنة 1936 رأت أن الحكومة عاجزة عن تعليم الناشئة العلوم ~~الوضعية والفنية العليا، لسببين: (الأول) قلة الأساتذة الأكفاء، للقيام بتدريسها؛ ~~و(الثاني) عجز اللغة العربية واللغات الشرقية على العموم، عجزا مطلقا عن التعبير ~~عن مضموناتها، لعدم وجود الكلمات الدالة عليها فيها. # فرأت، والحالة هذه، وجوب الاستمرار على إرسال البعثات المدرسية، لكي يستتم ~~التلامذة العلوم، التي لم يكن في استطاعتهم تعلم بعضها، بكيفية كافية، ولا التقرب ~~من غيرها، ما داموا بمصر، وما دام تعلمهم باللغة العربية. # وقد قال المسيو چومار - وهو أول من حبب إلى (محمد علي) البعثات المدرسية إلى ~~الخارج، وأحد الأعاظم الذين ساعدوا على النمو العقلي والعلمي في القطر المصري - «هل ~~يكفي إنشاء مداس فخمة عظيمة على الطراز الأوروبي، برجال يؤتى بهم من ميلانو وباريس ~~ولندره بمصاريف جمة، ثم لا يلبثون أن يعودوا إلى بلادهم حالما يبلغون الغرض الذي ~~رضوا بالمجيء لأجله؟ كلا ثم كلا، وبما أن عدد الذين يختارون الإقامة إلى الأبد في ~~وطن غير وطنهم قليل جدا، ولا يزيد على واحد في عشرين ألفا، فالواجب، إذا، تعليم ~~الأهالي أنفسهم في أوروبا، بإحدى اللغات الأوروبية، علوم الأوروبيين وفنونهم، ~~فيدخلون بذلك في صميمها، ويتمكنون من أسرارها، وتتجانس عقليتهم بعقلية متعلميها من ~~الغربيين؛ ولو أمكن لمحمد علي أن يرسل إلى أوروبا منذ سنة 1815 مائة أو مائتين من ~~الطلبة المصريين، لتقدم رقي البلاد وتمدنها عما هو عليه الآن». # ولكن تلك المندوبية رأت أن تعدل الطريقة المتبعة، حتى ذلك الحين، بأن تؤهل، ~~أولا، في المدارس المصرية، الطلبة الذين تقرر إرسالهم إلى المدارس الأوروبية، كيلا ~~يضيعوا من وقتهم هناك، في تلقن العلوم الممهدة لهم سبيل تلقي العلوم الخاصة، ~~المقصودة بالذات ms137 من إرسالهم إلى تلك المدارس. # فلم تعد تبعث إلى أوروبا إلا المتخرجين من المدارس المصرية الخاصة، بعد تتميمهم ~~علومهم فيها، وتمكنهم من لغة البلد الأجنبي المعدين للذهاب إليه. # ولنيل هذا الغرض، أنشئت مدرسة مصرية بباريس، جعلت إدارتها تحت رئاسة مصري، يقال ~~له: استفان بك، وأسندت وكالتها إلى نائب، اسمه خليل أفندي تشيراكيان؛ وكلف ضباط ~~معينون من لدن وزارة الحربية الفرنساوية بمراقبة سير الدروس فيها؛ وأرسل إليها، في ~~بادئ الأمر، أربعون تلميذا؛ منهم حليم وحسين ولدا (محمد علي) وأحمد وإسماعيل ولدا ~~(إبراهيم) - وقد سبق لنا ذكر هذا جميعه. # فلما زار (إبراهيم باشا) هذه المدرسة أثناء إحدى سياحاته في أوروبا استوقف ~~انتباهه عدم الضبط المدرسي، وقلة نجاح الطلبة، وفداحة المصاريف التي تستدعيها ~~مدرسة، أصبح كل واحد من تلامذتها (سلطانا صغيرا) حسبما قال هو نفسه. # ووجه نوبار باشا - وكان يومئذ كاتب أسراره (سكرتيره) - فكره إلى المضار وفقدان ~~المزايا، الناجمة عن الطريقة المتبعة، سواء أكان من جهة التربية، على الأخص، أم من ~~جهة التعليم على العموم، وقال له: «إن جمع أربعين طالبا مصريا في مدرسة واحدة ~~ليعيشوا دائما طبقا لعاداتهم وطبائعهم وبدون اختلاط، أو باختلاط قليل، مع خلافهم، ~~من غير جنسهم ودينهم؛ أو إبقاءهم في بلادهم وبيئاتهم الأصلية، سيان، فإما الامتناع ~~عن إرسال طلبة بهذا الشكل؛ وإما الاقتصار على إرسال أحداث ما بين الثامنة والتاسعة ~~من عمرهم، وتوزيعهم على المدارس والمآهل (بنسيون) الغربية، بحيث لا يكون أكثر من ~~اثنين في مدرسة واحدة أو مأهل واحد: فيستفيدون في تعلمهم؛ ويستفيدون ، على الأخص، في ~~تربيتهم». # فوافق (إبراهيم باشا) على رأي سريره (سكرتيره) وعزم على اتباعه، ولكن الموت حال ~~دون تمكنه من ذلك: فاستمرت الطريقة العقيمة التي ندد بها نوبار متبعة، حتى أقفلت ~~ثورة سنة 1848 الباريسية تلك المدرسة المصرية؛ وما فتئت، بعد ذلك، متغلبة على أفكار ~~القائمين بشئون التعليم في هذا القطر، حتى في عهد الاحتلال الإنجليزي، بالرغم من ~~جدب محصولها. # ولم يقطن إلى المزايا الجمة الناجمة عن العمل برأي (إبراهيم باشا) إلا حفيده ~~الكريم عظمة ms138 السلطان فؤاد الأول # 2 # فإنه - حفظه الله - أيام أن كان رئيسا للجامعة المصرية، أدخل، بجانب ~~نظام بعثاتها العلمية، نظام بعثات أحداث، ناعمي الأظفار، إلى بلاد أوروبية مختلفة، ~~ليعيشوا في بيئات تغاير تمام المغايرة بيئاتهم المصرية: فيكونون نشأة جديدة، ~~وإنسانية مصرية عصرية، متشربتين ومتشبعتين بغير المبادئ، والعادات، العقلية، ~~المدينة مصر لمجموعها بذلها القرني. # ووقع في خلد (إبراهيم باشا)، علاوة على ما ذكر، إلزام جميع الموظفين والضباط ~~المصريين بإرسال أولادهم الصغار إلى المدارس والمآهل الأوروبية، على نفقاتهم ~~الخصوصية، بدلا من إرسالهم إليها على نفقة الحكومة؛ وذلك لاعتقاده أن الأهالي إنما ~~يهتمون بتربية أولادهم وتعليمهم على نسبة التضحية المادية والأدبية التي يحملون ~~أنفسهم أعباءها في هذا السبيل؛ وأن الاهتمام الذي تكون التضحية العائلية أسه، لا ~~يلبث أن ينتشر بين جميع طبقات الأمة، ويشترك فيه كل أفراد الهيئة ~~الاجتماعية. # ولا يختلف اثنان عاقلان في سداد آراء (إبراهيم باشا) هذه؛ فلا يسع أحدا إلا ~~التأسف تأسفا عميقا على قطع المنون شجرة حياته الكثيرة الثمار قبل نضوج هذه ~~الثمرة عليها أيضا. # ويزيد لدي التفكير بأن خليفته (عباس باشا الأول) لم يكتف بعدم مجاراته في أفكاره ~~ونياته فحسب؛ بل إنه قلب نظام التعليم والمدارس رأسا على عقب، بعد امتحان أجراه ~~بأبي زعبل للأساتذة والطلبة معا، وكانت نتيجته سيئة للغاية؛ لأن الأساتذة - وكان ~~معظمهم من الأزهريين الذين سبق لنا ذكرهم - ظهروا فيه بمظهر الجهلاء النوكى الحمقى ~~فأمر بإقفال عموم المدارس وطرد الطلبة والأساتذة منها؛ ما عدا مدرسة واحدة، أبقاها ~~ودعاها بالمفروزة، للدلالة على أنها المختارة من بين الكل؛ وأعدها لتخريج ضباط ~~للبرية والبحرية ومهندسين عسكريين ومدنيين. # غير أنه عاد إلى فتح مدرسة الطب وتنظيمها على أسس جديدة تؤهلها لتخريج أطباء ~~للجيش، ولما كان شديد الكراهة للعناصر الأجنبية، ولا سيما الغربية منها، وكان لا ~~يرى متى تأتي الساعة التي يمكنه فيها الاستغناء عن غربي متقلد وظيفة في القطر؛ ~~وكان، من جهة أخرى، يكره من صميم فؤاده أن يتخلى الشرق عن عقليته وعاداته وأخلاقه، ~~حتى السقيمة منها، فإنه ارتآى أن ms139 يرسل إلى أوروبا، بدلا من الصبيان، الناعمي ~~الأظفار، والأحداث، الذين رغب عمه (إبراهيم) في إرسالهم إليها، شبانا في الخامسة ~~والعشرين من عمرهم، على الأقل، أتموا كل دروسهم بمصر؛ وأن يفضل على هؤلاء أيضا، ~~الشبان الذين يكون قد سبق لهم تدريس في المدارس العليا الملغاة، لكي يتقنوا في ردح ~~يسير العلوم التي يرسلهم لتلقيها، ويعودوا فيحلون محل الغربيين في دوائر التعليم ~~والإدارة عامة. # وكان (سعيد باشا) خليفته، بالرغم من ميله الكثير إلى الغربيين وعقليتهم، قليل ~~الرغبة في تعليم الفتيان من رعيته؛ حتى إنه قال ذات يوم لكونج بك، مربيه السويسري ~~الذي أصبح سريره الخاص، بعدما تولى العرش، وكان يحضه على إعادة فتح المدارس التي ~~أقفلها عباس، سلفه: # 3 ~~«لم نعلم الشعب؟ لكي يصبح الحكم عليه والتصرف فيه أعسر مما هما عليه؟ ~~دعهم في جهلهم! فالأمة الجاهلة أسلس قيادا في يدي حاكمها.» فألغى إذا وزارة ~~المعارف العمومية، كما ألغى معظم الوزارات، وألحق إدارة التعليم بدائرته الخاصة، أو ~~بوزارة الحربية. # ولكنه عاد فأظهر اهتماما عظيما بمدرسة الطب دون غيرها: فوضع لها نظاما جديدا، ~~واحتفل بافتتاحها، على هذا النظام، احتفالا شائقا تحت رياسة أدهم باشا وزير ~~الداخلية، وبحضور شيخ الإسلام وعلماء الدين والهيئات الرسمية الغربية في 10 سبتمبر ~~سنة 1856. # وأظهر أيضا اهتماما يعتد به بالمدارس الأجنبية المؤسسة في البلاد بمعرفة ~~الإرساليات المذهبية، ومما يؤثر عنه أن راهبات الراعي الصالح - وكن قائمات، في ~~مدرستيهما بمصر والإسكندرية، بتربية ستين يتيمة من بنات البلاد، على اختلاف ~~أديانهن، زيادة عن البنات الأخرى، الدافعات قيمة زهيدة، أجرة تعليمهن وتربيتهن - ~~وجدن العبء ثقيلا عليهن؛ فالتجأن إليه، ورفعن إلى مكارمه عرضا، طلبن به منحهن ~~إردب بر، سنويا، عن كل واحدة من تلك اليتيمات؛ فأجاب طلبهن في الحال، وجاد عليهن ~~بما التمسن، وأن راهبات المحبة بالإسكندرية - وكن قد فتحن صيدلية لتوزيع الأدوية ~~مجانا على المرضى، على اختلاف مذاهبهم وأديانهم، شأنهن اليوم - وجدن أنهن في ~~احتياج إلى مبلغ خمسة آلاف فرنك، سنويا، ليتمكن من الاستمرار على عملهن البار؛ ~~فالتمسنه من مكارم (سعيد)؛ ففاضت ms140 عليهن به، ولو التمسن خمسمائة ألف فرنك، لما تأخر ~~عنهن. # ووهب (سعيد) أيضا بناية بمصر للإرسالية الأميركية في سنة 1855 - وهي سنة قدومها ~~إلى الديار المصرية؛ ثم ساعد على توطيد أقدامها في القطر ونشر لواء معارفها فيه، ~~وجاد، كذلك، على أول مدرسة إيطالية حكومية تأسست في القطر، في عهده، بمبلغ ألفين ~~وأربعمائة جنيه، ووهبها ثمانية آلاف ذراع في نقطة من أحسن جهات الإسكندرية. # وبما أنه كان مغرما بالجيش والفنون الحربية، لم يكن يسعه أن يهمل التعليم ~~العسكري في جملة ما أهمله من أنواع التعليم المصري. لذلك رتب ونظم بكيفية نهائية ~~مدرسة القلعة الإعدادية في أغسطس سنة 1856؛ ووضع، على رأسها، الشيخ العالم الفاضل ~~رفاعه بك رافع، الذي لا يختلف في جدارته وسعة معارفه اثنان؛ واعتمد برنامج سيرها ~~ودروسها المشتمل على 17 مادة، أهمها: ~~(1) # أن عدد الطلبة مائتان. ~~(2) # أنهم يقبلون فيها من سن 12 إلى سن 18، مشترطا أن يحسنوا القراءة ~~والكتابة، لكي يتمكنوا من اتباع سير الدروس منذ السنة الأولى، ويكون ~~لهم الخيار، فيما بعد بانتخاب المضمار الذي يريدون أن يجروا شوط حياتهم ~~فيه - ولو أن تربيتهم عسكرية محضة - فيدرسون العلوم التي تؤهلهم لأن ~~يكونوا مهندسين أو أطباء أو ضباطا إلخ. ~~(3) # أنهم يتعلمون كلهم العربية بأفرعها بلا استثناء؛ ويتعلم التركية ~~والفارسية من يرغب منهم؛ ويتعلم كلهم لغة، على اختيار كل منهم، من ~~اللغات الأجنبية الآتية، وهي: الإنجليزية، والألمانية، والفرنساوية؛ ~~كما أنهم يتعلمون الخط، والحساب، والهندسة، والجبر لغاية معادلة الدرجة ~~الثانية، وحساب المثلثات المستقيمة الخطوط، والرسم الخطي، والتصميمات ~~العسكرية، والجغرافيا العامة، والتاريخ، والتمارين، والحركات الحربية ، ~~وفن التحصين - كل ذلك في ظرف خمس سنوات أو أربع، حسبما يرى الأساتذة ~~المدرسون ~~(4) # أن يعطى كل طالب مائة قرش صاغ شهريا، زيادة على غذائه وملبسه ~~وسكناه وتعليمه والأدوات التي تلزمه. # وفيما عدا ذلك؛ فإن حالة التعليم، على العموم، ساءت في أيام (سعيد) عما كانت عليه ~~في أيام (عباس)، وآلت إلى البوار، فبينما كان عدد الطلبة، المتعلمين على نفقة ~~الحكومة في أيام (محمد علي) الزاهرة، نيفا وعشرين ألفا، ms141 ونزل عند موت الباشا ~~العظيم إلى أحد عشر ألفا، فإنه استمر يتناقص ويقل، حتى لم يعد في أواخر حكم ~~(سعيد)، إلا بضع مئات؛ وتضاءلت ميزانية التعليم حتى انحطت في سنة 1862 إلى ستة آلاف ~~جنيه فقط سنويا! # فحق والحالة هذه ليعقوب أرتين باشا أن يقول: «إنه يمكن اعتبار المدة ما بين سنة ~~1848 وسنة 1863، فيما يختص بالتعليم العام والمعارف العمومية، كأنها معدومة.» # 4 # وحق لماك كون أن يقول: «إن ميدان العمل في هذه الوجهة، كان مفتوحا ~~وخاليا على سعته، أمام (إسماعيل باشا) عندما تبوأ عرش أبيه وجده». # 5 # فدأب يعمل فيه، ويعمل، لا لمجرد إنشاء جيش قوي يركن إليه في الملمات، بل لمصلحة ~~الأهالي وترقية مستوى البلاد العقلي، حتى حركت همته الشماء الهمم، وحق للتاريخ أن ~~يدعو عهده «عهد إحياء العلوم والمعارف بمصر»، فبينما الليل مخيم دامس، إذا بنور سطع ~~وبدد غياهب الجهل. # وتنقسم حركة التعليم في عهده إلى خمسة أقسام: # الأول: # ما كان منها في المدارس التي أنشأتها الحكومة، وقامت بالإنفاق ~~عليها. # الثاني: # ما كان منها في مدارس المساجد والأوقاف والكتاتيب ~~القديمة. # الثالث: # ما كان منها في مدارس أفراد من الهيئة الاجتماعية ~~الإسلامية. # الرابع: # ما كان منها في مدارس الطوائف الشرقية غير المسلمة. # الخامس: # ما كان منها في مدارس الجاليات الأجنبية. # على أن عناية المليك، الساهر على الرقي العام، أشرفت عليها من عل وأظلتها كلها ~~بظل وارف. ~~(1) المدارس التي أنشأتها الحكومة # لما تبوأ (إسماعيل) سدته لم يكن في القطر من مدارس سوى مدرسة ابتدائية، ~~ومدرسة تجهيزية، والمدرسة الحربية في القلعة، ومدرسة الطب والصيدلة والولادة ~~التي أنشأها كلوت بك - وكلها بالعاصمة - ومدرسة بحرية بالإسكندرية؛ وكانت ~~جميعها في حالة سيئة من حيث كيانها ونظامها والتعليم والتربية فيها. # فعهد (إسماعيل) بأمر إصلاحها إلى أدهم باشا - وهو ثاني من تولى وزارة المعارف ~~بالقطر المصري في عهد (محمد علي) الكبير، واستمر على دفتها، بعد وفاة مصطفى بك ~~مختار، أول وزير لها، عشر سنوات؛ أي: من سنة 1839 إلى سنة 1849 - وأقبل ينشئ ~~خلافها بهمته ms142 العالية، فتأسست في سنة 1864 مدرسة رأس التين، بجوار السراي ~~الخديوية بالإسكندرية؛ ومدرسة الناصرية بمصر، في الشارع الموصل من عابدين إلى ~~مسجد السيدة زينب، مكان القصرين اللذين كانا للأميرين المملوكين حسن كاشف وقاسم ~~بك، في أيام الحملة الفرنساوية، وخصصا بالجمعية العلمية المعروفة باسم ~~«الانستتنيوت» حيث كان يجتمع بونابرت وكليبر وفوربي ومونج والتسعون عالما ~~الآخرون، الذين رافقوا تلك الحملة، وأنشأوا مجموعة الكتب العلمية الخصيصة بمصر، ~~التي كانت من أكبر أسباب إعادة الحياة إليها. # وظهرت المدرستان المذكورتان بمظهر جديد لم يعهده معهد علمي مطلقا من المعاهد ~~السابقة وتجلتا - الأولى تحت إدارة ناظرها أحمد بك فتحي، والثانية تحت إدارة ~~ناظرها برعي أفندي - عنوان النظافة التامة والنظام الكامل، وعلمت فيهما ~~العربية، والفرنساوية، والإنجليزية، والألمانية، والجغرافيا، والرسم الخطي، ~~والحساب العادي، والحساب العالي، والقرآن لغاية الفرقة الرابعة، والتركية بدله ~~من الفرقة الرابعة فما فوق. # وانتظم الطلبة في سلكيهما، قسمين: داخلية وخارجية. على أنهم كانوا يتغدون ~~جميعا في غرفتي طعام عظيمتين، عدا أبناء البيكوات والباشاوات في مدرسة ~~الناصرية فإنهم كانوا يأكلون على حدة. # وفي سنة 1865 تأسست ببنها، في سراي (عباس الأول)، مدرسة عظيمة حوت ثلاثمائة ~~طالب يعلمهم أحد عشر أستاذا؛ ومدرسة أخرى ببني سويف؛ وغيرها بالمنيا، وسادسة ~~بأسيوط، وحوت كلها نيفا وستمائة وواحد وثلاثين طالبا، منهم 502 ~~داخلية. # وبسبب الاتساع الرائع، الذي اتخذته الصناعة المصرية على أثر ارتفاع الأسعار ~~القطنية الناجم عن الحرب الأهلية الأمريكية، قرر (إسماعيل) في سنة 1865 عينها ~~إنشاء مدرسة للفنون والصنائع، فوضع نوبار باشا نظامها بمساعدة فني فرنساوي، ~~يقال له: المسيو مونييه: ولكن الكوليرا أوقف نموها وحال دون انتظامها، ثم شغلت ~~الأفكار عنها بالمشاغل السياسية التي أفعمت بها سنة 1866 بيد أنه ما وافت السنة ~~التالية إلا وعاد شريف باشا - وكان ناظرا للمعارف - إلى موضوعها، ووفاه ~~حقه. # ففتحت المدرسة أبوابها في سنة 1867 تحت إدارة فرنساوي خبير يقال له: المسيو ~~إلواجي جون؛ ودرس فيها أحد عشر أستاذا وعريفا؛ وجعلت مدة التعليم فيها ثلاث ~~سنوات، أولا، ثم خمسا، وشمل البرنامج: الرياضة، والكيمياء، والرسم، ms143 ~~والتوپوغرافيا، والفرنساوي، والإنجليزي، والهندسة، وكل صنعة وحرفة. # ولما كانت الألفاظ الفرنجية الإصلاحية، الخاصة بالفنون والصنائع، غير متداولة ~~على الألسن إلا قليلا، ولا يعرف إلا القليلون جدا مقابلاتها العربية، ألف ~~المدير، الواجي جون المذكور، قاموسا فرنساويا إنجليزيا عربيا لها، يجدر ~~بمكتبة كل ذي فن وصناعة الازديان به. # وفي سنة 1876 أنشئت ثلاث مدارس صناعية غيرها، ليحول إليها التلامذة البلداء ~~في المدارس الابتدائية، بدلا من تحويلهم إلى المدارس الحربية، فيتعلمون فيها، ~~مدة خمس سنوات، صنائع يتعيشون منها في مستقبل حياتهم، وكانت تباع المصنوعات، ~~التي يصنعونها في مدة دراستهم، ويحفظ ثمنها على ذمتهم، ثم يشترى بها أدوات ~~صناعية، وآلات لكل منهم تصرف إليه حين مغادرته المدرسة، ليدخل ميدان الحياة وهو ~~متسلح بها. # وأنشئت في هذه المدة عينها، في العباسية، مدرسة أولية، ومدرسة إعدادية، خلاف ~~جملة مدارس عسكرية وحربية سيأتي الكلام عليها في غير هذا المكان، وتلا ذلك ~~إنشاء مدرسة هندسية ملكية كبرى، عرفت باسم «المدرسة البوليتكنيك» وأحضرت إليها ~~الأساتذة من فرنسا ومن ضمنهم المسيو چليون دانجلار، صاحب الرسالات الممتعة عن ~~مصر ما بين سنة 1865 وسنة 1875 وعهد بمساعدتهم إلى أساتذة مصريين، من الذين ~~تعلموا بفرنسا على نفقة الحكومة. # وكانت المجانية أساس التعليم، في هذه المدارس كافة، وتشمل الكسوة والطعام ~~أيضا. # غير أن هذا جميعه لم يكن سوى باكورة العمل، فسرعان ما أدرك الخديوي أن إنشاء ~~بضع مدارس، مستقلة الواحدة عن الأخرى، قليلا أو كثيرا، ومشتغلة كل منها على ~~حدة، بدون ارتباط بغيرها، وببرنامج خصيص بها، لا يؤدي إلى ما يرمي إليه من ~~تعميم التعليم ونشره بين أفراد أمته، فكلف لجنة تحت إدارة علي باشا مبارك ناظر ~~المعارف والأشغال العمومية ، منذ 15 أبريل سنة 1868 بوضع قانون أساسي للتعليم ~~العام، تكون المدارس، بموجبه، كلا منظما ذا أجزاء مندمج بعضها في ~~بعض. # فاشتغلت تلك اللجنة بهمة وعزيمة صادقة، وأخرجت، إلى حيز الوجود، اللائحة ~~المعروفة باسم «لائحة 10 رجب سنة 1284» وهي لائحة ذات أربعين بندا مبنية على ~~مبدأين أساسيين، هما: تضامن جميع المدارس في نظامها ms144 وتعليمها؛ ومساواة المعاهد ~~التي من درجة واحدة مساواة تامة في جميع الأمور. # فقسمت المدارس إلى ثلاثة أقسام: ابتدائية - وهي الكتاتيب ومدارس المديريات - ~~وثانوية، وعالية؛ خلاف المدارس الخاصة. # أما الكتاتيب - وقد كانت نيفا وخمسة آلاف، وبقيت لسنة 1874 مستقلة عن ~~الحكومة، بطلابها الزائد عددهم على المائة والعشرين ألفا، وفقهائها الذين كان ~~معظمهم من العميان - فإن اللائحة لم تدخل، على المنتشرة منها في القرى، تعديلات ~~محسوسة، غير إلزامها بتعليم الحساب، ولكنها شددت على ذات المركز المهم منها، ~~برفع مستوى التلامذة العقلي، لكي تؤهلهم للدخول في مدارس أعلى منها درجة؛ كما ~~أنها شددت عليها بالصيرورة إلى مدارس ابتدائية حقيقية؛ وذلك بما وضعت من ~~تعليمات وإرشادات للفقهاء فيها، وبما قررته لها من كتب، وأدوات مدرسية، ~~وإدخال تعليم لغة أجنبية ومبادئ الجغرافيا والتاريخ على برنامجها. # وأما مدارس المديريات - وهي مدارس ابتدائية حقة - فإن اللائحة المذكورة ~~قررت تعميم إنشائها في بنادر المديريات كافة، على نظام مثيلاتها في أوروبا؛ ~~وجعلت برنامج التعليم فيها كالآتي؛ القرآن، العربي، الفرنساوي أو الإنجليزي، ~~الحساب، التاريخ، الهندسة، الرسم؛ وجعلت الأصل فيه المجانية المطلقة، سواء في ~~ذلك الطلبة الداخلية والطلبة الخارجية. # وأما المدارس الثانوية، فتقرر أن تكون سبعا: ثلاثا في مديريات الوجه ~~البحري، وأربعا في مديريات الوجه القبلي؛ وأن تكون المجانية المطلقة الأصل في ~~التعليم فيها أيضا. # وأما المدارس العالية، فجعلت تسعا: ثمان منها في مصر، وواحدة بالإسكندرية، ~~وكانت أهمها كلها مدرسة الپوليتكنيك ومدرسة الطب. # أما الپوليتكنيك - وكان يقال لها أيضا مدرسة المهندسخانة - فقد أنشئت أولا ~~في العباسية، ثم نقلت إلى درب الجماميز، في سراي الأمير مصطفى فاضل، أخي ~~الخديو، حيث كان مقر وزارة المعارف؛ وكان تلامذتها الستون كلهم داخلية، ~~ويتعلمون، في ست سنوات : الرياضة العليا، والكيميا، والطبيعة، والچيولوجيا، ~~والميكانيكية، والعربي، والفرنساوي أو الإنجليزي، والجغرافيا، والتاريخ، ~~والرسم، وكان النابغون في الرسم كثيرين، ولا غرابة: فمصري اليوم إنما هو حفيد ~~مصري العهد الفرعوني. # ولما كانت تلك السراي واسعة جدا، فقد نقلت إليها مدرسة الإدارة، وعدد ~~طلبتها خمسون، ومدرسة المحاسبة والمساحة، ومدرسة اللغات، والمدرسة التجهيزية ms145 ~~وطلبتها خمسمائة وخمسون، معظمهم خارجية. # ووجد، مع ذلك، متسع لمسرح فسيح، كانت تقام فيه الامتحانات العامة السنوية ~~العلنية؛ ولمكتبة نفيسة، أنشأها في سنة 1871 علي باشا مبارك، ورتبها في ست حجر؛ ~~وكانت فيها طائفة من كتب مكتوبة بخط اليد في لغات متعددة لا سيما العربية؛ ~~وأهمها نسخ قرآنية وجدت على قبور مؤسسي المساجد من سلاطين مصر السالفين، وكانت ~~ذات أهمية تاريخية عظيمة؛ لأن الواحدة منها كتبت ووضعت على قبر مؤسس المسجد في ~~بحر السنة التالية لموته؛ فكانت تدل على تطور الخط العربي، على ممر الأيام؛ ~~وتساعد على تحقيق عصر بناء تلك المساجد، والتثبت من مواقيت التاريخ ~~العربي. # وأنشئ، في تلك السراي، أيضا في 12 يوليو سنة 1871 معمل طبيعيات، تام ~~الأدوات، يضاهي أكبر المعامل الأوروبية التي من نوعه. # وإنما ذكرنا المعمل والمكتبة والمسرح، عند كلامنا على مدرسة الپوليتكنيك، ~~لاقترانها بها في فكر عموم مصريي ذلك العهد، بسبب وجودها معا في محل ~~واحد. # وأما مدرسة الطب - وقد قلنا كيف تأسست وألغيت ثم أعيدت إلى الوجود - فلم يكن ~~لها من مثيلة في الشرق كله؛ وكانت تنقسم إلى قسمين: قسم الطب والجراحة، وقسم ~~الصيدلة، ومدة التدريس في كل منهما خمس سنوات: منها سنتان لإعادة العلوم ~~الأدبية، المعلمة في المدارس الثانوية وإتمامها؛ والثلاث السنوات الباقية، للطب ~~والصيدلة، وكان عدد طلبتها، في سنة 1876 مائة وخمسون وتسعين طالبا، كلهم ~~داخلية ما عدا عشرين، وبما أن تعليم التلامذة الداخلية، وطعامهم، ولبسهم، ~~ومقامهم، كتعليم الخارجية، كان مجانا، فإن تخريج الطبيب الواحد كان يكلف ~~الحكومة ثلاثة عشر ألف فرنك، وتخريج الصيدلي الواحد أربعة عشر ألف وخمسمائة ~~فرنك؛ ولذا فإن الداخلية كانوا يلزمون بالاستخدام في الحكومة، بعد نيلهم دبلوم ~~الطب أو الصيدلة، وأما الخارجية فكانوا أحرارا. # وكان معظم الأساتذة، في القسمين، من المصريين الذين تعلموا بأوروبا؛ فلم تكن ~~مرتباتهم، والحالة هذه، ضخمة كما لو كانوا يحضرون خصيصا، من أوروبا. # وكان، في المدرسة، مستشفى مدني وعسكري على أحسن شكل؛ ومعمل كيماوي خاص بقسم ~~الصيدلة تحت إدارة جستنيل بك، ليس له ms146 مثيل؛ وبستان نباتي؛ ومكتبة شاملة؛ ~~ومجموعات تجهيزات تشريحية؛ ومجموعات تاريخ طبيعي؛ وكلها مختارة اختيارا ~~حكيما. # ثم استدعى (إسماعيل) من سويسرا أستاذا خصيصا في التعليم وحركته، يقال له: ~~المسيو دور؛ وبعد أن أنعم عليه برتبة البكوية، عينه مفتشا عاما للمعارف، ~~وكلفه بتنظيمها، وتوسيع نطاقها على النمط الفرنجي؛ ورتب مجلسا أعلى للإشراف ~~على شئون المدارس؛ وخص وزارة المعارف بميزانية سنوية، تراوحت بين سبعين وثمانين ~~ألف جنيه، ولما اضطره، فيما بعد، انفاقه على المنافع العمومية الأخرى، والشئون ~~السياسية المختلفة، إلى الاقتصاد من ذلك المبلغ قليلا، وهب تلك الميزانية ~~إيراد تفتيش الوادي - بعد أن استرده من شركة قنال السويس، مقابل مبلغ عشرة ~~ملايين من الفرنكات - وكان مجموع ذلك الإيراد ستمائة ألف فرنك سنويا. على أن ~~مصروفات إدارة التفتيش كانت تستغرق جزءا كبيرا من هذا المبلغ؛ فأخذها ~~(إسماعيل) على عاتقه الشخصي، وقرر ستمائة ألف فرنك سنويا للمعارف بكيفية ~~ثابتة. # فقام دور بك بمهمته، بعزم صادق وهمة عالية؛ وبعد أن درس موضوعها درسا ~~عميقا، وأجرى بعض تعديلات في المدارس الموجودة - كتحويله مدرسة الإدارة إلى ~~مدرسة حقوق، (شرع ناظرها المسيو ڨيدال يعلم القانون الروماني والقانون ~~الفرنساوي فيها؛ ويقارن بينهما وبين باقي الشرائع، توطئة وتمهيدا لتخريج رجال ~~حقوقيين تكون فيهم الكفاءة للجلوس على منصات القضاء المختلط الذي كانت ~~المخابرات دائرة في أمر إنشائه مع الدول صاحبات الامتيازات)؛ وكجعله مدرسة ~~اللغات معهدا لتخريج مترجمين ومنشئين، يشتغلون في الإدارات، أو في إخراج ما ~~يلزم من الكتب للمعاهد العلمية؛ وكإضافة قسم طب بيطري إلى مدرسة الطب انتظم في ~~سلكه خمسون طالبا؛ وإنشاء قسم فلكي في سراي الأمير مصطفى فاضل السابق ذكرها - ~~ووضع، للمدارس عامة، المناهج الوافية، الكافلة بلوغ الأماني ونيل المنى، فيما ~~لو نفذت برمتها. # ولكن تنفيذها التام كان متعسرا؛ وجل مجهودات الخديو ووزراء معارف أمته ~~ومساعديه كان ضائعا في مجموعه لسببين: (الأول) قلة المال، بالرغم من تعاقب ~~النفحات الخديوية؛ و(الثاني) قلة الرجال، بالرغم من استحضار الأساتذة من ~~أوروبا، وحف إرسالية الطلبة المصريين فيها بكل صنوف العناية. # أما قلة المال، فلأن ms147 الحركة التمدينية التي قام بها (إسماعيل)، تناولت كل ~~مظاهر الحياة القومية، والحياة الاجتماعية، ومكنوناتهما؛ واستنفدت معظم إيرادات ~~البلاد وإيراداته الشخصية، وما لم تستنفده تلك الحركة، ابتلعته المساعي إلى ~~الاستقلال وإلى إحلال الدولة المصرية من مصاف الدول العظمى في المحل اللائق ~~بماضيها الفرعوني وحاضرها العلوي، كما سنرى في البابين التاليين: فلم يعد في ~~حيز الإمكان الإنفاق على التعليم، أكثر مما كان ينفق عليه، بالرغم من شدة ~~الرغبة في توسيع دائرة الإنفاق. # على أنه لا يجب أن يستنتج من ذلك فكرة تحط من قدر المجهود المبذول في هذا ~~السبيل: فإنه بينما كانت ميزانية التعليم بمصر تتراوح بين السبعين والثمانين ~~ألف جنيه سنويا، ولا تقل عن الستين ألفا حتى في أسوأ سني العسر المالي - ~~وذلك غير المنفق على المدارس الحربية والبحرية التابعة لميزانيتي وزارتي ~~الحربية والبحرية، وغير ما كانت تنفقه إدارة الأوقاف على عموم مدارس المساجد ~~والكتاتيب - لم تكن ميزانيته في تركيا تزيد أبدا على الخمسين ألفا حتى في ~~أجود سني الرخاء - وذلك بالرغم من أن سكان تركيا كانوا سبعة أضعاف سكان مصر؛ ~~وبالرغم من أنه لم تقم في تركيا حركة تمدينية البتة كالحركة التي أثارها ~~(إسماعيل) بمصر؛ ولا ألزمها مركزها السياسي بنفقات في غير أبواب الإدارة ~~الداخلية، كما ألزم مركز مصر السياسي الحكومة المصرية بها. # على أن مبدأ المجانية المطلقة في المدارس المصرية - وقد كان مبدأ معدوما ~~كلية في تركيا - هو الذي كان يجعل المبلغ المخصص لميزانية التعليم غير واف ~~بالمراد ولا مساعدا على القيام بالمقصود، وذلك لأن مصاريف طعام التلامذة ~~وكسوتهم ومسكنهم، ناهيك بما كان يتقاضاه بعضهم من المرتبات الشهرية، على ~~زهادتها، كانت تبتلع ثلاثة أرباع الميزانية، ولم تكن مرتبات المعلمين تستنفد ~~أكثر من الربع الباقي ؛ وكانت، لهذا السبب، زهيدة حتما، وغير مشجعة على العمل، ~~فمرتبات معلمي المدارس الثانوية، مثلا، كانت تتراوح بين مائتي قرش وسبعمائة ~~وخمسين قرشا شهريا! # ونجم عن جعل المجانية أساسا للتعليم ضرران عظيمان: (الأول) اضطرار الحكومة، ~~مع تقدم الأيام وتغير عقلية الأمة فيما يختص بإرسال أولادها إلى ms148 المدارس، إلى ~~حصر عدد التلاميذ، الممكن قبولهم في المدارس الأميرية، ضمن دائرة محددة؛ وحرمان ~~الكثيرين من الراغبين في التعلم من ثمرات العلم الشهية؛ لأنه لما كانت نفقات ~~التلميذ الواحد يكلف الحكومة ستة وعشرين جنيها سنويا، بين تعليم وأدوات ~~تعليم ولبس وأكل ونوم، لم يعد في الاستطاعة إجابة طلبات جميع الراغبين في ~~الالتحاق بالمدارس بل ولا جلها؛ وبات من المحتم الاقتصار على محلات معدودة في ~~كل مدرسة بالرغم من أن الدفعة القوية التي صدرت عن (إسماعيل) للشئون العلمية، ~~أدت، في ظرف عشر سنوات، إلى إنشاء المدارس الأولية على النظام الأوروبي في ~~المديريات، وإلى تشجيع التعليم الابتدائي في الكتاتيب ومدارس المساجد وغيرها، ~~مما سيأتي بيانه. # وإلى مثل هذه النتيجة، وهي الاقتصار على محلات معدودة في المدارس وحرمان ~~الكثيرين من الراغبين في التعلم من ثمرة العلم الشهية، وصلت حكومتنا اليوم، ~~بسبب مغالاتها في الإنفاق على تشييد معاهد التعليم، وإفراطها في المرتبات ~~الضخمة الممنوحة للأساتذة الأجانب. # والضرر الثاني فقدان الطلبة حرية اختيار المدرسة الثانوية أو العليا، التي ~~يميلون إليها ميلا طبيعيا، بعد فراغهم من تلقي دورسهم الابتدائية؛ لأن ~~الحكومة المتولية الإنفاق عليهم، كانت ترى نفسها أحق منهم بذلك الاختيار: ~~فتتصرف فيهم كما تشاء، تصرفا كثيرا ما كان غير الحكمة رائده؛ لأن الصدف ~~والظروف تجعله في يد وزير ربما تعوزه الحكمة. # مثال ذلك ما حدث حينما خلف قاسم باشا في ديسمبر سنة 1872 شاهين باشا على دست ~~وزارة الحربية، فإنه رأى في 11 فبراير من السنة التالية أن يعزز هيئة الضباط، ~~ويضاعف عدد تلامذة المدارس العسكرية؛ فطلب إلى بهجت باشا وزير المعارف أن يسمح ~~له بأن يختار من مدارس الحكومة المدنية، الشبان الذين يحتاج إليهم؛ ولم يسع ~~بهجت باشا إلا موافقته، لئلا يرمى بأنه يريد إضعاف قوة مصر المدافعة عنها، ~~فاختار قاسم باشا 144 طالبا من التحضيرية، و65 من التجهيزية، و96 من ~~المهندسخانة، بحيث لم يعد في الفرقة الأولى منها سوى تلميذين من الثلاثين الذين ~~كانوا فيها. # ولولا تداخل بعض العقلاء، وإلفاتهم نظر الخديو إلى ms149 ذلك الخلل - فتلاقاه ~~(إسماعيل) - لنفذ قاسم باشا مرامه وأحل الخراب بجملة بالمعاهد العلمية. # 6 # ومثال ذلك أيضا، ما كان يتبع، عادة، في أمر الأذكياء والبلداء من طلبة ~~المدارس الأولية: فإنهم كانوا يرسلون الأذكياء إلى المدارس المدنية العالية، ~~ويرسلون البلداء إلى المدارس الحربية، فيتخرج الأذكياء من مدارسهم المدنية، ~~وأعلى مرتب شهري يمكن أحدهم الطمع فيها، عشرة جنيهات مصرية، بينما البلداء ~~يتخرجون من المدارس العسكرية، ضباطا؛ أقل مرتب شهري، يربط للواحد منهم، أعلى ~~من أقصى مرتب يطمع فيه الذكي الملكي؛ فتثبط بذلك همة كل ذكي، ويصبح مرتاحا إلى ~~التظاهر بالبلادة والغباوة، حرصا على سعادته المستقبلة، وتمثلا بقول ابن ~~الراوندي: # رزق التيوس يجيئها بسهولة # وذوو الفصاحة رزقهم مسجون # إن كان حرماني لأجل فصاحتي # فامنن علي من التيوس أكون # ومثال ذلك، أخيرا، ما كان يعمل سنويا، في إلحاق الطلبة بهذه المدرسة ~~العالية أو تلك؛ فإنهم كانوا يجمعون المتخرجين من المدارس التجهيزية ~~ويقسمونهم إلى عدة مجاميع، يوزعونها بطريقة الاقتراع، على مدرسة الطب، والمدارس ~~المجتمعة في سراي الأمير مصطفى فاضل؛ ثم يعودون فيدخلون مدرسة الطب، بطريق ~~الاقتراع أيضا، ثلاثة أرباع المجموع الذي يكون قد أصابها، ويدخلون الربع ~~الباقي في مدرسة الصيدلة؛ ثم يعملون العملية عينها فيما يختص بمدرسة ~~المهندسخانة، ومدرسة الحقوق، ومدرسة اللغات، وهلم جرا، بدون مبالاة بما ينجم ~~عن ذلك من إجحاف بميول التلامذة، وقهر للكفاءات على الانتشار في ميادين غير ~~التي خلقت من أجلها. # ودام مبدأ الاقتراع هذا بمضاره معمولا به حتى سنة 1876؛ إذ ألغاه رياض باشا ~~وزير المعارف في ذلك العام، وصاحب الأيادي البيضاء على التعليم الابتدائي، بما ~~بذله من مجهودات في سبيل تحسين حال الكتاتيب، وترقية معلومات الفقهاء. # وهكذا كانت المجانية - التي كثيرا ما حبذها في الأيام السالفة قصيرو النظر ~~من الأميين وغيرهم ، وما زال يحبذها بعض الكتاب الاجتماعيين لغاية أيامنا هذه - ~~أعظم مانع لانتشار المعارف والتعليم بمصر في ذلك العصر! # ونجم عنها زيادة على ما ذكر، تغلب النظام العسكري على معظم المدارس، ولا ~~نستطيع أن نجزم أكان تغلبه هذا خيرا أم ms150 شرا عليها، لأسباب لا تخفى على ~~القارئ اللبيب: فإن البلاد كانت في حاجة إلى روح الشدة في حفظ النظام، بقدر ما ~~كانت في حاجة إلى انبثاث روح الحرية والاستقلال فيها، ففقدانها الروح الأول كان ~~من شأنه أن يحرمها فائدة التعليم؛ وفقدانها الروح الثاني كان من شأنه أن يديم ~~استكانتها إلى الذل الموروث عن القرون السالفة، وبما أنا لسنا من مذهب القائل ~~بتفضيل الجهل، مع الاستقلال، على العلم، مع عدمه؛ لأننا على ثقة تامة من أن ~~الجهل جار، حتما، في نهاية الأمر، إلى الاستعباد والذل، والعلم مفض، حتما، في ~~نهاية الأمر أيضا، إلى الاستقلال والعز، إلا إذا اعترض خور في الأخلاق سبيله؛ ~~فإنا نتردد في إبداء حكم بات في الشأن الذي نحن في صدده. # وأما قلة الرجال فلسببين: # الأول: # أن الفترة المشئومة ما بين سنة 1848 وسنة 1863 أنقصت كثيرا ~~عدد المصريين أولي الكفاءة لمباشرة شئون التعليم، وأضاعت ممن ~~تبقوا، الثقة في أنفسهم والاعتماد عليها، فنجم عن ذلك أن وزارة ~~المعارف كانت في اضطرار دائم إلى استدعاء نظار المدارس للتعاون ~~بهم على الأعمال الإدارية والفنية فتعطلهم عن أشغالهم؛ وأن ~~نظار المدارس باتوا يستشيرون الوزارة في جميع أمورهم حتى ~~التافهة منها - فتتعرقل حركة إدارتهم - ونتيجة الأمرين اختلال ~~النظام في طرق التعليم وفي نفاذها. # الثاني: # هو أن ازدياد عدد الطلبة، لا سيما الداخلية، ازديادا مطردا ~~في السنوات الأولى من حكم (إسماعيل) أدى حتما إلى ازدياد ~~الشعور بالحاجة إلى معلمين، وإلى وجود عدم الكفاية منهم، فإن ~~الأهالي، بعد أن كانوا في أيام (محمد علي) وخلفائه الأولين، ~~يمانعون في تعليم أولادهم ممانعتهم في تجنيدهم - لارتباط ~~الأمرين معا في ذلك العهد - فيضطرون (محمد علي) إلى استعمال ~~القوة والتعسف في أخذهم منهم وإرسالهم، قسرا، إلى المدارس ~~التي أنشأها، ما لبثوا أن رأوا الفوائد الجمة العائدة على ~~المتعلمين من أبنائهم، ورأوا ولد هذا الفلاح الحقير، وابن ذلك ~~الصانع الوضيع يبلغان، بفضل العلم الذي تلقياه، أعلى مراتب ~~التوظف، ويتحليان برتبة البيكوية بل برتبة الباشوية الرفيعتين؛ ~~ثم رأوا أن التعليم ms151 ليس مجانيا فقط، بل مكافأ عليه، ومحوطا ~~بجميع صنوف العناية والهناء، أقبلوا بكل انشراح، يتزاحمون على ~~أبواب المدارس، كل يلتمس لابنه فيها محلا، ويرجو له نصيبا ~~في المستقبل، كنصيب الذين أسعدهم الحظ من أولاد أقرانه، بل من ~~أولاد الأحط منه قدرا. # فأخذت الحكومة منهم، في الأول، ما كان في استطاعتها أخذه؛ ولكنها ما لبثت أن ~~رأت نفسها أمام المعضلتين، اللتين ذكرناهما: معضلة المال ومعضلة الرجال، إلا ~~واضطرت إلى الوقوف عند حد معلوم، والبحث عن طرق لحلهما. # أما معضلة المال، فإن الوزير الحكيم علي مبارك باشا رأى أن خير حل لها هو ~~السير على الخطة المتبعة، إذ ذاك، في المدارس الأوروبية؛ أي: إبطال مبدأ ~~المجانية البحتة، وتكليف الأهالي بالإنفاق على تعليم أولادهم، ولو إنفاقا ~~يسيرا في بادئ الأمر، فأنشأ مدرستي ماريستان قلاوون والقربية، وفرض فيهما دفع ~~مصاريف شهرية على الراغبين من الأهالي في إلحاق أولادهم بهما، ولما كانت تلك ~~المصاريف زهيدة جدا، على كفايتها للإنفاق على الأساتذة القائمين بشئون ~~التدريس في كلتا المدرستين، أقبل التلامذة عليهما إقبالا عظيما، وبلغ عددهم ~~فيهما، في مدة قصيرة مائتين وخمسين طالبا فباتتا مثالين لجميع المدارس ~~الابتدائية التي أنشئت بعدهما. # وأما معضلة الرجال، فإن دور بك رأى أن حلها لا يكون إلا بإنشاء المعاهد ~~لتخريج مدرسين للمدارس الابتدائية والمدارس الثانوية، فأنشأ مدرسة دار ~~العلوم، ثم أنشئت بعدها المدرسة المدعوة بالنورمال: (الأولى) لتخريج أساتذة ~~يقومون بتدريس كل ما كانت اللغة العربية أساسا لتعليمه؛ و(الثانية) لتعلية ~~مستوى التعليم في المدارس الابتدائية، وتخريج أساتذة يقومون، على الأخص، بتدريس ~~اللغات الأجنبية، والرياضيات والعلوم الأخرى. # ولكنه، لما كان لا بد من الالتجاء إلى الأزهر، لأخذ الطلبة المتقدمين فيه ~~إلى مدرسة دار العلوم، وتخريجهم فيها مدة سنتين، ليرسلوا بعدها إلى مدارس ~~الريف، ليدرسوا فيها ، كان على الأساتذة، المتخرجين من هذه المدرسة، شيء من ~~المسحة الأزهرية، جعلهم لا يرون قاعدة للتعليم خيرا من التي شبوا عليها في ذلك ~~المعهد الديني العظيم. # ولم يدرك دور بك تمام الغرض الذي رمى إليه من إنشاء دار ms152 العلوم، وهو تخريج ~~أساتذة متشبعين بمبادئ التدريس على النمط الأوروبي، وميالين إلى العمل بقواعد ~~الپيداجوجيا الحديثة، ولكن البلاد نالت، من إنشائها، فائدة أعظم من التي رجاها ~~ذلك الأستاذ السويسري؛ لأنها، لما رأت إقبال المتعممين على تلقن علوم كان سواد ~~الأمة الأعظم يعتقدها من بدع الشيطان، لاعتقاده إياها من غرس عالم غير إسلامي، ~~من غرس عالم ما فتئ العالم الإسلامي يظن السوء في نياته نحو الإسلام - وهو ~~الاعتقاد الذي أدى بالأزهر إلى مقاومة (محمد علي) مقاومة شديدة، بالرغم من ~~كونها خفية وصماء، حينما أقبل يأخذ أولاد الفلاحين المصريين، ويزجهم في مدارسه، ~~أو يرسلهم إلى مدارس بلاد الكفار (الفرنج)، مع أنه لم يقاومه مطلقا، لما كان ~~مقتصرا في بادئ أمره، على تعليم مماليكه وغيرهم من أولاد الشرقيين الأجانب عن ~~مصر - ورأت أولئك المتعممين يحبذون ما يتلقونه من تلك العلوم، ويعظمون من ~~شأنها، ويبالغون في فوائدها، أخذت تتحول عن اعتقادها أنها علوم من بدع الشيطان، ~~وأخذت الرغبة في تحصيلها تنتشر في المجموع، رويدا رويدا، وتعم جميع الطبقات، ~~ومن المعلوم أن رقي البلاد برمته، ماديا كان أو أدبيا، مربوط، في نهاية ~~الأمر، بتشبع الأمة بمبادئ العلوم الوضعية؛ وعملها على اقتباسها؛ واقتباسها ~~إياها، في الواقع. # ثم أنشئت معاهد، خلاف مدرستي دار العلوم والنورمال، لتثقيف أساتذة للمدارس ~~الابتدائية، غير من ذكروا، ممن كانوا يرغبون في تحسين معارفهم، وترقية درجة ~~معلوماتهم العامة، وجعل التعليم فيها ليس مجانيا، فقط، بل ربط جنيه لكل طالب ~~حتى يتبين نجاحه، أو تظهر خيبته. # على أنه لا قلة المال ولا قلة الرجال حالتا دون قيام (إسماعيل) بعمل تعليمي ~~لم يسبقه إليه أحد في الشرق، وكان من أنصع الأدلة على حسن نوايا ذلك الأمير، ~~وبرها برعاياه ذلك العمل هو إنشاؤه في سنتي 1875 و1877 مدرستين للعميان على ~~الطريقة الغربية المعروفة، وهما مدرستان كان القطر المصري ولا يزال في أشد ~~الاحتياج إليهما وإلى مثيلاتهما، لكثرة عدد العميان فيه، وكثرة فتك الرمد ~~الصديدي بعيون سكانه! # وليس أوقع في النفوس من الوصف الذي يصف به دور ms153 بك في كتابه المعنون «التعليم ~~في مصر» الحجرة المخصصة في الأزهر الشريف لتعلم أولئك البؤساء، وقيام معلميهم ~~بأمر تعليمهم بطول أناة وحسن صبر يستمطران المدامع من الأعين! # 7 # على أن التعليم فيها، إنما كان بتحميل الذاكرة أعباء الحفظ، لا بتعليم اليد ~~القراءة والكتابة لمسا؛ بخلاف المدرستين اللتين أنشأهما (إسماعيل)، فإنهما ~~كانتا تستخدمان الكتب ذات الأحرف البارزة، الخصيصة بالعميان، لتعليمهم القراءة، ~~والكتابة، والحساب، باللمس، فوق تعليمهم صناعة الحصر، والخراطة، والكراسي، ~~وغيرها، وما لبثتا أن جمعتا عددا عديدا من أولئك البؤساء، الذين كانوا لا ~~يفترون لحظة عن الابتهال إلى الله أن يحف من أحسن إليهم صنعا بجميع صنوف ~~عطاياه ونعمه، وإبقاء حياته وملكه. # وتناول الإصلاح المدرسي ذات المعاهد الدينية، لا سيما الكبرى منها، كالأزهر ~~بمصر والجامع الأحمدي بطنطا، والدسوقي، وجامع إبراهيم باشا بالإسكندرية، فألزم ~~الشيوخ المتخرجون فيها بتأدية امتحانات، لنيل إجازة التعليم، واعتراف الحكومة ~~بهم أنهم معلمون. # وكان عدد المجاورين بالأزهر في سنة 1876 أحد عشر ألف طالب وخمسة وتسعين؛ وعدد ~~المجاورين في الجامع الأحمدي ثلاثة آلاف وثمانمائة وسبعة وعشرين؛ وعدد ~~المجاورين في المسجد الدسوقي مثلهم تقريبا، وأما عدد طالبي العلم في جامع ~~الشيخ إبراهيم باشا، فلم يكن سوى أربعمائة وثلاثة عشر. ~~(2) مدارس المساجد والأوقاف والكتاتيب القديمة التابعة للأوقاف # بما أن إدارة هذه المدارس والكتاتيب، طوال مدة حكم (إسماعيل)، تقريبا، بقيت ~~مسندة إلى أيدي وزراء المعارف، فإن حظ حركة التعليم في المعاهد التابعة لها، ~~والمتولية هي الإنفاق عليها، كان كحظ مدارس الحكومة وكتاتيبها، وأدخلت عليها ~~النظامات والتحسينات التي أدخلت على هذه فلا داعي لزيادة التكلم عنها. ~~(3) المدارس التي أسسها أفراد من الهيئة الاجتماعية الإسلامية # إن أهمها ما تجلى في مدرسة راتب باشا بالإسكندرية؛ وفي مدرسة السيوفية للبنات ~~بمصر؛ وفي مدرسة القبة للأولاد. # فراتب باشا، مؤسس رواق الحنفية في الأزهر، أنشأ بالثغر الإسكندري، مدرسته ~~المجانية المشهورة، وحبس عليها أوقافا، وأجرى أرزاقا تكفل بقاءها إلى ما شاء ~~الله، فأمها، حين نشأتها، نيف وستون طالبا؛ ولكن عددهم ما فتئ يتزايد حتى جاوز ~~المائة، وقد كانوا ms154 يتعلمون فيها، في مبدأ الأمر - أسوة بالمدرسة المؤسسة من ~~الأوقاف في الثغر عينه، والحاوية مائة طالب - القرآن، والعربية، والتركية، ~~والحساب، ثم تطورت الأيام، فأضيف إلى تعليم ذلك الفرنساوية؛ وما لبثت تقلبات ~~الزمان أن ذهبت بالتركية أدراج الرياح؛ ثم ذهبت بالفرنساوية أيضا، وأحلت ~~الإنجليزية محلهما معا. # أما مدرسة السيوفية للبنات، فقد كانت الأولى من نوعها في العالم الإسلامي. ~~أنشأتها الأميرة تشسما آفت خانم أفندي زوجة (إسماعيل) الثالثة، بإيعاز وتشجيع ~~فعلي من بعلها الجليل، على نفقتها الخاصة، وبشجاعة أدبية نادرة؛ لاعتبار العالم ~~الإسلامي عملها هذا بدعة غير ممدوحة. # نعم إنه كان في البلاد مدارس للبنات، أسستها الأخويات والإرساليات المسيحية، ~~والطوائف غير الإسلامية، والجاليات الغربية، كما سيأتي بيان ذلك، وكانت بعض ~~بنات المسلمين تؤمها؛ ولكن الرأي العام الإسلامي لم يكن راضيا عنها؛ وكان ~~وجوه القوم وكل من يظن في نفسه أنه ذو حيثية يأنف من إرسال بناته إليها لمخالفة ~~ذلك للعادات المتبعة، مخالفة تنفر الشعور والأوهام المسلم بها بدون ~~مناقشة. # وقد كان ذلك الرأي العام شديد التأثير إلى درجة أن (محمد علي) الكبير - الذي ~~لم يكن لينحني بسهولة أمام ضجته، ولا يهاب سخطه - أبى الموافقة على ما أشار به ~~مجلس معارفه الأعلى، المتشرب بالمبادئ الغربية، والمقتنع بعظم تأثير المرأة ~~المتعلمة في الهيئة الاجتماعية، من وجوب تعليم البنات، وإنشاء مدارس لهن، أسوة ~~بمدارس الصبيان؛ واكتفى بتعليم بنات أسرته وجواريهن على يد المسز ليدر زوجة أحد ~~مبشري الإنجليز، التي أنشأت في سنة 1835 أول مدرسة إفرنجية للبنات في القطر ~~المصري؛ بتشجيع من تلميذتها الخانم بنت (محمد علي) الكبرى، زوجة محرم بك أمير ~~الأسطول المصري، ومحافظ ثغر الإسكندرية، المسمى باسمه الحي الكبير المشهور في ~~هذه المدينة. # ولما كان الناس - لا سيما الكبراء - على دين ملوكهم، اقتدى بالعزيز الذوات ~~والوجوه، وبدأت تنتشر في البلاد عادة استخدام السراة معلمات أجنبيات، لتهذيب ~~بناتهم، وتثقيف عقولهن. # غير أن (محمد علي) لم يكن بالرجل الذي يهمل، بتاتا، أمرا يعتقده هاما ~~ومفيدا، لمجرد مخالفته للرأي العام؛ وإذا لم يكن يرى صلاحية نفاذه ms155 وإجرائه ~~مباشرة، كان ينفذه من وجه غير محسوس. # فلكي يهز جمود الأمة عن تربية بناتها، هزا يوقظها من نومها، أتاها من طريق ~~سوي؛ وأنشأ بمساعدة كلوت بك، مدرسة قابلات؛ كانت كل تلميذاتها، في بادئ الأمر، ~~عشر جواري حبشيات من سراي الخاصة، ولما لم يكن الرأي العام يرى في الأمر بأسا ~~بل يرى بالعكس تعليم النساء فن القبالة شيئا مستحبا؛ ورأى القوم، بعد ذلك من ~~عمل تلك الجواري عقب خروجهن من المدرسة، ما نهض بهن إلى مقام محمود وأغنى ~~الأسرات التي طلبت مساعدتهن، عن عمل الجاهلات من القوابل، طفق الفقراء يرسلون ~~بناتهم إلى مدرسة كلوت بك بالقصر العيني، حتى توطدت دعائمها، وباتت مع مضي ~~الزمان، من المنشئات الثابتة، التي لا يخشى انهيارها، وآلت النظارة عليها في ~~أيام (إسماعيل) إلى مدام ڨيال، فغصت مقاعدها بأربع وأربعين طالبة داخلية، وعشر ~~خارجيات؛ والذي كان يلفت منها الأنظار هو أن جميع تلك الصبايا كن يتلقن العلوم، ~~وهن مكشوفات الرءوس، لا طرح عليها، كأنهن غربيات: لا شرقيات، بدون أن ينفر ذلك ~~أحدا من الزائرين - إلى مثل هذا الحد يتغلب الشعور بالمصلحة على الشعور ~~بالعادات الموروثة! # ولم تكن المتخرجات من تلك المدرسة قوابل فقط، بل كن طبيبات أيضا، انتشرن ~~بمصر، والإسكندرية، وبرزخ السويس، ودمياط، ورشيد، والمديريات الأربع عشرة، ~~انتشار ملائك الرحمة، يخففن البؤس عن المريضات، ويواسين العليلات، فمهد ذلك ~~السبيل إلى تعليم البنات وكسر من حدة الشعور العام النافر من تعليمهن. # وكان (إسماعيل) الراغب في إطلاق بلاده في مضمار الحضارة الغربية، بهمة تكاد ~~تكون عنفا، لاعتقاده أن لا سلامة لها إلا بجريها شوطها الطبيعي فيه، يقظا كل ~~اليقظة للصغيرة قبل الكبيرة من تحركات الرأي العام فيها، فلم يفته الالتفات إلى ~~تزحزحه القليل عن مقره، وعزم حالا، على اغتنامها فرصة، لتنفيذ أمنيته في ~~التعليم العام كانت من أعز أماني قلبه، ولعلمه بما انطوت عليه النفوس لا سيما ~~الجاهلة، من إحاطة أجل المشاريع نفعا بسحابة من ريب وظنون؛ ولرغبته في أن ~~تقوم، مقام تلك السحابة، هالة من الشعر ساطعة ms156 السنا، أوعز إلى ثالثة زوجاته، ~~الأميرة تشسما آفت خانم بأن تكون أول مدرسة إسلامية تفتح في القطر المصري ~~لتعليم البنات على الطريقة الغربية شعاعا من أشعة شمسها. # فاشترت الأميرة سراي قديمة بالسيوفية، وهي حي من أكثر أحياء العاصمة سكانا ~~وجددت بناءها، فصيرتها مدرسة، وفتحت أبوابها للطالبات في ربيع سنة 1873 وهي ~~السنة التي أشرقت على البلاد بأفراح الأعياد التي أقيمت لتزويج الأمراء الثلاثة ~~توفيق وحسين وحسن، أبناء (إسماعيل) الكبار. # ولكنه بالرغم من أن تلك المدرسة جعلت داخلية مجانية، وأن البنات استدعيت ~~إليها من جميع طبقات الأمة، بلا تمييز مذهبي أو اجتماعي، وأن الجميع كانوا ~~يعلمون أنهم يرضون ولي النعم بإرسال بناتهم إليها؛ بالرغم من أن المعيشة فيها ~~جعلت هنيئة، فاخرة، كأن المقيمات فيها بنات أرباب قصور من ذات العيش الرغيد؛ ~~وأن المعلمات الخمس عشرة اللاتي اخترن لها، ومنهن الناظرة واثنتان إفرنجيات، كن ~~من خيرة المدرسات، لم يقع في خلد أحد من الأهالي، في بادئ الأمر أن يبعث بابنته ~~إليها، لشدة تسلط الأوهام الموروثة، المقبولة بلا تمحيص كنهها على ~~العقول. # فلم تجد الأميرة عدد التلميذات اللازم لمدرستها، واضطرت إلى أخذ فتيات ~~الجواري البيض من بيتها وبيوت أميرات الأسرة المالكة وأمرائها، وإدخالهن ~~فيها. # غير أن السحر ما لبث أن زال، والغشاوة التي كانت على العيون ما لبثت أن ~~انقشعت فأدرك القوم حقيقة النعمة التي أسديت إليهم، على يد أميرتهم الجليلة ~~الفاضلة من لدن خديوهم الحازم البار بمصالحهم العقلية والقلبية؛ وفقهوا إلى لذة ~~الطعام الأدبي الذي مد (إسماعيل) به المائدة أمامهم، فأقبلوا، من كل ملة ونحلة ~~- أولاد عرب، ونوبيون، وأقباط، ويهود، وشرقيون، من كل الطوائف والأجناس - ~~وتزاحموا ببناتهم، وسنهن من سبع إلى اثنتي عشرة سنة، على أبواب مدرسة السيوفية، ~~ليدخلوهن فيها، فامتلأت بالداخليات المحلات المعدة لهن، وعددها مائتان؛ واضطر ~~الإقبال الإدارة إلى إنشاء مائة محل أخرى - ولكن خارجية - لمن لم يمكن قبولهن ~~في مصاف الداخليات. # فأصدر (إسماعيل)، حينذاك، أمره، إلى إدارة الأوقاف، بإنشاء مدرسة أخرى للبنات ~~على نظام مدرسة السيوفية، فصدعت الإدارة به، ms157 وأسست في جهة القربية، المدرسة ~~المرغوب فيها، فتقاطرت إليها الطالبات، لا سيما بنات الوجهاء وموظفي الحكومة ~~ومستخدميها، واكتظت بهن المقاعد، وزادت الطالبات، مئات مئات عن المطلوب، فدل ~~الإقبال على المدرستين، دلالة قاطعة، على سرعة تطور المصري إلى مقتضيات العصر، ~~حينما يأتيه الإيعاز من علي. # وكان التعليم، في كلتا المدرستين - ومدته خمس سنوات - مثله في مدارس أوروبا ~~التي من نوعهما، أي القراءة العربية، والكتابة، والحساب، والرسم، والجغرافيا، ~~والموسيقى، وأشغال الإبرة، والطبخ، والغسيل، والتدبير المنزلي، زيادة على تعلم ~~التركية والفرنساوية، وتلقين القرآن للمسلمات. # ولكن مصروفات التعليم كانت تفوق مثيلاتها في أوروبا؛ لأن المظاهر، هنا، كانت ~~فخمة، سنية كمظاهر كل ما كان يصدر عن (إسماعيل)؛ وأما هناك، فكانت بسيطة، ~~عادية. # غير أن إقبال بنات الوجهاء والكبراء عليهما، ومزاحمتهن بنات الشعب على ~~مائدتيهما، حملا الخديو على الرغبة في تشييد مدرسة ثالثة، تكون من العظمة ~~والبهاء في أقصى درجتيهما، وتجعل خصيصة بتربية بنات العائلات الرفيعة، ~~والبيوتات السنية، أو المصرية الشريفة، القديمة. # فصدرت إرادته بتشييدها، وبوشر ذلك حالا، وإنك لترى في خريطة القاهرة، ~~المعمولة بمعرفة جران بك سنة 1878، الموقع الذي خصص لإقامة تلك المدرسة ~~عليه. # ولما كانت عزيمة (إسماعيل) قد توطنت على إبطال الرق، نهائيا، كما سنبينه في ~~محله، وكان لا بد من خادمات تقمن بخدمة المنازل، بدل الرقيقات المرغوب في عتقهن ~~- ولم يكن من وجود لتلك الخادمات بين أهل البلاد ومنهم، لعدم استدعاء نظامات ~~القطر الاجتماعية السالفة وجودهن - رأى (إسماعيل) أن ينشئ مدرسة، غير ما ذكر، ~~تعلم فيها بنات ريفيات فقيرات شئون الخدمة المنزلية على أنواعها، فأسسها في ~~العاصمة على نفقة الأميرة زوجته الأولى، وتحت رعايتها السامية، ورعاية وزارة ~~المعارف؛ وعهد بالنظارة عليها إلى سيدة أوروبية، وضع تحت إدارتها ثماني معلمات، ~~منهن واحدة إفرنجية، وأدخل فيها ستا وسبعين طالبة داخلية، وإحدى وسبعين ~~خارجية، فبرزت إلى الوجود، من أحسن المدارس المصرية وأكثرها فائدة - وليت لها ~~من مثيلة في أيامنا! # ومما يستوقف النظر من أمر هذه المدارس، أنه كان يقام فيها يانصيبات على أشغال ~~التلميذات اليدوية، يخصص ms158 صافي المتحصل منها بتكوين مال للطالبات الفقيرات، يصرف ~~لهن عند زواجهن! # ولكن الضائقة المالية ما عتمت أن اشتدت، وازدادت حلقاتها تصلبا، فصرف البناء ~~الفخم، الذي أنشئ ليكون مدرسة لبنات الوجهاء، عما قصد به منه؛ واضطرت الأميرة ~~تشسما آفت خانم، بل إدارة الأوقاف ذاتها، إلى الاقتصاد في الإنفاق على ~~مدرستيهما، ثم، لما سارت تلك الأميرة السنية إلى المنفى، بصحبة بعلها الجليل، ~~سنة 1879 ضمت المدرستان الواحدة إلى الأخرى؛ وبلغ، في السنوات التالية، من ~~تضاؤل الإنفاق عليهما، ما آل بهما، إلى الخروج عن دائرة الغاية التي أنشئتا من ~~أجلها، وصيرورتهما، ملجأ المعوزين، يذهبن إليه ليصبن منه قليلا من الطعام ~~المادي على سبيل الإحسان، وأما مدرسة تربية الخادمات، فألغيت، كذلك، بعد تنازل ~~(إسماعيل) عن العرش، بالرغم من شدة الاحتياج إليها، إرضاء لتحتيمات أصحاب ~~الديون. # ألا، قاتل الله دائني مصر في ذلك العهد، قدر ما أساءوا إلى البلاد ونهبوا من ~~أموالها، ووقفوا في سبيل خيرها! وأغدق سحائب رضوانه على أرواح (إسماعيل) ~~وأزواجه عداد ما نووا من عمل خيري لبنات مصر وغاداتها في بابي تعليمهن ~~وتربيتهن! # أما مدرسة القبة، وكانت ابتدائية وثانوية معا، فقد أنشأها الأمير محمد توفيق ~~باشا، ولي العهد، على نفقته الخاصة، وجعلها قسمين: داخلية وخارجية، فبلغ عدد ~~الطلبة الداخلية خمسين، والخارجية أربعين، وامتازت عن سائر المدارس التي من ~~نوعها بالعناية الخاصة التي حاطها الأمير بها، والتي جعلت الطلبة بمأمن من كل ~~عوز. ~~(4) المدارس التي أنشأتها الطوائف الشرقية غير المسلمة # إليك بيانها: # مدارس الأقباط الأورثوذكس # دبت في الأقباط الأورثوذكس روح التعلم، بما بذله من مجهودات في هذا السبيل ~~بطريركهم الأنبار كيرلس الرابع المشهور عندهم بلقب «الأنبا كيرلس الأكبر محيي ~~العلوم والمدارس»، فما فتئوا يسلكون الطريق التي اختطها لهم، حتى أصبحت مدارسهم ~~في عهد (إسماعيل): اثنتي عشرة مدرسة بالقاهرة، وواحدة بمصر العتيقة، وواحدة ~~بالجيزة ، ومدرستان بالإسكندرية؛ يتعلم الطلبة فيها: القبطية، والعربية، ~~والفرنساوية أو الإنجليزية أو الطليانية، والحساب، ومبادئ الهندسة، والتاريخ، ~~والجغرافيا، وبعض منطق، والأناشيد الكنيسية. # وذلك خلاف مدرسة إكليريكية بالعاصمة، يتعلم فيها اثنا عشر ms159 طالبا من راغبي ~~الكهنوت، اللاهوت، واللغة القبطية، والعربية، والغناء الكنيسي. # وكانت أهم هذه المدارس، ولا تزال، المدرسة الكبرى البطريركية، فقد بلغ عدد ~~الطلبة فيها سنة 1876 ثلاثمائة وتسعة وسبعين: منهم 302 أقباطا أرثوذكسيون - 40 ~~منهم داخلية، والباقون خارجيون - و16 مسلما، ويهودي واحد، وثمانية أرمن، وخمسة ~~يونانيون، وسوري واحد، وكان عدد أساتذتها ثلاثة عشر، لهم ستة مساعدون، وعليهم ~~ناظر، رجل فاضل يقال له: المسيو ادوار زار. # وكانت هذه المدرسة تمتاز عن مثيلاتها بالامتحانات العامة، التي كانت تعملها، ~~سنويا، في حفلة فخمة، يرأسها عادة وزير المعارف - وكان في الغالب علي مبارك ~~باشا - ويحضرها شيخ الإسلام ومفتي الديار المصرية وجم غفير من الأكابر والأعيان ~~والسراة ووجوه البلد؛ ولم يكن يشوبها سوى الجزء منها، الذي كان يقوم فيه خمسة ~~من التلامذة، وهم مرتدون ملابس كهنوتية، ببعض شعائر طقسهم الكنسي، فيوجبون ~~فتورا في نفوس الحاضرين من غير بني مذهبهم، ويذهبون عن الحفلة، بشكلها المدرسي ~~البحت، المرتاحة أفئدة الجميع إليه، ليصبغوها بصبغة دينية لا يرتاح إليها إلا ~~قلوب البعض، وكانت الحفلة في غنى عنها. # وكانت مدرسة حارة السقايين، بتلامذتها البالغ عددهم 174 - أي 171 قبطيا، ~~ومسلمان، وأرمني كاثوليكي - تلي المدرسة البطريركية في الأهمية بمصر. # على أن الذي امتاز به الأقباط دون المسلمين، هو أنهم، قبل إقدام الأميرة ~~تشسما آفت خانم على تأسيس مدرسة السيوفية، أنشأوا مدرستين للبنات: إحداهما في ~~حارة السقايين؛ وكان فيها 45 بنتا قبطية يتعلمن على يد معلمات سوريات، اللغة ~~العربية والأشغال اليدوية، وقد وقعن من قلب دور بك، حين زيارته لهن موقع ~~الاستحسان، بعيونهن النبيهات، وهيأتهن الظاهر عليها الاهتمام الكلي بالدروس؛ # 8 # والأخرى بجانب الأزبكية؛ وكان فيها 80 بنتا في سنة 1876 يتعلمن ما ~~يتعلمه بنات مدرسة حارة السقايين. # أما باقي المدارس القبطية، فلم يكن يتعلم فيها غير أقباط، وكانت جملتهم 250 ~~طالبا. # غير أنه، بالرغم من مجهودات ذوي الفضل من رجال الطائفة، وبالرغم من أن ~~أغنياءها لم يكونوا بالنفر القليل، لم يكن الأقباط يستطيعوا القيام بنفقات ~~المدارس التي أنشأوها، لولا بر (إسماعيل) ms160 الجليل بهم، وموالاته إياهم، فإنه - ~~فوق تشجيعه الأدبي لكل جهودهم، ووضعه سفنه البخارية النيلية بكل المؤن اللازمة، ~~والخدمة الواجبة، تحت تصرف بطريركهم في رحلاته الرعوية إلى الصعيد - قد وهب ~~مدارسهم ألفا وخمسمائة فدان من أطيان القطر الجيدة، لينفقوا من ريعها على ~~تعليمهم، وبما أن مقدار ذلك الريع كان نيفا وألفي جنيه سنويا - وكانت ~~ميزانية المدارس القبطية بأسرها لا تتجاوز 201518 قرشا صاغا - فإنه كان ~~يكفيها تقريبا، أو يكاد، بخلاف النفحات التي كانت يده الكريمة تدر بها عليهم، ~~بين حين وحين. # فإذا حق لهم أن يدعوا الأنبار كيرلس الرابع بطريركهم «محيي العلوم والمدارس» ~~في أمتهم، حق لهم أيضا، بل وجب عليهم أن يدعوا (إسماعيل) «حافظ تلك العلوم ~~والمدارس»؛ ويقيموا له تمثالا في صحن مدرستهم الكبرى، بدار البطريركية ~~المرقصية، اعترافا منهم بفضله العميم! # الأقباط الكاثوليك # هؤلاء - بسبب اتصالهم بروما، وبالتالي، بجمعية انتشار الإيمان الكاثوليكي ~~المسماة «پروپاجندافيدي» صاحبة المدارس الجمة الشهيرة في البلاد الشرقية - ~~كانوا أسبق إخوانهم المصريين على الإطلاق، في مضمار التعليم والتعلم، وأعرقهم ~~فيه، وكانت مدارسهم الابتدائية والثانوية منتشرة، على الأخص، في الصعيد؛ أي: ~~بأسيوط، وطهطا، وأخميم، وجرجا، وقنا، ونقاده، وكانت حافلة في سنة 1876 بنيف ~~وثلاثمائة طالب. # والذي يستوقف الأنظار، في المدارس الثلاث الأولى منها، أنها كانت مختلطة؛ أي: ~~للبنين والبنات معا، وهو أمر غريب في ذاته، لشذوذه عن مبدأ فصل الذكور عن ~~الإناث، المعمول به في عموم مدارس الكثلكة على الإطلاق. # الروم الأورثوذكس # والكلام هنا على الرعايا المحليين - فقد أصبح لهم، في عهد (إسماعيل)، مدرستان ~~للبنات والبنين بمصر؛ يتعلم في إحداهما 140 ولدا: اليونانية، والفرنساوية، ~~والعربية، والحساب، والرياضة، والجغرافيا، والتاريخ؛ وتتعلم في الأخرى 120 ~~بنتا: اليونانية، والفرنساوية، والتاريخ، والجغرافيا، والحساب، وأشغال الإبرة، ~~والموسيقى، وأصبح لهم بالإسكندرية - وكان عددهم فيها يربو عليه في مصر - ~~مدرستان أيضا: واحدة للذكور، وواحدة للإناث؛ يؤم الأولى 430 ولدا، ويؤم ~~الثانية 222 بنتا؛ وبين المتعلمين فيهما طلبة كثيرون من ملل أخرى، وكان برنامج ~~التعليم في كلتيهما ما كان في مدرستي مصر. # الروم الكاثوليك # تأخروا عن ms161 إخوانهم، الروم الأورثوذكس، في هذا المضمار؛ وربما كان السبب في ~~ذلك قلة عددهم في تلك الأيام، أو قلة ذوي اليسار بينهم، أو أنهم اكتفوا، دهرا، ~~بمدارس الأخويات الكاثوليكية. # ومهما تكن الحال، فإنه لم يكن لهم سوى مدرسة واحدة، فيها ثلاثون طالبا فقط، ~~بالإسكندرية بمنشية إبراهيم باشا المعروفة اليوم «بالمنشية الصغرى»؛ وكان ~~نصيبهم من الحركة التعليمية في عهد (إسماعيل) ضئيلا جدا. # الموارنة # كان شأنهم أكبر قليلا من شأن الروم الكاثوليك، ولا ندري هل السبب في ذلك هو ~~أنهم كانوا أكثر عددا منهم، أو أن أرباب اليسار فيهم كانوا أكثر منهم في الروم ~~الكاثوليك، أو لما اشتهر عنهم من جد ونشاط وإقبال على العلوم والمعارف، أو أن ~~المنافسة المشهورة بين الطائفتين تناولت مضمار التعليم أيضا - مهما يكن من ~~الأمر، فإنه كان للموارنة ثلاث مدارس ابتدائية بمصر: واحدة بدرب الجنينة؛ ~~وثانية بقنطرة الدكة بالأزبكية؛ وثالثة بشبرا، والثلاث من نوع الكتاتيب ~~البلدية، ولكنها كانت أرقى منها ماديا: لأن الطلبة كانوا يجلسون فيها على ~~تخوت، بدل جلوسهم فوق حصير على الأرض، كما كانت الحال في الكتاتيب. # الأرمن # لم يكن لهم سوى مدرسة واحدة، فيها عشرون تلميذا، ولكنها كانت غريبة في ~~بابها؛ لأن ناظرها، وكان المعلم الوحيد فيها - الپاپاز؛ أي: القس ميجرديتش - لم ~~يكن يعرف غير الأرمنية، والعشرين تلميذا، المثقفين على يديه، لم يكونوا يعرفون ~~غير العربية، فكان الأستاذ والتلامذة، والحالة هذه، يتفاهمون بالإشارات وتعبير ~~العيون و(السيمياء)، أكثر منهم بالتكلم والمحادثة. على أن البطريركية الأرمنية ~~أخذت تعمل على تأسيس مدرسة للطائفة جديرة بها، في دارها في سنة 1872. # اليهود # هذه الأمة الصغيرة بعددها، الكبيرة بتأثيرها على ماجريات الأمور، ما فتئت، ~~على شرقيتها، أول من تيقظت إلى مقتضيات الأيام، فما رأت لواء العلم منشورا في ~~القطر، إلا وهبت للانضواء تحته؛ وقام البررة من أبنائها كبنيامين أدزي، ومبارك ~~ملكي، وإبراهيم كوهين، وشموئيل أشير، وپروسپر أوزيما، وعلى الأخص صموئيل ~~روبينو، ينشئون الكتاتيب والمدارس بمصر والإسكندرية للأولاد والبنات، ويعلمونهم ~~فيها الإيطالية على أصولها، والعبرية، والفرنسية، والحساب، والتاريخ، ~~والجغرافيا، والكزموجرافيا؛ ويعلمون المتقدمين ms162 منهم التلمود - كتاب اليهود ~~الشارح للتشريع شرحا يعتبر تشريعا جديدا، وهو أعز عليهم من التوراة عينها - ~~مرة في الأسبوع. # وكانت سن التلامذة المندمجين في تلك الكتاتيب والمدارس تختلف ما بين ثلاث ~~سنين وست عشرة سنة. # على أن تلك المعاهد، ما عدا مدرسة حارة اليهود بمصر، المؤسسة في سنة 1860، ~~بهمة صموئيل روبينو، برأس مال قدره ألف جنيه، تبرع به هذا السري وحده، كانت ~~مشهورة بالقذارة الضاربة أطنابها فيها، أكثر منها بحسن التعليم وانتظام طرقه، ~~فقامت الطائفة برمتها، وتضافرت، وأسست مدرستين حرتين لأولادها وبناتها، إحداهما ~~وهي أكبرهما بمصر، أمها 175 طالبا؛ والثانية بالإسكندرية وأمها 145 بنتا - ~~وكان سبعون من الذكور، وسبعون من الإناث يهودا مصريين؛ والباقون يهودا من ~~جنسيات مختلفة، وعلمتهم فيهما العبرية، والعربية، والفرنساوية، والإيطالية، ~~والخط، والحساب. # ثم أنشأت، بالإسكندرية، مدرسة أخرى كان عشر التلامذة فيها مجانيين، والباقون ~~بمصروفات أسبوعية زهيدة. غير أن معظم أولاد اليهود وبناتهم كانوا يذهبون إلى ~~المدارس المنشأة من الغربيين، أكثر من ذهابهم إلى المدارس المؤسسة من طائفتهم، ~~وبما أنهم كانوا يعتبرون العلوم محض أسلحة اجتماعية، لا يحتاجون إليها إلا ~~ليضربوا بها في معترك الحياة، كانوا يتسرعون في اقتباسها، ويكتفون بقشور معظمها ~~أو طلائها، غير صارفين عنايتهم أو جلها إلا للحساب والحساب التجاري على الأخص، ~~ويخرجون من المعاهد العلمية، وهم في أول يفعهم، ببضاعة قليلة، واعتداد بالنفس ~~كبير، وجسارة أكبر، ليندفعوا في ميادين العمل والكسب، فكنت لهذا السبب، قلما ~~ترى بينهم فردا راقيا حقيقيا، على قلة عدد الأميين بينهم. ~~(5) المدارس التي أنشأتها الجاليات الغربية # إن ما دار من حركة التعليم في مدارس هذه الجاليات ينقسم إلى قسمين: قسم خاص ~~بمعاهد الأخويات والرهبنات والإرساليات المسيحية، كاثوليكية كانت أم ~~بروتستانتية؛ وقسم خاص بالمعاهد المدنية البحتة. ~~(أ) # أما القسم الأول، فقد سبق لنا قول وجيز فيه، ولكنا نرى أن نوفيه، ~~هنا، حقه؛ فنقول: إن أقدم مدارس أنشأتها الرهبانيات المسيحية ~~الكاثوليكية بالقطر هي مدارس الآباء الفرنشسكيين المعروفين بآباء ~~الأرض المقدسة، وكانت تعلم الإيطالية على الأخص، والتعليم المسيحي ~~الديني. # فلما كانت سنة ms163 1844، استدعى (محمد علي الكبير) راهبات المحبة ~~والآباء العازاريين إلى الإسكندرية، ووهبهم محلا فخما، مكان برج ~~عربي قديم، وأجاز لهم الانتفاع بأنقاضه لبناء المحلات اللازمة لهم، ~~على أن ينشئوا مدرستين لأبناء المدينة، فقامت الراهبات بالشرط، ~~وفتحن مدرسة للبنات، ما فتئت، مع تقادم الأيام، تكبر وتتسع حتى ~~صارت إلى ما نراها عليه الآن من الكمال والإتقان في أول الشارع ~~المدعو باسمهن «شارع السبع البنات» أو «شارع الراهبات»؛ وأصبح عدد ~~المتعلمين والمتعلمات فيها على عهد (إسماعيل) نيفا وألفا ~~وثلاثين؛ منهم 880 بنتا و150 ولدا؛ وكان (إسماعيل) يهبها، ~~سنويا، إردبا من البر عن كل بنت تتعلم فيها. # وأما الغازاريون فبنوا بيتا، وكنيسة، إزاء تلك المدرسة، وأحلوا ~~الاهتمام بإدارة دير الراهبات المذكورات محل الاهتمام بتربية ~~الناشئة، ولكنهم ما لبثوا، أن رأوا أن عملهم هذا مخل بالشرط الذي ~~اشترطه الوالي، وأن مثل ذلك الإخلال قد يؤدي إلى استعادته الموهوب ~~إليهم منهم. # فاستدعوا إخوة التعليم المسيحي الشهيرين «بالفرير»، وكلفوهم ~~ببناء مدرسة مجانية بالقرب من بيتهم، فلبى الفرير الدعوة؛ وأنشأوا ~~المدرسة المطلوبة؛ وعاشوا مع العازاريين مدة ست سنوات، باتفاق تام، ~~وعلى غاية ما يرام من الوئام. # ثم تغيرت مجاري القلوب، وما لبث العازاريون إلا ورأوا، أو ~~تخيلوا، افتياتا من الفرير على ما كانوا يعتقدونه حقوقا لهم، دون ~~سواهم، فهبوا إلى إنشاء مدرسة خصيصة بهم؛ ولما تم بناؤها، تقدموا ~~إلى الفرير، وأفهموهم أن الضيافة لها حدود تقف عندها، ورجوهم أن ~~يبحثوا لأنفسهم عن محل غير الذي هم فيه نازلون، وذلك في أواخر سنة ~~1852. # فحار الفرير في أمرهم، وتخبطوا؛ ولكنهم اضطروا إلى الرحيل، فتقدم ~~إليهم آباء الأرض المقدسة (الفرنشسكيون)، وعرضوا عليهم أن يضيفوهم ~~في المنازل الكبيرة المجاورة لكنيستهم الكاتدرائية الرعوية، بمنشية ~~إبراهيم باشا؛ فقبلوا، شاكرين؛ ونقلوا مدرستهم إلى تلك المنازل؛ ~~وما عتمت أن اكتظت بالطلبة، لما اشتهر عنهم من الاعتناء الخاص بأمر ~~التعليم. # فشجعهم ذلك على فتح مدرسة بالعاصمة في 15 فبراير سنة 1854 فراجت، ~~أيضا، رواجا عظيما، ولما كانت سنة 1859، وهبهم (محمد سعيد باشا) ~~محلهم الحالي بالخرنفش - في أهم ms164 الأحياء الوطنية - ونفحهم بثلاثين ~~ألف فرنك، فأدى ذلك إلى نجاحهم، النجاح الذي ما فتئ في ازدياد ~~مطرد، عاما عن عام، لغاية أيامنا هذه. # وكانت مدارسهم، في عهد (إسماعيل)، تضم بين جدرانها، بالإسكندرية، ~~نيفا وستمائة طالب، منهم 230 مجانيون؛ وبمصر، نيفا وثلاثمائة ~~طالب، نصفهم مجانيون؛ وكانت تعلم، مع الفرنساوية، الإيطالية، ~~والعربية، والموسيقى، وأهم العلوم الوضعية. # وكانت مصروفات الداخلية بمدرسة مصر مائة فرنك شهريا؛ ~~وبالإسكندرية ستين فرنكا؛ ومصروفات نصف الداخلية 50 فرنكا ~~شهريا بمصر، و30 بالإسكندرية. # والذي كان يميز المجانية في مدارسهم عنها في مدارس الحكومة، أنها ~~كانت خصيصة بالطلبة الكاثوليكيين دون سواهم، في حال أنها كانت، في ~~الحكومة، عامة، لا تمييز للمذاهب فيها. # أما العازاريون، فبعد أن انفصل الفرير عنهم، طفقوا يعلمون في ~~مدارسهم تعليما قاعدته الطريقة الشهيرة عند الغربيين باسم ~~«كلاسيك» وهي التي قوامها اليونانية القديمة واللاتينية، والآداب ~~المقتبسة من مؤلفات أشهر الكتاب اليونان واللاتين والفرنساويين؛ ~~وأصبحوا يفاخرون ما سواهم بأن ما يتقنه طلبة مدرستهم من اليونانية ~~القديمة لا تباريهم فيه طلبة مدارس أوروبا ذاتها، واشتركوا مع ~~راهبات المحبة، في إنشاء ملجأ للأيتام - كان الأول من نوعه في ~~القطر المصري - حوى اثنين وخمسين يتيما. # واقتدت براهبات المحبة القديسة تريزادي رمپت منشئة «أخوية الراعي ~~الصالح»، وأسست بمصر في 6 يناير سنة 1846 - وهو يوم عيد الغطاس عند ~~الطوائف الغربية، وكان لغاية سنة 1900 يوم عيد الميلاد عند الطوائف ~~الشرقية - بيتا لراهباتها، ليقمن فيه بتربية البنات المصريات، ~~وعلى الأخص اليتيمات والفقيرات منهن، مجانا، فبتن موضوع عناية ~~(محمد علي) وأمراء بيته الرفيع العماد. # فتمكن من التوسع، وفتح مدرسة فخمة، داخلية، بشبرا لبنات الأسرات ~~الغنية، خلاف المدرسة الداخلية المجانية لرغبتهن في المحافظة على ~~شعور الفقيرات من أن ينجرحن باختلاطهن مع الغنيات، ورؤيتهن الهناء ~~في الماديات المحيط بهذه والذي هن محرومات منه. # وحذت الراهبات الكلاريسات؛ أي: الفرنشسكيات، حذو سابقاتهن؛ ~~وأنشأن، في سنة 1859، مدرسة بمصر، بجهة درب رياش، بالقرب من ~~الأزبكية؛ طفقن يعلمن فيها، بنات الطائفة اللاتينية على الأخص؛ ~~وذلك لأن هذه الطائفة كانت ، ولا تزال، ms165 تحت رعوية الآباء ~~الفرنشسكيين الروحية؛ وكان من الطبيعي أن ترسل بناتها إلى مدرستهن، ~~لانتمائهن، هن أيضا، إلى ماري فرنسيس دسيزي، مؤسس الرهبنة ~~الفرنشسكية. # فضاقت المدرسة بالمائة والسبع والثلاثين طالبة ويتيمة اللائي ~~ملأنها؛ وحال فقر تلك الراهبات دون التوسع فيها أو إنشاء غيرها، ~~وكان (إسماعيل)، وهو لا يزال ولي عهد السدة المصرية، واقفا على سر ~~حالهن، معجبا بغيرتهن وإقدامهن، فلما آل إليه العرش، نفحهن، ~~في يوم جلوسه عليه، بخمسين ألف فرنك، وقرر لهن تسعين إردبا ~~قمحا، سنويا، فتمكن بذلك من وفاء ديونهن، وتوسيع دائرة مدرستهن ~~بدرب رياش، وفتح مدرسة أخرى ببولاق سنة 1868 ثم غيرها بالمنصورة ~~بعد أربع سنوات؛ أي: في 20 مارس سنة 1872. # ومع أن الغرض الأول المقصود من تأسيس هذه الرهبنات والأخويات ~~مدارسها بالقطر المصري، إنما كان ولا يزال السعي إلى نشر الدين ~~الكاثوليكي الروماني، إلا أن الإنصاف يقضي علينا بأن نعترف مع ~~المستر ماك كون بأنها عملت عملا محمودا على تقدم العلوم في ~~البلاد، وبين طبقات الأمة؛ وأنها وضعت، نصب عينها، التعليم الجيد ~~أولا، ثم السعي إلى نشر الدين، فكان في هذا سر نجاحها، وتوافد ~~الطلبة عليها من كل ملة ونحلة وجنس، وبلوغ عددهم في مدارسها في سنة ~~1876 نيفا وثلاثة آلاف ومائة وخمسين! # 9 # أما المدارس والمعاهد البروتستانتية، فقامت على أيدي الإرساليات ~~الأميريكية والإنجليزية والسكتلندية. # فالإرسالية الأميريكية وفدت على القطر في سنة 1855 كما سبق ~~فقلنا، ووهبها (سعيد باشا) بناية بمصر، أسست فيها أول مدرسة لها، ~~فكانت بمثابة موقف وثبت منه إلى أنحاء القطر، عامة، وأسست في ~~السنوات العشر التالية، مدارس غيرها: بالإسكندرية، والفيوم، ~~وأسيوط، وقوص، والمنصورة، وفي ثلاثة عشر بندرا من بنادر الريف ~~بمصر الوسطى والصعيد؛ منها ما هو للأولاد؛ ومنها ما هو للبنات؛ ~~ومنها ما هو مختلط بين الجنسين؛ ومنها ما هو للشبان لتعلم اللاهوت، ~~والاستعداد للكهنوت؛ ومنها ما هو لتخريج معلمات؛ ومنها مدرسة ~~أيضا، للعميان؛ ومعظمها مجانية؛ وما فتئوا ينشئون غيرها، حتى بلغ ~~عدد مدارسهم في سنة 1876 ثمانيا وعشرين، فيها ما يزيد على ms166 1244 ~~طالبا وطالبة، بينهم بعض مسلمين ومسلمات، ومعظمهم من ~~الأقباط! # وكانت مدرستهم الكبرى للصبيان بمصر، في بادئ الأمر، في يد أقباط ~~اعتنقوا البروتستانتية، ولم يكونوا يحسنون الإدارة ولا التعليم: ~~فكان كلاهما مختلا، بخلاف مدرستي البنات، في حارة السقايين ~~والأزبكية، فإنهما كانتا من خيرة معاهد ذلك العصر. # على أن أرض مدرسة الصبيان احتيج إليها للمنافع العمومية في سنة ~~1876 فنزع (إسماعيل) مليكتها من الإرسالية مقابل ثمن دفعه إليها، ~~ولم يكتف به، بل عوضها منها أرضا واسعة في أحسن بقعة من الأزبكية؛ ~~ثم نفحها بسبعة آلاف جنيه لبناء مدرسة جديدة عليها، تسع 150 ~~طالبا، وتشتمل على مساكن للمعلمين وعائلاتهم، # 10 # فأنشئت المدرسة الفخمة الحالية، المزدان بها حي ~~الأزبكية؛ ولكنه لم يفتكر أحد في وضع أي مظهر كان فيها يذكر الداخل ~~إليها بأنها من نعم الخديو الفخيم صاحب اليد الذهبية! # والإرسالية الإنجليزية وفدت على القطر في سنة 1862 تحت رياسة ~~الآنسة الأديبة المس واتلي، بنت رئيس أساقفة دبلين التي أوقفت ~~حياتها وثروتها على تربية البنت المصرية، لا سيما الفلاحة، وأسست، ~~في السنة عينها، مدرسة مختلطة بمصر، صادفت من العناء أشده في سبيل ~~جلب التلميذات إليها، لا سيما المسلمات، وتعليمهن، بالرغم من أن ~~التعليم كان مجانيا، وأنه كان يشمل العربية، والإنجليزية، ~~والفرنساوية، والجغرافيا، والتاريخ، والخط، وأشغال الإبرة ~~للبنات. # وإن القلب ليتقطع أسفا، لدى مطالعة وصف المس واتلي، في الكتب ~~التي ألفتها عن الحياة المصرية الحقيرة، للمشاق التي تكبدتها بصبر ~~جميل، وهي دائبة بثبات نادر على الطريق التي اختطتها # 11 # لحياتها! ولكنه، لما كان لا بد للمثابر من نيل مناه، ~~فإن المس واتلي ما لبثت أن جنت ثمرة ثباتها؛ وبعد مضي عشر سنوات ~~عليها، وهي عاملة في مدرستها المذكورة، لا تعرف الملل، كلل النجاح ~~مسعاها: فامتلأ معهدها بنيف ومائة وستين صبيا وستين بنتا، ضاقت ~~بهم حجر فرقه. # فأنعم (إسماعيل) عليها بأرض واسعة، في جهة الفجالة، وساعدها ~~بمبلغ وفير على بناء مدرسة جديدة عليها، فبرزت من أحسن المدارس ~~بالقطر، ولما كانت البنت المصرية هي المقصودة على ms167 الأخص، منها، زاد ~~عدد الطالبات فيها، حتى بلغ المائة والستين ، معظمهن فلاحات، والبعض ~~من الطبقتين: الوسطى والعليا، ولا شك في أنه كان لاهتمام الأميرة ~~الجليلة زوجة (إسماعيل) الثالثة في أمر تربية البنات وتعليمهن، دخل ~~في ازدياد إقبال الفتيات الراغبات في التعلم. # أما الإرسالية السكتلندية، فإنها قصرت عملها على مدينة ~~الإسكندرية، حيث فتحت بجانب كنيستها مدرستين: إحداهما للذكور، ~~والثانية للإناث في المنشية، بجوار البحر، وجعلت التعليم فيهما ~~مجانيا للفقراء، فأمهما 95 تلميذا و92 تلميذة، علموا العربية، ~~والإنجليزية، والفرنساوية، والإيطالية، والكتابة، والحساب، ~~والتاريخ. # وقد امتازت عموم مدارس الإرساليات البروتستانتية، بالمساواة ~~التامة، التي نشر لواؤها فيها بين الطلبة والطالبات المجانيين، ~~والمتعلمين بمصروفات، بحيث لم يكن أحد ليستطيع أن يميز مطلقا أيهن ~~المجانيات. # ويجدر بنا أن لا نختم الكلام عن معاهد هذه الإرساليات دون أن نخص ~~بالذكر رجال الدين الذين قاموا بتأسيس المدرسة الألمانية ~~بالإسكندرية، فإنهم على اصطباغهم بالصبغة الاكليروسية، فتحوا ~~لمدرستهم هذه طريقا نحو الأهمية العظمى بين مدارس الإرساليات ~~الأخرى، بما قرروا من أن يكون التعليم فيها مدنيا بحتا، لا مسحة ~~دينية عليه مطلقا. ~~(ب) # وأما القسم الثاني الخاص بالمعاهد المدنية البحتة، فإن السبب ~~الذي دعا الجاليات الأجنبية إلى إنشائه هو أن بعضها لم يكن مرتاحا ~~لانحصار التعليم في المعاهد الدينية، فقام الإخوان الحلبيان ~~روفائيل وحنانيا عبيد في سنة 1860‏ # 12 # وأسسا المدرسة اليونانية بمصر وآليا على نفسيهما دفع ~~مبلغ يتراوح بين خمسة وعشرين ألفا وثلاثين ألفا من الفرنكات ~~سنويا للمساعدة على القيام بشئونها، فأمها الطلبة من أولاد ~~الجالية اليونانية، يتعلمون فيها اليونانية القديمة، واليونانية ~~الحديثة، والإيطالية، والفرنساوية، والعربية، والحساب، والجغرافيا، ~~والتاريخ، ويتغدون فيها على نفقتها. # ولما كان اليونان بالإسكندرية أكثر منهم بمصر، أسسوا مدرسة تحت ~~إدارة رجل يقال له: المسيو تمباس ضمت إليها 51 تلميذا، وعلم فيها ~~فوق ما ذكر من تعليم مدرسة الأخوين عبيد، التاريخ المقدس، ومبادئ ~~الاعتقادات المسيحية، ثم هب الكيريس عمانوئيل ساماريپا، وأسس مدرسة ~~أخرى يونانية جمع فيها 28 تلميذا، يعلمهم خمسة أساتذة التعليم ~~عينه السابق ذكره. # ولم يهمل اليونان ms168 تعليم البنات، بل سبقوا إليه الجاليات الأخرى؛ ~~لأنهم أنشأوا في 20 مايو سنة 1843، أول مدرسة من هذا النوع ~~بالعاصمة؛ ثم أسسوا بالإسكندرية، مدرسة ثانية للبنات، انتظم في ~~سلكها، حالا، ما يزيد على خمس وتسعين طالبة. # وهب إيطالي، يقال له: المسيو كرلو تمازي، فأنشأ مدرسة إيطالية ~~بمصر، قصدها أولاد الجالية الإيطالية؛ ولكنها ضاقت دون عددهم ~~رحبا، ولم يتمكن أولاد الفقراء من الانتظام فيها لعدم مقدرتهم على ~~دفع مصروفاتها. # فنهض المسيو فيجري، وأنشأ في سنة 1870 مدرسة إيطالية مجانية، أهم ~~ما امتازت به عن سواها، أنهم كانوا يمرنون الطلبة فيها على الترجمة ~~من الفرنساوية إلى التليانية والعربية، وبالعكس، في آن واحد، ~~وشفويا على مسمع من الفرقة برمتها: فتتربى، عند التلامذة، ~~المقدرة على تحويل الفكر، بسرعة، من إحدى هذه اللغات إلى الأخرى، ~~وعلى إبرازه مرتديا بالحلة التي تقتضيها طبيعة كل منها. # غير أن أهم عمل تعليمي قامت به الجاليات الأجنبية بمصر، هو الذي ~~تم بمساعي المسيو دوفين ومجهوداته، وأعني به إنشاء معاهد تعليمية ~~مجانية، لا صبغة جنسية أو دينية عليها؛ ولا غرض منها سوى تثقيف ~~العقول، وتنوير الأذهان، وتخفيف عبء مشقات الحياة على العاملين في ~~ميدانها، دعيت «المدارس الحرة المجانية العمومية». # ففي أول سبتمبر سنة 1868، فتحت مدرسة هذا شأنها في الإسكندرية، ~~ولكي يكون النجاح قرين سيرها، وامتثالا لرغبة (إسماعيل)، الذي كان ~~أكبر معضد للقائمين بأمرها، وضعت تحت رعاية سمو ولي عهده، الأمير ~~محمد توفيق باشا - وكان له من العمر، حينذاك، ست عشرة سنة، فقط - ~~فخصها باثني عشر ألف فرنك سنويا، وحفها بكل صنوف العناية، فبرزت ~~إلى الوجود، علمية، حرفية، عروس المدارس وأفيدها، وأمها القاصدون ~~من كل مذهب وجنس، وليس فيها مظهر البتة يذكر أحدهم بأن هناك فارقا ~~بينه وبين الجالس بجانبه؛ بل يشعر الجميع بأنهم إخوة في الإنسانية ~~المحضة، وأن هذه الأخوة هي الرابطة الوحيدة بينهم، وشرعوا يتعلمون ~~فيها العربية، والإنجليزية، والفرنساوية، والتليانية، ومبادئ ~~الرياضة، والهندسة، والتاريخ؛ ويتعلم من شاء منهم الحرفة التي ~~يختارها، فنجحت نجاحا عظيما، ذهب مداه إلى أبعد ما كان ms169 ينتظر ~~ويرجى، ومن شاء الوقوف على حقيقته، فليطالع التقرير الذي رفعه مجلس ~~إدارتها إلى سمو الأمير محمد توفيق باشا، الموجود نسخة مطبوعة منه ~~في المكتبة السلطانية بمصر. # 13 # ذلك النجاح السار حدا بالمسيو دوفين وزمرة الرجال الكرام ~~العواطف، الذين وضعوا أيديهم في يده، إلى إنشاء مدرسة مثلها بمصر، ~~فتأسست في سنة 1873، بمساعدة مالية كبرى من (إسماعيل)، وتحت رعاية ~~سمو ولي عهده، أيضا، وبالنفحات السنوية عينها التي لشقيقتها ~~بالإسكندرية، وفي الوقت الذي لم يقصد فيه هذه سوى 256 طالبا - ~~منهم 90 فقط مصريون - قصد مدرسة مصر وانتظم في سلكها 486 طالبا - ~~منهم 262 مصريون، من كل ملة وطائفة ونحلة، و15 إنجليزيا، و62 ~~فرنساويا، و73 إيطاليا، و26 يونانيا، و21 نمساويا، و5 ~~بروسيان، و3 أتراك، و3 روس، و3 إسبانيول، و13 من جنسيات غير محددة ~~- ويتضح من الأرقام التي ذكرناها أن نجاح مدرسة مصر كان أعظم من ~~نجاح مدرسة الإسكندرية. # ولم يقتصر المسيو دوفين ومساعدوه على فكرة إنشاء هاتين ~~المدرستين، بل إنهم، منذ استطعموا لذة نجاح مسعاهم، وقطفوا ثماره ~~بالإسكندرية، هبوا، في عامي 1869 و1870 إلى فتح فرق ليلية، لتعليم ~~الشبان والرجال بالثغر، وساعدهم (إسماعيل) مساعدته المعهودة، ~~فأخرجوا مشروعهم إلى حيز الوجود، واندمج في سلك تلك الفرق 450 ~~طالبا، منهم 273 من رعايا الحكومة المحلية. # هكذا تناولت الحركة التعليمية بمصر، في عهد (إسماعيل)، جميع المظاهر، من ~~التعليم الديني المحض في المعاهد الدينية المحضة، كالأزهر وغيره، إلى التعليم، ~~المتخذ دثارا لترويج التعليم الديني، في معاهد الإرساليات المسيحية، إلى ~~التعليم الممزوج بشيء من الدين، عملا بمؤثرات الوسط والبيئة، في مدارس الطوائف ~~الشرقية المختلفة، ومدارس الجالية اليونانية، إلى التعليم المدني البحت الخاص ~~بجنس دون جنس، في مدارس الجالية التليانية، إلى التعليم المدني البحت، المجرد ~~عن كل صبغة دينية وجنسية، في المعاهد المنشأة بمساعي المسيو دوفين ومن معه، وفي ~~ذلك أوضح صورة لما كانت عليه الأفكار والأخلاق في تلك الأيام، وأكبر دليل على ~~سعة صدر (إسماعيل) ورجحان عقله العظيم، في أمر قلما اتفق لعاهل شرقي، غيره، أن ~~لا ms170 يبدي فيه تعصبا لهذا الفريق أو ذاك. # ولا يسعنا أن نختم هذا الفصل عن حركة التعليم بمصر، في أيامه، بدون أن نذكر ~~ما لاقت من عنايته المدرسة التي أنشأتها الحكومة الإيطالية بالإسكندرية في عهد ~~(سعيد باشا ) وتولت أمر الإنفاق عليها، وبدون أن نذكر ما كان من شأن الإرساليات ~~المدرسية إلى البلاد الأوروبية ما بين سنة 1863 وسنة 1879. # أما مدرسة الحكومة الإيطالية بالإسكندرية، فقد سبق لنا القول أن (سعيدا) ~~نفحها بستين ألف فرنك، ووهبها ثمانية آلاف ذراع في نقطة من أحسن جهات المدينة، ~~ونقول الآن إن حركة التحسينات، التي أدخلها (إسماعيل) على أحياء الإسكندرية ~~وشوارعها، اقتضت نزع ملكية جزء من تلك الأرض، فبالنسبة للصداقة المتينة التي ~~كانت بين (إسماعيل) وڨيكتور عمانوئيل، ملك إيطاليا، ولتقدير العاهل المصري ~~التعليم الملقن في تلك المدرسة حق قدره، دفع للحكومة الإيطالية ثمن ذلك الجزء ~~وحده أربعين ألف جنيه، فاستعانت بها على تجديد بناء مدرستها، وترقية شئونها، ~~وعهدت بإدارتها إلى أستاذ فاضل، يقال له: السنيور پاجاني، كان رأي دور بك فيه، ~~«أنه أخير نظار المدارس بمصر بمبادئ الپيداجوجيا، وأحكمهم تطبيقا لأحدث طرق ~~التعليم على مقتضياته بالقطر في تلك الأيام». # وكانت تلك المدرسة تعلم الإيطالية، والعربية، والإنجليزية لمن يرغب فيها، ~~والفرنساوية، والرياضيات، ومسك الدفاتر، والفلسفة الطبيعية، والتاريخ، ~~والجغرافيا، والرسم على نوعيه، وكان معظم تلامذتها من اليهود، وليس بينهم سوى ~~عشرين تلميذا مسلما. # وأما ما كان من شأن الإرساليات المدرسية، إلى البلاد الأوروبية ما بين سنة ~~1863 وسنة 1879 فقد بلغ عدد الطلبة الذين تألفت منهم نيفا ومائة واثنين وسبعين ~~وزعوا كالآتي: مائة وعشرون أرسلوا إلى مدرسة الطب والمدرسة الحربية، بباريس؛ ~~وخمسون، إلى مدارس طورينو العسكرية والملكية؛ وثلاثة فقط، إلى مدارس لندن ~~الهندسية، وبلغ المنفق عليهم في تلك السنوات الست عشرة 163057 جنيها. # فمن شاء أن يقارن بين ما عمل في هذا المضمار في عهد (إسماعيل)، وما عمل في ~~عهد أسلافه، فليعلم أن عدد طلبة الإرساليات المصرية إلى أوروبا بلغ في مدة حكم ~~(محمد علي الكبير) و(إبراهيم الهمام)؛ أي: ms171 ما بين سنة 1816 وسنة 1848: 319 ~~طالبا؛ وفي مدة حكم (عباس)؛ أي: ما بين سنة 1848 وسنة 1853: 19 طالبا؛ وفي ~~أيام (سعيد)؛ أي: ما بين سنة 1854 وسنة 1862: 14 طالبا فقط؛ وأن جملة ما أنفق ~~عليهم قد بلغ في عهدي الباشا الكبير وابنه 223233 جنيها؛ وفي عهد (عباس) 49675 ~~جنيها؛ وفي أيام (سعيد) 69083 جنيها. # فإذا وجد قلة نسبية في المنصرف على أولئك الطلبة تحت حكم (إسماعيل) بالنسبة ~~إلى المنصرف عليهم تحت حكم (سعيد)، فليعلم أن ذلك لسببين: # الأول: هو أن (سعيدا) لم يكن، من جهة، يعرف للنقود من قيمة، كما سبق لنا ~~القول؛ وكان، من جهة أخرى، كأسلافه، يعتقد أنه كلما زاد إنفاقه على طلبة ~~إرساليته، كلما حق له أن يطالبهم، لدى عودتهم، بمعرفة كل فن وحرفة، لا بمعرفة ~~ما تخصصوا له وأتقنوه فقط. # والثاني: هو أنه اتضح (لإسماعيل) أن طلبة الإرساليات، بالرغم من بقائهم زمنا ~~في المعاهد الأوروبية، واقتباسهم العلوم المعلمة فيها، وإتقانهم إياها، في أغلب ~~الأحيان، إتقانا يجعلهم متفوقين، في مضمارها النظري، على أقرانهم الغربيين، لم ~~يكونوا يكتسبون إقدام هؤلاء، ولا روح الاعتماد على النفس، المتقوية به هممهم في ~~معاركة مصاعب الحياة؛ بل كانوا لا ينفكون متمسكين بأذيال الحكومة، متنكبين عن ~~العمل في ميدان الاستقلال الشخصي، إلا إذا أخذت هي بيدهم. من ذلك أن الأطباء ~~المصريين الذين تخرجوا من مدرسة باريس لغاية سنة 1870 بالرغم من نيلهم شهاداتهم ~~العليا فيها، وتمرنهم على العمل، تمرنا مفيدا، في المستشفيات العسكرية ~~والملكية، أثناء الحرب المشهورة بين فرنسا وألمانيا، لم يقع في خلدهم، مطلقا، ~~لدى عودتهم إلى مصر، أن يفتحوا عيادات خصوصية، ويزاحموا زملاءهم الغربيين في ~~أعمالهم، مزاحمة، كان من المحتم أن يفوزوا عليهم فيها، لكونهم أبناء البلاد، ~~العارفين لغتها وعوائدها، والمتخلقين بأخلاقها، ولأنهم أقرب، طبعا، إلى قلوب ~~مواطنيهم من أولئك الأجانب؛ وأقبلوا يضايقون الحكومة بطلبات استخدام متتابعة، ~~في مصالحها، كأنهم لا يستطيعون، بدونها، معاشا؛ أو كأنه لا قدرة لهم، ولا سلاح ~~في أيديهم يضربون به في مناكب الأرض، ابتغاء للرزق! ms172 # فرأى، والحالة هذه، أن يقلل من مصروفاتهم، عسى أن تجبرهم قلة السعة في ~~الإنفاق على التخلق بخلقي الهمة والإقدام. # وامتاز عهده عن عهد أسلافه، في أمر طلبة تلك الإرساليات، بأنه كان، إذا ~~استخدم أحدا منهم في مصالح حكومته، بعد عودته إلى مصر، فإنما كان يعهد إليه ~~القيام بشئون من النوع الذي تؤهله شهاداته للقيام به، وأما أسلافه، فقلما كانوا ~~يراعون ذلك، وكثيرا ما تطالع في ما كتبه مؤرخو (محمد علي) الغربيون أنه كان ~~يكلف المهندس، مثلا، بأعمال من اختصاصات طبيب بيطري، أو يكلف الطبيب البيطري ~~بعمل طاه من الطهاة، وهلم جرا. # وقد سمعت من صديق لي، نقلا عن لسان عثمان باشا غالب - ولست أضمن صحة ~~الرواية، بل أراني بما لدي من المعلومات التاريخية، مائلا إلى تكذيبها - أنه ~~لما عاد إلى مصر ثلاثة من الذين أتموا دروسهم بأوروبا، ونبغوا فيها - وهم من ~~أصبحوا فيما بعد، علي باشا إبراهيم، وعلي باشا مبارك، وحماد بك، ومثلوا بين يدي ~~(عباس)، ليقدموا له واجب عبوديتهم، ويضعوا أنفسهم تحت تصرفه، كان فكره منصرفا ~~إلى إنشاء معمل شمع؛ فسألهم: «أيمكنكم أن تصنعوا لي شمعا؟» فأجابوا: «إننا، يا ~~أفندينا، لم نتعلم ذلك!» فاحتدم غيظا وقال: «إني، إذا، لقد أنفقت نقودي على ~~تعليمكم سدى!» وأمر بهم، فطرحوا أرضا، وضربوا خمسين سوطا، فخرجوا من لدنه في ~~حال انفعال لا مزيد عليه، وهم ناقمون على عقله وعقليته، ولاعنون الساعة التي ~~عادوا فيها من أوروبا. # 14 # وإنما أراني مائلا إلى تكذيب هذه الرواية: (أولا) لأني لست أرى ~~لها من أثر في مرويات علي مبارك باشا عن نفسه؛ و(ثانيا) لأني أعلم حق العلم أن ~~حماد بك تعلم في أوروبا كيف يصنع الشمع، فيما تعلمه في دروسه الكيماوية! # تلك كانت الحركة التعليمية بمصر، في عهد (إسماعيل)، وتلك المجهودات التي بذلت ~~لترقية مستوى الأمة العقلي، حتى أصبح عدد المتعلمين فيها 4٪ من عامة ذكورها، ~~بعد أن كان أقل من واحد في المائة منهم؛ وذلك في عهد كانت أرقى نسبة المتعلمين ~~في أكثر البلاد الأوروبية تعليما 15٪ فقط، ms173 وكانت في روسيا 2٪ لا غير! # فلا غرابة إذا أن إدون دي ليون، المؤرخ الأمريكي المعاصر لها، قال عنها: «إن ~~ما عمله (إسماعيل) في سبيل التعليم العام بمصر كان عظيما، ويعتبر عظيما في أي ~~قطر من الأقطار.» # 15 # ولا غرابة في بلوغ الأشعة المنبعثة عنها إلى سر أعماق الأمة، وأكن ~~مكنوناتها - وأبناء الخديو أنفسهم كانوا يتعلمون، مع أبنائها، ذات العلوم ~~الملقنة إليهم، ويشاركونهم في جميع مظاهر حياتهم؛ لا يختلفون عنهم في شيء منها، ~~ولا يمتازون إلا بنومهم في حجر مخصوصة، وقد أثار ذلك رغبة التعلم في جميع أفراد ~~طبقاتها، إلى حد أن رجلين من عامة الناس ودا الالتحاق بالأزهر، فلما رأيا من ~~فقرهما المدقع ما يحول دون إدراك مبتغاهما، اتفقا على أن أحدهما يشتغل نهارا ~~في تكسير الحجر الذي تبلط به الشوارع، وأن ثانيهما يجاور في الأزهر، ليقتبس ما ~~يلقى فيه من علوم؛ وأنهما يجتمعان بعد المغيب في الحجرة التي استأجراها معا؛ ~~فيطعم مكسر الحجر مقتبس العلم مما كسبت يداه؛ ويغذي مقتبس العلم مكسر الحجر مما ~~اكتنزه عقله، فتيسر لهما، هكذا، أن يدركا، معا، ما ابتغيا إدراكه، كما تيسر ~~نيل القوت للأعمى والمقعد، فيما يروى عنهما؛ إذ سارت رجلا الضرير بالمقعد، ~~وأرشدت عينا المقعد الضرير إلى السبيل السوي. # 16 # ولا غرابة - وقد رأينا (إسماعيل) يظلل، بعنايته في التعليم، جميع القائمين ~~بشئونه، بلا تمييز بين جنس ومذهب ودين - في أن تلك الحركة التعليمية، المتنوعة ~~المسالك والمشارب، والمتحدة المرمى والمقصود والنتيجة، فيما يختص بالعلوم، أدت ~~مع تراخي الزمن، إلى إزالة جزء عظيم من الفوارق، التي كانت بين الملل، والنحل، ~~والأجناس المختلفة، الضاربة في وادي النيل؛ وجعلت الصدور أوسع احتمالا ~~للاختلافات المذهبية، والقلوب أقرب جدا، مما كانت، إلى التسامح في الدين، ~~وهما احتمال وتسامح، لن تستطيع أمة، تختلف معتقدات أفرادها؛ من التكون ~~بدونهما! # ولا غرابة أخيرا أن يكون قد تولد، عن تلك الحركة التعليمية، نهضة معارف ~~وأفكار كانت من أكبر مسببات تطورات المستقبل، ومن أدعى مكونات نظامات الأيام ~~التالية. # نعم، إن مثلها كان قد ms174 نشأ، أيضا، عن جهود (محمد علي الكبير) التعليمية، ~~وإرسالياته المدرسية إلى أوروبا - ولكنهما، من جهة، كانت فردية أكثر منها ~~اجتماعية، فلم تؤثر في مجموع الأمة إلا قليلا، ولا تناولت طبقاتها الدنية؛ ومن ~~جهة أخرى، فإن ملكي (عباس) و(سعيد) كانا قد أوقفاها في تطورها، وأعاداها إلى ~~الجمود؛ ولولا إقدام (إسماعيل)، لظل الأفراد القليلون المتخلفون بعد موت من ~~كانت أنفاس تلك النهضة قائمة به، في ظل النسيان، في أية جهة كانت من جهات القطر ~~المعاد إلى النوم. # لتلك النهضة الإسماعيلية، ثلاثة مظاهر: ~~(1) # المظهر الرسمي. ~~(2) # المظهر الفردي. ~~(3) # المظهر الاجتماعي. # 17 # أما المظهر الرسمي، فقد تجلى، على الأخص، فيما بذلته الحكومة من مجهودات، ~~لإعادة الاتصال بين حلقات تاريخ مصر في القدم، وتاريخها في الأعصر الوسطى، ~~وتاريخها في الأيام الحالية. # أما الاتصال بين تاريخها القديم، وتاريخها في الأعصر الوسطى، فإن المسيحية، ~~أولا، فالإسلام كانا قد قطعاه بتاتا، على توالي القرون، بما حملا مصر ~~الفرعونية والبطليموسية على الإقلاع عنه من دين، ومعتقدات، ولغة وعادات، وعقلية ~~سابقة. # وأما الاتصال بين تاريخها في الأعصر الوسطى، وتاريخها الحالي، فقد قضت عليه ~~قضاء مبرما، قرون الحكم العثماني الثلاثة على وادي النيل، فبتأسيس مدرسة ~~للاچپتولوچيا (علم الآثار المصرية)، أولا، ثم بإنشاء المتحف المصري، أعيد ~~الاتصال الأول؛ وبإنشاء المكتبة الخديوية، وتزيين قاعاتها بكل ما أمكن العثور ~~عليه من مكتوبات مصر الإسلامية في الأعصر الوسطى - أعصر الخلفاء الراشدين، ~~والأمويين والعباسيين؛ أعصر الطولونيين والإخشيديين؛ أعصر الفاطميين ~~والأيوبيين، وأعصر السلاطين المماليك البحريين والبرچيين؛ ثم كل ما أمكن العثور ~~عليه، أيضا، من مكتوبات القرون العثمانية؛ ويإنشاء دار الآثار العربية، أعيد ~~الاتصال الثاني. # أما مدرسة الاچپتولوچيا - والاچپتولوچيا علم نشأ في العالم الغربي، عقيب ~~العثور على الأثر القديم المعروف «بحجر رشيد»، وتمكن شمپوليون من فك طلاسمه ~~الهيروغليفية، والتوصل إلى معرفة هذه اللغة المقدسة المصرية القديمة، المنقوش ~~بعلاماتها ورسومها التاريخ الفرعوني برمته، على آثار العهد العتيق وتشييداته - ~~فقد عهد بإدارتها، وتعلم الطلبة فيها، إلى العالم الألماني بروجش - وكان من ~~فحول رجال الفن، وله فيه المؤلفات الشيقة الممتعة - فما زال ms175 بالطلبة المتعلمين ~~على يده، حتى أوجد فيهم روح الاهتمام بالماضي المصري السحيق، بالرغم من الهاوية ~~التي حفرتها العقائد بين عقليتهم، وعقلية أجدادهم البعيدين؛ وحتى تمكن من إنشاء ~~قنطرة على تلك الهاوية، بين عصر الفراعنة وعصر (إسماعيل)، وأشهر من نبغ من ~~تلامذته، العالم الاچپتولوچي الوديع أحمد بك كمال، وأهم ما ينتج عن اشتغال ~~طلبته في حل الكتابات الهيروغليفية زوال نفور مصريي اليوم المسلمين والكتابيين، ~~بالتدريج، من قومية مصريي عصور الوثنية، وتاريخهم وأعمالهم؛ والإقبال شيئا ~~فشيئا، على مطالعة أخبارهم، والاعتبار بآثارهم، والدنو من الحنو إليهم، ~~والتفاخر بهم، بالرغم من مؤثرات المعتقدات. «وإذا لم يكن للأمة مجد سالف وأثر ~~باق، فلا تدوم سلطتها ولا تتأصل حضارتها!» # وأما المتحف المصري، فقد عهد (إسماعيل) بإبرازه إلى حيز الوجود، إلى ~~الفرنساوي الشهم الكبير، مارييت باشا، ووضع تحت تصرفه العمال والنقود على قدر ~~ما يريد. # وكان الرجل من فطاحل المشتغلين بالعلم الاچپتولوچي، ومن المغرمين بكشف ~~النقاب، وإماطة اللثام عما درس أو توارى من المفاخر المصرية القديمة، غراما ~~يجمع إلى ذاته قوى النفس، ويحصرها فيها؛ فما زال ينقب ويبحث هنا، وهناك، تحت ~~الرمال، وفي كهوف الجبال - لا سيما حيث كانت «منف» القديمة - حتى تسنى له، في ~~سنة 1851 اكتشاف «السيرابيم»؛ أي: معبد الإله «سيراپيس» وإذا فيه قبور 64 عجلا ~~من العجول المعروفة باسم «أپيس» دفنت هناك، من القرن السابع عشر قبل المسيح، ~~لغاية القرن الأول بعده؛ وتسنى له العثور في ذلك المكان، على كتابات تثبت أن ~~الديانة المصرية القديمة إنما آلت في نهاية أمرها، إلى التثليث والتوحيد، على ~~فرض أنها كانت في البدء اشتراكية - فأوزيريس هو الإله الأكبر ومبدع كل ~~الكائنات؛ وأپيس تجسد في عجلة أصبحت أما، وهي لا تزال عذراء، بفعل پتاه، روح ~~القدس، وعليه فأوزيريس وأپيس وپتاه ثلاثة أقانيم في إله واحد، أوزيريس يقيم في ~~السماء؛ وأپيس يعيش على الأرض، ولا بد له عند بلوغه سنا محددا من الموت ~~موتا عنيفا، على أنه يقوم بعد ذلك من بين الأموات ويصعد إلى السماء ليقيم في ~~حضن أبيه ms176 باسم سيراپيس؛ وپتاه روحهما المرفرف بينهما - ثم تسنى له اكتشاف نيف ~~وألفي أبي هول، وما يقرب من خمسة آلاف تمثال ونقش خلاف ثمانية تماثيل في منتهى ~~الجسامة، تعد، من جهة كبرها، معجزة فن الحفر المصري، فكان والحالة هذه، خير من ~~يعهد إليه إبراز المتحف المرغوب فيه، وما لبث أن دل نجاحه الباهر، على أن القوس ~~إنما أعطيت باريها. # فإنه أقدم بهمة لا تعرف الملل، وشجاعة لا تبالي بالأخطار، على جمع ما لم يكن ~~يتيسر جمعه لغيره. لم يحز علمه، من نفائس الآثار القديمة، حتى كون في بولاق ~~متحفا لا مثيل له في العالم، ادخر فيه من الذخائر والأعلاق، والأصنام، ~~والتماثيل، والمكتوبات البردية، والنقوش، وموميات كبار الفراعنة؛ ما لا يعرف له ~~قيمة، ولا يمكن لكنوز الدنيا بأسرها مشتراه، ولو بذلت في سبيل ذلك بالتدقيق - ~~ومعرفة أحمد عرابي باشا هذا هو الذي حمله أيام أن آلت إليه الدكتاتورية بمصر، ~~على الرغبة في بيع ذلك المتحف دفعة واحدة، ليسدد الديون المصرية الرسمية كلها ~~بما يدفع له من ثمن فيه. # 18 # ولا مشاحة فإن قيام الحكومة المصرية بالبحث عن آثار حياة البلاد المنقضية قبل ~~ظهور المسيحية والإسلام، والتنقيب عليها، واكتنازها وإجلالها، وإقدام (إسماعيل) ~~كثيرا على دعوة ذوي المنزلة الرفيعة من زائريه، خمسة خمسة، وستة ستة، إلى ~~تناول الطعام معه في سركوفاج (نادى) من السركوفاجات المكتشفة مع وقوف الأهالي ~~على ما كان يبدو من السائحين الغربيين القادمين إلى بلادهم من الاهتمام بزيارة ~~التشييدات الفرعونية والبطليموسية، زيارة تدقيقية؛ واقتناء ولو القليل والتافه، ~~من آثار أولئك العواهل بأثمان باهظة، كل ذلك أدى إلى تيقظ عدة عوامل في القلوب ~~لم يكن لها في الأجيال السابقة من أثر: # أولها: # الاهتمام باقتناء أي شيء يكون من تلك الآثار، لبيعه بثمن ~~يرضي النفس إلى الراغبين فيه من أولئك الأجانب؛ والمزاحمة على ~~ذلك الاقتناء مزاحمة شديدة، يدل عليها ما يقصه الكونت لپيك عن ~~الرجل الذي اغتصب من ولدي مهزار قردا ذهبيا من أبدع ~~المصنوعات واختص به بعد أن أشبعهما ضربا. # 19 # ثانيها: ms177 # الاجتهاد في تقليد تلك الآثار تقليدا متقنا، عند عدم ~~التمكن من العثور على الصحيح منها، كما فعل بعضهم في الأقصر: ~~فإنه اشترى من أحد السائحين الفرنساويين، بمبلغ مائة فرنك ~~كتابا فيه خراطيش الفراعنة المختلفة، وشرع يصنع جعرانات وينقش ~~عليها ما يشاء من تلك الخراطيش، نقشا جميلا، ويبيعها كأنها ~~صحيحة وقديمة، بأثمان عالية لذات الخبيرين بها، ومن ضمنهم عالم ~~ألماني اچپتولوچي مشهور، وهم لا يفقهون إلى التقليد، ويظنون، ~~لا سيما ذلك العالم، أنهم بحيازتهم لها، إنما حازوا يتيمات ~~بفاخرون بها مزاحميهم عليها. # 20 # ثالثها: # نظر العامة نفسها نظر الإكبار، والإجلال، والتعظيم، إلى ~~بقايا ذلك الماضي الخصيب المجيدة؛ وتحولهم، شيئا فشيئا عن ~~شعور الاحتقار، الذي كان متأصلا في قلوبهم لأهل تلك العصور، ~~المدعوة عندهم «كفرية» لرغبتهم في الدلالة على مبلغ ازدرائهم ~~إياها. # غير أن هذا التحول كان بطيئا؛ وكثيرا ما كان يقع للعملة أنفسهم المشتغلين ~~تحت إدارة مارييت باشا أن يبدوا امتنانهم لنفس بقايا من كانوا ملوك أجدادهم في ~~سالف الأيام. # فيروى من هذا القبيل أن مارييت باشا لما عثر على مومياء الفرعون «مري إن را» ~~من الأسرة السادسة، في جهة إهرام دهشور، كلف بعض أولئك العملة بنقلها إلى متحف ~~بولاق؛ ولما كان لا بد لهم من الذهاب بها، في بادئ الأمر، إلى البدرشين، ~~لاستقلال القطار الحديدي في محطتها، لم يجدوا طريقة لاجتياز المسافة بين ~~المكانين خيرا من وضع جثة ذلك الفرعون على ظهر حمار، عرضا، وسوق الحيوان بها، ~~وأطرافها متدلية من كلا جانبيه بشكل مهين - ولما بلغوا بها محطة البدرشين، ~~وأرادوا أن «يخلصوا» عليها، ليسافروا بها إلى بولاق، وقع ناظر تلك المحطة في ~~حيرة عميقة؛ لأنه لم يكن قد سمع بكلمة «مومياء» في عمره؛ فلم يعرف ما هي حينما ~~سموها له، ولم يجد لها تسعيرة، بل ولا ذكرا ضمن الأشياء التي تشحن الواردة في ~~تعريفته. أخيرا قطع لهم جميعا تذاكر في الدرجة الأولى، واعتبر مومياهم فردا ~~منهم، فلما وصل بها حاملوها إلى كوبري بولاق وأرادوا أن يجتازوه بها أوقفهم ~~رجال الدخولية، ms178 ليحصلوا منهم رسما عليها، ولكنهم لم يدروا ما هي، ولا في أي ~~صنف من الأصناف تقع؛ حتى فتح الله على أحدهم، فقال: «ألا ترون أنها فسيخة؟» ~~فقال رفاقه: «حقا! هي فسيخة!» وأخذوا عليها مكس فسيخة. # 21 # فلتنفخ العظمة البشرية، أية كانت بعد ذا، أوداجها! فما أحراها بالدرس الذي ~~ألقاه المسيو ماسبيرو خلف مارييت باشا على الأمير الألماني الصغير والمتغطرس ~~غطرسة إمبراطورية، افتخارا يحسبه البالغ من السن حوالي المائة والخمسين عاما، ~~أمام موميا ذلك الفرعون الراقدة عليها آلاف السنين! إذ قص عليه ما أصابها من ~~امتهان، لا في بلاد غريبة، يعذر فيها الناس على جهلهم إياها، بل في البلاد ~~ذاتها، التي كان صاحبها حاكمها المطلق، حيث كانت الحياة تعنو لجلاله؛ والقلوب، ~~قبل الأبصار، توجف خشوعا لهيبته؛ والركب تخر أمامه ساجدة! وعلى أيدي أحقر ~~الملأ من سلالة أولئك الخاشعين الساجدين! # وربما كان للخنزير الذي كان أليف مارييت باشا في مسكنه بصحراء سقارة ودهشور ~~دخل في بطء سير التحول عن احتقار العصور الفرعونية «الجاهلية» في نفوس مجاوريه ~~وفعلته، فإنه كان من شأن ذلك الحيوان «النجس» في عرفهم أن يحملهم على ~~الاشمئزاز، وعلى مزج صاحبه ومواضيع بحثه في عاطفة النفور عينها التي كانت ~~توجبها نجاسته، لا سيما، بعد أن وقع له، يوما، شديد القيظ، أنه خرج يلتمس ~~فيئا؛ فسارت به قدماه إلى رحبة مسجد مجاور، فرأى فيه «الميضا»؛ فحسن لديه ~~الاستحمام فيها، فخاضها بلذة، وأبطأ في التمتع ببرودتها اللطيفة، حتى جاء ~~المصلون، ساعة العصر، ليتوضأوا؛ فوجدوه منفردا بمياهها، فحملوا عليه حملة ~~منكرة، وأخرجوه مهينا مضروبا، واضطر مارييت إلى نقض بناء تلك «الميضا» لأنها ~~نجست، وإعادته ثانية، بحجارة غير التي احتك فيها خنزيره الأليف. # 22 # وكان من لطائف ذلك الخنزير، أيضا، أن لوردا إنجليزيا ذهب، مرة، مع اللادي ~~قرينته، لزيارة مارييت باشا في مقامه الصحراوي؛ فأمسكهم على الغداء، فما جلسوا ~~على المائدة إلا وأتى الخنزير، كأنه كلب ظريف، وأخذ يحتك بالجالسين، طالبا ~~منهم نصيبه في الطعام، فثارت عوامل الاشمئزاز العميق في صدر اللادي، وأبدت ~~استغرابها ms179 من «أن رجلا كمارييت يتخذ مثل ذلك الحيوان القذر أليفا له، دون ~~غيره من الحيوانات الجديرة بذلك»، ولإظهار اشمئزازها، عمليا، غرست أسنة شكوها ~~في ظهر ذلك المسكين، فما كان منه إلا أنه دخل تحت المائدة، وصدمها بظهره، ~~فقلبها بصحونها وطعامها على حضرة اللادي، فأتلف لها ملابسها. # 23 # وبلغ من غيره مارييت باشا على ادخار الآثار الفرعونية واكتنازها، والضن بها ~~على غير المتحف الذي أنشأه، أنه استصدر من الحكومة المصرية أمرا ساميا يحظر ~~تحظيرا باتا، التنقيب عليها وبيع أي شيء كان منها إلى الأجانب؛ ونقل أي أثر ~~يكون من مكانه، إلا بمعرفة رجال الآثار؛ وتصدير أي بقية من بقايا الماضي بمصر ~~إلى أي قطر من الأقطار الخارجية - وكان نهب الآثار القديمة، قبل ذلك، مباحا: ~~فملأ بها سارقوها المتاحف الغربية الكبرى - فضمن بذلك بقاء الكنوز المصرية ~~التاريخية لمصر والمصريين، دون سواهم؛ ولم يعد في استطاعة أحد أن يزين ببعض ~~منها غير المتحف المصري، والميادين المصرية، إلا تهريبا وتحايلا. كما وقع ~~للكونت لپيك وهو في الصعيد، فإن بعضهم عرض عليه مشتري موميا في سركوفاچها، كان ~~قد عثر عليها، بدون اطلاع رجال الآثار، في أحد مدافن الملوك، التي كانت لا تزال ~~تحت التنقيب، فتعرفها لپيك من الرسومات التي عليها، ولإدراكه قيمتها التاريخية، ~~اشتراها بثمن جيد، ولكن الصعوبة كلها كانت في التمكن من تصديرها إلى فرنسا، مع ~~تيقظ عيني مارييت ولا كأنهما أعين (أرجس) حارس بستان (الهسپريد) في الميثولوچيا ~~اليونانية، وزادت تلك الصعوبة، بعد أن فشا خبر المشتري وبلغ أذني «الأجرس» ~~المصري، وصدرت أوامره إلى ذوي الشأن بمديرية قنا، بمنع لپيك - ولو أنه فرنساوي ~~مثله - من مقتناه، وإعادة الثمن الذي دفعه به إليه - وكان عشرين ألف فرنك، على ~~ما أظن - وإرسال الموميا بسركوفاچها إلى المتحف، فعمد لپيك إلى من صنع له ~~سركوفاچا كالذي فيه الموميا، برسوماته وألوانه، ولو أنها غير متقنة، ووضع فيه ~~جذع شجرة، وسمر عليه غطاءه، ثم سلمه - كأنه يصدع بالأمر، ومقابل إعادة العشرين ~~ألف فرنك إليه - إلى رجال السلطة في المديرية - وكانوا ms180 من الجهل في ذلك الموضوع ~~بمكان عظيم - ورجاهم، فقط، ألا يرسلوه إلا بصحبته، حينما يئوب إلى مصر، عساه أن ~~يتمكن من نيل تصريح من الحكومة المصرية بتصديره إلى فرنسا، فوعدوه - وكان هو في ~~الأثناء قد سفر، سرا، السركوفاچ والموميا الحقيقيين إلى القصير، برا، ومنها ~~إلى السويس، بحرا، فإلى بورسعيد ومرسيليا - فلما تيقن أن ما اقتناه أصبح في ~~فرنسا، قام من الأقصر إلى مصر، ومعه السركوفاچ الكاذب، فاستلمه مارييت أمامه، ~~مبتهجا، ولكن نظره ما لبث أن وقع على غطائه، إلا وقطب حاجبيه؛ لأن عينه ~~الخبيرة أدركت التقليد، حالا، ففتح السركوفاچ بيد مضطربة، وإذا به يرى جذع ~~الشجرة داخله بدل جثة محنطة! فالتفت إلى لپيك وعوامل الاستغراب والغيظ ~~والاستهزاء تتناوبه، وهو لا يدري أيها يبدي، فقابل لپيك نظره بقهقهة ضحك عالية؛ ~~وقال: «لم يعد، يا صديقي، من وسيلة، سوى أني أرد إليك العشرين ألف فرنك التي ~~دفعت إلي؛ فهاكها؛ لأن ما اشتري بها، حقا، أصبح في فرنسا!» فأدرك مارييت أن ~~مواطنه ضحك عليه، ولما كان ممن يستطعمون ملح السخرية الظريفة أكثر مما تستفزهم ~~السخرية إلى الغضب، انضم إلى لپيك في ضحكه، وانقضى الأمر بينهما على سلام! # 24 # وأما المكتبة الخديوية، فيعزو بعضهم إنشاءها إلى إشارة بذلك صدرت من السلطان ~~عبد العزيز إلى (إسماعيل) ويقولون: إن هذا العاهل، لما زار مصر، وشاهد مساجدها ~~وآثارها، ورأى الكتب العديدة من مخطوطات ومطبوعات، مبعثرة في خزاناتها، أشار ~~على (إسماعيل) بإنشاء مكتبة عامة تجمع شتاتها، ليستفيد الناس بمطالعتها، وإن ~~هذه الإشارة الهمايونية وقعت وقعا جميلا من نفس (إسماعيل). # على أننا، مع عدم ميلنا إلى تكذيب حكاية هذا الإيعاز، نرى أنه كان من طبيعة ~~الاهتمام الذي أبداه (إسماعيل) بإحياء العلوم والمعارف في بلاده، ومن شأن رغبته ~~في تكوين نهضة علمية أدبية فيها، أن يولدا في نفسه فكرة إنشاء تلك المكتبة، ~~وكان جده (محمد علي الكبير) قد أوجد مستودعا في بيت المال القديم، خلف المسجد ~~الحسيني، لبيع مطبوعات الحكومة من كتب وغيرها، فأضاف (إسماعيل) إلى ما فيه من ~~كتب، ms181 نحو ألفي مجلد من مخطوطات بالعربية والتركية والفارسية، ابتاعها من تركة ~~حسن باشا الموناسترلي أحد كبار رجال (عباس الأول)، ولما كانت سنة 1869 - وهي ~~سنة الاحتفال بفتح القناة السويسية، وتوافد أصحاب التيجان وأرباب الأقلام إلى ~~القطر - أوعز إلى علي باشا مبارك - وكان مدير ديوان المدارس؛ أي: ناظر المعارف ~~- أن يتخذ محلا، من سراي درب الجماميز، بجانب ديوانه، ويجعله دار كتب خديوية، ~~وينقل إليه ذلك المستودع برمته، وأهم ما يجد من كتب في المساجد والتكايا بمصر ~~وغيرها من مدن القطر؛ ففعل، وأضاف إليها الكتب التي كانت في خزانة الأوقاف ~~الخيرية، وكثيرا من الآلات الهندسية والرسومات ونحوها. # فلما كانت سنة 1870، أصدر (إسماعيل) أمرا رسميا بإنشاء المكتبة، وأمر علي ~~مبارك باشا بتنظيمها ووضع قانون لها؛ ففعل، وفي سنة 1876 توفي الأمير مصطفى ~~فاضل باشا شقيق (إسماعيل) - وكان كلفا بالكتب، عربية وغيرها، حريصا على ~~اقتنائها، وعنده منها خزانة نفيسة فيها نيف و3500 كتاب، فابتاعها (إسماعيل) ~~بثلاثة عشر ألفا من الجنيهات، وأهداها إلى مكتبة الخديوية؛ وما زال يجد في ~~اقتناء الكتب العربية وغيرها، وهو لا يبالي بالإنفاق، حتى صير تلك الدار تضارع ~~مثيلاتها التي من درجتها في العواصم الأوروبية، وأعاد إلى الشرق الأدنى، مثالا ~~من مفاخره العلمية، التي ازدهت بها العصور العباسية والفاطمية؛ وأخرج إلى ~~الأيام الحاضرة، في ثوب قشيب، تحفا من تلك المفاخر، جعلتنا نشاهد عيانا ما ~~كنا نسمع عنه من خطوط متقنة، كخطوط ابن مقلة، ورسوم بهية بهجة ومكن ظمأنا إلى ~~العلم والبحث والمذاكرة، من ينابيع حية يلجأ إليها، فيرتوي. # وأما دار الآثار العربية، فإن (إسماعيل) أصدر أمره بإنشائها في سنة 1869 وكلف ~~بذلك فرنس باشا، رئيس هندسة الأوقاف، وكان غرضه منها جمع ما كان مبعثرا في ~~المساجد وغيرها، من الآثار العربية والإسلامية، على أنواعها، لتكون تلك الدار ~~ضوءا للمتحف المصري، المجموعة فيه الآثار الفرعونية والبطليموسية والرومانية ~~والبيزنطية، فيكون الاثنان معا، هيكلا فخما للتاريخ المصري برمته، ينتقل فيه ~~المطالع الباحث، أو المتفرج البسيط، من مرحلة إلى مرحلة، في حياة مصرنا هذه، ~~على ممر ms182 العصور، وهو مأخوذ اللب دهشة، وإعجابا وإعظاما ولكن عللا كثيرة، ~~منها اشتغال المكان المطلوب لجمع تلك الآثار فيه بما سواها، حالت دون تنفيذ ~~فرنس باشا أمر (إسماعيل) في عهده فلم تخرج فكرة «الخديو العظيم» إلى الوجود إلا ~~في أيام ابنه وخليفته، المرحوم محمد توفيق باشا؛ وقد أنبأ علي بهجت بك، مدير ~~دار الآثار العربية الآن، المؤرخ المحقق الكبير المرحوم جورجي زيدان بك «أن عدد ~~ما كان في تلك الدار من التحف الأثرية، في سنة 1913، نحو 4000 قطعة، بينها آثار ~~عربية إسلامية من بقايا التمدن الإسلامي على اختلاف عصوره؛ ومصنوعات حجرية ~~وزجاجية، وخشبية، ونحاسية على الطرز العربي الجميل، تستحق العناية والدرس، ~~وأكثرها من عصور الفاطميين والأيوبيين والمماليك والعثمانيين!» # 25 # غير أن مظهر النهضة العلمية الرسمي بمصر لم يقتصر، مطلقا، على ما ذكر، ولو ~~أنه تجلى فيه، على الأخص، فدار الطباعة، مثلا، وجدت من (إسماعيل) عناية كبرى ~~جعلتها أكبر مطبعة عربية في العالم، حتى بلغ متوسط المؤلفات المطبوعة فيها، ~~سنويا، على عهده، نيفا وعشرين مؤلفا، فضلا عن الكتب المترجمة ~~وخلافها. # ثم إنه نشط الصحافة والجمعيات العلمية، والخيرية، والأدب على أنواعه، في سائر ~~الأمصار العربية، تنشيطا عظيما، بتشجيعه المعروف للعلم. # أما الصحافة، فهو الذي سهل الاشتغال بها على أدباء السوريين المتقاطرين في ~~أيامه إلى مصر، طمعا في كرمه؛ وأشهرهم آل تقلا، وأديب إسحق، وسليم النقاش، ~~وسليم حموى، وغيرهم، ولم يكن يقاوم حريتها في أي موضوع تخوض فيه، ما عدا موضوع ~~الطعن عليه؛ وعدم مراعاة جانبه، فإن الخوض فيه كان يؤلمه ويؤذيه، لا سيما في ~~أيام ضيقه، وتنازعه على البقاء مع دائنيه وحماتهم، ولا غرابة، فما من عاهل، لا ~~سيما في أيامه، ولا سيما من كان منبته وتربيته كمنبته وتربيته، كان يستطيع أو ~~يريد أن يروض نفسه على احتمال انتقاد ألسنة الرعايا لأعماله، وما من رجل يحسن ~~إليك ويرعاك، إلا ويستفزه أن تكون مع عدوه عليه، في وقت شدته. # أما الجمعيات، من علمية وخيرية، فقد أمدها بعنايته وماله، وشجع الناس على ~~الاشتغال فيها، فإليه ms183 مرجع الفضل في تأسيس الجمعية الجغرافية الخديوية في سنة ~~1875 - وكان من أهم أعضائها محمود باشا الفلكي، وستون باشا الأميريكي، وكلاهما ~~من موظفي الحكومة المصرية - والجمعية العلمية الشرقية - وكان من أهم أعضائها ~~أرتين باشا وفخري باشا، ثم انضم إليها سليمان أباظة باشا، وإلياس حبالين، ~~والدكتور مهدي خان التبريزي - وساعدت حكومته على إنشاء الجمعية الخيرية ~~الإسلامية الأولى في سنة 1878، وأمدتها بالنقود؛ ولما كان الباعث على إنشائها ~~روحا سياسية اجتماعية دبت في نفوس المصريين في ذلك العهد، على أثرها شاهدوه من ~~استئثار الأجانب بمرافق البلاد الاقتصادية، فحملتهم على فتح المدارس لتعليم ~~البنين والبنات، وتهذيب أخلاقهم، في ميدان حرية مطلقة، فإن الحكومة اشترطت ~~عليها لكي يسمح لها بذلك، ألا تكون خاصة بالمسلمين، وألا تصطبغ بصبغة دينية ~~خاصة، فغيرت الجمعية اسمها، وتسمت «بالجمعية الخيرية»، فاعتبرت رسميا وصدق ~~على قانونها. # وأما الأدب، فقد نشطه (إسماعيل) بما سهل لرجاله من أسباب الرزق في خدمة ~~حكومته، وخدمته الشخصية، وغيرها، فقد قرب إلى ذاته الشاعرين المجيدين عليا أبا ~~النصر المنفلوطي والشيخ علي الليثي، والكاتب الفريد عبد الله فكري باشا؛ وألحق ~~بمعيته عبده الحمولي الموسيقي المغني الشهير، وعهد بتثقيف أبنائه إلى الأستاذ ~~الشيخ عبد الهادي نجا الأبياري، ووهب إبراهيم المويلحي، بعد أن خسر ثروته في ~~التجارة، مالا استرجعها به، ووظف نقولا بك توما في حكومته، حينا، وأدنى من ~~نفسه الدكتور أحمد حسن الرشيدي، وأوعز إليه أن يشتغل؛ فألف كتاب «عمدة المحتاج ~~لعلمي الأدوية والعلاج»، ولما انتقل يوسف الخياط بجوقه التمثيلي من الإسكندرية ~~إلى مصر في سنة 1878، أمر (إسماعيل) أن تفتح له أبواب الأوبرا لتمثيل رواياته ~~فيها، ووعد أن يحضر التمثيل بنفسه، ولكن ذلك الغبي لم يجد رواية في متعلماته ~~يفتتح بتمثيلها الفصل إلا رواية «الظلوم»؛ وكان (إسماعيل) حاضرا: فغضب لما ~~تخللها من ذكر الظلم والظالمين في تلك الأيام العصيبة، التي كانت الحرب فيها، ~~بينه وبين الدائنين الغشومين، عوانا؛ وتوهم بحق أن أولئك الممثلين، بالرغم من ~~أنه غمرهم بفضله، يعرضون به وبأحكامه، انقيادا لإيعازات أعدائه، فاستنقصهم ~~جدا، وحكم بأنهم غير ms184 جديرين بالنعمة التي أسبغها عليهم، وأمر بإخراجهم من ~~مصر، فباءوا بعار وخزي عظيمين. # وأما العلم، فلا أدل على اهتمام (إسماعيل) به، وجهاده في سبيل ترقية شئونه من ~~البضع والعشرين بعثة علمية التي سيرها إلى مجاهل إفريقيا الوسطى والشرقية، ~~لاكتشافات علمية متنوعة، سيأتي ذكرها، بالتفصيل، في كلامنا على تحقيقه الشطر ~~الثالث من الخطة التي رسمها لمجهوداته. # وأما المظهر الفردي لتلك النهضة، فتجلى في مجهودات النابغين من المدارس ~~المصرية والسورية على اختلاف أنواعها ومذاهبها، ومن الإرساليات المدرسية إلى ~~البلاد الأجنبية، منذ أيام (محمد علي)، ومباحثهم وأعمالهم وتآليفهم. # فحسين حسني باشا - الذي بدأ حياته العملية بصفة مصحح وكاتب بالتركية في ~~الوقائع الرسمية سنة 1851، وآلت إليه، في نهاية أمره، النظارة على مطبعة بولاق ~~الأميرية سنة 1880 - كان من نوابغ الرجال في الهمة والإقدام، فضلا عن سعة ~~اطلاعه على الرياضيات والميكانيكيات، (علوم الحيل)، وإليه يرجع الفضل في ~~استجلاب معمل الورق لمصر. # ومحمد علي باشا الحكيم، وإبراهيم الدسوقي، كانا أول من أنشأ مجلة طبية في ~~اللغة العربية سنة 1865، دعواها «اليعسوب» وضمناها من المباحث الجليلة، ما ~~ترتوي منه الألباب، وترتاح إليه العقول - ألا ليتها عاشت طويلا! # وأبو السعود أفندي، الذي ترجم عدة كتب تاريخية وغيرها، كان أول من أنشأ جريدة ~~سياسية مصرية، فدعاها «وادي النيل» واستمر يصدرها مرتين في الأسبوع طافحة ~~بالمقالات السياسية والأدبية والعلمية، إلى أن وافته المنية سنة 1878. # وإبراهيم المويلحي، ومحمد عثمان جلال، تلياه في هذا المضمار، وأنشأ في ~~القاهرة في سنة 1869 «جريدة نزهة الأفكار» - وكانت أسبوعية، شديدة اللهجة، ~~فاضطرت الحكومة إلى تعطيلها. # وسعيد صالح بك، ناظر المدارس، أصدر في سنة 1870 مجلة دعاها «روضة المدارس» ~~أخذ يطبعها في مطبعة «وادي النيل» ويوزعها على الطلبة مجانا - وكانت علمية، ~~أدبية، يحررها نخبة من العلماء والأدباء، منهم عبد الله فكري باشا السابق ذكره، ~~وإسماعيل باشا الفلكي، وبدر بك الحكيم، وعلي مبارك باشا، ورفاعة بك، وقدري بك - ~~وهو الذي أصبح، فيما بعد، قدري باشا المشهور بمؤلفاته، وكان كل منهم ينشر فيها ~~مقالات متسلسلة في موضوع واحد كالكتاب ms185 المستقل. # وميخائيل عبد السيد أفندي أصدر جريدة «الوطن» في سنة 1877 - وهي أقدم الصحف ~~القبطية - وسليم حموي باشا السوري أصدر جريدة «الكوكب الشرقي» في الإسكندرية ~~سنة 1873؛ ولكنها لم تعش طويلا، وسليم تقلا بك، وبشارة أخوه، السوريان، أصدرا ~~بالإسكندرية في سنة 1876 جريدة «الأهرام»، فنالت حظا وافرا من الرواج ~~والنفوذ؛ ولا تزال تنشر لغاية يومنا هذا، وربما كان لها من اسمها الحظ في ~~البقاء الذي أتعبت الدهور جهودها في حرمان مسماها منه، ولم تفلح . # وأحمد حسن الرشيدي - وهو من كبار نوابغ مدرسة الطب المصرية، وقد سبق الكلام ~~عنه - جاهد في خدمة النهضة التي نحن في شأنها جهاد الأبطال، ترجمة وتأليفا؛ ~~فكان من أكبر أركانها ومن أكثر الأطباء عملا في سبيلها، وهو، وإن يكن من نابغي ~~عصر (محمد علي) إلا أنه قد أدرك زمن (إسماعيل) وألف، في أكثر فنون الطب ~~والطبيعيات والأقرباذين، التآليف الوافية الممتعة. # ومحمد علي باشا البقلي، الجراح الطائر الصيت - وهو من زاوية البقلي ~~بالمنوفية، وقد سبق ذكره أيضا - قد ألف في الجراحة جملة كتب مفيدة، منها: ~~«روضة النجاح الكبرى في العمليات الجراحية الصغرى» و«غرر النجاح في أعمال ~~الجراح» و«غاية الفلاح في فن الجراح» و«نشر الكلام في جراحة الأقسام»، علاوة ~~على إصداره «اليعسوب» المجلة الطبية العربية البادي ذكرها. # وحسن عبد الرحمن بك - وكان من أساتذة مدرسة الطب في أيام نظارة محمد علي باشا ~~البقلي عليها - ألف، بأمر رئيسه هذا، كتاب «القول الصحيح في علم التشريح»، لكي ~~يدرس في المدرسة المذكورة. # وأحمد ندا بك، الصيدلي الشهير، المتوفى سنة 1877، كان هماما، كثير العمل ~~والبحث، محبا للتأليف ونشر العلم، وله مؤلفات جزيلة الفائدة، أهمها: «الآيات ~~البينات في علم النباتات» و«حسن البراعة في فن الزراعة» (مترجم عن الفرنساوية) ~~و«حسن الصناعة في فن الزراعة»، وضعه للتعليم في مدرسة الزراعة التي أحيل إليه ~~التدريس فيها بعد إنشائها، و«الأقوال المرضية في علم الطبقات الأرضية» ~~(چيولوچيا)، وهلم جرا. # وحسين عوف بك الكحال، المتوفى سنة 1883 - وكان، في عصره، ركنا من أركان ~~العلم الأربعة، وهم: أحمد ندا بك في ms186 التاريخ الطبيعي، ومحمد علي باشا البقلي في ~~الجراحة، وحسن عبد الرحمن بك في التشريح، والمتكلم عنه في الرمد - ألف في فنه ~~هذا كتابا ذا سبعة أجزاء من خير ما دبجه يراع الكاتب. # ومحمد حافظ بك، المتوفى سنة 1887 - وكان أستاذ الرمد في مدرسة الطب - ألف ~~كتاب «مطمح الأنظار في تشخيص أمراض العين بالبحث بالمنظار». # وسالم سالم باشا، المتوفى سنة 1893، صاحب الشهرة الواسعة، ألف كتاب «وسائل ~~الابتهاج إلى الطب الباطني والعلاج» و«دليل المحتاج في الطب والعلاج»، وأكثر ~~مصادره ألمانيه؛ لأنه تمم اختباراته الطبية في ڨيينا، بعد خروجه من مدرسة القصر ~~العيني سنة 1848. # وعلي رياض بك، الصيدلي، نشر في عهد (إسماعيل) كتاب «النفحة الرياضية في ~~الأعمال الأقرباذينية». # وعبد الهادي إسماعيل، معلم البيطرة في المدارس الحربية، ألف كتاب «العجالة ~~البيطرية لإرشاد الضباط والسوارى والطوبجية». # ومنصور أحمد، مدرس الكيمياء بمدرسة المهندسخانة المصرية، ألف كتابه «عمدة ~~المتطببين في فن الصيدلة والأقرباذين». # ألا يخيل لك، أيها القارئ، أنك في أيام الرشيد والمأمون؛ وهلا تتمثل أمامك ~~شخصيات آل بختشوع وآل حنين، وأنت تقرأ أسماء كل هؤلاء النوابغ المصريين في علمي ~~الطب والصيدلة؟ # وبهجت باشا - وهو أرناؤطي الأصل - خلف خرائط طوبوغرافية يعتد بها. # وعلي عزت، المدرس للعلوم الرياضية في المهندسخانه، ألف «الخلاصة العزية في ~~تهذيب الأصول الحسابية». # وأحمد فائد بك، وهو من كبار أساتذة المهنسدخانة الخديوية، وضع المؤلفات الجمة ~~في الهندسة والسوائل، أهمها: «الأقوال المرضية في علم بنية الكرة الأرضية» ~~و«تحرك السوائل» و«الدرة السنية في الحسابات الهندسية». # وعامر سعد، مدرس الرياضيات بالمدارس الحربية، ألف «المنحة الزهرية في الأعمال ~~الجبرية» و«أحسن الوسائل لتصريف السوائل». # وأحمد نجيب، مدرس الرياضة بمدرستي أركان الحرب والطوبجية، ألف «التحفة البهية ~~في الهندسة الوصفية». # وحسين علي الديك، ألف كتاب «عدة الحاسب وعمدة الكاتب» في الحساب ومسك الدفاتر ~~والديوانية. # ومحمود باشا الفلكي، المذكور مرارا والمتوفى سنة 1885، عن ثمانين عاما، ألف ~~بالفرنساوية والعربية مؤلفات جمة ممتعة. # ومختار باشا المصري، وكان كثير الاشتغال في الرياضيات والفلك، ألف «التوفيقات ~~الإلهامية لمقارنة السنين الهجرية بالإفرنجية والقبطية» و«المجموعة الشافية في ~~علم ms187 الجغرافية» و«جداول تحويل المسطحات المترية»، وهلم جرا. # وإسماعيل باشا الفلكي، ألف «الآيات الباهرة في النجوم الزاهرة» وتقاويم فلكية ~~سنوية. # والسيد صالح مجدي بك، المحالة إليه ترجمة الكتب في الفنون العسكرية، ألف ~~«الدر المنثور في الظل والمنظور» و«بغية الطلاب في قطع الأحجار والأخشاب» ~~و«الروضة السندسية في الحسابات المثلثية» و«تذكير المرسل بتحرير المفصل ~~والمجمل» و«ميادين الحصون والقلاع ورمي القنابل باليد والمقلاع» وكتاب «الترع ~~والأنهر»، وهلم جرا. # ومحمد صفوت المشهور باسم «الساعاتي المصري»، وعلي أبو النصر المنفلوطي، ~~والشيخ علي الليثي، أطربوا العام والخاص والسوقة والأمراء بأشعارهم ~~الجميلة. # ومن نكات الشيخ علي الليثي المستظرفة أنه دخل يوما هو والشيخ علي أبو النصر ~~المنفلوطي على (إسماعيل)، والخديو منقبض النفس، وكان الرجلان - على خفة روحهما ~~التي كانت كأنها خطرة نسيم عطر - طويلي القامة جدا، دميمي الخلقة، وأسودين ~~سوادا يكادان يكونان زنجيين. # فلما وقعت عين (إسماعيل) عليهما أخذ يجيلها في طولهما وعرضهما، ويرفعهما بها ~~ويضعهما، فلما رأى الشيخ علي الليثي منه ذلك، شرع يقلب كفا على كف، فقال ~~(إسماعيل) له: «ما بالك تفعل هذا؟» قال: «أفكر في أمر أقوله إذا صفح عنه مولاي ~~مقدما». قال: «لقد صفحت، فقل». قال: «أراني أستغرب ما الذي أعجب به مولاي في ~~مدخنتين مثلنا أنا وزميلي هذا!» فضحك (إسماعيل) وسري عنه. # وقد كان الشيخ علي الليثي هذا - على ما به من خفة روح وعلى ما في شعره من ~~الإبداع والرواء - على جانب متين مع الله، فمن أجمل ما يحكى عنه أن رجلا يقال ~~له: محمود فوزي أفندي (كان ناظرا لدار العلوم فأنزله علي مبارك باشا إلى وظيفة ~~أستاذ الكيمياء والطبيعة في إحدى المدارس الثانوية، ثم ما زال به حتى رفته ~~بتاتا، مع أنه كان ابن زميل له في التلمذة بفرنسا) قصده وسأله أن يتوسط له لدى ~~الباشا لكي يعيده إلى منصبه، لعدم تمكنه من استخدام علمه في الكيمياء ~~والجغرافيا الطبيعية إلا في التدريس، فقال له الشيخ علي الليثي: «أعفني، يا ~~ولدي، من هذه المهمة؛ فإنها شاقة على نفسي، فعلي مبارك باشا هذا ms188 رجل سيئ ~~الأخلاق وأخشى إذا أنا كلمته في هذا الشأن أن لا ينالني منه إلا إراقة ماء ~~وجهي!» ولكن محمود أفندي تشدد في التماسه، فتظاهر الشيخ علي بأنه يروم قضاء ~~حاجة فاستدعى خادمه وقال له: «ضع لي إبريق الماء في بيت الراحة»، وكانت هذه ~~جملة مصطلحا عليها بينه وبين خادمه، يعني «أحضر لي عربتي!» ثم قلع جبته وخرج ~~واضطر محمود أفندي إلى انتظاره حتى يعود. # ولكن الشيخ علي ما بارح الحجرة إلا وارتدى جبة خلاف الجبة التي تركها فيها ~~وسار توا إلى علي مبارك باشا في ديوانه ودخل عليه وبادره بالكلام هكذا: «أنت ~~يا رجل أوقع في خلدك أن بيتي تكية لك ترسل إليها من تشاء؟» فدهش علي باشا وقال: ~~«ماذا تعني يا شيخ علي؟» قال: «أعني أن كل من ترفته أنت من موظفيك يأتي فيحل في ~~بيتي»، وها محمود فوزي أفندي خوجا الكيمياء والطبيعة في المدارس الثانوية، الذي ~~رفته منذ أيام، أتاني بأمه وزوجه وأولاده وأخواته ونزل عندي، وأراني مضطرا ~~إلى الإنفاق عليه؛ أفترى أن أولادي قليلون علي فترهقني بالإنفاق على كل هذه ~~العائلة. قال علي باشا: «ولكن محمود أفندي هذا رجل شرس الأخلاق، قليل الأناة، ~~كثير المخالفة للأوامر!» فقال الشيخ علي: «وأنا ما شأني حتى تنكبني به ~~وبأولاده؟ إني سأرسله إليك من غد، فأعده إلى وظيفته وزد في مرتبه!» قال علي ~~باشا: «وتريد أيضا أن أزيد في مرتبه؟» قال: «نعم» وخرج عائدا إلى منزله، فوجد ~~محمود أفندي هناك في انتظاره، فما رآه هذا استوى على مقعهده إلا وأعاد الكرة ~~وكرر الالتماس، فقال له الشيخ علي: «يا بني إني، بعد ما قلته لك عن أخلاق علي ~~مبارك باشا، أرى أن الأوفق أن تكتب له عرضا تسترحمه فيه وتطلب إعادتك إلى ~~وظيفتك!» ثم قدم له ورقة وقلما، وقال: «خذ واكتب!» وأملاه عرضا لطيفا وصرفه ~~موصيا إياه بأن يذهب به إلى علي مبارك باشا من صباح غد. # ففعل محمود أفندي كما أمر، ولما أدخل العرض إلى علي مبارك باشا أمر بكاتبه ms189 ~~فمثل بين يديه، فقال له الباشا: «أأنت كاتب هذا العرض؟» قال: «نعم». قال: «وأنت ~~من الذي عرفك بالشيخ علي الليثي؟ حقيقة إنكم أناس لا تختشون!» # ثم استدعى باشكاتب الديوان وأمره بأن يكتب إذنا بإعادة محمود أفندي إلى ~~وظيفته، وبزيادة جنيه على مرتبه الأصلي وصرفهما. # فخرج محمود أفندي وهو لا يدري أفي يقظة هو أم في منام، ولما كان العصر وفرغ ~~من عمله، ذهب إلى الشيخ علي الليثي ليشكره، وقال له: «حفظ الله مولاي الأستاذ، ~~فإنه لم يعلمني البتة أنه قابل علي مبارك باشا البارحة وأوصاه بي خيرا!» فأجاب ~~الشيخ علي: «إني يا بني إنما أردت أن يكون اعتمادك على الله، لا على الشيخ علي، ~~وقد خرجت أنت من عندي ولا اعتماد في قلبك إلا على الله، وها قد تحققت بنفسك أن ~~من يعتمد على الله لا يخيب». # 26 # وعائشة التيمورية، ومعلمتاها فاطمة الأزهرية وستيتة الطبلاوية، فتحن بأناملهن ~~العنابية باب أفق جديد أمام الأعين المعاصرة لهن، المبتهجة بعملهن الشعري ~~والنثري البديع. # وعبد الهادي نجا الأبياري، السابق ذكره، صاحب كتاب «سعود المطالع» وكتاب ~~«نفحة الأكمام في مثلثات الكلام» و«الوسائل الأدبية في الرسائل الأحدبية» ~~و«الكواكب الدرية في نظم الضوابط العلمية» وكتاب «باب الفتوح لمعرفة أحوال ~~الروح»، وغيرها. # والشيخ حسين المرصفي المصري، صاحب «الكلم الثمان» و«الوسيلة الأدبية في ~~العلوم العربية» جعلا لعلوم اللغة بمصر مقاما كالذي رفعها إليه في سوريا الشيخ ~~ناصيف اليازجي، صاحب «مجمع البحرين» و«فصل الخطاب» وأحمد فارس الشدياق، صاحب ~~«سر الليال في القلب والإبدال» و«غنية الطالب». # وعبد الله أبو السعود، صاحب جريدة «وادي النيل»، وحسن حسني باشا الطويراني، ~~وعلي مبارك باشا، ورفاعة رافع بك، أعادوا عصور ابن الأثير وابن خلدون والمقريزي ~~بما كتبوه من المؤلفات التاريخية والجغرافية المفيدة، فأبو السعود، وضع كتاب ~~«الدرس التام في التاريخ العام» وكتاب «منحة أهل العصر بمنتقى تاريخ مصر»؛ وحسن ~~حسني الطويراني، وضع كتبا في العربية والتركية في تاريخ الدولة العثمانية، تعد ~~بالعشرات؛ وعلي مبارك باشا، ألف كتاب «الخطط التوفيقية» في عشرين جزءا، تحدى ~~فيه أسلوب ms190 المقريزي في «خططه»؛ ورفاعة رافع بك، من رجال عهد الأسرة العلوية ~~لغاية (إسماعيل)، وضع في التاريخ سفرا جليلا، دعاه «أنوار التوفيق الجليل في ~~أخبار مصر وتوثيق بني إسماعيل» حال المنون بينه وبين إتمامه، فلم يطبع منه سوى ~~الجزء الأول، وذلك فوق ما كتب من الأسفار الهامة في غير عهد (إسماعيل). # ومحمد عليش المغربي، صاحب «فتح العلي المالك، في الفتوى على مذهب الإمام ~~مالك»؛ وقدري باشا، صاحب «مرشد الحيران إلى معرفة أحوال الإنسان» وغيره؛ ومحمد ~~العباسي المهدي، صاحب «الفتاوى المهدية»، أعادوا إلى الشرع والقضاء، شيئا من ~~سنا الأنوار التي أشرقت عليهما، على أيدي أبي حنيفة النعمان وأبي يوسف والإمام ~~مالك وغيرهم. # وجمال الدين الأفغاني - ولو أنه غير مصري، وأنه لم يخلف كتبا تستحق الذكر - ~~قد أحيا بمقامه بمصر مدة في زمن (إسماعيل) روحا في نفوس المسلمين من أهالي ~~البلاد، كان لتحركاتها، ومساعيها، وجهودها التالية شأن خطير، اصطبغ به الربع ~~الأخير من القرن التاسع عشر، اصطباغا أزعج الكثيرين من أرباب السياسة. # وأما مظهر النهضة الاجتماعي، فتجلى في الجمعيات على أنواعها التي قامت في ظل ~~(إسماعيل) أو في عهده، تفتح للهمم سبل أعمال جديدة، من خيرية، وعلمية، وخطابية، ~~وأدبية، وسياسية. # فالجمعية الخيرية الإسلامية، وقد سبق الكلام عنها؛ وجمعية المقاصد الخيرية، ~~وقد تأسست في سنة 1878، تحت رياسة سلطان باشا، وبعضوية مقبل باشا، وكثيرين من ~~أعيان مصر، نزعتا إلى أعمال البر والتعليم، ففتحتا المدارس، وأمدتا عدة أسر ~~فقيرة. # ومجلس المعارف المصري - وهو «الانستييوت» أو المعهد العلمي المصري، الذي ~~أنشأه بونابرت، حين قدم بحملته إلى مصر، بعث من رمسه في سنة 1859، على يد جماعة ~~من رجال العلم الغربيين - قام ينشر المدنية والعلم بمصر، وتوالى على رياسته ~~نخبة من العلماء، في جملتهم مارييت باشا، ودشامبور، وكولوتشي، وغيرهم. # وجمعية المعارف - وقد تأسست في سنة 1868 بمساعي محمد عارف باشا، أحد أعضاء ~~مجلس الأحكام لنشر الكتب النافعة، وبرزت في شكل شركة مساهمة، ثمن السهم فيها ~~خمسة جنيهات، فلقيت إقبالا كثيرا حتى بلغ عدد المساهمين أو الأعضاء بضع مئات، ~~مزيتهم ms191 الوحيدة الحق في اقتناء مطبوعات الجمعية بثمن أقل مما تعطى به لسواهم - ~~شرعت تطبع الكتب الهامة في التاريخ واللغة والأدب والفقه، منها: «أسد الغابة» ~~لابن الأثير و«ألف باء» و«الفتح الوهبي» و«تاج العروس» وغيرها، وما زالت عاملة ~~حتى حدث التنازع السياسي الذي سيأتي بيانه في حينه، بين (إسماعيل) وحليم باشا، ~~على مبدأ الوراثة؛ وكان محمد عارف باشا من مروجي آراء حليم، فلم تعد تطيب له ~~الإقامة بمصر؛ ورأى أن سكناه الأستانة أوفق للمصلحة التي قام يدافع عنها، فذهب ~~إلى القسطنطينية، وتوفي فيها، وانحلت الجمعية، وكان عارف باشا هذا من أهل ~~الأدب، له مؤلفات في التركية، ويحسن اللغة العربية، ويروون من نظمه بيتين يفتخر ~~بهما، ويدلان على عقليته، وهما: # ألم تعلم بأن سماء فكري # تلوح بأفقها شمس المعارف؟ # تفرس والدي في المزايا # فيوم ولدت، لقبني بعارف! # وجمعية رواق الشوام بالأزهر، وقد أنشأها طلبة الأزهر السوريون سنة 1873، ~~أخذت، كلما عزم طالب سوري على الرجوع إلى الشام نهائيا، تحدد ليلة للاجتماع، ~~تعلنها إلى أهل الرواق، فيعد الشعراء قصائد الوداع، ويتلونها ليلة السفر بمحضر ~~من علماء الأزهر وأدبائه، وكانوا يبتدئون القصيدة بالغزل، ثم يتخلصون إلى ~~المديح والوداع، ويتبارون ويتنافسون فيها أيما تنافس، ولم يكن الشعراء من ~~السوريين فقط، بل كل من أراد أن ينظم قصيدة، أيا كان، تقبل منه، ويؤذن له بتلاوتها. # 27 # وجمعية الآداب، وأنشئت بمصر سنة 1871، وتولى رياستها الشيخ محمد الخشاب ~~الفلكي؛ والجمعية العلمية الشرقية، وقد سبق ذكرها، قامتا مشتهرتين باسمي علم، ~~ترميان إلى أغراض سياسية في طي الخفاء. # وأما جمعية «مصر الفتاة» فقد كانت سياسية، جوهرا ومظهرا؛ وذكروا أن من ~~أعضائها جمال الدين الأفغاني، وأديب إسحق، وسليم النقاش، وعبد الله نديم، ~~ونقولا توما، وغيرهم من أرباب الأقلام في ذلك العهد، وذلك لصدور جريدة سميت ~~«مصر الفتاة» باسم الجمعية عينها، دبج أعمدتها بالعربية والفرنساوية معا أقلام ~~أولئك المفكرين، على أن بعض الثقات أكدوا لجورجي زيدان بك، أن هذه الجمعية كانت ~~اسما بلا مسمى؛ وأن أصحاب جريدة «مصر الفتاة» أرادوا إيهام أولي الأمر بوجود ms192 ~~جمعية سرية يخشى بأسها، فيعتدلون. # غير أن أهم ما تجلى فيه مظهر النهضة الاجتماعية، هو مجموع التغييرات الأساسية ~~التي أدخلها عصر (إسماعيل) على الحياة الاجتماعية المصرية، فجعلت بقاءها على ~~جمودها القديم أمرا في منتهى التعذر، وسيرتها باستمرار نحو بيئات جديدة، ~~وعقلية حديثة، وهو ما توخينا في الفصل التالي. # على أننا، قبل الخوض في هذا الموضوع ، نرانا مضطرين أن نلفت نظر القارئ إلى ~~أننا لا نقصد، من قولنا هذا، الحكم بصلاحية تلك التغييرات الأساسية، واستنكار ~~ما كانت عليه البلاد من جمود قديم؛ أو الحكم بالعكس: لأن ذلك، في كلا الأمرين، ~~يستدعي بحثا ليس له هنا من موضع، وإنما نقصد إثبات واقع، ترك في تاريخ القطر ~~أثرا عميقا، ندع الحكم في صلاحيته من عدمها إلى ذكاء القارئ وتحقيقات ~~الأيام. # الفصل السادس # | التغييرات التي أدخلت على الحياة الاجتماعية المصرية فأوجبت تطورها المستمر1 # إنما تحمل الشعوب على تغيير نظامها الصحي، وعاداتها، وطرق معيشتها، بتغيير ~~حال مساكنها، وتجديد صميم بيوتها تجديدا كليا. # كاتب عصري ~~(فإسماعيل) وإن لم يغير حال المساكن، ولم يجدد صميم البيوت، بمعنى هذين التعبيرين ~~الحرفي - لأن ذلك كان يقتضي هدم المساكن والبيوت - فقد أقام طوال مدة حكمة عاملا ~~على تغيير عقلية رعاياه: فكريا، وإداريا، وقضائيا، ومنزليا، وسياسيا، ~~واجتماعيا، مع إقدامه على تغيير بيئة المساكن والبيوت، بما جدد من الشوارع ~~القائمة تلك المساكن والبيوت عليها؛ وما أنشأ من شوارع جديدة مشجرة وعمارات جديدة ~~فخمة على الطراز الغربي بجانب الشوارع والسكك والمباني القديمة، أو على مقربة منها، ~~كما سبق لنا بيانه، وإقدامه، في الآن عينه، على تعديل صميم المساكن والبيوت بما ~~أدخله إلى عقرها من تعليم، وتهذيب، وأفكار، وطرق معيشة جديدة. # أما فكريا، فإن (إسماعيل)، برفع مستوى عقلية أمته، بواسطة المدارس التي أنشأها، ~~والتعليم المتنوع الذي مد موائده الفاخرة فيها، وبإقدامه على عموم الأعمال التي سبق ~~لنا بيانها في الفصول الخمسة السابقة، والتي كان إذا نظر إليها يقول بحق: «إن بلادي ~~لم تعد إفريقية، ولكنها أصبحت بقعة من أوروبا»؛ بل بإقدامه على الاعتناء الفائق ms193 ~~بضيوفه الأجانب، اجتهد في أن يطمر الهاوية التي حفرتها الأيام بين المسلمين وغيرهم، ~~بما غير من فكر الغربيين في بلاده وقومه، وبما غير من أفكار قومه في الغربيين؛ فحمل ~~بذلك الغربيين على احترام المصريين وتقديرهم المصري قدره، وتجنب إيذائه لما هو عليه ~~من حضارة وعلم، وحمل المصريين على احترام الغربيين لما يدركونه فيهم من علم وفضل ، ~~ولما يرونه من أمير البلاد، من بذل الحفاوة والإكرام لهم. # ولعلمه أن أحكام الناس على الناس تتكون بالسماع وبالمطالعة، أكثر منها بالامتحان ~~والاختبار الشخصي لم يأل جهدا في حمل كتاب الغرب على مدح التطور المتنوع، الملائم ~~لروح العصر، السائر بمصر في أيامه، باستمرار وسرعة، نحو العقلية الغربية، والحضارة ~~الأوروبية، ولم يكن يستنكف بذل المال في هذا السبيل، بسخاء ملكي، ذهب ببعض المؤلفين ~~إلى المغالاة، وتقدير ما أعطاه للجرائد والكتاب، بنيف وخمسة ملايين من ~~الجنيهات. # ثم إنه، من جهة ثالثة، بما بذله من مساع في سبيل تقييد الامتيازات الأجنبية، ووضع ~~حد لتعديات الأوباش والزعانف من الجاليات الغربية، لا سيما اليونانيين مما سيأتي ~~بيانه في حينه، اجتهد في إزالة حاجز آخر من الحواجز العديدة الكبرى القائمة دون ~~تعديل العلائق بين رعاياه والأجانب، لاختلاف شكل العقلية بينهم. # ولا شك في أن النجاح، إن لم يكن كله، فجله، كلل في نهاية الأمر جهوده هذه، ولئن ~~لم يظهر ذلك جليا في أيامه، فالأسباب لعدم ظهوره خمسة رئيسية: ~~(الأول): وقوف «الشراقوة»، وهم الذين يدعوهم الفرنج «ليڨنتيين» - ومعظمهم يهود - ~~أمام المصريين في زي الغربيين، وادعاؤهم أنهم غربيون، فقد كانوا ينتمون إلى ~~الجنسيات التي توافق هواهم، ولم يكونوا من الانتساب إليها في شيء. كل ما هنالك أن ~~أسراتهم - وقد أثرت من الربا - كانت قد أرسلتهم إلى أوروبا، ليقتبسوا شيئا من ~~معارفها وحضارتها، فلم يقتبسوا إلا «غندرة المتغندرين»، وهم يظنونها منتهى المدنية ~~والرقي؛ وعادوا، فوجدوا ما عليه ذووهم من احتكار المالية المصرية والربا؛ فساروا ~~على خطواتهم؛ وجمعوا من دم الفلاح المصري القناطير المقنطرة من الأموال؛ ونالوا، ~~بواسطتها أو من وراء خدمتهم أهواء العواهل، ms194 ألقاب النبل والشرف، فاعتقدوا أنهم ~~عظاميون وعصاميون؛ بينما هم في منتهى الضعة أمام الأقوياء، ويتلسمون من طريق التذلل ~~والمسكنة والتملق الوصول إلى إفراغ جيوب أصحاب النقود في جيوبهم - هم - ولو بفتح ~~محلات للدعارة أو لمجرد الخلاعة، كانوا مملوئين عجرفة وخيلاء أمام الأهالي، لا سيما ~~بعد أن تتكون لهم في صناديقهم الثروات الفاحشة؛ فلا يسيرون إلى أحياء أولاد العرب ~~أو القرى إلا والكرباج في أيديهم، يرفعونه على الفلاح واليومي، لأقل سبب؛ ~~ويستعملونه بقسوة من بلغ الثروة من ذل؛ أي: من لا قلب له، والمصريون، وقد غشهم ~~زيهم، وخدعتهم برانيطهم ورطانتهم، يعتقدون أنهم غربيون، ويحولون إلى الغربيين تيار ~~الكره والاحتقار المثار في قلوبهم من أولئك الليڨنتيين. # 2 # و(الثاني): هو أن التجار الغربيين أنفسهم - إلا في بعض استثناءات نادرة وشريفة - ~~كانوا في الحقيقة، حسب تعريف چليون دنجلار، حثالة أممهم وثفالتها، وأبعد الناس ~~افتكارا عن إيجاد منزلة لأنفسهم كريمة في قلوب المصريين، فهم لم يقدموا إلى القطر ~~إلا لغرض الإثراء السريع، سواء أكان ذلك من سبيل ما يحبذ أم من سبيل ما يستنكر، ولو ~~خيروا بين السبيلين لفضلوا الثاني، وأناس هذه صفتهم لم يكن من شأنهم طبعا أن ~~يجملوا فكر المسلمين في الغربيين، ويحملوهم على تحسين علاقاتهم بهم. # و(الثالث) هو أن المصريين، منذ ارتقى (إسماعيل) سدة البلاد، ما فتئوا يرون عرشه ~~محاطا بجيش عرمرم من الجراد الزاحف إليه، من كل أنحاء أوروبا، لامتصاص الثروة ~~العمومية، فكانوا يضعون في إحدى كفتي الميزان اندفاع أميرهم في سبيل تكريم ~~الغربيين، وإدناءهم من نفسه، ووضعه يده في أيديهم، بكل إخلاص ليستعين بهم على بلوغ ~~أغراضه السامية؛ ويضعون في الكفة الأخرى عدم اهتمام ذلك الجراد بما سوى امتصاص ~~موارد الخزينة المصرية، وعدم مبالاته بشيء إلا بجعل كل خطوة من خطوات الأمير، في ~~طريقه إلى العلاء، تفي قنطارا من الذهب يتحول إلى فمه الشره، ثم يزنون الكفتين، ~~فيرون من أنفسهم امتعاضا من الغربيين، على الإطلاق، وإحجاما عن التعدية إلى حبهم ~~واحترامهم. # و(الرابع): هو أن المصريين أنفسهم - وكانوا قد رأوا تهافت ms195 «الشراقوة» والتجار ~~الغربيين على مدح (إسماعيل)، والترنم بالثناء عليه، آناء الليل وأطراف النهار، ~~وتعظيم أعماله ونياته، وتمجيدها بكل لسان، وفي كل مكان، وعلى صفحات الجرائد ~~المتنوعة، طوال ما كانوا يرجون منه ربحا، لا سيما غير مشروع، وطوال ما تمكنوا من ~~امتصاص ثروته، وثروة البلاد بالتكاتف والتضامن - رأوهم، أول ما أناخت الصعوبات ~~المالية بكلكلها على البلاد، يقلبون لذلك الأمير ظهر المجن، ويتطاولون على مقامه ~~السامي، ويشتمونه ويمرغون اسمه في الأوحال، لا لسبب، إلا لأنه أراد التوقف على شفا ~~الجرف الفظيع الذي جروه إليه، ورغب في منع شيء من فريستهم عن أفواههم ~~المفغورة. # و(الخامس): وهو الأهم، هو أن المصريين أيضا - وقد ذكروا ما كان من أميرهم في بسط ~~بساط الهناء لعواهل الغرب وكبرائه، وفي جمع أنواع السرور والملذات حول سياحاتهم في ~~قطره؛ وذكروا أن جانبا عظيما من ثروته وثروة بلاده أنفق في إقامة معالم الأفراح ~~لقدومهم، ونشر موائد الاحتفالات بإقامتهم في قصوره، وتنقلاتهم بين منتزهاته وجناته؛ ~~فاعتقدوا، دهرا، أن أولئك العواهل والكبراء باتوا من أعظم المخلصين له، ومن أميل ~~الناس إلى تعضيده في مشروعاته، وشد أزره في مهماته، وأقربهم إلى الأخذ بيده في ~~ساعات شدته والدفاع عن مصالحه في أوقات حرجه - رأوا أولئك العواهل والكبراء أنفسهم ~~- لأن الشرقيين لا يعرفون الدول وإنما يعرفون ملوكها - يتكالبون عليه في عسره؛ ~~ويتألبون عليه في ضيقه، وبينما هم لا يحركون ساكنا للدفاع عن رءوس أموال دائني ~~دول أخرى كتركيا وجواتيمالا ونيكاراجوا وغيرها - مع إيقان أصحاب تلك الأموال من ~~ضياعها - يقلبون صفحة السماء على بطن الأرض في سبيل الدفاع عن دائنيه، هو، مع علمهم ~~أنهم استوفوا فوائد ما أقرضوه إياه، وأصله؛ وأنه، هو وفلاحيه، باتوا أحق بأن يدافع ~~عنهم من أولئك المرابين الشرهين؛ وسيطلع قراؤنا على تفاصيل ذلك جميعه في سياق ~~كلامنا التالي. # على أن هذه الأسباب الخمسة الرئيسية، وإن قامت دون ميل قلوب المصريين إلى ~~الغربيين، وأوجبت نفور شعورهم منهم، لم تحل دون تطور العقلية المصرية في وجهة النظر ~~إلى أفاضل الغربيين، نظرة الإكبار والإجلال، وعدم ms196 تنقيص شيء من الاحترام الواجب ~~لهم، لداعي كونهم غير مسلمين؛ وأخذهم عنهم ما هم في حاجة إليه من المعارف النافعة ~~لهم في حياتهم برغبة صادقة وهمة عرفت قيمة الحياة الجديدة. # فنحن مدينون (لإسماعيل) بهذا التطور؛ مدينون له بتمكننا من السير في مضمار الحياة ~~المدنية حسب مقتضيات الظروف، ولا قيود على أيدينا وأرجلنا، ولا حاجة بنا إلى ~~استئذان علماء الدين في ذلك، كما كان أولا. # إن (إسماعيل) لما أقدم على تحقيق الشطر الأول من الخطة التي رسمها لنفسه، ووجد ~~أنه ملاق حتما في تنفيذها عقبات جمة عند كل خطوة يريد أن يخطوها، ضرب بذلك جميعه ~~عرض الحائط، إلا ما كان منها متعلقا بالدين أو الشرع ووطن نفسه على السير في ~~طريقه، مطلق الذراعين، حر الحركات غير متقيد بما فطرت عليه الأمم من التمسك ~~بعاداتها، وتقاليدها، وآدابها المتوارثة كيفما كانت: فغير شكل عاصمتيه، وألبسهما ~~لباسا غربيا، وأدخل إليهما الملاهي الأوروبية، كالأوبرا، والتمثيل، والمراقص؛ ~~وشيد المدارس على النظام الغربي؛ وأنشأ معاهد تربية وتعليم للبنات؛ وأجبر فقهاء ~~الكتاتيب على ترقية مداركهم ومعلوماتهم؛ وأدخل على العلوم الأزهرية عينها، وعلى طرق ~~تعيين الأساتذة في ذلك المعهد العظيم، تحسينات وتعديلات هامة؛ ومنح الأراضي ~~والمنازل للمدارس الأجنبية بل لذات الإرساليات المسيحية؛ ونفحها ببدر من المال؛ ~~وغير نظام الوراثة؛ ومنح شعبه حكومة نيابية؛ وما هو أكثر من ذلك جميعه، عقد القروض ~~بفوائد، لتنفيذ أعمال الحضارة والعمران التي استوجبها تحقيق ذلك الشطر من خطته ~~وأقام التماثيل، دون أن يقع في خلده مرة أن يقيد بقيد أو أن يستفتي في أي شيء مما ~~عمله. # وربما شجعه على استمراره في الانطلاق من القيود، التي تقيد بها جده نفسه، أنه، في ~~المرة التي طلب فيها رأي أرباب الدين - أي قبيل تعاقده مع دولة الإنجليز على منع ~~تجارة الرقيق منعا باتا، وجد منهم تعنتا وجمودا أثارا غضبه في صميم كيانه، ~~فشيخ الإسلام ومفتي الديار عارضا في ذلك؛ زاعمين أنه مخالف للأصول الدينية، وانضمت ~~إليهما في المعارضة هيئة العلماء بأسرها، فعزل (إسماعيل) الشيخين؛ وأنذر بإلغاء ms197 ~~عموم هيئة العلماء، إذا استمروا على معارضتهم. # ولم يبال (إسماعيل) بهم ووقع تلك المعاهدة، وقوى عزيمته على إلغاء الرق بطريقه ~~المعروف في زمنه أن الدين الإسلامي شديد الرغبة في منع الاسترقاق متشوف دائما إلى ~~الحرية وإطلاق الأنفس من قيود العبودية. # فلما رأى الناس منه ذلك - والناس على دين ملوكهم - أخذوا، رويدا رويدا، يغيرون ~~أفكارهم الأولى ؛ ويفقهون معنى الجهاد في هذه الحياة الدنيا. # ومع أنه كان يخالف العلماء فيما يراه مصلحة، كان يغار على دينه أن يلصق به ما ليس ~~منه من البدع فيجتهد في محوها. من تلك البدع: «الدوسة» و«الأذكار» و«السحر» ~~و«التنجيم». # أما الأذكار، فأمرها معروف؛ لأنها لا تزال معاصرة لنا، ولم تجد مجهودات عهد ~~(إسماعيل) في إبطالها، أو على الأقل حصرها في دائرتها العبادية المعقولة، ~~شيئا. # وأما «الدوسة»، فقد كانت حفلة تقام في آخر أيام المولد النبوي، حيثما كانت تقام ~~أعلام هذا المولد؛ أي: في الأزبكية، أولا، لما كانت على حالها القديمة؛ ثم بعد ما ~~أدخل الإصلاح والعمار عليها، في جهة القصر العالي. # فكانت جماهير الدراويش والآخذين على المشايخ عهودا - بعد إقدامهم على إقامة ~~الأذكار، حتى يعتورهم الخور - يأتون إلى متسع من الأرض متروك أمام صواوين المولد ~~وخيامه، ويستلقون مرصوصين، كأنهم الحجارة، الواحد بجانب الآخر؛ ثم يأتي الشيخ ~~الخضري، شيخ السعدية، وقد تجلت عليه الجلالة فأسكرته؛ ووضع على رأسه عمامة واسعة ~~ثقيلة؛ وركب جوادا مطهما، أخذ يترنح على ظهره، ذات اليمين وذات الشمال، وحركات ~~رأسه، صوب الجهتين، تقترن بذلك الترنح؛ وأقام اثنان من أصحاب العهود على جانبيه، ~~يسندانه، لئلا يزداد خور قواه من ذلك الترنح، فيقع على الأرض؛ ويسير بجواده، وهو ~~على تلك الكيفية، فوق صفوف الدراويش المنطرحين أرضا، وقد فرغ المنوط به أمر ~~ملاحظتهم من تصييرهم تماما إلى حال الشارع المرصوف، الذي لا يبرز فيه حجر عن ~~المستوى العام، فيدوسهم بلا مبالاة، تطقطق أعضاء من تطقطق أعضاؤه، وتنخلع عظام من ~~تنخلع عظامه، ويتهشم من يتهشم: فما يصاب بأذى إلا من قل إيمانه، أو ثقلت كفة آثامه # 3 # على ms198 ما هو في اعتقادهم الذي ورثوه عن الجاهلين. # غير أن هذه الحفلة الفظيعة لم تكن تقام إلا في العاصمة؛ وأما في الأرياف، فكانت ~~مجهولة، لا يسمع الفلاحون بذات اسمها. # فبذل (إسماعيل) ما في وسعه لإبطال بدعة الدوسة الشنيعة؛ وكثيرا ما حدث زائريه من ~~الغربيين عن رغبته في إبطالها؛ ولكنها كانت متأصلة في العادات ، تأصلا عميقا، كادت ~~تكون معه جزءا من العقائد، فلم يتمكن من تحقيق رغبته في إبطالها لمعارضة مشايخ ~~الطرق في ذلك، وما فتئ يظهر لرعاياه اشمئزازه من الدوسة، واستنكاره إياها، إما ~~بالامتناع غالبا عن حضور حفلتها، وإما بالتأفف منها جهارا حين حضوره ~~إياها. # على أن مجهوداته في هذا السبيل إن لم تثمر في عهده الثمرة التي كان يروم قطفها، ~~فقد كيفت عقلية قومه وعدلتها، تكييفا وتعديلا مكنا من إنضاج تلك الثمرة في عهد ~~خلفه، وجعلا إلغاء بدعة الدوسة، الشائنة للإسلام، أمرا ميسورا. # أما «السحر والتنجيم»، فقد كانا رائجين بمصر رواجا حمل (عباس الأول) نفسه على ~~إصدار أمره بأن ينفي من العاصمة إلى أقاصي الصعيد السحرة والمنجمين، وقد كانوا ~~انتشروا في جميع أحيائها وشوارعها وحاراتها، جلوسا أمام رملهم المبسوط. # وكثيرا ما كان اعتقاد الناس بالتنجيم والمنجمين يؤدي بهم إلى تمكين أولئك ~~النصابين من نقودهم، إما احتيالا - وهو ما كان الغالب - وإما بطرق جنائية خفية، ~~كما كان يفعل، ما بين عابدين والسيدة زينب، ذلك المنجم الشرير، الذي أغوى أكثر من ~~مائة سيدة على أن يأتين إليه بحلاهن كلها لضرورة وجودها معهن أثناء عمليات التنجيم، ~~وقتلهن واحدة واحدة، ليستولي على تلك الجواهر. # 4 # فكان يتحتم على (إسماعيل)، في سعيه إلى تغيير عقلية قومه، أن يجتث جذور اعتقادهم ~~بالسحرة والمنجمين، ولكن هل كان ذلك في الإمكان، واعتقاد القوم فيهم يرجع إلى زمان ~~بعيد جدا. # إن ذلك لم يكن ممكنا إلا بنشر أنوار العلم الصحيح، وتعميمها بين طبقات الأمة ~~كافة؛ وهو ما بذل (إسماعيل) جهده في سبيله، كما سبق لنا بيانه، ولا شك في أنه صدم ~~قواعد ذلك الاعتقاد، صدمة زعزعت بنيانها، وجعلتها ms199 أضعف من أن تستطيع مقاومة تيار ~~التنور السائر نحو العقول باستمرار، في مجرى التعليم الموجه إليها. # على أن العقبات القائمة دون تحقيق الرغائب لم تكن متولدة عن موروثات الماضي فقط؛ ~~بل إن بعضها كان ناجما عن شبهات حاضرة؛ ومعززا بضعف في دروع القائمين بحركة ~~الإصلاح أنفسهم. # فمن الشبهات المائلة بالعقول إلى الاعتقاد بصدق التنجيم والمنجمين، ما صدر عن ~~منجم تركي وفد إلى القطر ومعه خاتم كان فصه الأحمر ينقلب إلى لون أبيض أثناء ~~الاختبارات؛ فيرى طالبو هذه ظل ما يسألون عنه كأنهم يرونه في مرآه مياه صافية، وقد ~~قام ذلك التركي بتجربة تحول حمار ذلك الفص إلى بياض في سراي الإسماعيلية عينها أمام ~~الأمير محمد توفيق باشا ولي العهد. # 5 # ومنها ما صدر عن منجم آخر أنبأ ولي العهد هذا نفسه، بحضرة وزير الحربية، بما ~~سيصيب الجيش المصري من انكسار في حملته على الحبشة، أيام كان ذلك الجيش يستعد ~~للمسير إلى محاربتها. # 6 # نعم إن ميل عقل الأمير محمد توفيق نحو التصديق بمثل هذه الأمور كان مشهورا، ~~وحاملا على إضعاف الثقة بكل ما يروى عن التجارب المعمولة من أي منجم أمامه، ولكنه ~~يجب أن لا يغيب عن الأذهان أن ميل معظم العقول، في ذلك العهد، كان كميل عقل ولي ~~العهد؛ وأن تناقل الألسنة الأنباء عن إجراء التجارب والاختبارات أمامه، واعتقاده ~~بصحتها، كان من شأنه أن يوطد دعائم التصديق بالتنجيم والمنجمين في ألباب ~~العامة. # ومن أدهش مظاهر الضعف في درع (إسماعيل) عينه - وهو العامل على تقويم عقلية رعاياه ~~- الشعور الغريب الذي كان، من جهة، يحمله على كره الإقامة بالإسكندرية؛ لأن منجما ~~أنبأه في حداثته أنه يموت فيها - ونحن نعلم الآن أنه أنبأه بكذب! - وكان، من جهة ~~أخرى، يحمله على الإحجام عن أي عمل ذي بال في يوم الخميس. # ويحكى، للدلالة على ذلك، أنه كان مرة عائدا من الأستانة إلى مصر، على ظهر ~~المحروسة، فقيل له إن الوصول إلى الإسكندرية يكون يوم خميس، فأصدر أمره إلى رجال ~~الآلات بالوصول يوم الأربعاء، فأجابوا: ms200 «هذا محال»، فاستدعى (إسماعيل) الميكانيكي ~~الإنجليزي، وقال له: «أريد، حتما، أن نصل إلى الإسكندرية يوم الأربعاء»، فأجابه: ~~«هذا لا يمكن يا مولاي!» فقال (إسماعيل): «يجب!» قال الميكانيكي: «إني إذا حاولت ~~ذلك قد أنسف المركب!» فقال (إسماعيل): «إذا وصلت بنا يوم الأربعاء جعلتك بيكا، وإن ~~لم تصل طردتك من خدمتي!» # فأوشك الميكانيكي أن يحرق المراجل، ولكنه وصل يوم الأربعاء؛ وكان، بعد ذلك، يقول: ~~«لم أدن، في حياتي، من الموت، بقدر ما دنوت منه في ذلك الظرف!» # 7 # ولكن هذا الضعف في (إسماعيل) لم يمنعه عن مقاومة تيار السحر والتنجيم في أمته، ~~لعلمه بمقدار ضررهما عليها، ولعلمه بأنه إذا صح أن يقال لمربيي الأخلاق من ~~الأفراد: # لا تنه عن خلق وتأتي مثله # عار عليك إذا فعلت عظيم # فهذا قول لا يصح، إذا وجه للمصلحين من قادة الأمم، أن يقعد بهم عن ~~الإصلاح! # وأما إداريا وقضائيا، فقد عمل (إسماعيل) على تغيير عقلية رعاياه، بإقدامه، من ~~جهة، على إنشاء شرطة مختلطة منظمة في البلاد؛ ونزعه، من جهة أخرى، السلطة القضائية ~~من أيدي رجال الإدارة، لحصرها في هيئات قضائية خاصة. # أما الشرطة، فقد كانت، حتى أوائل حكمه، محصورة فيمن كانوا يدعونهم «القواصة» ~~وواحدهم «قواص»، وكانوا، في الغالب، رجالا من جهلاء الأتراك أو مردة الأرناءوط، ~~لا يدرون من أمور الضبط والربط سوى مصادرة الأفراد، والاعتداء عليهم بالضرب ~~والإهانة، ومهاجمة البيوت وارتكاب المنكر، إذا ما كلفوا بضبط واقعة؛ وسوى المطالبة ~~بالبقشيش والرشوة، إذا ما سلم إلى عهدتهم سجناء، فإذا ما كلفوا بالمساعدة في نكبة ~~كحريق أو خلافه، اغتنموها فرصة للنهب والسلب؛ كالقواص الذي استدعي لإطفاء حريق، ~~فدخل المنزل المشتعلة فيه النيران وضبط وهو يبدل قميصه المرقع من أحد قمصان صاحب ~~البيت الفاخرة، فلما سئل عن السبب الذي حمله على ذلك أجاب: «ألم يكن ذاهبا طعمة ~~للحريق؟ أفألام إذا استخلصته لنفسي؟» # 8 # وكان قد بلغ من سوء سمعة أولئك القواصة أن الناس، لا سيما الفلاحين، باتوا ~~يخوفون بهم، أو بمجرد ذكر اسمهم، أولادهم، فيقولون لهم حينما يريدونهم أن ms201 يكفوا عن ~~عمل غير مستحسن: «الجندي جاء»؛ كأنهم يقولون لهم: «جاء البعبع!» # على أن هؤلاء القواصة كانوا يجبنون أمام الفرنج، ولا يجسرون على مطاردة مجرميهم، ~~لا سيما بعد تمادي القناصل في الإساءة إلى الأمن العام، بمد ظل الامتيازات فوق ~~أولئك المجرمين، لحمايتهم من طائلة الشرائع، لذلك اضطر أولئك القناصل إلى اتخاذ ~~قواصة لأنفسهم، يستخدمونهم في شئونهم الإدارية والقضائية مع رعايا حكوماتهم، ~~بالرغم من علمهم بأنهم قلما يصلحون لأن يعتمد عليهم في مهم أو ملم، لشدة حبهم ~~للبقشيش، وميلهم إلى الرشوة. # فقد كان يحكى عن قواص من قواصة أحد قناصل فرنسا في القطر، أنه قاد ذات يوم إلى ~~سجن القنصلية فرنساويا حكم عليه بالحبس، وبعد أن أدخله فيه، مد يده إليه، وطالبه ~~ببقشيش على الخدمة التي أداها له، بمرافقته إياه إلى ذلك السجن. # 9 # فنشأ عن ذلك وجود نظامي ضبط في البلاد، بجانب أنظمتها الإدارية المتعددة، كان من ~~شأنهما الذهاب بالمرة بهيبة هيئة الشرطة، وجلب ويلات على القطر لا توصف. # فعهد (إسماعيل) إلى الإيطالي تمستكلي صوليرا، بإنشاء هيئة ضبط مختلفة، يركن إليها ~~في عمل المحاضر؛ وكلفه بتنظيمها بحيث تغني البلاد عن القواصة كلهم، سواء أكانوا ~~قواصة الحكومة أم قواصة القناصل - وهو يرمي، بإيجادها، علاوة على رغبته في توطيد ~~الأمن، إلى نزع عقبة من العقبات العديدة المعترضة سبيل قضائه على ~~الامتيازات. # فقام ذلك الإيطالي بالمهمة التي كلف بها؛ وأنشأ الشرطة المختلطة المطلوبة في ~~العاصمة والثغور والبنادر، من خيرة رجال هيئة الضبط القديمة، ومن رجال خبيرين ~~بالعمل، مدربين عليه، أتى بهم من أوروبا، لا سيما من إيطاليا - وهذا هو السبب فيما ~~نجده، في ذات أيامنا هذه، من كثرة عدد الإيطاليين في رجال بوليسنا، لا سيما ~~بالعاصمتين، وبورسعيد، والسويس. # فبرزت هذه الهيئة الجديدة أمام أعين المصريين في مظهر الساهر، حقيقة على الراحة ~~والطمأنينة العامتين، الكالئ الأمن العام، حقيقة بعين لا تنام. # وقد كان كبار رجال الإدارة - كالمديرين في الأقاليم، والضابط في العاصمة ~~والإسكندرية - يحملون عصا الإدارة بيد، وسيف القضاء بالأخرى، فكانوا في وقت واحد ms202 ~~رجال الحفظ، ورجال الحكم، ورجال التنفيذ؛ فيؤدي بهم ذلك إلى الاستبداد والتجاوز، ~~حتى إذا كانوا غير مجبولين على شيء منهما؛ فكيف بهم وهم مجبولون على الظلم، مولعون ~~بالشر. # والظلم من شيم النفوس فإن تجد # ذا عفة فلعلة لا يظلم # فيحكى عن عبد الرحمن بك مدير الدقهلية في أيام (محمد علي) الأخيرة أنه صادر رجلا ~~من المنصورة كان له في عاصمة الديار قريب يدلي بمحسوبية إلى (عباس باشا الأول) - ~~وكان، في تلك الأيام، والي القاهرة - واغتصب منه أملاكه، فذهب الرجل إلى قريبه، ~~واشتكى له من تصرفات المدير؛ فبلغ قريبه شكواه إلى (عباس باشا)، فكتب حفيد الباشا ~~العظيم خطابا إلى عبد الرحمن بك، شديد اللهجة، هدده فيه بالعزل، وما هو أوعر منه؛ ~~وأمره برد ممتلكات الرجل إليه؛ ثم بعث بذلك الكتاب إلى المدير مع نفس المشتكي، فما ~~كان من عبد الرحمن بك، حينما استلمه وقرأه، إلا أنه استدعى الجلاد في الحال، وأمره ~~بضرب عنق الرجل؛ ففعل، ولم ينتطح في أمره عنزان، ثم مضت أيام، واتفق لعباس باشا أنه ~~زار مدينة المنصورة، فاغتنم أهل المقتول فرصة وجوده بين ظهرانيهم، وأعلموه بواسطة ~~محسوبه بما كان من أمر اعتناء المدير بخطابه، واحترامه لمضمونه، فاحتدم (عباس) ~~غيظا، واستدعى عبد الرحمن بك، وانهال عليه شتما وسبا، وأوشك أن يأمر بقتله، ~~لولا أن عبد الرحمن بك تدارك الأمر، وألقى تبعة قتل الرجل على الجلاد؛ وبعث وراء ~~هذا وأحضره، وباغته زجرا وإهانة لكيلا يدع له سبيلا إلى الكلام، وزعم «أنه قتل ~~ذلك المسكين من تلقاء نفسه، لظنه أنه بذلك يرضيه، مع أنه لم يكلف إلا بتوصيله إلى ~~الباشكاتب ليرد أملاكه إليه»، وقبل أن يفيق الجلاد إلى نفسه، ويفهم من المقصود ~~بالكلام، أمر عبد الرحمن به فضربت رقبته بين يديه، فهدأ غضب (عباس)، وذهب دم ~~الرجلين هدرا. # 10 # ويحكى عن أحد نظار الأقسام في الوجه البحري، أنه شدد على فلاح في إحدى القرى، في ~~دفع أموال عليه، تبلغ قيمتها ستين قرشا، ولما لم يتمكن الفلاح من دفعها، ضبط ~~الناظر بقرته ms203 الوحيدة، وعرضها للبيع، نظير المبلغ المطلوب، فلم يقدم أحد من ~~القرويين على مشتراها، لعدم وجود مبلغ الستين قرشا عند أحد منهم، فأحضر الناظر ~~جزار الناحية وأمره بجزر البقرة، وتقطيعها إربا إربا، ستين عدا؛ ففعل، فأجبر ~~الناظر القرويين على أن يشتري كل واحد منهم قطعة بقرش، وأعطى الجزار رأس البقرة، ~~مقابل تعبه، فرفع الفلاح تظلمه من عمل الناظر إلى أحمد الدفتردار بك، المخيف، زوج ~~زهرة هانم بنت (محمد علي) - وكان، في تلك الأيام، مفتش الوجه البحري - فأحضر ~~الدفتردار الناظر، وأنبه بعنف، لا على جزره البقرة فقط، بل على بيعه إياها بستين ~~قرشا، في حال أنها كانت تساوي مائة وعشرين قرشا، كما دلت الاستعلامات التي أخذها ~~في ذلك الشأن، ثم أحضر القروبين، وزجرهم بشدة على كونهم اشتروا القطعة بقرش، بينما ~~هم يعلمون أنها تساوي قرشين، وأحضر أخيرا الجزار، ووبخه على جزره بقرة ذلك الفلاح ~~التعيس، مع أنها كانت كل ما يمتلكه من الحطام الدنيوي، فقال الجزار: «إني، يا ~~مولاي، عبد مأمور، ولم أفعل سوى ما أمرت به»، فقطب الدفتردار حاجبيه وقال: «أولو ~~أمرتك بأن تفعل، في هذا الناظر، ما فعلت بالبقرة، أتفعل؟» فأجاب الجزار: «قد قلت ~~لمولاي إني عبد مأمور، أطيع الأوامر التي تصدر إلي!» فقال الدفتردار: «هلم، إذا، ~~واجزر هذا الناظر كما جزرت البقرة!» ففعل، فقال له الدفتردار، وقد جمد الدم في عروق ~~جميع الحاضرين: «والآن، قطعه ستين قطعة، ما عدا الرأس!» ففعل، فأمر الدفتردار، ~~حينئذ، القرويين المجتمعين بأن يشتري كل واحد منهم قطعة من تلك القطع الفظيعة، ~~بقرشين، فتكون لديه مبلغ قدره مائة وعشرون قرشا سلمه إلى الفلاح، قائلا: «خذ، هذا ~~ثمن بقرتك، فاذهب واشتر غيرها!» ثم التفت إلى الجزار، وقال له: «كما أنك أخذت رأس ~~البقرة جزاء لك على تعبك، خذ بالمثل، رأس الناظر جزاء لك على تعبك في جزره ~~وتقطيعه!» وضحك ضحكا فظيعا، وانصرف. # ويروى عن ضابط القاهرة - وكان بمثابة حكمدارها ومحافظها معا - في أيام (عباس) ~~الحكاية المزعجة الآتية: اقترن تركي، من أعيان الدرب الأحمر، بفتاة يقال لها: ms204 ~~خديجة، كانت من أجمل النساء رواء، وأكملهن قواما، وأبدعهن محاسن، فجن فيها إلى ~~درجة، هجر معها، كل نسائه الأخريات وسراريه، وسكن إلى خديجة، وحدها، يعبدها ويتمتع ~~بها، ولما كان الرجل على غنى مفرط، ومشهورا بالطيبة، وكرم الأخلاق، علاوة على أنه ~~لم يكن دميم الخلقة، فما وجدت في الحي امرأة إلا وحسدت خديجة على حسن بختها، وصعود ~~حظها؛ كما أنه لم يوجد في الحي رجل، إلا وغبط ذلك التركي على النعم الجمة التي ~~من الله عليه بها، وكان الكل يعتقد أن عيش الزوجين هنيء رغيد؛ وأن كليهما ممتع ~~بقرينه تمتعا تقر به العين، ويرتاح إليه الفؤاد. # فاتفق، ذات ليلة، أن ضابط القاهرة، في تلك الأيام، خرج يتعسس تحت أجنحة الدجى، ~~متدججا بسلاحه، ومصطحبا معه قواصين من رجال الشرطة، مسلحين أيضا، والجلاد وسيفه ~~معه، فجاس بهم خلال الحارات والأزقة، يستطلع أحوال الأمن، ويجس نبضه، فوجد المدينة ~~نائمة، هادئة، لا يقلق جسمها عارض مطلقا. # فعن له أن يجوس، أيضا، خلال الخرائب والأطلال القائمة على أنقاض الماضي، بين ~~ميدان الرميلة والإمامين؛ وبين القلعة والسيدة نفيسة؛ لعلمه أنها الملجأ الذي يؤمه، ~~عادة، قطاع الطرق، ومرتكبو الجرائم، فرادها، الواحدة بعد الأخرى، ولم يجد فيها ما ~~يستوقف الانتباه، وبينما هو يستعد للرجوع، إذا ببصيص نور في أبعد تلك الخرائب ~~موقعا، يتسرب من فتحة صغيرة إلى الظلام الحالك الخارجي، فاستوقف نظره، فسار الضابط ~~نحو منبعثه، ودخل الخربة، بقدم ثابتة صامتة، ومعه الجلاد فقط، وأما القواصان، ~~فأوقفهما خارجا، وما لبث أن أصبح على مقربة من الحجرة المنبعث منها النور، وإذا ~~بعبد أسود يتكلم بصوت مسموع مع فلاحين، تفرس الجلاد في أحدهما، فعرف أنه أخوه، ~~وتفرس الضابط في العبد، فعرف أنه عبد السري التركي في الدرب الأحمر، المتحدثة ~~الألسن بسعادته وحبه لزوجته، وحب زوجته له. # فأصغى إلى المحادثة الدائرة بينهم؛ وإذا بالعبد، وقد اتضح أنه مرسل من قبل سيدته، ~~يتفق مع الفلاحين على أنهما، مقابل مبلغ من النقود، عينه لهما، يقصدان في الليلة ~~التالية، منزل ذلك السرى، إذ يكون، هو ms205 (العبد) في انتظارهما، عند باب البستان ~~المحيط بالمنزل؛ فيفتحه لهما، ويدخلهما منه؛ فينقض الثلاثة على التركي، وهو يتناول ~~طعام العشاء مع زوجته، في كشك في البستان؛ فيقتلونه بمساعدة الزوجة، الراغبة في ~~التخلص منه، لكراهتها إياه، وغرامها بشاب من الجيرة، يدعى سليم أغا، كانت ترغب ~~الاقتران به واتفقت معه على أن يحضر قبلهما، ويشترك معهم في ارتكاب الجريمة. # فأول ما بدا للضابط، لدى سماعه تلك المحادثة، أن ينقض على أولئك المجرمين، ويقبض ~~عليهم، ويحاكمهم، ويعدمهم في الحال، بمساعدة قواصيه والجلاد، ولكن ترويه المعتاد ~~عاد إليه، وحمله على تعديل ذلك الفكر، ورسم خطة للسير تضمن القبض على جميع ~~المجرمين، وهم على وشك ارتكابهم الجريمة، حتى يقتنع نفس الزوج باشتراك زوجته معهم ~~فيها، فخرج بسكوت تام، وعاد إلى الضابطة، وشرع يتأهب للعمل الذي نوى عليه. # وكان قد آنس من الجلاد انفعالا غريبا، ورآه يتفرس في أحد الفلاحين؛ فأدرك، من ~~حينه، أنه لا بد يعرفه، بل قد تكون بينهما قرابة، فكلف أحد رجال الضابطة بمراقبته، ~~بدقة، طوال تلك الليلة، وطوال النهار التالي لها، فراقبه القواص، وإذا بالجلاد قد ~~شرع، منذ أن بزغت أنوار الفجر، يفتش على أخيه في جميع الأماكن التي يظن تردده عليها ~~ممكنا؛ وفي كل مخابئ الخرائب القائمة حول البلد، فأحاط القواص الضابط علما بذلك؛ ~~فتيقن الضابط أن حدسه قد أصاب؛ وأخذ يتصور الليلة محفوفة بحوادث مفجعة أكثر مما ~~تصوره في بادئ الأمر. # فلما غربت الشمس، أخذ عشرة قواصة والجلاد، وسار بهم، وكمن في جوار منزل التركي؛ ~~ثم تقدم نحو باب البستان المقابل للباب الذي اتفق العبد مع الفلاحين على إدخالهما ~~منه، ولما كان معه من آلات فتح الأبواب ما لا يستغني عنه رئيس شرطة مطلقا، فتحه ~~بهدوء وأدخل رجاله، وهم كأنهم أشباح، وأقامهم في ظل الأشجار يتربصون. # وكان يعتقد أن أول القادمين سيكون سليم أغا؛ وذلك لتيقنه من أنه متفق، حتما، مع ~~الزوجة الخائنة، وكان سليم أغا هذا شابا من ذوي اليسار، شديد الميل إلى مداعبة ~~السيدات وإغوائهن، كثير الحوادث الغرامية، ms206 الموجبة، أحيانا، تداخل رجال الضبط ~~فيها، ولذلك كان ضابط العاصمة يود أن يكون شريك خديجة فيما دبرته لزوجها، لكي يقضي ~~عليه، ويعيد الطمأنينة إلى أرباب عائلات كثيرة، كانت حركات ذلك الشاب تقلقهم على ~~بناتهم وعقيلاتهم. # غير أن سليم أغا - ولو أنه أفسد، بلحاظه، قلب خديجة على زوجها، وأخرجها عن جادة ~~الأمانة المطلوبة منها له، بل واتفق معها على أن يقترن بها، فيما لو طلقت من بعلها ~~- كان أبعد من أن يقترف إثما فظيعا كالمنوي اقترافه، أو يشترك مع مقترفيه في ~~اقترافه، فكان يجهل كل التدبير؛ ولكنه كان مصمما على الذهاب، في تلك الليلة، إلى ~~بستان خديجة، إجابة لدعوتها، وهو يظن أنه إنما يذهب إلى الملتقى لغرامه ولذته، ولو ~~ذهب، للقي حتفه. غير أن امرأة أخرى، في ذلك الدرب عينه، كانت هي أيضا مغرمة به، ~~بالرغم من اطلاعها على مقابلاته لخديجة - وكانت قد نظرت، من نوافذ بيتها، تجمع رجال ~~الشرطة بالقرب من منزل التركي، فانسلالهم إلى بستانه - فما رأته سائرا نحوه، إلا ~~وتدلت من شباكها، وأنذرته بوقوعه بين مخالب خطر مميت، إن هو لم يعدل عن السير إلى ~~خديجة، في تلك الليلة، فعدل سليم أغا عن الذهاب؛ ورجع إلى بيته، بتأثير عامل خفي لم ~~يدر ما هو، وقضى ليلته، وهو مشغول البال، مبلبله. # فلم يمض على تربص رجال الحفظ زمن، إلا ورأوا السرى التركي وزوجه خارجين من ~~المنزل، وسائرين نحو الكشك، الذي كانا يتعشيان فيه - وكانت الليلة مقمرة - ثم ~~رأوهما يجلسان الواحد بجانب الآخر، ويبديان لبعضهما من مظاهر الغرام ما أشعل نيران ~~الشهوة في ظهور الشبان من أولئك الرجال، وأهاج الشجون في صدر الضابط. # ومضت، وتلك المظاهر قائمة، فترة من الزمان؛ وإذا بباب البستان المتفق عليه بين ~~الأوغاد انفتح، ودخل الفلاحان وراء العبد ينسلان. # فدنا الضابط من الجلاد، ووضع رأس خنجره على قلبه، وقال له، وهو ينظر إليه بعينين، ~~كأنهما الفولاذ القاطع: «إن تبد حركة، أية كانت، ومهما خفت، اتخذتها علامة منك لأحد ~~الفلاحين - وأظنه أخاك - تقصد بها إيقافه على ما ms207 هو فيه من خطر، قتلتك في الحال!» ~~فارتعدت فرائص الجلاد، وجمد كصنم. # وكان القتلة قد اقتربوا رويدا رويدا من الكشك، وأحست خديجة بدنوهم، فانقلبت ~~بغتة إلى حية ملتوية، وقدحت عيناها نارا؛ وشرعت، والكلام يخرج من فيها بصفير، توجه ~~إلى بعلها أشد الكلام قرصا وتوجيعا، وتظهر له كراهتها وبغضها، وشماتتها بحتفه ~~الذي أصبح قيد شبر. # وبينما هي لا تزال تتكلم، والتركي مأخوذ، مصعوق، لا يدري أفي منام فظيع هو أم في ~~يقظة، انقض القتلة الثلاثة عليه، وسكاكينهم مشهرة، فصاحت الزوجة الخائنة: «اقتلوه! ~~اقتلوه!» ورأى الرجل الموت بعينيه. # ولكنها ما هي إلا لحظة، وإذا بالسكاكين قد أطيرت من أيدي حامليها، ووقعت على ~~الأرض؛ وإذا برجال الشرطة قد أطبقوا على المجرمين وكبلوهم بالحديد، وشدوا وثاق ~~الزوجة الخائنة. # ففتح التركي عينيه واسعتين، وازداد غيبوبة بينما الضابط، والسيف في يده مشهر، ~~يأمر الجلاد بالاقتراب، وضرب أعناق الفلاحين والعبد؛ والجلاد يطيع، صاغرا، ويضرب ~~عنق أخيه، والدموع تنحدر سخية من عينيه. # ولكن زوج خديجة، لما سمع الضابط، يأمر بضرب عنقها أيضا، أفاق من دهشته، وتقدم ~~إلى زوجه، واحتضنها، ومانع في قتلها، بالرغم من تحققه جريمتها. غير أن الضابط ألفت ~~نظره إلى أنها باتت مفضوحة، علاوة على كونها مجرمة؛ لأن نيفا واثني عشر رجلا ~~رأوها مكشوفة الحجاب، فأقلع الرجل عن ممانعته، وتخلى عن زوجه إلى ما قدر ~~لها. # فضرب عنقها؛ وغمس الضابط منديل رأسها في دمها المتدفق، وأرسله في أول ساعات ~~الصباح إلى سليم أغا - هدية دامية من محبوبته إليه - وكان سليم أغا قد قضى ليله ~~كله، هاجسا، فلما ألقي إليه المنديل، علم بأن مأساة وقعت؛ وأن خديجة باتت رهينة القبور! # 11 # تلك كانت سلطة المديرين ورؤساء الضبط في العاصمتين والثغور؛ وإلى هذا الحد كانت ~~أعمار الناس رهينة إشاراتهم وأهوائهم. # فانتزع (إسماعيل) منهم هذه السلطة، ولئن لم يفصل بين وظائف القضاء والإدارة فصلا ~~تاما إلا في أواخر حكمه، وبعد إنشاء المحاكم المختلطة، إلا أنه من جهة، منع رجال ~~الإدارة من توقيع عقوبات إعدامية لم تصدر بها أحكام؛ وخص ms208 رجال القضاء، دون سواهم، ~~بإصدار تلك الأحكام، فكانت النتيجة أن القسوة والفظاعة اللتين اشتهرت بهما عصور ~~الحكم المصري السالفة، إن لم تبطلا في عهده بطلانا تاما، فقد قلتا إلى درجة ~~كادتا تدخلان معها في حيز العدم؛ ومن جهة أخرى، فإن جهوده منذ تبوأ العرش في سبيل ~~إنشاء محاكم نظامية في البلاد، تقبض على كل السلطة القضائية وفروعها فيها - وهي ~~جهود ما فتئ الرأي العام واقفا عليها - أدت إلى تطور فكري في اختصاصات القضاء ~~ووجوب فصله عن الإدارة، لا يزال يتقوى وينضج حتى أيامنا هذه؛ ولو أن تلك الجهود لم ~~تثمر سريعا بسبب مقاومة الدول الغربية، لا سيما فرنسا، لها؛ ولا تمكنت من تكييف ~~ثمرها، التكييف المرغوب فيه، بسبب تلك المقاومة عينها، وسنرى ذلك جليا في الباب ~~الخاص به. # وأما منزليا، فقد عمل (إسماعيل) على تغيير عقلية رعاياه: (أولا) بما أدخله إلى ~~حياتهم البيتية من عادات معيشة غربية، حملت الكثيرين منهم، لا سيما سراتهم، على أن ~~يستبدلوا ما كانوا عليه - كأجدادهم - من طرق جلوس وأكل ونوم واستقبال ضيوف، بطرق ~~جلوس الغربيين وأكلهم ونومهم واستقبالهم لضيوفهم، عملا بالقول المألوف: «إن الناس ~~على دين ملوكهم!» # فإن (إسماعيل) طلق، بتاتا، النظام الشرقي في ذلك جميعه؛ وأقبل يجلس ويأكل وينام ~~ويستقبل ضيوفه، على الطريقة الغربية المحضة. أما جلوسه، فكان دائما على أرائك ~~مرتفعة، فإذا ما شاء الكلام، مدد رجليه على مقعده، حسب عادة الشرقيين، أو نهض ~~وشرع يخطر في الحجرة، ذهابا وإيابا، كجده العظيم، مكثرا من الإشارات اليدوية. ~~أما أكله، فكان على الطريقة الفرنجية البحتة، يدعو إليه، عادة، وزراءه وبعض ضيوف ~~أوربيين؛ ويقدر المدعوون الدعوة جدا؛ لأنه كان لمطبخه شهرة كبيرة في محلها، ~~فالأصناف المقدمة كانت من ألذ المأكولات وأشهاها، وكانت أنبذته من خيرة الخمور ~~الفرنساوية وأشهرها، ولا سيما من النوع المعروف باسم «شاتوايكيم». أما آنية مائدته، ~~فكانت من أفخر ما يكون، مذهبة الحافة تذهيبا خفيفا، ومنقوش عليها حرف «أ» بالذهب ~~الخالص، وكان كثير المحادثة أثناء تناوله الطعام، عملا بالحديث المأثور. على أن ~~محادثته كانت ms209 بالفرنساوية دائما، بسبب الضيوف المدعوين إلى مائدته، وكان هو مركز ~~المحادثة؛ لأن وزراءه لم يكونوا - معظمهم - يفهمون الفرنسية إلا قليلا، وكان ~~كلامهم أقل من فهمهم. # 12 # وأما نومه، فكان دائما على أسرة متخذة من المعادن الثمينة، في حجر يدل ~~رياشها على أنها معدة للنوم، فقط، وأما مقابلاته، فإنها كانت سهلة وبسيطة. يدخل ~~الناس إليها، جماهير، ويجلسون على أرائك، فيحادثهم في مختلف المواضيع ، ويقدم لهم ~~السجاير بدل الشبكات، والقهوة بدل الشربات. على أنه كان يتضايق من المقابلات ~~الرسمية، لا سيما في أخريات أيامه. # لذلك، بعد أن كان الرقاد، في مصر، على طراحات أو على فرش الأرائك، أصبح على أسرة ~~متنوعة، من السرير الحديد إلى السرير البرونز والنحاس الأبيض والأصفر إلى السرير ~~الفضة. # قال إدون دي ليون، بعد أن زار سرايات إسماعيل باشا المفتش، عقب سقوطه: «لاحظت ~~دليلا جديدا على تحول العادات الشرقية إلى المجاري الغربية في هذا القطر، حتى عند ~~الذين لم يتفرنجوا في عقليتهم وأخلاقهم. ذلك الدليل هو إبدال الأرائك بأسرة النوم». # 13 # وبعد أن كان الأكل على «الصواني» والطبليات، تمد حيثما يتفق، أصبح على موائد ~~مرتبة، في حجر خاصة، مجهزة تجهيزا تدل كل مظاهره على أن تلك الحجر خصيصة بالأكل ~~دون غيره. # وبعد أن كان الجلوس على فرش فوق الأرض، يمد على طول الحيطان، بوسائد مسندة إلى ~~هذه، أو على أرائك مصنوعة طبقا للطراز الإسلامبولي، أصبح على أرائك مرتفعة، تجلب ~~رأسا من بلاد الغرب، أو تصنع في نفس القطر، ولكن على طراز الوارد من الخارج؛ وعلى ~~كراسي من الخيزران، ومقاعد أخرى متنوعة الصنع لم يكن الجيل السابق يستعملها ~~البتة. # وبعدما كان رب البيت، إذا ما أتاه زائر أو ضيف، يقدم له الشربات، فالشبك الطويل، ~~فالقهوة في فناجين ذات ظروف خاصة، أصبح يقدم له، بعد الشربات، السجاير، ثم القهوة ~~في فناجين ذات آذان، قائمة على صحون صغيرة، من جنسها. # وعمل (إسماعيل) ثانيا، على تغيير عقلية رعاياه، منزليا، بما حببه إليهم من ~~استبدال الطرق المعمارية القديمة، بالطرق المعمارية الحديثة، فبينما كانت ms210 البيوت في ~~السابق تفصل من الداخل، تفصيلا غريبا، بحوش ومنادر ذات خزاين مرتفعة، ومقاعد غير ~~مستوية السطح، يخرج منها إلى درك قليلة الاتساع، تنتهي إلى سلم ببضع درجات يوصل إلى ~~مقاعد أخرى، منفصلة عن بعضها ومرتفعة عن الأولى ارتفاعا بسيطا، وهكذا، حتى يبلغ ~~إلى أعلى البيت، حيث يوجد ما كانوا يدعونه بالقصر - وهو مقعد يشرف على كل ما تحته، ~~وتنظر السماء من نوافذه دون سواها؛ وبينما كانت أبواب المدخل تجعل إما واطئة، لا ~~يلجها الإنسان إلا إذا أحنى قامته؛ أو واسعة جدا، وفي هذه الحالة، إما أن تكون ~~أبوابها حديدية، أو خشبية ضخمة، كأبواب الحصون؛ وإما أن تفتح في وسطها فتحة صغيرة ~~تستعمل دون غيرها للدخول، ويضطر الداخل منها، أيضا، إلى إحناء رأسه وقامته، إحناء ~~كبيرا؛ وبينما كان خارج البيوت يتعدى، في الغالب، على الهواء والفراغ، فتقوم ~~الأدوار العليا على كتل بارزة عن حائط الدور الأرضي إلى فضاء الشارع، وليس في ذلك ~~الخارج ما يستلفت النظر، سوى المشربيات - وكانت تارة صغيرة، بحيث لا يستطيع أن ينظر ~~منها أكثر من شخص واحد، أو يضع فيها غير قلة واحدة؛ وطورا كبيرة، واسعة وذات ~~«خارجات» من نوعها تكاد تلامس مقابلاتها في الصف الآخر للمباني، أصبحت البيوت تفصل، ~~أدوارا أدوارا، على الطريقة الغربية، كل دور مستوف لوازمه، ومشتمل على حجر يعرف ~~الغرض المعدة له كل منها؛ وأصبحت المداخل تكسى أبهة وجلالا، فيلج الإنسان منها إلى ~~صحن الدار، وهو رافع الرأس والجبين، مستوي القامة؛ وأصبحت الصنعة تتفنن في خارج ~~البيوت، فتزين الوجهات بالشرفات الرخامية، وبمظاهر هندسة معمارية بديعة، وبالنسبة ~~لاتساع الشوارع الجديدة، وقيام الأشجار على جانبيها، والاستغناء بالتالي عن الحيشان ~~الداخلية، لم تعد تلك الوجهات تجور على الفضاء، ولم تعد أخطار تداعيها وسقوطها ~~بالكثرة التي كانت عليها في السابق. # وعمل (إسماعيل)، ثالثا، على تغيير عقلية رعاياه، منزليا، بما حمل عليه ~~الغربيين والسراة الوطنيين من تشييد القصور والوكالات الفخمة، فوق الأراضي التي ~~وهبها لهم، على شرط أن يقيموا عليها مباني تتناسب أبهتها مع أثمان تلك الأراضي، ms211 ~~ولما كان ثمن بعض القطع فيها يربو على الألفي جنيه، فإن رمنجتن والديوك أوڨ ~~سيوذرلند، والكلوب الإنجليزي، وغيرهم، أنشاؤا عليها قصورا بلغ ثمن الواحد منها ~~عشرين ألف جنيه، فنجم عن ذلك أمران: (الأول) أن حب التقليد أخذ يدفع بالأهالي في ~~العاصمتين والبنادر، بل في ذات القرى، إلى تشييد بيوت وقصور على مثال تلك السرايات ~~والمنازل الفخمة؛ وفرشها بالرياش الفاخر، على الطراز الغربي؛ و(الثاني ) أن الحياة ~~المنزلية الأهلية المجاورة للحياة المنزلية الغربية، المقتضية في هذه التشييدات ~~الجديدة، شرعت تزداد بها احتكاكا، وتقتبس منها خصالا من شأنها أن تستبدل، من قديم ~~كثير، جديدا يروق في العين، وأهم ما ظهر ذلك في إقدام الشرقيين على الاقتداء ~~بالغربيين في إقبالهم على التصور شمسيا، وعلى تزيين حجر بيوتهم بإطارات صورهم ~~وصور أصدقائهم الفوتوغرافية. # فإذا أضفنا إلى هذه الأمور الثلاثة، ما أدخله (إسماعيل) إلى صميم البيوت من تغيير ~~في وسائل الشرب والتنوير المادي، ومن تعليم وتهذيب أدبيين، وأفكار جديدة، بواسطة ~~المدارس التي أنشأها والشبيبة التي رباها فيها والجواري المتربيات في سراياته التي ~~كان يزوجهن من وجهاء البلد فيدخلن إلى بيوت أزواجهن نظام تلك السرايات ونظافتها ~~وترتيبها؛ وبواسطة مظاهر الحياة الغربية التي نشر معالمها في عاصمتيه، فإنا لا نرى ~~مندوحة عن الاعتراف بأنه، وإن لم يهدم كل المساكن والبيوت، ليجددها - مع أنه، في ~~الحقيقة، هدم وجدد كثيرا منها - فقد غير حالها في الواقع، وعدل صميمها حقا، ~~تعديلا يصح أن يعتبر تجديدا محضا، فأصبح ينطبق عليه القول الذي صدرنا به هذا ~~الفصل من كتابنا؛ وبتنا نستطيع أن نحكم بأنه غير، حقيقة، عادات أمته، وطرق ~~معيشتها. # ولا أدل على صحة ذلك من التغييرين اللذين طرآ عليها سياسيا واجتماعيا من وراء ~~جميع ما ذكر. # فأما سياسيا، فإن انتشار المعارف والعلوم في البلاد انتشارا واسعا، وتمكن ~~مقتبسيها العديدين من تهذيب عقلياتهم بأفكار مؤلفي الغرب السياسيين والاجتماعيين، ~~من جهة؛ واحتكاك الحياة المصرية، من جهة أخرى، بالحياة الغربية، على ما كانت عليه ~~هذه الحياة من استقلال في مظهرها الجدي، ومن فوضى في مظهرها ms212 المعيب؛ فآثاره ذلك ~~الاحتكاك للانفعالات المختلفة في النفوس؛ أكان الباعث إلى إثارتها مظهر تلك الحياة ~~الجدي، أم مظهرها المعيب؛ ومجهودات (إسماعيل) الذاهبة به إلى الفوز بالاستقلال ~~لبلاده، وإلى إقامتها في مصاف الدول الشرقية الكبرى، من جهة ثالثة - وهي المجهودات ~~التي سيأتي بيانها في حينه - وقد كانت بمثابة نار اشتعلت في الأفئدة والعقول؛ ~~وتنازل (إسماعيل) رسميا، من جهة رابعة، عن جانب عظيم من سلطته المطلقة في ميدان ~~التشريع وربط الضرائب، بإنشائه مجلس النواب؛ وفي ميدان القضاء بتأسيسه المحاكم ~~المختلطة، وخضوعه لأحكامها وقراراتها، راضيا أو مكرها، وتضافر الجاليات الأجنبية ~~بمصر، من جهة خامسة، على الإثراء من أسلاب أمير البلد وفلاحيه «بمساعدة المحاكم ~~المختلطة لهم مساعدة عجيبة» كتعبير القاضي الهولندي فيها المسيو ڨان بملن في كتابه ~~المعنون «أوربا ومصر» # 14 # زيادة على تضافر الدائنين الأجانب بتعضيد دولهم، لا سيما إنجلترا ~~وفرنسا وألمانيا، وتعنتهم في أن تدفع لهم فوائد الديون المطلوبة لهم، ولو بإرهاق ~~الفلاح المسكين، وتحصيل الأموال منه سلفا؛ أو بحرمان موظفي الحكومة ومستخدميها من ~~صرف مرتباتهم لهم، أشهرا متوالية؛ # 15 # وقدوم جملة مفكرين شرقيين إلى مصر، وأخصهم بالذكر جمال الدين الأفغاني، ~~وأديب إسحق السوري، وقيامهم يبثون تعاليمهم الحارة في المجتمعات والجوامع والكتب ~~والصحف، من جهة سادسة وأخيرة - كل هذا أوجب تطورا هائلا في الأفكار، وأنجب قيام ~~عدة آمال سياسية في القلوب، ظهر وجودها جليا: ~~(أولا): بما سبق لنا ذكره من جميعات سياسية. ~~(ثانيا): بالفتنة العسكرية التي أدت إلى سقوط الوزارة النوبارية. ~~(ثالثا): بالحركة القومية التي أعقبت إلغاء قانون المقابلة. ~~(رابعا وأخيرا): بالعريضة التي قدمتها الشبيبة المصرية إلى الخديو (محمد توفيق) ~~في أوائل أيام ملكة، والتمست فيها، بلهجة عدائية للغربيين، منح القطر جملة إصلاحات، ~~دعتها «حيوية» له. # وأما اجتماعيا، فإن الملابس والأزياء تغيرت. أولا فترك النساء، في المدن ~~والبنادر، اليلك، والسلطة، والحزام الكاشميري، والطاقية الحمراء الصوف، الموضوعة ~~عدة مناديل عليها، والقرص بما كان يتجلى عليه من حلي ومجوهرات؛ بل ترك معظمهن ذات ~~الضفائر والصفا؛ وتركن الخف والبابوج؛ وأقبلن يلبسن، في داخل منازلهن، الجلابيب ms213 ~~والفساتين، مفصلة، لسيدات الطبقة العليا، على المودات الغربية؛ ويضعن الطرح البسيطة ~~على رءوسهن؛ ويلبسن الجوربات في أرجلهن، وفوقها الشباشب، فإذا خرجن لبسن لباسا ~~إفرنجيا من فوقه السبلة، والحبرة واليشمك؛ وأحذية غربية من ذات الكعوب العالية؛ ~~وأقدمن - علامة محسوسة ظاهرة للتطور الحثيث السائر - على أن يصورن، تصويرا ~~فوتوغرافيا، وهن أيضا بملابس إفرنجية؛ وعلى تكبير صورهن الفوتوغرافية، بل على ~~التصور تصورا زيتيا، بوقوفهن أمام مهرة المصورين من الغربيين ، بعد أن كن أضن ~~على غير أزواجهن برؤية وجوههن وقوامهن، من البخيل بديناره العزيز، على ~~السائل. # قال إدون دي ليون: من أغرب الأشياء في موجودات سرايات المفتش «صورة كبيرة جدا، ~~موضوعة في إطار ثقيل مذهب، تمثل ابن المفتش وعروسه - وكانت ربيبة زوجة الخديو ~~الثانية - في قديهما وقامتيهما، فإنها كانت من النوع الذي ينتظر المرء وجوده في ~~قصور الملوك، وبما أن كلا المتصورين لم يكن في لباس شرقي، فإن المشابهة كانت أتم. ~~أما هو، فكان جالسا، مرتديا لباسا إفرنجيا ومكشوف الرأس، وأما هي، فكانت واقفة ~~في كساء غربي من المحتمل الأزرق الثمين، مفصل ومطرز على آخر اختراع الجيل، وعلى ~~رأسها إكليل من ماس يشبه تاجا، يظنها رائيها من صميمات الفرنجيات!» # 16 # وترك الرجال في المدن والبنادر، أيضا، لا سيما الموظفون، اللباس المغربي ~~والطربوش المغربي، اللذين نراهما على (محمد علي باشا) و(إبراهيم باشا) و(سعيد باشا) ~~في صورهم الرسمية المرسومة في المكتبة المصرية وغيرها، ولبسوا اللباس الغربي، ~~المرتدي به رجال تركيا في ذلك الحين، وأعني به الإسطمبولية، من تحتها القميص ~~المكوي، والصديري والبنطلون؛ وانتشر، مع شيوع هذه الملابس، استعمال الفرش لتفريشها، ~~وقد كانت مكروهة، لكونها مصطنعة من وبر الخنازير؛ وتركوا المز والمركوب، واحتذوا ~~بأحذية غربية، من تحتها الجورابات، فزال، بذلك، فارق كان يميز المسلمين عن غيرهم من ~~بني وطنهم، ليسوا يدينون بدينهم، فإن مزوز المسلمين ومراكيبهم كانت صفراء؛ وأما ~~النصارى واليهود فقد كان الأصل في لون لبسهم - عامة - ومراكيبهم - خاصة - أن يكون ~~أسود، على جواز استعمالهم اللون الأحمر - إذا شاءوا - وأقلع المتمدينون منهم عن ~~عادة حلق رءوسهم، ms214 مع إبقاء شوشة في قمتها، كما كانت العادة المتبعة في الأجيال ~~السابقة؛ وأخذوا يعفون عن شواربهم، وقد كانوا يبالغون في قصها، كما لا يزال يفعل ~~بعض المتعممين في أيامنا هذه، لا كما يفعل المقتدون بالإنجليز من حلق طرفي جانبيها ~~وقص الباقي فيها على سواء الشفة؛ وأخذوا يقصون لحاهم على شكل مستدير، كشكل لحية ~~(إسماعيل) في صوره، وتجاوز البعض ذلك؛ فقلدوا الفرنج، وحلقوا لحاهم بالمرة، وقد كان ~~الإعفاء عن اللحى أمرا راسخا في النفوس، لما كان ولا يزال للحية من احترام عند ~~بعض الشرقيين، لا سيما البدو. # وما زلت أذكر اشمئزاز بعض مشايخ من العربان، زرتهم منذ نيف وخمس وعشرين سنة، إذ ~~رأوا في يدي كتاب سيرة نابليون الأول، وعرفتهم من هو، وما كانت أعماله، فتشوقوا إلى ~~رؤية صورته؛ فأريتها لهم، فوجدوه حليقا! كما أني لا أزال أذكر ما قاله لي بعض ~~مبشري الكنيسة الكاثوليكية الرومانية - وكان قد جاب جهات السلط والكرك، في الصحراء ~~السورية - من أن العربان، هناك، لما رأوا بين يديه صورة حبر المسيحية الأكبر وكان ~~في تلك الأيام لاوون الثالث عشر، ووجدوا أن رئيس الدين الذي يدعوهم إليه، رجل حليق ~~الذقن والشارب، نفروا منه نفورا عظيما وانفضوا من حوله. # ولعل هذا هو السبب في أن مبشري الكثلكة ورهبانها، من الغربيين، يعفون عن لحاهم ~~وشواربهم في الشرق، بينا هم يحلقونها بتاتا في الغرب. # ويذكر، للدلالة على احترام مصريي (محمد علي) أنفسهم للحية، أن أحد مشايخ البلاد ~~في الشرقية لكي يكيد رجلا من ناحيته كان قد اختصمه، قيده في عداد المدعوين ~~للجندية، بالرغم من كونه جاوز السن، وجعل مزين الناحية يحلق له لحيته: لأن قانون ~~(محمد علي) العسكري كان يقضي بحلق ذقون الجنود؛ وأرسله إلى المركز ضمن المرسلين ~~إليه لتوقيع الكشف الطبي عليهم، فوجد كلوت بك - وكان هو الطبيب المكلف بالكشف، وهو ~~الراوي لهذه الحكاية - أن الرجل غير لائق للخدمة، لداعي تجاوزه السن، فأمر بتخليته ~~وإعادته إلى بلده، ولكن الرجل أبى إلا أن ينصفه المأمور، أولا، من خصمه، الذي تسبب ms215 ~~له بإهانة عظمى بحلق لحيته، فاستحضر ذاك الخصم، وخير الرجل في أمر مجازاته، فطلب أن ~~يعاملوه مثلما عامله، وأن يحلقوا له لحيته مثلما حلق، هو، لحيته، فطفق الشيخ يرجو ~~ويتوسل، ويعرض كل ما يشاء خصمه أن يطلبه من عوض مالي، ويحاول أن يقنعه بأن حلق ~~لحيته لن يجديه نفعا، ولن يعيد لحيته إليه، فأصر الرجل على طلبه، ولولا أن كلوت بك ~~تداخل بينهما، وأقنع الفلاح بقبول عوض مالي جسيم من الشيخ، لما وجد هذا مفرا من ~~جز لحيته، ولاضطر إلى مغادرة بلده، لكيلا يكون موضع سخرية أهلها، كما فعل غريمه، ~~فإنه أقام في ناحية أخرى، ولم يعد إلى قريته إلا بعد أن رجعت لحيته إلى ما كانت عليه. # 17 # ويروي بلتزوني، الرحالة البحاثة الإيطالي الشهير، عن أحد مهزاري (محمد علي) أنه ~~أراد التنكر يوما، للمزاح؛ فحلق لحيته وحضر إلى مجلس مولاه، فلم يعرفه في بادئ ~~الأمر؛ ولكنه لما عرفه، أغرق في الضحك، حتى كاد يستلقي على ظهره؛ وجاد عليه ببعض ~~المال. على أن المهزارين رفاقه، أبوا بعد ذلك أن يجالسوه على مائدة أو يخالطوه ~~مطلقا، لزعمهم أنه بحلقه لحيته ارتكب شيئا بات لا يؤهله لأن يكون واحدا منهم، ~~وذلك لأنهم كانوا يعتبرون مخنثا كل من حلق لحيته وشاربيه. # 18 # وتغيرت ثانيا، كيفية حياة الأغنياء اليومية، فإنهم كانوا، حتى أيام (إسماعيل) ~~الأولى، ينهضون من النوم مبكرين، فيصلون صلاة الصبح، ثم يفطرون ويشربون القهوة، ~~ويدخنون الشبك؛ فيهبون، بعد ذلك، ويلبسون ملابسهم، ويركبون جيادهم، ويخرجون إما ~~للزيارات أو للتسوق؛ وإما لمجالسة صديق حتى تأتي ساعة الغداء، وهي الثانية عشرة ~~صباحا: فيعودون إلى منازلهم، ويتغدون؛ ثم يشربون القهوة، ويدخنون الشبك؛ ويدخلون ~~بعد ذلك إلى دوائر حريمهم، فينامون ساعة أو ساعتين؛ ثم ينهضون، فيغسلون وجوههم أو ~~يستحمون، ويتوضأون، ويصلون صلاة الظهر؛ وبعدها، يتكيفون - والتكيف عبارة عن غيبوبة ~~المرء عن العالم المحسوس، ليعيش برهة غير قصيرة في عالم الأحلام والأماني، معيشة من ~~يرى هذه الأماني والأحلام حقائق، ويستمرئ لذتها استمراء عميقا - فعندما ينتهون من ~~التكيف، يشربون ms216 قهوة العصر، ويدخنون شبكا آخر؛ ثم يلعبون دور ضامة أو شطرنج مع أحد ~~أصدقائهم أو أخصائهم، وبعدها، يصلون العصر، ويخرجون للتنزه، أحيانا، مشيا على ~~الأقدام، وفي الغالب ممتطين جيادهم، وفي ركابهم حاملو شبكاتهم، وأمامهم سواسهم، ~~فتزدحم بمواكبهم الأزبكية، فإذا عن لهم، نزلوا ودخنوا تحت أشجارها الباسقة؛ وإلا ~~استمروا في تنزههم، يتفرج بعضهم على بعض؛ وتختلط، أحيانا، بموكبهم، عربة أحد كبار ~~الباشوات المقربين؛ فيتفرجون عليها، ويتفرج الباشا عليهم منها، وكثيرا ما كانت ~~تمر بهم الحمير والجمال، عليها السيدات، جالسات كما كنا نراهن، قبل عهد ~~الترامواي؛ أي: مؤتزرات بحبرهن، وواضعات أرجلهن في ركاب قصير، بحيث تداني ركبهن ~~بطونهن، ويهب الهواء عليهن، فينفخ في حبرهن، فيصرن كالبلونات، ولما تقرب الشمس من ~~مغيبها؛ أي: حوالي الساعة الحادية عشرة، على الحساب العربي، يعودون إلى بيوتهم، ~~فيصلون صلاة المغرب في وقتها؛ ثم يتعشون ويذهبون إلى القهوة التي يميلون إليها، ~~لسماع الراوي يقص سيرة بني هلال وحروب أبي زيد ودياب والزناتي خليفة؛ أو أعمال ~~فروسية عنترة بن شداد، والزير المهلهل وحرب البسوس؛ أو فعال سيف بن ذي يزن، وحيل ~~علي الزيبق وأخاديعه أو يذهبون للسهر، ساعة أو ساعتين، عند بعض الأصدقاء، ويعودون ~~فينامون مبكرين إلا إذا سهروا في فرح أو أقاموا يتمتعون بطراوة الليل، حينما يكسو ~~القمر بأنواره أجنحة الدجى، فضة. # ولكن، بعد انتشار ملاهي المدنية الغربية وأسبابها؛ بعد تشييد الكوميديا والأوپرا ~~الخديوية، واستقدام أكبر الممثلين والممثلات إليهما، وإقامة المراقص فيهما، علاوة ~~على إدخال عادة الليالي الراقصة السنوية إلى الحياة القومية المصرية؛ بعد استيراد ~~العربات بكثرة من أوروبا، حتى غصت بها شوارع القاهرة والإسكندرية، واقتناها معظم ~~السراة فيهما؛ وبعد إقامة حفلات السباق للخيل والهجن في هاتين العاصمتين، وإنشاء ~~حمامات حلوان، اندفع الأغنياء مع تيار الحياة الجديدة التي أوجدتها كل هذه المظاهر ~~الحضرية، واتخذوا خلالا غير التي كانوا عليها. # أما الملاهي، فمن نوع الكازينات والقهوات الغنائية، المنشدة فيها غادات متفننات ~~في سلب العقول والجيوب، كالتي أقيمت على سكة شبرا، وفي بعض نقط من ذلك الشارع، الذي ~~أصبح - لا ms217 سيما في أيام العطلة والأعياد، وإلى أن أنشئ الشارع الموصل إلى الأهرام، ~~ووصل بين بري الجيزة والجزيرة ومصر بالكوبريين الجميلين المنشأين في سنة 1872 - ~~ملتقى كل من كان في العاصمة من ممثل للوجاهة، وكرم المحتد، ورفعة المركز، والجمال، ~~والترف. # وأما الكوميديا والأوپرا، فإن الأولى شيدت بالأزبكية في 22 نوفمبر سنة 1867، وقد ~~كان يوجد مكانها، ومكان الأوپرا أختها، بيوت صغيرة حقيرة، فاقترح (إسماعيل) على ~~أصحابها أن يبيعوها له، فرضي بعضهم وأبى آخرون، ولكنه حدث أن حريقا التهم فيما بعد ~~بيوت الرافضين، فاشترى الخديو منهم الأرض بالثمن عينه الذي كان عرضه عليهم في ~~البيوت وهي قائمة وشرع يبني مسرحية فوقها، واحتفل بافتتاح الكوميديا في مساء 4 ~~يناير سنة 1868، فكأن إنشاءها، وتأسيسها، وتجهيزها، وإقامة أول تمثيل فيها - كل ذلك ~~تم في ظرف شهر واثني عشر يوما، # 19 # ومع أنها كانت، في بادئ أمرها، عبارة عن بناء خشبي، فإن إبرازها إلى ~~الوجود بمثل هذه السرعة لم يكن يخلو من شيء، يعجب له، إعجابا كبيرا، فزيادة على ~~ما استوجبه من الدقة المدخلان اللذان عملا فيها: (أحدهما) حديدي، على الشمال، ~~للخديو؛ و(الآخر) حديدي، كذلك، على اليمين، للحرم المصون، وأميرات البيت المالك، ~~فإن داخل ذلك المسرح كان فخما جدا، مزينا بأبهى الرسوم، وباديا على كل شيء فيه ~~بذخ فائق، لا سيما في كل ما كان يتعلق بلوج الخديو والألواج الثلاثة المغطاة المعدة ~~لأميرات أسرته. # وأما الثانية؛ أي: الأوپرا، فقد بنيت في السنة التالية، في ظرف خمسة شهور؛ وبلغت ~~تكاليفها 160 ألف جنيه، فظهرت، من الخارج ومن الداخل، في المظهر الفخم الذي لا تزال ~~تتجلى لنا فيه، وكلف (إسماعيل) ڨردي، المؤلف الموسيقي الإيطالي، الطائر الصيت، بوضع ~~رواية تناسب المكان والمقام، للاحتفال بافتتاحها، بحضور الإمبراطورة أوچيني، ~~القادمة لترأس حفلات فتح ترعة السويس، فنظم ڨردي روايته الشهيرة المسماة «بعائدة»، ~~وقامت مدام پوطسوني، المغنية البديعة الجمال الأسمر، بتمثيل دور الأميرة الحبشية، ~~فيها، باختيار ڨردي نفسه، وبلغ من إتقانهم المظاهر التمثيلية، أنهم أنفقوا نيفا ~~وخمسمائة وخمسين ألف فرنك؛ منها 12 ألفا للشعر ms218 الصناعي، فقط؛ وذلك خلاف ما أعطي ~~لجوقة آلات الطرب (الأركستر) والممثلين (الأرتست)؛ وخلاف ما جاد به كرم (إسماعيل) ~~على الأستاذ ڨردي، وقدره 150 ألف فرنك. # 20 # فكانت نتيجة ذلك جميعه، أن الجمهور القاهري، وعلى رأسه الخديو وأمراء بيته ~~وأميراته، والباشوات، والسراة، أصبحوا يرون لذة حضور التمثيل المعروف بالميلودرام - ~~أي المقترن التشخيص فيه بالغناء - من أشهى لذات الوجود؛ وأنهم أصبحوا يستقدمون، ~~سنويا، جوقة أوروبية، خصيصا لهذا الغرض، وينفقون عليها مبالغ طائلة، تتجاوز حد ~~المعقول، فقد قدر بعضهم ما صرف على أفراد إحدى تلك الجوقات في شتاء سنة من السنين ~~بمبلغ 120 ألف جنيه، وليس في تقديره من مبالغة؛ فإن الممثلة الواحدة، من جهة، كانت ~~تتقاضى، أحيانا، ألفا ومائة جنيه في الشهر، خلاف الجواهر والهدايا المقدمة ~~لها. # ولا غرو: فالمستقدمون من أولئك الفنيين كانوا ملوك التمثيل والغناء في أوروبا، في ~~تلك الأيام، وملكاتهما؛ كالتينور نودين والآنسة سارولتا، اللذين فتحت الأوپرا بهما؛ ~~وكالمسيو لاروز، والمسيو تسييه والمسيو پيجوري، والمدامات پوطسوني ومديني، ومتس ~~فرار، وبرت چيراردين، والآنسات دورتيه ولورنس وجيرار، ولا سيما مدام ماري صاص، ~~التي كانت، علاوة على تفوقها في الفن، من أبدع النساء حسنا؛ وكالآنسة روسيل ~~الممثلة المأساتية، التي مثلت في سنة 72 رواية «البند 47» ورواية «الفوميناچ» ~~ورواية «أدريين ليكوڨرير» وروايتي «لادام أو كاملياه» و«السيد»؛ وكديلانوا، الذي ~~مثل في السنة عينها رواية «الفوبونزوم» ورواية «نوزنتم» ورواية «الريڨليون»، ومن ~~جهة أخرى، فإن كل جوقة كانت تشتمل عادة، على ثمانين راقصة، معظمهن، ميلانيات، من ~~أجمل نجوم المسارح. # وبلغ من تفنن مديري الكوميديا والأوپرا في إرضاء الجمهور، أنهم أخذوا يستقدمون، ~~أيضا، نقادين فنيين، ليكتبوا المقالات الانتقادية الجميلة في التمثيل والممثلين، ~~فيعملوا على تحسين الفن وترقية كفاءة القائمين به. # واشتهر، من بين أولئك النقادين، المدعو فيلپي، ذو الشعر الطويل المسترسل؛ لا لأنه ~~كان أكفأهم، ولكن لما حمله الطمع عليه من وقاحة سمجة، فمع أنه منح 20 ألف فرنك، ~~أجرة لسفره، فقط، وتحملت الأوپرا مصاريف إقامته كلها، بالغة ما بلغت، فقد أبى إلا ~~استغلال الممثلات، وحملهن على ms219 شراء سكوته عن هجوهن بمال يدفعنه إليه، ولما وجد منهن ~~إعراضا، وعدم مبالاة، تحول إلى زمرة آلات الطرب (الكوريست)؛ وأخذ يطعن عليهم طعنا ~~مرا، فما كان منهم، ذات ليلة، إلا أنهم هاجموه، وقطعوا شعره المسترسل - وكان ~~شعرا كاذبا - وقذفوه ببياض البيض وصفاره، وقشر البرتقال؛ وأهانوه إهانة لم يجد ~~معها بدا من الرحيل إلى بلاده. # 21 # وأما مديرو المسرحين - أي الكوميديا والأوپرا - المتفننون في سبيل إرضاء الجمهور ~~القاهري فأولهم درانيت باشا، المعروف باسم پاولينو - وقد أطلق اسمه هذا على شارع ~~وحي من شوارع قسم محرم بك بالإسكندرية، وأحيائه - كان صيدليا يونانيا في خدمة ~~الدكتور تينارد الفرنساوي، فأدناه هذا من (محمد سعيد باشا) وأدخله في خدمته، فما ~~لبث أن أنعم عليه بلقب بك، فقلب پاولينو اسم الدكتور أستاذه، وجعله «درانيت» وتسمى ~~به؛ وظل في خدمة (سعيد) حتى آخر لحظة من حياته. # يقول المسيو كارل دي پريير في كتابه «باريسي في مصر»: «إن قوة درانيت الكبرى، ~~بجانب ذكائه الذي لا ينكر، هي أنه عالج المرحوم (محمد سعيد باشا) عم الخديو وسلفه، ~~في احتضاره، ولم يفارقه حتى آخر لحظة من حياته، ولم يكن أحد غيره يقدر على الدنو منه». # 22 # فعينه (إسماعيل) مديرا لمصلحة السكة الحديدية، مكافأة له على ذلك، ولما تأسس ~~المسرحان، عينه مديرا لهما، وقلما كنت تراه، أو كان يقابلك، إلا باسما باشا، ~~مهما كانت مهمتك لديه، فبات لا يستطيع أحد قراءة ما في ضميره، وتمكن، بذلك، من ~~اقتناء ثروة طائلة. # وأخلفه على وظيفته منسه بك - وسوف يأتيك نبأ عنه - ومنادييه بك، وغيرهما دونهما ~~شهرة. # وأما المراقص التي أقيمت في المسرحين، وابتهج بها الجمهور، فأهمها المعروفة ~~بأسماء «براهما» و«جزيرة الغرام» و«الجيوكولييرا» و«فليك وفلوك». # وأما الليالي الراقصة التي أدخلت عادتها السنوية إلى نظام الحياة القومية ~~المصرية، فقد كان الخديو يحييها عادة في سراي عابدين، في منتصف فصل الشتاء، ويدعو ~~إليها، علاوة على رجال معيته وكبار موظفيه، نيفا ومائة وخمسين من وجوه العاصمة ~~وسراتها، وذوي الحيثيات من رجال الجاليات الغربية، فكنت تجد جميع طبقات ms220 الهيئة ~~الاجتماعية المصرية الرفيعة وجميع الأمم الأوروبية ممثلة في أولئك المدعوين. # وكان (إسماعيل) يستقبل وفودهم، ابتداء من الساعة التاسعة مساء، في أحد أجنحة ~~السراي، بلطفه المعتاد، وبشاشته المألوفة، ويحادثهم فيما يهمهم، أو يرتاحون إليه، ~~حتى الساعة العاشرة، فيقدم، حينذاك، ذراعه إلى عقيلة أقدم القناصل عهدا، أو أكبر ~~المدعوين مقاما، ويسير بها وبالجمع إلى قاعة فسيحة، معدة لسماع نوبة العزف، فيسير ~~الأمراء، أولاده الثلاثة، وراءه، وعلى ذراع كل منهم سيدة، ويتبعهم الملأ، كل مع ~~السيدة التي تسمح له المألوفات القومية باختيارها، فيحضر الجميع النوبة ساعة، ثم ~~ينتشرون في الحجر الأخرى، زرافات زرافات، وأزواجا أزواجا، ويغتنم الخدم فرصة خلو ~~القاعة، لنزع معالم نوبة العزف منها، وتحويلها إلى قاعة رقص فخمة، وعندما يفرغون من ~~ذلك، تصدح الموسيقى، فيعود المدعوون إلى القاعة، ويبدأ الرقص ويستمر، حتى بعد نصف ~~الليل، في حضرة الخديو والموظفين الخديويين المرتدين ملابسهم الرسمية الساطعة، ~~والمتلألئة صدورهم بالنياشين، التي حلتهم بها كفاءاتهم، أو الإنعامات العالية. على ~~أن ما من أحد منهم كان يرقص، سوى الأمراء الثلاثة توفيق وحسين وحسن، أولاد الخديو؛ ~~لأنهم كانوا، دون غيرهم، متعلمين ضروب الفن، وكان حسين أكثرهم غراما به، وأكبرهم ~~اندفاعا مع تياره، وأقلهم تأثرا بالتعب الناجم عن المجهود المبذول فيه. # فإذا انتصفت أول ساعة بعد نصف الليل، فتح الخديو المقصف، فيسير إليه المدعوون، ~~زرافات زرافات، ويأكلون أشهى الطعام، ويشربون ألذ المدام، مريئا هنيئا، والموسيقى ~~تعزف حولهم، حتى ساعات الفجر الأولى؛ فينصرفون حينذاك، مودعين من الخديو ورجاله، ~~بما قابلوهم به من بشاشة وإكرام. # ولم يكن (إسماعيل)، لا سيما في أيام ملكه الأخيرة، يحب هذه الحفلات أو يميل إلى ~~إحيائها، لمجرد لذاتها، فإنه كان يعتبر أوقاته أثمن من أن يصرفها في الأخذ بأسباب ~~تلك الملاهي، ولكنه كان يحبها عملا برأي رجل السياسة الشهير القائل: «إن البطن خير ~~طريق إلى القلب!» ورغبة منه في أن تكون تلك الليالي مواسم تستفيد رعيته منها بما ~~تلزمه احتفالاتها من حركة في ميداني التجارة والصناعة. # وأما السباقات، فإن الخديو كان يحييها، في عاصمتي ms221 ملكه، على نفقة جيبه الخاصة، ~~ويدعو إليها من شاء من الوجهاء والأعيان والنزلاء الأجانب، فيقدم لهم المرطبات ~~والحلوى والفواكه المتنوعة، فكانت الدعوة إليها تعتبر منة وشرفا يرفعان من قدر ~~المدعو؛ ولذا، فإن السراة كانوا يتسابقون إليها، فضلا عن السوقة والعامة، للتفرج ~~عليها من بعيد، ولما كانت المقامرة أساسها - وطبع الإنسان مقامرا - فإن ازدحام ~~الأقدام في تلك السباقات كان شديدا، غير مألوف إلا في الاحتفالات الدينية؛ بالرغم ~~من أنها كانت تقام، من العاصمتين، على بعد يلزم قاصدها باحتمال مشقة، فسباقات مصر ~~كانت تحيا في العباسية؛ وسباقات الإسكندرية في القباري، أولا، ثم ما بين الحضرة ~~وسيدي جابر، حيث أقيم، فيما بعد، ناديها الحالي، على الأرض التي باعتها له دائرة ~~الأمير إبراهيم باشا، زوج الأميرة زينب هانم بنت (إسماعيل) العزيزة المفضلة، وكلتا ~~الجهتين، بالنسبة لعدم وجود خطوط ترامواي أو سكة حديدية توصلهما بالعاصمتين، كانتا ~~قصيتين، علاوة على كونهما رمليتين، وأن الطريق إليهما كانت تربة عثيرية. # وكثر اقتناء السراة الخيول، لتدريبها على الجري، عساها تفوز في تلك السباقات؛ ~~وبلغ من اهتمامهم بها أن علي شريف باشا، صاحب السراي الكبيرة المشهورة بشارع عبد ~~العزيز، المؤجرة الآن إلى راهبات المحبة، ورئيس محكمة مصر التجارية في ذلك العهد ~~- وكان من أكبر غواة تلك الخيول - لم يكد ذات صباح يفتح جلسة محكمته إلا وأتاه ~~سائسه، وهمس في أذنه أن جواده الفلاني - وكان من أحسن خيوله - مريض جدا، يخشى ~~عليه، فنهض علي باشا مذعورا، وأعلن رفع الجلسة، وترك القضاة والمتقاضين، وذهب ~~ليعول جواده المريض! # 23 # وكانت السباقات تقام، عادة، كل خمسة عشر يوما؛ ومعظم «الجوكز» أي: راكبي الخيول، ~~فيها من السودانيين، وإلا فإنجليز، وأهم سباقات عهد (إسماعيل) السباق المقام في ~~اليوم السادس عشر من أيام الأفراح، التي أحييت مهرجاناتها أربعين يوما، احتفالا ~~بزواج الأمراء محمد توفيق وحسين وحسن والأميرة فاطمة هانم، أولاد الخديو في سنة ~~1873 فإن «الجوكز» فيه، كانوا مرتدين ملابس حريرية، وفاز منهم راكب جواد للخديو ~~عينه، يقال له: «قباري» وراكبو جياد نظير أغا، وعلي شريف باشا، ms222 وإسماعيل بك، وامتاز ~~ذلك السباق عن غيره، بأن هجنا جرت شوطا فيه؛ وبأن مقصفه كان من أفخر ما يقع في ~~خلد بشر أو تراه عين؛ وأن المدعوين إليه كادوا يغطون بعددهم وعديدهم صحراء العباسية ~~على اتساعها. # وأما حلوان، فإن الخديو - بعدما ظهرت مزايا مياهها المعدنية الكبريتية، ومنافعها ~~للمستحمين بها - وطن نفسه على جعلها «إكس لي بن» مصرية شتائية، يؤمها رعاياه ~~والسائحون (التوريست) للاستفادة منها، فما فتئ يشجع على إقامة المباني والفنادق ~~فيها، بهمة لا تعرف الملل؛ ويقدم، هو نفسه، المثل الصالح في ذلك ، بإنشاء قصر فخم في ~~تلك الضاحية العاصمية، للأميرة والدته سنة 1877 إلى أن تم له مرغوبه؛ وبرزت حلوان ~~في حلة من الترغيب حملت الكثيرين من السراة على اتخاذها مقرا لهم، وكثيرين من ~~الغربيين على قصدها، في فصل الشتاء، لتمضيته فيها. # وبلغ من إعجاب الناس بهوائها ومياهها أن المسيو بلان # Blane # صاحب كازينو منتي كارلو، الشهير بإمارة مونكو، وكازينو ~~همبرج بألمانيا، عرض على الخديو مبلغا جسيما من المال ليصرح له بفتح كازينو فيها ~~للمقامرة، على شاكلة ذينك الكازينين؛ فاعتبر (إسماعيل) مليا، عواقب إقامة مثل ذلك ~~المحل؛ ونظر إلى المستقبل نظرة من يستطلع أسراره، فرأى أموال أسرته ورعاياه تذهب ~~إلى غمرات ذلك المكان؛ فتنباع منه مأساآت تلبس العائلات لباس السواد والحداد؛ فرفض، ~~ورفض كذلك، للأسباب عينها، مبلغا أكبر، عرضه عليه الرجل ذاته، ليصرح له بفتح كرسال ~~للمقامرة في القاهرة. # فلو كان (إسماعيل) الأمير المتعطش إلى المال، الذي يصفه أعداؤه، الراغب في الحصول ~~على النقود من أي باب ولو ضارا برعاياه، لما أحجم عن قبول المبلغين الكبيرين ~~اللذين عرضا عليه، ولبرر نفسه بحجة رغبته في صرفهما فيما يعود على مصر بالخير، ~~سابقا في تبرره بهذه الوسيلة، المستر سسل رودز المشهور، الذي يروى عنه أن الظروف ~~جمعته، يوما، في حفلة مع الكولونيل جوردن، عقب عودة هذا الرجل الپوريتاني المذهب ~~من الصين، حيث كان قد أخمد ثورة النايپنج، فقص جوردن على الحاضرين كيف أن إمبراطور ~~الصين، لكي يكافئه على خدماته العديدة الجليلة، ms223 لا سيما في إخماده نيران تلك الثورة ~~الهائلة، التي كادت تذهب بعرشه، أخذه إلى حجرة ملأى ذهبا، وقال له: «خذ كل ما ~~فيها، فإنه مكافأتي لك على ما فعلت!» فرفض جوردن قائلا: «إني لم أعمل إلا الواجب ~~علي، ولست أستحق على أدائي واجبي مكافأة ما!» فأظهر سسل رودز تأففا من ذلك، ~~واستنكارا له، فالتفت جوردن إليه وسأله: «ترى، لو كنت مكاني، أكنت تقبل؟» فأجاب ~~سسل رودز: «بلا شك! وكنت استخدمت ذلك الذهب في اكتساب إمبراطورية جديدة لبريطانيا ~~العظمى!» # على أن أكبر تعديل اجتماعي أدخله (إسماعيل ) على حياة أمته المصرية القومية، وأكبر ~~هزة، بالتالي، هز بها عقليتها، في صميمها، إنما هو عمله على إبطال النخاسة والرق ~~وتحرير العبيد. # 24 # فإن الرق ما فتئ رفيق الحروب الإسلامية، حيثما دارت رحاها، وأليف الحياة العائلية ~~الإسلامية، حيثما قامت معالمها. لا لأنه أصل من أصول الدين والحشمة الإسلامية، كما ~~كان يعتقد الأوروبيون؛ ولكن لأنه - من الوجهة الحربية - موروث عن القرون التي سبقت ~~الإسلام، وقد عمل الإسلام على محو هذا الإرث من نفوس المسلمين فأوصى النبي # صلى الله عليه وسلم # كثيرا بالرقيق خيرا وحض على عتق من وقع في الرق ووعد بالثواب الجزيل من الله ~~تعالى على هذا العتق حتى أصبح من قواعد الإسلام تشوف الشارع للحرية الشخصية، ولكن ~~المسلمين بعد القرون الأولى انغمسوا في أسباب الترف، واندفعوا في تيار اللذات؛ فأدى ~~ذلك بهم إلى الخمول والكسل اللذين أصبحا - فيما بعد - من أكبر أسباب انحطاطنا في ~~مضمار الحياة العملية، وعدم أخذنا بما قيل لنا من أن «نعمل لدنيانا كأننا نعيش ~~أبدا»؛ وأدى بنا من جهة أخرى، إلى حمل قول الكتاب العزيز # وما ملكت أيمانكم # على إباحة استرقاق المرأة المسلمة من ~~طريق البيع والشراء. # فأقبل فقراء المسلمين، لا سيما في الكرج والقوقاز، يبيعون أولادهم، باختيارهم، ~~وهم يرمون بذلك إلى التخلص من عبء تقويم أود معاشهم، من جهة؛ وإلى التطويح بهم في ~~بحر الحدثان، من جهة أخرى، عسى أن تذهب أمواجه بهم إلى شواطئ السعادة والعز، فإن ~~كانوا ms224 إناثا، ربما تزوجن من بيك أو باشا أو وال أو من السلطان؛ وإن كانوا ذكورا، ~~ربما ترقوا إلى أعلى المراتب، فأصبحوا أمراء جيوش؛ كحافظ باشا صاري عسكر آخر جيش ~~عثماني قاتل (إبراهيم) الهمام؛ أو رؤساء دولة، كخسرو باشا كبير وزراء السلطان عبد ~~المجيد، وألد أعداء (محمد علي) العظيم. # وأقبل أغنياء المسلمين يقتنون أولئك الفتيان والفتيات، ويختصون بالفتيات لقضاء ~~لذاتهم وأوطارهم، وهم لا يعتقدون أنهم، بذلك، يرتكبون إثما، أو يأتون نكرا؛ جهلا ~~منهم بأصول دينهم، فاضطرهم إكثارهم من ابتياع الجواري واقتنائهم لهن في بيوتهم إلى ~~الاستمرار على اقتناء الخصيان لحراستهن، وإلى الإكثار من شراء الإماء السود ~~لخدمتهن. # ولكن إغلاق باب الحروب أدى إلى تعذر الحصول على الطلبين، فنشأت من ذلك النخاسة ~~وترعرعت، وفشت فشوا عظيما! والنخاسة هي صيد السود، صيدا، وتقييدهم بالحديد، ~~وسوقهم إلى أسواق بيع الرقيق، كالأنعام، حتى لقد يموت كثيرون منهم في ~~الطريق! # ولم يكن العالم المسيحي الغربي أقل تمسكا بمبدأ الاسترقاق من العالم الإسلامي في ~~الزمان المتأخر ولكن لدواع غير دواعيه، فالمسلمون كانوا يبتغون من الرق، على ~~العموم، التسري والترف؛ وأما العالم المسيحي فكان يبتغي منه الاستغلال والنفع، ~~فكانت نتيجة اختلاف الغرض بينهما أن العالم الإسلامي، على العموم، كان يعتني ~~بالرقيق اعتناء المرء بوسائل لذاته، ويعامله معاملة العضو في عائلاته؛ بل كثيرا ما ~~يزوج الأرقاء من بناته والرقيقات من أولاده، ولو أن هناك استثناءات نادرة قد تؤخذ ~~حجة على خلاف ذلك: كإقدام أحمد الجزار باشا، والي عكا، في أواخر القرن الثامن عشر ~~وأوائل القرن التاسع عشر، مثلا، على قطع أنوف جواريه، وآذانهن، ونهودهن، وألسنتهن ~~على سبيل التسلية والتفكهة؛ وإقدام (إبراهيم) الهمام نفسه، في ساعة غضب شديد، على ~~قتل مملوكه المفضل عثمان، لذهابه إلى الحمام بدمشق بدون إذن منه، وأمره بدفنه، بحيث ~~تظهر قدماه خارج الأرض فتأتي الكلاب وتنهش جثته؛ # 25 # أو إقدامه يوما، شرب فيه أحد أولاده، وهو طفل، لبنا، فاعتراه ألم، ~~فاضطربت والدته واتهمت أربعا من جواريها بأنهن سممنه، على إصدار أمره بالقائهن ~~حالا في النيل، قبل ms225 التثبت من صحة التهمة - وقد كانت كاذبة؛ # 26 # أو كإقدام (عباس) على الأمر بخياطة شفتي جارية من جواري قصره صادفها ~~تدخن في إحدى طرقاته - وكان التدخين محظورا على أمثالها وغير مسموح به في القصور ~~إلا لرباتها، أزواج أربابها الشرعيات. # على أن هذه، كما قلنا، كانت استثناءات نادرة، ولذا فإن الرقيق في الإسلام لم يكن ~~يشعر بأنه تعس، أو ممتهن ومحقر، بل كان يفتخر بانتسابه إلى مواليه، ولا يبغي عن ~~الحال التي هو فيها عوجا. # وأما العالم المسيحي الغربي، فكان يعامل الرقيق، على العموم، معاملة غلظة وقسوة؛ ~~فيتعبه ويشقيه على نسبة الفائدة التي كان ينتظر أن تعود عليه من زيادة أتعابه ~~وإشقائه، وكان الرقيق فيه يشعر، شعورا لا مزيد عليه، بذله وحقارته وبؤسه، ويرغب، ~~من صميم فؤاده، في أن يتخلص، ولو بالموت، من المصيبة التي هو فيها. اقرأ كتاب «خص ~~العم طم» الشهير لمؤلفته الست هنرييت بيتشرستو. # فأدى ذلك إلى نشوء حركة في العواطف والأفكار، أخذت تعمل عملا حثيثا على إبطال ~~الرق، واجتثاث جذوره. # تلك الحركة بدت، على الأخص، في إنجلترا، في أواخر القرن الثامن عشر، بهمة نفر من ~~رجال الفضل، أشهرهم جرانڨل شرب، الذي ما فتئ، مدة نصف قرن برمته، يجاهد في سبيل ~~إبطال الرق؛ وبمساعي الرجال الإنجيليين المعروفين باسم «الكويكرز» أي: (الراجفون) ~~الذين قدموا إلى البرلمان البريطاني طلبا بإبطاله. # ثم أقبل كلاركش ينشر مؤلفاته، ويبذل همته للغرض عينه؛ وانضم إليه ويلبر فرس بعد ~~ذلك بقليل، ولا مقصد له من الحياة سوى حمل البرلمان على إصدار قانون يبطل الرق ~~والاسترقاق، فجاهدا معا، جهادا طويلا، أقامهما في مصاف أكبر المحسنين إلى ~~الإنسانية قاطبة. # فتأسست في يونية سنة 1787 لجنة مؤلفة من اثني عشر عضوا، معظمهم من «الكويكرز» ~~لإبطال الإتجار بالرقيق، ولكنها صادفت مقاومة عنيفة من أجل رجال العصر، وعداء ~~شديدا، فلم تبال، وقدمت على لسان ويلبر فرس طلبها إلى البرلمان في سنة 1788؛ وما ~~زالت تنشر مجهوداتها، ويبذل ويلبر فرس أمواله وجهوده، حتى فاز بمرامه؛ واستصدر من ~~البرلمان الإنجليزي في سنة 1808 ms226 قانونا بإبطال الإتجار بالرقيق. # فاقتدت الحكومة الفرنساوية بالبرلمان البريطاني، وأصدرت في سنة 1815 أمرا قضى ~~بما قضى به ذلك القانون. على أنه كان قد سبق للجمعية الدستورية الفرنساوية أن ~~اعترفت بقرارها الصادر في 15 مايو سنة 1791 بمساواة عموم البشر في الحقوق الشخصية، ~~والمدنية، والاجتماعية، بضرب الصفح عن جنسهم، وملتهم، ولونهم. # وسار مؤتمر ڨيينا في سنة 1815 في الطريق ذاتها، فمنع هو أيضا الإتجار ~~بالرق. # على أن الاسترقاق لم يزل، مع ذلك، جاريا: لأن مبدأ الرق نفسه لم يحظر وإن حظر ~~الإتجار بالرقيق، وقضت على النخاسة قرارات مؤتمري إكس لاشاپل سنة 1818 وڨيرونا سنة ~~1822 الدوليين. # فتأسست في سنة 1823 جمعية تحت رياسة كلاركش، وويلبر فرس، وبكستن، في إنجلترا، ~~غرضها العمل على تخفيف ويلات الأرقاء، وإبطال الرق تدريجيا في الممتلكات ~~الإنجليزية، ولكن الكويكرة اليصابات جريك أذاعت نشرة عنوانها: «وجوب إبطال الرق ~~حالا، لا بالتدريج» حملت بها تلك الجمعية على التخلي عن مبدأ الإبطال التدريجي، ~~والانضمام إليها في المطالبة بالإبطال السريع، وكانت الأفكار والقلوب قد تنبهت إلى ~~خطورة المسألة، ومنزلتها من الرقي البشري الحقيقي، فوجدت الحركة، التي قامت بها تلك ~~الجمعية، أرضا صالحة، نمت فيها بذور تعاليمها بسرعة عجيبة؛ وهب الرأي العام كله ~~يؤيدها ويعضدها. # فأصدر البرلمان البريطاني قانونا في آخر سنة 1832 حدد بمقتضاه يوم أول أغسطس سنة ~~1834 لتحرير عموم الأرقاء في دائرة الممتلكات البريطانية؛ وخصص مبلغ عشرين مليونا ~~من الجنيهات لدفع تعويضات منه إلى موالي الأرقاء المحررين. # فما أتى عام 1841 إلا وكانت بريطانيا العظمى قد حررت نيفا واثني عشر مليون رقيق ~~في أملاكها الهندية الشرقية وحدها. # فلم تشأ الدول الأوروبية أن تتأخر عنها في ذلك المضمار الشريف، فأبطلت حكومة ~~السويد الرق في سنة 1846 وسنة 1847؛ وأبطلته حكومتا فرنسا والدانيمرك في سنة 1848؛ ~~وحكومة هولندا في سنة 1862 بدون تعويض لموالي الأرقاء؛ وأبطلته باقي الدول، ~~بالتدريج، حتى إسبانيا نفسها؛ ومع أن الولايات المتحدة الأميريكية قررت إبطال ~~النخاسة منذ سنة 1808 وأصدرت قانونا في سنة 1820 اعتبرتها، بموجبه، ضربا من ms227 ضروب ~~القرصنة، فإن مبدأ الرق لم يبطل فيها، تماما، والعمل به لم ينقطع كلية، إلا بعد أن ~~قامت الحرب الأهلية عليه بين ولايات الشمال وولايات الجنوب، وفازت الأولى - وكانت ~~ضد مبدأ الرق - على الثانية المتحيزة له، فأجبرتها على الرضوخ لإرادتها. # ولما لم يعد يبقى من رق في العالم إلا في البلاد الإسلامية، للأسباب التي سبق لنا ~~ذكرها، تحولت مجهودات مبطليه والمطالبين بإبطاله، إلى تلك البلاد؛ وكان قد غاب عن ~~أنظارهم أن الرق في الإسلام غيره في النصرانية، وأن پسكال كان قد قال، منذ نيف ~~ومائتي سنة: «ما هو صواب في هذه الجهة من جبال الپيرنيات قد يكون غلطا في الجهة ~~الأخرى منها!» # فشرعوا يؤلفون الجمعيات لإبطال الرق في الدول الإسلامية، وينتدبون الوفود لمقابلة ~~عواهلها، ومفاتحتهم في هذا الشأن؛ ويحضون دولهم على التداخل في الأمر، ووضع حد ~~«لذلك العار الإنساني الذي لا يطاق». # فحملت الحكومة الإنجليزية السلطان عبد المجيد، بما كان لها عليه من أياد، بسبب ~~تداخلها بينه وبين تابعه (محمد علي)، وإذلالها هذا بين يديه، على وضع فقرة في ~~الفرمان الذي أصدره إليه في سنة 1841 مؤداها: «أن أبطل صيد السود، فإنه عمل لا يتفق ~~مع مبادئ العدالة والإنسانية!» # على أن لا إنجلترا ولا عبد المجيد كانا يقصدان، من مثل هذا القول، حض (محمد علي) ~~على إبطال النخاسة. أما إنجلترا، فإنها، من جهة، كانت تجهل فظاعة النخاسة في ~~السودان - لأن تلك الفظائع لم تعرف في أوروبا إلا بعد رحلات ليڨنجستن، وبيكر، ~~وستانلي؛ ونشر هؤلاء الرحالين الأفاضل البيانات التفصيلية عنها - ولأنها، من جهة ~~أخرى، كانت تشعر بأنه لا يحسن أن يخاطب بإبطال النخاسة أمير مسلم، بينما أن معظم ~~الدول الأوروبية والأميركية المسيحية لا تزال مجيزة لها، وأما عبد المجيد، فلأنه ~~كان يعلم أن إبطال صيد السود يقضي، حتما، بإبطال الخصيان، ولم يكن في وسعه ~~الاستغناء عنهم. # فغاية ما فهمه (محمد علي) من الفقرة التي زيدت في فرمان سنة 1841 هو أن إنجلترا ~~والسلطان يخشيان منه عودا إلى صيد السود لتجنيدهم على ms228 غير علم منهما، في جوف ~~البلاد، وأنهما يأبيان عليه ذلك، ولا يبعد أن فهمه كان في محله. غير أنه كان قد صمم ~~تصميما باتا على عدم إعادة الكرة على الدولة العثمانية، وكان قد اختبر، من جهة ~~أخرى، قلة صلاحية السود للجندية في غير السودان، فلم يكن يهمه البتة، قنص السود، ~~لاتخاذ جيش منهم؛ ولا همه، يوما في حياته، اقتناصهم لاسترقاقهم، واتخاذ خصيان ~~منهم. بل كان يهمه، بالعكس، عمار السودان وتقدمه، كما دل سفره إليه في سنة 1839، ~~وزيارته لأبعد أصقاعه، حتى الفازوغلي، بالرغم من أن سنه كانت فوق السبعين؛ وإقامته ~~محطات عسكرية على ضفتي النيل؛ وإنشاؤه مدينة الخرطوم عند ملتقى النيلين الأبيض ~~والأزرق؛ وإعلانه حرية الملاحة على النيل الأبيض؛ وإبطال تجارة الرقيق؛ وكما دل، ~~أيضا، تشجيعه رجال العلم كسپيك، وجرانت، وبلتزوني، وغيرهم، على جوب البلاد ~~واستكشاف أسرارها. # ولكن رجال الحكومة المصرية وموظفيها، في أيامه، وأيام خلفائه الثلاثة الأول، بل ~~في أيام (إسماعيل) ذاتها كانوا يدبرون الغزوات في أعالي النوبة والسودان، ويشنون ~~الغارات على قبائل السود، فيصطادون منها ما يمكنهم صيده، ويبيعونه في أسواق الرقيق ~~بالخرطوم والقاهرة وغيرهما، فيصيبون، من ورائه، أرباحا طائلة. # فحدا ذلك (بسعيد باشا) إلى السفر بنفسه إلى السودان في نوفمبر سنة 1857 بصحبة جيش ~~عدده خمسة آلاف رجل، تخلى عن معظمه حالما جاوز الحدود المصرية، ولم يصطحب منه، إلى ~~بربر، سوى خمسمائة فارس - فقابل في بربر وجهاء البلاد، وأظهر لهم نياته في تحسين ~~أحوال السودان وتشجيع وسائل العمران فيه؛ وأعلن رغبته في إبطال تجارة الرقيق، ثم ~~قام إلى الخرطوم، فبلغها في 10 فبراير سنة 1858؛ وبعد أن أوشك أن يعزم على التخلي ~~عن السودان برمته، ليأسه من إصلاحه، قبل رجاء من رجاه في تغيير عزمه هذا، من ~~الوجهاء، وأمر بإجراء عدة تعديلات إدارية، كجعل كل مديرية مستقلة عن الأخرى، لا ~~ترجع في أحكامها إلا إلى مصر؛ وعدة إصلاحات، كتنظيم البريد بين الخرطوم ومصر على ~~الهجن بطريق كروسكو؛ وكتخفيض الضرائب على الأطيان والسواقي، ومنع الجند من جمعها، ~~وإناطة ذلك بمشايخ ms229 البلاد على أن لا يجمعوها إلا بعد الحصاد؛ وكترتيب عقد ناد من ~~الأعيان في الخرطوم، كل سنة، للنظر في راحة البلاد؛ وإنشاء محطة عسكرية على نهر ~~سوبت لمراقبة تجار الرقيق، وقطع دابر النخاسين، ولما عاد إلى مصر، فكر في إنشاء سكة ~~حديدية تجمع بين القطرين، وتسهل مراقبة سير الأحكام واعتدالها، مهما بعدت الشقة، ~~بين الولايات ولكنه لم يتمكن من إبراز فكره هذا إلى حيز الوجود، كما أن إعلانه ~~إبطال الرقيق لم يجد نفعا ولا أفادت المحطة العسكرية على نهر السوبت شيئا؛ لأن ~~البلاد لم تكن ناضجة لإبطاله، ولا راضية به؛ ولأن الحياة الاجتماعية لم تكن لتستغني عنه. # 27 # فعاد المطالبون بإبطاله من الغربيين إلى النفخ في أبواقهم، وهم لا يدرون من ~~الملوم في إبقائه. # فلما آل العرش إلى (إسماعيل)، وصمم هذا العاهل، كما قلنا، على إدخال بلاده، ~~بصراحة، في مضمار المدنية الغربية، وطن نفسه على إبطال الرقيق، توطينه إياها على ~~إلغاء العونة والسخرة كقول فون ستيفان في كتابه «داس هوتجي إجپتن ص153». # وكانت النخاسة، إذ ذاك، في أشدها، بالرغم من مقاومة (محمد علي) و(سعيد) لها، ~~وبالرغم من عمل الحكومة المصرية على تقليل توريد الأرقاء، نيلا، وإبطالها أسواق ~~الرقيق الرسمية بمصر والإسكندرية وطنطا وغيرها من البنادر! ~~«فالبحارة» في جهات النيل الأبيض، و«النهاضة» في جبال النوبة وجبال فازوغلي، وفي ~~جهات كردوفان الجنوبية، كانوا لا يفتأون عاكفين على صيد السود بقوة السلاح، كأنهم ~~وحوش برية، وسبيهم والسير بهم إلى أسواق الرقيق في الأبيض وفاشوده، والقلابات، حيث ~~كان الجلابون يشترونهم منهم؛ وبعد أن يبيعوا أقلهم قيمة في أسواق الخرطوم، ~~والمسلمية، وود مدني، وسنار، والقضارف، وكسلا، وبربر، وشندي، ينزلون بأقواهم ~~وأجملهم إلى مصر، إما عن طريق النيل، في مراكب يرفعون عليها رايات دول غربية، ~~ليحتموا بها؛ وإما عن طريق الصحراء، إلى أسيوط، حيث كان يوجد معمل للخصي، يديره ~~قسوس من الأقباط حازوا، في أنهم من أمهر الناس في إجراء ذلك العمل الفظيع، شهرة ~~شائنة، وينسلون منها سرا إلى مصر والإسكندرية، وأهم بنادر القطر، ويعرضون بضائعهم ms230 ~~البشرية على الراغبين فيها، إما باطلاع رجال الحكومة، وموافقتهم الصامتة؛ وإما خفية ~~وخلسة بمساعدة شركاء لهم معلومين. # وكان ثمن الولد الأسود أو البنت السوداء التي من عمره، ما بين عشرة جنيهات، واثني ~~عشر جنيها؛ وثمن الصبي الحبشي، ما بين 20 و30 إلى 90 جنيها ومائة جنيها؛ وثمن ~~البنت الحبشية التي سنها ما بين الثانية عشرة والسابعة أو الثامنة عشرة، من 70 ~~جنيها إلى 100 جنيه؛ وكان ثمن الرقيقات التي سبق استخدامهن أرخص من غيرهن، إلا إذا ~~كن من صاحبات الحرف، كأن تكن طاهيات أو ما شاكل ذلك، فإنهن، في مثل هذه الحال، كن ~~يبعن بثمن أعلى، وأما الخصيان، فكانوا أعلى ثمنا من الجميع، لندرتهم، والسبب في ~~ندرتهم قلة نجاح عملية الخصي، وموت تسعين في المائة من الذين كانت تعمل لهم. # وكان يوافي جلابو الرقيق الأبيض جلابي الرقيق الأسود إلى تلك الأسواق، والفرق بين ~~الرقيقين جسيم جدا: لأن الرقيق الأبيض كان اختياريا؛ وأما الأسود، فكان مجلوبا ~~قسرا، وكان ثمن الجارية البيضاء يختلف بين 200 جنيه وخمسمائة، ويتراوح، أحيانا، ~~تبعا لجمال الجارية المبيعة، ما بين 800 جنيه وألف جنيه. # وكان الراغبون في الشراء كثيرين، إما لسد فراغ أحدثه الموت في عدد الأرقاء ~~الموجودين في بيوتهم - والموت كان كثير الزيارة للأرقاء، وأغلب ما كانت أعمار هؤلاء ~~البؤساء قصيرة! - وإما للمغالاة في مظاهر الأبهة والترف، فقد كانت توجد بيوت غاصة ~~بالمئات من الجواري، ولا يعرف أربابها منهن إلا القليلات، فيقبلون، أفرادا ~~أفرادا، على محلات الجلابين، ويشترون ما يطيب لهم من الرقيق المعروض، وهم أبعد من ~~أن يفتكروا، حتى ولا في المنام، بالفظائع والآثام والجرائم التي ارتكبت في سبيل ~~تموين بيوتهم، وسد حاجة معيشتهم القومية؛ أبعد من أن يفتكروا بأن النخاسة كانت ~~تنتزع، سنويا، أكثر من خمسين ألف أسود من حقولهم ورباهم ومراعيهم، فلا يبقى ~~منهم، حيا، كل سنة، بعد المشقات التي يقاسونها، سوى عشرة في المائة؛ وأن النخاسين ~~كانوا، حتى بعد وصول الرقيق إلى مصر، يحتقرون حياة أولئك البؤساء إلى درجة أن اثنين ~~منهم ms231 تخاصما، مرة، على ملكية بنت سوداء، فطعنها أحدهما بخنجر، لكيلا يأخذها ~~خصمه. # هكذا تشتري موسرات الغرب، وعقائل كبار سراته وذواته الدنتلات والتطريزات والأشغال ~~اليدوية النسائية الأخرى بثمن صغر أو عظم، وهن لا يفتكرن، لحظة، بأن أيدي فتيات ~~بائسات ربما أمضين غالب أيامهن بدون عشاء، هي التي اشتغلت، في سهرات الليالي ~~الشتائية الطويلة، وعلى نور الزيت الضئيل، تلك الحاجيات التي يتطلبها الظرف، ~~وتوجبها الكياسة. # وكان الجلابون يتحاشون بيع رقيق إلى أوروبيين؛ ولا يقدمون على ذلك، إلا بحيطة ~~كبرى؛ لعلمهم بأن معظم الفرنج ميالون إلى إظهار نقمتهم على تجارتهم البشرية، أو ~~التظاهر بها، رغبة منهم في وقوفهم موقف المرء ذي الشعور الرقيق والإحساس ~~الشفيق! # فما مضت على تبوء (إسماعيل) عرش أبيه بضعة أشهر إلا وأصدر أوامره المشددة إلى ~~موسى حمدي باشا ، المعين من قبله حاكما عاما على السودان، بتعقب تجار الرقيق وقطع ~~دابرهم، فألقى موسى باشا في تلك السنة عينها سنة 1863 القبض على سبعين مركبا ~~مشحونة بالأرقاء بين كاكا وفاشودة، وأتى بالمسبيين إلى الخرطوم، ثم أحضر ملك، ~~«الشلك» من فاشودة؛ فسلمه الرقيق الذي أخذ من بلاده، ورجعه بالهدايا إليها، ووزع ~~الباقين على التجار والموظفين لتربيتهم، وأما النخاسون، فإنه زجهم في السجن، ولم ~~يخرجهم منه حتى تعهدوا بعدم العودة إلى مثل تلك التجارة - وعود عرقوبية ~~باطلة! # على أن (إسماعيل) كان يعلم علم اليقين بأن إبطال النخاسة يستدعي، أولا، إبطال ~~الرق بصفته حالة اجتماعية؛ لأنه علتها، ولكن أنى يتأتى إبطاله، وتقاليد شعبه، ~~ومصالح جانب عظيم من رعاياه واقفة بجانبه، للدفاع عنه؟ # ولكن عزيمته لم تكن لتنثني أمام عقبات، مهما كان نوعها، ومهما كانت جسامتها؛ وما ~~لم يكن يستطيع مصادمته، جبهة لجبهة، كان يصادمه جنبا لجنب، فتسلح، إذا، بالمبدأ ~~الديني القاضي بجواز تحرير كل عبد يسيء مولاه معاملته؛ وأصدر حالا بعد ارتقائه ~~العرش أمرا بتحرير كل عبد أو أمة يثبت على سيدهما أنه أساء معاملتهما. # 28 # فشعر العالم المصري بأنه هوجم في عقر داره؛ وأحس بسنان الرمح الموجه إليه، يمس ~~صميمه، فهب لدفع الهجمة ms232 والاعتصام منها، وراء حصن مبدأ ديني آخر، وهو المبيح للسيد ~~أن يعاقب عبده أو أمته، المرتكبين سرقة، وشرع كل سيد يدفع تهمة الإساءة إلى عبده، ~~المرتكن عليها لتجويز عتقه من ربقته، بتهمة سرقة يرمي عبده بها. # وبما أن شعور القضاة، قاطبة، كان في جانب السادة، فما من عبد نجح مطلقا في إثبات ~~دعواه ولا نجح أحد في تحرير عبد أراد تحريره بهذه الوسيلة؛ وكاد الأمر الذي أصدره ~~(إسماعيل) يئول إلى مجرد البقاء حبرا على ورق، لتحزب المطلوب منهم تنفيذه على عدم ~~تنفيذه. # فعدل (إسماعيل) وجهة هجمته، وحول السلطة في الحكم في دعاوى الأرقاء الطالبين ~~التحرير من القضاة الشرعيين إلى قناصل الدول الأجنبية، وأمر الهيئات الأهلية ~~الحاكمة بإصدار العتق وقيده؛ كلما طالبهم قنصل بذلك. # 29 # فكان كأنه تجنب «شلا» للارتطام «بكاردي» # 30 # أو، كما يقول المثل العربي، «كالمستجير من الرمضاء بالنار» فإن القناصل ~~لكي يرضوا الرأي الأوروبي المطالب بإلغاء الرق وإبطال الإتجار به، أخذوا يحكمون ~~بتحرير كل مشتك، بدون تحقيق شكواه، والتثبت من صحتها، وبلغ من المتولي أعمال ~~القنصلية البريطانية بالمنصورة سنة 1873 - ولم يكن، حتى، نائب قنصل! - أنه في ظرف ~~شهر واحد حرر نيفا و1700 رقيق، ولولا أن ضجة أرباب العائلات ارتفعت حتى تناولت ~~عنان السماء، فأوجبت تداخل ذوي الشأن، لحرر ذلك المحترم كل أرقاء المديرية. # فضرب (إسماعيل) أخماسا في أسداس، لما رأى رغائبه يعاكس تحقيقها خصومها ~~وأصدقاؤها؛ واضطر إلى تعويض عموم أصحاب الأرقاء الذين حررهم ذلك المتولي بدون حق؛ ~~كما أنه اضطر إلى تضييق سلطة القناصل وإشراك الهيئات المحلية الحاكمة معهم في تحقيق ~~الشكاوى التي يقدمها الأرقاء ضد مواليهم. # ولشعوره باضطراب الرأي العام حوله، بحق، بسبب التطرف الذي حصل من العنصر الأجنبي، ~~كلف نوبار باشا، وزير خارجيته، فكتب إلى قنصل إنجلترا العام كتابا أذيع للملأ، ~~أوقفه فيه على حقيقة نيات الخديو، وذكره «بأن الدول الأجنبية لا سيما إنجلترا، لما ~~حررت الأرقاء عوضت أصحابهم؛ وأن الخديو، بصفته أميرا مسلما، لم يمكنه، فيما أصدر ~~من أوامر متعلقة بتحرير الأرقاء، أن ينسى ms233 أن واجب عرشه يقضي عليه بحماية ما يقره ~~الدين، وتوجب العادات والتقاليد القومية احترامه، ولذلك اقتضت إرادته أن يحرر ~~المساءة معاملتهم من الأرقاء لا كل من طلب العتق منهم». # 31 # والذي زاد في امتعاض (إسماعيل) في هذا الشأن، هو أن الغربيين أنفسهم الذين كانت ~~بلادهم وحضارتها تطالبه بإلحاح بالعمل على إبطال النخاسة والرق في بلاده، كانوا ~~أكبر عقبة تصادفها مساعيه المبذولة في السبيل الموصل إلى ذلك بما كانت امتيازاتهم ~~تضمن لهم من سلامة في متاجرهم غير الجائزة، وتحميهم من عقاب في إقدامهم على مخالفة ~~أوامره؛ وقد أظهر امتعاضه هذا بقوة لهجة يعجب بها، فيما أجاب به، بلندن، رجال وفد ~~الجمعيات الإنجليزية والفرنساوية لمقاومة النخاسة والرق، الذين اغتنموا فرصة وجوده ~~في تلك العاصمة في سنة 1867، وطلبوا مقابلته ليرفعوا إليه رغبة تلك الجمعيات في أن ~~يحقق خديو مصر أمنية الحضارة الغربية، وأمل الإنسانية الراقية فيه. # فإنه أذن لنوبار باشا بإدخالهم عليه، والقيام بأمر الترجمة بينه وبينهم، عملا ~~بمقتضيات الرسميات، ولو أن (إسماعيل) كان يتكلم الفرنساوية كأحسن متكلم بها فيهم، ~~فقابلهم بلطفه المعهود الخلاب، الذي كان يسحر به كل من يحادثه، فيميل بعواطفه إليه ~~كيفما شاء، وقال لهم بالتركية، فترجم نوبار كلامه بالفرنساوية: «إنه منشرح تمام ~~الانشراح لمقابلة حضرات أعضاء الوفد، بصفتهم نوابا عن الجمعيات الإنسانية الموقرة ~~العاملة على إبطال النخاسة والرق؛ لأنه، هو نفسه، يرغب جدا في إبطالهما، واتخذ ~~أقوى الوسائل لذلك، ولكنه يرى بالأسف، أنه إذا كان في وسعه أن يرغم شعبه على ~~الامتثال لأوامره بالرغم مما في الامتثال لها في موضوع الإقلاع عن النخاسة والرق، ~~من مضاضة على نفوسهم وإضرار بمصالحهم، ومخالفة لتقاليدهم، فإنه لا يستطيع عملا ~~مطلقا ضد الأوروبيين أنفسهم، المقيمين في بلاده، والذين هم أكبر المجرمين، فإنهم ~~يتجرون بالعاج وريش النعام والصمغ، اسما وحجة، ولكنهم في الحقيقة إنما يتجرون ~~بالرقيق في مراكبهم النازلة في النيل، فلو أن تلك المراكب لا راية لها، أو كانت ~~الراية المصرية هي الخافقة عليها، لأمكن تفتيشها: فإذا وجد فيها رقيق صودرت وضبطت، ~~فأعتق ms234 الأرقاء وعوقب المجرمون، كما وقع في بحر الستة الأشهر الأخيرة من السنة ~~الماضية، فإن كومندانا وأميرالا مصريين رميا بالرصاص، لإقدامها على مخالفة ~~أوامره، ومساعدة النخاسة وتهريب الرقيق، ولكن المراكب الآتية برقيق ترفع، عادة، ~~راية إحدى الدول الغربية، لكون أصحابها أوروبيين، فإذا تعرض لها رجال حكومته ونشأ ~~بينهم وبين أصحابها جدال بخصوص المشحون والحمولة البشريين، فالجواب المفحم هو أن ~~الرجال نوتية والنساء أزواجهم أو سراريهم، والصغار أولادهم، فتغل، بذلك، أيدي ~~السلطة المصرية. ألا فليعلموا أن النفوذ الأوروبي، في مدة السنين الثلاثين الأخيرة، ~~قد غير مصر تغييرا كليا، فلو كانت الحكومة المصرية حرة في معاملة النخاسين ~~الأوروبيين معاملتها للنخاسين الخاضعين لسلطانها، لبطلت النخاسة، وبطل بالتالي الرق ~~بعد مدة يسيرة، ولكن حكومته غير حرة في ذلك، والواجب يقضي أن تمنحه الدول الأروبية ~~السلطة الكافية لاستعمال حق التفتيش في المراكب التي تخفق عليها راية غربية. أما ~~إبطال الرق، فمسألة أخرى، فالرق موجود في القطر منذ نيف و1283 سنة، ويكاد يكون ~~ممزوجا بدينه، ولا شك في أنه نظام فظيع، ويود، هو، إبطاله: لأن المدنية والرق بمصر ~~يستدعيان ذلك، ولكنه لا يتيسر عمل هذا في يوم واحد. على أنه لو بطلت النخاسة، بطل ~~الرق في ظرف 15 أو 20 سنة على الأكثر، أو لما بقي إلا أثر قليل منه، فرأيه، والحالة ~~هذه، مخالف لرأي حضرات زائريه؛ لأنه يعتقد أن النخاسة أس الرق في بلاده، وأنه يجب ~~إبطالها، لكي يمكن إبطاله؛ فإلغاء القنصلية البريطانية في الخرطوم، مثلا، مكنه من ~~العمل ضد النخاسين بنجاح؛ ولذا فإن الطريقة الوحيدة الفعالة في معاملة التجارة ~~الرقية هي أن تسلحه الدول الغربية بسلطة منع الأوروبيين من الإقدام عليها، ومباشرتها». # 32 # ولكن امتعاض (إسماعيل) من النخاسين الغربيين لم يكن ليقعد بهمته عن تتميم مشروع ~~إبطال النخاسة والرق الذي وطن نفسه على نفاذه؛ لأنه كان يعلم أنه بمثابة حجر ~~الزاوية من بناء الحضارة الغربية الذي صمم على إقامته في البلاد؛ وأنه إن أهمله فقد ~~ينهار ذلك البناء بكيفية لا يعود معها من سبيل إعادة ms235 الكرة ومحاولة تشييده. # وهو - ولو أنه بعامل تربيته العائلية الأولى، وتأثير منبته الأصلي - كان مكثرا ~~من اقتناء الحسان من الجواري على الأخص، والجواري على العموم، حتى لقد قال بعضهم: ~~إن سراياته كانت تحتوي على ألفي جارية؛ وإنه كان شديد الحرص عليهن، لا يسمح لأحد ~~برؤيتهن، ويعاقب أشد العقاب حتى من تجاسر على استراق النظر إليهن. # 33 # إلا أنه كان مقتنعا بأن تقلبات الأيام كانت قد بلغت بمصر في عهده إلى ~~موقف لم يعد معه بد لحياتها القومية من أن تحل في جسمها الحضارة الغربية محل الروح ~~القديم؛ وإلا تفككت وانحلت كما يتفكك وينحل الجسم الهرم، القائمة فيه روح هرمة، ~~وكان يعتقد أن أهم مميزات الحضارة الغربية إنما هي علاقة المرأة الغربية بالرجل، ~~ومركزها في الحياة العائلية منه؛ وهما علاقة ومركز نجما، حتما، عما يعتقده الرأي ~~العام الأدبي الغربي في وظيفة المرأة في الوجود، فبينما الحضارات، التي دالت، كانت ~~تعتبر المرأة متاعا، ومتى كانت تحسن الرأي فيها تعتبرها آلة تناسل؛ أي: أم أولاد، ~~فإن الحضارة الغربية الحديثة أبت عليها إلا أن تكون رفيقة الرجل وشريكته في حياته، ~~تشاطره أتعابها وهمومها؛ وأفراحها ولذاتها، فدعتها، لذلك، قرينته؛ أي: المرتبطة به، ~~ارتباط الند بالند، بينما الحضارات الأخرى كانت تدعوها «حرمه» أي «متاعه» و«الشيء ~~الخاص به المحرم على غيره»، فكان يود، إذا، إبطال الرق، ليتوصل من إبطاله إلى ~~إبطال حياة الحريم، وجعل المرأة بالتربية الجديدة، التي تعطى لها في المدارس ~~الحديثة، رفيقة الرجل وشريكته في حياته؛ أي: جسم جسمه، وروح روحه. # وكثيرا ما كان يقول في محادثاته في هذا الموضوع الخطير: «إن تعدد الزوجات وعيشة ~~الحريم يبطلان يوم تمكن تربية بنات الفلاحين التربية المنزلية من إحلالهن في البيوت ~~محل الرقيقات، اللاتي هن مصروف كبير، وضرر أكبر؛ ويوم تجعل، التربية المدرسية ~~المرأة رفيقة الرجل وشريكة حياته، أما الآن، فما هي عادة إلا مادة ترف!» # وللدلالة على أن رأيه هذا كان رأيه الحقيقي، لا رأيا يتصنع به إرضاء الخواطر ~~الغربيين المحيطين به، أو رغبة منه في اكتساب ms236 ثناء الرأي العام الغربي والظهور ~~أمامه، كذبا، في مظهر الأمير المتحضر الراقي، أبى إلا أن يكون أولاده الثلاثة ~~الكبار أزواج قرينة واحدة؛ وأبى أن يكون لبناته ضرائر عند أزواجهن. # ولئن اعترض على صحة إخلاص شعوره، في ذلك، بأنه لم يحجم، هو نفسه، عن الإكثار من ~~الزوجات، والاستكثار من الجواري، فالجواب على الاعتراض هو أن مثله في شغفه ~~بالإصلاح، وفي عزمه على إدخال بلاده في مضمار المدنية الغربية الحديثة، كمثل بطرس ~~الأكبر الروسي في ذلك جميعه، فكما أن بطرس، مع بقائه على نقائصه الشخصية، قد بذل ~~أقصى جهوده لتحرير شعبه من عيوبه القومية؛ وكما أن بقاءه، هو نفسه، على نقائصه ~~الشخصية، وشعوره بعدم تمكنه من إرغام قوتها، وهو الرجل صاحب الإرادة الحديدية، ربما ~~كان الدافع الأكبر له إلى الثبات في خطة الإصلاح القومي التي رسمها لنفسه، هكذا ~~(إسماعيل) - وقد وجد، باختباره الشخصي، الذي أرغمه عليه تكييف ماضي جدوده، مضار ~~إحلال المرأة من الرجل محل المتاع المحض - أبى إلا أن يتخذ من حاله الشخصية باعثا ~~جديدا على بذل أقصى جهوده في سبيل تغيير حال قومه. # على أنه لو لم يكن له من نفسه هذا الباعث، ولو لم يشعر، من تلقاء ذاته، بوجوب ~~القضاء على النخاسة والرق، للتمكن من تغيير حياة الحريم وإبطال التسري، وتعدد ~~الزوجات، فقد كان يجد من احتكام أفكاره بأفكار الغرب، ومن الحوادث الجارية حوله، ما ~~يولد في نفسه ذلك الباعث. # فإن ألبرت إدورد، برنس أوڨ ويلز، وولي عهد المملكة البريطانية - وهو الذي عرفناه، ~~في أيامنا هذه، الملك إدورد السابع - لما كان في ضيافته في أوائل سنة 1869 كثيرا ~~ما كان يحبذ تشديده في إبطال النخاسة والرق، ويختلق المناسبات ليحبب إليه فكرة ~~إرسال حملة عسكرية إلى عقر دار النخاسين في أقاصي السودان، تضرب على أيديهم، وتقطع ~~دابرهم، فيحمله على استمراء لذة المجد الذي تتوج أجيال المستقبل بهالته، ذكره، إذ ~~تقرن باسمه، في تاريخ قومه، لقب «مبطل الرق» في السودان، وكانت البرنسيس أوڨ ويلز ~~قرينة البرنس ألبرت إدورد - وهي الملكة ألكسندرا ms237 البارة أم الملك چورچ الخامس ~~البريطاني إمبراطور الهند - تنضم إلى بعلها في التحبيذ والتحبيب؛ وتضفر بيديها ~~الجميلتين بعضا من الأشعة المتكونة منها تلك الهالة! # فتأمل، يا رعاك الله! في مقدار تأثير ذلك في نفس (إسماعيل) الكرمية! # ومن جهة أخرى، فإن كبار النخاسين في السودان - وأشهرهم الزبير رحمت باشا - كانوا ~~بسبب إغضاء موظفي الحكومة المصرية عنهم، بل وضلعهم معهم - وذلك «لأن كل موظف في ~~السودان، سواء أكان تركيا أم مصريا، كان لا يستطيع اجتثاث ميله إلى النخاسة ~~والنخاسين» حسب قول شڨاينفرت، الرحالة الألماني - وذلك بسبب تقوي سواعدهم من ~~النخاسة عينها؛ لتكوينهم، من الشبان السود، الذين كانوا يصطادونهم، وأباق الأعبد، ~~كتائب شعواء يبثونها في الأصقاع، فتنشر مهابتهم، وتكتسح لهم، كانوا قد بلغوا بذلك ~~إلى درجة من القحة والطمع، حملت معظمهم على الطموح إلى الإمارة والملك، فالاستقلال ~~بالجهات المنتشر ظل هيبتهم فوقها. # فكان لا بد (لإسماعيل) من تشديد عزيمته على كسر شكوتهم، والبطش بهم، والحيلولة ~~بين زمرهم وبين بؤساء تلك الربوع، التي كانوا يشنون غاراتهم عليها. # فانتدب، أولا، لهذه المهمة، السير صموئيل بيكر، مستكشف بحيرة ألبرت نيانزا، بناء ~~على توصية البرنس أوڨ ويلز نفسه؛ وأنعم عليه برتبة فريق مع لقب باشا، وسماه حاكما ~~على البلاد الاستوائية لمدة أربع سنين، تبتدئ من أول أبريل سنة 1869 براتب قدره ~~عشرة آلاف جنيه سنويا؛ وسيره إليها على رأس جيش مؤلف من 1700 رجل، معهم ثلاث ~~بطاريات مدافع جبلية، وبطارية ساروخ، بعد أن زوده بفرمان من لدنه، يعهد إليه، ~~بمقتضاه، في فتح تلك البلاد، وإبطال تجارة الرقيق فيها، وتنشيط زراعتها. # فقام بيكر، ومعه امرأته، من السويس في 5 ديسمبر سنة 1869؛ وذهب عن طريق سواكن ~~وبربر إلى الخرطوم؛ وفي السابع من شهر فبراير سنة 1870 قام منها بثلاثين مركبا؛ ~~فنزل بالقرب من ملتقى نهر صوبت بالنيل الأبيض، وبنى محطة سماها «التوفيقية»، تيمنا ~~باسم ولي العهد، أقام فيها سبعة أشهر، ثم سار في بحر الزراف إلى جندوكورو، فبلغها ~~في 21 أبريل سنة 1871؛ وبعد أن أقام فيها شهرا، رفع عليها ms238 العلم المصري، وسماها ~~«الإسماعيلية»؛ وجعلها مركزا لحكومته، وفي 23 يناير سنة 1872 سار منها ببعض الجند، ~~جنوبا، فأنشأ عدة نقط عسكرية، وتقدم إلى بلاد يونيورو، فخلع ملكها «كبريقه»، لأنه ~~خاتله؛ وولى بدله مزاحما له يدعى «ريونجا»، وفي 14 مايو سنة 1872 أعلن ضم بلاد ~~يونيورو إلى المملكة المصرية، رسميا، وأنشأ نقطة عسكرية في عاصمتها «مسندي»، وهي ~~على 50 ميلا من بحيرة ألبرت نيانزا، وعقد شروطا ودية مع متاسي أومتيزا، ملك ~~أوجندا؛ وبذلك تدرج إلى بسط نفوذ الحكومة المصرية من الصوبت إلى بحيرة ڨكتوريا ~~نيانزا، ولكن هذا النفوذ لم يدم طويلا في يونيورو، فإن كبريقا الملك المخلوع جمع ~~جموعه وهاجم بيكر في «مسندي» ولم يكن معه إلا مائة رجل؛ فأخلاها، مضطرا، في 14 ~~يونية سنة 1872، وسار إلى فاتيكو، ومنها إلى جندوكورو؛ فبلغها في أول أبريل سنة ~~1873 أي: يوم نهاية مدة حكمه على خط الاستواء، فترك عسكره فيها، وقام في 26 مايو ~~سنة 1873 إلى الخرطوم، ومنها إلى مصر، فوصل إليها في 24 أغسطس سنة 1873؛ واستعفي من ~~وظيفته، فقبل استعفاؤه، وقد كتب عن قيامه بمهمته هذه كتابا سماه «الإسماعيلية» سرد ~~فيه وقائعها وحوادثها؛ وبين المصاعب التي لاقاها، والأهوال التي اعترضته في سعيه ~~إلى إبطال الرق، وعمله على البطش بالنخاسين في تلك البلاد القصية، وهو كتاب تلذ ~~مطالعته وتفيد جدا. # 34 # وندب (إسماعيل)، بعد استعفاء بيكر، إلى نفس المهمة، الكولونيل جوردن؛ وجعل ~~العساكر الموجودة في جندوكورو وما والاها، حتى البحيرات الكبرى تحت إمرته؛ وزوده ~~بفرمان حضه فيه على تنظيم تلك البلاد، والسعي إلى عمارتها، ومعاملة أهلها بالرفق ~~واللين والتأليف. # فسار جوردن من مصر في 21 فبراير سنة 1874 إلى الخرطوم، ومعه نفر من تجار الرقيق ~~جعلهم في خدمته، ليمنعهم عن تعاطي تجارتهم، من جهة، وليستعين بهم، من جهة أخرى، على ~~تعقب تجار الرقيق، أخذا بالقول المأثور «لا يفل الحديد إلا الحديد»، ولما قام من ~~الخرطوم أخذ معه بعض جنود وسار بهم قاصدا جهات خط الاستواء، فوصل إلى جندوكورو في ~~15 أبريل سنة ms239 1874، وشرع يباشر شئون المهمة التي أتى من أجلها. # ولكن، بما أن أعماله يدخل معظمها في دائرة المجهود الذي بذله (إسماعيل) لتحقيق ~~الشطر الثالث من خطته، فإنا نرى الأولى إرجاء بيان تفاصيلها إلى الباب المخصص لذكر ~~ذلك المجهود. # على أن الرأي العام المصري - وآراؤه وميوله في أمر النخاسة والرق عرفت منها ما ~~عرفت - كان ساخطا على حملتي هذين الإنجليزيين، طاعنا على المجهودات المبذولة، ~~باكيا على الأموال المنفقة في سبيل نجاحهما، ولم يكن في القطر كله من مصري معضد ~~للخديو في جهوده ومساعيه سوى أولاده الأمراء الثلاثة، لا سيما أكبرهم محمد توفيق، ~~ولي عهده، الذي قال يوما للبارون دي مالورتي: «إني أكره فكرة الرق ذاتها!» ووزيريه ~~نوبار باشا وشريف باشا؛ لا بل قام أوروبيون كثيرون يتخذونها فرصة لكسب الأموال: إما ~~مكافأة على مدح مأجور؛ أو أجرا على امتناعهم عن مطاعن كاذبة؛ كذلك الألماني ~~البارد، الذي روى عنه رياض باشا أنه طلب منه ألف جنيه مصري، ليمسك قلمه عن الكتابة ~~في مسألة الرق ضد الخديو وحكومته؛ ولما رفض ذلك الوزير إعطاءه ما طلب، انبرى يطعن ~~في حسن نوايا الحكام المصريين، ويشنع عليهم. # 35 # ومع ذلك، فإن «إسماعيل» استمر يجاهد جهاد الأبطال، غير مبال برضى أم بسخط حتى آل ~~الأمر إلى عقد معاهدة 4 أغسطس سنة 1877 مع بريطانيا العظمى لمنع الإتجار بالرقيق، ~~وإبطال الرق، قضت موادها: # أولا: # أن يبطل، بعد التوقيع عليها، إدخال الأرقاء إلى الأراضي المصرية، ~~ومرورهم بها أو ببحارها. # ثانيا: # بأن لا يسمح، في المستقبل للسود والحبشان العائشين بمصر، ~~بمغادرتها بدون أن يثبتوا أنهم أحرار. # ثالثا: # أن جميع النخاسين والمتجرين بالرقيق، في أية بقعة كانوا من الأرض ~~المصرية، يحاكمون أمام مجالس عسكرية. # رابعا: # أن الحكومة المصرية تستعمل نفوذها على قبائل إفريقيا الوسطى، لكي ~~تحملها على وضع حد ونهاية لاقتناص الرقيق. # خامسا: # أن السفن البحرية البريطانية في البحر الأحمر، وفي المياه ~~المصرية الأخرى يكون لها حق تفتيش كل المراكب المصرية. # سادسا: # أن بيع الرقيق من عائلة إلى عائلة يبطل بالقطر المصري بعد ms240 ~~مضي سبع سنوات، ويبطل في السودان بعد مضي اثنتي عشرة سنة. # 36 # وتلا تلك المعاهدة القراران الوزاريان الصادران في 23 أغسطس و15 أكتوبر سنة 1877، ~~والدكريتو الصادر في أول يناير سنة 1878 تقنينا لشئون الموضوع، ورغبة في الوصول ~~إلى إبطال الرق. # فحق لرسل، الكاتب الإنجليزي، أن يقول عن (إسماعيل) في يوميته في الشرق ص456: «إن ~~عمله في إبطال تجارة الرقيق جدير بالإعجاب الشديد، لا سيما أنه أقدم عليه، وتقاليد ~~شعبه، ومصالح جانب عظيم من رعاياه ضده.» # 37 # وحق للكاتب الإنجليزي الآخر بياتسا سميث، أن يكتب بملء قلمه: «إن يكن ~~التحرير الإنجليزي عظيما، والتحرير الروسي أعظم، والتحرير الأميريكاني أعظم من ~~الاثنين، فالتحرير المصري أعظم الكل، بلا جدال». # 38 # كما أنه حق للورد هدو أن يهتف بملء فيه في مجلس العموم البريطاني في أول يونية ~~سنة 1878: «لا شك في أن حاكم مصر الحالي عمل على إبطال الرقيق في بلاده، وتحسين حال ~~رعاياه، أكثر من كل حاكم مسلم، بل ربما أكثر من كل حاكم مسيحي في مدة من الزمان ~~مساوية لمدة عمله». # 39 # على أن كل هذا التعديل المتنوع، الذي أدخله (إسماعيل) على حياة أمته المصرية، ~~وفصلناه تفصيلا وافيا في الصفحات السابقة، إن أوجب تطورها المستمر، وإن غير ~~مجاري العقلية في بعض طبقاتها، لم يكن يستطيع أن ينتج ثمره إلا مع توالي ~~الأيام. # لذلك استمرت معظم ظواهر الحياة القومية تتجلى هي هي أمام من لا يرون إلا الظواهر، ~~ولكن الذين كانوا يتمكنون من أن يخترقوا بنظرهم حجب الظواهر، ويتبينوا، بين طيات ~~دجى الليالي بصيص نور الفجر، كما يتبين سليم العين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، ~~في بصيص الشفق البعيد، أولئك لم يكونوا ليغتروا بتلك الظواهر، وكانوا يعلمون يقينا ~~أن الحركة التي صدرت، بقوة، عن يد (إسماعيل)، فدفعت بالحياة المصرية إلى مرافق ~~الحياة الغربية، وأدخلت المصالح الغربية إلى صميم مرافق الحياة المصرية، أوجبت ~~حتما تطورا مستمرا، وجعلت البقاء على الجمود، أو الرجوع القهقري أمرين خارجين ~~عن دائرة الإمكان. # فلم يكن ليسعهم إلا أن يرددوا القول ms241 التالي المأثور عن صاحب كتاب «المسألة ~~المصرية» وهو: «إنما القطر المصري مدين بكل عنصر تقدم ورقي نجده اليوم فيه لسني ملك ~~(إسماعيل) الست عشرة». # 40 # الباب الثاني # | تحقيق الشطر الثاني # أي السعي إلى الفوز بالاستقلال التام للبلاد # | إجمال # كانت مصر، لما ارتقى (إسماعيل) عرشها السني، مقيدة بثلاثة قيود كبيرة، تقعدها عن ~~السير إلى مكانها الطبيعي في مصاف الأمم المستقلة. ~~(فالقيد الأول): حق الامتياز الذي منحه (محمد سعيد باشا) سلفه لشركة القناة ~~العالمية، وأصبحت هذه الشركة، بمقتضاه، تشاطر حكومة مصر صولتها، وإدارتها، ~~وماليتها، في جزء عظيم من بلادها. # و(القيد الثاني): السيادة العثمانية بما يتبعها من التصنيفات المذلة، والإلزامات ~~المصغرة، والتوريث بالأرشدية وهلم جرا. # و(القيد الثالث): الامتيازات الأجنبية بما تستلزمه من إدخال القناصل عصيهم في ~~دولاب أعمال الإدارة المصرية، وإيقافهم حركته؛ ومناهضتهم الحكومة في كل مشروع لا ~~يروق في أعينهم وكل إجراء يزعمونه أو يزعمه تابعوهم، ماسا بمصالحهم: دول عديدة ~~تزاحم الدولة صاحبة الشأن على دفة الأحكام، وعلى منصة التشريع والعدالة! # فصمم (إسماعيل) على كسر هذه القيود الثلاثة كسرا باتا، وإزالتها، وما فتئ يعمل ~~على ذلك، عملا حثيثا، نيفا وثلاثة عشر عاما، حتى تسنى له نيل معظم مرامه، ~~وتحقيق جل أمانيه، بالرغم من صعوبات لا تحصى، وعراقيل لا تعد، ومقاومة ظروف الدهر ~~وصروفه له، مقاومة مدهشة؛ ولبيان ذلك نقول ... # الفصل الأول # | إزالة القيد الأول1 # قيد ما كان جائرا على حقوق العرش المصري، في الامتياز الممنوح لشركة ~~قناة السويس العالمية من (محمد سعيد باشا). ~~*** # سكتنا له، دخل بحماره. # مثل عامي # إن فكرة إنشاء ترعة تصل بين البحر الأبيض والبحر الأحمر، فكرة قديمة جدا، ~~فهيرودتس المؤرخ اليوناني يقص أن نيخاؤ بن بتاه متيك الأول (وملك من 610 إلى ~~594ق.م) كان ممن أقدموا على إخراج تلك الفكرة إلى حيز الوجود، فشغل في العمل ~~الفلاحين المصريين ألوفا، فمات منهم تبعا نيف ومائة وعشرون ألفا، ثم إنه أوقف ~~الأشغال بغتة؛ لأن أحد كهنته وافاه بنبوءة مفادها أن «الفرعون» إنما يشتغل للغير؛ ~~وأن منفعة الترعة تكون للأجانب، لا ms242 لمصر. # 2 # وديودور الصقلي يقص أن نيخاؤ، إنما بدأ عمل تلك الترعة؛ وأن دارا الأول، ملك ~~الفرس (وملك ما بين 521 و485ق.م) أراد إتمامها، ولكنه توقف لما قيل له من مهندسيه: ~~إن منسوب البحر الأحمر أعلى من سطح الأرض المصرية؛ وإن مياه ذلك البحر تغمر القطر، ~~لا محالة، فيما لو حفرت تلك الترعة. # وسترابون يقص أن الذي بدأ في تحقيق هذه الفكرة، إنما هو سيزوستريس، قبل حرب ~~ترواده (ومن قائل: إن سيزوستريس هذا، هو أوزرتسن الثالث، أكبر فراعنة الأسرة ~~الثانية عشرة الفاتحين؛ ومن قائل إنه رامزس، أو راعمسيس الثاني ثالث فراعنة الأسرة ~~التاسعة عشرة، ومن كبار فاتحيها، وملك من 1288 إلى 1221ق.م)؛ وأن هناك من ينكر ذلك، ~~وينسب البدء في تحقيقها إلى نيخاؤ بن بتاه متيك؛ ويقول: إن دارا الأول الفارسي أراد ~~إنجازها، ولكنه توقف لما قيل له عن علو منسوب مياه البحر الأحمر عن سطح الأرض ~~المصرية؛ وأن ثاني البطالسة (وملك ما بين 285 و247ق.م) قطع البرزخ السويسي، وسد ~~الترعة عند مدخلها في القلزم، بحيث بات الدخول فيها والمرور إلى البحر الخارجي تحت ~~تصرف الإرادة (؟) - كذا. # وپلينس يقول: إن الذي أقعد بطليمس عن إتمام الترعة لم يكن الخوف من أن تغرق مياه ~~البحر الأحمر القطر؛ ولكن الخوف من أن تفسد تلك المياه الملحة عذوبة مياه ~~النيل! # غير أن هذه الأقاويل كلها لا تفيد أن الفكرة حققت، أبدا، بشكل تام، وأن الاتصال ~~بين البحرين كمل بحيث بات في استطاعة كل السفن، مهما كان حجمها، المرور من القلزم ~~إلى الأبيض: فإن پلوتركس يقول في ترجمة مرقص أنطنيس إن هذا الروماني الشهير أتى إلى ~~الإسكندرية قبل واقعة «أكسيم» بقليل، فوجد كليوبترا، خليلته ملكة مصر، منشغلة في ~~البحث عن وسائل تمكنها من نقل مراكبها فوق البرزخ الفاصل بين البحرين، لتهرب في ~~المحيط الهندي بجميع كنوزها. # ثم أتى الرومان، ويقول المقريزي: إن الإمبراطور هدريانس تمم الترعة التي بدأها ~~ترايانس متبنية؛ وأن هذه الترعة كانت لا تزال مفتوحة في أيام حكم الإسلام الأولي ~~بمصر. # على ms243 أن المعروف هو أن عمرو بن العاص أراد حفر ترعة تذهب من الفرما إلى السويس؛ ~~فمنعه عمر بن الخطاب، بحجة أن وجودها يفتح طريقا لمراكب الروم، تتمكن به من تهديد ~~مكة والمدينة، فعدل عمرو عن فكرة الترعة المستقيمة إلى فكرة الترعة الواصلة بين ~~البحرين عن طريق النيل؛ واحتفر المجرى التراياني الذي كانت الأيام قد طمرته؛ وهو ~~الذي عرف باسم «خليج أمير المؤمنين» وبقي مفتوحا 132 سنة. # ثم مرت على مصر الأعصر الوسطى، بظلامها الدامس، الذي لم ينفذ إليه نور من العلم ~~إلا بين حين وحين؛ وتلاها سكون الموت وسكوته، اللذان خيما على الديار المصرية من ~~سنة 1517 إلى سنة 1798، فلم يعد، هناك، كلام على اتصال يوجد بين البحرين، بل ولا ~~فكر يجول حول ذلك الاتصال. # وإذا بالحملة الفرنساوية البونابرتية ظهرت في الآفاق، وحلت بدوي عظيم على أرض مصر ~~وتحت سمائها في تلك السنة عينها (سنة 1798) فنهض القطر خائفا وجلا من سبات الموت ~~ورقدته؛ ودبت إليه حياة جديدة، أبصر نورها بعد جهد هائل، دام نيفا وبضع ~~سنين. # وكان من باكورة الأعمال التي أقدم عليها الجنرال بونابرت، قائد تلك الحملة، أنه ~~ذهب بنفسه إلى السويس ، وجاب برزخه، ليرى آثار الترعة القديمة، ويفحص مسألة إعادة ~~الاتصال بين البحرين، فحصا شخصيا، وأنه كلف، بعدئذ، لجنة، من علماء حملته، بدرس ~~الموضوع درسا تاما، وتقديم تقرير واف عنه له. # فاشتغل هؤلاء العلماء تحت رياسة كبير مهندسيها، المسيو لپير، شغلا حثيثا استغرق ~~طول مدة الاحتلال الفرنساوي للأرض المصرية، ووضعت كتابا في أبحاثها، كان من أنفس ~~آثار مرور ذلك الاحتلال بالبلاد الفرعونية. # ثم ذهبت أعاصير السياسة بزعيم تلك الحملة، أولا، ثم بالحملة عينها، إلى حيث أعدت ~~لهما الأقدار شأنا، لا مثيل له في التاريخ، فقدم لپير تقريره بباريس، بدلا من أن ~~يقدمه في القاهرة، إلى بونابرت، قنصل أول الجمهورية الفرنساوية، بدلا منه إلى ~~بونابرت، جنرال عام الجيش الفرنساوي بالقطر المصري، فتلاه بونابرت بإمعان زائد، ثم ~~هتف قائلا، كأنه آسف على مجد حرم منه: «إن العمل لذو شأن عظيم، ms244 ولكني لست بالقادر ~~على القيام به الآن، غير أن الحكومة التركية قد تجد يوما مجدها وفخرها في نفاذ هذا ~~المشروع الخطير». # 3 # وكان الكونت ماتييه دي لسبس قنصلا لفرنسا بمصر في سنة 1803 فوردت إليه تعليمات ~~من بونابرت، قنصل أول الجمهورية الفرنساوية، مؤداها أن يقبل على اختيار أكثر قواد ~~القوات التركية الموجودة في القطر، جدارة وأعلاهم أخلاقا، ويخطر عنه الجنرال ~~سيبستياني السفير الفرنساوي في القسطنطينية ليحمل الباب العالي على تنصيبه واليا ~~على مصر، عساه أن يكون للفرنساويين عونا على المماليك والإنجليز أصدقائهم، فاختار ~~دي لسبس (محمد علي) وارتبط معه بعرى صداقة متينة، وأوصى به سيبستياني خيرا. # 4 # فلما ذهبت الثورة بكرسي خورشد باشا، وانتخب علماء القاهرة المكدوني العظيم واليا ~~عليهم، عضد سيبستياني انتخابهم لدى حكومة القسطنطينية، وجعلها تعتمده، فحفظ (محمد ~~علي) للكونت دي لسبس جميله - وكان حفظ الجميل من أجمل ما امتازت به أخلاق ذلك ~~النابغة العجيب. # ولما اختارت الحكومة الفرنساوية، بعد ذلك بنيف وسبع وعشرين سنة، فردينند ابن ~~الكونت ماتييه دي لسبس، ليكون نائبا للقنصل الفرنساوي، بالإسكندرية، استقبله ~~الباشا العظيم بإكرام زائد، وخصه بعطف أبوي، وما فتئ يظهر له من ضروب الحنان ما ~~جعله أو كاد يجعله أحد أفراد الأسرة العلوية. # ولما شب الأمير محمد سعيد ابن الأمير العصامي، وترعرع، عهد (محمد علي) إلى ~~فردينند بأمر الاعتناء بصباه، فقام فردينند بذلك قياما حسنا، وعلم الأمير اليافع ~~ركوب الجياد، وحبب إليه إجهاد النفس في التمارين الرياضية - وكان (محمد سعيد) في ~~أشد الاحتياج إليها: لأنه كان عظيم الجثة بدينا إلى حد أن أباه حتم عليه حضور ~~أربعة عشر درسا في اليوم، والإكثار من الرياضة الجسمية، لكي تذهب عنه بدانته؛ وأنه ~~كان يزنه، كل أسبوع؛ فإذا وجد وزنه زائدا على ما كان في الأسبوع السابق؛ عاقبه ~~عقابا صارما؛ وإذا وجده ناقصا، كافأه؛ ولو أن عظم جثته وبدانتها لم يكونا، في ~~بدء أمره، مرضا؛ بل كانا كعظم جثة پرتس في (رواية الفرسان الثلاثة لإسكندر دوماس)، ~~وكعظم جثة عبادة بن الصامت في أنباء فتح ms245 مصر لمؤرخي العرب، مظهر قوة غريبة، وصحة ~~عجيبة. # فنشأ عن اعتناء فردينند بمحمد سعيد، ذلك الاعتناء، أن هذا الأمير الشاب صادقه ~~مصادقة أكيدة وألفه ألفة زائدة كان الباشا العظيم أبوه من أكبر مشجعيه عليهما، ومن ~~أميل الناس إلى توثيق عراهما بينهما. # وكان قنصل فرنسا العام بالإسكندرية، في ذلك العهد، رجلا من أدباء عصره يقال له: ~~المسيو ميمو، وكان لا ينفك يقرأ الكتاب الذي وضعه، في مسألة ترعة الاتصال بين ~~البحرين، المندوبون الذين عهد إليهم الجنرال بونابرت بحثها وفحصها، فأوجد غرام ~~مطالعة ذلك الكتاب النفيس، في روح الشاب دي لسبس المتخرج على يديه، فأكب دي لسبس ~~على مطالعته باهتمام زائد؛ وما لبث أن ثبت في ذهنه، بكيفية لا تتزعزع، إمكان إيجاد ~~ذلك الاتصال؛ فوطن نفسه على تخصيص جميع قوى عقله وروحه وجسمه لنفاذه. # 5 # غير أن صروف الأيام ما عتمت أن نقلته من القطر المصري إلى الغرب؛ وقلبته هناك في ~~عدة مناصب سياسية أظهرت فضله، ونشرت ذكره، ولكنها أبعدته عن محط رحال أفكاره، ومطمح ~~أنظار رغائبه: ألا وهو برزخ السويس، الذي لم يعد يبغي مجدا مخلدا إلا من وراء ~~قيامه بحفر ترعة الاتصال بين البحرين. # وكانت الأنظار، في أوروبا، قد اتجهت نحو تحقيق هذه الفكرة، القديمة العهد، لا ~~سيما منذ أن هب السانسيمونيون، وعلى رأسهم الأب انفنتين المشهور، يحبذون تحقيقها، ~~ويحضون عليه؛ وأتى بعضهم، مع أستاذهم المذكور، إلى مصر، وأخذوا يدرسون الموضوع ~~درسا عميقا، ويبتكرون المشروعات المختلفة لتحقيقه: فتالابو أشار بعمل ترعة من ~~الإسكندرية إلى مصر، تجتاز النيل عند هذه العاصمة، ثم تسير منها إلى السويس، وبرول ~~أشار بعمل ترعة من السويس إلى بحيرة المنزلة، ثم تسير منها غربا، متبعة الساحل ~~المصري الشمالي، حتى الإسكندرية. # 6 # ولكن (محمد علي) رفض، بتاتا، التصريح بأي عمل من هذا النوع، وأبى كل الإباء أن ~~تحتفر ترعة دولية، لوصل الغرب بالشرق الأقصى، في داخلية بلاده، فتسير السفن تجارية ~~أو حربية فيها رافعة أعلام دولها المختلفة، ويتعرض القطر لطوارئ ليست في الحسبان، ~~قد تؤدي إلى استيلاء ms246 إحدى الدول العظمى الغربية، لا سيما بريطانيا العظمى، ~~عليه. # والذي حمل ذينك المهندسين على وضع مشروعيهما المذكورين، إنما هو الاعتقاد السائد ~~على عقول علماء العالم، قاطبة، بصحة الاختبارات والمباحث التوبوغرافية ~~والأوروغرافية، والهدروغرافية، التي قامت بها لجنة سنة 1798 الفرنساوية تحت إدارة ~~المهندس لپير، والتي أدت بها إلى تقرير علو سطح البحر الأحمر، تسعة أمتار، عن سطح ~~البحر الأبيض، وبالتالي استحالة عمل ترعة مستقيمة واحدة بين البحرين، فتجتاز برزخ ~~السويس الفاصل بينهما، مباشرة. # على أن هذا الاعتقاد لم يكن أثبت قواعد وأركانا من خلافه: لأنه كان كغيره، ~~مبنيا على التسليم بما وصلت إليه مباحث المتقدمين، وما بتت فيه أحكامهم؛ لا على ~~خبرة ومباحث شخصية، فما عتم، والحالة هذه، أن اهتز على قواعده، وأخذت أركانه تنهار ~~في عقول الذين كانوا ممن يأبون أن يقيموا بناء تصديقهم وإيمانهم على المزاعم، ولا ~~يريدون لهما قاعدة سوى درسهم واختبارهم الشخصيين: فإن أخطئوا، فإنما يخطئون، علما؛ ~~وإن أصابوا، فالفخر - وأي فخر - لهم دون سواهم. # فتعينت في سنة 1846، إذا، لجنة مختلطة للنظر في تقرير لپير، وإعادة فحص الموضوع، ~~فحصا أدق من الذي عملته لجنة سنة 1798، وأوسع دائرة، فوالت أعمالها بهمة فائقة ~~وتدقيق لا مزيد عليه؛ وانتهت خاتمة المطاف بها إلى اعتماد رأي المستر ستڨينس ~~المهندس الإنجليزي، فقررت أن فرق الارتفاع، بين سطحي البحرين، لا يعبأ به، وأن عمل ~~ترعة واحدة مستقيمة، تجتاز البرزخ، وتصل بين الأبيض والقلزم أمر، والحالة هذه، ~~مستطاع. # وكان (محمد علي) - لما فرغت تلك اللجنة من أعمالها، وأبرزت نتيجة مباحثها إلى ~~الوجود - قد أشرف على الخرف، وآلت الأحكام في القطر بعد موت (إبراهيم) الهمام ابنه، ~~إلى (عباس الأول)، فضرب بمباحث تلك اللجنة عرض الحائط، وتحول عن فكرة إنشاء «ترعة ~~اتصال دولية» إلى إجراء رصف الطريق، ما بين مصر والسويس الذي كانت تسلكه عربات ~~الترنزيت، بحيث يصبح صالحا لسير كل عربة عليه بسهولة وسرعة، ويتم الاتصال بين ~~العاصمة والقلزم من سبيل أمين، فجعل عرض ذلك الطريق 30 مترا، وسمك رصفه 40 ~~سنتيمترا، وبوشر العمل فيه؛ ms247 فسوي، أولا، رمل الأرض؛ ثم وضعت عليه طبقة من الحجر ~~الدبش سمكها 15 سنتيمترا، هرست هرسا بمرور صخرة غرانيتية ضخمة عليها، تجرها ~~أربعة ثيران؛ ثم وضعت فوقها طبقة أخرى عرضها 15 سنتيمترا، كذلك، هرست مثل الأولى، ~~وتلتها طبقة ثالثة، غطيت على سمك 15 سنتيمترا، أيضا، برمل من رمل الصحراء ممزوج ~~بأديم محمر مشتمل على تزجيجات جبصية، وهرس كل ذلك، مثل ما هرست الطبقة الأولى، ثم ~~جعل على جانبي الطريق اتساع قدره متران، لسير المشاة، وعملت سكة صغيرة بجانبه، ~~لتصريف مياه الأمطار، واحتفرت بئرا ارتوازية بالقرب من حصن أجرود ليرتوي منها ~~الرائح والغادي؛ ولكنها لم تفلح، ولم ترو من ظمأ. # فلما مات (عباس)، وآل عرش مصر إلى (سعيد)، وبلغ النبأ، بذلك، علم فردينند دي لسبس ~~- وكان مشتغلا في ترميم قصر لحماته، سكنته أنييس سوريل، خليلة شارل السابع ~~الفرنساوي، في زمنها - تهلل، واستبشر، وأرسل يهنئه تهنئة خالصة، فرد (سعيد) عليه ~~واستدعاه إلى مصر، ليشاطره سروره وهناءه، ولما وفد عليه، أكرمه إكراما فائقا، ~~واستصحبه معه في سياحة، قام بها على رأس عشرة آلاف جندي بمدافعهم وخيولهم، من ~~الإسكندرية إلى مصر، عن طريق الصحراء الغربية. # 7 # فأخذ دي لسبس يتحين الفرص ليفاتحه في مشروع قناة السويس الذي كان اختمر في ~~اعتباره اختمارا تاما؛ مستعينا على ذلك بذي الفقار باشا، صديق الوالي الأقرب ~~إليه، واتفق له، ذات يوم، بعد ما استأذن (سعيدا) في الانصراف إلى شأن من شئونه، ~~وهو معه في تلك السياحة، أنه امتطى صهوة جواد كان ذلك الوالي وهبه إياه، ووثب به ~~فوق كثيب مرتفع من الحجارة أمام عموم القواد المصريين، فأعجبوا به وأكبروا ~~فروسيته. # ففي اليوم التالي، اغتنم فردينند فرصة مناسبة، وجر الحديث إلى رغبته في أن يسطع ~~ملك صديقه بعمل فخم، يخلد ذكره في هالة من سنا، إلى نهاية الدهور؛ واقترح على ~~(سعيد) الإقدام على إنفاذ مشروع الترعة؛ وهو يجتهد في أن يلهب كلامه مخيلته، ~~فيجعلها تدوي منذ تلك الساعة، بترنم العالم المتمدين بأسره، بأناشيد مديحه. # فبالرغم من أن (سعيدا) كان ms248 قد أكد مرارا، قبل ذلك، لغير دي لسبس بأنه لن يحيد ~~في هذا الموضوع عن عزم والده، وعن خطة الرفض التي وضعها لنفسه، فإنه سكر بالخمر ~~اللذيذة المبذولة له في كلام محادثه؛ وما هو أهم من ذلك، اقتنع باقتناعه، وتأكد من ~~أن إنفاذ المشروع يزيد مصر أهمية، ولا يعرضها لأي خطر يكون، فقال لدي لسبس: «أجل! ~~إني مقتنع، فثق بي، واعتمد علي». # 8 # ثم استدعى قواده، وقص عليهم ما دار بينه وبين صديقه دي لسبس من الكلام، وسألهم ~~رأيهم؛ فتذكروا ما رأوا من فروسية ذلك الفرنساوي، ولما كانت عقليتهم تقربهم، كقول ~~دي لسبس عينه، إلى تقدير رجل يحسن ركوب الخيل ويجيد الوثب فوق الكثب والحفر، أكثر ~~منها إلى تقدير رجل عالم متعلم، # 9 # فإنهم فتحوا أعينهم، واسعة، للدلالة على فهمهم؛ وهزوا رءوسهم مرارا، ~~للدلالة على استحسانهم؛ وقالوا بإجماع بعدم جواز رفض طلب يقدمه مثل ذلك الصديق، ~~فثبتت موافقتهم (سعيدا) في عزمه. # وفي اليوم الخامس والعشرين من شهر نوفمبر سنة 1854 - وكان الأمير قد بلغ العاصمة ~~بجنده، ومدعويه، وأنزل دي لسبس صديقه في قصر المسافرين، وهو الذي كان مخصصا في ~~أيام الحملة الفرنساوية لاجتماع أعضاء لجنة القناة فيه تحت رياسة لپير البادي ذكره، ~~فتأمل غرائب الصدف، ومحاسنها! - استدعى (سعيد) فردينند دي لسبس إلى القلعة، بدون أن ~~يقول له لماذا؛ وهناك في مجتمع من القناصل العامة والوجهاء المزدحمين لتهنئة الأمير ~~بسلامة الوصول، أعلن، على رءوس الأشهاد، الوعد الذي صدر منه لدي لسبس صديقه، وأكد ~~عزمه على منح امتياز له بتأسيس شركة مساهمة عالمية، لإبراز المشروع إلى حيز الوجود. # 10 # وأعقب قوله بالعمل؛ ومنحه بعد خمسة أيام في 30 نوفمبر سنة 1854 الامتياز الموعود ~~به؛ وكلف مهندسي حكومته، لينان بك وموچيل بك، بالذهاب معه إلى البرزخ، ودرس طبيعة ~~أرضه، وفحص مسألة إنشاء الترعة المرغوبة فيه، ورفع تقرير واف له عن كل ما ~~يتبينانه. # فذهب المهندسان في الشهر التالي، وأقاما هناك أياما، مع دي لسبس، يدرسان الموضوع ~~درسا تاما، وقر رأيهما نهائيا على أن ms249 تنشأ ترعة مستقيمة، تجتاز البرزخ في ~~جهته الأقل اتساعا؛ أي: ما بين پيلوزيم (الفرمة) على البحر الأبيض، والسويس على ~~البحر الأحمر. # ثم جمع دي لسبس مائة من أصدقائه، وحملهم على أن يكتتب كل منهم بحصة ثمنها خمسة ~~آلاف فرنك - ولا شك في أنها تساوي الآن مليونين من الفرنكات على الأقل - واستخدم ~~المبلغ المجموع لاستقدام لجنة هندسية دولية مشكلة من سبعة من المهندسين: هولندي، ~~وإنجليزي، وبروسياني، وإسباني، ونمساوي، وإيطالي، وفرنساوي؛ ومن عدة بحارة ~~فرنساويين وإنجليز؛ ومن مهندس هدروغرافي تابع للبحرية الفرنساوية، طلب إليها أن ~~تدرس المشروع، وتطلع على التقرير الذي وضعه لينان بك وموچيل بك. # فذهب رجال تلك اللجنة، بادئ بدء، إلى البرزخ، ليقفوا بأنفسهم على الأماكن التي ~~قرر أن تجتازها الترعة؛ وكان برفقتهم فردينند دي لسبس والمسيو برتيليمي سنت ايلير، ~~المنتخب سكرتيرا عاما للمشروع؛ وقد كتب عن مصر في ذلك العهد عدة كتابات رجعنا ~~إليها أحيانا في مؤلفنا هذا. # وبعد إجراء عمليات هندسية وأبحاث توبوغرافية ومقاسات بارومترية قررت تلك اللجنة ~~أن سطح البحرين واحد؛ وأظهرت أسباب الغلط الذي وقع فيه ليپير بذهابه إلى أن منسوب ~~البحر الأحمر أعلى من منسوب البحر الأبيض بكثير؛ وأثبتت أن أرض البرزخ التي ~~ستجتازها الترعة، أرض ثابتة، يغلب فيها الخزف إلى عمق ما، لا أرض رمال متموجة تهدد ~~كل حفر بطمر، كما قال بعض مسفهي أحلام الراغبين في حفر تلك الترعة؛ وأثبتت أيضا، ~~أن لا خوف على منفذ الترعة في البحر الأبيض من تكاثر أوحال طمي النيل، حوله: ~~(أولا) لعدم سير تلك الأوحال جهة المنفذ المنوي إيجاده؛ و(ثانيا) لوجوب ذوبانها ~~حتما في مياه البحر على فرض سيرها نحوه. # وبناء على ذلك، طرحت اللجنة جانبا مشروعي تالابو وبرول، وقررت العمل بمشروع ~~المهندسين لينان بك وموچيل بك لأسباب أهمها: أن مشروع تالابو يوجب صعوبة - وهي ~~اجتياز النيل عند العاصمة - لا سبيل إلى التغلب عليها، إلا بإجراء عمليات هندسية ~~هائلة، يتضائل أمامها ما عمل من هذا القبيل فيما بعد في مجرى ترعة «پانما» الحالية؛ ~~ويتعذر جدا إجراؤها، فإذا ms250 فرض، وأمكن، نجم عن الإجراء خطران جسيمان في منتهى ~~الفظاعة: (الأول) تعريض القناطر الخيرية إلى السقوط، والبلاد إلى الغرق؛ و(الثاني) ~~ضرورة تسرب المياه من أسفل إلى أعلى في الأطيان المجاورة، فتصاب بجدب ~~مستديم. # وإن مشروع برول يوجب أن تجتاز الترعة النيل، مرتين، وجميع ترع الوجه البحري ~~المتجة شمالا، ولا سبيل إلى ذلك إلا بإقامة جسور لحفظ مياه النيل في المدى الذي ~~يقرر، وهو ما لا يمكن عمله: لأن الفيضان يذهب بتلك الجسور ويغرق منطقة الترعة ~~البحرية فينجم عن إنفاذ المشروع تخريب الترعة، في كل فصل يزيد النيل فيه، وإتلاف ~~الزراعة في عموم الوجه البحري. # فلما فرغت اللجنة من أعمالها، عرضها دي لسبس على (محمد سعيد باشا) صديقه، فأصدر ~~هذا الأمير أمرا عاليا بتاريخ 5 يناير سنة 1856 /26 ربيع الآخر سنة 1272 صدق به ~~على الامتياز السابق منحه منه لذلك الفرنساوي العظيم بتأسيس شركة جامعة لحفر ~~القناة؛ ووضح بموجبه الإلزامات والتعهدات والواجبات التي تكون على تلك الشركة، ~~مقابل المنح والامتيازات والمزايا المعطاة لها. # 11 # أما أهم الإلزامات، فهي وجوب تحويل بحيرة التمساح إلى ميناء داخلية، صالحة لإيواء ~~أعظم السفن حجما؛ ووجوب دفع مرتب مندوب تختاره الحكومة المصرية لينوب عنها، ويحافظ ~~على مصالحها لدى مجلس إدارة الشركة؛ وإيجاد عامل عال للشركة في الإسكندرية تخول له ~~السلطة اللازمة لضمان سير العمل، وانتظام العلاقات بين الشركة والحكومة المصرية، ~~فيما لو اختارت الشركة أن يكون مركز إدارتها في مدينة خارجة عن القطر المصري؛ ووجوب ~~صرف خمسة عشر في المائة من صافي الأرباح السنوية للحكومة المصرية، على أن تزيد هذه ~~النسبة كلما جددت مدة المنحة، وقدرها الأول 99 عاما، بشرط أن تتجاوز تلك النسبة ~~35٪ من صافي الأرباح في أي حال من الأحوال، وأن تحترس الشركة، وتمتنع بالكلية، عن ~~كل تحيز وغرض في معاملاتها للسفن التجارية؛ فلا تفضل المنتمية منها لأمة على ~~المنتمية منها لغيرها؛ وأن لا تزيد رسوم الاجتياز التي ستتقاضاها على عشرة فرنكات ~~على كل طن من حمولة السفن، وعن كل فرد من المسافرين. ms251 # وأما المنح، فأهمها تخلي الحكومة للشركة عن ملكية جميع الأطيان البائرة غير ~~المملوكة لأحد التي قد ترويها الشركة وتزرعها، وإعفاؤها من كل ضريبة، مدة عشر ~~سنوات، ابتداء من تاريخ الشروع في تصليحها؛ وتسليم الحكومة للشركة كل الأطيان ~~المملوكة للغير، التي قد يصبح امتلاك الشركة لها لازما لإتمام العمل واستغلال ~~الامتياز الممنوح، على شرط أن تدفع الشركة لأصحابها التعويضات الحقة عنها؛ وإعفاء ~~كل ما تستورده الشركة من الآلات والمواد من البلاد الأجنبية، من كل رسوم جمركية عند ~~دخولها القطر المصري؛ وتمكين الشركة من حفر ترعة ماء عذب تذهب بمياه النيل إلى ~~أماكن الأعمال، وتكون ملكا لها، تستغلها استغلالها لباقي أجزاء امتيازها؛ والتصريح ~~لها بإقامة المباني، التي ترى أن عملها يستوجبها؛ وتكليف عمال الحكومة وموظفيها، ~~عموما بمساعدة الشركة وتعضيدها، كلما احتاجت إلى ذلك، فيما تحتاج إليه؛ ووضع العدد ~~الكافي من الفلاحين تحت تصرفها، لتشغلهم بمعرفتها، وتحت إدارتها، في أي نوع تريده ~~وترتئيه من الأعمال والأشغال اللازمة مقابل دفع أجور معقولة لهم، واتخاذ التدابير ~~الصحية الواقية الواجبة. # غير أن (محمد سعيد باشا) كان قد اشترط لصحة الامتياز برمته، أن يصدق عليه سلطان ~~تركيا؛ ولو أنه كان متفقا مع دي لسبس على اعتبار ذلك التصديق مجرد مظهر رسمي، لا ~~يؤبه له. # فذهب دي لسبس، إذا، إلى القسطنطينية، ليناله، فوجد الحكومة العثمانية منشرحة إلى ~~المشروع، والسلطان نفسه ميال إلى نفاذه، ونال من الصدر الأعظم كتابا أكد له فيه ~~الارتياح العام، السائد على الدوائر السياسية العثمانية للموافقة على الامتياز ~~الممنوح، فبات متيقنا من قرب صدور الفرمان السلطاني المنبئ بتلك الموافقة، وإذا به ~~يرى سفير إنجلترا، السير ستراتفرد دي ردكليف يقوم لمناهضته، ويمانع في التصديق، ~~بإيعاز من اللورد بلمرستن وزير الخارجية الإنجليزية. # وكان للورد بلمرستن هذا، في ذلك العهد، الكلمة العليا في الدوائر السياسية ~~الأوروبية، كما أنه كان للسير ستراتفرد دي ردكليف النفوذ الأكبر على دوائر الأستانة ~~الحكومية. # فدخل المشروع، إذا، في دور سياسي لم يكن دي لسبس يتوقعه، وبدأ عهد مناقشات ~~عنيفة، حاول خصوم المشروع التغلب ms252 عليه فيها، بالاستناد على مزاعم أهمها: # أولا: # أن المشروع وهمي خيالي، لا سبيل إلى تحقيقه. # ثانيا: # أن نفقاته، على فرض تحقيقه، نفقات المحافظة على الترعة، وصيانتها ~~بعد حفرها، تزيد جدا على كل ما يمكن أن ينتظر من أرباح احتمالية ~~من وراء تحقيقه. # ثالثا: # أن الترعة المنوي عملها تفصل مصر عن تركيا فصلا باتا، وتمكن ~~الأولى من الاستقلال عن الثانية. # رابعا: # أن فتح برزخ السويس تهديد يوجه إلى استتباب أقدام السلطة ~~البريطانية في الهند؛ فهو، والحالة هذه، خطر جسيم على مصالح ~~بريطانيا العظمى السياسية والتجارية. # خامسا: # وأخيرا أن تحقيق المشروع خطر، بنوع خاص، على استقلال مصر عينها: ~~لأن تحقيق المشروع قد يجبر إنجلترا إجبارا على امتلاكها، بينما هي ~~لا تريد ذلك، ولا يهمها من مصر إلا أن تكون الطريق التي تجتازها ~~نحو الأملاك البريطانية الأسيوية، آمنة، سليمة. # وقد عبر اللورد بلمرستن عن هذا الفكر الأخير بما كتبه للورد كولي، حيث قال: «نحن ~~لسنا في حاجة إلى مصر، ولا نريدها لأنفسنا، أكثر مما يريد رجل عاقل، له ملك في شمال ~~إنجلترا، بينما مقامه في جنوبها، أن يمتلك جميع الفنادق القائمة على الطريق الموصلة ~~إلى الشمال؛ غاية ما هو في حاجة إليه، أن تكون الفنادق هذه معتنى بها اعتناء ~~حسنا، وأن تكون مفتوحة له في كل وقت يردها، ومستعدة تمام الاستعداد لأن تقدم له ~~لحما حنيذا لأكله، وخيلا بريدية تحل محل خيله المتعبة!» # فدحض دي لسبس الزعم الأول، دحضا لم تعد تقوم معه لذلك الزعم قائمة، برأي اللجنة ~~الدولية الهندسية السالف ذكرها؛ ودحض الزعم الثاني، دحضا نهائيا، أيضا، بتقرير ~~شامل مفصل وضعه رجال فنيون خبيرون؛ منهم اثنان بريطانيان، بينوا فيه، حسابيا، ~~مقدار أقصى ما تستوجبه الترعة من النفقات ونفقات صيانتها، ومقادير الإيرادات ~~العائدة إلى الشركة التي تقوم بحفرها، والأرباح الناجمة لها عنها بالنسبة لمجموع ~~حمولة السفن التي تمر منها، ومحاصيل الأطيان الموهوبة إليها من الحكومة المصرية، ~~والتي ستباشر زراعتها؛ ودحض الزعم الثالث بأقوال رسمية صادرة عن (سعيد باشا) ذاته، ~~أكد بها ولاءه للسلطان ms253 العثماني وعدم وجود مصلحة لنفسه في الانفصال عن تركيا؛ ~~ودحض الزعم الرابع بأن الواقع يكذبه، وأن حفر الترعة لا يغير شيئا في أسباب نسبة ~~الملاحة البريطانية الحالية إلى ملاحة الدول الأخرى؛ لأنه في استطاعة بريطانيا ~~العظمى إبقاء تلك النسبة كما هي؛ ودحض الزعم الأخير بقول ظاهر الصواب، وهو أن حفر ~~الترعة شرقي مصر، وفي برزخ رملي لا مصلحة للقطر فيه، يخرج مصر في الحقيقة، عن طريق ~~بريطانيا العظمى إلى أملاكها الأسيوية، ويحول دون تضارب مطامعها ومطامع فرنسا ~~السياسية بمصر، وأنه إذا كان هناك ما يجبر بريطانيا العظمى على محاولة امتلاك مصر، ~~فإنما يكون ذلك بقاء طريقها إلى أملاكها الأسيوية مجتازة داخلية القطر المصري؛ ~~وشعورها، ذات يوم، بأن تلك الطريق باتت غير آمنة وغير سليمة. # فأدى ثبات دي لسبس وشجاعته، من جهة؛ وكون الحق الفني والمنطقي في جانبه، من جهة ~~أخرى؛ إلى فوز المشروع على خصومه ومقاوميه، وإلى إقبال الناس على الاكتتاب في أسهم ~~الشركة العالمية المرغوب في تأسيسها، للتمكن من إخراجه إلى حيز الوجود. # بيد أن لولا وقوف (محمد سعيد باشا) بجانب صديقه، وهو موطن عزمه توطينا وطيدا ~~على تنفيذ المشروع مهما كلفه من نقود، ومهما اضطر إلى التغلب عليه من صعوبات ~~وعقبات، والتعرض إليه من أخطار؛ لولا إقباله إقبالا صحيحا على تقديم كل المتوفر ~~عنده من مال في سنة 54، وقدره خمسمائة ألف ريال، إلى صديقه المذكور، وإقدامه على ~~إنشاء ترعة الماء العذب التي نيط بالشركة إنشاؤها، على مصروفه الخاص وبأيدي مصرييه؛ ~~لولا مشتراه، بمبلغ ينيف على ثلاثة ملايين من الجنيهات، كل الأسهم الباقية معروضة ~~للبيع، التي لم تدر الشركة كيف تصرفها، في أيام بؤسها الأولى؛ ولولا وضعه بالفرمان ~~الذي أصدره في 20 يولية سنة 1856 العدد الكافي من الأيدي المصرية تحت تصرف الشركة، ~~لأخفق المشروع ولتفرق المساهمون أيدي سبا. # على أن وقوف (سعيد) ذلك الموقف، حيال استمرار المعارضة الإنجليزية مخيمة بثقل في ~~الجو، تملأه سحبا، تومض فيها البروق وتدوي الرعود، كان من شأنه أن يجمع، حول ذلك ~~الأمير المتقلب ms254 الأهواء، أسبابا متنوعة لمضايقة لا نهاية لها، تؤدي حتما إلى ~~إرهاقه عسرا، وهو الأمر الذي وقع؛ فجعله يتململ، ويقول للائمية ومؤاخذيه: «إنما ~~أعطيت الامتياز، بلا ترو لصديق وهو فرنساوي، فخاطبوه، أو خاطبوا حكومته. أما أنا ~~فلست أستطيع سحب امتياز أعطيته». # 12 # ولكن ذلك لم يكن إلا ليزيد معارضه المعارضين ولجب الصاخبين، حتى زهقت نفس (سعيد)؛ ~~وأخذ النحول يأكل من بدانة جسمه، فقال دي لسبس له يوما: «ألا نذهب معا إلى ~~السودان، فنبعد عن الثقلاء، ونصيب مرميين: (الأول) أننا نتمكن من التكلم في شئون ~~قناتنا، وليس حولنا عاذل؛ و(الثاني) أنك تنظر بعينيك حال شعب ألقيت أحكامه إليك، ~~ويبلغنا أنه يئن من الظلم الضاغط عليه؛ فتصلح حاله، وتمد ظل السعادة فوقه؟» # 13 # فطرب (سعيد) للفكرة، وقام من وقته إلى زيارته للسودان التي ذكرناها؛ فما بلغ بربر ~~إلا وقد أثارت شجونه الويلات والمصائب التي رآها محيقة بتلك الشعوب المسكينة، فدخل ~~دي لسبس عليه، يوما، وإذا به يبكي بكاء سخينا، فسأله: «ما الذي يبكيك؟» قال: ~~«أبكي على شقاء هذا الملأ، وعلى ما فعلت به أسرتي، فإن العرائض مفعمة بالشكاوى ترد ~~إلي، في كل لحظة، من عموم طبقات الناس، وقد رأيت بعيني رأسي القرى التي أحرقها ~~الدفتردار صهري ولم يعد للآن بناؤها. هذا بؤس فوق طاقة الاحتمال، وقد عزمت على ~~التخلي عن السودان، فأتركه وشأنه، وأعود إلى مصر!» # فقال دي لسبس له: «هذا لن يكون. أنت لا تستطيع أن تعود بهذه الصفة، فارا من وجه ~~واجبك. أنت أمير متعلم ذو خبرة، فقنن لهذه الأمم، وأنشئ لها بلديات تهتم ~~بشئونها!» # قال (سعيد): «صدقت، وسترى في ذلك همتي». # 14 # فلما وصل إلى شندي، اجتمع، حوله، أكثر من مائة ألف رجل، فقال لهم: «بلغني أن ~~الشيخ التركي الحاكم على هذا البلد، منذ نيف وعشرين سنة، قد حبس عنده عدة أرقاء، ~~وعلى الأخص عبدا أوثق قيوده، فهو قد خالف بذا؛ أوامري القاضية بمنع الاسترقاق، ~~فأتوني به!» # فأطاعوه، فأمر بالتركي، فطرح على بطنه، وضرب مائة سوط، ثم غلل بأغلال عبده، ms255 فصاح ~~الجمهور: «الله! الله! هكذا يكون الإنصاف والعدل! وإلا، فلا! فليحي الأمير!» # فعاد (سعيد) إلى مخاطبتهم وقال: «أترون هذه الحصون التي أقامها والدي، منذ نيف ~~وأربعين سنة على ساحل النيل؟ اذهبوا وخذوا المدافع التي فيها واطرحوها في ~~النهر!» # فهمس دي لسبس في أذنه، قائلا: «إنك تتطرف، فقد يستعملونها بعد رحيلنا، ~~ويستخدمونها فيما قد يضر!» # فقال له (سعيد): «لا تخف! فهي غير صالحة». # 15 # ولما بلغوا الخرطوم، وتعشوا هناك، عشاءهم الأول - وكان لذيذا وفي محل معد ~~إعدادا جميلا، بالرغم من بعد الشقة - وقع عند نهاية الأكل، حادث غريب، فإن وجه ~~(سعيد) أظلم فجأة، وانتفخت شفتاه وعروق رقبته، فأدلى طربوشه على عينيه، حتى كاد ~~يغطي نصف أنفه - وهو عمل كان يقدم عليه دائما في أوقات انفعالاته الشديدة - ~~وانقلبت سحنته انقلابا مخيفا، فانزعج الحاضرون، وتساءلوا: «ماذا جرى؟» وإذا به ~~نهض، بغتة، وتناول سيفه وقذف به بعيدا على أريكة في آخر الحجرة، وصاح: «اتركوني! ~~لا تسألوني عن شيء!» ففر الجميع، مذعورين! فقال (سعيد) لأحد أمنائه: «سر بالمسيو ~~دي لسبس إلى الأودة التي أعدت لي حالا، وليتركني الكل!» فوقع الوزراء في حيرة، ~~وضربوا أخماسا في أسداس؛ لأنهم اعتقدوا أن حرارة الطقس قد أثرت في عقل الأمير ~~فأورثته جنونا، وهو على ذلك البعد السحيق من عاصمته! ولم يدروا ما العمل! # فلما كانت الساعة الثانية صباحا، طلب (سعيد ) أن يحضروا له حماما باردا، فدل ~~ذلك على أنه أفاق من الحال التي كان فيها، وعند الساعة الثالثة، أرسل إلى دي لسبس، ~~فدخل الفرنساوي عليه وإذا به متكئ على أريكة يدخن شبكة بهدوء تام، فقال له: «أنت ~~طلبت مني يا صديقي، أن أسمح لك بنزهة على النيلين الأبيض والأزرق، فها قد جعلت تحت ~~تصرفك مركبين وطباخي. اذهب وتنزه كما تريد!» # فقال دي لسبس: «يعني أنك تطردني. أجل، ولكني أريد أن تعرفني، أولا، ما الذي جرى ~~لك البارحة!» # فلم يجبه (سعيد) إلى طلبه، والذي دار في خلد دي لسبس، بناء على قرائن الأحوال هو ~~أن (سعيدا) قال، حتما، في نفسه: ms256 «هذا رجل أتى من باريس، حيث ترك عائلته وأولاده، ~~وجاء إلى الخرطوم على بعد نيف وألفي ميل عن مصر، فينفتح ذهنه هو، إلى نصيحة حسنة ~~يبديها لي؛ وأنا لا ينفتح ذهني لها؟» وأن هذا الفكر هو الذي غير دمه إلى حد أخرجه ~~عن دائرة صوابه، حتى خطر له أن يثب عليه ويقتله، فرمى بسيفه بعيدا، لكيلا يغلبه ~~الوسواس، فيصير إلى ما صار إليه الاسكندر الأكبر مع كليتس صديقه، ثم أراد إبعاده، ~~بعد ذلك بضعة أيام، لكيلا تنسب إليه الإصلاحات الجميلة، التي صمم على إدخالها على ~~حالي السودان الإدارية والاجتماعية، بل تنسب هي ونفاذها إليه دون سواه! # 16 # غير أنه في سنة 1857 عينها التي سافر (سعيد) فيها إلى السودان، شبت في الهند ~~الثورة العسكرية المشهورة التي كادت تفقد بريطانيا العظمى تلك المستعمرة الغنية، ~~وتنتزع من التاج البريطاني أجمل وأثمن ماسة فيه. # فشعر الشعب الإنجليزي بأسره شعورا عميقا بمقدار الفائدة الناجمة له قبل غيره، ~~وأكثر من سواه، عن تقصير مدى السفر البحري بين شواطئ بلاده وشواطئ الشرق الأقصى؛ ~~وأخذ يقدر مشروع دي لسبس حق قدره؛ وشرعت الدوائر التجارية والصناعية، بل بعض ~~الدوائر السياسية عينها، تحبذ العمل، وتستنكر معارضة الحكومة الإنجليزية له. # فباتت الطريق إذا ممهدة هناك، أمام مجهودات دي لسبس؛ وأصبحت الأرض صالحة لتنمو ~~فيها بذور إقناعاته، فلما أم البلاد الإنجليزية، لتنوير أذهان أهلها واستمالتهم إلى ~~مشروعه، وجد من مظاهر الاحتفاء به، والإكرام له ما قرت به عينه وانشرح له صدره، ~~فخطب في نيف وخمسة عشر مجتمعا حافلا بنقابات التجارة ومندوبيات البلديات، في ~~لندرا وغيرها، من أمهات المدن البريطانية، فنال منها كلها، قرارات بصلاحية المشروع ~~وكبير فائدته للتجارة على العموم والتجارة الإنجليزية على الأخص. # وحدا ذلك بزمرة من خيرة رجال البرلمان البريطاني إلى القيام لتعضيده، وسؤال ~~الحكومة رسميا في جلسة 2 يونية سنة 1858 عما إذا كان في عزمها أن تساعد على نفاذ ~~مشروع قنال السويس، وتحمل الباب العالي على منح الفرمان المطلوب له. # فأثار هذا السؤال أحقاد اللورد بلمرستن الكامنة، ms257 وهيج غضبه، فنسي مركزه وواجب ~~المجاملة التي يقتضيها منه لفرنسا وحكومتها؛ وانبرى للرد على السائل، بمضاضة لا ~~مزيد عليها، قائلا: «إن الحكومة البريطانية أبعد من أن تعضد «خزعبلة» وطريقة نصب، ~~غرضها الاحتيال على اقتناص أموال البسطاء، بحجة نفاذ مشروع خيالي وهمي، لا سبيل ~~مطلقا إلى نفاذه!» # فانضم مجلس النواب إلى اللورد النبيل، ورفض السؤال والخوض فيه بأغلبية ~~ساحقة. # فما كان من دي لسبس إلا أن أجاب على ذلك بإقدامه، في 5 نوفمبر سنة 1858، على فتح ~~الاكتتابات العامة في أسهم الشركة العالمية، بفرنسا وغيرها من الأقطار ~~الغربية. # ففاق النجاح كل ما كان ينتظر؛ وغطى الاكتتاب عدة مرات! فلم تنقض سنة 1858 إلا ~~والشركة قد تأسست، وتعين لها مجلس إدارة، وبات وراء دي لسبس يعضده ضد كل من يقاوم ~~المشروع، خمسة وعشرون ألف مساهم، ورأس مال فرنساوي يزيد على مائة مليون من ~~الفرنكات، ويتحتم على الحكومة الفرنساوية أن تدافع عنه، مهما رغبت في الوقوف على ~~الحياد لعدم تعكير صفاء الجو السياسي بينها وبين إنجلترا. # وربما كان للفتنة - التي، على إثر رفض البرلمان البريطاني السؤال الذي وجهته إليه ~~تلك الزمرة المتنورة من أعضائه، قامت في جدة، من أعمال شبه الجزيرة العربية، وهاجم ~~فيها خمسة آلاف متحمس قنصلتي فرنسا وإنجلترا، وقتلوا رجالهما، وفتكوا بنسائهما، ~~وارتكبوا من الآثام والمنكرات ما يجل عن وصفه القلم # 17 ~~- دخل في إقدام الناس، لا سيما الفرنساويين على الاكتتاب في أسهم ~~المشروع. كأنهم أرادوا بذلك أن يؤكدوا، من جهة، مشاطرتهم الأمير (محمد سعيد باشا) ~~رأيه فيما قاله لدي لسبس، حينما بلغتهما أنباء تلك الفتنة، وهو: «إن ترعتنا ستتكفل ~~بجعل عودة جدة أو غيرها من بلاد شبه الجزيرة العربية إلى مثل هذه الفظائع، أمرا ~~متعذرا، لأنها ستجبر بلاد العرب بأسرها، ولو بالرغم منها، على أخذ نصيبها من ~~الحركة الغربية!» # 18 # وأن يحتجوا، من جهة أخرى، على وقوف الحكومة الإنجليزية ذلك الموقف ~~الشاذ، بعد أن أصدر العلم قراره النهائي، بإمكان عمل الترعة؛ وبات بلمرستن، رغم ~~محاولته إخفاء عواطفه الحقيقية، بتستره وراء مزاعم ms258 باطلة، لا يستطيع أن يمد الحجاب ~~على أنه إنما ظل يقاوم المشروع؛ لأن مصدره فرنساوي محض؛ وأنه هو يكره فرنسا، وكل ما ~~يزيد في عظمتها، لكونه من بقايا الحزب المتشبع بالسخط عليها، وبوجوب منافستها، دون ~~غيرها. # وفي 25 أبريل سنة 1859 ذهب المجلس المؤلف لإدارة الشركة، بزعامة رئيسه المسيو دي ~~لسبس وزمرة من المهندسين، إلى برزخ السويس، من جهة البحر الأبيض المتوسط، حيث قامت، ~~بعد ذلك، مدينة بورسعيد الجميلة، وحيث كان قد احتشد جمهور يربو على مائة وخمسين ما ~~بين نوتي وعامل، ونهض الرئيس بينهم، خطيبا، وبيده فأس، وقال: # باسم شركة قناة السويس البحرية الكونية، وبمقتضى قرارات مجلس إدارتها، ~~نضرب، الآن، أول ضربة فأس على هذه الأرض، لفتح مداخل الشرق إلى تجارة الغرب ~~ومدنيته؛ ونحن متحدون، هنا، في إخلاص واحد لمصالح مساهمي الشركة، ومصالح ~~الأمير النبيل (محمد سعيد) منشئها الكريم والمحسن إليها صنعا! # 19 # وأقبل ينكس بفأسه التراب في الأخدود المختط، لحفر الترعة فيه، واقتدى به جمهور ~~الحاضرين، ثم قامت الأعمال على قدم وساق، وأخذت تتقدم منذ ذلك الحين، بلا ملل ولا ~~كلل، وبدون انتظار ورود الفرمان السلطاني المؤذن بالتصديق على الامتياز ~~الممنوح. # فهاج ذلك سخط الحكومة الإنجليزية، فوطنت نفسها على تعطيل المشروع وإيقاف الأعمال، ~~مهما كلفها ذلك من المشاق، وأوعزت إلى السير بلور سفيرها بالأستانة - وكان قد خلف، ~~هناك، اللورد ستراتفرد دي رد كليف - بأن لا ينفك راكبا على أنفاس الحكومة ~~العثمانية، حتى يقضي منها الوطر المرغوب. # فقال السير بلور في نفسه: «إننا إذا نزعنا الأمير (محمد سعيد) من إمارة مصر، حبط ~~المشروع برمته من تلقاء ذاته، بسبب زوال مانح امتيازه!» # وانفتق ذهنه في الحال، إلى تدبير وسيلة للوصول إلى ذلك. # فاتفق مع الحكومة العثمانية على أن يقوم السلطان عبد المجيد لزيارة بيروت، ويدعو ~~الأمير (محمد سعيد) إلى مقابلته فيها، فلا يسعه إلا أن يجيب الطلب، فلما يلقي ~~بنفسه بين يدي الحكومة العثمانية، يقبص عليه، ويشهر تمرده، ويعلن خلعه، ويولى ~~غيره، ثم يطالب دي لسبس بالتوقف عن العمل، لبطلان ms259 الأساس القائم ذلك العمل عليه؛ ~~وأعني به حق الامتياز الممنوح من أمير عد من متبوعه متمردا، لإقدامه على منحه ~~إياه. # فوافقت الحكومة العثمانية على ذلك؛ وأرسلت بريطانيا العظمى عمارة بحرية إلى مياه ~~الإسكندرية لمساعدتها على تنفيذ المتفق عليه (23 يولية سنة 1859). # ولكن الانتصارات المتوالية التي أحرزتها الجيوش الفرنساوية المحاربة في إيطاليا ~~لتحرير هذا الإقليم من نير النمساويين، رفعت من شأن فرنسا، وزادت في هيبة نفوذها ~~إلى حد أن كلمتها أصبحت العليا في أوروبا، وأن لندن والأستانة لم تعودا تجسران على ~~تنفيذ الخطة التي رسمتها مخيلة السير بلور للتخلص من مشروع ترعة السويس، فأهمل ~~السلطان أمر سفره إلى بيروت - على أننا رأينا أن (محمد سعيد) قد زارها في تلك السنة ~~عينها - وأقلعت العمارة البريطانية من مياه الإسكندرية. # غير أن ذلك لم يقعد الحكومة الإنجليزية عن معاكسة القناة؛ وما زال السير بلور ~~بالباب العالي حتى حمله على إرسال مندوب يدعى مختار بك إلى الأمير (محمد سعيد باشا) ~~يحمل إليه الأمر السلطاني بإبطال الأعمال الجارية في البرزخ (أكتوبر سنة ~~1859). # فعقد الأمير في حيرته جمعية من قناصل الدول العامة المقيمين بالإسكندرية، وعرض ~~الأمر عليهم، فدهشوا كلهم ولم يحيروا جوابا؛ لأن دولهم بأجمعها - ما عدا إنجلترا - ~~كانت موافقة على المشروع، مستحسنة له. # وإذا بالمسيو ساباتييه، القنصل الفرنساوي العام، لحزازات نجمت بينه وبين رجال ~~المشروع عن كيفية تشكيل مجلس إدارة الشركة، قام وأعلن موافقته على مطالب الأستانة، ~~في وسط الاستغراب والبهت العامين. # فلم ير الأمير، حينذاك، بدا من الإذعان إلى الأمر، وأخذ يفكر في كيفية إعلان ~~صديقه دي لسبس به. # ولكن دي لسبس علم بما جرى في حينه، وهب لتلافي النكبة الموشكة أن تحل به، فرفع ~~الأمر، مباشرة، إلى الإمبراطور نابوليون الثالث، ووسط لديه الإمبراطورة أوچيني ~~قرينته - وكان بينها وبين صاحب مشروع الترعة، صلة رحم - وطلب التأثير على حكومة ~~الأستانة، تأثيرا يحملها على إلغاء الأوامر التي زودت مختار بك بها، وعزل ~~ساباتييه، أو نقله إلى قنصلية الإسكندرية، فأجابه الإمبراطور إلى طلباته كلها، ~~فتداخل لدى الباب العالي ms260 تداخلا فعالا، كان الصدر الأعظم علي باشا يبتغيه من صميم ~~فؤاده، ليتمكن من الاستناد عليه في مخالفته لرغائب السفير البريطاني، وإبطال ~~الأوامر التي حملها مختار بك إلى الإسكندرية، وعزل ساباتييه عزلا باتا. # فما زادت إنجلترا إلا عنادا وإصرارا على الفوز بمرامها، وأقبل قنصلها ~~بالإسكندرية يخوف الأمير (محمد سعيد) من عواقب اكتتابه بالنيف والمائة والخمسين ألف ~~سهم التي أخذها لحساب حكومته من أسهم الشركة الأربعمائة ألف. # ولكن (سعيدا) لم يبال، وما زال واقفا بجانب صديقه دي لسبس يعضده ويشجعه، حتى ~~وافاه الأجل المحتوم، وكان دي لسبس قد رأى بين يديه، ذات يوم، عصا جميلة أحضرها ~~(سعيد) من لندن، أثناء زيارته لها، فأهداه أخرى أجمل منها صنعا، لتقوم مقام تلك ~~العصا الإنجليزية، وتكون تذكارا منه لأميره العزيز، فاتفق (سعيد) معه على أنه إذا ~~دخل عليه ووجده قابضا على عصاه هذه، يخاطبه في شأن القناة بلا خوف ولا وجل، وأما ~~إذا دخل عليه ووجد في يده العصا الإنجليزية فليفهم حالا أن هناك عاذلا، وأن ~~الكلام في شأن القناة لا يناسب. # 20 # فلما آل زمام حكم القطر المصري إلى (إسماعيل)، أظهر لدي لسبس ارتياحه إلى القناة، ~~ورغبته في أن يتم ذلك العمل المجيد في عهده، ليتشرف ويفتخر به أمام الأجيال ~~المستقبلة، ووعده من تعضيده له، وقيامه بتعهدات سلفه، الخير كله، ولكن ذلك كان عقب ~~ارتقائه العرش مباشرة، في وقت لم يكن يدري فيه بالتمام ما هي تلك التعهدات - لأنه، ~~لا سيما منذ أصبح ولي العهد، كان يتحاشى التداخل في أي شأن من شئون الحكومة لم ~~يكلفه عمه به، منعا لإيجاد أسباب لوشاية دساس، يبغي من إبدائها قربا من (محمد ~~سعيد) وحظوة لديه. # فلما وقف على حقيقتها، امتعض امتعاضا لا مزيد عليه، لما وجده ناجما عنها من ~~مشاركة الشركة لحكومته في صولتها، وإدارتها، وماليتها؛ وود لو أمكنه تعديلها بحيث ~~يجرد الشركة من تلك المشاركة، بدون حرمانها من أي امتياز تجاري، أو مصلحي، يضمنه ~~امتيازها لها. # ثم لما تيقن أن القناة إنما تعمل بأيدي فلاحي مصر، ms261 وأن معظم النقود المنفقة ~~عليها، نقود مصرية، ريثما يتجمع رأس المال الأجنبي المكتتب به، ود في صميمه لو تنحت ~~الشركة عن المشروع له، وتركته يقوم وحده، بمجرد الوسائل التي يجدها من بلاده وفيها، ~~بذلك العمل الاجتماعي الجزيل الفائدة، فلا يعود فخر إنشائه وإتمامه إلا إليه، وتعود ~~معظم الفائدة الناجمة عنه إلى قطره المصري، فتجري القناة شرقيه پكتولا # 21 # جديدا، بينما النيل يجري في وسطه، معين حياة وخيرات أبدية؛ وقد عبر عن ~~شعوره هذا بقوله: «إني إنما أريد القناة لمصر، لا مصر للقناة!» # 22 # ولكنه، لمعرفته أخلاق دي لسبس معرفة كافية، كان متأكدا من أن الرجل لن ~~يتخلى عن نفاذ مشروعه بنفسه، مهما اضطره نفاذه إلى المناضلة والمقاتلة عنه، فحصر ~~فكره، إذا، في العمل على إزالة ما في الامتياز، الممنوح له، من جائر على حقوق ~~الحكومة المصرية السيادية، فإن أدى ذلك إلى تنحي الشركة عن المشروع، مقابل تعويض ~~موافق يمنح لها، كان خير ما يرام؛ وإلا، فإنه يكون قد فك عن ساعدي حكومته القيد ~~الخماسي الحلقات الذي غلهما به ذلك الامتياز؛ وأعني بها: # أولا: # ملزومية الحكومة المصرية بتقديم أربعة أخماس العمال الذين تحتاج ~~الشركة إليهم، ولو بلغ عددهم عشرين ألفا؛ بما يتبع ذلك من حق ~~للشركة في مطالبة الحكومة بتعويض في حال تقصيرها أو عجزها. # ثانيا: # ملكية الشركة لترعة الري والملاحة النيلية، التي كلفها الامتياز ~~الممنوح لها بعملها؛ وهي الترعة الواجب أن تأخذها من مياه النيل ~~عند مصر، لتذهب بها حتى بحيرة التمساح، حيث تنقسم إلى قسمين، ~~يذهبان محاذيين للترعة البحرية: (أحدهما) شمالا، نحو البحر ~~الأبيض، لغاية بورسعيد؛ و(الثاني) جنوبا، نحو البحر الأحمر، لغاية ~~السويس، وحق الشركة في ري الأطيان، الخاصة بالأفراد، المجاورة لها ~~من مياهها، مقابل جعل لها وحدها، دون غيرها أن تربط مقداره. # ثالثا: # ملكية الشركة ملكية مطلقة، بدون مقابل، وبدون دفع أموال أميرية، ~~لجميع الأطيان، غير المملوكة لأحد، التي قد تحتاج إليها في عملها ~~الترعتين: البحرية الملحة والنيلية العذبة؛ وملكيتها المطلقة أيضا ~~لجميع الأطيان التي قد ترويها وتفلحها، ms262 على شرط أن تدفع عنها ~~أموالا بعد مضي عشر سنوات من تاريخ الشروع في تأهيلها ~~للزراعة. # رابعا: # سلطة الشركة التامة على الترعة البحرية وضفتيها؛ وتصرفها، دون ~~غيرها، في توسيعها التوسيع الذي ترغبه، وفي إقامة المباني التي ~~تريدها؛ ومنع الحكومة المصرية من إقامة ما تريده من حصون على ~~ضفافها؛ والانفراد بالنظر في شئون العاملين في ورشها ومعاملها، ~~والمقيمين على البرزخ الجارية أعمالها فيه. # خامسا: # وأخيرا: اضطرار الحكومة المصرية إلى نزع ملكية الأطيان الخاصة ~~بالأفراد، التي قد تحتاج الشركة إليها، لنفاذ أعمالها، أو استغلال امتيازها. # 23 # فلما صح عزمه على هذا السعي، أقبل ينفذه، وهو لا يخشى في جهاده لومة لائم، لا ~~لأنه لم يكن يقدر نتيجته حق قدرها؛ كلا - فإنه لم يكن بالأمير الجاهل، مطموس ~~البصيرة، العاجز عن أن يرى أن مقاومته لشركة قناة السويس، قد تصبغها الأهواء ~~والأغراض بصبغة غير صبغتها الحقيقية؛ فترسمه أمام العالم المتمدين وأمام التاريخ في ~~صورة الظالم الغبي، الباذل جهده في القضاء على أعظم مشروع، بل أعظم عمل أبرزه القرن ~~التاسع عشر إلى الوجود، وأقدم على تنفيذه؛ وفي صورة الأحمق الباحث على إتلاف ما هو ~~حقيق باعتباره خير جوهرة في جواهر ملكه - ولكن، لاعتقاده أن واجبه، بصفته ولي أمر ~~الحكومة المصرية، المسئول عن استقلال البلاد، والاستقلال الداخلي النوعي الذي ضمنته ~~لها معاهدة لندن سنة 1840، والفرمانات السلطانية الصادرة مؤذنة بالتصديق على ~~قراراتها، يحتم عليه إزالة الحكومة التي أصبحت للشركة ضمن حكومته، فأقدم إذا على ~~ذلك، وهو مرتاح الوجدان مطمئن القلب، واثق من أن نياته الحقيقية، ومراميه الفعلية ~~لن تلبث أن تظهر للملأ: فيمتدحه قادحوه، ويفهمه نفس أصحاب المصالح المغايرة ~~لمصلحته. # فأول خطوة خطاها في هذا السبيل، الاتفاق الذي أبرمه، على يد نوبار بك مع الشركة ~~بتاريخ 18 مارس سنة 1863 - أي بعد ارتقائه العرش بشهرين - فإنه أحل بموجبه الحكومة ~~المصرية محل الشركة في القيام بوصل ترعة الماء العذب الذاهبة من الزقازيق إلى بحيرة ~~التمساح فإلى السويس جنوبا، وبورسعيد شرقا، بالنيل عند مصر؛ وذلك اجتنابا ~~للمنازعات المتوقع نجومها، ms263 حتما، عن نزع ملكية الأطيان الخاصة بالأفراد، واللازمة ~~لحفر مجرى الترعة من مصر إلى الزقازيق، واحتراما لمصالح الحكومة المصرية. # 24 # وثاني خطوة، الاتفاق المالي الذي عقده مع الشركة، على يد مندوبه عينه في 20 مارس ~~سنة 1863 - أي: بعد الاتفاق الأول بيومين - فإنه قرر بمقتضاه، المطلوب من حكومته، ~~حتى ذلك اليوم عن ال 177642 سهما التي اكتتب بها الأمير (محمد سعيد)؛ ورتب كيفية ~~دفعه؛ وحفظ لحكومته الحق في الاتفاق مع الشركة على كيفية دفع الخمسين الباقيين من ~~ثمن كل سهم، حينما تطالب الشركة مساهميها بهما. # 25 # ثم دخل في المعمعة بصراحة؛ وأخذ يضرب على القيد الخماسي الحلقات، بقوة وحكمة ~~ممتزجتين معا، امتزاجا لطيفا؛ لا سيما وأنه كان قد اتفق على العمل مقدما مع ~~الحكومة العثمانية، ووضع كلاهما خطة السير الواجب اتباعها. # فارتكن على إعلانه رغبته في إبطال السخرة، وعلى أن السخرة في حد ذاتها أمر كريه، ~~من الوجهة الإنسانية، تأباه روح الإنصاف وتنفر روح العدالة منه، ليطلب إلى الشركة ~~تنازلها عن حقها في مطالبة الحكومة المصرية بالعمال الذين هي في حاجة إليهم؛ لأنها ~~تشغلهم سخرة، ولو أنها تدفع لهم في الحقيقة أجرة انتقالهم من قراهم إلى البرزخ ومنه ~~إليها إيابا، مهما بعدت شقتها عنه؛ وتدفع لهم أجورا يومية على نسبة أعلى مما يدفع ~~من نوعها لأمثالهم في البلاد؛ وإنها تقدم لهم فوق ذلك المأكل والمأوى؛ وتقوم بشئون ~~علاجهم في حال مرضهم، مع احتساب أجرتهم لهم مدة معينة، بالرغم من انقطاعهم عن ~~العمل، وهم يعالجون في المستشفيات التي تعهدت بإنشائها لهم. # وارتكن على أن احتياج الشركة، بسبب الأعمال الجارية في البرزخ، إلى ترعة تذهب ~~بمياه النيل العذبة إلى أماكن العمل المتعددة، وإلى مدينة بورسعيد التي أنشأتها ~~حديثا، من جهة؛ ومدينة السويس، من جهة أخرى؛ وتكون صالحة للملاحة النيلية معا، إن ~~برر مطالبة الشركة للحكومة المصرية بتمكينها إلى الأبد من الانتفاع والاستفادة من ~~تلك الترعة، ومطالبتها بالتعهد لها بالمحافظة عليها وعلى منسوبها، مهما تنوعت طوارئ ~~الحدثان، لا يبرر تملك الشركة لها تملكا ms264 مطلقا؛ لأن الترع التي على شاكلتها، ~~بصفتها منفعة من المنافع العمومية، لمن الأشياء التي لا يجوز تملكها للأفراد، ولو ~~كان بعضهم لبعض ظهيرا، وأسسوا وحدة دعوها «شركة» ولأن تملكها حق من حقوق الحكومة ~~في جميع الأقطار، لا يشاركها أحد فيه. # وارتكن على أن الخرائط والتصميمات المنصوص عنها في المادة الثامنة من فرمان ~~الامتياز المؤرخ 30 نوفمبر سنة 1854، والمادة الحادية عشرة من فرمان الامتياز ~~الثاني المؤرخ 5 يناير سنة 1856 - وهي المطلوبة لبيان وتحديد مساحة الأطيان اللازمة ~~لتمكين الشركة من القيام بنفاذ مشروعها، وعمل الترعتين البحرية والنيلية - لم تصنع ~~حتى ذلك العهد، لمطالبة الشركة بحصر مزاعمها التملكية للأطيان غير المملوكة لأحد، ~~ضمن حدود الاعتدال والمعقول، والاتفاق مع الحكومة المصرية على حقيقة المساحة ~~اللازمة لها في الصحيح، لتتمكن من ضمان نجاح مشروعها؛ والتخلي عما عداها من الأطيان ~~الأخرى التي وضعت يدها عليها، استنادا على المادة الرابعة من الفرمان الأول، ~~والمادة العاشرة من الفرمان الثاني. # وارتكن على أن قوانين الدولة العلية لا تبيح التنازل لأجنبي عن ملكية أرض في ~~دائرة ولاياتها، إلا بفرمان خاص يصدر من لدن الحضرة الشاهانية، وعلى أن مصر إنما هي ~~ولاية - وإن كانت ممتازة ومتمتعة باستقلال داخلي - من ولايات الدولة العثمانية؛ وأن ~~قوانين الدولة التملكية تنطبق إذا عليها بلا مراء ولا جدال، ليطالب الشركة بالتخلي ~~عن جميع الأطيان غير المملوكة لأحد التي آلت إليها ملكيتها بموجب نصوص الفرمانين، ~~لقيامها بريها وفلاحتها؛ وبتحرير الحكومة المصرية بالتالي، من حلقة القيد الخامسة ~~والأخيرة الناجمة لها عن نص المادة الثانية عشرة من الفرمان الثاني. # وارتكن على منطوق آخر فقرة في المادة الرابعة من الفرمان الأول، وعلى حقوق الدولة ~~السيادية المعترف بها في كل صقع، لمطالبة الشركة بالخضوع لحق الحكومة المصرية، في ~~تحديد اتساع الترعة، وإقامة ما تشاء على ضفافها من استحكامات حربية وحصون، وفي ~~سيطرتها، دون سواها، على عموم رعاياها المنتشرين في البرزخ والعاملين في معامل ~~الشركة وورشها. # وبعد أن اغتنم فرصة وجود السلطان عبد العزيز ووزيره فؤاد باشا بمصر، واستوثق من ~~بقائهما ms265 على العهد الذي اتفق عليه معهما، أثناء إقامته بالأستانة، عهد إلى وزيره ~~نوبار - وكان السلطان عبد العزيز قد أنعم عليه برتبة الباشوية الرفيعة - في مهمة ~~الاتفاق مع دي لسبس على إزالة ذلك القيد الخماسي الحلقات بالتي هي أحسن. # فشرع ذلك السياسي الحاذق يتخابر مع «الفرنساوي العظيم» - كما دعى «جمبتا» دي لسبس ~~- عساه أن يصل إلى إقناعه بقبول طلبات (إسماعيل). # ولكنه لم يفلح؛ لأن الأمير إنما كان يريد أن يدرك أغراضه بدون دفع أي تعويض؛ ~~لزعمه أن الشركة، بإقدامها على الأعمال، قبل نيلها مصادقة السلطان العثماني على ~~الامتياز الممنوح لها، مع ذكر وجوب حصولها عليه في نص ذلك الامتياز، قد ارتكبت خطأ ~~اختياريا، عليها أن تتحمل، دون غيرها، عواقبه؛ وإنها والحالة هذه، غير محقة في ~~مطالبة الغير - والحكومة المصرية أقل من سواها - بأي تعويض عن الأضرار التي قد تنجم ~~عن تجاوز وقعت في شره، ودي لسبس، من جهته، إذا وجد من نفسه ميلا إلى التسليم ببعض ~~مزاعم الأمير، وطلباته، حتى بدون تعويض، كالطلب الأخير، مثلا، لم يكن يستطيع أن ~~يسلم بها كلها، ولا سيما بما كان منها مختصا بالعمال والأطيان، إلا مقابل تعويضات ~~كبيرة تمكنه من نجاز مشروعه؛ إلا إذا كان مستعدا - ولم يكنه - إلى اطراح العمل ~~بأسره جانبا، والتخلي عنه. # فلما لم تجد المخابرات بمصر نفعا، أمر (إسماعيل) نوبار بالرحيل إلى الأستانة، ~~والسعي لدى أولي الأمر، هناك، في إتمام المتفق عليه بينه وبينهم والاستعانة، على ~~إنجاز مهمته، بما لم يزل قائما من عداء للمشروع في نفس الدولة البريطانية وسفيرها ~~في تلك العاصمة، ولم يبال بأن يقال عنه إنه آلة في أيدي اللورد بلمرستن والحكومة ~~الإنجليزية؛ وأن ينسب إليه ممالأتهما على هواهما ممالأة مبنية على الاعتقاد بأن ~~بريطانيا العظمى، بعد حوادث سنة 1840 وسنة 1854 وسنة 1855 وسنة 1856؛ وبعد إجبارها ~~فرنسا، بالرغم من انتصاراتها الإيطالية في سنة 1859، على الجلاء عن سورية بعد سنة ~~1860، أصبحت صاحبة القدح المعلى في ميادين السياسة العالمية، وصاحبة النفوذ الأكبر ~~في القسطنطينية، وأصبح استجلاب رضاها، إذا، للاعتماد ms266 عليها، فيما بعد، لتحقيق ~~المطامع الشخصية، أمرا مرغوبا فيه. # ولكي لا يكون هناك شك في أنه إنما يحارب ما هو متجاوز حد الاعتدال في الامتياز ~~الممنوح للشركة، لا مشروع القناة نفسه، أمر نوبار بأن يحصر مهمته في طلب ونيل ~~الأغراض الآتية من حكومة الأستانة وهي: # أولا: # إعادة الأطيان المعطاة للشركة من (سعيد) سلفه إلى الحكومة ~~المصرية. # ثانيا: # منع إقامة حصون واستحكامات حربية على شاطئ القناة مطلقا، وحفظ ~~شكله التجاري المحض الذي أنشئ من أجله. # ثالثا: # إلغاء الشرط الموجب على الحكومة المصرية تقديم العمال من قبلها ~~إلى الشركة، فإن لم يمكن، فتخفيض عددهم من عشرين ألفا إلى ستة ~~آلاف؛ ورفع أجورهم، مع إعفائهم من الخضوع لسيطرة الشركة لكي ~~يستمروا خاضعين لحكومتهم المصرية فقط. # 26 # فسافر نوبار إلى الأستانة في شهر يوليو سنة 1863، ونجح في مهمته النجاح المنتظر، ~~فاستصدر من الباب العالي أمرا إلى (إسماعيل) يحتم عليه عرض المطالب الثلاثة ~~المبينة أعلاه على رئيس الشركة، وأعضاء مجلس إدارتها، فإن قبلوها في ظرف ستة أشهر، ~~فبها؛ وإلا فتوقف الأشغال بالقوة الجبرية. # ثم رحل إلى باريس، لعلمه أن الأمر سيرفع حتما إليها؛ وأنه يجدر به إذا أن يمهد ~~الطريق هناك على الأخص لنجاح مطالب سيده. # فأبلغ (إسماعيل) في 12 أكتوبر سنة 1863 أمر الباب العالي إلى المسيو دي لسبس ~~ومجلس إدارة الشركة؛ فامتعضا له، أيما امتعاض، وحررا في 29 من الشهر عينه إلى ~~الإمبراطور نابليون الثالث كتابا حاد الشعور، طلبا فيه عنايته بالأمر. # ولتقدير دي لسبس الخطر حق قدره، وتيقنه من أن المكاتبات لا تجدي ما يجدي الكلام ~~والعمل، سافر بنفسه إلى باريس، ليناضل خصمه، هناك، في ذات الميدان الذي اختاره ~~للنضال. # فدارت بينه وبين نوبار أدوار مبارزة كلامية وصحفية سياسية، استلفتت إليها أنظار ~~العالم المتمدين كله، وأثارت شجونا، وانفعالات متعددة مختلفة. # وكان نوبار قد اكتسب ثقة الدوق دي مرني، صنو نابوليون الثالث، واستوثق من تعضيده ~~الفعال، فاعتقد أن الفوز بات، حتما، حليفه، لما كان لذلك الدوق القدير من التأثير ~~على روح الإمبراطور، والنفوذ ms267 لديه، ولكن دي لسبس، من جهته، كان مستوثقا من انعطاف ~~الإمبراطورة قريبته، على المشروع، ومن تعضيدها له، تعضيدا لا يبالي بالعقبات ~~والصعوبات، ولو أنه خفي فطلب إليها أن تحمل الإمبراطور على رفض تداخل دي مرني في ~~الأمر، وأن يعهد النظر فيه إلى المسيو دي لويس وزير الخارجية الفرنساوية، وأفلح في ~~طلبه. # غير أن النقود اشتغلت، من وراء الستار، وبذلت عن سعة، فقامت الجرائد المعادية ~~للمشروع في إنجلترا تطعن طعنها المر المعتاد عليه، وتسفه أحلام القائمين به، ~~وترميهم بالمثالب والمطامع الشخصية، والعمل على تحقيقها دون سواها، وتنادي بالويل ~~والثبور على استخدام السخرة في سبيل إنشاء تلك الترعة، معلنة منافاة ذلك لمبادئ ~~الإنسانية والمدنية الأوروبية، وانضمت إليها في حملاتها بعض الجرائد الفرنساوية ~~عينها، لا بل بعض كبار الكتاب والمفكرين، ومنهم پارادول؛ فإنه سئل من بعضهم، عند ~~عودته من القطر المصري: «هل ذهبت لمشاهدة أعمال ترعة السويس؟» فأجاب بتميز: «لم ~~أذهب، ولو ذهبت لجعلتها خرابا!» # 27 # غير أن جرائد أخرى، في عموم الدول الأوروبية، قامت تدافع عن المشروع وتحبذه، ~~وتدافع عن حقوق الشركة وتعضدها، وأثار دي لسبس الرأي العام الفرنساوي وهيج عواطفه ~~الوطنية بأن صور له المشروع فرنساويا محضا، وأفهمه بأنه إنما يضطهد ويقاوم ~~لفرنساويته؛ وأن الشرف الفرنساوي أصبح، إذا، متعلقا بنفاذه، وبلغ من دفاعه عن حسن ~~سمعة مشروعه، أنه قدم نوبار باشا نوبار، بصفته الشخصية، لا بصفته مندوب (إسماعيل) ~~إلى محكمة جنح السين، متهما إياه بنشر كتابات ومستندات مزورة ثلابة، من شأنها ~~إحباط ثقة مساهمي الشركة بمشروعها، وهتك ناموس القائمين به. # 28 # فدفع محامو نوبار التهمة بإبراز كتاب مرسل من الدوق دي مرني إلى موكلهم، يبرر ~~عمله ويعده بتعضيد الإمبراطور، فأعلم دي لسبس الإمبراطورة أوچيني بالواقع، وتشدد في ~~طلب إبعاد دي مرني عن الأمر؛ ولم يحجم عن استنهاض همم مواطنيه، لا سيما كبارهم، ~~لحملهم على الوقوف بجانبه وقوفا يرغم ويقهر الخصوم، ويخيب مساعيهم. # فأقام مريدوه وليمة له بباريس في 11 فبراير سنة 1864، تحت رياسة البرنس چيروم ~~نابوليون، وبحضور نيف وألف وستمائة مدعو، ms268 ألقيت فيها الخطب الرنانة، مطالبة بإزالة ~~كل عقبة من طريق إنشاء تلك الترعة، وأهمها خطبة رئيس الحفلة نفسه، وخطبة المسيو دي ~~لسبس، وخطبة المسو ديپين، من كبار رجال الشرع والقضاء بفرنسا. # 29 # أما الرئيس فإنه، بعد أن أحرق بخور الثناء والمدح (لإسماعيل)، واعترف بأنه إنما ~~يقاوم دي لسبس وشركته، لا لرغبة منه في تعطيل مشروع القناة، ولكن لرغبته في أن ~~يقوم، هو نفسه، بإنجاز ذلك العمل الخطير، أنكر عليه مقدرته على القيام بذلك، ~~واستشهد على صحة قوله بزعم زعمه له موچيل بك، مؤداه أن مصر، بعد أن صرفت نيفا ~~وعشرين مليونا من الفرنكات على إنشاء القناطر الخيرية، حرمت نفسها الاستفادة منها، ~~لضنها بمليون وخمسمائة ألف فرنك أخرى، ثمن الأبواب التي كانت تلك القناطر في احتياج ~~إليها، فتركتها، إذا، تئول إلى الخراب لقعود همتها عن إنفاق ذلك المبلغ اليسير ~~الباقي، المطلوب لتمام عملها؛ وشبه الشرقيين على العموم، في مشاريعهم وأعمالهم ~~«برجل يفقد بنطلونه، لإهماله خياطة زر ينقصه!» وختم خطبته بنصيحة أسداها للشركة بأن ~~تطرق باب التصالح مع الحكومة المصرية على مبدأ منع السخرة، ورد الأطيان مقابل عوض ~~معقول. # وأما المسيو دي لسبس، فبعد أن شرح أغراض الشركة ومراميها، ونتيجة ما وصلت إليه في ~~أعمالها، ومقدار الخير الذي أسدته إلى الصحراء الواقعة بين الزقازيق والسويس، ~~بحفرها الترعة التي أوصلت مياه النيل الحلوة إليها، فأحيتها؛ ومقدار ما يجب أن ~~ينتظر من نجاحها، بعد تمكنها من جلب مياه البحر الأبيض المتوسط إلى بحيرة التمساح - ~~لأن هذا هو العمل الذي قعدت دون إتمامه همة السلف؛ وأما إيصال القلزم بتلك البحيرة ~~عينها، فقد قام الأقدمون به، ونفذته أيضا الأعصر الوسطى - قال: إن الشركة لا ترفض ~~الاتفاق مع الحكومة المصرية، ولكن على شروط تلائم مبادئ الحق والإنصاف، وتراعي ما ~~وصل إليه المشروع، والتعهدات التي في حيازته؛ فلا تقف في سبيل نجاحه. # وأما المسيو ديپين، فإنه، بعد أن أقر مشروعية أعمال الشركة، ولو أنه لم يصدر، إلى ~~ذلك الحين، فرمان سلطاني يؤيد الامتياز الممنوح لها، أبدى أمله بأن ms269 تزول كل عقبة، ~~سريعا، من سبيل المشروع وتحقيقه، فتتحول ترعة السويس من «ترعة عواصف» إلى «ترعة ~~رجاء صالح» مشيرا إلى ما أجاب به ملك البرتغال (عمانوئيل السعيد) أمير سفنه ~~الجسور، برثلماؤس دياز، فإن هذا البحري المقدام، لما روى لذلك الملك السعيد الطالع ~~حوادث رحلته حول شاطئ إفريقيا الغربي من شماله إلى جنوبه، ووصوله، في محاولته بلوغ ~~بحار الهند، إلى أقصى رءوس تلك القارة، جنوبا، واصطدامه هناك بزوابع وعواصف وأنواء ~~حالت دون تقدمه، بما أفزعت من قلوب بحارته ومخيلاتهم، وما أسقطت من هممهم، قال ~~لملكه: «إني قد رأيت، إذا، أن أسمي ذلك الرأس «رأس العواصف»!» فقال الملك: «كلا، ~~بل ندعوه «رأس الرجاء الصالح» تيمنا بالخير في المستقبل! وإلا ثبطنا الهمم، وعقنا ~~الإقدام!» # فكان لتلك الوليمة، والخطب التي ألقيت فيها، وقع في قلوب الأمة الفرنساوية، وفي ~~العالم المفكر برمته، دوى صداه مدة مديدة. # فرأى (إسماعيل) أن الرأي العام المتمدين قد يخدع، فيضلل به؛ فيحول ذلك دون بلوغه ~~مطالبه الحقة، فكاتب نابوليون الثالث رأسا، واختاره حكما بينه وبين الشركة؛ وقبل ~~دي لسبس والشركة التحكيم بسرور فائق. # فأمر نابوليون بتشكيل لجنة من رجال ذوي نزاهة مشهورة تحت رياسة وزير خارجيته ~~المسيو دي لويس، للبحث في الأمر من جميع وجوهه، ودرسه درسا دقيقا. # فوالت اللجنة المذاكرة والدرس ثلاثة أشهر متوالية؛ ثم رفعت إلى الإمبراطور نتيجة ~~ما وصلت إليه مباحثها. # فأصدر الإمبراطور حكمه في 6 يولية سنة 1864، وقرر ما يأتي: # أولا: # إعادة ستة آلاف فدان من الأطيان الممنوحة للشركة، إلى الحكومة ~~المصرية، بتخفيض مقدار الأرض التي كانت للشركة على جانبي الترعة من ~~كيلومتر إلى ستين مترا. # ثانيا: # إعادة جميع الأطيان التي باشرت الشركة فلاحتها وزرعها وقدرها 63 ~~ألف هكتار، إلى الحكومة، على أن لا تبقي لنفسها منها سوى ثلاثة ~~آلاف هكتار. # ثالثا: # تخلي الشركة للحكومة المصرية عن كل حق في مد الترعة ذات الماء ~~العذب من مصر إلى السويس وبورسعيد، وإلزام الحكومة المصرية بمدها - ~~وهي الترعة المعروفة الآن «بالإسماعلية» - مع حفظ حق الشركة في ~~الانتفاع بها. ms270 # رابعا: # إبطال حق الشركة في مطالبة الحكومة المصرية بالعمال إلا على سبيل ~~العارية المأجورة. # خامسا: # إلزام الحكومة المصرية، مقابل ذلك جميعه، وعلى سبيل التعويض، ~~بدفع مبلغ 84 مليونا من الفرنكات. # 30 # ففاز (إسماعيل) بالغرض الذي رمى إليه، ولم يستكثر في سبيل فوزه، المبالغ الجمة ~~التي أنفقها في تمهيد الطريق، بين الأستانة وأوروبا؛ ولا المبلغ الجسيم الذي ألزمه ~~بدفعه الحكم الصادر من نابوليون الثالث. # ولكي يثبت للملأ أنه، في نزاعة مع شركة القناة، إنما سعى إلى تحرير بلاده من قيد ~~كانت مغلولة به، لا إلى الإضرار بالمشروع العظيم، أبرم مع الشركة في 30 يناير سنة ~~1866 اتفاقا حفظ بمقتضاه للحكومة المصرية الحق: (أولا) في إقامة كل التحصينات ~~والاستحكامات الحربية التي تراها لازمة لحماية القطر، على الأراضي المعتبرة حرما ~~للقناة البحرية، على شرط ألا تنجم عنها عوائق للملاحة؛ و(ثانيا) في إشغال ما تراه ~~من تلك الأراضي بتشييدات تنشئها لمصالحها كالبريد والجمرك والثكنات العسكرية ~~وخلافها، على شرط أن لا تكون عقبة في سبيل استغلال الشركة امتيازها؛ وأن تدفع ~~الحكومة لها ثمن الأراضي التي تشغلها؛ كما أنه حفظ للأفراد الراغبين في الإقامة على ~~شواطئ الترعة البحرية، أو في المدن المقامة على طول مسيرها، الحق في حيازة ما يرونه ~~من الأراضي اللازمة لتشييداتهم، على شرط أن لا تزيد على فدان فرنساوي (أكر)، وأن ~~يخضعوا لقوانين البلاد وعاداتها، ويدفعوا الضرائب، أسوة بباقي سكانها، وأن لا ~~يقيموا منازلهم حيث يعوقون الملاحة، ويدفعوا للشركة ثمن الأرض التي يرغبون ~~فيها. # وتنازلت الشركة للحكومة المصرية، بموجب هذا الاتفاق، عن جميع المباني المقامة ~~منها لمصالحها على ضفاف ترعة الماء العذب، من الزقازيق إلى السويس، بثمنها الأصلي، ~~على أن تؤجرها الحكومة لها بواقع 5٪ سنويا من رأس المال المسدد إليها؛ وبما أنها ~~كانت قد اشترت من تركة إلهامي باشا، تفتيش الوادي كله، وكان يهم الحكومة المصرية ~~استرداده، ضمن الأطيان الأخرى التي قضى حكم نابوليون بإعادتها إليها، فقد باعته ~~الشركة لها بمبانيه ومشتملاته، بموجب الاتفاق ذاته، بمبلغ عشرة ملايين من ~~الفرنكات. # واتفق الفريقان على ms271 أن يكون دفع جميع المبالغ التي أصبحت الحكومة المصرية مدينة ~~بها للشركة، على أقساط شهرية متساوية، تبدأ في أول يولية سنة 1866، وتنتهي في أول ~~ديسمبر سنة 1867.‏ # 31 # ثم أبرم في 22 فبراير سنة 1866 اتفاق آخر مع الشركة لخص فيه فرمانا (سعيد) وكل ما ~~تلاهما من اتفاقيات بين (إسماعيل) والشركة، وما حكم به نابوليون، وما ذكر في اتفاق ~~30 يناير السابق، ليأخذ الكل شكلا نهائيا تصادق عليه حكومة الأستانة، كطلبها، ~~فحفظ (إسماعيل) فيه لحكومته الحق في أن يشرف البوليس المصري على عموم الترعة ~~البحرية، وتوابعها وملحقاتها، ليقر الأمن، ويقيم حدود الشرائع والقوانين فيها، كما ~~أنه حفظ حق مرور المواصلات، والتجارة، والناس جميعا، بدون دفع أي رسم كان، في ~~النقط التي تختارها حكومته على ضفاف الترعة؛ ولاعتبار الشركة مصرية، ولو أنها مؤلفة ~~من عناصر دولية، اتفق معها على أن يكون الفصل في المنازعات الناشئة بين أفرادها، ~~والخاصة بتكوينها، فقط من اختصاص المحاكم الفرنساوية، والفصل، فيما عدا ذلك من ~~المنازعات، من اختصاص المحاكم المحلية دون غيرها. # 32 # وكان الباب العالي قد ماطل جدا، بتأثير الدوائر الرسمية البريطانية الخفي في ~~الأستانة، في منح التصديق المطلوب على فرماني (سعيد)، بالرغم من إنذار أرسله إليه ~~الإمبراطور نابوليون الثالث، بناء على إلحاح دي لسبس، ولكنه اتفق أن فؤادا باشا، ~~الصدر الأعظم، كان يتعالج في جنوب فرنسا، لما حلت ركاب الإمبراطور بمرسيليا، في ~~ذهابه إلى الجزائر، متفقدا، فهب فؤاد إلى مقابلته ولكن الإمبراطور أعرض عنه، ولم ~~يلتفت إليه، ولا رد له سلامه، فاضطرب لذلك الصدر الأعظم، واستفهم عن السبب، فرد ~~عليه بكلمة واحدة: «فرمان»، فما انقضى أسبوع واحد إلا وصدر، في 2 ذي الحجة سنة ~~1282 / 19 مارس سنة 1866، فرمان التصديق على اتفاقية 22 فبراير سنة 1866 السابق ~~ذكره، وقد قال دي لسبس في هذا الصدد: «لقد صدق المثل العربي القائل: «أوقية خوف ~~أفيد من قنطار صداقة!» # 33 # وفي 23 أبريل سنة 1869 أبرم (إسماعيل) آخر اتفاقاته في سبيل استعادة آخر حقوق ~~دولته السيادية الباقية في يد ms272 الشركة، فنزع بمقتضاها منها، مقابل مبلغ عشرون مليون ~~فرنك، حق إعفاء مستورداتها من الخارج من الضرائب الجمركية؛ وألزمها بأن تدفع، على ~~مراكبها وسفنها المأخرة في مياه ترعة الإسماعيلية، الرسوم التي تدفعها المراكب ~~والسفن المصرية؛ وأن تخضع للوائح المسنونة؛ وأن تتنازل للحكومة المصرية عن القيام ~~بخدمة البريد والتلغراف، لها وللجمهور، غير حافظة لنفسها إلا تلغرافا خاصا ~~بخدمتها الداخلية؛ وأن تتخلى للحكومة عينها عن رسوم الصيد في الترعة والبحيرات؛ ~~وتشركها، بواقع النصف، في الانتفاع بأثمان الأراضي التي تبيعها الشركة من الأطيان ~~التابعة لها، والخاصة بها، طبقا لنصوص المعاهدات السابقة؛ وأن تتنازل لها، مقابل ~~عشرة ملايين أخرى من الفرنكات، عن كل المستشفيات المقامة على البرزخ بمشتملاتها، ~~وجميع المنازل والمباني المملوكة لها، في رأس الهيش، والقنطرة، وبحيرة البلح، ~~وفردان، والجسر، والورشة نمرة 6 وجبل مريم، وطوش، والسرابئوم، وجنيفا، وشالوف، ~~والكيلومتر نمرة 14 من سهل السويس؛ وعن محاجر المكس ومينائه، ومشتملات الاستغلال ~~فيه؛ وعن مخازنها ومحلاتها في بولاق ودمياط، خالية من كل نزاع ومحظور! وتنازلت ~~الحكومة للشركة عن قطعيات (كوبونات) أسهمها، البالغ عددها 176604، ابتداء من أول ~~يناير سنة 1870 إلى أن تستوفي الشركة منها مبلغ الثلاثين مليونا من الفرنكات التي ~~أصبحت الحكومة مدينة به لها بموجب هذه الاتفاقية. # بهذه الكيفية، وهذه الوسائل، وببذله جميع هذه الأموال، تمكن (إسماعيل) من كسر ~~القيد الخماسي الحلقات الذي غل به فرمانا الامتياز الممنوح من سلفه إلى فردينان دي ~~لسبس وشركة قناة السويس ساعدي حكومته، وسلباها جانبا عظيما من سلطتها ~~واستقلالها. # فلما تم له ما سعى إليه، أقبل، وهو منشرح الصدر، على مساعدة الشركة المساعدة ~~الكلية، حتى مكنها من إنجاز عملها، وإبرازه إلى العالم يختال في حلله البهية، وأخذ ~~على نفسه القيام بافتتاح الترعة افتتاحا يخلد ذكره في بطون السطور، وصدور الأجيال؛ ~~ويؤكد للملأ أن (إسماعيل) كان أكبر الناس تقديرا لجلالة العمل الذي تمجد به ملكه، ~~وسيأتي بيان ذلك الافتتاح في حينه. # الفصل الثاني # | إزالة القيد الثاني1 # قيد السيادة العثمانية، بما يتبعها من تضييقات مذلة، وإلزامات مصغرة، ~~وتوريث بالأرشدية إلخ. ms273 ~~*** # أعذب الألفاظ قولي لك: خذ # وأمر اللفظ نطقي: بلعل # ابن الوردي # إن تداخل النمسا والروسيا وبروسيا، بزعامة إنجلترا، وبموجب اتفاقية لندن المؤرخة ~~16 يولية سنة 1840، بين السلطان العثماني و(محمد علي) الكبير، لوضع حد للحرب ~~القائمة بينهما، وحفظ كيان الدولة العلية، الذي أصبحت الجيوش المصرية تهدده، لا ~~سيما بعد انتصار (إبراهيم) الهمام على الأتراك في وقعة نزيب (24 يونية سنة 1839)، ~~أدى إلى استصدار تلك الدول فرمانين وجها من السلطان عبد المجيد إلى (محمد علي) ~~بتاريخ 13 فبراير 1841 / 21 ذي القعدة سنة 1256 كانا بمثابة قاعدة بني عليها كيان ~~مصر السياسي والإداري معا. # فبالفرمان الأول منهما، ألغى السلطان، بناء على إيعاز الدول المذكورة، الأمر الذي ~~كان قد خلع بموجبه (محمد علي) من كرسي ولاية مصر - لاعتباره إياه عاصيا ~~ومتمردا - وأعاده إليه، مبينا في خريطة أرسلها له، في الوقت نفسه، حدود تلك ~~الولاية؛ ومنحه بطلب الدول عينها، حق توريث أعقابه ذلك الكرسي، على الشروط الآتية: # أولا: # أن يختار السلطان العثماني من أولاد (محمد علي) الذكور، أو أولاد ~~أولادهم الذكور، من يشاء ليخلف على السدة المصرية الوالي ~~المتوفى، فإذا لم يوجد، بين الأولاد والحفدة، خلف ذكر، فيختار ~~الباب العالي من يشاء للولاية، بدون أن يكون لأولاد الإناث حق ~~فيها، إلا إذا شاء السلطان اختيار أحدهم؛ على أن لا يتبع حق ~~التوريث الاختيار. # ثانيا: # أن يكون الوالي، المختار من بين أولاد (محمد علي) أو أولاد ~~أولاده، ملزما بالذهاب إلى الأستانة، والمثول بين يدي السلطان، ~~ليقلد زمام ولايته تقليدا شخصيا رسميا. # ثالثا: # أن يشبه ولاة مصر، بالرغم من حق الوراثة الممنوح له، بباقي وزراء ~~الدولة، في المنصب والتقدم على الأنداد في الرسميات، والتصدر، على ~~قاعدة الأقدمية؛ وأن يوصفوا، وينعتوا في المكاتبات والمخاطبات ~~الرسمية، بما يوصف وينعت به أولئك الوزراء . # رابعا: # أن يكون مفعول جميع المعاهدات المبرمة بين السلطنة العثمانية ~~والدول، ومنطوق كل خط شريف، وخط همايوني يصدر من لدن السلطان، ~~للتقنين والتشريع، ساريا في الولاية المصرية، ومنفذا فيها تنفيذه ~~في عموم أنحاء الممالك الشاهانية. # خامسا: ms274 # أن تكون جباية الضرائب والأموال والرسوم الجمركية وغيرها، برمتها ~~وعلى أنواعها، باسم سلطان تركيا، وطبقا للأصول المتبعة في الدول ~~صاحبة السيادة. # سادسا: # أن يرسل ربع الإيرادات المصرية كلها إلى خزينة الباب العالي، ~~سنويا، على سبيل الجزية؛ وتصرف الثلاثة الأرباع الباقية في شئون ~~الإدارة الداخلية، وفيما تستلزمه احتياجات بيت الوالي؛ وأن تكون ~~طريقة توريد الجزية التي سيتفق عليها في سنة 1257، معتمدة لمدة خمس ~~سنوات؛ ثم تكيف وتعدل طبقا للظروف ومقتضيات الأيام؛ وأن يكون ~~الوالي ملزما بتعريف الباب العالي بمقدار إيرادات القطر بالضبط، ~~وبيانها له، بيانا وافيا، اجتنابا للتلاعب في مقدار ~~الجزية. # سابعا: # أن تكون السكة باسم السلطان العثماني، وأن لا تختلف في شيء أساسي ~~عن مثيلتها المضروبة في الأستانة العلية. # ثامنا: # أن لا يزيد عدد الجيش المصري في أيام السلم على 18 ألف جندي؛ ~~وأما في زمن الحرب، فللباب العالي أن يبلغه إلى ما يرتأى، وأن ~~يكون تكوينه ونظامه مطابقين لتكوين الجيش العثماني ونظامه: فتجعل ~~مدة الخدمة العسكرية خمس سنوات؛ ويؤخذ من مقترعي السنتين الباقيتين ~~عشرون ألفا، يقيم ثمانية عشر ألفا منهم بالقطر المصري، ويرسل ~~الألفان الباقيان إلى الأستانة؛ ثم يسرح خمس العدد كل سنة، ويقترع، ~~بدله، أربعة آلاف جندي جديدون، يبقى منهم في القطر 3600، ويرسل ~~أربعمائة إلى الأستانة. # تاسعا: # أن يكون شكل ملابس الجنود المصرية، برية كانت أم بحرية، وشكل ~~راياتها ونياشينها، كملابس الجنود العثمانية البرية والبحرية، ~~وكشكل راياتها ونياشينها، لا تمييز بين الجندين إلا فيما يختص بنوع ~~الأقمشة، فإنه يصرح للحكومة المصرية بأن تختار منها ما يلائم طقس ~~البلاد ومناخها. # عاشرا: # أن لا تبني مصر سفنا حربية مطلقا، إلا بتصريح من الباب العالي، ~~يعطى لها كتابة. # حادي عشر: # أن يقتصر حق الوالي، في تعيين ضباطه البريين والبحريين وترقيتهم، ~~على الدرجات الصغرى لغاية درجة الصاغ قول أغاسي، فإذا أراد رفع ~~ضابط إلى درجة أعلى من هذه، فعليه أن يخابر الباب العالي، ويستصدر ~~الترقية منه مباشرة. # ثاني عشر: # أن أي إخلال بأحد هذه الشروط يؤدي إلى إلغاء حق انتقال الولاية ~~بالإرث، ms275 فورا. # وبالفرمان الثاني، قلد السلطان (محمد علي) الولاية على بلاد النوبة ودارفور ~~وكردوفان وسنار؛ ولكن بدون حق في توريثها لأعقابه؛ كأن السلطان أراد بذلك أن يقيم ~~على الحدود المصرية الجنوبية، للمستقبل، خطرا يشهره خلفاؤه فوق رءوس خلفاء (محمد ~~علي) كسيف دامكليس، ابتغاء إبقائهم في حدود الطاعة والأمانة، فيما لو عن لهم ~~الخروج عنها - مع أن (محمد علي) هو الذي فتح تلك الأقاليم، وأخضعها لحكومته ~~المصرية، ولم يكن لسلطان تركيا عليها من حق، إلا ما نجم له عن فتح (محمد علي) لها - ~~وألزمه، مقابل ذلك، أن يقدم له بيانا مفصلا مضبوطا بإيراداتها عامة، ليفرض ~~الجزية الموافقة عليها؛ وأن يبطل النخاسة منها وعادة خصي السود، وأبلغه في الفرمان ~~عينه: (أولا) عفوه عن جميع الجنود والضباط والمستخدمين الذين اشتركوا في تسليم ~~العمارة العثمانية له، مستثنيا منهم بعض أفراد عينهم بالاسم، وعلى رأسهم أحمد فوزي ~~باشا أمير تلك العمارة - وهو الذي قصده نوبار باشا في الرواية التي رواها للورد ~~كرومر، وذكرها هذا في الصحف الأولى من كتابه المعنون «مصر الحديثة» ومفادها: «أن ~~أحد أمراء الأساطيل العثمانية كان قد انضم إلى (محمد علي) أثناء حروبه مع تركيا، ~~وعززه عليها، وخدمه في مقاومته لها، خدمات جلى، فأعلى (محمد علي) منزلته، وحفه ~~بصنوف من الرعاية والعناية والنعم، لم يترك معها محلا في نفسه لشهوة أو أمنية، ~~فعاش الرجل عيشة رغيدة على فراش وثير من الهناء، إلى أن وضعت الحرب أوزارها بين ~~التابع والمتبوع، وختمت معاهدات لندن والفرمانات التالية لها، الأزمة الشديدة التي ~~زعزعت قواعد الشرق الأدنى نيفا وعشرة أعوام، فتذكر الباب العالي حينذاك - ولم يكن ~~قد نسي قط - الخيانة التي ارتكبها أمير أسطوله، وحمل إلى فهم (محمد علي) أنه يحل ~~إقدامه على معاقبة ذلك الجاني عقابا سريا، منزلة جميل بليغ يسديه إليه ، فأرسل ~~(محمد علي) إلى ذلك التركي من أفهمه أن الحياة متاع فان، وأن لذاتها ظل زائل؛ وأنه ~~يجدر بالمرء أن لا يفتأ مستعدا لمقابلة وجه ربه الكريم في أي وقت يشاء الله أن ~~يستدعيه إليه؛ ms276 وأن الموت قد يأتي أحيانا في جرعة ماء، أو فنجان قهوة إلى من يحن ~~أجله. فأدرك الأميرال العثماني معنى الكلام؛ فقام من ساعته وتوضأ وصلى صلاة العصر؛ ~~ثم تجرع فنجان القهوة المسمومة الذي قدم له، بتجلد، كأنه أحد الستوئكيين، تلامذة ~~زينون الفيلسوف؛ وهو يقول بالتركية: «قسمت» # 2 # وأبلغه (ثانيا) تثبيته كبار ضباط الجيش المصري، وكبار موظفي الحكومة ~~المصرية في الرتب السامية التي أنعم عليهم بها، واعتماد بابه العالي إياها. # فأبدى (محمد علي) ارتياحه إلى إرادة السلطان المعبر عنها الفرمانان؛ ولكنه طلب ~~تعديل كيفية التوريث، ومقدار الجزية السنوية، والحق المعطى له في ترقية الصف ضباط ~~والضباط، ومنح الرتب. # فخابر الباب العالي بذلك الدول الوسيطة السابق ذكرها في 19 أبريل سنة 1841 فردت ~~عليه في 10 مايو التالي، وأشارت بجعل التوريث بالأرشدية، وتعيين مبلغ محدد للجزية، ~~يراجع ليعدل بين حين وحين؛ ولم تر بأسا في تخويل (محمد علي) حقا أوسع من المخول ~~له، فيما يختص بترقية الجنود والضباط، ومنح الرتب؛ لاعتبارها الجيش المصري والبحرية ~~المصرية جزءا من القوات البرية والبحرية العثمانية. # فأصدر السلطان فرمانين آخرين نهائيين إلى (محمد علي)، أحدهما في أول يونية سنة ~~1841 / 11 ربيع الآخر سنة 1257؛ والثاني في 20 يولية سنة 1841/أول جمادى الآخرة سنة ~~1257، حدد له بمقتضاهما، حدود الولاية المصرية، طبقا للمبين في خريطة أرسلها الصدر ~~الأعظم إليه؛ وأجابه، فيما عدا ذلك، إلى طلباته: فجعلت الوراثة بالأرشدية، كما هي ~~في بني عثمان؛ على أن يكون التعيين من الباب العالي، وبموجب فرمان خاص يصدره ~~السلطان؛ وجعل مقدار الجزية 80 ألف كيس على حساب الكولونات الإسبانيولية، وخول والي ~~مصر حق منح الرتب لغاية درجة «الميرالاي»؛ وأما درجتا «الميرلوا» و«الفريق» فأبقى ~~حق منحهما مرتبطا باستئذان الأستانة أولا. # وعلى ذلك صادقت الدول الأوروبية الوسيطة؛ وانضمت فرنسا إليها في نهاية الأمر، ~~فأصبح النظام المصري كما هو مقرر في تلك الفرمانات الأربعة، جزءا من النظام ~~السياسي الدولي العام؛ وأصبح مركز مصر، القائم عليه تحت حفظ الدول الغربية جمعاء، ~~فيما يختص بعلاقاته معها، وعلاقاتها به، ms277 وفيما يختص بالمحافظة عليه من مطامع الدولة ~~العلية عينها، ومن تعديات أحداها عليه. # على أنه لم يوجد فيه شيء يحظر على والي مصر تعديل القيود التي تربطه بالدولة ~~العثمانية، دون غيرها، وتكييف مركزه منها، ومركز بلاده الداخلي بالنسبة إليها، ~~وفيما لا يمس بمصالح الدول الغربية السياسية والتجارية، تكييفا يكون أكثر موافقة ~~له، ولقطره. # فلما جلس (إسماعيل) على أريكة مصر، وجعل إحدى غايات حكمه إنالة بلاده أكثر ما ~~يمكن من الاستقلال، لم يأل جهدا في سبيل البلوغ إلى ذينك التعديل والتكييف، بلوغا ~~تكون نتيجته تحرير مصر من قيد السيادة العثمانية، وتمتع عرشها بجميع حقوق السيادة ~~والملك. # فأول ما وجه إليه مجهوده تحويل نظام الوراثة من الأرشد فالأرشد في ذرية (محمد ~~علي) كلها إلى الولد البكر فالولد البكر من ذريته هو - وكان (عباس الأول) قد سعى ~~هذا السعي عينه، ولم يفلح - فلم تثبط خيبته همة (إسماعيل)، لأنها كانت مشتعلة ~~بنوعين من أنواع الوقود، لا يدعان نارها تخبو أبدا؛ وهما: الحقد والحب. # أما الحقد، فعلى الأمير مصطفى فاضل أخيه من غير أمه، وعلى الأمير حليم باشا عمه. # 3 # ومرجع السبب في حقده على أخيه، إلى كره والدتيهما المتبادل، الذي كثيرا ما أزعج ~~داخلية والدهما (إبراهيم) الهمام؛ فألى وشي الوشاة بالأمير مصطفى فاضل بعد صيرورة ~~عرش مصر إلى (إسماعيل) أخيه. # فوالدتاهما كانتا مختلفتي الجنس والميول، بالرغم من تمكنهما الواحد من قلب بعلهما ~~السامي، ووحدة تأثيرهما عليه، فلم تكتفيا بتبادل الكره بينهما، بل أشربتاه قلبي ~~ولديهما، واجتهدتا في جعلهما عدوين لدودين؛ لا سيما أنهما ولدتاهما في شهر واحد؛ ~~وبينما كل منهما تتمنى أن تكون أسبق الاثنتين إلى الوضع، ليكون ابنها أقرب إلى ~~العرش، مال الحظ إلى جانب أم (إسماعيل). # فشب الصبيان والسنون تنمى بغض كل منهما للآخر؛ والوالدتان تزكيان نمو هذا البغض، ~~حتى كانت كارثة كفر الزيات التي جعلت (إسماعيل) ولي عهد السدة المصرية، فلم يعد ~~الأمير مصطفى فاضل وأمه يحتملان النظر إلى المستقبل، وباتا يتمنيان أن يطول عمر ~~(محمد سعيد باشا) أو تقصر حياة ms278 (إسماعيل)، فلم يحقق الدهر لهما هذه الأمنية، ولا ~~الأخرى، فمات (سعيد)، وهو في ظهر حياته؛ وارتقى (إسماعيل) عرش جده، وهو في مقتبل ~~عمره. # فلم يحتمل الأمير مصطفى فاضل وذووه الحياة تحت حكمه؛ فسافروا جميعا في منتصف سنة ~~1863 إلى أوروبا؛ وأقاموا في باريس، وربما أدى ذلك البعاد إلى تراخي حبل الضغينة ~~بين الأخوين، خصوصا وأن قلبيهما كانا مجبولين، طبيعة، على العواطف الطيبة ومفتحين ~~لها. # ولكن الوشاة الذين لم تكن مصلحتهم في أن يسود الوفاق بينهما، وكانوا كالذباب، ~~يتلمسون الحياة من الإقبال على مص القروح وتهييجها، كانوا ساهرين لا يغفلون. # فأخذوا يختلقون من الأكاذيب على الأمير الغائب، ما لم يكن معه بد (لإسماعيل) من ~~الاستزادة في كره أخيه، والإغراق في حقده؛ بل إنهم لم يحجموا عن تصوير ذلك الأخ ~~النازح في صورة الرجل المؤامر المخامر، الساعي إلى إهلاك أخيه، لكي يأخذ منه عرشه، ~~وبلغ بهم حبهم للخداع والدسائس إلى حد أن ألقوا قنبلة، سرا، ذات صباح، في حديقة ~~قصر الجيزة، وأسرعوا إلى التقاطها، جهرا، وتقديمها إلى (إسماعيل)، حجة دامغة، ~~وبرهانا قاطعا على صحة مؤامرات ومخامرات ومساعي أخيه الشريرة. # 4 # وبما أن القلب المضطرب بانفعال قوي، تقتم بصيرته بتأثير ذلك الانفعال، فلا تعود ~~عينا صاحبه تنظران الأمور إلا كما يقدمها إليهما ذوو الأغراض، فإن (إسماعيل) لم ~~يفطن أن تلك القنبلة كانت فارغة، لا تحمل في جوفها سوءا مطلقا؛ واعتقد اعتقادا ~~ثابتا أن أخاه أراد قتله، ليخلفه على عرشه. # والسبب في حقده على عمه، عبد الحليم، هو أن هذا الأمير كان، في الواقع، يتطلع إلى ~~الأريكة المصرية، ويرغب فيها؛ ولو أن هذه الرغبة لم تقترن بعمل عدائي لتحقيقها، ~~ولكن مجرد وجودها في نفسه كفى لكي يتخذ الوشاة منها منبتا خصبا، ينمون فيه جراثيم ~~البغضاء بين (إسماعيل) وبينه؛ ولم يعدموا الفرص الموافقة لذلك. # فنزول السلطان عبد العزيز ضيفا على حليم باشا في بستانه على ضفاف المحمودية ~~بالإسكندرية، وفي قصره المنيف بشبرا، وتناوله طعام العشاء عنده في هذا المكان ~~الأخير، والتعطفات التي ما فتئ يواليها ms279 عليه، طوال مدة إقامته بمصر - ولا شك في أنه ~~إنما كان يرمي بها إلى جعل (إسماعيل) يشعر بأن عمه سيف معلق فوق رأسه، فيرعوي عن كل ~~مطمع ضار بمصالح الدولة العثمانية - كل ذلك كان في أيدي الوشاة أشعة شمس استخدموها ~~لإحياء تلك الجراثيم وتقوية نموها. # وكان حليم باشا، من جهة، يعيش معيشة تمتعية، غريبة المظاهر إلى حد يجعل لوشي ~~الوشاة مجالا فسيحا، فقصره في شبرا كان، كما قلنا، بديعة البدائع، وجديرا بأن ~~يثير عوامل الحسد في قلوب الحاسدين، ولو كانوا ملوكا؛ وعدد الحواشي والخدم، ~~والجواري الحسان، والأتباع الذين كانوا تحت إشارة صاحبه في ذلك المقام الفخم، لم ~~يكن من شأنه أن يروق من تابع في عين متبوعه؛ وخروجه، كثيرا، إلى الصيد، في أبهة ~~وجلبة، تحييان ذكرى السلاطين المماليك السالفين، وتلفتان اهتمام السوقة في العاصمة ~~وضواحيها؛ وإقدامه على الصيد بالسلوقية العديدة، والبزاة المدربة، كأن زمن العصور ~~الوسطى لم ينزل إلى رمسه؛ # 5 # وانضواؤه تحت راية الماسونية واهتمامه بأسرارها المكنونة اهتماما ~~عاملا؛ وإضافه ذلك إلى كونه ابن (محمد علي) مباشرة، وإلى بدء انتشار الأقوال ~~الشائعة بأن (إبراهيم) إنما كان ابن زوجة (محمد علي) من بعل غيره، لا ابن صلبه، وأن ~~(محمد علي) إنما تبناه ورباه، فقط، كابنه # 6 ~~- وهو قول عار من الصحة بتاتا، وربما كان من اختلاقات أولئك الوشاة ~~أنفسهم، نسبوه إلى حليم باشا، ليزيدوا في تعكير المياه التي كانوا يعملون بلا ~~انقطاع على تعكيرها بين (إسماعيل) وعمه، بأنواع الوسائل كافة - كل ذلك كان مادة ~~جيدة لأن تضفر منه أكاليل شوك، توضع تحت وسادة الأمير المتولي؛ فتخزه وخزا أليما، ~~وتجعل نومه قلقا مضطربا، فتحمله على كراهة عمه، والتخوف منه، تخوفا ~~زائدا. # ولما كان الإقدام على الإثم في الأسرات الشرقية لا يزال يتلو بسرعة ساعة التفكر ~~في المنفعة التي تعود على مرتكبيه من ارتكابه، فإن تخوف (إسماعيل) من أخيه وعمه كان ~~على قدر الفائدة التي يرجوها كل منهما من وراء موته. # فكان إذا من مصلحة (إسماعيل) أن يقضي على تلك الفائدة القضاء ms280 المبرم، بعمل يجتث ~~من قلبي ذينك الأميرين كل جذور الأمل في أن موته يوجب ارتقاء أحدهما إلى العرش ~~مكانه. # وأما الحب، فلبلاده أكثر منه لأولاده ونفسه. # وذلك لأن أيلولة الملك من الولد البكر في الأسرة الواحدة من شأنها أن توحد بين ~~مصالح الأمير ومصالح الرعية؛ فلا تعود همة الأمير منصرفة، كما كانت، إلى إنماء ~~ثروته الشخصية وثروة أسرته على أكتاف الثروة العمومية وثروة فروع الأسرة ~~الأخرى. ~~(فعباس الأول)، مثلا، إنما أراد مصادرة أملاك باقي أعضاء عائلته والاستيلاء على ~~أموالهم لكي يجعل مستقبل ولده (إلهامي) - ولو لم تؤل إليه الإمارة - سعيدا، أكثر ~~من كل واحد منهم - ولو قدر لأحدهم أن يخلفه على العرش - وإنما صادر، لهذا الغرض ~~عينه، أملاك رعاياه، واغتصب أموالهم: فترك لابنه المذكور ما يزيد على ثمانين ~~مليونا من الفرنكات من الثرورة المنقولة غير الثروة العقارية. # والواقع هو أن الأمير المتولي، الذي يعلم حق العلم أن مآل عرشه لغير ابنه، لا ~~يمكنه أن يعتبر ثروة البلاد المسلمة مقاليدها إليه إلا فريسة لأطماعه، ومنجما ~~يستنفده في إغناء نفسه وذويه؛ فلا يهمه شقيت البلاد أم سعدت، عاشت أم هلكت، ما دام ~~جيبه ممتلئا وخزينته عامرة. # والأمير، في الأسرات التي يئول العرش عندها من أرشد الأفراد فيها إلى الأرشد، قد ~~تحمله العواطف الإنسانية الطبيعية على كره عموم أعضاء أسرته، لتخيله، في كل منهم، ~~خليفة يخلفه، أضرارا بخلافة بنيه، فيهمه، والحالة هذه، أن يمتص، وهو على قيد ~~الحياة، خيرات البلاد كلها، لكي لا يترك منها شيئا، بعده، لأولياء عهده ~~الاحتماليين المكروهين منه، ومغبة تلك السيئة إنما تعود على البلاد أكثر منها على ~~أفراد أسرته، غير بنيه. # والدليل على أن حب (إسماعيل) لبلاده كان رائده في سعيه، أكثر من كل عامل غيره، هو ~~أن هواه كان أن يخلفه على العرش إبراهيم حلمي ابنه من الأميرة جنانيار هانم، أعز ~~زوجاته عليه، والتي سعت سعيا محمودا في سبيل نجاح مقاصده، ومع ذلك فإنه سعى لأكبر ~~أولاده (محمد توفيق)، بالرغم من أنه لم يكن يحبه محبته لباقي ms281 أخوته. (فإسماعيل) ~~إذا، لأنه كان يكره أخاه وعمه من جهة، ولأنه كان، من جهة أخرى، وعلى الأخص، يحب ~~بلاده، أقبل يسعى في الأستانة ليحمل أولي الشأن فيها على تغيير نظام الوراثة بمصر، ~~وحصرها في ذريته دون باقي الأسرة المحمدية العلوية. # ولحسن طالعه، كان ميله إلى ذلك ونجاحه فيه يوافق هوى نفس عبد العزيز ~~المكنون. # فعبد العزيز، أيضا، كان يشتهي أن يغير نظام الوراثة في أسرة عثمان؛ وهو أيضا ~~كان يتمنى أن يحصرها في ابنه يوسف عز الدين، وفي بكر أولاده، بعده، فبكر أولاده إلى ~~الأبد، ولكنه لم يستطع بلوغ أمنيته، بالنسبة لقوة التقاليد، فكان يرغب، والحالة ~~هذه، في نجاح (إسماعيل) في سعيه، ليكون ذلك سابقة، يبني هو على قاعدتها بناء ~~مجهوداته. # على أن ذلك لم يمنعه من التظاهر بالرفض في بادئ الأمر لينال من مال (إسماعيل) ~~وهداياه ما كان التغيير المطلوب به جديرا؛ ولكي تكون الظواهر غرارة أكثر مما هي، ~~فتبدو الصعوبات للساعي أكبر من حقيقتها، أوعز إلى بعض جرائد الأستانة بأن تكتب في ~~الموانع القائمة دون تحقيق رغائب والي مصر وأن تبالغ في وصفها. # فانخدع (إسماعيل)، أو تخادع، إلى حد استئجار جرائد أخرى لتحبذ التغيير وتظهره ~~أمام الملأ في مظهر العمل المفيد للبلاد، والذي لا مندوحة لها عنه، لتتقدم باطمئنان ~~في معارج الفلاح والرقي والرخاء. # ولكنه، من جهة أخرى، فتح يده سخية في السر والجهر: فجرت خيرات النيل ذهبا وفضة ~~على ضفاف البوسفور، حتى لم تبق هناك ذات واحدة ممن يرجى في مساعيها تقديم وإنجاح ~~للمسعى المصري، إلا ونالها من عطاياه وجوده الحاتمي ما جعلها تدأب على العمل له. # 7 # ولو أراد التاريخ حصر قيمة ومقدار كل ما صرف في تلك الأيام في الأستانة، وتعداد ~~الأبواب التي صرف فيها، لأعياه الأمر وسقط دونه كليلا؛ لأن المبالغ المصروفة ~~تجاوزت عدة ملايين من الجنيهات، ومن البديهي أن (إسماعيل) لم يكن وحده في ذلك ~~الصرف، فكما أنه كان يجود بالأموال والهدايا، من جهة؛ وتجود أمه بأضعاف أضعافها ~~لتساعده على تحقيق مطمعه، كان ms282 أخوه وعمه، من جهة أخرى، يبذلان كل ما في وسعهما ~~لإخفاق مسعاه، وتخييب أمانيه، لما في تحقيقها من الأضرار بمصلحتيهما، ولكنه تغلب في ~~نهاية الأمر؛ ومقابل ما بذل، وما وعد ببذله، ونظير رفعه الجزية السنوية المفروضة ~~على مصر من ثمانين ألف كيس إلى 150 ألفا - أي من أربعمائة ألف جنيه مجيدي إلى ~~سبعمائة وخمسين ألفا، أصدر السلطان فرمانه القاضي بانتقال كرسي الولاية من متبوئ ~~كرسيها إلى بكر أولاده، ومن هذا إلى بكر أبنائه أيضا، وهلم جرا؛ وذلك في 17 مايو ~~سنة 1866‏ # 8 # فقرئ هذا الفرمان بمصر باحتفال شائق، وهنأ رجال الدولة وأعيان الأمة ~~(الأمير محمد توفيق) - وكان لم يتجاوز الرابعة عشرة من عمره - بمصير ولاية عهد ~~الديار المصرية إليه، وكبرت منزلة (إسماعيل) في عيون الجميع، وشعر الكل بسكينة دخلت ~~على نفوسهم، كأن الحاضر والمستقبل باتا آمنين. # 9 # وكان من الطبيعي أن يقرن (إسماعيل) بسعيه إلى تحويل مجاري الوراثة عن أخيه وعمه، ~~سعيه إلى تجريدهما من ثروتهما العقارية المصرية، ليكون قضاؤه على مطامعهما في العرش ~~المصري تاما مبرما؛ ويكون استتباب الأمر له منتظما قارا. # فأوفد، منذ أواخر سنة 1864، إلى أخيه في باريس من فاتحه في أمر بيع الأطيان التي ~~له بمصر، فرفض الأمير مصطفى فاضل بيعها؛ لأن شعاع الأمل في مصير العرش المصري إليه، ~~كان لا يزال منتشرا بقوة في جوانب قلبه، ولكنه، بعاملي نزق الشباب، وحب الظهور، ما ~~فتئ يهلك الملايين تلو الملايين، ويولم الولائم تلو الولائم، ويجود بالهدايا تلو ~~الهدايا - مع أن إيراداته كانت قليلة وضئيلة، بالرغم من اتساع أملاكه العقارية، ~~وذلك بسبب العراقيل المقامة بمصر في سبيل استغلالها استغلالا حسنا - وما فتئ ~~يضطر، بين حين وحين، إلى الاقتراض بفوائد ساحقة، من خزائن الصيارفة ومن عملائه، حتى ~~باتت حالته المالية معقدة تعقيد ذنب الضب؛ وباتت ديونه الباهظة محرجة له إحراجا ~~شديدا يصعب عليه الخروج منه إلا بالبيع. # فرأى (إسماعيل) أن يعيد إذ ذاك الكرة، لا سيما أنه كان قد فاز بإقصائه عن مجاري ~~الوراثة، فأوفد إليه مفاتحا آخر، يعرض ms283 عليه بيع الأملاك التي له بمصر؛ ولما لم يعد ~~له مندوحة عن البيع، نجحت المخابرات هذه المرة؛ وقر الاتفاق على أن ثمن المبيع ~~المتفق عليه وقدره مليونان وثمانون ألف جنيه إنجليزي، منها ثمانون ألفا قيمة ~~السمسمرة - يدفعه (إسماعيل) أوراقا مالية لحاملها من أوراق الدائرة السنية المالية ~~المضمونة من الحكومة المصرية والمنتجة فوائد بواقع 9٪، وأن تسدد قيمة تلك الأوراق ~~على خمسة عشر قسطا سنويا، ابتداء من أول يناير سنة 1867.‏ # 10 # فأمضى عقد البيع بباريس في 22 نوفمبر سنة 1866، وسجل في اليوم السادس والعشرين ~~منه؛ ولكنه لم ينفذ في شكله الذي اتفق عليه؛ لأن البنك السلطاني العثماني ومحل ~~اپنهايم وشركائه حلا محل الأمير مصطفى فاضل وأخذا بدل تلك الأوراق المالية سندا ~~عاما مبينة فيه تعهدات الدائرة السنية وضمانة الحكومة المصرية؛ وأصدرا به، في ~~لندن، قرضا بمليوني جنيه إنجليزي بفوائد 9٪ سنويا. # أما حليم باشا، فإن إنفاقه عن سعة، بل إسرافه هو أيضا إسرافا مفرطا، كان قد ~~أدى به منذ سنة 1863 إلى عقد قرض قدره ثلاثمائة ألف جنيه إنجليزي، تعهد بسداده على ~~خمس عشرة سنة، أقساطا متساوية، ثم أدى به سعيه في الأستانة لإحباط جهود (إسماعيل) ~~الخاصة بتعديل مبدأ الوراثة، إلى عقد قرض آخر في سنة 1866 مقداره سبعمائة ألف جنيه ~~مصري، فاضطر إلى رهن كل أملاكه العقارية بمصر، ضمانة لوفاء هذين القرضين؛ وبات ~~يتخبط تخبطا أليما، كلما حل موعد للدفع. # فخابره (إسماعيل) في شراء أملاكه المرهونة منه؛ فما وجد حليم باشا في شدة ضيقه ~~واحتياجه إلى النقود بدا من بيعها، لا سيما بعدما تيقن من نجاح مساعي ابن أخيه في ~~الأستانة، وخيبة مسعاه هو؛ فباعها له نظير مبلغ قدره مليون ومائتا ألف جنيه ~~إنجليزي، دفعت الدائرة السنية له منها ثلاثمائة ألف جنيه إنجليزي بأوراق من أوراقها ~~المضمونة من الحكومة المصرية؛ وأخذت على نفسها دفع الباقي من أقساط القرض الأول ~~وقدره مائتان واثنان وسبعون ألف جنيه؛ ثم افتدت أوراق القرض الثاني المالية، ~~وسلمتها خالصة إلى الأمير البائع. # واتفق بعد ذلك أن البوليس - لكي ms284 ينال «محظوظيته» عند الخديو، ويظهر لسموه تيقظه ~~وسهره على حياته الثمينة - أقدم في شهر أكتوبر سنة 1868 على استكشاف مكيدة زعم أن ~~عمه حليم باشا دبرها لاغتياله، فنصب شراكه، وبث زبانيته؛ وفي الثاني والعشرين من ~~الشهر المذكور أعلن للملأ نجاح مسعاه، وتمكنه من القبض على المتآمرين على حياة مليك ~~البلاد، فاضطر (إسماعيل) إلى إبعاد عمه عن القطر. # 11 # وبعد أن عدل (إسماعيل)، على النمط الذي بيناه، نص فرمان أول يونية سنة 1841 ~~الجاعل الوراثة بالأرشدية والمعدل منطوق الشرطين الأول والثاني من شروط فرمان 13 ~~فبراير سنة 1841، أقبل يعمل على إلغاء الشرط الثالث منه، وهو الخاص بتشبيه ولاة مصر ~~بوزراء الدولة العثمانية. # وكان قد عزم عزما أكيدا على إشراك مصر في معرض باريس العام المزمع إقامته في ~~بحر سنة 1867، وعلى إجابة دعوة عاهل الفرنسيس، والذهاب إليه بنفسه، ليظهر بلاده ~~أمام العالم المتدين في ثوب التقدم والرقي الذي لبسته في عهد أسرته العلوية وعهده، ~~فيحمل الأمم المتمدينة على اعتبارها واحدة منها، وليظهرها ببذخه وجوده، وسطوع ~~معروضاتها في ثوب الثروة التي لا حد لها - الذي هو في الحقيقة ثوبها الصحيح - فيوطد ~~في العقول، تقديرها لتلك الثروة تقديرا رفيعا؛ ويقر في القلوب ثقتها غير ~~المتناهية في مقدرتها على القيام بجميع تعهداتها المالية، مهما بلغت قيمتها، وأية ~~كانت مواعيد تحقيقها. # ولوثوقه من ذهاب السلطان عبد العزيز، أيضا، إلى زيارة ذلك المعرض، كان يريد أن ~~يغتنمها فرصة ثمينة، لبذر بذور الإصلاح القضائي الدائر في خلده، والمقصود منه ~~القضاء على القيد الثالث المقيدة به البلاد؛ أي: قيد الامتيازات الأجنبية. # فلدأبه، من جهة، على إزالة القيد الثاني؛ ولرغبته، من جهة أخرى، في الظهور أمام ~~الملأ الأوروبي - ليسهل عليه نجاح مقاصده - في مظهر رسمي منيف، يستوقف الأنظار ~~ويوجب الاحترام لشخصه، أكثر مما لو كان مرتديا لباس وال، لا تميزه عن باقي ولاة ~~السلطنة العثمانية إلا بعض ميزات خصيصة به، طفق يعمل على نيل لقب يشعر بأن صاحبه، ~~إن لم يكن في مصاف الإمبراطرة والسلاطين والملوك، فلا يقل عنهم كثيرا. ms285 على أن يكون ~~نيله إياه مصحوبا بحصوله على امتيازات تجعل حقيقة المنصب على نسبة سمو تسميته ~~المبتغاة. # فشرع يخابر الأستانة، بوسائله المعتادة، في أمر منحه ذلك اللقب؛ وأقبل ينفق المال ~~من سعة، ويكثر من الجود والهدايا النفيسة السنية إلى السلطان ووزرائه والمقربين ~~لديه، مجتهدا في استصدار فرمان يخوله التلقب بلقب «العزيز» وهو المطلق في القرآن ~~الشريف على وزير فرعون على مصر، راغبا جدا فيه، وشيقا إلى إحرازه. # فدارت المخابرات بشأنه طويلة ومتعبة، بين البلاطين؛ واستمرت مدة بين أخذ ورد؛ ~~ولكنها لاقت في سبيلها عقبتين، لم يمكن التغلب عليهما مطلقا: # الأولى: # أن لقب «العزيز» خص به (يوسف بن إسرائيل) دون غيره من وزراء ~~الفراعنة؛ وأن ما خص به نبي لا يصلح إطلاقه البتة على فرد من ~~الأفراد، مهما كانت درجته رفيعة. # الثانية: # أن اسم السلطان المالك (عبد العزيز)، فلو دعي (إسماعيل) ~~«العزيز» لكان السلطان إذا عبده؛ أو لتبادر إلى أذهان السذج أنه ~~عبده؛ أو أمكن، على الأقل، فتح باب لمنكت ينال الحضرة السلطانية ~~بما ينقص من جلال قدرها. # 12 # فاستبعد، إذا، لقب «العزيز»، لا سيما وأنه اسم من أسماء الله الحسنى، وشرع في ~~البحث عن غيره. # وكانت قد جرت العادة منذ أيام (محمد علي) بتسمية الديوان المصري الأعلى؛ أي: ~~الديوان المحيط بشخص الوالي مباشرة «بالديوان الخديوي»، كما أن الولاة أنفسهم بحكم ~~تلك العادة كانوا يدعون أحيانا «خديويين». # فبعد مناقشات ومباحثات كتابية وشفهية كثيرة، اتفقت الآراء، نهائيا، على أن تعطى ~~صيغة رسمية لتلك العادة، وأن يكون لقب «خديو» خصيصا، من ذلك الحين فصاعدا، ~~(بإسماعيل) وخلفائه على العرش المصري، إشعارا بإعلاء مرتبتهم إلى درجة ~~العواهل. # فصدر بذلك في 8 يونية سنة 1867‏ # 13 # فرمان تلي بمصر، بأبهة واحتفال عظيمين، حضره كل ذي حيثية في البلاد؛ ~~واتفق الكل، لا سيما الشرقيون، على أن (إسماعيل) فاز فوزا مبينا، وأصبح حقيقة في ~~مصاف الملوك. # ولم يكن اعتقادهم في غير محله: (أولا) بالنسبة لفخامة اللقب الجديد؛ و(ثانيا) ~~بالنسبة للامتيازات الجديدة السنية التي أوجبها. ~~«فخديو» كلمة فارسية بمعنى «الإله» ms286 و«الرب»؛ فهي تشعر إذا بعظمة وجلالة لا تشعر ~~بهما لفظة «العزيز» العربية؛ وتلبس صاحبها رداء استقلال في المركز والعمل أكثر مما ~~تلبسه إياه أية كلمة أخرى. # والامتيازات الجديدة، التي أوجبها ذلك اللقب، كانت كبيرة وغير منتظرة إلى حد أن ~~معاني الكلمات الدالة عليها في الفرمان أشكل فهمها على معظم الناس: فإن السلطان ~~تناول: (أولا) نص الشرط الرابع من الشروط الاثني عشر التي منح فرمان 13 فبراير سنة ~~1841 بمقتضاها حق توريث السدة المصرية (محمد علي) وذريته، وهدمه هدما؛ وقرر أن ~~المقصود من القوانين العثمانية الواجب تنفيذها بمصر، إنما هي المبادئ العامة ~~المعلنة في خط جلخانه، وأعني بها الضامنة الأعمار والأملاك والأعراض؛ وأما فيما عدا ~~ذلك، فإنه خول للحكومة المصرية الحق في وضع القوانين واللوائح والأنظمة التي ~~يقتضيها حسن الإدارة وتراها «هي» مناسبة لعادات البلاد، وطباع أهلها، وموافقة ~~لمصالحهم؛ وصرح (ثانيا)، للخديو، أن يعقد مباشرة مع الأجانب ودولهم أية اتفاقية ~~يشاء بخصوص الجمارك، وعلاقات البوليس بالجاليات الغربية، ومرور البضائع والركاب في ~~داخلية البلاد، وإدارة البريد، وهلم جرا؛ على أن لا تتخذ تلك الاتفاقيات شكل ~~معاهدات دولية ماسة بسيادة الدولة العلية على القطر؛ وأوجب (ثالثا) على الباب ~~العالي أخذ رأي الحكومة المصرية في كل معاهدة تجارية يريد إبرامها مع الدول ~~الأجنبية؛ ليتمكن أولو الشأن المصريون من المحافظة على مصالح مصر التجارية. # ولما كان الفرمان الصادر في 27 مايو سنة 1866 بشأن تعديل قانون الوراثة قد صادق ~~مصادقة تامة على تعديل السابع والثامن والحادي عشر من الشروط المدونة بفرمان 13 ~~فبراير سنة 1841، وخول الحق لأمير مصر في سك نقود تختلف عن نقود باقي السلطنة، مع ~~إبقاء اسم السلطان عليها؛ وفي رفع عدد الجيش المصري من ثمانية عشر ألف جندي إلى ~~ثلاثين ألفا؛ وفي منح الرتب المدنية لغاية الرتبة الثانية من الصنف الأول بدون ~~استئذان، وباقي الرتب حتى أعلاها أي رتبة روملى بكلربك ورتبة بالا، مدنية كانت أو ~~عسكرية، بمجرد إخطار الباب العالي، لاعتمادها، وإرسال براءتها من لدنه؛ وكان ترك ~~اختيار القماش اللازم لملابس ms287 الجنود المصرية، وتفصيله إلى مجرد إرادة الخديو قد ~~ألغي، في الواقع، جزءا عظيما من ملزمات الشرط التاسع من الشروط الآنفة الذكر، ~~فإنه لم يعد يبقى من القواعد التي بنيت عليها السيادة العثمانية على مصر، سوى ما ~~أقيم منها في الخامس والسادس والعاشر من شروط فرمان 13 فبراير سنة 1841 على أن نص ~~الشرط الخامس إنما كان مجرد حبر على ورق: لأن الأموال، والضرائب، والرسوم، وغيرها ~~من أوجه الإيراد، كانت تجبى باسم الحكومة المصرية لا باسم السلطان؛ ولم تكن طريقتا ~~ربط الجمارك وتحصيلها مماثلتين لما كان جاريا ومعمولا به في تركيا، حتى قبل أن ~~يخول فرمان 8 يونية سنة 1867 الحق للخديو في إبرام أية معاهدة جمركية يريدها مع ~~الأجانب. # وقد رأينا أن الجزية تعدلت أولا، وثانيا؛ وقررت، أخيرا، بحيث لم يعد للسلطان ~~دخل في الإيرادات المصرية، ولا حق في معرفة مقدارها ونوعها - فلم يبق، إذا من حائل، ~~في الحقيقة وواقع الأمر، بين مصر واستقلالها استقلالا تاما، سوى قيد الجزية ~~السنوية، وقيد منعها عن بناء سفن حربية، إلا بتصريح كتابي. # أما قيد حظر بناء سفن حربية، فإن (إسماعيل) أقبل يعمل على كسره، ومداد الفرمان ~~المانح له لقب «خديو» لا يزال رطبا على قرطاسه، فإنه، وهو في باريس يزور المعرض، ~~وبينما السلطان نفسه فيها، أوصى المعامل الفرنساوية بعمل ثلاث بوارج مصفحة من النوع ~~الذي كان يطلق عليه اسم «فرقاطة» ومن الطراز الجديد المستعمل لدى الدول الأوروبية ~~كلها، بدل السفن الحربية الشراعية القديمة؛ ولكيلا يجد معارضة من السلطان، ~~واجتنابا لكل انحراف في خاطره عنه، أفهمه أن تقوية الأسطول المصري - وهو جزء من ~~الأسطول العثماني - بتلك البوارج، ما هو في الحقيقة إلا تقوية للأسطول العثماني ~~عينه، وزيادة في مهابته وقت الحاجة. # فلما رأى أن عبد العزيز غير مقتنع بذلك، وغير راض عن عمله؛ وأن وزراءه المرافقين ~~له في سياحته - وقد عز عليهم أن يكون لنوبار باشا، الوزير المصري، شأن أكبر من ~~شأنهم في عالم السياسة - أقبلوا على معاكسة مساعيه الرامية إلى تحرير بلاده من ms288 قيد ~~الامتيازات الأجنبية، بالقضاء على السلطات القضائية الدولية القائمة فيها، بحجة ~~المحافظة على حقوق السيادة التركية على مصر، وبحجة تأييد نصوص الفرمانات، استعان، ~~من جهة، بالإمبراطور نابوليون الثالث، ورجاه التوسط بينه وبين متبوعه لإزالة الخلاف ~~بالتي هي أحسن. # ففعل العاهل الفرنساوي ذلك، عن طيبة خاطر، لما كان (لإسماعيل) من المنزلة لديه، ~~ولرغبته في أن يطوقه بأياد تلزمه بمساعدة القائمين بمشروع قناة السويس، مساعدة ~~فعالة، تمكنهم من إنجازه بسرعة. # وأقبل، من جهة أخرى، يبذل الوسائل التي كان هو أدرى الناس بنجاحها عند السلطان ~~ووزرائه: فشرع يظهر (لعبد العزيز) كل ما استطاع إظهاره من مظاهر التعظيم والاحترام ~~والإجلال؛ ويظهر لوزرائه ما طاب وحسن من ضروب الإكرام لدرايته بعظم وقعها من نفس ~~متبوعه وأنفسهم؛ وأخذ، في الوقت عينه، يقدم لهم جميعا، من الهدايا والتقدمات ~~والأعلاق النفيسة، ما لم يكن له بد من تسكين هياجهم عليه، وإزالة ما علق بخواطرهم ~~من النفور منه والانحراف عنه. # ولم يكتف بذلك؛ بل إنه، بعد رجوع السلطان من سياحته إلى عاصمته، عن طريق برلين ~~وڨيينا ونهر الطونة، عرج على الأستانة، في عودته إلى مصر، وأقام فيها يجامل ربها ~~ووزراءه، حتى حملهم على إصدار فرمان شهر سبتمبر التالي سنة 1867 المفسر ما غمض ~~والتبس فيه من عبارات فرمان 8 يونية السابق. # وأما الجزية، فإنه لم يكن يمكن التفكير، البتة، في قطعها عن تركيا: لأن جميع ~~الامتيازات، التي نيلت، إنما أمكن نيلها، وجميع القيود التي كسرت، إنما أمكن كسرها، ~~برفع مقدار المال المعطى سنويا من مصر إلى السلطان، رفعا مستمرا، فلأجل قطع ~~الجزية، إذا، كان يجب أن تسبق مصر بلغاريا إلى العمل الذي عملته هذه الدولة في سنة ~~1908، وتعلن تقلص ظل السيادة العثمانية عنها، ووثوبها إلى بحبوحة الاستقلال ~~التام. # على أنه لو فرض، وتمكنت من عمل ذلك، فقد كان من المحتمل، في تلك الأيام، أن لا ~~تجد فيه مصلحتها: لأنها ربما تعرضت، والوقت غير مناسب، إلى حرب مع تركيا؛ فقد كانت ~~تجر عليها ويلات جسيمة، أقلها إعادة مأساة سنة 1840. # غير ms289 أن (إسماعيل) كان ، مع ذلك، مصمما تصميما وطيدا على نيل الاستقلال التام ~~لمصر، يوما ما، وإلى رفع قيد الجزية المذل عن عاتقها؛ ولكنه كان يرقب الفرص لهذا ~~الغرض، ويتحينها، ليغتنمها ويستفيد منها؛ عاملا، في الوقت عينه، على إدراك مناه من ~~سبل يختطها لنفسه، ووسائل يتخذها، ولا يرى اتصالها بغرضه، مباشرة. # منها توصيته مصانع الأسلحة الفرنساوية، في سنة 1867، على صنع عدة آلاف بندقية من ~~البنادق ذات الإبر، التي كان قد اخترعها رجل يقال له: «شاسبو» وتسمت باسمه، ليسلح ~~بها الجيش المصري، بدل البنادق القديمة، الموضوعة بين يديه منذ أيام (محمد علي) ~~الأخيرة: فيكسبه قوة واستعدادا للطوارئ. # ومنها إشراك حكومته في مؤتمر النقود، المنعقد بباريس في تلك السنة؛ وإرساله ~~مندوبا من قبله يمثل مصر فيه؛ وتزويده إياه بأوامر أدى نفاذها إلى تعديل النظام ~~النقدي في القطر في السنوات التالية. # ومنها حملة الملكة فكتوريا، بواسطة قنصلها العام بمصر، على منحه أكبر درجات وسام ~~الحمام، وتكليفها اللورد كلارنس پاچت، أمير أسطولها في البحر الأبيض المتوسط، ~~بالذهاب إلى عاصمة الديار المصرية، خصيصا، لتقليده إياه: فحمله إليه ذلك اللورد في ~~وفد حافل من كبار ضباط عمارته البحرية، وبعض كبار الكتاب؛ وما حلت ركابهم بمصر إلا ~~وأنزلهم (إسماعيل) في قصر النزهة، بشبرا - وهو الذي نزل فيه، بعد ذلك بسنتين البرنس ~~أوف ويلز وقرينته؛ ونزل فيه بعد نيف وأربعة عشر عاما، الوفد العثماني الأول، الذي ~~أرسل لتسوية الخلاف بين الخديو (محمد توفيق) ورجال الجندية الثائرين على أنظمة ~~حكومته - واحتفى بهم احتفاء عظيما، كان له أحسن وقع في نفوسهم، ثم استدعاهم إلى ~~حضور استعراضه للجيش المصري الجديد في ميدان العباسية الشاسع، فكانت فرقة الهجانة ~~أهم ما استوقف أنظارهم واهتمامهم فيه؛ لأن جمال ملابسهم البدوية البديعة، وسمرة ~~وجوههم الناشئة عن لفح شمس الصحراء لها، والتحافهم جلال البيداء التي شبوا فيها، ~~وكونهم جميعا من العرب، حرك في المتفرجين عوامل الاستحسان والإعجاب - ولو أن ألسنة ~~السوء التي لم تترك (لإسماعيل) عملا بدون أن تنفث عليه سمومها، زعمت أن أولئك ~~الهجانة لم يكونوا ms290 عربا مطلقا، وإنما كانوا من صعاليك الناس، ألبسوا تلك الملابس ~~في ذلك اليوم، لمجرد التغرير بالضيوف! # ومنها اغتناؤه بالجيش المصري وتعليمه، اعتناء فائقا؛ وإنشاؤه المدارس الحربية ~~لتخريج الضباط الأكفاء، واستدعاؤه القواد الأمريكيين لتدريبهم وتكوين أركان حرب ~~متفوقين منهم، وسيأتي شرحه بالتفصيل عند كلامنا على تحقيقه الشطر الثالث من ~~خطته. # ومنه دأبه المستمر، والذي سيأتي بيانه في حينه، على معالجة نجاح مشروعه القضائي ~~المقصود منه القضاء على قيد الامتيازات الأجنبية، المتخذ على الأخص من تبعية مصر ~~للدولة العلية، مانحتها. # ومنها اغتنامة فرصة وجوده بالأستانة في أغسطس سنة 1868 لطلب ونيل رتبة الوزارة ~~الكبرى لولي عهده (الأمير محمد توفيق باشا) لاعتباره ذلك خطوة واسعة في سبيل رفع ~~شأن العرش المصري؛ لأنه إذا كانت درجة ولي عهده، درجة أكبر وزراء الدولة العثمانية، ~~فماذا يجب أن تكون درجة الجالس فعلا على الأريكة المصرية. # ومنها سحبه جنوده من كريت الثائرة على حكم الأتراك، بالرغم من إلحاح عالي باشا ~~الصدر الأعظم عليه بابقائها فيها، غير مبال بحقد ذلك الوزير عليه من جراء ~~سحبها. # على أن أهم تلك السبل والوسائل، إشراكه مصر، مستقلة عن تركيا، في معرض باريس ~~العام سنة 1867 واستقلاله، دون السلطان العثماني، بل وبإهماله إياه بتاتا بالقيام ~~بحفلات فتح ترعة السويس في سنة 1869. ~~(1) اشتراك مصر في معرض باريس العام سنة 1867‏ # 14 # كان (إسماعيل)، منذ أن عزم على ذلك، قد أصدر أوامره إلى مارييت بك، مدير ~~المتحف المصري، باتخاذ جميع الوسائل المؤدية إلى جعل القسم المصري في ذلك ~~المعرض في مقدمة أقسام الدول الشرقية قاطبة، فنفذ مارييت بك الأوامر بكل دقة، ~~وصرف عن سعة، صرفا تمكن به من إعادة الحياة المصرية القديمة إلى التجلي في ~~الجزء المخصص لها هناك؛ ومن إظهار الحياة المصرية المعاصرة بجانبها: فبينما ~~موميات فراعنة القدم وتماثيلهم تعرض في وسط يذهب بالزائر إلى تخيل نفسه عائشا ~~ثلاثة وأربعة وخمسة آلاف سنة إلى الوراء، كانت أشكال الوكائل والأسواق المصرية ~~المعاصرة تبعثه إلى الحياة بمصر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بعد ~~المسيح. ms291 # وكان المعرض العام كله، بعد أن أوشك في مبادئه أن لا يكون شيئا يذكر، قد ~~تجلى في مجالي بهجة تفوق كل وصف؛ وأخذت الأقوام والطوائف تؤمه من كل حدب وصوب، ~~ومن كل فج عميق؛ وتعاقبت في أقسامه وقاعاته أقدام إسكندر الثاني وفرنسيس يوسف، ~~إمبراطوري الروسيا والنمسا، وغليوم ملك بورسيا، وألبرت إدورد ولي عهد المملكة ~~البريطانية، وڨكتور عمانوئيل الثاني ملك إيطاليا الحلو الشمائل، فقدما عبد ~~العزيز سلطان تركيا، خليفة الإسلام، وأمير المؤمنين. # وكل هذه الرءوس المتوجة مرت على القسم المصري؛ ووقفت، برهة، أمام نعش رعمسيس ~~الثاني - الفرعون القدير، المظنون حتى ذلك اليوم أنه سيزوستريس هيرودتس، أكبر ~~الفاتحين، وأمجد من تكللت جبهته بأكاليل الفخار العسكري - وشخصت، مأخوذة، ~~صامتة، إلى جثة الراقد على صدرها نيفا وثلاثة آلاف عام والمنبعث عنها درس جليل ~~في بطلان كل مجد عالمي، ورأتهم الأقوام والطوائف يقفون تلك الوقفة؛ فأقدم أكثر ~~من واحد، في مجموعها المزدحم، يحلل الأفكار والتأملات الدائرة في خلد أولئك ~~المتوجين، وهم يمسون بذات أيديهم، وينظرون بأم أعينهم أن العظمة البشرية الأكثر ~~سطوعا، لظل زائل؛ وأن المجد البشري الأكثر تألقا، لشعاع صائر إلى ظلمة ~~ناءوس. # ثم مرت تلك الرءوس المتوجة على بيت «شيخ البلد» المقام بجانب المعبد المصري ~~القديم، والمجهزة فيه معامل الكتاكيت: فإذا بها في القدم، منذ نيف وخمسة آلاف ~~عام، ما هي اليوم، وإذا بالمصريين والمصريات، العاملين فيها، هم هم المرسومة ~~أشكالهم على جدران ذلك المعبد العتيق: دليل ساطع على حيوية الأمة المصرية، وعلى ~~أن الملوك والعواهل يتغيرون على عرشها، ويتعاقبون ويزولون؛ أما هي، فباقية إلى ~~الأبد! # نعم إنها أضاعت بفناء طائفة كهنوتها القديم، قوتها ورجوليتها وفلاحها؛ وأصبحت ~~طائشة الخطى؛ قليلة الاهتمام بالأمور؛ خانعة لكل نير؛ قابلة لكل عبادة؛ عديمة ~~الوحدة، والجنسية، والهيئة الخصوصية؛ غير ممانعة في التنازل عن نفس ذاتيتها، ~~وتغيير دينها ولغتها وعاداتها - كأنها ليس بالشيء الذي يؤبه به - راضية بأن ~~يصوغها الجنس السامي في قالب كيانه، بالرغم من شدة نفورها منه، في السابق، ~~وكراهيتها له؛ غير مستغربة صيرورتها يهودية وعربية، وهي ms292 التي قاتلت مائة وخمسين ~~عاما قتال الولهان ، لتتملص من النير الهكسوسي اليهودي العربي؛ غير مستغربة أن ~~يكون مبدأ أزمتها التاريخية مجزرة الشهداء في عهد ديوكلسيانس، من جهة، والفتح ~~الإسلامي، من الأخرى، وأن يصبح كل تاريخها القديم المجيد - الذي لا يضارع سنا ~~العظيم من عصوره سنا أي تاريخ كان في الوجود - شيئا منسيا، لا علاقة لها به، ~~بل أجنبيا عنها بالكلية. # نعم إن هذا كله صحيح، ولكنها، بفضل اتحاد معظمها في الإسلام، عادت فاستردت ~~جنسيتها وهيئتها الخصوصيتين؛ ولولا الأقلية المسيحية، التي بقيت فيها - وربما ~~كانت تكون مصيبة عليها وعلى نفسها لولا ما ظهر من تضافر أبنائها في العهد ~~الأخير - لاستردت وحدتها، أيضا، في العقلية، والمصلحة؛ لا سيما أنها حافظت، ~~بالرغم من صروف الأيام وحوادث الليالي، على شكلها الأصلي، وعاداتها، ومظاهر ~~حياتها القديمة بجانب مظاهر حياتها الجديدة. # ذلك ما رآه أولئك المتوجون، زائرو القسم المصري، في ذلك المعرض العام، وقد ~~انتقلت خطواتهم من قسمة القديم إلى قسمة الحديث، فإنه كان يشمل وكالة مربعة ~~الشكل، لها صحن فسيح تحيط به عمد من كل جهة، وبين كل عمود وعمود، خلاية لوضع ~~البضائع فيها؛ وفي أحد أركانه، حجرة منزوية، ينفذ إليها نور النهار من خلال باب ~~خشبي؛ وفيها فسقية مياه معدة لوضوء التجار؛ ويعلو ذلك جميعه دور علوي، منقسم ~~إلى حجر، منفصلة الواحدة عن الأخرى، معدة لسكنى الأجانب، وفاتحة على طرقة ~~دائرة. # وبجانب تلك الوكالة، قهوة تصنع القهوة فيها على الطريقة المصرية؛ فعدة ~~دكاكين، معروضة فيها المصنوعات المصرية، يستوقف النظر منها، على الأخص، صناعة ~~الجلود ودبغها، وإتقان الأنسجة، وجودة السروج، والصواني الخزفية، والمصوغات، ~~والتطريز على الجلد والقماش - وكلها تشهد بمهارة أيدي صانعيها - والآلات ~~الموسيقية: كالكمنجة المصرية، والعود، والقانون، والكبير تركي، والناي، ~~والقيثارة، والربابة، والزمارة، والنقارية، والسنتير، والدربكة، والصنوج ~~وغيرها. # على أن أهم ما كان في ذلك المعرض المصري قسم محصولاته الزراعية وهي: عدة ~~نماذج قطن من أجل الأنواع - والقطن كما هو معلوم، إنما أدخل (محمد علي) زراعته ~~إلى القطر المصري، عملا بنصيحة فرنساوي، يقال له: ms293 المسيو چيميل، كان قد رأى ~~بعض شجيرات منه في بستان باشا تركي اسمه (محو) بالقاهرة، فألفت انتباهه وتقديره ~~للفوائد الجمة التي تعود على البلاد من وراء تعميم زراعة ذلك النبات فيها - ~~وجملة أصناف قمح، وذرة، وتيل، وسمسم، وبرسيم، وفول، وترمس، وحناء، ونيلة، وتبغ؛ ~~وأصناف أرز وبلح وقصب سكر، إلخ. # وبينما زوار المعرض المصري في باريس يعجبون بهذه المعروضات، ويتنقلون من ~~دكاكين سوقه إلى قهوته، إلى صحن وكالته؛ ويقول لهم مارييت بك إن في مثلها، ~~بالتمام، نزل الجنرال بونابرت، لما دخل الإسكندرية فاتحا؛ وبينما هم يتزاحمون، ~~للتفرج على موميات الفراعنة، لا سيما مومية «رعمسيس الثاني»، وتتمثل مصر كلها ~~أمامهم، فتمتلئ بها مخيلاتهم، من أوائل تاريخها إلى أيامهم، ويقص عليهم مارييت ~~بك عجائب أيام (محمد علي)، ومدهشات أعمال (إسماعيل)، والتغييرات الأساسية التي ~~أدخلها على الحياة المصرية، بقصد حملها على التطور نحو المدنية الغربية - ليخدم ~~بذلك مآرب مولاه، ويعلي من قدره وقدر بلاده في أذهان سامعيه وقلوبهم - إذا ~~بالجرائد الباريسية صدرت مبشرة بوصول «خديو» مصر إلى عاصمة الإمبراطورية ~~الفرنساوية، وخصص معظمها عمودا أو عمودين لرواية ما يعلمه عن ذلك الزائر ~~الجليل. # ولما كان اللقب الممنوح له حديثا جديدا على المسامع، أقبل الناس يتساءلون: ~~«خديو؟ ما هو الخديو؟» واشرأبت أعناق أفهامهم إلى الوقوف على معنى الكلمة، ~~بالتعرف بحقيقة الأمير المطلقة عليه. # وكان (إسماعيل) قد قدم، وجيوبه ملأى بالنقود، وخزائن المصارف بباريس ولندن ~~تحت أمره وتصرفه، ففتح يديه بسخاء وبذخ لم يعهدهما العالم الغربي في عاهل من ~~العواهل الذين زاروا ذلك المعرض، فبات أحدوثة إعجاب الجميع، ولقبته الدوائر ~~الاجتماعية، على اختلاف أنواعها، «أسد اليوم»؛ وانكسفت، أمام بهجة أصفره ~~الرنان، المبذول بجود حاتمي، شمس جلالة السلطان عبد العزيز، على شدة ~~سطوعها. # فوقع في خلد العامة أن «الخديو» إنما هو أحد ملوك رواية ألف ليلة وليلة، بعث ~~إلى الحياة، ثانية، ليؤكد للملأ أن أقاصيص تلك الرواية إنما هي حقائق، لا ~~أحاديث خرافة؛ وأن «خليفة الفراعنة على عرش القطرين» أكبر ملك حلت قدماه في أرض ~~فرنسا، كما أنه ms294 أغنى عواهل الأرض قاطبة، وعلت منزلته ومنزلة بلاده في تقدير ~~الكل واعتبارهم، علوا كبيرا. # ومن الأخبار التي تناقلتها الألسنة عنه، حكايته مع أحد كبار نبلاء البلاد ~~الفرنساوية، التي رواها الكنت دي لاڨيزون في مذكراته غير المطبوعة؛ ومؤداها: أن ~~ذلك النبيل دعاه إلى وليمة في قصره، بضواحي باريس، فأجاب الخديو دعوته؛ وإذا به ~~يرى قصرا بلغ من الجمال والجلال، وفاخر الرياش، ما لم يكن أحد يتوقع وجود ~~مثله، أبدا، في حوزة غير الملوك، فأعجب (إسماعيل) به أيما إعجاب؛ وبعد تناول ~~طعام الغداء - وبينما المحادثة دائرة في قاعة التدخين - أبدى لمضيفه استحسانه ~~العظيم لقصره، فشكره النبيل على تلطفه، وكان قد قيل (لإسماعيل): إن الرجل في ~~ضيق مالي شديد، فأحب مساعدته بشكل لا ينجرح له إحساسه، فسأله عما إذا كان يريد ~~بيع قصره - وكان الرجل، على شدة احتياجه إلى نقود، لا يرى في استطاعته التجرد ~~من ملكية ذلك البناء الفخيم؛ ولكنه استنكر مقابلة لطف (إسماعيل) بخشونة الرفض، ~~فعن له أن يبالغ بالثمن، ليحمله على العدول عن رغبته في المشترى - فأجاب: «إني ~~قد أبيعه، يا مولاي، مقابل خمسة ملايين من الفرنكات!» ولم يكن يساوي أكثر من ~~مليون ونصف مليون. # فالتقط (إسماعيل) الكلمة من فيه، وهي طائرة، وقال: «إني اشتريته منك، بهذا ~~المبلغ!» وحرر له في الحال حوالة بثمنه على أحد بنكيريه بباريس، فلم ير الرجل ~~بدا من قبول البيع. # غير أن (إسماعيل) التفت، حينذاك، إلى ابنة ذلك النبيل - وكانت هيفاء لا ~~تتجاوز الخامسة عشر ربيعا - وقال بابتسام جميل، مخاطبا والدها: «على إني لا ~~إخالك تمانع في أن تحرر عقد البيع للآنسة ابنتك هذه اللطيفة، تخليدا لذكر ~~استحسان «خديو مصر» ظرفها وآدابها؛ ولكيلا يقال: إني زرتك لأجردك من ملكك». # 15 # فكان لهذه الهبة الجليلة، وكيفية منحها، رنة إعجاب في العاصمة الفرنساوية، ~~جعلت (إسماعيل) موضع إشارات البنان والتفاتات الأعين، حيثما توجه، وأينما حل؛ ~~وسهلت عليه جدا تحقيق الرغائب السامية الدائرة في فؤاده، ألا وهي القضاء على ~~القيدين المقيدين استقلال بلاده، وأعني بهما: ما تبقى من ظل ms295 السيادة العثمانية ~~عليها، والامتيازات الأجنبية. # ولا غرابة، فإن هذه الحادثة تذكرنا بما كان من غليوم الثاني، إمبراطور ~~ألمانيا المخلوع، أثناء زيارته لسوريا سنة 1898 فإنه، بعد أن غمر، هو وزوجه، ~~بهدايا (عبد الحميد) الثمينة؛ وكلف الدولة العلية نيفا ومليونين من الجنيهات؛ ~~ونقل إلى عاصمته، من بعلبك، معظم نفائس معبد الشمس الشهير فيها، بتصريح من ذلك ~~السلطان - وهي آثار لا تقدر بأموال ولا تثمن بكنوز - بعد أن اقتطع منه، في صميم ~~بلاده، الأراضي الشاسعة، ليستعمرها الألمان؛ ونال امتياز إنشاء السكة الحديدية ~~من أشقوداره، تجاه الأستانة، إلى بغداد، بالمزايا والضمانات المالية والعقارية ~~العظيمة اللاحقة بها - فكان كأنه وضع يديه على رقبة الدولة البائسة، وملك قلبها ~~- ولم يعط، عن ذلك جميعه، بدلا، سوى صداقته، وهدايا لحاشية السلطان ورجال ما ~~بينه، بلغ ثمنها خمسة وثلاثين ألف فرنك، فقط - إذا كانت ذاكرتي لا تخونني - ~~وإكليل برونز مذهب أهداه إلى ضريح (صلاح الدين) مرفقا بوعد صريح مقتضاه إرسال ~~مثيله من الذهب الخالص ليقوم مقامه، وهو وعد لم يحقق مطلقا، حل أخيرا في ~~دمشق، حيث أبهج العالم الإسلامي المغرور به، بإعلانه صداقته؛ أي: صداقة ~~«الإمبراطور الألماني» للثلاثمائة مليون مسلم المنتشرين على سطح البسيطة، ~~ووقوفه بجانبهم معضدا معززا - كأنما الثلاثمائة مليون مسلم، وهم لو اتحدوا ~~قلبا وكلمة، لوزنوا في كفة الأقدار وزنا راجحا، في حاجة إلى تعضيد فرد، مهما ~~كان مركزه رفيعا! - ثم زار بيت آل العظم الرفيع الحسب والنسب، وشرع يكثر من ~~استحسان رياشه وأثاثه لما أنس من عميد ذلك البيت الكريم أنه كان يرجوه بإلحاح ~~احترامي، أن يتفضل ويشرفه بأخذ كل ما كان يبدي به إعجابا، وما زالا على ذلك ~~المنوال: هو يستحسن، والعظم يهب، حتى أحس العاهل نفسه، على كبر جشعه، أنه تعدى ~~كل حدود اللياقة، وأنه أصبح يتحتم عليه، من باب عدم الإغراق في القحة، الوقوف ~~في مضمار ذلك السلب، فما وجد ما يعبر به عن شعوره خيرا من قوله، بابتسام، إلى ~~عميد ذلك البيت الرفيع العماد: «إني أتيت لأزورك، لا لأسرقك!» وهي في ms296 الحقيقة ~~جملة استجدائية في قالب ذوق، كان من شأنها، بداهة ، توريط النبيل الدمشقي في ~~تيار كرمه المندفع - كما كان الواقع - فإن العظم انحنى بوقار أمام جلالة زائره، ~~وقال: «إننا يا مولاي، بأولادنا، ونسائنا، وأرواحنا، ومتاعنا، ملك أمير ~~المؤمنين؛ وبما أنك صديقه، فنحن أيضا ملك جلالتك!» - ولست أدري أن إنسانا ~~يحترم نفسه، ولو قليلا، فاه، في أيامنا هذه، بجملة بعيدة عن الروح العربية ~~والإسلام الصحيح، بعد هذه الجملة عنهما! - إلا أنها أطربت نفس القيصر الألماني ~~المتألهة، طربا بعيد الغور، فالتفت إلى حاشيته المرافقة له، وصفق، وقال: «هكذا ~~يكون الولاء للمالك، وللعرش! فمتى أرى قلب شعبي مفعما بمثله؟» واستمر في سلب ~~مضيفه من نفائس رياشه. # فأين عمل هذا الإمبراطور الغشوم البارد، من عمل ذلك الخديو الكريم، ~~الباهر؟ # وبعد أن مهد (إسماعيل) السبيل لنجاح مسعييه بباريس؛ حتى أصبح تحقيقهما لديه ~~أمرا غير مشكوك فيه، سافر إلى إنجلترا على ظهر سفينة حربية فرنساوية، وضعها ~~الإمبراطور نابوليون تحت تصرفه، مبالغة في إكرامه، وإظهارا لصداقته له، فحيته ~~قلاع دوڨر، ومدافع فرقاطتين إنجليزيتين أرسلتا خصيصا لإكرامه؛ وقوبل، على ~~الميناء، بكل مظاهر الاحتفاء بمجيء ملك من الملوك، ولما نزل في محطة تشيرنج ~~كروس بلندن، وجد حرسا قائما لتأدية التحية العسكرية له ومواكب ملكية موضوعة ~~رهن إشارته، ولكن، فيما عدا ذلك، فإن الحكومة الإنجليزية أرادت مجاملة (عبد ~~العزيز) فأهملت جانب (إسماعيل)، ولم تخصه بقصر من قصور الأسرة المالكة، ولولا ~~أن ضيافته الملكية بمصر لكبار رجال بريطانيا العظمى، الذين وردوا عليه زائرين، ~~كانت قد أكسبته قلوبا عديدة في تلك البلاد، لاضطر إلى النزول في فندق ~~عام. # غير أن بعض كبار اللوردات هب ينتقد على الحكومة الإنجليزية إهمالها شأن «خديو ~~مصر» الكريم، وأسرع اللورد ددلي، ووضع، تحت تصرفه، قصره الجميل - وكان يضارع ~~أفخم القصور الملكية في أوروبا حسنا، ونفاسة رياش - وقامت الصحف اللندونية ~~تطريه، وتثني عليه، وتنعته بأجمل النعوت، قائلة عنه: «إنه أحذق حكام الشرق ~~وأوسعهم نورا في عقليته» وترحب به ترحيبا جميلا. # فرأت الملكة ڨكتوريا أن تشارك شعبها في شعوره؛ ms297 وبعد مضي يومين على وصول ~~(إسماعيل) إلى بلادها استقبلته في «وندزر كسل » بمعية ولي عهدها، استقبالا ~~شائقا ملكيا، ثم جمعت معا بين إكرامه وإكرام (عبد العزيز)، فاستعرضت ~~الأساطيل البريطانية في برتسمث، إجلالا لهما؛ ودعتهما، الواحد بعد الآخر، إلى ~~ولائم فاخرة، أولمتها لهما خصيصا، واقتدت بها بلدية لندن؛ فأقامت، لكل منهما، ~~حفلة استقبال حافلة في «الجيلد هل» الشهيرة! # فكان ذلك جميعه بمثابة اعتراف شبه رسمي من الحكومة والأمة البريطانيتين ~~بمساواة (إسماعيل) بعبد العزيز، مساواة تكاد تكون تامة، وهو أقصى ما كان «خديو ~~مصر» يمني نفسه به، فاتخذه، والحالة هذه، سابقة يرجع إليها، يوم يحين الأوان ~~لإعلانه استقلاله، إعلانا صريحا، ومطالبته الدول بالاعتراف به اعترافا ~~رسميا. # لذلك، ولوثوقه من فرنسا وإمبراطورها، وثوقا كليا، عاد إلى مصر من سفره إلى ~~المعرض منشرح الفؤاد انشراحا لا مزيد عليه - بعد أن عرج على الأستانة كما تقدم ~~وأدب فيها وليمة فاخرة للسلطان، مساء يوم السبت 31 أغسطس سنة 1867، في قصره ~~الجميل بميركون، السابق مشتراه على ضفاف البسفور، وإعداده إعدادا فائقا ليكون ~~جديرا بحلوله فيه، مع حاشيته، عند ذهابه إلى دار الخلافة # 16 # واستصدر فرمان سبتمبر سنة 1867 الذي سبق ذكره - وإنما عاد منشرحا ~~ذلك الانشراح لأنه بلغ من إشراكه بلاده في ذلك المعرض وذهابه إليه مقصدين من ~~المقاصد التي حملته على ذلك الإشراك، وهما: # الأول: # إظهار «مصره» متقدمة راقية، جديرة بانعطاف كبيرات الدول ~~عليها، والأخذ بناصرها، وتوطيد الثقة التامة بماليتها، ~~والاعتقاد بلا نهائية ثروتها في نفوس الجميع. # الثاني: # حمل العالم المتمدين على أن يحله من نفسه وصميمه، محل ملك ~~حقيقي مستقل، وتمكن في الوقت عينه من المحافظة على حب الأستانة ~~له، بالرغم من عمله على تقليص ظلها الثقيل عنه، وهو تمكن كان ~~لا بد منه لنجاح مقاصده الخفية، فلم يستكثر في سبيل ذلك جميعه ~~الأموال الجمة التي أنفقها؛ وعدها منفقة في خير الوجوه، ولو ~~أنها بلغت بضعة الملايين من الفرنكات عدا. ~~(2) الاستقلال دون السلطان العثماني بالقيام بحفلات ترعة السويس # 17 # عاد (إسماعيل)، من السويس، إلى القاهرة ms298 - بعد قيام البرنس أوڨ ويلز إلى ~~الإسكندرية، ليبحر منها، ووجهته الأستانة، في شهر مارس سنة 1869 - وقد شغف بعمل ~~دي لسبس شغفا يفوق حدود التصور، ووطن نفسه على أن يقوم باحتفالات فتح الترعة ~~للتجارة العالمية، قياما يزيل كل ما أشكل على الغير في الماضي من نياته، ويظهر ~~ثروته وثروة بلاده في مظهر تتضاءل أمامه كل ثروة أخرى، مهما عظمت، أو فخمتها ~~الأحلام؛ فيبهر العالم المتمدين ويسحره ويأخذه؛ ويغتنمها فرصة في الوقت عينه ~~ليتحرر مما بقي من القيود العثمانية الملقاة على عاتق مصر، فيعلن استقلاله بها، ~~بمساعدة العواهل الغربيين الذين يكون قد فاز باستمالتهم إليه، لا سيما ~~الإمبراطور الفرنساوي، والملك الإيطالي، صديقيه الحميمين. # وبينما هو يضع الخطة لسيره وعمله، ويستمرئ، مقدما، لذة فوزه بمبتغياته، ~~وإحراز إعجاب العالم به، وقع في خلد مدير الأوبرا الخديوية، المدعو منسي بك - ~~وكان أرمنيا تفرنس - أن يقلق سكينته، ويشغل فكره، ليفترس شكره، ويثري من ~~«محظوظيته». # ففي ذات ليلة من ليالي أبريل الأولى، إذ كان (إسماعيل) مزمعا على الذهاب إلى ~~تلك الدار، ليحضر تمثيل الجوقة الفرنساوية، المستأجرة في ذلك العام، دخل منسي ~~بك، مضطربا، الشرفة المخصصة هناك لسموه، وأخرج شيئا سمجا حاول صانعه أن ~~يجعله آلة جهنمية - من تحت الكرسي الذي كان (إسماعيل) يجلس عليه، وأوقع الصوت ~~في الدار، فاضطربت كلها، وبطل التمثيل؛ وحملت الأنباء إلى الخديو - وكان لا ~~يزال بعابدين - فانزعج، وعلا الغضب وجهه، إذ ظنها مكيدة جديدة دبرها له مريدو ~~عمه المنفي، وارتجت أركان العاصمة، ووجلت قلوب الجالية الغربية في القطر، وأكب ~~رجال الشرطة، ورؤساؤها على البحث والتنقيب، للوصول إلى معرفة مدبري تلك ~~المكيدة. # فأسفر بحثهم وتدقيقهم: # أولا: # عن أن تلك الآلة، المزعومة جهنمية، لم تكن تخفي في جوفها ~~سوءا، وإنما كانت مظهر خطر فقط، وآلة نصب في الحقيقة. # ثانيا: # عن اعتراف منسي بك نفسه بأن المسألة كلها لعبة دبرها، هو، ~~لتتخذ شكل مكيدة، فيكون له فخر اكتشافها ومغنم المكافأة ~~الثمينة التي كان لا بد من إعطائها له. # غير أن (إسماعيل) لم ترق في عينه ms299 تلك اللعبة، ولولا تداخل قنصل فرنسا، بتأثير ~~ممثلة من ممثلات الجوقة كان مغرما بها، لخسف بذلك الأرمني السمج الأرض، أو ~~نفاه على الأقل إلى فازوغلو، ذلك البلد الذي لم يكن أحد يعود منه، ولكن تداخل ~~القنصل الفرنساوي عمل عمله، فجرد منسي بك من رتبته ونياشينه، فقط، وطرد من ~~البلاد، وأنذر بالإعدام إذا تجاسر على العود إليها. # 18 # وإنما كان مثار غضب (إسماعيل) وتميزه من تلك اللعبة السمجة خوفه من أن تكون ~~سببا في نشوء فكر الاعتداء عليه، حقيقة، في بعض العقول المريضة، أو بعض القلوب ~~الناقمة، لما جبل عليه الإنسان من حب الاقتداء، لا سيما بما كان سرا وسوءا، ~~فأمر بإغلاق دور التمثيل والملاعب، وأبطل ملاهي القصور، وقصفها، ولم يكن خوفه ~~في غير محله، فإن الجند كان قد شرع يتذمر من قلة الطعام، ورداءته، وكثرة التعب ~~وبهاظته، فيما كان يحمل عليه من العمل في إقامة القصور الخديوية، وتحسين ~~العاصمة وتنظيمها، وفي الشئون المدنية المحضة الأخرى، وإنما أراد (إسماعيل) أن ~~يحمل الجند على ذلك العمل، وأن يكون طعامه بسيطا وقليلا، بالرغم من ذلك، ~~ليعوده احتمال المشاق، وقناعة النفس؛ فيكون منه جيشا متصفا بصفات الجيش الذي ~~انتصر به (ماريس) الروماني على جموع السمبر والتوتون، بعد أن شغله طويلا في ~~أعمال شاقة كذلك العمل؛ وبصفات الجيش السبرطاني، الذي لم يكن يعطى له طعام، ~~بالرغم من كثرة جهوده، سوى حساء محروق؛ أي: جيشا بطليا قويا، لا تتمكن مصر ~~به من الاستقلال التام، فقط، بل من مد سلطانها إلى أبعد الأقطار الجنوبية، ورفع ~~رايتها على خط الاستواء ذاته، ولكن روح ذلك الجند أبت أن تكون من طراز جيش ~~ماريس، وجيش إسبرطة، فكثر فيه التململ والتضجر، من العساكر، ومن الضباط أنفسهم، ~~وتحت نوافذ سراي عابدين عينها. # فاضطر (إسماعيل)، لمحق تلك الروح الشريرة في بدء نشأتها، أن يأمر بإلقاء ~~القبض على عدد من الضباط المشار إليهم بالبنان في مظهر ذلك التمرد - وقد جعل ~~بعضهم ذلك العدد ثمانية، وجعله آخرون أحد عشر - ومحاكمتهم أمام مجلس عسكري ~~فحوكموا، وحكم ms300 عليهم بالإعدام رميا بالرصاص، ونفذ فيهم ذلك الحكم، ثاني يوم ~~صدوره، في قرية تجاور مصر. على أنه لم تمض أيام قلائل على ذلك التنفيذ إلا ووجد ~~أربعة عساكر مسلحون ومتأبطون شرا يتجولون في بستان قصر الجزيرة، والسوء متلبس ~~بجميع حركاتهم، وكان الخديو مقيما إذ ذاك في ذلك القصر، فقبض عليهم في الحال، ~~وقتلوا رميا بالرصاص، وطرحت جثثهم في النيل، فخمدت روح الفتنة في الجيش، ولم ~~تعد تبدي حراكا. # 19 # ومن حسن حظ البلاد أن هذه الحوادث المزعجة، وإقدام مجلس النواب - قبل انفضاضه ~~في الخامس والعشرين من شهر أبريل عينه - على ربط عوائد وضرائب جديدة (منها ~~عوائد على رءوس حيوانات النقل والفلاحة الزائد عمرها على ثلاث سنوات) مرا بدون ~~أن تضطرب لهما حياة البلاد؛ مع أن نفاذ تلك الضريبة الغريبة، فيما لو أريد ~~اجتناب الحيف والإجحاف، كان من شأنه إيجاد سجلات خاصة لقيد مواليد تلك ~~الحيوانات: وهو أمر كان فيه ما فيه من السخرية والهزء في ذلك العهد! # وإنما قل الاهتمام بذلك جميعه لأن الأفكار كانت كلها مشغولة بسفر الخديو ~~القريب لزيارة ملوك أوروبا وعواهلها، ودعوتهم إلى حضور حفلات افتتاح ترعة ~~السويس؛ وهو حضور كانت التجارة المصرية تتوقع منه أكبر الخيرات وأجزلها؛ وكان ~~المصريون يعلقون عليه آمالهم في بلوغ بلادهم الاستقلال المنشود! # ولكي تكون رحلة الأمير الرسمية لهذا الغرض مميزة عن كل ما سواها من نوعها، ~~قر الرأي على أن يعين الأمير (محمد توفيق باشا) قائما مقام سمو أبيه الفخيم، ~~مدة غيابه، تحت إرشاد شريف باشا، وزير الخارجية، ولكيلا توقظ هواجس في صدر ~~تركيا، أشيع في بادئ الأمر أن السفر إلى الخارج إنما علته معاودة وجع الحنجرة ~~الخديو، وإشارة طبيبه عليه بالذهاب إلى (إمس) و(ڨيشي)، هذه المرة. # ووجع الحنجرة هذا كان اعترى (إسماعيل) في بحر شتاء سنة 1868، ولم يشخصه ~~الأطباء، في الأول، تشخيصا صحيحا، فأهمل الخديو شأنه، وتهاون في مداواته؛ ~~فانقلب إلى وجع خطير، ومرض شغل الأفكار وأقلقها، فما وسع دولة الوالدة الجليلة، ~~والحرم المصون إلا الإلحاح على المليك بإعادة طبيبه ms301 العادي الخاص إلى خدمته - ~~وكان قد أقاله وأبعده عن القطر بسبب حادثة بلاطية لم يدرك كنهها، وتضاربت ~~الألسنة في روايتها وبيان تفاصيلها - فما عاد إلى معالجته، إلا وبدأ التحسين في ~~حالة المريض الجليل، واستمر مطردا، حتى أزال العلة تماما. على أنه لم يكن ~~لينسب، في الحقيقة، إلى مهارة الطبيب؛ بل إلى فرح الخديو الجزيل بمولود جديد ~~رزق به، في السادس والعشرين من شهر مارس سنة 1868، دعاه (أحمد فؤاد) قرت به ~~عينه، وأعده الله لمستقبل باهر، ولكن الطبيب رأى، مع ذلك، وجوب سفر سموه إلى ~~الخارج ليعالج بمياه الجهات الموصوفة، توصلا إلى قطع دابر ذلك المرض بالكلية، ~~ومنع عودته في المستقبل، فرأى (إسماعيل) أن يسافر إلى بروصة في ~~الأناضول: ~~(أولا): لأنها بلد إسلامي. # و(ثانيا): لأن مياهها قلما يوجد لها مثيل في البلاد الأخرى. # و(ثالثا): لأنها قريبة من الأستانة. # وكان هو في احتياج إلى تعجيل موافقتها على المشروع القضائي، الذي كان قد خلف ~~نوبار باشا، وزيره في أوروبا، ليجد في إدراك تحقيقه، فبعث، أولا، من حلل تلك ~~المياه تحليلا كيماويا؛ ولما أظهر الفحص جودتها، قرر السفر إلى بروصة ~~والإقامة بها زمنا، ثم مغادرتها إلى (إمس) أو (أوبن)، فإلى باريس لنسج خيوط ~~مساعيه الاستقلالية وتشعيبها، ولمساعدة نوبار على نفاذ الإصلاح المرغوب فيه، ~~والذي كانت المخابرات بشأنه قد تقدمت تقدما محسوسا جدا، فسافر إليها، في ~~الواقع في 30 مايو سنة 1868، وتعالج بمياه حماماتها المعدنية، فأفادته فائدة ~~كلية، عدل معها عن الذهاب إلى (إمس) أو خلافها؛ وقرر تمضية باقي فصل الصيف في ~~عاصمة السلطنة العثمانية، ينوم بمظاهر ولائه ما قد توقظه مساعيه وأعماله من ~~ظنون في صحة ذلك الولاء وحقيقته؛ ويسدل من نقوده المبذولة بسخاء، حجابا كثيفا ~~أمام عيون الراغبين في الوقوف على كنه نياته، ففعل، ونال ما تمنى؛ وعاد إلى ~~بلاده، بعد غيبة ثلاثة أشهر عنها، وهو يرى أنه يكاد يلمس نجاحه باليد. # ولما أشيع، في المناسبة التي نحن بصددها، أن معاودة داء الحنجرة له هي ~~الموجبة لسفره هذا العام، قرنت الإشاعة بنبأ مؤداه ms302 أن الأطباء أشاروا عليه ~~بالاستحمام بالمياه الأوروبية، هذه المرة، فحتموا عليه السفر إلى أوروبا؛ ثم ~~شرع - والإشاعة تروج وتروج - في أخذ الاحتياطات اللازمة لتكون الرحلة محفوفة ~~بمظهر ملكي حقيقي، فيتم كل شيء بحيث يسبق السيف العذل! # فلما كملت الاستعدادات جميعها، أقلع الخديو من الإسكندرية في 17 مايو إلى ~~البندقية، ومعه حاشية يفوق عدد رجالها مثله في الرحلات السابقة؛ ويحيط به مظهر ~~يكاد يكون إمبراطوريا، فأطلقت الحصون مائة مدفع ومدفعا، تكريما لوداعه؛ ~~وسار يخته الفخم «المحروسة» تتقدمه ثلاث سفن حربية، وتتبعه ثلاث أخرى، حتى إذا ~~توسط عرض البحار بتلك العمارة المستوقفة الأنظار، عرج على جزيرة كرفو، حيث كان ~~جورج ملك اليونان مقيما، وبالرغم من أن هذا العاهل كان قد أوشك منذ عهد قريب ~~أن يشتبك في حرب مع تركيا، وأن علاقاته بها كانت لا تزال بسبب كريت عدائية أكثر ~~منها ودية، دعاه إلى حضور حفلات فتح ترعة السويس المقبلة، بإلحاح؛ وقدم لزوجته ~~الجميلة، الملكة ألجا - ولا تزال حية - مائة ألف فرنك، مساعدة للمهاجرين ~~الكريتيين، مظهرا لها عطفا كبيرا عليهم، على زعم الجرائد اليونانية، ورغبة ~~أكيدة في تخفيف ويلاتهم - كأنما تركيا في واد، ومصر في واد آخر. # وبعد أن أقام بضعة أيام بضيافة الملك جورج، أقلع إلى البندقية، وسار منها إلى ~~فلورنسا، حيث أسرع الملك ڨكتور عمانوئيل الثاني، صديقه الحميم، من مقره في ~~تورينو، إلى مقابلته، وأنزله في القصر الفخم المسمى «قصرپتي» نزول ملك مالك، ~~فأقام (إسماعيل) هناك أسبوعا، وهو في روحاته وغدواته محط عناية وإكرام فائقين؛ ~~ثم سار إلى ڨيينا، حيث قوبل وعومل أيضا كملك مالك. # ثم سار إلى برلين، فأنزل في «الشلوس»؛ وأبدى له غليوم الأول، الملك الشيخ، من ~~الاحتفاء والإعزاز والتعظيم ما لم يقل عما صادفه منها في فلورنسا ~~وڨيينا. # ثم سار إلى باريس، فوجد مقابلة رحبة ملكية من عاهلي الفرنسيس وشعبهما، ~~وتشجيعا سريا لمساعيه، فوق ما كان يتوقع. # ثم سار إلى لندن، فأنزلته الملكة ڨكتوريا، هذه المرة، في قصر بوكنهام ~~الإمبراطوري، وتبارت هي في وندزر، والبرنس أوڨ ويلز ms303 في مرلبور وهاوس، والدوكات ~~في قصورهم، والبلدية في «المنش هوس» و«قصر البلور»، في تكريمه وتعظيمه، نيفا ~~وعشرة أيام، إكراما وتعظيما قلما يبذل مثلهما حتى للملوك. # فانشرح صدر (إسماعيل)، وابتهج فؤاده. # ولكن تركيا - وقد حقد صدرها الأعظم، عالي باشا، عليه بسبب سحبه جنوده من ~~كريت، وما بدا منه نحو ملك اليونان من التودد والإكرام، ونحو ثوار الجزيرة من ~~الانعطاف والمساعدة - كانت واقفة له بالمرصاد، وما أدركت غرضه الحقيقي من ~~رحلته، إلا وأقبلت تعكر عليه حبوره، وتتخذ من مسلكه، ومن تغير خاطر السلطان عبد ~~العزيز عليه، لعدم قصده إياه، قبل الجميع، بصفته سيد مصر، وعدم توجيهه الدعوة ~~إليه ليرأس الحفلة العتيدة، حجة لتهديده وتوعده، ووسيلة لابتذاذ نقوده، في سبيل ~~رضاه عنه. # فبعثت في منتصف شهر يونية، وقبل حلول الركب الخديوي في أرض إنجلترا، منشورا ~~إلى جميع السفراء العثمانيين لدى الدول الغربية، تأمرهم فيه بالاحتجاج على عمل ~~خديو مصر، واعتباره خارجا عن حدود اللياقة، جارحا لحقوق السيادة التي لتركيا ~~عليه، ومزريا بالواجب المطلوب من التابع لمتبوعه، وذلك لأن الدعوة إلى حضور ~~حفلات فتح ترعة السويس إنما كان يجب أن تكون باسم السلطان العثماني، سيد البلاد ~~الحقيقي، وحده دون غيره، لا باسم الخديو، الذي ما هو إلا نائبه؛ وأنها، ~~بالتالي، بشكلها الذي تشكلت به، باطلة ملغاة. # ولم يكتف الباب العالي بذلك، بل أوعز إلى جرائده المأجورة كجريدة «تركيا»، ~~وجريدة «الليڨنت هرلد» بشن الغارة على ما منح لمصر من امتيازات، وحمل الحملات ~~العنيفة على (إسماعيل)، ورميه بتهم المروق والخيانة، والسعي الحثيث إلى الإضرار ~~بتركيا؛ وتمادى في هذا التيار، تماديا ظهر بأجلى معانيه ورموزه في المقالات ~~المتتابعة، التي دبجها يراع مسيو بردئانو، كبير كتابه المأجورين، ورئيس تحرير ~~جريدة «تركيا»، فإنه حصر في سبعة أوجه أنواع الخطأ التي زعم أن (إسماعيل) ~~ارتكبها، وطلب بإلحاح أن يكون عقابه عليها العزل من منصبه، وإعادة مصر ولاية ~~عثمانية كباقي الولايات - عملا بالشرط الثاني عشر من شروط فرمان 13 فبراير سنة ~~1841. # وأما تلك الأوجه السبعة فهي: # أولا: # ذهاب الخديو إلى أوروبا ms304 لسبر غور الدول فيما يتعلق بعزمه على ~~إعلان استقلاله بمصر. # ثانيا: # إقدامه على الدخول مباشرة في مخابرات، بقصد عقد معاهدات ~~تجارية مع الدول الأجنبية، بدون استئذان تركيا أولا. # ثالثا: # تكليفه نوبار باشا بالسعي لدى الحكومات الغربية لحملها على ~~المصادقة على إنشاء محاكم مختلطة، لا وجود لها في باقي ولايات ~~الدولة العثمانية، وتصريحه لذلك الباشا بالتلقب بوزير خارجية ~~مصر، مع أن مصر لا خارجية لها سوى خارجية الدولة ~~العلية. # رابعا: # تسليحه الجيش المصري ببنادق من الطراز الحديث، بدل إبقائه ~~مسلحا بالبنادق القديمة، أسوة بالجيش العثماني. # خامسا: # عقده قروضا باسمه، بدون استشارة تركيا واستئذانها. # سادسا: # إضافته ثلاث فرقاطات مصفحة إلى أسطوله الحربي لتعزيزه ~~تعزيزا يخشى منه على سلامة الدولة العلية. # سابعا: # وأخيرا تجنبه، عمدا، مقابلة السفراء العثمانيين في العواصم ~~الأجنبية التي زارها. # فدفع (إسماعيل) هذه الهجمات بجدة، وكلف، هو أيضا، جرائد وكتابا من مريديه، ~~الأخذ بناصره، وتفنيد مزاعم الباب العالي ودحضها، وبيان سخافة اعتبار بعض تلك ~~الأوجه ضارة بمصالح الدولة العلية، في حين أن نفعها ظاهر للعيان: كوجهي تسليح ~~للجيش المصري ببنادق من الطراز الحديث، وبناء الفرقاطات المدرعة الثلاث، فإن في ~~مثل هذين الأمرين من إكساب تركيا قوة وبأسا، فيما لو شبت حرب بينها وبين دولة ~~أخرى، ما يجدر بتركيا شكر مصر عليه، لا تأنيبها وتقريعها. # فكثر بين الناس تداول كتب ونشرات ونبذ: ككتاب «مصر حسب معاهدات سنة 1840 وسنة ~~1841» لبردئانو، وكتاب «مصر وتركيا» لجاي لساك، وكتاب «مسألة باشا مصر» ~~للوكوڨتش، وكتاب «الخلاف المصري التركي» للوري، وغيرها، وبعضها منتصر لتركيا، ~~والبعض لمصر، حتى جاشت النفوس وهاجت الصدور؛ واحتدم النزاع احتداما بات يخشى ~~معه من شبوب حرب بين التابع والمتبوع، يعيد بها التاريخ نفسه. # فأمرت الحكومة المصرية بترميم الحصون والقلاع والاستحكامات وتحصينها، وتدريب ~~الجيش وتعزيزه؛ واتخذت كل الاحتياطات، التي استدعتها تلك الحال الحرجة؛ وشرع ~~(إسماعيل) يسعى إلى استمالة الدول الغربية إليه، بصفته معتدى عليه، بدون وجه ~~حق؛ ووضع، في الوقت عينه، في مصر من مصارف باريس، 50 مليونا من الفرنكات، ~~توقيا للطوارئ، ولكنه ms305 أكد، أيضا، رغبته في الاستمرار على خطته، وعدم احتفاله ~~بإبراق تركيا وإرعادها، بالخطبة التي وجهها إلى اللورد مير في وليمة المنش هوس ~~التي دعته بلدية لندن إليها؛ وهي خطبة هيمنت تمام الهيمنة على سابقتها الملقاة ~~منه في القاعة عينها، لدى أول زيارته للعاصمة البريطانية في صيف سنة 1867 وتجد ~~صورتها في الجزء الخامس من «كنز الرغائب» السابق ذكره ص143. # غير أنه، لدى عودته إلى باريس، بعد أن زار بروكسل لدعوة ملك البلچيك، أيضا، ~~إلى احتفالات السويس العتيدة، أشار الإمبراطور عليه بأن يلين جابنه، مؤقتا، ~~ويدع، جانبا، كل ما من شأنه زيادة توتر العلائق بينه وبين تركيا، ريثما تتحسن ~~الأمور، فإن مسألة اللوكزمبرج كانت قد أبقت، في الهواء السياسي، كهرباء لا تزال ~~تياراتها شديدة، وربما كفت شرارة واحدة لتنفجر منها طلقة تهتز لها ~~الأكوان. # وشعر (إسماعيل) نفسه أن الفرصة غير سانحة لفتح باب ويلات على مصر والشرق؛ ~~وأنه يجدر به أن لا يدع مكدرا، مهما كان نوعه، يحول بينه وبين بهجة الأعياد ~~بفتح ترعة السويس للتجارة العالمية، والفخر الناجم له عنها؛ لا سيما أنه يدري ~~كيف تنال الأغراض في الأستانة، مهما عز منالها. # فأهمل، مؤقتا، مسألة النزاع القائم بينه وبين متبوعه، واعتبر تهديدات تركيا ~~كلاما فارغا، سوف يقضي عليه قضاء مبرما بهاء حفلات فتح الترعة؛ ورأى أن ~~يغتنم فرصة وجوده في باريس للدخول مع بعض الماليين في مخابرات غرضها إنشاء بنك ~~أهلي، وبنك عقاري بمصر، يكون هو أكبر مساهميهما وأهم عملائهما: وذلك لعلمه أن ~~لا استقلال سياسي لبلاد لا استقلال مالي لها. # فعرفه مالي، كان مخصصا لخدمته في تلك العاصمة، بالمسيو ليڨي كريمييه، فأدت ~~تلك المعرفة إلى ربط وثاق صداقة متبادلة بين سموه وذلك اليهودي، وإلى إنشاء ~~البنك الفرنكو المصري، بواسطته. # كذلك تعرف، بواسطة نوبار باشا، بالماليين ا.دي جيرار دين وشركائه، وكانت ~~نتيجة معرفته بهم إنشاء «الشركة العمومية المصرية» للإتجار والاستغلال، قدم ~~الخديو معظم رأس مالها، وكل مصاريف تأسيسها، وكان الغرض منها حفر ترعة كبرى لري ~~جزء الوجه البحري الشمالي الغربي، ms306 وإعادته إلى ما كان عليه في أيام البطالسة ~~والرومان؛ وقد سبق لنا الكلام عن ذلك جميعه، وبعد أن كان قد عزم على تتميم مجرى ~~سياحته، والذهاب إلى بطرسبرج، حيث كان قيصر الروس قد دعاه إلى زيارته من القرم، ~~عدل عن ذلك وتوجه إلى (أوبن) للتعالج بمياهها. # فوردت عليه، وهو هناك، دعوة من الباب العالي، للمرور بالأستانة لدى عودته إلى ~~مصر، لكي يقدم الإيضاحات المطلوبة منه عن تصرفه المطعون فيه؛ فرفض، ولكنه ما ~~لبث أن علم أن الباب العالي استدعى أخاه الأمير مصطفى فاضل من أوروبا، وعينه ~~وزيرا للداخلية العثمانية، فقصر مدة إقامته في (أوبن) واستحمامه بمياهها، ~~وأسرع إلى طولون، وركب البحر منها إلى الإسكندرية في 23 يولية. # غير أن عالي باشا لم يدعه في راحة، وأبى إلا أن يخزه بخطابات مؤلمة، فلم يمض ~~على رجوعه إلى عاصمته أسبوع، إلا وأرسل إليه مندوبا خاصا من الأستانة، يحمل ~~خطابا شديد اللهجة، يتضمن كل ما سبق للباب العالي الشكوى منه؛ ويطالبه ~~بإيضاحات سريعة وإلا فإن الدولة العلية تعتبر تعدياته خارقة لحرمة فرمان سنة ~~1841 وتتخذ الإجراءات التي يستدعيها ذلك. # وكان (إسماعيل)، قبل استلامه هذا الكتاب الجارح، أعد وفدا تحت رياسة شريف ~~باشا لكي يرسله إلى الأستانة، بقصد إزالة سوء التفاهم الواقع؛ وزوده بما يجعل ~~لكلامه وقعا حسنا لدى رجال الدولة العثمانية؛ ولكن شريفا باشا لدى اطلاعه ~~على رسالة عالي باشا التهديدية، أبى الذهاب إلا مشمولا بتذكرة مرور من لدن ~~القنصلية الفرنساوية، فكلف (إسماعيل) إذ ذاك طلعت باشا بالمهمة، وسلمه ردا ~~على رسالة عالي باشا، برر نفسه فيه من التهم المعزوة إليه، ومائة ألف جنيه ~~ليعزز بها ذلك التبرير. # فلم يرق الرد في أعين رجال تركيا، ولا أقنعهم المبلغ، لا سيما بعد أن قرنوه ~~بما ناله غيرهم، قبلهم، من ندى الخديو المصري، فأرسلوا إلى (إسماعيل) بلاغا ~~نهائيا، طلبوا فيه منه سبعة أمور: # أولا: # تسريح ما زاد في الجيش المصري على ثلاثين ألف رجل، وجعل لبس ~~الجنود الباقية لبس رجال الجيش العثماني بالتمام. # ثانيا: # بيع ms307 البنادق ذات الإبر والمدرعات التي اشترتها الحكومة ~~المصرية إلى الدولة العلية، أو التنازل لها عنها، مقابل ثمنها ~~الأصلي. # ثالثا: # عرض الميزانية المصرية، منذ ذلك التاريخ، على الباب العالي ~~سنويا، لتصديق السلطان عليها، واعتماده إياها. # رابعا: # إبطال المخابرات بين خديو مصر والدول الأجنبية، إلا بواسطة ~~سفراء الباب العالي. # خامسا: # امتناع الخديو عن الاقتراض، في المستقبل، بدون تصريح خاص من ~~السلطان. # سادسا: # إجراء مفعول «التنظيمات» بمصر، أسوة بباقي ولايات الدولة ~~العلية، وترك أمر المخابرة في إنشاء المحاكم الجديدة المرغوب ~~فيها. # سابعا: # إنزال الضرائب إلى ما كانت عليه أيام ارتقاء الخديو عرش ~~مصر. # فلما بلغت هذه المطالب إلى (إسماعيل)، كان بمعيته قنصل دولة أجنبية؛ فقال ~~(إسماعيل) له: «إذا عامل الإنسان الأتراك، فيلزمه إما استمالتهم إليه بالرشوة، ~~وإما الكشر لهم عن أنيابه. أما وقد رشوتهم في الماضي، فإني، الآن، لكاشر لهم عن ~~ناب!» # ولعلمه أن سفراء إنجلترا وفرنسا والنمسا وإيطاليا لدى الباب العالي يعضدونه، ~~أهمل الرد على تلك المطالب ما يزيد على شهرين، ولم يرسل جوابه إلا في أوائل شهر ~~نوفمبر، محررا بقلم نوبار باشا، الذي كان قد عاد من أوروبا. # وكانت لهجة ذلك الجواب الاستخفافية تتستر وراء حجاب رقيق من المجاملة، وبينما ~~يتظاهر مبناه بالخضوع لمطلب أو مطلبين من مطالب الصدر الأعظم، قابل برفض صريح ~~الامتثال لأوامر الباب العالي القاضية بأن لا يقترض خديو مصر قروضا جديدة بدون ~~تصريح من السلطان، وأن يرسل، سنويا، ميزانية حكومته لينال التصديق ~~عليها. # فلم يعد في وسع الباب العالي سوى الاعتراف بالانخذال والانسحاب من المعمعة، ~~أو إشهار حرب على مصر؛ وكلا الأمرين كانا كريهين لديه. أما الأول، فلمنافاته ~~لهيبة الدولة في النفوس، وأما الثاني، فلعدم اتفاقه مع صفاء الأعياد الموشك ~~إقامتها احتفالا بفتح ترعة السويس، ففضل، إذا، السكوت مؤقتا، وتمكن ~~(إسماعيل)، بذلك، من التفرغ للقيام بتلك الأعياد، قياما يبهر الجيل الحاضر، ~~ويدوي صداه في آذان القرون المقبلة إلى الأبد. # 20 # وكان المسيو دي لسبس قد أعلن في 2 أغسطس أن افتتاح الترعة للملاحة العالمية ~~يكون يوم 17 ms308 نوفمبر سنة 1869؛ ففي 15 أغسطس أزيل الحاجز القائم دون دخول مياه ~~البحر الأحمر في البحيرات الملحة؛ فتدفقت فيها، وأقبل رجال الشركة يدأبون على ~~تتميم الأعمال الأخيرة: من قياس الأعماق، ورفع العوائق التي قد تكون تخلفت عن ~~الشغل في سبيل السفن متى جرت، وتطهير فرش الترعة من كل رمال تطرقت ~~إليها. # فطرح (إسماعيل)، في المزاد، أمر القيام بالشئون التي تستدعيها الاحتفالات ~~العتيدة، حافظا للخزينة المصرية حق عمولته على من يرسو عليه مزادها، وأرسل ~~يستحضر خمسمائة طاه، وألف خادم من ترييسته، چنواء، وليڨرنو، ومرسيليا، ليقوموا ~~بخدمة ضيوفه، زيادة على طهاته، وخدمه المصريين، وبعث يرجو المسيو دي لسبس بأخذ ~~الاستعدادات اللازمة لضيافة ستة آلاف مدعو. # ثم أكب على وضع الترتيبات، وأصدر الأوامر، وتحرير الدعوات التي صمم ~~عليها. # وكان قد أجاب دعوته من عواهل أوروبا كل من لم يحل دون مجيئه حائل، فوعده ~~بالحضور: أوچيني إمبراطورة الفرنساويين؛ وفرنتز يوسف إمبراطور النمسا وملك ~~المجر؛ وفردريك ڨلهلم ولي عهد التاج البروسياني، وقرينته بنت الملكة ڨكتوريا؛ ~~وهنري أمير هولندا، والأميرة قرينته؛ ولويس أميرالهس، ومن لم يتمكن من المجيء، ~~أمر سفيره بالأستانة أن يقوم مقامه، أو انتداب أحد كبار رجال دولته ~~لذلك. # أما السلطان فلم يدع مطلقا، ولا حسن لديه أن يدعو نفسه؛ ولا كلف أحدا من ~~كبار رجال دولته بتمثيله، بل اكتفى بالإيعاز إلى سفير إنجلترا لديه بذكر اسمه ~~لدى فتح الترعة. # على أن ذلك لم يكن كبيرا في عيني (إسماعيل) إلا من وجهه المستحسن، فراق لديه ~~جدا تغيب عبد العزيز؛ لأن وجود السلطان على رأس ذلك الاحتفال كان من شأنه ~~الهبوط بخديو مصر إلى الوراء، وبمصر إلى درجة ولاية عثمانية محضة؛ بينما أن عدم ~~وجوده كان برهانا محسوسا على جلوس الخديو في مصاف الملوك، وعلى استقلال مصر ~~عن تركيا، حتى فيما لها من العلاقات بالدول الأجنبية، لا سيما إزاء بقاء ~~احتجاجات الباب العالي السلف ذكرها، حبرا على ورق. # ولكي يكون العيد عيد العلم، كما هو عيد تلاقي العظمات البشرية، دعا (إسماعيل) ~~جمهورا غفيرا من رجال الأدب ms309 والعلم، والفنون، والتجارة الكبرى، والاستغلال ~~الفني، ومراسلي الجرائد الغربية المهمة كلها، بل ذات مراسلي الجرائد التي من ~~الطبقة الثانية والطبقة الثالثة في الأهمية - لما كان للأدب والعلم والصحافة ~~وباقي ما ذكر من رفيع المنزلة لديه. # على أن كثيرين ممن لم يشتهروا في شيء ولم تكن لهم، نسبيا، حيثية ما على ~~الإطلاق، بل كانوا أي فلان من الناس، تمكنوا من حشر أنفسهم في زمرة أولئك ~~الرجال الأكارم: إما لمنزلة شخصية لهم في أعين المدعوين من أرباب الحيثيات؛ ~~وإما لتمكنهم بوسائل متعددة، من الحصول على أوراق دعوة بأسمائهم، ويقال: إن عدد ~~هؤلاء المتطفلين زاد على ثلاثة آلاف. # أما الإمبراطورة أوچيني، فإنها سبقت موعد الاحتفال، وقدمت إلى العاصمة ~~المصرية في الأسبوع الثالث من شهر أكتوبر، فأنزلها (إسماعيل) في قصر الجزيرة، ~~وقام بشئون ضيافتها، قياما فاق كل ما اعتاده الملوك وأعاظم عواهل العالم من ~~نوعه. # وكان قد ذكر بعضهم أمامه، قبل حضورها، أنه لا بد لها من زيارة الأهرام، وأن ~~الطريق، إلى ذلك الأثر الفرعوني العظيم، لا تزال على ما كانت عليه في عهد زيارة ~~عبد العزيز له، فسرعان ما أمر (إسماعيل) بتمهيدها، وجعلها مسلوكة للعربات ~~وغرسها بأظل أنواع الشجر! وسرعان ما نفذت أوامره، وسخر وزير الأشغال العمومية، ~~ومدير الجيزة الأيدي، بلا انقطاع، في العمل! فأنشئت تلك الطريق في أقل من ستة ~~أسابيع، كأن ملوك الجن قد اشتغلوا فيها وتفننوا، وبات العالم الشيق إلى زيارة ~~الأهرام مدينا بها للإمبراطورة أوچيني؛ كما أن السياح في الأراضي المقدسة ~~مدينون لزيارة غليوم إمبراطور ألمانيا السابق لها بالطريق السلطانية الجميلة ~~الممتدة ما بين حبرون (الخليل) وبيت المقدس - بفرعها الآتي إلى بيت المقدس من ~~عين كارم - ونابلس، والناصرة، وطبرية! لأن عبد الحميد إنما أنشأها ~~لراحته! # وبعد أن قضت أوچيني أسبوعا في مصر، لم تنفك الأعياد والابتهاجات تتوالى فيه ~~تحت قدميها، ساحرة، آخذة بالألباب، على أنواع وبكيفيات لا يزال الشيوخ في عهدنا ~~هذا يتحدثون بها، ويعدونها، في مخيلاتهم الملتهبة، مزرية بذات ابتهاجات الجنة، ~~المعدة للصالحين، قامت للسياحة على النيل، والتفرج ms310 في الصعيد على أثار الفراعنة ~~المصريين. # وسافر (إسماعيل) معها، بشخصه، متطوعا في خدمة جلالها الجميل وجمالها الجليل، ~~فحفها بصنوف من الأبهة والفخفخة، ونثر تحت قدميها الملكيتين من أنواع الترف ~~والملاذ، ما لم يقع في خلد ذات (كليوبترا) في أبهى أحلامها الذهبية، وليالي ~~حياتها «العديمة المثيل». # ولا بد من أن الإمبراطورة، حينما وقفت في الأقصر، وعند خرائب طيبة القديمة، ~~على آثار (حاتاسو) العظمى، أخت طوتمزس الثالث، ناپليون مصر الفرعونية، قارنت ~~بين نفسها وبين تلك الإمبراطورة المصرية القديرة، مقارنة لا يدري كنهها إلا هي؛ ~~ولا بد من أن ذكر (كليوبترا)، أيضا، أطل على مخيلتها من نافذة تذكارات أيام ~~صباها، فأخذت أفكارها تحوم، تارة، حول مخادع قصر التويلري، بباريس، فتريها ~~قرينها البعيد، المرافق قلبه تنقل خطواتها في رحلتها، على بعد الشقة بينهما، ~~وتذكرها علاقته بعمه الإمبراطور الأكبر، الذي ترك، هو أيضا، أثرا بعيد الغور ~~في ثرى مصر التاريخي الخصيب؛ وطورا حول مضيفها النبيل، المستنفد، في سبيل ~~إرضائها، جميع الوسائل التي يمكن لأكبر المخيلات تفتقا أن تجود بها، فتصوره ~~قيصر أو أنطونيس، قد أعيدا إلى الحياة ليقوما بخدمتها! # ولما انقضت تلك الرحلة التي لا تنسى، وعاد المتنزهان الجليلان إلى مصر، ~~ارتاحت أوچيني في قصر الجزيرة يومين، وأما (إسماعيل) فإنه اصطحب وزيريه نوبار ~~وشريف، وكبار رجال بلاطه وحكومته، وسافر بهم إلى الإسكندرية، واستقل منها ظهر ~~يخته المحروسة، وسار إلى بورسعيد، ليستقبل أصحاب التيجان الملبين دعوته؛ فبلغها ~~يوم 13 نوفمبر. # 21 # وإذا بسفن العالم المتمدين كله، قد أمتها من جميع جهات الأفق، وضيوفه ~~العديدين وقد صرفت لهم من جيبه الخاص تذاكر المجيء من بلادهم والإياب إليها، في ~~الدرجة الأولى، قد أتوا من كل فج عميق، تحف بهم أنواع الراحة والهناء كافة؛ ~~وإذا بأساطيل الدول، بما فيها الأسطول المصري، قد اصطفت في المرفأ الفسيح، الذي ~~أنشأته شركة القناة أمام بورسعيد؛ والفيالق المصرية قد خيمت على ضفاف الترعة، ~~حتى مدينة الإسماعيلية، لتحفظ نظام الحفلات، وتزيد في بهجتها. # 22 # وما لبث (إسماعيل) سويعات إلا وأقبل أمير هولندا وأميرتها، فاستقبلهما ms311 ~~استقبالا حسنا شائقا. # وفي اليوم التالي 14 نوفمبر، وصل المسيو دي لسبس مع أسرته، وفي يوم 15 ~~نوفمبر، قدم فرنتز يوسف إمبراطور النمسا والمجر؛ وكان قد تعرض لخطر جسيم لكيلا ~~يؤخر ميعاد وصوله: فإنه، وهو قادم إلى بورسعيد، استحسن في تقواه المسيحية أن ~~يعرج في طريقه، على يافا، ويزور القدس الشريف؛ ففعل، ولكنه، لما عاد إلى يافا، ~~يوم 14 نوفمبر، وجد البجر عجاجا، والنوء عاصفا، والريح تسوق الأمواج إلى ~~الشاطئ، جبالا، جبالا - ويافا مرفأ رديء لا تدخله السفن مطلقا، بل تقف في ~~عرض البحار، بعيدة، لانتشار الصخور في الماء بالقرب من الشاطئ، لا سيما صخرين ~~قائمين عند مدخل الميناء كأنهما «شلا» و«كاردي»، لا بد للقوارب والفلائك ~~الذاهبة بالمسافرين، إلى السفن الراسية خارجا، من المرور بينهما، والتعرض لخطر ~~التحطم على أحدهما، أو على كليهما، حينما يكون البحر هائجا، مائجا. # فأتاه قنصل فرنسا بذلك الثغر، ورجاه أن يؤجل سفره، ريثما يهدأ النوء، ~~اجتنابا لمصيبة قد يهتز لوقوعها العالم بأسره، وانضم إلى قنصل فرنسا في رجائه ~~الأميرال تجيتوف - المنصور في لسا - وكان قائد الأسيطيل النمساوي المقل ~~للإمبراطور؛ وتمادى في إلحاحه على مولاه، بعدم مبارحة الشاطئ، مؤكدا له أن ~~الأسيطيل، والبحر على ما هو عليه، لا يستطيع مطلقا الإقلاع والمخر. # فأبى فرنتز يوسف إلا المخاطرة، قائلا: «إني قد وعدت بأن أكون في بورسعيد يوم ~~15 نوفمبر؛ ولا أستطيع أن أخلف وعدا وعدت به!» ونزل في قارب، ومعه خمسة نواتي ~~وأمر بالانطلاق، فانطلق النواتي به يجدفون، والأمواج تتقاذف قاربهم، وتهاجم من ~~فيه مهاجمة جرفت اثنين منهم، لم يستطع الباقون إنقاذهما إلا بكل صعوبة، حتى ~~دنوا، بعد جهد جهيد، من المدرعة التي كانت تنتظرهم. # وإذا بخطر الصعود إليها، أكبر الأخطار التي حاقت بهم، لشدة هيجان الأمواج ~~حولها، واصطدامها فيها بقوة، وعدم تيسر الاقتراب منها للقارب الضئيل المقل ~~جلالة الإمبراطور النمساوي؛ أو تنزيل سلمها إلى من فيه للصعود فيها. # فاضطر رجالها إلى تدلية حبال من حبالها في الفضاء، تعلق الإمبراطور بأحدها ~~بكلتا راحتيه المضمومتين؛ فرفعه البحارة إلى ms312 ظهر الدارعة، والأمواج تتلاطم حوله ~~وترطمه، كأنها تريد ابتلاعه، ويعز عليها نجاته منها. # ولما بلغ الباقون المأمن، ولحق بهم الأميرال في قارب آخر، أقلعت المدرعة، ~~ووجهتها بورسعيد، غير مبالية بالرياح العاصفة حولها، ولا بالأمواج الهائجة، ~~المترامية عليها، لافتراسها، فحققت وعد الإمبراطور، ووصلت إلى بورسعيد، في ~~اليوم الخامس عشر؛ وما استقرت في المرفأ، ومالت الشمس إلى المغيب، إلا وهدأت ~~الأمواج، وصفت الطبيعة، وتلون الأفق بألوان بهية كقوس قزح؛ كأنه ابتسام السماء، ~~ووعد السلام المقبل عيده بعد يومين. # فأطلقت المدافع من كل السفن الحربية الراسية هناك، احتفاء بوصول جلالته؛ ~~واستقبله (إسماعيل) استقبالا حافلا. # وفي يوم الثلاثاء 16 نوفمبر، دوت المدافع عينها ثانية عند الساعة السابعة ~~صباحا، ودخلت المرفأ المدرعة الألمانية المقلة البرنس فردريك ڨلهلم ولي عهد ~~مملكة بروسيا - وكان قد أصبح لهذه الدولة شأن عظيم في العالم الأوروبي، بعد ~~انتصارها على النمسا في حرب سنة 1866. # وما كادت تلك المدافع تسكت لحظة، إلا وعادت إلى الدوي باستمرار، وتضاعف عدد ~~طلقاتها تضاعفا ارتجت له السماء والأرض وأعماق البحار، وإذا بجمع من السفن ظهر ~~في البعد، وتقدم بجلال نحو المرفأ؛ وأمامه الباخرة «الايجل» (النسر) تقل جلالة ~~الإمبراطورة أوچيني، إمبراطورة الفرنساويين، وربة الاحتفالات العتيدة - وكانت ~~واقفة على ظهر السفينة، يحف بها كبار نبلاء الدولة البونبرتية، وقريناتهم، وجمع ~~وصيفاتها، وهي في وسطهم كآلهة الجمال واللطف، وكانت قد ذهبت من مصر إلى ~~الإسكندرية، وأتت منها إلى بورسعيد. # فاكتظت ظهور عموم الجاريات بنواتيها، وضباطها، وأركان حربها، وموسيقاها؛ ~~وانتشرت فوقها أعلامها تخفق وترفرف؛ وغص الشاطئ بالطوبجية المصرية وجماهير ~~المتفرجين، والمدعوين، الممثلين المدنية الحديثة في خير مظاهرها، والقوى ~~العقلية البشرية في أبهى معانيها، وعلت تهاليل الجميع، وملأت الفضاء؛ وتجمعت ~~فيه ابتسامات القلوب المبتهجة، كباقة عظيمة، أخذت الإمبراطورة تستنشق عبيرها ~~الذكي، طربة، ثملة. # وكانت، وهي قادمة إلى القطر المصري، قد حضرت أيعاد فتح القناة الأكبر، في ~~البندقية، وأعياد البسفور التالية لها، وهي أعياد بذل فيها أقصى المجهود لتكون ~~السحر الحلال، والشعر الآخذ بالألباب؛ ولكنها، مع ذلك، حينما رأت نفسها محاطة ~~بهالة ذلك ms313 الابتهاج وذلك المجد، وأحاطت عيناها بجميع جلال ذلك المنظر الفريد، ~~لم يسعها إلا الهتاف بأن قالت: «يالله! لم أر في حياتي شيئا أجمل من ~~هذا!» # فلما رست بها باخرتها في المرفأ، قصدها (إسماعيل) أولا؛ وهنأها بسلامة ~~الوصول؛ وأكد لها أن وجودها خير ما يتفاءل به؛ وأعرب لها عن شكره وارتياحه، ~~لتفضلها بقبول دعوته، وترأس تلك الحفلة الممجدة ملكه إلى الأبد، والتي تمت ~~بمجهودات اشترك فيها الجميع. # ثم تلاه إمبراطور النمسا والمجر، فولي عهد الدولة الپروسية، وقدما لها ~~تحياتهما واحترامهما، فباقي العواهل والأمراء. # فاستقبلت الكل بلطفها المعروف؛ ووجدت، لرد التحية إلى كل واحد من أولئك ~~العواهل، الكلمة التي تنزل على الفؤاد كطيب سحر مطرب، ثم أخذ الجميع يستعدون ~~لحفلة افتتاح الترعة المباركة. # وكانوا قد أقاموا ثلاثة ارتفاعات خشبية مكسوة بالحرير والديباج: واحد في ~~الوسط، للضيوف الأجلاء، أصحاب التيجان، والأمراء والعواهل ورجالهم، وواحد على ~~اليمين، لعلماء الدين الإسلامي، وفي مقدمتهم العلامة الشيخ مصطفى العروسي، شيخ ~~الجامع الأزهر والإسلام بمصر؛ وصاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ محمد المهدي ~~العباسي، مفتي الديار، وواحد على اليسار، لأحبار الدين المسيحي، وعلى رأسهم ~~المنسنيور باور الرسول البابوي، وخادم كنيسة القصر الإمبراطوري بباريس؛ وكان قد ~~حضر خاصة لمباركة الترعة، ثم لعقد قران المسيو دي لسبس على الكرئيولة اللطيفة ~~التي أحبها وأحبته، بالرغم من تكلل جبينه بلجين الشيب. # ونصبوا على الشاطئين، الأسيوي والإفريقي، المظلات البديعة لجماهير المدعوين ~~والمتفرجين؛ وفي صدرها كلها، مظلة لمؤسسي الترعة ومجلس إدارتها؛ وأخرى لرؤساء ~~الشركات التجارية العظمى في العالم ومندوبيها؛ وثالثة لرجال الصحافة العالمية ~~والمكاتبين. # واصطفت الجنود المصرية بين رصيف النزول والارتفاعات الخشبية الثلاثة، لتحفظ ~~النظام حولها، وتمنع الازدحام عنها، وترتبت الطوبجية بين الرصيف الداخل في ~~البحر، من جهة الغرب، ومحل الحفلة؛ وتجهزت وترصفت المراكب الحربية - وكانت ~~خمسين مركبا - والسفن التجارية - وكانت نيفا وثلاثين - داخل المرفأ على شكل ~~قوس بديع المنظر. # أما الحربية، فكانت ستا مصرية، وستا فرنساوية، واثنتي عشرة إنجليزية، ~~وسبعا نمساوية، وخمسا ألمانية، وواحدة روسية، وواحدة دانمركية، واثنتين ~~هولنديتين، واثنتين إسكنديناڨيتين، واثنتين إسپانيتين، وفرقاطتين إنجليزيتين ms314 ~~أخريين هائلتين واقفتين في البعد كأنهما رمز الحرب، المزمع اندلاع لهيبها بعد ~~ثمانية شهور، يهدد مظهر ذلك السلم العظيم، ولم يكن هناك أسطول إيطالي، لاضطراره ~~إلى مغادرة المياه المصرية؛ فجأة، تحت قيادة الدوك داؤستا، بداعي اشتداد المرض ~~على ڨكتور عمانوئيل الثاني. الملك الحلو الشمائل، وصديق (إسماعيل) الحميم - وهو ~~مرض كان السبب في تخلفه عن تلك الحفلة، وحرمانه لذة تمتيع صديقه بحضوره إليها - ~~على أن إيطاليا بقيت ممثلة هناك، بمراكب تجارية عديدة. # فلما كانت الساعة الثالثة بعد الظهر، وقد فرغ الجميع من تناول الطعام على ~~نفقة الخديو واستراحوا، أخذت الموسيقات تصدح، وشرع الموكب الفخم يتقدم، ليجلس ~~الكل في المكان الذي أعد لهم. # وإذا بزكي بك، رئيس التشريفات الخديوية، قد برز أمام الجميع يفتح الطريق، ~~وتلاه الأمير (محمد توفيق)، ولي عهد مصر، وعلى ذراعه أميرة هولندا؛ فولي عهد ~~الدولة الپروسية؛ فأمير هولندا؛ فالسير هنري إليت سفير إنجلترا في الأستانة ~~والنائب، عرفا، عن السلطان عبد العزيز؛ فالأميرال الإسپاني، فالأميرال ~~الفرنساوي پاريس، والمسيو دروي دي لوم؛ فالكولونيل الإنجليزي رسل؛ فرضا بك ~~محافظ بورسعيد؛ فالبرنس چورچ ولي عهد الهانوڨر؛ فالكولونيل دورنج. # وما استقر هؤلاء في مقاعدهم، إلا وصدحت الموسيقات كلها بالنشيد الفرنساوي، ثم ~~ظهرت ألوية النمسا والمجر تحيط بالراية الفرنساوية، فاشرأبت الأعناق، وأحدقت ~~الأبصار؛ وإذا بالإمبراطورة أوچيني، يسير خديو مصر أمامها، تتقدم متكئة على ~~ذراع الإمبراطور فرنتز يوسف، ووراءها فردينان دي لسبس، فالأرشيدوق ڨكتور ~~النمساوي، فمجلس إدارة الشركة، فالأمير عبد القادر الجزائري - وكانت الحكومة ~~الفرنساوية قد دعته إلى تلك الحفلة، خاصة، اعترافا له بالفضل الذي أبداه في ~~الدفاع عن المسيحيين، وحمايتهم أيام مذابح سوريا، ووضعت تحت تصرفه الدارعة ~~«فوربين» لتقله من بيروت إلى بورسعيد، فما ظهر ببرنسه الأبيض في وسط ازدحام تلك ~~الرءوس المتوجة بتيجان الملك، وتيجان العبقرية أو العلم، أو العصامية أو الفضل، ~~إلا واستوقف الأنظار شكله الجميل، وقوامه المعتدل، ووجهه المكسو مهابة وجلالا ~~- فطوسن باشا ابن الأمير (محمد سعيد)، الوالي السابق، صاحب الأيادي البيضاء على ~~مشروع القناة وشركته - وإنما أراد (إسماعيل) الذي كان ms315 يحب طوسن حبا أبويا، ~~وزوجه، فيما بعد، ابنته؛ ولم يفتأ يواليه بعنايته ورعايته إلى آخر لحظة من ~~حياته، كأنه يريد أن يخفف عليه وطأة التوعك المستديم، المنتابه منذ صباه، ~~والمسبب له عن كون أحد خدام أبيه فتح، ذات يوم، بسرعة وشدة، بابا في السراي ~~كان الطفل طوسن واقفا وراءه، فصدمه الباب في جبهته، فوقع مغشيا عليه، فارتعد ~~الخادم وخارت فرائصه، وما كان منه، في خوفه من غضب أبي الأمير الصغير، إلا أنه ~~أغلق عليه الباب، وتركه طريحا على الأرض، فاقد الحواس، دون أن يخبر بالحادثة ~~أحدا، فبقي طوسن على تلك الحالة، عدة ساعات، حتى افتقدته مربيته، وبحثت عنه، ~~فوجدته في تلك الحجرة طريحا، لا يعي، فلم تعد تجديه الأدوية، بعد ذلك، نفعا ~~لتأخرها، واستمر طول حياته ضعيفا، هزيلا، مرتج الدماغ؛ # 23 # إنما أراد (إسماعيل) أن يحضر طوسن ذلك الاحتفال، ويكون له فيه مركز ~~خاص، لكي يكون فيه، بهيئته المكسوة، منذ ذلك الحين، بمظهر ما وراء المادة، خير ~~ممثل لروح أبيه، المرتاحة في عالم النعيم، والناظرة بابتهاج إلى العمل التام، ~~الذي لولاها لتأخر بروزه إلى الوجود أجيالا. # وتلا طوسن، نوبار باشا، فالبرنس ميرا حفيد الملك يواكيم صهر ناپوليون العظيم، ~~فبرچير بك، فالجنرال دوسه الفرنساوي، فوزيرا الإمبراطور فرنتز يوسف، وهما الكنت ~~دي بيست، والكنت اندراسي، فسفيره لدى الباب العالي، البارون بروكيش، فالدوك دي ~~هوسكار، فالجنرال الروسي إجناتييف، فالأميرال النمساوي تيجيتوف، فسيدات عديدات ~~من معية الإمبراطورة، فالنائبون عن المؤتمرين العلمي والتجاري، وعن شركة ~~المساچيري الفرنساوية، وكانت الباخرة التي أقلت مديرها، ثم اشتركت في حفلة ~~الاجتياز إلى البحر الأحمر، أكبر بواخر تلك الشركة، فأركان حرب الأساطيل ~~المتعددة، فسفراء الدول وقناصلها، فزمر المدعوين أفواجا أفواجا. # فلما اكتمل عددهم، وانتظم ذلك العقد الفخم، دوت المدافع من كل جهة، متتابعة ~~الطلقات، مؤذنة، على ذينك الساحلين الإسلاميين، وبالقرب من ربوع توالت عليها ~~وقائع الحروب الصليبية، بأن حادثة جلي، قلما سجلت التواريخ البشرية لها مثيلا ~~أو شبيها، تمت في تلك الساعة، تحت أشعة تلك الشمس الذهبية الساطعة، وأمام عين ms316 ~~الإله رب البرية كلها على السواء: ألا وهي حادثة تصافح الشرق والغرب، مصافحة ~~أخوة وسلام؛ وتعانق الصليب والهلال، معانقة احترام ووئام! # ثم قام علماء الإسلام، وشيخهم في مقدمتهم، وأقاموا بالوقار والجلال، المخيمين ~~أبدا على كل مظاهر العبادة الإسلامية، أدعية الشكر والحمد؛ وبعد الفراغ منها، ~~ألقى شيخ الإسلام خطبة وجيزة، رائقة، شائقة، منع ضيق الوقت من ترجمتها لجمهور ~~الحاضرين! # ثم تلا أحبار المسيحية علماء الإسلام، فأنشدوا نشيد الشكر اللاتيني المعروف ~~باسم «التديئم»، المنسوب إلى القديسين أمبروزيس وأغسطينس؛ وشاركهم فيه كل من ~~شاء من الجم المسيحي الحافظ له، وفي مقدمتهم الإمبراطور والإمبراطورة. # ثم تقدم المنسنيور باور، وألقى بصوته الجهوري، وعبارته الفرنساوية البليغة، ~~خطابا جمله الحماسية شعلات عواطف أو شهاب نار فؤادية، أو هتفات قلب طافح حبا ~~للإنسانية، شقت صدره، وانطلقت تدوي في الآفاق، ووجهه إلى الخديو أولا؛ فإلى ~~الإمبراطورة؛ ثم إلى الإمبراطور؛ ثم لم يترك جدارة إلا ومدحها، ولا فضلا إلا ~~وأثنى عليه. # فخص (إسماعيل) أولا بثنائه، بصفته رب الحفلة، ومنبع ذلك الحبور العام؛ وتغنى ~~بما له من فضل على إنجاز المشروع، ونشر معالم المدنية في قطره، وحفه الأديان ~~كلها برعاية واحدة، رعاية الملك الكريم الذي يراها كلها جديرة بالعطف لإبقائها ~~متماسكة متآخية، ثم خاطب الإمبراطورة أوچيني: فذكر ما وجده المشروع؛ من قوة في ~~لطفها، وتعضيد في موالاتها، وتأييد في عواطفها؛ وما لاقاه في فرنسا، البلد ~~الكريم، الذي هي عاهلته المبجلة، من إقبال، وتشجيع، وشد أزر، ثم خاطب ~~الإمبراطور فرنتز يوسف: فشكره على أنه ما انفك معتقدا في نجاح المشروع، عاملا ~~على غرس حب الإقبال عليه في قلوب رعاياه؛ وذكره بزيارته لبيت المقدس، وقبر ~~المخلص، ليستخلص من ذلك، دعاء له بطول بقائه مجدا في خير الرعية المعهود ~~أمرها إليه، ثم انتقل إلى الكلام عن دي لسبس، الرجل الذي دخل في التاريخ، ~~حيا: فوفاه حقه من المدح والثناء بقدر ما يستطيع فم بشري أن يفعل ذلك، وخص ~~بالذكر من شاركوه في عمله، أولئك الذين قضوا نحبهم شهداء انكبابهم على تحقيق ~~الأمنية الكبرى، فوارتهم ms317 الرمال التي كانت بالأمس الصحراء المحرقة، فأصبحت بفضل ~~مجهوداتهم مزارع تذكر الرائي بما كانت عليه أرض غسان في مصر الفراعنة، من ~~اليناعة والخصب، وختم خطبته بنداء وجهه، أولا، للشرق، ثم للغرب، ذاكرا لكل ~~فضائله ومميزاته، وحاضا كلا منهما على عدم فصم عروة، في المستقبل، ربطهما ~~الله بها في ذلك اليوم، المثلث البركات! # فقوبل خطابه بهتاف مستطيل؛ وكان له من القلوب أجمل موقع! ثم شرع في الافتتاح، ~~وانتشر الأقوام يتفرجون على الأعمال العظيمة، التي تمت على يد الشركة، في هذه ~~القناة المزرية بأعمال الفراعنة الغابرين. # ولما كان المساء، وحانت ساعة الطعام، مدت الموائد متتابعة لستة آلاف مدعو، ~~فأكل الكل من أنواع المآكل الفاخرة، وشربوا من الخمور اللذيذة الثمينة، ما لم ~~يخطر على فكر بشر، ولا سمعت بمثله أو رأت نظيره الأجيال؛ حتى إذا دقت الساعة ~~الثامنة، بدت الزينات تجلل شاطئي آسيا وإفريقيا؛ وتجعل الليل ساطعا كنهار ~~جميل، وتجلت «المحروسة» بأنوار، خيل معها للرائين أنها أصبحت شمسا تتألق؛ ~~وأخذت، بين كل دقيقة وأخرى، تطلق قنبلة في الفضاء، تستقبل الموسيقات دويها بعزف ~~شجي؛ ثم ختمت ذلك جميعه بحراقة هائلة، تفجرت في كبد السماء، كأنها بركان، ولكن ~~بركان فرح وجذل وابتهاج، لا بركان ويل وهول وثبور! # وبينما مظاهر كل هذا الهناء والسرور تتوغل في الليل البهيم، فتحوله إلى ليل ~~نعيم لم تحلم بمثله الأحلام، طفقت تنتشر بمصر والإسكندرية، وتهمس في ذات باريس ~~أنباء سوء مدهشة؛ شرع الحساد والأوغاد يروجونها، ليحولوا فرح العالم المتمدين ~~إلى حداد أليم. # فسمع الملأ، وهو مأخوذ، أن الإمبراطورة، لما تحققت أن فتح الترعة للملاحة وهم ~~وخيال وجنين مخيلة مريضة لن يتحول إلى مولود حي أبدا، عادت إلى فرنسا؛ وأن ~~الإمبراطور عاد إلى ترييسته؛ وأن صخرا هائلا، لم يستطع إزالته، قام سادا في ~~وجه السفن؛ وأن حريقا هائلا التهم ستين بيتا بالإسماعيلية فدمرها؛ وأن جمهور ~~المتفرجين - وقد أظهرت لهم الوقائع الراهنة أنهم أتوا من عموم أصقاع العالم ~~ليروا في بساطة قلوبهم، بلدا خلق صناعة لا أمل له في حياة مستقبلة، ومزمعا ms318 أن ~~يعود صحراء كما كان - رجع يضرب أسدريه باكيا على خيبة آماله؛ وأن مهندسي ~~الشركة هربوا، وأن دي لسبس فقد رشده، وجن؛ وأن كبير المقاولين، المسيو لاڨاليه، ~~صعق يأسا، فانتحر! # والسبب في رواج هذه الأنباء السيئة، والإشاعات المشئومة، هو أن المسيو دي ~~لسبس رأى أن يجري مقاييس عميقة، في تلك الليلة عينها، لكي يطمئن تمام الاطمئنان ~~على خلو الترعة من كل عائق يعوق الملاحة فيها، من غد، فأمر أن تعمل تلك ~~المقاييس بين كل عشرة أمتار وعشرة؛ لا بين كل مائة متر ومائة، كما كانوا يفعلون ~~في السابق، فكشف نفاذ أوامره عن صخر لم تكن المقاييس الأولى أظهرته، فاتخذ، في ~~الحال، الإجراءات اللازمة لإزالته، وما زال يعالجه حتى فرغ من أمره. # فاتفق حينئذ مع الخديو على تسيير سفينتين تسبران غور المسير كطليعتي الأسطول ~~المزمع أن يجتاز الترعة في الصباح؛ وسيرا مركبا فرنساوية وفرقاطة ~~مصرية. # أما المركب الفرنساوية - وكان ربانها حاذقا - فمخرت بسلام وأمان، وأدت ~~مأموريتها على أحسن ما يرام، وأما الفرقاطة المصرية، فأصابها سوء في سيرها، ~~وجنحت في وسط القناة؛ فانغرس مقدمها في الضفاف، وسد جسمها سطح الترعة، على بعد ~~ثلاثين كيلو مترا من بورسعيد. # فلما نما خبر ذلك إلى الخديو والمسيو دي لسبس، أسرعا ليريا الواقع ويتدبرا ~~أمره، وكان (إسماعيل) قد سافر إلى الإسماعيلية، ليجهز معدات استقبال المتوجين ~~والعواهل الآخرين وباقي ضيوفه، فقفل راجعا، الساعة الثالثة صباحا، يوم 17 ~~نوفمبر عينه! واجتمع بدي لسبس أمام تلك السفينة الحربية الجانحة، واجتهد كلاهما ~~في رفعها وتعويمها؛ فلم يفلحا - ولم يكن في الاستطاعة ولا في الرغبة تأجيل موعد ~~الافتتاح، اتقاء للأقاويل وشرها! # فذهب (إسماعيل) إلى بورسعيد، تحت جناح الليل؛ وعاد بألف بحار من الأسطول ~~المصري الراسي بها، ودفع بهم إلى العمل على تنظيف الترعة من تلك الفرقاطة، فقال ~~دي لسبس: «إن لدينا أسلوبين للبلوغ إلى المقصود: إما المجيء بالسفينة الجانحة ~~إلى وسط القناة؛ أي: تعويمها، وهو الأفضل؛ وإما المجيء بجزئها الشاغل الماء إلى ~~الضفاف، بحيث يجعل طولها موازيا لطول القناة، ويلصق بالساحل، ms319 فإن لم يفلح ~~كلاهما ... # فقطع (إسماعيل) عليه كلامه، وقال: «إن لم يفلحا، ننسف المركب نسفا!» # فترامى دي لسبس عليه، وعانقه، وهو يكاد يبكي فرحا، وقال: «نعم! ننسفها! وإني ~~لم أجسر على إبداء هذا الرأي لسموك، لما في نسفها من الضرر المادي على البحرية ~~المصرية!» على أنهما لم يحتاجا إلى نسفها، وتمكن العمال والجنود من جلب جزئها ~~الشاغل الماء إلى الضفاف، وإلصاقه به، بحيث خلا المجرى للسفن لتمخر فيه، ولم ~~ينبئ الخديو أو دي لسبس أحدا من المدعوين بالعقبات التي أزالاها في تلك الليلة ~~الخطيرة، فلم يقلق فكر أحد منهم، وبات الجميع في هناء وحبور، وفي انتظار فجر ~~اليوم التالي، اليوم السابع عشر من شهر نوفمبر! # وكان يوما مشهودا. # فما بزغت شمسه، وتناول الأقوام طعام الفطور، إلا وسار «الإجل» (النسر) ~~بالإمبراطورة، من بورسعيد، وولج القناة بخيلاء ملكية؛ وتقدم، فخما، يشق تلك ~~المياه المعجبة به، حتى إذا لم يعد بينه وبين المكان الذي جنحت فيه، بالأمس، ~~الفرقاطة المصرية، سوى مسير خمس دقائق، ورد نبأ على الخديو ودي لسبس من ~~الأميرال المصري القائم بعمل رصف تلك السفينة الجانحة، أن العمل قد تم، وأن ~~القناة أصبحت مسلوكة لا عائق فيها. # فطرب (إسماعيل) جذلا، وتنهد دي لسبس تنهدا عميقا؛ ثم رفع عينيه ويديه نحو ~~السماء وشكر الله من صميم فؤاده، وقد قال، بعد ذلك، لأحد أخصائه: «لم أشعر في ~~حياتي، مطلقا، مثلما شعرت في تلك الليلة، أن الخيبة تداني النجاح هكذا؛ وأن ~~السقوط على مثل ذلك القرب من الفوز!» # فلما مرت باخرة الإمبراطورة، عند القنطرة، بتلك الفرقاطة، وأطلقت هذه - وكان ~~اسمها «اللطيف» - مدافعها، ترحيبا بها، ظنت أوچيني وظن كل من معها، وكل من كان ~~لاحقا بها، أن تلك السفينة الحربية إنما وضعت، هنالك، خصيصا لتحيتها؛ فأعجبت ~~بالفكرة الجميلة والاعتناء اللطيف وشكرت (لإسماعيل) بديع ذوقه. كذلك كان الأمر ~~مع باقي أصحاب التيجان والأمراء، وهكذا حولت العناية الإلهية الساهرة على ~~مجريات الأمور العقبة المخيفة إلى وسيلة من الوسائل العديدة التي جادت بها، ~~ليكون فخار الترعة العالمية وبهجتها ms320 تامين! # وكان شاطئا بحيرة التمساح غاصين بالأمم والجماهير والقبائل القادمة من تلقاء ~~نفسها إلى مشاهدة الحفلات والتفرج عليها، أو المرسلة هناك بأمر من (إسماعيل) ~~ليزيد منظرها بهجة تلك الحفلات عينها، فإنه أراد أن يرى ضيوفه نماذج من الأمم ~~الخاضعة لصولجانه، وصورة صغيرة من عاداتها، فأصدر أوامره إلى جميع مشايخ ~~العربان، ومشايخ البلدان من الإسكندرية إلى أقاصي السودان، بإرسال وفود من ~~قبائلهم وسكان نواحيهم إلى الإسماعيلية، في مظاهر حياتهم اليومية: فازدحمت ضفاف ~~البحيرة بخيم العربان و«عشش» الفلاحين وأكواخ الأمم السودانية، التي كانت تأوي ~~مئات الألوف من البشر، والأشخاص، المختلفي اللون، والشكل، والملبس، والنوم، ~~بأولادهم ونسائهم؛ بعضهم على صهوات الخيول، وآخرون على أسنمة الهجن، وغيرهم على ~~ظهور الحمير، يعدون في تلك الفلوات، وأحرمة الصوف تسابق الشعور المنفوشة، وشعور ~~البشارين المجدولة؛ وعمائم العمد تسابق «طواقي» الصعايدة، ولبد الفلاحين؛ بينما ~~دربكات النسوة، المختلفة الأجناس والأقاليم، وطبولهن أو مزامير بعض العبيد ~~وربابهم تحيي في كل صوب المراقص والألعاب! # وكانت تلك الأقوام كلها، وهي محجوزة عن ضفاف الترعة بصف ممتد على طولها من ~~الجنود المصرية، تنتظر بفارغ الصبر ظهور البواخر المقلة الإمبراطورة والملوك ~~الذين معها؛ وهي لا تكاد تصدق أن انتظارها يحقق؛ وإذا بمراكب حربية مصرية ولجت ~~بحيرة التمساح آتية من جهة السويس! # فاستغرب الأقوام ذلك، وأخذوا يتقولون عما عساه يعني؛ ولكنهم ما لبثوا، وهم ~~يتهامسون، إلا وسمعوا دوي المدافع يتناول عنان السماء، ورأوا الشاطئين يلتهبان، ~~بكليتهما، والبروق تتصاعد من جوانب المراكب الحربية المصرية، فتهافتوا، وإذا ~~بالنسر «الإجل» يتقدم متبخترا مدلا، وعلى مقدمته الإمبراطورة كأنها، بالرغم من ~~سني عمرها الثلاث والأربعين، إلهة الجمال والجلال؛ أو كأنها، وهي في وسط ~~وصيفاتها، وعزف الموسيقى يحف بها، ويتماوج في الهواء (كليوبترا) العهد القديم ~~صاعدة مياه نهر السدنس، لتقابل أنطونيس، ولكن لا كمتهمة تقصد تبرير نفسها، بل ~~كملكة قادمة لتعلو بها كلمة أنطونيس الجديد، ويسجل بوجودها: (أولا) استقلال ~~مصر المنشود؛ و(ثانيا) مصافحة روحي الشرق والغرب بعد طول التنافر ~~والمعاداة. # فأدركوا أن قدوم تلك السفن الحربية المصرية إنما هو للسلام والتحية، ms321 فرفعوا، ~~هم أيضا، أصواتهم مهللة؛ وحيوا ضيفة خديوهم العظيمة وجمهور من معها، لا سيما ~~دي لسبس الواقف بجانبها، والذي كانت هي نفسها تلفت أنظار الجميع وتهاليلهم ~~إليه، اعترافا منها بفضله. # وما رست باخرتها في فرضة الإسماعيلية الفسيحة إلا وذهب (إسماعيل) للسلام ~~عليها - وكان يخته قد تلا يختها - فحياها تحية الإجلال؛ ثم ترامى على عتق دي ~~لسبس، وعانقه طويلا، والبشر مرتسم على وجهه، والعواطف تميل بجسمه، وتلت السفن ~~المقلة للإمبراطور، وولي عهد التاج الپروسياني، وباقي الأمراء، والعظماء، ~~والسفراء، ورست كلها بجانب «الإجل». # فقصد (إسماعيل) الفرقاطة الإمبراطورية، فالمدرعة الپروسيانية، فباقي السفن، ~~وقدم لكل من راكبيها عبارات الاحتفاء والتحية الواجبة، ثم نزل إلى البر وقصد ~~قصرا بناه في آخر لحظة على ضفاف البحيرة خصيصا لاستقبال ضيوفه والاحتفاء بهم ~~فيه. # وكان قصرا فخما، نشأ في وسط مظال من السندس الزاهر، وباقات من الأشجار ~~المزدهية بالرياحين والأزهار، كأن إحدى ساحرات الحكايات الخرافية ضربت الأرض ~~بعصاها فأخرجته يتهادى في بهائه. # فانتظرت أوچيني برهة، ريثما أيقنت أن مضيفها استراح قليلا، ونزلت لترد له ~~زيارته، فامتطت، أمازونة جديدة، صهوة جواد مطهم، وانطلقت تعدو به نحو ذلك ~~القصر، فاستقبلها (إسماعيل) فيه، كأنه يستقبل إلهة، وبذل لها من الإكرام ~~والإجلال وصنوف الارتياح والهناء ما لا يزال، بدون شك، يتردد أمام عيني ~~مخيلتها، في أيام شيخوختها هذه البائسة، كأنه منام رأته أو عاشته في ساعة مثلثة السعادة! # 24 # وبعد أن مكثت ساعة في زيارته، واستمرأت، بلذة، حلاوة تلك الأويقات السريعة ~~المرور، عادت إلى الإسماعيلية على ظهر هجين، وعيون الأقوام شاخصة إليها، وقلوب ~~فوارس العرب تشيعها، ومن يدريني - وقد جعلها معروفة للجميع إقامتها السابقة ~~بمصر، ورحلتها على النيل إلى أقاصي الصعيد - من يدريني أن الهواجس لم تحدث، ~~حينذاك، هاتيك القلوب بأن تلك الإمبراطورة الجميلة، الجليلة؛ الراكبة جوادا، ~~طورا، وتارة هجينا؛ الأندلسية المولد والنشأة، قد تكون سليلة بيت عربي، رفيع ~~العماد، أو فرع دوحة ملكية أظلتها سماء الحمراء الشعرية في غرناطة، المدينة ~~العربية، البديعة الذكر؛ غرناطة، مسقط رأس تلك الإمبراطورة الجميلة، ومنبت ~~صباها؟ ms322 ومن يدريني أنه لم يكن لهذه الهواجس نصيب في جعل مظاهر الإجلال البادية ~~حول أوچيني من تلك الجماهير التي كان معظمها عربيا، حارة، عميقة، كأنها تريد ~~أن تحيي مجدا زال، وفخارا درس؟ # وما فتئت الإمبراطورة سائرة بهجينها، حتى وصلت قصر دي لسبس، فاستراحت فيه، ثم ~~استقبلت سيدات الإسماعيلية، وكانت قد أنبأتهن، مقدما، برغبتها في مقابلتهن ~~هناك، لشكرهن على عواطفهن نحوها، فوجدت أولئك السيدات تلك الساعة من أحلى ساعات ~~حياتهن، وظنت كل منهن أن اسمها بات لذلك تاريخيا. # ولما كانت الساعة الثانية، بعد الظهر، نزل الإمبراطور فونتز يوسف، وولي عهد ~~المملكة البروسية، وباقي العواهل والأمراء إلى الشاطئ، وقصدوا قصر (إسماعيل) ~~ليردوا إليه تحيته، فقوبلوا بما قوبلت به الإمبراطورة من التعظيم والإكرام، ~~ومظاهر الابتهاج العام. # ثم انقضت بقية ساعات ذلك النهار الفريد في أنس وحظ، وتزاور وأعياد، حتى إذا ~~وافت الساعة السابعة، مساء، مد سماط العشاء، فاكتظت، بالموائد، رحبات القصر ~~السابق ذكره، على سعتها، وكثرة عددها؛ وكان ذلك منتظرا، ولذا فإن الخديو كان ~~قد أعد في الفضاء، حول قصره، خيما ومظال مدت فيها أيضا موائد، وأولمت ولائم ~~لمن لم يسعه القصر من المدعوين. # فأكل جمعهم المحتشد من الطعام الفاخر المجهز بمعرفة أمهر الطهاة، أكلا ~~هنيئا، وشرب شرابا فاخرا، وتجاوز بعضهم في ذلك الحد، لا سيما من لم يكن يحلم ~~بمثل تلك المأكولات الملكية، مطلقا؛ حتى إنه لقد يروى عن فرنساوي بطين، أنه ~~نهض عن المائدة التي كان قد التهم ما عليها، التهام النهم، الذي لا يحد شراهته ~~حد، كأنه ڨيتليسالإمبراطور الروماني، فأخذ يمر بيده على بطنه، مملسا صديريه ~~الفسيح الأرجاء، وقال بتبسم لصديق له من جنسه، كان جليسه على المائدة: «إني قد ~~أكلت ثروة ثلاثة فلاحين مصريين!» بدون أن يشعر بما في قوله من سماجة! # 25 # وبعد الفراغ من تناول طعام العشاء، أقام الخديو مرقصا لعموم مدعويه، تحت ~~رياسة الإمبراطورة أوچيني، بذل فيه ما لا يستطيع قلم وصفه من البذخ وصنوف ~~اللذات ودواعي السرور، ورتب فيه مقصفا حوى ألذ ما طاب من ms323 صنوف المآكل ~~والمشروبات. # فاشترك، في الرقص، أصحاب التيجان أنفسهم؛ ولم يكونوا أقل المشتركين فيه جدا ~~ونشاطا، بل كانوا قدوة لغيرهم في استمراء لذة تلك الساعات السريعة المرور! ~~فأوجب ذلك منهم، استغراب الأقوام الشرقيين المحيطين بالقصر والمظال؛ لأنهم، حتى ~~تلك الليلة، كانوا يعتقدون أن الرقص والقصف شأن الراقصات، فقط، والسكارى من ~~الرجال! فما كادوا يصدقون أعينهم، لما أبصروا أوچيني، الإمبراطورة العظيمة؛ ~~وفرنتز يوسف، الإمبراطور الخطير؛ وفردريك غليوم، الأمير البروسياني المكلل ~~الجبين بانتصارات سنة 1866؛ وباقي الأمراء والأميرات؛ وخديوهم نفسه، الرجل ~~الوقور، يرقصون ويمرحون كباقي المدعوين وأكثر؛ وأبصروا أن السن ذاتها لم تمنع ~~فردينان دي لسبس، على اشتعال ناصيته شيبا، من أخذ نصيبه من الرقص والملاهي ~~الأخرى، المجموعة حوله، ولا بد من أن هيبة أولئك الأعاظم تضاءلت بعض التضاؤل في ~~أعينهم، لا سيما إزاء وقار الأمير عبد القادر، البطل الجزائري المعروف، الذي ~~على امتزاجه بجمهور الراقصين والراقصات، لم يرقص ولم يقصف، وبقي متفرجا فقط، ~~ملتحفا هيبته وجلاله. # فلم ينسوا ليلة الثامن عشر من شهر نوفمبر؛ وما فتئوا، بعد ذلك، يذكرونها أمام ~~أولادهم وحفدتهم، كما ارتسمت على مخيلاتهم، ولم يخطئوا في أنها ليلة لن تنسى، ~~لأنها كانت، في الواقع، ليلة لم تر القرون لها مثيلا؛ ولن ترى شبيهها الأجيال ~~القادمة. # ومن حسن حظ الناس أن المستقبل سجل مكتوم؛ وأن الغد صنو متلثم لا يعرف وجهه، ~~ولا تقرأ سطور يده، مهما كان الراغب في استجلاء محياه وفتح كفه قويا وكريما، ~~أو جميلا وجليلا! فإن ذلك يجعل استمراء حلاوة الساعة الحاضرة ممكنا، ويحمل ~~على الاتعاظ بقول القائل: «ولك الساعة التي أنت فيها!» وإلا لو كان الأمر بعكس ~~ذلك، وأمكن رفع الحجاب عن هذا الشبح الذي هو ضيفنا، كما يدعوه هيجو، الشاعر ~~الأوحد، وظلنا المرافق لنا أبدا واسمه «الغد»؛ لو أمكن حمله على التكلم وإباحة ~~سره المكنون، هل كانت أوچيني، الإمبراطورة الجميلة، تقدم ذراعها، في الرقص، إلى ~~الأمير البروسياني، الذي كان مزمعا، بعد أقل من عشرة شهور، أن يثل عرش زوجها، ~~ويفتح في جنب فرنسا، وطنها الاختياري ms324 المحبوب، ذلك الجرح العميق الأليم، الذي ~~استمر نيفا وسبعا وأربعين سنة داميا؟ بل هل كانت تحضر تلك الحفلات والأعياد، ~~وترضى أن تكون إلهتها، ومحط الأنظار فيها؛ وهي المزمعة، بعد أقل من عشرة أشهر، ~~أن تسقط من حالق، وتفر من قصرها الإمبراطوري، وجلة، بينما الثورة تهدر وراءها، ~~وتأوي بذعر إلى إنجلترا، فتنزل، معفرة الثياب والوجه، في إحدى محطات لندن، وترى ~~نفسها تزاحمها المناكب، بلا احترام، في سيرها لتبحث عن عربة بحصان واحد تقلها ~~وتقل أثاثها القليل، الذي تمكنت من تهريبه معها؟ بل هل كانت تلك الحفلات عينها ~~تبزغ لها شموس، وهل كان يقع في خلد (إسماعيل) أن ينفق الملايين التي أنفقها ~~عليها، وعلى الضيوف الذين دعاهم إليها، فلم يتكبدوا في ذهابهم وإقامتهم وإيابهم ~~درهما واحدا من جيوبهم حتى ولا على غسل ملابسهم واستحمامهم، لو علم أن ~~الإمبراطور نابوليون الثالث، معتمده في ملماته، وفي تحقيق أمانيه، ساقط عن عرشه ~~بعد عشرة شهور، وأن إمبراطوريته المفيئة على الأكوان ممحوقة عن قريب؛ وأن ~~فرنسا، صاحبة الكلمة العليا في مجتمع الدول، والقدح المعلى في ميدان السياسية، ~~ستبيت بضعة أعوام كسيرة الجناح قليلة النفوذ؟ # وهل كان الإمبراطور فرنتز يوسف استمرأ، بلذة، حلاوة تلك الليلة البهيجة، لو ~~علم أن أخاه الأرشيدوق مكسيمليان، إمبراطور المكسيك، الذي كان لا يزال يبكيه، ~~منذ أن قتله چوارز زعيم الجمهوريين المكسيكيين، رميا بالرصاص، في يونية سنة ~~1867، ليس وحده الأمير الذي كتبت له الأقدار القتل، في بيته الهبسبرجي؛ وأن ~~ابنه الوحيد وولي عهده رودلف؛ واليصابات زوجته، التي قادها إله الغرام إلى ~~سريره وعرشه؛ وفرنتز فردينند ابن أخيه، وولي عهده، بعد رودلف، وزوجة فردينند ~~هذا، سيقضون كلهم قتلى، كأخيه؛ وأنه هو نفسه، وقد توغل في الشيخوخة وبات على ~~حافة القبر، سيرضى بأن يثار باسمه أكبر وأفظع حرب رآها العالم، فتقتل حزنا، ~~حبر العالم المسيحي الأكبر پيوس العاشر، فيموت وهو غير راض عن جلالته الرسولية، ~~بل ناقم عليها، على ما كان لقداسته من المكانة في نفس جلالته؛ وسيقضي هو عينه ~~نحبه، في وسط نيران تلك ms325 الحرب المندلعة، العتيدة أن تدك دولته دكا، وتخرب ~~بيته تخريبا تاما، فيمضي، ولا ترافقه إلى قبره سوى لعنات الملايين من ~~الأمهات والأرامل، والخطيبات الثواكل، ولا يذكر العالم المتمدين ساعات حياته ~~الأخيرة إلا ليلعنه، بعدما كان لا يذكر اسمه إلا متأسيا، خاشعا أمام جلال ~~شيبه المكلل بالحداد؟! # وهل كان البرنس فردريك غليوم البروسياني وقرينته، بنت الملكة ڨكتوريا ~~الإنجليزية ، ذاقا بلذة بهجة تلك السويعات الهنيئة، لو قرآ في سجل المستقبل عقوق ~~غليوم، ابنهما الأكبر، لهما في كبرهما، وسوء معاملته لهما، لما اضجع المرض ~~العضال أباه على سرير موته، وحرم الموت الإمبراطورة فردريك من زوجها، وتركها ~~تحت رحمة تصرفات ذلك الابن الكاره فيها الدم الإنجليزي؟ # فلكون الغد سجلا مقفلا، أبدا، أمكن الذين عاشوا تلك الليلة الفريدة أن ~~يتمتعوا بهنائها، بعين قريرة، وقلب مطمئن! # وامتزجت بطرب المرقص، الموسيقات والحراقات والألعاب النارية والزينات ~~المتألقة أنوارا، حتى لم يبق أحد لم يعتبر نفسه قد نقل إلى عالم الخيالات الذي ~~وصفته روايات ألف ليلة وليلة! # وهكذا انقضت في حبور وابتهاج تلك الليلة الفريدة في وسط مرح مائة ألف نفس! ~~وقضي الغد الثامن عشر من شهر نوفمبر في تنزهات على البحيرة، وفي ضواحي ~~الإسماعيلية، لم تعرف كللا ولا مللا، والبشر مرتسم على جميع الوجوه والجذل ~~يملأ جميع القلوب! # ولما عاد المساء، عادت الولائم، وحفلات الرقص والقصف، وعاد (إسماعيل) إلى سحر ~~عقول ضيوفه بتفننه في أساليب جمع اللذات تحت أقدامهم، تفننا فاق حد الوصف، ~~وأنست مسرات تلك الليلة مسرات الليلة التي سبقتها، وتركت وراءها بمراحل ملاذ ~~«الحياة التي لا تقلد» المشهورة عن كليوبترا وأنطونيس. # وفي صباح اليوم التالي، أقلعت البواخر والسفن الإمبراطورية والملكية بمن ~~عليها، وأمامها «الإجل» (النسر) ونزلت نحو الجنوب، قاصدة السويس، ولكن الضيوف ~~الكرام رأوا أن يمضوا الليلة على ظهر البحيرات المرة، ليكون لهم نصيب من التفرج ~~على السيراپيم، وليكون لأهالي تلك الجهات قسط من أفراح الترعة؛ ففعلوا، وبات ~~الأسطول التاريخي، هناك، وآذان الصحراء المحيطة مصيخة لدوي المدافع، وعزف ~~الموسيقات. # فلما بزغ الصباح، تابعت تلك السفن سيرها، ms326 فوصلت إلى السويس الساعة الحادية ~~عشرة ونصفا من صباح يوم عشرين نوفمبر، فكتبت (أوچيني) في سجل «الإجل» هذه ~~العبارة: «وصلنا إلى السويس، على البحر الأحمر، اليوم 20 نوفمبر سنة 1869» ~~أوچيني، وتلا توقيعها تواقيع كل من كان معها، ثم أرسلت إشارة برقية إلى باريس ~~تنبئ قرينها «بأن الأمر انقضى، واجتياز القناة تم!» # وبعد أن تناول العواهل طعام الغداء، أرسل كل منهم، أيضا، إلى عاصمته إشارة ~~برقية بمعنى إشارة الإمبراطورة، ثم رأوا، جميعا، وجوب ذهابهم إلى ظهر «النسر» ~~ليحتفوا، في شخص أوچيني، بالعمل المجيد الذي تم على يد «الفرنساوي ~~الكبير». # وفي اليوم التالي، عادت الإمبراطورة إلى بورسعيد، في ظرف ست عشرة ساعة، ~~وأقلعت منها إلى طولون. # أما الخديو، وباقي ضيوفه الفخام، فعادوا من السويس إلى مصر بالسكة الحديدية، ~~وخير كل من شاء من المدعوين، بتمضية ما شاء من الأيام التالية، عشرة على الأقل، ~~في القطر المصري، على نفقة الخديو الشخصية. # أما الاحتفالات التي أقيمت بمصر لفرنتز يوسف وفردريك ڨلهلم وبقية الأمراء ~~والأميرات فيكفي القول، لإدراك أهميتها، أنها ضارعت في جلالها ونفقاتها ما عمل ~~من نوعها للسلطان عبد العزيز، وأما الاعتناء ببقية الضيوف فلا أدل عليه من بيان ~~الأطعمة التي كانت تقدم، ثلاث وأربع مرات في النهار، لذات الألوف من أوضعهم ~~قدرا، وهاك ذاك البيان في بساطته التاريخية: # فطور الصباح: قهوة بلبن وزبدة أو شاي بلبن وروم، بيض مضهب (برشت) ~~أو على الصحن؛ شكولاته وبسكويت، حسب طلب المسافرين. # طعام الظهر: ماكاروني أو أرز مفلفل أو ما شابه ذلك؛ صحن لحم بارد؛ ~~صحن شواء؛ صحن لحم مطبوخ؛ بطاطس على الطريقة الإنجليزية، أربعة توابل؛ ~~أربعة أصناف فواكه؛ جبن؛ قهوة؛ وأشربة مختلفة. # طعام العشاء، الساعة السابعة مساء: حساء متنوع؛ صحن سمك؛ صحن لحم، ~~صحن طعام سخن؛ صحن طعام بارد؛ شواء من الطير، سواء أكان ديكا روميا ~~أم طيور صيد؛ سلطة خضراء؛ صحن خضار مطبوخ؛ صحن حلويات؛ صحن قشدة متنوعة ~~التراكيب؛ عدة أصناف فواكه مجموعة معا؛ جبن؛ قهوة، وأشربة منتخبة ~~فاخرة. # طعام نصف الليل، لمن شاءه واعتاده ms327 من المسافرين. # الخمور الواجب تقديمها مع طعام الظهر: نبيذ عادي؛ نبيذ ميدوك؛ نبيذ ~~شاتومرجو - وهما من أفخر أنواع البردو - ونبيذ سوترن. # الخمور الواجب تقديمها مع طعام العشاء: نبيذ عادي؛ نبيذ ميدوك؛ نبيذ ~~مادير؛ نبيذ برجونيا؛ شاتولافت؛ شمبانيا على قدر الطلب! # هذا، علاوة على أن تذاكر مجيء هؤلاء الضيوف، جميعهم، وإيابهم إلى بلادهم، في ~~الدرجة الأولى، تحف بهم كل أنواع الراحات - كما سبق لنا القول - كانت على نفقة ~~الجيب الخديوي الخاص، وأن إنزالهم إلى البر، وفي الفنادق، ونقلهم من بلد إلى ~~بلد بالسكة الحديدية، وعلى البواخر النيلية، وما أرادوا إنفاقه على أنفسهم في ~~ذات شئونهم الخصوصية، كان جميعه على الجيب العامر عينه. # فلا غرابة، والحالة هذه، إذا جاوزت نفقات الأسابيع الستة المنقضية ما بين ~~وصول الإمبراطورة أوچيني إلى القاهرة واليوم الثلاثين من نوفمبر؛ أي: إذ كان ~~معظم المدعوين قد بارحوا الديار المصرية، مبلغا اختلفت في تقديره الأقوال، بين ~~مليون وثلاثمائة ألف جنيه إنجليزي، وأربعة ملايين، فقد صرف نيف وعشرة آلاف في ~~طبع ثلاثمائة نسخة، فقط، من تاريخ رسمي للاحتفالات والأعياد، على جلد فيل؛ ~~وتزيينه بالرقوش والصور الجميلة؛ وأعطي ألف جنيه لواضعه وحده، ودفع الخديو إلى ~~فنادق (أوتيلات) الإسكندرية ومصر خمسة وستين فرنكا، وإلى فنادق القناة مائة ~~فرنك وخمسة فرنكات، يوميا، عن كل مدعو أقام فيها، خلاف أجرة غسيله، والمعلوم ~~أن عدد المدعوين زاد على ستة آلاف! # فكما أن أرض مصر لم تر، في كل تاريخها، أعيادا كتلك الأعياد؛ ولا حلت فيها، ~~في وقت ما، ركاب ضيوف أجلاء، كالذين حلوا فيها، بمناسبة تلك الأعياد، هكذا ~~اقتضت الحال أن تفوق النفقات كل حد في الاعتدال والاعتياد، وتدخل فيما لا ~~يستطاع، في غير التصور حصره، لا سيما وأن استقلال مصر السياسي التام كان الغرض ~~المنشود منها. # لذلك كان البيان الذي استوقف انتباهنا واعتبارنا، أكثر مما سواه، في ماجريات ~~تلك الاحتفالات والأعياد العجيبة، بيانا قرأناه في كتاب وضعه مؤلف يقال له: ~~المسيو «برتران» في حياة فردينان دي لسبس وأعماله، مؤداه على ما ذكرنا أن ~~السلطان ms328 عبد العزيز أناب عنه في حفلة فتح الترعة العالمية السير إليوت سفير ~~بريطانيا العظمى بالأستانة، وأن ذاك السفير قام فعلا بتلك المهمة، فوق تمثيله ~~دولته في تلك الأعياد عينها. # فهل كان ذلك فألا أوجبته الأقدار على غير علم أو شعور من ذلك السلطان ~~المنكود الحظ؛ أم كان توقعا مضطربا مبلبلا جال في فؤاده بأن فتح تلك الترعة ~~من شأنه ، في يوم عتيد، سلخ مصر نهائيا عن دولته العثمانية السلطانية لإدماجها ~~في جسم الدولة الإنجليزية الإمبراطورية؟ # مهما يكن من الأمر، فإن انفصال مصر عن تركيا نهائيا، وإعلان بريطانيا ~~العظمى حمايتها عليها منذ نيف وأربع سنوات، # 26 # يجعل قارئ التاريخ مأخوذ اللب، لدى وقوفه على نيابة سفير إنجلترا ~~عن سلطان تركيا في حفلة فتح ترعة السويس؛ الترعة التي كان من شأنها إما زياردة ~~توثيق عرى الاتصال الشديد بين تركيا ومصر، بعامل زيادة المصالح المتبادلة - وهو ~~ما لم يحصل - وإما فصم تلك العرى بالمرة بعامل انقطاع الاتصال المادي، وقيام ~~جمهور مصالح عالمية بجانب مصالح التابع والمتبوع - وهو الذي وقع. # ولا يبعد أن يكون بعض المفكرين من الذين حضروا تلك الحفلة، قربوا بين نيابة ~~السير إليوت الإنجليزي عن سلطان تركيا فيها، وبين قول اللورد پلمرستن، وزير ~~بريطانيا العظمى الأكبر، في مقاومته لمشروع حفر ترعة السويس، وهو: «إن نفاذ هذا ~~المشروع يضطر إنجلترا إلى امتلاك مصر، وهو ما لا نريده»، فتطيروا، وتوقعوا منذ ~~ذلك الحين ما وقع بعد مرور خمسة وأربعين عاما، والتاريخ كله عبرة لمن ~~يعتبر! # على أن الباب العالي، إشعارا للعالم كله بأن عدم ترأس السلطان العثماني أكبر ~~حفلة تاريخية أقيمت على أرض عثمانية في عرفه لم يكن ليزعزع حجرا واحدا في ~~قواعد سيادته على القطر المصري، ما كاد يعلم أن ضيوف (إسماعيل) الفخام قد ~~فارقوا بلاده حتى أرسل إليه في أواخر شهر نوفمبر، على يد مندوب سام، بلاغا ~~نهائيا في شكل فرمان؛ أمره بمقتضاه بالخضوع حالا لأوامر تابعه، وإلا اتخذت ~~ضده الإجراءات المبينة في التعليمات المزود بها حامل الفرمان، وأهم تلك الأوامر ms329 ~~ما يختص بالامتناع عن عقد قروض إلا بتصريح سلطاني؛ ووردت في الوقت نفسه على ~~(إسماعيل) إفادات برقية من سفراء فرنسا وإنجلترا والنمسا بالأستانة تشير عليه ~~باللين مؤقتا، وإظهار ولو شبه امتثال للأوامر المرسلة إليه، فرأى نفسه مضطرا ~~إلى مواجهة الباب العالي وحيدا، بدون معين أو عضد، بعد إنفاقه مبلغا طائلا ~~في سبيل إكرام ضيوفه، أضعف خزينة حكومته المصرية - ولكنه كان يعلم من جهة أخرى ~~أن الأوامر المكتوبة لم تكن، في عرف الدولة العلية، أكثر من حبر على ورق، إذا ~~عرف المرء كيف يتقي مفعولها. # فلما وصل الفرمان إلى يده، أمر بتلاوته بسرعة في ميدان القلعة، بحضور المندوب ~~العثماني، ونحو ستة من الموظفين، ليس بينهم من يفقه التركية إلا اثنان، وبعد ~~إطلاق بضعة مدافع، إشعارا بتلاوته، ثم أحاط الباب العالي علما بما تم. # ولكنه أظهر له، في الخطاب ذاته، الذي أرسله إليه لهذا الغرض، أنه لا يعلق على ~~ذلك أهمية مطلقا؛ وأنه بالرغم من امتثاله، حبا في المحافظة على السلم، ~~للأوامر الواردة إليه، لا يرى أن حقوقه وامتيازاته الممنوحة إليه مست؛ بل يعتقد ~~أنها لا تزال كما كانت، حيثما كانت. # فما كان من الباب العالي، ردا على هذا الكتاب، إلا أنه أبرق إليه بأن «أرسل ~~حالا المائتي ألف بندقية ذات الإبرة السابق مشتراها منك، وكلف من يلزم بطولون ~~بتسليم المدرعات المصنوعة هناك، لحسابك، إلى الضابط الذي يبعثه الباب العالي، ~~لأجل استلامها!» # فأهمل (إسماعيل) الجواب على ذلك التلغراف، فأيده الباب العالي بتلغراف آخر ~~كان حظه حظ سابقه، ولكي يظهر الخديو مقدار اهتمامه بإشارات الصدارة البرقية، ~~فيكيد عالي باشا خصمه الشخصي، أقدم - بالرغم من استدعاء أعياد الفطر القريبة ~~وجوده في العاصمة - على سياحة نزهية على النيل، صحبة عقيلة أمريكية من جميلات ~~الغرب، ورفقة ضيوف كان الحظ والتفنن في وسائل الملذات خير ما يعيشون لأجله في ~~هذه الحياة الدنيا، ولم يعد من نزهته تلك إلا في الأسبوع الثاني من العام ~~الجديد سنة 1870.‏ # 27 # فأبرق، حينئذ، إلى الصدر الأعظم قائلا، عما يختص بالبنادق، إنه لم ms330 يشتر منها ~~سوى أربعين ألفا فرقها على جنوده، وأنه لم يعد يبقى منها إلا ما لا سبيل إلى ~~الاستغناء عنه للاحتياج إليه احتياطيا؛ وعما يختص بالمدرعات، إن صانعيها لم ~~يقدموا له حساب نفقاتها بعد؛ وإنه، متى قدموه، وسدد له الباب العالي ما سبق ~~إنفاقه منه، وأخلى سبيله من كل مسئولية تالية، يسرع بتسليمها إليه. # وبعد مضي خمسة عشر يوما ورد الحساب المقول عنه؛ فأرسله (إسماعيل) إلى ~~الأستانة متباطئا، فلما اطلعت عليه وجدت أن الثمن المطلوب عن تلك المدرعات ~~ثمانمائة ألف جنيه إنجليزي، فما وسعها، بعد محاولة إدخال بعض التعديل عليه، إلا ~~قبوله على فقر خزينتها، ودفعته وهي ممتعضة امتعاضا كبيرا. # فاغتنم (إسماعيل) حالتها النفسية، وأرسل نوبار باشا إليها بما يزيل امتعاضها ~~- وكان (إسماعيل) يقول: «إن نوبار خير من تعهد إليه مهمة لدى رجال الأستانة، ~~لتفوقه في الصلف والتنكيت؛ كما أن «شريفا» خير من يوفد إلى بلاد الإنجليز، ~~لمهارته في الصيد والقنص». # واتفق أن عادت إلى الأستانة من مصر، في ذلك الوقت، غادة بديعة الجمال، كان ~~السلطان عبد العزيز قد أعجب بحسنها لدى زيارته (لإسماعيل) في مدة إقامة هذا ~~الأخيرة على ضفاف البسفور. # فلما أزالت النقود، التي بذلها نوبار باشا، كل أسباب الخلاف القائم بين تركيا ~~ومصر، اتخذ همازور الأستانة ولمازوها ما اتفق من رجوع تلك الغادة إليها مع وجود ~~نوبار باشا فيها، وتردد أقدامها الحورية على سراي «ضلمه بغچه» ذريعة للتأكيد ~~بأن تسوية الخلاف التركي المصري إنما يجب نسبتها، في الحقيقة، إلى عمل تلك ~~السفيرة الجميلة، وحسن وقع زيارتها للسراي السلطانية في قلب السلطان عبد ~~العزيز، لا إلى نقود نوبار أو تنازل الخديو عن مدرعاته. ألا: # ويل لكل همزة لمزة ~~! # غير أن تسوية الخلاف لم تجعل (إسماعيل) يقلع عن تغذية أمنية الاستقلال التام ~~في صميم فؤاده، والنظر، بالتالي، إلى مستقبل علاقاته مع تركيا بعين الريب ~~والحذر. لذلك ما انفك دائبا على إتمام استعداداته الحربية، وجمع الجنود جمعا ~~حثيثا، وحشدها على شواطئ البلاد، وفي ثغورها، لا سيما بالإسكندرية، حيث اكتظ ~~ميدان ms331 (محمد علي) بها وبمعداتها، وحيث أخذت المدافع تدوي، بين حين وحين، منذرة ~~بالتجهز للدفاع، بل وللهجوم أيضا. # وقد كتب أحد مراسلي الصحف إلى جريدته، في أوائل تلك السنة، ما يأتي: «قد ~~نظرنا، بالأمس، عدة آلاف من الفعلة يؤمرون بالاشتغال في إقامة المعاقل والحصون؛ ~~وبتنا، وكل مظهر من مظاهر الحياة حولنا يحملنا على الاعتقاد بأن الترك منتظر ~~مجيئهم هنا، وأن سمو الخديو يعد لهم استقبالا حاميا، والناس بالإسكندرية ~~يتهامسون بأنه سيجد مساعدة في ذلك من اليونان والكريتيين، ومن يوسف بك كرم زعيم ~~الموازنة الثائرين على الدولة في جبل لبنان، والذي أصبحت علاقاته بسموه في ~~منتهى الود والإخلاص. أم يجد (محمد علي) العظيم عونا فعالا، وحليفا صدوقا ~~في شخص الأمير بشير الشهابي الكبير؟ فلم لا تتردد صورة هذا اللبناني الخطير على ~~مخيلة (إسماعيل) كلما يطرق اسم يوسف بك كرم أذنيه؟ ولم لا ينتظر، فيما لو هاجم ~~تركيا في عقر دارها، أن يجد من هذا الزعيم نفس المساعدة والمعاونة اللتين ~~وجدهما (محمد علي) من ذلك الأمير؟ # إن الناظر إلى الإسكندرية الآن يخالها مدينة في حال حصار، لا مركزا هادئا ~~للتجارة والإتجار؛ ولا يمكنه إلا أن يتوقع شرا من الحرب، من أية جهة هبت، ~~فمحطات البوليس ونقطه العادية قد عززت بجند نظامي؛ وسلحت البطاريات بأثقل ~~المدافع وأقواها؛ والجنود، بالبنادق ذات الإبر الجديدة، ولا ينفك العمل جاريا ~~في الترسانة ليلا نهارا، لتجهيز المعدات والآلات والذخائر الحربية على ~~أنواعها. # وقد غيرت كلمات النظام العسكري والأوامر العسكرية، وجعلت عربية بدلا من ~~التركية؛ وطردت التركية أيضا من جميع مصالح الحكومة، وأحلت العربية محلها؛ ~~وأصبح كل شيء، في الواقع، يدل على عزم الخديو على قطع علاقاته بالباب العالي، ~~وفصم عرى كل وثاق يربط مصر بالسلطنة العثمانية، وينذر بقرب حدوث ذلك!» # 28 # ومما ساعد على رسوخ هذه التوقعات في النفوس أن الكولونيل كورونئس، زعيم ~~الثورة الكريتية التي أخمدت حديثا، أتى إلى مصر وانتظم في جنديتها، وكذلك ~~(موط) الجنرال الأمريكاني الاتحادي. # وما أقام هذا الأخير بمصر مدة، وأتم بعض أشغال مالية ms332 فيها، إلا وكلفه الخديو ~~بالذهاب إلى نيويرك، ليحمل أي عدد كان من المحاربين، أمثاله، على التطوع في ~~الجندية المصرية، ففعل، ولكنه هو، والذين أحضرهم معه لم يكونوا ممن يفتخر ~~بأمثالهم، فما وسع (إسماعيل) إلا صرفهم، بجيوب مملوءة، وإحضار ضباط أمريكيين ~~غيرهم جديرين بثقته، وأكفاء للمهمة التي كان يريد أن ينوطها بهم؛ فحضروا تحت ~~قيادة الجنرال (ستون)؛ وقاموا بأعباء ما عهد إليهم من الأعمال خير قيام: إما ~~كمدربين عسكريين، وإما كمهندسين، ومراقبين ملحقين بعدة حملات جنوبية، سيأتي ~~الكلام عنها في حينه. # على أن (إسماعيل) - وإن يكن قد اتخذ عدته لمقابلة الطوارئ من الوجهة ~~العسكرية - لم يكن بالرجل الذي يميل إلى التطوح في مجاهل الحروب، متى أمكنه ~~تحقيق أماني نفسه بطرق سلمية، وبواسطة ما يبذله من مال. # فلعلمه - من جهة - أن الأستانة مدينة تشترى أكثر مما كانت روما، لما خرج ~~«چوجرتا» ملك نوميديا منها هاتفا: «لا يعوزك، أيتها المدينة المبتاعة، إلا من ~~يستطيع شراءك»؛ وأن السلطان عبد العزيز لا يضن عليه بإجابة أي طلب يرفعه إليه، ~~حتى لو كان الاستقلال الكلي بمصر، إذا شفعه بما يوازي أهمية الإيجاب من الأصفر ~~الرنان؛ ولشعوره - من جهة أخرى - بأنه يستطيع شراء الأستانة، مهما تغالت في ~~المساومة عن نفسها، ويستطيع إعطاء سلطانها ما يحب من الذهب، مهما كان كبيرا، ~~رأى - ريثما تحسن الأيام الأحوال - أن يقصد عاصمة بني عثمان، فيقدم فيها ~~مساعيه، ويجمل مركزه بنفسه، وبما يطمع فيه من نقوده. # لذلك، لما غمر خزينته القرض الذي عقده له، بالرغم من حظر الفرمان الأخير، محل ~~بيشو فشهيم وجولد شمدث، أرسل يستدعي ابنه الأمير (محمد توفيق) من سياحته التي ~~كان قد أقام إليها، منذ زمن قليل، في البلاد الأوروبية، وبلغ فيها مدينة ڨيينا ~~- وهي سفرته الأولى والوحيدة إلى خارج القطر - فأقامه مقامه على دفة إدارة ~~البلاد؛ ثم استقل «المحروسة» يخته الخاص، وسار بآماله وأمواله إلى الأستانة، ~~بالرغم من أن منذرات الحرب المقبلة بين فرنسا وبروسيا كانت تدوي في الفضاء، وأن ~~بعض المقربين منه أشاروا عليه بتأجيل سفره، لذلك ms333 السبب، وريثما تزول، من ~~النفوس، القرحة التي أوجدها خلافه الأخير مع دار الخلافة، ولكن (إسماعيل) أبى؛ ~~لأنه كان يعرف من هم رجال تلك الدار؛ ولأنه، ربما كان يتوقع تلك الحرب؛ ويعتقد، ~~كجميع أهل الشرق ومعظم أهل الدنيا، في تلك الأيام، أن النصر مضمون لفرنسا فيها؛ ~~وأنه يحسن به، إذا، أن يتخذ أهبته، ويمهد طريقه في عقر دار خصمه، ليتمكن من ~~الاستفادة من النصر الفرنساوي العتيد، الاستفادة كلها، وهو غير متعرض إلا إلى ~~أقل ما يمكن التعرض إليه من الأخطار. # غير أن الحرب باغتته، كما باغتت الجميع: # أولا: # بفجأة شبوبها. # ثانيا: # بسرعة رجحان كفة پروسيا على فرنسا فيها، فعجل عودته إلى ~~القطر، في أوائل أغسطس، وعواطفه تحيي فيه، رغم الواقع، الأمل ~~بنصر الفرنساويين عسى أن نصرهم يحقق أمانيه. # وليس من يشك في أنه، لو انتصرت فرنسا في تلك الحرب، ففازت بپروسيا خصيمتها، ~~وخرجت من المعمعة صاحبة الكلمة التي لا تقاوم في ميدان السياسة الأوروبية، وبرز ~~نابوليون الثالث، صديق الخديو الحميم وزوج أوچيني ضيفته الكريمة، في شبه ~~المنزلة التي كانت لعمه العظيم، عقب عقده معاهدة تلست سنة 1807، وأثناء مقابلته ~~بالقيصر، إسكندر الأول الروسي، في إرفرت سنة 1808، كان (إسماعيل) وضع يده في ~~يده، وطلب إليه أن يشد أزره في موقفه، ونادى باستقلال بلاده التام عن سلطنة آل ~~عثمان، معتمدا على إمبراطور الفرنسيس في تسوية مركزه الجديد إزاء الدول ~~الأوروبية، وحيال وجود ترعة السويس التسوية التي ترضيه وترضيها، ولكن انخساف ~~شموس الإمبراطورية النابوليونية، وتدهور الدولة الفرنساوية تدهورا ساحقا، في ~~تلك الحرب المشئومة، كانا ضربة مؤلمة جدا انهالت على مطامع (إسماعيل) ~~فصدعتها، واضطرت صاحبها بأن يعود إلى ما كان عليه من شراء أجزاء ذلك الاستقلال ~~تباعا، شراء صريحا، من السلطان وبابه العالي بالمال، وبرفع مقدار الجزية ~~السنوية، حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا. # ولكنه بقي، مع ذلك، متحينا للفرص، عاملا على اغتنامها، غير يائس من رحمة ~~الله، ومحاسن الأقدار، ولما رأى أن ارتكانه على فرنسا بات، لهوانها بعد قهرها، ~~كما كان ارتكان ملوك يهوذا على ms334 فرعون مصر - أي مثل اتكاء المرء على قصبة قد ~~تنكسر فتجرحه، كقول حزقيال النبي اليهودي - وجه وجهه شطر إنجلترا، وشرع يتقرب ~~إليها أكثر من السابق، فخص محل جرينفلد وشركائه الهندسي بلندن ببناء ميناء ~~الإسكندرية - وقد سبق لنا ذكر ذلك في حينه - ولولا حرب السبعين لعهد بعمله إلى ~~محل فرنساوي؛ وبلغ من إعراضه عن فرنسا، لا سيما منذ رأى تعنتها في مقاومة ~~الإصلاح القضائي ، ما حمل وزير ماليته - وكان قد شعر بأن نتيجة تلك الحرب هدمت ~~النفوذ الفرنساوي في نفس مولاه وفي مصر، شأنها في كل صقع وقطر آخر - على ~~الاعتقاد بأنه لم يعد، ثمت، من حاجة إلى عمل حساب لها: فأبى تنفيذ عقد كان قد ~~أبرم بين الحكومة المصرية وأحد الفرنساويين، قبل تلك الحرب، وعامل المطالبين ~~بنفاذه بجفاء وخيلاء لم يكن ليجسر على مجرد الافتكار فيهما قبل واقعة «صيدان»، ~~ولكن القنصل الفرنساوي أظهر، من جهته، وقاحة وتعسفا، كأن نابوليون الثالث لا ~~يزال في كل مظاهر عظمته ومجده، جالسا على عرشه، محط أنظار العالم المتمدين، ~~ولم يكتف بمقابلة عتو الوزير المصري وعجرفته بضعفيهما من العتو والعجرفة، بل ~~دخل ذات يوم، عنوة، في بيت فرنساوي كان كاتب سر لشريف باشا، واغتصب أوراقا من ~~شأنها إيقاع عدة من كبار الموظفين المصريين تحت طائلة مسئولية مخيفة، على ما ~~أشيع في ذلك الحين، ولما أصبحت في يده، جابه بها الوزير إسماعيل صديق باشا، ~~وهدد بإفشاء سرها المكنون إذا هو لم يجب طلبه في الحال، ولما كان وزير المالية ~~هذا من أولئك الموظفين الكبار، بل في مقدمتهم، خاف الفضيحة، ونزل على شروط ~~القنصل، فأصاب هذا، بمقتضاها، فائدة مادية، على ما همست به الألسنة، أكبر من ~~الفائدة التي نالها محسوبه. # 29 # ثم إن (إسماعيل) عملا بالخطتين معا: خطة تحين الفرص لاغتنامها، وخطة التمكن ~~بما له من قلب الأستانة ولبها، اشترك، من جهة، اشتراكا رسميا في المعرض الذي ~~أقيم بڨيينا سنة 1872؛ وأقبل على التوسع وراء حدود مصر الجنوبية، من أقصى غربها ~~إلى أقصى شرقها، توسعا سيأتي بيانه؛ واستمر، ms335 من جهة أخرى، بتردده على ~~الأستانة، كشمس تحيي الموات، وتبث الحياة، يعمل على بت كل علاقة تبعية لها، ~~وكسر قيد سيادتها عليه حلقة، حلقة. # 30 # ففي الأسبوع الثالث من شهر يونية سنة 1872 سافر وبمعيته سمو الأميرة والدته ~~إلى الأستانة، وقد عزم عزما أكيدا على أن لا يبقى، ما سوى الجزية، على أية ~~رابطة كانت بينه وبين الدولة العثمانية، فما مضت على وصوله إليها بضعة أيام إلا ~~وأهدى عبد العزيز، بحجة الاعتراف له بما كان من وقع جميل في نفسه للحفاوة ~~العظمى التي قابله بها، خمسين ألف بندقية من طراز مرتيني هنري، كان قد أوصى ~~معامل إنجلترا بصنعها. # وبعد مضي أسبوع أو أسبوعين، اغتنم فرصة احتفال السلطنة العثمانية بتبوء ~~مليكها عرش الخلافة الإسلامية، فأقام في قصره، بأميركون، معالم ابتهاج فاخر، ~~توالت فيه الولائم، النادرة المثال، لكبار رجال الدولة، ختمها بوليمة خاصة ~~بجلالته، بذل فيها من صنوف اللذات، ومختلف المطاعم والمشارب، ما لا يقع في خلد ~~رجل؛ وتوج ذلك جميعه بأن قدم لعبد العزيز «طقم» سفرة، بديعا، من صنع باريس، كل ~~آنيته من الذهب المرصع بالحجارة الكريمة؛ وقد استعمل في تزيينها، من الماس ~~وحده، نيف وخمسة آلاف قيراط! # على أن هذا جميعه، رغم جسامته، لم يكن بالنسبة إلى اللاحق إلا كنسبة التوابل ~~إلى الطعام الحقيقي، فإن (إسماعيل) لم يمض على إقامته في الأستانة شهران، حتى ~~كان قد قدم إلى السلطان مليونا من الجنيهات العثمانية، وخمسة وعشرين ألف جنيه ~~إنجليزي إلى الصدر الأعظم، وخمسة عشر ألفا إلى وزير الحربية، وعشرين ألفا ~~ونيفا إلى عدة من كبار السراي السلطانية. # واشتركت الأميرة والدته الكريمة معه في استمالة القلوب إليه، فإنها فوق ~~الهدايا النفيسة التي قدمتها إلى نساء الوزراء العثمانيين، وكبار موظفي السراي ~~السلطانية، تقربت من السلطانة ذاتها، والدة عبد العزيز، وأولمت لها الولائم ~~الفاخرة، وقدمت لها في إحداها من التحف الثمينة ما لا يمكن وصفه، أو حصره، ومن ~~أغرب الصدف، أنهما، بعد الاختلاط الكثير، وقص كل منهما أخبارها على الأخرى، ~~تحققتا أنهما قريبتان تجتمعان ms336 في جد واحد، ففرحتا بذلك فرحا عظيما، وجعلتا ~~تتزاوران كل قليل، ولا تقطع الواحدة عن الأخرى في كل يوم رسل التحية والتسليم! ~~فكان ذلك من أسعد توفيقات (إسماعيل)؛ لأنه أكسب مصالحه في السراي السلطانية ~~صوتا لم يرتفع للطلب، أبدا، سدى! # 31 # فطلب بكياسة من متبوعه التفضل بتوسيع دائرة اختصاصاته ورفع الحجر الموضوع ~~عليه في أمر الاستدانة. # فصدر له فرمانان في شهر سبتمبر من السنة عينها، ثبت أولهما - وتاريخه 10 ~~سبتمبر سنة 1872 / 7 رجب سنة 1289 - جميع الامتيازات السابق منحها له؛ وألغى ~~الثاني - وكان مصحوبا «بخط شريف» ليوضح مغمضاته - منطوق فرمان سنة 1869 المحظر ~~عليه اقتراض أي قرض جديد في المستقبل، بدون تصريح خاص من الباب العالي، وخول له ~~حق الاستقراض أنى شاء ومتى شاء وكيفما شاء، وتاريخ هذا الفرمان الثاني 25 ~~سبتمبر سنة 1872 و22 رجب سنة 1289. # غير أن رجال الأستانة، وإن لم يخجلوا من مد أيديهم إلى الرشوة، استحيوا من ~~تدوين عارها وتسجيله على نفوسهم، ولذا فإنهم لم يقيدوا هذا الفرمان الأخير ولا ~~«الخط الشريف» المرفق به في سجلات الباب العالي، كما كانت قد جرت العادة، فأراد ~~مدحت باشا، بعد سقوط الصدر الأعظم محمود باشا وخلع السلطان عبد العزيز المنكود ~~الحظ وقتله، أن يعلن بطلان ذينك التحريرين موضوعا، لبطلانهما شكلا، ولكن ~~السير هنري إليوت، سفير إنجلترا، تداخل في الأمر؛ وأقنعه بضرورة اعتمادها لوجود ~~تأشير سلطان تركيا عليهما! # 32 # فلما استعاد الخديو حريته المالية، ونال ما ناله من تكسير قيد السيادة ~~العثمانية عليه، على الكيفية التي ذكرناها، عاد إلى الإسكندرية في شهر أغسطس، ~~فرحا، مبتهجا، فتزينت له ثلاثة أيام؛ وكذلك تزينت القاهرة عند وصوله إليها، ~~ودقت فيها البشائر؛ وزاره الأمراء والكبراء وكل ذي مقام، مهنئين، وما لبث ~~الفرمانان السابق ذكرهما أن لحقاه إليها، فقرئا في حفلة حافلة، وأعلن مضمونهما، ~~بين قصف المدافع، وعزف الموسيقات. # وفي عشرين مايو من العام التالي (1873) غادر (إسماعيل) عاصمته مرة أخرى؛ وبعد ~~أن أقام بالإسكندرية أياما، ريثما جمع له وزير ماليته نحوا من مليون جنيه، ms337 ~~وأجرى له وكيله في الأستانة عملية مالية، أنتجت ثلاثة ملايين جنيه أخرى، أقلع ~~إلى الأستانة، وجيوبه مفعمة، وهو يرى أن أقصى أمانيه باتت حقائق راهنة! # وماذا كان يبتغي، هذه الدفعة، من رجال تركيا، وفرمانا العام الماضي قد منحاه ~~كل ما تاقت إليه نفسه من الاستقلال، ومظاهر الملك الحقيقي؟ # كان يبتغي أن يتخذ ذلك المنح شكلا قانونيا، وأن يصدر فرمان ثالث يحتوي على ~~كل ما ضمنته له الفرمانات السابقة، فيضمنه من جديد؛ وبعد أن يسجل في سجلات ~~الباب العالي، تحاط الدول الأوروبية علما بمحتوياته، وتحمل على التصديق عليه ~~رسميا، كيلا يتمكن الباب العالي في المستقبل من العود إلى تعليق سيف دامكليس ~~على رأسه، أو رأس أحد من ذريته، مرة أخرى، كما فعل في سنة 1869: فلا يعود القلق ~~على الوراثة، وعلى حقوق الحكومة المصرية الداخلية، واستقلال البلاد الذاتي يؤلم ~~الأفكار، ويوجع القلوب، ويلقي الاضطراب في الأعمال كما فعل قبيل الاحتفالات ~~بفتح ترعة السويس! ولنيل هذا جميعه لم تكن الملايين التي ملأ جعبته بها كثيرة، ~~عند سفره إلى عاصمة الدولة العثمانية. # فما بلغ شهر يونية منتصفه إلا ودوت، في العاصمتين المصريتين، أنباء نجاحه في ~~مهمته نجاحا تاما، وتحقيقه الأماني التي سافر من أجلها، وشرع الناس يتحادثون ~~بمضمون الفرمان الجديد - فرمان 8 يونية سنة 1873 - الذي استصدره، وبأهميته ~~وثمنه، فلم يختلف اثنان في كبير قيمته وجليلها، فإنه أتى مهيمنا مصادقا على ~~جميع الفرمانات والخطوط الشريفة الممنوحة (لمحمد علي) وخلفائه؛ ومدخلا عليها ~~تحسينات وتوسيعات جمة؛ وشارحا على الأخص ما كان منها متعلقا بالوراثة، وشكل ~~القوامة فيما لو كان الخديو، في المستقبل، قاصرا، حينما تئول الخديوية المصرية ~~إليه، ومنح (إسماعيل) بموجبه، من جديد: # أولا: # حق سن القوانين واللوائح الداخلية، على أنواعها، وأية كانت ~~مراميها. # ثانيا: # حق عقد اتفاقات جمركية، ومعاهدات تجارية. # ثالثا: # حق اقتراض أي قروض شاء في مصلحة البلاد. # رابعا: # حق زيادة جيشه أو تنقيصه كما يشاء. # خامسا: # حق بناء سفن حربية، ما عدا المدرع منها؛ وبالاختصار حق تنظيم ~~الإدارة المدنية والعسكرية والمالية في البلاد ms338 طبقا لما توجبه ~~مقتضيات الأهالي الملقاة رعايتهم إلى عهدته. # أي أن هذا الفرمان توج سعي (إسماعيل) إلى نيل الاستقلال التام تتويجا ~~نهائيا؛ وجعل قيد ارتباطه بتركيا كأنه غير موجود، وكيلا يفوت أحدا استمراء ~~لذته؛ وللدلالة في الوقت عينه على الوسائل التي بذلت لاستصداره، رأى محرروه أن ~~يختموه بالجملة الطبعية الآتية: «وعليك الانتباه والالتفات، أشد الانتباه ~~والالتفات، إلى توريد المائة والخمسين ألف كيس المقررة، سنويا، إلى خزينتي ~~السلطانية، بدون تأجيل، وبدقة تامة!» # على أن (إسماعيل) ما فتئ يمني نفسه بظروف من دهره تمكنه من التخلص، أيضا، من ~~ذينك الانتباه والالتفات، وقطع تلك المائة والخمسين ألف كيس عن فم تركيا، ~~لإنفاقها في شئون بلاده؛ وظن، قبيل نشوب الحرب بين روسيا وتركيا في سنة 1877، ~~أنه قد يستطيع اغتنام فرصة الاضطراب الساري في جسم الدولة العثمانية على أثر ~~خلع السلطان عبد العزيز وقتله؛ وخلع السلطان مراد الخامس وسجنه؛ وانعقاد مجلس ~~المبعوثان وفضه؛ وتفاقم الخطب بين دولة القيصر ودولة الخاقان، تفاقما أدى إلى ~~شبوب نيران الحرب واستعارها، ليعلن استقلاله وهو آمن طوارئ الحدثان. # فإن الملأ قد لاحظ في شتاء سنة 76-77 أن إقامة الجنرال إجناتييف الروسي طالت ~~في العاصمة؛ وأن اجتماعاته بالخديو تعددت؛ وأن الأوقات المخصصة لها امتدت مرة ~~عن مرة؛ ولاحظوا أيضا أن خطابات سرية تبودلت، بواسطة ذلك الروسي الشهير، بين ~~بلاطي مصر وطهران، دون أن يعلم أحد بمضمونها سوى كاتبيها؛ وأن نيفا وستة آلاف ~~جنيه أنفقت، هدايا، في سبيل المحافظة على سر تلك المكاتبة؛ وأن رغبة (إسماعيل) ~~في أن تنكسر الدولة العثمانية لم تكن أمرا خفيا؛ وأنه لم يبعث المدد المصري ~~الذي تحتمه الفرمانات إلا وهو ممتعض، وبعد أن تمنع عن إرساله تمنعا كبيرا. # 33 # وربما شجعه على تنفيذ تصميمه ما كان من حرج موقفه المالي، واشتداد وطأة ~~الدائنين عليه، لتيقنه من أنه لو تمكن من الدخول ببلاده في مصاف الأمم المستقلة ~~تمام الاستقلال، فقد يستطيع الاقتداء بتركيا عينها، والجمهوريات الأمريكية ~~الصغرى وإشهار إفلاس حكومته بدون خوف أو وجل، وبدون أن يستطيع دائنوه ms339 أن يرفعوا ~~فوق رأسه، بمعاضدة دولهم، السلاح المستمد من سيادة السلطان عليه ليهددوه به، أو ~~يستعملوه ليعزلوه به عن عرشه! # ولكنه - إما لأن الجسارة الكافية للإقدام على ذلك العمل أعوزته في آخر لحظة؛ ~~وإما لأنه توقع أن يكون الشر الناجم عنه أكبر من الخير المأمول منه؛ إما لأن ~~مقاومة تركيا البطلية، غير المنتظرة من دولة كان الاعتقاد في وهنها التام ~~راسخا في العقول، جعلته يوجس في بادئ أمره خيفة؛ فلما أسفرت النتائج الختامية ~~عن سحقها النهائي بفضل تولي عبد الحميد إدارة رحى المعارك من أعماق قصره، كانت ~~الفرصة المناسبة قد أفلتت؛ وإما لأنه، بعد التفكير والتقدير، لم يجد من نفسه ~~القوة الكافية، لا سيما فيما لو تعقدت العواقب؛ أو لأسباب أخرى غير هذه كلها لا ~~نزال نجهلها - فضل البقاء على حالته، وترك مناسبة تلك الحرب تمر بدون أن ~~يغتنمها. # كل ما حصر رغبته فيه، بعد ذلك، إنما كان حمل الدول المجتمعة في مؤتمر برلين ~~سنة 1878 على إدخال مصر ضمنها، أو إدراج مسألتها، على الأقل، ضمن مواد برنامج ~~المباحثات، والبت في حالها السياسية، نهائيا، ليكون مركزها الجديد، منها ومن ~~تركيا، مشمولا بضمانتها جميعا، فأوعز إلى عدة كتاب، أشهرهم برونسڨيك، بتناول ~~الموضوع وبحثه، وحض الرأي العام الأوروبي على الأخذ به. # 34 # وقد دلت الحوادث التالية على مقدار فطنة (إسماعيل) في سعيه هذا، وبعد نظره ~~الثاقب، فإن تركيا، بعد أن طلبت إليها دولتا فرنسا وإنجلترا إقالته عن عرشه، ~~أرادت أن تغتنمها فرصة لتلغي، في الوقت عينه، جميع الامتيازات والميزات ~~الممنوحة منها للخديوية المصرية، وتطوي كشحا عن المبالغ التي التهمتها، مقابل ~~منحها إياها، أو يرسل لها الخديو (محمد توفيق) عشرين ألف جنيه، فرفض، فأخرت ~~فرمان توليته، ولولا وقوف الدولتين المذكورتين في وجهها وتشددهما في أن يخلف ~~(توفيق) أباه في كل ما كان له من الحقوق لراوغت فماطلت فآذت. # غير أن النجاح لم يكلل مساعي (إسماعيل)، هذه المرة، وأبى البرنس فون بزمرك، ~~عميد ذلك المؤتمر، إلا اعتبار مصر ممثلة في أشخاص ممثلي تركيا؛ ووافقت ms340 باقي ~~الدول على رأيه، تجنبا لفتح باب قد ينفلت منه شر، فما وسع الخديو إلا الإذعان ~~للواقع. # على أنه، في آخر ساعات ملكه، لما رأى نفسه مهاجما في عقر داره، ورأى أن ~~علاقته بتركيا، على ضآلتها وتفاهتها، هي السبب في البلاء والويل المحيقين به، ~~هب لقطعها بتاتا؛ واستعد لإعلان خروجه على السلطان العثماني، ومقاومة ~~إرادته. غير أنه، إزاء توقعه حلول المصائب على بلاده من جراء ذلك، عدل عن رأيه، ~~وقبل بأن يضحي نفسه، وأن يورث ابنه بعده ملكه، كما هو؛ أي: ملكا لم تعد تربطه ~~بالدولة المتبوعة سوى رابطة جزية مالية أوهى من خيط العنكبوت. # 35 # على أن المجهودات التي بذلها (إسماعيل) وأدت في نهاية الأمر إلى جعل مصر، ~~فيما عدا الجزية السنوية، مستقلة عن تركيا تمام الاستقلال، كلفته نيفا واثني ~~عشر مليونا من الجنيهات نقدها السلطان عبد العزيز، وحده، زيادة على بضعة ~~ملايين أخرى صرفها في أسفار وإيفاد وفود وهدايا، وتقادم لوزراء ذلك السلطان، ~~وكبار رجال دولته! # الفصل الثالث # | إزالة القيد الثالث1 # قيد الامتيازات الأجنبية القضائية # إذا أنت أكرمت الكريم ملكته # وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا # المتنبي # إن نظام الامتيازات الأجنبية، الممنوح من الدولة العثمانية إلى الدول الغربية، ~~والمقرر في مصر بسبب تبعيتها للباب العالي، ولأنها جزء من الممالك الشاهانية، كان ~~يقضي بأن يكون مرجع رعايا تلك الدول في شئونهم التجارية، والمدنية، والشخصية، إلى ~~قناصلهم؛ وأن لا يفرض عليهم ولا يؤخذ منهم ضرائب، إلا بعد مصادقة دولهم عليها؛ وأن ~~لا يحاكموا أمام محاكم السلطة المحلية، فيما يتهمون به من جنايات وجنح ومخالفات، ~~وفي قضاياهم التجارية والمدنية مع رعايا الدولة، إلا بحضور قناصلهم أو تراجمتهم، ~~لينالوا، من ذلك الحضور، حماية من كل ظالم، ومساعدة في كل شأن. # فأما في تركيا، فإن نظام تلك الامتيازات لم يخرج، مطلقا، عن الدائرة التي وضع، ~~أصلا، فيها؛ ولم يرو، أبدا، أن قنصلا تعدى حدودها، وافتات على ما حفظ للسلطة ~~المحلية من حقوق، وربما كان السبب، في ذلك، قلة عدد الأجانب في البلاد - بالنسبة ~~لاتساعها ms341 - وقلة احتكاكهم بأهلها. # فمع ما كان في نظام الامتيازات، والحالة كذلك، من خرق لمبدأ سيادة الحكومة ~~المحلية المطلقة في دائرة أملاكها، فإن مضاره العملية لم تكن محسوسة، لغض الحكومة ~~المحلية نظرها عن الاهتمام بشئون الأجانب المحضة التي لا مساس لها بأنظمتها أو ~~بحقوق رعاياها؛ ولاعتبارها أولئك الأجانب هملا؛ لهم ما للهمل، الدائرين في الأسواق ~~والشوارع والأزقة، من استقلال في الحياة؛ وعليهم ما على أولئك الهمل، فيما لو ~~تعرضوا للأهالي بسوء أو تعدوا على أشيائهم. # وأما في مصر - لا سيما بعد أن أزال (محمد علي) كل الحواجز التي كانت بين حياة ~~الأجانب وحياة الهيئة الاجتماعية المصرية، وفتح أبواب المهاجرة إلى وادي النيل، ~~واسعة، أمام الغربيين، وعلى الأخص بعد وفاته، وتواري قوة يده المتينة الثابتة؛ وبعد ~~أن لفظت حوادث أوروبا السياسية في سنة 1848 عددا كبيرا من المهاجرين إلى القطر ~~المصري؛ وضاعفت، بل جعلت حرية التجارة وحرب القرم، وعلى الأخص، الأمن المخيم على ~~البلاد، عدد الجاليات الغربية ثلاثة أضعاف ما كان - فإن نظام تلك الامتيازات خرج عن ~~حدود دائرته بالمرة؛ وما فتئ قناصل الدول، اعتمادا على ما لحكوماتهم من قوة، ~~واغتناما لضعف خليفتي (محمد علي) و(إبراهيم) السياسي، يفتاتون على حقوق السلطة ~~المحلية التشريعية والقضائية، حتى هدموا كل أركانها، وأصبحوا منها في مركز العزيز ~~من الذليل، والحاكم من المحكوم. # فلم يعودوا يكتفون بالنظر في شئون رعاياهم المدنية والتجارية المحضة، المنفصلة عن ~~الشئون المحلية عينها، ولا بحماية رعاياهم من جور الحكام المحليين الاحتمالي، أو ~~إبعاد الحيف والضيم عنهم؛ بل تعدوا ذلك: # أولا: # إلى انتزاع كل سلطة جزائية على أولئك الأجانب من أيدي الحكومة، ~~وجعلها من اختصاصهم، دونها، وبدون تداخلها في النظر في المخالفات ~~والجنح والجنايات المرتكبة عن رعايا دولهم، حتى في التي تحدث ~~أضرارا بالرعايا الوطنيين. # ثانيا: # إلى إلزام هؤلاء الأهالي ذاتهم بالمثول أمام محاكمهم القنصلية، ~~في دعاويهم المرفوعة على رعايا حكومات أولئك القناصل، تطبيقا ~~للمبدأ القانوني الروماني الناص بأن «المدعي إنما يقاضي المدعى ~~عليه أمام محكمة المدعى عليه عينه»؛ ثم وصلوا، في تعدياتهم ms342 الجائرة ~~على حقوق الحكومة المحلية، إلى حد داسوا معه - فيما يختص برعاياهم، ~~متى كانوا مدعين، والوطنيون مدعى عليهم - على ذات المبدأ الروماني ~~الذي قرروه؛ زعما منهم أن حقوق الأجانب لا يؤمن عليها في المحاكم ~~الأهلية، وأنهم لا يجدون في أخلاق القضاة الوطنيين ما يقيمون عليه ~~ثقتهم في قضائه، فأجبروا نفس المقاضي من أهل البلاد على المثول ~~أمام محكمة مقاضيه القنصلية، وحاكموه؛ ثم ألزموا الحكومة المصرية، ~~عن طريق المخابرات والتهديدات السياسية، بتنفيذ أحكامهم على ~~رعاياها، رغم أنفها، ولو كان حكمهم جائرا. # وإنما توسلوا إلى إلزام الأهالي بذلك بوسيلتين اتخذوهما من سوء استعمالهم ما ~~منحتهم الامتيازات من حق حضور التنفيذ بأنفسهم وحق حضور تراجمتهم محاكمة الأجانب ~~أمام محاكم السلطة المحلية، فإن أولئك التراجمة - ولم يكونوا يتقاضون من القنصليات ~~سوى ثلاثين أو ستين فرنكا، كمرتب شهري - كانوا، لأسباب شخصية لا تغيب عن فطنة ~~اللبيب، يهملون الذهاب إلى المحاكم المحلية في القضايا المرفوعة على رعايا ~~قنصلياتهم، فلا تستطيع هذه المحاكم إصدار أحكامها وهم غائبون، أو في حال غياب ~~المدعى عليهم - المتخلفين عن الحضور، لتأكدهم من غياب التراجمة - فتتأجل القضايا ~~أياما وأشهرا، حتى يضجر المدعون من الأهالي، ويلجأوا إلى قناصل خصومهم في أمل نيل ~~حمايتهم؛ والقناصل، بدلا من إرسال الجميع مصحوبين بتراجمتهم إلى منصة القضاء ~~الأهلي، طفقوا يجلسون هم أنفسهم، قضاة بين الفريقين، ولما كان معظمهم، إلا قناصل ~~الدول الكبرى، تجارا، فإنهم ارتاحوا إلى الأمر جدا، لأنهم رأوا فيه إمكان قيامهم ~~قضاة في دعاوى قد ترفع عليهم أو منهم بصفتهم تجارا. كذلك كان القناصل يتخلفون عن ~~حضور تنفيذ الأحكام الصادرة ضد رعايا دولهم من المحاكم المحلية، فيعطل التنفيذ ~~أياما وأشهرا، بالمثل، حتى يضطر من حكم لمصلحتهم من الأهالي أن يخضعوا للقضاء ~~القنصلي، وهم يؤملون - وكثيرا ما كانت آمالهم تذهب أدراج الرياح - أن يستطيعوا ~~تنفيذ حكم يصدره القنصل نفسه في مصلحتهم. # وليت القناصل وقفوا عند هذا التجاوز الأخير؛ ولكنهم تعدوه التعدي النهائي، أيضا؛ ~~وبلغ من تطرفهم في الغطرسة والخيلاء أنهم استدعوا ذات حكومة البلاد أمام منصة ms343 ~~محاكمهم، وحاكموها وحكموا في أغلب الأحيان عليها، لمصلحة رعاياهم، بتعويضات باهظة، ~~كثيرا ما كانت تثقل كاهلها، وبلغت في أربع سنين فقط؛ أي: ما بين سنة 1864 وسنة ~~1868 ما يقرب من ثلاثة ملايين من الجنيهات، وذلك بحجة إقدامها على فسخ عقود أبرمتها ~~مع أولئك الأجانب أو على أعمال أوجبت فسخ تلك العقود! # على أن جميع تعديات القناصل هذه لو كانت تجاوزات ونزعات غطرسة فقط، لهان الخطب ~~وقلت فداحته، ولكنها أوجبت اضطراب مجاري العدالة اضطرابا لم يعد يمكن معه إقامة ~~معالم للعدل مطلقا، وأضاع الحقوق كلها، وذلك لثلاثة أسباب أساسية: # الأول: # أن تلك المحاكم القنصلية لم تكن متضامنة في تشريعها وأحكامها، بل ~~ولا مرتبطة ولو مجرد ارتباط ذوقي بعضها ببعض: فكل منها كانت، من ~~جهة، تطبق قوانين دولتها؛ ولا تعترف، من جهة أخرى، بالأحكام التي ~~تصدرها زميلاتها. # ونتيجة ذلك أن المدعي كان يضطر، متى تعدد المدعى عليهم، إلى رفع ~~قضيته الواحدة أمام كل محكمة من محاكم خصومه المتعددي القنصلية، ~~وإلى اتباع إجراءات قانونية مختلفة، ربما أدى جهله بأحدها إلى ~~بطلان دعواه شكلا؛ فإذا صحت إجراءاته كلها، وأصدرت تلك المحاكم ~~المتعددة أحكامها، فإنه كثيرا ما كان يحدث أن بعضا من تلك ~~الأحكام كان يناقض البعض الآخر مناقضة كلية: فيكسب المدعي هنا، ~~ويخسر هناك - وأمر الوكالة ذات الزوايا السبع بالإسكندرية، وتضارب ~~الأحكام في كل من زواياها، لا يزال حاضرا ذهن الشيوخ منا. # ولما كان من السهل على المدعى عليه الذي خسر أن يلبس رداءه ~~القضائي لغيره من جنسية المدعى عليه الذي كسب، وذلك بواسطة تحويل ~~بسيط؛ فإن المدعي الذي كسب كان يضطر، في مثل هذه الحال، إما إلى ~~إعادة دعواه ضد خصمه الجديد أمام المحكمة القنصلية التي حكمت لغير ~~مصلحته، والتي كان لا بد لها، إذا، من أن تحكم ضده مرة أخرى؛ إما ~~أن يكل أمر التعويض عليه إلى الله ويحتمل خسارته صابرا؛ وإما أن ~~يلجأ إلى الاستئناف بعد الفراغ من كل تقاض ابتدائي. # على أن مجرد تصور الراغب في التقاضي مجموعة العقبات ms344 القائمة ~~أمامه في مثل تلك الأحوال، ومبلغ المصاريف والنفقات التي سيضطر إلى ~~بذلها لكي يبلغ النهاية؛ ثم تخيله أنه قد لا تكون هناك نهاية ~~لتقاضيه، حتى بعد الاستئناف، إزاء سهولة تحويل الحقوق، وعدم تقيد ~~المحاكم بالأحكام التي تصدرها الواحدة منها، كانا كافيين لتثبيط ~~عزيمته وعدوله عن كل مقاضاة، والرضا بضياع حقوقه. # هكذا حدث لشركة قناة السويس، فإنها أجرت بيتا لها في بورسعيد ~~إلى أجنبي هناك؛ فتأخر عن دفع ما عليه؛ فأعلنته أمام محكمته ~~القنصلية؛ فتنازل عن الإيجار لأجنبي آخر من غير جنسيته؛ فأهملت ~~الشركة القضية الأولى، ورفعت قضية أخرى أمام محكمة الأجنبي الجديد؛ ~~فتنازل هذا عن الإيجار إلى أجنبي آخر من جنسية خلاف جنسيته؛ فاضطرت ~~الشركة إلى إهمال القضية الثانية، ورفع قضية ثالثة؛ ففعل الثالث ما ~~فعل الثاني؛ فيئست الشركة من إمكان حصولها على حقوقها؛ فأهملتها، ~~ولم تعد إلى المطالبة بها إلا بعد تأسيس المحاكم المختلطة. # الثاني: # أن تلك المحاكم القنصلية لم يكن يهمها الحق، على العموم، بقدر ما ~~كانت تهمها مصلحة رعايا دولتها: لأن كل قنصل، إلا ما ندر، كان ~~يعتبر أن الغرض من وجوده في البلاد إنما هو الدفاع عن مواطنيه، ~~سواء أكانوا مظلومين أم ظالمين؛ وأن ينصرهم، أكان الحق في جانبهم ~~أم عليهم، ونتيجة ذلك أن المحكمة القنصلية، مهما كانت جنسية ~~المدعي، كانت، تقريبا دائما، في جانب المدعى عليه، مبدئيا؛ ~~تتحزب له تحزبا بينا، تمتعض منه كل نفس تشعر، ولو قليلا، بثقل ~~الحيف ومضاضته. # أما إذا كان المدعي من الأهالي، فمقابلة محاكم البلاد عمل ~~المحاكم القنصلية بالمثل كان متعذرا، لعدم تمكنها من محاكمة أجنبي ~~على الإطلاق، بعدما ثبت في العادات القضائية حق تنصل الأجانب من ~~اختصاصها، سواء أكانوا مدعين أم مدعى عليهم. # وأما إذا كان المدعي أجنبيا، فإن قنصليته كانت تتحين الفرص ~~لتعامل مواطني المدعى عليه التي تحيزت قنصليته له على قاعدة «العين ~~بالعين والسن بالسن». # مثال ذلك ما فعله المسيو تريكو، أحد قناصل فرنسا بالإسكندرية، ~~بيوناني من هذه المدينة، وتفصيله: أن يونانيا رفع على فرنساوي، ~~أمام ms345 محكمة المسيو تريكو هذا القنصلية، قضية طالب خصمه فيها بدفع ~~مبلغ استحق عليه بموجب سند موقع منه، وكان لا بد للمحكمة من أن ~~تحكم على الفرنساوي بدفعه، إلا إذا سجلت على نفسها الجور والظلم، ~~فلما فتحت الجلسة، ونودي على القضية، وحضر اليوناني وخصمه أمام ~~المسيو تريكو، سأل هذا القنصل اليوناني قائلا: «أأنت يوناني من ~~رعايا الحكومة المحلية أم يوناني من رعايا دولة اليونان؟» فأجاب ~~الرجل: «أنا يوناني من رعايا دولة اليونان»، فالتفت المسيو تريكو ~~إلى كاتب الجلسة وقال: «شطبت القضية» ثم وجه كلامه إلى المدعي ~~وقال: «لا شأن لك عندي؛ اذهب وقل لقنصلك إنه متى عامل الفرنساويين ~~الذين يتقاضون أمامه بالعدل، أعامل أنا أيضا بالعدل اليونان ~~المتقاضين أمامي». # الثالث: # هو أن تلك المحاكم القنصلية إنما كانت ابتدائية فقط، وأن استئناف ~~الأحكام الصادرة منها كان يجب أن يرفع إلى إحدى محاكم أول درجة في ~~وطن المدعى عليه، فإذا كان هذا فرنساويا، مثلا، كان استئناف ~~الأحكام الصادرة من قنصليته بالقطر المصري إلى محكمة «إكس»؛ وإذا ~~كان طليانيا، فإلى محكمة «انكونا»؛ وإذا كان يونانيا، فإلى ~~محكمة «أثينا»؛ وإذا كان بريطانيا، فإلى محكمة «لندن»؛ وإذا كان ~~نمساويا، فإلى محكمة «تريستي»؛ وإذا كان بروسيا أو ألمانيا، ~~فإلى محكمة «برلين» أو إحدى المحاكم الألمانية الأخرى؛ وإذا كان ~~أمريكيا، فإلى محكمة «نيويورك»؛ وهلم جرا. # وكان من شأن هذا النظام أن يتكبد المستأنف مصاريف جمة قد ترهقه إرهاقا، وأن يضيع ~~من الوقت والمناسبات المصلحية ما قد يضربه أضعاف الإضرار الناجم له عن الحكم ~~المستأنف الذي رآه مجحفا بحقوقه، فيما لو امتثل له ورضي به. # ولكنه لو حمل نفسه على تكبد تلك المصاريف وتضييع ذلك الوقت وتلك المناسبات، ~~وأمكنه، بعد التعب والعناء الشديد، البلوغ إلى استصدار حكم يلغي الحكم المستأنف، هل ~~كان في استطاعته أن يعتقد أنه بلغ نهاية متاعبه ونال المبتغى؟ كلا. # فإن خصمه قد يكون - أثناء المقاضاة في أوروبا أو أمريكا - حول حقه إلى شخص ثالث ~~من غير جنسيته؛ فلا يعود من المستطاع تنفيذ الحكم الاستئنافي ضده؛ ms346 ويضطر المتقاضي ~~المسكين إلى إعادة دعواه ضد الشخص الثالث المحول الحق إليه، وهو لا يتوقع إلا أن ~~يكرر هذا الشخص أيضا الملعوب عينه، وهكذا إلى ما لا نهاية له فيفضل، إزاء ذلك، ~~التنكب عن كل مطالبة! # وفي جميع هذه العراقيل القضائية من الإضرار بالمعاملة وتوقيف حركة التجارة ~~والأشغال، ما نحن في غنى عن شرحه. # على أن الذي كان يثير الانفعالات في النفوس، ويحمل القلوب على الامتعاض الشديد ~~أكثر من ضياع الحقوق المدنية، على ما كان في ضياعها من المضاضة، كيفية القيام ~~بالعدالة الجزائية. # فبينما السلطة المحلية، في تركيا ، تقبض بنفسها على المجرم وتحاكمه أمام محاكمها ~~الجنائية، سواء ارتكب جريمته ضد أحد الأهالي أم ضد أجنبي مثله، وتنفذ فيه الحكم ~~الذي تصدره تلك المحاكم، كأنه أحد رعاياها، لا يميزه عنهم مميز، كانت السلطة بمصر ~~لا تكاد تتجاسر على إلقاء القبض على الجاني الأجنبي، وتكاد تحتاج في ذلك إلى ~~استئذان قنصليته، وإحضار أحد قواصيها أو مترجميها ليكون شاهدا على أن القبض لم ~~يتعد فيه الواجب، ولا سبب إهانة لحضرة المجرم، فإذا قبضت عليه سلمته إلى قنصليته ~~لترى شأنها فيه، سواء أكانت الجناية واقعة من الجاني على أحد الأهالي أم على أحد ~~الأجانب. # ولما كانت نزعات القنصليات ما عرفنا، وكانت محاكمة الجناة أمام أقرب محكمة من ~~محاكم بلادهم الأصلية؛ وكان، من جهة أخرى، يصعب، بل يتعذر إقامة البينات على ارتكاب ~~المتهم للجناية المعزوة إليه، في بلاد تبعد آلاف الأميال عن محل وقوعها، وفي محكمة ~~يأبى شهود الواقعة السفر للمثول أمامها، وتأدية شهادتهم بين يديها، كانت النتيجة ~~مائة في المائة، عادة، تبرئة ذلك الجاني، وعودته إلى القطر، وقد أصبح الخواجا ~~ديمتري نيو بولو، مثلا، بعد أن كان سبيرو قسطندي؛ والخواجا مرتينو ڨيتش، بعد أن ~~كان الخواجا يني؛ وأنه أصبح ذا لحية كثة، بعد أن كان حليقا؛ أو حليق الشارب، بعد ~~أن كان يجدله كأنه عنترة زمانه أو أبو زيد الهلالي سلامة؛ كل هذا كان يجري في قطر ~~عشرة في المائة، على الأقل، من التسعين ms347 ألف أجنبي أو يزيدون، المقيمين فيه، من أكبر ~~الأشرار العائثين في الأرض فسادا. # فكانت الحال، إذا، لا تحتمل؛ وجديرة بأن لا يسكت عليها ذوو الاستقامة من الأجانب ~~أنفسهم؛ فكيف بالحكومة المحلية، وقد بلغت الروح منها الترقوة في هذا الشأن، وعلا ~~ضجيجها من الافتيات على حقوقها والإضرار بها وبرعاياها. # وكان (إسماعيل)، منذ جعلته كارثة كفر الزيات ولي عهد السدة المصرية، قد أقبل ~~يتبحر في علم الحقوق عامة، وعلم الحقوق الدولية خاصة؛ واتخذ الأستاذ پيني معلما في ~~ذلك، ومرشدا ومعينا، حتى أصبح يدري ما له وما عليه، يوم يقوم على منصة الأحكام، ~~دراية تامة؛ # 2 # فلم يكن والحالة هذه ليستطيع صبرا على تعدد السلطات القضائية ~~والتنفيذية في بلاده، فأوعز إلى نوبار باشا، وزيره الحكيم، وأكثر رجال دولته ميلا ~~إلى الأخذ بأسباب المدنية العصرية، وأعرفهم بأساليب السياسة الغربية؛ فوضع ذلك ~~الوزير في سنة 1867 مذكرة لمولاه فصل فيها، بإفصاح ولهجة شديدة، عيوب ذلك النظام ~~القضائي، وسوء تأثير مجاريه على نجاح البلاد وتقدمها المادي والأدبي معا؛ وبرهن ~~على أنه عقبة في سبيل المصالح الأجنبية ذاتها، وفي سبيل استقدام أصحاب الكفاءة من ~~الغربيين لتسليمهم زمام الأعمال والأشغال العمومية التي يحتاج فيها إلى علم وفن ~~متخصصين، لا وجود لهما في دائرة البلاد المصرية. # فأما أنه عقبة في سبيل المصالح الأجنبية، فلأن الأخذ بمبدأ القانون الروماني ~~القائل «إن المدعي يقاضي أمام المحكمة التابع لها المدعى عليه»، ولأن استئناف ~~الأحكام القنصلية أمام المحاكم الغربية في بلاد القنصليات الغربية، موجبان لارتباك ~~التقاضي، وضياع الحقوق، فيما يختص بالأجانب، كما أنهما موجبان ذلك فيما يختص ~~بالأهالي سواء بسواء. # وأما أنه عقبة في سبيل استقدام ذوي الكفاءة من الغربيين، فلأن الحكومة المحلية - ~~إزاء تحيز القنصليات لرعاياها، وأخذها بناصرهم، محقين كانوا أو على باطل؛ ولا سيما ~~إزاء التجاء تلك القنصليات إلى الوسائل والمؤثرات السياسية في تنفيذ أحكام ~~التضمينات الجائرة التي تصدرها؛ وعلى الأخص بعد العبر التي ألقى الماضي دروسها ~~المرة عليها؛ وبعد أن لدغت من الحجر عينه أكثر من مائة مرة، مع أنه ms348 كان الأجدر بها ~~أن تأخذ بقول النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين» - أصبحت لا تستطيع ~~مطلقا استقدام أجنبي متخصص في علم أو فن، لتستخدمه في مصالحها، خوفا من أن يسيء ~~استعمال سلاح المطالبة بتعويض وهو السلاح الموضوع في يده من ذلك النظام ~~الجائر. # وختم نوبار باشا مذكرته بأدلة ناصعة تفيد إفادة تامة أن المنتفعين، وحدهم، من ذلك ~~النظام إنما هم الآثمون المجرمون، أولا، فالمشاغبون المخاتلون بعدهم؛ وقال: «إنه ~~لا يليق، إذا، أن تبقى الحكومة المصرية والدول الأجنبية محافظة على نظام هذه ~~ماهيته، استبقاء لتجاوزات ضج منها كل الرجال المستقيمة نواياهم، الحقة ~~مطالبهم». # وعلى ذلك، اقترح إبدال النظام السيئ المختل، بنظام آخر يحافظ على روح الامتيازات ~~الممنوحة للأجانب، وينشئ في الوقت عينه ضمانات لحقوقهم خيرا من التي يتمتعون بها ~~تحت ظل حرفية تلك الامتيازات. # وكان المنتظر أن يقع هذا الاقتراح من الجاليات الأجنبية في القطر موقعه من ~~الحكومة المصرية والمصلحة العامة؛ وأن يقوم أصحاب الحجا وذوو الأفهام، على الأقل، ~~في تلك الجاليات إلى تحبيذه، وتقريب الفوائد الناجمة عن إخراجه إلى حيز الفعل من ~~إفهام قصيري النظر والإدراك من مواطنيهم. # ولكن الواقع خالف المنتظر مخالفة كلية، وجاء معاكسا له تمام المعاكسة. # فإن أصحاب الامتيازات، على اختلاف جنسياتهم، ما عدا الإنجليز منهم، هبوا هبة ~~واحدة لتقبيح اقتراح نوبار باشا، والتمسك بالقديم المعمول به، وتحذير حكوماتهم من ~~الموافقة على تغييره أو تعديله، بدعوى أن التنكب عنه مفض إلى ضياع حقوقهم وتعريضهم ~~إلى هوى السلطة المصرية الاستبدادية. # لذلك لما عرضت مذكرة وزير (إسماعيل) واقتراحه على الحكومة الفرنساوية - لأنها ~~كانت في ذلك الحين صاحبة أكبر نفوذ في مصر وعينت تلك الحكومة لجنة خاصة مؤلفة من ~~أفاضل رجال التشريع والقانون في باريس لفحص الأمر وتمحيصه، فإن هذه اللجنة بالرغم ~~من الإيضاحات الوافية التي قدمها إليها نوبار باشا في 3 ديسمبر سنة 1867، إذ كان في ~~تلك العاصمة، وبين بموجبها ماهية الضمانات الموجودة لمصالح الأجانب في الإصلاح ~~القضائي المقترح - قررت عدم صلاحية المشروع، ووجوب ms349 بقاء القديم على ما هو عليه، ~~فصادقت الحكومة الفرنساوية على قرارها، عقب تقرير عزز الوزير المسيو دي مستييه ذلك ~~القرار به، فظن الملأ، لحظة، أن المشروع المصري ولد ميتا. # ولكنهم ما لبثوا أن رأوا نوبار باشا يهب ويفند، في رده على المسيو دي مستييه ~~المؤرخ 28 يولية سنة 1868، مزاعم هذا الوزير ويدحضها دحضا تاما؛ وما لبثوا إلا ~~وعلموا أن حظ المشروع، لدى الحكومة الإنجليزية، كان غير حظه لدى الحكومة ~~الفرنساوية؛ وأن اللورد ستانلي - وهو الذي أصبح، فيما بعد، اللورد دربي - وزير ~~الخارجية البريطانية قرر بصراحة أن التجاوزات التي تتشكي الحكومة المصرية منها ضارة ~~حقيقه بمصالح كل أصحاب الشأن، وغير قائمة على وفاق دولي ما، أو مستندة إلى معاهدة ~~أو تعهد البتة؛ وأنه وعد نوبار باشا بتعضيد حكومة جلالة الملكة، القلبية، له في كل ~~مجهود يبذله لإزالة الحال المشكو منها، وتقرير الإصلاح المقترح، فيما لو أمكنه ~~الحصول على موافقة باقي الحكومات. # ولما كان هذا الوعد بمثابة تشجيع لنوبار باشا على مواصلة سعيه، فإن (إسماعيل) أمر ~~وزيره ببذل أقصى مجهوده لنيل تلك الموافقة، وزوده بتفويض مطلق ليجري كل ما يراه ~~لازما، وأن ينفق كل ما يرى إنفاقه من النقود في سبيل البلوغ إلى الغرض المقصود، ~~وإنما فتح له اعتمادا لا حد له في الصرف؛ لأن الحكومة العثمانية رأت، في تلك ~~الإثناء، أن تقوم لتعاكس المشروع، وتقضي عليه؛ فأرسلت إلى (إسماعيل) مذكرة تهديدية ~~ورد فيها، ضمن تعبيرات أخرى، الجمل الآتية: «إن سموكم أدرى الناس بأن مصر، فيما عدا ~~بعض الامتيازات المقررة لشخصكم، لا تختلف في شيء ما مطلقا عن باقي ولايات السلطنة، ~~ولا يجوز لإدارتها الدخول مباشرة في مخابرات مع الدول الغربية، أو ربط علاقات معها ~~رأسا، فالمخابرات، والحالة هذه، التي تحاول إجراءها لتنال، في مصلحتها، تغيير ~~المعاهدات القائمة، إنما هي، في الحقيقة، تعديات على حقوق الباب العالي، وتجاوزات ~~لا يصح السكوت عليها». # وغاب عن فكر تركيا ما أثبته، فيما بعد، القنصل الأمريكاني إدون دي ليون، في كتابه ~~المسمى «مصر الخديوي» السابق لنا ms350 الرجوع إليه مرارا أن فكرة المحاكم المختلطة فكرة ~~تركية أبديت في الخط الهمايوني المجيدي الصادر سنة 1856، وأعلنت إلى الأمير (محمد ~~سعيد) ليعمل بها، فهز (سعيد) كتفيه استخفافا؛ ولكنه عرضها، مع ذلك، على قناصل ~~الدول العموميين، ليروا رأيهم فيها؛ فرفضوها، لزعمهم أن أناسا كسكان مصر في ذلك ~~العهد - وليتنا نستطيع أن لا نقول كسكان مصر في هذا العهد، أيضا - يهمهم أن يعيشوا ~~حياتهم «منفصلين، وأن يدفنوا منفصلين كذلك بعضهم عن بعض، كل في مقبرته، إذا جمعوا ~~معا ليكونوا محكمة مؤلفة من عدة مسلمين، وأرمنيين، ولاتينيين، ومسيحيين روميين ~~أرثوذكسيين، ومسيحيين روميين كاثوليكيين، وقبطين أرثوذكسيين، وقبطيين كاثوليكيين، ~~وحاخاميين، قد يحتاجون، لكي يمنعوا من أن يخنق بعضهم بعضا، إلى أن يستعمل معهم، ~~بسخاء، الكرباج، # 3 # أسمى أدوات القضاء الشرقي»، وغاب عنها أيضا أن شريف باشا، في 7 يولية ~~سنة 1860، أعاد تلك الفكرة إلى الأذهان، بدعوى أن الدول الموقعة على معاهدة سنة ~~1841 قبلت بإنشاء محكمة مختلطة دولية؛ وأنها لم تعارض حينذاك في إخراج اقتراحه إلى ~~حيز الوجود؛ مع أن البلاد لم تكن لتستفيد منه مطلقا: # أولا: # لأن المحكمة التي اقترح إنشاءها لم تكن لتكون من قضاة ثابتين ~~بمرتبات شهرية معلومة مقررة؛ بل من أفراد يختارون للفصل في كل قضية ~~على حدة مقابل إعطاء الواحد منهم خمسة جنيهات عن كل جلسة تعقد ~~للنظر فيها - وهو ما كان من شأنه حملهم على موالاة عقد الجلسات، ~~وتأجيلها إلى ما شاء الله، ليصيبوا المغنم الجميل المخصص لهم، لا ~~سيما إذا ساعدهم على ذلك سعي متقاض سيء النية، يهمه أن لا يبت حكم ~~في قضيته. # ثانيا: # لأن التأمين الذي فرض دفعه على المتقاضين لرفع دعاويهم إلى تلك ~~المحكمة كان بالطبع جسيما جدا، للتمكن من دفع تلك الجنيهات ~~الخمسة إلى كل قاض في كل جلسة من الجلسات التي يدعى إلى الجلوس ~~فيها مهما كان عددها! # 4 # ولعل الذي حمل الحكومة العثمانية على عدم المعارضة في مشروع شريف باشا، ارتياح ~~قلبها إلى أنه جعل النظر في استئناف الأحكام التي تصدرها، ابتدائيا، ms351 المحاكم ~~المختلطة الملتئمة بمصر، على النمط المذكور، من اختصاص محكمة الأستانة الاستئنافية ~~دون غيرها! # 5 # فأقبل نوبار، إذا، يدأب ويسعى ليلا ونهارا، ويبذل النقود حيث يجب بذلها، ~~وينفقها إنفاقا حكيما، لحمل الصحافة على الانضمام إليه وشد أزره؛ ويزيل ما علق في ~~أذهان رجال بطرسبرج وأثينا من المخاوف، من أن يؤدي الإصلاح المطلوب إجراؤه بمصر إلى ~~زعزعة أركان الامتيازات في باقي أنحاء السلطنة العثمانية، لا سيما فيما كان منها ~~تحت إدارة الباب العالي مباشرة؛ ويعمل - عقب موت المسيو دي مستييه، واستلام المركيز ~~دي لاڨاليت زمام وزارة الخارجية الفرنساوية بعده وقبوله مبدئيا إجراء مخابرات بين ~~فرنسا ومصر رأسا، خارجا عن اشتراك باقي الدول، بخصوص الإصلاح المطلوب - على تهدئة ~~بال تلك الدول المنزعج، وعلى جمع كلمتها كلها، لا سيما فيما يتعلق بعدم خروج الخديو ~~عن دائرة اختصاصاته وحقوقه في المساعي المبذولة، بعكس ما كان يزعم الباب العالي، ~~حتى تمكن، بعد سنتين من جهود عنيفة وسفرات متوالية إلى أهم العواصم الأوروبية، من ~~حمل الحكومات الفرنساوية والبريطانية والنمساوية والپروسيانية والروسية والإيطالية: # أولا: # على تعيين لجنة مؤلفة من قناصلها بمصر وبعض مبعوثين خصوصيين ~~للاجتماع في القاهرة، في شهر أكتوبر سنة 1869، والبحث في مسألة ~~الإصلاحات الواجب إدخالها على النظام القضائي بمصر. # ثانيا: # على تفهيم الباب العالي بأنه ليس في اجتماع تلك اللجنة وبحثها ما ~~يمس، بأي نوع من الأنواع، بحقوق الدولة السيادية، من جهة؛ وأنه ليس ~~ما يخول الباب العالي الحق في مطالبة الدول بأن كل اتفاق يجري ~~بينها وبين تابعاته من الولايات ذات الاستقلال الداخلي، التي تدفع ~~له جزية، يجب أن يسري على جميع الولايات الشاهانية، من جهة ~~أخرى. # فلما تم ذلك، أعلم الخديو مجلس النواب في اجتماعه المنعقد في شهر فبراير سنة 1869 ~~وبشرهم باجتياز حكومته العقبات القائمة في سبيل إرضاء الحكومات الغربية، مبدئيا، ~~بإجراء الإصلاحات القضائية المطلوبة. # وفي 28 أكتوبر من ذات سنة 1869 اجتمعت اللجنة الدولية بمصر في دار نوبار باشا ~~وتحت رياسته، فإذا بها مشكلة من كل من الهرفون شراييز معتمد دولة ms352 النمسا والمجر ~~وقنصلها العام بالقطر المصري؛ والهرفون تيريمين معتمد الاتحاد الألماني الشمالي ~~وقنصله العام لدى الحكومة المصرية ومعه الدكتور نيرنز نائب قنصل ذلك الاتحاد ~~بالقاهرة؛ والكرنل ستانتن معتمد بريطانيا العظمى وقنصلها العام في القطر المصري ~~ومعه السير فيليب فرنسيس القاضي بالمجلس الأعلى البريطاني في الأستانة؛ والمسيو دي ~~مرتينو معتمد دولة إيطاليا وقنصلها العام بالقطر المصري ومعه السنيور چياكوني ~~المستشار بمحكمة استئناف بريشيا؛ والمسيو دي لكس قنصل روسيا العام بمصر؛ والمسيو ~~ارتير تريكو قنصل فرنسا بالقاهرة ومعه المسيو پيتري القنصل القاضي ووكيل القنصلية ~~الفرنساوية بالإسكندرية. # فقدم نوبار باشا إليها المسيو پاتر نستروبك، والمسيو كيسل المحاميين، بصفتهما ~~مستشاري الحكومة المصرية في المسائل القانونية؛ واقترح عليها تعيين المسيو مونوري ~~المحامي الفرنساوي، كاتبا لأسرار الجلسات؛ فقبل اقتراحه، واستلم الرجل مهام ~~وظيفته، وفتحت الجلسة في الحال. # فأفصح نوبار عن غرض الاجتماع، وأنه ليس من السياسة على شيء؛ وبين الضرورة الداعية ~~إلى إجراء الإصلاح القضائي المرغوب فيه؛ وسأل. إذا كان لا يحسن، والحالة هذه، إشراك ~~قناصل الدول، التي لا ممثل لها، في المباحثات المزمعة، فاقترح قنصل الإتحاد ~~الألماني الشمالي استدعاء قنصل اليونان العام، على الأقل، بسبب عدد اليونان الكبير، ~~المقيمين بالقطر؛ ولكن المسيو تريكو قال: إن المندوبين غير مختصين باستدعاء أحد، ~~وأن مخاطبة قنصليات تلك الدول، وأخطارها بانعقاد اللجنة، وإلفات نظرها إلى ~~المناقشات الدائرة، لشأن من شئون الحكومة المصرية، فصودق على رأيه، وبوشرت ~~الأعمال. # فقرر المندوبون، أولا، أن الآراء إنما تكون استشارية، لا تقيد دولهم في شيء؛ ثم ~~سلم نوبار باشا كل واحد منهم نسخة من المشروع ليكون قاعدة للمناقشات التالية، فرغب ~~مندوبو بروسيا إليه بأن يعطي كلا من المندوبين نسخة، أيضا، من التقرير الذي ردت ~~به اللجنة الفرنساوية بباريس على اقتراح الحكومة المصرية، فأجاب نوبار بالإيجاب، ~~وتأجلت الجلسة إلى يوم السبت 6 نوفمبر، للمناقشة في صوابية إحلال قضاء واحد مشمول ~~بالضمانات الكافية محل القضاءات السبعة عشر الموجودة في القطر. # وفي جلسة 6 نوفمبر بحثت اللجنة، أولا، فيما إذا كان يحسن أن يقدم بأعمالها تقرير ~~عام، ms353 أم يكتفي بتقرير فردي يقدمه كل مندوب عن رأيه إلى دولته، فبعد ما دارت ~~المناقشة في ذلك بين الأعضاء، قرر مندوبو النمسا والمجر وبريطانيا العظمى وإيطاليا ~~والروسيا وجوب وضع تقرير عام يوقعه الجميع، ورأى مندوبا الاتحاد الألماني الشمالي ~~أن لا يكون، هناك، شغل عام، وذهب مندوبا فرنسا إلى أن اللجنة لجنة تحقيق، وأن لا ~~داعي، بالتالي، إلى أخذ الأصوات في هذه المسألة ولا في غيرها. # ثم سأل نوبار باشا الأعضاء عما رآه كل منهم في المشروع الذي أعطيت إليه نسخة منه ~~في الجلسة الماضية، فأجل مندوب النمسا والمجر رده ريثما يصل زميله الهرفسكوه من ~~أوروبا، وقال مندوبا الاتحاد الألماني الشمالي إنه يجب معرفة ما هي الأدواء المشتكى ~~منها في النظام القضائي القنصلي، قبل البحث عن الأدوية التي يجب أن تعالج بها، ~~وانبرى المسيو چياكوني فأوضح أن النظام القضائي القنصلي لا يجوز في شيء على ~~المعاهدات الامتيازية والعادات، ولكنه يوجب عراقيل في سبيل العدالة وانتشار قوى ~~المدنية في القطر المصري، كما أن نظام المحاكم المصرية يوجب مثلها وأكبر شأنا، ~~وأبان، بالتالي، أن الطريقة الوحيدة لإصلاح ذلك هي ما تقترحه الحكومة المصرية من ~~إنشاء محاكم في بلادها على النمط الأوروبي، ومن سن تشريع يتناسب مع التشريع الغربي، ~~ثم تكلم بما يفيد أنه درس المشروع درسا تاما، واقترح تعديلات جمة معقولة عليه - ~~أخذ فيما بعد بمعظمها - وتلا السنيور چياكوني الكرنل ستانتن؛ فقرأ، باسمه واسم ~~زميله، مذكرة ذهبا فيها إلى أن نوبار باشا اختار الطريق القويم لإصلاح الخلل ~~الموجود في القضاء بمصر، سواء أكان قنصليا أم أهليا؛ وأنهما - مع إبدائهما بضع ~~ملحوظات خاصة بكيفية انتخاب القضاة الغربيين في المحاكم الإصلاحية المنوي إنشاؤها، ~~وموضوع الرياسة، وعلنية الدفاع فيها، والمحاماة أمامها - يريان من واجبهما تعضيده ~~في أمر إيجاد الأدوية اللازمة، حالما يتوسع في شرح مشروعه المجمل، ثم قام المندوب ~~الروسي، ومع اعترافه بصوابية إبدال النظام القضائي القنصلي المتعدد بنظام قضائي ~~موحد، قال: إنه يجب، قبل قبول اقتراحات الحكومة المصرية، البحث في مقدار الضمانات ~~التي تقدمها، وصلاحيتها؛ ms354 فتقرر مدة معينة تشتغل فيها المحاكم الجديدة، على سبيل ~~التجربة. أما المندوبان الفرنساويان، فأصرا على وجوب بحث ماهية الأدواء، قبل ~~الافتكار بما يكون الدواء. # وبما أن أغلبية المندوبين أجمعت على أن توحيد القضاء خير من بقائه موزعا، ~~متضاربا، وطلبت من الحكومة المصرية تقديم مشروع مستوف، تام الإيضاحات، ومبين ~~الضمانات كلها، ارفضت الجلسة على أن يقدم نوبار باشا تلك الإيضاحات في الاجتماع ~~التالي. # وفي يوم السبت 11 ديسمبر انعقدت الجلسة في دار نوبار وتحت رياسته؛ وقد انضم إلى ~~اللجنة عضوان جديدان: هما الهرفون فسكوه أندپتلنجن المندوب النمساوي الثاني، وكان ~~مستشارا في مجلس الإمبراطورية الأوليكي الأعلى؛ والمسيو أوبرملر المندوب الروسي ~~الثاني، وكان نائب قنصل روسيا بالإسكندرية، فأفاض نوبار باشا في بيان الأضرار ~~الناجمة عن نظام القضاء القنصلي، والملازمة له ملازمة لا سبيل إلى تجريده منها، ~~مهما كانت شخصية القناصل؛ وشرح مشروع الحكومة شرحا وافيا؛ وأجاب على ما أبداه ~~المندوبون الإيطاليون والبريطانيون من التعديلات. # فأجمعت آراء الكل، ما عدا المندوبين الفرنساويين، على وجوب تقديم لائحة ترتيب ~~المحاكم المنوية، مفصلة بالتدقيق، لإمكان المناقشة فيها، وأما المندوبان ~~الفرنساويان، فقالا: إنه يجب على كل مندوب أن يقتدي بالإيطاليين والبريطانيين، ~~ويقدم ملحوظات شخصية على المشروع الأصلي، لتزداد الحكومة المصرية تنورا، فقال ~~نوبار: إن الحكومة المصرية إنما تقابل، بكل ارتياح وسرور، كل ما من شأنه زيادة ~~اطمئنان الغربيين إلى المحاكم الجديدة؛ ووعد بتقديم لائحة ترتيب لها، مفصلة تفصيلا ~~تاما، في الجلسة التالية. # هذه الجلسة عقدت في يوم الأربعاء 15 ديسمبر سنة 1869، مشكلة كسابقاتها وفي المكان ~~عينه، فقدم المندوبان الفرنساويان تقريرهما فيها، وتلياه، فإذا به يحبذ النظام ~~القنصلي القضائي، ويدفع كل عيب عنه؛ ويرى أن الأهالي إنما استفادوا من وجوده؛ وأن ~~من لحقهم ضرر منه، في الحقيقة، إنما هم الأجانب؛ ولكنه اعترف، مع ذلك، بأن توحيد ~~القضاء خير من إبقائه موزعا؛ وتناول مشروع الحكومة، فمحصه، وحبذ ما رأى تحبيذه ~~فيه، وانتقد ما رأى انتقاده، وعلى الأخص في باب الضمانات المقدمة والمطلوبة، وأهم ~~ما ورد فيه وجوب حضور مندوبين خصوصيين، ms355 تعينهم الدول غير القضاة، جلسات المحاكم، ~~لإبداء آرائهم في القضايا المعروضة عليها؛ وإنشاء محكمة تمييز، فوق محكمة ~~الاستئناف، تكون تحت رياسة وزير الحقانية - وبما أن هذه الوزارة لم تكن موجودة، فإن ~~التقرير أشار بإنشائها - وتوحيد القانون في المواد التجارية والمدنية على ~~السواء. # ثم قدم نوبار باشا لائحة ترتيب المحاكم الجديدة، التي وعد بها، فأجمعت الآراء على ~~أن تبحثها اللجنة، مجتمعة، في الجلسة التالية، بعد مناقشة دارت على اقتراح قدمه ~~المسيو تريكو، وعضده فيه زميله الفرنساوي، مؤداه تكوين لجنة خاصة لدرس تلك اللائحة، ~~وتقديم تقرير عنها. # وفي جلسة 21 ديسمبر سنة 1869 - وقد انضم إلى أعضاء الجلسات السابقة المستر ~~تشرلزهيل معتمد الولايات المتحدة الأمريكية وقنصلها العام بالقطر المصري، بناء على ~~تعيينه من قبل دولته - انتقد مندوبا النمسا والمجر كيفية وضع اللائحة الترتيبية ~~للمحاكم الإصلاحية، المقدمة من نوبار باشا؛ لأن فيها حشوا أو تقصيرا؛ وعرضا ~~لائحة من صنع الهرفون فسكوه إجمالية ومفيدة، فبعد مناقشة لمعرفة أي اللائحتين تعرض ~~للبحث، وفيما إذا كان يحسن تعيين لجنة لتحضير لائحة ثالثة تجمع بين آراء المندوبين ~~كافة، تناول نوبار باشا بكل بساطة اللائحة التي جهزتها الحكومة المصرية، وقرأ: ~~«هيا! لنتناقش، فليس الأمر كما ترون صعبا!» فدارت المناقشة، إذا، على مواد تلك ~~اللائحة، فحذف منها اختصاص المحاكم بالنظر في القضايا القائمة بين أجنبي وأجنبي من ~~جنسيتين مختلفتين، ولو أن جميع المندوبين أجمعوا على ترغيب حكوماتهم في تقرير ~~اختصاص تلك المحاكم بذلك؛ وعدلت تسمية المدن التي تنشأ فيها؛ وقرر بعد مناقشة حادة ~~إنشاء محكمة تمييز؛ ولما اتضح أن السير في المناقشات، على ذلك النمط، يطيل المباحث، ~~ويستغرق زمنا طويلا، اتفقت الآراء على تعيين لجنة لترتيب مواد اللائحة، طبقا ~~لمنطقية تفرع الأفكار من نصوص كل مادة، فانتخب كل من حضرات المندوبين فرنسيس، ~~وفسكوه، وچياكوني، وپييتري أعضاء لتلك اللجنة، تحت رياسة نوبار باشا. # وفي جلسة 27 ديسمبر سنة 1869، طرحت اللائحة، كما عدلتها اللجنة، على بساط البحث ~~أمام اللجنة العامة، فناقش المندوبون موادها في تلك الجلسة وفي جلسة 28 ديسمبر ~~التالية؛ ms356 فاتضح أن كثيرين منهم، على ما لديهم من المعلومات وبالرغم من حسن نياتهم، ~~كانوا متشبعين تشبعا تاما بمؤثرات مصالح الرعايا الغربيين الوهمية، لا الحقيقية، ~~وعوامل الرغبة في المحافظة على الامتيازات القنصلية؛ بصفة أن معظمهم أعضاء في الجسم ~~القنصلي العام، فنجم عن ذلك أن المباحث جرت في طريق وعر، شائك، وأن مهمة نوبار باشا ~~ظهرت محفوفة بمثبطات أكثر وأكبر مما كان يتوقع. # ولكنه تجلد وتقوى؛ ونمت عزيمته على قدر ارتفاع العقبات والصعوبات أمامها؛ وتدرع ~~بحكمة ولطف وسعة صدر، حيث كانت هذه الصفات واجبة؛ وبروح منكتة انتقادية، حيث كان ~~يستحب دحض المزاعم بملحة أكثر منه ببرهان وحجة؛ وأظهر من تفتق الذهن وحضوره ما كان ~~لا بد له معه من التغلب على كل مقاومة، وأشد ما دارت المناقشة فيه كان: # أولا: # على مسألة إنشاء محكمة تمييز، فوق المحكمتين الابتدائية ~~والاستئنافية، فقرر إنشاؤها مبدئيا، على أن يعين قانون ~~المرافعات، فيما بعد، دائرة اختصاصاتها. # ثانيا: # على مسألة الرياسة في المحاكم العتيدة، وهل تكون لمصري أم ~~لأجنبي، فقرر، في النهاية، رأي المسيو چياكوني: بأن تكون لمصري، ~~على أن لا يرأس سوى الدوائر التي يقاضي أمامها الأهالي بعضهم ~~بعضا، واجتماعات المحكمة العمومية، وفي الرسميات؛ وأن تكون ~~لأجنبي، فيما عدا ذلك، على أن يدعى الرئيس الأجنبي وكيلا، لا ~~رئيسا، وحفظ نوبار باشا للمصريين الحق في الرياسة، مطلقا، حالما ~~يوجد بينهم من يكون لها كفئا. # ثالثا: # على مسألة كيفية اختيار القضاة الأجانب وتعيينهم: هل يكون ذلك من ~~حقوق الحكومة المصرية، أم من حقوق الحكومات الأجنبية؛ وهل تضمن ~~للقضاة المعينين مراكزهم في بلادهم يعودون إليها إذا غادروا خدمة ~~الحكومة المصرية، أم لا، فقرر بأن الاختيار والتعيين يكونان ~~للحكومة المصرية، على أن لا تستدعي إلا من توافق حكومته على ~~تعيينه، بعد أن تطلب من وزارة الحقانية، في كل دولة، بيانا بأسماء ~~القضاة المشهورين باللياقة والكفاءة؛ وأن الحكومة المصرية لا تدخل، ~~مطلقا، في أمر ضمانة حفظ مراكز المعينين لهم في بلادهم. # رابعا: # على مسألة تخويل الحق للأفراد في التماس محاكمة أي قاض ms357 من القضاة ~~الأجانب؛ وهل تكون محاكمته بمعرفة أعضاء أعلى محكمة مختلطة، أم ~~بواسطة محلفين ينتخبون من أفراد الجاليات، حفظا لثقتها في القضاء ~~الجديد، ففوض نوبار الرأي في ذلك للمندوبين، لعدم وجود مصلحة ~~للحكومة المصرية في الشأن مطلقا، ولكنه قال: إن السنيور چاكوني، ~~صاحب الاقتراح، يبالغ في الأهمية التي يعلقها على قلق الجاليات ~~واضطرابها المحتملين؛ لأن ذينك القلق والاضطراب ناجمان، في ~~الحقيقة، عن جهل الجاليات ماهية المباحث الدائرة، وأثبت كلامه بأن ~~ما قررته اللجنة، منذ البداية، من عدم اختلاطها بالخارج وجعل ~~مداولاتها وأبحاثها أمرا سريا، اتقاء لكل تشويش أدى، بعكس ~~المقصود، إلى اضطراب حبل الطمأنينة في صدور تلك الجاليات الغربية، ~~وإقدامها على ضروب من الحدس والتخمين جعلت كل من يقابله من ذوي ~~الخوف على مصالحهم يبدي له اعتبارا من نوع ما يأتي: «إذا قد عزمتم ~~على جعلنا أتراكا؟» أو «هكذا قررتم أن تسلموا زمام التحكم فينا ~~للأتراك»؛ وأدت إلى إقلاق عقول بعض المندوبين أنفسهم، كما هو ~~المشاهد من إقبالهم على بث مخاوفهم في الجلسات. على أن ذينك القلق ~~والاضطراب يزولان متى علمت حقيقة المباحث ومراميها، والنتائج التي ~~تؤدي إليها. # فقرر، بعد ميل معظم المندوبين إلى تحكيم أعضاء أعلى محكمة مختلطة ~~في الطعون التي تقدم ضد القضاة، أن يحفظ البت نهائيا في الأمر ~~إلى نصوص قانون المرافعات المزمع وضعه. # خامسا: # على مسألة تعيين نيابة عمومية، على ما هي عليه في أوروبا، لدى ~~المحاكم الجديدة أم عدم تعيينها، فقرر تعيينها؛ وأن يكون، ~~مبدئيا، اختيار رئيسها ورجالها - ومعظمهم من الأوربيين - كاختيار ~~رجال القضاء. # سادسا: # على مسألة اختصاص المحاكم الجديدة؛ وهل تحكم في القضايا بين ~~أجانب من جنسيات مختلفة أم لا، فاشتد البحث في ذلك بين السنيور ~~چياكوني، القائل باختصاصها، والمسيو پييتري، القائل بعدمه، فانضم ~~المسيو تريكو إلى زميله، وقال بأن القنصليات الفرنساوية ترى نفسها ~~مختصة بالنظر في ذات المنازعات القائمة بين الرعايا التابعين لها ~~على عقارات موجودة في بلاد الدولة العلية، بما فيها القطر المصري: ~~فلا ترى أن تتخلى عن النظر في القضايا الشخصية ms358 المرفوعة من أجنبي ~~على فرنساوي، فسأله الكرنل ستانتن: «بموجب أي قانون ترى نفسها ~~مختصة بذلك؟» فأجاب: «بموجب الأمر العالي الصادر من ملك فرنسا سنة ~~1778» فقال نوبار باشا: «إنه لم يكن، في ذلك العهد، من ملك عقاري ~~للأجانب في بلاد السلطنة العثمانية؛ بل لم يكن لهم حق اقتناء ملك ~~عقاري فيها على الإطلاق؛ وأن (محمد علي) الكبير كان أول من منحهم ~~عقارا، حتى الكنائس، ليحبب إليهم النزوج إلى القطر والإقامة فيه، ~~لعماره»، فقال السنيور چياكوني: «ما عدا كنيسة القديس مرقص ~~والقديسة كاترينا، بالإسكندرية: فإنها كانت، منذ زمن مديد، ملك ~~البندقيين!» فقال نوبار: «إن هذا الاستثناء يؤيد القاعدة!» ثم ~~أثبت، بأدلة قاطعة، أن تعرض القنصليات للحكم في القضايا العقارية، ~~تجاوز، لا حق ، فوافقه على ذلك المندوبان الإنجليزيان، وختم نوبار ~~البحث في هذه المسألة برجاء قدمه إلى المندوبين بأن يعلموا دولهم ~~بكيفية دخول ذلك التجاوز في نظام الامتيازات القنصلية، وصيرورته ~~بغير حق جزءا منها. # سابعا: # وأخيرا، على مسألة تنفيذ الأحكام التي تصدرها المحاكم الجديدة. ~~هل يكتفى بإخطار القناصل بها، وإحاطتهم علما بيوم التنفيذ ~~وساعته، بدون أن يكون لهم حق في المعارضة في التنفيذ، كما أشار ~~السنيور چياكوني، أم يجب أن تشترك في التنفيذ السلطتان المحلية ~~والقنصلية، كما أشار المسيو پييتري؟ فاحتدم، هنا، الجدال بين ~~الأعضاء احتداما عنيفا، وأبدى المندوبان الفرنساويان من السخافة ~~في الرأي، والتعنت، العجب العجاب، حتى لقد يخيل للمطلع على ~~المناقشة أن يتساءل: «كيف أمكن لعقلي رجلين من ذوي النباهة كالمسيو ~~تريكو والمسيو پييتري، أن لا يفهما الإيضاحات والبيانات الجلية ~~المقدمة من نوبار باشا؟» وبعد أخذ ورد طويلين، أجمعت الآراء على أن ~~رأي السنيور چياكوني أحرى بالاتباع من رأي المسيو پييتري. # وفي جلسة 29 دسمبر سنة 1869 طرح نوبار باشا على بساط البحث مسألة الإصلاح ~~الجزائي، وطلب الاهتمام بها؛ وبين ماهية الضمانات التي ترى الحكومة المصرية أن ~~تقدمها، لتسكن القلوب إلى إجراء ذلك الإصلاح. # فأجمع رأي المندوبين على أن الحال القضائية بمصر أحوج إلى الإصلاح الجزائي منها ~~إلى الإصلاح المدني، ما ms359 عدا المندوبين الفرنساويين؛ فإنهما زعما أن إجراء أي تعديل ~~كان في النظام القضائي الجزائي يعد تعديا على الامتيازات؛ وأنهما لا يستطيعان، ~~والحالة هذه، إقراره ولا المناقشة فيه، ولو أنهما يحضران المناقشة، لإبلاغ حكومتهما ~~ما يدور فيها. # فشرع في بحث مواد المشروع الذي جهزه نوبار باشا، وما بدئ فيه إلا وانبرى السنيور ~~چياكوني، وأثبت بأفصح بيان، وجوب إجراء الإصلاح الجزائي لنيل غرضين لا بد من ~~توخيهما في وضع نظام أي عدالة جزائية كانت وهما: حماية الهيئة الاجتماعية من ~~الآثمين، بضرب سريع على يد المذنب يكون عبرة لمرتكبي الجرائم؛ وتقديم الترضية ~~الكافية للمجني عليهم، والنظام القضائي القنصلي خلو منهما؛ لأن التحقيق فيه يعمل ~~كتابة، ويرسل إلى المحاكم الجزائية في البلاد الغربية لتحكم فيه؛ مع أن المجمع عليه ~~في التقنين الأوروبي هو أن التحقيق كتابة أمر لا يجب أن يؤبه به، ولو قامت ~~القنصليات بإرسال شهود كل واقعة إلى الخارج، لتكلفت نفقة فوق حد الطاقة، كما حدث له ~~في سنة 1861؛ إذ كان قاضيا إيطاليا بمحكمة الإسكندرية القنصلية وأرسل شهود متهم ~~تسكاني إلى أوروبا، عملا بالنظام التسكاني: فكلفه مجرد إرسالهم، ما عدا المصاريف ~~الأخرى، عشرة آلاف فرنك؛ وكما كان يحدث للقنصلية الإنجليزية حينما كانت تحاكم ~~الجناة بمصر أمام محكمة الجزاء بمالطة، فإنها كانت تعطي الشاهد أحيانا ثمانين ~~فرنكا في اليوم، فوق مصاريف سفره في الدرجة الأولى، ذهابا وإيابا ناهيك بما قد ~~رسخ في الأذهان من أن العدالة الخارجية لا ضمانة فيها للترضية الكافية، الواجب ~~تقديمها لمصالح المجني عليه؛ وأن الجناة، المرسلين ليحاكموا أمامها، كثيرا ما ~~يعودون وقد برئت ساحتهم، لعدم توفر أدلة الإدانة أمام ذلك القضاء، مع كثرة توفرها ~~حيث ارتكبوا جناياتهم، فلا دواء، والحالة هذه، لهذا الخلل إلا بإنشاء محاكم جزائية ~~مختلطة منظمة، كالتي تقترح الحكومة المصرية إنشاءها؛ وبتقرير هيئة محلفين، يؤخذون ~~من بين وجوه الجاليات الأجنبية وسراتها، ليساعدوا القضاء في مهمته. # فقال المسيو پييتري: أن لا شيء يزعج الجالية الغربية أكثر مما لو قيل لها إنها ~~ستحاكم أمام محاكم القطر الجزائية، بدلا ms360 من أن تحاكم أمام قنصلياتها، وأعلن ~~الهرفون شراييز أحد المندوبين النمساويين أن ما يخاف منه، في الحقيقة، هو أن لا ~~تكون الحكومة المصرية مخلصة في تنفيذ ما قد يعقد من الاتفاقات بينها وبين الحكومات ~~الغربية في هذا الموضوع. # فنهض نوبار باشا، وبدد ذلك الخوف بحجج قاطعة؛ وأظهر أن مصلحة الحكومة المصرية ~~ومصلحة الدول الغربية متفقتان تمام الاتفاق في تنفيذ كل عقد يعقد بين الفريقين في ~~موضوع الإصلاح المرغوب فيه من الفريقين على السواء؛ ودحض مزاعم المسيو پييتري ~~قائلا: إن الجالية الغربية ستحاكم أمام محاكم منظمة على الطريقة الأوروبية، مشكلة ~~معظمها من قضاة ينتخبون في أحضان الهيئة القضائية الغربية، في بلاد الغرب عينها، ~~وأمام محلفين من وجوه رجال الجالية ذاتها، ولو أن الأحكام ستصدر متوجة باسم خديو ~~مصر، لا أمام محاكم محلية محضة. # فأبى المسيو تريكو إلا الاستمرار على التمسك بحرفية الامتيازات، مؤكدا، مع ذلك، ~~أن القناصل لا يرغبون في شيء أكثر من تخليهم عن السلطة القضائية، على شرط أن يعطوا ~~الضمانات الكافية لتسكين ضمائرهم. # فعادت اللجنة، حينئذ، إلى بحث مشروع الحكومة المصرية الجزائي ليتم وقوفها على ~~مقدار الضمانات المقدمة فيه وماهيتها، وأهم ما دارت عليه المناقشة كيفية تكوين هيئة ~~المحلفين؛ غير أن الآراء أجمعت، في نهاية الأمر، على ترك شأن تكوينها إلى نصوص ~~قانون المرافعات الجزائية، والاكتفاء بوجوب تقرير تلك الهيئة، مؤقتا، بصفة ضمانة ~~للمتهمين. # فأكد نوبار باشا أن الحكومة المصرية ستجهز قانون عقوبات وقانون تحقيق جنايات ~~تأمين، وستعرضهما على المندوبين: إما ليدرسوهما، وإما ليرسلوهما إلى حكوماتهم، ~~فتشبث المسيو تريكو بأنه لا صفة للمندوبين الفرنساويين لفحص مثل هذين القانونين، ~~فقال نوبار: «لا بأس، فالمندوبون الآخرون لا يرون هذا الرأي». # وأجمعت الآراء هذه المرة، بعد أخذها من جديد، على وجوب وضع تقرير إجمالي بنتيجة ~~المباحث، يوقعه المندوبون، ويرسلونه إلى حكوماتهم، ولكن المندوبين الفرنساويين ~~خالفا الإجماع، واحتفظا دون غيرهما برأيهما الأصلي. # وفي جلسة 5 يناير سنة 1870 قرأ نوبار باشا مذكرة وضعها الكرنل ستانتن، مفادها ~~تأجيل ترتيب المحاكم الجزائية سنة بعد ترتيب ms361 المحاكم المدنية، ليتخذ من سير هذه ~~مشجعا على إنشاء تلك، أو مثبطا له. # وكانت قد وقعت في أيام يناير الأولى حركة ضوضائية بالإسكندرية اضطرب لها الأمن ~~العام - فقال نوبار بعد فراغه من تلاوة تلك المذكرة: «إن هناك خطرا في التأجيل، ~~وأن الأفضل إجراء الإصلاحين المدني والجزائي معا». # فعارضه المسيو تريكو وقال: «بل الأفضل تأجيل إنشاء المحاكم الجزائية إلى أن تثبت ~~المحاكم المدنية كفاءتها، وتجعل القلوب ساكنة إلى ما تقدمه لها من ضمانات، وأن ~~الذنب في الحوادث الأخيرة على رئيس البوليس» فرد عليه نوبار باشا بأن البوليس ~~بوليس القنصليات، في الحقيقة، لا بوليس الحكومة؛ وأن الذين قاموا بالحركة الإثمية ~~الأخيرة إنما كانوا أوروبيين؛ أي: أن رئيس البوليس لم يكن يستطيع أن يقبض عليهم ~~ويجري التحقيق معهم إلا بتصريح من قناصلهم؛ وأن إلقاء اللوم، والحالة هذه، على ~~البوليس المصري أمر لا يتفق مع الإنصاف. # فأعاد المسيو چياكوني كرته؛ وأعلن انضمام المندوبين الإيطاليين إلى رأي الكرنل ~~ستانتن، إذا لم يؤخذ برأيهما المؤيد لرأي نوبار باشا في وجوب إجراء الإصلاح الجزائي ~~حالا، فلم يبق سوى المندوبين الفرنساويين أحد إلا ووافق على ذلك، وارفضت الجلسة ~~بعد أن نيط بلجنة مؤلفة من السير فرنسيس والسنيور چياكوني والمسيو پييتري، تحت ~~رياسة نوبار باشا، تجهيز مشروع التقرير الواجب وضعه بأعمال اللجنة حتى ذلك ~~العهد. # وفي جلسة 17 يناير سنة 1870 قرئ مشروع التقرير هذا؛ فوقعه الجميع، ما عدا الدكتور ~~نيرنز، وكان مريضا، والهر فسكوه، وكان قد سافر، ثم قال نوبار باشا: «إن الحكومة ~~المصرية ستجهز قانونا للمرافعات ريثما تأتي تعليمات للمندوبين الفرنساويين ~~والنمساويين من لدن دولهم، تصرح لهم بالمناقشة فيه». # وما لبثت اللجنة أن حررت التقرير، وبينت فيه ما آل إليه مشروع الإصلاح المقترح من ~~الحكومة المصرية، فيما يتعلق بترتيب المحاكم الجديدة، والقضاء في الأمور المدنية، ~~والتجارية، بعد تعديله وتحويره، فإذا به ما يأتي: # أولا: # استبدال الحالة القضائية الفوضوية ذات الجهات الاختصاصية ~~المتعددة بسلطة واحدة تكون مختصة بالفصل فيما بين الأهالي والأجانب ~~على السواء، تسلم مقاليدها إلى ثلاث ms362 محاكم ابتدائية تنشأ ~~بالإسكندرية ومصر والزقازيق (أو الإسماعيلية) ومحكمة استئنافية ~~عليا تجلس بالإسكندرية، ومحكمة تمييز فوقها، تشكل مثلها. # ثانيا: # جعل أغلبية القضاة فيها كلها من أرباب القضاء والقانون الغربيين، ~~تدفع الحكومة المصرية لهم مرتباتهم، ولا تملك حق عزلهم أو تأديبهم، ~~بل يفوض ذلك إلى الهيئة التي سيخولها هذا الحق القانون النظامي ~~الأساسي المزمع وضعه. # ثالثا: # تخويل هذه المحاكم حق الاختصاص بالنظر في جميع القضايا التجارية ~~والمدنية، والقضايا العينية العقارية، والقضايا الشخصية عينها إلا ~~ما كان منها قائما بين أجنبيين من جنسية واحدة، وفي جميع ~~المنازعات، الناجمة عن الرهون التي تسجل في مصلحة أجنبي على ~~الأعيان الثابتة، أيا كان مالكوها وواضعوا اليد عليها، حتى لو ~~كانت وقفا. # رابعا: # أن يكون أعضاء كل محكمة ابتدائية خمسة: ثلاثة أجانب ووطنيان، ~~وأعضاء المحكمة الاستئنافية العليا سبعة: أربعة أجانب وثلاثة ~~وطنيون. # خامسا: # أن يكون الحق للدول الموقعة على مشروع الإصلاح القضائي هذا، بعد ~~مرور خمس سنوات على تحقيقه، أن تعدله بالاتفاق مع الحكومة المصرية، ~~إذا رأت موجبا لتعديله، أو تلغيه، وتقرر العود إلى الحال السابقة، ~~إذا اتضح لها أصوبية ذلك. # وقررت اللجنة، فيما يختص بالإصلاح الجزائي، ما يأتي: # أولا: # أن تحكم المحاكم الجديدة في قضايا المخالفات البسيطة، أو تنتدب ~~قاضيا منها للحكم فيها، على أن يكون هذا القاضي أجنبيا، إذا كان ~~المخالف أجنبيا؛ وأن تستأنف الأحكام متى قضت بحبس. # ثانيا: # أن وحدة القضاء في باب الجنايات والجنح أمر ضروري لتأمين عموم ~~المصالح، مهما اختلفت جنسيات أصحابها، على أن يسبقها بحث دقيق في ~~الضمانات الناجمة عن تشريع تام يشمل القانون الجزائي وقانون تحقيق ~~الجنايات. # ثالثا: # أن يجري الإصلاح القضائي في الأمور المدنية والإصلاح القضائي في ~~الأمور الجزائية معا؛ وإلا فتنشأ المحاكم الجزائية بعد مرور سنة ~~على تأسيس المحاكم المدنية التجارية وعملها، وظهور صلاحيتها ~~للجميع، ظهورا لا ريب فيه. # ثم أسرع كل من المندوبين وأرسل نسخة من هذا التقرير إلى دولته؛ واستعد نوبار باشا ~~للسفر إلى الأستانة لينال المصادقة على المشروع من الباب العالي. # وما لبث أن ms363 ورد على الخديو تلغراف من باريس يفيد تشكيل لجنة هناك، تحت رياسة وزير ~~الخارجية - وأن المسيو دي لسبس، المعروف بميله الكلي إلى تعضيد الإصلاح المبتغى، ~~عضو فيها - للنظر فيما إذا كان يصح التسليم بالمبادئ التي ارتكنت عليها لجنة ~~القاهرة لاعتبار الإصلاح واجبا أم لا. # وورد بعد ذلك بأسبوع على الكرنل ستانتن نبأ من الحكومة البريطانية يفيد أن هذه ~~الحكومة رأت، بعد الفحص، وجوب إجراء إصلاح لتوحيد القضاء بمصر، ولكنها لا تستطيع ~~قبول ما قررته لجنة القاهرة، كليا أو جزئيا، إلا بعد الاطلاع على القوانين ~~الموعود بوضعها، وقبولها. # فبلغ ستانتن ذلك بكتاب إلى نوبار باشا؛ وأعلم هذا الوزير الخديو؛ فقابل (إسماعيل) ~~المعتمد الإيطالي في القطر؛ وألح عليه في إبلاغ ذلك إلى الحكومة الإيطالية؛ وطلب ~~استصدار قرار منها شبيه بقرار الحكومة البريطانية، فصدع دي مرتينو بالطلب؛ وأجابت ~~الحكومة الإيطالية طبق المرام؛ ثم شكلت، هي أيضا، لجنة لدرس المسائل المقدمة إليها ~~من لجنة القاهرة. # وحوالي العشرين من شهر مارس سنة 1870 وصل نوبار باشا إلى الأستانة؛ وقابل عالي ~~باشا مرتين متواليتين، فقال له الصدر الأعظم: إن الباب العالي لا يرى اعتراضا على ~~موضوع الإصلاح؛ وإنه مستعد لمساعدة جهوده، بحيث يضمن نجاحها؛ على أنه يرى، ضمانة ~~لحقوق السلطان السيادية، أن تصدر إرادة «سلطانية» أولا، تمنح الحكومة المصرية ~~اختصاصات ومزايا جديدة خاصة بالغرض الذي تسعى إليه، تخولها حق مخابرة الدول في ~~شأنه. # ولكنه عاد بعد ذلك ورفض المشروع برمته رفضا باتا، وأعلن نوبار بعدم رضا الباب ~~العالي به مطلقا. # فوقع هذا الرفض موقع الاستغراب من عموم سفراء الدول بالأستانة، فاستفسروا؛ فقيل ~~لهم: إن الباب العالي يعترض: # أولا: # على أن يكون القضاة الأجانب في المحاكم المبتغاة أكثر عددا من ~~القضاة الوطنيين. # ثانيا: # على اختصاص تلك المحاكم بالنظر في القضايا التي قد يكون للإدارة ~~المصرية فيها دخل. # ثالثا: # على اختصاصها، أيضا، بالنظر في القضايا المرفوعة بشأن أعيان ~~ثابتة؛ وأن الباب العالي إنما ينظر إلى المشروع برمته، من الوجهة ~~السياسية، فلا يرى أن يكون لمصر مركز استثنائي فيما ms364 يتعلق بالنظام ~~القضائي: فإما أن يتناول الإصلاح السلطنة كلها، وإلا فإنه لن ~~يتناول إقليما منها دون غيره. # فأسف السفراء لذلك، ولكن نوبار باشا، الخبير بأحوال الأستانة، أظهر لهم أنه لا ~~ييأس مطلقا من نيل مبتغاه، بالرغم من نزاهة عالي باشا الشاذة، ومن معاداته الشخصية ~~للخديو. # في الوقت نفسه، وكأن الأقدار أرادت أن تهون على الحكومة المصرية وقع الرفض ~~العثماني، ورد عليها من حكومات روسيا وبروسيا والولايات المتحدة ما يفيد قبول هذه ~~الدول الإصلاح القضائي مبدئيا؛ ولو أنها أبدت تحفظا فيما يختص بالضمانات ~~المقترحة وقبول باقي الدول ذات الشأن بها. # وكانت حركة الأفكار في الجاليات الغربية بالقطر قد قامت على قدم وساق، فاجتمع لدى ~~المسيو موشكور، نائب الأمة الفرنساوية بالإسكندرية، وجوه الفرنساويين القاطنين ~~الوادي الخصيب، وتداولوا في الواجب عمله، فأجمع رأي أغلبيتهم على استحسان المشروع ~~الإصلاحي، عامة، بعد إدخال بعض تعديلات عليه، ولكن فئة منهم ذهبت إلى عكس ذلك؛ وما ~~علم أعضاؤها بتكوين اللجنة بباريس لمراجعة أعمال لجنة القاهرة وقراراتها، وتمحيص ~~غثها من سمينها، إلا وأرسلوا إلى رئيسها الرسالة التالية: «نحن الفرنساويين نرانا ~~مضطرين إلى التأكيد أن هذا الإصلاح المزعوم سوف يكون خرابا لنا!» # وكان نوبار في تلك الأثناء قد سعى وهو عالم أن سعيه ليرتجى، فأوقفه عالي باشا على ~~الشروط والتعديلات التي يرى الباب العالي وجوب إدخالها على المشروع، ليحوز قبوله، ~~فما زال الوزير المصري برجال الديوان حتى حملهم على الاعتقاد بأن الإصلاح القضائي ~~الراغبة الحكومة المصرية في إدخاله إنما هو شأن من شئون القطر المصري الإدارية ~~المحضة؛ ومع أنه سلم، مبدئيا، بتعديل الأوجه الثلاثة المعترض من الباب العالي ~~عليها التعديل المطلوب من رجال الأستانة، وقبل أن يعتبر تعيين القضاة الأجانب شيئا ~~مؤقتا، فقط، ريثما يتسنى وجود قضاة أهليين من ذوي الكفاءة المعترف بها؛ وأن يعدل ~~رأي رجال لجنة القاهرة بألا يختص غير المحاكم الجديدة بالنظر في التجاوزات التي قد ~~تقع من قضاتها وهم مباشرون شئون وظائفهم، عاد بكيفية حكيمة، ونال مصادقة الديوان ~~العثماني على مشروع موفق بين مطالبه وما ms365 ذهبت إليه مطالب رجال الهيئة السياسية ~~الغربية في الأستانة عينها، وحاو لجميع الاشتراطات التي وضعتها لجنة القاهرة؛ ثم ~~تمكن بدهائه وحذقه من جعل الصدر الأعظم عينه يسلم نسخة من ذلك المشروع إلى كل فرد ~~من أفراد تلك الهيئة، لكي يرفعه إلى دولته؛ وسافر إلى العواصم الأوروبية لينال ~~مصادقتها أيضا عليه. # وكان قد سبقه إليها منشور أرسله عالي باشا إلى سفراء الدول العلية في تلك العواصم ~~أوضح لهم فيه مصادقة الباب العالي على المشروع القضائي المصري، بشرط أن لا تكون ~~المحاكم الجديدة مختصة بنظر القضايا التي تنجم بين الأهالي وبعضهم؛ ولا بالحكم على ~~الموظفين فيما قد يصدر عنهم من تجاوزات لحدود وظائفهم، وطلب إلى أولئك السفراء ~~تعضيد نوبار باشا في مساعيه. # وحوالي منتصف شهر مايو سنة 1870 كانت اللجنة الفرنساوية - بعد سلسلة مفاوضات دارت ~~بين نوبار باشا وبين المسيو دوڨرچييه رئيسها، والمسيو إميل أليڨييه رئيس الوزارة ~~الفرنساوية، القائم بشئون وزارة الخارجية مقام وزيرها المتغيب - قد فرغت من أعمالها ~~بباريس، ووضعت مشروعا من عندياتها أبلغته الحكومة الفرنساوية الحكومات الغربية ~~الأخرى لتوقفها على آرائها في الموضوع. # وأهم ما جاء فيه: جعل عدد قضاة محاكم أول درجة سبعة، منهم أربعة أجانب؛ وعدد ~~مستشاري محكمة الاستئناف أحد عشر، منهم سبعة أجانب؛ وضم محلفين وطنيين، ومحلفين ~~أجنبيين من التجار إلى القضاة المشكلة منهم الجلسات التجارية، وأن يكون لهم صوت في ~~المداولات؛ ووجوب مخابرة الحكومة المصرية الحكومات الغربية في كل تعديل يراد إدخاله ~~فيما بعد على القوانين التي سيتفق عليها؛ وتأجيل العمل بالإصلاح الجزائي مؤقتا؛ ~~والموافقة فيما عدا ذلك على ما أقرته لجنة القاهرة. # فوافقت عليه بأكمله حكومتا بطرسبرج وڨيينا؛ ورأت حكومة برلين، بعد مقارنته ~~بالمشروع المصري الذي عدلته لجنة القاهرة الدولية، أن محكمة التمييز أصبحت غير ~~مرغوب فيها، مذ جعل عدد قضاة أول درجة خمسة وعدد قضاة الاستئناف ثمانية في كل جلسة، ~~لوجود الضمانة الكافية للمتقاضين في عدد القضاة هذا الكبير؛ وقالت: إنها تفضل أن ~~يكون عدد مستشاري جلسات محكمة الاستئناف فرديا عنه زوجيا، اجتنابا لكل ms366 عرقلة ~~في التصويت. # وأما حكومة إيطاليا فأحالت المشروع الفرنساوي إلى لجنتها المشكلة تحت رياسة ~~الكاڨاليير ديزمبروا، والتي كان أحد أعضائها السنيور چياكوني. # فرأى (إسماعيل) أن الوقت بات مناسبا للاتفاق مع الدول على تعيين لجنة دولية يكون ~~رأيها تنفيذيا، تمحص المشروع الواجب تنفيذه، مستخلصة إياه من المشاريع الثلاثة ~~الموضوعة على بساط البحث، وهي: «المصري» الذي عدلته لجنة القاهرة و«العثماني»، ~~و«الفرنساوي» - وكيفية جعله إلزاميا للجميع، ومنح نوبار باشا، لتحقيق هذا الغرض، ~~سلطة مطلقة، ولكن الدول المختلفة رأت، قبل موافقة الخديو على ما يروم، وجوب ~~اطلاعها على التشريع الذي ستحكم المحاكم الجديدة بمقتضاه؛ وطلبت نشر القوانين ~~التي وعد بها؛ أي: القانون المدني، والقانون التجاري، وقانون المرافعات المدنية ~~والتجارية، قبل الإقدام على أي إجراء يكون؛ وتركت جانبا، مؤقتا، قانون العقوبات ~~وقانون تحقيق الجنايات، لاتفاقها على تأجيل الإصلاح الجزائي إلى حين. # ورأت الحكومة الإيطالية فوق ذلك، وأخذا بإشارة لجنتها، وجوب اتفاق الحكومة ~~الخديوية مبدئيا مع الدول على تحديد عدد القضاة، ودرجاتهم، وعدد الموظفين الذين ~~سوف تطلبهم من كل واحدة منها، وذلك حسما لمنافسات قد تنجم عن اتخاذ قواعد أساسا ~~لذلك التحديد، غير الثلاث الآتية، وهي: أهمية الدول سياسيا؛ عدد أعضاء جالية كل ~~منها؛ عدد قضايا كل جالية. # غير أن الخديو، لما عرض عليه السنيور دي مرتينو، قنصل إيطاليا العام بالقطر ~~المصري، رغائب دولته، رأى تعديل القاعدة الأولى، واتخاذ قلة أهمية الدول السياسية ~~بدلا من أهميتها المطلقة أساسا لتحديد عدد القضاة، وذلك توصلا إلى ملاشاة كل ~~تزاحم على النفوذ قد يقع في خلد الدول الكبرى الإقدام عليه، بواسطة تفوق عدد قضاة ~~إحداها على عدد قضاة غيرها، ورأى ترك أمر تحديد عدد الموظفين من كل دولة وتعيينهم ~~إلى هيئات المحاكم عينها، بدون تداخل أية دولة فيه. # وفي أوائل شهر يولية سنة 1870 تم طبع القوانين المصرية المختلطة، فوزعها نوبار ~~باشا على الدول المختلفة، حالا، إجابة لرغبتها، فحرر اللورد جرانڨل، وزير الخارجية ~~الإنجليزية، إلى المركيز دي لاڨاليت، سفير فرنسا في لندن، في 22 يولية سنة 1870، ~~أنه، بعد اطلاعه ms367 عليها، يوافق تمام الموافقة على إنشاء الهيئة القضائية الجديدة ~~المرغوب فيها بمصر، وعلى شكلها المبين في المشروع الفرنساوي، ودائرة الاختصاص ~~المعينة لها؛ وأنه كلف سفراء بريطانيا العظمى لدى الدول المختلفة، وبالأستانة ومصر، ~~بتسليم تلك الحكومات نسخة من كتابه إليه، لإعلامها باتفاق إنجلترا وفرنسا على ~~الأمر، لكي يسعى الخديو، حالا، إلى إحراز قبول السلطان بالإصلاح القضائي كما قرر ~~بالمشروع الباريسي؛ ويعلن السلطان قبوله إلى الدول، فتقدم الحكومة المصرية على ~~اتخاذ التدابير والإجراءات اللازمة لتكوين تلك المحاكم وإنشائها. # ولكن الحرب كانت قد نشبت بين فرنسا وألمانيا، وأصبح الزمن غير مناسب للمفاوضات، ~~فعدل الخديو عنها، مؤقتا، وأخذ يفكر في إصلاح آخر يقوم مقام الإصلاح القضائي ولو ~~جزئيا. # فوقع في خلده إنشاء بلدية بالإسكندرية، يخول لها حق النظر المطلق، قضائيا، في ~~جميع أمور التنظيم والإيجارات في الثغر، مع توسيع دائرة محاكم التجارة، وجعلها ~~مختصة بالنظر في أمور لا تكون تجارية بكل معنى الكلمة، وأقدم يجس نبض القناصل في ~~ذلك، فوافقه بعضهم؛ وأبى البعض الآخر، ومن ضمنهم معتمد إيطاليا، إلا أن يكون كل ~~إصلاح قضائي يجري في البلاد شاملا عاما، لا جزئيا خاصا. # فحوالي أواخر شهر ديسمبر سنة 1870 - وكان فوز ألمانيا على فرنسا بكيفية نهائية ~~ساحقة بات أمرا مؤكدا، ونزول فرنسا على الشروط الألمانية أمرا لا يحتمل ريبا ~~مطلقا - رأى نوبار أن الوقت قد حان مرة ثانية لإعادة المفاوضات في الإصلاح القضائي ~~إلى مجاريها السابقة، لا سيما إزاء كثرة تردد الإشاعات عن قرب اجتماع أوروبا في ~~مؤتمر عام قد يتناول بحث مسائل شرقية أخرى. # فأرسل في 2 يناير سنة 1871 كتابا في شكل مذكرة، إلى عموم معتمدي الدول في القطر، ~~يطلب فيه مصادقة حكوماتهم على القوانين المصرية المختلطة التي عرضت نسختها على كل ~~واحدة منها؛ وأن تكون تلك المصادقة إما مباشرة، وإما بواسطة معتمدي الدول مجتمعين ~~بهيئة لجنة خاصة، أو بواسطة مندوبين تنتدبهم الدول لذلك الغرض، وأرسل نسخا من ذلك ~~الكتاب إلى وزارات الخارجية كلها. # فأسرعت بروسيا، وأجابت أنها تصادق على القوانين المذكورة، وتصرح ms368 لمعتمدها في ~~القطر المصري بالعود إلى تناول مباحث لجنة القاهرة الأولى؛ ولكن إيطاليا أبت أن ~~تبدي رأيها النهائي، قبل أن تفرغ لجنتها من فحص المشروع والتشريع المسنون له؛ وأبت ~~إلا الوقوف مقدما على الشكل الذي سوف يتخذه تنفيذ التعهدات المتبادلة؛ أي: على ~~كيفية تشكيل المحاكم العتيدة. # فرأى نوبار باشا أن يرد على هذا الإباء ردا طويلا، أثبت فيه أنه لم يكن في وسع ~~الحكومة المصرية أن تعبر عن فكرها في هذا الشأن بأحسن مما عبرت عنه إذ قالت أنها ~~ستختار قضاة أوروبيين، وتستشير في تعيينهم بكيفية شبه رسمية حكوماتهم المختلفة ~~لتحيط اختياراتها بأكثر مما يمكن من الضمانات؛ وأن القواعد التي تريد الحكومة ~~الإيطالية أن تتخذ أساسا لتحديد عدد القضاة ودرجاتهم لقواعد لا يصح العمل ~~بمقتضاها: (أولا) لأنه من شأنها جعل المحاكم العتيدة دولية أكثر منها مصرية؛ ~~و (ثانيا) لأنها ستثير حتما منافسات دولية، ترى مصر أنها في غنى عنها؛ وأن الحكومة ~~المصرية فكرت لاجتناب تلك المنافسات في تشكيل محاكم أول درجة من قضاة يؤخذون من ~~سويسرا والبلچيك وهولندا، وتشكيل محكمة الاستئناف من مستشارين يؤخذون من الدول ~~العظمى؛ لأن معاملة هذه الدول على قاعدة المساواة أمر ممكن، في هذه المحكمة العليا، ~~بسبب كثرة عدد أعضائها. # فأقرت إيطاليا هذا المبدأ، ولو أنها لم توافق على أن يكون عدد مستشاري الاستئناف ~~الغربيين سبعة فقط؛ واطلعت الحكومة المصرية على التقرير الذي وضعته لجنتها في ~~فلورنسا، فإذا به تقرير ضاف واف، تناول كل دقائق المشروع وتعديلاته، وما اقترح ~~له، والمشروعين العثماني والفرنساوي؛ ومحص ذلك جميعه تمحيصا مستوفيا؛ واستنتج ~~نتائج، واستنبط آراء أقر معظما فيما بعد، لوجودها قرينة الصواب، وبنت الحكمة ~~والتبصر، فأمرت الحكومة المصرية بترجمته إلى الفرنساوية، لتستفيد ويستفاد مما جاء ~~فيه. # غير أن الباب العالي كان قد أظهر استياء لا مزيد عليه من عرض القوانين المصرية ~~على الدول لنيل تصديقها عليها، لاعتباره ذلك افتياتا على حقوق الدولة: (أولا) لأن ~~العرض يقتضي أن القوانين جديدة، وغير قوانين باقي السلطنة، ولا حق في وضع قوانين ~~جديدة ms369 إلا للسلطة صاحبة السيادة العليا؛ و(ثانيا) لأن العرض يقتضي أن موافقة الدول ~~الأجنبية عليها تكفي لكي تجري تلك القوانين في القطر المصري، مع أنه لا حق لمصر في ~~إجراء قوانين تكون غريبة عن قوانين الدولة العلية؛ فأرسل بهذا المعنى كتابا كله ~~خيلاء إلى الحكومة المصرية، أنذرها فيه بأن أمر «الإصلاح» إنما هو من الشئون ~~السلطانية لا من الشئون الداخلية المصرية؛ وأنه يرى بناء على ذلك أن تتنكب الحكومة ~~الخديوية عنه، وتتركه لحكمة الباب العالي، ليجري ما يراه فيه. # ولكي تكون معاكسته للمشروع مكسوة الظواهر برداء ينخدع له الصواب، أعلن الدول أنه ~~مشتغل، هو نفسه، في وضع قانون قضائي لعموم السلطنة، وأنه سيفرغ من وضعه في ظرف ستة ~~شهور؛ فما على مصر، والحالة هذه، إلا انتظار صدوره للعمل به أسوة بباقي الممالك ~~الشاهانية. # فأرسل الخديو في بادئ الأمر مصطفى رياض باشا وزير حقانيته إلى الأستانة لإزالة ~~سوء الفهم الواقع؛ وأعلم الحكومة الإيطالية بالمعارضة المبداة من قبل الديوان ~~العثماني، لتعمل على رفعها. # ولكنه اتفق أن عالي باشا، الصدر الأعظم، مرض في الأثناء، المرض الذي قضى فيه ~~نحبه، فلم تتمش المخابرات إلا بطيئة، وبدا من إنجلترا عينها ما جعل الملأ المصري ~~يوجس خيفة على مشروعه القضائي. # فتوالت الأشهر بدون جدوى؛ واجتهد الباب العالي، لا سيما بعد موت عالي باشا، في ~~حمل الحكومة المصرية على طرح مشروعها في زاوية الإهمال؛ محتجا، من جهة، على ما ~~ألزم الخديو به نفسه للدول من عدم إدخال أي تغيير على القوانين المختلطة مدة خمس ~~سنوات؛ وخوف (إسماعيل)، من جهة أخرى، بما قد ينجم - على زعمه - عن المشروع من نتائج ~~وخيمة على الأهالي والحكومة وعلى حقوق مصر واستقلالها، وتمسك - تبريرا لسلوكه - ~~بما آلت إليه الحكومات الأجنبية، إلا الإيطالية، من الجمود إزاء المشروع، حتى إن ~~فرنسا عينها، لانشغالها بمداواة جروحها ورتق خروقها عن الاهتمام اهتماما زائدا ~~بالشئون الخارجية، امتنعت من إرسال تعليمات بخصوصه إلى سفيرها في الأستانة. # ولكن همة (إسماعيل) لم يثبطها قيام تلك العراقيل في سبيل إصلاحه المرغوب؛ ولو ms370 أن ~~المقربين إليه، حتى الحكومة الإيطالية صديقته الحميمة، أوشكوا أن يخافوا على عزيمته ~~الملل والتعب، ويخشوا إقلاعه عن رأيه، وإنما كان السبب في تجلده وعدم خور همته ما ~~كان قد وطن النفس عليه توطينا صادقا من القضاء على قيد الامتيازات الأجنبية التي ~~كانت - في عرفه - أشد ما يثقل عاتق الحكومة المصرية وأشد ما يقعد بمصر عن بلوغها ~~استقلالها. # فرد في 13 يونية سنة 1872 على الصدر الأعظم ردا بليغا ذكر فيه: «أن الباب ~~العالي عينه كان قد وافق على جعل حد سير المحاكم الجديدة خمس سنوات؛ وقال: إنه لم ~~يفتأ معترفا بأن سن القوانين حق مقدس من حقوق السلطنة المطلقة، الخاصة بها دون ~~سواها؛ وأنه لذلك لم يقع في خلده أبدا أن يسن قوانين؛ وأن القوانين المختلطة التي ~~ستطبقها المحاكم الجديدة إنما هي، في الحقيقة، القوانين السارية بالقطر المصري في ~~كل آن؛ أي أنها، إذا، قوانين السلطنة عينها، ثم ذكر الباب العالي بأن المشروع تحت ~~التداول والأخذ والرد منذ أكثر من خمس سنوات باطلاع الديوان السلطاني وموافقته؛ ~~وذكره بكل ما حصل في الشأن؛ وأن الآراء كلها أجمعت على أن القضاء، كما هو بالقطر ~~المصري، ليس بقضاء؛ وأنه ما دام لا يوجد في قطر من الأقطار قضاء منظم، تصدر الأحكام ~~عنه للجميع، بكيفية واحدة على السواء، فالتقدم والرقي والإتجار والمدنية تبيت كلها ~~أمورا متعذرة، إن لم تصبح في دائرة المحال؛ وأنه لا يرى، إذا، كيف يمكن أن تنجم ~~عن تنظيم القضاء في بلاده النتائج الوخيمة التي يخوفه منها الباب العالي؛ وأن نواب ~~الدول الذين تباحثوا في المشروع، في كل لجنة شكلت لذلك الغرض، أبدوا من شعائر ~~الاحترام لاستقلال القطر، والحقوق التي يعتبرها الجميع مقدسة، ما حمل الباب العالي ~~عينه على إقرار المشروع، بعد إدخال بعض تعديلات عليه؛ وأنه لم يعد يبقى لنفاذه إلا ~~رغبة الدول في الاطلاع على القوانين التي سوف تطبقها المحاكم العتيدة؛ وأنه لو كان ~~في إبداء هذه الرغبة ما يجور على استقلال الحكومة وحقوقها، أو ما يفيد تداخلها ms371 في ~~شئون تشريع القطر، لما أبديت ولما قبلت؛ وأن نتيجة كل ما تقدم أن تنفيذ المشروع ~~إنما يقصد به في الحقيقة حصول الأهالي والكل، سواء بسواء، على حقوقهم الضائعة؛ ~~وحصول الحكومة المصرية على الطمأنينة والحماية اللازمتين لها». # ولعلمه أن وجوده بشخصه، في الأستانة، يفعل ما لا يفعل خير الأدلة والبراهين في ~~قضاء لبانته، أكثر من كل مكاتبة مهما كانت فصيحة، عزم على السفر إلى الأستانة؛ ~~وسافر إليها في أواخر شهر يونية عينه، مصطحبا وزيره الحكيم نوبار باشا. # فاغتنمت إيطاليا فرصة وجوده في تلك العاصمة، وفاتحت خارجيات الدول الكبرى في أمر ~~تعضيد مساعيه لدى الباب العالي، بواسطة سفرائها بالأستانة؛ والعمل، في الوقت ذاته، ~~على منع كل تأثير على الخديو من شأنه دفعه إلى المطالبة بتطبيق النظام القضائي الذي ~~تطبقه الدولة العلية في ممالكها، ببلاده. # فأجابت النمسا وفرنسا وألمانيا إيطاليا إلى طلبها؛ وكلفت كل منها سفيرها لدى ~~الحكومة العثمانية بالعمل على إقناع الباب العالي بوجوب المصادقة على مشروع الإصلاح ~~القضائي بمصر. أما الحكومة الروسية فامتنعت، في بادئ الأمر، لقلة مصالحها في القطر، ~~وأما إنجلترا فقالت: «إن الظروف في تركيا، لا سيما بعد حرب القرم، لم تعد، كما كانت ~~في الماضي، موجبة لتداخل الدول كثيرا في شئونها الداخلية؛ وأنه يحسن، والحالة هذه، ~~بالدول الانتظار ريثما تفرغ الأستانة من وضع القوانين التي وعدت بإنجازها في ستة ~~أشهر، والالتفات فقط إلى أن لا تدخل فيها ما يكون مغايرا أو مبطلا للمصالح ~~الأجنبية المعمول بها». # فأدى سعي الخديو، من جهة، السعي السابق لنا ذكره في غير هذا الفصل، ومساعي سفراء ~~الدول الأربع المشتركة. من جهة أخرى، إلى نزول تركيا عن إصرارها؛ وقبولها تطبيق ~~القوانين المطروحة أمام الدول لتصدق عليها، تطبيقا مؤقتا، في القطر؛ ورضاها التام ~~عن النظام القضائي العتيدة إقامته. # 6 # فرأى (إسماعيل) أن يطرق الحديد وهو سخين، فشرع يفاوض الدول برغبته في أن يبت - ~~وهو مقيم بالأستانة - في المسائل المختصة بالمشروع، والتي لا تزال على بساط ~~المناقشة، فتزود الدول سفراءها هناك بالتعليمات والسلطة اللازمة لذلك؛ ms372 لأنه وإن يكن ~~اهتمام الباب العالي بتلك المسائل بات سطحيا، إلا أن المناقشة فيها بالأستانة ~~عينها، وهو فيها، ذات فائدة كبرى، لتمكين المتخابرين من الحصول بسهولة على موافقة ~~الديوان، فيما لو نجمت مسألة يحتاج فيها إلى إحراز تلك الموافقة؛ وأنه إذا رأت ~~الدول أن الأمر يقتضي اشتراك متخصصين فيه فلتسرع بإرسالهم إلى الأستانة، لأنه لم ~~يعد في استطاعته المكث فيها إلا قليلا؛ ولفت نظرها، في الوقت ذاته، بمذكرة أرسلها ~~لكل منها وزيره الحكيم نوبار، إلى أن أهم ما يجب اتفاقها عليه إنما هو الإصلاح ~~القضائي الجزائي، الذي قد يتراءى لبعضها تأجيله إلى أجل غير مسمى، وإلى أهم ما تراه ~~الحكومة المصرية في ذلك الإصلاح؛ أي: اتفاق الدول على جعل المحاكم الجديدة مختصة ~~بالحكم جزائيا في كل ما كان مخلا بنظامها وتنفيذ أحكامها، أو حاطا من ~~كرامتها؛ وفي كل ما يقع مغايرا للقانون من قضاتها وموظفيها. # فما كان من الجنرال أجنا تتيف، السفير الروسي في الأستانة، إلا أنه استدعى ~~السفراء لديه، بصفته أقدمهم عهدا، لمطارحة أفكارهم في المشروع المرغوب فيه، ~~فاجتمعوا في 6 أغسطس سنة 1872؛ وشرح لهم نوبار باشا - وكان قد استدعي إلى ذلك ~~الاجتماع أيضا - كل سوابق المسألة، وبعد مفاوضة تناولت أمر رد القضاة والمترجمين ~~والترجمات؛ وأمر حلول تراجمة القنصليات محل مترجمي المحاكم في القضايا التي يطلب ~~ذوو الشأن فيها ذلك؛ وأمر ترك تعيين رؤساء الجلسات لجمعيات القضاة العمومية؛ وأمر ~~حضور مندوبين خصوصيين من لدن الدول سير المحاكمات الجزائية - وقد عارض (إسماعيل) ~~فيما بعد فيه معارضة شديدة وأبى قبوله إباء كليا، لئلا يقود إلى تجاوزات من نوع ~~المشتكى منها في نظام القضاء القنصلي - وأمر تخلي السلطة المصرية عن المحكوم عليه ~~من المحاكم الجديدة إلى قنصلياتهم لتنفيذ العقاب فيهم بمعرفتها - ورفض بتاتا - ~~وأمر جعل المحاكم عينها، بعد مضي سنة على تأسيسها، مختصة بالنظر في الجزاءات على ~~أنواعها؛ وأمر تكوين لجنة المحلفين في القضايا المختلطة بواقع النصف من الأهالي ~~والنصف من الأجانب، بدلا منها من جنسيات المتهمين، ارفض الاجتماع على أن يبلغ ms373 ~~السفراء مضمونه إلى دولهم. # ثم حرر نوبار باشا مشروعا للإصلاحين المدني والجزائي، على قاعدة ما اتفق عليه في ~~تلك الندوة، أهمل فيه، سهوا، ذكر اللغات القضائية، ووجوب تسجيل العقود الناقلة ~~للملكية والرهون لدى المحاكم الجديدة مع إخطار المحاكم الشرعية بها، وأمورا أخرى ~~أقل منها أهمية؛ وأهمل، عمدا، إنشاء محكمة التمييز؛ وقبل الخديو، إرضاء لبعض ~~الدول، أن لا يعهد بالنظر في الأمور الجزائية إلى المحاكم الجديدة إلا بعد مضي خمس ~~سنوات على تأسيسها. # فأبدت فرنسا وإنجلترا والنمسا وإيطاليا بعض اعتراضات على ذلك المشروع؛ وأهمها ~~الاعتراضات الإيطالية على ما أهمل نوبار باشا ذكره سهوا؛ واعتراض فرنسا على تخويل ~~المحاكم المختلطة النظر في الأمور الجزائية، حتى فيما يتعلق بما كان مخلا بنظامها ~~وتنفيذ أحكامها، أو حاطا من كرامتها، أو مرتبكا من قضاتها وموظفيها - وهم يؤدون ~~وظائفهم - من مغاير لقوانينها. # فأجاب نوبار إيطاليا أن السهو سيتدارك؛ ولكنه أجاب فرنسا أنه لا سبيل إلى إنشاء ~~المحاكم المختلطة إذا لم تمنح حق النظر في النوع الأخير من التجاوزات المستوجبة ~~الجزاء: لأنه لن يوجد في العالم قضاة يريدون أن يكون النظر فيما قد يمس كرامتهم - ~~وهم يؤدون وظائفهم - موكولا إلى غيرهم، وأثبت رأيه بأدلة قاطعة. # فتصلبت فرنسا في رأيها؛ فألح نوبار على الجنرال اجنا تتيف بجمع السفراء ليروا ~~رأيهم في الأمر، فاجتمعوا في 16 نوفمبر سنة 1872 وقرروا تعيين لجنة لفحص ماهية ~~الضمانات التي تقدمها الحكومة المصرية، لتطمئن الحكومات الأجنبية إليها، وتعتقد أنه ~~لن يقع تجاوزات على حقوق الأجانب، فيما إذا منحت المحاكم المختلطة حق النظر في نوع ~~الجزاءات المطالب نوبار بها، والتي أكد أنه لا سبيل إلى إنشاء المحاكم ~~بدونها. # ففي اليوم الحادي عشر من شهر يناير سنة 1873 التأمت اللجنة المرغوب فيها ~~بالأستانة، مشكلة من السير فيليب فرنسيس القنصل البريطاني، والمسيو تريكو القنصل ~~الفرنساوي، والكاڨاليير چاكوتي المستشار بالمحاكم الاستئنافية الإيطالية، وفون جللت ~~القنصل الألماني، وفون پرجير سكرتير الوكالة النمساوية، والمسيو چنسن سكرتير ~~الوكالة البلچيكية، والمستر جودناو معتمد الولايات المتحدة، والمسيو كون مستشار ~~وكالة هولندا ومدير ms374 إدارتها القنصلية، والمسيو هترڨو القنصل الروسي العام وأحد ~~أمناء الحجرة الإمبراطورية الروسية، والكونت برنيكوف القائم مقام مستشار الوكالة ~~السويدية النروجية، ونوبار باشا، ومعه المسيو مونوري مستشاره القضائي. # وانضم إليها في ثالث جلساتها الدون درتارڨت فريري كاتب الپروتوكول في الوكالة ~~الإسبانية؛ وانعقدت تحت رياسة السير فيليب فرنسيس، بصفته أقدم القناصل عهدا، ست ~~مرات؛ أي: في 11 و15 و18 يناير، وأول وسادس وثامن فبراير سنة 1873. # فطرح عليها نوبار باشا، في أول جلساتها، المشروع الذي وضعته الحكومة المصرية ~~وشرحه شرحا وافيا في مذكرة قدمها لكل من المندوبين ومعها قائمة ببيان أنواع ~~التجاوزات المطلوب ترك الحكم الجزائي فيها للمحاكم الجديدة. # فدار الكلام على كيفية وجوب السير في فحصها، وهل يقتضي تعيينها، تجاوزا تجاوزا، ~~أم يفضل تعيينها، فئة فئة؛ وأية سلطة تكون مختصة بالنظر فيما قد لا يذكر منها: ~~المحاكم الجديدة، أم القنصليات؛ فأظهر المسيو تريكو، منذ ذلك الحين، من الخشونة في ~~المباحث، عملا بالتعليمات الواردة إلى سفارة فرنسا بالأستانة من وزير الخارجية ~~الفرنساوية، ما تمتعض له النفوس لدى اطلاعها عليه؛ تلك الخشونة بلغت درجة الوقاحة ~~في الجلسة التالية، وزاد في سماجتها ما بدا من شكل تعنت صاحبها فيها. # على أن الرئيس طلب إلى كل من المندوبين إبداء رأيه في المذكرة ذات قائمة ~~التجاوزات التي سلمت إليهم، فكان السنيور چاكوني أولهم تكلما، وأهم ما يستوقف ~~اليوم الانتباه في أقواله ما ورد فيها من أن الغرض الذي يرمي إليه نوبار باشا من ~~الإصلاح القضائي إنما هو توحيد العنصرين الأجنبي والأهلي بمصر؛ وأنه هو، چاكوني، ~~على أمله في أن هذا التوحيد سيتم يوما ما، لا يرى أن الوقت المناسب لذلك قد حان؛ ~~بل يرى أفضلية بقاء العنصرين منفصلين الواحد عن الآخر، لأسباب أبداها؛ أوجهها قلة ~~ثقتهما المتبادلة. # وتلاه المسيو هتروڨو؛ فطلب وضع قائمة أعمال لكل جلسة حتى تسهل المناقشة؛ وأيده ~~المسيو تريكو في طلبه. # فوضعت في الحال؛ ودارت المناقشة طويلا: # أولا: # في ما هي الجرائم والجنح التي ترتكب ضد رجال القضاء، وهم في حال ~~تأدية وظائفهم في ms375 الجلسات وخارجا عنها؛ وما هي التي ترتكب ضد عمال ~~القضاء في غضون تأديتهم وظائفهم. # ثانيا: # في ما هي الجرائم والجنح التي ترتكب ضد نفاذ الأحكام، وعمال ~~الضبط والربط الذين يحضرون تنفيذها. # ثالثا: # في ما هي الجرائم والجنح التي ترتكب من رجال القضاء وعماله - وهم ~~يؤدون وظائفهم - أو ترتكب منهم كنتيجة تجاوزهم في تأدية وظائفهم، ~~فوفي البحث في البابين الأولين؛ وأجلت بقية البحث في الباب الثالث ~~إلى الجلسة التالية. # وفي الجلسة التالية، بعد أن دحض نوبار باشا زعما زعمه الهرجلت، وأيده فيه المسيو ~~هتروڨو بوجوب حفظ النظر في جزاء من يقتل أحد رجال القضاء العتيد، للقنصليات، استؤنف ~~البحث في الباب الثالث السابق ذكره، ووفي؛ ثم انتقلت اللجنة إلى فحص ماهية ~~الضمانات التي تقترح الحكومة المصرية تقديمها، ليطمئن الغربيون ويسكنوا إليها، ~~فتناقشت طويلا في الموضوع، وأهم ما يستلفت اليوم النظر في تلك المناقشة ~~أمران: ~~(الأول): تشدد نوبار باشا في أن يكون للأهالي نصيب في العضوية، سواء أكان في لجان ~~المحلفين، أم في محكمتي الجنح والجنايات؛ وتشدد المسيو تريكو في أن لا يكون لهم ذلك ~~النصيب مطلقا، وإغراقه في هذا التشدد إلى حد إعلان أن عدم وجود العنصر الأهلي في ~~جميع الهيئات القضائية الجزائية شرط لا يمكن لدولته أن توافق بدونه على جعل المحاكم ~~الجديدة مختصة بالنظر في ذات التجاوزات الجزائية الجزئية المطلوب اختصاصها فيها؛ ~~كما أنها ترى هذا الرأي أيضا فيما لو رفضت الحكومة المصرية إعطاء الضمانات ~~المطلوبة منها كافة. # و(الثاني): حيرة المندوبين في الذي يجب عمله إذا رأت قنصلية ما أن التهمة الموجهة ~~إلى متهم غير داخلة ضمن الجرائم أو الجنح المفوض الحكم فيها إلى المحاكم الجديدة؛ ~~وانغلاق عقول أولئك الرجال الأفاضل دون الإيضاح الجلي البين المقدم من الموسيو ~~مونوري في الموضوع، ولولا أنه يجب على المؤرخ أن يراعي عقلية كل جيل لإبداء حكمه ~~عليه، وأن العقلية الغربية في تلك الأيام كانت متأثرة بقلة الثقة في عدالة الشرق ~~والشرقيين، تأثرا بليغا، ومشغولة بمخاوف كبيرة من تداخل الإدارة المصرية في شئون ~~القضاء ms376 المختلط - مع أنه لم يكن من مسوغ لانشغالها - لحكمنا على أولئك المندوبين ~~بالغباوة المطبقة، وعلى مداولاتهم بالهتر الكلي، وانقضت هذه الجلسة الثالثة، بعد ~~تعيين لجنة لتحرير الاقتراحات التي تقرها الحكومة المصرية، والاقتراحات التي ~~ترفضها. # وفي الجلسة الرابعة أعلن المسيو مونوري أن الحكومة المصرية أقرت ذات الاقتراحات ~~التي كانت رفضتها سابقا بعد إدخال بضعة تعديلات عليها بموافقة أعضاء اللجنة، ~~فتمكنت اللجنة، بذلك، من وضع بيان بالضمانات المطلوبة والمعطاة كلها، ثم قرأ ما ~~حررته اللجنة، وهو الذي نراه اليوم في القانون المختلط، في باب اختصاص المحاكم، ~~وباب التحقيقات الجزائية والتنفيذ. # فوافق المندوبون عليه؛ وقرر توزيع نسخة منه على كل مندوب ليبدي، بعد فحصه، ~~الملحوظات التي يرى إبداءها بشأنه؛ وكلف الرئيس حضرات المندوبين تريكو وچانسن ~~ومونوري بتجهيز مشروع تقرير عام، يكون عمل اللجنة قاعدته. # وفي الجلسة الخامسة أراد المسيو هيتروڨو الرجوع عما تم، فعدل السير فيليب فرنسيس ~~ونوبار باشا رأيه؛ وبعد ملاحظة أبادها المسيو كين على ذكر اختصاص المحاكم بالنظر في ~~المخالفات البسيطة، وسحبها حالا، عقب شرح أبداه المسيو تريكو والمسيو مونوري ~~والسنيور چياكوني، وتأكيد صدر من نوبار باشا بأنه ما دامت الدول قد صدقت على ذلك ~~الاختصاص، لما صدقت على الإصلاح القضائي المدني، فلا يهمه أتذكر المخالفات أم لا ~~تذكر في الموضوع الذين هم في صدده، أقبل المندوبون يفحصون تقرير اللجنة، بندا ~~بندا، فأدى فحصهم إلى مناقشة هامة فيمن يصح ومن لا يصح قبول شهادته من الشهود؛ ~~وانتهى بهم الأمر إلى تقرير المادة الموجودة الآن في القانون الخاصة بمن يجوز رده ~~من الشهود؛ وذلك بالرغم من اعتبارات في منتهى الوجاهة، أبداها السير فيليب فرنسيس ~~تأييدا لمبدأه القائل بجواز سماع شهادة الأهل والأقارب، وعلى ذلك ارفض ~~الاجتماع. # وفي الجلسة السادسة استؤنف فحص تقرير اللجنة، فأعاد المسيو هيتروڨو البحث في ~~احتمال تعدي المحاكم الجديدة، في تحقيقاتها الجنائية، على حقوق القنصليات، فأدى ذلك ~~إلى مناقشة، نجم عنها النص الخاص الموجود في القانون المختلط، المحظر على قاضي ~~التحقيق بالمحاكم المختلطة التداخل في تحقيق الجنايات والجنح العادية؛ ms377 وصدق، فيما ~~عدا هذا، على تقرير اللجنة، ثم تلى مشروع التقرير العام الذي كلف بوضعه المندوبان ~~تريكو وچانس بمساعدة المسيو مونوري؛ وارفض الاجتماع. # وعقد المندوبون، بعده، اجتماعا أخيرا في 15 فبراير سنة 1873 صادقوا فيه على ~~محاضر الجلسات الست، وعلى التقرير العام، ووقعوه، ثم شكروا الرئيس، السير فيليب ~~فرنسيس، عملا باقتراح المسيو تريكو؛ ورفعوا تقريرهم العام إلى سفراء دولهم لدى ~~الباب العالي، فأرسله السفراء إلى حكوماتهم، وأرفقوا به اللائحة النهائية التامة ~~التي وضعها نوبار باشا عقب تلك المداولات لترتيب القضاء المختلط. # فصادقت على الإصلاح نهائيا: بريطانيا العظمى في 26 مايو، وإيطاليا في 19 يونية ~~سنة 1873؛ ومع أن مدير شركة ترعة السويس بعث إلى وزير الخارجية الفرنساوية كتابا ~~بتاريخ 18 مارس سنة 1873 يرجوه فيه، باسم الشركة ومصالحها، واسم المائتي ألف أجنبي ~~الموجودين في القطر، بالمساعدة على إنهاء المخابرات، وتأسيس القضاء المختلط بالقطر، ~~رحمة بمصالح الجميع، أبت فرنسا إلا خلق عراقيل جديدة، بشأن اختصاص المحاكم العتيدة ~~في النظر في التفليسات - لزعمها أن التفليسات داخلة في نظام الأحوال الشخصية، ~~المحظر على تلك المحاكم النظر فيه - وبشأن كيفية تعيين رجال القضاء. # فاضطر نوبار إلى دحض زعمها الخاص بالإفلاس بكتاب فصيح تاريخه أول أبريل سنة 1873؛ ~~ولكنها أصرت عليه؛ وفاتحت في الشأن الحكومات الأخرى، فمالت النمسا والروسيا إلى سحب ~~بعض ما سلم به مندوباهما في الأستانة؛ ونجم عن ذلك صعوبات وعراقيل جديدة، رأى ~~الخديو معها أن يبعث إلى نوبار باشا بالامتناع عن إجراء أي عمل في شأنها، حتى يقدم ~~سموه إلى الأستانة بنفسه. # ثم سافر إليها سفرته الشهيرة في يونية سنة 1873؛ وأقام هناك الإقامة التي رأيناه ~~ينال في خلالها كل ما أراد نيله من مراميه؛ وأهمها التصريح له بسن جميع القوانين ~~واللوائح الداخلية، التي يراها صالحة للبلاد ولازمة لها، فكان ذلك بمثابة مصادقة ~~رسمية صريحة من لدن السلطنة العثمانية على القوانين المختلطة التي وضعتها الحكومة ~~المصرية وكانت لا تزال شبهة، في موافقة الحكومة العثمانية عليها، معلقة في أذهان ~~الدوائر السياسية الغربية، في الأستانة وأوروبا، بسبب ms378 الإبهام والغموض الواردين في ~~ترجمة الكتاب المرسل من الصدر الأعظم إلى الخديو بتاريخ 13 جمادى الأولى سنة ~~1289 / 19 يولية سنة 1872 من التركية إلى الفرنساوية. # ولكن الصعوبات التي أنشأتها الحكومة الفرنساوية بشأن دعاوى الإفلاس ما فتئت، ~~بالرغم من ذلك، قائمة؛ والمفاوضات التي أوجبتها بين الدول سائرة، وبلغ النزاع أشده ~~بين الحكومتين المصرية والفرنساوية في شهر نوفمبر سنة 1873، إذ جاهر نوبار باشا ~~للقنصل الفرنساوي العام بالقطر المصري بعدم تمكن حكومة الخديو من تغيير شيء مطلقا ~~فيما أقره مندوبو الدول، وصدق معظمها عليه في شأن قضايا الإفلاس. # وربما كان السبب الذي حمل نوبار باشا على المجاهرة بذلك القول أخبار السوء ~~المبالغ فيها، الواردة عن فرنسا في الجرائد الأجنبية، والتي جعلت القوم بمصر ~~يعتقدون ذلك البلد ممزقا تمزيقا على أيدي الأحزاب القائمة فيه عقب انخذال فرنسا ~~في الحرب السبعينية. # فما كان من القنصل الفرنساوي إلا أن أجاب على قول نوبار باشا «بأن مصر هي الراغبة ~~في إجراء الإصلاح القضائي، لا فرنسا؛ وأن هذه الدولة إزاء ذلك الرفض لا ترى سوى ~~الامتناع عن المخابرات، حتى تأتيها خارجية مصر باقتراحات يمكنها قبولها». # فلما علمت نتيجة تصويت 20 نوفمبر سنة 1873، وتأكيد الملأ من قيام حكومة منظمة ~~بفرنسا، عاد نوبار إلى مخابراته؛ وحاول الاتفاق مع المعتمد الفرنساوي على تعديل ~~يوفق بين طلبات الفريقين، ومع تمسك المعتمد الفرنساوي بالتعليمات الواردة إليه من ~~الخارجية الفرنساوية، رأى من الواجب عليه تفهيم تلك الوزارة بأن البقاء على الحال ~~القضائية المعمول بها في ذلك الحين أمر محال وضار، الضرر كله، بالمصالح الفرنساوية ~~ذاتها؛ لأنها حال فوضى حقيقية. # وكانت حكومتا النمسا والولايات المتحدة قد اقتدتا، في الأثناء، بحكومتي إنجلترا ~~وإيطاليا؛ وصادقتا على آخر لائحة وضعت لتنظيم المحاكم الجديدة، مشترطتين موافقة ~~مجلس نوابهما عليها؛ واتبعتهما، بعد قليل، الحكومة الألمانية أيضا في أبريل سنة ~~1874؛ كذلك كانت عقول الجالية التجارية الفرنساوية بدأت تتفتق إلى فهم المضار ~~الناجمة للمصالح الفرنساوية عن استمرار حكومة ڨرسايل معارضة في الإصلاح، ومنفردة في ~~عنادها عن باقي الدول؛ فلم يحجم المعتمد ms379 الفرنساوي عن إعلام رئيسه، وزير الخارجية، ~~بذلك، بل إنه أرسل إليه في 25 يناير سنة 1874 عريضة مؤرخة 15 يناير عينه قدمها إليه ~~نائبا الأمة الفرنساوية بمصر، المسيو موسو، والبارون ديلور دي جلئون، موقعة منهما ~~ومن عدة فرنساويين مشتغلين في مشروعات أشغال عمومية هامة، يلتمسون فيها بإلحاح ~~موافقة الحكومة الفرنساوية، السريعة، على الإصلاح، لئلا تتعطل مصالحهم ومصالح باقي ~~أفراد الجالية. # فإزاء ذلك جميعه، رأى وزير الخارجية الفرنساوية، قبل الإقلاع عن خطته والانضمام ~~إلى الدول المصادقة، أن يعين بالاتفاق مع زميله، وزير العدلية، لجنة خصوصية لفحص ~~الموضوع تحت رياسة المسيو ڨنت، وكيل وزارة العدلية هذه، فعينت؛ وبعد أن باشرت ~~عملها، وقامت بمهمتها قياما دقيقا، رفعت في يونيه سنة 1874 إلى وزير الخارجية ~~الفرنساوية تقريرا بليغا يعبر عن رأي ثمانية من أعضائها التسعة، ويشير على ~~الحكومة الفرنساوية بقبول الإصلاح القضائي، في الحال التي وصل إليها، أسوة بباقي ~~الدول، واجتنابا لبقاء فرنسا وحيدة في مضمار، المضار فيه كثيرة وكبيرة، والفائدة ~~معدومة. # ولكن بالرغم من ذلك، وبالرغم من أن الخديو - لاعتقاده أن الطريق مهدت نهائيا، ~~وأن تشغيل المحاكم الإصلاحية بات مستطاعا - أقبل يخاطب بعض الدول في شأن القضاة ~~اللازمين لها، وطلب إلى حكومة إيطاليا إرسال الكاڨالييرچيا كوني ليكون المستشار ~~الإيطالي في محكمة الاستئناف العتيدة، استمرت الحكومة الفرنساوية على مخاوفها، وعلى ~~معارضتها في أمر التفليسات، وأضافت إلى ذلك تشددا في تعيين قاضيين من جنسيات الدول ~~السبع، الممثلة في لجنة القاهرة سنة 1869 لدى محاكم أول درجة، عدا المستشار المرغوب ~~في تعيينه، من جنسية كل منها، في محكمة الاستئناف، وإن لم يمكن، فتعيين فرنساويين ~~عضوين في النيابة العمومية. # فرأى الخديو، عملا بنصيحة السنيور چياكوني الذي كان قد قدم القطر في شهر يولية ~~من السنة عينها، أن يلغي النص الخاص بالتفليسات من لائحة ترتيب المحاكم وقائمة ~~اختصاصاتها، لكي يجرد المعارضة الفرنساوية من سلاحها؛ وأن يجيب الحكومة الفرنساوية ~~إلى مطالبها المشتركة مع مطالب الحكومة النمساوية، وأعني بها: بقاء القناصل ~~وأتباعهم خارجين عن دائرة اختصاص المحاكم الجديدة، وكذلك معاهد ms380 العبادة والعلم؛ ~~والفصل في القضايا القائمة، قبل استتباب تلك المحاكم، بطريقة استثنائية يتفق عليها ~~فيما بعد؛ وجلوس قاض أو مستشار من جنسية المدعى عليه دائما في الجلسات التي تنظر ~~قضيته أمامها؛ ولكنه، مع وعده بزيادة عدد القضاة الفرنساويين، فيما لو أنشئت دوائر ~~جديدة في المحاكم العتيدة، خلاف المنشأة بموجب لائحة الترتيب، رأى نفسه مضطرا إلى ~~عدم إجابة الحكومة الفرنساوية إلى طلبها، المقصود منه تعيين قاضيين تابعين للدول ~~السبع المذكورة في محاكم أول درجة. # فرفع المعتمد الفرنساوي إلى وزارة الخارجية، بڨرسايل، المذكرة المرسلة إليه من ~~شريف باشا، والمبين فيها كل ما قبل الخديو به حسما للنزاع؛ ونصحه مرة أخرى ~~بالإقلاع عن المعارضة، وقبول الإصلاح، فأجاب الوزير بالمصادقة على ما ورد في مذكرة ~~شريف باشا، ووعد بعرض ما جاء فيها ولائحة ترتيب المحاكم الإصلاحية على الجمعية ~~الأهلية العمومية حالما تجتمع لتصدق عليهما معا، فأمضى المعتمد الفرنساوي مع شريف ~~باشا في 10 نوفمبر سنة 1874 محضرا ذكرت فيه التعديلات المتفق والمصادق عليها؛ ~~وأرسله، ممهورا بإمضائه وإمضاء الوزير المصري، إلى الخارجية الفرنساوية، فأعلمت ~~هذه الوزارة، بما جاء فيه ، عموم المعتمدين الفرنساويين، بمنشور أرسلته إليهم؛ ~~وأبلغت الحكومة الفرنساوية الحكومة المصرية في ديسمبر سنة 1874 مصادقتها على مشروع ~~الإصلاح القضائي، مؤقتا، حتى ترى الجمعية العمومية الأهلية رأيها فيه. # ولكنها عادت، بعد ذلك بقليل، وفتحت باب مشكلة جديدة بخصوص مقاصد الحكومة المصرية ~~الاحتمالية في أن ترفع إلى المحاكم العتيدة ما قد يشجر من منازعات بينها وبين أعضاء ~~الجاليات الأجنبية بشأن الرسوم والأموال والضرائب؛ وكلفت معتمدها بالإسكندرية ~~بالحصول على ضمانة أكيدة تقي اتخاذ الخديو تلك المحاكم وسيلة لعسف يوقعه على ~~الغربيين في باب المطالبة بالأموال الأميرية؛ فلم تلتفت الحكومة المصرية إلى هذا ~~التمحك الجديد؛ وأعلن شريف باشا المركيز دي كازو، المعتمد الفرنساوي بالقطر، بأن ~~الخديو، بعد مصادقة برلمانات معظم الدول على الإصلاح القضائي، وحضور معظم القضاة ~~المعينين للمحاكم الجديدة، لم يعد يرى بدا من إقامة هذه المحاكم؛ وأنه عين يوم 28 ~~يونية سنة 1875 لإجراء تلك الحفلة الرسمية؛ ms381 ويوم 18 أكتوبر التالي لبدء التقاضي ~~أمام الهيئة الإصلاحية الجديدة؛ وأنه يرجو أن الجمعية الأهلية العمومية الفرنساوية ~~تكون قد تمكنت، هي أيضا، قبل تاريخ 28 يونية المذكور، من اعتماد الإصلاح حتى لا ~~تحرم مصر مساعدة أنوار معارف رجال القضاء الفرنساويين، قبل شروع تلك المحاكم ~~بمباشرة أعمالها. # فأعاد وزير الخارجية الفرنساوية الكرة، وطلب من معتمد فرنسا بمصر الضمانة السابق ~~طلبها منه بشأن الأموال والضرائب والرسوم الجمركية، فعادت المفاوضات بشأنها بين هذا ~~المعتمد وشريف باشا، فأكد فيها الوزير المصري بناء على أمر صريح من (إسماعيل) ~~اختصاص المحاكم الجديدة بالنظر في المنازعات التي قد تنجم بين المصالح الأميرية ~~المصرية والأجانب بخصوص الرسوم الجمركية والأموال والضرائب المقررة والتي ستقرر؛ ~~وعزم الحكومة المصرية الأكيد على عدم قبول تداخل القنصليات في ذلك جميعه. # فلما رفع المركيز دي كازو هذا التأكيد إلى الدوك ديكاز، وأعلمه أيضا بتحديد يوم ~~28 يونية سنة 1875 لترتيب المحاكم، سقط الدوك في يده، وامتعض قلبه، وعاودته مخاوفه ~~السابقة، فرأى أن يوقف مصادقة الحكومة الفرنساوية على مشروع الإصلاح القضائي حتى ~~يعيد فحص الاحتياجات التي يتحتم عليه أخذها مبدئيا لئلا تضام المصالح ~~الفرنساوية. # ولكي يصل إلى هذا الغرض بكيفية أكيدة صحيحة رأى أن يستشير في الأمر محكمة إكس ~~الاستئنافية لاعتقاده أنها، بصفتها المحكمة التي تستأنف أمامها أحكام محاكم مصر ~~القنصلية، أدرى الهيئات النظامية كلها بالمصلحة الفرنساوية الحقيقية بالقطر المصري، ~~فانتدبت محكمة إكس لجنة من مستشاريها لفحص الموضوع وتمحيصه وتقديم تقرير ضافي ~~الذيول إليها تبني عليه إجابتها على الوزارة. # فاجتمعت تلك اللجنة وتباحثت؛ ثم كلفت المسيو رولان، أحد أعضائها، بوضع التقرير ~~الذي أدت مباحثها إلى الاتفاق عليه، فوضعه وقدمه إلى المحكمة؛ وإذا به يطعن على ~~المشروع طعنا مرا؛ ويشير بطرحه جانبا، كلية، وعدم العدول عن النظام القضائي ~~القنصلي (17 يونية سنة 1875)؛ وبنى رأيه هذا على السببين الآتيين: # أولا: # أن العداء والخصام القائمين منذ الأزل بين الأجناس الإسلامية ~~والأجناس المسيحية لا يزالان مستمرين على شدتهما الأصلية. # ثانيا: # أن الوحدة بين تلك الأجناس في المدنية والعادات والعقلية ms382 الدينية ~~غير موجودة بتاتا، فلا يحسن، والحالة هذه، تقرير محاكم واحدة لها ~~جميعا؛ لا سيما أن الأسباب التي قضت بإيجاد نظام الامتيازات لا ~~تزال موجودة كما كانت. # 7 # ولما كان هذان السببان لا يخرجان في الحقيقة عن أنهما مجرد تأكيدين، لا حجة ~~تؤيدهما، انبرى رجال فرنساويون عديدون من أرباب التقنين والقانون إلى دحضهما ~~وإبطالهما. # على أن الأمور كانت، أثناء كل هذه المباحث والمفاوضات العقيمة، تجرى مجراها ~~حثيثا: فإن القضاة والمستشارين الواقع اختيار الحكومة المصرية عليهم، كانوا، ~~بموافقة دولهم، قد أموا القطر المصري مقر وظائفهم الجديدة؛ واجتمعوا كلهم، ما عدا ~~الفرنساويين، بالإسكندرية في الثلث الأخير من شهر يونية سنة 1875. # فاستدعاهم الخديو إلى الحفلة الحافلة التي عين لها يوم 28 منه؛ واستدعى إليها ~~أيضا جميع قناصل الدول ومعتمديها ما عدا المعتمد الفرنساوي، فأسرع جمعهم وأم سراي ~~رأس التين رسميا. # فاستقبل شريف باشا وزير الحقانية والتجارة وفودهم، وأكرم وفادتهم؛ ثم سار بهم إلى ~~قاعة الاستقبال الكبرى حيث كان قد سبقهم الأمير (محمد توفيق باشا) ولي العهد ووزير ~~الداخلية، ومنصور باشا صهر الخديو، وإسماعيل صديق باشا وزير المالية، ونخبة من كبار ~~أرباب المناصب العليا، وما انتظم عقدهم فيها إلا ودخل عليهم (إسماعيل) مصحوبا ~~برجال معيته السنية؛ فحياهم ببشاشته المعهودة، ثم خاطبهم قائلا: # يا حضرات السادة، إن تعضيد صاحب الجلالة السلطان الأعظم، مليكي الأكرم، ~~ومضافرة الدول المريدة الخير، يمكناني من إقامة معاهد الإصلاح القضائي، ~~وإجلاس المحاكم الجديدة على منصاتها، وإني لسعيد برؤيتي رجال القضاء ~~المتفوقين الأكارم الذين أكل إليهم بوثوق تام عهده إحقاق الحق مجتمعين ~~حولي؛ فإن المصالح كافة ستجد في أنوار معارفكم طمأنينة كاملة: فتقابل ~~قراراتكم من الجميع بالاحترام والطاعة. إن هذا اليوم أيها السادة سيكون من ~~أيام التاريخ المصري المعدودة؛ ولسوف يعد فاتحة عصر مدنية جديد، وإني ~~لمقتنع أن مستقبل العمل العظيم الذي أنشأناه معا قد أصبح بعون الله تعالى ~~أمرا مضمونا! # فرد شريف باشا على سموه باسم القضاء الجديد وكأنه لسان حاله، فرجا منه أن يقبل ~~تهانئه على عمل الرقي العظيم الذي ms383 تم على يديه، وشعور شكر القضاة الجزيل على الثقة ~~التي تفضل وعهد بمقتضاها إلى إخلاصهم مصالح البلد الكبرى ومستقبله، وأكد له أن ~~الهيئة القضائية المصرية الجديدة تقدر مهمة إحقاق الحق التي عهد سموه بها إلى ~~حكمتها وإخلاصها وشرفها حق قدرها، لاعتبارها إياها ميزة من أهم ميزات سلطته ~~السامية، تفضل وخصها بها؛ وأنها تعد نفسها سعيدة أن مثل هذه الثقة الكريمة النبيلة ~~قد وضعت فيها؛ فتستمد من أفكار سموه الصاعدة الممدنة ما تستعين به على القيام ~~بمأموريتها الرفيعة، القيام الأمثل، مع تقديم عملها الفعال لإنجاح جهوده المثابرة؛ ~~لأنها ستتطلع حتما إلى مجد نقش اسمها على صفحات قلوب الأجيال التالية، بأنها كانت ~~ممن تم على أيديهم العمل العظيم المرتبطة سعادة مصر به، والذي يعتبر بلا ريب من ~~أسنى مفاخر ملك سموه. # ورغم ذلك جميعه استمرت فرنسا على ممانعتها وترددها وامتناعها، وكتب وزير خارجيتها ~~في أول يولية سنة 1875 إلى سفراء فرنسا لدى حكومات ألمانيا وإنجلترا والنمسا ~~وإيطاليا وروسيا يبلغهم الخلاف ذا الشأن الخطير، على زعمه، القائم حديثا بين ~~الحكومة الفرنساوية والحكومة المصرية؛ ويكلفهم باستطلاع آراء تلك الدول في موضوعه، ~~فرأت الحكومات التي خابرها أن يؤجل فتح المحاكم إلى أول يناير سنة 1876؛ وأجاب ~~(إسماعيل) أنه لا يأبى ذلك، فأخطر نوبار باشا المعتمدين الأجانب في 14 أكتوبر سنة ~~1875 بذلك التأجيل المطلوب؛ ورجا أن تتمكن الجمعية الأهلية العمومية الفرنساوية من ~~المصادقة على الإصلاح في غضون المهلة الجديدة. # وفي 13 نوفمبر سنة 1875 رفعت الغرفة التجارية بمرسيليا إلى وزارة الخارجية ~~الفرنساوية عرضا التمست فيه باسم أشهر المحلات التجارية في ذلك الثغر مبادرة ~~الحكومة الفرنساوية إلى المصادقة على مشروع الإصلاح القضائي بمصر؛ وأرفقت بعرضها ~~كتابا طلب تجار مرسيليا إليها رفعه إلى الخارجية وتقريرا إضافيا صادرا من ~~الغرفة التجارية عينها تأييدا لالتماسها، ولكن فرنسا استمرت مع ذلك مقيمة على ~~ترددها. # فلما رأت الحكومة المصرية منها ذلك، ووجدت أن استمرارها على تلك الخطة قد يؤدي ~~إلى تأجيلات ومماطلات جديدة، أنذرتها بأنها ستقرر إقفال محكمتي التجارة الموجودتين ~~بمصر والإسكندرية؛ ms384 فلا يعود للفرنساويين سبيل إلى مقاضاة الأهالي أو الأجانب على ~~السواء في المواد التجارية مطلقا. # ومحكمتا التجارة بمصر والإسكندرية كانتا محكمتين مختصتين بالنظر في القضايا ~~التجارية المرفوعة من الأجانب على الأهالي، وبالعكس، والمرفوعة من أجانب على أجانب ~~غيرهم، وكانت كل منهما مشكلة من رئيس وطني قلما كان يدري شيئا من شئون التجارة أو ~~قوانينها، ومن محلفين وطنيين، ومحلفين أجنبيين لا يدرون شيئا بالمرة من القوانين، ~~ويحكمون في الغالب إما طبقا للبداهة والعادات، إذا كانوا نزهاء، وإما طبقا ~~للأهواء، إذا كانوا ممن تلعب الرشوة بضمائرهم. # وكانت الأحكام الصادرة من إحدى المحكمتين تستأنف أمام الأخرى؛ فتتشكل هذه حينذاك ~~من الرئيس عينه وأربعة محلفين وطنيين، وأربعة محلفين أجانب. # وكان لدى كل محكمة: مترجم وباشكاتب وكتاب ومحضرون معينون كلهم من لدن الحكومة ~~المصرية، ويتقاضون رواتبهم منها متى تقاضوها. كذلك كانت وزارة الحقانية تعين أيضا ~~رئيس كل محكمة من المحكمتين بالراتب الذي تراه. # ولا أدل على قلة مبالاة أولئك الرؤساء بالمهمة المعهودة إليهم مما رويناه عن علي ~~شريف باشا وحصانه فيما سبق؛ كما أنه لا أدل على قلة درايتهم في الغالب من معرفة أن ~~رئيس المحكمة التجارية بالإسكندرية، وقت ترتيب المحاكم المختلطة، كان ديمتري بك ~~بشارة؛ في حين أن مترجمها، في بعض عهده، كان بطرس غالي باشا، الوزير المصري الشهير، ~~الذي قتله الورداني في 20 يناير سنة 1910؛ والفرق بين مدارك الرجلين ومعارفهما ~~وتفتق ذهنيهما كالفرق بين الليل والنهار! وأن سلف ديمتري بك المذكور كان رجلا ~~تركيا يقال له: الألفي بك، يكاد لا يعرف القراءة. # وكان المحلفون في تينك المحكمتين ينتخبون من بين أربعة وعشرن تاجرا بمصر، ومن ~~عدد أكبر من هذا بالإسكندرية، تكتب أسماؤهم في كشف تقدمه المحافظة إلى وزارة ~~الحقانية؛ فتعين هذه اثني عشر منهم محلفين أصليين واثني عشر آخرين نوابا عنهم في ~~حال غيابهم أو اعتذارهم. أما المحلفون الأجانب فكانت الحكومة تنتخبهم من بين عدة من ~~وجهاء تجار الجاليات الغربية، تقدم القنصليات كشوفا بأسمائهم إلى الوزارة ~~عينها. # وهذه هي القاعدة المتبعة الآن في ms385 المحاكم المختلطة في انتخاب المحلفين، سواء ~~أكانوا من الأهالي أم من الأجانب؛ ولا شك في أنها من بقايا النظام القديم، والتعديل ~~الوحيد الذي أدخل عليه هو أن التجار الواردة أسماؤهم في الكشوف هم الذين ينتخبون ~~الآن المحلفين، والمحكمة التجارية المختلطة هي التي تصادق بعد ذلك على انتخابهم، لا ~~الحكومة المصرية كما كان سابقا. # فلما وصل إنذار الحكومة المصرية إلى الخارجية الفرنساوية، وعلمت هذه من جهة أخرى ~~أن امتناع فرنسا عن الموافقة، بعد موافقة باقي الدول، إنما يضر في الحقيقة بفرنسا ~~والمصالح الفرنساوية وحدها دون غيرها، عرضت المسألة على الجمعية العمومية - وكانت ~~لا تزال منعقدة - وطلبت إليها بت الرأي فيها. # فبالرغم من أن بعض الخطباء، من محبي الكلام لبهجته، وجدوا الفرصة سانجة ليغرقوا ~~في إعجابهم بمفاخر فرنسا الماضية، وبما كان لها من الأهمية في المسائل الشرقية على ~~الأخص في أيام فرنسيس الأول ولويس الرابع عشر، وليتذرعوا بذلك الإعجاب إلى الإصرار ~~على رفض المشروع، بالرغم من أن فئة عديدة من نواب الأمة انضمت إلى أولئك الخطباء ~~وقاومت المشروع مقاومة عنيفة، فإن أغلبية الجمعية العمومية رأت في نهاية الأمر وبعد ~~جدال شديد أن تقرر الواقع وتصادق عليه، في أواخر ديسمبر سنة 1875. # فيتضح من تفصيلات ما ذكرنا أن أمر توحيد الشرائع والقوانين والمحاكم ليس من ~~مبتكرات اليوم؛ وأن الحكومة المصرية قد رمت إليه منذ نيف وخمسين عاما، وكادت تبلغ ~~بغيتها منه، بفضل اجتهاد الخديو (إسماعيل) ونوبار باشا وزيره الحكيم لولا معارضة ~~الحكومتين التركية والفرنساوية، وحيلولتهما بينها وبين أمنياتها، وتمكنهما في نهاية ~~الأمر من عدم إدخال الإصلاح إلا مبتورا: الشيء الذي قيد المستقبل في نصف دائرة ~~الفوضى القضائية القديمة؛ وجعل مصر ترزح حتى يومنا هذا تحت ثقل التجاوزات ~~الامتيازية الموجبة حتما ثقل تجاوزات قوانين الأحوال الشخصية. # فلما وافى أول يناير سنة 1876 افتتح رياض باشا - وكانت وزارة الحقانية المصرية قد ~~عهدت إليه - عهد العدالة الجديد في القطر المصري، افتتاحا رسميا حقيقيا، ~~بتقليده قضاة محكمة الإسكندرية الابتدائية المختلطة وظائفهم، تقليدا علنيا، على ~~أن يكون بدء أعمالهم ms386 في أول فبراير التالي، لكي تتمكن الحكومة الفرنساوية في هذه ~~المهلة من الموافقة على القضاة الفرنساويين الذين يختارهم الخديو، ويتمكن هؤلاء من ~~الوصول إلى مقر وظائفهم. # وما وافى الخامس عشر من شهر فبراير سنة 1876 إلا وكان كل القضاة في أماكنهم؛ ~~وأخذت المحاكم الإصلاحية تقيم معالم العدالة على قاعدة القوانين الجديدة. غير أن ~~القضاة الفرنساويين لم يحضروا إلا بعد ذلك ببرهة. # هكذا زالت آخر عقبة من السبيل المؤدي إلى الاستقلال، بزوال سلطة القنصليات ~~الأجنبية المدنية من جانب السلطة المصرية المحلية؛ ولولا تعنت فرنسا وتصلبها، الذي ~~لا مبرر له غير مخاوف سخيفة لا يأبه التاريخ لها، لزالت سلطة القنصليات عينها ~~الجنائية أيضا ولباتت دولها القائمة في جسم دولتنا المصرية في خبر كان منذ نيف ~~وخمسين سنة. # على أننا نستطيع أن نقول بحق إن (إسماعيل) بعد أن أزال سلطة شركة السويس ~~التجاوزية على ضفاف القناة؛ وأبطل حقوقها المثقلة عواهن الحكومة المصرية بمقتضى ~~الامتياز الممنوح من سلفه لتلك الشركة؛ بعد أن غير مجاري الوراثة، من الأرشد ~~فالأرشد في أسرة (محمد علي) إلى الابن البكر فالابن البكر من ذريته؛ بعد أن أبدل ~~صفه «الوالي» الحقيرة، التي كان يشترك فيها مع باقي ولاة الدولة العثمانية بلقب ~~«خديو » الفخيم؛ بعد أن نال جميع الحقوق الملكية المناسبة لذلك اللقب الجديد، والتي ~~أصبح بموجبها مستقلا تمام الاستقلال في بلاده، وحمل الحكومات الأجنبية على اعتماد ~~تلك الحقوق اعتمادا دوليا؛ بعد أن أزال جزءا كبيرا من السلطة التجاوزية ~~التشريعية والتنفيذية التي أوجبها في بلاده نظام الامتيازات الجائر؛ بعد أن نقل ~~الحدود المصرية نحو الجنوب إلى ما يقرب من خمس عشرة درجة، ونحو الغرب والشرق إلى ما ~~يقرب من درجة ونصف - وهو ما سنفصله في الباب الثالث التالي - أصبح محقا في أن ~~يعتبر أن الخطة التي وضعها لنفسه لما ارتقى عرش أبيه وجده قد تحققت؛ وأنه بلغ في ~~أول يوم من سنة 1876 أوج عزه وذروة مجده! # ولكي يكون آخر عمل يعمله في ذلك السبيل الذي وضعه لنفسه مشعرا بحقيقة مراميه، ms387 ~~فإنه، في هذا اليوم عينه؛ أي: أول يناير سنة 1876، أمر باستبدال التاريخ القبطي ~~المعمول به في دوائر الحكومة الرسمية بالتاريخ الغريغوري المعمول به في عموم الدول ~~الغربية المتمدينة؛ كأنه يريد أن يفهم أوروبا وأمريكا معا أن مصر - منذ أن توج ~~الإصلاح القضائي، على الطريقة الغربية، مساعي مليكها الحثيثة غير المنقطعة نحو ~~إقامتها مستقلة في المركز اللائق بها في مصاف الدول - قد أصبحت في الواقع، لا في ~~التعبير المجازي فقط، «قطعة من أوروبا» كما أكد هو نفسه. # الباب الثالث # | تحقيق الشطر الثالث من الخطة المرسومة # أي العمل على النهوض بمصر إلى مصاف الدول العظمى # | إجمال # إن لعظمة الدول ثلاثة مظاهر كبرى أجمعت على حقيقتها أفكار البشر: # المظهر الأول: # القوة المادية، واتساع السلطان بالفتوح والاستعمار. # المظهر الثاني: # أبهة الملك وجلاله، لا سيما في المواسم والأعياد. # المظهر الثالث: # العناية بالعلوم، ورفع شأنها وشأن القائمين برفع منارها، وتوسيع ~~دائرتها. ~~(فإسماعيل)، لكي يدرك غرضه الثالث، وأعني به إقامة مصر في مصاف الدول العظمى، ~~لم يفتر لحظة، منذ أن جلس على العرش إلى أن أحاطت به المصاعب المالية، عن بذل أقصى ~~جهوده في سبيل جعل بلاده تتجلى في ثياب تلك المظاهر الثلاثة، وتتحلى بحقيقتها، وهو ~~ما سنبينه مفصلا في الفصول التالية. # الفصل الأول # | القوة المادية واتساع السلطان بالفتح والاستعمار1 # أيقنت أني ذو حفاظ ماجد # من نسل أملاك ذوي أتواج # جحدر بن ربيعة # أمام مصر - إذا ابتغت فخار الفتوح ومجد السلاح - ميدانان: الميدان الشرقي، من ~~شماليه إلى جنوبيه، والميدان الجنوبي، من شرقيه إلى غربيه، فيمكنها تسيير أعلامها ~~نحو بلاد فلسطين، واليهودية، وفينقية، والجليل، وسوريا، وتتجاوزها زحفا: إما إلى ~~ما وراء جبال طورس من جهة، وإما إلى ما وراء الصحراء السورية من جهة أخرى، أو ~~يمكنها أن تصعد بتلك الأعلام مجرى النيل من جهة، وتسير بها منصورة في بلاد النوبة ~~تدوخها من غربيها إلى شرقيها، أو تجتاز بها القلزم من جهة أخرى، وتقيمها خافقة في ~~سماء العز فوق ربى اليمن، وغيرها من البلاد العربية الجديرة بالاستعمار. # وتاريخ أيامها ms388 الماضية العسكرية، كلما اتقدت روح الفتح في صدور فراعنتها أو ~~أمرائها أو خلفائها أو ملوكها وسلاطينها، إنما هو عبارة عن وثبها بجحافلها، ~~وكتائبها وكراديسها إلى أحد ذينك الميدانين، أو إلى كليهما معا. # فبينما الأسرة الثانية عشرة الفرعونية - وهي بلا مكابرة خير أسرة جلست على العرش ~~المصري القديم - وجهت وجهها على الأخص شطر الميدان الشرقي، وأقامت مظال سلطانها ~~على فيافي شبه جزيرة سيناء وربوع فلسطين، قد تناولت مطامع الأسرة الثامنة عشرة ~~المجيدة الميدانين معا، وسار فراعنتها؛ لا سيما (حاتاسو) - سميراميس وادي النيل - ~~وطوطمس الثالث - إسكندر الأيام المصرية القديمة ونابوليونها - بجحافلهم المنصورة، ~~تارة إلى ضفاف نهري الفرات والسدنس شمالا، وإلى اليمن السعيدة وبلاد حضرموت ~~جنوبا، وطورا إلى أعماق النوبة، وما وراء الشلال الرابع. بل إن طوطمس الثالث لم ~~يهب الفيافي الليبيبة، وولج بجنوده البواسل الميدان الغربي المخيف، وأخضع لسلطان ~~أحكامه الحكيمة الأمم الوحشية القاطنة ما وراء تلك البيد بقدر ما كان يمكن في تلك ~~الأيام، إخضاع قبائل تنتقل بخيامها ومظالها في شاسع أرجاء الصحاري الأفريقية ~~لسلطة منظمة. # واقتفى فراعنة الأسرتين التاسعة عشرة والعشرين خطوات أسلافهم الأماجد؛ فحارب ~~إمزيس الثاني على ضفاف نهر العاصي (الأورنتيس) وفي ضواحي حلب، وقاتل رامزيس الثالث ~~تحت قلاع رفح تارة، وأخرى عند خليج السلوم. # على أن عواهل مصر القدماء كانوا إلى التوسع في الميدان الشرقي أميل منهم إلى ~~التوسع في الميدان الجنوبي: إما لأن البلاد الشرقية كانت معروفة لديهم أكثر من ~~البلاد الجنوبية، وكانوا يعتقدونها أكثر من هذه ثروة وخيرات، وإما لأنهم - لتوقعهم ~~منها شرا، لا سيما بعد غزوات شعوبها المختلفة التي قلبت السلطنة المصرية القديمة ~~رأسا على عقب، وعادت فأغارت على الوادي الخصيب، وقوضت معالم الإمبراطورية ~~المصرية الوسطى، وأقامت على عرش فراعنتها الأماجد الأسرتين الهكسوسيتين الخامسة ~~عشرة والسادسة عشرة - كانوا يرون الحرب الهجومية خير أنواع الحرب الدفاعية، وأجداها ~~فائدة، وإما لأن بلاد الجنوب، بعد تزوج أحمس «المخلص» من الأميرة نفرتاري النوبية ~~الجميلة، وريثة عرش نپاته، وانضمام بلادها إلى بلاد التاج المصري، وتلقب ابنها ~~وولي عهدها «بأمير كوس» ms389 - وهو اللقب الذي أصبح ولي عهد الفرعونية المصرية يختص ~~دائما به منذ ذلك الحين، كما اختص بلقب «أمير ويلز» ولي عهد المملكة الإنجليزية ~~منذ أن ضم إدورد الأول البريطاني إمارة ويلز إلى أملاك عرشه - باتت معتبرة عضوا في ~~الإمبراطورية المصرية، وجزءا متمما لكيانها، ولو أنها أنجبت فيما بعد ملوكا ~~أصلهم مصري أغاروا على قطر أجدادهم وجلسوا على عرش عواهلهم. # لذلك، حينما استتبت أقدام الأسرة السادسة والعشرين على عرش القطرين، واتقدت روح ~~الفتح في صدور أكابر فراعنتها، هب نيخاؤ إلى الاكتساح في الميدان الشرقي، بالرغم ~~من أن رحلة عمارته المصرية الفينيقية حول القارة الأفريقية، واشتطاطها سواحلها ~~كافة، من القلزم إلى رأس العشم بالخير، فإلي بوغاز جبل طارق أو «عمد هرقل» - كما ~~كان يدعى ذلك البوغاز في تلك الأيام - فإلى ثغر پلوزا (الفرما)، كان من شأنها أن ~~تفتح أمام مطامعه ميدانا يشبع اتساعه الشاسع كل جوع إلى الفتح ومجده، والاستعمار ~~وفخره. # ولما آل العرش المصري إلى البطالسة، فإنما كان الميدان الشرقي مطمح أنظارهم ومجال ~~جهودهم، وإنما كانت كتائبهم تسير إلى بطاحه لتبارز كتائب ملوك سوريا وغيرها. # كذلك كان ذلك الميدان عينه، بالرغم من وعورته، محط رحال فروسية الطولونيين ~~المجيدين أحمد وخمارويه، والإخشيد، والفاطميين الساطعي الشهرة المعز والعزيز، ~~ومن حذا حذوهما من خلفائهما، وصلاح الدين الأيوبي، البطل الأجل والسلطان الأكمل، ~~وكبار أبطال السلاطين المماليك المصريين، من قطز وبيبرس البندقداري وقلاوون ~~والناصر، إلى برقوق وبرسباي وقايتباي والغوري المنكود الحظ. # على أن الظلام الدامس الذي انسدلت سدوله على أقطار الميدان الجنوبي، منذ أن أضاعت ~~مصرنا الأسيفة استقلالها على يد ذلك الظالم المجنون قمبيز الفارسي، كان يبرر إلى ~~حد ما انصراف همم الجالسين على عرشها عن انتشارها فيه، لا سيما بعد أن ذاعت عنه ~~الأنباء الخرافية التي روجها كتاب العرب وغيرهم، والتي جعلت المخيلات تتصوره أسود ~~من الناس القاطنين فيه، ومفعما أهوالا تتضاءل أمامها أهوال «بحر الظلمات» ~~الشهير. # ولما أرادت العناية الإلهية أن يئول زمام القطر المصري إلى يد (محمد علي) ~~القديرة، وفتحت همة هذا النابغة ms390 المتفوق وعزيمته آفاق آمال جديدة أمام البلاد، ~~فإن الجهود المصرية وجهت شطر الميدان الشرقي أولا، وسارت فيالق الفاتح الجديد ~~تحت إمرة ولده طوسون، فإمرة ولده (إبراهيم) الهمام إلى البلاد العربية ترغم أنوف ~~الوهابيين، وتحني جباههم أمام الجالس على عرش الأستانة. ولولا أنه تواترت الإشاعات ~~عن وجود مناجم ذهب في مجاهل السودان لما فكر (محمد علي) في فتح أصقاعه، ولما شغل ~~نفسه في تجهيز الحملات إليها، بالرغم من نزوح بقايا الأمراء المماليك الذين قضى ~~عليهم إلى إقليم دنقلا، ورغبته في اجتثاث جرثومتهم ومحق أثرهم. # ومع ذلك، فإنه هو أيضا حينما اتضح له أن حكاية مناجم الذهب «حديث خرافة يا أم ~~عمرو» حول مطامعه عن الميدان الجنوبي بالمرة، وأخذ يشرئب بها إلى ظروف تمكنه من ~~تسيير ألويته إلى الميدان الشرقي المعتاد. # ولا غرو؛ فرجل مثله مغرم بالمجد والشهرة، رغاب في أن تتحدث بسيرته الركبان ~~والألسنة، متحمس للإسكندر القائل وهو على ضفاف الهندس: «ألا كم أقاسي، لكي تمدحوني ~~أيها الأثينيون!» وللبطالسة، المذكرته بمجدهم جزيرة فارو المتقدمة في البحر، شرقي ~~سراية براس التين، رجل مثله، كثير الكلام عنهم، كأن مواطنته لهم توجب شيئا من ~~القرابة والنسب بينهم وبينه، حتى لقد يروى عنه أنه سمع مرة بعضهم يحكي قصة عن ~~المكدوني العظيم تأخذ بمجامع الانتباه والالتفات، فهتف بخيلاء قائلا: «وأنا أيضا ~~من فيلپي!» # 2 # أي من بلد الإسكندر، رجل مثله يفتخر بأنه ولد في ذات السنة التي ولد ~~نابليون فيها، ويتلذذ جدا لدى سماعه الغربيين يشبهونه به ويلقبونه «نابوليون ~~الشرق»، رجل مثله نرانا - إذا سلمنا بمبدأ القائلين بتعدد الأعمار، وعود الإنسان ~~بعد موته مرارا عديدة إلى الوجود الأرضي حتى يبلغ درجة الكمال، فينتقل حينئذ بدون ~~رجعة أرضية إلى عالم أرقى من عالمنا هذا، وهو مبدأ البوذيين - نميل إلى التسليم ~~فعلا بأنه قد يكون (بطليمس صوطر) أو (بطليمس فيلاذلفس) المجيدين، لأن ملكه كملكهما ~~أعاد الحياة إلى مصر، واختط لها سبيل وجود جديد، ولأنه تحلى مثل كل منهما بمزايا ~~رجولية باهرة، لا بد لها من جعل اسمه ms391 ممجدا كاسميهما على ممر الدهور، رجل مثله ~~لم يكن ليرضيه إلا أن يسير أعلامه حيث سير أولئك الأماجد أعلامهم، وأن يجعل ~~بلاد السود دون غيرها موطنا لشهرته، ومجالا لأعماله، فيهمل الميدان الشرقي الذي ~~كان لا بد لفعاله فيه من الدوي في آذان عموم العالم المتمدين، وحمل أقوامه، مانحي ~~الشهرة، وضافري أكاليل المجد الأبدية، وحدهم، على التحدث بها، وتعطير صفحات التاريخ ~~المستقبل بشذا تكبيرهم إياها، وتعظيمهم البطل الذي تمت على يديه. # فمع استمراره على الرغبة في الجنوب، ليتخذ على الأخص من سوده جنودا للجيش الذي ~~شرع ينشئه على النظام الأوروبي، لم يعر ميدانه أهمية كثيرة، وإنما أبقاه في قبضة ~~يده؛ لأنه كان من طبيعته ضنينا بملك آل إليها أن ينفلت منها. ولم يكن اهتمام ~~خليفتيه (عباس) و(سعيد) بذلك الميدان أكثر من اهتمامه، بل إن (سعيدا) - على ما ~~رأينا - فكر وقتا ما بالتخلي عنه بالكلية. # فلما آل الأمر إلى (إسماعيل)، وكان قد عرف شيئا عن السودان أيام أن أخمد - وهو ~~ولي العهد، وسردار الجيش المصري - الثورة التي أهاجتها بعض قبائل عربية على حدوده، ~~نظر إلى الميدان الجنوبي بغير العين التي كان جميع أسلافه ينظرون إليه بها، وأدرك ~~في الحال ما لم يدركه جده العظيم والفراعنة الكبار قبله، أنه الميدان الحقيقي الذي ~~يحسن بمصر أن تنشر فيه جهودها الفاتحة الممدنة؛ لأنه الميدان الوحيد الذي لا ~~يزاحمها أحد عليه، بل الميدان الوحيد المحتاج إلى عمل من الخارج يزيح عنه سدول ~~الجهل والوحشية، وينشر فوقه أعلام العرفان والعمران. # فأجال نظره في أطرافه الشاسعة المترامية، وشخص مليا إلى بقاعه المتعددة ~~المختلفة، الكثيرة الخيرات بالرغم من الفوضى السائدة عليها، المنتظرة الاستعمار، ~~والطالبة النظام، لتزيد تلك الخيرات مائة ضعف، وتأمل فيما قد تئول إليه مصر من عز ~~وسؤدد لو أتيح لها أن تتوغل، بحدودها الجنوبية، إلى الجنوب تباعا، وتمد ظل ~~سلطانها بالتدريج من غربي ذلك الميدان إلى شرقيه، متقدمة ومصباح المدنية والعمران ~~في يديها، فتقيم سلطنة عظيمة، تمتد من البحر الأبيض إلى خط الاستواء، ومن بحر ~~القلزم إلى ms392 أقصى متاخمات الصحراء، سلطنة تتضاءل أمام اتساعها الذي لا حد له نفس ~~الممالك العثمانية الشاهانية، ولا تضارعها فيه إلا دول معدودة على سطح البسيطة. # 3 # فوقع في خلده في الحال وجوب العمل على تحقيق هذه الأمنية الجلى، للفوز بمجد فذ ~~لا يشاركه أحد فيه، ولرفع منار مصره، بصفتها ممدنة الجنوب أجمع، فوق منار كل دولة ~~شرقية سواها، ومتى تحققت تلك الأمنية تماما، وأصبحت الخديوية المصرية ثابتة ~~الأركان، من شمالي القارة الإفريقية إلى أواسطها، يمتد سلطانها على واحد وثلاثين ~~درجة من خطوط العرض، وعشر درجات من خطوط الطول، من يدري ماذا يمكن لها حينئذ أن ~~تعمل من الأعمال في مسرح العظمة البشرية، وماذا يمكن لها أن تنال من التحقيقات في ~~ميدان آمالها القومية، وماذا يكون مآل علاقاتها بتركيا، الزاعمة حق السيادة ~~عليها؟! # وكان حكمدار عموم السودان حينما ارتقى (إسماعيل) عرش جده موسى باشا حمدي، وهو رجل ~~مشهور، قمع عدة ثورات محلية في كردوفان وتقلى، وسن قوانين جديدة لجمع الضرائب، ~~فأعطى كل فلاح «سركيا» بيده، ليدفع ما جعل عليه من الأموال على ثلاثة أقساط ~~معينة في السنة، فكلما دفع قسطا قيد له في «سركيه»، قيده في يومية الصراف، وجعل من ~~الأهالي نظار أقسام ومعاونين، وأمرهم فلبسوا الملابس العثمانية، فحسنت بذلك الحال، ~~وسهل تحصيل الأموال، فأصبح اسمه معروفا في البلاد، وشخصه محبوبا من العباد، فأنعم ~~(إسماعيل) عليه برتبة فريق، واستدعاه إليه ليوقفه على حال تلك الديار، فذهب موسى ~~باشا إلى مصر في 10 يولية سنة 1863، وأدى واجب الشكر لمولاه على النعمة التي أسبغها ~~عليه، ثم أوقفه على حقيقة حال الجنوب، وعاد مزودا منه بتعليمات إلى الخرطوم، فأخذ ~~يزيد عدد جنده هناك حتى بلغ الثلاثين ألفا من نظامية وباشبوزق، وسار بالبلاد على ~~أحسن نظام، ممهدا السبل لتحقيق مرامي مولاه، جامعا القلوب على حب أحكامه. # وكان على جبال تقلى، في أيام موسى باشا، ملك يقال له «ناصر» اشتهر بالقسوة ~~والوحشية، فكان إذا غضب على شخص وضعه عاريا مكتوفا على حجر محمي حتى يموت. ويحكى ~~أن ms393 صائغا من صاغة الأبيض سمع بقسوته، وهو يذيب فضة على النار، فلما سالت قال: «حق ~~هذا السائل أن يصب في أنف الملك ناصر، جزاء قسوته وظلمه.» فبلغ الخبر الملك ~~ناصرا، فعزم على الإيقاع به، وأركن إلى الحيلة، فأرسل إليه أربع جوار هدية، وسأله ~~أن يحضر مع الرسول إلى الجبل ليصوغ بعض الحلي لنسائه، ووعده بمكافأة جليلة، فذهب ~~الصائغ فأعطاه بعض الفضة والذهب فصاغها له، ثم أعطاه فضة وسأله أن يذيبها على ~~النار، ولما سالت قال له: «أتذكر أنك اشتهيت مرة في الأبيض أن يصب مثل هذا ~~السائل في أنفي؟» فسكت الصائغ وألجم لسانه، فأمر ناصر بعض العبيد فقيدوه، ثم أخذ ~~الفضة وصبها في أنفه وهي محماة، فتورم دماغه، ومات لساعته، ولكنه ما لبث أن وقع ~~خلاف بين ناصر وابن عم له اسمه آدم دبال، ولما كان أهل ناصر قد سئموه لكثرة ظلمه ~~وقسوته، نصروا ابن عمه عليه، ففر بعائلته إلى موسى باشا في الخرطوم، فأرسله إلى ~~(إسماعيل) بمصر. # ووقع في تلك الأثناء، في بادية كردوفان، حرب شديدة بين عربان حمر وقائدهم الشيخ ~~مكي ود المنعم، وبين عربان الكبابيش، وقائدهم الشيخ فضل الله ود سالم، اشتهرت بحرب ~~«العقال»؛ لأن كلا الفريقين جمع رجاله وأولاده إلى ساحة الحرب ، وعقل الإبل، وعول ~~على النصر أو الموت، وتقاتلا طويلا، مستقتلين، فانتصر الحمر، وغنموا نحاس الكبابيش ~~وأموالهم. # وفي أواخر أيام موسى باشا ثار الجهادية السود في كسلا ثورة أدت إلى سفك دماء ~~كثيرة، واستغرقت عدة شهور، وكان السبب فيها سوء إدارة القواد، وتأخرهم عن دفع ~~مرتبات الجند. وتفصيل ذلك أنه كان في استحكام كسلا آلاي فيه نحو أربعة آلاف من ~~الجهادية السود، ومعهم نحو ألف نفر من الباشبوزق الأتراك والشايقية، وكان المدير ~~على البلد إبراهيم أدهم بك، فخطر له في مارس سنة 1865 أن يرسل غزوة على جبال ~~البارية والبازة، فأصدر أمره لأورطة من الجهادية، وبعض الباشبوزق بالتأهب لها، ~~فرفضوا الأمر وقالوا: «لا نسافر حتى نقبض المتأخر من رواتبنا.» فلما بلغ قولهم ~~قومندان الأورطة، واسمه ms394 خطاب أفندي، غضب وقال: «أأصبح للعبيد شأن يعصون به الأمر؟ ~~فوالله لأسوقنهم للغزوة بالسياط.» فازداد السود تصلبا وعنادا، ولما جاء الميعاد ~~المضروب خرجوا من الاستحكام، ووقفوا عند الباب المسمى باب سبدرات «طابورا»، وجمعوا ~~أسلحتهم أمامهم كوما، وأرسلوا يخبرون قومندانهم أنهم لا ينتقلون من مكانهم حتى ~~يقبضوا رواتبهم بتمامها، وإن كان لم يزل ينوي تنفيذ أمره بالسياط - كما قال - ~~فليفعل، فجاءهم خطاب أفندي على جواده، ونادى بهم «سلاح آل»، فهجموا عليه، وأوسعوه ~~شتما وضربا بالعصي، ونساؤهم من ورائهم يشجعنهم ويزغردن لهم، فلجأ خطاب أفندي إلى ~~الفرار، وأخبر المدير بما كان، فاهتم للأمر، وخشي امتداد الثورة إلى الآلاي كله، ~~وكانت الذخيرة بيد ملازم منهم، فأخرجها من يده، وسلمها إلى ضابط من ضباط الباشبوزق ~~الأتراك، وجمع التجار المغاربة وأهل البلد، فسلحهم وضمهم إلى الباشبوزق، وفرقهم على ~~أبراج السور. # أما العصاة فإنهم حملوا سلاحهم، وساروا في وجوههم نحو سبدرات، وكان قومندانهم قد ~~وجه إليها بعض العسكر الباشبوزق بمدفعين، وستين صندوقا ذخيرة محملة على ثلاثين ~~جملا ليتقدموا الغزوة، فأدركهم العصاة في الطريق، واستولوا على الذخيرة والمدفعين ~~بعد أن فتكوا بالعساكر، وضربوا قائدهم السرسواري سعيد أغا أبا فلقة، فأثخنوه وتركوه ~~بين حي وميت، ونزلوا في سبدرات. # فعقد المدير ناديا من الضباط والتجار والأعيان للنظر في أمر الأورطة، فأقروا على ~~أن يرسلوا إليهم رواتبهم المتأخرة، ويتداركوا أمرهم بالتي هي أحسن، حتى تطمئن ~~نفوسهم، ثم ينفذون فيهم رأيهم، ففعلوا. وكان في كسلا إذ ذاك الأستاذ السيد الحسن ~~ابن الأستاذ السيد محمد المرغني، مؤسس الطريقة المرغنية في السودان، فتكفل بالأمر ~~فحملت النقود له، فذهب بها إلى سبدرات، ووزعها على العصاة بالتساوي، فأصاب كل ~~منهم أربعة ريالات، ثم عنفهم على مسلكهم، وطلب إليهم أن يرجعوا إلى كسلا فرضوا على ~~أن يكون غير خطاب أفندي قومندانا عليهم، فعاد الأستاذ إلى كسلا وأخبر المدير بما ~~كان، فأرسل إليهم عثمان بك قائمقام العساكر ليقودهم، ويغزو بهم الجبال، فقابلوه ~~بالطاعة، وساروا معه في الغزوة، فأقاموا فيها ثلاثة أشهر، وعاد بهم إلى ~~كسلا. # وكان المدير ms395 قد كتب في أثناء ذلك إلى اللواء حسن باشا في الخرطوم يخبره بما حدث، ~~فأرسل حسن باشا الميرالاي عليا أبا ودان بك لاستلام قيادة الآلاي، ثم حضر بنفسه ~~على الأثر للنظر في الأمر، فوصل كسلا قبل رجوع الأورطة بشهر. فلما حضرت عقد مجلسا ~~سريا للنظر في أمرها، فاتفق الرأي على أن يوزعوا العساكر على عربان الهدندوة، ~~بحجة جمع الضرائب، ثم يأمروا العربان بالقبض عليهم. فصدر الأمر للأورطة فخرجت إلى ~~الميت كناب بقيادة الميرالاي علي أبو ودان بك، وأمر علي بك ضباطها - وكان أكثرهم من ~~المصريين - بالتفرق بين القبائل لجمع الضرائب، فأدرك العساكر أن في الأمر دسيسة، ~~ورفضوا السفر، ولما أغلظ لهم الضباط في الكلام هجموا عليهم، وقتلوا أكثرهم، ~~وانتشروا في البلدة فنهبوها، وانقلبوا راجعين إلى كسلا. # أما علي أبو ودان بك، فإنه نجا منهم بكل مشقة، وخف إلى كسلا، فوصلها قبلهم، ~~وأخبر اللواء والمدير بما كان. فبعد أن فارقا منزليهما داخل الثكنة، ودخلا ديوان ~~المديرية بعائلتيهما، أخذا يستعدان لملاقاة العصاة. وكان السرسواري سعيد أغا قد ~~شفيت جراحه، فأمراه بالمحافظة على الذخيرة مع عساكره، وجمعا الأسلحة من الأورط ~~الثلاث الباقية في كسلا ووضعاها في الثكنة بدلا من وضعها في خزينة السلاح، وأدخلا ~~الشايقية الباشبوزق داخل السور، وضماهم إلى المغاربة وغيرهم من سكان المدينة، ~~وفرقاهم على الأبراج، وأمراهم بضرب عساكر الأورطة عند وصولها. # وفي صباح 5 يولية سنة 1865 حضرت الأورطة، سائرة بانتظام عسكري، فأمر اللواء ~~والمدير بعدم التعرض لها، ودخلا ديوان المديرية، فتحصنا فيه، فلما اقترب العصاة من ~~باب الجنائن أطلق عليهم البلوكباشي محمد أغا المردلي عيارا ناريا على خلاف ~~الأمر، فقتل منهم شاويشا وقال: «هذا ثأر ابن عمي الذي قتل يوم الثورة عند سلب ~~الذخيرة.» ثم أطلق عيارا ناريا آخر فقتل أومباشيا، فهاج عساكر الأورطة إذ ذاك، ~~ودخلوا القشلاق، وكان فيه الضباط المصريون وعدتهم ستة وعشرون، فقتلوهم عن آخرهم. ~~أما خطاب أفندي فبعد أن قتلوه وضعوا عليه يبيسا وأحرقوه بالنار. # ثم اجتمعت عليهم الأورط الثلاث الباقية، وتعصبت للجنسية ضد الأتراك ms396 والعرب، وكسر ~~رجالها أبواب الغرف التي وضع فيها سلاحهم، فأخذوه، وتحصنوا في الثكنة، وفتحوا فيها ~~المزاغل وقطعوا السابلة، وانتشر أكثرهم في البيوت، ينهبون ويسلبون. # وكان السيد حسن المرغني قد ذهب إلى «سبدرات»، فأرسل إليه المدير يدعوه، فحضر في ~~اليوم التالي (6 يولية) إلى «حلة الخلانقة» غربي «الاستحكام»، وكتب إلى العصاة ~~يسألهم الكف عن الحرب، وسلم الكتاب إلى أحد خلفائه، فرفعه على قصبة، ودخل به ~~الاستحكام، وهو ينادي: «جاءكم كتاب السيد الحسن!» فتلقاه العصاة بالقبول، وكفوا عن ~~الحرب، ثم دخل الأستاذ فهرعوا إليه يقبلون يديه - يا لقوة المؤثرات الأدبية! - ~~وشكوا إليه أمرهم، فوعدهم بالراحة. # ثم ذهب إلى اللواء والمدير وعقد مجلسا للنظر في تسكين الفتنة، فقر الرأي المرة ~~الثانية على استخدام العربان للقبض على السود - وكان رأيا سخيفا! - فجمعوا جموعا ~~كثيرة من خيالة وقرابة من «الهدندوة» و«الخلانقة» وعرب سبدرات والجادين وبني ~~عامر، ووضعوهم في الخاتمية، ثم ذهب السيد الحسن إلى العصاة، وقال لهم: «قد اتفق ~~الرأي على أن تخرجوا من الاستحكام بجميع أمتعتكم، وتذهبوا إلى حيث تشاءون.» # فشعر السود أن في الأمر مكيدة كالتي كيدت لهم في الميت كناب، فأبوا أن يخرجوا إلا ~~إذا أعطي كل منهم 12 طلقة من الذخيرة (الجبخانة)، ليحموا بها أنفسهم إذا غدر بهم، ~~فاتفق رأي الجميع على إجابة طلبهم - وربما رأوا أن في ذلك نجاة لهم من آفتين: آفة ~~السود، وآفة العربان. ولكن سعيد أغا أبا فلقة المولج في حفظ الذخيرة، وصاحب الثار ~~على العصاة، رفض الرأي بتاتا، وقال: «إني لا أعترف بسلطة أحد منكم علي، وأحسب ~~نفسي مسئولا عن الجبخانة عند أفندينا رأسا.» فأجابه المدير واللواء: «إذا نحن لم ~~نعطهم القدر القليل الذي طلبوه من الجبخانة، فلا حيلة لنا في القبض عليهم، بل نخشى ~~أن يهاجموك فيقتلوك أنت ورجالك، ويستولوا على الذخيرة كلها، فبقي أن نختار أهون ~~الشرين، ونعطيهم ما سألوه، ثم ننظر رأينا فيهم.» # قال سعيد أغا: «أأهون الشرين تختارون في تسليمكم جبخانة الحكومة إلى عصاة خونة ~~تمردوا عليها وقتلوا الجم الغفير من رجالها؟ ms397 أفي الدنيا شر أعظم من أن يظهر رجال ~~العسكرية الجبن أمام العبيد أولاد الجواري، فيسلموا لهم بمطالب ما أنزل الله بها من ~~سلطان، ويعطوهم الجبخانة ليستخدموها في حربهم؟ أليس الأجدر بنا أن ندعوهم إلى ~~الطاعة، فإن أبوا حاربناهم حتى نفوز أو نموت مشرفين؟ ومع ذلك فاختاروا أنتم لأنفسكم ~~ما تشاءون، أما أنا فقد اخترت الموت على التسليم بمطالب هؤلاء الأجلاف، وإذا ~~هاجموني في محلي وعجزت عن صدهم فإني أركب برميلا من البارود، وأشعل النار في ~~الجبخانة كلها، فأقتل نفسي ولا أمكنهم من طلقة واحدة منها.» # وبلغ العصاة هذا القول، فتركوا السفر، وانقسموا أربع فرق حسب أجناسهم: الدنكة، ~~والفور، والنوبة، والمولدين؛ فتولى كل فرقة رئيس منهم، وانتشروا في البندر ينهبون ~~ويسلبون، ونزلت فرقة الدنكة على منزل رجل اسمه الحاج أحمد ود عجيب - وكان فيه ~~مطمورة غلة - فقتلوا الحاج أحمد وأخاه، وتقدموا إلى باب المطمورة لإخراج الغلة، ~~وكان للحاج أحمد بنت تسمى آمنة، فلما رأت أباها وعمها مقتولين هان عليها الموت، ~~فأخذت سيفا ووقفت في الباب، فصدتهم عن الدخول، وقتلت خمسة منهم، فتسلقوا السقف ~~ونقبوه ونزلوا إليها، فقتلوها وأخذوا الغلة. # وكان المدير قد أرسل يطلب المدد من الخرطوم - وكان الحكمدار العام موسى باشا قد ~~توفي فيها منذ بضعة أشهر، وقام بشئون الأحكام مكانه عمر فخري بك - فرفع عمر هذا ~~الخبر إلى (إسماعيل) بمصر، فاهتم (إسماعيل) بالأمر حق الاهتمام، وبعث جعفر باشا ~~صادق واليا على السودان، فذهب إليه عن طريق كروسكو، واتخذ جعفر باشا مظهر وكيلا ~~له، وأرسله بجيش ومدفعين إلى كسلا عن طريق سواكن لإخماد الثورة، وبعث بالأوامر ~~المشددة إلى فخري بك ليبادر إلى إرسال النجدات من حاميات البلاد حتى يصل مدد ~~مصر. # وكان أول من وصل كسلا، مددا، السرسواري علي كاشف الكردي، ومعه أربعمائة رجل من ~~الباشبوزق، وجاءها من القضارف في أواخر يولية سنة 1865، ونزل في ديوان المديرية. ~~وبعد أن وصل ببضعة أيام خرج أحد رجاله بجمله ليرعاه، فلقيه جماعة من السود ~~المتمردين، فسلبوه جمله وسلاحه وذخيرته، فعاد إلى علي كاشف ms398 شاكيا، فغضب علي كاشف، ~~وضرب طبل الحرب، وتهيأ للقتال، وكان السيد حسن المرغني لا يزال مقيما داخل ~~الاستحكام، فأتى إليه وسكن غضبه، وتكفل له برد الجمل والسلاح، ثم ذهب إلى العصاة ~~وتلطف لهم، فردوا الجمل والسلاح، ولكنهم أنكروا أنهم أخذوا شيئا من الذخيرة، فصمم ~~علي كاشف رأيه على استرجاعها، ولما لم يردوها خرج إليهم ليلا في ضوء القمر، وأشعل ~~فيهم النار، فقابلوه بالمثل. ولما ثقل عليه الرصاص عاد إلى ديوان المديرية وتحصن ~~فيه، وفي اليوم التالي فتح السود المزاغل في الثكنة والمنازل التي في جواره، وأخذوا ~~يرمون المارة بالرصاص، فقطعوا السابلة، وحبسوا الناس في منازلهم مدة ستة وعشرين ~~يوما، حتى حضر آدم بك من واد مدني، فالخرطوم، فبربر، بمدد من الجنود المنظمة، ~~والباشبوزق، فكفوا عن الحرب. # وكان آدم بك من أعظم ضباط الجيش المنظم، وقد تربى في مصر ورافق (إبراهيم) الهمام ~~إلى سوريا، فاشتهر بالبسالة والدربة وحسن السياسة، وكان (إسماعيل) يعرفه، فلما بلغه ~~أنه ندب إلى كسلا كتب إليه بالتركية بتاريخ 22 سبتمبر سنة 1865 ينبؤه بإرسال قوة ~~بقيادة وكيل الحكمدارية، ويبلغه ثقته من أن يتمكن هو وذلك الوكيل من إخماد الثورة، ~~ويزوده بتعليمات تقضي باستعمال الشدة مع العصاة وتعقبهم وقتلهم أو أسرهم، وختم ~~كتابه بالجملة التالية: «وإني أعلم بسالتك وحسن سياستك منذ كنت مع المرحوم والدنا ~~في سوريا، فحقق آمالنا بك، وعند انتهاء الثورة احضر إلى مصر، والسلام.» # فلما وصل آدم بك إلى كسلا، أنزل جنده خارج السور تجاه الباب الشرقي، وأخذ بروجية ~~وبلطجية، وذهب رأسا إلى الثكنة حيث يقيم العصاة، فأمر البروجي فضرب «نوبة جمعية ~~ضباط»، ولما اجتمع الضباط عليه خاطبهم آدم بك قائلا: «يا أولادي! ما هذا التمرد ~~والعصيان اللذان جاهرتم بهما؟ ألستم أولاد أفندينا الذي شرفكم بخدمته، وأجرى لكم ~~الرزق والخيرات السنين الطوال؟ أيحسن بكم أن تعصوه وتنتقضوا على حكومته، وهو قد عهد ~~إليكم تأييد سلطته في البلاد؟ نعم إنكم مظلومون لعدم أخذكم رواتبكم في أوقاتها، ~~ولكم أن ترفعوا أصواتكم بالشكوى، ولكنكم خرجتم عن حد الشكوى، ms399 ووسعتم الخرق، ومع هذا ~~فإني أرجو إصلاح الأمر، وأخذ العفو لكم من ولي النعم، فإذا سألوكم بعد الآن ~~فقولوا إنا لم نجد ضابطا عظيما من أبناء جنسنا نرفع إليه شكوانا ليبلغها إلى ~~ولي نعمتنا، فكان منا ما كان. وأريد منكم الآن أن تخرجوا خارج السور، فتقيموا بين ~~جبل مكرام وجبل كسلا حتى يصل إليكم العفو، ولا تغتروا بقوتكم وكثرة جموعكم فإن «يد ~~الميري طويلة»، فها أنا قد جئت بجيش من العساكر السود والباشبوزق، وجاء قبلي جيش ~~آخر، والمدد آت في الطريق من كردوفان وسنار وبربر ومصر، فإذا تماديتم في العصيان، ~~فإنهم يجتمعون عليكم، ويقتلونكم شر قتلة، فاقبلوا النصح وسلموا أمركم إلي، وأنا ~~أدبركم بحكمتي ومروءتي.» # ومع أن آدم بك كان عربي الجنس، أبوه محمد ضو البيت شيخ عربان دار حامد بكردوفان، ~~إلا أنه كان شديد السمرة جدا، وعارفا بأخلاق السود، حتى كان يظن أنه منهم، ~~فاستأنس ضباط العصاة به، واطمأنوا لكلامه، خصوصا لأنه خاطبهم كأب، فامتثلوا أمره، ~~وخرجوا من الثكنة بجنودهم إلى المكان الذي عينه لهم خارج السور. # وبعد وصول آدم بك بأربعة أيام حضر الصاري ششمه عبد الله باشا من الخرطوم وبربر ~~ومعه ثلاثة أرادي من الباشبوزق، وعسكر خارج السور، فعقد اللواء حسن باشا مجلسا في ~~ديوان المديرية مع عبد الله باشا هذا والمدير وآدم بك وسائر الضباط والسناجق، للنظر ~~في شأن العصاة، فقر رأيهم على تجريدهم من السلاح، ووكلوا تنفيذ قرارهم لآدم بك، ~~فنفذه، وسلمه العصاة سلاحهم عن رضى، ثم عقد الضباط مجلسا آخر للنظر فيما يفعلونه ~~بعد، فكان رأي الأكثرية على قتلهم، فأنكر آدم بك هذا الرأي، وقال: «إني حلفت لهم ~~بشرفي أنه لا يقع عليهم حكم إلا إذا صدق أفندينا عليه، وعلى هذا سلموني سلاحهم، ~~فالآن نرفع الأمر إلى أفندينا، والذي يأمر به نفعله.» # فأخذ المجلس برأيه، ولكنه أقر على شد وثاقهم إلى أن يأتي الرد بشأنهم من مصر، ~~فأمروا عساكر الباشبوزق فركبوا خيولهم، واحتاطوا بهم من كل جانب، وأخذوا حبالا من ~~المخازن، وشرعوا في تقييدهم، ms400 وإدخالهم في الثكنة، جماعة بعد جماعة، وإنهم لكذلك، ~~وإذا ببلوكباشي من الباشبوزق اختطف بنتا من يد شاويش من الآلاي ليتمكن من تقييده، ~~فبكت البنت، فسأله أبوها أن يتركها وشأنها، فشتمه البلوكباشي، ورفسه برجله - آه من ~~تعسف أولئك الباشبوزق! - فأخرج الأسود سكينا من كمه، وطعن البلوكباشي فقتله، وهاج ~~السود كلهم، فأمر عبد الله باشا الباشبوزق فأطلقوا الرصاص عليهم، فقتلوا أكثرهم، ~~وهم لا يستطيعون عن أنفسهم دفاعا، وقبضوا على الباقين قبض اليد، وزجوهم في السجن. # ثم لم يكن إلا القليل حتى حضر جعفر باشا مظهر وكيل الحكمدارية بجنده، وحقق أسباب ~~الثورة، وكان صاغ يقال له محمد أفندي أبو خطلك قد كشف عن حظه في الرمل، فقيل له إنه ~~إذا بقي مع المدير مات شنقا، فانضم إلى العصاة، وذلك قبل مجيء آدم بك من الخرطوم ~~بيومين، فأمر جعفر باشا بشنقه فشنق - وهكذا قضى عليه جهله وتصديقه بكلام المنجمين! ~~- ثم شنق بعده يوزباشي اسمه بشير أغا السوداني، وكان قد اتحد مع العصاة بعد رجوعهم ~~من الميت كناب، أما المتمردون الآخرون الذين سلموا من القتل في حادثة البلوكباشي ~~فإن جعفر باشا جعلهم ثلاث فئات؛ فجعل الذين بدأوا بالثورة مع خطاب أفندي ثم عصوا في ~~الميت كناب فئة أولى، والذين عصوا بعد رجوع الفئة الأولى من الميت كناب فئة ثانية، ~~والذين كانوا متغيبين في الجهات خارج البندر، أو الذين كانوا فيه ولم يظهروا ~~العصيان فئة ثالثة. فحكم على رجال الفئة الأولى بالإعدام، فأوثقوهم وصفوهم على خندق ~~حفروه لهم في سفح جبل مكراه، وضربوهم بالرصاص، فسقطوا في الخندق، ثم ردموا الخندق، ~~فكان من الردم تل ظاهر. وحكم على رجال الفئة الثانية بالحبس المؤبد مع الأشغال ~~الشاقة، فاستخدموهم أولا في بناء المنازل التي خربوها. وأما رجال الفئة الثالثة ~~فنظم منهم ثلاثة بلوكات، وأبقاهم في المديرية. # وأما المدير إبراهيم بك أدهم، فكان قد توفي قبل وصول جعفر باشا إلى كسلا بأيام ~~قليلة، وكانت وفاته بغتة، حتى قيل إنه شرب سما ليتخلص من الإهانة والعقاب. وتوفي ~~بعده عبد الله باشا ms401 الصاري ششمه، ثم عثمان بك الذي خلف خطاب أفندي على قومندانية ~~المتمردين، وكان اللواء حسن باشا قد أصيب بإسهال قبل وصول جعفر باشا إلى كسلا، ~~فتوفي بعد وصوله بأيام قليلة. وهكذا انتهت ثورة الجند السود في كسلا، بعد أن جرت ~~الخراب على أهلها، وضاع فيها الكثير من النفوس والأموال، ولم تكتف بهذا، بل جرت ~~وراءها ذيلا؛ أي حمى وبائية نجمت عن فساد الهواء لكثرة القتلى، فمات بها خلق كثير. # 4 # وعاد جعفر باشا مظهر بعد ذلك إلى الخرطوم، وذهب آدم بك إلى مصر طوعا للأمر، ~~فأنعم عليه (إسماعيل) برتبة اللواء، وبالنيشان المجيدي الثاني، ولما كان جعفر باشا ~~صادق قد أصيب بمرض، وقفل عائدا إلى مصر، سمى الخديو جعفر باشا مظهر حاكما عاما ~~للسودان مكانه، مكافأة له على إخلاصه في خدمته (5 مارس سنة 1866). فجمع جعفر باشا ~~العساكر السودانية من التاكة وواد مدني وكردوفان وغيرها، وأرسلهم إلى مصر، وأتى ~~بعساكر مصرية عوضا عنهم. # وكان (إسماعيل) - مذ نظر إلى الميدان الجنوبي نظرته الثاقبة التي ذكرناها، ووطن ~~عزمه على جعله مجال جهوده - قد رأى في الحال: (أولا) أن إبقاء أعلام الدولة ~~العثمانية خافقة على جانب لا يستهان به من سواحل بحر القلزم قد يكون من أكبر ~~العقبات في سبيل تحقيق مراميه، وقد يجر إلى مشاكل مع تلك الدولة في غير الوقت ~~المناسب، ويحسن بمصر اجتنابها بالكلية. # فأقبل يبذل المرغبات المالية لتركيا في التنازل له عن ممتلكاتها هناك، مؤكدا لها ~~في الوقت عينه أن تنازلها له عنها - وهو التابع المخلص لها - لن يخرجها في الحقيقة ~~عن حوزتها، ويكون أقرب إلى «معمورية» تلك الممتلكات عينها، بسبب قربها من مصر وبعد ~~تركيا عنها، وهي «المعمورية» التي تهم الباب العالي فوق كل شيء، كتأكيده، حتى تمكن ~~في نهاية الأمر من حمل الأستانة على إصدار فرمان في شهر مايو سنة 1865 تنازل ~~السلطان بموجبه له عن سواكن ومصوع وتوابعهما مقابل سبعة آلاف وخمسمائة كيس؛ أي ~~سبعة وثلاثين ألفا وخمسمائة جنيه مصري، يدفعها سنويا إلى صندق ولاية جدة لتعمير ms402 ~~الطريق الموصل إلى مسجد الله الحرام، والقيام بشئون بيت الله، ومع أن ذلك الفرمان ~~قضى بأن التنازل للخديو دون ذريته وخلفائه، فإن (إسماعيل) لم ييأس من جعله وراثيا ~~في المستقبل. # 5 # ورأى (ثانيا) أنه سواء أنجح في نزع أعلام الدولة العثمانية عن شواطئ القلزم ~~وإحلال أعلامه المصرية محلها بطريقة سلمية أم لم ينجح، لا بد له من إصلاح جنديته ~~وبحريته إصلاحا كليا يجعلهما كفئين لمقابلة الطوارئ، ولم تكن ثورة السود في ~~كسلا التي روينا أخبارها، واضطراب الأحوال في السودان، الاضطراب البادية مظاهره ~~عيانا في حادثة الملك ناصر وفي حرب «العقال» السابق ذكرهما، وفي حوادث أخرى كثيرة ~~سنأتي على بيانها في حينه، إلا ليزيداه يقينا في وجوب إجراء ذلك الإصلاح، وثباتا ~~على السير في سبيله. # وكان التجنيد بمصر، لغاية ما اختمرت فكرته في دماغ (محمد علي)، آفة مجهولة، وإنما ~~ندعوه «آفة»، لا لأنه «آفة» في الحقيقة، فإنا وإن كنا ممن يكرهون الجند القائم، ~~ويعدونه ضربة على حياة البلاد الاقتصادية - وطالما كان في الواقع ضربة على الزراعة، ~~لا سيما في أيامه الأولى، ولغاية أواخر القرن الماضي - وكنا ممن يعتبرونه داعيا ~~إلى تيقظ نيران الأطماع في قلوب رؤساء الأمم، بل في قلوب الأمم عينها، وحاملا لها ~~على إشهار الحروب، وشن الغارات على من هو دونها بأسا وقوة، كما دلت الحرب الأخيرة ~~عليه، إلا أننا لا نغفل عما في نظام الجندية من مزايا ومنافع مادية وأدبية، لا سيما ~~في البلاد المتعددة الأجناس والملل والنحل، فإنه لو لم ينجم عنه في مثل هذه البلاد ~~من الفوائد سوى إيجاد رباط أخوة بين أفراد تلك الأجناس والنحل والملل لكفى، فكيف ~~وهو مدرسة تمارين رياضية مقوية للأجسام، وتمارين معنوية مدربة للأرواح، ومغذية لها ~~بألبان فضائل فردية كالهمة والنشاط والترتيب؛ واجتماعية كتضحية الأنانية، ~~وكالمروءة، واحترام القوانين، والولاء للوطن وحبه، وهلم جرا. ولكنا دعوناه «آفة»، ~~لأن العقلية المصرية كانت تعده كذلك في أول نشأة نظامه، ولا تزال في ذات عصرنا ~~هذا تعتبره كذلك إلى حد ما. # وربما التمس لها عذر ms403 في السابق، ولو أنه لا عذر لها الآن؛ فإن طرق التجنيد ومغبته ~~في بادئ أمره كان من شأنهما إظهاره في مظهر الشيء الكريه جدا أمام أعين الفلاحين، ~~فإن (محمد علي) حاول أولا إيجاد جند من السود، فأخذ يبث البعثات العسكرية في ~~السودان لاقتناصهم، والإتيان بهم إلى أسوان حيث أقام الكولونيل سيڨ، المعروف فيما ~~بعد باسم «سليمان باشا الفرنساوي»، في انتظارهم، ليدربهم ويعلمهم، ويكون منهم ~~جيشا نظاميا مؤلفا على الطريقة الغربية البونابرتية، ولكنه لم يفلح؛ لأن معظم ~~أولئك السود كانوا يهلكون أولا فأولا: إما بسبب المشاق التي كانوا يتحملونها ~~أثناء المجيء بهم من بلادهم، وسوء تأثيرها على صحتهم، وإما بسبب عدم اعتياد طقس ~~مصر، وتغير المناخ عليهم. # فحاول (محمد علي) إذا تكوين جيش نظامي من مماليكه الخاصة وأتباعه المخلصين له، ~~ولكنه لم يفلح أيضا لداعي حقدهم على معلمهم الفرنساوي، ونفورهم من التعلم على يديه ~~نفورا ذهب بأحدهم إلى محاولة الفتك به. فإن سيڨ كان يوما يعلمهم الرماية ~~بالبنادق، فما كان من ذلك الواحد إلا أنه صوب بندقيته نحوه وأطلقها عليه، فمرت ~~الرصاصة بالقرب من جبهته، وذهبت بجزء من قبعته، وهو واقف لا يبدي حراكا، مع علمه ~~أنه مرمى بندقية ذلك المملوك، وبالرغم من أن عينه كانت في عينه، ولكنه بعد أن أظهر ~~للجميع شجاعته، وعدم مبالاته بالموت على تلك الكيفية وثب على المملوك واغتصب ~~بندقيته منه بعنف، ووقف مكانه في الصف وصوبها إلى المرمى وأطلقها، فأصابته في وسطه، ~~فرد حينئذ البندقية إلى الرجل وقال له بانفعال: «هكذا تكون الرماية يا حمار! فتعلم.» # 6 # فطرب المماليك لشجاعة الفرنساوي الجسور؛ لأن الشجاع يطربه عمل الشجاعة حتى لو بدا ~~من خصمه، وباتوا أكثر انقيادا له، فتسنى لسيڨ جعل صف ضباط وضباط مهرة منهم. أخيرا ~~تحول (محمد علي) إلى فكرة إنشاء الجيش المرغوب فيه من أبناء مصر أنفسهم، بالرغم ~~من أن المحيطين به أنكروا على المصريين استعدادهم العسكري، ورموهم بالجبن وخور ~~العزائم. # ولكنه لعلمه أن المصريين يكرهون الابتعاد عن أهلهم، والتغرب عن أوطانهم، ويكرهون ~~بالتالي ms404 الجندية التي تضطرهم إلى ذلك، أقبل يجمعهم ويجندهم بالقوة والعسف، وأخذ ~~يخطفهم زمرا زمرا من قراهم ونواحيهم، ويرسلهم أفواجا أفواجا إلى الصعيد حيث كان ~~سيڨ - وقد اعتنق الدين الإسلامي، لإزالة أكبر فارق بينه وبين جنوده، وأصبح «سليمان ~~بك» - يعلمهم ويدربهم، وما زال (محمد علي) مقيما على طريقة تجنيده هذه حتى تكون ~~لديه ذلك الجيش الزاهر، الذي مكنه (أولا) من الاستغناء عن جنده غير النظامي، ~~والدائم التمرد من الألبانيين، والمكدونيين، والأتراك، والدالاتية، والباشبوزق ~~الآخرين، ومكنه (ثانيا) من الفوز على جميع أعدائه، وإذلال سلطان تركيا نفسه. # 7 # غير أن الفلاحين المصريين في تلك الأيام حين رأوا أن المجندين، أيا كانوا، لا ~~يعودون أبدا إلى أوطانهم، ويموتون حتما في دار الغربة، سواء أكان في المورة، أو ~~في ربوع سوريا والأناضول، ازدادوا كراهة للجندية ورغبة في الفرار من وجهها. وإذ ~~علمتهم الأيام أن بعض العاهات الطبيعية تكون سببا في عدم تجنيد المصابين بها، ~~أقدموا على اقتلاع أعينهم اليمنى، أو بتر إبهام أيديهم اليمنى أو سباباتها كذلك لكي ~~ينجوا من التجنيد، ومن لم يجد منهم شجاعة في نفسه للإقدام على أحد هذين العملين كان ~~يفر من بلده، ويذهب هائما على وجهه إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا. # فاضطر (محمد علي) أولا إلى تجنيد ذات العور ومقطوعي السبابات أو الأباهم في آلاي ~~خاص بهم. وثانيا إلى تعقب أثر الفارين وإدراكهم، ولو اعتصموا بأعماق الكهوف ~~والصحارى، أو التجأوا إلى عبد الله باشا والي ولاية عكا، وهذا هو السبب في أن الحرب ~~نشبت فيما بعد بينهما،؛ لأن عبد الله باشا أبى إرجاع الهاربين المصريين إلى ~~حكومتهم، بالرغم من إلحاح (محمد علي) الكثير، فلما بلغت روح المكدوني منه الحلقوم، ~~بعث يقول له: «وإني سآتي لأخذهم بنفسي، وسأرجع بهم وبواحد زيادة عليهم.» وإنما قصد ~~بذلك الواحد عبد الله باشا عينه، وفي الحال سير جيشه إلى سوريا، وكان من أمر ~~حروبه هناك، وبره بتهديده ما كان! # 8 # وبما أن أمر تقديم الأنفار للجندية كان منوطا بمشايخ البلدان، وكانوا هم ~~المسئولين ms405 عن العدد المطلوب منهم، فحدث ولا حرج عن المظالم والمغارم التي كان ~~التجنيد يسببها في عموم أنحاء البلاد. # 9 # على أن (محمد علي) بعد فراغه من حروبه، وعقب فرمان سنة 1841 المحظر عليه زيادة ~~عدد جنوده على 18 ألفا، سرح معظم ما بقي من جيوشه، ولم يعد يلتفت كالسابق إلى ~~تعزيز جنديته، لا سيما أن الكبر قد أناخ عليه بكلكله، وقعد بكثير من همته ~~الشماء. # وكان رأي (عباس) خليفته في التجنيد غير رأيه، لميل قلبه إلى الأرناؤوط والأتراك، ~~ورغبته فيهم دون العنصر المصري، فأقبل يزيد عدد أولئك الأجانب، ويحلهم من الثكنات ~~العسكرية محل الجنود المصريين، ويسلحهم بالمسدسات الأمريكية بدل البنادق، حتى أربى ~~عددهم لديه على ثمانية آلاف. وكان جل قصده أن يتكون لديه منهم العدد المعين للجيش ~~المصري برمته، ولكنه عقب نشوب الحرب بين روسيا والدولة العلية في سنة 1854 - وهي ~~المعروفة بحرب القرم - واضطراره إلى إنجاد تركيا بالمدد المصري المطلوب منها، اضطر ~~إلى تجنيد جنود مصريين، فبالغ في ذلك حتى قال بعض المؤرخين، ومنهم إدون دي ليون، إن ~~عدد جيشه ما بين جند نظامي وباشبوزق وغيرهم، أربى في وقت من الأوقات على مائة ألف، ~~ولكن تلك الجنود لم يكن معتنى بأمر إطعامهم، ولا كانت الوقايات الصحية متوفرة ~~حولهم، وكلا الأمرين زاد في نفور الناس من الجندية. # 10 # فلما آل الأمر إلى (سعيد) - وكان مغرما بالعسكرية غرام الملك «الصول» الپروسياني ~~بجيشه المهندم - بالغ أولا في الاعتناء بأمر طعام الجند وحفظ صحتهم، فحسن مآكلهم ~~ونوعها، ونظم المستشفيات العسكرية تنظيما أصبحت معه الإقامة فيها طيبة، ~~والمعالجة متقنة، والشفاء ميسورا، ثم حسن الملبس أيضا - ولو أنه لم يكن رديئا ~~في عهد سلفه - وتفنن فيه تفننا عجيبا، متخذا لتفننه نبراسا تنوع الأزياء في ~~الجندية الفرنساوية. وبعد أن أوجد هذه المحببات ألغى أمر الاقتراع، وجعل التجنيد ~~عاما وواجبا على كل شاب يبلغ السادسة عشرة من عمره بدون استثناء، على أن تكون ~~الخدمة العسكرية سنة واحدة لا غير، ولكيلا يكون لمشايخ البلاد سبيل إلى الجور ~~والتعسف، ms406 نزع منهم مسئولية التجنيد، وأوجد جدولا عاما للمواليد في عموم أنحاء ~~القطر، لتكون الدعوة إلى العسكرية في حينها أمرا يتم من تلقاء ذاته، فضجت البلاد ~~في بادئ الأمر وتململت؛ لظنها أن هذه إساءة جديدة تصاب بها، ولكنها انتهت إلى ~~الطاعة والامتثال، بل إلى الارتياح، حينما رأت التجنيد يعمل بانتظام، وبدون مظالم ~~أو محاباة، ورأت أن (سعيدا) إن احتمل بنفس متفكهة ثورة النسوة عليه بسبب قراره، لم ~~يسمح لأي كان من أعيان البلاد وسراتها بالفرار من نفاذ ذلك القرار في أولاده وذويه، ~~وأظهر من الشدة والصرامة في معاملة المخالفين ما ذهب بالرغبة في المخالفة من صدور الجميع. # 11 # غير أنه لم يكن في الاستطاعة في بادئ الأمر استخدام جدول المواليد والاعتماد عليه ~~إلا بمساعدة مشايخ البلدان أنفسهم، فلشعور هؤلاء بأن الفرصة آخذة بالتملص من أيديهم ~~انكبوا على اغتنامها، والانتفاع منها جهد طاقتهم، لا سيما أن رؤساءهم الأشد بهم ~~التصاقا متأثرون بشعورهم ذاته، وراغبون أشد الرغبة في أن يصيبوا نصيب الأسد في ~~اقتسام أسلاب الفلاحين البائسين. # فأدى ذلك مع تقلب أهواء (سعيد) التقلب المشهور عنه، لا سيما في أواخر أيامه، ~~وتشتت قوى ذهنه عن دائرة الاهتمام بأي أمر كان يشرع فيه إلى هبوط عدد جنديته إلى ~~7500 عسكري، وصيرورتها جندية مظهر أكثر منها جندية عمل. # ولا أدل على تقلب هوى (سعيد)، وتشتت قوى ذهنه من واقعة قصها علي ابن أحد ~~الرجال الأكثر التصاقا به، لأنه كان مربي (طوسون) ابنه، قال: «كان (سعيد) ذات يوم ~~بمصر، فأرسل إلى أبي وهو بالإسكندرية يستدعيه إليه مع ابنه الأمير (طوسون) ليكونا ~~بمعيته، فقام أبي مع الأمير الصبي، وتوجه إلى مصر، وصعد إلى القلعة، وأبلغ سمو ~~الوالي أنه صدع بأمره، وأصبح تحت تصرفه، فلم يجبه (سعيد) بشيء، ولم يستدعه، ولا ~~استدعى (طوسون)، ثم عاد هو نفسه بعد ثلاثة أيام إلى الإسكندرية دون أن يرى ابنه أو ~~يأمر أبي بشيء، فاحتار والدي فيما يصنع، وبعد أن بقي في القلعة عدة أيام في انتظار ~~عودة سمو الوالي، ورأى أن ms407 الانتظار لا يجدي نفعا، رجع هو أيضا إلى الإسكندرية ~~بالصبي الأمير، وعاد إلى ما كان عليه، ولم يدر أحد ماذا كان سبب استدعائهما إلى مصر.» # 12 # فأعاد (إسماعيل) الجندية إلى عددها ونظامها في أيام (إبراهيم) الهمام أبيه، # 13 # ورأى أن يقتدي بجده في إنشاء مدارس خاصة بها وعلى أنواعها، فأسس في ~~العباسية مدرسة للبيادة أقام فيها خمسمائة طالب، ومدرسة للخيالة أقام فيها مائة ~~طالب، ومدرسة للمدفعية أقام فيها مائة طالب أيضا، ومدرسة هندسة عسكرية جعل فيها ~~أربعين طالبا، وعهد بإدارة هذه المدارس إلى الماچور سليمان بك، وكان قد تخرج من ~~مدارس باريس ومتز العسكرية، وأنشأ مدرسة لأولاد رجال كل فرقة من فرق جيشه، يتعلمون ~~فيها من سن ست إلى سن تسع عشرة ما يحسن أن يتعلمه أمثالهم، ولم يكتف بذلك، بل أسس ~~مدرسة لكل أورطة من أورطه لتعليم رجالها القراءة والكتابة، وأنشأ في القلعة مدرسة ~~كبيرة للصف ضباط أقام فيها نيفا وخمسمائة متعلم، وذلك زيادة على المدرسة التي ~~أنشأها في القلعة لأولاد حرسها، وأمها ثمانمائة منهم. # وما فتئ يزيد عدد جنوده بالتدريج بين مصريين وسود، حتى استكمل منهم ثمانية عشر ~~آلايا بيادة، منها آلايان سودانيان، في كل آلاي ثلاثة طوابير، وأربعة طوابير ~~بندقيين موزعة على الآلايات، وأربعة آلايات مسلحة بالرمح والقرابين، في كل آلاي ستة ~~كراديس، وأربعة آلايات مدفعية، في كل آلاي ست بطاريات: بطاريتان راكبتان، وأربع ~~بطاريات بيادة، وثلاثة آلايات حاميات مدفعية، وثلاثة طوابير عمال عسكريين، فبلغت ~~قوة الجيش العامل المتدرب - إذا جمعت - ستين ألفا، وبلغ الاحتياطي ثلاثين ألفا، ~~وغير النظامي ستين ألفا، وسلحت البيادة ببنادق ريمنجتن، بعد بنادق شاشپو، وحفظ ~~منها ما أناف على 200 ألف بندقية احتياطيا. أما المدفعية فسلحت بمائة مدفع من ~~مدافع كروپ، وخمسين مدفعا خفيفا من معامل أرمسترونج، وسلحت الحاميات بمدافع ~~وهرندرف 8,10 بوصة، و300 مدفع خفيف، وأنشئت بالقرب من مصر معامل للبارود والخرطوش، ~~فبلغ من كثرة الذخيرة المصنوعة فيها والمستوردة من الخارج أن (إسماعيل) أرسل جانبا ~~منها إلى الأستانة، تبرعا منه ومكرمة. # وجعلت ms408 مهمة الجيش في بادئ الأمر، زيادة على المحافظة على الأمن العام، حفظ الحدود ~~من إغارات العربان والحبشان عليها، ثم استعملوه في الفتوحات والاستكشافات والحروب ~~التي سيأتي بيانها. # رأى أيضا أن يقتدي بجده العظيم في الاستعانة بضباط غربيين على تدريب جنوده ~~التدريب العسكري العصري المطلوب، ولكنه - لكيلا تتخذ الدول الأوروبية من ضباطهن ~~الذين قد ينتدبون لتلك المهمة وجها لإيجاد نفوذ لهن على البلاد، أو تنشأ منافسات ~~بينهن إذا فضلت في الطلب إحداهن على الأخرى - عهد بتلك المهمة السامية إلى ضباط ~~أمريكيين من الذين اشتهروا في الحروب الأهلية، فوقع اختياره في الأول على ضابط يقال ~~له «مط»، كان قد حضر إلى القطر لأشغال خاصة به، فانخدع (إسماعيل) فيه وظنه كفأ ~~للمهمة، فكلفه بإحضار ضباط بمعرفته ليقوموا معه بها، ولكنه ما لبث أن تحقق قلة ~~جدارته، فصرفه وأحضر الجنرال ستون مكانه. # 14 # فجاء هذا بالجنرال لورنج، والكرنيل داي، والميچر لنج، والكرنل جريفر، والضباط ~~كلستن، وريد، وپراوت، والكرنلين پردي وميش، والميچر دنيش، وغيرهم، وبزمرة مختارة من ~~أفاضل الرجال؛ منهم الميكانيكيون والمهندسون الحربيون والجيولوجيون كمتشل، ~~والجغرافيون كلوكت وفيلد وغيرهما. وانكب الجميع على عملهم بهمة شماء وقلوب مخلصة، ~~وكان نظام الجيش وتدريبه وتعليمه على الطريقة الفرنساوية في بادئ الأمر، ولكن بعد ~~انكسار فرنسا في سنة 70 وظهور تفوق التعليم الألماني، أحل هذا محل ذاك، وأخذ ~~الاعتناء بالمدفعية يزيد على الاعتناء بغيرها، فأصبح ضباطها أكفأ من ضباط البيادة ~~والخيالة، ولو أنهم جميعا كانوا بيضا من المصريين والأتراك والشراكسة، حتى ضباط ~~الأورط السودانية. # على أن المصريين الصميمين كانوا أيضا أكفأ من الشراكسة والأتراك، وذلك لأن هؤلاء ~~- وجميعهم من أولاد البكوات والباشوات، الشاغلين مناصب الحكومة الرفيعة، وأصحاب ~~السرايات الفخمة، الغاصة بالجواري والسراري والعبيد - كانوا أولاد بيئة أصلية غير ~~صالحة لجعلهم جنودا ذوي طباع عسكرية صحيحة؛ لأن أول خطواتهم في الحياة كانت داخل ~~دور الحريم، ولما يشبون ويترعرعون، لم يكونوا يقدمون ولا يجبرون على الإقدام على أي ~~تمرين عضلي، فما كان عند بعضهم من قوة في العضلات إنما كان هبة ms409 محضة من لدن ~~الطبيعة، وبما أن معظمهم - بحكم بيئتهم - كانوا شديدي الميل إلى الباه، فإن ذات ~~الأقوياء منهم كانوا لا يلبثون بعد حين حتى ينهزلوا ويضعفوا. # نعم إن أهلهم كانوا يرسلونهم منذ تجاوزهم سن الصبوة إلى المدارس الإعدادية ~~ليمكثوا فيها عدة سنوات متتالية، ولكنهم بسبب الترف المحيط بهم، وتدليل أهلهم لهم، ~~قلما كانوا يمتازون على أقرانهم من أولاد الفلاحين والحضريين المصريين بسوى المصروف ~~الكبير والبلادة العظمى، فكانوا ينقلون والحالة هذه إلى المدارس العسكرية عملا ~~بمبدأ تحويل التلامذة البلداء إليها، فيتخرجون منها بعد 4 أو 5 سنوات ضباطا ~~عجرفتهم وخيلاؤهم كبيرتان، على قدر رفعة مولدهم ونبل أحسابهم، ومعلوماتهم قليلة، ~~وآدابهم لا تداني الرفعة، ولا عن بعد، بخلاف أولاد الفلاحين والحضريين المصريين، ~~فإنهم لشظف العيش الذي اعتادوه واعتاده أجدادهم قبلهم، كانوا أقوياء البنية، قنوعي ~~المعيشة، بعيدين - بسبب ضيق ذات أيديهم - عن مسببات الأسقام والضعف، وكانوا يمتازون ~~في المدارس عادة على أقرانهم أولاد الأغنياء بالذكاء والنباهة والاجتهاد، ولكن ذلك ~~لم يكن يجديهم نفعا؛ لأن ذات الداخلين منهم المدارس العسكرية مباشرة كانوا، بسبب ~~مواهبهم هذه عينها، يبقون في دور التعليم سنة زيادة على أقرانهم البلداء، ثم يدخلون ~~الجيش بعد تلك السنة الإضافية في الوظيفة عينها المعطاة إلى زملائهم البلداء قبل ~~سنة. نعم إن الحكومة في السنة الإضافية التي كانوا يمكثونها في المدارس أكثر من ~~زملائهم البلداء كانت في الأول تمنحهم المرتب المربوط لهؤلاء في الجيش، ولكنها ~~قطعته عنهم فيما بعد، وميزت بذلك الأغنياء على المجتهدين المتنورين. # فأصبح أولئك، لهذا ولمميزاتهم البلادية الأخرى، يعتقدون أنفسهم من طينة أرقى من ~~طينة زملائهم أولاد المصريين الصميمين، ولم يكن يرجى تقويم معوجهم، وهم في ~~وظائفهم: # أولا: # لأنه إذا سهل إصلاح ناقص يعرف أنه ناقص، فمن المتعذر كلية إصلاح ناقص ~~يرى نفسه كاملا. # ثانيا: # لأن آمالهم في الترقي والتقدم لم تكن مبنية على رقيهم في المعارف ~~والمعلومات، وتقدمهم في معارج الكمال والكفاءة، بل على حكايات وقصص ~~تروى لهم عن أبطال وقائعها المدهشة أنهم مدينون بتقدمهم إلى مجرد الحظ ~~والسعد ms410 والمقدور، فكانت حياة آمالهم، والحالة هذه، مفسدة في الحقيقة ~~لاجتهادهم وجهودهم. # فكانوا إذا يعاملون العساكر الموضوعين تحت إمرتهم معاملة السيد للخدم والعبيد، ~~ويعاملون زملاءهم المصريين معاملة يشتم منها رائحة الغطرسة والاحتقار تحت كساء ~~الأدب المتشامخ. # أما الصف ضباط فكانوا كلهم أو جلهم مصريين، ويعاملون جنودهم كما يعامل الإخوان إخوانهم. # 15 # وأشار ستون باشا على (إسماعيل)، فحمله على تأسيس مدرسة أركان حرب، أقام فيها ~~عشرين طالبا. # وكانت هيئة أركان الحرب بعد انسحاب پلانا Planat # باشا الفرنساوي اسما على غير مسمى؛ وذلك لأن ميول الباشوات، قواد فرق الجنود ~~الأرفعين، لم تكن تقبل أن يكون لوظائف تلك الهيئة العسكرية السامية من وجود فعلي؛ ~~لاعتقادهم بأنه يجب أن يكونوا الكل في الكل، وإبائهم أن يقاسمهم أحد سلطتهم. # فأراد ستون باشا أن يغير هذه الحالة، ويجعل الاتصال بين الجيش وهيئة أركان حربه ~~متينا فعالا، فبذل في ذلك جهده، ولكنه لم يتمكن من بلوغ أربه، بالرغم من أن ثقة ~~الخديو به بلغت بسموه أنه لنقص وجده ذات يوم في مصلحة التلغرافات هدد رجالها ~~بوضعهم تحت إدارة الحربية؛ أي تحت إدارة ستون باشا. # 16 # فلم تستمر قيادة الجيش منفصلة عن رياسة أركان الحرب فقط، بل إن قسم المهمات عينه ~~تحت رياسة أفلاطون باشا بقي منفصلا عنها، وما هو أدهى، بقي منفصلا عن قيادة الجيش ~~ذاتها، فأدى الانفصالان إلى ضعف في نظام القوة العسكرية المصرية، ظهر جليا بنوع ~~خاص في الحملة على الحبشة. # وليت الأمر اقتصر على مجرد الانفصال، ولكنه تعداه إلى قيام كراهة ونمو شعور ~~امتهان في نفوس ضباط الجيش وقواده لضباط هيئة أركان الحرب؛ وذلك بسبب تبعية هؤلاء ~~الضباط لرؤسائهم الغربيين الذين كان الشراكسة والأتراك يكرهونهم: # أولا: # لكونهم أجانب جنسا ودينا. # ثانيا: # لأنه لم يكن يمكن إجراء الإصلاح الذي جيء بأولئك الغربيين من أجله ~~إلا إذا علت كلمتهم على كلمة العناصر الشرقية، وفاق نفوذهم على ~~نفوذها. # غير أن الجنرال ستون والزمرة التي أحضرها معه تمكنا - بالرغم من ذلك جميعه - ~~من القيام بأعمال خطيرة في المضمار الذي ms411 استدعيا للعمل فيه، وفي مضمار الرحلات ~~العلمية، والاستكشافات الجغرافية، والأبحاث الچيولوچية التي تألق بها سنا ملك ~~(إسماعيل). # أما في المضمار العسكري، فإن جميع الطوابي القائمة على سواحل البحر الأبيض ~~المتوسط من خليج السلوم إلى العجمي، ومن العجمي إلى أبي قير ورشيد ودمياط، وطابيتي ~~الناضورة والديماس بالإسكندرية رممت وحصنت، وأوجدت مطبعة وليتوغرافيا تامتان، ~~كاملتا الأدوات في وزارة الحربية، ونشط تعليم الجنود والضباط تنشيطا عجيبا، ~~فبرع المتعلمون على الأخص في الرسم الخطي، والتوبوغرافي، والخرطي براعة أدت ~~بالجنرال (ستون) إلى الاعتراف بأن استعداد المصري في هذا الفن وفي الرياضيات على ~~العموم يفوق متوسط الاستعداد الغربي، وأصبح معظم الضباط، لا سيما ضباط هيئة أركان ~~الحرب وضباط النشأة الجديدة، يتكلمون الإنجليزية علاوة على الفرنساوية، أما الجنود ~~فعلموا الاشتغال في صنع ملابس وأحذية وخلافها لأنفسهم، ثم عدلت مدة الخدمة ~~العسكرية فجعلت قصيرة، وتقرر تسريح نصف القوة بعد تمرينها، والإتيان بغيرها مكانها، ~~على الطريقة الپروسية بعد واقعة بينا سنة 1806، لكي يكثر عدد المتمرنين في البلاد، ~~ويكونوا تحت طلب الحكومة إذا ما دعت إلى حشدهم الطوارئ، لهذا الغرض جعلت هيئات ~~الجيش بحيث تسع ثمانين ألف عسكري يحشدون في ظرف شهرين. # على أنه لم ينجم عن هذا جميعه، ولا عن التحسين المستمر الذي بات الخطة المتبعة، ~~ولا عن الطريقة التي سير عليها في ترقية الضباط بالامتحان، إصلاح تام بمعنى الكلمة ~~كله؛ لأن انفصال هيئة أركان الحرب عن الجيش انفصالا كليا حال دون تمكن ~~الأمريكيين من تنظيم ذلك الجيش تنظيما صحيحا، ودون اتخاذ كتائب وفرق من الآلايات ~~طبقا للمتبع في الجيوش الغربية. # هذا ما كان من أمر إصلاح الجندية. # أما البحرية، فإنها بعد كارثة ناڨارين التي ذهبت بعمارة (محمد علي) لم تعد إلى ~~بجدتها القديمة أبدا. وبالرغم من أن الباشا العظيم أعاد على يدي سيريزي بك المهندس ~~البحري الفرنساوي الشهير جانبا كبيرا منها إلى الوجود لشعوره بالاحتياج إليها في ~~حروبه مع الدولة العثمانية - والكل يعرف أن (إبراهيم) الهمام توجه بحرا مع جميع ~~أركان حربه إلى يافا ليقابل فيها جيشه الزاحف ms412 إلى سوريا عن طريق العريش، وأن معظم ~~المدفعية المصرية التي دكت أسوار عكاء دكا نقلت على ظهور السفن الحربية، وبالرغم ~~من أن (محمد سعيد) تربى تربية بحرية، لتعلق فكر والده العظيم بإعادة بحريته إلى ~~أحسن مما كانت عليه أيام بهجتها وعزها القديمين بعامل اقتناعه بحقيقة قول تميستكل، ~~البطل اللاتيني القديم من أن «البر لمن ملك البحر»، فإن البحرية المصرية إما لأنها ~~كانت بنت العجلة التي لم تدع مجالا ووقتا كافيا لجفاف الأخشاب المستعملة في ~~بنائها، فباتت تلك الأخشاب عرضة للتسوس بسهولة، بفعل المياه والرطوبة، وإما لأن ~~معالم عمارات الدول المتمدينة جمعاء تغيرت بعامل البخار مذ حل في الملاحة محل ~~القلوع، دون أن تتغير معالمها هي، ما فتئت آخذة في الانحطاط، وذاهبة إلى البوار ~~رويدا رويدا، حتى كادت تبيت في خبر كان، في أواخر أيام (سعيد)، ولولا أن هذا ~~الوالي أنشأ أسطولا بخاريا نيليا ليكون دوما تحت طلبه إذا ما احتاج إلى نقل ~~جنوده البرية عليه من جهة إلى أخرى بسرعة في البقاع التي لا سكة حديدية فيها، لصح ~~القول أنه ترك البحرية المصرية لخلفه أثرا بعد عين. # فتناول (إسماعيل) باهتمامه الفائق الأسطول الخشبي غير المدرع، المخلف عن جده، ~~وأقبل يصلح مختله، ويجدد معداته، ويحسن معالمه، حتى جعله سلاحا يعتد به، وعدة يهاب ~~مفعولها. # ثم شرع ينشئ جواري أخرى طبقا لمقتضيات الأيام، فعمر فرقاطتين - إحداهما «اللطيف» ~~صاحبة حادثة الشحط في قناة السويس قبل افتتاحها، والتي احترقت فيما بعد وهي في ~~البحر على بعد 60 ميلا من السويس - وكورڨتتين وسلوپين وأربع مدفعيات، وعشر ~~بريديات، وثلاثة يختات، ومائة وخمسة عشر مركبا شاطئيا. # وأوصى - كما سبق القول - معامل طولون على بناء ثلاث فرقاطات مدرعة، مقدمة لابتناء ~~غيرها إذ آنس عن بنائها سكوتا، ولكنه ما رأى - بعد حادثته مع تركيا بسببها - أن ~~تقوية عمارته قد تدخله في مشاكل كان في غنى عنها، لنفاذ مشاريعه وبلوغه مراميه، وقد ~~لا يجد تعضيدا من دول الغرب في حلها لمصلحته، وطبقا لرغائبه، إلا وحول بحريته ~~كلها من حربية إلى ms413 تجارية، فضمها إلى الباقي من الشركة «العزيزية»، وأنشأ من ~~كلتيهما البحرية الخديوية التي أخذت تسير مراكبها على البحرين الأبيض والمتوسط، ~~وعلى النيل في فصل الشتاء، فأنشأت خدمة أسبوعية بين الإسكندرية والأستانة خصت بها ~~عشرا من سفنها، وخدمة خمسة عشر يومية بين السويس وأقصى الممتلكات المصرية في شرق ~~أفريقيا، على المحيط الهندي، خصت بها عشر سفن أخرى، وخدمة ثالثة، خمسة عشر يومية ~~أيضا، من شهر نوفمبر لغاية شهر مارس على النيل بين القاهرة وأسوان، وبسبب عدم وجود ~~عدد كاف من المصريين الخبيرين في الفنون البحرية استخدم فيها عدد كبير من ~~الأجانب، فكان معظم الربانين وكل رؤساء الدفة منهم، كما أن جميع المهندسين كانوا من ~~الإنجليز. # فلما جعل (إسماعيل) إصلاح جنديته وبحريته في مأمن من الطوارئ، وأوجد عنده ~~الاختيار زمرة من الرجال الأفاضل الذين يركن إليهم في المهمات العلمية الشائقة، ~~أقبل ينفذ أغراضه التوسيعية الرافعة، ودخل بقدم ثابتة في سبيل تحقيق الشطر الثالث ~~من خطته. # ففي سنة 1865 احتلت عساكره المصرية فاشودة احتلالا رسميا، فسدت بذلك طريق ~~النيل الأبيض في وجه أصحاب الزرائب في بحر الغزال وخط الاستواء. # وأصحاب الزرائب تجار - منهم كثيرون أوروبيون - كانوا يذهبون بعصابات مأجورة منهم ~~إلى بلاد (السود)، فيحفرون خنادق يضعون داخلها بضائعهم وأسلحتهم ورجالهم، ويحيطونها ~~بزرائب من شوك، ثم يشرعون في جمع السن والريش، مقايضة بالخرز والحراب والأساور، ~~وغيرها من الأشياء المرغوب فيها في تلك الجهات، ويخزنون ما يجمعونه في زرائبهم، ~~ويبقون على ذلك إلى أن يلقوا فرصة في البلاد، فيهاجمون أهلها ببنادقهم ، فما يسمع ~~السود صوتها إلا ويفرون كالأنعام، مملوئين رعبا وخوفا، فيغنم التجار، ويسبون ~~ويعودون إلى زرائبهم. # وكان التجار الأوروبيون قد باعوا زرائبهم إلى وكلائهم العرب منذ سنة 1860، فوضع ~~جعفر باشا صادق - حاكم السودان السابق ذكره - الضرائب على الزرائب، ثم احتكرها من ~~الحكومة السيد أحمد العقاد، شريك السيد موسى العقاد - وكلاهما من أشهر أصحابه - ~~بخمسة آلاف جنيه في السنة، على أن لا يتجر بالرقيق، ولا يغزو بلاد العبيد، ولكنه لم ~~يف بوعده وتعهده، وما زال ms414 رجاله يتجرون بالرقيق، ويغزون العبيد، حتى أصبحت بلاد خط ~~الاستواء وبحر الغزال فوضى، وأهلها في غاية الضيق والشدة. # فرأى (إسماعيل) أنه لا يمكن إصلاح الحال، وإبطال تجارة الرقيق معا، إلا إذا ضم ~~بلاد بحر الغزال وخط الاستواء إلى أملاكه السودانية، فعول على ذلك وبادر إلى ~~تنفيذه. ~~«وانتدب في سنة 1869 السير صموئيل بيكر ~~باشا لتلك المهمة، وكان قد ذهب إلى السودان في أيام موسى باشا حمدي قاصدا اكتشاف ~~منابع النيل الأبيض على نفقته الخاصة، والقيام بمفرده بالعمل الخطير الذي كانت ~~الجمعية الجغرافية الإنجليزية قد أرسلت الرحالتين سبيك وجرانت سنة 1858 لإتمامه عن ~~طريق زنجبار، فاكتشف الرجلان بحيرة ڨكتوريا نيانزا في 28 يولية سنة 1862، وسمياها ~~على اسم ملكتهما، أما بيكر، فإنه فضل الذهاب عن طريق الخرطوم ليستطرد الاكتشاف من ~~جندوكورو بالبر - حيث كانت وصلت في سنة 1841 آخر حملة أرسلها (محمد علي) للوقوف على ~~منابع النيل - وذلك على رجاء أن يلتقي بالرحالتين المذكورين، فيكون نجدة لهما، ~~ويشاركهما في فخار الاكتشاف، فخرج من الخرطوم في 18 ديسمبر سنة 1862 بمركبين كبيرين ~~وذهبية، ومعه خمسة وأربعون رجلا مسلحون بالبنادق، وخمسون من الخدم والبحارة، وتسعة ~~وعشرون من الجمال والخيل والحمير، ومقدار كبير من الحبوب، وبضعة صناديق من أساور ~~النحاس والخرز الملون، الرائجة هناك بدل العملة، فوصل جندوكورو في 2 فبراير سنة ~~1863 وحط رحاله، وأخذ يتأهب للسفر برا، وإذا بالرحالتين سبيك وجرانت قد أقبلا ~~في 15 منه، فأخبراه باكتشاف بحيرة ڨكتوريا، وأنه لا يزال أمامه بحيرة أخرى ~~ليكتشفها، أخبرهما الأهلون بها. وأعطياه خريطة سيرهما، وجميع ما علماه عنها، ثم ~~استطردا السفر شمالا إلى أوروبا، وسار بيكر جنوبا في البر الشرقي بقصد اكتشاف تلك ~~البحيرة، فأتى عليها في 14 مارس سنة 1864 بعد معاناة مشقات كبيرة وأخطار جمة، لا ~~سيما بسبب تجار الرقيق المنتشرين في تلك البلاد، وقد أتاها أولا من الجنوب، ثم جال ~~فيها بمراكب السود، فأتى شماليها، ورأى مصب النيل الآتي من بحيرة ڨكتوريا، ومخرج ~~النيل الأبيض الذاهب شمالا، وسماها إدوارد نيانزا على ms415 اسم ولي عهد بريطانيا العظمى ~~في ذلك الحين، ثم عاد إلى جندوكورو، وسار منها بذهبيته ومركبيه حتى وصل الخرطوم في ~~3 مايو سنة 1865، فأقام فيها إلى 30 يونية، وخرج منها في ذلك اليوم إلى بربر، ~~فسواكن، فبلاد الإنجليز، فوصلها في أكتوبر سنة 1865.»‏ # 17 # وقد رأينا كيف قام هذا بمأموريته، وكانت بلاد خط الاستواء لا تزال مأجورة للسيد ~~أحمد العقاد في الخرطوم، فألحق ببيكر صهره وابن اخته أبي السعود العقاد للنظر في ~~مصالح تجارته، ولكن الرجلين لم يتفقا معا، واضطر بيكر إلى رفع شكواه من أبي السعود ~~إلى المراجع العليا بمصر، واتهامه إياه بمعاكسته، والعمل في الخفاء على تقوية دعائم ~~النخاسة والإتجار بالرقيق، فأدى ذلك بالحكومة إلى استدعاء أبي السعود إلى القاهرة ومحاكمته. # 18 # وقد رأينا أيضا أن (إسماعيل)، بعد استعفاء بيكر باشا، عين الكرنيل جوردون مكانه، ~~ووعدنا بالتكلم عن أعمال هذا الرجل الطائر الصيت في هذا الباب. ~~«فالكرنيل جوردون ولد في مدينة ولويتش ببلاد الإنجليز سنة 1833، وانتظم في سلك ~~العسكرية سنة 1852، وكان ميالا بالطبع إلى لقاء الأهوال والصبر على المكاره مما ~~اتصل إليه بالإرث عن آبائه وأجداده المعروفين بالبسالة والبأس في الحروب ~~السكوتلاندية، وحضر حصار سپاستوپول سنة 1855 فشهد له بالدربة والإقدام. ~~وفي سنة 1860 سافر إلى الصين، ودخل الجيش، ~~فواقع عدة وقائع دلت على شجاعته وتمام براعته في الفنون العسكرية، فنال من ~~إمبراطور الصين لقب «ساري عسكر». وفي سنة 1865 عاد إلى الجيش الإنجليزي، فرقي فيه ~~إلى رتبة كرنيل.» # 19 # ثم عين في لجنة الطونة، فتعرف نوبار باشا به في الأستانة، وسأله عما إذا كان ~~يعرف رجلا يريد أن يخلف السير صموئيل بيكر على رأس المهمة السودانية المعهود بها ~~إليه، فقدم جوردون نفسه، على أن تجيز له حكومته القبول، فخوبرت الحكومة ~~البريطانية في شأنه، فأجازت له الخدمة تحت اللواء المصري، فحضر إلى القاهرة، وما ~~لبثت أخلاقه القويمة المستقيمة والحادة معا أن اكتسبت له احترام الجميع ~~وإجلالهم، وكراهة البعض، وكان (إسماعيل) يجله جدا ويقول: «إني أشعر حينما أحادثه ~~أني أمام ms416 رجل حق ترغمني رجوليته على احترامه.» # 20 # فسار جوردون من مصر، ومعه أبو السعود البادي ذكره إلى الخرطوم، فأخذ منها جنودا، ~~في جملتهم إبراهيم أفندي فوزي - الذي صار فيما بعد إبراهيم باشا فوزي، المشهور ~~بحوادث أسره عند الدراويش، وبتاريخه الذي كتبه عن السودان المعاصر - وسار جنوبا، ~~وبعد وصوله جندوكورو بشهرين اكتشف ثلاث زرائب لتجار الرقيق على بحر الزراف، فهدمها، ~~وأعتق الأرقاء الذين وجدهم فيها، وما لبث أن وجد في أبي السعود ذات الروح الخائنة ~~التي كانت قد اتضحت لبيكر باشا، فسجنه وأهانه، ثم أقصاه عن حملته. # 21 # وفي 11 سبتمبر سنة 1874 جاءه خمسة وعشرون رئيسا من رؤساء السود، وقدموا له ~~الطاعة، وشكروه على مطاردته تجار الرقيق في بلادهم، وفي الشهر التالي ضبط يوسف بك، ~~مدير فاشودة، زمرة من النخاسين ومعهم 1600 رقيق، و190 رأس بقر أتوا بها من بحر ~~الزراف. # ورأى جوردون أن هواء جندوكورو غير صحي، فنقل مركز حكومته إلى اللادو، وذلك في 21 ~~فبراير سنة 1874، وامتدت حكومته من ملتقى نهر سوباط بالنيل الأبيض إلى بحيرة ~~ڨكتوريا نيانزا، وأهم ما اشتغل به تأسيس نقط عسكرية قوية على النيل لأجل حماية ~~البلاد من تجار الرقيق، وحفظ النظام والأمن، فلم تنته سنة 1874 حتى كان قد أسس عشر ~~نقط على النيل الأبيض، وجعل فيها 640 من العساكر السودانية، و150 من العساكر ~~المصرية، و650 من الباشبوزق والدناقلة والجعليين، ثم أسس نقطة في مرولي على نيل ~~ڨكتوريا، ونظم في جيشه عددا كبيرا من الأرقاء الذين حررهم من الزرائب. # وكان بيكر باشا قد أحضر باخرتين قطعا من مصر بقصد بنائهما وتنشيط الملاحة في ~~البحيرات، ولكن انقضت مدته ولم يتمكن من بنائهما، فلما تم لجوردون تأسيس النقط ~~العسكرية، حمل قطع الباخرتين في البر إلى جنوب شلال الفولا، قرب الدفلاي، وبناهما ~~هناك، وسمى الكبيرة منهما «الخديوي»، والصغيرة «نيانزا»، فبقيتا بين الدفلاي وبحيرة ~~ألبرت نيانزا إلى قيام الثورة المهدية. # 22 # وممن صحب جوردون إلى خط الاستواء أو انضموا إليه بعد ذهابه الكرنيل لنج - وهو من ~~الضباط ms417 الأمريكان في الجيش المصري، وقد قال (إسماعيل) فيه: «إنه عمل مع عسكريين في ~~أيام قلائل لمصلحة مصر أكثر مما فعل السر صموئيل بيكر بجيش في أربع سنوات، وبنفقة ~~بلغت مليوني ريال ونصف مليون.» # 23 ~~- والدكتور أمين المعروف بأمين باشا، وچيسي، والكرنيل براوت ~~الأمريكاني، وعبد العزيز بك ابن لينان باشا الفرنساوي. # أما الدكتور أمين، فاسمه الأصلي إدوارد شنيتز، وقد ولد في 28 مارس سنة 1840 في ~~مدينة أوپلين، من أعمال سيليزيا، ببروسيا، # 24 # وتلقى العلوم في فيينا وباريس، ونال شهادة دكتور في الطب، ثم دخل خدمة ~~الدولة العلية في إسكودار، وبقي إلى أن سمي جوردون حاكما على خط الاستواء، وكان ~~الدكتور أمين يعرفه من الأستانة، فذهب إلى الخرطوم، واستأذنه في السفر إليه، فأذن ~~له، وحال وصوله منحه لقب «بك»، وعينه حاكما على اللادو. # وأما چيسي، فكان ضابطا إيطاليا، شديد العارضة قوي الإرادة، رافق الجيش ~~الإنجليزي إلى حرب القرم بصفة مترجم، ثم انضم إلى جوردون في خط الاستواء. # واستعان جوردون بأولئك الضباط على درس البلاد وتمهيدها وضمها إلى الأملاك ~~المصرية، فعند وصوله إلى جندوكورو، أرسل الكرنيل لنج إلى كباريقا ملك يونيورو لكشف ~~خبره، فوجد أن جميع المتشردين من تجار الرقيق قد اجتمعوا إليه، ووجده على عصيانه، ~~فلم ير الوقت ولا الظروف مناسبة لقتاله، فتركه وشأنه، وذهب إلى متاسي، ملك أوغنده، ~~فإذا به لا يزال على ولائه، فعاد بالخبر إلى جوردون، فأرسل جوردون أمين بك إلى ذلك ~~الملك للمحافظة على مودته، وأرسل چيسي إلى بلاد بحر الغزال لكشف خبرها، ولما عاد ~~أرسله بمركبين إلى بحيرة ألبرت نيانزا لاستطلاع حالها وحال القبائل المقيمة على ~~سواحلها، وذلك في مارس سنة 1876، فطاف چيسي البحيرة، وقضى في طوافه تسعة أيام، فوجد ~~طولها 140 ميلا وعرضها 50 ميلا، ووجد القبائل القاطنة حولها معادية ~~للحكومة. # أما عبد العزيز لينان بك، فإنه قتل في ثورة أثارها السود على العساكر وهم ينقلون ~~قطع الباخرتين المار ذكرهما إلى الدفلاي، فأخذ جوردون بثأره. وترى تفاصيل ذلك مبينة ~~بشرح واف في الكتاب المعنون «جوردون ms418 في السودان»، وهو مجموع رسائل وكتب بعث ~~جوردون بها وهو في تلك الأصقاع السحيقة إلى أخته بإنجلترا. # 25 # وبقى جوردون مجدا في تنظيم البلاد وإصلاح شئونها بلا مساعدة مصر إلى سنة 1876، ~~فاستعفى، وعاد إلى القاهرة، ومنها إلى بلاد الإنجليز، تاركا پراوت، من أركان حربه، ~~وكيلا مكانه على خط الاستواء، ثم ذهب الكولونيل پراوت، فناب عنه أمين بك، فبقي إلى ~~أيام الثورة المهدية، ثم انقطعت أخباره. # وكان حاكما على السودان في مدة ولاية جوردون على خط الاستواء إسماعيل باشا أيوب، ~~فجرت في عهده حوادث جمة ذات بال، أهمها فتح بحر الغزال، وبلاد النمانم، وسلطنة ~~دارفور، وضمها إلى أملاك الحكومة المصرية على يد الزبير رحمت باشا. # والزبير هذا ولد في جزيرة واوسي بالسودان، من قبيلة الجميعاب المقيمة على النيل ~~الكبير بين جبل قرى وجبل الشيخ الطيب في 8 يولية سنة 1831، ودخل مكتبا في الخرطوم ~~فتعلم القراءة والكتابة، وحفظ القرآن، وتفقه على مذهب الإمام مالك، ولما بلغ ~~الخامسة والعشرين من عمره تزوج بابنة عم له، واشتغل بالتجارة، ثم حدث بعد سنتين أن ~~ابن عم له يدعى محمد عبد القادر دخل في خدمة علي أبي عموري، من أهالي نجع حمادي، ~~ومن التجار الكبار الذين كانوا يتجرون في جهات بحر الغزال، وسافر معه خلسة، فأخذت ~~الزبير الشفقة عليه لاعتقاده أن بلاد بحر الغزال كثيرة الأخطار بعيدة الشقة، ~~فلحقه بقصد إرجاعه، فأدركه في رحلة ودشلعي على النيل الأبيض، مسيرة يوم من الخرطوم، ~~وأخذ يثبط عزمه عن السفر، فأقسم ابن عمه أن لا يعود إلى الخرطوم قبل أن يتم سفرته، ~~فشق ذلك على الزبير، وأقسم له بالطلاق أنه إن لم يرجع عن عزمه سافر معه، فلم يزل ~~ابن عمه مصرا على السفر، فسافر الزبير معه برا بقسمه، ودخل صحبته في خدمة أبي ~~عموري، فسار بهما الرجل من ودشلعي في 14 سبتمبر سنة 1856 قاصدا بحر الغزال، ~~والزبير يستعيذ بالله من ذلك السفر، ويتوقع منه الشر والأخطار، فجاء بأحسن ما كان ~~يتمنى، وكان السبب في بلوغه مقاما لم ms419 ينله أحد في السودان قبله، ولا ناله بعده سوى ~~(محمد أحمد المهدي)، # وعسى أن تكرهوا شيئا وهو ~~خير لكم ~~. # فما زال الرجل سائرا بهما حتى حط رحاله في زريبة علي أبي عموري المعروفة باسم ~~عاشور، على اسم شيخ البلد، حيث أقام الزبير مساعدا مخدومه على تجارته بضعة أشهر، ~~ولكن أهل تلك البلاد ما لبثوا أن هاجوا على التجار، طمعا في أموالهم سنة 1857، ~~فجمعوا جموعهم من كل الجهات، وهاجموا الزرائب، فقتلوا بعض التجار وسلبوا أموالهم، ~~وهاجموا كذلك زريبة أبي عموري، فقام الزبير في رأس رجاله، وأشعل النار في ~~المهاجمين، وهزمهم شر هزيمة، بعد أن قتل منهم خلقا كثيرا. # فلما سمع التجار في تلك الجهات بانتصاره عليهم جاءوه، والتفوا حوله، وأحبه أبو ~~عموري؛ إذ رأى أن سلامته كانت على يديه، وجعل له قسما من أرباحه، ولما هدأت البلاد ~~تركه في محله وكيلا عنه، وسار إلى الخرطوم، فغاب ستة أشهر، وعاد ببضائع جديدة، ~~فوجد عند وكيله من المحصولات البلدية ما لم يكن يجمعه هو في سنين، فزادت رغبته فيه، ~~وعرض عليه الشركة بالنصف، فأبى، وعزم على إنشاء محل تجاري لنفسه. # وبهذا العزم رجع إلى الخرطوم سنة 1858، وكان قد جمع من تجارته مع أبي عموري نحو ~~ألف جنيه، فاشترى بها بضائع وذهبية، واكترى بعض الأنفار على عادة التجار، وسلحهم ~~بالبنادق، وسار بهم والبضائع في الذهبية إلى مشرع الريك، ومنها برا إلى بلاد ~~قولو، وكان عليها ملك يقال له كواكي، فرحب به وأكرم مثواه، فأخذ يتجر في بلاده ~~حتى اجتمع عنده من سن الفيل، وريش النعام، وغيرهما من خيرات البلاد شيء كثير، ~~فأرسلها مع ابن عمه محمد أحمد رحمت إلى الخرطوم، فباعها، وعاد إليه ببضائع البدل، ~~فسافر بها في سنة 1859 إلى بلاد النمانم الواقعة إلى الجنوب الغربي من بلاد قولو، ~~وكان عليها سلطان يقال له السلطان تكمة ، فقدم له الزبير هدية فاخرة، واستأذنه في ~~الاتجار في بلاده، فأذن له - وكانت كثيرة الجواميس والفيلة، ولا قيمة لسن الفيل ~~فيها لكثرته، ولم يكن النمانم يعرفون الحمير، ms420 ولا الجمال، ولا الخيل، وكان مع ~~الزبير حمار جميل، فأهداه إلى السلطان، فاستغرب هيئته وظنه رجلا ممسوخا فلم ~~يقبله، ولكنه احتسب للمهدي نيته، وكافأه عليها بتزويجه أكبر بناته المدعوة ~~(رانبوه)، فعلا مقامه بتلك المصاهرة في عيون أهل البلاد، وزادت تجارته رواجا ~~وتحسينا، واجتمع عنده في وقت قصير شيء كثير من سن الفيل والخرتيت وغيرهما. # وفي شهر مارس 1862 استأذن السلطان تكمة في العود إلى الخرطوم، وسار بسلعه يقصد ~~تلك العاصمة، فمر بصاحبه أبي عموري، فوجده متأهبا للسفر بتجارته هو أيضا إلى تلك ~~الجهة، فاتفقا على الذهاب معا، ولكنهما تخلصا من مشقة نقل البضائع بالبر، بنيا ~~مركبين، ووسقا فيهما بضائعهما ورجالهما البالغ عددهم 214 نفرا، وسارا في نهر نبقو، ~~أحد فروع بحر الغزال، الذي لم يسلكه أحد قبلهما، وهما يقصدان مشروع الريك، فما مخرا ~~فيه 13 يوما بلياليها إلا واتسع مجرى النهر حتى صار أشبه ببحيرة واسعة منه بنهر، ~~وخفي عليهما المجرى الأصلي، فتاها برجالهما خمسة وسبعين يوما، ثم وقع لهما ولمن ~~معهما من الحوادث الغريبة والعجيبة ما هو أشبه بروايات السندباد البحري البغدادي ~~منها بوقائع حقيقية. وأخيرا أتيا مشرع الريك في 19 يولية سنة 1863، وأقلعا ~~بالمراكب منها إلى الخرطوم فدخلاها بمن بقي من رجالهما، وعددهم ستة، في 11 سبتمبر ~~سنة 1863.‏ # 26 # فلبث الزبير فيها بضعة أشهر ريثما باع تجارته واشترى بثمنها تجارة أخرى وأسلحة ~~وذخائر، وفي 29 أبريل سنة 1863 برح الخرطوم إلى بلاد النمانم، فوصلها في 25 يولية ~~سنة 1864، وقدم هدايا نفيسة للملك تكمة، فسر بها، وأولم له وليمة فاخرة، ذبح فيها ~~عددا وافرا من الوحوش، ومائة كلب من أسمن الكلاب المعدة لأكله. # فعاد الزبير إلى دار زوجته رانبوه، وشرع في بيع بضائعه، وكانت العادة في تلك ~~البلاد أن يبيعوا في الأسواق أصحاب الجنايات؛ كالسارق والزاني، ويذبحونهم كالغنم، ~~ويبيعون لحومهم طعاما، فافتدى منهم من وجده أهلا لحمل السلاح، حتى اجتمع عنده نحو ~~خمسمائة رجل، فسلحهم بالأسلحة النارية، وعلمهم حملها واستعمالها، فأوجس الملك ~~تكمة شرا، وخاف منه على مملكته، واستشار ms421 كهانه، فأقروا على قتله، فعلمت بذلك ~~امرأته رانبوه ابنة الملك، وأخبرته به سرا، ونصحته بالرحيل من بلاد أبيها. # فاهتم بالأمر، وتزلف إلى الملك تكمة بالهدايا، واستأذنه في السفر إلى بلاد ملك ~~يقال له دوبه بلغه أن فيها سن فيل بكثرة، فأذن له ظاهرا، وأوعز في السر إلى جيشه ~~أن يكمنوا له في الطريق، ويقتلوه هو ورجاله. فما ابتعد قليلا عن بلاده إلا واعترضه ~~جنوده الذين كانوا في الكمين، فأصلاهم نارا حامية لم يطيقوها، فانهزموا ودخل ~~الزبير بلاد الملك دوبه، وكان عدوا لملك النمانم، فلما علم بما جرى خرج لمقابلته ~~في مسيرة أربع ساعات من عاصمته، وأنزله في جواره على الرحب والسعة، وبنى له خصا ~~مربعا منيعا من الخشب، وأمده من الحبوب والمئونة بما يكفي رجاله مدة ~~طويلة. # فأرسل الملك تكمة جيشا جرارا بقيادة عمه مغبوه إلى بلاد الملك دوبه، اهتزت له ~~البلاد في أبعد أعماقها، واستولى الرعب على الملك وقومه، ففروا هاربين خلسة تحت جنح ~~الظلام. # فلما رأى الزبير منهم ذلك، أخذ ينظر في أمر نجاته، وإذا برسل من لدن الملك تكمة ~~وردوا عليه، وقالوا له: «إن حرمة المصاهرة، وسابق المودة تمنعان الملك من محاربتك، ~~ولكنه يرغب إليك أن تخرج من جميع بلاد الملك دوبه التي أصبحت تحت سلطانه، وتذهب إلى ~~حيث تشاء ولك الأمان.» فأجابهم إلى ذلك وخرج إلى بلاد قولو، وكان ملكها قد غدر ~~بأخيه منصور وقتله، فلم يشك بأن الزبير قادم للأخذ بثأره، فلم يسمح له بالبقاء ~~وتهدده، وكان الفصل شتاء، فطلب الزبير إليه أن يمهله إلى أن ينقطع المطر، فأبى، ~~فناجزه الحرب، وجرت بينهما عدة وقائع دموية انتهت بقتل الملك، وأخذ ابنه أسيرا، ~~وامتلاك الزبير بلادهما، وجميع البلاد المجاورة لها إلى بحر العرب، فاتخذ عاصمة ~~(بابه) التي سميت بعد ذلك «بديم الزبير» مركزا له، وصار فيها ملكا، تتقاطر إليه ~~الناس من كل الجهات للانتظام في خدمته، وكان أول ما سعى إليه فتح طريق التجارة بين ~~بحر الغزال وكردوفان، فأوفد في مارس سنة 1866 رسلا بهدايا إلى ms422 مشايخ عربان ~~الزريقات الواقعين في طريق التجار، فجاءه ثمانون شيخا منهم، وعاهدوه على فتح ~~الطريق، وتأمين القوافل والتجار من مسلمين ومسيحيين، فجعل لهم مقابل ذلك جعلا ~~معلوما يتقاضونه من التجار، فكثر زود الناس وراجت التجارة لقرب تلك الطريق ~~وسهولتها، وفي سنة 1869 قدم من الخرطوم رجل من متخلفي حجاج العرب، يقال له الحاج ~~محمد البلالي، يقصد احتلال بحر الغزال، ومعه سرية مؤلفة من 200 من العساكر المنظمة ~~السودانية، عليهم صاغ اسمه محمد منيب، و400 من العساكر الباشبوزق، عليهم سنجق يدعى ~~كوشوك علي، و600 من الخطرية، فطاف بلاد بحر الغزال، ودخل زرائبها، وقرأ لأصحابها ~~فرمان الحكومة بتسميته مديرا على بحر الغزال، فمنهم من أطاع وسلم، ومنهم من عصى ~~فحارب أو فر. # ثم وجه حملته على الزبير، فجمع الزبير جيوشه، ومن لجأ إليه من أصحاب الزرائب ~~المجاورة له، وكمن للبلالي في خور على الطريق، فلما اقترب من الكمين أشعل النار ~~في جيشه، فقتله وقتل بعض عسكره، وأسر الباقي، ولكنه أصيب في ذلك اليوم برصاصة في ~~كراعه الأيمن، ورجع محمولا إلى مركزه، فبعث بخبر ما كان إلى جعفر مظهر باشا حاكم ~~السودان إذ ذاك، وانتشر خبر انتصاره على البلالي في أقاصي السودان، فزادت شهرته، ~~وازداد نفوذه. # فلم يرق انتظام ملكه للسلطان تكمة، فأرسل في أوائل سنة 1872 عمه (مغبوه) بجيش ~~جرار لمناصبته العداء، فأغار على مملكته، وبعث يقول له إنه لا يسمح بتأسيس ملك في ~~جواره، فإما أن يعود تاجرا كما كان، وإلا أعاده بالقوة إلى تجارته. فوقعت الحرب ~~بينهما ودامت سنة كاملة، جرت فيها عدة وقائع شديدة، وفي آخرها قتل السلطان تكمة ~~وعمه مغبوه، ودان للزبير ثمانية من كبار ملوك النمانم كانوا في حروب مستمرة بعضهم ~~ضد بعض، يصيد فيها بعضهم البعض صيد الطيور، وجاءته الأقوام من مسافات بعيدة، مقدمين ~~الطاعة، وطالبين عمالا من قبله، فأجابهم إلى ذلك. # وكانت الرزيقات، في أثناء حربه مع النمانم، قد نقضوا العهد، وقطعوا الطرق ، وقتلوا ~~بعض التجار، فلما انقضت الحرب أنفذ إليهم رسلا يسألهم عن سبب ms423 ذلك، فأجابوا بالشتم ~~والسباب، وأقسموا أن لا يدعوا مسافرا يمر إليه عن طريق بلادهم إلا قتلوه وسلبوه ~~ماله. # وكان على دارفور إذ ذاك سلطان يقال له إبراهيم، فأرسل الزبير إليه كتابا في ~~يونية سنة 1873 أخبره بما أتاه الرزيقات من نكث العهد، وقطع السابلة، والتمس ~~مساعدته عليهم، فلم يجبه السلطان على كتابه، ولا انتهى الرزيقات عن التعدي، فساق ~~الزبير جيشه إلى بلادهم ليحاربهم، فتجمعوا لقتاله، فجرت بينه وبينهم عدة وقائع من ~~10 يولية إلى 28 أغسطس سنة 1873 وكان النصر فيها كلها له، وفي الأخيرة منها انهزم ~~الرزيقات شر انهزام، وقتل منهم خلق كثير، وأصبحت بلاد «شكا» كلها في يده. # وكان الرزيقات قد استخدموا فقيها من فقهاء التعايشة يقال له عبد الله محمد آدم ~~تورشين، ليقرأ لهم الأسماء في خلوته، لعلها تقبض على سلاح الزبير، فلا تنطلق ناره ~~في ساحة الحرب، وتعهدوا له ببقرة من كل مراح. # كيف يذهب هنا الفكر إلى ما يرويه الرومان الكاثوليك عن سقوط السلاح من أيدي جنود ~~نابليون الأول في حرب روسيا سنة 1812 انتقاما من الله لتعديه على البابا بيوس ~~السابع؟! # فوقع (عبد الله) أسيرا في يد المنتصر في حلة السروج، بين شكا وداره، فأمر الزبير ~~بقتله، فقال له اثنا عشر عالما كانوا بمعيته، مهمتهم تنبيهه إلى معوج يرونه في ~~أحكامه: «إن الشرع لا يسمح بقتل أسير الحرب المسلم، والسياسة تنكر قتل رجل يعتقد ~~الناس صلاحه؛ لأن قتله ينفر القبائل من القاتل.» فامتنع الزبير عن قتله، ولكنه ~~ندم فيما بعد على امتناعه؛ لأن عبد الله ذاك عاش ليكون من أعظم البلايا على ~~السودان؛ فإنه أصبح عبد الله التعايشي، خليفة المهدي المشهور، وصاحب الفظائع ~~والأهوال التي لا تزال المخيلة ترتعد لمجرد ذكرها. # ولما دخل الزبير بلاد الرزيقات فر اثنان من مشايخ هؤلاء العربان، ولجآ إلى ~~السلطان إبراهيم في الفاشر، فبعث إليه الزبير بكتاب في 8 سبتمبر سنة 1873 يسأله ~~تسليمهما إليه، ويحذره من استماع أقوالهما لئلا يقع في حرب مع «الدولة المصرية ~~ذات السطوة الغالبة، ms424 والمدد غير المنقطع». # فما كان من السلطان إبراهيم - وكان قد حقد على الزبير لدخوله بلاد الرزيقات التي ~~هي جزء من أملاكه - إلا أنه، بدلا من أن يجيبه على كتابه، أرسل إلى بعض مشايخ ~~الرزيقات خطابا مشحونا شتما وسبابا له، يقول فيه: «لا تظنوا أني أترك البلاد ~~لهذا الطاغية الجلابي، وها أنا أعد الجيوش للزحف عليه وطرده بالخزي ~~والخسران.» # فلما اطلع الزبير على خطابه هذا كتب إليه في 12 نوفمبر سنة 1873 يؤاخذه، ويحمله ~~تبعة كل ما يسفك من دماء المسلمين، فيما لو عمد إلى حربه. وبعد أن أفهمه أنه لا ~~يخافه ولا يهابه، قال: «أما إذا كنتم تودون خروجنا من بلاد شكا، لأنكم تحسبونها ~~قسما من بلادكم، فاعلموا أن ذلك إنما يكون بالتراضي والسلم بينكم وبين سمو ولي ~~نعمتنا الخديو المعظم؛ بأن تضمنوا لنا نفقات الحملة على الرزيقات التي بلغت نيفا ~~وعشرة آلاف كيس، فإذا اتفقتم مع سموه على ذلك، وكتب لنا أمرا لرفع أيدينا، عدنا ~~إلى حيث كنا نجمع جيوشنا امتثالا لأمره، وإلا فلا يخطر ببالكم خروجنا من هذه ~~البلاد.» # وكتب في أثناء ذلك إلى حكمدار الخرطوم، إسماعيل أيوب باشا، يعلمه بحاله وانتصاره ~~على الرزيقات، ويسأله أن يرسل من يتولى حكومة البلاد التي فتحها في بحر الغزال ~~ودارفور بالنيابة عن خديو مصر، وقال في الختام: «فإذا ما وصل الحاكم واستلم البلاد ~~عدت إلى تجارتي تاركا كل ما أنفقت من الأموال في الفتح هدية لحكومتي السنية، ~~وانتظرت مكافأتها الأدبية حسبما تقتضيه عدالتها وكرمها.» # فجاءه الجواب بتاريخ 22 نوفمبر سنة 1873 بما مؤداه: «عرضنا كتابكم على الجناب ~~العالي الخديو، فشكر ولاءكم، وامتدح رغبتكم في وضع البلاد التي فتحتموها بين يديه ~~ليولي عليها من يشاء، وقد أنعم عليكم بالرتبة الثانية مع لقب «بك»، وولاكم أمر ~~البلاد، على أن تدفعوا لخزينته جزية سنوية قدرها خمسة عشر ألف جنيه.» فقبل الزبير ~~الجزية، وتولى أمر البلاد رسميا. # ولكن السلطان إبراهيم لم يطق على بقائه في بلاد شكا صبرا، فأصدر أمره إلى ~~مقدوم الجنوب في داره، ms425 واسمه أحمد شطه، ومقدوم الشرق، واسمه سعد النور، فأخذا في ~~حشد الجيوش وجمع العدة لإخراجه منها، وكان الزبير يراقب حركات المقدومين ~~وسكناتهما، ويبلغها إسماعيل باشا أيوب في الخرطوم، فيدفعها إلى الخديو في ~~مصر. # فأقر الخديو على اغتنام الفرصة التي كانت تترقبها حكومته منذ فتح كردوفان، ~~وأرسل إلى الزبير 280 من العساكر المنظمة، وثلاثة مدافع نجدة، وأمر إسماعيل أيوب ~~باشا فجهز جيشا مؤلفا من نحو ثلاثة آلاف وستمائة مقاتل من الجنود السودانية، ~~والمصرية، والباشبوزق الشيقانية، والأتراك، والمغاربة، والمتطوعة، وأربعة مدافع ~~جبلية وساروخين، على أن يزحف بها إلى دارفور من الشرق، والزبير يزحف إليها من ~~الجنوب، فيتما الفتح. # ولكن الفتح كله تم على يد الزبير، ولم يكن لجيش الشرق أي عمل فيه؛ فإن أحمد شطه ~~وسعد النور لما أتما استعداداتهما زحفا بجيش يزيد على ثلاثين ألف مقاتل قاصدين ~~شكا، فجرت بينهما وبين حاكمها واقعتان كانت العاقبة في كلتيهما للزبير، وقتل ~~المقدومان في الثانية، وانهزمت جيوشهما، فتقدم الزبير إلى داره واحتلها، وبنى فيها ~~استحكاما منيعا، وبعث إلى السلطان إبراهيم بكتاب في 18 فبراير سنة 1874 ينبئه بما ~~كان، ويحمله من جديد مسئولية الدم المهراق، ويشهد الله بينهما، وكتب إلى علماء ~~الإسلام في دارفور يسألهم عما دعا سلطانهم إلى المحاربة وهلاك عساكر المسلمين من ~~الطرفين. # فلم يجبه أحد، ولكنهم أخذوا في حشد جيش جديد للأخذ بالثأر، فجمع رجل يقال له ~~الشرتاي أحمد نمر - وكان كبير البرقد - شتات جيش المقدوم أحمد شطه، وأتى وحصر ~~الزبير في الاستحكام الذي بناه، وأخذ يشاغله حتى تصل الجيوش التي يعدها السلطان ~~إبراهيم، فصبر الزبير عليه حتى علم أن الجيوش آتية نجدة له، فأمر (رابحا) - أحد ~~قواده، وقد اشتهر فيما بعد أمره شهرة كبيرة - فخرج إليه بفرقة من الجيش، فقتله هو ~~ومن معه، وغنم ما عنده من خيول، ودروع، وخوذ، ومواش. # وفي 16 أغسطس سنة 1874 بعث الزبير بكتاب إلى السلطان إبراهيم يدعوه للتسليم إلى ~~السلطة الخديوية؛ حقنا لدماء المسلمين، ورغبة في ترك خزائنه وأمواله له، وبقائه ~~مكرما مبجلا عند ms426 الجميع، وإلا فالقتال. # فلما وصل السلطان إبراهيم كتابه، طار صوابه، وجهز جيشا عرمرما ينيف على ~~المائة ألف مقاتل، بينهم عدد كبير من الفرسان المدرعين، والمشاة المسلحين ~~بالبنادق، وعقد لواءه لعمه الأمير حسب الله، وجملة من الرؤساء والمقدومين، فوصلوا ~~داره في 25 أغسطس سنة 1874، وحصروا القوات المصرية في الاستحكامات من الجهات ~~الأربع، وكتبوا إلى الزبير كتابا يقولون فيه: «لقد دخلت بلادنا، وقتلت وزيرنا أحمد ~~شطه، ثم الشرتاي أحمد نمر، فاخرج الآن من بلادنا لنشيعك بالسلامة والأمان.» ~~وأرسلوا الكتاب مع ثلاثة رسل، فكتب الزبير إليهم: «إني دخلت بلادكم عنوة، ولست أنوي ~~الخروج منها إلا بقدر من الله، فإذا كنتم قد جئتم لحرب، فتقدموا لها، وإلا فعودوا ~~من حيث أتيتم!» # ورأى الرسل بعض عساكر النمانم الذين كانوا في جيش الزبير الخاص قد اجتمعوا على ~~جثة آدمي يقتسمونها فيما بينهم، فأخذ بعضهم الرأس والكراع، وبعضهم الفخذين، وبعضهم ~~الصدر، وشرعوا يشوونها على النار، ويأكلونها، فاقشعرت أبدانهم، فعادوا وأخبروا ~~بما كان مما رأوا وأجيبوا به. # فاعتمد الفور على الحرب، ونزلوا ضمن دائرة مرمى الرصاص، وأخذوا يناوشون الزبير ~~القتال كل يوم من قبل طلوع الشمس إلى ما بعد نصف الليل، وكان معه زهاء 12000 مقاتل ~~مسلحين بالبنادق، فأصلاهم نارا حامية، صبروا عليها سبعة أيام، ولكنها أهلكت منهم ~~خلقا كثيرا، وفي اليوم الثامن نقضوا خيامهم، ونزلوا بعيدا عن مرمى الرصاص، غير ~~أنهم لم يزالوا على حصر الزبير ومن معه ومناوشتهم القتال الليل والنهار، حتى كاد ~~يفرغ الزاد من المحصورين، وإذا برئيس يقال له الملك أحمد أتى من معسكر الفور طالبا ~~ابنته - وكانت قد وقعت في أسر الزبير في واقعة أحمد شطه - وقدم عشر أواق ذهبا ~~فدية لها، فأخذ الزبير يسأله عن قوة جيش الفور وحركاته، وإذا بالحرس الذين كان قد ~~وضعهم في مأذنة جامع داره لمراقبة حركات العدو يشيرون إليه بالصعود إليهم، فصعد، ~~فرأى الفور في حركة وجلبة، فنزل إلى الملك وقال له: «إذا كنت تذهب وتأتيني بالخبر ~~فإني أسلمك بنتك بلا مقابل.» وأقسم له قسما غليظا، فرجع ms427 الملك إلى قومه - وحبه ~~الأبوي تغلب في فؤاده وضميره على كل عاطفة سواه - وقال لهم: «إن الزبير طلب عشرين ~~أوقية ذهب فداء ابنتي، ولم يكن معي سوى عشر أواق.» فقالوا: «خذ هذه عشر أخرى، ~~وبادر وأحضر ابنتك؛ لأن الجيش يستعد للهجوم على السور غدا من جميع الجهات.» فأخذ ~~الذهب وسار إلى الزبير بالخبر ليلة الخميس 31 أغسطس سنة 1874. # وكان الفور في تلك الليلة قد شربوا الخمر، وأكلوا لحم الضأن والإبل، وناموا نوم ~~الراحة، فانتهز الزبير هذه الفرصة الثمينة، وخرج إليهم بثمانية آلاف رجل بهيئة ~~مربع، وزحف في جنح الليل حتى صار على قيد مائة متر منهم، فأمر عساكره، فصبوا عليهم ~~الرصاص كالمطر الوابل، فقاموا مذعورين إلى سلاحهم، وصوبوا على الهاجمين نيرانهم، ~~فأصابت الزبير رصاصة طائشة في يده اليمنى جرحته جرحا بليغا، ولكنه لم يعبأ بها، ~~بل بقي يشدد قومه، ويصب الرصاص على الأعداء حتى اضطرهم إلى تولي الأدبار منهزمين، ~~وقد امتلأت الأرض من قتلاهم، وفيهم أربعون رجلا من أولاد السلاطين. # فجمعت الغنائم، فكان فيها نحو ألفي درع، وألفين وسبعمائة خيمة، وثمانية مدافع ~~قديمة مكتوب على بعضها اسم (سعيد باشا)، وشيء كثير من الأسلحة والذخائر الحربية، ~~ومن الحبوب والزاد ما كفى الجيش أربعة أشهر. # غير أن الأمير حسب الله عاد فجمع شتات جيشه، وهاجم الزبير في السور في 8 سبتمبر ~~سنة 1874، فدام القتال بين الطرفين أربع ساعات متوالية، حتى كثرت القتلى في جيش ~~الفور فانهزموا شر هزيمة. # فلما بلغ السلطان إبراهيم خبر انكسار عمه الأمير حسب الله استعظم الأمر جدا ~~واستكبره، وصاح بقومه صيحة عامة، فجرد منهم جيشا كثيفا بلغ عدده نحو مائة ~~وخمسين ألفا، بينهم ثلاثون ألف فارس، وعدة رجال مسلحين بالبنادق، وثمانية مدافع، ~~وعزم على الخروج إلى الحرب بنفسه، فخلف على الفاشر ابنه الأكبر (محمد الفضل)، ~~وطلب من رجال دولته أن يجعل كل منهم ابنه الأكبر خليفة عنه مع ابنه محمد الفضل، ~~ففعلوا، فزحف بجيشه على داره، فوصلها في ضحى 16 أكتوبر سنة 1874، واحتاط السور من ~~الجهات الأربع، وهاجم ms428 من فيه بجميع جيوشه هجمة واحدة، فأمطروه نارا حامية ثبت ~~رجاله عليها حتى الساعة الواحدة بعد الغروب، وفي اليوم التالي أعاد الكرة على ~~السور من قبل طلوع الشمس، فما كانت الساعة الرابعة من النهار حتى ردوا على ~~أعقابهم، فاستراحوا إلى ما بعد الظهر، ثم عادوا إلى الهجوم بعزم صادق مستقتلين ~~وثبتوا، والرصاص يحصدهم حصد الزرع، إلى أن فصل الليل بينهم وبين أعدائهم، فرجع ~~الفور، وقد قتل منهم في ذلك اليوم خلق كثير، فيهم البعض من أولاد السلطان إبراهيم ~~وأولاد أخيه وأعمامه وعماته. # وفي الليل أتى الزبير كتاب من السلطان، مملوء شتما وسبابا وتهديدا، وقد أقسم ~~فيه بالله العظيم إنه لا بد من إعادة الكرة عليه في الصباح، ودخوله الاستحكام ~~عنوة، وتأدية صلاة الجمعة في مسجد داره، وفي الساعة الخامسة من الليل أطلق على ~~السور خمسة وأربعين مدفعا، فلم يجبه من فيه، وشرعوا يستعدون للغد، فلما أصبح ~~الصباح وانكشف معسكر الأعداء، وإذا به خال من الجيوش، فخرج الزبير بنفر من رجاله ~~يستطلع الخبر، فوجد أن الأعداء قد هربوا بالفعل، ولم يكن هناك خدعة؛ لأن رجال الفور ~~لم يعودوا يستطيعون مهاجمة السور، فهجروا السلطان، فتبعهم ليجمع شتاتهم، ويسير بهم ~~إلى جبل مرة ليمتنع فيه، فجمع الزبير ما خلفه في معسكره، وشرع في الاستعداد للحاق ~~به. # وفي 23 أكتوبر سنة 1874 خرج بالجيوش مقتفيا أثره حتى أدركه في اليوم التالي في ~~بلدة منواشي الواقعة على مسيرة يومين إلى الجنوب الشرقي من الفاشر، ومعه من العساكر ~~نحو ثلاثين ألفا وثمانية مدافع. # فرتب السلطان عساكره ميمنة وميسرة وقلبا، وكان هو ومن معه من الأبطال ~~المعدودين من أقاربه وغيرهم مع المدافع في القلب، وما طلعت شمس الأحد 25 أكتوبر سنة ~~1874 حتى نشبت الحرب، فأطلق الفور على رجال الزبير أحد عشر مدفعا، فما أجابوهم، بل ~~ساروا سيرا حربيا منظما قاصدين القلب، فهجمت عليهم عساكر ميمنة الفور وميسرتهم، ~~واشتد القتال، ولكنه ما مضى إلا خمس دقائق حتى انجلت الحال عن تقهقرهم إلى الوراء. ~~عند ذلك هاجم السلطان ms429 ومن معه في القلب، فهزموا مقدمة الزبير ودخلوا القلعة، واشتبك ~~القتال بالسيوف والحراب ، وكنت ترى السلطان يجول في وسط المعمعة، ويقاتل كأنه الأسد، ~~غير أنه لم يكن إلا القليل حتى خر قتيلا هو ومن معه من الفرسان والشجعان، وفيهم ~~الكثير من أولاده وأكابر دولته، وانكشفت الحرب عن النصر المبين للقوة ~~المصرية. # فأخذ الزبير جثة السلطان، وكفنها بالأنسجة الفاخرة، ودفنها في جامع منواشي ~~باحتفال عظيم؛ إجلالا لمقامه، وإقرارا ببسالته، ثم دفن القتلى من أولاده وأكابر ~~دولته، وعفا عن جميع الأسرى، وسمح لهم بالذهاب إلى حيث شاءوا، وقد غنم في هذه ~~الواقعة المدافع الثمانية، وسبعة وعشرين حمل جمل جبخانة، ما عدا الأسلحة النارية ~~وغيرها. # وبعد أن استراح أربعة أيام في بندر منواشي، سار بالعساكر إلى الفاشر، فدخلها في 3 ~~نوفمبر سنة 1874 قبل طلوع الشمس، فوجد عائلة السلطان وأهالي الذين تركهم بالفاشر قد ~~فروا منها، ولم يبق فيها سوى التجار وبعض العلماء، فأمنهم على أموالهم ودمائهم، ~~وأحسن معاملتهم، فلما بلغ الأهالي ذلك أخذوا يفدون إليه ليلا ونهارا، مقدمين ~~الطاعة والامتثال، ولم يكن إلا أيام قليلة حتى دانت له جميع أهالي السلطنة، وطلب ~~منه عبد الله التعايشي أرضا في قيجة، غربي الكلكة، فأعطاه إياها على أن يكف عما ~~كان به من التدجيل، فرضي. # أما إسماعيل أيوب باشا المهاجم لدارفور من الشرق، فإنه أبطأ في سيره جدا، وعند ~~وصوله إلى فوجة كتب إلى الزبير، وهذا إذ ذاك في داره، يقول: «إني جئتك بنجدة، ~~فتشدد!» فبعث الزبير إليه يقول له: «إذا كنت قد جئتني بنجدة، فلماذا هذا الإبطاء ~~في السير، والعدو محدق بنا بجيوش لا عداد لها؟» فأجاب: «ما أنا أمرتك بالتقدم إلى ~~داره، ولا أفندينا، فإذا استطعت أن ترفع الحصار وتنجو بجيشك إلى هنا فافعل، وإلا ~~فدبر أمرك بما تراه صوابا!» وبقي في فوجة حتى انقضت الحرب، وبعد دخول الزبير ~~الفاشر بعث إليه بالخبر، فلقيه الرسول في طريقه إلى داره، فانثنى إذ ذاك عنها، ~~ووجه الجيش إلى عاصمة دارفور، فدخلها في 11 نوفمبر سنة ms430 1874، فأكرم الزبير لقياه، ~~وأطلق له مائة مدفع ترحيبا به. # وكان المتخلفون من جيش الفور، لما تحققوا موت السلطان إبراهيم في منواشي، قد ولوا ~~عمه حسب الله سلطانا عليهم، وذهبوا إلى جبل مرة وتحصنوا فيه، فلما حضر إسماعيل ~~أيوب باشا إلى الفاشر سلمه الزبير إدارة البلاد، وجهز جيشا مؤلفا من 12000 مقاتل، ~~فيهم 400 من العساكر المنظمة، و200 فارس من عساكر الحكومة، وزحف على جبل مرة، فلما ~~رأى الأمير حسب الله قوته، سلم بلا قتال، وكان معه بعض أولاد السلطان إبراهيم ~~وعمتهم الميرم عرفة، وغيرهم من أولاد السلاطين، ونحو ألف ومائتي رجل من كبراء ~~البلاد وأعيانها، فجاء بهم جميعا إلى الفاشر بعد أن تغيب عنها في تلك المهمة ستة ~~وتسعين يوما. # وكان الأمير حسب الله قد سأله بعد التسليم أن يساعده على توليه البلاد، ليحكمها ~~تحت طاعة الحكومة الخديوية، فيدفع لها مائة ألف جنيه جزية سنوية، فأعجب الزبير هذا ~~الرأي، واعتقده الصواب الذي فيه راحة البلاد والحكومة معا، فعرضه على الحكمدار، ~~وأسنده بكل قوته، ولكن الحكمدار رفضه بتاتا، فوقع بين الاثنين جدال طويل أفضى إلى ~~النزاع، وأرسل الأمير حسب الله والأمير محمد الفضل ابن السلطان إبراهيم وكثيرون ~~غيرهما من أولاد السلاطين إلى مصر، وأمر الزبير بالذهاب إلى داره، والإقامة فيها ~~بعساكره إلى أن يصدر إليه أمر آخر بالرجوع إلى بحر الغزال. # فذهب، وإذا بكتاب أتاه وهو فيها، من عبد الله التعايشي، يقول فيه: «رأيت في الحلم ~~أنك المهدي المنتظر، وأني أحد أتباعك، فأخبرني إن كنت مهدي الزمان لأتبعك!» فكتب ~~الزبير له: «استقم كما أمرتك، أنا لست بالمهدي، وإنما أنا جندي من جنود الله أحارب ~~من طغى وتمرد!» # ولم يمض شهر حتى ورد عليه كتاب من إسماعيل أيوب باشا يقول: «إن بوشا أخا الأمير ~~حسب الله شق عصا الطاعة، فجمع بقية أولاد السلاطين في جبل مرة، وملأ البلاد عيثا ~~وفسادا.» وأمره بالخروج إليه، وإخماد ثورته، فصدع بالأمر وسار إلى جبل مرة في 3 ~~أغسطس سنة 1875، وشهر على بوش حربا عوانا مدة خمسة ms431 عشر يوما، فترك بوش الجبل ~~واعتصم بالفرار، فغادر الزبير ابنه سليمان مع 1200 جندي في الجبل، وتتبعه حتى ~~أدركه في صرف الجدار قرب كبكبية، فأوقع به واقعة شديدة، انتهت بقتله وقتل أخيه سيف ~~الدين وسبعة وعشرين رجلا من كبراء جيشه. # ثم توغل الزبير بجنده في بلاد المغرب، فدانت له ديار نامه، والمساليت، وقمر، ~~وسلا، حتى أتى الترجة الفاصلة بين دارفور وودداي، فأقام فيها أياما للراحة، بعزم ~~الدخول في دار ودداي، وإخضاعها للحكومة الخديوية، وكان عليها إذ ذاك السلطان علي ~~ابن السلطان محمد شريف، فبعث إليه الزبير بكتاب يدعوه إلى الطاعة، ثم دخل بلاده ~~وتوغل فيها، حتى صار على مسيرة يومين من عاصمته، فورد عليه كتاب منه يدل على قبوله ~~الدخول في طاعة الحكومة الخديوية، وقد تعهد بدفع مبلغ معلوم جزية سنوية، على أن ~~يبقى سلطانا على بلاده، ووجه إليه أحد وزرائه بهدايا كثيرة للمفاوضة معه في هذا ~~الشأن. # ولكن قبل وصول الوزير ورد على الزبير كتاب من إسماعيل أيوب باشا بناء على إرادة ~~سنية، يلح عليه بالرجوع إلى دارفور في الحال، فرجع إلى الفاشر متأسفا على ما ~~فاته من فتح ودداي، فأخبره الحكمدار أن سلطان ودداي أرسل وزيره أحمد تنقة إلى مصر ~~عن طريق سيوه متشكيا للجناب الخديو، فأمر جنابه العالي برجوع الزبير، ولكنه أنعم ~~عليه برتبة اللواء الرفيعة مع لقب «باشا»، وشرع إسماعيل أيوب باشا، بعد دخوله ~~الفاشر، في بناء حصن منيع للعساكر على التلة الغربية منه، فبنى سورا مربعا متينا ~~من الطوب سمكه ثلاثة أقدام، وطول الضلع الواحدة منه مائتا قدم، وأقام في أركانه ~~الأربعة أبراجا، على كل ركن برجا، جعل فيها المدافع، وحفر من وراء السور خندقا ~~بلغ عمقه خمسة عشر قدما، وأحاطه بزريبة من شوك، وبنى من داخل السور ديوانا ~~للحكومة، ومنزلا للحاكم، وثكنة للعساكر المنظمة، وأما العساكر غير المنظمة ~~فأقرها خارج السور، وهدم المنازل التي في جواره، فجعل الأرض التي حوله في غاية ~~الانكشاف إلى مسافة بعيدة، فجاء حصنا منيعا جدا، ثم وزع منشورا في ms432 كل ~~البلاد، ودعا الناس إلى الفاشر لأخذ الأمان، فطفقت الوفود تأتيه من الجهات الأربع، ~~فيؤمنهم ويرجعهم إلى بلادهم، ثم أمر فعمرت سوق كبيرة في الفاشر، وعاد الناس إلى ~~معاطاة أشغالهم كالعادة. # وبعد أن تمهدت البلاد جعلها أربعة أقسام؛ وهي: مديريات الفاشر، وداره، وكلكل ~~وكبكبية، وإدارة أم شمقة، وأقام في كل من مركزي داره وكلكل حصنا كالذي أقامه في ~~الفاشر، ورتب في كل مديرية أورطتين من العساكر المنظمة، وستة سناجق من الباشبوزق ~~الشايقية والأتراك والمغاربة، وبطارية بستة مدافع. وأما إدارة أم شمقة، فرتب فيها ~~بلوكين من العساكر المنظمة، وسنجقا واحدا من الباشبوزق، لقربها من الأبيض. # ثم شرع في وضع الضرائب على الأهلين، فجعل على كل نفر خمسين قرشا في السنة، ما ~~عدا أهل اليسار، فإنه جعل عليهم ضرائب أعظم على نسبة يسارهم، فقبلوها مرغمين؛ لأنهم ~~كانوا قد سئموا عيشة الاضطراب والقلق التي وصلوا إليها في آخر سلطة الفور، وتاقوا ~~إلى السكينة، ولكن لم يطل الأمر حتى انتشر الباشبوزق في أنحاء البلاد، وتقاضوا ~~الضرائب من الأهالي بالعنف والقوة، فاستعظموا ذلك، وفضلوا العودة إلى ما كانوا ~~عليه قبلا. # وكان عندهم من أولاد السلاطين الأمير هارون الرشيد ابن الأمير سيف الدين ابن ~~السلطان محمد الفضل، فبايعوه سلطانا عليهم في أوائل سنة 1877، وثاروا ثورة عامة، ~~وحاصروا حاميات الفاشر وداره وكلكل، والذي حصر الفاشر الملك سعيد كبير البرتي، ~~والمقدوم آدم، مقدوم الشمال سابقا، فهاجماها مرتين، وكادا يستوليان عليها، لولا أن ~~العساكر حاربوا حرب الأسود، فصدوهما، ولكنهم لم يقووا على رفع الحصار، فأرسل حسن ~~باشا حلمي الجويسر، مدير الفاشر، في طلب المدد من الخرطوم، فأتاه عبد الرازق باشا ~~بجيش كبير، فتصدى له العصاة في بروش، بين أم شمقة والفاشر، فقتل منهم خلقا كثيرا، ~~ودخل الفاشر فرفع عنها الحصار، وأرسل الجنود إلى داره وكلكل، فرفعوا الحصار عنهما ~~أيضا. # ثم أخذ حسن باشا عسكرا من الفاشر، وخرج لمطاردة الأمير هارون، فأدركه في الطينة ~~على مسيرة يوم ونصف من الفاشر، فأوقع فيه واقعة شديدة، ثم لحقه إلى بيرمرتال، فقتل ~~من ms433 عسكره خلقا كثيرا، وهزمه إلى نيورنا وسط جبل مرة. وكان إسماعيل أيوب باشا، مذ ~~دخلت سنة 1877، قد عاد إلى مصر، متخليا عن حكم السودان، بعد أن أمن السبل، وأنشأ ~~المحطات في طرق القوافل بين الخرطوم ودارفور، وبين بربر وسواكن، ومع ذلك فإنه لم ~~يكن محبوبا في السودان، وقد وصفه بعضهم بقوله: «كان رجلا جبارا، يعنى ~~بالعسكرية، ويهمل الرعية، ويقبل كل هدية!» # فلم ير الخديو رجلا يوليه بالسودان، على اتساع أطرافه وكثرة مشاكله، أفضل من ~~جوردون، فأرسل يستدعيه تلغرافيا من بلاد الإنجليز، فحضر في أوائل فبراير سنة ~~1877، وكانت مديريات السودان لا تزال مستقلة بعضها عن البعض، فطلب جوردون ضمها كلها ~~تحت إدارته، فأجابه (إسماعيل) إلى ذلك، وأصدر له فرمانا بتاريخ 17 فبراير بالولاية ~~على جميع بلاد السودان المصري مع دارفور، وخط الاستواء، وسواحل البحر الأحمر، وهرر، ~~ومنحه السلطة العسكرية والمدنية كلها عليها، وأعطاه سلطانا على القتل والعفو، ومنع ~~دخول أحد إلى السودان إلا بإذنه، وعهد إليه بمنع تجارة الرقيق، وتحديد التخوم بين ~~السودان والحبشة. # فسار جوردون إلى الخرطوم بعزم وطيد لإصلاح البلاد، وفض مشاكلها، ووضع نظام عام ~~يكفل لها الراحة، ويرقيها في معارج المدنية والعمران، ولكنه لم يلبث أن رأى خطورة ~~المركز الذي تولاه، وتعذر النجاح في المهمة الملقاة على عاتقه؛ نظرا لعدم تيسر ~~الأيدي اللازمة للعمل، واتساع أطراف السودان، ومشقة السفر في بلاده برا وبحرا، ~~مع قلة الجيوش اللازمة لحمايته بعد أن ذهب قسم منها لمساعدة الدولة العلية في حرب ~~الروس، ونهكت القسم الآخر حرب الحبشة، وسيأتي ذكرهما في حينه. # فقضى جوردون في السودان أزيد من سنتين، وهو يتنقل من مكان إلى مكان، آونة بالبر ~~وأخرى بالبحر، متمما كل ما أمكنه من الإصلاح، حتى أعياه التعب، وقاومته السياسة، ~~فاضطر إلى الاستعفاء. وكان أهم ما اشتغل به في هذه المدة إخماد ثورة الأمير هارون ~~الرشيد في دارفور، وحركة صباحي في كردوفان، وتمرد سليمان الزبير في بحر الغزال، ~~ومنع تجارة الرقيق، والنظر في مد سكة حديد السودان، وإصلاح ذات البين بين الحبشة ms434 ~~ومصر. # أما الأمير هارون، فإنه كان قد عاد إلى الحركة في أوائل سنة 1879، فسار جوردون ~~إلى الفاشر، وما لبث أن رأى أن دارفور لا يصلح حالها إلا إذا حكمها رجل من أهلها ~~تحت طاعة الحكومة، على نحو ما أشار به الزبير من قبل، فبعث إلى مصر في طلب الأرشد ~~من أولاد السلطان إبراهيم، وعزل حسن حلمي باشا عن الفاشر، وسمى مساداليه بك - وهو ~~ضابط إيطالي - مديرا على دارفور، وكان مديرا على داره، وجعل المقدوم رحمه قومو - ~~وكان قد أطلقه من سجن سواكن سنة 1877 عند مروره بها - معاونا له، إلى أن يجيء ابن ~~السلطان إبراهيم من مصر، ولكن هذا الشاب التعس الحظ لم يصل إلا إلى دنقلة، حيث ~~فاجأته منيته، فعهد جوردون إلى مساداليه في إخماد حركة هارون، فاستعان الإيطالي ~~عليه بسلاطين بك - وكان قد خلفه على مديرية داره - فعمل الاثنان معا، وانضم إليهما ~~النور بك عنجرة مدير كلكل، فقضى الثلاثة على الرجل بمهاجمتهم إياه بالتتابع، وتم ~~قتله على يدي مدير كلكل في مارس سنة 1878. # وأما الصباحي - وقد كان أحد قواد جيش الزبير، وانفصل عنه بعد ذهاب الزبير إلى مصر ~~لمقابلة الجناب العالي، وعرض حقيقة حال دارفور على سموه، والنظر معه ومع رجال ~~حكومته في تنظيم البلاد التي تم فتحها على يديه، والبلاد التي يمكن إلحاقها بحكومته ~~في المستقبل، فأبقاه (إسماعيل) بمصر في ظل ساحته حتى ينظر في أمره، وكانت تلك ~~القاضية؛ لأن الرجل لم يرجع إلى السودان بعد ذلك، وقضى نحبه بمصر في أيامنا هذه - ~~فإنه ألف عصابة من أربعمائة رجل، وأغار على الأرضية في كردوفان، فقتل مأمورها، ~~وفر إلى جبال النوبة، فعلم به جوردون وهو ذاهب إلى دارفور المرة الثانية في مارس ~~سنة 1879، فأرسل من الأبيض نفرا من العساكر، فطاردوه وأتوا به أسيرا، فحوكم في ~~مجلس عسكري، وحكم عليه بالإعدام. # وأما سليمان الزبير فإنه بعد ذهاب أبيه إلى مصر خرج بالجيش، وعدده أربعة آلاف ~~مقاتل إلى شكا، وأقام فيها إلى أن حضر جوردون إلى دارفور أول مرة، وأرسل ms435 إليه أمرا ~~لمقابلته مع جيشه. # فصدع بالأمر واجتمع عليه في شهر أغسطس سنة 1877، وكان أحد سناجق الجيش - ويقال له ~~السعيد بك حسين - قد وشى بالزبير أبيه إلى جوردون قائلا إنه أوصى ابنه، إذا هو لم ~~يرجع سريعا من مصر، أن ينهض بثورة على الحكومة، فرأى جوردون أن يفرق جيش سليمان، ~~فأعطى سعيد بك ألف رجل وسماه مديرا على شكا، وأعطى الباقي للنور بك عنجرة، من ~~سناجق جيش سليمان، وأرسله إلى كبكبية، وأمر سليمان فرجع إلى شكا بقلة وذلة. # وفي أواسط سبتمبر وافاه جوردون إليها فطيب خاطره، وأنعم عليه بالرتبة الثانية ~~مع لقب «بك»، وسماه مديرا على بحر الغزال، فسر سليمان بهذا الالتفات، وذهب إلى ~~ديم أبيه القديم، وكان الزبير قبل قيامه منه لحرب دارفور قد خلف إدريس أبتر، من ~~تجار الدناقلة، وكيلا عنه في بحر الغزال براتب معين، فقضى أربع سنوات في إدارة بحر ~~الغزال لا يشاركه أحد فيها. # فلما حضر سليمان وجد أن إدريس أبتر قد أخل بالإدارة، واستبد بالعباد، ولم يهتم ~~إلا بانتفاعه الشخصي، فأعلن سيلمان عن محاكمته في مجلس قضائي، ففر الرجل إلى ~~الخرطوم، ووشى به إلى جوردون بأنه يريد الاستقلال في بحر الغزال بحجة أنها بلاد ~~أبيه، وليس للحكومة حق فيها. ويظهر أن جوردون أصغى إلى وشايته، فأنعم عليه بلقب ~~«بك»، وأعطاه مدفعين، ومائتين من العساكر المنظمة، وسماه مديرا على بحر الغزال. ~~فلما وصل إدريس أبتر إلى ديم قنده، المعروف أيضا باسمه، كتب إلى رؤساء الزرائب ~~يخبرهم بتعيينه مديرا على بحر الغزال، ويأمرهم بالحضور إليه، وكتب إلى سليمان ~~يدعوه للتسليم. # فغضب سليمان من ذلك، وكتب إليه في الجواب يقول: «إن ولائي للحكومة يمنعني من ~~الخروج عن طاعتها، إلا أن شرفي لا يسمح لي بالتسليم إلى من كان خادمي وخادم أبي من ~~قبلي، ولا يمكنني أن أأتمنك على نفسي وأموالي بعد الذي رأيته من خيانتك وإنكارك ~~للجميل؛ لأنك لو كنت أمينا وذاكرا للجميل لحفظت عيشنا وملحنا وتربيتنا لك، فلا ~~تنتظر مني التسليم، ولو أرسلت الحكومة إلي رجلا ms436 غيرك، ولو عبدا، لسلمت وذهبت ~~معه إلى جوردون، وأطلعته على جلية أمري، وبينت له نفاقك والسلام!» # فتيقن إدريس أبتر من هذا الجواب أن سليمان لا يسلم إليه إلا بالقوة، فترك ~~جنده في عهدة أخيه عثمان، وطاف في الزرائب يحرضهم على محاربة ابن الزبير، وكان ~~عثمان أخو إدريس رجلا فظا عاتيا، مكروها من جميع «البحارة»، وكان يرسل ~~الشتائم إلى سليمان وأتباعه، ويتهددهم بالقتل وأنواع العذاب، فجرد سليمان ~~رجاله، ورجال الزرائب الذين من حزبه، وهاجمه في ديم قنده، فقتله وقتل أكثر الجهادية ~~والجلابية الذين معه، وغنم أسلحتهم وذخائرهم، وعاد بالغنائم والأسرى إلى مركزه، ~~فلما بلغ إدريس أبتر خبر الواقعة انقلب راجعا إلى الخرطوم، وأخبر جوردون بما ~~كان. # فجهز جوردون سرية من العساكر، وعقد لواءها لچيسي باشا، ومعه يوسف باشا الشلالي، ~~فأقلعا من الخرطوم في يولية سنة 1878، وسارا في النيل الأبيض حتى وصلا (أورنبك) ~~بطريق (شامبي) في سبتمبر سنة 1878، فوجد البلاد مغمورة بالمياه بسبب الأمطار، فأقام ~~في (أورنبك) نحو ثلاثة أشهر حتى جفت الأرض، فسار قاصدا ديم سليمان، ومعه 300 من ~~العساكر المنظمة، و700 من الباشبوزق، وثلاثة مدافع، وكان على طريقه في نقطة ~~(الدمبو) رجل من مشاهير «البحارة» يقال له علي بك أبو عموري، ومعه نحو ألف رجل ~~مسلحين بالبنادق، فدعاه للانضمام إليه، فأجابه بعد تردد؛ لأنه لم يكن يود محاربة ~~سليمان، ولكن كان له محل تجاري في الخرطوم، وآخر في مصر، فأجاب الدعوة مضطرا ~~لتجارته، واجتمع علي وچيسي في جور غطاس، وساروا كلهم حتى نزلوا في (قندة)، في أواسط ~~ديسمبر سنة 1878. # وكان سليمان لما علم بقدوم چيسي قد أخذ في حشد الجيوش، حتى اجتمع عنده نحو عشرة ~~آلاف مقاتل، فسار بهم إلى (قندة)، ونزل بالقرب من معسكر چيسي، ولما كان صباح 28 ~~ديسمبر سنة 1878 حمل على المعسكر حملة صادقة، وكان چيسي قد أمر جنوده، فبنى كل ~~منهم متراسا علوه متر ونصف متر؛ ليقيه من الرصاص، فأصلوا رجال سليمان نارا ~~حامية، فثبتوا برهة، ثم انقلبوا راجعين إلى معسكرهم، فبنوا حصنا منيعا من ms437 الأخشاب ~~والتراب، ونزلوا فيه، ثم جددوا الهجوم على چيسي في 12 يناير سنة 1879 وفي 29 منه، ~~فلم يظفروا بطائل. # وفي 11 مارس سنة 1879 وصل چيسي مدد من الذخائر والعساكر، فزحف بجيشه حتى صار ~~قريبا جدا من معسكر سليمان، وأقام تلا من التراب وجعل عليه المدافع والسواريخ، ~~وشرع يرمي بمقذوفاتها ذلك المعسكر، وكانت بيوته كلها من قش، فاشتعلت النار فيها، ~~فذعر سليمان وارتد إلى (ديمة). # وبقي چيسي في (قندة) حتى جاءه مدد آخر من جوردون، فزحف بجميع جيشه على ديم ~~سليمان، ووصله في 4 مايو سنة 1879، فخرج عليه سليمان من الديم، وحاربه مستقتلا مدة ~~ساعة، ثم انهزم راجعا إلى الديم، فتبعه چيسي على الأثر وأخرجه منه، واستولى على ~~جميع ما فيه من الأمتعة والأموال، وسار سليمان شمالا حتى وصل (غرة) غرب الكلكتة، ~~من أعمال دارفور، فأقام فيها. # وكان جوردون، لما حضر المرة الثانية إلى دارفور، وعرج على (شكا) في 7 أبريل سنة ~~1879، وجد فيها بعض التجار الجعليين يهربون الأسلحة إلى سليمان في بحر الغزال، ~~فألغى المديرية وشتت التجار، وأمد چيسي ببعض الذخائر، ثم توجه إلى الفاشر للنظر ~~في ثورة هارون، فلم يلبث أن أتاه خبر من چيسي باستيلائه على ديم الزبير، وفرار ~~سليمان إلى (غرة)، فخاف جوردون أن ينضم سليمان إلى هارون، فيصعب عليه إذلالهما ~~معا، فعاد إلى (الطويشة)، وكتب إلى چيسي - فترك الجيش بقيادة ساتي بك في ديم ~~الزبير، ووافاه إلى (الطويشة) ومعه يوسف باشا الشلالي في 25 يونية سنة 1879، وهو ~~يوم تعس (لإسماعيل) - فأمره بمطاردة سليمان إلى (غرة)، وعاد يوسف باشا الشلالي إلى ~~الخرطوم، فقاد چيسي العساكر من داره، وأخذ معه بعض مشايخ الزريقات والمغاربة أصحاب ~~الثأر على الزبير، وسار حتى وصل الكلكتة، فأرسل رسلا بكتاب إلى سليمان يدعوه إلى ~~التسليم. # وكان قد بلغ الزبير خبر خروج ابنه على الحكومة بسبب إدريس أبتر، فكتب إليه في 20 ~~ديسمبر سنة 1878 يأمره بالرجوع في الحال إلى الطاعة وطلب العفو، وإلا كان الله ~~ساخطا عليه، وهو كذلك! فلما وصل ms438 كتابه إلى سليمان - وكان قد خرج من بحر الغزال - ~~استوعبه وصدقه، فلما دعاه چيسي إلى التسليم مال إليه. # ولكن رابحا خادم أبيه الأمين عارضه، فانقسم الجيش بهما إلى حزبين: حزب مال إلى ~~التسليم، ورئيسه سليمان؛ وحزب أعرض عنه، ورئيسه رابح. فلما كان صباح 14 يولية سنة ~~1879 أتى سليمان إلى چيسي مسلما، ومعه 700 رجل، فيهم ثمانية من أقاربه، وكان في ~~جيش چيسي كثير من الدناقلة الذين يكرهون سليمان والجعليين، فوشوا بالتعيس إلى چيسي ~~قائلين إن تسليمه هو وأقاربه إنما هو خدعة، فصدق چيسي الوشاية، واتخذها مسوغا ~~لقتلهم. فناداهم إلى خيمته ثاني يوم التسليم، وسقاهم القهوة، وكان قد أوعز إلى بعض ~~الجند، فاحتاطوا بالخيمة، ثم خرج منها، فدخل بعضهم وأوثقوا سليمان وأقاربه، وجعلوهم ~~صفا واحدا خارج الخيمة، ووقفوا خلفهم ورموهم بالرصاص، فانكبوا على وجوههم قتلى. ~~وبعد ساعة أتى قناوي بك أبو عموري، فكفنهم وحفر لهم حفرة ودفنهم فيها. # فالخيانة والغدر ليسا من خصائص الشرقيين وشيمهم دون سواهم، كما يزعم ~~الغربيون! # وبعد أن فرغ چيسي من أمر سليمان، عاد إلى ديم الزبير، فنظم فيه مديرية وجعل ساتي ~~بك مديرا، والزبير ود الفحل وكيلا له، ومحمود المحلاوي مفتشا لمنع تجارة الرقيق، ~~وقسم البلاد إلى ثمانية أقسام، وجعل في كل قسم منها نفرا من الباشبوزق والبازنجي، ~~وجعل في ديم الزبير أورطة جهادية، وقفل راجعا إلى الخرطوم. # ثم نظم ساتي بك أورطة جديدة من أهالي البلاد، وجاء موسى بك شوقي قومندانا ~~للعساكر من الخرطوم، ومعه ستة عشر كاتبا للقيام بأشغال المديرية، وبعد وصولهم ~~بثلاثة أشهر حضر لپتون بك - وهو من البحارة الإنجليز - مديرا على بحر الغزال، ~~وقومندانا للعساكر من قبل جوردون، وعاد موسى بك شوقي إلى الخرطوم، وبقي لپتون في ~~بحر الغزال إلى أن قام المهدي، فاضطر إلى التسليم إلى أحد أنصاره. # أما چيسي باشا فقد اعترضه السد في الطريق، وهو راجع إلى الخرطوم، وفرغ منه الوقود ~~والزاد، حتى أكل رجاله بعضهم بعضا، وأشرفوا على الهلاك، وإذا بباخرة قاصدة خط ~~الاستواء أقبلت عليه، فرجعت ms439 بهم إلى فاشودة، فسار چيسي منها بمن بقي من رجاله، ~~وفيهم قناوي بك أبو عموري، إلى الخرطوم، وقام منها قاصدا مصر عن طريق سواكن، ~~فوافته المنية في السويس في 30 أبريل سنة 1881.‏ # 27 # أما مد السكة الحديدية، فقد تكلمنا عنه في غير هذا المكان، على أن جوردون كان ~~على رأي القائلين بمدها في طريق سواكن وبربر، لا في طريق النيل، والاكتفاء بمد فروع ~~منها عند الشلالات؛ لأن النيل بين الشلالات صالح للملاحة، فلا يفتقر إلى سكة ~~حديدية، ولكن (إسماعيل)، لعلمه أن الاكتفاء بمد سكة حديدية بين الخرطوم والبحر ~~الأحمر إنما يحول عن مصر تيار تجارة السودان، أبى إلا أن يمدها على النيل؛ لكيلا ~~ينفصل جزء سلطنته الجنوبي عن جزئها الشمالي. فيا ليت ماليته مكنته من تنفيذ ~~رغبته! # وأما تحديد التخوم بين السودان والحبشة فكان قد أصبح من أهم المشاغل والأمور، ~~ولكن لا سبيل إلى إدراك أهميته إلا بعد الوقوف على مجاري الحوادث التي أدت إلى قيام ~~مسألة ذلك التحديد. ولإيقاف قرائنا عليها نقول: # تقدم أن الدولة العثمانية تنازلت لمصر عن سواكن ومصوع في سنة 1866 مقابل زيادة ~~في جزيتها السنوية، فمذ أصبحت مصوع بيد مصر أخذت تسعى في تأييد المواصلات بينها ~~وبين كسلا، وأول ما فتق لها وصل هذين البلدين بخط حديدي يمر في (سنهيت) التي ~~اعتبرها (إسماعيل) داخلة في فتح جده لكسلا. # فعارضه الملك ثيودورس - نجاشي الحبشة - في ذلك، وزعم أن (سنهيت) ملك حبشي، ولكن ~~ثيودورس هذا ما لبث أن جر على نفسه حربا مع الإنجليز، فطلب أعداؤه من (إسماعيل) ~~أن يأذن لهم باجتياز بعض الأرض المصرية الواقعة على بحر القلزم، فلم يكتف ~~(إسماعيل) بإجابتهم إلى ذلك، ولكنه، لاستيائه من ثيودورس، وضع الأسطول المصري كله ~~الذي كان في البحر الأحمر تحت تصرفهم، وأرسل إلى مصوع وضواحيها زهاء ثلاثة آلاف ~~عسكري، كانوا قد عادوا من الحملة الكريتية، وكلف حاكم مصوع بمساعدة الإنجليز في ~~كل ما يرغبون. # فانتهت تلك الحرب بقتل ثيودورس، سنة 1868، وصيرورة عرش الحبشة بعده إلى يوحنا، ~~وكان هذا ms440 في بادئ أمره تلميذا في دير، ولكنه ما لبث أن تركه وترأس منسرا، وأخذ ~~يقطع الطرق، ثم اشتد ساعده، وزاد بطشه، وعلا نفوذه، حتى تمكن من تبوء كرسي ~~الحكم في مقاطعة البحري، والتغلب على رئيس يقال له الرأس باريو، كان من أهم رءوس ~~الجيوش. ولما قدم الإنجليز لحرب النجاشي ثيودورس ساعدهم يوحنا، وكان اسمه في ذلك ~~الحين «الرأس قاسة»، مساعدة فعالة، فترك له اللورد نيبير أوڨ ماجدالا - بعد قهره ~~النجاشي وقتله إياه - اثني عشر مدفعا، وألفي بندقية، وميرة كثيرة ليتساعد بها على ~~القيام في محل ثيودورس. وبعد انسحاب الجيش الإنجليزي تخلف عنده بريطاني يقال له چون ~~تشارلز كركهام، وكان قد حارب في القرم والصين مع برجوڨاين، وورد، وجوردون، فعضده في ~~التغلب على خصم له يدعى جوباسي، فعلت منزلته عنده. وبما أن يوحنا هذا لم يكن من آل ~~بيت الملك أبى كثيرون من رؤساء الأحباش الاعتراف به، وأخذوا يناوئونه العداء، ~~وأهمهم رأس قبيلة القالا، فانشغل في قتالهم دهرا. # وكانت الجنود المصرية مذ بدأت بفتح أقاصي السودان قد توغلت في فتوحاتها على ما ~~رأينا، حتى بلغت خط الاستواء، فوقع في خلد (إسماعيل) أن يجعل النيل كله مصريا؛ ~~لاعتقاده تحقيق ذلك أمرا حيويا لبلاده، فأخذ يعمل على الإحاطة بالحبشة من جميع ~~الجهات لجعلها في معزل عن الخارج، وخنقها بين حلقات ممتلكاته، في تداني هذه بعضها ~~من بعض، لا سيما بعد أن تم له امتلاك السودان برمته؛ غربيه وشرقيه وجنوبيه. فسير ~~إلى جوف بلاد الحبشة - لمعرفة أحوالها، واستمالة بعض كبار رءوسها - رجلا سويسريا ~~يقال له متزنجر، كان قنصلا لدولتي إنجلترا وفرنسا في مصوع، فتوغل هذا فيها، وغاب ~~خبره حينا، ثم عاد حاملا شيئا من محاصيل البلاد، وزين للخديو التغلب عليها ~~وامتلاكها، مغتنما لذلك فرصة قيام الفتنة بين أمرائها وملوكها، وضرب الخلل أطنابه ~~في جوانبها، وأقسم له بأغلظ الأيمان إنه يملكها ويدوخها بنفر من العسكر المصري، ~~وشيء يسير من النفقة. # فأعجب الخديو برأيه ومال إليه، وما زال متزنجر يتردد على الأبواب السنية حتى ~~ولاه (إسماعيل) ms441 المحافظة على فرضة مصوع، مفتاح أرض الحبشة البحري، وحلاه ~~برتبة الباكوية - وكانت رتبة سامية، ولم تزل كذلك، حتى جعلها الاتجار بالألقاب ~~والنياشين، في عهد عباس الثاني، مبتذلة محقرة - فسار متزنجر إلى مقر وظيفته الجديدة ~~- وهو مقره القديم - وأخذ يقرب إليه بعض مشايخ السواحل، ويستميلهم بالنقود ~~والهدايا، ويدفع بهم إلى دس الدسائس وإيقاظ الفتن كلما نامت ما استطاعوا إلى ذلك ~~سبيلا. # فلما كانت سنة 1872 اغتنم متزنجر فرصة ذهاب يوحنا إلى محاربة القالا في الجنوب، ~~واستولى على (كرن) عاصمة البوغوس - واسمها الحبشي (سنهيت) - بألف وخمسمائة رجل، ~~واستمال رأسا يقال له النائب محمد، كان يكره يوحنا، فاشترى منه مقاطعة (آيلت) ~~الواقعة بين الحماسين ومصوع، وأدخله تحت ولاء الخديو مقابل مرتب سنوي يدفع ~~له. # ولم يكن يوحنا بغافل عن مساعي مصر ورغائبها، وكان يراها ترمي شباكها حوله بعين ~~متخوفة وقلب مضطرب، فلما وجدها باحتلالها (سنهيت) ومشتراها (آيلت) تدنو من قلبه ~~هب منذعرا، ووقع في خلده في بادئ الأمر أن يستظل في حماية الدول الغربية، بأن ~~يمثل لها التقدم المصري في صورة غزو إسلامي لبلاد مسيحية، يستدعي أن تقابله ~~المسيحية بصليبية جديدة، فأرسل صديقه چون تشارلز كركهام إلى الملكة ڨكتوريا وباقي ~~عواهل أوروبا في تلك المهمة، ولكنه لم يجد من أحد منهم أذنا صاغية، وعاد رسوله ~~بخفي حنين؛ لأن أيام الصليبيات انقضت بدون أمل في رجوعها مطلقا. # فعزم يوحنا على تولي أمر الدفاع عن نفسه بنفسه؛ لذلك قلد كركهام - ما دام حيا ~~- رياسة مقاطعة من ضمنها (جندا)، الواقعة جنوب (آيلت)، وخليج أربى - وكان المصريون ~~قد استولوا عليه أيضا لفتح ثغر زولا - فرفع كركهام الراية الإنجليزية عليها؛ ~~ليحميها من تعديات مصر حماية فعالة. # ولكنه حدث في سنة 1874 أن الأمير أحمد، سلطان هرر - وهرر كانت سلطنة إسلامية ~~مستقلة شرقي الحبشة، أسسها غزاة العرب بعد قيام الإسلام بقليل، وحكمتها أسرة من ~~أهلها - مات وتولى السلطنة بعده الأمير محمد، وأن هذا السلطان الجديد استبد ~~بالأهلين استبدادا لم يعد لهم معه طاقة على حكمه، فاستنجدوا (بإسماعيل) وسألوه أن ms442 ~~يرسل من قبله واليا يتولاهم بدل سلطانهم، فأسرع (إسماعيل) إلى إجابة سؤالهم، وأخذ ~~يسعى في شراء زيلع وبربرة، ميناءي هرر، من الدولة العلية، وما لبث أن نجح في سعيه، ~~وتنازل الباب العالي عنهما في يولية سنة 1875 مقابل زيادة 13365 جنيها على جزية ~~مصر السنوية، فامتد سلطان مصر على ساحل القلزم الغربي عامة، من خليج السويس إلى ~~تچوره، وتجاوزه إلى رأس جردافوي على المحيط الهندي، متناولا بذلك ذات الأرض ~~السومالية القصية. # وإنما رمى (إسماعيل) في هذا المشترى إلى غرضين: (الأول) إتمام تطويق بلاد الحبشة ~~من كل جانب، حتى من حيث لم يكن ليخطر لأحد على بال؛ لينال منها ما يريد، و(الثاني) ~~تحقيق تحويل مجرى تجارة النيل الأعلى والبلاد الواقعة على البحيرات إلى المحيط ~~الهندي، تحويلا يكون كله في مصلحة مصر. # ولكي تدل المظاهر دلالة واضحة على حقيقة النيات أوفد من جهته في السنة عينها ~~بعثة تحت رياسة ماكيلوپ باشا مدير المنارات المصرية، ومعه فديريجو باشا البحري، ~~والضابطان وورد، ولونج، إلى نهر جوبا؛ ليفتح الطريق بين الهند وخط الاستواء، ~~ورافقهم بسبعمائة أسرة سودانية موالية لتقيم على طول طريق الاتصال بين ينابيع النهر ~~العظيم وسواحل المحيط الكبير، وجهز من جهة أخرى في سبتمبر من السنة نفسها حملة ~~مؤلفة من خمسة أورط من المشاة المصريين، وبلوكين من الباشبوزق، وثلاثمائة جمل ~~ومدفعين جبليين، وعدة سواريخ حربية، وعقد لواءها لرءوف باشا الذي كان حاكما على ~~(جندوكورو) حينما وصلها جوردون أول مرة. # أما بعثة ماكيلوپ، فإنها نجحت فيما انتدبت لأجله نجاحا بشر بقرب تحقيق الآمال ~~المعقودة عليه، ولكن مصالح مصر هناك ما لبثت أن تضاربت مع مصالح الزنزبار، واصطدمت ~~بالمصالح البريطانية في عدنه، فهبت إنجلترا إلى الممانعة والمعارضة، وانتهى الأمر ~~بينها وبين الحكومة المصرية على أن بريطانيا تعترف بملكية الخديو لجميع البلاد ~~الواقعة لغاية الدرجة العاشرة، وأن الحكومة المصرية تعتبر جميع الموانئ، ما عدا ~~زيلع، حرة ومفتوحة الباب للاتجار. # وأما حملة رءوف باشا، فإنها احتلت مدينة هرر في 11 أكتوبر سنة 1875، وقبض قائدها ~~على السلطان محمد ms443 وقتله خنقا، وقتل معه خمسة وعشرين شيخا من الزعماء؛ ليأمن كل ~~اضطراب في المستقبل، ورفع العلم المصري في سماء تلك الأصقاع السحيقة. # 28 # وقد استمرت مصر قابضة على زمام الأحكام في تلك البلاد إلى أن كانت ~~الثورة المهدية، ولم يعد في الاستطاعة إبقاء الجنود المصرية فيها، فأخلتها لأهلها ~~في مارس سنة 1884، فآلت إلى الأحباش في عهد الملك منليك. # فزاد انتقال ملكية زيلع وبربرة إلى الخديوية المصرية، واحتلال الجنود المصرية ~~هرر، في مضايقة النجاشي يوحنا ومخاوفه؛ لأنه أصبح يلمس بيده التهديد الصادر عن مصر، ~~ويراه يتناول جهات متعددة حوله. # ولم يكن القوم في العاصمة المصرية، لا سيما المحيطون بالخديو، يخفون مقاصدهم، بل ~~كانوا يجاهرون بها على رءوس الأشهاد، فيتتبعون سير الفتوحات المصرية في الجنوب ~~والغرب والشرق، ويقولون بأعين تتألق فيها نيران الآمال والمطامع: «إن الأمور سائرة ~~على ما يرام، وقد حان وقت الإقدام والعمل، أما وقد اشترينا زيلع واحتللنا هرر، ~~فإن اكتساح الحبشة بات أمرا لازما ولم يعد منه مناص.» # غير أن الأمريكان ما فتئوا يشيرون بالامتناع عن مناوأة الحبشة العداء، والحرص من ~~الاشتباك معها في حرب؛ إما لأنهم لم يكونوا يرون بعين الارتياح حلول الهلال ~~الإسلامي، ولو كان بشير التمدين والعمران، محل الصليب المسيحي، ولو استظل تحت ~~جناحيه التأخر والهمجية، وإما لأنهم كانوا يعتقدون أن مصر عاجزة عن فتح الحبشة، ~~ويعتبرون أن اكتساح قوة مصرية لتلك المملكة ضرب من المحال، وإما لأنهم كانوا ~~يتوقعون أن تؤدي الحرب بين الدولتين الإسلامية والمسيحية إلى تداخل دولة مسيحية ~~غربية - كإنجلترا مثلا - في الأمر تداخلا تكون عاقبته انخذال مصر. # ولكن الراغبين في تلك الحرب من رجال الحزب العسكري المحيطين بالخديو، كانوا ~~يسفهون آراءهم هذه، لا سيما الأخير منها، ويقولون بحق: «إن الدول الغربية اليوم ~~إنما هي في جانب التمدين، لا في جانب التدين، فلا يهمها إسلام أو مسيحية، وإنما ~~يهمها أن يسود العمران المعمور، وتنتشر المدنية بنعمها الشتى فوق ربوع ~~العالم.» # وكانت الأخبار التي تذاع يوميا، تارة عن تعمير مراكب وتجهيزها في مرافئ القلزم، ms444 ~~وطورا عن فتح دارفور ورفع الأعلام المصرية على ضفاف نهري السوبط والنيل الأزرق، أو ~~في سماء خط الاستواء، وعلى سواحل المحيط الهندي - تزيد في حماسة القلوب والتهاب ~~الأرواح، وتحمل على توقع إجراء تطلبه النفوس. # وإن القوم لكذلك، وإذا بنبأ ذاع في الأندية الخاصة بأن الأميرالاي أرندروپ ~~والقائمقام درهلز أقبلا يشتريان جزما طويلة وزمزميات وأشياء أخرى من التي يحتاج ~~إليها في الحملات البعيدة، وما هما إلا يومان وفشا خبر سفر أرندروپ ودرهلز، ومعهما ~~القائمقام رشدي ابن مدير أسوان التركي، واقتفاء الميجور دنيسون الأمريكي أثرهما ~~ليلا. # وكان أرندروپ ملازما في المدفعية الدانماركية، جاء إلى مصر طلبا للصحة ~~والعافية، فتعرف به الجنرال ستون الأمريكاني، وأعجب بأخلاقه وشمائله، فحمله ~~الخديو على استخدامه في جيشه في وظيفة نائب أميرالاي، وما لبث أن رقي إلى رتبة ~~أميرالاي، وعهدت إليه قيادة الحملة التي أعدت، فانضم إليه فيها الكونت زيشي ~~النمساوي - وكان قد نوى تعيينه حاكما على أحد الأقاليم المنتظر فتحها - وأراكيل ~~نوبار ابن أخي نوبار باشا - وكان في السابق محافظ مصوع، وطالما فكر في نيل فخار ~~الفتح ومجده، ومنى نفسه بأكاليل الانتصار، أسوة بأبطال الأزمنة اليونانية، ~~والرومانية القديمة، فكان من أكبر أنصار الحملة وأنشط العاملين على بعثها، بل كان ~~هو الذي شكلها بأمانيه وأحلامه. # ولكي يختلط الأمر على النجاشي، أرسل أرندروپ إليه كتابا في 19 أكتوبر سنة ~~1875يهدئ خاطره، ويسكن مخاوفه، ويفهمه أن غرض حملته إنما هو تحديد التخوم بين ~~الدولتين، لا التعدي والامتلاك، وكان يوحنا قد استولى على الحماسين، وأقام فيها ~~قوة للمحافظة عليها، فانسحبت في أوائل أكتوبر حالما سمعت بمجيء أرندروپ، ولجأت إلى ~~داخلية البلاد، تاركة فرقة فقط للمراقبة. # ومع أنه لم يصل أرندروپ مدد - بالرغم من أنه كان ينتظره - لكي يزحف إلى الأمام، ~~فقد سار هذا الضابط بجيشه الصغير نحو (أسمرة) و(جودوفولاسي) و(عدى حواله)، وإذ لم ~~يجد إلا مقاومة ضعيفة من الفرقة الحبشية المتروكة للمراقبة عند مقاطعة الحماسين، ~~اتخذ (عدوة)، إحدى عواصم يوحنا، وجهة لسيره، وانطلق يجد نحوها غير مبال ~~بالأخطار، وغير عامل أدنى ms445 حساب لقوى خصمه، بالرغم من أنه كان يجدر به أن يتيقظ ~~ويحتاط. # فإن الأسلحة النارية من جهة لم تكن تعوز الأحباش؛ لأنه علاوة على ما ترك لهم منها ~~اللورد ناپيير، وما سبق إدخاله منها بكثرة إلى بلادهم بواسطة زوجة متزنجر الحبشية، ~~أيام أن كان زوجها قنصلا لإنجلترا وفرنسا في مصوع، فإن الحكومة الفرنساوية، في ~~خريف هذه السنة 1875، أهدت إلى النجاشي عدة أسلحة نارية مختلفة، وأوصلها إليه في ~~(عدوة) المسيو دي سارزاك، القنصل الفرنساوي بمصوع، الذي اجتاز للقيام بمهمته هذه ~~صفوف أرندروپ نفسها دون أن تستطيع تلك الصفوف، بسبب صفته الرسمية، أن توقفه وتستولي ~~على الهدية، مع أنه كان يحق لأرندروپ أن يعتبرها صادرة عن نية عدائية ورامية إلى ~~تعضيد الحبشان على مصر، فيصادرها، أو على الأقل يؤجل وصولها إلى المرسلة إليه حتى ~~تضع الحرب ضده أوزارها. ومن جهة أخرى، فإن صحافيين إنجليزيين كانا قد رافقا ~~حملته مذ أوغلت في بلاد الأعداء، وخدماه بضع خدم أثابهما عليها بمبلغ 200 ريال، ~~اختفيا بغتة في جهة الأحباش دون أن يعلم بتأكيد: أفعلا ذلك من باب الخيانة، وليطلعا ~~النجاشي على تصميمات الحملة المصرية، أم وقعا بالرغم منهما في الأسر؟ # 29 # مهما يكن من الأمر، فإن يوحنا علم في 21 أكتوبر بزحف المصريين نحو (أسمرة)، ~~فاستنفر في الحال عموم المقاتلين من رعاياه في سائر أنحاء مملكته، فتقاطروا إليه ~~أفواجا أفواجا. # فسار من (عدوة) في 30 أكتوبر إلى مقابلة عدوه بجيش يعد بعشرات الآلاف، وكان ~~أرندروپ قد تقدم نحو بلدة يقال لها (تزاتزيجا) حيث انضم إليه ألف سوداني من حامية ~~(سنهيت) وحيث حشد قواه، فإذا بها تبلغ ألفين وخمسمائة جندي مسلحين ببنادق رمنجتن، ~~وبطاريتين من المدافع الجبلية، وست بطاريات سواريخ، وجماعة من الخيالة، فسار بها ~~إلى (ديباروا) و(عدى ماچنتا) و(جودوفولاسي)، وهاجم نقطة جيش بالقرب من (ماچنتا) ~~ليلا، فانهزمت، ولم يجرح من المصريين سوى اثنين. ولما كانت جبال الأسمرة وعرة، ~~وتسيير المؤن فيها عسيرا، اختير للسير بعد ذلك طريق (قياخور) و(جودوفولاسي)، فأقيم ~~القائمقام رائف بك في ممر ms446 قياخور بأربع جماعات من البيادة، ومدفعين جبليين، وضم ~~إليه الضابط درهلز بجماعتين من البيادة، ومدفعي ساروخ، ولكن هذا الضابط سار بعد ذلك ~~إلى مركز في الأمام يقال له (تزاناتجلي)، وأقام في (ساجاينت) على مسيرة يومين جنوب ~~(قياخور). # أما أرندروپ فتحصن في (جودوفولاسي)، وسير الكونت زيخي بست جماعات من السود، ~~ومدفعين وساروخين للاستطلاع ، فتقدم الكونت في جهة (عدى حواله) على بعد عشر ~~ساعات من (عدوة)، رائدا مستكشفا، فتأكد من قيام يوحنا بجيشه من عاصمته، وسيره ~~إلى الحرب، فأخبر بذلك أرندروپ. # فزحف هذا بكل قوته إلى (عدى حواله)، وبلغها في 5 نوفمبر، فوجد زيخي مقيما على ~~بعد ثلاثة أميال إلى الأمام في وادي قوندت بجماعتين من السود تحت قيادة الميجور ~~إجلير، بالقرب من نهر يقال له المأرب، ولكن النقطة التي اختارها لكمينه لم تعجب ~~الضابط دنيون، وعدها معرضة لأخطار جسيمة، فخالفه أرندروپ في رأيه، ووافق على بقاء ~~زيخي فيها، ثم استدعى النائب (محمد)، وأرسله في 6 نوفمبر إلى الملك لفتح باب ~~مخابرات معه. # فرأى الرجل أن يتجاوز التعليمات التي أعطيت إليه، فيخدع يوحنا، ويدخل في خدمته، ~~ويسرق أسرار حركاته وسكناته، ويرافقه إلى قتال المصريين، ثم يتخلى عنه في الساعة ~~المناسبة تخليا ينجم عنه سحقه. فبرز أمامه بلباس عسكري مصري، وادعى أنه أهين ~~وامتهن، فغضب وخرج للانضمام إلى بني جنسه تحت راية ملكه؛ لكي يكفر، وهو يقاتل ~~إلى جانبه، عن الذنب الذي ارتكبه في انضمامه إلى أعدائه. # فلم تنطل الحيلة على النجاشي، وأمر بالنائب ومن معه، فكبلوا بالحديد، وزجوا في ~~أعماق السجون. # ولما استبطأ أرندروپ عودتهم، اختلف بين أن يظن فيهم شرا، أو يعتقد وقوعهم في ~~مكروه، فأقبل يبث الرواد لاستطلاع الأخبار، وبعث يستدعي مؤخرته من ~~(جودوفولاسي). # هذا ويوحنا يمكر به ويخدعه، فيتقدم تارة ثم يختفي، ثم يظهر فجأة، ولا يلبث أن ~~يعود إلى الاختفاء؛ لإطماع عدوه في نفسه، حتى انطلت حيلته على المتحمسين في الجيش ~~المصري، فأشاروا على أرندروپ أن يتخلى عن خطة الحرص الزائد، ويتدرع بالجسارة ~~اللازمة، ويسير هو إلى ملاقاة ms447 الخصم المحجم عن التقدم، فانقاد أرندروپ إلى ~~تحريضاتهم، وترك أعالي (عدى حواله) المنيعة، ونزل إلى (قوندت) مجتهدا في التقدم ~~سرا، ليسبق الملك القادم في وادي مأرب، ويباغته. # وحدث أن فرقة حبشية من مقدمة النجاشي كانت قد اقتربت من (قوندت) بنية الاستيلاء ~~عليها، فاعترى أهلها الرعب، وطلبوا حماية الجيش المصري، فأسرع المصريون إلى ~~حمايتهم، وانقضوا على رجال تلك الفرقة وأثخنوا فيهم، فجرحوا عدة، وقتلوا ~~آخرين، وتناول جنود من جماعات السود قتيلا، فمثلوا به وخصوه، طبقا لعاداتهم ~~المتبعة في حروبهم مع الحبشان، فاستشاط أرندروپ غضبا، واتخذ إجراءات صارمة لمنع ~~العود إلى تلك الفظاعة. # ولكن المناوشة التي وقعت بين رجاله ورجال متقدمة النجاشي فتحت عينيه إلى خطورة ~~مركزه وضعفه، فخاف على قوة زيخي - الواقفة على انفراد بعيدا - أن يتمكن العدو من ~~قطعها عنه، والعمل على إفنائها قبل تمكنه من إنجادها، فأرسل في 14 نوفمبر ~~القائمقام رشدي مع نصف جماعة إلى جنوب (عدى حواله) لحماية الطريق الموصلة إلى ~~الهضبة التي تخلى عنها، وأرسل دنيسون بقوة مثلها لحماية الجانب الثاني، ونزل هو ~~على رأس أربع جماعات بمدفعين جبليين لينضم إلى زيخي في الوادي. # فلما جن الليل، وصل جيش يوحنا، واحتشد على ضفة المأرب اليسرى، وسطعت أنوار ~~معسكره على مسافة أميال عديدة في وسط الظلام الحالك المحيط. # وقضى القائدان ليلتهما في استعداد للهجوم صباحا، فأرسل أرندروپ أمرا مشددا إلى ~~روشتان بك في (عدى حواله) بأن يتقدم عند طلوع النهار بخمس جماعات ومدفعين جبليين ~~وساروخين والأثقال إلى (قوندت)، وأن يعسكر هناك، وأمر دنيسون ورشدي بالرجوع أيضا ~~إلى (عدى حواله) في الفجر، وأن يستلم دنيسون القيادة العامة هناك، ويقيم في انتظار ~~الأوامر، وبعد أن ترك جماعة في (قوندت) لحفظها، ريثما تصلها جنود روشتان بك، وأقام ~~جماعة أخرى للمحافظة على الممر بين الجبال، ومنع العدو من مؤخرته، سار بثماني ~~جماعات من البيادة، وأربعة مدافع جبلية وساروخين، ليباغت الملك في معسكره. # ولكن يوحنا لم يكن بالرجل الذي يؤخذ على غرة، فإن حياته وهو لص وقاطع طريق كانت ~~قد علمته دوام ms448 اليقظة، وكانت الطبيعة من جهة أخرى خصته بمواهب حربية نسبية، جعلته ~~عدوا مهيبا، فكأنه أدرك ما وقع في خلد أرندروپ من أمر مباغتته، فحرك جيشه من ~~مكانه، وانثنى به إلى موقع وافق من نفسه هوى؛ لأنه كان يقصد هو أيضا أن يباغت ~~عدوه. # وفي الواقع، فإن الجيشين بعد مسير ساعة أو ساعتين تلاحما فجأة على ضفاف المأرب، ~~وتهاجما في بادئ الأمر، بعجة غير نظامية، وكانت المدفعية معتمد أرندروپ في عشمه ~~بالفوز، فتمكنت من اتخاذ موقفها، ولكن طبيعة المكان الذي اختاره النجاشي للقتال ~~حصرت مدى نيرانها، وجعلتها عديمة الجدوى. أضف إلى ذلك أن البيادة المصرية، ولو أنها ~~أطلقت نيران بنادقها في الخلاء المفتوح، ففتكت بالأعداء في بادئ الهجوم فتكا ~~ذريعا، إلا أنها لم تعرف كيف تنتفع من مواقع الأماكن، ولا كيف تستخدم ضفة النهر ~~استخداما مجديا نفعا، فزحف الأحباش على رجال السلاحين، وسيوفهم مشهرة، وهم ألف ~~على كل عشرة مصريين، وانقلبوا عليهم من كل جانب، وضغطوا عليهم بين صفوفهم المتتابعة ~~ضغطا شديدا، فما هي إلا نصف ساعة حتى قتلوهم إلى آخر واحد منهم، دون أن يوقف ~~الأيدي المرفوعة - للفتك والجزر - تضرع أو استرحام من واقف أو جاث على ~~ركبتيه. # مسكينة تلك القوة! هذا الموت الفظيع كان مقدورا لها، ومن لم يمت منها بالرصاص ~~مات بالسيف، ومن لم يمت بالرمح مات بالنبوت! وخصى الأحباش بعد ذلك الجثث، ليحمل كل ~~فائز من أولئك الهمجيين ما يستطيع من مخاصي أعدائه، فيعلقها على باب بيته دلالة ~~على انتصاره، وعلامة على الفخر الذي أحرزه بقتل رجال الأعداء، وهذه هي عادتهم منذ ~~زمان بعيد، كما كانت عادة هنود أمريكا الحمر أن يعلقوا على أبواب أكواخهم جلود رءوس ~~أعدائهم المسلوخة عن جماجمهم بشعرها! # وبينما جمهور قوات النجاشي يقضي هذا القضاء المبرم على أرندروپ ومن معه، اندفعت ~~فرقة حبشية أخرى لمهاجمة جنود روشتان بك؛ لأن هذه - وقد سمعت ضوضاء القتال وضجته - ~~كانت قد أسرعت إلى نجدة رفاقها، ونزلت من الجبل بجلبة وضوضاء، مختلطة الحابل ~~بالنابل، جمالا وخيلا ورجالا، وانتشرت ms449 بياده ومدفعية وحيوانات أثقال، من (عدى ~~حواله) إلى (قوندت)، فداهمها الأحباش فجأة. # ولكنها لم تنذعر، واستفاد روشتان بك من المنحدر الذي كان وراءه ليجمع شمل قواه ~~بسرعة حوله، واختار لمدفعيته موقعا مشرفا على ميدان القتال بأسره، فدارت المعركة ~~بين الطرفين بحدة، وتراوحت النتيجة بينهما برهة. # غير أن باقي قوى الملك ما لبثت أن فرغت من مجزرة أرندروپ، وتحولت هادرة، كمياه ~~غدير متدفق، إلى مقاتلة جنود روشتان بك، فطوقها من كل جهة، من الجبهة والجانبين ~~والخلف، واندفعت عليها، والألوف فيها تزاحم الألوف، فما هي إلا ساعة حتى داستها ~~دوسا وهرستها هرسا، جاعلة إياها كوما واحدا لا يعرف أحد فيه، كوم لحم بشري ~~دام! # على أن قوادها لم يروا هذا المنظر الفظيع؛ فروشتان بك أصيب في أول القتال ~~بجرح في رأسه، فربطه بمنديل واستمر يشجع رجاله ويقاتل قتال الأبطال حتى أصيب برصاصة ~~أخرى، فلم يغادر مكانه، وبينما هو يلفظ نفسه الأخير بزفير، أمر جنوده بالحمل على ~~العدو برءوس الحراب وصدها، فمات وجنده يأتمر بأمره، ويحمل حملة عنيفة. # وأراكيل بك نوبار جرح جرحا خطيرا في مبدأ التلاحم، فلم يثبط الدم السائل منه ~~بغزارة همته، وما انفك يقاتل كليث، حتى تيقن أن الآمال كلها ضاعت، فتسلق صخرة ~~عالية، وشرب جرعة، ثم أطلق مسدسه على نفسه، وخر قتيلا. # ويروى عن أرندروپ، لما أحاط به الأعداء، أنه فرغ أولا مسدسه على أقربهم إليه، ~~ثم امتشق حسامه، وقاتل قتالا مروعا، حتى جدل على كوم من حبشان، قطع صارمه ~~أعمارهم، فسقط معه ثمانمائة رجل، وسقط ألف مع روشتان بك، ووقعت المدفعية والأسلحة ~~برمتها في أيدي الأحباش، وسبعون ألف ريال، وكل من لم يقتل - وكانوا قليلين - من ~~ضمنهم ثلاثون أسود، صرخوا مذ أحاط بهم الأعداء «ماريكوني»؛ أي خذوني، فنجوا بذلك من ~~الموت والخصي معا. # وإزاء هذه الخسائر المصرية الفادحة لم يفقد الأحباش سوى 350 رجلا بين جريح ~~وقتيل! # أما رشدي ودنيسون فإنهما - امتثالا للأوامر الصادرة إليهما - كانا قد أقاما على ~~قمة الجبل (بعدى حواله) يترقبان، فأتاهما في صباح المعركتين ms450 حبشي مصادق، وأخبرهما ~~بانتشاب القتال، فأرسلا يستطلعان، وإذا بعسكري مصري فاز بنفسه من القوتين ~~المسحوقتين أتى وأخبرهما بما حصل، فأخذا يستعدان للقتال، وتحصنا بسور بنوه بسرعة، ~~فظهر العدو أمامهما بقوة، مرتين أو ثلاث مرات في ذلك النهار المشئوم، دون أن يشتبك ~~معهما في حرب، فما زادهما ذلك إلا حماسة في استعدادهما وعزمهما. وإنهما لكذلك، وإذا ~~بعسكري ممن مثل بهم وأمكنهم الفرار قد أتى في حال يرثى لها، ثم أعقبه آخرون، ~~فأخبروا بالكارثة المخيفة والمصيبة الجلى، وألقوا الفزع في قلوب الجنود، ففرقوا ~~على أنفسهم، وسقطوا في أيديهم، ولولا عزم القائدين وحزمهما لفروا هاربين، ولكن ~~دنيسون ورشدي قويا عزائمهم وحملاهم على التترس والتحصن، وما وافى الليل إلا ~~وأتاهم الجند الذي كان وضعه أرندروپ، المنكود الحظ، على جبل قوندت، وكانوا قد رأوا ~~المعركتين والكيفية الدموية التي انتهيتا إليه، فأسرعوا للانضمام إلى قوة دنيسون ~~الوحيدة الباقية. # فلما بزغ الصباح علت تهاليل الأحباش بالفوز الذي أوتوه، فكانت كأنها زئير أسود ~~عاجة، وشابهت ما انشق عن صدورهم منها في هجماتهم القتالية في اليوم البارح، وكانت ~~زمرة آتية من (قياخور) بمؤن للجيش، فخاف سائقو القطعان فيها، وهربوا، ولم يبلغ (عدى ~~حواله) سوى نصف القادمين. # ثم تعاقبت الأخبار على دنيسون مضطربة، مزعجة، فعزم على التقدم بقوة إلى شفا الجرف ~~ليتحقق صحتها بنفسه؛ لذلك أمر جماعتين ومدفعين بالسير إلى الأمام، فرفض الجند ~~الطاعة من شدة خوفهم، وإذا بطلب من الملك يوحنا وصل إلى دنيسون يسأله التسليم بمن ~~معه، وإذا بألفي حبشي أو ثلاثة آلاف ظهروا وراء القوة المصرية، مهددين مواصلاتها، ~~ليعززوا طلب ملكهم. وكان نص هذا الطلب كالآتي: «إذا سلمتم أوصلتكم إلى حدودكم ~~بأمان، إلا إذا فضلتم البقاء في بلادي.» # فأجاب دنيسون: «إن التسليم غير ممكن، إلا إذا وافق عليه القائد المصري الغائب في ~~(آسا)، وإني لمبلغه طلب الملك في الحال.» وإنما أجاب بذلك ليكسب وقتا. # وكان يوحنا قد عهد إلى دجاش هاتلو، حاكم الحماسين، وجنوده، في مهمة القضاء على ~~القوة المصرية المعسكرة في (عدى حواله)، ولكنه بعد فوزه ms451 على أرندروپ، اتضح له من ~~الأوراق التي استولى عليها أن دجاش هاتلو خائن اتفق عليه مع أعدائه، فحبسه، فأدى ~~ذلك إلى امتناع جنود حاكم الحماسين عن القتال، واستراحتهم على أسلحتهم أربعا ~~وعشرين ساعة. # فاستفادت القوة المصرية المعسكرة في (عدى حوالة) من هذه الفرصة غير المنتظرة، ~~وأخذت تنسحب من مراكزها انسحابا في منتهى الصعوبة في طرق وعرة شائكة، وليس مع كل ~~جندي من جنودها سوى بقسماطتين أو ثلاث بقسماطات، فمرت بجودوفولاسي، والرعب يملؤها، ~~وهي تتوقع هجوم الأعداء عليها في كل وقت، ولولا أن رشدي ودنيسون هددا بمسدساتهما ~~الجنود لفروا ذعرا. # ومع ذلك فإن الأحباش - وكانوا يتعقبونهم من كثب - أسروا سبعة وستين متأخرا منهم ~~قبل وصول القوة إلى (قرع) و(قياخور)، ولكن هذه القوة تمكنت في 18 نوفمبر من البلوغ ~~إلى ممر قياخور، بعد تكبد مشقات لا تحصى، ومتاعب لا توصف، فانضمت هناك إلى قوى رائف ~~بك، واستلم هذا الضابط القيادة العامة، فأشار دنيسون عليه بوجوب إخطار الميچور ~~درهلز بساجانييت بضرورة انضمامه إليه وانتظاره في مكانه، فأبى، فطلب دنيسون منه أن ~~يخطره على الأقل بنكبة أرندروپ؛ ليكون على حذر ويتخذ الاحتياطات اللازمة لنجاته، ~~فأجابه إلى ذلك، وأصدر أمره إلى درهلز بالانسحاب إلى مصوع. # وكان درهلز قد سمع بما أصاب القائد العام، فارتد إلى مصوع عن طريق (عدى رسو) ~~و(أركيكو)، وأصبح في مأمن من الطوارئ. # واستمر رائف على الانسحاب، ولكن جيشه تاه في سهل (حاله)، وضل الجنود طريقهم بين ~~التلال، وأنهكهم التعب، وإنهم لفي حالة خور نفوس، وإذا بصيحة راع علت في الفضاء ~~المحيط، فظنوها صيحة الأحباش، واعتقدوا أن هؤلاء الأعداء المهيبين أوشكوا أن ينقضوا ~~عليهم، فاعتراهم رعب طائش، فألقوا بسلاحهم وملابسهم، والتمسوا الحياة من ~~الفرار. # ولكن الضباط تمكنوا في الليل من جمعهم والسير بهم إلى (عدى رسو) باجتياز جبل ~~بمبا، وبعد قطع مسافة مائة وخمسة عشر ميلا، هناك اطمأن الجند وناموا، ثم ساروا إلى ~~(نيغص) فناموا فيها، وفي صباح اليوم الثاني ساروا إلى مصوع، وكان رشدي ودنيسون، بعد ~~ما تأكدا من زوال كل ms452 خطر، قد سبقاهم إليها؛ ليخطرا العاصمة المصرية بما حدث. # أما النجاشي، فإنه سار في 17 نوفمبر إلى (عدى حواله) حيث كانت معسكرة القوة ~~المنسحبة، فإذا بتلك البلدة قد احترقت عن آخرها دون أن يعلم من أحرقها، وبينما هو ~~مقيم فيها، يستمري لذة نصره، أتاه خبر القضاء على متزنجر وقوته، ونبأ فشل الحملة ~~التي زحفت من (المتمة ) إلى الحدود الحبشية، فزاد بذلك سروره. أما متزنجر بك، فإنه ~~كان يتوقع تعيينه هو نفسه قائدا للحملة التي وضعت تحت قيادة الأميرالاي أرندروپ؛ ~~لأنه كان يعتبر ذاته أكفأ الناس للقيام بالمهمة المعهود بها إلى ذلك الدانمركي: ~~(أولا) لوقوفه أكثر من غيره على أحوال الحبشة ودخائلها. (ثانيا) لسابقة خدماته في ~~ذلك الميدان. فلما خابت آماله، وعقد لواء الحملة لأرندروپ، أخذ يفكر في عمل يعمله ~~من تلقاء نفسه، يعود بالفخر العظيم عليه، ويعلي منزلته علوا كبيرا في عيني ~~الخديو، فجمع زمرة من الأتباع والموالين له، واستأجر الأدلاء والخبراء من الحبشان ~~أنفسهم، ونزل في خليج أنثلا، ودخل الحبشة أثناء تقدم حملة أرندروپ، وغرضه البلوغ ~~إلى سهول الملح، أو مضيق صنافة، فلازم الأدلاء ركابه خديعة منهم ومكرا، حتى قادوه ~~إلى شواطئ بحيرة يقال لها «أدسه» في بلاد قوم يدعون «التلتلز». فنصب التعس هناك ~~خيامه، ولما جن الليل أوقد أتباعه النيران للاصطلاء والطبخ، واستعدوا للمبيت، ~~وكان سيدهم قد اصطحب معه في حملته هذه المشئومة امرأته الحبشية، وأولاده وبناته، ~~وجملة من الخدم والحواشي، كأنه ذاهب بهم إلى عرس أو وليمة أعدت لهم على الرحب ~~والسعة، لا داخل في بلاد أعداء يعد ملكهم أنه أهين في كرامته، وامتهن في حقوقه! ~~فأكلوا وناموا والطمأنينة في قلوبهم، والأماني ترقص في أحلامهم. # وإذا بجماعة من الأحباش دبوا إلى مخيمهم في منتصف الليل، وأعملوا السيوف فيهم، ~~فهبوا من نومهم مذعورين، وأرادوا الدفاع عن أنفسهم فلم يمكنهم الخوف من ذلك، فأثخن ~~الحبشان فيهم قتلا وطعنا حتى أفنوهم أو كادوا، ودخلوا على متزنجر في سرادقه، ~~كأنهم شياطين الجحيم في ذلك الليل البهيم، فذبحوه مع امرأته وبناته وأولاده ms453 ذبح ~~الخرفان، وذبحوا جميع حاشيته وأتباعه، وأخذوا كل ما وجدوه من سلاح ومؤن وذخيرة ~~وخيام ودواب. # وأما الحملة من (المتمة) فإنها تألفت من ست جماعات مصرية، قامت إلى التخوم ~~الحبشية الشمالية الغربية في غضون سير حملة أرندروپ إلى حدودها الشمالية الشرقية؛ ~~لتحويل جانب من قوة النجاشي إليها، وتمكين أرندروپ من القيام بمهمته، ولكن قوة ~~الأحباش كانت أكبر من أن تجزئها قوة صغيرة كهذه، فصد يوحنا حملة (المتمة) وهو ~~يدير رحى القتال في (قوندت). # وكانت العاصمة المصرية، منذ أن فشت فيها أخبار الحملات على الحبشة، باتت شائقة ~~للوقوف على تفاصيل حركاتها، ومتوقعة أن يكون النصر قرينها، بذات السهولة التي اقترن ~~بها في الحملات السودانية. وبما أن الألسنة تذيع عادة الأنباء التي ترتاح إليها ~~القلوب، فإن الإشاعات عن نصر ساحق أحرزته حملة أرندروپ طفقت تنتشر أولا في الأوساط ~~الرسمية، فتثير شعور فرح أو شعور حسد حسبما كانت الأذن السامعة أذن صديق أم أذن ~~حسود، ثم انتشرت في الأندية والمجتمعات عينها، وأبهجتها. # ولكن الأنباء الصحيحة ما لبثت أن وردت، فقلبت شعور الفرح إلى شعور كدر وغم، وشعور ~~الحسد إلى شعور شماتة وتهكم. على أن الدوائر الرسمية أظهرت رغبتها في التكتم وإخفاء ~~الحقائق؛ لأن النكبة كانت من شأنها أن تنفر النفوس الغربية من الحكومة المصرية ~~سياسيا وماليا، فأيام الشدائد المالية كانت أخذت تطل من الآفاق، وحوادث ~~الصعوبات مع فرنسا بشأن الإصلاح القضائي، كانت قائمة على قدم وساق، تزداد تعقدا ~~كلما اجتهد في الوصول إلى حلها. # وغلبت على تلك الدوائر الفكرة بوجوب المبادرة إلى تجهيز حملة أخرى، تحاط جميع ~~مسببات الفوز وتسييرها في الحال للاقتصاص من الأحباش، والانتقام لمجد مصر المهين، ~~بحيث تبلغ الغرب في آن واحد أنباء كسرة أرندروپ، وأنباء فوز الحملة المرسلة للثأر ~~لها فوزا ساحقا، فتستمر الثقة بمصر تامة، بل تزداد رسوخا. # فعبئت أربعة آلايات من البيادة؛ أي 9600 عسكري، وآلاي من السواري؛ أي 800 فارس، ~~وخمس فرق من الفارين، وبطاريتا ميدان؛ إحداهما من نحاس، والأخرى من صلب، وكل ~~منهما مركبة من ms454 ست قطع، وبطاريتا جبل، وبطارية ساروخ، يجرها جميعها 334 بغلا، ~~ويقوم بخدمتها 474 مدفعيا بضباطهم وعددهم أربعة وعشرون. وأضيف إلى هذه القوة آلاي ~~بيادة من السود، وهيئة أركان حرب مؤلفة من رئيس وأمير لواء وثلاثة أمراء آلاي وستة ~~قائمي مقام ويوزباشيين وثلاثة ملازمين أول وعشرين ملازم ثان وأربعة عشر عسكريا، ~~فبلغ مجموع الحملة: 11120 عسكريا، و1058 حصانا، و1204 بغال، وحسب أنه بانضمامه ~~إلى بقايا حملة أرندروپ يتكون منه جيش قدره 12000، ولم تكن بالقوة التي يستهان ~~بها، على شرط عقد لوائها إلى رجل ذي كفاءة تامة، ولكن الصعوبة كلها كانت في اختيار ~~ذلك الرجل وتعيينه؛ فالخديو - لعلمه بأن ليس بين كبار ضباطه من أتراك وشراكسة من ~~يصلح للقيادة العامة، ولعدم وجود ضباط مصريين في هيئة العسكرية العليا - كان ميالا ~~إلى عقد لواء الحملة لضابط من كبار ضباط الأمريكان، المتكونة منهم هيئة أركان حرب ~~الجيش: كالجنرال ستون، أو الجنرال لورنج؛ لوثوقه الكلي بهم، وركونه إلى جدارتهم. ~~وكان يعضده في ميله هذا، ويقوي عزمه عليه، الرجال - وعلى رأسهم نوبار باشا، وزير ~~الخارجية في تلك السنة - الراغبون في الفرنج، المقتنعون بوجوب استخدام معارفهم ~~ومعلوماتهم وكفاءتهم، العاملون على بثهم في جميع المصالح لكي ينظموها من جهة، ~~ويعلموا المصريين من جهة أخرى كيف يستغنون عنهم في القريب العاجل. # غير أنه كان هناك حزب آخر - وعلى رأسه شريف باشا وإسماعيل صديق باشا - يكره ~~الفرنج ويمقتهم، ويستنكر وجودهم في مصالح البلاد، واشتراكهم في شئونها، ويبذل جهده ~~في إقصائهم، وإبعاد أيديهم عن الأعمال التي استقدموا للقيام بها، ولولا أنه كان ~~منقسما على ذاته إلى قسمين: «التركي»، وزعيمه شريف باشا، و«المصري»، وزعيمه ~~إسماعيل صديق باشا، وأن التركي نفسه كان منقسما إلى قسمين: «الشركسي»، و«التركي»، ~~وكل من القسمين يكره الآخر، ويدس له الدسائس، بينما الشراكسة لا يقبلون الأتراك، ~~والأتراك يمجون الشراكسة - لما جعل للرجال الراغبين في استخدام الفرنج مركزا، ~~ولا أبقى لهم مكانا. # ذلك الحزب المعادي للغربيين ما فتئ يقبح (لإسماعيل) تعيين أمريكي على رأس ~~الحملة المعدة، ويتخذ من الكارثة التي ms455 محقت أرندروپ حجة لتسفيه آراء القائلين ~~بعدم استغناء الحال عن الفرنج، ومرغبا لتعيين ضابط شرقي هذه الدفعة، ولو من قبيل ~~الاختبار والتجربة، ليقود أعلام مصر الإسلامية إلى الأخذ بالثأر من الحبشة ~~المسيحية، للمصريين الذين قتلوا في (قوندت)، حتى تغلب رجاله على جهود خصومهم، ~~وميول (إسماعيل) عينها، وحملوا الخديو على تسليم لواء الحملة إلى السردار راتب ~~باشا. # وراتب هذا شركسي من أنسباء شريف باشا، والمعروف عنه أنه أبي النفس، شجاع، لا ~~يحتمل التصغير، ولا يهاب الموت، ويروى - لتأييد ذلك عنه - أن (محمد سعيد باشا) - ~~وقد كان راتب مملوكه، وهو الذي رباه في كنفه، وأرسله على نفقته الخاصة إلى فرنسا ~~ليتعلم في مدارسها الحربية - غضب عليه ذات يوم، وهو أميرالاي، فاستدعاه إليه، وبعد ~~أن أشبعه لوما وتأنيبا وزجرا اندفع في تيار سخطه عليه إلى حد بعيد فرفع يده - ~~وكانت لضخامتها تعد مخلوقة لصفع الفيلة - ولطمه بها على خده، وطرده من أمامه، فخرج ~~راتب إلى حجرة مجاورة، وتناول مسدسا، وأطلقه على نفسه من جهة فمه بقصد الانتحار ~~لعدم رغبته في الحياة بعد الإهانة التي لحقته، ولعدم تمكنه من التفكر في الانتقام ~~لنفسه من مولاه وولي نعمته، فخرقت الرصاصة خده، ونفذت من تحت قاعدة أنفه من الشمال، ~~دون أن تصيب منه مقتلا، فحمل داميا إلى بيته، وما نقه من جرحه أو كاد إلا ~~وفر إلى الأستانة، خوفا من بطش (سعيد) به، مع أن (سعيدا) - وكانت تعجبه جدا ~~أعمال الشجاعة ومظاهرها، ولم يكن من طبعه يدري ما هو الحقد - كان قد أكبر عمله، ~~وأعاد رضاه عنه في سره إليه، ولم يكن منتظرا سوى شفائه لإعلاء منزلته والزيادة في ~~تقريبه من نفسه، ولم يعد من عاصمة الإسلام إلا بعد وفاة مولاه، فاتخذه (إسماعيل) ~~سردارا لجيشه. وراتب هذا قصير القامة، أسمر اللون سمرة شديدة؛ لأن أمه كانت جارية ~~سوداء، وهو بسبب كثرة انهماكه في الملاذ الجسدية نحيف نحيل ناشف، كأنه جسم مصبر، أو ~~إحدى موميات العصور الخالية. # 30 # على أن (إسماعيل) وإن انقاد إلى مؤثرات حزب شريف ms456 وإسماعيل صديق، وعين راتب باشا ~~نهائيا قائدا عاما للحملة الحبشية، لم يكن بالرجل الذي يعمي نفسه عن الأخطار ~~التي قد تنجم لجيشه عن مثل ذلك التعيين، فرأى أن يخفف من وطأتها، ويزيل من شرها بضم ~~الجنرال لورنج الأمريكي وبعض ضباط آخرين من كبار ضباط أركان الحرب زملائه الأجانب ~~إلى الحملة: الأول بصفة رئيس أركان حرب للجيش، والباقون بصفتهم ضباطا تابعين له؛ ~~ليجد راتب في حكمتهم ودرايتهم العسكرية ما يتمكن به من القيام قياما محمودا ~~بالمهمة المعهود بها إليه. # فارتاح حزب نوبار إلى هذا التعيين الأخير، واعتقدوه كافلا لسلامة الحملة، ~~لتيقنهم من أن راتب باشا سينقاد حتما إلى مشورات لورنج وزملائه ونصائحهم، ويأخذ ~~بها، فلا يرتكب شططا، ولا يلقي بنفسه في تهلكة، ولم يتكدر من التعيين عينه حزب ~~شريف وإسماعيل صديق، لتيقنه من أنه لن يكون للورنج وزملائه أقل نفوذ على ~~السردار، وأن راتب باشا سيهمل نصائحهم وإرشاداتهم، ويضرب بها عرض الحائط، مع بقاء ~~المسئولية في حال وقوع نكبة عليهم شخصيا. # ولكي يظهر (إسماعيل) بجلاء أن غرضه من تسليم القيادة العليا إلى شرقي، وتسليم ~~رياسة أركان الحرب إلى غربي، إنما هو أن يعمل العنصران معا، كل على قدر طاقته، ~~وبنسبة مواهبه، على ما فيه خير البلاد، جمع كبار ضباط الحملة من العنصرين ثلاث مرات ~~متوالية عنده؛ ليلقي عليهم تعليماته الأخيرة، وذلك بحضور ابنه الأمير حسين ناظر ~~حربيته (وهو المغفور له سلطاننا الكامل حسين الأول المبكي عليه كثيرا)، ونوبار ~~باشا، وشريف باشا، وصديق باشا، وغيرهم. # ففي أول اجتماع أفهمهم أن سلامة الجيش قائمة على اتحاد القيادة العليا وهيئة ~~أركان الحرب اتحادا تاما في جميع الشئون، ولاضطراره إلى التغيب في الاجتماع ~~الثاني بسبب وفاة أخيه الأمير مصطفى فاضل في الأستانة يوم 3 ديسمبر سنة 1875، أناب ~~عنه ابنه الكامل في بذر بذور الإخاء بين العنصرين. وفي ثالث اجتماع سلم بيده ~~لراتب باشا تصميم خطة للحملة وضعه الجنرال ستون، وأفهمه جليا أن الغرض منها إنما ~~هو استرجاع مهابة مصر في أعين السودان وأوروبا، وأنه يلزمه، ms457 والحالة هذه، محاربة ~~النجاشي، ومواقعته في ميدان مفتوح، والانتصار عليه، حتى لو اقتضت الحال ذهابه ~~بالجيش إلى عاصمته، على أن يكون ذلك قبل شهر مايو سنة 1876. # وطلب نوبار باشا إلى الخديو أن يوصي راتبا وباقي قواد الحملة بمراعاة شروط الحرب ~~وأصولها المتفق عليها عند الأمم المتمدينة: فيمنعون الجيش عن ارتكاب أي عمل وحشي، ~~ويحملون الجند على تجنب الإساءة إلى غير المحاربين من الجيوش ، فلا يقطعون زرعا، ~~ولا يتلفون ضرعا، ولا يحرقون بيتا، ولا يعملون - بالاختصار - عملا فظا لا ~~تجعلهم المقتضيات الحربية في اضطرار إلى ارتكابه. # فلم يكتف (إسماعيل) بتوصية سرداره بذلك جميعه، بل إنه جعله مسئولا مسئولية ~~شخصية عن كل مخالفة في هذا السبيل، ثم استدعى الجنرال لورنج وجمع يده أمام نوبار ~~باشا إلى يد راتب، وقال لهما: «إني أرغب إليكما أن تعملا معا كأخين، وتراعيا الله ~~والبلاد في العساكر المسلمة أعمارهم إليكما.» وأوصى راتب بالإصغاء إلى نصائح لورنج ~~والعمل بها. # 31 # ومن ثم سافرت الحملة إلى السويس، وخرج الأمير حسين ونوبار باشا وغيرهما من ذوي ~~المقامات الرفيعة إلى محطة مصر لتوديع القواد، فأقلهم القطار إلى ذلك الثغر ~~القلزمي، حيث استقلوا «الدقهلية» إحدى البواخر الخديوية، فذهبت تمخر بهم عباب البحر ~~وعجاجه - لأن الأيام كانت شتاء - حتى بلغت بهم مصوع في 14 ديسمبر سنة ~~1875. # ولكي تتكون عند القراء فكرة صحيحة من صعوبات تلك الحملة، يكفينا أن نذكر هنا أن ~~الكلام على ظهر «الدقهلية» في رحلتها كان يدور بين المسافرين عليها بالعربية ~~والإنجليزية والألمانية والفرنساوية والتركية والتليانية والنروجية وغيرها، كأن تلك ~~السفينة برج بابل ثان، وذلك بسبب اختلاف جنسيات الضباط المتألفة منهم هيئة ~~القيادة، وجنسيات تابعيهم وخدامهم. # فإلى جانب راتب باشا السردار الشركسي، كنت ترى الجنرال لورنج والكرنيل داي ~~واليوزباشي پورثر وغيرهم من الأمريكان، ونائب الأميرالاي علي بك الإيطالي المعتنق ~~الإسلام، واللفتننت كرنل البارون فون مكلين المهندس النمساوي الألماني، والميچور ~~تورن هايسن النمساوي أيضا الذي كان مع الإمبراطور مكسمليان المنكود الحظ، وكان ~~يحسن التكلم بست لغات، واللفتننت كرنيل دريك والميچور لمسن والميچور ms458 لوشي ~~المهندسين، والميچور ولسن الجراح، ورشيد باشا وعثمان رفقي باشا، وكلاهما شركسي، ~~وخورشد بك أمير الآلاي السوداني، وعثمان بك نجيب وعثمان بك غالب الشركسيين أيضا، ~~والكونت سرماني الطلياني، ومحمد بك جابر الأميرالاي المصري البحت، وصبري أفندي رئيس ~~المدفعية والقائمقام إبراهيم لطفي، وكان يحسن التكلم بالإنجليزية، ورفعت أفندي رئيس ~~كتاب السردار، وآخرين لا نريد أن ننزل بالتاريخ إلى حد الاهتمام بذكر أسمائهم، من ~~ملل وأجناس مختلفة . # وبينما الجيش معسكر في مصوع يستكمل معداته، ومعسكر النقل يقام في (أركيكو) على ~~بعد بضعة أميال إلى جنوب مصوع، إذا بكتاب من الجنرال كركهام، تاريخه 18 ديسمبر سنة ~~1875، وصل إلى القيادة المصرية في 22 منه، يفيد رغبة النجاشي في تسليم مائة أسير ~~وخمسة من المصريين إلى محافظ مصوع - وكان المحافظ شابا في مقتبل العمر يقال له ~~أحمد بك، ويهابه الكل بالرغم من صغر سنه، ومن أنه كان غرا جاهلا، لا يدري شيئا ~~لكونه ابن أخت المفتش المخيف إسماعيل صديق باشا، ناظر المالية المصرية، وكان قد ~~أخلف على تلك الوظيفة أراكيل بك نوبار التعس الطالع ابن أخي نوبار باشا - ولم يمض ~~يومان حتى وصل أولئك الأسرى، وإذا بسبعة وثلاثين منهم مخصيون! ثم وصل كركهام بعد ~~أيام قليلة، يحمل رسالة من النجاشي إلى الملكة فكتوريا، فما كان من الحراس المقامين ~~على مدخل المعسكر المصري إلا أنهم قبضوا عليه، وزجوه في حفرة قذرة، ثم حكم عليه ~~بالسجن فيها، فأقام المسكين في قاعها أياما، ناقما، متململا، شاتما، ثم أطلق ~~سراحه إلى مصوع بعد أن أقيمت لإكرامه وليمة فاخرة، أبى أن يتناول فيها زادا، أو ~~يشرب سائلا؛ لخوفه من أن يكون قد وضع له في شيء من ذلك الموت سما. # وما أقام الجيش في مصوع أياما إلا ووردت إلى راتب باشا إفادة برقية من الخديو ~~تنبئه بأن ثالث أنجاله الأمير حسن، الملازم الأول في فرقة الهوسار الألمانية، نال ~~إجازة من الإمبراطور ولهلم الأول، ليتمكن من الانضمام إلى الحملة المصرية، وأنه ~~قادم إليهم عن قريب ملتحقا بهيئة أركان الحرب، ولو أنه ms459 لا يتقلد علامتها. وكان ~~الأمير حسن في الثانية والعشرين من عمره، قصيرا، سمينا، وبالرغم من ذلك فارسا ~~مكملا، ويحسن التكلم بالتركية والعربية والفرنساوية والإنجليزية ~~والألمانية. # فوصل إلى مصوع في المحروسة حوالي آخر شهر ديسمبر، ومعه ياوره يوسف بك، وطبيبه بدر ~~أفندي، فقوبل مقابلة فخمة، ونزل في سراي المحافظ، وما ارتاح من عناء السفر إلا ~~وأراد الجنرال لورنج عملا بكتاب فرنساوي أتاه من الخديو، مكتوبا بخط يده، أن ~~يشغله تحت إدارته في الأركان، ويلقي إلى عهدته مهمة خاصة، ولكن راتب باشا عملا ~~بكتاب آخر أتاه، مكتوبا من الخديو نفسه بالتركية، أبى إلا إبقاءه بجانبه، زيادة في ~~المحافظة عليه والاعتناء براحته. وكان الأمير عينه أميل إلى الإقامة بجانب راتب ~~باشا منه إلى الاشتغال مع الجنرال لورنج، لأن هذا بصفته رجلا جديا كان، بعامل ~~طبيعته وعامل اعتباره الحملة أمرا جديا في طياته مسئولية كبرى، من شأنه استخدام ~~كفاءات الأمير المختلفة في أعمال ذات بال، بينما السردار لم يكن يهمه من وجود ~~الأمير بجانبه إلا أن يجمع حوله أسباب الملاهي، وأنواع الملذات، فيفوز بارتياحه ~~إليه، ورضاه عنه. # لذلك أخذت الأيام - ريثما تستكمل معدات النقل - تمر بمصوع للأمير والسردار، ولا ~~سيما لأولهما: إما في الخروج إلى الصيد والقنص، وإما في الانكباب على لعب الشطرنج، ~~ولما كان أمر تجهيز معدات النقل موكولا إلى المحافظ أحمد بك - وهو الشاب الغر الذي ~~قلنا عنه، والذي كان إلى تهيئة معدات يوم صيد وقنص للأمير في الأدغال والجبال ~~المجاورة أميل منه إلى الاشتغال بتسهيل مهمات الجيش - فإن اليوم طفق يتلو اليوم، ~~والأسبوع الأسبوع، والعمل نائم، ووسائل النقل تهيأ ببطء بالرغم من أن الحاجة إلى ~~الإسراع كانت شديدة، وأن الحض عليه كان لا يفتأ متواصلا من المرجع الأعلى ~~بمصر. # وبما أنه ليس أدعى من الكسل والبطالة إلى التهاون في الواجبات وإهمالها، وليس ~~أنجع منهما «بيئة» لإنماء مكروبات الفساد المادية والأدبية معا، فإن النفور الذي ~~ما انفكت حلقاته متماسكة بشدة بين هيئة الجيش العامل، وهيئة أركان الحرب ما لبث أن ~~اتسع من ms460 جهة بشكل مقلق بين رجال الهيئتين، وطفقت القيادة العليا تظهر جهارا من ~~الاستخفاف بإرشادات أركان الحرب، وتقيم في سبيل عملهم من العقبات ما كان لا بد معه ~~من الانتهاء إلى قارعة، ومن جهة أخرى، فإن الجنود أنفسهم لما وقفوا على حقيقة ~~العلاقات بين الهيئتين، ولحظوا مظاهر الامتهان لرجال أركان الحرب بادية على جميع ~~معاملات رجال القيادة العليا وضباط الجيش لهم، شرعوا يعتقدون أن أفيد وسيلة يتقربون ~~بها إلى إرضاء رؤسائهم عنهم إنما هي أن يشاطروهم ذلك الامتهان للغربيين، فيجعلوا ~~مراراته أشد وقعا على أنفسهم، فأخذ ذات الديدابانات يهملون تقديم السلام إلى ~~الجنرال لورنج وضباطه، بينما هم كانوا يتفانون سلاما وتعظيما للأمير مرءوس ~~الجنرال لورنج اسما، ولغيره من الضباط الشراكسة والأتراك الأحط مقاما ووظيفة في ~~الجيش من أولئك الأمريكيين، وأخذ البيطريون المنوطة بهم خدمة الخيول لا يلتفتون إلا ~~إلى خيول الأمير وحاشيته، ويهملون بالمرة خدمة خيل رئيس أركان الحرب وضباطه، فأصبح ~~العمل على الجنرال لورنج وزمرته من أشق الأعمال، بل أصبحت الحياة ذاتها مرة المذاق ~~عليهم إلى حد أخذ يفوق الطاقة، رويدا رويدا، حتى أدى بالجنرال يوما، بعد أن ~~سئم التشكي للسردار من قلة أدب العساكر وقحتهم، ووقاحة الديدبانات، إلى ~~الانقضاض على أحد هؤلاء وإشباعه لكما ولطما ورفسا. # على أن ذلك لم يجد نفعا، كما أن إلحاحه المتوالي وإلحاح ضباطه - لولا ~~التحريضات المتتابعة من مصر - ذهب أيضا أدراج الرياح، فإنه حينما بلغ الجيش مصوع، ~~أي في أواسط شهر ديسمبر سنة 1875، لم يكن قد جمع بعد من الجمال سوى 300 جمل، وقلة ~~هذا العدد - لنقل مهمات جيش زاد، بعد انضمامه إلى ما بقي من حملة أرندروپ، على اثنى ~~عشر ألفا - ظاهرة للعيان. أضف إلى ذلك أن ذات الجمال المجموعة لم تكن من الجنس ~~العربي الجيد، بل كانت من الجنس المصوعي الضعيف الذي لا يتمكن من نقل ما ينيف على ~~نصف حمل الجمل المصري، ومع ذلك فإن أحمد بك محافظ مصوع ما فتئ يتوانى في زيادة ذلك ~~العدد، حتى مضى شهر، وأصبح التعوق ms461 موجبا وبالا، فهم حينئذ وجلب إلى المعسكر من ~~الجمال والبغال ما رآه راتب باشا كافيا لتبرير البدء بالزحف، ولو أن أركان الحرب ~~لم يكونوا على رأيه. # فسار الجيش من معسكره في 11 يناير سنة 1876، ولكنه حدث - كما كان منتظرا - أن ~~قلة الاعتناء بالجمال وراحتها، وقلة الانتباه إلى مقدار قوة كل منها، بحيث لا ~~يحمل زيادة على طاقته، أدتا إلى تقطع حبال التحزيم، وسقوط المهمات، وتلف جانب ~~منها، وإلى تشتت الجمال في الفلوات، وفوق التلال والجبال، فأدى ذلك إلى تعب عظيم ~~ومشقة كبرى في جمع شملها، وإعادة تحميلها. # وكان قد رسم تقدم عثمان باشا رفقي إلى ~~جهة يقال لها (بعرزة) للاستطلاع، وهي محلة تبعد عن مصوع مسيرة يوم للمجد المسافر، ~~ويومين للراكب البطيء، فزحف إليها بمقدمة الجيش، ولكن سوء تفاهم أوقعه أحمد رفعت ~~أفندي كاتب السردار عمدا بين راتب باشا والجنرال لورنج، أدى إلى اضطراب في ~~الأوامر الصادرة، أوجب إبدال عدى راسو (أو عدرسه) من (بعرزة)، ونجم عنه ضياع ~~أسبوع على تقدم الجيش الذي لم يصل إلى الهضبة المطلة على وادي (قرع) إلا في ضحوة ~~يوم الأحد 30 يناير سنة 1876. # وفي الغد قدم المعسكر الرأس ليج، حاكم (عدى حواله) الذي عزله النجاشي، وأخبر ~~القيادة العليا المصرية وهيئة أركان الحرب بحركات الملك يوحنا، ولما كانت التعليمات ~~المعطاة لراتب باشا تقضي بالاشتباك مع النجاشي في معركة مفتوحة، وكسره كسرة ~~تؤدبه تأديبا شديدا، ويدوي صداها في العالم، ثم الرجوع إلى مصوع، فإذا تعذر ذلك ~~الاشتباك لركون يوحنا إلى خطة الحيطة والحرص، فالزحف إلى (عدوة) عاصمته ومقاتلته ~~فيها، ثم العودة إلى مصوع، فإذا تعذر هذا وذاك، فالإقامة على هضبة (قرع)، واحتلال ~~الجيرة، وانتظار تعليمات جديدة؛ فإن السردار رأى بعد مداولة مع الرأس ليج المذكور، ~~أن يختار موقعا موافقا ويتحصن فيه، ويجمع كل قوته إليه، ليكون على استعداد ~~لمقابلة الطوارئ. # فأصدر أمره إلى رشيد باشا بالتقدم والانضمام إلى بقية الجيش - وكانت قوة رشيد ~~مؤلفة من 5426 من البيادة، وبطاريتين فيهما 394 مدفعيا، و566 خيالا، ولا تزال ms462 ~~مقيمة بالقرب من مصوع - ولكنه أصدر إليه هذا الأمر بدون أن يضع أي وسيلة من وسائل ~~النقل تحت تصرفه، أو يهيئ له أسباب الحصول عليها، وبالرغم من أن وسائل نقل ~~المأكولات إلى الجيش كانت قليلة، وأن مجيء تلك القوة كان من شأنه زيادة عدد الأفواه ~~الآكلة، ما بين بشر ودواب، على قلة الموجود مما يؤكل. # وفي الحقيقة، فإن أكبر مصاعب هذه الحملة المشئومة إنما نجم عن قلة الاهتمام ~~بوسائل النقل على العموم، واختلال الإدارة القائمة بها، إما لعجز في كفاءة الرجال ~~الذين نيطت بهم، وإما لأن رؤساء هؤلاء الرجال والمكلفين بالتوسط بينهم وبين مصادر ~~تلك الوسائل لم يمكنوهم من القيام بمهمتهم القيام الواجب. # وكان رئيس حركة النقل أحمد عرابي بك، المعد في الأيام التالية لإضرام نار الفتنة ~~العسكرية المعروفة في التاريخ باسمه، وقد كان فكر الضباط الأمريكيين فيه حسنا ~~جدا، ويقول الكرنيل داي في مؤلفه المعنون «مصر الإسلامية والحبشة المسيحية» إنه ~~كان يكون ضابطا من خيرة الضباط في قطر غير القطر المصري، فاستبدل وأقيم مكانه ~~شاكر الشركسي، وما لبث هذا أيضا أن استبدل وجعل محله الميچر لوشي الأمريكي، ~~ووضع كلا سلفيه تحت إدارته ضد رغبته، لأنه كان رجلا عاقلا يفهم أن تصغير روح ~~ضابط بوضعه تحت إمرة من هو أقل منه درجة، لا سيما إذا كان هذا الرئيس الأقل منه ~~درجة أجنبيا، ليس خير ما يتخذ من الإجراءات لجعل الأمور تتمشى في مجراها ~~الأمثل. # وفي اليوم الثاني من شهر فبراير نقل المعسكر إلى واد غير الأول، وشرع في التحصن، ~~لشيوع الأنباء باقتراب النجاشي، ولكن قلة مواد الطعام، وندرة وصول حتى القليل منها ~~إلى القوة المتقدمة، اضطرت القيادة العليا إلى تقليل عدد البيادة بين يديها، ~~والاستعاضة عنها بزيادة في عدد المدفعية، فصدرت الأوامر إلى بطارية مستوردة من ~~معامل كروب - كانت لا تزال بمصوع - بالإسراع إلى (قرع)، وكلف دنيسون بالإتيان ~~بها، فسار بها توا، ولكنه، وهو يجتاز بها جبل بمبا، قابل رشيد باشا الراجع من ~~(قياخور) إلى عدى راسو (عدرسه)، عملا بالأمر ms463 الوارد إليه بالرجوع بسبب قلة ~~الطعام، فأخذها منه بالرغم من امتناعه، وعاد بها إلى (بعرزه)، وحجته في ذلك أن ~~السكة وعرة، وأن البطارية قد تصاب بعطب لو استمرت على سيرها إلى (قرع)، مع أن معظم ~~الوعر كان قد اجتيز، وأن الرجوع بالبطارية كان يقتضي المرور بها ثانية في الشعاب ~~والمسالك التي أتى بها منها بكل صعوبة، علاوة عن أن علي سامح أفندي رئيس فرق ~~المهندسين والحفارين كان قد أنجز عملا ممدوحا في تمهيد الطريق وتسهيلها، وجعلها ~~صالحة لمرور المدفعية. وأول تحصين أقيم كان من النوع المعروف «بالبلوك هوس» في ~~اللغة الإنجليزية، وهو بناء شبيه بحصن يحيط به خندق ومتاريس، أقامه في مضيق قياخور ~~القائم مقام درهلز والكرنل لوكت، بأمر من الجنرال لورنج، وتحت مسئوليتهما، وكان ~~عبارة عن أربعة جدران، لا سقف يغطيها، مفتوحا لضرب العدو، ومبنيا مع ذلك بحيث لا ~~يرى المقيمون فيه العدو القادم لقتالهم، فكأنه بني - والحالة هذه - ليكون مرمى ~~لمقذوفات الأعداء، لا معصما منها. # ثم أقيم حصن آخر في (قرع) جعلوه على شاكلة قلعة، وخندقوا حوله خندقا على أعظم ما ~~يكون من العمق، مع أن البقعة التي اختاروها له لم تكن تغني شيئا، ولا كانت واقعة ~~في جهة يمكن الاستفادة منها حربيا، وهم لو أحسنوا التصرف لبنوه قرب المضيق الذي ~~هناك، بحيث يحمونه، ويحفظون الآبار التي حوله في آن واحد. # ولما استقر بهم المقام، عهد برياسة فرع المهمات إلى علي الروبي أفندي، وقد اشتهر ~~فيما بعد في حوادث الثورة العرابية، وكان ضابطا من أحسن الضباط، وامتدحه رؤساؤه ~~وزملاؤه الأمريكيون، وامتاز في هذه الحملة دون غيره من ضباط الجيش - ما عدا الكونت ~~سرماني - بأنه كان يرى من الواجب عليه إحاطة علم رئيس أركان الحرب بكل ما يجريه ~~ليكون على بينة منه. # على أن تعيينه رئيسا لذلك الفرع لم يعن - كما كان يجب أن يعني - وضع وسائل ~~النقل تحت تصرفه، فاستمر أمرها فوضى كما كان، وما فتئت البغال والحمير، وعددها نيف ~~وألف ومائة، في مجيئها من مصوع وذهابها إليها، ms464 وتحمل فوق طاقتها أحمالا قلما ~~احتيج إليها، كتبن وخيام وأثقال مختلفة، مع أن المطلوب إنما كان تحميلها بقسماط ~~ومآكل أخرى، كان الجيش في أشد الافتقار إليها، ومع بهاظة الحمل كان العساكر والصف ~~ضباط الآتون برفقتها يركبونها أيضا، فيرهقونها، ناهيك بفتك الذباب المدعو ~~«تسلتساليا» بها فتكا ذريعا. # ولما طال المطال بالجيش في حصن وادي (قرع) دون أن يظهر الحبوش إلى المناوشة ~~والقتال، ودون أن ترد أخبار عن حركات النجاشي، أخذ السردار ورئيس أركان الحرب ~~يفكران في أمر الزحف إلى (عدوة) للإيقاع به فيها، ولكنهما اختلفا على الطريق التي ~~يسيران منها، فذهب السردار انقيادا إلى مؤثرات النائب (محمد)، رجل ثقته - وكان قد ~~نجا من سجن النجاشي - إلى تفضيل طريق قودوفولاسي-قوندت على ما سواها، ورأى لورنج ~~عملا بنصائح قسيس فرنساوي كاثوليكي يقال له ديڨلو من جمعية التبشير بالإيمان، وأحد ~~كهنة الإرسالية العازارية في تلك البلاد، أن الأوفق الزحف بالجنود من الطريق ~~المجتازة للمقاطعة الحبشية، التي استعمرتها تلك الإرسالية، لما قد يجدونه فيها من ~~أسباب الرخاء وأنواع المساعدة. ولكن بما أن لورنج نفسه كان كاثوليكيا، فأدلاء ~~النائب محمد لم يتعبوا كثيرا في إقناع راتب بأن غرض خصومهم الأدلاء الأحباش ~~الكاثوليكيين من المرور بالجيش في مقاطعة العازاريين إنما هو محض انتفاع أهل تلك ~~المقاطعة بالريالات المصرية التي تصرفها الجنود والخزينة في ابتياع مأكولات وخلافها ~~منهم، وأن رئيس أركان الحرب إنما يعضدهم في تفضيله طريقهم على طريق ~~قودوفولاسي-قوندت، لكونه كاثوليكيا مثلهم، فكفى ذلك لكي تكثر حول الأدلاء والقس ~~ديڨلو الإهانات التي لا مبرر لها، والاضطهادات السمجة. ولكي يقضي أدلاء النائب محمد ~~على جهود مزاحميهم قضاء مبرما، أذاعوا كذبا نبأ قرب دنو النجاشي من حصن (بعرزه) ~~لمهاجمة من فيه، فأصدر السردار أمره إلى قائد الجند هناك بمنع خروج الخيالة من ~~الحصن، وبالثبات على الدفاع عنه إلى النهاية. ومع إقدامه على إقامة ديدبانات فوق ~~الآكام المحيطة، وأمام الخنادق، وبالرغم من علمه علما يقينا أن النجاشي على بعد ~~يومين على الأقل، لم يفكر في تمرين جنوده التمرين اللازم لجعلهم ms465 على استعداد ~~لمقابلة الطوارئ، ولا أمر بإجراء الاستطلاعات التي كانت الظروف تقتضيها لدرء كل ~~مباغتة، والوقوف على حركة العدو، فنجم عن ذلك أنه خيل لبعض الجنود ذات ليلة أنهم ~~يسمعون دبيبا، ويرون أشباحا، فظنوا أنفسهم مبيتين، فهبوا إلى سلاحهم مذعورين، ~~وأطلقوه في الفضاء على العدو الموهوم، فأصابوا عدة من زملائهم المنتشرين خارج ~~الحصن، وسببوا فزعا عاما للحامية كلها. # وبعد أيام قدم إلى المعسكر دچاش يقال له (ولده ميخائيل) مع ابني أخيه، وجماعة من ~~أعوانه وأتباعه، فاستقبلوا استقبالا شائقا، وقدمت إليهم القهوة على صوان فضية ~~من مظال الأمير حسن، فلخوف ذلك الرئيس الحبشي من أن يكون وضع له سم فيها، أبى أن ~~يشربها إلا بعد أن ذاقها أحد الحقيرين من أتباعه دون أن يصاب بسوء، وأنعم الأمير ~~عليه بلقب «باشا» ورتبة «فريق»، وأنعم كذلك برتب مختلفة وهدايا نفيسة على ولدي ~~أخيه. وأهم ما استلفت الأنظار في هؤلاء القادمين كثرة القمل المالئ بملابسهم، حتى ~~لقد لاحظ أحد الضباط الأمريكيين أن مهمة بعض رجال حاشية الدچاش كانت منحصرة في ~~الشخوص إلى قميص هذا الرئيس وردائه، لالتقاط تلك الحشرات المقرفة، وطرحها على الأرض ~~كلما لمح ظهورها، دون أن يثير ذلك اشمئزازا في أحد، كأنه من مستلزمات الحياة ~~اليومية ومظاهرها. # وما مضت أيام قلائل على قدوم أولئك الأحباش إلا وطفقت الرسائل تخرج من خيام ~~السردار والأمير بواسطتهم إلى الرءوس والأمراء الحبوش، مستميلتهم إلى ولاء مصر، ~~وممنيتهم بالأماني الكثيرة والأموال الجمة، ولكي يجعلهم راتب يذوقون شيئا من حلاوة ~~تحقيقها طفق يفكر في مكافأتهم مقدما على الأعمال التي كان يطلبها منهم، ووقع في ~~خلده مرة إعطاء خمسمائة ريال، من المعروفة بريالات ماريا تريزا، إلى أحد رجال (ولده ~~ميخائيل) تشجيعا له من جهة، ومن باب المكافأة من جهة أخرى، على أمانته وإخلاصه في ~~خدمة المصالح المصرية، وكاد يفعل ذلك، لولا تداخل ضابط عال في الأمر، وتفهيمه ~~السردار أن المبلغ إنما يحق لذلك الحبشي حينما تظهر نتيجة مساعيه. # على أن نتيجة التراسل بواسطة رجال (ولده ميخائيل)، كانت قيام التصور ms466 في مخيلة ~~راتب أنه أصبح يحكم الديار الحبشية بأسرها من عقر خيمته، وابتهاجه بما آلت إليه ~~سياسته الحكيمة، وأبلغه إياه دهاؤه السياسي. # غير أن استغراق السرادر في أحلامه، وتغذي فؤاده بالأماني العقيمة، لم تحولا دون ~~إرساله الضابط أرجنس الأمريكاني إلى الاستطلاع والاستكشاف، صحبة القس ديڨلو وأحد ~~أحباشه المخلصين، فتقدم ذلك الضابط الجسور، بالرغم من خوفه من الخصي فيما لو وقع في ~~أيدي الأعداء، واجتاز صفوف الأحباش، وما زال سائرا حتى بلغ مكانا لا يبعد عن ~~(عدوه) إلا ثلاثين ميلا. ولما وقف على كل ما كان رئيس أركان الحرب راغبا في ~~الوقوف عليه، عاد إلى المعسكر المصري، بعد أن انقاد إلى نصيحة دليله الحبشي، وذبح ~~بضع دجاج ونثر دمها وريشها في الطريق، ليحمل النجاشي على اعتقاد وجود سحر فيها، ~~فيمتنع عن طرقها. # وأتى الواقع مصدقا لقول الحبشي، فإن النجاشي اعتقد أن سحرا عمل له، وبدلا ~~من تقدمه في الطريق التي عاد أرجنس منها، عدل عنها إلى طريق (قوندت- أسمرة)، فسار ~~في 21 فبراير من (عدى حواله) إلى (ماي جوردا)، و(قودوفولاسي)، و(ترايبين)، وعسكر ~~فيها ريثما تجتمع عليه بقية جيوشه. # فوجدته هناك طلائع المصريين في 25 فبراير، وكان فعل الدليل الحبشي قد حول أنظار ~~القيادة العامة إلى عدم إمكان مجيئه إلا من تلك الطريق، وإذا بالجزء المهم من جنوده ~~قد نزل في (ماي قوردا) و(قودوفولاسي)، و(عدى حواله)، و(عدى ماجسا). ولما كان ~~الغد زحف النجاشي إلى (عدى برو)، وأرسل قسما من خيالته إلى (تساتزيجا)، فلما ~~بلغت ميمنته (عدى نتزو)، اختار من بين بيادته وفرسانه مائتي مقاتل، وأرسلهم إلى ~~الأمام بمثابة طليعة، لتنسم الأخبار، واستطلاع الأحوال. # وكانت الأنباء عن تقدمه، وضخامة جيشه، وتنوع حركاته، قد بلغت المعسكر المصري، ~~فأخذ القلق مأخذه من القيادة العليا، وأركان الحرب فيه، وطفق بعضهم يبدي المخاوف ~~على سلامة جناح الجيش، ويرتئي الانسحاب، ويقول بلزوم إجرائه! كأنهم إنما أتوا إلى ~~ذلك المكان وتحصنوا فيه لمجرد نزهة عسكرية. ومما زاد الطين بلة أن الشقاق على ~~اللازم عمله بلغ أشده بين السردار ورئيس أركان ms467 حربه، وأدى إلى عزم هذا على التخلي ~~عن كل مسئولية، وترك راتب باشا وشأنه يخرج كيفما يريد من المأزق الذي بات ~~فيه. # ولكن ضميره لم يطاوعه على البقاء على عزمه، فكلف الكونت سرماني بالقيام إلى ~~الاستطلاع في 26 فبراير، صوب الجهة التي بلغ نزول الملك فيها، فسار سرماني حتى بلغ ~~كرباريا، حيث علم أن بيادة الأحباش في (عدى برو)، وأن معسكر النجاشي العام في ~~(أبامتي)، فعاد بنبأ ذلك إلى جهة الاختصاص ، فرأى الكرنيل داي أن يستوفي التفاصيل ~~ويستوعبها، وحبب استطلاع سرماني في استطلاع ثان، فعارض راتب فيه، وذهب إلى عدم ~~فائدته، ولكن الأمير نفسه وافق عليه، وحض لورنج على إجرائه، فخرج أرجنس وولسن بألف ~~أو ألف ومائتي فارس، وتوغلا في السير توغلا بعيدا، لم يمكنهما من العود في ~~الميعاد المضروب، فطار القلق عليهما وعلى القوة التي معهما في عموم المعسكر، وصعد ~~الأمير حسن باشا ذاته على أكمة ليستطلع، فرأى غبارا عن بعد، فتخيله دخان قتال ~~تصوره قائما بين الكشافة والحبشان، فأسر إلى راتب بظنونه، فأمر السردار فدق ~~نفير النجدة، فبرز طابور ومدفعان، وخرج وأركان حربه، وخرجت هيئة أركان الحرب بأسرها ~~وراءه، وتبعهم القواد وياورانهم، وكان مئات من الرجال في السهل بدون انتظام؛ منهم ~~من يبحث عن العدو، ومنهم من يستعد للهرب منه بدون أن يدري أحد، ما عدا راتب ~~والأمير، لم هو هنالك، وإلى أين هو ذاهب. # وبينما هم كذلك خيم المساء عليهم، فجمع السردار زمرة من الرجال المنتشرين في ~~السهل، واستعد لمعركة دفاعية، ولكي يكون على بينة من أمره صعد على صخرة مرتفعة، ~~وأخذ يجيل نظره في جهات الأفق الأربع، وهو في منتهى الحيرة، لا يدري ما العمل. ~~أما باقي الخارجين، بل ذات الذين بقوا في الحصن، فإنهم استمروا في هياج كبير، ودام ~~الهرج والمرج بلا معنى، وبدون غرض معلوم، حتى عادت القوة المستطلعة بعد الغروب ~~بساعة، ولو داهم الحبشان الجيش المصري في ذلك الوقت لأفنوه عن آخره؛ لأنه كان كقطيع ~~غنم ليس من راع على رأسه. # على أن ms468 رضا راتب باشا بخروج قوة أرجنس إلى الاستطلاع إنما كان عقب أن تأكد من ~~وصول عثمان بك باثنين وعشرين جماعة إلى (قياخور). وقد تركنا عثمان بك هذا، وهو يأخذ ~~من دنيسون بطارية كروب بالقوة، ويعود بها إلى هذه البلدة، فوافته إليها بطاريات ~~كروب الأخرى، ولما بلغ السردار خبر اجتماعها، أمر بالسير بها إلى (قرع)، ورسم بزحف ~~عثمان بك إلى (قياخور)، فوصلت البطاريات (قرع) في 25 فبراير، وشرع عثمان بك في ~~تنفيذ الأمر المعطى إليه. # غير أن العدو شرع يهدد الخطوط ما بين (عدى راسو) و(قياخور)، وكان راتب ولورنج ~~معا يظنان في بادئ الأمر أن «البلوك هوس» الذي أقيم بالقرب من هناك كاف للدفاع عن ~~المضيق، ولكن لورنج ما لبث أن أدرك أن «البلوك هوس» لا قيمة له في الدفاع عن المؤن ~~والذخيرة المارة بسهل (حالة)، فما زال براتب حتى حمله على إرسال قوة في 24 فبراير ~~إلى وادي (قياخور) لمراقبة الطرق المؤدية من الغرب إلى ذلك السهل. ولما وصل هناك ~~عثمان بك في 26 منه بفرقته، وضعت القوة كلها التي اجتمعت هناك تحت إمرته، وكلف ~~بالمحافظة على الوارد من (عدى راسو). فطفق يحسن التحسينات التي أقامها رائف بك، ~~ووضع المدافع بحيث تحمي مدخل الوادي من الغرب، واستخدم فرسانه في سهل (حالة) لمنع ~~نزول العدو على وسائل النقل الخاصة بالجيش. # أما النجاشي، فإنه مع بقائه في (أبامتي) أمر جيشه بالارتداد إلى (ترامني)، كأنه ~~يرغب في تضليل أفكار خصومه، ثم عاد فتقدم في أول مارس لغاية (تزاتزيجا)، وشرع ~~يهدد بالهجوم تهديدا جديا، فخاف راتب أن يحدق الخطر به من كل جانب، وأراد ~~الانسحاب لينجو، فعارضه لورنج في ذلك، وطلب إليه إجراء استطلاع آخر على شكل مظاهرة، ~~والقيام بمناورة تهديدية لحركات الملك، يكون الغرض منها حشد الجيش كله في ~~(قرع). # ولكن راتبا لم ينصع إلى طلبه، وترك يوحنا يقوم بنفاذ الخطة التي رسمها لنفسه، ~~بدون معاكسة، الأمر الذي جعل كل الخط من مصوع إلى (قرع) مضطربا مزلزلا، وأدى ~~إلى عود قيام النزاع بين ms469 الجيش وهيئة أركان الحرب، فطفق رشيد باشا وعثمان بك على ~~اختلافهما مع بعضهما، لا يطيعان أمرا يرد لهما من الجنرال لورنج، واشتدت مضايقة ~~السردار لهذا القائد الأمريكي إلى حد لم يعد يستطيع معه إرسال أي كتابة أو أمر إلا ~~عن طريق رفعت أفندي رئيس كتاب القيادة. ولم يكتف رشيد باشا باحتقار الأوامر ~~الواردة من لورنج، بل أخذ يوجد كل ما استطاع إيجاده من العراقيل في سبيل الميچر ~~لوشي رئيس قسم النقل، غير مبال بالمضار التي تعود على الجيش برمته من جراء ~~ذلك. # وكانوا قد سلموا القيادة (ببعرزة) إلى الميچر فيلد، لتكون عينه ساهرة على ~~المهمات، ولكن لورنج - بعدما اشتدت الأخطار حولها بسبب حركات النجاشي - رأى أن ~~يعزز نقلها بجنود تحافظ عليها أثناء اجتيازها سهل (حالة)، فأصدر أمره لذلك، ولكن ~~(راتبا) أبى الموافقة؛ لئلا ينقص عدد الجنود الموجودين معه في الحصن. # وبينما القواد المصريون في هذا الاختلاف وهذه المنازعة كان النجاشي يتقدم نحو ~~الجيش المنكود الحظ المسلمة أزمته إليهم بخطى الثعالب وعزم الأسود، حتى أصبح على ~~بعد بضع ساعات من (قياخور)، و(عدى راسو). ولما علم راتب بذلك زادت مخاوفه، فبادر ~~إلى عقد مجلس حربي سري، أبعد عنه كل الضباط الغربيين للمداولة في الأمر، فلم يقر ~~ذلك المجلس على رأي، وكان العدو الزاحف باستمرار في تلك الأثناء قد أضحى على بعد ~~ثلاث ساعات من (قياخور). # والنجاشي، والربوع حوله كلها عيون وآذان ترى وتسمع وتحيطه علما بماجريات الأمور ~~عند أعدائه، قد تمكن من الوقوف على تشتت فرق المصريين، ما بين (بعرزه) و(عدى راسو) ~~و(قياخور) و(قرع)، فعزم على الانقضاض بغتة على قوتهم الكبرى في (قرع) وسحقها؛ لتبيت ~~باقي الفرق تحت رحمته، فإما أنها تسلم، وإما أنه يبيدها، وليس لها من بين يديه مفر، ~~وما صمم على ذلك إلا وشرع في تنفيذه. # فكان من الواجب، والحالة هذه، على قائد الجيش المصري أن يترك في حصن (قرع) قوة ~~كافية للدفاع عنه دفاعا مؤقتا، ويزحف بمعظم قوته إلى (قياخور)، فينضم إلى الفرق ~~المقيمة فيها، ويخرج بجيشه كله ms470 لمقابلة الملك، فيقضي الله ما يشاء بينهما. # بذلك أشار الضباط الأمريكيون، ولكن رشيد بك وعثمان باشا رفقي قاوما رأيهم ~~وعاكساه، وهما، لجهلهما الأصول الحربية، لا يشعران بالضرر الذي يسببانه، وما أبى ~~راتب عمله أقدم النجاشي عليه، فإنه بعث يستدعي إليه كل القوات التي كانت قد انفصلت ~~عنه لمهمات كلفت بالقيام بها، واجتهد في حمل المصريين على الاعتقاد بأن مهاجمته لهم ~~ستكون يوم 6 مارس؛ ليغرر بهم ويمنعهم عن الافتكار في حشد جموعهم كلها في صعيد واحد ~~بسبب ضيق الوقت. ونجح في خداعه لدرجة أن لورنج نفسه، في الليلة ما بين الخامس ~~والسادس من شهر مارس، أبى أن يقلع ملابسه، ونام بها على سرج حصانه، وما بزغ الفجر ~~إلا واحتذى جزمة القتال وأخذ له أهبته، وتقدم الدچاش، والراس (ولدا ميخائيل) إلى ~~السردار بالإذن لهما في الخروج إلى مقاتلة الملك، فأبى راتب أن يسمح لهما؛ إما لقلة ~~وثوق منه بهما، وإما احتقارا منه لشأنهما الحربي، فانسحبا. # وكان المصريون حينما أنشأوا الحصن في (قرع)، قد أقاموا أمامه بضعة استحكامات غير ~~محكمة، تحول دون مرمى المدافع، وتقصر حتما من مداها، فطالب لورنج (راتبا) مرارا ~~بإزالتها، وذهبت مطالبته دائما سدى؛ لاعتقاد السردار الفائدة كلها في تلك ~~الاستحكامات؛ لما فيها من الوقاية للجنود، كذلك كانوا قد وضعوا مخازن المهمات في ~~تلك الاستحكامات؛ اتقاء لشر قد يقع بسببها في الحصن عينه، فيصيب من فيه من كبار ~~الضباط والأمير نفسه، لا سمح الله! فما فتئ لورنج يحض السردار على نقلها إلى داخل ~~الحصن لتكون المحافظة عليها أنجع، والاستفادة منها أضمن، وما فتئ السردار يمهل ~~ويهمل لغاية اليوم الرابع من مارس؛ إذ ظهرت جليا مضار إبقائها، بحيث لو استولى ~~الأحباش على الاستحكامات الخارجية، لاضطرت القوة المصرية كلها إلى التسليم، فأمر ~~بنقلها، وأضيع في نفاذ ذلك الأمر وقت كان يمكن الاستفادة منه في عمل مفيد من ~~الأعمال التي يحتم دنو ساعة القتال القيام بها. # ولما أن انقضت الساعات الأولى من النهار السادس من مارس دون أن تظهر للعدو طلائع ~~(بقرع)، ms471 أسرع القواد إلى عقد مجلس حربي جمع إليه كل الضباط الكبار من شرقيين ~~وغربيين، ما عدا الميچر درهلز، فكان فيه راتب باشا، والجنرال لورنج، وعثمان رفقي ~~باشا، وعثمان بك، والأميرالاي دريك، وداي، فتداولوا معا في الأمر وفي الواجب عمله، ~~فذهب الأمريكيون مرة أخرى إلى لزوم الخروج من الحصن (بقرع)، وحشد الجيش إلى الأمام، ~~فالانضمام إلى القوات المعسكرة في (قياخور)، فتغطية هذا الممر، والزحف بكل الجيش ~~المصري المتجمع على ذلك المنوال ، إلى مصادمة الملك والإيقاع به، وبذلوا أقصى جهودهم ~~لإقناع زملائهم الشرقيين بصوابية رأيهم هذا، ولكن السردار والقواد الشرقيين أبوا ~~الموافقة على ذلك، لا سيما أن الوقت أصبح ضيقا، والحركات العسكرية باتت عرضة ~~لمقاطعة الأعداء إياها في أثناء تطورها، وفضلوا بقاء كل قوة في موقفها تدافع عنه ~~بنفسها، ولو أن في ذلك البقاء المنفرد تعريضا للفرق إلى أن تسحق كل منها بعد ~~الأخرى بالتتابع، بدون أن تتمكن الواحدة من إنجاد الثانية. وانفض المجلس وكل من ~~الفريقين متشبث برأيه، وانقضى اليوم على غير جدوى وبدون استطلاع. # فلما كان صباح النهار التالي، ولم يظهر شيء يدل على رغبة الحبوش في القتال، اعتقد ~~المصريون أن المعركة أجلت من جديد، ولم يتخذوا أهبتهم لها، ولكنه ما وافت الساعة ~~العاشرة إلا وظهر العدو آتيا من ناحية دنجل وأمهور، من الجنوب والشمال والغرب ~~معا، وسمعت أصوات طبوله وزموره مالئة الفضاء. # فخرج الجيش المصري من الحصن بتسرع بعد أن أبقى السردار فيه 2500 جندي للدفاع ~~عنه، ومائتي ناقة، واجتهد قائد كل جماعة وفرقة في اختيار الموقف الموافق له، فاشتبك ~~الخصمان معا، وأحدهما - وهو الحبشي - يحاول الإحداق بالثاني من كل جانب، والثاني - ~~وهو المصري - قلما يدري كيف يوفق بين جهود جماعاته، فصعد صبري أفندي بالبطارية ~~التي كانت تحت قيادته إلى قمة تل يحمي جانب الجيش الأيمن، وأصلى الأحباش ~~المتسلقين ذلك التل، للتدفق من أعلاه على المصريين، نارا حامية، وأسرع داي بأورطة ~~كاملة إلى تعضيده، فصرت ترى صفوف الأحباش تتسلق الأكمة متدافعة كأمواج البحر ~~الزاخر، فما تبلغ إلى مرمى نيران ms472 البطارية إلا وتحصدها تلك النيران حصدا، حتى لقد ~~رؤي ساروخ واحد يقلب صفا بأكمله. وصعد الأميرالاي محمد بك جابر بآلايه إلى القمة ~~عينها، ولكن من جانبها الآخر، وقاتل هناك قتال الأبطال صادا الأمواج الحبشية ~~المرتطمة عليها حوله، ولو أرسل راتب باشا قوة كافية لحماية مؤخرة هذا الآلاي وتلك ~~الأورطة، لقضى على الأحباش قضاء مبرما، ولكنه كان حاصرا كل انتباهه فيما كان ~~يعتقد أنها مسئوليته الكبرى، وأعني بها المحافظة على سلامة الأمير ؛ لذلك، حينما رأى ~~صفوف الأحباش تتكاتف بالرغم من النيران المصرية التي كانت تحصدها، وتتقدم تقدما ~~خطرا، على بطئه، أشار على الأمير حسن باشا بالتوجه إلى الحصن والاعتصام فيه، ريثما ~~تتجلى المعركة عن نتيجة واضحة، وحتم عليه الانصياع إلى إشارته، متسلحا لإلزامه ~~بطاعته بأوامر الخديو أبيه الموجبة المحافظة عليه، فما وسع الأمير إلا الإذعان، ~~فحول رأس جواده وجهة الحصن، وانطلق يعدو نحوه، فما كان من جانب عظيم من العسكر ~~إلا وتبعه؛ لظنهم أن الأوامر تقضي بذلك. واتفق في الوقت نفسه أن الصفوف الحبشية ~~المهاجمة جانبي التل من الوراء تمكنت من تسلقها خلف الآلاي والأورطة المدافعين عنه ~~في طرفيه الآخرين، فبات صبري أفندي ومحمد بك جابر بين عدوين يفوقانهما عددا بما لا ~~يحصى، فدافعا عن مركزيهما دفاع الأبطال، بل دفاع الليوث الكاسرة، ولكن الكثرة تغلب ~~الشجاعة، فإن الأحباش تدفقوا من كل صوب عليهما بصياح وصلصلة سلاح مزعجين، وأطبقوا ~~عليهما إطباقا، فقتل محمد بك جابر، وبادت أورطة داي بأسرها، ووقع الميچر صبري ~~أفندي في أيدي الأعداء أسيرا. # ولما بات جانب الجيش الأيمن لا شيء يحميه، نزل الأحباش من الأعالي عليه بصيحات ~~عظيمة، ونفخ غير منقطع في الأصوار. وكان مصريو ذلك الجناح يقاتلون الأعداء ~~المواجهين لهم، فلما رأوا الأعالي تلقي عليهم بسحب أعداء آخرين، ذعروا وسقطوا في ~~أيديهم، وطفقوا يجرون بسرعة وراء الذين اتبعوا الأمير، عساهم ينجون معهم بالاعتصام ~~في الحصن، ولكن القائد العام كان - لسوء حظهم - قد جعل في سيره إلى قتال العدو ~~واديا بين ذلك الحصن وبينهم، فلما أرادوا اجتيازه ازدحمت ms473 أقدامهم فيه ازدحاما ~~مروعا، مكن الأحباش المقتفين أثرهم، بسيوف ورماح تقطر دما، من الفتك بجموعهم ~~فتكا ذريعا، حتى غطوا بجثث قتلاهم أرض ذلك الوادي المشئوم وسدوه بها. # على أن الذعر لم يتمكن من جمهور الجيش برمته، فإن فرقا منه ما لبثت تقاتل في ~~مكانها، ملتفة حول غير الهيابين من قوادها، ولم تتبدد إلا بعد أن أردى الموت ~~أولئك القواد، وكان أحسنها بلاء فرقة رشيد باشا؛ فإن هذا الضابط، النافخة في جسمه ~~روح الشراكسة الأقدمين، شراكسة العصور الوسطى البطلية، لم يتزحزح من مكانه قيد ~~خطوة، وما انفك سيفه عاملا في أجسام الأحباش الملتفين حوله، حتى اتحذ صاحبه من ~~جثثهم المكومة متراسا تترس به هو ومراسلته، ولولا أن السهام تناولتهما من ~~بعيد، وألقتهما قتيلين فوق ذلك الكوم، لاستمر حساماهما يرديان الأعداء إلى ~~المنتهى، ومما يذكر بالعار لأولئك الأحباش أن فروسية رشيد باشا لم تثر فيهم شعور ~~الإعجاب والاحترام، فما سقط الرجل مضرجا بدمائه إلا وانقض عليه أولئك الهمجيون، ~~وجردوه من ثيابه، واقتسموها بينهم، ثم خصوه وذهبوا للفتك بغيره. # وكان الجيش المصري الذي خرج مع راتب من الحصن وواقع النجاشي 5200، فقتل منهم ~~ألف، وأسر ألفان ومائتان، وتمكن من الرجوع إلى الحصن 400 سليم بسلاحه، و1600 ~~جريح، وكان ممن أسروا غير صبري أفندي قائد المدفعية الدكتور بدر أفندي، والدكتور ~~چونسن، والميچر درهلز، ورفعت أفندي رئيس الكتاب. وممن قتلوا، غير محمد بك جابر ~~ورشيد باشا، النائب محمد والدكتور محمد علي باشا البقلي. أما الدكتور بدر أفندي ~~والقائممقام صبري أفندي، فإنهما تمكنا من العود إلى الجيش بمساعدة امرأتين حبشيتين ~~من نساء آسريهما، أحبتاهما فأنقذتاهما، كما هي عادة نساء الحبش على ما يقال. كذلك ~~وقع للدكتور چونسن بعد حوادث مؤلمة غريبة لا داعي لإيرادها هنا، وأما الدكتور محمد ~~علي باشا البقلي فإنه كان في مصوع، ولكنه حالما علم بتحرك الجيش للقتال، رغب إلى ~~القيادة العليا، بالرغم من بلوغه سن الشيخوخة الفانية، أن تستدعيه إلى مواقع ~~الطعان، عساه يحظى بنعمة الاستشهاد، فدعته، فنال مناه، ولكن لا بسلاح الأعداء، ms474 بل ~~على يد سوداني من الجيش المصري أسر معه، وأمر بقتله، على زعمه من ذات الحبشي ~~آسرهما النافر من بطء سير البقلي، ومن اضطراره إلى إطعامه، وقد حوكم هذا السوداني ~~فيما بعد بمصوع، ولم يصدق قضاته روايته، بل استفظعوا عمله لما كان لمحمد علي باشا ~~البقلي من المكانة في النفوس، وحكموا على ذلك الوغد بالإعدام. # وبعد أن استولى الأحباش على ثلاثة عشر مدفعا، وعلى كل سلاح المقتولين، وجميع ~~الذخيرة التي لم تطلق في القتال، تقدموا نحو الحصن بقصد القضاء على الحامية التي ~~فيه وتخريبه، فأصلتهم الجنود نارا حامية، لم يستطيعوا عليها ثباتا، فجددوا ~~هجومهم مرتين، ولكنهم صدوا بخسائر جسيمة، فارتدوا على أعقابهم حانقين. وفي يوم ~~الجمعة العاشر من شهر مارس أقدموا، لشدة غيظهم، على ذبح ألف أسير مصري من المنكودي ~~الحظ الذين وقعوا بين أيديهم، وشرعوا في الأيام التالية يعذبون الباقين ثم ~~يذبحونهم، حتى أفنوهم كلهم، ما عدا مائة وثلاثين تمكنوا من العود إلى الحصن. # ومع أن علي الروبي أفندي المتولي إدارة المستشفيات بذل أقصى جهده في الاعتناء ~~بالجرحى، وأن بدر أفندي الطيب لم يأل جهدا في معالجتهم، وأبدى من صنوف الإخلاص ~~وتضحية الذات ما استحق عليه ثناء الجميع، فإن مائتين من الجرحى ماتوا أيضا! فكأن ~~نتيجة المعركة في (قرع) كانت كالآتي: 3273 مقتولا ومجروحا جرحا قاتلا، و1416 ~~جريحا، و530 سالما فقط، وبما أن القتلى المدفونين في الوادي ومجرى السيل - وأناف ~~عددهم على ألفين - لم يدفنوا دفنا أصوليا، فإن الأمطار ما لبثت أن كشفت التراب ~~عن جثثهم، فأكلت الضواري رممهم. # غير أنه إذا بكت مصر دمعا سخينا على أولادها الذين ضحى بهم في تلك الأودية ~~السحيقة جهل قوادهم الأتراك والشراكسة، فإن الحبشة، وإن تغنت بالفوز في (قرع)، ~~لم تجد بدا من البكاء بدل الدمع دما؛ فإن عدد قتلاها لغاية 10 مارس بلغ خمسة ~~آلاف، ناهيك بالجرحى، والذين فروا، فلم يبلغوا ديارهم إلا معطوبين. # على أن ذات التغني بالنصر لم يكن في محله في (قرع)، بل ولا في (قوندت) عينها، ~~فإن ms475 الجيش الحبشي الذي فتك بأرندروپ وحملته كان يزيد على سبعين ألف مقاتل؛ منهم 15 ~~ألفا مسلحون بأسلحة نارية، ولم يقل الجيش الحبشي الذي قاتل في (قرع) عن خمسين ~~ألفا، فإن كركهام كان يقول: إن النجاشي يستطيع حشد من 15 إلى 20 ألف فارس و20 ألف ~~بندقلي، ومن 50 إلى 100 ألف بيادة. ويذهب درهلز - وقد مكث في أسر الأحباش خمسة ~~وأربعين يوما، ووقف على كثير من أسرارهم - أن عدد الذين داهموا القوة المصرية ~~الصغيرة في (قرع) كان يربو على أربعمائة ألف. # ولا أدل على مقدار الخسائر التي أصابتهم أكثر من انسحابهم بعد تلك المعركة بدون ~~أن ينالوا من حامية الحصن مأربا، مع أنها كانت تحت رحمتهم، ولو صبروا على حصرها ~~فقط بدون الحمل عليها ومقاتلتها لقطعوا عنها الزاد، واضطروها إلى التسليم. ويروي ~~الخبيرون أن الذي أجبر النجاشي على الانسحاب إنما هو خسارته نصف جيشه وأكثر، بسبب ~~الفارين عنه بعد المعركة. وكانت خسارته هذه تكون أكبر بكثير لو أن عثمان بك قائد ~~القوة المصرية في (قياخور) لم يظهر من الجهل والغباوة والحمق مظهرها الأقصى، ولم ~~يحجم عن الاشتراك في المعركة، بالرغم من أن العدو كان ضمن دائرة مرمى مدافعه، بل ~~ذات بنادقه، وهو لو اشترك فيها لفل بمقذوفاته ورصاصه شمل الأحباش المهاجمين التل ~~القائم عليه آلاي جابر بك وأورطة داي ومدفعية صبري أفندي من الوراء، ولصعقهم ~~صعقا، فمكن بذلك أولئك الأبطال من الاستمرار على حماية جناح الجيش حماية ربما ~~أدت إلى فوز. والأدهش من إحجام ذلك الضابط ومخالفته للمبدأ الحربي النابليوني الذي ~~يحتم على كل قائد فرقة أن يسرع نحو النار حالما يسمع دويها، لنجدة رفاقه المشتبكين ~~في قتال مع العدو، هو تهنئته نفسه فيما بعد على عدم اشتراكه في تلك المعركة! وهو لو ~~كان قائدا في أمة غير أمتنا المصرية هذه لجيء به، بسبب ذلك، أمام مجلس حربي، ~~ولحوكم محاكمة صارمة. # ومما يثبت أن النجاشي - بالرغم من بقائه سيد ميدان معركة (قرع) - لم يعتبر نفسه ~~فائزا فوزا حقيقيا، هو أنه ms476 بادر في 12 مارس إلى إرسال رسول يعرض الصلح على ~~السردار، ويلتمسه منه، وقفاه بمندوب خاص يدعى ليكو منكروس وركي، قدم المعسكر ~~بصحبة 10 أو 12 ذات حيثية، من ضمنهم پركنس زوج ابنته، المشهور عنه أنه ابن اللورد ~~پركنس، فاستقبله السردار والأمير استقبالا شائقا، وقدما له هدايا فاخرة، من ~~ضمنها جواد أبيض من كرام الخيل، وقاما بواجبات ضيافته بكيفية سنية. وما لبثت ~~المخابرات في شأن الصلح أن دارت بين الخديو والنجاشي بواسطة السردار وذلك ~~المندوب. # فطلب الخديو رد كل السلاح المأخوذ من المصريين في الحرب إليهم مقدمة لفتح أي ~~مفاوضات تكون، ولكنه عاد فتنازل عن هذا الطلب، وأذن لراتب بالتفاوض مع مندوب ~~النجاشي، فتفاوض معه أياما، ثم بعد أن أهدى إليه 500 ريال وأواني فضية، وأهدى ~~أتباعه 300 ريال ومائة صليب، أعاده إلى يوحنا لكي يخبره بما وصلت إليه المفاوضات، ~~ويأتي من لدنه بتعليمات جديدة. # وفي 3 أبريل وردت إشارة برقية إلى الأمير حسن تصرح له بالرجوع إلى مصر، فترك ~~الحصن في ثاني غد من ورودها، وبلغ مصوع بفرقة من الخيالة في صباح اليوم السادس من ~~الشهر، فوجد «المحروسة» في انتظاره هناك، فاستقلها وعاد إلى أحضان أبيه. ولم يمض ~~على وصوله يومان إلا وصدرت الأوامر إلى راتب باشا بعقد الصلح بأحسن ما يمكن من ~~الشروط والجلاء عن البلد. # ولما كان الفصح الحبشي مقتربا، اغتنمها السردار فرصة جيدة ومناسبة لإخلاء حصن ~~(قرع)، والسير بقوته إلى الحصن الذي ابتناه الكرنيل لوكت في ممر (قياخور)، فما وصله ~~واستقر فيه إلا وأقدم على عملين يذكرهما له التاريخ بمداد الاشمئزاز، ويدلان على ~~مقدار تعسف العنصر التركي الشركسي في تلك الأيام بالمصريين، بل بذات الضباط منهم، ~~وإليك بيانهما: ~~(1) # كان قد اتفق لملازم أول مصري والجيش معسكر في (قرع)، قبل واقعة 7 ~~مارس، أن عثمان بك أمير آلايه الشركسي ضربه ذات يوم بدون سبب، وبدون ~~ذنب، فرفع الملازم شكواه من ذلك إلى السردار راتب باشا، وبينها ~~بيانا مفصلا، فلم يلتفت السردار إليها، وضرب بها عرض الحائط، فرأى ms477 ~~الملازم أن ضربه وهو ملازم لا يتفق مع الكرامة المطلوبة له، والتي ~~تطالبه نفسه بها، ولا مع هيئته في نظر مرءوسيه، فتخلى عن وظيفته، ورجع ~~إلى الصف بصفته جنديا بسيطا، وأظهر في حاله هذه الجديدة من الطاعة ~~والامتثال وحسن السلوك، وأبدى من ضروب الشجاعة ما جعله موضع إشارة ~~البنان، وأعلى منزلته في أعين العسكر على العموم، ولكن أمير آلايه ~~الشركسي عد عمله هذا خارجا عن حدود الأدب العسكري، ومستوجبا عقابا ~~صارما يردع غيره عن الاقتداء به، وشاطره راتب باشا رأيه، فما استقر في ~~حصن ممر (قياخور) إلا وأمر بذلك الرجل الأبي فسيق أمام مجلس حربي، ~~وحوكم محاكمة أصولية على زعمهم، فحكم المجلس عليه بالموت تحت الرصاص، ~~ونفذ الحكم فيه. # 32 ~~(2) # كان قد قام من (مصوع) إلى (قرع) مدد تحت قيادة إسماعيل باشا ~~الشركسي، فوصلها حوالي أواسط مارس؛ أي بعد الواقعة بأيام، ولكنه حدث، ~~لما بلغ المدد (قياخور) أن قائمقام مصريا شعر بتوعك في مزاجه، والتمس ~~من إسماعيل باشا التصريح له بالبقاء في هذا الحصن حتى يشفى، فأبى عليه ~~ذلك زاعما أن مرضه ليس مما يستوجب الإمهال، فألح القائمقام، لا سيما ~~أن الرفض الصادر عن رئيسه زاد فعلا في وطأة الداء على جسمه، فأمر ~~إسماعيل باشا طبيب الفرقة بالكشف عليه، واستعمل في أمره ألفاظا أدرك ~~الطبيب منها أن الباشا يرتاح إلى تقرير لا يكون موافقا للمريض، فكشف ~~عليه، وقرر أن المرض ليس ذا بال، فما كان من الباشا إلا أنه ذهب بنفسه ~~إلى خيمة ذلك القائمقام، وأمر باقتلاعها، وقلبها على رأسه، وحتم أن ~~يسير الرجل مع أورطته مشيا على قدميه، فازداد المرض ثقلا على ~~المسكين، وحال دون تمكنه من الاستمرار على المشي، فتأخر عن أورطته، ~~فأمر إسماعيل باشا الشركسي بتجريده من رتبته وتنزيله إلى الصف نفرا ~~بسيطا! ففعل. ولكن ذلك لم يشف غليله، كأنه كان بينه وبين ذلك ~~القائمقام ثأر قديم، فلما استقر الجيش العائد من (قرع) في (قياخور)، ~~طلب محاكمته أمام مجلس عسكري، فحوكم، وحكم المجلس عليه بالإعدام، ~~فأخذوه وأجلسوه ms478 على أرض، موثق الركبتين، مغلول الكوعين وراء كتفيه، ~~وأطلقوا عليه الرصاص، فجرح جروحا عدة، ولكنه لم يمت، فكلف باشجاويش ~~بالإجهاز عليه، فقتله صبرا! # 33 # وإننا لدى مطالعتنا هذين الحادثين، ووقوفنا على ما أجمع عليه المؤرخون من غربيين ~~ومصريين من أن كبار الضباط الشراكسة كانوا شديدي القسوة والجبروت على الضباط ~~المصريين، لا سيما الصغار منهم، وأنهم كانوا يؤاخذونهم بالعنف والشدة على أصغر ~~الصغائر، لكيلا يفشلوا على زعمهم، ويلقونهم في أضيق السجون عند أقل حادثة، نفهم ~~بجلاء لماذا قام أحمد عرابي بثورته، وندرك بسهولة أنه كان لا بد منها ما دامت روح ~~القيادة العليا هي عينها التي تولت زمام حملة سنة 1876 المشئومة. # وكان السردار منذ قيامه من (قرع) قد كلف أورطة بالسير أمام الجيش لتمهد له الطريق ~~وتجهزها فيما بعد (قياخور)، وتهيئ له أسباب الراحة والاطمئنان، فانطلقت تلك ~~الأورطة، وقامت بمهمتها، حتى بلغت حصن (أمباتقان) المقام في وسط المسافة بين ~~(قياخور) و(ينجس)، وكان المنظور أن الذين ابتنوه، وقضوا عدة أسابيع يشتغلون في حفر ~~آبار بجواره، قد أوجدوا منها العدد الكافي، واعتنوا بحرص تام بحفظ الماء فيها، ولكن ~~قلة الصيانة - وهي النقص الأكبر في أخلاقنا الفردية والقومية على العموم - أدت إلى ~~إهمال شأن تلك الآبار حتى طمرها التراب وعفى آثارها، فلما لم تجد الأورطة المتقدمة ~~أثرا للماء فيها اجتازتها إلى (ينجس) بدلا من تنظيف الآبار وتطهيرها لإعادة الماء ~~إليها، أو حفر غيرها لتفي بحاجة الجيش القادم. # فنجمت عن ذلك نكبة أخرى أصيب الجيش بها؛ لأنه إذ لم يجد ماء بعد سير حثيث متعب ~~فل وتبعثر وتشتت أيدي سبا، ولما أنهك الرجال النصب في تلك الفلوات المجهولة، ~~شرعوا يركبون خمسة وستة على البهيم الواحد، فأدى ذلك إلى إبهاظ حيوانات النقل ~~إبهاظا أودى بحياة معظمها، وبات الذاهب من (قرع) - وما كاد المصريون يخلون حصنها ~~إلا واحتله الأحباش ودمروه - إلى مصوع يرى الطريق مغطاة بجثث الرجال والبهائم، وقد ~~اجتمعت عليها الطيور الكاسرة والوحوش الضارية متبارية في نهشها، كأنها دعيت إلى ~~وليمة لم تكن في الحسبان! ms479 # على تلك الحالة الرديئة وصلت بقية الحملة إلى مصوع، حيث أقامت أياما في انتظار ~~ورود الأوامر إليها بالعودة إلى مصر، فلما جاء المرسوم بذلك نزل السردار بمن معه في ~~إحدى السفن الخديوية، وأنزلوا ما بقي من المدافع والأسلحة والمهمات في ثلاث سفن ~~كبيرة أخرى، وأقلعوا قاصدين السويس، وكأن النحس أبى إلا مرافقة ألوية راتب إلى ~~النهاية، فحمل سفينة منها تدعى «دنقلة» على الارتطام بصخر في الماء، فغرقت بما ~~عليها، ولم ينج منها غير الرجال، ولما وصل العساكر إلى السويس سيروا على الأثر ~~إلى رأس الوادي، حيث أقاموا أياما، ثم سرحوا، فعادوا إلى أوطانهم يحملون أنباء ~~البؤس والشقاء اللذين حلا بهم، والنكبات التي احتملوها. # هكذا انتهت الحروب مع الحبشة، بعد أن كلفت الخزينة المصرية نيفا ومليونين من ~~الجنيهات، ولولا أن سوء طالع البلاد حال دون رغبة الخديو في تسليم قيادتها إلى ~~الأكفاء من موظفيه، بضرب الصفح عن كونهم غربيين أو شرقيين، وأن العنصر الشركسي ~~المتغلب في المراجع العليا على دوائر المشورة أبى إلا مقاطعة الغربيين واحتقار ~~كفاءتهم، اعتدادا منه بكفاءته المعدومة، لما آلت جهود (إسماعيل) إلى تلك النتيجة ~~الوخيمة، ولما باتت نكبة الحبشة من أقوى عوامل ضياع الثقة الغربية بمصر ~~ومقدرتها. # لذلك قلنا بحق إن تحديد التخوم بين الأملاك المصرية والحبشية أصبح من أهم المشاغل ~~والأمور؛ لأن النجاشي بعد الفوز الأدبي الذي أوتيه بانسحاب الجيش المصري بخفي ~~حنين أصبح شديد المراس في طلباته، بعيدا عن حدود التسامح والتساهل في التسليم ~~بالمطالب الخديوية، فقضى جوردون مدة ولايته كلها على السودان مشتغلا في تسوية ~~الخلاف، عاملا على إعادة المياه إلى مجاريها بين الدولتين. وكان أول أمر باشره عند ~~توليه الحكمدارية أنه ذهب إلى مصوع لعقد وفاق مع النجاشي بشأن الحدود، لكنه وجد ~~(ولدا ميخائيل) شاهرا العصيان على يوحنا، ووجد أن يوحنا يلقي تبعة عصيانه على ~~تحريضات سرية تأتيه من مصر، فأجل النظر في الأمر إلى فرصة أخرى، وذهب إلى دارفور ~~للنظر في إخماد ثورة الأمير هارون الرشيد كما مر، ثم عاد إلى (سنهيت) ms480 فوجد (ولدا ~~ميخائيل) لا يزال على عصيانه، فلكي يبرهن للنجاشي على أن مصر لا يد لها في تمرده، ~~طلب إليه أن يتحد معه على سحقه، فلم يجبه يوحنا إلى طلبه، فعاد إلى الخرطوم ومصر، ~~ثم رجع بطريق البحر الأحمر إلى هرر، فوصلها في أبريل سنة 1878، فوجد رءوف باشا ~~مشغولا عن الرعية بشئون تجارته، وقد كثر ظلمه، فعزله. # وأما الحبشة فلم يتوصل إلى الاتفاق معها. # إلى هنا تقف حركة الفتح والتوسع في أيام (إسماعيل)، ويؤخذ منها بصفة إجمالية أن ~~السير صموئيل بيكر، فيما بين سنة 1870 وسنة 1873، احتل وادي النيل الأبيض الأعلى ~~لغاية (جندوكورو )، وأن الزبير فتح بلاد بحر الغزال فدارفور، وأن جوردون كمل عمل ~~بيكر، فأسس نقطا حربية لغاية (مرولي) على نهر السمرست، واحتل ماسندي عاصمة مملكة ~~يونيورو، ووضع حدا للمنازعات التي كانت قائمة منذ دهر بين قباريجا وآتفينا ~~وريونقه، سليلي أول ملوك اليونيورو، على تقسيم هذه المملكة! فأجبر قباريجا على ~~الامتثال لإرادته، وعين الاثنين الآخرين حاكمين على (ماجونجو) و(مرولي)، تحت ~~ولاء الخديو، وأن حملة عسكرية أخرى بلغت بحيرة ڨكتوريا، وأقامت على بعد قليل من ~~شلال ريبون العظيم نقطة عسكرية عند الدرجة 0,30 شمالي خط الاستواء، وأن الجنود ~~المصرية احتلت في الوقت عينه بربرة، وعهدت إليها مهمة التقدم بالتدريج على طول ~~حدود الحبشة الجنوبية الشرقية، للإحاطة بهذه البلاد، بإخضاع عموم المقاطعات الممتدة ~~ما بين البحر وينابيع النيل، وأن توسع السيادة المصرية على ساحل أفريقيا الشرقي ~~سار بخطوات متساوية مع سير الفتوح في داخلية القارة، وأن مصر وضعت قدميها بثبات ~~وعزم على خليج عدن في سنة 1873، وأن متزنجر، بصفته محافظ مصوع والحاكم العام ~~للسودان الشرقي، ما فتئ يوسع دائرة ولايته حتى مدها رويدا رويدا على ساحل ~~الصومال فيما وراء بربرة، وأن الخديو استخدم ذلك الثغر قاعدة لتسيير حملات متتابعة ~~ضد قبائل الصومال المجاورة، لا سيما قبائل القالا، فقهرها على أمرها، وأنه استولى ~~على هرر بدعوة من أهلها، وأنه لما لم يعد في سبيل تجمع أملاكه بعضها إلى بعض سوى ~~الحبشة أراد ms481 كنسها من سبيله، فأوقف دفاعها عن نفسها، وسوء اختيار القواد الذين ~~نيطت بهم محاربتها، سير جنوده الفاتحة المنصورة. # فكانت نتيجة هذه الفتوحات كلها أنه أضيف خمسون ألف ميل مربع إلى مساحة الدولة ~~المصرية، ونيف وثلاثة عشر مليونا ونصف مليون إلى عدد سكانها. # الفصل الثاني # | العناية بالعلوم وتوسيع دائرتها1 # أبدو فيخضع من بالسوء يذكرني # كأنني فوق أعناق العدى علم # أحمد بن شاهين الدمشقي # غير أن أهم نتائج تلك الفتوح تمكن (إسماعيل) من إرسال عدة بعثات علمية إلى ~~أواسط أفريقيا ومجاهلها، وأقاصي سواحل المحيط الهندي الشرقية؛ للقيام باستكشافات ~~شتى في أبواب مختلفة، أثرت العلوم من ورائها، وزادت دائرتها اتساعا، ورفع في ~~الوقت عينه شأن دولته رفعا باهرا. # وذلك علاوة على ما سبق لنا ذكره في الفصل الخامس من الباب الأول، من مظاهر عنايته ~~الفائقة بالمعارف والتعليم والحركة الفكرية، وما بذله لأربابها والقائمين بها من ~~صنوف الإكرام والترغيب ما لم يرو عن عاهل شرقي غيره، منذ أيام كبار العباسيين ~~وكبار الفاطميين. # ولما كان تفصيل وقائع تلك البعثات، على ما فيه من لذة وتشويق للمطالعة، يستدعي ~~كتابا على حدته، يحسن بالمجمع العلمي المصري أن يكلف بوضعه أحد أعضائه الأفاضل، ~~ولو على سبيل الاعتراف بما كان (لإسماعيل) عليه من أياد، نرانا مضطرين لئلا يطول ~~هذا المؤلف بين أيدينا طولا منتقدا إلى الاكتفاء بنبذة وجيزة عنها والإشارة إليها ~~فقط. # على أننا لسنا بذاكرين هنا إلا البعثات المرسلة من (إسماعيل) على نفقة حكومته ~~الخاصة، مغضين النظر عن البعثات التي شجع على إرسالها المجامع العلمية الغربية، ~~من نوع الشركة الجغرافية الملكية بلندن وغيرها، أو قام بها أفراد كالسير صموئيل ~~بيكر، بمساعدته الفعالة. # ومرجع الفضل في تمكين (إسماعيل) من الإقدام على إرسال تلك البعثات إنما هو ~~لاستقدامه الضباط الأمريكيين، وانشائه مدرسة خاصة لتخريج أركان حرب، واعتنائه ~~اعتناء فائقا بتربية ضباطها، ثم لاحتياطه برجال ذوي عزم وشجاعة من الغربيين ~~والمصريين على السواء، رأوا لذة كبرى في إيقاف حياتهم على الرحلات والاستكشافات ~~العلمية. # وإليك بيان تلك الرحلات والاستكشافات مأخوذا عن كتاب ms482 «مصر الخديو» للمستر إدوين ~~دي ليون القنصل الأمريكاني السابق لنا ذكره مرارا: ~~(1) رحلة جوردون من جندوكورو إلى بحيرة ألبرت نيانزا، برفقة واطسون، وتشيندال، ~~وچيسي، لمعرفة مجرى النيل الأبيض في تلك الجهات، والوقوف على أحوال البلاد الممتدة ~~على ضفافه؛ الجوية والطبيعية والزراعية وغيرها. ~~(2) رحلة واطسون وتشيندال بأمر من جوردون، من الخرطوم إلى جندوكورو، للغرض ~~والمهمة عينها. ~~(3) رحلة واطسون وتشيندال أيضا في ديسمبر سنة 1874 إلى رچاف بالقرب من جندوكورو، ~~ليرصدا انتقال الزهرة، ويضعا تقريرا عنه للمراصد الفلكية بمصر والغرب. ~~(4) رحلة چيسي بأمر من جوردون إلى بحيرة ألبرت نيانزا، وطوافه فيها للوقوف على ~~اتساعها، وعلى مقدار المنصب من مياهها في النيل سنويا، ولمعرفة أحوال القبائل ~~القاطنة على سواحلها وغير ذلك. ~~(5) رحلة لونج تحت إمرة جوردون لارتياد مجرى النيل، واختباره بين بحيرة فكتوريا ~~نيانزا ومرولي، اختبارا شاملا، واستكشافه بحيرة إبراهيم، المسماة كذلك على اسم ~~أبي الخديو، ووصفه إياها وصفا وافيا. ~~(6) رحلة لينان وچيسي وبياچيا، تحت إمرة جوردون، لتحقيق مجرى النيل، ودرسه درسا ~~دقيقا، ما بين شلالات كما، وبحيرة ألبرت نيانزا. ~~(7) استكشاف چيسي الفرع الخارج من النيل بالقرب من بحيرة ألبرت نيانزا، والسائر ~~نحو الشمال الغربي. ~~(8) استكشاف بياچيا الفرع الخارج من بحيرة إبراهيم، والسائر نحو الشمال. ~~(9) رحلة جوردون بين فويرا ومرولي، لدرس مجرى النيل بينهما. ~~(10) رحلة لونج ومانيو إلى البلاد ما بين النيل الأبيض بالقرب من جندوكورو وبحر ~~الغزال، لاختبارها ودرس أحوالها وطبائعها، واستطلاع بلاد ماكياكا ونيام نيام ~~(النمانم). ~~(11) رحلة الكرنيل كلستون ومعه خمسة من ضباط أركان الحرب، لاستكشاف وتخطيط الطرق ~~ما بين الدبة ومتول، والدبة واتيل. ~~(12) تجول الكرنيل كلستون في الجزء الشمالي من إقليم كردوفان، لوضع تقرير واف ~~عنه، وقضاؤه عدة شهور في تلك المهمة. ~~(13) رحلة الميچر پراوت لارتياد إقليم الكردوفان عامة، والوقوف على دقائقه، ووضعه ~~خريطة شاملة مفصلة لغاية الدرجة الثانية عشرة من العرض الشمالي، وتجواله، ومعه ~~الخمسة الضباط البادي ذكرهم من ضباط أركان الحرب في تلك الأصقاع، تجوالا قطع فيه ~~نيفا وستة آلاف كيلو متر، وتحديده سبعة عشر موقعا تحديدا فلكيا. ms483 ~~(14) قيام الدكتور پفند تحت إدارة كلستون وپراوت بإجراء اختبارات نباتية، لمعرفة ~~نباتات وأزهار إقليم الكردوفان، والعود بمجموعة نباتية من تلك البلاد، كان لها شأن ~~يذكر عند علماء التاريخ الطبيعي. ~~(15) قيام الكرنيل پردي واللفتننت كرنيل ميسون وخمسة من ضباط أركان الحرب ~~المصريين بارتياد الطريق وسيره ما بين دنقلة والفاشر عقب استيلاء الجنود المصرية ~~على دارفور. ~~(16) رحلة الكرنيل پردي واللفتننت كرنيل ميسون، والميچر پراوت، وتسعة من ضباط ~~أركان الحرب المصريين إلى دارفور، ودار فرتيت، وحفرة النحاس، واستطلاعهم أحوال تلك ~~البلاد الجوية والطبيعية والزراعية والمعدنية، وسيرهم من جبل ميروب شمالا إلى ~~السكا جنوبا، وودداي غربا، ووضعهم خريطة عامة شاملة لجميع هاتيك الأصقاع بعد ~~اجتيازهم 6500 كيلو متر، وتعيينهم 22 مركزا تعيينا فلكيا دقيقا. ~~(17) قيام الدكتور پفند، تحت إدارة الكولونيل پردي، بإجراء اختبارات نباتية ~~لمعرفة نباتات إقليم دارفور المفتتح، وأزهاره، والعود منه بمجموعة نباتية كان لها ~~شأن المجموعة التي جاء بها الدكتور عينه من كردوفان. ~~(18) رحلة متشل الچيولوچي، وأميليانو، وضابط من ضباط أركان الحرب المصريين من قنا ~~إلى البحر الأحمر، بالقرب من القصير، ووضع خريطة لتلك الجهات وتقرير علمي ~~عنها. ~~(19) رحلة متشل عينه بمن معه إلى البلاد الواقعة في شمال زيلع الغربي، وبالقرب من ~~فرضة تتچورا، للوقوف على حالها من الوجهة العلمية على العموم، والچيولوچية على ~~الأخص. ~~(20) قيام القائمقام مختار والمساعد القائمقام فوزي باستطلاع الأرض ما بين زيلع ~~وهرر، وتخطيطها، ووضع خريطة لها وللبلاد الواقعة في جيرتها من جميع الجهات. ~~(21) بعثة الكرنيل لكيت والكرنيل فيلد، واللفتننت كرنيل دريك، والضابط بليغ ~~أفندي، والميچرات ديوليو ودنيش وديوهولي، والكبتن إرجنس، وعدة من ضباط أركان الحرب ~~الآخرين إلى جوار مصوع وهضبة الحبشة، لدرس طبيعة الأرض وطوبوغرافيتها، ومناخ ~~البلاد، ووسائل معيشتها، ولوضع خريطة مفصلة لها، وذلك قبيل الحمل عليها ~~عسكريا. ~~(22) بعثة متشل بعد اكتشافه منجمي ذهب قديمين، وأميليانو من مصوع إلى هضبة ~~الحبشة لإجراء أبحاث چيولوچية، وهي البعثة التعيسة التي أسر فيها الأحباش متشل ~~ورجاله، وأذاقوهم العذاب ألوانا وصنوفا، وقد بين ذلك الأمريكي الفاضل والمنكود ~~الحظ معا تفاصيل حوادثها ms484 في الكتاب الخاص الذي وضعه عنها للجنرال ستون، والذي يدخل ~~قارئه في كنه أسرار المعيشة الحبشية، وأخلاق أولئك الأقوام الهمجيين. # 2 ~~(23) رحلة الضابط عبد الرزاق نظمي وبعض زملائه من أركان الحرب المصريين، من بربرة ~~إلى جبل دوبار، للوقوف على حال البلاد الواقعة بينهما، ووضع خريطة تبينها ~~وتشرحها. ~~(24) رحلة الكرنيل وورد، واليوزباشي صدقي إلى سواحل المحيط الهندي الإفريقية ~~الشرقية، لدرس طبيعتها، ومعرفة مواقعها، ووضع خريطة تفصيلية لها. ~~(25) رحلة الميچر ديوهولي، صحبة ضابط من ضباط أركان الحرب، لاستطلاع الطريق بين ~~أسيوط وعين العجبة، ووضع خريطة لها تسهل على القوافل السير فيها. ~~(26) رحلة الضابط محمد هدايت من ضباط أركان الحرب تحت إدارة متزنجر، للاستطلاع ما ~~بين فرضة تتچورة وبحيرة أعوسا. ~~(27) و(28) و(29) بعثات مختلفة إلى كردوفان ودارفور وخط الاستواء، لإجراء ~~اختبارات واستطلاعات بارومترية، وترمومترية متنوعة. ~~(30) بعثة برتن إلى أرض مدين للوقوف على معادنها وغلاتها. وبرتن رحالة مشهور جال ~~المعمور بأسره تقريبا، ووضع كتبا ترغب في مطالعتها، وصف فيها أسفاره وصفا ~~حيا. # وإن الإنسان ليقف مبهوتا حائرا أمام انبعاثات هذه الهمم الإسماعيلية الفائقة في ~~ميدان لم يخطر لأحد من أسلاف صاحبها العمل فيه، مع أن المدة المنصرمة بين ملكهم ~~وملكه قصيرة، ويكاد العقل لا يتصورها كافية لنضوج مثل هذا التقدم الرائع في العقلية ~~العلمية، وتقدير العلم حق قدره لمجرد ذاته. # وفي الحقيقة، فإننا نعلم أن (محمد علي) الرجل العظيم على سعة عقله، وقوة بداهته، ~~وصفاء ذهنه، لم يكن يقدر أن يفهم مطلقا ما هي الفائدة من صنع الخرط، حتى إنهم ~~يروون عنه أن سليمان باشا الفرنساوي، بينما كانت الحرب قائمة على قدم وساق في ~~سوريا، بعث يطلب من إدارة الأشغال العمومية بمصر إرسال فرقة من المهندسين إليه لكي ~~يضعوا خريطة لتلك البلاد، لا سيما لبعض أجزاء منها كان يشعر باحتياجه إلى معرفة ~~طوبوغرافيتها بالدقة، لأعماله الحربية، فلما كونت الفرقة، ووضعت الأدوات اللازمة ~~لها تحت تصرفها، التمس من (محمد علي) التصريح لها بالسفر، ولكن الباشا حين علم أنها ~~مسافرة لغرض عمل خريطة فقط رفض قائلا: ms485 «وما الفائدة من عمل خريطة، ما دامت البلاد ~~في أيدينا؟» # 3 # وإننا نعلم أن الخرط المساحية التي صنعها الإيطالي المدعو (مازي) مع ~~بضعة شبان مصريين متخرجين من القصر العيني لبعض أجزاء مصر السفلى، حينما مسحت عموم ~~الأطيان المصرية في سنة 1822 تحت إدارة المعلم غالي كبير القبط وملاحظته، قد بعثرت ~~كلها ودثرت بالرغم من نفاستها وشدة الحاجة إليها، # 4 # وإننا نعلم أيضا أن الرجال الذين أحاطوا بالباشا العظيم في حياته ~~وساعدوه على نفاذ مشروعاته لم يكونوا، إذا استثنينا منهم بعض غربيين، سوى أفراد ذوي ~~همم عالية ومخلصين، لم يكونوا من العلم بحيث يفهمون فائدة هذا العمل النافع الجليل، ~~فإن لينان باشا حينما تعين باشمهندسا للوجه القبلي، وأحيط بزمرة من المهندسين ~~المتخرجين من مدرسة هندسة القاهرة، طالب كلا منهم بعمل خريطة للجهة الكائنة تحت ~~إدارته ليقدر مقدار كفاءته، وطلب من حكومة (محمد علي) الآلات اللازمة لذلك، فأجابته ~~عن لسان محمد بك المنسترلي، وكان شيخا يكاد يكون أميا: «إن الطلب المقدم منك ~~طلب صائب، ونقر لك أن ما تريد أن تعمله عمل مفيد، ولكن حيث إنا لا نعلم ما هي هذه ~~الخرط، ولا ندري ما إذا كان في وسع المهندسين أن يصنعوها، فإنا نود أن نرى أولا ~~بعضا منها من ذات صنعهم، فإذا أعجبتنا أسرعنا إلى إعطائك الآلات والأوراق التي طلبتها.» # 5 # ونحن نعلم كذلك أن لينان باشا نفسه في سنة 1840 - وكان إذ ذاك بكا - ~~وضع بعد متاعب جمة خريطة عامة لمصر السفلي، ورسمها وكملها، ثم اقترح على الباشا ~~العظيم أن ينشرها لتعم فائدتها، لا سيما بمصر، حيث يهم الكل، وعلى الأخص الحكومة، ~~معرفة الترع والجسور والأشغال الخاصة بالري، فأعرض (محمد علي) عنه، ولم يجبه لا ~~بنعم ولا بلا، # 6 # ونعلم أن لينان هذا أيضا وضع، بناء على أمر (محمد علي) نفسه، خريطة ~~لمديرية الفيوم، راقب صنعها أدهم باشا - وكان رئيس ديوان الأشغال العمومية - مراقبة ~~دقيقة، فبرزت خريطة جميلة جدا مقاسها ~~، فصنعوا منها واحدة أخرى مقياسها # وأعطوها للأمير تنفيذا لرغبته، فأهملتا ms486 مع ذلك، فضاع أثرهما بل ذكرهما، # 7 # ونعلم أن عناية حكومة (عباس الأول) بدفترخانات الأشغال وتصميماتها ~~ورسومها وخرطها وملفات أوراقها، تمثلت في هذا العمل المادي، وهو أنهم وضعوها كلها ~~في زكائب كبيرة كزكائب القطن، ورموها تحت دوس الأقدام في مخازن ملأى رطوبة وعفونة ~~وجرذانا، فأكلتها تلك الرطوبة وهذه الحيوانات، # 8 # ونعلم أخيرا أن صدور أمر (محمد سعيد) إلى مصري يقال له محمود بك ~~(محمود باشا الفلكي) - أقام مدة بفرنسا، يتعلم في مرصد باريس - بعمل خريطة عامة ~~لمصر على قاعدة نقط مثلثية تحدد بملاحظة خطوط الطول والعرض، (فرجع محمود بك في وضع ~~تلك الخريطة إلى عموم ما صنع من قبيلها، لا سيما خريطة الحملة الفرنساوية، وخرط ~~لينان السابق ذكرها، والرسوم المساحية التي صنعها بيهض باشا لمديريات بني سويف ~~والمنوفية والغربية، واستفاد من ذلك كله لصنع خريطته التي لما تمت كانت خير ما ~~أخرج من نوعها في القطر المصري)، قد عد من أجل الأعمال العامة المفيدة في عهد ~~(محمد سعيد باشا). # 9 # فلا يسعنا، ونحن نعلم ذلك جميعه، ونرى - إزاءه - المجهودات المتنوعة المبذولة من ~~(إسماعيل) في زيادة كنوز العلم المجرد، وعدم إحجامه عن أية نفقة وأية مشقة تستدعيها ~~تلك الجهود، إلا أن نعتقد بأن قرنا على الأقل انقضى بين ملك (سعيد) وملكه، ونكاد ~~نأبى التصديق بأن مثل ذلك التطور العقلي المدهش في الوسط المصري بأكمله، قد أمكن أن ~~يتم بمجرد ظهور رجل واحد على مسرح الحياة العمومية. # لذلك كان إعجاب الأوساط المتمدينة في الشرق والغرب بما امتاز به عهد (إسماعيل) من ~~حركة فكرية خصيبة، وبعناية الخديو الفخيم بالعلوم وزيادة كنوزها، ورغبته في توسيع ~~دائرتها، إعجابا عاما لا تشوبه شائبة؛ ولذلك استحق (إسماعيل) عن جدارة أن يجلسه ~~احترام الإنسانية لكل من عني بالعلوم في مصاف الأكارم من النوع البشري، ~~كپريكليس، وأغسطس قيصر، وعمانوئيل السعيد البرتغالي، وليو العاشر، ولويس الرابع ~~عشر، الذين امتازوا بتنشيط العلماء، وترغيب ذوي المعرفة والإقدام في الرحلات ~~العلمية والاستكشافات العمرانية! ألا فليبق جالسا هناك إلى أن تدق الساعة! # الفصل الثالث ms487 # | أبهة الملك وجلاله لا سيما في المواسم والأعياد والأفراح1 # رأت مصر على ممر القرون من مظاهر العظمة ومجاليها، وأبهة الملك وجلاله، وفخفخة ~~الرسميات وجمالها، ما لا تحسد معه قطرا في الوجود على ما أحرزه من ذلك، ولكنه لم ~~تتوال تحت قبة سمائها الصافية، وعلى ضفاف نيلها السعيد سلسلة أعوام أخذت نصيبها ~~الأوفر من الجلال والمهابة، والبهجة والأبهة، والجمال والفخامة، واللذات، مثل أعوام ~~ملك (إسماعيل) الستة عشرة؛ فقد كانت حلما في مخيلة التاريخ لم يتحقق إلا مرة ~~واحدة في دائرة عصوره! لا تكلمني عن جلال حفلات الفراعنة الأقدمين، ولا عن أبهة ~~الاحتفال البطليموسي المهيب بالمجيء برفات الإسكندر الأكبر من بابل إلى مقره الأبدي ~~في الإسكندرية، لا تذكر لي «الحياة التي لا يقتدى بها» التي قضاها أنطونيوس ~~وكليوباترا، ما بين كانوب وفارو، قبل أن يميد البحر والأرض بهما، لا تحدثني بأيام ~~أحمد بن طولون وخمارويه، وموكبهما السني، وابتهاجات قران قطر الندى بالخليفة ~~العباسي، المالك على ضفاف الدجلة في بغداد، لا تخبرني بزهو الأعياد والرسميات في ~~أيام الفاطميين التي لن تنسى، وبجلال جلوس أولئك الخلفاء البذاخين، وفخامة مواكبهم ~~في الأعياد والمواسم، لا تطنطن لي بفخفخة رجوع البندقداري وقلاوون وفرج والناصر ~~وبرقوق والمؤيد وبرسباي وقايتباي إلى عاصمتهم المصرية، عقب انتصاراتهم في الشرق، ~~وشقهم شوراعها بالقبة والطير، ولا تذكر لي دخول بوناپرت القاهرة على رأس جيشه ~~الفائز من تحت قبة باب الفتوح، بين عزف الموسيقات، ودق الطبول، فإن هذا جميعه، على ~~ما فيه من سنا وسطوع، وأخذ بمجامع القلوب، ينكسف تماما أمام الأشعة المنبعثة إلى ~~صفحات الأساطير عن أبهة الأيام وجلالها وأعيادها في عهد (إسماعيل). # وإنا بعد ما تقدم لنا ذكره عن الأعياد التي أقيمت احتفالا بقدوم السلطان عبد ~~العزيز، واللورد پاچيت أمير الأسطول البريطاني في البحر الأبيض، والإمبراطورة ~~أوچوني إمبراطورة الفرنساويين، والإمبراطور فرنتز يوسف إمبراطور النمسا والمجر، ~~والبرنس فردريك ولي عهد الدولة البروسية، وزمرة العواهل والأمراء الذين حضروا حفلات ~~فتح «ترعة السويس»، وقد أنفق فيها وحدها ما أنفقته أسرة برمتها من الأسر السابقة في ms488 ~~أعياد مئات من السنين، بعد ما سبق لنا وصفه من مظاهر الضيافة التي بذلت في تلك ~~الأعياد للألوف من الوافدين تباعا أياما، بل أسابيع متوالية، وامتازت بأطعمتها ~~اللذيذة، ومشروباتها الفاخرة، ونزهها النيلية الجميلة، والضيافة التي كانت تبذل ~~بسخاء لا يعرف حدا، وتفنن لا يعبر عنه وصف لكل عالم وأديب، ورجل سياسة أو مال، ~~كان يقدم زائرا على العاهل المصري البهي المكارم، بعد ما شرحناه من إقامة الأعياد ~~والمراقص الشتائية، الآخذة بهجتها بمجامع الألباب، في كل سنة من سني ذلك العهد ~~العديم المثيل، وما بيناه من استقدام المليك الحاتمي الكف طوائف الممثلين ~~والممثلات، وعلى رأسها نوابغ الفن وملوكه وملكاته، منذ أنشأ المسارح الفخمة للتمثيل ~~في عاصمتي بلاده، بعد ما ذكرناه من إقامة حفلات السباق في مصر والإسكندرية على نظام ~~لم تعهده القرون السالفة مطلقا، وأزرى بحفلات لعب القبق في أيام السلاطين ~~المماليك، وما ذكرناه عن مظهر (إسماعيل) الخلاب في معرض باريس سنة 1867، وفي ~~زياراته المتعددة للعواصم الأوروبية، لا سيما في سنة 1869، وفي الحفلات التي أقامها ~~في قصره بميركون على البوسفور للسلطان عبد العزيز وكبراء دولة بني عثمان، لا نرانا ~~في احتياج إلى التوسع في هذا الباب، ولكنا لإيفاء الموضوع حقه نقول إن أبهة الملك ~~وجلاله تمثلا في أيام (إسماعيل) علاوة على ما ذكرناه من مظاهرهما: # أولا: # في الأعياد والرسميات. # ثانيا: # في الأفراح والأعراس. # ثالثا: # في القصور والسرايات وما اشتملت عليه. # أما الأعياد - وهي الإسلامية الكبرى، والقومية العامة، كعيد وفاء النيل، وتذكار ~~يوم الجلوس السنوي - فإنك كنت ترى فيها العاصمة قائمة قاعدة، تجتاز شوارعها المواكب ~~الفخمة، والعربات الفاخرة، والرايات والأشاير، والطبول والزمور، وجماعات أصحاب ~~الرتب والنياشين بملابسهم الذهبية الساطعة، ونياشينهم المتلألئة، وأوسمتهم الفاخرة، ~~يفدون على سراي عابدين زرافات ووحدانا، وكنت تسمع الموسيقات تصدح بأنغامها الشجية ~~في كل حي من الأحياء، وتدوي المدافع دويا متعاقبا، وتجري الاستعراضات الجميلة ~~إما في ساحة عابدين الفسيحة، وإما بالعباسية، مكان المولد النبوي، الممتاز من بين ~~تلك الأعياد بإحياء الليالي السابقة لحلوله، إحياء بديعا، فتنتشر في الفضاء ~~الواسع ms489 السرادقات الفخمة المزدانة بأفخر الرياش، لا سيما سرادق الخديو، وسرادقات ~~رجال حكومته، وتتلى الصلوات وتقام الأذكار في الخيام والصواوين، وتعم الفيوضات ~~الخديوية المعوزين والفقراء، فتمد لهم الأسمطة ليلا، فيأكلون ما طاب ولذ، وتشعل ~~السواريخ والألعاب النارية على أبدع الأشكال، وأتم الأنواع. # وأما عيد الجلوس، فإنه كان يمتاز بمرور عشرة آلاف درويش، بأشايرهم وراياتهم، أمام ~~شرفة القصر بعابدين بضجة وعجة عجيبتين، تستمران ساعتين، وباستعراض فخم يقام ~~بالعباسية، وتؤمه جماهير العالمين من كل فج عميق. # ناهيك بما كان يقام في تلك الأعياد من الولائم، وما ينحر من النحائر، وما يوزع ~~من الصدقات، وينعم به من النعم، ويجاد به من العطايا، فما من مستخدم في القصور ~~مهما كان حقيرا إلا وتخرج له الهدايا الثمينة المتنوعة، للكبراء تمنح القصور ~~والأطيان، والجواري الحسان، والجواهر الثمينة، والجياد المطهمة؛ وللمتوسطين تهدى ~~صرر النقود، أو السيوف المرصعة، والآنية الفاخرة، والرياش الوثير؛ وللأصاغر تعطى ~~الجوائز من الخواتم والساعات، والملابس والحلويات، فكنت ترى الأقوام على اختلاف ~~مراكزهم الاجتماعية ينتظرون حلول الأعياد بمطامع مفتوحة، وأعين مرفوعة مركزها ولي ~~النعم وآل بيته، فتجود أيدي (إسماعيل) وأزواجه وبناته بما يشبع تلك المطامع ويقر ~~تلك العيون. # 2 # وأما الرسميات، وأهمها استقبال القناصل عند تعيينهم، فإن أخص ما كان يستوقف ~~الأنظار فيها العربات الخديوية الخاصة تجرها أجاويد الجياد، تارة ستة، وطورا ~~ثمانية، وكلها من لون واحد، وتحف بها كوكبات الفرسان بسيوف مشهرة، فتذهب بمعتمدي ~~الدول إلى حيث يستقبلهم العاهل المصري وهو في وسط حلقة من وزرائه وأخصائه، يأخذ سنا ~~ملابسهم بالأبصار، وتبهر جواهر النياشين المتلألئة على صدورهم الأنظار، فبعد أن ~~تتبادل الخطب المعتادة، وتتصافح الأيدي، كان يصدر الأمر الكريم بالإنعام على الوافد ~~بسيف من السيوف المرصعة الثمينة، وحصان من أجاويد خيل الإسطبلات الخديوية ~~العامرة. # وأما الأفراح والأعراس، فلا أوقع في تقريبها إلى دائرة المخيلة من وصف الأعياد ~~التي أقيمت احتفالا بزواج الأمراء الثلاثة: توفيق وحسين وحسن أبناء (إسماعيل)، من ~~الأميرات: أمنية هانم بنت إلهامي باشا بن (عباس الأول)، والأميرة عين الحياة هانم ~~بنت الأمير أحمد ms490 باشا بن (إبراهيم الأول)، والأميرة خديجة هانم بنت الأمير محمد علي ~~الصغير بن (محمد علي) الباشا العظيم، وزواج أختهم الأميرة فاطمة هانم بالأمير طوسون ~~بن (محمد سعيد). تلك الأعياد، وقد أقيمت ابتداء من 15 يناير سنة 1873، دامت أربعين ~~يوما كاملة باعتبار عشرة أيام لكل فرح منها، ولا يزال ذكرها إلى يومنا هذا يبهر ~~تصور الذين رأوها وعاشوا أيامها اللامنسية. # فإن شوارع العاصمة المهمة، وعلى الأخص ما كان منها مؤديا إلى القصر العالي مقر ~~والدة (إسماعيل)، وإلى سراي الجزيرة، مقر حفلات (إسماعيل) المفضل، وسراي القبة مقر ~~ولي العهد، زينت بالتحف والفوانيس المختلفة الألوان على مسافات بضعة آلاف من ~~الكيلو مترات، ووضع في نهايتها أقواس نصر مختلفة الأنوار، جعلوا في أعاليها طرقات ~~رصعت بالشموع. # فسطعت ملايين الأضواء تتلألأ في الليل كأنها نجوم سطعت فجأة، فقلبت الظلام ~~نهارا، أو جعلت المتفرجين يتصورون مدة ستة أسابيع متوالية، أنهم ينتقلون في الليل ~~من منطقة مدار الشمال إلى منطقة أحد القطبين صيفا، حيث لا تغيب الشمس عن الآفاق ~~أشهرا متعددة. # وأقيمت في أهم الميادين هنا جوقات موسيقية - وأهمها التي اتخذت موقفها في الطرقة ~~بعالي قوس النصر تجاه القصر العالي - وهناك تخوت آلاتية - وأهمها تخت عبده الحمولي، ~~بلبل الأفراح، ورب الطرب الشرقي على العموم، فأخذت تلك تصدح وتعزف، وأخذت هذه تشنف ~~الأسماع بألحان بديعة، وأصوات رخيمة تجعل سامعيها يتخيلون أنهم انتقلوا إلى جنة ~~الخلد البهية، وأنهم يسمعون ترانيم الملائكة المختارين حول عرش الرحمن. # ونصبت في كل جانب المسارح المرتجلة، ليمثل عليها غواة الفن، وجوقات كراكوز، فيحضر ~~من شاء تمثيلها مجانا، ويعود إلى منزله مرتاحا مبتهجا، ومدت الحبال في الساحات ~~العمومية، لا سيما جهة القصر العالي، ليلعب عليها «البهلوانيون» ألعابهم المدهشة ~~المحيرة للألباب، فشبكت بصوار عالية جدا، ملفوفة عليها أقمشة ملونة، تعلوها ~~مراء فاخرة، وتتخللها مناور ساطعة. # ورتبت السواريخ بتفنن غريب في تلك الجهة عينها، وأخذوا يشعلون كل ليلة جانبا ~~منها، فتدوي طلقاتها في آفاق العاصمة كلها، وتتناثر نجومها وأهلتها في جميع ~~الأحياء ست ساعات متوالية، ناشرة فيها ms491 أنباء الأفراح القائمة، وداعية الأهالي على ~~اختلاف طبقاتهم إلى الاشتراك فيها. # ففي اليوم الخامس عشر من شهر يناير - على ما نظن - بدأ خروج الهدايا المهداة من ~~سمو الأميرة والدة (إسماعيل) وزوجاته الفخيمات إلى العرائس من القصر العالي، ~~وشوارهن، وكان شوار الأميرة أمينة هانم، زوجة ولي العهد أول ما خرج من ذلك النوع، ~~فسير به إلى قصر القبة، تخفره صفوف الفرسان بزي عربي بديع، وآلاي بيادة بأسره ~~بملابس بيضاء ناصعة كالثلج، تتقدمه جوقة موسيقية من أمهر العازفين، وكانت الهدايا ~~موضوعة في أسبتة مكشوفة، فوق عربات مكسوة بالقصب، على مخدات من القطيفة المزركشة ~~بالذهب والماس، يغطيها شاش فاخر، يمسك بأطرافه أربعة عساكر في كل عربة، ويتبعهم ~~ضباط بملابسهم الرسمية، والسيوف مشهرة في أيديهم . # وكانت تلك الهدايا عبارة عن مجوهرات سنية، ~~وقلائد ماس ساطعة من النوع المعروف عامة باسم «البرلنتي»، ومناطق من الذهب ~~الخالص، وأقمشة مطرزة باللؤلؤ العديم المثيل، وزمرد في حجم البيض، وملابس بيضاء ~~مطرز عليها رقم الأميرة باللآلئ والحجارة الكريمة، وآنية متنوعة من الفضة الصب ~~الخالصة بكمية عظيمة، وثمن ذلك جميعه يفوق الحصر والعد، وكان بين الهدايا المقدمة ~~من (إسماعيل) لأكبر أبنائه سرير من الفضة الصب الخالصة، شبيه بالذي أهداه إلى ~~الإمبراطورة أوچوني أثناء إقامتها بمصر، محلى بماء الذهب الإبريز، وعواميده ~~الضخمة مرصعة بالماس، والياقوت الأحمر النادر والزمرد والفيروز، فاجتاز الموكب ~~المهيب شوارع العاصمة، بين سياج حي من العساكر الشاكي السلاح، وتقدم يتهادى في ~~سيره مختالا كأنه طرب بذاته، شاعر بقيمته. # ولم يختلف شوار الأميرات عين الحياة هانم، وخديجة هانم، وفاطمة هانم، والهدايا ~~المهداة إليهن، عن شوار أمينة هانم، وما أهدى إليها مما تقدم وصفه. # وفي اليوم السادس عشر أحيي في العباسية ~~السباق الأوحد الذي سبق لنا الكلام عنه في غير هذا المكان، وكان معظم (چوكيه) من ~~السود اللابسين لباسا من الحرير الأحمر، ومد فيه على نفقة الخديو الخاصة، مقصف ~~للمدعوين فاقت أصناف مأكولاته ومشروباته في التنوع واللذة، كل ما ظهر من نوعها على ~~المقاصف الخديوية إلى ذلك الحين. # وفي اليوم ms492 السابع عشر، أقيم مرقص فخم في سراي الجزيرة، دعي إليه ما بين أربعة ~~آلاف وخمسة آلاف ذات من الأجانب، وأعيان البلاد ووجوهها، فنورت الطريق كلها من ~~عابدين إلى منفذ كوبري قصر النيل في الجزيرة بفوانيس من الورق الزاهر الألوان، ونشر ~~عدد عديد من هذه الفوانيس عينها في جميع طرقات البستان الجميل المحيط بتلك السراي ~~البديعة، وبين أغصان أشجاره، وعلى الأخص في البهو الواسع الممتد طول دورها الأرضي، ~~فكان منظر تلك الأنوار، لا سيما بسبب تنسيقها وترتيبها، من ألطف ما تقر له العيون، ~~وتنشرح الصدور. # وامتاز ذلك المرقص بأنهم هيأوا فيه وليمة عظيمة للمدعوين بدلا من المقاصف ~~العادية، فبعد أن ماجت بجموعهم الراقصة، القاعة الفسيحة، حيث كنت ترى الأنوار ~~المختلفة الألوان، المنبعثة عن حلي عقيلات المدعوين تقترن بسطوع أكتافهن ونحورهن ~~العارية، ويمتزج وقار الإسطمبوليات والملابس السوداء بأبهة ملابس كبار الموظفين ~~الرسمية الساطعة الأوسمة، المتحلية بها صدورهم على قصبها وذهبها الوهاجين، وبجلال ~~ملابس الضباط العسكرية، اللامع ذهبها حول وجوه أصحابها، الملفوحة من الشمس في فيافي ~~السودان ومجاهله، أو في مفاوز اليمن، أو في وهاد جزيرة كريت وبين مضايق جبالها، بعد ~~أن ماجت، بجموعهم الراقصة، القاعة الفسيحة، بينما الشيوخ المسلمون من علماء وأعيان ~~وموظفين، اللابسون قفازات بيضاء، والملتحفون بوقارهم ينظرون إلى قصفهم بأعين تستغرب ~~أن يقبل على الرقص الكهول، وتهزأ بهم هزءا ساكتا، بعد أن ماجت بجموعهم الراقصة ~~القاعة الفسيحة، وقد حركت الحركة شهياتهم إلى الأكل، جلسوا حول الموائد الفاخرة ~~الممدودة، حيث أقبل يخدمهم نيف وأربعمائة غلام (جارسون)، ورئيس طهاة ~~(ميتردوتيل). # وفي التاسع عشر منه، بدأت أعياد القصر ~~العالي، فنصبت حول الساحة الممتدة أمامه الصواوين والسرادقات، وعليها أسماء ~~أصحابها، وبيان الغرض المعد كل منها لأجله، وفرشت بالطنافس العجمية الفاخرة، وأقبل ~~أرباب اليازرجة يقيمون ألعابهم اللطيفة في وسط تلك الساحة الواسعة، ومن ضمنهم ~~بهلوان كان يصعد على حبله بخروف ويجزره فوقه، ثم تفرق لحومه على الفقراء. ورتب ~~مقصفان للعموم: أحدهما على النمط الغربي، وما فتئ مزدحما بقاصديه، الراغبين على ~~الأخص في أنبذته العتيقة الجيدة، ms493 والآخر على النمط الشرقي، وما فتئ هادئا ~~بالمقبلين عليه، وأقيمت صواوين خاصة للقناصل، وغيرها للتجار، وأخرى للعلماء، وسرادق ~~لمحافظ العاصمة، علاوة على الصواوين التي أقامها الأعيان على نفقتهم لأنفسهم، ~~ليتمتعوا بمشاهدة الأعياد - وكنت تراهم جالسين فيها يدخنون شبكاتهم - والصواوين ~~العمومية المتخذة قهوات للرقص والغناء. # على أن الرقص والغناء لم يكونا قاصرين على الخارج، بل ما كان منهما في داخل ~~القصر وفي سر دور الحريم كان أهم وأشهى منظرا؛ هناك كنت ترى أشهر الراقصات ~~مزاحمات صفية وعائشة الطويلة وغيرهما من ربات الفن السابقات على الإبداع فيه؛ هناك ~~كنت تسمع (ألمظ) التي كانت إذا غنت أخذت بمجامع القلوب، واستولت على الأسماع برنين ~~صوتها الرخيم، وتوقيع أناشيدها الفتانة؛ هناك كنت تنظر مشاهير البهلوانية من ~~الإنجليز يأتون من صنوف الألعاب ما يخلب العقول ويدهش الألباب، وأساتذة الكار من ~~أهل اليازرجة والسيماء يأتون من الملاعيب ما يحير الأبالسة أنفسهم، وذلك لبهجة ~~ساكنات تلك الدور، وانشراح عيونهن وأفئدتهن. # وفي ظهر الثالث والعشرين من يناير، خرجت العروس الأميرة أمينة هانم بصحبة سمو ~~الوالدة باشا من سراي الحلمية، وتوجهت باحتفال عظيم إلى قصر سمو ولي العهد بالقبة، ~~يتقدمها ويحف بها موكب مهيب مؤلف من ثلاثة آلايات من الخيالة: (الأول): آلاي ذوي ~~الرماح، وراياتهم المرفرفة من رماحهم خضراء وحمراء، ورءوسهم مغطاة بخوذات الدراجون. ~~و(الثاني): آلاي ذوي الدروع، ودروعهم تسطع عليها الشمس فيتلألأ كل منها كأنه قرصها ~~المنعكس، ويتدلى من خوذاتهم شاش جميل أصفر وأبيض يلعب الهواء به حول وجوههم السمراء ~~الهيجائية. و(الثالث): آلاي ذوي الزرد، وسلاحهم كسلاح الغز أيام الصليبيين، ~~وخوذاتهم الصغيرة يتدلى منها قناع على وجوههم من الأمام، وأكتافهم من الوراء، وهم ~~في كسوتهم الفولاذية جامدون، كأنهم قدوا من جلمد أو من حديد قطعة واحدة، كفرسان ~~شاهين شاه، وصلاح الدين، والظاهر بيبرس. وسارت وراءهم العربات، وأهمها عربات ~~التشريفة يجرها الستة والثمانية من الخيول ذات اللون الواحد، أبيض كالنور، أو أشهب ~~كالذهب، أو أسود كالليل، ويقودها حوذيون بملابس حمراء تخطها شرائب القصب والفضة، ~~بجوارب حريرية تصعد لغاية ركبهم، وبجدائل ms494 شعور مستعارة مرشوشة بالبودرة على رءوسهم، ~~كأنهم غلمان أحد اللويسات، الرابع عشر أو الخامس عشر أو السادس عشر، ملوك فرنسا، ~~أعيدوا إلى الوجود، ويسير بجانبها مشيا على الأقدام خدم باللباس عينه، أيديهم على ~~عضاضات أبوابها، وعلى رءوس الجميع، من حوذيين وخدم، برانيط واسعة من ذوات القرون! ~~وسار وراء العربات الأغوات بلباس فرنجي، وبنطلونات ملونة فرايحية، يمتطون صهوات ~~خيول قلما يدركون كيف يحكمونها، وكانت العين ترى في وسطهم شيخا جليلا وقورا ~~مهيبا، وتسمع الأذن همسا أنه أمين بك آخر المماليك، وصاحب الوثبة المشهورة، على ~~أنه إنما كان رئيس إدارة بيت دولة الوالدة. # وعلى هذا النمط عينه، وبالأبهة والجلال ذاتيهما، خرجت عروسا الأميرين حسين وحسن ~~إلى قصري زوجيهما، وأما الأميرة فاطمة هانم فقد كانت زفتها أبهى وأجمل، وقد وصف ~~إدون دي ليون كيفية الاحتفال بفرحها في داخل القصر العالي عينه، كما نقلته إليه ~~عقيلته، فقال: اجتازت المدعوات بستانا فسيحا منارا، كأنهم أرادوا أن يبقوا فيه ~~نور النهار بملايين المصابيح المتعددة الألوان، وسرن فوق طرقة رخامية بجانبيها ~~الأشجار والمغروسات الغريبة، فبلغن مدخل سراي الوالدة، حيث كان الأغاوات في ~~انتظارهن، يوصلوهن إلى قاعة واسعة ذات رياش فاخر، فوجدن هناك جواري الحريم، ونصفهن ~~مرتديات لباس رجال من أفخر الملابس الشرقية، وواقفات بصفة حجاب، وبعضهن لابسات ~~لبسا بسيطا بطرابيش حمراء على رءوسهن، وشاهرات في أيديهن سيوفا لامعة، وبعضهن ~~لابسات لبسا عسكريا ساطعا، وواقفات وقفة عسكرية بمظهر عسكري حربي لا بأس به، ~~كأنهن وصيفات الملكة زبيدة زوجة أمير المؤمنين هارون الرشيد، فأدخلن الضيفات إلى ~~حجرة كانت «العوالم» ترقص فيها بالساجات! بينما كانت موسيقى نسائية تعزف ألحانا ~~شجية، تلك الحجرة كانت تفتح على حجر أخرى، يتناول النظر أطرافها، وفيها جوار ~~عديدات يرقصن رقصا غريبا بعصي وسيوف ودرقات في أيديهن. # ثم اجتازت الضيفات عدة بلوكات أو صالات، قدمت لهن فيها جميع أنواع الشربات، ~~والمشروبات والحلوى المصنوعة على الطريقتين الغربية والشرقية، معروضة على موائد ~~جمعت كل ما لذ وطاب، وترأست أميرات الأسرة المالكة المائدة الخصيصة بزوجات الخديو ~~وقرينات القناصل، وغيرهن ms495 من قرينات كبار النزالة، فبينما هن يأكلن ويشربن، جعلت ~~الموسيقى تصدح صدحا مفرحا. # ثم قدمت الضيفات إلى دولة (الوالدة) في قاعة ذات رياش لا نظير له، وواسعة سعة لا ~~تضيق بمئات الجالسين، فكن يسرن وراء الجواري المسلحات، وتقدم السيدة الفرنجية ~~التشريفاتية كلا منهن باسمها إلى دولة (الوالدة)، ثم تجلسها في المحل المعد لها ~~على آرائك ممدودة في طول الحائط، يغطيها الحرير الثمين. # ولما انتظم العقد بجميع المدعوات، دخلت الراقصات والمغنيات، وأطربنهن مدة، ثم ~~قدمت إليهن الهدايا الفاخرة من لدن الأميرات، وأزواج الباشوات أصحاب المقامات ~~الرفيعة في الحكومة المصرية، فتغنين بمديح الهاديات، بعد استئذان دولة (الوالدة)، ~~والهاديات شكرنهن - وهي عادة «الشوبش» المعروفة بيننا حتى يومنا هذا. # بعد ذلك استجليت العروس فأمسك كل من أغاوات السيدات المدعوات شمعدانا فيه شموع ~~مختلفة الألوان، واصطفوا من أول السلالم حتى القاعة العظمى، حيث كان عقد المدعوات ~~منتظما، وفرش على الأرض منسوج من ذهب لتخطر العروس عليه، وانصرفت الراقصات ليعدن ~~بمعيتها، وما هي إلا برهة قصيرة حتى تجلت الأميرة فاطمة هانم تستند على ذراع ~~الأميرة أمها في وسط جمهور أميرات البيت الخديوي الكريم، فتقدمت بخطوات بطيئة، ~~وبوقفة بعد كل خطوة، كأنها تقول للناظرات: ها أنا فأعجبوا بي! واجتازت، وعيناها ~~مطرقتان، صفي الأغاوات على النسيج الحريري بين أغاني المغنيات، والراقصات ~~يتقدمنها. # فحالما وقعت أعين المدعوات عليها نهضن، وبينما هي تتقدم كإلهة من آلهات الأزمنة ~~الماضية نحوهن، بمعيتها وجواريها، صعدت كواعب كالبدور على كراس وراءهن، وأخذت تنثر ~~عليهن خيريات ذهبية، ضربت لتلك المناسبة، فتعلق برءوسهن وملابسهن، فامتلأت ~~القاعة على سعتها بالأميرات، والسيدات، والجواري، والراقصات، والمغنيات، وتألقت ~~كلها بالديباج الساطع، والذهب الوهاج، وبثت في كل مكان منها زهور البرتقال والورود، ~~ونثرت فوق الملابس اللماعة البراقة. # وكانوا قد أقاموا في صدر تلك القاعة فوق منصة مرتفعة، ثلاثة عروش مكسوة بالحرير ~~الأبيض، فجلست دولة (الوالدة) على عرش اليمين، والأميرة أم العروس على عرش الشمال، ~~وجلست العروس وعلى رأسها تاج من الماس ثمنه أربعون ألف جنيه على عرش الوسط، وكان ~~لباسها من ms496 الحرير الأبيض الفرنساوي الأغلى ثمنا، كله مرصع بأنفس أنواع اللؤلؤ ~~والماس، وله ذيل طوله خمسة عشر مترا، رفعته الجواري وراءها وهن راكعات، فتقدمت ~~المدعوات وهنأنها، وبعد أن جلست معهن برهة عادت إلى حجرها، واستمر الفرح حتى مطلع الفجر. # 3 # ومما يحسن ذكره بمناسبة تزويج الأمير حسن ~~من الأميرة خديجة أن (إسماعيل) - وقد أعجب بملامح الذكاء المرتسمة على محياها - لما ~~أدخلها المدرسة التي أنشأها لأميرات البيت العلوي خصيصا، وعدها بتزويجها من أحد ~~أولاده إذا هي أظهرت اجتهادا في تعلمها، ثم مضى على ذلك زمن، وعن (لإسماعيل) ~~يوما أن يزور تلك المدرسة، ويتفقد حال الطالبات فيها، فلما وصل إلى الأميرة خديجة ~~سألها: «إلى أين بلغت من تعلم القرآن يا بنيتي؟» فأجابت من فورها: إلى # واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق ~~الوعد ~~. # فسر الخديو بجوابها جدا، وقال: «أجل، أجل»، ثم بر لها بوعده. # ومن أفضل ما يحسن ذكره بمناسبة أفراح الأنجال أن طه باشا الشمسي ناظر الخاصة ~~الخديوية في ذلك الحين - وهو حمو حضرة صاحب المعالي أحمد طلعت باشا رئيس محكمة ~~الاستئناف الأهلية الآن - كلف عدة محال تجارية بتقديم مناقصات لتوريد كل ما يلزم ~~من فرش، وبياضات، ودنتلات، ورياش، لجهاز كل من الأميرات العرائس. # فلما قدمت، وقع اختيار طه باشا على مناقصة محل پاسكال الفرنساوي - ويعرفه كل من ~~زار مصر القاهرة حتى سنة 1892 - لأنها، على جودة البضاعة المقدمة نماذج منها، كانت ~~على رخص في الأثمان يرغب فيه. # ولكنه لما عرض ما وقع اختياره عليه على (إسماعيل) سأله الخديو: «ألم يتقدم في هذه ~~المناقصة محل مصري وطني مطلقا؟» فأجاب طه باشا: «نعم يا مولاي، فقد تقدم ضمن آخرين ~~محل مدكور، ولكن الأثمان التي عرضها مبالغ فيها ولا توافق، لأنها تزيد خمسة وعشرين ~~في المائة على الأثمان التي يطلبها محل پاسكال.» فقال إسماعيل: «أرني مناقصته ~~والنماذج المرفقة بها.» فقدمها طه باشا له، فوجد (إسماعيل) أن الأثمان المكتوبة على ~~تلك النماذج تزيد حقيقة خمسة وعشرين في المائة على ما يطلبه محل پاسكال، ولكنه وجد ms497 ~~أن نوع البضاعة واحد عند الاثنين، فضرب بمناقصة محل پاسكال عرض الحائط، وقال لطه ~~باشا: «خذ كل ما نحن في حاجة إليه من محل مدكور، وادفع له خمسة وعشرين في المائة ~~فوق ما يطلب.» فبدا في عيني طه باشا استغراب، بالرغم من أن فمه نطق بعبارات ~~الامتثال، فقال إسماعيل له: «يا طه باشا، إذا كانت المحال التجارية المصرية لا ~~تنتفع ولا تستفيد من أفراح أولادي، فمن أفراح من تريد أن تستفيد وتنتفع؟!» # فاغتنمها محل مدكور وهي طائرة، وزاد على أثمان كل ما قدمه ما أمكنته زياته، فكان ~~ذلك من أسباب الثروة التي أحرزها. # 4 # أما القصور والسرايات، فإن ما بناه منها (إسماعيل) وحده يفوق كل ما بناه أسلافه ~~العلويون معا، بل كل ما بناه أي عاهل من العواهل المصريين على ممر الأيام، إذا ~~استثنينا منهم فراعنة الدولة الجديدة المجيدة، دولة أحمس وطوطمس ورمسيس، فهو الذي ~~أقام في الإسكندرية قصور الرمل الشاهقة بجهة سيدي جابر ومصطفى باشا، وهو الذي بنى ~~سرايات عابدين والجزيرة والجيزة والقبة وحلوان الأنيقة الجميلة، علاوة على ما جدد ~~بناءه في سرايات رأس التين وقصر النيل والقلعة والنزهة وشبرا. وهو الذي بنى للأمراء ~~أولاده وللأميرات بناته القصور الباذخة التي تزدان بها العاصمتان، وأقام في كل بندر ~~من البنادر الصعيدية التي كان له فيها أملاك خاصة، كبندر المنيا، السرايات الفاخرة ~~والقصور الباذخة، ولو شئنا وصفها كلها لاضطررنا إلى توسيع نطاق تاريخنا هذا توسيعا ~~ربما أدى إلى الملل. يكفينا القول إن مصر - منذ عصر (قبة الهواء)، وقصر (خمارويه) ~~وبستانه، وهودج (الآمر بأحكام الله)، ومناظر (الخلفاء الفاطميين)، ومنذ عصور (مباني ~~القلعة) وسراياتها على أيدي الأيوبيين، والبحريين، والبرجيين - لم تعهد أياما كثر ~~فيها فوق أرضها تشييد السرايات والقصور، وتجميلها بالبساتين النادرة المثال، مثل ~~أيام (إسماعيل). # غير أن الأبهة والبذخ لم يظهرا في المباني بعشر مقدار ما تجليا في تنسيقها ~~وتجميلها من الداخل، وفي تأثيثها بالرياش الفاخر، فالرخام وحده الذي استعمل في ~~تنميق تلك السرايات وتزيينها كلف عدة ملايين من الفرنكات، وبلغت نفقة ms498 النقوش ~~والرسوم الداخلية في سرايات الجيزة والجزيرة وعابدين نيفا ومليونين من الجنيهات، ~~واستنفدت البساتين التي أنشئت حولها، وكثرت فيها أنواع الأشجار الغريبة الثمينة، ~~وأجناس الأزهار والرياحين والورد، والجبلايات الصناعية، والفساقي، والبحيرات ~~بأسماكها المتعددة الأنواع، نيفا وأربعين مليونا من الفرنكات. # وأما الرياش والفرش، فحدث عن البذخ والترف فيهما ولا حرج، فقد بلغت تكاليف ~~الستارة الواحدة نيفا وألف جنيه، فما بالك بالطنافس النادرة، والأبسطة الثمينة، ~~والأرائك الذهبية، والمرايات البلورية الصافية، ببراويزها الغالية، والزهريات ~~النفيسة، والكراسي العاجية، والمقاعد المطعمة بالصدف، والمحلاة باللؤلؤ والمرجان، ~~والطاولات الفضية الخالصة، والنجف الفخم الضخم ذي الخمسمائة والألف فنيار، والذي ~~كان، إذا ما لعب النسيم بين بلوره المتدلي، فصدم بعضه بعضا، رن رنينا لذيذا ~~شبيها برنين تمثال «ممنون» في خرائب طيبة القديمة، عندما كانت تسطع عليه أشعة ~~الشمس المشرقة! وما بالك بالآنية الفاخرة الكثيفة والمختلفة، الذهبية والفضية، ~~والخزفية البديعة الصنع، والمرقوم عليها كلها بماء الذهب حرف # I ~~، وهو الحرف الأول من اسم (إسماعيل) ~~بالفرنجية، وبالمجوهرات العديمة المثال من ماس ودرر وياقوت، وزمرد وزبرجد، وفيروز، ~~وخلافها مما كان يقدر ثمنه بنيف وأربعة ملايين من الجنيهات، ما بالك بالتحف ~~والأسلحة المتنوعة قديمها وحديثها، ومنها التاريخية، التي لا يقدر لها ثمن، ~~والفريدة في نوعها، التي لا سبيل إلى الحصول على مثلها، ولو بذل فيها مال ~~قارون! # وماذا نقول عن عدد سكان تلك القصور، وعما كانوا يستنفدونه يوميا من المآكل ~~والمشارب؟ يكفينا في تحويل قوة المخيلة إلى تصوره ذكر أنهم بعد صيرورة العرش إلى ~~(توفيق الأول) عدوا الذين كان يخرج لهم الغذاء من سراي عابدين وحدها، فإذا بهم ~~عشرة آلاف! # وماذا نقول عن عدد الجواري من بيض وسود وحبشيات، اللواتي كان (إسماعيل) يزوجهن ~~سنويا من ضباطه ورجاله وموظفي حكومته، فلا يكتفي بإمهار الواحدة منهن المال ~~الوفير، بل يقطعها الطين الواسع، ويرتب لها على خزينته الخصوصية المصروف الشهري ~~الوافي، أو المعاش الكافي - على أن كثيرات منهن طلقن بعد سقوطه. # ألا قد صدق حقا من قال: «إن ملك (إسماعيل) - وكل مظهره سلسلة أعياد وأفراح غير ms499 ~~منقطعة - إنما كان حلما من الأحلام، حققته الأيام، ورواية في أسفار التاريخ قد لا ~~تصدق صحتها الأحلام.» # 5 # الباب الرابع # | المساعدون على نفاذ الخطة # الفصل الأول # | فصل فذ1 # دعاني أخي والخيل بيني وبينه # فلما دعاني لم يجدني بقعدد # وزراء إسماعيل # على أن (إسماعيل) مهما كان متفوقا على الوسط المحيط به، ومهما كانت رغبته في ~~الإصلاح قوية وثابتة، بين قوم لا رغبة لهم مطلقا في الإصلاح، فإنه ما كان ~~ليقوم بكل الأعمال التي عملها في بلد كان يجب أن ينشأ كل شيء فيه، لولا أن ~~الأقدار وضعت بجانبه رجالا خصصوا جميع قوى عقولهم وأجسامهم لمساعدته على نفاذ ~~تلك الأعمال، وما انفكوا واقفين بجانبه، عاملين على نفاذها؛ أولئك الرجال هم: ~~نوبار باشا، وشريف باشا، وعلي مبارك باشا ، ومصطفى رياض باشا. # ومن جهة أخرى، فلولا أن (إسماعيل) بلي بصداقته لإسماعيل صديق باشا أخيه في ~~الرضاعة، فانقاد كثيرا إلى مشورته السيئة، وتغاضى أكثر أيضا عن تصرفاته ~~الرديئة، لما آل أمره إلى الاضمحلال والسقوط! فيجدر بنا - والحالة هذه - أن ~~نأتي هنا على بيان وجيز، نوضح فيه لقرائنا نبذة من حياة كل من أولئك الرجال، ~~ليكونوا على بينة منها. # فنوبار باشا # 2 ~~- وهو الشخصية الأكبر ظهورا في تاريخ مصر في ذلك العهد، ورجل ~~الدولة الأوحد الذي جاد به الشرق، منذ توارت الأسرة الكپرولية السنية عن عالم ~~الوجود - أرمني مسيحي، ولد بأزمير في سنة 1824 أو سنة 1825، وما كادت ترفع عنه ~~التمائم إلا وأرسل إلى (سوريز) ليتعلم في مدرستها، فقضى فيها عدة سنوات، ثم ~~انتقل لتتميم دروسه في مدرسة بروتستانتية في سويسرا الفرنساوية، ولما كان ذا ~~ذاكرة عجيبة وتصور سريع، فإنه استطاع وهو في السادسة عشرة من عمره أن يفرغ من ~~تلقن دروسه، والتعمق في معرفة اللغة الفرنساوية وآدابها، والأدب القديم على ~~العموم، ولكنه لم يتعلم العلوم الطبيعية والرياضيات إلا تعلما سطحيا، وما ~~اقتبسه منها فيما بعد فإنما اقتبسه في محادثاته مع أساتذتها أكثر منه في مطالعة ~~الكتب الموضوعة فيها، فإنه وهو في الحياة العملية كان كالبرنس ms500 (پوتمكن) وزير ~~كاترينا الثانية الكبيرة، يوجه الأسئلة إلى زائريه في خير ما يعرفونه، ~~ويحملهم على التوسع في الكلام والإيضاح والشرح، فتكونت لديه بذلك دائرة معارف ~~لا بأس بها، جعلته ذا اطلاع عام لا يشعر معه أنه غريب عن المحادثة، مهما تنوعت ~~مواضيعها. # ولما غادر المدرسة وقع في خلده التطوع في الجندية الفرنساوية بأن ينضم إلى ~~الفرقة الأجنبية، ولكن مساعيه في ذلك قوبلت برفض، واستدعاه بوغوص بك خاله، وزير ~~(محمد علي الأمين)، إلى مصر ليدخله في خدمة مصالحها المدنية، فقدم الشاب نوبار ~~إلى ضفاف النيل والآمال ترقص أمام مخيلته رقصا بهيا، فأحبه بوغوص بك حالما ~~وقعت عينه عليه، وقال له: «سأدخلك في قلم المترجمين، ولكني أنصحك أن تنتبه قبل ~~كل شيء إلى تعلم اللغة التركية، لأن تعلمها شرط لا بد منه لنجاحك في المستقبل.» ~~فأكب نوبار على تعلمها بكل قواه، وما مضت عليه مدة إلا وأصبح يمتلكها فهما ~~وكتابة وينطق بها - والنطق الصحيح أصعب شيء في كل لغة - كأنه تركي صميم، وليت ~~خاله نصحه أيضا بتعلم العربية، ولكن الأيام لم تكن لتسمح بقيام فكرة ناضجة ~~كهذه في عقلية الشيخ بوغوص، (فمحمد علي) بالرغم من كل ما عمله لإحياء مصر ~~والرقي بها، بقي - كما سبق لنا القول في غير هذا الموضع - تركيا بحتا، فلم ~~يتنازل مطلقا للتكلم بالعربية، ولو أن إقامته الطويلة في البلاد علمته شيئا ~~منها، ولا عمل على إزالة الاشمئزاز الذي كان العنصر التركي يشعر به من لغة ~~«الفلاحين»، واحتقاره إياها، ولا اهتم البتة بتعليم أولاده العربية تعليما ~~جديا أو غير جدي. # فلم يكن يمكن أن يقع في خلد أحد - والحالة هذه - في سنة 1841 أن سيأتي يوم ~~ينقم فيه (سعيد باشا) ثالث خلفاء الباشا العظيم على الأتراك والتركية والشراكسة ~~إلى حد يقول معه: «إني أود أن أعرف ما هي العروق والشرايين التركية والشركسية ~~في لأفتحها، فأتخلص من آخر نقطة من هذا الدم الممقوت!» ويقبل - نكاية في ~~التركية والأتراك - على عزل التركية عن العرش الذي كانت قد استولت عليه منذ ms501 ~~زوال الدولة الأيوبية، ويجعل اللغة العربية لغة البلاد الرسمية، فيحيي مواتها، ~~ويعيد إليها بهجتها. # لذلك لم يتعلمها نوبار، وبقي طول عمره يجهلها، ولا يعرف منها إلا قليلا من ~~لغة «العوام»، ولا شك في أن ذلك - إذا أضفنا إليه غربته عن الدين الإسلامي - ~~كان سببا في عدم امتزاج روحه بروح الأمة المصرية على شدة حبه لها، وللعناصر ~~البائسة منها على الأخص، وبقاء هذه الأمة غريبة عنه، بالرغم من أنه ربما كان ~~أحسن خدامها، وأنه كان بلا شك أقوى الناس على السير بسفينتها إلى مرافئ السلام، ~~لا سيما أثناء الأعاصير التي هبت عليها في أوائل ملك (محمد توفيق الأول)، فإنه ~~كان، أكثر من كل قائل، يقول بوجوب صيرورة مصر للمصريين، ولكن على شرط ألا يعني ~~ذلك اتخاذ الدين حجة للعمل على عكس ما يقتضيه العلم والعمران، وسلاحا في يد ~~الجهل والتعصب! # وامتاز نوبار، وهو في زمرة المترجمين، بمواظبته على عمله، وسلوكه الأمثل، ~~وانكبابه على الدرس والتعلم، وبأنه شاب لا تستهويه الملاذ النسائية ~~والأباطيل. # فعينه (محمد علي) سكرتيرا خاصا لابنه (إبراهيم)، فما انفك نوبار ملازما ~~له في حله وترحاله، أينما قام وحيثما سافر، وبالرغم من أن الوظيفة لم تكن هينة، ~~وأن الأخطار المحيقة بها كانت جمة - لأن (إبراهيم) كان ذا طباع حادة جدا، وله ~~فرقعات غضب مرعبة - فإن نوبار بما أوتيه من طلاقة اللسان وحلاوته، وسعة الاطلاع ~~وتنوعه، تمكن من التقرب إلى قلب مولاه، تقربا أصبح (إبراهيم) معه لا يرى في ~~ساعات ضجره، وإبان ثورة غضبه، من تسلية أو تسرية، إلا في محادثة الشاب نوبار ~~له، ولطالما تمكن الحدث الأرمني من إسداء خدمات جلى إلى الغير بسبب ميل ~~مولاه إليه؛ أهمها إنقاذه أعمار ضباط الباخرة التي عاد (إبراهيم) عليها من ~~الأستانة إلى مصر في سنة 1848؛ إذ هاج بطء سيرها، المسبب عن اشتداد الأنواء ~~حولها، غضب الأمير المصري، فطفق يهدد ضباطها بتغريقهم جميعا، لولا أن نوبار ~~لازمه ملازمة كلية، وأنساه بحلاوة حديثه الضيق المحيق بنفسه. # 3 # وتعرف نوبار - وهو في الأستانة مع الأمير (إبراهيم) ms502 - بأسرة أراميان السرية، ~~وما لبث أن تزوج وهو في الرابعة والعشرين من عمره بابنة عميدها، كيڨورك بك، أحد ~~وجوه الأستانة وذواتها، فأصبح صهرا لإبرام أراميان، المعدة له رتبة الباشوية ~~الرفيعة، والمزمع أن يكون أقرب الناس من قلب السلطان عبد العزيز وموضع ثقته ~~الكلية، وساعدته هذه المصاهرة فيما بعد على قضاء أكثر من لبانة في مساعيه ~~المصرية لدى الحكومة العثمانية. # وكان قرانه موفقا، لأنه وجد في زوجته المتعلمة مثله، والمتكلمة عدة لغات ~~مثله، رفيقة حياة بأجمل معاني هذه الكلمة، وما فتئت قائمة بجانبه، مسلية، ~~معزية، مفكرة إياه بما يقتضيه الفضل والنبل كلما أثارت فيه المصاعب أو الدسائس ~~أو الوشايات انفعالات التضجر أو الغضب، ورغبته في التخلي عن الاشتغال ~~بالمصالح العامة. # ولما انتقل الملك إلى (عباس الأول) اتخذه هذا العاهل سكرتيرا له كذلك، فحاز ~~نوبار لديه القبول عينه الذي كان من نصيبه بجانب (إبراهيم)، ومما ساعده على ~~الفوز برضى ذلك الوالي، الكثير الوساوس والظنون، مصادقة المستر مري قنصل ~~إنجلترا العام له - وقد كان من أخصاء (عباس) ومستشاره في مشاكله، وأكبر أنصاره ~~في مساعيه التي رمى بها إلى تغيير مجاري الوراثة على العرش المصري، وحصرها في ~~(إلهامي باشا) ابنه، وفي ذريته من بعده - وقد ساعد نوبار تلك المساعي بما كان ~~له من العلاقات بالأستانة العلية. # ولكن طباعه التي كان فيها من حب الصراحة والأنفة والتعالي أكثر مما يصح أن ~~يكون من هذا جميعه في أخلاق ندماء الملوك ما لبثت، بالرغم من كل حلاوة شمائله ~~وسحر محادثته، أن جلبت عليه سخط (عباس)، وذلك أنه رأى ذات يوم مانعا من ضميره ~~عن أداء عمل طالبه ذلك الوالي بأدائه، فأظهر (عباس) له استياءه بشكل لا يقبل ~~التأويل، فأسرع نوبار وقدم له استقالته من وظيفته، ولزم في الحال منزله. # ولم يكن قد سمع في الشرق لغاية ذلك الحين أن موظفا وقع في خلده الاستعفاء ~~من منصبه، فإما أنه كان يقال منه بأمر، أو يقتل وهو فيه، فعد الرأي العام ~~استقالة نوبار- والحالة هذه - ضربا من ضروب الجسارة المتناهية، ms503 وتحديا لسخط ~~(عباس). # وخشي نوبار نفسه أن يعده (عباس) كذلك، فيبطش به، فبعث يستأذنه بالنزوح عن ~~القطر، فأذن له وهو متململ، لأنه استاء في الواقع منه جدا بسبب تجاسره على ~~تقديم استقالته، كما كان المظنون، ولكنه تكدر منه على مغادرته خدمته، لأن ~~(عباسا) كان يرى نفسه في حاجة إليها، ويود لو عاد نوبار إليه مستسمحا ~~مستغفرا، وكان ينتظر ذلك منه، ولو أنه يتعالى عن إظهار رغبته هذه له. # فحالما وصل نوبار التصريح بالسفر، هب وباع الزائد من أمتعته ورياش منزله، ~~واستأجر مركبا واسعة، وشحنها بالنفيس الذي احتفظ به من تلك الأمتعة والرياش، ~~ونزل فيها مع قرينته وآله، وسافر في النيل قاصدا الإسكندرية. # ولكنه ما كاد يبتعد عن شبرا بضعة أميال إلا وقابل مركبه رفاص بخاري فيه ~~(عباس) عينه، فحياه نوبار من فوق ظهر مركبه تحية رعية مخلصة، واستمر في سيره، ~~وإذا بقارب بخاري قد انفصل عن الرفاص ودنا من المركب، ودعا نوبار إلى المثول ~~بحضرة الأمير. # فاعتقد من في المركب وقرينة نوبار ونوبار نفسه أن ساعته الأخيرة دقت، وأن ~~(عباس) لملق به في قاع اليم طعاما للأسماك، غير أنه تجلد وذهب رابط الجأش ~~باسم الوجه، وصعد إلى الرفاص، وقصد توا إلى (عباس) وحياه بكل احترام. # فسر (عباس) لشجاعته الأدبية، وانشرح صدره له، فابتسم في وجهه وقال: «إنك ~~إذن قد صممت نهائيا على ترك خدمتنا!» فأجاب نوبار: «إني خادم الأمير ما حييت ~~ما دام للأمير رغبة في خدمتي له!» # فسري عن (عباس) بالمرة وقال: «إني يا نوبار أفندي لا أستغني عن خدمتك، وبما ~~أني في حاجة إلى ثقة أرسله إلى ڨيينا في مهمة تخصني، فاستمر على سفرك، واذهب ~~إلى ڨيينا رأسا، وانتظر هناك أوامري.» # فشكر نوبار وعاد إلى مركبه، وصدع بما أمر به عن طيب خاطر، فأقام في ڨيينا مدة ~~اكتسب فيها عطف البرنس دي مترنيخ الذي كان في ذلك العهد عميد السياسة ~~الأوروبية. # وبينما هو في انتظار الأوامر التي وعده بها (عباس) إذ وافاه نبأ قتله، وأتاه ~~استدعاء من خلفه ms504 بالعودة إلى مصر، فعاد إليها ليشغل لدى الأمير الجديد منصب ~~كاتم أسراره، فما لبث (سعيد) أن أنعم عليه بلقب «بك»، وجعله مدير مصلحة السكك ~~الحديدية. # فوقعت كارثة كفر الزيات ونوبار في هذا المنصب، فذهب فريق من الألسنة النمامة ~~في تلك الأيام إلى أن تلك النكبة إنما دبرت باتفاق بين ولي العهد الجديد ومدير ~~السكة الحديد لإزالة الأمير أحمد باشا من سبيل العرش الرامية إليه مطامع ~~(إسماعيل)، وذهب فريق آخر إلى أن الذي دبر تلك المكيدة بالاتفاق مع نوبار إنما ~~هو (سعيد باشا) نفسه لرغبته في التخلص من أحمد باشا ابن أخيه، ومن حليم باشا ~~أخيه. # ولسنا نرى أنفسنا في حاجة إلى تكذيب الإشاعتين معا بعد أن كذبهما التاريخ ~~على لسان أشهر الثقات من الرواة، فعلاوة على أن (سعيدا) و(إسماعيل) لم يكونا ~~بالرجلين اللذين يقع في خلدهما ارتكاب مثل هذه الفظيعة - وقد قال (سعيد) بحزن ~~لما علم بالنميمة لإدون دي ليون قنصل أمريكا: «هل عبدك كلب لاقتراف مثل هذا الجرم؟» # 4 # مرددا في ذلك صدى قول وارد في التوراة - فإن نوبار كان آخر ~~إنسان يطاوعه ضميره على المساعدة في اقترافها، ناهيك بأنه لم يكن كثير الاختلاط ~~(بإسماعيل)، ولا من ذوي القبول عند (سعيد)، ولو أنه كان مسيطرا بتفوقه العقلي ~~على هذا الأمير، ولم يكن يجهل حقيقة شعور (سعيد) نحوه، فإنه قد اتفق له يوما ~~وهو ذاهب إلى السراي أن خيل عربته جمحت، فألقت بالحوذي على الأرض وقلبت ~~العربة، وما نجا نوبار إلا بمشقة، فقال له أحد رجال البلاط حينما انتشر فيه خبر ~~الحادثة: «ما ألطف نعمة الله بنا جميعا بأن حفظك سالما سليما!» فأجابه نوبار ~~على الفور: «لا تقل بنا جميعا! فإني أعرف واحدا هنا كان يفضل أن يراني مكان ~~حوذيي، فيما لو كان مقدرا له أن يموت من جراحه.» # 5 # وفي الواقع فإن نوبار بطباعه الجدية وأخلاقه المتطلبة العمل لم يكن ليعجب ~~أميرا مغرما باللهو وخلو البال والتنكيت (كسعيد)، ومع أنه لم يكن ليتعب في ~~إيجاد الكلمة اللطيفة التي تضحك، ms505 والتعبير الدقيق الذي يطرب، فإنه ما كان مثل ~~كوشيلسكي (سيفر باشا) ميالا للتنكيت والمجون في كل لحظة، ولا راغبا في تفتيق ~~ذهنه لهزار وفصول، ورواية حكايات ملحة توقظ روح الوالي إلى الجذل والسرور كلما ~~ساورته السآمة وصارعه الضجر، فبينما (سيفر باشا) أصاب من مقدرته على النكات ~~والأقوال المجونية ثروة طائلة، لم ينل نوبار غير المحافظة على مركزه وشيء من ~~نفوذه. # وفي سنة 1862 أرسله (سعيد) إلى أوروبا لعقد القرض الوحيد الذي أقدم على ~~اقتراضه في حياته، ويقرب قدره من ثلاثة ملايين من الجنيهات، ففضل نوبار عقده ~~بواسطة مصرف تجاري فرنساوي على عقده بواسطة مصرف إنجليزي؛ لما في ذلك من ~~المصلحة لمصر، ولكن حساده أشاعوا عنه أنه إنما أقبل على ذلك التفضيل لأن ما ~~قدمه له البيت المالي الفرنساوي من جعل لوساطته فاق ما قدمه المحل المالي ~~الإنجليزي، ولو أن مندوب (سعيد) فضل المصرف الإنجليزي على الفرنساوي لعكس عذاله ~~الآية. # ولم يمض على عقد ذلك القرض قليل حتى توارى (سعيد) عن عالم الوجود، وخلفه ~~(إسماعيل)، فتمسك بنوبار في بادئ أمره أيما تمسك، وقد رأينا أنه أوفده لحل ~~المعضلات من مهماته، وأن نوبار تمكن من قضائها كلها، فاتخذ أعداؤه ذلك ذريعة ~~للطعن عليه طعنا مرا. وأهم ما سلقه لأجله الفرنساويون منهم بألسنة حداد ~~موقفه في مسألة ترعة السويس، ومقاومته مشروع إنشائها، وفات ثالبيه أن الوزير ~~المصري إنما كان يجب عليه أن ينظر إلى ذلك العمل من وجهة ما فيه من خير عائد ~~إلى مصر، لا من وجهة ما فيه لمصالح الغربيين من الفائدة. وإن فكرة إنشاء الترعة ~~إنما جادت بها في النصف الأول من القرن التاسع عشر قريحة الأب إنفنتين، المعلوم ~~عنها ميلها إلى إبراز أحلام إلى الوجود يصعب تحقيقها، وإن الرأي القائل بعدم ~~إمكان تحقيق تلك الفكرة لم يكن رأي اللورد پلمرستن، والمهندس الإنجليزي ستيفنس ~~وحدهما، بل كان يشاركهما فيه الكثيرون من أرباب الخبرة والفن، ومنهم المسيو دي ~~منتو المهندس الفرنساوي الذي باشر البدء في الأعمال، وكان في سنة 1860 ذاتها ms506 ~~يقول: «كل هذا لن يؤدي إلى نتيجة، لأنه يستحيل حفظ منسوب المياه الكافي في ~~الترعة لتتمكن المراكب من السير فيها، فلسوف تضيع على المساهمين رءوس أموالهم، ~~ويضطر المسيو دي لسبس في قهره وخجله من خيبته في مشروعه إلى الانتحار!» وإن هذا ~~المهندس لم يطاوعه ضميره على البقاء في تأدية عمل كان يعتقد خيبته، فقدم ~~استقالته منه بالرغم من أنه كان مثابا عليه بأجر جزيل، وإن المسيو دي لسبس ~~نفسه كان يقول: «لو كنت مهندسا لما تجاسرت مطلقا على مباشرة حفر الترعة، ولو ~~باشرت ذلك لوقفت في الطريق أمام صعوبات الأول.» وإن (إسماعيل) القائل: «لولا ~~رغبتي في المحافظة على شرف إمضاء سلفي لألغيت الامتياز الممنوح منه للمسيو دي ~~لسبس ولباشرت حفر الترعة بنفسي، فما كان ذلك ليكلف مصر أكثر مما كلفها، ولعادت ~~فوائد الترعة عليها وحدها .» كان يهمه أن يتخلى المسيو دي لسبس عن العمل لتتولاه ~~الحكومة المصرية، فكان من أوجب واجبات وزير مصري أن يساعده على تحقيق ~~أمنيته. # على أن أعضل المعضلات التي كلف (إسماعيل) وزيره الكبير بحلها إنما كانت - كما ~~رأينا - معضلة وضع حد معقول لتجاوزات الامتيازات الأجنبية، بإجراء إصلاح ~~قضائي يضمن توزيع العدالة بين الأهالي والأجانب على السواء، فبذل نوبار - على ~~ما سبق لنا شرحه - جهودا عظيمة مدة ثماني سنوات متوالية للبلوغ إلى تحقيق تلك ~~الأمنية دون أن تثبط همته العراقيل المتتابعة بلا انقطاع، والمتجددة في كل حين، ~~دون أن يعتريه ملل من اضطراره مائة مرة بدل المرة الواحدة إلى دحض الاعتراضات ~~البيزنطية التي ما فتئ الرجال المعاكسون لمشروعه يهاجمونه بها مهاجمة تدعوه إلى ~~تفتيق ذهنه بحجج وبراهين جديدة يكون وقعها على تلك الاعتراضات أقضى من ~~سابقاتها، حتى تمكن بثباته المدهش من التغلب على نفور الباب العالي، وعلى سوء ~~إرادة المتمسكين بدرع تلك الامتيازات الجائرة من رجال الحكومات الأجنبية، وعلى ~~الدسائس القائمة حوله في السراي الخديوية ذاتها، بفعل الرجعيين الذين لم يكونوا ~~يرون في مجهودات نوبار باشا السياسية والاجتماعية على العموم، وفي الإصلاح ~~القضائي الجديد المرغوب فيه على ms507 الأخص، شططا عن الدين والعادات فحسب، بل بدعة ~~منقوما عليها، ومؤدية إلى ضياع البلاد والدين، لولا أن العاهل كان (إسماعيل) ~~المتنور الشغف بكل رقي، والمقتنع بوجوب إجراء الإصلاح اقتناع وزيره الأكبر، ~~لخسفوا الأرض تحت قدميه، وقضوا على كل آماله وجهوده؛ فلا (كانن) في جهاده الطيب ~~لتحرير كاثوليك إرلندا من النير الذي ألقاه على عواهنهم الفتح البروتستانتي، ~~ولا (كوبدن) في سعيه المبرور لحمل البرلمان الإنجليزي على إلغاء القوانين ~~الخاصة بالغلال لأجل تخفيض أثمان الخبز في المملكة المتحدة، ولا (بسمرك) في ~~عمله على إدراك الوحدة الألمانية، وتأسيس الإمبراطورية الجرمانية على أنقاض ~~الدانمرك والنمسا وفرنسا الملطخة بدم الألوف، أظهروا من الهمة والثبات أكثر مما ~~أبدى نوبار منهما في القيام بحل معضلة إبدال النظام القضائي الامتيازي ~~المضطرب المشوش الأركان في مصر بقضاء غيره يتمشى أكثر منه بكثير مع روح الحضارة ~~والعمران العصريين. وإنا إذا التفتنا إلى أن الرأي العام في بلاد (كانن) ~~و(كوبدن) و(بسمرك) كان يعضد هؤلاء الرجال في مساعيهم، ويشد أزرهم، ويقويهم، ~~ويحضهم على الثبات والعمل، وأن نوبار الشرقي لم يكن يعضده في جهاده سوى ~~(إسماعيل) وزمرة قليلة من ذوي الحصافة والنظر الصحيح، وأن الرأي العام كان ضده ~~بمصر وفي الخارج على السواء، يسفه أحلامه، ويحط من كرامته ويصغر من قدره، ~~ما تأخرنا عن الحكم بأن فضل نوبار يفوق فضل أولئك الرجال بقدر ما يفوق عمله في ~~صعوبته وخشونته وفائدته الأدبية - بالرغم من صغر مقياسه - عملهم ~~المشهور! # وقد وصف هو نفسه في بضع صفحات نشرها في باريس سنة 1881 ما نجم عن عمله هذا من ~~فوائد، فقال: «إن المحاكم المختلطة، ولو أن بلاطي الأستانة ومصر حالا دون أن ~~يتناول اختصاصها كل المنازعات القضائية على العموم، سواء أكانت قائمة بين ~~الأهالي والأجانب، أم بين الأهالي والأهالي، أم بين الأجانب والأجانب، عملت ~~عملا عاد على مصر بالخير والإحسان؛ فإنها هذبت أخلاق الجاليات الأجنبية ~~تهذيبا أدبيا، والدليل على ذلك أن الحكومة المهاجمة فيما مضى بدعاوى كانت ~~تؤدي دائما إلى مطالبات من قبل رجال الهيئات الرسمية، تنتهي ms508 بتغريم الحكومة ~~الملايين المقنطرة من الفرنكات، لم تعد تطالب بشيء من ذلك، ولم تعد عرضة لأية ~~مهاجمة في هذا الصدد من لدن الهيئات الرسمية. # وكانت الأشغال العامة قبل تأسيس هذه المحاكم، وكل الأشغال الأخرى الخاصة ~~بالحكومة تعمل بواسطة السخرة، ولم يكن في الاستطاعة الاستعاضة عن طريقة الشغل ~~هذه، المخربة للبلاد والمفقدة سكانها كرامتهم، إلا بالآلات والعلوم الأدبية، ~~ولكن قلة الضمانات، وانعدام الطمأنينة في صدر الحكومة من جهة الأجانب كانا ~~يحولان دون إقدام الحكومة على استدعاء رءوس الأموال الأوروبية والمهندسين ~~الغربيين. فأما وقد أوجدت المحاكم تلك الضمانات والطمأنينة فإن السخرة أخذت ~~تزول شيئا فشيئا أمام علم أوروبا الميكانيكي ورءوس أموالها. # وبالإيجاز، فإن تلك المحاكم فتحت لمصر عهدا جديدا، وأدخلت إلى عقلية الشرق ~~فكرا لم يألفه في السابق، ألا وهو إمكان قيام قضاء مستقل، يطبق قانونا تسنه ~~الحكومة، وتكون هي عينها أول الخاضعين له، وأدت إلى تكوين أول حكومة منظمة رآها ~~الشرق، لأنها علمته أن الحكم لا يكون طبقا لهوى الحاكم وعلى كيفه، وأن الحكومة ~~ليس لها حقوق فحسب، بل عليها بجانب حقوقها واجبات أيضا لا بد لها من القيام ~~بها. ويمكن للإنسان من الوجهة الأدبية أن يقول بكل جسارة: إن تنظيم القضاء ~~المختلط قد أدى إلى ثورة حقيقية في العقول، لأن الأهالي رأوا لأول مرة في ~~حياتهم هيئة منظمة، لديها من القوة ما يكفي لمقاومة أعمال الحكام الاستبدادية ~~ورأوها تقاومها في الواقع، ثم رأوا الأمير عينه - على ما لديه من حول وطول - ~~مرغما على احترام قراراتها، وملزما بإعادة الأملاك التي حكمت عليه تلك الهيئة ~~بإعادتها، كما أنهم رأوا الحكومة مجبرة على تنفيذ تلك الأحكام ضد نفسها، ودفع ~~المحكوم به عليها لحامليها. وهناك منظر آخر تمثل أيضا أمام أعين الأهالي، ~~ولو أن وقعه على نفوسهم كان أخف من السابق، فالفرنج المنتشرون في الريف قبل ~~تأسيس المحاكم المختلطة ورجال القنصليات من جريك وغيرهم، كانوا يرهقون المصريين ~~عادة، ويستغلونهم استغلالا فاحشا، دون أن يجد المصريون من العدالة سوى أبواب ~~موصدة. فذلك الإرهاق وهذا الاستغلال ms509 بطلا تماما منذ تشكيل المحاكم المذكورة، ~~ليس هذا فقط، بل إن عددا غفيرا من الأهالي تحصلوا ضد أولئك الفرنج الأقوياء ~~وتجارهم العتاة، وضد رجال القنصليات عينهم على أحكام قاضية بتعويضات جمة! وقد ~~أدى ذلك طبعا بالأهالي إلى التفكر بأنه مذ أصبحت الشرائع والمحاكم تحميهم من ~~الذين كانوا يستغلونهم في الماضي، فليس هناك ما يمنعها من حمايتهم من الحكومة ~~أيضا، وعلى الأخص من تصرفات موظفيها الجائرة. # وهذه الفكرة أنجبت فيما بعد المحاكم الأهلية، وكانت هي أيضا مختلطة في بدء ~~نشأتها. والمحاكم الأهلية، بتطبيقها تشريعا مدنيا بحتا غير التشريع السابق، ~~فتحت لأول مرة في تاريخ مصر أمام أعين المصريين أبواب مضمار المدنية العصرية ~~واسعة، بل وخولتها قوة الدخول فيه، والتماس كل إصلاح توجبه الظروف والأيام.» # 6 # غير أن النزاع الذي قام فيما بعد بين (إسماعيل) والقضاء المختلط - وسيأتي ~~بيانه في حينه - أوجب فتور رضى الخديو عن وزيره، ذي النزعة الفرنجية البحتة، ~~واغتنم أعداء نوبار فرصة تغير خاطر (إسماعيل) عليه، واجتهدوا في إفهامه أن ~~وزيره خان أمانته، وأدخل في نصوص القوانين الجديدة ما اتخذ منه القضاء الجديد ~~سلاحه في الحملة الشعواء المشنونة عليه، فاضطر نوبار إلى مغادرة القطر المصري، ~~والإقامة تارة في فرنسا، وطورا في سويسرا، ولكنه بعد أن وضعت الحرب بين الترك ~~والروس أوزارها عاد إلى مصر، وامتزج تاريخ حياته بتاريخ حياتها في سنتي حكم ~~(إسماعيل) الأخيرتين، ثم غادر القطر بعد سقوط (إسماعيل)، ولم يعد إليه إلا عقب ~~إخماد الثورة العرابية، ولو كان حضرها لسارت في غير المجاري التي سيرتها فيها ~~روح عبد الله نديم، المؤثرة على تربية عرابي وزملائه المدنية السطحية. # فعهد إليه (محمد توفيق) برياسة الوزارة في 8 يناير سنة 1884، فبقي فيها إلى ~~يولية سنة 1888، ثم توارى مدة عن مسرح السياسة، وانزوى في عالم تذكاراته ~~الماضية، ولكن (عباس الثاني) استدعاه إلى رياسة الوزارة في سنة 1894، فمكث في ~~منصبه سنة وبضعة أشهر، ثم استقال بسبب اعتلال صحته، وتنحى عن السياسة بالكلية ~~إلى أن توفاه الله في سنة 1899. # وكان نوبار ربع القامة، ms510 يميل إلى الطول، قوي البنية، أسمر اللون، أسود ~~العينين، كما أن شعر رأسه كان أسود أيضا سوادا حالكا قبل أن يشتعل شيبا، ~~وكانت تقاطيع وجهه منتظمة، متناسبة متناسقة، ينيرها ابتسام جذاب، يكسب صاحبه ~~القلوب أنى شاء، وكان كلاميا، منطقيا ماهرا، إذا تحدث أروى وأشبع، وإذا ~~ناقش أفحم وأقنع، وامتاز كلامه في كلتا الحالتين برشاقة التعبير، وغزارة ~~المادة، يتخللهما شيء من التهكم القاطع، أو الجزل المتدفق من ينبوع حي، طبقا ~~لما يقتضيه الموقف، مثال ذلك أن الحكومة الإمبراطورية الفرنساوية عقب انفضاض ~~الخلاف على ترعة السويس مع شركتها، منحت نوبار وسام جوقة الشرف من الرتبة ~~الأولى، فأراد الدوق دي مرني - وكان قصير القامة - أن يقلده إياه بيده، فاضطر ~~نوبار، لكي يمكنه من ذلك إلى إحناء قامته كثيرا حتى كاد يركع، ولكنه فعل ذلك ~~بابتسام قائلا: «ليس الثمن غاليا !» وهو يشير إلى النيف والمائة مليون من ~~الفرنكات التي دفعتها الحكومة المصرية لتتخلص من تلك الورطة المدنية التي ~~ألقاها بها تسرع (سعيد). # والمدهش في محادثته أنه كان ينتقل من الوقور إلى العذب، ومن المجون إلى الجد ~~بسهولة غريبة، ويزين حديثه بالمجازات الجميلة، والأمثلة المناسبة، والقصص ~~الموافقة، بدون تكلف وبارتجال غريب، كأن موردها بجانبه، وما عليه إلا أن يدلي ~~دلو قريحته فيه ليخرج بها منه، مثال ذلك الحكاية الآتية التي أوردها في حديث له ~~عن الحال السياسية بمصر، وتنازع حكومتها ودائنيها على أموال فلاحيها: «عصفور ~~كان حاطا على شجرة، وإذا بباز انقض عليه واختطفه، وبينما هو صاعد به إذا ~~بنسر رآه، وأراد اغتصاب فريسته منه، فدار بين الطيرين الكاسرين قتال هائل، فوقف ~~الجمهور يتفرج عليه، ويتساءل أي الجارحين عساه يفوز على الآخر؟ ولم يفتكر أحد ~~في العصفور، ولا حزن على تعاسة حظه!» وأيضا: «مصر كعظمة ثمينة كبيرة يرغب فيها ~~كلبان (فرنسا وإنجلترا)، فيتنازعان عليها، ولا يجرؤ أحدهما على اختطافها، لخوفه ~~من الآخر، ولكن بينما هما يحملقان الواحد للآخر ويزمجران، يتسرب سرب من النمل ~~(الجريك - واليهود والشرقيون على العموم) إلى العظمة وينهشها، ويسمن ~~منها!» # وكان ذا ms511 شمائل خلابة، وشيم ساحرة، لا يحقد ولا يميل إلى الانتقام، ويقابل ذات ~~شانئيه مقابلة تشف عن صفاء نية وحسن طوية، فيحول بذلك مجاري العواطف في ~~صدورهم، فيخرجون من عنده وهم إلى أن يكونوا أصدقاء له أقرب منهم إلى البقاء على ~~عداوته. # ومع أنه تعلم منذ حداثة سنه صنعة إخفاء عواطفه وأفكاره - لشدة احتياجه ~~إليها في المراكز التي شغلها، على غربته في الجنس والدين، لدى العواهل ~~المتعاقبين على مصر من ذرية الباشا العظيم - فإنه لم يكن من ذوي الخنوع، أو ممن ~~يتلمسون الحظوة عند الملوك من إذلال أنفسهم بين أيديهم، أو من تحقيرها في خدمات ~~يأباها الشرف، بل ما فتئ متعاليا في شعوره، تعاليا يظهر أثره في مشيته، ~~واستقامة جسمه. # وقد لوحظ عليه أنه في مكاتباته الرسمية كان إذا ذكر الخديو دعاه «مليكي صاحب ~~الجلال»، متحاشيا دائما تسميته «مولاي أو سيدي الخديو صاحب الجلال» كما كان ~~يدعوه باقي وزرائه، لذلك لا يسع الإنسان إلا التعجب من كيف أمكن لمن كانت هذه ~~شيمه أن يستمر في خدمة الملوك، ولا يسعه من جهة أخرى إلا تعظيم قدر العواهل ~~الذين خدمهم نوبار من الأسرة العلوية، وإجلال عقليتهم، والإعجاب على الأخص بسعة ~~صدورهم، فلو كانوا من التعجرف، على ما ينسبه إليهم بعض الكتاب لما استطاع ~~الأرمني، الأبي النفس، البقاء في خدمتهم يوما واحدا، لا الاستمرار عليها ~~دهرا. # غير أنه على إباء نفسه هذا لم يكن من ذوي الخيلاء ومحبي مظاهر الكبرياء ~~والفخفخة الكاذبة، فلم يجر سائسا أبدا أمام عربته، وكثيرا ما كان يذهب ~~إلى الديوان بعربة أجرة، ولم يوجد مطلقا بينه وبين زائريه حاجبا أو حجابا، ~~ولا اضطر قاصدا إلى الانتظار طويلا في «منادره»، بل كان سهل المقابلة إلى ~~حد كثيرا ما جعل قليلي الذوق يتهجمون عليه في أوقات غير مناسبة. # وقد كانت حياة نوبار الشخصية والمنزلية مثالا للكمال والصلاح والبر إلى آخر ~~يوم من أيامه، فمع أنه نادم (إبراهيم) الغضوب، و(عباسا) تيبريوس مصر، ~~و(سعيدا) كومدها وهنريها الثامن والثالث معا، (وإسماعيل) لويسها الرابع ~~عشر - لم ms512 يرو عنه أنه خرج مرة واحدة عن طور الجد والكمال، أو بدت منه نقيصة ~~حطت من قدره الأدبي في أعين أولئك القياصرة المصريين، لذلك كانوا يحترمون ~~أنفسهم أمامه، ويأبون أن يشهدوه مظهرا غير كامل من مظاهر حياتهم الفردية، فيصح ~~القول - والحالة هذه - إنه كان لحياة وزير (إسماعيل) هذا الفردية تأثير على ~~تطور الأخلاق نحو الشعور بما يجب أن يراعى فيه اللائق. # وكان نوبار مغرما بالمطالعة، لا سيما بمطالعة كتب التاريخ، ويحسن التكلم ~~والكتابة بإحدى عشرة لغة مختلفة، وقد ساعده ذلك مع تفتق ذهنه، وسعة حيلته، وقوة ~~تقديره للأشخاص والأمور، على إحراز مركز رفيع في اعتبار العالم السياسي الغربي، ~~حتى إن رجاله فكروا مرتين في عهد منصب إمارة مستقلة إليه، إمارة الرومللي مرة، ~~وإمارة أرمينيا مرة أخرى، ومع ميل نوبار إلى القبول، لا سيما إمارة أرمينيا ~~وطنه الأصلي، كان يشعر بألم نفساني حقيقي كلما تصور أن ذلك قد يحول بينه وبين ~~العود إلى السكنى بمصر، فهل كان هذا الشعور تصديقا لقول القائل: «إن من شرب ~~ماء النيل لا ينسى حلاوته؟» أم إقرارا من نوبار بأن مصر أصبحت دون سواها وطنه ~~الحقيقي المحبوب؟ # مهما يكن من الأمر، وسواء أأخذنا من القول ذاته أن مصر، لما جبل أهلها عليه ~~من دعة ودماثة في أخلاقهم، وحب غريب للغريب، وما يوجد في مناخها وثروتها وجمال ~~سمائها من مرغبات للأجنبي عنها في الإقامة فيها دوما، تصبح وطنه المفضل على ~~سواه، أم لم نأخذ منه إلا معناه الحرفي، فإن نوبار أبى إلا أن يموت ويدفن على ~~ضفاف النيل. # وقد أقامت له بلدية الإسكندرية تمثالا في إحدى حدائقها اعترافا منها بما ~~كان له من فضل في إقامة دعائم العدل وأسسه في البلاد، وإقرارا بأن العدل أساس ~~الملك حقا، وقاعدته في كل رقي وتقدم، كما أنه روح كل مدنية حقة. # وقد أكد لنا صاحب العزة وهران نوبار بك - حفيده - أن جده ترك مذكرات ~~تاريخية تقع في أربعة مجلدات، شرح فيها ما حضره شخصيا من الحوادث والوقائع في ~~عهد الأمراء ms513 السبعة من البيت العلوي الذين خدمهم، فحبذا لو يسرع ابنه بوغوص ~~نوبار باشا إلى نشرها! فيخدم الأدب التاريخي خدمة هو في أشد الاحتياج إليها، لا ~~سيما أن تلك المذكرات هي الوحيدة من نوعها، وأن عموم الرجال الذين كانت لهم يد ~~في حوادث القرن الماضي من أمراء مصر ووزرائها وغيرهم أبوا أن يحملوا أنفسهم ~~عناء ترك مذكرات شخصية، كنا نستنير بالنور المنبعث عنها في اطلاعنا على تاريخ ~~أيامهم، وإنه لجدير بنوبار أن يشذ عنهم. # وأما شريف باشا # 7 ~~- ويلي نوبار في أهميته السياسية، ويفوقه في نظر الكثيرين من ~~المصريين، ولو أنهم لا يبنون تقديرهم له هذا إلا على ما عهدوه فيه من إباء، ~~وعلو نفس، وكرم أخلاق، فهم يصفونه لذلك «بصاحب الهمة العلية، والنفس الأبية، ~~والمروءة الوفية، والشرف الكامل، أخي المعالي، وخدن المفاخر، وزينة الرياسة، ~~ونموذج العفة والاستقامة، وحليف الخير والكرم» - فقد كان ابن محمد شريف أفندي ~~الشركسي العثماني، ولد بمصر القاهرة في شهر نوفمبر سنة 1826؛ إذ كان أبوه قاضي ~~القضاة فيها، ولكنه فارقها إلى الأستانة العلية، وهو لا يتجاوز بعض الأشهر ~~سنا حينما انقضت مدة السنة المعينة لوظيفة أبيه - كما كانت العادة في تنصيب ~~قضاة الولايات العثمانية - ثم بعد ذلك ببضع سنين تعين أبوه لمنصب قضاء الحجاز، ~~وفي ذهابه إلى الأقطار المشرفة للقيام بما عهد به إليه مر على مصر بعائلته، ~~وتقابل (بمحمد علي) أميرها العظيم فقابله بالترحاب والتكريم، وفرح لمشاهدة ~~نجله، حيث تفرس فيه العلاء والنجابة، وسأله أن لا يأخذه معه إلى الحجاز، وهو ~~يقوم بشأنه وتربيته ويحسن مثواه، ويعوله كما يعول أولاده، فقبل هذه النعمة ~~بالشكر، لعلمه بأن ولده يكون في مصر كما لو كان معه أو أحسن، فتركه فيها وسافر ~~إلى محل مأموريته. # أما ولده فكان في ذلك الوقت في سن قابل للتعليم، فانتظم بأمر ساكن الجنان ~~(محمد علي) في سلك تلاميذ مدرسة «الخانقاه» - وهي المدرسة التي أنشئت في سنة ~~1826 - لتعليم العلوم العسكرية، وناظرها المرحوم عثمان نور الدين أفندي، ومن ~~تلاميذها أنجال الباشا العظيم محمد سعيد، ms514 وحسين، وحليم، وأنجال أنجاله، وأولاد ~~الأمراء. # وقد كان انتشر في أوروبا خبر تأسيس هذه المدرسة بمصر قبل أن يشرع (محمد علي) ~~في تأسيسها؛ إذ قد صادف وجود ناظرها عثمان نور الدين أفندي في باريس سنة 1825، ~~ومقابلته بالمسيو چومار أحد مشاهير الفرنساويين الذين دخلوا مصر أيام الاحتلال ~~الفرنساوي، فتكلم معه في شأنها، وفي شأن تأسيس مدرسة أخرى في باريس لتعليم من ~~ينتخب من تلاميذ مدرسة «الخانقاه». # فلما عاد أخبر (محمد علي) بهذا الرأي، فاستصوبه، وفتحت في باريس مدرسة ~~الرسالة المصرية، بشارع ريجار بقسم لوجزمبرج، وبعد سنة أرسل إليها أربعة ~~وأربعون تلميذا، وتعين لهم ناظران؛ وهما المسيو چومار واستفان بك دمرچيان ~~(الذي تولى فيما بعد نظارة الخارجية، ورياسة مجلس الدواوين في عهد سعيد باشا). ~~وكان انتخاب هذا العدد من مدرسة «الخانقاه» بمعرفة (محمد علي)، ثم سافرت رسالة ~~أخرى وفي مقدمتها سعيد وحليم وحسين (المتوفى في باريس) أولاد العزيز، وإسماعيل ~~وأحمد ابنا ابنه إبراهيم، وشريف باشا وعلي مبارك باشا وعلي شريف باشا ومراد ~~حلمي باشا عديل شريف باشا، وغيرهم من نجباء مدرسة «الخانقاه». # فاشتغل كل منهم بحسب لياقته وذوقه وميله بالعلوم التي اختارها لنفسه، فكان ~~ميل شريف باشا إلى تعلم الفنون الحربية والعلوم العسكرية، ثم استعد للدخول في ~~مدرسة سانسير، الشهيرة بتعليم الضباط العسكريين، وأدى الامتحان اللازم، وانتظم ~~في سلك تلاميذها سنة 1843، فتقدم في علومها ووصل إلى أعلى فرقها، ثم انتقل منها ~~إلى مدرسة تطبيق العلوم الحربية في سنة 1845، فمكث فيها سنتين كاملتين، ولما ~~كانت أحكام هذه المدرسة تقضي على تلاميذها بالاستخدام سنتين بالجيش الفرنساوي ~~تحت التمرين، دخل في الآلاي الواحد والعشرين، الذي كان في پرپنيان من مدن فرنسا ~~تحت قيادة الأميرالاي ميراند، المتوفى في حرب القرم برتبة چنرال. # وفي آخر هذه المدة توفي (محمد علي)، وتولى (عباس الأول)، فأمر باسترجاع ~~تلاميذ الرسالة المصرية بفرنسا سنة 1849 فعادوا، ورجع شريف باشا مكتسبا من ~~الحكومة الفرنساوية رتبة يوزباشي أركان حرب، لابسا ملابسها الرسمية، فألحق ~~بالجيش المصري بهذه الرتبة أيضا، ولم يلبث في الجيش إلا ms515 قليلا حتى تعين من ~~جملة ياوران سليمان باشا الفرنساوي، سردار الجيش المصري، بناء على طلب سليمان ~~باشا عينه، وإلحاحه على (عباس الأول)، ولكن هذا التعيين لم يزده شيئا على ~~رتبته، مع تكرار الطلب من رئيسه سليمان باشا، وبقي في هذه الوظيفة لغاية سنة ~~1852، فتمكنت محبته من قلب رئيسه لحسن قيامه بأعماله، ونباهته واستقامته ~~وخبرته، ولكنه لم يتقدم، ولم ينل رتبة من (عباس) على مهارته ومساعدة رئيسه ~~إياه، فقام بفكره أن يترك الوظيفة، وتركها، واستخدمه الأمير حليم في دائرته، ~~بوظيفة كاتب يده في سنة 1853، وبقي في هذه الوظيفة سنة واحدة إلى أن توفي ~~(عباس) وتولى بعده (سعيد)، فكانت باكورة أعماله ترقية شريف، رفيقه في التلمذة ~~قديما والجدير بالالتفات، إلى رتبة أميرالاي الحرس الخصوصي، فبقي في هذه ~~الوظيفة سنتين، والقلوب راضية عنه، والأمير ملتفت إليه حق الالتفات، وبعدها ~~أنعم عليه برتبة لواء (باشا)، وعين لقيادة آلاي بيادة وآلاي الحرس الخصوصي، ثم ~~كمل سعده بعد هذه الترقية بسنة واحدة سنة 1856، فتزوج ابنة سليمان باشا ~~الفرنساوي السردار البادي ذكره، فازداد بقرانه هذا تمسكا بميوله الفرنساوية ~~الأصلية. # وبقربه من (سعيد) زاد قدره لديه، وظهرت فيه علامات الأهلية التامة، والجدارة ~~العظمى، والعفة، وسداد الرأي، فرقاه إلى رتبة فريق، ثم خطر بباله أن يعينه في ~~وظيفة إدارية، فكان ذلك، وعينه ناظرا للأمور الخارجية المصرية، فقام بها حق ~~القيام إلى انقضاء أيام (سعيد). ومن عهد توظفه للخارجية ظهر في الوجود السياسي ~~ظهورا بينا، ولبث كذلك نحو ثلاثين سنة، لا تحدث حادثة سياسية إلا وله فيها ~~الاسم الطيب الشريف، وانقضت مدة (إسماعيل) وأوائل مدة (توفيق) وشريف في منزلته ~~السياسية، وعلو مكانته، وارتقائه في الاسم والصيت. # وبعد أن توفي (سعيد) لم يتزحزح مركز شريف، بل زاد في عهد (إسماعيل) الذي كان ~~هو أيضا لا يفتأ يذكر أيام تلمذتهما معا في باريس وساعاتها الحلوة، فولاه ~~نظارة الداخلية مع نظارة الخارجية، فقام بالوظيفتين حق القيام، بالأمانة وحسن ~~الإدارة والإخلاص، إلى أن سافر (إسماعيل) إلى الأستانة في يولية سنة 1865، فعهد ~~إليه بالشرف الرفيع ms516 الذي لا يعدله شرف، وهو جعله قائمقام مصر، لما عهده فيه من ~~حسن الرياسة والذكاء والكياسة والمهابة والإمارة، وهذه هي أول مرة تعين فيها ~~نائبا عن خديو مصر رجل ليس من العائلة الخديوية، فكان ذلك أكبر دليل على ما ~~كان لشريف من المنزلة العليا في النفوس. # ثم لما عاد (إسماعيل) إلى مصر أبقاه في ~~الخارجية، وألقى إليه مقاليد المعارف العمومية، وعهد بالداخلية إلى راغب باشا، ~~وفي سنة 1867 اختاره لرياسة المجلس الخصوصي الذي كان بمنزلة مجلس النظار، ومن ~~هذا التاريخ إلى آخر حكم (إسماعيل) تقلب في الوظائف العالية؛ فتقلد نظارة ~~الداخلية من سنة 1868 إلى سنة 1869، والخارجية في سنة 1870 وسنة 1874 وسنة 1875 ~~وسنة 1876 وسنة 1879، والحقانية أيضا في سنة 1874 وسنة 1875، وأحيلت عليه ~~نظارة التجارة كذلك في سنة 1875، وفي سنة 1879 كان آخر رئيس نظار (إسماعيل) ~~وأول رئيس نظار (توفيق)، ولكنه اعتزل المناصب في أوائل (توفيق)، وما زال بعيدا ~~عنها إلى أن تحركت الثورة العرابية، فعهدت إليه رياسة مجلس النظار سنة 1881، ~~فأسس في مدته هذه مجلس نواب البلاد، ولما ثبت له أن الثورة انقلبت إلى حركة ~~مؤدية حتما إلى جلب ضرر على البلاد استقال، والكل راضون عنه، وبعد تدمير ~~الإسكندرية عاد فألف وزارة كانت آخر الوزارات التي ترأسها، وتقلد فيها منصب ~~الخارجية في ذلك الحين، ولما اشتد أوار المسألة السودانية تنحى، وترك المناصب، ~~ثم سافر إلى أوروبا حيث أدركته الوفاة سنة 1887. # فصدر أمر (توفيق) بإحضار رفاته، وتشييع جنازته على نفقة الحكومة، اعترافا ~~بفضله وخدماته الجليلة، ونعاه نوبار - وكان إذ ذاك رئيس الوزراء - إلى عموم ~~المصالح بعبارات مؤثرة، دلت على ما كان بين الرجلين من أواصر المحبة ~~والاحترام، بالرغم من اختلاف مشاربهما. # فإن نوبار كان في طباعه وأخلاقه وشمائله يشبه الإنجليز، وشريفا كان ~~فرنساويا بحتا في مظهره وملبسه، لا سيما بعد اقترانه بابنة سليمان باشا، إلى ~~حد جعل معاصريه يسمونه «شريف باشا الفرنساوي»، وبينما نوبار ربما كان ~~لاأدريا، فإن شريفا كان مسلما صحيح الاعتقاد، ولو أنه لم يكن يعمل ms517 بدقة بكل ~~مقتضيات الحياة والدين الإسلاميين، وكان شريف عكس نوبار أيضا في المظهر ~~الطبيعي، كما كان عكسه في العقلية والخلق، فبينما نوبار أسمر اللون، أسود الشعر ~~والعينين، فإن شريفا كان أشقر اللون والشعر، عسلي العينين، وبينما كان الأول ~~يحسن إخفاء عواطفه وأفكاره، كان الثاني لا يستطيع ذلك مطلقا، لما جبل عليه من ~~الصراحة الكلية في قلبه وكلامه، فكان إلى أنه جندي أقرب منه إلى أنه رجل سياسة، ~~ولو حاول إخفاء عاطفة لخانته شيمه الصريحة، وسحنته المفتوحة، وبالرغم من ذلك ~~فإنه كان محبوبا من الجميع، ولا أعداء له، لوقوف الكل على سلامة ضميره وإخلاص ~~قلبه، بخلاف نوبار، فإن خلقه الشديد كان ينفر منه الناس بقدر ما كان يدني إليه ~~منهم. # على أن كلا الرجلين كانا متشابهين في الذكاء، وسرعة الخاطر، وحلاوة الحديث، ~~وحسن المعاشرة والمجالسة، وسعة الضيافة وكرمها، تشابههما في وقار النفس ~~وكمالها، في الأنفة من الدنايا والترفع عنها، وفي علو الهمة، وحب المبرات، ~~وحرية الفكر والضمير، وكان أحدهما يحترم الآخر، فالاحترام متبادل بينهما لهذه ~~الفضائل والكمالات. # غير أنه بينما كان نوبار يرى المطالعة من أكبر اللذات في هذه الحياة الدنيا، ~~كان شريف يرى أن الصيد والقنص هما أكبر ملاذها، فكان شديد الغرام بهما إذن كأنه ~~نمرود ثان، لذلك وصفهما (إسماعيل) بقوله: «لست أرى سفيرا أرسله إلى بلاد ~~الإنجليز خيرا من شريف فإنه صياد مولع بالصيد، لا يبالي بأخطاره، وهذا يعجب ~~القوم هناك، ويستميل قلوبهم، كما أني لست أرى سفيرا أرسله إلى الأستانة خيرا ~~من نوبار، فإنه أمهر الناس في تزويق الخبيث وتنميقه، ولو كان مبالغا فيه، ~~وأحذقهم في حمل المحدث على القهقهة، وهو ساكن لا يضحك، وليس شيء يعجب الأتراك ~~أكثر من هذا!» # وكلا الرجلين كان يميل إلى التلاهي عن الأشغال الجدية بالألعاب الاجتماعية، ~~ولكن نوبار كان يفضل لعبة البزيج على كل لعبة خلافها، وكثيرا ما كنت إذا زرته ~~تجده يتعاطاه مع خصيص من أخصائه أو زائر من زائريه الغربيين، وأما شريف فإنه لم ~~يكن يفضل على البلياردو لعبة في ms518 الوجود، وكان غرامه به يكاد يضاهي ولعه بالقنص ~~والصيد، ويبلغ حدا يجعله يتصور معه كل كفاءة لأي نوع من أنواع الأعمال ~~والأشغال في الرجل المتقن لعبه. # وإن الناظر إلى تداول وزارتي الخارجية والتجارة بين هذين الوزيرين، إلى ~~بقائهما في منصبيهما في الإدارة المصرية المدد الطويلة، مع أن الحكم كان ~~فرديا واستبداديا على ما يقولون، لا يسعه إلا مقارنة ذلك بسرعة زوال ~~الوزارات، وسرعة تغير المظاهر الإدارية في الدول السائد عليها نظام الدستور، ~~فلا يجد من يصح له أن يقارنه بهما من رجال الدول، معاصريهما، سوى دزرائيلي ~~وجلادستون، ومع ذلك فإن هذين الإنجليزيين تواليا على المناصب، ولم يتعاصرا ~~عليها، فأمكن الواحد منهما في أوقات اعتزاله أن يؤلف الروايات أو يحطب في ~~الغابات، وهذا ما لم يسمح به لنوبار وشريف، لا سيما لهذا الأخير، مطلقا طوال ~~حكم (إسماعيل). # وأما علي مبارك باشا # 8 ~~- أبو التعليم المصري الحقيقي - فإنه بخلاف الوزيرين السابقين، ~~مصري بحت، وإنا - لما في حياته من عبر بليغة - نرى أن نتوسع في شرحها فنقول: ~~ولد في قرية برنبال الجديدة، من أسرة كانت تعرف فيها بعائلة المشايخ سنة ~~1239ه/سنة 1824م، ولما بلغ السادسة من عمره، اضطر والده، بعد أن بذل ما بيده، ~~وباع مواشيه وأثاث بيته، إلى الفرار من القرية بسبب أموال انكسرت عليه للديوان، ~~ونزل بقرية يقال لها الحماديين من أعمال الشرقية، ولكنه لم يلبث فيها إلا ~~قليلا، لقلة إكرام أهلها له، وارتحل بعياله إلى عرب السماعنة بالشرقية، ولم ~~يكن عندهم فقهاء، فأنزلوه منزل الإكرام والإجلال، وانتفعوا منه، وانتفع منهم ~~انتفاعا كبيرا، ارتاح له خاطره وانزاحت عنه الشدائد، فالتفت إلى تربية ابنه ~~علي، فعلمه أولا بنفسه، ثم سلمه لمعلم اسمه الشيخ أحمد أبو خضر، وكان ~~مقيما في قرية صغيرة قريبة من مساكن أولئك العرب، فأقام عنده نحو سنتين ختم ~~فيهما القرآن بداية، ثم لكثرة ضرب الشيخ له، تركه وجعل يقرأ عند والده، وكان ~~والده منشغلا عنه في شغله، فمال الولد إلى اللعب والتفريط، فهم أبوه أن ~~يجبره على الذهاب إلى ms519 معلمه، فتعاصى ونوى الهرب. # وكان له إخوة من غير والدته، فأشفقوا عليه، وسألوه عن مرغوبه في التربية، ~~فاختار أن لا يكون فقيها، بل يكون كاتبا؛ لما كان يراه للكتاب من حسن ~~الهيئة والهيبة والقرب من الحكام، فسلمه أبوه إلى كاتب قسم بناحية الإخيوة ~~كان صديقا له، وجعل له مرتبا يكفيه، فأقام علي عنده مدة، وخالط عياله، فإذا ~~هو مجمل الظاهر، ولكنه فقير في بيته - كمعظم الكتاب والموظفين بكل أسف! - ~~فكان الولد في غالب أيامه، يبيت إذن طاويا من الجوع، وليت ذلك كان كل ما ~~هنالك! ولكن الرجل - على قلة تعليمه له - كان يخدمه كثيرا ويؤذيه أكثر، فحدث ~~ذات يوم أنهما كانا في قرية المناجاة، فسأله الكاتب أمام ناظر القسم، وجماعة ~~الحضور عن الواحد في الواحد! فقال علي: «باثنين»، فضربه بمقلاة بن، فشجه في ~~رأسه، فلامه الحاضرون، وذهب علي إلى والده يشكو إليه، فما نال منه إلا الأذى ، ~~وكان يومئذ مولد سيدي أحمد البدوي، فهرب علي مع الناس، قاصدا المطرية، جهة ~~المنزلة، ليلحق بخالة له هناك، ولكنه مرض بالكوليرا في طريقه بقرية صالحجر، ~~فأخذه رجل من أهلها، وعاده أربعين يوما، وكان والده في تلك المدة، وأحد إخوته ~~يفتشان عليه في البلاد، فاستدل عليه في صالحجر، فلما رآه علي هرب، ونزل ~~بمنية طريف، فأخذه رجل عربي، ولكنه لم يقم عنده إلا قليلا، وهرب منه أيضا، ~~ولحق بأخ له في برنبال. # وبعد أيام قدم إليها أخوه الذي كان يفتش عليه، وما زال به حتى أخذه بالحيلة ~~إلى والدهما، وقد أشكل على أهله أمره، فعرضوا عليه القراء والكتاب، فلم ~~يقبل بحجة أن المعلم لا يستفيد منه إلا الضرب، والكاتب إلا الضياع والأذى، ~~علاوة على أنه يخدمه، فعرض عليه والده أن يلحقه بصاحب له من كتبة المساحين، ~~فرضي بذلك، فلما عاشره، زاد رغبة في عشرته؛ لما كان يناله في صحبته من النقود ~~التي كان يأخذها من الأهالي، فأقام عنده ثلاثة أشهر، ولكنه لصغر سنه وعدم ~~معرفته بما ينفع وما يضر، كان يفشي سره، ويخبر عن ms520 أخذه من الناس، فطرده، فبقي ~~في بيت أبيه يقرأ عليه، ويصحبه في قبض الأموال الأميرية التي على العرب - وكان ~~منوطا بذلك - ويباشر الكتابة وبعض المحاسبات، ثم بعد نحو سنة واحدة جعله أبوه ~~مساعدا عند كاتب في مأمورية أبي كبير، بماهية قدرها خمسون قرشا يبيض له ~~الدفاتر، فأقام عنده نحو ثلاثة أشهر، وقد خلقت ثيابه، وساء حاله، ولم يقبض ~~شيئا من الماهية إلا الأكل في بيته، ثم عينه يوما لقبض حاصل أبي كبير، فقبضه، ~~وأمسك عنده منه قدر ماهيته، وكتب له علما بالواصل، ووضعه في كيس النقدية، فلما ~~وقف على ذلك اغتاظ منه، وأسرها في نفسه، وأغرى مأمور أبي كبير عليه، واتفق ~~معه على إلحاقه بالجهادية بدل شخص كان مطلوبا للعسكرية، فنادياه على حين ~~غفلته، وأمره المأمور بالذهاب إلى السجن لكتابة المسجونين، وأصحبه رجلا من ~~أغوات المأمورية. # فلما دخل السجن، أحضروا باشا من الحديد، ووضعوه في رقبته، وتركوه مسجونا، ~~فلبث في السجن، وهو على ما لا مزيد عليه من الخوف، بضعة وعشرين يوما في أوساخ ~~المسجونين وقاذوراتهم، ينتحب آناء الليل وأطراف النهار، فرق له السجان لصغر ~~سنه، ومكنه من مخابرة أبيه في أمره، فذهب أبوه إلى العزيز - وكان بناحية ~~(منية القمح) - وقدم له قصة ابنه في عرضحال، فكتب بإخلاء سبيله، وأخذ الوالد ~~الأمر بيده، ولكن قبل حضوره إليه أتى إلى السجان صاحب له من خدمة مأمور زراعة ~~القطن بنواحي أبي كبير، وأخبره أن المأمور محتاج إلى كاتب يكون معه بماهية، ~~فدله السجان على علي، ووصفه له بالنجابة وحسن الخط، فمال الخادم إليه، وطلب ~~منه أن يكتب خطه في ورقة ليراها المأمور، فكتب علي عريضة واعتنى فيها، ~~وناولها له مع غازي ذهب قيمته عشرون قرشا، ليسلك له الطريق عند مخدومه، ووعده ~~بأكثر من ذلك أيضا، فأخذها وبعد قليل حضر بأمر الإفراج عنه، وأخذه معه حتى قرب ~~من المأمور، وكان يدعى عنبر أفندي، فنظر إليه، فإذا هو أسود حبشي، لكنه سمح، ~~جليل، مهيب، ورأى مشايخ البلاد والحكام وقوفا بين يديه، وهو يلقي عليهم ms521 ~~التنبيهات، فتأخر حتى انصرفوا، فدخل عليه وقبل يده، فكلمه بكلام رقيق عربي ~~فصيح، وقال له: «أتريد أن تكون معي كاتبا، ولك عندي جراية كل يوم، وخمسة ~~وسبعون قرشا ماهية، كل شهر؟» فقال: نعم. ثم انصرف من أمامه، وجلس مع الخدامين، ~~وكان يعرف من المشايخ الذين كانوا بين يديه جماعة من مشاهير البلاد، أصحاب ~~الثروة والخدم والحشم والعبيد، فاستغرب ما رآه من وقوفهم بين يديه وامثتالهم ~~أوامره، وكان لم ير مثل ذلك قبل، ولم يسمع به! بل كان يعتقد أن الحكام لا ~~يكونون إلا من الأتراك، على حسب ما جرت به العادة في تلك الأزمان، وبقي ~~متعجبا، متحيرا في السبب الذي جعل السادة يقفون أمام العبيد، ويقبلون ~~أيديهم، وحرص كل الحرص على الوقوف على هذا السبب، فكان ذلك من دواعي ملازمته ~~لعنبر أفندي. # وفي ثاني يوم حضر والد علي بأمر العزيز، فسلم علي عليه وأدخله على ~~المامور وعرفه إياه، فبش في وجهه، وأجلسه وأكرمه. وكان والد علي جميل ~~الهيئة، أبيض اللون، فصيحا، متأدبا، فكلم المأمور في شأن ابنه، فقال له ~~المأمور: «إني قد اخترته ليكون معي، وجعلت له مرتبا، فإن أحببت، فذاك.» فشكر ~~له، ورضي أن يكون ابنه معه، وانصرف من مجلسه مسرورا. # فلما كان الليل وسهر علي مع أبيه، جعل كلامه معه في المأمور فقال: «وهذا ~~المأمور ليس من الأتراك، لأنه أسود.» فأجابه: «يمكن أن يكون عبدا عتيقا.» ~~قال: «هل يكون العبد حاكما؟ مع أن أكابر البلاد لا يكونون حكاما، فضلا عن ~~العبيد؟» فأجابه أبوه بأجوبة لم تقنعه، وبعد يومين سافر عنه وتركه عند المأمور، ~~فجعل علي يقول في نفسه: «إن الكتابة والماهية كانتا السبب في سجني، ووضع ~~الحديد في رقبتي، وقد وجدت هذا المأمور خلصني من ذلك، فلو فعل هو معي مثل ما ~~فعل الكاتب فمن يخلصني؟» # وأخذ يود أن يكون بحالة لا ذل فيها، ولا تخشى غوائلها، واصطحب بفراش لعنبر ~~أفندي، ما لبث أن علم منه أن سيده مشترى ست من الستات الكبار، مرعيات الخواطر، ~~أدخلته مدرسة القصر ms522 العيني لما فتح العزيز المدارس، وأدخل فيها الولدان، ~~وأخبره ذلك الفراش أن التلاميذ في القصر العيني يتعلمون الخط والحساب واللغة ~~التركية وغير ذلك، وأن الحكام إنما يؤخذون من المدارس. # فجال حينئذ في صدر علي أن يدخل المدارس، وسأل الفراش: «هل يدخلها أحد من ~~الفلاحين؟» فأفاده «أنه يدخلها صاحب الواسطة»، فشغل ذلك باله زيادة، وما زال ~~بالفراش يستفهم منه عن طريق القصر، وكيفية الإقامة فيه، فأخبره عن ذلك كله، ~~وأثنى على حسن إقامة التلاميذ به ومأكولهم وملبوسهم وإكرامهم، فازداد علي ~~شوقا، وكان يكتب عنده كل ما يخبره به من بيان الطريق وقدر المسافة، وأسماء ~~البلاد التي في الطريق، وقامت بنفسه فكرة التخلص، والتوصل إلى المدارس، فطلب ~~الإذن في زيارة أهله، فأذن له بخمسة عشر يوما، فسافر، وبينما هو يجتاز قرية ~~بني عياط، تقابل مع جملة أطفال تحت قيادة رجل خياط، مع كل واحد دواة وأقلام، ~~فجلس معهم تحت شجرة، وتحادثوا، فظهر له أنهم تلامذة من مكتب منية العز، ورأوا ~~هم خطه، فوجدوه أحسن من خط الباشجاويش، فجعل علي يستفهم منهم عن مكتبهم ~~وصفته، وجعل الخياط يحسن له أوصافه، ويغريه على دخوله، مفهما إياه أن نجباء ~~المكاتب ينتقلون إلى المدارس بلا واسطة، فرأى علي أن ذلك غاية مرغوبه، فلم ~~يتأخر عن الذهاب معهم والدخول إلى مكتبهم، ولكن ناظره - وكان من معارف أبيه - ~~أراد أن يمنعه من الانتظام في عقد التلامذة، فلم يفلح، وبقي علي في المكتب ~~خمسة عشر يوما، ثم أتى أبوه بتدبير من الناظر، وانتظر خروجه للفسحة والأكل في ~~وقت الظهر، واختطفه إلى البلد، وحبسه في البيت نحو عشرة أيام، ما برحت أمه في ~~خلالها تبكي منه وعليه، وتستعطفه للرجوع عما يوجب فراقهم، وتحلفه أن يرجع عن ~~تلك النية، فوعدها بالرجوع عن ذلك، إرضاء لخاطرها. # فأطلقوه، وكان لهم غنيمات أخذ يرعاها، وأبعدوه عن حرفة الكتابة، فبقي كذلك ~~مدة، حتى اطمأن خاطرهم، وظنوا أن فكرته ذهبت عنه، مع أنها لم تفارقه، وإنما كان ~~يخفيها إلى أن انتهز فرصة في ليلة من الليالي، ms523 فصبر إلى أن ناموا جميعا، وأخذ ~~دواته وأدواته، وخرج من عندهم خائفا يترقب، وتوجه تلقاء منية العز، وكان ذلك ~~آخر عهده بسكناه بين أبويه، وكانت ليلة مقمرة، فمشى حتى أصبح، فدخل منية العز ~~ضحى، ولم يره الناظر إلا وهو مع الأطفال في داخل المكتب، والتزم أن لا يخرج ~~منه ليلا ولا نهارا مخافة اختطافه، ثم حضر والده وعمل طرق التحيل عليه هو ~~والناظر، فلم ينجح في ذلك، حتى جاء ناظر مكتب الخانقاه عصمت أفندي، لفرز نجباء ~~التلامذة إلى القصر العيني، فكان علي ممن اختير لذلك، ولكن والده حضر واشتكى ~~لعصمت أفندي، فقال له: «هذا ابنك أمامك، وهو مخير.» فخيروه، فاختار المدارس، ~~فعند ذلك بكى والده كثيرا، وأغرى عليه جماعة من المعلمين وغيرهم ليستميلوه، ~~فلم يصغ لكلامهم، وكان ما قدر الله، فدخل مدرسة القصر العيني في سنة 1251ه، ~~وهو يومئذ في سن المراهقة، فوجد المدارس على خلاف ما كان يظن، بل بسبب تجدد ~~أمرها كانت واجبات الوظائف مجهولة فيها، والتربية والتعليمات غير معتنى بها، بل ~~كان جل اعتنائهم بتعليم المشي العسكري، فكان ذلك في وقت الصبح والظهر، وبعد ~~الأكل وفي أماكن النوم، وكان جميع رؤساء التلامذة ومعلميهم يؤذونهم بالضرب ~~وأنواع السب والإهانة من غير حساب ولا حرج، مع كثرة الأغراض، والإعراض عن ~~الاعتناء بشئونهم من مأكولات وخلافها، وكانت مفروشاتهم حصر الحلفا، وأحرمة ~~الصوف الغليظ من شغل بولاق، ومن كراهة علي للطبيخ المرتب لهم، جعل يأتدم ~~الجبن والزيتون، وكان برعي أفندي أستاذ فرقته يراعيه بالنسبة لغيره. # وكان مع الشاب قليل من النقود جعلها أمانة تحت يد أستاذه، فلما رأى هذه ~~الحالة ضاق ذرعا، وظن أنه جنى على نفسه في دخوله المدارس التي بهذه المثابة، ~~ثم لتغير الهواء المعتاد، وكثرة ما قام به من الأفكار، اعترته الأمراض، وطفح ~~الجرب على جسمه، فأدخلوه المستشفى، فتراكمت عليه الأمراض حتى يئسوا من حياته، ~~ولكن الله سلم. # وفي أثناء ذلك حضر والده، فلم يمكنوه من الدخول، فجعل لبعض التمارجية خمسين ~~محبوبا من الذهب، على أن يخرج ابنه ms524 من «الاسبتالية» سرا، ليخلصه مما هو ~~فيه، فلم يشعر علي إلا والتمارجي قد كسر شباك الحديد من المحل الذي هو فيه، ~~وأخبره بمرغوب والده، وأنه واقف ينتظره خارج المدرسة، وأراد أن ينزله من ~~الشباك، ويوصله إليه ليأخذ جعله، فمالت نفس علي لإجابته، والذهاب مع والده، ~~وترك المدارس وأهلها، لما رآه من الشدائد وعدم التعليم، وما لحقه من الجوع في ~~«الاسبتالية»، حتى كان يمص العظم الذي كان يلقيه الآكلون. # لكنه فكر في عاقبة الهروب، فإنهم كانوا يطلبون من يهرب من التلامذة، ويقبضون ~~على أهله، ويقيدونهم ويهينونهم، فامتنع عن الخروج معه، فاجتهد في التحيل عليه، ~~وتسهيل الأمر لديه، فأبى، وقال: «أصبر على قضاء الله، وأنا الجاني على نفسي، ~~فبلغ والدي السلام، وسله أن يدعو لي، وأن يبلغ والدتي عني السلام!» # ثم إن والده توسط حتى دخل عنده، ورأى كل منهما الآخر، فقبل كل الآخر، ~~وبكيا، ثم ودعه ومضى لسبيله وكله زفرات، ثم شفي الشاب، وخرج إلى المدرسة، ~~واشتغل بدروسه، ولم يمرض بعد ذلك. # وفي أواخر سنة 1252 نقلوهم إلى مدرسة أبي زعبل، وجعلوا القصر العيني لمدرسة ~~الطب خاصة، كما هو الآن، فكانت إدارة المدارس في أبي زعبل كما كانت في القصر ~~العيني، إلا أنه اعتنى بالتعليم شيئا، بسبب جعل نظرها لإبراهيم رأفت ~~بك. # وكان أثقل الفنون على الشاب علي وأصعبها الهندسة والحساب والنحو، فكان ~~يراها كالطلاسم، ويرى كلام المعلمين فيها ككلام السحرة، وبقي كذلك مدة إلى أن ~~جمع إبراهيم رأفت بك متأخري التلامذة في آخر السنة الثالثة من انتقالهم إلى ~~مدرسة أبي زعبل، وجعلهم فرقة مستقلة - كان علي منهم، بل آخرهم - وجعل نفسه هو ~~المعلم لهذه الفرقة. # ففي أول درس ألقاه عليهم، أفصح عن الغرض المقصود من الهندسة، بمعنى واضح، ~~وألفاظ وجيزة، وبين أهمية الحدود والتعريفات الموضوعة في أوائل الفنون، وأن ~~هذه الحروف التي اصطلحوا عليها إنما تستعمل في أسماء الأشكال وأجزائها، ~~كاستعمال الأسماء للأشخاص، فكما أن الإنسان له أن يختار لابنه ما شاء من ~~الأسماء، كذلك المعبر عن الأشكال له أن ms525 يختار لها ما شاء من الحروف، فانفتح ~~من حسن بيانه قفل قلب الشاب، ووعى ما يقول. # وكانت طريقة ذلك الأستاذ الحكيم هي باب الفتوح عليه، ولم يقم من أول درس إلا ~~على فائدة، وهكذا كانت جميع دروسه بخلاف غيره من المعلمين معدومي الطريقة، ~~وملتزمي الحالة الواحدة، فختم عليه في أول سنة جميع الهندسة والحساب، وصار أول ~~فرقته، وبقي في النحو على الحالة الأولى، لعدم تغير المعلم، ولا طريقة التعليم ~~السيئة. # وكان رأفت بك يضرب به المثل، ويجعل نجابته على يديه برهانا على سوء تعلم ~~المعلمين، وأن سوء التعليم هو السبب في تأخر التلامذة. # وفي تلك السنة، وهي سنة 1255، فرزوا منهم تلامذة لمدرسة المهندسخانة ببولاق، ~~فاختاروا عليا فيمن اختاروه، فأقام بها خمس سنين، وتلقن جميع دروسها، وكان ~~فيها دائما أول فرقته وقلفتها، فتلقى بها الجزء الأول من الجبر، والجبر ~~العالي، وعلم الميكانيكا، وعلم الديناميكا، وتركيب الآلات على أستاذ يقال له ~~طائل أفندي، وحساب التفاضل، وعلم الفلك على محمود باشا الفلكي، وعلم الإدروليك ~~على دقلة أفندي، وعلم الطوبوغرافيا، والتروزية على إبراهيم رمضان افندي، وعلم ~~الكيمياء والطبيعة، والمعادن، والچيولوچيا، وحساب الآلات على أحمد فايد بك، ~~والهندسة الوصفية، وقطع الأحجار، وقطع الأخشاب، والظل والنظر، بعضه على إبراهيم ~~رمضان أفندي، وبعضه على سلامة باشا، وتلقى عليه أيضا خاصة ~~الكسموغرافيا. # ولعدم وجود كتب مطبوعة في هذه الفنون وغيرها، إذ ذاك، كان التلامذة يكتبون ~~الدروس عن المعلمين في كراريس، كل على قدر اجتهاده في استيفاء ما يلقيه ~~المعلمون، وكان المعلمون يومئذ يبذلون غاية مجهودهم في التعليم، فكان يندر أن ~~يستوفي تلميذ في كراسه جميع ما يلقى إليه، خصوصا الأشكال والرسوم، ولذلك كان ~~الأمر إذا تقادم أو خرجت التلامذة من المدارس يعسر عليهم استحضار ما تعلموه، ~~فكان يضيع منهم كثيره. # وفي آخر مدة المهندسخانة كانوا يطبعون بمطبعة الحجر بعض كتب، فاستعان بها ~~التلامذة، وحصل منها نفع، ثم تكاثر طبع الكتب شيئا فشيئا، لا سيما في عهد ~~(إسماعيل) وما بعده، فصارت تطبع الفنون بأشكالها ورسومها، فسهل بذلك تناولها ~~واستحضار ms526 ما فيها. # ثم في سنة 1260 عزم العزيز على إرسال أنجاله إلى فرنسا ليتعلموا بها، وصدر ~~أمره بانتخاب جماعة من نجباء المدارس المتقدمين ليكونوا معهم، وحضر سليمان ~~باشا الفرنساوي إلى المهندسخانة فانتخب عدة من تلامذتها، فكان علي ~~فيهم. # وكان ناظرها يومئذ لمبير بك، فأراد أن يبقيه في المهندسخانة، ليكون معلما ~~بها، ولكن عليا عرض على سليمان باشا أنه يريد السفر مع المسافرين، وجعل ~~الناظر يحتال عليه، وأحال عليه الخوجات ليثبطوه عن السفر، وقالوا له: «إن بقيت ~~ها هنا تأخذ الرتبة حالا، وتترتب لك الماهية، وإن سافرت تبقى تلميذا، وتفوتك ~~تلك المزية.» # ورأى علي أن سفره مع الأنجال مما يزيده شرفا ورفعة واكتسابا للمعارف، ~~فصمم على السفر، مع أنه يعلم أن أهله فقراء، ويعود عليهم النفع من الماهية، وهم ~~منتظرون لذلك، لكنه رأى الكثير الآجل خيرا من القليل العاجل. # فسافر إلى تلك البلاد مع من تقدم لنا ذكر أسمائهم آنفا من الأمراء وأولاد ~~الأعيان، وجعل مرتبه كل شهر 250 قرشا كرفقته، فجعل نصفها لأهله، يصرف لهم من ~~مصر كل شهر - وكانت هذه سنته معهم منذ دخل المدارس - فأقاموا جميعا في ~~باريس سنتين في بيت واحد مختص بهم، ورتب لهم المعلمون لجميع الدروس، والضباط ~~والناظر من الجهادية الفرنساوية، لأن رسالتهم كانت عسكرية، وكانوا يتعلمون ~~التعليمات العسكرية كل يوم. # وكانت معلومات أفراد الرسالة مختلفة، فبعضهم له إلمام بالتعليمات العسكرية ~~فقط، مثل الذين أخذوا من الطوبجية والسواري والبيادة، والبعض لهم إلمام بالعلوم ~~الرياضية، ولا يعرفون اللغة الفرنساوية، كالمأخوذين من المهندسخانة، والبعض له ~~معرفة باللغة الفرنساوية، وكان بعض هؤلاء معلمين فيها بمدارس مصر. # فاقتضى رأي الناظر أن يجعل المتقدمين في الرياضة واللغة الفرنساوية فرقة ~~واحدة، وأمر المعلمين أن يلقوا الدروس للجميع باللغة الفرنساوية، لا فرق بين من ~~يفهم تلك اللغة ومن لا يفهمها، ففعلوا، وأحالوا غير العارفين بها على العارفين، ~~ليتعلموا منهم بعد إعطاء الدروس - وكان علي ممن لا يعرفونها - فأخذ العارفون ~~بها يبخلون على غير العارفين بالتعليم، لينفردوا بالتقدم، فمكث غير العارفين ~~مدة لا ms527 يفهمون شيئا من الدروس، حتى خافوا التأخير، وتكررت منهم الشكوى لتغيير ~~تلك الطريقة، وتعليمهم بكلام يفهمونه. # فلم يصغ لشكواهم، فتوقفوا عن حضور الدروس أياما، فحبسوهم، وكتبوا في حقهم ~~للعزيز، فصدر أمره بالتنبيه عليهم بالامتثال، ومن يخالف يرسل إلى مصر ~~محددا. # فخافوا عاقبة ذلك، وبذل علي جهده، وأعمل فكره في طريقة يحصل له منها ~~النتيجة، ومعرفة اللغة الفرنساوية، فسأل عن كتب الأطفال، فنبأوه عن كتاب، ~~فاشتراه، واشتغل بحفظه، وشمر عن ساعد الجد في الحفظ والمطالعة، ولزم السهاد، ~~وحرم الرقاد، لا ينام من الليل إلا قليله، حتى أصبح ذلك ديدنه، فحفظ الكتاب ~~بمعناه عن ظهر قلبه، ثم حفظ جزءا عظيما من كتاب التاريخ بمعناه أيضا، وحفظ ~~أسماء الأشكال الهندسية والاصطلاحات - كل ذلك في الثلاثة الأشهر الأول. # وكانت العادة أن الامتحانات في رأس كل ثلاثة شهور، ومع ذلك كان يلتفت للدروس ~~التي تعطيها «الخوجات»، فأثمر الحفظ معه ثمرة كبيرة، وصار أول الرسالة كلها ~~بالتبادل مع حماد بك، وعلي إبراهيم باشا. # ولما حضر إلى مدينة باريس الأمير (إبراهيم) سر عسكر الديار المصرية، حضر ~~امتحانهم هو وسر عسكر الديار الفرنساوية، مع ابن الملك لويس فيليب، وأعيان ~~فرنسا، وجملة من مشاهير النساء الكبار، فأثنى الجميع عليهم الثناء الجميل، ~~وفرقت المكافآت عليهم الثلاثة، فناول الأمير (إبراهيم) الشاب عليا مكافأة ~~بيده - وهي المكافأة الثانية - وكانت نسخة من كتاب جغرافيا مالطبرون الفرنساوي، ~~بأطلسها، ودعوا للأكل معه. # وبعد سنتين، تعين الثلاثة الأول من الفرقة، وهم صاحب الترجمة، وحماد بك، ~~وعلي إبراهيم باشا إلى مدرسة الطوبجية والهندسة الحربية بناحية متس، وأعطوا ~~رتبة الملازم الثاني. # فأقاموا بها سنتين أيضا، وتعلموا فيها فن الاستحكامات الخفيفة، والاستحكامات ~~الثقيلة، والعمارات المائية، والهوائية، عسكرية ومدنية، والألغام، وفن الحرب، ~~وما يلحق به، مع إعادة عامة لكل ما سبق تعليمهم إياه، بتلخيص من المعلمين، في ~~عبارات وجيزة جامعة، ثم تفرقوا إلى الآلايات، فكان علي في الآلاي الثالث من ~~المهندسين الحربيين، وأقام فيه أقل من سنة. # وكان الأمير (إبراهيم) الهمام يود إقامتهم في العسكرية، حتى يستوفوا فوائدها، ~~ثم يسيحوا ms528 في الديار الأوروبية، ليشاهدوا الأعمال، ويطبقوا العلم على العمل، مع ~~كشف حقائق أحوال تلك البلاد، وأوضاعها، وعاداتها. # ولكنه توفي، وتولى (عباس) في سنة 1866، فأمر بعودة الرسالة إلى مصر، وكان على ~~علي دين لبعض الإفرنج نحو الستمائة فرنك، وكانت الأوامر المقررة أن لا يسافر ~~أحد إلا بعد وفاء دينه، وأن من يأتي إلى مصر مدينا يوضع في الليمان. # فوقع في أمر خطير، وبقي متحيرا، وطلب من رفقته أن يسلفوه، فقالوا: «ما عندنا ~~ما نسلفك إياه»، وعلي يعلم تيسر بعضهم واقتدارهم، فقعد في محل إقامته يفكر ~~فيما يصنع، وإذا بصاحب له من الإفرنج دخل عليه يدعوه للأكل عنده، حيث إنه ~~مسافر، فوجد حاله غير ما يعهد، فسأله، فأخبره، فقال: «لا تحزن، قل يا سيدي يا ~~بدوي، يا من تجيب الأسير، خلصني مما أنا فيه.» فقال له: «ليس الوقت وقت هزل!» ~~فقال: «هذا أمر هين لا يهمك.» ثم ذهب، فغاب قليلا، ورجع إليه بكيس رماه أمامه، ~~فإذا فيه قدر الدين مرتين، وقال له: «بعد استقرارك بمصر، وتيسر أمرك ترسل إلي ~~وفاءه.» ولم يأخذ منه سندا بوصول المبلغ، وقال: «أنا أكتفي بالقول منك.» وقد ~~كان، فإن عليا أرسل إليه المال على يد قنصل فرنسا بعد مدة. # ولما جاء إلى مصر، مكث هو ورفاقه جملة أيام لا يدرون ما يفعل بهم، ثم عين ~~صاحب الترجمة خوجة بمدرسة طرة، ولم يكن عنده في فرقته، بعد فرز تلامذة المدارس، ~~وتشكيل مدرسة المفروزة، سوى تلميذ واحد متقدم في السن، ومع ذلك اشتغل بما نيط ~~به بإخلاص. # وفي تلك المدة تأهل بكريمة معلمه في الرسم بمدرسة أبي زعبل - وكان أبوها قد ~~مات، وصارت إلى حالة فقر، فتزوج بها لما كان لوالدها عليه من حق التربية ~~والمعروف. # ثم اصطحبه سليمان باشا في مأمورية استكشاف البحيرة والسواحل، فلما كانوا ~~بدمياط انفصل علي عنه في جهة من المأمورية، وبعد أن أداها، ذهب إلى برنبال - ~~وكان أهله قد عادوا إليها - فوجد أن أباه سافر إلى مصر لزيارته، ولم يجد في ~~المنزل إلا والدته ms529 وبعض إخوته. # وكان دخوله عليهم ليلا، فطرق الباب، ~~فقيل: «من أنت؟» فقال: «ابنكم علي مبارك!» وكانت مدة مفارقته لأمه 14 سنة، لم ~~تره فيها، ولا سمعت صوته، فقامت مدهوشة إلى ما وراء الباب، وجعلت تنظر وتحد ~~النظر - وكان ابنها بقيافة العسكرية الفرنساوية لابسا سيفا وكسوة تشريف - ~~وكررت السؤال حتى علمت صدقه، ففتحت الباب وعانقته، ووقعت مغشيا عليها، ثم ~~أفاقت، وجعلت تبكي وتضحك وتزغرد، وجاء أهل البيت والأقارب والجيران، وامتلأ ~~المنزل ناسا، وبقوا كذلك إلى الصباح، فأقام عندهم يومين، ثم عاد إلى دمياط، ~~وأورد نتيجة استكشافه على سليمان باشا، فوقعت عنده موقع الاستحسان، وأخبره أنه ~~استحصل على أمر من (عباس) بإلحاقه بمعية جاليس بك. # فقبل علي يده، وسافر إلى الإسكندرية من مصر بعياله وأخ وأخت له صغيرين ~~أخذهما معه ليربيهما، فلما وصل تركهم في المركب، وذهب إلى جاليس بك، وبينما ~~فنجان القهوة بيده إذا بمكتوب وارد بالإشارة من (عباس) يطلبه حالا في وابور ~~متهيئ للقيام، فداخله ما لا مزيد عليه من الخوف، لما كان يعلم مما كان يقع لمن ~~يلوذ بالعائلة الخديوية من الإيذاء، وكان له اجتماعات بالأمير (إسماعيل) وغيره ~~منهم، فهون عليه سليمان باشا - وكان قد سبقه إلى الإسكندرية - وسكن قلبه ~~على عياله بأن وعده بإرسالهم إلى مصر، فسافر بدون أن يراهم، وهو بين راغب ~~وراهب. # ولما مثل بين يدي (عباس) قال له: «إن أحمد رأفت باشا - أخا (إسماعيل)، ورفيق ~~صاحب الترجمة في التلمذة - قد أثنى عليك، فقد جعلتك في معيتي، وقد أمرت بامتحان ~~مهندسي الأرياف ومعلمي المدارس، لأن الكثير منهم ليسوا على شيء، وجعلتك من ~~أرباب الامتحان، فلا تتكلم إلا بالصدق، ولو على نفسك، فلئن كذبت في شيء سلبت ~~نعمتك، وأعدتك فلاحا!» # ثم حلفه هو وغيره على ذلك، فحلف، فأنعم عليه برتبة صاغقولاغاسي، وأعطاه ~~نيشان الرتبة، وكان عبارة عن نصف هلال من الفضة، ونجمة من الذهب فيها ثلاثة ~~أحجار من الماس، فاشتغل بما نيط به على وجه أتم، ثم عهدت إليه أعمال أخرى، ~~أهمها هندسية مائية، فقام بها خير ms530 قيام، فألحق بموچيل بك - وكان مشتغلا في ~~تتميم القناطر الخيرية - فساعده خير مساعدة. # ثم أحال (عباس) عليه النظر في ترتيب للمدارس الملكية، والرصدخانة، وضعه لمبير ~~بك، ولم يستحسنه هو، فعمل صاحب الترجمة لجميع المدارس ترتيبا جعل أساسه ~~احتياجات القطر لا غير، فأعجب (عباس) به، وبعد أن أقره مجلس معقود من جميع ~~رؤساء الدواوين، أحال نظارة المدارس على بطلنا، وأعطاه رتبة أميرالاي ونيشانها ~~مكافأة له، وصارت له عنده منزلة رفيعة. # وكان في مدة نظارته يباشر تأليف كتب المدارس بنفسه مع بعض المعلمين، وجعل بها ~~مطبعة حروف ومطبعة حجر، مع التفاته إلى مأكل التلامذة ومشربهم وملبسهم وتعليمهم ~~وغير ذلك بنفسه، فامتنعت عن التلامذة مضار عمومية ومفاسد كثيرة، وانقطع الشتم ~~والسفه، وكاد يمتنع الضرب والسجن، ولم يكتف بذلك، بل رتب على نفسه دروسا كان ~~يلقيها على التلامذة، كالطبيعة والعمارة، وألف في العمارة كتابا بقي متبعا ~~في التعليم مدة. # ولما تولى (سعيد) تعين صاحب الترجمة للسفر مع العساكر لمحاربة الروس في سنة ~~1270، فخرج جميع التلامذة، كبيرهم وصغيرهم، ووقفوا بساحل النيل أمام السفينة ~~التي نزل فيها للسفر إلى الإسكندرية، وجعلوا يبكون وينتحبون حتى أبكوه. # ثم سافر بمعية أحمد المناكلي باشا، ولبث غائبا سنتين ونصفا، قاسى فيهما ~~مشاق الأسفار، وما يلحق المجاهدين من الإرجاف والاضطرابات، والحرمان من ~~المألوفات، ورأى بلادا وعوائد كان يجهلها، واكتسب فيهما معرفة اللغة التركية - ~~لأنه أقام بالأستانة العلية أربعة أشهر اشتغل فيها بتعلم تلك اللغة - وأقام ~~عشرة شهور في بلاد القريم، وثمانية أشهر في مدينة كموشخانة ببلاد الأناضول - ~~وهي مدينة عامرة على رأس جبل، مشهورة بمعدن الفضة الذي فيها - وكان منوطا به ~~تسهيل سوق العساكر في مدينة ترابزون إلى مدينة أرضروم، فقاسى شدائد مهمة، ~~وأهوالا مدلهمة، بسبب البرد والثلج الكثير ووعورة المسالك، ولكنه قام بمهمته ~~خير قيام، وشهد له بذلك قاضي البلد وأمراؤها وأعيانها. # وكان قد تزوج قبل سفره هذا، وبعد موت زوجته الأولى، بقريبة لأحمد طوبسقال ~~باشا، وكانت ذات مال وعقار، ويتيمة غرة، لا تحسن التصرف، ولا تميز الدرهم من ~~الدينار، ms531 وكانت أمها تزوجت برجل يعرف براغب أفندي، وماتت عنده، فتزوج بامرأة ~~أخرى تسيطرت على البنت كل التسيطر. # فلما دخل بها علي مبارك بك، خافت المرأة أن يطمع في أموالها، فأساءت معاملته، ~~وتوسطت بچلبي الجلشني أفندي إلى والدة (عباس)، فرمى فيه عند حسن المناسترلي ~~باشا، وأغرى به أغوات السراي، وأتعبه تعبا عائليا وماليا لا مزيد عليه، لم ~~يفرغ منه إلا بتركه تلك الزوجة، والجواري التابعات لها، مع أنه إنما اشتراهن ~~بماله. # فلما عاد من ذلك السفر الطويل رفت من وظيفته، وسكن في بيت حقير بالأجرة مع ~~أخ له كان تركه في المدارس عند السفر مع ابن أخ آخر ليتربيا فيها، فطردا منها ~~بعد سفره، ولم يعطف عليهما أحد ممن كان يساعدهم في مدة نظارته، ولم يشفق عليهما ~~إلا سليمان باشا الفرنساوي، فإنه أدخلهما في مكتب كان أنشأه بمصر ~~العتيقة. # فكانت حالة صاحب الترجمة بعد سبع سنين مضت من عوده من بلاد أوروبا، كحاله عند ~~عوده منها، وذهب ما رآه من الأموال والمناصب والوظائف، وجميع ما كسبت يداه، ~~كأنه حلم. # فرغب عن خدمة الحكومة، وعزم على الرجوع إلى بلده، والإقامة بالريف، والاشتغال ~~بالزرع، والتعيش من جانبه. # وبينما هو يتجهز للسفر إلى البلد صدر الأمر بأن جميع الضباط المرفوتين يحضرون ~~بالقلعة للفرز، فحضروا، وكان المنوط بالفرز أدهم باشا، وكان يعرف عليا، ~~فأدخله ضمن المختارين للخدمة، فتعطل عن السفر، وبعد قليل تعين معاونا بديوان ~~الجهادية، وأحيل عليه النظر في القضايا المتأخرة، المتعلقة بالورش والجبخانات ~~وغيرها، ثم ألحق بمستودعي الداخلية، وكان يحال عليه بعض القضايا، ثم دعي إلى ~~وكالة مجلس التجار، فأقام فيه شهرين، وكان سلفه فيه أرمنيا، فأغضبه تعيين علي ~~في هذه الوظيفة، ورمى في علي عند (سعيد) بما رمى، حتى جعل (سعيدا) يغضب على ~~علي، ويبعده عن تلك الوظيفة. # فأقام في بيته نحو ثلاثة أشهر، ثم تعين مفتش هندسة نصف الوجه القبلي، فأقام ~~فيه نحو شهرين، دعاه بعدهما (سعيد باشا) لعمل رسم لاستحكامات أبي حماد. # ولما تمم الرسم، ذهب إليه ليعرضه عليه، فلم ms532 يتمكن من مقابلته، لا في طرا ولا ~~في قصر النيل، ولا بعد أن عاد من الإسكندرية، بالرغم من أنه لزم معيته، مدة ~~ثلاثة أشهر وهو بلا ماهية ولا شغل، مع كثرة التنقلات من بلد إلى آخر، حتى كان ~~ذات يوم في الجيزة، فوقع نظر الأمير عليه، فناداه وكلمه، وسأله عما صنع في ~~الرسم، فقدمه له، فنظر فيه قليلا، ثم قال: «أبقه حتى نجد وقتا لإمعان النظر ~~فيه.» ثم لم يلتفت إليه بعد ذلك. # ولكنه ربط لعلي ماهية، وأبقاه في معيته زمنا بلا شغل، إلى أن كانت المعية ~~يوما بمريوط، فطلب علي إلى أدهم باشا تعيينه معلما للضباط وصف الضباط الذين ~~كان قد صدر له الأمر بترتيب معلمين لتعليمهم القراءة والكتابة والحساب، ~~فعينه، فكان يكتب لهم حروف الهجاء بيده، ولعدم ثبات تلامذته في مكان واحد، ~~كان يذهب إليهم في خيامهم، وتارة يكون التعليم بتخطيط الحروف على الأرض، وتارة ~~بالفحم على بلاط المحلات، واستعمل لهم في تعليم مهمات القواعد الهندسية اللازمة ~~للعساكر الحبل والعصا، لا غير. # وكان في أوقات الفراغ يشغل الزمن بالمطالعة، ويكتب تعليقات يستحسنها في ورقات ~~جمعها بعد ذلك، فصارت كتابا مفيدا في فنون شتى مما يحتاج إليه ~~المهندسون. # ثم لما رام (سعيد باشا) التوجه إلى بلاد أوروبا، أمر برفت غالب من كان في ~~معيته، فكان علي من جملة المرفوتين. # وكان قبل ذلك تزوج، واشترى بيتا بدرب الجماميز، وشرع في بنائه وتعميره، فكثر ~~عليه المصرف ولحقه الدين، حتى ضاق ذرعه وتشوش طبعه. # وكان يومئذ قد صدر الأمر ببيع بعض أشياء من ممتلكات الحكومة زائدة عن الحاجة ~~من عقارات وغيرها، وكان المأمور بذلك إسماعيل باشا الفريق، فاستصحب عليا معه ~~إلى محلات البيع. # فلما حضر المزادات، ورأى الأشياء تباع بأبخس الأثمان على نفاستها، وغلو ثمنها ~~الأصلي، وإنها - علاوة على ذلك - لا تباع بالنقد الحال، بل تؤجل الأثمان ~~بالآجال البعيدة، وبعضها بأوراق الماهيات، ونحو ذلك من أنواع التسهيل على ~~المشتري، مالت نفسه للشراء والدخول في التجارة، ففعل. # وعامل التجار، وعرفهم وعرفوه، وكثر منه ms533 الشراء والبيع، فربح واستعان بذلك على ~~المصرف وأداء بعض الحقوق، فازدادت عنده دواعي التجارة، وصارت هذه مطمح نظره، ~~وقصر عليها فكرته، خصوصا بسبب ما تقرر عنده من اضطراب الأحوال وتقلبات الأمور ~~التي كادت أن تذهب منه ثمرات المعارف والأسفار. # فقام بخاطره أن يعقد شركة مع بعض المهندسين المتقاعدين مثله، على أن يبنوا ~~بيوتا للبيع والتجارة، فلم يوافقه أحد. # فلما هم بذلك طرق (سعيدا) طارق المنون، وخلفه (إسماعيل)، فتذكر عليا ~~رفيقه في التلمذة، وبعد العودة إلى الديار، فألحقه بمعيته زمنا، ثم عينه ~~لنظارة القناطر الخيرية التي كانت موضع اهتمامه الفائق، فأصلح ما كان قد اختل ~~من أمورها. # ولما حفر رياح المنوفية أحيل عليه عمل قناطره ومبانيه، فأجراها على ما هي ~~عليه الآن. # وفي سنة 1282 اختاره (إسماعيل) للنيابة عن الحكومة المصرية في المجلس الذي ~~تشكل لتقدير الأراضي التي كانت حق شركة ترعة السويس، على مقتضى القرار ~~المحكوم به من قبل الإمبراطور نابوليون، فأتم المسألة على أحسن حال، وأحسن ~~إليه بعد إتمامها برتبة المتمايز، وأعطي النيشان المجيدي من الدرجة الثالثة، ~~وبعث إليه من قبل الدولة الفرنساوية بنيشان (أوفيسييه دي لالچيون ~~دونور). # وفي شهر جمادى الآخرة من سنة 1284 أحيلت إليه وكالة ديوان المدارس تحت رياسة ~~شريف باشا، مع بقاء نظارة القناطر الخيرية، وبعد قليل انتدبه (إسماعيل) للسفر ~~إلى باريس في مسألة تخص المالية، فكانت مدة غيابه ذهابا وإيابا وإقامة خمسة ~~وأربعين يوما، استفاد فيها فوائد علمية جمة. وبعد قليل من عودته أحسن إليه في ~~سنة 1285 برتبة ميرميران، وأحيلت إلى عهدته إدارة السكك الحديدية المصرية، ~~وإدارة ديوان المدارس، وإدارة ديوان الأشغال العمومية، وفي شهر شوال من تلك ~~السنة انضم إلى ذلك نظارة عموم الأوقاف مع بقائه على نظارة القناطر الخيرية، ~~والتحاقه برجال المعية. # فشمر عن ساعد جده في مباشرة تلك المصالح، ولسبب اتساع ديوان السكة ~~الحديدية، وكثرة أشغاله، كان يذهب إليه من بعد الظهر إلى الغروب، للنظر فيما ~~يتعلق به، وجعل من الصبح إلى الظهر لباقي المصالح. # وكان قد تحصل على الإذن ms534 بنقل المدارس من العباسية إلى القاهرة، إلى سراي ~~الأمير مصطفى فاضل بدرب الجماميز، رفقا بالتلامذة وأهلهم، لما كان يلحقهم في ~~الذهاب إلى العباسية من المشاق والمصرف الزائد، فأجرى في السراي تصليحات لازمة ~~للمصالح، وجعل السلاملك للديوان، ووضع كل مدرسة في جهة، وجعل بها أيضا ديوان ~~الأوقاف وديوان الأشغال، فسهل عليه القيام بها. # وكانت كثرة أشغاله لا تشغله عن الالتفات إلى ما يتعلق بأحوال التلامذة ~~والمعلمين، فكان كل يوم يدخل عليهم بكرة وعشيا، عند غدوه من البيت ورواحه، ~~وأعمل فكره فيما يحصل به نشر المعارف وحسن التربية، فحرر اللائحة التي ~~ذكرناها في حينه، وأنشأ المدارس المركزية والمدارس الابتدائية المثلى، المتقدم ~~بيانها، وأجرى الإصلاحات اللازمة في المكاتب القديمة، فغير بعض مبانيها ~~وأوضاعها الأصلية، ورتب لها النظار والمعلمين وأدوات التعليم ونحو ذلك، وجعل ~~المصاريف اللازمة للمدارس والمكاتب جارية على وجه يستوجب انتظامها، مع خفة ~~المصرف على الديوان. # ثم لأجل تسهيل التعليم على المعلمين والمتعلمين، وصون ما تعلموه من الذهاب، ~~جعل بالمدارس مطبعة حروف ومطبعة حجر لطبع كل ما يلزم من الكتب، وأمشق الخط ~~والرسم وغير ذلك. # واعتنى بأمر تخريج المعلمين الأكفاء، فأنشأ مدرسة دار العلوم، ورتب كيفية ~~تدريب نجباء التلامذة الذين أتموا دروس المدارس العالية على التعليم، وأنشأ دار ~~الكتب الجامعة، ومحلا للآلات الطبيعية، وغيرها من آلات العلوم الرياضية ~~اللازمة للمدارس، فتمكن التلامذة بمعاينتها والتمرن عليها من اجتلاء المعقول في ~~صورة المحسوس. # والتفت لجميع الأوقاف من التكايا والمساجد وغيرها - لا سيما ما كان منها ~~بالأقاليم - بالإصلاح والتجديد، فحفظها وصانها، وأبطل عادة التعمير على طرف ~~الديوان، وجعله يعطى بالمقاولة للمقاولين، بعد النظر فيه من مأموري الأثمان، ~~وباشمهندس الديوان، وعمل الرسم اللازم، وتقدير النفقة الواجبة، ثم قسم أراضي ~~الوقف الواسعة الخربة، كالتي كانت في جهة السيدة زينب وخلافها، على الراغبين ~~يبنون فيها منازل وحوانيت بحكر سنوي يقرر عليهم، ويدفعون مقدار عشر سنين مقدما ~~بصفة تبرع، فكان ذلك سببا لعمارة أحياء كثيرة تجلب ريعا للوقف، استعين به على ~~التنظيم الجاري في المدن لتوسعة الشوارع والحارات وتقويمها. ms535 # ومما يجدر الالتفات إليه أن عموم التحسينات والعمارات والإنشاءات العمرانية ~~التي أجريت في القطر في عهد (إسماعيل) إنما أجريت وعلي مبارك باشا ناظر على ~~ديوان الأشغال العمومية، فكان - والحالة هذه - مشغولا بالمصالح الأميرية، ~~وتنفيذ الأغراض الخديوية ليلا ونهارا، حتى لم ير وقتا يلتفت فيه لأحواله ~~الخاصة به، ولا يدخل بيته إلا ليلا، بل وكان يفكر في الليل فيما يفعل بالنهار، ~~لا سيما بعد أن تمت أعمال ترعة السويس، وصمم الخديو على عمل مهرجان يدعو إليه ~~ملوك أوروبا وسلاطينها. # فكان مع النظر في أحوال الدواوين المسلمة إدارتها إلى عهدته، مشغول الفكر، ~~دائم السفر في مصالح أولئك المدعوين، إلى أن انقضى جميع ذلك على أحسن حال، ~~فانهالت عليه النياشين والأوسمة تترى من كل دولة على السواء. # وقد بقيت تلك المصالح تحت يده إلى رمضان سنة 1288، ثم انفصل عن ديوان السكة، ~~ثم عن المدارس والأشغال بعد أيام قلائل، ثم عن الأوقاف بعد مضي قليل من شوال من ~~تلك السنة، بدسيسة من إسماعيل صديق باشا، لخلاف وقع بينهما على إدارة السكة ~~الحديد. # ولكنه لم يقم في بيته إلا نحو شهرين، ثم جعل ناظرا على ديوان المكاتب ~~الأهلية، وأمر بتنظيمه. وفي سنة 1289 أحيل عليه نظر الأوقاف ثانيا، وبعد قليل ~~أحيل عليه نظر ديوان الأشغال، ولم يمض إلا يسير حتى تحولت نظارة هذه الدواوين ~~إلى الأمير حسين كامل، فبقي علي باشا بمعيته بصفة مستشار، وفي سنة 1290 انفصل ~~ديوان الأشغال بنفسه تحت رياسة الأمير المذكور، وجعل علي باشا وكيله. وفي شعبان ~~من السنة عينها جعل عضوا في المجلس المخصوص، ولكنه انفصل عنه بعد قليل بسبب ~~وشايات صديق وأضرابه. # فأقام في بيته، وماهيته جارية، إلى أن جعل في سنة 1291 رئيس أشغال الهندسة ~~بديوان الأشغال، بعد أن ألحق هذا الديوان بديوان الجهادية تحت نظارة الأمير ~~حسين كامل. وفي سنة 1292 جعل مستشارا للأمير توفيق في ديوان الأشغال عينه بعد ~~إلحاقه بوزارة الداخلية، فمستشارا في الديوان عينه، مستقلا، للأمير إبراهيم ~~بن أحمد. # ولما تألفت الوزارة النوبارية الأولى ms536 عين فيها علي باشا على ديواني الأوقاف ~~والمعارف، فصرف وسعه في توسيع دائرة التعليم: فشرع في بناء مدارس جديدة، ~~كمدرستي طنطا والمنصورة، وفي تكثير عدد المكاتب، وترتيب المدرسين، وما يلزم ~~للتعليم من أدوات وكتب. # واعتنى كذلك بأمر الأوقاف اعتناء حكيما، وبقي في المنصب إلى أن سقطت الوزارة ~~النوبارية. # فلما شكل رياض باشا وزارته الأولى جعل ديوان الأشغال العمومية ديوانا ~~مستقلا، وعهد به إلى علي مبارك باشا، فقسم أعماله ثلاثة أقسام: التحريرات ~~والمحاسبة، وعمل التصميمات لما يلزم تجديده من الأعمال، ويتبعه فرقة مهندسين ~~لعمل الرسومات، والموازين وأعمال القاهرة ومدن القطر، وذلك غير الملحقات مثل: ~~قلم الزراعة، وقلم المصلح، ومصلحة الانجرارية، وقلم القضاء. # وقسم مصلحة الهندسة خمسة أقسام، لكل قسم مفتش، وجعل جميع أعمال الهندسة تحت ~~إدارة وكيل الديوان، وقسم الأعمال على عدة سنين، وأجراها بهمة فائقة، وشرع في ~~بناء سلخانة القاهرة، واسبتالية القصر العيني، ومدرسة الطب، واتفق مع شركة مياه ~~القاهرة على توصيل المياه إلى حلوان، ونظمت الحمامات التي بها ، وجعل لها طبيب ~~ومأمور، وزيد في القاهرة عدد فوانيس الغاز ... إلخ إلخ، مما لا داعي لذكره هنا، ~~لأنه عمل في غير عهد (إسماعيل). # وبقي علي مبارك باشا ناظرا على الأوقاف في وزارة شريف باشا سنة 1883، ولكنه ~~تخلى عن المنصب في وزارة نوبار الثانية، وعاد فعين ناظرا للمعارف في وزارة ~~رياض باشا الثانية في يولية سنة 1888، ففتحت في مدته المدارس الأهلية الحاضرة ~~في المدن والأقاليم ... إلخ. # وفي سنة 1311/سنة 1893 - وكان قد تخلى عن منصبه بعد سقوط الوزارة - سافر إلى ~~بلده لتفقد حال زراعته وإصلاحها، وكانت قد بارت لانشغاله عنها في المصالح ~~العامة، فأدركه هناك مرض في المثانة كان سببا في عودته إلى مصر، فعولج فلم ~~ينجع الدواء. # وأدركه الأجل بمصر في منزله بالحلمية في 14 نوفمبر سنة 1893، فأمرت الحكومة ~~بالاحتفال بجنازته أعظم احتفال، وأقفلت عموم المدارس حدادا على أبيها، ثم جمع ~~خريجو دار العلوم فيما بينهم ورسموا له صورة بالزيت على القماش، وصنعوها في ~~مدرستهم باحتفال عظيم، وفتحت لجنة في العاصمة ms537 اكتتابا عموميا لإقامة أثر ~~تاريخي له، وقد أطلقت وزارة الأشغال اسمه على أحد الشوارع الفسيحة في القاهرة ~~بجهة الحلمية الجديدة. # أما صفاته وأخلاقه، فقد تبينتها أيها القارئ اللبيب من خلال سطور ~~ترجمته. # وأما رياض باشا # 9 ~~- وقد قال المقتطف عنه إنه ابن ناظر الضربخانة المصرية، وذهب آخرون ~~إلى أنه يهودي أزميري من أسرة معروفة يقال لها أسرة الوزان - فقد ولد في سنة ~~1250 هجرية، ودخل في خدمة الحكومة المصرية بوظيفة مبيض في مجلس العموم بديوان ~~المالية في 11 صفر سنة 1264، بماهية قدرها 145 قرشا صحيحا، ولاحت عليه مخائل ~~النجابة وملامح الاستعداد، فارتفعت ماهيته بعد ستة شهور إلى 193 قرشا صحيحا ~~و13 بارة، وكانت هذه الزيادة في نظير تكليفه بعمل آخر وهو قيد الخلاصات. # ثم ألغي ذلك المجلس في 10 ربيع الأول سنة 1265، ولكن رياض توصل بعد شهرين ~~ونصف للدخول في المعية السنية للتبييض والقيد بماهيته عينها. وفي سنة 1266 ~~انتظم في سلك عساكر الموسيقى برتبة ملازم، فقام بهذه الخدمة الجديدة خير قيام، ~~جعله أهلا لنيل رتبة اليوزباشي بعد شهرين اثنين، ثم ارتقى إلى رتبة ~~الصاغقولاغاسي، ثم إلى رتبة البكباشي في بحر سنتين، كل ذلك في خدمة الموسيقى ~~العسكرية. # فلما كانت سنة 1268 انتظم في سلك رجال المعية السنية برتبة القائمقام بصفة ~~ياور بمعية (عباس الأول)، وهنالك ارتقى في 5 صفر سنة 1269 إلى رتبة الميرالاي، ~~ووظيفة مهردار لوالي مصر المشار إليه. # ثم وجد (عباس) فيه من دلائل الحزم ما يخوله إدارة الأهالي، فأسند إليه ~~مديرية الجيزة وأطفيح، وليس له من العمر إلا عشرون سنة قمرية، وقد حمل هذا بعض ~~حساده وأعدائه على نسبة تقدمه السريع، وحظوته في عيني (عباس)، إلى تدنيه لأمور ~~يلحق العار بمرتكبيها. # وبعد سنتين انتقل مأمورا لإدارة الفيوم ومديرية بني سويف، ثم مديرا لقنا ~~بماهية قدرها خمسون جنيها في الشهر، وعاد بعد ذلك إلى العاصمة، حيث أسندت إليه ~~وكالة المرور والسكة بمصلحة السكة الحديد، ثم تحرك منها سنة 1274 بصفة مأمور ~~لإدارة نصف أول روضة البحرين - وهي ms538 اليوم عبارة عن مديريتي المنوفية والغربية ~~- والنصف الأول المذكور كان في اصطلاح ذلك الوقت عبارة عما نسميه الآن بمديرية ~~المنوفية. # ثم جعل وكيلا لهذه المديرية، وبلغت ماهيته خمسة وسبعين جنيها، فبقي في هذه ~~الوظيفة لغاية 4 جمادى الثانية سنة 1277، وحينئذ قلب له الدهر ظهر المجن، فقد ~~صدرت في ذلك اليوم إرادة سنية فصلته عن الخدمة، ورمته بالإهمال. # ولكن مدة الغضب لم تطل عليه، فقد حظي بالرضى ثانية بعد أشهر قليلة، وعينه ~~(سعيد) «لخدمة الكتابة» في معيته، بإذن تاريخه أول ذي القعدة سنة 1377، وفي ~~سنة 1279 أنعم عليه برتبة الميرميران، وجعل ماهيته مائة جنيه مصري في الشهر، ~~وكان لا يزال دون الثلاثين. # فلما كانت سنة 1281 صدر الأمر العالي بتعيينه عضوا في مجلس الأحكام - وكان ~~يماثل ما نسميه الآن بمحكمة النقض والإبرام - ثم أحيلت إلى عهدته نظارة «أمور ~~خاصة خديوي»، وانتقل إلى وظيفة مهردار، حتى كان 11 شوال سنة 1284، فغضب عليه ~~(إسماعيل)، وأصدر للمالية إرادة سنية مختصرة باللغة التركية، هذه ترجمتها: ~~«بحسب الإيجاب قد صار رفت رياض مهردارنا سابقا من معيتنا، فلأجل إيجاب إجراء ~~ذلك بالمالية لزم الإشعار .» # غير أن (إسماعيل) نفسه ما لبث إلا وأعاد نعمته إليه، وأسند له في معيته وظيفة ~~كانت تسمى «خزينة دار» سنة 1286، ولكن ماهيته نزلت إلى ستين جنيها. # وفي سنة 1287 نال رتبة «الروم إيلي بكلربكي» وزادت ماهيته إلى خمسة وسبعين ~~جنيها - وهو مرتب الرتبة المذكورة - وأرسله (إسماعيل) في مهمة سياسية تتعلق ~~بالإصلاح القضائي إلى مقر السلطنة العثمانية في الأستانة، فلما عاد منها صدر ~~الأمر العالي بتعيينه مستشارا لرياسة المجلس المخصوص - وهو الذي خلفه مجلس ~~النظار في النظام الحديث للحكومة المصرية - وصار مرتبه مائة وخمسة وعشرين ~~جنيها، ومن هذه الوظيفة ارتقى إلى وظيفة مدير المدارس والأوقاف سنة 1290، ~~وانضمت إليه وظيفة مستشار الداخلية، ورياسة المجلس الحسبي أيضا في السنة ~~التالية، ثم صار ناظرا للخارجية، فالزراعة، فالحقانية (وأضيفت من ذلك العهد ~~على ماهيته مصاريف الضيافات والجمعيات، وقدرها مائة وخمسة وعشرون جنيها في ~~الشهر، فبلغ مجموع ما يتناوله ms539 مائتين وخمسين جنيها في الشهر)، فالمدارس، ~~فالتجارة، والزراعة، وكانت هذه الدواوين تابعة للمعية مباشرة: فإن إدارة ~~الحكومة في مصر كانت في ذلك العهد منوطة بالخديو رأسا، وإنما يعاونه جماعة من ~~أرباب المناصب العالية يضعهم هو على رءوس الدواوين، ومرجع كل واحد منهم إليه ~~مباشرة، وبصفة فردية، أي بغير اجتماع وبلا تضامن، وعند حلول الخطوب كان الخديو ~~يستشير هيئة تتألف من أولئك الرؤساء، ورؤساء بعض المصالح الكبيرة، ومن بعض ~~أعضاء آخرين، يكونون بمثابة وزراء بلا مساند، وتدعى تلك الهيئة «المجلس ~~الخصوصي». # وقد كان أعضاء هذا المجلس في سنة 1876 الرجال الآتية أسماؤهم: # إسماعيل صديق ناظر المالية؛ مصطفى رياض ناظر الحقانية والخارجية؛ إسماعيل ~~أيوب ناظر التجارة والزراعة؛ محمد ثابت رئيس مجلس الأحكام؛ عبد الله عزت رئيس ~~شورى النواب وسردار عسكرية؛ أحمد رشيد رئيس مجلس حسبي مصر؛ عمر لطفي محافظ مصر؛ ~~حسن راسم محافظ الإسكندرية؛ محمد توفيق (ولي العهد) ناظر الداخلية؛ حسين كامل ~~(السلطان) ناظر الجهادية والبحرية؛ علي إبراهيم ناظر الأشغال؛ منصور يحيى يكن ~~ناظر المعارف والأوقاف؛ علي مبارك مستشار الأشغال؛ وچاهين كنج، وعبد اللطيف، ~~وجعفر صادق، والسيد أبو بكر راتب أعضاء بلا مسند. # ولما تألفت الوزارة النوبارية المسئولة سنة 1878، عهد بوزارة الداخلية إليه، ~~ثم أراد (إسماعيل) في أوائل سنة 1879 أن ينقله إلى الخارجية، ولكن الحكومتين ~~الفرنساوية والإنجليزية قاومتاه، وأبى رياض عينه موافقته على النقل، وكان قد ~~اشتهر بثبات عزمه وبشجاعته الأدبية في منصب نائب رئيس لجنة التحقيق المعينة في ~~سنة 1878 لتنظر في أمر المالية المصرية. # ولما سقطت الوزارة النوبارية سافر رياض باشا إلى أوروبا، وأقام فيها حتى تولى ~~الخديو (محمد توفيق)، فاستدعاه وطلب منه تشكيل وزارة جديدة عقب استقالة الوزارة ~~الشريفية (21 سبتمبر سنة 1879)، فكانت تلك أول مرة تقلد فيها رياض رياسة ~~الوزارة، ولبث على دستها إلى أن جرفته الثورة العرابية. # وتقلد وزارة الداخلية في الوزارة الشريفية الثانية، ولكنه لم يقم فيها إلا ~~شهرين، لأنه كان يرى وجوب معاقبة العصاة معاقبة شديدة بلا شفقة ولا رحمة، ولم ~~يطاوع على رأيه. ms540 # وبقي معتزلا أشغال الحكومة إلى أن فوض إليه الخديو (توفيق) تأليف الوزارة ~~سنة 1888، فلبى الطلب وتقلد - علاوة على رياسة مجلس النظار - زمام وزارة ~~الداخلية، ولكن تمسكه الشديد برأيه اضطره إلى الاستعفاء بعد مرور سنتين، فاعتزل ~~الأعمال ثانية في مايو سنة 1891. # ثم استدعاه (عباس الثاني) لتأليف وزارة بعد صرف وزارة فخري باشا، فألفها وبقي ~~على رياستها وفي منصة الداخلية إلى أن كانت حادثة الحدود الشهيرة - وهي التي ~~انتقد فيها (عباس) نظام الجيش المصري انتقادا رأى كتشنر باشا السردار إذ ذاك ~~نفسه مضطرا معه إلى الاستعفاء من منصبه، فأبى اللورد كرومر أن يوافقه على ~~رأيه، وألزم الخديو بواسطة رياض بنشر ثناء على الجيش وسرداره في «الوقائع ~~الرسمية»، اعتبر بمثابة اعتذار عن الانتقاد الذي كان بدا منه. # فاستقال رياض، وما فتئ ملازما العزلة السياسية، حتى كانت حفلة وضع الحجر ~~الأول لمدرسة محمد علي الصناعية سنة 1906 بالإسكندرية، فألقى رياض فيها خطبة - ~~بصفته رئيس شرف جمعية العروة الوثقى - امتدح فيها اللورد كرومر في حضرة الخديو ~~(عباس الثاني)، فنفر الخديو منه، وحملت الجرائد المحلية على الوزير الشيخ حملة ~~شعواء. # ولكن منزلة رياض من النفوس لم تنحط، واضطر الخديو نفسه إلى الإشارة على عاقدي ~~المؤتمر الإسلامي المصري سنة 1911 بانتخاب رياض باشا رئيسا له، فأدار ~~اجتماعاته وجلساته بحكمة وروية، ولكن المتاعب التي سببها له أودت بصحته - وقد ~~كانت ضعيفة - فمات في 18 يونية سنة 1911 وهو في التاسعة والسبعين هلاليا، ~~والسابعة والسبعين شمسيا من عمره. # وقد كان قصير القامة، نحيف الجسم، تدل ملامحه ولهجته في كلامه على أنه من أصل ~~تركي، لا من أصل مصري، ولو أنه تلقى مبادئ العربية والتركية في بيت والده، ثم ~~في مدرسة المفروزة، وكان مظهره مظهر يهودي شرقي، محني الكتفين، ويكاد ابتسامه ~~يكون اضطراريا. # وقد وصف رياض باشا كثيرون من الذين جعلوه موضوع كتاباتهم، لا سيما موبرلي بل ~~في مؤلفه المدعو «خديويون وباشاوات لرجل يعرفهم معرفة جيدة»، ولكنا نرى أن خير ~~وصف للرجل هو ما جاد به قلم اللورد ألفريد ملنر ms541 في المقارنة التي أقامها بين ~~نوبار وبينه، في كتابه المعنون «إنجلترا بمصر»، قال: # إني لن أتوسع في المباينات الساطعة البادية على طباع وطبائع هذين ~~الندين الأبديين؛ فإنها ما فتئت منذ عشرين عاما موضوع وصف الكتاب ~~الذين تكلموا عن السياسة المصرية، ولكني لن أسمح أيضا لنفسي بالسكون ~~إلى الاعتقاد بأن لدى القراء من الإلمام بالشئون المصرية الحديثة، وبما ~~يختص بالشخصين الأكبر أهمية في تاريخها المعاصر، ما يكفيهم ليعرفوا أن ~~نوبار أرمني، وأما رياض سواء أكان أم لم يكن من أصل يهودي، فمسلم وأعرق ~~الأتراك في تركية خلقه وتربيته وميوله؛ أن الأول حر الفكر ومتكيفه ~~بمقتضيات العصر، وأما الثاني فمحافظ من أشد المحافظين على التقاليد ~~القديمة؛ أن نوبار رجل ذو تربية غربية عالية، ومتملك ناصية اللغة ~~الفرنساوية تمام التملك، وأما رياض فشرقي محض، وقد تعلم الفرنساوية في ~~سن يتعذر معها عليه إمكان تكلمه بها بسهولة؛ أن بعضهم قد يشك في شجاعة ~~نوبار، وأما شجاعة رياض فلا يشك أحد فيها؛ أن نوبار تتدفق عنه الأفكار ~~العصرية على تنوعها وسموها، وأما رياض فخزين الأفكار عنده محصور، ومن ~~نوع بات مزمنا متأخرا؛ أن نوبار ميال إلى التعميم، ولكنه قد يتعب، ~~ويضل إذا ما نزل إلى دقائق الحكم، وأما رياض فمتفوق في معرفة الدقائق، ~~ويدري على رءوس أصابعه ظواهر الإدارة المصرية وخفاياها؛ أن نوبار ~~نكتي، تارة خفيف الروح، وطورا لماز، وأما رياض فلم ينفتق ذهنه مرة ~~واحدة لنكتة أو لطيفة، ولو أنه لا ينقصه في لغته العربية شيء من ~~الفصاحة الشرقية، المنفوخة الأوداج، التي تأخذ بمجامع قلوب مواطنيه؛ أن ~~نوبار متى جر إلى مضمار العمل الخيري والبر الإنساني لا ينظر إلى ~~النقود ولا يبالي بها، وأما رياض فمقتصد حازم صارم، لا يتأثر مطلقا ~~بأي مؤثر عاطفي أو شعور إنساني، لا لأنه معدوم الشفقة بعامة الناس، ~~ولكن لأن الشفقة لديه تشبه ما كان يشعر به منها خير أصحاب الإقطاعات في ~~الأزمنة الوسطى نحو تابعيهم. # فالتباين بين الاثنين يفوق إذن ما اعتيد منه بين الأشخاص المختلفين، ~~وإنك لتراه ms542 باديا في مظهر الرجلين الطبيعي، بدوه في أخلاقهما ~~وروحيهما: فنوبار جميل الطلعة والبزة، حلو الشمائل، عسلي اللسان، وأما ~~رياض فصغير ومخرنبق، غضوب، كسار، وصوته لدى أقل تهيج يميل إلى الصرير، ~~وهو فيما عدا بيته حيث يكون لطفه كاملا، يتطرف في الغلظة إلى حد ~~السماجة، ليس فقط في معاملته لمرءوسيه، بل في معاملته لمساوييه في ~~الرتبة والمكانة، ولو أنه شديد الميل إلى مطالبة الكل باحترام شخصه ~~احتراما لا يرى ذاته، مستعدا لمقابلة الغير بمثله. # ولكن إذا كان هذان الرجلان متباينين تمام المباينة من جهة طباعهما، ~~فإن وجوه الشبه في مجرى حياتيهما كثيرة وغريبة، كل منهما يكره الآخر، ~~ولكن التاريخ العادل يعترف ويذكر بأن كلا منهما في سبيله خدم بلاده ~~خدمات جليلة: فكلاهما احتمل متاعب جمة في أيام (إسماعيل)، بسبب وقوفه ~~موقفا غير متفق مع رغائب ولي النعم، وكلاهما اجتهد - ولو سدى - في ~~إيقاف تيار الاستدانة الذاهب بالبلاد إلى الهاوية. ولئن افتخر نوبار ~~بما شاده للعدالة من قواعد، فإن رياضا يفتخر بما أبداه من شجاعة أدبية ~~في وقوفه في وجه (إسماعيل)، وتعضيده لرجال لجنة التحقيق في النزاع الذي ~~دخلوا فيه، لإنقاذ المالية المصرية، وقد بدا من كليهما بعد الاحتلال ~~الإنجليزي وجوه تشابه تستوقف النظر: فكل منهما صدق على جهود إنجلترا ~~الإصلاحية، واشترك مع الإنجليز إلى حد ما في أعمالهم، ولكن كلا منهما ~~امتعض أيضا لما كانت توجبه الرقابة البريطانية من قيود على الأهواء ~~الاستبدادية، وانتهى إلى رفض مساعدتها، ولقد كان أشهر من نار على علم ~~أن رياضا قبل توزره كان يشكو مر الشكوى من عدم تداخل الإنجليز في ~~الأمور تداخلا كافيا ليكفل تقويم معوجها، وأنه لم يمض على استلامه ~~زمام الحكم مدة مديدة إلا وطفق يتذمر من أنهم يتداخلون أكثر مما ~~يطاق. # هذا فيما يختص بأوجه الشبه، وأما أوجه عدم التشابه فلا بد من ~~الاعتراف بأن رياضا قد لا يلتمس له العذر الذي يلتمس لنوبار على ~~دخوله في عراك مع الرقابة البريطانية، فإن أحوال مصر حينما استلم نوبار ~~دفة الإدارة كانت في ms543 فوضى نظام قلما يستطيع الإنسان وصفها، واستمر ~~الإنجليز مدة يزيدونها تعقيدا بكيفية تضجر الرجل وتململه، ولقد اصطدمت ~~إدارته، دوما وفي كل شيء، بإمساك وزارة المالية، واضطر إلى تحمل ~~مسئولية كل ما كان كريها في سياسة كان هو أول الناقمين عليها من صميم ~~فؤاده. # نعم إن الحالة في سنوات وزارته الأخيرة كانت قد تحسنت تحسنا بينا، ~~ولكن التقدم - ولو أنه كان لا بد من الشعور بالإجراءات الصارمة ~~اضطرارا، التي كان من شأنها ضمانة حدوثه واستمراره - لم يكن قد ظهر ~~بعد بكيفية عامة ترتاح إليها النفوس، وأما رياض فإنه استلم أزمة ~~الأحكام في أحسن الأوقات وأطيبها تفاؤلا، لا في زمن أزمة وإحن، بل في ~~ساعة تجدد وإحياء، واستمر الجو صافيا زاهيا طوال مدة إدارته، فكان من ~~سعادة حظه أنه رأى الجيش المصري، المحقر جدا في الماضي، يفوز على ~~الدراويش، وعبء الدين العمومي يخفف، ومصر تحرر تحريرا تاما وإلى ~~الأبد من السخرة والعونة، والضرائب العقارية تخفض إلى أكثر من ثلاثين ~~في المائة في أشد الأقاليم فقرا، وزيادة الإيرادات على المصروفات تنمو ~~سنة فسنة، بالرغم من ذلك التخفيض، ورأى كل هذا ينسب إليه، ويرتفع عبير ~~الثناء حول شخصه عليه. # فلو كان ذا طبع غير طبعه لكان جمع قلوب المصريين على حبه أكثر من كل ~~وزير سواه، ولاستطاع البقاء على دفة الحكم بين تصفيق الجميع، وهو متمتع ~~بحرية عمل تكاد تكون تامة، ولكنه ما أقام على منصة الأحكام سنتين إلا ~~وقد نفرت منه قلوب كل ذي حيثية في القطر. ومع أن إدارته نجحت نجاحا ~~غير منقطع، فإنه أصبح مكروها من الجمهور أكثر مما كره نوبار في ~~حياته، وذلك لأن رياضا كان ذا كفاءة غريبة في إثارة عداء الناس له ~~حالما يتربع في دست الوزارة، وإنه لشيء عجيب في الحقيقة أن يكون هذا ~~الرجل على مثل هذه القلة في جدارته لاستلام زمام الحكم، فهو ما دام ~~بعيدا عن كرسي الإدارة وملازما الحياة الفردية الخاصة يرى عدد مريديه ~~يزداد يوميا في البلد، وذلك لأنه بصفته مسلما تقيا، ms544 يجمع على حبه ~~كل ذوي النفوذ الديني في القطر، وبصفته مزارعا وفلاحا عريقا في شئون ~~الفلاحة، وواقفا تمام الوقوف على حياة الشعب واحتياجاته وأفكاره، يعرف ~~كيف يهتم بمصالح مشايخ البلاد، وكيف يكتسب حبهم، ولكنه حالما يتربع في ~~الدست يصبح كالقنفذ، كله شوك، وعصبيا إلى حد عدم استطاعة الصبر على ~~ما في الإدارة من موجب للضجر والملل، فلا يلبث أن يندفع مع تيار تحرك ~~وتقلب كتحرك وتقلب المصاب بحمى، فينجرح شعوره لكل حيف، ويصبح يرى في ~~النصائح، حتى متى قدمت له بغاية التأدب والاحترام، ضروبا من الإهانات والانتقاص. # 10 # على أننا نرى أن نضع إزاء ما جاء في آخر وصف اللورد ملنر هذا لرياض، ما قاله ~~عنه صاحبا المقتطف بعد أن ذاق الرجل كأس المنون، قالا: # وقد تيسر لنا أن ندرس أخلاقه وصفاته وطباعه عن قرب، وأن نمحص ما ~~يقوله أنصاره في مدح أعماله، وخصومه في ذمها، ونعلم مقدار ما في أقوال ~~الفريقين من الصواب والخطأ. # فلا ريب عندنا أن الفقيد كان رجلا رفيع الآداب، صادق الوطنية، شديد ~~الغيرة على مصر، والرغبة في إبلاغ أهلها أعلى غاية في كل أمر حميد. ولا ~~ريب أنه كان حسن المقاصد، يحب الخير للناس، ويحب خيار الناس، وينفر من ~~شرارهم نفورا ظاهرا لا يخفيه عنهم، وكان لشدة غيرته على قومه يحسب ~~نفسه مسئولا عن كل مصري، فيدافع عنه دفاع الأب عن ابنه، ويوبخه أيضا، ~~ويعنفه بكلام مؤلم إذا رأى منه ما لا يعجبه، فلذلك كان بعض الذين ~~يوبخهم من كبار الموظفين يخطئون الباعث الحقيقي له على ذلك، فيستاءون ~~منه، وربما حقدوا عليه ورموه بالكبر وحب الاستبداد، وباتوا من خصومه ~~والمتكلمين في حقه. # ثم إنه كان إذا رأى السيئة يطلب إزالتها أو إصلاحها بأقرب الطرق التي ~~يدله عليها ذكاؤه الفطري والإدارة التي ألفها واعتادها في زمانه، فإذا ~~وجد أمامه حوائل وعوائق نظامية، عيل صبره عليها، وأراد التخلص منها، ~~بما اتصف به من شدة العزيمة وقوة الإرادة، وهذا ما أوقع الخلاف بينه ~~وبين رجال القانون في الحقانية ms545 والمحاكم، وجعل كثيرين من هؤلاء يرمونه ~~بحب الاستبداد بالأمور، وكراهته للنظامات الدستورية، وهذا ما أوقع ~~الخلاف بينه وبين بعض الأوروبيين الموظفين في الحكومة وخارجها، وجعلهم ~~يرون رأي رجال القانون في أفعاله. # 11 # ولخص اللورد كرومر رأيه في رياض باشا في خطبته الوداعية سنة 1907، حيث قال ~~بعد ذكره نوبار باشا: # وأذكر أيضا اسم رجل آخر من أرباب السياسة، وأنا مسرور بمشاهدته الآن ~~بيننا، ألا إنه صديقي القديم المؤتمن صاحب الدولة رياض باشا. إننا أيها ~~السادة في زمان لا يحتاج فيه الشاب المصري الذي يتظاهر بمظهر المصلحين ~~إلى شجاعة تذكر، ولكن ما هو كائن الآن لم يكن كذلك طول الزمان. كان ~~(لإسماعيل) باشا - رحمه الله - طرق عنيفة في معاملة الذين لا يطأطئون ~~الرءوس أمامه، ولا يعنون لهيبته، ومع ذلك وقف رياض باشا منذ ثلاثين ~~سنة، واعترض بكل جرأة على سوء الإدارة، وأقام الحجة على فساد الأحكام، ~~الذي كان متغلبا على مصر في تلك الأيام، وعلق الجرس بعنق الهر، فأعجبت ~~بشجاعته هذه حينئذ. وكثيرا ما وقع بيني وبين صديقي ورصيفي القديم خلاف ~~بعد ذلك، ولكني لم أكف قط عن النظر إليه بعين المحبة التي تستحقها ~~صفاته العبقرية. # 12 # قال صاحبا المقتطف: «وحقيق بلورد كرومر أن يقول هذا القول عن رياض باشا، لأن ~~رياض باشا كان يثق به ثقة لا يخامرها ريب. قال اللورد كرومر في كتابه «مصر ~~الحديثة» إن شركة إنجليزية تألفت لتشتري سكك الحديد من الحكومة المصرية في ~~وزارة رياض باشا الأولى، ولما عرض الأمر على النظار التفتوا إلى لورد كرومر - ~~وكان مراقبا من قبل إنجلترا - ليروا ما هو رأيه فيه، فقال لهم: «إن الأمر في ~~يدكم أنتم، فإذا كنتم ترفضون البيع، فأنا أوافقكم على الرفض، وإذا كنتم تقبلون ~~به، فأنا أبذل جهدي حتى لا تغبنوا في الثمن.» فقر قرارهم على رفض البيع، وبعد ~~أيام طلب منه أن يفض خلافا بين الحكومة المصرية والخواجات جرنفلد الذين أنشأوا ~~مرفأ الإسكندرية، وكان لا بد من أن يوقع رياض باشا شروط الحل التي وضعها لورد ms546 ~~كرومر فأخذها ومضى بها إليه وهو لا يصدق أنه يستطيع أن يوقعها في ذلك اليوم؛ إذ ~~لا بد من النظر فيها. أما رياض باشا، فقال له: «هل أنت موافق على هذه الشروط ~~ومقتنع بعدالتها؟» فقال: «نعم.» فأخذها منه، ووقعها من غير أن يقرأها لشدة ~~ثقته به.» # 13 # ولما ألف لورد كرومر كتابه «مصر الحديثة» تكلم على رياض باشا بإسهاب، فقال: ~~إن حياته السياسية يمكن أن تقسم إلى أربع مدد مختلفة: (الأولى) كناظر وأحد ~~أعضاء لجنة التحقيق في عهد (إسماعيل باشا)، و(الثانية) كرئيس للنظار في عهد ~~(توفيق باشا) مدة المراقبة الإنجليزية الفرنساوية، و(الثالثة) كرئيس للنظار في ~~عهد (توفيق باشا) أيضا، زمن الاحتلال، و(الرابعة) كرئيس للنظار في عهد (عباس ~~الثاني). # ففي المدة الأولى ظهر بأعظم مظهر للعالم؛ فقد سخط مما حل بوطنه من الخراب ~~الذي جره عليه حكم (إسماعيل باشا)، ووقف نصيرا للإصلاح وقفة من لا يهاب ~~أحدا في سبيل الإصلاح، أيام كان المصري لا يجترئ أن يجاهر برأيه ما لم يعرض ~~حياته للخطر، وماله للضياع. ومهما كان الخطأ الذي يمكن أن يكون رياض باشا قد ~~ارتكبه في تقلبه في الوظائف بعد ذلك، فلا يبرح من الأذهان أنه أظهر حينئذ شجاعة ~~عظيمة حقيقية، ونظرا بعيدا في العواقب. # وفي أوائل المدة الثانية؛ أي مدة المراقبة الثنائية، ظهر أيضا كما ظهر في ~~المدة الأولى، ورأى فائدة الذين كانوا يشتغلون معه من الأوروبيين، لأنهم وقفوا ~~بينه وبين أرباب الديون الذين كانوا كالذئاب الجائعة، وكان يعلم من نفسه أنه ~~غير قادر على تخليص الحالة المالية من التشويش الذي كان فيها من غير مساعدة ~~الأوروبيين، وفي أواخر تلك المدة عرضت مشكلة لم يقو على حلها، ولم يكن قد ~~انتبه إلى أهميتها، وهي الثورة العرابية، فجرفه سيلها الجارف. # وفي المدة الثالثة خلف نوبار باشا رئيسا للنظار، وفي أوائل هذه المدة جرت ~~الأمور مجرى حسنا، وهو يمتاز على نوبار باشا بحسن الإدارة، وبمعرفته الأمور ~~الزراعية وأحوال المزارعين، والموظفون المصريون يهابونه هيبة شديدة، ويسهل على ~~المسلمين الخضوع للمسلم المتمسك بدينه، ms547 لكنه كان شديد التمسك برأيه، فعسر عليه ~~أن يدير دفة السياسة في زمن الاحتلال، واضطر إلى الاستعفاء. # ولم يتكلم لورد كرومر عن المدة الرابعة، لأن كتابه لا يتناولها، ثم ود لو ~~يكثر في مصر الوطنيون المتصفون بأسمى المناقب مثل رياض باشا. # 14 # نقول: ومن يقرأ أقوال لورد كرومر يفتكر حالا في مثلين عربيين، وهما: «إنما ~~يحمد السوق من ربح»، و«كل يغني على ليلاه». # وقد افتتح زكي باشا سكرتير مجلس النظار في ذلك الحين خطبته التأبينية لرياض ~~باشا في الحفلة التي أحياها ولدا الفقيد لمرور أربعين يوما على وفاته، وختمها ~~بالكلام الآتي: # رجل كرياض - والرجال قليل - في بلد كمصر، عهده بالحرية قريب؛ رجل ~~كرياض، يفاخر به النيل - ويحق له الفخر - في هذا العصر الجديد؛ رجل ~~كرياض، نبغ في عهد (إسماعيل)، وامتاز في ذلك الدور بالشكيمة والأثر ~~الحميد؛ رجل كرياض، خدم هذا الجيل إلى أن دخل القبر، وهو قدوة الشبان ~~والشيب؛ رجل مثل رياض، وأرجو أن يكون رياض مثالا لكل رجل، لا يكفينا ~~أن نرى قومه وأهله يقيمون له حفلة تتلوها الأخرى، وتعززها الثالثة، بل ~~ينبغي لهذه الأمة الناهضة أن يتضافر أفرادها على تخليد ذكراه، ليكون ~~موته له ولها حياة. # على أن الأمة لم تنهض، ولا تضافر أفرادها على تخليد ذكراه. # وأما إسماعيل صديق باشا، فإن القارئ سيتعرف به معرفة تامة في الجزء ~~التالي. # الباب الخامس # | العقبات التي اعترضت سبل نفاذ الخطة # | إجمال # ومما زاد في أهمية تمكن (إسماعيل) من تنفيذ معظم الخطة التي رسمها لنفسه أنه لم ~~يجد السبيل إلى ذلك سهلا، فعلاوة على الصعوبات السابق لنا بيانها، التي قامت تحول ~~دونه ودون بلوغه مراميه - وكان لا بد في طبيعة الأحوال البشرية من قيامها، فكان من ~~الممكن إذن توقعها، واتخاذ العدة مقدما للتغلب عليها - فقد اعترضت سبيله عقبات لم ~~تكن في الحسبان، فاجأه الدهر بها، فبلا مروءته وفضله، واضطره إلى تحويل همته الشماء ~~دهرا، للتغلب عليها وإزالتها، ثم لملافاة أضرارها. # تلك العقبات على نوعين: عقبات طبيعية، وعقبات أوجبتها تبعية مصر للدولة ms548 ~~العثمانية. # أما العقبات الطبيعية، فكوارث أناخت بكلكها الثقيل على البلاد، بالتتابع ~~والتوالي؛ وأما التي أوجبتها تبعية مصر للدولة العثمانية، فالحملات العسكرية ~~المرسلة اضطرارا؛ آونة إلى بلاد العرب، وآونة إلى كريت، وأخرى إلى شبه جزيرة ~~البلقان، لتقاتل هناك، لا في مصلحة مصر، ولكن في مصلحة تلك الدولة ~~العثمانية. # وإنا لمبينون ذلك في الفصلين التاليين. # الفصل الأول # | الكوارث الطبيعية1 # حار بيني يا نائبات الليالي # عن يميني، وتارة عن شمالي ~~(1) حريق الحمزاوي # في إحدى ليالي صيف سنة 1863 شبت نار عنيفة بالحمزاوي - والحمزاوي، كما هو ~~معروف، مجموعة مخازن تشتمل على أهم المستودعات لأنفس البضائع وأثمنها، لا سيما ~~المنسوجات والأبسطة والطنافس بمصر القاهرة - وبالرغم من الهمة والنشاط ~~المبذولين من رجال الحفظ العام، بالرغم من التطوع بإخلاص، المقدم من أهالي ~~الجيزة وسكان الجهات الأخرى الذين هبوا للمساعدة على إطفاء النيران، فإن هذه لم ~~تخمد إلا قبيل الفجر، بعد تعب شديد وجهد جهيد، وذلك لعدم وجود رجال مطافئ ~~متخصصين كما هي الحال الآن، ولأن مياه النيل لم تكن قد جلبت بعد إلى القاهرة، ~~فبلغت الخسائر جملة ملايين من الفرنكات - وكان لمليون الفرنكات في ذلك العهد ~~قيمة تعادل نيفا وعشرة أمثاله الآن. # فمد (إسماعيل) يد المساعدة من صندوقه الخاص إلى أكثر المنكوبين بؤسا، ثم ~~استدعى التجار الذين أضر بهم ذلك الحريق، وأقرضهم عدة ملايين بدون فوائد، ~~وأمهلهم عشر سنوات لردها، فنجى بذلك من الخراب والإفلاس التجار الغربيين أنفسهم ~~الذين كانوا أهم دائني التجار الوطنيين المحروقة بضائعهم، وقلد الكل منة استحق ~~عليها بجدارة الثناء والشكر العامين. # 2 ~~(2) وباء الماشية والخيل # وكان قد انتشر في النمسا وإيطاليا في السنة عينها وباء اجتاح المواشي بكيفية ~~مروعة، فانتقلت عدواه إلى مصر بعوامل التبادلات التجارية، وبالرغم من كل ~~الاحتياطات التي أمر (إسماعيل) باتخاذها بكل دقة واعتناء لمقاومة تلك العدوى ~~ومنع تفشيها، انتشر الداء الوبيل، كأنه الطاعون الأسود الفظيع، الذي أهلك ~~الإنسان والحيوان والطير في أيام السلطان حسن، صاحب المسجد الأفخم في القاهرة، ~~وعم جميع البلاد شرقا وغربا، ولم يترك بلدا إلا وحل ms549 فيه، ولا قرية إلا ~~ودخلها، واستمر يفتك بمواشي القطر، ويشتد شدة بالغة نيفا وسنة، حتى بلغ عدد ~~ضحاياه عدة مئات من الألوف، وكاد يفنى جميع البقر، فقل اللبن والسمن، ثم ~~انقطعا، وبلغت الحاجة إليهما أقصاها، وأكل الناس الدهن والزيت. # فبذل (إسماعيل) جهده لوضع حد لتلك المصيبة، وتخفيف ويلات نتائجها، فبعث ~~واستحضر من البلاد المجاورة - لا سيما من الأناضول - كميات عظيمة من السمن، ~~وفرقه على الفقراء مجانا، فكانوا وهم في ضجيج وجلبة يصمان الآذان، يتزاحمون ~~على «الوكائل»، ومخازن التوزيع التي خصصت لتفريقه بالأخطاط بالرغم من أنه لم ~~يكن مما ترتاح إليه نفوس معتادي السمن المصري، وأن جانبا منه كان رديء ~~الرائحة، نتنها، ولا يزال كثيرون من الطاعنين في السن يذكرون أمامنا كراهة ~~رائحته باعتبار أنه مستخرج من لبن الماعز، واستمرت الحال هكذا أياما عديدة. # 3 # واستحضر كذلك من البلاد الأجنبية عددا كثيرا من المواشي، وباعها للفلاحين ~~بأوفق الأثمان لهم. وإذ لم يكف العدد المجلوب لسد العجز المسبب عن الوباء، ~~جلب جانبا كبيرا من الآلات البخارية، لتنوب قواها العاملة عن قوة الثيران ~~وحيوانات الفلاحة الأخرى التي ذهب الوباء بأعمارها، ولو كان هناك سكة حديدية ~~تصل ما بين مصر والسودان لأمكن المجيء بالمواشي من هذا القطر بسهولة، ولما وقعت ~~وطأة ذلك الطاعون البقري على البلاد المصرية بالشدة التي عهدت، وكلفت (إسماعيل) ~~نيفا وثلاثة ملايين من الجنيهات. # 4 # ثم مضت الأيام وانقضت حملة الحبشة الأخيرة، فتلاها وباء أصاب الخيل وحيوانات ~~النقل كالجمال، والحمير، والبغال، ربما انتقل إليها من الحبشة عينها أو أصابها ~~عن طريق العدوى من زميلاتها التي اشتركت في تلك الحملة المشئومة ولم تمت فيها، ~~ولكنها أصيبت بذلك الداء بسبب المشقات المروعة التي احتملتها، وعادت وهو كامن ~~فيها إلى القطر. # 5 ~~(3) الكوليرا # وبينما كان نوبار، بعد أن عهدت إليه وزارة الأشغال العمومية والزراعة المنشأة ~~حديثا في أوائل سنة 1865، يهتم اهتماما فائقا بتصليح السكك الحديدية، وإعادة ~~النظام إلى أعمالها، وفي إتمام جزء ترعة الماء العذب (الإسماعيلية)، الواقع بين ~~مصر والوادي، تسكيتا لإلحاحات المسيو دي ms550 لسبس على الحكومة المصرية بعملها ~~طبقا لما حكم به الإمبراطور نابوليون الثالث، وكان (إسماعيل) يمده بكل ما في ~~وسعه، ويعمل في الوقت عينه على إنماء ثروته الخصوصية مذ أصبحت، بمفعول تحديد ~~مرتبه السنوي، منفصلة عن الخزينة المصرية - فيبذل مفتشو مزروعاته، لا سيما ~~إسماعيل صديق، ومحمد عكوش # 6 # من المجهود وتفتق الذهن، والتفنن في حمل الفلاحين على بيع أطيانهم ~~ما جعل خمس أطيان القطر الجيدة ملكا له، إذا بنبأ وجفت له القلوب طيره البرق ~~إلى أنحاء العالم بأسره، ووقع من مصر - على الأخص - موقع السوء الذي تتطير له ~~الأرواح، ألا وهو نبأ ظهور الكوليرا في مكة المكرمة. # وإنما تطيرت الأرواح لأن الكوليرا - الوباء الفظيع المهلك - كان قد زار مصر ~~في الماضي زيارات متعددة زارها في يوليه سنة 1831، وفي يونية سنة 1848، وفي ~~يوليه سنة 1850 وفي يونية سنة 1855، وترك فيها عقب كل زيارة من الآثار المخيفة ~~والدمار ما كان جديرا بأن يجعل المخيلات ترتعد، والقلوب تخور لذكره. # ففي سنة 1831 - ولم يكن يعرف قبلها، وقد دار فيها المعمور كله، وفتك به ~~فتكا ذريعا، وافترس ضمن ضحاياه كازمير پيرييه، كبير وزراء لويس فيليب، ملك ~~الفرنساويين، ووصف أوچين سي في «اليهودي التائه»، روايته الكبرى، مقدار اتساع ~~بطش ذلك الداء الرهيب وصفا مرعبا - فإن (محمد علي) - وقد أقلقته شدة وطأة ~~الوباء، وأخافته بالأخص على تجهيزاته وتعبيئاته الحربية - أقبل يبحث في طرق ~~لمقاومته وإبادته. # فأشار عليه المسيو ميمو قنصل فرنسا العام، بإنشاء إدارة صحية تنظر في ذلك، ~~وتقوم بشئونه، فكلف (محمد علي) بالمهمة جمهورا من الأطباء الأجانب، فقاموا ~~بها، وكونوا الإدارة المطلوبة في سنة 1831 عينها، ودعوها «الانتندانس سانيتير»، ~~فألحقت بالإدارة المحلية، وجعلت تحت رياستها، وعهد إلى هذه الإدارة تنفيذ ~~قراراتها. # وكان رئيس «الانتندانس» يعرض على الأمير أسماء الأطباء والعمال المطلوب ~~تعيينهم فيها، فتصدر الإدارة السنية بتعيينهم، ويناط بكل منهم عمل يرفع تقاريره ~~عنه إلى رئيسه مباشرة، وهذا يخبر بما يرى من كان أعلى منه، وهكذا بالتدريج ~~الرسمي، حتى تبلغ المكاتبات الرئيس الأسمى. # وأقبل القناصل يعضدون ms551 تلك الهيئة الصحية فجعل كل منهم مندوبا لديها، يحضر ~~اجتماعات مجلسها، نائبا عن جنسيته، ويتداول مع أعضاء ذلك المجلس في الإجراءات ~~الواجب اتخاذها، على أن القرارات كانت بأغلبية الأصوات. # وامتازت الحكومة الفرنساوية رغبة منها في المحافظة على سلامة سواحلها التي ~~على البحر الأبيض المتوسط من أن تتطرق إليها الأوبئة، بإيفاد أطباء خصوصيين من ~~لدنها إلى الأسكلة الشرقية، لا سيما بمصر، ليراقبوا فيها الأحوال الصحية، ~~ويخابروا وزير التجارة الفرنساوية رأسا بكل ما يرونه ذا أهمية من الطوارئ، فلم ~~يعد يسوغ لأي مركب، مهما كانت جنسيتها، أن ترد ثغرا فرنساويا إلا إذا كان ~~لديها إذن صحي من الطبيب الفرنساوي المقيم في الثغر الشرقي الذي بارحته. # هؤلاء الأطباء الفرنساويون كانوا بمصر يحضرون جلسات مجلس إدارة «الانتندانس» ~~ومداولاته، ولهم حق التصويت فيها. # فلم يمض على إنشاء تلك الإدارة الصحية عهد قصير حتى ظهرت نتائج جهودها، ~~فأنشئت «العازاريتات» (وهي التي يقال لها بالطليانية «لازارتي» ~~“Lazzaretti” ~~، فقلبها الأهلون إلى ~~«مازاريطا») في الإسكندرية ودمياط والعريش والسويس، وأكبرها كلها عازاريتة ~~الإسكندرية، فإنها - علاوة على استكمالها جميع ما يلزم للغرض الذي أنشئت من ~~أجله - كانت تسع من ألف ومائتين إلى ألف وخمسمائة شخص، ونيطت إدارة كل منها ~~بطبيب ومساعدين، وأفرد في كل عازاريتة محل للبضائع الواردة من البلاد الموبوءة، ~~لتطهيرها فيه قبل التصريح لها بدخول القطر. # وعينت مدد مختلفة لحجز السفن القادمة من الأقطار المشبوهة في عرض البحر تحت ~~المراقبة، حتى يثبت خلوها من إصابات وعدوى، فجعلت خمس أيام للسفن السليمة، مع ~~عدم إجبارها على تنزيل ركابها وبضائعها في العازاريتة، وأما المراكب غير ~~السليمة فقرر حجزها عشرة أيام، مع إجبارها على تنزيل ركابها وبضائعها، إلا ما ~~كان غير صالح منها للتنزيل، لأجل تطهير الكل. # وعملت الحكومات التي تلت حكومة (محمد علي) على تحسين الأحوال الصحية في القطر ~~فأعدمت بإشارة «الانتندانس» وتنفيذا لقراراتها أهم الأسباب التي كانت الأوبئة ~~تنشأ عنها فأبطلت الجبانات التي كانت داخل القرى والمدن بجانب المساكن، بل داخل ~~المساكن عينها أحيانا، ونقلت إلى مسافات بعيدة عنها، وروقبت ms552 أمور الدفن مراقبة ~~دقيقة، منعا لعدم تعميق اللحود والقبور تعميقا كافيا، وعدم قفلها قفلا ~~محكما، ومنع إنشاء المحلات المقلقة والضارة بالصحة بالقرب من المساكن، وردمت ~~البرك التي كانت موجودة بكثرة في المدن والقرى، وسويت بالأرض تلال أقذار كان ~~الإنسان يجدها لدى كل خطوة في القطر، ونقلت بعيدا عن المأهول، وحتم الاعتناء ~~بأمور النظافة اعتناء تاما في المدن والريف، على قدر المستطاع، وروقبت نقاوة ~~المأكولات، وأقيم أطباء مجانيون في الأحياء المختلفة، وأنشئت مستشفيات في المدن ~~الكبرى، وجعل اللقاح الجدري إجباريا، وخصص الأطباء لإجرائه مجانا. # 7 # على أن هذا جميعه لم يتم إلا بالتدريج، ولم يجر معظمه إلا في عهد (إسماعيل) ~~وبفضل همته، فكان أكثر الوقايات الصحية المألوفة الآن لدينا لا يزال - والحالة ~~هذه - مجهولا في سنة 1865، وكانت الأوبئة، إذا ما تفشت، فتكت بالأعمار فتكا ~~ذريعا، وصعب على القائمين بالشئون الصحية تلافي أمرها واستئصال شأفتها. # غير أن الصحة العمومية في القطر كانت - حتى آخر مايو من تلك السنة سنة 1865 - ~~جيدة جدا، ونسبة الوفيات في 26 مايو عينه كانت # في الألف، وزيادة المواليد على الوفيات # في الألف، وبلغت هذه الزيادة في عشر سنوات 439664.‏ # 8 # ومن جهة أخرى فإن مقاتلة الطاعون البقري كانت قد أفضت إلى القضاء على ذلك ~~الوباء، لدرجة أنهم أبطلوا في 24 مايو الكشف على المواشي الواردة إلى القطر. ~~فما قيل من أن أهل مصر والإسكندرية كانوا يشربون مياها خضراء تذوب فيها أكوام ~~مواد حيوانية ميتة كذب بحت، وكذب كذلك ما زعمته جريدة إفرنجية بالإسكندرية من ~~أن جثث التماسيح الميتة كانت تغظي شواطئ النيل التي كانت تحرسها في السابق - ~~كأن التماسيح كان أبدا شأنها حراسة ضفاف النيل. # فما طار إذا نبأ ظهور الكوليرا بمكة؛ إلا وأصدر (إسماعيل) أمره، فأرسلت ~~الإدارة الصحية مندوبين إليها للوقوف على حقيقة الحال هناك، وموافاة رجال ~~الحكومة المصرية بالأخبار. # ولكن المرض كان قد تلاشى من المدينة الحرام بمغادرة الحجيج لها، فتعقب ~~المندوبان الحجاج وما افتروا عن ملاحظتهم لحظة، ولكن نقاوة هواء البحر كانت ~~سببا في أنه ms553 لم تظهر على ظهور البواخر إصابات مطلقا، فأدى ذلك إلى عدم حجز ~~الحجاج في محجر السويس، والتصريح لهم بالذهاب إلى الإسكندرية، ليسافروا منها ~~إلى بلادهم. فجهزت الإدارة قطارات خاصة سريعة، نقلتهم إلى الإسكندرية بدون أن ~~يختلطوا بالأهالي، وأنزلتهم في محجر المكس تحت المراقبة. # ولكنه حدث - لسوء الحظ - أن بعض الشيالين في مصلحة سكة الحديد، من قاطني حي ~~كوم الشقافة بالإسكندرية، اختلطوا بهم لقضاء حاجاتهم، فما كان يوم 11 يونية سنة ~~1865 - وهو يوم مشئوم، لأنه في مثله من سنة 1882 وقعت بالإسكندرية عينها ~~المذبحة التي أكسبت الثورة العرابية المدنية صبغة الحركة الدينية التعصبية، ~~فأدت إلى تداخل الدول الغربية، لا سيما إنجلترا في الشئون الإدارية المصرية، ~~تداخلا لم يعد في الإمكان إزالته بالتي هي أحسن، وأفقدت العالم الغربي القليل ~~الذي كان لديه من ثقة في مقدرتنا على التجرد، في إرادة شئون بلادنا، من مؤثرات ~~القرون الدينية علينا تأثيرا يخرجنا عن المضمار الذي تجري المدنية الحديثة ~~شوطها فيه - ما كان يوم 11 يونية سنة 1865 إلا وظهرت الإصابة الوبائية الأولى ~~بناحية كوم الشقافة، وتلتها في الحي عينه أربع إصابات في 12 يونية، واثنتا عشرة ~~إصابة في 13 يونية، وأربع وثلاثون إصابة في 14 يونية، وثمان وثلاثون إصابة في ~~15 يونية. # فهلعت قلوب الإسكندريين، واستولى عليهم الرعب، فزاد ذلك الطين بلة، وبعد أن ~~كان عدد الإصابات قد انحط في 16 يونية إلى 34، عاد فوثب مرة واحدة، وظهرت ثلاث ~~وخمسون إصابة في 17 يونية، منتشرة في عموم أنحاء المدينة، وبدت على الأخص في ~~بيوتها وشوارعها وأحيائها القذرة. # وكان الدكتور كولوتشي بك رئيس «الانتندانس سانيتير» قد أخطر هذه الإدارة ~~بظهور الوباء منذ يوم 12 يونية، فهبت واتخذت الاحتياطات اللازمة، وعرضت نفاذها ~~على الحكومة المحلية، فقامت به خير قيام، وأخطر كولوتشي بك القناصل بالقرارات ~~المتخذة، وطلب منهم المساعدة، فأبدوها بكل ارتياح ونشاط، فنظفت المدينة بسرعة، ~~ورشت الشوارع بغزارة، بل غسلت عدة مرات في اليوم، وأتلفت كل المأكولات التي ~~اعتبرت غير صحية، وشددت المراقبة على المواد الغذائية ms554 عموما، وأنشئت ستة مكاتب ~~إسعاف اشتغل العمال فيها ليلا ونهارا بالمناوبة، وبدون انقطاع، ولم يأل أطباء ~~الحكومة والأطباء الأجانب المتطوعون معهم ورجال «الانتندانس» جهدا في القيام ~~بواجباتهم، حتى استحق جميعهم ثناء الصحافة والعموم عليهم. # غير أنه تعذر في بادئ الأمر إنقاذ المصابين من الموت - لأن الإصابات كانت ~~صاعقية - ولا أمكن حصر الوباء، بالرغم من كل الاحتياطات التي اتخذت، ولو أن عدد ~~المصابين في البيوت والشوارع والأحياء التي استعملت فيها الوسائل الصحية بحكمة ~~واستمرار كان قليلا بالنسبة لغيرها. # فبعد أن كان الكوليرا لغاية 17 يونية قاصرا على الإسكندرية، لا يفارقها، سرى ~~في ذلك اليوم، فأصيب به في أبي قير بحري، وفي طنطا امرأة، قدما إلى البلدين من ~~الإسكندرية، وظهرت أعراضه في مصر على ستة أشخاص منهم خمسة قادمون من السويس، ~~وواحد من الإسكندرية. # ثم تفشى بسرعة غريبة بمصر السفلى ~~والوسطى، وانتقل أخيرا إلى بعض أنحاء الصعيد، ولوحظ أنه أصاب - على الأخص - ~~البلدان والبيوت الواطئة، فبينما أفقد من قريتين متجاورتين مبنيتين على أرض ~~تستوي مع المحمودية عشر سكانهما، فإنه لم يصب إلا واحدا فقط من أهالي بلدة أبي ~~طاحون الستمائة. وكان أعصب أيامه يوم 3 يولية بالإسكندرية، وبلغت الوفيات فيه ~~228، ويوم 5 يولية بمصر، وبلغت الوفيات فيه 468، ويوم 29 يونية برشيد، وبلغت ~~الوفيات فيه 279، ويوم 5 يولية بدمياط، وبلغت الوفيات فيه 172، ويوم 7 يولية ~~بالمنصورة، وبلغت الوفيات فيه 35، ويوم 24 يونية بطنطا، وبلغت الوفيات فيه 96، ~~ويوم 27 يونية بالزقازيق، وبلغت الوفيات فيه 105. # وأما متوسط الوفيات يوميا به فقد كان # في الألف بالإسكندرية، و # في الألف بمصر، و # في الألف برشيد، و # في الألف بدمياط، ولكن متوسطها في مدة اشتداده كان من 65 إلى ~~70 وفاة يوميا. ومدة الزيادة هذه استمرت من 17 إلى 18 يوما في الإسكندرية ~~وغيرها، ثم وقف المرض على الفتك بعدد محدود، أي من 35 إلى 40٪ من المصابين، ما ~~بين عشرة أيام وأحد عشر يوما، وأخذ بعد ذلك يخف وطأة من عشرين إلى خمسة وعشرين ~~يوما، فلم يعد يموت ms555 من المصابين سوى من 15 إلى 20 في المائة، وكثيرا ما كان ~~المصاب يشفى من تلقاء نفسه، وذلك في عموم القطر تقريبا. # على أن جهود الإدارة الصحية لم تفتر لحظة عما كانت عليه في أول يوم، بل زادت ~~على ما كانت مع ازدياد المرض، ففرضت على مراكب البريد ذاتها حجرا صحيا مدته ~~خمسة أيام، بما فيها يوم السفر، وأخضعت كل من فيها لزيارة طبية يومية. هذا إذا ~~كانت سليمة، وأما إذا كانت مراكب حدثت عليها إصابات في مدة السفر، فالحجر كان ~~ثمانية أيام عقب يوم الوصول، وإذا حدثت على ظهرها إصابة جديدة في هذه المدة ~~ضربت عليها ثمانية أيام أخرى. كذلك لم يكن يسمح لأي مركب، بخارية كانت أم ~~شراعية، أن تداني المواني والثغور إلا بعد قضاء مدة الحجر المفروضة. وأما ~~البضائع التي كان لا بد من إنزالها وتصريفها في الحال، لئلا تتلف، فكانوا ~~ينزلونها في ماعونات ويطهرونها تطهيرا شاملا، ثم يسمحون لها بالدخول إلى ~~القطر. # ومع ذلك فإن فريقا من الرأي العام وجد أن الإدارة لم تقم بكل واجبها، فحمل ~~عليها في بعض الجرائد حملات منكرة، أدت إلى زيادة الهلع والخوف اللذين كانا قد ~~عما العاصمتين المصريتين، وبعض مدن الريف الكبرى منذ أن انتشر خبر الإصابات ~~الأولى، وأوجبت نزوح الكثيرين من أهل البلاد إلى الخارج، حتى لقد قدر أن عدد ~~الذين هجروا القطر ما بين 12 يونية و15 يولية بلغ نيفا وخمسة وثلاثين ألفا أي ~~أنه قد سافر كل من استطاع إلى السفر سبيلا. # وكان (إسماعيل) قد عزم على السفر إلى أوروبا في ذلك العام قبل أن تظهر أخبار ~~مطلقا عن الوباء، فلما ظهرت، تشدد كل التشدد في إنفاذ الوسائل الصحية ~~وتعميمها، لكيلا يقضي عليه تنفيذ عزمه بترك الحالة الصحية في القطر مضطربة، ~~سائدا عليها الخوف، ولكنه لما وثق من أن أوامره نفذت كلها، وأنه لم يعد على ~~مسئوليته غبار، فوض إلى شريف باشا قائمقامية القطر في مدة غيابه، وإلى نوبار ~~باشا أمر الاهتمام الكلي بمقاومة الوباء والقضاء عليه، ms556 وأقلع في صباح اليوم ~~الرابع عشر من شهر يونية من الإسكندرية على ظهر يخته «المحروسة»، وبعد أن قضى ~~مدة يتجول بين جزر البحر الأبيض المتوسط، ويتنزه في عرضه، مستنشقا نسيمه ~~العليل نزل بمرسيليا، وتوجه منها إلى فيشي للتطبب بمياهها. # فاتخذت الألسنة النمامة سفره في تلك الظروف ذريعة للطعن عليه، واتهمته في بعض ~~الجرائد الفرنجية في القطر المصري وخارجه بأنه إنما سافر لشدة خوفه من العدوى، ~~وشدة حرصه على حياته الثمينة! مع أن تلك الألسنة كانت تعلم حق العلم أنه لم يكن ~~بالجبان، ولا اشتهر عنه الخوف من الخطر، ولو أنه لم يلجأ في إثبات شجاعته إلى ~~ما عمله (محمد سعيد باشا) سلفه، ليقيم الدليل عليها. # فإنه يروى عن ذلك الوالي الغريب الأطوار أنه أمر ذات يوم بتكديس بارود جاف ~~على جانبي طريق ضيقة، مسافة طويلة، ثم أوقد شبكه، وألزم حاشيته وشانئي شجاعته ~~بإشعال شبكاتهم أيضا، وسار بهم متنزها على تلك الطريق، وهو يدخن وهم يدخنون، ~~وقد أنذر بالعقاب الشديد كل من وجد شبكه مطفأ عند البلوغ إلى نهاية الطريق، وما ~~زال ينقل خطواته عليها ببطء كلي حتى بلغ آخرها، وكانت شرارة واحدة، تطير عن أحد ~~الشبكات وتسقط على ذلك البارود المتكدس كافية لتنسف تلك الطريق بمن عليها نسفا. # 9 # على أن لا (سعيد) ولا (إسماعيل) كانا في حاجة إلى إقامة الأدلة على شجاعتهما، ~~فإن المثل السائر يقول «هذا الشبل من ذاك الأسد»، وأيضا «ابن الوز عوام»، فكيف ~~يكون ابن (محمد علي) وابن (إبراهيم )، بطلي أبطال الشرق الحديث، جبانين؟ # وأما السوقة والعامة فإنهم شرعوا يرون في تعاقب المصائب الطبيعية على مصر بعد ~~زيارة السلطان عبد العزيز لها دليلا على ما كانوا يعلنونه من توقعهم إياها، ~~ارتكانا على أراجيف المرجفين من ضرابي الرمل، وقرائي المقدور على صفحات ~~النجوم وصفحات الورق، فكثرت - والحالة هذه - المخاوف، وهلعت الأفئدة، وأصبح ~~المعتقدون في آرائهم السخيفة هذه، كلما مس البلاد ضر، أو اشتدت عليها شدة ~~يقولون لمن شاء أن يسمعهم «أرأيتم كيف يتحقق كلامنا، ويصدق حدسنا؟» # 10 ms557 # وبعد أن أقام الوباء ستين يوما، أخذ ابتداء من 13 أغسطس يتناقص شيئا فشيئا ~~حتى إذا كانت أوائل سبتمبر تلاشى وزال، كعادته في المرات الأخرى التي حل فيها ~~على القطر ضيفا ثقيلا، فكان جملة من مات به من المسلمين 5676 شخصا، ومن ~~الأقباط 263، ومن الفرنج 165، وذلك غير 6104 أشخاص توفوا إبان فتكه بأسباب ~~أخرى، فيكون مجموع وفيات القطر في أثناء إقامته 12429 شخصا. # ولم يفتر أستاذ الكيمياء بمدرسة الطب طول مدة الوباء، يجري اختبارات طقسية ~~يوميا، ليقف على مقدار تأثير درجة الحرارة الجوية على كثرة انتشاره أو قلته، ~~فثبت لديه أن القيظ الشديد يساعد على زيادة فتك مكروبه فقد لوحظ أن أشد الأيام ~~هولا كان يومي 3 و5 يولية، وقد بلغت درجة الحرارة فيهما أعلاها، وازدادت سخونة ~~الهواء، بما هب عليه من ريح سموم إلى حد غير معهود - وأما برودة الطقس وانحطاط ~~درجة الحرارة فمما يوجب انحطاط همة ذلك المكروب ويساعد على زواله. # 11 # وأكبر دليل على قيام الإدارة الصحية والحكومة المحلية بواجباتهما، القيام ~~الحق، هو كثرة ورود السائحين والزائرين الغربيين إلى القطر في هذا العام، عام ~~سنة 1865، فقد بلغ عددهم 50317 سائحا، ولم يكن يبلغ نصف ذلك في السنوات ~~السابقة، فلو أن الانتقادات والمخاوف كانت في محلها لأحجم جمهور هؤلاء عن ~~المجيء إلى بلادنا. ~~(4) طغيان النيل وعجزه، وما نجم عن ذلك من غلاء ومجاعات # وكأن هذه البلايا لم تكن كافية لإحراج الصدور، واستنفاد الأموال فإن فيضانات ~~النيل في كل سني ملك (إسماعيل) تقريبا، خرجت عن طور المألوف، وأخذت تارة تزيد ~~على المطلوب زيادة فاحشة، وطورا تقل عنه قلة محرقة. # ففي سنة 1863، مثلا، بلغ ارتفاع النيل خمسة وعشرين ذراعا وثمانية قراريط، ~~فهدد القطر برمته بدمار عاجل محقق، ولولا أن (إسماعيل) - كأنما أوتي علم الغيب ~~- كان قد سبق واتخذ الحيطة لذلك منذ تبوئه العرش، بما أصدره من الأوامر المشددة ~~على المديرين بالإسراع في إنهاء الأشغال اللازمة لحفظ الجسور، حفظا فعالا ~~بحيث تكون على أتم ما يرام وقت الفيضان - وكثيرا ما كانت ms558 تهمل تلك الأشغال في ~~السابق، فتصاب الزراعة والقرى بمضار جسيمة حتى في السنوات ذات الفيضان العادي - ~~لحلت بالبلاد والعباد مصيبة تتضاءل أمام جسامتها كل مصيبة طبيعية أخرى، ولكن ~~الإجراءات التي كان قد أمر بعملها قاومت ضغط النيل إلى أن بلغت زيادته الارتفاع ~~العادي وفاقته قليلا، غير أن الزيادة استمرت مطردة اطرادا غريبا، فرأى ~~(إسماعيل) وجوب إجراء أشغال تقوية أخرى في الجسور، وحضر عملها بنفسه، لئلا يهمل ~~أحد شغلا نيط به، فحفظت البلاد بذلك من الغرق. # 12 # ولكي يثبت الأمير الاطمئنان في قلوب رعيته، لم يحجم عن الذهاب بنفسه لافتتاح ~~خط سكة حديد طلخا - وهو خط يحاذي جانب عظيم منه النيل - غير أنه حدث بعد وصوله ~~إلى طلخا بقليل، أن الحاجز الأكبر انهار، وتدفقت مياه النهر منه بغزارة، وهددت ~~الجيزة كلها، فأمر (إسماعيل) حالا باتخاذ الاحتياطات، وإجراء التصليحات ~~والترميمات اللازمة، فلم تمض ثلاثة أيام إلا والحاجز قد أعيد إلى حالة من ~~المتانة خير من الأولى. # ثم اتفق بعد يومين أن جسرا آخر عند كفر الزيات انهار أيضا فغرقت مياه ~~النيل البلد، وجملة نواح مجاورة، وجرفت خط السكة الحديدية أو كادت، ولكن بفضل ~~عناية الأمير لم يمت أحد من الناس، ولم تهلك ماشية مطلقا، وذلك لأن (إسماعيل) ~~كلف الجند ورجال حاشيته بما فيهم أصحاب الرتب والألقاب بالعمل على رتق الخرق ~~وسد الثغرة، وقدم للمحتاجين كل أنواع الإسعافات التي استدعتها حالتهم من خيام ~~ومأكولات وملابس. # 13 # وكانت نتيجة ذلك الفيضان الجارف القضاء على جانب عظيم من المغل؛ فارتفعت ~~أسعار الحنطة والذرة ارتفاعا فاحشا، طار بسببه غلاء شديد ، أوجب ارتفاع عموم ~~أسعار حاجات المعيشة ارتفاعا مخيفا، ثم انقطع وارد القمح بالمرة، واشتد الطلب ~~فلم يجد الفقراء له أثرا لا في سواحل بولاق، ولا في مصر القديمة، ولا في جميع ~~رقع الغلال الأخرى، فضجوا وعجوا، وكثر طواف النساء في الأسواق يحملن المقاطف، ~~لعلهن يجدن من يبيعهن قمحا أو دقيقا. # فلما علم (إسماعيل) بما عليه الناس من الضر، هاله الأمر وأزعجه، ورسم بجلب ~~القمح والدقيق من ms559 البلاد الخارجية، فأتى بشيء كثير منهما، وفرق على الوكائل ~~وجهات الرقع، ورتب للبيع وقتان في الصباح والمساء، ونودي في الناس بذلك، ففرحوا ~~وتزاحموا على أبواب محال صرفه تزاحم الجياع، واستمروا على هذه الحال شهرين ~~وبضعة أيام، حتى تواردت الغلال من الأقاليم القبلية، وملأت مخازن التجار وأشوان ~~الدولة، وعم الوارد منها الأقاليم البحرية. # 14 # على أن النيل عاد إلى الطغيان سنة 1866 فبلغ ارتفاعه نيفا وخمسة وعشرين ~~ذراعا وأربعة عشر قيراطا، فعادت ويلات سنة 1863، وزادت شدة، وكان ذلك هو ~~العام الذي فاز (إسماعيل) فيه بحصر إرث العرش المصري في الابن البكري. فالابن ~~البكري من ذريته، فأبى أن يشوب كدر عام أفراحه، لذلك بذل قصارى جهده في منع كل ~~غرق وخراب عن البلاد وساكنيها، وما فتئ كالمرة الأولى متنقلا في جهات القطر، ~~لا سيما في الصعيد، مراقبا بنفسه شئون المحافظة على الجسور، حتى تمكن من درء ~~شر جسيم. # وأما في سنة 1868 فقد شح النيل في فيضانه، ولم يبلغ أقصى ارتفاع مياهه سوى ~~تسعة عشر ذراعا وثلاثة عشر قيراطا، فنجم عن ذلك أن ثمن أراضي الوجه القبلي ~~بقي شراقي، وأنه وقع غلاء شديد في البلاد، دل عليه ارتفاع أسعار النقود. فإن ~~الجنيه الإنجليزي - وقد كان في سنة 1866 يساوي 176 قرشا من العملة الدارجة، ~~وفي سنة 1867، 185 قرشا، أصبح في سنة 1868 يساوي 192 قرشا، والجنيه المصري - ~~وقد كان في السنتين السابقتين يساوي 184 و189 قرشا، أصبح يساوي 197، وأما ~~البنتو (القطعة ذات العشرين فرنكا)، فأصبح يساوي 152 قرشا، بعد أن كان في ~~السنتين عينهما يساوي 142 و147، كذلك أصبح الجنيه المجيدي يساوي 172 قرشا، بعد ~~أن كان يساوي في سنة 1867، 166 قرشا، وفي سنة 1866، 161 قرشا. # 15 # وبينما الناس ينتظرون أن يعوض عليهم الفيضان التالي المضار التي ~~لحقت بهم من جراء قلة الفيضان السابق، إذا بمياه النيل قد ارتفعت في سنة 1869 ~~ارتفاعا فاحشا، وبلغ علوها نيفا وستة وعشرين ذراعا وقيراطا، فغرقت ~~السواحل، وتلف كل الزرع الذي عليها، وانهارت الجسور، وهدد القطر ms560 جميعه بالغرق، ~~وكان (إسماعيل) قد اتفق مع المسيو فردينان دي لسبس على أن يكون فتح ترعة السويس ~~للملاحة والتجارة العالميتين في نوفمبر من ذلك العام، فرأى أن أقل تهاون يبدو ~~من حكومته في أمر مقاومة مهاجمة ذلك الفيضان المريع يؤدي حتما إلى إفساد مجرى ~~الحفلات الفخمة العتيدة، ورأى أنه يجدر بهمته إذا أن تهب لمقاتلة همة المياه، ~~والتغلب عليها، فأصدر الأوامر المشددة إلى جميع المديرين ومأموري المراكز بعدم ~~مفارقة الجسور، لا نهارا ولا ليلا، والعمل باستمرار على تقويتها وتعليتها، ~~وسرعة تصليح ما ينهار منها، وملافاة المضار الناجمة عن الانهيار، واغتنم فرصة ~~سياحته على النيل مع الإمبراطورة أوچيني، في أوائل أكتوبر، لمراقبة تنفيذ ~~أوامره بنفسه، حتى تسنى له إنقاذ البلاد من تلك المصيبة المدلهمة، ولو أنه لم ~~يستطع تخليصها من براثن الغلاء، الذي تلا حتما ذلك الفيضان الطاغي، ورفع سعر ~~النقود، فأصبح الجنيه المصري يساوي 203 قروش، والإنجليزي 199 قرشا، والبنتو ~~158 قرشا، والمجيدي 179 قرشا، والمجر 95 قرشا بعد أن كان يساوي 91 قرشا، ~~و89 في السنتين السابقتين. # 16 # على أن كثرة توافد الزائرين في هذا العام - وقد بلغ عددهم 77767 - وكثرة ما ~~أنفقوه أو أنفق عليهم جعلتا ذلك الغلاء في مصلحة منمي المواد الأولى ومورديها ~~وفي مصلحة التجار والصناع على العموم. فعوضتاهم خسائرهم وزيادة، ولكن الفقراء - ~~وهم بكل أسف الأغلبية - لم يستفيدوا إلا قليلا من الملايين المقنطرة التي صرفت ~~في هذه السنة واحتفالاتها، فلم يخفف بؤسهم، ولا فاقتهم لطفت. وهم الذين كانت ~~تقع عين الأجنبي عليهم في الغالب، فيحكم بانتشار البؤس وينسبه إلى مظالم الحكام ~~ومغارمهم، أو إلى تعسف الحكومة بالرعايا، مع أن الحكومة في هذه السنة عينها ~~وضعت تعريفة عمومية للنقود منعا لتلاعب ذوي المطامع بها. # ومع أن فيضان سنة 1870 كان أقل علوا من سابقه، إلا أنه كان طاغيا أيضا - ~~فإن ارتفاع مياهه بلغ نيفا وأربعة وعشرين ذراعا وسبعة عشر قيراطا، فأتلف كل ~~الذرة المزروعة على السواحل النيلية، وأنذر - لا سيما في جهات الصعيد - أطيان ~~الفقراء من ms561 مزارعيها بالطغيان عليها وتخريبها، فما كان من (إسماعيل) إلا أنه ~~أمر بكسر جسور النيل أمام أطيانه الخاصة لتحويل مياهها إليها، وصرفها عن أطيان ~~أولئك البائسين، ولم يبال في سبيل منفعتهم بالضرر الذي أصابه. # ومما زاد الطين بلة في فيضان تلك السنة أن الأمطار انهمرت انهمارا غير معهود ~~في عموم بلاد مصر السفلى ومصر الوسطى، فهدمت ما هدمت، وجرفت ما جرفت، واستمر ~~نزولها بمصر القاهرة وحدها نيفا وتسعة أيام متواليات، واستمرت في ذات يوم منها ~~تنهمل تسع ساعات، وست دقائق بلا انقطاع. # على أن كثرة ورود السائحين في هذا العام أيضا، بناء على المحببات والمرغبات ~~التي بذلها لهم (إسماعيل)، سواء أكان بإقامته المراقص والملاهي التمثيلية ~~بالقاهرة والإسكندرية، أم بالتسهيلات الكثيرة التي أوجدها لتمكينهم من زيارة ~~عجائب القطر، حتى بلغ عددهم نيفا و64328، وكثرة ما بذلوه من مال عن يد سخية، ~~عوضتا البلاد إلى حد ما من المضار المتابعة التي أصابتها. ثم عاد النيل فزاد ~~زيادة مخيفة أيضا في سنة 1872، وبلغ ارتفاع مياهه نيفا وأربعة وعشرين ذراعا، ~~فزاد في بؤس صغار الفلاحين والفقراء من الناس، ولكن عدد الزائرين الأجانب - ~~وبلغ 67772 - جاء مخففا لشيء من ذلك المصاب، كأن الله ابتلى عباده من جهة، ~~ولطف بهم من جهة أخرى. # 17 # غير أن السيل بلغ الزبى، حقيقة، في سنة 1874، فإن الفيضان ما فتئ في ذلك ~~العام يرتفع، يرتفع، يرتفع، حتى بلغ نيفا وستة وعشرين ذراعا واثنى عشر ~~قيراطا، فتدفقت المياه من كل صوب، وتبطحت، وأدركت ذات الأماكن المرتفعة، ~~وأصابت القطر كله بمضار جمة، نشأ عنها عسر شديد، وغلاء فاحش، اضطرا الخديو ~~إلى العدول عن السفر إلى الخارج، والإقامة في الإسكندرية لمراقبة خدمة الجسور ~~وصيانتها وترميمها من جهة، ولمنع نزوح الأموال المصرية إلى خارج القطر من جهة ~~أخرى، بإبقاء ثروة البلاد فيها. ومما زاد تلك السنة في البؤس العام هو أن وزارة ~~المالية قررت استيفاء العوائد على سائر الأملاك بمصر والثغور والبنادر ~~والجفالك، باعتبار السنة الهلالية بدلا من السنة الشمسية القبطية. # 18 # واستمر النيل على ms562 الطغيان في العامين التاليين، ولو أن شدته فيهما لم تضارع ~~شدته في عام 1874، ففي سنة 1875 أناف ارتفاع مياهه على أربعة وعشرين ذراعا ~~وأربعة قراريط، وفي سنة 1876 على أربعة وعشرين ذراعا وخمسة عشر قيراطا، فزاد ~~الطين بلة، وحلقات البؤس تعقدا. أضف إلى ذلك تعسف وزير المالية في تحصيل ~~الأموال مقدما، بدون مبالاة بالمضار المهلكة، اللاحقة بالفلاحين من وراء ~~إتلاف تلك الفيضانات الثلاثة الطاغية المتوالية جانبا عظيما من مزروعاتهم ~~ومحصولاتهم. # وبينما النفوس المبتهجة بنكبة إسماعيل صديق، والمترقبة بعدها فرجا، تنتظر ~~بفارغ صبر أن يعوض الله خيرا ما أصابت به تلك الفيضانات البلاد من ضر، ~~ويمن على القطر بنيل محسن، إذا بفيضان سنة 1877 أشح ما رآه عهد (إسماعيل) ~~قاطبة، لعدم بلوغ مياهه سوى سبعة عشر ذراعا وثلاثة قراريط، وإذا به لا يكفي ~~لري جانب يسير من الأطيان، فضج المزارعون والأهالي، وانخلعت قلوبهم وقلب كل ذي ~~مصلحة في القطر معها، وتوقع الجميع مجاعة لا نظير لها في العام التالي. ولم ~~تخيب الأقدار السيئة توقعهم، فإن نتيجة شح المياه بعد طغيانها ثلاث سنوات ~~متواليات طغيانا مدمرا، وإتلافها جانبا عظيما من المزروعات، كانت في الواقع ~~مجاعة شديدة، انتشرت في صميم الربوع المصرية، وأكلت لحوم البؤساء من الفلاحين ~~وأرباب الحرف، لا بل ذات عظامهم، لا سيما في الصعيد، وكأن ذلك لم يكن كافيا ~~لإهلاك الحرث والنسل، علاوة على الزرع والضرع، فإن الذين خلفوا إسماعيل صديق ~~على دفة المالية من الغربيين قاموا يسلكون مسالكه للأسباب التي سنبينها فيما ~~بعد، وابتزوا من فلاحي القطر الأموال مقدما، فطارت صرخة التألم في البلاد ~~قاطبة، ودوت في مسامع الغربيين أنفسهم، وهم في عقر دورهم ببلادهم. # فتقرر إرسال مفتشين من الإنجليز لاستطلاع حقيقة الحال، فوجدا أن نيفا وعشرة ~~آلاف شخص هلكوا من الجوع في مديريات جرجا وقنا وإسنا، وأن الباقين على قيد ~~الحياة يتغذون بأعشاب برية، وحثالة قصب السكر، وما ماثلها من التافه، وأخبرا أن ~~أكبر أسباب البلية إنما هو ابتزاز الأموال من الفلاحين مقدما، وفي أوقات غير ~~ملائمة ولا ms563 مناسبة، واستعمال القسوة في جبايتها إلى حد تجريدهم من مخزوناتهم ~~الطعامية، وحبوبهم ونقودهم، وكل وسيلة تعيش أخرى، ناهيك بفتك طاعون الحمير ~~بمواشيهم وجمالهم. # 19 # فهبت حكومة (إسماعيل) وأرسلت إلى أولئك البؤساء كمية من الخبز يقتاتون بها، ~~ولكن الفناء ما انفك يعمل عمله، لا سيما في الأطفال والشيوخ، حتى لم يعد يبقى ~~منهم في القرى والنواحي إلا القليلون. # فهل من المدهش، بعد توالي هذه النكبات والكوارث الطبيعية على القطر في مدة ~~(إسماعيل) أن يظهر الريف - لا سيما في الوجه القبلي - في مظهر البؤس الذي وصفته ~~الليدي دف جوردون في رسائلها، والذي أدى إلى تخييم كآبة على وجوه الفلاحين، ~~كالتي رآها بعضهم # 20 # مخيمة عليها منذ سنة 1866؟ هل من المدهش، والناس في الشرق ما فتئوا ~~ميالين إلى الاستبشار بملوكهم، أو التطير منهم، حسبما يرونه في أيامهم من بواعث ~~على الرخاء والهناء، أو من موجبات للخراب والشقاء؟ هل من المدهش أن الكثيرين من ~~الذين عاشوا في تلك الأيام، لم يستطيعوا ذكرها إلا بشر، وبإظهار نقمتهم عليها، ~~وهم - لابتعادهم عن الأشعة المنبعثة عن ولي النعم - لم يتمكنوا من التأثر بنعم ~~هذه الأشعة، وإنما تأثروا فقط بتلك الكوارث الطبيعية المتعاقبة المتتابعة؟ أو ~~ليس من المدهش بالعكس أن (إسماعيل) بالرغم من كل موجبات الأكدار هذه، استطاع أن ~~يضع في سنى ملكه البهجة والسطوع اللذين وصفناهما في فصل سابق، وأن يجعل تلك ~~السنين عبارة عن سلسلة أفراح ومواسم انتفاع عام لا انقطاع لها؟ وأن لا يتنكب ~~على الأخص عن العمل على تنفيذ الخطة السامية التي وضعها لنفسه، على كثرة ما ~~تستدعيه من نفقات، وبالرغم أيضا من العقبات التي أوجبتها، على غير انتظار، ~~تبعية مصر للدولة العثمانية؟ # أما وقد تكلمنا عن الكوارث الطبيعية، فلنتكلم الآن عن هذه العقبات ولو ~~بإيجاز. # الفصل الثاني # | الحملات المصرية المرسلة مساعدة لتركيا1 # وأبثثت عمرا بعض ما في حوائجي # وجرعته من مر ما أتجرع ~~(1) حملة العسير # ما ارتقى (إسماعيل) العرش إلا وناداه مناد من الأستانة أن «أرسل قوة إلى ~~بلاد العرب لمساعدة القوات العثمانية ms564 المقاتلة هناك على إخماد الثورة المنتشرة ~~فيها.» # وبلاد العرب منذ أن امتد ظل سلطة الدولة العثمانية عليها في أيام سليمان ~~القانوني الفخيم حتى الحرب العالمية الأخيرة، ما فتئت تثور على حكم بني عثمان، ~~بين حين وحين، وتكلفهم عناء شديدا في إعادتها إلى مظال السكينة ~~والخضوع. # فأرسل (إسماعيل) ست أورط كاملة العدد والعدة إلى درجة غير معهودة ولا متوقعة ~~من مصر في ذلك الوقت، وجعل أجور رجالها وضباطها ضعف ما كانت عليه، واعتنى ~~بصرفها لهم في أوقاتها المعينة، وتشدد في عدم التقتير عليهم في المآكل، مع ~~الالتفات إلى جودتها، وفي وجوب الانتباه التام إلى الوقايات الصحية. # 2 # فكفى مجرد ظهور تلك الجنود بهيئتها المنظمة، وعدتها الهائلة بالعسير لحمل ~~الثائرين على الإثابة إلى الرشد، والخضوع إلى الدولة. # فأرسل السلطان عبد العزيز في شعبان سنة 1282 خطا همايونيا إلى (إسماعيل) ~~يشكره فيه، هذا نصه كما عثرنا عليه في منتخبات الجوائب ج5 ص78: # إن الإقدام والمساعي المصروفة منكم؛ لبقاء توجهنا إليكم، واستمرار ~~حسن ظننا القديم فيكم، إنما هو لحميتكم واستقامتكم الذاتية التي أنتم ~~متصفون بها، ومجبولون عليها، وذلك هو المستحسن لدينا دائما. وهذه ~~المرة قد أكد اعتمادنا عليكم ووثوقنا بكم بزيادة ما وقع منكم من الهمة ~~والغيرة بخصوص اندفاع مسألة عشيرة العسير والهمة، من دون حرب، جعلنا ~~جناب الحق، في سائر الأحوال، مظهرا لتوفيقاته الإلهية آمين. ~~(2) الحملة إلى كريت # وفي سنة 1866 شبت ثورة عارمة في كريت - وكريت أيضا ما فتئت منذ أن أخضعتها ~~جنود محمد الرابع في سنة 1660، قائمة على الدولة العثمانية، تثور المرة بعد ~~الأخرى، لتتخلص من نيرها الأجنبي الثقيل - فلما أعيت الباب العالي الوسائل، ~~تذكر أن جنود (محمد علي) في الحلقة الثالثة من القرن كانت قد تمكنت دون الجنود ~~العثمانية من إخضاع ثوار تلك الجزيرة، مقابل تقليد أمير مصر زمام ولايتها، ~~فأرسل يطلب من (إسماعيل) الاقتداء بجده العظيم ، وإنجاد الدولة بفرقة من جنوده ~~البواسل. # وكان (إسماعيل) قد أقبل يخابر السلطان في أمر تغيير مجرى الوراثة المصرية، ~~فعز عليه أن يرفض الإجابة، ms565 خوفا من تغيير الخواطر بالأستانة عليه، مع أن ~~الفرمانات لم تكن لتلزمه على المساعدة، في مثل تلك الأحوال، ولا كان لمصر مصلحة ~~في تضحية أولادها، وبذل أموالها في سبيل الدفاع عن تركيا بدون فائدة. # فجهز إذا نيفا وخمسة آلاف جندي تامي ~~العدد تجهيزا عظيما، وعقد لواءهم لشاهين باشا - وكان من رجال الحرب المشهود ~~لهم - وأرسلهم لإنجاد الجنود العثمانية التي كان الثوار قد ضيقوا عليها المسالك ~~والمنافذ، لا سيما بعد أن خابت مساعي مصطفى باشا الكردلي المرسل إليهم في أول ~~أمرهم من لدن الدولة ليجاملهم، حقنا للدماء. ومصطفى باشا هذا هو الذي عهد إليه ~~(محمد علي) العظيم في سنة 1822 أمر إطفاء الثورة في تلك الجزيرة عينها، ثم عاد ~~بعد إحدى عشرة سنة، وانتدبه مرة أخرى للغرض عينه، وجعل عساكر مصر كلها هناك تحت ~~إمرته، فأعاد السكينة إلى نصابها، وبقي واليا على الجزيرة من قبل العاهل ~~المصري لغاية سنة 1841، وهي السنة التي عادت الدولة العلية فيها إلى تولي أمر ~~كريت بنفسها عقب الفرمانات المشهورة. # فما نزل الجنود المصريون إلى سواحل الجزيرة الثائرة إلا وجعلوا ثوارها يشعرون ~~بشدة وطأتهم عليهم، ويدركون الفرق ما بين أولاد النيل البواسل، حينما تكون ~~كتائبهم وجحافلهم منظمة، تامة المهمات، وبين شراذم الباشبوزق المجموعة بدون ~~نظام من كل فج عميق، فساقوا طوائف الثائرين أمامهم، وتوغلوا في داخلية الجزيرة، ~~حتى تمكنوا من فصل بعض فرق الأعداء عن خميسهم المهم، وأوقعوا بهذا الجيش عينه، ~~بالقرب من أرقاذي، وضربوه ضربة تزلزلت لها أركان كريت بأسرها، وخيل معها للملأ ~~أن الثورة قد قضي عليها. # فأرسل (إسماعيل) إلى جنوده البواسل تهانئه الخالصة محررة بقلم عبد الله بك ~~فكري (الذي أنعم عليه فيما بعد برتبة الميرميران، وعرف باسم «عبد الله باشا ~~فكري»، صاحب كتاب «الفوائد الفكرية») - وكان حينذاك ناظر قلمي التحريرات ~~والعرضحالات. وإنا لا نرى بأسا من إيرادها هنا، للدلالة على ما كان لفوز ~~المصريين من رنة طرب وإعجاب في القطر، وعلى الفرق بين إنشاء المراسلات في مصر، ~~وإنشائها في الأستانة «إلى من باشروا ms566 وقعة أرقاذي من الضباط الجهادية، وأفراد ~~العساكر المصرية، سلام من الله وتسليم، ورضوان كريم، يهدى لأولكم وآخركم، ~~ويسدى لمأموركم وآمركم. لا زلتم محفوفين من الله بنصره، محفوظين بأمره، ~~غالبين على عدوكم بقهره، متقلبين في نعمته وبره، ولا انفكت عزائمكم في كروب ~~الحرب عزائم، وصوارمكم في قطوب الخطوب بواسم، وأعلامكم للنجح، ولتمكين علائم، ~~وأيامكم للفتح المبين مواسم، ورياح القهر والدمار على عدوكم سمائم، ونسمات ~~النصر والفخار في رواحكم وغدوكم نواسم وبعد فما زلت أتشوق من أخبار شجاعتكم ما ~~يسر الخواطر، وأتشوف من آثار براعتكم ما يقر النواظر، واثقا بعزمكم وحزمكم في ~~المضايق، مبتهجا بما أبديتموه من حسن السوابق، حتى ورد «خابور الشرقية» من طرف ~~حضرة الباشا ناظر الجهادية بيوميات الوقائع العسكرية، مشتملة على وقعة أرقاذي ~~وتفصيلاتها، وما كان من رسوخ أقدامكم وثباتها، وإقدامكم في جهاتها، واقتحامكم ~~مضايق حصونها واستحكاماتها، وتسخير مستعصماتها، وتدمير أشقياء العصاة وكماتها، ~~حتى زلزلت صياصيها، وذللت نواصيها، ودنا لكم قاصيها، ودان عاصيها. فهكذا تكون ~~رجال الجهاد، وأبطال الجدال والجلاد، وهكذا تفتتح الحصون، ويبرز سر النصر ~~المصون، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، فقد أسفر لكم بحمد الله وجه التهاني، ~~وأثمر فيكم بعون الله غرس الأماني، وأيدتم ما ثبت للعساكر المصرية، من حسن ~~الشهرة في الأمور العسكرية، فحصل لي من الأنس والسرور بهذه البشارة ما لا تقدر ~~الألسن أن تصف مقداره، ولا يتسع له مجال الإشارة، وتأيد فيكم حسن أنظاري، وظهرت ~~ثمرات أفكاري، وتحققت أنكم بعد الآن - بعون الله الكريم - لا تزلون عن هذا ~~الطريق القويم، ولا تزالون في تأييد مالكم من المجد القديم. وقد شاع حديث ~~نصرتكم بين الأهل والديار، وسارت الركبان بمحاسن هذه الأخبار، كما نقلته صحائف ~~الوقائع إلى جميع الأقطار، فانشرحت صدور أهلكم وإخوانكم، وفرحت بكم جميع أهل ~~بلدانكم، وابتسمت ثغور أوطانكم، وافتخرت بأحاديث شجعانكم، وارتاحت أرواح ~~الشهداء من أقرانكم. والمأمول في ألطاف الله العلية، وبركات السلطنة السنية، ثم ~~في حميتكم الملية، وغيرتكم الوطنية أن يزول حال الاختلال عن قريب، وينتهي أمر ~~القتال والحرب ويطيع الجميع، ويسهل كل ms567 صعب منيع، وتعودوا لوطننا العزيز، ظافرين ~~بالنصر والتعزيز، وقد قرب حصول الأمل، ونجاح العمل، ومضى الأكثر وبقي الأقل، ~~والحرب للرجل العسكري، والبطل الجري، سوق عظيم، وموسم كريم، تشترى فيه غوالي ~~المعالي بأعالي العوالي، وتنال فيه منازل الأكارم في ظلام السيوف الصوارم، ~~ويدرك الفخر الصادق بمرامي المدافع والبنادق. وقد علمتم أن الشجاعة تبلغ ~~الآمال، ولا تقصر الآجال، كما أن الجبن يورث العار، ولا يؤخر الأعمار، وإنما هي ~~آجال محدودة، وأنفاس معدودة، ولا تقبل التغيير، ولا التقديم ولا التأخير. ~~والشجاعة صبر ساعة، ثم ينكشف الغبار، وتسفر الأخبار، ويتناقل حديث الشجعان، ~~ويخلد في تواريخ الزمان، فدوموا على إبداء الاجتهاد، وقوموا بأداء حقوق الجهاد، ~~واثبتوا على الشجاعة والإقدام، وثبات القلوب والأقدام، وأنجزوا - بمعونة الله - ~~تمام هذا المرام، وكما جودتم براعة المطلع فأحسنوا براعة الختام.» # غير أن الدهر لم يحقق هذه الأماني، ولا تم ما التهبت بتصور وقوعه المخيلات ~~والأحلام، فإن الثوار كأن كل واحد منهم أنتيؤس القديم # 3 # ما كادت تطرحهم الشجاعة المصرية أرضا إلا ونهضوا مستمدين من روح ~~وطنيتهم قوة جديدة وبأسا أجد، وعادوا إلى القتال والجلاد عودا أشد مما ~~كان. # وبما أنهم إنما كانوا يقاتلون ابتغاء الحرية الثمينة، ورغبة في تخليص بلادهم ~~من نير أجنبي لم يكن ثقيلا فحسب، بل كان ظالما، ومدمرا مخربا، وأما ~~المصريون فإنما كانوا يقاتلون للفخر والشرف ليس إلا، وبما أنه لا بد لمن قاتل ~~في سبيل الحرية والوطن أن ينتصر في نهاية أمره على المقاتل لمحض الفخار أو ~~لتوطيد دعائم الظلم، فإن الكريتيين ما لبثوا أن اغتصبوا الفوز من أيدي جنودنا، ~~وقهروهم، ودحروهم، وما فتئوا يزحزحونهم عن المعقل تلو المعقل، والموقع تلو ~~الموقع حتى أجلوهم إلى الساحل، وهددوهم بطرحهم بحرا. # ولم يكن (إسماعيل)، في صميم قلبه، راضيا عن موت بنيه المصريين في تلك ~~الجزيرة، إكراما لعيون الأتراك، لا سيما وأنه كان يكره - وهو الساعي إلى ~~الاستقلال عن تركيا، والعامل على تحقيق ذلك المسعى، بما في وسعه من الجهود - أن ~~يكون آلة للبطش بقوم يسعون سعيه، ويعملون عمله. ms568 ولما كان من جهة أخرى قد قضى ~~لبانته من الأستانة، ونال فرمان تغيير مجاري الوراثة، وفرمان منحه لقب خديو ~~السلطاني، فإنه أصدر أوامره إلى شاهين باشا بالعود بالحملة المصرية إلى ديارها، ~~ولم يبال بمطالب عالي باشا، الراغب في بقاء أولئك الجنود في الجزيرة، ريثما ~~يرسل إليهم مددا عثمانيا يمكنهم ويتمكن معهم من إعادة الكرة على الثوار، ~~وإخماد أنفاسهم. ولا عني بالعداء الذي أثاره رفضه تلك المطالب في صدر ~~مبديها. # على أن ثورة كريت دامت بضع سنوات، وشعر (إسماعيل) فيما بعد، لا سيما عقب ~~انخذال فرنسا في حرب السبعين أمام ألمانيا، بوجوب العود إلى مجاملة تركية فأرجع ~~جزءا من تلك الحملة إلى كريت إرضاء لعالي باشا عينه، ليحمله على تجنب معاكسة ~~مشروع الإصلاح القضائي، وعلى التساهل في منحه الامتيازات الملكية الجديدة التي ~~أقبل يطلبها. # وقد قرأت في كتاب الإنجليز والفرنساويين بمصر للمسيو إشيل بيوڨيس، طبعة باريس ~~سنة 1910، أن محمود سامي البارودي باشا - وكان (إسماعيل) قد زوجه من إحدى غادات ~~قصوره الألطف جمالا - خنق في سنة 1872 زوجته ورجلا من أرباب الموسيقى، لأن ~~هذا الآلاتي كان مغرما بالزوجة، فاستولت حمى الغيرة على البارودي فخنق الزوجة، ~~وخنق محبها معها، فأثار بذلك غضب (إسماعيل) عليه وأراد نفي المجرم إلى السودان، ~~أي إلى القطر الذي لم يكن أحد يعود منه، ولكن أصدقاء البارودي توسطوا له، ~~فاكتفى (إسماعيل) بإرساله إلى كريت، حيث كانت الكتائب المصرية تقاتل الثوار، ~~وأوصى بأن لا يعفى من المأموريات الخطرة، ولكن محمودا - بالرغم من ذلك - عاد ~~سليما من تلك الحملة، ثم تمكن من استعادة رضى مولاه، والتزوج بإحدى غانيات ~~البيت اليكني الرفيع العماد، فهل كانت كريت في فكر (إسماعيل) منذ لم يعد في ~~الإمكان التخلي عن مساعدة السلطان عليها، قد أصبحت «فازوغلي» ثانية؟ ~~(3) الحملة إلى البلقان # ما فتئت شعوب البلقان منذ أن ظهرت روسيا على تركيا، بعد بطرس الأكبر، متحركة، ~~ثائرة على الحكم العثماني: # أولا: # لاختلاف الدين. # ثانيا: # لاختلاف العقلية بينها وبين حاكميها. # ثالثا: # رغبة منها في الاستقلال، وما فتئت روسيا تساعد ms569 كل حركة وثورة ~~فيها، تارة في السر وبدسائس خفية، وطورا جهارا وبحرب ~~عوان. # فلما كانت سنة 1875، دفعت بالصرب والجبل الأسود إلى مقاتلة دولة بني عثمان ~~لأسباب لا محل لذكرها هنا، وكانت الدولة العثمانية قد رأت من انصياع مصر ~~لمساعدتها في العسير وكريت مسوغا لمطالبتها بأولادها، ليقوموا في ميادين ~~القتال مقام بعض أولاد تركيا أنفسهم، ويضحوا بأموالهم وأعمارهم في سبيل خدمتها، ~~فبعثت إلى (إسماعيل) تطلب منه المساعدة والإنجاد. # ولكن (إسماعيل) كان منشغلا في تجهيز الحملة إلى الحبشة للأخذ بثأر أرندروپ ~~ورجاله، وغسل عار الكسرة التي أصيب بها، فاتخذ من ذلك مسوغا ومبررا للاعتذار ~~عن إجابة طلب الباب العالي - ولم يكن يميل في صميمه إلى إجابته، لا سيما وأنه ~~لم يعد له لبانة لديه، وكان قد سحب جنوده من كريت عقب أن هدأت الثورة فيها، على ~~أن أعداءه والراغبين في تعكير ماء الصداقة بينه وبين تركيا أخذوا يذيعون أنه ~~إنما يدير حملته على الحبشة، ليتذرع بها إلى التنصل من تلبية طلب ~~السلطان. # ولكن روسيا ما فتئت أن خاضت بنفسها غمار الحرب مع تركيا، بعد إخلاد الصرب ~~والجبل الأسود إلى المسالمة والسكينة، وتدفقت جنودها إلى الحدود، وتعدتها في ~~سنة 1877، وكانت ثورتان تركيتان متتابعتان قد ثلتا عرش (عبد العزيز)، فعرش ~~(مراد الخامس) ابن أخيه، وخليفته، وأجلستا مكانهما (عبد الحميد الثاني بن عبد ~~المجيد). # فبعث هذا من فوره إلى (إسماعيل) يطلب منه إرسال القوة المصرية التي تقتضيها ~~نصوص الفرمانات إلى محاربة العدو الوراثي بجانب الجنود العثمانية، ولكن تلك ~~الأيام كانت بدء الأعاصير المالية على القطر، فاعتذر الخديو عن تلبية الطلب ~~بعجزه عن القيام بمصاريف تعبئة الحملة، وإقامتها بميادين القتال، ودخولها ~~الفعلي في المعمعان، فأبى الباب العالي قبول عذره، وتشدد في طلبه. # فعرض (إسماعيل) إرسال الجنود، على أن تتولى الدولة العثمانية أمر الإنفاق ~~عليهم في التعبئة والسفر والإقامة، فرفض الباب العالي ذلك أيضا، وأمر الخديو ~~أمرا صريحا بتعبئة فيلق مؤلف من اثني عشر ألف جندي، تامي المعدات وآلات ~~الحرب، وإرساله حالا على نفقة الخزينة المصرية إلى ms570 ميدان القتال. وهدده إن لم ~~يصدع بالأمر بدون أقل تأخير بإرسال مدرعات عثمانية تحت قيادة هوبرت باشا إلى ~~المياه المصرية، لإجباره على الطاعة. # 4 # فاضطر (إسماعيل) إلى استدعاء مجلس النواب، واستئذانه بربط ضريبة جديدة على كل ~~فدان، قدرها عشرة قروش صحيحة، تدعى «ضريبة الحرب»، وتنفق على تعبئة الحملة ~~وتسفيرها، وإقامتها في مواطن الطعان. ولما وافق المجلس على ذلك، أعدت القوة ~~المطلوبة، ووضعت تحت قيادة الأمير حسن باشا، وأرسلت إلى ڨارنا على السفن ~~الخديوية، يحرسها أسيطيل عثماني، بعد أن دفعت مرتبات سنة برمتها كانت متأخرة ~~للمهندسين الغربيين المتولين زمام تلك السفن، لحملهم على الإقلاع عن اعتصاب ~~لجأوا إليه لنيل دفعها، وهددوا به بتعطيل سير الحملة إلى مقرها. # 5 # ولسنا نرى لوصف تلك الحملة خيرا من إيراد ما كتبه عنها مراسلا جريدتي ~~«الچورنال دي ديباه»، و«الرپبليك فرنسيز» (جريدة المرافعات، وجريدة الجمهورية ~~الفرنساوية) المرافقان لجيوش تركيا في تلك الحرب. # قال المراسل الأول، مراسل «الچورنال دي ديباه»: «إن العساكر المصرية تامة ~~الملبس والهندام والتجهيز، طرابيشهم حمراء، وسترهم زرقاء كلون السماء، ~~وبنطلوناتهم كذلك، إلا أنها ملفوفة من الأسفل داخل «تزالك» بيضاء، وكلهم مسلحون ~~ببنادق رمنجتن، ولا شك في أن ضباطهم أرقى في معلوماتهم من الضباط الأتراك، وأما ~~جنودهم فلا سبيل إلى قياسهم بجنود الترك، فالطابع الفلاحي بأنفه الأقنى عند ~~قمته والمفطوس عند قاعدته سائد على مجموعهم، ومعظمهم ذوو قامات مرتفعة، ومع ذلك ~~فهم لطاف المعشر، ضاحكو السن، وسيماء الأطفال على وجوههم ومشيتهم. وهم في ~~الواقع أحداث في مقتبل اليفاعة، لم تنبت بعد شواربهم ولحاهم، ولا ينتظر من ضآلة ~~صدورهم أن يكونوا أبطال هيجاء يستطيعون احتمال مصاعب الحروب.» # وقال مراسل «الرپبليك فرنسيز»: «وكان قد وصل إلى ڨارنا منذ بضعة شهور على ~~مراكب حربية فاخرة بضعة آلاف عسكري صغار، خفيفي الأرواح، وجوههم كلون ~~الشوكولاتة، ولباسهم أزرق سماوي، وكانوا من لطف البزة، وحلاوة الشمائل، وظرف ~~الهندام بحيث إن المرء كان يشتهي أن لا يقع مطر لئلا يذيبهم كسكر. وكان يستلفت ~~الأنظار فيهم أن بنادقهم كانت صغيرة وظريفة، ومدافعهم ms571 صغيرة وظريفة، والمناديل ~~التي يتفون بها صغيرة وظريفة، وأنهم كانوا تحت إمرة أمير بديع الظرف، يحيط به ~~أركان حرب كلهم ظرفاء، حتى إنه كان يخيل للناظر إليهم أنهم خارجون من علب لعب، ~~مصنوعة في الغابة السوداء، فيتصور بسهولة أن مثل تلك الجنود الحلوة الشمائل لم ~~تكن معدة لتشاطر العثمانيين مشقات الحروب، ولا لخوض غمارها، لأن مظهرها لم يكن ~~يصح أن يجعلها لها، إلا إذا صح أن تكون سيدات قيفات، كيسات، مجعولة لحراثة الحقول.» # 6 # ولكن الجند المصري - بخلاف ما كان يتوقعه ذانك المراسلان - خاض غمرات الحروب، ~~وشاطر العثمانيين سعيرها ولهيبها، لا سيما في وقعة (پوپ كوي). # فقد كان قصد القيادة العثمانية من قذفها بجناح الجيش التركي الأيسر إلى ~~مهاجمة الروس في تلك الوقعة؛ جعل رجوع هؤلاء من الطريق الماضية من (پوپ كوي) ~~إلى (بييلا) عن سبيل (أوپاكا) و(كرپتسي أورنچيك) و(سنان كوي)، متعذرا، بل ~~محالا، ومنعهم بذلك من اللحوق بالفيلق الروسي الثاني. # ولما كان الأمير حسن حائزا «محظوظية» السلطان الكبرى، علاوة على كونه ابن ~~أمير مصر، ومن ضباط الجيش الألماني، فإن محمد علي باشا قائد عموم القوات ~~العثمانية لم يتردد لحظة في تسليمه قيادة ذلك الجناح، على أنه كان يأمل أن ~~يتخلى الأمير الشاب، الغير زائد عمره على ثلاثة وعشرين عاما عن الإمرة الفعلية ~~للقائد المحنك الجنرال صالح باشا. # وكان غرض صالح باشا هذا دحر الروس من (پوپ كوي)، بينما تقوم فرقة الجنرال ~~ثابت باشا، المعسكرة على الأعالي، (بين بكيرين يني كوي)، (وقره حسن كوي)، ~~بتهديد خط الرجعة عليهم من (بييلا)، وقذفهم على طريق (ترنوڨا). # ففي الساعة الحادية عشرة من صباح اليوم السادس من سبتمبر هاجم صالح باشا (پوپ ~~كوي) بعنف، وسلط بطارياته على القرية، فتناولت مقذوفاتها صفوف البيادة الروسية، ~~وفتكت بها فتكا ذريعا، وزحفت البيادة التركية في الوقت عينه تحت حمى المدفعية ~~بنظام حسن إلى (پوپ كوي) من اليمين ومن الشمال، فاضطر العدو أن يتقهقر إلى وراء ~~القرية، وأخذ ينسحب من (پوپ كوي)، كما انسحب من (قره حسن)، ولولا أن ms572 الأمير حسن ~~أوقف القتال في ذلك الوقت لأسباب لا نعرفها لحل بالروس مصاب جلل. # وفي اليوم التالي 7 سبتمبر شرع الروس ينسحبون من (پوپ كوي) وضواحيها ~~ويتقهقرون إلى (بييلا)، وإذ كان لدى صالح باشا كل ما يلزم لينقض على مؤخرتهم، ~~ويصيبهم بأذى بليغ، أقبل يجهز الهجوم، فأمر الأرط بالاستعداد للزحف، والمدفعية ~~بالاستعداد للضرب، ولكن الأمير حسن ما فتئ مترددا، يأبى مفارقة مواقع سارنا ~~سوفلار، لاعتباره إياها في منتهى الجودة، وأسفر تردده في نهاية الأمر عن منعه ~~كل إجراء وهجوم، فتمكن الروس من الانسحاب بسلام وطمأنينة إلى (بييلا)، بأسلحتهم ~~ومهماتهم، ولكن الجند التركي طفق يتململ، وأخذت السخيمة تغلي في صدره، كلما ~~حملته بداهته الفطرية على أن يتساءل لماذا يمنعه قواده من الانقضاض على العدو المنهزم. # 7 # على أن التاريخ لا يدري - لغاية هذا اليوم - ما هي الأسباب التي حملت الأمير ~~حسن على سلوك المنهج الذي سلكه، لا سيما أن الجنود المصرية، وهو على رأسها، ~~أبلت فيما بعد بلاء حسنا في سلستريا وغيرها، وما فتئت تقاتل ببسالة إلى أن ~~وضعت الحرب أوزارها، فعادت إلى أوطانها. # 8 # وقد كلفت هذه الحملات المصرية الثلاث المرسلة إلى الخارج، بناء على دعوة ~~الباب العالي، نيفا وثلاثة ملايين من الجنيهات على الخزينة المصرية، في وقت ~~كانت البلاد في أشد الاحتياج إلى تلك النقود. # | الجزء الرابع # السحاب في السماء # الفصل الأول # | السحاب في السماء # إذا تم أمر بدا نقصه # توقع زوالا إذا قيل: تم! # إجمال # 1 # إن تنفيذ الخطة التي رسمها (إسماعيل) لنفسه، يوم ارتقى عرش جده وأبيه، بالكيفية ~~التي شرحناها في الجزء السابق، استلزم مصاريف جمة للتمكن من إزالة جميع العقبات - ~~أيا كان نوعها وسببها - من الطريق المطروقة منه. # فمسألة ترعة السويس وأشغالها كلفت الخزينة المصرية والشعب المصري أولا وآخرا، ~~نيفا وسبعة عشر مليونا من الجنيهات، بما في ذلك نفقات الاحتفال بالفتح. # والترع المحفورة كلفت ثلاثة عشر مليونا تقريبا. # والسكك الحديدية الممدودة، بما فيها سكة حديد السودان، كلفت ما يقرب من ثلاثة عشر ~~مليونا ونصف. # وميناء الإسكندرية ms573 كلفت ما يقرب من ثلاثة ملايين. # وأحواض السويس كلفت ما يزيد على مليون ونصف. # والتلغرافات والفنارات معا كلفت فوق المليون. # والشركة الزراعية المنشأة لترويج الزراعة المصرية، وما ماثلها كلفت ~~مليونين. # وجلب المياه إلى الإسكندرية وتوزيعها عليها كلف نحو نصف مليون. # والمباني والتحسينات والإنشاءات الأخرى، من أحياء ومسارح وغيرها بمصر ~~والإسكندرية، وتنوير البلدين والسويس بالغاز - كل ذلك كلف ثلاثة ملايين. # والكباري المنشأة كلفت مليونين وأكثر. # ووابورات السكر والورق وخلافها، وتأسيس العزيزية كلف نيفا وستة ملايين. # والسفن الخديوية ومراكب بخارية أخرى كلفت مليونا ونصفا تقريبا. # ومشترى البوستة والمكتبة الفاضلية كلف نحو مائة ألف جنيه. # وطاعونا المواشي والخيل، والغلاءات المتتابعة، حملت الخزينة المصرية خسارة ~~قدرها أربعة ملايين تقريبا. # وديون القرى استغرقت نيفا ومليونا. # وصرف على تحسين الجيش، ومشترى مدافع وبنادق له مليونان. # وأنفق على حملتي الحبشة وحملات السودان مليونان وأكثر. # وأنفق على الحملات المرسلة إلى الخارج لمساعدة تركيا ما يقرب من ثلاثة ~~ملايين. # وأنفق على المدارس ما يزيد على ثلاثة ملايين ونصف. # وبلغ ما خسرته الخزينة بسبب قطع الحواجز لإنقاذ أطيان الفلاحين من الغرق ~~مليونا. # وزادت الخسارة الناجمة عن شركة البواخر النيلية على مائة ألف جنيه. # ودفع للحصول على فرمان تغيير مجاري الوراثة، حسب تقدير المؤرخ الألماني، فون ها ~~استفان، ثلاثة ملايين. # وقدر بعضهم ما دفع لرجال الأستانة والسلطان، وما صرف في ولائم وهدايا لهم للحصول ~~على باقي الفرمانات وامتيازات الاستقلال الداخلي التام المذكورة في سياق حديثنا ~~السابق، ما يقرب من سبعة وثلاثين مليونا، فإذا استعظمنا المبلغ، وأنقصناه، فلن ~~يكون ما صرف في هذا السبيل أقل من ثلاثين مليونا. # فمجموع ذلك مائة وثلاثة عشر مليونا وسبعمائة ألف جنيه. ~~••• # وربما أفاد هنا أن نضع أمام أعين قرائنا، إزاء هذا المبلغ الجسيم، المقارنة ~~الآتية بين حالة القطر العمومية حينما ارتقى (إسماعيل) عرشه، وبينما حينما تخلى ~~عنه: # سنة 1863 # سنة 1879 # فدن # فدن # عدد الأطيان المزروعة في القطر # 4052000 # 5425000 # جنيه # جنيه # قيمة الواردات # 1991000 # 5410000 # قيمة الصادرات # 4540000 # 13810000 # قيمة الإيرادات # 4937000 # 8562000 # عدد # عدد ms574 # المدارس # 185 # 4817 # أميال السكك الحديدية # 275 # 1185 # أميال الأسلاك التلغرافية # 630 # 5820 # أميال الترع # 44000 # 52000 # الكباري # 10 # 408 # المنارات # 1 # 18 # السكان # 4832000 # 5518000 # وذلك علاوة على ما لم يكن له وجود بالمرة، فأنشئ مما ورد ذكره آنفا. ~~••• # وإذا أضفنا إلى المنصرف مبلغ 11585000 جنيه الذي دفع جزية إلى حكومة الأستانة من ~~الخزينة المصرية في سني (إسماعيل) الست عشرة، كان جميع المنصرف من (إسماعيل) على ~~الشئون المصرية البحتة، وفي مصالح مصر المحضة، مبلغا يزيد على مائة وخمسة وعشرين ~~مليونا من الجنيهات. # وبما أن عموم إيرادات القطر المصري في تلك السنوات الست عشرة إنما بلغت مائة وستة ~~عشر مليونا، باعتبار سبعة ملايين ومائتين وخمسين ألف جنيه سنويا على المتوسط، ~~وهو متوسط مبالغ فيه، فإذا استنزلنا منها عموم المنصرف على الإدارة المصرية وفي ~~شئون الحكم في تلك المدة عينها - وهو أربعة وستون مليونا وستمائة ألف جنيه، ~~باعتبار ثلاثة ملايين وثمانمائة ألف جنيه سنويا، لا أربعة ملايين، كما قرر السير ~~كيف الآتي ذكره فيما بعد - فإن الصافي الباقي من تلك الإيرادات لا يكون إلا مبلغ ~~اثنين وخمسين مليونا من الجنيهات، وهو قيمة ما دفع للأستانة فقط - أي أن هذا ~~الباقي يقل ثلاثة وسبعين مليونا عما صرفه (إسماعيل)! # ولكنه كان لا بد من صرف ذلك المبلغ، بل وأكثر منه أيضا - لو أمكن الحصول عليه ~~لتحقيق الخطة التي رسمها الأمير المصري لنفسه، لا سيما وأن جوف الأستانة لم يكن ~~ليشبع. # فاضطر - والحالة هذه - إلى الاستدانة والاقتراض. # ولما كانت مصر من أغنى بلاد الأرض، وكان المشهور عن الأمراء الشرقيين، عموما، ~~عدم التدقيق في المحاسبة، وعن (إسماعيل) على الأخص، سعة سماحة الكف، وعظم كرم ~~النفس، فإن الماليين الغربيين، لا سيما اليهود، أظهروا من الاستعداد لإجابة جميع ~~طلباته أغرب ما يتصوره الإنسان، بل بالغوا في بادئ أمرهم، في إغرائه على الاستدانة ~~منهم إلى حد من المرغبات والمحببات يكاد لا يتخيله التصور، فتلا الاقتراض منهم ~~الاقتراض، و(إسماعيل) في تلهبه الفائق لتحقيق أمنياته السامية لا يفكر في أن ms575 يعمل ~~للأعباء المالية، ولكيفية تراكمها على ساعديه حسابا، ولا يرى من نفسه ميلا مطلقا ~~إلى تقدير عواقبها، بفعل تربيته ومنبته ومركزه. فاستمر يجري في سيره السريع، وعيناه ~~غير شاخصتين إلا إلى المرمى الفخيم الذي كان سيره يدنيه منه، ولا يهمه من أمره إلا ~~أن يرى الذهب - الذي هو في حاجة إليه للوصول إلى ذلك المرمى - طوع بنانه ~~دوما. # على أنه ليس أدل على معرفة مقدار المنافع والفوائد التي أصابها من جراء ذلك وسطاء ~~الإقراض، من أن نذكر ما حكاه فرديناند دي لسبس عن نفسه حينما أراد فتح الاكتتاب ~~بشركة ترعة السويس، قال: «كنت محتارا في أمري. فقال لي بعض الأصدقاء اذهب إلى ~~روتشلد وهو يريحك، فعملت بنصحهم، وذهبت إلى ذلك المالي، فقال لي أجل، إذا شئت فتحت ~~سلك الاكتتابات في مكتبي. فسألته وماذا تطلب مني؟ قال: يا سلام! أرى أنك لست رجل ~~شغل، ماذا أطلب منك؟ المعروف المتفق عليه، أي خمسة في المائة. قلت خمسة في المائة ~~على ثمانية ملايين، هذا ينتج أربعمائة ألف جنيه. كلا، كلا يا سيدي، إني أفضل أن ~~أؤجر محلا بستين جنيها، وأباشر شغلي بنفسي.» # 2 # وليت الوسطاء بين (إسماعيل) ومقرضيه اقتصروا على الخمسة في المائة، بل ليتهم ~~اقتصروا على ضعفها! # وكان الدهر قد وضع بجانبه، منذ طفوليته، إنسانا نما وشب وترعرع معه، فكان أدرى ~~الناس بأميال روحه العظيمة، وتجردها من الاهتمام بالماديات إلا لتحقيق النفسانيات، ~~فرأى أن يثري - وأيما إثراء - من موارد الثروة التي يستطيع أن يضع عينها تحت تصرف ~~مولاه - ولو تعسر عليه السمن إلا من بؤس مواطنيه - فأقبل يتلمس تلك الثروة من كل ~~باب، وشرع يملأ خزائنه بها، بينما هو يدفق المال، المتسنى له استخلاصه بكل تفنن من ~~الجيوب إلى أيدي مولاه. # فأدى هذا وذاك إلى تراكم سحاب في سماء (إسماعيل)، ما فتئت الأيام تزيده تلبدا، ~~كلما زادت في فؤاد الخديو حرارة الرغبة في تحقيق مساعيه. # وهذا هو ما سنشرحه مفصلا في الصفحات الآتية. # الفصل الثاني # | سفر في تاريخ مصر المالي1 # مات (سعيد) ms576 وعلى القطر دين سائر، ودين مقترض، يزيد مجموعهما على أحد عشر مليونا من ~~الجنيهات ، وعليه فوق ذلك قيد الامتياز الفاحش الممنوح لشركة ترعة السويس. # 2 # فما لبثت أن أوجبت زيارة السلطان عبد العزيز للبلاد المصرية، والكوارث الطبيعية التي ~~تلتها، وحملة العسير، فإقدام (إسماعيل) على بث روح الحياة في أعمال القطر قاطبة، وعلى ~~إزالة ما في امتياز شركة السويس من جائر نفقات ومصروفات جعلت الخزينة المصرية تشكو ~~العوز والضيق، بالرغم من الخيرات الكثيرة المتدفقة إلى البلاد من وراء ارتفاع أسعار ~~القطن، وزيادة صادراته. # فكلف (إسماعيل) نوبار باشا بالسعي إلى عقد قرض جديد في الأسواق الأوروبية أثناء وجوده ~~في باريس، للعمل على الفوز بالمطالب المصرية من شركة القنال. # فأقبل نوبار، في شهر يونية سنة 1864، على مخابرة المحال المالية في شأن ذلك القرض، ~~واستمر في أخذ ورد معها مدة ثلاثة أشهر، حتى تمكن من إبرام عقد الاتفاق في 24 سبتمبر من ~~السنة عينها، فتعهد بموجبه المتعاقدون بأن يدفعوا إلى الحكومة المصرية خمسة ملايين جنيه ~~إنجليزي على أربع دفعات متساوية، تستحق في نوفمبر سنة 1864، ويناير وفبراير وأبريل سنة ~~1865، وأن تسدد لهم الحكومة المصرية ذلك المبلغ بفوائده، على خمسة عشر قسطا سنويا، ~~قدر كل قسط منها ستمائة وعشرون ألفا ومائتان وأربعة وتسعون جنيها، وأن تكون إيرادات ~~مديريات الدقهلية والشرقية والبحيرة ضمانة لذلك، وتحول رأسا إلى الدائنين. # والذي استلفت الأنظار في تحرير هذا العقد، بادرة ذكرت فيه، أشارت من طرف خفي إلى ~~رغبة البلوغ، إلى الاستقلال، المتقدة في قلب (إسماعيل)، فبينما اشترط في المادة الرابعة ~~منه وجوب حصول المقترض على رضى السلطان، كما كان ذلك مشترطا في عقد القرض الذي أبرمه ~~(سعيد باشا) في سنة 1862، فقد اتفق من جهة أخرى على أن يكون المرجع والحكم فيما قد يحدث ~~من منازعات أو خلافات بسببه إلى (إسماعيل)، بدلا من أن يكون للصدر الأعظم، كنص قرض سنة ~~1862. # ثم تلا هذا القرض، القرض الذي عقده (إسماعيل) لنجدة المزارعين المصريين في الأزمة ~~التي أصيبوا بها على أثر نزول أسعار القطن نزولا ms577 فاحشا عقب وضع الحرب الأمريكية ~~الأهلية أوزارها، وبلغ نيفا وخمسة وثلاثين مليونا من الفرنكات، وقد سبق لنا بيانه في ~~غير هذا المكان. # غير أن ما أنفق في سنة 1865 على مقاومة الكوليرا، والثلاثة الملايين التي دفعت في سنة ~~1866 للحصول على فرمان تغيير مجاري الوراثة، والعشرة الملايين من الفرنكات التي استرد ~~بها تفتيش الوادي من شركة ترعة السويس، وما أنفق أخيرا في تجهيز الحملة إلى كريت، ~~وتسفيرها وإقامتها من جهة، وما اعتاده (إسماعيل) من الإنفاق عن سعة، والإكثار من دواعي ~~الترف، ومظاهر العز والعظمة حول عرشه، وتوسيعه قصوره وحدائقه، وإنشاؤه منظرة الجيزة ~~بالقرب من الأهرام، واقتناؤه في دار السعادة عينها سراي الأميركون البديعة، وإسرافه على ~~إعدادها وتجهيزها، إعدادا وتجهيزا فائقين من جهة أخرى - كل ذلك جعل الخزينة المصرية، ~~وخزينة الأمير الخصوصية في حاجة إلى نقود، بالرغم من زيادة الإيرادات، ومن سلفة الخمسة ~~الملايين الأخيرة. # وكان (إسماعيل) يتوقع ذلك الاحتياج قبل حصوله. # لذلك رأى، وهو في فيشي، أن يتدبر للطوارئ قبل حدوثها، شأن المتبصر في العواقب، ~~فاستدعى إليه نوبار باشا وكلفه بالسعي إلى عقد قرضين جديدين يكونان شخصيين، وتكون ~~ضمانتهما السكك الحديدية - وكانت ملكا خاصا للأمير - وأملاك (إسماعيل) الشخصية ~~الأخرى، أي دائرته السنية. # فجد نوبار حتى تمكن في 17 أكتوبر سنة 1865 من عقد القرض الأول مع محل «أپنهايم نيڨيه» ~~قيمته ثلاثة ملايين من الجنيهات الإنجليزية، وضمانة سداده السكك الحديدية. # وكانت تعليمات (إسماعيل) تقضي بأن يكون معدل الفوائد ثمانية أو تسعة في المائة ~~سنويا، ولكنهم وجدوا، عند فحص حساب التقسيط، أن معدلها يبلغ أربعة عشر في المائة ~~تقريبا. # فاستاء (إسماعيل)، وامتعض من نوبار، وضاعت ثقته في كفاءة هذا الوزير للأمور ~~المالية. # ولكن الفريقين المتعاقدين بعد أخذ ورد عنيفين، وبعد أن تشبث كل منهما برأيه: هذا أن ~~العقد باطل وملغى، وذاك أنه صحيح وواجب التنفيذ، اتفقا في نهاية الأمر على إلغائه ~~وإبداله بعقد آخر، عرف بعقد 5 يناير سنة 1866، أقرض (إسماعيل) بمقتضاه ملايين الجنيهات ~~الثلاثة السابق الاتفاق عليها، بسندات السكك الحديدية، تضمنها ms578 المالية المصرية، وبمعدل ~~ستة في المائة سنويا، على أن يسدد ذلك جميعه على ستة أقساط سنوية متساوية، ابتداء من ~~أول يناير سنة 1869. # فأصدرت تلك السندات، وابتاعها محل «أوپنهايم وشركائه» بمبلغ مليونين وستمائة وأربعين ~~ألف جنيه إنجليزي، على أن يدفع نصف المبلغ نقدا، ويقدم بالنصف الآخر أدوات سكك حديدية، ~~يكون له عليها عمولة معدلها خمسة في المائة. # أما القرض الثاني - قرض الدائرة السنية - فبعد تزاحم بنك الأنجلو، ومحل أوپنهايم ~~وشركائه على عقده، فاتفاقهما على عقده معا، فانسحاب محل أوپنهايم في آخر لحظة، بل في ~~دقيقة التوقيع عينها، بناء على إشارة برقية وردت من باريس إلى النائب عنه في العباسية ~~بمصر، حيث كان الاجتماع معقودا في كشك أنشأه الأمير حديثا، وبعد قبول الأنجلو القيام ~~به وحده، على أن يكون ثلاثة ملايين وثلاثمائة وسبعة وثمانين ألفا وثلاثمائة جنيه ~~أوراقا مالية، بفائدة سبعة في المائة، ولا يقرض نقدا في الواقع سوى ثلاثة ملايين فقط، ~~وتكون مدة التقسيط خمسة عشر عاما، وضمانة السداد تحويل إيرادات أملاك (إسماعيل) الخاصة ~~إلى الدائنين، وتوقيع رهنية على ثلاثمائة وخمسة وستين ألف فدان، ألحق كشف ببيانها بعقد ~~القرض عينه، وبعد طرحه في السوق لتغطيته، والفشل في ذلك، لعدم تغطية سوى سبعة ملايين من ~~الفرنكات من الخمسة والسبعين مليونا المطلوبة، ورجوع الأنجلو على الدائرة السنية ~~لإجبارها على استرداد السندات غير المكتتب بها - بعد ذلك جميعه، قر الرأي في نهاية ~~الأمر بين حافظ باشا ناظر الدائرة السنية عن الأمير، ومالي يقال له المسيو تشرنسكي، على ~~أن هذا المالي مقابل قيام (إسماعيل) بإيداع ما قيمته مليون وخمسمائة ألف جنيه إنجليزي ~~من تلك السندات في البنك العقاري في باريس، يضع تحت تصرف الدائرة السنية اثنين وعشرين ~~مليونا وخمسمائة ألف فرنك، منها اثنا عشر مليونا وخمسمائة ألف فرنك في نوفمبر، وعشرة ~~ملايين في ديسمبر سنة 1866، مقابل عمولة قدرها واحد ونصف في المائة، تستقطع عند صرف كل ~~من القسطين، وفي نظير فوائد قدرها عشرة في المائة سنويا، على أن يسدد رأس المال ~~والفوائد في 31 ديسمبر ms579 سنة 1867، وإلا بيعت ضمانات السداد. # ولكنه ما أتت سنة 1868 إلا وكان الحصول على فرمان 8 يونية من السنة السابقة المانح ~~(إسماعيل) لقب «خديو»، وإقامة قسم المعرض المصري في معرض باريس العام، وزيارة (إسماعيل) ~~للعاصمتين الفرنساوية والإنجليزية، وما أحاط تلك الزيارة به من مظاهر الترف والبذخ ~~ليجعل مركز مصر سنيا، ودرجتها رفيعة في الأنظار، وما أنفقه بعد ذلك في الأستانة، ~~لإظهار ولائه للسلطان، ولاستصدار فرمان سبتمبر سنة 1867، الموضح ما غمض في فرمان 8 ~~يونية السابق، من الامتيازات الممنوحة، قد أدى إلى ضيق في المالية، ارتفع معه معدل ~~الخصم إلى 16 في المائة، وبات من المحتم النظر في إفراجه. # فقر الرأي على اقتراض قرض جديد، ووافق (إسماعيل) على ذلك. # وما ذاع سر الرغبة فيه إلا وبرز محل أوپنهايم وشركائه على مسرح المعاملات، وتقدم ~~ليكون واسطة في استصداره. # غير أن الفصل البارد الذي ارتكبه أثناء المخابرات في قرض السنة السابقة، كان لا يزال ~~ينغل قلب (إسماعيل) عليه، فما وسع ذلك المحل إلا مراقبة تطورات المخابرات الجديدة عن ~~كثب، لاغتنام أول سانحة تجيز تداخله، وخلا الجو لتشرنسكي - وكان نجاحه في إتمام قرض سنة ~~1866 قد جعله مقربا إلى قلب الخديو الأول - فكلفه راغب باشا، كبير الوزراء ووزير ~~المالية في تلك السنة، بالسعي إلى إتمامه. # وكان راغب باشا هذا من الأسرى اليونان المسيحيين الذين أتى بهم (إبراهيم) الهمام ~~أرقاء إلى مصر، فلما اعتنقوا الدين الإسلامي أعتقوا وأحسنت تربيتهم، (وهو والد إدريس ~~راغب بك أستاذ الماسونية المصرية الأكبر)، # 3 # وكان في سنة 1868 شيخا جليل القدر، ضيق الفكر، ليس عنده من الحذاقة ~~المالية إلا ما يتفتق له ذهنه من الحيل في سبيل تأجيل دفع المستحقات من أجل إلى أجل، ~~ودفعها بعد ذلك نقطة نقطة. فلم يكن إذا بالمالي الذي يميز الغث من السمين في ~~الارتباكات المالية، ولا بالرجل الذي يصح الاعتماد عليه في الشدائد. # وكانت الأقدار قد ساقت إليه، لسوء حظه، رجلا ألزاسيا أتى مصر قبل بضع سنوات، فتعين ~~رئيسا لقلم قضايا وزارة الأشغال العمومية ms580 في عهد إسنادها إلى نوبار باشا، لشدة ~~الاحتياج فيها إلى رجل خبير بالتشريع والقوانين، يمكن الوقوف بواسطة خبرته في سبيل ~~مطامع الأجانب الذين يتعاقدون مع الحكومة، وغرضهم الحقيقي ليس إتمام عمل، ولكن التذرع ~~بأية وسيلة لجعل الحكومة مسئولة عن عدم إتمامه، وإلزامها ثمت بتعويضات يثرون منها ~~بسهولة. # وكان ذلك الإلزاسي على تمام درايته بالقوانين، تام الاستقامة، نزيه النفس، ذا ذاتية ~~خاصة به، تميز ذكاءه عن كل ذكاء آخر، حسن المعاشرة، عذب المحادثة، محبا للكلاب، ~~مغرما بالصيد والقنص، ذا دراية لا بأس بها بالطب البيطري، لا يحنف عن التنجيم أحيانا ~~- وتصح معه صناعته - لطيف التنكيت والمزاح، فصيح اللهجة، حائزا - بالاختصار - كل ما ~~كان من شأنه جعله محبوبا عند الخديو ومقربا إليه. وكان على قلة بضاعته في الأمور ~~المالية، قد انتقل من وزارة الأشغال العمومية إلى وزارة المالية، فعهد الوزير إليه أمر ~~الاهتمام بإتمام القرض الجديد، ووضع شروطه مع المسيو تشرنسكي. # ولكن ذلك الإلزاسي رأى أنه يستطيع تقديم خدمة إلى الخديو، أجل من الخدمة التي كلف ~~بها، وأخذ على نفسه إتمام مخابرات خاصة ينشرح لنتيجتها صدر (إسماعيل) انشراحا ~~كبيرا. # فشرعت الألسنة تتداول ذكره، وبدأت التخمينات تتضارب فيما عسى أن يكون العامل المالي ~~الجديد العتيد ظهوره، فبعضهم يذهب إلى أن المخابرات دائرة مع «المصرف الشرقي»، وآخرون ~~إلى أنها دائرة مع رجل يقال له (لاشيڨارديير) بالنيابة عن بيت «كارتريه» الشهير، وغيرهم ~~يذهب مذهبا آخر، والكل على اختلاف مراكزهم من الوزير إلى آخر سمسار في البورصة يتطلع ~~إلى إنهاء تلك المخابرات، ونجاحها بسرعة كلية. # وذلك لأن الضيق المالي كانت قد استحكمت حلقاته، وباتت النقود قليلة في السراي ~~الخديوية عينها، وأمسى الحريم المصون نفسه في حاجة إليها - و(إسماعيل) مع ذلك مكب بكل ~~ما أوتي من نشاط على إشباع رغبة التشييد والتعمير التي عادت نفسه ممتلئة بها إثر زيارته ~~لباريس ولندره، مشدد في طلب الأموال من خزينة المالية، لتصليح الأزبكية، وتكييفها ~~تكييفا جديدا، وإنشاء مضمار سباق للخيل، وإتمام حي الإسماعيلية، وفتح شوارع العاصمة ~~الجديدة، وابتناء قصور في ms581 العباسية، والقبة، وعابدين، والجيزة، وتجاه جزيرة الروضة، وفي ~~مصطفى باشا، وتزيينها بالرياش الفاخر، وهلم جرا - فبذل المتخابرون جهدهم حتى وصلوا ~~إلى اتفاق أقروه، وللحال ذاعت في الأسواق والأوساط المالية أنباء عقد القرض المرغوب ~~فيه، بين الوزير راغب باشا عن الخديو، وبين (لاشيڨارديير) عن محل كارتريه وشركائه (3 ~~فبراير سنة 1868). # فنزلت أسعار الخصم من 16 في المائة إلى 12 في المائة، وبات تحسينها المطرد منتظرا من ~~الجميع، لما أشيع عن اشتمال ذلك القرض على مزايا قل توقع نظيرها أو ما يضاهيها في عالم ~~الاقتراض. # فتناقلت الألسنة أن المبلغ المقدم سيكون 645000000 من الفرنكات، لتوحيد عموم الديون ~~المصرية (بما فيها دين السكة الحديدية، وما خلا أذنات القرى)، وأنه سيقسط على 41 سنة، ~~باعتبار القسط السنوي 875 في المائة من الدين الاسمي، أي أن المبلغ الذي يجب على ~~الحكومة المصرية دفعه كل ستة أشهر لا يزيد أبدا على 27343750 فرنكا، وأنه يدفع في أول ~~يناير، وأول يولية من كل سنة، وأن العربون الذي يقدم فورا سيكون عشرين مليونا من ~~الفرنكات. وأما ضمانات السداد، فعموم الإيرادات التي ما زالت حرة، والتي ستصبح حرة في ~~المستقبل بعد سداد الدين الذي هي ضمانته، وأنه اشترط أن تنشئ الحكومة سجلا عاما ~~للديون المصرية، وتضع له نظاما خاصا به، وتتعهد بأن لا تقترض في المستقبل إلا على ~~قدر الزيادة في ميزانيتها السنوية. # غير أن المزايا النادرة ذاتها، المتفق عليها لمصلحة المقترض في ذلك العقد كان من شأن ~~المبالغة الظاهرة فيها إلقاء الريب والشك حول إمكان توقيعه حقيقة؛ لذلك أخذ الخبيرون في ~~الأمور المالية يتسارون بأنه لا بد من وجود مخدوع بين الطرفين المتخابرين، وأنه يصعب أن ~~يكون ذلك المخدوع المحل المالي. # وما لبثت الأيام أن أظهرت أن همسهم كان على حقيقة، فإنه لما كلف الخديو الموظف ~~الإلزاسي بدرس أوراق التوكيل التي قدمها (لاشيڨارديير) في أول المخابرات إلى وزارة ~~المالية، والتثبت من حقيقتها، لمعرفة ما إذا كان محل كارتريه وشركائه قد خول وكيله ~~المذكور حق التوقيع على العقد بالنيابة ms582 عنه أم لا، وأقبل ذلك الموظف على البحث عنها في ~~ملف أوراق المفاوضات، وجد - وكل كيانه ينتفض وجلا - أن تلك الأوراق قد أخفيت، وأنه لم ~~يبق لها من أثر، فأدرك في الحال أنه قد هزئ به، ونصب عليه وعلى موكله معا، وكاد يفقد ~~رشده. # وشاع نبأ ذلك في الدوائر المالية، فأثار فيها عاطفة سخرية وقلق معا. ولما اطلع ~~(إسماعيل) على الأمر استشاط غضبا، وصب جام سخطه على رأس وزير ماليته التعس راغب باشا، ~~وعلى رأس ذلك الألزاسي المتداخل فيما لم يكن من اختصاصاته، وعزلهما من خدمته. # فمرض كلاهما مرضا كاد يودي بحياتيهما. واضطر الألزاسي بعد ما نهض من سرير أسقامه إلى ~~مغادرة الديار. # فلما خلت وزارة المالية من شاغليها، رأى الخديو أن يقلد منصبها رجلا قريبا من قلبه، ~~كان سبق له امتحانه في وظائف أخرى ذات مسئولية خطيرة، فوجده راجحا، وآنس منه ذكاء ~~نادرا، وتفننا غريبا، وإخلاصا متناهيا في خدمته، فاستدعاه إليه، وعينه وزيرا ~~لماليته. # وكان اسم ذلك الرجل إسماعيل صديق، ويعرف «بالمفتش» لسابق تقلده وظيفة التفتيش في ~~الصعيد على أعمال دائرة الخديو الخاصة أولا، فعلى أعمال الحكومة المصرية. # وكان ابن والدين من فلاحي الوجه القبلي، عقليته عقلية فلاحينا المصريين، وأخلاقه ~~أخلاقهم. # ولما كان أخا الخديو في الرضاعة، اختص (إسماعيل) بخدمته لذاته، منذ أن كان لا يزال ~~أميرا، وما فتئ يقدمه في أعمال دائرته، ويرفع من درجته فيها بقدر ما كان يبدو له من ~~الدراية والكفاءة إلى أن أبلغه أسماها، ثم نقله إلى خدمة حكومته، وما زال يرقيه فيها - ~~وإسماعيل صديق يعمل على ما فيه مصلحة مولاه ورضاه قبل كل شيء، وفوق كل شيء - إلى أن بات ~~أكبر المقربين من قلبه، وآمن المؤتمنين عنده. # وكان إسماعيل صديق هذا رجلا ماهرا في الواقع، ثاقب الرأي، أصيله، متفتق الذهن، ~~يدري، كما لا يدري أحد غيره،كيف تستخرج النقود من مدافنها، وكيف يتوصل إلى تحقيق ~~الرغائب ونيل الأغراض، لا يوقفه في سبيل إحراز رضا مولاه هاجس، ولا يهمه أن يرتكب دنية، ~~بل ولا إثما، ms583 إذا كانت تلك الدنية وذلك الإثم يعززان مركزه، ويظهرانه في مظهر الرجل ~~المخلص. وكان - علاوة على ذلك - هماما، نشيطا، يحب الشغل، ويلج أبوابه برغبة أكيدة، ~~كما أنه كان كبير المطامع، شبقا نساء وأموالا ولذائذ. # فما استلم دفة وزارة المالية، إلا وظهر حالا، الفرق بينه وبين سلفه، وحل تشهيل ~~الأعمال محل المطل فيها، والبت بسرعة في الأمور محل التخبط والتردد، ودفعت الأذنات ~~المالية في أوقات استحقاقاتها بدون إبطاء، لإدراك الوزير الجديد ما في عمل ذلك من ~~المصلحة لمركز الحكومة. # وبما أن إسماعيل صديق لم يكن، في بادئ أمره، خبيرا بالأمور المالية - وإن صحت تسميته ~~ماليا ولادة - فإنه اتخذ أخصاء من ذوي الدراية فيها، وتلقى عليهم دروسا عملية جعلته ~~في مدة يسيرة كفؤا لمقاومة أحذق عمال السلفيات ومتداوليها، ومناضلتهم، فلم يعد يوقفه ~~وسواس، مهما كان نوعه، عن السوق مباشرة إلى ما يقصد من الأغراض، وبرع في ضروب المخاتلة ~~براعة حملت بعضهم على إلباسه بحق قول القائل «إنما أعطيت الكلمة للإنسان لكي يخفي ~~فكره.» # وظهر ذلك جليا للماليين الغربيين الذين استمرأوا حلاوة التوسط بين الخديو والأسواق ~~المالية الأوروبية. # فما خلا الجو من لاشيڨارديير ومحل كارتريه إلا وتقدم المسيو تشرنسكي لإنهاء مسألة ~~القرض الذي فشل، فدارت المخابرات بينه وبين الوزير الجديد. وفي الليلة ما بين 19 و20 ~~أبريل انعقد في سراي الجيزة اجتماع حضره الخديو نفسه، وشريف باشا كبير وزرائه، وإسماعيل ~~باشا المفتش، وحافظ باشا ناظر الدائرة السنية من جهة، والمسيو تشرنسكي، والمسيو باستري ~~من جهة أخرى. وبعد تباحث جدي دام طويلا، انتهى بهم الأمر حوالي الساعة الثالثة صباحا ~~إلى اتفاق تام، كانت نتيجته أن لسان البرق كلف بحمل بشائر انعقاد السلفة إلى محافظ ~~الإسكندرية ومديري الأقاليم، وإلى الوسطاء المجدين في باريس للاستقراض أو الخصم. # وبناء على إشارة الخديو وقع المسيو تشرنسكي على العقد، فوضعه وزير المالية في جيبه، ~~ووعد بإعادته إليه في الصباح، مختوما منه، لتقدم ساعات الليل، واحتياج الكل إلى راحة، ~~وانفصل المتعاقدون وصدورهم منشرحة. # فلما كان الصباح اكتشف الوزير عيبا في ms584 شكل العقد، وحمل مولاه على نقض ما ~~أبرم. # فكان ذلك أول تأثيرات المفتش السيئة في الشؤون العمومية، وهي تأثيرات توالت فيما بعد ~~حتى أدت في نهاية الأمر إلى انحراف القلوب عن الخديو، بالرغم من استمرار نياته حسنة، ~~وإلى خراب البلاد، بالرغم من كثرة الأسباب الموجبة عمارها. # فما علم محل أوپنهايم بفشل مسعى المسيو تشرنسكي إلا وتقدم خاطبا ود المالية المصرية، ~~وعرض إقراض ثلاثة ملايين من الجنيهات، نصفها يدفع فورا، والنصف الآخر عند ~~الاختيار. # ولكن الشروط التي عرضوها كان فيها من التقييد لحرية الخديو وسلطته ما حمله على رفضها، ~~فتحول عن ذلك المحل مؤقتا، ورأى أن يشرك معه في الأمر مجلس النواب المنعقد إذ ~~ذاك. # فبناء على طلب إسماعيل باشا صديق، وعلى أمر الخديو، اقترح رئيس ذلك المجلس العدول عن ~~الاقتراض الخارجي إلى الاقتراض الأهلي، وحمل المجلس على قبول اقتراحه. # فقرر أن يكون القرض ثلاثة ملايين من الجنيهات الإنجليزية، وأن تسري عليه فوائد ~~للمكتتبين فيه، بواقع عشرة في المائة سنويا، وأن يسدد ذلك القرض في بحر ثماني سنوات، ~~بسحوب يانصيبية يبدأ بها بعد مضي ثلاث سنين على الإصدار. # ولكن الوزير أهمل أن يقدم ضمانة للسداد، فلم يقبل على الاكتتاب إلا نزر يسير، فرأى أن ~~يشرك غير الأهالي مع الأهالي فيه، وأن يجعل القرض داخليا بدلا منه أهليا فقط، ~~ولكنه أهمل أيضا تقديم الضمانات، فكان نصيب القرض الداخلي نصيب القرض الأهلي. # على أن وزير المالية لم ينتظر انجلاء نتيجته، بل أقدم تحت طي الخفاء على خصم أذنات ~~مالية، بما بلغ مقداره مليونين من الجنيهات، ثلاثة أرباعها عند محل أوپنهايم، وبعض ~~مصارف مصر والإسكندرية. # وفي الوقت عينه دبر مشتري مياه الإسكندرية بأذنات مالية أيضا، ودفع بها كذلك الباقي ~~- وقدره ثلاثون مليون فرنك - من أصل المبلغ المحكوم به لشركة ترعة السويس. # فكانت نتيجة ذلك جميعه زيادة ما يقرب من مائة مليون فرنك على الدين السائر، وملء ~~الخزينة مؤقتا بمبالغ تمكنت بها الحكومة من سد الطلبات الملحة الوقتية، وتمكن الخديو ~~من الذهاب إلى رحلته الصيفية ms585 التي أشار الأطباء عليه بها للعلاج من الداء الذي ألم ~~بحنجرته، وجيوبه ملأى ذهبا، يصرف منه على تحقيق رغائبه. # على أن الجريدة الرسمية لم تعلن خبر سفره إلا بعد ثلاثة أيام، في عددها الذي نشرت فيه ~~ملخص المباحثات التي دارت في مجلس النواب على الحال المالية، وميزانية الحكومة عن العام ~~القبطي سنة 1585، أي من سبتمبر سنة 1868 إلى سبتمبر ~~سنة 1869. # ولما كان يتضح من تلك الميزانية أن هناك زيادة للحكومة في الإيرادات على النفقات تقدر ~~بأكثر من ثلث مجموع تلك الإيرادات، فإن مجلس النواب أقدم على المناقشة، والتماس ~~الإيضاحات عن ضيق المالية المزعوم، واضطرارها إلى الاقتراض. # فكلف ناظر المالية وناظر الداخلية بتقديم تلك الإيضاحات إلى لجنة يعينها المجلس خاصة ~~لهذا الغرض، وقدماها في الواقع. # فرفعت اللجنة بها تقريرا إلى المجلس، اتضح منه أن مصدر الضيق إنما هو الدين السائر، ~~البالغ قدره عشرة ملايين من الجنيهات الإنجليزية تقريبا، ومصدر الإحراج اضطرار الحكومة ~~إلى سداده في الحال. # فاتفق المجلس مع وزير المالية على إبدال القرض الداخلي الذي فشل بضريبة سدس، تضاف من ~~باب الاستثناء إلى مجموع الأموال المربوطة، وتحصل مدة أربع سنوات متواليات ابتداء من ~~سنة 1584 القبطية. # ولما كانت قيمة هذا السدس، الإجمالية، لا تزيد على مليوني جنيه إنجليزي، اقترح الوزير ~~إصدار قرض قدره ستة ملايين من الجنيهات الإنجليزية، يخصص فقط لسداد الدين السائر، بحيث ~~لا يعود لذلك الدين من أثر في الوجود. # فصدق المجلس على ذلك، وشرع الوزير، حالا، يخابر محل أوپنهايم في تولي أمر إصداره، ~~على أن يكون سداده على خمسة عشر قسطا سنويا، وتكون ضمانته إيرادات الجمارك، ورسوم ~~الهواويس، والمتحصلات من المصائد، ومكوس الملح والمملحات إلخ - ومجموع مبالغها كلها ~~مليون جنيه إنجليزي سنويا - وتعهدت الحكومة بأن تدفع للمتعاقدين كل ستة أشهر قسطا ~~قدره 848595 جنيها إنجليزيا، فوائد واستهلاكا وجوائز يانصيب، وحظرت على نفسها عقد ~~أي قرض جديد قبل مرور خمس سنوات. # على أن الوزير لم يقف عند هذا الحد، ولكنه في 4 يونية أمضى مع محل أوپنهايم ملحقا ms586 ~~تعديليا للاتفاق الأول، ثم أمضى في 8 يونية ملحقا غيره رفع بمقتضاه مبلغ القرض إلى ~~سبعة ملايين من الجنيهات الإنجليزية، ومد أجل السداد، فجعل واحدا وعشرين عاما، وزيد ~~مقدار القسط السنوي فجعل 870042 جنيها إنجليزيا، وأضيف إلى الضمانات السابقة عوائد ~~الأملاك والمواشي والسرج. # وأخيرا قر القرار النهائي في 7 يولية على أن يكون مبلغ القرض ثمانية ملايين من ~~الجنيهات الإنجليزية، ومبلغ القسط السنوي 953297 جنيها مصريا، ومدة التقسيط ~~الاستهلاكي ثلاثين سنة، وأبدلت ضمانة عوائد الأملاك بضمانة رسوم القبانة والملاحة ~~النيلية. واتفق على أنه إذا أخذ محل أوپنهايم وشركائه على عهدته دفع مبلغ الثمانية ~~الملايين، فإنه يكون حرا في ترتيب إصدار الأوراق المالية الجديدة إزاء ~~الجمهور. # فكأن الوزير أراد من رفع مبلغ القرض من ستة ملايين إلى ثمانية ملايين أن يضع تحت تصرف ~~الخديو المطلق مبلغ الفرق - أي مليونين من الجنيهات - لينفقه في دار السعادة، على تقديم ~~مشروعاته في سبيل تحقيقها، وعلى إزالة العقبات التي قد تصادفها في طريقها. # وبما أن العملية كانت، في الحقيقة، في منتهى النفع للمكتتبين - لأن المائة فيها لم ~~تكن في الواقع مائة، بل واحدا وستين وربعا فقط - نجح تصدير القروض نجاحا بينا في 16 ~~و17 و18 يولية سنة 1868، وبلغ عدد المكتتب به أحد عشر مليونا وثمانمائة وتسعين ألف ~~جنيه إنجليزي. # ولكنه بعد تصفية كل حساب لم يدخل منه في خزينة الحكومة سوى سبعة ملايين ومائة وخمسة ~~وتسعين ألفا وثلاثمائة وأربعة وثمانين جنيها إنجليزيا، وذلك رفع معدل الفوائد من ~~سبعة في المائة إلى # في المائة، وزاد على سابقة الديون المصرية ثمانية ملايين ~~أخرى. # ولو أن الوزير اكتفى بما فعل لكان الشر يسيرا على جسامته، ولكنه عاد إلى إصدار ~~أذونات مالية جديدة، حتى قبل الفراغ من تسليم سندات القرض الجديد. # وكان الخديو في تلك الأثناء مقيما في الأستانة العلية، يعالج نجاح مشروعه القضائي، ~~ويجتهد في توسيع دائرة استقلال البلاد الداخلي. # على أن مساعيه في هذين السبيلين كلفته أموالا جسيمة، ابتلعتها العاصمة العثمانية ~~فبلغ القلق في الأوساط المالية أشده، ms587 وباتت القلوب تشتهي بحرقة أن يقصر مدة إقامته في ~~تلك المدينة الشرهة. # وكأنى به قد شعر باشتياق رعاياه إلى عودته، فاقتلع نفسه من وسط أسباب الغواية العديدة ~~الحافة به، ورجع إلى القطر المصري في اليوم الثاني والعشرين من شهر سبتمبر سنة ~~1868. # فاحتفلت الإسكندرية والعاصمة احتفالهما المعتاد بعودته، وأطلق في كل منهما مائة مدفع ~~ومدفع، وأهدته والدته الجليلة ثلاث حوريات شركسيات، أرادت أن ينافس جمالهن السماوي جمال ~~صبية يونانية اشتراها (إسماعيل) عينها ببيكوس بثمن خرافي، وكان من شأن حسنها الفائق، ~~وتأثيره العميق في قلبه إثارة ثورة غيرة بين نسائه الأخرى، طول مدة السفر البحري من ~~الأستانة إلى الإسكندرية، واضطر الخديو لاجتناب تكرار مثلها في سراي رأس التين أن يرسل ~~تلك اليونانية رأسا إلى القاهرة. # وكانت أسعار السوق مستمرة في تحسينها الذي أعقب عقد القرض الجديد. # ولكن البوليس لكي ينال محظوظية عند الخديو، ويظهر لسموه تيقظه وسهره على حياته، أخذ ~~على عاتقه إثارة القلق، فأقدم في شهر أكتوبر من السنة عينها على اكتشاف مكيدة، زعم أن ~~حليم باشا دبرها لاغتيال ابن أخيه، فنصب شراكه، وبث زبانيته. وفي الثاني والعشرين من ~~الشهر المذكور أعلن للملأ نجاح مسعاه، وتمكنه من القبض على المتآمرين على حياة مليك ~~البلاد. # فاضطر (إسماعيل) إلى إبعاد عمه عن القطر، واتخذ في ذلك احتياطات، صبغتها النفاثات في ~~العقد السياسية صبغة غير حقيقية، أدت إلى انسدال قتام على سوق الأوراق المالية ~~المصرية. # فبالرغم من الاحتفالات التي أقيمت بمناسبة عودة الأمير إلى القطر، ودامت أياما، ~~وكلفت البلاد نيفا وستة آلاف جنيه في كل ساعة، وبالرغم من الاحتفالات البهية والمراقص ~~التي تلتها بسبب حضور اللورد ناپيير أوڨ مجدلا، قاهر النجاشي تيودوروس، ليقلد سمو ~~الخديو وسام نجم الهند الأكبر، وتصادف وجود والي الهند اللورد مايو في ذلك الوقت بمصر، ~~وبالرغم من نجاح القرض، انتهى عام سنة 1868 والجو المالي مكفهر بمصر، لا سيما عقب نشوء ~~الخلاف بين اليونان والدولة العلية بسبب الثورة الكريتية المستمرة. # ذلك الخلاف ما فتئ يتطور ويشتد، حتى بلغ منتهاه في ms588 أوائل سنة 1869، إذ باتت الحرب بين ~~الدولتين قاب قوسين أو أدنى، وأخذت الجالية اليونانية الغنية والقوية بمصر تشعر باضطراب ~~وارتجاج في حياتها المدنية، لدى تصورها اضطرار مصر إلى ولوج باب تلك الحرب، فيما لو ~~شبت، وتأدية ذلك إلى نزاع عنيف بين وطنيتها الشديدة الاستعار، ومصالحها المادية - من ~~تجارية واستغلالية كثيرة - المتشعبة في القطر المصري . # فاغتنمت ألسنة السوء اكفهرار الجو المالي المؤقت لتذيع في الملأ على لسان بعض جرائد ~~أوروبية أنباء إقدام الحكومة على عقد قرض جديد، عقب مصاريف الصيف الجسيمة في الأستانة ~~العلية. # فرأى (إسماعيل) أن يهدئ روع بلاده المضطرب بدون سبب، فافتتح سنة 1869 بسلسلة أعياد ~~واحتفالات باهرة، بينما كان جميع مستخدمي الحكومة الذين لهم معرفة باللغة الفرنساوية ~~يشتغلون في نقل مؤلفات «أفنباخ» - مثل «العين المثقلة»، و«هيلانة الجميلة»، و«ثلاثاء ~~المرفع»، وغيرها - إلى العربية ليتمتع برؤية تشخصيها ساكنات دور الحريم، ومن لم يكونوا ~~يفقهون سوى العربية من اللغات. # وتوجت تلك الأعياد كلها بالمرقص العظيم الذي أقيم؛ احتفالا بعود يوم الجلوس المأنوس ~~في سراي الجزيرة وبستانها، وكلف الكوبري المؤقت الذي أنشئ على النيل لخدمة العبور في ~~تلك الليلة فقط ثمانية آلاف جنيه، فما بالك بالتكاليف الأخرى؟! # ثم أمر باجتماع مجلس النواب، وافتتحه في 28 يناير سنة 1869 بخطبة جميلة، شرح فيها ~~أولا حالة الحكومة المالية، فمر بجميع الديون، التي عليها، وقال: إنها بعد أن كانت 22 ~~مليونا من الجنيهات عند موت (محمد سعيد باشا) أصبحت في تلك السنة 17 مليونا فقط، بما ~~فيها مبلغ القرض الأخير. # ثم توسع في تعداد الأعمال العمومية المفيدة التي تمت على يدي حكومته منذ ارتقائه ~~العرش، ليبرر الأقراض المعقودة، فذكر السكك الحديدية المنشأة حديثا، وأحواض تصليح ~~السفن، والأرصفة، والجسور والترع، والمسنوات (هواويس)، والمدارس على أنواعها، ~~إلخ. # وأفاض أخيرا في بيان الإصلاحات العديدة المدخلة على تنظيم القوى البرية والبحرية ~~وتسليحها بالأسلحة الحديثة. # وختم خطبته الجليلة بشكر العناية الإلهية التي ألهمته في شئون إدارته الداخلية تنفيذ ~~أجزاء خطة السير الخمسة التي وضعها نصب عينيه عند ارتقائه سدة الأحكام ms589 تنفيذا تاما ~~في جميع دقائقها، وهي: ~~(1) # إلغاء السخرة. ~~(2) # توسيع نطاق التجارة والزراعة. ~~(3) # نشر التعليم العام. ~~(4) # تعيين مرتب خاص لنفقاته الشخصية. ~~(5) # الإصلاح القضائي، الذي أكد للمجلس أن جميع الدول الكبرى قد صدقت على ~~مبادئه. # ولم يكن في جميع ما ورد في تلك الخطبة من شيء مخالف للواقع، إلا ما جاد به منجم ~~إسماعيل صديق باشا، فإن الدين المخلف من (سعيد) لم يكن 22 مليونا من الجنيهات، ولا ما ~~يقرب من هذا المبلغ الجسيم بالكلية، بل كان مائتين وتسعة وسبعين مليونا من الفرنكات ~~فقط، أي ما يقرب من الأحد عشر مليونا ونصف من الجنيهات، ومبلغ الدين المصري في تلك ~~السنة لم يصبح سبعة عشرة مليونا كما ورد في الخطبة ولكن ثلاثين مليونا من الجنيهات ~~الإنجليزية. # على أن تأثير الخطبة على السوق المصرية كان حسنا للغاية، فعادت الثقة عن تزعزعها إلى ~~ثباتها، وخلت أفكار (إسماعيل) من كل شاغل مؤقت إلا شاغل الاحتفال. (أولا) بمقدم البرنس ~~أوڨ ويلز، والأميرة زوجته. و(ثانيا) بفتح ترعة السويس في أواخر ذلك العام. # ولكن ذينك الاحتفالين أعقبا ضيقا ماليا شديدا بسبب ما أنفق عليهما من أموال ~~طائلة، نعم إن قرض سنة 1868 كان يساوي في لندن بفضل الضمانات الخصوصية التي أسند إليها ~~77، أي وحدتين فوق سعر إصداره، ولكن أذونات أي إفادات المالية آلت إلى نزول مستمر، وخصم ~~المستحق منها بعد مرور شهر إلى بعد مرور أربعة وعشرين شهرا كان بمعدل # و14 في المائة. # ومع ذلك فإن إقبال الأسواق الأوروبية على مشتراها كان كبيرا بسبب ما حملت بهجة أعياد ~~ترعة السويس من ثقة إلى القلوب. # فرأى الوزير إسماعيل صديق أن يغتنمها فرصة للحصول على جانب من النقود التي كان في ~~احتياج إليها لدفع جانب من المستحقات التي أوجبتها احتفالات فتح الترعة. # فقدم إلى سوق باريس إفادات مالية بمبلغ مليونين وأربعمائة ألف جنيه إنجليزي بخصم ~~معدله 12٪، واستحقاقات متسلسلة من 12 شهرا إلى 20 شهرا. # ولكن تسرعه في التقديم أيقظ مخاوف المشترين، فلم يكتفوا بطلب 14٪، بل حتموا أن يكون ~~الدفع في باريس، ms590 وأن تتعهد الحكومة بعدم إصدار إفادات جديدة لمدة حددوها. وبما أن ~~الوزير لم يكن ليرضى مطلقا أن يتقيد بمثل هذا القيد، أهمل مخابراته، ورجع عن ~~غرضه. # غير أن المطالبة بسداد الديون التي أوجبتها الاحتفالات العظمى المنقضية ازدادت ~~اشتدادا عليه، فاضطر، لكيلا يحرج مركزه، إلى ربط ضريبة جديدة مقدارها خمسة عشر قرشا ~~صاغا على كل فدان يزرع، ما عدا أطيان الدوائر الخديوية - فإنها لم تكن تدفع ضرائب ~~مطلقا - فاجتمع لديه من ذلك خمسمائة ألف جنيه إنجليزي - أي أقل من نصف المبلغ المطلوب ~~- فأصدر للحصول على الباقي إفادات مالية جديدة، خصمها 22٪، بيد أن ذلك لم يجد نفعا، ~~فالتجأ إلى وسيلة حال ضيقه دون إدراك فهمه عدم مشروعيتها. # وذلك أنه كان في بحر صيف سنة 1869، باع، نقدا، نيفا وخمسمائة ألف أردب بذرة قطن، ~~على أن يسلمها بعد خمسة أو ستة أشهر، أي بعد بيع المحصول الذي كان لا يزال قائما على ~~ساقه في الأرض. # فتربص المشترون ريثما تنقضي أشهر المهلة، ولكن ما أكبر ما كان اندهاشهم حينما تحققوا ~~استمرار شون الحكومة خالية خاوية، بالرغم من بيع أقطانها، وحلول مواعيد التسليم، وذلك ~~لإقدام الوزير على بيع كل ما وصل إليه من بذور القطن أولا فأولا، ونقدا نقدا، بدلا ~~من تخزينه لتغطية تعهداته. # على أن بيع الشيء عينه مرتين، كان من شأنه وضع ذلك الوزير الخرب الذمة تحت رحمة ~~مدائنيه. ولا شك في أنهم لو أرادوا مقاضاته لوجدوا إليها سبيلا واسعا، وتعضيدا حقا ~~من صاحب الأمر الأسمى، ولكنهم لحسن حظ إسماعيل صديق المؤقت، وسوء حظ الحكومة المصرية ~~كانوا أبعد الناس عن الإقدام على قتل الدجاجة ذات البيض الذهبي. وعليه، فإنهم اكتفوا ~~بأن باعوا إلى الحكومة بسعر 78 قرشا صحيحا ما كانوا قد اشتروه منها بسعر 71 قرشا، ~~ورضوا بأن تدفع لهم القيمة إفادات مالية، تسري عليها فوائد بواقع 12٪ سنويا، أي أنهم ~~ربحوا في ذلك فائدة تعدل بثمانية عشر في المائة سنويا. # غير أن هذا جميعه لم يكن إلا تحايلا على التخلص من ضيق مؤقت ولم ms591 يكن ليرضي وزير ~~المالية، لذلك أخذ يفكر في كيفية تمكنه من جمع مبالغ وافية، تعد بملايين الجنيهات. ~~ورأى، بعد طول التدبر، أن خير وسيلة لنيل المبتغى إنما هي إجبار الأرض المصرية على ~~تقديم قرض قدره خمسة عشر مليون جنيه، يوزع على مساحتها المزروعة، ما عدا أطيان الدوائر ~~الخديوية (السنية)، باعتبار خمسة جنيهات عن كل فدان. ولما استقر هذا الرأي في تصميمه، ~~طفق ينتظر، بفروغ صبر التئام مجلس النواب السنوي ليحمله على تقريره. # فالتأم ذلك المجلس كالعادة في أول فبراير سنة 1870، وكان الكل شيقا للوقوف على ما ~~عساه يقال ويتم في جلساته، لأن الكل كانوا يتوقعون أن توضح خطبة الخديو حالة القطر ~~الداخلية والخارجية، إيضاحا تاما، ويؤملون أن يجدوا فيها على الأقل تأكيدا صريحا ~~بتسوية الخلاف الذي نجم مع الأستانة عن حفلات ترعة السويس، وبيانا لما تراه الحكومة في ~~أمر مبلغ الضرائب، وتسوية الدين السائر. # ولكن الخطبة الخديوية لم تذكر من ذلك شيئا، واكتفت بشكر العناية الإلهية على ما أولت ~~من نعم، وطلب معونة الله فيما ينوي من مشروعات خيرية، ثم أحالت النواب الراغبين في ~~الوقوف على أعمال الإدارة على الوزارات المختصة، ووقفت عند ذلك الحد. # فكان وقعها في الأوساط المالية الأجنبية سيئا، لأن تلك الأوساط علقت على عدم تكلمها ~~عن الحالة المالية ألف تعليق وتخرص. # فرأى المفتش أن يزيل التطير الذي أوجدته تلك التعاليق والتخرصات في القوم، فأذاع قرب ~~وصول صر من الأستانة قدره أربعمائة ألف جنيه إنجليزي، من أصل ثمن المدرعات والبنادق ~~ذات الإبر المسلمة إلى الباب العالي. # ولكن الإشاعة لم تجد تصديقا، وطار في البلد يقول «ما هذا؟ ذهب السلطان يسير إلى ~~القاهرة؟ إن من يصدق هذا، يصدق أيضا أن ماء النيل يجري من مصبيه إلى منابعه.» # على أن الوزير أراد في الوقت عينه أن يضمن لنفسه مبلغا يكون وصوله إلى خزينته آكد من ~~وصول تلك الأربعمائة ألف جنيه. # لذلك بذل ما في وسعه لجعل مجلس النواب يعتمد القرض الإجباري الذي ارتآه، ويطلب إجراءه ~~مقابل اثني عشر إذنا ms592 سنويا، يقوم تقديم كل واحد منها مقام دفع الضريبة ~~السنوية. # ولكن بالرغم من تصديق المجلس على طلبه، لم يمكن الوزير تنفيذ ذلك القرض الاغتصابي، ~~لعدم استطاعة الأهالي تقديمه، وبعد تحصيل بضعة آلاف جنيه فقط، اضطر إلى العدول ~~عنه. # غير أن الخزينة كانت فارغة، والطلبات ملحة، ودفع قطعية قرض سنة 1864 مستحقا في أول ~~أبريل التالي، والاضطرار إلى النقود هائلا، فما العمل؟ # فتمارس الوزير - أولا - في بيع عدة إفادات مالية تعهد بسداد قيمتها بعد ثلاثة أشهر، ~~بفوائد قدرها 14٪، علاوة على نصف في المائة على سبيل العمولة. # ولكن هذا لم يجد، بل زاد الطين بلة، لأن مهلة الثلاثة الأشهر، فقط، جعلت الناس ~~يتساءلون: «هل هذا يكون، من الآن فصاعدا، أقصى حد لثقة الماليين وأصحاب المصارف ~~بالحكومة المصرية؟» # وزاد اضطراب السوق، وقلق الدائنين، وبات الوقت حرجا جدا للوزير # ولكن الرجل كان جسورا، مقداما، فرأى أن يدع جانبا كرامة المنصب السامي الذي هو ~~فيه، ويتدنى إلى انتهاج أكثر الوسائل تلبسا بالمخاطرة، من المضاربة عينها. # غير أن المال ذاته اللازم للمضاربة المنوية كان يعوزه، فسعى حتى تحصل عليه بعمل عملاء ~~موثوق برصانتهم وحذقهم، باع بواسطتهم كميات عظيمة من الإفادات المالية المتسلسلة ~~الاستحقاق، من اثني عشر شهرا إلى ثلاثين شهرا، على أن يكون دفع ثمنها نقدا مقابل خصم ~~٪، ويكون تسليمها بعد ثلاثين يوما. # ولما بات المال المجموع هكذا في قبضة يده، كلف بعض المصارف بمشتري كل ما يعرض من ~~إفادات للبيع داخل ستة أشهر، معينا بنفسه الإفادات التي يعرف أنها أخف من غيرها ثقلا، ~~وأكثر، بالتالي قابلية للتحسين. # فكانت النتيجة مدهشة وتهافت الناس على بيع ما كان لديهم من تلك الإفادات فسقط معدل ~~الخصم من 14٪ إلى 9٪. ولما شحت الإفادات ذات الاستحقاق القريب، اضطر أصحاب رءوس الأموال ~~إلى مشتري الإفادات البعيدة الاستحقاق، لتجد لنفسها استثمارا، فتمكن الوزير بذلك من ~~تسليم المشترين منه ما شاءوا من كمية الإفادات المباعة إليهم، واستمرت العمليات راجحة ~~ناجحة، حتى نفر الناس من الطلب هبوط الأسعار المتجاوز كل حد. # ولكن اللعبة كانت قد ms593 تمت، والدين السائر الذي كان بالأمس موجبا قلقا لا يطاق، أجلت ~~المطالبة به إلى ثمانية عشر شهرا، على أقل متوسط. # فلو أمكن تثبيت الأمور على هذا المجرى، وتقييد المستقبل بحيث لا يعود يثقل على ~~الحاضر، كان ذلك منتهى الحذق والمأمول. # لذلك أخذت المخابرات بين المالية المصرية، والشركة المصرية العمومية التي أنشأها ~~الخديو في باريس تروح وتجيء والآمال بالحصول على نقود منها تحيا تارة، وتموت أخرى ، حتى ~~تغلب اليأس على الأمل، وبات لا يرجى من تلك الشركة خير. # فتحولت الأنظار عنها إلى محل أوپنهايم وشركائه، وكادت المخابرات معه تفضي إلى النتيجة ~~المرغوبة، لولا أن شخصا يقال له هكتور بك، كان وكيلا بمصر لمحل بيشوفشهم، وجولدشمدت ~~وشركائهما، وتمكن من نفس (إسماعيل) بحسن أساليبه، حال دون توقيع العقد، وحول الطلب إلى ~~محل مخدميه. # ولما كان فرمان نوفمبر سنة 1869 يحظر في بعض منطوقه عقد أقراض جديدة على خديو مصر، ~~اتفق الطرفان المتعاقدان على أن يكون القرض الجديد باسم الخديو الشخصي، وأن ترهن أملاك ~~الدائرة السنية ضمانة لسداده. # وبناء على هذا الاتفاق، قدم محل بيشوفشهم وجولد شمدت للخديو مبلغا اسميا قدره سبعة ~~ملايين ومائة واثنين وأربعين ألفا وثمانمائة وستون جنيها إنجليزيا، ونال مقابل ذلك ~~امتيازا لتأسيس مصرف (بنك) يدعى «البنك الفرنساوي المصري»، كان الخديو نفسه أكبر ~~مساهميه، واكتتب بربع أسهمه، أي بما بلغت قيمته ستة ملايين ومائتين وخمسين ألف فرنك، ~~وقام مؤسسوه ببعض شئون تصدير القرض الجديد. # على أنه بالرغم من تصديره بواقع ~~- ويقول بعضهم بواقع 70 فقط - وبالرغم من أنه بعد استبعاد المتعات ~~والعمولات نزل صافي التصدير إلى 67، فإنه لم يغط سوى ثلثيه فقط، ولم يكتتب أحد في ~~الثلث الباقي، فأوجبت الحال خفض أسعاره فيما بعد، وكانت نتيجته الصافية أنه بالرغم من ~~كونه قرضا بفوائد قدرها 7٪، وواجبا تسديده بكمال قيمة تصديره الاسمي، إلا أنه لم ينتج ~~للمقترض سوى خمسة ملايين من الجنيهات فقط، ورتب عبئا على إيرادات الدائرة السنية ~~السنوية قدرها ستمائة وثمانية وستون ألفا وتسعمائة وستون جنيها إنجليزيا، أي ما ~~يقرب من ms594 13,38٪ من أصل رأس المال المدفوع. # على أن المرجع في عدم نجاحه بالرغم من الاحتياطات التي اتخذت لذلك كتكليف ~~«الكمپتواردسكمپت»، أي «بنك الخصم» بمهمة إصدار معظمه، وإقدام توكيل هذا البنك ~~بالإسكندرية على طلب زمرة قواصة من الحكومة لإقامتهم عند الحواجز التي أنشأها أمام ~~محله، لحفظ النظام بين جمهور المكتتبين إشعارا بتوقعه ازدحام أقدامهم هناك، وكمجيء ~~وزير المالية نفسه على رأس فئة من أصدقاء الحكومة، ليكتتب، فيكون مثله قدوة للغير، ~~ويحيي خور تلك الحواجز ولو لحظة، بالرغم من أن الغرض الذي أذيع أن القرض معقود لأجله ~~كان من أجل الأغراض، ألا وهو إنشاء معامل للسكر، وسكك حديدية زراعية لاستغلال المائة ~~والخمسين ألف فدان المقدمة رهنا على سداد المال المرغوب في اقتراضه - أن المرجع في عدم ~~نجاحه ربما كان إلى قيام بعض الصحف للتنديد به، وادعاء عدم مشروعيته، ومطالبتها الباب ~~العالي، والمتعاقدين في قرض سنة 1868 إلى التداخل لمنعه، وإلى تداخل الباب العالي في ~~الواقع، وإصداره أمره إلى القنصل العام العثماني في لندن بالاحتجاج عليه ~~ومعاكسته. # وبينما الكل بمصر، من الأمير إلى أصحاب المصارف، وأصحاب رءوس الأموال، وجميع ~~المشتغلين في الأمور المالية، مرتاحو الفكر، مطمئنو البال، يقضون أيامهم في أتم هناء، ~~وبينما خصم إفادات المالية في أوائل شهر يولية لا يتجاوز ثمانية ونصفا في المائة، متى ~~كان الاستحقاق قريبا، ولا يتجاوز عشرة في المائة في الاستحقاقات البعيدة، المتراوحة ~~بين 24 شهرا و30 شهرا، وسعر قرض سنة 1868 الذي كان الإقبال عليه أكثر منه على غيره، ~~يتراوح بين 83 و84، إذا بأنباء الحرب بين پروسيا وفرنسا دوت في الآفاق، وألقت الفزع في ~~الأسواق المالية كلها. # ففي بضعة أيام سقط سعر القرض المرغوب فيه إلى 64 أي بنقص عشرين بنطا، وارتفع معدل ~~خصم الإفادات المالية القريبة الاستحقاق إلى 30 و35 في المائة، ومعدل خصم الإفادات ~~المستحقة بعد سنة فقط إلى 20 و22 في المائة، ومعدل خصم الإفادات المستحقة بعد 18 شهرا ~~لغاية 30 شهرا إلى 16 و20 في المائة، فعم الضيق، واشتدت الأزمة. # فرأى ms595 إسماعيل صديق باشا أن خير ما يداوي به الحال الحرجة، ويحيي به الآمال، ويبقي ~~الوثوق بالمالية المصرية محفوظا، هو إذاعة أنباء تفريج عتيد يوسع حلقات الضيق ~~المؤقت. # فشرع يشيع تارة أن الحكومة عازمة على بيع سككها الحديدية إلى شركة إنجليزية يمثلها ~~المستر فولر المهندس بمبلغ قدره عشرين مليونا من الجنيهات، وطورا أن المالية على وشك ~~إجراء عملية بعيدة الأطراف تستبدل بمقتضاها الإفادات القريبة الاستحقاق بالإفادات التي ~~لا تستحق إلا سنة 1873، فتصيب من وراء ذلك البدل ربحا قدره اثني عشر مليون جنيه، ~~وإشاعات أخرى من هذا القبيل كان لها حقيقة وقع حسن، وأدت إلى ارتفاع سعر قرض سنة 1868 ~~إلى 74. # هكذا تمكن من حفظ كفة التوازن، بينما وقائع الحرب تتوالى بسرعة صاعقية، تجعل عقد ~~الصلح بين الدولتين المتحاربتين قريبا، لتمكن إحداهما من الأخرى تمكنا لم يرو التاريخ ~~مثله. # ولكي يشعر الخديو العالم المالي كله بأن مركز مصر المالي أقوى من أن يتأثر تأثرا ~~سيئا بالتماوجات البورصية التي أحدثتها، وما فتئت تحدثها تلك الحرب الشعواء، عقد قبل ~~نهاية عام 1870، مع محل جرينفلد وشركائه الهندسي بلندن، العقد الذي كلف بمقتضاه ذلك ~~المحل ببناء ميناء الإسكندرية. # وبينما الأشغال في إنشائها سائرة، عقد الصلح بين ألمانيا وفرنسا، وبات من المنتظر ~~صعود أسعار الأوراق المالية. # ولكن التحسين لم يكن على نسبة المتوقع، ولم يطرأ في الحقيقة إلا على قرض سنة 1868، ~~وأما الإفادات فبقي معدل الخصم فيها طوال فصل الصيف، متراوحا حول 14 في المائة، وهذا ~~لم يكن ليدل على أن مركز مصر المالي في الأسواق الأوروبية مركز ثقة متينة. # فالحال باتت إذا حرجة، لا سيما أنه حتى خريف سنة 1871 كان جانب عظيم من قرض ~~بيشوفشهيم لا يزال مكشوفا، بين أن جانبا عظيما من الإفادات المالية وأذونات الدائرة ~~السنية كان يقترب من مواعيد استحقاقه، وأن عدم الدفع لدى الاستحقاق كان من شأنه القضاء ~~على الثقة في كلتيهما، إلا إذا جددت تلك الإفادات والأذونات. # على أن تجديدها لم يكن بالشيء السهل، ولا إجراؤه ممكنا إلا بخسائر باهظة، ms596 وأما الدفع ~~من الإيرادات العادية فكان متعذرا بالكلية، حتى لو لم يكن الوزير قد تصرف مقدما في ~~ضرائب ذلك العام. # ولكن مهارة إسماعيل صديق المالية وتفننه لم يكونا لينكسرا أو يخورا أمام مثل هذه ~~العقبات البسيطة، فجمع شتات فكره لحظة، ورأى أن الوقت آن لتحقيق فكرة استخلاص نقود ~~كثيرة من الأرض المصرية، وهي الفكرة التي جالت في خاطره في أوائل العام الماضي، وحمل ~~مجلس النواب على اعتمادها ومطالبة تنفيذها. # ولكن حيث إنها لم تنجح في شكل سلفة إجبارية، وجب وضعها في شكل جديد يضمن لها ~~النجاح . # فأخذ إذا يعمل فكرته ويجهدها، حتى جعلها تجود بمشروع لم يسبقه أحد إليه، لا في ~~العالم الغربي مهد التفنن المالي، ولا في العالم الشرقي مهد التفنن في المظالم. # ذلك المشروع هو «قانون المقابلة». # وما أدراك ما «المقابلة»؟ ~~«المقابلة» دفع الضرائب المربوطة على الأرض المصرية عن ست سنوات مقدما، مقابل ~~إعفاء هذه الأرض، فيما بعد، من نصف تلك الضرائب إلى الأبد. # فلما اختمر المشروع في فكره، جمع المجلس الخاص، وأقنعه بوجوب إجراء ذلك القانون، بعد ~~تفهيم المصريين ما هو الغرض المقصود منه، وتحبيبه إليهم. # فاتفق رأي المجلس الخاص على رفع تقرير إلى الخديو يميط اللثام عن دواعي وضع ذلك ~~القانون، وعلى نشر نبذة باللغة العربية، وتوزيعها في كل جهات القطر، لتوضيح المقصود من ~~تلك «المقابلة». # أما التقرير فهاك أهم ما جاء فيه: # إن المجلس الخاص يرى أن حالة مصر المالية لا توجب القلق مطلقا، ولكنها ~~تستلزم عناية سموكم من جهة مراعاة رخاء البلاد في المستقبل. ~~ومن المعلوم أن الأسباب التي أدت بالخزينة ~~العامة إلى شبه الضيق المالي هي: # أولا: # العجز المخلف عن سعيد باشا. # ثانيا: # الاشتراك في إنشاء القنال، والمصاريف الباهظة التي جر إليها ~~ذلك الاشتراك. # ثالثا: # الأموال الجزيلة المصروفة في سبيل مقاومة طاعون المواشي، ~~وملافاة مضاره. # رابعا: # الأشغال التي أجريت لترقية شئون الزراعة والتجارة. # خامسا: # وأخيرا الأزمة القطنية المسببة عن انتهاء الحرب ~~الأمريكية. # فالبلاد لغاية الآن - بفضل الرخاء المنتشر فيها وفلاحها - ~~تمكنت من القيام ms597 بمقتضيات العبء الثقيل الملقى على عاتق ~~الخزينة، ولكن الفطنة تشير مع ذلك بالبحث عن دواء ناجع ~~للمستقبل. # غير أن الوصول إلى اكتشاف الدواء يستلزم معرفة الداء، فأين هو الداء؟ # الداء في سعر الفوائد المرتفع التي تدفعها حكومة سموكم، والتي تبلغ وحدها ~~أكثر من نصف الإيرادات العمومية، فهل لا يستطيع الأهالي تحويل دفع هذه الفوائد ~~إليهم بإقدامهم على مشتري رأس مال الدين؟ فإنه على قول وزير المالية يوازي ستة ~~أضعاف مجموع الضرائب العقارية التي تتقاضاها حكومتكم سنويا من الأرض. # فليدفع الأهالي إذا ضرائب مضاعفة مدة ست سنوات ، والدين كله يسدد، وفي مقابل ~~ذلك تعفيهم الحكومة إلى الأبد من دفع المبالغ المقدمة منهم لسداده على هذه ~~الطريقة، أي أنها تعفيهم أبدا من نصف الضرائب المربوطة على أرضهم، وتجري ذكر ~~هذا الإعفاء على حجج ملكيتهم. # وعلاوة على ذلك فإنه سيصدر قانون يضمن لهم # أولا: # أن الضرائب المنقصة على هذا النمط لن تعلى في المستقبل ~~مطلقا، مهما كانت الظروف. # ثانيا: # أنه حتى تحت تأثير قوة قاهرة، كشرق أو غرق أو أشغال منفعة ~~عامة، لن يجوز مطالبتهم، ولو بسلفة مؤقتة، إلا بعد التصديق على ~~ذلك من مجلس النظار، ومجلس النواب. # وأما النبذة العربية التي وزعت في كل قرى مصر ومدنها، فإن أهم ما جاء فيها تفهيم ~~الأهالي أن هذا المجهود العظيم المطلوب منهم إنما هو الوسيلة الوحيدة لإنقاذ الوطن من ~~مخالب المرابين الغربيين، الذين أدى تقاضيهم ربا فاحشا من الحكومة المصرية إلى ضيقها ~~المالي المؤقت، واضطرارها إلى ربط الضرائب والمغارم الثقيلة حول أعناق الأهالي. # فصدق الخديو على تقرير مجلسه الخاص، واعتمده، وبعد أخذ رأي مجلس النواب، أمر بوضع ~~قانون «المقابلة» وتنفيذه. وطفق إسماعيل صديق، نفسه، يطوف الوجه البحري كله مقنعا ~~الأهالي بجودته وفائدته، محرضا إياهم وحاثا على نفاذه بكل ما في وسعهم، بينما كان ~~شاهين باشا، وزير الحربية، يطوف الوجه القبلي للغرض عينه. # أما قانون «المقابلة» فخمس وأربعون مادة، لا بأس من ذكر بعضها لأهميتها. # فالمادة التاسعة والعشرون تقضي بأنه لا يسوغ لوزير المالية، بعد ms598 الحصول على جميع ~~المبالغ المطلوبة إصدار إفادات مالية جديدة، ولا عقد أي قرض مطلقا. # والمادة الثالثة والثلاثون تقضي بإنشاء مجلس إدارة مالية يناط به وضع ميزانية عامة ~~سنوية، مبنية على الميزانيات الخصوصية المرفوعة إليه من كل إدارة من إدارات الحكومة ~~ومصالحها، تعرض على مجلس النواب، ولا تصبح تنفيذية إلا بعد تصديق سمو الخديو ~~عليها. # والمادة السابعة والثلاثون تقضي بتعيين لجنة يناط بها تحصيل الدفع واستلام الأذونات ~~والوصولات المقدمة إشعارا بالدفع. # والمادة الأربعون وما يليها من المواد تنص على أن المبالغ المحصلة تودع في خزينة خاصة ~~تحت حفظ صيارف خصيصين، وتخصص فقط لاستهلاك الدين لا سيما الإفادات المالية التي يجب أن ~~تكون أول ما يستهلك. # هذه اللجنة تحرر كل خمسة عشر يوما كشفا بالإفادات المالية، وأوراق الإقراض الداخلة ~~خزنتها في هذه المدة، ويقوم وزير الداخلية بإحراق تلك الإفادات والأوراق المالية بحضور ~~أعضاء المجلس الخاص، ثم يحاط العموم علما بمجموع المبالغ المتلفة هكذا. # والمادة الخامسة والأربعون تقضي بأنه إذا أعوزت النقود الخزانة الخاصة، فلم تتمكن من ~~مواجهة سداد إفادات مستحقة، فلوزير المالية أن يفتح اعتمادا قصير المدى يسدد حالما ترد ~~النقود إلى تلك الخزينة، حيث إنه لا يجوز له، عملا بنص المادة التاسعة والعشرين، إصدار ~~إفادات مالية جديدة. # هكذا كان كل شيء مرتبا، مقننا، منظما، على ما ورد في الأمر العالي الذي صدر به ذلك ~~القانون «لتحسين حال الحكومة المالية، وزيادة الرخاء والفلاح العامين، وضمانة للسير ~~بالبلاد في معارج التقدم والرقي.» # وكان صدور الأمر العالي إلى وزير الداخلية بتنفيذ قانون «المقابلة» في أواسط شهر ~~أغسطس سنة 1871، فما أتى آخر ديسمبر من السنة عينها إلا وقدر أن ما ورد بموجبه إلى ~~الخزينة الخاصة بلغ خمسة ملايين من الجنيهات الإنجليزية. # هذا كان بدءا يبشر بخير نجاح، ولولا أنه علم أن معظم موردي ذلك المبلغ الضخم إنما هم ~~كبار المزارعين والباشوات - لتحرر لهم وتسلم إليهم بسرعة حجج أملاكهم الجديدة، وهؤلاء ~~إرضاء للخديو مولاهم - لأمكن بناء التفاؤل بنجاح المشروع نجاحا تاما على أسس متينة ~~لا تتزعزع، ms599 ولكن الصعوبة كانت كلها في تحصيل الضرائب المضاعفة من صغار الملاك ~~والمزارعين، وفي مقدرة هؤلاء على دفعها. # مهما يكن من الأمر فإن ذلك المبلغ كان كافيا لمشتري نصف الدين السائر تقريبا، وسداد ~~استحقاقاته لغاية أبريل سنة 1872. # فعم الفرح دوائر الحكومة والقصور الخديوية والوزيرية، وأمكن القيام بالحفلات، ~~والأعياد الشتائية المعتادة في سنة 1871، بأبهة وبهجة وبذخ فاقت مظاهره مظاهر كل ما رؤي ~~من نوعها في السنوات الماضية، وافتخرت الأوپرا الخديوية والمسارح الأخرى، والهپودروم ~~بحور وغادات، كأنها النجوم المتلألئة، شعت شعاعا غير معهود أخذ بمجامع الأبصار والقلوب ~~والجيوب، فجرى الذهب من المالية وعابدين، كأن نهر الپكتول - نهر ليديا الذهبي الذي أثرى ~~منه قارون ملكها - هو الجاري بالقرب منهما - لا نهر النيل - ولو أن النيل في يد حكم ~~حكيم خير من ألف پكتول. # فنجم عن ذلك أن وزير المالية بالرغم من أنه تعهد تعهدا صريحا نشرته «الوقائع ~~الرسمية» الصادرة في 13 أكتوبر من ذلك العام بأن لا يصدر إفادات مالية جديدة، تذرع ~~بحرفية نص المادة التاسعة والعشرين من قانون «المقابلة» القاضية بأن إصدار الإفادات ~~المالية يحظر عليه بعد الحصول على جميع المبالغ المطلوبة، لكي يبرر أولا في بحر شهر ~~أكتوبر، ذلك عينه، إصدارين بلغ مجموعهما مليونين ونصفا من الجنيهات، بحجة أنه لم يرد ~~بعد إلى الخزينة إلا قليل من الأموال المطلوبة، ثم في يناير ومارس ويونية من سنة 1872 ~~إصدارات أخرى بلغ مقدار واحد منها فقط خمسة ملايين من الجنيهات، بحجة أنه لم ترد بعد ~~إلى الخزينة جميع الأموال المطلوبة. # فاستدان بذلك ما بين 30 سبتمبر سنة 1871 وأول يولية سنة 1872، أي في ظرف تسعة أشهر ~~فقط اثني عشر مليونا من الجنيهات الإنجليزية! # وليت الاستدانة كانت بإفادات مالية من نوع سابقاتها، فقد كان الشريكون أهون، لأن ~~المشترط في الإفادات المالية السابقة كانت أن تدفع قيمتها بمصر أو الإسكندرية، فمتى حل ~~الاستحقاق، وتعذر وجود نقود في الحال، كان الصراف يعطي نمرا ترتيبية للمطالبين ~~المزدحمين على بابه، فيتمكن بفضل تباطئه المفتعل في الصرف، من كسب ثلاثة ms600 أيام أو أربعة ~~أو خمسة، وتارة ستة، وربما لجأ الوزير إذا وجد نفسه مخنوقا بالمرة إلى طلب تجديد، قلما ~~كان المطلوب منه التجديد يرفضه. # وأما الإفادات الجديدة، فقد اضطر تداخل رءوس الأموال الأوروبية في ماجريات الأمور ~~المصرية إلى تغيير شكلها، والتزم الوزير، بعد أن أبدى مقاومة لم تجده نفعا، بقبول ~~تحتيم دائنيه الجديدين، وتحويل تعهداته من إفادات إلى محض حوالات قابلة الدفع في لندن ~~وباريس، بالرغم مما في ذلك من خسارة للخزينة، ومضايقة للحكومة، التي عدمت كل طريقة ~~تحايل، وأصبحت مضطرة إلى الدفع في يوم حلول استحقاقه، وإلا صودرت قضائيا ، وهو ما أصبح ~~من شأنه أن يسبب خسائر جمة للافتداء من ضيق مؤقت، علاوة على استدعائه عمولات ومصاريف ~~باهظة. # وليت الخزينة وجدت في تخفيض خصم هذه الحوالات ملطفا ومخففا لبهاظة جميع الأعباء ~~الناجمة عنها، ولكن الأمر كان بالعكس، وبلغ معدل الخصم فيها 14 في المائة ~~سنويا! # فما أضر وجود رجل مثل إسماعيل صديق على دفة خزينة حكومة! وما أسوأه على سمعة مولاه ~~الواثق به - وإن التمس للمولى عذر مما في قول الشاعر «وعين الرضا عن كل عيب كليلة» من ~~حقيقة ناصعة! # وماذا كان الإصدار الذي قلنا إنه بلغ وحده خمسة ملايين من الجنيهات؟ # كان عملية اشترك فيها محل أوپنهايم والبنك السلطاني العثماني، والبنكان الفرنساوي ~~المصري (فرانكو إچپسيين)، والإنجليزي المصري (إنجلو إجپشن)، موضوعها إبدال إفادات قصيرة ~~المدى بإفادات استحقاقاتها متسلسلة من سبتمبر سنة 1873 إلى مارس سنة 1876، وبلغت قيمتها ~~بما فيها الفوائد بواقع 13 في المائة، والعمولة بواقع واحد في المائة ستة ملايين وخمسين ~~ألفا من الجنيهات الإنجليزية. # ولكن ما الذي حدا بمحل أوپنهايم وشركائه المعروف بالرصانة والطمع معا إلى تحمل مبلغ ~~جسيم كهذا، بدون تحتيم ضمانات ترتاح إليها المسئولية؟ # الأمل! # فقد كان المتوقع بمجرد الوقوف على حركة مصروفات الحكومة المصرية، أن هذه الحكومة لن ~~تبلغ شهر يولية سنة 1873 بكل جهد جهيد، إلا وترى نفسها مضطرة إلى توحيد دينها السائر ~~مرة أخرى. # فكان يهم جدا، والحالة هذه محل أوپنهايم أن ms601 يضمن لنفسه عملية ذلك التوحيد، بأن يقيم ~~نفسه مقدما في مركز يمكنه من وضع السكين على العنق في الوقت المناسب. # لذلك قبل تحمل مسئولية الملايين الخمسة من الجنيهات التي أنتجتها تلك ~~العملية. # على أنه لم يكن في الحقيقة يخاطر مخاطرة كبيرة حتى فيما لو خابت، لأن باب إدخال قيمة ~~الإفادات، التي قد يكون لا يزال حاملا لها، ساعة عقد القرض المستقبل، في هذا القرض ~~عينه كان مفتوحا أمامه، علاوة على أنه كان في وسعه فيما لو لم توافقه شروط ذلك القرض ~~العتيد، إما بيع تلك الإفادات، وإما المطالبة بقيمتها لدى استحقاقها. # ولم يكن يقع في خلد أحد حينذاك أن الثقة قد تعوز يوما ما الحكومة المصرية، وأن الأرض ~~قد تنخسف بقواعدها بسبب ثقل الديون المتراكمة عليها، بل إن منظور ما كانوا يدعونه، منذ ~~ذلك الحين، «بالقرض العظيم» كان يحمل جميع حملة الأسهم والإفادات بدون فرق على الثقة ~~والاطمئنان، وكان الكل يتهافت على اقتناء كل تصدير، بحيث إن الدائرة السنية ذاتها بعد ~~أن بقيت متنحية برهة، نزلت إلى المعمعان، ووضعت إمضاءها على أذونات بلغت ما ينوف على ~~أربعة ملايين من الجنيهات، فيما بين نوفمبر سنة 1871 وديسمبر سنة 1872، وبحيث إن معدل ~~الخصم هبط من 14 في المائة إلى # في المائة. # فنجم عن ذلك جميعه أن النقود أفعمت الخزائن والجيوب، وأن الخديو تمكن في الأسبوع ~~الثالث من شهر يونية سنة 1872 من السفر إلى الأستانة، سفرته السنوية، وعينه قريرة وقلبه ~~محط آمال يثق بتحقيقها. # وكانت أنباء عمليته المالية مع محل أوپنهايم قد سبقته إلى تلك العاصمة الجشعة، ~~فلعلمها بمجيئه إليها مملوء الجعبة، استعدت لاستقباله استقبالا حافلا، وما وطئت قدماه ~~أرضها إلا وأظهر له السلطان من الحفاوة فوق كل منتظر، ورحب به محمود باشا الصدر الأعظم ~~ترحيبا بالغا. # ولما كان (إسماعيل) قد صمم على إجراء عمليته المالية العظمى التي كان الملأ يدعونها ~~مقدما «القرض الكبير»، والتي حببها إليه وزير ماليته ووضعها في شكل العملية الوحيدة ~~التي يمكن إنقاذ البلاد بها، أقبل من فوره ms602 يبذل الوسائل الذهبية التي تقضي في دار ~~السعادة كل الأوطار، لينال الفرمان الذي يمنحه الحق في عقد ذلك القرض، ليس فقط، بل ~~وينيله توسيع حدود الاستقلال وأبهة مظاهر الملك الحقيقي فنجم عن ذلك ما قد يأبى التاريخ ~~تصديقه، لولا أن أكبر الثقات المعاصرين شهدوا بوقوعه، وهو ما سبق لنا بيانه في ~~حينه. # على أنه حينما عاد إلى عاصمة بلاده، بعد فوزه بجميع مطالبه، وجد أنه لم يكن يمر شهر، ~~بل أسبوع، بل نكاد نقول يوم على وزارة ماليته بدون إقدامها على عمل جديد. وبلغت قيمة ما ~~جادت به قريحة إسماعيل صديق، في شهر نوفمبر وحده، بين عمليات مالية كبيرة، وصغيرة نيفا ~~ومليونين ونصفا من الجنيهات، بمعدل خصم سنوي من 13 إلى # في المائة. # على أن الذي استلفت إليه الأنظار، في تلك العمليات لم يكن جسامتها على بهاظتها، ولكن ~~ظهور أوراق مالية جديدة فيها كانت غريبة الغرائب، وأبعد ما ينتظر من الوقائع. # وما أدراك ما كانت تلك الأوراق المالية الجديدة؟ # كانت حوالات على لندره بمبلغ 600000، يستحق دفعها بعد مضي سنة، بضمانة وإمضاء رئيس ~~لجنة «المقابلة»، أي أن الوزير حول عملا وضع لاستهلاك عموم الديون المصرية إلى معمل ~~إصدار ديون جديدة! # فأوجب الأمر في بادئه ترددا في السوق، ولكن ذلك التردد لم يمكث إلا لحظة وانقضى، لأن ~~الجد لم يكن له من أساس في الأخلاق، فاستطاع الوزير في أيام ديسمبر الخمسة عشر الأولى ~~تصريف أوراق من تلك الأوراق الجديدة الغريبة بما بلغت قيمته مليونا ومائتي ألف ~~جنيه. # ولما رأى الريح موافقة أقدم على عمليات أخرى لحساب وزارته، وحساب الدائرة السنية، ~~بلغت قيمتها المجموعة لغاية آخر ديسمبر نيفا وأربعة ملايين ونصفا من الجنيهات. # فلما كثرت الأموال على هذا المنوال، أقدم الخديو على تزويج أولاده الأمراء الثلاثة ~~محمد توفيق (ولي العهد)، وحسين وحسن وابنته الأميرة فاطمة هانم، وأقام لهم مهرجانا لم ~~تر مصر نظيره أبدا. # وكان الأمير حسن قد عاد من أوروبا من عهد قريب، فإن أباه أرسله أولا إلى أكسفورد، ~~حيث قضى مدة ms603 في قسم كليتها المعروف «بكرايست تشرتش» (كنيسة المسيح)، وحاز منها في يونية ~~سنة 1872 شهادة فخارية تعرف في تلك البلاد بشهادة # D. C. ~~K ~~، واشتهر في مدة إقامته هناك بالولائم الفاخرة التي كان يولمها ~~لزملائه وأصدقائه، وببهجة الملاهي التي كان يدعوهم إليها وكثرتها، ثم سار من أكسفورد ~~إلى برلين، ودخل هناك بصفة ملازم ثان في فرقة الهوسار الپروسيانية، ثم غادرها بعد سنة، ~~وعاد إلى مصر مؤقتا ليتزوج، وقد أنعم عليه برتبة القائمقامية الإكرامية. # وبينما احتفالات هذه الأعراس، وباقي الملاهي الشتوية سائرة في مجراها، كان الوزير ~~إسماعيل صديق باشا مستمرا على المخر بسفينة الخزينة المسلمة إلى عهدته في المياه ~~المضطربة التي ذكرناها، حتى بلغ دين الدائرة السنية السائر أربعة ملايين من الجنيهات، ~~وبلغت ديون الحكومة السائرة ستة وعشرين مليونا، باستحقاقات يتوالى معظمها من مارس سنة ~~1873 إلى آخر مارس سنة 1874، ومن ضمنها حوالات بإمضاء رئيس لجنة «المقابلة»، وضمانته ~~تبلغ قيمتها ثمانية ملايين ونصفا. # وكان الوزير يعلق آماله في سداد هذا الدين الهائل، الذي كانت فوائده بواقع 14 في ~~المائة تقريبا، تبتلع أكثر من نصف الإيرادات العقارية على القرض العظيم العتيد. # ولكن أنى كان له أن يبرر ضرورته بعد انتهاكه حرمة التعهدات التي تعهد بها قانون ~~«المقابلة»، وتعهد بها هو نفسه في عدد «الوقائع الرسمية» الصادر في 14 أكتوبر سنة ~~1871؟ # مهما كان جبينه من نحاس، فإنه لم يستطع حمل نفسه على عمل ذلك بشخصه، وعليه فإنه بعد ~~أن أشار على مولاه بعقد مجلس النواب، لنيل التصديق منه على ما جرى، رجا منه أن ينيط ~~بشريف باشا وزير الداخلية أمر عرض الحال كما هي على تلك الهيئة النيابية. # فأمر المجلس بالالتئام، وفي جلساته المتوالية في شهري مارس وأبريل من سنة 1873 قام ~~شريف باشا بالمهمة الثقيلة التي ألقي عبؤها عليه، إرضاء لمولاه، بالرغم من امتعاض ~~نفسه. # فتلا على المجلس تقريرا وافيا من وضع إسماعيل صديق باشا، ذكر فيه «إن الأقراض ~~المختلفة التي أقدمت الحكومة المصرية عليها لم تكن شيئا يذكر بجانب الأعمال المفيدة ms604 ~~العظيمة التي أجرتها في البلاد، كإقامة الكباري والجسور والخزانات، ومد خطوط السكك ~~الحديدية والتلغرافات وغيرها، ولئن بلغ الدين السائر خمسة وعشرين مليونا ونصفا من ~~الجنيهات، فما شيء أسهل من تبرير الدواعي التي أوجبته فإن إنشاء ترعة السويس، وثمن ~~الأسهم المأخوذة من الحكومة في شركتها، والتعويض الذي دفع لهذه الشركة بناء على تحكيم ~~الإمبراطور نابليون الثالث، ومشتري الترعة الحلوة من الشركة عينها وتتميمها، ومشتري ~~تفتيش الوادي منها أيضا - كل ذلك كلف الحكومة مبلغ ستة عشر مليونا وثمانمائة ألف من ~~الجنيهات، وتصفية الشركتين الزراعية والعزيزية كلف ثلاثة ملايين ونصفا، وما صرفته ~~الحكومة لمعالجة أضرار طاعون المواشي بلغ كذلك، ثلاثة ملايين، وما سددته عن المزارعين ~~بما هو معروف باسم أذونات القرى بلغ ثلاثة ملايين أيضا، وما تنازلت عنه من الضرائب ~~للمصابين بشراقي سنة 1865 وسنة 1867 بلغ مليونا ومائتي ألف جنيه، فالمجموع خمسة وعشرون ~~مليونا ونصف، أي مبلغ الدين السائر وهو دين يستهلكه مع فوائده ما يرد أولا فأولا إلى ~~الخزينة من جراء تنفيذ قانون «المقابلة». # على أن هناك أمرا جديرا بالاعتبار وهو أن قيمة مجموع الصادرات زادت على قيمة مجموع ~~الواردات، منذ ارتقاء سمو الخديو عرش أبيه وجده، بما ينوف على سبعين مليونا من ~~الجنيهات. فإذا علم أنه لم يدفع من هذا المبلغ الجسيم الذي دخل جيوب الأهالي سوى عشرين ~~مليونا فقط لأوروبا لاستهلاك مبالغ الإقراض، كان مبلغ النقود الباقية في البلاد، مما ~~ورد إليها من الخارج فقط، خمسين مليونا من الجنيهات. ومما يؤسف له أن البلاد لا تستفيد ~~شيئا مطلقا من هذا المبلغ الهائل، لعدم استغلاله، فيجدر - والحالة هذه - بالمجلس ~~الموقر أن يتخذ الاحتياطات اللازمة لملافاة هذا الضرر.» # وماذا كان إسماعيل صديق يقصد يا ترى من هذه الجملة الأخيرة التي ختم تقريره بها؟ أنيل ~~التصديق، ضمنا، على القرض العظيم العتيد؟ أم أراد منها أن ترن في آذان الحائزين ~~المزعومين لتلك الملايين الخمسة، بمثابة إنذار يزعج أعماقهم، ويذيب عزائمهم عن مقابلة ~~ما سيستنبطه من الطرق لاستخراج ذلك المال من مدافنه بضروب واحتيالات ms605 من عندهم، لمنعه ~~عنه، وحمايته منه؟ # مهما يكن من الأمر، فإن شريف باشا بعد فراغه من تلاوة ذلك التقرير، تلى على المجلس ~~أيضا ميزانية السنة المالية الجديدة، التي أولها 10 سبتمبر سنة 1873 وآخرها 10 سبتمبر ~~سنة 1874، فعين المجلس لجنة لفحصها، ففحصتها في أربعة أيام، ورفعت عنها للخديو تقريرا ~~موجزا، لا يتجاوز خمسة سطور، فوقعها الخديو، وأرفض المجلس في الحال، بعد أن بلغ عدد ~~جلساته ستا فقط. # على أنه إن لم يكن هناك من شيء يستغرب له في أمر اعتماد لجنة مجلس النواب الميزانية ~~الجديدة في مدة وجيزة، كالتي ذكرناها، لأن موادها كانت تقريبا مواد السنة السابقة ~~بعينها، ما عدا بعض تعديلات طفيفة، فإن الأمر لم يكن كذلك في عدم انتباه اللجنة والمجلس ~~معا إلى أن عجز الإيرادات العقارية في الميزانية الجديدة عن التي سبقتها بلغ ستمائة ~~وخمسة وعشرين ألف جنيه. وبما أنه كان ناجما عن إعفاء الأطيان، التي دفعت ضعف الضرائب ~~المطلوبة من نصف الضرائب المربوطة عادة عليها، تنفيذا لقانون «المقابلة»، فإنه كان ~~يعني أن المال الذي ورد إلى الخزينة، ليكون «مقابلة» لذلك الإعفاء بلغ سبعة ملايين من ~~الجنيهات. # فكان الواجب، إذا، أن يتساءل المجلس ويستقصي عما فعله الوزير بذلك المبلغ الهائل، ~~وفيم صرفه؟ إذ إن الدين السائر الذي كان قبل إصدار قانون «المقابلة» نيفا وأحد عشر ~~مليون جنيه، أصبح بعد إصدار ذلك القانون وتنفيذه خمسة وعشرين مليون جنيه ونصف مليون، ~~وأن عشرة ملايين جنيه تقريبا، من هذه الملايين الخمسة والعشرين ونصف، كانت حوالات ~~تعهدت بدفعها لجنة «المقابلة» أي لجنة الضريبة التي إنما قررت لسداد عموم ديون القطر ~~المصري من المال المتحصل بموجبها. # ولكن المجلس لم يسأل، ولم يستقص كأن الأمر لم يهمه مطلقا، وكأنه لم يكن هناك للدفاع ~~عن مصالح البلاد، فكان سكوته عن تصرفات وزير المالية الغريبة إما اعترافا منه بأنه لم ~~يكن يفقه شيئا، حتى ولا المبادئ في الأمور المالية، وإما أنه يغطي، تحت رداء مسئوليته ~~النيابية، مسئولية ذلك الوزير الوظيفية. # على أن كلا الأمرين ثبتا ms606 لدى إسماعيل صديق باشا، فرأى أن الجو أمامه خلا خلوا ~~تاما لإنهاء مسألة القرض العظيم المنتظر، الذي بات الوسيلة الوحيدة للخروج من المأزق ~~البالغ منتهى الحرج، والمسبب عن اضطراره إلى دفع فوائد قدرها 14٪ على مبلغ الدين ~~السائر، فوق دفع فوائد الديون الثابتة. # على أنه كان لديه وسيلة أخرى للخروج من ذلك المأزق، وهي إشهار إفلاس الحكومة المصرية، ~~وربما كان هذا، في تلك الظروف، أقل ضررا على البلاد من الإقدام على ما كان قد ثبت ~~الإقدام عليه في تصميم الوزير. ولكن إسماعيل صديق لم يكن ليجد في مثل ذلك الإشهار ~~الفوائد الشخصية التي كان يمني نفسه بها في عقد القرض. # فلكي يبرر عمله، أوعز إلى مشايعيه أن يهولوا بعظيم الفائدة التي تعود على المالية ~~المصرية من وراء تحويل الدين السائر إلى دين ثابت، لما يوجبه هذا التحويل من وفر ~~واقتصاد في سعر الفوائد المتقاضاة. ولما وثق بأن كيفية نظره إلى الأمور وقرت في النفوس، ~~أقبل يخلق وسطا يكثر فيه حب استطلاع كنه القرض العتيد، والميل إلى الاشتراك ~~فيه. # فشرع الناس يتساءلون كم عسى يكون مبلغ هذا القرض، فبعضهم يؤكد أنه لن يقل عن 40 ~~مليونا من الجنيهات، وآخرون يزعمون أنه قد يزيد على ذلك، بينما غيرهم يذهبون إلى أن ~~المصلحة قد لا تقضي باستلاف أكثر من خمسة وعشرين مليونا - أي المبلغ المطلوب لتحويل ~~الدين السائر إلى دين ثابت - ويقول فريق آخر إنه قد يكون ذلك، ولكن على شرط أن لا يزيد ~~مبلغ الدين السائر، فإذا زاد، زاد أيضا مبلغ القرض. # وبينما هذه الأحاديث تجعل النفوس قائمة قاعدة، كانت المخابرات بشأن ذلك القرض جارية ~~مجراها على قدم وساق مع المحلات التجارية، وكان محل أپنهايم وشركائه في مقدمتها، طبعا، ~~إذ آن له أوان جني ما زرع. # على أن إسماعيل صديق باشا، ليتمكن من انتظار يوم الوصول إلى الغاية، وهو في سعة من ~~المال، عاد إلى إصدار إفاداته المالية، فصرفت الدائرة السنية منها، في ظرف سنة، ما ~~قيمته 630 ألفا بخصم معدله 13٪ وتلتها «المقابلة»، ms607 فصرفت هي أيضا، ولكن في ظرف شهر ~~فقط حوالات بلغ قدرها مليونا وستمائة وخمسين ألفا من الجنيهات بفائدة معدلها ~~12٪. # وبذا تمكن الوزير في أوائل أبريل من لصق إعلان في بورصة الإسكندرية، مؤاده استعداده ~~لخصم كل إفادة مالية، وحوالة، وأي ورقة أخرى بواقع 8٪، على شرط أن تكون من المشترط ~~دفعها بالقطر المصري، فكان من شأن ذلك تحسين معدل أسعار الخصم بسرعة، وتخفيفها بعد أن ~~كانت قد ارتفعت من # إلى 11٪. # وبينما الأمور جارية على هذا المنوال، وردت من مصر إلى البورصة، عينها، إشارة ~~تلغرافية في 19 أبريل منبئة بعقد القرض، وبلوغ مبلغه 25 مليونا من النقد منها 15 ~~مليونا مدفوعة حالا، والباقي عند الاختيار، بفوائد قدرها 9٪، وعمولة قدرها 1٪. # فصدق ذلك النبأ تصديقا أعمى، أدى إلى إقبال هائل على عمل عمليات على قاعدة # و10٪، ولكن الثقة بدأت تتزعزع في اليوم التالي، لعدم ورود تأكيد لخبر ~~الأمس. وما لبث الملأ أن علموا أن المخابرات - إن لم يصح القول عنها إنها خابت كلية - ~~قد أجلت على الأقل إلى أجل غير مسمى. # ثم انقضى شهر أبريل، وفي 17 مايو انتشر في البورصة خبر مؤداه أن وكيل الخديو ~~بالأستانة أجرى عملية مالية مبلغها ثلاثة ملايين من الجنيهات، فتطيرت الأوساط المالية، ~~وثبت لديها أن البت في مسألة القرض الكبير أصبح بعيدا. # ولكنها لو علمت أن هذا المبلغ لم يقترض لمواجهة الاستحقاقات المقبلة البالغ قدرها من ~~أول يونية إلى آخر ديسمبر نيفا و24 مليونا من الجنيهات، ولكن لوضعه تحت تصرف الخديو ~~في رحلته العتيدة إلى الأستانة، لما تطيرت ذلك التطير، ولأدركت أن القرض لا بد ~~منه. # وفي الواقع فإن الخديو لم يكن ليستطيع الذهاب إلى الأستانة في غرض والمثول بين يدي ~~السلطان، ووفاضه خال من نقود، فخصم وزيره، إذا، جانبا من حوالات لجنة «المقابلة»، ~~عند بعض صيارفة «غلطه»، وسلم مولاه معظم المتحصل من ذلك الخصم، ثم صرف حوالات «مقابلة» ~~أخرى بما قيمته مليونا جنيه، وأعطاه له أيضا. # وأما القرض - فسوى الآخذين مهمة إصداره على أنفسهم، والوسطاء الذين كانوا يأملون ms608 ~~إصابة فوائد كبيرة من وراء توسطهم في عقده، وعلى رأسهم إسماعيل صديق باشا - فإنه لم يكن ~~في وسع أحد الرضى عنه أو تحبيذه. # وذلك لأنه - والخديو في الأستانة يسعى إلى نيل آخر فرماناته - اتفق بين وزير المالية ~~والراغبين في تصديره على أن يكون مبلغه الاسمي اثنين وثلاثين مليونا من الجنيهات ~~الإنجليزية، وأن يسدد هذا المبلغ كله حقيقة في ظرف ثلاثين سنة، بعد دفع فوائد سنوية ~~عليه قدرها 7٪. # وتعهد مصدروه أي محل أوپنهايم وشركائه بأن يأخذوا على عهدتهم الشخصية تقديم نصفه ~~الاسمي، أي 16 مليونا بسعر 75، على ما قد يساوي من الثمن في 15 أكتوبر سنة 1875، أي ~~أنهم قبلوا دفع 12 مليونا في الواقع، وتعهدوا بأن دفعوا مقدما من هذا المبلغ بلندن ~~500 ألف جنيه في أول يولية سنة 1873، و500 ألف جنيه في أول أغسطس الثاني، ومليونا في ~~أول سبتمبر، وأن يسددوا العشرة الملايين الباقية بلندن أيضا في 15 أكتوبر، على شرط أن ~~يكون لهم الحق في دفع تسعة ملايين منها «أوراقا مالية»، أي ««إفادات مالية» و«حوالات ~~مقابلة» من جميع الاستحقاقات، بخصم معدله 7٪، بدلا من الدفع نقدا - فكأنهم اشترطوا - ~~والحالة هذه - وقبلت الحكومة شرطهم أن يشتروا مبلغ الخمسة الملايين التي قدموها في ~~العام السابق، ويتخلصوا أيضا من أوراق مالية قيمتها في نزول مستمر، بما يوازي ذلك ~~المبلغ تقريبا - وتعهدوا بأن يصدروا في الوقت عينه لحساب الحكومة المصرية اكتتابا ~~بالنصف الثاني، أي بالملايين الستة عشر الباقية من قيمة القرض الاسمية، فإذا ما تجاوزها ~~الاكتتاب العام، فالزيادة تكون للحكومة المصرية مقابل عمولة للمصدرين قدرها 3٪ من أصل ~~تلك الزيادة الاسمية، تخصم أولا، ثم يكون الباقي موضوع خيار بسعر 75 أيضا. # واتفق على أن يعطي للمصدرين - علاوة على كل امتيازاتهم - مبلغ 60 ألف جنيه للمصاريف، ~~وربع في المائة على عمليات القطع (كوپون) والسندات المستهلكة، وأن تتعهد الحكومة ~~المصرية بأن تمتنع عن تصدير أي قرض عام آخر لغاية 15 يولية سنة 1875، على أن يكون لها ~~الحق في إصدار عشرة ملايين من الجنيهات، تحت أسماء مختلفة، ما ms609 بين 15 يولية سنة 1875 ~~و15 يولية سنة 1878 بشرط أن يصرف هذا المبلغ على أعمال تكون فائدتها عامة. # وأمام فوائد ومزايا للمصدرين - كالتي ذكرناها - كان من المؤكد أن يجد محل أوپنهايم ~~وشركائه مزاحمين عديدين. وفي الواقع، فإن محلا فرنساويا آخر تقدم إلى الحكومة ~~المصرية بشروط أحسن من الشروط المعروضة عليها، وإلى الوزير ووسطائه برشاو أجسم من التي ~~منوا بها، وظن لحظة، حتى في نفس الليلة السابقة ليوم عقد القرض، أن المحل الفرنساوي ~~المذكور يحل محل أولئك اليهود، وينتزع منهم امتياز الاختصاص بتصدير القرض. # ولكن النائب عن محل أوپنهايم وشركائه أبدى في تلك الليلة من التهديدات والتهويلات ما ~~حال دون نجاح مزاحميه، ولاعتزازه بما أكسبته من خبرة العمليات المالية السابق لمحله ~~عقدها مع الحكومة المصرية، بلغت به القحة مبلغا حمله على أن لا يبالي بأن يقول للوزير ~~بتعال وتشامخ «إن ما للملأ من ثقة بماليتك إنما هو تحت رحمتنا، فإن عدلت عن الاتفاق ~~معنا هدمنا تلك الثقة، وحلنا دون أن يهب أحد إلى مساعدتكم بسنتيم واحد.» # ولما كان يعلم من هو في الحقيقة ذلك الوزير، تركه بعد أن قال له ذلك، لينام بصحبته ~~الخوف الذي أوجده في قلبه، وانصرف، وهو متأكد به من إسماعيل صديق باشا سيدعوه في الغد ~~ليوقع العقد. # وقد كان! # فانعقد الاتفاق على ذلك القرض المشئوم في ساعة سوداء، وبالشروط والبنود التي ذكرناها، ~~مقابل تقرير للضمانات الآتية: # أولا: # كل إيرادات القطر المصري العامة. # ثانيا: # إيرادات سكك الحديد في الوجه البحري، وقدرها 750 ألف جنيه. # ثالثا: # إيراد الضرائب الشخصية وغير المقررة، ومبلغه مليون جنيه. # رابعا: # إيراد المكس على الملح، ومبلغه 200 ألف جنيه. # خامسا: # مليون جنيه من المقابلة. # سادسا: # كل الإيرادات المؤمنة لسداد الأقراض الأخرى، حالما تصبح حرة، أي في ~~الواقع كل مورد من موارد الحكومة التي يصح تأمينها بلا استثناء. # ولما كان مجموع إيراد هذه الموارد السنوي مليونين وتسعمائة وخمسين ~~ألفا من الجنيهات، وكان المبلغ الواجب استهلاكه سنويا من أصل الدين، ~~بما فيه الفوائد، مليونين وخمسمائة وخمسة ms610 وستين ألفا وستمائة وواحد ~~وسبعين جنيها، كان الاتساع بين الرقمين خير ضامن لسهولة السداد، ~~ومتانة الثقة به. # على أن باطن الضمانات المقدمة كان غير ظاهرها. # فالضرائب الشخصية - مثلا - وإن ذكرت في ميزانية سنة 1871-1872، فإنما ذكرت وعليها ~~التأشير الآتي «هذه الضرائب الشخصية قد ألغيت بعد عرض هذه الميزانية.» وفي الواقع فإنها ~~لم تذكر في ميزانية سنة 1872-1873. # والضرائب غير المقررة لم يكن لها أثر بالمرة، حتى ولا في الميزانية المصححة المنشورة ~~في 3 أكتوبر سنة 1873، والمكس على الملح، فإنه كان من ضمن الضمانات المختص بها قرض سنة ~~1868، عملا بالبند الأولى من عقده. والمليون الناتج عن «المقابلة» لم يكن الاعتماد ~~عليه ممكنا إلا لغاية سبتمبر سنة 1877، وذلك عملا بالمادة الثانية من قانون ~~«المقابلة» عينها، المعين لتمام إجرائها مهلة ست سنوات. وأما القرض فنهاية استهلاكه سنة ~~1903. # ولا شك في أن اليهود الذين أخذوا على أنفسهم تصدير القرض بالضمانات التي ذكرناها ~~كانوا أدرى الناس بحقيقة قيمتها الصحيحة، فإذا أقبلوا - بالرغم من ذلك - على تصديره، ~~فلأنهم كانوا متعمدين السرقة تعمدا أكيدا، ولم يكن ليهمهم ما داموا يستردون من ~~الحكومة المصرية الملايين الخمسة التي أقرضوها إياها في العام الماضي بأرباح هائلة، ~~ويصرفون أيضا بما يوازيه، وبسعر جيد أوراقا مالية مصرية لا يستطيعون مطلقا تصريفها ~~في أي سوق بذلك السعر، لم يكن ليهمهم أن يحرق دم الشعب المصري، ولا أن تعرض أموال ~~المكتتبين المزمعين في القرض إلى بعض الضياع. # أما وزير المالية، فلم يكن هو أيضا ليجهل طبعا أن الضمانة الوحيدة الأكيدة التي يصح ~~أن يرتكن إليها أصحاب أموال «القرض الكبير» العتيدون، إنما هي إيرادات السكة الحديدية ~~لا غير، لأن ضمانة الإيرادات عينها، المؤمنة لسداد الأقراض السابقة الأخرى، حينما تصبح ~~حرة، كانت وهمية أكثر منها صحيحة، وذلك لأن تلك الأقراض لم تكن لتسدد إلا في سنة 1892 ~~وسنة 1898، ما عدا قرض سنة 1862 الذي كان يتم سداده في سنة 1879. # فإقدام إسماعيل صديق باشا على عقد اتفاق ذلك القرض المشئوم لم يكن ليبرر إلا بأن هذا ~~الوزير ms611 أصاب من عمليته فائدة شخصية جسيمة، وأنه ربما أقدم على عمليته وهو موطن نفسه منذ ~~ذلك الحين على أن يخرج مؤقتا من الورطة التي هو فيها، فيتمكن بذلك من سرقات جديدة ما ~~استطاع إليها سبيلا، ثم يشهر إفلاس الخزينة المصرية، حينما لا يعود يجد في السداد ~~بابا لانتفاع تال. # وإلا فإنه كان يعلم حق العلم أنه إذا اتخذت ميزانية سنة 1872-1873 قاعدة للميزانيات ~~التالية، فإن الزيادة التي تقررت تعليتها على الجزية السنوية المربوطة سابقا، والمبلغ ~~الذي يصبح دفعه واجبا سنويا في استهلاك القرض الجديد، وعجز النصف في إيرادات الضرائب ~~العقارية، بسبب تنفيذ قانون «المقابلة»، كل ذلك إذا أضيف إلى المصروفات السنوية المقررة ~~في تلك الميزانية أوجب عجزا سنويا قدره أربعة ملايين ونيف وربع مليون من الجنيهات - ~~وهو عجز يتعذر استمرار الحكومة على احتماله. # وكان يعلم من جهة أخرى حق العلم، أن الدين السائر - وقد قدره هو نفسه بخمسة وعشرين ~~مليونا من الجنيهات في شهر مارس المنصرم - كان قد ازداد في بحر الثمانين يوما ~~التالية، بما صرف من حوالات «المقابلة»، أي بما بلغت قيمته سبعة ملايين ومائة وخمسين ~~ألف جنيه، فأصبح ذلك الدين السائر اثنين وثلاثين مليونا على الأقل - وهو مبلغ لم يكن ~~في الاستطاعة تغطيته بما يحصل من صافي القرض حتى لو حصل هذا الصافي كله، لأنه يستحيل أن ~~يزيد على أربعة وعشرين مليونا من الجنيهات، في أحسن الاقتراضات، فكيف ولم يكن يصح ~~لعاقل توقع تحصيل ذلك الصافي كله، لا سيما بعد التصريح لمحل أوپنهايم وشركائه بدفع تسعة ~~ملايين، ورقا ماليا بدلا من دفعها نقدا؟ # فالمعقول إذا هو أن الوزير إنما رأى في ذلك القرض الباهظ وسيلة للخروج من ضيق مؤقت ~~بملء خزينته الشخصية دون مبالاة بالعواقب، وذلك لاعتماده منذ تلك الساعة على أن تكون ~~العاقبة النهائية الإفلاس. # في هذه الظروف، وبتأثير الرغبة في السرقة عند المتعاقدين، أصدر محل أوپنهايم وشركائه ~~«القرض الكبير»، موزعا على مليون وستمائة ألف سهم، قيمة كل منها عشرون جنيها ~~إنجليزيا، بفائدة سبعة في المائة، وفتحوا ms612 قوائم الاكتتاب فيه يومي 29 و30 يولية سنة ~~1873 بباريس ولندن والإسكندرية وأمستردام وبروكسل وأنڨرس وچنيفا والأستانة، و64 مدينة ~~من المدن الفرنساوية التي كان «للشركة العمومية» توكيلات فيها، بعد أن أعلنوا عنه مدة ~~في كل جرائد المعمور، وبعد أن نشر في 22 يولية من السنة عينها، في «الوقائع الرسمية»، ~~نص الفرمان الأخير الصادر من السلطان، ومصدق عليه من الدول، اطمئنانا للخواطر، ولكيلا ~~يحول دون نجاح الاكتتاب خوف على المصالح المالية من نشوء خلاف بين مصر وتركيا كخلاف سنة ~~1869. # ولكن إما بسبب الاضطراب المالي الناشئ عن الخوف الفجائي الذي أسقط الأسعار إسقاطا ~~فاحشا في أميركا قبل ذلك بأشهر، وإما بسبب أن سعر التصدير كان في البدء عاليا أكثر ~~مما يصح ( ~~)، فإن هذا القرض، الذي اشرأبت إليه الأعناق وانتظرته المضاربة أكثر ~~من سنتين، خاب خيبة تامة، بالرغم من كل الاحتياطات التي اتخذت لإنجاحه. # فلم يغط منه إلا القليل من الزائد على ما كان يلزم لتغطية مسئولية مصدريه ، أوپنهايم ~~وشركائه، ولم يصل منه نقدا إلى الخزينة المصرية في نهاية الأمر، وبعد تقلبات أسعار لا ~~داعي لذكرها هنا سوى صاف يقرب من أحد عشر مليونا من الجنيهات، في نظير دين أركب على ~~عنق تلك الخزينة قدره اثنان وثلاثون مليون جنيه، وسعر فائدته 8 في المائة ~~سنويا. # وهو ما لم يرو ولم يسمع عن مثيله في تواريخ قروض العالم كافة، بل ولا في تواريخ الربا ~~والمرابين قاطبة، بل لم يذكر في تواريخ العالم كلها أن شعبا وحكومته سرقا سرقة وقحة ~~كهذه السرقة! # 4 # وعليه، فإن هذه السنة، سنة 1873، التي حصل (إسماعيل) فيها على فرمان 8 يونية، فأصبح ~~بمقتضاه، فيما عدا الجزية السنوية المفروضة عليه ملكا حقا مستقلا تمام الاستقلال ~~ببلاده، وحقق بالتالي كل أماني أيامه الماضية هذه السنة، التي كان يجب - والحالة هذه - ~~أن تكون بدء ارتقاء سعده، وتاريخ بلوغه أوج مجده، وفاتحة سيره إلى عز أقعس، بلا قيد ~~يعرقل أعماله، ولا عقبة تسد السبيل في وجهه، هذه السنة عينها أمست، بفضل القرض المشئوم ~~الذي ms613 عقده وزيره إسماعيل صديق باشا، بواسطة أوپنهايم وشركائه الماليين اليهود، بدء ~~اشتداد الصعوبات المالية حول مشاريعه ومصروفاته، وتاريخ بلوغه إلى مأزق ملكه الحرج، ~~وفاتحة تنازعه على البقاء تنازعا دخل فيه غشمشما مستبسلا، ولكنه أدى به في نهاية ~~أمره، وبفضل قيام الدول الأوروبية معضدة للمرابين، وحملة الأسهم، وازدرائها بالحقوق ~~المكتسبة من الفرمانات المصدق عليها منها هي نفسها إلى السقوط والمنفى عقب حوادث لم يكن ~~التاريخ ليصدقها، لولا أنه مضطر إلى اعتمادها لكونها واقعية. # فالمؤرخ غير المتحيز، الكاتب تحت تأثير ما توحيه إليه الحقائق، لا يسعه إلا أن يأسف ~~أسفا شديدا على ما كان من غض نظر (إسماعيل) عن تصرفات وزير ماليته، لشدة وثوقه به، ~~واعتقاده أنه إنما يعمل لخدمته وخدمة مجده، بينما الرجل لم يكن يعمل إلا لمصلحته ~~الشخصية، لأنه لولا ذلك لتمكن هذا الخديو الهمام، البعيد النظر، والكبير المطامع، من ~~إنشاء دولة مصرية مجيدة، لها القدح المعلى والكلمة العليا فيما يتعلق بشئون المدنية ~~الحديثة، ومقتضياتها، في القارة الإفريقية بأسرها. ~~••• # إزاء الخيبة التي صادفها تصدير ذلك القرض، فإنه لم يكن في الاستطاعة عمل شيء ما سوى ~~استهلاك الإفادات المالية، وحوالات المقابلة، والأوراق المصرية الأخرى التي من هذا ~~القبيل، ذات الاستحقاقات القريبة جدا. # وأما الإفادات المالية وحوالات المقابلة والأوراق المصرية التي لم تدفع احتسابا من ~~ثمن أسهم ذلك القرض المشئوم، فتركت وبختها، وأجل النظر فيها إلى يوم استحقاقها ليقضي ~~الله أمرا كان مفعولا. فإما أنها تدفع يومئذ، إذا تيسر المال لدفعها، وإما أنها تجدد ~~بفوائد أخرى محرقة. # أي أن الحكومة المصرية بعد استدانتها ذلك الدين الجديد الفظيع لم تستفد منه سوى تأجيل ~~استحقاقات همومها بضعة أشهر فقط، ولم تر بدا من العود إلى دحرجة صخرة «سيزيف» # 5 # الهائلة، المكتوب عليها «الديون المصرية»، المقضي عليها بدحرجتها إلى ما ~~شاء الله. # فكانت أولى نتائج ذلك أن معدل الصرف صعد بالإسكندرية صعودا مزعجا، ولولا تحالف بعض ~~المصارف لملافاة الضرر لانقلب إلى كارثة مخيفة. # وبلغ من قلة ثقة الماليين أنهم بدأوا ينفرون من تجديد أذونات الدين ms614 السائر، حتى في ~~مقابل فوائد قدرها 25٪. # فأراد الوزير أن يسترجع تلك الثقة، ولكنه لم ير لذلك وسيلة خيرا من الكذب، فأصدر في ~~3 أكتوبر نشرة تصحيحية لميزانية سنة 1874 و1875، أظهر فيها أن الإيرادات تزيد مليونا ~~على المصروفات، ثم نشر في «الوقائع المصرية» كشفا بالدين السائر، يتضح منه أن المتبقي ~~قبضه من أصل القرض، يكفي لسداد كل هذا الدين، ما عدا 86 ألف جنيه منه، وهو مبلغ لا يؤبه ~~به. # غير أنه رأى حالا أن الكذب لم يعد يجدي نفعا، وأنه لا بد له من إيجاد وسائل أخرى، ~~فأقبل يتخابر في بيع السكر، ففي بيع بذرة القطن، ففي الاتفاق على إعلان الاختيار، ففي ~~الحصول على مليونين من الجنيهات لمواجهة استحقاقات ديسمبر، وبالاختصار في كل ما من شأنه ~~حمل النقود على التداول، وإعادة الثقة إلى الحكومة. # ولكن الخيبة كانت ملازمة لمساعيه، فلم يلبث الملأ أن علم أن بيع السكر لم ينجح إتمامه ~~في ساعة توقيعه عينها دون أن يعلم ما السبب. # ولئن نجح بيع بذرة القطن، فإنه كان نجاحا شرا من خيبة، لأن الوزير التزم بموجب عقد ~~الاتفاق أن يبيع مليونا و200 ألف إردب بسعر 55 قرشا، يدفع ثلث ثمنها في 25 نوفمبر، ~~والثلث الثاني في 5 ديسمبر، والثلث الثالث في 15 ديسمبر، على أن يعود إلى مشتراها بسعر # في 15 يناير و15 فبراير و15 مارس التالية بأذونات على الدائرة تستحق ~~بعد ثلاثة أشهر بفوائد 12٪، أي أن عمليته هذه كلفته دفع فوائد قدرها 33٪، ونجم عنها أن ~~خصم أذونات الدائرة السنية صعد حالا إلى 30٪. # فكانت النتيجة النهائية لكل ذلك أن إسماعيل صديق باشا لكي يتمكن من دفع استحقاقات ~~النصف الثاني من شهر ديسمبر اضطر إلى تحرير حوالات، يدفع أصلها مع فوائده (بواقع 20٪) ~~بعد شهرين وثلاثة أشهر، مقابل سندات تدفع قيمتها بلندن بعد خمسة عشر يوما، بخسارة ~~قدرها ~~٪ قيمة فرق صرافة، وعمولة قدرها 1٪. # وهذا كان منتهى استسلام حكومة إلى الاختناق في براثن الربا فانتهت سنة 1873، وتلك ~~المخالب قد تعمق انغراسها في عنق مصر ms615 تعمقا مزعجا. # وبينما هذه الحالة السيئة تتمخض بصعوبات جديدة للمستقبل، شجر في أوائل سنة 1874 بين ~~شركة ترعة السويس والدول البحرية، بخصوص الرسوم المطلوبة على محمول السفن، نزاع كاد ~~يفضي إلى تحميل الخزينة المصرية عبء نفقات لم تكن في الحسبان. # فإن الشركة - اتباعا لحرفية الامتياز الممنوح لها - كانت لغاية صيف سنة 1872 قد ~~تقاضت عشرة فرنكات على كل شخص، وعشرة فرنكات على كل طن، من السفن التي اجتازت ترعتها، ~~على أنها تقاضت ذلك الرسم فيما يختص بوزن الحمولة، على قاعدة المتبع لدى كل دولة في ~~تقرير حمولة سفنها. # فما لبث أن اتضح لها أن المبالغ المتحصلة على هذه القاعدة لا تكفي لتوزيع أرباح، ~~فأعلنت العموم بأنها ابتداء من أول يولية سنة 1872 ستحصل الرسم المفروض على محمول ~~السفن، على قاعدة محمولها الحقيقي، لا على قاعدة محمولها المسجل. # فأبت شركة «المساجري البحرية» الإذعان إلى ذلك الطلب، فقاضتها شركة ترعة السويس أمام ~~المحاكم الفرنساوية، وفازت عليها. # فطلب التجار وأصحاب المراكب البريطانيون إلى وزارة الخارجية البريطانية التداخل في ~~الأمر، فأدى ذلك إلى مخابرات سياسية، فإلى تعيين مندوبية دولية مؤلفة من مندوبي اثنتي ~~عشرة دولة بحرية، اجتمعت في الأستانة في أكتوبر سنة 1873، لدرس المسألة. # فبعد تداول آراء وأفكار ونتائج مدة ثلاثة أشهر، أصدرت المندوبية تقريرا أنكرت فيه ~~على الشركة مطلوبها، ولكنها اعتبارا للضحايا التي تكبدها المساهمون، أشارت بزيادة ~~أربعة فرنكات على الرسم المقرر على كل طن مسجل على غير الطريقة الإنجليزية، وزيادة ~~ثلاثة فرنكات على الرسم المقرر على صافي كل طن مسجل طبقا لتلك الطريقة. # وصدق الباب العالي على هذه القاعدة، بصفته صاحب الشأن السياسي على القنال، وكلفت ~~الشركة بتنفيذ قرار المندوبية ابتداء من 28 أبريل سنة 1874. # فاحتج المسيو دي لسبس على ذلك، وهدد بغلق القنال، فأنذره الخديو، بناء على أمر ورد ~~إليه من الأستانة، بأنه إذا نفذ تهديده فالحكومة المصرية تأمر جنودها باحتلال الترعة، ~~وتدبير شئونها بنفسها. # فامتثل دي لسبس إذ ذاك، وحصلت الرسوم لغاية فبراير سنة 1876 على القاعدة التي قررتها ~~المندوبية ms616 إلا فيما يختص بسفن جميع الدول الحربية وجنودهم، فإنها استمرت تدفع الرسم ~~الأول. # وكأننا بالخديو لغاية هذا الحين لم يكن واقفا على حال ماليته الحقيقية، ويظنها بناء ~~على تفهيمات وزيرها متينة القواعد، مفعمة الخزائن. # ودليلنا على ذلك انشغاله بتوسيع نطاق الأعمال التجارية في بلاده، وفي توسيع دائرة ~~فتوحاته. # أما توسيع نطاق الأعمال التجارية فقد رأينا - في غير هذا المكان - أن سموه ما فتئ ~~يواليه منذ ارتقائه عرشه. ولا غرابة، فإن ميوله التجارية لم تكن سرا لأحد، وإقدامه ~~على الاتجار بمحصولات أملاكه، حتى بعد ارتقائه سدة الإمارة، بلغ حدا حمل من كان ~~يزاحمهم في الميدان، على الطعن عليه بمرارة في عدة جرائد، كأن الاتجار محظور على أمير. ~~وبلغ من هيامه في ذلك، أنه قال يوما في باريس عند اطلاعه على حركة العمل في بورصتها ~~(إذا صحت الرواية): «لو لم أكن خديو مصر، لتمنيت أن أكون سمسارا هنا.» # ففي أوائل ربيع هذا العام 1874بعث يطلب من وزراة الخارجية الإنجليزية أن ترسل إليه ~~موظفين من ذوي الدراية والخبرة لتنظيم وزارة التجارة التي عزم على إيجادها، ولوضع خطة ~~لعدة إصلاحات وإنشاءات يرى البلاد في أشد الاحتياج إليها، من ذلك تحرير إحصائيات كاملة ~~لحركة التجارة المصرية، وإجراء تعداد شامل لسكان القطر المصري، وإنشاء غرف تجارية، ~~ومراقبة سيرها وأعمالها، ووضع قوانين للسماسرة والصيارفة والباعة المتجولين، وتشجيع ~~العمل الاستغلالي والفنون الاستغلالية، وتوسيع نطاقها بإيجاد مدارس للصنائع والفنون، ~~وتقرير الموازين والمكاييل وتنظيمها، وتجهيز ما يلزم من معاهدات تجارية، وتعريفات ~~للجمارك والمكوس، ومراقبة جميع الأحواض والمخازن الجمركية المصرية، ووضع نظام للمصايد ~~في النيل والبحيرات، ومراقبة أعمال ترعة السويس، ودرس ما لدى البلاد الأخرى من تشريعات ~~تجارية. # وطلب أن يكون المندوبان مستعدين، إذا لزمت الحال للسفر إلى الخارج في مهمات تجارية، ~~فلبت وزارة الخارجية طلبه، وأرسلت موظفين من كبار موظفي وزارة التجارة البريطانية، ~~اسماهما نيل واكتن، أخذا على عاتقهما القيام بالمهمات العديدة التي عهدت إلى ~~كفاءتهما. # وأما توسيع دائرة فتوحاته، فقد تكلمنا عنها بتفصيل في غير هذا المكان. # وبينما هو ms617 منهمك في ذلك جميعه كان إسماعيل صديق، السيزيف الجديد يكد، من جهته، كدا ~~عنيفا في دحرجة صخرة ماليته. # ولكن الأنباء التي وردت من دار السعادة، في تلك الأثناء، زادت في مشقة مهمته، فإن ~~الحوالات التركية المستحقة الدفع في 13 يناير سنة 1874 بلندرة لم تدفع، واحتج عليها. ~~ومع أن المالية المصرية كانت منفصلة تمام الانفصال عن المالية التركية، وليس هناك تضامن ~~بين الاثنتين، فإن الملأ لم يسعه لدى ذلك التوقف، إلا تقرير مقارنة وارتباط بينهما، ~~وتوقع حذو المصرية حذو التركية. # فنجم عن ذلك رعب فجائي في الأسواق المصرية كاد يكون قاتلا. # ولما كانت الأملاك الخديوية قد أصبحت بمجهودات إسماعيل صديق باشا مشتبكة تمام ~~الاشتباك بصعوبات الخزينة المصرية، ومهددة بما يهدد هذه، رأى الوزير أن يعزز مركزه لدى ~~مولاه بإبداء نصيحة مفيدة له، فأشار عليه بأن لا يبقى على اسمه من ممتلكاته سوى معامله ~~السكرية المرهونة ضمانة لسداد قرض سنة 1870، وما يقرب من مائة ألف فدان، وأن ينقل باقي ~~أملاكه بكيفية شرعية إلى أسماء الأميرات والأمراء من أسرته الخاصة. # فاستحسن (إسماعيل) الرأي بعد أن وثق من الخطر الذي بات يهدد ثروته، وأنشأ دائرة جديدة ~~دعاها «دائرة الأمراء»، وكلف قاضي القضاة، ومفتي الديار، ورجال الشرع، ومستخدمي المحاكم ~~بالاشتغال في نقل تكليف أملاكه الباقية إلى أسماء الأميرات زوجاته، والأمراء أولاده، ~~فقضى رجال الشرع في ذلك العمل نيفا وشهرين، وأبرزوا الحجج الجديدة متصفة بجميع الأوصاف ~~الشرعية المطلوبة، وموقعا عليها بالأختام التي من شأنها حمايتها من كل طعن. # وأقبل (إسماعيل) يفكر في الوقت عينه في أمر تأسيس شركة فنية استغلالية، يكون غرضها ~~حفر ترعة تسير من مصر الوسطى، فتنحدر نحو الشمال، محاذية السلسلة العربية، فتجتاز ~~القاهرة بين تجاويف جبل المقطم الوسطى، فتمكن من ري الجزء الشرقي من قمة الدلتا، ومن ~~إنشاء جملة شلالات مياه متعاقبة ذات قوة هائلة، يستطاع استخدامها لتحريك آلات مصانع ~~كبرى. # ولكن الماليين أبوا - بالأسف - أن يمدوه بالأموال اللازمة لإنجاز ذلك المشروع البديع. ~~ولا ندري لماذا لا يقدم على تنفيذه الآن، فتولد ms618 من تلك الندافات قوة كهربائية عنيفة ~~تغني مصر في استنارتها بالنور الكهربائي، وفي تشغيل معاملها، عن الفحم الحجري ~~والكيروسين. # وكانت نتيجة الاضطراب الهائل الذي أحدثه في السوق المصرية توقف تركيا عن الدفع، ~~ونتيجة ازدياد الصعوبات والشدائد حول المالية المصرية أن إسماعيل صديق باشا شرع يفكر ~~للخروج من مأزقه الحرج في الإقدام على بيع أطيان الأوقاف الخيرية كلها التي في القطر ~~المصري، وعرض المشروع على الخديو، وحببه إليه. # ولكن (إسماعيل) أبى اعتماده، وزجر وزيره عنه، فحول الوزير وجهه شطر عمليات بيع، وتمكن ~~(أولا) من تصريف حوالات بمبلغ مليون من الجنيهات يستحق دفعها بعد ستة أشهر، بفوائد ~~قدرها 21 في الماية. و(ثانيا) من بيع مليون إردب قمح، بسعر جنيه إنجليزي الإردب، ~~وخمسائة ألف إردب فول بسعر 82 قرشا صاغا الإردب، تسليم سبتمبر وأكتوبر، على أن يكون ~~دفع ثلثي ثمنها في مارس، والثلث الباقي في أبريل. # ولكن الأحوال - بالرغم من ذلك جميعه - استمرت سائرة من سيئ إلى أسوأ، فبلغ خصم حوالات ~~المقابلة في أواخر شهر مارس من 23 إلى 26٪، وبلغ سعر الفوائد المطلوبة على كل عملية من ~~عمليات التحويل أو العكس بالبورصة، 48٪ وما فتئ سعر القرض يتدهور حتى نزل إلى ~~61٪. # فبلغت الأنفس التراقي، وأخذ كل المشتغلين في الأمور المالية ينتظرون بأنفس جزعة حلول ~~ساعة الخراب العام. # ولكن إسماعيل صديق باشا، وقد أصبح مركزه أحرج من مراكز الجميع، وفق، لكثرة ما أتعب ~~فكره، وفتقه إلى تدبير جاء للكل بمثابة الفرج الذي لم يعد أحد ينتظره، ومكنه من ~~الاستحمام بالذهب استحمامه الأخير. # فقد كان يوجد ضمن مصالح الحكومة مصلحة بقيت بعد ذلك دهرا، كانت تعرف باسم «مصلحة ~~الرزنامة»، وأحسن تعريف لها أنها كانت عبارة عن صندوق أمانات، له حق التصرف في رءوس ~~الأموال المودعة فيه تصرفا أبديا على شرط قيامه بدفع معاشات متفق عليها ~~للمستحقين. # فجمع وزير المالية المجلس الخاص، كما كان جمعه لمسألة المقابلة، وبعد أن عرض فكرة ~~مشروعه عليه، وحمله على استحسانها، استكتبه تقريرا للخديو جاء فيه «أن عددا كبيرا من ~~الأهالي يحتفظون ms619 بأموال جسيمة لا يستثمرونها لعدم معرفتهم كيفية استثمارها، ولأن القرآن ~~الشريف يحظر الإقراض بفوائد، فوزير المالية بعد كثرة التفكير والتأمل وفق إلى إيجاد ~~وسيلة لاستثمار تلك الأموال بما يعود على البلاد بأكبر رخاء، وعلى المشروعات التجارية ~~بأكبر سعة، وعلى الفنون والصنائع الاستغلالية بأعظم فائدة، تلك الوسيلة هي أن تصدر ~~الرزنامة سندات إيراد مؤبد بما لا تتجاوز قيمته خمسة ملايين من الجنيهات ~~الإنجليزية. # ولا يرى المجلس أن يتعدى هذا المبلغ، لا لأن المال غير موجود في البلاد، ولكن لأن ~~مشاغل الحكومة كثيرة، ومهما بلغت رغبتها في العمل على الخير العام، فلا قبل لها على ~~تحمل أعباء قد تنوء بها. # وبناء على ذلك، فإن المجلس الخاص يقترح إصدار سندات رسمية بالقيمة المذكورة، تكون ~~المائة فيها مائة، ويكون ثمن بعضها جنيهين ونصفا، وثمن البعض الآخر خمسة جنيهات، وتسري ~~عليها فوائد بواقع 9٪ سنويا تدفع شهريا للمكتتبين في عموم المراكز، وأن تبقى سجلات ~~الاكتتاب مفتوحة مدة خمسة أشهر، وتدفع قيمة السندات حين الاكتتاب بها.» # فاعتمد الخديو ذلك التقرير، وأمر بتنفيذه في الحال، وهو معتقد أنه ينفع رعاياه ~~وحكومته معا. # فما مضت أيام قلائل على فتح سجلات الاكتتاب إلا ووردت الأنباء من داخلية البلاد بأن ~~الدفع فاق مليونين وخمسمائة ألف جنيه، وأن اكتتاب أهالي مدينة طنطا وحدها بلغ نصف مليون ~~جنيه، ومع استمرار الضغط والتأثير على عقول الريفيين والمدنيين، وعلى بطون أرجلهم، ما ~~فتئ قدر المبالغ الموردة يرتفع، حتى بلغ ثلاثة ملايين وأربعمائة وعشرين ألفا من ~~الجنيهات. # فلم يكن بد والحالة هذه من أن تتأثر أسعار السوق بهذه النتيجة الباهرة، ففي طرفة عين ~~تحسن معدل خصم حوالات «المقابلة»، وأذونات الدائرة 5٪ وصعدت أسهم القرض الأخير ~~3٪. # وبفضل تلك العملية أصبح في الإمكان التطلع بهدوء سريرة وارتياح قلب إلى دخول الصيف. ~~ومما زاد الطمأنينة رسوخا هو أن الخديو صمم على عدم مغادرة القطر في تلك السنة للذهاب ~~إلى أوروبا أو الأستانة، وعزم على تمضية فصل الصيف على ساحل البحر الأبيض في مصيفه ~~بالرمل، وأن هذا العزم حدا بجميع ذوات ms620 القطر إلى الاقتداء به، لأنه مع بقاء سموه على ~~ضفاف النيل لم يكن يحسن بكل من كان ذا وجاهة السفر إلى الخارج فإن (إسماعيل) كان يعرف ~~سراة عاصمتيه واحدا واحدا، ولم يكن ليرى بعين مرتاحة مغادرة أحدهم القطر، مع بقائه هو ~~فيه، فاقتصدت بذلك مبالغ جسيمة كانت تصرف سنويا في المصايف الأجنبية، وعاد اقتصادها ~~على المداولات النقدية بخير عميم. # ووقرت في النفوس مقدرة المالية المصرية على الخروج من المآزق الحرجة، وشرع الوزير ~~يؤيد هذا الاعتقاد في قلوب المرتابين، بإماطة اللثام عما لا يزال لدى الحكومة من ~~الوسائل والموارد، كحصص التأسيس في شركة القنال، وأسهمها - وكلها لا تزال خالية من كل ~~رهن - والخيرات العميمة الموجودة في البلاد، والتي في استطاعة إدارة جيدة إخراجها منها، ~~وشرع يردد الكلمة المروي صدورها عن أحد أكابر الماليين في وليمة في باريس، وهي «ما دام ~~النيل يجري، فمصر لن تنفك تسدد ديونها». # فوقرت الثقة شيئا فشيئا في النفوس، وامتلأت أوروبا ذاتها بها، فأقبلت تتعامل من ~~جديد مع وزير المالية بمشتري إفاداته وحوالاته، وأقدمت نقابة قوية على رفع شأن القرض ~~الأخير، فصعدت أسعاره حتى بلغت في 26 سبتمبر ~~٪، وصعدت أسعار الدين السائر أيضا. # ولما كان هذا الأمر غريبا، بدأت السوق تعتقد أن عاملا جديدا دخل في المضمار، وأنه ~~لا بد من أن يكون وراء «الأنجلو اچپشن بانك» - الذي طفق يحتكر الأعمال المالية، وكان ~~لمديريه بمصر مركز سام في السراي - قوة مالية من الدرجة الأولى تسند إجراءاته، لا سيما ~~منذ أقدم ذلك البنك على تسليف الوزير ثلاثة ملايين جنيه، مقابل سندات تدفع قيمتها ~~بفوائدها، بواقع 14٪ بعد مضي سنة. # ولم يكن اعتقاد السوق في غير محله، فإن تلك القوة إنما كانت مشخصة في بنك فرنسا ~~العقاري، وكان من شأن إقباله على مساعدة المالية المصرية تثبيت قلوب الخائفين، وتبديد ~~مخاوف الوجلين. # فأخذت الأوامر بمشتري حوالات المالية، وأذوناتها ترد إلى الإسكندرية من لندن، وعلى ~~الأخص من باريس، وأخذت كل سفينة ترد من الأستانة وسوريا أو من أوروبا تأتي إلى القطر ~~بكمية ms621 لا يستهان بها من النقود، حتى نزل معدل الفوائد إلى 9٪. # فما وسع الوزير إزاء ذلك جميعه إلا إبداء استغرابه واستعجابه اللذيذين، وبعد ما كان ~~يتصيد المشترين والنقود، أصبح المشترون يهرولون إليه، والمال يتدفق نحوه. وأذاعت ~~الجرائد اليومية إذ ذاك أنه رأى نفسه مضطرا ذات مرة إلى رفض اقتراح إبدال عدة أذونات ~~تستحق بعد ثلاث سنوات بفائدة قدرها 12٪، بعدة ملايين من الجنيهات. # وأصبحت مصر مرمى أنظار المطامع المتقدة في الدوائر المالية في الأستانة وباريس، وبلغ ~~من تلك الدوائر أنها أرسلت مندوبين من قبلها إلى الخديو لتخابره في عقد قروض جديدة، ~~ولكن الخديو أبى الدخول في عملية مالية من ذلك النوع لاعتقاده أن البلاد غير محتاجة ~~إليها، والوزير عينه أصم أذنيه لوقع كل اقتراح، مدعيا أنه لا يستطيع البت في أي طلب من ~~الطلبات المقدمة إليه، حتى يتضح له مبلغ ما حصل من اكتتابات الروزنامة، فبقيت عدة مئات ~~من آلاف الجنيهات في أيدي أصحابها الممولين بدون استثمار. # غير أنها لم تبق طويلا، وما لبث الوزير أن عاد إلى عبثه بالمالية المصرية. # ففي أوائل فبراير سنة 1875 اتفق على عملية قدر قيمتها مليونان ونصف من الجنيهات على ~~أذونات تستحق الدفع بعد ثلاثة أشهر بفوائد 12٪ في السنة، ثم بعد أيام قليلة ذاع في ~~الملأ نبأ اتفاقه على عملية أخرى قيمتها خمسة ملايين جنيه بفائدة قدرها 12٪، تدفع ما ~~بين أول أبريل وأول أغسطس بدل حوالات تستحق ما بين أول فبراير سنة 1876 وأول يناير سنة ~~1877، ويجب دفع قيمتها في لندن، وتلا هذه العملية عملية أخرى قيمتها ثلاثة ملايين، صدرت ~~حوالات دائرة سنية بضمانة المالية. # فما تمت هاتان العمليتان إلا وارتج الرأي العام بأوروبا، لا سيما بلندن، ارتجاجا ~~أليما، ولكن موقف سوق باريس وعطفها على الأوراق المالية المصرية أزال ذلك الارتجاج، ~~فعادت الحال إلى ما كانت عليه من ثقة ثابتة، ونقود غزيرة، وعاد الاطمئنان إلى ~~القلوب. # غير أن نشوء الخلاف بين الباب العالي والجبل الأسود، وقضية فلپار التي أزعجت الأسواق ~~برهة، ونزول الأوراق المالية التركية المستمر، ms622 ومشكلة الهرسك - هذه جميعها ما لبثت أن ~~عكرت صفاء الجو، وزادته تعكيرا الحالة المالية في تركيا، بالرغم من المجهودات التي ~~بذلتها بعض الجرائد، لتبرهن على عدم وجود تضامن ولا ارتباط بين ماليتي مصر وتركيا، ولا ~~وجه للمقارنة بينهما. # وبينما تشتد قلة النقود بالإسكندرية، أخذت أنباء أوروبا تزداد سوادا، فالأزمة ازدادت ~~حرجا في الهرسك، والضيق المالي وارتفاع الخصم بلغا أشدهما في فرنكفورت وبرلين، وطلبات ~~النقود توالت بكثرة غير معتادة في أسواق لندن، والعلائق السياسية توترت بين لندن ~~وپيكين. # فقلقت الأفكار، وسقطت القلوب. # وإذا بإشارة برقية وردت في مساء 7 أكتوبر إلى البورصة، تنبئ بأن الباب العالي، ابتداء ~~من أول يناير سنة 1876، سيدفع فوائد ديونه النصف نقدا، والنصف الثاني سندات تحمل فوائد ~~قدرها 5٪. # فأبى الناس في الأول تصديق ذلك النبأ، لاستبعادهم اهتمام رجال الأستانة بما توجبه ~~تعهداتهم ثلاثة أشهر مقدما، ولكن الخبر ما فتئ أن أكد، وأعلن رسميا. # فضجت السوق دهشة، فغضبا، فرعبا، وانهارت الأسعار انهيارا مزعجا. # فأسرع الوزير إلى إدعامها، فأمر أن تدفع استحقاقات أول نوفمبر التالي مقدما، وأن ~~تخصم استحقاقات 9 نوفمبر بسعر 4٪، ووضع تحت تصرف بنكين سماهما للعموم مبالغ جسيمة، ~~لتسهيل التصفية التي كان الكل يخاف عواقبها، وشهل في الوقت عينه تحصيل الضرائب، وبعث ~~أولا فأولا، كل ما حصل منها إلى محافظة الإسكندرية. # غير أن أنباء الغد كانت نكبة على الأوراق المالية الشرقية، فالورق التركي المعروف ~~بخمسة في المائة هبط إلى ~~، واتبع الورق المصري حركة الهبوط، فوقفت حركة الأعمال، وجمد دولابها ~~وبات الجميع يتوقعون في التصفية المقبلة الخراب التام. # وإذا بجرائد لندن هبت تقبح المخاوف، وتثلج القلوب بنشر مقالات متتابعة لرجلين من كبار ~~الخبيرين بالأحوال الشرقية: المستر فولر، والسير صموئيل بيكر. # أما المستر فولر فمهندس الحكومة المصرية الاستشاري، وكان الخديو قد كلفه ضمن أعمال ~~أخرى هامة مد خط حديدي بين البحر الأحمر والنيل الأعلى، فما كان ليسع أحدا إلا تصديق ~~أقواله في كل ما يختص بالفن والأشغال التي تمت بمصر، كتوسيع مرفأي الإسكندرية والسويس، ~~وزيادة سكك الحديد، وحفر عدة ms623 ترع للري، وتبليط شوارع الإسكندرية، وتصليح شوارع مصر، ~~وإنشاء الكثير منها والأحياء العديدة، والتنوير بالغاز، وتحسين نظام الطرق العمومية في ~~عدة مدن داخلية، وإنشاء معامل السكر في الصعيد، إلخ إلخ. # فالمستر فولر أكد في مقالاته أن كل الأموال التي حصلت الحكومة المصرية عليها بطريقة ~~الاقتراض، صرفتها فيما عاد بالمنفعة الكبرى على البلاد، وعلى إنماء خيراتها ~~وتكثيرها. # وأما السير صموئيل بيكر - ونحن نعلم من هو، وما كان لمؤلفاته عن رحلاته وأعماله من ~~دوي كبير في عالم الجغرافيا والتحرير - فقد قال بصراحة في مقالاته: إن السبب في الأزمة ~~المتعبة السوق المصرية إنما هو جهل ثلاثة أرباع حملة الأسهم ماهية العلائق بين مصر ~~وتركيا جهلا تاما، وأكد أنه ليس بين طريقتي البلدين الإدارية والمالية شبه مطلقا. ~~وختم أقواله بإطراء الخديو ثناء مستحقا، فمجد روحه الاجتماعية اللطيفة، وتنور ذهنه ~~الفائق، وهمته الشماء، ونشاطه الذي لا يعرف الكلل ولا الملل، وسعة معلوماته، ورقي ~~أفكاره، وسيرها في مجاري العقليات الحرة السامية، ورغبته الأكيدة في وضع القطر المصري ~~في مصاف دول أوروبا الأكثر تمدينا، واهتمامه في حفظ سمعته نقية، لا تشوب طهارتها ~~شائبة، إلخ إلخ. # وانضم إلى هذين الكاتبين كاتب ثالث يقال له المستر شو، تطوع هو أيضا من تلقاء نفسه ~~بإزالة الريب، والشكوك المحيطة بحال السوق المصرية. # فوقعت كتاباتهم موقع الاستحسان عند «الستوك إكستشنچ» (بورصة) بلندن، وساعدت حركة ~~التحسين التي بدأت بشائرها في 25 أكتوبر، واستمرت آخذة مجراها حتى مرت تصفية القرض ~~الأخير بسهولة، خلافا لما كان يخشى. # وإثباتا لحقيقة أقوال أولئك الكتاب، وتأكيداتهم بأن المالية المصرية قوية لا تتزعزع، ~~أصدر محل «درڨيني وشركائه» - وكان بنكا من بنوك الإسكندرية الأكثر أهمية - تقريرا جاء ~~فيه «إن مبلغ عموم أقراض الحكومة والدائرة معا يبلغ لغاية أول يناير سنة 1877 ستين ~~مليونا وخمسمائة وواحد وثلاثين ألفا وثلاثمائة وستين جنيها، توجب دفعا سنويا ~~للفوائد والاستهلاكات، قدره ستة ملايين ومائة وثلاثة وثمانون ألفا ومائة وأربعة ~~وثلاثون جنيها، وأن مبلغ الدين السائر بات ينحصر في العمليتين الأخيرتين اللتين تمتا ~~بواسطة «الأنجلو اچبشين» ms624 أي في ستة عشر مليونا، توجب دفعا سنويا للاستهلاك ~~والفوائد، قدره مليونان ونصف من الجنيهات، أي أن جميع ما يوجبه الدين المصري بأكمله من ~~الدفع للاستهلاك والفوائد مبلغ 6683134 جنيها. # وبما أن مجموع إيرادات القطر يبلغ نيفا وعشرة ملايين جنيه، فإذا خصم المبلغ المذكور ~~أعلاه منه بقي لدى الحكومة مبلغ 3400000 جنيه لمصاريف الإدارة، وهو مبلغ كاف تمام ~~الكفاية.» # هذا التقرير المبني على أرقام صحيحة قوبل من الرأي العام مقابلة جميلة، وكان له الشأن ~~الممدوح في إعادة الثقة بالحكومة المصرية إلى حملة أسهمها. # ولكن أنباء السوء ما فتئت تتوالى وتتعاقب فلا لندن ولا باريس كانتا خاليتين من ~~المشاكل السياسية والمالية، وأخبار الأستانة كانت تزداد خطورة يوما فيوما، وآخر ما ~~ورد منها مقابلة بين السلطان والجنرال إجناتييف الروسي، علقت الجرائد والمحادثات ~~العمومية عليها تعليقات ذات شأن، والإشارات البرقية أخذت تتمخض بأهوال عما قد يقع على ~~الحدود الفاصلة بين النمسا وتركيا، وأتت خطبة ألقاها المستر دزرائيلي، كبير وزراء ~~الإنجليز، واشتملت على خوف وهلع من جراء ما قد تجر إليه نكبة تركيا المالية من مصائب، ~~ضغثا على إبالة، وذلك بينما الأيام تدني استحقاق أول ديسمبر، أي استحقاق دفع عدة ~~ملايين من الجنيهات إدناء سريعا ، والشعور عام بأنه ليس لدى المالية ما يمكنها من ~~دفعها، بل وحديث البعض أن الوزير - وقد أعيته الحيل - ضجر ومل، واعتراه يأس لا يقاوم ~~فبات ينتظر وقوع الحوادث بما تشاء أن تجري، دون أن يكون لديه رغبة أو نية في درء ~~عواقبها، أو تحويل مجاريها، قائلا لمن أراد تنبيهه إلى أي عمل «المكتوب مكتوب». # فهل من الغرابة إذا بات الموقف في منتهى الحرج؟ وإذا تناقلت الألسن أن أحد أصدقاء ~~إسماعيل صديق باشا ذهب ليزوره، لكي يقف منه على حقيقة أحوال المالية، فرجع من عنده، ~~والهول كاد يجعل شعر رأسه أبيض؟ فإن الوزير حينما رأى نفسه مشددا عليه في عقر داره، ~~اعترف لزائره بأن الخزينة لم يعد فيها من النقود إلا ما يكفي لسداد احتياجات بضعة أيام ~~فقط، وأما بعد، ms625 فيفعل الله ما يشاء. # فذهب الزائر من عند إسماعيل صديق باشا إلى قصر الخديو، ووجه إليه باحترام بعض أسئلة ~~من التي كان قد وجهها إلى وزير المالية، فأبدى (إسماعيل) جهله الحالة المالية بالتمام ~~لتركه إياها تحت تصرف وزيره الأمين، وقال: إنه لا يشك مطلقا في أن الخزينة ستقوم بدفع ~~ما عليها حينما يطلب منها دفعه، لأن صديقا لم يقل له أبدا ما يشتم منه أنها في ضيق. ~~فنقل محادثه إليه، في الحال، آخر ما أجاب به إسماعيل صديق على أسئلته، وأكد له أن ~~الخزينة تصبح خالية خاوية بعد خمسة عشر يوما. فأجاب (إسماعيل) «أجل، إن يكن الأمر كما ~~تقول، فإنا سنفعل كما فعل السلطان.» # وليته فعل حينما آن الوقت، أو ليت فعل ذلك كان في الاستطاعة، فإن المرابين الذين ~~استغلوا مجهوداته المبذولة في سبيل تقدم بلاده الأدبي والمادي، وجعلها شقة من أوروبا، ~~ليخربوه ويخربوا بلاده، إنما كانوا لاقوا في خسارة جانب من أرباحهم الجائرة، لا من رءوس ~~أموالهم المقروضة، جزءا من الجزاء الذي كانوا يستحقونه، والذي كان يجب قانونا أن ~~ينالهم، لأنهم إنما تقاضوا على زعمهم ربا فاحشا، بسبب وجود خطر على نقودهم المسلفة، ~~فما كان أجدر بهم إذا أن يتحملوا عواقب تلك المخاطرة. # ولكن محادث (إسماعيل) أخذ يبرهن له أن موقف تركيا إزاء أوروبا فريد في بابه، وأن ~~المقتضيات السياسية الموجبة مراعاة المالية العثمانية بنوع خاص، لا وجود لها بالنسبة ~~لمصر، وأن الأفضل - والحالة هذه - دفع الدين ولو باحتمال تضحيات جمة أولى من خلق أسباب ~~لمداخلات أجنبية في شئون الحكومة، قد تغير الأيام والحوادث شكلها، وتصبغها بغير صبغتها ~~الأصلية، وأنه يرى أن الأنسب إزاء الصعوبات الكائنة، أن يتقدم الخديو بنفسه إلى طلب ~~مراقبة أوروبية على ماليته، لإثبات استقامة حكومته التامة ومحاسن نياتها، وصدق ~~مجهوداتها في خير الشعب، وشدة اجتهادها الاجتهاد كله للقيام بتعهداتها المالية، قبل أن ~~تقدم أوروبا على إيجاب تلك المراقبة عليه، لأنه إن يفعل ذلك، فقد يجد في المستقبل درءا ~~لكل شبهة بل لأردأ الطوارئ، فيما لو ms626 أبى النحس إلا وقوع ما ليس في الحسبان! # فراقت النصيحة في عين (إسماعيل)، ولم يمض أسبوع على إبدائها إلا وشاع الخبر في لندن ~~في 10 نوفمبر سنة 1875 أن خديو مصر بعث يطلب من الحكومة البريطانية إرسال بعض كبار ~~موظفي ماليتها لمراقبة الأقلام المالية المصرية. # وفي الوقت عينه أصدر الخديو أمره إلى وزير ماليته ببذل ما يمكن لضمان سداد استحقاق ~~أول ديسمبر، والدفع المطلوبة على الدين السائر لمدة أربع سنوات، على قدر ما ~~يستطيع. # فأقبل الوزير بواسطة الأنجلو إچپشن، وتحت رعاية البنك العقاري الفرنساوي الخفية، ~~يتخابر في أمر إصدار سندات مالية قيمتها ستة عشر مليونا من الجنيهات لمدة أربع سنوات، ~~تسري عليها فوائد بواقع 15٪، وتكون أسهم شركة السويس التي بيد الحكومة المصرية ضمانة ~~لسدادها، على أن تحول تلك السندات فيما بعد إلى قرض حالما يفرغ من سداد قرض سنة ~~1864. # ولكن المخابرات طالت، والوقت أزف، والوزير لم يكن يستطيع الانتظار، فرغب في أن يستفيد ~~حالا من ال 176000 سهم التي بيده، وشرع يتخابر سرا في بيعها بواسطة بنك فرنساوي ~~بالإسكندرية. # فعلم قنصل إنجلترا بالمخابرات المعقودة، وأبلغ سمو الخديو؛ بناء على تعليمات وردت ~~إليه من دولته، أن الحكومة البريطانية وطنت عزمها على المزايدة على كل ثمن يدفع في ~~الحاضر أو في المستقبل من أي كان لمشتري تلك الأسهم. # فأدى ذلك إلى تزاحم بين عمال النفوذ الفرنساوي، وعمال النفوذ الإنجليزي بمصر وأوروبا، ~~وأخذت المخابرات هنا وهناك لتكيف تارة بشكل تأمين تلك الأسهم على سلفة، وطورا بشكل ~~بيعها، والقنصل الفرنساوي بمصر يجد ويجتهد ليضمن لماليي أمته، أو لحكومته، إما هذا ~~الأمر وإما ذاك. والأنجلو إچپشن يسعى في تخييب مجهوداته، لرغبته في أن يكون هو المفضل، ~~والقنصل الإنجليزي يجاهد جهادا عنيفا لتحويل أنظار الحكومة المصرية نحو عاصمة بلاده، ~~حتى أدى السعي في النهاية إلى تخلي الحكومة الفرنساوية والدوق دي كازوزير خارجيتها، ~~بالرغم من صداقته الشخصية للخديو عن رغبة الشراء، وإلى تشبث المستر دزرائيلي كبير وزراء ~~إنجلترا به تشبثا كليا. # ولما كان البرلمان مفضوضا مسرحا، وكان ms627 غير متيسر لذلك السياسي الحصول على تصديق منه ~~لمشتري تلك الأسهم، توجه دزرائيلي من وقته إلى بيت روثتشايلد الإنجليزي، وعرض رغبته ~~عليه، وسأله عما كان يريد أن يقرضه المبلغ المطلوب، ريثما ينعقد البرلمان على أن تكون ~~ضمانته الوحيدة لغاية ذلك الحين، كلمة شرف وزير بريطانيا العظمى الأول، فكان جواب ~~روثتشايلد أنه قام وأخرج من خزنته المبلغ المطلوب، ووضعه من وقته تحت تصرف ~~قاصده. # فأبرقت أسرة دزرائيلي طربا، وأبرق في الحال إلى قنصل إنجلترا بمصر «أن أخبر الخديو ~~أن الحكومة الإنجليزية تقبل شراء أسهمه في ترعة السويس بمبلغ أربعة ملايين من الجنيهات» ~~- وهي تساوي الآن مائتي مليون تقريبا. # فرفع القنصل الخبر إلى (إسماعيل)، ولما كان في المبلغ المعروض ربح للحكومة المصرية ~~قدره 450000 جنيه، وكانت كوبونات - قطعيات - تلك الأسهم لغاية سنة 1894، قد فصلت عنها، ~~فيما دفع لدي لسبس، فلم يكن ثمت خسارة أي إيراد وقتي للحكومة المصرية، قبل (إسماعيل) ~~البيع، وصدق عليه. # فلما انتشرت أنباؤه وذاعت، كان لها وقع شديد في كل جهات المعمور، ماليا ~~وسياسيا. # أما سياسيا، فلأن الكل رأوا في إقدام إنجلترا على مشتري تلك الأسهم عملا خطيرا، ~~قد تنجم عنه نتائج تؤدي إلى انقلابات ليست في الحسبان، إن لم تكن قاضية قضاء مبرما على ~~مستقبل تركيا ومصر معا، فعلى علاقات مصر بتركيا على الأقل. وعليه فإن الدوائر الرسمية ~~في ڨيينا وبرلين وبتروجراد وباريس علقت على المشتري تعليقات اشعرت بالاضطراب العميق ~~الذي اعتراها. # وأما ماليا، فلأن دفع استحقاقات أول ديسمبر أصبح ممكنا، بل مضمونا، وباتت شجون ~~القلق، والمخاوف المنتابة الصدور بمخالب حادة، مقضيا عليها، وأضحى من المؤكد بعد ذلك ~~أن مساعدة إنجلترا المالية لمصر لن تقف عند ذاك الحد. # وفي الواقع فإن حكومتها أجابت طلب (إسماعيل)، واختارت المستر إسطفان كيڨ، ليشغل مركز ~~مستشار مالي له. # والمستر إسطفان كيڨ كان من الأهمية الشخصية بحيث لم يكن يمكن أن تقف مهمته عند حد ~~التقاط الاستعلامات اللازمة لتحرير تقرير شامل عن الحال فقط، بل كان لا بد من أنها ~~تتجاوزه إلى الإشراف ms628 على أعمال الحكومة المالية، وتسييرها في طريق قويم. # وظهرت نتائج ما كان لنبأ شراء الأسهم من وقع في الثمل الذي لعب برهة بعقول المضاربين، ~~لا سيما المطلعين منهم على لهجة الجرائد الإنجليزية، فإنه خيل إليهم لحظة أن الأوراق ~~المصرية أصبحت تساوي الأوراق الإنجليزية عينها، وإلا فإنها أصبحت تساوي على الأقل ~~مساواة تامة الأوراق الهندية في قيمتها ومتانتها، كما أن تلك النتائج ظهرت أيضا في ~~حركة الصعود التي ذهبت بأسعار قرض سنة 1873 من 54 إلى 72 في ظرف خمسة عشر يوما. # ومما زاد في ثقة السوق أن أموال الضرائب أخذت ترد بغزارة إلى محافظة الإسكندرية، لحض ~~عمال الحكومة المزارعين على دفعها حضا فعالا. # فأصبح مركز وزارة المالية قويا ثابتا، وعاد الطلب يبحث عن إفاداتها، ويقتني أطولها ~~استحقاقا، كأنه يخشى أن لا يعود يجد منها. # وفي وسط هذا الثمل العام، أي في 16 ديسمبر سنة 1875 وصل إلى الإسكندرية المستر كيڨ، ~~ومعه الكولونيل ستوكز، وزمرة منتخبة من موظفي وزارتي المالية والخارجية الإنجليزيتين، ~~وسافر جمعهم إلى العاصمة في الحال. # فاستقبلوا فيها استقبالا شائقا، وأنزلوا على الرحب والسعة في ضيافة ولي ~~النعم. # فلما وقف الجمهور على ماهية وظائف الأعضاء المؤلف منهم هذا الوفد، والملتفين حول ~~رئيسهم، المستر كيڨ، أخذ يتأكد من أن المهمة التي أتوا من أجلها ليست مالية فحسب، بل ~~مالية وسياسية معا، وأقبل حملة الأسهم يمنون أنفسهم بأعذب الأماني، ولكنهم ما عتموا أن ~~رأوا أن الحقائق غير الآمال، حينما دنت تصفية أول يناير سنة 1876 فإن النقود أخذت ~~تتوارى وتقل، وارتفع الخصم من 3 إلى 4٪، ونزل القرض ثلاثة بنوط، وبدأت السوق تشعر بأن ~~مؤثرات مختلفة تتضارب حول العرش المصري، بين أن دي لسبس، حالما علم بيع أسهم الحكومة ~~المصرية في ترعة السويس، هرول إلى مصر في أمل شراء حصص التأسيس المعطاة لهذه الحكومة ~~عينها، وعددها خمس عشرة في المائة من مجموع الحصص كلها. # ولكن الحكومة طلبت لتبيعها مبلغ أربعين مليونا من الفرنكات، وحيث لم يسع دي لسبس ~~دفعه، فإن البيع لم ms629 يتم، وبقيت الحصص بين يدي مصر، وعلى ذلك انتهت سنة 1875. # على أنه بالرغم من المصاعب المالية والسياسية المشتدة حول عرش (إسماعيل) اشتدادا بلغ ~~حدا أحرمه استمراء كل لذة، بل حال دون دخوله دور حريمه نيفا وستة أشهر، على ما أكد ~~هو نفسه للمستر إدون دي ليون قنصل أمريكا العام، وبالرغم من دوي المدافع المصرية في ~~جنوب القطر، وجنوبه الشرقي دويا أزعج هذا القطر عينه، وأوجب زيادة في اشتداد المصاعب ~~المالية والسياسية، فإن هذه السنة التي تم فيها (لإسماعيل) تأسيس المحاكم المختلطة ~~الإصلاحية، أي تقرير سلطته التشريعية المدنية على عموم النازلين في بلاده تقريرا ~~نهائيا، كانت العام الذي بلغ هو فيه سؤدده الحقيقي، وحق له، لولا تلك المصاعب المالية ~~الواخزة وخزا أليما، أن يستوي بهناء على عرشه، ويقول «لقد أصبح المستقبل لي ~~حقا.» # | الجزء الخامس # الهاوية تحت الأقدام # الفصل الأول # | نحو التوقف عن الدفع1 # إن الرياح إذا ما أعصفت قصفت # عيدان نبع ولا يعبأن بالرتم # ولكن الأيام الغشومة أبت إلا أن يكون بلوغ (إسماعيل) أوج عزه وذروة مجده سرابا فقط ~~وأبت - انظر إلى تهكم الأقدار وعبثها بالموضوعات البشرية - أبت إلا أن يكون الإصلاح ~~القضائي ذاته، الذي اعتبره هو نفسه، والذي كان في الحقيقة تاج مساعيه كلها، الآلة ~~الهادمة لذلك العز، والعجلة المدهورة لذلك المجد، من الذروة إلى الحضيض! فما أكبرها ~~عبرة! وما أشد وقعها على النفوس! # ولو لم يكن هناك دليل على أن (إسماعيل) كان يفضل المصلحة العامة على مصلحته الشخصية، ~~وعلى أنه كان يعتبر قيام مجد ملكه الحقيقي على ما يعمله من مصلحة لبلاده، لا على ما ~~يحتاط به من ملاذ، ولا على ما يحتفظ به لنفسه من استبداد بالسلطة والنفوذ سوى سعيه إلى ~~إصلاح شئون العدالة في القطر، ورغبته في توحيد المحاكم، ومنحه لها حق القضاء حتى بينه ~~وبين العموم من رعاياه، ورعايا الدول الأجنبية، فيما قد ينجم بينه وبينهم من منازعات ~~لكفى. # ولا غرابة إذا أجمع كل المؤرخين والمعاصرين على اعتبار تأسيس تلك المحاكم أكبر إصلاح ~~أجراه (إسماعيل) ms630 في مدة ملكه، وخير ما دل به على حقيقة نياته الصالحة نحو أمته ~~وبلاده. # بيد أنه، بينما كان هذا الإصلاح الخطير يتأصل في الديار، ويبدأ بنشر ظله الوارف ~~عليها، كان المستر كيڨ والموظفون الذين معه يوالون العمل الذي أتوا من أجله، ويغربلون ~~حسابات وزارة المالية والدوائر الخديوية، للوقوف بقدر الاستطاعة على ديونها وإيراداتها، ~~والخديو يصدر الأوامر تباعا، ويتخذ الاحتياطات كلها ليوجد لهم جميع التسهيلات التي ~~بها يتمكنون من الوقوف على حقائق الأمور. # فكانت نتيجة مجهوداتهم، تقريرا مفصلا وضعه المستر كيڨ بعد وصوله بشهرين، ورفعه إلى ~~الوزارة البريطانية، دون أن ينشره بمصر، أو يعلن أهم محتوياته على الأقل، مع أن الرأي ~~العام المهتم بالشئون المصرية كان ينتظره، ويترقب إعلانه بفروغ صبر، تهدئة للخواطر ~~واطمئنانا للقلوب، إذا أظهر أن الحالة موجبة ذلك، أو إنذارا لاتخاذ الوسائل الواقية ~~الممكنة، إذا أظهر أن الهاوية أصبحت مفتوحة تحت الأقدام. # وإنما كانت مشغولية الرأي العام، وقلق أفكاره ناجمين عن أنه منذ حضور المستر كيڨ هذا ~~انقسمت المعية الخديوية الرسمية وغير الرسمية إلى دائرتين متعاكستين، لكل منهما زعيم أو ~~مدره، وماليون، ومؤثرات صغيرة وكبيرة، لا بل وعيون مبثوثة حول الأمير، ونظام احتياطات ~~يرمي إلى تملك أذنه وقلبه، دون الدوائر الأخرى. # هاتان الدائرتان كانتا دائرتي الحزب الفرنساوي والحزب الإنجليزي، والنتيجة الوحيدة ~~الواضحة لمجهوداتهما كانت تعذر الوصول إلى إتمام أي مشروع، بسبب العراقيل التي أخذ ~~يقيمها كل حزب في طريق خصمه، وعدم تمكنهما من الاتفاق على العمل معا، لأنه بينما كانت ~~مرامي الحزب الفرنساوي مالية اقتصادية فقط، كانت مرامي الحزب الإنجليزي سياسية قبل كل ~~شيء. # فانقضى شهر يناير سنة 1876، والحالة هذه بدون التوفق إلى اتخاذ أية وسيلة لدرء ~~الطوارئ المخيفة، المتوقع قدومها مع استحقاقات الدفع الموشك حلولها، وزاد المخاوف هلعا ~~استمرار إقامة المستر كيڨ في القطر، واستمرار مباحثه، ودروسه دون ظهور أية نتيجة لها ~~بعد، وانتشار أبعد الأخبار غرابة في الأوساط المالية المحلية عن المجهودات المبذولة من ~~كلا الحزبين البادي ذكرهما، لحمل الخديو على قبول هذا الاقتراح أو ذاك ms631 العرض المقدمين ~~تارة من هذا الحزب، وطورا من ذاك. # أما المشروع الذي كان ينسب السعي في تحقيقه إلى الحزب الفرنساوي، والذي كان في الواقع ~~مرمى مساعي هذا الحزب، وعلى رأسه الأنجلو إچپشن بنك، فكان توحيد الدين السائر. # وأما ما كان ينسب السعي نحو تحقيقه إلى الحزب الإنجليزي، وما كانت الأوساط المالية ~~الغربية وغيرها بمصر تعتقد في نجاحها لرغبتها فيه، فكان أن تأخذ الحكومة الإنجليزية على ~~عاتقها جميع الديون المصرية، المضمونة منها وغير المضمونة، وتتولى هي سدادها، على شرط ~~التنازل لها عن السكك الحديدية وميناءي الإسكندرية والسويس، وأشياء غيرها من هذا ~~القبيل، ومن هذه الأهمية. # وبينما هذه الإشاعات تذاع وتتضارب، إذا بنبأ طار في 17 فبراير أن الأنجلو عقد مع ~~إسماعيل صديق باشا عقدا ماليا قدم له بموجبه، ومن أصل المطلوب لتثبيت الدين السائر، ~~مبلغ ثلاثة ملايين جنيه منها مليونان نقدا، والمليون الباقي عند الاختيار. # فدل ذلك على تفوق الحزب الفرنساوي على خصمه. # ولم تمض على ذلك أيام إلا وطار نبأ آخر بسفر مسيو پاستري، مالي هذا الحزب إلى باريس، ~~وفي جيبه مشروع مصدق عليه من الخديو لكي يعرضه هناك على النقابة التي كان هو مندوبها ~~بمصر، أي على فريق الماليين الذي كان البنك العقاري الفرنساوي زعيمهم وروحهم. # وبما أن العالم المالي المصري لم يكن مرتاحا إلا إلى نجاح المشروع المنسوب إلى الحزب ~~الإنجليزي ولا كان يهمه إلا قليلا نجاح الحزب الفرنساوي، فإنه قابل النبأين ببرود ~~وظنون ثائرة، ولم يتبع إلا بفتور المخابرات التي باشرها المسيو پاستري بعد وصوله إلى ~~باريس مع نقابته. # أما المشروع الذي ذهب ليعرضه عليها فكان عبارة عن إنشاء بنك أهلي، رأس ماله من أربعة ~~إلى خمسة ملايين جنيه، يناط به جمع كل إيرادات القطر المصري في خزائنه، فيستعبد ما يلزم ~~منها لخدمة الدين، ويسلم الباقي إلى الحكومة، أو يبقيه تحت تصرفها، ويناط به أيضا أمر ~~سداد الدين السائر، بواسطة إصدار أذونات لثلاثين سنة، تكون ضمانة سدادها إيرادات سكك ~~حديد الصعيد، والدخوليات، وميناء الإسكندرية، وما يخص حصص ms632 التأسيس في شركة ترعة السويس ~~الباقية في حيازة الحكومة. # ولكي يضمن أن يكون عمل ذلك البنك نظاميا مرتبا، وتقام الثقة به على أسس متينة، فإن ~~الدول الثلاث ذات المصالح الكبرى في القطر، وأعني بهن فرنسا وإنجلترا وإيطاليا، تعين ~~ثلاثة مندوبين غربيين يختارهم الخديو، فيراقبون الأعمال، ويسهرون على أن لا تحول ~~الإيرادات الخاصة بخدمة الدين عن الغرض الذي جعلت لأجله. # وبينما المسيو پاستري يتبع مجرى مخابراته في باريس، كان المستر كيڨ قد فرغ من العمل ~~الذي انتدب لأجله، وبعد أن رفع التقرير الذي قلنا عنه، أقلع إلى برندزي، وقد تلاشت عند ~~مؤخر السفينة التي أقلته جميع الأحلام والأماني التي أثارها مقدمه في القلوب والعقول، ~~وتغذت هذه القلوب والعقول بها طوال مدة إقامته. # فازداد القلق والاضطراب، وكثر الأرق في الأوساط المالية، كلما أدنى تصرم أيام فبراير ~~شهر مارس ذا الاستحقاقات المخيفة، وتناول المعية الخديوية ذاتها. # فأخذ الوزير إسماعيل صديق باشا، وقد كثر حوله ضرب الأخماس للأسداس يتفنن، ويجتهد، ~~ويبذل وسعه، ويستنبط الحيلة بعد الحيلة لإخراج النقود من كل خزنة يظن أو يبلغه أنها ~~نائمة فيها، ومن أيدي الماليين الزائدة الفطنة فيهم على الطمع، حتى اهتدى في نهاية أمره ~~إلى طريقة إصدار أذونات على بياض وهي أذونات من نوع خاص تستخرج من سجلات ذات قطع متسلسل ~~خاص، وذات حساب خاص بوزارة المالية، وشرع - مثلا - مقابل مائة ألف جنيه تدفع إليه ~~نقدا، على أن يسددها بعد شهر أو شهرين أو ثلاثة أشهر بفوائد 20٪ أو أكثر سنويا، يعطي ~~أذونات بقيمة مائتي ألف جنيه وثلاثمائة ألف جنيه وأربعمائة ألف جنيه ضمانة ~~للسداد. # ولما كانت الفوائد الجسيمة الموعود بها، على هذه الطريقة، من شأنها إثارة مطامع ~~الجشعين، أقبل كثيرون على هذا الفخ الجديد، وسقطوا فيه، ولات حين مندم! # فتمكن الوزير بهذه الوسائل من دفع استحقاق أول مارس في حينه، ولم تكن على الدفع شية ~~سوى أنه لم يكن كله ذهبا، واضطر حاملو الأسهم إلى استلام من 10 إلى 12٪، من الواجب ~~لهم، ريالات مجرية فضية عليها صورة الإمبراطورة ms633 ماريا تريزا. # وتمكن كذلك من دفع استحقاقات 10 مارس و20 مارس بواسطة تجديدات قبلت بعض المصارف أن ~~تجريها له مقابل إعطائه لها ضمانة للسداد أذونات على بياض، قيمة كل منها ضعفا قيمة ~~السند المجدد، بل ثلاثة أضعافه أحيانا. # وتمادى الوزير في أمر إصدار تلك الأذونات على بياض، والتعامل بها إلى حد رأى نوبار ~~باشا معه أن إسماعيل صديق باشا عامل على حفر فوهة بركان، في الحقيقة، تحت قواعد الحكومة ~~المصرية، فسافر إلى أوروبا في 21 مارس بدون إخطار أو إشعار أحد. # ولما كان الملأ الأجنبي ينظر إليه، ويعتبره بطل المقاومة البادية حول العرش ضد ~~الإجراءات المصبوغة بصبغة اليأس وقلة الذمة، التي كان يجريها زميله إسماعيل صديق باشا، ~~وكان يعتقد فيه، وحده، الكفاءة والحكمة اللازمتين للخروج من تلك الأزمة الحادة، بدون ~~إلقاء الشرف المصري في مهاو سحيقة - وليس من داع هنا للبحث في ما إذا كانت نظرية ~~الملأ الأجنبي، وآراؤه فيه صائبة أم مخطئة - فإن سفره الفجائي أبلغ الاضطراب والقلق ~~أقصاهما، وعده الناس إنذارا بأن السقطة باتت قريبة لا مفر منها، لا سيما أن الأنباء عن ~~تأسيس البنك الأهلي، الذي كان المسيو پاستري يتخابر في أمره، انقطعت بالمرة. # ولكن الحكومة المصرية رأت أن ترفع ثقة النفوس قليلا، وتقوي آمال القلوب، فأشاعت أنها ~~اتفقت مع الحزب الفرنساوي على استبدال ذلك البنك الأهلي بصندوق استهلاك تدفع الخزينة ~~إليه سنويا المبالغ اللازمة لدفع فوائد الدين المصري واستهلاكه. والمقصود بالدين ~~المصري أقراض سنة 1862 وسنة 1864 وسنة 1866 وسنة 1867 وسنة 1868 وسنة 1873، والدين ~~السائر، والقسط السنوي المطلوب للحكومة البريطانية بصفة فوائد على ال 176000 سهم من ~~أسهم القنال التي اشترتها، والجزية الواجب دفعها سنويا إلى الأستانة. # ولزيادة الضمانة يحظر على ذلك الصندوق الدخول في أية عملية تجارية أو استغلالية، ~~وتسلم إدارته إلى ثلاثة مندوبين أوروبيين إلخ. (كما أشيع عن نظام البنك الأهلي ~~المزعوم)، ويوضع تحت ضمانة المحاكم المختلطة المنشأة حديثا، ويصدر في أول يناير من كل ~~سنة بيانا لمجرياته، طبقا لجداول يضعها وزير المالية ms634 بالاتفاق مع المندوبين، وهلم ~~جرا. # ودارت المخابرات فعلا بين الماليين الفرنساويين والحكومة المصرية على إنشاء ذلك ~~الصندوق. # ولما رأى الدوك ديكاز وزير الخارجية الفرنساوية أن مدارك أعضاء وفد التخابر ~~الفرنساويين المالية، وثبات أخلاقهم، ليست مما يوجب الثقة والطمأنينة، أوفد حالا إلى ~~مصر المسيو أوتريه، أحد عماله الأكثر ذكاء وحذاقة، لكي يعضدهم بنصائحه، وما له من ~~الهيبة في النفوس، وينورهم بما له من الخبرة الشخصية في الأمور المصرية - وهي خبرة ~~اكتسبها بمقتضى السنين الطوال التي أقامها بالإسكندرية، بصفته قنصلا عاما للحكومة ~~الفرنساوية. # فقابل الملأ الغربي، بمصر، مجيئه بارتياح تام، لوثوقه من أنه لسابقة احتكاكه بكثرة ~~بالحكومة المصرية، ولسابق وقوع حادث بينه وبينها أثناء توظفه، لم يكن من شأن عبرته أن ~~تنسى، ليس بالرجل الذي يستطيع إسماعيل صديق باشا الضحك على ذقنه والتلاعب به. # ذلك الارتياح تطور حتى صار ثقة تامة، لأن المسيو أوتريه ما أقام بالقرب من الخديو ~~برهة إلا ووثق من صدق شعوره وحسن نياته، ومن أنه لن يستطيع على مجرد فكرة الإفلاس ~~صبرا، وأنه سيبذل إذا وسعه للقيام بتعهداته إلى النهاية. # وبلغت به الثقة التي أخذ يجتهد في إدخالها إلى القلوب أنه أنبأ يوما بأن قرض سنة ~~1873 لا بد من أن يصعد عن قريب إلى 80، ولا غرابة في ذلك، فإن سياسة الحكومة الفرنساوية ~~بمصر كانت مبنية على عمل ما في الإمكان لمساعدة مصر على الخروج بشرف من الأزمة الحادة ~~المنشبه مخالبها في صدر خزينتها، لأنه كان يهمها جدا أن لا تصاب بضرر المصالح المالية ~~الجسيمة التي كانت للفرنساويين في القطر، لا سيما للبنك العقاري الفرنساوي الذي كان تحت ~~مراقبتها. # ولكن بينما كانت خطة الحكومة الفرنساوية ترمي إلى إحياء الثقة في القلوب، وإلى إيجاد ~~أدوية فعالة تخفف وطأة الداء، إن لم تشفه تمام الشفاء، كانت مظاهر خطة الحكومة ~~الإنجليزية تحمل على الاعتقاد بأنها إنما تريد بالخديو سوءا، وإنما تقصد جره إلى ~~التهلكة، لكي يتسنى لها فيما بعد، وفي الوقت المناسب أن تمد إليه يدا منقذة لن يعود ~~يستطيع سوى ms635 التمسك بها، فيصبح هو ومصر تحت رحمتها. # ومما كان يدل على أن هذه هي خطتها، على ما فيه من حوامل على الاشمئزاز والكره، هو أنه ~~كلما وفق الراغبون في مداواة الأدواء المصرية إلى استنباط طريقة أو تدبير من شأنهما ~~تخفيف الوطأة عن الصدور، كان ممثلو تلك الحكومة يهبون حالا إلى معاكستهما باقتراح ~~مشروع عكسهما تجود به قرائح الخواجات إيليوت وجرينفلد، أو يبني على نصائح المستر كيڨ، ~~أو المستر ريفرس ولسن، بعده، أو أيضا على نصائح الكرنيل ستنتن، القنصل البريطاني العام ~~نفسه، فيؤدي الاقتراح إلى تأجيل الطريقة أو التدبير. # ومع أن الحكومة البريطانية كانت أول الطالبين بوضع الإدارة المصرية تحت مراقبة مالية ~~أوروبية، فإنها حينما طلب إليها أن تعين مندوبا من قبلها للاشتراك مع المندوبين ~~الفرنساوي والإيطالي، والقيام بشئون تلك المراقبة، ترددت، ثم اختلقت العائق بعد العائق، ~~وأخيرا تقهقرت ورفضت. وبلغ من إغراق الماليين البريطانيين في الوقت عينه، في الإقدام ~~على الحط من سعر الأوراق المالية المصرية في بورصة لندن أنه لم يعد في الاستطاعة نسبته ~~إلى مجرد المضاربة، وأن أحاديث الناس أخذت تنسبه إلى إيعاز سري صادر من الحكومة ~~الإنجليزية عينها إلى أولئك الماليين. # ومما زاد الطين بلة، وألبس أعمال هذه الحكومة ثوبا ضيقا من الريب والشكوك، هو أن ~~المستر دزرائيلي، رئيس الوزارة البريطانية، اليهودي الأصل، المرفوع إليه تقرير المستر ~~كيڨ، بدلا من الإسراع إلى نشره، تهدئة للخواطر، وإجابة للرغائب البادية من كل حدب ~~وصوب، رأى أن يعلن في خطبة ألقاها في 23 مارس من هذه السنة على مجلس العموم «أن الخديو ~~سأله - بناء على أن حالة المالية المصرية سيئة، وأن البيانات التي قدمها للمستر كيڨ ~~إنما كانت من نوع ما يسر إلى الصديق، لا من نوع ما تستحب إذاعته - أن لا ينشر التقرير ~~الذي وضعه المستر كيڨ.» # فكان لقوله هذا أسوأ وقع في النفوس، وأوجب فرقعة وغضب وغيظ في الأوساط المالية أدت ~~إلى هبوط سعر قرض سنة 1873 من 63 إلى 51! # نعم إن المستر نورثكوت، وزير المالية البريطانية، حاول ms636 في جلستي 27 و29 مارس تخفيف ~~وطأة ذلك الوقع السيئ المسبب عن كلام رئيسه، ولكنه لم يفلح إلا قليلا، لأن الضربة كانت ~~قد أصابت مقتلا. لذلك لما أعلن في 31 منه وصول إشارة تلغرافية من الخديو إلى وزارة ~~الخارجية تظهر رغبة المليك المصري في أن ينشر تقرير المستر كيڨ، لم يكن لإعلانه هذا أقل ~~تأثير، ولم يبق التحسين الناشئ عنه في أسعار الأوراق المصرية سوى بضعة أيام، # 2 # مع أن التقرير كان في مجموعه موجبا للارتياح والاطمئنان. # نعم إنه اعترف، صراحة، بأن مبالغ جسيمة صرفت في وجوه عديمة الفائدة، أو في أعمال ~~مفيدة نفذت على غير المرام أو بسرعة ضارة - على أن مصر تشترك فيما هو خاص بهذا النوع من ~~الأعمال مع كل البلاد الحديثة، كالولايات المتحدة وكندا - وأن مبالغ أخرى جسيمة فقدت ~~في حملات عسكرية لا طائل تحتها، أو التهمها أفاقون ماليون وسياسيون، أو موظفون تمكن ~~بعضهم بعد خدمة بضع سنوات من الانسحاب بثروة طائلة، بالرغم من أن مرتباتهم لم تزد على ~~أربعين جنيها شهريا. # نعم إنه أعلن بأن كل ما يمكن أن يكون ضمانة لسداد الديون قد أصبح مرهونا، وإن لم يعد ~~في وسع الحكومة افتداء الدين السائر، ولكنه أكد في الوقت عينه أن مصر - بالرغم من ذلك ~~جميعه - إذا ساعدتها قوة خارجية كافية على الاقتصاد في مصروفاتها، وأعادت إليها ثقة ~~الغير بها، تستطيع سداد جميع ما عليها من الديون، والخروج من الأزمة التي هي فيها بشرف ~~وسلامة معا. # على أنه يجب لذلك: # أولا: # أن توحد ديون الحكومة والدائرة السنية معا، ومقدارها 76746812 ~~جنيها. # ثانيا: # أن تستبعد من هذا القدر أقراض سنة 1864 وسنة 1865 وسنة 1867 القصيرة ~~المدى، وتسدد من متحصلات «المقابلة». # ثالثا: # أن الباقي مضافا إليه مبلغ مليوني جنيه قيمة هذا الاتفاق الجديد، ~~ومليون جنيه، قيمة تكاليف حرب الحبشة، يجمد ويجعل دينا واحدا بفائدة ~~7٪ سنويا، ويسدد في سنة 1926. # وكان المسيو پتريه قد عاد في، الأثناء، إلى مصر بخفي حنين، وأخذ يجري المخابرات، ولكن ~~في وجهة أخرى. ms637 # غير أنه ما لبث، برهة، إلا واضطر إلى إيقافها بغتة، وذلك لأن الساعة باتت خطيرة وحبلى ~~بحوادث جلي، فإن أثمار مماطلات إسماعيل صديق باشا بلغت النضوج، وأصبح الزمان لا يستطيع ~~سوى قطفها. # هذا الوزير بفضل مركزه، وقربه من قلب أخيه في الرضاعة السامي، كان قد تمكن لغاية ذلك ~~الحين من التملص من كل ارتباط مقيد بضوابط محددة، ووجد طريقة لتأخير توقيعه أو رفضه، ~~كلما كانت تدق الساعة الموجبة ذلك التوقيع، وغرضه استغلال سهولة تصديق عمال البنك ~~العقاري الفرنساوي في وعوده المزوقة، ليثبت عندهم الاعتقاد بأنه لن يتفق مع غيرهم ~~مطلقا على إنشاء البنك الأهلي أو صندوق الاستهلاك، أو مشروع تجميد الدين السائر، ~~ويتذرع بهذه الوسيلة إلى وضع معظم هذا الدين السائر على عاتقي ذلك البنك، بأمل جعله ~~دائنه الوحيد دون غيره. # ولكن أولئك العمال أدركوا في نهاية الأمر أن تلك الوعود إنما هي في الحقيقة شراك ~~ينصبها ذلك الوزير لهم، فأخطروه بصراحة أنهم يرفضون تقديم أية سلفة جديدة قد يطلبها ~~منهم إن لم يعلن أولا اعتماده اقتراحاته الأخرى اعتمادا نهائيا، ويوقعها. # تلك كانت الحال في 28 مارس، أي خمسة أيام بعد أن اضطربت الأسواق المالية لخطبة المستر ~~دزرائيلي اضطرابها الهائل، وثلاثة أيام قبل استحقاق أول أبريل. # فالساعة كانت إذا خطيرة كما قلنا لأنه ما من أحد إلا وكان يعلم أن الوزير لمرور فصل ~~تحصيل الضرائب، وضياع الثقة في القطر وفي أوروبا على السواء، لم يستطع جمع النقود ~~اللازمة لتغطية المطلوب في ذلك الاستحقاق، فإلى أين يكون - والحالة هذه - ~~المصير؟ # على أن إسماعيل صديق باشا لما وجد الأبواب كلها موصدة، لم ير بدا من اطلاع مولاه ~~على الضائقة التي باتت ماليته فيها، فأدرك الخديو أن تداخله في الأمر أصبح محتما، وأن ~~النجاة لن تأتي إلا من عمل يعمله هو. # ففي الحال، لكي يحفظ سمعة بلده وشرفه، أقدم على مخابرة الحكومتين الفرنساوية ~~والإنجليزية، وطلب إليهما بتوسل، على ما في التوسل من مضاضة على نفسه الأبية، أن تذكرا ~~وثاقات الصداقة القديمة التي تربطهما ms638 به، وتمدا يد المساعدة إلى حكومته وإليه، لكيلا ~~يحيق به عار الاحتجاج على السندات الممضاة بإمضائه. # أما الحكومة الإنجليزية، فأجابت برفض مر، في مبناه ومعناه، ولا غرابة فإن نيات المستر ~~دزرائيلي اليهودي الأصل، السيئة بمصر وخديوها، لم تعد سرا لأحد. # وأما الحكومة الفرنساوية، فهاجتها رسالة (إسماعيل) المسلمة إليها في صباح 31 مارس، ~~فطرح المسيو ديكاز مضمونها على بساط مداولة مجلس الوزراء الملتئم لهذا الغرض. ولما كانت ~~مصالح البنك العقاري الفرنساوي، ومصالح تابعه البنك الزراعي مرتبطة ارتباطا كليا ~~بالمصالح المصرية، فإنه كان من البديهي أن لا تتخلى الحكومة الفرنساوية عن مساعدة ~~المالية المصرية، لئلا يصاب بمصيبتها ثاني محل مالي بفرنسا كلها، وتنجم عن تلك الإصابة ~~عواقب في منتهى الخطورة لمركز فرنسا المالي. # فاقتنع الوزراء الفرنساويون بما أبداه لهم زميلاهم الدوق دي كاز والمسيو ليون ساي من ~~البيانات الموجبة للتداخل، وبعد أن اتفقوا مع المسيو جمبتا، زعيم أكبر الأحزاب ~~البرلمانية، لكي يتقوا كل سؤال في هذا الشأن يعن لأحد النواب طرحه عليهم، فيحرجهم ~~ويزيد في حرج مركزهم، أرسلوا في مساء ذلك اليوم عينه إلى لندن المبالغ اللازمة لدفع ~~استحقاق الغد. # وبينما تلك المداولة الوزارية تدور في باريس، كان قلق النفوس بالإسكندرية، لا سيما في ~~البنوك ذات الشأن الكبير في استحقاق أول أبريل، قد بلغ أشده، وأخذت الهواجس تعذب القلوب ~~عذابا أليما، لأن افتقار الحكومة الكلي إلى نقود كان معروفا لدى الجميع، وبالتالي ~~تعذر الدفع عليها بما لديها من الوسائل، فإن لم يأت الفرج من الخارج، أفلا تقع ~~الصاعقة؟ # فلا غرابة والحالة هذه في أن الكرى هجر جفون رجال البنوك كلهم في الليلة ما بين 31 ~~مارس وأول أبريل سنة 1876، وأن عيونهم اكتحلت بسواد الاضطراب الناشب في أفئدتهم، فأخذوا ~~يساورون شجونهم باجتماعات هنا وهناك، يتداولون فيها فيما يجب عمله، ويترقبون بفارغ ~~الصبر ورود الأنباء من الخارج، ويقيمون حول تواكيل التلغراف من يكفلونهم بأن يأتوهم ~~بالإشارات البرقية ساعة ورودها، عسى أن يكون ضمنها الإشارة المنقذة، ويجتازون ساعات ~~الليل وهم حاملون عبء يزداد شعورهم بثقله، ms639 كلما تقدمت تلك الساعات نحو النهار، واشتد ~~الأمل بقرب الفرج. # فلما كان الفجر - وقد أخذ اليأس يخنق الحناجر، وبغلت مخالب الاضطراب صميم الأفئدة - ~~وردت الإشارة الطيبة المنتظرة، وما هي إلا لحظة وطيرت في جميع أرجاء المدينة، فأوجبت ~~ارتياحا عظيما، وشكرانا لرجال البنك العقاري الفرنساوي يشوبه شيء من التهكم. # على أن الطمأنينة التامة ما زالت مبتعدة عن القلوب، لعلم الناس أن الأزمة إنما انفرجت ~~مؤقتا، وأن استحقاقات 10 أبريل و20 أبريل وأول مايو، وهلم جرا تقفو أثر استحقاق أول ~~أبريل، وأنه ما دام الدين السائر متحركا في الفضاء المصري، كنجم ذي ذنب لا ضوابط له، ~~وما دام وزير المالية حرا في تصرفاته، لا قيد عليه، فلا بد من بقاء الحال مضطربة، ~~والخوف من المستقبل حيا. # على أن المسيو باستريه كان قد عاد إلى مخابراته، وطارت الأنباء بأنه أوشك أن ينجح ~~فيها. # ولكن وزير المالية ولفيف المحيطين بالخديو اجتمعوا في الأثناء اجتماعا سريا، ~~وشرعوا يتباحثون في اللازم عمله: «أيصبرون على سقوط موارد الثروة المصرية العمومية، ~~الواحد تلو الآخر، وعلى الاستمرار على مص ثديي تلك الثروة، بالرغم من جفافهما، للتمكن ~~من سداد الفوائد الهائلة الجائرة، المطالب بها جمهور المرابين، أصحاب الديون المصرية، ~~الذين لو حوسبوا حسابا دقيقا لظهر أنهم استردوا فوائد ما أقرضوا أصلا، وزادوا عليه ~~كثيرا؟ أيصبرون على ذهاب ثروة الخديو وثروة أسرته الكريمة برهن بعد رهن، وتحويل إيراد ~~تلو تحويل إيراد إلى أيدي أولئك المرابين أنفسهم، الذين إنما غشوا في الأول، إذ أطمعوا ~~في الاقتراض منهم، وتفرعنوا في الآخر، إذ علموا أنه لم يعد هناك باب لتحقيق المكاسب ~~الفظيعة التي حققوها في بادئ عملهم؟ وما الفائدة من ذلك الصبر، إذا كان لا بد في ~~النهاية من التوقف عن الدفع؟ فلم لا يكون التوقف منذ الآن - ولا يزال بعض الشيء في ~~الأيدي - بدلا من التوقف بعد غد، إذ تكون بصرة قد خربت، ولات حين مندم؟» # وعلى ذلك أقروا التوقف عن الدفع، منذ 15 أبريل، ولكن كيف يبلغ التوقف إلى من يهمهم ~~الأمر؟ ms640 وكيف يكون شكله؟ # فاتفقوا بعد بحث خفيف على أن التوقف يتخذ في الأول شكل مد أجل فقط، أي أن دفع ~~استحقاقات أبريل ومايو يؤجل إلى بعد ثلاثة أشهر، وقر الرأي على أن يخطر العموم بذلك، ~~بموجب إعلان تصدره محافظة الإسكندرية. # فعلق هذا الإعلان فعلا يوم 8 أبريل صباحا في بورصة الإسكندرية، ومع أن الجميع كانوا ~~يتوقعون مضمونه، إلا أن وقعه في النفوس كان شديدا، على أن بورصتي الإسكندرية ولندن ~~بقيتا متماسكتين إما لأن الإعلان دوخهما، فلم تفقها معناه في الأول، وإما لأنهما رأتا ~~اضطرارهما إلى التجلد واجبا للتبصر. # ولكن التردد لم يستمر طويلا، وما لبثت الأسعار أن انهارت انهيارا مخيفا فمن 11 ~~أبريل إلى 15 منه هبط قرض سنة 1873 إلى 42. # الفصل الثاني # | انقلاب ظهر المجن1 # وقد يرجى لجرح السيف برء # ولا برء لما جرح اللسان # على أن الطريقة الاستخفافية التي قرر بموجبها التوقف عن الدفع في الاجتماع السري الذي ~~قلنا عنه، بعيد تقديم الحكومة الفرنساوية المساعدة التي جادت بها، بناء على طلب ~~الخديو بأيام قلائل، والكيفية الموشكة أن تكون استهزائية، التي أبلغ بموجبها ذلك التوقف ~~إلى علم العموم، أثارتا تميزا عنيفا في صدور الجالية الأوروبية بالإسكندرية، زاده ~~أيضا، زيادة هائلة، موقف عمال الحكومة وموظفيها، فإنهم إما لكونهم اعتادوا الغطرسة ~~والخيلاء، والنظر إلى الناس من عل، فلم يعودوا يستطيعون أن يصبغوا معاملاتهم معهم بغير ~~تلك الصبغة الكريهة، وإما لأنهم لم يدركوا حقيقة الحال الجديدة، ولم يفقهوا أن مركز ~~حكومة غنية قوية في القلوب، غير مركز حكومة ضعيفة مفلسة، استمروا ملتحفين مظهرهم العادي ~~من عدم الاهتمام المتغطرس بانهيار الثروات الشخصية، وتخرب بيوت أصحابها ، ومن عدم ~~التقلقل في إقدامهم على الاتجار والبيع والشراء، والاستفادة من الثقة العمومية، وقوة ~~الاقتراض والأقراض الناجمة عنها، وتجاوز الحدود في جميع ذلك التجاوز المعتاد، كأن ~~الماضي لا يزال حاضرا، وكأنهم لا يشعرون مطلقا أنهم إنما يتكلمون باسم إدارة، دخلت في ~~دور الإفلاس. # فبدأ هياج الأفكار والأرواح على ألف نوع، واقترن بعدة مظاهر تجووز فيها حد الاحترام ~~الواجب ms641 لشخص مليك البلاد. من ذلك أن ناظر دائرته الخاصة عرض في سوق مينا البصل بيع ~~أقطان يسلمها مقابل دفع نقدي، فماجت السوق وهاجت، وانهال عليه الملأ بتهاليل الازدراء ~~والشتم والإهانة المتنوعة، ولولا قليل لضربوه وأخرجوه من الحلقة. # وانعقدت في المدينة عدة اجتماعات، تليت فيها خطب في منتهى الطعن والشدة، وذهب الخطيب ~~في إحداها إلى وجوب خلع الخديو، وعلقت إعلانات كبيرة في الأحياء الآهلة بالسكان، وفي ~~معظم جهات البلد، حرض الرأي العام فيها على المطالبة بقلب نظام الحكم رأسا على عقب، ~~واستلام تداخل أجنبي زمام الأمور في القطر. # 2 # إلى ذلك الحد البارد وصلت قحة زمرة من المرابين وجمهور من الدائنين، الذين طالما ~~كانوا يتوقعون مكسبا من الخديو، لم يروا للثناء عليه حدا، فكالوا له المديح جزافا، ~~وأنواعا مختلفة في جرائد بلادهم ومنتدياتها، وأقوال الخطباء فيها، ورفعوه إلى ما فوق ~~السبع السماك واندلثوا الآن عليه، حالما شعروا بانقطاع مورد المكاسب والانتفاع. # فليتعظ بذلك كبراء الأرض، وليعلموا أن بخور الثناء الذي يحرقه حولهم القوم المستغلون ~~مركزهم وثروتهم قد يتلاشى بسرعة، وقد لا يبقى له من أثر سوى الجمر الذي أحرق به، والذي ~~قد يستعمله القوم أنفسهم ليحرقوا به سمعة من كان معبودهم بالأمس، والقليل الباقي من ~~مصالحه، حالما ينتهي استغلالهم الطويل إياه بحمل الدهر على قلب ظهر المجن له. # على أن المظاهرة التي أساءت إلى قلب الخديو، وجرحته جرحا أبلغ من كل كلم سواه فتحته ~~في قلبه أية مظاهرة أخرى، إنما هي المظاهرة التي حدثت في بورصة الإسكندرية عينها. فإن ~~إدارة هذه البورصة بتأثير الإعجاب الماضي الحاف من كل جهة بشخص (إسماعيل) كانت منذ عهد ~~قريب قد أقامت صورته في صدر قاعة جلساتها بحفلة حافلة، دوى صداها في جميع أنحاء القطر ~~مدة. # ففي ثورة النفوس التي نحن بصددها اقترح بعضهم نزع تلك الصورة من هناك، وطردها من ~~المحل كله، كغير جديرة وغير مستحقة أن تكون فيه، ولم يمكن إلا بكل تعب واحتياط حمايتها ~~من المعاملة المهينة المهددة بها سخط أولئك المرابين والدائنين ms642 الجشعين. # 3 # ولم تكن قد مضت سنة، بعد، على إحراق أولئك الأقوام بخور ثنائهم المغرض أمامها، فما ~~أقرب الصخرة الثرپيئية من الكاپيتول في ماجريات الحياة الاجتماعية البشرية. # وبينما كانت هذه المظاهرات السمجة تتعب آذان الهواء، بضجتها وجلبتها، وضوضائها ~~الوقحة، وتثير انفعال الغضب والسخط في قلوب الأهالي المخلصين الولاء لخديوهم، بل تجمع ~~حوله، بتأثير الرابطة الوطنية، والرابطة الدينية، ذات النافرين عنه، لسوء ما أصابهم من ~~حكومته، اجتمع في البنك السلطاني العثماني كبار حملة الديون، الذين وقع عليهم أعظم الضر ~~في أمر توقف وزير المالية المصرية عن دفع المستحق لهم، وطفقوا يتداولون فيما يجب ~~عمله. # فقر رأيهم عن أن يبعثوا وفدا إلى الخديو، ليستفهموا من سموه عما وصلت إليه المخابرات ~~الدائرة بغرض الوصول إلى إعادة مجاري الدفع، وليطلبوا فيما لو خابت تلك المخابرات، ~~إشراكهم مع حكومته في البحث عن الطرق التي قد توجب الحال إجراءها في المستقبل، محافظة ~~على مصالح الجميع. # ولكن الخديو في تأثره الشديد مما كان قد حدث بالإسكندرية، وإظهارا لعدم رضاه، أبى ~~مقابلة رجال ذلك الوفد، بالرغم من أنه لم يكن يرفض أبدا مقابلة أحد، وبالرغم من أن ~~أولئك الرجال كانوا يمثلون في الحقيقة مصالح تقدر بملايين الجنيهات، وأحالهم على وزير ~~ماليته. # فقابلهم إسماعيل صديق باشا بمنتهى اللطف والبشاشة، وأجاب على أسئلتهم، مؤكدا أن ~~الحكومة تنوي القيام بكل تعهداتها، بدون الالتجاء إلى تحويل قهري، وأن المخابرات التي ~~أوقفت عند حلول استحقاق أبريل، استؤنفت من جديد مع زمرة الماليين القدماء عينهم، ومع ~~ماليين آخرين، وأنه سيوقع عن قريب اتفاق يمكن من دفع المطلوبات كلها إلى حملة الأسهم. ~~فإذا خابت - لا سمح الله - تلك المخابرات ، فإنه يكون لحملة الأسهم الحق في انتداب من ~~يشاءون لحضور المباحثات في الإجراءات الواجب اتخاذها. # فارتاح رجال الوفد إلى أقوال الوزير، وعادوا إليه من غدهم ليحرر لهم كتابا بها، ~~فأبى، ثم لم تمض أيام قليلة إلا وأشيع عزله من منصبه، ولكن الإشاعة كانت في غير محلها. # على أن المسيو پستريه - بالرغم من كل ما حدث - كان ms643 لا يزال مجدا في مخابراته، لا ~~سيما أنه بعد انسحاب الحزب الإنجليزي المعرقل لجميع المشروعات المعروضة من الحزب ~~الفرنساوي، أصبح سيد الميدان دون غيره، وعزا بعضهم انسحاب الحزب الإنجليزي إلى كونه ~~أدرك أن الحالة باتت ميئوسا منها. # فأدت نتيجة مخابراته إلى ولادة مشروع عرضه البنك العقاري الفرنساوي على الخديو، ~~والتمس موافقته عليه. فأجل الخديو إجابته 48 ساعة، لم تضيع الهيئة الرسمية الفرنساوية ~~منها دقيقة، بل شغلتها كلها بالتأثير على (إسماعيل)، تأثيرا قويا، لتحمله على ~~قبوله. # فاعتمده (إسماعيل) في نهاية الأمر، وأصدر مرسومين، نشرتهما «الوقائع الرسمية» في عدد ~~7 مايو سنة 1876، عين أولهما شروط الاتفاق وضماناته، وبين الثاني طريقة إجرائه. # أما مضمون المرسوم الأول، فهو أن عموم ديون الحكومة والدائرة السنية توحد وتجعل دينا ~~واحدا عاما ذا فوائد سعرها 7٪، ويسدد في 65 عاما بسحوب في كل ستة أشهر، وسندات هذا ~~الدين تعطى هكذا: # أولا: # بقدر القيمة الحقيقية، فيما يختص بأقراض سنة 62 وسنة 68 وسنة 70 وسنة ~~73. # ثانيا: # باعتبار 100 جنيه لكل 95 جنيه فيما يختص بأقراض سنة 64 وسنة 65 وسنة ~~67. # ثالثا: # باعتبار 100 جنيه لكل 80 جنيها من الدين السائر، وأن مجموع الدين ~~العام الموحد هكذا يكون 91000000 جنيه اسميا، تمتع أول يولية سنة ~~1876، ويحتاج لسنوية قدرها 6443600 جنيه، منها 684411 جنيها لحساب ~~الدائرة، و5759189 جنيها لحساب الحكومة. # وإن إيرادات مديريات الغربية، والمنوفية، والبحيرة، وأسيوط، ودخوليات مصر ~~والإسكندرية، وجمارك الإسكندرية، والسويس، ورشيد، ودمياط، وبورسعيد، والعريش، والسكك ~~الحديدية، ومصلحة التبغ (الدخان)، ومصلحة الملح، ومصائد المطرية، والمسنوات (الهواويس)، ~~ورسوم الملاحة في النيل، وكوبري قصر النيل، وقدرها كلها 5790845 جنيها تخصص لخدمة ذلك ~~الدين الموحد العام. # وأن دفع ما يجب على الدائرة السنية دفعه، وقدره 684411 جنيها يكون مع تحصيل المطلوب ~~لها أولا فأولا ، وأن ضم هذا المبلغ إلى المبلغ السابق يكون مبلغا إجماليا قدره ~~6475256 جنيها لخدمة لن تتقاضى سوى 6443600 جنيه. # وذكر ذلك المرسوم أن عدة محال مالية أخذت على نفسها القيام بنفاذ المشروع، وأن الخديو ~~يعين مندوبين خصوصيين لمراقبة ms644 نفاذه، وأنه سينشأ لخدمة الدين الموحد صندوق خاص يفصل ~~المرسوم الثاني نظاماته وقوانينه. # وأما مضمون المرسوم الثاني هذا، فهو إن إدارة الصندوق الخاص تناط بمندوبين أجانب ~~يعينهم الخديو، بناء على تقديمهم من دولهم، ويكونون موظفين مصريين. # وأن الأموال التي خصصت بسداد الدين الموحد تورد إلى هذا الصندوق الخاص، كما يورد إليه ~~القسط السنوي المطلوب من الدائرة السنية، ومبلغ الفوائد المطلوبة للحكومة الإنجليزية عن ~~أسهم السويس، فإذا لم يكف الموجود لدفع ستة أشهر ما، فإن وزير المالية يتدبر في سد ~~العجز قبل حلول الميعاد بخمسة عشر يوما. # وإن كل نزاع ينجم بين مديري هذا الصندوق ووزير المالية يرفع أمر النظر فيه، وفصله ~~إلى المحاكم الجديدة (المحاكم المختلطة). # وإن المندوبين يعينون لمدة خمس سنوات، ويجوز إعادة انتخابهم، وأنهم يقيمون بمصر، وأنه ~~يحظر على هذا الصندوق الدخول في أي عمل بنكي أو تجاري أو صناعي فني، كائنا ما كان، ~~وأنه لا يسوغ للحكومة بدون موافقة المندوبين إدخال أي تعديل في الضرائب المخصصة لخدمة ~~الدين الموحد، أو في المعاهدات التجارية المنظمة لرسوم الجمارك، من شأنه أن يقلل من ~~مقدار الإيرادات. # وأن الحكومة تتعهد هي والدائرة معا، بأن لا تصدر أذونات جديدة، ولا تعقد قروضا ~~جديدة إلا بموافقة المندوبين المذكورين، ولكنها - لكيلا تعرقل أعمال الإدارة اليومية - ~~يمكنها أن تفتح لنفسها حسابا جاريا، عند أحد البنوك لغاية 50 مليونا من الفرنكات على ~~شرط سداده من أصل الإيرادات في نهاية كل سنة. # ثم أصدر (إسماعيل) مرسوما ثالثا، في 14 مايو عينه، عدل بموجبه تشكيل إدارة وزارة ~~المالية، بأن أدخل عليها مجلسا أعلى للخزينة، منقسما إلى ثلاثة أقسام: # القسم الأول: مختص بمراقبة خزائن الحكومة المركزية وحساباتها. # والقسم الثاني: مختص بمراقبة الإيرادات والمصروفات، والنظر في أمر الموظفين ~~والمستخدمين، الثابت عليهم أنهم أجروا دفعا، لا شيء يبرره. # والقسم الثالث: مختص بتحقيق الحسابات وتصفيتها، والتصديق عليها، أو انتقادها إذا كان ~~هناك محل للانتقاد. # ذلك المجلس الأعلى يبدي رأيه في كل الميزانيات النظرية التي يضعها وزير المالية قبل ~~نهاية كل سنة بثلاثة ms645 شهور. # ويكون من عشرة أعضاء: خمسة منهم أجانب، وخمسة وطنيون، ومن رئيس يعينه الخديو. # ويكون قسمه الأول من ثلاثة أعضاء أجانب كلهم، وقسمه الثاني من خمسة أعضاء، منهم ~~أجنبيان، وقسمه الثالث من ثلاثة أعضاء، كلهم وطنيون. # وتعيين أعضاء هذا المجلس، وعزلهم، وإيقافهم، أو إحالتهم على المعاش - جميع ذلك يكون ~~حقا من حقوق الخديو، بعد أخذ رأي مجلسه الخاص، على أن المجلس الأعلى يكون مطلق التصرف ~~في أمر وضع النظامات اللازمة لخدمته الداخلية، وتنظيم أقلامه، وتوزيع الأعمال على ~~موظفيه ومستخدميه. # وبما أنه لم يرشح أحد، سوى الفرنساويين إلى هذا التدبير الجديد، فإن سعر قرض سنة 1873 ~~- وكان قد ارتفع إلى 47، على أثر انتشار خبر نجاح المخابرات التي كان المسيو پستريه ~~مكبا عليها - هبط في 20 مايو إلى 40 بميل إلى زيادة في الهبوط، لا سيما بعد اطلاع ~~الجمهور على نصوص المرسوم الأخير الفرنساوية - وكانت من وضع المسيو شالويا رئيس مجلس ~~المالية المصرية الأعلى، والعضو في مشيخة مملكة إيطاليا - وهي نصوص ظن الملأ أن المقصود ~~منها المزاح والهزار في أمر حيوي، لغرابة تعابيرها. # 4 # ولكن التدبير المتفق عليه سير به بالرغم من ذلك، وعين كل من المسيو دي بلينبير ~~والهرفون كريمر، والمسيو باراڨلي مندوبين في صندوق الدين، بناء على اقتراح الحكومات ~~الفرنساوية والنمساوية والإيطالية. # وأما الحكومة البريطانية، فإنها اتباعا لخطتها السابق إعلانها من عدم رغبتها في ~~التداخل في أمور مصر الداخلية، أبت تعيين مندوب من قبلها، مع أن سندات معظم الدين ~~المضمون كانت في أيد بريطانية، وعليه فإن رجال المال بلندن أعلنوا عدم رضاهم عن ~~المشروع الفرنساوي، وعدم ارتياحهم إليه بالمرة. وعبرت لجنة البورصة فيها عن ذلك الشعور ~~العام، بإعلانها نيتها على رفض أسعار الدين المصري الموحد بالكيفية التي ذكرناها في ~~جدول الأعمال البورصية. # فبذل الماليون الفرنساويون وسعهم لمقاومة تلك النية، والتغلب على هذه العراقيل، ~~ولكنهم لم ينجحوا، واضطروا إلى التنازل عن مشروعهم، ومخابرة الماليين البريطانيين في ~~أمر وضع مشروع آخر، يكون أقرب إلى الإنصاف، وأجمع للآراء، وأضمن للمصالح ~~المتضاربة. # فبات مشروعهم، ms646 إذا، في خبر كان، وشعور الناس بأن ثلاثة مراسيم خديوية باتت حبرا على ~~ورق، وأن إدارة وأقلاما أسست بشكل رسمي، واشتغلت بشكل رسمي، عادت إلى العدم بتأثير ~~المعارضة الإنجليزية، ذهب بجانب عظيم من المهابة التي كان للمليك في القلوب. # وكان المستران فرولنج وجوشن، بصفتهما مصدري ثلاثة من الأقراض المضمونة، قد قدما إلى ~~وزارة الخارجية البريطانية احتجاجا شديدا، حينما بلغت لندن أنباء الاتفاق على توحيد ~~الدين المصري. # وكذلك فعل مجلس إدارة حاملي الأسهم الأجنبية، وأكد اللورد دربي وزير الخارجية لكل ~~منهما أنه أصدر تعليمات إلى قنصل بريطانيا العظمى العام بمصر، لكي يشد أزر كل مجهود ~~يبديانه بما يستطيع من الوسائل غير الرسمية. # 5 # فلما سقط المشروع الفرنساوي عقدت بلندن في أوائل شهر يولية جمعية عمومية لحاملي ~~الأسهم، وكلف فيها المستر ج.ي. جوشن، العضو في البرلمان البريطاني، لما له من الخبرة في ~~الأمور المصرية، ولأهمية مركزه الشخصي بالذهاب إلى مصر صحبة فرنساوي، يقال له المسيو ~~چوبير، بصفتهما وكيلي أصحاب الشأن البريطانيين والفرنساويين، ليتفاوضا مع الخديو، ~~ويجتهدا في الاتفاق سويا على تدبير يكون أصلح من التدبير المقدم من جانب رجال البنك ~~العقاري الفرنساوي. # وكان المستر جوشن قد أبدى لبعض أصدقائه رغبته في قبول تلك المهمة. # فلكي يمهد اللورد دربي الطريق أمام المندوب البريطاني اجتهد في تفهيم الخديو بواسطة ~~الكرنل ستانتن، القنصل البريطاني العام، بأن «المستر جوشن كان عضوا في الوزارة ~~السابقة، ولا يزال رجلا ذا مركز سام، وشهرة بعيدة في بلاده.» وأكد الكرنل ستانتن ~~للخديو أن الرجل «سيقيم الميزان باستقامة بين سموه وبين الذين هو آت نائبا ومحاميا ~~عنهم، وإنه إذا ظهر أن الاتفاق أمر يتعذر الوصول إليه مع مندوب غير متحيز كالمستر جوشن، ~~فإنه يصبح من المحال الاستمرار على حال مجلبة الخراب للبلاد ودائنيها.» # 6 # وبمناسبة هذا التهديد والتخويف المبينين، يجدر بنا إيراد قول للمستر ماك كون، المؤرخ ~~الإنجليزي في هذا الشأن. قال: «وإنه لمن الغريب جدا أن تكون الحال المصرية المالية ~~الحالة الخارجية الوحيدة التي أوجبت تدخل وزارة خارجية بريطانيا العظمى. ms647 فإنه في نفس ~~هذه السنة التي شدت فيها أزر إرسالية المستر جوشن والمسيو چوبير، الشد كله، الذي كان ~~يمكن لها إبداؤه بكيفية ملائمة، كان يوجد لا أقل من سبع عشرة دولة مفلسة في جدول نقابة ~~حاملي الأسهم الخارجية الأسود. وبلغت الديون المطلوبة منها 400 مليون جنيه، ومع ذلك فلم ~~يرو مطلقا أن الحكومة البريطانية أبدت على إحداهن احتجاجا، ولو برسالة قنصلية في ~~مصلحة المقرضين، ولكن الشيلوكات # 7 # الذين جزروا مصر لم يكونوا دائنين من نوع بقية الدائنين، فإنهم كانوا في ~~باريس ولندن على السواء، أصحاب قوة وبأس في البرلمان والصحافة، وعليه فإن كل وسائل ~~الدوائر الرسمية في البلدين استخدمت لتمكنهم من الحصول على أكثر من الست عشرة أوقية ~~المطلوبة لهم من لحم الفلاحين المصريين البائسين.» # 8 # على أن الملأ المالي المصري لم يجد من نفسه صبرا يمكنه من انتظار تطور الحوادث، ~~ومجيء الأيام بالأدوية الموافقة لمداواة المرض المالي الناشب مخالبه في خزينة الحكومة، ~~بل حالما سمع أن الخديو أبى مقابلة وفد الجمعية التي انعقدت في البنك السلطاني ~~العثماني، وأن الوزير إسماعيل صديق باشا أبى أن يثبت كتابة وعوده الشفهية لذلك الوفد، ~~وحالما ظهرت في الوجود المراسيم الخديوية الثلاثة البادي ذكرها، لم يسكت حتى يرى ماذا ~~تكون نتيجتها، وكيف يقابلها الرأي العام المالي بأوروبا، بل أقبل، من ساعته، وأرسل إلى ~~الحكومة والخديو على أيدي محضري المحاكم المختلطة الجديدة احتجاجات رسمية على السندات ~~المستحقة عليهما، التي لم تدفع قيمها. # وأعقب الاحتجاجات بطلب حجوزات يوقعها على ممتلكاتهما، وقفى ذلك كله بقضايا تجارية، ~~رفعها عليهما، باستناده على المادة العاشرة من لائحة ترتيب المحاكم المختلطة. # فأصدرت هذه المحاكم أحكاما ألزمت بها الحكومة، والدوائر الخديوية بدفع المستحق ~~عليها، وجعلت أحكامها مشمولة بالنفاذ المؤقت، حيث نصت القوانين الجديدة بوجوبه. # فأكبرت الحكومة، وأكبر الخديو ما عداه - لعدم سابقة حدوثه، ولاستبعادهما توقعه، ~~ووقوعه مطلقا - وقاحة وقحة في الدائنين والمحاكم معا، وأصدرت الحكومة أوامرها إلى ~~عمال التنفيذ بالامتناع عن تنفيذ تلك الأحكام امتناعا كليا. # فقام، على أثر ذلك، نزاع عنيف ms648 بين هيأة القضاء المختلط والحكومة، وأعلن معظم القضاة ~~الأجانب عزمهم على ترك مناصبهم، ومغادرة الديار المصرية إذا لم تقم السلطة التنفيذية ~~بتنفيذ الأحكام القانونية التي يصدرونها. وتطرف أحدهم - وكان هولنديا يدعى المسيو ~~هاكمن، من قضاة محكمة الإسكندرية الابتدائية المختلطة - وأعلن إقفال المحكمة وتوقفها عن ~~القضاء بين الناس، حتى تخنع الحكومة إلى أحكام المحاكم، وتقوم بتنفيذها، وهي صاغرة، ~~وحتى تعطي الضمانات الكافلة على عدم عودها في المستقبل إلى عرقلة أعمال القضاء، ووضع ~~العقبات في سبيل سيره. # وتداخل قناصل الدول العموميون بمصر في النزاع تداخلا سياسيا، وتحيزوا للمحاكم على ~~الحكومة، وأنذروا هذه بالويل والثبور، إذا استمرت متمادية في عنادها وإصرارها عليه. # 9 # فلما رأى الخديو أن موقفه بات خطيرا، وتيقن أنه بإدخاله في القوانين الجديدة نص ~~المادة العاشرة المذكورة - سواء أكان ذلك لأن نوبار باشا خدعه وحول نظره عن نتائجه، ~~أم لأنه أراده من تلقاء نفسه - بات لا يستطيع إلا الامتثال لما أصبح قانونا مصدقا ~~عليه من الدول، أو لأنه غلب صوابه على هواه، كما كان المنتظر من رجل حنكته الأيام مثله، ~~فإنه رفع التحظير الذي كان وضعه على أيدي رجال التنفيذ الإداريين، وأذن لهم بالامتثال ~~لمنطوقات الأحكام الصادرة والتي ستصدر، أيا كان نصها، ومهما كان موضوعها. # ولكنه لاعتباره ما وقع من بعض القضاة الأجانب، لا سيما من المسيو هاكمن مهينا لشخصه، ~~وحاطا من كرامته، اشترط، نظير رفعه العقبات من سبيل أحكام القضاء ضده وضد حكومته، أن ~~تقدم له الترضية اللازمة. # فاجتمعت جمعية محكمة الاستئناف المختلطة العمومية، وقررت أن يقدم المسيو هاكمن ~~استعفاءه من خدمة الحكومة المصرية. # ففعل، وبذلك عادت المياه إلى مجاريها، أي أن دائني الحكومة والدوائر الخديوية أصبحوا ~~يجدون من أحكام القضاء المختلط قوة قانونية يتمكنون بموجبها من الحصول على حقوقهم، ~~فاستخدموها، واستعملوها لدرجة توقيع حجز على منقولات سراي الرمل الخديوية، والإنذار ~~ببيعها. # الفصل الثالث # | نكبة إسماعيل صديق باشا1 # فإن تصبك من الأيام جائحة # لم نبك منك على دنيا ولا دين # ابن الزبير # وبينما هذه الاضطرابات الغريبة آخذة مجراها، المندهشة ms649 له أرض الفراعنة، لعدم وقوع ~~مثله على سطحها، منذ أن رسخ في أذهان ساكنيها وقلوبهم أن «ولي النعم» لا يقاوم، وأنه ~~يملك ذات الأعمار والأعراض، لا الأموال والأطيان فقط، وبينما الحكومة تتوقع اشتداد ~~الضيق حول عنقها في المستقبل، بسبب التدخل الدولي بينها وبين دائنيها، وتلوم نفسها ~~لوما شديدا على أنها هي التي فتحت الباب لذلك التدخل بإقدامها على استدعاء التفتيش ~~الأوروبي على إيراداتها وحساباتها، الاستدعاء الذي أدى إلى مأمورية المستر كيڨ، كان ~~المستر جوشن وزميله المسيو چوبير يشدان رحالهما إلى القطر المصري، ويتزودان تعليمات من ~~نادبيهما، حتى إذا كان منتصف أكتوبر، وصلا إلى مصر، ونزلا ضيفين رسميين على الخديو، ~~ونقول «رسميين»، لأن كلا منهما كان معضدا من وزارة خارجية دولته. # فوضع الخديو تحت تصرفهما كل التسهيلات اللازمة لكي يتمكنا من الوصول إلى الغرض الذي ~~أتيا من أجله، وأمر عموم موظفي حكومته بأن لا يضنوا عليهما بمعلوم أو بيان يرغبان فيه، ~~فامتثلوا على مضض منهم. # وكان أكره الموظفين المصريين لمأمورية المندوبين الإنجليزي والفرنساوي، وأعظمهم ~~تغيظا منها، وأقلهم موافقة وصبرا عليها وزير المالية إسماعيل صديق باشا، والقارئ يفهم ~~لماذا. # وكان المستر جوشن لسابقة اختلاطه بالأمور المالية المصرية، يعلم ذلك حق العلم، فصمم ~~على أن يبادئه العداء، ويقاطعه مقاطعة تستلزم إبعاده حتما عن منصبه السامي. # فزار حال وصوله عموم أعضاء الوزارة المصرية، ما عدا «المفتش»، مع أنه الوزير الذي كان ~~نوع الأشغال التي أتى من أجلها يجبره على الاختلاط به أكثر منه بباقي زملائه. # ولم يدع بعد ذلك مناسبة، مهما كانت بعيدة، تمر بدون أن يعلن ويذيع أن إقالة إسماعيل ~~صديق لازمة لنجاح مشروعه ومهمته، ولإنقاذ الخديو من الورطة التي أصبح فيها، حتى بات ~~مجهوده في هذه الوجهة حديث عموم الدوائر في القاهرة، وحتى رسخ في أذهان أكثر المقربين ~~من الذات الخديوية، لا بل في أذهان أولادها أنفسهم، الأمراء محمد توفيق ، وحسين، وحسن، ~~أن بقاء إسماعيل صديق في منصب الوزارة ضار بمصالح الخديو والبلاد المصرية معا، وحتى ~~أصبح الجميع يتمنون ويرومون إبعاده عنها. ms650 # ولا غرابة، فإن الرجل كان قد بلغ من العز، والنفوذ، والمكانة، من قلب مولاه، والسطوة ~~على عموم المصالح والإدارات ما لم يرو له نظير أو مثيل في التاريخ المصري بأسره. # فإسماعيل باشا المفتش - وكان يقال له «الخديو الصغير» - كان في الحقيقة الصدر الأعظم ~~المصري، وكان وحده، دون زملائه كلهم، يعمل باستقلال تام في الرأي والتنفيذ، وبدون ~~مشاورة مليكه، الواثق به كل الوثوق. ومع أن إدارة الأقاليم كانت من شئون وزير الداخلية، ~~وأن وزير الداخلية كان في مدة كبيرة من عهده ولي العهد نفسه، الأمير محمد توفيق باشا، ~~فإن إسماعيل صديق كان المعين في الحقيقة لكل مدير ووكيل مديرية، ومحافظ ووكيل محافظة، ~~ومعظم المأمورين ونظار الأقسام في القطر كله، فكان الكل محاسيبه يفعمون جيوبه بالمال ~~الذي يعصرونه من جسم الفلاح، ليستبقوا لأنفسهم رضاه عنهم. # وبلغ من إغراق الرجل في الاستئثار بالسلطة دون أصحابها الشرعيين، أن كل محاسيبه هؤلاء ~~صاروا إلى الاعتقاد بأن الخديو نفسه لا يستطيع أن يمسهم بضر ما دام إسماعيل صديق باشا ~~يظللهم بحمايته القديرة. # من ذلك ما يروى عن أحد رؤساء ميناء رشيد فإنه لما كان مدينا بتعيينه للمفتش أبى ~~الامتثال لأمر خديو قاض بعزله من وظيفته لسوء سلوكه، ورفض التخلي عن منصبه، حتى وافاه ~~ماك كيلوپ باشا عينه، مدير مصلحة الموانئ والفنارات بنفر من حرس البحرية، وأمر مختوم ~~بخاتم الخديو، وطرده من مركزه طردا بالقوة. # 2 # على أن هذا وقع عن طريق الشواذ، وإلا فإن الخديو كان يريد عادة ما كان أخوه ~~في الرضاعة، إسماعيل صديق باشا، يريده، لا سيما في الأمور المالية. # ولما كان هذا الوزير أقرب إلى الرعايا، وأكثر بهم اختلاطا واحتكاكا، ودون المليك ~~لهم تقليبا، كان الخوف منه في الصدور يفوق الخوف المنبعث عن شخص الخديو إليها. # فكان من المحتم، إذا، لجميع ذلك أن يكون إسماعيل صديق باشا موضع حسد الكثيرين ~~وغيرتهم، وموضوع كراهة الجميع. # ولما كان من المؤكد، المعروف لدى كل إنسان، أن المرجع في أن القروض التي عقدت في عهده ~~كانت كلها ms651 خرابا في خراب للخزينة المصرية، إنما هو للرشاوى الجمة القدر التي كان مصدرو ~~تلك القروض يفرغونها في جيوب وزير المالية، وأن السبب الأكبر في تراكم الدين على مصر ~~إنما هو رغبة هذا الوزير في إقامة سراب ذهب أمام عيني مولاه - كما فعل قبله المسيو دي ~~كانون وزير لويس السادس عشر الفرنساوي، لإحراز رضا الملكة ماري أنطوانيت، وأمراء ~~بطانتها وأميراتها - لكي يتمكن هو نفسه مع وجود ذلك السراب ساطعا أبدا أمام نظر ~~(إسماعيل) من إشباع طمعه الأشعبي في الأموال، وإكثار ملاذ الحياة حوله، وتمتعه بها، كان ~~من البديهي أن تثور عليه، وتغلي مراجل السخيمة العامة. # ولما كانت الثروة التي جمعها - بالطرق غير المشروعة، والفظيعة، والمثيرة لتلك السخيمة ~~- فاقت في مقدارها واختلاف مظاهرها ما كان منها لدى أمير مصري، وبلغ من وقاحة كيفية ~~الإنفاق منها، عن سعة متناهية، أن ملابس نساء المفتش وحليهن، والرغد المحيط بهن، وكثرة ~~حشمهن وخدمهن، وفخامة دورهن ومواكبهن، وكل ما كان يحيط بحياتهن من مظاهر الأبهة ~~والجلال، أصبح مما تحسدهن عليه حسدا حقيقيا ذات أميرات البيت الخديوي، وتغرن منهن ~~عليه غيرة صحيحة - فإن ثمن إحدى مراوح زوجة ذلك الوزير المحبوبة بلغ 375 ألف فرنك، وثمن ~~شمسية من شماسيها بلغ ستمائة ألف من الفرنكات # 3 ~~- وكان من البديهي كذلك أن يحقد أمراء البيت المالك وأميراته على إسماعيل ~~صديق باشا، ويبغضونه، ويرغبون في إزالته، ويعملون عليها، إن لم يكن لسبب آخر، فلعدم ~~صبرهم على أن تبسم الدنيا كل ذلك الابتسام لمن كان مثله ابن فلاح وصعلوك الأصل، طالما ~~مد أجداده، بل أبوه ذاته، تحت الكرباج، وازرقت أرجلهم، ودفقت دما من تعاقب السياط ~~عليها. # فلما رأى تحالف هذه الأحقاد والأحساد النفور المستحكم بين المستر جوشن والمفتش، تأكد ~~من أنها فرصة في منتهى المناسبة لدك قوائم نفوذ الوزير المكروه، وتقويض أركانه كرسيه، ~~فالتف المتحالفون على غير قصد حول المستر جوشن، وأقبل جمعهم يذكي في قلبه العزم على ~~مناوأة المفتش عداوة فعالة، ويوطد رغبته في العمل على عزله. # ولم يكن المفتش من جهة ms652 يخفي كراهته للمندوب البريطاني واحتقاره له، لاعتباره إياه ~~رجلا من الوقاحة بمكان، حيث إنه يتجاسر على تقريع اختلال موازين المالية المصرية، مع ~~أنه هو عينه أحد كبار المرابين الذين كانوا السبب الأكبر في ذلك الاختلال، كما أنه لم ~~يكن يخفى أن مقترحات ذلك الرجل والمشروعات التي كانت تجود بها قريحته لم يكن من الحكمة، ~~ولا من السياسة الحسنة الموافقة عليها أو قبولها، لأن المقصود منها لم يكن حمله هو على ~~الاستقالة، والتخلي عن دفة المالية المصرية، بل وضع مصر تحت مراقبة الدائنين، وأنها لو ~~أخرجت إلى حيز النفاذ لقضت على السلطة الخديوية، وعلى استقلال البلد قضاء ~~مبرما. # فاشتد إذا النزاع بين الاثنين، وأخذ كل منهما يحاول التغلب على خصمه في استمالة ~~الخديو إلى مراميه، واجتذابه إلى نظرياته. # ولما كانت منزلة المفتش من نفس الخديو أمرا مشهورا عند الخاص والعام، فإن الملأ ~~اعتقد اعتقادا أكيدا، لغاية الأسبوع الأول من نوفمبر أن الفوز في النزاع القائم سيكون ~~للمفتش حتما، لا سيما بعد أن رفض الخديو مرارا التخلي عنه، بالرغم من أن الأصدقاء ~~الأشد إخلاصا له، والرأي العام المهدد، وأقرب الناس إلى سموه، بل أولاده أنفسهم طلبوا ~~منه إبعاده. # ولكن جوشن لم يكن الرجل الذي يجهل كيف تكون طرق التغلب على خصمه. # ولما كان لا بد من تقديم ضمانات تطمئن لها ريب الدائنين وهواجسهم، اقترح أولا تعديل ~~الحال المالية التي أوجبها دكريتو توحيد الدين المصري وتجميده، بعض التعديل، يجعل اليد ~~العليا للعنصر الغربي في مراقبة المالية المصرية، ثم عمل بحيث إن الألسنة في أوائل ~~الأسبوع الثاني من نوفمبر أخذت تشيع بمصر، ولا سيما في الدوائر القنصلية أن هياجا طفق ~~يبدو في المديريات ضد المشروع كله، بل ضد ذات الخديو، وشرعت تلك الألسنة تبدي كلاما ~~يؤخذ منه أن مصدر ذلك الهياج إسماعيل صديق. # وكانت الإشاعتان قد ذاعتا كثيرا في القاهرة، لما قصد المستر ماكون الكاتب الإنجليزي ~~سراي صديق باشا في ظهر يوم الثلاثاء 7 نوفمبر لتناول طعام الغداء عنده، فدار الحديث ~~بينهما على النزاع ms653 القائم بينه وبين المستر جوشن. # ولما كان المفتش لا يتكلم غير العربية، فإن التفاهم بين محدثه وبينه كان بواسطة دهان ~~بك، محاميه الخاص. # 4 # فلم يبخل إسماعيل على جوشن بشيء من الاحتقار الذي ما فتئ يتظاهر به نحوه، ~~ولكنه لم يتفوه بكلمة واحدة ضد الخديو مولاه. # فلما كان المساء قابله الكاتب عينه مرة أخرى في عابدين على الشرفة الشمالية، المطلة ~~على الميدان الواسع الداخلي، وسمعه هو وستة آخرون يمازح الخديو المزاح المعتاد الخالص ~~من كل تكلف - شأنهما في ذلك من سنوات عديدة. # ولكن الخديو بعد انصراف مدعويه اختلى بالمفتش، ودارت بينهما محادثة طويلة، لم يقف أحد ~~على موضوعها، غير أن المظنون هو أن (إسماعيل) طلب من وزيره أن يوقفه بالتدقيق على جميع ~~تصرفاته في الوزارة، وعلى دقائق الأعمال التي أدت بالمالية المصرية إلى الضيق الحالي، ~~مع أنه هو الوزير الذي لم يفتأ يشع أمام عينيه الذهب أبدا، ويضع دائما تحت تصرفه أي ~~مبلغ عن له طلبه، مهما بلغت قيمته. # فاضطر المفتش إلى إظهار الحقائق كلها، وتوضيحها جليا، وإيقاف مولاه على كل أسرار ~~إدارته. # ولما كان (إسماعيل) سريع العزم، قريب البت في الأمور، أشار على وزيره، حيث إن الأحوال ~~هي كما قال، والأمور كما وصف، باللين والموافقة، والإقلاع عن مقاومة المندوبين الدوليين ~~ومعاكستهما، والتنحي مؤقتا، ريثما تمر العاصفة. # فأبى المفتش محتجا بأن اللين والموافقة ليسا من مصلحة مولاه، وأنه لو كانت المسألة ~~شخصية وتنحصر في استقالته هو من منصبه الوزاري، فإنه لن يتأخر لحظة عن تضحية مركزه، بل ~~حياته ذاتها، في سبيل إرضاء سيده، ولكن المسألة ليست شخصية، وإنما يرمي بها إلى الإضرار ~~بالسلطة الخديوية وتقييدها. # فلما كان صباح اليوم التالي، أمر (إسماعيل) مجلسه الخاص، ومنه المفتش، بالاجتماع ~~للمداولة في الأمر. # وبما أن عموم أعضائه كانوا يكرهون المفتش، ويتمنون زوال نعمته، فإن الآراء بدت كلها ~~موافقة على مقترحات المستر جوشن والمسيو چوبير، ومخالفة لرأي وزير المالية. # فلم يحول ذلك الإجماع المفتش عن رأيه، بل زاده تمسكا به ودفاعا عنه، وتفننا في ms654 ~~إبداء الأدلة على أن ضياع سلطة الخديو واستقلال البلاد ناجم، حتما، عن نفاذ تلك ~~المقترحات، لا سيما ما كان منها متعلقا بالتعديلات المشير جوشن بإدخالها على الإدارة ~~المصرية، ألا وهي تعيين مراقبين عموميين إفرنجيين أحدهما لمراقبة الإيراد، والثاني ~~لمراقبة المصروف، ووضع السكك الحديدية، وميناء الإسكندرية تحت إدارة مجلس مؤلف من ~~إنجليزيين وفرنساوي ومصريين، وأثبتت بحجج دامغة وبراهين قاطعة أن هذه التعديلات مرتبطة ~~ارتباطا كليا بالاقتراحات المالية الخاصة بتوحيد الديون المصرية، وأنها لا ترمي ~~مطلقا إلى مجرد استقالته، وأنه بما أن قبولها لا يمكن إلا مع تنازل الخديو عن سلطته، ~~وتسليمه إدارة حياة البلاد، أي موارد ثروتها إلى قبضة الأجانب، فالأوفق رفض مشروع ~~المستر جوشن والمسيو چوبير برمته، والتنكب عن هذين الرجلين مطلقا في التبريرات المقتضى ~~اتخاذها. وتطرق من ذلك إلى الطعن على مشروعية مهمة ذينك المندوبين، وتسويغ تداخل ~~المقرضين الأجانب في شئون الإدارة الداخلية المصرية، وتطاولهم على المقام الخديوي ~~المقدس، بحجة أن الحكومة المصرية مدينتهم. وختم كلامه بأنه يرى أن إشهار مصر وإفلاسها - ~~مهما تكن العواقب، مع تمسك الخديو بحقوقه وسلطته - أقل ضررا من تسليمها بمقترحات ~~مندوبي الدائنين، وبالتعديلات التي يطالبان بإدخالها. # ولا شك في أن كلامه كان على جانب عظيم من الصواب، ولم يكن من عيب فيه سوى أنه صادر من ~~إسماعيل صديق باشا، الرجل الذي كان أكبر جان في أمر صيرورة مصر إلى ذلك الموقف الحرج، ~~موقف الدولة التي ترى نفسها لضعفها مضطرة، إما إلى التسليم بأن يعبث باستقلالها، وببعض ~~حقوقها الملكية، وإما إلى تعريض نفسها للضياع كلية. # على أننا لا ندري هل كان رفض مقترحات جوشن وچوبير يؤدي إلى إقبال الدول الغربية على ~~حماية مصالح مدائني مصر من رعاياهم بقوة السيوف والمدافع أم لا، لا سيما وقد رأينا من ~~الحكومة الإنجليزية إعراضا ثابتا عن رغبة التداخل رسميا بين أولئك الدائنين ~~والحكومة المصرية. # ولكنا نظن أن الرفض قد كان يؤدي إلى تحرك الدوائر الرسمية الأوروبية للإقدام على عمل ~~سياسي ضد الحكومة المصرية، تخرج عواقبه عن حد التقدير. وهو ms655 ما خافه رجال المجلس الأعلى ~~المجتمعين للمداولة في الأمر، علاوة على كراهتهم للمفتش، ورغبتهم في التخلص منه بأية ~~وسيلة كانت. # لذلك صمم جميعهم على وجوب قبول مقترحات المندوبين الإنجليزي والفرنساوي، واعتبار ~~قبولها أخف الضررين المهددة مصر بهما. # ولكي يتغلبوا على وزير المالية، تظاهروا بأنهم يعتقدون أن مقاومته مبنية على كراهته ~~الشخصية للمستر جوشن، لعلمه بأنه إنما يرمي إلى عزله. # وكان أشد أعضاء المجلس تظاهرا بهذا الاعتقاد الأمراء الثلاثة محمد توفيق، وحسين، ~~وحسن. # فنظر المفتش إليهم نظرة المستهزئ بحداثة سنهم، العالم ما لا يعلمون، وقال: «إنكم لا ~~تزالون أولادا، فلا تستطيعون إدراك كنه الأمور، ولذا فإنكم تأخذونها بظواهرها.» # فاستشاط الأمير حسين غضبا لهذا الكلام - وكان عصبيا، سريع الانفعال - فهجم على ~~المفتش، وصفعه على وجهه صفعة شديدة لوت سلك نظارته الذهبية، وقال: «أولادا؟! وهل بلغت ~~بك القحة إلى حد مخاطبتنا بمثل هذا الكلام؟» # فأصلح المفتش سلك النظارة بهدوء، وأجاب: «إني إنما أتكلم للمصلحة العامة، ولو كانت ~~المسألة شخصية كما تقولون، وتنحصر في هل أبقى وزيرا أم لا، أكان قناصل الدول كلهم ~~يتداخلون لتعضيد طلبات المندوبين؟ إنهم لأحرص على كرامة دولهم من أن يعرضوا بها في ~~أمر داخلي محض، فالمسألة ليست مسألة عزل وزير، بل إلغاء وزارة المالية، بصفتها وزارة ~~مصرية محضة.» # 5 # فارفض المجلس، والأمير محمد توفيق يقول: «ما أوقح هذا الرجل! ما أوقح هذا ~~الرجل!» # وكان (إسماعيل) ينتظر على أحر من الجمر نتيجة مداولة مجلسه الخاص، فلما رفعت إليه ~~أقرها واعتمدها، وأعلن بذلك المفتش لوقته. # فبعث إسماعيل صديق باستقالته إليه، ضمن خطاب أوضح فيه الأسباب التي حملته على ~~تقديمها. # فأبى الخديو قبولها، وأجل مطالعة كتابه ريثما يعرفه إرادته في المساء. # فلما كان المساء، انتشر في المدينة الخبر أن الاستقالة قبلت، وأن الأمير حسين باشا، ~~وزير الحربية، عين وزيرا للمالية، وأن الأمير حسن باشا، خلفه على الحربية. # ثم أشيع أن المفتش استدعي إلى السراي بعابدين، وأنه في محادثة طويلة مع سمو ~~الخديو. # والذي علم فيما بعد عن هذه المحادثة هو أن (إسماعيل) ms656 استقبل وزيره القديم ببشاشة، ~~ولطف فوق المعتاد، وأنه أمر أن يتركا وحدهما، وأن لا يدخل عليهما أحد، فلما نفذت ~~أوامره، أقبل على أخيه في الرضاعة، وقال: «اجلس بجانبي هنا، قريبا مني، وانظر إلي، ~~وكلمني قلبا لقلب: ما أنت عامل الآن؟» # وكان المفتش لا يزال تحت تأثير انهيار سلطته الوزارية الفجائي، فمر سؤال (إسماعيل) ~~على أذنيه، وظهر كأنه لم يدخل إليهما، فكرره الخديو مرة أخرى، وقال: «أسألك يا إسماعيل ~~صديق، ما أنت عامل الآن؟» # وكأن المفتش أفاق من منام، فهذب سلك نظارته الذي لوته في الصباح صفعة الأمير حسين، ~~وقال وفي صوته شيء من التهكم: «ما أنا عامل يا مولاي؟ لست محتاجا إلى الاستفسار، فإني ~~كما يقضي علي واجب العبد الخاضع لإرادة سيده، سأسلم زمان وزارتي إلى خلفي البرنس حسين ~~نجلكم، متمنيا له كل توفيق.» # قال (إسماعيل): «أراك زعلانا مني، يا صدقي، فأنت غلطان، فإن الذي عملته هو الشيء ~~الوحيد الذي كان يمكنني عمله في هذه الظروف، ريثما تنفرج حلقات الضيق.» # قال صديق: «ليسمح لي مولاي أن أخالفه في فكره، وأن أرى رأيا غير رأي سموه.» # قال (إسماعيل): «يدهشني ذلك منك، أو لم تفهم ما هو قصدي من تأليفي الوزارة الجديدة ~~العائلية المحضة؟» ~~- «كلا، وإذا سمح لي مولاي أن أكلمه بالصراحة.» ~~- «تكلم، تكلم، أنا أطلب منك ذلك، لا بصفتك وزيرا، بل بصفتك صديقا لي.» ~~- «أنا إذا أرى أن سموك أخطأ في أنه حملني على الاستقالة، ثم أخطأ في تعيين أحد ~~الأنجال مكاني. أما الخطأ في حملي على الاستقالة فلأنه لم يرو التاريخ حتى هذا اليوم - ~~على قلة علمي به - أن مليكا ضحى وزيره لينقذ نفسه، وأما الخطأ في تعيين أحد الأنجال ~~مكاني؛ فلأن قلة مسئولية الأمير الشاب لن تخفى عن أحد، ولأنه لن يقوم شيء بينه وبين ~~سموك يحول سخط الناس عنك، كما كان قائما بين سموك وبيني.» ~~- «هذا كلام صحيح يا صديق، وأنت تعلم أني لم أفترق عنك بطيب خاطر، وإني رفضت تضحيتك ~~حينما طلبها مني قنصلا إنجلترا وفرنسا العامان، ms657 ورفضتها بالرغم من إلحاح جوشن وچوبير ~~علي بها، ولم أضطر إليها إلا بعد أن تخلى عنك المجلس الخصوصي.» ~~- «ليس المجلس الخصوصي فقط، ولكن أولاد سموكم، لست ناقما عليهم؛ لأنهم يجهلون ما ~~ندريه سموكم وأنا، وإذا دروا؛ فإنهم لا يستطيعون أن يفهموا أن هناك تضامنا لا يمكن ~~هدمه أو تقسيمه. قد قلت لسموك يا مولاي، وأعيد الآن، أنه لو كان هلاكي وحده يكفي ~~لإنقاذكم، فلا أدري إذا كان يكون لدي أقل رغبة في أن أحمي منك القليل الباقي من عمري، ~~ولكن الحال ليست كذلك. وأعتقد أن الخلاص لن يأتي للبلاد ولنا إلا ببقائنا متحدين، فكما ~~أني لا أستطيع أن أنجو بدون سموكم، فإن مولاي لا يستطيع أن يخرج من المأزق ~~بدوني.» # هنا سكت المفتش، كأنه يريد أن يزن مقدار التأثير الذي كان لكلامه على مجرى أفكار ~~مولاه، ولكن الخديو لم يبد أقل تغير، ولم يسمح لعرق فيه أن ينبض، وقال للمفتش مظهرا ~~إصغاء تاما: «كمل حديثك.» # فقال المفتش: «إني أقبل يا مولاي أن أتحمل ثقل المسئولية كلها وحدي، وأن أقول في كل ~~مكان إني خالفت أوامرك، بدلا من تنفيذها حرفيا - وهذا كان الواقع في معظم الأحيان - ~~فهل يصدقني أحد؟ اقبل أن أسلمك خاتمي لتوقع به على كل الأوراق التي تريدها، إثباتا لأن ~~الذنب في الخلل الحاضر إنما هو كله ذنبي، فهل يصدق أحد؟ والكل يعلم أن الخديو الدولة ~~دون غيره، وأنا كلنا آلات صماء بين يديه؟ ثم إني مشير عثماني - ومولاي يعلم أني كمشير ~~عثماني، لا أحاكم إلا في الأستانة، وهبني تنازلت عن حقي هذا، فالباب العالي لن يتنازل ~~عنه، فيرى سموكم منذ الآن ماذا تكون نتيجة محاكمتي هناك، ومقدار ما ينجم عنها من فضيحة، ~~لا سيما في الظروف الحاضرة، والدولة التي خلفت هناك دولة عبد العزيز، شيقة إلى تسويء ~~سمعة سلفتها.» # وإنما ذكر المفتش أنه مشير عثماني لكي يقضي على عزم الخديو في مهده ، فيما لو كان ذلك ~~العزم قد بدأ يتوجه نحو إساءته. وأشار إلى ما قد تنتجه أية ms658 محاكمة أو تحقيقات احتمالية ~~من مخوفات، إرهابا لمولاه، ورغبة منه في حمله على الرجوع إلى آرائه. # وأدرك (إسماعيل) غرضي وزيره معا، وعلم أن الرجل يلعب معه لعبا دقيقا، فقال: «صحيح ~~أنت مشير عثماني»، وضحك دقيقة، ثم قال: «قد كنت نسيت ذلك، هذا لقب فيه من الأمان ما في ~~أي مؤمن آخر. ولا يسعني إلا الموافقة منذ الآن على كل ما ترى وجوب إجرائه، فيما لو قضت ~~الحال، على أننا لم نبلغ بعد إلى هذا الحد، ولله الحمد وتراني مقتنعا بأن فيما قلته ~~جانبا عظيما من الحق، وليس فيه ما يجرحني مطلقا، وإنما الصعوبة كل الصعوبة في خروجنا ~~من المأزق بكيفية ترضينا معا، فابحث يا صديقي، اجهد نفسك، فتق ذهنك، حك قريحتك. وإذا ~~وفقت إلى إيجاد طريقة غير التي اتبعتها أنا، وكانت جيدة، فثق بأني لا أطلب إلا ~~استعمالها، وإني أعتبرها خدمة جليلة منك، أضيفها إلى خدماتك الخطيرة السابقة.» # فتنهد المفتش الصعداء، ورفع نظارته، لكي يمسح بطرف منديله دمعة بدأت تتلألأ في جنب ~~عينه، ثم أخذ يد (إسماعيل)، وقبلها، وقال: «قد استعدت الآن - ولله الحمد - سيدي ~~وملاذي.» # وتذكر حينذاك الإشاعتين اللتين كانتا تتداولهما الألسن في العاصمة، وخطر له في الحال ~~أن يستخدم السلاح الذي أراد خصومه أن يحاربوه به، ليطعنهم به في نحرهم طعنة ~~قاتلة. # فقال (لإسماعيل): «إن الوسيلة يا مولاي جاهزة لدي، ولست أشك في أنها ناجحة.» # فهش الخديو وبش، لأنه كان يود حقيقة الإفلات من أيدي مندوبي دائنيه، بكيفية لا تمس ~~شرفه ولا سلطته، وسأله «ما هي؟» # فأجاب المفتش: «بما أن مطالبتنا المرابين الذين مصوا دماءنا بتخفيض مبلغ المطلوب ~~لهم إلى معدل المبالغ الحقيقية التي أقرضونا إياها، وتخفيض سعر الفوائد التي ~~يتقاضونها منا إلى السعر القانوني المعقول لمطالبة لا فائدة منها، وبما أن التجاءنا ~~إلى الأستانة لتساعدنا على نيل مطالبنا لن يجدي نفعا (لأن السلطان في مأزق أحرج من ~~المأزق الذي نحن فيه )، فإنه لم يعد يبقى لنا لفض مشاكلنا كلها إلا الرجوع إلى القرآن ~~الكريم، والاستعانة على تنفيذ ms659 نصوصه بالرأي المصري العام.» # فقال الخديو: «وكيف ذلك؟» # قال المفتش: «مولاي يعلم أن القرآن ينهى عن الربا، وينذر المتعاملين به بعقاب شديد، ~~فما علينا - والحالة هذه - إلا تفهيم الأمة المصرية أن معظم الأموال التي تدفعها إلى ~~خزينة الميري، لكي تقيم الحكومة بواسطتها قواعد إدارتها، وتجري الأشغال العمومية التي ~~تقتضيها المصلحة العامة، وتوطد دعائم الأمن العام في البلاد، يذهب إلى أيدي الفرنجة ~~بصفته ربا الأموال التي قدموها إلينا من تلقاء أنفسهم، وأن ذلك هو السبب في أن الحكومة ~~مضطرة إلى إرهاق الأمة بالضرائب العديدة الثقيلة التي تحصلها منها.» # فأبرقت أسرة (إسماعيل)، وقال: «أجل، ولكن كيف تفهم الأمة ذلك؟» # فقال المفتش: «نكلف علماءنا وقضاتنا ومفتينا بهذا العمل، وأنا أضمن أنهم لن يخيبوا ~~لنا غرضا، وأنهم يخدموننا خير خدمة، ومتى هبت الأمة بأسرها للمطالبة بالتمسك بنواهي ~~القرآن الكريم، فإنا سنتخذ مطالبتها سلاحا نرهب به أوروبا الرسمية، ونقضي به على جشع ~~دائنينا. وإني - إذا سمح مولاي - آخذ على نفسي تحريض رجال الدين الإسلامي على مباشرة ~~هذا العمل منذ اليوم.» # فأذن له الخديو بذلك، وشكره على فكرته، ثم صرفه، وهو يتمنى له النجاح ويريه المستقبل ~~عائدا إلى الابتسام له - وإنما كان ذلك تظاهرا منه فقط، لأنه صمم منذ ذلك الحين على ~~إنزال العقاب به. # ولكنه كان قد بلغه أن المفتش، منذ أن اشتد توتر العداوات حوله، شرع في العمل على ~~التجنس بجنسية أجنبية، اقتداء بنوبار باشا المتجنس بالجنسية البروسيانية، منذ زمن، ~~وشريف باشا المتجنس بالجنسية الفرنساوية، فلما حول المفتش انتباهه إلى كونه مشيرا ~~عثمانيا، خطر في باله أن يحقق صحة ما بلغه من عدمها. # فأرسل واستدعى أحد أخصاء إسماعيل صديق باشا - وكان هو نفسه المبلغ - وسأله عما إذا ~~كانت مساعي المفتش التجنسية قد تمت، فأجاب الرجل أنها لم تتم بعد، ولكنها سائرة على قدم ~~وساق في القنصلية الفرنساوية، وأنها أوشكت تنتهي. # فبعث (إسماعيل) إلى هذه القنصلية وغيرها يستفهم عن حقيقة الأمر، فأجابته كلها أنها لا ~~تعلم من ذلك شيئا، ولا حادثها إسماعيل صديق في ذلك ms660 مطلقا. # ولما كان اليوم الثاني، وشاع في المدينة خبر اختلاء الخديو بوزير ماليته مدة طويلة من ~~الزمان، وأن الوزير خرج عقب تلك المقابلة من عابدين، وعلامات الابتهاج والاعتزاز بالفوز ~~بادية على وجهه، وبلغت تلك الإشاعة آذان المستر جوشن، اعتقد أن المفتش تمكن من استمالة ~~المليك إلى آرائه، والعود إلى الجلوس في صدر «محظوظيته» ثانيا. # فرأى أنه لا سبيل إلى التغلب على ذلك الداهية إلا بجره أمام المحاكم الجديدة بصفة لص، ~~ومقاضاته مقاضاة جدية. # فبعث إليه من أنبأه أن المندوبين الدوليين تحققا بعد التنقيب في حسابات المالية ~~ومصروفاتها من وجود عجز فيما هو مخصص لهما يبلغ مقداره أربعين مليونا من الفرنكات لم ~~يجدا له مبررا، وأنهما بناء على ذلك سيعلنانه عن قريب بطريق وكالتهما عن حملة الأسهم، ~~للحضور أمام محكمة مصر المختلطة، لكي يحقق معه هناك تحقيقا دقيقا عن سبب ذلك العجز ~~وكيفيته. # فلما بلغ هذا النبأ إلى إسماعيل صديق باشا، أظهر له من الارتياح والابتهاج ما أدهش ~~نفس مبلغه، وتحول ذلك الاندهاش إلى أخذ بعيد الوقع، حينما قال المفتش له: «اذهب وقل ~~لجوشن إنه لن يستطيع عمل عمل يبسطني ويسرني بقدر هذا، وسترى المحكمة عند تحقيقها، ما ~~هو سبب ذلك العجز وما هي حقيقته.» # ولما خرج المبلغ من عنده، أسرع إسماعيل صديق، وأبلغ النبأ إلى الخديو، لأنه كان لا ~~يزال موجسا منه خيفة، ويرى الاحتياط واجبا. # فأدرك (إسماعيل) الغرض الذي رمى صديق إليه، واضطرب، لأنه تيقن أن الرجل غير مبق ~~على صداقته ووده، وأنه إنما يهدده تلميحا، بكل وسيلة يراها صالحة، بأنه غير خاش بأسه ~~من جهة، لتدرعه برتبة المشيرية العثمانية التي هو حائز لها، وأنه من جهة أخرى لن يحجم ~~ساعة اللزوم عن نسبة كل خلل المالية المصرية إلى أوامره السامية وطلباته. # وكان عنده في خزينته أربعة عشر مليونا من الفرنكات، فأخذها من وقته، وأرسلها باسم ~~المفتش إلى المندوبين الدوليين، ورجا منهما أن يرجئا إعلان صديق حتى يقابله هو نفسه مرة ~~أخرى - ولم يخف (إسماعيل) الفضيحة مرة في حياته، ms661 خوفه منها في ذلك اليوم. # وبينما هو في حجرته يحرق الأرم عقب إرساله تلك الملايين الأربعة عشر إلى المستر جوشن، ~~وينتظر الرد، أنبأه أحد رجال التشريفات أن بالباب وفدا مؤلفا من شيخ الإسلام، وقاضي ~~القضاة، ومفتي الديار، ونخبة من كبار العلماء يريد مقابلته. # فتنهد (إسماعيل) الصعداء، وقال: «ألا هل تمكن صديق من إتمام وعده بكل هذه السرعة؟» ~~وأمر بإدخالهم. # فأدخلوا، فقابلهم بإكرام زائد واحتفى بهم، وسألهم عما أوجب حضورهم في تلك الساعة، ~~فقال مدرههم: إن الذي جاء بهم إنما هو مقابلة وقعت بينهم وبين وزير المالية إسماعيل ~~صديق. # فابتسم الخديو، وقال: «إن إسماعيل صديق رجل في منتهى الذكاء، وتوقد الذهن، وصدق ~~التقوى، ولكنه في الآن نفسه، كبير الجسارة، وشديد على الأجانب جدا.» # وإنما أراد من قوله هذا أن يحمل كلامه على محملين: أحدهما في مصلحة المفتش، فيكون ~~دليلا على رضاه عنه، وثانيهما في عكس مصلحته، فيدل على غضبه عليه، وذلك لكي يتمكن رجال ~~الوفد من التمسك بالمحمل الموافق للغرض الذي أتوا من أجله. # غير أن أولئك العلماء لم يدركوا مرامي كلامه، لعدم تعودهم محادثة رجال السياسة في ~~الأرض. وبينما كان ميل (إسماعيل) يذهب إلى أن يدركوا أنه يكون مسرورا من انقيادهم إلى ~~إيعاز المفتش، تمسكت أفكارهم بالشطر الأخير من قول المليك، وقال مدرههم: «نعم يا ~~أفندينا، إنه لرجل خطر للغاية، فقد أتانا بالأمس زاعما أن أفندينا والبلاد في ضيق شديد ~~بسبب الإفرنج، وتقاضيهم من حكومة سموكم ربا فاحشا، وأن هذا هو السبب في كثرة المظالم ~~والمغارم الموضوعة على رقاب العباد - وحاش لله أن تكون مظالم ومغارم في عهد سموكم - ~~وأنه يجدر بنا، والحالة هذه إهاجة الرأي العام المصري على الدائنين من الإفرنج، وحمل ~~الأهالي على إيفاد الوفود إلى سموكم ليسألوكم، بإلحاح، الامتناع عن دفع الربا إلى أولئك ~~الدائنين، وإجبارهم على أن لا يأخذوا من الخزينة المصرية سوى النقود التي أقرضوها ~~حقيقة، والتي قد استردوها لغاية الآن وزيادة.» # فظن (إسماعيل) لأول وهلة أن المفتش نجح في مهمته، وأخذ السرور ينتشر على ms662 محياه، فدنا ~~من أريكة واستلقى عليها، ثم أدنى العلماء منه، وسألهم مبتسما «وأنتم، ماذا ~~أجبتم؟» # قال مدرههم: «أجبنا يا أفندينا، كما يجب أن يجيب العبيد المخلصون الولاء لسموكم ~~وسدتكم السنية. قلنا له «إننا نعلم حق العلم أن الإفرنج أصدقاء سموكم المخلصون، وأن ~~مركزهم في البلاد لا تقوم له قائمة يوم يروق لسموكم طردهم منها، وأن الأموال أموال ~~سموكم، وأننا جميعنا بمالنا ونسائنا وأولادنا عبيد لسموكم، والعبد وما ملكت يداه ~~لمولاه، وأدركنا أن الرجل بعد أن تخلت نعمة سموكم عنه أصبح من الخائنين، وأنه يرغب في ~~تحريك فتنة في البلاد، وقد قال الله - سبحانه وتعالى - # والفتنة أشد من القتل ~~.» # فتيقن الخديو أن بين ما أدركه القوم وبين ما كان يريد هو أن يدركوه، بعد ما بين ~~السماء والأرض. ولما كان قدريا كمعظم الرجال العظماء المقامين من مدبر الأكوان لغرض ~~خاص يريده، اعتقد أن ما وقع كان لا بد من وقوعه، وأن ما كتب للمفتش أصبح لا بد من ~~نفاذه، لأنه لعب آخر ورقة في لعبه وخسرها. # فأطفأ نور الابتسام المشع من عينيه وثغره، وكسا وجهه جدا واهتماما، وقال: «أجل، ~~أجل! إن ما أدركتم قد يكون الواقع، ولكن الكلام حجة واهية، ويفيد حكومتي أن يكون بين ~~يديها دليل كتابي على مسعى المفتش، فليتفضل أحدكم وليكتب ما قاله لي لسانكم، وليتفضل ~~الباقون بتوقيعه.» # فأسرع رجال الوفد وامتثلوا لأمر الخديو، وحرروا الكتابة المطلوبة منهم، ثم قدموها إلى ~~(إسماعيل) فأخذها منهم وصرفهم. # ولكنه عاد ووقع في خلده بعد أن خرجوا من الباب أن يستدعيهم ثانية، ويقول لهم «إن ~~المفتش صادق فيما كلمهم عنه، وإنه هو- الخديو - يوافق عليه.» # غير أن الأمير محمد توفيق، ولي عهده، دخل عليه إذ ذاك وقال بانفعال: «أرأيت يا مولاي ~~مساعي إسماعيل صديق، وكيف أنه حاول إيقاظ فتنة في البلد ضد الفرنج؟ ولولا أني تداخلت في ~~الأمر، وأفهمت العلماء ما هي أغراضه الخفية، لصدقوا زعمه بأنه لسان سموكم ورسولكم ~~إليهم.» # فهز (إسماعيل) كتفيه، وأوقف نظره برهة، وكله تهكم وسخرية، على ولي عهده، ms663 ولو كان ~~للحركات لسان لفهم ذلك الهز وتلك النظرة ولي عهد العرش المصري مقدار الخطأ الذي ارتكبه ~~أمام عيني أبيه؛ بتداخله بين المفتش والعلماء. # على أن تيقن (إسماعيل) أن الأمير محمد توفيق الذي كان يعتبره أقل أولاده ذكاء ونباهة، ~~هو، هو السبب في أن إسماعيل صديق الداهية - الذي قلما كان له مثيل بين رجال الذكاء ~~والتفنن بمصر - خسر آخر ورقة وضعتها الأقدار بين يديه، قوى فيه الاعتقاد بأن المفتش ~~لا مفر له من نفاذ المقدور فيه. # فأمر ولي عهده باستدعاء أخويه الأميرين حسينا وحسنا والعود معهم. # فلما حضروا، أطلعهم على الورقة التي كتبها العلماء، وأوقفهم على رغبته في إلقاء القبض ~~على إسماعيل باشا، ومحاكمته أمام المجلس الخصوصي. # وكان الأمراء - كما قلنا - يكرهون الرجل كراهة كلية، لجميع الأسباب التي ذكرناها، ~~وعلى الأخص لأنهم كانوا يعتبرونه العدو الأكبر لحسن سمعة المليك والدهم، والسبب الأعظم ~~في الإحن المتوالية عليه. # فأشار الأمير حسين على والده باتخاذ الاحتياطات اللازمة لذلك، لكيلا يثير القبض على ~~المفتش فتنة في البلد، لكثرة محاسيب الرجل في المصالح وبين الأهالي، ولأنه بلغه أن بعض ~~أولئك المحاسيب جهزوا مركبا لنقله إلى الأستانة لدى أول تهديد. # وقال الأمير محمد توفيق: «يجدر بسموكم - والحالة هذه - إصدار أمركم إلى مصطفى فهمي ~~باشا محافظ العاصمة، بإعداد ألفي عسكري، وإرسالهم ليحيطوا بسراي المفتش ~~بالإسماعيلية.» # فقال الأمير حسين، بتهكم: «ألفي عسكري؟! لم لا تقول الجيش كله؟» # فقال حسن: «يكفي للغرض ضابط وبضعة عساكر.» # ولكن (إسماعيل) لم يوافق على آرائهم، وقال: «إني لا أحتاج إلى جنود مطلقا، وسأقوم ~~بالأمر بنفسي، على أني أريد منكم: # أولا: # أن تأمروا محافظ العاصمة بتجهيز مركب بخارية غدا في النيل عند مرسى ~~سراي الجزيرة. # ثانيا: # أن تخطروا أعضاء المجلس الخاص بالاجتماع غدا الساعة الحادية عشرة ~~صباحا، وتكلفوا العلماء الذين حرروا هذه الكتابة بالحضور لأداء ~~شهادتهم أمامه.» # فانحنى الأمراء وخرجوا، ولكن ولي العهد تردد لحظة على الباب ، كأنه أوتي فكرا مباغتا ~~أراد إبداءه. فلحظ (إسماعيل) ذلك، وسأله إذا كان يريد أن يقول شيئا. # فأجاب ms664 ولي العهد: «نعم يا مولاي، فقد غاب عن فكر سموكم أن غدا الجمعة، وأن العلماء ~~ما بين الساعة الحادية عشر والساعة الواحدة يكونون مشغولين في أمر الصلاة الجامعة، ولا ~~يستطيعون الحضور لتأدية الشهادة.» # فضم (إسماعيل) شفتيه لحظة، ثم نظر لابنه النظرة عينها التي أوقفها عليه، حينما علم ~~أنه هو الذي كان السبب في خيبة مسعى وزير المالية، وقال له: «أجل، دعهم إذا في شئون ~~صلاتهم، لا سيما أنه لا فائدة من حضورهم، مع وجود توقيعاتهم على هذه الكتابة»، فانحنى ~~ولي العهد وانصرف. # وفي الغد أرسل الخديو إلى إسماعيل صديق باشا واستدعاه لمقابلته في سراي عابدين، ~~الساعة التاسعة. # وكان المفتش قد قضى الليل كله مضطربا، منفعلا، يعتقد، تارة، أنه ناجح في مسعاه، ~~ساحق أعداءه فتسكره أفكار الفوز، ويعتقد، تارة أخرى، أن نجمه أفل، وسعده ولى، وأنه قد ~~يصعق، بغتة، من حيث لا يدري فيسقط في يده، وتخور قواه. وكثيرا ما أوفد في السر إلى ~~سراي عابدين مستخبرا عما يفعله الخديو، خائفا عودة المجلس المخصوص إلى ~~الانعقاد. # فلما أتته الدعوة الخديوية، بلغت العواطف التي كانت تساوره أشدها فابتهج أولا كأنه ~~إنما يدعى إلى النصر، ثم انقبض وارتعد، كأنه يدعى إلى الهلاك، ثم تذكر أن اليوم يوم ~~جمعة، وأنه، إذا صحت تذكارات صباه، ليوم فضيل، فهدأت أعصابه وسار إلى عابدين، وهو إلى ~~العشم بالخير أقرب منه إلى الاضطراب بالعواصف. # فقابله (إسماعيل) خير مقابلة، وأجلسه برهة إلى جانبه، ثم قال له: «إني فكرت الليل كله ~~في مركزنا، فانتهيت إلى الموافقة تماما على آرائك، فعساك نجحت في المهمة التي انتدبت ~~نفسك إليها.» # فأجابه المفتش، وقد زالت عن قلبه مخاوفه كلها «الآن، وقد تأكدت أن قلب مولاي عاد إلي، ~~فإني لن أدع ممكنا إلا وأقدم عليه لأبعد عن مولاي أي مزعج»، وأخذ يد (إسماعيل) وقبلها ~~مرارا بحرارة. # فترك الخديو يده له مدة، ثم سحبها، ومر بها على جبينه وقال : «لكني أشعر بوجع في رأسي ~~على أثر هذا السهاد، فهل تريد أن نخرج لنتنزه معا كالمعتاد؟» فطار ms665 قلب المفتش فرحا ~~وهو يجيب بالقبول، ومر أمام عينيه مر البرق الوقع الذي يكون في قلوب الناس حينما يرونه ~~من جديد على يسار الخديو في عربة (إسماعيل) الخصوصية، يجتاز معه شوارع العاصمة كالسابق، ~~وهما يتهامسان. ورأى الغيظ والحنق اللذين يخنقان قلب المستر جوشن حينما ينظرهما معا، ~~أو يبلغه نبأ ذلك، فاعترته هزة عزة ونصر سرت في جميع عروقه، وأبرقت في عينيه السوداوين، ~~فلمحها (إسماعيل)، وابتسم لها ابتساما خفيا. # فلما صارا إلى داخل العربة المكشوفة، قال (إسماعيل): «لا ندري إلى أين نذهب، هل تريد ~~أن نطرح ريشة في مهب الرياح، فتذهب بنا إلى حيث تشاء الأقدار؟» # فقال المفتش: «لنطرحها، لنطرحها يا مولاي، فإن الأقدار لا تريد بنا إلا خيرا إن شاء ~~الله.» # ففكر الخديو لحظة، ثم قال للحوذي: «سر بنا إلى الجزيرة» والتفت إلى المفتش وقال: «قد ~~يزيل نسيم النيل العليل الوجع الذي أشعر به في رأسي، وأغتنم، بالمرة فرصة وجودي في سراي ~~الجزيرة لألاحظ إتمام بعض الأشغال الجارية فيها، ثم إننا نمر في الوقت عينه على سرايك ~~بالإسماعيلية، فقد نرى ابنك، فأسأله عن فايق هانم أميرتي الصغيرة، وأوصيه بها خيرا، ~~فأنت تعلم أنها عزيزة علينا جدا، أميرتنا الصغيرة.» # فاحتار صديق كيف يشكر (إسماعيل) على كل ذلك اللطف والتعطف، وزاد سروره لدى فكره أن ~~آل منزله سيرونه مع الخديو متنزها، فيعلمون أن «محظوظية» مولاه عادت إليه، وأنه رجع ~~إلى ما كان عليه من العز والسؤدد. # وأما فايق هانم الأميرة الصغيرة، التي ذكرها (إسماعيل) فإنها كانت غادة في منتهى ~~الجمال، ربتها والدة (إسماعيل) نفسها كأنها ابنتها مع زينب هانم بنت الخديو، وزوجتها ~~ابن المفتش، إنماء لولاء هذا الوزير، واستزادة لنشاطه، وتفننه في خدمة ابنها. # فلما مرت العربة بهما أمام سراي المفتش، وجدا ابن صديق على الباب، يستعد هو أيضا ~~للخروج، فأدناه (إسماعيل) منه، وعطف عليه كأب، ثم استأنفا السير، ولم تمض بضع دقائق إلا ~~ومرت بهما المركبة على كوبري قصر النيل البديع، وانطلقت نحو السراي الخديوية التي كانت ~~بالجزيرة، ووقفت أمام أهم ms666 أبوابها، فنزل (إسماعيل) أولا، فرآه ضابط الحرس القائم هناك، ~~فصرخ بجنده أن يقدموا التحية العسكرية، فقدموها، فأومأ إليه الخديو بالاقتراب، فدنا ~~الضباط منه، فأمره أن يلقي القبض حالا على المفتش، وكان هذا نازلا من العربة. # فلما سمع إسماعيل صديق الأمر ضحك أولا، لاعتقاده أنه مزاح، ولكن الخديو دخل السراي ~~بدون أن يوجه إليه أية كلمة، ولكن الجند بسطوا أيديهم عليه وأمسكوه من عنقه، وجروه ~~بعنف من رحبة السراي الفسيحة إلى مدخلها الواسع، فمن حجرة إلى حجرة حتى قاعة صغيرة في ~~مؤخرة البناء، أقفلوها عليه، وأقاموا عند مدخلها حارسا، كأنهم ينفذون أوامر أعطيت لهم ~~مقدما، بالرغم من ندائه لمولاه وتكراره قول «مولاي مولاي إنهم يقبضون علي، وأنا ~~ضيفك.» # فأدرك أنه سقط في شراك، وأن ساعة هلاكه دقت. # أما (إسماعيل)، فإنه عاد إلى عابدين، واستدعى إليه أولاده، وسألهم عما إذا كان المجلس ~~الخصوصي قد التأم. فأجاب حسين «إن الساعة الحادية عشرة لم تأت بعد، وإن الأعضاء ~~أخطروا جميعا، واستدعوا للحضور.» # فنظر (إسماعيل) إلى ساعته وقال: «حقا، حقا، إن الأمر قد انتهى بأسرع مما كنت ~~أتوقع.» # وبعد أن أخبر أولاده بما تم، أمر ابنه حسنا بالتوجه إلى سراي الجزيرة لمراقبة ~~السجين. # ولم تمض نصف ساعة إلا وانتشرت في عموم أنحاء العاصمة الأنباء بأن المفتش أمسك متلبسا ~~بجريمة التآمر على سمو الخديو تآمرا خطيرا، وأنه ألقي القبض عليه، ووضع تحت ~~المحاكمة. # وبلغت تلك الإشاعة آذان الكاتب الإنجليزي، المستر ماك كون، السابق ذكره، فأدهشته دهشة ~~عميقة لما شاهده قبل يومين فقط، من حسن العلاقات الودادية بين الخديو ووزيره. # فأسرع إلى عابدين ليتأكد من حقيقتها، وتشرف بمقابلة (إسماعيل)، فأنبأه الخديو أن ~~المفتش أرسل إليه بالأمس صباحا كتابا لم يفضه إلا في المساء، وأنه لما فضه وجده عبارة ~~عن استقالة من منصبه، يقدمها له، ولكنها محررة بألفاظ لم يجسر وزير قبله، أبدا، على ~~إبداء مثلها لملكه. وقال: «إني لا أشك في أنه كان سكرانا حينما حررها، ولا أستغرب ذلك ~~منه، لأنه لا ينفك يتجرع خمرا طول النهار.» ms667 # فقال الكاتب: «أتعشم يا مولاي، عشما كبيرا، أن هذا لن يؤدي إلى موته، لأنه إذا مات ~~في هذه الظروف، فإن موته لن يؤول في أوروبا إلا تأويلا واحدا، وسموكم أدرى به ~~مني.» # فأجاب (إسماعيل) بانفعال: «وماذا يهمني أن يحيى أو يموت؟ الذي أعلمه هو أنه سيستمر ~~غالبا على الإغراق في السكر، حتى يوافيه الحمام، ولست بمانع عنه أية خمر ~~يطلبها.» # فلما سمع الكاتب هذا الكلام أدرك أن حياة إسماعيل صديق باتت لا تساوي مراهنة على قرش، ~~على فرض أن حبلها لا يزال غير منصرم. # 6 # وكانت الأسلاك البرقية قد شغلت منذ الصباح، فلم ينقض يوم تلك الجمعة الفضيلة إلا ~~ووردت إشارات تلغرافية من نيف واثنتي عشرة مديرية، تحمل إقرارات مختلفة تؤيد التهمة على ~~الوزير الذي هوى. # فلما اجتمع المجلس الخصوصي، عرضت عليه الكتابة التي وقعها وفد العلماء، والبرقيات ~~المرسلة من المديريات، فأظهر المجلس بالإجماع - ما عدا صوتا واحدا صوت أقل الوزراء ~~ثروة - أنه مقتنع بإدانة المفتش، وثبوت تهمة الخيانة والمؤامرة عليه، وقضى غيابيا ~~بنفيه إلى دنقلا، وسجنه فيها مؤبدا. # وفي صباح اليوم التالي نشرت الجريدة الرسمية المصرية البيان الآتي، لتحيط عموم ~~الأهالي والدوائر الأجنبية علما بمضمونه بكيفية رسمية: # إن إسماعيل صديق باشا، وزير المالية السابق، سعى إلى تدبير مؤامرة ضد سمو ~~الخديو، بإثارة عواطف الأهالي الدينية ضد المشروع الذي اقترحه حضرتا المستر ~~جوشن والمسيو چوبير، فاتهم الخديو ببيع مصر إلى المسيحيين، وأقام نفسه مقام ~~المدافع عن بيضة الدين ومصلحة البلد، فأبلغ مفتشو الأقاليم العموميون ورجال ~~البوليس سر هذه المساعي، وأيدتها عدة عبارات وردت في كتاب أرسله صديق باشا عينه ~~إلى سمو الخديو، يرفع به استقالته إلى سموه، فلدى تلقي الخديو أنباء خطيرة ~~كهذه، طرح الأمر على مجلسه الخصوصي ليرى رأيه فيه، فحكم المجلس على إسماعيل ~~صديق باشا بالنفي إلى دنقلا، وسجنه هناك، سجنا سحيقا. # ولما كان الغد، أرسل الخديو بما وقع من المفتش وما قرره المجلس الخصوصي نبأ بريديا ~~إلى الأستانة، فبلغها بعد أسبوع، فأبرقت في الحال تأمر بإرسال الوزير ms668 المتهم إليها، ~~ليحاكم فيها، حيث إنه حائز لرتبة المشيرية العثمانية الرفيعة. # فتمهل (إسماعيل) في الإجابة أسبوعين وأكثر، ريثما أتاه النبأ الرسمي من دنقلا، يفيد ~~بأن إسماعيل صديق باشا مات هناك من كثرة انهماكه في السكر، فأبلغه إلى الأستانة، فاضطرت ~~إلى قبوله كما هو، وأهملت كل مخابرة تالية في شأنه، على حسب عادتها. # ولما كان الاقتداء بالأستانة في غير وسع التاريخ، وكان الوقوف على الحقائق أمرا من ~~واجباته، لكي يروي عبرها لقرائه، فإنه منذ أن رأى المفتش يجر إلى الحجرة الصغيرة في ~~مؤخرة بناء سراي الجزيرة، أخذ يصيخ بسمعه لما يقال، ولو همسا، وينقب على ما يدون، ولو ~~سرا، حتى تمكن من معرفة نهاية المأساة التي ذهبت بحياة إسماعيل صديق بعد انهيار بنيان ~~عزه، ووقف على تفاصيلها المختلفة، المتحدة في الجوهر، بالرغم من اختلافها في ~~العرض. # فمما قصه إسحق بك، أحد موظفي الدائرة السنية بالمنيا في سنة 1889 - وكان، حينما سقط ~~المفتش في الهاوية، ضابطا بمصر معروفا بقوته العنترية - هو ما يأتي، والعهدة في صدق ~~روايته عليه: # بعد إلقاء القبض على المفتش بساعة، استدعيت إلى الحجرة التي كان ذلك الوزير ~~محبوسا فيها، فوجدت هناك الأمير حسن باشا واقفا عند الباب، والمفتش مجردا من ~~ملابسه في أحد أركانها، فأومأ الأمير إلي بيده، فدنوت منه، وسلمت السلام ~~العسكري، فهمس في أذني أمرا قاضيا باستعدادي لنقل المفتش، في الليل، إلى ~~الباخرة التي أعدت للسفر به إلى دنقلا، إلا إذا مات قبل ذلك، فأدركت من قوله ~~«إلا إذا مات» أن موته مرغوب فيه، لا سيما أنه بعد أن قال ذلك سلم المفتش إلي ~~عهدتي، وتوجه إلى مكان آخر، فسرت حينئذ إلى المفتش، وألقيته على ظهره، وكممت ~~فمه بيدي اليسرى لكيلا يسمع له صراخ، وأقبلت أسحق خصيتيه بيدي اليمنى، فقاومني ~~مقاومة عنيفة، بالرغم من أنه كان نحيف البنية. ولما اشتد عليه الألم، وأخذت ~~روحه تتقعقع في صدره، بلغت مقاومته أشدها، وخيل إلي أنه أوتي قوة تضارع قوتي، ~~فتمكن من القبض على إبهام يدي اليسرى بين أسنانه، ms669 والعض عليه عضة قطعته لوقته، ~~ولكن تلك كانت حركته الأخيرة، فإنى بالرغم من شدة الوجع الذي شعرت به في يدي، ~~شددت عليه شدة أخمدت معها أنفاسه، فسقط تحتي جامدا، ودقت رأسه بالأرض، ولما جن ~~الليل لفت جثته في قماش، وضمت إليها مثقلات جمة، ونقلت إلى ظهر الباخرة الراسية ~~عند قدمي السراي، فسارت بها نحو الجنوب، حتى إذا جاوزت جزيرة الروضة طرحت تلك ~~الجثة في النيل، فوارتها الأثقال في أعماقه. # وكان إسحق بك، إثباتا لصحة كلامه، يرى يدا مقطوعة إبهامها، ويبرز أوراقا تؤيد ~~ترتيب معاش له بعد ذلك، ما فتئ يتناوله لغاية أوائل صيف سنة 1879، إذ ارتقى (محمد ~~توفيق) عرش أبيه، وقطعه عنه. فتحرر بذلك لسانه من عقاله على زعمه، وأصبح يستطيع رواية ~~قصة قتله المفتش العظيم الذي كان مجرد اسمه يرعب القلوب. # 7 # هذا ما رواه إسحق بك، وربما كانت روايته صحيحة فيما يختص بما عمله هو نفسه، ارتكانا ~~على ما أساء فهمه من كلام الأمير حسن، ولكنا نستبعد صدق روايته فيما يتعلق بالمعاش الذي ~~عين له، اللهم إلا إذا كان جزاء لعمل غير إقدامه على قتل المفتش، فإن الملوك قد يكافئون ~~أحيانا أجراما ترتكب إرضاء لهم، ولكنهم إنما يكافئونها بمبلغ يعطونه مرتكبيها، أو ~~بمنصب يرفعونهم إليه، ولم نقرأ أبدا في التاريخ أنهم منحوا من أجرم ليرضيهم مكافأة ~~مستمرة، ما تفتأ قائمة تنم عليهم، وتثير حولهم وتنشر رائحة الجناية المرتكبة. هذا إذا ~~صح التسليم بأن الخديو رضي عن الجرم الذي ارتكبه إسحق بك من تلقاء نفسه، أو اعتبره خدمة ~~أداها ذلك الضابط له، وهو ما لا يستطيع أحد التسليم به بسهولة وخفة، أو بدون أن يدعم ~~تسليمه به بمستندات تاريخية قوية. # وقد اطلعنا لأحد كبار الجالية الغربية بمصر في تلك الأيام على رواية للواقعة كلها، لا ~~نرى بأسا من إيرادها هنا، من باب الفكاهة، لما في أسلوبها من أخذ للنفوس، قال: ~~«حالما وصل الخديو وإسماعيل صديق باشا في العربة إلى باب سراي الجزيرة، نزل الأول ~~مسرعا، ونزل المفتش بعده، فدخل ms670 (إسماعيل) بالسرعة عينها إلى السراي، واجتاز الرحبة، ~~ودخل غرفة أمامه، وأسدل على بابها الستار. # فأراد المفتش اتباعه، ولكن 24 شاويشا تحت قيادة إسحق بك الياور وقفوا دونه وسدوا ~~عليه الطريق، وتقدم إسحق بك منه، وقال له بخشونة: إنه أسيرهم. # فصاح المفتش: «مولاي، مولاي، يقبضون علي، وأنا ضيفك يا أفندينا.» # فلم يجب نداءه أحد، فقال المفتش: «أكان إذا شراكا؟» ولم يبد مقاومة مطلقا، بل سقط ~~في يده، واستكان إلى تصرف الشاويشية فيه. # فقادوه إلى طرف الحجرة التي هو فيها، وأقاموا حوله يحرسونه. # فسأل ضابطهم، والخوف قد انتشر في عينيه: «ما أنتم فاعلون بي؟ ما هي الأوامر؟» فأجابه ~~الضابط: «الأوامر هي أن نقيم عليك حراسا في هذه الحجرة، وأن نعطيك كل ما تحتاج ~~إليه.» # قال إسماعيل: «أشكرك، فأعطني إذا ورقا وحبرا.» ~~- «هذا لا، وأنت تفهم أنه خارج عما قد تحتاج إليه، وماذا تريد أن تفعل بالورق ~~والحبر؟» ~~- «أريد أن أكتب كلمتين توصلهما إلى أفندينا.» ~~- «أفندينا لم يعد هنا، اسمع، ها وقع مركبته يبتعد.» # فأصاخ المفتش سمعه، فتحقق أن المركبة التي أتت به مع مولاه راجعة بالخديو وحده. فعض ~~على أنامله حتى أدماها. # فقال له الضابط: «ألا تريد شيئا آخر؟» فأجاب «كلا.» # وإذا بأغوين دخلا بصينية عليها أكل وشرب، فحول الضابط انتباه المفتش إليها، فيما لو ~~كان جائعا، أو كان يختلج في صدره ظمأ. # ولكن المفتش قال له: «كلا يا إسحق بك، كلا، فأنا أعرف طعام الخديو، وأعرف أنه جيد ~~للغاية فإذا أكل منه امرؤ لا يعود قادرا على أكل غيره، ولست أراني قد بلغت ذلك ~~الحد.» # وكان الخديو قد عاد، في الأثناء، إلى عابدين، وبعد أن سأل عن ولديه حسين وحسن وعن ~~انعقاد المجلس المخصوص، اطلع على سجل أسماء الزائرين، وقال: «إني أقابل اليوم كل من شاء ~~مقابلتي، فلنبدأ بالقناصل، لأني أريد أن أطلعهم بنفسي على الأمر. # فأذن للقناصل، فدخلوا عليه، فروى لهم حكاية المؤامرة التي سعى المفتش إلى عقد عروتها، ~~وقال: «وقد أمرت بإلقاء القبض عليه، ومحاكمته أمام المجلس الخصوصي.» # فلم ms671 يجب القناصل شيئا، لأنهم لم يدروا ماذا يجيبون، وإذا كان كلام الخديو يؤذن ~~بتمثيل رواية مضحكة، أم ينذر بقرب وقوع مأساة دامية. # وفي الساعة الحادية عشرة انعقد المجلس الخصوصي في جلسة وجيزة ساكتة، فعرضت عليه ~~التهمة، وأطلع ولي العهد الأعضاء واحدا فواحدا على الورقة الموقعة من وفد العلماء، ~~فأصدر المجلس حكمه في الحال وبإجماع الأصوات، ما عدا صوت أقل الوزراء المصريين ثروة، ~~بنفي المفتش إلى دنقلا، وسجنه فيها تحت الاحتياط الشديد. # وكان الخديو قد سبق وأنبأ الأستانة بالأمر، وطلب التصريح للمجلس الخصوصي بمحاكمة ~~المتهم، فلما ورد الرد كان المفتش قد صار إلى حيث لم تعد محاكمة أية محكمة أرضية تمسه، ~~بعد نزع مخيف، وآلام موت أدبية ومادية ترتعد لها الفرائص. # فإنه حينما دقت ساعة الظهر، بدأ يشعر أنه قد يضطر إلى تناول طعام، فذهب نحو المائدة ~~التي كانت الصينية عليها، وأخذ زجاجة من الشامبانيا الموضوعة تحت تصرفه، وشرع ينظر ~~إليها ويزنها، كأنه يريد أن يشف الزجاج عن سرها. # فقال أحد الچاويشية لزميله همسا: «ها قد أتى.» # فأجابه الآخر: «أجل، فقد جاء بغيره، خيرا منه، إلى موقفه هذا.» # فسمع المفتش الهمس والإجابة. فاضطرب، وقال ملتفتا إلى الچاويش الثاني: «من أنت؟» ~~فقال الچاويش: «لا تؤاخذني يا سعادة الباشا، فقد افتكرت بأحمد بك الخازندار، ولست تنكر ~~أنه كان خيرا منك، ومع ذلك فسعادتك قد قتلته.» # فارتعدت فرائض المفتش وقال بلهفة: «أنا لم أقتله، هذا كذب، هو الذي قتل نفسه، هو الذي ~~جلب المصيبة لشخصه، بسبب علائقه بحريم أفندينا. # فهز العسكري رأسه هزة غير المصدق، وقال: «أنا أعرف الحكاية كلها، فالخازندار قص علي ~~كل شيء، في هذه القاعة عينها. وا أسفاه أحمد بك، الرجل الطيب القدير، كان قد أنقذ ~~حياتي، وكان فضله علي عميما، ومع ذلك، فأنا المسكين التعس الحظ لم أقدر أعمل شيئا له ~~في ساعة ضيقة وخطرة، وا ويلاه.» # فصمت المفتش ولم يجب، وأحس بأن ذكر الخازندار في موقفه ، والظروف المحيطة به نذير وبال ~~لا محالة، لأنه يذكره، رغم أنفه، بعمل شرير ms672 من أعمال حياته، فزاد ارتعاد فرائصه، ومرت ~~أمام مخيلته الحادثة كما وقعت: # فأحمد بك الخازندار كان رجلا من الأخصاء، حائزا لثقة الخديو ومقربا إليه، ولما كان ~~المفتش يأبى أن يقترب غيره من قلب مولاه، ويشاركه في التعطفات الودية الخديوية، فإن ~~الحسد اتقد في قلبه، وجعله يود، لو استطاع، هدم مركز مزاحمه، بأية وسيلة تكون، فنجم ~~بينه وبين الخازندار نزاع عنيف لم تخف آثاره على أحد. # فحدث، ذات يوم، أن الخازندار بدر منه ما أوجب قيام قرائن حملت (إسماعيل) على الظن ~~بأنه حاد عن جادة الحرص والاحترام في علائقه بالحريم المصون، فحادث بذلك المفتش، ~~فاغتنمها المفتش فرصة موافقة للتخلص من الخازندار، فأوغر صدر (إسماعيل) عليه، ولما تأكد ~~أن الغضب المثار عن الظنون السيئة والكبرياء المجروحة بلغ أشده، وأن ضغط مؤثراته الشديد ~~تغلب على عواطف (إسماعيل) الطيبة في قلبه، أشار على مولاه بإطفاء النيران المتقدة فيه ~~بأن يستعمل الوسائل التي تستعملها الأستانة في مثل هذه الأحوال، ألا وهي السكوت، ~~وزكيبة، وتغطيس قهري تحت أجنحة الظلام في مياه النهر، ففعل، واختفى خبر أحمد بك ~~الخازندار فجأة، دون أن يدري أحد إلى أين كان مصيره. # ولما مرت هذه الحادثة أمام عيني المفتش، وضع يده على جبينه وفكر هل تكون هذه آخرته ~~أيضا؟ وهل يكون نصيب أحمد بك الخازندار نصيبه، هو المشير، هو الكبير بين كبراء الدولة ~~العثمانية؟» # وبينما هو يفكر في ذلك تفكيرا عميقا مضطربا، أقبلت يده على غير تنبه منه، تقلب ~~خاتمه المعلق بسلسلة ذهبية مطوقة عنقه، ومتدلية على صدره، فبصر إسحق بك بذلك الخاتم، ~~وشرع يقترب من المفتش رويدا رويدا. # فلمح المفتش حركته، فأفاق إلى نفسه وأخفى خاتمه في صدره، وقال: «أجل يا إسحق بك، أنا ~~فاهم، أنت تريد أخذ خاتمي، أنت مأمور بأخذ خاتمي مني، حالما يوافيني كوب من هذا الكنياك ~~بسكتة فجائية، لا يزال هذا بعيدا يا صديقي، لا يزال هذا بعيدا.» # ولما كانت الساعة الثالثة بعد الظهر، أتى إلى المفتش مصطفى فهمي باشا، محافظ العاصمة ~~في ذلك العهد - وهو ms673 الذي آلت إليه، فيما بعد، رياسة الوزارة مرتين، وأقام عليها المرة ~~الثانية في عهد (عباس الثاني)، ولورد كرومر، ثلاث عشرة سنة - وأبلغ إسماعيل صديق منطوق ~~حكم المجلس الخصوصي. # فاحتج المفتش احتجاجا عنيفا، (أولا) على صدور الحكم غيابيا، مع أنه كان من ~~الممكن دعوته للدفاع عن نفسه. و(ثانيا) على تعرض المجلس للنظر في قضية ليست من ~~اختصاصاته، لكون المتهم مشيرا عثمانيا، والمحكمة الوحيدة المختصة بالنظر في أمره ~~محكمة الدولة المتبوعة العليا، وأنذر مصطفى باشا بإبلاغ احتجاجه إلى الخديو رسميا، ~~وإلا كان خائنا نحو الباب العالي. # ومع أن مصطفى باشا كان متأثرا جدا، ومتكدرا غاية الكدر من أن وظيفته تحتم عليه ~~عمل ما يعمل، إلا أنه لم يستطع إجابة طلب المفتش، وقال له: «ما الفائدة من ذلك يا باشا؟ ~~أنت تعلم جيدا أن الپاديشاه بعيد، وأن الخديو قريب، فأنى ليد جلالته أن تحميك من يد ~~سموه؟» # فقال المفتش: «لا بأس، جرب يا صديقي، جرب، فإني لست أدافع عن حياتي فقط، بل عن ~~حياتك أيضا، وعن حياة ذات الذين حكموا علي اليوم بدون سماعي، فما قد وقع لي قد يقع ~~لكم، من ذا الذي يوقف الخديو في الطريق الذي أقدم على السير فيه إذا تركتموه ينتهك، في ~~شخصي، حرمة الضمانات الممنوحة لمركزنا، ويدوس على قداسة الحق الذي لنا بأن لا نحاكم ~~إلا أمام الأستانة؟ فإن يكن اليوم دوري، فقد يكون غدا دوركم. لا تقل (كلا) بهزة رأسك ~~هذه، فأنت غلطان. نعم، أنا أقرأ في عينيك الخاطر المتجول في فكرك. أنت تقول (نحن نكون ~~أكبر منك فطنة وحرصا، نحن لن نفعل ما فعلت، لن نتآمر على سلطة الخديو) ألا يا باشا، هل ~~أنت معتقد صحة هذه المؤامرة؟ أنا؟ أنا أتآمر عليه؟ أنا أخامر عليه؟ كلام فارغ! مخابراتي ~~مع العلماء ورجال الدين كانت بإذنه وتصريحه، والله والله وثروتي وأملاكي، بالرغم من كل ~~الظواهر، لم أقتنها بسرقة أموال الحكومة، وإنما اكتسبتها بمضاربات خصوصية، أنا أقسم لك ~~على ذلك يا مصطفى، إذا كان يوجد اختلاس في الأموال ms674 العمومية - كما يقولون - فلست أنا ~~اللص، والخديو يعرف ذلك.» # وكان صوته بتأثير الانفعالات الشديدة المتسلطة عليه، قد علا أكثر مما كان يوافق مصطفى ~~باشا الحريص. فقال له: «هس يا صديق، لا تتكلم هكذا، لا سيما بمثل هذا الصوت العالي، ~~فربما كانت معرفة الخديو نصيب ما تقوله من الصحة هي السبب في أنك صرت إلى الحال التي ~~أنت فيها. تشجع،كل شيء لم يفقد بعد. ليس السفر إلى دنقلا موتا، فقد رأينا من أتى من ~~أبعد من ذلك، وعوضت عليه خسارته المؤقتة أضعاف أضعافها.» # فشخص المفتش إلى مصطفى باشا، كأنه يوبخه على محاولة الضحك عليه مثلما لو كان ولدا ~~صغيرا، وعلى تعليله إياه بأماني ليس لها في نفسه أثر، فلم يستطع مصطفى باشا احتمال ~~اللوم المنبعث عن تلك النظرة، وحول رأسه عن المفتش. # ولما كانت الساعة الخامسة، وصلت الباخرة التي أعدت للسفر بإسماعيل صديق إلى دنقلا، ~~وأخطر أحد الچاويشية المحافظ بذلك. # وما هي إلا لحظة حتى دخل إسحق بك، هو وأجناده - وكانوا قد خرجوا لدى قدوم مصطفى فهمي ~~باشا - وقال للمفتش: «هيا بنا يا باشا»، وأومأ إلى الچاويشية الأربعة والعشرين، فأحاطوا ~~بصديق وقادوه إلى ظهر الباخرة صاغرا، وأنزلوه حالا إلى حجرته، وأوصدوا نوافذها، وتبعه ~~مصطفى فهمي باشا إلى الباخرة بحكم وظيفته. # وبعد أن أقام المفتش في حجرته لحظة، دنا منه چاويش الخازندار، وقال له همسا: «إني ~~متأكد يا سعادة الباشا، إنها هي هي بذاتها.» # فقال المفتش: «ما هي؟» # قال الچاويش: «الباخرة التي حملت الخازندار إلى حيث تعلم، ليس هناك شك، فقد وضع في ~~هذه الحجرة عينها التي أنت فيها، وجلس حيث أنت جالس الآن، بالضبط، فكأني أراه حينما ~~ضاقت به أخلاقه، فعزم على الشرب على صحة أفندينا.» # وكان المفتش، حالما وضع رجله على ظهر الباخرة، أدرك أن أجله حم، وأنه لم يعد في ~~سعته اجتناب كأسه المقدورة، فلم يعد مهتما إلا بالخلاص حالا من الآلام المعنوية التي ~~كانت تعذب روحه. # فلما سمع كلام ذلك الجندي، أبدى حركة من انتهى به التفكير إلى ms675 توطين العزم على حل ~~نهائي، وقال: «أجل، لنفعلن إذا مثله، ولننتهين، فقد مللت النزاع، ولم يعد لي طاقة ~~على احتمال ما أنا محتمل، سأعمل مثلما عمل أحمد بك، يا چاويش، وأشرب أنا أيضا على صحة ~~أفندينا.» # ثم دعا إسحق بك وقال له: «قدم لي ما تريد.» # فأمر إسحق بك فأتى بالصينية، وعليها الطعام والمشروب، فملأ المفتش كوبا شمپانيا - ~~وكان المشروب المفضل لديه - وتجرعه دفعة واحدة. # فلما مرت ساعة بدأ يشعر بالألم، وأحس كأن نارا أخذت ترعى أحشاءه، ولكنه كان خبيرا ~~بالمفعول ودرجته. فقال لمصطفى باشا ضاحكا: «يا عزيزي مصطفى باشا، ماذا قلت لي، منذ ~~لحظة، عن الرجوع من دنقلا؟ أراني لن أرجع منها إلا يوم الحشر.» # فأراد مصطفى باشا أن يقاوم فكرته، ولكن المفتش قال له: «صه، صه، يا مصطفى أنت تعلم، ~~كما أعلم أنا، أن إحدى قدمي قد دخلت القبر، أريد أقول «اللجة» منذ أن تجرعت هذا الكوب، ~~غير أن هؤلاء البهائم قد غلطوا في الكمية التي أمروا بوضعها في الزجاجة، وما جاء منها ~~في الكوب التي تجرعتها منذ ساعة قد يبقيني حيا حتى غدا، وهذا ما لا أريده، فسأشرب، ~~إذا، كوبا ثانيا على صحة الذين سيتبعوني قريبا في هذا السفر الميمون على صحتك يا ~~مصطفى.» # وشرب كأسا أخرى. # ولكن بنيته كانت قوية ومتينة، على ضآلة جسمه، فزادت الكوب الثانية آلامه، ولكنها لم ~~تصعقه، كما كان ينتظر، ودقت الساعة السابعة وهو لا يزال على قيد الحياة. # ولكنه كان قد شرع يتمرغ على أرض الحجرة، ويشهق شهيقا متقطعا، وأما ملك الموت فكان ~~لا يزال واقفا بعيدا، ينظر إليه بتهكم، ولا يدنو منه إلا خطوة خطوة. # وكان مصطفى فهمي باشا، وإسحق بك واقفين في الحجرة يشاهدان ذلك المنظر المفجع، أما ~~الأول فإن اصفرار الموت كان قد علا وجهه كما علا وجه المفتش، وتصبب العرق من جبينه ~~وجسمه كله، ولم يسعه، وشهيق المفتش يتزايد حتى بلغ درجة من الشدة مزعجة للغاية، سوى أن ~~يصم أذنيه، لكيلا يسمعه. # وأما إسحق بك فكان متضجرا ms676 لا يخفي قلة صبره على طول ذلك النزع المخيف. # فلما دقت الساعة الثامنة أسرع ملك الموت نحو الرجل المحتضر، فظهر كأن كل شيء قد ~~انتهى، لأن كل حركة خمدت في المفتش، وتخشب جسمه. # فاقترب إسحق بك منه، لظنه أنه مات، وشرع ينزع السلسلة التي فيها خاتمه. # وكأن المفتش كان ينتظر هذه الحركة لكي لا يفارق هذا العالم إلى الأبد، فأدار رأسه ~~بتشنج فظيع، وفتح فمه وعض، بكيفية افتراسية، يد الجسور الذي أقدم على سلبه قبل أن يبيت ~~جثة هامدة. # فصرخ إسحق بك صرخة عظيمة من شدة الوجع الهائل، وإذا بأسنان المفتش المائتة قد قطعت ~~إبهامه قطعا باتا. # فجن الرجل، وأمر الچاويشية فطوقوا عنق المفتش بحبل، وشدوه، فخنقوه، ثم وضعوا جثته - ~~وهي سخنة بعد - في الزكيبة المملوءة حديدا، المعدة لذلك الغرض، وبعد أن اجتازت السفينة ~~بهم سراي الوالدة جهة القصر العالي، وتجاوزت جزيرة الروضة طرحوها في النيل. # فلما توارت في اللجة، نظر چاويش الخازندار حوله، ثم هتف بتعجب حاد «بالضبط، في المحل ~~عينه الذي طرحت فيه جثة أحمد بك، الله أكبر.» # ثم رست السفينة، جهة مصر العتيقة، بعيد قصر الشمع، ونزل منها مصطفى فهمي باشا، وإسحق ~~بك والأربعة والعشرون چاويشا، وعادوا كلهم إلى مصر فإن مهمتهم كانت قد انتهت. # أما الباخرة فاستمرت في سيرها بنوتيتها إلى دنقلا، كأن الأسير فيها، وأخذت بين حين ~~وحين ترسل برقية تنشرها الجريدة الرسمية بلا خجل، فحواها هو هو دائما: «أن المشير ~~إسماعيل صديق باشا مكب على البكاء والسكر معا، بلا انقطاع.» # وربما استمر ذلك أشهرا وأشهرا، ولكن الباب العالي طلب بعد ثلاثة أسابيع إرسال ~~المفتش إليه ليحاكمه، دون غيره. # ففي الغد نشرت الجريدة الرسمية المذكورة خبر موته، وأن ذلك الموت وقع بدنقلا في 4 ~~ديسمبر سنة 1876.» # وما يدل على أن هذه الرواية، التي سردناها، إنما هي بنت المخيلة أكثر منها بنت ~~الحقيقة، وأن مخيلة صاحبها إنما جادت بها لإشباع رغبته في النيل من (إسماعيل) برمح ~~حاد من وراء ستار، هو ما أخذ الرأي العام يتقول ms677 به من أقاويل، ويرويه من حكايات في ~~أمر زوال نعمة المفتش ومصيره. وأهم ما ليك من تلك الحكايات هو أن المفتش إنما مات في ~~الحقيقة يوم 10 نوفمبر، وأنه مات مقتولا في الليل على ظهر الباخرة التي أعدت لنقله إلى ~~دنقلا، وأن الذي خنقه خصيان أرسلا إليه من سراي الجزيرة، وأنهما طرحا جثته في النهر بعد ~~فراغهما من مأموريتهما الموتية، وأن الباخرة التي اجتازت النيل صعدا إلى دنقلا بنوافذ ~~موصدة ومسمرة، كأنها نعش محمول على سطح المياه، والتي قال نوتيتها للذين قابلوهم - ومن ~~ضمنهم جوردون - أنها تحمل المفتش إلى منفاه، لم تكن في الحقيقة تحمل الوزير لا حيا ~~ولا ميتا. # 8 # على أن المثل القائل: «ليس من دخان بلا نار» ينطبق هنا انطباقا كليا. # نعم، إن الحكومة كذبت الإشاعات والأقاويل تكذيبا رسميا صريحا نشرته في «الوقائع ~~المصرية»، وقالت: «إن الحقيقة هي أن المفتش وصل إلى دنقلا حيا، ولكنه مات هناك من شدة ~~إفراطه في السكر.» وأذاعت - إثباتا لذلك - صورة شهادة طبية بموته حررها بدنقلا عينها ~~طبيب إيطالي، وأطلعت قناصل الدول عليها. # نعم، إنه أشيع في كل مكان وكل ناد أن إحدى نساء المفتش في اليوم ذاته الذي هوى فيه ~~نجمه، تمكنت من المثول بين يدي الخديو، وتوسلت إليه بدموع سخينة أن يبقي على حياة ~~زوجها، فوعدها أفندينا، وعد شرف، بأن المفتش سيحاكم محاكمة عادلة أمام المجلس الخصوصي، ~~وأنه مهما يكن الحكم الذي سيقضي به ذلك المجلس، فإن زوجها لن يعاقب بالإعدام مطلقا، ~~وأنه أرسل في، الوقت عينه، رسولا إلى ابن الرجل ليحمله على الاطمئنان، ومداومة الثقة به. # 9 # ولكن علاوة على أنا نستبعد صحة هذه الإشاعات، فإنا نعلم، من جهة أخرى، علما ~~يقينا، أن (إسماعيل) كان يقول، فيما بعد، للمخلصين من محادثيه الغربيين، لا سيما ~~لموبرلي بل: «إن موت المفتش كان أصبح أمرا لازما لا بد منه.» # 10 # فنستنتج من ذلك أن قصد المجلس الخصوصي من حكم النفي، والسجن الدقيق الذي أصدره ضده ~~إنما كان في الحقيقة الإعدام. # ومتى تقرر ms678 هذا - وهو ما لا شك فيه لدينا - فإنه يصبح سيان عندنا أين وكيف نفذ ذلك ~~الحكم. # ونرانا أميل إلى الاعتقاد بأن مصلحة الدولة - كما فهمها القابضون على زمام الأمور - ~~قضت بنفاذه في أقرب وقت، ولو أنها قضت، من جهة أخرى، بتدبير «فرسة» الباخرة التي تظاهرت ~~بنقل صديق إلى دنقلا، وقابلها جوردون بالقرب من كورسكو، ولما علم من تحمل، وإلى أين، ~~ولماذا، وتذكر أنه حينما أقلع إلى السودان كان إسماعيل صديق باشا الوزير القدير، صاحب ~~التحكم المطلق في الشئون المصرية، أغرق في التفكير في أن مجد هذا العالم باطل، وأنه ~~سريع الزوال. # والذي يزيل كل شك من اعتقادنا في أن قصد المجلس الخصوصي من حكمه إنما كان الإعدام هو ~~أولا ما نعلمه من أن المفتش إن لم يتآمر على الخديو في مسألة الدين المطلوب للأجانب، ~~فقد خامر حقيقة على قتله. نأخذ ذلك مما رواه الأمير محمد توفيق نفسه للمستر بتلر، أستاذ ~~ولديه الأميرين عباس ومحمد علي، قال: «ما فتئ والدي يسيء الظن بي، ويسيء معاملتي إلى ~~درجة أن أحد وزرائه - ولم يكن أرفعهم شأنا - تطاول علي ذات يوم إلى حد امتهاني، ~~وتهديدي بأن والدي قد يبعث بي إلى السودان إن لم يجد مني زيادة إقبال على مساعدته في ~~مشروعاته الرامية إلى توسيع نطاق المدينة الغربية في القطر، فأجبته: «إن الخديو أبي ~~وولي نعمتي، فإن شاء فله أن يبعث بي حيثما يريد، ولو إلى أقاصي السودان، بل له أن يأمر ~~بطرحي في النيل، وما أنا إلا بممتثل لأوامره بكل خضوع.» غير أن بعض أهل البلاط كانوا ~~يعتقدون أن تلك المعاملة قد أقرحت قلبي، وجعلتني أتمنى في صميمي أن تسرع الأيام نحوي ~~بالعرش، فعرض علي وزير آخر من وزراء أبي - ولعله كان أقربهم إلى قلبه - بكتابات مرتين ~~أن يعمل على تغريقه في ميناء الإسكندرية لدى عودته إليها من الأستانة، فيما لو وافقت ~~على ذلك، فأبيت باشمئزاز. وقد أطلعت والدي، فيما بعد، على تلك الكتابات، فعانقني ~~طويلا، والدموع ملء عينيه، وقال لي: «لقد كنت ms679 مغشوشا فيك يا بني، وأعتقد أنك تخامر ~~علي فاصفح عما مضى.» # 11 # فأي وزير من وزراء (إسماعيل) - غير المفتش - كان يستطيع أن يعرض على الأمير محمد ~~توفيق ارتكاب مثل تلك الخيانة؟ في خلد أي منهم - إلا خلد المفتش - كان يمكن أن يقع فكر ~~الإقدام على ذلك النكر بتلك الجسارة؟ فأخلاق شريف ونوبار أعلا من أن تسمح بتطرق الريب ~~إليهما، علاوة على أن أولهما كان أبعد الناس عن كل ما ينافي الصراحة والإخلاص، وأن ~~ثانيهما كان لا ينفك متغيبا عن القطر في مهماته الخارجية. وأما رياض فلم تأت الأيام ~~به إلى هذا المستوى إلا في سنوات (إسماعيل) الأخيرة، فيبعد عن الظن أنه يجسر، وهو يطمع ~~في التقدم، على مراودة (توفيق) على عمل من شأنه خسف الأرض به خسفا، فيما لو أبى ~~(توفيق) - كما كان المنتظر من شاب تقي مثله - موافقته عليه، بعكس المفتش فإنه - إن أفشى ~~(توفيق) سره - كان له من قربه إلى قلب (إسماعيل) قربا شديدا، ومن مركزه السني في ~~دولته ألف مكذب لمزاعم ولي العهد. # ولئن لم يعلن (إسماعيل) مخامرة المفتش على حياته، وينشر كتب ذلك الوزير إلى ولي ~~العهد، فلأنه لم يكن يوافقه مطلقا - والأفكار حوله مضطربة، وجمال الدين الأفغاني ينشر ~~تعاليمه النارية بين طلبة الأزهر، والبابية تقيم البطاح والجبال وتقعدها، والثورة في ~~الأستانة قد ذهبت بعرش عبد العزيز وحياته، وبعرش مراد خليفته وحريته - لم يكن يوافقه ~~مطلقا أن يقف الملأ المصري على تلك المخامرة، وأن تنفتح الأذهان إلى أن أقرب الناس إلى ~~الخديو، وأحب وزرائه لديه تآمر هو نفسه على قتله. # والأمر الثاني الذي يحملنا على الاعتقاد الثابت بأن قصد المجلس الخصوصي من حكمه ~~بالنفي والسجن على المفتش إنما كان بإعدامه - بالرغم من أن الحكومة ألقت القبض على كل ~~من كان في إمكانه، من خدم إسماعيل صديق وحشمه، أن يروي روايات ويذيع إشاعات عنه، وبلغ ~~عدد المقبوض عليهم مائة شخص تقريبا، وأنها نفتهم نفيا إداريا إلى مصوع عيانا ~~وجهارا، (ولا نعلم أوصلوا إليها أم لم يصلوا، لأن ms680 أخبارهم انقطعت، منذ أن بارحوا ~~القاهرة، وألسنتهم عقلت إلى الأبد) # 12 ~~- هو أنه تلا تنفيذ الحكم عليه تعيين مندوبية لتقوم عقارات المفتش، ~~ومجوهراته، ومنقولاته، وأسهمه، وأوراقه المالية، وجواريه، لبيعها بالمزاد. # أما العقارات فكانت نيفا وثلاثين ألف فدان من أخصب الأطيان العشورية، وثلاثة قصور ~~فخمة في القاهرة، عدا قصر بديع على ضفاف المحمودية، وكلها مؤثثة ومفروشة بأفخر الأثاث ~~والرياش. # وأما المجوهرات فكانت قيمتها تزيد على ستمائة وخمسين ألف جنيه إنجليزي. # وأما الأسهم والأوراق المالية فكان ثمنها يربو على نصف مليون من الجنيهات. وأما ~~الجواري فكن يزدن على سبعمائة ما بين حورية شركسية بيضاء، ذات ثمن يفوق كل تقدير، ~~وخمرية مسكرة، وسمراء غانجة، وحبشية شعرية، ذات أعين بقرية، وبرنزية موشومة، ذات نهود ~~سفرجلية، وسودانية فحماء، متقدة الدم الهائج. # ولكن المندوبية قدرت تلك الثروة كلها تقديرا إجماليا، بولغ في الميل به إلى جهة ~~البخس، بمبلغ يقرب من ثلاثة ملايين من الجنيهات، مقابل دين يقرب من مائتي ألف ~~جنيه. # أما الجواري فاختير أجملهن خلقا، وأخفهن دما، وأمهرهن صناعة، وأدخلن ضمن الحريم ~~الخديوي، أو أهدين إلى كبار ضباط الجيش، وكبار رجال الدولة، إما لكي تقع نطقة من دم ~~صديق على كل منهم، وإما - وهو الأقرب إلى المعقول - لكيلا يفوت البغاث شيء من فضلات ~~النسر، والباقيات بيعت إلى من شاء مشتراهن من الأفراد والنخاسين. # ثم أقيم مزاد في سراي المفتش بالإسماعيلية؛ لبيع الرياش والمجوهرات، فكأنما أعيدت في ~~القاهرة عينها أيام الأسبوع الذي تلا موت العاضد لدين الله الفاطمي إذ فرق صلاح الدين ~~الأيوبي بين كبار رجال جنديته ودولته الجديدة متاع الخلافة الفاطمية، وجواري الخليفة ~~المتوفى. # والفارق الوحيد بين الأسبوعين هو أن البائع هناك كان الوزير الفائز، والمبيعة أمتعته ~~ونساؤه العاهل المذلول - وهو ما خولفت فيه النظامات الاجتماعية العادية، ومجاري الأمور ~~السياسية اليومية - وأما هنا، فإن البائع كان المليك القاهر، والمبيعة أمتعته ونساؤه ~~الوزير المقهور - وهو الجاري، عادة، بين بني الإنسان. # وكان المستر إدون دي ليون قنصل الولايات المتحدة العام، الحديث التعيين، لدى حكومة ~~سمو الخديو، قد ms681 وصل إلى العاصمة بعيد نكبة المفتش، فأراد أن يغتنم فرصة البيع السائر، ~~ويزور سرايات ذلك الوزير المشهور، عقب إعلان بيع منقولاته وممتلكاته، سدادا للديون ~~المطلوبة لدائنيه، وذلك لكي يتأكد بعينيه صدق ما كان يروى عن ثروة المفتش الفائقة حد ~~التصور وإسرافه. # وهاك ترجمة ما دبجه يراعه الفصيح في هذا الموضوع: ~~«إن وولسي، صاحب قصر همپتن كورت، الذي اعتبره الملك (هال) السمين أكبر مما يصح لأحد ~~رعاياه امتلاكه # 13 # يكاد يكون شيئا لا يذكر إذا ما قورن بهذا اللص، الذي سرق ما لم يسرقه ~~ملوك، والذي - مع أنه نبت من عشة وحل حقيرة على ضفاف النيل - بلغ في أقل من عشر سنوات ~~ما امتلك بمقتضاه قصورا ومجوهرات ونساء وجوار أكثر مما كان يستطيع سليمان في كل مجده ~~أن يفتخر بامتلاكه من هذا جميعه. # فسراياته الثلاث في حي الإسماعيلية عبارة عن مجموعات مبان، منفصل بعضها عن بعض، يحيط ~~بها كلها سور شاهق، وتغطي البساتين والحدائق التابعة لها مساحة من الأرض قد لا تقل عن ~~مساحة الأرض التي عليها الأهرام الثلاثة، وهي كلها مبنية ومنقوشة على الطراز الفرنسي ~~الحديث، بدون مبالاة بما قد تبلغ التكاليف. وإذا أراد الإنسان أن يتفرج عليها كلها، وهو ~~مستمر على المشي بدون انقطاع، فلا يكفيه صباح برمته. # ولا شك في أن الأبسطة والستائر والرياش والنقوش كلفت مبالغ تتعب التصور، لأن الذي ~~يظهر للمتفرج هو أن صاحبها أطلق اليد للمنجدين في الصرف كما يشاءون، ويقال إن ألوف ~~الحجر في تلك السرايات تحوي كلها رياشا فاخرا سنيا، ومن طراز واحد فخم، وإن الذهب ~~واللألأة يسطعان على ذلك جميعه، فيبهران الأعين. # كل ستائر الشبابيك من القطيفة الفاخرة جدا، وتختلف ألوانها بكيفية محسوسة من ~~الشوكولاطة إلى الأصفر والسنجابي، والكراسي والأرائك في كل حجرة مكسوة بالقطيفة ذاتها ~~ومن لونها على الطريقة الفرنساوية. # على أن عدد الأرائك كان قليلا، ولم يكن يوجد منها إلا في بعض الحجر المعدة لاستقبال ~~أصدقاء الوزير من أولاد البلد. # أما الميزة الجلية فهي أن لون كل حجرة كان يتظلل ms682 بلون الحجرة التالية من الأسود إلى ~~الفاتح، وبالجمع ما بين عموم ألوان قوس قزح. وكان التفنن في ذلك عجيبا، حتى إن ألوان ~~ذات السدول على الأبواب، والستائر الثقيلة على الشبابيك كانت مندمجة في بعضها بالكيفية ~~عينها. # ففي هذا الوسط الفخم كان يتربع ذلك الفلاح العديم التربية، الذي لم يكن يفقه شيئا ~~سوى السرقة والنهب، وتحيط به أزواجه ونساؤه. # أما الأزواج، فما بين شرعيات وسراري، فكن ستا وثلاثين، وكان لكل واحدة منهن ست ~~جواري بيض، وجم غفير من الجواري السود مخصصات لخدمتها، بحيث كان عدد الساكنات داخل تلك ~~القصور الثلاثة، المجموعات هناك، لترتاح إلى التمتع بهن كبرياء ذلك الفلاح الحقير، ~~وشهواته الحيوانية، يوازي عدد سكان قرية صغيرة. # وما أكثر القصص التي أخذت الألسنة ترويها بعد سقوطه عن قسوته، وفساد أخلاقه، وتباريح ~~شهواته - وهي قصص لم يكن ليهمس بها قبل نكبته إلا الجسورون - وكان الكل متفقا على أنه ~~استحق، عن جدارة، المصاب المخيف الذي حل به، بما جنت يداه من آثام وجرائم، ولو أنه لم ~~يصدق أحد أنه نكب بسبب المؤامرة التي أذاعتها الدوائر الرسمية، ورأى الكل أنه إنما نكب ~~لضرورة دولية قاسية كضيق القبر. # فلما دخلنا السراي الأولى كان البيع بالمزاد سائرا، بنشاط وهمة، في وسط بابل من ~~الاختباط والاختلاط، في قاعة الاستقبال العظمى المكتظة بأناس من جميع الأجناس والألوان. ~~وفي وسط هذا الجمهور المتنوع الأشكال كان يتجول نفر من الأرقاء، من بيض وسود، بصواني ~~ملأى مجوهرات، وعلب كبيرة تشتمل على حلي نسائية من كل صنف ووصف، من الأحزمة الذهبية ~~المرصعة بالماس، البالغ ثمن الواحد منها سبعة آلاف جنيه، إلى المصوغات الرخيصة الأكثر ~~تداولا بين يدي الاستعمال، وكانوا يقدمونها، ويبيحون التفرج عليها للجمهور، ~~فيتداولونها من يد إلى يد بدون أقل اعتناء، بينما كان حاملوها ينادون بأعلى أصواتهم ~~الأثمان المعطاة للأشياء السابق عرضها، فإذا شاء أحد المزايدة، فإن كاتبا كان يقيد في ~~الحال اسمه وعطاءه، وعند الفراغ من المزاد، في آخر النهار، كان يقيد جميع المزادات، ثم ~~تسلم الأشياء إلى من رسا ms683 مزادها عليه، إذا وافق الثمن المعطى من الشخص المنوط به أمر ~~التصفية. # وقد قيل لي إن المبيعات كانت تأتي بأثمان غالية إما لأن الشرقيين يميلون إلى وضع ~~نقودهم في مثل هذه المجوهرات، وإما لأنهم كانوا يخصمون 50٪ من الثمن لدائني المفتش، ~~ولأن معظم هؤلاء الدائنين كانوا ممن يرون أن نصف رغيف خير من لا رغيف مطلقا. # ولا شك في أن المبدأ الشرقي القديم الذي يحيط الحريم بحجاب من القداسة لا يجوز ~~تجاوزه، قد انتهك في هذه الظروف، لأنه من البديهي أن تلك المجوهرات كانت جزءا من ~~المسلوب من زوجات هذا السرداناپال # 14 # المصري ونسائه. فليت شعري ما الذي حل بصاحباتها البيضاء والسمراء؟ المظنون ~~أنهن مزجن في هيئات أخرى من نوع التي كن فيها، ولكن هل كان ذلك بطريق البيع أم بطريق ~~الهبة؟ ليس من يعلم، وليس من يهمه علم ذلك. # فيا لخفة وزن التقدير البشري. # ولئن بلغ من ذوق المفتش في اختيار الحوريات ما بلغ منه في انتخاب المجوهرات فإنه كان ~~إذا حائزا لجوقة ملائك في خدمته، مؤلفة من جميع الأجناس. # ومع أنه لم يكن في شخصه سوى ابن فلاح من الطبقة الحقيرة، وقذر البزة على ما كان يصفه ~~عارفوه، فإن التباين بينه وبين المظاهر المحيطة به كان لا مشاحة آخذا بالألباب. # ثم مررنا من القاعة التي كانت تباع المجوهرات فيها إلى مخادع أخرى، أو بالحري إلى ~~سلسلة مخادع (بلوكات)، فرأينا خوانات مغطاة بالآنية الذهبية والفضية، من شغل الشرق ومن ~~شغل الغرب، فإن ذلك الفلاح الرغد عيشه لم يعد يوافقه أن يخدم إلا بالأواني المصنوعة من ~~هذين المعدنين الثمينين وذات الأباريق والطسوت المستعملة لغسيل يديه وأيدي ضيوفه كانت ~~من الفضة الخالصة. ولا نبالغ إذا قلنا إن قيمة عدة آلاف من الجنيهات كانت مطروحة على ~~خوانات إحدى تلك الحجر فقط. # وكانت السراي الأولى ملأى أرائك، ولست أشك في أنها كانت معدة لنساء المفتش أو ضيوفه ~~لأن مظهر الرجل في النهار - على قول معارفه - كان مظهر رجل نام في الليل على أريكة ~~بملابسه. ms684 # أما البساتين الممتدة أمام السرايات الثلاث فواسعة وجميلة للغاية، ولا مشاحة في أن ~~ثمن كل هذه العقارات رفيع جدا، ولكنهم ماذا عساهم يصنعون بهذه المباني الضخمة المكتظة ~~بالرياش والستور، والتي لا قيمة لها بدونها؟ # يقول بعضهم إنهم قد يحولونها إلى مصالح عمومية، ولكنهم لو حولوها إلى مستشفيات لكان ~~ذلك أحسن، على ما أظن، لأنها في منتهى الموافقة لهذا الغرض، لولا أن نقوشها وزينتها ~~زائدة عما يلزم. # أما الآن، فهذه المباني هي الأثر الوحيد الباقي للرجل الذي حكم مصر ثماني سنوات بعصى ~~من حديد، ثم مات في النهاية موت كلب مسعور. # ورأينا ابن المفتش جالسا بهدوء في إحدى الغرف كأنه يلاحظ سير المزاد، ويقدم القهوة ~~لأصدقائه، كأنه لا يزال سيد البيت، لا إحدى ضحايا الكارثة التي ذهبت بأبيه، وأصابت كل ~~ما كان مرتبطا به إما من جهة الدم، أو من جهة المصلحة مع أنه لم يصب في ثروته فقط، ~~وفي جميع أمنياته في المستقبل، بل انتزعت زوجه منه أيضا، لأنه أجبر على طلاقها حالا ~~بعد سقوط أبيه. وبالرغم من ذلك فإنه كان جالسا هناك، والابتهاج وعدم الاهتمام منتشران ~~في الظاهر على وجهه، كأن دعجاء أسرته، إنما هي فصل تمثيل ساكت من التمثيلات المعتاد ~~إقامتها في بلاد الغرب في عيد ميلاد المسيح، وكأنه هو أحد المتفرجين على ذلك التمثيل، ~~لا اللاعبين فيه. ولست أشك في أن الأوروبيين قد يستطيعون وعظ الغير على التلبس بفلسفة ~~عملية كهذه، ولكنهم لا يستطيعون التلبس بها، هم أنفسهم.» # 15 # ومع أنه لا سبيل إلى الشك في أن المفتش إنما استحق استحقاقا تاما الجزاء الذي حل ~~به، إلا أنه قد وجد من المؤرخين من آخذ (إسماعيل) على أخذه ذلك الوزير أخذ عزيز مقتدر، ~~وعد إنقاذه القطر المصري من قبضته الفظيعة، حالما اتضحت له حقيقة تصرفاته ونياته، ~~جرما ارتكبه هذا الخديو. # وقد وجد من الغربيين القاطنين مصر، في ذلك العهد، من أول عمل الخديو تأويلا، مفاده ~~أن (إسماعيل) حينما رأى جوشن وچوبير معضدين من وزارتي خارجيتهما، وأنه لا طاقة ms685 له على ~~مقاومتهما، ظن أنه بتضحيته (صديقا) لهما، يرضيهما ويحوز ثقتهما، فأقدم على تضحيته، لا ~~سيما أنه بإعدامه إياه إنما أعدم عاملا كانت مجموعة معارفه تجعله خطرا للغاية، وبات ~~نفوذه عليه ثقيلا على نفسه. # على أن هذا لم يكن رأي السير ڨيڨين، القنصل البريطاني العام في تلك الأيام بمصر، فإنه ~~أبلغ النبأ إلى الوزارة البريطانية هكذا: # حدثت البارحة بمصر حادثة فاجعة من الحوادث الخاصة بالحياة والتاريخ الشرقيين، ~~فقد وافاني وزير الخارجية بنبأ مؤداه: أن وزير المالية قد ألقي القبض عليه ~~وسجن بتهمة إثارة فتنة في الرأي العام، وتدبير مؤامرة ضد الخديو، وتصويره أمام ~~الملأ في صورة الرجل المسئول وحده دون غيره عن المصائب والبلايا المحيقة بمصر، ~~والسارق ثروة البلاد بالاتفاق مع الأوروبيين. # على أنه قد لا يعرف أبدا إلى أي حد أساء الوزير المعزول استعمال الثقة ~~الموضوعة فيه، وكم خان فيما اؤتمن عليه من الأمور الهامة، وما مقدار ما تألمت ~~به مصر من قلة ذمته، وسوء إدارته وتصرفه. # وبما أنه كان أكبر حجر عثرة في سبيل كل إصلاح مالي أو إداري فلا مشاحة في أن ~~سقوطه، كيفما وقع، لا يمكن أن يعتبر إلا مصلحة عامة كبرى، وخيرا ~~عميما. # | الجزء السادس # التنازع على البقاء # الفصل الأول # | تعقد حلقات الضيق1 # عياش إنك للئيم وإنني # مذ صرت موضع مطلبي للئيم # حبيب # ومن المؤكد أن سقوط المفتش كان بدء عصر جديد لمصر، ولكنه كان في الوقت نفسه فاتحة ~~ويلات على الخديو، ومدخلا إلى صعوبات قوية، جعلت أيام خديويته التالية تنازعا عنيفا ~~على البقاء. # فما كاد النيل يجمع مياهه على جثة الوزير الملقاة فيه إلا وصدر مرسوم خديوي في 18 ~~نوفمبر سنة 1876 أشعر الملأ بفوز جوشن وچوبير، وانصياع (إسماعيل) إلى آرائهما، وإلى ~~رغائب وزارتي الخارجيتين الإنجليزية والفرنساوية، المعضدتين طلبات أصحاب الديون. # ذلك المرسوم نص على ما يأتي: # إن الأقراض المعقودة سنة 1864 وسنة 1865 وسنة 1867 لما لم يكن مركز الخديو ~~المالي مضطربا اضطرابه الخطير التالي، والبالغ قدرها 4293000 جنيه، تستبعد من ~~الدين الموحد ms686 الذي أدخلها فيه مرسوم 7 مايو الماضي، وتجعل موضوع اتفاق خاص ~~بها. # وتستبعد كذلك من الدين الموحد أقراض الدائرة السنية، وديونها البالغ قدرها 8 ~~ملايين و815 ألف جنيه - وكان مرسوم 7 مايو أدخلها فيه أيضا - وتجعل بالمثل ~~موضوع اتفاق جديد خاص بها. وما بقي من الدين المصري يقسم إلى قسمين: الدين ~~الممتاز، وقدره 17 مليونا من الجنيهات، تتقاضى عليه فوائد سعرها 5٪ سنويا، ~~والدين الموحد، وقدره 59 مليونا، تتقاضى عليه فوائد سعرها الإجمالي 7٪ ~~سنويا. # وكان الخديو، وكل الواقفين على حقيقة ثروة البلاد يودون جعل الفوائد كلها ~~بسعر 5٪، ودافعوا لينالوا ذلك دفاعا قويا، ولكن الدوائر الرسمية بإنجلترا ~~وفرنسا، بواسطة القنصلين البريطاني والفرنساوي بالعاصمة المصرية أبت إلا أن ~~تجعل سعر الفوائد على الدين الموحد 7٪ سنويا، إرضاء لأطماع حملة الأسهم، فضحت ~~بذلك الفلاح المصري، ولم تفد الديون فائدة حقيقية، لأنها خالفت المثل العامي ~~القائل «خشكار دائم، ولا علامة مقطوعة.» # وقضى ذلك المرسوم أيضا: # أولا: # بتعيين مراقبين عامين للمالية المصرية، أحدهما بريطاني، والآخر ~~فرنساوي، الأول لمراقبة عامة الإيرادات، وملاحظة دفعها إلى الجهات ~~المعينة لها، والثاني لمراقبة عامة المصروفات، ومنع إنفاق أي شيء منها ~~من أية جهة، أو مصلحة تكون بدون توقيعه. هذان المراقبان يكونان مع ~~وزير المالية لجنة مالية عليا تراقب جميع الاتفاقات التي توجب إنفاقا ~~يزيد على واحد من اثني عشر جزءا من الميزانية السنوية، أو يستلزم ~~صرفا في أكثر من سنة واحدة. # ثانيا: # بتعيين مندوبية للدين العام، مؤلفة من أجانب تعرض حكوماتهم أسماءهم ~~على الحكومة المصرية، وتنحصر مهمتهم في استلام إيرادات الجهات المرهونة ~~ضمانة لسداد أقساط الدين السنوية من يدي مراقب الإيرادات العام، ~~وتسليمها لبنكي إنجلترا وفرنسا، واتخاذ الاحتياطات والإجراءات اللازمة ~~لاستهلاك ذلك الدين. # ثالثا: # بتعيين مندوبية أخرى لإدارة مصلحتي السكك الحديدية وميناء ~~الإسكندرية، مؤلفة من مصريين وفرنساوي وإنجليزيين، تحت رياسة أحد ~~العضوين الإنجليزيين، وتنحصر مهمتهما - علاوة على الأشغال الإدارية - ~~في تسليم إيراد هاتين المصلحتين إلى مندوبي الدين العام. # فعملا بهذه النصوص عينت فرنسا البارون دي مالاريه مراقبا عاما فرنساويا، ~~والمسيو دي پلينيير ms687 مندوبا فرنساويا لصندوق الدين، وأبقت النمسا وإيطاليا مندوبيهما ~~السابق تعيينهما، وهما الهرفون كريمر، والسنيور بارڨلي، وأما الحكومة الإنجليزية فأبت ~~تعيين المراقب العام، والمندوب البريطاني لصندوق الدين بنفسها، فطلب الخديو من المستر ~~جوشن إرشاده إلى من يصلح تعيينه، فأرشده إلى المستر دي رومين للمراقبة، والميچر بيرنج ~~للمندوبية، فعينهما، وعين الجنرال مريوت الإنجليزي مديرا للسكك الحديدية وميناء ~~الإسكندرية، فكان هو المندوبية كلها، لأنه لم يعين معه أحد خلافه. # فلما تمت هذه التعيينات، أخطرت الحكومة البريطانية الخديو بأنها لا تقبل أية مسئولية ~~تنجم عنها، ولا تعترض على أي تعيين منها. # فاستلم الموظفون الأوروبيون المعينون هكذا مهام الوظائف التي عهد بها إليهم، ولكي ~~يتمكن المستر رومين، المراقب البريطاني، من ضبط أعماله، اصطحب معه المستر چرلد فتزجرلد، ~~أحد موظفي حكومة الهند، لترأس إدارة الحسابات المصرية، لأنها كانت في حالة من الفوضى ~~يصعب تصورها، ويستحيل معها إتمام أي إصلاح مالي أو إداري. # يتضح مما تقدم أن فوز المستر جوشن والمسيو چوبير تكيف بشكلين مختلفين أحدهما مالي ~~بحت، والآخر إداري بحت. # فالمالي البحت، لم يكن يختلف كثيرا عن المشروع الفرنساوي الذي قامت له الدوائر ~~المالية بلندرا وقعدت، وليس لتقديره حق قدره خير من وضع جدول هنا نفصل فيه المبالغ التي ~~استلمتها الحكومة المصرية حقيقة من دائنيها، إزاء المبالغ التي وضع مشروع جوشن وچوبير ~~قيدها الثقيل على عواهن البلاد، بالرغم مما كان قد سدد منها إلى ذلك اليوم. # ومجرد الاطلاع عليه يكفي ليقنع من كانت عينه مجردة من القذى أن الرجلين لم يضعا نصب ~~عينهما، في مشروعهما، سوى ضمانة كل الأرباح الجائرة للمرابين الغربيين الذين انتدبوهما ~~دون مبالاة بأبسط مبادئ الإنصاف، ودون التفات إلى أن الفلاح المصري، المقدم دمه لإرواء ~~عطش أولئك المرابين، لم ينتفع إلا بالجزء اليسير من تلك الأموال التي اقترضها حكامه، ~~وها هو ذلك الجدول: # تاريخ القرض # المعقود باسمه القرض # الاسمي # المدفوع حقيقة # جنيه # جنيه # سنة 1862 # فروهلنج وجوشن # 3293000 # 2640000 # سنة 1864 # فروهلنج وجوشن # 5704000 # 4864000 # سنة 1865 # الأنجلواچپشن بنك # 3387000 # 2750000 # سنة 1866 ms688 # فروهلنج وجوشن # 3000000 # 2640000 # سنة 1867 # البنك السلطاني العثماني # 2080000 # 1700000 # سنة 1868 # أوپنهايم وشركائه # 11890000 # 7193000 # سنة 1870 # بيشو ڨشهيم # 7143000 # 5000000 # سنة 1873 # أوپنهايم وشركائه # 32000000 # 17000000 # الجملة # 68497000 # 43787000 # ويتضح من البيانات المقدمة من وزارة المالية المصرية إلى المستر كيڨ والتي تحقق هذا ~~المندوب من صحتها، بمراجعتها على المستندات المرفقة بها، أن الحكومة المصرية كانت، ~~لغاية سنة 1875، قد دفعت على هذا المبلغ فوائد، فقط، قدرها مبلغ 29570994 ~~جنيها. # ومع ذلك فمشروع جوشن وچوبير أضاف إلى تلك الديون الاسمية الدين السائر برمته، ودين ~~الدائرة السنية السائر أيضا، وربط بذلك على عواتق فلاحي مصر، سداد مبلغ إجمالي قدره ~~خمسة وثمانون مليونا من الجنيهات. # وأما شكل هذا المشروع الإداري فإنه وضع بجانب الحكومة المصرية زمرة رجال غربيين، ~~قلدوا سلطة واسعة، لم يسبق لغربيين غيرهم تقلد مثلها بمصر، وكانوا على أخلاق وكفاءة لم ~~يعهدها أحد في الغربيين الآخرين الذين بليت البلاد بهم، لغاية ذلك الحين، وجلبوا على ~~أوروبا بسوء تصرفاتهم وفساد سيرتهم سخط المصريين العام واحتقارهم. # ولو استطاعت الحكومة المصرية تقدير كفاءاتهم ونياتهم حق قدرها، وأقدمت على العمل ~~معهم، يدا بيد بذكاء وإخلاص، فلا شك في أن كثيرا من الشر التالي كان قد منع، وأن تدرج ~~البلاد في معارج الرقي والحضارة كان اتخذ شكلا طبيعيا هينا، وتم بكيفية ~~مرضية. # ولكن سوابق الغربيين الفاسدي الأخلاق والعديمي الكفاءة، الذين تقلدوا وظائف الحكومة ~~المصرية قبلهم، حالت بما أوجبته من احتقار وضياع ثقة دون تقدير أولي الأمر الفرصة ~~الجديدة التي جادت بها الأيام عليهم، فتركوها تمر، ولم يغتنموها. # فنجم عن ذلك أن أولئك الموظفين أنفسهم، لما تبين لهم أن الحكومة المحلية إنما تحتملهم ~~على غير صبر مجرد احتمال، وأنها لولا خشية الارتباكات الخارجية لأطرحتهم جانبا، وأنها ~~تعتبر قيامهم بواجبات وظائفهم، قياما حسنا، افتياتا على حقوقها، لا تستطيع عليه ~~صبرا، وأنها بالتالي تعمل في الخفاء على معاكستهم، وتخييب الإجراءات التي يتخذونها، لم ~~يروا بدا من مقاومتها، والانصراف بوجوههم عنها إلى مجرد مراعاة مصالح دائنيها. # فأدى ذلك ms689 إلى شد حبل الأمور من جهة ومن أخرى، واضطرابه، واختلاله اختلالا عميما، ~~فإلى أزمات توالت وتعاقبت بشدة متناهية، فإلى نزاع عنيف بين الدول الأوروبية المدافعة ~~عن حقوق المرابين، وسمو الخديو المدافع عن حقوقه الموورثة، فإلى تغلب تلك الدول عليه ، ~~لا بقوة الحجة التي تدرعت بها فقط، بل بقوة هيبتها ونفوذها. # ومن جهة أخرى، فإن الظروف، غير العادية، التي أدت إلى تعيين أولئك الموظفين، كان من ~~شأنها أن تخلق، حتما، بينهم وبين الحكومة سوء التفاهم والمنافسة، حتى لو رغب كل من ~~الطرفين رغبة صادقة في حسن التفاهم والمحاسنة، كما أنه كان من شأنها، حتما أن تحول عن ~~أولئك الموظفين قلوب المصريين، وتملأها سخطا عليهم. # وذلك لأن القصد من تعيين أولئك الموظفين لم يكن مجرد مصلحة الحكومة بتنظيم إدارتها ~~وماليتها، ولا مجرد مصلحة الرعية بوضع أزمة أمورها بين يدي حكومة منظمة ساهرة على ~~مصالحها، بل قصد من تعيينهم مجرد مصلحة الدائنين المرابين الأجانب. # فكانت الحكومة مضطرة بطبيعة الحال إلى اعتبار الخلل خير نظام لها، لأنه يمكنها من أن ~~تحول إلى جيبها النقود التي كان أولئك المرابون يشتهون إنشاب مخالبهم في صررها. # وكان الموظفون الغربيون مضطرين بطبيعة الحال أيضا إلى إرهاق الفلاح المصري لكي ~~يتمكنوا من جمع المبالغ اللازمة لسداد استحقاقات الفوائد المطلوبة لأولئك ~~المرابين. # فكان لا بد إذا للفلاحين من أن يعتبروهم خلفاء المفتش، ويحولوا كراهتهم لذلك الوزير ~~إليهم، مزكاة بأن هؤلاء الخلفاء ليسوا أجانب فقط، بل وغير مسلمين. # وظهر كل هذا جليا مذ شرع في تنفيذ ما قضت به نصوص المرسوم الصادر في 18 نوفمبر، ~~البادي ذكره. # فالحكومة، من جهة، رأت أن معظم إيرادات البلاد قد تحول إلى صندوق الدين لسداد ~~المرابين، ودفع فوائد أسهم شركة السويس للحكومة البريطانية، ودفع الجزية السنوية ~~للحكومة العثمانية، وأنه لم يعد بين يديها للصرف على إدارة البلاد سوى ما لا يزيد عن ~~مليون جنيه، إلا قليلا، من مجموع قدره نيف وتسعة ملايين ونصف من الجنيهات، وإنها أصبحت ~~لا تستطيع - والحالة هذه - القيام بالشئون العمومية، إلا ms690 إذا احتالت على ذلك ~~احتيالا. # ولم تكن تستطيع الاحتيال إلا بكيفيتين: (الأولى) بعدم دفع مرتبات موظفيها ومستخدميها، ~~و(الثانية) بالعمل على تحويل ما يمكنها تحويله من الإيرادات العامة إلى صندوقها الخاص. ~~ولما لم يكن لها بد من ركوب أي مركب خشن تضعه الظروف تحت تصرفها، أقدمت عليها بدون ~~مبالاة، بالرغم من الأخطار المخيفة المحدقة بها. # فعاد بؤس أيام (سعيد) الأخيرة من جهة إلى التخييم على مصالح الحكومة، وأخذت الشهور ~~تلي الشهور وكل من في الخدمة الأميرية لا يتعاطى مرتبا، فيتضور ضيقا وجوعا، أو ينصب ~~على عيشته نصبا، ويكدس على رأسه الديون تكديسا. # ووقع الموظفون والمستخدمون، من جهة أخرى، بين نارين، إن هم أدوا واجباتهم بأمانة ~~وصداقة، فدفعوا إلى إدارة صندوق الدين إيرادات مصالحهم، عملا بنصوص المرسوم الخديوي، ~~والتعليمات، والأوامر الرسمية، أثاروا غضب الحكومة عليهم، وألقوا بأنفسهم في محظور، إن ~~لم يكن إلى تهلكة. # وأقرب مثال على حقيقة ذلك ما رواه اللورد كرومر عن معرفة شخصية في كتابه «مصر ~~الحديثة»، ومفاده أنه بعد تعيين مندوبية صندوق الدين بقليل، لوحظ أن مديرا جديدا عين ~~لإدارة جمرك السويس مكان المدير القديم، وأن إيرادات هذا الجمرك، الواجب توريدها إلى ~~الصندوق، لكي تدخل فيما يدفع سدادا للدين، نقصت عقب تعيينه، وقلت دفعة واحدة بدون سبب ~~معقول. وبالرغم من أن وصولات التوريد، لكي تكون صحيحة، كان يجب أن يمضيها أحد ~~المندوبين، فأثار العجز الغريب الظنون في قلوب أعضاء المندوبية، وبعثوا يستفهمون من ~~الحكومة عن السبب الذي أوجب تغيير المدير، فأجيبوا أجوبة لا طائل تحتها، فألحوا، وطلبوا ~~بشدة، إحضار المدير السابق أمامهم حيا كان أو ميتا، فأدى ذلك إلى مكاتبات مرة ~~اللهجة تبودلت بينهم وبين الحكومة، كانت نتيجتها أن المدير القديم بعد مرور عدة شهور، ~~حضر إلى مكتب مندوبي الدين، وأخبر إجابة على أسئلة وجهت إليه، أنه لما كان مديرا تلقى ~~أمرا من الحكومة مؤداه: دفع إيرادات جمرك السويس رأسا إلى الخزينة الخديوية، بدلا من ~~دفعها إلى صندوق الدين، فأجاب أنه إذا فعل ذلك بعد صدور المرسوم الخديوي ms691 المؤرخ 18 ~~نوفمبر سنة 1876 يكون مخالفا للأوامر الخديوية السامية، ومتجاوزا حدود وظيفته. فما ~~كان من الحكومة إلا أنها ألقت القبض عليه، وأرسلته مكبلا بالحديد إلى أحد الأصقاع ~~السودانية القصية، وأنه لولا تداخل المندوبين في أمره، وإلحاحهم الشديد لما عاد من ~~منفاه السحيق العمر كله. # 2 # وإن لم يؤد أولئك الموظفون واجباتهم بأمانة وصداقة، ولم يدفعوا إلى صندوق الدين ما ~~حتم عليهم دفعه إليه، عرضوا أنفسهم إلى التأنيب والتثريب، فإلى العزل والطرد على أيدي ~~المندوبين الغربيين المؤتمنين على إيرادات ذلك الصندوق. # والموظفون الغربيون من جهة أخرى، رأوا أن الحكومة لن تنفك محاولة الاستيلاء على ما ~~أقره المرسوم الخديوي للدائنين، ولن تنفك ناجحة في محاولاتها، ما دامت موارد الإيراد ~~غير معروفة بالتمام، وما دامت مواضع الإنفاق غير محددة تحديدا بينا، وأنه يصلح - ~~والحالة هذه - أن تدخل تعديلات جديدة على النظام الذي أقره مرسوم 18 نوفمبر سنة 1876، ~~بناء على إرشادات المستر جوشن، والمسيو چوبير. # غير أنهم، بدلا من جعل مصلحة الحكومة، ورفع الضيم عن الفلاح الغرض الذي يرمى إليه ~~من إقرار تلك التعديلات، بدلا من أن يحاولوا بما في وسعيهم أن يحملوا المرابين القساة، ~~الغلاظ الأكباد، الناهشين لحم مصر نهشا، على القبول بتخفيض أسعار الفوائد التي ~~يتقاضونها - فكان يكون مسعاهم مبرورا، وعملهم إحسانا - بدلا من اجتهادهم في تفهيم ~~أصحاب الديون أن مصلحتهم الحقيقية تقضي عليهم بأن لا يقتلوا البقرة الحلوب، بالإغراق في ~~حلبها، على جفاف درها تدريجيا، وأن لا يميتوا الدجاجة ذات البيض الذهبي، بقهرها بأشد ~~الوسائل على بيض أكثر مما تستطيع بيضه اضطروا بحكم وظيفتهم، وبالنسبة للظروف التي قضت ~~بتعيينهم، إلى الأخذ بأقاويل الدائنين الفرنساويين المؤكدين أن الخديو لن يجهده دفع ما ~~عليه من ديون، إذا شاء دفعها حقيقة، وأن الضيق المصري المزعوم إنما هو حجة كاذبة، وأن ~~الأدلة المتخذة من متربة البلاد لأدلة مصطنعة، والغرض منها إثارة عواطف الإنسانية ~~والشفقة، حيث لا يلزم إظهارها، وتوجيهها إلى من هو غير جدير بها، وأن الخديو مدخر ~~كنوزا يمكنه السحب منها لو افتكر ms692 أن السحب يجديه نفعا، كما أنهم اضطروا أيضا إلى ~~الأخذ بما كتبه اللورد ڨيڨين القنصل البريطاني العام إلى حكومته في 8 ديسمبر سنة 1876، ~~ومؤداه «إنه لمن المتعذر بيان كيف، وأين صرفت المبالغ الجسيمة التي وصلت إلى يد الحكومة ~~المصرية في العام الماضي، فإن الأربعة الملايين من الجنيهات ثمن أسهم ترعة السويس، ~~والخمسة الملايين كذلك قيمة المسلف من الفرنساويين، وعموم إيراد العام - كل ذلك قد ~~اختفى، بالرغم من تأجيل دفع قطعية (كوبون) الدين الموحد، وعدم صرف مرتبات مستخدمي ~~الحكومة، وبقاء جملة ديون ثقيلة بدون سداد.» # واضطروا - على الأخص - إلى الأخذ بعرض الحال المرسل من الجالية الفرنساوية ~~بالإسكندرية إلى المسيو وادنجتن، وزير خارجية فرنسا، الوارد فيه ما يأتي: «ما هو مآل ~~النقود التي دخلت القطر بتدفق منذ عدة سنوات؟ فإن الإحصائيات الجمركية تدل على أن ~~جانبا عظيما منها لم يخرج من البلاد، فكيف يصح - والحالة هذه - الكلام على متربة ~~البلد، وعلى تعذر دفع ديونه عليه؟ لتوضح لنا الحكومة إلى مآل كل هذا الذهب؟ ولكنها لن ~~تفعل. فمن البين إذا أنه لا عذر لها في عدم قيامها بالتعهدات التي أخذتها على نفسها ~~علنا أمام وجه أوروبا بأسرها، وأن مسئولية الخراب الذي تكومه على الأرض المصرية، ~~والمتألم منه - على الأخص - مجموع الجالية الأوروبية، تقع بكل ثقلها عليها وحدها.» # 3 # فترك أولئك الموظفون الغربيون كل باب كان في وسعهم ولوجه لإنماء إيرادات البلاد، بدون ~~إحراج إحساس الخديو وكبريائه، وبدون جلب ويلات جديدة على الفلاح، وأقبلوا يفكرون في ~~إجراء تحقيق عام في حال البلد المالية، للتمكن من وضع قيود جديدة، أشد من الأولى، على ~~أيدي الحكومة المصرية. # والفلاحون المصريون من جهة ثالثة، مع أنه لم يكن بين عقلائهم من ينكر أن وضع تلك ~~القيود يكون مفيدا جدا، لو كانت المقاصد من وضعها مراعاة المصالح العامة، وتخفيف ~~ويلاتهم الباهظة، وبؤسهم الفاحش، اضطروا إلى الاعتقاد بأن الغرض الوحيد من وضعها إنما ~~هو مراعاة فوائد الدائنين دون سواهم، وذلك لأن المندوبين أهملوا، بتاتا، المطالبة ~~بإبطال تجاوزات عديدة، كان الاستمرار ms693 عليها مفيدا للفرنج وضارا بالبلاد، ولم يقوموا ~~لمنع أي إجراء ينفذ بقوة المعاهدات، وانصياعا للفرمانات، بالرغم من عدم صوابية إجرائه، ~~في تلك الظروف الحرجة، ولم يهتموا مطلقا لتظلمات الأهالي والموظفين، مع إقبالهم، من ~~جهة أخرى، على فحص مطالبات الغربيين أيا كانت باعتناء تام، وتعضيد معظمها قبل ~~الحكومة، بالرغم من البؤس الذي باتت فيه، وتشديدهم في تحصيل الأموال لسداد أقساط ~~الديون. # فمن التجاوزات مثلا التي كان يصح في عرف المصريين اهتمام الموظفين الغربيين ~~بإبطالها، اهتماما قويا مستمرا، رفض الجاليات الغربية دفع أية ضريبة من الضرائب ~~المربوطة على البلاد، حتى الضرائب العقارية ذاتها، وإقدامهن على التهريب بالإسكندرية، ~~وعلى طول الساحل المجاور. # ومع أن كلا التجاوزين كانا فضاحين للكيفية التي كان الأجانب يسيئون بموجبها التمسك ~~بحرفية امتيازاتهم، ويتوسعون في استعمال حقوق مزعومة، استنتجوها بموجب التعنت من تلك ~~الحرفية عينها، ومع أن الضجة، في الدوائر الرسمية المصرية، ضد كلا التجاوزين، كانت قد ~~بلغت عنان السماء، وأن كليهما كانا يسببان للمالية المصرية خسارة سنوية لا تقل عن نصف ~~مليون من الجنيهات، فإن الأجانب، من جهة، ما فتئوا يأبون دفع أي شيء للمالية المصرية ~~سوى العوائد الجمركية المربوطة على الواردات الأجنبية، وقناصلهم، من جهة أخرى، ما فتئوا ~~يحولون دون إقدام الحكومة المصرية على تفتيش السفن والمراكب الأجنبية الراسية خارج ~~الثغر الإسكندري أو الداخلة فيه، وما فتئوا يمكنون رعايا دولهم من تنزيل البضائع ~~المهربة إلى البر سرا، وتخزينها في أي بيت من بيوت تلك الرعايا، ثم ينذرون الحكومة ~~المصرية بالويل والثبور إذا تجاسرت على مسها، هناك، فيفعم القطر كله بتلك البضائع ~~المهربة، ويبيعها مهربوها بين لمس الحكومة المحلية ونظرها، وهي عاجزة لا تستطيع أن تبدي ~~حراكا، ومع ذلك فالمندوبون الغربيون لا يبالون بوضع حد لهذين التجاوزين الضارين، بل لا ~~يفتكرون فيهما مطلقا، ولا يرون أن هناك إصلاحا، غير قهر الخديو على أمره، وتنظيم دفع ~~فوائد الديون إلى المرابين. # ولما اضطر (إسماعيل) - بعد أن بلغت روحه الترقوة من تمادي الغربيين في وضع أيديهم ~~بقوة على القذى الذي في ms694 عينه، بالرغم من أنه سيد البلاد المطلق، على حسب معقول قطره، ~~وتربيته وأيامه، مع إغفالهم أمر القذى الذي في أعينهم، بالرغم من أنهم دخلاء، ليس لهم ~~من الحقوق عليه وعلى بلاده أكثر مما للدائن على المدين، وليس لهم سوى طلب إفلاسه، في ~~حال تأخره عن دفع ما عليه، وبعد أن أحرجه من جهة أخرى، الضيق والعسر الماليان اللذان ~~أصبح فيهما - إلى الاحتجاج بشدة على ذينك التجاوزين، ومطالبة الدول الغربية بوضع حد ~~لهما، والإلحاح على قناصلهن بمصر بمساعدة حكومته على اجتثاث جذورهما، ولما عضد السير ~~ڨيڨين، قنصل إنجلترا الجنرال، مطالب سموه، وكتب عن ذلك إلى اللورد دربي، وزير الخارجية ~~البريطانية، فماذا كان رد هذا الوزير؟ إنه - أولا - لم يرد عليه إلا بعد سبعة شهور، ~~على أن جوابه لم يظهر اهتمامه بإبطال التجاوزين بقدر ما أظهر اهتمامه «بتنظيم المالية ~~المصرية» - وهي عبارة تلطيفية لقولهم «مصالح الدائنين» - فقد ورد في رده ما نصه «إن ~~حكومة جلالة الملكة لا يسعها أن «تهمل بالمرة» مطالبة الخديو، لا سيما في ظروف المالية ~~المصرية المضطربة الحالية، ويحسن بالخديو أن يتأكد من رغبتها في مساعدته على إبطال كل ~~تجاوز تقدم عليه الجالية الغربية، على شرط أن يبدو من سموه ما يدل دلالة واضحة على ~~رغبته الأكيدة في إصلاح إدارته». فهل بعد هذه مراوغة؟ # والذي زاد في ثقل وقع هذا الرد على نفوس المفكرين من المصريين، في ذلك العهد، هو أن ~~وزارة الخارجية البريطانية، إزاء إظهارها عدم الاهتمام، بالمرة، بمصائب الفلاح المصري ~~وبؤسه، كانت تبدي غيرة إنسانية في منتهى الحماسة على مطلب منع الاسترقاق، وما زالت تؤثر ~~على الخديو، حتى حملته على توقيع معاهدة 4 أغسطس سنة 1877. # فحق للمصريين، لا سيما بعد اطلاعهم على البند الخامس من تلك المعاهدة، والتأثر به ~~التأثر الذي لم يكن عنه بد أن يهتفوا بملء أصواتهم «ألا حقا قد أصبح الأرقاء أحرارا، ~~وأصبح الأحرار أرقاء.» # ومن الإجراءات - مثلا - التي لم تكن تنفذ إلا عملا بالمعاهدات، وانصياعا لمنطوق ~~الفرمانات، بالرغم من عدم صوابيتها في تلك ms695 الظروف، والتي كان يصح قيام «المصلحين ~~الماليين» للمطالبة بعدم تنفيذها، رحمة بالمالية المصرية، وتخفيفا لأعباء الفلاح ~~المصري، اضطرار مصر إلى إرسال حملة عسكرية على نفقتها لمساعدة الدولة العثمانية في ~~حربها مع الروس - وهي التي سبق لنا الكلام عنها. # فكان يجدر بالموظفين الغربيين، وهم أدرى الناس بفقر الخزينة المصرية وعجزها أن ~~يعارضوا ولو من وراء ستار السياسة الدولية في إرسال تلك الحملة، ويعضدوا الخديو في ~~رفضه، ويحولوا في الواقع دون إرسالها، ولو فعلوا لمنعوا ربط الضريبة الجديدة، ولاقتصدوا ~~للحكومة المصرية مبلغا وافرا. # هذا ما كان يراه الفلاح المصري المفكر، ولا سبيل إلى لومه، والتماس العذر لأولئك ~~الموظفين من باب أنهم خافوا وتحاشوا التداخل في أمر له مساس بالعواطف الدينية المصرية، ~~الناجمة عن ارتباط المصريين مع تركيا بوثاقات دين واحد، فإنه كان لهم من معارضة الخديو ~~نفسه خير مبرر لمعارضتهم، فيما لو أبدوها، وخير حجاب يستترون وراءه من انتقادات ~~المتهوسين في الشعور الديني، وعلاوة على ذلك فإن الرأي العام المصري في ذلك الوقت كان - ~~لأمية معظم المصريين، من جهة، ولاشتداد البؤس على أغلبيتهم، من جهة أخرى - لفظا لا ~~معنى له، وليس من السهل إثارته، ولا من الممكن جمعه على استحسان أمر أو استقباحه، لا ~~سيما متى كان الخديو لا يريد إثارته ولا جمعه. # ثم إننا في الحرب التي نشبت بين تركيا واليونان في سنة 1897، قد رأينا اللورد كرومر، ~~بالرغم من أن البلاد كانت في رخاء، والخزينة المصرية في نظام تام ومتانة كلية، وبالرغم ~~من أن انتشار التعليم في البلاد، ونمو قوة الصحافة فيها نموا هائلا، بالنسبة للحرية ~~التي منحت لها، كانا قد أوجدا في القطر المصري رأيا عاما يسهل جمعه وتسهل إثارته، ~~رفض بتاتا بصفته المؤتمن على الأموال المصرية، وعلى راحة الفلاح المصري الانصياع إلى ~~ملزمات الفرمانات، وإرسال قوة عسكرية لمساعدة تركيا، مع أن خديو البلاد، وقادة الرأي ~~العام كانوا ضده، وكانوا يستطيعون إيقاظ فتنة عليه. # ومع أنهم لم تعوزهم الإرادة في ذلك، وأن النفخ على نار العواطف الدينية زاد في تلك ms696 ~~الأيام عند الجاعلين النفخ عليها الوسيلة الوحيدة لتعيشهم، وأن قوائم الاكتتاب بالأموال ~~لمساعدة الدولة العثمانية دارت في القطر كله تحمل في طياتها موقظات متنوعة للفتنة ~~النائمة، ووقودا لها، لم يقم في البلاد اضطراب، ولا اختل فيها أمن، لشعور العقلاء بأن ~~تركيا ليست في حاجة ماسة إلى مساعدة مصر العسكرية، وأن مصر في غنى عنها، فكان ذلك حجة ~~ناصعة، ودليلا ساطعا على أن المصريين على العموم يدركون ما هي مصالحهم الحقة، وأنهم ~~على حبهم للانتقاد، وللانتقاد المتحمس المر عينه، يعرفون، كيف يغلبون العقل، عند اللزوم ~~على انفعالات القلب، ويرجحون كفة فوائدهم على كفة عواطفهم. # فما كان أحراهم بهذا في تلك الأيام العصيبة، إذ كانت الكلوم التي فتحتها في قلوبهم ~~الحرب مع الحبشة لا تزال دامية، وكانت بطونهم لا تعرف الشبع، ولا تعرف جيوبهم سوى ~~الخوى، وكان المرابون يستصفون المتبقي من دمائهم، وكانت الخزينة المصرية لا تدري من أين ~~تصرف على الإدارة العامة؟ ~~••• # ومن تظلمات الأهالي، والمستخدمين الوطنيين - مثلا - التي كان يصح لأولئك الموظفين ~~الغربيين الاهتمام بها، مسألة اضطرار الحكومة المصرية إلى الامتناع عن صرف مرتبات ~~مستخدميها، سواء في ذلك الملكيين والجهاديين. # فإنه بينما كان يصرف لكبار الموظفين الأجانب مرتباتهم على التمام، لغاية آخر قرش، ~~بالرغم من أنها كانت سمينة وجسيمة جدا، وبينما الجمهور من المستخدمين الوطنيين يسرح ~~بدون أجر، ليدخل محله أنفار من الغربيين تربطهم بكبار النواب عن مصالح الدائنين روابط ~~قرابة ومحسوبية، فتعين لهم المرتبات الضخمة، ويتقاضونها بأكملها - كان الموظف المصري ~~محروما من قبض ماهيته منذ عدة أشهر، وكان هو وعائلته قد صاروا إلى منتهى البؤس. # فلا غرابة إذا تساءل الأهالي وقالوا: «هل من العدل والإنصاف إرهاق الأمة التي إنما ~~هؤلاء الموظفون والمستخدمون المصريون أولادها، واغتصاب آخر قرش معها، وآخر قرش قد يكون ~~لديها في السنوات التالية، منها، بدون أن ينال أولادها هؤلاء من أموالها شيئا، مع أن ~~اليسير المرتب لهم إنما هو حق عرقهم؟ هل من العدل والإنصاف أن يضحوا لمجرد التمكن من ~~دفع الفوائد الباهظة للدائنين الأجانب، مع ms697 أن الفوائد التي تقاضاها هؤلاء الدائنون ~~لغاية هذا اليوم أصبحت توازي قيمة ما أقرضوه كله؟» # وهاك ما كتبه السير ڨيڨين في هذا الموضوع «إن الخزينة خالية خاوية، والجيش ~~والمستخدمين محرومون من مرتباتهم منذ عدة شهور، وحال هؤلاء قد صارت إلى أشد البؤس ~~والفقر، والشعب المصري يتذمر من أن يدفع لأصحاب الديون كل ما لهم، بينما المستخدمون ~~وعليهم المدار في تسيير سفينة الحكومة، لا يتقاضون شيئا.» # الفصل الثاني # | الكتابة على الحائط1 # ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا # ويأتيك بالأخبار من لم تزود # طرفة # على أن الذي جعل على الأخص الفلاحين المصريين يسيئون الظن في الموظفين الغربيين، ~~ويكرهونهم كراهة لا حد لها، ويزدادون تمسكا بالخديو وولاء له، هو ما قلناه عن اضطرار ~~أولئك الموظفين إلى إرهاقهم إرهاقا فاحشا، ومضاعفة الضرائب الشخصية عليهم، لتحصيل ~~الأموال اللازمة لسداد قطعيات (كوبونات) الديون. # فإنه ما مضى على تنفيذ مرسوم 18 نوفمبر سنة 1876 شهران حتى استحقت القطعية الأولى، ~~وقدرها 2301000 جنيه إنجليزي، فدفعت، ولكن كتابة السير ڨيڨين عن كيفية تمكن المندوبين ~~الغربيين من دفعها أدل برهان على ما استعمله هؤلاء من وسائل غليظة، فقد قال القنصل ~~المذكور في تقريره المرسل منه إلى خارجية دولته ما نصه: «إن الضرائب تجمع في بعض ~~المراكز قبل أوانها بستة أشهر وبشدة متناهية، لأجل التمكن من دفع القطعية الأولى.» # على أنه لم يمض على دفع هذه القطعية ستة أشهر إلا واستحقت القطعية الثانية، قطعية ~~شهر يولية، وقدرها 2074975 جنيها إنجليزيا، فدفعت أيضا، ولكن السير ڨيڨين عينه كتب ~~إلى وزير الخارجية البريطانية في 12 يولية ما نصه «إن النقود المطلوبة دفعت كلها ~~بالأمس، ولكني أخشى أن الوصول إلى هذه النتيجة إنما أمكن بتحميل الفلاحة المصرية خسائر ~~وضحايا لا طاقة لها بها، فقد أجبر الفلاحون على بيع محصولاتهم قبل نضوجها وجنيها، وجمعت ~~منهم الضرائب تسعة شهور، وفي بعض المراكز اثني عشر شهرا مقدما، لست أشك أن هذا جميعه ~~خطأ في خطأ، لا سيما في قطر أرهقته، بل سحقته الضرائب، وأخاف في الأثناء أن ms698 تكون ~~الإدارة الأوروبية سائرة، على غير شعور منها، إلى القضاء على الفلاحين الذين هم عماد ~~هذه البلاد وقاعدتها القضاء المبرم، وأرى أن الإنجليز بشدهم أزر مثل هذه المظالم يحملون ~~أنفسهم مسئولية خطيرة.» # وفي سبتمبر التالي ذكر الخديو السير ڨيڨين عينه، أثناء محادثة دارت بينهما «أن ~~القطعيتين اللتين، دفعتا عملا بمشروع المستر جوشن، إنما دفعتا بتحصيل الضرائب مقدما، ~~وأن دفع قطعية شهر يناير التالي ستلتهم طبعا كسابقتيها، معظم ضرائب سنة 1878»، فلم ~~يستطع السير ڨيڨين إلا الموافقة على ذلك، وكتب إلى اللورد دربي «أنهم يحصلون الآن ~~الضرائب مقدما هنا، وأن القطعيات إنما تدفع بكل نوع من الصعوبة، والاحتيال، والضحايا. ~~ويبلغني من عدة مصادر أن الفلاحين يرهقون ويسحقون ضرائب ومكوسا.» # فما كان من وزارة الخارجية حينما نقل إليها القنصل العام المحادثة التي دارت بين ~~الخديو وبينه، إلا أنها كتبت له «أن يفهم الخديو أن تغيير أي شيء في التعهدات التي اتفق ~~عليها منذ مدة يسيرة مع المستر جوشن، والمسيو چوبير، أو تعديل أي جزء منها، قد ينشئ ~~أخطارا مخيفة جدا.» # ومع أنه لو اقتصر الأمر على دفع قطعيات الديون المسجلة لكان كافيا لتخريب القطر، ~~تخريبا تاما، إلا أنه كانت هناك ديون أخرى، غير مسجلة، لم تر الدول الأجنبية بدا ~~من مضايقة الحكومة المصرية بخصوصها، والإلحاح عليها بدفعها، بالرغم من أن دفعها يستنفد ~~جانبا عظيما من المليون الحقير من الجنيهات الباقي لهذه الحكومة من إيرادات البلد ~~العامة، بعد دفع كل أقساط الديون المسجلة السنوية. # تلك الديون كانت مطلوبة لمتعاقدين، وخلافهم عن بضائع وردوها للحكومة المصرية، فمع ~~أن أصحاب المحال الأجنبية المتجرة بمصر أصدروا أوامرهم إلى وكلائهم بالامتناع عن تقديم ~~أي شيء للحكومة إلا في مقابل دفع ثمنه، نقدا، لدى استلامه، فإن السير ڨيڨين أنذر ~~الحكومة المصرية في أغسطس سنة 1877 بأن الدائنين سيضطرون، حتما، إلى مقاضاتها أمام ~~المحاكم المختلطة، عملا بما لهم من حق، لا نزاع فيه، وأنها ستجد نفسها بالتالي أمام ~~عدد غفير من أحكام صادرة ضدها، فلا يعود لها مناص من الإذعان ms699 والدفع فورا، دفعا ~~تاما، وإلا استلفتت، حتما، انتباه الدول التي كان لها يد في إنشاء المحاكم المختلطة، ~~وأثارت تهديداتها لها. # وكأن هذا الإنذار كان محرضا لأصحاب الديون التي نحن بصددها، فإنهم هبوا كلهم مرة ~~واحدة، وصبوا على رأس الحكومة المصرية وابلا حقيقيا من إعلانات دعاو، وطلبات حضور، ~~واستصدروا في الواقع ضدها أحكاما مختلفة وعديدة من المحاكم المختلطة، ولكن الحكومة ~~امتنعت عن تنفيذها، لأنها لم تكن تستطيع تنفيذها إلا بمضاعفة الضيق على نفسها، وعلى ~~رعاياها. # فأدى ذلك فعلا إلى تداخل الدول التي أنشئت تلك المحاكم بالاتفاق معها، ونهضت الحكومة ~~الألمانية - على الأخص - وقالت على رءوس الأشهاد: إنها تعتبر عمل الخديو بإقدامه على ~~رفض دفع ما تحكم به البلاد عملا لا يصح السكوت عليه ويجب منعه، وأقبل السفير الألماني ~~في لندرا وقال للورد دربي: «إن البرنس بزمرك يرغب في أن تتحد الدول كلها لتعمل معا في ~~الموضوع، إن لم يكن لشيء فلاجتناب إمكان إقدام إحداهن على العمل بمفردها»، ذلك كان ~~الطامة الكبرى. # فإذا أضفنا إلى كل هذه الشدائد أن فيضان النيل في سنة 1877 كان شحيحا، وأنه نجم عن ~~ذلك مجاعة فتكت بفلاحي مصر، لا سيما فلاحي الوجه القبلي فتكا ذريعا، وأن تحصيل ~~الضرائب مقدما استمر - بالرغم من ذلك، ومن أن البلاد باتت لا تملك نفسا - آخذا مجراه ~~القهري المهلك، وتحققنا أنه كان من شأن ظروف الوقت المعقدة إنماء سوء التفاهم بين ~~العنصر الغربي والخديو والأهالي إنماء مطردا، أدركنا بسهولة أن حرج المركز للجميع كان ~~لا بد صائرا إلى نتيجة في منتهى الخطورة، وأنه كان لا بد من الانتهاء إلى أن إحدى ~~القوتين تسحق الأخرى. # غير أن البلوغ إلى هذا الحد لم يكن ظاهرا بجلاء في أفق السياسة، وكانت الحكومات ~~الغربية ثابتة الاعتقاد بنجوع الدواء، الذي جادت به قريحتا جوشن وچوبير، ولكنها بعد ما ~~تحققت أن مواسم المحصولات المصرية لا تتفق مع تاريخي استحقاق قطعيتي الديون السنويتين، ~~وافقت على تغييرهما وإبدالهما بتاريخين يكونان أكثر ملاءمة لمصالح الفلاحين ~~البؤساء. # فصدر - بناء على ذلك ms700 - مرسوم سام في 15 ديسمبر سنة 1877 جعل موعدي استحقاقي ~~القطعيتين المذكورتين أول مايو وأول نوفمبر من كل عام، بدلا منهما في 15 يناير و15 ~~يولية، وعين يوم 31 ديسمبر لدفع الفرق الناجم عن الإبدال. # بيد أن تمادي الأيام، وتفاقم الشرور الناجمة ~~حتما عن استعمال الدواء الجوشني الجوبيري، وازدياد الصعوبات تعقيدا حول المندوبين ~~الأوروبيين، وكل من كان له احتكاك بالأزمة المصرية، سواء أكان رسميا أم عرفيا - كل ~~ذلك أدى في النهاية إلى تغيير فكر الدول في نجوع الدواء المذكور، وإلى البحث عن تعديله، ~~وإلا فإبداله بدواء غيره. # ولما كان مندوبا صندوق الدين الإنجليزي والفرنساوي أول من اقتنع بضرورة إدخال تعديلات ~~على المشروع الجوشني، وارتأيا، قبل الإقدام عليها، لزوم إجراء تحقيق عام عن موارد ~~إيرادات الحكومة، وأوجه مصروفاتها، لكي يكون التعديل الذي يتفق عليه، فيما بعد، ~~مبنيا على حقائق، لا على أوهام، فإنهما ما فتئا يلحان على الدوائر الرسمية الأجنبية ~~في القطر حتى حملوها على الانضمام إليهما في رأيهما، ومطالبة (إسماعيل) بإصدار مرسوم ~~يعين أعضاء «مندوبية التحقيق» المطلوب إنشاؤها. # غير أنه كان يلزم - أولا - الحصول على رضا الدائنين أنفسهم، بصفتهم أصحاب شأن في ~~الموضوع، لأن نتيجة التحقيق قد تؤدي إلى مطالبتهم بتخفيض سعر الفوائد التي ~~يتقاضونها. # فلما فوتح في الأمر عقلاؤهم، قبلوا، على شرط أن يصطبغ التحقيق بصبغة عدم التحيز، ~~ويتناول الدائرة المالية بجميع جزئياتها، بحيث لا يترك شيئا غير ممحص وراءه في شكل دين ~~مطلوب، أو ما شابهه، يكون فيما بعد قاعدة للمطالبة بتعديل جديد، فإذا اتضح حينئذ وجوب ~~تنازلهم عن جانب من مصالحهم، فإنهم يقبلون تضحية ذلك الجانب عن طيب خاطر. # فخاطب السير ڨيڨين الخديو بعد وثوقه منهم، واقترح عليه تعيين مندوبية تحقيق جديدة، ~~بناء على طلب الدائنين، يطلق لها الحرية التامة لإجراء بحث تفتيشي تام يتناول المصروفات ~~والإيرادات، ويخول لها حق إيجاد وسائل جديدة للبلوغ إلى مراقبة في الأقاليم على كيفية ~~جبي الضرائب ودفعها، أقوى من الحالية، ونوه له في الوقت عينه، ولكن بطريق غير رسمية، ~~أنه في ms701 حال عدم نجاح تلك المندوبية في اكتشاف موارد إيرادات غير المعروفة، فقد يطالب ~~سموه بالتنازل عن كل الباقي له من أملاكه الشخصية للمراقبة الدولية. # ولما كان هذا الاقتراح ثقيل الوقع على نفس أي إنسان - فما بالك بثقل وقعه على نفس ~~(إسماعيل) الأبية - فإن الخديو رفضه بتاتا، وأبى الإصغاء إليه، وطالب القنصل بحمل ~~الدائنين على تخفيض سعر الفوائد التي يتقاضونها إذا شاءوا أن تستمر البلاد قادرة على ~~دفعها، بدون تداخلهم في طرق إنفاق الحكومة النقود الباقية لها، لأن ذلك ليس من ~~شئونهم. # ولكن مندوبي صندوق الدين هبوا لنجدة القنصل، وأرسلوا في 9 يناير سنة 1878 كتابا إلى ~~وزير المالية أفاضوه كلاما عن خطورة الحال، وأشاروا بإجراء تحقيق. # فأجاب الخديو بعد طول التردد، أنه يرفض كل تحقيق عام في الحال المالية، ولكنه لا ~~يعارض في تعيين مندوبية تكون مهمتها الوحيدة التأكد من حقيقة مبلغ الإيرادات المصرية. ~~وطلب من مندوبي صندوق الدين أن يكونوا هم أنفسهم أعضاء في تلك المندوبية، فأبوا، ~~وكتبوا كتابا آخر إلى الحكومة المصرية قالوا فيه إنهم يعتبرون كل تحقيق جزئي أضر من لا ~~تحقيق على الإطلاق، وأنهم لا يوافقون إلا على تحقيق تام. # فلم يبال الخديو برأيهم هذا، وأصدر مرسوما عاليا في 27 يناير سنة 1878 عين بمقتضاه ~~مندوبية لتحقيق الإيرادات فقط. # وما انتشر ذلك المرسوم إلا وتهيج له الرأي العام الأوروبي بالقطر المصري، تهيجا ذكر ~~بمثيله منذ سنتين، حينما أعلن التوقف عن الدفع. # فعقد بالإسكندرية اجتماع تهور فيه المتطرفون من المعضدين لطلبات الدائنين الأجانب ~~تهورا شديدا، وبالغوا في لوم أي إجراء تحقيقي يراد عمله، لأنه في غير محله، ولأن ~~الحكومة المصرية تستطيع القيام بجميع تعهداتها، وأقدموا في غليان مراجل سخيمتهم، على ~~تحرير طلب إلى معتمدي الدول بمصر، شتموا فيه الحكومة المصرية شتما في منتهى الوقاحة ~~والقباحة، وأرسلوه لهم، فأبى السير ڨيڨين الالتفات إليه، ورماه بامتهان # 2 ~~- ولكنه في الوقت عينه كتب إلى وزارة الخارجية البريطانية يلتمس منها ~~تصريحا لاستعمال تأثير رسمي على الخديو. # على أن ذلك جميعه لم ms702 ينجح في حمل (إسماعيل) على التخلي عن فكر إجراء تحقيق جزئي، ~~ولكنه لعلمه أن الصعوبة الحائلة دون تنفيذ فكره إنما هي وجود الرجل الكفء لتلك المهمة، ~~أخذ يقلب طرفه في عموم إدارات ومصالح بلاده عساه يجد في إحداها الشخص المطلوب. # وكان الكرنيل جردن (غوردون) قد عاد من السودان إلى مصر، في تلك الأثناء، فوقع نظر ~~الخديو عليه، ووقع، حالا، في خلده أن «هذا هو الرجل» فإن أخلاقه الرفيعة، ونفوذ سمعته ~~إلى صميم تقدير الأوساط البريطانية بأسرها، وعطفه المعروف لدى الجميع على شقاء الشعب ~~المصري وآلامه - كل ذلك يجعله الآلة المفيد استعمالها فائدة فائقة، فاقترح (إسماعيل) ~~على السير ڨيڨين تعيينه. # ولكن القنصل ألفت انتباهه إلى أن الكرنيل جردن، بالرغم من جميع صفاته وكفاءاته ~~السامية عديم الخبرة في الأمور المالية فلم يزد (إسماعيل) إلا تشبثا بفكره، فاستدعى ~~الكرنيل جردن، وطلب إليه القيام بالتحقيق المالي المطلوب. # فمال جردن في البدء إلى قبول المهمة. # ثم خاطب (إسماعيل) فردينند دي لسبس في أمر انضمامه إلى ذلك الإسكتلندي النزيه للقيام ~~معه بالتحقيق. فأجاب دي لسبس بالقبول - ولم يكن في استطاعة الخديو أو أي أحد غيره في ~~العالم اختيار رجلين خيرا من هذين للقيام بأي عمل يستدعي القيام به خلقا شريفا، ~~وفكرا ساميا. # ولكن المؤثرات من وراء الستار ما زالت تعمل في قلب جردن، وما زال هو نفسه يزن بدون ~~تحيز كفاءته المالية للعمل، واستعداده لاكتساب كفاءة مستقبلة له، حتى أدى به الأمر إلى ~~إبداء رغبته للخديو بالتكرم عليه باعفائه من تلك المأمورية، وإلى مغادرته القطر المصري ~~مؤقتا. # في الأثناء ورد إلى السير ڨيڨين التصريح الذي طلبه من الوزارة البريطانية، فقام ذلك ~~القنصل من ساعته، وطلب مقابلة الخديو، وأبلغه «أن حكومة جلالة الملك امتنعت لغاية ذلك ~~الحين عن مضايقة سموه، ولكنها الآن ترى نفسها مضطرة إلى تعضيد طلبات حقة، لأن للصبر ~~وسعة الصدر حدودا، ولذا فإنها ترى من الضروري جدا أن تفحص المندوبية مصروفات الحكومة.» # 3 # فقال له الخديو: «إذا كان لا بد من ذلك، فلتكن المندوبية ms703 التي تعين مؤلفة من أربعة ~~أوروبيين غير أعضاء صندوق الدين، لأن هؤلاء، بصفتهم ممثلي أصحاب الديون، أميل إلى ~~مراعاة هؤلاء الدائنين في تحقيقاتهم، منهم إلى مراعاة حال الحكومة.» # فأبى السير ڨيڨين عليه ذلك، ولمح بأنه إذا لم يجب طلبه فقد ينضم إلى زملاؤه، وكلاء ~~بقية الدول، فيقدم الجميع لسموه الطلب عينه باسم الدول مجتمعة حتى إذا أصر على رفضه، ~~عد مقاوما لهن جميعا، لا لواحدة منهن على انفراد. # فأصر الخديو على الرفض، إلا إذا شكلت المندوبية حسب رغبته . # وإذا بإلحاح ورد عليه من جهة لم يكن يتوقع وروده منها، فأدهشته وقاحته للغاية، وذلك ~~أن المستشارين الأوروبيين بمحكمة الاستئناف المختلطة بالإسكندرية، تحت تأثير مؤثرات ~~أجنبية، وبالرغم من خروج الأمر عن دائرة اختصاصهم بالمرة، أرسلوا إليه احتجاجا قويا ~~على تأخير تنفيذ الأحكام الصادرة من المحاكم ضد الحكومة المصرية لمصلحة الأجانب. # وكأن هذه الوقاحة لم تكف، فإن إحدى المحاكم الابتدائية المختلطة أصدرت قرارا ضد ~~الأمير حسين، وزير المالية، أمرته بمقتضاه، بالحضور أمامها بدفاتر حسابات الحكومة، وهو ~~بعينه، ما كان النزاع قائما عليه بين الخديو والقنصل البريطاني. # وبينما (إسماعيل) يجتهد في تهدئة العاصفة التي أثارتها في نفسه هذه التعديات الوقحة ~~على حقوقه الملكية، جاءه قناصل ألمانيا والنمسا وإيطاليا، معضدين طلب القنصل الإنجليزي، ~~ثم انضم إليهم القنصل الفرنساوي أيضا، بعد تردد كبير، سببه علم الحكومة الفرنساوية أن ~~نتيجة التحقيق المراد إجراؤه مؤدية حتما إلى تخفيض سعر الفوائد التي يتقاضاها الدائنون ~~الفرنساويون. # فاضطر (إسماعيل)، وقد اشتدت حوله المضايقة من كل جانب إلى قبول مطالب الدول، ووقع في ~~30 مارس سنة 1878 مرسوما ساميا، نشر في 4 أبريل التالي، عين بمقتضاه مندوبية تحت ~~رياسة المسيو دي لسبس لفحص الحالة المالية المصرية، فحصا دقيقا تاما، وفوض لها ~~السلطة المطلقة لإجراء كل تحقيق تراه موصلا إلى الغرض الذي أنشئت من أجله. # فتشكلت هذه المندوبية تحت رياسة الفرنساوي الكبير من مندوبي صندوق الدين الأربعة، ومن ~~مصطفى رياض باشا، والسير ريڨرس ولسن، بصفتهما وكيلي الرئيس، ومن المسيو ليرون ديرول - ~~وكان فرنساويا ms704 ماهرا - بصفته كاتب السر. # وكان الفرنساويون قد عارضوا في تعيين أي عضو مصري بالمندوبية، زعما منهم أن لا مصري ~~يستطيع إظهار استقلال في الرأي في شيء لا يستحسنه الخديو، ولكن الواقع أظهر أن مخاوفهم ~~كانت في غير محلها، لأن مصطفى رياض باشا أبدى من الشجاعة الأدبية ما اكتسب به ثقة ~~زملائه واحترامهم، وأبدى من الخبرة في الشئون المصرية ما جعل عضويته بالمندوبية ثمينة ~~للغاية. # غير أن المسيو دي لسبس لم يمكث على رياسة المندوبية سوى بضعة أيام، لرغبته عن أشغال ~~من نوع أشغالها، وميله إلى المكث في قصره بالإسماعيلية على ضفاف بحيرة التمساح، حيث كان ~~كل شيء يذكره بأيام الاحتفالات البهيجة، فتخلى عن تلك الرياسة إلى السير ريڨرس ويلسن - ~~وكان من كبار موظفي المالية الإنجليزية، وصرحت له الحكومة البريطانية بإجازة لكي يؤدي ~~الخدمة المطلوبة منه بمصر - وقال بعض مترجمي حياة الفرنساوي الكبير: إنه إنما فعل ذلك ~~لأن نفسه أبت، وهو صديق (إسماعيل) الحميم، أن يتجول في المديريات والأقاليم ليستجوب ~~المديرين ومأموري المراكز، ونظار الأقسام، ومشايخ البلاد، ويحملهم على شهادات تذهب ~~بهيبة صديقه ومركزه، بين أن السير ريڨرس ولسن - ولا ندري بأي حامل - وزملاءه الغربيين ~~أظهروا استعدادهم لعمل هذا العمل بحب، واستيعاب تام كل التمام. # بيد أنهم ما شرعوا في أداء مهمتهم إلا وصادفتهم عقبة لم تكن في الحسبان، وهي أنهم ~~عملا بمنطوق المرسوم الخديوي المخول لهم حق استجواب كل موظفي الحكومة المصرية من ~~أكبرهم إلى أصغرهم، استدعوا شريف باشا وزير الحقانية والخارجية، إذ ذاك، للحضور أمامهم ~~للإجابة على بعض أسئلة يريدون توجيهها إليه. # وكان شريف باشا بعد الخديو أول ذات في البلاد، فاستكبر الدعوة، وعز على نفسه الأبية ~~أن يقع مجرد فكرها في خلد المندوبية، فأرسل يقول إنه مستعد للإجابة كتابة على كل ما ~~يطلب منه. # ومع أنه لم يكن يخامر أحدا ريب في طهارة ذيله، ونقاوة يديه، وخلوه من كل مسئولية في ~~أمر الخلل المصري المالي، وكان يصح أن تراعي المندوبية كرامته، وتحترم عزة نفسه، تعنت ~~رجالها في إلزامه ms705 بالحضور شخصيا، خشية أن يذهب غيره من الموظفين إلى الاقتداء به، ~~فتتعطل أعمال المندوبية لدى أول خطوة تخطوها. # وعضدهم في ذلك السير ڨيڨين القنصل البريطاني، فلم يعد في استطاعة شريف باشا سوى ~~الإذعان أو الاستقالة من كلتا وزارتيه، بالرغم من إرادة مولاه، الذي عد تعنت رجال ~~المندوبية في طلبهم، وتعضيد الحكومة الإنجليزية لهم فيه شبه إهانة شخصية له. # بيد أنه ما لبث قليلا حتى استصغر هذه الإهانة بجانب إهانة أخرى نيلت بها كرامته، ~~وكان في وسع المندوبية منعها عن شخصه، وتفصيلها: أن أحد محضري المحاكم المختلطة، ~~تنفيذا لحكم صادر منها، وبناء على طلب أحد الدائنين الغربيين المحكوم له بدين طالب به، ~~ذهب إلى سراي الجزيرة، وأراد إلقاء حجز على المنقولات والرياش التي فيها، فأبدى ناظر ~~السراي معارضة بينة على أن تلك المنقولات والرياش بيعت إلى بعض أمراء الأسرة الخديوية، ~~ولم تعد ملك الخديو، ولكن المحكمة المختلطة رفضت المعارضة، وقضت باستمرار السير في ~~التنفيذ، فعاد المحضر إلى الحجز، ولولا أن حراس السراي قاوموه بالقوة لتمكن من أداء ~~مأموريته. # إن التاريخ المقدس يروي أن بلطشسر آخر ملوك بابل، بينما كان الفرس تحت قيادة كيخسرو ~~(كورش) ملكهم يحاصرون عاصمته حصارا شديدا، أغرق ذات ليلة - في وليمة فاخرة أقامها ~~بمناسبة عيد ميلاده، واستهزاء بمجهودات أعدائه - في السكر والعربدة والمجون، وأنه - ~~تماديا في غيه - أمر بإحضار الآنية المقدسة التي نهبها أبوه نابوكودور السور (بختنصر) ~~الكبير من هيكل أورشليم، حين استولى عليها، ودمر مملكتها، وقاد اليهود وملكهم وأمراءهم ~~أسرى إلى بابل - وكانت آنية محرم لمسها إلا للحبر الأعظم على شرط أن يكون متطهرا، وأن ~~يكون قائما بخدمة قدس الأقداس - وأمر كبير سقاته بملئها، وإدارتها على المدعوين، فشرب ~~جميعهم وقهقهوا طربا. # وإذا بيد هائلة ظهرت بغتة على أحد حيطان قاعة الوليمة، وكتبت عليه بالفحم الأسود، ~~وبخط كبير هذه الكلمات الثلاث «ماني، تيسل، فارس». # وكانت عينا بلطشسر شاخصتين إذ ذاك إلى الحائط، فنظرتا اليد والكتابة. # فهب الملك مذعورا صائحا، ووقعت الكأس من يده، ودب الرعب إلى قلوب جميع ms706 المتكئين، ~~فاستدعى الملك في الحال جميع علماء مملكته، وخبيريها، وطلب إليهم قراءة تلك الكتابة ~~المخيفة، وتفسير معناها. فلم يستطيعوا، فذكر بعضهم له أن في قصره يهوديا يقال له ~~دانيال - وهو (النبي دانيال) - كان والده يعده من كبار العارفين، وأنه قد يدري ما لم ~~يقدر على معرفته علماء الكلدانيين. # فاستدعاه الملك، فحضر وقرأ الكلمات، ثم قال لبلطشسر: إن معناها أيها الملك هو «أنك ~~وزنت، فوجدت ناقصا، فأخذ ملكك منك، وقسم بين الفرس والماديين.» # ويقول الكتاب المقدس «وفي تلك الليلة تمكن الفرس من الدخول إلى بابل بحيلة ، وهي أنهم ~~حولوا مجرى نهر الفرات - وكان يجتاز العاصمة - وساروا إلى قلبها من مجراه، فأخذوا ~~حاميتها على غرة - وكانت احتفالا بالعيد قد ترنحت سكرا - وأعملوا فيها سيوفهم، ثم ~~هاجموا قصر بلطشسر، وقتلوه فيه مع جميع أعوانه ومدعويه وأهله.» # 4 # أفلم يحق للمستر ماك كون أن يختم روايته لتلك الإهانة الشخصية التي ألحقتها المحاكم ~~المختلطة (بإسماعيل)، مؤسسها، بقوله: «ألا من المؤكد أن الكتابة كانت قد باتت مخطوطة ~~على الحائط، حينما أصبح في الإمكان اقتراف مثل هذا العيب ضد «أفندينا» العظيم الذي كانت ~~كلمته، قبل أقل من ثلاث سنوات قصيرة، القانون الأعلى من الإسكندرية إلى الخرطوم؟» ألا ~~أف لتقلبات الدهر وصروف الأيام. # 5 # الفصل الثالث # | بين يدي المندوبية1 # كنت من كربتي أفر إليهم # وهم كربتي فأين الفرار؟ # وبينما الشعب المصري يكاد لا يصدق نظره وسمعه، ويبدي انذهالا ليس بعده انذهال من أن ~~يتجاسر الفرنج على الخديو إلى ذلك الحد، ولا يخسف الخديو بهم الأرض، أو يقلبهم كلهم في ~~البحر، كانت مندوبية التحقيق توالي جلساتها ومباحثها في طرق إدارة القطر العامة، لا ~~سيما في نظامه المالي. # فاتضح لها أن ما كان يشاع عن التجاوزات التي ارتكبها المفتش في مدة إدارته إنما هو ~~دون الحقيقة، وأن الشرور التي أنمي في أرض مصر غراسها الممتص تنفس البلاد لا تزال باثة ~~سمومها، بالرغم من كل المجهودات التالية التي بذلت للقضاء عليها. # من ذلك أن جملة قوانين ولوائح سنها الخديو في مصلحة ms707 الأهالي بقيت مجرد حبر على ورق ~~لعدم اهتمام أحد من الموظفين بنفاذها، لا بل بمعرفة وجودها، وأن جملة ضرائب جديدة ربطت، ~~وجملة ضرائب قديمة ضوعفت بدون صدور تصريح رسمي بها، وبدون أن يفكر الأهالي المجيبة منهم ~~في الاحتجاج عليها، لاعتيادهم هذا النوع من المظالم على أيدي حكامهم الأصاغر والأكابر ~~منذ أجيال وقرون، وأن ضرائب وضعها الخديو على أرباب الحرف والصنائع والمهن، بقصد تخفيف ~~الوطأة عن الفلاح وعن الأرض، قلبت إلى ضرائب على الرءوس، وأجبر على دفعها الفلاحون ~~أنفسهم، فوق ما يدفعونه من خراج أطيانهم أو عشورها، بل أجبر على دفعها نفس من لا حرفة ~~ولا صنعة ولا مهنة لهم. ولما سئل أحد كبار الموظفين المصريين عما إذا كان لا يستصعب ~~جباية مثل هذه الضريبة الحرفية، ممن لا حرفة لهم، أجاب باندهاش: «وهل الذنب ذنبنا إذا ~~امتنع أحد الأفراد عن الاحتراف بحرفة مع تمتعه بحرية الاحتراف بأية حرفة يشاء؟ فإذا فضل ~~البطالة، فما هذا بموجب لعدم مطالبته بالضريبة، وإلا ظلم أصحاب الحرف أنفسهم»، وأن ~~السخرة التي أعلن الخديو عزمه على إبطالها منذ أن ارتقى العرش، لم يفكر في الامتناع ~~عنها أحد من حكام البلاد وكبار سراتها ووجوهها، وأن المديرين والمأمورين ونظار الأقسام، ~~بل مشايخ البلاد أنفسهم، لم ينفكوا ينكبون بالفلاحين المساكين عن زراعة أطيانهم القليلة ~~إلى الشغل قهرا، وعلى مصاريفهم في أطيان أولئك الحكام والكبراء، وأن المديرين ~~والمكلفين بأمر الخدمة العسكرية بدلا من العمل بنصوص اللوائح المسنونة لذلك، كانوا ~~يجرون التجنيد بكيفيات وحشية، لا سيما في الصعيد، والجهات الأخرى القصية البعيدة عن عين ~~ولي الأمر، وأنهم كثيرا ما كانوا يأخذون من المطلوبين للخدمة العسكرية نقود البدلية، ~~معلى عليها ما أمكنهم الحصول عليه، ثم يجندونهم، بالرغم من ذلك بدون أن يردوا إليهم ~~البدلية المدفوعة على الأقل، وأن المنوط بهم أمر توزيع مياه الري كثيرا ما كانوا يضحون ~~مصالح الصعاليك من الفلاحين تضحية تامة إما إرضاء لأغراض الأقوياء، وإما مراعاة ~~لمصالحهم. # ووجدت المندوبية أن الإسراف في نقود الخزينة بلغ أرقاما تخيف التصور، فمن ms708 ذلك أن ~~رئيس ديوان المدفعية كان إذا سمع بمدفع جديد مخترع يبعث ويأمر بإرسال دستتين أو ثلاثا ~~منه على سبيل التجربة، بدلا من طلب مدفع واحد، وحجته في ذلك أنه لا يصح أن تكون مصر ~~متأخرة عن باقي الأمم في الأمور العسكرية، وأن مبالغ سنوية جسيمة كانت تدفع من المالية ~~المصرية إلى جملة جرائد أوروبية لكي تحرق البخور في أعمدتها جزافا للحكومة المصرية، ~~وتزين للناس الاشتراك في اقتراضاتها، وأنه دفع 150 ألف جنيه إنجليزي عن إحدى الأميرات ~~إلى خياطة فرنساوية، وأن مبالغ تفوق الحصر دفعت إلى دوائر الأستانة في أوجه غير مشروعة، ~~وأنه صرف على الأعمال المفيدة ذاتها أضعاف أضعاف ما كان يجب أن يكون ثمنها الحقيقي، وأن ~~مبالغ كبيرة جدا وضعت على عاتق الخزينة بدون أن تكون ثمنا لشيء ما أخذته الحكومة في ~~مقابلها، وأن أموالا طائلة - أرقامها تحير - دفعت في عمليات تدوير بيوع الغلال، وهي ~~العمليات التي كان يلجأ المفتش إليها سنويا. وكيفيتها أنه كان يبيع إلى بعض التجار، ~~نقدا، غلالا يعدهم بتسليمها إليهم في موسم جمعها، فلما يأتي هذا الموسم يسلمهم جانبا ~~منها (وهو ما كان يحصله من الفلاحين بصفة ضرائب غلالية، بدلا منها نقدية)، ويشتري منهم ~~الباقي، ولكن بثمن يزيد 25٪ على ثمن مشتراهم تلك الغلال منه، غير أنه بدلا من دفع ~~ثمنها هذا، الزائد عليه الربع نقدا، كان يدفعه لهم إفادات ذات فوائد من 18 إلى 20٪ ~~سنويا، فكانت مجموعة الفوائد والأرباح التي تنتهي الحكومة المصرية إلى دفعها بهذه ~~الكيفية مجموعة تخيف في الحقيقة. # ووجدت المندوبية أن يد المالية المصرية مدت إلى أموال الأوقاف وبيت المال ذاتها، ~~وسحبت منهما النقود، كما يسحب المصرف المياه من الأطيان، غير مبالية بأنها أموال جهات ~~الخير والأرامل واليتامى. # وانتهى بها الطواف على جميع ينابيع المطلوبات المالية التي للأفراد على الحكومة ~~المصرية إلى الإقرار بأن مبلغ الدين السائر الجديد المتكون منها ومن عجز الميزانية سنة ~~1878 وسنة 1879 التالية يبلغ 10 ملايين من الجنيهات تقريبا. # 2 # وعلى وجود هذا الدين الهائل، كان ms709 من الواجب التدبر في دفع استحقاق أول مايو سنة 1878 ~~وقدره مليونان من الجنيهات، قيمة فوائد الدين الموحد، بين أنه لم يكن موجود بين مندوبي ~~صندوق الدين لغاية 31 مارس سوى نصف مليون فقط. # فارتأوا عدم الدفع، والتعرض للإفلاس خيرا من إجبار الفلاحين مرة ثالثة على دفع ~~الضرائب مقدما. # ولكن الحكومة الفرنساوية لم تشاطرهم رأيهم، وانضمت إليها الحكومة البريطانية لرغبتها ~~في التعضد بفرنسا في مؤتمر برلين المزمع انعقاده قريبا، فاضطر المندوبون إلى الإذعان، ~~وكلفت الحكومة بإرسال اثنين من الباشوات المعروفين بشدتهم، وثقل أيديهم إلى الأرياف ~~والأقاليم لتحصيل المال المطلوب، فسار في رفقتهما جم غفير من مسلفي النقود، لمشتري ~~محصولات الفلاحين مقدما، في مقابل إقراضهم النقود المطلوبة منهم للميري، فنجم عن ذلك ~~أن الفلاحين البائسين اضطروا إلى بيع إردب الغلة بسعر خمسين قرشا صاغا، مع أنه ~~بالنسبة لقلة الفيضان، وقلة المحصول، كان يجب أن يكون الثمن على الأقل مائة وعشرين ~~قرشا صاغا - وهو ما بيع به بعد مضي شهر فقط، ولكن في مصلحة مقرضي النقود، ولنكاية ~~المزارع «الغلبان» - فتمكن مندوبو صندوق الدين بذلك من دفع الاستحقاق المطلوب، على أن ~~وصول النقود إلى أيديهم في آخر لحظة فقط، وكون جانب عظيم من العملة المدفوعة لهم إنما ~~وصلهم قطعا مربوطة معا على شكل قلائد وحلي من الأنواع التي تزين فلاحاتنا المصريات ~~بها أجيادهن، دلا دلالة مؤلمة على مقدار الضغط والشدة اللذين استعملا في تحصيل الضرائب وجبايتها. # 3 # فحدا ذلك بمندوبية التحقيق إلى الإسراع في فحص الحال المالية العامة، وإبداء الأدوية ~~التي يرونها مفيدة لعلاجها، ولكن العمل كان شاقا، وكان لا بد للوصول إلى إتمامه من ~~استغراق زمن مديد. # فرأى المندوبون في الأول أن يدلوا إجماليا محض دلالة إلى الإصلاحات العامة الواجب ~~إدخالها ريثما يتم عملهم، فيفصلون تلك الإصلاحات تفصيلا فأشاروا بوجوب عدم ربط ضرائب ~~إلا بموجب قانون يعلن إعلانا رسميا، ووجوب جبي الضرائب المربوطة تحت مراقبة وزير ~~المالية الفعلية، لا الاسمية فقط، ووجوب إصلاح إدارة الحسابات، واستعمال طريقة ~~الميزانيات السنوية، ووجوب ترتيب احتياطي ms710 للصرف منه على ما تقضي به الطوارئ، كلما زاد ~~النيل أو نقص عن المعتاد، ووجوب الامتناع عن جباية الضرائب مقدما، ووجوب إنشاء نظام ~~قضائي يحمي الشعب من كل تعديات أصحاب السلطة، ووجوب إبطال عدة مكوس وضرائب ثانوية ~~نكائية، وضرورة روك البلاد روكا جديدا، ووجوب إصلاح طرق جباية مكوس الملح والتبغ، ~~ووجوب وضع نظامات حسنة لتوزيع المياه والمناوبات، وإجراء الأشغال العمومية، وضرورة ~~إبطال السخرة إلا فيما يختص بالأعمال المنفذة للمصلحة العامة التي لا يختلف عليها ~~اثنان، ووجوب تعيين مدد للخدمة العسكرية، وتحديدها مع اتخاذ طرق ملائمة للتجنيد. # على أنه لم يكن في دائرة المستطاع تنفيذ هذه الإرشادات إلا مع الزمن، بالاستعانة على ~~إخراجها إلى حيز العمل بموظفين من ذوي الكفاءة والذكاء، وبإدخال تغيير تام على عقلية ~~الشعب حتى يقلع عن اعتقادين لا يمكن لأية إدارة أن لا تختل بدونهما، ألا وهما أن ذوي ~~الشأن لا يناقشون فيما يفعلون، لأنهم أصحاب السلطة، وكل سلطة من الله، وأن موظفي ~~الحكومة ومستخدميها ليسوا مكلفين بأداء الواجب الذي تقضي عليهم وظائفهم به إلا إذا ~~استميلت رغبتهم إلى أدائه بواسطة نقود أو هدايا. # ثم إنه لم يكن في دائرة المستطاع تنفيذ تلك الإرشادات، مع الإبقاء على نظام الحكومة ~~الفردية المطلقة، لأنه اتضح من التحقيقات أن عين الخديو، مهما كانت حادة النظر، لا ~~تستطيع رؤية كل شيء، وأن إرادته، مهما كانت نيرة ومتماسكة وحاضرة، لا تستطيع القيام في ~~كل مكان مقام الإرادات المحلية، وحمل الكل على اتباع جادة الاستقامة والنزاهة، ولأن ~~الاختبار التاريخي دل على أن أعاظم عظماء الرجال، كقيصر ونابليون، لم يتمكنوا - بالرغم ~~من سعة مواهبهم السامية - ومن انكبابهم على العمل أكثر من ثمان عشرة ساعة في اليوم، من ~~الحلول من الآلة الإدارية محل الروح من الجسد في جميع أجزائها على السواء، فكيف يمكن ~~ذلك للخديو، وهو - علاوة على كونه «الدولة كلها»، والإرادة الوحيدة فيها - أكبر ملاكها ~~العقاريين، وأكبر تجارها، وصاحب معامل السكر الوحيدة فيها، فيجب - والحالة هذه - تقرير ~~مبدأ «المسئولية الوزارية». # وأيضا لم يكن في ms711 دائرة المستطاع تنفيذ تلك الإرشادات، ما دامت عموم إيرادات القطر ~~تحت تصرف صاحب السلطة الفردية المطلقة، وما دام في استطاعته تحويل الأموال التي تخصص في ~~الميزانيات العامة لأغراض ما إلى غير هذه الأغراض، ما دام يمكنه أن يستعمل نقود العموم ~~في تحسين أملاكه الخاصة، واقتناء غيرها، وما دام في إمكانه رهن المستقبل إما لإشباع هوى ~~وقتي، وإما لمداواة غلطات الماضي، أو لتهدئة عواصف الحاضر. فيجب - والحالة هذه - تقرير ~~مبدأ فصل أملاك الحاكم الخاصة عن أملاك الحكومة، وتعيين مرتب سنوي له، مع مراعاة جعله ~~ضخما، لكي يمكن صاحبه من الاحتفاظ بمظاهر الأبهة والعظمة التي اعتادها الملوك ~~الشرقيون، والتي يجب أن يروهم رعاياهم متظللين بها. # واعتبرت المندوبية أن النتيجة الطبيعية لمبدأ فصل أملاك الحاكم عن أملاك الحكومة في ~~حال (إسماعيل)، إنما هي تجريده من الأملاك التي آلت إليه في مدة سني حكمه، لزعمها أنه ~~إنما اقتناها بأموال العموم، ولاعتبارها تلك الأملاك مادة جيدة للتمكن باستغلالها أو ~~بيعها من سداد مطالب الدائنين الملحين. # وكان للخديو وعائلته الخصوصية ما يقرب من مليون فدان من الأطيان الخصبة بمصر، منها ~~485 ألف فدان كان سبق رهنها لدائني الدائرة، فعرض (إسماعيل)، من تلقاء نفسه التنازل ~~للحكومة عن 289 ألف فدان من ال 431 ألف الباقية له ولعائلته، علاوة على تنازله الكلي عن ~~أطيان دائرتيه السنية والخاصة المرهونة للدائنين. # فقدرت المندوبية إيراد الأطيان المتنازل من سموه عنها، فوجدته 167 ألف جنيه سنويا، ~~وقدرت إيراد المائة والاثنين وأربعين ألف فدان التي أبقاها لنفسه وعائلته، فوجدته 224 ~~ألف جنيه سنويا، فاستنتجت من ذلك أن الخديو إنما تنازل عن أقل أطيانه جودة، وأبدت عدم ~~رضاها عن الغرض، وألحت بوجوب تنازل سموه عن كل ممتلكاته وممتلكات عائلته الخاصة في ~~الريف وفي المدن، البالغ إيرادها السنوي 423 ألف جنيه. # فعز الإلحاح على نفس (إسماعيل)، وثقلت عليه المطالبة، فأبى الإجابة. # ولكن نوبار باشا، وكان قد عاد من إنجلترا، حوالي ذلك الوقت، ودرس الموضوع درسا ~~تاما، وسبر غور قلوب الرجال الذين أخذوا على عاتقهم أمر ms712 تكييف البلاد وحكومتها ~~تكييفا جديدا، وعرف نياتهم، أشار على الخديو أن يصير الضرورة فضيلة، ويذعن لطلبات ~~المندوبية. فاقترح (إسماعيل) أحد أمرين إما تحكيم الباب العالي في المسألة، وإما أن ~~يكون تنازله وتنازل عائلته عن ممتلكاتهم في نظير مرتب سنوي ضخم للغاية. # فأبى السير ريڨرس ولسن، رئيس المندوبية، موافقته على كليهما، وأصر على وجوب إعادة ~~عموم الأملاك الخديوية إلى الحكومة. # فرأى (إسماعيل) أن غرض رئيس المندوبية الانتقام الشخصي منه - كأنه عدوه اللدود - أكثر ~~منه مصلحة الدائنين أو مصلحة البلد، وأنه إنما يرمي إلى تحقيره وإفقاره، ولئن وجد في ~~كبر صدره متسعا لقبول سلب سلطته الشخصية منه، فإنه بصفته أبا عائلة عديدة، لم يكن ~~يمكنه التخلي عن كل ثروته الشخصية، بسهولة، وبدون أن يقوم نزاع عنيف في قلبه بين حبه ~~لبلده وحبه لذويه. # غير أن ذويه ما علموا بما اقترح عليه عمله، إلا وهبوا يقدمون له خير دليل على تفانيهم ~~في حب ذاته المقدسة، وعلى استعدادهم لتضحية أعز مصالحهم في سبيل تهوين مصاعبه عليه فإن ~~الأميرة السنية والدته، والأمير محمد توفيق، أكبر أولاده وولي عهده، والأميرة بنته، ~~أرملة طوسون باشا، تطوعوا وتقدموا إلى رئيس أسرتهم عارضين التنازل، حالا، عن كل ~~ممتلكاتهم. # فقوى مثلهم الكريم روح (إسماعيل)، فاتبع نصيحة نوبار باشا، وأرسل إلى السير ريڨرس ~~ولسن؛ ينبئه أنه قابل كل مقترحات المندوبية، ثم أيد ذلك في خطاب وجهه إليه في 23 أغسطس ~~سنة 1878، قال فيه: «أما فيما يختص بالنتائج التي وصلت إليها المندوبية، فلا غرو إذا ~~قبلتها كلها لأني إنما أردت أنا نفسي العمل الذي باشرته لخير بلادي، فلم يعد علي الآن ~~سوى تطبيق تلك النتائج، وهو ما أنا عازم على عمله عزما أكيدا، ثق بذلك ثقة تامة، ~~فبلدي لم يعد من إفريقيا، وأصبح من أوروبا، فمن الطبيعي إذا أن نترك مركب الشطط القديم ~~لنقر نظاما جديدا ملائما لحالنا، وأظن أنكم سترون في مستقبل قريب تغييرات جمة هامة، ~~تتمم بسهولة أكبر مما ينتظر، فما المسألة في ذاتها سوى مسألة احترام للقانون ~~والمشروعية، والواجب ms713 فيها عدم الاكتفاء بالكلام. أما أنا فقد وطنت إرادتي على أن لا ~~أبحث إلا على حقيقة الأشياء. ولكي أبدأ بذلك خير بدء، وأدل على مقدار عزمي، فإني قد ~~كلفت نوبار باشا بتشكيل وزارة بدلا من أن أعين أنا بنفسي أعضاءها، كما كنت أفعل في ~~السابق، ربما يخال للبعض أن هذا ليس بالأمر الهام، ولكني أرى أن الاستقلال الوزاري، وما ~~هو بالشيء القليل، ينجم حتما عن هذه الخطة الجديدة، فإنها مبدأ تغيير طريقة، وهي في ~~عرفي خير تأكيد، في وسعي تقديمه، لصدق نياتي، وعزمي على تطبيق مقترحاتكم.» # وإثباتا لخطابه هذا، أرسل في 28 أغسطس كتابا إلى نوربار باشا، كلفه فيه بتشكيل ~~وزارة، جاء ضمن عباراته ما يأتي: «تأييدا لمبدأ المسئولية الوزارية، إني أريد، منذ ~~الآن، أن أقوم بشئون الحكم مع مجلس وزارتي، وبالاتفاق معهم، فكل أعضاء الوزارة يجب أن ~~يكونوا متضامنين معا، وأن يبتوا في الأمور بأغلبية الأصوات بينهم.» # وقر الرأي على أن يكون تعيين جميع الموظفين بموجب أوامر خديوية، بناء على ما يعرضه ~~مجلس الوزراء. # فشكل نوبار باشا أول وزارة مصرية مسئولة كالآتي: # نوبار باشا، رياسة الوزراء ووزير الخارجية والحقانية. # شريف باشا، وزارة الحربية. # رياض باشا، وزارة الداخلية. # السير ريڨرس ويلسن، وزارة المالية. # المسيو دي بلينيير، وزارة الأشغال العمومية. # فاقترن ببدعة عهد تشكيلها إلى رئيسها بدعة العهد بوزارتين إلى رجلين أجنبيين مسيحيين، ~~وبدعة عهد الرياسة إلى رجل لم يكن مسيحيا فحسب، ولكنه لم يكن بالمصري الصميم. أما ~~البدعة الأولى فمرت على أنظار المصريين ومسامعهم بدون أن توقف انتباههم، وبدون أن ~~يفقهوا لها معنى. وأما البدعة الثانية والبدعة الثالثة، فقد أوقفتا انتباههم بصورة ~~مؤلمة، بل لم ترق في أعين العقلاء منهم - أية كانت نزعاتهم - كما دلت على ذلك الحوادث ~~التالية. # الفصل الرابع # | الوزارة المسئولة1 # وليل رجونا أن يدب عذاره # فما دب حتى صار بالهجر شائبا # فلما تشكلت الوزارة بالكيفية المذكورة، لم يعد هناك فائدة لوجود المراقبين الماليين، ~~لأن الوزيرين الغربيين حلا محلهما، فمنح لكل منهما راتب سنة برمتها، بصفة تعويض - مع ms714 أن ~~مدة خدمتهما لم تتجاوز العشرين شهرا - وصرفا. # على أن الوزارة الجديدة لم تستلم مهام الأعمال إلا حوالي آخر نوفمبر سنة 1878؛ لأن ~~الوزيرين الأجنبيين كانا قد سافرا إلى أوروبا، بعد شهر أغسطس، لعقد قرض جديد فيها، ~~الغرض منه سداد الدين السائر. # والذي فتح بابا لوقوع فكر هذا القرض الجديد في خلد الماليين الغربيين الذين حلوا على ~~زمام مالية البلاد محل المفتش، هو قبول الخديو وعائلته التنازل عن أملاكهم، عملا ~~برغائب أولئك الماليين، وعدم اهتداء هؤلاء إلى طريقة أخرى لرفع حمل ذلك الدين السائر ~~الثقيل عن عاتق الحكومة. # فأرسل الوزيران إلى أوروبا ليتفاوضا مع محل روثتشيلد الإنجليزي على إصدار القرض ~~المرغوب فيه، ولما علم أنهما نجحا في مأموريتهما صدر في 29 أكتوبر سنة 1878 مرسوم خديوي ~~أذاع نبأ تنازل العائلة الإسماعيلية عن أملاكها للحكومة المصرية، وأذن بإجراء قرض قدره ~~ثمانية ملايين ونصف من الجنيهات تكون تلك الأملاك ضمانة لسداده، وقرر إنشاء مندوبية ~~خاصة لإدارتها، مؤلفة من مصري يعينه الخديو وإنجليزي وفرنساوي تعينهما ~~حكومتاهما. # وبعد يومين من صدور ذلك المرسوم، أي في 31 أكتوبر وقع السير ويلسن الاتفاق على القرض، ~~ولكن العواصف التي ما فتئت منذ سنتين تتضارب في سماء المالية المصرية وحولها كانت قد ~~عكرت سمعتها إلى حد أنه بالرغم من الآمال التي أحياها في صدور الماليين الغربيين ~~الانقلاب المصري الأخير، وصيرورة الأمور إلى وزارة مسئولة، وبالرغم من أن مصدر القرض ~~بيت روثتشيلد القوي المؤسسة سمعته المالية على صخرة ثقة نفس الحكومة البريطانية به، ~~فإنه لم يكن تصديره إلا بسعر 73 وبفوائد قدرها 7٪، فنجم عن ذلك أن مبلغ الثمانية ملايين ~~ونصف الاسمي نقص حتى صار ستة ملايين ومائتين وستة وسبعين ألف جنيه فقط. على أن هذا ~~المبلغ عينه لم يدفع برمته إلى الحكومة المصرية، لأنه لما جمع، وأصبح تسليمه إليها ~~ممكنا، أبى مصدرو القرض التخلي عنه حتى تستوي أولا الديون المسجلة على الأطيان ~~المرهونة، السابق صدور أحكام بها، فدفع منه، في الأثناء، مبلغ مليون و225 ألف جنيه، ~~قيمة قطعية شهر نوفمبر، ms715 و500 ألف جنيه على حساب الجزية السنوية للباب العالي، و212 ألف ~~جنيه قيمة العمولة للمصدرين، ولم يسلم، في النهاية، إلى الخزينة المصرية سوى مبلغ 4 ~~ملايين و360 ألف جنيه، دفع منه أيضا المطلوب لسداد الديون ذات الأسبقية. # فلو أمكن لروح إسماعيل صديق المفتش، مخاطبة خلفائه الطاعنين على «عملياته المالية»، ~~والتجاوزات القطعية التي فيها، أما كان يحق لها أن تقهقه في وجوههم، سخرية، وتقول لهم ~~باستهزاء: «هل عمليتكم هذه خير منها؟ فها قد أثقلتم أجود أطيان مصر بدين قدره # ملايين من الجنيهات، مع أنه لم يدخل الخزينة منه أكثر من ثلثه؟ فهل ~~هذا مقدار حذقكم ومبلغ تفننكم؟» # على أن صعوبة التخلص من الدين السائر لم تكن الوحيدة القائمة في وجه الوزارة الجديدة، ~~فإن الصعوبات كانت شتى، ولم يكن يمكن مطلقا التغلب عليها، بالرغم من تعضيد حكومتي ~~إنجلترا وفرنسا للوزارة النوبارية، إلا إذا عضدها الخديو أيضا تعضيدا قلبيا. # فمع أن البلاد كانت في أقصى الحاجة إلى استجماع كل قواها للتخلص من الدين المنيخ ~~بكلكله على قلبها، فإن نقص الفيضان في ذلك العام كان قد قضى على معظم تلك القوى، وعدم ~~سير نظام الري حسب أصول عمليته جعل نتائج هذا النقص في منتهى الوخامة، أضف إلى ذلك أن ~~المجاعة الناجمة عن قلة مياه النيل كانت ضاربة أطنابها في البلاد، وأن قوى الفلاح كانت ~~قد أرهقت كلها بالطرق التي استعملت معه في الربيع السابق، لتحصيل المطلوب لسداد فوائد ~~الدين، ومع ذلك فإن استحقاقات القطعيات أخذت تثقل في كفة ميزان الأيام منذ أوائل قيام ~~تلك الوزارة، بل قبل استلامها زمام الأمور استلاما رسميا، ففي 15 أكتوبر سنة 1878 ~~استحق قسط الفوائد وقدره 443000 جنيه على الدين الممتاز، وفي أول نوفمبر التالي استحق ~~قسط الفوائد وقدره مليونا جنيه على الدين الموحد، ولم يكن بين يدي مندوبي صندوق الدين ~~لدفع هذه المبالغ سوى 442 ألف جنيه في آخر شهر أغسطس. # واتضح من المقارنة التي عملت في آخر هذا الشهر أن إيرادات الأشهر الثمانية الأولى من ~~سنة 1878 ms716 نقصت مليونا و143 ألفا عن مثيلاتها في سنة 1877. # وما تمكنت الحكومة من سداد قسط الفوائد المستحقة على الدين الموحد، بتخصيصها لسداده ~~جانبا من القرض الروتشيلدي - كما قلنا سابقا - إلا وحل محله في الميزان هم دفع ~~المطلوبات المستحقة في الربيع التالي، وكان هما ثقيلا جدا؛ لأنه بالرغم من أن أكثر ~~المبالغ الإيرادية الأميرية تجبى في شهري نوفمبر وديسمبر من كل عام، وأن القسط المستحق ~~في أول مايو سنة 1879 كان مليوني جنيه، وقسط 15 أبريل 443 ألف جنيه، فإنه لم يكن بين ~~يدي مندوبي صندوق الدين في آخر هذه السنة سوى 302000 جنيه لدفع قسط مايو، و117 ألف جنيه ~~لدفع استحقاق أبريل فالحاضر إذا كان غما، والمستقبل هما. # ومع ذلك، فبدلا من أن الوزارة تبذل جهدها لتخفف على نفس الخديو وطأة سحب السلطة ~~والثروة منه، بدلا من أنها تعمل ما في وسعها لكي تحوز رضاه، وتنال تعضيده، فإنها سلكت ~~سلوكا جعل الدوائر المصرية وغيرها في القاهرة والإسكندرية تصفها بتهكم قائلة: «الظاهر ~~أن هذه الوزارة المسئولة غير مسئولة للخديو، ومسئولة أمام نفسها فقط.» # 2 # فنوبار باشا رئيسها، اعتمادا على كفاءته المعروفة، وارتكانا على أن مبدأ مسئولية ~~الوزارة يقضي بإبعاد الخديو كلية عن مداولات مجلس الوزراء، وبحجة أن حضور (إسماعيل) هذه ~~المداولات يكتم حرية الآراء، ويعرقل سير المباحث، من جهة، وأنه، من جهة أخرى يبقى في ~~نفوس الأمة الاعتقاد بأن الخديو لا يزال الكل في الكل - وهو اعتقاد ضار في عرفه - أظهر ~~منذ يوم تعيينه عزمه على اعتبار (إسماعيل) صفرا على الشمال، وعلى إقامة قواعد الحكم ~~بدونه، بل وعلى عكس رغائبه وآرائه، لاعتقاده أن هذه الرغائب والآراء لا تستوي مع مصالح ~~البلاد. وتمادى في هذا العزم، وفي طعنه أمام زميليه الغربيين على سوء الإدارة الماضية ~~إلى حد أن أخصاءه وأقرب الناس إلى معرفة سره أخذوا يعتقدون أنه يعمل في الحقيقة على قلب ~~مولاه ليحل محله. # ولما كانت كفاءة نوبار باشا ساطعة، لا يستطيع أن يختلف عليها اثنان، وكان الرجل قد ~~اكتسب صداقة زميليه ms717 المذكورين واحترامهما، وأوجب اعتقادهما في تفوق معارفه المحلية على ~~معارفهما، فإن السير ريڨرس ويلسن، والمسيو دي بلينيير لم يريا بدا من الانضمام إليه، ~~وتوحيد عزميهما مع عزمه. # وإذ رأيا أن نوبار باشا هذا - الذي بالرغم مما كان معروفا عن حدة طباعه وشدة لهجة ~~لسانه، كان في العهد السابق يحكم نفسه، إلى درجة عدم الخروج مطلقا، مع الخديو مولاه عن ~~حد الاحترام الذي كان (إسماعيل) يوجبه لنفسه، من جهة كبار رجال دولته، وجوبا، لا يقل ~~في دقته وإطلاقه عما كان قيصر عموم الروس، في ذلك العهد، يطالب به كبار رجال مملكته - ~~يطلق لأخلاقه كل العنان مذ اعتقد أنه أصبح مستقلا تمام الاستقلال في منصبه الرئيسي، ~~وتحت حماية الدول، ويؤكد شخصيته وذاتيته، بدون أن يبالي بجرح إحساس مولاه، ولا بأن يثقل ~~على قلبه ثقلا فوق طاقة الاحتمال، إذ رأيا ذلك، أخذ السير ريڨرس ويلسن يعامل (إسماعيل) ~~كما كان نائب الملكة في الهند يعامل أحد مهرجات الدرجة الثالثة، وشرع المسيو دي بلينيير ~~يصوغ، هو أيضا، معاملته للخديو في قالب معاملة زميليه له. # 3 # ولم يكن (إسماعيل) بالرجل الذي يحتمل ذلك أو يصبر عليه، لا سيما من نوبار خادمه ~~الخاضع الخانع بالأمس، ومن ريڨرس ويلسن الذي ظهر مذ عرفه بمظهر العدو الراغب في الأخذ ~~بثأر بائت. # فأقبل على معاكسة الوزارة معاكسة خفية، والعمل على إسقاطها، وعرفت رغبته في ذلك في ~~الدوائر الرسمية المصرية، فلم يسعها إلا العمل بما يوجبه عليها يمين الولاء ~~لشخصه. # وأول معاكسة أقدم عليها، مزاحمة مندوبي صندوق الدين والسير ريڨرس ويلسن على أموال ~~البلاد، فأرسل عمالا من قبله إلى الأقاليم ليجمعوا بواسطة المديرين، ومأموريهم، ونظار ~~الأقسام كل ما يمكن جمعه من النقود، وتحويله إلى إحدى سراياته. # فلما علم ذلك للمندوبين والوزير الإنجليزي كلفوا مفتشيهم في الأرياف بالتشدد في ~~المراقبة، وحجز كل مبلغ يجدونه مع أولئك العمال، واتفق حوالي آخر شهر سبتمبر أن أولئك ~~المفتشين ضبطوا مبلغ سبعة آلاف جنيه جمع من الريف المحيط ببني سويف، وأرسل مع بعض خدمة ~~الدائرة إلى ms718 سراي دولة الوالدة بالقصر العالي، ولكن عمال الخديو كانوا قد اتخذوا كل ~~احتياط، فرفعوا دعوى استرداد أمام محكمة مصر المختلطة فكسبوها، وألزموا أولئك المفتشين ~~بإعادة المبلغ إلى الجهة المرسل إليها. # 4 # فحدا ذلك بالمندوبين والسير ريڨرس ويلسن إلى ~~التشدد في التدابير، فوفقوا إلى حجز مبلغين كبيرين: (أحدهما) مقداره 18 ألف جنيه، حصل ~~من مديرية الجيزة، و(الثاني) قدره 50 ألف جنيه حصل من مديرية البحيرة، بواسطة مديري ~~هذين الإقليمين، وأرسلا إلى عابدين، ولما وبخوا عمال الخديو على عملهم، أجابهم أولئك ~~العمال بكل جسارة، وبدون مبالاة: «نحن لا نعرف في القطر سيدا غير أفندينا ولن نطيع غيره.» # 5 # ثم لم يمض أسبوعان إلا وعلم الغربيين أن عمالا آخرين جبوا مبلغا جسيما من مديرية ~~الشرقية، وإنهم آتون به إلى مصر، فأرسلوا مفتشين قبضوا عليهم في محطة خارج القاهرة، ~~ولكن أحد ضباط الحرس الخديوي تداخل في الأمر وأنقذهم، ثم خفرهم علنا إلى سراي عابدين. # 6 # وكانت مندوبية التحقيق قد أشارت بزيادة الضرائب على الأطيان العشورية - وهو أمر كان ~~الخديو نفسه راغبا فيه قبل تنازله عن سلطته الشخصية - فلما أرادت الوزارة تنفيذ ذلك، ~~أبى (إسماعيل) إلا أن يؤخذ، أولا: رأي مجلس شورى النواب، عملا بالمبادئ الدستورية ~~عينها. # ومن البديهي أن هذه المعاكسات لم تكن تروق في عين السير ريڨرس ويلسن، أو «المفتش ~~الإنجليزي» كما أخذ يدعوه الرأي المصري العام، فتذمر منها تذمرا مرا للقنصل ~~البريطاني وللخارجية البريطانية، وازدادت معاملته (لإسماعيل) خروجا عن حدود ~~اللياقة. # فبعث اللورد سلسبري - وكان قد أخلف اللورد دربي على وزارة داوننج ستريت - إلى السير ~~ڨيڨين بمصر يكلفه بأن يبلغ الخديو «أن حكومة جلالة الملك ترى أن على سموه مسئولية خطيرة ~~جدا فيما يتعلق بنجاح النظام الجديد أو خيبته، لا سيما فيما يختص بتحصيل الضرائب، فقد ~~بلغ حكومة جلالة الملك إشاعات، إذا كانت على جانب من الصحة، فإنها قد تحمل رجالها على ~~التخوف من أن بعض الدوائر العليا بمصر، بحجة تداخل الحكومات الأجنبية في الأمور هناك، ~~تحاول إطراح كل مسئولية، وهو ما ms719 يذاع في البلد، ويعرف، فلا تحمد عقباه، فحكومة جلالة ~~الملكة تثق ثقة تامة بمقدرة البلاد على القيام بتعهداتها، ولا تشك مطلقا في نتائج ~~النظام الجديد، على شرط أن لا يعاكس في سيره، ولكنه إذا عوكس من قبل القابضين على ~~السلطة، أو أظهر هؤلاء شبه رغبة في انتقاصه، فإن الصعوبات المحيطة بنوبار باشا ~~ومستشاريه ستزيد زيادة هائلة، ومسئولية خيبتهم ستجر مسببيها إلى هاوية العواقب الوخيمة ~~التي قد تنجم عنها.» # فلما بلغت هذه الرسالة إلى (إسماعيل) تضجر، وتململ بكيفية ظاهرة، ولكنه لم يندفع مع ~~تيار غضبه، وقال وهو متجلل بكرامته: «إن هذا البلاغ لمن آلم وأخطر البلاغات التي أرسلت ~~إليه من قبل حكومة جلالة الملكة، وأنه يأسف أسفا شديدا على أنها ارتأت ضرورة استعمال ~~لهجة معه يراها هو، جائرة، ولا يرى نفسه أنه يستحقها، وأن نصائح الحكومة البريطانية ~~أبديت لغاية تلك اللحظة في قالب العطف الظاهر عليه وعلى أسرته، ولكنه يخال له الآن أنهم ~~متحيزون ضده تحيزا بينا، وعلاوة على ذلك، فإن المسئولية التي يرغبون في إلقائها عليه ~~فيما يتعلق بنجاح النظام الجديد وجباية الضرائب ليست منطقية ولا عادلة، فإنه تخلى عن ~~أملاكه الخاصة، وعن سلطته الشخصية، وقبل برغبته مركز حاكم دستوري، فأنشئت وزارة مسئولة ~~لتقوم بشئون الحكم، فإذا كان ما يفهمه من مبادئ الحكم الدستوري في محله، فإن المسئولية ~~ملقاة على عاتق الوزارة لا على كتفي مليك البلاد، وأما فيما يتعلق بجبي الضرائب فلا حول ~~ولا طول له في الأمر، ولذا فلا سبيل إلى إلقاء أية مسئولية عليه من هذه الوجهة، وأما ~~فيما يختص بربط ضرائب جديدة فإنه لا يزال يعتقد أن ذلك لا يجوز بدون مصادقة مجلس شورى ~~النواب، ويرى وجوب جمعه لهذا الغرض، ولاستشارته في كل الاقتراحات المالية الأخرى التي ~~أبدتها مندوبية التحقيق.» # ومع أن السير ڨيڨين كان يعلم جيدا أن معظم أعضاء مجلس شورى النواب من أصحاب الأطيان ~~العشورية، وأنهم لن يوافقوا مطلقا على زيادة ضريبة لا تمس سواهم، وأنهم سيتخذونها ~~سلاحا للطعن على الوزارة، وإيقاظ السخائم ضدها، ms720 لا سيما بعد أن صدر قرار منها لجمع ~~نقود، لم يتفتق له ذهن المفتش نفسه، ألا وهو إجبار جميع الذكور البالغين الخامسة عشرة ~~من العمر على العمل في أشغال السخرة، إلا من افتدى نفسه بمال، لم يحر جوابا، وانصرف ~~وهو يتوقع شرا للنظام الجديد. # ولم يكن توقعه في غير محله، فإن الوزارة، من جهة، بالرغم من مضي الأيام بكثرة على ~~تشكيلها، لم توفق إلى عمل واحد يصح أن يكون دليلا للمصريين على أنها تمثل جانب الرقي ~~والمدنية، أو أن نياتها ترمي إلى رفع الضيم عنهم ما أمكن، وجلب الخير إليهم، ما استطاعت ~~إليه سبيلا، فإن طرق الجور والاستبداد والظلم السابق استعمالها في تحصيل الضرائب، ~~استمرت على ما كانت عليه، وبالرغم من مباحث مندوبية التحقيق وتدبيراتها، كان دفع مرتبات ~~الجيش والمستخدمين لا يزال متأخرا، وكانت مطالبة دائني الحكومة من الأهالي مضروبا بها ~~عرض الحائط، وزادت الوزارة الجديدة على ذلك أن أول عمل عملته، حينما استلمت مهام الحكم، ~~كان طرد الموظفين من الأهالي مئات مئات، عملا بما دعاه القنصل البريطاني «اجتثاث أعشاب ~~الخميرة القديمة، خميرة الموظفين الوطنيين العديمي الفائدة، والكثيري الارتشاء»، ~~واستبدالهم بغيرهم من الأوربيين، معظمهم من قليلي الكفاءة، بالرغم من المرتبات الضخمة ~~المجعولة لهم، والتي أخذوا، هم، يتقاضونها بأكملها. # 7 # ولم تظهر هذه الوزارة فضلا - إذا كان ثمة فضل في ذلك - إلا في وضعها ميزانية لسنة ~~1879 توخت فيها الصدق في الأرقام، وجاهرت بعجز يبلغ قدره مليونين من الجنيهات، ومع ذلك ~~فإن مجاهرتها هذه أثارت انفعالات الغيظ في صدور أصحاب الديون، لاعتقادهم وتصريحهم أن ~~هذا المبلغ المعجز في الميزانية قد حصل بالتأكيد من الممولين، فأين إذا ذهب؟ هذا ما ~~تساءله مكاتب لإحدى جرائد لندن الكبرى، كان مقيما بالإسكندرية وأجاب «أين ذهب؟ هذا أحد ~~أسرار خزينة الخديو الخصوصية، وما دامت مندوبية التحقيق والوزارة الجديدة لا تبلغان إلى ~~معرفة تلك الأسرار والدخول في صميم تلك الخزينة، فتأكدوا أنه لم يغير بمصر إلا ما هو تافه.» # 8 # و(إسماعيل)، من جهة ثانية - وكان تغيظه من ms721 مسلك الوزارة الوقح معه قد بلغ أشده، وكيده ~~بات لا يطاق من تتابع المظاهرات العدائية ضده، بشكل يزداد قبحا يوما عن يوم من قبل ~~الجاليات الأجنبية في بلاده (وهي الجاليات التي كانت تتلمس منه ابتساما في سني حكمه ~~الأولى وتحرق أمامه بخور المديح والثناء بل والعبودية، أيام كانت تتوقع إثراء من الفتات ~~المتساقط عن مائدته الملكية) - (إسماعيل) العالم أنه، بالرغم من تنازله عن سلطته ~~الشخصية، لا يزال مهيبا ومطاعا من رعاياه كما كان، وإنهم لا يزالون يعتبرونه «ولي ~~النعم»، وصاحب التصرف المطلق في أموالهم وأعمارهم، العالم أيضا، أن كلمة واحدة منه ~~تكفي لتوقد حريق أحقاد وضغائن ضد أولئك الأجانب، وضد الوزيرين الأوروبيين، اللذين ~~يعاملانه كأنه كمية مهملة، وضد نوبار، الذي لم يكن مسيحيا مرتبطا مع مسيحيين فحسب، ~~بل كان أرمنيا، أي من أمة ضرب العثمانيون ضدها المثل السائر على أفواههم، وهو «أرمني ~~وزر، دولت وشر». (إسماعيل) الذي كان قد صمم تصميما صادقا على عدم الخروج من الدائرة ~~الدستورية التي خطها لنفسه، لم يعد يستطيع البقاء على ذلك التصميم بعد كل الغلطات التي ~~ارتكبتها الوزارة، وبعد ما توالت عليه وخزات الإبر بدون انقطاع من الوزارة، والجاليات ~~الغربية في بلاده، وصحافتهن في القطر، وفي أوروبا بالرغم من مركزه بالنسبة لهن، ومركزهن ~~بالنسبة له، ومن قناصل الدول، وحكوماتهن، بالرغم من تصريحاته المتتابعة، الخالصة، ~~المنبئة بنيته الصادقة على تعضيد النظام الجديد، والعمل بأحكامه في مصلحة الدائنين ~~والقطر معا. # على أنه، رغم إقدامه على معاكسة الوزارة، المعاكسة التي ذكرناها، لم يظهر، حتى ذلك ~~الحين، رغبته في العود إلى استلام زمام الأمور بنفسه، وأخذ يتسلى عن مباشرة الحكم، ~~وابتعاده عن جلسات مجلس الوزراء كل الابتعاد، بملاحظة مبانيه وعماراته في جهتي عابدين ~~والجزيرة، وكانت جارية على قدم وساق، مستنفدة جانبا عظيما من النقود، كأن صاحبها إنما ~~يريد أن يتحدى الرأي العام الأوروبي في بلاده، ويظهر له مقدار احتقاره لمطاعنه، وقلة ~~مبالاته بانتقاداته على مصروفاته. # ولما وافى يوم 18 يناير سنة 1879، وهو تذكار عيد جلوسه السنوي، اتخذ من ms722 المعدات ~~والاستعدادات للاحتفال به ما لم يكن يخطر له على بال مثيله في السنوات السابقة، وألبسه ~~من الأبهة والبهجة لباسا جعله فريد أعياد الجلوس كلها، كأنه أحس أنه آخر عيد جلوس له ~~في الديار المصرية، أو كأنه أراد أن تنسيه فخامته وأفراحه الهموم المشتدة على نفسه، ~~والتي أخذ تنقش أناملها على جبهته العريضة، وتحني ظهره القدير. # فبينما العاصمتان مصر، والإسكندرية، ومعظم مدن الداخلية ظهرت متجلية بمعالم زينة ~~ازدرت بكل ما شوهد من نوعها في الماضي، فإن الوليمة السنوية والمرقص التالي لها، ~~المعتاد إقامتها بسراي عابدين، فاقا في عرف نفس متعوديهما، كل الولائم والمراقص التي ~~رأتها قاعات تلك السراي المترفة بذخا ونعيما، وذلك بالرغم من أن حريقا حديثا كان قد ~~دمر منذ بضعة أسابيع جناح الحرملك بعابدين، غير مبق إلا على القاعات الفسيحة المعدة ~~لتلك الاحتفالات. # وفاق عدد المدعوين إلى أفراح تلك الليلة كل عدد معتاد، كأنما (إسماعيل) أراد أن يشهد ~~على بهجة تواري شمسه ما استطاع جمعه حول مغيبها من الذوات، لكي يبقى ذكرها في نفوسهم ~~إلى الأبد بعد رفعه من بينهم. # 9 # ومن يدري ماذا خامره من الأفكار، إذ كان نظره يتجول بين أولئك المدعوين المبتهجين ~~حوله، ثم يقع على الآنية الفرنساوية الفاخرة الغالية الثمن جدا، الخارجة من معامل ~~(سيڨر)، والآنية الذهبية الساطعة، المتلألئة بالماس والحجارة الكريمة، الموضوعة أمام ~~أولئك المدعوين، لتقر بها أعينهم، أو إذ كان يمر على القاعات المتداخلة بعضها ببعض، ~~المزدهية بفرشها الفاخر، وأنوارها السنية، والداوية بضجة العيد، وسرور المتكئين أو ~~الراقصين، من يدري إذ رأى حينذاك على وجهي القنصل البريطاني، و«المفتش الإنجليزي» خيال ~~المقارنة التي لا بد أقامها ذان الرجلان بين وليمته تلك، ووليمة بلطشسر، الملك البابلي ~~الذي سبق لنا الكلام عنه؟ # وذوات البلاد من جهة ثالثة - وكانوا بحكم مؤثرات التربية والمصلحة مجبولين على الولاء ~~والإخلاص لخديوهم، وعلى اعتباره «ولي نعمتهم ورب إرادتهم»، كما أنهم كانوا مجبولين على ~~النظر إلى الدخلاء من الفرنج وغيرهم شذرا، واحتقارا، حتى تعدل العشرة مجاري التأثير ~~الأول - ما رأوا خديوهم ms723 متضجرا ومتململا، وأن تضجره وتململه مسببان له من أولئك ~~الفرنج، ومن نوبار باشا المدين لسموه وآله بكل ثروته، ومركزه السامي، حتى التفوا حوله ~~بعامل الولاء والغيظ، بإرادات متحدة، وقلوب متحمسة. ولما علموا بعد ذلك أن الوزارة تريد ~~زيادة الضرائب على أطيانهم العشورية إرضاء لأصحاب الديون الأجانب، وأن سمو الخديو هو ~~الذي يعارضها في إرادتها، وأنها ألغت الإعفاء من السخرة، الذي كان المشتغلون في أطيانهم ~~العشورية متمتعين به، إذا افتدوا أنفسهم، أي إذا دفعوا - هم أصحاب تلك الأطيان - المال ~~المطلوب لإعفائهم، بلغ غيظهم من الفرنج والوزارة أقصاه، وولاؤهم وإخلاصهم للخديو أعلى ~~درجاتهما. # والأهالي، من جهة رابعة، كانوا هم أيضا، بمؤثرات، ستين قرنا، مجبولين على الشعور ~~بأن مليك البلاد صاحب التصرف المطلق في أموالهم وأعمارهم، وأنه، ما عدا عرضهم ودينهم، ~~محق في أخذ أي شيء يرومه منهم، كما أنهم كانوا بعاملي تأثير الأجيال العديدة الماضية، ~~والجهل المطبق، مجبولين على كره «النصارى الملاعين» - و«النصارى» في عرفهم الفرنج، ~~اللابسون برانيط ، حتى لو كانوا يهودا - ومستعدين لأن يكونوا وقودا لأية نيران عاطفية ~~يروق لذي مصلحة إيقادها في صدورهم، الأهالي الناظرون إلى الذوات المتسلطين عليهم نظر ~~التعظيم والتبجيل، والمستعدون لإرضائهم بكل ما في وسعهم، حتى بنسيان مظالهم السابقة، ~~إتقاء لمظالمهم المستقبلة، كانوا طوع أمر أفندينا والباشوات والبيكوات، بل ومشايخ ~~البلاد ذاتهم، ومستعدين لقول وعمل أي شيء يريدونه. # والمستخدمون، من جهة خامسة، (سواء في ذلك الباقون في الخدمة، والمرفوتون لإبدالهم ~~بموظفين غربيين)، العارفون حق المعرفة أن مرتباتهم المتأخرة والمستحقة أولا فأولا لا ~~تدفع لهم، لا لأن قلة إيرادات البلاد تحول دون دفعها، ولكن لأنه بالرغم من سحق مواطنيهم ~~تحت ثقل الضرائب والمكوس، تكاد خزائن الحكومة كلها لا تكفي لإشباع مطامع الدائنين ~~الأجانب، المستخدمون الراءون أن الحكومة الجديدة لا تكيل لموظفيها ومستخدميها الأجانب، ~~ولا تزن لهم بالكيل الذي تكيل به والوزن الذي تزن به لهم، وأنها تدفع لهؤلاء كل ~~مرتباتهم، بالرغم من جسامتها، وأن معظم المنصرفة لهم هذه المرتبات يكادون لا يعملون بها ~~شيئا، المستخدمون الراءون نساءهم وأولادهم ms724 يتضورون جوعا، ولا يدرون كيف يكون المصير، ~~كانوا كذلك مادة سهلة الالتهاب، سريعته بين يدي من كان ذا مصلحة في إلقاء شرارة ~~عليها. # ففي الأسبوع الأول من شهر يناير سنة 1879 أتى إلى مصر وفود من وجوه الأقاليم يحملون ~~تظلمات الأهالي من الشدة والصرامة المستعملتين من عمال الحكومة في تحصيل الضرائب، ~~وينذرون بمصير الأمور إلى ما لا تحمد عقباه، إذا استمرت الحال سائرة على ما هي ~~عليه. # فقلق السير ڨيڨين، وأرسل ينبئ بالجاري وزارة الخارجية البريطانية في 11 يناير، بما ~~نصه: «إن البلاد أخذت تغلي بعض الغليان، كما يدل على ذلك مجيء عدة وفود كبيرة من مشايخ ~~الأقاليم للاحتجاج على استعمال الضغط الجاري الآن في تحصيل الضرائب، ويقولون لي إنه من ~~المحتمل أن تقوم معارضة في مجلس شورى النواب ضد الاقتراح المزمع تقديمه من الحكومة ~~بخصوص زيادة الضرائب على الأطيان العشورية - وهي زيادة واقعة على الأخص على طبقات ~~الأهالي ذات اليسار - ولو كان هذا الغليان طبيعيا لما كان مظهرا غير مرضي، ولكني ~~أراني على بينة في اعتقادي أنه مفتعل، بواسطة عمال عكروا المياه في الخفاء، وربما ~~استخدموا لهذا الغرض من الخديو نفسه، وقد سمعت من مصدر موثوق به أن قادة الرأي في مجلس ~~شورى النواب استدعوا سرا، وعرفوا بأن الخديو لن يكون متكدرا إذا رآهم يقاومون ~~إجراءات إدارة أجبر على قبولها، بالرغم من أن جميعها في أيدي الأوروبيين، وهكذا فإن ~~الوزارة الجديدة - علاوة على الصعوبات المالية الخطيرة المحيطة بها، وعلى أن مهمتها في ~~إنشاء النظام، والترتيب من الفوضى والعدم مهمة تكفي وحدها لاستنفاد القوى البشرية - ~~مضطرة إلى التنازع مع أعداء مكشوفي اللثام، ليس فقط، بل مع ختل داخلي في منتهى الخطورة ~~سائر إلى غايته التي يرمي إليها، بالرغم من توالي الإنذارات المخيفة عليه فلا سبيل ~~للحكومة إلى الفلاح في هذه الظروف إلا إذا كانت متكاتفة متضامنة، يشد بعضها أزر بعضها ~~الآخر، وتنزل إلى الميدان، وجبهتها متحدة، وإذا سلكت سلوكا في غاية الشجاعة والعزم، ~~متجنبة كل التحايلات والتلونات، وعضدتها الحكومتان الإنجليزية ms725 والفرنساوية تعضيدا ~~محسوسا.» # ولكن هل كانت الوزارة متضامنة، متكاتفة في وسط الشدائد المحيطة بها؟ كلا، فإن التحاسد ~~والتزاحم على النفوذ الناشئين من المنافسة الدولية، واللذين ما فتئا عاملين على إيجاد ~~شقاق مستمر بين القنصل العام الفرنساوي والقنصل العام الإنجليزي، تسربا إلى الوزارة ~~النوبارية، وقاما بين السير ريڨرس ويلسن والمسيو دي بلينيير، ومع أن مظهر نوبار وشهرة ~~حبه لإنجلترا كان من شأنهما أن يجعلاه في صف الوزير الإنجليزي، إلا أن أخلاق ويلسن ~~وأطباعه جعلته ينحاز دائما إلى الوزير الفرنساوي ويعضده. والحق يقال إن السبب في ذلك ~~أيضا هو أن المسيو دي بلينيير، بالرغم من أن الغرض من تعيينه في الوزارة كان الدفاع عن ~~مصالح الدائنين الفرنساويين، كان يميل جدا إلى مراعاة الفلاح المصري، وتخفيف وطأة ~~الشدة عنه - وهو ما لا خلاف في أن نوبار باشا كان يريده أيضا من صميم فؤاده - بينا ~~السير ويلسن كان في شدة كرهه للخديو، يرى وجوب استعمال الشدة المتناهية مع الفلاحين، ~~كأنه يريد أن ينتقم في أشخاصهم من (إسماعيل)، أو كأن ولاءهم للخديو، وإخلاصهم له على ~~كونه، في اعتقاد السير ويلسن، السبب الوحيد في ذلهم وبؤسهم، وفي الأثقال الباهظة ~~الملقاة على عواهنهم، قذى في عينيه لا يطيق احتماله، ويرى وجوب عقاب أولئك المساكين ~~عليه، فلم يكن يبخل عليهم بالكرباح والسوط، كلما أحب أن يجبي منهم مالا. وكان ضنينا ~~على تنسيتهم أيام «صديق باشا، المفتش» سلفه في دست وزارته. # فمع وجود هذا النزاع بين أعضاء الوزارة، وإنجابه حتما، خلفا في الآراء والمداولات ~~على شدة شعورهم جميعا بأن سلامتهم وسلامة النظام الجديد المتمثل في أشخاصهم - إزاء ~~ميول المليك والذوات والأهالي والمستخدمين - إنما هي في تكاتفهم وتعاضدهم، هل كان من ~~المنتظر أن يتسلحوا بفطنة تصونهم عن الوقوع في الخطأ، وتمنعهم عن ارتكاب الشطط في غير ~~دائرتي الخطأ والشطط المعتادين؟ # هذا ما كان يشك فيه خصومهم، وما كانوا واقفين لهم بالمرصاد من أجله. # وفي الواقع فإن الوزارة النوبارية - رغم كل المنذرات الثائرة حولها، ورغم كل العظات ~~المقدمة لها من الظروف ms726 - شدت على عينيها عصابات الغشاوة، وتعامت إلى حد ارتكاب الغلطة ~~الوحيدة التي كان يجب عليها أن تتحاشاها قبل غيرها، بل دون غيرها. # وذلك أنه لما اتضح لها أن دفع قطعية ربيع سنة 1879، والانفاق على شئون الإدارة، ~~يتعذران معا، مهما بولغ في استعمال الشدة مع الفلاحين لتحصيل إيرادات العام مقدما، ~~قر رأيها في أوائل فبراير على الاقتصاد في مصاريف الجيش المصري، فحول السير ويلسن ~~ألفين وخمسمائة ضابط على الاستيداع دون أن يصرف لهم شيئا من رواتبهم المتأخرة، وصيرهم ~~هكذا مع عائلاتهم إلى أقصى حدود الفقر المدقع. # ولا أدل على ما وصلت إليه حالة أولئك الضباط مما وقع لاثنين منهما، نرويه نقلا عن ~~كتاب الليفتننت كرنل داي الأمريكاني، المعنون «مصر الإسلامية والحبشة المسيحية» قال: ~~«تأخر أحد الضباط المصريين عن دفع أجرة بيته لصاحبه، فلما ضاق رب البيت به ذرعا، ~~اشتكاه لوزارة الحربية، فأنزلته الوزارة درجة، بعد تأنيبها إياه تأنيبا مؤلما على عدم ~~دفع الأجرة، غير ناظرة إلى أن تأخر الضابط عن دفعها إنما هو نتيجة تأخر الحكومة عن صرف ~~مرتبه له الأشهر الطوال. # فلما انتشر بين الضباط خبر ما أصاب زميلهم، احتاروا في أمرهم، ولم يدروا ما ~~التدبر. # وما لبث أن أقبل صاحب البيت الذي كان أحدهم ساكنا فيه يطالبه بالأجرة المتأخرة عليه، ~~فخاف الضباط أن يصيبه ما أصاب زميله، فأعمل فكره لحظة، ثم خرج من الباب، واستدعى أول ~~حمار قابله، فأتاه بحماره، فركب الضابط الحمار، وقال للحمار: «امكث هنا حتى أعود إليك»، ~~وأنقده أجرته مقدما، ثم امتطى الحمار، وذهب به إلى السوق، فباعه هناك، وعاد بثمنه، ~~فأعطى صاحب بيته مبلغ الأجرة المطلوب له، وسلم باقي الثمن للحمار، وصرفه دون أن يبالي ~~بندبه وعويله.» # 10 # وكان يوجد في ذلك الوقت بالعاصمة أمثال هذين الضابطين خمسمائة فقط، ولكن شريف باشا ~~وزير الحربية، تنفيذا لقرار آخر أصدرته الوزارة بصرف جزء من المرتبات المتأخرة للضباط، ~~استدعى إلى العاصمة الألفين الباقيين، لكي يأخذوا ما تقرر صرفه لهم، ويودعوا سلاحهم تحت ~~تصرف الحكومة، فجمع هكذا بمصر جمهورا ms727 متقليا على جمر مؤلفا من 2500 ضابط، بين أن ~~حامية مصر كلها لم تكن تزيد على ألفين وستمائة جندي، معظمهم من الشاعرين مع الضباط ~~المحالين على الاستيداع، ويقال إن شاهين باشا أبلغ الخديو تذمرهم المر، وأن الخديو ~~أجابه: «ولم هم ساكتون؟» فنجم عن ذلك جميعه ما كان يجب أن ينجم عنه حتما. # فإنه في اليوم الثامن عشر من شهر فبراير، بينما كان السير ريڨرس ويلسن، بعد انصرافه ~~من لدن الحضرة الخديوية عقب تشرفه بمقابلتها، ذاهبا في عربته إلى سراي المالية، لم يكد ~~يجاوز عابدين قليلا إلا ورأى، على بعد بضعة أمتار أمامه، جمهرة عاجة، فأمر حوذيه أن ~~يسرع السوق لكي يقف على معنى الصياح البالغ أذنيه، فساق الحوذي، وسرعان ما رأى السير ~~ويلسن رئيسه نوبار باشا في عربته، محاطا بجمهور من الضباط المحالين على الاستيداع، ~~تتداوله أيدي جماعة منهم، كانوا قد وثبوا به في مركبته، بينما كان غيرهم قد قبض على ~~رءوس الجياد وأوقفها، فنظر إليه، وإذا به قد قطع رباط رقبته، وطرح طربوشه أرضا، وديس ~~في الوحل، وتوالت على وجهه الصفعات كأنما الجائدون عليه بها يقولون «خذ هذه تنفعك، وهذه ~~تضرك.» # ولما وقعت عين نوبار على ويلسن صرخ إليه: «أن سر إلى المالية بسرعة، فالقوم إنما ~~يطالبون بمرتباتهم المتأخرة.» # ولكن الضباط كانوا قد لمحوا السير ريڨرس ويلسن - وكرههم له كان يفوق كرههم لنوبار عدة ~~أضعاف - فهب بعضهم وأوقف جياد عربته أيضا، ووثب ستة منهم داخل المركبة، وقبضوا على ~~لحيته، ونتفوها، وأشبعوه ضربا ولكما، أكثر بكثير مما نال نوبار على أيدي ~~زملائهم. # وما زالوا بالوزيرين، بهدلة وإهانة، حتى أوصلوهما إلى باب المالية، فسحبوهما هناك من ~~عربتيهما، وأدخلوهما تحت صيب من الصفع والرفس إلى الوزارة، وساقوهما إلى غرفة السير ~~ويلسن، حيث أفهموهما أنهم إذا لم تصرف لهم مرتباتهم، كالوا لهما مما ذاقا أضعافه، فإن ~~المتأخر للجميع كان لا يقل عن مرتبات خمسة عشر شهرا، بينا المتأخر لبعضهم كان يزيد على ~~العشرين شهرا. # فتذكر نوبار ما كان من سحر محادثته لإبراهيم الهمام ms728 أثناء عودته معه من الأستانة إلى ~~الإسكندرية. # وأقبل يواعد ويراوغ أولئك الضباط السائرين، حتى بلغ أذنه وقع حوافر جياد عربة، ~~وارتفاع أصوات تحيات، وتهاليل في الخارج، فأدرك أن الغوث قد أتى. وفي الواقع لم تمض ~~دقيقة إلا وشوهد الخديو يترجل على باب المالية، ويسرع إلى نجدة وزيريه التعسين. ولندع ~~الكلام هنا للسير ڨيڨين، قال: «حالما أبلغت ما كان جاريا في المالية، أسرعت إلى ~~عابدين، وأنبأت به الخديو، فنزل سموه وأركبني في عربته، وذهبنا معا إلى وزارة المالية، ~~فوجدنا جمعا غفيرا يحيط بها، ولكنهم فتحوا في الحال ازدحامهم أمام عربة الخديو، وحيوه ~~وهللوا له، فدخلنا، ووجدنا في إحدى غرف الدور الأعلى نوبار باشا والسير ريڨرس ويلسن، ~~ورياض باشا في وسط المتمردين من الضباط، على أنا لم نجد أحدا منهم مجروحا وإن كانت ~~علامات الإهانة بادية على الاثنين الأولين. فلما تأكد الخديو من سلامتهما، التفت إلى ~~المتمردين، وبعد أن وعدهم بإجابة طلباتهم العادلة، أمرهم بمغادرة السراي، قائلا: «إذا ~~كنتم ضباطي، فيمينكم تلزمكم بطاعتي، فإن رفضتم كنستكم كنسا»، فأطاعوه على غير رغبة، ~~وتذمر بعضهم، وتمتم طالبا تركهم وشأنهم في تسوية حساباتهم كما يشاءون، وسمع غيرهم يصيح ~~«ليمت الكلاب النصارى»، فأنزلهم الخديو السلالم، وأخرجهم إلى الرحبة حيث اجتمعوا ~~بزملائهم المحاصرين الأبواب، فأطل الخديو من نافذة، وأمرهم بالتفرق كلهم، والذهاب إلى ~~بيوتهم، فرفضوا. # فاستدعى الجيش، فأطلق بعض الضباط مسدساتهم في الهواء، ولكن بعض العساكر جرح بالرغم من ~~ذلك، فأعمل الجند رءوس حرابهم، وأصابوا بعض المتمردين بجراح، وجرح أيضا تشريفاتي ~~الخديو بضربة سيف، وهو بجانب مولاه، وتعرض الخديو عينه إلى خطر كبير، على أن الأمر كله ~~لم يدم أكثر من نصف ساعة، وبعد أن تولى الخديو إرسال الوزراء مخفورين بحرس كاف إلى ~~منازلهم، عاد إلى سراي عابدين.» # غير أن هذه الحادثة جعلته يصمم تصميما أكيدا على استعادة زمام الحكم إلى نفسه، خشية ~~حدوث ما لا تحمد عقباه، فبعث في عصر ذلك اليوم عينه، واستدعى قناصل الدول، وأنبأهم أنه ~~إذا لم يعدل مركزه وتعاد إليه السلطة التي ms729 هي من حقوقه، فإنه لن يكون مسئولا عن الأمن ~~العام في البلاد. # ففي اليوم التالي، انعقد في منزل القنصل البريطاني مجلس حضره هو والمسيو جود، والقنصل ~~الفرنساوي العام، ونوبار باشا، والسير ريڨرس ويلسن، والمسيو دي بلينيير، والميچر بارنج ~~مندوب صندوق الدين الإنجليزي، وتداول فيما فاه الخديو به البارحة، فقر رأيهم على أن ~~يسألوه كيف يريد أن يعدل مركزه، ثم ساروا إلى عابدين، وصعد القنصلان إلى مقابلة ~~(إسماعيل)، بينما الباقون أقاموا في انتظار الرد في إحدى حجر الدور الأرضي. # ولم يبطئ الرد كثيرا، فإن القنصلين عادا إليهم به بعد قليل، وإذا مفاده «أن الخديو ~~لن يكون مسئولا عن السكينة العامة إلا إذا أعيد إليه نصيبه الشرعي من حكم البلاد، وصرح ~~له إما بترؤس مجلس الوزراء، أو بانتخاب رئيس للوزارة يثق به ويرتاح إليه، وأنه يشترط ~~اشتراطا لا يقبل مع رفضه اتفاقا، أن نوبار باشا الذي ثبت لديه أنه عامل على اجتثاث ~~سلطته ونسفها، ينسحب حالا من الوزارة.» # فسأل القنصلان نوبار باشا «هل في استطاعتك - إذا ألحينا على بقائك في منصبك - أن تضمن ~~الأمن العام؟» فأجاب «كلا، ولست أرى طريقا مفتوحا أمامي، والظروف كما هي، سوى أن ~~أرجوكما أن تبلغا سموه استقالتي، وترجواه أن يصرح لي أن أعيش كفرد، لا صبغة رسمية لي، ~~في القطر، آمنا ومطمئنا على نفسي.» # فبلغ القنصلان الاستقالة والرجاء إلى الخديو، فأجاب أنه يقبل الأولى، ويجود بإجابة ~~الثانية، على شرط أن لا يتداخل نوبار باشا في السياسة، ولا يمين أو يخاتل أو ~~يدس. # فلما اتفق على ذلك، ذهب الأمير حسن باشا، بصفته قائد عام الجيش المصري إلى السير ~~ريڨرس ويلسن، واعتذر إليه عما لحقه من إهانة على أيدي الضباط، ثم اقترض مبلغ 400 ألف ~~جنيه من بيت روثتشيلد، ودفعت متأخرات الجندية منه، دون أن يعاقب أحد من الثائرين، فعرفت ~~الجندية بذلك قوتها، فلم تعد تنساها، وربما تفرخت الثورة العرابية كلها من بيضة تلك ~~الفتنة. # الفصل الخامس # | بين الكاپيتول والصخرة الترپيئية1 # نحن بنات طارق # نمشي على النمارق # غير أن ms730 فوز (إسماعيل) لم يكن كاملا، ولو أنه تخلص من وزير كريه لديه رغم تعضيد ~~الحكومتين البريطانية والفرنساوية له، وذلك لأن اللورد سلسبري كتب إلى القنصل ~~البريطاني، وكلفه بأن يخطر الخديو أن الحكومتين عازمتان على العمل معا في كل ما له ~~علاقة بالشئون المصرية، وأنهما لا تقبلان إدخال أي تعديل على مبدأ الاتفاقات السياسية ~~والمالية التي وقعها سموه منذ عهد قريب، فإن استعفاء نوبار باشا ليس في أعينهما سوى ~~أهمية شخصيته، ولكنه لا يعني تغييرا في النظام المقرر. # فأجاب الخديو أنه يتعهد بالمحافظة على المواثيق الصادرة منه في شهر أغسطس الماضي، ~~وأنه يرغب من صميم فؤاده المحافظة أيضا على اتفاقاته المالية، ولكنه لا يمكنه أن يكيف ~~منذ الآن قرارات مجلس الوزراء في هذا الموضوع. # ثم دارت المفاوضات على تشكيل الوزارة الجديدة، فألح السير ريڨرس ويلسن والمسيو دي ~~بلينيير بوجوب إعادة نوبار باشا إليها، وكتبا إلى حكومتيهما يحرضانهما على تعضيد ~~مطلبهما. # فانحازت الحكومة البريطانية إلى رأي السير ريڨرس ويلسن، وكتب اللورد سلسبري إلى السير ~~ڨيڨين بأن مركز السير ريڨرس ويلسن قد يصبح في منتهى الحرج، بل قد يتعذر إبقاؤه إذا لم ~~يعد نوبار إلى الوزارة. # فلم يوافق السير ڨيڨين على ذلك، وأبدى مخاوفه من أن يؤول التشبث بنوبار، مع وجود ~~(إسماعيل) على العرش المصري إلى شدائد وارتباكات لا يسع الحكومة البريطانية إلا ~~تجنبها. # أما الحكومة الفرنساوية فلم تنحز إلى رأي المسيو دي بلينيير، وذهبت إلى أنه لم يعد من ~~الموافق التمسك بنوبار مذ أظهر الخديو عدم رضاه عنه، فوافقتها على ذلك الحكومة ~~الإنجليزية، ولكنها رأت في الوقت عينه أن تلفت نظر (إسماعيل) إلى أنها تعتبره مسئولا ~~عن الصعوبات الحديثة التي نجمت بمصر، وأنه في حال قيام غيرها من نوعها، فإن العواقب قد ~~تكون وخيمة عليه. # ولما فرغ من أمر نوبار، أبدى الخديو بعض اقتراحات، فقابلها الوزيران الأوربيان ~~بعكسها، وما زالت المفاوضات جارية بين عابدين والقنصلين، ووزارتي خارجية الدولتين ~~الغربيتين - وإدراة البلاد متعطلة في الأثناء - حتى قر رأي اللورد سلسبري والمسيو ~~وادنجتن أخيرا ms731 على أن الخديو لا يحضر في أي حال من الأحوال جلسات مجلس الوزراء، وأن ~~الأمير محمد توفيق ولي العهد المقترح تعيينه من أبيه ذاته، يعين رئيسا لمجلس الوزراء، ~~وأن الوزيرين الأجنبيين يكون لهما حق منع كل إجراء يريانه. # ولما عرضت هذه الأمور على (إسماعيل) أبدى ارتياحه إليها، وشكر للدولتين موافقتهما على ~~رغبته في منع نوبار باشا عن دخول الوزارة وقال: «إنه سيبذل جهده لمساعدة وزرائه، إذا ~~وجد منهم الرغبة عينها في ضم مجهوداتهم إلى مجهوداته، وأنه يشعر تمام الشعور بالمسئولية ~~الملقاة عليه فيما يختص بنجاح الأعمال على المحور الجديد الموضوع لها.» # وفي 10 مارس صدر الأمر القاضي بتعيين الأمير محمد توفيق رئيسا للوزارة الجديدة، فلما ~~أقدم على تشكيلها، أبدى الخديو رغبته في أن يعهد إلى رياض باشا بوزارتي الخارجية ~~والحقانية بدل وزارة الداخلية، التي كانت معهودة إليه في الوزارة السابقة، فعارض في ذلك ~~الوزيران، بحجة أن رياض باشا الرجل الوحيد الذي يمكنه أن يمنع كل تداخل غير دستوري في ~~إدارة الأقاليم الداخلية. # ولكن القنصلين عضدا رأي الخديو بحجة أن إجباره على تعيين وزرائه على غير رغبته لا ~~يتفق مع المسئولية الشخصية التي طولب بها، فخالفتهما حكومتاهما، وانضمتا إلى معارضة ~~الوزيرين الغربيين، فأبى (إسماعيل) في الأول إلا عدم إبقاء رياض باشا على رأس وزارة ~~الداخلية، ولكنه رضي في النهاية، فعهدت إلى الرجل وزارتا الداخلية والحقانية، وتمكنت ~~الوزارة من التشكل في 22 مارس، أي بعد استعفاء نوبار بنيف وشهر. # على أنه - قبل استلامها مهام أعمالها - وقع خلاف شديد بين السير ڨيڨين القنصل ~~البريطاني، والسير ريڨرس ويلسن، وزير المالية المصرية، منشأه أن القنصل كان يميل إلى ~~إشراك (إسماعيل) في الحكم، بالرغم من عدم حضوره جلسات مجلس الوزراء، لاعتقاده تعذر ~~الحكم بدون مساعدته، ووجوب إرشاده إلى الطريق القويم، بالتي هي أحسن، بدلا من استعمال ~~العنف لتسييره فيه، وأن السير ريڨرس ويلسن كان يرى السلامة كلها في إبعاده عن كل تداخل ~~في شئون الإدارة، ووضعه تحت مراقبة شديدة تصيره صفرا على الشمال. # فانقسم عالم الرسميات ms732 قسمين أحدهما تحزب لمبدأ السير ڨيڨين، والآخر لمبدأ السير ~~ويلسن، وأخذت التقارير ترسل متناقضة إلى الحكومة الإنجليزية، فوقعت في تخبط لا تحير ~~أمرا. # ولما كان السير ريڨرس ويلسن من كبار رجالها، وكان وجوده بمصر على رأس وزارة المالية ~~المصرية مجرد انتداب بإجازة، وأن وقوع الخلاف بهذا الشكل بينه وبين القنصل البريطاني لا ~~ينتج سوى تمكين الراغب في الصيد في الماء العكر من نيل مرامه، استدعت الحكومة ~~البريطانية السير ڨيڨين إلى لندرا في 15 مارس، وأرسلت عوضا عنه السير فرنك لاسل، ~~وزودته بتعليمات مفادها «وجوب مساعدته السير ريڨرس ويلسن في معاملته للخديو، ومساعدة ~~قلبية فعالة.» # ونحن ندري كيف كانت معاملة السير ريڨرس (لإسماعيل)، فلا غرابة إذا اتسع الخرق بينه ~~وبين العنصر الغربي، وإذا وجد نفسه غير قادر على التشرب بمبادئ النظام الجديد، فمبدأ ~~تصييره إلى لا شيء في سياسة البلاد استمر معمولا به، بالرغم من تخلصه من نوبار باشا، ~~والشروط التي أجبر على قبولها كانت من الثقل والمذلة بحيث لم يكن يستطيع احتمالها، ~~بالرغم من حسن نياته، وقوة عزمه. # وعليه فإنه لم يمض أسبوع على تشكيل الوزارة إلا وشرع النزاع بين الخديو ووزير ماليته ~~يبدو للعيان، فالفوائد السارية على قرض سنة 1864 كانت تستحق في أول أبريل سنة 1879، ~~وقدرها 240 ألف جنيه. ولم يكن في 28 مارس بين يدي مندوبي صندوق الدين سوى 180 ألف ~~جنيه. # ولما كانت فوائد ذلك القرض مضمنة، من جهة، عملا بالمشروع الجوشني بضريبة «المقابلة»، ~~وكانت مندوبية التحقيق، من جهة أخرى، عاملة في ذلك الحين على تجهيز مشروع تصفية نهائية ~~للحال المالية، ارتأت فيه إلغاء قانون «المقابلة»، قر رأي مجلس الوزراء بالاتفاق مع ~~أعضاء المندوبية على تأجيل دفع استحقاق أول أبريل هذا إلى أول مايو التالي، وجهز السير ~~ريڨرس ويلسن نص المرسوم السامي الواجب لذلك الغرض، وعرضه على الخديو ليوقعه. # فأبى (إسماعيل) توقيعه قائلا: «إن هذا المرسوم إنما هو، في الحقيقة، إشهار إفلاس، مع ~~أنه لا يرى البلاد مفلسة، ويعتقد إمكان القيام بجميع تعهدات الحكومة المالية. ولا ms733 ~~يستطيع توقيع مرسوم كهذا في مواجهة التعهدات السياسية والمالية التي أجبرته عليها ~~حكومتا بريطانيا العظمى وفرنسا.» # فأدى رفضه إلى إدخال بعض تعديلات لفظية على نص المرسوم، أمكن معها حمل الخديو على ~~توقيعه. # غير أن رأي مندوبية التحقيق في وجوب إلغاء قانون «المقابلة» كان في الأثناء قد انتشر ~~في الأوساط والمنتديات المصرية. ولما كان إلغاء ذلك القانون في غير مصلحة الطبقات ~~الغنية وفئة الذوات، لأنهم الوحيدون الذين استفادوا، وكانوا لا يزالون يستفيدون منه، ~~أخذت اجتماعاتهم تتوالى ومداولاتهم تطول وتحتد، ومرماها مقاومة فكرة الإلغاء بكل ما في ~~الحول والطول. # ففي أول أبريل كتب السير فرنك لاسل إلى اللورد سلسبري ما يأتي: «يوجد الآن هنا حركة ~~أفكار عنيفة واسعة، والظاهر أن الشيخ البكري نقيب الأشراف، وشيخ مشايخ الطرق يدعو في ~~بيته الوجهاء والعلماء إلى اجتماعات متوالية، غرضها إثارة كره ديني ضد الوزيرين ~~الأوروبيين، وأن الخطباء في المساجد جاهروا باعتبارهم رياض باشا صديقا للمسيحيين، ~~وعاملا على الإضرار بالمسلمين، وهو ما قد يدعو إلى استقالته من منصبه، لأن حياته باتت ~~معرضة للخطر، وأشار عليه رئيس البوليس مرارا بضرورة التوقي.» # وفي 4 أبريل كتب السير فرنك لاسل نفسه «يظهر أنه ليس هناك شك في حدوث الاجتماعات التي ~~قلت عنها، وفي أن المخابرات متصلة بين الخديو، وأهم الأشخاص الذين حضروها، ولكن الغرض ~~الذي يرمون إليه هو الحصول على تعضيد لمشروع مالي يجهزه الخديو، معارضة لمشروع السير ~~ريڨرس ويلسن، وأيضا حمل القوم على تحرير عرائض لسموه يلتمسون بها أن ينفذ في مصر ~~الدستور العثماني الذي أعلن هنا سنة 1877، وما فتئ، منذ ذلك الحين كتابة ميتة. وقد قيل ~~لي: إن الأسباب التي تبدو لحمل السراة على توقيع تلك العرائض هي أنه في حال نجاح مشروع ~~السير ريڨرس ويلسن تزداد الضرائب على الأطيان العشورية زيادة كبيرة، وتضيع المزايا التي ~~منحها قانون «المقابلة»، وأن العلماء حملوا على الاعتقاد بأن نية الوزيرين الأوربيين ~~إنما هي تسليم القطر للغربيين تسليما تاما، إضرارا بالدين الإسلامي، ولكني لست أشك ~~في أن الحامل الأكبر على توقيع ms734 تلك العرائض إنما هو معرفة موقعيها أنهم بتوقيعها إنما ~~يأتون عملا مرضيا للخديو، وقد قال لي رياض باشا: إنه طلب إلى بعض مستخدمي وزارة ~~الداخلية توقيعها، فلم يتجاسروا على الرفض.» # فرأى الوزيران الغربيان أنه لا يمكنهما السكوت على هذه الإجراءات. وفي 6 أبريل سلما ~~الخديو، يدا بيد، احتجاجا صريحا على السلوك الذي رأى اتباعه، والذي زعما أنه مناقض ~~لوعوده وعهوده، فلم يعر الخديو احتجاجهما اهتماما، لأن ترتيباته كانت قد بلغت النضوج، ~~ولأنه بات متأكدا من إصابة الضربة التي عزم على ضربها استردادا لسلطته المغتصبة منه ~~في عقر داره. # ففي 7 أبريل أذيع في العاصمة أن الأمير محمد توفيق رئيس الوزارة قدم استقالته بانيا ~~سببها على أن الوزيرين الغربيين منذ أن عهدت إليه الرياسة، أهملاه بالكلية، ولم ~~يستشيراه في شيء مطلقا. # وفي يوم 8 أبريل رفعت إلى الخديو العرائض تترى من مجلس شورى النواب، وبطريرك الأقباط، ~~وحاخام باشي اليهود، وشيخ الإسلام، ونيف وستين باشا وستين بيك، ومن ضباط الجهادية ~~والبحرية، وكلها تطعن على النظام الجديد وطرقه، وتطلب العود إلى النظام القديم. # وفي اليوم التاسع من أبريل استدعى الخديو رجال الهيئة القنصلية بالقطر، وألقى عليهم ~~خطابا أمام عدد كبير من وجوه البلاد المصريين المجموعين خصيصا لذلك الغرض، وقال لهم ~~فيه: «إن الاستياء في القطر بلغ حدا أصبح معه يرى نفسه مضطرا إلى اتخاذ إجراءات ~~قطعية، وأن مشروعا ماليا معبرا عن حقيقة رغائب البلاد قد عرض عليه موقعا من جميع ~~طبقات الأمة، وأن الأهالي في هذا المشروع، الذي ستعطي عدة نسخ منه لممثلي الدول، يحتجون ~~بشدة على ما يريد السير ويلسن إعلانه من أن البلد مفلس، ويطلبون تشكيل وزارة مصرية ~~محضة، تكون مسئولة أمام مجلس شورى النواب، وأنه يرى - إجابة لطلباتهم - أن يكلف شريف ~~باشا بتشكيلها، على أن تكون أعمالها سائرة على مبدأ المسئولية، الذي أقره في كتابه ~~المحرر في 28 أغسطس إلى السير ريڨرس ويلسن، ووفقا لمرسوم 18 نوفمبر سنة 1876، المهيمن ~~على مشروع جوشن وچوبير.» # ثم تلا الخديو شريف باشا وقال: «إن ms735 الأمة تعتقد أن سلوك الوزارة كان مهينا لنوابها، ~~وأن إعلان تفليسها يلبسها عارا لن تمحوه الأيام، وأنها مستعدة لتضحية كل ما يلزم ~~لاجتناب ذلك العار، وأن الرغبة في إلغاء قانون «المقابلة» قد أثارت استياء عاما، ~~وأنه أصبح يستحيل على الخديو مقاومة إرادة الأمة الظاهرة بهذه الكيفية الصريحة.» # فقابل قناصل الدول هذه الأقوال والبيانات بسكوت تام، ما عدا قنصل النمسا والمجر، فإنه ~~سأل «هل الأشخاص الذين وقعوا المشروع مستعدون لرهن أملاكهم ضمانة لنفاذه؟» # فأجاب الخديو: «ليس في الاستطاعة تقديم ضمانة أقوى من عزم عموم القطر، من رئيس ~~الحكومة إلى أحقر الأفراد، على تضحية كل عزيز وغال، ولا التلبس بعار الإفلاس.» # وعلى ذلك ارفض المجلس، وعقب ارفضاضه أرسل ثلاثة تحريرات إلى القناصل. # أما التحرير الأول فكان العريضة المقدمة من أعضاء مجلس شورى النواب، شكوا فيها من أن ~~الوزارة مذ شكلت ما فتئت تعتبرهم كأنهم غير موجودين، بل وتعاملهم بامتهان، وقرروا أن ~~إشهار الإفلاس، وإلغاء قانون «المقابلة» ضاران جدا بمصالحهم، ومخالفان لحقوقهم، وأنهم ~~لن يسمحوا بنفاذهما مطلقا، ورجوا الخديو بالتفات إلى هذه الحال لتجنب المشاكل التي قد ~~تنجم في المستقبل فيما لو استمرت حقوقهم وحقوق الأمة مجهولة إلى مثل ذلك الحد، لما قد ~~يتولد عنها من أخطار مخيفة. # والتحرير الثاني كان العريضة المقدمة من الوجوه والعلماء وكبار الموظفين والضباط، ~~وفيها أن مقدميها اطلعوا على المشروع المالي الذي جهزه السير ريڨرس ويلسن، ويعتبرونه ~~ضارا بمصالح البلد، وأنهم بالتالي وضعوا مشروعا من عندياتهم يسألون التصريح لهم ~~بعرضه على مجلس شورى النواب، ويرجون الخديو منح هذا المجلس السلطة المتمتعة بها مجالس ~~النواب الأوروبية فيما يختص بالأحوال الداخلية والمالية، وأن يكون مجلس الوزراء ~~مستقلا عن رئيس القوة التنفيذية، ومسؤولا للمجلس. # والتحرير الثالث كان المشروع الموضوع لحل المشكلة المالية. # فأرسلها القناصل إلى دولهم، وكان أعضاء مندوبية التحقيق قد حرروا بما وصلت إليه ~~أعمالهم تقريرا، واستعدوا لإرساله بالبريد، ولكن الخديو أمر بتأجيله، مؤملا أن ينال ~~موافقة الدول على المشروع المقدم له من وجهاء الأمة المصرية، قبل اطلاعها على تقرير ms736 ~~رجال المندوبية. # وفي اليوم عينه بعث الخديو كتابين إلى السير ريڨرس ويلسن والمسيو دي بلينيير يخطرهما ~~أنه، عملا برغائب الأمة الصريحة، قد كلف شريف باشا بتشكيل وزارة جديدة مؤلفة من مصريين ~~دون غيرهم. # ولما كان قد تقرر الرجوع إلى العمل وفقا لمنطوق مرسوم 18 نوفمبر سنة 1876 حرر شريف ~~باشا خطابين أحدهما إلى المسيو بيج دي بوجاس الذي كان قد تعين مندوبا فرنساويا في ~~صندوق الدين بدل المسيو دي بلينيير عند ارتقاء هذا إلى منصب الوزارة، والآخر إلى السير ~~إڨلين بارنج المندوب البريطاني في الصندوق عينه، وطلب إليهما قبول منصبي مراقبين عامين ~~للإيراد والمصروف. # فرفضا بحجة أنهما لا يستطيعان الاشتراك في نفاذ تصميم مشروع مالي يريانه غير عملي ~~بالمرة، وفي تغيير سياسي يعتبرانه مخالفا للتعهدات التي ارتبط بها الخديو منذ عهد قريب ~~مع دولتيهما. # فأخطر حينذاك شريف باشا، المسيو فرنك لاسيل أنه يعتبر أن رفضهما يطلق يد الحكومة ~~المصرية، ويخليها من كل مسئولية فيما يختص بإعادة المراقبة فورا، على أنه أرسل في ~~الوقت عينه يسأل الحكومتين الفرنساوية والإنجليزية تعيين مراقبين غيرهما. # وتلا ذلك تقديم السير چرلد فتزجيرلد، وبلوم باشا سكرتير الإدارة المالية، والسير ~~اوكلند كلڨين رئيس عموم المساحة، استقالاتهم من خدمة الحكومة المصرية. # أما الوزيران الأوروبيان فأبيا الإذعان لرفتهما حتى يطلعا على ما تقرره حكومتاهما في ~~الأمر. # وفي الأثناء كان الخديو - عملا بما قاله للقناصل العامة في خطاب 9 أبريل - أصدرا ~~أمرا ساميا عين شريف باشا بمقتضاه رئيسا للوزارة المصرية، وكلفه بتعيين أعضائها، على ~~شرط أن يكونوا كلهم مصريين، وبين له فيه الخطة الواجب عليه اتباعها، إرضاء للرأي العام ~~المصري، وموافقة لمصالح البلد الحيوية، وقال له فيما يختص بالإصلاحات النيابية: إنه ~~ينيط بوزارته تحضير القوانين واللوائح الانتخابية على مثال القوانين واللوائح المعمول ~~بها في أوروبا، مع مراعاة عوائد الأهالي، واحتياجاتهم بحيث تؤدي إلى تكوين مجلس نيابي ~~جامع للشروط التي تستلزمها الحال الداخلية، وتقضي بها رغائب الأمة. # فقام شريف باشا من وقته بالمهمة التي عهدت إليه، واختص بالرياسة، ووزارة الخارجية، ~~وعرض ms737 على سمو الخديو أسماء الوزراء الذين انتخبهم ليشكل وزارته منهم، وهم: راغب باشا ~~للمالية، زكي باشا للأشغال، ذو الفقار باشا للحقانية، شاهين باشا للحربية والبحرية، ~~ثابت باشا للمعارف، وعمر لطفي باشا للتفتيش العام مع حق حضور اجتماعات الوزراء. # فوافق الخديو على تعيينهم، لعلمه أنهم جميعا - لا سيما چاهين وعمر لطفي - من ~~المخلصين الولاء لشخصه، الذي لا يخافون في خدمته الخدمة كلها لوم لائم، لاعتقادهم أن ~~إرادته هي القانون، ولا قانون سواها، عملا بما له من الحقوق الموروثة. ~~••• # وكانت مندوبية التحقيق في جميع المدة التي سبقت هذه الحوادث مكبة على إتمام ~~مأموريتها، وهاك ما كانت قد بلغت إليه أعمالها: # أولا: # إن الحكومة المصرية في حال إفلاس منذ 6 أبريل سنة 1876، أي منذ أن ~~توقفت عن دفع إفادات ماليتها المستحقة، ولئن دفعت بعد ذلك مبالغ جسيمة ~~على حساب الفوائد، وسددت ما يقرب من خمسة ملايين جنيه من أصل الدين، ~~فإن عجز ماليتها في سنتي 1877 و1878 قارب خمسة ملايين جنيه أيضا، ~~ومقدار دينها السائر ازداد نيفا ومليوني جنيه، فدفع الفوائد في هذه ~~الظروف إنما كان قطعا في اللحم الحي، والواجب يقضي إذا باتخاذ طرق ~~غير الطرق الوهمية التي لجئ إليها حتى ذلك الحين، وتقليل الصرف إلى ~~درجة حفظه في حدود الإيراد الدقيقة، أما الدائنون فما عليهم سوى الرضوخ ~~للضرورة. # ثانيا: # إنه في عدم استطاعة الحكومة القيام بتعهداتها لكل هؤلاء الدائنين، ~~فغاية ما في وسعها أن تساوي بينهم كلهم في الظلم. # ثالثا: # إنه لأجل الوصول إلى هذا، يجب أن لا يعدل عن ثلاثة مبادئ: «الأول» أن ~~لا يطالب الدائنون بتضحية أي شيء إلا إذا ضحى المدينون - أولا - كل ما ~~يمكن مطالبتهم بتضحيته، مما لا يخرج عن المسلم بإمكان المطالبة به ~~عقلا. وبما أن المدينين هم المصريين - وإن سلم بأنه لم يكن لهم دخل في ~~الديون التي ركبتها حكومتهم على أكتافهم - فالمصريون أول من يجب ~~مطالبتهم بالتضحيات اللازمة، على شرط أن لا تكون هذه التضحيات فوق ~~طاقتهم. و«المبدأ الثاني» أن يعامل الدائنون بموجب الإجراءات ms738 القانونية ~~المسنونة في القانون المختلط لدائني أي تفليسة، أي أن من كان مطلوبه ~~أسبق ومدعما بإثباتات قانونية، حق له أن يسدد قبل غيره، ومن كل مطلوبه ~~غير مسجل، عومل بمبدأ الفرنك قرشا، و«المبدأ الثالث» أن يسن قانون ~~يجبر كل الدائنين على قبول التسوية العامة، ويلزم المحاكم المختلطة ~~بالأخذ به، لئلا تخيب أقلية ناقمة نفاذ المشروع كله. # رابعا: # إن الخديو على قاعدة المبدأ الأول، وإن كان قد تنازل عن جانب عظيم من ~~ممتلكاته، لا يحسن به مطالبة دائنيه بتضحيات جديدة، إلا إذا ضحى هو ~~أيضا شيئا من منافعه، وقبل أن يكون مرتبه السنوي 300 ألف جنيه بدلا ~~من 600 ألف جنيه. # خامسا: # إنه في معاملة الممولين المصريين على قاعدة المبدأ عينه، يجب اعتبار ~~ثلاثة أمور: «الأول» كيف يجب أن تكون زيادة الضرائب على الأطيان ~~العشورية، «الثاني» كيف يجب أن يعتبر قرض الروزنامة، «الثالث» كيف يجب ~~أن يعامل قانون «المقابلة». # فاتفقت المندوبية فيما يختص بالأمر الأول على ضرورة روك الأطيان ~~المصرية كلها، وإزالة التمييز بين العشورية والخراجية منها عند ربط ~~الضرائب الجديدة عليها، ولكنها قررت مبدئيا أن يزاد على الضرائب ~~المربوطة على العشورية منها مبلغ قدره 150 ألف جنيه يوزع عليها ~~إفراديا، وذلك إلى أن يفرغ من عملية الروك. # ولما كانت كل الأطيان العشورية ملكا للكبراء وذوي اليسار، وكانت ~~الضرائب عليها خفيفة حتى ذلك الحين، فما كان ثمت سبيل إلى اعتبار تلك ~~الزيادة غير إنصافية، ومعقولة. # واتفقت فيما يختص بالأمر الثاني على مجاراة الحكومة المصرية في ~~اعتبار المال المأخوذ من الروزنامة ضريبة لا قرضا، واستبعاد ما جمع ~~منه من مجموع الديون المصرية في مقابل تخفيف بعض الأثقال على الممولين ~~المصريين. # وإنما استنتجت المندوبية أن هذا كان اعتبار الحكومة لذلك المال من ~~موافقة مجلس شورى النواب في سنة 1877 على إبطال دفع الفوائد عليه، ومن ~~قرارها القاضي بوجوب تحصيل الملايين الخمسة الباقية منه بعد الفراغ من ~~تحصيل أموال المقابلة. # ولكن ما حدا على الأخص بالمندوبية إلى اعتبار ذلك المال ضريبة لا ~~قرضا إنما ms739 هو أنه لم يكن في الاستطاعة اعتبار أحد دائنا للحكومة إلا ~~إذا كان المطلوب له مؤيدا بدليل - لئلا ينبت المطالبون من كل جهة - ~~وأنه لم يكن في أيدي معظم دافعي مال الروزنامة أي كتاب أو وصل يؤيدون ~~به صحة مزاعم دفعهم. # واتفقت المندوبية - فيما يختص بقانون «المقابلة» - على الامتناع عن ~~المطالبة بما لم يدفع منها لغاية ذلك الحين، وعلى إلغاء الامتيازات ~~التي منحت بموجب ذلك القانون، مقابل دفع تعويض، لم تبين مقداره ~~للمزارعين الذين دفعوا «المقابلة» - وقد جعل قانون التصفية المسنون في ~~سنة 1880 ذلك التعويض 150 ألف جنيه سنويا لمدة خمسين سنة. # وبنت اتفاقها هذا على أن جانبا عظيما من «المقابلة» لم يدفع نقدا، ~~بل «رقعا»، أي أن وزارة المالية كانت تسلم لمحاسيبها رقعة تعترف لهم ~~فيها بدين وهمي على الحكومة، فيدفع أولئك المحاسيب تلك الرقع للجباة ~~بدلا من المال المطلوب «للمقابلة». # وإن جانبا آخر من المقابلة لم يدفع إلا وهما، بالرغم من دفعه ~~نقدا، وذلك لاحتساب وزارة المالية لمحاسيب آخرين، مال الضريبة من مال ~~«المقابلة»، وإبقاء مال الضريبة تحت المطالبة. # ولكي تعوض المندوبية من مسوا بضر من اعتبار قرض الروزنامة ضريبة، ~~ومن إلغاء قانون «المقابلة» تعويضا وقتيا، ارتأت «أولا» إسقاط كل ~~متأخرات الضرائب - وكانت لغاية أول يناير سنة 1876، 30 ألف جنيه، ~~«ثانيا» إعفاء جميع المزارعين من الضريبة المهنية أو الحرفية - ~~ومجموعها السنوي منهم فقط كان يبلغ 80 ألف جنيه، «ثالثا» إلغاء ~~الضريبة التي على الرءوس - ومجموعها السنوي مائتا ألف وخمسة آلاف جنيه، ~~«رابعا» إلغاء عوائد الدخوليات - ومجموعها 21 ألف جنيه سنويا، ~~«خامسا» إلغاء عوائد الطرق في الأرياف - ومجموعها 8 آلاف جنيه ~~سنويا، «سادسا» إلغاء عوائد الأسواق - ومجموعها 10 آلاف جنيه ~~سنويا، «سابعا» إلغاء رسوم الوزن في الأرياف - ومجموعها 17 ألف جنيه ~~سنويا، «ثامنا» إلغاء عوائد ختم الحصر والأنسجة - ومجموعها 23 ألف ~~جنيه سنويا، «تاسعا» إلغاء رسوم بيع المواشي - وقدرها ألف وخمسمائة ~~جنيه سنويا، «عاشرا» إلغاء رسوم ومكوس أخرى ترفع قيمة المسقوط كله ~~إلى 400 ألف جنيه سنويا. # سادسا: ms740 # إنه في معاملة الدائنين المسجلة ديونهم على قاعدة المبدأ الثاني يجب ~~أن لا يغير مركز أحد منهم، وأن تحترم الضمانات التي في يد كل منهم، وأن ~~يخفض سعر الفوائد المدفوعة من 6,7٪ إلى 5٪ للجميع. # وأما الدائنون غير المسجلة ديونهم، فبما أن هذه الديون تبلغ 8210000 ~~جنيه، وأنه يوجد مبلغ 6301000 جنيه تحت تصرف صندوق الدين، فيمكن تصفية ~~حسابهم دفعة واحدة، بدفع 52٪ لكل منهم من أصل دينه، مقابل تنازله عن ~~الباقي. # فوضعت المندوبية تقريرا مفصلا أفاضت فيه الشرح عن الأعمال التي ~~انتهت إليها، ووقعته في 8 أبريل سنة 1879، ثم باتت تنتظر من وراء العمل ~~بإرشاداتها تغيير الأحوال، وبدء تطورها نحو مآل صالح. # ولكن الخديو أسقط وزارته في اليوم التالي، فغير، بذلك، الموقف ~~والمركز، فلم ير أعضاء المندوبية بدا من تقديم استقالاتهم، هم ~~أيضا، فقبلت وأصبحت أيامهم في خبر كان. # وفي 22 أبريل عينه نشر - مقاومة لمشروعهم ومشروع السير ريڨرس ويلسن - ~~المشروع الذي وضعه الخديو، بمساعدة رجاله لحل المشكلة المالية. وقد سبق ~~لنا القول عنه إنه أنكر أن مصر مفلسة، وأنها لا تستطيع القيام ~~بتعهداتها، فنزيد الآن أنه قدر مجموع إيرادات القطر في سنة 1879 بمبلغ ~~9873000 جنيه - وهو ما اعتبره رجال مندوبية التحقيق زائدا مبلغ 800000 ~~عن الحقيقة - وأنه طالب بتخفيض الفوائد إلى 5٪ مع تعشيم الدائنين ~~بإمكان الرجوع فيما بعد إلى 6٪، وأنه لم يشتمل على أي ذكر لمرتب سنوي ~~للخديو وأسرته، وأن العنصر الغربي بعد اطلاعه عليه، حكم بأن مرماه إنما ~~هو عود السلطة المطلقة إلى الخديو، وبقاء طبقات سراة الأمة وذواتها ~~متمتعة بامتيازاتها. # ويقول اللورد كرومر في كتابه «مصر الحديثة»: «إن نتيجة التغيير في النظام الذي أقدم ~~عليه الخديو ما لبثت أن ظهرت للعيان فإن السير فرنك لاسيل كتب في 19 أبريل إلى الوزارة ~~البريطانية ما نصه (إن شاهين باشا، وزير الحربية ذهب إلى البحيرة، وربما كان ذلك لأجل ~~جمع نقود، لأن مركزه السابق إذ كان مفتش الوجه البحري العام، قد أكسبه شهرة بأنه «أقسى ~~وأنجح جماع للضرائب عرف بمصر»، ms741 وهي شهرة لا يحسده أحد عليها).» # وكتب نائب القنصل البريطاني في الزقازيق إلى رئيسه بمصر ما يأتي: (تسألني كيف يسير ~~النظام الجديد؟ أسوأ مما كان قديما، فإن ثلاثة أرباع الضرائب، ونصف «المقابلة» يحصل ~~بطرق الظلم والعسف العادية. وبما أنه ليس لدى الفلاح محصول قطن أو غلال يبيعه ليدفع، ~~فإنك تراه مضطرا للالتجاء إلى المرابين، والاقتراض منهم بواقع 5,4٪ شهريا، إذا أراد ~~التخلص من الكرباج. أما الذوات، فبما أنهم لا يدفعون إلا المال، ويدفعونه على راحتهم، ~~فإنهم يرون الأيام سعيدة، والحياة جنة ورد، وقد أتانا منذ عهد قريب عمر لطفي باشا، مفتش ~~الوجه البحري العام، وأصدر أوامر مشددة لجمع النقود بكل الطرق الممكنة).» # 2 # على أن مندوبي صندوق الدين لم يستقيلوا من وظائفهم، وأخذوا يتداولون فيما يجب عليهم ~~عمله، إزاء انهيار البناء الذي أقامه الاتفاق الدولي بمصر من كل جانب حولهم، فقر ~~رأيهم على رفع قضية على الحكومة المصرية الجديدة أمام المحاكم المختلطة، وحقا ~~رفعوها. ~~••• # ولكن هل كان (إسماعيل) مخطئا فيما أقدم عليه إزاء شعبه وإزاء أوروبا، وإزاء نفسه؟ لا ~~بد للحكم في ذلك من الرجوع إلى طبيعة مركزه، وإلى أحكام الاتفاقات الدولية التي آل ذلك ~~المركز إليه بموجبها. # فبطبيعة مركزه كان محقا في اعتقاده أنه سيد القطر المطلق، ورب كل ثروة فيه، بصفته ~~رب كل حياة نامية على سطحه. كان محقا في اعتقاده أن لا قانون سوى إرادته، ولا شرع، ~~فيما عدا الأمور الدينية، سوى شرعه، فهو خليفة الفراعنة والبطالسة، خليفة الولاة العرب، ~~خليفة الطولونيين والأخشيديين، خليفة الفاطميين والأيوبيين، خليفة السلاطين المماليك، ~~والأمراء المماليك، وخليفة الولاة أسلافه من بيته العلوي وكل من سبقوه كانوا متمتعين ~~بالسلطة المطلقة، كانوا أسياد القطر برمته، وملاكه، لا يعيش سكانه إلا باستمدادهم ~~نفسا من نفسهم، ونفخة من روحهم، وكانوا أرباب الأموال والأعمار، بل والأعراض ~~ذاتها، بل كان بعضهم يدعي السيادة عينها في نفس المعتقد والدين ومع ذلك، فإن المصريين ~~في كل عصور حياتهم، وبالرغم من كل تطوراتها وتقلباتها وثوراتها لم يفكروا يوما ما في ~~أن ms742 الحق الذي يدعيه عواهلهم لأنفسهم من السيادة المطلقة عليهم، والتصرف بلا قيد بالكلية ~~- إلا القيد الذي يتقيدون به من تلقاء أنفسهم - في أموالهم وأعمارهم وأعراضهم، قد يكون ~~مبنيا على غير أساس، بل قد لا يكون له وجود بالمرة، إذا هم رفضوا التسليم به، بل لم ~~يفكروا في جواز عدم صحة ذلك الحق، بل سلموا به تسليما تاما، واستكانوا إليه وأقروه، ~~بل عدوه جزءا كبيرا من فضلهم وكمالهم، بل دافعوا عنه دفاع المستميت ضد كل من حاول أن ~~يحررهم من قيده، أو يغير فكرهم فيه، وحاش لله ألف مرة أن يكون قصدنا من قولنا هذا الطعن ~~على مواطنينا، أو الحط من كرامتهم، أو تسفيه أحلامهم، فإن أمما سواهم، وليست من أقل ~~الأمم رقيا ومدنية في العصور الغابرة، وفي العصر الحالي، أقرت ذلك الحق عينه، ~~واستسلمت بكلياتها وجزئياتها إلى حكامها وملوكها. وها نحن نرى أن الشعب الألماني في ~~أيامنا هذه - على ما بلغ من التقدم في ميداني العلوم والحضارة المادية والعقلية - يقر ~~ذلك الحق لإمبراطوره بتعديل خفيف، ويستسلم إلى إرادته استسلاما أعمى، # 3 # فكيف نستطيع أن نؤاخذ الشعب المصري، الذي كان عائشا في أيام (إسماعيل) على ~~عقليته وشعوره، على إنكاره ذاته ومصالحه، وعلى استكانته إلى رغائب مولاه وولي ~~نعمته؟ # على أن المثل السائر يقول «المال المتروك يعلم الناس السرقة». ويروى في القصص أن ~~رجلا ادعى النبوة في أيام الرشيد أو المأمون، فاتبعه خلق كبير، وآمنوا به، وصدقوا ~~بمعجزاته، فنمى خبره إلى الخليفة، فأمر بإحضاره، فجاءه بثلاثة آلاف من أتباعه، وأوقفهم ~~خارج القصر، وعلمهم عملا يعملونه، إذا أمرهم به، فأجابوا بالسمع والطاعة ثم مثل بين ~~يدي أمير المؤمنين وحده، فسأله الخليفة باسما، (وأظنه المأمون، لأني لا أعلم سماحته في ~~أحد غيره من بني العباس) «أأنت نبي؟» قال: «نعم»، قال: «وما معجزاتك؟» قال: «لي معجزات ~~كثيرة، وإذا شئت أتيت بواحدة منها أمامك لساعتي»، قال: «هات»، قال: «هلم إلى هذه الشرفة ~~وانظر، أترى هؤلاء الرجال الواقفين في الميدان تحت هذا القصر؟» قال: «وما لهم؟» قال: ms743 ~~«إني أصيرهم قططا بكلمة، ثم أصيرهم بكلمة أخرى كلابا»، قال: «دونك.» فأطل الرجل على ~~قومه، وقال بصوت عال: «أيها الناس، كونوا قططا.» فأقبلوا يموءون ويتحركون كقطط، ثم ~~قال لهم: «كونوا الآن كلابا.» فأقبلوا ينبحون ويثبون ويشبون ككلاب، فأغرق الخليفة في ~~الضحك حتى استلقى على ظهره فوق أريكته وهو يقول «قاتلك وقاتلهم الله.» فقال الرجل: «يا ~~مولاي، أيدهشك أن من يستسلم إليه أناس كهؤلاء يدعي النبوة؟ وهو لو ادعى الربوبية لما ~~كان ادعاؤه غريبا.» ~~(فإسماعيل) كان محقا، إذا، في اعتقاده أنه الكل في الكل بمصر، وأن الشعب المصري ~~إنما خلق ليخدم ذاته السامية في رغائبها وآمالها وأميالها وملاذها، أضف إلى مركزه ~~الطبيعي أن تربيته والوسط الذي نما فيه، والبيئة المحيطة به منذ نعومة أظفاره إلى أن ~~ارتقى عرش جده وأبيه، كل هذا كان من شأنه أن يوطد فيه ذلك الاعتقاد توطيدا ثابتا لن ~~يتزعزع، بل لن يتحرك، فمثله فيه جميعه مثل لويس الخامس عشر الفرنساوي، الذي كان مربيه ~~يجعله يطل من شرفات قصر التويلري في باريس على الشعب المزدحم في شوارع العاصمة، ويقول ~~له «أترى يا مولاي، هؤلاء الناس كلهم؟ إنهم مخلوقون جميعا ليكونوا عبيدا لك، فكلهم ~~ملكك وشيئك.» ~~(فإسماعيل) إزاء شعبه لم يكن مخطئا في إقدامه على استرداد السلطة المطلقة لنفسه، وهو ~~في التزاحم القائم بينه وبين الدائنين الغربيين ودولهم المعضدة لهم، على أموال فلاحي ~~مصر ومموليها، لم يكن في الحقيقة مقاتلا إلا على ما كان يعتقد أنه له بحق. # وأما إزاء الدول الغربية، فإنه بموجب معاهدات سنة 1841 وبموجب الفرمانات الصادرة لجده ~~وله، ما بين سنة 1841 وسنة 1873، والمصدق عليها من تلك الدول، كان محقا في اعتقاده، ~~أن كل تداخل تتداخله تلك الدول في شئون إدارته الداخلية، لا سيما متى كان القصد منه ~~مجرد مزاحمته على أموال رعاياه، أي على أمواله لمحض افتيات منها، لا يبرره سوى حجة ~~القوي أمام الضعيف. # والذي وطد في نفسه هذا الاعتقاد توطيدا هو أنه لولا ضعف مركزه، لما تجاسرت تلك الدول ~~على الإقدام ms744 على مزاحمته ومضايقته، وتكبيل يديه، وتقييد سلطته، فبينما هي لا تبدي ~~حراكا في مسألة مدائني تركيا، مثلا - وديونها ضعفا ديون مصر - ولا تمانع في إشهار ~~الباب العالي إفلاسه، وبينما يضيع على المقرضين البريطانيين فقط - فما بالك بغيرهم؟ - ~~ما يقرب من 400 مليون جنيه، بدون أن تقوم حكومتهم معضدة لمطالبهم قبل الدول المديونة، ~~فإن هذه الدول الغربية لمعرفتها جانب الضعف فيه، لا تفتر مهددة، مقطبة، تتداخل بالرغم ~~من نصوص الفرمانات التي صدقت عليها هي نفسها في شئون داخليته، قاذفة على رأسه مفتشيها ~~ومراقبيها، ومحاولة اغتصاب حقوقه لتلبس رداءها وزيرين غربيين. # فكم من مرة ومرة باغت نفسه وهو يعض على شفتيه، أسفا على عدم وجود جيش قوي لديه، ~~ومدفعية ضخمة، وبحرية مهيبة، مثلما كان عند جده (محمد علي)، وكم من مرة ومرة صر على ~~أسنانه تغيظا من أن مركزه من الوجهة الدينية غير موطد الأركان كمركز الخليفة، وأنه قد ~~يكفي اتفاق بين تلك الدول المعادية، والمراجع العثمانية - وما أسهل حدوثه إما من طريق ~~الترهيب، وإما من طريق الإرشاء - ليقلبه عن عرشه، ويقذف به إلى المنفى. # فإزاء الفرمانات والمعاهدات الدولية الموجبة بصراحة عدم تداخل الدول الغربية في شئون ~~مصر الداخلية إلا في الأمور المتفق عليها بالمعاهدات الخاصة المعقودة بينها وبين الباب ~~العالي، إزاء نص الفرمانات، لا سيما فرمان سنة 1873، والمعاهدات الدولية القاضية للخديو ~~بحق الاستقلال التام في أمور القطر الداخلية، استقلالا لا يقل عن المتمتع به سلطان ~~تركيا عينه أو قيصر الروس، هل كان يستطيع (إسماعيل) صبرا على عمل الحكومتين الإنجليزية ~~والفرنساوية، اللذين قهرتاه بموجبه على قبول الأشخاص المعينين منهما، وتسليمهم كل سلطة ~~له على عموم أفرع الإدارة الداخلية؟ أو كيف لا نعترف أنه إنما استعمل حقه في الضرب على ~~يد تجاوزها هذا، وإعادة الأمور إلى مجراها الشرعي؟ # فإنه لم يكن ليعنيه أن تكون تركيا قد تعدت في الفرمانات الممنوحة منها إليه وإلى جده، ~~الحقوق التي للشعوب قبل ملوكهم، وأن تكون أوروبا قد أخطأت في اعتماد تلك الحقوق، وإطلاق ~~يد حاكم مصر إطلاقا ms745 تاما في أمور رعاياه المصريين، بدون استشارة هؤلاء - أولا - ~~والوقوف منهم على رغبتهم في أن يعاملوا معاملة المواشي أم لا، فإنه كان مليكا وجد ~~واقعا، ويعلم أن الواقع الناشئ إلى الوجود برضا متعاقدين، لا يصح تغييره ولا تعديله ~~إلا برغبة ورضا المتعاقدين جميعهم، ولا يصح لأحدهم التفرد في ذلك، إلا إذا أهمل جانب ~~الحق، واعتمد قوة السلاح فكان حقيقيا إذا بالمحافظة على ذلك الواقع، ومقاومة كل من ~~شاء التفرد في تعديله أو تغييره. # وأما إزاء نفسه، فلا شك أن (إسماعيل) أخطأ خطأ كبيرا فإنه أقدم على عمل خطير لم تكن ~~لديه القوة على الثبات في تيار عواقبه، فيما لو تحرك ذلك التيار، واستعمل للبلوغ إلى ~~مراميه قوى، كان هو أحرى الناس بالتنكب عنها، عملا بحكمة المثل الفرنساوي القائل «لا ~~توقظ قطا نائما.» # فإنه بصرفه الوزيرين الغربيين عن دفة الأحكام، وإجباره جمهور الموظفين الغربيين، ~~الذين أقامتهم اتفاقاته مع فرنسا وإنجلترا حفاظا لمصالح الدائنين على الاستقالة، ~~وبضربه بتقرير مندوبية التحقيق عرض الحائط، وإطراحه وإهماله مجموع الإصلاحات المالية ~~والإدارية المتكون منها ما سموه بالنظام الجديد، لم يكن يجهل أنه يميل عن صداقة حكومتي ~~إنجلترا وفرنسا، ويقف أمامهما موقف الخصم المعاند المتحدي. # ولا شك في أن أول فكر وقع في خلده بعد فراغه من الضربة السياسية التي ضربها، إنما هو ~~فكرة المقاومة إلى النهاية، مهما كانت العواقب، فإنه حمل في الحال عموم كبار ضباط الجيش ~~على حلف يمين، مؤداها الإخلاص والولاء في خدمته، ومقاومة جميع أعداء البلاد وأعدائه، ~~وأعداء عائلته، كما أنه حمل مائة وخمسين ذاتا من وجوه البلاد وكبار العلماء على إبداء ~~فرح الأمة بصراحة من جراء صرف الأوروبيين عن الإدارة. # ومع ذلك، فإنه لم يكن في استطاعته مقاومة تينك الحكومتين، وأصبح مصيره حتما فيما لو ~~أصرتا على عدم الرضا عما تم، إلى أحد أمرين: إما الرجوع بخزي وعار إلى الخنوع ~~لإرادتيهما، وإما الفشل في مقاومتهما فشلا يتلوه قهر عزيز على نفسه. # وبتمكينه روح التمرد من النشوء في الجندية، وجعلها تحس بقوتها على ms746 نيل أغراضها، عند ~~توحد كلمتها، وبتحريكه في قلوب الأمة وعقولها أفكارا دستورية، وآمال حكم نيابي - ولو ~~أن تحركها في البدء كان كتحرك أشباح في وسط ليل بهيم - بإباحته المناقشات العديدة في ~~التغييرات السياسية الأساسية لرجال لم يكونوا حائزين للصفات اللازمة لذلك، وبجعله ~~بالتالي أقصى ما يداوى به نظام البلاد غذاء البلاد اليومي - وهو الحاكم المطلق، القائمة ~~سلطته الفردية على طاعة الجند له، بل على خنوعهم لإرادته، والقائم تصرفه في إرادات ~~الأهالي وأموالهم وحريتهم على اعتقادهم المتين بأن إرادته هي وحدها الدستور، ورغبته هي ~~وحدها القانون، وأمره هو المقرر في كتاب الأقدار، فلا مفر من نفاذه - بعمله ذلك جميعه، ~~إنما أقدم في الواقع على دك قواعد سلطته - حتى فيما لو فاز على دولتي الغرب في نزاعه ~~معهما - وعلى وضع ألغام تحت مركزه - كما آل إليه من أسلافه - كان لا بد لها من نسف ذلك ~~المركز عاجلا أم آجلا، إن لم يكن في أيامه، ففي أيام خلفه، فإن النار إذا أوقدت ~~التهمت، والسيل إذا كسرت حواجزه جرف. ثم صعبت في كلتا الحالتين الوقاية. # وما وقع في القريب العاجل (لإسماعيل) عينه، ثم ما وقع بعد ذلك بقليل لابنه وخلفه ~~الخديو (محمد توفيق) خير دليل على أن (إسماعيل) فيما أقدم عليه أخطأ إزاء نفسه خطأ ~~كبيرا. # | الجزء السابع # الغروب # الفصل الأول # | حيرة وارتباك1 # كأن الظلام حين أرخى سدوله # يبيت على ليل بليل موصل # امرؤ القيس # فما تشكلت الوزارة الشريفية، وأقبلت تدير مهام الأمور، إلا وعاود قناصل الدول الكرة، ~~وأقبلوا يلحون بوجوب إعادة السير ريڨرس ويلسن والمسيو دي بلينيير إلى منضبيهما، إرضاء ~~لدولتيهما، وتهدئة لخواطر الدائنين. # فرد (إسماعيل) عليهم بأنه إزاء هياج الرأي العام لم يكن في الإمكان إجابة طلبهم، وأنه ~~يقبل أية مراقبة، مهما كانت دقيقة، ولكنه لم يعد يستطيع قبول عضوية أجانب في الوزارة ~~المصرية. # وقال لهم شريف باشا، تأكيدا لكلام مولاه: «إن الوزارة مصممة على منع سموه من قبول ~~ذلك حتى فيما لو كان سموه ميالا إلى قبوله، ولئن فعل وخالف رأيهم، ms747 فإنهم مصممون على ~~الاستقالة، وتركه وشأنه؛ لأن مبادئهم لا تمكنهم من التسليم بإعادة نظام بات مسخوطا ~~عليه من الأمة بأسرها.» # 2 # فلما تحققت الدول أن الانقلاب الذي تم بمصر أصبح أمرا صمم على عدم الرجوع فيه، وقعت ~~في حيرة كبرى، لأنه على أهمية مصاعب الموقف وخطورتها، لم يكن من السهل الإقدام على أي ~~عمل لحل المشكل بدون تسيير المصالح الدولية المختلفة إلى التصادم معا تصادما ~~مخيفا. # فسلطان تركيا أصبح يخشى أن يؤول عمل الخديو إلى إنشاء أخطار حول ما له من حقوق ~~السيادة على مصر، وأخذ يفكر فيما يجب فعله؛ أيسبق الدول إلى العمل، فيقبل (إسماعيل) من ~~تلقاء نفسه، ويغتنم الفرصة لتحقيق ما طالما جال في خاطر أسلافه الفخام، ورجال السياسة ~~العثمانية، مذ اكتسب سيف (محمد علي) العظيم شبه استقلال للقطر المصري، فيرسل عدة أورط ~~عثمانية إلى وادي النيل بصحبة وال يعينه مكان الخديو المقال، ويعيد مصر ولاية عثمانية ~~بسيطة كما كانت قبل أن يؤول زمامها إلى ذلك المكدوني الجسور؟ # ولكن، ألا يعد هذا العمل، الآن، والدول الغربية قائمة قاعدة لما بدا من (إسماعيل)، ~~عملا يتم خوفا منها، ويقع بسبب مداخلتها وتأثيرها؟ وإذا عد كذلك - وهو الواقع - ألن ~~يؤخذ هذا العمل عينه قاعدة لبناء مبدأ تنتفش منه الأخطار كما ينتفش الشوك من جسم ~~القنفذ، مبدأ وجوب إقالة كل حاكم لا تستحسن تلك الدول حكمه؟ وهل من مصلحة تركيا أن يقام ~~بناء مثل هذا المبدأ، وأن يعرض بمركزها برضاها إلى مؤثرات الرأي العام الأوروبي؟ أليس ~~الأوفق، من هذه الوجهة تحبيذ عمل الخديو ، وشد أزره فيما تحدى به الدول الغربية، وفي ~~تصميمه على رفض إشراك أي أجنبي في حكم بلاده؟ # ولكن من جهة أخرى ماذا يكون مركز تركيا في العالم، وإلام تؤول حقوق سيادتها على مصر، ~~لو أقدمت الدولتان الغربيتان على إقالة (إسماعيل) من تلقاء نفسيهما، وبدون استشارة ~~الباب العالي، أو بمجرد استشارته استشارة صورية فقط؟ # فالأوفق - والظروف هذه - الانتظار والتربص، ريثما يظهر بصيص نور للسير بهداه، مع ~~التيقظ التام لماجريات الأمور. ms748 # ولم يكن موقف بريطانيا العظمى محفوفا بصعوبات أسهل حلا من الصعوبات القائمة في وجه ~~سلطان تركيا، فالمصالح السياسية والمالية البريطانية بمصر كانت من الأهمية والخطورة ~~بحيث لا تستطيع الحكومة الوقوف معها إزاء المشاكل المصرية موقف المتفرج، القليل ~~الاهتمام، فكان لا بد لها من التداخل فيها، على أن هذا التداخل كان من شأنه أن يجرها ~~إلى عواقب كانت إذا تبصرت فيها، وقفت مترددة؛ أتنساق إليها أم تحجم عنها؟ # فمصر بموقعها الجغرافي، وبصفتها مفتاح الهند، ما فتئت موضوع اهتمام بريطانيا العظمى، ~~وداعية إلى تيقظها التيقظ كله، خشية أن تقوم على ضفاف النيل دولة قوية تحول بينها وبين ~~مستعمراتها الهندية، أو تهددها فيها، فلما أنشأ الملازم واجهرن في عهد الباشا العظيم، ~~الطريق البريدي بين أوروبا والهند، المعروف باسم «الأوڨر لندروت»، زاد اهتمام بريطانيا ~~العظمى بمصر وشئونها أضعاف أضعاف ما كان، حتى خيل لبعضهم أنه أصبح لا بد لتلك الدولة ~~البحرية الضخمة من الاستيلاء عليها، وإلا فإدخالها ضمن دائرة نفوذها. # وعبر كاتب إنجليزي يقال له كنجليك في سنة 1849 عما أخذ حينذاك يجول في الخواطر بقوله ~~في كتاب دعاه «إيوتن» «إن الإنجليزي المشرئب برقبته اشرئبابا بعيدا ليقبض على هذه ~~المحبوبة، سوف يغرس قدمه بثبات على ضفاف النيل، ويتربع في مقاعد المؤمنين» غير أن ~~الحكومة البريطانية في ذلك العهد لم تكن تفكر مطلقا في الاستيلاء على مصر، وإن همها ~~جدا أن لا يستولي عليها أحد غيرها. ولا أدل على ذلك مما يرويه المسيو إميل الليڨييه، ~~رئيس الوزارة الفرنساوية التي أشهرت الحرب على ألمانيا سنة 1870، في كتابه المسمى ~~«الإمبراطورية المتسامحة »، فإنه يقول - وقوله ثقة - «إن الإمبراطور ناپوليون الثالث ~~فاتح في سنة 1857 الحكومة البريطانية في أمر اقتسام إفريقيا الشمالية، واقترح عليها ~~اختصاص فرنسا بمراكش، ومملكة سردينيا (وأصبحت فيما بعد مملكة إيطاليا) بتونس، وإنجلترا ~~بمصر.» # فلما عرض الأمر على اللورد بالمرستون، كبير وزراء الإنجليز في ذلك الحين، أجاب «قد ~~يمكن أن إنجلترا وفرنسا وسردينيا تحكم أجزاء عديدة من العالم خيرا مما يحكمها الآن ~~حكامها، ولكني لست أرى ms749 أن هذا داع إلى إقامة حكم هذه الدول على تلك الجهات، فنحن - من ~~خصوصنا - لا نريد مصر، والذي نبتغيه من مصر هو أن تستمر مرتبطة بالسلطنة التركية، لأن ~~هذا ضمانة ضد وقوعها تحت سلطة أية دولة أوروبية. نحن نريد أن نتجر مع مصر، ونريد أن ~~نجتاز مصر في أسفارنا، ولكنا لا نريد أن نثقل أكتافنا بأعباء الحكم عليها، فيلزمنا أن ~~نحسن حال هاتيك الأقطار بمؤثرات تجارتنا العامة، ولكن علينا أن نمتنع الامتناع كله عن ~~صليبية فتح قد تحق علينا معها كلمة باقي الأمم المتمدنة». # 3 # وكتب إلى صديقه اللورد كولي، يقول، «نحن لا نريد مصر أو نبغيها لأنفسنا أكثر مما يبغي ~~رجل عاقل ذو ملك في شمال إنجلترا، وصاحب مقام في جنوبها، أن يمتلك عموم الفنادق ~~والمنازل القائمة في طريقه إلى ملكه في الشمال، وغاية ما يتمناه هو أن تكون تلك الفنادق ~~والمنازل معتنى بها، ومحفوظة في حال جيدة، وأن لا يعوقه عائق عن الدخول إليها، وأن يجد ~~فيها حينما يردها شواء خروف، وخيل بريد.» # 4 # وكانت حجته الكبرى في مقاومته عمل إنشاء ترعة السويس هي أن تلك الترعة لو تمت - وهو ~~أمر غير محتمل - لاضطرت إنجلترا إلى احتلال مصر وامتلاكها، وهو أمر لا تريده. # 5 # ولكن بعد أن تم فتح تلك الترعة، وعلى الأخص بعد أن اشترت الحكومة البريطانية أسهم ~~الحكومة المصرية فيها، أخذت رغبة إنجلترا في امتلاك القطر المصري تنمو شيئا فشيئا في ~~صدور رجال سياستها، لا سيما المحافظين منهم، وأخذت تتشكل وتتجسم رويدا رويدا، حتى ~~باتت راكزة ثابتة في نفس اللورد بيكنسفلد رئيس وزارة المحافظين في أيام (إسماعيل) ~~الأخيرة. ولا أدل على ذلك من تلون هذا الوزير اليهودي الأصل في معاملته الحكومة ~~المصرية، وفي احتياله على خلق الصعوبات المالية لها، ومن مكاتبات اللورد سلسبري لقنصلي ~~إنجلترا بمصر، البادية عليها صبغة التهديد المستمر (لإسماعيل)، مع وقوف السياسة ~~البريطانية تمام الوقوف على طبع هذا الخديو، وقلة صبره على ما يمس كرامته، وينتقص ~~مكانته. # على أن استيلاء إنجلترا على مصر ms750 لم يكن بالشيء الهين: # أولا: # لأن المعاهدات الدولية كانت عقبة كؤودا في السبيل. # ثانيا: # لأن الدول الأوروبية، لا سيما فرنسا، لم تكن لتستطيع عليه ~~صبرا. # ثالثا: # لأن كثيرين من عقلاء الإنجليز أنفسهم كانوا لا يريدونه مطلقا، ~~ويعتبرونه مصيبة على دولتهم. # رابعا: # لأنه في وزارة المحافظين ذاتها، كان يوجد من لا يستحسنه مطلقا، ~~ويبذل وسعه في مقاومة نفاذه. # ومع ذلك فمصير الأمور كان - حتى لأقصر الناس تبصرا وبصرا - متوجها وجهة إجبار ~~بريطانيا على المجيء إلى مصر، إن لم يكن للاستيلاء عليها وضمها إلى أملاكها، فلتسيير ~~إدارتها وفقا للمصالح الإنجليزية، ولمنع دولة أوروبية غيرها من احتلالها. # أما فرنسا، فالذي كان يهمها فوق كل شيء هو أن لا يغرس الإنجليزي قدميه على ضفاف النيل ~~لا بثبات، ولا بكيفية وقتية مقلقة، ولكنها لم تكن في الوقت نفسه تنظر بعين الارتياح إلى ~~احتلال قوة تركية هذا الوادي الخصيب، وكانت تعتبر أن مثل هذا الاحتلال داء أفظع بكثير ~~من الداء المتألمة مصر به، لا دواء له. وبما أنها كانت متيقنة من جهة أخرى، من أن ~~اتحادها مع إنجلترا، لاحتلال القطر معا، إنما يكون مصدرا في المستقبل لمشاكل وصعوبات ~~لا نهاية لها بين الدولتين قد يؤدي بهما إلى الاشتباك في حرب معا، لا سيما بعد أن قال ~~البرنس بزمرك «إن مصر ستكون للدولتين الغربيتين ما كانه الشلزڨيج هلستين الدانمركي ~~لبروسيا والنمسا». فإن سياستها كانت تقضي عليها، وكانت في الواقع موجهة إلى إبقاء الحال ~~بمصر على ما هي عليه، بدون أقل تعديل. # ولكنها من جهة ثالثة كانت مضطرة إلى حماية مصالح رعاياها المالية هناك، والأوساط ~~المالية في باريس كانت لا تنفك تحرضها على صيانة تلك الحقوق. على أن حمايتها وصيانتها، ~~بما سوى المداخلة الفعلية في الشئون المصرية الداخلية، كانت تظهر لها متعذرة إلا إذا ~~انقاد الخديو إلى رغائبها، وسلم زمام بلاده إلى رقابتها - وهو ما لم يكن يمكن انتظاره ~~من (إسماعيل) مطلقا - فما العمل؟ # وإيطاليا على حداثتها، وعلى ما لديها من مسائل داخلية تجعل اهتمامها بها وعنايتها في ms751 ~~حلها أفيد لها بكثير من الطموح إلى التوسع في النفوذ الخارجي، إيطاليا، لعلمها أن ~~للمظهر في العالم أهمية كبرى، وأن مركز الدول من بعضها على قدر كبر المطالب، والتشدد في ~~التمسك بحقوق، ولو مزعومة فقط، وغير مسلم بها، كانت ترى أنه لا بد من إشراكها مع ~~الدولتين الغربيتين في إدارة شئون البلاد المالية، لا سيما وأن جاليتها في القطر أكثر ~~عددا، ومجموع أفرادها المقربين من سمو أمير البلاد أشد نفوذا عليه من جاليتي الدولتين ~~الغربيتين، ومن مجموع أفرادهما المالكين أذن الخديو، أو المقربين إلى قلبه. # أما روسيا، فمع أن مصالحها في القطر كانت عدما، إلا أنه كان يجدر بها في نظرها شد ~~أزر تركيا، وتعضيد إجراءاتها، وذلك لسببين: # الأول: لأن الحكومة الروسية كانت تعتبر نفسها الوريثة للدولة التركية - فكل ما ينتقص ~~دولة بني عثمان يقلل من تركتها المنتظرة. # والثاني: لتوقعها مكسبا أدبيا من وراء وقوفها بجانب تركيا، معضدة مؤزرة، عملا ~~بقول أحد ساستها، وهو «قد سلخنا جلد هؤلاء الأتراك المساكين في الشمال، إلى حد يحسن بنا ~~معه التظاهر بحمايتهم ولو قليلا في الجنوب.» # وألمانيا والنمسا، وإن لم تتداخلا لغاية ذلك اليوم إلا قليلا في الشئون المصرية، إلا ~~أنهما لم تكنا لتنظرا بعين الارتياح إلى استقلال إنجلترا وفرنسا بعمل متفق عليه بينهما ~~وحدهما بمصر. # وعلاوة على ذلك، فإن عددا لا يستهان به من الألمان والنمساويين الدائنين للحكومة ~~المصرية دينا غير مسجل كانوا قد استصدروا ضدها أحكاما لمصالحهم من المحاكم المختلطة، ~~فهل كان يسع دولتاهم عدم المطالبة بتنفيذ تلك الأحكام؟ كلا، وقد رأينا البرنس بزمرك ~~يحتج احتجاجا عنيفا على عدم تنفيذها ، واحتجاج من كان في مركزه لا يصح أن يكون مجرد ~~حبر على ورق كاحتجاجات الضعفاء من الدول والناس. # الفصل الثاني # | البروق تشق السحاب1 # والنجم في كبد السماء كأنه # أعمى تحير ما لديه قائد # العباس بن الأحنف # ولكن على حيرة هذه الدول كان لا بد من عمل يقدم عليه، وبما أن فرنسا وإنجلترا كانتا ~~أكثرهن مصالح بمصر، كان لا مندوحة لهما عن ms752 التعرض، قبل غيرهما، إلى اتخاذ مسئولية ~~الإقدام على ذلك العمل. # فما تفاوضتا معا في الموضوع، إلا واتضح لهما أن إقدام (إسماعيل) على صرف وزيريه ~~الغربيين لم يكن خارجا عن دائرة حقوقه، ولا خرقا لحرمة أي تعهد من تعهداته السابقة - ~~وإن عد في عرفهما عملا غير حكيم، وملحقا مصالحهما المصرية بأخطار جمة - وأنه يحسن ~~بهما - والحالة هذه - استعمال طرق الإقناع معه، قبل كل شيء، ومحاولة تفهيمه أن مصلحته ~~مرتبطة بمصالحهما، وأنه بتنكبه عن جادة إرشاداتهما، إنما يسلك مسلكا قد يكون وبيلا ~~عليه، فاتفقتا على خطة سير تتبعانها، وكلف اللورد سلسبري بإرسال المكاتبة الآتية إلى ~~السير فرنك لاسيل، وكلف المسيو وادنجتن المسيو جودو بالانضمام إلى زميله في تبليغ ~~مضمونها إلى الخديو. # أما المكاتبة فهي: «يعلم الخديو أن الاعتبارات التي تلزم حكومة جلالة الملك بالاهتمام ~~بشئون مصر قادتها إلى عدم اتباع خطة خلاف خطة إنماء مصادر ثروة البلاد وضمانة حسن ~~حكمها. وهي - لغاية الآن - قد اعتبرت أن استقلال الخديو وبقاء أسرته على العرش من ~~اللزوميات للوصول إلى ذينك الغرضين. وهذه كانت أيضا إحساسات الحكومة الفرنساوية، ولذا ~~فإن الحكومتين تميلان إلى اعتبار القرار الذي تسرع سموه بتنفيذه قرارا غير نهائي، سواء ~~أكان فيما يختص بمستقبل سير الإصلاح أم بالموقف الذي عزم على وقوفه إزاءهما. ونحن نفضل ~~انتظار أعماله المستقبلة، لكي نعبر عن سيره الأخير تعبيرا يكون في مصلحته، ولكنه إذا ~~استمر على جهل الواجبات المترتبة عليه من قبل أعماله وتصريحاته وتأكيداته الماضية، ~~واستمر مصرا على رفض مساعدة الوزراء الأوروبيين الذين قد تضعهم الحكومتان تحت تصرفه، ~~فإنا سنضطر إلى استنتاج أن إهمال التعهدات الذي امتاز به عمله الأخير كان نتيجة خطة ~~مصمم عليها، وأن سموه يرفض صداقتهما بتمام رغبته، وهو على بينة كلية من عمله. وفي هذه ~~الحال، فإنه لا يعود يمكن للحكومتين سوى أن تحفظا لنفسيهما حرية التقدير والعمل المطلقة ~~في الدفاع عن مصالحهما بمصر، وحرية التدبر فيما تريانه خير الوسائل لضمانة حسن حكم ~~البلاد ونجاحها.» # هذه المكاتبة بلغت بحذافيرها إلى (إسماعيل) في 25 ms753 أبريل، غير أن الحكومتين قبل ذلك ~~بأسبوع، كانتا قد خاطبتا الباب العالي في أمر خلعه، وأجابهما السلطان أنه مستعد لإبداله ~~بحليم باشا، إذا شاءتا، وأنى شاءتا. # وكان (إسماعيل) قد زاد عدد الجيش وقوته زيادة محسوسة، لمقابلة الطوارئ، ولكنه لحظ بعد ~~بضعة أيام أنه لا يستطيع الوثوق من إخلاص جنده وأمانته، واطلع على ذلك أيضا السير فرنك ~~لاسيل، فكتب في 26 أبريل إلى الخارجية البريطانية رسالة وصف فيها بتطويل البؤس ~~والاستياء الناجمين للبلاد عن تصرفات الوزارة الجديدة الجائرة، وقال: «ويؤكد لي أن هذا ~~الاستياء عينه من الحال الحاضرة منتشر انتشارا كبيرا في الجيش ذاته، وأنه ولد شعور ~~عداء للخديو، ليس فقط بين أفراد العسكرية المنتسبين إلى طبقات الأمة المرهقة، بل بين ~~الضباط أنفسهم، ويؤكد لي أن هؤلاء، وإن كرهوا كل الكراهة أي تداخل أوروبي، يعتبرون ~~الخديو مسئولا عن المصائب التي أصابت البلاد.» # فبينما الدولتان لوقوفهما على حقيقة القوة التي يمكن (لإسماعيل) أن يقاومهما بها، لا ~~تباليان بمخاطبته بلهجة العزيز القدير، وجد هو نفسه مضطرا للسبب عينه إلى مداهنتهما ~~ومراوغتهما، مع إصراره على معاكستهما. فأجاب على بلاغهما بالتنصل من كل نية سيئة ~~نحوهما، وفكر ضار بمصالحهما، وباستعداده لإرضائهما في كل ما تريدان، ما سوى إرجاع ~~الوزيرين الغربيين إلى منصبيهما، لأن ذلك بات فوق طاقته، ولن تسمح الأمة به ~~مطلقا. # ولما لم تكن الدولتان تريدان منه غير ذلك، بات من المؤكد لهما أنهما لن تنالا منه ~~وطرا، ورسخ في عزمهما العمل على إقالته من منصبه، لاعتبارهما استحالة وجود حل للمشكلة ~~المصرية ما دام زمام الأمور بيده. # على أن عمال (إسماعيل) في الأستانة وقفوا حالا على اللغم الذي أخذت الدولتان تدنسانه ~~تحت مركزه هناك، وسرعان ما أحاطوه به علما. # فبعث (إسماعيل) في أواسط أبريل طلعت باشا إلى الأستانة، مزودا بالذهب اللازم لمعاكسة ~~ذلك اللغم، وحمله - على ما يقال - مبلغا جسيما للسلطان نفسه، ومبالغ أخرى كبيرة، وإن ~~كانت دون الأول، للصدر الأعظم وموظفي المابين والديوان. فقبل السلطان ووزراؤه الرشوة ~~والهدايا المرسلة إليهم، ولكنهم إما لأنه ms754 كان يعوز طلعت باشا كثيرا من سياسة نوبار، ~~وإما لأنه كان ينتظر من (حليم) ما يربو على المقدم من (إسماعيل)، وإما أيضا لأنهم ~~أحسوا بأفول نجم (إسماعيل)، لم يرتبطوا مع مندوبه بوعد صريح. وبالرغم من بقائه بين ~~جدرانهم أكثر من شهر، يبذل ويعد، عاد إلى مصر يحمل، فوق خفي حنين، الأمل بأن الخطر قد ~~يبدد. # ولكنه لم يكد يستقر بمصر إلا وتفجر الصيب، وانحدرت الصاعقة، لا من لندن ولا من باريس، ~~ولا من الأستانة، بل من برلين! فإن الكونت دي منستر سفير ألمانيا لدى الحكومة ~~البريطانية قابل يوم 11 مايو اللورد سلسبري، وأخبره بأن حكومته أصدرت تعليمات إلى ~~قنصلها الچنرال بمصر، مفادها إخطار الخديو «بأن الحكومة الإمبراطورية تعتبر المرسوم ~~الصادر، في 22 أبريل الماضي، الذي نظمت الحكومة المصرية بمقتضاه على هواها شئون الدين، ~~فألغت به حقوقا قائمة ومعترفا بها، مخالفة صريحة رأسية للتعهدات الدولية المعقودة عند ~~الاتفاق على إنشاء الإصلاح القضائي، وتعتبره بالتالي خاليا من كل ملزم قانوني فيما ~~يتعلق باختصاص المحاكم المختلطة، وحقوق رعايا الإمبراطورية، وتعد الخديو مسئولا عن كل ~~نتائج أعماله غير الشرعية.» # فبلغ القنصل الألماني هذا الإخطار إلى الخديو في 18 مايو، وما كان من باقي الدول ~~الأوروبية الكبرى إلا أنها اقتدت بعمل ألمانيا، فقدم القنصل النمساوي الاحتجاج عينه إلى ~~(إسماعيل) في اليوم التالي، وقدمه له السير فرنك لاسل في 8 يونية، والمسيو تريكو (وكان ~~نائبا عن المسيو جودو القنصل الفرنساوي) في 12 منه، والقنصل الروسي في 14 منه، والقنصل ~~الإيطالي في 15 منه. # فالنهاية كانت إذا قد دنت، ولم يعد منها مفر، وأشارت الدولتان في اليوم التالي على ~~(إسماعيل) عرفيا بالاستقالة من كرسيه، فأبى. # فلما كان اليوم التاسع عشر من شهر يونية طلب قنصلا فرنسا وإنجتلرا - بناء على ~~التعليمات الواردة لهما من دولتيهما - مقابلة الخديو، وبلغاه ما يأتي «إن الحكومتين ~~الفرنساوية والإنجليزية متفقتان على الإشارة على سموك رسميا بالاستقالة، ومغادرة ~~القطر المصري، فإذا اتبع سموك هذه النصيحة فإن الحكومتين ستعملان معا على منحك مرتبا ~~سنويا موافقا ms755 كافيا، وعلى حفظ نظام الوراثة الذي بمقتضاه سيخلف الأمير محمد توفيق ~~سموك على العرش المصري، ولكنهما لا تخفيان سموك أنك إذا رفضت التنازل، وأجبرتهما على ~~مخاطبة السلطان رأسا، فإنك لن تستطيع الاعتماد على تعيين راتب سنوي لك، ولا على حفظ حق ~~الوراثة للأمير محمد توفيق.» # وأرسل اللورد سلسبري في الوقت عينه رسالة إلى السفير فرنك لاسل أوضح فيها الأسباب ~~التي حملت الحكومة البريطانية على اتخاذ هذه الخطة، فقال: «إنه لا يمكن الرجوع بالنظر ~~إلى الحوادث التي انتهت بصرف الوزيرين الأوروبيين بدون البلوغ إلى الاعتقاد بأن الخديو ~~لم يقبل أبدا بإخلاص تحديد سلطته، التحديد الذي اقترحته المندوبية، وأنه كان مصمما ~~تصميما أكيدا على استعادة كل حقوق تاجه، حالما تتحقق الأغراض الوقتية التي رمى إليها ~~بالقبول الظاهري الذي أبداه. # إن الحكومتين منحتا سموه وقتا كافيا ليقيل كل عثرة سابقة، وليعود فيما لو أراد إلى ~~محجة الإصلاح المبينة من المندوبية الدولية، فرفض الانتفاع بذلك، واستخدم المهلة ~~الممنوحة له لتجديد الاغتصابات والقسوة، التي كانت خزينته تملأ بموجبها في الماضي، فلم ~~يعد أمام الحكومتين - والحالة هذه - طبقا للإنذار، الذي بلغتاه إلى سموه في 25 أبريل، ~~سوى اعتبار الخطة اللازمة للدفاع عن مصالحهما في مصر، ولضمانة حسن الحكم للبلد. # فمن الواضح أن الأدوية لشفاء سوء الحكم المقترحة لغاية الآن قد جربت ولم تنجع، ولم ~~يعد من شأن أي محاولة مستقبلة من جهة الدول، لمساعدة الخديو على اجتناب عواقب إدارته ~~الرديئة، سوى إشراك هذه الدول في المسئولية الناجمة عن تلك الإدارة، فإن الحوادث دلت ~~دلالة كافية على قدرته على تخييب كل مشاريع الإصلاح، وتصميمه على استعمال هذه ~~القدرة. # فلو كانت مصر قطرا لم تشترك الدول في تاريخه الماضي، أو كان في استطاعتها أن لا تهتم ~~لنصيبه في المستقبل، فإن خير خطة لهن كانت تكون التنازل في هذا الموقف عن كل اهتمام ~~بالعلاقات الكائنة بين الحاكم المصري ورعاياه. # ولكن هذا غير ممكن، على الأقل لإنجلترا، فإن موقع مصر الجغرافي، وكون عمل الحكومة ~~الإنجليزية في الماضي يجعلها مسئولة عن ms756 الأحوال الحاضرة التي مصر بموجبها دولة، يحولان ~~دون تركها وشأنها. # فنحن ملزمون - واجبا ومصلحة - ببذل ما في وسعنا لوضع حد لسوء الحكم، قبلما يؤول إلى ~~الخراب المادي والفوضى العديمة الدواء، التي دل مثل دولة شرقية أخرى إنها المصير المؤدي ~~إليه حتما كل حكم سيئ. # فالشر فيما يختص بمصر، لم يبلغ حدا لا يمكن إيقافه إلا بإجراء تغييرات صغيرة المدى ~~وسريعة الوقع، فإن العقبة الوحيدة القائمة دون الإصلاح توجد - على ما يظهر - في أخلاق ~~حاكمها، فضيقه المالي يكاد يؤدي حتما إلى ظلم، وسوء نيته، وعدم إخلاصه في وعوده؛ ~~يخيبان كل مجهودات صديقتيه لمداواة الشر، فلم يعد هناك شك - على ما يخال لنا - في أن ~~تغيير السياسة الداخلية في القطر المصري ليس في الاستطاعة إلا بتغيير الحاكم. # فقد يكون من واجبات الدولتين الغربيتين طرح هذه الاعتبارات أمام نظر السلطان الذي ~~يدين الخديو لسلطته للفرمان الصادر إليه منه، ولكنهما قبل خطو خطوة هذه خطورتها قد ينجم ~~عنها نكبة هائلة، ليس فقط للخديو، بل ولأسرته، تريان من العدل، أولا: إبلاغ الخديو ~~النتيجة التي وصلتا إليها، لتمكينه من الانسحاب بشروط شريفة وموافقة، من مركز أصبح خلفه ~~وماضيه يجعلانه غير كفء له.» # فلم يكن بلاغ القنصلين مباغتة (لإسماعيل)، لأن عميله في الأستانة كان قد أنبأه بأن ~~سفارتي الدولتين تهيئا المسألة مع الباب العالي، وأن الدولة التركية بعد قبول الهدايا ~~المرسلة مع طلعت باشا لم تتأخر لحظة عن تضحية مولاه المصري تحت أقدام أعدائه. # ولكنه - اكتسابا للوقت - التمس مهلة يومين ليفكر في الأمور مع مستشاريه قبل الإجابة ~~في موضوع خطير كهذا. # فلما مر اليومان أتاه القنصلان مستفهمين مرة أخرى، فأجاب أنه عرض الأمر كله على ~~السلطان، وأصبح ينتظر جوابا منه. # وكان المسيو تريكو من أشد أعداء (إسماعيل) وطأة عليه، وعمل ما لا يعمل لتبليغ ~~الدولتين إلى قرارهما بعزله، وقال لأحد أصحابه: أنه لا يهدأ له سر ولا ضمير إلا متى رأى ~~ذلك العاهل مقالا من عرشه. # فلما سمع جواب (إسماعيل)، ضج وعج، وقال بتهكم: «ومنذ متى وفقت ms757 بين سيرك ورغائب ~~السلطان؟ فقد تصرفت أكثر من عشرين مرة ضد رغائبه.» # ولم يكن (إسماعيل) يجهل عداء المسيو تريكو له، فالتفت إليه مقاطعا، وقال: «ألا إني ~~أتحداك يا هذا، أذكر مرة واحدة إذا استطعت.» # فصعق تريكو، ولم يحر جوابا، فهب السير فرنك لاسل، وكان رجلا طيب السريرة، ومتأثرا ~~شديد التأثر للنكبة التي حلت بذلك الرجل النابغة، وقال له بلطف: «يحسن بسموك يا مولاي ~~أن تظهر استقلالا عن الأستانة، حيث إن الباب العالي قد يخدعك في نهاية الأمر.» # وكان (إسماعيل) يقدر شعور السير لاسل حق قدره، فالتفت إليه بلطف، وقال: «حيث إنك يا ~~سيدي العزيز تنصحني بأن يكون أول استعمالي للاستقلال، الاستقالة من الخديوية، فإني لا ~~أرى ما فائدتي من استعمال هذا الاستقلال.» # 2 # ولم يكن قول الخديو لهما أنه طرح المسألة أمام السلطان مجرد مراوغة، فإنه عرضها في ~~الحقيقة على الأستانة في أمل الحصول على تعضيد منها، وحمل من تكلم هناك في مصلحته، وبذر ~~في قلب السلطان الخوف من أن تفتات الدولتان الغربيتان على حقوقه، وكان الأمل بدأ يبزغ، ~~في الواقع، وأخذ السلطان يتردد في هل يجيب طلب الدولتين أم لا. # ولكن الدول الأوروبية أظهرت اتحادا وإجماعا في الرأي، فانضمت ألمانيا والروسيا ~~والنمسا وإيطاليا عينها في آخر الأمر - وكان ملكها ڨكتور عمانوئيل الثاني، صديق ~~(إسماعيل) الحميم، ومدينه بمبالغ هائلة قد مات، لسوء الحظ، منذ سنة - إلى الدولتين ~~الغربيتين في مطالبة الخديو بالاستقالة، وأقبل سفراؤها في الأستانة على استعمال لهجة ~~الشدة لمنع السلطان من تعضيد الخديو. # فلما تيقن (عبد الحميد) أن الأمر حتما نافذ، فضل أن يصدر العزل عنه بدلا من أن يكون ~~نتيجة عمل تقدم عليه تانك الدولتان. # ففي ليلة 24 يونية، وصل للمسيو تريكو خبر من الأستانة، مؤداه أن الباب العالي قرر عزل ~~الخديو وتعيين (حليم باشا) مكانه، فمع أن الساعة كانت تجاوزت نصف الليل، هب المسيو ~~تريكو، والسير فرنك لاسل، والبارون سورما، القنصل الألماني العام، وتوجهوا إلى سراي ~~عابدين، وطلبوا مقابلة الخديو في الحال. # فلما عرف في دار ms758 الحريم أن الأوروبيين يطلبون مقابلة الخديو في تلك الساعة من الليل، ~~وقع الصوت وقامت القيامة، وعجت الدار بمن فيها عجا لا يوصف، وخافت سمو الوالدة أن ~~يكون هناك مكيدة ضد حياة ابنها، فرجته بعدم الخروج، ولكنها لما علمت أن الأوروبيين إنما ~~هم قناصل ألمانيا وفرنسا وإنجلترا، وأن شريف باشا صحبتهم، أدركت أنه لم يكن ثمت من خطر، ~~ورضيت أن يقابل (إسماعيل) زائريه. # 3 # وكان سموه منفعلا جدا، وظهر للسير لاسل كأنه لا يدري ما النبأ، فلما ألح عليه ~~القناصل بوجوب الاستقالة، أظهر تكدرا من أنهم أقلقوه في ذلك الوقت غير المناسب، وأصر ~~على الرفض. # ولما كان اليوم التالي يوم 25 يونية، رأى الخديو أن يقابل القوة بالقوة، إن لم ينجح ~~بالتمسك بحقوقه تمسكا أدبيا، فأمر، فأعد مشروع مرسوم يرفع عدد الجيش المصري إلى مائة ~~وخمسين ألف رجل، وتنوقش، في حضرته، في أمر تغريق الأراضي المحيطة بالإسكندرية؛ لمنع ~~الأعداء من التقدم إلى داخلية البلاد، ثم أرسل، فاستدعى إليه كبار ضباطه، واستوثق من ~~إخلاصهم وولائهم، ولكنه وجد منهم فتورا، وقرأ التردد على وجوه معظمهم، وعزم التخلي عنه ~~على وجوه البعض، وأكد له أحد المخلصين إليه أنه لا ينتظر أن يقوم الجند المصري بنصرته، ~~إذا كان العزل بإرادة سلطانية. # فأدرك أن اللعبة ضاعت، وأن الأمر قد قضي، وأقبل يستعد للرحيل. # الفصل الثالث # | قضي الأمر1 # عددتك ممن حوته القبور # وإن كنت ألقاك في الناس حيا # فاختار من نساء حريمه أقربهن إلى قلبه، وجمع من الكل حليهن ومصاغهن - وكان ثمنها ~~شيئا كثيرا - واستدعى عدة من صائغي الأقباط، وأقامهم بعابدين يشتغلون ليلا ونهارا ~~في نزع الحجارة والفصوص الكريمة ليسهل نقلها والتصرف فيها، وجرد السراي من كل رياشها ~~الثمينة التي كانت ملكه الشخصي ، لا ملك الحكومة، ومن آنيتها الذهب الخالص والمرصعة - ~~وقدر ثمنها بثمانمائة ألف جنيه - ومن كل طنافسها القديمة، وأثاثها الفاخر، ولوحاتها ~~ونجفاتها الفضية، ولم يبق لخلفه من الأربعة والعشرين طاقم سفرة الفخمة الموجودة فيها ~~سوى طاقمين، وكانا أقلها قيمة - وأرسل جميع ذلك، ما عدا نسائه، ms759 إلى الإسكندرية في ~~صناديق مقفلة، ذهب بها حالا إلى ظهر يخته «المحروسة» تحت حفظ حفظة مؤتمنين. # 2 # وقال لسان النميمة - الذي لم يترك عملا من أعمال حياته إلا ونفث عليه سمومه - في ~~إحدى جرائد الإسكندرية، أنه بذل مجهودا أخيرا لجمع أموال من الأقاليم، وأنه وضع يده ~~على كل النقود التي كانت موجودة في خزينة المالية، وقدرها ما بين 200 و300 ألف جنيه، ~~وغنمها لنفسه، وفات ذلك الأفاك أن (إسماعيل) كان أدرى الناس بأنه لو فعل ذلك لعرض ~~نفسه إلى حجز الدول والحكومة المصرية ذلك المبلغ من مرتبه السنوي، فلا يكون قد جنى إذا ~~من عمله سوى العار اللاصق به والسخط العام. # وفي تلك الأثناء كانت الدوائر الرسمية الأوروبية في الأستانة قد نجحت في ضغطها على ~~الأستانة، وأجبرت السلطان على تنفيذ عزمها، وتعيين الأمير محمد توفيق، لا الأمير عبد ~~الحليم باشا، خديو على مصر. ففي صباح اليوم السادس والعشرين من شهر يونية أبرق السير ~~لايرد سفير إنجلترا بالأستانة إلى وزارة الخارجية البريطانية، منبئا بصدور الإرادة ~~السلطانية القاضية بعزل (إسماعيل)، وتعيين (توفيق) مكانه. # وفي ضحى اليوم عينه، جيء ببرقية محررة باللغة التركية ومعنونة هكذا «إلى إسماعيل ~~باشا، خديو مصر سابقا» إلى حجرة زكي باشا السر تشريفاتي خديوي، بالدور الأرضي من سراي ~~عابدين، حيث تصادف وجود خيري باشا المهمندار وحافظ الأختام السنية، وعدة من كبار ~~الموظفين، فأسقط كلهم في أيديهم، وعلا الاصفرار والاضطراب جباههم جميعا. # ولما كان أي إنسان في الشرق يأنف من أن يكون أول حامل لنبأ مكدر، فإن زكي باشا رفض ~~الذهاب بالبرقية إلى سمو الخديو في الدور الأول، وأصر على أنه في مثل هذا الأمر الخطير ~~لا يليق أن يقوم بتلك المأمورية سوى المهمندار، ولكن خيري باشا أبى، وقال بإلحاح: إنه ~~من الظاهر أن هذا شأن أحد الوزراء، لا شأنه. وبينما الموظفان يتنازعان في ذلك، قدم شريف ~~باشا، فسلمت البرقية إليه، فتردد هو أيضا، ولكنه كان وزير مصر الأكبر، وواجبه يقضي ~~عليه بالتبليغ، ولم يكن بالرجل الذي يحجم أمام صوت ms760 الواجب، مهما كان العمل شاقا على ~~نفسه، فحمل الإشارة البرقية، وذهب بها إلى (إسماعيل). ففضها، وإذا بها من الصدارة ~~العظمى بالأستانة وفحواها «إن الصعوبات التي نجمت أخيرا، في أحوال مصر الداخلية ~~والخارجية، بلغت مركزا عسيرا، وقد ينتج عن استمرارها كما هي خطر لمصر وللدولة ~~العثمانية. ومن أهم واجبات الحكومة السلطانية إيجاد الوسائل لتقرير الطمأنينة والأمن ~~والرفاهية بين الأهالي، وإنما صدرت الفرمانات لهذه الغاية عينها. فبما أنه قد ثبت أن ~~بقاءكم في منصب الخديوية لن ينجم عنه سوى مضاعفة الصعوبات الحالية، وزيادتها خطورة، ~~فجلالة مولانا السلطان بناء على تداول مجلس وزرائه، قرر تعيين صاحب السعادة محمد توفيق ~~باشا في منصب الخديوية، وأصدر إرادته الهمايونية بذلك، وقد أبلغ هذا القرار السامي إلى ~~سعادته بإشارة برقية على حدة، وعليه فإني أدعوى إلى التخلي عن شئون الحكم طبقا لأوامر ~~جلالة السلطان.» # فقرأ (إسماعيل) ذلك المنطوق الذي قضى بموته سياسيا، بثبات وهدوء جديرين بالإعجاب، ~~كأنما هو يقرأ أقل تلغرافات روتر أو هافاس أهمية، ثم التفت بسكون إلى شريف باشا وقال ~~«أدع سمو توفيق باشا حالا.» # فخرج شريف باشا من حضرته ليقوم بنفسه بالبشرى كما قام بنبأ العزل، على أن أسلاك ~~التلغرافات كانت قد أعقبت بأسرع ما أمكنها البرقية المرسلة إلى (إسماعيل) ببرقية أخرى ~~أرسلها الباب العالي عينه إلى (توفيق)، فسلمت إليه في قصره بالإسماعيلية، ففضها، وإذا ~~بها من الصدر الأعظم أيضا، وفحواها: «إن جلالة مولانا السلطان قد أصدر إرادته ~~الهمايونية بتعيينك خديو مصر، وسوف يرسل لك الفرمان الشاهاني بالكيفية الرسمية ~~المعتادة، وقد كلف (إسماعيل باشا) بتلغراف آخر بالانسحاب من شئون الحكومة، فيلزمك بناء ~~على ذلك، حالما تصل هذه البرقية إليك، أن تستدعي جميع العلماء، والموظفين، ووجهاء ~~البلاد وأعيانها، ومستخدمي الحكومة، وتبلغهم مضمون الإرادة الشاهانية الخاصة بتعيينك، ~~وتباشر شئون الحكم حالا، فإن هذا التعيين السامي العادل مكافأة لكفاءتك، وسيكون ~~ارتقاءك السدة الخديوية بدء عهد نظام ورقي يسود على القطر الملقاة زمام شئونه إلى ~~حكمتك.» # والبرقيتان كانتا مؤرختين 6 رجب سنة 1296 و26 يونية سنة 1879. # فوجد شريف ms761 باشا الأمير محمد توفيق وهو على وشك الركوب في مركبته، فتخلى شريف باشا عن ~~العربة التي أتى فيها، وركب صحبة الخديو الجديد، وعاد معه إلى عابدين. # ففي الطريق سلمه (توفيق)، بسكوت، البرقية الواردة إليه، فقرأها شريف وقال: إن ~~المناداة به خديويا على مصر، المنصوص عليها في تلك الإشارة التلغرافية، يجب أن تتم ~~بعد ظهر ذلك اليوم عينه في قلعة الجبل. # ولما وصلا عابدين، بقي شريف في الدور الأرضي، وصعد (توفيق) إلى حيث كان أبوه في ~~انتظاره. وحالما دخل الغرفة التي كان (إسماعيل) جالسا فيها بصحبة أفكاره وشجونه مذ ~~تركه شريف، ووقعت عين والده عليه، نهض (إسماعيل) وتقدم للقياه، وأخذ يده ولثمها قائلا: ~~«إني أسلم على أفندينا»، ثم قبله على وجنتيه، وتمنى له أن يكون أوفر حظا وأكبر ~~سعادة من أبيه، وبعد ذلك انحنى أمامه، ودخل دائرة حريمه، تاركا لابنه، المتأثر تأثرا ~~عميقا، منصبه وقاعة عرشه. # 3 # ولما كانت المناداة السريعة بالخديو الجديد شيئا مرغوبا فيه، اتقاء لكل طارئ، ~~استدعى جمهور من أوصت إشارة الصدر الأعظم البرقية باستدعائهم إلى القلعة، وقرئت عليهم ~~الإرادة السلطانية، فدوت المدافع كالرعد معلنة لمصر، والقطر كله أن (محمدا توفيقا) ~~أصبح دون غيره، خديو مصر. # فاستقبل الخديو الجديد بعد ذلك وفود المهنئين، من قناصل وكبار موظفين وأعيان، ووجوه ~~وعلماء ورءوس أديان، في القاعة عينها التي كان أبوه قابلهم فيها، منذ نيف وست عشرة سنة، ~~ووعد جموعهم بأنه سيبذل جهده ليجعل البلاد سعيدة. # فلما كان المساء أخطر (إسماعيل) ابنه بأنه يرغب في مغادرة القطر يوم 30 يونية (فأنبأ ~~السير لاسل بذلك وزارة الخارجية البريطانية)، ولكنه لم يعين وجهة السفر. # فقد كان يرغب في أن يقيم في الأستانة، وإلا ففي أزمير، لكي يكون في بلاد ملائمة ~~لطريقة معيشته الشرقية، واستأذن السلطان في ذلك . # ولكن (عبد الحميد) - ولم تكن قدماه قد ثبتت بعد على عرش أجداده - خاف جيرته، وأبى أن ~~يقدم له الضيافة في بلاده، وربما خاف أيضا وخزات ضميره، لأنه بعد خلع (إسماعيل) أخذ ~~يفكر في إلغاء جميع الامتيازات ms762 التي كانت منحت له، كأنما النقود التي اشتريت بها لم يكن ~~لها حساب، وكأنه يصح بقاؤها في خزينة الدولة العلية مع استرداد هذه البضاعة التي باعتها ~~في نظيرها. # فعلم ملك إيطاليا رفض (عبد الحميد)، فأسرع ووضع تحت تصرف صديق المرحوم أبيه قصرا من ~~قصوره في ضواحي نابولي. # فقبل (إسماعيل) ضيافة الملك أمبرتو، وفي اليوم الثلاثين من شهر يونية - بعد أن سفر ~~أثقاله في قطار سابق، وودع حريمه الباقي الوداع الأخير، ويقال إن حزن السيدات اللواتي ~~تخلى عنهن بلغ مبلغا يفوق التصور، وأنهن في غضبهن على عدم اصطحاب سيدهن لهن كسرن عدة ~~أوان ثمينة، ومراءات بما بلغ قيمته 8 آلاف جنيه - قام من سراي عابدين في ساعات بعد ~~الظهر الأولى إلى المحطة، صحبته المختارات من نسائه وجواريه، وولديه حسين وحسن - أما ~~إبراهيم فكان في إنجلترا، وأما فؤاد - ملكنا المحبوب - فكان لا يزال صبيا لا يتجاوز ~~الحادية عشرة - وحاشيته قليلة، وكان قد أظهر رغبته في أن لا يتخذ سفره شكلا رسميا، ~~فلم يكن إذا على المحطة في انتظاره أحد من الدوائر الرسمية الأجنبية، ولكن جمهورا ~~كثيفا من الأهالي كان قد ازدحم حولها ليستجلي وجه أميره المسافر مرة أخيرة، ووقفت في ~~الخارج أيضا عربات تقل سيدات الحريم المتخلى عنهن، وكانت داوية بولولتهن ~~وندبهن. # فلما بلغ (إسماعيل) المحطة، ودنت ساعة السفر، عانق ابنه (توفيقا) عناقا أخيرا، ~~وقال له، وهو مجهش للبكاء: «كنت أود يا أعز البنين، لو استطعت أن أزيل بعض المصاعب التي ~~أخاف أن توجب لك ارتباكا، على أني واثق بحزمك وعزمك، فتوص بإخوتك وسائر الآل برا، ~~واتبع رأي ذوي شوراك، وكن يا بني أسعد حالا من أبيك.» # ثم التفت إلى جمهور الحاضرين، وقال: «إني، وأنا تارك مصر، أعهد بالخديو ابني إلى ~~ولائكم وإخلاصكم»، فتقدم (محمد توفيق) حينذاك ، وقبل يد والده، واستودعه، واستودع إخوته ~~المسافرين معه، الله. # فكان المنظر مؤثرا للغاية، ولم يستطع إلا القليل من الحضور منع بكائهم. # ثم قام القطار، وإذا بمجموعة زغاريد ماجت في الآفاق مودعة له بتهكم، فاستوقفت البحث ms763 ~~والاستفهام، فعلم بأنها صادرة عن نساء المفتش إسماعيل صديق، وأنهن أردن بها الشماتة ~~بالخديو المخلوع، والانتقام منه. # ولكن المسالمين حملوها على أنها إنما كانت ابتهاجا بتبوء الخديو الجديد عرش أجداده ~~نهائيا. # وليت شعري، من يدريني ماذا كانت الأفكار المتجولة في رأس (إسماعيل)، بينما كان القطار ~~يقطع المسافة بين العاصمتين المصريتين، وتتوارى عن أعين المسافرين مئذنتا جامع القلعة ~~المناطحتان السحاب، وقباب مصر التاريخية، وجبال الأهرام الراسخة، وبينما كانت تنفرد ~~أمامها سهول الدلتا الخصبية. هل اصطحبت تلك الأفكار بأمل؟ أم لم يجسر الأمل عينه على ~~الوقوف إزاء اعتقاد (إسماعيل) أن تلك إنما هي آخر مرة يرى أرض مصر المحبوبة، ويجول ~~بناظريه في آفاقها؟ # ولما بلغ القطار محطة الإسكندرية، ركب (إسماعيل) ومن معه عربات مقفولة، وساروا إلى ~~الترسانة، ومنها في زوارق إلى ظهر «المحروسة»، وكانت في انتظارهم، وكان ظهرها مكتظا ~~بذوي المقامات الرفيعة، وكبار الجاليات الغربية، الآتين لتوديع الخديو الأول، وداعا ~~أخيرا، اعترافا منهم بما كان (لإسماعيل) من المنزلة في القلوب، بالرغم من كل المطاعن ~~التي وجهها إليه أعداؤه. # فقابلهم (إسماعيل) جميعا بلطفه المعهود، وأظهروا هم له من الاحترام والتبجيل ما ذهب ~~مباشرة إلى فؤاده، وأهاج العواطف فيه، ولكنه تجلد. وبالرغم من ظهور آثار الانفعالات ~~النفسانية على وجهه، قاوم عواطفه، فقال لكل من مودعيه كلمة لطيفة، وعبارة شكر جميلة، ~~مصحوبتين بابتسامة صافية، وصافح بصداقة كل من كان قريبا منه. # غير أن موجة العواطف ما زالت تدفع بنفسها في قلبه حتى خاف تفجرها علنا، فاستأذن ~~الحاضرين ودخل مخدعا فسيحا، ليخفي مساورتها له، ففارقه المودعون، ولم تمض بعد ذلك نصف ~~ساعة، إلا ورفعت «المحروسة» مراسيها، وأقبلت تمخر مبتعدة عن الشاطئ. # فأطلقت طابية نابوليون (كوم الناضوره)، والسفينة الإنجليزية «ريوپرت» الراسية في ~~الميناء مدافعهما تحية للمسافر، وإجلالا له فكان ذلك آخر إكرام قدم له في مصر. # وما زالت «المحروسة» تبتعد بين أزرقي البحر والسماء المنكسر عليهما ذهب الغروب ~~المقترب حتى توارت عن الأنظار، ومع تواريها غابت الشمس. # هكذا انتهى حكم (إسماعيل) على مصر. # فهل قصد أن يتحد ms764 غروبه مع مغيب الشمس، أم هي الأقدار الغريبة التي دبرت ذلك؟ ~~••• # والآن، وقد فرغنا من سرد ترجمة هذا الرجل الفريد إلى أن غادر القطر المصري مغادرة لم ~~يعد بعدها إليه إلا محمولا على أكف ملائكة الموت، ربما حسن بنا أن نلقي نظرة على حياته ~~التالية، لتكون كلماتنا عنها ختاما لهذا الجزء من مؤلفنا. فنقول لما وصلت به ~~«المحروسة» إلى نابولي، بقي مقيما على ظهرها خمسة عشر يوما، كأنه وهو يعتبرها جزءا ~~من مصر، وقطعة منها، يعز عليه أن يفارقها، ويود أن يطيل إقامته عليها، ما استطاع إلى ~~ذلك سبيلا. # ولهذا الغرض عينه وقع في خلده أن يعدها جزءا من أملاكه الشخصية، ومتاعه الخصوصي، ~~ويبقيها في حوزته، ليشم فيها أبدا رائحة الوطن البعيد، فبعث يطلبها من الحكومة ~~الخديوية، فأبتها عليه، وأنذرته إن لم يعدها أوقعت حجزا على مرتبه السنوي، فاضطر ~~(إسماعيل) إلى التخلي عنها، وقلبه يتفطر مرارة. # فنزل إلى البر، وأقام في نزل بضعة أيام، ريثما يجهز له قصر الفاڨوريتا بپورتيتشي ~~بضواحي نابولي، الذي وضعه الملك أمبرتو تحت تصرفه، ثم انتقل إليه بأزواجه وأولاده ~~ونسائه وحاشيته. # ومع أن البلد من أجمل بقاع الأرض، والسماء الصافية تشبه سماء مصر اللازوردية، والخليج ~~الزمردي المحيطة به الربى من أبدع المناظر البحرية، والجيرة ربوع زاهرة ومناظر شائقة، ~~ويتبرج عليها كلها جبل الڨيزوڨ المعقود على قمته تاج نار أبدي، ومع أن السكون، لا سيما ~~في كل مساء، يخيم بجلال على الطبيعة المحيطة بأسرها، فإن (إسماعيل)، في حنينه إلى الوطن ~~المحبوب، لم يستمرئ شيئا من حلاوة الإقامة، وما فتئ متنقلا بين روما وباريس ولندن ~~وڨيينا، عاملا على نيل أمنية الرجوع إلى العرش المصري الذي خلت منه رجله، لا سيما بعد ~~أن أخذت الصعوبات تشتد حول شباب (توفيق) ابنه، واتضح له أن البلاد في حاجة إلى يد قوية ~~تقود زمامها، وإلا ذهبت ضحية الدسائس وفريسة المطامع. # على أنه - بالرغم من بعض تعضيد وجده في روما وباريس - في بعض الدوائر التي كانت لا ~~تزال تذكر حلاوة الأيام التي رأت ms765 نوبار ساعيا لنيل أرب لمولاه، لم يجد تشجيعا من ~~الدوائر الرسمية إما لأن النجم إذا أفل مرة بات من المتعذر رجوعه إلى سمت مجده الأول، ~~وإما لأن أعداءه كانوا كثيرين وأقوياء، ولا يزال نفوذهم متفوقا عند أصحاب الأمر في تلك ~~العواصم. # وكانت أشد الدول صمما إنجلترا، ولو أن (إسماعيل) ألفى من بعض أعضاء برلمانها، وبعض ~~رجال صحافتها ترحيبا، وتعضيدا، وشد أزر. # فلما سقط عرابي، واستولى الجيش البريطاني على قلعة صلاح الدين، أقبلت الدوائر الرسمية ~~تتفاوض فيما يجب عمله، أيوضع القطر تحت حماية إنجلترا، ويبقى (توفيق) على عرشه في ظل ~~سيوف البريطانيين - وهذا ما لم يكن ليرضي أوروبا، ولا الأحرار من الإنجليز، ولو أن ~~إرسال الجيش البريطاني إلى مصر، عقب ضرب الأسطول البريطاني الإسكندرية، كان من عمل ~~الأحرار لا المحافظين - أم يعاد إسماعيل إلى عرشه تحت رقابة أوروبا الشديدة ~~عليه. # فلولا أن الدائنين قاموا يبدون سخطهم على هذا الحل الأخير، ويمانعون فيه، وينذرون ~~بالويل والثبور إذا أخذ به لكانت أوروبا، في الغالب، وافقت عليه، وأعادت (إسماعيل) إلى ~~وطنه وعرشه، لا سيما أنه أبدى وعودا صادقة، وعاهد عهودا أكيدة بأنه يسير كما تريد ~~الدول أن تسيره، ويقبل بأي شرط يعن لها أن تشترطه عليه. # 4 # وبالرغم من أنه قضى بعد ذلك سنين عديدة، وهو يجتهد اجتهادا عنيفا في تحويل تيار ~~السخط عنه، أو تحويل تعضيد الحكومات عن مدائنيه، فإنه لم يفلح، وما نال سوى نفور ابنه ~~الخديو (توفيق) منه، وتنكبه عن مساعدته أكثر من ذي قبل. # على أن كبار القوم في البلاد الأوروبية ما انفكوا مقبلين عليه، موالين له الصداقة ~~القديمة طوال ما رأوا بصيص أمل في تحقيق مسعاه. فلما تأكدوا أن لا أمل، وأن خيبة مساعيه ~~باتت لا دواء لها، أداروا له ظهورهم، ونسوا أنه هو الذي كان، إذا ما نزلوا عليه ضيوفا ~~بمصر، وضع أرض مصر ونيلها وسماءها تحت خدمتهم، ولم يشذ في معاملة جمهور كبراء الغرب له ~~إلا القليلون. # فلما زار لندن آخر مرة أناخ رحله في نزل وضيع ms766 بأرلنجتن ستريت - يا لتقلب الحدثان! ويا ~~لغدر الأيام! وكذلك وقع له لما ذهب إلى باريس وڨيينا، اللتين كانتا ترتجان طربا في ~~الماضي، حينما تطأ قدماه أرضهما. # ألا ما أصدق ما قاله بيكن، الفيلسوف الإنجليزي، حيث هتف «من يقدر أن يرى أياما أسوأ ~~من الأيام التي يراها امرؤ يتبع، وهو حي، جنازة شهرته ومجده؟» # فنفض (إسماعيل) غبار قدميه في وجه تلك العواصم الجحودة، وعاد إلى قصر الفاڨوريتا، ~~وليس له مقصد سوى تحسين معاشه مع الحكومة المصرية، والذهاب بعد ذلك للاستراحة من عناء ~~هذا العالم على ضفاف البسفور، إذا ما صرح له السلطان بذلك. # فكلف وهو في لندن المرة الأخيرة المستر مريوت المحامي العمومي، بمقاضاة الحكومة ~~المصرية، ومطالبتها ببعض أملاك له، أو ما يوازي قيمتها. # فأتى مريوت إلى مصر، ولما لم يجد من الخديو (محمد توفيق) معاكسة ما، نجح بسهولة في ~~مهمته، ونال ما أصبح (إسماعيل) معه مستقلا عن الأمير ابنه وحكومته المصرية الاستقلال ~~كله. # فكافأ محاميه، كما كان معتادا أن يكافئ من يخدمه بإخلاص، أي مكأفاة ملك، وأعطاه 35 ~~ألف جنيه أتعابا له. # ثم أقبل يلتمس من السلطان التصريح له بالذهاب إلى قصره بأميركون، والإقامة فيه، فرأى ~~(عبد الحميد) أن يجيب طلبه، لا ليوليه فضلا، ولكن ليضعه تحت يده. # ولم ينتبه (إسماعيل) إلى عواقب الخطوة التي صمم عليها. # فما صرح السلطان له بالإقامة على ضفاف البسفور حتى أسرع إلى سرايه بأميركون سنة 1888 ~~قبالة سراي عمه عبد الحليم، وظن أنه نال أكبر أمنيات قلبه. # ولكنه نسي، أو ربما لم يكن يعلم أن (عبد الحميد) مولى تسوده الظنون، وتملك الريب في ~~الناس زمام أمره، لأنه - والحق يقال - ما كان اختلط به، ولا زار الأستانة منذ أن أغمضت ~~عينا (عبد العزيز). # فما حلت ركابه بقصره الفخيم، إلا وأحاط به الجواسيس، ولم يعودوا يفارقون حركاته ~~وسكناته، وإنا ، وأيم الحق، لا ندري لماذا، ولا ماذا كان السلطان يخافه من ضيفه ~~الوحيد. # فشعر (إسماعيل) أنه إنما ورد في الحقيقة حبسا مذهبا، ولولا أن الحياة في ديار ms767 ~~الإسلام كانت تحلو له، ولو بضيق أكثر من الحياة في بلاد الغرب، ولو بحرية مطلقة، لما ~~تعزى على تركه نابولي وجمالها ودلالها، وإبدالها بالبسفور، حيث الليل مملوء جرائم، ~~والنهار مملوء دسائس. # ولكنه أتى عليه يوم احتاج لعلاج صحته أن يذهب إلى الاستحمام بمياه إمس، فطلب من ~~السلطان أن يأذن له بذلك، فذكره (عبد الحميد) بأنه يوجد في الأناضول على مسيرة بضع ~~ساعات من الأستانة، بلد يقال له: «بروصا» شهير بمياهه المعدنية، وأنه هو (إسماعيل) ~~عينه، سبق له الذهاب إليه، أيام أن كان خديو مصر، والاستحمام في مياهه، وأنه فضلها في ~~ذلك العهد على حمامات أوروبا بأسرها. فما وسع (إسماعيل) إلا العدول عن الذهاب إلى ~~إمس. # على أن كل المضايقة التي أحاطه بها (عبد الحميد) لم تمنعه من رغبة الخير لتركيا، فما ~~فتئ في جانب مصلحتها عاملا على ما فيه خيرها، مظهرا ميله إليها، وعطفه عليها، إلى آخر ~~لحظة من حياته، كأنه بعد أن ضاعت منه مصر، وعز عليه الرجوع إليها، اتخذ أرض العثمانيين ~~وطنا ثانيا له، وتمثل بقول الشاعر: # بلادي وإن جارت علي عزيزة # وأهلي وإن ضنوا علي كرام # على أن حياته السياسية كانت قد انتهت، وبات لا يعيش إلا مع ذكر ~~الماضي وذكراه. # وقد قابله في قصره هناك حفيده (عباس الثاني)، في زيارته الأولى للأستانة، فسر ~~(إسماعيل) به كثيرا، ويقال: إنه التمس منه الاستئذان له بالعود إلى مصر، لأن حنينه ~~إليها بات لا يحتمل. # ولكن (عباس الثاني) لم يفعل، إما لعدم رغبة منه مبنية على تخوف من جده، وإما لسهو ~~مبني على عدم محبة له. # فاستمر (إسماعيل) في منفاه حتى أوائل مارس سنة 1895، إذ وافاه المنون بالأستانة في ~~اليوم الثاني منه، وله من العمر خمس وستون سنة. # فنقل رفاته إلى مصر، واحتفل بدفنه في مسجد الرفاعي احتفالا مهيبا، سار فيه الخديو ~~حفيده ، والأمراء أولاده، وعموم كبار دولته. # وهناك، هو راقد تحت أجنحة رحمة الله، بجانب الأميرة تفيدة هانم كبيرة أولاده، زوجة ~~منصور باشا يكن، والأميرات زوجاته، في تربة فخيمة، ms768 يظلها من علي، قبر (محمد علي)، جده ~~العظيم، المشرف عليه من علياء القلعة، كأنه يقول له: «ألا نم نوما هنيئا مرتاحا بعد ~~كل العناء الذي ذقته في أيامك الأخيرة. نم، يا بني في أرض مصر التي إنما هي مدينة لك ~~أكثر مما هي مدينة لي بأنها أصبحت في مقدمة أقطار الإسلام تمدنا وحضارة.» # قد كان شوقي إلى مصر يؤرقني # فالآن عدت وعادت مصر لي دارا # أبو الفتح كشاجم # الفصل الرابع # | فصل أخير1 # وصف (إسماعيل) # أما وقد سبق لنا وصف (إسماعيل)، حينما ارتقى عرش أبيه، فلننظر ماذا فعلت به الأيام، ~~ولنر كيف كان حينما تخلى عن ذلك العرش. # أمست قامته التي كانت دون الربعة، تظهر أقصر مما كانت بسبب السمن الذي تراكم عليها، ~~فجعل مشية صاحبها كأنها متدحرجة، واعرض صدره وثقل، واتخذت كتفاه وسعا هرقوليا، ~~ولكن عبء الهموم أحناهما قليلا، وما فتئت لحيته المقصوصة قصا قصيرا تستدير حول وجهه ~~المستدير، ولكن الفضة وخطت فيها الذهب، والذهب عينه جعل يميل إلى البرونز فيها وفي ~~الشارب أيضا، والفم ما فتئ ثابتا والشهوة عليه مقيمة، وتقاطيع الوجه ما فتئت منتظمة، ~~بالرغم من الأسارير التي خطتها يد السنين بقلم الشجون، ولكن اللون اقتم، والسكون كسا ~~مجموع تلك التقاطيع بدل الحركة السابقة، أما عيناه فما فتئتا على عادتهما القديمة من ~~نصف غلق تارة، ومن فتح إحداهما وإغماض الأخرى طورا، وما انفكت العين المفتوحة تسطع ~~سطوعا لا يطاق، حينما يريد صاحبها استجلاء غوامض الصدور، وتضيء كبرق وامض. # على أن عموم وجهه بات كصفحة مخطوطة بالمداد الحساس لا يظهر، فلا يقرأ شيء عليها، إلا ~~إذا أبرزت الانفعالات الكتابة. مثل نابوليون الثالث تماما، لتشابه الرجلين في الصفات ~~القوية والضعيفة المتحاربة معا فيهما، ولو أن حزم (إسماعيل) وسرعة عزمه لم يكن لهما ~~أثر عند نابوليون الثالث، رجل التردد المستمر. # وأما الصوت، فأمسى ضخما مملوءا ، يرن في السمع كأنه وقع الآلة المعروفة بالباريتون، ~~ويخرج إلى المحادثين معاني مكسوة بتعابير جميلة، حتى متى كانت المعاني بسيطة وعادية، ~~وما فتئ الابتسام الساحر المتجلي ms769 على الشفتين بين حين وحين يزيد في لطف تلك ~~التعبيرات. # غير أن من نظر بتمعن حقيقي إلى وجه المتكلم، وتأمل الخطوط المخطوطة على جبينه العريض ~~وفمه القوي، الدالة على أهواء شديدة، يضغط عليها بشدة متناهية، حالما يتيقظ المتكلم إلى ~~دبيب هموم الحكم في وسط الأفكار الخفيفة، المعبر عنها بخفة كذلك، كان لا يسعه إلا أن ~~يحكم بأن الرجل غير سعيد. # ولكنه لم يكن يسعه أيضا إلا الإعجاب بلطف الأخلاق ورقة الشمائل التي كان متحليا بها ~~دوما، بالرغم من قلة هنائه الداخلي، والتي شهد بها كل من خدمه أو خالطه، وظهرت جليا ~~في قلة الأحكام القاسية الصادرة في عهده. # فعلاوة على أنه لم يكن ليسمح أبدا لفمه أن يخرج قولا بذيئا، أو كلمة سافلة، أو ~~لفظا قبيحا، فإنه كان ظريف المعشر، ميالا إلى المزاح، مكثارا منه في بعض الأحايين، ~~على أن مزاحه كان في منتهى الخفة واللطف، لا يثقل على النفوس مطلقا. # من ذلك أن بعض قناصل الدول ألح عليه، أياما متتابعة، بأن يتفضل ويجود على أحد رجال ~~تبعيته بمهمة يستطيع الرجل أن يستخرج منها مكسبا - وكان المتداول على الألسنة أن امرأة ~~ذلك الرجل جميلة، وأنها لا ترفض أن تكون شفيعته لدى أصحاب الأمر - فأجاب الخديو القنصل ~~إلى طلبه، وعهد إلى الرجل بتوريد ألفي زوج ثيران لجيشه، قائلا للقنصل «لست أشك في أن ~~صاحبك ذو خبرة في الحيوانات ذات القرون.» # ومن ذلك أنه كان قد وقع نفور بينه وبين أحد قناصل الدول، واختصما، وكانت امرأة ذلك ~~القنصل مغرمة بالمكاروني، نهمة في أكله، مقبلة عليه في الموائد بكيفية توجب الاشمئزاز، ~~فتداخل بين الخديو والقنصل صديق، وما زال بهما حتى أصلح بينهما، فبعث (إسماعيل) لزوجة ~~ذلك القنصل سوارا بديعا، ثمينا للغاية، للدلالة على رجوع المياه بينه وبين زوجها إلى ~~مجاريها، فاستغرب الصديق عمله، وسأله «لم هذه الهدية الثمينة؟» فأجاب (إسماعيل) «ماذا ~~تريد؟ فإنه كان لا بد منها، وإلا فوليمة أولمها لهما، ويكون المكاروني من ضمن أصنافها، ~~لئلا يقال إننا لم نراع ذوق مدام ms770 القنصلة، على أني يا عزيزي أفضل الحرب على رؤية تلك ~~المرأة، وهي تأكل المكاروني.» # 2 # ومن ذلك أنه كان يكره المقابلات الرسمية في الأعياد، لأن المحادثة فيها لم تكن تدور ~~إلا على الطقس واختلافه بين مصر والإسكندرية، وكانت نفسه قد مجتها كثيرا، فاتفق في ~~السنة الأخيرة من ملكه، وأيام أن كانت اضطراباته الداخلية في أشدها، أن قنصلا أتاه ~~زائرا، وبعد التحية المعتادة شرع يتكلم في مسألة الطقس، وكان سياق الحديث العادي في ~~هذا الموضوع أن الإسكندرية رطبة، وأما مصر فجافة، فقاطع الخديو عليه كلامه، وقال له: ~~«إني أدري تماما، يا جناب القنصل، ماذا تريد أن تقول لي، فأرجوك أن تقيد في مذكرتك أني ~~من الآن فصاعدا أعتبر مصر رطبة، والإسكندرية جافة»، فوقف القنصل منذهلا، ولما خرج من ~~حضرته، قال لزملائه: «أظن أن سموه أضاع ذاكرته.» # 3 # على أن ذاكرة (إسماعيل) كانت حديدية، لا يمسح من لوحها شيء رسم عليه مرة. ولا أدل على ~~ذلك من أن بعضهم في سنة 1875، حادثه يوما في شئون ترعة السويس، وذكر أمورا تتعلق ~~بالمخابرات القنالية، خالفه (إسماعيل) فيها، ولكي يثبت له أن قوله حق، ومزاعم محادثه في ~~غير محلها، ذكر له عشرين سطرا من مستند غير مهم كان قد قرأه منذ سنوات عديدة، فنقل ~~الرجل الأسطر، ولما عاد إلى منزله راجعها، فإذا بها كما قالها (إسماعيل) حرفا بحرف. # 4 # ومن لطيف معاشرته أنه كان يحمل محادثه سريعا على التمتع براحته كلها، وعلى إزالة كل ~~تهيب من نفسه، وكان يبذل جهده لكيلا يحس مخاطبه أنه ثقل عليه في الكلام، أو أنه لم ~~يفهمه غرضه. # فمن ذلك أنه دعى ذات يوم شابا إنجليزيا من عائلة رفيعة، ولم يكن يحسن التكلم ~~بالفرنساوية، إلى تناول طعام الغداء عنده، فأجهد الخديو نفسه إجهادا كبيرا ليتتبع ~~حديثه، ويفقه معانيه - لأن الشاب كان يتكلم الفرنساوية بالإنجليزية - وأخذ يساعده على ~~التعبير عن أفكاره، فدار الحديث على رجل معروف لدى الخديو، فأراد الشاب أن يقول: «إن ~~الرجل اعتاد كذا وكذا، وهذا يعبر عنه بالإنجليزية ms771 بقولهم: ~~“He has ~~contracted the habit” ~~، فقال: ~~“Il a contracté ~~l’habit” # أي «ضيق ثوبه»، فقطب الخديو جبينه، وأجهد فهمه ليدرك معنى ~~تلك الجملة، فلم يستطع. فقال: «نعم، إنه كان يلبس دائما ثوبا ضيقا»، وغير موضوع ~~حديثه، وذلك لكيلا يحرج مركز ضيفه. # 5 # وكان في محادثته يسحر بلطفه كل من وجد معه، وإذا شاء صير أكبر أعدائه أصدقاء له ما ~~داموا في حضرته. ولم يكن يجد صعوبة ما في حملك على التنازل عن آرائك والانحياز إلى ~~آرائه، ما دمت تكلمه، ولو أنك بمجرد الخروج من حضرته تعود إلى صوابك، وترى أنه مخطئ ~~وأنك على حق. # فيروى، من ذلك، أن أحد القناصل كان إذا قابله أظهر اتفاقه معه على كل شيء، فإذا ما ~~خلا إلى نفسه وكتب إلى دولته كتب ضده، وكان إذا ما عاتبه (إسماعيل) على ذلك اعترف ~~بخطأه، ووعده أن يصححه في رسالته التالية، ولكنه في رسالته التالية كان بدلا من ~~التصحيح، يبالغ في الطعن، فحمل عمله هذا (إسماعيل) على القول لأحد أصدقائه «إني، رأيم ~~الحق، لمندهش من تصرف حضرة القنصل، ولكني لست أرى له دواء، فإني لا أستطيع أن أجلس معه، ~~وهو يكتب رسائله.» قال ذلك وتبسم، وكسر على عينه. # وكان يتدارك حالا أي خطأ يصدر منه في المحادثة، ويحوله إلى مصلحته. فمن ذلك أنه قدم ~~ذات يوم إلى أحد كبار الكتاب هدية نقدية نفيسة ليحمله على الكتابة في فائدته، ولكنه ما ~~كاد يفوه بالمقصود من تلك الهدية إلا وأدرك أن الرجل ليس ممن يشترون بالمال، فابتسم، ~~وختم العرض بقوله: «وإني إنما أقول هذا لك لكي أستمرئ - ولو مرة واحدة في حياتي - لذة الرفض.» # 6 # ومن مميزاته أنه كان يدرك حالا أخلاق الناس، ويعامل كل واحد المعاملة التي هي أحسن ~~وقعا لديه، من ذلك أنه لما أراد إنشاء معامل سكر في مزارعه في الصعيد، خاطب في الأمر ~~بيوتا إنجليزية، وبيوتا فرنساوية، فأتاه وفد بريطاني ووفد فرنساوي، فقابل كلا منهما ~~على انفراد. أما الفرنساوي، فاستمر الكلام معه أياما، وانشرح رجاله ms772 من سعة اطلاع ~~(إسماعيل)، وإحاطته بكل دقائق الأمور، وأدهشهم منه اعتناؤه ببحث ذات دقائق اقتراحاتهم، ~~اعتناء تاما. وأما الوفد الإنجليزي، وكان من منتشستر، فإنه تمم الشغل معه ببضع ساعات. ~~فقال رجاله: «هذا رجل أقطع للشغل يوجد على غير شاطئ «الإرول».»، فلما بلغ قولهم إلى ~~(إسماعيل) قال مفسرا: «إن بعض الناس يركب حصانا، وبعضهم حمارا، وآخر جملا، ولكل ~~منهم حركات خاصة به، على أن أحسن راكب من يركب كل هذه ركوبا جيدا.» # 7 # وكان كثير الشغل، صبورا عليه، مهما كان شاقا، ويجد فيه لذة عظيمة، ولو أنه أثر في ~~النهاية على صحته. # ولم يكن يميل للأبهة والعظمة إلا حينما كانت شئون الملك تستدعيهما، فكان يخرج عادة ~~إلى النزهة لابسا إسطمبولية بسيطة وطربوشا أحمر، وليس أمامه سوى خمسة خيالة بلباس ~~لونه لون الشوكولاطة. # وكان معظم حديثه بالفرنساوية، لأن معظم جلسائه كانوا أوروبيين. ولأنه لسوء حظه وحظ ~~بلاده ما فتئ يميل إليهم، ويضع ثقته فيهم، بالرغم من أن الجديرين بها منهم كانوا أقل من ~~أصابع اليد، وأن معظمهم تسببوا له بأضرار بليغة، كما سبق لنا القول. # ولو حسن جلساؤه، وأنعمت عليه الأقدار بوسط غير الوسط الذي شب فيه، وأمناء خير من ~~الذين ائتمنهم، لصار في رجولته مصير خير الرجال، كما أنه أصبح من أعاظمهم، لأنه كان ~~أرضا جيدة، لا تحتاج إلا إلى فلاحة حكيمة، وبذر طيب. ولكنه تعلم في مبادئه - كما قلنا ~~في غير هذا المكان - إن القانون إرادته، ولا يحدها إلا عقله، فأصبح لا يميز تماما أين ~~ينتهي الخير، وأين يبدأ الشر، فالرأي الذي يوافقه يقبله، والرجل الذي يفيده يشغله، فإذا ~~أحس بأنه أصبح خطرا عليه داسه كما تداس عقرب. وإذا صادق إنسانا أخلص له الصداقة بقدر ~~ما يخلصها ملك، ولكنه إذا اضطرته مصلحته إلى التخلي عن ذلك الصديق، تخلى عنه وهو آسف، ~~كما يتخلى المرء عن كلب عزيز لديه أصبح مضايقا له في حياته. # وكان ذا مقدرة واسعة، جعلته يغير وجه القطر تغييرا كليا، وما مرت أعوام حكمه الستة ~~عشر على ms773 وادي النيل، إلا وقد قطع هذا الوادي شوطا في مضمار المدنية والرقي لم يقطع ~~مثيله في أربعة قرون سابقة. وتطورت مصر على عهده في حياتها المادية والأدبية تطورا ~~أصبح معه لا يعرفها من كان قد أتاها زائرا في أيام سعيد. وقد بينا ذلك بيانا كافيا ~~في محله. # فلا غرابة - والحالة هذه - أن تكون منزلة ملكه في تاريخنا بالقرن التاسع عشر منزلة ~~الشمس في سمت السماء، وأن يبقى ذكره خالدا في القلوب. ولا عجب إذا استمرت كنيته عند ~~المصريين، أبا السباع، بالرغم من كل المطاعن التي وجهت إليه، وبالرغم من الشدائد ~~الحقيقية التي قاسوها في عهده، فالشدائد تزول كلما مرت عليها الأيام، وأما أشجار الخير، ~~فإذا غرست بذورها مرة، فإن مرور الأيام إنما يزيدها خصوبة وقوة وانتشارا، فتصبح بعد ~~حين، وإذا بظلها الوارف قد انسدل على نفس ذكرى تلك الشدائد، وأخفاها. # فالخير - مهما قيل بالعكس - أقوى من الشر، والحياة - ولئن كثرت الوفيات وتعددت، ~~واشتدت أسباب الهلاك - أقوى من الموت، ألا ترى أنها تغذي كيانها من الفساد ذاته الذي ~~يوجده الموت، وتخرج من الظلمات النور. # | ملحق # مقتطفات من المراسلات العديدة التي دارت بين الخديو (إسماعيل) ونوبار باشا في ~~أمر إنشاء المحاكم المختلطة. ~~*** # كنت، أسوة بمعظم الملأ من المؤرخين، أعتقد أن معظم الفضل في إنشاء المحاكم المختلطة ~~يجب أن ينسب إلى الوزير الكبير نوبار باشا، وإلى حسن مساعيه. # ولكن صاحب الجلالة الملك (فؤاد الأول) - حفظه الله - تفضل وأكد لي أن نوبار باشا لم ~~يعمل في ذلك إلا بإشارة (إسماعيل) وإرشاده، وأنه حتى في دقائق عمله لم يتنكب قيد شعرة ~~عن السبيل الذي كانت ترسمه له تعليمات الخديو الفخيم. # ولكي أكون على بينة من أن هذا التأكيد قائم على أساس الاطلاع أكثر منه على رغبة ~~جلالته في تعظيم ذكر أبيه - وهي رغبة ممدوحة تنم ببر جلالته بذكر والده - تفضل مولاي ~~الملك وكلفني بمطالعة المكاتبات التي دارت بين (إسماعيل) ونوبار في شأن إنشاء المحاكم ~~المختلطة - وهي مكاتبات لا تزال محفوظة في دفترخانة السراي الملكية - وقال ms774 لي: «إنك لن ~~تجد من كتب (إسماعيل) إلى نوبار إلا صورا للبعض منها، لأن تلك الكتب حفظها نوبار لديه، ~~ولكنك تجد جميع المكاتبات المرسلة من نوبار إلى والدي، فيمكنك أن تفهم منها ما كان في ~~الحقيقة عمل (إسماعيل)، وما كان عمل نوبار، فإذا اقتنعت بصحة ما أقول، أمكنك أن تضيف ~~إلى كتابك ملحقا تثبت فيه ما يصل إليه اقتناعك.» # فصدعت بأمر جلالته - وأنا مبتهج ابتهاج النفس بميدان يفتح أمامها لتصل منه إلى حقيقة ~~تبتغيها - وأقبلت أقرأ تلك المكاتبات، وأدرسها درسا دقيقا، بالرغم من كثرة عددها - ~~فإنها تتناول مدة ما بين سنة 1868 وسنة 1873 وتكون أربعة ربط ضخمة مجلدة - وبالرغم من ~~قلة وقت الفراغ لدي لاشتغالي - فوق قيامي بمهام وظيفتي - بترجمة الكتاب إلى اللغة ~~الفرنسية، وتقرير مصادره صفحة صفحة، عملا أيضا بإشارة مولاي صاحب الجلالة، الذي تفضل ~~وقال لي: إنه بدون ذلك لا يكتسب المؤلف قيمة علمية. # وأخذت أنقل من تلك المكاتبات كل ما أراه شاهدا على صحة تأكيد مولاي، حتى إذا فرغت ~~منها، قدمتها للقراء بصفتها المحلق المطلوب، وأنا واثق من أنهم، بعد اطلاعهم عليها، ~~سيشاركونني في اقتناعي بأن معظم الفضل في إنشاء المحاكم المختلطة يجب في الحقيقة أن ~~ينسب إلى (إسماعيل)، وأن الخديو الفخيم لجدير بأن توضع صورته فوق صورة نوبار في القاعة ~~الكبرى لمداولات محكمة الاستئناف المختلطة بالإسكندرية، وأن يوضع تمثاله في مدخل كل من ~~هذه الدور التي أنشأها للعدالة في بلاده. ~~••• # كتب نوبار بتاريخ 8 يناير سنة 1868 إلى إيرام بك، سكرتير (إسماعيل) الخاص: «إني أحتفظ ~~تماما بجميع حقوق سمو الخديو، فلسموه متسع من الوقت دائما، لكي يشرفني بما يرى من ~~الأوامر فيما بعد، وقد كان من أهم أركان ما بنيت عليه دحضي لما لا يحسن الموافقة عليه ~~في تقرير المندوبية ما ورد في كتاب سموه، وأعني به (إني لا أستطيع إدخال القاضي ~~الأوروبي في محاكم البلاد، إذا كان في غير استطاعتي أن أقدم لشعبي إبطال التجاوزات التي ~~يتألم منها، بمجرد إدخال ذلك القاضي الأوروبي)، وأيضا ms775 (إني لا أستطيع إخضاع شعبي ~~لمحكمة مشكلة من أوروبيين، طالما يرفض الأوروبيون الخضوع لهذه المحكمة).» ~~«إن جميع هذه المناقشات التي أقوم بها والتي سأتعرض لها في المستقبل هنا، الغرض منها ~~تحديد مسائل المبادئ، بحيث إن عمل المندوبية المطلوب انعقادها في الإسكندرية ينحصر في ~~البرنامج الذي يرغب فيه سموه أي في التقنين، والإجراءات القضائية (المرافعات) ... إني ~~أطلب أوامر سموه تلغرافيا في شأن تشكيل المحكمة، هل يوافق سموه على التشكيل الذي ~~اقترحته المندوبية، أم يلزمني أن أعمل على تعديله؟ أرجو سموه أن يبت في الأمر ويبلغني ~~أوامره.» # فكتب (إسماعيل) إلى نوبار بتاريخ 9 يناير سنة 1868، عقب اطلاعه على التقرير الذي ~~وضعته مندوبية باريس الأولى، لما عرض عليها مشروع إنشاء المحاكم المختلطة: «يمكننا بدون ~~ضرر علينا أن نقبل تشكيل المحكمة بالكيفية التي تقترحها المندوبية، وأراني أطالع بكل ~~انتباه التقرير الذي أرسل إلي بالبريد الإنجليزي، وسأكتب لك؛ لأبدي لك رأيي في أهم ~~النقط الدائر عليها البحث.» # وكتب نوبار بتاريخ 28 يناير سنة 1868: «سيرى سموه أني لم أحنف عن المذكرة المؤرخة 3 ~~ديسمبر سنة 1867 التي حازت تصديقه. وقد أجلت تبليغ الحكومة الإنجليزية بناء على برقية ~~سموه التي قال لي فيها: إنه مع موافقته على تشكيل المحكمة حسب اقتراح المندوبية سيبلغني ~~رأيه فيما يتعلق بباقي المشروع.» # وكتب (إسماعيل) إلى نوبار بتاريخ 29 يناير سنة 1868 «إني لما فضلت أن أبدي لك رأيي ~~بعد اطلاعي على إجابتك على تقرير المندوبية، قد اضطررت أن أأجل ردي إلى بريد 29 ~~الجاري، فالإيضاحات التي أبديتها في إجابتك صحيحة، ولو أنها لا تخلو من شيء من الشدة، ~~فإذا أضفت إليها بعض الاعتبارات التي أنبأتني بأن شارل دي لسبس عامل على تجهيزها، فإن ~~إجابتك ستكون تامة. وبما أنك تقول لي في كتابك إن قرار المندوبية سيبعث إلى الدول ~~الأجنبية، فهل تجد من مانع في أن آمر بإعطاء نسخ منه إلى القناصل العامة قبل أن تصلهم ~~عن طريق آخر؟ لا سيما وأنهم طلبوا مني ذلك.» # وكتب نوبار في تاريخ 3 فبراير سنة ms776 1868 ضمن كتاب ما يأتي: «أرجو سموه أن يبلغني ~~تعليماته، واعتراضاته، وأوامره بالتلغراف.» # وفي 5 فبراير سنة 1868 أرسل الخديو التلغراف الآتي إلى نوبار باشا: «زارني الكولونيل ~~ستانتن اليوم، فأسرني بأن الحكومة الپروسية قبلت أن توفد عنها نائبا في المندوبية ~~الدولية حيثما ترغب مصر في انعقادها. وعليه فإن لدينا الآن قبولين، قبول إنجلترا وقبول ~~پروسيا، وستكون النمسا معنا كذلك، لأنا نعلم أنها لم تكن تنتظر سوى قرار پروسيا لتسير ~~معها يدا بيد. وأما الروسيا فقد أكد لي المسيو دي لكس (قنصلها) رسميا أن حكومته ~~عينته مندوبا لها في حال اجتماع المندوبية في القطر المصري. ومن جهتي، حيث إني أرى أن ~~من مصلحتنا انعقاد المندوبية في بلدنا، فقد أصبحنا جميعا متفقين على هذا الأمر ~~الهام.» # وكتب إيرام بك إلى نوبار باشا بتاريخ 6 يناير سنة 1868: «إن سمو الخديو، قبل قيامه ~~إلى مصر العليا، كلفني بأن أرسل لسعادتكم المذكرة المرفقة طيه المحررة بقلم المسيو ~~شرينر عن ترتيب محاكمنا، وقد أخبر سموه المسيو شرينر بأن هذه المذكرة سترسل إليكم ~~قائلا بأنكم أقرب إلى تقدير ما فيها، فأرجوكم بعد الاطلاع على آراء المسيو شرينر ~~وأفكاره أن تكتبوا عنها ما ترونه لسموه. وصلني اليوم كتابكم المؤرخ 28 يناير، وبما أننا ~~اليوم في 6 فبراير، والخديو يقوم غدا صباحا إلى المنيا، فلست أظن أن سموه يتمكن من ~~إيجاد الوقت الكافي للرد عليكم، فأخبركم بذلك لكي تكونوا على بينة من سبب تأخير أوامر ~~سموه في شأن المسائل المختلفة التي تعرضونها عليه.» # وفي 8 فبراير سنة 1868 نقل نوبار في كتابه إلى إيرام بك ما قاله للمسيو أوتريه وهو ~~«إن سمو الخديو لدى أول مطالبة تقدمها له القنصلية الفرنساوية، كان مصمما على أن يجيب ~~أنه اقترح إنشاء محاكم للبت في أمثال هذه المطالبات، وأن فرنسا لم تقبل، فبما أنه، من ~~وجهة العدالة، ليس بتابع لأحد، فلا يستطيع - والحالة هذه - أن يعير أي مطالبة تقدم له ~~شيئا من الاعتبار، فإذا لم يرق هذا في نظر المطالب، فما عليه إلا ms777 أن يرفع أمره إلى ~~مجلس الأحكام». وزاد على ذلك ما يأتي: «قلت للمسيو أوتريه: انظر يا مولاي إلى المركز ~~الذي تضعوننا فيه، والذي نصبح حتما فيه نحن وفرنسا، فإن سمو الخديو مصمم على رأيه، ~~والبلاد كلها تعضده فيه.» «أرجوك يا سيدي البك، أن تبلغني أوامر سموه تلغرافيا، فإذا ~~لم أنجح في مساعي، فأي سير يلزمني اتباعه؟ ما هي أوامر سموه؟» # وعاد في كتاب مؤرخ 10 فبراير سنة 1868، وكتب أيضا «إني أطلب بإلحاح أوامر سموه، فيما ~~يلزمني عمله في حال عدم إذعان المسيو دي موستييه إلى طلباتي.» # وكان نوبار قد أعلم (إسماعيل) في كتاب تال أن الحكومة الفرنساوية قد تقبل المشروع ~~إذا نالت بعض امتيازات نوهت بها، فأرسل (إسماعيل) برقية إلى وزيره جاء فيها ما يأتي: ~~«لا يلزم أن يتخذ قبول فرنسا بالمشروع شكل المساومة، بل يلزم أن يتخذ القبول شكل اعتراف ~~فرنسا بحق لنا لا يقبل أن يختلف عليه اثنان. وأما أن فرنسا تقبل بطلباتنا لهذا السبب أو ~~ذاك، فهذا أمر لا يهمني، لأن المهم في الأمر أن ندرك غرضنا، وأما الباقي فلست أعلق عليه ~~أهمية ما، على شرط أن يبقى مكتوما بيننا وسريا، وهذا التكتم، ولو أنه في مصلحتنا إلا ~~أنه مرغوب فيه لمصلحة فرنسا أيضا فإن المسألة مسألة شرف لها، ويهم شرفها أن لا ترى ~~أنها ساومت على التسليم بحق عدل ومساواة. ومن المفهوم أنه يلزمك أن تعمل بحيث يكون ~~الاتفاق مع دي لسبس بشأن نفاذ بيوع الأطيان محررا بمنتهى الفطنة فتحفظ فيه جميع حقوق ~~حكومتي حتى لا تنجم لنا في المستقبل مصاعب وإشكالات جديدة، فأوصيك بهذا الموضوع، فإنه ~~في منتهى الأهمية.» # وكتب نوبار باشا إلى إيرام بك بتاريخ 8 فبراير سنة 1868 «إني سأسلم إلى اللورد ليونز ~~(سفير بريطانيا العظمى في باريس) مذكرة تبين مطالب سمو الخديو نقطة نقطة، بكل تفصيل ... ~~وقد استلمت في الوقت ذاته خطاب سموه الخاص بالسلوك الذي علي أن أسلكه فيما إذا لم ~~أستطع نيل اختصاص المحكمة الإلزامي.» # وكتب في 3 مارس سنة ms778 1868: «إذا تشبث اللورد ستانلي (وزير الخارجية البريطانية) بمعنى ~~خطابه الأول، وأبى أن يفصح عن رأيه قبل التئام مندوبية التحقيق بالإسكندرية، فما الذي ~~يلزم عمله؟ ما هي أوامر سموه وقراراته؟ ... وعلى فرض أن اللورد ستانلي يتشبث بعدم البت في ~~الأمر قبل التئام المندوبية التي أبدى رغبته في أنها تلتئم بالإسكندرية، فهل يلزم لحمل ~~موستييه على الرضا بالتئام هذه المندوبية في مصر، هل يلزم قبول ما يشير به تقرير ~~مندوبية باريس؟ إني أرجوك يا سيدي البك أن تبلغني أوامر سمو الخديو في هذا الشأن ... إني ~~أرجو سموه التفضل بتبليغي أوامره في شأن الطوارئ الاحتمالية التي تشرفت وعرضت بيانها ~~عليه.» # وكتب في 8 مارس سنة 1868 إلى ايرام بك «تشرفت بكتابك المؤرخ 27 فبراير الذي تبلغني به ~~أوامر سمو الخديو فيما يتعلق بالسير الذي يتعين علي اتباعه فيما لو أبى المسيو دي ~~موستييه جعل المحكمة إلزامية فإن سمو الخديو يرى أنه يلزمنا أن نطلب تفويض البت في ذلك ~~للمندوبية في الإسكندرية.» # وكتب (إسماعيل) إلى نوبار بتاريخ 16 مارس سنة 1868: «اطلعت على بريدك الرقيم 3 مارس، ~~فيلزم العمل بحيث تقبل الحكومة الفرنساوية التئام المندوبية في مصر بذات الشروط التي ~~أقرتها الروسيا وإنجلترا، لأنه إذا لم تخول المندوبية حرية مطلقة في العمل، وإذا حتمت ~~الحكومة الفرنساوية بقاءه داخل الدائرة التي رسمها تقرير مندوبية باريس بعمل الحكومة ~~الفرنساوية عينها، فإنا لن ندرك غرضا، وما ينالنا سوى العناء. ولكنه يخيل إلي أن ~~إنجلترا وروسيا قابلتان اجتماع المندوبية بالإسكندرية بدون ما أن يكون لها برنامج وضع ~~سابقا، ولست أرى أن لفرنسا حقا في تحتيم شروط كهذه. وقد جرت محادثة بيني وبين المسيو ~~شراينر (قنصل الاتحاد الألماني الشمالي بالإسكندرية)، فقال لي: ما حملني على الفهم بأن ~~المذكرة التي وضعها في تشكيل المحاكم وترتيبها لم تكن بنت أفكاره وآرائه الشخصية فقط، ~~بل إن حكومته تشاركه فيها؟» # وكتب إليه في 29 مارس سنة 1868: «عزيزي نوبار: إني أرى بمزيد الأسف، يا عزيزي نوبار، ~~أنه لم يعد لك، إزاء عزم المسيو دي موستييه ms779 النهائي، سوى انتظار رد اللورد ستانلي لتتخذ ~~عزما نهائيا، على أنه إذا طال الأمد على ورود هذا الرد، فلا يحسن بك أن تطيل مدة ~~إقامتك في باريس. وعليه فإني آذن لك منذ الآن بالعمل بما تراه موافقا للمناسبات ~~والظروف، ولكن أليس من مصلحة حكومتنا أن نجهز، حالا، العناصر اللازمة لتكوين محكمتنا؟ ~~لا سيما وإنا مقتنعون تقريبا أن معظم الدول الغربية لا تكتفي بعدم المعارضة في ذلك ~~فحسب، بل تكون مسرورة بإحالة النظر في قضايا رعاياها إلى محاكمنا؟ وعليه فإنا نرحب ~~بالذين يرغبون في الخضوع لقضاء محاكمنا. وإنا إذا وجد من القناصل من لا يرغب في التسليم ~~بهذا الترتيب القضائي الجديد، فإنا سنخول له الحق في الرجوع إلى محاكم الأستانة كما ~~هو المتبع حتى اليوم، وليس في ذلك من خروج عن دائرة حقوقنا ... إني أعطيك هذه التفصيلات ~~بسرعة لتكون على بينة منها، فإذا وجدت أن آرائي تتفق مع مصلحة حكومتي فأقدم على تعيين ~~الأشخاص اللازمين لتشكيل محاكمنا تشكيلا لائقا بها، ويمكنك أن تختار القضاة في پروسيا ~~والبلجيك وسويسرا، وفي البلاد الأوروبية الأخرى، ولكن إذا وجدت أن مشروعي لا يمكن لأي ~~سبب من الأسباب تحقيقه، فأفدني في الحال، وبين لي ما هي الموانع.» # وكتب نوبار بتاريخ 18 مارس سنة 1868 إلى إيرام بك: «استلمت الآن البرقية المؤرخة 16 ~~مارس التي تفضل سمو الخديو بإرسالها إلي، على أني لم أنتظر ورودها لأقوم بالمساعي التي ~~يأمرني الخديو بها في تلك البرقية. وبناء على الأوامر التي سبق لك إبلاغها إلي منذ ~~زمن قريب، والتي رسمت لي الخطة الواجب اتباعها، ذهبت إلى المسيو دي موستييه.» # وكتب (إسماعيل) إلى نوبار في 10 أبريل سنة 1868 «وصلني بريدك الرقيم 27 مارس، وقرأت ~~بإمعان كتابك المرسل إلى اللورد ستانلي، فالمرجو أن يرد عليك الوزير الإنجليزي بسرعة ~~ردا مرضيا. على أنه لو فرضنا وكان رد اللورد ستانلي في غير مصلحتنا، فيلزمك - بالرغم ~~من ذلك - البقاء في باريس لتطلب من الحكومة الإنجليزية التئام المندوبية الدولية ~~بالإسكندرية ... نحن لا نخسر شيئا في ms780 إلحاحنا بوجوب التئام المندوبية، لأنه من المؤكد أن ~~المندوبية ستقرر نظاما قضائيا ما، وهذا النظام لا يمكن إلا أن يكون أفضل من قضائنا ~~الحالي. ففي حال إقدام اللورد ستانلي على تغيير قراره الأول، وفيما لو أبى أن يرسل ~~المندوب الإنجليزي إلا بالشروط ذاتها التي تحتمها فرنسا، فإنه يتعين قبول ذلك بدون ~~اعتراض. أما شروط فرنسا فنحن نعرفها، وستحتم على مندوبها بأن لا يخرج البتة من الدائرة ~~التي رسمها تقرير مندوبية باريس، على أننا بنزولنا - ولو مرغمين - على هذا القرار ~~النهائي الذي قد يجمع عليه موستييه وستانلي، فإنا قد نرى في ذلك فائدة لنا، لأن ~~المندوبية الدولية باجتماعها في الإسكندرية قد تقرر حتما نظاما قضائيا على قواعد ~~متينة، ولا يمكن لقطرنا إلا أن يستفيد من ذلك فائدة كبيرة ... على أني مع إبدائي لك رأيي ~~في هذا الموضوع الهام، ومع إعطائي لك تعليماتي، أرغب أن أقف منك على ما إذا كانت وجهة ~~نظرك في الموضوع مخالفة لرأيي فيه، فإذا كانت كذلك، فأرسل إلي ملحوظاتك ~~تلغرافيا.» # وكتب نوبار في 17 أبريل سنة 1868 إلى إيرام بك: «إنك تدرك جيدا يا سيدي البيك، إنه ~~إذا ما استتبت محاكمنا واشتغلت مدة أربع أو خمس سنوات، فإنها تصبح دائمة ... وقد قال لي ~~الجنرال فليري: إن الإمبراطور معتقد الآن أني لا أعمل شيئا سوى تنفيذ أوامر مولاي، ~~وتحقيق أفكاره. وأضاف إلى ذلك قوله: إنه - هو - لا يستطيع أن ينتظر مني أن أشير أبدا ~~على مولاي بقبول شرط أراه في عرفي أنكر ما يستنكر من الأمور، وأعني به الشرط الذي ترغب ~~فرنسا بمقتضاه أن المصري في مصر يكون كل شيء سوى مصري ... وقد قال لي فلوري: (وأيم الحق، ~~إني أرى أنك لا تعمل شيئا بخفة رأي، وأن هناك في سياسة الخديو وأفكاره خطة سير مخطوطة ~~بحزم وتدبر تام) ... إن الخديو لم يفتأ منذ خمس سنوات يقاتل قتالا شديدا لتسوية التركة ~~السياسية المنكوبة التي أخلفها له سلفاه، ولكنه قاتل ويقاتل بدون قاعدة يستطيع الركون ~~إليها، فهو كبهلوان تحته أرض ms781 غير ثابتة، ومضطر في الوقت عينه إلى المهاجمة والدفاع عن ~~نفسه، أما الباب العالي فليس في مركز كهذا. نعم إنه ضعيف، ولكن القاعدة التي يرتكن ~~عليها ثابتة ، لأن تركيا حكومة معترف بها، نحن ننضم إلى تركيا للمطالبة بحقوقنا التي هي ~~حقوق الباب العالي أيضا، وسنخاطب السفارات، وهي قد تعترف بحقوقنا وقد تنكرها علينا، ~~على أنهم سواء أختاروا الاعتراف أو الإنكار، فإنهم مضطرون إلى إجابة الباب العالي ~~إجابة رسمية. فإذا كانت إجابتهم إيجابية فقد كسبنا قضيتنا، واسترد الخديو حقوقه، وإذا ~~كانت الإجابة سلبية فإنا نقبل إذ ذاك النتائج التي أقرتها المندوبية الباريسية، ولكنه ~~يتقرر حينئذاك أن مصر غير مقيدة بالمعاهدات المبرمة مع الباب العالي، وسيقرر ذلك بصفة ~~الأمر الراهن رسميا. وعليه، فإن الخديو باستناده من جهة على قناة السويس، ومن الأخرى ~~على ماليته التي سيفرغ عن قريب من تنظيمها، سيغتنم هذا التقرير الرسمي وسيعمل لدى سنوح ~~أول فرصة موافقة على قطع المسافات البعيدة. وإني أعرف سموه معرفة كافية لأكون متأكدا ~~من أنه موطن عزمه على السير إلى أقصى ما يمكن من المخاطرات قبل أن يرضى بفقدان حق، ما ~~فتئ يسعى إلى اكتسابه منذ زمن مديد ... وإني أرجوك أن تقبل عني يدي سيدنا الجليل لأجل ~~الفكرة البديعة التي جادت بها قريحته ...» # وكتب في 28 أبريل سنة 1868 من باريس إلى إيرام بك: «لم يعد يهمنا آلانجليز هم ~~المعارضون أم الفرنساويون؟ مذ تكرم سمو الخديو وبت في المسألة نهائيا بالفكرة السعيدة ~~التي جادت بها قريحته.» # وكتب (إسماعيل) إلى نوبار بتاريخ 7 مايو سنة 1869 من الجيزة، في شأن عدم الموافقة على ~~أن تكون مباحث اللجنة الدولية بالإسكندرية على قاعدة تقرير المندوبية الباريسية «تفضل ~~بدون أن تطلب مقابلة خصيصة لهذا الغرض، وقدم هذه الملحوظات إلى المسيو دي لاڨاليت (وزير ~~خارجية فرنسا الذي أخلف المسيو دي موستييه) من جهتي، وقل له إني أثناء رحلتي لن أتأخر ~~عن المطالبة بإلحاح أن تخول المندوبية الدولية حق البت في الأمور، وحق بحث المسألة ~~بحثا جديدا، بدون أن تقبل ms782 أي عمل سابق إلا بصفة مستند يحسن درسه فقط، هذا كان أبدا ~~رأي الحكومة البريطانية، وقد كرره لي مرارا الكولونيل ستانتن، وهذا هو أيضا رأينا ~~الذي اجتهدنا في تغليبه على ما سواه .» # وكتب نوبار إلى إيرام بتاريخ 10 مايو سنة 1869 من باريس: «إن هذا الفكر الذي أبداه ~~الوزير، وهذا التعبير الذي بدا منه موافقان تمام الموافقة لما قاله سموه في كتابه ~~الرقيم 21 أغسطس سنة 1868، أي أنه يتعين على المندوبية الدولية أن ترى ما هو صالح وناجم ~~عن روح المعاهدات فتقرره ... على أني أؤكد أن سموه بكتابه المؤرخ 21 أغسطس المرسل من ~~الأستانة، قد أبلغ وحده المفاوضة إلى النجاح.» # وأرسل (إسماعيل) إلى نوبار بتاريخ 12 يولية سنة 1869 البرقية الآتية: «إننا في مسألة ~~المحاكم المختلطة، لم ندخل للآن - كما تعلم جيدا - في مفاوضات مع أمريكا، على أنه يحسن ~~أن نتلافى هذا. فاكتب لي عما إذا كنت توافق أن نتفاهم مباشرة في هذا الشأن مع سفير ~~أمريكا في باريس، لتعبر له عن رغبتنا في أن نرى الولايات المتحدة مشتركة في أشغال ~~المندوبية الدولية التي ستلتئم في الإسكندرية.» # وكتب نوبار إلى إيرام بتاريخ 28 يولية سنة 1869 «إني رددت على مسامع لاتوردوڨرني - ~~وقد كان أخلف المسيو دي لاڨالت على الخارجية الفرنساوية بعد دخول نابوليون الثالث في ~~الطور السياسي الذي عرف باسم «الإمبراطورة الحرة» - الكلمات بنصها التي قالها لي ~~الخديو، وأعني (أرجو أن تبعث فرنسا إلى المندوبية ليمثلها فيها رجلا تكون لديه غيرة ~~على حسن سمعة فرنسا وعلى شرفها).» # ثم مرت السنوات التي توقفت المفاوضات الحثيثة فيها بسبب الحرب السبعينية، وما تلاها ~~من تقلبات دولية، وأتى عام 1872 الذي أعيدت فيه تلك المفاوضات وأرسل الخديو (إسماعيل) ~~نوبار باشا إلى الأستانة للقيام بشئونها. # فكتب نوبار باشا إلى إيرام بك بتاريخ 14 أغسطس سنة 1872 أنه قال لأحد السفراء في ~~الأستانة: «أما أنا فإني أصرح بأني مقيد بأوامر صاحب السمو الخديو.» # وكتب إلى دي لسبس بتاريخ 24 أغسطس سنة 1872: «تأكد يا عزيزي دي لسبس، ms783 أني في المسألة ~~الجزائية لا أعمل سوى اتباع أوامر الخديو، أما أنا فإني، مبدئيا، قد كنت أرضى بما ~~خولت المحاكم من الاختصاص بالنظر في الجنح المرتكبة ضد القضاة، وضد الضباط القضائيين، ~~وهم قائمون بشئون وظائفهم، ولكني اضطررت إلى التنازل عن رأيي أمام إرادة الخديو، وهي ~~إرادة أراني مضطرا إلى القول إنها قائمة على قاعدة متينة من التعقل التام.» # وكتب في 2 سبتمبر سنة 1872 من الأستانة إلى إيرام بك: «إني أرجو سمو الخديو أن يتفضل ~~ويبلغني أوامره وتعليماته بالدقة في هذا الموضوع الخطير.» (موضوع اختصاص المحاكم ~~الجديدة بالنظر في المواد الجزائية بعد مضي 18 شهرا على تأسيسها). # وكتب في 3 سبتمبر سنة 1872: «أرجو أن الفكرة التي حولها سموه إلى اقتراح ستذلل جميع ~~الصعاب، فإني أعتقد أنها توفق بين جميع المطالب، وترضي جميع المصالح.» # وكتب في 4 سبتمبر سنة 1872 إلى إيرام بك: «إن سمو الخديو قد عمل بحكمة عمل سياسي ~~حقيقي بأن حول إلى اقتراح ما لم يكن في فكري سوى إيعاز إلى دي لسبس، فجميع الفضل سيكون ~~له، وجميع الفائدة ستكون لحكومته، وأرجو أننا بموجب هذا الاقتراح سنكسب قضية الإصلاح، ~~وسنزيد اعتبارا في نظر الحكومات، واعتبار الحكومات لنا قاعدة كل مستقبل سياسي ... ففي ~~اليوم الذي أفقد فيه الأمل في النجاح، سأفيد بذلك سموه لكي يرى رأيه، ويشرفني بأوامره ... ~~وبما أني اعتدت أن أعلم سموه بكل ما يحدث تلغرافيا، فإني أرسل لك صور جميع البرقيات ~~التي بعثت بها، لكي يتمكن سموه بالاطلاع عليها من معرفة جميع دقائق الحال التي نحن ~~فيها.» # وكتب (إسماعيل) إلى نوبار باشا بتاريخ 17 سبتمبر سنة 1872 «إني أوصيك بأن لا تبدي ~~رأيك لأحد في الحل الذي عرفك به دي لسبس، وأن لا ترد على دي لسبس قبل أن تعرض علي ~~تلغرافيا ذلك الحل مرفقا بملحوظاتك.» # وكتب نوبار إلى إيرام بك بتاريخ 13 سبتمبر سنة 1872: «إني سأرسل بالتلغراف إلى سموه ~~كتاب دي لسبس، والتعليمات المعطاة إلى السفير الفرنساوي، وسموه يبلغني أوامره، على أني ~~لن أبدي بتا ms784 في شيء قبل أن تبلغني هذه الأوامر.» # وكتب إليه بتاريخ 18 سبتمبر سنة 1872 «إذا خالفت اقتراحات السفير الفرنساوي اقتراحات ~~سموه ... فإني سأخطر سموه بذلك حالا بالتلغراف ليتفضل علي بأوامره، وليعرفني ما هو عزمه، ~~وماذا يريد أن يقرر.» # وكتب إليه بتاريخ 22 سبتمبر سنة 1872: «قد استلمت وفهمت برقيتي سمو الخديو الخاصتين ~~بالسير الذي يلزمني اتباعه إذا رفضت الدول ... إني لا أرى هناك سوى طريقة واحدة يصح الأخذ ~~بها، وهي أن يخاطب القوم باللسان الذي أقره مولانا، وأعني به أن يقال للقناصل إن عموم ~~الدعاوى بلا استثناء المقامة على الحكومة سترسل إلى الأستانة بدون أن تدخل الحكومة ~~المصرية في المناقشة في موضوعها، وأن نحتفظ بحقنا في أن تقاضي شركة السويس أمام ~~محاكمنا، ولا نفتأ مقررين بأن أول قضية ترفع على الشركة سيصدر فيها الحكم ولو غيابيا ~~من المحكمة المصرية، وستقوم الإدارة بتنفيذه في الحال.» # وأرسل الخديو إلى نوبار البرقية الآتية في 27 سبتمبر سنة 1872: «إني أعربت مرة أخرى ~~للكولونيل ستانتن عن عزمي على عدم تقرير المحاكم المدنية إلا إذا سلم مبدئيا الاختصاص ~~الجزائي، وإذا خولت تلك المحاكم اختصاصا تاما كاملا بالنظر في جميع الجنايات والجنح ~~التي تقترف في حق القضاة والضباط القضائيين، وهم في أثناء تأديتهم وظائفهم.» # وبعث إليه في اليوم التالي بالكتاب الآتي: «وصلني الآن كتاب من دي لسبس جعلني أشعر ~~بارتياح إلى حل قريب ممكن، ففرنسا - بحسب نص هذا الكتاب - تسلم بمبدأ الاختصاص القضائي ~~الجزائي. وعليه، فإن أهم نقطة في الموضوع باتت مكسوبة لنا، وليس هناك سوى تعديلين ~~لمشروعنا: # الأول: # أن فرنسا تطلب أن لا يطبق المبدأ إلا إذا نجح اختبار القضاء المدني ~~مدة خمس سنوات، فيمكننا القبول بأن تطبيق المبدأ سيعمل في برهة من ~~الزمن لا تزيد على خمس سنين، وبذلك نتمكن من تطبيقه حالما تظهر الضرورة ~~لذلك، ولو قبل انقضاء الخمس السنوات. هذا لا يغير مركزنا، لأن الدول ~~يمكنها دائما، حتى لو حدد المشروع مهلة الثمانية عشر شهرا، أن تأتي ~~في بحر المدة وتقول إن الاختبار لم ms785 يكن كافيا، وتطالب بمد الأجل لأي ~~سبب من الأسباب. # الثاني: # أن المحاكم المدنية يمكنها في الأثناء أن تقوم بتنفيذ أحكامها، ولها ~~- بهذه المناسبة - أن تحكم في الجنح المرتكبة ضد القضاة، على أن تكون ~~مرتكبة والجلسات معقودة، فنحن لا نستطيع قبول هذا القصر، لأننا لا ~~نستطيع أن نأخذ على أنفسنا مسئولية تنفيذ الأحكام، إن لم نكن قابضين في ~~أيدينا على حق المحاكمة في جميع الجنح والجنايات التي قد ترتكب خارج ~~الجلسة ضد القضاة بسبب حكم يصدرونه، أو ضد الضباط القضائيين المكلفين ~~بتنفيذ الأحكام، ومع ذلك فجميع السفراء قد سلموا لك بهذا المبدأ، ~~وأعتقد أنه في استطاعتك اقناع السفير الفرنساوي بضرورة جعل اختصاص ~~محاكمنا شاملا لهذا الموضوع، وحمله على قبول تحرير نص لا يترك مجالا ~~للشك والريب في حقوقنا، وإني سأتكلم في هذا المعنى مع القناصل ~~الإنجليزي، والفرنساوي، والإيطالي، لكي يكتبوا لحكوماتهم، وسأقنعهم فوق ~~ذلك بأنه سيتعذر علينا بدون هذا تنفيذ الأحكام، وإقامة صروح عدالة ~~محترمة كما هي الحال في باقي البلاد. # وبما أن هذا الموضوع هو الجزء الحيوي في أمر إنشاء المحاكم، وأن كل جدال مخالف إن هو ~~إلا سفسطة إرادة سيئة، فإني مقتنع أن الحكومات ستستحسن عملنا، وسأرسل برقية مفصلة إلى ~~دي لسبس أقيم فيها الأدلة على جميع النقط المطلوبة، لكي يؤثر من جهته على ~~حكومته.» # وكتب نوبار في 29 سبتمبر سنة 1872 إلى إيرام بك ضمن كتاب طويل ما يأتي: «وقد أيدت ~~براهيني بقراءة الكتاب المرسل من الخديو، وبتهديد أبديته بقفل محكمة التجارة ... وكان وقع ~~هذا التهديد كبيرا جدا على السفير الإنجليزي، ولكنه لم يبرق به لحكومته، لأنه لا ~~يعتقد أن سمو الخديو يلجأ إلى هذا الإجراء، لا لأن الوسيلة خطرة، ولكن لأن الحال التي ~~قد تنشأ عن ذلك لا تتفق مع عظمة الأفكار التي يتغذى بها سموه في مصلحة بلاده.» # وأرسل (إسماعيل) إلى نوبار في أول أكتوبر سنة 1872 الكتابة الآتية: «إني قد أحطت ~~متولي أعمال القنصلية الفرنساوية العامة علما بعزمي على قفل محكمة التجارة، وهو سيكتب ~~عن ms786 ذلك لحكومته، ولكني لم أستطع إبلاغ هذا العزم عينه إلى قنصل إنجلترا العام، لأنه كان ~~قد سافر لما أتت رسالتك، ولكني سأراه بعد ثلاثة أيام أو أربعة، فأكلمه في هذا ~~الشأن. # قد تكلمت مع المسيو روستان عن التضييقات التي ترغب الحكومة الفرنساوية في إدخالها على ~~أمر اختصاص محاكمنا فيما يتعلق بالجنح والجنايات المرتكبة ضد القضاة والضباط القضائيين، ~~وصرحت له بأني لا أستطيع قبولها، ولا التسليم بها، وقد وافقني على فكري بأننا لا يمكننا ~~أن نحتم على أنفسنا مهلة خمس سنوات بصفة مدة اختبارية، وهو يرى مثلي أن الأوفق عدم ~~تحديد مهلة، والاكتفاء بالقول فقط بأن المحاكم الجديدة ستخول حق النظر في الأمور ~~الجزئية في بحر مدة لا تزيد على خمس سنوات وهو ما قلته لك في إحدى رسائلي السابقة. فإن ~~ذلك قد يمكن من تخويلها الحق المذكور حالما تظهر المضار الناجمة عن عدم تخويلها إياه ~~ضرورة المبادرة إلى جعل اختصاصها شاملا المواد الجزائية أيضا. وحالما يجعل حسن سير ~~محاكمنا الضمانات المعطاة منا أكيدة، والمسيو روستان سيكتب إلى حكومته في هذا المعنى ~~على هذين الموضوعين ... وصلني التقرير الإيطالي على مجمل المسألة، وقد أمرت بترجمته، ولكن ~~بما أنه عمل طويل، فإني لا أقدر أن أرسله لك مع هذا البريد، على أنك ستستلمه بالبريد ~~القائم على الباخرة «مصر» المسافرة إلى الأستانة.» # وكتب نوبار في أول أكتوبر من الأستانة إلى إيرام بك: «إن المفاوضة بين يدي سمو ~~الخديو، وهي ليست هنا، فهناك طور أول وهو طور البيان إذا أمكنني استعمال هذا التعبير، ~~فسموه هو الذي بين المسألة للسفراء وفي الاجتماعات. وأما أنا فإني إنما قمت بتحرير ~~وتقديم أفكار سموه كتابة ... قد كان أمامنا عمل تحضيري لدى الدول، وهذا العمل قد قام به ~~سمو الخديو مباشرة لدى الحكومة الإيطالية بمكاتباته المرسلة إلى ملك إيطاليا، وبتأثيره ~~على القناصل وقام به بواسطتي بتأثيره على السفراء ... ومن المؤكد أن الفضل في رضا إيطاليا ~~بالمشروع للخديو وحده، ولعمله الحكيم ... وفي هذه الأثناء وردت برقية مولانا الأولى فقطعت ~~جهيزة قول ms787 كل خطيب، أي أن البت الذي أبداه سموه وضع حدا ونهاية لكل نوع من أنواع ~~التخرصات والتخمينات فيما عسى يكون السلوك في المستقبل ... وقد أطلعت السير هنري إليت ~~(سفير بريطانيا العظمى في الأستانة) على جميع مضمون برقية سموه ... بحيث إن البرقية ~~والكتاب لم يقعا على خبزي كزبدة فحسب، بل كمربى أيضا، وكمربى من أفخر الأنواع ... وقلت ~~لإليت إنه ليس في استطاعتي البتة أن أعدل إرادة سموه ... وقد أطلعت على «زادي» أي برقية ~~الخديو وكتابه، باقي السفراء، فيرى سموه من ذلك أني ألجأ في كل حين وبسعة إلى البراهين ~~التي تفضل بوضعها تحت تصرفي، حتى لقد حفظت كتابه وبرقيته على ظهر قلبي، وأستطيع ~~تلاوتهما كما يتلو تلميذ مجتهدا أمثولة غيبا.» # وبعث نوبار إلى إيرام من الأستانة في 16 أكتوبر سنة 1872 البرقية الآتية: «قد أطلعت ~~حينئذ بربولاني (سفير إيطاليا لدى الباب العالي) على نص برقية سمو الخديو الرقيمة 4 ~~الجاري التي تمهد كل صعوبة، وقلت له إني سأعرض الأمر على سموه ... وعدت من جديد، وأكدت ~~للكونت دي ڨوجييه (السفير الفرنساوي) مضمون برقية الخديو.» # وكتب في 11 أكتوبر سنة 1872 إلى إيرام بك ضمن خطاب العبارات الآتية: «إن هناك بعض ~~تفاصيل قليلة الأهمية يمكنني بدون ضرر أن آخذ على نفسي البت فيها، ولكنه قد تنجم مسائل ~~لا يقدر إلا سمو الخديو على تقديرها كما يجب، وعلى الحكم فيها.» # وكتب له في 11 أكتوبر سنة 1872: «الشيء الوحيد الخطير كان أمر المحلفين. فقلت ~~لبربولاني إني لا أستطيع الفصل فيه مطلقا، وأنه يتحتم علي البتة الرجوع إلى الخديو ~~لأستمد أوامره، أما فيما يتعلق بالمواد الأخرى فإني مضطر أيضا إلى عرضها على سموه، على ~~أني أعرف مقدما ما هو رأيه فيها.» # وأرسل الخديو في 14 أكتوبر سنة 1872 الرسالة الآتية إلى نوبار «إني موافق تمام ~~الموافقة على ردك على السفير الفرنساوي، فلست أستطيع أن أتعدى الاقتراح الأخير الذي ~~أبديته، وقد أصبت تمام الإصابة لما قلت إن طريقة التراضي الوحيدة هي الامتناع عن تعيين ~~قضاة وضباط قضائيين ms788 من الفرنساويين، فأنت بقولك هذا للسفير قد سبقت إليه فكري. أنا ~~أبديت الاقتراح الأخير للدلالة على رغبتي في الوصول إلى تسهيل نتيجة يقبل بها الإنصاف، ~~ففرنسا برفضها إياه تظهر لي أن المصاعب التي تختلقها إن هي إلا وسائل خفية لمنع إنشاء ~~المحاكم الجديدة، فلا سبيل لها إلى التشكي إذا من أن معاملتنا لها تختلف عما نعامل به ~~باقي الدول، التي بدلا من أن تبدي لنا تعنتا في منعنا عن تقديم القطر في معارج الرقي ~~والنجاح، تبدو لنا بالعكس راغبة في مساعدتنا في هذا الطريق، لأنها تعترف بأننا إنما ~~نعمل في مصلحة الأوروبيين بقدر ما نعمل في مصلحة الأهلين.» # وكتب نوبار إلى إيرام في 13 أكتوبر من الأستانة: «قد وجدت كلام الخديو من الصواب ~~والثبات والحزم والاعتدال ما جعلني أطلع السير إليت على كتاب سموه برمته، والسير إليت ~~موافق جدا عليه، ومعجب به.» # وأرسل الخديو في 22 أكتوبر سنة 1872 إلى نوبار البرقية الآتية: «ردا على رسالتك لا ~~أستطيع سوى تأكيد ما سبق أن قلته لك، أي إنه لا يمكنني مطلقا أن أبدي قل تسامح جديد، ~~لأن طلباتي ضرورية ضرورة قصوى لحسن سير المحاكم وانتظامها، ولضمانة نفاذ الأحكام، إني ~~أفضل الرجوع إلى تنفيذ المعاهدات تنفيذا دقيقا، وإلغاء محكمة التجارة ولا القبول ~~بإنشاء المحاكم على حال لا تضمن لها الحيوية، وتجعلنا مسئولين عن نفاذ الأحكام بدون ما ~~أن يكون لدينا وسائل تنفيذها، فكل تسامح جديد محال بالمرة. وإني أصرح لك أن تطلع على ~~برقيتي هذه سفير الروسيا، لأنها تعبر عن عزمي الذي لن يتحول.» # وكتب نوبار إلى إيرام في 23 أكتوبر ضمن كتاب أرسله له من الأستانة العبارة الآتية: ~~«وبالاختصار فإن سمو الخديو يقدر أن يرى أن الأوامر التي يصدرها إلي تنفذ بكل ~~دقة.» # وكتب إليه في اليوم التالي: «وصلتني برقيات الخديو المتعددة. فتقديراته فيما يتعلق ~~بالتفصيلات وبالمبادئ في منتهى الصواب، وإني لسعيد أني اشتغلت في معناها.» # وكتب نوبار في 29 أكتوبر سنة 1872 إلى المسيو لودلف (سفير النمسا لدى الباب العالي): ms789 ~~«وصلتني منذ ثلاثة أيام برقية من لندن سمو الخديو ردا على بعض ملحوظات أبداها لي ~~الجنرال أجناتييف من قبل حكومته، وأمرني سموه بأن أطلع الجنرال على تلك البرقية، فتركت ~~له صورة منها، على أنك يا صاحب السعادة لا تستطيع أن تعتقد مقدار الشعور المؤلم الذي ~~يشعر به سموه، إذ يرى حكومتك لا تضحي، لاعتبارات لا حق له في تقديرها، تقدم مصر التجاري ~~ورقيها فقط، بل مصالح النمسا التجارية ذاتها التي تربطها ببلادنا، فسموه يرجوك بنوع ~~خاص، ومن باب الصداقة، التفضل باعتبار الحال التي لا تطاق الناجمة لمصر عن عدم وجود ~~عدالة منظمة فيها.» # وفي تاريخ 31 أكتوبر سنة 1872 أرسل الخديو إلى نوبار الرسالة الآتية: «قد أعدت ~~البارحة مطالعة مذكرة الحكومة الألمانية، وقابلت المسيو چاسمند (قنصل ألمانيا العام في ~~مصر)، فهذه المذكرة وكلام قنصل ألمانيا يتفقان بسهولة على ما يخيل إلي مع نصوص ~~الاقتراح الذي بدا لي الفكر في برقيتي المرسلة لك أول من أمس أن أجعلك تقدمه إلى ~~المؤتمر المزمع انعقاده ... فقابل السفير الألماني، وقل له إنا نعمل لرأي حكومته أكبر ~~حساب، ولكنه يلزمه أن يفهم بسهولة بأننا لا نتقدم البتة بتسليمنا بطلباتها، لأن كل دولة ~~إذ ذاك تتقدم إلينا الواحدة بعد الأخرى، مطالبة بتسامحات جديدة، بين أنه لو استطاع ~~الوصول إلى اتفاق مع باقي الدول على رأي الحكومة الألمانية، فإن هذا الاقتراح سيصبح ~~حلا نكون سعداء جدا بقبوله.» # وفي أول نوفمبر سنة 1872 أجاب نوبار على برقية أرسلها له الخديو بتاريخ 29 أكتوبر بما ~~يأتي: «قد استلمت برقية الخديو المؤرخة 29 أكتوبر، وفهمت مضمونها، فسموه مع الحق تماما ~~فيما يتعلق بضرورة البت هنا في مسائل المبادئ الخاصة بالجنح المرتكبة ضد القضاة والضباط ~~القضائيين، وضد تنفيذ الأحكام.» # وأرسل (إسماعيل) في 6 نوفمبر سنة 1872 البرقية الآتية إلى نوبار: «إني أرى الاقتراح ~~الألماني متفقا مع آرائي تمام الاتفاق، فيلزمنا إذا العمل على الاتفاق مع ألمانيا، ~~فنفوز بذلك بموافقة إيطاليا وألمانيا، وتأكد أن النمسا ستتبع ألمانيا، وتوافق هي أيضا، ~~ألا تعتقد ms790 أن موافقة هذه الدول لا تجلب موافقة غيرها؟ على أي الأحوال، لو فرضنا أنه لن ~~يكون لدينا إلا هذه الدول فإنا سنتفق معها على طريقة سير خاصة، وهي تمثل في الحقيقة ~~أكثر من نصف الجالية التابعة للقنصليات.» # وبمطالعة رسائل نوبار باشا وبرقياته إلى إيرام بك في بحر شهر نوفمبر سنة 1872 نرى أنه ~~يطلع الخديو يوميا على سير مفاوضاته مع السفراء، وعلى ما تصل إليه هذه المفاوضات من ~~نتائج، فما من كبيرة ولا من صغيرة إلا ويطلب فيها رأي الخديو وأوامره. # ففي 19 نوفمبر سنة 1872 كتب إلى إيرام بك ما يأتي ضمن رسالة طويلة حررها عقب مفاوضات ~~مملة مع السفراء: «أراني مضطرا أن أصارحك يا صديقي بأني متعب، منهوك، والشعور الوحيد ~~الذي يقويني هو شعورالغضب والانفعال من فقدان الكفاءة في الرجال، ومن سوء نية فرنسا ~~الظاهر، ومن عباطة بعض الحكومات الأخرى، وضيق فكرها. إني - على قدر ما استطعت - كسوت ~~البيان المرسل مني إلى سمو الخديو عن الاجتماع الذي حصل كساء يمكن الخديو من تفهم ~~الحال، فيحكم فيما يجب أن يزودني به من أوامر وتعليمات.» # وكتب له في اليوم التالي: «ومع ذلك فإن سموه بفكره الصائب المعروف سيقدر ما أتشرف ~~بعرضه على سموه تقديرا حقا ... إني أتجاسر على تهنئة سموه، لأن بتنا عند نهاية ~~متاعبنا، ولسموه لما يفرغ منها أن يتمثل بقول التوراة (لقد أنقذت مصر وشعبي من دار ~~العبودية).» # وكتب له في اليوم عينه: «إن سموه سيرى وسيحكم وسيبرق لي أوامره، فامتثل لها تمام ~~الامتثال، وها أنا في انتظارها.» # وكتب له في 14 ديسمبر سنة 1872: «إني أكون سعيدا يا سيدي البيك العزيز في معرفة ما ~~هي آراء سمو الخديو في جميع هذه الأمور.» # وفي اليوم التالي كتب له أيضا: «إني أرجو فقط سمو الخديو أن يبرق لي أوامره وآراءه ~~في مسألة تشكيل هيأة المحلفين، لأسير بمقتضاها ...» # وبتاريخ 23 ديسمبر سنة 1872، ذكر ما يأتي في كتاب إلى إيرام بك: «أما فيما يتعلق ~~بإليت فإنه موافق تمام الموافقة على كلام سمو ms791 مولانا، وإني من جهتي أقدم لسموه أخلص ~~عبارات تهانئي على هذا الكلام الذي جمع بين أكبر صفات الحزم، وأكبر صفات ~~الاعتدال.» # وفي اليوم عينه كتب له ما يأتي: «وفوق ذلك فإن هذا الكتاب الوارد من سموه يشمل آراء ~~هذا مبلغها من الصواب، وأفكارا سياسية، واعتبارات هذا مبلغها من السمو أني وضعته في ~~جيبي بصفة زاد لقريحتي. وكلما يدور الحديث على مواضيع عامة مع السفراء، أخرجه وأقرأ منه ~~تارة شذرة وطورا أخرى، فينتهي الأمر أني أطلعهم على مضمونه بدون قصد أو تعمد خاص، ~~ويمكنني التأكيد بأن آراء سموه الإدارية، وحكمته مقدرة التقدير الذي هي جديرة به، ~~فتراني سعيدا لذلك ومغتبطا تمام السعادة والاغتباط، ومفاخرا بسموه، وإني أرجوك يا ~~سيدي البك أن تعبر عن إحساساتي هذه لسمو مولانا الجليل.» # وكتب نوبار إلى إيرام بتاريخ 28 يناير سنة 1873 بخصوص الكتاب المرسل من النجاشي ~~(يوحنا قاصة) إلى ملوك أوروبا يشكو لهم فيه من تعديات أمير مصر المسلم عليه، هو ~~المسيحي، ما يأتي: «إن الجواب الذي أشار أجناتييف على حكومته بإرساله إلى قاصة على ذلك ~~المنشور لمطرب بروحه الملحة، وصوابه الفائق فالحكومة الروسية إذا سألتها باقي الحكومات ~~عن رأيها في الموضوع ستجيب «إنها تفضل أميرا مسلما يقيم للعدالة صرحا شاهقا في ~~بلاده على أمير مسيحي يمثل بالأجسام، ويقطع الرءوس كلما بدا له هوى».» # وفي 28 يناير سنة 1873 أيضا كتب نوبار إلى إيرام: «إذا كل ما تقع جناية أو جنحة ضد ~~قاض أو ضابط قضائي أو ضد نفاذ حكم، يقوم النائب العمومي عن الجناب الخديوي بالتحقيق، ثم ~~يطلع القنصل على ملف الأوراق، طبقا لما أمرني به سمو الخديو وهو في الأستانة.» # وكتب نوبار باشا بتاريخ 24 فبراير سنة 1873 إلى المسيو سيمس (سفير اليونان لدى الباب ~~العالي) وإلى جميع سفراء الدول بالأستانة تحريرا جاء فيه ما يأتي: «إن سعادتك ترى أن ~~جميع مندوبي السفارات في الاجتماعات التي تمت وصلوا إلى نتائج واحدة، وأنا عملا بأوامر ~~سمو الخديو أسرعت إلى قبولها.» # وفي 26 فبراير سنة ms792 1873 كتب إلى إيرام بك: «إن الغرض الذي يرمي إليه ڨوجييه وبربولاني ~~وغيرهما هو أن يتعهد الخديو للدول في مسألة تعيين القضاة تعهدا يؤخذ عليه حجة، فأجبتهم ~~بأن الخديو يتعهد لبلاده وللمتقاضين، لأن ذلك حقه، ولأنه يحسن لديه أن يبدي هذا التعهد، ~~ولكنه لن يتعهد بشيء ما مطلقا للدول.» # وكتب في اليوم عينه رسالة جاء فيها: «إني أجبت السفير الفرنساوي بأني أول كل شيء أسف ~~أسفا لا مزيد عليه لرؤيتي الحكومة الفرنساوية يمثلها رجال الوزارة بكيفية سخيفة إلى ~~هذا الحد، وكان هؤلاء الرجال قد أبدوا مخاوفهم من أن تنفيذ الأحكام قد يصطدم بحرمة دور ~~الحريم، فلا يستطيع المحضر القيام بمهمته.» # وفي 28 فبراير كتب إلى إيرام ما يأتي: «إني فهمت تمام الفهم أفكار سمو الخديو، وسأقوم ~~بنفاذها بكل دقة.» # وأرسل الخديو في 3 مارس سنة 1873 إلى نوبار برقية يقول له: «وصلتني برقيتاك، فلا تبد ~~أي تسامح في شأن تدخل الدول في أمر اختيار القضاة - فإن هذا التدخل لو سلمنا به، ينشئ ~~لنا حالا أسوأ من الأولى.» # وأرسل إليه في 5 مارس سنة 1873 البرقية الآتية: «وصلتني برقيتك المشتملة على ملخص ~~كتاب سفير فرنسا، ففيما يتعلق بالموضوع الأول فإن طلب الحكومة الفرنساوية لا محل له ~~إزاء الضمانات المقدمة منا، وفيما يختص بالموضوع الثاني، فلا تمنح شيئا غير ما أتى في ~~الكتاب الذي حررته لتعرف مقاصدي.» # وأرسل إليه في 10 مارس سنة 1873 الرسالة الآتية: «وصلتني برقيتك المشتملة على أهم ما ~~جاء في كتاب الجنرال إجناتييف، إني أجد هذا الكتاب مكياڨليا جدا، # 1 # ولكني مع ذلك أرى أننا نستطيع الاستفادة منه بأن ترد عليه بكتاب في معنى ما ~~يأتي أدناه، وأترك أمر التوسع فيه إليك تماما. (إني أشكرك على الكتاب الذي أرسلته ~~إلي والذي تعرفني فيه بأنك عرضت على حكومتك مجموع مشروع الإصلاح للتصديق عليه، إني ~~سعيد بأن أرى أنك توافق على هذا المشروع الذي لا اعتراض لك عليه، ولست أشك في أنك ستحمل ~~حكومة جلالة الإمبراطور على مشاطرتك رأيك فيه، ms793 فلرغبتي في اجتناب كل سوء تفاهم، أكون ~~ممنونا لجنابك إذا تفضلت وأعلمتني ما إذا كنت فهمت جيدا معنى كتابك حتى أتمكن من أن ~~أبرق لسمو الخديو موافقتك على المشروع بعد تأييد من حكومتك، وإني متأكد أن المخاوف التي ~~نجمت عن الاقتراحات المعربة ستتلاشى حالا، وأشكرك على التمنيات التي تبديها في أن مدة ~~الاختيار تبدي بجلاء مزايا الإصلاح وفوائده للجميع!) «هذا الكتاب يجب أن يحرر بحيث إنه ~~يوجب ردا، لأنه سيتعذر على الجنرال أن يجيب إجابة سلبية، فمتى أجاب بالإيجاب حصلنا ~~على موافقة ممثلي إيطاليا وألمانيا وروسيا.» # وفي 15 مارس سنة 1873 كتب نوبار باشا إلى إيرام بك: «إذا وافق سمو الخديو على ردي على ~~كتاب ڨوجييه، فإني أرجوه أن يعرفني ذلك على لسان البرق، وإذا لم يوافق فإني أرجوه أن ~~يمدني بأوامره.» # وعاد الخديو فأرسل في 16 مارس سنة 1873 البرقية الآتية إلى نوبار: «استلمت برقيتك ~~الرقيمة 15 الجاري، إن شريف باشا بكتابه المرسل إلى قنصل إيطاليا يقول له إن الحكومة ~~الإيطالية كانت منذ سنتين أبدت ارتياحها إلى الكتاب المحرر منك إلى المسيو دي مرتينو ~~بخصوص اختيار القضاة، وإن سمو الخديو لا يفهم الإلحاحات الجديدة التي توجه إليه اليوم، ~~ولا يقدر أن يقبل كتاب السفير الإيطالي لدى الباب العالي، لأنه كتاب لا يتفق مع كرامة ~~سموه، واستقلال حكومته.» # وعاد في 19 مارس سنة 1873 وأرسل برقية يقول له فيها: «إني أشاطرك تماما رأيك في ~~ضرورة عدم اجتماع السفراء إلا إذا كان لجميع ممثلي الدول السلطة اللازمة للبت في ~~المسائل معك وللاتفاق إذا اقتضت الحال، على الاختلافات في تفاصيلها، فإذا خولوا هذه ~~السلطة كان للاجتماع معنى، وإلا فإنه لن ينجم عنه إلا مضار ربما كان أهمها الرجوع في ~~حلول قررتها مندوبية الوكلاء. إنا اليوم لدينا قاعدة مكتسبة لنا الحق بالارتكاز عليها ~~في أن نطلب ردا صريحا إيجابيا أو سلبيا. بين أنه في اجتماع لا يكون الغرض منه ~~محددا تمام التحديد قد تنجم مسائل جديدة تؤجل الحل النهائي بدلا من تقديمه، وقد ms794 يمكن ~~أن يستخدم ذلك الاجتماع لإبطال كل عمل مندوبية الوكلاء، هذا هو رأيي، لكونك في محل ~~المداولات أقرب مني إلى صحة الحكم في المسألة.» # وكتب نوبار إلى إيرام بك بتاريخ 22 مارس سنة 1873 ما يأتي: «إني أرجو سمو الخديو أن ~~يبرق لي ما إذا كان يوافق أم لا على طريقة الكتابة والعمل هذه وأتوسل إليه أن يمدني ~~بأوامره.» # وكتب في 23 مارس سنة 1873: «قد قابلت المسيو دي ڨوجييه، فكلمني عن الرد الذي يلزمني ~~أن أرسله إليه، والذي يعلم أني أنتظر أوامر الخديو بخصوصه.» # وأرسل (إسماعيل) إلى نوبار في 8 أبريل سنة 1873 البرقية الآتية: «إنه يتعذر علي قبول ~~جواب سفير إيطاليا كما أرسلته لي، لأنه لن يبقى لنا بعد ذلك لا الموضوع ولا الشكل، ~~وتكون الدول قد انتهت إلى إنشاء محاكم دولية بدلا منها مصرية.» # وفي 15 أبريل سنة 1873 كتب نوبار إلى إيرام بك: «ليس لدي جديد أبديه في شأن الإصلاح ~~القضائي، فالبرقيات التي أرفق صورها طي هذا قد أطلعت سمو الخديو يوما فيوما على ما ~~اطلعت أنا عليه.» # وفي 18 أبريل سنة 1873 كتب له قائلا: «إن سمو الخديو سيرى أن هذا التعديل لا يعدل في ~~الحقيقة شيئا من طبيعة نياته في شأن تشكيل محكمة الاستئناف، فأرجو تعريفي عما إذا كان ~~سموه يوافق على هذه الطريقة في العمل.» # وفي 26 أبريل سنة 1873 كتب له بخصوص الفرمان الذي أرادت الحكومة البريطانية أن يصدره ~~السلطان بإنشاء المحاكم المختلطة: «ولنعد إلى البرقية الإنجليزية المرسلة إلى إليت بشأن ~~الفرمان لتقرير الإصلاح، هلا يرى سمو الخديو من الضروري إخطار الصدر الأعظم لكي يجيب ~~إليت شفويا بأن التصريح قد سبق إعطاؤه، فلا داعي لفرمان، فإن إليت قد قال لي: إن ~~جوابا كهذا يمكنه من رفض فكرة حكومته بشأن الفرمان رفضا باتا، فإنه إذا عرضت ~~المسألة على الصدر الأعظم، فأجاب بأن التصريح سبق منحه، فإنا سنتجنب مضايقة وأتعابا ~~جمة، ونجعل الباب العالي يتجنبها أيضا، وكذلك الدول الراغبة في الإصلاح رغبة حقيقية، ~~فإذا رأى ms795 سمو الخديو أن هذا ضروري فإني أنا وإيرام بك يمكنا أن نكلم الوزير في هذا ~~الشأن ... فإني أعتقد أنه يلزم قطع أوصال هذه الفكرة الإنجليزية في الحال قبل أن تأخذ من ~~الاتساع والقوة ما يصبح متعذرا معه قطعها.» # وكتب في 30 أبريل سنة 1873 إلى إيرام بك: «ليهدأ سمو الخديو بالا، فإن أوامره قد ~~اتبعت بدقة، فإذا جاء للإليت رد فإني سأطلع سموه عليه في الحال دون أن أبدي أي ملحوظة ~~للسفير البريطاني، ومع ذلك فإني متأكد من أنه لن يأتي لإليت رد قبل مجيء سمو الخديو إلى ~~الأستانة، وبناء على ذلك فإن سموه يمكنه أن يكون مرتاح البال. # إن كتابي إلى ڨوجييه يتكلم عن تشكيل المحاكم بالمعنى الذي طلبه سموه، وعليه فإن أوامر ~~سموه قد نفذت بكل دقة واعتناء.» # فيؤخذ من جميع هذا أن (إسماعيل) في مسألة إنشاء المحاكم المختلطة، كان الرأس المفكر ~~والعقل المدبر والرأي المسير، وأما نوبار فإنه لم يكن سوى الوسيط لنفاذ تدبيراته، على ~~أن هذا لا يغمط من فضل نوبار شيئا، ولا يقلل من الإعجاب بجهوده البتة. ~~••• # والآن وقد انتهيت من عملي، فإنه لا يسعني أن أختمه إلا بشكر الله على ما تفضل به - ~~سبحانه - من إحاطته بفيوضات عنايته، وأرجو - وقد تحريت الحقائق فيه جهد استطاعتي - أن ~~يحل من قارئيه محل الاستحسان والقبول، وأسأله - جل جلاله - أن يتولى عني شكر حضرة صاحب ~~الجلالة ملك مصر المعظم، الملك (فؤاد الأول)، فقد شملني بفضله، وعمني بإحسانه، وغمرني ~~بجميل أياديه، مد الله عمره، وأحياه حياة طيبة مباركة، ومتع الأمة المصرية بجليل ~~تدبيره، وجميل إخلاصه، وطيب نواياه، وأقر عينه، وشرح صدره، بولي عهد ملك مصر، ثمرة ~~فؤاده، صاحب السمو الملكي (الأمير فاروق)، أدام الله بهجته، وحفظ الله مهجته، وأنبته ~~للوطن العزيز نباتا حسنا. ms796