######OpenITI# #META# URI: 1346IlyasAyyubi.MuhammadCali.Hindawi28147925 #META# Tags: history #META# ID: 28147925 #META# Title: محمد علي #META# AuthorID: 25259074 #META# Author: إلياس الأيوبي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # 1 - نشأة محمد علي‏ # 2 - في السبيل إلى الذروة‏ # 3 - العمل على الثبوت فوق القمة‏ # 4 - بعد التثبت فوق القمة‏ # 5 - أيام محمد علي الأخيرة‏ # 6 - وصف محمد علي وتقدير عمله‏ # 1 - نشأة محمد علي‏ # 2 - في السبيل إلى الذروة‏ # 3 - العمل على الثبوت فوق القمة‏ # 4 - بعد التثبت فوق القمة‏ # 5 - أيام محمد علي الأخيرة‏ # 6 - وصف محمد علي وتقدير عمله‏ # | محمد علي # | محمد علي # | سيرته وأعماله وآثاره # تأليف # إلياس الأيوبي # محمد علي في أواخر أيامه. # الفصل الأول # | نشأة محمد علي # ألق أيها القارئ نظرة على خريطة شبه جزيرة البلقان تر في جنوب إقليم مكدونيا، على ضفاف ~~خليج كونتسا، من جهته الشمالية، ما بين نهري الهبرو والستريمون المكتنفين سهل «سرس»، وعند ~~نهاية هذا السهل صخرة تلج البحر كأنها فرس جمحت براكبها، فلما توسطت الماء أفاقت إلى نفسها، ~~فوقفت تتفكر. # وقف أنت أيضا متفكرا، فإنك إنما ترى أرضا تزدحم فيها تذكارات التاريخ؛ فمكدونيا وطن ~~الإسكندر الأكبر، أول من جمع العالم القديم المعروف تحت لوائه، وساسه بصولجانه، ووطن ~~البطالسة الفخام، خلفاء ذلك البطل العظيم على عرش مصر ومؤسسي مدرسة الإسكندرية العلمية ~~الفلسفية ومكتبتها النفيسة، التي قضت عليها يد الأقدار، فيد الحمق الديني، وفي سهل «سرس» ~~بتت معركة فيلپي في مصير العالم الروماني، ففاز فيها أنطونيس وأكتاڨيس (العاملان - تحت ~~ستار الانتقام لقيصر والثأر لمقتله - على الاستئثار بالأمر لنفسيهما) على بروتس وكسيس، ~~آخري الرومانيين والمدافعين عن الحقوق الجمهورية، ولم تكن تلك المرة الأولى ولا الأخيرة ~~التي انحازت الأقدار فيها إلى جانب الباطل، ونصرته على الحق؛ فالأقدار عمياء القلب، ووقوفها ~~في غالب الأحيان مؤازرة للغشمرية، علة من العلل الكبرى التي تجعل تقدم البشرية نحو الكمال ~~بطيئا، كثير الاضطراب. ~~••• # على تلك الصخرة الفرسية الشكل أقيمت منذ القدم مدينة صغيرة، ما مر بها الإسكندر الأكبر ~~ورأى شكل قاعدتها؛ إلا وأبدل اسمها (جالپسو) باسم بوسيفلا نسبة لبوسفلس، جواده ~~الشهير. # فبقيت معروفة بهذا الاسم، المذكر بالمكدوني العظيم، حتى وردها البندقيون، فينيقيو ~~الأعصر الوسطى، وهم يجولون رايتهم التجارية الاستعمارية ms01 على سواحل بحر الأرخبيل، فلما رأوا ~~هم أيضا شكلها - وكانوا كفينيقيي القدم - لا يهتمون لمفاخر التاريخ وتذكاراته ولا يعنون ~~إلا بالاتجار وأرباحه، أطلقوا عليها اسم «لاكافالا»؛ أي الفرس باللغة الإيطالية، واتخذوها ~~مستودعا لبضائعهم، فلما آلت إلى حكم الأتراك حرفوا الاسم وجعلوه «قوله». ~~••• # في هذه المدينة، وفي سنة من أخصب سني التاريخ البشري برجال عظام، ولد محمد علي الباشا ~~الكبير مؤسس الأسرة العلوية الكريمة، وخليفة الإسكندر والبطالسة مواطنيه، على عرش مصر ~~السني. # إن التاريخ لا يدري بالتمام في أي يوم من أي شهر ولد؛ لأن العادة الحميدة - عادة تقييد ~~المواليد في سجلات رسمية مدنية - لم يعرفها الشرق إلا قبيل أيامنا هذه، بفضل عواهل الأسرة ~~المصرية النبيلة، ولكنه يعرف أنه ولد في سنة 1769؛ لأنه هو نفسه أكد ذلك فيما بعد. # وكأني بالعناية الإلهية قصدت غرضا معينا لديها في أنها أنبتته في السنة عينها التي ~~تشرفت بمولد # Cuvier ~~؛ العالم الفرنساوي الذي اكتشف من ~~مكنونات الطبيعيات أكثر مما اكتشفه كولمبس من مجهول البلدان، ~~و # Humboldt ~~؛ العالم الألماني، منشئ علم الجغرافيا ~~النباتية وعلم المناخ المقارن، وشاتو بريان؛ الكاتب الفرنساوي البليغ الناثر نثرا أعذب من ~~الشعر، صاحب كتاب «رينيه» و«أتلا» و«كتاب الشهداء» وكتاب «آخر بني سراج»، وولتر سكت؛ ~~الشاعر الإسكتلندي، صاحب الروايات التاريخية الممتعة، التي تلذذ كل منا بمطالعتها في صباه، ~~ومن أهمها «إيفانهو» و«الطلسم»، وهذه الأخيرة هي المنجم الذي أخذ منه فقيد العلم والأدب، ~~المرحوم الشيخ نجيب الحداد روايته التمثيلية الشهيرة المسماة «صلاح الدين الأيوبي»، وشلر؛ ~~الشاعر الألماني الأكبر ذي الروح الأبية الزكية والشعور الرقيق، صاحب رواية «غليوم تل»، ~~منقذ سويسرا من الاسترقاق النمساوي، ورواية «عذراء أورليان»، منقذة فرنسا من الاسترقاق ~~الإنجليزي، وولنجتن؛ القائد البريطاني السعيد الطالع، الذي كتبت له الأقدار الفوز على ~~ناپوليون في واقعة واترلو، وناپوليون، وكفى باسمه تعريفا. # ويلوح لنا أن الغرض المعين الذي قصدته العناية الإلهية من جعلها مولد محمد علي في سنة ~~ميلاد جميع هؤلاء الأعاظم هو أن يرى الشرق في شخصه وفي أعمال حياته مجموعة مصغرة للمجهودات ~~والأعمال التي ms02 سجلها التاريخ لأولئك النوابغ، كما سنرى ذلك في حينه. ~~••• # وكان اسم والد محمد علي إبراهيم أغا، وأما اسم والدته فإن التاريخ - بفضل العادات ~~الشرقية التي كانت ولا تزال تأبى على المرأة أن يعرف اسمها خارج بيتها - جهله، فلم يعرفنا ~~به، على أننا كنا نود معرفته، لنحيطه بهالة المجد التي تبدو لنا أسماء أمهات الرجال العظام ~~محاطة بها؛ لأننا موقنون أن محمد علي مدين لتلك الأم - أكثر مما هو مدين لأبيه - بالصفات ~~الكريمة، والأخلاق القويمة، والعقلية السامية التي نهضت به من الحضيض إلى ذروة العلاء ~~والفخار. # فقد كانت أمه هذه امرأة حادة الشعور، حمساء الخيال، يدل على ذلك المنام الذي يقال إنها ~~رأته وهي حامل بابنها المجيد، وفسره لها بعض العرافين، فأكد لها أنه يبشر بمستقبل عظيم ~~لثمرة بطنها، فلما بلغ ولدها - في أول صباه - من السن ما جعله قادرا على التفهم، فإنها ما ~~فتئت تخبره بذلك المنام، لتوجد في فؤاده الميل إلى عظائم الأمور وتنميه وتعززه. # وأما إبراهيم أغا، والده، رئيس خفر الطرق في بلده، فإن هم المعيشة كان يكده كدا لم ~~تكن صفات نفسه - على فرض وجودها - تجد معه سبيلا إلى الانتشار؛ وذلك لأن مربوط وظيفته كان ~~ضئيلا، لا يقوم أود عائلته، حتى لو قبضه كاملا، فكيف به وهو لم يكن يتقاضاه إلا ناقصا، ~~أو لا يتقاضاه البتة؟! (شأن موظفي الدولة العثمانية في ذلك العهد، وحتى أواخر القرن الماضي، ~~بل حتى أواخر حكم عبد الحميد في عصرنا هذا.) ولولا أن الموت قصف زهرة كل أولاده، وهم في ~~صباهم الأول، لما استطاع إلى القيام بشئون تربيتهم سبيلا. ولكنه، ولم يبق له منهم سوى محمد ~~علي، فإنه حصر كل حنانه واهتمامه فيه، وحاطه بعناية خاصة، تجلت في المظهر الذي تتجلى فيه ~~العناية عند الوالدين الجهلاء؛ أي إنه تركه يشب وشأنه، دون أن يعلمه - على أن العلم لم يكن ~~في ذلك العهد مرغوبا فيه إلا قليلا، لا سيما في الشرق، حيث لم يكن من علم سوى ما كان ~~الدين أساسه، أو ما ms03 اصطبغ منه بصبغة الدين - ودون أن يفكر في تهذيب ميوله، وتوجيهها نحو غرض ~~معلوم في الحياة، يكون للفتى في البلوغ إليه أمان من الحاجة والفقر، فأخذت الجيرة، لذلك، ~~تتحدث في شأن الصبي، وتندب حظه، وتتداول قولا كهذا: «ماذا عسى أن يكون نصيب هذا الغلام ~~التعس من الحياة، إذا أفقده الدهر والديه فجأة، وهو لا يملك شروى نقير، ولا علم عنده، ولا ~~صنعة لديه؟!» # فبلغ الحديث مسامع محمد علي، وكانت أمه - على ما قلنا - مجتهدة في جعل فؤاده حادا وروحه ~~كريمة، فأثر فيه تأثيرا عميقا، وأوقد فيه جذوة نار ما فتئت متقدة منذ ذلك الحين. وقد قال ~~محمد علي فيما بعد: «إني، مذ سمعت ذلك القول، عزمت عزما أكيدا على تغيير ما بي، وترويض ~~نفسي على امتلاك زمام أهوائي، فقد حدث لي، بعد ذلك، أني استمررت، أحيانا، على الجري يومين ~~كاملين لا أتناول من الطعام إلا القليل، ولا أنام إلا اليسير؛ لأقوي عضلاتي، وأتمرن على ~~خشونة المعيشة. ولم يعد يهدأ لي بال حتى فقت جميع أقراني في جميع التمارين الرياضية. ~~وإني لأذكر سباقا بالمجداف قمنا به في بحر عجاج متلاطم الأمواج، كان الغرض منه البلوغ ~~بالقوارب إلى جزيرة قريبة من الشاطئ، فإن أقراني ما لبثوا أن كلوا، وخارت عزائمهم، وأما ~~أنا، فإني بالرغم من تسلخ جلد راحتي، وقد كان لا يزال ناعما، ما فتئت أجدف، مقاوما الموج ~~والريح، حتى أدركت الجزيرة، وهي اليوم ملكي!» - وهي جزيرة طشيوز! # على أن الموت - ولا نخطئ إذا دعوناه ملاكا أعمى؛ فإنه جدير بهذه التسمية أكثر مما كان ~~جديرا بها إله الغرام عند قدماء اليونان والرومان - مر يوما بمنجله ببيت إبراهيم أغا، ~~فحصد حياة أم محمد علي، والشاب في أول يفاعته. ولم يكد الغلام يجفف دموعه إلا وعاد ذلك ~~الملاك إلى المرور بالبيت عينه، وما غادره إلا وخرج منه وراءه النعش الراقدة فيه جثة ~~إبراهيم أغا. ~~••• # فبات محمد علي يتيما وحيدا، يرى الدنيا حوله كأنها قفر مقفر ولا يدري ما المصير! فما ~~كان أشبه حاله - إذ ms04 ذاك - بحال فتى آخر سبقه إلى الوجود بنحو ألف ومائتي سنة، فتيتم من ~~أبيه، وهو في بطن أمه، وتيتم من أمه، وهو في السادسة من عمره، فبات والله وحده كفيله ~~ونصيره. # وكما أنه - سبحانه وتعالى - وكل بذلك اليتيم المعد له أبهى الطوالع جده أولا، ولما لبى ~~جده داعي المنون، فعمه، فكان له مربيا وعئولا، هكذا وكل بمحمد علي، الذي كان أعده ~~لإخراج مصر - كنانته في أرضه - من الظلمات إلى النور، عمه طوسن أغا، أولا، فلما داهم ~~ملاك الموت ذلك العم بعد ذلك بقليل - كأنه يأبى أن يبقي من أسرة محمد علي أحدا حيا - عطف ~~عليه قلب شوربجي قوله - أي حاكمها - وقد كان صديقا قديما لعائلته فضمه إلى بيته، وآواه ~~تحت سقفه، ورباه مع ابنه. # فما أقام محمد علي قليلا في تلك الدار، إلا وتعرف به فرنساوي يقال له المسيو ليون، كان ~~على رأس محل تجاري في قوله منذ سنة 1771، فاستوقف انتباهه ذكاء الغلام الفطري النادر، وحسن ~~حكمه على الأمور في شئون قلما يدركها من كان في مثل سنه، فأحبه كثيرا، وأخذ يزوده بالنصائح ~~والإرشادات الثمينة، ويبشره على مسمع من الشوربجي وعائلته بمستقبل سعيد، فيما لو وجد من ~~صروف الدهر تعضيدا، فكان لحب هذا الفرنساوي الأبوي أثر عميق في قلب محمد علي، جعله منذ ذلك ~~الحين ميالا إلى الفرنساويين أكثر منه إلى كل جنسية غربية أخرى. وحمله في سنة 1820 ~~- لما استتبت قدماه على السدة المصرية - على ~~البحث عن المسيو ليون، لمعرفة ما آل إليه أمره، فلما علم أنه عاد إلى مرسيليا - مسقط رأسه - ~~كتب إليه ملحا بالمجيء لزيارته على ضفاف النيل، فأجاب المسيو ليون الدعوة، ولكن ملاك ~~الموت الأعمى مر به في نفس اليوم الذي كان عينه لسفره، فأرداه، فلما بلغ محمد علي الخبر ~~المؤلم بعث إلى أخت المتوفى بكتاب تعزية بليغ، وأرسل إليها - رفقته - هدية ثمينة فاخرة؛ ~~إظهارا لاعترافه بجميل أخيها عليه. # وتعرف محمد علي، في بيت الشوربجي، بشيخ وقور جاوز السبعين من عمره، كان يتردد كثيرا على ~~منزل ms05 ذلك الحاكم، وكانت له فيه منزلة خاصة؛ لما اشتهر عنه من درايته بتفسير الأحلام، وهي ~~دراية كان لها في عالمنا الشرقي منزلة كبيرة جدا، كثيرا ما أدت بمن تحلى بها إلى أرفع ~~المناصب؛ ألم يصبح يوسف بن إسرائيل - عليهما السلام - بفضلها وحدها؛ عزيز مصر على عهد أحد ~~فراعنتها الهكسوس؟! # هذا الشيخ ما لبث أن أصبح هو أيضا شغوفا بالشاب كبير الميل إلى محادثته وملازمته، ~~فلكثرة ما كان الكلام بينهما - وفي بيئتهما - يدور على المنامات وتفسيرها، فإن المنام الذي ~~رأته أم محمد علي، وهو في بطنها، وقصته عليه في أوائل صبوته، أخذ يتردد كثيرا على ~~مخيلته، ويوقظ فيها أوهاما غريبة، جعلته يحلم ذات ليلة أنه ظمئ ظمأ شديدا، فشرب كل ماء ~~النيل ولم يرتو، فلما كان الصباح قص منامه على الشيخ، فقال هذا له: «أبشر يا بني؛ فإن ~~منامك يعني أنك ستملك وادي النيل بأسره، ولن تكتفي به، بل ستسعى إلى امتلاك أقطار غيره!» ~~فهزأ محمد بالتفسير، لأنه استبعد الأمر جدا، ولكنه بالرغم من ذلك رأى أن مخيلته أخذت ~~تزداد تغذيا بما كان يساورها من أوهام. ~~••• # وكأني بالخرافة - بعد أن بلغ محمد علي أوج مجده وشهرته - رأت بعيون مخيلتها الملتهبة ما ~~كانت تتغذى به مخيلة محمد علي في تلك الفترة من حياته، فأرادت أن تعطي للأحلام جسما ~~وتلبسها لباس الواقع، اتباعا لما هي عادتها في أحاديثها عن عظماء رجال التاريخ، فروت أن ~~بطلنا لما بلغ سن نضوج الشباب أقدم على أعمال فروسية عجيبة، كتطهير البلاد من اللصوص ~~العائثين فيها فسادا، ومن الحيوانات الكاسرة التي كانت تفتك في الشتاء بالأهلين؛ ما لفت ~~إليه أنظار السلطان العثماني وحمله على تقليده إمارة ألاي من الجند، أتى به محمد علي من ~~الغرائب في ميدان مطاردة اللصوص وعصاباتها العجب العجاب، فكبرت منزلته وعلت درجته في عيني ~~الخليفة وطارت شهرته في العالم وبات مجرد النطق باسمه يلقي الرعب في قلوب قطاع الطرق، فرأى ~~أمير المؤمنين أن يعهد إليه بقيادة أسيطيل لمطاردة قرصان البحار، وقطع دابرهم كما قطع ms06 ~~دابر لصوص الجبال والبطاح، فتعقب محمد علي أولئك القرصان، وما انفك يوقع بهم ويدمر مراكبهم ~~ويهلك جموعهم حتى استأصل شأفتهم ونظف منهم بحر مرمرة وبحر الأرخبيل، فقرت به عينا السلطان ~~وأدناه من نفسه، وأراد أن يقلده وظيفة سامية في بلاطه، ولكن محمدا فضل العودة إلى بلده ~~والإقامة في مكان مسقط رأسه، بين صحبه وخلانه. # على أن التاريخ إن جهل هذه الاختلاقات الخرافية، إلا أنه يذكر لمحمد علي الواقعة الحقيقية ~~الآتية: لما بلغ الشاب الثامنة عشرة من عمره، اتفق أن أهالي قرية يقال لها پراوستا، واقعة ~~في دائرة أحكام شوربجي قوله، رفضوا دفع الأموال المفروضة عليهم، وإذ لم يكن لدى الشوربجي ~~من القوة العسكرية ما يكفيه لإرغامهم على دفعها عنوة، احتار في أمره، وبدت على وجهه أمارات ~~الكدر والاضطراب، فلحظ محمد علي منه ذلك، ولما وقف على السبب، عرض عليه خدمته قائلا إنه ~~يتكفل بإجبار أهل پراوستا على دفع الأموال، ولا يطلب منه لنفاذ ما يدور في خلده سوى عشرة ~~رجال كاملي السلاح، فوضعهم الشوربجي تحت تصرفه، وترك له حرية العمل؛ لما قرأه من أكيد العزم ~~في عينيه. # فذهب محمد علي إلى پراوستا، ودخل مسجدها، وأدى فيه الصلاة على مرأى من الجميع، حتى إذا ~~فرغ منها، أرسل في طلب أربعة من أعيان الناحية، بحجة تبليغهم نبأ ذا أهمية خطيرة، فأسرع ~~الأربعة في المجيء، وهم أبعد ما يكونون عن كل ظن، ولكنهم ما كادوا يتجاوزون عتبة المسجد، ~~إلا وانقض رجال محمد علي عليهم وشدوا وثاقهم، فصاحوا واستغاثوا، فاجتمع أهل الناحية عليهم ~~في هياج، فتوسط محمد علي رجاله العشرة بالأسرى الأربعة، وهدد قومهم بذبحهم، إذا أبديت أقل ~~حركة لإنقاذهم من بين يديه، ولما كانت كل مظاهره تؤكد لأهل پراوستا أن الفتى غير مازح في ~~تهديده، لم يجسر أحد على التعرض له، فسار بالأسرى إلى قوله، وسلمهم إلى شوربجيها، فما كان ~~من أهل براوستا إلا أنهم بادروا من غد بالأموال المطلوبة منهم، وافتدوا أعيانهم. # هذه الحادثة تبدي شخصية محمد علي في أتم حقيقتها، وتظهر ms07 معدن نفسه إظهارا جليا، فنراها ~~مزيجا عجيبا من ترو سريع، فإدراك سريع، فعزم سريع، فإقدام جسور، فشجاعة نادرة. # لذلك كبرت منزلته في عيني الشوربجي، فرفعه إلى درجة بلوك باشي، وأزوجه من قريبة له ذات ~~ثروة واسعة، كانت مطلقة، فبنى بها واستولدها خمسة أولاد؛ منهم ثلاثة ذكور سماهم: إبراهيم ~~وطوسن وإسماعيل؛ إكراما وذكرا لإبراهيم أبيه، وطوسن عمه، وإسماعيل الشوربجي المحسن إليه. ~~وبنتان تزوجتا فيما بعد؛ الكبرى بمحرم بك أمير الأسطول المصري والذي تسمى باسمه أحد ~~أحياء الإسكندرية الأكثر اتساعا، والصغرى بأحمد بك الدفتردار، فاتح الكردفان وسنار ~~والمشتهر بقسوة لا حد لها. # ودل تاريخ حياة محمد علي التالي على أن زوجته هذه كانت طالع سعد عليه، كما كانت أمنا ~~خديجة - رضي الله عنها - طالع سعد على نبينا # صلى الله عليه وسلم ~~، وكما كانت جوزفين طالع سعد على ~~ناپوليون الأول. وفي ماجريات الحوادث من الغرائب والأسرار ما ليس في وسع فلسفة إدراك ~~كنهه البتة، فكيف بتفسيره؟! # على أن زواج محمد علي، إن مكنه من النظر إلى المستقبل بعين لم تعد تثقلها هموم المعيشة ~~المادية، ومكنه من الاندماج في سلك تجار التبغ برأسمال يضمن النجاح، بقدر ما يمكن أن يضمنه ~~مال؛ فإنه - بما قدمه له من هناء في الحياة، وبسطة في العيش - أخذ يطفئ شيئا فشيئا في ~~فؤاده لهب النزاع إلى المعالي وجذوة الرغبة في المجد والفخار، وبات يهدده بخمول الذكر ~~وانطفاء الاسم مع انطفاء الحياة؛ فمعظم رجال التاريخ من الفقراء، لا من الأغنياء. # ناپوليون بوناپرت بلباسه الشرقي. # ولكن الأقدار التي أوقدت في السماء نجمه، مذ اقترن بقرينته، لم تكن لتسمح بذلك، فما لبثت ~~أن أتاحت له الظرف المناسب لتذكية ذلك اللهب وتلك الجذوة، وفتحت له الميدان الواسع، لنشر ما ~~أوتي من ميزات عزيزة فيه، فدلت بذلك على أن العبقرية بلا فرص لنار بلا وقود، وصدقت قول ~~جراي ~~“Gray” # الشاعر الإنجليزي في قصيدته المعنونة ~~«مرثية في مقبرة»: «ألا كم من ميت مدفون في هذه الترب، كان يكون شاعرا مفلقا، أو خطيبا ~~مصقعا، أو بطلا ms08 مروعا، أو فاتحا مدوخا، لو وجدت عبقريته الطبيعية من الفرص ~~توفيقا!» # ذلك الظرف الأمثل الذي أوجدته الأقدار الرءوفة بمصر لعبقرية محمد علي؛ إنما كان إقدام ~~الباب العالي على إخراج الحملة الفرنساوية من مصر، تلك الحملة التي أتى بها إلى هذه الديار ~~الجنرال بوناپرت، فمكثت فيها ثلاث سنوات، كانت كأنها الضيب المستمر، لم ينقطع فيه وميض ~~البروق وانقضاض الصواعق، وظنها من عاصرها من الشرقيين أكبر المصائب وأفدح الكوارث، ~~ولكنها كانت في الحقيقة كالصيب الذي يثور في جو قاتم مدلهم، فيزيل ما به من انبعاثات ~~فاسدة وينظفه، ويجعله صالحا لسطوع الشمس البهية فيه، كما أنه يجلي أو يقتل ما على سطح ~~الأرض من ميكروبات، ويهيئها للزرع الجيد، فما وردت أوامر الأستانة إلى شوربجي قوله تلزمه ~~بتجنيد ثلثمائة رجل من دائرة حكمه، إلا وبذل إسماعيل أغا جهده لامتثالها. وما لبث أن تمكن ~~من نفاذها؛ لأن الدعوة إلى الحرب والجلاد ما فتئت على ممر القرون تعمل عمل السحر في نفس ~~الأمة التركية، فجند الفرقة المطلوبة، ووضعها تحت قيادة ابنه، ثم استدعى (محمد علي) إليه، ~~وكلفه الانضمام إلى ولده، والسير معه لإخراج «الكفار» من مصر. # فقارن محمد علي - في الحال - بين هناء المعيشة الذي يطلب إليه تركه، والمشقات والأخطار ~~التي يضطره القبول أن يتعرض لها، فعز عليه هناؤه فرفض بتاتا، ولم يجد في تحويله عن عزمه ~~صخبا ولا تهديدا، وخرج من حضرة ولي نعمته، وهو مصمم التصميم كله على نبذ الطاعة وعدم ~~مفارقة وطنه! # هكذا أبى صلاح الدين يوسف بن أيوب الذهاب إلى مصر مع حملة عمه أسد الدين شيركوه الثالثة، ~~ولم يرض بالذهاب في نهاية الأمر إلا مكرها، فأوصلته الطريق التي ولجها - رغم أنفه - إلى ~~أعلى ذروات المعالي البشرية! فليتباه بعد هذا متباه بحسن رأيه وصدق إحساسه! # محمد علي بالعمامة. # وبينما محمد علي عائد إلى محل تجارته، قابل في طريقه الشيخ الوقور الذي كان قد فسر له ~~منامه، فاقترب الشيخ منه، وأخذ من يده شبكه، ودخن به قليلا - ومحمد علي لا يرى في ذلك ms09 ~~حرجا؛ لما بينهما من الألفة - ثم تفرس في وجهه وقال له: «ما بالك؟ فكأني أراك ~~مضطربا!» # أجاب محمد علي: «إنهم يريدون إرسالي إلى مصر لمقاتلة الكفار!» فقال الشيخ: «وبما أجبت؟» ~~قال محمد: «بالرفض طبعا؛ فالوطن خير وأبقى، والمرء يجد فيه إخوانا ورفاقا يصافحهم ~~ويصافحونه، والحياة تنقضي فيه هنيئة.» # فقال الشيخ، وقد زاد على وجهه الوقار، واكتست ملامحه كلها جدا: «أنت غلطان يا صديقي، ~~أجل إن الطريق لطويلة، ولكنها توصل إلى العلا، فأنت غلطان، غلطان جدا!» # فرنت كلماته هذه في آذان محمد علي كأنها صوت المستقبل، وفتحت أمام عينيه آفاقا زاهرة، ~~وقد قال هو نفسه فيما بعد: «إن كلام ذلك الشيخ الذي كنت أثق به وثوقا كبيرا أقنعني، فعدت ~~إلى الشوربجي، ووضعت نفسي تحت تصرفه!» ~~••• # وكأني بالحوادث - مذ خطا محمد علي خطواته الأولى في سبيله الجديد - ~~أرادت أن تحقق شطرا من قول ذلك الشيخ، وتبرر ~~نصيحته، فإن ابن الشوربجي - وكانت متاعب السفر البحري ومشاقه قد أنهكت قواه - ما وضع رجله ~~على رمال الشواطئ المصرية إلا واقتنع بأن لا شيء في ميوله ومزاجه يتفق مع بقائه تحت السلاح، ~~فتخلى عن فرقته لمحمد علي، وعاد إلى بلده. # فأصبح محمد علي بذلك بمباشيا. # الفصل الثاني # | في السبيل إلى الذروة # هذه الخطوة الأولى تلتها خطوات أخرى سريعة، فإن بسالة محمد علي وإقدامه استوقفا حالا ~~انتباه رؤسائه، وجعلاهم يكلون إليه جل المهمات. # ولكن بطلنا ما لبث أن أدرك أن البسالة والإقدام قد ينفعان، وأما التقدم السريع فلا يدرك ~~إلا بالتقرب من الرؤساء، فأخذ من وقته يبحث عن سند ينفعه لدى ذوي الأمر، فوجده في شخص رجل ~~يقال له حسن أغا، أحد ضباط القبطان باشا الأخصاء، فتوسط له حسن أغا هذا، فألحقه القبطان ~~باشا بخدمة خسرو باشا، وأفهم خسرو باشا هذا أن محمدا رجل يعتبر اكتسابه مغنما. # وكان خسرو باشا قد تعين واليا على القطر المصري بفضل مساعي القبطان باشا سيده، في ~~الأستانة، فرأى أن يعتز برجل أوصاه به ولي نعمته خيرا. وإظهارا لمحظوظيته من محمد علي ms10 ~~أهداه بعد قليل حصانا من جياد أربعة قدمت له على سبيل الهدية، ورفعه في أواخر سنة 1801 إلى ~~رتبة ساري ششمه، أي جنرال أو لواء كما يقولون الآن. # فتمكن محمد علي - من هذا الموقف العالي الذي بلغه في أقل من سنتين - أن يلقي نظرة على ~~مجاري الأمور حوله، وأن يزن الأحوال والرجال بميزان تقديره الراجح. # فرأى أن الأحوال فوضى، يتنازع الأمر فيها ثلاث قوات: الجيش الإنجليزي والجيش التركي ~~والأمراء المماليك. ~~••• # أما الجيش الإنجليزي، فبعد فراغه من إجلاء الفرنساويين عن مصر لم تكن له مهمة محدودة، لأن ~~سياسة الحكومة الإنجليزية في ذلك العهد، كسياسة الحكومة الإنجليزية في أيامنا هذه، كانت ~~متخبطة بين الاحتفاظ بمصر أو الجلاء عنها، وبين نصرة الباب العالي على المماليك أو المماليك ~~على الباب العالي، لا تدري أين تستقر، ولا بأية صبغة تصطبغ. وما لبثت كذلك حتى أبرمت بين ~~إنجلترا وفرنسا معاهدة (أميين) التي قضت على الجيش الإنجليزي بالجلاء عن مصر، فسلم ~~الإسكندرية وقلاعها إلى الأتراك في 14 مارس سنة 1803 وغادر البلاد. # وأما الجيش التركي، فإن قواده كانوا مزودين من لدن الباب العالي بتعليمات تلزمهم - بعد ~~الفراغ من إخراج الفرنساويين - بالقضاء على المماليك، ليستقيم عود الأحكام في القطر المصري ~~على مثال ما كان في باقي الولايات العثمانية، فلم يكن إذا لأولئك القواد من دأب سوى العمل ~~على تنفيذ تلك التعليمات. ولولا وقوف الجيش الإنجليزي أمامهم موقف المعارض في ذلك والمدافع ~~عن قضية المماليك؛ لتمكن يوسف باشا الصدر الأعظم وقائد الجيش البري، وقجك حسين قبطان باشا ~~أمير الجيش البحري؛ من تنفيذها - إلى حد ما - من باب الاحتيال والقدر. # وأما المماليك فإنهم بعد كسراتهم المتتابعة التي أصابتهم على أيدي الفرنساويين وما وقع ~~بهم من فناء فيها، كانوا قد تضاءلوا وأمسى عددهم لا يزيد على خمسة آلاف، ولم يكن في ~~استطاعتهم تجديد قواهم؛ لأن الباب العالي الراغب في القضاء عليهم كان قد أصدر أمرا حال ~~بينهم وبين ذلك بتحظيره بيع الشبان في إقليمي الكرج والشركس. غير أنهم مع ذلك كانوا ms11 ~~يمنون نفوسهم بالعودة إلى ما كانوا عليه قبل الحملة الفرنساوية من الاستبداد بالأحكام. ~~ولو كانوا متحدين متناصرين ، ربما استطاعوا إلى ذلك سبيلا. ولكن زعيميهم الأكبرين: عثمان بك ~~البرديسي ومحمد بك الألفي؛ نزعا إلى منافسة فتحاسد فتباغض، فعداء صريح؛ فأوجب ذلك وهن ~~قوة الأمراء ومكن أعداءهم منهم. # على أن ما كان بين البرديسي والألفي من منافسة كان أيضا بين يوسف باشا الصدر الأعظم، ~~وقجك حسين باشا أمير البحر. ولكن نفوذ هذا - وكان رفيق صبوة السلطان سليم الثالث، ومجدد ~~بهجة العمارة العثمانية - تغلب على نفوذ ذاك فتمكن من جعل الباب العالي يقلد مملوكه خسرو ~~باشا ولاية مصر - كما قلنا - وأن يعهد إليه في مهمة القضاء على المماليك. # فلما قدم خسرو باشا إلى القاهرة واستلم مهام وظيفته انسحب يوسف باشا إلى سوريا، غير ~~مخلف في القطر من جيشه الزاخر سوى 13 ألف رجل. وأقلع القبطان باشا بسفنه تاركا لمحسوبه 4 ~~آلاف ألباني كانوا من أولئك الثلاثة عشر ألفا بمثابة القلب من الجسد. # فأسرع خسرو باشا إلى اغتنام العداوة القائمة بين البرديسي والألفي، وشرع يعمل على إضعاف ~~قواهما بالدسائس تارة وبالترغيب أخرى. وكان المماليك - بعد أن تحققوا من نيات تركيا نحوهم - ~~قد نزعوا إلى القتال، وأخذوا يجتاحون البلاد ويمنعون الأموال عن الحكومة. # فسير خسرو لقتالهم فرقتين من الجند: إحداهما تحت قيادة يوسف بك، أحد المقربين إليه، ~~والأخرى تحت قيادة محمد علي. # فتقدمت القوتان بسرعة نحو دمنهور حيث كان ثمانمائة مملوك تحت قيادة عثمان بك البرديسي قد ~~اتخذوا موقعا حصينا يهددون منه العاصمة ويتمكنون فيه من الاتصال بالإنجليز - وكان جيشهم ~~لا يزال بالإسكندرية - ولكن يوسف بك سبق محمد علي، وفي صباح اليوم الثالث والعشرين من شهر ~~نوفمبر سنة 1802، صف وراء دمنهور جيشه، وكان يزيد على سبعة آلاف مقاتل، وشرع في إطلاق ~~النيران على المماليك، فما كان من عثمان بك البرديسي إلا أنه انقض بفرسانه على جنب الجيش ~~التركي اليسار - وكان مكشوفا - فاخترقه، وداس الرجال تحت حوافر جياده؛ فذعر العثمانيون ~~وأركنوا إلى الفرار، فركب البرديسي برجاله ms12 ظهورهم وأعمل فيهم السيوف فقتل منهم أكثر من خمسة ~~آلاف رجل، بينما لم يقتل من رجاله سوى ستين. ثم عاد واستولى على جميع مدافع أعدائه ~~وذخيرتهم. ولم ينج يوسف بك من هذه الكارثة إلا بكل مشقة. ولكي يخفف من وطأة المسئولية عليه، ~~رأى - بالرغم من أن عدد الجيش الذي قاتل به الثمانمائة مملوك؛ كان تسعة أضعاف هؤلاء - أن ~~ينسب انكساره لدى خسرو باشا إلى تخلي محمد علي عنه في المعركة. # ومن المؤكد أن محمد علي كان يستطيع - لو شاء - الإسراع بجنده، والاشتراك مع يوسف بك في ~~القتال. # ولكن محمد علي كان قد انتهى من النظرة التي ألقاها على مجاري الأمور حوله إلى أنه أدرك أن ~~القطر ممزق مدوس، وأن القوم يشتغلون كل لمصلحته بتأثير منفعة كل منهم الشخصية، ولو أدى ~~تحقيق هذه المنفعة إلى خراب عام. وإلى أنه ليس بين كبار قواد العثمانيين واحد فقط كفؤا ~~للمهمة التي وضعها الباب العالي نصب أعينهم. ووزن خسرو باشا رئيسهم الأعلى، فوجده ناقصا لا ~~يصلح لمهمات الأمور؛ لأن إدارته أظهرته رجلا سيئ التدبير، غير محسن التصرف، محبا لسفك ~~الدماء غير مترو في ذلك، لا يضع شيئا في محله، يتكرم على من لا يستحق، ويبخل على من ~~يستحق، كثير الغرور، ومطاوعا لمن أحدق به من قرناء السوء، فحكم بأنه إذا هو وضع كفاءته في ~~خدمته كان مغفلا. # ورأى محمد علي من جهة أخرى، أن المماليك - على ما بهم من وهن - لا يفترون منشقين بعضهم ~~على بعض. ووزن رئيسيهم الأكبرين؛ فوجد أن عثمان بك البرديسي - وإن لم تعوزه صفة واحدة من ~~صفات البطولة الحقة - لم يكن يصلح لتولي زمام الأمور؛ لأنه كان رجلا قصير النظر، ليس لديه ~~شيء من الحكمة والفطنة اللازمتين لمن يريد أن يحكم الناس ويسوسهم، يغلب عليه تسليم زمام ~~أعماله إلى انفعال أهوائه، وانفعال أهوائه إلى وساوس الخناسين من الأبالسة والناس. ووجد أن ~~محمد بك الألفي - على بطولته التي لم تكن تحتمل أن يشك فيها - كان رجلا كبير الغرور بنفسه، ~~كبير الميل ms13 إلى اللذات، متقلب الأهواء، فخورا، يهمه أن يتزوج من كل بدوية تعجبه، على أن ~~يطلقها بعد أسبوع أو أسبوعين ، وأن يرتدي الملابس الفاخرة الساطعة. وأما الشئون العامة فلا ~~تهمه إلا بقدر ما هي ينبوع تنعم ونفوذ له. # فحكم بأن رأي الدولة العلية في المماليك صائب، وأن مصير البلاد إلى أيديهم مصيبة كبرى ~~عليها، وأنهم، إن لم يرعووا ويقلعوا عن فوضاهم، ويمتثلوا للأحكام، ويكونوا جزءا من ~~الهناء العام بدلا منهم معكريه؛ كانت مطاردتهم واجبة، وكان استئصال شأفتهم بجميع الوسائل ~~الممكنة أمرا مرغوبا فيه وعملا مبرورا. # ثم وزن نفسه بدقة وبدون محاباة، فوجد أنه الرجل الوحيد الذي يمكنه أن يكفي الأستانة ومصر ~~شر المماليك، والوحيد الذي يمكنه أن يحكم البلاد حكما يصلحها ويعلي من شأنها، ورأى أن ما ~~خصه به الباري - دون سواه - من مزايا البطولة الحقة والرجولة الحقة، ومن ميزات الرجل ~~المخلوق للإمرة والإدارة، يكفل له تحقيق المنام الذي فسره له الشيخ الوقور، والبلوغ إلى ~~الذروة، إذا هو عرف كيف يستفيد من الظروف، وكيف يجعل الفرص تثمر الثمر المرغوب فيه، بأن لا ~~يستخدم كفاءته إلا في مصلحة فريق يؤدي انتفاعه بها إلى القضاء المبرم على خصمه، وكيف ~~يسير بحكمة سفينة طالعه وآماله. # فدخل بها بحر تلك الفوضى العجاج بجانب قوارب الضاربين فيها، ولم يكن بينهم أحد يعلم ~~المصير، بل كانوا يمخرون حيثما تذهب بهم رياح تصرفات الأيام. وبينما هم غافلون ربط سفينة ~~مطامعه - بحبال خفية - بكل قارب من تلك القوارب، وربط دفات الجميع بدفة سفينته، من حيث لا ~~يشعر أحد، فأصبح كل يجذف بمجذافه، ويظن أنه يجذف لنفسه وفي مصلحتها، بينما هو في الحقيقة ~~يجذف ليوصل إلى الفرضة الأمينة سفينة ذلك الربان الحاذق، الذي كان يدير الدفات كلها في ~~الخفاء - وهو على ظهر سفينته، ونجمته القطبية المنيرة له السبيل بين الشعاب - تحقيق الحلم ~~الذي رآه. # هكذا نرى واضع الأنغام عند الغربيين يضع لكل وتر نغما، ولكل بوق نفخا، ولكل منشد ~~ترنيما، فيعزف العازفون، ويغني المغنون، وكل واحد لا يدري ما نغم ms14 رفيقه، فيجتهد بإتقان ~~نغمه، ظنا منه أنه الفائز باستحسان الجمهور وتصفيقهم، وما هو في الحقيقة عامل إلا على ~~نجاح مجموع النغم، وإظهار حذق الواضع واكتساب الشهرة والفخر له. # وكما أن واضع روايات قره قوز يدير من وراء ستار حركات جميع الممثلين فيها، مع أنها تبدو ~~للعيان كأنها حركاتهم الشخصية، هكذا شرع محمد علي يدير حركات الضاربين في تلك القوارب، ~~والملأ يعتقد أنهم هم القائمون بها. # فامتنع لذلك جميعه عن الاشتراك في معركة دمنهور. # ولما كان الذكاء لا يعوز خسرو باشا - وإن أعوزته صفات الرجولة الحقة - فإنه أدرك في الحال ~~سبب امتناع محمد علي من الاشتراك في تلك المعركة. ولدى تصوره أن الرجل مدين له بتقدمه كله ~~ثارت في فؤاده ثورة غضب هائلة، وصمم على الإيقاع به، فأرسل يستدعيه إليه بعد صلاة العشاء؛ ~~بحجة المفاوضة معه في أمر خطير، فلم تنطل الحيلة على محمد علي، وأجاب أنه سيذهب إلى مقابلة ~~الوالي في رابعة النهار وبمعية جنده. # وبما أن البرديسي، بعد وقعة دمنهور وارتحال الجيش الإنجليزي، كان قد سار إلى الصعيد وانضم ~~إلى مماليك إبراهيم بك الكبير، واستولى معهم على مدينة المنيا، فقطع كل اتصال بين القاهرة ~~ومصر العليا، فإن خسرو - لاضطراره إلى إزالة هذا الخطر الجديد، واحتياجه في ذلك إلى محمد ~~علي - أجل النظر في أمر معاقبته إلى فرصة أخرى. وأرسل يستقدمه هو وقائدا آخر يقال له ~~طاهر باشا إلى مصر، ليسيرا منها بعساكرهما إلى المنيا لاستردادها. # ولكن محمد علي رأى أن الوقت حان لإزالة خسرو عن المسرح، فحرك عليه في الخفاء العساكر، ~~فأبوا الزحف إلا إذا دفعت لهم متأخراتهم، فأحالهم خسرو على الدفتردار، وهذا أحالهم على ~~محمد علي، كأني به قد أدرك من أين الضربة آتية، فأجابهم محمد علي أنه لم يصله شيء من ~~مرتباتهم، فاستشاط الجنود غيظا؛ لأنهم اعتقدوا أن الدفتردار ومولاه يهزأون بهم. وعادوا ~~فحاصروا بيت الدفتردار، فأبلغ الدفتردار الخبر إلى خسرو باشا، فثارت في رأس الوالي ثورة ~~الغضب، وأمر بإطلاق مدافع القلعة على الجنود، فطار صواب هؤلاء، ms15 فتركوا الدفتردار وشأنه، ~~وتدفقوا إلى سراي الوالي يهاجمونها، فرأى طاهر باشا - بإيعاز من محمد علي - أن يتوسط بينهم ~~وبين الوالي. ولكن خسرو لم يخيب رأي محمد علي فيه، وأبى بغلظة مقابلة طاهر، فانقلب طاهر ~~عدوا صريحا. وأخذ معه فرقة من العساكر، وسار بها إلى القلعة، فأغلق حفظتها أبوابها ~~في وجهه. ولكن بعض جنوده تمكنوا من النفوذ إلى داخل سورها الأول، وأفسدوا على الحكم قلوب ~~الحرس المقام هناك، فلم يعد يستطيع خازندار خسرو، المتولي أمر ذلك الحرس؛ المقاومة، وفتح في ~~الحال الأبواب لطاهر ومن معه، فدخلوها وأخذوا يمطرون القنابل منها على سراي الوالي، فأدرك ~~هذا أن القلعة سقطت في أيدي العصاة، فجمع حرسه النوبي وزهاء مائة عثماني ونفرا من ~~الفرنساويين كانوا في خدمته، ونساءه، وخرج من سرايه، وسار بجمعه إلى المنصورة. # فخلا الجو لطاهر باشا واضطر قاضي الديار إلى المناداة به قائمقام الولاية حتى ترد أوامر ~~الأستانة. وكان الدور المخصص في فكر محمد علي لطاهر هذا السعي إلى مصالحة المماليك ليتساعد ~~بهم على الفراغ من أمر خسرو وعلى الوقوف في وجه الانكشاريين وخلافهم فيما لو أراد أحد ~~استخدامهم لمعاقبة الثائرين على خسرو. # فكاتب طاهر المماليك واستدعاهم إليه، فنزل الأمراء من الصعيد وأتوا وأقاموا معسكرهم في ~~الجيزة. # ولكن محمد علي ما لبث أن وزن طاهرا، فلم يجده كفؤا للقيام بالدور؛ لأن طاهرا بدا رجلا ~~سليبا مهووسا، يميل إلى السلباء والمجاذيب والدراويش؛ عمل له خلوة في الشيخونية، كان يبيت ~~فيها كثيرا، ويصعد مع الشيخ عبد الله الكردي إلى السطح في الليل، ويذكر معه، أو يجتمع ~~بأشكال من الناس مختلفي الصور، فيذكر معهم ويجالسهم، ويظهر الاعتقاد فيهم، فأدى ذلك إلى أن ~~كثيرين من الأوباش تزيوا بما سولت لهم نفوسهم من الأزياء المستغربة، ولبسوا طراطير طوالا ~~ومرقعات ودلوقا، وعلقوا جلاجل وبهرجانات وعصيا مصبوغة فيها شخاشيخ وشراريب، وطبلات يدقون ~~عليها، وأخذوا يصرخون ويزعقون، ويتكلمون بكلمات مستهجنة وألفاظ موهمة بأنهم من أرباب ~~الأحوال، حتى كادت العاصمة تصبح عاصمة مجانين، وشوارعها ودروبها طرقات بيمارستان عظيم. ~~ويقول الجبرتي: إنه ms16 لو طال عمر طاهر باشا هذا لأهلك الحرث والنسل. # ولم يكن الجند العثماني قد اشترك مع الألبانيين في ثورتهم على خسرو، ولو أنه كانت لهم ~~متأخرات هم أيضا، فاستعملهم محمد علي من وراء ستار؛ لإزاحة طاهر من السبيل، وحمل من أوعز ~~إليهم مطالبته بتلك المتأخرات، المرة بعد المرة، فماطلهم طاهر في بادئ الأمر، ولكنه صرح لهم ~~في النهاية بأنه غير مسئول عن مرتبات الجند إلا منذ يوم قيامه على سدة الأحكام، وأنه يجب ~~على المطالبين إذا توجيه طلباتهم إلى سلفه، فلم يقنعهم القول، ولما كان يوم 25 مايو، ذهب ~~ضابطان عثمانيان إلى سرايه، وطلبا إليه مرة أخرى النظر في أمر المتأخرات فرفض؛ فحمي وطيس ~~الجدال بينهم، وعلت تهديدات طاهر، فانقض الضابطان عليه، وطعناه بيطقاناتهما (نوع من السيوف ~~الألبانية)، ثم قطعا رأسه وقذفا به من النافذة التي كان جالسا بجانبها، فما رأى الألبانيون ~~رأس زعيمهم مقطوعا إلا وجنوا غيظا، وهبوا للانتقام من العثمانيين، فدارت بين الفريقين ~~معركة هائلة جرت فيها الدماء أنهارا، وانتهت بإحراق السراي. ثم اجتمع زعماء العثمانيين ~~للنظر في الأمر، فقرروا تقليد الولاية رجلا يقال له أحمد باشا كان، مارا بالقطر المصري ~~في طريقه إلى جدة، فلم يستطع الرفض، ولكنه لشعوره هو وقومه بالقوة الخفية المسيرة الأمور ~~أرسل في المساء أكابر المشايخ ليحملوا (محمد علي) على الرضاء به. وكان اعتدال محمد علي ~~الظاهري قد أمال القلوب إليه وزاده ما انضم إلى جنده من جند طاهر باشا بعد قتله عزيمة ~~واقتدارا، فرأى أنه يستطيع القضاء على حزب العثمانيين، فرفض بلطف وثبات معا استماع أقوال ~~رسل أحمد باشا، واغتنم قرب معسكره من معسكر المماليك الذين استدعاهم طاهر باشا، لإبرام ~~محالفة معهم، فلما وقعوها وتآخى محمد علي مع البرديسي، بأن جرح كل منهما نفسه وشرب من دم ~~أخيه، أرسلوا - جميعهم معا - رسالة إلى أحمد ~~باشا يكلفونه فيها بالانسحاب ومغادرة القطر، فامتثل الرجل على شرط أن يعطى من الوسائل ما ~~يمكنه من السفر إلى جدة، ولكنه تحصن مع ذلك هو وجماعته في مسجد ms17 الظاهر، الذي كان ~~الفرنساويون حولوه مدة إقامتهم في مصر إلى حصن دعوه سولكفسكي، فسير إليه المتحالفون ألفي ~~ألباني استولوا عليه عنوة، أما أحمد باشا فإنه أبقي أسيرا، وأما الضابطان اللذان قتلا طاهر ~~باشا، ثم انضما إلى أحمد باشا ليفرا من ثأر الألبانيين لقائدهم المغدور به؛ فقطع ~~رأساهما. # أمين بك المملوك الشارد. # بعد ذلك أعلن عفو عام باسم محمد علي وإبراهيم بك وعثمان بك البرديسي - وأما الألفي فكان ~~قد توجه إلى إنجلترا مع الجيش الإنجليزي - واستولى المماليك على القلعة واحتل الألبانيون ~~القاهرة. # وما استتب الأمر للمتحالفين إلا وأخذوا يتجهزون للقضاء النهائي على خسرو باشا. وكان هذا ~~الوالي - وقد طارده طاهر باشا حتى ألجأه إلى الاعتصام بدمياط - غادر هذا الثغر وسار إلى مصر ~~أول ما بلغته أنباء الثورة على طاهر. ولكنه علم وهو في الطريق انكسار أحمد باشا ودخول ~~المماليك العاصمة، فارتد على عقبيه. وما عتمت قوى المتحالفين تحت قيادة محمد علي والبرديسي ~~أن أتت وعددها عشرة آلاف مقاتل، وشددت عليه الحصار، فاستولت على دمياط عنوة ونهبتها، فلجأ ~~خسرو إلى حصن عند مصب النيل، ولكنه ما لبث أن نزل على حكم أعدائه ووقع في أسرهم، فأرسله ~~الفائزون إلى مصر وأقاموا إبراهيم بك عليه حارسا. # في هذه الأثناء وردت أوامر الأستانة التي كان طاهر باشا بعث يطلبها بعد المناداة به ~~قائمقاما، فهل تظن أيها القارئ أنها تضمنت توبيخا على ما اقترف ضد خسرو باشا، واليها ~~الرسمي، أو أية إشارة كانت إليه؟ ولا في المنام! ولكنها قضت بالاعتراف بولاية أحمد باشا، ~~الذي كان إذ ذاك في السجن يندب سوء طالعه. # على أن الأستانة، لما بلغتها تفاصيل الحوادث كلها، أحست بأنها إن هي سكتت على تحالف ~~المماليك والألبانيين ضاعت مصر عليها، فلملافاة هذا الخطر المداهم رأت أن ترسل واليا ~~جديدا من لدنها، وتعززه بألف رجل، كأن ألف رجل قوة يؤبه لها أمام أربعة آلاف ألباني وخمسة ~~آلاف أمير مملوك. # وكان اسم الوالي الجديد علي باشا الجزائرلي. وهذا اللقب أتاه من أنه بدأ حياته العملية ~~بصفة ms18 مملوك باي الجزائر. # وأما الأعمال التي استحق من أجلها أن يرفعه الباب العالي إلى منصب ولاية مصر الرفيع، فهي ~~أنه فر من قصر باي الجزائر لدى موت مولاه إلى سفينة حسن باشا أمير الأسطول العثماني، مهدى ~~إليه من صهر باي الجزائر، الذي أبى الاحتفاظ به لأن أخا علي المدعو سعيدا كان في حيازته، ~~واشمأز صهر الباي هذا من الجمع بين الأخين، فلما كبر علي جعل مولاه الجديد الديوان يعينه ~~واليا على طرابلس الغرب - وكانت في قبضة أخي حمودة باشا والي تونس - فذهب علي إليها ~~وحاصرها واستولى عليها بولس من أهلها، فكافأهم على خدمتهم له بنهبها وسلبها وارتكاب كل ~~أنواع الفظائع فيها. ولكن أخا حمودة باشا عاد إليها بقوة، فلم يجسر علي على مقابلته، وفر ~~بخزي مصطحبا معه غلامين بصفة رهينتين. ولخوفه من الذهاب إلى الأستانة، لتوقعه عقابا ~~صارما فيها، توجه إلى مصر، والتجأ إلى مراد بك، زعيم المماليك في تلك الأيام، فما استقر ~~لديه إلا ووردت أوامر الديوان بنفيه إلى قلعة أبريم في النوبة. ولكن عليا، بدل الذهاب ~~إليها، قصد مكة المكرمة لأداء فريضة الحج، ومعه غلاماه، فعرفه بعض حجاج طرابلسيين. وتربصوا ~~به حتى ضبطوه وهو متلبس بفاحشة مع الغلامين في دائرة الحرم، فحكم عليه أمير الحج الدمشقي ~~بالضرب بالسياط حتى يموت. ولكن بعض الأمراء المصريين توسطوا له، وهو تحت العصا، وحملوا ~~الأمير على إبدال بقية الحكم بحلق لحية الجاني؛ تخجيلا له وتحقيرا؛ لأن اللحية كان ينظر ~~إليها أهل ذلك العصر بأنها علامة الرجولة؛ فنجا علي من الموت بذلك، وعاد إلى كنف مراد. فلما ~~داهمت الحملة الفرنساوية مصر خرج مع مراد للقتال، ولكنه هابه ونجا بنفسه مع من فر من ~~المماليك إلى سوريا، وأقام هناك إلى أن عاد برفقة الصدر الأعظم يوسف باشا، فأرسله هذا الصدر ~~- بعد هزيمته في عين شمس - إلى الأستانة، ونال له صفحا عما مضى، فأقام علي في الأستانة، ~~تحت رعاية الوزير، لا يدري التاريخ له عملا، حتى عينته هذه الرعاية واليا على مصر، في ~~ظروف كانت ms19 تقتضي منتهى التبصر في التعيين. # إبراهيم باشا بلباسه العسكري. # فنزل علي باشا إلى الإسكندرية في 8 يوليو سنة 1803 وأرسل أخاه سعيدا للاستيلاء على رشيد ~~فتمكن سعيد من ذلك بخدعة، فزحف محمد علي والبرديسي توا إليها واسترداها عنوة، وأرسلا ~~سعيدا مأسورا إلى إبراهيم بك الكبير، فلما بلغ نبأ ذلك علي باشا أوجس خيفة، وشرع يتحصن في ~~الإسكندرية، وعزم البرديسي فعلا على محاصرته فيها، ولكنه - وهو يتأهب لذلك - إذا بشيخ جاوز ~~المائة من العمر حضر للسلام عليه في خيمته، وكان البرديسي يعتقد ببركة الشيوخ أمثاله، فأراد ~~أن يقف منه على مصير المحالفة بين المماليك والألبانيين، فأجابه الشيخ: «ستقع فتنة كبيرة في ~~عيد الأضحى، وستجري الدماء فيها!» فسأل البرديسي: «وماذا يسبب هذه الفتنة؟ وأي دم يسيل ~~فيها؟ ولمن يكون الفوز؟» فأجاب الشيخ: «إن الذئاب ستفترس الأجانب!» # فوقعت هذه الإجابة من قلب البرديسي موقعا أليما؛ لأنه لم يكن يجهل أن أهل البلد كانوا ~~يسمون المماليك بالأجانب، وتوقع فناء طائفته. # واتفق أن النيل شح في ذلك العام، فعلت الأسعار، وبات أمر تموين الجنود متعذرا، ودب الجوع ~~إلى صفوفهم، فضجوا وتذمروا، وبات من المحال متابعة الأعمال الحربية بهم، فاجتهد محمد علي في ~~تفهيم البرديسي ذلك. وبعد أن طلب منه بتكرار مرتبات جنوده، ورأى طلباته تذهب أدراج الرياح؛ ~~اقتلع خيامه، وسار بألبانييه إلى مصر، فبلغها في أواسط سبتمبر، فاضطر البرديسي إلى العدول ~~عن مهاجمة علي باشا الجزائرلي في الإسكندرية، وعاد هو أيضا بمماليكه إلى القاهرة، وإذا ~~بالخزائن فارغة، وليس لدى إبراهيم بك الكبير - الذي كانت الإدارة الملكية أوكلت إليه أثناء ~~تغيب محمد علي والبرديسي - ولا اليسير من النقود. وكان - مع ذلك - ~~لا بد من دفع مرتبات الجنود، وإلا ثاروا، فلم ~~يجد البرديسي مفرا من فرض ضريبة جسيمة على أهل العاصمة نفرت منه القلوب. # فلما توقفت الحركات العسكرية رأى علي باشا الجزائرلي أن يغتنمها فرصة لدسائس يدسها بين ~~المتحالفين يفرق بها بينهم ويبلغ منهم مرامه، فأرسل من فاوض محمد علي سرا وأطمعه فيما لو ~~تخلى عن المماليك. ms20 وأرسل من فاوض المماليك سرا، ووعدهم خيرا فيما لو تخلوا عن ~~الألبانيين. ولما كانت فرنسا وإنجلترا أخذتا تتزاحمان على النفوذ في مصر وعلى استمالة ~~البرديسي، أطلع محمد علي هذا الأمير على ما فاتحه فيه علي باشا الجزائرلي، فحمله بذلك على ~~زيادة الوثوق به والانقياد إلى مؤثراته، ولم يجد بعد ذلك صعوبة في إقناعه بأن الالتجاء إلى ~~هذه أو تلك من الدولتين المتنازعتين النفوذ، ينشئ خطرا هائلا على مصالح الجميع. ثم عرض ~~عليه فكرة العمل من باب الحيلة على إخراج علي باشا من مركزه الحصين بالإسكندرية، فوافقه ~~البرديسي، فحمل محمد علي العلماء - وكانت قد استمالتهم مظاهر تقواه واعتداله - على الكتابة ~~إلى الجزائرلي واستدعائه إلى مصر، مؤكدين له أن الكل يرغبون سرا في حضوره، وأن مجرد حضوره ~~يزيل كل صعوبة ويقوم كل معوج. # فصدق الرجل الكلام واستعد للسفر، وبعث ينبئ الأمراء بذلك، فاستعجل المماليك حضوره. ولكنهم ~~- لعلمهم بأن الباب العالي كان قد أرسل إليه أمدادا متتابعة - رسموا له بألا يصطحب معه سوى ~~ألف رجل، وأن يسير بهم من دمنهور إلى القاهرة على شاطئ النيل الأيسر، فوعدهم علي باشا ~~بالامتثال لمرسومهم، وقام من الإسكندرية في 23 ديسمبر سنة 1803، ولكن بألفين وخمسمائة من ~~المشاة، وخمسمائة فارس. وقبل الوصول إلى دمنهور حاول الاستيلاء على رشيد مفاجأة، فلما وجد ~~حاميتها يقظة، وأرسل الأمير المملوك قائدها يستفهم منه لماذا حاد عن الطريق المرسوم له، ~~اعتذر وأجاب أنه إنما فعل ذلك ليقصر المحجة، ولكنه لا ينوي لرشيد سوءا، فصدقوه، غير أنه ما ~~انسدلت سدول المساء إلا وقبض خفراء المدينة على جنديين من جنود علي. وقادوهما أمام يحيى بك ~~الأمير المملوك، فسألهما عما يريدان، فقالا إنهما يحملان كتبا من علي باشا إلى عمر بك قائد ~~الألبانيين. وكان عمر بك حاضرا، ففض الكتب علانية، وإذا هي ملأى وعودا يبذلها علي باشا ~~للألبانيين ليفصلهم عن المماليك؛ فاستشاط الحضور غيظا، واستعدوا لقتال المخاتل، وإذا به قد ~~ظهر أمام مدينتهم، وهو يعتقد أن كتبه عملت عملها من التغرير؛ فوجد القوم متربصين خارج ~~الأسوار، ms21 فلم يجسر على مهاجمتهم، وعاد صاغرا إلى الطريق التي رسمت له. وليعوض جنده من عدم ~~الاستيلاء على رشيد، سمح لهم بنهب القرى في السبيل. # وكان القوم في مصر مطلعين على جميع حركاته، فلما علموا أنه اقترب من العاصمة، خرج ~~البرديسي إليه ومعه محمد علي وألبانيوه، وعسكروا أمامه بين شلقان وشبرا، ولما جن الليل ~~هاجموا معسكره، فذعر جنده وفروا بدون قتال، فتذمر علي من هذه المعاملة، ولكن أعداءه لم ~~يبالوا به، ولم يجيبوه بشيء، فأراد الخروج من معسكره والدخول إلى القاهرة فمنعوه، فسأل عن ~~سبب هذا التصرف فقالوا له: «لأنك أخليت بالشروط.» فأجاب معتذرا بأن معظم الجند الذي معه ~~يقصد الحج، وأبى أن يتركه حتى يقبض متأخراته، فما صدقه أحد وقال له البرديسي: «إنك إذا ~~استمررت مصطحبا معك كل هؤلاء العساكر فلا بد لي من معاملتك كعدو.» فطلب علي حينئذ أن ~~يسمحوا له بالعودة إلى الإسكندرية، فرفضوا، فوجد أن القتال بات محتما، وأخذ يستعد له. ولكن ~~عسكره تخلوا عنه قائلين إن أوامر الباب العالي لا تقضي عليهم بالقتال، وإن قلة عددهم لا ~~تجعل الإقدام عليه محمودا. # فقام علي من ساعته، واصطحب معه ابن أخته ونفرا يسيرا، وقصد خيمة البرديسي، وسلم نفسه ~~إليه، فأكرم الأمير وفادته. ثم أقبل على جيشه، فجرده من سلاحه، وسيره مهينا إلى التخوم ~~السورية، غير مستثن سوى ستة من رؤسائه تعرفهم بأنهم من أصحاب السوابق في المشاغبات ~~والاضطرابات، فقطع رؤوسهم، ولكن علي باشا - بالرغم من أنه أصبح فريدا، وأنه في ضيافة ~~البرديسي - أبى إلا الاستمرار على دسائسه، فكتب رسالتين: إحداهما إلى عثمان بك حسن، أحد ~~كبار الأمراء المماليك، والأخرى إلى الشيخ السادات؛ ففي الأول وعد عثمان بك بأن يجعله وكيله ~~إذا هو انشق على إخوانه وانضم إليه، وفي الثانية شرح للشيخ كيف يمكنه إثارة ثائرة الشعب على ~~المماليك، فوقعت الرسالتان في يد عثمان بك البرديسي، وأوقدتا في قلبه غيظا لا حد له، ~~فاستدعى علي باشا إليه، ووضعهما تحت نظره، فغض الشقي عينيه خجلا. ولما أقبل المساء أتاه من ms22 ~~قبل البرديسي رجل وقال له: «إن الخيل معدة، وهي في انتظارنا.» فقال علي: «لماذا؟ وإلى أين ~~تريدون توصيلي؟» قال: «إلى سوريا، فإن سلوكك جعلك لا تستحق أن تستمر بيننا!» # فأركبوه مع ابن أخته وتوابعه، واحتاط بهم جمع قوي من المماليك. فلما بلغوا ناحية القرين ~~وجلسوا ليستريحوا، ما كان من المماليك إلا أنهم صوبوا بنادقهم وأطلقوها عليهم. ثم أجهزوا ~~عليهم باليطقانات، فأصيب علي باشا برصاصتين، وبينما هو يموت أخرج كفنه من خرجه - وكان لا ~~يفارقه أبدا - ورجا قاتليه بألا يحرموه من الدفن. # على أن محمد علي وألبانييه - ولو أنهم ساعدوا على الإيقاع بالرجل، بل كانوا هم المحرضين ~~على الإيقاع به - لم يتدخلوا في قتله، وما فتئوا واقفين وراء ستار. # ولما عاد المتحالفون إلى القاهرة بلغهم نبأ وصول رسول من لدن الباب العالي، فذهب وفد من ~~البكوات إلى الإسكندرية لاستقباله، وعادوا به باحتفال عظيم، فلما استقر العاصمة أخرج ~~الفرمان الذي حضر به وناوله إلى القاضي، فقرأه بصوت عال؛ أفتدري أيها القارئ الكريم، ماذا ~~كان مضمونه؟ إنه كان يؤيد علي باشا الجزائرلي على ولاية مصر!!! # غير أن البرديسي ومحمد علي إن هزآ بمضمون ذلك الفرمان السخيف، ما لبثا أن وجدا من صروف ~~الأيام سببا لقلق أخطر بكثير من الذي تلافياه بموت علي باشا الجزائرلي. # قلنا إن الجيش الإنجليزي لما انجلى عن الإسكندرية اصطحب معه إلى إنجلترا محمد بك الألفي، ~~زعيم المماليك الثاني، لتتخذ الحكومة الإنجليزية منه آلة لتنفيذ مراميها في القطر المصري في ~~مستقبل الأيام، فرأت هذه الحكومة في أوائل سنة 1804 أن الوقت حان لذلك، فأعادت الألفي إلى ~~القطر، ومعه تحف وأموال كثيرة ليشتري بها الذمم والقلوب. # فما بلغ خبر نزوله مسامع منافسه عثمان بك البرديسي إلا وأظلمت الدنيا في وجهه؛ لأن الألفي ~~كان - لسماحة كفه - محبوبا في الأقاليم. وكان أتباعه ومريدوه من المماليك كثيرين. ولم ~~يكونوا مدة غيابه يطيعون البرديسي إلا بتذمر، وكثيرا ما أطلع الألبانيون هذا الأمير على ما ~~كان أولئك الأتباع والمريدون يراودونهم عليه من قتله، فيذكون بذلك كرهه ms23 لمنافسه البعيد. ~~وبلغ البرديسي في الوقت ذاته أن الألفي الصغير - الذي كان الألفي الكبير تركه على رأس حزبه ~~لما غادر الديار - ما سمع بعودة مولاه إلا واستدعى رجاله، وأمرهم بالاستعداد للانضمام إلى ~~سيدهم فزاد اضطرابه، وقصد محمد علي - وكان منذ أن تحالفا معا قد اتخذه ناصحا ومرشدا - ~~واستفتاه فيما يجب عمله، فدامت مداولاتهما يومين كاملين. وكان محمد علي قد نظر إلى الحادث ~~الجديد بعين بصيرة ونظر ثاقب، ووزن بروية حقيقته ونتائجه، فأدرك أن الألفي إنما يعني أصبع ~~الإنجليز، وأن هذه الدولة لم تعده إلى القطر، إلا لأغراض خفية لم يكن يمكن أن تكون سوى ~~إعادة سلطة المماليك ووضع زمامهم في يد الألفي محسوبها، مقابل امتيازات تنالها منه، واتفقت ~~معه عليها نظير مساعدتها له. وأنه إذا انضم الألفي إلى البرديسي، وعملا معا بإخلاص ~~وبمساعدة الإنجليز، فقد خسر هو الصفقة وهلك، أو اضطر إلى مغادرة القطر، فعزم - في الحال - ~~على منع حدوث مثل هذا. وما أتاه البرديسي ~~مسترشدا إلا وأشار عليه بوجوب القضاء على الألفي، قبل أن يتمكن الألفي من القضاء عليه ~~بمساعدة الإنجليز. # فاقتنع البرديسي بذلك - وكان بغضه للألفي يعمي بصيرته عن مصلحته ومصلحة قومه، وتعاهد مع ~~محمد علي على العمل سويا لتنفيذ ما صمما عليه، فانتقل - منذ الليلة التالية - إلى بر ~~الجيزة، وباغت الألفي الصغير المعسكر هناك، فتخلى مدفعيو هذا عنه ولم يبق معه إلا بضعة رجال ~~هرب بهم على أجنحة السرعة، فتحول محمد علي إلى فريق من مماليكه كانوا راقدين في إمبابة ~~وداهمهم في نومهم، وقتلهم عن آخرهم. # وفي أثناء ذلك كان الألفي الكبير يصعد النيل في مركب القنصل البريطاني، الخافقة الراية ~~البريطانية عليها، وتتبعه طائفة من القوارب، تحمل التحف والأموال التي جاء بها من بلاد ~~الإنجليز، فلما بلغ بها منوف رأى مراكب موثوقة بألبانيين تتقدم لمقابلته، فسأل رجاله الجند: ~~«ماذا تطلبون؟» فأجابوا: «نطلب محمد بك الألفي!» فقال رجاله: «ها هو هنا!» ولكن الألبانيين ~~لم يتعرضوا له، بل تحرشوا بالقوارب الحاملة التحف والأموال وشرعوا ينهبونها، فرأى الألفي ~~حينذاك أنه ms24 يحسن به النزول إلى البر، فنزل وقصد ناحية كانت قبيلة بدوية ضاربة فيها خيامها، ~~فاستقبلته امرأة منها، وأعطته حصانا ودليلين بهجينين، ابتعد بهما من الغد، وتبعه مماليكه ~~سيرا على الأقدام. وبينما البرديسي يضرب في طول القليوبية وعرضها للظفر به بلغ الألفي ~~الخانقاه، فهاجمه فيها جمع من العرب. وما نجا الألفي منهم إلا بفضل سرعة حصانه، وذهب هائما ~~على وجهه. # فعاد البرديسي إلى القاهرة، وهو طروب بفوزه، ولكن عمله ضد أخيه أساء طائفة من أصدقائه، ~~فابتعدوا عنه، فنظر الرجل حوله، وإذا بأكثر من نصف المماليك الذين كان يعتز بهم قد فارقوه ~~إما للانضمام إلى الألفي وإما لاستنكارهم عمله، فاغتنم الألبانيون الفرصة، وطالبوه بمتأخرات ~~ثمانية شهور من رواتبهم، وضجوا حوله، وهددوه بشر الأعمال إذا هو ماطل في الدفع. وما هي لحظة ~~إلا وحضر محمد علي نفسه على رأس فرقته، ولكنه تظاهر أنه مسوق إلى ذلك سوقا، وأنه إنما حضر ~~للتوفيق بين الفريقين. # فوعد البرديسي بالدفع في الغد، وفرض في الحال مالا جسيما على كل «الشراقوة» والفرنج ~~المقيمين في القاهرة، فاحتج القناصل، ولكن البرديسي لم يبال، وجمع الضريبة عنوة، غير أنها ~~لم تف بطلبات الجند، ففرض البرديسي ضريبة فادحة على أهل العاصمة، فضجوا وثاروا، وقتلوا ~~نفرا من المحصلين، وتجمهروا في الأزهر وحوله، فتداخل محمد علي في الأمر، وذهب بمفرده إلى ~~الثائرين ولاطفهم، ووعد العلماء بأن الضريبة المفروضة لن تجبى، فهدأت الثورة في الحال، وعاد ~~الأقوام إلى منازلهم وهم يدعون له، فبات محمد علي مضطرا إلى منع البرديسي من جباية تلك ~~الضريبة. وكان بعض أمراء المماليك قد أخذوا يسيئون الظن في صداقته لهم، ووجدت أسباب حملت ~~محمد علي على الاعتقاد بأن إبراهيم بك الكبير - على الأخص - ~~أدرك غامض نياته، وأنه أوعز إلى مماليكه بالعمل ~~على الإيقاع به خيانة وغدرا. ورأى المكدوني من جهة أخرى أن البرديسي قد فرغ من لعب الدور ~~الذي خصصه له، فلم ير بدا من نزع اللثام عن وجهه، والبروز في حقيقة مقاصده أمام أنظار ~~أعدائه. # فاستمال إلى نفسه في الأول ms25 عثمان بك حسن ومماليكه الناقمين على البرديسي. وفي ظهر اليوم ~~الثاني عشر من شهر مارس سنة 1804 سيرهم للإحاطة بمنزل إبراهيم بك الكبير، ووجه جنودا عديدة ~~للإحاطة بدار البرديسي، وكان يدافع عنها جمع من الترك، استمالهم محمد علي إليه برشوة، ~~فحولوا مدافعهم على من في الدار بدلا من تحويلها على الألبانيين، وشرعوا يدكون جدرانها ~~دكا، فأمر البرديسي رجاله بامتطاء جيادهم، وحمل ما ثمن وخف من أمتعته على ظهور هجن، ثم ~~فتح الأبواب بغتة. وانقض على صفوف الألبانيين المحيطة بداره، ففتح له ولمن معه منفذا فيها، ~~وعدا برجاله وأمتعته نحو البساتين. وإبراهيم بك الكبير من جهته تمكن من الانسلال عند الفجر ~~من منزله إلى ساحة الرميلة، وفر منها إلى الصحراء. ولما علم المدفعيون المقيمون في القلعة ~~أن الأمراء أسيادهم فروا؛ انقضوا على دار السكة، فنهبوها، ثم ولوا - هم أيضا - الأدبار من ~~باب الجبل، فلم يبق في القاهرة من سلطة سوى سلطة محمد علي، ولو كان قليل التبصر كطاهر باشا، ~~لاقتدى به وتسلم زمام الحكم، ولكنه كان داهية من أكبر دواهي الزمان، ولم يكن ليجهل أن الفرص ~~لا تزال غير مناسبة، وأنه يجدر به أن يستمر عاملا على إنضاجها. # ففي نفس اليوم الذي طرد المماليك من القاهرة فيه، صعد إلى القلعة، وأنزل منها خسرو باشا ~~المسجون فيها ليعيده إلى كرسي الولاية. ولكن الزعماء الألبانيين زملاءه - بتحريض من ولدي ~~أخي طاهر باشا - أبوا عليه التعيين، فأنزلوا خسرو عن ذلك الكرسي، وأرسلوه مخفورا إلى رشيد، ~~ومحمد علي لا يمانع؛ لأنه لم يكن ليهمه البتة أن يتولى خسرو، وإنما كان يهمه أن تبقى مقاصده ~~تحت ستار وأن يؤمن الباب العالي بولائه، ويزداد تعلق العلماء به لاعتداله. # فانضم إلى الزعماء في اجتماعهم للتداول فيمن ينتخبونه للولاية، فأجمعت آراؤهم على تعيين ~~خورشد باشا محافظ الإسكندرية المولى عليها من قبل خسرو الوالي المخلوع، وكان خورشد آخر من ~~تبقى في القطر ممن يصح أن تتجه إليهم الأبصار، فإذا جرب ولم يفلح هو أيضا أصبح من السهل ~~حمل القوم على ms26 انتخاب محمد علي. # فذهبت فرقة ألبانية وأتت بخورشد من الإسكندرية في 2 أبريل، وفي 28 منه أتاه فرمان التثبيت ~~من الأستانة. # وكان خورشد رجلا أذكى ممن سبقوه وأشد مراسا، فحاول جهده للخروج من قبضة الرجل القدير ~~الذي أراد تحريكه على المسرح كما حرك عليه أسلافه. ولكن محمد علي لم يمكنه من ذلك، ووقف له ~~بالمرصاد، يستفيد من كل غلطة يرتكبها، لينفر منه النفوس، ويثير عليه الضغائن. # فما استقر خورشد في كرسيه إلا ورأى المال يعوزه، فأمر بتحصيل الميري عن السنة كلها ~~مقدما؛ فنفر هذا الأهالي منه، ثم شرع يبحث عن كل من له علاقة بالمماليك ويصادره. ولكن ~~المماليك ثأروا لمريديهم ولأنفسهم بمنع الوارد من غلال وأقوات عن العاصمة، فجاعت وزاد جوعها ~~في نفورها من خورشد، وازدادت أمام خورشد صعوبة الحصول على المال اللازم، فما كان منه إلا ~~أنه أرسل يوما واستدعى إليه في القلعة الست نفيسة أرملة مراد بك، وكانت - لفضلها وبرها ~~وتقواها - محبوبة ومحترمة جدا من الجميع، وأخذ يتذرع بحجج شتى لاستخلاص نقود منها، فبلغ ~~الأمر مسامع القاضي ومشايخ الأزهر، فأسرعوا إلى الوالي، وبينوا له مقدار الخطأ الذي ارتكبه. ~~فادعى أن نفيسة هانم تفسد عليه جنوده في مصلحة المماليك، وتعدهم إن هم انفضوا عنه بدفع ~~مرتباتهم لهم، ففاتح المتعممون الست نفيسة في ذلك، فقالت: «إنه لم يعد لي بين المماليك لا ~~أب، ولا زوج، ولا أخ، فبأي داع أخدم مصلحتهم؟ إني أرى أن كل هذا تحايل لابتزاز أموال مني ~~ليس لدي منها ظلها، لأني قد أصبحت في حال لا تمكني من القيام بواجبي نحو نفس من خدمني ~~ويخدمني!» فعاد المتعممون إلى خورشد، واجتهدوا في حمله على إطلاق أسيرته فأبى، وبالرغم من ~~إلحاحهم وتوسلهم أصر على الإباء، فنفروا حينذاك منه، وقالوا له إن إصراره هذا إنما يعتبرونه ~~امتهانا منه لكرامتهم. فتداخل بعض كبار المرتبة في الشأن، وانتهى الأمر بتصريح خورشد للست ~~نفيسة بالإقامة في بيت الشيخ السادات. وكانت عديلة هانم - بنت إبراهيم بك الكبير - قد لجأت ~~إليه أول ما بلغها ms27 ما أصاب نفيسة هانم؛ خشية أن تصاب بمثله. # ولما أدرك خورشد أن معاملته للست نفيسة زادت في إبعاد القلوب عنه، بدون أن تجديه نفعا، ~~لجأ إلى وسيلتين أخريين للحصول على نقود، فجمع الوجاقلية وفرض عليهم ألف كيس وأبقى بعضهم ~~لديه رهائن، ثم فرض خمسمائة كيس على الأقباط ومائة وخمسين كيسا على المسيحيين السوريين ~~المقيمين بمصر. ومع أن «ميري» السنة الجارية لم يستطع تحصيله، أمر بتحصيل «ميري» السنة ~~التالية. وأخيرا فرض ضريبة على أرباب الحرف والصنائع في العاصمة. ولكن هؤلاء ثاروا في ~~الحال، واحتشدوا في الأزهر، وجاهروا بالتمرد والعصيان، فاضطر خورشد إلى تسيير مناد في ~~المدينة ينادي بأن الفقراء يعفون من دفع الضريبة، ولم يكن بين أرباب الحرف والصنائع من ~~غني البتة. # الأمير بشير الشهباني. # على أن عدم وجود نقود عند الوالي جعله لا يستطيع دفع رواتب الجند. وعدم حصول الجند على ~~رواتبهم أدى بهم إلى التعدي على الأهلين والتجار وسلبهم، فنجم عن ذلك أن التجار أغلقوا ~~حوانيتهم، والأهلين امتنعوا عن الخروج من منازلهم، فوقفت حركة الأعمال، وبدت المدينة كأنها ~~مهجورة، لا يتجول فيها سوى الجنود والألبانيين، فرأى خورشد أن يصادر نساء المماليك، اللائي ~~كن رهائن لديه، فابتز منهن ألفا ومائتي كيس. وكان قد أتى فرمان من الأستانة يتضمن شكرا ~~لمن ساعد على البطش بالمماليك، فعقد خورشد ديوانا كبيرا لتلاوته، وبعد الفراغ من قراءته ~~استدعى العلماء إلى قاعة الاستقبال، وألبسهم فراوي من سمور كالمعتاد، وألبس كذلك مدير دار ~~السكة، ومراقب عموم المالية واثنين وعشرين وجيها من الأقباط، ولكنه طلب إليهم في اليوم ~~التالي، مقابل ما نالوا من إكرام على يديه، أن يدفعوا له ألف كيس على سبيل العارية ~~الإجبارية. # السلطان محمود الثاني. # هذه الحال المؤلمة استمرت إلى أن مل المماليك البقاء على مناوشات لا طائل تحتها، حول ~~القاهرة، فاقتلعوا خيامهم وساروا إلى الصعيد. وكان الخوف كله - حتى هذا الانسحاب - في أن ~~ينضم رجال الألفي إلى رجال البرديسي ورجال إبراهيم بك؛ فإن الألفي - وكان بعد ما أصابه من ~~نكبة، مختبئا عند شيخ ms28 من مشايخ عرب الشرقية - ما درى بما حصل في مصر للبرديسي إلا وخرج من ~~مخبئه وأتى على رأس جانب من رجاله، وأقام في قرية على ضفة النيل اليمنى على مسيرة يومين من ~~القاهرة، وأخذ من جهة يسعى إلى التقرب من البرديسي، ويراسل من جهة أخرى خورشد باشا في السر ~~للوصول إلى اتفاق معه، فاستقبل خورشد رسوله بحفاوة وأهداه محمد علي جوادا مطهما. # وبينما الوالي وزعيم الألبانيين يجتهدان في إبقاء الألفي على الحياد، كان محمد علي لا ~~يفتر عن مقاتلة مماليك البرديسي في المعتمدية، والإيقاع بهم والرجوع يوميا إلى القاهرة ~~برؤوس بعضهم مشكوكة على رؤوس الحراب. ولما ابتعد المماليك نحو تخوم القليوبية، ليحملوا جند ~~الولاية على الخروج إليهم من استحكاماتهم، لم يجسر سوى محمد علي على اقتفاء آثارهم ~~ومطاردتهم من القليوبية إلى المنوفية، فلما أن فعل ذلك عاد إلى القاهرة لاضطراره إلى دفع ~~مرتبات جنوده، وإذ كان يعلم أن مطالبة خورشد بها لا تجدي نفعا، قبض على اثنين من أغنى ~~وجهاء المدينة ومن محسوبي الوالي، ولم يخل سبيلهما حتى دفعا بين يديه خمسمائة كيس. # مؤسس الوهابية. # غير أن مصادرة خورشد نساء المماليك في القاهرة أغضبت الألفي وجعلته - بالرغم من أن خورشد ~~قلده ولاية جرجا - يعلن عداءه للوالي وينضم في قتاله إلى باقي المماليك إخوانه، فأرسل إلى ~~خورشد، في هذا المعنى، رسالة ضمنها من المطاعن المرة عليه ما أطار عقل الرجل غضبا، وحمله ~~على الأمر بقطع رأس الرومي المسكين الذي حمل تلك الرسالة إليه. # وعلى ذلك زحف المماليك من كل جهة، إلى العاصمة، ولكن بدون تفاهم بينهم، فخرج محمد علي إلى ~~مقابلتهم، وما فتئ يناوشهم مناوشات عنيفة يحاول بها إلقاء الاضطراب في صفوفهم، حتى وقع مع ~~ثمانمائة من أتباعه في كمين في جهة البساتين، لم ينج منه إلا بأعجوبة. ولكنه ثأر لنفسه بعد ~~قليل بأن أبلغ عثمان بك حسن والألفي أنه مل الحال، وأنه إذا أبى خورشد مصالحة المماليك، ~~فإنه هو - محمد علي - سيتقرب منهم، فصدقاه وأغفلا الاحتراس، فسار محمد علي بألف ms29 رجل تحت جنح ~~الدجى إلى طرة، وهاجم أعداءه وهم نائمون، وأثخن فيهم، ولولا أن الألبانيين خالفوا أوامره ~~وأطلقوا الرصاص قبل إتمام الإحاطة بالقرية لما نجا أحد من المماليك المبيتين. # فحملت هذه الواقعة المماليك على الابتعاد عن القاهرة - كما قلنا - ~~بعد أن بالغوا في تضييق الخناق عليها، وعاد ~~الفلاحون إلى جلب الأقوات لها؛ فزالت شبه المجاعة التي كانت أصابتها، ونسب أهلها الفضل في ~~ذلك إلى محمد علي بحق. # وكان قد ورد على خورشد باشا، قبل ذلك بيومين، أمر من الأستانة يقضي بإرسال خمسمائة رجل ~~إلى ينبع لدفع الوهابيين عنها، وورد على زعماء الألبانيين فرمان استصدره خورشد الراغب في ~~التخلص منهم، يأذن لهم بالعودة بجنودهم إلى بلادهم، فرضي بالأمر بعضهم وأزمعوا الرحيل، ولكن ~~الجند منعهم إلا إذا دفعوا لهم متأخراتهم، فكادت تقع فتنة، لولا أن خورشد - ليتخلص من أولئك ~~الزعماء وعسكرهم - دفع هو نفسه المتأخرات، على أن الزعماء عدلوا حينذاك عن الرحيل. ولم ~~يجن خورشد من تسرعه سوى خسارة المال الذي دفعه. # ووقع بعد انسحاب المماليك حادث أظهر مقدار ما بلغ إليه نفوذ محمد علي في نفوس جنوده بعد ~~انتصاراته المتتابعة على المماليك؛ ذلك أن جنديين من الأرناؤوط تشاجرا مع فرنساوي يقال له ~~روجيه، كان رئيس الصيادلة في الحملة الفرنساوية، وتخلف عنها في مصر، وأرادا قتله، فعاجل ~~الفرنساوي أحدهما بضربة أودت به، وأطلق خادم من خدمه الرصاص على الثاني فجرحه جرحا خطيرا، ~~فاجتمع العساكر وأرادوا نهب الحارة، وكثر الهرج والمرج، ولكن الخبر بلغ إلى محمد علي، فحضر ~~إلى محل الواقعة ماشيا على قدميه، وليس معه إلا نفر قليل، وأمر بفتح باب الحارة، لئلا ~~يكسره الجند، فيحدث ذلك ما لا تحمد عقباه، ثم وضع خفراء عليه، ومنع العسكر الهائج من ارتكاب ~~أية معصية كانت، وما زال بهم من جهة، وبالقنصل الفرنساوي من جهة أخرى؛ حتى حمل القنصل على ~~دفع أربعة آلاف قرش لأخ المقتول، على سبيل الدية وحمل أخا المقتول على قبولها، والجند على ~~الاكتفاء بها ثأرا. # ثم وقع في خلده أن يرى ms30 مقدار ما بلغت إليه منزلته عند الشعب، فاصطحب ذات صباح أحمد بك، ~~الذي كان يقاسمه الإمرة على الأرناؤوط، وذهبا معا إلى الوالي، وأظهرا له الرغبة في الرجوع ~~إلى بلادهما، فطار عقل خورشد فرحا واعتبر التخلص من محمد علي غنيمة كبرى. ولما كان قد عينه ~~منذ بضعة أيام حاكما على جرجا أقاله من هذه الوظيفة، وعين سلحداره مكانه فيها. وذاع في ~~الشعب الخبر، وتأكيدا لحقيقته، شرع محمد علي في بيع أملاكه ودوابه. # فاضطربت حينذاك المدينة عن بكرة أبيها، وأقفلت الأسواق والدكاكين، وازدحم الناس في ~~الشوارع والدروب، وبدت على القوم أمارات الأسف الشديد على رحيل الرجل الذي كانوا يعدونه ~~الحامي الوحيد لبيضة أمنهم من تعدي الأجناد عليها، وكاد يخامرهم يأس على أعمارهم، وكأني ~~بالعسكر أرادوا أن يثبتوا لهم حقيقة تقديرهم، فما علموا أن محمد علي راحل إلا وانتشروا في ~~الأحياء يفسدون ويخطفون، وكاد الدم يهدر. # ولكن محمد علي - وقد اكتفى بما رأى من منزلته في القلوب - نزل وطاف المدينة على قدميه، ~~مهدئا المخاوف، زاجرا الجند، ومعاقبا بالقتل كل من تجاوز منهم حد المحتمل، وإرهابا ~~للأشرار أمثال المعاقبين، أبقى الرؤوس المقطوعة عدة أيام معلقة على الأبواب. وانتهى الأمر ~~بأن سافر مائتا ألباني ومعهم أحمد بك. وأما محمد علي فإنه أعلن بقاءه إرضاء للرأي العام، ~~فجعل لنفسه بذلك منة في رقبة الشعب. # فلما تأكد خورشد من عدوله عن السفر، رأى أن يستخدم ميزاته العسكرية في الحملة التي صمم ~~على تسييرها ضد المماليك فيبعده بألبانييه عن العاصمة، ويغتنمها فرصة للتخلص منهم بضربة ~~تصيبهم على أيدي جنود غيرهم أرسل يستدعيهم من سوريا وغيرها. # فقلد محمد علي قيادة ثلاثة آلاف رجل بيم مشاة وفرسان وسيره إثر سلحداره الزاحف بمقدمة ~~الجيش وقدرها أربعة آلاف جندي. # فلما أحس المماليك بالقوى المتقدمة لقتالهم، أدركوا أن تفرقتهم ضارة بهم جدا، وأخذ ~~عقلاؤهم يسعون إلى مصالحة البرديسي والألفي، واتفقوا على أن يتقابل هذان الزعيمان في جزيرة ~~قبالة طرا، أقيمت فيها خيام لهذا الغرض، فأتاها البرديسي أولا، وما لبث أن نزل الألفي ~~إليها ms31 أيضا. ولكنه لم يخط بضع خطوات فيها إلا ورأى على الشاطئ ثعبانا مقطوعا نصفين، ~~فتطير وظن أن في الأمر خيانة وغدرا، وعاد من حيث أتى، فاستمر الشقاق بين المماليك على ما ~~كان. # وفي الأثناء تقدمت فرقتا السلحدار ومحمد علي حتى بلغتا المنيا، وكانت في يد المماليك، ~~فحاصرها القائدان الألبانيان ستة وخمسين يوما، واستوليا عليها بعد عناء شديد، وبعد عدة ~~وقعات ظهرت فيها قلة جدارة السلحدار وكثرة كفاءة محمد علي. # على أنه بينما كانت القوات الألبانية تبلي هذا البلاء الجيد، كان خورشد باشا يسعى سعيا ~~حثيثا - تساعده الأستانة فيه - إلى هدم كيان تلك القوات، وتفريقها أيدي سبأ، وذلك باستحضار ~~قوات أخرى إلى القطر تحل فيه محلها. تلك القوات الجديدة كانت تعرف باسم الدلاة أو الدالتية ~~أي المجانين بالتركية، وإنما سموا كذلك لشهرتهم بالبسالة المتناهية، وكان معظمهم ~~أكرادا، سلاحهم سيف وطبنجتان وقرابينة، وكانوا يلبسون على رؤوسهم طراطير مخروطية الشكل من ~~الجوخ الأسود طول الواحد منها عشرة قراريط، لا حافة له وتشده على الرأس عصابة. # فأحضر خورشد باشا ثلاثة آلاف منهم، ولما ~~بلغه نبأ وصولهم إلى التخوم المصرية خرج بنفسه إلى مقابلتهم ودخل بهم القاهرة من باب النصر، ~~فكانت باكورة أعمالهم أن انقضوا على السابلة وأرباب الدكاكين، فخطفوا النساء والمردان ~~ونهبوا التجار، كأنهم إنما حضروا لهذا الغرض فقط. بعد ذلك طلبوا علوفاتهم ومرتباتهم بإلحاح ~~ونعير لم ير الباشا معهما بدا من إجابتهم إلى طلبهم، ففرض على تجار كانوا منتظرين حرسا ~~للذهاب إلى ينبع؛ خمسمائة كيس، لإعطائهم ذلك الحرس، وعلى اليهود مائة وعشرين كيسا، وألزم ~~تجارة السويس بما وازى هذين المبلغين معا. # غير أن خبر وصول الدلاة ما بلغ محمد علي وهو في المنيا إلا وأدرك الباعث الذي حمل خورشد ~~باشا على إحضارهم، فاتفق في الحال مع حسن باشا زميله، ونهض كلاهما، وسارا بجنودهما إلى ~~القاهرة، فلما شاع خبر قدومهما اضطرب له خورشد اضطرابا عظيما، فبعث واستدعى إليه المشايخ ~~ونقيب الأشراف والوجاقلية وأرباب الديوان، وقال لهم: «إن محمد علي وحسن باشا راجعان من قبلي ms32 ~~من غير إذن، وطالبان شرا، فإما أن يعودا من حيث أتيا ويقاتلا المماليك، وإما أن يذهبا إلى ~~بلادهما، أو أعطيهما ولايات ومناصب في غير أرض مصر، فإن لدي أمرا من السلطان بذلك، فأطلب ~~إليكم إذا أن تكونوا معي وتعضدوني.» فقر الاتفاق على أن يبيت عنده في القلعة كل ليلة ~~اثنان من المتعممين واثنان من الوجاقلية، وصدر الأمر إلى الدلاة بالخروج بأسلحتهم ومدافعهم ~~إلى ناحيتي طرا والجيزة للوقوف في وجه القادمين. # ففعلوا، ولكنهم لم يجسروا على التعرض لمحمد علي ومن معه. ولما أرسل محمد علي إليهم يقول ~~لهم: «إننا إنما جئنا في طلب المرتبات ولسنا بالمخالفين ولا بالمعاندين.» وعزز قوله ~~بالهدايا والتحف، قال الدلاة بعضهم لبعض: «إذا كان الأمر كذلك، فالقوم محقون فيما يعملون.» ~~وأجابوا من أرسله خورشد لتأنيبهم على جبنهم وتساهلهم: «إذا كنتم تمنعون وتحاربون من يطلب ~~حقه فكذلك تفعلون معنا، إذا خدمناكم زمنا، ثم طلبنا علائفنا!» واستمروا لا يبدون حراكا، ~~فدخل محمد علي وزميله بجنودهما القاهرة ونزلا في بيتيهما. # فبلغت الفوضى حينذاك أقصاها؛ فأخلاط العسكر في مصر - ولا سيما ~~الدالاتية - يأكلون الزرع والقوت، ويخطفون ما ~~يجدونه مع الفلاحين والمارين، بل يخطفون النساء والأولاد. والمماليك في الأقاليم، وعند ~~أبواب العاصمة ذاتها؛ يأخذون من البلاد الأموال والكلف عنوة واغتصابا. والعرب والبدو ~~يغيرون على القرى وينهبونها، ويحرقون الأجران ويسبون النساء، ويضربون ويقتلون من يتعرض لهم ~~بدفاع. وأسراب الأولاد الصغار يصرخون في أسواق القاهرة والمدن الأخرى، ويأمرون الناس بغلق ~~الحوانيت، ويسبون المشايخ ويشتمونهم ويرجمونهم بالحجارة إذا ما صادفوهم في الشوارع، ~~لاعتقاد الملأ أن المشايخ لو تجاسروا وأرادوا لتمكنوا من رفع تلك البلايا. والباشا لا يرى ~~للأمور دواء إلا العمل على إخراج محمد علي وفرض الأموال على الناس، كأنه لا يكفيهم ما هم ~~فيه من بلاء وشقاء. # فلإخراج محمد علي حمل الأستانة على تعيينه واليا على جدة. وكان محمد علي - منذ أن عاد ~~إلى منزله - متظاهرا بالاعتدال التام، يتحبب إلى العلماء بما يحادثهم من محادثات عذبة، وما ~~يشترك معهم فيه من تأدية فرائض الدين، ms33 ويزيد في اجتذاب قلوب الناس إليه بمنع كل تعد من ~~جنوده الخاصة عليهم، ويقوي تعلق جنوده به ببذله لهم مرتباتهم في أوقاتها، وبمضاعفتها ~~أحيانا. # فلما أتاه فرمان التولية على جدة تظاهر بقبول المنصب، ولكنه رفض ما دعاه إليه خورشد من ~~الصعود إلى القلعة ليتقلده فيها. ومن يعلم كيف فتك خورشد هذا غدرا - بعد ذلك بنحو عشرين ~~سنة - بعلي باشا تبلن والي ينينا؛ لا يسعه إلا أن يقر محمد علي على قلة ثقته به، وحتم عليه ~~النزول إلى المدينة لقراءة الفرمان المنبئ بذلك في بيت شيخ وقور يقال له سعيد أغا، فنزل ~~الوالي على مضض، وخلع على محمد علي، وألبسه فروة المنصب الجديد وقاووقه، فشكر محمد علي وخرج ~~يريد الركوب، ولكن عسكره - بإيعاز سري سابق منه - أوقفوه، وطلبوا منه العلوفة، فقال لهم: ~~«ها هو الباشا عندكم فطالبوه!» وركب وذهب إلى داره بالأزبكية، وهو ينثر الذهب في الطريق، ~~فأحاط العسكر بخورشد باشا، ومنعوه من الخروج أو يدفع المرتبات. وأشيع في المدينة أنهم ~~حبسوه، ففرح الناس وباتوا مسرورين. # ولكنه تمكن في الليل من الصعود إلى القلعة، وفي الصباح التالي - لخوفه من أن ينضم الدلاة ~~إلى الأرناؤوط في المطالبة بالعلوفة؛ فلا يبقى له نصير - بعث إليهم يبيح لهم نهب مديرية ~~القليوبية ليحصلوا منها مطلوباتهم، فعاث الدلاة في البلاد فسادا، وارتكبوا من المنكرات ما ~~لا يتصوره عقل. # فطفحت بالناس الكأس، فركب المشايخ إلى بيت القاضي واجتمع فيه عدد عظيم جدا من المتعممين ~~والعامة والأولاد، حتى غصت بهم الدار، وامتلأ بهم صحنها، وصرخ الجميع: «شرع الله بيننا وبين ~~هذا الباشا الظالم!» وطلبوا من القاضي أن يرسل بإحضار المتكلمين في الدولة إلى مجلس الشرع، ~~فلما حضروا واستقر بهم المكان، قر الرأي على كتابة عريضة بالشكاوي والمطالب إلى الوالي، ~~فكتبت ورفعت إليه، فأجاب يستدعي القاضي ونقيب الأشراف والعلماء إليه في القلعة ليشاورهم في ~~الأمر، فغلب على ظنهم أنها خديعة منه. وحضر بعد ذلك من أخبرهم - ولا ندري مقدار ما كان في ~~أخباره من الصدق - أن الوالي أعد أشخاصا ms34 لاغتيالهم في الطريق، فتملكهم الغيظ والحنق. وفي ~~الغد - وكان يوم 14 مايو سنة 1805 - ركب الجميع ~~ساعة العصر وذهبوا إلى محمد علي، وقالوا له: «إنا لا نريد هذا الباشا حاكما علينا، ولا بد ~~من عزله من الولاية!» فقال: «ومن تريدون أن تولوا مكانه؟» قالوا: «لا نرضى إلا بك واليا، ~~لما نتوسمه فيك من العدالة والخير!» # فامتنع أولا؛ لكيلا يقال إنه هو المحرض، ولكنه - أمام إلحاح القوم - رضي، فأحضروا له ~~كركا وعليه قفطان، وقام إليه السيد عمر مكرم - نقيب الأشراف - والشيخ الشرقاوي، فألبساه ~~إياه. ونادوا بذلك في المدينة، فاستبشرت وهللت، ثم أرسلوا الخبر إلى خورشد باشا وطلبوا إليه ~~اعتزال الأمر فأجاب: «أنا مولى من طرف السلطان، فلا أعزل بأمر الفلاحين، ولا أنزل من ~~القلعة إلا بأمر من السلطنة!» وشرع يستعد للمقاومة، وانضم إليه فيها زعيمان ألبانيان: عمر ~~بك وصالح أغا أق قوش، حسدا منهما وغيرة من محمد علي، وأخذ ثلاثتهم يخابرون حسن باشا، زميل ~~محمد علي ليحملوه على التحيز لهم، وكتب خورشد إلى سلحداره في المنيا يستنجده، وإلى المماليك ~~يدعوهم إلى محالفته، وإلى الدلاة يأمرهم بالإسراع إلى الالتفاف حوله. # فاضطر محمد علي إلى محاصرة القلعة من كل ~~جهة، بينما السيد عمر مكرم والمشايخ، ومعهم الكثير من العامة والوجاقلية يحافظون على ~~المدينة بأسلحة وعصي ونبابيت، بعد أن حرروا إعلاما وقعه المفتي بشرعية الحركة، فرأى خورشد ~~أن يرسل عمر بك إلى السيد عمر مكرم ليحمله، هو والعلماء، على العدول عما هم فيه، فدارت بين ~~العمرين مناقشة طويلة، من جملتها أن عمر بك قال: «كيف تعزلون من ولاه السلطان عليكم، وقد ~~قال الله: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم؟» فقال النقيب: «أولي الأمر العلماء ~~وحملة الشريعة والسلطان العادل، وصاحبك رجل ظالم، وجرت العادة من قديم الزمان أن أهل البلد ~~يعزلون الولاة حتى الخليفة والسلطان إذا سار فيهم بالجور.» قال عمر بك: «كيف تحصروننا ~~وتمنعون عنا الماء والأكل وتقاتلوننا؟! أنحن كفرة حتى تفعلوا معنا ذلك؟!» قال النقيب: «نعم؛ ~~فقد أفتى العلماء والقاضي بجواز قتالكم ms35 ومحاربتكم، لأنكم عصاة!» قال عمر بك: «إن القاضي هذا ~~كافر!» - وكان تركيا مثلهم، ومعينا من قبل السلطان - فقال النقيب: «إذا كان قاضيكم ~~كافرا فكيف بكم؟!» فأفحم عمر بك وعاد من حيث أتى. # وزاد التشديد في الحصار، ثم أتى في الأيام التالية كبار الدلاة إلى محمد علي واعترفوا ~~بولايته، وأعلنوا انفضاضهم بتاتا عن خورشد، ~~وهو الذي كان أحضرهم ليستعين بهم على محمد علي وألبانييه، فما كان أحراه بترديد قول ~~الشاعر: # وأعوان تخذتهم دروعا # فكانوها، ولكن للأعادي # وخلتهم سهاما صائبات # فكانوها، ولكن في فؤادي # فخلع عليهم محمد علي خلعا وكساوي، وارتحلوا بقصد الذهاب إلى محاربة الألفي وأتباعه، ~~والعرب الذين معه، ولكنهم لم يذهبوا إلى ما وجهوا إليه، وساروا إلى البلاد والقرى ينهبون ~~ويقتلون ويفسقون. # وفي 9 يوليو وصل إلى مصر كابجي من دار السعادة، وكان محمد علي منذ أن قبل الولاية، قد بعث ~~بالهدايا النفيسة إلى رجالها، ليحملهم على إقرار ما فعله علماء مصر، فبعد أن تردد الديوان ~~كثيرا وماطل كثيرا، انقاد في نهاية الأمر إلى نصائح السفير الفرنساوي هناك (وكان قد أوصاه ~~بمحمد علي خيرا القنصل الفرنساوي بمصر واسمه ماتييه دي لسبس، وهو أبو فردينان دي لسبس صاحب ~~قناة السويس) واتخذ عبرة من المصاعب التي قامت حتى تلك الساعة دون أن تستتب في مصر سلطة ~~الباشاوات المرسلين إليها من الأستانة، أو المعينين منها مباشرة، فصدق على اختيار الشعب، ~~وأرسل مرسوما مع ذلك الكابجي بتأييد محمد علي على ولاية مصر، وعزل خورشد باشا، وتسفيره إلى ~~الإسكندرية مكرما حتى يتعين على ولاية أخرى. # فأرسلت صورة من المرسوم إلى خورشد باشا، فأجاب بأنه والي مصر بمقتضى خط شريف وأنه لا يعزل ~~إلا بخط شريف، ولكنه مع ذلك أبطل إطلاق النار من القلعة، وطلب مقابلة مندوب الباب العالي ~~فرفض. # فعاد خورشد إلى مفاوضة المماليك، وكان سلحداره قد رجع من المنيا، فاتفق الجميع معا على ~~عمل مشترك يقلبون به مجن الدهر في وجوه أعدائهم. # ولكن محمد علي كان يقظا، فبرز للمماليك وردهم على أعقابهم، ثم تحول ms36 إلى سلحداره خورشد ~~فأدبه، وضيق أهل البلد الخناق على الباشا المعزول، وكان أشدهم عليه وطأة رجل من جهة ~~السيدة عائشة يقال له حجاج الخضري، اشتهر بالبسالة والإقدام منذ أيام الفرنساويين . # وبينما الحرب دائرة سجالا ورد نبأ بقدوم عمارة القبطان باشا إلى أبي قير في يوم 17 يوليو ~~تحمل ألفين وخمسمائة مقاتل، وتلا النبأ قدوم سلحدار القبطان باشا نفسه، ومعه مكاتبة إلى ~~خورشد باشا، مضمونها الأمر له بالنزول من القلعة، ساعة وصول الخطاب إليه، من غير تأخير، ~~ومكاتبة إلى محمد علي بتثبيته في مركزه. # فلما اجتمع السلحدار بخورشد باشا في القلعة أذعن خورشد للأمر، ووعد بالرحيل، على أن تدفع ~~مرتبات من خدمه من الزعماء والجند، ولكنه عاد فأخلف وعده، وأخرج من بالقلعة من النساء ~~والأولاد، واحتفظ بالرجال، وبالاتفاق مع سلحداره والمماليك، أثار نار معركة جديدة، ولكن ~~محمد علي أطفأها بسرعة، وأخذ احتياطاته لمنع تجديد مثلها. # فرأى سلحدار القبطان باشا والكابجي أن عدم تتميم المهمة التي حضرا من أجلها ينقصهما جدا ~~فعادا إلى الاجتماع بخورشد وما زالا به حتى أقنعاه بوجوب التسليم والإذعان فقبل، فصعد في 3 ~~أغسطس سنة 1803 حسن أغا سار ششمه محمد علي ~~بجملة من العساكر إلى القلعة، وتسلمها من خورشد، ونزل الباشا المخلوع من باب الجبل في ~~الساعة الرابعة على الحساب العربي من صباح اليوم التالي، إلى جهة باب النصر، ومر من خارجه ~~إلى جهة الخروبي، وذهب إلى بولاق يصحبه كتخدا محمد علي وعمر بك وصالح أغا أق قوش، وفي 9 ~~أغسطس ركب سفنا من بولاق، وارتحل إلى رشيد. # فكان آخر وال عثماني على مصر تأتيه الأوامر من الأستانة رأسا، وخلا الجو منه لمحمد علي، ~~فجلس بدله على سدة الولاية. ~~••• # وهكذا صدق قول الشيخ الوقور له، وأوصلته الطريق الطويلة الوعرة التي سلكها - عملا ~~بنصيحته - إلى ذروة المعالي. # الفصل الثالث # | العمل على الثبوت فوق القمة # ولكنه ما استوى على سدة الولاية إلا ووجدها خشبا يبسا كله شظايا، ووجد أن شوك المصاعب ~~يكتنفها من كل صوب، وجيش الهموم يزدحم حوله ms37 من كل باب، فأيقن أن الصعوبات التي اجتازها ~~للوصول إلى السدة لم تكن شيئا بجانب التي يلزمه التغلب عليها للثبوت فوق القمة، وأن أقل ~~خطوة مخطئة يخطوها تدهوره حتما إلى الأعماق. # الدكتور كلوت بك . # فأقام لحظة يتبصر في أمره، ويتفرس مليا بالصعاب المحيطة به، فإذا هي: # أولا: # عدم خلوص نية الباب العالي من جهته ومبدأ الديوان القاضي بعدم إبقاء وال ~~على كرسي ولاية مصر أكثر من سنة. # ثانيا: # قيام الدسائس البريطانية حوله، وسعي إنجلترا سعيا حثيثا سرا وجهارا ~~لإسقاطه وتسليم القطر المصري إلى المماليك. # ثالثا: # نزوع جنده إلى الثورات بين حين وحين تحت تأثير شتى المؤثرات. # رابعا: # قيام المماليك عليه، لرغبتهم في الانتقام منه، وفي العودة إلى منصة ~~الأحكام. # خامسا وأخيرا: # عدم التمكن من التغلب على هذه الصعاب الأربع إلا بالمال، وعدم وجود المال ~~في خزائنه، ووجوب الحصول عليه بدون تنفير قلوب الناس منه. # أما عدم خلوص نية الباب العالي من جهة، فإنه ~~ظهر جليا في سلوك القبطان باشا التالي لما بدا منه في تثبيت محمد علي على سدة خورشد، فإن ~~القبطان باشا هذا لم يبرح الإسكندرية بعد انقضاء مهمته وأقام فيها كأنه - عملا بأوامر سرية ~~- متربص للطوارئ، فكاتبه محمد بك الألفي، وعرض عليه أن يضم مماليكه إلى قوى سلحدار خورشد ~~باشا - وكان لا يزال في الجيزة ويأبى الاعتراف بولاية محمد علي - ~~وإلى الألفين والخمسمائة مقاتل الذين حضر بهم ~~القبطان باشا نفسه، وأن يزحف الجميع إلى القاهرة، فيستخلصوها من يد محمد علي، ويطردوا ~~الألبانيين من القطر، وعضد الإنجليز مقترحات صديقهم الألفي بك، ووعدوا بالمساعدة والمال، ~~وأومضوا بريق وعيد يؤخذ منه أن بريطانيا العظمى - إذا أهمل القبطان باشا إجابة طلب الألفي - ~~قد تنزل جيشا إلى الساحل يعمل بالاتحاد مع المماليك على التخلص من محمد علي. # ولكن الفرنساويين - لعدائهم للإنجليز - أفهموا القبطان باشا أنه إذا انصاع إلى محرضات ~~الألفي، وعمل باقتراحاته، أساء إلى دولته إساءة كبرى، وأساء إلى مصر إساءة أكبر؛ لأن ~~الحوادث الماضية دلت دلالة صريحة على أن محمد علي خير ms38 من يصح الاعتماد عليه في تنظيم الأمور ~~في القطر، لما بدا من عزمه وحزمه ومتانة أخلاقه، وبلغ من التحيز الفرنساوي لبطلنا أن السفير ~~الفرنساوي في الأستانة بتأثير كتابات القنصلين الفرنساويين في القطر المصري - ماتييه دي ~~لسبس ودروفتي - ما فتئ يلح على رجال الديوان بوجوب عدم التعرض لمحمد علي بسوء، لا سيما وأنه ~~محبوب من العلماء والعامة، وأنه آخذ في تجهيز مهمات حملة ضد الوهابيين، أعداء السلطنة ~~والدين. # ولم يتوان محمد علي من جهته، ولعلمه بما للهدايا من التأثير الكبير في نفوس رجال تركيا؛ ~~عن غمر القبطان باشا ورجال الديوان بها. # أما القبطان باشا، فإنه أمام هذه المؤثرات المختلفة، أقام مترددا مدة، فاغتنمها محمد علي ~~للقضاء على سلحدار خورشد باشا، واضطراره إلى التسليم، والتخلي عن جنده ومهماته، واللحاق ~~بمفرده بخورشد باشا مولاه في الإسكندرية، وأما الأستانة فإنها أصاخت سمعا إلى أقوال السفير ~~الفرنساوي، وطابت قلبا لهدايا محمد علي مرة أخرى، فأرسلت إلى القبطان باشا تأمره بالعودة ~~إلى مياه البوسفور بعمارته، فأقلع الرجل في 28 أكتوبر سنة 1805 وأخذ معه خورشد باشا، وقد ~~قال بعض المؤرخين إنهم وجدوا في مذكرات هذا القبطان ورقة كتب عليها ما يأتي، مشيرا إلى ~~محمد علي: «إني أترك خلفي رجلا سوف يصبح يوما ما أكبر متمرد على الدولة العلية، وأن ~~سلاطيننا لم يوفقوا البتة إلى سياسي داهية كهذا، ولا إلى رجل قوي العزم والحزم مثله!» # سليمان باشا الفرنساوي. # وأما مبدأ الباب العالي في عدم إبقاء وال على مصر أكثر من سنة، فإنه تجلى في ظهور عمارة ~~عثمانية في ميناء الإسكندرية في أول يوليو التالي، تحت قيادة أمير بحر غير السابق، وعليها ~~ثلاثة آلاف جندي من جنود النظام الجديد وموسى باشا والي سلانيك المعين خليفة لمحمد علي، وما ~~استقر المقام في الثغر لأمير تلك العمارة، إلا وأرسل رسولا بفرمان من الباب العالي إلى ~~محمد علي يأمره فيه بالتخلي عن ولايته إلى موسى باشا، والذهاب لتولي ولاية سلانيك ~~مكانه. # فأظهر محمد علي رغبته في الامتثال، وأرسل مع الكابجي رسولا ms39 إلى القبطان باشا يقول له إن ~~جل رغبة مولاه الابتعاد عن قطر الفتن فيه معششة ومفرخة، ولكن الجنود - ولهم متأخرات يبلغ ~~مقدارها عشرين ألف كيس - يمانعون في ارتحاله، ~~ولكي يظهر أن قوله هذا حقيقة لا إيهام ، جعل عسكرا يرافقونه أينما يتنقل، ويطالبونه ~~بعلوفاتهم جهارا، ثم أراد أن يتأكد من نفسية قواده، ومقدار عطفها عليه، فجمعهم وقال لهم ~~إنه مستعد للخضوع والطاعة والسفر، فهتف جميعهم: «ولكنا لا نسمح لك بذلك البتة!» فقال محمد ~~علي بحماسة: «أوكيف؟ أتريدون منعي من تنفيذ الأوامر التي صدرت إلي، وليس في استطاعتكم ~~المدافعة إذا ما هوجمنا؟! فجنودكم لا تفتأ عابثة بالنظام، فاتكة بالأهالي، ملحة علي في ~~كل حين بإعطائها أجورها، وأنتم رؤساؤهم وقوادهم، أتدرون كيف تعملون على إبقائهم في حدود ~~الواجب؟ وألا تفضلون لذات الراحة ونعيمها على مشقات الحروب وأخطارها؟! أنتم تتمتعون ~~بهناء بالأموال التي جمعتموها، وأنا وحدي هدف لضربات الأعداء، وأنوء وحدي بعبء الأمور ~~الثقيل، فإذا شئتم أن أبقى معكم، رفيقا أمينا وزميلا صادقا، مثلما كنت في الماضي، ~~فأقسموا لي على القرآن الشريف بأنكم لن تتركوني ولن تتخلوا عني، وأنكم تموتون إذا اقتضت ~~الحال في سبيل قضية هي قضيتنا جميعا!» # فألهبت هذه الخطبة الوجيزة البليغة أفئدة ~~جميع الحاضرين - وكانوا أكثر من سبعين زعيما - ~~فأقسموا في الحال القسم المطلوب منهم، ولكي يجعلوه مقدسا قداسة لا يتمكن أحد معها من العبث ~~به - مهما اشتدت صروف الليالي - أحاطوه بسياج، عادة ألبانية قديمة: فأمسك اثنان منهم - ~~وكانا أكبر الموجودين سنا - حسام محمد علي من طرفيه ومداه، فمر الجميع فوقه واحدا بعد ~~الآخر، ولم يكن يمكن بعد ذلك - إلا للموت - أن يحل عروة تعهد عقدت بمثل هذا الشكل. # ثم أقدم الحضور على اكتتاب فيما بينهم، فجمعوا - من وقتهم - ~~ألفي كيس سلموها إلى محمد علي، وسرعان ما أرسل ~~هذا رسولا من قبله إلى الأستانة بالتحاويل السمينة، وسرعان ما جد بعد ذلك في تجهيزاته ~~الحربية. # ثم جمع العلماء وعلى رأسهم السيد عمر النقيب والشيخ عبد الله الشرقاوي، وفاوضهم في الأمر، ~~فأجمع رأيهم ms40 على إرسال كتابة إلى الباب العالي يشرحون له الحال، ويعرضون بالأمراء ~~المماليك بجارح الكلام، ويحبذون أعمال محمد علي، ولكن بكياسة لا تجعل مجالا للاعتقاد بأن ~~الكتابة موحى بها منه، ثم إذ أتاهم كتاب من القبطان باشا يعرفهم فيه بما قر عليه رأي ~~الديوان، سألوا محمد علي عما يجب أن تكون إجابتهم عليه، فقال لهم: «سأرسل إليكم غدا بصورة ~~الرد.» وفي اليوم التالي أرسلها إليهم فنسخوها، وإذا بها تقول للقبطان باشا إن الجند قد لا ~~يطيعون أميرهم، وقد يثورون إذا علموا باضطراره إلى الرحيل، فيعبثون بالأمن والنساء، وسموه ~~رحيم لا يرضى بذلك. # فاتضح من هذا جميعه أن محمد علي مصمم عل عدم تنفيذ أوامر الديوان، وأن لا شيء يحوله عن ~~تصميمه، وفاتح - هو نفسه - بعض أخصائه في الأمر، فقال لهم: «أيظنون أن مصر دار حمام مفتوحة ~~يدخلها من يشاء؟ إني قد اكتسبتها بحد حسامي! ولن أتخلى عنها إلا مكرها بقوة السلاح، أنا ~~أعرف الأتراك؛ هم قوم يبيعون أنفسهم إذا وجدوا من يشتريها، فأنا سأشتريها، قد فزت بالولاية ~~العام الماضي وأنا على رأس خمسمائة جندي فقط مقلقلي العزم، أفأتخلى عنها اليوم ولدي ألف ~~وخمسمائة بطل كلهم ولاء لي؟!» # وبينما موسى باشا على ظهر سفينة يلح على القبطان باشا بتنفيذ أوامر الديوان، وبينما ~~القنصل البريطاني بالإسكندرية يهتم اهتماما فائقا لحمل القبطان على العمل، ويرسم له خططا ~~للهجوم، ويجند أرواما وإيطاليين في الإسكندرية ويرسلهم مددا إلى الألفي الذي كان في ذلك ~~الوقت يحاصر دمنهور، ويجتهد في تفهيم محمد علي بأن إنجلترا تضمن له البقاء واليا على ~~سلانيك إذا هو رضي بالذهاب إليها، وبينما الألفي - وكان قد وعد الأستانة بألف وخمسمائة كيس، ~~بضمانة الخزينة البريطانية، إذا هي أخرجت محمد علي من مصر - يجد لحمل باقي الأمراء على ~~الاشتراك معه في دفعها ولا يفلح؛ أقبل قنصل فرنسا يضع الألغام تحت مساعي زميله القنصل ~~البريطاني، ويحول إلى محمد علي خدمة خمسة وعشرين مملوكا فرنساويا كانوا تحت لواء الألفي، ~~وما فتئ يؤكد للسفير الفرنساوي في الأستانة أن محمد ms41 علي صديق صدوق لفرنسا، وأن بقاءه واليا ~~على مصر يتفق دون وجود سواه - أيا كان - مع ~~المصالح الفرنساوية في القطر، وأقبل السفير الفرنساوي في الأستانة يعضد مساعي الرسول الذي ~~أرسله محمد علي إليها بالحوالات السمينة، ويعضدها بكل النفوذ الذي كان يستمده من مولاه ~~ناپوليون الأول، صاحب الكلمة العليا في أوروبا، بعد أن قهر النمساويين والروس في وقعة ~~اوسترلتز سنة 1805. # فبعث الديوان إلى القبطان باشا يكل إليه التصرف المطلق في الأمر، وكان القبطان باشا قد ~~أرسل مندوبا إلى الألفي ليأتيه بالألف والخمسمائة كيس السابق ذكرها، فعاد المندوب إليه ~~وقال: «إن الأمير محمد بك الألفي، لعدم تمكنه من الاتفاق مع زملائه على أن يقوموا جميعهم ~~بدفع ذلك المبلغ، يعرض على سموكم أن تقبلوا منه وحده خمسمائة كيس!» فاستشاط القبطان غيظا ~~وقال: «أيظن هذا الرجل أن لحية الصدر الأعظم ولحيتي هزأة؟!» وأقبل في الحال على مخابرة محمد ~~علي في اتفاق يبرمانه. # فاستقر الرأي على أن يدفع محمد علي أربعة آلاف كيس، وأن الديوان والقبطان يبقيانه مقابل ~~ذلك في منصبه، على أن يعود العلماء والأعيان إلى التماس ذلك بعريضة؛ لكيلا يقال إن ذمة ~~الديوان اشتريت، فكتب العلماء والأعيان العريضة وسافر إبراهيم بك ابن الوالي الأكبر ~~بها وبهدايا فاخرة إلى أمير البحر، وبقي رهينة حتى يفي أبوه بتعهده المالي، وأرسل القبطان ~~باشا كتخداه إلى القاهرة بالمرسوم المثبت محمد علي في ولايته، على أن يمتنع عن محاربة ~~المماليك ويتصالح معهم، ففرحت القاهرة ثلاثة أيام متواليات. # وأقلع القبطان باشا في اليوم الثالث من أكتوبر بعمارته، وعاد بموسى باشا والي سلانيك من ~~حيث أتى به، وفي 2 نوفمبر - وكان محمد علي قد دفع الأربعة آلاف كيس - قدم كابدجي من ~~الأستانة بفرمانين: أحدهما يقر محمد علي على سدته، والثاني يأمره بتسفير الحج والمحمل ~~وإرسال ستة آلاف إردب بر إلى جدة. # واستمر الأمر كذلك من دفع أموال سنويا، وتثبيت سنوي، حتى استتبت قدما محمد علي، وأصبح ~~مركزه في مأمن من تقلبات أهواء الديوان. ~~••• # على أنه لم يثبت في مأمن من ms42 دسائسه ومكائده إلا بعد أن قضى كتخداه محمد بك لازوغلو على ~~لطيف باشا، آخر من استعمله الديوان لاستخلاص مصر من يدي محمد علي. # وتفصيل ذلك أنه كان بين مماليك محمد علي المقربين إليه شاب يقال له لطيف أغا، كان محمد ~~علي يحبه جدا، وبالغ في تقريبه إليه حتى جعله أمين خزنته الخاصة. # ولما أتت الأنباء باستيلاء الجيوش العثمانية على المدينة المنورة واستخلاصها من أيدي ~~الوهابيين أرسله بالبشائر إلى دار السعادة؛ لعلمه بأن ذلك سينيله حظوة عند الديوان ~~والسلطان، وفي الواقع فإن الأستانة أنعمت على لطيف أغا برتبة الميرميران، ولما رأته شابا ~~معجبا بنفسه ومنفوخا، وقع في خلدها أن تستعمله آلة للتخلص من محمد علي، ففاتحته في الأمر، ~~فقال لطيف إنه من السهل جدا القيام بتنفيذ رغائب الباب العالي، لا سيما وأن محمد علي عازم ~~على التوجه بنفسه إلى البلاد الحجازية عن قريب؛ ليباشر بنفسه إدارة رحى الحرب ضد الوهابيين، ~~فتقدم غيبته عن القطر المصري خير فرصة لقلعه عن سدته، وأنه - هو لطيف باشا - يتعهد ~~بالقيام بهذه المأمورية إذا حسن لدى الباب العالي تقليده إمارة مصر، فما كان من الديوان إلا ~~أنه أجابه إلى طلبه في الحال، وسلمه فرمان تعيينه واليا على مصر، وأصحبه إليها بخط شريف ~~ينبئ بذلك فوضعهما لطيف في جيبه وعاد إلى القاهرة، وأخذ يترقب الفرص، ومع أنه لم يطلع على ~~السر الخطير المختبئ في جيوبه إلا أقرب الناس إلى فؤاده، إلا أنه - للغرور والطيش المتغلب ~~على طبعه - أظهر من تغير في أخلاقه، وشموخ في معاملاته، وخيلاء في حركاته وسكناته؛ ما حول ~~قلب محمد علي عنه، وما جعل هذا الأمير - عند مغادرته عاصمته للذهاب إلى البلاد العربية ~~لقتال الوهابيين - يوصي كتخداه بمراقبة تصرفات ذلك الشاب المغرور شديد المراقبة، فقام ~~الكتخدا بالوصية خير قيام، لا سيما وأنه كان يكره من الأصل لطيفا، وزاد حقده عليه ما شرع ~~يراه من غطرسة فيه وإقدام - بعد سفر محمد علي - على إنفاق النقود بسخاء ليزيد عدد ~~مريديه. # وليأخذ عليه خط الرجعة باغته ذات ms43 يوم بدعوة إلى اجتماع يعقد في القلعة للنظر في بعض ~~الشئون، وخيره بين أن يحضر إليه من وقته أو يغادر الديار، فأسقط لطيف في يده وارتبك أمره، ~~وما أفاق إلى ما يجب عليه عمله إلا وبيته يحيط به العسكر، فأطلق عليهم الرصاص الذي كان ~~عنده، ولما فرغ منه خبأ كنزه ونساءه ومملوكا له في مخبأ وانسل من طريق سري إلى بيت ~~خازنداره وكان يجاور بيته، واختفى عنده. # أما العسكر، فبعد أن كسروا أبواب المنزل المحاصر ودخلوه قلبوه، رأسا على عقب، فعثروا ~~بالنساء والمملوك والكنز، ولكنهم لم يجدوا لطيفا، فأقاموا متربصين، فلما كان مساء الغد ظن ~~لطيف أن بيت صديقه قد تتجه إليه الظنون، ووقع في خلده أن يصعد إلى سطحه ويقفز منه إلى السطح ~~المجاور ومن هذا إلى السطح الذي بعده وهكذا حتى يبعد كثيرا عن منزله، ويتمكن من الابتعاد ~~بسلام عن العاصمة ريثما تتهيأ فرص أوفق، ففعل، ولكن بينما هو يحاول القفز من سطح صديقه، بصر ~~به جندي كان على سطح مجاور يستنشق نسيم المساء، وأوقع الصوت في الجيرة، فرماه لطيف برصاصة ~~من بندقية كانت معه فقتله، ولكن دوي الطلقة فعل ما لم يفعله صراخ المقتول؛ فإنه أرشد إلى ~~القاتل مساعي الباحثين عنه، ولم تمض سويعات قليلة إلا وبات لطيف مكبلا بالحديد وسيق إلى ~~الكتخدا لمحاكمته، فجمع الكتخدا الديوان شكلا، واستصدر منه حكما بالإعدام. # فسيق لطيف إلى عرصة تحت سلالم السراي بالقلعة، وقطع هناك رأسه يوم 8 نوفمبر سنة 1814 وهو ~~يبكي وينتحب ويطلب العفو بتوسل، والآذان حوله والقلوب لا تسمع ولا تشفق. ~~••• # أما قيام الدسائس البريطانية حوله وسعي إنجلترا سعيا حثيثا إلى إسقاطه فقد تجلى فيما ~~سبق لنا ذكره عرضا فيما مضى من الكلام، ولما لم يفلح ذلك جميعه أرسلت بريطانيا العظمى حملة ~~على مصر تحت قيادة الجنرال فريزر، وأنزلتها في العجمي يوم 17 مارس سنة 1807، فاستولت هذه ~~الحملة على الإسكندرية، بدون قتال بعد يومين فقط من وصولها تحت أسوارها، بتأثير القنصل ~~البريطاني السيئ على محافظها أمين أغا، ms44 وبالرغم من كل ما بذله لذلك المحافظ من نصائح ~~وتشجيعات القنصل الفرنساوي، الذي لم ير بدا - بعد وقوع المدينة - من الفرار إلى رشيد؛ ~~هربا من سقوطه في أيدي الإنجليز. # فأسرع الجنرال فريزر وبعث فرقة تحت قيادة الجنرال ويكب للاستيلاء على رشيد، فدخلتها في 29 ~~مارس بلا قتال، فظنت لذلك أنها إنما أرسلت إلى نزهة عسكرية وأن المدينة خالية من حماة، ~~فاطمأنت وانتشر جنودها هنا وهناك وانطرحوا في ظل البيوت والأشجار للراحة، وتخلى معظمهم عن ~~أسلحتهم ليناموا. # فاغتنمها علي بك محافظ المدينة فرصة جميلة، وسار إليهم بالحامية المؤلفة من خمسمائة جندي ~~وهاجمهم على غرة، وأخذ الأهلون يصلونهم نارا حامية من النوافذ والسطوح، فما هي إلا لحظة ~~وقتل الجنرال ويكب ودب الرعب إلى قلوب جنوده، ولولا أن الأتراك أضاعوا الوقت في قطع رؤوس ~~الواقعين لما نجا من الإنجليز أحد، ولكن حماة رشيد أسروا - مع ذلك - مائة وعشرين منهم، ~~فوضعوهم في مراكب، ووضعوا فيها بجانبهم تسعين رأسا مقطوعة، وسيروا الجميع إلى العاصمة، ~~فشكت الرؤوس هناك على حراب، وغرست الحراب في جانبي بركة الأزبكية، لتتفرج عليها ~~العامة. # ولما بلغ نبأ هذا الفوز محمد علي استدعى العلماء، فأخبروه بأن الشعب مستعد للزحف إلى ~~مقاتلة الكفار، فقال لهم محمد علي: «إن جنودي تتكفل بالقضاء عليهم، ولست أطلب من الشعب إلا ~~دفع الضرائب!» ورجا السيد عمر مكرم النقيب بتحصيل تسعمائة كيس من أهل العاصمة، ثم شرع في ~~تحصينها بسرعة وإقامة الاستحكامات والمتاريس حولها، ونصب بطاريات المدافع في الجزيرة أمام ~~إمبابة وفي أماكن أخرى، فاشترك العلماء مع الشعب في العمل بحماسة متناهية. # ووجه محمد علي فرقة من جنده عددها أربعة آلاف مقاتل كانت عائدة من الصعيد حيث كانت تقاتل ~~المماليك، إلى الشمال تحت قيادة كتخداه، فلما بلغت منوفا انقسمت قسمين: قسم تحت قيادة ضابط ~~يقال له حسن باشا، سار على شاطئ النيل الأيسر، وقسم تحت قيادة الكتخدا، سار على شاطئ النيل ~~الأيمن. # وكان الجنرال فريزر في الأثناء - لرغبته في الثأر لشرف الجيش البريطاني - قد سير حملة ~~أخرى إلى ms45 رشيد مؤلفة من أربعة آلاف رجل تحت قيادة الجنرال ستيورت، فاستولت على حماد، وأقامت ~~على آكام أبي مندور بطاريتين، أخذتا تطلقان قنابلهما على المدينة، وإذا بالفرقة التي يقودها ~~حسن باشا ظهرت أمام الجيش البريطاني، وانفصلت منها قوة مؤلفة من مشاة وفرسان وهاجمت حماد، ~~فردت على أعقابها، ولكن بلكا من البلكات الخمسة الإنجليزية التي صدتها تاه وهو يتعقب ~~أثر المرتدين وضل عن رفاقه، فلما رآه فرسان الترك والألبان بعيدا عن معسكره كروا عليه ~~وأحاطوا به، وقتلوا عشرين من رجاله، وأسروا خمسة عشر، ثم قطعوا رؤوس المقتولين والجرحى، ~~وذهبوا بها - علامة لنصرهم - إلى بونيال، حيث كان قد وصل الكتخدا وعسكره، فقام في الحال ~~بفرقته، وانضم إلى فرقة حسن باشا، وسار بجنده مجموعا واجتاز به النيل، وأقامه على بعد فرسخ ~~فوق معسكر الجيش الإنجليزي. # فأول ما علم الميجر ووجلسند، قائد القوات البريطانية في حماد بهذه الحركة، بعث إلى ~~الجنرال ستيورت يطلب منه مددا، فأمر هذا الكرنل مكلود بالذهاب مع خمسة بلكات لنجدته، ولما ~~كان يوم 22 أبريل، تحرك الترك في الساعة السابعة صباحا، وتقدموا للهجوم، فرأى الكرنل مكلود ~~أن مركزه غير أمين، فانسحب إلى بحيرة إدكو، وأضاف إلى هذه الغلطة غلطة تقسيم قوته إلى ثلاثة ~~أقسام، كل واحد منها بعيد جدا عن الآخر، فهاجم فرسان الترك بعنف يمنة هذه القوى، وداسوا ~~تحت حوافر جيادهم مائتي رجل كانوا هناك تحت قيادة الميجر مور، وأسروا قائدهم هذا، ثم تعدوا ~~إلى القلب، فنظم الكرنل مكلود مائة اسكتلندي مربعا، وقاوم المهاجمين ببسالة، وأبعدهم عنه، ~~فلما رأت مشاة الأتراك ذلك، أسرعت إلى نجدة الفرسان، فرأى مكلود أن يعمل على الاقتراب من ~~الميجر ووجلسند، ولكنه أصيب إذ ذاك بجرح مميت في رأسه، فقام مكانه يوزباشي يقال له ميكاي ~~وحاول إتمام الحركة المرغوب فيها، ولذلك غير نظام الجند من مربع إلى كتيبة عمودية، فما رأى ~~الفرسان ذلك إلا وتدفقوا عليها كالسيل الجارف وأعدموها ما عدا سبعة من رجالها واليوزباشي؛ ~~فإنهم تمكنوا من الانضمام إلى ووجلسند، حينئذ تجمهرت قوى الأتراك كلها، ms46 وانقلبت على هذا ~~الأخير، وكان - مع بلكاته الخمسة ومدفع واحد فقط - مقيما على منخفض من الأرض تحيط به ~~آكام رمل، فلم يستطع المقاومة بفائدة، واضطر عقب قتال عنيف، وبعد أن فقد نصف رجاله، إلى ~~تسليم سلاحه. # فلما نظر الجنرال ستيورت ما آل إليه القتال، لم ير أن في استطاعته البقاء في مركزه، ~~واعتبر الانسحاب الوسيلة الوحيدة للنجاة، فأمر به، بعد أن أتلف ذخيرته وسمر مدافعه، وما زال ~~يرتد، والجيش التركي يتعقبه، حتى بلغ خليج أبي قير، حيث كانت في انتظاره مراكب عادت به إلى ~~الإسكندرية، هكذا فاز نجم محمد علي على نجم بريطانيا العظمى في ذلك اليوم! وكان فوزا ~~مبينا، أثبته لشعب القاهرة وصول خمسمائة أسير إنجليزي، ومرورهم منهوكي القوى، لاهثين ظمأ ~~أمام رؤوس رفاقهم المشكوكة على الحراب في الأزبكية! # بعد هذه الكسرة لم تقم للحملة الإنجليزية قائمة، فإن الجنرال فريزر اكتفى بفصل الإسكندرية ~~عن باقي القطر، بقطعه حاجز بحيرة مريوط، وأقام ينتظر ما تسفر عنه مفاوضات رسل أرسلهم إلى ~~المماليك ليذكرهم بوعود الألفي، ويحضهم على الانضمام إليه، لاسترجاع الأحكام إلى أيديهم، ~~كما كانت قبل الحملة الفرنساوية، ولكن المماليك، لما علموا ما أصاب الإنجليز من فشل، صموا ~~آذانهم عن سماع ذلك الحض، وأظهروا للرسول كبير اندهاشهم من أن جندا كالأتراك والألبان لم ~~يكونوا - هم المماليك - يعبئون بهم؛ يفوزون ~~مثل ذاك الفوز البين على جنود أوربية منظمة، فلم يبق للجنرال فريزر سوى الانسحاب، وبينما ~~محمد علي يتأهب للزحف إليه بثلاثة آلاف من المشاة وألف فارس بمدفعية جيدة، أتاه من لدنه ~~مندوب ليفاوضه في شأن الجلاء عن الإسكندرية، وكان ذلك بأمر من الوزارة البريطانية، اضطرت ~~إلى إصداره على أثر عقد معاهدة تلست بين ناپوليون وإسكندر إمبراطور الروس، وتفرغ ناپوليون ~~لقتال الإنجليز في صقاليا. # فقال محمد علي للمندوب إنه قائم بنفسه للاقتراب من الجنرال فريزر ومفاوضته مباشرة، وسار ~~في الحال إلى دمنهور، حيث قابل الجنرال شربروك المرسل لملاقاته من الجنرال فريزر، فأبدى له ~~طلبات الإنجليز، ولم تكن سوى التماس إعادة أسراهم إليهم، فأجابه ms47 محمد علي إلى ذلك، وأرسل ~~يستدعي الأسرى من مصر، فلما وصلوا سلمهم إلى قوادهم، فاستعد الإنجليز للرحيل، وفي يوم 14 ~~سبتمبر سنة 1807 أقلعت عمارتهم بهم، واستلم محمد أغا طبوز أوغلو الكتخدا مدينة ~~الإسكندرية. # 14 سبتمبر! ألا ليت شعري! من كان يدري أهل ذلك العصر ~~- الفائزين والمهزومين على السواء - أن حملة ~~إنجليزية أخرى سوف تقدم إلى البلاد بعد خمس وسبعين سنة، وتحتل عاصمتها وقلعتها في يوم 14 ~~سبتمبر هذا عينه، فتقلبه من تذكار سنوي لنصر باهر إلى تذكار سنوي لخطب جلل يوجب احتجاجا ~~دائما؟! # ولما علم محمد علي بانسحاب الإنجليز، ودخول جنوده الإسكندرية، أسرع إليها، ودخلها على دوي ~~المدافع وفي وسط تهاليل الشعب ومظاهر ابتهاجه! # هكذا انقضت تلك الحملة الإنجليزية المشئومة الطالع، وهكذا زال عن محمد علي أكبر خطر هدد ~~سلطته الناشئة، فهنأته الأستانة على فوزه، وأعادت إليه ابنه إبراهيم بك. # ولكن إنجلترا حفظتها له ضغينة، لم تنسها مدى الدهر. ~~••• # وأما روح التمرد في العسكر، فإنه كان يكاد لا يفارق الجنود غير النظاميين البتة، وكان كل ~~فوز يحرزونه ينميه فيهم نموا هائلا، وذلك بالرغم من أن محمد علي طهر عسكريته من الطوائف ~~الأكثر نزوعا إلى العصيان، والعبث بالطمأنينة والأمن، (كالدلاة، مثلا، فإنه، بعد جلوسه ~~على السدة بمدة يسيرة، صرفهم عن القطر، وكلف فرقة ألبانية بمرافقتهم حتى التخوم السورية، ~~على أنهم لم ينجلوا إلا بعد أن نهبوا الوجه البحري نهبا مخيفا ترتعد له الفرائص لدى قراءة ~~تفاصيله في الجبرتي)، وبالرغم من أنه لم يفتأ متيقظا لإخماد كل فتنة تبدو من الباقين، ~~ولكبح جماح كل من تنكب عن جادة النظام العسكري، ليعكف على النهب والسلب، ولكن تيقظه هذا ~~عينه كثيرا ما أثار حول سدته أنواء وأعاصير كادت تذهب بها، المرة تلو المرة. # بوغوص بك أحد أعوان محمد علي في المسائل المالية. # ففي سنة 1807 هذه عينها، وعقب الفوز على الحملة الإنجليزية رأى محمد علي من نزوع جنده إلى ~~السلب، ومن تخليهم عن راياتهم، وانسلالهم جماعات جماعات إلى الريف والعاصمة للنهب والفتك ~~بالأهلين؛ ms48 ما رأى معه وجوب تأديبهم تأديبا صارما، وكانوا أكثر من عشرة آلاف، فغادر ~~الإسكندرية إلى رشيد حيث رمم السور والحصون، وسار بمركب في النيل إلى مصر، ولكن المركب ~~انقلبت به أمام وردان، فاجتاز النهر سباحة، وتابع بقية سفرته راكبا، وإذا بالجواد - على ~~غير عادته - كبا وسقط على الأرض، كما كبا جواد ناپوليون الأول به بعد اجتيازه نهر ~~النيمين. # فتطير أتباع الباشا من الأمرين، وباتوا يعتقدون قرب وقوع شر. # وقد وقع فعلا؛ فإن الجند لما أقبل محمد علي يخمد روح التمرد فيهم ثاروا عليه وأطلقوا ~~نيران بنادقهم على منزله، ولم يبد حرسه الشخصي إلا دفاعا واهيا عنه. # فأدرك محمد علي في الحال خطورة الموقف وحرجه المتناهي، وقبل أن يتفاقم الخطب، وتسري روح ~~العصيان إلى أخصائه، تخفى وتخفى معه أصدقاؤه والموالون له والمماليك الفرنساويون الذين ~~رأيناهم ينضمون إليه، وسار الجميع بكنوزهم إلى القلعة. # فلما فطن الألبانيون الثائرون إلى ذلك أقبلوا أولا ينهبون سراي محمد علي، ثم انقسموا على ~~أنفسهم، فمنهم من قال بوجوب الانضمام إلى الترك والعمل معا على ما فيه المصلحة العامة، ~~ومنهم من أبى إلا العمل على انفراد، بدون اعتراف بأية سلطة تكون، ورأى غيرهم أن العمل في ~~غير نهب الأهلين وسلبهم وخطف النساء والأولاد؛ مضيعة للوقت. # فاضطربت القاهرة أيما اضطراب، واختلت الحياة فيها إلى درجة أنست القوم الاحتفال برؤية ~~رمضان! فتداخل العلماء والنقيب في الأمر وما زالوا بمحمد علي حتى حملوه على الصفح عن ~~الثائرين ومنحهم ألفي كيس، وما زالوا بالثائرين حتى حملوهم على قبول المبلغ والاكتفاء به، ~~والإخلاد إلى السكينة، ولكن أتدري أيها القارئ، من دفع هذا المبلغ؟ أهل القاهرة المساكين؛ ~~فإنه وزع عليهم بواسطة شيوخهم، وكانت تعزيتهم الوحيدة أن توزيعه لم يقترن بجور أو عسف. # مختار بك أول ناظر للمعارف في مصر. # وكان محمد علي، مذ رأى حركات الجيش البوناپرتي والجيش الإنجليزي الأول الذي أخرج ~~الفرنساويين من مصر؛ معجبا جدا بالجيوش النظامية، ومقتنعا بأن السر في انتصارات الجيش ~~البوناپرتي - على الأخص - على المماليك ~~والعثمانيين راجع إلى حسن ms49 نظامه، فكان يمني نفسه بإنشاء جيش على طرازه، وزادت رغبته في ~~ذلك لما علم أن السلطان سليما الثالث أقبل على إخراج هذه الفكرة عينها إلى الوجود، ولكن ~~الثورة الانكشارية التي أثارها على ذلك السلطان المنكود الطالع عمله هذا؛ فثلت عرشه وذهبت ~~بحياته؛ جعلت محمد علي يؤجل تحقيق أمنيته. # غير أنه بات لا يستطيع على تحقيقها صبرا، بعد أن توالت الانكسارات على جيشه غير المنظم ~~في حروبه مع الوهابيين، ولا سيما بعد حادثة لطيف باشا التي رويناها؛ فإن هذه الحادثة جعلته ~~يعتقد أنه مهما أدى للديوان من خدمات، فإنه لن يؤيده إلا رغبة في تنزيله عن سدته، وشوقا ~~إلى تحقيق هذه الرغبة، وقد كان محمد علي حتى ذلك الحين صادق الولاء والإخلاص للسلطان، لا ~~يطمع إلا في أن يكون ذراعه الأيمن وخادمه المطيع، ولكن الريب انتشرت في قلبه بعدئذ، وصمم من ~~ذلك الحين على الاستقلال بمصر، ولعلمه بأنه لم يكن لديه جند خاص به، مقسم يمين الولاء ~~والطاعة لشخصه، جند مدرب على الطريقة الغربية، يمكنه أن يعتمد عليه كل الاعتماد في درء ~~الملمات والتغلب على المحن، فإن تصميمه على الفوز بالاستقلال قد لا يذهب أدراج الرياح فحسب، ~~بل قد يفقده عرشه؛ أخذت الرغبة في تحقيق أمنيته من إنشاء نظام عسكري جديد لا تترك في صدره ~~مجالا للصبر. # ففي أواخر يوليو سنة 1816 أصدر أمره بإنشائه، وبصفة مستعجلة، فهاج ذلك سخط الجند لا سيما ~~الألبانيين منهم، فإنهم صاحوا: «إن هذه لبدعة، وكل بدعة في النار!» وشرعوا يقتلون الضباط ~~المكلفين بالتعليم والتدريب في الشوارع، بل في ساحة المناورات ذاتها، فاتخذ محمد علي ضد ~~البعض منهم إجراءات صارمة، فما كان من بعض كبار الزعماء إلا أنهم دبروا مؤامرة لاغتياله، ~~وفي مساء 3 أغسطس اجتمع ثلاثة منهم في منزل زميل لهم اسمه عابدين بك، كان قد عاد حديثا من ~~بلاد العرب، وطفقوا يتكلمون معه في الأمر، لكي يستميلوه إليهم، وأطلعوه على ما قر عليه ~~الرأي من مباغتة محمد علي في منزله لدى بزوغ فجر الغد، ms50 وألحوا عليه بأن يكون عونا لهم، ~~ويشاركهم في عملهم، فتظاهر بالقبول، ثم تذرع بحجة، فتركهم وتنكر، وركب حمارا، وأسرع إلى ~~محمد علي وأطلعه على ما قيل له، ثم عاد إلى منزله، ولم يدر أحد من الموجودين فيه بما ~~تم. # فأسرع محمد علي واستدعى إليه فرقة من الجند كان يثق بها، فأقامها على حراسة قصره، وأخذ ~~معه نفرا عديدا من المخلصين له الولاء، وسار بهم إلى القلعة، فدخلها في منتصف الليل من ~~باب الجبل. # ولما بزغ الفجر رأى زعماء المتآمرين أن التدبير قد خاب، فخافوا وما حركوا ساكنا، ولكن ~~الجند البسيط أبى إلا الاندفاع في تيار فتنة عسكرية هائلة، لم يعد لها من غرض سوى النهب ~~والسلب، وما عتمت نارها أن خبت من تلقاء نفسها؛ لأنها كانت فتنة لا يديرها رؤساء، على أن ~~محمد علي اضطر مع ذلك أن يعد بقسم صريح بعدم العود إلى فكرة إنشاء النظام الجديد، ولكنه ~~اشترط من جهته أن لا يحمل الجند أسلحتهم إلا متى كانوا في الخدمة. # هذه المؤامرة ونتائجها جعلته يدرك أنه لا سبيل له إلى تحقيق أمنيته إلا إذا تخلص من ~~جماهير الجند المأجور غير النظامي الذي تساعد به على البلوغ إلى الذروة، فما انفك يرسل ~~فيالقه الواحد تلو الآخر إلى البلاد العربية؛ أولا لمحاربة الوهابيين، فإلى مجاهل ~~السودان، ثانيا للبحث عن مناجم الذهب والإتيان بالعبيد، حتى تمكن من إفناء أكابر الزعماء ~~المعارضين في إنشاء النظام الجديد، ومعظم القوات المتململة والمتذمرة منه، وتسنى له بذلك ~~التخلص من تمردات الجند، والنظر بطمأنينة إلى المستقبل. ~~••• # وأما المماليك فإن محمد علي لم يجعل عينيه تغفلان لحظة عن أن النزاع بينه وبينهم لم يكن ~~بنزاع على السلطة والحكم فحسب، بل كان نزاعا على البقاء والحياة، وأنه يلزمه إذا أن يبرز ~~لهم تارة في جلد الثعلب، وطورا في جلد الأسد، وفقا للفرص والظروف، فأول ما كان من أمره ~~معهم أنه أرسل إليهم من أخصائه رجالا عرضوا عليهم إدخالهم في العاصمة خلسة، إذا هم أتحفوهم ~~بمبلغ من المال عينوه ms51 لهم، فاطمأن المماليك إليهم لما رأوا كلامهم معززا بكتابات من السيد ~~عمر مكرم ومن أكابر المشايخ، واعتقدوا أن الرأي العام عاد إلى العطف عليهم، وكان النيل قد ~~بلغ الوفاء، فاتفقوا على اغتنام فرصة خروج الوالي مع الناس للقيام بمراسم العيد، والدخول ~~إلى العاصمة على غرة من الجميع، ولكن محمد علي أمر بقطع الخليج في الليل وبترك أبواب ~~المدينة مفتوحة بلا حراس، فلما أتاها المماليك ووجدوها على تلك الحالة، توطد فيهم اليقين ~~بنجاح المؤامرة، ودخلوا في كبكبة عظيمة، وخلفهم نقاقير كثيرة وجمال وأحمال، وقصد فريق منهم ~~الجامع الأزهر، وذهبوا إلى بيت السيد عمر، فأغلق في وجههم الباب، فقصدوا بيت الشيخ عبد الله ~~الشرقاوي ودخلوه، فوافاهم السيد عمر إليه. # وفي تلك الأثناء سار فريق آخر إلى باب زويلة وتقدم إلى جهة الدرب الأحمر، فأطلق عليهم ~~العساكر الساكنون هناك الرصاص، فرجعوا القهقرى، وإذا بفرقة من الجند قد أخذت عليهم الطريق، ~~ففقدوا صوابهم، وترجل بعضهم ولجأ إلى جامع البرقوقية، وذهبت طائفة كبيرة منهم تعدو بخيولها ~~إلى جهة باب النصر، فإذا به قد أقفل. # فنزلوا هم أيضا عن خيولهم، وتسلق بعضهم الأسوار، فنجا بنفسه، وتفرق آخرون في العطوف ~~واختفوا في الجهات، وأما الذين دخلوا في جامع البرقوقية، فإن اثنين منهم فقط تمكنوا من ~~الخروج والذهاب إلى المماليك النازلين في بيت الشيخ عبد الله الشرقاوي، وبعد أن أخبروهم ~~بالواقع فر الجميع، وأما الباقون فإن العسكر احتاطوا بهم، وأحرقوا عليهم الباب، وهاجموهم ~~وقبضوا عليهم، وعروهم من ثيابهم، وأخذوا ما معهم من الذهب والنقود والأسلحة، وذبحوا منهم ~~نحو الخمسين ذبح الأغنام، وسحبوا خمسين آخرين عراة موثوقي الأيدي إلى محمد علي، وكان قلقا، ~~ينتظر نتيجة تدبيره، فلما رأى المماليك يساقون إليه على تلك الحال ابتهج وجهه بفرح قلبه، ~~فوجه الكلام إلى أحمد بك تابع البرديسي، وكان - حين الاستيلاء على دمياط في أيام خسرو - قد ~~عين أميرا عليها، وقال له متهكما: «أوقعت في الشرك يا أحمد بك؟» فطلب هذا ماء، فحلوا ~~وثاقه وقدموا له قلة، فخطف في الحال يطقانا من ms52 وسط بعض الواقفين، ووثب على الباشا يريد ~~قتله، فصعد محمد علي بسرعة بضع درجات من سلم بيته، ونجا بذلك من الموت، وتكاثر القوم على ~~أحمد بك وأثخنوه جراحا، فوقع ميتا، ولكن بعد أن قتل بعض أنفار من مهاجميه، ثم وضع باقي ~~المأسورين في القيود وربطوا في حوش الدار، وهم على حالتهم من العري والذل، وفي اليوم الثاني ~~أحضر جزارون وأمروا بسلخ رؤوس القتلى بين يدي أولئك المعتقلين وهم ينظرون، وأحضرت جماعة من ~~الإسكافيين، فحشوها تبنا وخيطوها، ثم لما جن الليل قتل المعتقلون أيضا وعمل برؤوسهم ما ~~عمل برؤوس رفاقهم في الصباح، وأرسلت الرؤوس كلها إلى الأستانة برهانا على الإيقاع ~~بالمماليك، وكانت هذه ضربة قوية فلت عزم الأمراء، فابتعدت جموعهم عن مصر، وذهبت إلى ~~أسيوط. # وبينما محمد علي يتجهز لقتالهم، إذا بعون أتاه من حيث لم يكن لينتظر؛ فإن ملاك الموت مر ~~في أواخر سنة 1806 بمظال عثمان بك البرديسي أحد زعيمي الأمراء الكبيرين، متقمصا في شخص ~~طبيب مغربي أرسل إليه من مصر ليعالجه من حمى صفراوية انتابته، فأرداه وهو في الثامنة ~~والأربعين من عمره، فخلص محمد علي بذلك من عدو باسل كان بمثابة سيف بتار مسلول أبدا في ~~وجهه، وقد رأت بلدية الإسكندرية، في عهد خلفاء الباشا العظيم من أسرته الفخيمة أن تطلق اسم ~~ذلك البطل المهيب والفارس الصنديد على أحد شوارعها تخليدا لذكره، وبمثابة اعتراف من محمد ~~علي - وهو في جنة الخلد، حيث لا عداء بين ساكنيها - بفروسية ذلك العدو وشجاعته وشدة بأسه، ~~ومحمد علي خير من يعترف لعدو بالفضل الذي فيه! # وكان الألفي - الزعيم الكبير الثاني - بعد أن حاصر دمنهور مدة، واضطره إلى رفع الحصار ~~عنها امتناع الأقوات عنه بسبب هجر فلاحي الريف المجاور بلادهم حوله، قد سار إلى الصعيد، ~~والغيظ والحنق يملآن فؤاده، فجاءه رسل من لدن الأميرين إبراهيم بك الكبير وعثمان بك حسن، ~~يدعونه إلى وضع خطة سير يتبعها الكل تحت زعامته، فتقدم الألفي نحوهما، وهو قليل الوثوق ~~بإخلاصهما، وأتى وأقام معسكره في شبرامنت، ولكنه كان ms53 مكتئب المزاج، حاده إلى درجة لم يكن ~~أحد ليجسر معها، أن يخاطبه. # وفي ظهر يوم 30 يناير سنة 1807 خرج للتنزه راكبا، لا يتبعه إلا بعض الحراس على أقدامهم، ~~فرأى عربانا من جيشه حطوا بجمل في حقل مزروع غلة، وأقبلوا يتلفونه، فاشتعلت ثورة الغضب في ~~رأسه، فانقض على أولئك الناس، وقتل بيده أربعة منهم، بينهم شيخ من مشايخ القبائل، ولكن هذا ~~الانفعال الشديد قلب كل كيانه، فلما عاد إلى خيمته اعتراه قيء مستمر كله دم، وما لبث الأمير ~~قليلا إلا ورأى ملاك الموت قادما نحوه بمنجله المهلك، فقال: «لقد قضي الأمر، وبات القطر ~~المصري من نصيب محمد علي، لا ينازعه فيه منازع!» # ثم بعث واستدعى رجال لوائه، فأوصاهم بعضهم ببعض خيرا، وأوصى بدفنه في البهنسة حيث توجد ~~قبور الشهداء - ولا ندري أي الشهداء عنى! - وما انتصف الليل إلا وكان في عداد الأموات، ~~وليس له من العمر سوى خمس وخمسين سنة، فازرق جسمه، وظهرت عليه عوارض جعلت الجهلاء من الناس ~~يعتقدون أنه مات مسموما، ولكنها عرفت الخبيرين بأن موته سببه وباء عرف فيما بعد باسم ~~الكوليرا. # فتخلص محمد علي بوفاته من خصم عنيد في وقت مناسب للغاية، وبلغ من ابتهاجه بذلك أنه أعطى ~~البدوي الذي أتاه مبشرا بموت الألفي خمسة أكياس. # وإنما قلنا إن ملاك الموت خلص محمد علي من الألفي في وقت مناسب للغاية؛ لأن الإنجليز في ~~ذلك الحين ذاته - وكانوا قد أعلنوا الحرب على تركيا - كانوا يستعدون لغزو القطر المصري، ولو ~~بقي الألفي حيا لساعدهم مساعدة فعالة. # على أن محمد علي لم يكن يعلم حينئذ بالضبط مقدار الخدمة الجليلة التي أداها له ملاك ~~الموت، وكل ما اعتقده هو أن هلاك كبيري المماليك أعدائه يسهل عليه جدا مهمة الفوز عليهم، ~~وأخذ يستعد لذلك، فعبأ جيشا زاهرا، وملأ ثمانمائة مركب مؤنا وذخائر وتجهز للزحف إليهم، ~~ولكنه أصيب هو أيضا بالكوليرا وهو في وسط تجهيزاته، فأقام طبيبه الإيطالي المسيو بتزري ~~يعالجه، وهو يكاد يعتقد - في اليوم الأول - أن ~~الشفاء متعذر، وأن شعلة ms54 الحياة لمطفأة حتما، ولكن بنية محمد علي القوية تغلبت على الداء، ~~وما مضت بضعة أيام إلا ولم يعد لذلك المرض من أثر، وكل ما كان منه أنه أظهر مقدار عطف ~~العلماء والأعيان على محمد علي، وحبهم الشديد له، فلما نقه تماما، عهد في أمر المحافظة على ~~الأمن في العاصمة إلى كتخداه محمد أغا طبوز أوغلو، وسار في 12 فبراير سنة 1807 بثلاثة آلاف ~~من المشاة، وثلاثة آلاف فارس، وست مراكب مسلحة إلى قتال المماليك، وكانوا قد اجتمعوا في ~~المنيا وضواحيها، ولكنه وقف في بني سويف وأقدم يتخابر مع أعدائه بواسطة العلماء، وبينما ~~هؤلاء يفاوضونهم، أعمل محمد علي نقوده في العربان الموالين لهم، وفي ذات ليلة مدلهمة الظلام ~~تقدم بألفي فارس، وبإرشاد أولئك العربان أنفسهم، إلى المعسكر الذي كانت حراسته موكولة ~~إليهم، وإذا بالمماليك نائمين فيه نوما عميقا، فانقض محمد علي عليهم، وفتك بهم فتكا ~~ذريعا، واستولى على كل مدافعهم ومهماتهم، وتعقب الفارين حتى حدود الصحراء، وبعد أن أوقع ~~بهم في منقباد أيضا، أقام معسكره في أسيوط. # وأنه لفي سكرة فوزه، وإذا بالنجب أتته بأنباء ظهور العمارة الإنجليزية بحملة الجنرال ~~فريزر، فأرسل محمد علي، في الحال، إلى العلماء المتفاوضين مع المماليك، بالاتفاق مع هؤلاء ~~الأمراء على ما يطلبونه، بشرط أن ينضموا إليه بلا تردد في قتال الإنجليز أعداء ~~الجميع. # فأبرم العلماء مع المماليك اتفاقا مبدئيا، وقر الرأي على ذهاب الأمراء إلى مصر لعقد ~~الاتفاق النهائي هناك، بحضور العلماء والوجاقلية والأعيان، وعلى ذلك نزل الجيشان - جيش محمد ~~علي وجيش المماليك - مجرى النيل: الأول على ضفته اليمنى، والثاني على ضفته اليسرى. # ولما انسحب الإنجليز رأى محمد علي أن القطر - لا سيما الريف - ~~بات منهوكا ناضب المعين، وأن فلاحيه باتوا ~~يفضلون الموت على الاشتغال بأعمال فلاحة لا يجنون منها إلا خرق حرماتهم والأذى، وأن المدن ~~ذاتها باتت بائرة التجارة والصناعة، لا ثروة فيها. # فرأى أن يفاتح جاهين بك، الزعيم الذي أخلف البرديسي والألفي على لواء مراد، في أمر مصالحة ~~نهائية، فقبل جاهين المفاوضة، واتفق ms55 مع الباشا على الإقامة في الجيزة، وعلى أن يكون له ~~إيراد عشر نواح في الجيزة وثلاثين ناحية في البهنسة وإيراد الفيوم برمته، وجميع ذلك خال من ~~كل ضريبة. # فلما وقع الفريقان هذا الاتفاق ذهب جاهين لزيارة الباشا، فأكرم محمد علي وفادته، ودعاه ~~إلى تناول طعام الغداء على مائدة طوسن ابنه، فحذا مثل جاهين بك بغيره من أمراء المماليك إلى ~~الاقتداء به، حتى إن كثيرين منهم تركوا حياتهم البدوية وأتوا وانتظموا تحت رايات محمد علي، ~~وحتى إن إبراهيم بك الكبير نفسه أرسل إلى القاهرة مرزوق بك ابنه بحاشية عديدة. # فأدى ذلك إلى وضع مشروع اتفاق عام، منح البكوات بمقتضاه حق التمتع بإيرادات بلدان عينت ~~لهم، على شرط أن يقدموا للميري كمية معلومة من الغلال، فوضعوا أيديهم على البلدان، ولكنهم ~~لم يقدموا إلا جانبا يسيرا مما تعهدوا بتقديمه، فاضطر الباشا أن يخرج إلى محاربتهم بجيش ~~يربو عدده على ستة آلاف مقاتل، غير أنهم لما رأوا هذه القوة أذعنوا! ووقعوا اتفاقا جديدا ~~على قاعدة الاتفاق الماضي، لم يزد على هذا شيئا سوى فيما حتم على الأمراء من سكنى القاهرة، ~~فأتاها أكثرهم ثقة بكلام الباشا، ولاقوا منه كل ترحاب وإكرام. # غير أن المماليك ما لبثوا أن رأوا محمد علي منهمكا كل الانهماك في إعداد مهمات حملته، ~~برا وبحرا، لقتال الوهابيين، ورأوه ينفر منه قلوب الأهلين بالضرائب والمغارم التي ألزمته ~~شئون تلك الحملة بفرضها عليهم، إلا وأخذ البعيدون منهم عن العاصمة يقتربون إليها، ~~والموجودون فيها يخامرون في السر، وكان محمد علي يوما في السويس، يلاحظ بنفسه سير الأعمال ~~هناك، فورد إليه نبأ يفيده بأن وراء الأكمة مؤامرة غرضها مهاجمته حين عودته إلى مصر، ~~والاستيلاء على شخصه في الطريق، فقام من ساعته، وركب هجينا من أسرع الهجن، وقطع المسافة ما ~~بين السويس ومصر في ثماني عشرة ساعة، بحيث لم يستطع أحد من رجال حرسه مواصلة السير معه، إلا ~~سائس تعلق بلجام هجينه، وما فتئ يجري حتى دخل القاهرة، ووقع ميتا عند باب سراي ~~مولاه. # فألقى ذلك ms56 الرجوع السريع الرعب في قلوب المتآمرين وثبط عزائمهم، على أن محمد علي لم يبد ~~إشارة تدل على أنه مطلع على سر ما دبر له، وبقي وجهه باشا، وتصادف يوما أن عيارا ناريا ~~وجه إليه وهو يجتاز أحد شوارع المدينة، فمرت الرصاصة بملابسه، وقتلت ضابطا بجانبه، فأوصى ~~من معه بالسكوت وعدم إفشاء الحادثة، ولكنه أقبل يتخذ تدبيراته سرا، ويحشد جندا عظيما حول ~~شبرا. # فلم يرض المماليك ذلك، وما كان من جاهين بك إلا أنه أتلف يوما جميع أثاث بيته الذي لم ~~يمكنه نقله معه، ثم غادر مقره في الجيزة، وانضم إلى رفاقه القادمين من الصعيد، فلم يعد مفر ~~من الحرب. # فدارت، وكانت سجالا، فإن المماليك هزموا الألبانيين والأتراك - أولا - في واقعتين، ولكن ~~محمد علي سار إلى الأمراء بنفسه، وأوقع بهم عند جسر اللاهون، فضربهم ضربة أليمة، ظنها ~~القاضية، وأرسل بها بلاغا إلى مصر كان الأول من نوعه، وتاريخه 14 أغسطس سنة 1810 الموافق ~~25 رجب سنة 1225، ثم عاد إلى مصر، ليتمم تجهيزات الحملة على الوهابيين، وإذا بباش أغاي ~~السراي السلطانية قد حضر إليه بسيف وخنجر من الأستانة، وبرتبة الباشوية وطوخين إلى طوسن ~~ابنه المعقود له لواء تلك الحملة، وبتعليمات بشأنها للباشا وولده، فقرئت المرسومات ~~السلطانية علنا، وصدرت الأوامر بجمع كل المؤن اللازمة، وإرسالها إلى السويس، وأمرت العساكر ~~المؤلفة منهم الحملة بالاحتشاد في قبة العزب. # غير أن محمد علي - بالرغم من أنه قال في بلاغه المرسل إلى القاهرة إن دولة المماليك قد ~~زالت تماما - لم يكن مطمئنا البتة من جهتهم، لما كان في الماضي من عبر بليغة له، فهل يوجه ~~الآن جميع قواه أو معظمها إلى قتال الوهابيين، ويبقي القطر بلا حماة، وسيف الأمراء مسلول ~~فوق رأسه؟ إن هذا لم يكن ممكنا، فأمر - إذن - رؤساء جنده المتعقبين المماليك بعد هزيمتهم ~~عند جسر اللاهون بمطاردة الفارين باستمرار حتى يجلوهم عن القطر المصري، فصدع قواده بأوامره، ~~وما زالوا بمن لم يشأ المصالحة من الأمراء حتى أجبروهم على اجتياز الشلالات الأولى ودخول ~~بلاد النوبة، وأما ms57 من شاء المصالحة منهم، فإن محمد علي فتح له ذراعيه، وأغدق عليه شتى ~~النعم، فعاد الكثيرون من الأمراء إلى القاهرة جماعات جماعات، وعلى رأسهم جاهين بك عينه، ~~وأقاموا في المنازل الفخمة التي خصصها محمد علي لهم، يلهون وينعمون، وأقبل الأمير يتمم ما ~~نقص من لوازم حملته. # فلما كملت معداتها عين يوم الجمعة - أول مارس سنة 1811 - ~~لسفرها، وأعلن الباشا عزمه على إقامة مهرجان في ~~القلعة للاحتفال بتوديعها، وإلباس ابنه طوسن باشا رسميا فروة الإمارة عليها، فلما كان ~~مساء آخر يوم من شهر فبراير، بعث الباشا دعوة لحضور ذلك المهرجان إلى جميع أرباب الوظائف ~~المدنية والعسكرية في مصر، وطلب إلى أمراء المماليك القدوم إليه بملابس التشريفة ~~الكبرى. # فلما كان صباح يوم الجمعة المضروب موعدا، لم تكد الشمس تعلو الأفق، إلا واحتشدت الجماهير ~~العديدة في الطريق المؤدي إلى القلعة، للتفرج على مواكب العسكر العثماني والألباني السائرة ~~إلى ذلك الحصن المنيع براياتها وطبولها، وبالأخص على موكب الأمراء المماليك الفخم الذي لم ~~يكن له مثيل في الوجود، في بهجة ملابسه، وجمال هندامه، وجلال خيوله، وسطوع أسلحته المفضضة ~~والمذهبة، بل الفضية والذهبية، وكان عدد من لبى الدعوة من الأمراء أربعمائة وسبعين، فلما ~~اجتاز آخر أمير منهم باب العزب - وهو باب القلعة من جهة الغرب، ويفتح الآن على ميدان صلاح ~~الدين، الذي كان يقال له في ذلك العهد ميدان الرميلة - لما اجتاز آخر أمير منهم باب العزب ~~انغلق مصراعاه وراءه، وأقامت أقوام المتفرجين تنظر فتحه لخروج الداخلين منه. # قصر العيني. # وكان الباشا قد قضى ليلته في سراي القلعة، وقام مبكرا كعادته، فاستقبل وفود القادمين بكل ~~بشاشة وحفاوة، وبالغ على الأخص في إكرام الأمراء المماليك، فإنه قدم إليهم القهوة، وما فتئ ~~يحادث أكابرهم، حتى أتاه من أخبره بأن المدعوين استقروا في أماكنهم وأن جميع فيالق العسكر ~~اصطفت في مواضعها فنهض، وقام لنهوضه محادثوه، وامتطى أكابر المماليك جيادهم، ووقفوا بها على ~~رأس فيلقهم الباسل. # فلما تمت الحفلة، وقلد الأمير طوسن اللواء أذن بالانصراف، فتقدم الانكشاريون المماليك ~~مباشرة، وسار ms58 الألبانيون خلفهم، وتلا الألبانيون فيلق مشاة يقوده الكتخدا، ومشى الجميع نحو ~~باب العزب. # فنزل الانكشاريون المنحدر أولا، ثم تبعهم المماليك على بعد قليل، حتى إذا خرج آخر ~~انكشاري من الباب، كان الأربعمائة والسبعون أميرا مملوكا يشغلون بجيادهم المنحدر كله من ~~أسفله إلى أعلاه. # حينئذ حدث أمران: الأول: أن باب العزب أقفل حالا بعد خروج آخر انكشاري منه. والثاني : أن ~~صالح أغا أق قوش أصدر أمره إلى ألبانييه، فانسلوا من وراء المماليك، وتسلقوا الصخور ~~المحيطة بالمنحدر، وأسرعوا فكمنوا وراءها من الجهتين، ومن أسفل إلى فوق، وفي الحال تقدم ~~الفيلق الذي يقوده الكتخدا وانتشر على الأسوار. # حينئذ دوت طلقة مدفع، فما شعر المماليك إلا والرصاص يتناولهم من كل جانب، وهم لا يستطيعون ~~عن أنفسهم دفاعا، وما هي إلا لحظة وتكدست في الممر الضيق جثث الرجال والخيل، بعضها فوق ~~بعض، وجعلت الحركات متعذرة أكثر مما كانت. # أما المماليك الذين وصلوا إلى باب العزب ورأوه مقفلا، فإنهم لووا أعنة جيادهم، وقصدوا ~~الرجوع، ولكن حركتهم هذه زادت الذعر ذعرا والخبل خبلا، وأما المماليك الذين كانوا على رأس ~~المنحدر، فما دوى حولهم الرصاص إلا ولووا هم أيضا أعنة جيادهم، وقصدوا البلوغ إلى داخل ~~القلعة، ولكن فيلق البيادة المنتشر على الأسوار أصلاهم نارا حامية، أردتهم ~~بالعشرات. # فكبر الهول واشتد البلاء. # ورأى المماليك التعساء - وموت غير منظور يحصد صفوفهم حصدا - أن لا فائدة لهم من جيادهم، ~~فترجلوا، وتعروا بسرعة من ملابسهم الثمينة الفاخرة، التي لم يكن من شأنها إلا أن تعيق حركات ~~أيديهم وأرجلهم في ذلك الموقف الرهيب، وأقبلوا يجرون، وسيوفهم مشهرة في يد، وطبنجاتهم في ~~الأخرى، يبغون لقاء عدو يثأرون بقتله للكارثة التي حلت بهم. # كلوت بك يلقح نفسه بالطاعون. # ولكنهم لم يجدوا أحدا، واستمر الرصاص الخفي الممطر من كل صوب يحصدهم حصدا، فسقط جاهين ~~بك أمام عتبة قصر صلاح الدين، وبلغ سليمان بك البواب - والدم يسيل من كل أعضاء جسمه - باب ~~السراي، فانطرح على عتبته، وصاح: «في عرض الحريم!» - وكانت استغاثة مقدسة في ذلك العهد - ~~ولكن ms59 السيف تناول رقبته فقطعها، وجرت جثته مهينة إلى مكان بعيد، وتمكن سبعة أو ثمانية من ~~الأمراء من الوصول إلى المكان الذي كان طوسن باشا مقيما فيه، فتراموا على قدميه وسألوه ~~الأمان، ولكن الشاب لم يجسر على مخالفة أوامر أبيه، وتخلى عنهم، فقتلوا صبرا بين ~~يديه. # وما انفك الرصاص يدوي ويتساقط كالمطر والمماليك يقتلون، حتى فنوا عن آخرهم، ولم ينج منهم ~~إلا واحد فقط اسمه أمين بك، كان قد تخلف، في الصباح لمهم، ولم يأت القلعة إلا وأول الموكب ~~هال من بابها، فوقف ينتظر ريثما يخرج إخوانه، لينضم إليهم، ولكنه لما رأى الباب يقفل، ~~وسمع دوي البنادق، أدرك أن هناك غدرا، فلوى عنان جواده، وفر إلى البساتين، ومنها إلى ~~سوريا. # على أن هذا ليس ما تناقلته الألسن عن كيفية نجاته، والرواية التي قرت في الأذهان هي: أنه ~~لما دوى نذير الموت وثب بحصانه إلى داخل القلعة، يبحث عن منفذ، فلم يجد في كل جهاتها سوى ~~سور ارتفاعه ستون قدما، فلم يتردد، وفضل نوع موت فيه بصيص أمل بالنجاة على نوع موت لا أمل ~~فيه، فأجرى حصانه، وقفز به من فوق السور، فقتل الجواد ونجا الفارس، ولا يزالون حتى يومنا ~~هذا يشيرون إلى المكان الذي قفز منه، ويدعونه محل وثبة المملوك! ~~••• # لما انتهت المأساة، ورأى الألبانيون أنه لم يعد هناك مملوك إلا وهو مردى، برزوا من ~~مكامنهم، ونظروا بدون خوف لأول مرة في حياتهم إلى أولئك الفرسان المجزورين، فأجهزوا على ~~الجرحى، ومثلوا بالقتلى، واستولوا على الأسلاب. ~~••• # وأما محمد علي، فإنه بعد أن رتب كيفية خروج الموكب، عاد إلى قاعة الديوان الكبرى وأقام ~~فيها، يحيط به أمناؤه، ومع أنه لم يهمل في اتخاذ احتياطاته شيئا، إلا أن القلق كان باديا ~~عليه في روحاته وجيئاته الصامتة في طول تلك القاعة وعرضها، ولما سمع طلقة المدفع المنذرة ~~ببدء المجزرة وقف بغتة، وجرى دمه نحو قلبه بسرعة، فعلا وجهه الاصفرار، ولكنه ما أطل من ~~نافذة، ورأى الفرسان تردى تباعا، والرؤوس تقطع إلا وانتظمت دورة الدم في ms60 عروقه، وفارق ~~الاصفرار وجهه، غير أنه لم ينبس بكلمة واحدة، ولما وافاه الجنوي مندرتشي - أحد أطبائه - ~~وقال له مهنئا: «أجل، هذا أمر قد فرغ منه، واليوم يوم سعيد لسموكم!» لم يجب بشيء، ولكنه ~~طلب ماء وشرب جرعا طويلة! ~~••• # وبينما كانت المأساة تجري في القلعة مجراها، سارت النجب بكتب الباشا إلى حكام الأقاليم، ~~تأمرهم بقتل كل مملوك يوجد في دائرة أحكامهم، وكل مملوك يقع تحت أيديهم، فنفذ الكشاف ~~الأوامر، وتباروا فيمن يرسل إلى القاهرة رؤوسا أكثر من زميله، حتى بلغ عدد القتلى في ~~الأقاليم ألفا وزاد. # ولما سمع المماليك الذين كانوا لا يزالون في الصعيد بأنباء الكارثة التي حلت بهيئتهم، ~~سقطت قلوبهم، وخارت هممهم، فأرسلوا إلى محمد علي يطلبون أن يعين لهم المكان الذي يختاره ~~لإقامتهم، فيعيشوا حياتهم الباقية في سلام، فبعث إليهم جيشا تعقبهم بعنف وبلا ملل، وما زال ~~يطاردهم حتى أجلاهم عن البلاد، وألجأهم إلى الإقامة بدنقلة، حيث عاشوا معيشة مهينة، وماتوا ~~موتا لم يلفت أحدا. # هكذا كانت آخرة هذه الطائفة التي حكمت مصر ما يزيد على خمسة قرون ونصف، وهكذا فرغ محمد ~~علي من أمرهم، فزالت بزوالهم آخر الأشواك المحيطة بسلطته، وأخذ خشب سدته يملس وينعم ~~تحته. # وكأني بالتمثال المقام له في الإسكندرية يمثله في هذه الآونة من حياته، حين نزوله من ~~القلعة، ليهدئ روع العاصمة المضطربة، وليتقبل التهانئ في بيت الشيخ الشرقاوي؛ فإنك إذا ما ~~مررت أمامه، وشخصت إليه برهة، كما تشخص إلى رجل حي تصمت أمام أعماله الأرض إعجابا، رأيت ~~كأن نارا تتقد في حدقتيه، وشعرت بأنها نار هزة المجد وعزة القلب الذي بلغ مقصوده، فتسود ~~أمام مخيلتك - في تلك اللحظة - لحيته البيضاء، وتدرك من جلال اليد الموضوعة على خاصرته ~~القوية، ومن عظمة اليد القابضة على زمام حصانه النافر تحته والمختال تيها بالراكب على ~~صهوته، أن محمد علي أدرك مناه، وأذل الصعاب حوله، وتغلب على مقاوميه وأعدائه، وثبت قدميه ~~فوق القمة التي بلغ إليها. ~~••• # وأما صعوبة المال، فإن محمد علي عالجها في بادئ الأمر بالقبض على ms61 متولي الحسبة العام ~~- وكان اسمه جرجس الجوهري - ومطالبته بحساب السنوات الخمس الفائتة، فتحصل منه بذلك على ~~أربعة آلاف وخمسمائة كيس. # وما عمله بالمعلم جرجس الجوهري، عمله بباقي متولي الحسبة في الأقاليم، فاجتمع لديه من ~~المتأخر بين أيديهم مال وفير. # ثم أعاد العمل عينه مرة أخرى، فاستخلص مالا جزيلا، ولكن المعلم جرجس الجوهري خاف تجدد ~~هذا الإرهاق في المستقبل ، ففر والتجأ إلى المماليك. # ثم عمد محمد علي إلى طرق أخرى، فاستولى يوما على بضائع قافلة أتت مصر من السويس، ولم ~~يرفع يده عنها إلا بعد أن دفع له أصحابها ألف كيس، واتهم يوما آخر البطرك الرومي بأنه ساعد ~~جرجس الجوهري على الهرب، وفرض عليه مائة وخمسين كيسا، ووضع يوما ثالثا يده على عقارات ~~نساء المماليك، ولم يردها إلى صاحباتها، إلا مقابل ذهب رنان فاضت أيديهن له به، وضبط مرة ~~خمسمائة جمل محملة تبنا، ولم يخل سبيلها إلا مقابل أن يدفع التجار له ثلاثين فرنكا عن كل ~~إردب. # ولكنه بالرغم من ذلك جميعه، ما فتئ ينظر الفراغ ملازما لخزائنه، فرأى أنه لا بد له من ~~فرض ضريبة عامة جديدة، وتحاشيا لتنفير الناس منه جمع العلماء وكبار الوجهاء، وقال لهم: «إن ~~العساكر باق لها ثلاثة آلاف كيس، ولا أعرف لتحصيلها طريقة، فانظروا رأيكم في ذلك، أما أنا ~~فإني عازم - بعد دفع المتأخر - على تسريح هؤلاء العساكر وتسفيرهم إلى بلادهم؛ تخفيفا ~~للأعباء العمومية، وأن لا أبقي منهم إلا من كان أمر الحكم في احتياج إليه وأرباب ~~المناصب!» # فكثر التروي في الأمر، وتعددت الآراء، فاقترح محمد علي أن يصرح له بقبض ثلث إيراد ~~الملاك والملتزمين، ولما كان القوم المجتمعون كلهم ملاكا أو ملتزمين ضجوا وقالوا: «قد يصير ~~هذا عادة، وتضيق في وجوه الناس أبواب الارتزاق!» # فقال محمد علي: «نكتب فرمانا»، ونلتزم بعدم عود ذلك البتة، ونرقم فيه «لعن الله من ~~يفعلها مرة أخرى!» فرضي الناس وانفرجت بذلك الأزمة المالية، نوعا ما. # ولكن بقرات الإنفاق العجاف ما فتئت تأكل بقرات الإيراد السمان، وتتابع ما ذكرنا من ms62 ~~الحوادث ما فتئ يثبت قدمي محمد علي في المنصب الذي أقام على سدته، ويقلل إذا من احتياجه ~~إلى الملاطفة والعرف. # فشرع - مع توالي الأيام - يزداد جسارة في طرق أبواب لجمع المال الذي يعوزه، لم يكن ليفتق ~~إلى وجودها إلا ذهن كذهنه، فاحتكر أولا التبغ والتنباك، ثم أقدم على تنقيص كمية الذهب من ~~العملة مع إبقائها على قيمتها في التداول بين الناس، ثم أرهق مرة أخرى عمال الحسبة إرهاقا ~~جعل الكثيرين منهم يهجرون البلاد، ثم زاد الضرائب عامة بمقدار الثلث، ولما لم يكف هذا جميعه ~~- لأن ضرورة التغلب على الصعاب الأربعة التي قلنا عنها كانت تستلزم إنفاق الأموال بكف سخية ~~للغاية - تجاسر محمد علي واستولى - بتصريح من العلماء ورجال الإفتاء - على نصف إيرادات ~~أوقاف الجوامع والمساجد، ثم ما لبث أن استولى عليها كلها. # ولم يقف عند هذا الحد، بل أمر بفحص جميع الرزق والأوقاف، وأنكر على معظمها الصحة، وأمر ~~كشاف الأقاليم بالاستيلاء - باسم الحكومة - ~~على الأطيان المذكورة في تلك الحجج، ولم يبق من الموقوف على أصله إلا ما كان عقارا مبنيا ~~أو بستانا. # فاضطرب المستحقون، وازدحموا في الأزهر، وأقسم العلماء بزعامة السيد عمر مكرم بالموت في ~~سبيل الدفاع عن حقوق الشعب وعن أملاكهم. # فلما نمى خبر اجتماعهم إلى محمد علي أرسل إليهم يستدعيهم للمداولة معه، فأبوا إلا إذا ~~ألغى الضرائب التي أرهق بها العباد، فإن لم يفعل فإنهم يبطلون التدريس ويعطلون إقامة شعائر ~~الدين ويكون هو المسئول. # فقال لهم المندوب: «اتقوا غضب الباشا، فإنه رجل شديد الانفعال، وتعالوا إليه ~~للاتفاق.» # فأصروا على عنادهم، وسلموا إلى المندوب شكواهم مكتوبة. # فمضت خمسة أيام، ولم يأتهم رد، فملوا الانتظار، وذهبوا جميعا إلى دار ناظر المهمات ~~للاستفهام، فقال لهم هذا الضابط: «إن الباشا مستعد لسماع أقوالكم على شرط أن تذهبوا ~~إليه!» # فأوفد المشايخ اثنين منهم إلى محمد علي، فاستقبلهما ببشاشة، وقال: «أبلغا أسيادنا العلماء ~~أني مستعد دائما لقبول نصائحهم، حتى لو كانت زجرا، ولكني لا أقبل مطلقا الاجتماعات ~~والمخامرات والمؤامرات، فقولا لي من هم الذين ms63 أقسموا يمين المقاومة لي!» فلم يجيبا وعادا ~~إلى قومهما بما دار بينهما وبين الباشا من حديث. # وكانت نيران الحسد ترعى منذ مدة قلوب المشايخ، من السيد عمر مكرم لمنزلته الرفيعة عند ~~محمد علي، وكان النقيب في هذه الحادثة روح المقاومة، وبلغ به التحمس فيها أنه قال في اجتماع ~~تال: «إننا نرفع أمرنا إلى الباب العالي، إذا استمر الباشا على غيه، وإني لأتكفل بإنزاله ~~عن السدة التي رفعته أنا إليها!» # فاغتنمها المشايخ فرصة للإيقاع به عند محمد علي، وبلغ من تحاملهم على الرجل أنهم حرضوا ~~الباشا عليه قائلين: «لا تخفه؛ فإنه لا شيء بلانا!» فأكرمهم محمد علي، وبالغ في تقديم التحف ~~إليهم، ثم أفهمهم بأنه إنما استولى على أوقاف المساجد ليصلح ما فسد من أمر جباية ~~الضرائب. # وبعث بعد ذلك يستقدم السيد عمر مكرم، فرفض النقيب الذهاب، فأعاد محمد علي الكرة، فأجاب ~~النقيب: «إذا كان لا بد للأمير من مقابلتي، فليوافني إلى بيت الشيخ السادات!» # فأرسل محمد علي حينئذ سلحداره إليه، مكررا طلبه فما زاد ذلك السيد عمر إلا إصرارا على ~~عناده. # فاستدعى محمد علي حينذاك القاضي وجميع العلماء، ولما استقر بهم المجلس بعث طلبا رسميا ~~إلى السيد عمر مكرم بالحضور، وإذ قوبل هذا الطلب أيضا بالرفض استفز الباشا عليه نفوس ~~الحاضرين - وكان الحسد قد جعلها على استعداد تام لذلك - وعزله في الحال من نقابة الأشراف، ~~وقلدها الشيخ السادات مكانه، ثم طلب إلى الجمعية الحكم بنفي السيد عمر، فأجابت، على أن ~~يمهله ثلاثة أيام. # فرضي محمد علي بالمهلة على شرط أن لا تكون أسيوط محل النفي؛ لأنها مسقط رأس السيد، فعينت ~~له دمياط. # ثم استكتب محمد علي الجمعية عرضا ألصقت فيه بالسيد عمر تهم عديدة تبرر عزله، وأرسل ذلك ~~العرض إلى الباب العالي، لإعلامه بما تم. # فكانت نتيجة انقسام المشايخ على أنفسهم، وارتكابهم من الأمور ما كانوا يعلمونه مخالفا ~~لضمائرهم، أن هيبتهم ضاعت من النفوس، ومكانتهم فيها تلاشت، وأن محمد علي أصبح لا يخافهم ~~ويعتبرهم آلات صماء بين يديه، كما أنه ms64 أصبح مطلق اليدين فيما استولى عليه لتعمير ~~خزائنه. # وبما أن الشهية للأكل يزيدها الأكل تفتحا - كما يقول الغربيون - ~~فإن محمد علي بعد أن استولى على أطيان الرزق ~~والأوقاف، ورأى أنها لا تكفي لسد ما يجعله دأبه في التثبت فوق القمة في حاجة إليه من ~~النقود، فرض ضريبة جسيمة على باقي أطيان القطر، فأثار ذلك ثائرة تململ وتذمر في صدور ~~ملاكها وملتزميها، فأمرهم محمد علي بإبراز حجج ملكيتهم لتطبيقها على ما يمتلكون، ~~فأبرزوها. # وكان هو في الأثناء قد تخلص من المماليك وأمن الأستانة، وبعث بالجند الميال للتمرد إلى ~~بلاد الحجاز لقتال الوهابيين فيها، ولم يبق في مصر إلا جندا وقوادا يثق بولائهم وثوقا ~~تاما، وأخرس المشايخ بما سجله عليهم من حطة جعلهم حسدهم يتدنئون إليها؛ فلم يعد يخاف ولا ~~يهاب أحدا. # فضبط تلك الحجج وأعدمها، ووضع يده على باقي أطيان القطر مقابل ترتيب إيراد سنوي لأصحابها ~~السابقين يوازي إيرادها السنوي المعتاد، أصبح هو حرا في دفعه أنى يشاء، وفي عدم دفعه متى ~~شاء، وهذا كان الغالب، ثم لم يكتف بذلك، بل حكر الزراعة والتجارة، فأصبح مزارع البلاد ~~وتاجرها الوحيد. ~~••• # وهكذا حقق الحلم الذي رآه في صباه وقصه على الشيخ الوقور من أنه رأى نفسه يشرب كل ماء ~~النيل ليروي ظمأ اعتراه، ولا يرتوي! # الفصل الرابع # | بعد التثبت فوق القمة # فلما زالت الصعاب من سبيله، وشعر أنه أصبح حرا في حركاته، وضع نصب عينيه العمل على ~~الاستفادة من كل سانحة لتحسين مركزه وتعزيزه، وإنشاء دولة على ضفاف النيل تعيد إلى مصر ~~سؤددها ومجدها التالد، وتجلسها مكرمة في مصاف الأمم الحية. # وأدرك أنه لن ينال الغرض المقصود إلا إذا جمع على ولائه عواطف العالم الإسلامي، وإلا إذا ~~نقل مصر - ولو بعنف - من البيئة التي بنت القرون المنصرمة جدرانها حولها، إلى بيئة جديدة ~~تكون مصطبغة القاعدة والجدران بصبغة المدنية الغربية، ومتشربة النفس بمبادئها اصطباغا ~~وتشربا متفقين مع روح الشرق. ~~••• # فلجمع ولاء العالم الإسلامي حوله هب بإخلاص إلى قتال الوهابيين. # ثم هب بإخلاص كذلك إلى ms65 نجدة الدولة العثمانية على إخماد ثورة اليونان. # ولنقل مصر إلى البيئة المرغوب فيها قلب كيانها رأسا على عقب، وأخرجها بعد عناء شديد ~~إلى وجود جديد. ~~••• # أما الوهابيون، فقوم من عرب نجد، قاموا ينشرون تعاليم شيخ عالم يقال له محمد عبد الوهاب، ~~بقوة الحسام، وببرهان السطو والغزو. # وتعاليم الشيخ محمد عبد الوهاب كانت ترمي إلى حركة إصلاحية في الإسلام ، القصد منها إعادة ~~هذا الدين الحنيف إلى سلامته الأصلية وتنقيته من كل الشوائب التي أدخلتها بدع القرون إلى ~~كيانه المقدس. # فلم يكن إذن من بأس في نشر تلك التعاليم، بل كان في ذلك خير عميم. # ولكن القوم الذين قاموا بهذه المهمة لم يكونوا أهلا لها؛ لأنهم اتخذوها حجة ووسيلة للنهب ~~والسلب، والتعرض للمسلمين في إقامة شعائر دينهم، ولا سيما في تأدية فريضة الحج. # فبعد أن نهبوا «الإمام حسين» - وهي مدينة واقعة في الصحراء، غربي الفرات، في المكان الذي ~~قتل فيه ابن بنت الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~، وجردوا مسجدها الحرام من جميع تحفه وكنوزه، استولوا على ~~مكة المكرمة في سنة 1801 وشرعوا يضايقون الحجاج بفرض ضرائب عليهم ما أنزل الله بها من ~~سلطان، ثم لم يلبثوا أن حظروا الحج كلية، إلا على الكيفية التي يريدونها. # وفي سنة 1805 استولوا على المدينة المنورة ونهبوها، وتعرضوا لذات قبر الرسول بسوء، وفي ~~سنة 1806 منعوا الحج بتاتا. ~~••• # فندب الباب العالي لقتالهم سليمان باشا والي بغداد، فعبد الله باشا والي دمشق، فيوسف باشا ~~الصدر الأعظم المهزوم في واقعة عين شمس، ولكن الوهابيين قهروهم جميعا، وأرجعوهم على ~~أعقابهم خاسرين. # فطلب السلطان حينئذ إلى محمد علي باشا السير إلى قتال أولئك العصاة المنشقين. # فرأى محمد علي في إجابة الطلب ثلاث فوائد كبرى لنفسه: الأولى: إمكان إبعاد جيشه الألباني ~~غير المنظم والكثير التمرد، بحجة لا سبيل إلى الشك في حقيقتها، فإمكان تنظيم الجيش المرغوب ~~فيه، المدرب على الطريقة الغربية، أثناء غياب أولئك الألبانيين. الثانية: إمكان تحصيل ما ~~في الرغبة من أموال، والاستيلاء على أكثر ما يمكن من الأملاك بحجة ms66 لزوم النقود للإنفاق على ~~الحرب المقدسة، وفي سبيل استرداد الحرمين الشريفين. الثالثة والأهم: جمع عواطف مسلمي الأرض ~~قاطبة على حبه وولائه، بصفته منقذ الحرمين، ومعيد مناسك الحج. ~~••• # فأقدم على تجهيز مهمات حملة هائلة، منذ أواخر سنة 1809، وأظهر في ذلك لأول مرة مقدار ~~تأثير قوة إرادته وثبات عزمه على ماجريات الأمور، فإنه لوعورة الطريق البرية بين مصر ~~والبلاد العربية صمم على نقل جيوشه إلى ميدان القتال عن طريق البحر. # ولكنه لم يكن لديه مركب واحدة في موانئ البحر الأحمر كلها، فعزم على إنشاء عمارة بحرية ~~في السويس، تنفعه لتلك الحملة وللمستقبل. # وبالرغم من أن كل الأدوات اللازمة كانت تعوزه، وأنه كان مضطرا إلى إحضارها من الخارج، ~~فإن عزمه لم يخر، وإرادته لم تضعف، بل أرسل واشترى من موانئ تركيا كل ما كان في احتياج ~~إليه، وأنشأ في بولاق ترسانة جمع فيها كل من تسنى له جمعهم من الصناع ذوي الخبرة بعمل ~~المراكب، وأقبل ينفذ تصميمه. # فصاروا كلما عملت قطعة يضعون عليها رقما خاصا بها، ويرسلونها إلى السويس على ظهر ~~الجمال، حتى بلغ عدد ما استعمل من هذه الحيوانات في ذلك أكثر من ثمانية عشر ألفا. # فكان لا بد للنجاح من أن يكلل هذه الجهود العظيمة، فلم تمض عشرة شهور إلا وبدت في خليج ~~السويس ثماني عشرة مركبا تتهادى بخيلاء فوق الأمواج، وقد بنيت بحيث تسع أكثر ما يمكن ~~من الجنود والمؤن والذخائر. # الإرسالية الطبية الأولى. # فنزل جيش الحملة فيها يوم 3 سبتمبر سنة 1811، فأقلعت إلى ينبع، وما استولى عليها إلا ~~وقامت الحرب بينه وبين الوهابيين سجالا؛ تارة يفوز طوسن فيها، وطورا يقهر، وأبوه ينجده ~~ويمده، حتى تمكن من إنقاذ المدينة المنورة أولا، فمكة المكرمة فيما بعد. # ولكن الدائرة عادت فدارت عليه، فأسرع محمد علي إلى نجدته بنفسه، وبعد أن أدى فريضة الحج ~~أقام يحارب في البلاد العربية ما يزيد على ثلاث سنوات، أظهر في خلالها من الثبات على ~~المكاره، ومن شدة المراس، وقوة العزم والحزم وتفتق الذهن؛ ما لا نظير له ms67 إلا في أخلاق أعظم ~~رجال التاريخ. # فحق للأقدار أن تساعده، ولملاك الموت أن يؤازره على أعدائه، كسابقة عهده، فمر بسعود أمير ~~الوهابيين الهمام، في درية - عاصمة ملكه - في ~~17 أبريل سنة 1814 واغتاله، فبات أمر المنشقين في يد عبد الله ابنه، ولم يكن على شيء من ~~فضائل أبيه وميزاته. # غير أن حادثة لطيف باشا ما لبثت أن استدعت محمد علي إلى مصر على جناح السرعة، فثابر طوسن ~~على القتال، ولكن عبد الله - أمير الوهابيين - ~~لم يكن راغبا إلا في الراحة واللذات، فأرسل إلى طوسن من فاوضه في الصلح، فقرر طوسن شروطه ~~على ما شاء، وكانت شديدة صارمة، فقبلها عبد الله وامتثل، فعاد طوسن إلى مصر، ووصلها في 7 ~~نوفمبر سنة 1816. # ولكن محمد علي أبى المصادقة على تلك الشروط، إلا إذا رد الوهابيون ما سلبوه من مكة ~~والمدينة، فأجاب عبد الله بأنه لم يعد لديه شيء من ذلك، فلم يصدقه محمد علي - لغرض في نفس ~~يعقوب - وجرد عليه حملة جديدة، تحت قيادة إبراهيم باشا ابنه. # فباشر إبراهيم الحرب بعنف، وبينما أخوه طوسن تقتله في بونيال حمى طاعونية اعترته عقب ليلة ~~قضاها بين ذراعي جارية وهبت له حديثا، فمات عن ابنه عباس الأول وهذا لا يزال في الثالثة أو ~~الرابعة من عمره، ما فتئ إبراهيم يتقدم من فوز إلى فوز، ومن نصر إلى نصر حتى استولى على ~~درية عاصمة الوهابيين، بعد حصار دام سبعة شهور، فدمرها تدميرا، وأرسل عبد الله بن سعود إلى ~~مصر أسيرا، فسلمه محمد علي إلى نفر من التتر أتوا من الأستانة لاستلامه، فعادوا به إليها، ~~وهناك - بعد أن داروا به الشوارع ثلاثة أيام؛ ليهزأ به الملأ ويهينوه - قطعوا رأسه، ثم حشوه ~~تبنا، وأبقوه معلقا على سور الباب العالي مدة، يتفرج عليه المارون ويشتمونه. ~~••• # وأما الثورة اليونانية، فإنها بدأت بتحريض من علي باشا تبلن والي يانينا، يوم 7 أبريل سنة ~~1821 - وهو اليوم الذي يحتفل القوم فيه الآن بعيد استقلالهم - وانتشرت بسرعة انتشار الحريق، ~~لا سيما بعد أن أمر ms68 السلطان محمود الثاني بشنق البطرك المسكوني في الأستانة العلية بملابسه ~~الحبرية يوم عيد الفصح الأرثوذكسي بالذات، فأعلنت المورة استقلالها في أول يناير سنة 1822، ~~وقامت العصابات اليونانية في كل جهة تقاتل القوات العثمانية قتال المستبسل في البر والبحر. # صف التشريح بمدرسة الطب. # فبادت في ذلك ثلاثة جيوش وثلاث عمارات، وما لبث السلطان محمود أن فهم أن إخماد نيران تلك ~~الثورة الهائلة فوق طاقة قواده وجنوده غير المنظمة، فاستنجد محمد علي، ولكن استنجادا ~~جزئيا، وطلب إليه العمل فقط على إخماد الفتنة القائمة في جزيرة كريت، ولهذا الغرض ولاه ~~الإدارة العسكرية في تلك الجزيرة. # غير أنه لما دخل جيش عثماني مؤلف من مائة ألف مقاتل شبه جزيرة المورة في ربيع سنة 1824 ~~لإخضاعها - وما عتم أن هلك فيها - كبح محمود جماح كبريائه الهمايونية، واستنجد محمد علي ~~استنجادا كليا، فلبى محمد علي دعوته، على شرط أن تكون له إدارة الأقاليم التي يخضعها ~~حسام جيوشه لسلطة الباب العالي. ~~••• # وفي 10 يوليو سنة 1824 أقلع إبراهيم باشا ~~ابنه - قاهر الوهابيين - على رأس جيش مصري بحت مدرب على النظام الجديد، يربو عدده على ~~ثمانية عشر ألف مقاتل، تقله عمارة مصرية بحتة، مؤلفة من 73 مركبا حربية، وسبعون سفينة ~~شراعية أجنبية، ونزل في ثغر مورون في 16 فبراير سنة 1825، فاستولى في مدة وجيزة على جميع ~~الساحل، وما أتى آخر سنة 1825 إلا وكل مدن المورة قد وقعت في قبضة يده، ما عدا ~~نوبليا. # وكان الجيش التركي من جهته تحت قيادة رشيد باشا؛ يحاصر مدينة ميسولونجي، ولا يستطيع ~~الاستيلاء عليها، فهاج ذلك غضب السلطان محمود، فأرسل إلى رشيد باشا رسولا يقول له: ~~«ميسولونجي أو رأسك!» فهجم رشيد باشا على أسوار المدينة مرتين، ورد عنها مرتين، بخسائر ~~فادحة. # فتوسل إلى إبراهيم باشا بأن يتفضل وينجده، فسار إبراهيم إليه بعشرة آلاف رجل من المشاة، ~~وخمسمائة فارس، واستلم زمام الإمرة العامة، وشدد في الحصار تشديدا سد على أهل ميسولونجي ~~جميع المنافذ والمسالك، واضطرهم إلى الهلاك جوعا، فأشعلوا النيران تحت أسوار مدينتهم وتحت ms69 ~~بيوتها، ونسفوا نفوسهم معها، فما استولى الجيشان المصري والعثماني، إلا على خرائب ~~وأطلال. # وعاد إبراهيم من هناك إلى المورة، فجعلها قاعا بلقعا، وسبى كثيرا من أهلها، لا سيما ~~النساء والأطفال، وأرسلهم إلى مصر، حيث ملأت الرقيقات الروميات دور الحريم، وملأ الغلمان ~~الأروام عرصات القصور، وكان ذلك من حسن حظهم! لأن كثيرين من باشاواتنا اليوم - وليس من ~~أقلهم شأنا، ولا أحطهم قدرا - ما هم إلا سلالة أولئك الغلمان الأروام، بعد أن اعتنقوا ~~الإسلام، وتعلموا تعاليمه وتشربوا بمبادئه. # فأثارت أعمال إبراهيم عواطف محبي اليونانية من أهل الأدب والعلم في أوربا؛ لأنهم كانوا ~~يعتقدون - وهم بالأسف لا يزالون يعتقدون، حتى يومنا هذا، وفي مقدمتهم المستر لويد جورج، ~~كبير وزراء بريطانيا العظمى السابق - أن يونان اليوم هم أولاد هوميرس وأزيودس وبندارس، ~~وصولون وليكرجس وپريكلس، وهيرودتس، وملسياد وتمستكل وأشيل وسوفوكليس وأوربيد وتوسيديد ~~وكزينوفون وسقراط وأفلاطون وأرسطاطاليس، وديموستين، وأبل، وفيدياس وأرستوفان وهبوقراط ~~وإقليديس وغيرهم من منشئي المدنية اليونانية القديمة، إحدى والدتي المدنية الغربية الحديثة، ~~وأبهر الاثنين جمالا وجلالا، فما فتئوا ولما يفتأوا يعطفون عليهم، مع أن نسبة يونان اليوم ~~إلى أولئك الأفاضل الأعاظم كنسبة إغريق الإمبراطورية البيزنطية إلى رومان عصر هنيبال، أو ~~كنيسة الأجلاف الضاربين في شبه جزيرة سيناء اليوم، إلى القبائل العربية الشهمة التي مزقت ~~مملكة الأكاسرة وإمبراطورية القياصرة، تحت قيادة خالد بن الوليد والمثنى، وأبي عبيدة ~~الجراح، وسعد بن أبي وقاص، وعمرو بن العاص. # فتحالفت إنجلترا وفرنسا وروسيا على وضع حد للحرب القائمة بين الدولة العثمانية واليونان، ~~وأتت أساطيلها ورست في مياه نافارين بجانب العمارة العثمانية المصرية، فصدم قارب بريطاني ~~حراقة تركية إما عمدا وإما صدفة، فأمر القارب الحراقة بالابتعاد فأبت، فحاول من في القارب ~~الوثوب إلى سطحها، فأطلقت الحراقة عليهم رصاصة فما كان من الفرقاطة الإنجليزية التابع ~~القارب لها إلا أنها أمطرت الحراقة صيبا من الرصاص. # فلما رأت سفينة حربية تركية ذلك أطلقت مدفعا، فأصاب السيرين # Syrène ~~- مركب أمير البحر الفرنساوي - فأجابت السيرين بإطلاق جميع مدافع ~~أحد جنبيها، فدارت رحى القتال عامة، وأسفرت ms70 بعد أربع ساعات عن تدمير العمارتين العثمانية ~~والمصرية. # وكان ذلك بدون سابقة إعلان حرب، وبينما كانت العلاقات سلمية بين تلك الدول الثلاث وتركيا ~~ومصر. # ويروى عن محمد علي أنه لما بلغه النبأ المزعج - نبأ تحطيم عمارته - قال بشخوص نظر ملئه ~~الأسف العميق: «إني لا أدري كيف صوب الفرنساويون مدافعهم على سفنهم!» إيماء إلى ما كان يربط ~~إمارة مصر بفرنسا من روابط الوداد المتين، وإلى أن المصالح الفرنساوية والمصالح المصرية، في ~~البحر الأبيض المتوسط كانت واحدة. ~~••• # فقضى دمار العمارة المصرية على إبراهيم باشا بانقطاع كل مدد عنه، حتى إمداد الطعام ~~والمؤن. # وفي 30 أغسطس سنة 1828 نزل جيش فرنساوي مؤلف مما يزيد على 15 ألف مقاتل، تحت قيادة ~~الجنرال ميزون إلى خليج كورون لمساعدة اليونان، فرأى محمد علي نفسه مضطرا إلى استدعاء ~~ابنه. # فعقد مع الأميرال كودرنجتن، أمير القوات البحرية الإنجليزية، اتفاقا قضى بجلاء الجنود ~~المصرية عن المورة ورجوعهم إلى مصر! # فعادوا إليها في شهر أكتوبر التالي، وراياتهم لم ينكسها عار انكسار! # هذا ما كان من جمع محمد علي عواطف العالم الإسلامي على ولائه. ~~••• # أما ما كان من نقله مصر إلى بيئة غير البيئة التي وجدها فيها، فقد عمل ذلك: # أولا: # بأن أقلع عن طريقة الحكم التي سبقت عهده، واقتدى بما وضعه الغربيون، لا ~~سيما ناپوليون الأول، من نظامات حكم وإدارة، فاحتاط بديوان مؤلف من نخبة ~~الرجال المحنكين - دعاه الديوان الخديوي - وأنشأ وزارتين: إحداهما للحربية ~~- وكانت الأولى من نوعها، لانصراف أفكاره في البدء إلى الحروب فالفتوح - ~~والأخرى للداخلية لتدير شئون البلاد، بينما يكون هو مشتغلا في شئون ~~السياسة الخارجية وتنظيم البلاد المفتوحة، وتسهيلا للعمل على الوزارتين ~~قسم البلاد المصرية إلى 64 قسما، وجعل على كل قسم رئيسا دعاه ناظر ~~القسم، وكون من تلك الأقسام مجموعات دعاها مراكز، عين على كل منها رئيسا ~~سماه المأمور، ثم كون من تلك المراكز مجموعات أخرى دعاها مديريات، عين على ~~كل منها رئيسا سماه المدير، وكان كل قسم من تلك الأقسام الأربعة والستين ~~يشمل عدة نواح ms71 ونجوع وكفور، يدير شئون كل منها شيخ أو عدة شيوخ يقال لهم ~~مشايخ البلدان جعلهم محمد علي المسئولين عن التجنيد وعن جباية ~~الأموال. # ثانيا: # بأن أنشأ من أبناء البلد جيشا زاهرا مدربا على الطريقة الغربية، ~~بالرغم من صعاب كانت الواحدة منها كافية لتفل الحديد وتدك الجبل! وللجندية ~~في الشكل الذي أنشأ محمد علي جيشه عليه؛ مزايا ومنافع مادية وأدبية، لا ~~سيما في قطر كقطرنا تتعدد فيه الأجناس والملل والنحل، ما لا يمكن أن تغيب ~~عن أحد؛ منها: إزالة الفوارق بين هذه الأجناس والملل والنحل، وإيجاد رباط ~~أخوة في الراية والشرف بين أفرادها، ومنها تقوية الأجسام بالتمارين ~~الرياضية، وعلى الأخص تقوية الأرواح وتغذيتها بألبان فضائل فردية كالهمة ~~والنشاط والترتيب، واجتماعية كتضحية الأنانية والمروءة واحترام القوانين ~~والولاء للوطن وحبه، وهذه المزايا والمنافع كانت أمتنا في أشد الاحتياج ~~إليها، بعد أن مضى عليها ما يزيد على أربعة عشر قرنا - وهي تعبير ~~اتنوجرافي فقط - وهي مدوسة تحت أقدام الفاتحين! # وأنشأ، بجانب هذا الجيش، ~~عمارة فخمة خولت الراية المصرية مهابة معظمة في مياه البحر الأبيض المتوسط ~~ومياه البحر الأحمر، وأنشأها من العدم، وبالرغم من عدم وجود مادة واحدة ~~لديه من المواد اللازمة لبنائها، ثم إذ دمرتها دونمات الدول الثلاث ~~المتحالفة في مياه نافارين، عاد فابتنى غيرها في ظرف وجيز وسلحها بما يزيد ~~على ألف وخمسمائة مدفع، فدفع بها عن شواطئ ديارنا الأخطار والخطوب، ولم يكن ~~يمكن ولا لملوك الجن، في بلد كانت تعوزه كل الوسائل، وكانت كل الآراء فيه ~~معارضة؛ أن تنجز ما أنجزه محمد علي في هذا الباب الهام. # ثالثا: # بأن جدد بجدة المعارف بتغييره برامج التعليم وطرقه، وفتح ميدانا جديدا ~~للعلم أدخل الأمة فيه قسرا، فقد كان التعليم، حتى قيام دولته، قاصرا على ~~تلقين أصول الدين وأصول اللغة العربية، ولم يكن في البلاد سوى كتاتيب ~~يعلم فيها القرآن الشريف، لا كينبوع علوم دينية - محيية، إن لم يكن ~~لشيء، فللأخلاق الحميدة - بل كمادة تحفظ على ظهر القلب بدون أن يفقه حافظها ~~معناها، وسوى الجامع ms72 الأزهر، وقلما أخرج عالما واحدا يشار إليه بالبنان، ~~بعد القرن العاشر للهجرة. # ففتح محمد علي المدارس تترى: ابتدائية وثانوية وعالية، أذكر لكم بعضها ~~ليكون عندكم فكرة منها كلها. # فالمدارس الابتدائية كانت سبعا وأربعين، منها: مدارس المحلة الكبرى ~~وزفتى والمنصورة والزقازيق والجيزة وبني سويف والفيوم والمنيا وأسيوط ~~وسوهاج وإسنا إلخ. # والمدارس الثانوية والعالية والخصوصية كانت أربعا وعشرين، منها: مدرسة ~~قصر العيني، ومدرسة اللغات، والمدرسة البوليتكنيكية، ومدرسة المعادن، ~~ومدرسة الطب البيطري، ومدرسة الطب والتوليد، ومدرسة العمليات (أي الفنون ~~والصنائع) ومدرسة الموسيقى إلخ. # وأدخل في هذه المدارس ~~التلامذة والطلبة رغم أنوفهم وأنوف أهلهم، وأحضر إليها الأساتذة الأكفاء ~~من بلاد الغرب، وعلم فيها العلوم الوضعية، التي كانت - ولا تزال - سببا ~~كبيرا من أسباب رقي الغرب وتقدمه، وأنشأ بعضا من تلك المدارس - كمدرسة ~~التشريح مثلا - رغم كل معارضة ~~وكل مقاومة، حتى من لدن رجال الدين، ولم يكتف بذلك، بل أرسل البعثات تلو ~~البعثات إلى المعاهد الأوربية؛ لا لكي يقتبس المبعوث بهم علوم الأمم ~~الغربية وفنونها وصنائعها فحسب، بل ليتخرجوا أساتذة فيها، فيعلموها ~~مواطنيهم بعد عودتهم إلى البلاد. # وأضاف إلى تجديد بجدة ~~المدارس، إقامة المعامل والمصانع في طول البلاد وعرضها؛ ليتمكن قطرنا من ~~ترويج المصنوعات على الطراز الغربي؛ لاعتقاد محمد علي أن تغيير معالم ~~البيئة المادية يساعد كثيرا على تغيير معالمها المعنوية، ولتتمكن البلاد ~~من الاستغناء جل الاستطاعة عن الواردات الأجنبية. # رابعا: # بأن غطى وجه القطر بالأشغال والأعمال المفيدة، وسخر فيها الأيدي ~~تسخيرا، ولولا ذلك، لما اشتغلت ولما تمت تلك الأعمال، فمن سد أبي قير - ~~وكان الإنجليز قد كسروه في حربهم مع الفرنساويين، فأغرقوا جزءا عظيما من ~~مديرية البحيرة، ودمروا القرى والبلدان جنوبي بحيرة مريوط حتى حوش عيسى، ~~إلى سد الترعة الفرعونية - وكانت تحول جانبا عظيما من مياه فرع دمياط إلى ~~فرع رشيد، فتسبب - لا سيما في أيام التحاريق - شرقا عظيما لمزروعات شمالي ~~الدلتا والدقهلية، إلى سد فتحة ديبي ببحيرة المنزلة، لمنع مياه النيل من ~~الانصراف بسرعة إلى البحر الملح، ومنع مياه البحر الملح - في أيام ms73 التحاريق ~~- من الدخول بغزارة في تلك البحيرة، مسوقة إليها من الرياح الهابة من جهة ~~اليم، إلى تقوية جسر قشيش - وهو الذي كان يصون مديرية الجيزة من الغرق، إلى ~~بناء جسر لسد قطع في البحر اليوسفي غربي ناحية (هوارة المقطع) ~~في جهة (طميه)، إلى تعزيز ~~قنطرة اللاهون، إلى حفر الترع العديدة وأهمها المحمودية والخطاطبة، ومسد ~~الخضراء، والنعناعية، والسرساوية، والباجورية، والبوهية، والمنصورية، ~~والشرقاوية، إلى إقامة قناطر حاجزة عليها ومسهلة للري، إلى بناء الترسانة ~~وحوض تصليح السفن، وتشييد قناطر بحر شبين بالقرنيين، والقناطر الخيرية ~~الكبرى - وهي معجزة أعماله المعجزة - إلى ابتناء الحصون والقلاع على ~~السواحل المصرية لدرء هجمات الأعداء عليها، وابتناء السرايات العديدة، ~~وأهمها سراي رأس التين، وسراي شبرا، وسراي قصر النيل، إلى الشروع في تحويل ~~الأزبكية إلى منتزه عمومي، إلى إنشاء شارع ما بين باب رشيد بالإسكندرية ~~وسراي رأس التين، وكسائه بمسحوق من الجير والبتسولانة الصناعية لجمع ~~الحجارة بعضها إلى بعض، إلى غير ذلك من الأعمال العظيمة التي غيرت وجه ~~القطر تغييرا محسوسا. # خامسا: # بأن هدم الحواجز التي كانت العصور السالفة قد أقامتها بين تعامل الغرب ~~والشرق، ومكن العالمين من الاختلاط معا، لا بالاتجار الواسع فحسب، بل ~~بالاحتكاك اليومي في العادات والأخلاق والعقلية؛ فحبب إلى الغربيين المجيء ~~إلى القطر والإقامة، بل والتوطن فيه، واستغلال رؤوس أموالهم في أرضه، ~~وإنشاء مدارس لأولادهم على سطحه، وفتح أمام قومه أبواب السفر إلى الغرب، ~~والتعرف بحاله والاقتباس عنه، وكان أجدادنا في ذلك العصر يكادون لا يعلمون ~~عن الغرب أكثر مما كان يعلم الأوربيون عن أميركا حتى أواسط القرن السابع ~~عشر، وليس من يجهل أنه لولا اختلاط العالمين معا، لما تخلصنا من أفكار ~~كثيرة كانت من أكبر أسباب قعودنا عن جري شوطنا في الميدان الذي تتسابق فيه ~~الأمم المتمدينة نحو الرقي المادي والأدبي، ولو تسنى لعصر الرشيد والمأمون ~~ما تسنى لمصر وسوريا بعمل محمد علي، من توسع دائرة هذا الاختلاط وتشعب ~~أسباب الاحتكاك بين العالمين واقتباس المدنية الإسلامية عن المدنية ~~اليونانية ما اقتبسته النهضة العلمية العلوية في ms74 القطرين عن المدنية ~~الغربية، لما دالت للخلافة العباسية دولة ولما غربت للمدنية الإسلامية ~~شمس. # سادسا: # بأن سن قانونا للبلد كل مواده متشربة بالرغبة في فتح عصر جديد للأمة؛ ~~عصر تكون المساواة تامة فيه بين الأفراد، ويكون الفرد آمنا على حريته ~~الشخصية من كل عبث ما دام لا يرتكب جرما، ولا يأتي أمرا تؤاخذ عليه ~~الشرائع، ولئن لم ينفذ ذلك القانون في أيامه تنفيذا مرضيا، واستمر ~~الأقوياء يعبثون بالضعفاء، لئن أقدم مختار بك - أول ناظر للمعارف العمومية ~~المصرية - على قتل غلام له تحت العصا، لأنه أبى أن يفرط له في عرضه، وأقدم ~~سليم باشا - للسبب عينه، أو لسبب يماثله في سماجته وقبحه - على إلقاء أحد ~~مماليكه في النيل، وأقدم محو باشا على قتل أحد أتباعه تحت العصا أيضا ~~لهفوة ارتكبها، ولم يعاقب أحد منهم بأكثر من الحكم عليه بدفع دية ضئيلة، ~~فإنه لا يجب أن يغيب عن الأذهان ما في قول مونتسكييه من حقيقة عميقة: «إن ~~الناس ينشئون في الأول النظامات، ثم لا تلبث النظامات أن تنشئ ~~الناس!» # سابعا: # بأن فتح أذهان المصريين إلى أمرين، لم يكونوا ليفكروا فيهما البتة لولاه: ~~الأول: أن مصر والسودان قطران توأمان، أبوهما النيل، فإما أن يدوما ملتصقين ~~كما ولدا، وإما أن يكونا متحالفين أبدا، وإلا فللقوي منهما أن يجبر الثاني ~~على إحدى هاتين الخلتين، كما أجبرت ولايات الشمال الأميريكية ولايات ~~الجنوب على البقاء متحدة معها، بحرب الانفصال بين سنة 1861 وسنة 1865. ~~والثاني: أن لمصر قومية شخصية منفصلة تمام الانفصال عن قوميات الشعوب ~~الأخرى القاطنة في الأقاليم المتكونة منها القومية العثمانية في ذلك العصر، ~~وإنما فتح أذهان المصريين إلى هذين الأمرين بالحربين اللتين قام بهما في ~~مجاهل السودان، وفي سوريا والأناضول. # أما حرب السودان، فإن الباشا العظيم صمم عليها؛ أولا: ليقضي على البقية الباقية من ~~المماليك، وكانوا مقيمين في جهة دنقلا. ثانيا: ليتخلص مما تبقى من فيالق الجيش غير النظامي ~~التي لم تهلك في حرب الوهابيين، وعادت إلى مصر. ثالثا: لاعتقاده بوجود مناجم ذهب وماس في ms75 ~~السودان، ولا سيما في سنار. رابعا وأخيرا: لأن فتح السودان كان من شأنه أن يضع بين يديه ~~أمما وشعوبا عديدة وقوية، يستخدمها إما في تعمير الجهات المصرية التي قللت الكوارث عدد ~~السكان فيها، وإما في تكوين صفوف الجيش النظامي المرغوب في إنشائه. # فسير جنوده تحت قيادة إسماعيل باشا ثالث أولاده، فدوخت الأقطار الجنوبية تدويخا، ولم ~~تلاق لصد غزواتها قوة في استطاعتها الثبات أمام مدافعها، فاستولى إسماعيل باشا على السنار، ~~وبلغ إلى فازوغلو، ولما لم يجد فيها ذهبا ولا ماسا ، ورأى أن أحمد بك الدفتردار - صهره - ~~وافاه بمدد، ترك له جيشه ونزل إلى شندي، وقال للملك نمر مليكها: «إني أريد أن تملأ مركبي ~~هذه ذهبا، وتقدم لي ألفي رجل لجيشي في ظرف خمسة أيام!» فطلب نمر مد المهلة، فزجره ~~إسماعيل، وضربه بشبكه، وهدده بالخازوق، إذا تأخر عن القيام بما أمره به، فما كان من الملك ~~النوبي إلا أنه دبر مكيدة لإسماعيل، فأغراه بسكنى بيت في شندي، وكدس حول ذلك البيت أكواما ~~من الحطب والقش بحجة الرغبة في إطعام خيل الباشا، ثم أبدى إلى قومه علامة، فوثبوا على حرس ~~إسماعيل وأدخلوهم البيت عنوة، وأشعلوا النار في الوقود المكدس حولها، فحاول إسماعيل ومن معه ~~من رجاله أن يفتحوا لأنفسهم ممرا في وسط الأتون المتقد حولهم، ولكن حراب نوبيي الملك نمر ~~ما فتئت تدفعهم في وسط النيران حتى احترقوا وماتوا عن آخرهم. # فلما نمى خبر ذلك إلى الدفتردار أقسم بقتل عشرين ألف شخص؛ ثأرا لموت نسيبه، وزحف في ~~الحال بجنده إلى شندي، فلم يبق ولم يذر، وزاد عدد من قتل على عدد من أقسم بقتلهم. # ولما تم الفتح واستتب الأمر عين محمد علي ضابطا كبيرا يقال له رستم بك مديرا عاما ~~على السودان، وأرسله على رأس جنود نظاميين ليحل محل الدفتردار، واستمر السودان تابعا لمصر ~~منذ ذلك الحين إلى أن فصلته عنه ثورة محمد أحمد المهدي. ~~••• # وأما الحرب في سوريا والأناضول، فسببها أن عبد الله باشا - والي عكاء - ~~كان يحبب إلى فلاحي مصر المهاجرة ms76 من القطر إلى ~~البلاد الخاضعة لحكمه، ولما آخذه محمد علي على ذلك أجابه أن المصريين رعايا الباب العالي، ~~لا عبيد محمد علي، فلما أعيت هذا المطالبة الودية عزم على تفهيم عبد الله باشا أن المصريين ~~مصريون قبل كل شيء، وأن بلادهم أحق بجهودهم من كل بلد آخر، فأرسل إلى عبد الله باشا كتابا ~~قال له فيه: «إني سأقدم لأستعيد الثمانية عشر ألف مصري الذين أغريتهم فحملتهم على الذهاب ~~إليك، وسأعود بهم وبواحد فوقهم إلى مصر!» وعنى محمد علي بذلك الواحد عبد الله باشا ~~نفسه. # وفي الحال سير إبراهيم ابنه إلى فلسطين على رأس جيش مؤلف من 24 ألف مقاتل، ومعه ثمانون ~~مدفعا، وعلى رأس عمارته الزاهرة التي أقلته - هو وأركان حربه - إلى يافا. # فاستولى إبراهيم على جميع مدن الساحل الفلسطيني، وأتى وحاصر عكا، فهب والي حلب إلى ~~إنجادها، على رأس أربعة آلاف مقاتل، فترك إبراهيم باشا معظم جيشه أمام أسوار المدينة ~~المحاصرة، وذهب بزهرة جنوده لمقاتلة ذلك الباشا، وكان قد انضم إليه واليان عثمانيان آخران، ~~فبدد جموعهم في معركة دموية، وعاد إلى تشديد الحصار على عكاء برا وبحرا، وبعد أن قضى ~~أمامها ستة شهور في قتال كاد يكون مستمرا، استولى عليها عنوة في 27 مايو سنة 1832، وأرسل ~~عبد الله باشا واليها أسيرا إلى أبيه في الإسكندرية. # فكان ذلك فاتحة الحرب بين مصر والدولة العثمانية. # فسار إبراهيم باشا لمقابلة الجيوش المتقدمة لقتاله، فأرسل فرقة للاستيلاء على طرابلس ~~الشام، وزحف ببقية جيشه إلى دمشق فدخلها فائزا، وسار منها إلى حمص، حيث كان في انتظاره جيش ~~عثماني مؤلف من خمسة وثلاثين ألف مقاتل. # فدار القتال بينهما، وأسفر عن انهزام العثمانيين، تاركين ألفي قتيل في ساحة الوغى وثلاثة ~~آلاف أسير وعدة مدافع، ولم يخسر المصريون سوى مائتي قتيل ومائتي جريح، فطارد إبراهيم الجيش ~~المهزوم إلى حلب وطرده منها، واستولى عليها، ولكنه لم يستقر فيها إلا برهة ثم قام يتعقب أثر ~~الفارين، وكانوا قد تحصنوا في موقع منيع في بيلان، فوثب إبراهيم بجيشه عليهم وثوبا ms77 برؤوس ~~الحراب، فانهزموا مرة أخرى تاركين ألفي أسير وخمسة وعشرين مدفعا بين يديه، وما كان من ~~الضباط والعساكر العثمانيين إلا أنهم أخذوا يهجرون راياتهم، وينضمون إلى صفوف الجيش المصري ~~المظفر. # فتقدم إبراهيم، واستولى على أطنه وطرسوس وعلى مضايق جبال الطورس وممراتها، ولكن السلطان ~~محمودا جهز جيشا عظيما عززه بمدفعية هائلة، وسلم قيادته إلى رشيد باشا - الصدر الأعظم - ~~وسيره إلى قتال المصريين، فقام إبراهيم وزحف إلى قونيه، وما بلغ سهول الأناضول إلا وفتحت ~~أزمير ومدن أخرى عديدة أبوابها له، فوجد في قونية كمية عظيمة من المدافع والمؤن، تركها ~~العثمانيون الفارون منها، ووافاه إليها الجيش التركي، وعدده ستون ألف مقاتل، يوم 24 ديسمبر ~~سنة 1832، واصطف أمامه تاركا فراغا كبيرا بين ~~فرسانه وشمال مشاته، فما رأى إبراهيم باشا ترتبه إلا واندفع بسرعة في ذلك الفراغ، فقلب ~~كردوس الفرسان، وأسر الصدر الأعظم، وألقى الخبل في صفوف المشاة، فتوقفت عن المقاومة، ~~وانسحبت من ميدان القتال بمنتهى الصعوبة؛ فباتت طريق الأستانة مفتوحة أمام المصريين ~~الفائزين، ولو سار إبراهيم إليها من غد لتغيرت مجاري التاريخ! # ولكنه لم يسر إلا بعد شهر، وكان السلطان قد استنجد للدفاع عنه قوة روسية وعقد مع نقولا ~~الأول - القيصر الروسي - معاهدة أنكيار سكيلاسي، فاضطربت أوربا لذلك وتداخلت في الأمر، ~~وأجبرت المتحاربين على عقد معاهدة قوتاهيه. # فآلت سوريا بمقتضاها إلى محمد علي، ومقاطعة أضنا فوقها. # ولكن السلطان محمودا لم يكن ليستطيع صبرا على هذا الذل، فما فتئ يدس الدسائس في سوريا ~~فيثير شعبها على الجيش المصري والإدارة المصرية، ولم يفتر لحظة عن إعادة النظام إلى جيشه ~~وتعزيزه؛ حتى إذا أحس بأنه أصبح كفؤا للقتال، حشد منه 23 ألف راجل و14 ألف فارس، وعززهم ~~بمائة وأربعين مدفعا، وسيرهم إلى آسيا الصغرى، تحت قيادة حافظ باشا الساري عسكر. # فنهض إبراهيم في الحال، وتقدم لقتالهم على رأس 43 ألف مصري، وتقابل الجيشان في ~~نزيب. # فلما كان صباح يوم 24 يونيو سنة 1839، علم الساري عسكر العثماني أن عدة آليات سورية تستعد ~~للتخلي عن الجيش المصري والانضمام إلى ms78 الأتراك، فعزم على تسهيل الأمر لها بمهاجمة المعسكر ~~المصري بغتة، وأخذ يطلق قنابله عليه، فأجاب إبراهيم بالمثل، وأصبح القتال عاما، وانجلى - ~~هذه المرة أيضا - عن فوز المصريين، بالرغم من وجود فون مولتكي الألماني مع أركان حرب الجيش ~~العثماني، يدبر آراءهم ويرشدها، وفون مولتكي - كما لا يخفى - هو الذي قهر فرنسا في الحرب ~~السبعينية، ذلك القهر الفظيع المشهور، فترك حافظ باشا في ساحة الوغى أربعة آلاف قتيل وألفي ~~جريح وأربعة آلاف خيمة وألفا وخمسمائة أسير. # ومن غرائب هذه الواقعة أن الذخيرة في أشد اشتداد المعمعة أعوزت المدفعية المصرية، فأرادت ~~الآليات السورية المخامرة اغتنامها فرصة لتمر بما معها من أسلحة إلى صفوف العثمانيين، ولكن ~~إبراهيم باشا وهيئة أركان حربه بأجمعها اندفعوا إلى مقدمة الصفوف المقاتلة شاهرين سيوفهم ~~وعيونهم تقدح نارا، وهددوا بالقتل كل من يتزحزح من مكانه، فخاف المخامرون ولم ~~يتحركوا. # ولحظ فون مولتكي توقف المدفعية المصرية عن الضرب، فأشار على حافظ باشا بأن يحمل في الحال ~~حملة عنيفة برؤوس الحراب على الجيش المصري الذي أقلقه ذلك التوقف، ولو عمل حافظ باشا ~~بالنصيحة، ربما أمال النصر إلى جانبه، ولكنه لم يفعل، وما لبثت الذخيرة أن أتت المدفعية ~~المصرية، فعادت إلى إطلاق النيران أشد مما كانت، وما لم يعمله حافظ باشا عمله إبراهيم؛ فإنه ~~حالما وقع نظره على أول اضطراب أحدثته مدفعيته في صفوف الأتراك وثب عليهم بجيشه الباسل ~~شاهرا حرابه، فبددهم شذر مذر. # ولما بلغ نبأ هذه الكسرة السلطان محمودا قال: «إذا كان محمد علي الرجل الحاذق الذي أنا ~~أعرفه، فإنه سيقدم إلى دار السعادة ويقبل يدي، فأعينه صدرا أعظم، وأعين إبراهيم ابنه ~~ساري عسكر السلطنة؛ فينهضان بها كما نهضا بمصر!» # فنقل كلامه هذا إلى الصدارة العظمى - وكان القائم على مهامها خسرو باشا، عدو محمد علي ~~اللدود القديم والسبب الأصلي في هذه الحروب التي دارت رحاها بين مصر والدولة العلية - فلم ~~تمض ستة أيام إلا والسلطان محمود في عداد الأموات، وكان أحمد فوزي باشا - أمير العمارة ~~العثمانية - يرى رأي السلطان محمود، ويعتبر ms79 أن محمد علي وحده قادر على إنقاذ الدولة من ~~الخراب المحيط بها، فسار بعمارته وسلمها إليه، يوم 14 يوليو سنة 1839. # ولكن إنجلترا أيضا - لسوء الحظ - رأت رأيه، فأبت أن تقوم على ضفاف النيل دولة مصرية قوية ~~تجعل طريقها إلى الهند غير أمين، فألبت على محمد علي روسيا وپروسيا والنمسا، وأبرمت معها ~~معاهدة لندن سنة 1840 التي اتفقت تلك الدول فيها على وقف محمد علي عند حده، وعلى عدم السماح ~~له بأن يكون إلا تابعا لسلطان تركيا، أما فرنسا فإنها لم تشترك في تلك المعاهدة، وعضدت ~~الباشا العظيم جهارا . # وبعد عقد تلك المحالفة تقدمت الدول المتحالفة إلى محمد علي بأن يتخلى عن الأناضول وسوريا، ~~ويكتفي بولايتي عكاء ومصر، فرفض. # فاشتغلت النقود في الخفاء، وبثت الدسائس، فثار دروز لبنان على إبراهيم، واستولى الإنجليز ~~على صيدا، فعلى بيروت، فعلى عكاء أيضا، بعد قتال يسير وخيانة جلى، وظهر الكومودور نابيير ~~بعد ذلك أمام الإسكندرية وعرض الصلح على محمد علي، فدارت المخابرات بين الدول والباب ~~العالي، وسعت فرنسا لدى الباشا العظيم، فاتفق أخيرا على أن يرد محمد علي إلى الباب ~~العالي عمارته، ويأمر ابنه بالانسحاب من سوريا. # فعاد الجيش المصري الفائز إلى أوطانه، وأصدر السلطان عبد المجيد - بالاتفاق مع الدول - ~~فرماني 13 فبراير سنة 1841، اللذين بقيا دستور الحكومة المصرية، حتى أبطلت مساعي إسماعيل ~~الأول معظم نصوصهما، وأوصلت القطر إلى استقلال تام، لا يقيده سوى قيد الجزية ~~السنوية. ~~••• # هكذا انتهت حرب سوريا، ولو لم تتداخل السياسة الأوربية المشئومة في مجاري حوادثها، ~~وتركتها وشأنها، لنشأ عنها - على ضفاف النيل من ينابيعه إلى مصبه، وعلى ربوع الشام حتى جبال ~~الأناضول - دولة مصرية عربية، على رأسها الأسرة العلوية المجيدة، ربما استطاعت - مع تمادي ~~الأيام - أن تعيد إلى الشرق عزه وسؤدده، ربما أثار شأنها روح الغيرة في صدر الدولة ~~التركية، فجعلها تقوم فتعمل، منذ ذلك الحين ما أقدمت عليه وأتمته في أيامنا هذه تحت قيادة ~~بطلها الأكبر مصطفى باشا كمال! وربما حدا مثلهما بفارس وأفغانستان إلى الاقتداء به، فتنظمتا ~~وتقويتا ms80 وترقيتا، فاتحدتا مع الدولة المصرية العربية والدولة التركية، فكونتا اتحادا ~~شرقيا عظيما، كان يكون له في عالم السياسة قدح معلى، وكانت الأمور لا تجري إلا بإشارة ~~بنانه. # ولكن الرياح تأتي بما لا تشتهي السفن. # الفصل الخامس # | أيام محمد علي الأخيرة # على أن دول أوربا المتحالفة في مصلحة تركيا ضد الباشا الكبير، وإن أرغمته على التخلي عن ~~ممتلكاته الآسيوية، فقد ضمنت ملك مصر له ولذريته من بعده، بمقتضى الفرمانين اللذين أرغمت ~~سلطان تركيا على منحهما إياه في 13 فبراير سنة 1841 واعتمدتهما. # فبات الرجل العظيم في شيخوخته مطمئنا على سدته المصرية، مطمئنا على مستقبل أسرته، ولئن ~~زالت من قلبه مطامع الفتح التي أوقدتها فيه رغبته في إنشاء دولة عربية مستقلة، لما وجد بين ~~يديه جيشا زاهرا لا مثيل له في الشرق، فقد زالت أيضا منه المخاوف على مستقبله ومستقبل ~~أولاده التي كانت دسائس الديوان ومساعيه الخفية توقظها في فؤاده وتعلق سيفها فوق رأسه كسيف ~~دامكلس الشهير. # فلم يعد يفكر في شيء إلا في تحويل جهوده الباقية إلى تمكين حاضر البلاد ومستقبلها من جني ~~ثمار ما غرست جهوده الماضية، ولئن أقفل في الحقيقة معظم المدارس والمصانع التي كانت قد ~~فتحها سابقا لما حتمت عليه فتحها احتياجاته العسكرية، فإنه أبقى منها ما كانت تستلزمه ~~الحال السلمية التي آلت إليها البلاد بعد الحروب السورية، وأخذ يكثر من إرسال نجباء المدارس ~~إلى أوربا، ليصبحوا عمال المستقبل. # وكان - بالرغم من دخوله في حلقة الثمانين من عمره الخصيب - قد زار السودان؛ ليختبر بنفسه ~~شئونه ويرتب أحواله، فلما وضعت تلك الحروب أوزارها أقدم يشجع الاكتشافات العلمية والجغرافية ~~فيه، فلم يكتف بما بذل من مسهلات ومساعدات لجرانت وسيبك وغيرهما ممن أقبلوا على السفر إلى ~~أعالي النيل للوقوف على ينابيعه، بل جهز هو نفسه حملة لهذا الغرض عينه، وسيرها تحت قيادة ~~سليم قبطان، إلى جهات خط الاستواء، فقامت بالمهمة خير قيام، ووضعت في رحلتها رسالة شيقة ~~ملأى بالفوائد. # ولما اكتشفت قوة البخار وأنشئت في أوربا السفن البخارية، والسكك الحديدية، فإن ms81 عينه ~~اليقظة لم يفتها الالتفات إلى ذلك، ولم يفت فؤاده الزكي الإقدام على الانتفاع به، فأحضر ~~لنفسه زورقا بخاريا ليسافر فيه على النيل، وأراد أن يبدل آلات بخارية رافعة، بالآلات ~~الرافعة القديمة المستعملة في ري الأطيان منذ أيام الفراعنة، لولا أنه وجد بسرعة أن الوقود ~~الذي تستلزمه الآلات البخارية يجعل استعمالها متعذرا لجسامة النفقات التي يوجبها. # ولكنه أراد الانتفاع حالا بفوائد السكك الحديدية، فأقدم بهمته المعتادة على ابتياع ~~مهماتها من أوربا، ولكن فرنسا أبدت له نفورها من ذلك، وخوفته من عاقبة قيام شركة إنجليزية ~~بإنشاء السكة الحديدية المرغوب فيها، وكان الباشا الكبير لا يعتمد في الملمات إلا على تلك ~~الدولة، فأبى إغضابها وأهمل مشروعه. # وكان ضابط إنجليزي يقال له واجهرن قد أنشأ بريدا سريعا بين الهند وأوروبا عن طريق ~~السويس فمصر فالإسكندرية، عرف باسم «ذي أوفرلند روت» ونظم له مصلحة سميت «مصلحة الترانزيت» ~~كان كل عمالها من الإنجليز، فاشتراها منه محمد علي، وزاد في تنظيمها، وأبدل مصريين بجميع ~~عمالها الأجانب، فأصبحت مصلحة من خير المصالح العائدة على البلاد بالخير الجزيل. # ولما رأى أن وسائل الري العديدة التي أنشأها في البلاد يتضاءل نفعها في سني النيل الشحيح، ~~أقدم وهو في السابعة والسبعين من عمره على إنشاء القناطر الخيرية التي دعوناها معجزة ~~معجزاته العظيمة. # وكان قد وقع في خلده لأول وهلة أن يهدم الهرم الأكبر بالجيزة، لينتفع بحجارته الضخمة في ~~بناء تلك القناطر، ولكنه ما لبث أن أدرك أن نفقات هدم ذلك الأثر الفرعوني الهائل ونقل ~~حجارته تربو بكثير على نفقات استخراج الحجارة اللازمة للعمل من محاجر جبال طرا والمعصرة ~~والمقطم، فعدل عن فكره. # وكانت شهرة ما بذله وما لم يكن يفتأ يبذله من الجهود في سبيل النهضة القومية والعلمية في ~~بلاده وفي سوريا، قد جعلت أكاديميات أوربا ومعاهدها وأوساطها الأدبية تكبر من شأنه، وتتحدث ~~بآلائه، فرأت الأكاديميات الألمانية - قبل الجميع - أن تتشرف بإدماجه في عضوية هيآتها، ~~فبعثت إليه بالبراءات المنبئة بذلك، والتمست ألا يبخل عليها بإنالتها الفخر الذي كانت راغبة ~~فيه، ms82 وما لبثت باقي الأكاديميات الأوربية الهامة أن اقتدت بها. # ورأى السلطان عبد المجيد أن يشرف نفسه بإظهار حقيقة تقديره لرجل الشرق الإسلامي المعاصر ~~الأكبر، بالرغم من أنه قاتل دولته، وكاد يقضي عليها، فقرر رفعه إلى رتبة الصدارة العظمى ~~وتقليده وسامها ما دام حيا، وأرسل إليه بذلك خطا شريفا، ودعاه لزيارته في ~~الأستانة. # فلبى محمد علي الطلب، وبالرغم من أنه بات على أبواب الثمانين من عمره السعيد، ركب البحر، ~~وذهب إلى دار السعادة، حيث قوبل بما لا يمكن وصفه من مظاهر التعظيم والإجلال، وحيث أنفق ~~نيفا وعشرة ملايين من الفرنكات في أعمال البر والإحسان. # بعد أن أقام في ضيافة السلطان أياما - كان إبراهيم ابنه البطل المجيد، في خلالها يزور ~~فرنسا، بعد أن زار إيطاليا، ويلقى من حفاوة الملك لويس فيليب والشعب الفرنساوي به ما يثلج ~~صدره هناء، ثم ينتقل إلى زيارة إنجلترا وينزل ضيفا كريما على جلالة الملكة فكتوريا - ~~أقلع محمد علي من الأستانة إلى قوله مسقط رأسه، وقضى فيها زمنا يستنشق هواء سني صبوته ~~وحداثته وشبابه اليانع الأول، ويغدق على مواطنيه برا ظنوا معه أن العناية الإلهية زارتهم ~~في شخص ذلك الشيخ الوقور الجليل. # ثم عاد إلى مصر، ولكنه لم يقم فيها إلا قليلا وشعر بداء في المعدة والأمعاء، فأشار ~~عليه الأطباء بالذهاب إلى مالطا، للتطبب منه بتغيير الهواء، فذهب إليها مصطحبا معه أرتين ~~بك يوسفيان والد يعقوب باشا أرتين الذي عرفناه وكيل وزارة المعارف في عهدنا هذا، وكان أرتين ~~بك قد أخلف على ثقة محمد علي المتناهية، وزيره المخلص بوغوص بك يوسف. # ولكن تغيير الهواء لم يفد، بل زاد الداء استعصاء، وما لبث أن سرب خرفا إلى ذلك العقل ~~السامي الذي كان نوره قد أضاء على قطرنا المصري نيفا وثماني وأربعين سنة. # فعاد الأمير إلى القطر، وقد هزلت قواه الجسدية والعقلية معا، فتسلم إبراهيم ابنه - البطل ~~المغوار - زمام الأحكام، وزار - هو أيضا - ~~الأستانة، لتقلد الأمر فيها على مصر رسميا، ولكنه - بعد أن عاد منها - ~~لم يمكث على قيد الحياة ms83 إلا أياما معدودة، ولم ~~تكمل ثلاثة شهور على قيامه على سدة أبيه إلا ووافاه أجله، فخلفه عباس الأول. # وكان محمد علي قد انزوى عن العالم، يقضي أيامه تارة في أعماق سراي رأس التين وطورا في ~~شبرا، في الحديقة الغناء والقصر الجميل المنشأين هناك، لا يعلم بما يجري حوله من ~~الأمور. # فلما كان صيف سنة 1849 غادر مصر القاهرة، للمرة الأخيرة، وذهب يستنشق هواء البحر الملح - ~~بحر أيامه الأولى - في الإسكندرية، ولكن الأجل المحتوم وافاه في سراي رأس التين يوم 2 ~~أغسطس، فوضع جسده في وسط قاعة فسيحة وغطي بالأكفان النفيسة، وقام ابنه محمد سعيد باشا ~~يستقبل وفود المعزين، فمر القناصل والوجهاء أمام الجثة الراقدة المغطاة، ووقفوا مأخوذين ~~أمامها يفكرون في عظمة الحياة التي انطفأ سراجها ومجدها، ويمرون بمخيلتهم على الحوادث ~~العجيبة التي كان النفس الذي رحل بطلها! # ثم نقل ذلك الجسد المجيد إلى العاصمة ودفن في المسجد الرخامي المرمري الذي أنشأه محمد علي ~~على جبهة قلعة الجبل، وهو راقد هناك إلى يومنا هذا يشرف من علاه على القطر المصري برمته، ~~ومن يدريني أن روحه لا تأتي أحيانا فتزور ذلك المكان - كاعتقاد المصريين القدماء - وتبارك ~~من ذلك المقام الرفيع البلاد بأسرها! # الفصل السادس # | وصف محمد علي وتقدير عمله # أما وقد ألقينا نظرة سريعة على أهم حوادث تاريخ محمد علي، فإنه لم يبق علينا إلا أن نعرف ~~الرجل وصفا وأخلاقا - ولو أن الحوادث التي رويناها ومواقفه فيها أظهرت كثيرا من صفاته ~~وأخلاقه؛ لأن خير ما يصف الرجل التاريخي مواقفه في حوادث تاريخه - وأن نزن في ميزان الإنصاف ~~عمله، ونرى إلى أي النتائج أدى. ~~••• # كان محمد علي ربعة القامة، واسع الجبين، بارزه، مقوس الحاجبين جدا، ذا عينين سوداوين، ~~غائصتين في دائرتيهما، وأنف ضخم يغلب عليه الاحمرار، وفم صغير باسم، وكان يتجلى على ملامحه ~~مزيج موزون من الذكاء الدقيق والبشاشة المحببة، على أن تلك الملامح كانت تتشكل بسرعة، بشكل ~~انفعالات قلبه، وكانت لحيته الجميلة البيضاء - واعتناؤه بها كان كبيرا - تحيط وجهه بهالة ~~من نور. ms84 # وأما يده فكانت آية في حسن صنعها، وكان قوي البنية سليمها، أنيق الحركة، ثابت المشية ~~موزونها، كأن عليها مسحة من الدقة العسكرية، على أن جسمه كان إذا مشى يترجرج قليلا، مع ~~تمام انتشار قده، وكثيرا ما كان محمد علي يجمع يديه خلف ظهره، ويخطر - وهو كذلك - ~~ذهابا وإيابا في حجر سراياته. # ولم يكن يحب البذخ في الملابس، بل كان يبالغ في بساطتها إلى درجة أن كثيرين ممن لم يكونوا ~~يعرفونه شخصيا، كانوا يظنون أنه أحد الأتباع، لا الباشا العظيم نفسه، وكان الوقار والجلال ~~يكسوان جميع حركاته وسكناته؛ فما كنت تستطيع وأنت في حضرته أن لا تؤخذ بمهابته، وتقول في ~~نفسك «هذا ملك، حقيقة!» مع أنه لم يكن يحتاط البتة بخدم وحشم وحرس مسلح، ولم يكن يقيم على ~~بابه إلا حاجب واحد، وإذا ما دخلت عليه في ديوانه - حيث كان يقيم أكثر أوقاته - وجدته أعزل ~~من السلاح، يتداول في يده علبة نشوق ثمينة أو سبحة نفيسة، وكان كبير الغرام بلعب البليردو، ~~والشطرنج والضامة، لا يستنكف أن يلعبها مع أي ضابط كان من ضباطه، ولو من أصاغرهم، بل مع نفس ~~عساكره. # على أن قناصل الدول وأكابر القادمين في سياحة إلى القطر هم الذين كان يلعب البليردو معهم ~~عادة، غير أنه بالرغم من قلة اعتنائه بمظاهر العظمة كان كبير التدقيق في أن لا تتعدى في ~~حضرته حدود اللياقة والآداب الشرقية. # حكى المستر باركر في كتابه المعنون «مصر وسوريا في عهد سلاطين تركيا الخمسة الأخيرين» ~~أنه - وهو قنصل لدولة بريطانيا العظمى في الإسكندرية - قدم لمحمد علي الأميرال سير بلتني ~~مالكولم فقابله محمد علي وكل وجهه بشاشة وابتسام لا سيما أنه كان في ذلك الوقت كبير ~~الاهتمام بعمارته البحرية ويرغب أن يكلم في شئونها ذلك الأميرال الإنجليزي، وحدث أنه أثناء ~~المحادثة أبدى ملحوظة جعلت الأميرال يضحك بقهقهة طويلة فأنكر محمد علي ذلك عليه ونظر إليه ~~نظرة المستغرب الاستغراب كله، فإنه لم يجسر أحد، إلى ذلك الحين، أن يضحك في حضرته ضحكا ~~عاليا كضحك ذلك الأميرال، ms85 على أن هذا لم ينتبه إلى أن عمله كان مغايرا للآداب المطلوبة في ~~حضرة الأمراء والملوك، إما لخفة في عقله وإما لاستهتار منه بأمير شرقي، فأغرق في الضحك عينه ~~مرة ثانية، فمرة ثالثة، فأدرك محمد علي أن ذلك عادة عند الرجل ولكنه غضب منها، ولم تنته ~~مقابلته للأميرال بالبشاشة التي بدأها بها. # وحدث بعد ذلك بعدة أيام أن إنجليزيا آخر موصى عليه من المراجع العليا طلب مقابلة محمد ~~علي وقابله بواسطة المستر باركر عينه ولكنه أبى أن يمتثل للتعليمات التي أسداها له القنصل ~~بشأن كيفية سلوكه في حضرة الأمير، لظنه أنه أدرى بآداب السلوك من المستر باركر، فدخل على ~~محمد علي مرتديا جاكتة بيضاء وبطربوش على رأسه، ولما جلس بين يديه انتزع الطربوش من على ~~رأسه، فبدا رأسه أصلع تمام الصلع أمام عيني الأمير. # فاستنكر المستر باركر عمله وما فتئ يومئ إليه بلبس الطربوش لعلمه أن العادات الشرقية تحتم ~~تغطية الرأس في حضرة الكبراء، ولكن صاحبنا لم يلتفت إلى إشارات القنصل واستمر على ما هو ~~عليه وزاد اعتقاده في أنه أدرى بالآداب الشرقية من القنصل. # فلما انتهت المقابلة، وعاد المستر باركر إلى منزله، أتاه ترجمان محمد علي موفدا إليه من ~~الأمير ليبلغه عدم رغبة سموه في أن يقابل في المستقبل إنجليزيا ولينهاه عن طلب مقابلات ~~لهم. # وكان سخي اليد سخاء حاتميا يكاد يداني الإسراف، كما أنه كان شديد التأثر سريعه ~~بالمؤثرات المباغتة، لا يستطيع إلا بصعوبة إخفاء ما تحدثه في نفسه، وكان - كالإسكندر ~~الكبير، مواطنه، وعلى الأخص كقيصر الروماني - شديد الميل إلى النساء، كبير الشغف بهن، مع ~~كثرة احترامه لزوجته الأولى التي سعد بطالعها السعيد، ولكن شغفه بالمجد كان أكبر، فكثيرا ~~ما كان يفكر في الرواء المحيط باسمه، ويتكلم بفخار وحماسة عن حوادث حياته العجيبة، ولشغفه ~~بالمجد كان كبير التأثر بما تقوله الصحافة الغربية عنه، فيأمر بترجمة معظم الجرائد، ومتى ~~وجد في إحداها طعنا عليه تألم منه ألما شديدا، وكان يعتقد أن مطاعن الصحافة أضرت به ~~كثيرا، وحملت الدول على ms86 معاكسته في نزوعه إلى الاستقلال، لا سيما مطاعن جريدة كانت تنشر في ~~أزمير، فتذيع في أوربا أشنع المثالب ضده، وترمي حكومته بأفظع التهم، حتى لقد قال مرة لأحد ~~أخصائه: «ليتني اشتريت بمليون ريال عدم ظهور تلك الجريدة إلى الوجود! فقد كان في استطاعتي؛ ~~لأن صاحبها عرض علي خدمته دهرا، فرفضتها!» # وكان، لكثرة ما اعترض حياته من الحوادث الجلى؛ قليل النوم، مضطربه في الغالب، ولذا فإن ~~عبدين كانا يسهران دائما بجانب سريره، ليهذبا الأغطية التي كان لا ينفك يعبث بها في نومه، ~~ولكنه - بالرغم من نومه القليل - كان كبير العمل وكثيره، فيستيقظ الساعة الرابعة صباحا، ~~ولا يفتأ النهار كله مجدا يشتغل في شتى الأعمال، وكان يحسن الحساب، ولو أنه لم يتعلم فنه، ~~ولأنه كان أميا أقبل يتعلم القراءة على يد إحدى جواريه، وهو في الخامسة والأربعين من سنه، ~~وذلك بالرغم من انشغال فكره بالشئون العامة العديدة والتي كان الكثير منها كبير ~~الخطورة. # وكان - مع أخصائه - قليل التحرس، مفتوحا، محبا للوقوف على ما لا يفهم، وكثيرا ما كانت ~~استفهاماته تنم على جهله وسذاجته، ولكنها كانت تنم أيضا على ذكاء مفرط، وإدراك بعيد ~~الغور، وأما إجاباته في المحادثات فكثيرا ما كانت تناسب بكيفية بديعة مع المقام والمجال، ~~يحكى من هذا القبيل أن أحد القناصل أطنب ذات يوم في حضرته إطنابا فائقا بتصوير لهوراس ~~فرنيه - المصور الفرنساوي الشهير - رسم فيه مجزرة المماليك، وأعجبت باريس به أيما إعجاب، ~~فقال له محمد علي: «إن للمصور في مجزرة مماليك بوناپرت التي قام بها شعب مرسيليا لمادة ~~لتصوير آخر يضعه إزاء التصوير الذي تذكره!» ويحكى أيضا أن بعضهم آخذه يوما على تعاريج ~~ترعة المحمودية ومنحنياتها - وسببها أن المهندسين الذين اشتغلوا فيها تحت رياسة المهندس ~~المعماري كست كانوا من الجهلاء، وأنها عملت بدون تصميم سابق، وبدون تجهيز تمهيدي، وأن ~~الفعلة استدعوا وشغلوا في حفرها تحت مراقبة مشايخ بلادهم وزعمائهم، قبل إخطار المهندسين ~~بحضورهم، فلم يتمكن هؤلاء من تعيين جهات العمل لكل فرقة وطائفة من القادمين، واضطروا إلى ~~جعل كل ms87 يشتغل حيثما يشاء، على أن يكون الحفر في الاتجاه الموضوع، ثم لما احتاجوا إلى وصل ~~الحفر بعضه ببعض، اضطروا إلى عمل زوايا ومنحنيات بأحسن ما في الاستطاعة - فسأل محمد علي ~~المعترض، قائلا: «هل الأنهار في بلادك ذات سير مستقيم ولا تعاريج فيها؟» أجاب: «كلا.» فقال ~~محمد علي: «ومن صنعها؟» أجاب: «الله!» فقال: «وهل تريد أن يكون صنع الإنسان خيرا من صنع ~~الله؟» # وكان بطبعه ميالا إلى الأثرة والعنف، ولكنه كان يدري كيف يشكم ميوله، ويسير بمنتهى ~~الفطنة والمهارة فيما يرسمه لنفسه من الشئون، وبالرغم من ميله إلى الغضب بسرعة، كان ما جبل ~~عليه من طيبة طبيعية يحول دون إقدامه على الإساءة، وكثيرا ما أفرط في التهاون عن المعاقبة ~~إلى حد عدم المبالاة بها بتاتا، وكثيرا ما تساهل في الصفح عن طيبة خاطر، بل كثيرا ما نسي ~~سيئات خطيرة ارتكبت ضده، على أن زمام هواه كان يفلت أحيانا من يده، فيندفع مع تيار انفعاله ~~اندفاع الرجل المستبد بلا تعقل. # مثال ذلك: أنه أتته مرة ضمن مجموعة نباتات استوردها من أورپا داليا غرسها بستانيه في ~~الأرض في محل تتناوله الشمس من كل جهة، بعيدا عن الكشك الذي كان محمد علي يحب أن يجلس فيه، ~~فأزهرت وتألقت بدون أن يلتفت الباشا إليها، ولكنه اتفق أن زائرا أجنبيا بالغ يوما ما في ~~وصف جمالها، فلفت إليها نظر محمد علي فأعجب بها، وأمر في الحال بوضعها في صندوق ونقلها تحت ~~الجميزة التي كانت تظلل كشكه، فاعترض البستاني وقال: «إن مثل هذا العمل قد يقتل الزهرة!» ~~فقطب محمد علي حاجبيه وأقسم بأنه يدفن حيا من يدعها تموت! فامتثل البستاني للأمر، ولكن ~~الداليا من غد أخذت في الذبول ومالت على ساقها، فما كان من محمد علي إلا أنه - لظنه بأن ~~البستاني تعمد قتلها - أمر به فطرح أرضا وضرب بالسياط، بالرغم من احتجاجه! ولكنه ما انفك ~~يقول إنه ليس في الاستطاعة حمل الزهور على الطاعة كبني الإنسان، وليس من الحكمة التحكم فيها ~~كالتحكم فيهم، حتى آب محمد علي ms88 إلى صوابه، وأوقف الضرب، وما لبث أن بعث بهدية فاخرة ~~للبستاني بمثابة تعويض له عما لحقه من الضرب. # ويحكى أيضا أنه أوصى بستانييه يوما ~~بالاعتناء ببضع أشجار برقوق أتته من أورپا، فأطاعوا وأثمرت إحداها ولكن ثمرا قليلا، وكان ~~محمد علي قد تتبع حركة نموها وطرحها، وخطر له يوما أن يذوق من ذلك الثمر وهو فج، فاستطعمه ~~جدا، وأمر ناظر بستانييه بالاعتناء بالثمرات الخمس أو الست الباقية الاعتناء كله، فأحاط ~~الناظر الشجرة بشبكة من الخيط ليحفظ الثمر من العصافير، وعهد أمر الاعتناء بها إلى بستاني ~~خاص، ولكنه حدث أن عاصفة مرت بالشجرة، فأوقعت البرقوقات كلها إلا واحدة، على أن هذه الواحدة ~~بلغت من الرواء والحجم والنضوج ما لم يعهد له مثيل، ولكن محمد علي لم يعد يسأل عنها، فتداول ~~الناظر مع مرءوسيه، وأجمع رأيهم على أن وقت قطف البرقوقة قد حان؛ فإن لم تقطف وقعت أو فسدت، ~~فقطفوها ولفوها في قطن، ووضعوها في علبة وأرسلوها مختومة على يد ساع خاص إلى سمو الأمير، ~~وكان الزمان رمضان، ومحمد علي - لتوعك في مزاجه - يتناول طعام الإفطار في دور الحريم، ~~فقدم له البرقوقة - ضمن فواكه أخرى - خصي لم يكن أعلمه أحد بعظم أهميتها لدى مولاه، ~~فأكلها محمد علي بدون انتباه، وبدون التفات إلى أنها الفاكهة التي أوصى بالمبالغة في ~~الاعتناء بها. # بعد بضعة أيام ذهب إلى بستانه، وتوجه توا ليرى ماذا جرى ببرقوقه، فلم يجد على الشجرة من ~~ثمرة، فاعترته هزة غضب شديدة، لم تدعه يتأنى ليستفهم، فأمر بناظر البساتين فألقي أرضا تحت ~~الشجرة، وانهال عليه الضرب، ولكنه ما عتم بصراخه أن جعل مولاه يصغي إليه، فقص عليه الواقع، ~~فأرسل محمد علي يستقدم الخصي، وأول ما وقعت عينه عليه من بعيد، سأله: «أصحيح أني أكلت ~~برقوقة؟!» فأجاب الخصي: «نعم يا مولاي، منذ بضعة أيام في طعام الإفطار!» فصرخ محمد علي: ~~«ولم تقل لي شيئا يا شقي؟!» وبدت منه إشارة، ما لمحها الخصي إلا وركض ووثب على جواد الباشا ~~- وكان هناك مسرجا على مقربة منه ms89 - وذهب يعدو به الغيطان، قبل أن يفكر أحد في القبض عليه، ~~ثم أقام أياما مختبئا لا يجسر على الرجوع إلى السراي، ولكن محمد علي عاد فصفح عنه. # وكان محمد علي مسلما مخلصا في دينه، يقوم بأداء فرائضه بكل نشاط، ولكنه لم يكن بالمغرق ~~في عبادته، ولا بما يدعوه الغربيون «متعصبا» بل كان واسع الصدر جدا لجميع الأديان، وأظهر ~~من الشجاعة الأدبية في ذلك ما كان عجيبا في عصره ووسطه. # ولهذا السبب عينه كان بعيدا عن الاعتقاد بالخرافات والخزعبلات، فيحكى - للدلالة على ذلك ~~- أن امرأة في دمنهور قامت وادعت أن عليها شيخا من الجن إذا ما حضر أتى من المعجزات ما ~~تحار له العقول، وساعدها على إثبات إفكها أنه كان في استطاعتها التكلم من بطنها، فيخرج ~~الصوت منها كأنه آت من أعماق ما وراء المادة، فلما رأت نجاح أمرها في بلدها سولت لها نفسها ~~الذهاب إلى مصر، على أمل أن يكون نجاحها هناك أكبر، وكانت العاصمة إذ ذاك غاصة بالجنود ~~المحتشدين فيها للسير إلى مقاتلة الإنجليز، فراج إفك المرأة بينهم واعتقدوا فيها الولاية، ~~وبات لها نفوذ عظيم على عقولهم الساذجة السمجة، ولما كانت عقلية ضباطهم لا تفضل عقليتهم ~~في شيء، شاركهم الضباط في اعتقادهم، وأصبح لا يجسر أحد على الشك في حقيقة الشيخ الساكن في ~~تلك المرأة، لا سيما وأن الكثيرين من المصدقين فيها سمعوا صوته في ظلام الليل، وأن بعضهم ~~تشرف بلثم يده ... # وما زال أمر هذه المرأة يكبر ويعظم حتى نمى إلى محمد علي، فجعله يوجس خيفة من أن يستغل ~~طماع مركزها، فيحدث فتنة قد تكون خطرة على سلطته في تلك الآونة الكبيرة الحرج، فصمم على ~~رؤية الشيخة - كما كانوا يسمونها - وبعث بأربعة من المشعوذين إليها لإحضارها معهم واعدا ~~كلا منهم بعشرة أكياس إذا هم أحضروها، فوافوها وهي في دار الباش أغا - رئيس خفر الليل - ~~وقد التف حولها جم غفير، وأرادوا أخذها إلى الوالي، فمانعهم الحضور، ومنعوهم من إتمام ~~مأموريتهم، لئلا تنهار الدار على من فيها، فعاد المشعوذون من ms90 حيث أتوا، والخزي يحيط بهم، ~~وتبجح المعتقدون فيها بأن شيخها حماها وفاز على الوالي نفسه. # فكبر شأن المرأة، وأصبحت لا تمر في شوارع العاصمة إلا وهي راكبة جوادا ومحاطة بجمهور من ~~الأتباع يتغنون بمدائحها. # فعزم محمد علي على التخلص منها، وأصدر أمره إلى رئيس الشرطة بإحضارها إليه، فجاءه الرئيس ~~بها قبيل الغروب يتبعها جمهور لا يحصى عدده من الناس، أتوا ليشاهدوا ما يكون من أمرها مع ~~الأمير. # وكان محمد علي جالسا في ظل جميزة يدخن شيشته، فما بصر بالشيخة، قال لها إنه بعد إذنها ~~يريد أن يتكلم مع الشيخ الذي عليها، فأجابت بأن هذا غير مستطاع إلا في الليل؛ لأن الشيخ ذهب ~~في ذلك الوقت لأداء صلاة المغرب في مسجد سيدنا الحسين، فسألها الباشا: «أو يغيب حتى يحضر؟» ~~قالت: «كلا! سيكون هنا بعد صلاة العشاء.» فصعد الباشا إلى دار حريمه ليتعشى، وبقيت الشيخة ~~مع بعض المفضلين في قاعة بأسفل الدار. # فلما جن الليل نزل محمد علي وسأل: «هل حضر السيد؟» قالت: «نعم.» فأمر - بناء على طلبها - ~~بإطفاء الأنوار، ولكنه أوصى سرا خدمه بإحضار غيرها، حالما يبدي لهم إشارة بذلك، ثم جلس ~~وقال للشيخة: «استدعي أستاذك!» فنادته قائلة: «يا شيخ علي!» وإذا بصوت كأنه خارج من أعماق ~~الأرض أجاب النداء، وأخذ يزيد جلاء ووضوحا كلما زادت عليه الأسئلة، وظهر حينا للحضور ~~كأنه يكلم كلا منهم في أذنه، فسرت في الجميع قشعريرة، وأعلن محمد علي أنه آمن بولاية ~~الشيخة، ثم طلب أن يشرفه السيد بإعطائه يده ليقبلها، فمدت إليه أطراف أنامل فقط، فما اكتفى ~~محمد علي بها، وألح بإعطائه اليد كلها، فقدمت له، فقبض عليها بقوة، وأبدى الإشارة المتفق ~~عليها، فانتشرت الأنوار فجأة في القاعة، وإذا بالشيخة تجتهد وسعها لتمليص يدها من قبضة محمد ~~علي، فلما رأت أن أمرها افتضح خرت عند قدمي الأمير، وطلبت العفو منه، ولو كان الحاضرون من ~~ذوي الأفهام المفتوحة لأدركوا في الحال إفك المرأة وانفضوا من حولها، ولكنهم كانوا على جانب ~~عظيم من الغباوة، فاعتقدوا أن محمد ms91 علي انتهك حرمة الشيخ، وطفقوا يتململون ويتذمرون، فصرخ ~~بهم محمد علي: «أيها المجانين الجهلاء، أفيخدعكم مثل هذا الكذب الظاهر؟!» ثم التفت إلى ~~حرسه، وأمرهم بإلقاء الشيخة في النيل، فما سمع الحاضرون هذا الأمر إلا وضجوا وهاجوا، وماج ~~لهياجهم الجمع المحتشد بالباب، وكادت تقوم فتنة، ولكن الباشا قال بثبات جأش عجيب: «مم ~~تضجون ولم تصخبون؟ فإما أن هذه المرأة عليها شيخ حقيقة، وهو لن يتخلى عنها، بل ينقذها من ~~الغرق، وإما لا شيخ عليها، وتكون قد خدعتكم، فلا يصيبها إلا ما هي به جديرة!» فأمن القوم ~~على كلامه، وألقيت المرأة الشقية في اليم! ومكث جمهور عظيم من أتباعها ينتظرون دهرا رجوعها ~~وظهورها، على جناحي الشيخ علي القديرين، ولولا تعنت الجهلاء المؤمنين بها لاكتفى محمد علي ~~بإظهار كذبها ولما رماها في النيل. # واتفق في سنة 1825 أن النيل شح وأخذت مياهه في الهبوط منذ شهر أغسطس، فأمر محمد علي ~~بإقامة صلاة الاستسقاء، ودعا إليها أحبار جميع الأديان والمذاهب، قائلا: «إنها تكون مصيبة ~~كبرى إن لم يوجد بين جميع هذه الأديان دين واحد جيد!» # وكان أبا محبا لأولاده، كبير الشفقة والتعلق بهم، فمن أحسن ما يروى عنه للدلالة على ~~ذلك الحادثة الآتية: تمكن الوهابيون يوما من حصر ابنه طوسن باشا في الطائف، وكان محمد علي ~~في مكة، ليس لديه من الجنود إلا القليل، فأشار عليه أخصاؤه وقواده بالمسير إلى جدة، ليكون ~~على مقربة من مراكبه، فيستطيع الرجوع إلى مصر إذا ما اضطرته الظروف إلى ذلك، أي إنهم أشاروا ~~عليه بترك ابنه وشأنه، فأجابهم محمد علي: «كلا، إني لا أريد الابتعاد، بل إني قائم لإنقاذ ~~ولدي!» وارتحل برفقة أربعين مملوكا فقط، ووصل إلى قرب الطائف، وهو لم يدبر بعد تدبيرا، ~~فاختار أن يرتاح أولا، وبعد أن أوصى أحد مماليكه بإيقاظه إذا طرأ طارئ، توسد الأرض ونام، ~~وبينما هو غارق في سبات نوم عميق، أتي بجاسوس وهابي أسر وهو يجوس خلال الجيرة، ولكن المملوك ~~المكلف بحراسة محمد علي اضطرب لما سمع الجلبة، وأسرع فأيقظ مولاه ms92 برعبة جعلت فرائص محمد علي ~~ترتعد، لأنه اعتقد أن جيش الوهابيين داهمه، فاعترته لذلك شهقة لم تعد تفارقه، وأخذت تنتابه ~~كلما اشتدت عليه وطأة انفعال ما، ولكنه ما لبث أن هدأ روعه، وأقبل يستجوب الجاسوس بنفسه، ~~فاسترشد بإجاباته، وقال له: «إني على رأس مقدمة جيش محمد علي، فإذا شئت أن تحمل إلى طوسن ~~باشا خبر قدوم والده إليه، فإنه يعطيك مكافأة قدرها مائة ريال.» فقبل العربي الجشع وذهب ~~بالرسالة إلى طوسن ونال منه الجائزة التي وعد بها، ولكنه أسرع بعد ذلك إلى معسكر الوهابيين، ~~وأنبأهم باقتراب محمد علي على رأس جيش زاخر، فنجحت حيلة محمد علي أيما نجاح، وما هي لحظة ~~إلا واقتلع الوهابيون خيامهم وتفرقوا عن الطائف أيدي سبأ. # فأنقذ محمد علي ابنه بهذه الكيفية وأحرز فوزا باهرا جزاء مخاطرته المدهشة في سبيل ~~إنقاذه. # وكان صديقا صدوقا كثيرا ما آلمته مصائب رفاقه وأبكاه موتهم، ولم يدع واحدا منهم إلا ~~وأشركه في تدرجه نحو المعالي، ورقاه معه إليها، ثم أغدق عليه العطايا والنعم. # وكان بارا بمواطنيه المكدونيين، يقابل أيا كان منهم ببشاشة وعطف، بارا ببلاده ~~وبمسقط رأسه؛ ما فتئ طول حياته يدفع عن أهل قوله الضرائب المفروضة عليهم، وما فتئ محافظا ~~على المنزل الذي ولدته فيه أمه. # وكان كبير الإعجاب بالإسكندر الأكبر والبطالسة، كأن مواطنته لهم أوجدت بينهم وبينه أواصر ~~قرابة؛ فيوما إذ سمع بعضهم يذكر للإسكندر عملا مجيدا آخذا بمجامع القلوب، ومثيرا ~~للإعجاب، هتف بخيلاء: «وأنا أيضا من فيليبي!» وكان لا يميل إلى سماع شيء ميله إلى سماع ~~تاريخ المكدوني العظيم وتاريخ ناپوليون، كأنه يشعر بأن التاريخ سيضعه يوما ما بجانبهما في ~~إعجاب البشر. # وكان شديد الحب لأرض مصر هائما بها، حتى إنه قال يوما لزائر من الغربيين: «إني أحب مصر ~~حب المغرم الولهان بمالكة فؤاده، ولو كان لي عشرة آلاف عمر لأعطيتها كلها في سبيل الحصول ~~عليها.» # لذلك كان كبير الحرص على هذه الأرض العزيزة، متيقظا تيقظا غريبا لسد كل باب قد ينشأ ~~عنه تداخل أية دولة أوربية ms93 كانت في شئون البلد الداخلية. # فرفض لذلك الموافقة على مشروع إنشاء ترعة السويس كما رسمه طالابو - أحد السانسيمونيين ~~الذين سبقوا دي لسبس إلى درس مسألة الوصل بين البحرين - لأن ذلك المشروع كان يقضي بأن تنشأ ~~الترعة من الإسكندرية إلى مصر، ومن مصر إلى السويس فتجتاز مراكب الدول داخلية البلاد، رافعة ~~علم دولها فيحدث من الطوارئ ما يبرر تداخل إحدى تلك الدول في الشئون المصرية! # وقد روى لي ثقة أن الملكة فكتوريا أرسلت إلى محمد علي كتابا مخطوطا بيدها تطلب منه فيه ~~بيع قطعة أرض في السويس لشركة البنينسيولر أند أورينتل، ليبني عليها مهندسون ترسلهم من ~~قبلها فندقا ينزل فيه القادمون من الهند والذاهبون إليها، عن طريق السويس، وأن قنصل ~~بريطانيا العظمى سلم ذلك الكتاب إلى محمد علي يدا بيد. # فقبله محمد علي ووضعه على رأسه إجلالا ~~للملكة وتعظيما للمرأة الكريمة، ولكنه قال للقنصل: «إن أرض مصر ليست ملكا لي، بل هي ملك ~~الأمة، وما أنا عليها إلا أمين، فلا أستطيع إعطاء شيء منها لغريب، ولكن رضا الملكة يهمني ~~جدا، وعليه فإني أرجوها أن تتفضل وتأمر الشركة بأن تبعث إلي بتصميم الفندق الذي تبغي ~~إقامته في السويس وأنا أكفيها مئونة إرسال المهندسين وأبنيه بمهندسين من عندي، ثم أؤجره ~~لها!» # وهكذا كان، فإن محمد علي شيد ذلك الفندق ~~على نفقته، وأجره لتلك الشركة بإيجار موافق استمرت الحكومة المصرية تقبضه حتى عهد ~~قريب. ~~••• # ذلك كان الرجل، وقد رأينا ما كان عمله، بعد أن استتب له الملك، فهل قصد منه سعادة مصر ~~ومجدها، أم ابتغى مجرد الشهرة، وما سعى إلا وراء جني منافع شخصية؟ لقد اختلف المؤرخون في ~~ذلك؛ فمنهم من قدح، ومنهم من مدح، وكل برر قدحه أو مدحه بوقائع محددة اتخذها حججا ~~وبراهين. # على أنه مهما يكن من ذلك، فما من أحد يقدر أن ينكر أن محمد علي بلغ ما بلغ من الرفعة ~~والشهرة والمقام المحمود بفضل قوة إدراك عظيمة وثبات نادر، وروح سلوك وزنت كل حركاته ~~وسكناته وزنا عاقلا حكيما، وحسن ms94 ملمس دقيق دقة متناهية، وعزم دون فله خرط ~~القتاد، وحزم متفنن قضى على كل حزم سواه. # ولا يسع المؤرخ المنصف - مع التسليم بأن الله وحده المطلع على النيات - إلا الاعتراف بأن ~~أعمال محمد علي، إن أفادته قبل الجميع وفوق الجميع؛ فقد أفادت البلاد فائدة لا يمكن أن نجد ~~لها مثيلا إلا إذا صعدنا مجاري التاريخ وعدنا إلى أيام الفراعنة الكبار. # ولئن اكتنفها مظالم ومغارم كثيرة، ودخل في القاعدة التي أقيمت عليها مزيج كبير من الأثرة ~~والاستبداد - كاحتكار محمد علي الاستغلال الزراعي والاتجار بمحصولات البلاد - فإنما كان ~~ذلك لأنها أعمال إنسان، ولا يمكن ألا يمتزج الشر بالخير في أي عمل يعمله البشر، والشر ممتزج ~~بالخير امتزاجا كبيرا في طبيعة الوجود ذاتها. # على أن الشر الفردي المرافق للخير والممزوج معه لا يلبث أن يتلاشى ويزول، وأما الخير ~~فيبقى إلى الأبد، وهذا هو الذي يحبب إلى الإنسان الحياة. # فإذا طبقنا هذا المبدأ على أعمال محمد علي نجد أنه لو لم يستأثر بالأطيان لما خدد الأرض ~~المصرية ترعا وجداول، ولما أدخل إلى الزراعة المصرية شتى النباتات الجديدة، لا سيما القطن ~~والزيتون؛ فاستئثاره بالأطيان زال، وأما الترع والجداول والنباتات الجديدة فباقية. # ولو لم يستأثر بالمحصول والاتجار لاستمر القطر منفصلا عن العالم إلا قليلا، كما كان في ~~عهد المماليك، وما انتشرت فيه حركة المدنية الحالية، التي كيفته فجعلته في مدة وجيزة من ~~الرقي والتقدم، بما لم يتيسر مثلهما للأقطار المجاورة له شرقا وغربا، أما الاستئثار ~~بالمحصول والاتجار فقد زال، وأما حركة المدنية فباقية، ورقي القطر وتقدمه نبني اليوم عليهما ~~تأكيدنا بأنا بلغنا النضوج، ونحتج بهما للمطالبة بالاستقلال. # ولو لم يجمع المال بكل وسيلة؛ فأرهق أجدادنا إرهاقا عظيما في جمعه، لما تمكن من إبراز أي ~~إنشاء كان إلى الوجود من المنشآت العجيبة التي ذكرناها، والتي غيرت وجه القطر تغييرا ~~تاما، فأما الإرهاق فزال، وأما المنشآت فباقية. # ورب معترض يقول هنا: «أجل، ولكن هذه المنشآت عينها أو غالبها ما أقامها على قواعدها إلا ~~الإرهاق.» فأجيب: نعم، نعم، ولكنه ms95 لم يكن عنه بد، وإني أكرر أن الإرهاق مضى، وأما هي ~~فباقية. # خذوا مثالا ترعة المحمودية؛ فإن الرواة الطاعنين على محمد علي يزعمون أن في تراب جسريها ~~مدفونة عظام أكثر من عشرين ألفا من الفلاحين الذين اشتغلوا في حفرها. # قد يكون ذلك، وإن قلبنا ليذوب حسرة على نكد طالع أولئك البؤساء، ولكنهم زالوا، وزال ~~معهم بؤسهم، وأما المحمودية فباقية، وليس بين ألوف الألوف، الذين يستفيدون منها - إما ~~للارتواء، وإما للري - من لا يذكر بخير محمد علي منشئها ويبارك اسمه! # هكذا لو لم يستعمل العسف والاستبداد في التجنيد والتعليم، لما وجد لمصر جيش ولا عمارة ~~بحرية، ولا وجدت فيها حركة معارف وعلوم وفنون، فإذا اعترض معترض وقال: «ولكنه لم يبق شيء ~~من الجيش والعمارة، وزالت في أيام محمد علي عينها معظم معاهد العلم والصناعة التي أنشأها.» ~~قلت: نعم، هذا صحيح، ولكن الفائدة الأدبية التي اكتسبتها مصر من ذلك جميعه لم تزل، بل ~~استمرت ثمرتها يانعة؛ فلولا الجيش والعمارة لما قامت بين عنصرينا قوائم الوحدة التي تم ~~بناؤها اليوم، والتي نفاخر بها أيما مفاخرة، ولولا الفتوحات لما تغيرت النفسية، ولاستمرت ~~القلوب مستكينة إلى الذل، ولولا معاهد العلم والصناعة لاستمرت روح اقتباسها نائمة فينا، ~~ولما نالت مصر شبه استقلالها. # ومهما دفع في الاستقلال من ثمن، لا يعتبر غاليا. # لذلك جميعه نرانا ميالين إلى فريق المعجبين بمحمد علي، ميالين إلى تقليب صفحات حياته ~~الساطعة لا صفحاتها المظلمة، ولو فعل التاريخ ذلك دائما، حين يروي أعمال الأعاظم والأجاويد ~~من بني الإنسان، وطوى كشحا عن سيئاتهم؛ لكان ذلك أدعى إلى رفع مستوى الإنسانية، وأقرب إلى ~~حملها على التزين بحميد الصفات، ولو كنا ممن يعتقدون بتعدد الأعمار - أي بعودة الإنسان ~~مرارا إلى هذه الحياة الدنيا في شكل بشري مختلف، ليتمكن من التجرد من الأهواء والنقائص، ~~والبلوغ إلى الكمال، فيعود حينذاك إلى الله ويذوب فيه، وهو ما يعتقده البوذيون، ويدعون ~~الرجوع الأخير إلى الله «البلوغ إلى النرفانا» - لقلنا إن محمد علي كان البطليموس الأول، ~~الذي أطلق معاصروه عليه ms96 لقب «صوتر» أي المنقذ، فإنه - مثله بل أكثر منه - أنقذ هذا القطر ~~المحبوب من الفوضى وحشرجة الموت، ثم نفخ فيه من روحه فأحياه، ثم فتح أمامه أبواب السعادة في ~~المستقبل وولج به في الطريق الموصلة إليها، فاستحق عن جدارة التعريف الجميل الذي أقرنه ~~باسمه، عارفو الفضل من معاصريه، وأقرته له الأجيال التالية لجيله، ألا وهو «محيي الديار ~~وأبو مصر الحديثة». ~~••• # وإنا - والخشوع يملأ فؤادنا - نقف إليه كما وقف السلطان عبد العزيز أمام مقامه في ~~القلعة، ونقول مع ذلك العاهل: «إنه كان رجلا عظيما من أكبر رجال التاريخ، وإن ذكره ~~مخلد!» ms97