######OpenITI# #META# URI: 1345LouisCheikho.AsbabTarab.Hindawi95392585 #META# Tags: literature #META# ID: 95392585 #META# Title: أسباب الطرب في نوادر العرب #META# AuthorID: 84806402 #META# Author: لويس شيخو #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # توطئة‏ # نوادر‏ # نخبة من روايات كتاب الفرج بعد الشدة‏ # نخبة من كتاب نوادر مخطوط‏ # نخبة من كتاب المختار في كشف الأسرار‏ # نخبة من كتاب فضائل الكلاب‏ # أقاصيص قبائل الطاط‏ # الفتية التوابون‏ # ابن التلميذ الطبيب النصراني والأطباء‏ # الجواد الكريم‏ # مأثرة برمكية‏ # الضيافة عند العرب‏ # توطئة‏ # نوادر‏ # نخبة من روايات كتاب الفرج بعد الشدة‏ # نخبة من كتاب نوادر مخطوط‏ # نخبة من كتاب المختار في كشف الأسرار‏ # نخبة من كتاب فضائل الكلاب‏ # أقاصيص قبائل الطاط‏ # الفتية التوابون‏ # ابن التلميذ الطبيب النصراني والأطباء‏ # الجواد الكريم‏ # مأثرة برمكية‏ # الضيافة عند العرب‏ # | أسباب الطرب في نوادر العرب # | أسباب الطرب في نوادر العرب # جمع # لويس شيخو # | توطئة # قد طبعت في هذه السنين الأخيرة عدة تآليف جليلة لقدماء كتبة العرب، بعضها في ~~البلاد الأوروبية والبعض الآخر في جهات الشرق كسورية ومصر والهند والعجم. وكثير من هذه ~~المطبوعات نادر الوجود، لا يحصل عليه القراء إلا في المكاتب الكبرى، فألحوا ~~علينا غير مرة أن نجمع منها فصولا يجد فيها المطالعون تفكهة للألباب، ويتخذها أحداث ~~الكتبة كقواعد للكتابة. فرأينا أن نلبي دعوتهم فنفرد لهذه المنتخبات بعض صفحات مجلتنا، ~~فننشرها من وقت إلى آخر دون ترتيب كما عثرنا عليها في مطالعاتنا، وقد أضفنا إليها شيئا ~~من مخطوطات مكتبتنا الشرقية النادرة، ثم هممنا بطبعها على حدة لتسهل مراجعتها على من ~~يحب النظر فيها. # | نوادر # آجر أو صابون؟ # حكى أبو محمد عبد الله بن علي بن خشاب النحوي أن رجلا اشترى من عطار قطعة ~~صابون، ومضى إلى النهر لغسل ثيابه، فلما وصل أخرجها فإذا هي قطعة آجر، فصعب الأمر ~~عليه، وقال: هذا يبيع الناس آجرا أو صابونا؟! فمضى إليه ليردها، فلما وصل قال: ~~ويحك، أتبيع الناس آجرا أو صابونا؟ قال: كيف أبيع آجرا؟ فأخرجها من كمه فإذا ~~هي قطعة صابون، فاستحى ورجع إلى النهر، فأخرجها فإذا هي آجر، فعاد إليه ووبخه، ~~وأخرجها فإذا هي قطعة صابون. فعاد مرة أخرى كذلك حتى ضجر، فقال له العطار: لا ~~يضيقن صدرك، فإن لنا ولدا قد أخرجناه على ms01 الاحتيال فاعتاده، وإنك كلما مضيت فعل ~~هذا، فإذا رآك قد عدت لردها أعادها في كمك، وأنت لا تعلم. # الأعرابي وهارون الرشيد # قال الرشيد لجعفر بن يحيى في سفرة له إلى الرقة: اعدل بنا عن غبار العسكر. فمالا ~~عنه، فأصاب الرشيد جوع شديد، فعدل إلى خيمة أعرابي فاستطعم، فأتاه بكسيرات ~~خبز يابس، فقال جعفر: لقد تبذل الأعرابي فيما قدم. فقال الأعرابي: مهلا ويحك، ~~فإن الجود بذل الموجود، أما سمعت قول الشاعر: # ألم تر أن المرء من ضيق عيشه # يلام على معروفه وهو محسن # وما ذاك من بخل ولا من ضراعة # ولكن كما يزمر له الدهر يزفن # فقال الرشيد: صدق الأعرابي وأحسن. ثم أمر له بعشرة آلاف درهم. # صبيان المكتب # حكي عن الربيع بن خيثم، أنه مر على صبيان في المكتب يبكون، فقال: ما بالكم يا ~~معشر الصبيان؟ قالوا: إن هذا اليوم الخميس يوم عرض الكتاب على المعلم، فنخشى أن ~~يضربنا. فبكى الربيع، وقال: يا نفسي، كيف بيوم عرض الكتاب على الجبار؟ # الأعمى المستقي والسراج # قال بعضهم: خرجت في الليل لحاجة، فإذا أعمى على عاتقه جرة، وفي يده سراج، فلم ~~يزل يمشي حتى أتى النهر، وملأ جرته وانصرف راجعا، فقلت: يا هذا، أنت أعمى، ~~والليل والنهار عندك سواء، فلم حملت السراج؟! فقال: يا فضولي، حملته لأعمى ~~القلب مثلك، يستضيء به فلا يعثر بي في الظلمة، فيقع علي فيكسر جرتي. فكأنه ألقمني ~~الحجر. # الثناء الباقي والعطاء البالي # امتدح نصيب الشاعر، وكان أسود عبد الله بن جعفر، فأمر له بخيل وأثاث ودنانير ~~ودراهم، فقال له رجل: أمثل هذا الأسود يعطى مثل هذا المال؟! فقال عبد الله بن ~~جعفر: إن كان أسود فإن شعره أبيض، وإن ثناءه لمروي، وقد استحق بما قال أكثر مما ~~نال، وهل أعطيناه إلا ثيابا تبلى، ومالا لا يغني ومطايا تنضى، وأعطانا مدحا ~~يروى وثناء يبقى؟! # القاضي النبيه # كان بواسط قاض مشهور بالدين والذكاء، فجاءه رجل استودع بعض الشهود كيسا مختوما، ~~ذكر أن فيه ألف دينار. فلما حصل الكيس عنده وطالت ms02 غيبة المودع ظن أنه قد مات، ~~فهم بإنفاق المال، وخشي من مجيء صاحبه ففتق الكيس من أسفله، وأخذ الدنانير، ~~وجعل مكانها دراهم، وأعاد الخياطة كما كانت، فقدر أن الرجل حضر إلى واسط، وطلب ~~الشاهد بوديعته، فأعطاه الكيس بختمه، فلما حصل في منزله فض ختمه، فإذا في الكيس ~~دراهم، فرجع إلى الشاهد وقال له: اردد علي مالي، فإني أودعتك دنانير، والذي وجدت ~~دراهم، فأنكر. فاستدعى عليه القاضي المتقدم ذكره، فلما حضرا بين يديه قال القاضي ~~للمستودع: منذ كم أودعك الكيس؟ قال: منذ خمس عشرة سنة. فقال الرجل لصاحب الكيس: ~~أحضر لي الدراهم، فأحضرها. فقال الرجل للشهود: اعتبروا تواريخ الدراهم. فقرأوا ~~سككها، فإذا منها ما له سنتان وثلاث سنين ونحو ذلك، فأمره أن يدفع له الدنانير ~~فدفعها، وأطاف القاضي به البلد وأسقطه. # الحائك المتطبب # وروى أبو محمد الخشاب النحوي قال: جاز بعض الحاكة على طبيب، فرآه يصف لهذا ~~النقوع ولهذا التمر الهندي، فقال: من لا يحسن مثل هذا؟ فرجع إلى زوجته فقال: ~~اجعلي عمامتي كبيرة. فقالت: ويحك، أي شيء طرأ لك؟ قال: أريد أن أكون طبيبا. قالت: ~~لا تفعل؛ إنك تقتل الناس فيقتلونك. قال: لا بد. فخرج أول يوم، فقعد يصف للناس، ~~فحصل قراريط. فجاء وقال لزوجته: أنا كنت أعمل كل يوم بجبة، فانظري ما حصل لي! ~~فقالت: لا تفعل. قال: لا بد. فلما كان في اليوم الثاني اجتازت جارية فرأته، فقالت ~~لسيدتها - وكانت شديدة المرض: اشتهيت هذا الطبيب الجديد يداويك. قالت: ابعثي ~~إليه. فجاء، وكانت المريضة قد انتهى مرضها ومعها ضعف، فقال: علي بدجاجة مطبوخة. ~~فأكلت وقويت ثم استقامت، فبلغ هذا إلى صاحب البلد، فجاء به فشكى إليه مرضا يشتكيه، ~~فاتفق أنه وصف له شيئا صلح به، فاجتمع إلى حاكم البلد جماعة يعرفون ذاك الحائك، ~~فقالوا له: هذا رجل حائك لا يدري شيئا! فقال الحاكم: هذا قد صلحت على يديه وصلحت ~~الجارية؛ فلا أقبل قولكم. قالوا: فنجربه بمسائل. قال: افعلوا. # فوضعوا له مسائل وسألوه عنها، فقال: إن أجبتكم عن هذه المسائل ms03 لم تعلموا جوابها؛ ~~لأن الجواب لهذه المسائل لا يعرفه إلا طبيب، ولكن أليس عندكم مارستان؟ قالوا: بلى، ~~فجاء إلى باب المارستان، وقال: اقعدوا، لا يدخل معي أحد. ثم دخل وحده ليس معه إلا ~~قيم المارستان، فقال للقيم: إنك والله إن تحدثت بما أعمل صلبتك، وإن سكت ~~أغنيتك. قال: ما أنطق. فأحلفه يمينا محرجة، ثم قال: عندك في هذا المارستان زيت؟ ~~قال: نعم، قال: هاته. فجاء منه بشيء كثير، فصبه في قدر كبير ثم أوقد تحته، ~~فلما اشتد غليانه صاح بجماعة المرضى، فقال لأحدهم: إنه لا يصلح لمرضك إلا أن تنزل ~~في هذا القدر فتقعد في هذا الزيت. فقال المريض: الله الله في أمري. قال: لابد. قال: ~~أنا قد شفيت وإنما كان بي قليل من الصداع. قال: أيش يقعدك في المارستان وأنت ~~معافى؟ قال: دعني أخرج. قال: فاخرج وأخبرهم. فخرج يعدو ويقول: شفيت بإقبال هذا ~~الحكيم، ثم جاء إلى آخر فقال: لا يصلح لمرضك إلا أن تقعد في هذا الزيت. فقال: ~~الله الله، أنا في عافية. قال: لا بد. قال: لا تفعل، فإني من أمس أردت أن أخرج. ~~قال: فإن كنت في عافية فاخرج وأخبر الناس بأنك في عافية. فخرج يعدو ويقول: شفيت ~~ببركة الحكيم. وما زال على هذا الوصف حتى أخرج الكل شاكرين له. # السراج الوراق وزيت الاستصباح # حكي أن السراج الوراق جهز غلاما له؛ ليبتاع زيتا طيبا ليأكل به لفتا، ~~فأحضره وقلبه فوجده زيتا حارا، فأنكر على الغلام ذلك، وأخذه وجاء إلى البياع، ~~وقال له: لم تفعل مثل هذا؟ فقال له: والله يا سيدي ما لي ذنب؛ لأن غلامك قال: ~~أعطني زيتا للسراج. # سوار صاحب الرحبة والأعمى # من غرائب الاتفاق والمكافأة عن الجميل ما أورده محمد بن القاسم الأنباري؛ قال: ~~أخبر سوار صاحب «رحبة سوار» وهو من المشهورين؛ قال: انصرفت يوما من دار أمير ~~المؤمنين المهدي، فلما دخلت منزلي دعوت بالطعام فلم تقبله نفسي، فأمرت به ~~فرفع، ثم دعوت جارية أحدثها فلم تطب نفسي، فدخل وقت القائلة فلم يأخذني ms04 النوم، ~~فنهضت وأمرت ببغلة لي فأسرجت وأحضرت فركبتها، فلما خرجت استقبلني وكيل لي ~~ومعه مال، فقلت: ما هذا؟ فقال: ألفا درهم، جئت بها من مستغلك الجديد. فقلت: أمسكها ~~معك واتبعني. فأطلقت رأس البغلة حتى عبرت الجسر، ثم مضيت في شارع دار الرقيق حتى ~~انتهيت إلى الصحراء، ثم رجعت إلى باب الأنبار وانتهيت إلى باب دار نظيف عليه شجرة، ~~وعلى الباب خادم، فعطشت، فقلت للخادم: أعندك ماء تسقينيه؟ قال: نعم. ثم دخل وأحضر ~~قلة نظيفة طيبة الرائحة عليها منديل، فناولني فشربت، وحضر وقت العصر، فدخلت مسجدا ~~على الباب فصليت فيه، فلما قضيت صلاتي إذا أنا بأعمى يتلمس، فقلت: ما تريد يا هذا؟ ~~قال: إياك أريد. قلت: فما حاجتك؟ فجاء حتى جلس إلى جانبي وقال: شممت منك رائحة ~~طيبة، فظننت أنك من أهل النعيم، فأردت أن أحدثك بشيء. فقلت: قل. قال: ألا ترى إلى ~~باب هذا القصر؟ قلت: نعم. قال: هذا قصر كان لأبي، فباعه وخرج إلى خراسان، وخرجت معه ~~فزالت عنا النعم التي كنا فيها وعميت، فقدمت هذه المدينة فأتيت صاحب هذه الدار؛ ~~لأسأله شيئا يصلني به فأتوصل إلى سوار، فإنه كان صديقا لأبي. فقلت: ومن أبوك؟ ~~قال: فلان بن فلان. فعرفته وإذا هو كان أصدق الناس إلي، فقلت له: يا هذا، إن الله - ~~تبارك وتعالى - قد أتاك بسوار، ومنعه من الطعام والنوم والقرار حتى جاء به فأقعده ~~بين يديك. ثم دعوت الوكيل فأخذت الدراهم منه فدفعتها إليه، وقلت: إذا كان غد ~~فسر إلى منزلي. ثم مضيت وقلت: ما أحدث أمير المؤمنين بشيء أظرف من هذا، فأتيته ~~فاستأذنت عليه فأذن لي، فلما دخلت إليه حدثته بما جرى فأعجبه ذلك، وأمر لي بألفي ~~دينار فأحضرت، فقال: ادفعها إلى الأعمى. فنهضت، فقال: اجلس. فجلست، فقال: ~~أعليك دين؟ قلت: نعم. قال: كم دينك؟ قلت: خمسون ألفا. فحدثني ساعة، وقال: امض ~~إلى منزلك. فمضيت إلى منزلي، فإذا بخادم معه خمسون ألفا، وقال: يقول لك أمير ~~المؤمنين: اقض بها دينك. قال: فقبضت ذلك منه، فلما كان ms05 من الغد أبطأ علي الأعمى، ~~وأتاني رسول المهدي يدعوني فجئته، فقال: قد فكرت البارحة في أمرك فقلت: يقضي دينه ~~ثم يحتاج إلى القرض أيضا، وقد أمرت لك بخمسين ألفا أخرى. (قال): فقبضتها وانصرفت. ~~فجاءني الأعمى فدفعت إليه الألفي دينار، وقلت له: قد رزق الله - تعالى - بكرمه، ~~وكافأك على إحسان أبيك، وكافأني على إسداء المعروف إليك. ثم أعطيته شيئا من مالي، ~~فأخذه وانصرف. # قاضي الحاجتين بوقت واحد # روي في ربيع الأبرار أنه كان لرجل غلام من أكسل الناس، فأمره بشراء عنب وتين ~~فأبطأ، ثم جاءه بأحدهما فضربه، وقال: ينبغي لك إذا ما استقضيناك حاجة أن تقضي ~~حاجتين. ثم مرض فأمره بأن يأتي بطبيب فأتى به وبرجل آخر. فقال: من هذا الآخر؟ قال: ~~حفار، وأنت أمرتني أن أقضي حاجتين بوقت واحد، فإن طبت فحسن، وإلا فيكون الحفار ~~حاضر. # الأسف على الشباب # من ظريف ما جاء في النواعير قول أبي نواس يصف الدواليب التي تعمل في مدينة ~~تستر ترفع الماء من قراره إلى البساتين المرتفعة: # ودولاب روض بعدما كان أغصنا # تميس فلما مزقته يد الدهر # فذكر عهدا بالرياض فكلها # عيون على أيام عصر الصبا تجري # الشفيع غير المردود # كتب رجل إلى يحيى بن خالد البرمكي رقعة فيها: # شفيعي إليك الله لا شيء غيره # وليس إلى رد الشفيع سبيل # فأمره بلزوم الدهليز، فكان يعطيه كل صباح ألف درهم، فلما استوفى ثلاثين ألف درهم ~~ذهب الرجل إلى حال سبيله، فقال يحيى: والله لو أقام إلى آخر عمره ما قطعتها ~~عنه. # كثرة السؤال # اشترى رجل من البخلاء دارا وانتقل إليها، فوقف ببابه سائل، فقال: فتح الله عليك. ~~ثم وقف ثان وثالث فقال لهما مثل ذلك، ثم التفت إلى ابنته فقال لها: ما أكثر ~~السؤال في هذا المكان! فقالت: يا أبت، ما دمت متمسكا لهم بهذه الكلمة ما ~~نبالي أكثروا أم قلوا! # الفرسان والرجالة # قال الأصمعي: مررت بأعرابي في البادية، فرأيته يفلي ثوبه، فيلتقط البراغيث ويدع ~~القمل، فقلت له في ذلك. فقال: أبدأ بالفرسان ثم أثني بالرجالة ms06 . # معلم الصبيان وعدته # أخبر الجاحظ قال: مررت بمعلم وعنده عصاة طويلة وصولجان وكرة وطبل وبوق، فقلت له: ~~ما هذه العدة؟ قال: عندي صغار في المكتب، فأقول لأحدهم: «اقرأ لوحك» فيصفر لي ~~فأضربه بالعصا القصيرة، فيتأخر فأضربه بالعصا الطويلة، فيفر من بين يدي فأضع الكرة ~~في الصولجان وأضربه فأشجه، فتقوم إلي الصغار كلهم بالألواح فأعلق الطبل في عنقي ~~والبوق في فمي، فأضرب الطبل وأنفخ في البوق، فيسمع أهل الدرب ذلك فيسارعون إلي ~~ويخلصوني منهم. # الفادي والديه بحياته # من ظريف ما قيل في موت صغير قول شهاب الدين الفزاري يرثي ولدا لبعض ~~العظام: # عجبا لمولود قضى من قبل أن # يقضي لأيام الصبا ميقاتا # هجر الحياة وطلق الدنيا وقد # وافت بزخرفها إليه بتاتا # فكأنه من نسكه وصلاحه # وهب الحياة لوالديه وماتا # ذكاء ابن الزبير # مر عمر بن الخطاب بابن الزبير وهو صبي يلعب مع الصبيان ففروا ووقف، فقال له: ~~ما لك لم تفر مع أصحابك؟ قال: يا أمير المؤمنين، لم أجرم فأخاف، ولم تكن الطريق ~~ضيقة فأوسع لك. فسر عمر من جوابه وألطفه. # اللصوص والحلوى # قال عبد الواحد بن نصر المخزومي؛ قال: أخبرني من أثق به أنه خرج في طريق الشام ~~مسافرا، يمشي وعليه مرقعة، وهو في جماعة نحو الثلاثين رجلا كلهم على هذه الصفة، ~~فصحبنا في بعض الطريق رجل مسن حسن الهيئة، معه حمار فاره يركبه، ومعه بغلان ~~عليهما رحل وقماش ومتاع فاخر، فقلنا له: يا هذا، إنك لا تفكر في خروج اللصوص علينا، ~~فإنه لا شيء معنا يؤخذ، وأنت لا تصلح لك صحبتنا مع ما معك. فقال: يكفينا الله. ثم ~~سار ولم يقبل منا، وكان إذا نزل استدعى أكثرنا فأطعمه وسقاه، وإذا عي الواحد منا ~~أركبه على أحد بغليه. وكانت جماعة تخدمه وتكرمه، ونتدبر برأيه، إلى أن بلغنا ~~موضعا، فخرج علينا نحو ثلاثين فارسا من اللصوص فتفرقنا عليهم ومانعناهم. فقال ~~الرجل: لا تفعلوا. فتركناهم، ونزل فجلس وبين يديه سفرته ففرشها، وجلس يأكل، وأظلتنا ~~الخيل، فلما رأوا الطعام دعاهم إليه، فجلسوا يأكلون ms07 ، ثم حل رحله، وأخرج منه حلوى ~~كثيرة، فتركها بين أيدي اللصوص، فلما أكلوا وشبعوا جمدت أيديهم وخدرت أرجلهم ولم ~~يتحركوا، فقال لنا: إن الحلوى مبنجة، أعددتها لمثل هذا، وقد تمكنا منهم وتمت ~~الحيلة، ولكن لا يفك البنج إلا أن تصفعوهم فافعلوا، فإنهم لا يقدرون لكم على ضرر ~~حتى نسير. ففعلوا فما قدروا على الامتناع، فعلمنا صدق قوله، وأخذنا أسلحتهم، وركبنا ~~دوابهم، وسرنا حواليه في موكب ورماحهم على أكتافنا وسلاحهم علينا، فما نجتاز بقوم ~~إلا يظنونا من أهل البادية، فيطلبون النجاء منا حتى بلغنا مأمننا. # | نخبة من روايات كتاب الفرج بعد الشدة # الناجي من الجب والأفعى ( 2 : 83-85) # حدثني عبيد الله بن محمد بن الصروي (؟) قال: كنت أتصرف مع المختار بن الغيث بن ~~حمران أحد قواد بني عقيل، فسار وأنا في جملته مع دكين الشيرازي لما تغلب على ~~الموضع يطلب ناصر الدولة، وصار العسكر منتشرا سائرا بعجلة، وكان تحتي حجرة، فصرت ~~في أخريات الناس، ثم انقطعت عن العسكر حتى صرت وحدي، ثم وردت الدابة ماء كان في ~~الطريق وحمر ولم يمكنه أن يسير خطوة واحدة؛ فخفت أن يدركني من يأسرني، فنزلت ~~عنها أمشي وفي عنقي سيف بحمائل والمقرعة في يدي، فسرت فراسخ حتى صعدت جبل سنجار، ~~وكنت أحتاج أن أمشي فيه نحو الفرسخ، ثم أنزل إلى سنجار. فاحتبسني الليل، واستنفد ~~المشي جلدي، فخفت الوحوش في الجبل، فطلبت موضعا أسكن فيه ليلتي فلم أجد، ورأيت ~~جبابا منقورة في الجبل فطلبت أقربها قعرا ورميت فيه بحجر، فظننت أن قعره قامة أو ~~نحوها، فرميت بنفسي فيه، وكان البرد شديدا، فنمت ليلتي لا أعقل من التعب ~~والجوع. # فلما كان من الغد انتبهت وعندي أن الجب محفور كالآبار، وأني أضع رجلي في جوانبه ~~فأتسلق وأطلع، فتأملت، فإذا هو محفور كالتنور رأسه ضيق وأسفله شديد السعة وجوانبه ~~منقوشة، فقمت في وسط الجب، فإذا هو أعلى من قامتي، فتحيرت في أمري، ولم أدر كيف ~~السبيل إلى الصعود، وطلعت الشمس وأضاء الجب، وإذا فيه أفعى مدور كالطبق بين ~~حجرين، ms08 وقد سدر من شدة البرد فليس ينتشر، ولم يتحرك من مكانه. وهممت أن أجرد السيف ~~وأقطعه به، ثم قلت: أتعجل شرا لا أدري عاقبته ولا منفعة لي في قتله؛ لأني سأتلف ~~في هذه البئر، وهي قبري، فما معنى قتل الأفعى؟ أدعه فلعله أن يبتدئ بالنهش فأتعجل ~~التلف، ولا أرى نفسي تخرج بالجوع والعطش، فأقمت يومي كله على ذلك، والأفعى لم ~~تتحرك، وأنا أبكي وأنوح على نفسي، وقد يئست من الحياة. فلما كان من الغد أصبحت وقد ~~ضعفت، فحملني حب الحياة على الفكر في الخلاص، فقمت وجمعت من الحجارة الرقيقة شيئا ~~كثيرا، ووضعتها في وسط الجب وعلوتها؛ لتنال يدي طرف البئر، فأحمل نفسي إلى رأسها، ~~فحين وضعت رجلي على الحجارة انهالت لرقتها وملاستها، فلم أعد عملها، وأمضيت يومي ~~كله وأنا مشتغل البال، وجاء الليل، فلم يمكني أن أقوم من الجوع والضعف، ثم غلبني ~~النوم. # فلما كان من الغد فكرت في حيلة أخرى، ووقع لي أن شددت المقرعة التي معي ~~بعلاقتها في حمائل السيف، ودليت المقرعة إلى داخل البئر، وقد أمسكت بإحدى يدي فحصل ~~جفن السيف فوق الجب معترضا لرأسه وهي مدلاة إلي، ثم سللت السيف. ولم أزل أقلع ~~من أرض البئر ما يمكن نحته وقلعه من تراب قليل، ثم غيبت ذلك الرضراض، وتعلقت على ~~السيف المعترض، وظفرت وصار السيف معترضا في جفنه تحت صدري، وظهرت يداي فوق البئر ~~فحصل جوانبها تحت إبطي، واستللت نفسي، فإذا أنا قد خرجت منها، بعد أن اعوج السيف ~~وكاد يندق ويدخل في بطني لثقلي عليه، فوقعت خارج البئر مغشيا علي من هول ما ~~نالني، ووجدت أسناني قد اصطكت، وقوتي قد بطلت عن المشي، فما زلت أحبو، وأطلب ~~المحجة، حتى وقفت عليها، ورآني قوم مجتازون فأخذوا بيدي وقوي قلبي، فمشيت حتى دخلت ~~سنجار آخر النهار وقد بلغت روحي إلى حد التلف، فدخلت مسجدا فطرحت نفسي فيه وأنا لا ~~أشك في الموت. وحضرت صلاة المغرب، واجتمع أهل المسجد فيه، وسألوني عن خبري، فلم يكن ~~في مقدرة على الكلام، ms09 فحملوني إلى بيت أحدهم، ولم يزالوا يصبون على حلقي الماء ثم ~~المرق والثريد إلى أن فتحت عيني بعد العتمة، فتكلمت وبت ليلتي بحال عظيم من ~~الألم. # فلما كان من الغد، دخلت الحمام، وأقمت عندهم أياما حتى برئت، وأخرجت نفقة كانت ~~في وسطي، فاستأجرت منها مركوبا، ولحقت بأصحابي. وسلم الله - عز وجل. # إبراهيم الخواص والفيل (2 : 73-74) # عن إبراهيم الخواص، قال: ركبت البحر مع جماعة من الصوفية، فكسر المركب بنا، فنجا ~~منا قوم على خشب من خشب المركب، فوقعنا إلى مكان لا ندري أي مكان هو، فأقمنا فيه ~~أياما لا نجد ما نقتاته، فأحسسنا بالموت، فقال بعضنا لبعض: تعالوا، حتى نجعل الله ~~على أنفسنا أن ندع له شيئا، فلعله يرحمنا فيخلصنا من هذه الشدة. فقال بعضنا: لا ~~أفطر الدهر. وقال بعضنا: أصلي كل يوم كذا وكذا ركعة. وقال بعضنا: أدع اللذات. إلى ~~أن قال كل منا شيئا، وأنا ساكت، فقالوا لي: قل شيئا. فلم يجئ على لساني إلا أن ~~قلت: لا آكل لحم فيل أبدا. فقالوا: الهزل في مثل هذا الحال! فقلت: والله ما تعمدت ~~الهزل، ولكني منذ بدأتم وأنا أعرض على نفسي شيئا أدعه لله - عز وجل - فلا تطاوعني، ~~ولا يخطر على قلبي غير الذي لفظت به، وما أجري هذا على لساني ولا ألهمه قلبي ~~إلا لأمر. # فلما كان بعد ساعة قال بعضنا: لم لا نطوف في هذه الأرض متفرقين فنطلب قوتا، فمن ~~وجد شيئا أنذر به الباقين، والموعد هذه الشجرة. قال: فتفرقنا في الطرق، فرجع أحدنا ~~بولد فيل صغير، فلوح بعضنا لبعض فاجتمعنا، فأخذه أصحابنا واحتالوا فيه حتى شووه، ~~وقعدوا يأكلون، وقالوا: تقدم. فقلت: أنت تعلمون أنني منذ ساعة تركته لله - عز وجل - ~~وما كنت لأرجع في شيء تركته له؛ لعله جرى ذلك على لساني لأجل موتي من بينكم؛ لأني ~~ما أكلت شيئا منذ أيام، وما أطمع في شيء آخر، وما يراني الله أنقض عهده ولو مت، ~~واعتزلتهم، وأكل أصحابي، وأقبل الليل، وتفرقنا إلى مواضعنا التي كنا فيها نبيت، ms10 ~~وأويت إلى أصل شجرة كنت أبيت عندها، فلم يكن إلا لحظة، فإذا بفيل عظيم قد أقبل وهو ~~ينعر، والصحراء تتدكدك بنعيره وشدة شغبه، وهو يطلبنا، فقال بعضهم: قد حضر الأجل ~~فاستسلموا وتشهدوا. وأخذنا في الاستغفار والتسبيح، وطرح القوم نفوسهم على وجوههم، ~~فجعل الفيل يقصد واحدا واحدا فيشمه من أول جسده إلى آخره، فإذا لم يبق فيه ~~موضع إلا شمه شال إحدى قوائمه فوضعها عليه وفسخه، فإذا علم أنه قد أتلفه قصد آخر ~~ففعل به مثل فعله في الأول، إلى أن لم يبق غيري، وأنا جالس منتصب أشاهد ما جرى، ~~وأستغفر الله وأسبحه. # فقصدني الفيل، فحين قرب مني رميت نفسي على ظهري، ففعل بي من الشم كما فعل بأصحابي، ~~ثم أعاد شمي مرتين أو ثلاثا، ولم يكن فعل بأحد منهم ذلك، وروحي في خلال ذلك تكاد ~~تخرج فزعا، ثم لف خرطومه علي فشالني في الهواء، فظننته يريد قتلي بقتلة أخرى، ~~فجهرت بالاستغفار، فما نحى خرطومه حتى جعلني فوق ظهره، فانتصبت جالسا واجتهدت في ~~حفظ نفسي بموضعي. وانطلق الفيل يهرول تارة، ويسعى أخرى، وأنا تارة أحمد الله - عز ~~وجل - على تأخير الفيل وأطمع في الحياة، وتارة أتوقع أن يثور بي فيقتلني فأعاود ~~الاستغفار، وأنا أقاسي في ذلك وأتجرع من الألم الشديد لسرعة سير الفيل أمرا ~~عظيما، فلم أزل على ذلك إلى أن طلع الفجر واشتد ضوؤه، فإذا به قد لف خرطومه علي، ~~فقلت: قد حضر الأجل. فاستكثرت من الاستغفار، فإذا به قد أنزلني من ظهره وتركني على ~~الأرض، ورجع إلى الطريق التي جاء منها وأنا لا أصدق، فلما غاب عن عيني ولم أسمع له ~~حسا خررت ساجدا لله - سبحانه - فما رفعت رأسي حتى أحسست بالشمس، فإذا أنا على ~~ظهر محجة عظيمة، فمشيت عليها نحوا من فرسخين، فانتهيت إلى بلد كبير، فدخلته فعجب ~~أهله مني وسألوني عن حالي، فأخبرتهم بالقصة، فزعموا أن الفيل سار في هذه الليلة ~~مسيرة أيام واستظرفوا سلامتي، وأقمت عندهم حتى صلحت من تلك الشدائد التي قاسيتها، ~~وتندى بدني، ثم ms11 سرت مع التجار إلى بلد على شاطئ البحر، فركبته ورزقني الله ~~السلامة إلى أن عدت إلى بلدي. # الأصمعي وتقربه من الخلفاء (2 : 19-20) # وجدت في بعض الكتب عن الأصمعي قال: كنت بالبصرة أطلب العلم وأنا مقل، وكان على ~~بابنا بقال إذا خرجت بكرة يقول لي: إلى أين؟ فأقول: إلى فلان المحدث. وإذا عدت ~~المساء يقول لي: من أين؟ فأقول: من عند فلان الإخباري واللغوي. فيقول: «يا هذا، ~~اقبل وصيتي؛ أنت شاب، فلا تضيع نفسك، واطلب معاشا يعود عليك نفعه، وأعطني ~~جميع ما عندك من الكتب واطرحها في هذا الدن، وأصب عليها من الماء للعشرة أربعة ~~وانبذه وانظر ما يكون منه، والله لو طلبت مني بجميع ما لديك من الكتب جوزة ما ~~أعطيتك.» فيضيق صدري بمداومة الكلام، حتى كنت أخرج من بيتي ليلا وأدخله ليلا، ~~وحالي في خلال ذلك يزداد ضيقا حتى أفضيت إلى بيع آجر أساسات داري، وبقيت لا أهتدي ~~إلى نفقة يوم، وطال شعري وأخلق ثوبي واتسخ بدني، وأنا كذلك متحير في أمري، إذ جاءني ~~خادم للأمير محمد بن سليمان، قال: أجب الأمير. فقلت: ما يصنع الأمير برجل قد بلغ ~~الفقر إلى ما ترى؟! # فلما رأى سوء حالي وقبيح منظري رجع فأخبر الأمير بخبري، وعاد إلي ومعه تخوت ثياب ~~ودرج فيه بخور وكيس فيه دنانير، وقال: قد أمرني الأمير أن أدخلك الحمام، وألبسك ~~من هذه الثياب، وأدع باقيها عليك، وأطعمك من هذا الطعام، (وإذا بخوان كبير فيه صنوف ~~الأطعمة)، وأبخرك؛ لترجع إليك روحك ثم أطلعك عليه، فسررت بذلك سرورا شديدا، ~~ودعوت له، فقمت وعملت ما قال. ومضيت معه حتى دخلت على محمد بن سليمان، فسلمت عليه، ~~فقربني ورفعني، ثم قال: يا عبد الملك، قد اخترتك لتأديب ولدي أمير المؤمنين، فاعمل ~~على الخروج إلى بابه، وانظر كيف يكون، فشكرته ودعوت له، وقلت: سمعا وطاعة، سأخرج ~~شيئا من كتبي وأتوجه. فقال: ودعني وكن على الطريق. فقبلت يده، وأخذت جميع ما ~~احتجت إليه من كتبي، وجعلت باقيها في بيت، وسددت بابه، وأقعدت ms12 على الدار عجوزا من ~~أهلنا تحفظها ، وباكرني رسول محمد بن سليمان، وأخذني إلى زلال (؟) قد اتخذ لي، ~~وفيه ما أحتاج إليه، وجلس معي ينفق علي حتى وصلت إلى بغداد، ودخلت على أمير ~~المؤمنين فسلمت عليه فرد علي السلام، وقال: أنت عبد الملك بن قريب الأصمعي؟ ~~قلت: نعم، أنا عبد أمير المؤمنين ابن قريب الأصمعي. قال: اعلم أن ولد الرجل مهجة ~~قلبه وثمرة فؤاده، وهو ذا أسلم إليك ابني محمدا بأمانة الله، فلا تعلمه ما يفسد ~~عليه دينه؛ فلعل أن يكون للمسلمين إماما. قلت: السمع والطاعة. # وأخرجه إلي، وتحولت معه إلى دار قد أخليت لنا لتأديبه فيها، وبها من أصناف ~~الخدم والفرش ما يسر، وأجرى علي في كل شهر عشرة آلاف درهم، وأمر بأن يخرج إلي في ~~كل يوم مائدة، فلزمته وكنت مع ذلك أقضي حوائج الناس، وآخذ عليها الرغائب، وأنفذ ~~جميع ما يجتمع أولا فأولا إلى البصرة، فأبني داري وأشتري ضياعا وعقارا، فأقمت ~~معه حتى قرأ القرآن، وتفقه في الدين، وروى الشعر واللغة، وروى أيام الناس وأخبارهم، ~~واستعرضه الرشيد فأعجب به، وقال: يا عبد الملك، أريد أن يصلي بالناس إماما في ~~يوم جمعة، فاختر له خطبة وحفظه إياها. فحفظته عشرا، فخرج وصلى بالناس وأنا ~~معه، فأعجب الرشيد به، وأخذه نثار الدراهم والدنانير من الخاصة والعامة، ~~وأسنيت الجوائز والصلات علي من كل ناحية، فجمعت مالا عظيما، ثم استدعاني ~~الرشيد فقال: يا عبد الملك، قد أحسنت الخدمة فتمن. فقلت: ما عسيت أن أتمنى وقد حزت ~~آمالي! فأمر لي بمال عظيم وكسوة كثيرة، وطيب فاخر وعبيد وإماء، وظهر وفرش وآلة. ~~فقلت: إن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي بالإلمام (؟) إلى البصرة، والكتابة إلى ~~عامله بها أن يخاطب الناس الخاصة والعامة بالسلام علي ثلاثة أيام وإكرامي بعد ~~ذلك، فكتب لي عنه بما أردت. # وانحدرت إلى البصرة وداري قد عمرت، وضيعي قد كثرت، ونعمتي قد فشت، فما ~~تأخر عني أحد، فلما كان في اليوم الثالث تأملت أصاغر من جاءني، فإذا البقال وعليه ~~عمامة وسخة ورداء ms13 نظيف وجبة قصيرة وقميص طويل في رجله جرموقان، وهو بلا سراويل، ~~فقال لي: كيف أنت يا عبد الملك؟ فاستضحكت من حماقته وخطابه لي بما كان يخاطبني ~~الرشيد، فقلت: «بخير، وقد قبلت وصيتك، وجمعت ما عندي من كتب العلم وطرحتها في ~~الدن كما أمرت، وصبيت عليه من الماء للعشرة أربعة، فخرج ما ترى.» ثم أحسنت إليه ~~بعد ذلك، وجعلته وكيلي. # الهميان الضائع (2 : 11-13) # حدثني عبد الله بن محمد بن عبد الله العبقسي، قال: حدثني بعض تجار أهل الكرخ ~~ببغداد، عن صديق له قال: كنت أعامل رجلا من الخراسانية أبيع له في كل سنة متاعا ~~يقدم به، فأنتفع من سمسرته بألوف كثيرة، فلما كان سنة من السنين تأخر عن الحج، فأثر ~~ذلك في حالي، ثم توالت علي محن، فأغلقت دكاني، وجلست في بيتي مستترا من دين ~~ركبني ثلاثا أو أربع سنين، فلما كان في وقت ورود الحجاج، تتبعت نفسي لأعرف ~~خبر الخراساني طمعا لإصلاح حالي بوروده، فمضيت إلى سوق يحيى فلم أعط له خبرا. ~~ورجعت فنزلت إلى الجزيرة وأنا تعب مغموم، وكان يوما حارا، ونزلت إلى دجلة فسبحت ~~وصعدت وأنا رطب فابتل موضع قدمي، وخطوت فعلقت برجلي قطعة رمل، فانكشف سير، فلبست ~~ثيابي، وغسلت رجلي وجلست مفكرا، أولع بالسير فانجر، فلم أزل أجره حتى بان لي ~~هميان من جلد فأخرجته، فإذا هو مملوء، فأخفيته تحت ثيابي، وجئت إلى منزلي ففتحته ~~فإذا فيه ألف دينار عينا، فقويت نفسي به قوة شديدة، وقلت: اللهم لك علي أني متى ~~صلحت حالي بهذه الدنانير وعادت أن أتحرى خبر هذا الهميان، فمن علمت أنه له رددته ~~عليه بقيمة ما فيه من الدنانير، واحتفظت بالهميان، وأصلحت أمري مع غرمائي، وفتحت ~~دكاني وعدت إلى رسمي في التجارة والسمسرة، فما مضت علي إلا ثلاث سنين حتى صار في ~~ملكي عين وورق بألوف دنانير، وجاء الحجاج فتبعتهم لأعرف خبر الهميان، فلم يعطني ~~أحد خبره. # فصرت إلى دكاني، فأنا جالس وإذا برجل قائم حيال دكاني أشعث أغبر، وافي السبال ~~في خلقة ms14 سؤال الخراسانية وزيهم، فظننته سائلا فأومأت إلى دريهمات لأعطيه فأسرع ~~الانصراف، فارتبت به وقمت فلحقته فتأملته، فإذا هو صاحبي الذي كنت أنتفع من سمسرته ~~في كل سنة، فقلت له: ما الذي أصابك؟ وبكيت رحمة له فبكى، وقال: حديثي طويل. فقلت: ~~البيت البيت. فحملته فأدخلته الحمام، وألبسته ثيابا نظافا، وأطعمته ثم سألته عن ~~خبره، فقال: أنت تعرف حالي ونعمتي، وإني أردت الخروج إلى الحج بعد آخر سنة جئت إلى ~~بغداد، فقال لي أمير بلدي: عندي قطعة ياقوت أحمر كالكف لا قيمة لها عظما وجلالة ~~ولا تصلح إلا للخليفة، فخذها معك وبعها لي ببغداد، واشتر لي بها متاعا طلبه من ~~عطر وظرف بكذا وكذا، واحمل الباقي مالا. فأخذت القطعة وهي كما قال، فجعلتها في ~~هميان من صفته كيت وكيت (قال: ووصف الهميان الذي عندي)، وجعلت في الهميان ألف ~~دينار عينا من مالي، وجعلته على وسطي، فلما جئت إلى بغداد نزلت أسبح في الجزيرة ~~بسوق يحيى، وتركت الهميان وثيابي بحيث ألاحظهما، فلما صعدت من دجلة لبست ثيابي وقد ~~غربت الشمس وأنسيت الهميان فلم أذكره إلا من غد، فغدوت لطلبه وكأن الأرض قد ~~ابتلعته، فهونت على نفسي المصيبة، وقلت: لعل قيمة الحجر خمسة آلاف دينار ~~أغرمها. فخرجت إلى الحج، وقضيت حجي، ورجعت إلى بلدي فأنفذت إلى الأمير ما جملته ~~به، وأخبرته بخبري، وقلت له: خذ مني تمام الخمسة آلاف دينار. فطمع وقال: قيمة الحجر ~~خمسون ألف دينار. وقبض على جميع ما أملكه من مال ومتاع، وأنزل صنوف المكاره بي، ~~وحبسني سبع سنين كنت أتردد فيها في العذاب، فلما كان في هذه السنة، سأله الناس في ~~أمري فأطلقني، فلم يمكنني المقام في بلدي وتحمل شماتة الأعداء، فخرجت على وجهي ~~أعالج الفقر بحيث لا أعرف، وجئت مع الخراسانية أمشي أكثر الطريق، ولا أدري ما ~~أعمل؛ فجئت لأشاورك في معاش أتعلق به. # فقلت: يا هذا، قد رد الله - عز وجل - عليك ضالتك، هذا الهميان الذي وصفته عندي، ~~وقد كان فيه ألف دينار أخذتها، وعاهدت الله - عز ذكره ms15 - أني ضامنها لمن يعطيني ~~صفة الهميان، وقد أعطيتني صفته، وعلمت أنه لك. وقمت فجئت بكيس فيه ألف دينار. فقلت: ~~خذها وتعيش بها ببغداد، فإنك لا تعدم خيرا إن شاء الله - تعالى. فقال لي: يا ~~سيدي، الهميان بعينه عندك لم يخرج عن يدك؟ قلت: نعم. فشهق شهقة، ظننت أنه قد تلف ~~منها، وخر ساجدا فما أفاق إلا بعد ساعة، ثم قال: ائتني بالهميان. فجئته به، ~~فقال: سكين. فأعطيته، فخرق أسفله واستخرج منه حجر ياقوت أحمر كالكف، فأشرق البيت ~~منه، وكاد أن يأخذ بصري شعاعه، وأقبل يشكرني ويدعو لي، فقلت: خذ دنانيرك. فحلف بكل ~~يمين أنه لا يأخذ منها شيئا إلا ثمن ناقة ومحمل ونفقة تبلغه خراسان، فاجتهدت به، ~~فبعد جهد أخذ ثلاثمائة دينار، وأحلني من الباقي. # فلما كان في العام الماضي جاءني بقريب مما كان يجيئني به سالفا، فقلت: خبرك؟ ~~فقال: مضيت، وشرحت لأهل البلد خبري، وأريتهم الحجر، فجاء معي وجوههم إلى الأمير، ~~وأعلموه القصة وخاطبوه في إنصافي، فأخذ الحجر ورد علي جميع ما كان أخذه مني من ~~مال وعقار وضياع وغير ذلك، ووهب لي مالا من عنده وقال: اجعلني في حل مما عذبتك به. ~~فأحللته، وعادت نعمتي على ما كانت عليه، وعدت إلى تجارتي ومعاشي، وكل هذا بفضل الله ~~- عز وجل - وبركتك، فعل الله بك وصنع. (قال): وكان يجيئني في كل سنة إلى أن ~~مات. # الدراهم المنتثرة (1 : 60-61) # لما خرج طاهر بن الحسين إلى محاربة علي بن موسى بن ماهان جعل ذات يوم في كمه دراهم ~~يفرقها على الفقراء، ثم أسبل كمه ناسيا، فانتفضت الدراهم فتطير من ذلك واغتم، ~~فانتصب له شاعر فقال: # هذا تفرق جمعهم لا غيره # وذهابه منه ذهاب الهم # شيء يكون الهم نصف خروفه # لا خير في إمساكه في الكم # فسلا همه وما به، وأمر له بثلاثين ألف درهم. # راكب الأسد (2 : 75-88) # حدثني أبو جعفر أصبع بن أحمد بن شبح، وكان يحجب أبا محمد المهلبي - رحمة الله عليه ~~- قبل وزارته، فلما ولي الوزارة كان يصرفه ms16 في الاستحثاث على العمال وفي الأعمال ~~التي يتصرف فيها العمال الصغار، (قال ): كنت بشيراز مع أبي الحسن علي بن خلف بن ~~طبات (؟) وهو يتولى عمالتها يومئذ، فجاء مستحثا من الوزير يطالبه بحمل الأموال، ~~وكان أحد الغلمان الأكابر قد كوتب بإكرامه، فأحضره أول يوم طعامه وشرابه فامتنع ~~من مؤاكلته، وذكر أن له عذرا. فقال: لا بد أن تأكل. فأكل بأطراف أصابعة، ولم يخرج ~~يده من كمه، وكاد كمه يدخل في الغضائر، ويناله الغمر. # فلما كان من غد، قال علي بن خلف: ليدعه كل يوم واحد منكم. فكانوا يدعونه ~~ويدعون بعضهم بعضا، فتكون صورته في الأكل واحدة، فنقول: لعل به برصا أو جذاما. ~~إلى أن بلغت النوبة إلي، فدعوته ودعوت الحاشية، وجلسنا نأكل وهو يأكل معنا على ~~هذه الصورة، فسألته إخراج يده والانبساط في الأكل، فامتنع من إخراج يده، فقلت له: ~~يلحقك تنغيص بالأكل هكذا، فأخرجها على أي شيء كان بها، فإنا نرضى به. (قال): فإذا ~~فيها وفي ذراعه ضربات بعضها فيه بقيه أدوية يابسة، وهي على أقبح ما يكون من المنظر، ~~فأكل معنا غير محتشم، وقدم الشراب فشربنا، فلما أخذ منا الشراب سألته عن سبب تلك ~~الضربات، فقال: هو أمر ظريف أخاف أن لا أصدق فيه، ولا يجمل بي الحديث به. فقلت: ~~لا بد أن تتفضل. # قال: كنت عام أول بقريب من هذا الوقت قائما بحضرة الوزير، فسلم إلي كتابا إلى ~~عامل دمشق ومنشورا، وأمرني بالتوجه إليه وإزهاقه بالمطالبة بحمل المال، ورسم أن ~~أخرج على طريق السماوة لأتعجل، وكتب إلى عامل هيت بإنفاذي مع خفارة، فلما حصلت هيت ~~استدعى العامل جماعة من أحياء العرب، وضمني إليهم، وأعطاهم مالا على ذلك، وأشهد ~~عليهم بتسلمي، واحتاط في أمري. وكانت هناك قافلة تريد الخروج منذ مدة وتتوقى ~~البرية، فأنسوا بي، وسألوني أن آخذ لنفسي مالا وللأعراب مالا وأوصلهم في الخفارة ~~ويسيرون معي، ففعلت ذلك، فصرنا قافلة عظيمة، وكان معي من غلماني من يحمل السلاح، ~~وهم يقربون من العشرين غلاما، وفي حمالي القافلة والتجار جماعة ms17 يحملون السلاح ~~أيضا، فرحلنا عن هيت، ودخلنا في البرية ثلاثة أيام بلياليها . # فبينما نحن نسير، إذ لاحت لنا خيل، فقلنا للأعراب: ما هذه الخيل؟ فتسرع منهم قوم ~~ثم عادوا كالمنهزمين، وقالوا: قوم من بني فلان بيننا وبينهم دم، ونحن طلبتهم ولا ~~ثبات لنا معهم، ولا يمكننا خفارتكم منهم. وركضوا متفرقين، وبقينا نحن متحيرين، ولم ~~نشك أنهم كانوا بعض أهلهم، وأن ذلك فعل على مواطأة، فجمعت القافلة وطفت بها ~~أنا وغلماني ومن كان منهم يحمل السلاح متساندين كالدائرة، وقلت لمن كان معي: لو ~~كان هؤلاء يأخذون أموالنا ويدعون جمالنا لننجو عليها كان هذا أسهل، ولكن الجمال ~~والدواب أول ما تؤخذ، ونتلف في البرية ضعفا وعطشا فاعملوا على أن نقاتل، فإن ~~هزمناهم سلمنا، وإن قتلنا كان أسهل. فقالوا: نفعل. وقدم القوم، فقتلنا لهم عدة ~~خيل، وجرحنا منهم غير جريح، وما ظفروا منا بعود، فباتوا قريبا منا حنقين علينا، ~~وتفرق الناس للأكل والصلاة، فاجتهدت بهم أن يجتمعوا ويبيتوا تحت السلاح، فخالفوني ~~وكانوا قد أمنوا ونام بعضهم، فغشينا الخيل، فلم يكن عندنا ممانعة، فوضعوا فينا ~~السيوف، وكنت أنا المطلوب خاصة؛ لما شاهدوه من تدبير القوم برأيي، وعلموه من أني ~~رئيس القافلة، فقطعوني بالسيوف ولحقتني هذه الجراحات، وفي بدني أضعاف أضعافها. ~~(قال): وكشف لنا عن أكثر جسده فإذا به أمر عظيم لم ير مثله في بشر قط. (قال): ~~وكان في أجلي تأخير، فرميت نفسي بين القتلى لا أشك في تلفي. # قال: فلما كان بعد ساعة أفقت، فوجدت في نفسي قوة والعطش بي شديد، فلم أزل ~~أتحايل حتى قمت أطلب من القافلة قدح ماء لأشرب منها، فلم أجد أحدا، ورأيت من ~~القتلى والمجروحين الذين هم في آخر رمق، وسمعت من أنينهم ما أضعف نفسي وأيقنت ~~بالتلف، وقلت: غاية ما أعيش إلى أن تطلع الشمس. فملت أطلب شجرة أو محلا؛ لأجعله ~~ظلا لي من الشمس إذا طلعت، فإذا بي قد عثرت بشيء عظيم لا أدري ما هو من الظلمة، ~~وإذا أنا منبطح عليه بطولي وطوله، فثار من ms18 تحتي، فحسست عليه، وكنت قدرته رجلا من ~~الأعراب، فإذا هو أسد، فحين علمت ذلك طار عقلي، وقلت: إن استرخيت افترسني؛ فعانقت ~~رقبته بيدي، ونمت على ظهره، وألقيت بطني بظهره، وجعلت رجلي تحت بطنه، ~~وكانت دمائي تجري. فحين دخلني ذلك الفزع الشديد رقأ دمي وعلق شعر الأسد بأفواه ~~الجروحات، فصار سدادا لها وعونا على أن أمسك نفسي فوقه، وورد على الأسد مني أظرف ~~مما ورد علي منه؛ فأقبل يجري كما تجري الفرس على طريق واحد، وأنا أحس بروحي ~~وأعضائي تتقصف من شدة جريه، فلم أشك في أنه يقصد أجمته فيلقيني إلى لبؤته فتفترسني، ~~إلا أني ضبطت نفسي وأنا أؤمل الفرج وأدافع الموت، وكلما هم الأسد أن يربض ضربت بطنه ~~برجلي فيطير، وأنا أعجب من نفسي ومطيتي وأدعو الله - عز وجل - وأرجوه. # وما زلت على ذلك إلى أن ضربني نسيم السحر فقويت نفسي، وأقبل الفجر يضيء، فتذكرت ~~طلوع الشمس فجزعت، ودعوت الله - عز وجل - فما كان أسرع من أن سمعت صوتا ضعيفا لا ~~أدري ما هو، ثم قوي فشبهته بناعورة. (قال): والأسد يجري، وقوي الصوت فلم أشك في أنه ~~ناعورة، ثم صعد بي الأسد إلى تل، فرأيت منه بياض ماء الفرات وهو جار، وناعورة تدور، ~~والأسد يمشي على شاطئ الفرات برفق إلى أن وجد شريعة، فنزل منها إلى الماء وأقبل ~~يسبح ليعبر، فقلت في نفسي: ما قعودي؟ لئن لم أتخلص هنا ما تخلصت أبدا، فما زلت ~~أرفق حتى خلصت شعره من أفواه جراحاتي، وسقطت وسبحت منحدرا، وأقبل الأسد يشق الماء ~~عرضا. # فينما أنا أسبح نظرت جزيرة فقصدتها، وحصلت فيها، وقد بطلت قوتي، وذهب عقلي، وطرحت ~~نفسي عليها كالتالف، فلم أحس إلا بحرارة الشمس قد نبهتني، فرجعت أطلب شجرة رأيتها ~~في الجزيرة؛ لأستظل بها، فرأيت السبع مقعيا على ذنبه بشاطئ الفرات، فقل فزعي ~~منه، وأقمت مستظلا بالشجرة أشرب من ذلك الماء إلى العصر، فإذا أنا بزورق منحدر، ~~فصحت به، وحلفت لهم أن ما بالجزيرة أحد سواي، وأومأت لهم إلى الأسد، وقلت لهم: قصتي ms19 ~~ظريفة طويلة وإن تجاوزتموني كنتم أنتم قد قتلتموني، فالله الله في. فرقوا لي، ~~ودخلوا إلي يحملوني، فلما صرت في الزورق ذهب عقلي، فما أفقت إلا في اليوم الثاني ~~فإذا علي ثياب نظاف، وقد غسلت جراحاتي، وجعل فيها الزيت والأدوية، وأنا بصورة ~~الأحياء، فسألني أهل الزورق عن حالي فحدثتهم. # وبلغنا إلى هيت، فأنفذت إلى العامل من عرفه خبري، فبعث لي من يحملني إليه، فتوجع ~~لي، وقال: ما أظن أنك أفلت فالحمد لله. فحدثته كيف نجيت، فعجب وقال: بين ~~الموضع الذي حملك أهل الزورق منه مشاق أربعين فرسخا على غير محجة. فأقمت عنده ~~أياما، ثم أعطاني نفقة وثيابا وزورقا، فجئت إلى بغداد، فكنت أتعالج عشرة أشهر، ~~حتى صرت هكذا، ثم خرجت وقد افتقرت وأنفقت جميع ما كان في بيتي، فلما أقمت بين يدي ~~الوزير رق لي، وأطلق لي مالا، وأخرجني إليكم. # الطفل المقمط (2 : 85) # عن ديسم بن إبراهيم بن شاذلويه المتغلب، كان بأذربيجان لما ورد حضرة سيف الدولة ~~يستنجده على المرزبان محمد بن مسافر السلار لما هربه عنها، قال: إن بناحية أذربيجان ~~واديا يقال له الرأس، شديد جرية الماء جدا، وفي أرضه حجارة كثيرة بعضها ظاهر من ~~الماء، وبعضها مغطى بالماء، وليس للسفن فيه مسلك، وله أجراف هائلة، وبه قنطرة ~~يجتاز عليها المارة، قال: كنت مجتازا عليها في عسكري، فلما صرت في وسط القنطرة ~~رأيت امرأة تمشي وتحمل ولدا طفلا في القماط، فزاحمها بغل محمل، فطرحت نفسها على ~~القنطرة فزعا، فسقط الطفل من يدها إلى النهر، فوصل إلى الماء بعد ساعة؛ لبعد ما ~~بين القنطرة وصفحة الماء، ثم غاص، وارتفعت الضجة في العسكر. # ثم رأينا الصبي قد طفا على وجه الماء، وقد سلم من تلك الحجارة، وكان الموضع كثير ~~العقبان، ولها أوكار في أجراف ذلك النهر، ومنها يصاد أفراخها، (قال): فحين ظهر ~~الطفل في قماطه صادف ذلك عقابا طائرا، فرآه فظنه طعمة، وانقض عليه وشبك مخالبه ~~في القماط وطار به، وخرج إلى الصحراء، فطمعت في تخليص الطفل، فأمرت جماعة أن ~~يركضوا وراء ms20 العقاب ففعلوا، وتبعتهم بنفسي لمشاهدة الحال، فإذا العقاب قد نزل إلى ~~الأرض، وابتدأ يمزق قماط الصبي ليفترسه، فحين رأوه صاحوا بأجمعهم، وقصدوه ومنعوه عن ~~الصبي فطار، وتركه على الأرض، فلحقنا الصبي فإذا هو سالم ما وصل إليه جرح، وهو ~~يبكي، فقيأناه حتى خرج الماء من جوفه، وحملناه سالما إلى أمه. # نجاة ابن أبي قبيصة من الأسر والقتل (1 : 111-113) # حدثني جماعة من ثقات أهل الموصل أن فاطمة بنت أحمد بن علي الكردي زوجة ناصر الدولة ~~أم أبي تغلب اتهمت عاملا كان لها يقال له ابن أبي قبيصة من أهل الموصل بخيانة في ~~مالها، فقبضت عليه وحبسته في قلعتها، ثم رأت أن تقتله، فكتبت إلى المتوكل بالقلعة ~~بقتله، فورد عليه الكتاب، وكان لا يحسن أن يقرأ ولا يكتب، وليس عنده من يقرأ ويكتب ~~إلا ابن أبي قبيصة، فدفع الموكل بالقلعة الكتاب إليه، وقال له: اقرأ. فلما رأى فيه ~~الأمر بقتله قرأ الكتاب بأسره إلا حديث القتل، ورد الكتاب عليه. وقال ابن أبي ~~قبيصة: ففكرت وقلت: أنا مقتول ولا آمن أن يرد كتاب آخر في هذا المعنى، ويتفق ~~حضور من يقرأه غيري فينفذ الأمر في، وسبيلي أن أحتال عليه بحيلة، فإن تمت سلمت، ~~وإن لم تتم فليس يلحقني أكثر من القتل الذي أنا حاصل فيه. # فتأملت القلعة فإذا فيها موضع يمكن أن أطرح نفسي منه إلى أسفل، إلا أن بينه وبين ~~الأرض أكثر من ثلاثة آلاف ذراع، وفيه صخر لا يجوز أن يسلم معه من يقع عليه. (قال): ~~فلم أجسر. ثم ولد لي الفكر أني تأملت الثلج قد سقط عدة ليال قطعا فغطى تلك الصخور، ~~فصار فوقها أمر عظيم يجوز إن سقطت عليه وفي أجلي تأخير أن ينكسر بعض بدني وأسلم. ~~(قال): وكنت مقيدا، فقمت لما نام الناس فطرحت نفسي من الموضع قائما على رجلي، ~~فحينما حصلت في الهواء ندمت، وأقبلت أستغفر الله وأتشهد، وغمضت عيني حتى لا أرى كيف ~~أموت، وجمعت رجلي بعض الجمع؛ لأني كنت سمعت قديما، أن من اتفق ms21 عليه أن يسقط ~~قائما من مكان عال إذا جمع رجليه ثم أرسلها إذا بقي بينه وبين الأرض قدر ذراع أو ~~أكثر؛ أمكنه أن يسلم، وينكسر حد السقطة، ويصير كأنه بمنزلة من سقط من ذراعين، ~~(قال): ففعلت ذلك. # فلما سقطت إلى الأرض ذهب عني أمري، وزال عقلي ثم آب إلي، فلم أجد ما كان ينبغي أن ~~يلحقني من ألم السقوط من ذلك الموضع، فأقبلت أجس أعضائي شيئا فشيئا فأجدها ~~سالمة، وقمت وقعدت وحركت يدي ورجلي، فوجدت ذلك كله سالما، فحمدت الله - تعالى - ~~على تلك الحال، وأخذت صخرة، وكان الحديد الذي قد صار في رجلي كالزجاج لشدة البرد. ~~(قال): فضربته ضربا شديدا فانكسر، فطن حتى ظننت أنه سيسمعه من في القلعة لعظمه ~~فينتبهون إلي، فسلم الله - عز وجل - من هذا أيضا، وقطعت تكتي، وشددت ببعضها القيد ~~على ساقي، وقمت أمشي في الثلج، فمشيت طويلا ثم خفت أن يروا آثاري من غد في الثلج ~~على المحجة فيتبعوني فلا أفوتهم؛ فعدلت عن المحجة إلى نهر يقال له الخابور، فلما ~~وصلت إليه وصرت إلى شاطئه نزلت في الماء إلى ركبتي، وأقبلت أمشي كذلك فرسخا حتى ~~انقطع أثري، ثم خرجت لما كادت أطرافي تسقط من البرد فمضيت على شاطئه، ثم عدلت أمشي ~~فيه وربما حصلت في موضع لا أقدر على المشي فيه؛ لأنه يكون جرفا فأسبح، واستمريت ~~على ذلك أربعة فراسخ حتى حصلت في خيم فيها أقوام، فأنكروني وهموا بي، فإذا هم ~~أكراد، فقصصت عليهم قصتي، واستجرت بهم فرحموني، وأوقدوا بين يدي وأطعموني وستروني، ~~وانتهى الطلب من غد إليهم، فما أعطوا خبري أحدا. فلما انقطع الطلب سيروني حتى ~~دخلت الموصل مستترا، وكان ناصر الدولة ببغداد إذ ذاك، فانحدرت إليه، وأخبرته بخبري ~~كله، فعصمني من زوجته، وأحسن إلي وصرفني. # ابن جصاص وأعدال الخيش (1 : 113-114) # حدثني أبو علي بن عبيد الله الحسين بن عبد الله الجصاص الجوهري قال: سمعت أبي يحدث ~~قال: لما نكبني المقتدر، وأخذ مني تلك الأموال العظيمة، أصبحت آيسا من الفرج، ~~فجاءني خادم فقال: ms22 البشرى. فقلت: ما الخبر؟ قال: قم قد أطلقت، فقمت معه فاجتاز ~~بي في بعض طرق دور الخليفة ، يريد إخراجي إلى دار السيدة؛ لتكون هي التي تطلقني؛ ~~لأنها هي التي شفعت في، فوقعت عيني في اجتيازي على أعدال خيش لي أعرفها كان ~~مبلغها مائة عدل، فقلت للخادم: أليس هذا من الخيش الذي حمل من داري؟ فقال: بلى. ~~فتأملته فإذا هو بشده وعلاماته، وكانت هذه أعدالا قد حملت إلي من مصر، كل ~~عدل منها فيه ألف دينار من مال كان لي هناك، كتبت بحمله فخافوا عليه من الطريق، ~~فجعلوه في أعدال الخيش؛ لأنها مما لا تكاد أن ينهبه اللصوص، وإن وقعوا به لا يفطنون ~~لما فيه؛ فوصلت سالمة، ولاستغنائي عنها وعن المال لم أخرجه من الأعدال، وتركته ~~بحاله في بيت في داري، وأقفلت عليه، وتوخيت بذلك أيضا سر حديثه فتركته شهورا على ~~حاله؛ لأنقله كما أريد في أي وقت أرى. # ولما حبست أخذ الخيش في جملة ما أخذ من داري، ولخسته عندهم تهاونوا ~~به، ولم يعرف أحد ما فيه؛ فطرح في تلك الدار، فلما رأيته عندهم طمعت في خلاصه ~~والحيلة في ارتجاعه فسكت، فلما كان بعد أيام من خروجي، راسلت السيدة وشكوت حالي ~~إليها، وسألتها أن تدفع لي ذلك الخيش؛ لأنه لا قدر له عندهم وأنا أنتفع بثمنه. ~~(قال): فاستحمقتني وقال: وأي قدر لهذا الخيش؟ ردوه عليه، فسلم إلي بأسره. ففتحته ~~وأخذت منه المائة ألف دينار ما ضاع منها دينار واحد، وأخذت من الخيش ما احتجت إليه، ~~وبعت باقيه بجملة وافرة، وقلت في نفسي: إنه قد بقيت لي بقية إقبال جيدة. # | نخبة من كتاب نوادر مخطوط # أكل السم والحيات # إن الحمل الشاعر كان صاحب نادرة، فرآه صديق له يأكل سمنا فقال له: يا ابن عبد ~~الله، لا تأكل السمن؛ فإنه سم زيدت فيه نون. فقال له: وينبغي لك أن تأكل الحية؛ ~~لأنها حياة سقط منها الألف. # الفضولي المخذول # ويحكى أن رجلا صادف جارية ومعها طبق مغطى، فقال لها: يا جارية، ما في ms23 هذا ~~الطبق؟ فقالت: والله يا سيدي، ما غطيناه إلا حتى لا يعرف فضولي مثلك ما فيه! # الأسماء الحصينة # من نوادر الأعراب ما أخبر عن رجل منهم، أنه وقف على قوم فسأل عن أسمائهم، فقال ~~أحدهم: اسمي محرز. وقال آخر: اسمي وثيق. وقال آخر: اسمي منيع. وقال آخر: اسمي ~~ثابت. فقال الأعرابي: ويحكم، والله ما أظن الأقفال عملت إلا من أسمائكم. # اللص المستخدم # دخل لص إلى دار وصاحبها منتبه، فلم يجد في البيت شيئا، فلما خرج قال له صاحب ~~الدار: رد الباب من البرد. فقال اللص: إي والله، من كثرة ما أخذت لك ~~تستخدمني. # اللص السكران # وقيل إن صاحب الشرطة أتي بلص، وقالوا: هذا وجدناه سرق جملا. فقلت له: فعلت ذلك؟ ~~فقال: كنت سكران وقد حملني عليه. فقال له: لم لا سرقت كلبا؟ قال: خشيت أن يعضني. ~~فضحك منه وتركه. # الصبي المتأنق في أكله # قال بعضهم: رأيت بالكوفة صبيا ومعه قرصة، وهو يكسر لقمة، ويدخلها إلى شق في ~~حائط يخرج منه دخان ويأكلها، (قال): فبقيت أتعجب منه إذ وقف عليه أبوه يسأله عن ~~خبره. فقال الصبي: هؤلاء (وأشار إلى أصحاب الحائط) قد طبخوا سكباجة حامضة كثيرة ~~التوابل فأنا أتأدم برائحتها، (قال): فصفعه أبوه صفعة كاد يقلع بها رأسه، وقال له: ~~ويحك! أتريد أن تعود نفسك من اليوم أن لا تأكل الخبز إلا بأدم. # الدعاء الصالح # قيل لرجل اشتكى عينيه: بماذا تداويهما؟ قال: بدعاء الوالدة - أبقاها الله - ~~الكثيرة الصوم والعبادة. فقيل له: منذ كم تشتكي عينيك؟ قال: منذ سنة. فقال له صديق: ~~أحب أن تخلط مع دعاء الوالدة قليلا من العنزروت، فإنه أسرع للإجابة. # الصوفي المجاب الدعوة # حكي أن بعض الصوفيين حمل يوما على رأسه حنطة، وأتى بها طحانا ليطحنها ~~لعياله، فقال له الطحان: أنا مشغول. فقال: اطحنها وإلا دعوت عليك وعلى حمارك ~~ورحالك فيبطل. قال: أوأنت مجاب الدعوة؟ قال: نعم. قال: فادع الله أن يصير ~~حنطتك دقيقا، فهو أنفع لك وأسلم لدينك. # المغفل واللصوص # اجتاز بهلول بسوق البزازين، فرأى الناس اجتمعوا ms24 على باب ينظرون إلى نقب قد نقب ~~على بعضهم، فاطلع على النقب ثم قال: ويحكم! ألا تعلمون ذا عمل من؟ قالوا: لا. قال: ~~فإني أعلم من هو. فقال الناس: هذا بهلول يرى اللصوص بالليل ولا يتحاشونه، فأنعموا ~~له القول لعله يخبر بذلك. فسألوه أن يخبر فقال: إني جائع، فهاتوا أربعة أرطال رقاق ~~ورأسين. فأحضروا له ذلك وأكل، فلما استوفاه قال: أشتهي فالوذجا. فأحضروا له رطلي ~~فالوذج فأكله وفرغ منه، وقام وتأمل النقب ثم قال: أوصحيح أنكم لا تعلمون؟ قالوا: ~~لا. قال: هو من عمل اللصوص، وعدا. # المتنبئ النازل عن رتبته # وقيل ادعى رجل النبوة، فأمر الحاكم بضرب عنقه، فلما حضر السياف ولم يبق إلا أن ~~يضرب قال: لم تقتلوني؟ قيل له: لأنك تدعي النبوة. فقال: لست مدعيها. قيل ~~له: فأي شيء أنت؟ قال: صديق. قال الحاكم: اضربوه بالسياط، فلما أحضروا السياط ~~ليضربوه قال: لأي شيء تضربوني؟ قيل له: لأنك تدعي أنك صديق. قال: لا أدعي ذلك. ~~قيل له: فمن أنت؟ قال: من التابعين. فقال الحاكم: اضربوه بالدرة وعزروه. فلما ~~أرادوا ذلك قال: ولم؟ قيل له: لادعائك ما ليس لك. فقال: ويحكم! من ساعة كنت ~~نبيا، أتريدون أن تجعلوني في ساعة واحدة من آحاد الناس، وتحطوني من النبوة إلى ~~منزلة العوام؟! أمهلوني إلى الغد أصير معكم إلى ما شئتم، فضحكوا وأطلقوا ~~سبيله. # الدينار المفرخ # ومن نوادر أشعب أن جارية أودعت عنده دينارا، فقال لها: دعيه تحت الفراش. فلما ~~مضت وضع معه درهما، ثم جاءته بعد ذلك، وطلبت منه الدينار، فقال لها: خذيه بيدك من ~~موضع وضعتيه - وضعته. فمدت يدها لتأخذه فوجدت معه الدرهم فقالت: ما هذا؟ قال: ~~«يا جارية، لا أستحل لك شيئا، هو دينارك ولد عندنا درهما، فخذيه وولده، وإن تركته ~~فهو قد استأنس بالمكان، ويلد كل يوم درهما.» فتركته وذهبت، فأخذه، فجاءت له بعد ~~ذلك تطلبه، فتلقاها بالبكاء، فقالت له: ما القضية؟ قال: مات دينارك في النفاس. ~~قالت: ويحك! الدينار يموت؟! قال: ويحك! تصدقين بالولادة ولا تصدقين ~~بالموت؟! # السائل ms25 الثقيل # ويحكى أن بعضهم وقع من دابة فانصدعت رجله، فجعل الناس يدخلون عليه للسلام، ~~ويسألونه: كيف وقعت ؟ فلما أكثروا عليه وضجر كتب قصته في رقعة، وطرحها بين يديه، ~~فكان إذا دخل عليه عابر وسأله عن سبب وقوعه دفع إليه القصة المكتوبة، فدخل عليه ~~فيمن دخل بعد ذلك رجل، فسأله عن حاله فأعطاه القصة، فشرع يسأله، فقال: إنما كتبناها ~~لأجل ترك الكلام. فجعل يلومه على عدم تحرزه عن الوقوع. فقال: حتى نستريح ها نحن ~~نجيب عن هذه الأسئلة على الحاشية، ودعنا من إلحاحك. # العطف بعد التصغير # عمل بعض النحويين كتابا في التصغير، وأهداه إلى رئيس كان يختلف إليه، فنقص ~~عطيته، فصنف كتابا في العطف وأهداه إليه، وكتب معه: رأيت باب التصغير وأهديته إلى ~~الرئيس فصغرني، وأرجو أن يعطفه علي باب العطف. # القالي وكتاب الجمهرة # حدث يحيى بن علي السريري قال: كان للقالي اللغوي نسخة من الجمهرة بخط حسن، فدعته ~~الحاجة إلى بيعها، فاشتراها الشريف المرتضي بستين دينارا، وتصفحها فوجد في أثنائها ~~مكتوبا بخط القالي: # أنست بها عشرين حولا وبعتها # فقد طال وجدي بعدها وحنيني # وما كان عندي أنني سأبيعها # ولو خلدتني في السجون ديوني # ولكن لضعف وافتقار وصبية # صغار عليهم تستهل عيوني # فقلت ولم أملك سوى فيض عبرة # مقالة مكوي الفؤاد حزين # وقد تحوج الحاجات يا أم مالك # كرائم من رب بهن متين (كذا) ~~(قال): فأمر الشريف المرتضي وكيله بحمل النسخة إلى القالي وإبقاء الثمن له. # أثر بعد عين # وحكى إبراهيم بن المهدي قال: قدم المأمون مدينة السلام من خراسان فأمن الناس غيري، ~~فتواريت واختليت اختلاء شديدا، فقالت لي عجوز من الأزد وكانت تخدمني: سأحتال لك ~~في أن يصل إليك مال. فركبت زورقا فلما جاءت المأمون في قصره صاحت: صاحبة نصيحة. ~~فأمر بها فأدخلت عليه، فقالت له: إن دللتك يا أمير المؤمنين على إبراهيم المهدي ~~فما تجعل لي؟ قال: مائة ألف درهم. قالت: وجه معي رسولا، وادفع إليه ألف دينار، ~~ومره أن يدفعها إلي عندما أريه وجه إبراهيم، فوجه المأمون حسين ms26 الخادم ودفع ~~إليه الدنانير، وأمره بما قالت، فجاءت مع حسين الخادم حتى دخلت مسجدا فيه صندوق ~~فاتت بحمال فحمله، فجعلت تطوف به في الأسواق والشطوط فمرة يسمع صوت الباعة ومرة ~~صوت الملاحين، فلما أظلم الليل أدخلته دارا، وفتحت عنه فإذا بمجلس عظيم في صدره ~~إبراهيم بن المهدي يشرب، وبين يديه جوار يغنين، فانكب حسين على رجل إبراهيم ~~يقبلها، فسأله إبراهيم عن المأمون، وتناولت منه المرأة الدنانير. قال له إبراهيم: ~~كل عندي لقمة، واشرب عندي قدحا، وتحمل عني رسالة، وامض محفوظا. قال: أفعل. ~~فقدم إليه طعاما فأكل ثم سقي شرابا فيه بنج فشربه فسكر، وأدخل الصندوق وأقفل ~~عليه، وحمل حتى أتي باب العامة، فلما أصبح الناس رأوا الصندوق ليس معه أحد، ~~فأنهوا خبره إلى صاحب الحرس، فكتب الخبر إلى المأمون، فأحضر وفتح فإذا حسين ~~الخادم مسبوت، فعولج حتى أفاق. فقال له المأمون: رأيت إبراهيم؟ قال: إي والله. قال: ~~أين هو؟ قال: لا أدري. وحدثه بالقصة، فقال المأمون: خدعنا والله وذهب المال. قال ~~إبراهيم: فتفرجت بالألف دينار مديدة. # | نخبة من كتاب المختار في كشف الأسرار # القرد المسحور ~~«قال الجوبري»: رأيت بخراسان - ويروى: بحران - سنة (613ه/1217م) رجلا من بني ~~ساسان أخذ قردا وعلمه السلام على الناس والتسبيح والسواك والبكاء، ثم رأيت من هذا ~~القرد من الناموس ما لا يقدر عليه أحد من الناس، فإذا كان يوم الجمعة جاء عبد هندي ~~لطيف الملبوس حسن الشمائل إلى الجامع ومعه سجادة حسنة فيفرشها عند المحراب، فإذا ~~كانت الساعة الرابعة جاء القرد بملبوس عظيم من ملابس الملوك وفي وسطه حياصة ذهب ~~مرصعة بأنواع الجواهر، وقد طيبه بأنواع الطيب، وأركبه بغلة بقماش فاخر وركابات ~~محلاة بالذهب، ثم يمشي في خدمته ثلاثة عبيد هنود بأفخر ما يكون من الملبوس، الواحد ~~يحمل وطاءه، والثاني تاسومته - ويروى: سرموزته - والثالث يمشي قدامه كالحاجب له. ~~وهذا القرد لا يمر على أحد إلا سلم عليه طول الطريق. # فإذا وصل إلى باب الجامع نزل، فيقدمون له التاسومة - السرموزة - فيلبسها ثم يعضده ~~العبد إلى أن يصل ms27 إلى الموضع الذي فيه السجادة، وهو مطرق بالهيبة والسكون، وكل من ~~سأل عنه يقال له: هذا ابن الملك الفلاني من أكبر ملوك الهند وهو مسحور، ثم يفرش له ~~العبد الوطاء فوق السجادة، ويحط له مسبحة وسواكا، فيقلع القرد بيده منديلا من ~~وسطه من الحياصة ويضعه قدامه، ثم يتناول المسواك فيستاك به، ويصلي ركعتين تحية ~~المسجد، ثم يأخذ المسبحة ويسبح. # فإذا فعل ذلك قام العبد الكبير وسلم على الناس، وقال: يا أصحابنا، من أصبح معافى ~~فليشكر الله على ما أنعم عليه، واعلموا أن بني آدم هدف للبلايا، فمن ابتلي فليصبر ~~ومن عوفي فليشكر، واعلموا أن هذا القرد الذي ترونه بينكم لم يكن والله في زمانه ~~أحسن منه شبابا، وهو ابن الملك الفلاني صاحب الجزيرة الفلانية، فسبحان من سلب منه ~~الحسن والملك، ومع ذلك فإنه لم ير في الناس أرحم منه قلبا ولا أروع منه، وإنما ~~هذه الدنيا كثيرة المحن، فكان من القضاء المقدور أن أباه زوجه بابنة الملك الفلاني، ~~فأقامت معه كذا وكذا سنة، ثم نقلوا إليها أنه عشق غيرها، فهربت إلى بيت أهلها، ~~ولما حصلت عند أمها سحرته أمها، فصار قردا كما ترون. فلما علم والده بذلك أمر ~~السحرة والأطباء والحكماء أن يردوه إلى صورته، فعجزوا عن ذلك فأمر بإخراجه من ~~الإقليم لما لحقه من العار بين الملوك، وقد سألنا زوجته فيه غير مرة أن تعيده إلى ~~حالته الأولى فامتنعت، وقالت إنها تركت عنده أثاثا قيمته مائة ألف دينار، وحلفت لا ~~ترده إلى صورته إلا بها، وقد درنا به البلاد، وتعصبت له الملوك والتجار، فجمعنا له ~~تسعين ألف دينار وبقي عشرة آلاف دينار، فمن يساعده بشيء من ذلك ويعينه على ما قضي ~~عليه ويرحم هذا الذي عدم شبابه وملكه وأهله ووطنه؟ فإذا سمع القرد ذلك وضع المنديل ~~على وجهه وبكى أمر بكاء بدموع كالمطر، فترق له القلوب، وما من الحاضرين إلا ومن ~~يردفه بشيء، فما يخرج من الجامع إلا بشيء كثير، وهم يدورون به البلاد على هذه ~~الصفة، فاعلم ذلك. ms28 # المكدي المحتال ~~«قال الجوبري»: ومن ذلك أني كنت في قونية من بلاد الروم سنة (616ه/1220م)، فمررت ~~في بعض الشوارع ، فرأيت إنسانا عليه ثياب خلقة، وهو ملقى على جنبه، ورأسه معصب ~~بخرقة، وهو يئن أنين الضعيف، ويقول: من يقضي شهوتي برمانة؟ فلما نظرت إليه قلت: ~~وعزة الله، من بني ساسان، ولا بد ما أبصر ماذا ينتهي إليه أمره. فجلست قريبا منه ~~بحيث أراه ولا يراني، فصارت الدراهم تتساقط عليه مع القطع والفلوس والخبز وغيره، ~~فلم يزل كذلك إلى وقت القائلة حتى خفت الناس عنه الرائح والجائي، فلما رأى ذلك ~~التفت يمينا وشمالا فلم ير أحدا، فوثب مثل البعير المنشط إذا فك من عقاله، ~~وجعل يخترق الأزقة والشوارع وأنا خلفه، إلى أن انتهى إلى زقاق غير نافذ أمام باب ~~دار حسنة البنيان بمساطب وفانوس معلق، فرقي العتب وطرق الباب، ففتح له وهم ~~بالعبور فأدركته وقلت: السلام عليك. فقال: وعليك السلام، من تكون؟ فقلت: ضيف. فقال: ~~مرحبا بالضيف. ثم أخذ بيدي وقال: خير مقدم، ادخل. فدخلت قاعة واسعة فيها من البسط ~~والفرش والمساند واللحف ما لا يوجد إلا عند الأكابر من أبناء الدنيا، فقال لي: ~~اصعد. فصعدت على طراحة حسنة، وأما صاحبي فإنه رمى من رقبته مزودا فيه مقدار عشرة ~~أرطال خبز، وفيه دراهم وفلوس شيء كثير، ثم شد وسطه بفوطة تساوي دينارين، وخلع ذلك ~~الخلق، فقدمت له الجارية ماء سخينا وطشتا ليتغسل، ثم لبس بدلة قماش فاخرة، وشم ~~ماء ورد ممسكا وتطيب، فرأيت له شعرا طويلا، وطلع فجلس إلى جانبي، وقال لي: ~~والله هذا نهار مبارك برؤيتك. فقلت: بارك الله فيك وأعانك على ما أنت بصدده. ثم ~~قال: يا حرير - وهو اسم جاريته - هاتي ما عندك برسم ضيفنا. فما أدري إلا والجارية ~~قد أحضرت مائدة عليها أربع زبادي صيني، في كل واحدة لون فاخر طعام خاص وخبز خاص ~~وبقل من جميع البقول، ثم أحضرت سكردانا عليه حريف ومالح وحامض، فصار يأكل ~~ويلقمني ويؤانسني بالحديث، وأنا أعمل باليدين، إلى أن اكتفينا، وغسلنا أيدينا، ms29 فقال ~~لي: إليك المعذرة، جئتنا على غير وعد، لكن الكريم يسامح. ثم تحدثنا ساعة، ونادى: يا ~~حرير، هاتي لنا ما نتحلى به، فأحضرت أنواعا من الحلوى لم تحصل إلا عند الأغنياء ~~الكبار، فأكلنا منها حسب الكفاية. # هذا وأنا في غاية التعجب ثم قلت له: لو فتحت لك دكان بزلكان - ويروى: بزاركان - ~~لكان خيرا لك من هذه الحرفة التي تعانيها، فتبسم ثم قال لي: كم يكون مكسب التاجر ~~كل يوم لو كان رأس ماله خمسة آلاف دينار؟ قلت: لعله يكسب نصف دينار. فقال: أنا يقع ~~لي كل يوم خمسة عشر درهما وأكثر وأقل فائدة بغير رأس مال، فماذا أصنع بالدكان؟! مع ~~أن التاجر لا يخلو من الخسارة في بعض الأوقات، وعليه كلف، أما أنا فربح بلا ~~خسارة. فقلت له: ماذا تصنع بالخبز الذي يصل لك كل يوم؟ قال: نيبسه ونعمله ~~فتيتا، فتجيء تجار أنطاكية يشترونه لسفر المراكب في البحر المالح، فيحصل لنا منه ~~كل سنة مئونة أهل البيت وكسوتهم. فتعجبت من ذلك. # ثم قال لي بعد ذلك: وما تقول في الخمر؟ أتستعمل شيئا منها؟ قلت: أرضى بها وبكل ما ~~ينتهي إليها. فنادى الجارية بإحضار المدام، فأحضرت سفرته وآنيته وأحضرت شرابا ~~عتيقا لم أشرب منه إلا عند الأكابر والرؤساء، فشربنا ثم قال: يا حرير، خلي أختك ~~تنزل فتطيب عيشنا. فنزلت جارية من أحسن ما يكون من الجواري ومعها عود، فلعبت به ~~ساعة ثم ألقته وأخذت الجنك، فضربت عليه ساعة، ولم تزل تبدل الملاهي حتى انتصف ~~الليل، فلما أردنا النوم قال: وا لك يا فلانة، افرشي لسيدك في المخدع الفلاني، ~~وأوقدي له قنديلا، ثم أتتني بطشت ومنشفة فاغتسلت ثم نمت، ولم أزل نائما إلى بكرة ~~النهار، فانتبهت، فإذا به قد دخل علي وقال لي: يا سيدي، الضيافة ثلاثة أيام، فلا ~~تبرح من مكانك حتى أعود إليك، ثم قال للجارية: هاتي العدة. فأتته بذلك الخلق ~~والمزود والعصابة فعصب رأسه، وخبأ شعره ولبس ذلك الخلق، ثم أتته بمخلاة فيها تراب، ~~فجعل ينفض عليه حتى غبر ms30 وجهه وثيابه، ثم إنه ودعني وخرج. # ولم تزل الجارية تتفقدني بالشراب الطيب والطيبات من المآكل إلى وقت الظهر، فإذا به ~~قد جاء وفعل كما فعل بالأمس، فأقمت عنده إلى يوم الجمعة، فقال للجارية: خذي سيدك ~~إلى الحمام وقولي لفلان البلان: سيدي يسلم عليك ويقول لك: اخدم هذا الرجل. ثم قال ~~لي: أريد منك أن لا تصلي اليوم إلا عند المنبر فإن لي في ذلك غرضا، ثم تعود بعد ~~الصلاة إلى ها هنا. ثم لبس آلته وخرج. # فقامت الجارية وأخذت بساطا اقصرابيا (كذا) وطاسات نحاس وكفتا ومئزرا ملطيا ~~ومناشف رومية في نهاية الحسن، مبخرة مطبقة، وعبت آلة الحمام كما ينبغي، وراحت بها ~~إلى الحمام، ثم عادت إلي وقالت لي: بسم الله، يا سيدي، أسرع فإن البلان في ~~انتظارك. فقمت إلى الحمام وخلعت قماشي، ودخلت والبلان قدامي إلى المقصورة، فخدمني ~~أحسن خدمة، ثم جاءني بالمناشف فتنشفت، وخرج خلفي بالطاسة، فصعدت وجلست، وصب الماء ~~على رجلي، ثم جاءتني الجارية بقدح شراب فشربته، ورجعت إلى الدار والجارية قدامي، ثم ~~جاءتني بمسلوق فأكلت. # فلما جاء وقت الصلاة قالت لي الجارية: بسم الله إلى الجامع. ثم حملت معي سجادتي، ~~وخرجنا إلى الجامع، فبسطت سجادتي تحت المنبر كما قال لي صاحبي، وفي أثناء ذلك ~~أذن المؤذن وخرج الخطيب ورقي المنبر، فلم أشعر إلا وصاحبي قد أقبل يخرق الصفوف، ~~وهو بذلك الخلق، ثم صعد إلى الخطيب على المنبر وأخرج من عبه كيسا من الحرير ~~الأطلس المعدني، فقال للخطيب: يا سيدي، أنا رجل فقير ولي عائلة، ووالله، لنا يومان ~~ما أكلنا شيئا وقد مضنا الفقر. فلما كان اليوم قالت لي العائلة: اليوم يوم ~~الجمعة، قم إلى الجامع لعل الله يفتح لك بشيء فقد هلكنا من الجوع. فخرجت طالبا ~~الجامع وأنا في الشارع الفلاني وقد تضورت من الجوع إذ عثرت رجلي بهذا الكيس ولا ~~أعلم ما فيه، فسولت لي نفسي أن آخذه وأرجع إلى منزلي فقلت: يا نفس، يا ملعونة، ~~تريدين أن تجرئيني على أكل الحرام، والله لا وافقتك في ms31 ذلك أبدا ولو مت جوعا، ~~وما عند الله خير وأبقى، وقد حملته إليك فافعل به ما ترى. # ثم دفع الكيس للخطيب ففتحه، وإذا فيه حلي تساوي خمسمائة دينار، فتعجب الخطيب من ~~أمانته مع ما هو فيه من الفقر والحاجة، ثم أشار إلى الناس وقال: يا قوم، هل يكون في ~~الوجود مثل هذا في دينه وأمانته وعفته مع فقره! فكيف يكون لو كان غنيا غير محتاج، ~~فوالله مثل هذا لا يصلح أن يكون فقيرا بين ظهور المسلمين، فالواجب على كل مسلم ~~إعانته وبره، فليعطه كل واحد منكم شيئا، وأغنوا فقره، كل على قدره، فصارت ~~الدراهم وقطع الذهب تنهال عليه من كل جهة إلى أن قدرت أنه حصل له مائتا دينار. هذا ~~وأنا ألومه في نفسي وأقول: قد حصل له شيء يساوي ألف دينار فباعه بهذا القدر! # فلما انقضت الصلاة ونحن في السنة سمعت الضجة قد قامت في الجامع، فنظرت وإذا ~~بامرأة عجوز، وهي تصيح وتقول: يا مسلمون، والله ما أملك قوتي في هذا اليوم، وقد ضاع ~~لي حلي حملته من ناس إلى ناس فوقع مني. فبلغني أنه وصل إلى الخطيب، وأنا مستجيرة ~~بالله - تعالى - وبه، فجعل الناس يقولون لها: طيبي خاطرك، فقد رده الله إليك. ولم ~~تزل تخترق الصفوف حتى وصلت إلى الخطيب، فخرت مغشيا عليها، ثم أفاقت فقالت: يا ~~مولاي، العفو لا تؤاخذني، وارحمني لله - تعالى. فقال لها الخطيب: على مهلك، ما الذي ~~عدم منك؟ فقالت: كيس صفته كذا، وشرابته كذا، وفيه كيت وكيت من الحلي، وكذا قطعة ~~بلخش، وأسورة كذا، وخواتم كذا. ولم تزل تعدد الأعيان التي ضمنه بحضور الملأ ~~وقدام جماعة من العدول، وكلما ذكرت شيئا أخرجه الخطيب، إلى أن وصفت جميع ما فيه، ~~وصح ما قالت، فسلم إليها الكيس، فأخذته وانصرفت، والخلق يدعون لصاحبي ويتعجبون من ~~دينه وأمانته. # ثم إني جئت إلى الدار كما أوصاني، فوجدته جالسا يزن ما تحصل له، وإذا به مقدار ما ~~قدرته في خاطري، فلما دخلت وجلست قال لي: هل رأيت ما فعلت ms32 اليوم؟ قلت: نعم، وأنا ~~ألومك على ذلك. قال: لم؟ قلت: لأنه كان قد حصل لك شيء يساوي خمسمائة دينار فبدلته ~~بهذا القدر. فقال: هل تعرف الكيس والمرأة التي أخذته؟ قلت: إذا أبصرتهما عرفتهما. ~~فقال: يا حرير، خلي العجوز تجيء بالكيس. فنزلت والكيس في يدها. فقال: هذا الكيس، ~~وهذه العجوز حماتي، والحلي لابنتها، وأنا الذي سيرتها بهذه الحيلة، فلو أقمت طول ~~النهار كم كان يحصل لي؟ فلما أن وعيت ذلك تعجبت منه كل العجب، ثم انصرفت من عنده، ~~وأنا ألعن صنعة المحتالين ومكايدهم. # الدمشقي المغفل ~~(قال): ومن ذلك أني رأيت بمدينة دمشق رجلا نصرانيا يعرف بابن ميسرة صائغا، ~~فبينما هو يوما في الدكان إذ أتى إليه رجل وناوله سبيكة فضة مقدارها ثلاثمائة درهم ~~وقال له: ادفع هذه السبيكة للدلالين ليبيعوها لي. فقال الصائغ: على الحمى تبيع؟ ~~قال: وعلى الروباص. فأعطاها لمناد فباعها المائة بمائة وعشرة. هذا وقد أقعده ~~الصائغ على الدكان إلى جانبه، فلما قبض الثمن دفع للمنادي أجرة وافرة، ثم رمى ~~بخمسة دراهم وقال للصائغ: أرسل أحد صبيانك؛ ليشتري لنا شيئا نتملح به. وحلف بالحرم ~~إنه لا بد أن يفعل ذلك. فأرسل من اشترى، وأكلوا، ثم جلسا ساعة يتحدثان، ثم قام ونزل ~~من الدكان وقد وضع تحت نطع الصائغ عشرة دراهم. # ثم إنه عاد بعد مدة، وصعد فجلس على دكان الصائغ ففرح به وتحدثا ساعة، ثم أطلع ~~سبيكة أكبر من الأولى، فدفعها للمنادي، فجاءت المائة بمائة وخمسة عشر، فالتفت إلى ~~الصائغ وقال له: إن كان لك بها حاجة فخذها وزنا بوزن. فأخذها ثم عمل كالمرة الأولى ~~فمنعه عن ذلك وقال: يا فلان، أيش تخاف علي؟ هذه المائة تقوم علي بدرهم أو درهم ~~ونصف فما عسى أن يروح منها؟ فلما سمع الصائغ عظم الشيخ في نفسه. ثم انصرف وغاب ~~أياما، ثم جاء ولم يصحب معه سبيكة، فسلم وصعد وجلسا يتحدثان، وصار كلما مر شيء من ~~الحلوى أو من المآكل قال: حط، زن. فيشتري ويأكل هو والصائغ وكل من في الدكان ~~والجيران، ms33 وأقام أياما يتردد، ولم يصحب معه شيئا من السبائك، فسأله الصائغ عن سبب ~~تأخير السبائك، فقال: والله، كنت قد عملت إكسيرا ففرغ. فلما سمع الصائغ ارتبط ثم ~~تحدث معه ساعة، فقال له الصائغ: أشتهي أن تأكل معي في بيتي خبزا وملحا لتجبر ~~قلبي. فقال: أنا ما أريد أن أكلفك. فأقسم عليه، فقال: إن كان لا بد منه فهذه عشرون ~~درهما، اعمل لنا بها شيئا نأكله، والتزم بالحرام إنه لا بد من ذلك. ثم تواعدا إلى ~~يوم معلوم. # فلما كان ذلك اليوم، جاء الرجل إلى الدكان فوجد ابن الصائغ ينتظره فأخذه وتوجه به ~~إلى الدار، فلما استقر بهما الجلوس قدم الصائغ شيئا فأكلاه، ثم أحضر حلوى فتحليا، ~~ثم جلسا يتحدثان، فقال الصائغ: لم لا تعمل الإكسير؟ فقال: يا ولدي، إن عندي ~~الساعة ما أنفقه فلست أنا محتاجا إلى عمله. ثم لم أجد في هذه البلدة مكانا ولا ~~صاحبا أركن إليه، وأنا وحدي لا أقدر أن أدبر شيئا. فقال له الصائغ: يا سيدي هذه ~~القاعة ملكي، وما لي فيها أهل، وإنما هي برسم صاحب أو صديق، فأخليها لك، وأنا أخدمك ~~وابني يكون في الدكان، ومهما احتجت إليه أنا أحضره لك. فقال: «أما الإكسير فما نصرف ~~عليه أكثر من عشرة دراهم، وإذا صار الإكسير نعمل منه قناطير إلا أنه يريد تعبا ~~كثيرا وطول روح، وأنا اليوم ما لي همة للعمل، وعندي ما أنفقه عشرين سنة.» وصار ~~يمتنع وصاحب البيت يسأله ويتضرع إليه ويحلف عليه أن يبيت عنده تلك الليلة، ولم يزل ~~ملحا عليه حتى رضي وتقرر الحال معه، ثم تحالفا على وفاء العهد، وزاد الصائغ أنه ~~يقنع من الإكسير باليسير، فقال له الشيخ: بل إنما أقنع منه بمثقال، وخذ أنت الباقي. ~~ففرح الصائغ بكلامه، وطمع أن يتعلم الإكسير، ثم توافقا على يوم معلوم ~~وتفرقا. # ولما كان اليوم الموعود، اشترى الشيخ الحوائج، ولم يكلف الصائغ بشيء، فلما سحق من ~~الحوائج ما يمكن سحقه منها ونقع ما ينقع، قال للصائغ: أتريد أن تعمل إكسير ذهب ms34 أو ~~فضة؟ قال: من هذا شيئا ومن هذا شيئا. فقال: اقسم هذه الحوائج نصفين، ثم هات ما ~~أمكنك من الفضة والذهب حتى ننقعهما في الماء أسبوعا ثم نسقي بهما هذه الأدوية. ~~فأحضر له الصائغ ستمائة دينار ذهبا وألفا وخمسمائة درهم فضة، ووضع ذلك بين يديه، ~~فصر ذلك في صرتين ووضعهما في إنائين وسكب عليهما ماء، ثم أقاموا سبعة أيام ~~يخدمون تلك الحوائج، ثم قال للنصراني: اطلع إلى جبل المزة، اجمع لنا من الحصا الذي ~~يعرف ببزاق القمر مقدار رطل واحد، فقام الصائغ وتوجه إلى الجبل، وعمد الرجل إلى ~~الصرتين، فأخذ ما كان فيهما ووضع في إحداهما فلوسا ونحاسا وفي الأخرى رصاصا، ~~فلما جاء الصائغ بالذي طلب منه قال له: هذا يريد يتكلس في أتون الزجاج ليلة ~~كاملة ثم يخدم نصفه بماء الذهب ونصفه بماء الفضة، فإذا تكلس اقسمه ثم اخدمه، وخرج ~~لصلاة الجمعة فاستقبل الدرب ولم يطلع له خبر. # فأقام الصائغ ينتظره مدة ولم يفتح صرة الذهب ولا الفضة، فقال له ابنه: لا يكون أخذ ~~الذهب والفضة وراح. فقال الصائغ: ما أجهلك وحق المسيح، إنه يقدر أن يجمع خزائن ~~أموال فكيف هو محتاج إلى ذهبنا! فقال له ابنه: كن عاقلا وافتقد الذهب وخل عنك ~~الطمع. فلم يفعل، وقال: أنت قصدك أن تفسد علينا الشغل. فعاوده ابنه في ذلك فلم ~~يفعل، فقام ابنه خفية وفتح صرة الذهب فوجدها فلوسا وكذلك الفضة رصاصا، فلطما ~~الرءوس حتى ذهبت منهما النفوس. فانظر إلى هذا الدهاء والمكر. # العجمي والملك العادل نور الدين # ومن أعظم ما وقفت عليه، وأظرف ما جرى للسلطان الملك العادل نور الدين بن زنكي - ~~رحمه الله - وهو حديث يصلح أن يكتب بماء الذهب، وذلك أن بعض الأعاجم جاء إلى ~~دمشق، فأخذ ألف دينار مصرية فبردها برادة ناعمة، ثم أخذ دق الفحم وأضاف إليه ~~عقاقير مجمعة، وطحن الجميع وعجنه بغراء السمك، ثم جعله بنادق وجففها تجفيفا ~~ناعما، ثم لبس دلقا وتزيا بزي الفقراء، وجعل تلك البنادق في مخلاة، ثم أتى إلى ~~بعض العطارين ms35 فقال له: أتشتري مني هذا؟ فقال له العطار: ولأي شيء ينفع هذا؟، قال: ~~ينفع من السموم القاتلة، ويدخل بجميع الأدوية التي تنفع للأخلاط، وله نفع عظيم غير ~~هذا، ولولا أني قد أدركني الحج وما أقدر على حمله ما بعته، فإنه يساوي الذهب وزنا ~~بوزن عند من يعرفه، فقال العطار: وبكم هو؟ فقال: بعشرة دراهم. فاتفقا على خمسة ~~دراهم، فأخذ العجمي الدراهم، وجعل العطار الطبرمك # 1 # الخراساني في علبة عتيقة. فانظر إلى هذا الرجل ما أجسره؛ باع ألف دينار ~~بخمسة دراهم، لقد قالوا في المثل: من خاطر بنفيس ظفر بنفيس. # فلما انفصل من عند العطار جاء إلى منزله، ولبس أحسن ما يكون من ملابس الوزراء ~~والملوك، وجعل خلفه مملوكا، واكترى دارا حسنة تصلح للوزراء، وصار يخرج إلى ~~الجامع، ويتعرف بالأكابر من أهل البلد، ويعمل السماعات ويصرف جملة في كل ليلة، ~~ويدعي الوصول في علم الصناعة - أي الكيميا - وأنه يقدر يعمل في يوم واحد جملة من ~~المال. # وشاع ذلك عنه في دمشق، فسأله الكبراء أن يعمل عندهم فامتنع، وقال: «ما أنا محتاج ~~إلى أحد؛ فإني في يوم واحد أعمل بمقدار نعمة من يريد أن أعمل عنده، فإن كان لأجل ~~ملك أو بستان فأنا أقدر أشتري عشرة بساتين ومثلها دورا، وإن كان لأجل جاه فأنا ما ~~أعمل شيئا علي دركه فإن الذي أعمله ما فيه غش ولا زغل حتى أطلب فيه جاه أحد، ~~هذه صنعة إلهية، وقد آليت على نفسي أن لا أعمل بها إلا لملك بعد أن يعاهدني أنه لا ~~ينفق منه شيئا إلا في سبيل الله، فإن حصل هذا الشرط عملت، وإلا فلا سبيل لعمل شيء ~~على غير هذا الوجه.» # فلما سمع الوزير ذلك قال: والله، هذه سعادة للمسلمين وللسلطان، والآن هذه البلاد ~~كلها للفرنج إلى بانياس، وكل يوم تصل الغارات إلى ديارنا - ويروى: إلى داريا - ~~فإذا عمل شيئا نفتح به البلاد فهذه نعمة عظيمة. ثم قال للرجل: أعرف السلطان ~~بالأمر؟ قال: نعم، لكني أريد أن لا تجمع بيني وبينه إلا ms36 بعد أن تستوثق منه باليمين، ~~فقال: نعم. # ثم ركب الوزير من الغد إلى الخدمة فخلا بالسلطان، وعرفه بأمر العجمي، فقال : والله، ~~إن لي أياما أفكر في شيء يكون فيه قلع هؤلاء الملاعين من هذه البلاد، ثم رسم ~~للوزير بإحضاره في غاية الكرامة، فأحضر له بغلة خاصة، ثم دخل على السلطان وقبل ~~الأرض لدى الحضرة الشريفة، فأجلسه السلطان وأكرمه وحادثه، ثم قال له: أصحيح ما قال ~~الوزير عنك؟ فقال: نعم يا مولانا السلطان، لكن على الشرط الذي تقرر مع الوزير. فقال ~~السلطان: قبلنا بالشرط. ثم قال العجمي: يا مولانا، إن جميع من يدعون الصناعة ~~كذابون دكاكون، وأنا شرطي معكم أني لا أمس شيئا بيدي بل أكون بعيدا وأقول: افعلوا ~~كذا وكذا، ومولانا السلطان يفعل بيده أو يأمر من يفعل بحضوره. فقال السلطان: رضينا ~~أيضا بهذا الشرط. # فأخذ العجمي ورقة، وكتب فيها أسماء الحوائج، وذكر أجزاء من عقاقير شتى، ثم قال: ~~ومن الطبرمك الخراساني مائة مثقال. ثم دفع الورقة إلى استدار السلطان، فقال السلطان ~~للوزير: أحضر هذه الحوائج. فأحضر الوزير جميع الحوائج وعجز عن الطبرمك الخراساني ~~فلم يجده، فقال: إنه ما يوجد إلا في البيمارستان. فقال السلطان: اطلبوه من ~~البيمارستان والحكماء. فطلبوه فلم يجدوه، فقال السلطان للعجمي: أليس شيء يغني عن ~~الطبرمك؟ قال: لا، ولكن ما أظن أن دمشق تخلو من هذا العقار، والذي أراه أن مولانا ~~يرسم للمحتسب أن يركب في الغد والمملوك في خدمته ومعنا شاهدان من العدول وندور على ~~دكاكين العطارين الذين بالمدينة فنفتشها دكانا دكانا، فلعلنا نجد عند أحد شيئا ~~منه. فقال: الوزير: رأي مليح حسن. وكان المحتسب يقال له القائد، فأرسلوا إلى القائد ~~أن يفعل ذلك. # فلما كان الغد ركب الوزير والعجمي والقائد والعدول، وسبروا الدكاكين دكانا دكانا ~~حتى انتهوا إلى دكان العطار الذي باعه العجمي الطبرمك، فجعل صاحب الدكان يقدم لهم ~~برنية بعد برنية حتى أتاهم بالبرنية التي فيها الدكة التي باعها من العجمي وسماه ~~بالطبرمك الخراساني، فلما رآها العجمي تهلل وجهه بالفرح، واشتراها منه بشيء ms37 يسير، ~~ثم قال العجمي: اختموا على هذه البرنية بختمكم، وابعثوا بها إلى السلطان. ثم جاءوا ~~إلى السلطان، فقال الأعجمي: أريد من الآلات كذا وكذا. فأحضر له جميع ما أراد من ~~الآلات، ثم جلس السلطان وحده في صفة، وجلس العجمي ناحية ثم قال: يا مولانا ~~السلطان، زن من العقار الفلاني كذا وكذا، ومن الشيء الفلاني كذا. ثم قال: ومن ~~الطبرمك مائة مثقال. ولا زال يقول افعلوا كذا واصنعوا كذا مدة أيام إلى أن قال ~~للسلطان: إن الإكسير قد انتهى شغله، فأحضروا لنا بودقة وفحما ومنفاخا. فأحضروا له ~~ذلك، ثم قال للسلطان: حط بيدك هذه الحوائج، فأخذ السلطان يعبي في البودقة من ذلك ~~الدواء، وصار العجمي ينفخ النار إلى أن دار الذهب، فقال للسلطان: اقلب على بركة ~~الله - تعالى. فقلب، فنزلت سبيكة ذهب مصري لا يكون أحسن منها شيء، ولا زال يقلب ~~سبيكة بعد سبيكة حتى فرغ الدواء، ثم اعتبروا ذلك فوجدوه ألف دينار، ففرح السلطان ~~بذلك فرحا شديدا، وأكرم العجمي إكراما زائدا. # ثم قال السلطان: أما تعمل لنا من هذا شيئا آخر؟ فقال: السمع والطاعة، أحضر لي من ~~هذه العقاقير، وأنا أعمل ما أراد مولانا السلطان. فطلبوا الطبرمك فلم يجدوه، فسأل ~~السلطان عنه العجمي فقال: «إنه نبات ينبت بأراضي خراسان - ويروى أنه معدن في الجبل ~~في مغارة - وهو رخيص الثمن جدا، فإذا رسم مولانا السلطان أن يحمل له ألف حمل ~~وجد ذلك، وأنا دخلت إليها وحملت من ذلك شيئا كثيرا، وعندي في داري نحو قنطار.» ~~فلما سمع السلطان قال: والله ما نجد من يروح يحضر لنا من هذا العقار أخبر منك، وإن ~~تعذر تحصيل ذلك من منابته ومظانه حضرت لنا الذي عندك، وأنا أكتب معك إلى سلطان ~~خراسان بمساعدتك، ومنع من يتعرض إليك. فتمنع العجمي، وقال: إن رأى مولانا السلطان ~~أن يبعث غيري فليفعل؛ فإن نفسي قد طابت في دمشق وفي خدمة الحضرة الشريفة. فقال: لا ~~بد من رواحك فإن لك في ذلك أجرا عظيما. ولم يزل يسأله حتى أنعم بالسفر، ms38 فجهزه ~~بستين حمل قماش منها شرب - أي كتان - عمل تنيس ودمياط، ومنها عمل الإسكندرية، وغير ~~ذلك، وأعطاه خيما ومطبخا وفراشين ونفقة إلى بغداد، وأوصاه إذا وصل إليها أن يبيع ~~ما معه ويتسفر إلى العجم، وكتب معه كتبا إلى سائر البلاد بالكرامة والخدمة، وراح ~~في نهاية ما يكون من التعظيم، وخرج معه السلطان وجميع أرباب الدولة فودعوه، وسافر ~~وقد ظفر بالإكسير الأعظم، ولم يطلع من بعدها له خبر. فانظر إلى مكر هؤلاء القوم، ~~وكيف يتوصلون إلى أخذ أموال الناس بالحيل. أبعدنا الله وإياكم عنهم وعن هذه ~~الأفعال، وأجارنا الله وإياكم من الفتن والأحوال. # ومن أظرف ما في هذه القصة، أنه كان بمدينة دمشق رجل يكتب أسماء المغفلين ~~والمحارفين، فسمع بهذه القضية وعلم باطنها، فلما تحققها كتب على رأس جريدته: «نور ~~الدين محمود بن زنكي رأس المحارفين.» فشاع ذلك في دمشق، ولم يعلم أحد باطن الأمر ~~إلا أنهم يقولون إن فلانا كتب عن السلطان كيت وكيت، فاتصل خبره بالسلطان فقال: وما ~~حمله على أن يكتب اسمي مع المغفلين؟! هاتوه. فنزلت الجنادرة وقالوا له: كلم مولانا ~~السلطان. فأخذ الجريدة في كمه ومشى معهم، فلما وقف قدام السلطان قال له: أنت فلان؟ ~~قال: نعم. قال: وأنت تكتب أسماء المحارفين؟ قال: نعم. قال: وكتبتني في جريدتك؟ ~~قال: نعم وهذا اسمك. ثم أخرج الجريدة فأراه اسمه فيها، فقال السلطان: وما الذي رأيت ~~من حرافي حتى كتبتني؟ فقال: كيف لا أكتبك وقد جاء رجل نصاب، غشك ودك عليك ألف ~~دينار أخذ بها أموال المسلمين، وراح ليجيء لك بالطبرمك؛ فهل يكون حراف أبلغ من ذلك. ~~فلما سمع السلطان كلامه قال له: كأنا به وقد جاء ومعه الطبرمك فيعمل منه أموالا ~~لا تحصى. فقال: يا مولانا السلطان، إن جاء محوت اسمك وكتبت اسمه. فضحك السلطان ~~ورسم له بنفقة وراح، فكان كلما أفلس أخذ الجريدة ووقف على باب القلعة، فإذا ركب ~~السلطان فتح الجريدة، فيقول: ما جاء العجمي وهذا اسم مولانا السلطان. فيضحك السلطان ~~ويرسم له بشيء، فيأخذه ويروح، وأقام ms39 على ذلك مدة حياة السلطان، وما جاء ~~الطبرمك! # قصة الصيرفي الهندي المحتال # ومن أعجب ما جرى لي في البلاد الهندية ، أني رأيت هناك رجلا صيرفيا يدعى عفيف ~~الدين، كان عليه من الحشمة أمر عظيم، وجميع التجار ترد عليه، وتودعه أموالها ~~وتستدين منه، فترقبت حركاته وسكناته، فرأيت أنه صنع شيئا لم يسبق إليه، وذلك أنه ~~اتخذ خاتما بفص عليه نقش، فداومت الجلوس عنده، وأطلت النظر إلى ذلك الخاتم، فرأيته ~~إذا قبض الذهب من التاجر جعل فص الخاتم من وراء لسان الميزان من جهة الصنج، وإذا ~~دفع إلى التاجر ذهبه حول الخاتم إلى قدام اللسان، واللسان يلعب لعبا زائدا كلما ~~قرب الخاتم إليه، فعلمت أن في الخاتم شيئا من الدك، ولم أزل أذكر ذلك وأتعجب منه ~~وأفكر فيه، فلم يظهر لي وجه الحق، حتى كان يوم من الأيام وأنا عنده إذ تطاير شيء من ~~فص الخاتم، فنظرته فإذا هو من حجر المغناطيس، فقلت: هذا دك لم يسبق إليه. فإن ~~الصيرفي كان إذا قبض الذهب أدار الخاتم إلى ناحية الصنج؛ فيأخذ لسان الميزان إليه ~~ويمنعه من الزوال بمقدار ما يحب من جذب الحجر، فيكون في الوزنة زيادة مثقال وأكثر، ~~فلما علمت ذلك خلوت بالرجل وقلت له: «والله قد درت البلاد وكشفت أسرار الناس فلم ~~أجد أحدا سبقك إلى هذا يا عفيف الدين، ولكن بئس العفيف أنت.» فلما علم أني كشفت ~~سره خجل وخاف، وقال لي: سيدي، الحر من ستر عيوب الناس، ومن شيم الكرام كتمان السر، ~~وإن لهذا الخاتم في يدي منذ خمس وعشرين سنة وما علم سره غيرك، فها هو مني هبة إليك. ~~فقلت: لا أطلع عليه أحدا في هذا الإقليم. وتمثلت بقول الحريري (في مقامته ~~السمرقندية): «فنزلته منزلة الفضيل، وسدلت الذيل على مخازي الليل.» فعند ذلك ~~تهلل وجهه فرحا، ومال إلى صندوق فأخرج منه صرة، وقال لي: يا سيدي، أشتهي أن تقبل ~~مني هذه النفقة تستعين بها في هذا الوقت، وقسم بالله أن لا بد من ذلك، فأخذتها على ~~وجه الهدية. ms40 ولما رجعت إلى منزلي فحصت الصرة فإذا فيها خمسون مثقالا - ويروى: ~~خمسون دينارا مسعوديا - وصرت أتردد إليه، وبقيت عنده أعز من أصحابه، وعرفني ~~بكبار البلد، فصرت كواحد منهم. # | نخبة من كتاب فضائل الكلاب # لأبي بكر علي بن المرزبان المتوفى سنة (369ه/979م) # بئر الكلب # أنشد أبو عبيدة لبعض الشعراء: # يعرج عنه جاره وشقيقه # وينبش عنه كلبه وهو ضاربه # قال أبو عبيدة: قيل هذا الشعر في رجل من أهل البصرة خرج إلى الجبان ينظر ركابه، ~~فتبعه كلب له فضربه وطرده وكره أن يتبعه فرماه بحجر فأدماه، فأبى الكلب إلا أن ~~يتبعه، فلما صار إلى الموضع وثب به قوم كانت له عندهم طائلة، وكان معه جار له وأخ ~~فهربا عنه وتركاه وأسلماه، فجرح جراحات كثيرة ورمياه في بئر وحثي عليه التراب حتى ~~واروه، ولم يشكوا في قلوبهم أنه قد مات، والكلب مع هذا يهر عليهم وهم يرجمونه، ~~فلما انصرفوا أتى الكلب إلى رأس البئر، فلم يزل يعوي، ويبحث في التراب بمخالبه حتى ~~ظهر رأسه، وفيه نفس يتردد، وقد كان أشرف على التلف، ولم يبق فيه إلا حشاشة نفسه ~~ووصل إليه. فبينما هو كذلك إذ مر أناس فأنكروا مكان الكلب، ورأوه كأنه يحفر قبرا، ~~فجاءوا، وإذا هم بالرجل على تلك الحال فاستخرجوه حيا، وحملوه إلى أهله، فزعم أبو ~~عبيدة أن ذلك الموضع يدعى بئر الكلب، وهذا الأمر يدل على وفاء طبيعي وإلف غريزي ~~ومحاماة شديدة، وعلى معرفة وصبر وكرم وغناء عجيب ومنفعة تفوق المنافع. # الكلب والسلطان # حدث عبيد الله بن محمد الكاتب؛ قال: مر رجل على بعض السلاطين، وكان معه عامل ~~أرمينية منصرفا إلى منزله، فمر في طريقه بمقبرة، وإذا قبر عليه قبة مبنية مكتوب ~~عليها: هذا قبر الكلب، فمن أحب أن يعلم خبره فليمض إلى قرية كذا وكذا؛ فإن ~~فيها من يخبره. فسأل الرجل عن القرية، فدلوه عليها، فقصدها، وسأل أهلها فدلوه على ~~شيخ، فبعث إليه وأحضره، وإذا شيخ قد جاز المائة سنة فسأله، فقال: نعم، كان في ~~الناحية ملك عظيم الشأن، وكان ms41 مشتهرا بالنزهة والصيد والسفر، وكان له كلب قد رباه ~~وسماه باسم، لا يفارقه حيث كان، فإذا كان في وقت غدائه وعشائه أطعمه مما يأكل، فخرج ~~يوما إلى بعض متنزهاته، وقال لبعض غلمانه: قل للطباخ يطبخ لنا ثردة لبن فقد ~~اشتهيتها فأصلحوها، فمضى إلى متنزهه، فوجه الطباخ، فجاء بلبن وصنع له ثردة عظيمة، ~~ونسي أن يغطيها بشيء، واشتغل بطبيخ أشياء أخر، فخرج من بعض شقوق الحيطان أفعى فكرع ~~في ذلك اللبن، ومج في الثردة من سمه، والكلب رابض يرى ذلك كله، ولو كان له في ~~الأفعى حيلة لمنعه، ولكن لا حيلة للكلب في الأفعى، وكان عند الملك جارية خرساء زمنة ~~قد رأت ما صنع الأفعى، وأوفى الملك من الصيد في آخر النهار، فقال: يا غلمان، أول ما ~~تقدمون لي الثردة. فلما وضعت بين يديه أومأت الخرساء إليه، فلم يفهم ما تقول، ~~ونبح الكلب وصاح، فلم يلتفت إليه، ولج في الصياح، فلم يعلم مراده، ثم رمى إليه بما ~~كان يرمى إليه في كل يوم، فلم يقتربه ولج في الصياح، فقال للغلمان: نحوه عنا ~~فإن له قصة. ومد يده إلى اللبن، فلما رآه الكلب يريد أن يأكل طفر إلى وسط المائدة، ~~وأدخل فمه في الغضارة، وكرع من اللبن فسقط ميتا وتناثر لحمه، وبقي الملك متعجبا ~~منه ومن فعله، فأومأت الخرساء إليهم فعرفوا مرادها بما صنع الكلب، فقال الملك ~~لندمائه وحاشيته: إن شيئا فداني بنفسه لحقيق بالمكافأة، وما يحمله ويدفنه غيري. ~~ودفنه بين أبيه وأمه، وبنى عليه قبة، وكتب عليها ما قرأت. فهذا ما كان من ~~خبره. # الطفل الرضيع وخلاصه على يد كلبة # ذكر أبو عبد الله بن أبي عبيدة النحوي وهو حديث مشهور: أن الطاعون الجارف أتى على ~~أهل دار، فلم يشك أحد من أهل المحلة أنه لم يبق فيها صغير ولا كبير. وقد كان بقي في ~~الدار صبي يرضع، يحبو ولا يقوم، فعمد من بقي من أهل تلك المحلة إلى باب الدار ~~فسدوه، فلما كان بعد ذلك بأشهر تحول إليها بعض ورثة ms42 القوم، ففتح الباب، فلما أفضى ~~إلى عرصة الدار إذا هو بصبي يلعب مع جري كلبة كانت لأصحاب الدار، فلما رآها الصبي ~~حبا إليها فأمكنته من لبنها، فعلموا أن الصبي بقي في الدار وصار منسيا، واشتد ~~جوعه ورأى جراء الكلبة ترضع فعطف عليها، فلما سقته مرة أدامت له، وأدام هو ~~الطلب. # الأسير والكلب # حدث محمد بن حسين الشداد قال: ولاني القسم خلافة أحمد بن ميمون بشايرزان، ~~فقصدت علي بن أحمد الراسبي إلى دور الراسبي، فنزلت في بعض منازلها، فوجدت في جواري ~~جنديا من أصحابه يعرف بنسيم كان برسم لطيف غلامه، وإذا كلب يخرج بخروجه ويدخل ~~بدخوله، وإذا جلس على باب قربه وغطاه بدواج كان عليه، فسألت الراسبي عن محل ~~الغلام، وكيف يقنع الأمير منه بدخول الكلب عليه، ويرضى منه بذلك، وليس بكلب صيد ~~زئتي، قال الوليد: سله عن حديثه، فإنه يخبرك بشأنه. فأحضرت الغلام فسألته عن ~~السبب الذي استحق هذه المنزلة منه، فقال: هذا خلصني بعد الله - عز وجل - من أمر ~~عظيم. فاستبشعت هذا القول وأنكرته عليه، فقال لي: اسمع حديثه فإنك تعذرني: كان ~~يصحبني رجل من أهل البصرة يقال له محمد بن بكر لا يفارقني، ويؤاكلني ويعاشرني على ~~النبيذ وغيره منذ سنين، فخرجنا نقاتل أهل الدينور، فلما رجعنا وقربنا من منزلنا كان ~~في وسطي هميان فيه جملة دنانير، ومعي متاع كثير أفدته من الغنيمة قد وقف عليه ~~بأسره، فنزلنا في موضع فأكلنا وشربنا، فلما عمل الشراب في عمد إلي فشد يدي ~~إلى رجلي، وأوثقني كتافا ورمى بي في واد، وأخذ كل ما كان معي، وتركني ومضى، ~~وأيست من الحياة، وقعد هذا الكلب معي، ثم تركني ومضى، فما كان بأسرع من أن وافاني ~~ومعه رغيف فطرحه بين يدي فأكلته، ولم أزل أحبو إلى موضع فيه فشربت، ولم يزل الكلب ~~معي باقي ليلتي يعوي إلى أن أصبحت فحملتني عيني، وفقدت الكلب، فما كان أسرع من ~~أن وافاني ومعه رغيف أكلته، وفعلت فعلي في اليوم الأول. فلما كان في اليوم الثالث ~~غاب عني، ms43 فقلت: مضى يجيئني بالرغيف. فلم ألبث أن جاء ومعه الرغيف، فرمى به إلي ~~فلم أستتم أكله إلا وابني على رأسي يبكي ، وقال: ما تصنع ها هنا، وأيش قصتك؟ ونزل ~~فحل كتافي وأخرجني، فقلت له: من أين علمت بمكاني، ومن دلك علي؟ قال: كان الكلب ~~يأتينا في كل يوم فنطرح له رغيفا على رسمه فلا يأكله، وقد كان معك فأنكرنا رجوعه ~~وليس أنت معه، فكان يحمل الرغيف في فيه ولا يذوقه ويخرج يعدو، فأنكرنا أمره، ~~فاتبعته حتى وقفت عليك. فهذا ما كان من خبري وخبر الكلب، فهو عندي أعظم مقدارا من ~~الأهل والقرابة. قال: ورأيت أثر الكتاف في يديه قد أثر أثرا قبيحا. # حديث اللص التائب مع كلب العجوز # وحدثني لص تائب قال: دخلت مدينة (قد ذكرها لي)، فجعلت أطلب شيئا أسرقه فلم ~~أصب، فوقعت عيني على صيرفي موسر، فما زلت أحتال حتى سرقت كيسا له، وانسللت فما ~~جزت غير بعيد، وإذا بعجوز معها كلب قد وقعت في صدري تبوسني وتلزمني، وتقول: يا بني، ~~فديتك. والكلب يبصبص بي ويلوذ بي، ووقف الناس ينظرون إلينا، وجعلت المرأة تقول: ~~بالله، انظروا إلى الكلب كيف قد عرفه! فعجب الناس من ذلك، وتشككت أنا في نفسي، ~~وقلت: لعلها أرضعتني وأنا لا أعرفها. وقالت: «هلم» معي إلى البيت أقم عندي. فلم ~~تفارقني حتى مضيت معها إلى بيتها، وإذا عندها جماعة أحداث يشربون، وبين أيديهم من ~~جميع الفواكه والرياحين، فرحبوا بي وقربوني وأجلسوني معهم، ورأيت لهم بزة حسنة ~~وضعت عيني عليها، فجعلت أسقيهم ويشربون وأرفق بنفسي إلى أن ناموا ونام كل من في ~~الدار، فقمت وكورت ما عندهم وذهبت أخرج، فوثب علي الكلب وثبة الأسد، وصاح وجعل ~~يتراجع وينبح إلى أن أنبه كل نائم، فخجلت واستحييت، ولما كان النهار فعلوا مثل ~~فعلهم أمس، وفعلت أيضا أنا بهم مثل ذلك، وجعلت أوقع الحيلة في أمر الكلب إلى الليل ~~فما أمكنتني فيه حيلة، فلما ناموا رمت الذي رمته، فإذا الكلب قد عارضني بمثل ما ~~عارضني به، فجعلت أحتال ثلاث ms44 ليالي، فلما أيست طلبت الخلاص منهم بإذنهم وقلت: ~~أتأذنون - أعزكم الله - فإني على وفاء؟ فقالوا: الأمر إلى العجوز. فاستأذنت، فقالت: ~~هات ما معك الذي أخذته من الصيرفي وامض حيث شئت، ولا تقم في هذه المدينة، فإنه ~~لا يتهيأ لأحد يعمل فيها لأحد معي عملا. فأخذت الكيس وأخرجتني، ووجدت أنا أيضا ~~مناي أن أسلم من يدها، فكان قصاراي أن أطلب منها نفقة فدفعت إلي، وخرجت معي حتى ~~أخرجتني عن المدينة، والكلب معها، حتى جزت حدود المدينة ووقفت ومضيت والكلب يتبعني ~~حتى بعدت، ثم تراجع ينظر إلي وأنا أنظر إليه حتى غاب عني. # الكلب والأسود (الأفعى) # حدثني بعض أصدقائي قال: خرجت ليلة وأنا سكران، فقصدت بعض البساتين لأمر من الأمور ~~ومعي كلبان لي كنت ربيتهما، ومعي عصا، فحملتني عيني، فإذا الكلبان ينبحان ويصيحان، ~~فانتبهت بصياحهما فلم أر شيئا أنكره، فضربتهما وطردتهما ونمت، ثم عاودا الصياح ~~والنباح فأنبهاني، فوثبت وطردتهما، فما حسست إلا وقد سقطا علي يحركاني بأيديهما ~~وأرجلهما كما يحرك اليقظان النائم لأمر هائل، فوثبت فإذا بأسود سالخ قد قرب مني ~~فوثبت إليه وقتلته، ثم انصرفت إلى منزلي؛ فكان الكلبان - بعد الله عز وجل - سبب ~~خلاصي. # قتيل أمانته # وحدثني صديق لي أنه كان له صديق ماتت امرأته وخلفت صبيا، وكان له كلب قد رباه، ~~فترك يوما ولده في الدار مع الكلب، وخرج لبعض الحوائج، وعاد بعد ساعة، فرأى الكلب ~~في الدهليز وهو ملوث بالدم ووجهه وبوزه كله، فقدر الرجل أنه قد قتل ابنه وأكله، ~~فحمل إلى الكلب فقتله قبل أن يدخل الدار، ثم دخل الدار فوجد الصبي نائما في مهده ~~وإلى جانبه بقية من أفعى قد قتله الكلب وأكل بعضه، فندم الرجل على قتله أشد ندامة ~~ودفن الكلب. # الكلب شاكر المعروف # أخبر أبو العلاء بن يوسف القاضي، قال: حدثني شيخ كان مسنا صدوقا أنه حج سنة من ~~السنين، (قال): برزنا أحمالنا إلى الياسرية، وجلسنا على قداح نتغدى، وكلب رابض ~~حذاءنا، فرمينا إليه من بعض ما نأكل، ثم إنا ارتحلنا ونزلنا بنهر الملك، ms45 فلما قدمنا ~~السفرة إذا الكلب بعينه رابض كاليوم الأول، فقلت للغلمان: قد تبعنا هذا الكلب، وقد ~~وجب حقه علينا، فتعاهدوه. فنفض الغلمان السفرة بين يديه فأكل، ولم يزل تابعا ~~لنا من منزل إلى منزل على تلك الحال، لا يقدر أحد أن يقترب من جمالنا ولا محاملنا ~~إلا صاح ونفح، فكنا قد أمنا من سلال وغيره إلى مكة، وعزمنا على الخروج في عمل ~~إلى اليمن فكان معنا إلى أرض قباء، ورجعنا إلى مدينة السلام وهو معنا. # الكلب الساعي # حدث أبو عبد الله قال: حدثني أبو الحسن محمد بن الحسين بن شداد قال: قصدت دير ~~مخارق إلى عبد الله بن الطبري النصراني، الذي كان يتقلد النزل للمعتضد بالله، ~~فسألته إحضاري وكيلا له يقال له إبراهيم بن داران، وطالبته بإحضار الأدلاء ~~لمساحة قرية تعرف بباصري السفلى، فقال لي: يا سيدي، قد وجهت في ذلك. فقلت له: أنا ~~على الطريق جالس، وما اجتاز بي أحد. فقال لي: أما رأيت الكلب الذي كان بين أيدينا؟ ~~قد وجهت به. فغلظ ذلك علي من قوله، وأمرت به، ونلته بما أنا أستغفر الله - جل ~~وعز - منه. فقال: إن لم يحضر القوم الساعة فإن دمي في حل. فما مكث بعد هذا القول ~~إلا ساعة حتى وافى القوم مقبلين والكلب معهم، فسألته كيف يحمله الرسالة، فقال: ~~أشد في عنقه رقعة بما أحتاج إليه وأطرحه على المحجة، فيقصد القوم وقد عرفوا الخبر، ~~فيقرأون الرقعة فيمتثلون ما فيها. # الكلب النبيه # أخبر بعض الفيوج # 1 # من أهل الجبل قال: كنت أنا مع جماعة خارجين إلى أصبهان، فلما صرنا إلى ~~بعض الطريق مررنا بخان خراب ليس فيه أحد، وإذا صوت كلب ينبح، وإذا حركة شديدة ~~فدخلنا بأجمعنا الخان، فإذا بصاحب نعرفه من الفيوج كان معه كلب لا يفارقه حيث كان، ~~وإذا بعض المبنجين قد وقع عليه، وكان الفيج فطنا، فلما رأى المبنج أن حيلته ~~ليس تنفذ له عليه طرح في حلقة وترا ليخنقه به، فلما رأى الكلب ذلك صار إلى المبنج ~~فخمش وجهه وعض ms46 قفاه وطرح منه قطعة لحم، فسقط المبنج مغشيا عليه، فلخصنا من حلق ~~صاحبنا الوتر، وكان قد أشرف على التلف، وقبضنا على المبنج ، وكتفناه بوتره ودفعناه ~~إلى السلطان. # وهذا بعض ما قيل في وصف الكلاب؛ قال بعض الشعراء: # أيها الشانئ الكلاب أصخ لي # منك سمعا ولا تكونن حبسا # إن في الكلب فاعلمن خصالا # من شريف الخصال يعددن خمسا # حفظ من كان محسنا ووفاء # للذي تتخذه حربا وحرسا # واتباع لرحله وإذا ما # صار نطق الشجاع للخوف همسا # فهو عون لنابح من بعيد # مستخير بقربه حين أمسى # وقال آخر: # إن قوما رأوك شبها لكلب # لا رأوا للظلام صبحا مضيا # أنت لا تحفظ الذمام لخلق # وهو يرعى الذمام رعيا وفيا # يشكر النزر من كريم فعال # آخر الدهر لا تراه نسيا # ويناديه محسنا من بعيد # ويرى منه طائعا مستحيا # إن سؤلي وبغيتي ومنائي # أن أراك الغداة كلبا سويا # قال الحسن بن عبد الوهاب لرجل يذم صديقا له، ويمدح كلبا: # تخيرت من الأخلا # ق ما ينفى عن الكلب # فإن الكلب مجبول # على النصرة والذب # وفي يحفظ العهد # ويحمي عرصة الدرب # ويعطيك على اللين # ولا يعطي على الضرب # ويشفيك من الغيظ # وينجيك من الكرب # فلو اشبهته لم ت # ك كانونا على القلب # وقال آخر: # شيمة الكلب حفظه لولي # وعن الحي في دجى الليل ذب # يحفظ الجار للجوار ويمشي # ساهر المقلتين يحنوه سغب # يرقد النائمون أمنا ويمسي # خائفا هلكهم يخاليه صب # وترى الكلب في المهامه عونا # ويجيب اللهيف والنار تخبو # وتراه ينابح القوم خوفا # وإلى الصوت في دجى الليل يصبو # فلماذا بخسته الحظ قل لي # ولما شتمه وما فيه سب # | أقاصيص قبائل الطاط # انتقاها الأديب ر. بيليون # في القفقاز قبائل متفرقة من المسلمين، منها إيرانية، ومنا ترترية، ومنها منغولية أو ~~تركمانية، ولكل هذه القبائل لغات شتى، يسعى في يومنا علماء الروس في درسها وتعريف ~~خواصها، فمما درسوه آخرا لغة قبيلة تدعى الطاط، يسكن ذووها في جهات باقو، ولغتهم من ~~فروع اللغة الإيرانية، ومن مميزاتها أنها حافظة كثيرا من ms47 خواص الفارسية القديمة، ~~والدكتور ميلر # 1 # قد ألف في هذه اللغة كتابا، جمع فيه نصوصا متعددة نقلها عن لسان أصحابها ~~ورتب مفرداتها على شكل معجم، ونشرها في جملة مطبوعات مكتب لازاريف في القسم 24 منها. ~~وليس في فكرنا أن نشرح هنا خواص تلك اللغة الطاطية، وإنما ننقل عن كتاب الدكتور ميلر ~~بعض الأقاصيص التي رواها؛ ليرى القراء العلاقة بينها وبين الحكايات الدارجة في هذه ~~البلاد. # الحكاية الأولى # كان بهلول رجلا حكيما يقصده العلماء لحكمته وعلمه، وكان يسكن في بيت شاهق ذي ~~أربع طبقات، فكان لا يصعد إلى سطحه الأعلى إلا بعد شق النفس، فيوما ما نزل المطر ~~وتوكف السطح فعلاه بهلول؛ ليصلحه بالمحالة - المحدلة - وإذا بفقير في أسفل الدار ~~يصرخ إلى بهلول: هلم انزل فإن لي إليك كلاما. فظن بهلول أن لمستدعيه سرا يطلعه ~~عليه، فنزل كاسف البال، وتقدم إلى الفقير، فلما رآه هذا قال: أرجوك حبا بالله أن ~~تكرم علي بدانق لأبتاع لي خبزا؛ فإني جائع، وليس في يدي ما أسد به رمقي هذه ~~الليلة. فسكت بهلول ثم كر راجعا على عقبه، وصعد إلى السطح فلما بلغه أدخل يده في ~~جيبه كأنه يطلب ما يتصدق به على الفقير، ثم دعاه قائلا: هلم ارتق إلى السطح. ~~فصعد الفقير متثاقلا، حتى إذا قرب من بهلول قال له: ما الأمر؟ فأجاب بهلول: لا شيء ~~معي، فالله يعطيك. فلما سمع الفقير هذا القول غضب، ثم التفت إلى بهلول قائلا: ~~ويلك! أما كان يمكنك أن تقول لي من السطح «الله يعطيك» ولا تحوجني إلى هذه الطلعة ~~المتعبة؟ أجاب بهلول: وأنت، أما كنت تستطيع أن تطلب حاجتك من أسفل الدار دون أن ~~تضطرني إلى النزول؟ فاذكر المثل «ما يزرعه المرء يحصده». فخجل الفقير، وذهب إلى ~~سبيله. # بهلول ويحيى البرمكي # خرج الوزير يحيى البرمكي يوما إلى أرباض البلد لترويح البال، فسار حتى بلغ مكانا ~~قفرا فرأى وإذا بهلول جالس وحده على الرمل وأمامه ثلاث جثى من التراب، فسأله ~~يحيى: ما هذا؟ وما معنى هذه الأكوام؟ قال ms48 بهلول: هذه كوم من الرمل عبأتها. ~~- ولأي سبب؟ ~~- لي فيها حاجة. ~~- وما حاجتك؟ ~~- هذا سر لا أقوله. ~~- ناشدتك الله إلا قلته. ~~- كل كومة حكمة لا أبوح بها إلا بمائة دينار، فإن شئت أدني حقها. # وكان الوزير يحيى يعلم بأن حكم بهلول نافعة، قد اختبر مفعولها غير مرة، فقال له: ~~دونك مائة دينار واذكر الحكمة الأولى. فخرب بهلول إحدى الكوم وقال: لا تكشفن سرك ~~إلى امرأة. ثم دفع له الوزير مائة دينار أخرى وقال له: خذ هذه أيضا وأفدني الحكمة ~~الثانية. فأخذ بهلول الدراهم وقال: لا تثق بمالك البتة. ثم أعطاه الوزير ثالثة ~~مائة دينار وطلب الحكمة الثالثة، فقال بهلول: إياك إياك أن تركن إلى خدمة الملوك. ~~قال هذا ثم أخذ الدراهم وألقاها في الماء. أما الوزير فإنه عاد إلى بيته، وبقي مدة، ~~حتى إذا كان أحد الأيام وهو في حديقة الملك رأى بين ماشيته تيسا كبيرا، فأخذه ~~وأتى به بيته وأخبر امرأته بما فعل، ثم ذهب سرا وابتاع له جديا، ولم يخبر امرأته ~~به، فبعد أيام عمد الوزير إلى الجدي فذبحه وألقى برأسه وأطرافه في النهر، وأتى ~~بلحمه إلى البيت، وأوهم امرأته أنه التيس، فطلب منها أن تصلحه وتشويه؛ لأنه قرم إلى ~~لحم التيس، ففعلت المرأة، وأكلا اللحم وشبعا، وفي أثر ذلك بأيام حصل بين الوزير ~~وامرأته نفور فتخاصما، فصرخت المرأة: بئس الرجل أنت، وقد سرقت تيس الملك. فسمع ~~الجيران كلامها، وأخبروا الشرط الذين كان الملك أمرهم بطلب تيسه، وأعلم الشرط الملك ~~بسارق التيس، فاستدعى الملك وزيره وبكته على فعله، وأمر الجلاد بقطع رأسه، فجعل ~~يحيى يبكي، ويستغفر الملك إلى أن قال له: أبقني أبقاك الله، وها إني أترك لك كل ~~مالي وثروتي بدلا من التيس. لكن الملك لم يرض بذلك، وصمم نيته بقتله إن لم يرجع ~~ما سرقه. فقال الوزير: أيها الملك، إن كان قلبك تغير علي فاطردني من خدمتك، ولكن لا ~~تقتلني في حق تيس واحد. فقال الملك: كلا، إما التيس وإما رأسك، لا مناص من أحد ~~الأمرين. ms49 فقام الوزير حينئذ وقال: أبقى الله رأس الملك، إن التيس لا يزال حيا ~~فأرسل من يأخذه، وأنا أشكر الله الذي أثبت لي صحة ما قاله لي بهلول الحكيم: إياك ~~أن تسلم بسرك إلى امرأة، ولا تثقن بمال، ولا تركن إلى خدمة الملك. # بهلول والتاجران # قدم يوما أحد التجار على بهلول فقال له: أيها الحكيم، هبني مشورة صالحة أنتفع ~~بها. فقال له بهلول: اذهب وابتع لك ملحا تنل به ربحا. فجرى التاجر على مشورته وما ~~لبث ثمن الملح أن تصاعد حتى إن التاجر باع ملحه بأربعة أضعاف ثمنه واغتنى به، فعرف ~~بالأمر تاجر آخر، فجاء إلى بهلول - وهو يعده كمجنون - فقال له: يا بهلول الأحمق، ~~أعطني أنا أيضا مشورة صالحة تجديني نفعا. فأجابه بهلول: اذهب وابتع لك بصلا، ~~واحفظه إلى الربيع فتبيعه. ففعل الرجل وأودع البصل في دهليز وأقفل بابه إلى أن جاء ~~الربيع، فنزل الدهليز، وإذا ببصله قد أنبت ولم يعد يصلح لشيء، فذهب من ساعته إلى ~~بهلول وشكا إليه حاله قائلا: ما لك أشرت على رفيقي بمشورة صالحة نال منها ربحا ~~طائلا، وأنا بئس النصيحة أعطيتنيها خسرت بسببها مالي؟ فقال له: استجهلتني وعيرتني ~~حمقي فوزنت لك بوزنك، اعلم بذلك أن المرء بالكيل الذي يكيل لغيره يكال له. # بهلول والسارق # تعدى يوما أحد الأشقياء على بهلول، فأخذ منه قبعته، وهرب منحدرا إلى جهة النهر، ~~فسكت بهلول، وسار في وجهه إلى أعلى التل حيث كانت المقبرة فجلس على بابها. وفيما هو ~~هناك رآه قوم فقالوا له: ويحك! إن الذي سلب قبعتك هرب إلى أقصى البلد منحدرا، وأنت ~~صعدت إلى هنا! فاذهب في أثره واسترد مالك. فقال بهلول: كلا، بل أنتظره في باب ~~المقبرة؛ إذ لا بد له عاجلا أو آجلا ينقل إليها، فأسترجع منه مالي. # لص الليل # جاء لص إلى بيت بهلول ليلا، وكان بيته خاويا خاليا لا شيء فيه، فلما دخل ~~البيت وهو يؤمل غنيمة واسعة، مد بساطا كان معه؛ ليضم فيه ما ينهبه، فسمعه بهلول ~~وهو راقد على الحضيض ms50 فتناوم، ثم اندس رويدا رويدا إلى البساط فاتخذه له فراشا، ~~أما اللص فكان يفتش في البيت عما يسرقه، ولم يجد شيئا حتى أسرج سراجا ، فرأى أن ~~البيت أنقى من راحة، وأجرد من صخرة، ونظر إلى البساط وإذا صاحب البيت نائم عليه، ~~فخاف أن يوقظه فيعلم الناس بأمره، وهم أن يخرج فالتفت إليه بهلول قائلا: ما لك ~~لا تحمل حملك؟ قال اللص: ويلك! ما أصنع بك وأنت أفقر من العريان! قال بهلول: أرجوك ~~إذن إن أتيت بيتي مرة أخرى أن تكرم علي بغطاء كما وهبتني هذه المرة بساطا، فيكمل ~~بذلك معروفك. # قلنسوة نصر الدين # تقلنس نصر الدين بقلنسوة جديدة ابتاعها بثلاثين درهما، وخرج إلى شغله، فرآه رجل ~~واستظرف قلنسوته وقال: بالله عليك يا مولاي، كم اشتريت هذه القلنسوة؟ فأجابه على ~~سؤاله، ثم سار بضع خطوات، وإذا بثان ثم ثالث ثم رابع، وكل يسأله عن ثمن ~~القلنسوة، فاستثقل الأمر وأخذ قلنسوته بيده، ثم سار إلى السوق وجعل يصرخ بأعلى ~~صوته: يا قوم، هلموا إلى ساحة المدينة، فإن لنائب الملك كلاما يريد تبليغه إلى ~~مسامعكم. فتقاطر الناس وتزاحموا في الساحة، فجاء نصر الدين وصعد على صقالة، ثم كشف ~~قلنسوته عن رأسه وقال: يا ناس، اعلموا وتحققوا أن القلنسوة التي ترونها في يدي ~~يساوي ثمنها ثلاثين درهما. فاستغرق السامعون من الضحك وعادوا إلى شغلهم، وتخلص نصر ~~الدين من لجاج السائلين. # نصر الدين والقدر الميتة # دخل نصر الدين على أحد جيرانه، فاستقرض منه قدرا يطبخ فيها طعامه، فأعطاه الجار ~~بعد العنت قدرا وسطا، فلما انتهى نصر الدين من عمله أخذ قدرا صغيرة وجعلها في ~~بطن القدر المستعارة فأعادها إلى صاحبها، فقال هذا: ويلك! أقرضتك قدرا واحدة فما ~~هذه القدر الصغرى؟ قال نصر الدين: اعلم يا صاح أن قدرك قد خلفت فأتيتك بها ~~وبصغيرها. ففرح الرجل وأخذ القدرين، وبعدها بأيام جاء نصر الدين إلى جاره وطلب منه ~~قدرا كبيرة، فأسرع إلى قضاء حاجته بكل فرح، وهو يؤمل أن يكون مولودها أكبر، ثم بقي ~~ينتظر يوما ويومين، ms51 فلم يعد نصر الدين، فذهب إلى بيته يطلب قدره فقال نصر ~~الدين: وا أسفاه على قدرك، فإنها ماتت. قال الرجل: ويلك! أتموت القدر؟! قال نصر ~~الدين: وما لها لا تموت؟ ألم تصدق بولادتها لما خلفت، فكيف لا تصدق ~~بموتها؟ # حمق الذئب # أصاب الجوع ذئبا فسار في غابة يطلب قوته، وإذا هناك حمار يرعى، فقال له الذئب: ~~أبشر أيها الحمار، فإني إلى لحمك قرم. قال الحمار: نعما، ولكن كيف تجهل أن لحم ~~الحمار يضر آكله إلا إذا أكل عند الصباح بعد النوم والحمية؛ فهذا قول الأطباء ~~قد أيده الاختبار مرارا. قال الذئب: صدقت، واذهب وائتني بفراش حتى أنام إلى ~~الصباح ثم آكلك فيهنأ لي طعامي. قال الحمار: لبيك سيدي. ثم فر من بين يديه شاكرا ~~ربه على خلاصه من ذلك الوحش الضاري. أما الذئب فانتظر ساعات عود الحمار إلى أن تحقق ~~بأنه خدعه وأفلت من يده، فامتعض من صنعه، وسار في طريقه يطلب رزقه من وجه آخر، وكاد ~~الجوع يقتله، فرأى في طريقه جديا، فصرخ به عن بعد: هلم أيها الجدي، فإني في حاجة ~~إلى لحمك. # قال الجدي: إنك تشرفني بأكلك لي، ولكن تذكر أن لحم الجدي أطيب ما يكون أن يؤكل ~~ببقول ومخللات، فدعني آتيك بشيء منها، فيصبح طعامك مريئا. # قال الذئب: نعم هذا صحيح، وقد سمعت به غير مرة، فاذهب وائتني بشيء من الخضر فتكون ~~كأدم أئتدم به مع لحمك، ولكن إياك أن تتأخر عن المعاد، وإلا دعوت عليك كل دعوة ~~سوء. قال الجدي: هيهات سيدي أن يطول انتظارك وأفرغ صبرك. قال هذا ثم عاد مسرعا ~~إلى حظيرة الغنم تحت رعية الرعاة وفي حراسة الكلاب، فبقي الذئب ينتظر، وهو يبصر ~~تارة إلى اليمين وتارة إلى الشمال حتى عيل صبره وعرف بخدعة الجدي، فقال في نفسه: ما ~~أسوأ حظي، وها إني قد خدعت مرتين؛ أفلت الحمار من يدي وها أنذا بالجدي قد ضحك مني ~~ومكر بي، فماذا يقول عني رفقتي؟ والله لا أدع مرة أخرى وحشا يخاتلني ويغشني. ثم ~~جرى ms52 في طريقة وهو ساغب غرثان يضمر السوء لمن يلقاه من إنس أو جان حتى وصل إلى شط ~~البحر، وإذا هناك جاموس في مقصبة غائص في الحمأة، فصرخ الذئب صرخة ارتعدت منها ~~فرائص الجاموس، فعلم أنه ميت لا محاله إن لم يجد حيلة للخلاص، فقال له الذئب: ~~ائتني مسرعا فآكلك، وإلا هجمت عليك فقطعتك شذر مذر. قال الجاموس: إن عبدك بين ~~يديك، فها أنذا مطاوع لأمرك، ولكن تبصر سيدي بثوبي كيف هو متسخ بالحمأة والأقذار، ~~أفتأكلني هكذا وتضر نفسك بوخامة المآكل؟ فإن كنت عاقلا تركتني أدخل البحر فأغسل ~~بدني، ثم أعود إليك نظيفا، فتأكلني هنيئا مريئا. ~~- نعم الرأي رأيك، فاغتسل واخرج سريعا. فطفر الجاموس في البحر، وجعل الذئب ~~ينتظره، فبعد ساعة صرخ إليه: ويلك متى تنتهي من الاستحمام؟ قال الجاموس: إن اغتسالي ~~طويل فتمهل. فبعد ساعة أخرى صاح وضج بالصياح، لكن الجاموس لم يبد حراكا، فأراد ~~الذئب أن ينزل إليه في الماء فقلبته موجة على وجهه فخاف من الغرق، ونكص على أعقابه، ~~ولعن الجاموس، وارتحل متنمرا من الغيظ متضورا كاد الجوع يصرعه، فانتهى إلى مرج ~~وانطرح عليه ليأخذ نصيبا من الراحة، وإذا بفرس قدم إلى ذلك المكان، فاستبشر به ~~الذئب وعده الطعام المرسل له من الله لسد جوعه، فقال للفرس: وحق السماء لن تنجو ~~من يدي. ثم هم بالوثوب على غنيمته، لكن الفرس سبقه وخر على قدميه قائلا: أنا ~~أطعمك، ولن أرضى بغير بطنك لي قبرا، ولكن أرجوك قبل أن تتهنأ بأكلي أن تقرأ لي ~~ما كتبه أبواي على حافري، فإنهما جعلا وصيتهما لي عليهما يوم وفاتهما، وأنت تعلم ~~حرمة وصية الوالدين. قال الذئب: أما هذا فصواب، فأرني حافرك. فدار الذئب خلف الفرس؛ ~~ليطلع على ما كتب تحت حافره، فرفع الفرس قائمتيه، وبكل قوته ضربهما في وجه ~~الذئب، فسقط صريعا ميتا، وسار الفرس إلى صاحبه سالما. # | الفتية التوابون # نقلا عن أحد مخطوطات المكتبة الشرقية # ذكر عيسى بن داب # 1 # أن هؤلاء الفتية كانوا عشرة نفر، وهم: سليمان بن عمرو القرشي، وأخوه ms53 يحيى بن ~~عمرو، وهارون بن الحصين التميمي، وأخوه أحمد بن الحصين، ومحمد بن زرعة العبدي، وأحمد بن ~~محمد اليشكري، وبشر بن مطر الأزدي، وسعيد بن إسماعيل الأسدي، ويعقوب بن عبد الكريم ~~الطائي، وعبد الله الأنصاري. قال عيسى بن داب: وكان السبب في توبة هؤلاء القوم أنهم ~~كانوا في مدينة على أمر من الأمور التي لا يحبها الله - تعالى. وكان هؤلاء الفتية ~~العشرة في كل نعمة سابغة لا يأتي عليهم يوم من الأيام إلا وهم أشد سرورا وأطول حبورا ~~من يومهم الذي مضى، إلى أن أراد الله - عز وجل - هدايتهم إلى الخير، وأن ينقذهم من ظلمة ~~المعاصي إلى نور الطاعة. # فأول من ارتدع منهم ودعته نفسه إلى التوبة والإنابة إلى الله يحيى بن عمرو القرشي، فعزم ~~على ذلك وجعل يسره في نفسه، ولا يذكر لإخوانه شيئا مما عزم عليه، وهو مع ذلك يجالسهم ~~ويحادثهم، فبينما هم ذات يوم في شرابهم ولهوهم، إذ أخذوا شيئا من نشائد الأشعار التي قد ~~أحدثوها بينهم، فجعل كل واحد منهم يقول شيئا، ويحيى بن عمرو القرشي ساكت لا ينطق بشيء، ~~حتى فرغوا من نشيدهم، فأحب أن يلقي إليهم شيئا مما عزم عليه من أمر التوبة ونزوعه عما ~~هو عليه، فأنشد يقول: # قالت سلوت فقلت لست بجاحد # آي المهيمن ذي الجلال الواحد # وسلخت ودك من فؤادي مثلما # سلخ النهار من الظلام الراكد # قالت أعد فالعود عندي أحمد # فأجبتها هيهات لست بعائد # إني أخاف عذاب رب سرمد # تبدو نصائحه فلست ببائد ~~(قال): فلما سمع القوم من يحيى بن عمرو هذه الأبيات أنكروا ذلك منه إنكارا شديدا، ثم ~~إنهم عذلوه، وأكثروا من عذله ولومه، ثم قالوا: يا هذا، لقد سمعنا منك شيئا نخاف أن ~~يكون فيه تفريق جماعتنا وتشتيت ألفتنا، وإنا نناشدك الله في ذلك. فتبسم يحيى بن عمرو ~~وحرك رأسه، وقال هذه الأبيات: # إن في اللهو ما علمت سرورا # لم يوق حوادث الأقدار # غير أني تركت ذلك خوفا # وحذارا من شر عار ونار # فأنيبوا إلى الإله وتوبوا # كم ms54 إلى كم نقيم في الإصرار ~~(قال): فلما سمع القوم ذلك أقبل إليه أخوه سليمان بن عمرو، وقال له: والله يا أخي، ما ~~عدا جميع ما تكلمت به سويداء قلبي، ولقد أخذ بمجامع عقلي ولبي، حتى لقد غلب على سمعي ~~وبصري، وأحال بيني وبين لذاتي، ولقد علمت أن الأمر كما ذكرت، وأن الرغبة فيما رغبت. ثم ~~أنشأ سليمان بن عمرو يقول هذه الأبيات: # يا من يلوم موفقا # يدعو إلى إسعاده # إن النصيح إذا دعا # لم يأل في إجهاده # لا تنكروا ما قاله # من بذله لرشاده # فلقد أتى بنصيحة # موصولة بسداده ~~(قال): فلما سمع القوم كلام سليمان بن عمرو ورأوا ميله إلى أخيه، جعل بعضهم يقول لبعض: ~~هذا ما كنا نحذر منه: تفريق الألفة وتكدير صفو العيش، فعند الله نحتسب ما فجعنا به ~~منكما. ~~(قال): ثم انصرف القوم عن مجلسهم ذلك، وهم مغمومون بأمر يحيى وأخيه سليمان، فلما كان في ~~الليلة المقبلة اجتمعوا أيضا وجلسوا، فلما اطمأن بهم المجلس أقبل عليهم يحيى بن عمرو ~~فقال لهم: يا إخوتي، وأخلاني، ومن تقر عيني بصلاحهم، واجتماع كلمتهم، إنه قد ينبغي ~~للراقد أن يستيقظ من رقدته، ويتخلى عن غشوته، ومهما شككتم في شيء فلا تشكوا في الموت أنه ~~نازل بي وبكم، وأسأل الله العصمة والتوفيق والتسديد لي ولكم، ثم أنشأ يقول هذه ~~الأبيات: # دعوتكم للرشد والنصح جاهدا # وما زلت للإخوان مذ كنت ناصحا # فإن تقبلوا نصحي تنالوا سعادة # وتأتوا طريقا بين القصد واضحا # ومن يترك القصد المنير طريقه # يلاق غدا نارا ليخلد طالحا # ثم أقبل عليهم سليمان بن عمرو، فقال: يا إخوتي، ومن قد عظمت حقوقهم علي، وابيضت ~~أيديهم عندي، إنكم قد علمتم ما افترقنا عليه ليلتنا الماضية، وما دعاكم إليه أخي يحيى ~~الناصح لكم الشفيق عليكم، فإن تجيبوا إلى التوبة والنزوع عما أنتم فيه فحظكم أصبتم ~~وللخير أجبتم، وإن تقيموا على ما أرى من لغطكم واتباعكم أهواءكم فإني أسأل الله لكم ~~التوفيق والسلام. ثم أنشأ يقول: # سألت إلهي أن يؤلف بيننا # على الخير كالتأليف ms55 في سالف الدهر # فقد عشتم عصرا وعصرا وإننا # لفي غمرة جهلا فنهوي ولا ندري # نلجج في بحر سكارى بحيرة # فحتى متى لسنا نفيق من السكر # فتوبوا تنالوا جنة الخلد إنما # ينال جنان الخلد من كان ذا صبر ~~(قال): فلما سمع بشر بن مطر الأزدي مقالة يحيى وأخيه سليمان واستحكم قولهم في قلبه ~~أعجبه ذلك، فقال: # لعمري لئن بعت الهدية بالعمى # وآثرت غير الحق إني لخاسر # أأترك حظي بعد إذ أنا قادر # على أخذه والحق فيه بصائر # سأجبر نفسي عن هواها وغيها # بصبر قوي العزم والحر صابر ~~(قال): فلما سمع القوم مقالة بشر غمهم ذلك غما شديدا، ثم أقبل هارون بن الحصين على ~~أصحابه، وقال لهم: إنا لله وإنا إليه راجعون، ما أعظم الرزية بفرقتكم وأجل المصيبة ~~بتباعدكم، والله ما أظن هذا الأمر إلا مشتتا جماعتنا مكدرا علينا صفو عيشنا؛ لأن الذي ~~دعوتمونا إليه مزايلة ما نحن فيه لشديد، وهو أثبت وأرسخ من أن تزيله العظات. ثم افترقوا ~~ليلتهم مغمومين. # فلما كان من الليلة الثالثة اجتمعوا، فلما اطمأن بهم المجلس أقبل عليهم محمد بن زرعة ~~العبدي، فقال: يا إخوتاه، اسمعوا مني كلاما، وتدبروه بقولكم، فقد أتيتكم بأعجوبة. ~~فقالوا: هات ما بدا لك. قال: اعلموا أني لما فارقتكم الليلة الماضية وسرت إلى منزلي ~~أرقت أرقا شديدا، حتى إذا كان قبل الصبح أغفيت، فإذا أنا بآت قد أتى في منامي، وهو ~~يقول: # يا تارك القصد بعد معرفة # وسالكا غيره من الطرق # يحيا وأصحابه على رشد # كما جلا الليل ساطع القلق # فلا تكونن كالمقيم على # دحض مزل أشفى على غرق ~~(قال): فلما سمعت ذلك استيقظت فزعا مرعوبا، حتى كاد أن ينزع قلبي. (قال): فأقبل ~~عليه يعقوب بن عبد الكريم الطائي، فقال: كأني وإياك يا أخي والله على أمر واحد، غير أن ~~الألفاظ مختلفة، وذلك لما أني قمت من مجلسنا حين افترقنا بالأمس وبي من الفرقة والأسف ~~لتشتت الشمل ما لا أبلغ وصفه حزنا على إخواني لما رأيت من مفارقتهم لنا ونقضهم ~~علينا ما نحن ms56 فيه من الألفة والمودة؛ أتيت إلى منزلي وأقمت عامة ليلتي أدير عيني على ~~الغمض، فلا أقدر على ذلك، فينما أنا كذلك بين النائم واليقظان، إذ أنا بهاتف يقول هذه ~~الأبيات: # يا خاضعا في غمرة المهل # وحائدا عن أوضح السبل # لست على شيء فلا تكذبن # وارجع إلى التوبة في مهل # من قبل يوم معظم هائل # يشيب رأس المرضع الطفل # فلما سمعت ذلك استيقظت وما معي شيء من عقلي، فهذا والله يا إخوتي ما رأيت. فلما سمع ~~القوم ذلك عجبوا، وجعل بعضهم يقول لبعض: كيف خص محمد بن زرعة ويعقوب بن عبد الكريم ~~بهؤلاء الهواتف من بيننا؟! هذا سكون لنابنا. ~~(قال): ثم أقبل سعيد بن إسماعيل الأسدي على محمد بن زرعة وهو يقول هذه الأبيات: # لولا الذي أحرمت من غدرة # ما راعك الهاتف إذ يهتف # خصصت بالهاتف من بيننا # ما لك في قولك ما تنصف # والله رب العرش يا إخوتي # فإنني مجتهدا أحلف # لا خنت من أهوى ولا سمته # هجرا ولا مثلي به يوصف ~~(قال): ثم أنشأ هارون بن الحصين التميمي يقول هذه الأبيات: # أبالأحلام أسلو عن هوائي # لأقوام أتوا بالترهات # أتونا يزعمون بأن زورا # أتى بنصيحة عند البيات # يحضهم على هجر وغدر # وقطع الحبل منا والشتات # فمن يك راغبا عن وصل إلف # فلست براغب حتى الممات ~~(قال): وتفرق القوم ليلتهم تلك أيضا، وقد وفق الله - تعالى - خمسة نفر للتوبة، وهم: ~~يحيى، وسليمان، وبشر، ومحمد، ويعقوب، وبقي منهم خمسة: هارون، وعبد الله، وسعيد، ~~والأحمدان. # قال: وجعل هؤلاء الخمسة الذين تابوا يدعون إلى الله ويتضرعون في أن يرد قلوب إخوانهم ~~إلى ما هم عليه من التوبة ويدعوهم إليها، فلم يزالوا كذلك إلى أن استجاب الله منهم ~~دعاءهم في إخوانهم، وأقبلوا بقلوبهم إلى الطاعة، فكتب كل واحد منهم بأبيات من الشعر، ~~وأرسلوها إلى إخوانهم التوابين، فلما وصلت هذه الأبيات من هؤلاء الخمسة إلى إخوانهم فرح ~~الذين سبقوهم إلى التوبة، واستبشروا واشتد سرورهم، ثم ابتهلوا إلى الله - عز وجل - في أن ~~يقوي عزمهم فيما عزموا ms57 عليه من التوبة، فاستجاب الله لهم ذلك. ~~(قال): ثم إنهم تواعدوا أن يجتمعوا في مشربة لهم، فيكلم بعضهم بعضا، فاجتمعوا في ~~مشربتهم تلك، وهي مشربة معروفة بالمدينة، يقال لها اليوم مشربة التوبة، وكانت تعرف ~~قبلا بمشربة العطارين بالمدينة، فلما اجتمعوا هناك اعتنقوا، وبكى بعضهم على بعض لطول ~~الفرقة، وما كانوا عليه من التباعد، وحمدوا الله على ما هم عليه من التقوى، وسألوه ~~التوفيق والعصمة والثبات. # | ابن التلميذ الطبيب النصراني والأطباء # من النوادر التي رواها الكتبة عن ابن التلميذ الطبيب النصراني: أن الخليفة كان فوض إليه ~~رئاسة الطب ببغداد، فاجتمع إليه سائر الأطباء؛ ليرى ما عند كل واحد منهم من هذه الصناعة، ~~وكان في جملتهم شيخ له هيئة ووقار وعنده سكينة، فأكرمه أمين الدولة، وكان لذلك الشيخ ~~دربة ما بالمعالجة، ولم يكن عنده من علم صناعة الطب إلا التظاهر بها، فلما انتهى الأمر ~~إليه قال له أمين الدولة: ما السبب في كون الشيخ لم يشارك الجماعة فيما يبحثون فيه حتى ~~نعلم ما عنده؟ فقال: يا سيدنا، هل شيء مما تكلموا فيه إلا وأنا أعلمه، وقد سبق إلى فهمي ~~أضعاف ذلك مرات كثيرة! فقال له أمين الدولة: فعلى من كنت قد قرأت هذه الصناعة؟ فقال ~~الشيخ: يا سيدنا، إذا صار الإنسان إلى هذه السن ما يبقى يليق به إلا أن يسأل كم له ~~من التلاميذ، ومن هو المتميز فيهم، وأما المشايخ الذين قرأت عليهم فقد ماتوا من زمان ~~طويل. فقال له أمين الدولة: يا شيخ، هذا شيء قد جرت العادة، ولا يضر ذكره، ومع هذا فما ~~علينا، أخبرني أي شيء قد قرأت من الكتب الطبية؟ وكان قصد أمين الدولة أن يتحقق ما عنده. ~~فقال: سبحان الله العظيم، صرنا إلى حد ما يسأل عنه الصبيان «أي شيء قد قرأته من الكتب؟»، ~~لمثلي ما يقال إلا: «أي شيء صنفته من صناعة الطب، وكم لك فيها من الكتب والمقالات؟»، ولا ~~بد أنني أعرفك بنفسي. # ثم إنه نهض إلى أمين الدولة، ودنا منه وقعد عنده، وقال ms58 له فيما بينهما: يا سيدي، اعلم ~~أنني قد شخت وأنا أوسم بهذه الصناعة، وما عندي منها إلا معرفة اصطلاحات مشهورة في ~~المداواة، وعمري كله أتكسب بها، وعندي عائلة، فسألتك بالله يا سيدنا، مش حالي ولا ~~تفضحني بين هؤلاء الجماعة. فقال له أمين الدولة: على شريطة، وهي أنك لا تهجم على مريض ~~بما لا تعلمه، ولا تشير بفصد ولا بدواء مسهل إلا لما قرب من الأمراض. فقال الشيخ: هذا ~~مذهبي مذ كنت ما تعديت السكنجبين والجلاب. ثم إن أمين الدولة قال له معلنا والجماعة ~~تسمع: يا شيخ، اعذرنا فإننا ما كنا نعرفك، والآن فقد عرفناك، استمر فيما أنت فيه، ولا ~~أحد يعارضك. # ثم إنه عاد بعد ذلك فيما هو فيه مع الجماعة، وقال لبعضهم: على من قرأت هذه الصناعة؟ ~~وشرع في امتحانه. فقال له: يا سيدنا، أنا من تلامذة هذا الشيخ الذي قد عرفته، وعليه كنت ~~قد قرأت صناعة الطب. ففطن أمين الدولة بما أراد من التعريض بقوله، فتبسم، وامتحنه بعد ~~ذلك. # | الجواد الكريم # حدث حضرة الأب إنستاس الكرملي في مقالته المعنونة: الخيل العراب عند العرب والأعراب ~~(المشرق 7 : 349) قال: # بينما كنت في خراسان في السنة المنصرمة، جاء شاب حسن الطلعة من أبناء ~~الشيوخ، راكبا جوادا عربيا كريما، وكان قد طلب منه أحد أصدقائه من قبيلة ~~أخرى ليعيره إياه، فيرسله على حجر له، وقد أهدى له هدية لقاء هذه الإعارة ما ~~يساوي أربعمائة فرنك، فلم يشأ صاحب الجواد، فأخذ الثاني يترصد له؛ لينتقم منه ~~فيقتله غيلة، فلما أراد يوما صاحب الفرس الكريم - وكان اسمه محمدا - أن ~~يذهب إلى واحد من أقاربه وكان بعيدا عنه نحوا من سبعة فراسخ، وإذا بعدوه - ~~وكان اسمه محسنا - قد تأثره عن بعيد، حتى إذا صار الأول في قلب البادية، ~~وإذا بمحسن ينهب الأرض بجواده كأنه البرق الخاطف، ولما أوشك أن يكون من صاحبه ~~على قاب قوسين، أحس هذا بالخطر، فقال لجواده: «خلصني يا حمام» - وحمام هو اسم ~~فرسه. وفي أثناء هذه الكلمات ضربه برجله، فإذا بالحمام ms59 يطير كأن قد نبت له ~~جناحان، وأما محسن فوقف كالمبهوت المتحير، أو كأنه قد صعق بمكانه، وخاف أن ~~يعود إلى عشيرته لانكشاف أمره وافتضاح سره، فلم يعرف ما جرى به. وأما محمد ~~فبعد أن قص كل هذه القصة بتفاصيل عجيبة غريبة - وقد اختصرناها هربا من ~~الإطالة - قدم له ما يروي عطشه، وكان النهار حارا يتقد نارا، أما هو فلم ~~يشرب بل أشربه جواده، ولم يكن في تلك الخيمة غير هذا الماء، والمورد كان ~~بعيدا عن الأعراب، ثم قدم له خبز فأطعمه جواده أيضا، وبينما كان يأكل كان ~~صاحبه يقبله مرات عديدة، ويأكل بعض الكسر اليابسة التي بيده، ولما كان فمه ~~ناشفا لقلة الرضاب غص بكسرة من هذا الخبز فمات، وأما أصحاب الخيمة فبكوا ~~بكاء عظيما، ثم كتب أحدهم هذه الحكاية، وأناطها برقبة الجواد، ثم ضرب الجواد ~~قليلا، ففهم معنى ذلك، ورجع إلى أهل الميت لا فارس عليه، فعلموا أن محمدا قد ~~قتل، غير أنهم لما فضوا الرقعة أدركوا السبب، وندبوه أياما طوالا. # | مأثرة برمكية # اقتطفها الأب لويس شيخو اليسوعي من كتاب «أحسن المسالك لأخبار البرامك» ليوسف بن محمد البلوي # 1 # ذكر في قطب السرور عن عمرو بن مسعدة قال: رفع محمد بن عبد الله إلى المأمون رقعة ~~يمت فيها بحرمة، ويزعم أنه من صنائع البرامكة، وأنه مولى ليحيى بن خالد، وقد كانت له ~~نعمة واسعة وضيعة، وأن ضيعته قبضت فيما قبض للبرامكة، وزالت نعمته بحلول النقمة بهم، ~~ودفعها إلى المأمون، فدفعها المأمون إلى أحمد بن أبي خالد، وأمره بضمه إليه والإجراء ~~عليه، فصلحت حال محمد بن عبد الله بذلك، وتراجع إليه أمره، فكان ينادم أحمد بن أبي خالد ~~لا يفارقه، فتأخر عنه يوما لمولود ولد له، فبعث إليه، فاحتجب عنه، فغضب عليه بسبب ذلك، ~~فحبسه وقيده وألبسه جبة صوف، فمكث كذلك أياما، فسأله المأمون عنه يوما، فذكر له ما هو ~~فيه من الصلف والتيه والافتخار بالبرامكة، وأنه لا يزال يذكرهم ويترحم عليهم، فأمر ~~بإحضاره، فأحضر على تلك الحال، وأقبل عليه ms60 بالتوبيخ مسفها لرأيه، ويذكره ما ~~تقدم من فقره، ويعظم في عينيه إحسان ابن أبي خالد. فقال له: يا أمير المؤمنين، أطال ~~الله بقاءك، لقد وضعت من البرامكة غير موضوع، وصغرت منهم غير مصغر، وذممت غير مذموم، ~~وقد كانوا شفاء أيام دهرهم، وغياث جدب عصرهم، ومفزعا للملهوفين وملجأ للطالبين، فإن أذن ~~أمير المؤمنين حدثته ببعض أخبارهم؛ ليعلم صدق قولي في تفردهم في عصرهم بالأيادي ~~النفيسة. فقال له: هات وأوجز. فقال: ليس بإنصاف وأنا في القيود. فأمر بفك قيوده، فقال: ~~يا أمير المؤمنين، ألم الجبة حائل بيني وبين حلو الحديث، ومانع لي من الوقوف على غرره. ~~فأمر بخلع الجبة عنه، وأن يخلع عليه، ثم قال له: هات حديثك. فقال: # يا أمير المؤمنين، كان ولائي ليحيى وانقطاعي للفضل ابنه، فقال لي الفضل ~~يوما بحضرة أبيه وأخيه: يا محمد، أحب أن تدعوني دعوة كما يدعو الصديق صديقه. ~~فقلت له: حالي تصغر عن ذلك وتضيق به، ومالي يعجز عنه، وهيأتي لا تقوم به. فقال ~~لي: دع عنك فلا بد منه. فأعدت عليه الاستقالة والاستعفاء، فرأيته مصمما، ~~فأقبلت على أبيه لائذا ومستعينا به، واستعنت بأخيه جعفر، فأقبلا عليه وسألاه ~~ذلك، وأعلماه بقصور يدي عن بلوغ ما يحبه ويشتهيه، فقال لهما: لست بقانع منه ~~دون أن يدعوني وإياكما لا رابع معنا. (قال): فأقبلا علي، وقالا: هذا قد أبى ~~أن يعفيك، وإن لم يكن الأمر إلا لنا فلا حشمة بيننا، أقعدنا على أثاث بيتك ~~فأطعمنا من طعام أهلك، فنحن بذلك قانعون. فقلت للفضل: إن كنت قد عزمت على ذلك ~~وأبيت إلا فضيحتي فلا بد من أن تؤجلني أجلا أتأهب فيه لكم. فقال: استأجل ~~لنفسك ما تريد. فقلت: أجلني سنة. فقال: ويحك! أومعنا أمان من الموت لسنة! ~~فقال يحيى: ويحك! قد أفرطت في الأجل، ولكني أحكم عليكما بما أرجو أن لا يرده ~~أبو العباس، فاقبله أنت أيضا. فقلت: احكم، جعلني الله فداك، ووفقك للصواب، ~~وتفضل علي بالفسحة في المدة. فقال: قد حكمت بشهرين. فخرجت من وقتي، وبدأت ~~برم منزلي، ms61 وإصلاح آلتي، وشراء ما أتجمل به من فرش وأثاث وغير ذلك، وهو مع ~~ذلك لا يزال يذكرني، حتى إذا كانت الجمعة الذي نجز فيها الوعد قال لي : يا ~~محمد، قد قرب الوعد، ولا أحسب قد بقي إلا عمل الطعام. فقلت: نعم، جعلني الله ~~فداك. وأمرت بالطعام فأصلح بغاية ما تناله يدي ومقدرتي، وجاءني رسوله عشية ~~اليوم الذي صبيحته الوعد فقال: هل تأذن في البكور؟ فقلت: نعم، جعلني الله ~~فداك. # فبكر إلي هو وجعفر ويحيى وسائر أولادهم وفتيانهم، فلما دخلوا أقبل علي ~~الفضل فقال: يا محمد، أول شيء أبدأ به أن أنظر إلى نعمتك صغيرها وكبيرها، فقم ~~بنا حتى أدور عليها، فأحتاط بها علما. فقمت وقام وهما معه حتى طاف المجلس، ~~ثم خرج إلى الخزائن ثم إلى بيت الشراب، وخرج منه إلى الإصطبل، ونظر إلى كبير ~~نعمتي وصغيرها، ثم عدل إلى المطبخ؛ فأمر بكشف القدور وعرض كل ما أصنع من ~~الطعام قدرا قدرا، ثم أقبل على أبيه وقال: هذا اللون الذي يعجبك، ولست ~~ببارح دون أن تأكل منه. ودعا برغيف فغمسه في القدر وناوله أباه، ثم فعل بأخيه ~~كذلك، ثم أمر غلمانه برفع القدور وأكل ما فيها. # فلما رأيت ذلك ضاقت علي الدنيا، وقلت: ما العمل، هذا شيء اجتهدت فيه، ولا ~~يمكنني استئناف عمل طعام آخر؟ فقال لي الفضل: نحن نقنع منك بما في منزلك من ~~طعام أهلك. ثم دعا بالخلال، وخرج إلى صحن الدار، فأدار بصره في جنباتها ~~وسقوفها وأروقتها، ثم قال لي: يا محمد، من بجوارك؟ فقلت: جعلت فداك، فلان ~~التاجر عن يميني، وفلان الكاتب عن شمالي، وخلف ظهري رجل قد ابتاع خربة، فهو في ~~بنيانها لا يبرح. فقال لي: أفتعرفه؟ قلت: لا. قال: كان الأليق بمحلك منا أن لا ~~يجترئ عليك رجل ويشتري بقربك شيئا إلا بأمرك، ولا سيما إذا كان ملاصقا لك. ~~فقلت: ما منعني من ذلك إلا ما كنت فيه من الاشتغال بهذه الدعوة المباركة. قال: ~~فأين الحائط الذي يتصل بدارك؟ فأومأت إلى موضع من الدار، ms62 فقال: علي بنجار. ~~فأتى به فقال له: افتح هنا بابا. فأقبل عليه أبوه وقال له: نشدتك الله يا ~~بني، لا تهجم على قوم لم تعرفهم. وأقبل عليه أخوه بمثل ذلك، فأبى إلا فتح ~~الباب، وخفت مغبة ذلك، ولم أجتر على الكلام بعد أن رد أباه وأخاه. ففتح ~~الباب في الحائط، ودخل منه، ثم بعث إلى أبيه وأخيه أن ادخلا، فدخلا، فإذا في ~~وسط الدار فتى جالس على سرير، وعلى رأسه عشرون غلاما كأنهم الدنانير ~~بالمناطق المثمنة، فقاموا بأجمعهم بين يديه فدخل الدار، وطاف في مجالسها ~~وخزائنها، فوجدها مشحونة بآلة الملوك من الفرش والأواني، فأقبل علي وقال: يا ~~محمد، أيما أحسن هذه أم دارك؟ فقلت: أصلح الله الوزير، والله ما رأيت مثل هذه ~~الدار، وإنها لا تليق إلا بك. فقال لي: أتحب أن تكون صاحب الدار، ويكون مالكها ~~عبدا لك؟ فقلت: جعلت فداك، من أين لي ذلك؟ فقال: اعلم أنك لما نهضت من بين ~~يدي ساعة سألتك دعوتي، أمرت غلامي بشراء هذه الخربة وبنائها واتخاذ كل ما ترى ~~فيها، وقد وهبتها لك بكل ما فيها، يا غلام، هات ما عندك من الطعام، فأتي ~~بطعام ما رأيت مثله، فجعلوا يأكلون. # ثم نظرت إلى جعفر، فرأيت الكآبة بادية على وجهه، وقد التفت إلى أبيه وقال: يا ~~أبت، أعزك الله، لا أزال أشكو أخي أبا العباس إليك ولا تنصفني منه، أفترضى له ~~أن يختص بهذه المكرمة دوني، ويضن بمشاركتي إياه؟ فأقبل يحيى على ولده الفضل ~~وقال: يا بني، لقد كنت أولى أن تشرك أخاك في هذه النفيسة. فقال له: جعلت ~~فداك، والله ما تفردت بها دونه، ولا استبديت بها دونه، ولقد تركت له صفوها. ~~فقال: ما هو وقد قضي الأمر؟! فقال الفضل: إن محمدا هذا رجل قليل ذات اليد، ~~لا مال له، ولا ضيعة عنده تقوم بهذه الدار، ومتى خلي بينه وبين هذه الدار ~~وهؤلاء الغلمان لم يقو على ذلك، وكان مضرا بحاله، وضيعتك الفلانية مشاكلة ~~لهذه الدار، فأوهبها له؛ ليقوى بها على أمره. ms63 فقال له جعفر: صدقت، لقد فرجت ~~عني، يا غلام، هات كتاب الضيعة. فسلمه إلي، وقام يحيى، فضم ولديه إلى صدره ~~وقبلهما، وقال: بأبي أنتما وبنفسي أقيكما، لا أخلاكما الله من مزيد بسطة ونعمة ~~جليلة، ولا أخلاني فيكما من دوام العافية وطول العمر واجتماع الشمل. ~~(قال): فبكى المأمون عند استماعه ذلك، وقال: والله لقد برز القوم في فضلهم، وسبقوا ~~بمجدهم، إنك لجدير يا محمد أن تطنب فيهم، وأمر برد نعمته عليه، وأمر له بألف ~~دينار. # | الضيافة عند العرب # رواية معربة بقلم أحد الأدباء # اطلعنا في أحد أعداد من النشرة التونسية على خبر، رواه أحد وكلاء الدعاوي في تونس، ~~أحببنا إثباته هنا؛ ليرى القراء أن ما نقل عن جود أهل البادية وعن تفانيهم في إكرام ~~الضيف وتأهيل الغريب في القرون الغابرة قد توارثه العرب المحدثون، كخلفة شريفة يبذلون ~~دونها نفسهم ونفيسهم، ويتفاخرون بها مرددين قول الشاعر: # الله يعلم أنه ما سرني # شيء كطارقة الضيوف النزل # ما زلت بالترحيب حتى خلتني # ضيفا له والضيف رب المنزل # قال الراوي: دعتني واجبات مهنتي في أواسط شهر آب سنة 1893، إلى بلدة تدعى زاوية ~~المعيصرة شمالي «قربة» في أنحاء رأس الدار # Cap-Bon ~~، ~~فعقدت فيها جلسة لاستنطاق بعض الجناة، ثم اتخذت لي دليلا من عرب الناحية نحو الساعة ~~الثانية بعد الظهر؛ ليسير بي إلى «نابل» قبل ورود الليل، وما كنت لأباشر سيرا كهذا في ~~فصل القيظ، لولا أني رأيت أديم السماء قد غطته السحب فلطفت ودائق الحر. # فلما صرنا على مسافة بعض أميال من «قربة» اكفهر الجو، وومض البرق الخاطف للأبصار، ~~وعصفت الريح، فثار من الأرض عجاج كحل العيون بذراته، ولم يلبث قصيف الرعد أن دوى، ومزق ~~أديم الزرقاء، وأجرى الأمطار كالسيل المدرار، فصارت ثيابي بعد قليل كعصير الماء إلا أن ~~رفيقي صاح بي قائلا: «بارك الله فيك يا سيدي، فإن سفرك لميمون، دونك المطر غسال البيدر، ~~ولكن لا سبيل إلى مواصلة السير، فهيا بنا نحل في هذا الدوار على شمالنا في جانب ~~الطريق.» # فأذعنت لقول دليلي، وركضت ms64 جوادي إلى حيث أشار، فلما اقتربنا من المكان هرت في وجهنا ~~الكلاب، وكادت تهجم علينا، وإذا برجل من أهل الدوار خرج فتقدم إلينا، فابتدره رفيقي ~~بالسلام وقال: بشراك يا شيخ أحمد، هو ذا السيد ب. وعبدك أتيناك طالبين ضيافتك، فنسكن ~~عندك ريثما يأذن الله في ركود الريح وهدو العاصفة. ~~- بارك الله فيك وفي السيد القادم. # منزلنا رحب لمن زاره # نحن سواء فيه والطارق # قال هذا، وأمسك المطايا لنترجل عنها، ثم سلم الخيل لولد، وأدخلنا داره في وسط حيه، وهم ~~يدعون الحي قربي # gourbi ~~، وكانت الدار مفروشة بحصير من ~~الحلفاء، فأجلسنا في صحنها وأكرم مثوانا، ثم خرج بعد حين مستأذنا بالذهاب، طالبا أن ~~ننتظره. # مرت علينا ساعة، وإذا بصاحب الدار عاد وبين يديه جفنة من الكسكس، وفي أثره غلمان ~~يحملون القصاع، فيها إدام من المرق الأحمر والبندورة والفلفل واللحم غير النضيج، وكان ~~ينبعث من الأطعمة رائحة كريهة من الزيت القنم والسمن السنخ، غثت منهما نفسي، وجشأت، ~~فما استطعت أن أذوق منها لماظا. # فشق على ضيفي امتناعي عن الأكل، وكان عد ذلك إهانة لولا اعتذاري بأني لم أعتد هذه ~~المآكل، فقام على الأثر، وأتاني بعد برهة من الزمان بعدد من البيض النمبرشت. # فبعد البسملة باشرت بنقف بيضة لأتحساها، ثم فكرت في الملح، فطلبت منه قبضة، وأنا لا ~~أدري ما تكمنه لي الأقدار، فخرج الشيخ أحمد إلى مضارب الدوار فلم يجد ملحا عند ~~أهله، فعرفت فضولي وتندمت على طلبي، ثم طيبت قلب الشيخ قائلا: إنني عنه لفي غنى. لكنه ~~لم يصغ إلى كلامي، بل أومأ بيده إلى غلام هناك، فاقترب منه شاب في مقتبل العمر، رشيق ~~القد، جميل الهيئة، حسن البزة، وهو مشتمل بإحرام، فنظر إليه الشيخ نظرة مفتخر وقال لنا: ~~«هذا علي ابني.» ثم التفت إلى الفتى قائلا: «أبني علي، كأني بالعاصفة قد سكنت ثائرتها، ~~فاركب مسرعا مهرنا الخضراء، واذهب إلى أقرب دوار منا، وائتنا بملح.» # فتصديت للشيخ ما أمكنني، وحلفت بأيمان محرجة أني لا أذوق البيض إذا خطا علي ابنه ~~خطوة ms65 خارج الدوار، لكن الشيخ أحمد لم يكترث لقولي، فسار الغلام، وبقيت في الدار وحدي ~~مع الدليل وضيفي. # فمضى علينا نصف ساعة ثم ساعة ثم ساعتان قبل أن نستبشر بعودة الغلام، فانفرط بيننا سمط ~~الكلام، ثم ساد سكوت أشبه بسكوت القبور، وبدت على ملامح الشيخ أحمد أمارات الجزع ~~والاضطراب، وكان الليل في أثناء ذلك ضرب على الأرض أطنابه، وهدأت كل الحركات، فلم نكد ~~نسمع ركزا، اللهم إلا صوت قطرات من المطر كانت تكف فوق الحصى. # وكانت أتعاب النهار مع قلة الأكل قد هدت قواي، فشعرت بالنعاس قد أثقل أجفاني، وكاد ~~يخدر أعضائي، وكذلك رفيقي أوشك النوم يكتحل عيونه ... ونحن كذلك إذ سمعنا من كثب صوتا ~~منكرا، أطار النوم عن العيان واقشعرت له الأبدان، وكان الصوت صراخا فاجعا مستطيلا، ~~طرحته امرأة في بطن الليل الداجي، ثم أردفت الكلاب من بعده فصخبت صخبا شديدا، وملأت ~~الحي نبحا. # فوثبنا ثلاثتنا إلى الجربة؛ لنرى ما الخبر، وإذا بأصوات البكاء والعويل تتوالى، فتقرب ~~إلينا وفي جملتها ولولة النساء لا تخمد من حين إلى آخر، حتى يسمع هتاف أفظع من الصراخ ~~الأول، كاد يجمد له الدم في العروق. # وكنا نحن على باب الجربة، ينظر بعضنا إلى البعض نظر المتحير الدهش، لا ندري ما الداعي ~~لهذه أصوات الويل والثبور، إذ تراءى لنا نور مشعل ضئيل، فميزنا في ضوئه جنازة يحملها ~~نفر، وكان على الجنازة جثة هامدة، ولم نلبث أن عرفناها، وإذا هي جثة علي، ذاك الشاب ذي ~~البهاء والجمال الذي راقنا منظره في أصيل النهار. # وكانت علة موته أنه لما عاد من الدوار حيث أرسله أبوه لطلب الملح؛ عثرت رجل فرسه في ~~دجى الليل، فوقع الراكب من ظهرها، وصدم رأسه بصخرة في الطريق فمات موتا وحيا، فلما ~~استطال أهله عودته أرسلوا قوما يستطلعون أخباره، فوجدوه صريعا بين الصخور. # وبينما كان حملة النعش يحطون بجسم الميت، كان الشيخ أحمد ينظر إلى ابنه نظرة أب فجع ~~بفلذة أكباده ومظنة آماله، وأنا سبب موت الغلام على غير اختياري، بل رغما مني، ms66 كنت ~~بقربه واقفا واجما، لا أبدي حراكا، كأن صاعقة انقضت علي ففلجت جسمي، أما الدليل ~~رفيقي فكان يسرح بصره بين الوالد المسكين وبيني، لا يدري ما يقول أو يفعل . # فمد الميت في زاوية من الجربة، وكان فوه منفتحا، كأنه يريد التكلم، فأشار الشيخ ~~إلى النسوة أن اكففن عن العويل. فسكتن للحال، وخرجن مطرقات صامتات. # عندئذ دعانا ضيفنا ودعا معنا كل الحضور؛ لندخل المنزل، فجلسنا حوله لا ننبس بكلمة، ~~وكان كل منا يجيل في فكره حوادث ذاك النهار المشئوم، وكانت كل أصوات الخارج قد هدأت ~~ثانية إلا قطرات ماء المطر، كانت تسمع بقبقتها عند سقوطها في أجران الماء، تحسب صوتها ~~في هدو الليل الدامس كصوت الموت. # وبقينا كذلك مدة غائصين في بحر الغم، إذ لمحنا الشيخ أحمد، فرأيناه مسح وجهه ولحيته ~~بيديه قائلا: «الله أكبر، إنه وحده أزلي لا يموت.» ثم التفت إلى أحد الحضور فسأله: وهل ~~أتى بالملح؟ فقام رهط من الجلوس ودسوا جثة الميت، فوجدوا لفافة فيها الملح، فوجه الشيخ ~~الكلام نحوي قائلا: «سيدي، إن ولدي أتاك بالملح، فقم بلا تكلف وشرفني بأكل طعامي.» ثم ~~أراد أن ينشطنا على الأكل، فأخذ دبلة من الكسكس وأدخلها فاه، وقال للجلوس: «هيا، باسم ~~الله، يا أسيادي كلوا.» # فلما رأيت هذا الجلد، وسمعت هذا الكلام عمل في منظر الشيخ عملا لا يوصف، فاندفعت ~~أبكي وعلا صوت نحيبي، ثم خرجت من الدوار وحدي، رغما عن العاصفة وأهوال الليل وقفر ~~المكان لا أعي، فقام الشيخ مع الحضور ليوقفوني ويردوني إلى المنزل، إلا أني لم أعرهم ~~سمعي، ولم أنكص على الأعقاب لتوسلاتهم وإلحاحهم، بل سرت هائما في وجهي إلى ما شاء ~~الله. ms67