######OpenITI# #META# URI: 1348AhmadTaymurBasha.AclamFikrIslami.Hindawi60585083 #META# Tags: biographies :: history #META# ID: 60585083 #META# Title: أعلام الفكر الإسلامي في العصر الحديث #META# AuthorID: 63682491 #META# Author: أحمد تيمور باشا #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # أعلام مصر‏ # حسن العطار‏ # محمد أبو الفتح‏ # محمد الأشموني‏ # إبراهيم مرزوق‏ # محمد عياد الطنطاوي‏ # علي الليثي‏ # محمد الطنطاوي‏ # محمد العباسي المهدي‏ # أحمد أبو الفرج الدمنهوري‏ # زين المرصفي‏ # حسن عبد الباسط الحوي‏ # رضوان محمد المخللاتي‏ # حسن الطويل‏ # مصطفى السفطي‏ # أحمد الرفاعي1‏ # علي محمد الببلاوي‏ # حسونة النواوي‏ # عبد الله نديم‏ # محمد عبده‏ # أحمد أبو خطوة‏ # أحمد مفتاح‏ # محمد أكمل‏ # محمد الإدريسي‏ # عبد الحميد نافع‏ # أحمد خيري‏ # إبراهيم باشا‏ # أعلام الشام‏ # محمد صنع الله الخالدي‏ # كمال الدين الغزي‏ # محمد العطار‏ # موسى الخالدي‏ # عبد الرحمن الكزبري الثاني1‏ # أحمد الحجار الحلبي‏ # مصطفى الخالدي‏ # مصطفى المغربي الدرغوثي‏ # محمد التميمي المغربي‏ # أحمد الحلواني‏ # محمود الحمزاوي‏ # أحمد عبد الغني عابدين‏ # محمد علاء الدين عابدين‏ # أحمد الفحماوي‏ # حسين عودة‏ # محمد المبارك الحسني الجزائري‏ # محمد بدر الدين‏ # طاهر الجزائري‏ # سليم الآمدي البخاري‏ # محمد أبو الخير عابدين‏ # حسن المدور البيروتي‏ # أعلام العراق‏ # نعمان الآلوسي‏ # محمود شكري الآلوسي‏ # أعيان في بغداد‏ # أعلام الحجاز وحضرموت‏ # محمد شهاب الدين المصري‏ # علوي بن أحمد السقاف‏ # عثمان الراضي‏ # محمد بن عقيل العلوي‏ # علي حيدر‏ # أعلام الأفارقة‏ # عبد القادر الجزائري‏ # محمد محمود التركزي الشنقيطي1‏ # أحمد بن الخوجة التونسي‏ # محمد الخضر حسين‏ # أعلام مصر‏ # حسن العطار‏ # محمد أبو الفتح‏ # محمد الأشموني‏ # إبراهيم مرزوق‏ # محمد عياد الطنطاوي‏ # علي الليثي‏ # محمد الطنطاوي‏ # محمد العباسي المهدي‏ # أحمد أبو الفرج الدمنهوري‏ # زين المرصفي‏ # حسن عبد الباسط الحوي‏ # رضوان محمد المخللاتي‏ # حسن الطويل‏ # مصطفى السفطي‏ # أحمد الرفاعي1‏ # علي محمد الببلاوي‏ # حسونة النواوي‏ # عبد الله نديم‏ # محمد عبده‏ # أحمد أبو خطوة‏ # أحمد مفتاح‏ # محمد أكمل‏ # محمد الإدريسي‏ # عبد الحميد نافع‏ # أحمد خيري‏ # إبراهيم باشا‏ # أعلام الشام‏ # محمد صنع الله الخالدي‏ # كمال الدين الغزي‏ # محمد العطار‏ # موسى الخالدي‏ # عبد الرحمن الكزبري الثاني1‏ # أحمد الحجار الحلبي‏ # مصطفى الخالدي‏ # مصطفى المغربي الدرغوثي‏ # محمد التميمي المغربي‏ # أحمد الحلواني‏ # محمود الحمزاوي‏ # أحمد عبد الغني عابدين‏ # محمد علاء الدين عابدين‏ # أحمد الفحماوي‏ # حسين عودة‏ # محمد المبارك الحسني الجزائري‏ # محمد بدر الدين‏ # طاهر الجزائري‏ # سليم الآمدي البخاري‏ # محمد أبو الخير عابدين‏ ms001 # حسن المدور البيروتي‏ # أعلام العراق ‏ # نعمان الآلوسي‏ # محمود شكري الآلوسي‏ # أعيان في بغداد‏ # أعلام الحجاز وحضرموت‏ # محمد شهاب الدين المصري‏ # علوي بن أحمد السقاف‏ # عثمان الراضي‏ # محمد بن عقيل العلوي‏ # علي حيدر‏ # أعلام الأفارقة‏ # عبد القادر الجزائري‏ # محمد محمود التركزي الشنقيطي1‏ # أحمد بن الخوجة التونسي‏ # محمد الخضر حسين‏ # | أعلام الفكر الإسلامي في العصر الحديث # | أعلام الفكر الإسلامي في العصر الحديث # تأليف # أحمد تيمور باشا # | هذا الكتاب # | كلمة اللجنة # بقلم الأستاذ محمد شوقي أمين عضو اللجنة ورئيس التحرير في مجمع اللغة العربية # إنما يعرف الفضل من الناس ذووه. # ومن أجدر أن يعرف للفضلاء من معاصريه حقهم على التاريخ من العلامة الفذ «أحمد ~~تيمور»؟ # وإن العجب ليتقضى - وإن شئت قلت: لا ينقضي - من هذا الرجل الذي نذر للبحث والدرس سعيه ~~وهديه، وقصر عليهما جهده ووكده، ولكنه لم يجتزئ بميدان من تلك الميادين الرحاب يتخصص ~~له ويقف عنده، بل ضرب في كل ناحية، وحلق في كل أفق، وألزم نفسه الكشف عن الخبايا ~~والطوايا، من جليل المسائل ودقيقها، في مجالات شتى من علم وأدب، ومن دين وشريعة، ومن ~~حضارة وتاريخ. # وما شفاه ولا كفاه أن يرتصد لتراث العرب والإسلام، يتصيده من كل مكان، غير ضان عليه ~~بالمال الكثير، ويجمعه في خزانة كتبه الخالدة النادرة، فأضاف إلى ذلك تقليب العالم اليقظ ~~المتمكن في هذا التراث، والاستفادة به في تحقيق وتمحيص، وفي تنوير وتبصير، فكانت مؤلفاته ~~في قيمتها تباري مقتنياته في نفاستها. # منذ ربع قرن عنيت الأسرة التيمورية بطبع كتاب له بعنوان: «تراجم أعيان القرن الثالث ~~وأوائل القرن الرابع عشر»، وكان لي شرف الإشراف على إخراجه وتذييله ببيان له، والكتاب ~~يحتوي أربعا وعشرين ترجمة لأعلام نجلتهم «مصر» أو أظلتهم سماؤها. وقد وجدت هذه ~~التراجم بخط العلامة «أحمد تيمور» في دفتر كبير بائن الطول، ناصل الورق من أثر السنين، ~~والمكتوب منه نحو خمسه، والتراجم مسرودة بغير ترتيب، منها ما هو قصير، ولا سيما بعض ما جاء ~~في أخريات الأوراق، وهذا مع أن المترجم قد يكون ممن تنفسح ms002 فيه مذاهب القول. وقد راعى ~~المؤلف ذلك، فترك مواضع لمن أوجز ترجمتهم، عسى أن يستلحق ما فات ويستكمل ما نقص، وواضح ~~أن المؤلف في هذا الدفتر لم يستوعب أعيان المعاصرين، ففي هذه الحقبة رجالات ليست ~~شهرتهم في فروع العلم والأدب أخفى من شهرة الذين ترجم لهم في تلك الأوراق. # وكان الذي استظهرناه يومئذ في تأويل ذلك الإيجاز الشديد في بعض هؤلاء المترجمين وقلة ~~عددهم جميعا، ما يؤيده عارفو الفقيد من أنه كان ينتوي المضي في إتمام كتابه على الوجه ~~الشامل، ثم خشي ألا يستطيع الصراحة في ترجمة من كانت له بهم أو ما تزال لأسرهم به صلات ~~مودة، فطوى دفتره، وآثر من الصمت ما هو الأشبه بكرمه وكرامته. # ولما تألفت «لجنة نشر المؤلفات التيمورية» بعد ذلك، وأعملت يد التنقيب فيما خلف الفقيد ~~من دفاتر وكراسات وأوراق، تبين لها أن ذلك الدفتر الذي طبع محتواه من التراجم من قبل ~~ليس إلا جزءا من كل، فإنها عثرت على تراجم أخرى لنخبة من الأعلام العرب، في الشرق والغرب، ~~من أهل الشام والعراق، ومن أهل الحجاز وحضرموت، ومن أفارقة تونس والجزائر والمغرب، وبضم ~~هؤلاء وهؤلاء أصبح عدد المترجمين مائة إلا أقلها. # بان لنا إذن أن المؤلف كان من همه وعزمه أن يجعل كتابه سمطا ينتظم أعلام الفكر ~~الإسلامي في العصر الحديث، ناظرا إلى الوطن العربي أجمع نظرته إلى وحدة متكاملة، وأنه شرع ~~في التقصي والإعداد، يستكتب ويستخبر، ويستقي وينتقي، وكلما اجتمعت له مادة صالحة يحسن ~~الاكتفاء بها في ترجمة واحد من أولئك الأعلام عمد إلى تحريرها وتدبيجها، وكانت تشغله ~~أشتات الشواغل في عديد المسائل عن التجرد للكتاب ينجزه، أو كان ينتظر المزيد من التعرف لهذا ~~من المترجمين أو ذاك. # ومضى - نور الله ضريحه - عن دفتره الأول، والأوراق التابعة له واللاحقة به، لم تبلغ من ~~نظره مبلغ التمام. # ورأت «لجنة نشر المؤلفات التيمورية» بين يديها حصيلة وافرة من التراجم، منها ما فرغ ~~المؤلف من إعداده مكتوبا بخطه، ومنها ما حصله من هنا وهنالك مكتوبا بخط ms003 غيره، وما وافاه ~~به العارفون بالمترجمين من أقربائهم وخاصتهم، ليستعين به حين يكتب الترجمة في الصيغة ~~المرتضاة، وما وجدته اللجنة من التراجم يتفاوت بين قليل وكثير، وبين ما فيه غنية وما لا ~~يشفي الغلة، فاستقر الرأي على أن تخرج اللجنة للناس هذا كله، فإنه مادة تاريخية ~~خليقة أن تسلم من الضياع، وأن يفيد منها رواد البحث والاطلاع. # وربما لاح لقارئ في توزيع المترجمين على المواطن العربية المتعددة أن بعضا من أعلام هذا ~~الموطن أولى به أن يذكر في موطن غيره؛ وذلك لتباين الاعتبارات في تعيين الموطن الذي يعزى ~~إليه: أمسقط رأسه؟ أم البلد الذي انتمت إليه أصوله؟ أم الأفق الذي تألق فيه نجمه؟ والحق ~~أن المواطن العربية كانت تتهادى أعلامها، فكم من حسنة للمشرق في المغرب، وكم من حسنة ~~للمغرب في المشرق، ولطالما كانت عواصم العربية متنقلا لأعلامها في أمس الدابر واليوم ~~الحاضر، وإن ذلك لآية الوحدة الفكرية في العالم العربي والإسلامي، حتى ليحار المرء في ~~تقويم النسبة لبعض المبرزين من المفكرين: أإلى هذا الموطن يعزوهم أم ذاك؟ # ولا يملك مطالع منصف إلا أن يحمد في هذا الكتاب لمؤلفه العظيم عاطفته الكريمة لفضلاء ~~معاصريه، تلك العاطفة التي أملت عليه البر بهم والوفاء لهم، وتمكين التاريخ من أن يفسح ~~في صفحاته لحياتهم، وأن يجلوها لأخلافهم، وصلا لماضي الأمة بحاضرها، وتزكية للمثل ~~الكريمة التي ضربها أولئك الأعلام في مناحي العلم والأدب والدين والإصلاح. # فأما «لجنة نشر المؤلفات التيمورية» فحسبها أن تطمئن إلى أنها ناهضة بواجبها نحو إحياء ~~التراث التيموري، ذلك التراث الذي أعجل الموت صاحبه أن يحقق به إرادته الخيرة النبيلة: ~~إرادة النفع العام للعروبة والإسلام في مجالات العلم والقومية والتاريخ. # | أعلام مصر # رقم مسلسل # أسماء الأعلام # التاريخ # 1 # حسن العطار # 1180-1250ه # 2 # محمد أبو الفتح # 1217-1294ه # 3 # محمد الأشموني # 1218-1321ه # 4 # إبراهيم مرزوق # 1221-1283ه # 5 # محمد عياد الطنطاوي # 1227-1280ه # 6 # علي الليثي # 1236-1313ه # 7 # محمد الطنطاوي # 1241-1306ه # 8 # محمد العباسي المهدي # 1234-1315ه # 9 # أحمد أبو الفتح الدمنهوري # 1243-1310ه # 10 # زين المرصفي ms004 الشافعي # 1244-1300ه # 11 # حسن عبد الباسط الحوي # 1245-1300ه # 12 # رضوان محمد المخللاتي # 1250-1311ه # 13 # حسن الطويل # 1250-1315ه # 14 # مصطفى السفطي # 1250-1327ه # 15 # أحمد الرفاعي # 1250-1325ه # 16 # علي محمد الببلاوي # 1251-1323ه # 17 # حسونة النواوي # 1255-1343ه # 18 # عبد الله نديم # 1261-1314ه # 19 # محمد عبده # 1266-1323ه # 20 # أحمد أبو خطوة # 1268-1324ه # 21 # أحمد مفتاح # 1274-1326ه # 22 # محمد أكمل # 1280-1343ه # 23 # محمد الإدريسي # 1293-1364ه # 24 # عبد الحميد نافع # | حسن العطار # 1180ه-1250ه # هو العلامة شيخ الإسلام حسن بن محمد العطار المصري، المولود بالقاهرة في حدود سنة ~~1180ه/1766م، ونشأ بها في رعاية والده الشيخ محمد كتن، سمع من أهله أنه مغربي الأصل، ~~قدم بعض أسلافه مصر واستوطنوها، وكان والده عطارا صغيرا له إلمام ~~بالعلم. # وكان في أول أمره يستصحبه إلى الدكان، ويستخدمه في صغار شئونه، ويعلمه البيع ~~والشراء، ولشدة ذكائه وحدة فطنته كان يميل إلى التعليم، وتأخذه الغيرة عند رؤية ~~أترابه يترددون إلى المكاتب، فكان يختلف إلى الجامع الأزهر لحفظ القرآن ~~الكريم. # ولما رأى والده فيه هذه الرغبة إلى التعلم، ساعده حتى أتم حفظ القرآن في مدة ~~يسيرة، ثم أقبل على طلب العلم، وجد في التحصيل على كبار المشايخ؛ كالشيخ الأمير ~~والشيخ الصبان وغيرهما، حتى بلغ من العلوم في زمن قليل ما هيأه للتدريس، وزادت ~~رغبته في التزود بكثير من العلوم المختلفة فعكف على دراستها وأتقنها. # ولما دخل الفرنسيون مصر غادر القاهرة مع جماعة من العلماء إلى الصعيد، ثم عاد ~~إليها إبان احتلالهم الممقوت، فقربوه منهم، واتصل بعلمائهم، فأفادهم واستفاد منهم، ~~وكان يتنبأ لمصر بتقدم عمراني وثقافي. # ثم سافر إلى الشام، وأقام بدمشق بالمدرسة البدرية زمنا، ومدحها بقصيدة أولها: # بوادي دمشق الشام جز بي أخا البسط # وعرج على باب السلام ولا تخطي # ولا تبك ما يبكي امرؤ القيس حوملا # ولا منزلا أودى بمنعرج السقط # فإن على باب السلام من البها # ملابس حسن قد حفظن من العط # هنالك تلقى ما يروقك منظرا # ويسلي عن الأخدان والصحب والرهط # ومنها: # وقف بي بجسر الصالحية وقفة # لأقضي لبانات الهوى فيه ms005 بالبسط # وعرج على باب البريد تجد به # مراصد للعشاق في ذلك الخط # وحاذر سويعات العمارة إنها # مهالك للأموال تأخذ لا تعطي # إلى أن قال: # وعندي من التأليف شيء وضعته # على شرح قانون الحفيد أخي السبط # ثلاث مقالات كبار وضعتها # لتعريف حال الكي والفصد والبط # وجزء على شرح المبرد كامل # أبين فيه غامض النص بالقط # وألفت في علم الجراحة نبذة # لتعريف أكل الفول بالقطع والخط # ومن شعره: # إني لأكره في الزمان ثلاثة # ما إن لها في عدها من زائد # قرب البخيل وجاهلا متفاضلا # لا يستحي وتوددا من حاسد # ومن الرزية والبلية أن ترى # هذي الثلاثة جمعت في واحد # ومن خطه في بعض مجموعاته: «اتفق لي أني بعد قضاء حجي توجهت مع الركب الشامي، ~~فوصلت إلى «معان»، ثم لبلدة «الخليل» فأقمت بها نحو عشرة أيام، ثم توجهت إلى القدس ~~الشريف، فنزلت بدار نقيبها السيد عمر أفندي، وكان معزولا عن نقابة الأشراف، ومن عادته ~~الاحتفال بالموسم الموسوي وإطعام الفقراء، وقبل حلول الموسم بيومين أعيد إلى نقابة ~~الأشراف، فنظمت قصيدة تهنئة له بعود المنصب: # الحمد لله على فضله # من بعد أن أشفق من محله # قد يطلب الحسناء من لم يكن # كفؤا لها للحمق في عقله # فمنصب المرء قرين له # والشكل مجذوب إلى شكله # وبقية القصيدة في الجزء الرابع من «الخطط التوفيقية»، جزء 4 ص29. # ثم سافر إلى «إستانبول» وأقام هناك مدة، وتأهل بها وأعقب ولم يبق عقبه، ولم يزل ~~مشتغلا بالإفادة والاستفادة حتى عاد إلى مصر بعلوم كثيرة، وأقر له علماء عصره ~~بالانفراد، وعقد مجلسا لقراء تفسير البيضاوي، وقد مضت مدة على هذا التفسير لا يقرؤه ~~أحد، فحضره أكابر المشايخ والتفوا حول دروسه. # ولما حضر إلى مصر في سنة 1237ه «بطرس البستاني» مدحه بقصيدة، منها: # أما الذكاء فإنه # أذكى وأبرع من «إياسه» # أضحى «البديع» رفيقه # لما تفرد في «جناسه» # في أي فن شئته # فكأنه باني أساسه # وكتب عنه معاصره الشيخ محمد شهاب الشاعر قال: «كان آية في حدة النظر وشدة الذكاء، ~~وكان يزورنا ليلا ms006 في بعض الأحيان فيتناول الكتاب الدقيق الخط الذي تعسر قراءته في ~~وضح النهار فيقرأ فيه على ضوء السراج، وربما استعار مني الكتاب في مجلدين فلا يلبث ~~عنده إلا أسبوعا أو أسبوعين ويعيده إلي وقد استوفى قراءته وكتب في طرره على كثير ~~من مواضعه.» # وكان معاصرا له مؤرخ مصر الشيخ عبد الرحمن الجبرتي، وقد ذكره في تاريخ لمناسبة ~~إعادة الشيخ شامل أحمد رمضان إلى مشيخة رواق الطرابلسية وامتداح الشيخ العطار له، وكان ~~صديقا له، بقصيدة أولها: # انهض فقد ولت جيوش الظلام # وأقبل الصبح سفير اللثام # وغنت الورق على أيكها # تنبه الشرب لشرب المدام # والزهر أضحى في الربى باسما # لما بكت بالطل دمع الغمام # مشيرا إلى أنها من قصيدة في ديوان الشيخ جاء في آخرها: # بشراك مولانا على منصب # كان له فيك مزيد الهيام # وافاك إقبال به دائما # وعشت مسعودا بطول الدوام # فقد رأينا فيك ما نرتجي # لا زلت فينا سالما والسلام # وعندما وصف الجبرتي النكبة التي حلت بالأزبكية ودورها المحرقة بالبركة وبأطرافها ~~عند احتلال الفرنسيين قال: «وصارت كلها تلالا وخرائب كأنها لم تكن مغنى صبابات، ولا ~~مواطن أنس ونزهات»، واستشهد بقول العطار في وصفها إبان ازدهارها، وهذه عبارته (ص37، ~~ج3، الجبرتي): # وفيها يقول صديقنا العلامة والنحرير الفهامة حسن العطار حفظه الله: «وأما ~~بركة الأزبكية فهي مسكن الأمراء ومواطن الرؤساء، قد أحدقت بها البساتين ~~الوارفة الظلال، العديمة المثال، فترى الخضرة في خلال تلك القصور المبيضة كثياب ~~سندس خضر على أثواب من فضة، يوقد بها كثير من السروج والشموع، فالأنس بها ~~غير مقطوع ولا ممنوع، وجمالها يدخل على القلب السرور، ويذهل العقل حتى ~~كأنه من النشوة مخمور، ولطالما مضت لي بالمسرة فيها أيام وليالي، هن سمط ~~الأيام من يتيم اللآلي، وأنا أنظر إلى انطباع صورة البدر في وجناتها، وفيضان ~~لجين نوره على حافاتها وساحاتها، والنسيم بأذيال ثوب مائها الفضي لعاب، وقد ~~سل على حافاتها من تلاعب الأمواج كل قرضاب، وقام على منابر أدواحها في ~~ساحة أفراجها مغردات الطيور، وجالبات السرور، فلذيذ العيش بها ms007 موصول.» # وكانت روضة مصر في عصره مزدهرة، وحولها دور العظماء والعلماء، وندواتهم ومكتباتهم ~~ومتنزهاتهم، وفيها يقول العطار: # بالأزبكية طابت لي مسرات # ولذ لي ببديع الأنس أوقات # حيث المياه بها والفلك سابحة # كأنها الزهر تحويها الممرات # وقد أدير بها دور مشيدة # كأنها لبدور الحسن هالات # مدت عليها الروابي خضر سندسها # وغردت في نواحيها حمامات # والماء حين سرى رطب النسيم به # وحل فيه من الأدواح زهرات # كسابغات دروع فوقها نقط # من فضة واحمرار الورد طعنات # مراتع لظباء الترك ساحتها # وللأسود بها فيهن غيضات # وللنديم بها عيش تجدده # أيدي الزمان ولا تخشى جنايات # يروح منها صريع العقل حين يرى # على محاسنها دارت زجاجات # وللرفاق بها جمع ومفترق # لما غدت وهي للندمان حانات # بهذا الأسلوب الرائق وهذا الشعر الفائق يصف العطار بركة الأزبكية، ولا عجب فهو ~~مصري أولا وقاهري تربى بالقاهرة، فرق خياله، ونعم بجمال البركة الذي فتن ~~كل من رآها فتغنى بجمالها. # ظل الشيخ حسن مصدر إشعاع لمختلف العلوم إلى أن ولي مشيخة الأزهر عقب وفاة الشيخ ~~محمد الشنواني في سنة 1246ه فزانها وشرفها، وظل شيخا للأزهر إلى أن توفي في آخر ~~سنة 1250ه وترك مؤلفات قيمة، منها ما دونه طيب الذكر يوسف سركيس في معجم ~~المطبوعات العربية بعد أن ترجم للشيخ، وهي: # إنشاء العطار، في المراسلات والمخاطبات وكتابة الصكوك والشروط مما يحتاج إليه الخاص ~~والعام، وقد طبع عدة طبعات، وهو مؤلف صغير الحجم كبير الفائدة، يشهد له بدقة ~~الملاحظة وقوة الأسلوب، وفيه الكثير من أشعاره: # حاشية العطار، على التذهيب للخبيصي، شرح التهذيب، وبهامشها الشرح المذكور ~~وحاشية ابن سعد (منطق)، طبع ببولاق سنة 1296ه. # حاشية العطار، على شرح إيساغوجي لأثير الدين الأبهري، وبالهامش الشرح ~~المذكور (منطق) طبع سنة 1311ه. # حاشية العطار، على جمع الجوامع، ثلاثة أجزاء، طبع مصر. # حاشيته على متن السمرقندية (بلاغة) طبع بالدهينة سنة 1288ه. # حاشيته على شرح الأزهرية للشيخ خالد الأزهري (نحو) طبع عدة طبعات ~~بمصر. # حاشيته على شرح المقولات المسمى بالجواهر المنتظمات في عقود المقولات ~~كلاهما للشيخ أحمد السجاعي، ms008 طبع بمصر سنة 1282ه. # منظومة العطار في علم النحو، في مجموع من مهمات الفنون، طبع سنة ~~1280ه. # وقد زاد المغفور له علي باشا مبارك على ذلك من مؤلفات العطار: رسالة في كيفية العمل ~~بالأسطرلاب والربعين المقنطر والمجيب والبسائط، ورسائل في الرمل والزايرجة والطب ~~والتشريح وغير ذلك، وذكر أنه كان يرسم بيده المزاول النهارية والليلية. # وحدث الشيخ إبراهيم السقا أحد تلاميذه: أن بعض سكان مكة المكرمة المارين بمصر ~~أعجبهم علم الشيخ العطار، فأحبوا أن يقيم بينهم ليخلف فيهم «ابن حجر الهيتمي» وينتفعوا ~~به وبعلمه، فاجتمعوا به، وما زالوا يحسنون له الرحلة حتى أجاب، وأخذ في تجهيز نفسه، ~~وسمع تلاميذه بذلك، فاشتد أسفهم، ولم يكن فيهم من يجرؤ على منعه، قال: فاحتلت بأن ~~أخرجته بعد الدرس من صحن الأزهر، ونحن في حمارة القيظ، وأخذت أسأله بعض المسائل ~~وأخرج من واحدة لأخرى، وهو يرفع رجله ويضعها من شدة حر البلاط، حتى تبين لي ~~الضجر في وجهه وانتهرني، فقلت: يا سيدي أنت لا تطيق حر الشمس وأنت بمصر، فكيف لك ~~بالحر في مكة وهو هناك أضعاف ما هنا؟ ففكر ثم جزاني خيرا، وفترت همته عن ~~السفر. # وحدث أيضا الشيخ السقا قال: بينما نحن في درسه إذ وقف على الحلقة رجل أعجمي بشع ~~المنظر في منطقته خنجر، ثم «رطن» مع الشيخ بلغة لم نفهمها، وكلما طال الكلام ازداد ~~الرجل حنقا وحدة، فترك الشيخ كراريسه، وقال: أنا محتاج لتجديد وضوئي، ثم ذهب ولم ~~يعد، وانصرفنا، وتبين لنا أنه من أقارب زوجته التي تزوج بها في بلاد الترك ثم ~~تركها، فأخبرنا هو أن الرجل كان يتهدده بالقتل. # وكان الشيخ العطار عالما جليلا ذائع الصيت في مصر وسائر الأقطار العربية والشرقية، ~~وأديبا فريدا، وشاعرا مجيدا، وكان مع ما اتصف به من حميد السجايا وطيب الخلال ~~متواضعا كريما زاهدا وجيها أينما توجه وحيثما أقام، رحمه الله وأجزل ~~مثوبته. # الشيخ حسن العطار # 1 # رائد البعث الأدبي في مصر الحديثة # الشيخ حسن العطار هو حسن بن محمد كتن، المولود بالقاهرة سنة ms009 1180ه/1766م على أرجح ~~الأقوال، وهو يرتد إلى أصول مغربية، وقد اتصل بالفرنسيين اتصالا علميا، كما ~~اتصل بمحمد علي، وولي تحرير «الوقائع العربية» بين (1244-1246ه/1828-1830م)، ومشيخة ~~الأزهر سنة 1246ه وظل فيها حتى توفي سنة 1250ه/1835م. # وكان أبوه عطارا فقيرا له إلمام بالعلم، وكان يستصحبه إلى الدكان ويستخدمه ~~في صغار شئونه، ومن هنا جاءه لقب العطار، وكان يميل إلى التعلم وتأخذه الغيرة عند ~~رؤيته أترابه يترددون إلى المكاتب، فكان يختلف إلى الجامع الأزهر خفية حتى قرأ ~~القرآن في مدة يسيرة، فلما علم أبوه بذلك بارك اتجاهه وشجعه، فجد في ~~التحصيل حتى بلغ من العلوم في زمن قليل مبلغا تميز به، واستحق التصدي ~~للتدريس، لكنه مال إلى الاستكمال، فاشتغل بغرائب الفنون والتقاط فوائدها. # والواقع أن مفتاح شخصية العطار يكمن في حبه الأصيل للعلم، وكلف العطار ~~بالمعرفة والتعلم هو الذي جعله فذا بين أقرانه تلميذا وأستاذا، وهو الذي صاحبه ~~في كافة مراحل حياته وجعله حدثا في عصره. # كان الرجل قارئا نهما، وكان إلى ذلك يحسن الانتفاع بما يقرأ، حتى اشتهر عنه ~~ذلك، فإلى جانب النص السابق الذي يسجل أنه كان ميالا إلى الاستكمال مشتغلا ~~بغرائب الفنون والتقاط فوائدها نجد أحد أصدقائه الشيخ محمد شهاب يقول: «إن الشيخ ~~العطار كان آية في حدة النظر وشدة الذكاء، ولقد كان يزورنا ليلا في بعض الأحيان ~~فيتناول الكتاب الدقيق الخط الذي تتعسر قراءته في وضح النهار فيقرأ فيه على نور ~~السراج وهو في موضعه، وربما استعار مني الكتاب في مجلدين فلا يلبث عنده الأسبوع أو ~~الأسبوعين ويعيده إلي وقد استوفى قراءته وكتب في طرره على كثير من ~~مواضعه.» # وقد اتصل العطار بالفرنسيين إبان الحملة ~~ليعلم أحدهم اللغة العربية، فكان يستفيد منهم الفنون المستعملة في بلادهم فيما ~~يقول علي مبارك، وقد أشار العطار نفسه إلى ذلك في مقامته إن جاز أن نعتبرها مصدرا، ~~وإن غضضنا الطرف عن فكرة أنه ساقها على لسان راو صديق، يقول في موضع منها ~~معددا الكتب التي رآها عند الفرنسيين: «وكلها في العلوم الرياضية والأدبية، ms010 ~~وأطلعوني على آلات فلكية وهندسية»، وفي موضع آخر من نفس المقامة يشير إلى حب ~~الفرنسيين للفلسفة وحرصهم على اقتناء كتبها وإعمال الفكرة فيها. # وإلى جانب صلة العطار بالفرنسيين في مكتباتهم ومصانعهم، فقد كان للعطار ولع ~~بقراءة الكتب المترجمة عن اللغات الأوروبية، خاصة في علمي التاريخ والجغرافيا حتى ~~اشتهر عنه ذلك، والعطار نفسه يقول في هذا المنبع من منابع ثقافته: ~~«وقع في زمننا أن جلبت كتب من بلاد الإفرنج، وترجمت باللغة التركية والعربية ، ~~وفيها أعمال كثيرة وأفعال دقيقة اطلعنا على بعضها، وقد تتحول تلك الأعمال ~~بواسطة الأصول الهندسية والعلوم الطبيعية من القوة إلى الفعل، وتكلموا في ~~الصناعات الحربية والآلات النارية ومهدوا فيها قواعد وأصولا حتى صار ذلك علما ~~مستقلا مدونا في الكتب، وفرعوه إلى فروع كثيرة، ومن سمت به همته إلى ~~الاطلاع على غرائب المؤلفات وعجائب المصنفات انكشفت له حقائق كثيرة من دقائق ~~العلوم، وتنزهت فكرته إن كانت سليمة في رياض الفهم.» # وإلى جانب اتصال العطار بالثقافة الغربية عن طريق الاحتكاك المباشر أولا ثم عن ~~طريق الكتب المترجمة، فإن الرجل قد توفرت له وسيلة ثالثة: هي الرحلة؛ إذ ذهب إلى ~~الشام وفلسطين وتركيا، «ولم يزل مشتغلا بالإفادة والاستفادة حتى عاد إلى مصر ~~بعلوم كثيرة، وأقر له علماء مصر بالانفراد.» # وليس واضحا في كل ما كتب عن الشيخ العطار سبب هذه الرحلة، ولكن يبدو أنه ~~اضطر إليها بعد أن ساءت علاقاته بالفرنسيين. # فلما عاد العطار إلى مصر في عهد محمد علي، عاد موسوعيا في ثقافته وعلمه، يطاول ~~علماء الأزهر الأفذاذ، ويمتلئ حماسة لتطوير البلاد وإصلاح أحوالها. ويمكن إجمال ~~جهود العطار الإصلاحية في ثلاثة ميادين، هي: التعليم والثقافة، ثم الأدب واللغة، ثم ~~السياسة. # أما في مجال التعليم والثقافة، فقد اتخذت جهود الرجل عدة مظاهر: أولها أنه جعل ~~ينبه الأزهريين في عصره إلى واقعهم الثقافي والتعليمي، ويبين ضرورة إدخالهم ~~المواد الممنوعة؛ كالفلسفة والأدب والجغرافيا والتاريخ والعلوم الطبيعية، كما ~~يبين ضرورة إقلاعهم عن أساليبهم في التدريس، ووجوب الرجوع إلى الكتب الأصول وعدم ~~الاكتفاء بالملخصات والمتون ms011 المتداولة، ويتوسل إلى ذلك بكل وسيلة، يقول مبينا ~~الفارق بين علماء عصره والعلماء الأفذاذ الذين عرفهم العالم العربي قبل عصر ~~العطار، ومحطما أكذوبة تحريم الدين الإسلامي لبعض العلم: ~~... من تأمل ما سطرناه وما ذكر من التصدي لتراجم الأئمة الأعلام، علم ~~أنهم كانوا - مع رسوخ قدمهم في العلوم الشرعية والأحكام الدينية - لهم ~~اطلاع عظيم على غيرها من العلوم، وإحاطة تامة بكلياتها وجزئياتها حتى في ~~كتب المخالفين في العقائد والفروع، ثم هم مع ذلك ما خلوا في تثقيف ~~ألسنتهم وترقيق طباعهم من رقائق الأشعار ولطائف المحاضرات. # وفيما انتهى إليه الحال في زمن وقعنا فيه علم أن نسبتنا إليهم كنسبة ~~عامة زمانهم، فإن قصارى أمرنا النقل عنهم بدون أن نخترع شيئا من عند ~~أنفسنا، وليتنا وصلنا إلى هذه المرتبة، بل اقتصرنا على النظر في كتب ~~محصورة ألفها المتأخرون والمستمدون من كلامهم نكررها طول العمر، ولا ~~تطمح نفوسنا إلى النظر في غيرها حتى كأن العلم انحصر في هذه الكتب، فلزم ~~من ذلك أنه إذا ورد علينا سؤال من غوامض علم الكلام تخلصنا منه بأن هذا ~~كلام الفلاسفة ولا ننظر فيه، أو مسألة أصولية قلنا لم نرها في «جمع ~~الجوامع» فلا أصل لها، أو نكتة أدبية قلنا هذا من علوم أهل البطالة، وهكذا ~~فصار العذر أقبح من الذنب ... وهذه نفثة مصدور. # وقد بدأ العطار يخرج على هذا الجمود العلمي الأزهري بتدريسه المواد الممنوعة؛ إذ ~~بدأ يدرس الجغرافيا والتاريخ في الأزهر وخارج نطاق الأزهر، كما كان تلميذه محمد ~~عياد الطنطاوي يدرس الأدب في الأزهر بإيحاء العطار وتحت إشرافه في «مقامات ~~الحريري» حوالي سنة 1827م، كما بدأ تلميذه رفاعة الطهطاوي أيضا يدرس الحديث ~~والسنة بطريق المحاضرة وبلا نص، مما كان مثار إعجاب العلماء، وفي الخطط ~~التوفيقية أن العطار «عقد مجلسا لقراء تفسير البيضاوي»، وقد مضت مدة على هذا ~~التفسير لا يقرؤه أحد، فحضر أكابر المشايخ، فكانوا إذا جلس للدرس تركوا حلقهم ~~وقاموا إلى درسه»، ولعله بذلك يكون قد بدأ ما لجأ إليه الأفغاني ومحمد عبده من ~~إعادة ms012 تفسير القرآن في ضوء الظروف المعاصرة، والمهم أن هذا النص يدل على أن ~~التربة من حول العطار لم تكن مواتا تماما، فإن قيام زملائه الشيوخ إلى حلقته، مع ~~اشتداد معارضتهم له ونقمتهم عليه لنزعته التجديدية ولحملاته على تقصيرهم العلمي لهو ~~أمر له دلالته، كما أنه وثيقة تشهد بمقدرة هذا العالم الفذ. # فكأن الشق الأول من دعوة العطار الإصلاحية كان يتمثل في مناداته بضرورة تطوير ~~التعليم الأزهري من حيث المناهج ومواد الدراسة؛ وذلك بالرجوع إلى المصادر الأصلية ~~وبتدريس المواد الممنوعة، وهو ما يمكن أن نعبر عنه بالدعوة إلى ضرورة بعث ~~التراث العربي القديم، وهي دعوة حاول العطار نفسه الإسهام في تنفيذها؛ إذ لم يكن ~~يكف عن البحث والتنقيب في هذه المراجع القديمة وإشراك خاصة تلاميذه في ذلك، ولقد ~~كان الأزهر أكبر المعاقل العلمية في ذلك الوقت، فحديث العطار عن التعليم الأزهري ~~وقصوره حديث عن الحالة الثقافية عامة في البلاد. # المظهر الثاني لحركة الشيخ العطار التجديدية في مجال الثقافة والتعليم يتمثل في ~~دعوته إلى إدخال العلوم العصرية، وعبارته في ذلك معروفة: «إن بلادنا لا بد أن تتغير ~~أحوالها ويتجدد بها من المعارف ما ليس فيها.» والشيخ العطار لم يقتصر في دعوته ~~على مجرد التبشير بأفكاره الإصلاحية، إنما هو يردف القول بالعمل، فإلى جانب تدريسه ~~وتأليفه في العلوم العربية نجده يكتب في المنطق والفلك والطب والطبيعة والكيمياء ~~والهندسة، يتضح ذلك من قائمة مطبوعاته، ومن إشاراته إلى إعجابه بما رأى عند ~~الفرنسيين وخاصة تحويلهم علومهم إلى عمل، وفضلا عن ذلك فإن استعراض قائمة ~~مطبوعات بولاق حتى سنة 1835م تدل على أن عددا وافرا من المطبوعات في جميع ~~المواد المذكورة كان قد طبع، بل إن العطار كان يتردد على المرصد الذي أنشأه ~~الفرنسيون، كما «كان يرسم بيده المزاول النهارية والليلية»، وقد حفلت شروح الرجل ~~وحواشيه على الكتب المختلفة بتعليقات في كافة العلوم الطبيعية والاجتماعية ~~والإنسانية. # والجانب الثاني من جوانب حركة العطار هو التطوير الأدبي، وقد مر بنا أنه أفلح ~~في إدخال الدراسة الأدبية إلى الأزهر ms013 على يدي تلميذه الطنطاوي، كما أنه هو نفسه قد ~~اعتنى بالأدب عناية خاصة، فلم يكن يتحرج من إنشائه أو تدريسه، ويبين عدم ~~تعارض ذلك مع وقار العلم أو جلال الدين، مستشهدا بالأسلاف العظام. # كان العطار يكتب النثر وينظم الشعر، ويشجع تلاميذه على ذلك، حتى إن جمال أسلوبه ~~كان سر اختياره أول محرر للوقائع العربية، وقد كتب العطار مقامة على النسق ~~القديم، وإن كان موضوعها حديثا، فهي تدور حول علاقته بالفرنسيين وانتفاعه ~~بمكتبتهم، كما كتب كتابا في فلسفة الإنشاء ضمنه كل الأنواع الأدبية المعروفة ~~لعهده، وأردف كلا منها بنماذج مختارة من إنتاجه الخاص، وهي أكثر أجزاء الكتاب ~~حيوية؛ إذ يسجل فيها خواطره وانطباعاته التي تركتها في نفسه رحلاته ومعاملاته ~~مع الناس الذين احتك بهم، والكتاب بعد حافل بنماذج شعرية للرجل نفسه، وذلك هو ~~كتاب «إنشاء العطار». # وفضلا عن ذلك فتاريخ «الجبرتي» حافل بنماذج شعرية له، وكذلك «كنز الجوهر»، ~~و«الخطط التوفيقية»، وغيرها من الكتب التي ترجمت له. # ويغلب على أسلوب العطار البساطة والسهولة والحرص على الفكرة ونقلها إلى ~~القارئ؛ فالأسلوب عنده مجرد وسيلة للتعبير وليس غاية في ذاته، ومع ذلك فهناك في ~~بعض كتابات الرجل السجع والمحسنات البديعية عموما، ومن غريب الأمر أن ذلك يكثر ~~حيث يقصد الرجل إلى الإنشاء الأدبي أو الكلام في فلسفة الأدب، ويقل في مؤلفاته ~~العلمية حيث يسهل أسلوبه ويسلس حتى ليوشك أن يكون معاصرا. # أما في الشعر فإن نماذج العطار الحية قد دارت حول موضوعات شغلته، وهو ~~يسجل وعيه بذلك وتمسكه به، ونفوره من التزام التقليد القديم في ~~بكاء الدمن، والانغلاق في الموضوعات الشعرية ~~القديمة وعناصرها. ومن أقوال «العطار» في هذا المعنى ما جاء في ثنايا تغنيه بجمال ~~الطبيعة في دمشق: # بوادي دمشق الشام جز بي أخا البسط # وعرج على باب السلام ولا تخطي # ولا تبك ما يبكي امرؤ القيس حوملا # ولا منزلا أودى بمنعرج السقط # فإن على باب السلام من البها # ملابس حسن قد حفظن من العط # هنالك تلقى ما يروقك منظرا # ويسلي عن الأخدان والصحب ms014 والرهط # كساها الحيا أثواب خط فدثرت # بنور شعاع الشمس والزهر كالقرط # فهو يؤثر التحول عن بكاء الأطلال إلى التغني بالطبيعة الحية من حوله ~~إيثارا واعيا مقصودا، ويلاحظ على هذه المقطوعة سهولة لغتها وتماسك أبياتها في ~~كل مترابط، وهي صفة عامة تنسحب على معظم إنتاج العطار الشعري ما لم يعمد الرجل إلى ~~التزام الإطار التقليدي للقصيدة العربية، كما كان متداولا عند معاصريه، ويكثر ذلك ~~في شعر المناسبات غاليا. وفي رثاء الشيخ العطار لأستاذه «الدسوقي » نجد نموذجا ~~لهذا الشعر الذي يقوم على المغالاة والاتكاء على التوليدات المنطقية مما يجعله ~~أقرب إلى النظم، وفي نماذج هذا النوع تنتكس وحدة القصيدة فيصبح البيت وحدة قائمة ~~بذاتها؛ كقوله: # عزاء بني الدنيا بفقد أئمة # لكأس مرير الموت كل تجرعا # يمينا لقد جل المصاب بشيخنا ال # دسوقي وعاد القلب بالهم مترعا # بقي من أوجه نشاط العطار الجانب السياسي، والفكرة الشائعة بين من درسوا الرجل ~~وأعماله أنه كان مسالما بطبعه، يلتزم أسلوب العلماء في الآراء التي يبشر بها، أو ~~أنه كان حصيفا كيسا - كما يذهب المرحوم الأستاذ العقاد - فلم يقحم نفسه في ~~مجال السياسة، بل إن الذي يراجع آراء معاصري العطار من الشيوخ يحس أنهم كانوا ~~ينظرون إليه على أنه رجل محمد علي وصنيعته، والواقع أن هذه النظرة إلى نشاط ~~العطار السياسي لها ما يبررها من ظاهر موقف الرجل ورأي معاصريه فيه، ولكنها ~~بعد نظرة من الخارج أو هي نظرة على السطح. # لقد رحل العطار من القاهرة إلى أسيوط فرارا من وجه الفرنسيين أول دخول رجال ~~الحملة الفرنسية القاهرة، وظل هناك حتى هدأت الأحوال واطمأنت النفوس، فعاد مع ~~العائدين، وبدأت صلة العطار بالفرنسيين منذ ذلك التاريخ، وتوثقت هذه الصلة حتى ~~أصبح يفهم عنهم ويتحمس لحضارتهم وعلمهم، ويبشر بضرورة الانتفاع بكل ذلك، ثم ~~يسافر العطار إلى سوريا وتركيا ولا يعود إلا في عهد محمد علي. والراجح أنه خرج ~~مكرها بسبب العسف الفرنسي، أو احتجاجا على إساءة الفرنسيين معاملة المصريين، ~~ويقال إنه ذكر ذلك في بعض رسائله الخاصة. # وفي عهد ms015 الحملة بشر نابليون في منشوراته وأقواله بملامح ديمقراطية رائعة، ~~وبلغ ذلك ذروته في الديوان العام الذي هو أشبه ما يكون بمؤتمر عام يضم مندوبي ~~القاهرة والأقاليم للبحث في شكل الحكم والضرائب والقضاة وغير ذلك من الأمور ~~الحيوية، كما نجد هذه اللمحة الديمقراطية تتكرر في الدواوين الخاصة، إلا أن ~~الفرنسيين لم يلبثوا أن فجعوا المصريين في آمالهم التي علقوها بهذه الوعود ~~البراقة؛ ذلك أن الفرنسيين سلبوا هذه المنظمات فاعليتها، وفرضوا الكثير من ~~الضرائب والإتاوات والسلف الإجبارية، بل أزهقوا من الأرواح ما لم يجد معه ~~تدخل أعضاء الدواوين ولا العلماء، مما ضاعف من حنق المصريين على الفرنسيين، وهو ~~ما ترك أثرا حاسما على الحركة القومية الوليدة، وبدهي أن العلماء المثقفين ~~الفاهمين كانوا في طليعة الناقمين، وكان العطار بين هؤلاء في المقدمة، وحسبنا ~~دليلا على غضبة الشعب وعدم انخداعه بوعود نابليون أن الديوان العام انتهى بثورة ~~القاهرة الأولى. # وفي عهد الحملة الفرنسية أيضا ترجم الدستور الفرنسي وأعيد طبعه ثلاث مرات، ~~وكان العطار يتابع الكتب المترجمة، فلا شك أنه قرأ هذا الدستور المترجم ووعاه، ~~ولقد كان العطار بعد معنيا بتقدم البلاد حريصا عليه، وهو صاحب فكرة إرسال ~~الطهطاوي تلميذه الفذ في البعثة العلمية إلى فرنسا في عهد محمد علي، كما كان صاحب ~~فكرة تدوين الطهطاوي لكل ما يرى وما يعن له في أثناء رحلته مما كان ثمرته كتاب ~~«تخليص الإبريز في تلخيص باريز»، فليس من المغالاة في شيء أن نستنتج أن وقوف ~~الطهطاوي عند نظام الحكم الفرنسي، ونقله من الدستور الفرنسي، وإطالته الوقوف عند ~~ما أسماه «جوانب العدل» فيه، إنما يرتد إلى إيحاء أستاذه العطار. ومن هنا يمكن ~~أن نجمل موقف الرجل السياسي في عهد الحملة الفرنسية، في نشاط معاد استوجب ~~نفيه، ثم تنبهه إلى مزايا الديمقراطية الفرنسية وحرصه على أن تنتفع بلاده بها ~~انتفاعا رسم خطوطه العريضة لتلاميذه وعهد إليهم بموالاته. ~~••• # وفي عهد محمد علي نجد إشارات متفرقة يمكن بجمعها وتعمقها أن نستدل على موقف ~~العطار السياسي، وأولى هذه الإشارات أن الرجل كان ms016 صديقا حميما للجبرتي المؤرخ، ~~وأنه أسهم معه في تأليف كتابه «مظهر التقديس»، والمعروف عن الجبرتي أنه كان ينقم ~~على محمد علي افتياته على الكيان المصري والشخصية المصرية، وإن أعجب بنشاطه ~~وحزمه، يقول في ذلك: «... فلو وفقه الله بشيء من العدالة على ما فيه من العزم ~~والكياسة والشهامة والتدبير والمطاولة لكان أعجوبة زمانه وفريد أوانه.» # وليس ببعيد أن يكون هذا هو حقيقة موقف العطار نفسه من محمد علي وحكمه، لا سيما ~~أن الرجل كان شديد الغيرة على المصلحة العامة، شديد الحرص على تشخيص الواقع ~~المحيط به وتغييره. ~~••• # أما الإشارة الثانية إلى موقف العطار السياسي في عهد محمد علي، فنجدها في الوقائع ~~في الفترة التي ولي فيها العطار تحرير القسم العربي منها (1828-1830م). وخلاصة ~~هذه الإشارة أن أحد محرري الوقائع، واسمه عزيز أفندي، كان يحرص على أن يعرض ~~الأخبار التي ترد إليه من محمد علي عرضا موجها، أي أنه كان يعلق عليها برأيه ~~الشخصي، ولم يرض ذلك محمدا عليا، فلفت نظر عزيز أفندي مرة ومرة، وفي الثالثة ~~نحاه نهائيا عن الوقائع، وبعد ذلك بقليل نجد رئيس التحرير نفسه يعتذر عن كتابته ~~بعض أشياء لم يكن مطلعا عليها فوقع بها الخطأ، وأن سعادته «محمد علي» أمر بأنه ~~لا يكتب شيء إلا بعد الاطلاع على حقيقته ليكون خاليا من السهو والخطأ، ويشكر ~~المحرر محمدا عليا لتجاوزه عن هذا الأمر، بل واختياره المحرر عضوا في ~~المجلس العالي من غير استحقاق. # وهذه الإشارات جميعا لا تدع مجالا للشك في أن العطار لم يكن راضيا تماما عن ~~كل ما يدور حوله، ولكنه كان كيسا اتعظ بما فعل محمد علي بزعماء المصريين ~~وعلمائهم المناوئين له، فلم يلجأ «العطار» إلى أسلوب المجابهة المفتوحة. # والخلاصة أن الشيخ حسن العطار كان له موقف متكامل من مشكلات مجتمعه الثقافية ~~والتعليمية والأدبية والسياسية. # وقد حاول أن يشخص هذا الواقع ويحدد جوانب الضعف فيه، كما نادى بضرورة ~~تغييره ورسم برنامج هذا التغيير، ثم أسهم بدوره في هذا التغيير، وأخيرا أنه ~~عهد بأمانة هذا التغيير ms017 ومستقبله إلى تلاميذه، الذين يعتبر رفاعة الطهطاوي ~~نموذجهم الفذ الذي بلغت حركة العطار على يديه أوجها. وفي كل ما قاله الطهطاوي ~~وما عمله تكاد روح العطار وشخصيته أن تلمس باليد. # | محمد أبو الفتح # 1217-1294ه # هو الشيخ محمد أبو الفتح مفتي الإسكندرية، وقد ولد في أوائل القرن الثالث عشر، وطلب ~~العلم بالأزهر على الشيخ الصاوي وغيره من شيوخ الوقت، ثم انتقل لرشيد وتزوج ~~بها. # وكان ملازما للشيخ محمد البنا الكبير، فلما انتقل الشيخ إلى الإسكندرية انتقل ~~المترجم معه وبقي بها وانتخب أمينا لفتواها، وكان مفتيها إذ ذاك الشيخ الدويري، ثم ~~لما مات «الدويري» تولى «البنا» الإفتاء، فنقل المترجم لمنصب آخر، ولما مات البنا ~~تولى هو إفتاء الثغر وبقي به إلى أن مات. # وكان له شغف زائد بجمع الكتب واقتناء نفائسها، حتى اجتمعت له خزانة نفيسة بيعت بعد ~~موته بثمن بخس، وكان رأي بناته وزوجته إبقاءها فلم يرض ولده، فذهبت وتفرقت بعدما ~~عانى أبوه ما عانى في شرائها واستنساخها. # وكان له ولع أيضا بجمع الساعات، فجمع منها نوادر وطرفا بيعت بعد موته أيضا، ~~ولم يترك شيئا من الحطام سوى دار بالإسكندرية كان يسكنها في أواخر أيامه. # وكانت وفاته يوم الاثنين سادس شهر صفر سنة 1294ه ودفن يوم الثلاثاء، ورثاه الشيخ ~~عبد الرحمن الإبياري قاضي الإسكندرية بقصيدة مطلعها: # أهذي سيوف الدهر جردها الدهر # أم السنة الشهباء جف لها الزهر # ومن مؤلفاته: كتاب «تبويب الأشباه والنظائر لابن ~~نجيم». # وشرع في كتاب آخر في الفقه لم يكمله. # وكانت له يد طولى في علم الميقات. # وهو جد صاحبنا # 1 # العالم الفاضل الشيخ حسن منصور لأمه. # | محمد الأشموني # 1218-1321ه # هو الشيخ محمد الأشموني. ومعلوم أن أصله من أشمون جريس - قرية من أعمال المنوفية - ~~وقد أخبر أنه من نسل أبي مدين التلمساني، ولد سنة 1218ه، وحضر إلى الأزهر فتلقى ~~عن شيوخه: القويسني، والبولاقي، والفضالي، والأمير، والباجوري، والمرصفي وغيرهم، وكان ~~أكثر حضوره على البولاقي والباجوري، واشتهر بالذكاء وجودة التعليق، وإتقان التحصيل، ~~إلى أن تأهل للتدريس، فدرس الكتب المتداولة بالأزهر ms018 صغيرة وكبيرة، وقرأ المطول، ~~وجمع الجوامع، وكتب التفسير، والحديث، والعقائد وغيرها مرات بعذوبة منطق، وحسن ~~إلقاء، ولم يؤلف كتبا، وإنما كتب عنه بعض الطلبة تقييدات عن قراءته للعقائد ~~النسفية، وكذلك قيدوا عنه نحو ثلاثين كراسة حال قراءته لمختصر السعد، وأخذ عنه كثيرون ~~من كبار علماء الأزهر، وعمر عمرا طويلا حتى ألحق الأجداد بالأحفاد، وصار جميع من ~~بالأزهر إما تلاميذه أو ممن في طبقتهم. # وروي أن الشيخ محمد الإنبابي شيخ الأزهر تلقى عنه، إلا أن الشيخ الإنبابي كان ~~ينكر ذلك ، ولم يعقب المترجم لأنه لم يتزوج قط، وكان القائم بخدمته في داره أخت ~~له وجارية سوداء، وعبد اسمه محبوب، تبناه وزوجه من الجارية وفتح له حانوتا ~~بالتربيعة وصيره من التجار، ثم وقف على الثلاثة داره التي كان يسكنها بالباطنية ~~بالقرب من الأزهر. # ولم ينقطع عن التدريس والإفادة إلا قبل موته ببضع سنوات لضعف أصابه من الكبر وأبطل ~~حركته، وكانت وفاته ليلة الجمعة رابع ذي القعدة سنة 1321ه عن مائة سنة وثلاث سنوات، ~~وأطلقوا منادين في الطرق للإنباء بوفاته، فساروا مثنى رافعين أصواتهم بالنعي، واجتمع ~~في صبيحة الوفاة الألوف من صفوف الناس لتشييع جنازته. قيل إنهم بلغوا نحو أربعين ~~ألفا، وحضر أيضا الوزير المنبهي المراكشي وزير الحرب بالمغرب، وكان مارا بمصر ~~للحج. # وتقدم شيخ الأزهر السيد علي الببلاوي للصلاة عليه بالأزهر، وتلوا قبيل الصلاة ~~مرثية من نظم الشيخ إبراهيم راضي، مطلعها: # لا قلب للإسلام غير حزين # فاليوم فيه انهد ركن الدين # ثم خرجوا بالجنازة إلى القرافة ودفنوه في مقبرة الشيخ الإنبابي، وكان رحمه الله أنيس ~~المحضر، كثير الدعابة والمزاح مع الطلبة، شديد الورع، متصفا بالزهد والتقشف وقلة ~~الاحتفال برفاهة العيش، إذا سار في الطريق توكأ على عصاه بيد ووضع الأخرى على كتف من ~~يسايره، ولا سيما بعد علو السن وضعف القوة، حضر مرة احتفالا مما يقام لكسر السد ~~أو المولد النبوي، ورموا بالسهام النارية كعادتهم، فتجاوز سهم منها مداه ووقع على ~~الحاضرين فأصاب المترجم في إحدى عينيه وذهب بها، فرتبت له السلطات ms019 راتبا شهريا ~~علاوة على راتب الأزهر رحمه الله تعالى. # | إبراهيم مرزوق # 1221-1283ه # تلقى إبراهيم بك مرزوق الشاعر العلم بمدرسة الألسن، وتخرج على ناظرها رفاعة بك ~~رافع الشهير، فقرأ بهذه المدرسة النحو والصرف وباقي علومها، وبرع في الفرنسية، وكان ~~لرفاعة عناية خاصة في تلقين تلاميذه العربية والعلوم الأدبية وتدريبهم على نظم الشعر، ~~فكان للمترجم حظ من هذه الصناعة، فنظم الشعر الجيد من المقطعات والقصائد، اعتنى ~~بجمعها بعده محمد سعيد بك ابن جعفر مظهر باشا سنة 1287ه في ديوان سماه «الدر البهي ~~المنسوق بديوان إبراهيم بك مرزوق» وطبع بمصر. # ولما أتم المترجم علومه بالمدرسة استخدم في ديوان كان يقال له «ديوان الهرجلات» ~~وهو خاص ببيع الخيل والماشية التابعة للحكومة، ثم نقل منه ناظرا للقلم الإفرنكي ~~بالضبطية، وفصل منه مدة عبده باشا ضابط مصر، ثم عاد إليه بعد نحو ثلاث سنوات، وكان ~~مدة توليه لهذا القلم كثير المعاكسة للإفرنج، إذا وقع أحدهم في سجن الضبطية أو كانت ~~له دعوى بها قلما كان يسلم من أذاته، حتى ضج منه وكلاء الدول وأكثروا من الشكوى، ~~فلم يكن يثبت عليه شيء عند التحقيق؛ والسبب في ذلك أنه كان يعتمد على إخوانه ومرءوسيه ~~بالضبطية على إيصال الأذى إليهم سرا نكاية بهم لطغيانهم على الرعية وتدرعهم بدروع ~~الحمايات. # وفي مدة وكالة إسماعيل الخديو نقل المترجم معاونا بمجلس الأحكام، ثم لما تولى ~~هذا الخديو على مصر أرسله ناظرا للقلم الإفرنكي بالخرطوم قاعدة بلاد السودان، فبقي إلى ~~أن توفي بها سنة 1283ه. # وكان مربوع القامة، أبيض اللون، قد وخطه الشيب، ومات بعدما تجاوز الستين رحمه ~~الله. # | محمد عياد الطنطاوي # 1227ه-1280ه/1810م-1862م # وقفت له على ترجمة بخط الأديب الأستاذ عبد المعطي السعد، قال: هو الشيخ محمد بن سعد، ~~الملقب بعياد الطنطاوي، الشافعي، أحد أفراد الطبقة الأولى الآخذة عن شيخ الإسلام الشيخ ~~إبراهيم الباجوري شيخ الجامع الأزهر المتوفى سنة 1276ه. # كان رحمه الله من أعيان علماء القرن الثالث عشر، راسخ القدم في العلوم العقلية ~~والنقلية، آخذا بحظ وافر من الأدب، وله كثير من ms020 الشعر الحسن والنثر المستحسن، وكان ~~المشتغلون بالأدب من علماء الأزهر في عهده قليلين يعدون على أصابع اليد؛ كشيخ ~~الإسلام الشيخ حسن العطار شيخ الجامع الأزهر، والشيخ خليل الرجبي. # وقد ولد المترجم في طنطا سنة 1810م وتعلم في الجامع الأحمدي بها، ثم أتم ~~تعليمه في الأزهر، وله رحمه الله مؤلفات كثيرة تنم على غزارة مادة ودقة نظر، ~~منها: في العقائد حاشية على الشرح المسمى «بالتحفة السنية في العقائد السنية» ~~للعلامة الكبير برهان الدين أبي المعالي إبراهيم السقا على منظومة السيد محمد بليحة، ~~يقول في آخرها: # وحيث طعمت من بليحة، وشربت من منهل السقا، فتفكه بها لأنس نفسك علك أن ترقى. # ومنها: حاشية على رسالة شيخه العلامة الشيخ إبراهيم الباجوري، يقول فيها مادحا ~~ومقرظا، كما وجدته مكتوبا بخطه تحت طرتها: # إن علم الكلام أفضل علم # فيه وصف الإله والرسل يسرد # فإلى هذه الرسالة يمم # فهي حازت لما عليك تأكد # ومنها: «شرح منظومة الشيخ السلموني»، التزم السجع في جميع جمله، يقع في نحو كراسة، ~~و«حاشية على شرح الشيخ خالد الأزهري» على متنه المسمى «بالأزهرية» في علم النحو، ~~ضمنها تحقيقات جمة، و«حاشية على متن الزنجاني في الصرف المشهور بمتن العزي»، قال ~~في أولها موريا بالمتن المذكور: # الصرف زين أهله # وهو لهم كالكنز # قالوا لما تقرؤه # قلت لأجل «العز» # ومنها: «منظومة في البيان نظم فيها متن السمرقندية» وشرح على المنظومة المذكورة، في ~~كراستين لطيفتين. # ومنها حاشية جليلة على كتاب «الكافي في علمي العروض والقوافي». # وقدر له رحمه الله الذهاب إلى روسيا، فذهب إليها، حوالي سنة 1840م، وعمل مدرسا ~~للغة العربية بمعهد اللغات الشرقية في بطرسبورج، # 1 # وظل يعمل هنالك نحو ربع قرن، إلى أن انتقل إلى رحمة الله سنة 1862م، بعد ~~أن تخرج على يديه عدد كبير من المستشرقين. # وكانت بينه وبين رفاعة الطهطاوي مراسلات أدبية، وكلاهما من خاصة تلاميذ الشيخ حسن ~~العطار، وقال في إحدى رسائله إليه: ~~«أنا مشغول بكيفية معيشة الأوروبيين وانبساطهم وحسن إدارتهم، خصوصا ريفهم وبيوتهم ~~المحدقة بالبساتين والأنهار، إلى غير ذلك ms021 مما شاهدته قبل بباريز، إذ بطرسبورج لا تنقص ~~عنها بل تفضلها في أشياء كاتساع الطرق. أما من جهة البرد فلم يضرني جدا، وإنما ~~ألزمني ربط منديل في العنق ولبس فروة إذا خرجت، أما في البيت فالمداخن المثبتة معدة ~~للإدفاء.» # ومن أهم مؤلفاته كتاب سماه «أحسن النخب في معرفة لسان العرب»، وقد ضمنه جملا ~~وألفاظا ومكاتبات وقصصا وأغاني عامية مع ترجمتها إلى الفرنسية، وله مخطوطات عدة ~~موجودة في مكتبة كلية بطرسبورج. # وقد اصطحب معه إلى روسيا زوجته وابنه، وبقيا بعده فيها إلى أن توفيا ودفنا ~~مثله بمدافن المسلمين في بطرسبورج. # ولم تؤثر إقامته الطويلة في روسيا في شيء من دينه أو عقيدته، كما يؤخذ من قوله في ~~قطعة شعرية أرسلها إلى أحد أصدقائه بمصر: # أنا بين قوم لا أدين بدينهم # أبدا ولا يتدينون بديني ~~••• # وقد وقفت على ترجمة أخرى للشيخ محمد الطنطاوي، في كتاب تلقيته من المستشرق الروسي ~~أغناطيوس كراتشوفسكي عضو أكاديمية العلوم الروسية، كتبه في ليننغراد في 30 تشرين ~~الثاني (أكتوبر) سنة 1924م، وهذا نص الكتاب: # جناب العالم العلامة الفاضل والأستاذ المدقق الكامل. # 2 # قد تسلمت في هذه الأيام الجزء التاسع من مجلة المجمع العلمي العربي في دمشق، ~~ورأيت فيه مقالة عن الشيخ الطنطاوي جاد بها قلمكم السيال وعلمكم الواسع، وسررت ~~بها جد السرور لما نشرتم من ذكر هذا الرجل الفاضل الذي خدم الأدب العربي والروسي ~~خدمة تذكر وتشكر، قد طال ما أعلل نفسي بكتابة ترجمة الشيخ، وقد تراكمت لدي ~~المواد، ولكن لم تساعدني الظروف حتى الآن بجمعها وترتيبها، أما المستقبل فآت؛ ولذلك ~~رأيت أن أكتب إليكم ببعض الملاحظات والاستدراكات على مقالتكم اللطيفة، وأقول: # من أهم المصادر في هذا الموضوع تاريخ الحياة للشيخ المكتوب بقلمه، وإن لم يكتب منه ~~إلا قطعة صغيرة، وهي منشورة بأصلها العربي والترجمة الألمانية للعلامة # Y. G. Ksscgarten # في مجلة اسمها: # Testochrisftder Dentocben Morginla rdcsehen Yesselle choft I, V, ~~482, 282 ~~. ~~«والمصدر الثاني لتاريخه لا يقل أهمية عن الأول، وهو مخطوطاته العديدة الموجودة ~~الآن في مكتب الكلية ms022 البتروغرادية، وهي لا تقل عن مائة وخمسين نسخة يوجد بينها كثير ~~من تأليفات الشيخ كتبت أغلبها بخط يده، ومن مؤلفاته المذكورة في مقالتكم (ص9-388) ~~يوجد في الكلية «حاشية على الأزهرية» كتبت سنة 1253ه وهي بخط يده (عدد 827)، و«نظم ~~التعريف للزنجاني» كتب سنة 1255ه حسب النسخة الأصلية المؤرخة سنة 1295ه (عدد 726)، ~~وعدد التأليفات غير المذكورة في مقالتكم ليس بقليل؛ ككتاب «منتهى الآراب في الجبر ~~والميراث والحساب» كتب سنة 1295 بيده (عدد 820)، وكتاب «الحكايات المصرية العامية» ~~بيده (عدد 745)، ومسودات لتاريخ العرب، وترجمة الباب الأول من «كلستان السعدي» بيده ~~(عدد 838) وغيرها، وكثير من المخطوطات مع الحواشي والشروح للشيخ، يذكر فيها وقت قراءته ~~لها أو نسخه. وفي هذا من الفوائد كثير. # والمصدر الثالث لتاريخ حياة الشيخ مشتت ومبعثر بين أيدي الناس والمكاتب، أعني ~~مكاتبته مع أصدقائه وتلاميذه، ولم يصل إلى يدي منه غير شيء قليل لا يطفئ ~~غليلا. # وكان من تلاميذه المشهورين: # Y, A, Mallin # الفنلاندي ~~أصلا الذي ساح في جزيرة العرب وفي بلاد مصر وسورية سنين عديدة تحت اسم عبد المولى، وقد ~~طبعت بعض مكاتيب الشيخ إليه مترجمة إلى اللغة الأسوجية، ويوجد غيرها في مكتبة الكلية ~~في عاصمة فنلندا المسماة: # Ilalsingfors ~~، وقد أحرزت على ~~النسختين منها: ~~«وما ذكره الأستاذ # Ilnart # من تاريخ موته (390) من ~~مقالتكم، فلا صحة له، وهو مأخوذ على علاته من كتاب تاريخ الآداب العربية للأستاذ # Brockclinann # الشهير، وأقرب منه إلى الصواب ما ~~رواه أمين فكري - مسندا إلى الأستاذ غوتوالد - فإن الشيخ الطنطاوي توفي إلى رحمة ربه ~~سنة 1861م في 29 أكتوبر منها، كذلك لا صحة لما ذكرته مجلة رعمسيس (ص391) وهو مأخوذ ~~حرفيا من كتاب الأب لويس شيخو عن تاريخ الآداب العربية في القرن التاسع عشر (59:3) ~~لأن الشيخ دعي للتدريس في الكلية سنة 1840م وليس سنة 1858م، وكان هو المعلم الأول، ~~وكان نفروتسكي معاونا له وليس العكس، أما سفره إلى روسية فكان بدعوة من نظارة الخارجية ~~لتدريس العربية في مدرسة الألسن الشرقية التابعة للنظارة المذكورة. أما وقت سفره فليس ms023 ~~ببعيد مما استنبطتموه في مقالتكم (ص391)؛ لأنه دعي إلى الروسية سنة 1840م، وقدم ~~إليها على ما يظهر في هذه السنة، ومما يؤيد ذلك نسخة «شرح سقط الزند» الموجودة ~~بين مخطوطاته (عدد 837)، فإنه يذكر في ختامها أنه نسخها سنة 1256 وهو في المحجر الصحي ~~بالقسطنطينية. # وكذلك أصبتم في تعيين وظيفة الخواجة بكتي (ص390) فإنه كان ترجمانا ~~( # Agent consulaire ~~) للقنصلية الروسية ~~بالقاهرة. # هذا ما سنح لي تحريره في هذه الفرصة، والمرجو من جنابكم أن تغضوا الأنظار عن ~~هفواتي، وتقبلوا عذري على تقصيري؛ فإن العذر عند كرام الناس مقبول.» # | علي الليثي # 1236ه-1313ه # كان الشيخ علي الليثي في ابتداء أمره مقيما بمسجد الإمام الليثي، وكان ينزل إلى ~~الأزهر لطلب العلم ويعود للمبيت هناك، وكان كريما على فقره، ثم ورد على مصر الشيخ ~~السنوسي الكبير قاصدا الحج، فاتصل به وأخذ عنه الطريق وحج معه، ولما عاد إلى مصر ~~لم يفارقه حتى سافر معه إلى «جغبوب»، وأقام هناك مدة لم يفتأ فيها يطلب العلم ~~ويستفيد، ثم فارقه وعاد إلى مصر، واتصل بأم عباس الأول فجعلته شيخا على مجلس ~~«دلائل الخيرات» عندها، ثم اتصل بالأمير السابق أحمد رفعت ابن إبراهيم باشا الكبير ~~فاعتقد فيه وأطلعه على خزانة كتب عنده فاطلع على ما فيها واستفاد منها، وكان ~~الاعتقاد فيه بسبب سفره إلى جهة المغرب وأخذه علم الزايرجة والأوفاق عن علمائه ~~المشهورين، وتابعه في ذلك كثيرون لاعتقادهم فيه معرفته هذا العلم. # ولما تولى سعيد حكم مصر أمر عبده باشا ضابط القاهرة بجمع من يأكلون أموال ~~الناس بالباطل بهذه الخزعبلات وما إليها ونفيهم إلى السودان، فسيق معهم الشيخ علي ~~الليثي لما علق به من الاتهام بذلك، فبقي في السودان إلى أن عفي عنه وعاد إلى ~~مصر. # ولما تولى الخديو إسماعيل تلألأ نجم الشيخ علي الليثي وبدا سعده فاتصل به وقربه ~~هو والشيخ عليا أبا النصر وجعلهما نديمين له كنديمي جذيمة وصار لا يصبر عنهما في ~~مجالس أنسه، فكانا إذا حضر تلك المجالس أزاحا الكلفة وتبسطا معه في القول والتندير، ~~فكانت ms024 لهما في ذلك من النوادر ما يملأ الأسفار. # وقد بلغ من شغفه بهما أن خصص لهما قاعة بديوانه يجلسان بها كأنهما من المستخدمين ~~فيه، وحدث أن أمر بكتابة ألواح على باب كل قاعة من الديوان ليعرف من بها كقلم ~~التشريفات وقلم التحريرات ونحوهما، وسألهما العامل ماذا يكتبه على قاعتهما، فقال له ~~الشيخ الليثي: اكتب عليها: «إنما نطعكم لوجه الله.» # وبسبب تقرب المترجم من الخديو قصده الناس في الشفاعات عند الكبراء، ونفع الله به ~~خلقا كثيرين، جزاه الله عن مسعاه خير الجزاء. # ولما عزل الخديو إسماعيل، وتولى بعده ولده محمد توفيق، شغف أيضا بالمترجم ~~كوالده وقربه، وأحله محله من القبول، حتى قامت الثورة العرابية وسافر الخديو إلى ~~الإسكندرية، فانضم الشيخ علي الليثي للعرابيين اضطرارا أو اختيارا، فلما انتهت ~~الثورة العرابية وعاد الخديو للقاهرة لم يؤاخذه وصفح عنه، وقابله المترجم بقصيدة، ~~مطلعها: # كل حال لضده يتحول # فالزم الصبر إذ عليه المعول # تبرأ فيها من الفتنة وأبان عذره في الانضمام إلى العرابيين، وزاد بعد ذلك الخديو ~~في تقريبه وإكرامه، ولا سيما بعد أن بنى قصره بحلوان، وصار يسافر إليه كل أسبوعين ~~في سفينة بخارية، فإنه كثيرا ما كان يسافر بالسفينة نفسها لزيارة الشيخ الليثي في ~~ضيعته بشرق أطفيح حيث يتناول الطعام عنده ويقيم يوما في ضيافته، وهو شيء لا يفعله ~~مع غيره. # ولهذا اعتنى المترجم بتلك الضيعة فغرس فيها البساتين والكروم، وبنى قصرا صغيرا ~~لنزول الخديو وحرمه وحاشيته، ولم يزل هذا شأنه معه حتى مات الخديو، وتولى بعده ~~ولده عباس فلم يكن للشيخ حظ معه كحظه مع أبيه وجده؛ ولذلك جعل أكثر إقامته بتلك ~~الضيعة يشتغل باستغلالها ومطالعة كتبه، فإذا حضر إلى القاهرة نزل بداره التي بجهة ~~باب اللوق فيقيم بها أياما ثم يعود، ولم يزل كذلك حتى اعتلت صحته وطال مرضه ~~أشهرا حتى توفاه الله إلى رحمته يوم السبت 10 من شعبان سنة 1313ه عن سن عالية، وقد ~~شبع من الأيام وشبعت منه، ونال من العز والجاه إلى مماته ما لم ينله ms025 غيره. # وكان رحمه الله آية في حسن المجالسة، محببا إلى القلوب، أديبا شاعرا، حاضر ~~الجواب، فكه الحديث، إذا عرفه إنسان تعلق به وكره مفارقته، مع أنه كان دميم ~~الصورة أطلس، ليس في وجهه إلا شارب خفيف وشعرات على ذقنه. # ولما حضر لمصر السلطان برغش سلطان زنجبار ندبه الخديو إسماعيل لمرافقته ومجالسته، ~~فلازمه مدة مقامه بالقاهرة، وأعجب السلطان به إعجابا شديدا، ثم لما عاد لبلاده صار ~~يتعهده بالرسائل والهدايا من العنبر ونحوه كل سنة فيهدي هو أخصاءه وأصحابه، وكذلك ما ~~كان ينتج ببساتينه من غرائب الفاكهة وأصناف الأعناب النادرة كان موقوفا جميعه على ~~الهدايا لا يبيع منه شيئا. # وكان أدباء مصر وفضلاؤها يقصدونه في تلك الضيعة، فينزلهم على الرحب والسعة، ~~ويقيمون عنده الأيام والأشهر، وهو مقبل عليهم بكرم خلقه ولطائفه ومحاضراته ~~المستحسنة، وقد يقيم الإنسان عنده شهرا أو أكثر وهو يؤنسه كل يوم بحديث جديد لا ~~يعيده. # واقتنى خزانة كتب نفيسة اجتمعت له بالإهداء والشراء والاستنساخ، وكان يبذل الأثمان ~~العالية في الكتب النادرة، فجلبت له من الآفاق وعرفه تجار الكتب والوراقون فخصوه ~~بكل نفيس منها، ثم لما مات اقتسمها ورثته. # ومما وقفنا عليه للشيخ الليثي من الشعر قصيدة رثاء في محمد سلطان باشا - من أعيان ~~الصعيد الذين تقلدوا مناصب في الدولة آخرها رياسة مجلس شورى القوانين في عهد الخديو ~~محمد توفيق - وكان قد سافر إلى أوروبا لمعالجته من علة لم تفد فيها معالجة أطباء ~~مصر، ووافاه أجله في مدينة غراتس بالنمسة، ونقلت جثته إلى القطر المصري في أوائل شهر ~~ذي القعدة سنة 1301ه، وكان مطلع قصيدته: # لا تأمن الدهر واحذره أخا الفطن # فعنصر الدهر مطبوع على الفتن # يا سابحا في عباب اللهو من عمه # دع الأماني واحذر عادي الزمن # دهر تنكر في حاليه لا ثقة # به لداريه في سر وفي علن # بينا نرى المرء في أزر الصفا جزلا # إذ ألبسته المنايا حلة الكفن # يمسي وأزهار روض العيش يانعة # حينا ويصبح منعيا على ظعن # ذي شيمة الدهر لم يسلم مسالمه # هيهات يرعى ms026 ذماما غير مؤتمن # نرجو وفاه ولو كان الوفي لما # أودى بنفس أبي سلطان ذي المنن # ومنها، والله أعلم بما يقول: # يا لهف نفسي على واف له همم # ببعضها لو تحلى الدهر لم يخن # ومنها: # إني لأعجب من ساع لغائلة # وكان يرجو شفاء الروح والبدن # لكن قضى الله في إتمام نعمته # بأن يموت شهيدا نازح الوطن # من مثله قام بالأمر العظيم وقد # كان الزمان عبوس الوجه بالفطن # ومنها في إقامة الخديو مأتمه: # وبعد أن مات إتماما لنائلة # أحيا مآتمه جريا على السنن # هذي العناية قد ود الحسود له # لو كان أودى ولاقى مثلها وفني # قل للحسود انتهض واحلل مكانته # خلا لك الجو فاقرع هامة القنن # يا شامتا بنعي المكرمات فعش # وخذ أمانا بما تهوى من الزمن # هذا وإلا فنح مثلي مساعدة # وانثر فرائد دمع غالي الثمن # ما كل من مات تبكيه الكرام ولا # كل البكاء بكاء الواله الحزن # هذي مساجده هذي مدارسه # هذي منازل أضياف على سنن # لا أكذب الله إني بت من أسف # لولا يقيني بوشك القرب لم أكن # وقد كفاني رثا شجو يؤرخه # سلطان باشا شهيدا مات يا حزني ~~[سلطان = 150، باشا = 304، شهيدا = 320، مات = 441، حزني = 86]. # 1301 # حيث كانت وفاة سلطان باشا سنة 1301ه. ومما يؤثر عن الشيخ الليثي أنه ~~كان له إلمام تام بالرثاء التاريخي على جاري عادة عصره، وفضلا عن أنه كان شاعرا ~~أديبا فلم نقف له على ما دونه من الشعر. وأغلب الظن أنه لم يطبع منه ما كان ~~مخطوطا ضمن مكتبته التي كانت تزخر بنفائس المخطوطات مما جلب إليه إهداء وشراء ~~ونسخا واستنساخا، وما بذله في اقتنائها من المال الكثير، حتى اقتسمها من بقي بعده من ~~ورثته ولعلها بقيت محبوسة تحت أيديهم لم ينتفع بها أحد. # وبالجملة: فقل أن يوجد مثله، أو يجتمع لإنسان ما اجتمع له من الورع والتقوى، خصوصا ~~في أواخر أيامه، رحمه الله رحمة واسعة. # | محمد الطنطاوي # 1241ه-1306ه # وقفت له على ترجمة جمعها الأستاذ العالم السيد عيسى إسكندر المعلوف، قال: # هو الشيخ محمد ابن ms027 الشيخ مصطفى ابن الشيخ يوسف ابن الشيخ علي الطنطاوي الأزهري، ولد ~~في طنطا سنة 1241ه، ومات أبوه وعمره أربع سنوات، وماتت أمه وعمره ست سنين، وحفظ ~~القرآن وهو ابن سبع سنين على الشيخ محمد الشبراويشي، ثم دخل جامع السيد البدوي للطلب، ~~فقرأ على السيد محمد أبي النجا المشهور صاحب الحاشية، والشيخ عبد الوهاب بركات، والشيخ ~~علي حمزة، وانتفع بهم مدة وأجازوه بالإجازة العامة. # ثم سافر مع أخيه الأكبر إلى بلاد الروم وبلاد الترك، ثم دخل حلب وقرأ على الشيخ ~~أحمد الترمانيني وأجازوه، ثم رحل إلى الشام سنة 1255ه وقرأ على الشيخ سعيد الحلبي، ~~والشيخ عبد الرحمن الطيبي، والشيخ عبد الرحمن الكزبري، وأخذ طريقته النقشبندية على ~~الشيخ محمد الخاتي الخالدي، فانتفع به حتى استخلفه عنه فيها. # 1 # وعاد إلى مصر سنة 1260ه، ودخل الجامع الأزهر وانقطع للطلب بهمة وجد واجتهاد، فقرأ ~~على الشيخ إبراهيم الباجوري، والشيخ إبراهيم السقا، والشيخ عليش المغربي، والشيخ مصطفى البلتاني، # 2 # والشيخ مصطفى المبلط، والشيخ محمد الخضري، وأكثر قراءته عليه في العلوم ~~الغريبة كالميقات والفلك والجبر والمقابلة، إلى أن صار إماما في العلوم العقلية ~~والنقلية، مع شدة ذكائه وحفظه. # ثم رجع إلى الشام واستوطن دمشق في محلة الميدان سنة1265ه، وجلس في حجرة جامع سيدنا ~~صهيب الرومي، فأقبل عليه الطلبة، ولم يزل يقرئ الطالبين إلى سنة 1278ه، ثم دعاه الأمير ~~عبد القادر الجزائري وعين له معاشا (راتبا) واستأجر له دارا، وأرسل جميع أولاده ~~للأخذ عنه مع غيرهم من طلاب العلوم والفنون. # وكان الشيخ الطنطاوي يشتغل إلى ذلك بحساب جداول مما يتعلق بعلم الفلك والميقات والربع ~~المقنطر والمجيب والأسطرلاب، وقد قرأت # 3 # عليه جملة رسائل فيها، كما قرأت عليه دروسه في جامع صهيب، كما كنت في ~~معيته سنة 1290ه حينما وقع خلل في بسيطة منارة جامع بني أمية المسماة «بمئذنة ~~العروس»، فحسب الشيخ سائر أعمالها، وجعل لها جداول بعدة الأعمال ورسم غيرها، ثم أزالها ~~ووضع بسيطته في مكانها. ~~«وبالجملة» كان في كل علم عمدة، ولكل مشكلة عدة، رقيق القلب ms028 رحيمه، سخي الكف كريمه، ~~غير أن دهره قد عانده، وعاكسه في آخر أمره وما ساعده، وهذا من دأبه مع أهل الفضائل، ~~وذوي المآثر والشمائل، إلا أنه كان يقابل ذلك بالتسليم والرضا، ويعلم أن ذلك مما جرى به ~~القدر والقضا. # 4 # ومن نظمه قصيدة في مديح راشد باشا والي ولاية سورية لأمر اقتضى ذلك، ~~قال فيها: # أضحت دمشق ببهجة ومسرة # تزهو على كل البلاد بنضرة # إلى أن قال: # لا تعجبوا والي حماها راشد # بل مرشد والرشد أعلى خلة # ومحمدي الخلق وهو محمد # ولذاته كل القلوب أحبت # أحيا بها العدل الذي يا طالما # تاقت له كل النفوس وحنت # والأمن قد عم الأنام جميعهم # فتقلدوا منه بأوفى منة # 5 # وله قصائد كثيرة، وتقييدات شهيرة، لا يحسن استقصاؤها للخروج عن المطلوب من ~~الاختصار، وكذلك لو أردت أن أذكر عفته، وتفصيل تعيين الحكومة له مقادير من المعاش لم ~~يقبلها ورعا وزهدا، لأدى المقام بخروج عن المرام. # وفي سنة 1305ه رسم بسيطة # 6 # في ميدان دمشق في جامع الدقاق المعروف بكريم الدين، وجعل حسابها على الأفق ~~المرئي، فجاءت أحسن من بسيطة جامع بني أمية التي كان حسابها على الأفق الحقيقي، وتم ~~عملها ورسمها وحفرها، وصنع مكان في المنارة لوضعها فيه في أول «برج الجدي»، فعاجله ~~المرض قبل ذلك، وتوفي غرة جمادى الأولى سنة 1306ه، ودفن في تربة باب الصغير قرب ~~مدفن سيدنا بلال رضي الله عنه من جهة الغرب. # وبعد موته بقليل وضعت البسيطة في مكانها، والأوقات تستفاد منها بغاية الضبط، جزاه ~~الله خيرا، وأعظم له منة وأجرا. # | محمد العباسي المهدي # 1243ه-1315ه # هو ابن الشيخ محمد أمين الحنفي ابن الشيخ محمد المهدي الكبير الشافعي، كان جده ~~المذكور من الأقباط فأسلم على يد الشيخ العلامة محمد الحفني، وقرأ عليه وعلى أخيه ~~الشيخ يوسف الحفني وغيرهما حتى صار من كبار العلماء، وترشح لرياسة الأزهر بعد الشيخ ~~الشرقاوي ولكنها لم تتم له وتولاها الشنواني، وقد أطال «الجبرتي» في ترجمته، ثم نشأ ~~ولده الشيخ محمد أمين عالما حنفيا، وتولى الفتوى ms029 بمصر زمنا، وتوفي سنة ~~1247ه. # وولد الشيخ محمد العباسي المهدي بالإسكندرية سنة 1243ه، فقرأ بها بعض القرآن، ثم ~~حضر إلى القاهرة سنة 1255ه فأتم حفظه، واشتغل بالعلم سنة 1256ه فقرأ على الشيخ ~~إبراهيم السقاء الشافعي، والشيخ خليل الرشيدي الحنفي، والشيخ البلتاني، وغيرهم، ثم صدر ~~أمر إبراهيم باشا ابن محمد علي بتوليته إفتاء الديار المصرية في منتصف شهر ذي القعدة ~~سنة 1264ه، وهو في نحو الحادية والعشرين من سنينه ولم يتأهل بعد لمثل هذا المنصب ~~الكبير. # ويقال إن السبب في ذلك عارف بك الذي تولى القضاء بمصر، وكانت له صلة بالشيخ محمد ~~أمين المهدي، فلما ذهب إبراهيم باشا إلى القسطنطينية ليتسلم من السلطان مرسوم ولايته ~~على مصر قابله عارف بك - وكان إذ ذاك شيخا للإسلام - وأوصاه خيرا بذرية الشيخ المهدي ~~وأن يولي منهم من يصلح لمنصب أبيه. # فلما عاد إبراهيم لمصر بعث في طلب الشيخ محمد العباسي المهدي، فصادفوه في درس الشيخ ~~السقاء يحضر مقدمة مختصر السعد، ولما قابله أثنى عليه لاشتغاله بالعلم ثم أنبأه بأنه ~~ولاه منصب الفتوى بمصر، وعزل عنه الشيخ أحمد التميمي الخليلي، وخلع عليه خلعة هذا ~~المنصب، ثم عقد له مجلسا بالقلعة حضره حسن باشا المنسترلي والشيخ مصطفى العروسي ~~وغيرهما، فأقروا على إقامة أمين للفتوى يقوم بشئونها حتى يتأهل صاحبها لها ويباشرها ~~بنفسه، واختاروا له الشيخ خليلا الرشيدي بدل الشيخ علي البقلي أمين فتوى التميمي، ونزل ~~المترجم من القلعة بموكب كبير من العلماء والأمراء، ووفد الناس على داره للتهنئة ومدحه ~~الشعراء، فمن ذلك قول الشيخ محمد شهاب: # عز يا عزة الحمى أن تقاسي # بمهاة الصريم فيما تقاسي # ومنها قوله: # تب مفتي الهوى وتبت يده # ضل شرعي نهجه والسياسي # فدعيه يا عز عز اصطباري # إن فتواه فتنة للناس # ولئن قلت أي فتوى البرايا # حكمت بالنصوص دون التباس # وارتضاها الزمان قل لي وأرخ # قلت فتوى مهديه العباسي # وهي قصيدة طويلة ألحق بها هذه الأبيات الثلاثة مشيرا فيها إلى «التميمي» وإلى ~~«الرشيدي» أمين الفتوى الجديد: # قلت لما أن تم بدر ms030 التميمي # واعتراه نقص الخسوف الشديد # رجع الدر بالفتاوى إلى ما # كان فيه من المكان المشيد # فلنعم الرشيد يا ابن أمين # ولنعم الأمين يا ابن الرشيدي # وروى الفاضل محمد أفندي التميمي - في الترجمة التي جمعها لأبيه الشيخ أحمد التميمي - ~~أن سبب عزله عن الإفتاء أحقاد قديمة كانت في صدر إبراهيم باشا منه بسبب معارضته له في ~~أمور تخالف الشرع كان يريدها ويعارضه الشيخ فيها فلا يجد بدا من الإذعان بسبب إقبال ~~أبيه «محمد علي» على الشيخ، فلما آلت ولاية مصر إلى إبراهيم كان أكبر همه عزله ~~عن الإفتاء. # ثم أكب المترجم على الاشتغال بالعلم، خصوصا الفقه، حتى نال منه حظا وافرا، ~~وجلس للتدريس بالأزهر لإقراء «الدر المختار»، فقرأ منه إلى كتاب الطلاق وأكمل قراءته في ~~داره، وقرأ «الأشباه والنظائر» في داره أيضا، وباشر أمور الفتوى بعفة وأمانة وتدقيق ~~وتحقيق، واشتهر بين الناس بالحزم والعزم وعدم ممالأة الحكام، وحسبك وقوفه في وجه ~~عباس الأول وتعريضه نفسه للتهلكة صيانة لما استودع من أمانة العلم . # وسبب ذلك أن هذا الوالي أراد أن يمتلك جميع ما بيد ذرية جده محمد علي، مدعيا ~~أنه ورد مصر لا يمتلك شيئا، فكل ما خلفه لذريته إنما هو من مال الأمة يجب رده ~~إليها ووضعه بيد أمينها المتولي شئونها، واستفتى المترجم فلم يوافقه وأصر على ~~الامتناع ولم يحفل بوعيده وتهديده، حتى طلبه فجأة إلى بنها فسافر إليها وهو موقن ~~بالهلاك، وكان معه عند طلبه الشيخ أبو العلا الخلفاوي فسافر معه لمؤانسته ومواساته، ~~فلما وصلا إلى قصر بنها روجع المترجم في الفتوى فأصر على قوله الأول، فأمر بهما ~~فأنزلا إلى سفينة بخارية سافرت بهما ليلا في النيل لنفي المترجم إلى أبي قير، ~~واعتراه لشدة وجله زحير # 1 # كاد يودي به، وهو مع ذلك مصر على قوله، والشيخ أبو العلا يهون عليه ~~الأمر ويؤانسه بالكلام، إلى أن صدر الأمر بإرجاع السفينة وأنزلا منها وأمرا بالسفر ~~إلى القاهرة، وسلم الله، فكانت هذه الحادثة سببا لعلو قدر المترجم في النفوس، ~~وإعظام الولاة فمن ms031 دونهم لشأنه، وتسبب منها أيضا إقباله على الشيخ أبي العلا المذكور ~~وسعيه له في المناصب التي تولاها وعظم بها أمره بعد ذلك. # وفي سنة 1287ه أراد الخديو إسماعيل عزل الشيخ مصطفى العروسي شيخ الأزهر، ولكنه خشي ~~الفتنة؛ لأن العزل لم يقع من قبل لأحد من مشايخ الأزهر، فأخذ في جس نبض العلماء وسبر ~~غورهم في ذلك، فهون عليه الشيخ حسن العدوي الأمر، وأوضح له أنه وكيل الخليفة، ~~والوكيل له ما للأصيل، فسر الخديو وبادر إلى عزل الشيخ العروسي في أواخر السنة ~~المذكورة، وكان العدوي يطمع فيها، وما قال ما قال إلا توطئة لنفسه، فأخلف الله ظنه، ~~وصدر أمر الخديو في منتصف شوال بتوليته الشيخ محمد العباسي المهدي والجمع له بين ~~منصب الإفتاء ومنصب شيخ الأزهر، ودعاه الخديو لمقابلته، وخلع عليه وأنزله من عنده ~~بالموكب المعتاد، فباشر شئون منصبه بحزم وعزم وتؤدة وتعقل، وكان أول ما صدر منه ~~سعيه لإعادة ما كان لأهل الأزهر من المرتبات الشهرية والسنوية، ثم استصدر أمرا من ~~الخديو بوضع قانون للتدريس فأجابه إلى ذلك، ووضع قانون الامتحان، وكانوا قبل ذلك لا ~~يمتحنون، بل كان من تأهل للتدريس تصدر له - في أول درس له يحضره - شيوخه وغيرهم من ~~كبار العلماء ويناقشونه، فإن وجدوه أهلا أقروه وإلا أقاموه. # ولم يزل المترجم سائرا في طريقه المحمود ملحوظا بعين التبجيل من الحكام، وبين ~~الخاص والعام، حتى ثارت الثورة العرابية المشهورة، ورأى فيه العرابيون أنه ليس بالرجل ~~الذي يوافقهم ويساعدهم في مطالبهم، فكان من جملة ما طلبه عرابي باشا من الخديو لما زحف ~~الجيش على قصر عابدين عزل المترجم من الأزهر، فعزل عنه في المحرم سنة 1299ه، ~~وتولى بدله الشيخ محمد الإنبابي، وانفرد هو بالإفتاء، ثم اشتدت الثورة وجاهر ~~العرابيون بطلب عزل الخديو، وكتبوا قرارا بذلك وقع عليه العلماء والوجهاء، وامتنع ~~المترجم من التوقيع، وقال لحامل القرار: «أنا لا أوقع بيدي، فإذا كان في الأمر غصب ~~فإن خاتمي معي خذوه ووقعوا أنتم بأيديكم كما تشاءون»، فانحرف عنه العرابيون وبثوا ~~عليه العيون، ms032 حتى احتجب في داره التي على الخليج بالقرب من مدرسة الفخري المشهورة بجامع ~~البنات، وتحامى الناس زيارته، وصار لا يخرج منها إلا لصلاة الجمعة في أقرب مسجد ~~إليه. # ولما انتهت الثورة العرابية وعاد الخديو للقاهرة في 12 ذي القعدة من تلك السنة، ذهب ~~الشيخ مع العلماء للسلام عليه وتهنئته، فخصه الخديو من دونهم بمزيد من الترحيب ~~والرعاية، وكان بينهم الشيخ الإنبابي شيخ الأزهر، فلحظ ذلك، وخشي أن يعزله الخديو ~~ليعيد العباسي، فاستقال بعد أيام، وأصدر الخديو أمره يوم الأحد 18 ذي القعدة بإعادة ~~المترجم إلى الأزهر علاوة على منصب الإفتاء بيده، وفيما يلي نص ذلك الأمر الموجه من ~~الخديو إلى رئيس النظار: # إنه بناء على استعفاء حضرة الأستاذ الشيخ محمد الإنبابي من وظيفة مشيخة ~~الجامع الأزهر، ووثوقنا بفضائل وعالمية حضرة الأستاذ الشيخ محمد العباسي ~~المهدي، قد اقتضت إرادتنا توجيه هذه الوظيفة لعهدته كما كانت قبلا، علاوة ~~على وظيفة إفتاء السادة الحنفية المتحلي بها من السابق، وصدر أمرنا للمومى ~~إليه بذلك في تاريخه، ولزم إصدار هذا لدولتكم إشعارا بما ذكر» في 2 أكتوبر ~~سنة 1882م الموافق 18 ذي القعدة سنة 1299ه. # وكان بعض علماء الأزهر سعوا لتنصيب الشيخ عبد الهادي نجا الإبياري، وكتبوا كتابة ~~بذلك، وأخذوا يوقعون عليها ويطوفون بها على العلماء، ففاجأهم الأمر بإعادة المترجم، ~~وذهب سعيهم وتعبهم أدراج الرياح. # ثم استمر المترجم جامعا للمنصبين قائما بشئونهما أتم قيام، حتى كانت سنة 1304ه ~~وفيها بلغ الخديو أن جماعة من الأعيان والتجار مثل محمد باشا السيوفي وأخيه أحمد باشا ~~يجتمعون للسمر بدار المترجم في أغلب الليالي فيتكلمون في الأمور السياسية، ~~ويظهرون أسفهم من وجود الإنجليز بمصر وموافقة الحكومة لهم فيما يحاولون، وغير ذلك من ~~هذه الشئون، فحنق الخديو وأرسل من يحضرون إليه محمد باشا السيوفي فلم يجدوه بل وجدوا ~~أخاه أحمد باشا، ومضى هذا معهم إلى القصر، فوبخه الخديو توبيخا شديدا، وقال له: ~~«يخيل لي أنكم تريدون إعادة الثورة العرابية»، فتبرأ من ذلك، وحلف أن اجتماعهم لم ~~يكن إلا بقصد السمر ms033 والائتناس. # ثم قابل الخديو المترجم في إحدى المقابلات الاعتيادية فلم يهش له كعادته، بل قال ~~له وقت الانصراف: «يا حضرة الأستاذ، الأجدر بالإنسان أن يشتغل بأمور نفسه ولا يتدخل ~~فيما لا يعنيه ويجمع الجمعيات بداره»، فما كان جواب المترجم إلا أن قال له: «إنني ضعفت ~~عن حمل أثقال الأزهر وأرجو أن تعفوني منه»، ولم يكن الخديو يتوقع منه هذا الرد، فغضب ~~وقال مستفهما: «ومن الإفتاء أيضا؟» # فقال له: «نعم ومن الإفتاء أيضا» ... ثم انصرف. # ولم يكن المترجم ممن يغرب عنهم أن مثل هذا السبب لا يدعو إلى الاستقالة خصوصا أن ~~الخديو صرفه بالحسنى مع من اتهم معه، ولكن كان هناك سبب أقوى أغضب رئيس النظار ~~نوبار باشا الأرمني؛ وذلك لحادثة رفعت عنها دعوى أمام المحاكم الأهلية، واقتضى الأمر ~~طلب كشف وجه إحدى المخدرات للتحقق منها، فامتنعت عن الإسفار محتجة بعدم جوازه في ~~الشريعة، واستفتي المترجم فأفتى بعدم الجواز، فشكاه رئيس النظار إلى الخديو ووصفه له ~~بأنه أصبح عقبة أمام القضاة معارضا لأحكام القضاء، ثم طلب عزله فيما يقال أو يقيله ~~الخديو من الوزارة. # فلما قال الخديو للمترجم ما قال، تيقن أن المراد عزله فاستقال، وأمر الخديو يوم ~~الثلاثاء 3 ربيع الثاني من السنة المذكورة بإعادة الشيخ محمد الإنبابي للأزهر، وإقامة ~~الشيخ محمد البناء للإفتاء، وبقي المترجم بداره التي على الخليج، واشتغل بإصلاح قسم ~~منها تشعث، فأعاده إلى رونقه الأول، وصبغ حيطانه بالأصباغ، وهو القسم المطل على ~~الخليج، وصار يمضي وقته بالنظر في شئونه الخاصة والاشتغال بالعلم، إلى أن أعيد إلى ~~الإفتاء. # وأصيب في أواخر أيامه بفالج وهو يتوضأ لصلاة الجمعة أبطل حركته، ثم تعافى قليلا ~~وصار يخرج في عجلته # 2 # للتنزه وعليه عباءة من الصوف، وأشير عليه بالإقامة بحلوان لجفافها ~~فانتقل إليها، وأقام بها برهة لم يستفد فيها شيئا، فعاد لداره بالقاهرة، ووافته ~~منيته في الساعة الخامسة من ليلة الأربعاء 13 رجب سنة 1315ه عن اثنتين وسبعين سنة، ~~بعد أن لازمه المرض نحو أربع سنوات، فأذن له على المآذن، وحزن ms034 الناس لموته حزنا ~~شديدا، وتكاثرت الجموع على داره لتشييع جنازته، فقيل إن عدد المشيعين بلغ نحو أربعين ~~ألفا، والمصلين عليه خمسة آلاف. # ودفن بقرافة المجاورين في زاوية الأستاذ الحفني جنب أبيه وجده، ورثاه كثير من ~~الشعراء جمعت مراثيهم في رسالة ألفها الشيخ عثمان الموصلي نزيل القاهرة، وسماها ~~«المراثي الموصلية في العلماء المصرية»؛ لأنه أضاف إليها ما رثي به الشيخ عبد الرحمن ~~الرافعي مفتي الإسكندرية، والشيخ سليم القلعاوي شيخ مسجد القلعة، والشيخ محمد المغربي، ~~وكلهم توفوا في هذه السنة أيضا. # وكان المترجم رحمه الله ربعة، أقرب إلى الطول، مليح الوجه، منور الشيبة، معتدل ~~القامة، ذا هيبة ووقار، مات عن ثروة طائلة، وولدين هما: الشيخ عبد الخالق المهدي، ~~والشيخ أمين، ماتا بعده واحدا تلو آخر، ولم يؤلف رحمه الله سوى مجموع فتاواه الذي ~~سماه «الفتاوى المهدية في الوقائع المصرية» طبع بمصر سنة 1301ه في ثمانية أجزاء ~~كبار، وعاش في عزة وتبجيل مدة حياته، وتولى الإفتاء أربعين سنة من سنة 1264ه ~~إلى سنة 1304ه لم يعزل فيها، فلم تحفظ عليه بادرة خطأ أو مخالفة للشرع؛ وسبب ذلك ~~أنه تولاه وهو صغير ، والعيون شاخصة إليه، فكان لا يفتي فتوى إلا بعد المراجعة ~~والتدقيق والتعب الكثير، فحصلت له بذلك ملكة فيه، حتى صار معدوم النظير لا يجاريه ~~مجار في هذا المضمار، وأضيف إلى ما كان عليه من التقوى والتشدد في أمر الدين، حتى ~~كانت مواقفه أمام الولاة لا تزيده إلا رفعة في عيونهم؛ لعلمهم أنه لا يريد إلا نصرة ~~الحق، فأحبوه وأغدقوا عليه بالإنعام. # ومن مواقفه غير ما ذكرناه أن الخديو إسماعيل أراد مرة أن يستولي على الأوقاف الأهلية ~~ويعوض عنها أهلها ما يقوم بمعاشهم، فاستفتاه في ذلك، فتوقف، وأفتاه بعضهم بالجواز، ~~فتكدر منه، وجمع بينه وبين مخالفيه، فناظرهم وفاز عليهم بعدما ألفوا رسائل في ~~الحادثة وأكثروا من الجلبة. # ولم يقتصر الولاة على مشاورته في الأمور الدينية المختصة بمنصبه، بل كانوا يستشيرونه ~~في غيرها من معضلات الأمور؛ لما عرفوه فيه من سعة المدارك وجودة الرأي، ms035 حتى إن إسماعيل ~~لما عزل عن مصر قال لولده توفيق فيما أوصاه به: احتفظ يا بني بالشيخ المهدي؛ فإنه رجل ~~لا نظير له. # وبالجملة فمحاسن المترجم كثيرة، ولم يكن فيه ما يشينه سوى ما كان يرميه به بعض ~~شانئيه من الإمساك والتقتير، ويضعون عليه النوادر الخارجة عن حد المعقول، والمعروف ~~عنه للقاصي والداني أن داره كانت مفتوحة للصادر والوارد لا تخلو مائدته يوما عنهم، ~~وحسبنا أنه كان يخرج زكاة أمواله كل سنة ويفرقها على المستحقين، رحمه الله رحمة ~~واسعة وأكثر في الأمة من أمثاله، وكان حائزا لكسوة التشريف من الدرجة الأولى، ومنح ~~الوسام العثماني الأول في 21 صفر سنة 1310ه هو وشيخ الأزهر الشيخ محمد الإنبابي وقاضي ~~القضاة جمال الدين أفندي؛ وسبب ذلك أن السيد توفيق البكري نقيب الأشراف سافر في هذه ~~السنة إلى دار السلطنة، وتوصل بمساعدة الشيخ أبي الهدى الصيادي إلى مقابلة السلطان ~~عبد الحميد، فأنعم عليه بهذا الوسام وبرتبة قضاء عسكر الأناضول، فلما بلغ ذلك مسامع ~~الخديو أحب ألا يكون نقيب الأشراف ممتازا عن كبار الشيوخ، وأرسل إلى السلطان ~~ملتمسا الإنعام على المفتي وشيخ الأزهر برتبة قضاء عسكر الأناضول، وعلى القاضي برتبة ~~قضاء عسكر الرومالي؛ لأنه كان حائزا لرتبة الأناضول، لكن طلبه لم يصادف قبولا. # وأحيل إلى المترجم قديما أمر انتقاء القضاة الشرعيين والمفتين الذين يقامون في ~~ولايات القطر ومراكزه، فكان يختار ذوي الكفايات، ويتحرى فيهم النجابة والذكاء ~~والديانة، ويحامي عنهم لدى الحكام ويشد أزرهم، فنال بذلك مقاما لدى أهل العلم ~~المرشحين لهذه المناصب، ووجهوا وجوههم شطر داره، وهو مع ذلك لا يميل مع الهوى في ~~تنصيبهم، ولو كان ممن يمد اليد لجمع من هذا الوجه شيئا كثيرا، ثم رأت الحكومة ~~أن يكون أمر تنصيبهم منوطا بلجنة تؤلف بنظارة الحقانية برياسة وكيلها إذ ذاك بطرس ~~غالي باشا، وعرضوا على المترجم أن يكون من أعضاء تلك اللجنة فأبى. # وكان له في المحاماة عن أهل الأزهر ومساعدتهم القدح المعلى، وتروى عنه مواقف ~~في ذلك، منها أن الشيخ مصطفى الغروسي ms036 مدة توليه على الأزهر استصدر من الخديو ~~إسماعيل أمرا بنفي الشيخ حسن العدوي إلى إسنا، وكاد ينفذ فيه، لولا أنه استغاث ~~بالمترجم، فقام بناصره، وذهب للخديو مستشفعا ولج وألح حتى عفي عن الشيخ. # | أحمد أبو الفرج الدمنهوري # 1243-1310ه # هو الشيخ أحمد أبو الفرج الدمنهوري الشاعر الأديب، ظريف الجملة والتفصيل، حلو النادرة ~~والفكاهة، انجذبت إليه النفوس وألفته القلوب على دمامته وغرابة شكله، ولد ~~بدمنهور ونشأ بها في ضنك ورقة حال، ولم يكن مشتغلا بالأدب في أول أمره، ثم لازم ~~الشيخ محمد الوكيل القباني أحد أدباء دمنهور المشهورين، وعليه تخرج في النظم، ~~وصحب أيضا الشيخ حميدة الدفراوي، وهو أديب لكنه لا يبلغ درجة الوكيل، ولم يحضر ~~المترجم العلم على شيخ، بل كان يلازم مجلس الوكيل ولا يفارقه ليلا ولا نهارا، ~~فيكتب عنه كل ما يسمعه من شعر ونثر ونادرة ثم يستظهره. أخبرني ثقة: أنه اجتمع به ~~بدمنهور حوالي سنة 1265ه فرآه شابا نيف على العشرين، مخفوض الجانب، كثير ~~التواضع، لا يستنكف من خدمة الوكيل المذكور وحمل المصباح أمامه إذا سار ليلا، ثم نظر ~~المترجم في كتب الأدب ودواوين الفحول، وبدأ ينظم الشعر، فكان يعبث بالبيت والبيتين، ~~ثم نظم بعد ذلك القصائد والمقطعات، إلا أنه كان قليل الإجادة، كثير الخطأ واللحن، ~~يتكلف التجنيس والتورية. وأحسن شعره ما نظمه في المجون وضمنه ألفاظ العيارين ~~والشطار. وكان حضوره إلى القاهرة صحبة الوكيل، فأوصله إلى السيد عبد الخالق بن وفا ~~شيخ السادات الوفائية، فأعجب بظرفه ومجونه، وكان ينزل عنده كلما حضر إلى القاهرة، وهي ~~إذ ذاك غاصة بالأدباء والأعيان، وفي الناس بقية، فكانوا يهشون به ويتهادونه إذا ~~حضر، ويراسلونه إذا غاب، فحسنت حاله قليلا بما كان يناله من هباتهم، ثم اتصل بشاهين ~~باشا كنج في طنطا لما كان مفتشا على الأقاليم سنة 1293ه فانتظم في حلبة ندمائه ~~واختص به وواساه وجعله طرفة مجلسه، وجمع له من أغنياء البلاد مبلغا وافرا اشترى ~~به عقارا ورمم داره بدمنهور، واجتمع عند شاهين باشا بعبد الله أفندي نديم الشهير ~~وغيره ms037 من خاصة أهل الفضل والأدب، ثم نقل شاهين باشا إلى منصب آخر بالقاهرة، فصار ~~المترجم يتردد عليه ويقيم عنده الأيام والأشهر، يجتمع في أثنائها بغيره من الكبراء ~~وذوي الوجاهة فيهدي إليهم مدائحه ويتحفهم بطرائفه. # وكان على قلة إجادته في شعره مفتونا به، مبالغا في تقريظه وقت إنشاده، يمزج ذلك ~~بإشارات وحركات تستظرف منه، ولا يكاد يقر لأحد بالتقدم عليه في النظم، ولعمري ~~لا أرى عبارة تفي بوصفه ووصف حركاته عند الإنشاد وقيامه وقعوده والتفاته واستدعائه ~~الحاضرين إلى استماعه، فإنه كان إذا أراد إنشاد قصيدة من نظمه بدأ أولا بتقريظها، ~~ونبه الحاضرين إلى مواضع الإجادة منها، فإذا ألقوا إليه بسمعهم أنشد المطلع وسكت ~~هنيهة كالمأخوذ من جودته. ثم التفت يمنة ويسرة مستطلعا خبيئة رأيهم فيه، واستحلفهم ~~بالله وبأنبيائه هل طرق آذانهم مثله في عمرهم، وهل تهيأ لشاعر قبله ما تهيأ له ~~من رشاقة المبنى وغرابة المعنى وتناسب الشطرين، ثم يمضي في البيتين والثلاثة ويعود إلى ~~الصمت والتفكر ويقول: سبحان المانح! كم ترك الأول للآخر! وأمثال هذه الجمل التي ~~اشتهرت عنه وصارت من لوازمه، ثم يمضي في الإنشاد، فإذا مر بتجنيس أو تورية وثب من ~~موضعه وتمايل طربا، ثم نظر للحاضرين وقال لهم: اسمعوا من الفتى العربي اللعوب، تف ~~على المتنبي وسحقا له! أين هذه السلاسة والسهولة؟ وهكذا حتى يتم القصيدة، فإن رأى ~~من السامعين استحسانا تمادى في غلوائه وأعجب وأطرب، وربما عارضه بعض من يحضره ~~استجلابا لطرائفه واستئناسا بمحاورته، فتصدر عنه النوادر ومحاسن الأجوبة ~~الحاضرة. # بلغني أنه حضر مرة مجلسا جمع لفيفا من أهل الأدب، فأنشدهم قصيدة من نظمه، وبالغ ~~في استحسانها كعادته، وأخذ يستطلع طلع آرائهم فيها، فانتبذ له صديقنا العالم الفاضل ~~والشاعر المجيد الشيخ عبد الرحمن قراعة مداعبا وقال له: أخطأت في بيت منها، فأدخلت ~~حرفا على حرف، وهو ما لا يجوزه النحاة، فإما أن تسقطه أو تأتينا بشاهد على صحة ~~قولك ووافقه الحاضرون ومالوا معه على المترجم، فنكس رأسه هنيهة ثم نظر إليهم ~~كالمتعجب، وقال: يا ليت قومي ms038 يعلمون. # وكان كثير الاجتماع بشيخ أدباء العصر الشيخ أحمد أبي البقاء الزرقاني، فلا يخليه ~~مرة من شعر له ينشده إياه، ويعرض للشيخ ما يشغله عن الاستماع فيستلفته ويكثر من ~~الإلحاح عليه بترك ما هو فيه والإصاغة إليه، ويضايقه بذلك مضايقة شديدة، ولكن لا يكاد ~~الشيخ يعرض عنه حتى تصدر منه بادرة ينقلب لها المجلس ضحكا، فكان يقول فيه: إن أبا ~~الفرج عندي مشكلة من المشاكل، لا أدري أهو ثقيل أم ظريف. # وكان أول اجتماعي به في مجلس أحد الأعيان وأنا شاب يافع متعلق بالأدب وأهله، ولم ~~أكن لقيته من قبل، بل كنت أسمع به وأشتاق إلى رؤيته، فرأيت عجبا، رأيت شيخا ~~قصيرا دميم الوجه قد ذهبت إحدى عينيه، عليه جبة واسعة الأكمام، وهو جالس في ~~زاوية من المكان يملي على شخص حسن الخط دالية من الطويل منصوبة الروي، جعلها ~~تهنئة للخديو توفيق بقدومه من الإسكندرية، فكان منه من الوقوف عند كل بيت والإعجاب ~~به على ما تقدم ذكره ما نبهني للالتفات إليه، ثم مر ببيت قافية لفظه «ومعضدا»، ~~فوثب من مكانه ونبه الحاضرين إلى أنها: تورية باسم الخليفة «المعتضد بالله» فلم ~~يوافقوه، فأعرض عنهم وأقبل على الكاتب يشرح له حسن هذه التورية، وأنها لم تتهيأ له ~~إلا بعد إعمال الفكر والروية، حتى أضجره ورمى الدرج من يده، فغلبني الضحك واستظرفته ~~وقصدت محادثته، فقلت: لعل سيدي الأستاذ عارض بهذه القصيدة قصيدة أبي الطيب التي يقول ~~في مطلعها: # لكل امرئ من دهره ما تعودا # وعادة سيف الدولة الطعن في العدا # فسكت، ثم نظر إلي شزرا ولم يزدني على قوله: تف على المتنبي، فاستغرقت في الضحك، ~~وسألت عنه بعض الحاضرين، فخبرني به، فكدت أطير سرورا بلقائه، وأقبلت عليه أمدح ~~القصيدة وأذكر مواضع الإجادة فيها وأستعيدها منه، فأبرقت أسرته وأقبل علي أيما ~~إقبال وأسمعني بعض مقطعات من شعره، فقلت له: أما كان الأولى بهذه اللآلي أن تنظم في ~~سمط؟ فقال: نعم يا سيدي، إني مهتم بذلك، وسيكون ديوانا مرقصا، وامتد بنا المجلس، ~~فرأيت منه ms039 ما لو أردت إثباته برمته لطال بنا المقال، ثم فارقته وأنا أشوق الناس ~~إليه، وكأني به أحد أبناء المنجم الذين ذكرهم الثعالبي في «اليتيمة»، وأورد فصولا ~~للصاحب بن عباد في وصفهم. # ومن غريب أمر المترجم أنه كان يستملح منه ما يستثقل من غيره، فقد رووا عن ~~«بشار»: أنه كان يصفر ويصفق ويتفل عند إنشاده، وعن «البحتري» أنه كان يتقدم ويتأخر ~~ويتلفت إعجابا بشعره، وقد عيبا بذلك وعد من سقطاتهما التي نعاها عليهما ~~الناعون، بخلاف المترجم. # ومن غرائبه أنه كان معجبا بكنيته، وكثيرا ما كان يتدرج بها إلى الانتساب لمن تكنى ~~بها من الفضلاء المتقدمين؛ كأبي الفرج ابن الجوزي، وأبي الفرج الأصبهاني صاحب الأغاني ~~وغيرهما، فلا يدع أحدا من المتكنين بها إلا وينتسب إليه، تارة لهذا وتارة لذاك، ثم ~~ارتقى درجة فادعى الشرف ولاث على رأسه عمامة خضراء ووسع أكمامه، وسعى حتى جعلوه ~~نقيبا للأشراف بدمنهور. # حدثني صاحبنا الأديب الفاضل محمد شكري أفندي ~~المكي، قال: لقيته مرة وكنت علمت بأمر تلك النسب، وأردت مداعبته فقلت: يا أبا ~~الفرج، إن كنيتك تنبئ عن شرف عظيم، فلعلك من نسل أبي الفرج ابن الجوزي، فقال: نعم يا ~~سيدي صدقت وأصابت فراستك، ثم لقيته بعد ذلك بأيام وقد نسى ما دار بيننا فأعدت ~~عليه الحديث وقلت له: إجادتك في الشعر مع هذه الكنية تدلني على أنك من نسل أبي الفرج ~~الببغاء، فقال: أي نعم، وهو الواقع. ا.ه. ولا خلاف في أنه كان يعلم قصد محدثه في ~~أمر نسبه، إلا أنه كان يخرجه مخرج الجد، حتى مع أخص الناس به، ويغضب ممن ينكر عليه، ~~فيستظرف منه. # وادعى مرة أنه نال نصيبا وافرا من اللغة بحيث أصبحت لا يشذ عنه شيء من ~~مفرداتها، وتمادى في هذه الدعوى وتبجح بها في المجالس، وتصدر للإجابة عن كل سؤال ~~فيها يطرح عليه، فتوالت عليه الأسئلة وهو يجيب عنها خابطا خبط عشواء لا يبالي ~~بمن يحتج عليه بكتب اللغة، وصار الأدباء من أصحابه يرتجلون له ألفاظا يسألونه عنها ~~فيخترع لها معانيا ms040 يجيب بها، وربما أحال تخرصا على كتب لغوية يعينها، ونظم ~~له بعضهم بيتا كبيت الخنفشار، وسأله عن معناه في جمع كبير من الأدباء، وهو: # وبخرنق الأقيال عاثت فالتثت # ورقاء تعترض الأكام بشيظم # فقال: نعم، هذا بيت لعنترة، ذكره له صاحب الأغاني وهو يصف به حمامة، والخرنق: شيء ~~يشبه نسج العنكبوت وليس به، يكون بين أغصان الأشجار، فيقول: إن هذه الحمامة عاشت بين ~~الأقيال، أي: الأشجار الكبيرة، فالتثت قدماها بالخرنق، أي: اشتبكت به، وأما الشيظم ... ~~وأراد أن يفسره، فقطعته أصوات الضحك من جوانب المجلس. # وبالجملة فقد كان خفيف الروح، محببا إلى القلوب، أديبا ظريفا، حاضر الجواب، حلو ~~النادرة، وكانت وفاته فجأة بدمنهور في ثاني ليلة من شهر ربيع الثاني سنة 1310ه بعد أن ~~صلى العشاء، وكان آخر قوله: إنا لله وإنا إليه راجعون، فشق نعيه على من عرفه، ~~وشيع جنازته الألوف، تغمده الله برحمته. # | زين المرصفي # 1244-1300ه # هو الشيخ زين المرصفي الشافعي، من طبقة الشيخ عبد الرحمن الشربيني والشيخ سليم ~~البشري، إلا أن الشيخ سليما أكبر منهما سنا، حضر إلى الأزهر، وقرأ على كبار الشيوخ ~~به، حتى برع وتأهل للتدريس، ثم جعله الخديو إسماعيل معلما لولده حسين كامل، وبسبب ~~مخالطته له ولمن حوله ألم ببعض اللغات، وسافر مع الأمير حسين إلى القسطنطينية، وكانت ~~أسواقها لم تزل آهلة بالكتب العربية، فاقتنى هناك كتبا نفيسة غريبة عن أهل الأزهر، ~~فصار ينقل منها في تآليفه نقولا يغرب بها عليهم. # ثم استخدم بالمدارس وترقى إلى أن صار كبير المفتشين بها، ولم يزل بهذا المنصب حتى ~~توفاه الله يوم الأربعاء الخامس من جمادى الأولى سنة 1300ه، فشيع جنازته لفيف من ~~العلماء وجمع كبير من الناس، وأمر ناظر المعارف # 1 # فسار فيها من كل مدرسة فريق من تلاميذهما وأناب عنه نائبا ~~حضرها. # ولما بلغوا به الجامع الأزهر للصلاة عليه، وقف الشيخ حمزة فتح الله فأبنه ورثاه ~~ببيتين من نظمه، هما: # سقى الله من صوب الرضا أعظما هوى # بها ركن بيت العلم إذ دكه الحين # فلا غرو إن ms041 أضحت وجوه علومنا # مشوهة فاليوم فارقها «زين» # رحمه الله رحمة واسعة. # وفي مقدمة شرح أحمد «بك» الحسيني لكتاب الأم للإمام الشافعي - الذي سماه بمرشد ~~الأنام لبر أم الإمام - ما نصه: # زين المرصفي كان عالما فاضلا أخذ عن علماء ~~وقته، وجد واجتهد حتى صار من أكابر العلماء، وكان ذهب مع الرسالة المصرية إلى بلاد ~~فرنسا زمن الخديو إسماعيل، وكان يجيد اللغة الفرنساوية، وله كتابات في المنطق ~~والحكمة، وكانت وفاته سنة 1300ه. # | حسن عبد الباسط الحوي # 1245-1300ه # كان حسن أفندي عبد الباسط الحوي خلاسي اللون يشبه الحبشي، وبوجهه أثر جدري، ~~كان أديبا شاعرا هجاء خبيث اللسان مجيدا إلا أنه مقل، استخدم بالإسكندرية، ~~فكان رئيس قلم في الضبطية حوالي سنة 1285ه، وبقي بها إلى سنة 1290ه، وكان بها إذ ذاك ~~مصطفى صبحي «باشا» الشاعر المشهور، فكان يجتمع به من بها من الأدباء والشعراء فيسمرون ~~معا ويحيون الليالي بالمذاكرة وإنشاد الشعر، واتفقوا على تسمية مجلسهم بالمربد ~~وألا يقبلوا به أحدا إلا إذا ارتضوا به جميعا، فكان المترجم ممن رضوا به أن يكون ~~من شعراء «المربد». # 1 # وكانت تمر عليهم ليال يقترحون فيها ارتجال الشعر، ويعينون عدد الأبيات والوقت ~~الذي يجب نظمها فيه، فكان أحدهم إذا تعذرت عليه قافية وأعجله الوقت ارتجل كلمة لا ~~معنى لها أو في معنى لا يوافق السياق وتمم بها البيت، فاجتمعت لهم من ذلك ألفاظ ~~غريبة مضحكة سموها بالألفاظ المربدية. # ثم تنقلت الحال بالمترجم، فاستخدم معاونا بمديرية الشرقية، ثم فصل فضاق به ~~العيش، وفتح حانوتا بالزقازيق للصيدلة القديمة المسماة الآن بالعطارة، وكان أمره ~~بها عجبا؛ فإنه اقتنى كتبا مثل مفردات الطب وقانون ابن سينا، وصار إذا طلب منه ~~أحدهم بيع عقار من العقاقير سأله عن سبب حاجته إليه، وقام إلى تلك الكتب فاستخرج ~~له منها مزاياه وما يداوى به من العلل، وبقي مدة على ذلك حتى توفاه الله بعد سنة ~~1300ه. # ومن شعره يمدح محمدا فتح الباب أفندي كبير كتاب ديوان البحر: # رأيت العلا ترتاد # 2 # بعلا لنفسها # وقد خطبتها ms042 قبل ذاك الأوائل # فقمنا سراعا قاصدين لخدرها # عساها بنا ترضى ويجلى التواصل # فلما رأتنا واقفين ببابها # أشارت «لفتح الباب» منها الأنامل # وكان رحمه الله على خبث لسانه، طرفة من الطرف، وأعجوبة من العجائب، في حسن ~~المنادمة وحضور الذهن وسرعة الجواب. # رآه مرة بعضهم وهو مسافر إلى الزقازيق في القطار، ومعه جراب يحمله بيده، فقال له ~~مداعبا: أظن هذا جراب الحاوي، أي: المشعبذ. # فقال: لا يا سيدي، هذا جراب الحوي. # | رضوان محمد المخللاتي # 1250ه-1311ه # هو الأستاذ الحجة الثقة في عصره، شيخنا العلامة الجليل الشيخ رضوان بن محمد بن ~~سليمان المكنى بأبي عيد المعروف بالمخللاتي، الشافعي المذهب، ولد بالقاهرة في حدود ~~سنة 1250ه/1834م، وبعد أن حفظ القرآن الكريم وجوده تلقى علومه بالجامع الأزهر على ~~علماء عصره، ثم تخصص في دراسة علوم القرآن «القراءات والرسم» فنبغ فيهما نبوغا ~~عظيما، وأنتج فيهما مؤلفات قيمة دلت على سعة علمه ووفرة اطلاعه، حتى شهد له ~~بالتفرد علماء عصره، وعلى رأسهم شيخ القراء الشيخ محمد المتولي. # وقد أجازه في سنة 1277ه/1860م صديقه ومعاصره الشيخ محمد عبده السرسي، وكان من ~~أجلة علماء الأزهر، وعنهما تلقى علم القراءات خلق كثير، ويقول في إجازته ~~له: ~~«ولما جاد الزمان بحبيبنا أعز الإخوان في الله تعالى الشيخ رضوان بن محمد بن ~~سليمان، الشهير بأبي عيد، جاء وقرأ علي ختمة كاملة من أولها إلى آخرها، عن طريق ~~الشاطبية والدرة معا، بالتحرير والتجويد، على أتم بيان وأكمل عنوان، واستجازني فأجزته ~~بأن يقرأ ويقرئ في أي مكان حل.» # ويقرظ الشيخ محمد المتولي شيخ القراء أول مؤلفاته: «فتح المقفلات» بقوله: ~~... أما بعد، فقد اطلعت على هذا التصنيف البديع، اللطيف الصنيع، فوجدته في ~~غاية الضبط والإتقان، ونهاية النفاسة والإحسان، [شمسا في الاقتدا]، وبدرا في ~~الاهتدا، فيا له من عروس يفوح شذاه، ويلوح سناه، قد تجلى فيه بدر المعاني في ~~أصداف المباني، جعله الله خالصا لوجهه الكريم، وغفر لمن تلقاه بقلب سليم، ~~وأوجب لمؤلفه رضوانه، ووفقه للخير وأعانه، قاله بلسانه، ورضيه بجنانه، ذو ~~التقصير الكلي، محمد المتولي، عفي ms043 عنه آمين. # وكذلك قرظ كتابه «إرشاد القراء والكاتبين إلى معرفة رسم الكتاب المبين»، ومما جاء ~~فيه: ~~... أما بعد، فقد سمعت هذا الكتاب الرائق، والسفر البليغ الفائق، فوجدته في بابه ~~آية، قد بلغ من جادة الإفادة الغاية، قد نظم مؤلفه فيه شمل المتفرقات، بعد ~~التفرق والشتات، ونبه على عجيب أوضاع الرسوم، وبين فيه ما لأنواع الضبط من ~~الرقوم، يتعين على قراء القرآن الكريم مطالعته، ويتأكد على كتاب المصاحف ~~مدارسته ومراجعته، ويحتاج إليه من يريد التحري والضبط، حيث لم يقع له نظير في علم ~~الخط، كيف لا ومتعلقه أحد أركان القرآن، وأهم ما تدعو إليه ضرورة المقري على ممر ~~الزمان، فيا له من كتاب أينعت أثماره، وسطعت بين سطوره أنواره، أوضح فيه مؤلفه ~~خفايا الرسوم بأفصح إيضاح، وفتح من أبواب رقوم الضبط لكل ضابط مطلوبه بدون مفتاح، به ~~أمن كتاب المصاحف من الزلل، وحفظوا إذ صاروا بسببه في جنة من طوارق ~~الخلل: # ففي كل لفظ منه روض من المنى # وفي كل سطر منه عقد من الدر # جعله الله مقبولا لديه، وسببا للفوز يوم العرض عليه، قاله بلسانه، ورضيه بجنانه، ذو ~~التقصير الكلي، محمد الشهير بالمتولي. # وكذلك قرظ كتابه «شفاء الصدور» بقوله: ~~... أما بعد، فقد اطلعت على هذا الكتاب المسمى: «شفاء الصدور بذكر قراءات الأئمة ~~السبعة البدور» فوجدته صريح المباني، صحيح المعاني، مفيدا في فنه، فريدا في شأنه، ~~على جودة من التسهيل والتقريب، وغاية من التحرير والتهذيب، سيما وقد تضمن كتاب «حرز ~~الأماني» ليقبل على من تلقاه بوجه التهاني، جعله الله مقبولا لديه، وأثاب مؤلفه ~~رضوانه يوم العرض عليه، آمين. # وقرظ الشيخ حسن الجريسي، الملقب بالديب، كتابه: «إرشاد القراء والكاتبين إلى معرفة ~~رسم الكتاب المبين»، كما قرظه أيضا العالم الجليل السيد محمد عوض الدمياطي تقريظات ~~تعبر عن تقديرهما لهذا المؤلف. # وكان لنبوغ الشيخ رضوان في علمي القراءات والرسم أثر في تصويب المصاحف وتحقيق ~~نشرها، فأشرف على طبع مصحف وضع له مقدمة، نشره الشيخ أبو زيد سنة 1308ه/1890م، ~~ويعتبر من أضبط المصاحف، وقد تلقى ms044 عليه كثيرون، واستفادوا من علمه وأجازهم، وقد ~~وقفت على إجازة منه إلى تلميذه الشيخ محمد البدري. # ولم يكن نبوغ المترجم مقصورا على علوم القرآن، بل نبغ في العلوم الشرعية والعقلية ~~والعربية والأدب، فدرس النحو في مدرسة حافظ باشا، وتتلمذنا عليه فأخذنا عنه العلوم ~~العربية والفنون الأدبية، وكان رحمه الله يفتخر بالأخذ عنه، كما تتلمذ عليه من أولاد ~~شقيقتنا المغفور لها السيدة عائشة: محمود وإسماعيل. # وتولى الخطابة في مسجد جوهر المعيني القريب من داره بغيط العدة، وخطب احتسابا في ~~مسجد سلطان شاه، وكان يلقي درسا في مسجد الأمير حسين ويخطب فيه الجمعة ~~أحيانا. # وقد بارك الله في حياته، فأنتج إنتاجا علميا في مختلف العلوم، كما نقل الكثير من ~~المؤلفات بخطه، وكتب نسخا من مؤلفاته أودعت المكتبات العامة، فضلا عن نسخه ~~الخاصة. # انتقل إلى رحمة الله تعالى في يوم الجمعة 15 جمادى الأولى سنة 1311ه، ودفن في جبانة ~~باب الوزير بالقرب من الضريح المعروف بمحمد بن الحنفية، وترك مجموعة من المؤلفات ~~القيمة ما زالت مخطوطة، وهي: ~~(1) # كتاب فتح المقفلات لما تضمنه نظم الحرز والدرة من القراءات، ~~أوله: الحمد لله الذي أودع كتابه العزيز كنوز معاني العلوم. فرغ من تأليفه ~~في الخامس والعشرين من شهر ذي الحجة سنة 1286ه، وهو مؤلف كبير في 224 ~~ورقة مسطرة 21 سطرا، ويقول في ختام الكتاب: «يقول مشيد مبانيه، ومحرر ~~ألفاظه ومعانيه: هذا آخر ما يسره الله سبحانه وتعالى من جمع هذا الكتاب ~~المستطاب، الصافي ورده لأولي الألباب، فلقد أعملت الفكرة في تنقيحه، ~~وبذلت الجهد في تصحيحه، حسبما تلقيت عن أشياخي السادة الكرام، مع مراجعة ~~نفائس النفوس من الرغبات، والمرجو ممن طالع فيه فاطلع على هفوة أو ~~زلة ألا يبادر قبل التحقق بالإنكار، فذلك أمر لم يسلم معه من كان ~~مثله: # والعذر عند خيار الناس مقبول # واللطف من شيم السادات مأمول # والكريم من يقيل العثرات، ويعفو عن السيئات، خصوصا من مثلي البائس ~~الفقير، فإن ذهني كليل وسهوي كثير، وأي لسان من الأنواع البشرية، ما ~~عدا الحضرات النبوية، ms045 مصون عن الغلط، أو أي مؤلف ألف بين العالمين ~~حتى قيل من جميعهم ما أخطأ قط؟! # وإذا كنت أيها الأخ تعلم أن ذلك أمر جائز عليك، وهذا المؤلف شيء قد ~~ساقه الله بلا مشقة عليك إليك، فاحمد الله مولاك، وقابل بالجميل واعذر ~~أخاك، واشكر للناس؛ فمن لم يشكر الناس لم يشكر الله، ومن نظر إلى عيب ~~أخيه ونسي عيب نفسه فقد عميت عيناه، ثم خذ الدر من الصدف، وانتهز ~~الفرص فإنها صدف، وانظر إلى القول دون القائل، وإلا فليس ذلك تحته طائل، ~~ولا تأخذك العزة استكبارا، ولا تحملك الأنفة على الإعراض استحقارا ~~لصاحبه واستصغارا، بل انظر نظر مستخبر مستبصر، فإن رأيت ما يسرك فاقبل ~~وأقبل وإلا فأدبر، والحمد لله على ما يوليه حمدا كثيرا طيبا مباركا ~~فيه.» # وبهذا الختام المليء بالتواضع والاعتزاز ختم الكثير من مؤلفاته، ~~ومنها: ~~(2) # كتاب شفاء الصدور بذكر قراءات الأئمة السبعة البدور. فرغ من تأليفه سنة ~~1291ه/1874م. ~~(3) # أرجوزة في التوحيد. فرغ من تأليفها سنة 1293ه/1876م. ~~(4) # انتشاق النفحات المسكية من طي تخميس البردة الشريفة المحمدية. فرغ من ~~نظمها سنة 1294ه/1877م. ~~(5) # انتشاق الروائح المسكية من طي تخميس القصيدة النونية السويجعية للإمام ~~اللوذعي عبد الرحيم البرعي. فرغ من نظمها سنة 1294ه/1877م. ~~(6) # كتاب إرشاد القراء والكاتبين إلى معرفة رسم الكتاب المبين، في 190 ورقة ~~مسطرة 21 سطرا. فرغ من تأليفه سنة 1296ه/1879م. أوله: الحمد لله الذي رسم ~~في صحائف الأوقات خطوط لطائف الإتحاف ... ~~(7) # القول الوجيز في فواصل الكتاب العزيز، أوله: الحمد لله الواحد لا من قلة ~~وعد، الأحد فما له من كيفية ولا حد، فرغ من تأليفه سنة 1297ه/1880م، ~~وعدد أوراقه 106 مسطرة 21 سطرا. ~~(8) # الإفاضة الربانية بشرح ألفاظ البردة المحمدية. فرغ من تأليفه سنة ~~1305ه/1887م. أوله: حمدا لمن أطلع أزهار الأسرار في رياض الأفكار بتسبيح ~~الأشواق، وأسجع بلابل الأيك في البكور والآصال بتحميد العشاق، جل شأنه ~~من على أهل المحبة والوداد، باقتفاء آثار أشرف العباد، محمد صفوة الخلق ... ~~وهو شرح كبير في 200 ورقة مسطرة 21 سطرا. ~~(9) # رسالة فيما رواه ms046 ورش في موضوع «آلآن» من طريق «حرز الأماني»، أولها: ~~حمدا لمن أنزل القرآن نورا ... فرغ من تأليفها سنة 1308ه/1890م. ~~(10) # مقدمة مصحف، طبع سنة 1307ه/1890م. ~~(11) # ديوان خطب منبرية «الكوكب السائر فيما يتعلق بخطب المنابر». ~~(12) # اللؤلؤ المنظوم فيما يلزم من الشروط في حق الإمام والمأموم، وهي رسالة في ~~شرح منظومة له فيما يتعلق بالمأموم والإمام، في 30 ورقة مسطرة 15 سطرا، ~~فرغ من تأليفها في شهر المحرم سنة 1308ه. # ولما توفي # 1 # رحمه الله رثاه أحد الفضلاء بهذه الأبيات: # ما لعروض الدمع فاض هاطلا # يجري دما على الخدود نازلا # أظن في مصر قضى إمامها # نحبا وجد للكريم راحلا # وذاك رضوان النجيب المنتقى # من بالقران زين المحافلا # فكم تآليف له بفنه # منها سقى القراء عذبا سائلا # وكم لطه صاغ أغلى مدح # كبردة ألبسها غلائلا # حين لمولاه على الطهر سرى # وبات ضيفا للكريم آملا # رحمة ربي نظمت تاريخه # رضوان للجنان جد نائلا ~~[رضوان = 1057، للجنان = 164، جد = 7، نائلا = 83]. # 1311ه # | حسن الطويل # 1250ه-1315ه # هو شيخنا الإمام العلامة حسن بن أحمد بن علي، شيخ الشيوخ وأستاذ الأستاذين، وأحد من ~~تفرد في مصر بالبراعة في المعقول والمنقول، أتقن العلوم العديدة مع الزهد الصحيح ~~والورع، وعلو النفس، والتأدب بآداب الشرع، والتمسك بالكمالات. ولد - كما سمعت من ~~تلميذه الخاص الشيخ أحمد أبي خطوة - بقرية منية شهالة - إحدى قرى المنوفية - حوالي سنة ~~1250ه. وذكر الشيخ بشير الظافر في كتابه «اليواقيت الثمينة في أعيان مذهب عالم ~~المدينة » أنه ولد سنة 1256ه. # وتربى بهذه القرية، فقرأ القرآن الكريم وحفظه، ثم انتقل إلى طنطا وهو صغير، فاشتغل ~~بتجويد القرآن وحفظ المتون بالمسجد الأحمدي نحو سنتين أو ثلاث، ثم حضر للقاهرة واشتغل ~~بطلب العلم بالجامع الأزهر، فقرأ على شيوخ العصر مثل الشيخ محمد عليش المالكي، والشيخ ~~حسن العدوي الحمزاوي، والشيخ إبراهيم السقا، والشيخ محمد الأشموني، والشيخ محمد ~~الإنبابي، والشيخ أحمد شرف الدين المرصفي، فظهرت عليه النجابة، وابتدأ في حضور ~~«السعد». وكان من دأبه في أول أمره معاكسة الشيوخ في الدروس بكثرة الأسئلة والمناقشات، ~~حتى حدث ما ms047 اضطره إلى الانقطاع عن الأزهر؛ وسبب ذلك أن أبناء العمد وأقاربهم ~~طلبوا للدخول في الجندية بقانون وضع لذلك في عهد سعيد والي مصر سابقا، ولما كان ~~المترجم من أقارب بعض مشايخ قريته، طلب وجند، وبقي مواظبا على الصلوات والأوراد، ~~وكان الوالي يكره من الجند من يصلي! # وحدث أن المترجم جاءه من شيخه الشيخ أحمد شرف الدين المرصفي كتاب فيه استغاثة يأمره ~~بتلاوتها عقب كل صلاة؛ رجاء أن تفرج كربه وتخلصه من الجندية، فوقع الكتاب في ~~أيديهم، وعدوه لذلك مذنبا، وكان عقاب المذنبين عندهم إهمال تعليمهم الفنون ~~العسكرية وتشغيلهم في السكك الحديدية وما أشبهها من الأعمال الشاقة، فكان المترجم ~~يشتغل في هذه الأعمال بهمة زائدة تأديبا لنفسه؛ لأنه ظن ما وقع له عقابا على ~~جراءته على مشايخه، وكان سعيد باشا يلقب المطيعين من الجند بالفراعنة، والعاصين ~~المذنبين بالنماردة، فغضب مرة على النماردة وأمر بطردهم من الجيش، فخرجوا منه، إلا أنهم ~~بقوا تابعين، وهم ما كانوا يسمونهم «بالعساكر الإمدادية»، وخرج المترجم معهم ~~فأقام بقريته مدة. # وكان قبل ذلك يجتمع مع الشيخ خالد أحد مشايخ الطرق، فرأى أن يسافر إليه، فسافر إلى ~~بلدته المسماة بالسريرية من أعمال «منية ابن الخصيب # 1 ~~» ولزمه بضعة أشهر عكف فيها على الاشتغال بالعلم والطرق الصوفية. # ثم طلب إلى الجندية مرة ثانية، فذهب إليه أبوه ليحضره من عند الشيخ خالد، وحاول ~~هذا منعه فلم يرض، بل عاد مع أبيه إلى قريته، وتبين أنهم أهملوا طلبه فحمد ~~الله. # وأمره والده بالبقاء معه في القرية وحظر عليه أن يعود إلى الصعيد، فضاق المترجم ~~بهذا الأمر، وخرج من القرية بغير علم أبيه وهو لا يملك شيئا، وقصد القاهرة ماشيا، ~~يبيت في أية بلدة تصادفه، حتى وصل. # وذهب إلى الأزهر، فصادف الشيخ محمد السقاري في طريقه، فلما رأى المترجم أسرع إليه ~~وهش له، وأخبره أنه يطلبه من مدة، ثم أنزله بداره وحلف أن يبقى بها شهرا لا يتكلف ~~شيئا من عنده، وكان مراد السقاري أن ينظم قصيدة يمدح بها أحد الأمراء، فنظمها ms048 له، ~~وأخذ السقاري عليها أربعين دينارا جائزة. # ولما انقضى الشهر حف الله المترجم بعنايته، فطلبه الشيخ حسن العدوي لتصحيح ~~البخاري، وكان قد شرع في طبعه، فانتفع بأجر التصحيح، ثم طلب إلى ديوان الجهادية ~~لتصحيح ما يطبع به، فقابل هناك أحمد عبيد بك رئيس الترجمة، وامتحنه فأعجب به، وكاد ~~يطير فرحا، وقال عنه: «هذا جوهرة خفيت علينا»، واستخدمه للتصحيح بالديوان، وسعى له ~~حتى محوا اسمه من الجيش حتى لا يعاد طلبه. # وفي هذه المدة عاد المترجم لطلب العلم والاشتغال به، مع القيام بالتصحيح بالديوان، ~~حتى شهد له شيوخه بالتأهيل للتدريس، فدرس بالأزهر، وكان أول درس قرأه في شوال سنة ~~1283ه وابتدأ فيه بالقراءة في الأزهرية، ولم يقتصر رحمه الله على العلوم المتداولة ~~بالأزهر، بل بحث ونقب، واجتمع بالشيخ محمد أكرم الأفغاني فتلقى عنه العلوم الحكمية ~~وبرع فيها، وتلقى عن تلميذه خلاصة الحساب لبهاء الدين العاملي، ونظر في الهندسة ~~والجبر وسائر العلوم الرياضية، وقرأ التاريخ قراءة إمعان وتدبر، وطالع كتب اللغة ~~والأدب، ونظم الشعر السهل، وكتب الترسل البديع، وكان لا يسمع عن أحد يعرف علما إلا سعى ~~إليه ليتلقاه عنه كائنا من كان، حتى صار نسيج وحده، وقريع دهره في سائر العلوم، مع ~~بعد النظر في السياسة، وسعة العقل، وسلامة العقيدة، وشدة الإنكار على البدع ~~المستحدثات في الدين. # وقد قرأ عليه في الأزهر كثيرون من علمائه المشهورين، فكان الشيخ الأجل أحمد أبو ~~خطوة، والشيخ الإمام محمد عبده، والسيد أحمد الشريف، وإبراهيم (بك) اللقاني، والشيخ ~~محمد راضي البوليني في الطبقة الأولى من تلاميذه. # ثم قرأت عليه طبقة ثانية، منها: الشيخ عبد الرحمن فودة، والشيخ محمد الغريني، ~~والشيخ عبد الرحمن قراعة، وقرأ عليه أيضا الشيخ محمد بخيت، والشيخ داغر، والشيخ محمد ~~المغربي، والشيخ أحمد الزرقاني، وغيرهم ممن لا يحصون، واختص به الشيخ أحمد أبو ~~خطوة، والشيخ راضي البوليني، والشيخ عبد الرحمن فودة، والشيخ عبد الرحمن قراعة، فكانوا ~~يقرءون عليه في داره دروسا غير الدروس الأزهرية، وصحبوه ولازموه، فانتفعوا به في دينهم ~~وأخلاقهم فوق انتفاعهم ms049 بعلمه. # ثم نقل إلى نظارة المعارف وعين للتفتيش فيها، ولما مات الشيخ زين المرصفي ~~مفتشها الأول سنة 1300ه وأقيم بدله الشيخ حمزة فتح الله المفتش الثاني جعل ~~المترجم مفتشا ثانيا، ثم نقل مدرسا بمدرسة دار العلوم، فعم الانتفاع به ~~وتخرج عليه أحسن من نراهم الآن # 2 # من الأساتذة المتخرجين في هذه المدرسة؛ كالشيخ الفاضل حسن منصور، والشيخ ~~محمد المهدي، والشيخ محمد الخضري، والشيخ عبد الوهاب النجار. # وبقي في هذه المدرسة إلى سنة 1317ه، وكانوا قد شرعوا في الامتحان قبل الإجازة ~~المدرسية كالعادة، فلما كانت ليلة السبت 17 صفر سهر كعادته، ثم ذهب لداره معافى ليس به ~~شيء، واستيقظ فتوضأ وصلى الصبح، ثم طلب الإفطار والقهوة، وأخذ غفوة كان فيها ~~القضاء المحتوم، فلم تشرق شمس ذلك اليوم إلا والنعاة ينعونه، والمؤذنون يؤذنون على ~~المآذن كالعادة في موت كبار العلماء، وأم داره شيخ الأزهر الشيخ عبد الرحمن ~~الشربيني، والشيخ محمد عبده المفتي، وجميع العلماء والفضلاء، وكبار نظارة المعارف، ~~وتلاميذه من الأزهر ودار العلوم، وشيعت جنازته تشييعا سنيا، فصلوا عليه في ~~الأزهر، ودفنوه بمقابر المجاورين، رحمه الله وغفر له عدد حسناته. # وكان من عادته الخروج إلى الريف كل خميس ترويجا للنفس، فكان يذهب إلى الأميرية من ~~ضواحي القاهرة عند تلميذه الشيخ عبد الرحمن فودة، فيقضي عنده الخميس والجمعة ويعود يوم ~~السبت، فلما عرفته صار يذهب للأميرية بعض الأخمسة ويسافر في بعضها إلى ضيعتنا التي ~~بقويسنا، أو إلى حلوان حينما نسكن بها شتاء، فكنت أقضي معه هذين اليومين في مطالعة ~~واشتغال، حتى في حالة المشي والتنزه كنت أحمل الكتاب معي وأسمعه فيه فيقرر لي ~~المسائل ونحن سائران. # وكان رحمه الله سني العقيدة، صوفي المشرب، لا يحيد عن الشرع قيد إصبع، آخذا ~~بمذهب الإمام ابن تيمية في مسألة الاستغاثة بالقبور والاستشفاء بالموتى، منكرا على ~~المبتدعة أشد إنكار، آية من آيات الله في معرفة التفسير وحل مشكلات الكتاب المبين، ~~متضلعا من الحديث، متحصنا بالشريعة في كل علم يقرؤه من كلام أو حكمة أو تصوف أو ~~رياضيات ms050 أو طبيعيات، وخص باستحضار الآيات القرآنية والأحاديث النبوية في الاستشهاد ~~بها على حل المشكلات الدينية، فكان أمره في ذلك عجبا، وشأنه فيه مستغربا، وذلك ~~فضل الله يؤتيه من يشاء. # ومع انحراف علماء الأزهر عنه؛ لإنكاره عليهم بدعهم وما درجوا عليه، فإنهم كانوا ~~مقرين بفضله، وكثيرا ما كانوا يحتاجون إليه في معرفة أسرار الشريعة، وحل مشكلاتها، ~~والرد على الطاعنين عليها من أرباب النحل الأخرى أو المرتدين. # أما أخلاقه فزهد غريب، وعلو نفس عن الدنايا، وبعد عن الرياء، وتواضع مع كل ~~إنسان، وسذاجة في المطعم والملبس والمسكن، لا ينفق على نفسه من مرتبه إلا القليل، ~~ويتصدق بالباقي في الخفاء، فلما مات قام الصراخ في دور كثيرة يسكنها فقراء وأرامل، ~~كان يعولهم كل شهر بما فضل من نفقته، وما علم بهم أحد قبل موته حتى أقرب الناس إليه ~~وأخصهم به. # وكان كثير الاشتغال بأمور المسلمين، دائم الهموم لما أصابهم من التأخر في مشارق ~~الأرض ومغاربها، منتظرا فرجا يأتيهم، ولطفا من الله يحفهم، فتقوم فيهم دولة ~~شعارها الدين تقوى على جمع شملهم؛ ولذلك لما قام المهدي بالسودان وانتصر انتصاراته ~~المشهورة واستولى على البلاد السودانية، أحسن المترجم فيه الظن وقام بنصرته بقلبه ~~ولسانه، وبلغ الإنجليز ذلك فسيروا وراءه عينا يخبرهم بحركاته وسكناته، وكاد يقع ~~فيما لا تحمد عقباه، لولا أن سلمه الله. # ولمداومة اشتغاله بالإقراء وتربية النفوس لم يؤلف تأليفا، غير أن نظارة المعارف ~~لما كلفت كل مدرس أن يجمع ما يلقيه من الدروس، وكان يدرس التفسير بمدرسة دار العلوم، # 3 # شرع في جمع ذلك في كتاب سماه «عنوان البيان» لم يطبع منه غير المقدمة ~~سنة 1316ه أي قبل وفاته بسنة. # ومن غريب المصادفات أنه زارني # 4 # قبل وفاته بيومين في ليلة مقمرة، فجلسنا في صحن الدار نلعب الشطرنج، وكان ~~مولعا به مع قلة إجادته فيه، فقال لي عندما أراد الذهاب: نحن الآن في الامتحان، وقد ~~قربت الإجازة، وصدري ضيق في هذه الأيام من الناس، ونفسي تجنح للعزلة، فهل تعرف لي ~~مكانا أقضي فيه بعض ms051 أيام بعيدا عنهم؟ فقلت: يا سيدي، إذا انتهى الامتحان فالأوفق أن ~~نسافر معا إلى ضيعتنا التي بقويسنا فنخلو فيها بكتاب نقرؤه. فقال: نعم الرأي هذا، ~~وسأستصحب معي ولدي حسنا ليشترك معنا في القراءة، ثم لم يمض يومان حتى نقله الله إلى ~~جواره ويسر له العزلة ولكن في دار قراره، فأصبت فيه مصيبة لم أصبها في بعيد ولا ~~قريب؛ لما كان له علي من الفضل، ولو لم يكن له علي سوى تصحيح العقيدة وتأديبي ~~بآداب الحنيفية السمحة لكفى. # أما سبب اجتماعي به وقراءتي عليه فإني كنت خرجت من المدارس بعد تلقي ما يتلقى ~~بها من العلوم المعروفة وأنا في سن العشرين، وقد علق بالعقيدة شيء من آثار ~~التربية بهذه المدارس، إلا أني كنت مولعا من الصغر بالإسلام ومحاسنه، والمطالعة في ~~السيرة النبوية ومناقب الأصحاب والخلفاء الراشدين، فكان ينشرح صدري لأشياء وينقبض من ~~أشياء تعرض لي فيها شبهات، ثم كنت أعرض ما يظهر لي من مكارم الشريعة ومقاصدها على ~~ما عليه الناس من البدع والمحدثات التي تمسكوا بها وجعلوها من الأصول الدينية، فأجد ~~التناقض والتصادم، فصرت أتردد على كثير من كبار علماء الأزهر وغيرهم لعلي أجد ~~عندهم مفرجا، فأراهم أحرص من العامة على هذه الخزعبلات، حتى كدت أحكم بأنها من الدين، ~~وأن الأمر دائر بين شيئين: فإما أن يكون الدين دين خرافات وخزعبلات تنفر منها ~~الطباع السليمة. وإما أن يكون ما نراه حقا ولكن يمنعنا من قبوله إلحاد تأصل في ~~النفس، حتى أرشدني بعض الأصحاب للمترجم ، فأخذت في السؤال عنه من أهل العلم، فكانوا ~~ينفرونني منه، حتى بالغ بعضهم - عامله الله بما يستحق - ورماه بالزندقة. فقلت: إذا ~~كنت لم أجد طلبتي عند من تسمونهم بالصلاح والورع، فلعلي أصيبها عند الزنادقة، ثم ~~سعيت في الاجتماع به، وسألته القراءة عليه والاهتداء بهديه، فقرأت عليه العلوم ~~العربية والمنطق، وأعدت عليه الصرف بتوسع وعلوم البلاغة، ثم قرأت طرفا من الحكمة ~~في شرح الدواني على هياكل النور للسهروردي، وشرح «رسالة الزوراء» وغيرهما. ولما رآني ~~مجدا في التحصيل، ms052 قرر لي درسا ثانيا بعد العشاء كنا نقرأ فيه كتب الأدب ونحوها، ~~وأنا في كل هذه المدة أستوضح منه ما أشكل علي فيحله لي، فكان اجتماعي به ومصاحبتي ~~إياه من أكبر نعم الله علي في ديني. # وكثيرا ما كان يغضب مني ويؤنبني إذا رأى مني تهاونا في الصلاة، فعليه رحمة الله ~~تعالى. # | مصطفى السفطي # 1250-1327ه # الشيخ مصطفى السفطي ابن مصطفى الفاكهاني السفطي ابن علي السفطي ابن أحمد شلبي، نسبة ~~إلى سفط القطايا. # ولد بمصر القاهرة حوالي سنة 1250ه، وأرسل إلى المكتب في السابعة من سنيه، ثم ~~تنقل من مكتب لآخر حتى حفظ القرآن الكريم، واشتغل بتجويده في الأزهر، ثم شرع في طلب ~~العلم على شيوخ عصره، فقرأ الكفراوي على أحد العلماء المبتدئين في التدريس، فكان يحفظ ~~العبارات ولا يفقه لها معنى، ولما أعيا عليه أمره وتعذر عليه إعراب أمثلة من غير ~~هذا الكتاب أعاد قراءته ولكنه لم يستفد شيئا، وكان بجوار داره دار السيد أحمد البقلي ~~أحد المدرسين بالمدارس، وله ولد أراد أن يقرأ القرآن مع المترجم، فشكا المترجم له من ~~تعسر النحو عليه، فأشار عليه بشراء متن الآجرومية وأمره أن يحفظه، ثم شرع في إعرابه ~~له على الطريقة الأزهرية فلم يستفد شيئا أيضا، وشكا من ذلك للشيخ محمد الدمنهوري ~~فأمره بترك طلب النحو كلية حتى ينسى ما علق بذهنه منه، ففعل واقتصر على الفقه، فحضر ~~ابن قاسم على الشيخ البيجوري، وكان يتفهمه بخلاف النحو، فمالت نفسه إليه فحضره مرة ~~ثانية على الشيخ فتوح البجيرمي، ثم مرة ثالثة على الشيخ عبد الرحمن القباني أحد تلاميذ ~~الشيخ فتوح المذكور، وكان يطالعه لإخوانه المبتدئين. # ثم قرأ الكتب المتداولة بالأزهر، ولم تفتر نفسه عن طلب النحو على ما لاقاه فيه من ~~الصعوبة، فصار يتردد على الشيخ محمد الدمنهوري ومعه متن ~~الآجرومية فقط، وصار الشيخ يقول له: اقرأ هذه الجملة ~~ثم تفهم معناها بنفسك ولا تنظر لأقوال الشرح، فيفعل، فتارة كان يخطئ وتارة يصيب، ~~وسهل عليه فهم هذا العلم بهذه الطريقة، وكان أحد أصحابه ms053 مبتلى بمثل ما ابتلي به، ~~وأخبره أن عند علي أفندي العروسي شرحا للرملي على الآجرومية فاستعاراه منه وقرآه معا ~~فكانا يفهمان ما فيه فهما جيدا. # ثم اجتمع المترجم بإنسان كفيف البصر اسمه الشيخ علي الفيومي له باع في العربية، ~~فقرأ عليه مع صاحبه كتاب الشيخ خالد والأزهرية والقطر وابن عقيل، ثم أعاد المترجم ~~القطر على الشيخ الشبيني بالأزهر، وقرأ الخطيب على الشيخ علي الأشموني عم الشيخ محمد ~~الأشموني الشهير، وقرأ التحرير والمنهج على الشيخ مصطفى المبلط، وهو آخر حضوره في ~~الفقه. # ثم قرأ علوم البلاغة بالأزهر، وقرأ العروض مع إعادة البيان بالمطالعة مع بعض تلاميذ ~~رفاعة «بك»؛ كقدري «باشا» وإبراهيم «بك» مرزوق. # وبعد ذلك انتخب مدرسا بالمدرسة التجهيزية سنة 1290ه في أول نظارة رياض «باشا» على ~~المعارف، وكانوا إذ ذاك يقرءون بها الأنموذج للزمخشري في النحو، ثم كلف بتأليف رسالة ~~في الصرف ففعل، وقرأ للتلاميذ نحو ثلاث سنوات، ثم اتفق مع بعض المدرسين على تأليف رسائل ~~في البلاغة والصرف بتوسع أبسط من الرسالة الأولى، وقرأ بها سنوات. # ثم أمر بقراءة العروض والقوافي في المدارس، فاستحسن رسالة أبي الجيش وأقرأها، ثم ~~وضع رسالة في العروض والقوافي أتم بها ما أراده أبو الجيش، ولكن وقع ما منعه من ~~تقديمها للمدارس، ثم كلف بوضع رسالة في علم الرسم، فوضع رسالته: «عنوان النجابة في ~~قواعد الكتابة» وقرئت بالمدارس. # ونقل بعد ذلك للمدرسة الابتدائية المسماة «بالمبتديان»، وكان ذلك سنة 1306ه، ~~فألف بها رسالة بالاشتراك مع غيره في المترادفات، ثم نقل إلى المدرسة السنية ~~الخاصة بتعليم البنات، فبقي بها سنتين ألف فيها رسالته «محاسن الأعمال»، ولما عرضت ~~على المجلس العالي بنظارة المعارف استحسنها أعضاؤه جدا، وقالوا: الأولى أن تكون بيد ~~المعلمات لا بيد المتعلمات. # ثم أخذت قوته في الوهن، وبصره في الضعف، لكبر السن، فعرض استقالته على النظارة، ~~مبينا السبب، فأحيل على الكشف الطبي، ثم أحيل على المعاش. # وله من التآليف غير ما تقدم: رسالة في الصرف اسمها: «قرة الطرف» أوسع من المتقدمة، ~~وأخرى في النحو ms054 وهي: «منحة الوهاب في قواعد الإعراب» وهي نظم، ومن شعره: # الحمد لله لا فقر يضر ولا # غنى يغر فلا حزن ولا فرح # وليس لي مطمع في الناس يلجئني # للذم والمدح إن ضنوا وإن سمحوا # وأسأل الله حاجاتي فيمنحني # من فضله فوق ما أهوى وأقترح # وله: # قد يسر الله أسباب المعاش لنا # بالعقل، والرزق موقوف على القسم # ليعلم العبد أن الله يرزق من # يشاء بالفضل لا بالسعي والهمم # فيطلب الرزق بالأسباب معتمدا # على الذي أوجد الأشياء من عدم # ولا يخاف ولا يرجو سواه ولا # يحيد عن منهج الأحكام والحكم # وكان رحمه الله طيب الخلق، حسن المعاشرة، اعتكف في داره بعد فصله من المدارس، ~~وعكف على الاشتغال بالعبادة ومذاكرة العلم مع من يسمر معهم من إخوانه وأخلائه أو ~~استقلالا بنفسه، وكان في مبتدأ أمره مولعا بالسماع، وتشبث بتعلم الموسيقى، فلازم ~~الشيخ محمدا شهاب الدين الشاعر المشهور، وكان متقنا لها، فأخذها عنه وأتقنها، ولكثرة ~~مطالعته لكتب الأدب صارت له ملكة أدبية ومعرفة بجيد الشعر ونقده. # ثم ما زال على هذه الحالة المحمودة حتى أرهقه الكبر، وضعف عن المشي، فلزم داره، ~~لا يخرج إلا لصلاة الجمعة في أقرب مسجد إليه، ومع ذلك فلا يبلغه إلا بمشقة زائدة، ~~وتوفاه الله إلى رحمته في يوم الثلاثاء 21 رمضان سنة 1327ه. # | أحمد الرفاعي1 # 1250ه-1325ه # اشتغل الشيخ أحمد الرفاعي بالحضور في الأزهر على مشايخ وقته، حتى تأهل للتدريس، ~~فدرس الكتب المتداولة، وقرأ عليه كثيرون من كبار علمائه: كالشيخ محمد عبده، والشيخ ~~محمد بخيت، والشيخ محمد أبو الفضل الجيزاوي، والشيخ محمد حسنين العدوي، والشيخ محمد ~~النجدي الشرقاوي، وغيرهم، وقد أصبح في أواخر أيامه وليس في الأزهر إلا من هم من ~~تلاميذه أو في طبقتهم، إلا الشيخ عبد الرحمن الشربيني والشيخ سليم البشري. # وكان من عادته ألا يقطع الإقراء طول السنة، ولا يسامح في أوقات المسامحات، ولا ~~يقعده عن الاشتغال بالتدريس إلا المرض، فقرأ الكتب المتداولة مرارا، ومهر فيها بسبب ~~كثرة اشتغاله، حتى صار المستعصي منها عنده بمنزلة السهل عند ms055 غيره، وأتقن فن التجويد ~~فجعل شيخا على المقارئ مدة طويلة. # ولما أقيم الشيخ حسونة النواوي شيخا على الأزهر في المرة الأولى ولم يجد له إقبالا ~~من علمائه، صاحبه المترجم وتحبب إليه ولازمه في غدواته وروحاته، ثم لما انحرف ~~الخديو السابق عباس بن توفيق عن الإمام الشيخ محمد عبده مفتي مصر والعضو بمجلس إدارة ~~الأزهر وأراد كف يده عنه، ساعده المترجم على ذلك وأخذ في معاكسة الشيخ وتدبير ~~المكايد له وتنفير الأزهريين منه، وتقرب من الخديو، وأكثر من الترداد على قصر ~~القبة ومداخلة الحاشية، حتى حظي عنده وأقبل عليه إقبالا عظيما، فلما عزل الخديو ~~الشيخ سليم البشري عن الأزهر في 2 ذي الحجة سنة 1320ه، وأراد إرجاع الشيخ حسونة ~~النواوي أو تنصيب الشيخ محمد بخيت ولم يرض النظار، رشح المترجم واستدعاه وأعلمه ~~بانتخابه له، فعاد إلى داره جذلا وأشاع الأمر، وهيأ السكر لشرب المهنئين، ~~والرمل الأصفر لفرشه بصحن الدار، وكاد الأمر يتم له لولا أن بعض مبغضيه من المقربين ~~للخديو صرفه عن توليته وذكر عنه هنات - الله أعلم بها - فعدل الخديو عن تنصيبه والتمس ~~لنفسه مخرجا من وعده الذي وعده به، فأعمل بعض المقربين الحيلة واستدعوه بحضرة ~~الخديو وسألوه عن قبوله التولية، فقال لهم: نعم ولاني مولاي الخديو وقبلت. # فأخذوا يذكرون صعوبة مراس أهل الأزهر والمشاق التي يعانيها شيخهم لإخضاعهم، ~~ولمحوا له أنهم لا يظنونه يقوى عليهم. فقال: ومن أهل الأزهر؟ أنا أدوسهم ~~بقدمي. # فقالوا: إنك ستكون مع الشيخ محمد عبده والشيخ عبد الكريم سلمان العضوين بمجلس ~~الإدارة، فهل ترضى بأن يشاركاك في الإدارة؟ وكيف يكون شأنك معهما؟ # فقال: كلا، لا أرضى أن يشاركاني، بل أشترط لقبول التولية عزلهما، وهما عندي كافران ~~لا يوثق بهما. # فاستغرق الخديو في الضحك، وقال: شرطك لا يمكن تنفيذه، ونحن نريحك من رياسة الأزهر، ~~ونعوضك عنها بشيء نجريه عليك من الأوقاف، فأسقط في يده، ورضي مرغما، ثم ~~صرفوه. # ثم وقعت منه في أواخر أيامه زلة. قيل إنه تصرف في وقف بغير وجه شرعي، ولكن الله ~~لطف ms056 به، فلم يقع له بسبب ذلك غير فصله من المقارئ، وكثرت غمومه وهمومه لما لاكته ~~الألسنة في هذه المسألة، فانقطع عن التدريس لمرض أصابه، إلى أن توفي بعد ظهر يوم ~~الاثنين 18 صفر سنة 1325ه ودفن يوم الثلاثاء، وأذنوا له على المآذن كالعادة في موت ~~كبار العلماء، وقد بلغ من السن نحو خمس وسبعين سنة، وكان قصيرا دحداحا خفيف الحركة، ~~رحمه الله وتجاوز عنه. # وله من المؤلفات: حاشيته على شرح لامية الأفعال لابن مالك، طبعت بمصر. # | علي محمد الببلاوي # 1251ه-1323ه # هو السيد علي بن محمد بن أحمد المالكي الحسني الإدريسي، من قرية ببلاو التابعة لعمل ~~ديروط الشريف من أعمال مديرية أسيوط، ولد بها في شهر رجب سنة 1251ه، ونشأ بها فحفظ ~~القرآن ومبادئ العلوم، وحضر للأزهر سنة 1269ه، فقرأ به على شيوخ وقته؛ كالشيخ محمد ~~عليش، والشيخ منصور كساب، والسيد محمد الصاوي، والشيخ علي مرزوق، والشيخ إبراهيم ~~السنجلفي، والشيخ أحمد الإسماعيلي، والشيخ محمد الإنبابي، والشيخ علي بن خليل الأسيوطي، ~~وكان له به نوع اختصاص في الحضور، وصحب مدة حضوره الشيخ حسونة النواوي، فكانا يسكنان ~~معا، ويحضران معا الدروس إلا في درس الفقه، فإن المترجم كان مالكيا والشيخ حسونة ~~النواوي حنفيا. # ولم يزل يجد ويجتهد حتى تأهل للتدريس، فدرس بالأزهر والمسجد الحسيني الكتب ~~المتداولة، وفي سنة 1280ه سافر للحجاز فحج، ثم استخدم بدار الكتب بالقاهرة مغيرا، ~~حتى كانت الثورة العرابية، واتجهت الأنظار لتنصيب المصريين في المناصب الكبيرة، ~~فساعده صديقه ومريده محمود سامي باشا البارودي على إقامته ناظرا على هذه الدار سنة ~~1299ه فتمت له نظارتها بعدما سعى كثيرون لها فلم يوفقوا. # ثم لما هدأت الأمور وانتهت الثورة، كان المترجم يتوقع القبض عليه كما فعل ~~بكثيرين، للعلم بأنه من صنائع البارودي، ولكن الخديو السابق توفيق رأى الاكتفاء بفصله ~~من دار الكتب وتعيينه خطيبا في المسجد الحسيني، ثم جعل شيخا لخدمة هذا المسجد في ~~ثاني صفر سنة 311ه. # ولما غضب الخديو على السيد محمد توفيق البكري نقيب الأشراف وشيخ الطوائف الصوفية، ~~وأمره بالاستقالة ms057 من النقابة فاستقال، سعى للمترجم صديقه ورفيقه في الحضور الشيخ ~~حسونة النواوي وكان إذ ذاك رئيسا لمجلس إدارة الأزهر قبيل إقامته شيخا عليه، فأمر ~~الخديو بتعيين المترجم نقيبا للأشراف في 6 شوال سنة 1312، فاعتنى بضبط مدخولها وجدد ~~من أوقافها ست دور بناها بجهة الحلمية، وصار يصرف الاستحقاقات في أوقاتها، وسئل في ~~رياسة الخدمة بالمسجد الحسيني. فقال: إن كانت النقابة تمنعني من خدمة سيدنا الحسين لا ~~أقبلها، فأبقي كما كان. # وأقام المترجم في النقابة نحو ثماني سنوات يجدد معالمها ويحيي ما درس منها، ~~حتى نقل منها شيخا للأزهر، وكان سبب ذلك أن الخديو انحرف عن شيخ الأزهر الشيخ سليم ~~البشري، وانتهى الأمر باستقالته يوم الأحد 2 ذي الحجة سنة 1320ه، وأراد الخديو إعادة ~~الشيخ حسونة النواوي أو تنصيب الشيخ محمد بخيت المطيعي فلم يوافق النظار على ذلك، ~~فرشح الشيخ أحمد الرفاعي المالكي وأعلمه بذلك، وكادت تتم له لولا عوارض اعترضت، ~~ثم سعى الشيخ علي يوسف - صاحب صحيفة المؤيد ومن أكبر المقربين من الخديو - للشيخ ~~المهدي ابن العلامة محمد المهدي العباسي، فرد عليه بأنه لا يصلح لخموله وعدم ~~توليته أمورا قبل الآن، فأجاب بأنه وإن كان كذلك فهو من بيت علم وغنى، تربى في نعمة ~~فلا تطمح نفسه لشيء مما في الأيدي، وتدربه على الأمور قريب مدرك، فرضي الخديو به، ~~ولكن النظار لم يوافقوه عليه لأمور نقمها عليه ناظر الحقانية مدة ما أقامه عضوا ~~بالمجلس الحسبي، فحار الخديو وحنق، وطلب دفتر أسماء العلماء فوقع نظره على اسم ~~المترجم فارتضاه وجنح إلى توليته، ولم يكن خطر على بال أحد، وساعد الشيخ علي يوسف ~~على ذلك ليتمكن من رد السيد محمد توفيق البكري إلى النقابة، فتم له الأمر ورضي به ~~النظار، وأعيد البكري إلى النقابة مضافة إلى ما بيده من رياسة الطرق الصوفية، وصدر ~~الأمر في 2 ذي الحجة بإقالة الشيخ سليم من الأزهر وتنصيب المترجم، فلما ذهب لشكر ~~الخديو كالعادة استصحب معه ولده الأصغر السيد محمود، والتمس إقامته شيخا على المسجد ~~الحسيني بدله، ms058 كما أقيم أخوه الأكبر السيد محمد قبله خطيبا له، فقبل ملتمسه ~~وأجيبت رغبته. # وكان الخديو في ذلك الحين منحرفا عن الشيخ محمد عبده مفتي مصر والعضو بمجلس إدارة ~~الأزهر وصاحب الكلمة العليا فيه، فكان يظن أن المترجم يوافقه في معاكسة الشيخ ~~ومعارضته وعرقلة مساعيه، فأخطأ ظنه؛ لأن المترجم مال للشيخ كل الميل، ووافقه في ~~كل مشروع، واتحد به واندرج فيه، حتى لم يكن له من الرياسة غير رسومها، والكلمة كلمة ~~المفتي. # ولما سئل في ذلك، اعتذر بأن الرجل لا يريد غير الإصلاح فلا يرى وجها لمعارضته، فكان ~~ذلك سببا لميل الخديو عنه بعد إقباله عليه. # ولما اعتزم الإمام محمد عبده نفض يده من الأزهر، رأى المترجم أن الأمور لا تجري ~~على مرغوبه، فاستقال من الأزهر يوم الثلاثاء 9 المحرم سنة 1323ه، فأقيل يوم السبت 12 ~~منه، وأقيم بدله الشيخ عبد الرحمن الشربيني الشافعي، واستقال أيضا المفتي من مجلس ~~الإدارة مرغما. # وأقام المترجم بعد ذلك بداره التي بجهة المناصرة، بعد أن رتب له الخديو خمسة ~~وعشرين دينارا مصريا من الأوقاف الخيرية تصرف له كل شهر، وظل مواظبا على تلاوة ~~القرآن كعادته، مقبلا على العبادة، حتى ازداد به المرض سنة 1323ه، وتوفاه الله في ~~غروب يوم الجمعة الثالث من ذي القعدة من تلك السنة، فشيعت جنازته بعد عصر يوم السبت، ~~وصلي عليه بالمسجد الحسيني وطيف به حول المقام كوصيته، ثم دفن بقرافة المجاورين ~~في بستان العلماء، رحمه الله رحمة واسعة. # وله من المؤلفات رسالة اسمها: «الأنوار الحسينية على رسالة المسلسل الأميرية»، ~~ورسالة فيما يتعلق بليلة النصف من شعبان، لولده السيد محمود تعليق عليها سماه: «عروس ~~العرفان في الحث على ترك البدع وشوائب النقصان، على الرسالة الببلاوية المتعلقة بليلة ~~النصف من شعبان». # | حسونة النواوي # 1255ه-1343ه # ولد الشيخ حسونة بن عبد الله النواوي سنة 1255ه في قرية «نواي» التابعة لملوي من ~~أعمال أسيوط، ولما ترعرع حضر إلى الأزهر وتلقى به العلم على شيوخ وقته، وكان حضوره ~~الفقه الحنفي على الشيخ عبد الرحمن البحراوي، والمعقول ms059 على الشيخ محمد الإنبابي، والشيخ ~~علي بن خليل الأسيوطي. # ثم تولى التدريس في الأزهر، وأحيل عليه تدريس الفقه بدار العلوم ومدرسة الإدارة ~~التي سميت بعد ذلك بمدرسة الحقوق، # 1 # مع درس آخر بمسجد محمد علي بالقلعة، فكان له من مجموع وظائف هذه الدروس ما ~~حسن به حاله. # وألف في أثناء ذلك كتابه: «سلم المسترشدين» في الفقه الحنفي لتلاميذ مدرسة ~~الإدارة، وقد سطع نجمه وتألق، وأصبح علما خفاقا يهتدي به الحائرون. # وحينما بدأ إصلاح نظام الأزهر وإدخال بعض العلوم الحديثة فيه؛ كالرياضيات وتقويم ~~البلدان والتاريخ وغيرهم، بسعي الإمام الشيخ محمد عبده، ثم تأليف مجلس لإدارته، مع ~~إبقاء الشيخ محمد الإنبابي شيخا له، واختير الشيخ حسونة رئيسا لهذا المجلس بعد أن ~~رشحه لذلك بعض كبار رجال الحكومة ممن سبق لهم التلقي عليه بمدرسة الإدارة، فأخذ ~~في إدارة أمور الأزهر حتى انحصرت فيه كلياتها وجزئياتها، ولم يصبر الشيخ محمد الإنبابي ~~على ذلك، واعتلت صحته، فاستقال في 25 ذي الحجة سنة 1312ه، وأقيل في ثاني المحرم ~~1313ه. # وكانت تولية الشيخ حسونة مكانه ضد رغبة العلماء الأزهريين؛ إذ كانوا يرون أن فيهم ~~من هم أكبر سنا وأكثر علما وأحق بالرياسة عليهم منه، ولأنه جاء مؤيدا لتدريس ~~الحساب والهندسة والجبر وتقويم البلدان وما إليها في الأزهر، وكانوا ينفرون منها بدعوى ~~أنها علوم مستحدثة، وما هي إلا علوم قديمة اشتغل بها المسلمون وألفوا فيها، وكانت ~~تدرس بالأزهر قبل انحطاطه، وإنما نفروا منها لبعد عهدهم بها، ولظنهم أنها من ~~علوم الإفرنج وأنها ما أدخلت في الأزهر إلا للقضاء على العلوم الشرعية أو تقليل الرغبة ~~فيها. # كذلك كان من أسباب ضيق الأزهريين بتولية الشيخ حسونة شيخا للأزهر، أنه تولى خلفا ~~للشيخ الإنبابي المشهود له بالعلم والفضل والتقوى بين الخاصة والعامة، وقد أشاع بعض ~~الحاقدين أن الشيخ حسونة مطبوع على الشدة والجفاء في مخاطبة الناس ومعاملتهم، وأنه بعد ~~التولية داخله شيء من الزهو والخيلاء، كما أشاعوا أنه ممالئ للإنجليز على هدم مكانة ~~الأزهر بإدخال العلوم الجديدة فيه. # وفي عهد توليته ms060 على الأزهر، وقعت حادثة الوباء التي امتنع فيها الطلبة بإغراء بعض ~~متهوريهم عن الإذعان لأوامر الحكومة، واعتصموا بالأزهر، وقاوموا رجال الشرطة ورموهم ~~بالأحجار، حتى أصيب محمد ماهر «باشا» محافظ القاهرة بحجر أدمى وجهه، فأحيط بهم ~~ورموا بالرصاص، فجرح بعضهم، ثم قبض على زعمائهم، وحكم على بعضهم بالسجن وعلى ~~البعض الآخر بالنفي، وأغلق رواق الشوام لأن حركة التمرد بدأت منه. # وانتهز هذه الفرصة أعداء الشيخ النواوي وانتصروا للطلبة، وأخذوا يرمون الشيخ ~~بالضعف والتهاون عن الدفاع عن حرمة المسجد والمحاماة عن أهله، فرد الله كيدهم في ~~نحورهم. # ولما توفي الشيخ محمد المهدي العباسي سنة 1315ه، أضيف منصب الإفتاء الذي كان يشغله ~~إلى الشيخ النواوي بجانب رياسة الأزهر. # واستمر الشيخ النواوي جامعا للمنصبين، حتى وقع الخلاف الكبير أواخر سنة 1316ه ~~بشأن إصلاح المحاكم الشرعية، وعرض على مجلس شورى القوانين اقتراح بندب قاضيين من ~~مستشاري محكمة الاستئناف الأهلية ليشاركا قضاة المحكمة الشرعية العليا في الحكم، فوقف ~~الشيخ حسونة ضد ذلك الاقتراح، وجرت مناقشة بين الشيخ ورئيس النظار مصطفى فهمي «باشا» ~~انتهت بأن غادر الشيخ المجلس مغضبا محتجا. # وأكبر الناس موقف الشيخ، ولا سيما بعد أن سرى إلى الأذهان أن الحكومة تريد هدم ~~الشريعة بذلك المشروع، ولكن النظار أحفظهم ما واجه به الشيخ رئيسهم، وحرك ذلك ما ~~كان في صدورهم منه يوم أرادوا منع الحج احتجاجا بالوباء، واستفتوه ليجعلوا فتواه ~~عصا يتوكئون عليها كلما أرادوا منع الحج، وظنوا أنه يوافقهم، لكنه أخلف ظنهم ~~وأفتى بعدم جواز المنع، فلما كانت حادثته مع رئيس النظار، شكوه إلى الخديو وطلبوا ~~عزله. # وحاول الخديو حمل الشيخ على قبول الاقتراح بعد تعديله وتغيير ما يراه مخالفا ~~الشرع منه، فأصر على الامتناع، وقال: «إن المحكمة الشرعية العليا قائمة مقام المفتي ~~في أكثر أحكامها، ومهما يكن من التغيير في الاقتراح فإنه لا يخرجه عن مخالفته للشرع؛ ~~لأن شرط تولية المفتي مفقود في قضاة الاستئناف.» # وتألم الخديو من الشدة في كلام الشيخ، فمال لرأي نظاره فيه، ثم أصدر أمره يوم ~~السبت 24 المحرم ms061 سنة 1317ه بعزل الشيخ عن رياسة الأزهر والإفتاء، وإقامة ابن عمه ~~الشيخ عبد الرحمن القطب النواوي شيخا على الأزهر، والشيخ محمد عبده المستشار ~~بالاستئناف الأهلي مفتيا. # ولما أذيع الأمر كثرت وفود العلماء والوجهاء على دار المترجم، وانطلقت الألسنة ~~بمدحه والثناء عليه، وتعلقت به القلوب، وأقبل الناس عليه أي إقبال، وتحققوا بطلان ~~ما اتهمه به خصومه. # والحقيقة أن الشيخ لم يعهد عليه ما يشين دينه ولا دنياه، بل عرف بالعفة وعلو ~~الهمة ونقاء اليد. ولولا جفاء كان يبدو بعض الأحيان في منطقه، وشدة فيه يراها بعض ~~الناس غلظة، ويعدها البعض شهامة، لحفظ ناموس العلم، خصوصا مع الكبراء الذين ~~أفسدهم تملق علماء السوء وحملهم على الاستهانة بهذه الطائفة. # ولم يزل المترجم معتكفا في داره، مقبلا على شأنه، حتى انتقل إلى دار ابتناها بجهة ~~القبة، ولم يقم ابن عمه في الأزهر طويلا، بل توفي فجأة بعد نحو شهر من ولايته سنة ~~1317ه، فولي على الأزهر الشيخ سليم مطر البشري المالكي، ثم استقال فأقيل يوم الأحد 2 ~~ذي الحجة سنة 1320ه، وأراد الخديو إعادة المترجم أو تولية الشيخ محمد بخيت، فلم ~~يوافق النظار، ثم تولى على الأزهر الشيخ علي بن محمد الببلاوي المالكي نقيب الأشراف، ~~واستقال يوم الثلاثاء 9 المحرم سنة 1323ه، فأقيل يوم السبت 12 منه، وفي اليوم التالي ~~عين الشيخ عبد الرحمن الشربيني الشافعي شيخا للأزهر، ثم استقال فأقيل يوم الأربعاء ~~16 ذي الحجة سنة 1324ه، ورتب له 15 دينارا مصريا في الشهر من الأوقاف الخيرية ~~ليكمل مرتبه 25 دينارا، وفي اليوم نفسه أعيد الشيخ حسونة النواوي شيخا على الأزهر، ~~ولكنه لم يمكث في المنصب طويلا بسبب اختلال الأحوال في الأزهر، فاستقال سنة 1327ه، ~~وأعيد إلى الأزهر الشيخ سليم البشري، ولزم المترجم داره بالقبة يزوره محبوه ~~ويزورهم حتى آخر حياته، وكان خلال توليته الأولى قد عين عضوا دائما غير قابل ~~للعزل بمجلس شورى القوانين؛ ولهذا بقي في المجلس بعد عزله من الأزهر والإفتاء، حتى ~~ألغي المجلس واستعيض عنه بالجمعية التشريعية سنة 1332ه. ms062 # وقد أصيب الشيخ في أواخر أيامه بأمراض ووهن في القوى وضعف في النظر، وانتقل إلى ~~رحمة مولاه صباح يوم الأحد 24 من شوال سنة 1343ه، ودفن بقرافة المجاورين. # | عبد الله نديم # 1261ه-1314ه # هو عبد الله نديم أفندي بن مصباح بن إبراهيم الأديب الألمعي، والخطيب المفوه، نادرة ~~عصره، وأعجوبة دهره. # ولد أبوه ببلدة «الطيبة» بالشرقية في شهر ذي الحجة سنة 1224ه، ثم انتقل إلى ثغر ~~الإسكندرية، فكان في مبتدأ أمره نجارا للسفن بدار الصناعة، ثم اتخذ له مخبزا لصنع ~~الخبز، ومات بالقاهرة في 4 رجب سنة 1310ه. # وولد المترجم بالثغر المذكور في عاشر ذي الحجة سنة 1261ه، ونشأ في قلة من العيش، ~~ومالت نفسه إلى الأدب فاشتغل به واسترشد من أهله وطالع كتبه، وحضر دروس الشيوخ بمسجد ~~الشيخ إبراهيم، وكان قليل الاعتناء بالطلب، غير مواظب على الدرس، إلا أن الله وهبه ~~ملكة عجيبة وذكاء مفرطا، فبرع في الفنون الأدبية، وكتب وترسل ونظم الشعر والزجل، ~~وطارح الإخوان، وناظر الأقران، ثم بدا له أن يتعلم صناعة للكسب، فتعلم فن ~~الإشارات البرقية، واستخدم في مكتب البرق ببنها العسل. ثم نقل إلى مكتب القصر العالي ~~بالقاهرة وبقي به مدة عرف فيها كثيرا من أدباء القاهرة وشعرائها، مثل: محمود سامي ~~البارودي، ومحمود صفوت الساعاتي، والشيخ أحمد وهبي، ثم غضب عليه «خليل أغا» أغا القصر، ~~وكان في سطوة لم يبلغها كافور الإخشيدي، فأمر ~~بضربه وفصله، فضاقت به الحيل، ورقت حاله، حتى توصل إلى الشيخ أبي سعدة عمدة ~~«بداوي» في الدقهلية، وأقام عنده يقرئ أولاده، ثم تشاحنا وافترقا على بغضاء، واتصل ~~بالسيد محمود الغرقاوي أحد أعيان التجار بالمنصورة، فأحسن منزله، وفتح له حانوتا ~~لبيع المناديل وما أشبهها، فكانت نهاية أمره أن بدد المكسب ورأس المال، وجعل يجوب ~~البلاد وافدا على أكابرها، فيكرمون وفادته ويهشون لمقدمه؛ لما رزق من طلاقة ~~اللسان، وخفة الروح، وسرعة الخاطر في النظم والنثر ، فيطوف ما يطوف ثم يأوي إلى دار ~~الغرقاوي بالمنصورة. # ثم عاد إلى طنطا سنة 1293ه واتصل بشاهين «باشا» كنج مفتش الوجه ms063 البحري إذ ذاك، ~~ولاتصاله به سبب لا بأس من ذكره؛ وهو أن الباشا المذكور كان بينه وبين الشيخ محمد ~~الجندي أحد العلماء بالمسجد الأحمدي صحبة وتزاور، وكان الشيخ يعرف غلاما حلاقا حسن ~~الصوت، فأمره مرة أن يغني بحضرة الباشا، فغنى بقول المترجم: # سلوه عن الأرواح فهي ملاعبه # وكفوا إذا سل المهند حاجبه # وعودوا إذا نامت أراقم شعره # وولوا إذا دبت إليكم عقاربه # ولا تذكروا الأشباح بالله عنده # فلو أتلف الأرواح من ذا يطالبه؟ # أراه بعيني والدموع تكاتبه # ويحجب عني والفؤاد يراقبه # إلى أن قال: # ولو أن طرفي أرسل الدمع مرة # سفيرا لقلبي ما توالت كتائبه # وكان كثيرا ما يتغنى بها، فطرب الباشا طربا شديدا، واستظرف قائل الأبيات ~~وتمنى رؤيته، فأرسلوا له بالحضور، فلما حضر إلى طندتا # 1 # وواجهه استقبح صورته، إلا أنه أعجبه ظرفه وأدبه، ومال إليه، فاتخذه ~~نديما لا يمل، ورفيقا حيث حل، فلما استقرت به النوى وملأ يده من الباشا، استعداه ~~على أبي سعدة الذي كان يقرئ أطفاله وادعى أنه أخر له ثلاثين دينارا من أجرة ~~التعليم، فأمر الباشا بإشخاصه إلى طنطا، وألزمه أن يدفع للمترجم مائة، فدفعها عن يد وهو ~~صاغر. # وكان مجلس شاهين باشا محط رحال الأدباء، ومنتجع الشعراء والندماء، لا يخلو من ~~مطارحات أدبية، ومساجلات شعرية، وللمترجم بينهم المقام الأعلى، والقدح المعلى، ~~وحسبك ما وقع له من طائفة «الأدباتية»، وهم مشهورون بالقطر المصري، يستجدون الناس ~~في الطرق بإنشاد الأزجال والضرب على الطبل، وأغلب أزجالهم مرتجلة في مقتضى الحال، فكان ~~للمترجم معهم يوم مشهود، ذكره في مجلة الأستاذ، ومنها نقلناه، قال: ~~«اتفق لي أني كنت بمولد سيدي أحمد البدوي رضي الله عنه سنة 1294ه هجرية، وكان معي ~~السيد علي أبو النصر، والشيخ رمضان حلاوة، والسيد محمد قاسم، والشيخ أحمد أبو الفرج ~~الدمنهوري، فجلسنا على قهوة الصباغ نتفرج على أديب # 2 # وقف يناظر آخر، فلما فطن أحدهما لانتقادنا عليهما لفت أخاه إلينا ~~وخصانا بالكلام، فأخذا يمدحاننا واحدا فواحدا، إلى أن جاء دورهما إلي، فقال ~~أحدهما يخاطبني: # انعم ms064 بقرشك يا جندي # والا اكسنا امال يا أفندي # إلا انا وحياتك عندي # بقى لي شهرين طول جوعان # فقلت على سبيل المزح معه: # أما الفلوس أنا مديشي # وانت تقول لي مامشيشي # يطلع علي حشيشي # أقوم أملص لك لودان # ثم أخذنا نتبادل الكلام نحو ساعة حتى غلبا عندما فرغ محفوظهما، فلما قمنا وتوجهنا ~~إلى منزل المرحوم شاهين باشا، وكنا نازلين عنده جميعا، أخبره السيد علي أبو النصر بما ~~كان مني مع الأديبين، فلما أصبحنا استدعى شاهين باشا شيخ الأدباتية وطلب منه أن ~~يستحضر أمهر من عنده، ووعده أن يعطيهم ألف قرش إن غلبوني، فإن غلبتهم ضرب كل واحد ~~منهم عشرين كرباجا، فرضي بذلك، واستحضر الشيخ داود، والحاج إسماعيل، الشهيرين بعمل ~~الزجل وإنشاده ارتجالا في أي غرض، واستحضر معهما ستة من أشهر الحفظة المقتدرين على ~~الارتجال أيضا، وعقد الباشا لذلك مجلسا أمام بيته بطنطا، وأجلسني بينه وبين المرحوم ~~جعفر «باشا» مظهر، وقد وقف الناس ألوفا والعساكر تدفعهم عنا، ثم ابتدأ الشيخ ~~فقال: # أول كلامي حمد الله # ثم الصلاة على الهادي # ماذا تريد يا عبد الله # قدام أميرنا وأسيادي # فقلت: # أنا أريد أحمد ربي # بعد الصلاة على المختار # وإن كنت تطمع في أدبي # أسمعك حسن الأشعار # فقال: # دعنا من الأدب المشهور # وادخل بنا باب الدعكه # ندخل على أسيادنا بسرور # ونغنم الخير والبركه # فقلت: # هيا احتكم في البحر وشوف # فن النديم ولا فنك # دلوقت تسمع يا متحوف # أحسن أدب وحياة دقنك # فقال: هات مدح في الحضرة على قد: # تعمل عمايلك يا منصان # يا ابو الشفيفه العسليه # يا صاحب الحجل الرنان # ودي الأمور الحيلية # ماذا تريد من دي الولهان # قل لي واسعف # أحسن أنا من خمر الحان # قصدي أرشف # وإن كنت تسمح يا ابو الخير # يبقى الوصال «الدوا» ليه # فقلت: # المجلس العالي محمود # فيه الأماره والأعيان # واليوم دا يوم باين مشهود # خلعت عليه حلة إحسان # شاهين باشا فيه موجود # حظه أزهر # أما المدير هذا المسعود # جعفر مظهر # فإنه في الناس معدود # من ضمن أرباب العرفان # فقال: ms065 # القصد منك يا نديمنا # تعمل زجل هيله بيله # إلا انت دلوقت غريمنا # قصدي احدفك بالقلقيله # فقلت: # انت صغار لسه نونو # وفي الزجل منتش مجدع # اتبع نديم تلقى فنونو # تأتيك من المعنى الأبدع # وبعد أن دار الكلام بيني وبينه في كثير من هذا الوزن، قام الشيخ داود وقال: # قصدي أقول كلام - يحكي لضمات الزهور - هات اشجنا بنظام # من فن «كان وكان» # ادخل بنا لمعان - كالبكر من خلف الستور - في قلب متحلي # في النظم بالإتقان # فقلت: # اسمع كلام نديم - من طيه كل السرور - واعقل نصيحة خبير # يدعوك للعرفان # لا تستخف بخصم - لو كان من أوهى الطيور - واصفح فكل ~~صفوح # يعلو على الأعيان # واخش اللئيم دواما - فاللؤم داع للشرور - واحفظ مودة ~~حر # في عهده ما خان # هذي نصيحة حر - إن قلت زانت للنحور - والفكر فكر ذكي # لا يعرف النسيان # فأعرض عن «كان وكان» عجزا منه، وقال: هات فخرا على قد: # يا صبا نجد ورامه # هجت للمشتاق وجدا # كل صب في غرامه # ما اشتكى في الليل سهدا # والهوى أحرق ضرامه # كل أحشائي وقلبى # فقلت: # فخر مثلي في بيانه # والغبي يفخر بماله # والأدب أحسن صفاتي # فالذكي حسنه كماله # كل قول المرء يفنى # غير محمود المآثر # دور # قد كان لي سعد السعود خدام # لما التقينا في الطريق # وقلت بالحاجب أروح قدام # وانت ورايا يا صديق # فصرت أنظر للقوام بالقام # وعادل القد الرشيق # حتى ملكت الروح وا روحاه # لو يرجع اليوم ينظر # دور # قال المدلع عاشقي: ما الحال؟ # جفني جرح منك الفؤاد # كم من شجي مثلك سباه الحال # حتى غدا خصم الرقاد # قلت ارحموا من في التصابي مال # عن كل أبواب الرشاد # قال إن ترم مني الوصال وصفاه # هات اليمين الأكبر # ثم طلبت منه أن يأتي باليمين من هذا الوزن، فوقف، فقصدت الحاج إسماعيل، فوقف، فطلبت ~~من الستة، فوقفوا، فقال المرحوم شاهين باشا: نحسبها لك واحدة. # ثم قال الشيخ: هات غزلا بمعنى بديع على قد: # أهيف رشقني بقوام # مثل المران # والوجد عذبني بناره # فقلت له: أقول تحميلة ms066 وتقولون أخرى من جنسها، فقال: هات، فقلت: # يا أهل الصبابة يا عشاق # سلوا المشتاق # فالعشق ما له غير أهله # فوقف الجميع، ولم يستطع واحد منهم الدخول معي في هذا المضيق، فقلت ومشيت إلى آخر ~~الأدوار الآتية: # أشكو إليكم أحزاني # بل هجراني # من أهيف صادني نبله # أهيف بنظرة في خده # خدني عبده # وجت سقامي تشهد له # وأدمعي نزلت تجري # تنظر صدري # رأت فؤادي بيرقص له # قالت لو أتلفت عيوني # قال: سيبوني # سيد الملاح يعرف شغله # ما يعرف العشق الأجلاف # يا أهل الإنصاف # ما للعذول يكثر عذله # عاقل رأى مجنون يشرب # حتى يطرب # فراح شعوره مع عقله # إلى أن قلت: # لما رآه سلب الألباب # خاف الأسباب # وراح يعضعض في نعله # وصرت وحدي متهني # أفضل أغني # للحب إن شخشخ حجله # أرعى النجوم والنار تكوي # قلبي المشوي # والوجد كتفني بحبله # قد بعت روحي للفتان # من غير أثمان # وبعت ملكي من أجله # كيف الخلاص والقلب كسير # والصب أسير # والجفن يجرحني بنصله؟ # ثم قلت: # يقول لي يا مسكين مالك # بين حالك # عسى يكون عندي حله # فقلت يا سيدي عبدك # من نار خدك # حرق اللهيب جسمه كله # أخدت حبيب قلبي النخوة # بعد القسوة # وجه يغازلني بدله # خطر ولكن في قلبي # بهجة لي # وجاد لمسكينو بوصله # من فرحتي هرولت ابكي # من غير ما اشكي # والدمع من كترو بله # حركت قلبه للرحمة # من دي الفحمة # فجاد بياسمينو وفله # فقلت: أحييت الفاني # يا إنساني # الله يجازيك من فضله # وكل ما يرجو العاشق # غير الفاسق # والسر لا يحسن نقله # وإلى هنا صفق الباشا والحاضرون، ثم عدنا للزجل المعتاد بما يطول ذكره، فإن الشيخ ~~رمضان كتب من زجل هذا المجلس خمس كراريس، وكله محفوظ عندنا لم يضع منه شيء، وقد ~~استمرت المناظرة ثلاث ساعات.» ~~••• # ولقد سألت بعض من حضر هذا المجلس عما كتبه المترجم فأنكره، وأخبرني أنه تغالى ~~فيما كتب، وذكر أناسا لم يكونوا حاضريه ، والله تعالى أعلم. # ثم اتصل المترجم بالتنونجي «بك» فجعله وكيلا على ضياعه، ثم لحق بالإسكندرية مسقط ~~رأسه ms067 ومنبت غرسه، وكان منه ما سنقصه عليك. # تلك خلاصة ترجمته في أول أمره ومبتدأ خبره، وكان القطر المصري في أثناء ذلك في ~~اضطراب، وهرج ومرج، من اختلال الأحوال، وفساد الحكام، واعتلاء الإفرنج على ~~الأهلين، وقد سئم الناس حكم الخديو إسماعيل وتمنوا زوال دولته. # فلما وفد المترجم على الثغر رأى لفيفا من الشباب ألفوا جمعية «مصر الفتاة» ~~يتآمرون فيها سرا خوفا من بطش الخديو، فعرف منهم البعض، واشتغل بالكتابة في صحف ~~الأخبار، فأعجب الكتاب بمقالاته، واقتدوا به في تحسين الإنشاء، وكان سقيما ~~منحطا في ذلك العهد، ثم سعى مع جمع من الأدباء، فألفوا جمعية سموها «الجمعية ~~الخيرية الإسلامية» سنة 1296ه آخر سني إسماعيل في الحكم، وجعلوه مدير مدرستها، ثم ~~عزل الخديو وتولى ابنه توفيق، ففرح الناس وظنوا انفراج الأزمة، وجد المترجم ~~واجتهد في إنجاح مسعاه في الجمعية، حتى حمل الخديو على زيارة مدرستها، فزارها يوم ~~امتحان تلاميذها، وجعلها تحت رعاية ولي عهده عباس، وفتحت لهم أبواب المدرسة البحرية ~~ليدرسوا بها، وقررت الحكومة مائتين وخمسين دينارا في السنة مساعدة لهم. # وطفق المترجم يؤلف القلوب، ويحض الأهلين على الاتحاد بالمقالات والخطب، ينفثها ~~قلمه ولسانه، وألف قصة سماها: «الوطن وطالع التوفيق»، وأخرى سماها: «العرب»، شرح ~~فيهما ما كانت عليه حالة القطر وما طرأ عليه، ثم مثلهما هو وتلاميذه بأحد ملاعب ~~الثغر بحضور الخديو، فكان لهما تأثير كبير في النفوس، واشتهر المترجم، وعلا كعبه، ~~ولهج الناس بذكره. # ثم طرأ فساد على الجمعية نسبوه إليه فانفصل منها، وكان قد شرع في إنشاء صحيفة ~~سماها: «التنكيت والتبكيت» مزج فيها الهزل بالجد، وظهر أول عدد منها في 8 رجب سنة ~~1298ه، وظهر في أثناء ذلك وميض الثورة العرابية من خلل الرماد، فوافقت هوى في نفس ~~المترجم، وضمه قادتها إليهم، وشدوا أزرهم به، فملأ صحيفته بمحامدهم، ودعا إلى ~~القيام بناصرهم، وخطب الخطب المهيجة، ونظم القصائد الحماسية، وندب الوطن ورثاه، وحض ~~على الاجتماع والتكاتف ونبذ أضاليل الإفرنج، فأثرت قالته في النفوس وأشربتها ~~القلوب. # وانتسب المترجم إلى الإمام الحسن السبط رضي ms068 الله عنه، وإن كان بعض من عرفوه ~~ينكرونها، ثم أوقف صحيفته بعد أن ظهر منها ثمانية عشر عددا، آخرها تاريخه 23 ذي ~~القعدة سنة 1298ه، وكانت أسبوعية تظهر يوم الأحد، وانتقل إلى القاهرة وهي جذوة من نار، ~~وغير اسم صحيفته بأمر من عرابي كبير الثوار، فسماها: «الطائف» تيمنا باسم بلدة ~~بالحجاز مشهورة، وتفاؤلا بأنها تطوف المسكونة كما جابتها جوائب «أحمد فارس»، واسترسل ~~المترجم مع رجال الثورة حتى صار جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب، ولقبوه بخطيب ~~الحزب الوطني، وقام سراة القطر وأعيانه يعقدون المجتمعات ويولمون الولائم للعرابيين، ~~ويدعون المترجم للخطابة، وكانت له بها المواقف المشهودة، والأيام المعدودة، حتى قامت ~~الحرب بالإسكندرية بين الإنكليز والمصريين يوم الثلاثاء 25 شعبان 1299ه فسافر إليها مع ~~جماعة من رؤساء الجند وبات بها ليلة، ولحق بعرابي وقد رجع إلى كفر الدوار، ثم انتقل معه ~~إلى التل الكبير وهو ينشئ صحيفة «الطائف» بالمعسكر، فيضمنها أخبار الانتصار، ويحشوها ~~بما فيه تهدئة للأفكار، حتى وقعت الوقعة الكبرى على المصريين بالتل الكبير، فجاء مع ~~عرابي وعلي الروبي إلى القاهرة يوم الأربعاء 29 شوال من السنة المذكورة، واتفقوا على ~~إرساله إلى الإسكندرية بكتاب يطلبون به مطلبا من الخديو. فسافر به يوم الخميس، ولما ~~وصل إلى كفر الدوار بلغه القبض على زعماء الثورة ودخول الإنكليز القاهرة، فعاد إليها ~~ليلا، وبقي في داره بجهة العشماوي إلى الصباح، وخرج مع والده وخادمه فركبوا عجلة ~~وقصدوا بها بولاق، ورآه شاهين فؤاد المفتش بالمصرف العقاري وهو من مماليك القصر ~~السابقين، فظنه غير مطلوب، ولولا ذلك لقبض عليه، وودعه أبوه عند وصوله إلى بولاق ~~واختفى مع خادمه تسعة أعوام لا يهتدى لمكانه، حتى أعيا الحكومة أمره فجعلت ألف ~~دينار لمن يرشد إليه. وبثت عليه العيون فلم يظفروا بطائل وأعيتهم الحيل، فحكم عليه ~~بالنفي من القطر المصري مدة حياته، ويئس أصحابه من وجوده، وأشيع القبض عليه وخنقه ~~أو موته حتف أنفه أو هربه إلى بلاد الإفرنج، ولا غرو إذا عد اختفاؤه من الأمور ~~الغريبة فأمره غريب من أوله، وكان ms069 حين ودع أباه ببولاق قصد دار صديق له يدعى الشيخ ~~مصطفى فأقام بها أياما، ثم غير زيه فلبس ثوبا من الصوف الأحمر (زعبوطا) واعتم ~~بعمامة حمراء وسدل على عينيه منديلا، وأخفى شاربه، وأعفى لحيته، فتغيرت هيئته، ~~ونزل مع خادمه في سفينة قاصدة «بنها» ومنها إلى «منية الغرقى» بقرب طلخا، وقصد الشيخ ~~شحاتة القصبي من مشايخ الطريقة الصاوية كان أخذ عليه العهد، وكان مشهورا بالصلاح ~~والتقوى، فلم يعرفه لتغير شكله، فجلس هنيهة حتى انصرف من في المجلس فعرفه حاله، ~~وأقام عنده ثلاثا، ثم أشار عليه الشيخ بالانتقال معتذرا بكثرة الواردين، فتحول إلى ~~دار أحد الدراويش الموثوق بهم فآواه شهرا، ثم قصد بلدة أخرى، وطوحت به الطوائح ولقي ~~الأهوال. # وحدث أنه نزل مرة عند قوم فأخفوه في قاعة مظلمة يتوصل إليها من سرداب طويل شديد ~~الظلمة، ترشح أرضها بالماء لانخفاضها وقربها من خليج مار بجانب تلك البلدة، وكان لا ~~يتمكن من الكتابة والمطالعة إلا على مصباح صغير من زيت الحجر وهو الغاز أو الجاز كثير ~~الدخان، فقاسى، الشدائد بهذا المكان تسعة أشهر، ولما خرج منه كاد لا يبصر الطريق لما ~~غشي عينيه، وكان كلما حل أو ارتحل يغير اسمه وحليته، فتارة يبخر لحيته ~~بالكبريت حتى تبيض ويخضبها بالحناء أخرى، وغير اسم خادمه حسين فسماه صالحا، ~~وظنه الناس شيخا من الصلحاء، حتى لقي مرة بعض من يخشاه وحادثه فستره الله وشمله ~~بعنايته حتى فارقه، ثم ألقت به يد الأقدار إلى بلدة «العتوة القبلية» في الغربية، ~~فاختفى عند عمدتها الشيخ محمد الهمشري فأكرم مثواه، وأقام في داره ثلاث سنوات ونيفا، ~~تزوج فيها وولدت له بنت وماتت ولم يشعر به أحد، وزوج خادمه حسينا بأخت زوجته، ثم ~~مات في أثنائها رب الدار، وكان شهما ذا مروءة كبيرة، وله امرأة مثله شهامة ومروءة، ~~فاستحضرت أكبر أولادها وأعلمته أن ضيفهم المختفي عندهم هو «عبد الله نديم» طريد ~~الحكومة، وسألته: هل يطمع في الجعل ويسلمه، أو يكون كأبيه في حفظ الجار وحماية ~~الذمار؟ فاهتز الولد لقولها وأبى إلا ms070 أن يقتدي بأبيه في الكرم، ولعمري إن ما آتته ~~تلك الأسرة من مكارم الأخلاق وعلو الهمة لمما يندر مثله في هذا الزمن. # وتنقل من بلدة إلى أخرى، وماتت زوجته، فذهب إلى القرشية نزيلا عند أحمد «باشا» ~~المنشاوي، فكان يجتمع به صديقه القديم الأديب محمد أفندي التميمي وغيره، وتزوج هناك ~~ببنت مصطفى منى من أهل المحلة الكبرى، إلا أنه لم يحمد المقام، فانتقل إلى دار التميمي ~~في شهر ذي القعدة سنة 1305ه، فأقام بها شهرا، ثم سافر إلى «الدلجمون» في البحيرة فلم ~~يمكث بها غير أسبوع، وعاد إلى الغربية، وقصد «البكاتوش» فكان يقيم تارة عند عمدتها ~~الشيخ إبراهيم حرفوش، وينتقل تارة إلى دار جاره أحمد جودة، وكان رجلا قوي الجنان، ~~لا يبالي بظلام الليل أنى سار فيه، فصار يصحب المترجم إذا أراد الانتقال في الليل ~~الحالك، ويتجشم معه أضيق المسالك، وجعل المترجم إقامته بين «البكاتوش» و«شباس ~~الشهداء»، ينزل فيها عند «محمد معبد» الحلاق، فيلقى عنده من الكرم والمروءة ما لقيه ~~إبراهيم بن المهدي عند ذلك الحلاق المشهور مدة اختفائه من المأمون، ولم يزل كذلك حتى ~~انتقل عند صديقه وصديقنا الأديب الكامل الشاعر الناثر محمد شكري المكي كاتب المركز ~~بدسوق الذي أخبرني قائلا: بينما أنا بالمركز يوما إذ دخل علي الشيخ إبراهيم خرفوش ~~عمدة البكاتوش، فسلم وجلس، ولمحت منه أنه يريد أن يسر إلي أمرا، فترقب ~~خلو المكان، ثم أخبرني أن شخصا عنده مشتاق إلي، وهو صديق لي لم يرني منذ ثماني ~~سنوات، فاستخبرته عنه فانصرف ولم يخبرني به، ثم صار يتردد علي بعد ذلك يذاكرني ~~في هذا الصديق ولا يبوح باسمه، حتى وثق مني، فأخبرني أنه مختف واسمه «عبد الله»، ~~فقلت: لعله عبد الله نديم؟ فقال: نعم، فكتبت له بيتين من نظمي وسألته توصيلهما إليه، ~~وهما: # ولقد نذرت إذا لقيتك سالما # لأقبلن مواطئ الأقدام # ولأثنين على سجاياك التي # حثت على التحرير والإقدام # فذهب بهما، وعاد لي بعد يومين بقصيدة من نظم المترجم بخطه، عدتها مائة بيت من ~~البحر والقافية، يتشوق فيها ms071 إلي ويذكر ما لاقاه أيام الثورة والاختفاء، ويتمنى لو ~~فرج الله عنه فيفعل كيت وكيت، وكأنه نسي نفسه وما هو فيه من الضيق، فكتبت له ~~أبياتا أطلب الاجتماع به، وبعد أسبوع حضر لي إبراهيم حرفوش ومعه ورقة بخط المترجم ~~يطلبني فيها إليه يوم الجمعة بشباس الشهداء، فذهبت في الميعاد، فوجدت محمد معبد ~~الحلاق ينتظرني، فذهب بي إلى داره وهي دار صغيرة على تل، وقد أنزلوا المترجم في مكان ~~عال لا سلم له، فصعدت إليه على سلم من الخشب رفعوه بعد صعودي، فلما التقينا ~~ووقعت العين على العين تعانقنا طويلا، وأدركتني عليه شفقة، فقبلت يده، ثم جلسنا ~~نتحادث في القديم والحديث، وأطلعني على كتبه التي ألفها مدة الاختفاء، منها: بديعية ~~له شرحها شرحا لطيفا لم يكمله، وثلاثة دواوين من نظمه، وجزء من «كان ويكون»، ثم ~~فارقته وقت العصر. ~~••• # وانتقل المترجم عند صديقه المذكور بزوجته وكتبه، مدعيا أنه ابن عمه أتاه زائرا ~~من الحجاز، وسمى نفسه عليا اليمني، فمكث نحو ستة أشهر، ثم انتقل بمفرده إلى شباس ~~الشهداء، ولحقت به زوجته بعد عشرين يوما، ثم أعادها بعد خمسة وعشرين يوما إلى دار ~~شكري «أفندي» بدسوق، ولحقها فمكثا ستة أشهر أخرى، ثم عاد إلى البكاتوش عند أحمد جودة، ~~وكانت زوجته هذه تسيء إليه وتغاضبه، فجمعت عليه مع ضيق الاختفاء سوء معاشرة الأهل، ~~حتى ضاق ذرعه منها مرة، وهم بإظهار نفسه للحكومة، ثم تراجع وأصلح أمره معها، ولكمته ~~مرة على فمه فكادت تسقط ثنيتيه من الفك الأعلى فربطهما بخيط من الحرير، وكان خادمه ~~حسين مختفيا مع زوجته ببلدة الجميزة التابعة لمركز السنطة، فطلبت زوجة المترجم ~~الذهاب إليه فأذن لها، فلما استقرت عنده تشاحنت مع زوجته، وكاد الأمر ينفضح، فأسرع ~~الخادم لسيده بالبكاتوش مستغيثا، فانتقل المترجم إلى الجميزة وأصلح بينهما، وبقي هناك ~~نحو شهرين فاستأنس وطاب له المقام، وعرفه عمدة البلدة فتغاضى عنه وكتم أمره، فكان يخرج ~~للتنزه على غير عادته في الاختفاء، فيلتف عليه العمدة وبعض أناس من البلدة، وهو يقرأ ~~لهم ويعظهم ويسامرهم ms072 وهم مبتهجون به. # وكان يتردد على البلدة رجل يقال له «حسن الفرارجي» كان منتظما في العسكر، ثم استخدم ~~جاسوسا سريا، فلما بصر بالمترجم أنكر حاله لما رآه عليه من سيما الاختفاء، ورجح ~~أنه «عبد الله نديم»، فكتب إلى الديوان الخديوي ينبئهم بوجود رجل من العرابيين مختف ~~بالجميزة، وأسرع إلى ديوان الداخلية فأوضح لهم أمره، فأعطوه ورقة بحليته، فلما تحقق منه ~~أخبرهم به، فأمروا بالقبض عليه، وحضر من طنطا محمد أفندي فريد وكيل الحكمدار ومعه نفر ~~من الشرطة ستروا ملابسهم بثياب أخرى، فأحاط بعضهم بالبلدة متفرقين، وصعد وكيل ~~الحكمدار مع الآخرين على تل مشرف على أفنية الدور، وأحس المترجم بتلك الحركة، فأوجس ~~في نفسه خيفة، وأراد الانتقال إلى دار أخرى، فأخذ عيبته على كتفه وصعد على سطح ~~المكان، فأبصره الذين على التل، فصاحوا وصوبوا بنادقهم عليه، وأمروه بالنزول فنزل، ثم ~~أحاطوا بالدار، وطرقوا الباب طرقا عنيفا، وأيقن المترجم أنه مأخوذ لا محالة، ففتحه ~~لهم، وواجههم متجلدا، فسأله محمد أفندي فريد عن اسمه، فقال له: «سبحان الله، أتجهل ~~اسمي وأنت مأمور بالقبض علي! أنا عبد الله نديم، ذو الذنب العظيم، سلمت أمري لله»، ~~فقبضوا عليه هو وخادمه، وأعماهم الله عن كتبه وأوراقه، ولولا ذلك لأصابه شر عظيم ~~بسبب أهاجيه في الخديو وأسرته، وكان القبض عليه في 29 صفر سنة 1309، ولم ينل الواشي به ~~شيئا من الجعل لفوات الأجل المضروب للمكافأة، ثم استاقوهما إلى المركز، وسألوه عمن ~~اختفى عندهم فلم يقر بأحد، وسألوا خادمه وضربوه فأقر بالبعض، ونقلوهما إلى طنطا، ~~فسجنا بعض أيام، ووكيل النيابة يوالي سؤالهما، وانتهى الأمر بعفو الخديو عنه وعمن ~~آواه، ونفيه خارج القطر، فاختار يافا ثغر القدس الشريف، ووصل إليها في غروب يوم الجمعة ~~12 ربيع الأول، ونزل عند السيد علي «أفندي» أبي المواهب مفتيها، ولما دخل داره وعرفه ~~بنفسه، قام واعتنقه، وضحك وبكى، فأقام عنده شهرا، ثم اتخذ له دارا، وعرفه أعيانها ~~وفضلاؤها، وأكرموه وواسوه، جزاهم الله خيرا، ثم رحل رحلته إلى نابلس وسبطية وقلقيلا ~~وغيرها من البلاد ms073 الفلسطينية، واجتمع بطائفة السامرة واطلع على كتبهم ومعتقداتهم كما ~~رأيته بخطه في كتاب أرسله لأحد أصدقائه في مستهل رمضان من تلك السنة، ولم يزل مقيما ~~بيافا حتى مات الخديو توفيق، وتولى ولده عباس في جمادى الثانية، فعفا عنه وأباح له ~~العود إلى مصر، قال في آخر ذلك الكتاب: «عزمنا على الحضور بعد العيد إن شاء الله تعالى، ~~فإن موسم سيدنا موسى الكليم يعمل في نصف شوال، ولا أحضر حتى أزوره مرة ثانية، فإنه ~~صاحب الأمر بالعفو عني، وإن كان الظاهر خلافه، وذلك أني عند دخولي حضرته الشريفة ~~أنشدته في الحال: # رجوتك يا كليم الله حاجا # أرجيها وقد حققت فضلك # فقل لي مثلما لك قبل أوحى # إله الخلق قد أوتيت سؤلك # فرأيته ليلا يقول لي: قم روح، ثلاثا.» ~~••• # ولما عاد إلى مصر استوطن القاهرة، وأنشأ مجلة «الأستاذ» في شهر صفر سنة 1310، فبرزت ~~موشحة ببديع مقالاته، وغرر أزجاله وموشحاته، وبدت الوحشة في أثناء ذلك بين الخديو ~~والإنكليز، وكان ما كان من عزل صنيعتهم مصطفى فهمي كبير الوزراء ومعاكستهم فيما يريدون، ~~فقام المترجم يستنهض الهمم ويحض على مؤازرة الخديو ونبذ طاعة سواه، وكتب في ذلك ~~المقالات الطويلة «بالأستاذ»، حتى أحفظ الإنكليز وخشوا من اتساع الخرق لمكانته السابقة ~~في النفوس، وانتهزها حساده فرصة فسعوا بما سعوا، ولفقوا له ما لفقوا، فأوقفوا ~~مجلته في شهر ذي القعدة من السنة المذكورة، وأعادوه إلى يافا منفيا، بعد أن أعطوه ~~أربعمائة دينار، وأجروا عليه خمسة وعشرين كل شهر، واشترطوا ألا يكتب بشأن مصر كلمة، ~~ولم ينفعه الخديو لقصر يده. # فلما استقر المترجم بيافا لم يسلم من السعاية به لدى السلطان فأمر بإبعاده، فعاد إلى ~~إسكندرية متحيرا، وقد لفظته البلاد لفظ النواة، فسعى له الغازي مختار «باشا» ومساعده ~~حتى قبله السلطان عبد الحميد بدار السلطنة، واستخدمه في ديوان المعارف، ووظف له خمسة ~~وأربعين دينارا مجيديا في الشهر، فأمضى بها بقية أيامه شريدا عن وطنه، بعيدا عن ~~أهله وخلانه، حتى اشتدت عليه علة السل، فلقي حمامه في الرابع من شهر ms074 جمادى ~~الأولى سنة 1314 رحمه الله. # ودفن بمقبرة يحيى أفندي في بشكطاش، وضاعت مؤلفاته ودواوينه، ولم يظهر منها إلا جزء ~~من «كان ويكون» كان يطبعه ذيلا للأستاذ، وكتاب آخر نسبوه إليه، اسمه «المسامير» محشو ~~بالهجو القبيح في الشيخ أبي الهدى الصيادي نزيل دار السلطنة. ~~••• # ومن تأمل بعين الاتعاظ في تقلب الأحوال بالمترجم، وما ذاقه من حلو الزمان ~~ومره، وقاساه مدة الاختفاء، ثم النفي حتى مات غريبا طريدا، حق له العجب، وعرف ~~كيف يعبث الزمان بأهل الفضل من بنيه. # ونشأ المترجم فقيرا كما قدمنا، وعاش في قلة، فإن أصاب شيئا بدده بالإسراف، ~~وكان في أول أمره يرتدي الملابس الإفرنجية المعلومة، فلما ظهر بعد الاختفاء لبس الجبة ~~والقفطان، واهتم بعمامة خضراء إشارة إلى الشرف، وكان شهي الحديث حلو الفكاهة، إذا ~~أوجز ود المحدث أنه لم يوجز، لقيته مرة في آخر إقامته بمصر، فرأيت رجلا في ذكاء ~~إياس، وفصاحة سحبان، وقبح الجاحظ، أما شعره فأقل من نثره، ونثره أقل من لسانه، ولسانه ~~الغاية القصوى في عصرنا هذا، وقد انتخب أخوه عبد الفتاح أفندي جملة صالحة من مقالاته، ~~جمعها في كتاب سماه: «سلافة النديم»، فارجع إليه إن شئت. # ومن مختار شعره قوله من قصيدة لم نعثر منها إلا على هذا القدر: # سيوف الثنا تصدا ومقولي الغمد # ومن سار في نصري تكفله الخمد # ومنها: # ومن عجب الأيام شهم أخو حجا # يعارضه غر ويفحمه وغد # ومن غرر الأخلاق أن تهدر الدما # لتحفظ أعراض تكفلها المجد # ويقال إنه نظمها بحضرة شاهين باشا تبكيتا لمن زعم قصور الشعراء عن معارضة أبي ~~الطيب المتنبي في قوله: # ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى # عدوا له ما من صداقته بد # ومن شعره قوله أيام اختفائه، وكتب بها إلى صديق له يسليه على نازلة نزلت ~~به: # يا صاحبي دع عنك قول الهازل # واسمع نصيحة عارف بالحاصل # اجهل تجد صفو الزمان فإنه # من قسمة الفدم الغبي الجاهل # ودع التعقل بالتغفل يستقم # أمر المعاش فحظه للغافل # وارض البلادة تغتنم من بابها # مالا وجاها ms075 بعد ذكر خاملس # وإذا أبيت سوى العلوم فلا تضق # بحروب دهر لا يميل لفاضل # قلب تواريخ الألى سبقوا تجد # دنياك ما قيدت بغير الباطل # تجد الأفاضل في الزوايا كلهم # حال الحياة وبعدها بمحافل # العلم ستر كالسحاب به ترى # شمس الحقيقة خلف ذاك الحائل # هل أبصرت عيناك ديوانا به # مدح البليغ جميل سعد حافل # إن قلت: إي فاذكر لنا من ناله # أو: لا، فعش كالناس في ذا الساحل # ضدان لا تلقاهما في واحد # مال الغبي وحكمة للكامل # ثم ذيلها بنثر أضربنا عن ذكره. # ومن شعره ما ضمنه كتابا كتبه مدة اختفائه لأحد أصدقائه: # وبعد فهذا شرح حالة غائب # عليه من اللطف الخفي ستور # تدور به الأهوال حول مدارها # فيصبر والقلب الرضي صبور # عسى فرج يأتي به الله إنه # على فرجي دون الأنام قدير # | محمد عبده # 1266-1323ه ~~[كان الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده في مقدمة العلماء الذين اصطفاهم المغفور له أحمد ~~تيمور باشا لتلقي العلم والمعرفة عنهم، وقد سجل التاريخ أن الإمام محمد عبده كان ~~يتخذ من دار تيمور «باشا» في درب سعادة ندوة يلقي فيها دروسه على صفوة من العلماء ~~والأدباء النابهين وغيرهم. # وقد عثرت لجنة نشر المؤلفات التيمورية بين مخلفات المغفور له أحمد تيمور «باشا» ~~على جذاذات عدة تضمنت الكثير من سيرة الإمام وأعماله، رأت نشر موجزها التالي في هذا ~~الكتاب.] # ولد الإمام محمد عبده ونشأ في قرية صغيرة بعيدة عن المدائن، وهي قرية محلة نصر ~~بمركز شبراخيت بالبحيرة. # وكان والده من أهل الطبائع السليمة والأخلاق القويمة، أما أمه فكانت من قرية «حصة ~~شبشير» بمركز طنطا، تنتمي إلى بيت من بيوتها المعروفة يعرف ببيت آل عثمان. # ويقول الإمام محمد عبده رحمه الله فيما كتبه من تاريخ حياته: «كنت أعتقد أن والدي ~~أعظم رجل في القرية، وكل من فيها دونه، وهو بذلك أعظم رجل في الدنيا، فإن الدنيا لم تكن ~~أوسع عندي من محلة نصر، وكان ينزل عنده بعض الحكام ولا ينزلون في بيت العمدة مع أنه ~~أغنى وأكثر دورا وأرضين، ms076 ونشأ في بذلك الاعتقاد بأن الكرامة وعلو المنزلة لا ~~يتعلقان بالثروة وكثرة المال، وكنت أعقل من صغري ما كان عليه والدي من ثباته في ~~عزيمته، وشدته في المعاملة، وقسوته على من يعاديه، وأخذت عنه ما عدا القسوة، أما ~~والدتي فكانت منزلتها بين نساء القرية لا تنزل عن مكانة والدي، وكانت ترحم المساكين ~~وتعطف على الفقراء، وتعد ذلك مجدا، وطاعة لله وحمدا.» # شب الأستاذ على قدم أبيه محبا للفروسية والرماية والسباحة، حتى شهر بذلك بين ~~أترابه في القرى المجاورة. # بعد تعلمه القراءة والكتابة بمنزل والده بلغ العاشرة من عمره سنة 1276ه/1859م ~~فانتقل إلى دار حافظ للقرآن لم يكن بالقرية غيره، فقرأ الكتاب المجيد أول مرة واستظهره ~~بعد ذلك في عامين، ويظهر لمن رأى خط الإمام، وهو لطيف من غير أن يكون جميلا، أن ~~معلمه الأول كان على شيء من النظام والمهارة في كتابته. # وفي سنة 1279ه/1862م ذهب إلى الجامع الأحمدي بطنطا ليجود القرآن، وكان هناك أخوه ~~لأمه الشيخ مجاهد الذي يقال إنه كان قارئا مجيدا وصل إلى أن صار شيخا للمقارئ ~~بطنطا. # أتم الشيخ فنون التجويد في نحو سنتين على الوجه الأكمل، ولم تنفر فطرته السليمة ~~من أساليب هذا التعليم في الجامع الأحمدي المشهور بتعليم القرآن وفنون القراءات منذ ~~زمان، وكان رحمه الله من أحفظ الناس للقرآن، وأجودهم في تلاوته نغمة، وأحسنهم ~~ترتيلا. # وفي سنة 1281ه/1864م جلس في دروس العلم في المسجد الأحمدي. قال الأستاذ في الترجمة ~~التي كتبها لنفسه: «وقضيت سنة ونصفا لا أفهم شيئا لرداءة طريقة التعليم، فأدركني ~~اليأس من النجاح، وهربت من الدرس، واختفيت عند أخوالي مدة ثلاثة أشهر، ثم عثر علي ~~أخي وأخذني إلى المسجد الأحمدي، وأراد إكراهي على طلب العلم، فأبيت وقلت له: قد أيقنت ~~ألا نجاح لي في طلب العلم، ولم يبق علي إلا أن أعود إلى بلدي وأشتغل بملاحظة الزراعة ~~كما يشتغل الكثير من أقاربي، وانتهى الجدل بتغلبي عليه، وأخذت ما كان لي من ثياب ~~ومتاع ورجعت إلى محلة نصر على نية ألا أعود ms077 إلى طلب العلم، وتزوجت في سنة 1282ه/1865م ~~على هذه النية.» # قال الأستاذ بعد ذلك: «فهذا أول أثر وجدته في نفسي من طريقة التعليم في طنطا، وهي ~~بعينها طريقته في الأزهر، وهو الأثر الذي يجده خمسة وتسعون في المائة ممن لا يساعدهم ~~القدر بصحبة من لا يلتزمون هذا السبيل في التعليم، غير أن الأغلب من الطلبة الذين لا ~~يفهمون، تغشهم أنفسهم، فيظنون أنهم فهموا شيئا، فيستمرون على الطلب، إلى أن يبلغوا ~~سن الرجال، وهم في أحلام الأطفال، ثم يبتلى بهم الناس، وتصاب بهم العامة، فتعظم ~~بهم الرزية؛ لأنهم يزيدون الجاهل جهالة، ويضللون من توجد عنده داعية الاسترشاد، ~~ويؤذون بدعاويهم من يكون على شيء من العلم، ويحولون بينه وبين نفع الناس ~~بعلمه.» # وبعد أن تزوج الفتى الهارب من طلب العلم، قهره والده على الرجوع إلى طنطا، فهرب في ~~الطريق إلى بلدة «كنيسة أورين» من قرى مركز شبراخيت، وغالب سكانها من خئولة أبيه، ~~وصادف في مهربه من داوى نفرته وسهل عليه من طلب العلم ما وجده عسيرا؛ إذ اتصل ~~بالشيخ درويش خضر أحد أخوال أبيه، وهو رجل سبقت له أسفار إلى صحراء ليبيا، ووصل إلى ~~طرابلس الغرب، وجلس إلى السيد محمد المدني والد الشيخ ظافر، وتعلم عنه شيئا من ~~العلم، وأخذ عنه الطريقة الشاذلية، وكان يحفظ بعض كتب الحديث ويجيد حفظ القرآن ~~وفهمه، ثم رجع من أسفاره إلى قريته واشتغل بالزراعة. # ووصف الأستاذ الأثر الذي وجده في نفسه من صحبة الشيخ درويش خضر، فقال: ~~«رأيتني أطير بنفسي في عالم آخر غير العالم الذي كنت أعهده، واتسع لي ما كان ~~ضيقا، وصغر عندي من الدنيا ما كان كبيرا، وعظم عندي من أمر العرفان والنزوع ~~بالنفس إلى جانب القدس ما كان صغيرا، وتفرقت عني هموم النفس، إلا هما واحدا، هو ~~أن أكون كامل المعرفة، كامل أدب النفس.» # وبعد أن قضى الشاب في «كنيسة أورين» خمسة وعشرين يوما، ذهب إلى طنطا في شهر جمادى ~~الآخرة سنة 1282ه/أكتوبر سنة 1865م، مشروح الصدر لطلب العلم، مقبلا عليه ببركة ms078 إرشاد ~~الشيخ درويش. # وإذا كانت التربية الحديثة تدعو إلى تهذيب الذوق بفنون الجمال، فإن التربية الصوفية ~~تدعو إلى تلطيف السر بأنواع الرياضة، كالعبادة المشفوعة بالفكرة، والألحان المستخدمة ~~لقوى النفس، هذه التعاليم من شأنها أن تربي الوجدان، وتلطف السر، وتكمل النفس ~~وتزينها، ولا جرم أنه كان صوفي الأخلاق. # قضى الإمام نحو أربع سنين في بداية تكوينه الفكري بالجامع الأحمدي بطنطا - نسبة إلى ~~السيد أحمد البدوي أشهر أولياء القطر المصري - وقد نبهت هذه السنوات عقله إلى ~~البدع الدينية وعملها في العقول والأخلاق، بيد أنها مست أيضا بعض الجوانب من ~~نفسه فتركت في منازعها المتسامية إلى الكمال والفهم موطن تأثر. قال الأستاذ فيما ~~كتبه من تاريخ حياته: «وفي يوم من شهر رجب من تلك السنة (1282ه) كنت أطالع بين الطلبة ~~وأقرر لهم «معاني شرح الزرقاني»، فرأيت أمامي شخصا يشبه أن يكون من أولئك الذين ~~يسمونهم بالمجاذيب، فلما رفعت رأسي إليه قال ما معناه: ما أحلى حلواء مصر البيضاء! ~~فقلت له: وأين الحلوى التي معك؟ فقال: سبحان الله! من جد وجد، ثم انصرف، فعددت ذلك ~~القول إلهاما ساقه الله إلي ليحملني على طلب العلم في مصر دون طنطا.» # ذهب المجاور الشيخ محمد عبده بتصرفه إلى الأزهر في شوال سنة 1282ه فبراير سنة 1866م ~~قبل ست سنوات من وضع الشيخ المهدي العباسي شيخ الأزهر أول قانون للتدريس فيه، وأراد ~~الجيل العلمي الجديد في ذلك العهد أن يعرب كتبا أوروبية مكتوبة في الغالب بلسان ~~فرنسي، ولم يجد من المصطلحات القديمة متسعا، فوضع عبارات محدثة، وأوجد أسلوبا ~~جديدا لم يرض عنه الأزهريون، ومنذ يومئذ دخل إلى الأزهر التنازع بين القديم ~~والجديد. # أما الروح السائدة في التعليم الأزهري فكانت على ما وصفها بعض علماء الفرنجة في ~~قوله: «ولئن كانت أنماط التعليم والبحث في الأزهر تختلف عما هو مستعمل في الغرب الآن ~~اختلافا أساسيا، فهي لا تختلف في شيء عن الأنماط التي كانت عندنا قديما.» وفي قوله: ~~«أثر العلوم النقلية في قهر العقول الذي أخذ في التلاشي عندنا منذ ms079 قرون لا يزال في ~~عنفوان سطوته في الجامعات الإسلامية.» # وليس الغرض من العلم عند أهل الأزهر يومئذ هو البحث للتحقيق والمقارنة والتمحيص، ~~ولكنه النقل الصحيح لما ترك الأقدمون. # والمفروض أن الأجيال متراجعة إلى الانحطاط، والأجيال الحاضرة والمقبلة تتصل بعصر ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # من خلف إلى سلف، وأن الأئمة المجتهدين بعداء في عصور ذاهبة في أعماق ~~الماضي لا يستطيع الحاضر أن يدرك غبارها. # ونسارع إلى بيان أن أستاذنا صرح في تفسير سورة «العصر» بفساد ما عليه الناس من ذم ~~عصورهم، ونسبة ما شاءوا من الخير إلى ما كان قبلهم من العصور، كما صرح في كثير من ~~أقواله وكتاباته بعيب التعليم الأزهري ومناهجه. # هذا وكان في الأزهر نفسه تدافع بين الشرعيين والصوفية؛ فأولئك كانوا يرون في الخروج ~~عن العلوم النقلية المتداولة في الأزهر تمردا على الدين، وهؤلاء كانوا يطمحون إلى ~~أنواع من المعارف التي لها مساس بالتصوف. # ودليل هذا التدافع ما ذكره الصوفي الأزهري الشيخ حسن رضوان المتوفى سنة 1310ه/1892م ~~في منظومته المسماة «روض القلوب المستطاب»، وقد كان للشيخ المذكور مريدون بين علماء ~~الأزهر وطلابه، منهم الشيخ حسن الطويل، والشيخ محمد البسيوني، وهما من أساتذة الشيخ ~~محمد عبده، ومنهم الشيخ محمد عبده نفسه، وجماعة من إخوانه، وبذلك يظهر أن الشيخ حينما ~~جاء إلى الأزهر انضم إلى حزب التصوف، وهو أقل الحزبين جمودا، وأقلهما نفرة من ~~الجديد. # كان الأستاذ متصوفا مدة الدراسة مع شيوخه وزملائه، متصوفا في أيام المسامحات، مع ~~خال أبيه الشيخ درويش خضر، حتى انطبع تفكيره بنوع من الخيال الصوفي الذاهب في ~~الروحانيات إلى ما يجاوز مدى الفهم أحيانا. # انساق بعض الأساتذة في الأزهر إلى دراسة الفلسفة الإسلامية بحكم نزوعه إلى التصوف ~~الإسلامي الذي صار متأثرا بمذاهب الفلسفة، وخصوصا مذهب أرسطو الذي يعتبر إماما ~~لفلاسفة العرب، كما انساق بعضهم أيضا إلى مدارسة الأدب باعتباره من الفنون الجميلة، ~~وقد كان الشيخ حسن الطويل والشيخ محمد البسيوني من أساتذة الشيخ محمد عبده، فهو كان ~~متصلا بالحركة الصوفية المخلوطة بالفلسفة، وكان متصلا ms080 بالحركة الأدبية، على أنه لم ~~يبعد كل البعد عن المحافظين على القديم، فحضر دروس زعمائهم المشهورين؛ كالشيخ عليش، ~~والشيخ رفاعي، والشيخ الجيزاوي، والشيخ الطرابلسي، والشيخ البحراوي. # ولما حضر إلى مصر السيد جمال الدين الأفغاني في سنة 1288ه/1871م صاحبه الأستاذ ~~الشيخ محمد عبده؛ يحضر دروسه، ويلازم مجالسه التي كانت مجالس حكمة وعلم، وكان ~~يومئذ فتى متأثرة عواطف قلبه الفتي بمنازع التصوف، ورياضاته ومواجده، وكان يتلقى ~~علوم الأزهر على أنماطها المعروفة، شاعرا بأن وراءها كمالا علميا لا يجده فيما ~~حوله. وكان السيد الأفغاني وحده قادرا على تخليص الشيخ محمد عبده من خموله الصوفي، ~~وتخليصه من الحيرة في التماس الكمال العلمي؛ إذ كان السيد جمال الدين الأفغاني، الكبير ~~بمواهبه الفطرية، وبسعة علمه، وحسن نظام فكره، وسمو مطامحه، وعلو نفسه القوية، ~~المشتعلة حياة وعزما، والمملوء بالحوادث الجلى والآلام، قد صاحبه الشيخ محمد عبده ~~تلميذا وصديقا منذ سنة 1288-1296ه/1871-1879م، وبعد سنتين من صحبة الشيخ محمد عبده ~~للسيد جمال الدين ظهر لنا ذلك الشاب المتصوف، الذي كان ينطلق في القول على وجل إذا ~~سأله العامة عن شيء من أمر دينهم في تلك المجامع التي كان يقوده إليها خال أبيه الشيخ ~~درويش، مؤلفا جريئا يكتب رسالة سنة 1290ه/1873م، وفيها الكثير من المذاهب الفلسفية ~~والصوفية. # وفي سنة 1292ه/1875م ألف الشيخ محمد عبده حاشيته على شرح الجلال الدواني للعقائد ~~العضدية، ولم يكن يومئذ قد جاوز السادسة والعشرين من عمره، ولكنه ظهر فيها محيطا ~~بمذاهب المتكلمين والفلاسفة المتصوفة إحاطة فهم ونقد، وقد ضمنها توضيحا لمختلف ~~المذاهب في الإلهيات والنبوات. # وأول ما نشر على الناس من آثاره هو ما كتبه في جريدة «الأهرام» لبداية نشأتها سنة ~~1293ه/1876م وهي فصول سامية المنزع مشتملة على أصول الدعوة الإصلاحية التي صرف حياته ~~في سبيلها، وقد استرعت تلك الفصول نظر الناس إلى ذلك الفتى الناهض إلى السابعة ~~والعشرين من عمره نهضة المصلحين الكبار عاقلا جريئا. # وفي سنة 1294ه/1877م نال الشيخ محمد عبده الشهادة العالمية الأزهرية من الدرجة ~~الثانية وهو ابن ثمان وعشرين سنة. # وأخذ يدرس ms081 كتب المنطق والكلام المشوب بالفلسفة في الجامع الأزهر، ويدرس في ~~داره لبعض المجاورين كتاب «تهذيب الأخلاق» لابن مسكويه، وكتاب التحفة الأدبية في تاريخ ~~تمدن الممالك الأوروبية، تأليف الوزير فرانسوجيزو، وتعريب الخواجة نعمة الله ~~الخوري. # وفي أواخر سنة 1295ه/1879م نفي من مصر بمساعي الإنجليز السيد جمال الدين الأفغاني ~~الذي كان عمله السياسي شجى في حلق ممثل إنجلترا بمقدار ما كان تجديده لدرس الفلسفيات ~~غيظا للجامدين من أهل الأزهر، وعزل الشيخ محمد عبده من مدرسة دار العلوم ومدرسة ~~الألسن، وأمر بأن يقيم في قريته «محلة نصر» لا يفارقها أبدا إلى بلد آخر. # في أوائل حكم الخديو توفيق حصلت هذه الحادثة، وكان الوزير الكبير رياض «باشا» خارج ~~القطر، وهو الذي قد زين للسيد جمال الدين المقام في مصر، وأمده بالمعونة ليستعين ~~بها على تربية شباب مصلح، وإذا كان الوزير الكبير قد عجز عن رد ما فات من نفي السيد ~~الأفغاني، فما كان ليفوته أن ينتفع بتلاميذه، وما كان ليترك خليفة السيد جمال الدين ~~منفيا في قرية من قرى البحيرة محرما عليه أن يخرج منها، فاستصدر له عفوا من ~~الخديو سنة 1297ه/1880م، وعينه محررا في الجريدة الرسمية ثم جعله في آخر السنة ~~رئيس تحريرها. # ولقد نهض الشيخ محمد عبده بحركة إصلاح هيأت له مساعدة رياض وسائلها، وأعانه ~~عليها خيرة تلاميذ السيد جمال الدين الذين كانوا يشتغلون معه في تحرير الجريدة ~~الرسمية، إلا أن صلة الأستاذ بالأزهر قد انقطعت يومئذ، فلم يعد معلما يريد أن ~~يصلح طرق التعليم فيه، ويرشد أهله إلى العلوم الجديدة، ولكنه أصبح صحافيا يحاول ~~الإصلاح الاجتماعي والسياسي على مبادئ الحرية والعدالة والشورى. # ألم الشيخ رئيس تحرير الجريدة الرسمية «الوقائع المصرية» في فصوله الكبيرة الفائدة ~~القوية الروح بوجوه الإصلاح التي كانت تنبعث عزيمته إليها، فدعا إلى التعاون على ~~الخير، وحبذ فكرة الحرية ورفع المظالم عن الأهالي، وعاب على الشعب كله، ونادى ~~بإصلاح التعليم والتربية في المدارس، وحمل على الرشوة وأهلها، وبين أن الحق للقانون ~~لا للقوة، وذم إسراف الأهالي وتمسكهم بظواهر المدنية ms082 مع الغفلة عن وسائل ~~المدنية الصحيحة، وعالج إصلاح منتدياتنا وإصلاح بيوتنا، وذكر رأيه في خطأ العقلاء ~~الذين يريدون الرقي طفرة ووثوبا. # ثم تعرض الأستاذ لنوع من الإصلاح الديني، شغف به في أدوار حياته الإصلاحية كلها ~~ذلك هو تطهير الإسلام من البدع التي شوهت شعائره وجنت عليه، وهذه المقالات تجمع ~~مبادئه الوطنية، ومذاهبه في الحرية، وطريقه في الإصلاح. # كان الشيخ وطنيا يرى أن خير أوجه الإصلاح للوطن هو تحقيق وحدته ليمتنع الخلاف ~~والنزاع فيه، على أنه نصير للمبادئ التي تدعو إلى المحافظة العامة على دعائم السلام ~~والإخاء بين الناس، وهو داع إلى الحرية، حرية العمل، ورفع سوط القسوة غير القانونية، ~~بحيث لا يسخر أحد في عمل من الأعمال إلا فيما يعود بالمنفعة العامة على البلاد، أما ~~سبيل الأستاذ في الإصلاح، فهي سبيل التدريج، يريد أن يحفظ للأمة عوائدها الكلية ~~المقررة في عقول أفرادها، ثم يطلب بعض تحسينات فيها لا تبعد عنها بالمرة، فإذا ~~اعتادوها طلب منهم ما هو أرقى بالتدريج، حتى لا يمضي زمن طويل إلا وقد انخلعوا عن ~~عاداتهم وأفكارهم المنحطة إلى ما هو أرقى من حيث لا يشعرون. # وتأثر الشيخ بمبادئ أستاذه، ومع ذلك كان ~~لمذاهبه الإصلاحية استقلال يجعل لها شخصية وحدها، ولقد كان حين توليه تحرير الجريدة ~~حديث عهد بصحبة أستاذه، حديث عهد بالتخرج على يديه، وكانت له على هذا سبيل في ~~الإصلاح ليست من كل وجه سبيل السيد جمال الدين؛ إذ كان السيد مشتعل الحماسة، يريد ~~أن يلهب النفوس فيؤجج نارها، ثم يصوغ من ضعفها قوة، ومن ذلها عزا؛ كان يرى أن ~~الثورات هي سبيل الإصلاح الاجتماعي والسياسي، أما الشيخ محمد عبده أيام تحرير الجريدة ~~الرسمية فكان معلما مصلحا يطلب الأناة في دفع الأمم إلى الرقي، ليعلمها ~~ويهذبها أولا، ثم يسوقها برفق إلى ما علمت. # ولقد كانت له وهو رئيس لتحرير الجريدة الرسمية يد عاملة في حركة الأفكار، ولم يكن ~~ممن يدعون إلى الإصلاح من طريق الثورة عندما هبت أعاصير الثورة العرابية، ولما أن ~~رآها قائمة لنصرة ms083 أغراض هي مبادئه ومبادئ أستاذه اتصل بها، وألقى في نارها حطبا، وقد ~~حوكم مع زعمائها، وحكم عليه بالنفي ثلاث سنين وثلاثة أشهر، فسافر رحمه الله إلى ~~سورية في حدود سنة 1299ه/1883م وأقام فيها سنة، وسافر إلى أوروبا على موعد بينه وبين ~~أستاذه وصديقه السيد جمال الدين، فأقام فيها عشرة أشهر معظمها في باريس، وهناك أصدرا ~~معا جريدة «العروة الوثقى» التي كان السيد الأفغاني مدير سياستها والشيخ محمد عبده ~~محررها الأول. # وكانا ألفا جمعية من مسلمي الهند ومصر والمغرب وسورية، غرضها السعي في جمع كلمة ~~المسلمين، وإيقاظهم من رقادهم، وإعلامهم بالأخطاء المحدقة بهم وإرشادهم إلى طريق ~~مقاومتها، إلا أنه في آخر سنة 1301ه/1884م احتجبت الجريدة بعد ثمانية أشهر لقيت فيها ~~كل مصادرة في الهند ومصر، وأخفق حلم السيد جمال الدين الأفغاني بإنشاء دولة إسلامية ~~تنهض بالشرق نهوضا يزاحم الغرب بالمناكب ويحد من عدوانه. # ثم سافر الأستاذ إلى تونس فأقام فيها أياما، وسافر إلى بلاد أخرى متنكرا لتوثيق ~~عقود العروة الوثقى السرية، وألقى عصا السير بعد ذلك إلى بيروت، فأقبل عليه أهل العلم ~~والفضل من جميع الملل والطوائف، وكانت داره مدرسة يؤمها الأذكياء وعشاق المعارف ~~والآداب، وقد وصلته روابط ود بمحيي الدين بك حمادة فتزوج بنت أخي هذا الصديق بعد ~~وفاة زوجته الأولى. # وفي أوائل سنة 1303ه/1885م دعي للتدريس في المدرسة السلطانية لإحياء اللغة والدين ~~فيها، وكان يشتغل مع التدريس بالتأليف والكتابة، وقد ألف «رسالة التوحيد» هناك، ونقل ~~إلى العربية رسالة «الرد على الدهريين» التي كتبها السيد جمال الدين باللغة الفارسية، ~~وشرح كتاب «نهج البلاغة» و«مقامات بديع الزمان الهمذاني». # وعاد الأستاذ في سنة 1306ه/1888م من منفاه، ولكن الخديو توفيق خشي أن يربي له تلاميذ ~~على أفكاره ومنازعه، فلم يرض بتعيينه معلما كما كان يشتهي، بل عينه قاضيا بمحكمة ~~بنها الأهلية، ومنها انتقل إلى محكمة الزقازيق فمحكمة عابدين. # وفي سنة 1308ه/1890م عين مستشارا بمحكمة الاستئناف الأهلية، وفي سنة 1312ه/1894م ~~جعلته الحكومة المصرية عضوا في مجلس إدارة الأزهر، وهو أول مجلس أسس بسعيه ليكون ms084 ~~رسول الإصلاح. # ولست بقين من المحرم سنة 1317ه/3 يونيه 1899م عين مفتيا للديار المصرية، وفي ~~هذه السنة عينها جعلته الحكومة عضوا في مجلس شورى القوانين. # كان عند الأستاذ ميل إلى تعلم لغة أجنبية، فلم تدع له الحوادث متسعا، لكن تعلم ~~لغة أجنبية كان أمنية من أمانيه لم تزل تعالجها همته الكبيرة حتى بلغتها، تعلم ~~اللغة الفرنسية بعد أن عاد إلى مصر واشتغل بالقضاء، وهو ابن أربع وأربعين سنة، وأحكمها ~~قراءة وكتابة وحديثا، كما ذكره أكثر من ترجموا له، وكان رحمه الله يقول: «من لم يعرف ~~لغة من لغات العلم الأوروبية فلا يعد عالما في هذا العصر.» # وقد سافر إلى أوروبا عدة مرات، واستفاد من سياحاته ومن مطالعاته لكتب الغربيين في ~~الفنون المختلفة، وظهر أثر ذلك في أفكاره وكتاباته ودعواته الإصلاحية. # أقام الأستاذ في القضاء الأهلي حوالي عشر سنين، ظهرت فيها كمالاته الأخلاقية ~~والعلمية، وانصرف في أثنائها إلى درس اللغة الفرنسية والمطالعة والقيام بأعباء منصبه، ~~وتلك كانت مدة تجمع لوثبة الإصلاح التي بدأت يوم دخوله مجلس إدارة الأزهر فتعيينه ~~مفتيا للديار المصرية. # في ذلك العهد أزهر نشاط الأستاذ في الإصلاح الديني والعلمي والاجتماعي، ووصل الشيخ ~~محمد عبده كما يقول قاسم بك أمين في تأبينه: «إلى مقام الإمام بأوسع معناه، مقام مكنه ~~من أن يمسك بيده زمام أمة، ويحركها نحو الخطة التي رسمها، ويسوقها في طريق ~~المستقبل الذي هيأه لها.» # وظل الأستاذ الإمام يجاهد في سبيل الإصلاح والرقي، غير منهزم أمام جمود ~~الجامدين، وظلم الظالمين، وكيد الكائدين، حتى ذهب إلى ربه يوم 8 جمادى الأولى سنة ~~1323ه/11 يوليه سنة 1905م رحمه الله تعالى. # وقد كتب الشيخ محمد عبده بقلمه في ترجمته لنفسه، ملخصا سيرته وأعماله بقوله: ~~«ارتفع صوتي بالدعوة إلى أمرين عظيمين: الأول تحرير الفكر من قيد التقليد وفهم الدين ~~على طريقة سلف الأمة قبل ظهور الخلاف، والرجوع في كسب معارفه إلى ينابيعها الأولى، ~~واعتباره من موازين العقل البشري التي وضعها الله لترد من شططه، وتقلل من خلطه ~~وخبطه، لتتم حكمة الله ms085 في حفظ نظام العالم الإنساني، وأنه على هذا الوجه يعد صديقا ~~للعلم باعثا على البحث في أسرار الكون، داعيا إلى احترام الحقائق الثابتة، مطالبا ~~بالتعويل عليها في آداب النفس وإصلاح العمل، وكل هذا أعده أمرا واحدا، وقد ~~خالفت في الدعوة إليه رأي الفئتين العظيمتين اللتين ~~يتركب منهما جسم الأمة: طلاب علوم الدين ومن على شاكلتهم، وطلاب فنون هذا العصر ~~ومن هو في ناحيتهم. # وأما الأمر الثاني: فهو إصلاح أساليب اللغة العربية في التحرير، سواء كان ذلك في ~~المخاطبات الرسمية بين دواوين الحكومة ومصالحها، أو فيما تنشره الجرائد على الكافة ~~منشأ أو مترجما من لغات أخرى، أو في المراسلات بين الناس، وكانت أساليب الكتابة في ~~مصر تنحصر في نوعين كلاهما يمجه الذوق وتنكره لغة العرب. # وهناك أمر آخر، كنت من دعاته والناس جميعا في عمى عنه وبعد عن تعقله، ولكنه ~~هو الركن الذي تقوم عليه حياتهم الاجتماعية، وما أصابهم الوهن والضعف والذل إلا بخلو ~~مجتمعهم منه؛ وذلك هو التمييز بين ما للحكومة من حق الطاعة على الشعب وما للشعب من حق ~~العدالة على الحكومة. نعم كنت ممن دعا الأمة المصرية إلى معرفة حقها على حاكمها، وهي ~~هذه الأمة التي لم يخطر لها هذا الخاطر على بال من مدة تزيد على عشرين قرنا. # دعوناها إلى الاعتقاد بأن الحاكم وإن وجبت طاعته هو من البشر الذين يخطئون وتغلبهم ~~شهواتهم، وأنه لا يرده عن خطئه ولا يقف طغيان شهوته إلا نصح الأمة له بالقول ~~والفعل. # جهرنا بهذا القول، والاستبداد في عنفوانه، والظلم قابض على صولجانه، ويد الظالم من ~~حديد، والناس عبيد له وأي عبيد. # نعم إنني في كل ذلك لم أكن الإمام المتبع، ولا الرئيس المطاع، غير أني كنت روح ~~الدعوة، وهي لا تزال في كثير مما ذكرت قائمة. # ولا أبرح أدعو إلى عقيدتي في الدين، وأطالب بإتمام الإصلاح في اللغة وقد قارب، أما ~~أمر الحكومة فقد تركته للقدر يقدره، وليد الله بعد ذلك تدبره؛ لأنني قد عرفت أنه ~~ثمرة تجنيها الأمم من غراس ms086 تغرسه، وتقوم على تنميته السنين الطوال، فهذا الغراس هو ~~الذي ينبغي أن يعنى به الآن، والله المستعان.» # وقد نعته أكثر الصحف العربية والإفرنجية وأفاضت القول في رثائه، واحتفل بتشييع ~~جنازته رسميا في الإسكندرية والقاهرة، واشترك فيها ألوف من مختلف الطوائف ~~والهيئات. # وفي اليوم الأربعين لوفاته أقيم حفل كبير لتأبينه تحدث عنه فيه الأساتذة حسن عاصم ~~«باشا»، والشيخ أحمد أبو خطوة، وحسن عبد الرازق «باشا»، وقاسم ~~أمين «بك»، وألقى العالم الأديب حفني ناصف «بك» ~~قصيدة عصماء، كما ألقى شاعر النيل حافظ إبراهيم «بك» قصيدة رثاء أخرى استعيدت ~~أبياتها مرات، ونذكرها فيما يلي: # سلام على الإسلام بعد محمد # سلام على أيامه النضرات # على الدين والدنيا، على العلم والحجى # على البر والتقوى، على الحسنات # لقد كنت أخشى عادي الموت قبله # فأصبحت أخشى أن تطول حياتي # فوا لهفي والقبر بيني وبينه # على نظرة من تلكم النظرات # وقفت عليه حاسر الرأس خاشعا # كأني حيال القبر في عرفات # لقد جهلوا قدر الإمام فأنزلوا # تجاليده في موحش بفلاة # ولو أضرحوا بالمسجدين لأنزلوا # بخير بقاع الأرض خير رفات # تباركت، هذا الدين دين محمد # أيترك في الدنيا بغير حماة # تباركت، هذا عالم الشرق قد قضى # ولانت قناة الدين للغمزات # زرعت لنا زرعا فأخرج شطأه # وبنت ولما نجتن الثمرات # فواها له ألا يصيب موفقا # يشارفه والأرض غير موات # مددنا إلى الأعلام بعدك راحنا # فردت إلى أعطافنا صفرات # وجالت بنا تبغي سواك عيوننا # فعدن وآثرن العمى شرقات # وآذوك في ذات الإله وأنكروا # مكانك حتى سودوا الصفحات # رأيت الأذى في جانب الله لذة # ورحت ولم تهمم له بشكاة # لقد كنت فيهم كوكبا في غياهب # ومعرفة في أنفس نكرات # أبنت لنا التنزيل حكما وحكمة # وفرقت بين النور والظلمات # ووفقت بين الدين والعلم والحجى # فأطلعت نورا في ثلاث جهات # وقفت لهانوتو ورينان وقفة # أمدك فيها الروح بالنفحات # وخفت مقام الله في كل موقف # فخافك أهل الشك والنزعات # وكم لك في إغفاءة الفجر يقظة # نفضت عليها لذة الهجعات # ووليت شطر البيت وجهك خاليا # تناجي إله ms087 البيت في الخلوات # وكم ليلة عاندت في جوفها الكرى # ونبهت فيها صادق العزمات # وأرصدت للباغي على دين أحمد # شباة يراع ساحر النفثات # إذا مس حد الطرس فاض جبينه # بأسطار نور باهر اللمعات # كأن قرار الكهرباء بشقه # يريك سناه أيسر اللمسات # فيا سنة مرت بأعواد نعشه # لأنت علينا أشأم السنوات # حطمت لنا سيفا وعطلت منبرا # وأذويت روضا ناضر الزهرات # وأطفأت نبراسا وأشعلت أنفسا # على جمرات الحزن منطويات # رأى في لياليك المنجم ما رأى # فأنذرنا بالويل والعثرات # ونبأه علم النجوم بحادث # تبيت له الأبراج مضطربات # رمى السرطان الليث والليث خادر # ورب ضعيف نافذ الرميات # فأودى به ختلا فمال إلى الثرى # ومالت له الأجرام منحرفات # وشاعت تعازي الشهب باللمح بينها # عن النير الهادي إلى الفلوات # مشى نعشه يختال عجبا بربه # ويخطر بين اللمس والقبلات # تكاد الدموع الجاريات تقله # وتدفعه الأنفاس مستعرات # بكى الشرق فارتجت له الأرض رجة # وضاقت عيون الكون بالعبرات # ففي الهند محزون وفي الصين جازع # وفي مصر باك دائم الحسرات # وفي الشام مفجوع وفي الفرس نادب # وفي تونس ما شئت من زفرات # بكى عالم الإسلام عالم عصره # سراج الدياجي هادم الشبهات # ملاذ عياييل ثمال أرامل # غياث ذوي عدم إمام هداة # فلا تنصبوا للناس تمثال عبده # وإن كان ذكرى عبرة وثبات # فإني لأخشى أن يضلوا فيومئوا # إلى نور هذا الوجه بالسجدات # فيا ويح للشورى إذا جد جدها # وطاشت بها الآراء مشتجرات # ويا ويح للفتيا إذا قيل من لها # ويا ويح للخيرات والصدقات # بكين على فرد وإن بكاءنا # على أنفس لله منقطعات # تعهدها فضل الإمام وحاطها # بإحسانه والدهر غير موات ~~••• # فيا منزلا في عين شمس أظلني # وأرغم حسادي وغم عداتي # دعائمه التقوى وآساسه الهدى # وفيه الأيادي موضع اللبنات # عليك سلام الله ما لك موحشا # عبوس المعاني مقفر العرصات # لقد كنت مقصود الجوانب آهلا # تطوف بك الآمال مبتهلات # مثابة أرزاق ومهبط حكمة # ومطلع أنوار وكنز عظات # | أحمد أبو خطوة # 1268ه-1324ه # يتصل نسبه بالإمام الحسين بن علي رضي الله عنهما، وجده السابع أبو خطوة مدفون ms088 في ~~«مطوبس»، وجده الحادي عشر محمد أبو خطوة أول من نزل من الأسرة في بلدة كفر ربيع بمركز ~~تلا في المنوفية، وقد هاجر إليها بعد موت أبيه سالم المدفون بالحدين بالبحيرة، ومن ~~أجداده: السيد عبد الرحيم القنائي صاحب الضريح المشهور بقنا. # وقد ولد الشيخ أحمد أبو خطوة في 20 ذي القعدة سنة 1268ه ببلدة كفر ربيع، ونشأ بها ~~فحفظ القرآن وبعض المتون، ثم سافر للقاهرة لطلب العلم بالأزهر في 16 شوال سنة 1281ه، ~~واشتغل فيه بقراءة الفقه على مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان. # ومن شيوخه الشيخ محمد البسيوني البيباني، والشيخ أحمد الرفاعي الفيومي، والشيخ عبد ~~الرحمن البحراوي، والشيخ عبد الله الدرستاوي، والشيخ حسن الطويل. # وكان أكثر تحصيله للعلوم العقلية على الشيخ حسن الطويل، ولازم صحبته، وتخلق ~~بأخلاقه، وتلقى عنه في داره العلوم الحكمية والرياضية وكثيرا من كتبها، مثل: «شرح ~~الهداية» للمبيدي، و«الطوالع»، وأكثر «المقاصد والمواقف»، و«إشارات ابن سينا» بالشروح ~~لنصير الدين الطوسي والإمام الرازي، و«المحاكمات»، وبعض كتاب «النجاة» لابن سينا، ~~و«أشكال التأسيس» بشروحها في الهندسة، و«تحرير إقليدس»، وفي الهيئة: «شرح الجغميني»، ~~وتذكرة «نصير الدين الطوسي»، وفي الحساب: خلاصة بهاء الدين العاملي بشرح البورصاوي، ~~و«المعونة»، وشرح ابن الهائم، وغيرها، وفي المنطق: «القطب» بحواشيه، و«المطالع»، ~~و«الخبيصي»، و«إيساغوجي»، وغيرها. # وامتحن للعالمية والتدريس في 18 صفر سنة 1293، وكان مجلس الامتحان مكونا من الشيخ ~~عبد الرحمن البحراوي والشيخ عبد القادر الرافعي الحنفيين، والشيخ أحمد شرف الدين ~~المرصفي والشيخ زين المرصفي الشافعيين، والشيخ أحمد الرفاعي والشيخ أحمد الجيزاوي ~~المالكيين، برياسة شيخ الأزهر ومفتي الديار المصرية الشيخ محمد المهدي العباسي، فلما ~~امتحنوه أعجبوا به إعجابا شديدا لجودة تحصيله وشدة ذكائه فأجازوه، إلا أنه أخر ~~التدريس لاشتغاله بتتميم ما كان يقرؤه على الشيخ حسن الطويل، ثم ابتدأ في القراءة ~~بالأزهر سنة 1296ه فقرأ به الكتب المتداولة به وغيرها، وتخرج عليه جمع من الأفاضل، ~~منهم: الشيخ محمد شاكر، والشيخ محمد حسنين العدوي، والشيخ محمد بخاتي، والشيخ سعيد ~~الموجي، والشيخ محمد الغريني، والشيخ مصطفى سلطان. # ثم جعل مفتيا لديوان ms089 الأوقاف فكانت له اليد الطولى في إصلاحه، وعاون من به ~~على تحسين أموره بجودة عقله وحسن رأيه، وحسبك أنه دخله وإيراده مائة وعشرون ألف ~~دينار وخرج منه وإيراده يربو على مائتي ألف دينار، ثم نقل عضوا في المحكمة الشرعية ~~الكبرى بالقاهرة، ورأس المجلس العلمي للنظر والفصل في القضايا الكبرى، ثم انتدب ~~للمحكمة العليا بعد ذلك فكانت له اليد الطولى في إصلاحها، ومنع شهادات الزور، وإصلاح ~~حال المحامين، وكانت وفاته في شوال سنة 1324ه عليه رحمة الله. # | أحمد مفتاح # 1274-1329ه # هو العالم الشاعر الناثر الشيخ أحمد بن مفتاح بن هارون بن أبي النعاس، ينتهي نسبه ~~إلى عمار - بضم العين المهملة وتخفيف الميم - أحد العرب النازلين من الصفراء إلى أرض ~~مصر حوالي القرن العاشر، وبين أبي النعاس وعمار جدان أو ثلاثة. # ولما ورد عمار «مصر» قطن بإقليم منية ابن الخصيب # 1 # في صعيد مصر، وقام بين عرب تلك الجهة منازعة أدت إلى مقاتلة كان جد ~~المترجم أبو النعاس له اليد الطولى فيها. ويقال: إنه حضر بعض الوقائع بدون سلاح، ~~ولقوته أمسك جحشا صغيرا من رجليه وضرب به حتى مات الجحش. # وقطن هارون الجد الأدنى للمترجم في بلدة على الشاطئ الغربي للنيل بإقليم المنية ~~تابعة لبني مزار، أنشأها حسن بن عبد العزيز أحد أجداد المترجم من جهة والدته، وهي ~~بلدة صغيرة اشتهرت بين العامة باسم بني عجيز محرفا عن أبي عزيز، يعنون به حسن بن ~~عبد العزيز مؤسسها على عادتهم في تكنية الرجل باسم أبيه، وما زال هارون المذكور بها حتى ~~ولد له مفتاح أبو المترجم سنة 1229ه، وكان في هذه البلدة رجل اسمه علي أبو محمد من ~~أقارب والدة المترجم جعلته الحكومة شيخ المشايخ، وهو لقب كان يطلق إذ ذاك على من ~~يحكم عدة بلاد، وكان جائرا في معاملته، فاعتدى على أناس من أهل البلد بالضرب حتى ~~أشرفوا على الهلاك، فاضطر بعض أهلها إلى الشكوى للمدير مستعينين بعلي أفندي الشريعي ~~والد حسن باشا الشريعي، وبعد اللتيا والتي ساعدوهم على الانفصال فانفصلوا واختطوا ms090 بلدة ~~أخرى شمالي أبي عزيز سنة 1264ه سموها نزلة عمرو، وانتقل إليها هارون بولده أبي ~~المترجم وابتنى بها دارا كبيرة، وبقي بها حتى مات بعد أن أسن، وكان سديد الرأي ~~يرجع إليه في المشكلات. # ثم سكن هذه البلدة بعده ولده مفتاح وتزوج بها، وأعقب جميع أولاده، وحج سنة 1304ه ~~فأرخ حجه ولده المترجم بقوله: # حج مفتاح أبي معتمرا 1304. # ومات سنة 1308ه، وكان طويلا، خفيف اللحية، وقد وخطها الشيب، وكان اشتغاله ~~بالزراعة دون غيرها، ويتحرى الحلال في كسبه، ويقول الحق ولو على نفسه، وتعلم ~~القراءة والكتابة في الكبر ولم يجدهما. # ولما وصل نعيه إلى ولده المترجم بالقاهرة رثاه على البديهة بقوله: # قضى والدي بالرغم مني وليتني # سبقت لأمر ساورتني غوائله # لقد عاش دهرا لم يشبه بريبة # حياة سخي فاض بالقوم نائله # وقام بعبء الدين والفضل صادقا # وما المرء إلا دينه وفضائله # عليه سلام كلما غاب كوكب # وسالت من الجفن القريح هوامله # وكانت ولادة المترجم ليلة السبت الرابع من شعبان سنة 1274ه، ونشأ بالبلدة المذكورة ~~في حياطة والده، وابتدأ القراءة على الشيخ جاد المولى، فقرأ عليه القرآن وبعض المتون، ~~ومكث بعدها نحو ثلاث سنوات، ثم حضر إلى القاهرة سنة 1289ه لطلب العلم بالجامع الأزهر، ~~وتلقى عن شيوخ وقته، فقرأ النحو: على الشيخ محمد الشعبوني المغربي، والشيخ عرفة سالم ~~السفطي، والشيخ عبد الله الفيومي، والشيخ محمد البحيري، والشيخ سالم البولاقي، والشيخ ~~محمد الإنبابي، والفقه الحنفي: على الشيخ عبد الرحمن السويسي، والشيخ صالح قرقوش. وحضر ~~بعض دروس الأستاذ الكبير الشيخ محمد العباسي المهدي شيخ الجامع الأزهر ومفتي مصر إذ ~~ذاك، والبيان: على الشيخ عرفة، والشيخ علي الجنائني، والشيخ محمد البحيري، وآداب البحث: ~~على الشيخ محمد البحيري المذكور، والمنطق: على الشيخ محمد عبده، والشيخ أحمد أبو خطوة، ~~والشيخ سالم البولاقي، والشيخ محمد البحيري، والعروض: على الشيخ محمد موسى ~~البجيرمي. # وفي أثناء مجاورته كان مسافرا من بلدته إلى القاهرة في سفينة كبيرة أيام زيادة ~~النيل، ونزل يغتسل على سكان السفينة مع جماعة، فانحدر مع الماء في ms091 وسط النيل، وتبعه ~~أحد المغتسلين لإنجاده، فما زال سابحا حتى كلت سواعده وكاد يغرق، ثم نجا، وخرج على ~~الشاطئ الغربي للنيل، وأرسل له من بالسفينة زورقا وصل به إليها ، وسافر مرة من القاهرة ~~عائدا إلى بلدته في سفينة، فتشاحن مع ربانها تشاحنا أدى إلى إخراجه منها، فخرج ~~إلى بلدة يقال لها الرقة بإقليم بني سويف، لا يملك شروى نقير سوى كتاب مخطوط رهنه في ~~أجرة القطار إلى بلدته، وله نوادر كثيرة أمثال ذلك من المشي على القدمين مسافات بعيدة، ~~والمبيت على الطوى في كل غدوة وروحة بين القاهرة وبلدته. # وبعد أن قضى سبع سنوات بالأزهر مجدا في طلب العلم ومباحثة الشيوخ، عاد إلى بلدته ~~ومكث بها نحو سنتين مشتغلا بحفظ الشعر ونظمه، ولم يكن له بالأزهر كبير عناية به ~~لانصرافه إلى تحصيل العلوم. # ثم حضر إلى القاهرة، ودخل مدرسة دار العلوم سنة 1298ه فأعاد بها معظم العلوم العربية ~~مع الجزء الأول من تاريخ ابن خلدون المشهور بالمقدمة على الشيخ حسين المرصفي، ثم خلفه ~~في تدريس اللغة العربية شيخنا الشيخ حسن الطويل، فتلقى عنه بعض المثل السائر، ورسالة ~~ابن زيدون الهجوية، والزوراء للجلال الدواني في الحكمة، وانتفع به كثيرا، وقال فيه وفي ~~الأستاذ المرصفي: # دار العلوم شكت فراق أبي الهدى # المرصفي الحبر أوحد ذا الزمن # فأجبتها حسن المعارف بعده # لا تجزعي إن الحسين أخو الحسن # وتلقى التفسير والحديث بالمدرسة عن الشيخ أحمد شرف الدين المرصفي، والفقه الحنفي عن ~~الشيخ حسونة النواوي، والعلوم الطبيعية والرياضية على أساتذة آخرين بالمدرسة، ثم خرج ~~منها بعد أن نال الشهادة الدالة على براعته سنة 1302ه، فقال بعد مفارقته المدرسة ~~مضمنا: # دار العلوم نثرت نظم أحبة # كانوا بدورا في سماء علاك # حتى بلي عهدي بهم وتغيروا # يا دار غيرك البلى ومحاك # واشتغل بعد خروجه من المدرسة بالكتابة في صحف الأخبار كالأعلام والقاهرة، وبالتدريس ~~لبعض أناس منهم السيد توفيق البكري. # ولما اتصل به حسن له خلع العمامة والجبة وإبدالهما بالملابس الأفرنكية والطربوش، ثم ~~فارقه واستخدم كاتبا بمحكمة بني ms092 سويف الأهلية نحو عشرة أشهر، ثم امتحن للدخول ~~بمدرسة دار العلوم مدرسا للإنشاء، فحاز قصب السبق وعاد للعمامة والجبة، وأقام بها ~~تسع سنين انتفع فيها الطلبة، وتخرج عليه كثيرون ممن يحسنون الكتابة الآن. # 2 # ثم نقلوه بعد ذلك مدرسا للنحو بالمدارس الابتدائية في الأقاليم، فحطوا من درجته، ~~إلا أنهم أبقوا له مرتبه، وكان أخيرا بمدرسة بني سويف، ومرض بها فأحيل على ~~المعاش، واختار السكنى بالقاهرة، وابتغى مكانا يعتزل فيه الخلق ويشتغل بالمطالعة ~~وإتمام بعض تآليفه، فاختار مصر الجديدة واكترى # 3 # بها دارا صغيرة، أقام فيها بمفرده مع خادم مسن كان يقضي به حاجاته من ~~السوق ويقوم بتنظيف المكان. # وكان الشيخ مريضا بمرض يعرف عند الأطباء بتصلب الشرايين، وهو لا يعلم بأمره ولا ~~يهتم بنفسه، حتى اشتد عليه أخيرا وهو يظنه ضيفا مرتحلا، ثم تركه الخادم وعاد ~~لبلده، فبقي وحيدا بالدار حتى أدركه أجله المحتوم فجأة والأبواب مغلقة عليه، وبقي ~~أياما لا يعلم به أحد، حتى ظهرت رائحته للجيران، فأخبروا رجال الشرطة، فحضروا وكسروا ~~الأقفال فألفوه مائلا في سريره وجزء من كتاب الأغاني ملقى بجانبه، وكان ذلك يوم ~~الأحد 28 من المحرم سنة 1229ه، وقرر الطبيب أنه مضى على وفاته ثلاثة عشر يوما، فنقلوه ~~ودفنوه، تغمده الله برحمته. # ولم يكن اشتغاله بالعلوم على السواء، بل كان جل اعتنائه بمتن اللغة والشعر ~~والنثر، فحفظ من اللغة مقدارا وافيا من الغريب وغيره، وكلف بتصحيح شرح القاموس عند ~~ضبطه برمته في المرة الثانية، وكان اشتغاله بالشعر في الأزهر قليلا كما قدمنا، ~~ولم يبرع فيه إلا عند دخوله دار العلوم طالبا، وقد أرخ أول إجادته فيه بقوله: # أقول الشعر عن فكر سليم 1298. # ونظم بعد ذلك القصائد المتينة، والمقطعات السمينة، وكان ينهج فيها منهج العرب لكثرة ~~نظره في دواوينها، واقتناء الكثير منها استنساخا أو نسخا بيده، ولو تم له الخيال ~~الشعري كما تمت له الديباجة وجزالة الألفاظ لكان أشعر أهل زمانه بلا منازع. # ولما عاد الأمير محمود سامي «باشا» أشعر شعراء العصر من منفاه بسيلان، وكان ms093 بعيد ~~العهد بشعراء مصر، واطلع على إنتاج الشعراء المصريين في ذلك العهد، لم يعجبه إلا شعر ~~المترجم في رصانة البناء وسلامة التركيب، وقد ترك من التآليف: «رفع اللثام عن أسماء ~~الضرغام» جمع فيه ما ينيف على خمسمائة اسم للأسد، طبع بمصر، و«مفتاح الأفكار في ~~النثر المختار» جمع فيه مختار النثر من رسائل وخطب في الجاهلية إلى هذا العصر، # 4 # وهو كتاب جليل الفائدة، طبع بمصر أيضا، و«مفتاح الأفكار في الشعر ~~المختار»، جمع به مختار الشعر من الجاهلية إلى عصرنا هذا، # 5 # لم يطبع ولم نطلع عليه، وله «ديوان حماسة» من شعر العرب استدرك به على ~~أبي تمام ما فاته، و«مفتاح الإنشاء» لم يكمله، وأخذ في أواخر أيامه في جمع شعره ونثره ~~وترتبيه في ديوان، ولا أدري ما فعل الدهر به. # وكان رحمه الله غريب الأطوار، سريع الغضب، سريع الرضا، مع صفاء الباطن، له شذوذ في ~~أخلاقه يتحمله من عرفه وعاشره، أسمر اللون، أسود اللحية والشاربين كبيرهما، أميل إلى ~~الطول، له هزة وتخطر في مشيه لمرض كان أصابه في ظهره ورجليه. # ولما انتقل إلى مدارس الأقاليم صار يحضر إلى القاهرة في فترات، فينزل عندنا، # 6 # ويجتمع به إخوانه وأصدقاؤه في ليال كنا نحييها بالمطارحات الأدبية وإنشاد ~~الأشعار. # ومات ولم يعقب غير بنتين زوجهما في حياته. ومن شعره قوله يرثي صديقه محمد بك ~~بيرم ابن الشيخ بيرم التونسي ويعزي أخويه: # لقد مات في سن الثلاثين بيرم # فإن كان قول فالرثاء المقدم # مضى سابقا سبق الجواد إلى المدى # ولا يدرك الغايات إلا المطهم # فتى كان مثل السيف يفري قرابه # ويعجب منه الناظر المتوسم # فتى كان في حاليه للمجد كاسبا # كباد يرود العشب أو يتجرثم # فتى كان مثل الليث طلاع أنجد # وكالفحل يحمي شوله وهو مقرم # فما بال هذا الفحل تقدع أنفه # ولم ذل ذاك الضيغم المتأجم # وقد كان يرعى عهده وجواره # فلا العهد منقوض ولا الجار مسلم # وقد كان مأوى لليتامى يظلهم # إذا السنة الشهباء ظلت تجهم # وكان ذوو الحاجات منه بنجوة # إذا ms094 ساقهم سيل من الذل مفعم # وما كان مجزاعا إذا الخطب عضه # ولا وكلا يغشاه ما ليس يعلم # ولكن أخو جأش وحزم كلاهما # أبر من السيف الجراز وأحكم # وما الطود ممنوع الذرى هضباته # أنفن فلم يفرع ذراهن أعصم # بنت فوقه الأسد الضواري على الطوى # زبى يتقيها الصاعد المتجشم # بأثبت ركنا منه يوم عظيمة # وأوفر حلما والظنون ترجم # تسنم في عقباه متني وظيفة # هي القطر يتلوه من الغيث مسجم # وسلم تسليم البشاشة جاعلا # قصارى المطايا أن يقيم المسلم # فما كان إلا أن أناخ ببابه # من البين ركب لا يريم مخيم # فودع توديع امرئ غير راجع # سجيس الليالي أو يئوب المثلم # ليبك عليه ضارع طوحت به # يد الدهر واستهوته دهياء صيلم # يذكرنيه الخير والشر دائبا # إذا زاغ ظلام وصاح مظلم # وتعتادني ذكراه للضيف كلما # طغت برمة أو مرجل يتهزم # فقدناه فقد الروض ماء غمامة # على ظمأ والقلب حران أهيم # فهل عهده العهد الذي هو راجع # ألا إنما عهد المنايا مصرم # وهل حلمه يوم القيامة حلمه # إذا خف رضوى واستحال يلملم # رمته شعوب فاتقاها بصدره # وسهم المنايا في المقاتل محكم # فلم يغن عنه فكره وهو صارم # ولا ذاد عنه عرفه وهو عيلم # عفاء على تلك الحياة فإنها # تفاريق نهب بين قوم يقسم # فلو كان رد الموت يسطاع لانبرت # كماة لها قرع الظنابيب مغنم # إذا الشر أبدى ناجذيه حسبتهم # أسود شرى أظفارها لا تقلم # ولكنه الموت الزؤام إذا عدا # تداعت لمأتاه زبيد وخثعم # متى يرم أشلاء العشيرة أغمضت # حذام ولم يغن النطاسي حذيم # وليت المنايا أخطأته وصادفت # عدى يبتغون الشر إما تيمموا # لهم سيرة في السوء شتى فعالها # ومن ذا يعاني السوء إلا المذمم # وعما قليل يزجر الدهر طيرهم # فيغدو سنيحا وهو بالموت أشأم # ويطوون طي الثوب أخلفه البلى # على غرة، والدهر عرس ومأتم # فيا راكب السوداء في البحر ترتمي # على صفحات الماء والبحر خضرم # تمر كما مرت نعاج تعسفت # رمال الفلا واليوم ضحيان يبسم # تسير فلا تلوي على ابن طريقة # وترسو كما ذاق الغرار ms095 المهوم # إذا أنت ألقيت الرحال بتونس # لدى معشر في بهرة الحي خيموا # لهم أول في السابقين وهضبة # من العز شماء الذرى لا تسنم # هنالك فانزل عزهم بمحمد # وقل له دمع يراق معندم # وقل غاب من ترجون فضل إيابه # فليس لشيء آخر الدهر يقدم # هنالك تلقى الخيل حطت سروجها # وخر لمنعاه البناء المهندم # وتلفى عذارى الحي شقت جيوبها # عليه ودقت بينها العطر منشم # وكنتم ثلاثا فرق الدهر بينكم # كأنكم اسم في النداء مرخم # نعم إن ذاك السر ما زال فيكما # ولا عجب فالحرف في الحرف مدغم # خذا بيد الصبر الجميل فإنه # هو السيف لا ينبو ولا يتثلم # ولا تحفلا للحزن يغشى فإنما # رسوم الأسى قفر لمن يتردم # ودوما على الأيام عنوان راحل # طوته النوى طي الكتاب فيختم # | محمد أكمل # 1280-1343ه # هو محمد أكمل بن عبد الغني بك فكري ابن لطف الله بن حسين الشاعر الأديب الظريف، ولد ~~بالقاهرة ونشأ بها، واعتنى والده بتعليمه وتهذيبه، ثم أدخله في مدة الخديو إسماعيل ~~الديوان الخديوي للتعلم كتلميذ، وكان من كبار كتاب هذا الديوان، فجود الخط به ~~وألم باللغة التركية، وكان له حدبة بظهره شوهت خلقه، ورأى والده ألا مطمع في ~~استخدامه بمنصب لائق لحدبته وقصر قامته فاستحسن له طلب العلم بالأزهر. وكان يرجو أن ~~يكون من كبار العلماء، فلازم الطلب به، وقرأ النحو والعلوم العربية على الشيخ أحمد ~~المنصوري، والشيخ محمد البجيرمي، وكان أحدب مثله، وكثيرا ما كان يقعده بجواره في ~~حلقة الدرس، ثم انقطع عن الطلب ولازم والده، وكان والده جماعة للكتب مغاليا في ~~اقتنائها شراء واستنساخا، ينفق عليها جل ما يصل ليده، ويحيي الليالي في مقابلة ~~ما يستنسخه منها وتصحيحه وضبطه، فكان المترجم يعاونه في ذلك، واطلع بهذا السبب على ~~كثير من الكتب العلمية والأدبية والدواوين الشعرية، عاشر من كان يجتمع بوالده من ~~العلماء والأدباء وتردد عليهم واستفاد منهم، وعرف مدة طلبه بالأزهر كثيرا من ~~أدبائه وشعرائه المجيدين: كالشيخ عبد الرحمن قراعة، والشيخ أحمد مفتاح، وحفني «بك» ~~ناصف، وغيرهم، فاستفاد منهم أيضا، ms096 ونظم الشعر والزجل وأدوار الغناء، واشتهر بحسن ~~المحاضرة وملاحة التندير وسرعة الجواب وخفة الروح. وكان كثيرا ما يجعل محور تنديره ~~دائرا على حدبته فيأتي بما يضحك الثكلى، بل كان لا يأنف من ذكرها في شعره، كقوله من ~~زجل في الوباء الذي حل بمصر سنة 1320ه وما فعله الأطباء من الهجوم على الدور وترويع ~~ربات الخدور: # شاعر وناثر زجال عال # فن الأدب فيده # 1 # لعبه # لطيف زكي وفهمه سيال # ورقته من الله وهبه # مخلص لإخوانه وميال # نادرة زمانه وله حدبه # مافيهش عيب ظاهر معروف # قصير ولكن فيه أقصر # واللي يعيش ياما بيشوف # واللي بيمشي يشوف أكتر # ومن ولوعه بحدبته شرع في جمع كتاب في نوادر الحدبان وما قيل فيهم من الأشعار وتراجم ~~مشهوريهم، أخبرني أنه جمع منه جزءا إلا أنه لم يتمه. # ونقل والده مدة محمد توفيق الخديو من الديوان إلى المحاكم الأهلية قاضيا، وتوفي ~~يوم الثلاثاء 29 المحرم سنة 1307ه وخلف له ولإخوته ضيعة بالصعيد، أصاب المترجم منها ~~60 (ستون) فدانا باعها وبدد ثمنها بالإسراف، حتى احتاج للاستخدام بديوان الأوقاف ~~بمرتب قليل دون الكفاف، وعاش في ضيق ومضض بعد ما تعوده من السعة والرفاهية، وأخذ ~~يتقرب للخديو بنظم التواريخ في كل عيد واحتفال، وحل وترحال، وينشرها في صحف الأخبار ~~رجاء أن تبلغه فيأخذ بيده، فلم يستفد شيئا وراح تغزله في الريح، وكان قصر شعره في ~~أواخر عمره على هذه التواريخ فنظم منها الغث والسمين، وكنا إذا قرب عيد أو سفر أو ~~قدوم للخديو لا ننتفع به لاشتغاله بالنظم والحساب وإعمال الروية، فيصير هذا ديدنه في ~~غدوه ورواحه وقيامه وقعوده، حتى يمن الله عليه بشيء يرتضيه. # وترك له والده غير الضيعة دارا بسوق الزلط بيعت أيضا، وترك خزانة كتب كبيرة قل ~~أن تضارعها خزانة في نفائس الكتب ونوادر الأسفار، وهي التي أفنى عمره وماله في جمعها ~~وأتعب نفسه في تصحيحها وضبطها وصبغ الورق وصقله لنسخ ما كان يستنسخه منها، فوق ما كان ~~يتكلفه من السعي في البحث عنها في الخزائن المهجورة ms097 وعند الوراقين، واتخذ له في داره ~~مصنعا للتجليد واستخدم عدة نساخ أجرى عليهم المرتبات فاختصوا بالنسخ له لا ~~يشتغلون لسواه. وكان هو وعبد الحميد «بك» نافع من أدباء القرن الثالث عشر يتباريان في ~~ذلك ويتسابقان، أخبرني المترجم عن والده أنه بلغه أن تاجرا من الوراقين قدم من سفر ~~بكتب أوصاه عبد الحميد «بك» نافع بجلبها له وبينها ديوان البحتري، وكان إذ ذاك لم ~~يطبع بل لا يعرف في مصر إلا باسمه، فأسرع إليه وبذل له مالا فوق قيمة الديوان على أن ~~يعيره له يوما وليلة فقط يطالع فيه، فرضي وأعاره إياه، فلما أتى به لداره أعطاه ~~لمجلده ففك له تجليده وأحضر في الحال عدة نساخ فرقه عليهم كراريس فنسخوه وقابلوه، ~~ولم يمض اليوم والليلة إلا وقد ردت النسخة الأصلية لصاحبها مجلدة كما كانت، ثم ~~قابله بعد ذلك عبد الحميد «بك» وأخذ يفاخره بوجود الديوان عنده واختصاصه به، فقال له: ~~خفض عليك يا أخي هذا شيء أكلنا عليه وشربنا حتى مججناه، ثم أخرج له نسخة الديوان من ~~الخزانة. # وبلغه مرة وهو يسمر مع بعض أصحابه أن بعضهم رأى عند فلان الوراق رسالة من الرسائل، ~~وكان هو يتطلبها من زمن وينشدها فلا يجدها، فلم يسعه إلا أن قام في الحال وأخذ يسأل عن ~~دار الوراق من هنا وهناك، حتى اهتدى إليها بعدما مضى هزيع من الليل، فأيقظه من نومه ~~وساومه في الرسالة بقيمة فوق قيمتها، ولم يمهله للصباح، بل أنزله من الدار وذهب معه ~~إلى حانوته ففتحه ليلا وأخرجها له، ولم يهدأ له بال حتى باتت الرسالة عنده. # فلما مات عرض المترجم كتبه للبيع فبيعت وتفرقت، واقتنى نفائسها ونوادرها ~~الكونت لندبرج قنصل السويد بمصر وكان من مستعربي الإفرنج المولعين بجمع الكتب العربية، ~~وأدركت أنا # 2 # أواخرها فاقتنيت منها بضعة عشر كتابا، منها ما هو بخط عبد الغني «بك» ~~نفسه وبحواشيها آثار التصحيح واختلاف النسخ التي كان يقابلها بها. # وكان أول التقائي بالمترجم في دار ابن أختي محمود توفيق «بك»، وهي إذ ذاك ms098 مجمع ~~الأدباء ومحط رحال الفضلاء، فلما رأيته استغربت شكله واستملحت محاضرته، ثم ~~رأيته يناقش الأدباء ويطارحهم الشعر، فدنوت منه وكنت صغيرا في أول الطلب، وقد تعذر ~~علي فهم باب أفعل التفضيل وأجهدت نفسي في درسين متواليين على تفهمه فلم يفتح ~~علي بشيء فيه، فسألته عنه فأوضحه لي بعبارة سهلت علي فهمه، فكان بعد ذلك كثيرا ~~ما يقول لي ممازحا: إذا ذكرت شيوخك فاذكرني معهم ولا تنسني. # ثم تأهل ببنت حنفي «بك»، وكان لأسرتها نوع ~~اتصال بنا، فاتصلت المودة بيني وبينه بهذا السبب، وازدادت ملازمته لي لما سكن ~~بجوارنا، فكان يزورني عصر كل يوم ويبقى حتى نسمر معا ثم ينصرف، فتارة كنا نحيي ~~الليالي بمسامرات أدبية ومذاكرات علمية أو بمطالعة بعض الكتب، وتارة بمقابلة ما كنت ~~أستنسخه وتصحيحه، وكان لا يمل من المقابلة مهما يطل الوقت فيها ويقول: هذا شيء ~~دربني عليه والدي وعودني إياه من الصغر. # وأشار علي مرة أستاذنا العلامة محمد محمود ~~الشنقيطي أن أطالع «أمالي أبي علي القالي» مطالعة إمعان وتدبر، ولم تكن طبعت ~~بعد، فاستنسخت منها كراريس عكفت على مطالعتها، وأخبرت المترجم أنني سأحتجب عن الناس ~~بضعة أيام حتى أستوفي ما بهذه الكراريس، فغاب عني ثلاثة أيام، ثم حضر ومعه هذا الزجل ~~ينحي فيه على الأستاذ وعلى أبي علي القالي اللذين تسببا في انقطاعي عن الإخوان، ~~ويذكر فيه بعض من كان يجتمع بنا: # المذهب # مشتاق قوي ليدي السحنه # دي مودتك حيطي ميطي # أبو علي كان لك محنه # الله يجازي الشنقيطي # دور # يا سيد احمد يا تيمور # ياللي مانعنا من أنسك # هو ودادك من بنور # حتى كسرته من نفسك # أهديك سلام يشحن وابور # يقطع محطات على حسك # هو الكتاب ده م الجنه # ولا كلام المجريطي # أبو علي كان لك محنه # الله يجازي الشنقيطي # دور # بكره يجينا الشيخ مفتاح # يحلى السهر في القماري # نفضل ندردش للإصباح # والشيخ بروحه موش داري # عبيط خفيف عالم فلاح # بجوز شوارب هواري # أوقات كده يبقى زنه # وآوقات تشوفه رهريطي # أبو علي كان لك محنه ms099 # الله يجازي الشنقيطي # دور # إذا مشى تلقاه يجري # راخي تملي كيعانه # م الكهربا تشوفه دغري # رمح وطرطق إودانه # وإذا اشترى حاجه يوري # جميع ما جابه لإخوانه # وتبقى زيطه لها رنه # وأحوال معيشته رطريطي # أبو علي كان لك محنه # الله يجازي الشنقيطي # دور # عبد الملك راجل زنديق # وابنه صبح منه مخلول # والبابى لاخر بالتحقيق # جاهل ثقيل دينه محلول # ومذهبه مذهب تلفيق # كله خراف من غير معقول # لا فرض عنده ولا سنه # ده دين إباحي شليطي # أبو علي كان لك محنه # الله يجازي الشنقيطي # دور # أما القدوري بنياته # أفغاني لكن يتدحدح # غريب ف شكله وصفاته # نادر ف بابه متلحلح # يدي ملامح للورنه # أو الزغاليل الغيطي # أبو علي كان لك محنه # الله يجازي الشنقيطي # دور # أما الدميري القلعاوي # تيس تركي أبيض وبلحيه # وابو فصاده الشناوي # أعرج ملوي كالحيه # بدقن بيضا حلفاوي # وزعيق يبطل على ميه # غبي وسخ كالشيخ منه # فكره قذاره مخيطي # أبو علي كان لك محنه # الله يجازي الشنقيطي # دور # أهل الأدب ماتوا بحسره # م اللي شفوه في دي الأيام # الناس بقت بينهم نفره # والمسلمين صارت أخصام # وكل يوم تلقى نشره # تملا قلوب الناس أوهام # بيقفشو لهم على لحنه # بالوهم عايشين سلبيطي # أبو علي كان لك محنه # الله يجازي الشنقيطي # دور الاستغفار # يا رب أنا مذنب عاصي # محتاج لعفوك والغفران # من العذاب أرجو خلاصي # ودخولي في جنة عدنان # أنا نحيف موش جعاصي # مليش تجلد ع النيران # عفو الكريم أعظم منه # على عبيده الحفليطي # أبو علي كان لك محنه # الله يجازي الشنقيطي # دور الختام # يا أهل الأدب راجي منكم # غض العيون عن زلاتي # فن الزجل يروى عنكم # أما أنا موش أدباتي # الله يخلي أفضالكم # وانول سعودي لمماتي # وأبقى كيده ف طنه وشنه # وافرح وترقع زغاريطي # أبو علي كان لك محنه # الله يجازي الشنقيطي # وإنما يظهر حسن هذا الزجل لمن يعرف المذكورين فيه فيطبق ما ذكره عنهم على هيئاتهم ~~وأحوالهم، ومراده بالقدوري والدميري شخصان كان يلقبهما بهذين اللقبين، والسبب في ذلك ~~أنني أطلعته على ms100 رسالة عندي جمعها الشيخ أحمد الفحماوي صاحب الخط الحسن المشهور بكتابة ~~لزوم ما لا يلزم للمعري، وسماها «بنات أفكار وعرائس أبكار» في ألقاب أهل العصر، ذكر ~~بها كنى وألقابا وضعها لفضلاء أواخر القرن الثالث عشر عبد الحميد بك نافع وإبراهيم ~~أفندي طاهر الشاعر الرقيق المشهور على سبيل المزاح والدعابة، فلقبا كل واحد بلقب ~~شاعر متقدم أو رجل مشهور يوافق اسمه هيئة الملقب به أو شيئا يغلب على أخلاقه ~~وأحواله، كتلقيبهما مصطفى أفندي المنعوت بكامل بالعكوك لأنه كان قصيرا جدا معوج ~~القدمين، وتلقيبهما الشيخ محمد الرافعي الكبير شيخ رواق الشاميين بالأزهر وأحد كبار ~~علمائه بملا مسكين لأنه كان نحيفا وبقوامه بعض احديداب يرى كأنه تواضع وانكسار، ~~وتلقيبهما عبد الغني «بك» أبا المترجم بالأخطل؛ لأنه كان ضخم الجسم كبير الهامة. # فلما اطلع المترجم عليها جن بها جنونا، وشرع في وضع رسالة تماثلها في فضلاء ~~عصره، وسألني مشاركته فيها كما فعل ذانك الأديبان، فامتنعت خشية اللوم، فانفرد هو ~~بتأليفها، وأتى فيها بغرائب ذهب أغلبها عن الذهن لطول العهد، فمن ذلك تلقيبه للعالم ~~الفاضل علي رفاعة «باشا» ابن رفاعة «بك» المشهور: بابن المقفع لنحافته ودخول شدقيه، ~~وتلقيبه للعالم الفاضل يحيى أفندي الأفغاني: بالقدوري لغرابة شكله وقصر ساقيه ~~تشبيها له بالقدر من الفخار، والقدوري اسم عالم من الحنفية مشهور، وكان الشيخ محمد ~~الحفني المهدي ابن أخي مفتي مصر الشيخ العباسي المهدي ولعا بذم الناس، منقبا عن ~~معايبهم، لهجا بها في المجالس، لم يسلم منه أحد حتى عمه، واشتهر بذلك حتى أبغضه عارفوه ~~وتحاموا عن الاجتماع به، فلقبه: بابن هرمة، وهي كلمة سب عند العامة، فقلت له: هذا ~~لا يستقيم لك؛ لأن ابن هرمة الشاعر بفتح أوله، فتأفف وقال: لا أجد له لقبا ينطبق ~~عليه غير هذا، فدعني من شنقيطيتك. # ثم لما فرغ منها سألته عما لقب به نفسه، ففكر وقال: أحسن لقب ينزل علي: ~~ابن قتيبة، ثم تركه وتلقب بالمقوقس، وضاعت هذه الرسالة فيما ضاع من أوراقه وأشعاره، ~~ويغلب على الظن أنه مزقها لأنه وقع ms101 له بسببها نفور بينه وبين بعض من لقبهم، فإنه ~~لما لقب صاحبنا وصاحبه الشيخ أحمد مفتاح لسلامة طويته: بالأبله البغدادي، غضب منه ~~وكاد يتفاقم الشر بينهما، وغضب منه صاحب آخر كان قصيرا ممتلئا يتدحدح في مشيته كما ~~يتدحدح البط؛ لأنه لقبه بابن بطوطة، فأخفى الرسالة لهذا السبب ~~وطوى ذكرها. # وكان رحمه الله مجيدا في الزجل، متقنا لصياغة الأدوار التي يتغنى بها، وأكثر ما ~~كان متداولا منها بين المغنين في عصره كان من نظمه، وأما شعره فالإجادة فيه قليلة، ~~إلا ما ضمنه النكت والتنديرات العامية، فمن أحسن ما وقفت عليه منه قوله من مرثية في ~~صاحبه علي رفاعة «باشا»: # جزعت وللحر أن يجزعا # وودعت صبري إذ ودعا # وجادت عيوني على بخلها # وحق لها اليوم أن تدمعا # وروع قلبي النوى بعدما # أمنت ومثلي كم روعا # لحا الله يوما أشاعوا به # وقالوا أمير العلا شيعا # فما كان أصعب تأبينه # وما كان أسوأه موقعا # وما كان حقي البكاء ولكن # فزعت ولا بدع أن أفزعا # تجرعت من هوله كل صاب # وغيري من الناس كم جرعا # وما دار في خلدي أنني # أرى البدر يرضى الثرى مضجعا # ولكن شأن الزمان عجيب # فما كان أضيع عهدا رعى # يقول النعيي: علي قضى # ولم يدر أن العلا قد نعى # نعى سيدا صيته طائر # حوى الفضل في شخصه أجمعا # فدكت رواسي الدنى بعده # وماد الزمان بما أودعا # وغابت شموس المعارف لما # ذوى غصنه بعدما أينعا # فقل للخطابة: ذوبي أسى # ولا تطلبي بعده مصقعا # وقل للكتابة: لا تحفلي # بمن يتبجح في المدعى # وقل للعلوم: فقدت أميرا # مضى تاركا فضله مشرعا # وقال موريا باسم الطبيب سعد «بك» سامح: # يا سعد ما لك معرضا # عني وقلبي فيك طامح # إني أتيتك قائلا # أنا تائب يا سعد سامح # وقال موريا باسم محمد ثابت: # إن كنت في ريب بصدق محبتي # وسمعت عني ما تقول شامت # فاعلم فديتك دائما أني على # عهد المحبة يا محمد ثابت # ولما مرضت شقيقتي السيدة عائشة التيمورية وأحست بدنو الأجل، نظمت في مرضها ms102 أبياتا ~~لتكتب على قبرها، وتركت مصراع التاريخ لمن ينظمه بعدها، وهي: # قد كنت عائشة فنوديت ارجعي # للقبر مأوى كل حي فان # فأتيت صفر الكف عن مرضاته # ومقرة بالعجز والعصيان # جردت من ثوب الهدى لكن لي # تاجا من الإسلام والإيمان # ونزلته مستشفعا بمحمد # وتوسلي عفوا من الرحمن # أصبحت ممن زار لحدي راجيا # خير الدعا وتلاوة القرآن # لكم البقا إخوان ديني أرخوا # قبر لعائشة سما بجنان # فنظم المترجم التاريخ بقوله: [قبر لعائشة سما بجنان = 302-811-101-106]. # 1320 # وله عجائب مما ذهب عن الذهن الآن، ولكثرة ممارسته للتواريخ الشعرية كان ~~يأتي فيها أحيانا بغرائب في إبراز المقصود بدون حشو، كقوله في تاريخ ولادة ولده عبد ~~الغني: «عبد الغني بن أكمل.» # ولم يشتهر ولده عبد الغني «بك» بعلم، بل كان بارعا في الكتابة التركية والعربية فقط، ~~وكان يقرض الشعر أحيانا، فمن ذلك قوله هاجيا الشيخ مصطفى قشيشة، مدعيا أنه لم يرد ~~إليه كتبا استعارها منه، وكان الرجل من الفضلاء، وكانت له زريبة لتربية البقر يتكسب ~~منها ببيع اللبن، فقال فيه: # شيخ سوء بفعله المنكور # أنسى معنا بحلمه المشهور # عامل الناس بازدياد دهاء # زاد في الوقع نغمة الطنبور # واستمال البسيط من لم يطالع # من خداع القصير في المسطور # أشعل الذهن في اللآمة حتى # أورث الصهر أسوأ المقدور # قل ما يلحظ الصحيح بعين # غير خلط المنظوم بالمنثور # صار دهرا بصحبتي مستفيدا # وفر مال من كنزي الموفور # واقتداء بحبك الشيء يعمي # كان ما صار من خطا المشعور # وتمادى الضلال بضع سنين # نال منها ما ليس بالمحصور # واحتدام الخصام نكران كتب # شذ فيها عن نهجها المبرور # وانثنى الآن منكرا مستغيثا # كافرا نعمتي لدى الجمهور # جعل الله عسره مستديما # وثواه الإله في التنور # وقال فيه أيضا: # تشرب الخمر للتداوي احتيالا # لا شفى الله منك للجسم عله # دمت في منقع الزريبة روثا # بك يشتم في الخياشيم جله # والجلة عند العامة هي روث البقر، ولا يخفى ما في القصيدة من الضرورات، كقوله: «أنسى» ~~ولا يستقيم الوزن إلا بحذف الياء، وقوله: وتمادى الضلال، ms103 فعداه وهو لازم، وغير ~~ذلك. # فلما اطلع الشيخ مصطفى على القصيدة والبيتين طلب من صديقنا الشيخ أحمد مفتاح أن ~~يجيبه على لسانه، فنظم قصيدة وبيتين من البحر والقافية في 24 ذي الحجة سنة 1304، ~~فقال: # لهوى النفس في اقتحام الأمور # حكمة تستفز لب الخبير # كل داء يبرا ولو بعد حين # غير داء الهوى وداء الغرور # قف قليلا وأمعن الفكر فيما # أظهرته الغيوب كل الظهور # ظن بعض الرعاع والظن إثم # يورد النفس أسوأ المقدور # أن سيفي لدى الهجاء كهام # وقناتي تلين في كف زور # فتعامى ومج من فيه روثا # وقبيح بالمرء خبث الضمير # يشير بهذا البيت إلى قول عبد الغني بك: دمت في منقع الخ ... # عشت معه على الضغائن سرا # لا أرى منه غير نذل فخور # فانتقى لي بعد انتقالي سطورا # هو أولى بلفظها المهجور # ظنها الشعر ضلة ليس يدري # أن دون القريض خوض البحور # إن «عبد الغني» عبد جهول # ليس يدري قبيله من دبير # فيه ما شئت قله غير ميال # من ضلال وخدعة وفجور # عرفته الإخوان بالخفض حتى # ميزته بالخفض والتنكير # فاتقوه وأخبث الناس طرا # رجل تتقيه خوف الشرور # ورماني زورا بنكران كتب # وبكسبي من وفره الموفور # أي وفر أفاد أم أي كتب # تبتغى من لدن لئيم حقير # حمل الكتب لا لعلم ولكن # لترى الناس أنه كالحمير # وانتمى للثقات في العلم حتى # أوهم الناس أنه ابن كثير # يا عديم الذمام في كل أمر # وقليل الرجاء للمستجير # هاك مني عديمة المثل أنحت # بمساو على عديم النظير # وقال: # إن عبد الغني عبد فقير # لم ير الناس في السفاهة مثله # جمع الدهر فيه ضدين حتى # أبرزته العيون للخلق مثله # رحم الله الجميع وتغمدهم بعفوه وغفرانه. # | محمد الإدريسي # 1293-1364ه # هو الإمام السيد محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن إدريس، ولد في صبيا سنة 1293ه ~~وتلقى العلوم الدينية بمسجد جده بها، ثم أتى مصر سنة 1314ه وأخذ العلوم الدينية ~~والعربية في الأزهر الشريف، وكان أيام تحصيله مكبا على الاجتهاد، مواظبا على الحضور ~~في حلقات ms104 التدريس لدى مشاهير العلماء. # وفي سنة 1317ه زار السيد محمد الهدى السنوسي بالكفرة عن طريق الجغبوب، ثم عاد إلى ~~الأزهر الشريف فبقي إلى أواخر سنة 1321ه. # وبعد إتمام التحصيل، توجه إلى دنقله، وزار قبر عمه سيدي السيد عبد العال الإدريسي، ~~وبقي هناك مدة، ثم عاد إلى صبيا، ووصل إليها سنة 1323ه الموافقة سنة 1905م، فوجد كثيرا ~~من أتباعه وأتباع أبيه وجده متعطشين لطريق يبينه لهم ويسلكونه، فشرع يبين لهم ما ~~هو الأصلح لدينهم ودنياهم، وأرشدهم الإرشاد الذي يستنيرون به، وصار يمهد لهم طرق ~~العدالة والوقوف على حد أحكام الشرع الشريف. # وكان جميع الذين حوله وبعض البعيدين عنه والسامعون بحسن سيرته وعظيم مجده يقصدون ~~إليه للتلقي عنه والسير على طريقته المحمودة، ولم يلبث قليلا حتى وجد أتباعا ~~وأنصارا يقولون بقوله، ويعملون بعمله، ويسلكون محامد سيره، ومحاسن أمره، وهنالك قام ~~الأمير الخطير سيدي السيد محمد بن علي الإدريسي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حسب ~~ما كان عليه آباؤه وأجداده الطيبون الكرام، فصار حينئذ لدعوته وقع عظيم في نفوس ~~أهالي تلك الأنحاء، وهو لا يحيد عن الشرع الشريف قيد شعرة، وبينما كان على هذه الحالة ~~التي استحسنها منه كل من شاهد أعماله وسمع بها، إذ ظهر أناس يناقشونه في أعماله ~~الحسنة حسدا أو من باب جهل حقيقة حاله، ولا يخفى على أحد أن من سلك مثل هذا الطريق لا ~~بد أن يكون له من يعارضه، فكانت نتيجة تلك المعارضة وقوع التنافس المؤدي إلى حروب نشأت ~~في الحقيقة عن سوء التفاهم. # ولما رأى الأمير وأنصاره حرج الموقف، التزموا طرق المدافعة المطلوبة شرعا. # ولما كتب له التفوق بكثرة الأتباع ومزيد المحبة والسير الحكيم حفظ المركز الذي ~~وفقه الله إليه، وفي تلك الأيام وقعت الهدنة، وأمرت الحكومة العثمانية بسحب جيوشها من ~~عسير وتهامة اليمن وتسليم جميع المهمات الحربية إلى الأمير السيد محمد بن علي الإدريسي، ~~وبمقتضى الأمر سلم القواد كل ذلك إليه، وخرجوا وهم شاكرون فضله، مقدرون حسن ~~إنعامه ومكانته الدينية. # وبعد ذلك مال جميع أهالي ms105 عسير وتهامة اليمن إليه، وأصبح بعد ذلك قائما بتدبير ~~شئونهم ولم شعثهم والمحافظة عليهم، وسعى السعي الحثيث لتأمين الطرق، حتى أصبح الإنسان ~~يسافر في أي جهة شاء بكمال الطمأنينة ولا يتعرض له أحد في أثناء الطريق، وضرب على أيدي ~~المجرمين والساعين للفساد، حتى استتب الأمن كما ينبغي سنة 1341ه. # وهو - على جلالة علمه وعظيم قدره وفخامة مكانته - متواضع زاهد، متمسك ~~بالتقوى. # وقد درج منذ نشأته على حب العلم والأدب وأهلهما، وكره الظلم والاستبداد، وأعطاه ~~الله من شدة الذكاء، وكرم الخلال، وعزة النفس، والغيرة على الدين والوطن، بقدر حسن ~~سيرته، ونقاء سريرته، وحبه للناس، وبخاصة الصالحون. # ولقد كان والده سيدي السيد علي الإدريسي صالحا تقيا محبوبا، وأقام بصبيا بعد وفاة ~~والده السيد محمد الإدريسي الذي كان معدودا من أكابر الأولياء، وتوفي بصبيا سنة ~~1324ه، وقد صدق فيهم قول القائل: # إن لله رجالا فطنا # طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا # وكان من صفوة العلماء الذين يشار إليهم بالبنان في مجالس العلم والتدريس، ولم يزل ~~متعبدا حتى إنه بعد وفاة والده انتقل من صبيا إلى الحديدة، وهي أكبر مواني اليمن، ~~وأقام في خلوته الخاصة أربعين سنة لم يخرج منها، ثم أمر أن يحمل إلى صبيا، فمكث فيها ~~أربعة أيام، وتوفي إلى رحمة الله ورضوانه، ودفن بجوار والده سيدي السيد أحمد بن ~~إدريس. # أما أبو جده فهو سيدي السيد أحمد بن إدريس الحسني نسبا، من ذرية الإمام إدريس بن ~~عبد الله من السادة الإدريسية ملوك المغرب، وقد ذكر من تراجمهم في «الاستقصا في تاريخ ~~المغرب الأقصى» ما يغني المطلع عليه. # ولد رضي الله عنه ببلدة «ميسور» بالقرب من مدينة فاس سنة 1171ه، وقبيلته «العرايش»، ~~واشتغل من أول عمره بتحصيل العلوم الدينية إلى أن برع فيها، وصار في شبابه إماما في ~~جميع العلوم، وأذن له في التدريس، وحضر درسه أكابر علماء ذلك العهد. # ثم توجه رضي الله عنه سنة 1213ه إلى بلاد المشرق قاصدا مكة المشرفة بطريق مصر، ~~ووصل إلى مكة سنة 1214ه، ومكث بها نحوا من ms106 ثلاثين عاما ذهب في خلالها مرة إلى ~~الصعيد. # وفي عام 1244ه توجه إلى اليمن ومكث مدة بمدينة زبير وغيرها، ثم أقام بمدينة صبيا ~~ومكث فيها نحوا من تسع سنين، وتوفي بها إلى رحمة الله ورضوانه عام 1253ه وله بها مقام ~~شريف يزار من جميع أنحاء اليمن وغيرها. # وكان رضي الله عنه جامعا بين فنون العلوم الدينية، وله اليد الطولى فيها والشهرة ~~التامة، وأذعن لفضله الخاص والعام، وأخذ عنه العلماء الأعلام والجهابذة الكرام، ~~ومنهم: مفتي الأنام، وشيخ الإسلام، العلامة المحقق، والمحدث البارع المدقق، سيدي ~~السيد عبد الرحمن بن سليمان الأهدل مفتي زبيد في ذلك العصر، وعلامة وقته من الفحول، ~~الجامع بين علمي المعقول والمنقول، سيدي السيد محمد بن علي السنوسي الحسني شيخ ~~الطريقة السنوسية المدفون بالخغبوب من أعمال طرابلس الغرب، ومنهم: العلامة الإمام ~~العارف بالله تعالى مربي المريدين، الشريف الحسيني سيدي السيد محمد عثمان الميرغني شيخ ~~الطريقة الميرغنية المدفون بمكة المكرمة، ومنهم: العارف بالله تعالى صاحب الكرامات سيدي ~~الشيخ إبراهيم الرشيدي شيخ طريقة الرشيدية الأحمدية المدفون بمكة المشرفة. # ومنهم: العارف بالله تعالى الشيخ محمد المجذوب السواكني من أولياء السودان المدفون ~~بها. # ومنهم: المحدث شيخ علماء وقته بالمدينة المنورة الشيخ محمد عابد السندي صاحب الثبت في ~~الأسانيد. # وكان للسيد أحمد بن إدريس رضي الله عنه غير من ذكر من الخلفاء والأتباع ما لا يدخل ~~تحت حصر. # وبهذا يعلم جيدا طيب العنصر الباهر، وما لآبائه وأجداده من الفخر والفضل الظاهر، ~~ولا شك أنه إذا طاب أصل المرء طابت فروعه، ولا غرو فقد جمع الله لسيدي الأمير السيد ~~محمد بن علي الإدريسي أمير عسير وتهامة اليمن بين سعادتي الدنيا والآخرة. # | عبد الحميد نافع # هو عبد الحميد نافع «بك». # كان والده خليل أفندي من كبار الأثرياء بالقاهرة، وكان له قصر كبير في شبرا تحيط به ~~حديقة فيحاء كبيرة. # وقد نشأ المترجم له في القاهرة، وشغف وهو فتى بالأدب، وأكثر من الاجتماع بشيوخه، ~~وتلقى منهم الكثير المفيد، وحبب إليه اقتناء نفائس الكتب والمغالاة بها، فجمع ~~خزانة ms107 عظيمة منها شراء واستنساخا، وكان يعتمد على الشيخ نصر الهوريني في مقابلتها ~~وتصحيحها، وكانت له مع المغالين بالكتب من فضلاء عصره نوادر وغرائب في التسابق ~~لاقتنائها، وسمع به الوراقون فحملوها إليه من الآفاق، وهو يسخو عليهم ولا يماكس في ~~الأثمان، حتى صارت خزانة كتبه يضرب بها المثل، وكان يجاريه في ذلك عبد الغني فكري ~~«بك»، ولا يكاد يلحقه مع اشتهاره بالمغالاة بها، ثم اشتغل المترجم بالموسيقى، وألف ~~فيها رسالة، وأتقن العزف على القانون، وأكثر من المطالعة في كتب الأدب ودواوين الشعر ~~ومن مطارحة الأدباء ومناظرتهم، حتى صارت له ملكة أدبية يعتد بها، وصارت داره ~~مجتمع الفضلاء وشيوخ الوقت وأدبائه، فكانوا يجتمعون عنده في الغالب كل ليلة جمعة ~~فيجري بينهم من المطارحات الشعرية والمناظرات العلمية ما ينشرح له الخاطر. # وائتلف المترجم بصاحبه وصديقه إبراهيم أفندي طاهر أحد الشعراء المجيدين، فعاشا ~~أليفي وفاء ونديمي صفاء، حتى فرق الموت بينهما، وقد قام بهما أن يلقبا من كان ~~يجتمع بهما من الفضلاء بألقاب قديمة لأعيان وشعراء مشهورين مع مراعاة مطابقة اللقب ~~لهيئة الملقب به أو أخلاقه، وقد جمع في ذلك الشيخ أحمد الفحماوي رسالة كبيرة كثيرة ~~الطرف. # وللمترجم من المؤلفات عدا رسالة الموسيقى: «تاريخ أعيان القرن الثالث عشر وبعض ~~الثاني عشر» بيع لما بيعت كتبه، وهو موجود الآن في «ليدن» بهولندة، كما جمع ~~المترجم ديوان صاحبه صفوت أفندي الساعاتي مختصرا. # ولم يطل به العمر إذ مات شابا في مدة حكم سعيد، وبعد وفاته استولى محمد عارف ~~«باشا» زوج أخته على كتبه، فكانت له مادة ثمينة في الكتب التي طبعها بجمعية المعارف، ~~ثم تشتتت وبيعت. # | أحمد خيري # كان أحمد خيري باشا جركسي الأصل، إلا أنه لم يكن رقيقا، بل حضر مع والده من بلاده ~~لمصر لتلقي العلم، فنزلا في زاوية بأول عطفة عبد الله من جهة سوق السلاح وكان بها ~~نفر من مجاوري الأتراك، وواظب على الطلب بالأزهر، فقرأ على الشيوخ، وساعده ذكاؤه على ~~التحصيل، حتى صار مقرئا للشيخ المنصوري الحنفي الضرير، ثم حضر المطول ms108 على الشيخ ~~العلامة إبراهيم السقاء لما قرأه أول مرة، وكان ممن يحضر معه الشيخ محمد الإنبابي ~~الشهير وإخوانه، فكان الشيخ كلما مرت بهم كلمة فارسية في المطول سأل المترجم عن ~~معناها فيفسرها، وكان زيه إذ ذاك زي أهل العلم من الأتراك: الجبة والقفطان، ~~إلا أنه كان يعتم بشقة من الحرير الملون المسماة بالكوفية، ثم اتصل بأولاد أحمد باشا ~~يكن ابن أخت محمد علي باشا، وهما منصور وداود، فجعل معلما لهما، ومن هناك اتصل ~~بحاشية والي مصر عباس باشا، فجعل في آخر مدته كاتبا بديوانه، فغير زيه وصار من ~~الأفندية، ولما تولى سعيد باشا عرف فضله وقدره فجعله معلما لولده طوسون باشا، ~~وأخذ بعد ذلك في الترقي. # وفي ولاية إسماعيل باشا جعل من كبار كتاب المعية إلخ. وكان وقورا كثير السكوت لا ~~ينطق العوراء، انتقد مرة مكاتبة كتبها بالتركية محمد عارف باشا الشهير رئيس جمعية ~~المعارف التي طبعت الكتب بمصر، ثم اجتمع به في بعض المجالس، فأخذ عارف باشا يقرعه ~~ويسبه من غير ذكر اسمه، بل قال: بلغني أن أحد من تخرج من إصطبل الأزهر انتقد ~~كتابتي، ثم أخذ في سبه وبالغ، والمترجم ساكت لا يتكلم. # فلما افترقا لامه بعض أصحابه على السكوت مع أن التعريض كاد يكون تصريحا، فقال: ~~رجل سفيه رأيت مداراته والإغضاء عنه أولى به. # وما زال أحمد خيري باشا في مدة إسماعيل الخديو في منصبه «مكتوبجي»، أي كاتب السر ~~الخاص، ثم ترقى إلى أن صار مهردارا، وبعد الاحتلال نقل من المهردار إلى رياسة ~~الديوان. # ولم يخل من قول بعض أدعياء الانتقاد: إنه لما تولى المناصب الكبيرة أخذه شيء من ~~أبهتها، حتى قيل إنه إذا أراد أن يشير بالسلام على أحد لا يرفع يده إلا قليلا، ~~وهذه حالة ليست ذات أهمية أمام ما سبق ذكره من مداراته وإغضائه عمن تعرض له بالسب ~~وبالغ فيه، رحمه الله. # | إبراهيم باشا # جاء كبيرا مع والده من بلده، وأمه هي أم طوسون وإسماعيل وزهرة وناظلة، وكانت ~~أشرف بيتا من بيت محمد علي، ms109 وتزوجت قبله بأحد أبناء الكبار ثم نشزت منه فطلقها ~~وغضب أهلها وأقسموا ألا يزوجوها إلا بشخص منحط عن مرتبتها فتزوجها محمد علي، ومن ~~يريد الطعن في نسب إبراهيم يقول إنها تزوجت محمد علي وهي حامل من زوجها الأول فولدت ~~إبراهيم على فراشه فهو ليس بولده. وهو قول لم يثبت، وبسبب شرف بيتها كانت تتعاظم على ~~محمد علي وهو يحتمل لها، حتى لما قتل ولدها إسماعيل بالسودان وبلغها الخبر، دخلت على ~~محمد علي ورمت طربوشه من رأسه، وأخذت بلحيته وهي تبكي وتصرخ وتقول: من أحل لك ~~الرمي بأولادي إلى تلك المجاهل وقتلهم؟ وهو لا يزيد على البكاء ويقول لها: أمر الله، ~~أمر الله، ولما ماتت قال: الآن صرت والي مصر؛ لأنها كانت تتحكم فيه وفي ~~أموره. # وكان إبراهيم باشا معتلا في أواخر مدة والده، وكان يسكن بقصر القبة، فذهب والده ~~مرة لزيارته هناك ومعه سليم # 1 # أغا السلحدار، فقال له في أثناء الطريق: لقد طال اعتلال إبراهيم فلا هو في ~~حال يرجى معها ولا يموت فيستريح ويريحنا، فأبلغها السلحدار لإبراهيم. # فلما قابل والده مرة أخرى فاتحه في ذلك، وقال: ما هو ثقلي عليكم حتى تتمنوا ~~موتي؟! # فامتعض محمد علي وصار يحلف له أن مبلغه كذاب، ولم يزل إبراهيم معتلا حتى لما ~~تولى وذهب لاستنبول كانوا يرون في القارورة التي يتفل بها بصاقه معرقا بالدم، ~~ولما تولى انتقل إلى القلعة وسكن بها، وأحضروا له جندا من الحرس كالعادة، فقال: لا ~~حاجة لي بالحرس، فقد شهدت عدة حروب # 2 # ولم يكن لي حرس، ومات بالقلعة، ونزلوا بجنازته ودفنوه في مقبرتهم التي ~~بجوار الإمام الشافعي، وكان عندهم بين معلمي القصر العالي رجل فارسي اسمه سنجلاخ ~~خطاط مشهور، فناطوا به كتابة الكتابات على تربته، واعتنوا بها كثيرا، فيقال إنها ~~كلفتهم نحو ثلاثين ألف دينار، ولما تممت أعطاه أولاده الثلاثة، أحمد رفعت وإسماعيل ~~ومصطفى، كل واحد مائة كيس كالجائزة، فلم ترضه وسافر لبلاده فمات بها. # | أعلام الشام # رقم مسلسل # أسماء الأعلام # التاريخ # 1 # محمد صنع الله ms110 الخالدي # 1140-1205ه # 2 # كمال الدين الغزي # 1148-1213ه # 3 # محمد العطار # 1177-1243ه # 4 # موسى الخالدي # 1181-1247ه # 5 # عبد الرحمن الكزبري الثاني # 1184-1264ه # 6 # أحمد الحجار الحلبي # 1190-1270ه # 7 # مصطفى الخالدي # 1202-1260ه # 8 # مصطفى المغربي التهامي # 1205-1280ه # 9 # محمد التميمي المغربي # 1222-1286ه # 10 # أحمد الحلواني # 1228-1307ه # 11 # محمود الحمزاوي # 1236-1305ه # 12 # أحمد عبد الغني عابدين # 1238-1307ه # 13 # محمد علاء الدين عابدين # 1244-1306ه # 14 # أحمد الفحماوي # 1246-1309ه # 15 # حسين عودة # 1252-1332ه # 16 # محمد المبارك الحسني الجزائري # 1263-1330ه # 17 # محمد بدر الدين # 1267-1344ه # 18 # طاهر الجزائري # 1268-1338ه # 19 # سليم الآمدي البخاري # 1268-1347ه # 20 # محمد أبو الخير عابدين # 1269-1343ه # 21 # حسن المدور البيروتي # 1279-1342ه # | محمد صنع الله الخالدي # 1140-1205ه # وقفت له على ترجمة بخط الأديب المعروف خليل الخالدي، قال: # هو أحد أجلاء شيوخ المتأخرين الجامع أطراف الكمال، والرجل الذي يعد بكثير من ~~الرجال، العالم العلامة، والحبر البحر الفهامة، الرحالة المجتهد، شيخ الإسلام ~~الشيخ محمد صنع الله الخالدي، ابن المحقق العلامة الشيخ محمد صنع الله الكبير ابن ~~خليل ابن القاضي شرف الدين الديري الخالدي. # ولد في السنة الموفية الأربعين ومائة وألف ~~بعد وفاة أبيه؛ فلذلك سمي باسم أبيه، كان رحمه الله عالما عاملا، ورعا زاهدا ~~تقيا نقيا، بارعا في العلوم خصوصا الفقه والعربية، أخذ وتلقى عن صفوة من أعلام ~~الأزهريين، وأجازه كثير من أجلاء المصنفين، وقد حضر في مبدأ أمره على العلامة ~~الشيخ محمد بن علي المقري الحنفي الأزهري: شرح الآجرومية للشيخ خالد، والأزهرية، ومراقي ~~الفلاح، والملتقى، والدر، وشرح بدء الأمالي، والأربعين النووية. # وحضر على العالم الشيخ مصطفى الأسقاطي: شرح الكنز لمنلا مسكين، وحاشية الكنز لخاتمة ~~المحققين الشيخ أحمد الأسقاطي، وأخذ عن علامة المعقول والمنقول الشيخ علي العدوي ~~الصعيدي المالكي: شرح الأشموني على ألفية ابن مالك، وشرح السنوسي في المنطق، وغير ذلك، ~~وسمع الأربعين النووية، وشرح الرجبية، وقطعة من «الإتقان في أحكام القرآن» على الشيخ ~~محمد أبي زيد الشهرزتي الأزهري، وأخذ وتلقى: التوضيح لابن هشام، وألفية ابن مالك، ~~وجوهرة اللقاني، وإيساغوجي، على العلامة علي بن خضر ms111 بن أحمد العروسي أحد أصحاب الشيخ ~~أحمد النفرواي تلميذ العلامة محمد الخرشي الآخذ عن الشيخ عبد الباقي الزرقاني، وقرأ ~~على العلامة الشيخ محمد المصيلحي: شرح جمع الجوامع للمحلي، وشرح التلخيص للتفتازاني، ~~وشرح التهذيب له أيضا، وشرح قواعد الإعراب للشيخ خالد، والأربعين للنووي، ونبذة من ~~الشمائل، ومتن السمرقندية، ومتن البردة، وغير ذلك. # وسمع على العالم العلامة الشيخ حسن بن نور الدين علي المقدسي: الكنز وشروحه ~~المعتبرة، والدرر والغرر مع الحواشي. # وحضر على المحقق العلامة الشيخ أحمد بن يونس الخليفي الشافعي الأزهري: مختصر السعد ~~للتفتازاني، وشرح الأشموني على ألفية ابن مالك، وعصام الدين في البيان، وشرح الرسالة ~~العضدية، وشرح المحلي على جمع الجوامع، وشرح الخبيصي على التهذيب، وشرح القطب على ~~الشمسية. # وحضر على العلامة الأجل المجتهد الشيخ عيسى البراوي: الشرح المختصر للسعد ~~التفتازاني، وشرح السنوسية، وشرح العلامة ابن عقيل على ألفية ابن مالك مرات، وشرح ~~الأشموني، وشرح الفاكهي على القطر، وشرح الاستعارات للعصام، وشرحها للشيخ أحمد الملوي، ~~وشرح الحديث، وغير ذلك. # وقرأ على العلامة المدقق الشيخ أحمد الدمنهوري شرحه على متن الاستعارات للسمرقندي، ~~وشرحه على السلم في علم المنطق، ومتن «الكبرى» المسماة بتحفة الملوك، و«الصغرى» ~~المسماة بدرة التوحيد في علم الكلام، وبعض كتب النحو. # وقرأ على المحقق العلامة الشيخ أحمد الجوهري الخالدي الأزهري: شرح المصنف للسنوسي، ~~وشرح الجوهرة للشيخ عبد السلام مرتين، وقطعة من شرح الشيخ عبد السلام على الجزرية، ومتن ~~الأربعين النووية وشرحها لابن حجر، وقطعة من شمائل الترمذي، وقطعة من متن ~~الشفاء. # كما تلقى عن علماء آخرين كثيرين، منهم: العلامة حسن بن علي المدابغي الأزهري، ~~والعلامة الشيخ سليمان الزيات الشافعي الأزهري، والعلامة الشيخ سليمان المنصوري ~~الحنفي، والمدقق الشيخ محمد الفارسي الفارسكوري الأزهري، وقد أجازه العلامة الشيخ عبد ~~الله الشبراوي، والعلامة الشهاب أحمد بن عبد الفتاح الملوي، والعلامة عمر بن علي ~~الطحلاوي المالكي الأزهري، والعلامة المحقق محمد سالم الحفناوي وأخوه يوسف ~~الحفناوي. # وأجازه من أقرانه العلامة محمود ابن الملا علي العاني تلميذ المحقق ملا إلياس الكردي، ~~ومدلج البغدادي، والشيخ محمد الدلجي ms112 الحنفي تلميذ الشيخ سليمان المنصوري، والشيخ محمد ~~بن بدير بن محمد المعروف بابن حبيش المقدسي تلميذ الشيخ عيسى البراوي، والشيخ أحمد ~~الراشدي. # وقد حج المترجم سنة 1178ه، وأجازه الشيخ أحمد الدمنهوري وهو في دار منى حينما كان ~~حاجا في تلك السنة بصلاة شريفة نصها كما رأيت بخطه: # اللهم صل على أشرف مخلوقاتك ~~سيدنا محمد وعلى آله عدد معلوماتك ... # وتوفي رحمه الله سنة 1205ه، ودفن بتربة: مأمن الله خارج القدس، وترك ثلاثة من ~~الذكور هم: محمد، وموسى، وعمر، وأكبرهم محمد، ولد سنة 1174ه، وتبحر في العلوم، ~~وأجازه والده ومحدث الشام الشيخ محمد بن عبد الرحمن الكزبري، وتوفي سنة 1205ه. # | كمال الدين الغزي # 1148-1213ه # وقفت له على ترجمة بخط الأستاذ العالم السيد عيسى إسكندر المعلوف، في كتابه «مغاوص ~~الدرر في أدباء القرن التاسع عشر» ملخصة مما جمعه من مخطوطات ومصادر كثيرة، قال: # هو السيد كمال الدين محمد بن أبي الكمال محمد شريف بن شمس الدين محمد بن عبد الرحمن ~~بن زين العابدين بن زكريا بن بدر الدين محمد بن رضي الدين محمد بن رضي الدين محمد أيضا ~~بن شهاب الدين أحمد بن عبد الله الدمشقي العامري الحسني الصديقي الشهير بابن الغزي؛ لأن ~~أجداده كانوا فيها وانتقل بعضهم إلى دمشق كما في كتابي «تاريخ الأسر الشرقية». # ولد في دمشق سنة 1148ه بدارهم شمالي الجامع الأموي الكبير، وتخرج على والده ~~وغيره من علماء عصره مثل: أبي الإقبال السقطي الصالحي، وأبي الأسرار السلمي، ~~وأبي العباس بن حيمور البقاعي، وأبي الحسن علاء الدين الغزي العامري، وأبي الإخلاص ~~المرجاني البقاعي المعروف بالطباخ، وأبي الصفاء بن أويس الحموي الدمشقي الشهير ~~بالعلواني، وأبي الأسرار قطب الدين العبدلاني الكردي، والكمال بن قطب الدين مصطفى ~~البكري، وخال المترجم أبي البركات الأيوبي، وتاج الدين بن إلياس المدني، وعبد الرحمن ~~الكردي الباني. # وهو من بيت علم شريف، فوالده أبو الكمال محمد شريف بن شمس الدين محمد الغزي، وعمه ~~أبو الوفاء وجيه الدين عبد الرحمن، وجدته لأبيه طاهرة خاتون ابنة الشيخ عبد الغني ~~النابلسي. ms113 # وكان له ولع بالأدب والتاريخ والتراجم؛ فمن مؤلفاته: «الورد الأنسي والورد القدسي في ~~ترجمة سيدي الشيخ عبد الغني النابلسي»، وهو مجلد ضخم فيه فوائد كثيرة عن ذكر الصالحين ~~وآثار الأولياء، وذكر نسب آل النابلسي وتراجم أسلافه، ثم ترجمته مفصلة وأطواره وأحواله ~~وزهده ومكارم أخلاقه وذكر مشايخه في أنواع العلوم وأصناف الفنون، وذكر طريقة النقشبندية ~~والقادرية بتفصيل كاف، ثم تراجم تلاميذه والآخذين عنه ومريديه والمتصلين به، ثم تآليفه ~~النافعة وتحريراته الجامعة، والمكاتبات والمدائح الواردة عليه، وكراماته وكلماته وحكمه ~~[ونسختي بقطع نصف كبير في 420 صفحة بخط جميل دبجها عبد الكريم الحمزاوي]. # 1 # ومنها تذكرته التي هي آخر التذاكر المفيدة، وتقع في 14 جزءا، وفيها أدب وتاريخ ~~وتراجم وحوادث، وكتابه المفيد «النعت الأكمل» في طبقات الحنابلة، وكتاب «إتحاف ذوي ~~الرسوخ» وهو معجم شيوخه، وديوان شعره، وقد ذكره مرارا في «الورد الأنسي»، ورسالة ~~سماها «لمعة النور بتضمين من عادة الكافور» أكثر فيها من التضمين للمصراع المشهور «من ~~عادة الكافور إمساك الدم». # وله أشعار كثيرة ذكرها «المرادي»، كما جمع كثيرا من دواوين الشعراء كالبهلول ~~والدكدجي. # ولا نعرف من كتبه الباقية الآن سوى «الورد الأنسي»، وبعض أجزاء من «التذكرة»، ولعل ~~بقيتها في مكاتب الخاصة. # ثم كتب إلينا الأستاذ المعلوف أن صاحب الترجمة له بعض المجاميع، وفي بعض أجزاء تذكرته ~~أشعار تركية تدل على إتقانه هذه اللغة، وكانت بينه وبين الشيخ خليل المرادي مفتي دمشق ~~صاحب تاريخ «سلك الدرر» مودة وثيقة العرى ومساجلات ومراسلات، ونقل المرادي كثيرا من ~~شعره. # ثم استطرد قائلا: وممن راسله شعرا الشيخ السيد أحمد البربير الذي جمعت ديوانه ~~بيدي، وهو بليغ نادر مشتت في ثنايا المخطوطات والكنانيش. # وقد كتب على ضريحه في مدفن أسرته الغزية في «تربة الدحداح» تاريخ وفاته سنة 1213ه ~~في بيتين من نظم صديقه السيد عبد الحليم اللوجي، وهما: # أيا سحب الرضا والعفو سحي # على قبر حوى النفس الزكيه # محمد الفتى الغزي أرخ # كمال الدين مفتي الشافعيه ~~[كمال = 91، الدين = 95، مفتي = 530، الشافعيه = 497]. # 1213ه # وهو يخالف المتعارف من أن وفاته كانت ms114 سنة 1214ه، فإما أن الشاعر اضطر ~~إلى تنقيص سنة لما في شطر التاريخ من المحاسبة التي لا يمكن زيادة واحد عليها، وإما أن ~~وفاته في تلك السنة، والله أعلم. # والمترجم لم يعقب، بل إن «بني الغزي» في دمشق هم من سلالة ولدي شقيقه، وقد ~~انقطع العلم فيهم منذ عهده. # | محمد العطار # 1177ه-1243ه # وقفت له على ترجمة جمعها بخطه الأديب المعروف السيد عيسى إسكندر المعلوف، ~~قال: # توجد ثلاث أسر مشهورة باسم العطار، ولا نسبة بين إحداها والأخرى، وإن اشتركت في ~~صنعة العطارة. # فبنو العطار في مصر أصلهم من المغرب، وبنو العطار في دمشق أصلهم فيما يقال من حماة من ~~بني عسكر، ومنهم أسرة حلبية منها المترجم له، # 1 # وتوجد أسرة العطار أيضا في اللاذقية ولا تمت إلى أحد من هذه الأسرة ~~بقرابة. # والمترجم هو الشيخ محمد بن حسين الشهير بالعطار وبالمدرس الحنفي، ولد بدمشق في ~~27 رمضان سنة 1177ه، وأخذ عن والده الشيخ حسين وغيره من العلماء، واشتغل بالعلوم ~~العقلية واشتهر فيها، وظهر ميله إلى مذهب «الوهابية»، فتجافاه الناس واعتكف في داره ~~يقرأ ويؤلف في فنون الحرب والعقليات، فوضع رسائل، وتوفي بالطاعون سنة 1243ه. # وكانت له مكانة رفيعة علمية لاختصاصه بفنون الفلك والحساب وسائر الرياضيات، واتصلت ~~أوراقه بمكتبة آل الشطي في دمشق، وهي اليوم في حوزة صديقي السيد محمد جميل الشطي ~~النائب والإمام الحنبلي في دمشق. # وله ترجمة في كتابه «روض البشر في أعيان القرن التاسع عشر» # 2 # باختصار، ولاعتزاله الناس لم يدرس عليه إلا قليل من مريديه تلقوا عنه ~~بعض العلوم العقلية، وترك رسائل نفيسة بخطه وخط غيره، أشهرها رسالة «بلوغ المطلوب في ~~القنبرة والطوب»، وله قصيدة موجودة بخطه في المكتبة الشطية. # ومنها: «رسالة المزولة» في ثماني ورقات بخطه، ومنها نسخة بغير خطه في مكتبة الشيخ عبد ~~الرزاق البيطار. # ومنها: «رسالة في القبان» وكيفية عمله بطرق هندسية بديعة، وعندي منها نسخة حديثة ~~الخط. # وبين أوراقه جداول كثيرة منها لسهم القوس وقوس السهم في الربع المجيب، كتب عليها ~~الشيخ محمد الطنطاوي ms115 ما نصه: إنه يمكن أن يستخرج منها جيب القوس وقوس الجيب. # ومنها: رسالة في «علم التنجيم» بخطه في عشر صفحات، رحمه الله. # | موسى الخالدي # 1181-1247ه # هو السيد موسى الخالدي الابن الثاني للعلامة الشيخ محمد صنع الله الخالدي، كان ~~عالما محققا، ومصنفا مدققا، تقلد المناصب العالية؛ كقضاء القدس والمدينة ~~المنورة، وتدرج فيها حتى ارتقى إلى الوزارة العلمية وهي قضاء عسكر أناضولي في عهد ~~السلطان محمود الثاني، وكان يجله ويعتمد عليه حتى لقد أرسله للفصل في حادثة مهمة وقعت ~~بالقرب من أنطاكية سنة 1247ه، فتوفي رحمه الله بأنطاكية مسموما في تلك السنة ودفن ~~بها، وهو جد «يوسف ضيا» «باشا» الخالدي لأمه، وقد ذكر في «تاريخ الوقائع العثمانية ~~الرسمي»، وذكره جودت «باشا» أيضا في تاريخه العثماني عند ذكر تلك الحادثة. # وكان مولده كما وجد بخط أبيه ليلة الثلاثاء بعد المغرب من الليلة الموفية لعشرين ~~من ربيع الأول سنة 1181ه، أخذ العلوم عن كثير من العلماء والأعلام، منهم الشيخ محمد ~~البديري المقدسي، وأجازه والده بجميع مروياته ومسموعاته، كما أجازه في الطريقة ~~الخلوتية والقادرية وبجميع الأحزاب القادرية والخلوتية والشاذلية السيد كمال الدين ~~الصديقي ابن السيد مصطفى البكري وهو سند في الطريقة رفيع، وخليفته الشيخ محمد أبو ~~السعود. # وكان رحمه الله ذا خط حسن، وعقل راجح في الفقه، له فيه رسائل تدل على طول باعه فيه ~~وسيلان قلمه، كما أن له يدا طولى في الفلك والأزياج. # وله في القدس وقف وقفه على أولاده وذريته، ولم يخلف من الذكور سوى ولده السيد مصطفى ~~رحمه الله. # | عبد الرحمن الكزبري الثاني1 # 1184-1264ه # وقفت له على ترجمة كتبها السيد محمد أبو الخير عابدين الذي كان مفتيا للشام، ~~نصها: # هو الشيخ الإمام الدمشقي الأصل والمنشأ الشافعي المذهب، محدث الأقطار الشامية على ~~الإطلاق، بل إمام العصر في جميع الآفاق، الحائز من طارف الرواية وتلادها أعظم ~~الذخائر، المالك لأزمة التحقيق والدراية كابرا عن كابر، بركة الدنيا في زمانه، ~~وخاتمة الحفاظ في أوانه، أستاذ الأساتذة العظام، وشيخ الشيوخ الأعلام، العالم ~~الكبير، والإمام المحدث الشهير، ms116 شيخ مشايخنا أبو المحاسن زين الدين الأثري، سيدي الشيخ ~~عبد الرحمن الكزبري، الملقب بوجيه الدين، مدرس الحديث بجامع بني أمية، ابن المرحوم ~~بركة الأنام الإمام المحدث الشهير الأثري الشيخ شمس الدين محمد الكزبري المولود بدمشق ~~سنة 1140ه والمتوفى بها سنة 1221ه، ابن المرحوم الشيخ عبد الرحمن الكزبري الكبير ~~المولود بدمشق سنة 1100ه والمتوفى بها سنة 1185ه، ابن محمد بن زين الدين الكزبري ~~الدمشقي، تغمدهم الله برحمته وغفرانه، وأغدق على ضرائحهم سحائب رحمته ~~وإحسانه. # أخذ عن جملة ممن أسانيدهم في غاية العلو والاشتهار، كالشمس واسطة النهار، يقاربون ~~الخمسين من دمشقيين وحجازيين، وعراقيين ومصريين، وغالبهم بالإجازة مشافهة وكتابة، أو ~~مكاتبة من بلادهم، كما ذكره الشيخ عبد الغني الميداني شارح متن القدوري في الثبت الذي ~~جمعه له. # وكانت ولادته غرة شوال سنة 1184ه بدمشق، وتوفي بمكة المكرمة نهار الأربعاء 14 من ~~ذي الحجة سنة 1264ه، وصلي عليه بالحرم الشريف المكي، ودفن في «المعلى» كما رأيته ~~بخط شيخنا المرحوم ابن العم السيد محمد علاء الدين عابدين، رحمه الله تعالى. # وقد اطلعت على إجازة للمترجم ولولديه المرحومين الشيخ عبد الله والشيخ أحمد مسلم ~~مدرس الحديث ولأولادهم من الشيخ محمد بن أحمد العطوشي الملتجئ إلى حرم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بخطه المتبوع بخاتمه بتاريخ عاشوراء سنة 1259ه. # | أحمد الحجار الحلبي # 1190-1270ه # وقفت له على ترجمة بخط أحد أتباعه وتلامذته، قال: هو علم العلم الباذخ، وطود الفضل ~~الشامخ، عالم الأئمة، إمام العلماء، العالم العابد الورع الناسك الزاهد، سيف الله ~~البتار، القائم بالله لله في جميع الأطوار، أبو عبد الرحمن أحمد الحجار ابن قاسم ~~شنون، الحلبي وفاة ومولدا، الدمشقي محتدا. # ولد رحمه الله في حدود التسعين من المائة الأولى بعد الألف من الهجرة، وأخذ القرآن ~~الكريم عن الشيخ الإمام الورع عبد الكريم الترمانيني والد السيد أحمد الترمانيني، وقرأ ~~عليه مقدمات العلوم؛ كالآجرومية وغاية أبي شجاع وغيرهما، ثم لازم الإمام الشهير ~~بالشافعي الصغير السيد أحمد الهبراوي المتوفى سنة 1224ه، وأخذ عن طائفة من أجلاء ~~العلماء في ذلك ms117 العصر، وتلقى علوم التوحيد عن العارف بالله زين المرشدين أبي محمد ~~إبراهيم الكبير الهلالي المتوفى سنة 1238ه، وسلك عليه الطريق الهلالي المأخوذ من ~~الطريقين القادري والخلوتي، وأدخله الخلوة الأربعينية مرات، حتى ظهرت عليه أمارات ~~النجابة، وسطعت عليه أنوار المعارف والفتوحات الإلهية، فأذن له في الهجرة إلى دمشق، ~~وقال له: لا تأكل غير البصل، فهاجر إليها وأقام مجاورا في المدرسة البدرائية عشرين سنة ~~ونيفا، معتكفا على أكل البصل في جميع تلك المدة، ولم يتناول غيره أدما سوى مرة ~~اشتهى الدسم فأذاب شحما وقلى به بصلا، فاعترته الحمى المثلثة ثمانية أشهر، ~~فأحسن التوبة، وعاد إلى البصل بقية إقامته بدمشق. # وكان إذا اتفق له حضور وليمة في تلك المدة يقول لصاحب الدعوة: أحضر لي بصلا فإني لا ~~آكل غيره، بهذا أمرني شيخي. # ومن فضلاء ذلك العصر الذين أخذ عنهم: سعيد الحلبي، وحامد العطار، وعبد الرحمن ~~الكزبري، والسراج الداغستاني، والضياء خالد الكردي النقشبندي، الذي اصطحبه لزيارة بيت ~~المقدس وعادا معا إلى دمشق حيث ألبسه الخرقة النقشبندية وأقامه خليفة له، لكن غلب ~~عليه الاشتهار بالعلم وتدريسه، وانتفع به خلق كثير هناك منهم السيد إبراهيم العطار، ~~ثم استدعاه أهل حلب للاحتياج إليه، وقلد بها فتوى السادة الشافعية، والتدريس في ~~مدرسة بني العشائر والصلاحية وغيرهما، مع الإمامة والخطابة في الشعبانية، وانتفع به ~~خلق كثير، وتهذب على يديه رجال وأبطال، منهم العلامة محقق المعقول والمنقول، ~~مدقق الفروع والأصول، أبو محمد عبد القادر بن عمر بن صالح الشهير بالحبال، الزبيري ~~نسبا الحنفي مذهبا، صاحب «نتيجة الأفكار نظم تنوير الأبصار» وغيرها من التآليف ~~المنقحة المفيدة، المتوفى أواخر شعبان سنة 1300ه، والعلامة الشيخ هاشم بن عيسى ~~الشافعي صاحب «شرح الألفية» وغيره، المتوفى آخر رمضان سنة 1292ه، وزينة البلاد، ومفخرة ~~الزهاد، وعالم العباد، السيد إسماعيل اللبابيدي، شارح الآجرومية بلسان الحكمة ~~والوعظ شرحا نفيسا واسعا في نحو عشرين كراسة، وصاحب التصانيف العديدة نظما ونثرا، ~~المتوفى سنة 1290ه، ومنهم العلامة الشيخ صالح أفندي الجندي العباسي مفتي معرة ~~النعمان. # وحينما أراد السلطان العثماني عبد المجيد ms118 الاحتفال بختان ابنه السلطان عبد الحميد، ~~أمر باستدعاء صاحب الترجمة في مقدمة من دعاهم من علماء البلاد الإسلامية، فلما دخل على ~~السلطان للتسليم صافحه وقرأ عليه ويده في يده «سورة العصر»، فهملت دموع السلطان ~~اتعاظا، وحظي عنده بالمرتبة العليا. وعرض عليه كثيرا من الخلع والهدايا السنية ~~فلم يقبل منها شيئا، وعاد إلى حلب معززا مكرما، حيث واصل الاشتغال بالعلم ~~تدريسا وتصنيفا. # ومن مصنفاته: «كنز المعاني شرح رسالة الشيخ قاسم الخاني في الميزان»، وقد أفاد فيه ~~وأجاد، ولم يترك مجالا لأحد من النقاد، بين فيه الموجهات بشباك ظريف، ووضع شباكا ~~آخر للأشكال الأربعة بين فيه كيفية وضع تركيب ضروبها، وأتى فيه بعجائب وغرائب لم ~~يسبق إليها، وافتتحه بقوله: «الحمد لله الذي زين نوع الإنسان بفصيح المنطق ~~والكلام.» واختتمه بقوله: «وقد وافق الفراغ منه في دمشق المحمية، في المدرسة البدرائية، ~~قبيل الزوال من السبع الرابع من العشر السادس، من الثلث الثاني من السدس الثالث، ~~بعد الواحد الصحيح، من هجرة النبي الفصيح، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وشرف ~~وعظم، والحمد لله رب العالمين.» وكتب ولده عبد الرحمن عليه حاشية نفيسة سماها ~~«تحفة المعاني على كنز المعاني». # ومن مصنفاته: «نظم مختصر المنار وشرحه»، و«نظم الرسالة الفتحية في أعمال الربع المجيب ~~وشرحه»، و«نظم معفوات الصلاة وشرحه»، و«نظم الجمل»، ونظم الحل والكسور سماه: «مخدرات ~~الحور»، وشرحه ولده عبد الرحمن شرحا نفيسا سماه: «الجوهر المنثور على مخدرات ~~الحور»، ورسالة في الجهاد رتبها على ثمانية أبواب عدد أبواب الجنة، وهي رسالة جيدة في ~~بابها، في نحو خمسة كراريس، ورسالة في النحو سماها: «تمرين الطلاب» رتبها ترتيبا ~~حسنا، وهي أول ما ألف في حداثة سنه، وأقرأها لجماعة من المبتدئين، كان منهم السيد ~~أحمد الترمانيني الشهير، وبذا عده في شيوخه، وله شعر رائق، منه: # إني لأعجب والحجارة صنعتي # وأشد ما فيها علي يهون # كيف ابتليت بقلبك القاسي الذي # عمري أعالجه وليس يلين # وله مشطرا بيتي الخفاجي: # وحق المصطفى لي فيه حب # بديع في البرايا لا يشبه # محا حب ms119 الورى عني ولكن # إذا مرض الغرام يكون طبه # ولا أرضى سوى الفردوس مأوى # لألقى وجه من أمسيت صبه # ولا تحلو جنان الخلد إلا # إذا كان الفتى مع من أحبه # وكان مع اشتغاله بالعلم، كثير الشغف والولع بقضاء مصالح العامة عند الأمراء والحكام، ~~آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر، لا يرد مستشفعا به قط، وطالما تحمل المكاره من ~~العامة وصرف زمنه مسلوب الراحة لأجلهم، وكثيرا ما كان يأتيه المستشفع في حال ~~تهيئه للوضوء، فيخرج معه إلى دار الحكومة بهيئته التي هو عليها، مشمرا عن ~~ذراعيه، من غير سراويل ولا حزام. # وكان في داره شجرة رمان، فربما أخذ في يده عودا منها كهيئة عصا يشير إلى الحكام ~~بها وقت حديثه معهم فترتعد منه فرائصهم ويتهيبونه، وربما أغلظ لهم القول؛ إذ كان لا ~~تأخذه في الله لومة لائم. # كما كان أعظم ولعا بإحياء المساجد المندرسة والبحث عن أوقافها حتى أحيا جملة منها، ~~من بينها مسجد كان أحد قناصل الدول الأجنبية قد أدخله في إصطبل دوابه، فتصدى ~~الشيخ لإعادته مسجدا، وجاء به بفعلة فتحوا بابه، وأنشئوا محرابه، ثم انصرفوا إلى ~~بيوتهم، وعادوا في الصباح لإتمامه، فإذا بالمسجد كله قد هدم ووضعت على أرضه قاذورات ~~نجسة، وما وصل نبأ ذلك إلى الشيخ في داره حتى غادرها مسرعا إلى المسجد، وهو يبكي ~~وينتحب، وتجمع الناس حوله خاصة وعامة وارتفعت أصواتهم بالبكاء معه، ثم اشتد هياج ~~العامة وصمموا على البطش بذلك القنصل، وانطلقت جموعهم تحاصره في الخان الذي كان ~~مقيما به، وهو أشبه بالحصن كأغلب أبنية حلب، فتملكه الذعر، وأطل عليهم من طاق ~~في الخان مناديا: «يا معشر المسلمين انصرفوا ولكم علي أن أبني المسجد أحسن بناء»، ~~ولكنهم لم ينصرفوا، وأخذوا يضيقون الحصار عليه، والشيخ معهم. # ولم يجد الوالي بدا من النزول بنفسه لتدارك الأمر، وأعلن أمام الجموع الكبيرة أنه ~~سيبدأ فورا إعادة بناء المسجد ولن ينصرف حتى يتم بناء المحراب أمامه وأمام الشيخ، ~~فهدأت ثورتهم وعدلوا عن حصار القنصل، وتم بناء المسجد على أحسن صورة تليق بعزة ms120 ~~الإسلام ومجده، طيب الله ثرى الشيخ وأجزل مثوبته، ورحم الله من عاونهم ~~وعاونوه. # | مصطفى الخالدي # 1202-1260ه # لا يحضرني تاريخ ولادته [وقبل سنة 1202ه]، وكان شهما فاضلا، ذا ديانة ورياسة، عظيم ~~القدر، تقيا نقيا، خطه حسن، تلقى الفرائض من سليمان أفندي ابن أحمد البوزقيري ~~من أفاضل الروم، وتلقى طرفا من الأمهات الست والشفاء والأربعين النووية وكتاب ~~الشمائل للترمذي عن العالم الأجل المحدث يوسف بدر الدين المدني، الذي تلقى صحيح ~~البخاري سماعا لجميعه مع التحقيق والإتقان والنظر والإمعان على محدث عصره الشيخ عبد ~~الرحمن بن محمد الكزبري الدمشقي الشافعي، عن شيخه السيد علي بن عبد البر الونائي المدني ~~عن المعمر عبد القادر بن أحمد الأندلسي. # وقد رأيت بخط المحدث يوسف بدر الدين أن محمد الأمير الصغير قد أجازه حسبما حواه ~~ثبت والده محمد الأمير الكبير، وقد أجيز السيد مصطفى المشار إليه من جماعة، منهم: ~~السيد يوسف بدر الدين المشار إليه، ومحدث الشام الشيخ حامد بن أحمد العطار، ووالده موسى ~~الخالدي، والسيد محمد وفا، وصاحب الطريقة الشيخ محمد عثمان الميرغني الختم المكي، ~~والشيخ عبد الله بن محمد البديري المقدسي، وكان رحمه الله معروفا بفضله وعلو قدره، ~~وجاهه وعراقة مجده، وهو مصطفى حامد بن موسى بن محمد صنع الله بن خليل بن القاضي شرف ~~الدين بن صالح، ولا عجب فهو من أهل بيت جميعهم علماء ذوو دين وتقوى، كما أشار إلى ذلك ~~محقق المعقول والمنقول صاحب التصانيف المفيدة ~~العلامة الكفوي في تأليفه «طبقات الحنفية» حين ذكر السعد الديري الخالدي أحد أجداد ~~صاحب الترجمة وغيره من بني الديري الخالديين. # وقد توفي السيد مصطفى في السنة الموفية لستين ومائتين وألف، وهو قاض بالقدس الشريف، ~~ودفن بباب الأسباط قرب الصحابي الجليل عبادة بن الصامت رضي الله عنه. # | مصطفى المغربي الدرغوثي # 1205-1280م # وقفت له على ترجمة في كتاب ألفه ابنه الشيخ عبد القادر المغربي أحد أعضاء المجمع ~~العلمي العربي بدمشق، # 1 # وسماه: «آل درغوث في طرابلس الشام المشهورين بآل المغربي»، أودعه ذكر ~~أصل أسرتهم في تونس ثم تراجم ms121 أجدادهم في طرابلس الشام، وقد جاء فيه أن والده الشيخ ~~مصطفى المغربي الدرغوثي نزل دمشق الشام في حدود سنة 1275ه، وكان يحضر مجلس الأمير عبد ~~القادر الجزائري الشهير حيث يجتمع العلماء والفضلاء ويتبارون في المسائل العلمية ~~والمناظرات الجدلية، ومنهم الشيخ مصطفى المغربي التهامي ابن عمة الأمير، فكان يعجب ~~بمناظراتهما خاصة، واتفق أن تناظرا يوما في مجلسه في قول الشاعر: # فأصبحت بعد خط بهجتها # كأن قفرا رسومها قلما # وهو من ألغاز النحاة، فكان كل منهما يوجهه توجيها في الإعراب والمعنى يناقض به ~~الآخر، وقد حمل هذا الجدل الشيخ مصطفى المغربي الدرغوثي على أن كتب رسالة في هذا البيت ~~وما يتعلق به من جهة اللغة والإعراب والمعنى. # وذكر الأستاذ «المغربي» أيضا في مؤلفه المذكور أن والده ألف رسالة تفسير «قل هو ~~الله أحد» وقد قرظها علماء الشام وغيرهم في ذلك العصر؛ كالأمير عبد القادر الجزائري، ~~والشيخ عبد الله الحلبي، والشيخ الكزبري، والشيخ محمد مصطفى التهامي المغربي، وكان ~~تقريظه الأخير لها نظما ونثرا، وقال فيه بعد الديباجة ما نصه: ~~«وبعد، فقد استقرأت سطور هذه الصفائح، واستقصيت معاني طروسها الصبائح، فتمثلت ~~لي رقوم أقلامها بآثار سيوف قواطع، ورسوم أعلامها بأزهار ونجوم طوالع، بواطن دلائل ~~حججها هداية تذكار للمسترشدين، وظواهر غلائل لججها رجوم للشياطين والمعتدين، معالم سليم ~~الفطرة للذوق، ومكارم مريد الحلية بالطوق، حائزة من حوز البلاغة السحر الحلال، جائزة ~~من فوز البراعة الشوط الحلال، قمن أن تسمى عند الأنام، بما سمى به الإمام، فرائد ~~الاغتنام، رسالة التأسيس والتقديس في الرد على أهل التلبيس، أو منهاج الخلاص، في تفسير ~~سورة الإخلاص؛ فلقد أبدع فيها مؤلفها غاية الإبداع، ورصع فوائد فرائدها ترصيع ~~الاختراع والابتداع، وقف فيها على الحقائق، ودعمها بدعائم الدقائق: # فهاك عقودا قد حكتها جواهر # بلى، وحكتها في سناها زواهر # لها زجل الترصيع يسبي نظامه # مكللة بالدر تنمو الظواهر # مضمنة الألغاز يزدان حسنها # على القمر المكمول والسر ظاهر # فإن حكت الإبريز قل ذاك وصفها # بلى، وحكاه البدر إن تم باهر # وحينئذ فاسمع تماثيل مبتغ # يسرك ms122 من بشراه ليلا يساهر # يماثلها الإكليل إن زان برجه # وشولتها للغيث والنهر ناهر # كذا علم يتلو الغروب ابتهاجه # بحمرته والوقت حانت مظاهر # نعم فلق الإصلاح أبدى سفوره # ودل على شمس المسرات قاهر # سماء سرايا الغزو إن نظمت به # لها دبران الجور ولى يعاهر # فذي مثل الأوراق في نسج رقمها # وفي قمر وقت اتساق مزاهر # وشيمته قد صانها الضوء معدلا # بذا كرمت رفعا وعلوا تجاهر # إليك ومنك انحاز للعلم مصطفى # مآثر حلتها الرقوم الأشاهر # لقد ظفر القرم الذي حاز مجدكم # بمنبتكم فامتاز بالشهم ماهر # كتبت لكم ذاك النوال الذي جرى # به القلم المعلوم والدهر داهر # نعم هو في الأعراق قد حق ظاهرا # ولا أحد عن منبت الأصل ناهر # أتتك بنات الفكر منها ابتكارنا # ببكر عذار اللب تعنى تصاهر # لها كفؤ بالغرب أنسى لوحشها # ويؤنسها من تونس الفخر طاهر # خلص الله أعمالنا وأعماله، وسدد أقواله وأفعاله، ويسر لنيل المراد آماله، كتبه ~~خديم العلماء، ومقبل الثرى تحت أقدام الكرماء، المقتفي باعتقاده منهجهم السامي ~~«محمد المصطفى بن أحمد بن التهامي» المالكي الأشعري المغربي الفريسي نجارا، الوهراني ~~تعلما، ثم الدمشقي دارا، الحسني الحسيني حسبا ونسبا وشعارا، عرفه الله قدر ~~نفسه، ولطف به في الدنيا وحال حلوله في رمسه، وغفر له ولوالديه وللمسلمين أجمعين، ~~آمين، والحمد لله رب العالمين.» ا.ه. # ووقفت على ترجمة للشيخ مصطفى التهامي بخط نسيبه المرحوم السيد محيي الدين الحسني، ~~قال رحمه الله: # غاية ما أعلم من ترجمة نسيبنا المرحوم العلامة السيد الحاج مصطفى التهامي أنه حينما ~~تولى الأمير عبد القادر الجزائري عينه كاتبا لسره، ولما شرع في تنظيم العساكر ~~عينه خليفة يقود قطعة من الجيوش، وقد شاهد عدة حروب مع الأمير عبد القادر، # 2 # ولا زال على سيرته الحسنة إلى أن صحبته إلى «امبواز» قرب مدينة باريز، ثم ~~إلى بروسة، ودمشق، وكان يدرس في عدة فنون في جامعها الكبير، وتقلد إمامة المالكية ~~في الجامع الأموي، وكان رحمه الله له جلد عجيب في العبادة؛ ففي شهر رمضان من كل عام ~~كان بعد أن ms123 يصلي صلاة التراويح، ينفرد وحده في الجامع ويشرع في صلاة ركعتين يختم ~~فيهما القرآن الشريف بتمامه، ويظل هذا دأبه في كل ليلة من الشهر. # وما زال على تلك الحالة المرضية، # 3 # إلى أن قضى نحبه على رأس الثمانين بعد المائتين والألف، وكان الأمير عبد ~~القادر غائبا في البقاع الحجازية. # | محمد التميمي المغربي # 1222-1286ه # ترجمه العلامة الآلوسي في تاريخه «غرائب الاغتراب»، قال: # حضر لمصر كبيرا من بلده، فلم يتلق العلم بالأزهر بل جاءها عالما، ولقي شيوخها ~~فأقروا بفضله وسعة علمه وذكائه، ثم جعل ناظرا لمسجد محمد بك أبي الذهب وأوقافه، ~~وكانت نظارة المساجد المشهورة إذ ذاك تعطى للعلماء بتقرير من القاضي، فيباشرون ~~شئونها وشئون الطلبة المقيمين بها ويستغلون أوقافها، فباشرها بعفة وأمانة وصرامة، ~~واتصل بإبراهيم باشا ابن محمد علي فعرف فضله وأجله وائتنس بمجالسته، وجعله معلما ~~للعربية لأولاده: أحمد ومصطفى وإسماعيل، وكان يرسل له عجلته # 1 # تنتظره عند الأزهر، فإذا أنهى الشيخ دروسه به ركب فيها وذهب إلى القصر ~~العالي، فدرس للأمراء وتغدى مع والدهم وجالسه في غالب الأحيان، ثم يعود بالعجلة ~~إلى مقره. # وحسنت حاله، واشترى دارا كانت ملاصقة للمسجد الحسيني وأزيلت بعد ذلك لما ~~جددت عمارته، وكانت فيه حدة قل من يتحملها؛ لذلك لم يحضر عليه من شيوخ ~~الأزهر إلا قليلون، منهم: الشيخ إبراهيم السقاء، والشيخ مخلوف المنياوي، وآخرون. # وكان عالما علامة متينا في مباحثه، ذا ذكاء مفرط، وكان الشيخ إبراهيم السقاء ~~يأسف لأن أحدا من أهل الأزهر لا يعلم أستاذه هذا كما ينبغي. # وطلب منه الشيخ مخلوف مرة أن يقرأ لهم «المطول» فأبى وتعلل بعدم وجود الأكفاء ~~لحضوره، فكتب الشيخ مخلوف شكوى طاف بها على الطلبة فوقعوا عليها، ثم بعث بها إلى ~~الديوان الخديوي، وفيها أنه لا يوجد بين علماء الأزهر من هو أقدر منه على قراءة ~~«المطول»، ولكنه لا يريد قراءته، فطلبوا الشيخ في الديوان وألزموه أن يقرأ الكتاب، فصدع ~~بالأمر وقرأ منه دروسا، ثم حال نفيه من مصر دون إتمامه. # وسبب نفيه أن عباسا الأول كان ms124 قبل توليته يحضر مجلس عمه إبراهيم والشيخ معه، ~~وكان عمه يؤنبه على لعبه بالحمام ولهوه ويشتد عليه، فيساعده التميمي، ويسمع ~~عباسا الكلام القارص، حتى كان يخاطبه بالتصغير، ويقول له: يا غلام، اسمع نصائح عمك، ~~فحقد عليه عباس، ولما مات عمه إبراهيم وتولى هو بعده، خشي المترجم العاقبة وذهب ~~إلى عباس في قصره لترضيته وإزالة ما في نفسه منه، فقال له عباس: ليس عليك بأس، ولكن لا ~~تساكنني في بلد أنا فيه، وأمر بنفيه في الحال، وأرسل من أعوانه من حمل متاعه وتولى ~~ترحيله إلى الحجاز. # ولم تطل إقامة الشيخ بالحجاز إذ سافر مع المحمل الشامي في عودته للشام، وأبحر من ~~بيروت إلى القسطنطينية، وذلك بمساعدة بعض الأمراء المنفيين معه، كما سعوا له عند ~~السلطان عبد الحميد فرتب له حوالي خمسين دينارا في الشهر، وأقام بها يقرئ ويفيد حتى ~~وافاه أجله ودفن بها حوالي سنة 1286ه. # وحدث الشيخ زين المرصفي قال: لما وفدت على القسطنطينية لم يكن لي هم إلا رؤية ~~الشيخ، فسألت عن داره حتى اهتديت إليها، وطلبت مقابلته فأبى، ثم احتلت لمقابلته ~~بأني قادم من مصر ومعي أمانة له، فنزل وقابلني، وأخذ يسألني عن الأزهر وأحواله ومن ~~يدرس فيه، فذكرت له بعض كبار المشايخ مثل: السقاء، والدمنهوري، والأشموني، وأضرابهم، ~~فأظهر الاستنكار والأسف، وصار يصفق بيديه ويقول: «خلا لك الجو فبيضي واصفري» ~~ويكررها، ثم سألني عن الأمانة التي حملتها إليه، فلما أجبت بأنها تحيات زملائه ~~وتلاميذه، قام وتركني. # واجتمع به أيضا السيد جمال الدين الأفغاني في زيارته الأولى للقسطنطينية، وكتب يصف ~~هذه المقابلة، قال: فلما قابلني قال لي: أنت جمال في الدين أم جمال للدين؟ فقلت: جمال ~~للدين؛ لأن الإضافة بمعنى «في» لا تخلو من ركاكة هنا، فضحك. # وكان ربعة بدينا، أبيض اللحية، يلبس جبة وعليها برنس على طريقة المغاربة، ولم ~~يلبس الفرجية التي كان يلبسها علماء الأزهر، وعمر طويلا. # وحدث عبد الله فكري باشا قال: ذهبت مع الخديو إسماعيل مرة إلى القسطنطينية مدة ~~السلطان عبد العزيز، وجاء المترجم للسلام ms125 على الخديو، وكان يتأهب لمقابلة السلطان، ~~فلم يمكث معه إلا قليلا معتذرا بأنه لا يستطيع التخلف عن مقابلة السلطان في الموعد ~~المحدد، وسأله البقاء حتى يعود، وأوصى بإكرامه، ولكن المترجم لم يقبل عذره وانصرف ~~غاضبا ولم يعد. # ولما ذهب إسماعيل بعد توليته إلى الآستانة لم يزره الشيخ، فصار يسأل عنه إلى أن ~~اهتدى إلى مقره، وأرسل في طلبه، ثم أمر أحمد طلعت «باشا» كاتبه أن يعطيه مائة دينار ~~عند خروجه من مقابلته، ولكن الشيخ أبى أخذها وقال: أنا والحمد لله في غنى عن الصلة ~~ولم أزر الخديو التماسا لشيء. # وكان مولعا بجمع الكتب، مغاليا في اقتناء النفيس منها، فلما مات بيعت بالقسطنطينية ~~وتفرقت في البلاد، ولم يعقب غير بنت واحدة حضرت لمصر بعد موته تتقاضى ثمن داره ~~التي أزيلت وأدخل بعضها في المسجد الحسيني عند عمارته، وتزوجت بعدما شاخت؛ لأن ~~أباها لم يكن يرى لها كفؤا في زعمه رحمهما الله. # | أحمد الحلواني # 1228-1307ه # ولد العلامة الأستاذ الشيخ أحمد الحلواني في دمشق سنة 1228ه، وتربى تربية دينية ~~برعاية والده التقي الصالح المرحوم السيد محمد علي الرفاعي الحلواني، وكان أول أستاذ له ~~المرحوم الشيخ راضي المصري الذي أتم عليه حفظ القرآن الكريم، ثم درس العلوم العقلية ~~والنقلية على أساتذة عصره، مثل: خاتمة المحدثين المرحوم الشيخ عبد الرحمن الكزبري، ~~وشافعي زمانه المرحوم الشيخ عبد الرحمن الطيبي، وأبي حنيفة وقته المرحوم الشيخ سعيد ~~الحلبي، ومفسر الديار الشامية المرحوم الشيخ حامد العطار، وما زال يتلقى عنهم ~~العلوم والفنون حتى أذنوا له في التدريس في غرة شوال سنة 1253ه، وبعد ذلك رحل ~~حاجا إلى بيت الله الحرام مع الوفد الشامي، ولما وصل إلى مكة المكرمة اجتمع فيها ~~بخاتمة المحققين شيخ قراء مصر العلامة الشيخ أحمد المرزوقي المجاور لبيت الله ~~الحرام، فاستبقاه فيها بعد أداء الحج لما رأى فيه من المقدرة والتضلع في العلوم وعدم ~~التعلق بأعمال الدنيا، وخلوه من الأهل والولد، وأمره بحفظ «الشاطبية» فحفظها، وقرأ عليه ~~القرآن كله بالتجويد على رواية حفص، مع مطالعة شروح ms126 الشاطبية، وبعد ذلك شرع في دراسة ~~القراءات السبع، ثم قرأ القرآن كله بها على الشيخ المرزوقي، فأقام له عقبة ذلك حفلة ~~تكريم تجاه باب الكعبة المشرفة حضرها الأشراف والعلماء والقراء وغيرهم، وبعد ذلك ~~حفظ عليه «الدرة» في القراءات الثلاث المتممة للعشر، كما قرأ عليه شرحها، والقراءات ~~العشر على طريقي الشاطبية والدرة، فلما أتمها أقام له حفلة تكريم أخرى، ثم أمره ~~بحفظ الطيبة، وقراءة شرحها ومطالعة التحارير المتعلقة بها، فلما أتم ذلك أقرأه ~~القرآن كله كاملا بطريقة «الطيبة»، ثم جمع أفاضل مكة المكرمة وأجازه أمامهم بأن ~~يقرأ ويقرئ في أي مكان حل بما لقنه إياه مما أخذه عن شيخ الإقراء وملاذ القراء ~~في مصر المرحوم السيد أحمد المحملجي الهندي، فأسكنه داره متكفلا له بما يلزم له من ~~كتب وملبس ومشرب ومأكل وغير ذلك. # ولما انتهت دراسته سنة 1258ه استأذن أستاذه في الرجوع إلى دمشق، وكانت خالية من ~~علوم القراءات فنشرها فيه، وحفظ عليه القرآن العظيم عدد كثير، وممن تلقى عليه ~~القراءات السبع المرحوم الشيخ عبد الله الحموي، والمرحوم الشيخ صالح الكردي، وقد ~~كرمهما عقب ذلك أمام جمع من أفاضل دمشق، وكان ذلك مستهل سنة 1262ه. # وما زال مثابرا على نشر فن القراءات وتجويد القرآن العظيم إلى غاية شهر شوال سنة ~~1263ه، وفيها رجع مع موكب الحج الشامي إلى مكة المكرمة، ولما بلغها نعي إليه شيخه ~~المرحوم السيد أحمد المرزوقي، فجلس مكانه متصديا لنشر القراءات في البلاد الحجازية، ~~وتخرج عليه عدد عظيم من أبنائها وأبناء البلاد الإسلامية المختلفة، وفي سنة 1278ه ~~رجع إلى دمشق مع المحمل الشامي، وجمع عليه القراءات السبع والعشر كثيرون من أهل الشام ~~وغيرهم، وفي مقدمة تلاميذه في القراءات العشر من الدمشقيين: الشيخ أحمد دهمان، والشيخ ~~محمد القطب، ونجله الشيخ محمد سليم الحلواني، والشيخ محمد المجذوب، والشيخ محمد سبانو، ~~والشيخ عبد الغني البيطار، ومن أهل حماة: الشيخ محمود الكيزاوي وتلاميذه، ومن تلاميذه ~~في القراءات السبع: الشيخ نجيب كيوان، والشيخ راغب الحموي، والشيخ صالح ~~الديراني. # أما مؤلفاته فمنها: أرجوزة في ms127 رواية ورش من طريق الأزرق مع شرح لها، وأرجوزة في علم ~~التجويد مع شرح لها أيضا. # وكانت وفاته رحمه الله تعالى في 27 من جمادى الآخرة سنة 1307ه، ودفن في تربة «مرج» ~~الدحداح بدمشق، رحمه الله وأكرم مثواه. # | محمود الحمزاوي # 1236-1305ه # وقفت له على ترجمة كتبها السيد محمد أبو الخير عابدين الذي كان مفتيا للشام، قال ~~فيها: # هو الإمام العالم العلامة الشهير، والناقد الخبير البصير، الحنفي المذهب، تولى ~~إفتاء الشام اثنتين وعشرين سنة وأشهرا حتى وفاته، وكانت الأسئلة المشكلة في جميع ~~الفنون ترد إليه من بلاد كثيرة، منها البلاد الأوروبية، فيجيب عنها بالأجوبة ~~المرضية، وكان رحمه الله عالما نحريرا، فقيها أديبا، شاعرا مفننا، له مؤلفات ~~عديدة، منها: التفسير بحروف المهمل المسمى بدر الأسرار، ونظم «الجامع الصغير» ~~للإمام محمد صاحب أبي حنيفة، ونظم «مرقاة الأصول» لمنلا خسرو، و«اللآلي البهية في ~~الفوائد والقواعد الفقهية»، و«الطريقة الواضحة في البينة الراجحة»، و«بغية الطالب شرح ~~رسالة الصديق لعلي بن أبي طالب» رضي الله تعالى عنهما، و«قواعد الأوقاف »، و«كشف الستور ~~في المهايأة في المأجور»، و«منظوم غريب الفتاوى»، و«الفتاوى الحمزاوية»، وشرح لبديعية ~~والده اسمه «كشف القناع»، و«دليل الكمل إلى المهمل في اللغة»، و«التفاوض في المتناقض»، ~~و«كشف المجانة عن الغسل في الإجانة»، و«رسالة في جواز أخذ الأجرة على التلاوة». # وقد ذكر مشايخه الذين أخذ عنهم في ثبته المسمى «عنوان الأسانيد»، ومنهم: الشيخ ~~عبد الرحمن الكزبري الثاني، وشيخ الحنفية بدمشق الشيخ سعيد الحلبي، والشيخ حامد العطار، ~~والشيخ عمر الآمدي عن السيد محمد الزبيدي شارح «الإحياء» و«القاموس». # وكانت ولادته رحمه الله بدمشق سنة 1236ه، وتوفي في اليوم الحادي عشر من المحرم سنة ~~1305ه، ودفن بتربة مرج الدحداح بدمشق. # وقد رأيت سلسلة نسبه بخط السيد أبي الخير محمد عابدين، وفيها: أن والده السيد محمد ~~نسيب نقيب الأشراف بدمشق ابن حسين بن يحيى نقيب الأشراف بدمشق ابن حسن نقيب الأشراف ~~بدمشق (المولود سنة 1091ه كما وجد بخط السيد مرتضى الزبيدي) ابن عبد الكريم نقيب ~~الأشراف بدمشق (ترجمة المحبي والمرادي والغزي العامري) ابن ms128 محمد نقيب الأشراف بدمشق ابن ~~كمال الدين محمد نقيب الأشراف بدمشق ابن حسين نقيب الأشراف بدمشق (الملقب بشرف الدين أو ~~بدر الدين، المولود سنة 926ه، والمتوفى في ذي القعدة سنة 971ه) ابن الحافظ كمال الدين ~~محمد مفتي مصر ونقيب الطالبيين بدمشق (المولود سنة 850ه، وقدم القاهرة سنة 871ه) ابن ~~عز الدين حمزة المعروف بابن أبي هاشم (ولد سنة 820ه، وتوفي سنة 874ه، كما وجد بخط ~~السيد مرتضى الزبيدي) ابن أحمد الشهاب أبي العباس (المولود سنة 787ه، والمتوفى سنة ~~848ه) ابن علاء الدين علي نقيب الأشراف بدمشق (المكنى بأبي هاشم) ابن الحافظ شمس الدين ~~أبي المحاسن محمد (المتوفى سنة 765ه) ابن علي بن حسن بن حمزة بن محمد بن ناصر بن علي ~~الشجاع ابن حسين المحترف ابن إسماعيل (وهو أول من جاء دمشق نقيبا للأشراف سنة 330ه، ~~وترجم له ابن عساكر في تاريخه) ابن حسين المنتوف (وبخط السيد مرتضى الزبيدي: المفتون) ~~ابن أحمد صاحب الشام ابن إسماعيل الثاني ابن محمد بن الإمام إسماعيل الأعرج ابن الإمام ~~جعفر الصادق ابن الإمام محمد الباقر ابن الإمام علي زين العابدين ابن الإمام الحسين ابن ~~الإمام علي بن أبي طالب. # هذا وقد قرظ المغفور له الأمير عبد القادر الحسني الجزائري تفسير العالم السيد ~~محمود الحمزاوي مفتي الشام بأبيات، فقال: # سرح سوادك والطروس سماء # ما للسماك لدى العروس علاء # حمدا لملهم أوحد العلماء مح # مود علوما ما لها إحصاء # هو أعلم العلماء واحد عصره # هو طود سر هدى له إهداء # وأرسل سمو الأمير عبد القادر الجزائري أبياتا مع هدية، قال: # تفضل بالقبول لها فإني # أرى الدنيا جميعا دون قدرك # لأنك بضعة المختار صرفا # ففخر الخلق طرا دون فخرك # | أحمد عبد الغني عابدين # 1238-1307ه # هو العلامة أحمد عبد الغني عمر المشهور كأسلافه بعابدين، وبقية نسبه في ترجمة ~~العلامة محمد علاء الدين عابدين، وقفت له على ترجمة كتبها ولده مفتي الشام الشيخ ~~محمد أبو الخير عابدين، نصها: # هو العلامة الفقيه الصوفي الزاهد العابد المحدث أحمد بن عبد الغني ms129 عابدين، كان رحمه ~~الله تعالى حنفي المذهب، مشتغلا بالعلم، يقرأ الدرس للطلبة في داره وأحيانا في جامع ~~الورد، قرأ النحو والصرف والمنطق والمعاني والبيان مع ابن عمه السيد علاء الدين ~~عابدين، وأخذ الفقه والحديث عن عمه السيد محمد أمين عابدين، وعن فقيه الشام وعالمها ~~الشيخ هاشم الناجي، وأجازه الشيخ عبد الرحمن الكزبري، وسمع هو وابن عمه الكتب الستة ~~من شيخ الشيوخ الشيخ سعيد الحلبي، وكانا صغيرين، وكان يحضرهما ويقعدهما في شباك ~~حجرته، وحصل لهما إجازة كسائر الحاضرين، وأخذ التوحيد والتفسير عن المنلا أبي بكر ~~الكلالي المفسر عن شيخه الشيخ محمد الخطي، وله إجازات عديدة من علماء عاملين، وأئمة ~~معتبرين، منهم: الشيخ داود بن سليمان البغدادي، والشيخ عمر الآمدي عن الشيخ محمد ~~الكزبري، وكان يسلك في الطريقة النقشبندية، أخذها عن الشيخ محمد الخاني، ثم في الطريقة ~~الخلوتية عن القطب الرباني الشيخ محمد المهدي المغربي الزواوي. # وله مؤلفات تنيف على العشرين، منها: كتاب في الطهارة والأنجاس، وشرح قصة المولد ~~الشريف لابن حجر المكي في عشرين كراسا، وشرح علم الحال، وشرح العقيدة الإسلامية ومتنها ~~للسيد محمود الحمزاوي، ورسالة بتبرئة الشيخ الأكبر مما نسب إليه من القول بالحلول ~~والاتحاد، ورسالة في إهداء ثواب الأعمال للنبي # صلى الله عليه وسلم # والمؤمنين ردا على من قال: إن ~~النبي صلى الله تعالى عليه منته في درجات الكمال فلا يقبل الزيادة، ورسالة في زواج ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # بالسيدة زينب رضي الله عنها، وشرح حديث ابن عباس: «احفظ الله يحفظك» ~~الحديث، ورسالة في قوله عليه الصلاة والسلام: «السعيد سعيد في بطن أمه»، ورسالة في ~~«الكبائر»، ونسبه الشريف متصل بالسيد السبط عليه الرضوان، وكانت ولادته سنة 1238ه، ~~ووفاته في 26 ربيع الثاني سنة 1307ه، ودفن في تربة باب الصغير بدمشق في جوار عمه ~~السيد محمد وجده السيد عمر عابدين، رحم الله الجميع رحمة واسعة، وأعاد علينا من ~~بركاتهم، آمين. # | محمد علاء الدين عابدين # 1244-1306ه # وقفت له على ترجمة كتبها ابن عمه العلامة محمد أبو الخير عابدين الذي كان ms130 مفتيا ~~للشام، نصها: # هو الشيخ الإمام العالم، الفقيه الصوفي، الملازم لاتباع الشريعة الغراء المحمدية، ~~بسيرة حسنة وأخلاق رضية، أخذ الفقه عن شيخه الإمام فقيه وقته وأوانه، وعالم الشام في ~~زمانه، الشيخ هاشم الناجي رحمه الله، وأخذ الحديث عن الشيخ عبد الرحمن الكزبري، ~~والطريقة الخلوتية عن قطب الوقت الشيخ محمد المهدي الزواوي المغربي، وقد رباه وسلكه ~~في الطريقة وأدخله الخلوة، واستخلفه، وأجازه بتلقين الذكر وتربية المريدين وكتب له ~~إجازة حافلة، وأمره بالدخول في سلك الموظفين في الدولة العثمانية، فتولى كثيرا من ~~المناصب منها: قضاء طرابلس الشام، وسافر إلى إستانبول، ودخل في عداد أعضاء المجلة ~~العلمية، وأكمل حاشية والده، وله من المؤلفات: كتاب «معراج النجاح شرح نور الإيضاح»، ~~و«الهداية العلائية»، ورسالة في «زلة القاري». # وأخذ عن والده وحصل منه على إجازة بخطه، وله غير ذلك تحريرات رائقة، وأبحاث فائقة، في ~~جملة من علوم الفقه والحديث والأصول والتوحيد والتفسير، وبالجملة كان رحمه الله تعالى ~~من الأفراد الذين يعول عليهم في حل المشكلات. # وسمع هو وسيدي الوالد السيد أحمد الكتب الستة من شيخ الشيوخ الشيخ سعيد الحلبي، ~~وكانا صغيرين، فكان يحضرهما ويقعدهما في نافذة حجرته في جامع بني أمية، وحصلا على ~~إجازة منه. # ونسبه الشريف يجتمع مع نسب السيد الحمزاوي، وكانت ولادته في ربيع الثاني سنة 1244ه ~~كما رأيته بخط والده على ظهر نسخته «الدر المختار» في شرح تنوير الأبصار، قال: ~~وسميته باسم الشارح رجاء أن يكون من العلماء، وقد حقق الله رجاءه، وتوفي رحمه الله ~~في اليوم الحادي عشر من شوال سنة 1306ه، ورثاه جماعة كثيرون، وأرخ وفاته الشيخ محمد ~~الهلالي الحموي الشاعر المشهور بأبيات كتبت على لوح قبره، وهي: # توارى من الدين الحنيف علاؤه # بلحد سقاه العفو صوب غمامه # إلى دار خلد من بني عابدين قد # مضى كوكب الإسلام بدر تمامه # بني الشرف المأثور علما ومحتدا # إلى سر ملك الله أصل نظامه # أناس على الإيمان منهم مؤرخا # زها لعلاء الدين طيب ختامه # وكتب على اللوح الآخر: # زر ضريح الحبر الهمام علاء الد ms131 # ين تظفر (به) بنيل مرام # فهو من بيت أشرف الرسل طه # فعليه والآل أزكى السلام # قد قضى نحبه فحل بأبهى # روضة في جوار قوم كرام # قدس الله روحه وحباه # من جنان الفردوس أعلى مقام # قد دعي للقا فلبى مجيبا # أرخوا يا فوزي بحسن الختام # 1306 # ودفن بمقبرة باب الصغير ملاصقا لقبر والده وجده السيد عمر ولقبر ~~الشيخ العلائي صاحب «الدر المختار»، رحم الله الجميع ونفعنا بهم والمسلمين آمين. انتهى ~~ما نقلته من خط العلامة أبي الخير عابدين. # قلت: وقوله: «ونسبه الشريف يجتمع مع نسب السيد الحمزاوي.» يريد السيد محمود مفتي ~~الشام المعروف بمحمود حمزة الحمزاوي؛ فإن نسبه يجتمع بنسب المترجم في «إسماعيل» أول من ~~جاء «دمشق» من أجدادهما وولي بها نقابة الأشراف سنة 330ه، وترجمه «ابن عساكر» في ~~تاريخه، وقد ذكرنا نسب العلامة محمود حمزة في ترجمته، ونذكر هنا نسب المترجم ~~منقولا من خط العلامة أبي الخير عابدين، قال: # هو محمد علاء الدين بن محمد أمين عابدين صاحب الحاشية على الدر المختار ابن عمر بن ~~عبد العزيز بن أحمد بن عبد الرحيم بن صلاح الدين - وهو أول من اشتهر بعابدين ~~- ابن نجم الدين بن محمد كمال بن تقي الدين (المدرس ~~في بلد الله الأمين) ابن مصطفى بن حسين بن رحمة الله بن أحمد بن علي بن أحمد بن محمود ~~بن عبد الله عز الدين بن قاسم بن حسن بن إسماعيل (أول من جاء دمشق منهم وولي نقابة ~~الأشراف سنة 330ه، وترجمه ابن عساكر في تاريخه) ابن حسين المنتوف (والذي بخط السيد ~~مرتضى الزبيدي: المفتون) ابن أحمد صاحب الشام بن إسماعيل الثاني بن محمد بن الإمام ~~إسماعيل الأعرج بن الإمام جعفر الصادق بن الإمام محمد الباقر بن الإمام علي زين ~~العابدين بن الإمام الحسين بن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم. # | أحمد الفحماوي # 1246-1309ه # هو الشيخ أحمد الفحماوي # 1 # ابن الحاج إسماعيل ابن الحاج قاسم بن إسماعيل بن عامر بن منصور، ومنصور هذا ~~من قبيلة المحاميد نسبة إلى ms132 محمود القرشي. # ولد صاحب الترجمة بأم الفحم بمركز جنين بمديرية نابلس بولاية بيروت ببر الشام، وأم ~~الفحم قريبة من بيت لحم مسقط رأس سيدنا عيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام؛ ولذا قال ~~صاحب الترجمة تحدثا بنعم الله: «بلدنا بني في وسط الحول المذكور في قوله تعالى: # سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من ~~المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله ~~... # فبلدتنا في وسط البركة، فلله الحمد والشكر.» ولد رحمه الله في سنة ~~1246 هجرية الموافقة لسنة 1830 ميلادية، وتوفي إلى رحمة الله بمصر المحروسة في سنة ~~1309ه الموافقة لسنة 1892م، ودفن بحوش الترجمان أمام حوش المرحوم الشيخ الحداد، ~~بتربة الشيخ حسن الشبراخيتي شارح الأربعين حديثا النووية، معه في لحد واحد، وذلك ~~بقرافة المجاورين. # وخلف من الذكور محمد ماجد أفندي الأجزاجي بشارع شبرا، ومحمد عارف أفندي معلم ~~العلوم الرياضية والعمارة بمدرسة المهندسخانة سابقا ومن وكلاء النائب العمومي ~~لاحقا. # أرسله أبوه للجامع الأزهر لطلب العلم، وكان عمره إذ ذاك نحو خمسة وعشرين سنة، فبعد ~~سنتين أو ثلاث تزوج بالست أليفة بنت السيد أحمد العبساوي الجواهرجي الحسيني فخلف ~~منها ولديه المذكورين آنفا، ثم توفي أبوه إلى رحمة الله، فسافر لبلدة أم الفحم لحضور ~~العزاء، ثم عاد وأقام بمصر حتى قضى نحبه، وكان أبوه ينفق عليه، فلما توفي سعى على ~~معايشه بتعاطي صنعة نسخ كتب العلم بحبر مطبعة الحجر لصاحبها كاستلي؛ أشهر مطبعة ~~وقتها بعد مطبعة بولاق الأميرية. # فطبع بخطه مجموع المتون وكتب التصوف لسيدي عبد الوهاب الشعراني، وديوان سيدي عمر ~~بن الفارض، والشفا للقاضي عياض، وأخيرا اللزوميات لأبي العلاء المعري، وكتبها كذلك ~~بالحبر العادة لكثير من الذوات، وكتب كثيرا من المصاحف والربعات ودلائل ~~الخيرات. # وتوظف بوزارة المعارف المصرية بقلم الترجمة، ثم انتقل إلى الدائرة السنية أمينا ~~لكتبخانتها. # وكان رحمه الله نجيبا أديبا، نادرة زمانه، يحفظ كثيرا من قصائد الأدب، وكثيرا من ~~الحكم، وكثيرا من الأحاديث النبوية والقدسية، وكان صالحا تقيا، عالما عاملا، ~~مخلصا صادقا، أمينا كريما، زاهدا في الدنيا، راغبا في الآخرة. # وكان ms133 رحمه الله نصوحا لأولاده وأحبابه. أحفظ له ثلاث نصائح لي؛ أحدها وأنا تلميذ ~~حديث البلوغ، وهي أنه أوصاني بالاستبراء عقب الحدث «البول»، وأخبرني بأن المبني على ~~الفاسد فاسد، والمبني على الصحيح صحيح، وأن هذا أساس العبادات. والثانية وأنا معلم ~~بمدرسة المهندسخانة، وهي أنه أخبرني أن الناس في غفلة عن الله سبحانه، وأن اللازم أن ~~العبد يتوجه بوجهه وقلبه دائما إلى الله تعالى، وأوصاني بقوله: الزم يا بني هذا ~~الدعاء: «اللهم لا تحول قلبي ولا وجهي إلا إليك، ومثل ذلك لأصحاب الحقوق علي ~~وللمسلمين.» # والثالثة: ذكر الحديث: بين العبد وربه سبع عقبات، أهونها الموت، وأصعبها الوقوف بين ~~يدي الله عز وجل إذا تعلق المظلومون بالظالمين يقول هذا أخذ مالي وظلمني وهذا هتك ~~عرضي وفضحني، وأخبرني بأن المنجي من كل ذلك المواظبة على الصلوات الخمس، وأن الإنسان ~~بعد السلام من كل فرض يقول: أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب ~~إليه ثلاثا، أستغفر الله العظيم لي ولوالدي ولأصحاب الحقوق علي ولجميع المؤمنين ~~والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات خمسا، وذلك قبل أن يغير جلسة ~~التشهد من كل فرض. # ولما تزوج ولداه محمد ماجد أفندي ومحمد عارف أفندي، وكانت الست والدتهما مطلقة ~~خارج منزله، وكان على ذمته غيرها، عزما على أن تكون أمهما معهما بالمنزل، فكتبا له ~~عريضة بطلبهما هذا حياء منه أن يطلبا إليه ذلك شفهيا. # وهذه صورة العريضة: # عريضة مقدمة بين يدي حضرة والدنا للنظر في إصلاح ورفعهما في الدارين، فنعرض أحوالنا الدنيوية ~~والأخروية # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الحليم الحكيم العادل، والصلاة والسلام على رسوله خير الأواخر ~~والأوائل، وعلى آله وصحبه أولي الفضائل والشمائل، أما بعد: فإن المنة لله ~~ولرسوله وللوالدين، حفظهما الباري تعالى ورفعهما في الدارين، فنعرض يا أبانا ~~على شريف مسامع جنابك، أنه من مننك على أولادك، أنك أحسنت مثوانا، وسعيت ~~لنا في صنعتين شرفتنا بهما، جعل الله يدنا العليا بالعطاء، ولم يجعل يدنا ~~السفلى بالاستعطاء، لما ألهمك ربك وأنت مسافر بإسلامبول حديث: ms134 كفى بالمرء ~~إثما أن يضيع من يعول، ودوام السعي لنا بكل الهمة، على ما فيه صلاحنا، فلك ~~المنة، واتخاذك إيانا كأخويك، مع الشفقة بنا ولين جنبيك، وتحريضنا على صلة ~~الأم والأرحام، وقولك لنا إن أمنعكما عنهم حرام، وتعليمك إيانا أمور ديننا، ~~وحثنا على الزواج حفظا لسيرنا، وغير ذلك من مننك التي لا تحصى، وإرشاداتك ~~المخلصة التي لا تستقصى، فحق علينا أن نقول، موقنين من الله القبول: سبحانك لا ~~نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، حيث من الله علينا بوالد بار، شفوق ~~صالح صبار، وحق لنا أن نقول، وعلى الله بلوغ المأمول: # حيث إن متوسط مكاسب ولديك شهريا مدة السبع سنوات نحو الخمسة عشر جنيها ~~تنصرف مع مكسبك الشهري تقريبا في المنزل مع وجود الدين، ولم يصل للست ~~أمنا من مكاسبنا إلا جنيهان شهريا، فلما من الله علينا بالزواج ألهمنا ~~سبحانه أننا قادمون فضلا عما سبق على ما هو أصعب، فإنه إذا كان الأمر الأول هو ~~في حالة خلونا من الزواج، فما يكون شأن الأمر الثاني ووجود الأزواج، وفي الأول ~~والثاني تكون أمنا محرومة منا، وقد من الله علينا بحل هذه المسألة هكذا: # أولا: # ألا نصرف زيادة عن حدنا. # ثانيا: # ألا نأخذ شيئا بالدين. # ثالثا: # أن تبقى الست والدتنا في منزلنا. # وفي ذلك يا أبانا مزايا دنيوية وأخروية: # أما الدنيوية: # فإنها توفر علينا اثنين جنيه، وهدو سرنا من جهة الست أمنا ~~واحتياجاتها الشرعية. # وأما الأخروية: # فإنها الحصول على رضاء أمنا عنا، كما تحصلنا بفضل الله ~~على رضاء أبينا. # وقد تكلم موسى عليه الصلاة والسلام ثلاثة آلاف وخمسمائة كلمة، فكان آخر ~~كلامه: يا رب أوصني، قال: أوصيك بأمك حسنا، وقد كررها تعالى سبع مرات، ~~قال: حسبي، ثم قال: يا موسى، ألا إن رضاها رضاي وسخطها سخطي. وقال عمر بن عبد ~~العزيز رضي الله عنه لابن مهران: لا تأتين أبواب السلاطين وإن أمرتهم بمعروف أو ~~نهيتهم عن منكر، ولا تخلون بامرأة وإن علمتها سورة من القرآن، ولا تصحبن ~~عاقا؛ فإنه لن ms135 يقبلك وقد عق والديه. # وجاء رجل إلى النبي # صلى الله عليه وسلم # فقال: يا رسول الله، إن لي والدة أنفق عليها ~~وهي تؤذيني بلسانها فكيف أصنع؟ فقال النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: أد حقها، فوالله لو قطعت ~~من لحمك ما أديت ربع حقها، أما علمت أن الجنة تحت أقدام والدتك، فسكت الرجل ~~وقال: والله لا أقول لها شيئا، ثم أتى الرجل إلى والدته وقبل أقدامها، وقال: ~~يا والدتي بذلك أمرني رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~. وقد قال # صلى الله عليه وسلم ~~: ما عبد الله بشيء ~~أفضل من جبر الخواطر. وقد سمعنا منك مرارا: البر بار بأهله. وقال عليه ~~الصلاة والسلام: رحم الله امرأ أعان ولده على بره. ونرى أنه بعد الوصول ~~إلى ذلك لا ريب أن الله تبارك وتعالى يوصلنا إلى الخير، وفي الحديث القدسي: ~~أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت له اسما من اسمي، فمن وصلها وصلته ومن قطعها ~~قطعته. وقال # صلى الله عليه وسلم ~~: من أحب أن ينسأ له في عمره ويبسط له في رزقه ~~فليصل رحمه. # وعرضنا مسألتنا هذه لحضرتك يا أبانا تحريريا هو لشدة الحياء منك، ولتمكن ~~حضرتك من التأمل والتفكر والتدبر والتروي في هذه التجارة المنجية لنا جميعا ~~من النار، فأعنا يا أبانا في الدنيا يعنك في الآخرة. # والحاصل أن مطمح نظرنا معيشتنا في الدنيا ممتعين بالحزم، ووصولنا للفتوح ~~ورضاء الوالدين ما استطعنا كما أمر الله ورسوله، محاربين أنفسنا والشيطان ~~والدنيا والهوى، خالصة قلوبنا لله فإنا هدنا إليه، الحمد لله الذي هدانا ~~لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، ولا زلتم ملجأ لنا وللقاصدين، ربنا ~~تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب ~~الرحيم، وعلمنا الكتاب والحكمة وزكنا إنك أنت العزيز الحكيم، وصلى الله ~~على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم تسليما، آمين، وآخر دعوانا أن ~~الحمد لله رب العالمين. # فأجاب صاحب الترجمة طلبهما، فرحمه الله وإيانا رحمة واسعة. # | حسين عودة # 1252-1332ه # وقفت له على ترجمة بخط ms136 الأستاذ العالم السيد عيسى إسكندر المعلوف، # 1 # قال: # هو الدكتور حسين بن مصطفى أبي عودة، ولد في دمشق نحو سنة 1252ه، ودرس الطب على بعض ~~معاصريه، ثم أتمه في مدرسة قصر العيني المصرية # 2 # مدة ست سنوات من سنة 1284ه حتى سنة 1290ه، وكانت المدرسة في هذا العهد ~~تشتمل على نحو مائتي طالب من طبيب وصيدلي، وطلبة الشام عشرة، ورئيس المدرسة محمد علي ~~البقلي، وأساتذتها: حسين بك عوف، وسالم باشا سالم، ويوسف بك جاستنيل، وحسن بك عبد ~~الرحمن، ومصطفى أفندي أبو زيد، وغيرهم من مشاهير الأطباء والعلماء، فلما نال المترجم ~~شهادته الطبية عاد إلى صيدا نحو سنة 1291ه، وكان يتردد بين صيدا ودمشق، ويبحث في ~~المكتبات عن الكتب الطبية القديمة، فاقتنى بعضها وطالع معظمها، واختار منها طرق ~~العلاج القديمة بالعقاقير واعتمد عليها في معالجاته. # فكانت مزيته في الطب أنه يقتصر على أبسط الأدوية النباتية مما يجمعه بيده منها ~~ويستحضره بطرق خاصة، ويحرص على المعيشة البسيطة والتغذية النباتية، حتى اعتقد أنه بهذه ~~الذرائع سيعيش أكثر من مائة وخمسين سنة وكان واثقا باعتقاده، وطبب الفقراء مجانا أو ~~بقيمة زهيدة، وتجافى عن تطبيب الأغنياء ولو أعطوه مالا كثيرا. # ومن مزاياه العامة أنه كان ينزع إلى القناعة والكفاف، كريم الأخلاق، محبا للخير، ~~مواليا لجميع الناس، صبورا لين الجانب، حتى عد لذلك غريب الأطوار، ينحو نحو ~~الفلاسفة. # وصادق كثيرا من العلماء وعاشرهم أو راسلهم، مثل المرحومين: أحمد فارس الشدياق، وحسن ~~حسني باشا الطويراني، والشيخ طاهر الجزائري. # وبينما كان يعتقد أنه سيعمر، زلت قدمه وهو سائر في مدينة صيدا فجرح، ولم يلبث ~~أن قضى نحبه في ربيع الأول سنة 1332ه عن نحو الثمانين، وله أطوار غريبة في طرق حياته ~~ومعيشته ومعاشرته وأفكاره وطبائعه. # ومن آثار قلمه: فهرست للمادة الطبية سماه: «عمدة المحتاج في علمي الأدوية ~~والعلاج»، وقد طبع في مصر بمطبعة بولاق سنة 1278ه (ربما 1287ه) فيكون قد ألفه وهو ~~تلميذ، وله تعليقات ومقتطفات من كتب الطب في وصف العلاجات النباتية والنباتات، وترجمة ~~لحسن باشا الطويراني. ms137 # هذا ما أمكن الوقوف عليه من ترجمته بعد البحث الكثير والمراجعات الجمة، ومن مصائب ~~العلماء والمؤلفين أنهم قلما يترجمون، بل قلما يضبط زمن وفاتهم باليوم والشهر ~~والسنة، أو تاريخ ولادتهم، وأكبر خطأ يقع في الصحف عدم الاعتناء بذلك. # | محمد المبارك الحسني الجزائري # 1263-1330ه # وقفت له على ترجمة بخط العلامة الشيخ طاهر ابن الشيخ صالح الجزائري السمعوني، ~~قال: # ولد رحمه الله تعالى في مدينة بيروت على رأس سنة 1263ه، كان والده السيد المبارك ~~أول المهاجرين إليها من الجزائريين. # وتوفي رحمه الله تعالى يوم الثلاثاء خامس جمادى الآخرة سنة 1330ه، وبقي حتى وفاته ~~مجموع الحواس، يؤانس أصحابه، ويرسل خلف من لم يحضر، وكان يودعهم واحدا بعد واحد، ~~وقد استحضر كلمة الشهادة ونطق بها مادا بمسبحته ومشيرا بها، وذلك بحضور ~~أصحابه. # وخرجت جنازته رحمه الله على هيئة السنة حسب وصيته، كما أنه أوصى أن يدفن في ~~الصالحية في سفح جبل قاسيون وينزل على والده، واشترك في تشييع جنازته كثير من الناس، ~~وصلي عليه في جامع الشيخ الأكبر بعد صلاة العصر، ثم صعد بجنازته إلى الجبل ونزل ~~على والده العارف بالله تعالى السيد المبارك المتوفى سنة 1268ه، في المقبرة المسماة ~~بالروضة، بين ضريح سيدنا ذي الكفل عليه السلام وبين قبر جده لأمه الإمام الكبير ~~الصوفي الشيخ محمد المهدي، رحمه الله رحمة واسعة. # وقد كتب إليه الأمير عبد القادر الحسني الجزائري قدس الله سره ملغزا في الهرم ~~[أي الشيخوخة]: # أقول على صدق لأهل النهى طرا # ولست بمستثن لئيما ولا حرا # ألا خبروني أين ضلت عقولكم # وكلكم يستهجن الشر والضرا # ويغفل عنه وهو منتبه له # ويطلب هذا الشر أعظم به شرا # وحينئذ يقلوه كل موادد # ومن مس هذا الضر هيهات أن يبرا # فأجابه الشيخ محمد المبارك الجزائري بإشارة منه رضي الله عنه: # أيا جهبذا رقت معاني رموزه # ودقت فلم يدرك لها ذو الحجا سرا # لقد ضل فكري في مهامه لغزكم # ولم يلف من يوليه من طيه نشرا # وما هو إلا كنز در معارف # له رصد يحمي ms138 جواهره قسرا # فحاولت أن أجلو براقع وجهه # وأكشف عن معنى بلاغته السرا # فخيل لي أن الرياسة سره # وخلت إذن أني أحطت بها خبرا # ولا ريب أن الجاه أعظم مشتهى # على أنه شر وأعظم به شرا # ومن بعد ذا أمعنت فكري فلاح لي # هو الكبر المستلزم البأس والضرا # وهذا لعمري ليس يرقى سليمه # ولكن ينال الأجر إن أحرز الصبرا # فأسأل رب العرش يحفظ ذاتكم # بجاه ختام الرسل خير الورى طرا # وقد وقفت للشيخ محمد المبارك # 1 # الحسني الجزائري على ترجمة أخرى بخط الأستاذ العالم السيد عيسى إسكندر ~~المعلوف عضو المجمع العلمي العربي بدمشق الشام، قال فيها: # هو الشيخ محمد بن الشيخ محمد المبارك المغربي الجزائري الدلسي الحسني المالكي ~~الدمشقي، ولد في بيروت سنة 1263ه في أثناء هجرتهم من المغرب؛ لأن أمه كانت حاملا ~~به، فنقل طفلا مع أسرته إلى دمشق، فوصل إليها قبل دخول الأمير الجزائري إليها، فكان ~~أول مهاجر مغربي وصل إلى دمشق في القرن الماضي ومعه كثير من طلبته. # وقرأ على علماء دمشق؛ كالشيخ الطنطاوي، والشيخ الجزائري، واتصل بالأمير عبد القادر ~~الجزائري الحسني وخصه بشعره فلم يمدح أحدا غيره به، وكان يقرئ مقامات الحريري ~~لأولاده، وحضر دروسه الأخرى السيد عبد الباقي الجزائري الحسني ابن أخي الأمير عبد ~~القادر، وهو الذي تولى إفتاء المالكية في دمشق، والشيخ محمد الحكيم، والأستاذ محمد ~~كرد علي رئيس المجمع العلمي العربي في دمشق، وكانت مجالسه عامرة بالأدباء، ومال إلى ~~الأدب والتصوف، وله حواش وتعاليق على ما قرأه من الكتب ولا سيما على تفسير ابن جرير ~~الطبري. # وكان يصرح أن مبدأه ليس تأليف الكتب، ولكن تصحيح كتب السلف وضبطها؛ فلهذا لم ~~يكلف بالتأليف كلفه بالضبط والتصحيح، فترى في مكتبته كتبا كثيرة محشوة ~~بالفوائد، مثل: «سيرة ابن هشام»، و«نوادر الأصول» للترمذي الحكيم، و«الذريعة إلى مكارم ~~الشريعة»، و«مقامات الزمخشري»، وكثيرا من كتب التصوف والأدب عليها تقارير ومقابلات، ~~وجمع في مكتبته مخطوطات نفيسة آلت من بعده إلى ولده الشيخ عبد القادر. # وله قصائد تملأ ديوانا مجموعا بخطه، ورسائل ms139 ست أشبه بالمقامات طبعت في دمشق، ~~وهي: ~~(1) ~~«غناء الهزار # 2 # ونضرة البهار في محاورة الليل والنهار». ~~(2) ~~«أبهى مقامة في المفاخرة بين الغربة والإقامة» ذكر فيها الأمير عبد ~~القادر ورحلته إلى بعلبك وهو يرافقه. ~~(3) ~~«المقالة اللغزية والمقالة الأدبية». ~~(4) ~~«بهجة الرائح والغادي في أحاسن محاسن الوادي» ضمنها رحلته إلى غوطة ~~دمشق. ~~(5) ~~«غريب الأنباء في مناظرة الأرض والسماء» طبعت بدمشق سنة 1302ه. # ولقد نال رتبة «قاضي أزمير»، وأقطعته الحكومة أرضا في «حوران» فلم يقبل القطيعة، ولا ~~حضر مجالس الرتبة الرسمية. # وكانت أخلاقه رضية، وله إحسانات للمحاويج، وتوفي سنة 1330ه. # ومن شعره قوله في مدح الأمير عبد القادر الجزائري من قصيدة رائعة: # قد أسفرت بين العذيب وحاجر # خود سبت أهل الهوى بمحاجر # هيفاء طرتها غدت تحكي دجى # ليل، وغرتها كصبح زاهر # يفتر جوهر ثغرها عن لؤلؤ # أجريت منه عقيق دمع هامر # إلى أن قال متخلصا لمدحه: # يصفو بطيب وصالها وقتي كما # يحلو المديح بذكر عبد القادر # مولى حكت أخلاقه في لطفها # مسرى النسائم في رياض أزاهر # بزغت به شمس المعارف بعدما # أفلت فأرشد كل لاه حائر # وختمها مؤرخا سنة 1295ه بقوله: # ما قال ممتدحا مؤرخ شكره # هام الوجود بسر عبد القادر # | محمد بدر الدين # 1267-1344ه # هو العالم العلامة المحدث الكبير الشيخ محمد بدر الدين الحسني، كان والده الشيخ ~~يوسف ابن الشيخ بدر الدين من علماء الأزهر الشريف، وهاجر إلى الشام، وهو من ذرية سيدنا ~~الحسن، وكان من أعظم علماء الأزهر في عهد الشيخ إبراهيم السقا وقبله، ولما هاجر إلى ~~الشام عمر «دار الحديث» بعد خرابها وجلس للتدريس فيها، وله تآليف عديدة في سائر ~~العلوم، وكان معظما عند علماء مصر والشام، ثم تزوج من بيت الكزبري، وولد له ~~شيخنا الشيخ محمد بدر الدين، ولما أن صار عمر المترجم سبع سنوات رأى والده النبي # صلى الله عليه وسلم # يطعمه ثمرة، ثم رآه مرة ثانية يسقيه حليبا، وقال له: هذا الولد ينتفع به ~~المسلمون. # ولما صار عمر المترجم عشر سنوات انقطع لطلب العلم إلى أن صار عمره ms140 ثلاث عشرة سنة، ~~ثم توفي والده فصار يقرأ عند الشيخ أبي الخطيب، وظل كذلك سنتين حفظ خلالهما ستة ~~آلاف بيت من «متون» مختلفة في علوم القرآن الكريم والحديث الشريف، وكان يحفظ كتب ~~الحديث كتابا بعد كتاب مع الإسناد، ثم صار يشرح ويؤلف، وأول شرح هو في مصطلح ~~الحديث، طبع في مصر، ثم جلس في المسجد الأموي لتدريس سائر العلوم للخاصة والعامة، ثم ~~طاف في بلاد مختلفة، منها القاهرة والإسكندرية والحجاز والأقطار العربية الأخرى. # وكان يقرأ درسه في الحديث من البخاري بالإسناد غيبا، ويطبق عليه من سائر كتب ~~الحديث مع الإسناد غيبا، ويطبق مأخذ المذاهب والأصوليين وعلماء التوحيد على ~~الأحاديث، ويبين من الأحاديث العلوم العقلية والنقلية، حتى إن درسه العام في المسجد ~~الأموي كان يشتمل على علوم الطب والهندسة والجغرافية والحساب وغيرها من العلوم ~~الرياضية، وكان يجلس لذلك الدرس بعد صلاة الجمعة من الظهر إلى العصر، ويسرد الأحاديث من ~~سائر كتب الحديث غيبا مع الإسناد، ويسعى الناس من البلاد الإسلامية المختلفة لاستماع ~~الحديث منه وأخذ الإجازة عنه، وقد أخذ هو الإجازة في الحديث عن العلامة الكبير ~~المرحوم مولانا الشيخ إبراهيم السقا رفيق والده في الطلب، وصار العلماء من سائر البلاد ~~يرسلون إليه القصائد والمدائح، ويصفونه بأنه المجدد، وصاحب الوقت، وقطب الزمان ، ~~وترجم له كثير منهم في كتبهم ومؤلفاتهم، ومنهم العالم الهندي الشيخ عاشق ~~إلهي. # ولما بلغ العشرين زوجه ابنته العلامة الشهير شيخ الشام الشيخ محيي الدين العاني ~~الرفاعي، وجاءه منها أولاد أكثرهم نساء، وله ولد واحد اسمه الشيخ محمد تاج الدين صار من ~~علماء دمشق الأعلام. # وقد عين في عهد الحكومة العثمانية مفتيا للجيوش، وفي عهد الأمير فيصل شيخا ~~للإسلام، وعرف منذ حداثته بأنه يقوم الليل ويصوم النهار، ولا يفطر إلا أيام العيدين، ~~وجلوسه على الحصيرة، ولباسه من ثياب القطن، ولا يذهب إلى الحكام. # وقد سمع درسه كثير من علماء مصر، منهم: الشيخ محمد بخيت، والشيخ رضوان العدل، ~~والشيخ مصطفى الجندي، وتخرج عليه في «دار الحديث» كثير من علماء الشام، آخرهم ms141 الشيخ ~~محمد المبارك، والشيخ أمين السويد، والشيخ توفيق الأيوبي، واستمر حتى بلغ الخامسة ~~والسبعين مواظبا على درسه الخاص يوم الثلاثاء ودرسه العام يوم الجمعة. # وحينما هاجر إلى الشام العلامة الكبير الشيخ الكتاني جلس في درسه وأخذ منه الإجازة ~~في الحديث، كما طلب الإجازة منه كثير من علماء الآستانة ومصر والعراق والحجاز واليمن ~~وغيرها من الأقطار الإسلامية. # وقد جمع مكتبة نفيسة من المخطوطات خصوصا بعدما احترق قسم من مكتبة والده ~~النادرة. # وللأستاذ الهلالي قصيدة طويلة في مدح الشيخ بدر الدين يقول فيها: # يا عالما جل قدره # ومن حكى البحر صدره # الدين أعلى سماء # وأنت لا شك بدره # رحم الله الشيخ وأكرم مثواه جزاء وفاقا. # ترجمة أخرى # ووقفت له على ترجمة أخرى بخط السيد محمود بن رشيد العطار، قال: # ولد الأستاذ العلامة الشيخ محمد بدر الدين بدمشق سنة 1267ه، وقد مدحته ~~بقصيدة طويلة قلت فيها مؤرخا مولده: # من قد سما بين الأنام قدره # حافظ دين الله فهو بدره # من نشأة قد طهرت أنفاسه # مولده تاريخه «أغراسه» # 1267 # وولادته كانت بداره - قرب دار الحديث بالأشرفية - مقر المترجم ~~ومقر أئمة الحديث من سبعمائة سنة من أبوين فاضلين تقيين ورعين، فوالدته السيدة ~~عائشة من أسرة الكزبري الدمشقية العريقة المشهورة بالعلم والفضل والحسب والنسب، ~~خصوصا علم الحديث المنتهي رياسته إليها، وقد اعتنت بكفالته بعد وفاة والده أشد ~~الاعتناء وسلمته لشيوخ العصر للتلقي عنهم. أما والده فهو العلامة الإمام ~~الشهير الشيخ يوسف ابن العلامة السيد بدر الدين ابن السيد عبد الرحمن ابن السيد عبد ~~الوهاب ابن السيد عبد الملك ابن السيد عبد الغني المراكشي السبتي الحسني المالكي، ~~وقد ولد الشيخ يوسف في محلة ورياد العروس في مراكش، وينتهي نسبه إلى الولي ~~الكبير الشيخ عبد العزيز التباع أستاذ الولي الشيخ الجزولي صاحب دلائل الخيرات، ~~والشيخ عبد العزيز ينتهي نسبه إلى سيدنا الحسن رضي الله عنه، وقدم دمشق بعدما صار ~~العلم الأوحد، والأستاذ المفرد، في سائر العلوم العقلية والنقلية، خصوصا علم ~~الأدب، فكان حامل لوائه بلا خلاف. وكان تحصيله ms142 العلوم بالجامع الأزهر، فأخذ عنه ~~العلامة الشيخ حسن العطار شيخ الإسلام الأسبق، والعلامة الصاوي، والشيخ الفضالي، ~~والأمير الصغير، والسيد محمد الحسيني الشهير بفتح الله، والشيخ حسن القويسني، ~~وغيرهم من شيوخ العصر، واستجاز من الشيخ المحدث عبد الرحمن الكزبري، ومن رفقائه في ~~الدرس: كالعلامتين الأشموني والطهطاوي وأضرابهما، وله مصنفات كثيرة تشهد له ~~بالتفرد وطول الباع في سائر الفنون خصوصا الأدب، فمنها: شرحه على «مولد ~~الدردير» في مجلد سماه «فتح القدير»، ونظم «درة الغواص» للحريري، وهي مفيدة ~~جدا، ومنظومته الشهيرة في فن الرسم العربي، وشرحها المسمى: كشف النقاب عن ~~وجوه مخدرات الطلاب، وهي فريدة في بابها. # أما نظمه فكثير جدا يكاد لا يحصى، مع حسن صياغة وإبداع تفرد بهما في عصره، ~~وكان ينظم على البداهة، ويكاتب أصدقاءه الكثيرين المتفرقين في سائر الأقطار ~~بالشعر ويجيز به أيضا، وقد أجاز العالم الشريف السيد أحمد عابدين صاحب المكتبة ~~الشهيرة بالمدينة المنورة بقصيدة عصماء ساق فيها شيوخه الكثيرين وعددهم، ثم رحل ~~إلى الآستانة واتصل بالسلطان محمود بواسطة صديقه الحميم شيخ الإسلام عارف حكمت، ~~وبسط للسلطان قضية «دار الحديث» المشهورة مقر حفاظ الحديث وشيوخه وأئمة الدين من ~~سبعمائة سنة إلى وقتنا هذا، # 1 # مثل: ابن الصلاح والنووي والذهبي والمدني والسبكي وأولاده، فقام قومة ~~الأسد الهصور، وسل سيف الحق، وهو حامل لواء الشريعة في زمنه وحامي ذمارها، حتى ~~أيده الله باستخلاص القسم المغصوب من تلك المدرسة «دار الحديث» وأتم تعميرها، ~~وافتتحت باحتفال كبير حضره العلماء والأمراء، ومنهم الأمير عبد القادر الجزائري ~~الحسني صاحب اليد الطولى في مساعدته لاسترداد المغتصب، وقد كان له العون الكبير ~~بواسطة شيخ الإسلام عارف حكمت بنيل مبتغاه واختياره معلما بعد ذلك لنجلي ~~السلطان محمود «عبد المجيد وعبد العزيز» فعلمهما أصول العربية، وقد أجازهما بعد ~~تلقيهما منه، كما مدح العلامة الشيخ يوسف بدر والد صاحب الترجمة السلطان محمود ~~ونجليه في مقدمة منظومته، وكذلك شيخ الإسلام عارف حكمت بقصائد كثيرة. # وقد ترجم له المؤرخان: السيد مراد والسيد جميل الشطي، فقال الأخير في طبقاته ~~بعد أن ساق ms143 نسبه كما ذكرناه آنفا: «هو المصري المولد، المغربي الشهرة والمحتد، ~~نزيل دمشق ودفينها الشيخ الإمام العلامة الفقيه المحدث الكبير الأديب البارع ~~الشاعر البليغ المتضلع المتفنن الهمام الأوحد والعلم المفرد، توطن دمشق بين سفر ~~وإقامة، ولما عاد إلى دمشق الأمير عبد القادر الجزائري الحسني أحبه محبة عظيمة، ~~وقدره حق قدره، فقد أخذ العلم في مصر عن مشايخ كثيرين، وقرأ القراءات وأتقنها، ~~وصنف المصنفات الكبيرة مع الدين المتين والورع والزهد، وأخذ عن الشيخ سعيد ~~الحلبي والشيخ عبد الرحمن الكزبري، ودرس في الجامع الأموي، وحضر العلماء ~~والأفاضل درسه في مدرسة دار الحديث الشهيرة، وهي التي فتحها ودرس بها وأسكن بها ~~الطلبة، وكان ذلك سنة 1270ه فصارت له أثرا باقيا وخيرا جاريا، وقد نظم فيها ~~قصيدته المشهورة «التحديث عن نازلة دار الحديث»، وهي تزيد على أربعمائة بيت ساق ~~فيها القصة بتمامها، وحسب المطلع عليها أن يعلم ما له من القدم الراسخة في ~~العلم والأدب، وبالجملة كان آية من آيات الله ومعجزة من معجزاته، قوالا بالحق، ~~لا تأخذه في الله لومة لائم، كان مهيبا تفر العظماء من بين يديه مهابة له ~~وإجلالا، حتى إن السيد طاهر أفندي مفتي الشام المشهور كان يتوارى منه؛ لأنه تراخى ~~عن نصرته في قضية «دار الحديث»، ثم سكن مدة طويلة بالمدينة المنورة، وهناك نظم ~~قصيدته التوسلية الشهيرة في مدح المصطفى صلى الله عليه وسلم، وأولها: # إليك رسول الله وجهت وجهتي # لأنك باب الله في أي محنة # وأنت ملاذ العارفين بأسرهم # إذا ما استغاثوا سيما يوم حسرة # وهي قصيدة سارت بذكرها الركبان، تقرأ عند اشتداد الكروب ونزول المصائب، ولقد ~~أخبرنا أحد الثقات أنه كان إذا دخل من باب الجامع الأموي وأحس به بعض المدرسين ~~قام مختفيا خشية الوقوف على درسه والتكلم معه، كما أخبر بعض المعمرين أنه كان ~~يأتي بعض ضواحي دمشق وقراها؛ كقرية دوما وكفر سوسه، فيدخل الجامع فيجتمع عليه ~~الناس للوعظ والانتفاع بعلمه وفضله، فيقرأ أولا عشر من القرآن الكريم بالقراءات ~~العشر، ثم يشرع بالوعظ بلا كتاب، وقد أخبرنا ms144 الشيخ عثمان الدرماني الحنبلي الفقيه ~~إمام مسجد درما أنه جلس مرة للوعظ مبتدئا ببيت من البردة فشرحه بأنواع الفنون، ~~ثم توقف هنيهة فأنشأ عدة أبيات من بحر البردة وقافيتها، كما نظم تاريخا بديعا ~~منقوشا على جدار درما الشهير. # وله مع الأمير عبد القادر الجزائري الكبير واقعة مشهورة، وهي أنه في أثناء ~~احتدام قضيته «دار الحديث» دخل على الأمير عبد القادر الجزائري وهو يقرأ البخاري ~~لتلامذته فقال موجها الخطاب للأمير: أصلي أربع تكبيرات على هذا الميت، فكان هذا ~~سببا لقيام الأمير بنصرة الشيخ، وبالجملة كان مجدد عصره بلا خلاف، وحامل لواء ~~السنة بالاتفاق. # ورأيت بخط تلميذه الشيخ عبد السلام الشطي أنه توفي يوم الخميس 19 جمادى الآخرة ~~سنة 1279ه في دمشق، ودفن في تربة باب الصغير، وقبره ظاهر يزار ويتبرك ~~به. # وأعقب المترجم نجليه: العلامة الشيخ محمد بدر الدين وأخاه المرحوم الشيخ أحمد ~~بهاء الدين، وكان الأخير من أهل العلم إماما في مدرسة دار الحديث، ثم صار شيخا ~~للتكية المجيدية يقيم بها الذكر والطريقة النقشبندية إلى أن توفي إلى رحمة ~~الله، وخلف ولدا دعاه يوسف ضياء الدين، وهو في كنف عمه يطلب العلم أسوة ~~بأسلافه.» # نشأة الأستاذ الأكبر الشيخ بدر الدين # وقد نشأ الأستاذ الأكبر مولانا الشيخ بدر الدين في حجر والده العلامة الشيخ ~~يوسف المشار إليه آنفا، وحفظ القرآن الكريم بمعونته وإرشاده، وقرأ عليه مبادئ ~~العلوم حفظا وفهما، وحينما أشرف والده على الموت كان يقول له: تركتك لله يا بدر ~~الدين، وكان لوالده شغف عظيم به ومحبة شديدة له، وقد ذكره في قصيدته التوسلية، ~~وكان غائبا عن دار الخلافة لأجل قضية «دار الحديث»، قال: # وأما الذي قد أورث القلب حسرة # ففرقة من للعين أعظم قرة # محمد ابني من به امتن خالقي # علي عقيب الشيب إبان شيخة # ففارقته قهرا ولا كافل له # سوى من قضى بالبعد عنه لحكمة # وقولي على من رام لي عنه فرقة # بمحض الأذى: الله حسبي بحرقة # وأهدي صلاتي الهاشمي محمدا # تمتعني قبل الممات برؤية # عليه صلاة الله ms145 ما حن غائب # وما اكتحلت عين برؤيا الأحبة # وبمناسبة «دار الحديث» تذكر حادثة أخرى لها وقعت خلال الحريق الهائل الذي شب ~~في دمشق والتهم سوق الحميدية الشهير، فقد احترق قسم منها، فبلغ الوالي عزت باشا ~~العابد، الذي اعتزم عمارتها على أحسن طراز بعد زيارته لها وتفقدها مع المرحوم ~~السيد عبد الحميد الزهراري، وجدد العزيمة الصادقة على عمارتها، وصرف مالا كثيرا ~~في هذا السبيل، وبالرغم من قيام بعض أحفاد الذين عارضوا تعميرها من قبل لصرف همته، ~~ولكن الله أبى إلا أن تعمر وتعود لما كانت عليه، وهي بحمد الله عامرة بأهل ~~العلم والطلبة من الصباح إلى المساء، وهي المعهد الوحيد الذي تدرس فيه العلوم ~~على اختلاف أنواعها، وتقصد من أطراف الأرض فيزورها الجاوي والبخاري والهندي ~~والصيني والأفغاني والمدني والمصري والداغستاني واليمني والتتري، فهي تعج ~~بالأجناس المختلفة. # وفي حقها قال «السبكي»: # وفي دار الحديث لطيف معنى # أصلي في جوانبها وآوي # لعلي أن أمس بحر وجهي # مكانا مسه قدم النواوي # ويقال إن نعل المصطفى عليه الصلاة والسلام بحائطها القبلي، والله أعلم. # ولما توفي والد المترجم كان عمره اثنتي عشرة سنة، فقعد في غرفة والده بدار ~~الحديث، ولها اتصال بداره، وصار يطالع الكتب التي تركها له والده بهمة عظيمة، ~~ويحفظ المتون في أنواع الفنون بحافظة غريبة. # وقد أخبرني رجل مغربي صالح ثقة اسمه الحاج أحمد، وكان مختصا بخدمة بيت الشيخ، ~~أن المترجم لما جلس مكان والده في الحجرة وصار يطالع الدرس بالليل، كان والده ~~يتجلى له ويرشده بروحانيته إلى ما استعصى عليه فهمه من المشكلات. # وقص على أمه ما يرى، فقالت له: إن أرواح الصالحين تحضر وتزور من تحب. ~~وكانت من العابدات الصالحات، قل مثلها في زمنها، ثم إنها أخذت الأستاذ وذهبت به ~~إلى العلامة أبي الخير الخطيب في دمشق وأوصته به خيرا، فعامله الشيخ المذكور ~~معاملة ولده؛ لما رأى عليه من سيماء النجابة والذكاء المفرط مع خلق كريم وورع ~~عظيم، وشغله بحفظ المتون في الفنون المختلفة، فحفظ الألفية والشاطبية وألفية الحديث ~~للعراقي وغيرها ms146 مما يقدر بستة آلاف بيت، ثم شفعها بقراءة شروحها بفهم وإتقان، ~~ولم يكمل الثامنة عشرة من عمره، حتى نبغ نبوغا باهرا خارقا للعادة، لفت إليه ~~أنظار مشايخه، فأجازوه إجازة عامة، وأذنوا له في التدريس والتأليف، فشرح «غرامي ~~صحيح في مصطلح الحديث» ولما يكمل العشرين من عمره، وطبع الشرح سنة 1286ه، ثم ~~أقبل على المطالعة لنفسه بهمة شماء وعزيمة صحيحة، لا يفتر عن ذلك آناء الليل ~~وأطراف النهار، وحفظ من الأحاديث بأسانيدها ما شاء الله أن يحفظ. ويقال إنه يحفظ ~~البخاري ومسلم بأسانيدهما، ولا يغيب عنه حديث قط من الكتب الستة، ومن رأى الأستاذ ~~في درسه العام وهو يسرد الأحاديث بأسانيدها ويتكلم عليها بأنواع العلوم، علم أن ~~الله اختصه بقوة حافظة خارقة للعادة لم يسمع بمثلها، ثم صار يكتب على بعض ~~المتون شروحا؛ فشرح «الإظهار» شرحا مفيدا جدا، ومنظومة «موافقات سيدنا عمر» ~~للسيوطي، وشرح «البيقونية»، ومتونا كثيرة في الصرف، وكتب حاشية على «شرح المحلي ~~على البردة»، وحاشية على «الجلالين» في أربعة مجلدات، وكتب شرحا على «مختصر ابن ~~الحاجب»، وقد رأيت ذلك كله بخطه، وله تقييدات كثيرة على أطراف الكتب، ولعل له ~~تآليف أخر لم أطلع عليها؛ لأنه يريد ألا ينسب له شيء منها تواضعا، وقد ~~محا اسمه عنها كلها هضما لنفسه، كل ذلك ولم يتجاوز العشرين من عمره ، ثم صار ~~يقرأ للطلبة في الجامع الأموي النحو والصرف والبلاغة والمنطق والفقه وغيرها. # وقرأ درسا عاما بين العشاءين، وسمعت أنه كان يقرأ تفسير البيضاوي عن ظهر قلبه ~~دون أن يحمل كراسا، وكان جهوري الصوت، يجتمع عليه الخلق الكثير صفوفا صفوفا، ~~فتعطلت دروس غيره من الشيوخ لشدة فصاحته ولإخلاصه الخالص. # ثم اعتزل في حجرته بالمدرسة ولم يخرج منها مدة سبع سنوات، حتى يقال إنه ما كان ~~يرى أبدا، ويصلي فيها حتى الجمعة لالتصاق حجرته بالمسجد من جهة الشرق، فأكب ~~خلالها على المطالعة والحفظ، مقبلا بكليته على علم الحديث حتى صار فيه الحجة ~~البالغة، ثم رحل إلى حمص، فأقبل عليه أهلها إقبالا عظيما وأخذوا عنه، ms147 وكان ذلك ~~في سنة 1294ه، ثم رجع إلى حجرته في المدرسة حتى جاوز الثلاثين، فقرأ درسا عاما ~~في جامع السادات عن ظهر قلبه من صحيح البخاري، وقد بهرت الناس فصاحته وتكلمه ~~على الحديث الواحد من علوم شتى لم تعرف بديار الشام، مثل الحكمة والطب والرياضيات ~~وغيرها، وانتقل لكثرة الخلق عليه - لما ضاق بهم الجامع - إلى جامع سنان باشا، فكان ~~يقرأ ليلتي الجمعة والاثنين من بعد المغرب إلى العشاء، ويجتمع عليه الألوف من ~~الناس، ويأتون من قبل المغرب فيصلون في الجامع، ويمكثون لشدة الزحام في أماكنهم ~~لامتلاء المسجد بسدتيه العليا والسفلى حتى الرواق وصحن المسجد الخارجي، وكان ~~يحضر درسه العام عزت أفندي متصرف دمشق التركي إذ ذاك بعد أن يبدل ثيابه ~~ويلبس جبة وعمة على هيئة أهل العلم، وأحبه محبة عظيمة، وما إن اجتمع في ~~الآستانة بالوزراء وأهل الحل والعقد حتى أخبرهم بالأستاذ وأنه مع حداثة سنه ~~من أجل المحدثين، متكلما عن ظهر قلبه في سائر الفنون مع فصاحة وطلاوة تأخذان ~~بمجامع القلوب، فأثمرت مساعيه تعيين عشرة ليرات معاشا شهريا للأستاذ دون علمه، ~~حتى إن الأستاذ كان على عاداته يقرأ الدروس في الأصول والتوحيد والمعاني والوضع ~~والمنطق كحاشية الأزميري على المرآة وحواشي التلويح والمطول والأطول والخيالي ~~وحواشيه والعصام والكفوي على الوضعية والقطب على الشمسية وشرح حكمة الإشراق وغيرها، ~~وبينما هو يقرأ الدروس جاءه رسول الوالي فقدم له ظرفا كبيرا يحوي براءة ~~سلطانية بالمعاش المذكور، فقال الأستاذ له: ليس هذا لي، وامتنع عن أخذه مع أنه كان ~~في أشد الحاجة، ثم لم ير بدا من قبوله. # ثم تزوج المترجم بكريمة العارف بالله ذي الكرامات الظاهرة والمناقب الفاخرة ~~العالم الكامل السيد الشريف محيي الدين العاني الرفاعي، ورزق منها أولاده، وصار ~~أخو المترجم الشيخ أحمد بهاء الدين يتناول المعاش ويتولى أمر البيت، والأستاذ ~~مشتغل بقراءة الدروس. # وفي سنة 1298ه أسند إليه التدريس في الجامع الأموي، فقرأه باحتفال حضره أعيان ~~العلماء والرؤساء والوالي وجماعته، وكان إذ ذاك «مدحت باشا»، فابتدأ بالحديث الأول ~~من صحيح البخاري ms148 ذاكرا سنده ومشايخه، وأتى على مقدمة عظيمة في علم الحديث شارحا ~~منقوله ومعقوله، وما ترك علما من العلوم إلا ذكر شيئا منها، واختتم بالدعاء ~~بالصلاح والتوفيق لولاة الأمور، واستمر كذلك في إلقاء هذا الدرس كل يوم جمعة ~~بعد صلاتها إلى أذان العصر، مبينا ما يبنى على الحديث من الأحكام الشرعية على ~~اختلاف مذاهب المجتهدين، مرجحا الأقوى منها مأخذا وأدلة، وقد تبلغ الأحاديث ~~التي يذكرها مما يتعلق بحديث الباب مائة حديث، ويدلل على المسألة الواحدة بما ~~يطبقه من علم الأصول وآداب البلاغة في البحث والتفسير والتوحيد والأدوات كلها ~~حتى الحكمة والفلسفة والطب والهيئة والهندسة، مما يبهر السامعين ببديع تقريره، ومن ~~بينهم أحد الذين تخصصوا في الطب والرياضيات مثلا فيشهد له حين يسمعه باليد ~~العليا في هذه الفنون. # وعلى الرغم من حضور درسه الحكام والأمراء والقضاة جلوسا جانبه وحوله، وأكثر ~~الحاضرين وقوف، فإنه يبلغهم جميعا صوته بلا توقف ولا تلعثم منتقلا من البحث ~~إلى الآخر بأدنى مناسبة، ويذكر الأحاديث المخوفة مشددا الأمر على من بيدهم ~~أمور الناس فيبكيهم ويذكرهم بالعودة إلى الرجاء والثواب للعادلين والذين ~~لأماناتهم وعهدهم راعون، بين ترغيب وترهيب في وصف العلاج، شأن الحكماء، مع إجابته ~~متيسما متلفتا عما يخطر ببال المتخصص بعلم من الأسئلة متكلما فيه مفيدا ~~ومجيدا، ويختم درسه بآيات مطبقا إياها بما يحير الألباب، ومن عادته الجلوس في ~~مصلاه بعد صلاة الفجر مع الجماعة قارئا أوراده إلى طلوع الشمس مؤديا صلاة ~~الضحى وما قطعها مرة حتى في الحج، فيقوم للوضوء مستقبلا القبلة داعيا ومصليا ~~بعد عودته إلى غرفته نوافل كثيرة، فإذا أذن للظهر صلاه مع الجماعة إلى صلاة ~~العصر قارئا درسا أو أكثر إلى قبيل المغرب فيصليه جماعة أيضا، ذاهبا إلى ~~داره بعد الصلاة، فيفطر ويجلس للدرس في بيته ويحضره الكثير من الخاصة والعامة، إلى ~~أن يصلي العشاء جماعة، ثم يذهب إلى مضجعه، علما بأنه لم يصل إماما في حياته، ~~مع كونه لم يترك صلاة الجماعة أصلا، وكان يزور أهل الصلاح والتقوى والفقراء ~~متفقدا مدارس الأولاد الصغار ms149 طالبا الدعاء منهم ومن معلميهم ماسحا برءوس ~~الأيتام، وكذلك زيارته المسجونين ناصحا واعظا متلطفا معهم، ولم يدخل طول عمره ~~دواوين الحكومة، متورعا كثيرا في الفتاوى الفقهية، وكثيرا ما يحيلها إلى بعض ~~تلامذته، وقد وصفه أحد علماء الهند بقطب الزمان ومجدد الأوان، كما كان شيخ ~~الإسلام في الآستانة يقول عنه إنه قطب العالم الإسلامي، ورحل إلى الحجاز مرتين، ~~فقرأ بمكة المكرمة بعض كتب الحديث، كما زار مصر مجتمعا بالشيخ الأشموني رفيق ~~والده في الأزهر، وذهب إلى القدس الشريف وغيرها. # وكانت زيارته للروضة النبوية الشريفة في حجته الأخيرة سنة 1333ه قبيل صلاة ~~الجمعة، فاغتسل ولبس أحسن ثيابه، ثم توجه إلى الحرم النبوي، فلما دخله اجتمع عليه ~~الخلق، ولكنه لم يكلم أحدا منهم حتى خرج، ثم أخذ يستقبل أفواجا بعد أفواج من ~~العلماء والطلبة وغيرهم، ثم رحل إلى الآستانة مرتين، وعين أستاذا للعلوم ~~الدينية، وتولى مشيخة الإسلام في حكومة الملك فيصل الأول. # وكان رحمه الله ربعة، خفيف العارضين، قليل شعر الوجه، مرتفع الجبهة وعليها ~~أثر السجود، وآية المهابة والنجابة والذكاء المفرط تلمع من وجهه الأبيض وعينيه ~~الحادتين جاذبية، ويداه كالحرير لينا والفضة بياضا، يلبس الثياب البسيطة التي لا ~~تميزه عن غيره، قليل الكلام إلا في الدرس، ورعا، مضرب الأمثال، ما قبل هدية ~~قط، ولا رئي مفطرا فيما عدا الأيام المنهي عن صيامها، مهتما بأمور الخلق أكثر ~~من اهتمامهم بأنفسهم، حريصا على نفعهم ومنفعتهم، شافعا لهم عند الحكام فلا ~~ترد شفاعته، كما كتب إلى كثير من الملوك والأمراء والحكام في أقطار الأرض، ~~حاثا لهم على العمل وإقامة الحق بين الخلق، فلسان الخلق أقلام الحق، رحمة الله ~~عليه وعلى أمثاله من أهل الصدق بين العالمين. # | طاهر الجزائري # 1268-1338ه # يرجع نسب الشيخ طاهر الجزائري إلى أسرة الأدارسة بالمغرب، ويعتبر والده السيد محمد ~~صالح بن أحمد بن موهوب الجزائري الإدريسي الحسيني آخر من قدم من أفراد أسرته إلى ~~المشرق، إذ قدم إلى دمشق سنة 1263ه، واشتهر فيها بتبحره في العلوم والمعارف، ~~والتزامه مكارم الأخلاق، وبها توفي سنة ms150 1285ه، تاركا عدة أولاد أشهرهم الشيخ ~~طاهر المترجم له. # وقد ولد الشيخ طاهر بدمشق بعد قدوم والده إليها بخمس سنوات، وعني والده بتنشئته ~~وتربيته، فتلقى علوم العربية وآدابها على مشاهير علماء عصره، وعني بجمع الكتب ~~والمخطوطات منذ حداثة سنه إلى آخر حياته، كما عكف على دراسة اللغتين الفارسية ~~والتركية فأتقنهما بجانب إتقانه علوم العربية، وفي الوقت نفسه حذق اللغة الليبية، وهي ~~لغة قبائل الجزائر المغربية. # وكانت هوايته للكتب سببا لتنقله في مختلف البلاد لجمع نفائسها، فأكسبته رحلاته ~~معارف جمة جديدة، وتوثقت صلاته بكثير من العلماء والأدباء في البلاد التي زارها، ~~وصار مرجعا يعتد به في فن وصف المخطوطات ومعرفة مظانها. # وإلى الشيخ طاهر الجزائري يرجع الفضل في السعي الحثيث في إنشاء كثير من المؤسسات ~~النافعة في دمشق، وفي مقدمتها الجمعية الخيرية التي ضم إليها مشاهير العلماء ~~والوجهاء السوريين، وتم تأسيسها سنة 1894م وأنشأت مدارس عديدة، كما أنشأت مطبعة قامت ~~بطبع كثير من الكتب المدرسية. # ومن مساعيه الحميدة تأسيس المدرسة الظاهرية بدمشق، وإنشاء مكتبتها الكبيرة التي جمع ~~فيها ما كان مبعثرا من الكتب والمخطوطات القيمة في المساجد والمدارس وغيرها فحفظها ~~بذلك من الضياع ويسر الانتفاع بها. # كما يرجع الفضل إلى الشيخ طاهر الجزائري في إنشاء المكتبة الخالدية بالقدس. # وإلى جانب هذا كله، عكف رحمه الله على جمع نفائس المخطوطات ونوادر المطبوعات، ~~وواصل جهوده في التأليف والترجمة، وقام برحلات عدة إلى جزيرة العرب وغيرها من بلاد ~~المشرق ثم أعقبها برحلات أخرى إلى الآستانة ومصر والبلاد الأوروبية. # وفي سنة 1316ه/1898م عين مفتشا لمكاتب الشام، ولبث في هذا المنصب أربع سنوات ~~قدم خلالها خدمات جليلة لتنظيم هذه المكاتب والنهوض بها. # وحدث أن قام بعد ذلك برحلة إلى فلسطين، وفي أثناء غيبته هناك قامت السلطات الحاكمة ~~في دمشق بتفتيش داره فيها ومصادرة كتبه وأوراقه والتحفظ عليها في مكتبه الخاص بمدرسة ~~عبد الله العظم «باشا»، فاستاء من هذه المعاملة، واستقر رأيه على المهاجرة إلى مصر، ~~وتم له ذلك في سنة 1905، وحمل معه إليها أكثر محتويات مكتبته ms151 الثمينة تاركا ~~بقيتها في المكتبة الظاهرية بدمشق بعد أن وقفها عليها، وقد رحب به علماء مصر ~~وأدباؤها وبقي فيها محوطا بالإجلال والتكريم، حتى أصيب بمرض طال علاجه في سنة 1919، ~~فعاد إلى دمشق حيث عين مديرا للمكتبة الظاهرية ثم عضوا في المجمع العلمي هناك، ~~ولكن مرضه ما لبث أن اشتد وأسلم روحه الطاهرة إلى بارئها بعد قليل. # وقد ترك الشيخ طاهر الجزائري عدة مؤلفات مخطوطة، منها: التفسير الكبير، والمعجم ~~العربي، والسيرة النبوية، وجلاء الطبع في معرفة مقاصد الشرع، وموسوعة باسم «التذكرة» في ~~عدة مجلدات ضمنها ما اختاره من فرائد المخطوطات والكتب النادرة. # أما مؤلفاته المطبوعة، فمن أهمها: كتاب «بديع التلخيص وتلخيص البديع» وقد طبع على ~~الحجر سنة 1878م، وكتاب «منية الأذكياء في قصص الأنبياء»، عربه عن التركية وطبع سنة ~~1881م، وكتاب «الفوائد الجسام في معرفة خواص الأجسام» وموضوعه الحكمة الطبيعية، وقد جمع ~~بين قديمها وحديثها، وطبع سنة 1883م، وكتاب «عقود اللآلي في الأسانيد العوالي»، وطبع ~~سنة 1885م، وكتاب «مدخل الطلاب إلى فن الحساب»، وطبع ثلاث مرات، وكتاب «تمهيد العروض ~~إلى فن العروض»، وطبع سنة 1886م. # وله مؤلفات كثيرة أخرى منها كتابان في مصطلح الحديث، هما: «مبتدا الخبر في مبادئ علم ~~الأثر»، و«توجيه النظر إلى أصول الأثر»، وكتاب في التجويد اسمه «تدريب اللسان على تجويد ~~البيان»، وكتاب باسم «البيان لبعض المباحث المتعلقة بالقرآن»، وقد انتفع بهذه المؤلفات ~~في حياته وبعد مماته كثيرون من طلاب العلم والمعرفة في سوريا ومصر وغيرهما من البلاد ~~العربية. # | سليم الآمدي البخاري # 1268-1347ه # وقفت له على ترجمة بخط الشيخ سعيد الباني أحد مريديه، قال: هو الشيخ سليم الآمدي ~~أصلا، البخاري شهرة، نسبة إلى بخارى بلدة أمه، ولد في دمشق سنة 1268ه، ونشأ على حب ~~العلم منذ نعومة أظفاره، فكان نابغة في العلوم التي حصلها في الآداب العربية واللغة ~~والفقه والأصول والحديث، وألم ببعض العلوم، واقتنى مكتبة نفيسة، وقد تخرج في ~~المدارس التحضيرية كأمثاله في زمانه، ثم تولى شئون تربيته العلمية الشيخ محمد ~~البرهاني خال والدته، وكان من فقهاء ms152 الحنفية بدمشق، فلقنه العلوم الدينية من فقه ~~وغيره، ووكل إلى العلامة الشيخ عمر الأصفهاني حفيد الشهاب العطار تعليمه العلوم ~~العقلية من منطق وحكمة، وعلوم العربية من صرف ونحو ووضع ومعان وبيان وبديع. # ثم لزم المترجم له بعد ذلك العلامتين الجليلين: أستاذنا الشيخ بكري العطار، ~~ومنلا طه الكردي، للتزود من علوم العربية والعلوم العقلية، وتلقى الحديث الشريف، ~~رواية ودراية، من علامة دمشق ومحدثها الجليل الشيخ سليم العطار، كما أنه لزم ~~علامة دمشق النحرير الشيخ محمد الجوخدار، والشيخ محمد الجزائري مفتي السادة المالكية ~~بدمشق، وأجازه فقيه الديار الشامية السيد محمود أفندي الحمزاوي مفتي دمشق الأسبق بعد ~~أن لزم مجالسه العلمية واقتبس منه كثيرا من الفوائد والقواعد. # وكان هو والسيد أبو الخير عابدين والمرحوم طاهر الجزائري رفاقا في الطلب منذ عهد ~~الشباب، وأخذوا عن طبقة واحدة، ثم تخصص كل واحد منهم ببعض أنواع العلوم. # وحينما سافر إلى الديار الحجازية للحج وزيارة الروضة النبوية الشريفة، مكث بمكة ~~المكرمة ستة أشهر، تلقى خلالها متن «الشمسية» في المنطق و«الربع المجيب» من الشيخ ~~رحمة الله الهندي صاحب كتاب «إظهار الحق»، ودرس «إحياء علوم الدين» للإمام الغزالي على ~~السيد أحمد الدهان من علماء مكة، كما لزم دروس السيد زيني دحلان مفتي مكة ~~المكرمة. # ولما رجع من الحجاز أسندت إليه وظيفة مفتي لواء المدفعية في الفيلق الخامس، بعد أن ~~أحرز السبق في الامتحان لها، ولإجادته اللغة التركية تكلما وكتابة مع إلمامه ~~باللغة الفارسية، فنهج في وظيفته منهج النزاهة والأمانة، واستمر إلى ذلك يقرئ طلاب ~~العلوم، ويتبحر في علوم العربية وآدابها، وفي التاريخ والطبقات والشريعة، واطلع على ~~كثير من نفائس الكتب التي كانت كنزا دفينا فحاول هو وصديقه المرحوم الشيخ طاهر ~~الجزائري كشفها وإحياءها، وكان بطبعه محبا للاطلاع على جميع المؤلفات الحديثة في ~~علوم الاجتماع والعمران والسياسة والحكمة النظرية والعلوم الكونية، وعلى الصحف السيارة ~~والمجلات العلمية التي تقتطف من ثمرات علوم الغرب. # لهذا كان من العلماء المجيدين ودعاة الإصلاح، وقد خدم المعارف خدمة تذكر فتشكر ~~حينما كان عضوا في الجمعية ms153 الخيرية المؤلفة في عهد مدحت باشا الوزير العثماني قبل ~~إحداث مديرية المعارف، وكان على جانب عظيم من الذكاء وسرعة الخاطر وقوة الحافظة، سليم ~~الصدر، طاهر القلب لا يضمر السوء والغش لأحد، شديد الغيرة على الوطن والشعوب ~~العربية، مستمسكا بدينه ومبادئه، لكنه يمقت التعصب الذميم والتنطع بالدين، رحب ~~المحيا، رقيق الشمائل، يحب النظافة والإتقان والترتيب والنظام، فائق الهمة، ~~جامعا بين تؤدة الشيوخ وهمة الشباب، صداعا بالحق لا تأخذه في الله لومة لائم، ~~وله مواقف عجيبة من هذا القبيل، كان آخرها موقفه مع جمال باشا؛ فقد كان الشيخ بوصفه من ~~كبار الأحرار المصلحين لا يرضى عن الحكم المطلق، بل ينشد الإصلاح الذي من شأنه سعادة ~~الوطن وعمرانه وحياة الأمة ورفاهيتها ورقي الدولة وصيانة كيانها، فاتحد رأيه مع ~~رأي أحرار الترك أعضاء جمعية «تركيا الفتاة» وانتظم في سلك هيئاتهم السرية، وظل ~~زهاء ثلاثين سنة يجاهد في هذا السبيل، معرضا نفسه إلى الخطر، حتى أعلن القانون ~~الأساسي، وحينما رأى تهور الاتحاديين انسحب من جمعيتهم ولزم الحياد، وحينما تمادوا ~~في طغيانهم وبدت عليهم علائم سوء النية نحو العناصر غير التركية، خصوصا العرب، ~~اضطر إلى المجاهرة بمخالفتهم، وانتظم في سلك حزب الحرية والائتلاف، ثم كان في طليعة ~~المنادين بالإصلاح والمطالبة بحقوق العرب المهضومة، فحنقت عليه الحكومة التركية ~~وتربصت به الدوائر، حتى أعلنت الحرب العامة سنة 1914م ودخلتها الدولة، وتولى ~~جمال باشا قيادة الحملة المعروفة، فقبض على الشيخ وزج به في سجن الشرطة شهرين، ثم ~~سيق إلى مجزر عاليه، ونفي بعد ذلك إلى الأناضول، وكان ولده المرحوم محمود جلال في ~~عداد الشهداء. # وفيما هو سجين في نزل «دمسكس بلاس» استدعاه جمال باشا وأفهمه أنه يريد إعفاءه من ~~النفي على شرط أن يكف لسانه عن الطعن على الحكومة، فأجابه بقوله: «اقض ما أنت ~~قاض»، فأيقن جمال أنه لن يسكت عن مظالم الحكومة وعدل عن العفو عنه. # وظل الشيخ يشنع على فظائع الحكم غير مبال ولا متهيب، وقد أعجب بعلمه وفضله ~~وإخلاصه كل من صحبه من علماء الأتراك وسراتهم ms154 وأعيانهم. # وعقب الانقلاب العثماني، طلب أن يحال إلى التقاعد فأجيب طلبه ولزم بيته، ~~وعكف على مطالعة كتبه ومزاولة درسه وبحثه، ثم ألح عليه إسماعيل فاضل باشا أحد ~~ولاة سوريا في قبول عضوية لجنة الأوقاف فقبل بعد أخذ ورد طويلين. # ولما ذهب الحكم التركي، عين عضوا في مجلس الشورى، وانتخب عضوا في المجمع ~~العلمي العربي، وعضوا في مجلس المعارف الكبير، إلى أن أسندت إلى عهدته رياسة ~~العلماء في دمشق. # وكانت وفاته في جمادى الأولى سنة 1347ه بدمشق رحمه الله. # | محمد أبو الخير عابدين # 1269-1343ه # وقفت له على ترجمة بخطه، # 1 # قال فيها رحمه الله: # إن هذا الحقير أبو الخير محمد بن أحمد بن عبد الغني بن عمر، المعروف كأسلافه بابن ~~عابدين، المتصل نسبهم الشريف بالسيد الأعظم صلى الله تعالى عليه وسلم، كما هو مذكور في ~~مشجر النسابة الحميدي وفي تكملة رد المحتار، وأما مولده فدمشق الشام سنة تسع وستين ~~ومائتين وألف من الهجرة، نشأ في حجر والده، ودخل المدرسة سنة ثمانين ومائتين وألف، ~~فأخذ النحو والصرف والفقه والكلام والحديث والأصول والمنطق والتصوف والفرائض والحساب ~~والمصطلح والبيان والتفسير والآداب عن جملة من أفاضل العلماء، منهم: والده، وابن عمه ~~السيد محمد علاء الدين صاحب التكملة، والشيخ محمد الطنطاوي، والشيخ بكري العطار، والشيخ ~~محمد الملاطي، والشيخ عبد الرحمن البوسنوي الشهير بمغربي زاده، والشيخ سعيد الأسطواني، ~~والسيد محمود الحمزاوي مفتي دمشق، ولازم أمانة الفتوى بدمشق ما ينيف على خمس وثلاثين ~~سنة، ثم تولى نيابة قضاء درما، ثم قضاء بعلبك، ثم قضاء درعا، وسافر إلى الآستانة ~~مرتين بعد أن تولى إفتاء دمشق الشام، وبعد أن دخلت الحكومة العربية دمشق الشام عزله ~~الملك فيصل عن الإفتاء، وعين عضوا في محكمة التمييز للنقض والإبرام. # وأما سماعه الحديث وإجازاته به وبغيره فمن والده وابن عمه، ومن السيد الحمزاوي، ومن ~~طاهر أفندي مفتي الشام الأسبق، ومن الشيخ محمد البيطار أمين الفتوى، ومن السيد محمد ~~الكتاني حينما كان في المدينة المنورة، ومن كثير من المشايخ الأعلام، كتابة من أكثرهم، ~~ومشافهة من ms155 الباقين. # وأما أخلاقه فحب العزلة وقلة التردد على أبواب الكبار، ولا يحب الدخول فيما لا ~~يعنيه، ويرجح راحة البال، ويفضل الإقامة في أكثر الأوقات في قرية من قرى ~~الشام. # وأما آثاره فله عدة رسائل لم ينشر منها سوى رسالة في «تكرار القصص الواردة في ~~القرآن الكريم» حررها جوابا عن سؤال من بعض أهل العلم، والمرجو من الله سبحانه حسن ~~الختام. # وهذه ترجمة أخرى للعلامة محمد أبي الخير عابدين # هو العلامة مفتي الشام محمد أبو الخير بن أحمد بن عبد الغني بن عمر، وبقية نسبه ~~في ترجمة ابن عم أبيه السيد محمد علاء الدين عابدين، اشتغل بطلب العلم كأسلافه، ~~وجد وحصل، وتولى الإفتاء بدمشق ثم تركه. # لقيته في رحلتي لدمشق فرأيت فضلا وكمالا وتواضعا وحسن سمت، واطلعت له ~~على إجازة كتبها سنة 1339ه للعلامة المحقق السيد أحمد رافع الطهطاوي يطلب منه ~~إيصال سنده بالعلامة السيد محمد أمين الشهير بابن عابدين عم والد المترجم، ~~فاستخلصت منها أسماء شيوخه الذين أخذ عنهم، فمنهم: والده السيد أحمد عابدين، ~~وابن عمه السيد محمد علاء الدين، والشيخ طاهر أفندي مفتي الشام، والشيخ محمد ~~البيطار أمين الفتوى بدمشق، والسيد محمود الحمزاوي مفتي دمشق، والسيد عبد الله ~~الصوفي الطرابلسي، والشيخ المفسر بكري العطار، والسيد حسين الغزي، وقرأ جملة من ~~النحو والمنطق والحساب على عالم الشام الشيخ محمد الطنطاوي، وقرأ المختصر مع حاشية ~~الدسوقي على الشيخ الصوفي محمد الملاطي، وانتفع كثيرا في النحو والصرف والحديث ~~وغير ذلك بالأخذ عن الشيخ عبد الرحمن البوسنوي الشهير بمغربي زاده، وسمع بعض ~~البخاري والحديث المسلسل من الشيخ سليم العطار والشيخ مسلم الكزبري، وقرأ على الشيخ ~~سعيد الأسطواني: «الأشباه والنظائر»، مع مطالعة حواشي الحموي والكفوي والبيري وأبي ~~السعود، وحاشية الشيخ صالح ابن صاحب التنوير، وسمع من الشيخ يوسف المغربي حديث ~~الأولية، وأجازه إجازة عامة. # وللمترجم عناية وولوع باقتناء نفائس الكتب ونوادرها من المخطوط والمطبوع، وله ~~خزانة جمعت كثيرا منها على ما بلغني، ولم أطلع على شيء منها بسبب قصر المدة ~~التي قضيتها بدمشق. # | حسن ms156 المدور البيروتي # 1279-1342ه # وقفت له على ترجمة ملخصة من مقالة نشرت بإحدى جرائد سورية بقلم السيد طه المدور ~~ابن أخيه، قال: # ولد سنة 1279ه، ودرس على الشيخ محمد رمضان، وبعد أن بلغ الثانية والعشرين من عمره، ~~ذهب إلى دمشق، فأخذ عن علمائها، مثل الشيخ بدر الدين الخاني، والشيخ الكزبري، ومكث بها ~~خمس سنوات، ثم رجع إلى بيروت واشتغل بها، ثم رحل إلى مصر، واشتغل بالحضور في الأزهر على ~~شيوخه ومنهم الأستاذ الشيخ محمد عبده، ثم عاد إلى بيروت، وشرع في الإقراء، فكان يقرأ كل ~~يوم 11 درسا بلا انقطاع، وبقي يدرس ويفيد 47 سنة. # وقبل إعلان الدستور العثماني بسنوات، أسس المدرسة العلمية، وجعل ناظرا لها، ثم ~~تركها لأنها شغلته عن دروسه، وبعد إعلان الدستور بقليل جعل أمينا للفتوى، وأستاذا ~~للدروس الدينية في المكتب السلطاني، وظل كذلك مع اشتغاله بالتدريس بالمساجد إلى ~~وفاته، وكانت طريقته في التدريس حسنة يفهمها العامي والمتعلم. # وكان متوسط القامة، حنطي اللون، عسلي العينين، يميل إلى الزهد وعدم التأنق ~~في ملبسه، حسن الأخلاق، متواضعا، كثير المطالعة، يكره المزاح، وكان متضلعا من ~~المذاهب الأربعة، وفريدا في المذهب الحنفي، وفي المنطق، وعلم الميراث، وكثير من العلوم ~~كالرياضيات والبلدان والتاريخ. # وأجازه كثيرون حتى لقد اجتمع عنده «55» إجازة، وكان نقشبندي الطريقة، وله من ~~المؤلفات 20 (عشرون) مؤلفا لم يطبع منها غير ثلاثة في الفقه والتوحيد، رحمه ~~الله. # | أعلام العراق # رقم مسلسل # أسماء الأعلام # التاريخ # 1 # نعمان الآلوسي # 1252-1317ه # 2 # محمود شكري الآلوسي # 1272-1342ه # 3 # نائب بكتاش # 1107-1187ه # 4 # الحاج عمر البغدادي (باقر زاده) # 1167-1229ه # 5 # المنلا مختار فتحي # 1160-1226ه # 6 # أبو محمد عبد الله الكردي البيتوشي # 1161-1221ه # 7 # عبد الغفور البغدادي # 1161-1251ه # 8 # علي السويدي # 1163-1237ه # 9 # مكي إسماعيل ولي # 1168-1228ه # 10 # نامي الأربيلي # 1171-1241ه # 11 # سليمان الموصلي # 1171-1233ه # 12 # عناية الله أغا القبولي # 1174-1230ه # 13 # المنلا عبد الرحمن بن أبي بكر # 1178-1242ه # 14 # عبد العزيز الشواف # 1178-1249ه # 15 # محمد جواد السباهبوش # 1179-1245ه # 16 # صالح التميمي # 1180-1261ه # 17 # علي السويدي البغدادي ms157 # 1184-1245ه # 18 # خالد النقشبندي # 1190-1242ه # 19 # عبد الجليل البصري # 1190-1253ه # 20 # أحمد السويدي # 1218-1287ه # 21 # عبد الغفار الأخرس # 1221-1290ه # 22 # أمين الواعظ # 1223-1274ه # 23 # علي الكردي # 1226-1316ه # 24 # المنلا عثمان الجبوري # 1227-1304ه # 25 # داود الكرخي # 1231-1299ه # 26 # حسين البثردري # 1232-1322ه # 27 # عبد الفتاح البغدادي # 1233-1299ه # 28 # عبد السلام أفندي # 1234-1318ه # 29 # إسماعيل الموصلي # 1236-1302ه # 30 # محمد فيظي المفتي # 1237-1307ه # 31 # حيدر سليمان الحلي # 1246-1304ه # 32 # أحمد المشاهدي # 1262-1336ه # 33 # عباس الكرخي # 1267-1335ه # 34 # عبد الرازق الأعظمي # 1281-1328ه # | نعمان الآلوسي # 1252-1317ه # وقفنا على ترجمة له بخط السيد محمود شكري الآلوسي مؤرخة 22 رجب سنة 1339، قال رحمه ~~الله: # هو السيد نعمان بن محمود بن عبد الله بن محمود الآلوسي البغدادي، ينتهي نسبه إلى ~~الحسين بن علي آل أبي طالب رضي الله عنهما، ولد يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من ~~المحرم سنة اثنتين وخمسين ومائتين وألف للهجرة النبوية، وقد أرخ ولادته يومئذ شاعر ~~عصره عبد الحميد الأطرقجي فقال: # بدا الكوكب الدري والقمر الذي # محاسنه للشمس أضحت تسامت # فلا عجب إن فاح كالمسك عرفه # فها هو من بيت النبوة نابت # له ثبت الحق الصريح من العلى # وتاريخه حق لنعمان ثابت # 1252 # وقد اشتهر بأنه السيد خير الدين نعمان أبو البركات ابن السيد محمود عبد ~~الله الآلوسي كما تقدم، ولم ينبت منه العذار إلا وجمع من الفضائل ما يسعه أسفار، ~~ولم يبلغ سن العشرين إلا وصار من الأساتذة المعتبرين، أخذ العلم عن والده المبرور ~~وعن أجلة تلامذته ممن كان بالفضل مشهورا، وقد أجازه العلماء الأعلام والمشايخ العظام ~~بجميع العلوم من منطوق ومفهوم، وجمع من الأسانيد والأثبات ما لم يجتمع عند غيره من ذوي ~~الفضائل والكمالات، وقد اقتحم مشاق الأسفار لذاك، وطوى شقق البعاد لما هناك، له ~~المحبة التامة بالعلم وذويه، والشغف الوافر بالفضل وحامليه، لا سيما ما كان عليه السلف ~~الصالح، من الطريق المستقيم الواضح، فقد طوى قلبه على محبتهم، وسلوك نهجهم وطريقتهم، ~~فأحيا ذكرهم بعد اندراسه، وأوقد مصباح هديهم بعد انطفاء نبراسه، سيف ms158 الله المسلول ~~على أهل البدع والأهواء، والبلاء المبرم على من خالف الشريعة الغراء، ولا يجنح في ~~الغالب لتأويل، ولا يميل إلى زخرف الأقاويل، فهو سلفي العقيدة، آمر بالمعروف، ناه ~~عن المنكر، صادع بالحق؛ فلذا كثر معاندوه، وخصماؤه وحاسدوه، فإن الحق صعب على ~~المغلوب، وترك مألوف العوائد تأباه القلوب، وكان في الوعظ لا يشق له غبار، ولا ~~يدرك في مضمار، فهو كالسيل المنحدر، والغيث المنهمر، فهو كما قال القائل: # إذا ما رقي للوعظ ذروة منبر # لخطبته فالكل مصغ ومنصت # فصيح عن الشرع الإلهي ناطق # وعن كل مذموم من القول صامت # تولى أيام شبابه بعض المناصب العلية، فكان فيها محمود السيرة، حتى ترك جميع ~~ألسنة الناس تلهج بالثناء عليه، ثم ترك ذلك وسافر إلى بيت الله الحرام، وزيارة قبر ~~رسوله عليه أفضل الصلاة وأكمل السلام، ثم عاد إلى وطنه واشتغل بالتدريس والتأليف، ثم ~~سافر إلى دار الخلافة عن طريق الشام، واجتمع بغالب هاتيك الديار الأعلام، فاستجاز ~~وأجاز، ومر أيضا على مصر لأجل طبع تفسير والده، واجتمع هناك أيضا بأفاضلها ~~ومشاهير علمائها ومنهم السيد عبد الهادي الإبياري عليه الرحمة، فلما وصل إلى ~~القسطنطينية ألقى بها عصا التسيار، فعومل هناك أحسن معاملة، وأحلوه من الاحترام ~~محله، وبعد أن نال مقاصده عاد إلى وطنه قرير العين، بعد أن أقام في تلك الديار نحو ~~سنتين، وعند ذلك مدحه الشعراء، وأثنى عليه الأدباء، ثم انتصب للتدريس في المدرسة ~~المرجانية، ونشر الفضائل والسنن النبوية، وكان قد جمع ما جمع من الكتب النادرة ~~فأوقفها على تلك المدرسة، فهي إلى اليوم محفوظة فيها، لم يزل المستشرقون يزورونها ~~ويستكتبون منها ما ندر وجوده في غيرها، كانت هذه المدرسة مهجورة نعبت البوم في ~~أكنافها، حتى أعادها كما كانت أيام منشيها. # ألف كتبا عديدة، وتصانيف مفيدة، منها: حاشية على شرح القطر لمصنفه، أكمل بها ~~حاشية والده، وقد اشتملت على تحقيقات، ومنها: كتاب الشقائق، واسمه شقائق النعمان على ~~شقاشق ابن سليمان، وابن سليمان هذا كان من متصوفة بغداد، اسمه داود، أصله من عانات، كان ms159 ~~داعية للبدع، ألف رسالة دعا بها العوام إلى الغلو في أهل القبور، وقد قرظ ~~الشقائق شاعر عصره عبد الباقي أفندي العمري بأبيات منها: # شقاشق ابن سليمان أضحت لها. ~~... إلى آخر الأبيات. # ومنها: الآيات البينات، نصر فيها ما قاله السادة الحنفية في باب الإيمان من عدم سماع ~~الأموات، ولما نشرها قام لها القبوريون وقعدوا، ومنها: جلاء العينين في المحاكمة بين ~~الأحمدين، وهو كتاب مشهور نصر فيه الشيخ ابن تيمية ورد فيه ما تقوله عليه ابن ~~حجر الهيتمي المكي الشافعي، ومنها: كتاب غالية المواعظ، وقد لخصه من كتب ابن الجوزي ~~وغيره، ورتبه ترتيبا حسنا سهل فيه مسالك الوعظ، فهو اليوم عليه اعتماد أغلب ~~الواعظين في الديار العراقية وغيرها، ومنها: الأجوبة النعمانية عن الأسئلة الهندية، وله ~~كتاب مختصر مشتمل على كلام لا تختلف قراءته صدرا وعجزا، وكذا الكلمات، كلفظ ~~«سلس»، وقد شرح كفاية المتحفظ للأجدابي ولم يتمه، وله غير ذلك، وله نثر لطيف وشعر ~~رقيق قد جمع في مجموع مفرد. # ومن أجل مصنفاته: الجواب الفسيح لما لفقه عبد المسيح، وهو الكندي الذي ألف ~~رسالة وطعن فيها على الديانة الإسلامية، والرد بمجلدين طبع في الهند، وقد قرظه ~~جمع من العلماء نظما ونثرا، منه قول علي بن سليمان أحد أفاضل علماء نجد من قصيدة ~~طويلة: # هو البدر إلا أنه غير آفل # هو العلم الفرد الذي فاز بالشكر # تآليفه أمست جلاء عيوننا # وسارت بها الركبان في البر والبحر # ولا سيما الرد الفسيح فإنه # كتاب حوى علما يجل عن الحصر # وبان به شرع الإله ودينه # وأصبح مقطوعا به دابر الكفر # والقصيدة طويلة، وكان حلو المفاكهة، سريع المحاضرة، محبوب العشرة، كثير اللطائف ~~والنكات، حسن الخط، وافر العقل، وكان مربوع القامة، أبيض اللون، يميل إلى الصفرة، ~~صبورا على عناء المداراة، وترك أربعة بنين لم يزالوا مشتغلين بالعلم، # 1 # ثم إنه تمرض عدة أشهر، ثم انتقل إلى رحمة الله، وحضر جنازته جمع لا ~~يحصون عددا، رحمة الله عليه. # | محمود شكري الآلوسي # 1272-1342ه # وقفت له على ترجمة كتبها بخطه، قال رحمه ms160 الله: # إني محمود شكري، المكنى بأبي المعالي، ابن السيد عبد الله بهاء الدين بن أبي ~~الثناء السيد محمود شهاب الدين الآلوسي، وينتهي نسبي إلى الحسين بن علي بن أبي طالب رضي ~~الله تعالى عنهما، ولله الحمد على ذلك، وقد ولدت صباح يوم السبت تاسع عشر رمضان سنة ~~اثنتين وسبعين ومائتين وألف. # ثم لما بلغت من العمر ثماني سنين ختمت الكتاب الكريم، وشرعت في قراءة بعض الرسائل، ~~وقرأت طرفا من العربية على والدي، ثم أنخت مطايا التحصيل على الفاضل الكامل، والشيخ ~~الواصل، علامة عصره، وفهامة دهره، الشيخ إسماعيل الموصلي رحمه الله، وكان في قوة ~~الحفظ والذكاء وحسن الأخلاق على جانب عظيم، كما أنه كان في الزهد والورع «جنيد» زمانه، ~~فلم تمض إلا أعوام يسيرة حتى شملتني بركته، فوصلت الليل بالنهار في التحصيل، ~~وفارقت أخداني وأقراني، وانزويت عن كل أحد، فأكملت قسما عظيما من الكتب المهمة في ~~المنقول والمعقول، والفروع والأصول، وحفظت غالب متون ما قرأته من الكتب المفصلة ~~والمختصرة، وأدركت ما لم يدركه غيري، ولله الحمد. # سهري لتنقيح العلوم ألذ لي # من وصل غانية وطيب عناق # وتمايلي طربا لحل عويصة # في الدرس أبلغ من مدامة ساق # وصرير أقلامي على أوراقها # أشهى من «الدوكاه» و«العشاق» # وألذ من نقر الفتاة لدفها # نقري لألقي الرمل عن أوراقي # ثم إني توغلت في اتباع سيرة السلف الصالح، وكرهت ما شاهدته من البدع والأهواء، ~~ونفر قلبي منها كل النفور، حتى إني منذ صغري كنت أنكر على من يغالي في أهل القبور ~~وينذر لهم النذور، ثم إني ألفت عدة رسائل في إبطال هذه الخرافات، فعاداني كثير من ~~أبناء الوطن وشرعوا يغيرون على ولاة البلد، ويحرضونهم على كتابة ما يستوجب غضب ~~السلطان علي، وفعلوا ذلك مرارا حتى ألجئوا بعض الولاة أن يكتب للسلطان بأن الأمر ~~خطر إن لم يتداركه، وأن العراق تخرج من اليد، بسبب تغير عقائد الأعراب إلى ما ~~يخالف ما عليه الجمهور من العوام، ولم يزل يلح حتى ورد الأمر بإبعادي إلى جهة ديار ~~بكر. # فلما وصلت ms161 إلى الموصل قام رجالها على ساق ومنعوني أن أتجاوز بلدتهم، وكتبوا ~~كتابات شديدة اللهجة إلى السلطان، فجاء الأمر بعد أيام بعودي إلى بغداد مع مزيد ~~الاحترام والإكرام، وسقط في أيدي الأعداء، ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله. # وقد وفق الله تعالى لتأليف عدة كتب ورسائل تتجاوز خمسين مؤلفا ما بين مختصر ~~ومطول، ومنها ما قد طبع ونشر، ومنها ما لم يزل في زوايا الخمول والنسيان، وقد نظم ~~في مدائحي شعراء العصر على اختلاف بلادهم وتباين أقطارهم مما قد دون في كتاب ~~مفصل مع ما لهم من المنثور أيضا، من ذلك ما قاله # 1 # أديب بغداد أخي في الله أحمد بن عبد الحميد الشاوي الحميري مفتي البصرة، ~~رحمه الله تعالى، في 16 جمادى الأولى سنة 1311ه: # معاتبتي لو أعتب الدهر للدهر # بما قد جرى لا تنقضي آخر العمر # وحربي مع الأيام لا صلح بعده # ولا هدنة حتى أوسد في القبر # وكيف وقد روعنني بفراق من # علي فراقيه أمر من الصبر # أخ ماجد ما دنس اللؤم عرضه # ولا خاط كشحيه على الغدر والمكر # ولا قلب قلب المودة إن يغب # له صاحب يدميه بالناب والظفر # ولكنه يعطي المودة حقها # ويجمع للخل الوفاء مع النصر # ولا هو ممن همه لبس فروة # يباهي بها أقرانه من بني المصر # وينفض تيها مذرويه مفاخرا # ويرفع من فرط التكبر بالصدر # ويرفل في أثوابه متبخترا # وينظر كيما يرهب الناس عن شزر # لعمري لقد جربت أبناء دهرنا # برمتهم في حالة الخير والشر # وقلبتهم ظهرا لبطن بأسرهم # مرارا لدى الحاجات في اليسر والعسر # فما سمعت أذناي ما سر منهم # ولا أبصرت عيناي وجه فتى حر # وما إن رأى إنسان عيني واحدا # كما شئت إنسانا يعد سوى شكري # ولو لم يكن في حاضر العصر مثله # لقلنا على الدنيا العفاء بذا العصر # فقل لغبي قاسه بسوائه # ولم يعرف التبر المصفى من الصفر # عداك الحجى أين الثريا من الثرى # وأين حصى الحصباء من درر البحر # وحيث إني قد بلغت من العمر اليوم ما بلغت، ms162 تذكرت قول بعضهم: # أعيني لم لا تبكيان على عمري # تناثر عمري من يدي ولا أدري # إذا كنت قد جاوزت ستين حجة # ولم أتأهب للمعاد فما عذري؟ # فتوفرت على درس ألقيه، وكتاب أنظر فيه، وفرض أؤديه، وتفريط في جنب الله أسعى في ~~تلافيه، لا يشغلني عن ذلك شاغل، ولا يكف كفي عن مثابرتي في نشر الفضائل، لعل الله ~~سبحانه وتعالى يدخلني دار رحمته، ويسكنني مع من سبقت له الحسنى في جنته، فإن الرحيل ~~قريب، وكأني للنداء مجيب، وما أحسن قول الإمام علي بن أبي طالب رضي الله تعالى ~~عنه: # وإن امرأ قد سار خمسين حجة # إلى منهل من ورده لقريب # وهذا ملخص حالي، وما جرى علي من حوادث الليالي، ونسأل الله حسن العواقب. ~~••• # ولما علم فقيدنا العلامة أحمد تيمور باشا من إحدى رسائل العلامة الأب أنستاس ~~الكرملي خبر نعيه، كتب إليه يقول: «قضى الله، ولا راد لقضائه، أن يفجع العلم ~~بإمامه ونبراسه، وأن يحرم المستفيدون من سندهم في حل معضلاته، ويعلم الله ما كان ~~لهذه المصيبة من الوقع في نفسي، ولكن ما الحيلة وقد نفذ القضاء وطوي الكتاب، وإنا ~~لله وإنا إليه راجعون.» # وقد رثاه شاعر العراق الكبير السيد معروف الرصافي بقصيدة عصماء جعل عنوانها «وا ~~شيخاه»، وفيها يقول: # أزمعت عنا إلى مولاك ترحالا # لما رأيت مناخ القوم أوحالا # رأيتنا في ظلام ليس يعقبه # صبح فشمرت للترحال أذيالا # كرهت طول مقام بين أظهرنا # بحيث تبصرنا للحق خذالا # ولم ترق نفسك الدنيا ونحن بها # لسنا نؤكد بالأقوال أفعالا # وكيف تحلو لذي علم إقامته # في معشر صحبوا الأيام جهالا # لذاك كنت اعتزلت القوم منفردا # حتى أقاربك الأدنين والآلا # وما ركنت إلى الدنيا وزخرفها # ولا أردت بها جاها ولا مالا # لكن سلكت طريق العلم مجتهدا # تهدي به من جميع الناس ضلالا ~~«محمود شكري» فقدنا منك حبر هدى # للمشكلات بحسن الرأي حلالا # قد كنت للعلم في أوطاننا جبلا # إذا تقسم فيها كان أجبالا # وبحر علم إذا جاشت غواربه # نغصت بالحزن شهر العيد شوالا # أعظم برزئك ms163 في الأيام من حدث # هزت علي به الأيام عسالا # أمست لروعته الأبصار شاخصة # أما القلوب فقد أجفلن إجفالا # طاشت حصاة العلا لما نعيت لها # وكل ميزان حلم بالأسى شالا # إذا نعيك وافى مصر منتشرا # جثا أبو الهول يشكو منه أهوالا # وإن أتى البيت، بيت الله، رج به # وأوجس الركن من منعاك زلزالا # أما العراق فأمسى الرافدان به # سطرين للدمع في خديه قد سالا # بكى الورى منك حبرا لا مثيل له # أقواله ضربت في العلم أمثالا # بكوك حتى قد احمرت مدامعهم # كأنهم نضحوا فيهن جريالا # ولو لفظنا لك الأرواح من كمد # لم نقض من حقك المفروض مثقالا # ولا نخصص في رزء بتعزية # إلا علوما أضاعت منك مفضالا # فإن رزءك عم الناس قاطبة # يا أكرم الناس أعماما وأخوالا # شكرا لأقلامك اللاتي كشفت بها # عن أوجه العلم أستارا وأسدالا # كتبن في العلم أسفارا سيدرسها # أهل البسيطة أجيالا فأجيالا # أمددتها بمداد ليس يبلغه # دمع الأنام وإن يبكوك أحوالا # وكنت أنت نطاسي العلوم بها # وكن في سبر جرح الجهل أميالا # يا مطلعا في سماء الفكر أنجمه # تهدي إلى العلم رحالا وقفالا # لو أنني بلغت زهر النجوم يدي # نحتها لك بعد الموت تمثالا # ما ضرنا بعد ما خلدت من كتب # ألا نرى لك بين الناس أنجالا # إذا ذكرناك يوما في محافلنا # قمنا لذكراك تعظيما وإجلالا # إني أخف لدى ذكراك مضطربا # وإن حملت من الأحزان أثقالا # لأشكرنك يا «شكري» مدى عمري # وأبكينك أبكارا وآصالا # فأنت أنت الذي لقنتني حكما # بها اكتسيت من الآداب سربالا # أوجرتني من فنون العلم أدوية # شفت من الجهل داء كان قتالا # فصح عقلي وقبلا كنت مشتكيا # من علة الجهل أوجاعا وأوجالا # أنا المقصر عن نعماك أشكرها # ولو ملأت عليك الدهر إعوالا # فاغفر عليك سلام الله ما طلعت # شمس وما ضاء بدر الليل أو لالا # 2 # | أعيان في بغداد # وقفنا على هذه التراجم لبعض السادة العلماء والأدباء ببغداد بخط صديقنا الأديب ~~الأستاذ علي أفندي ظريف، وهو معروف بعروبته وصدق لهجته ونبوغه في العلم والأدب، ms164 وفيما ~~يلي بيان هذه التراجم: # نائب بكتاش (1107-1187ه) # كان السيد الشيخ نائب بكتاش أفندي ابن عمر أفندي البغدادي المعروف باسم بارودجي ~~زاده عالما فاضلا فقيها فرضيا. # وكان يلقب بملتقى الأبحر لسعة علمه وغزارة اطلاعه، مشهورا بالذكاء والتقوى ~~والورع، وقد عمر طويلا إذ عاش نحو ثمانين سنة، وتوفي إلى رحمة الله في سنة ~~1187ه. # الحاج عمر البغدادي «باقر زاده» (1167-1229ه) # كان الحاج عمر أفندي البغدادي المعروف بباقر زاده عالما فاضلا مشهورا بالخير ~~والكرم والصلاح، وأصله دركزنلي، ونبغ في الفارسية، وعمر 62 سنة، وتوفي لرحمة ~~مولاه سنة 1229ه بعد أن انتفع بعلمه وإرشاده جمع كثير من الدارسين. # المنلا مختار فتحي (1160-1226ه) # كان المنلا مختار أفندي ابن فتحي أفندي البغدادي عالما جليلا وفقيها فاضلا ~~مولعا بالعلوم الرياضية، وتعين في آخر أيامه خطيبا في جامع شهرابان، وهي بليدة ~~شرقي بغداد تبعد عنها بمرحلتين وأصل اسمها «شهراباذ»، وتوفي بعد ست وستين سنة ~~قضاها في الفقه والدرس والتحصيل، وتوفي لرحمة الله سنة 1226ه، رحمه الله. # أبو محمد عبد الله الكردي البيتوشي (1161-1221ه) # هو أبو محمد عبد الله بن محمد الكردي البيتوشي، ولد سنة 1161ه، ونشأ في بيتوش، ~~ثم هاجر إلى بغداد، وأخذ العلم عن علمائها حتى فاق أقرانه، وله عدة تآليف، منها: ~~«شرح الفاكهي» على قطر ابن هشام، و«منظومة كفاية المعاني» وشرحها بشرحين مختصر ~~ومطول، وله شعر رائق، ومن شعره قبل وفاته: # إني أحن إلى العراق ولم أكن # لا من رصافته ولا من كرخه # لكن في بغداد لي من قربة # أشهى إلي من الشباب وشرخه # وتوفي في بلدة الأحساء سنة 1221ه رحمه الله. # عبد الغفور البغدادي (1161-1251ه) # كان السيد عبد الغفور البغدادي من علماء الشافعية الأجلاء، وقد أخذ العلم عن ~~الشيخ يحيى المروزي العمادي، وعن الشيخ خالد النقشبندي، وكان عالما فاضلا ~~مشهورا بالتقوى والزهد والورع، نقشبندي الطريقة، وهو ينتمي نسبه إلى سيدنا ~~الحسين رضي الله عنه، وبلغ عمره نحو التسعين، وتوفي ببغداد سنة 1251ه، رحمه ~~الله. # علي السويدي البغدادي (1163-1237ه) # هو الشيخ علي أفندي السويدي ابن ms165 محمد سعيد أفندي ابن عبد الله أفندي المعروف ~~بالسويدي، وكان عالما فاضلا نحريرا، فصيحا بليغا تقيا، وله اليد الطولى في ~~علم الحديث، وله عدة تآليف، منها: «العقد الثمين»، و«رسالة في الخضاب»، وله كذلك ~~شعر رائق، قال من قصيدة طويلة: # وأحسن رأي المرء ما كان حازما # بفصل خطاب يصطفيه المهند # ولا فضل إلا في ذرى السيف والقنا # ولا حكم إلا حكمه المتأيد # وتوفي بالشام سنة 1237ه، ودفن بجبل قاسيون، عليه رحمة الله. # مكي إسماعيل ولي (1168-1228ه) # كان مكي إسماعيل أفندي ابن ولي أفندي البغدادي عالما فاضلا، أخذ العلم ~~بالتلقي عن أحمد أفندي الطبقجلي وعن غيره من علماء بغداد المشهورين في زمانه، ~~وعينه الوالي عمر باشا كاتبا لديوانه، وكانت ولادته سنة 1168ه، إذ عاش ستين ~~سنة، وتوفي إلى رحمة الله تعالى سنة 1228ه. # نامي الأربيلي (1171-1241ه) # ولد في أربيل ونشأ بها، وبلغ من العلم والفقه ما أهله لتولي قضائها، ثم هاجر ~~بغداد في أيام الوالي داود باشا بعد أن استقال من قضاء أربيل، فعينه معيدا لدرس ~~البخاري عنده، ثم عينه بعد مدة قاضيا في البصرة، واستقال من منصبه بعد سنة، ورجع ~~إلى بغداد، وتوفي بها سنة 1241ه، حيث كان من العلماء المشهورين، وعاش 70 سنة، رحمة ~~الله عليه. # سليمان الموصلي (1171-1233ه) # كان سليمان بك الموصلي الأصل المعروف بفخري زاده عالما فاضلا جليل القدر، ~~بارعا في اللغة العربية، ذا إلمام كامل بالفارسية، ماهرا في علم المنطق والفلسفة، ~~قضى حياته مجدا في دراسات العلوم وتدريسها ليعم نفعها ويؤتى ثمرها، إلى أن ~~توفي ببغداد سنة 1233ه رحمه الله، وعاش نحو اثنتين وستين سنة. # عناية الله أغا القبولي (1174-1230ه) # هو عناية الله أغا ابن أحمد أفندي القبولي البغدادي، وكان عالما فاضلا بارعا ~~في علم الموسيقى، وكان مولعا باقتناء الكتب، مشهورا بالذكاء، عاش 56 سنة، وتوفي ~~سنة 1230ه ببغداد، وله حاشية على «عبد الله اليزدي»، ووجد بعد موته في مكتبته 1463 ~~كتابا، كلها من نفائس المخطوطات في علوم مختلفة، رحمة الله عليه. # المنلا عبد الرحمن بن أبي ms166 بكر (1178-1242ه) # كان المنلا عبد الرحمن بن أبي بكر البغدادي عالما فاضلا، اشتهر بالتبحر في ~~الفقه الشافعي، وكان تمسكه بالمذهب الشافعي سببا في تقلده التدريس بمسجد ~~الشواف في الكرخ، وقد توفي إلى رحمة الله سنة 1242ه، وقيل إنه من مواليد سنة ~~1178ه. # عبد العزيز الشواف (1178-1249ه) # كان عبد العزيز أفندي الشواف عالما فاضلا، وكان يدعى «سيبويه الثاني»، أخذ ~~العلم عن أبيه العلامة محمد أفندي الشواف، وأخذ عنه عدة من علماء بغداد، وهو من ~~بيت علم وجاه، وتوفي سنة 1249ه في الطاعون الجارف ببغداد، رحم الله ضحايا الطاعون ~~ووقى المسلمين أجمعين. # محمد جواد السباهبوش (1179-1245ه) # هو السيد محمد جواد البغدادي المعروف بالسباهبوش، كان شيعي المذهب، طويل الباع ~~في الشعر والنثر، واتهم بالزندقة، وبلغ داود باشا والي العراق أنه يحاول اختصار ~~القرآن الكريم، فأحضره وسأله في ذلك، فأنكر وقال له: إن لي أسوة بجدي فقد رموه ~~قبلي بأكبر مما رموني به. # ولما لم تثبت التهمة أطلقه الوالي، وتوفي إلى رحمة الله سنة 1245ه، ومن شعره من ~~قصيدة طويلة يرثي بها الشيخ خالد النقشبندي: # خدين الهوى خف الخليط المعاهد # وأطلال أحباب هويت هوامد # وله قصيدة طويلة هجا بها بيوت التجار ببغداد في أيام داود باشا، وهي مشهورة، ~~ومطلعها: # لا تبتغي غير فضل الله في الطلب # ومن يؤمل عطاء الله لم يخب # ولا تبدل نعيما دائما أبدا # بلذة قرنت بالبؤس والتعب # صالح التميمي (1180-1261ه) # هو الشيخ صالح التميمي ابن الشيخ درويش ابن الشيخ علي زيني التميمي البغدادي، ~~ولد سنة 1180ه ببغداد، وتوفي بها سنة 1261ه وعمره 81 سنة، وكان من كتاب ~~العربية الأوائل في أيام داود باشا والي العراق، وهو من شعراء بغداد المشهورين، ومن ~~شعره من قصيدة في مدح داود باشا: # بطلعتك الزوراء أشرق نورها # فأعيادنا أيامها وشهورها # بعدلك والحلم استضاءت شموسها # وبأسك والحزم استنارت بدورها # لعمرك ما زاغت عن الرشد أمة # إذا كان عن داود يتلى زبورها # علي السويدي (1184-1245ه) # هو العلامة علي أفندي السويدي البغدادي العباسي، من أكابر علماء العراق، ومن ms167 ~~أشرف البيوتات في بغداد علما وفضلا وأدبا وفقها وتشريعا، وقيل إنه من مواليد ~~سنة 1184ه، وتوفي لرحمة الله سنة 1245ه. # خالد النقشبندي (1190-1242ه) # هو الشيخ خالد بن أحمد بن حسين النقشبندي، ولد سنة 1190ه في قصبة «قره طاغ» من ~~بلاد شهرزور، والمشهور أنه من ذرية عثمان بن عفان رضي الله عنه، هاجر إلى بغداد في ~~صباه، وأخذ العلم عن علمائها، ومنهم: السيد صبغة الله الحيدي، والسيد عبد الرحيم ~~البرزنجي، والشيخ محمد بن آدم الكردي، وأخذ عنه جماعة من العلماء. # وله عدة تآليف قيمة، منها: «شرح مقامات الحريري»، و«شرح العقائد العضدية»، ~~و«رسالة في إثبات مسألة الإرادة الجزئية»، وله ديوان شعر بالفارسية، وكان شافعي ~~المذهب، نقشبندي الطريقة، عالما زاهدا أديبا، بارعا في العلوم العقلية ~~والنقلية، وأخذ الإجازة الحديثية المتسلسلة من الشيخ الكزبري. # ولما علا صيته، واشتهر علمه، رحل إلى السليمانية لبث العلوم، ثم عاد إلى ~~بغداد وأقام بها مدة طويلة، ثم سافر منها إلى الشام في أيام داود باشا والي العراق، ~~وتوفي إلى رحمة الله في دمشق سنة 1242ه غير متجاوز الاثنين والخمسين عاما ~~هجريا. # عبد الجليل البصري (1190-1253ه) # هو السيد عبد الجليل البصري ابن السيد ياسين الطباطبائي، كان عالما فاضلا ~~أديبا، كاتبا شاعرا، أخذ العلوم عن علماء البصرة، وكان مشهورا بالتقوى والصلاح، ~~كريم الخلق، على جانب عظيم من الحلم والتواضع والزهد والورع. # وكانت ولادته سنة 1190ه، وتوفي إلى رحمة الله سنة 1253ه. # أحمد السويدي (1218-1287ه) # هو الشيخ أحمد أفندي السويدي، كان عالما فاضلا، اشتهر بكثرة التحصيل وسعة ~~الاطلاع في علوم الفقه والتشريع، وبرع في تفسير القرآن الكريم، وتولى القضاء ~~مرارا في بلاد العراق، وقد عمر تسعا وستين سنة، وتوفي إلى رحمة الله تعالى ~~سنة 1287ه. # عبد الغفار الأخرس (1221-1290ه) # هو السيد عبد الغفار الأخرس ابن السيد عبد الواحد ابن السيد وهب، ولد في الموصل ~~سنة 1221ه، ونشأ في بغداد، وهو سلفي العقيدة، علوي النسب، وكان يتجول في ~~البلاد العراقية، وفي أيام صباه أرسله داود باشا والي العراق إلى الهند ليصلح ~~لسانه ms168 من الخرس فرجع دون فائدة، وكان من الشعراء المشهورين، وتوفي سنة 1290ه رحمة ~~الله عليه، وقد جمع له ديوانا من الشعر بعد وفاته أحمد عزت باشا العمري، وهذا ~~الديوان مشهور بديوان الأخرس. # ومن شعره من قصيدة طويلة: # ظعن الركب ضحوة وأراني # لم يطب لي بعد الحبيب المقام # فاترك الهزل يوم جد بجد # إن هزل المقام بالشهم ذام # أمين الواعظ (1223-1274ه) # هو السيد أمين أفندي الواعظ ابن السيد محمد أفندي الشهير بواعظ القادرية، كان ~~عالما نحريرا، وفاضلا أديبا، وهو من بيت علم ومجد ببغداد، وكان لاشتهاره ~~بالتبحر في علوم الشريعة وفقه الحنفية يدعى أبا يوسف الثاني، وقد ولد سنة 1223ه، ~~وتوفي سنة 1274ه رحمه الله. # علي الكردي (1226-1316ه) # هو علي أفندي الكردي؛ إذ كان كردي الأصل، بغدادي المنشأ، أخذ العلم عن عبد ~~السلام أفندي، والسيد إسماعيل أفندي الموصلي، وكان محبوبا عند الخاصة والعامة، ~~محترما مهيبا أينما توجه أو أقام، وقد تقلد وظيفة التدريس في مدرسة حسن باشا، ~~وفي أواخر حياته تقلد وظيفة أمين الفتوى، وتوفي سنة 1316ه، وعمر نحو التسعين، ~~وكان مشهورا بالورع والزهد، كما تخرج عليه جماعة من علماء بغداد، يرحمه ~~الله. # المنلا عثمان الجبوري (1227-1304ه) # المنلا عثمان الجبوري البغدادي، كان عالما فقيها، مشهورا بالصلاح والورع ~~والذكاء، حتى إنه اختير تعيينه خطيبا في جامع الحلة من بلاد بغداد فكانت حلقات ~~دروسه غالبا ما يرد إليها جمهور كثير العدد من رواد العلم والتفقه في الدين، ~~وعمر رحمه الله نحو سبع وسبعين سنة، وتوفي بالحلة سنة 1304ه. # داود الكرخي (1231-1299ه) # كان الشيخ داود أفندي الكرخي - من بلدة الكرخ - عالما فاضلا، تقيا ورعا ~~زاهدا، مشهورا بالصلاح، وهو من كبار الصوفية في بغداد، نقشبندي الطريقة، حنفي ~~المذهب، وقيل إنه ولد في سنة 1231ه، وتوفي إلى رحمة الله سنة 1299ه. # حسين البثردري (1232-1322ه) # كان حسين أفندي البثردري ابن عبد الله عالما فاضلا، اشتهر بالتبحر في العلوم ~~العربية، وتقلد التدريس بمدرسة الأعظمية مدة طويلة، وكانت وفاته رحمة الله عليه ~~سنة 1322ه، وعمره نحو التسعين، وقد مضى ms169 في تدريس العلوم العربية وإرشاد طلاب ~~المعرفة إلى ما ينفعهم في دنياهم وأخراهم، ومكث أكثر من ستين عاما يزاول مهنة ~~التدريس وتثقيف الدارسين عليه، جزاه الله خيرا. # عبد الفتاح البغدادي (1233-1299ه) # كان عالما فاضلا جليلا مشهورا بالفقه، حتى كان يعرف بأبي يوسف الثاني، وعمل ~~مدرسا بمدرسة القادرية، وعمر نحو ست وستين عاما، وتوفي إلى رحمة الله تعالى ~~سنة 1299ه بعد أن انتفع بدراساته وتهذيبه جم غفير من الطلبة والرواد. # عبد السلام أفندي (1234-1318ه) # هو من أكابر علماء العراق، ولد سنة 1234ه في أيام داود باشا والي العراق، وأخذ ~~العلم من العلامة السيد محمود شكري الآلوسي، وعن العلامة عيسى النبدنجي، وأخذ عنه ~~جماعة من علماء بغداد، وكان زاهدا ورعا، عمر طويلا، وتوفي سنة 1318ه، وهو من ~~سكان الجانب الغربي من بغداد، وكان مدرسا في مدرسة القادرية، محترما عند الولاة، ~~محبوبا عند جميع البغداديين على اختلاف مذاهبهم، وله نفوذ ديني على أهل السنة ~~ولا سيما أهل الجانب الغربي. # ولما مات أغلقت أسواق بغداد ذلك النهار، وكانت لموته رنة حزن، وهو حنفي ~~المذهب، وله رسالة «شرح الإظهار» في النحو، و«شرح حديث جبريل عليه السلام». # إسماعيل الموصلي (1236-1302ه) # كان من أكبر علماء العراق، أخذ العلم عن علماء الموصل مسقط رأسه في سنة 1236ه ~~حيث كان مولده، ثم هاجر إلى بغداد وسكن بها، ثم نصب مدرسا في مدرسة الصباغين، ~~وأخذ عنه العلم جماعة من علماء بغداد، منهم: السادة شاكر أفندي الآلوسي، والسيد ~~أحمد أفندي الخالدي، وعلي أفندي الكردي، وكان سلفي العقيدة، ذكيا، زاهدا، حسن ~~الأخلاق، توفي سنة 1302ه ببغداد. # محمد فيظي المفتي (1237-1307ه) # هو الشيخ الجليل محمد فيظي أفندي المفتي، المشهور بالزهاوي، كان عالما فاضلا، ~~هاجر من بلاده الكردية في صباه، وسكن ببغداد وأخذ العلم عن علمائها الأعلام، حتى ~~فاق أقرانه، فولته الحكومة إفتاء بغداد، وبقي في منصبه إلى أن مات إلى رحمة ~~الله بعد أن عمر سبعين سنة، وتوفي سنة 1307ه، وترك عدة أولاد: أشهرهم الشاعر ~~جميل صدقي أفندي الزهاوي، ومحمد أفندي مفتي بغداد، ms170 ورشيد باشا، رحمهم الله ~~جميعا. # حيدر سليمان الحلي (1246-1304ه) # هو السيد حيدر سليمان الحلي، ولد سنة 1246ه بالحلة إحدى بلاد بغداد، وهو من ~~وجوه أعيان الشعراء المشهورين، ومن شعره من قصيدة طويلة هذين البيتين: # زارت على رقبة عذالها # فاقتبل العمر بإقبالها # طيبة الأردان ما استبخرت # بالمندل الرطب كأمثالها # أحمد المشاهدي (1262-1336ه) # هو السيد أحمد أفندي ابن السيد إبراهيم ابن السيد المشاهدي البغدادي، كانت ~~ولادته سنة 1262ه، وقد أخذ العلم عن علماء العراق، ومنهم: السيد عبد الله أفندي ~~الآلوسي، ومنلا إسماعيل أفندي الموصلي، وحسن بك الشاوي، فكان من أكبر علماء ~~الشافعية ببغداد، وقد اشتهر بالعلم الغزير والزهد والورع، كما أخذ الطريقة ~~النقشبندية عن الشيخ أبي بكر الصلاحيه لي الأربيلي، وفي أواخر أيام حياته تولى ~~رياسة تكية الخالدية ببغداد، ولما بلغ نحو أربعة وسبعين عاما توفي لرحمة الله سنة ~~1336ه. # عباس الكرخي (1267-1335ه) # كان من علماء بغداد، ولد بمدينة الكرخ سنة 1267ه، وهي إحدى مدن العراق، واشتهر ~~بالزهد والورع، وكان عالما جليلا، وله مؤلفات كثيرة نفيسة تحتوي على المخطوطات ~~والمطبوعات، وعين أمينا للفتوى ببغداد، ثم عين مدرسا بمدرسة سامرا، وتوفي ~~إلى رحمة الله سنة 1335ه. # عبد الرازق الأعظمي (1281-1328ه) # هو من أكبر رجال السلفية ببغداد، أخذ العلم عن عبد السلام أفندي، والسيد نعمان ~~الآلوسي، وعلام رسول الهندي، وكان عالما فاضلا زاهدا ورعا ذكيا، سلفي ~~العقيدة، غير مقلد لمجتهد، وكان يدعي الاجتهاد، ومن تلاميذه السيدان: حميدي ~~أفندي الأعظمي، ونعمان أفندي الأعظمي، وكان له نفوذ ديني على النجديين، وله أسفار ~~عديدة في نجد والحجاز. # وتوفي إلى رحمة الله سنة 1328ه وعمره 47 سنة. # | أعلام الحجاز وحضرموت # رقم مسلسل # أسماء الأعلام # التاريخ # 1 # محمد شهاب الدين المصري # 1210-1274ه # 2 # علوي بن أحمد السقاف # 1255-1335ه # 3 # عثمان الراضي # 1260-1331ه # 4 # محمد بن عقيل العلوي # 1279-1349ه # 5 # علي حيدر # | محمد شهاب الدين المصري # 1210-1274ه # هو الشيخ شهاب الدين الحجازي محمد بن إسماعيل بن عمر المصري محتدا الشافعي مذهبا، ~~وهو شريف النسب، ولد بمكة المكرمة سنة 1210ه، وحضر ms171 إلى القاهرة صغيرا ونشأ بها، ~~واشتغل أولا بالقبانة، ثم دخل المحكمة الشرعية تلميذا للتعلم، ومال للأدب حتى نبغ في ~~نظم الشعر واشتهر به شهرة تامة، واشتهر أيضا بمعرفة الفنون الرياضية كالحساب والهندسة ~~والموسيقى، أخذ عن العلامة الشيخ حسن العطار شيخ الإسلام الأسبق، وانفرد بالرياسة في ~~تحرير الوقائع، ثم أحيلت إليه رياسة تصحيح الكتب بمطبعة بولاق، ومن ثم داخل الأعيان ~~حتى اتصل بالوالي السابق عباس الأول وتقرب إليه ومدحه بالقصائد، فأحبه وقربه حتى ~~صار كبير جلسائه وندمائه، وجعل له في كل قصر من قصوره حجرة يبيت فيها الليلتين ~~والثلاث إذا طلبه للمجالسة والمنادمة، وأفاض عليه من نعمه، وقبل شفاعته حتى صار له ~~بذلك جاه عريض. # وله معه نوادر غريبة؛ فمنها أن المترجم كان جالسا في حجرته مرة في أحد القصور، ومعه ~~بعض جلساء الوالي ينتظرون الإذن بالدخول إليه، فقال في عرض كلامه: يقولون إن البغلة لا ~~تحمل، أفلا يكون ذلك بسبب رطوبات أو ما أشبهها تعوق حملها؟ وعند الوالي أطباء كثيرون، ~~فلو أنه أمر بعضهم بالبحث في سبب هذه العلة وإزالتها فلست أشك في أنها تحمل بعد ~~ذلك، وأسرع بعض العيون فبلغ الوالي كلامه، فجاءه بعد هنيهة أحد رجال القصر يقولون ~~له: إن الوالي سيأمر الأطباء بما أشار به، ولكنه يسأل: ماذا يكون إذا لم تحمل ~~البغلة؟ # فبهت القوم لنقل المجلس بهذه السرعة، إلا المترجم، فإنه قال لرجل القصر: بلغ ~~مولاك أن لي كذبتين كل سنة أيام الباذنجان هذه إحداهما. # وكان رحمه الله رقيق المزاج، أنيس المحضر، عظيم الرأس، وسطا بين الطول والقصر، ~~لا يمل جليسه من نوادره المستظرفة الطريفة الرائعة، وتعلق بعلم الموسيقى فبرع فيه، ~~وأخذ عنه كثيرون، وجمع فيه كتابا سماه «سفينة الملك ونفيسة الفلك»، وهو كتاب جليل في ~~فن الموسيقى والأغاني العربية حوى نخبة من مختار الشقيق الرقيق وضروبه، طبع حجر سنة ~~1281ه. # ومن مؤلفاته الكثيرة: ديوان شهاب الدين المصري، وفيه: القصائد في كل فنون العروض ~~ومعاني الشعر، رتبه على ثمانية أقسام. # ومن شعره في الهزج: # لئن تهزج ms172 بعشاق # فهم في عشقهم تاهوا # مفاعيلن مفاعيلن # وقالوا حسبنا الله # وأرخ تمام كتابه سفينة الملك سنة 1259ه، # هذي سفينة فن بالمنى سنحت # والفضل في بحره العجاج أجراها # وإذ جرت بالأماني فيه أرخها # سفينة البحر بسم الله مجراها # وأنشد ما كتب على ستر السيدة آمنة أم المصطفى عليه الصلاة والسلام: # إن هذا الحمى حمى بنت وهب # وهي «فيه» أم الشفيع الضمين # قل ولا فخر هذه أرخوها # أم طه الكريم خير أمين # وأنشد في تقريظ كتاب ملتقى الأبحر سنة 1263ه: # أنفح روض الآس والعبهر # أهدي أريج المسك والعنبر # أم عطر الآفاق طيب الثنا # عن جهبذ الشهبا الهمام السري # من ملتقى أبحر عرفانه # أبدي صحاح الدر والجوهر # وأبرز الإبريز من كنزه # حتى بدا يحكي سنا المشتري # وإذ زها بالطبع أرخته # أبهى كتاب ملتقى الأبحر # ومن قصيدة امتدح بها المرحوم الشيخ محمد أمين المهدي: # إن قلت في الفتوى سواك أمين # فأنا الذي فيما أقول أمين # 1 # يا كوكبا فوق السماك مكانه # وضياؤه في الخافقين مكين # الجوهر الشفاف فطنتك التي # كالماء سال وما سواه الطين # وكانت وفاته بالقاهرة سنة 1274ه، ودفن خارج باب النصر بحفل حافل من العلماء والأدباء ~~الذين يقدرون علمه وفضله، رحمه الله. # | علوي بن أحمد السقاف # 1255-1335ه # هو السيد علوي بن أحمد بن عبد الرحمن السقاف، نقيب السادة العلويين بمكة المكرمة، ~~وأحد فقهائها الفضلاء والأعيان، ولد بها سنة 1255ه، وولي النقابة سنة 1298ه، ثم هاجر ~~بأسرته إلى بلدة الحج سنة 1311ه، ملبيا دعوة أميرها الفضل بن علي، فأقام بها إلى سنة ~~1327ه، وعاد إلى مكة المكرمة فتوفي بها في المحرم سنة 1335ه، من كتبه: حاشية في فقه ~~الشافعية سماها «ترشيح المستفيدين»، ومجموعة فيها سبع رسائل، ورسائل في النحو والفلك ~~والميقات، وله مجموع منظوم فيه ثلاثون علما سماه: «مصطفى العلوم»، وكتاب في «أنساب ~~أهل البيت». # وله بديعية نبوية رأيت أبياتا منها، قال فيها: # الاستدراك: قالوا نرى لك صبرا بعد فرقتهم # فقلت مستدركا لكنه بفمي # التوشيع: زادوا هيامي بتوشيع الملام لهم # من صولة الجائرين: ms173 البين والعدم # المغالطة: غالطتهم حين قالوا: أين منزلهم # ومن هم؟ قلت: أهل البان والعلم # الغيرة: إني أغار عليهم أن أسميهم # وهم بقلبي وأشكو حر بينهم # المناقضة: لهم لدي عهود لست أنقضها # إلا إذا شئت أو شاء الهوى عدمي # القسم: لا بلغتني المعالي من تناولها # إن لم أكن في ولائي صادق القسم # رحمه الله رحمة واسعة. # | عثمان الراضي # 1260-1331ه # هو الشيخ عثمان بن محمد بن أبي بكر بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الراضي المكي، ~~شاعر بني عون، وأديب الحجاز في عصره، رحل إلى قسطنطينية، وزار سورية، وله قصيدة في مدح ~~بيروت، وأطلعني ابنه الشيخ أحمد راضي على بضعة آثار له، منها: ~~(1) # كتاب «الأنوار الحميدية» شرح فيه بديعية للأديب عبد الله فريج في مدح ~~السلطان عبد الحميد، مطلعها: # براعتي في الهوى دلت على هممي # لما استهلت دموع العين كالعتم # ومن هذا المطلع يلوح ضعف القصيدة، أما الشرح فمن أكمل شروح البديعيات، ~~وهو مجلد ضخم في 572 صفحة جميل الخط، على هامشه تعليقات يسيرة بخط ~~المؤلف. ~~(2) # قطعة من كتاب له وضعه تعليقا على «الرحلة الحجازية» للسيد محمد ~~البتانوني، وقد مات رحمه الله قبل إتمامه، وفي هذه القطعة فوائد بعضها جدير ~~بالنظر. ~~(3) # نبذ من ديوانه، وأخبرني ابنه الشيخ أحمد أنه يقع في مجلدين، ومن ~~شعره: # لله معهد أنسنا # ما بين قرج والغدير # مغنى تخال قبابه # في البهو هالات البدور # يسمو برونقه على # حسن الخورنق والسدير # كم فيه من بدر تكح # ل بالدلال على الفتور # غوث الطريد المستغي # ث وملجأ العاني الأسير # روح تكون رحمة # لكنه في جسم نور # سمح إذا ضن الغما # م سقى بنائله الغزير # وكان مولده نحو سنة 1260ه، وتوفي بمكة المكرمة في 19 من المحرم سنة 1331ه. # كما أخبرني ابنه أيضا أن كتاب «تاريخ الدول الإسلامية بالجداول المرضية» المطبوع ~~على الحجر منسوبا للسيد أحمد بن زيني دحلان هو لأبيه صاحب الترجمة، وأن منه نسخة بخط ~~المؤلف الشيخ عثمان ما زالت عنده. # | محمد بن عقيل العلوي # 1279-1349ه # وقفت له ms174 على ترجمة بخطه، قال رحمه الله: # هذا تعريف بالفقير إلى الله محمد بن عقيل بن عبد الله يحيى، طلبه بعض الإخوان ~~منه: # هو محمد بن عقيل بن عبد الله صاحب البقرة، ابن عمر بن أبي بكر بن طه بن محمد بن شيخ ~~بن أحمد بن يحيى بن حسن الأحمر بن علي العناز بن علوي بن محمد مولى الدويلة، ابن علي بن ~~علوي بن محمد الفقيه المقدم، ابن علي بن محمد صاحب مرباط، ابن علي خالع قسم، ابن علوي ~~بن محمد بن علوي بن عبد الله بن المهاجر أحمد بن عيسى بن محمد بن علي العريضي، ابن جعفر ~~الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب. # وأحمد بن عيسى هو أول من سكن حضرموت من العلويين، هاجر إليها من البصرة سنة 317ه، ~~وترجمته وترجمة المذكورين من آباء المعرف به مشهورة، وكثير من أمهاتهم وأمهاتهن معروفة ~~أنسابهن، واللاتي تعرف سلسلة اتصالهن بالزهراء منهن نحو سبعمائة، رحمهم الله ~~تعالى. # ولد محمد بن عقيل بحضرموت بقرية مسيلة آل شيخ ونشأ بها، وكانت ولادته ضحى يوم ~~الأربعاء ليومين بقيا من شهر شعبان سنة 1279ه الموافق 18 فيبرواري (فبراير) سنة 1863ه، ~~وكان والده السيد عقيل من أشهر أعيان حضرموت نفوذا وعلما، وأكثرهم سعيا في إصلاحها، ~~وبنفوذه ونقوده وجده تم ما ابتدأ فيه والده السيد عبد الله من طرد يافع من قلب ~~حضرموت وتأمير آل كثير عليها، وكسر الجيوش التي جلبها يافع من الهند واليمن لأخذ الثأر، ~~وقد بدأ إقامة سد مهم لري قسم كبير من حضرموت فمات قبل إتمامه، وأجرى عيونا ~~بجوار قرية ساة، واقتنى كتبا جمة جلها مخطوطة وبعضها من أقدم ما طبع، ولم تزل ~~محفوظة في مكتبته الحافلة بشتى العلوم والفنون والآداب. # ووالد السيد عقيل هذا هو السيد عبد الله المشهور في الحجاز واليمن والهند وجاوة بصاحب ~~البقرة، وقد ترجم له أكثر من واحد، وهو أحد الأعلام الجامعين بين العلم والعمل الساعين ~~في إصلاح البلاد، وله عدة ms175 رسائل وفتاوى معتمدة نافعة، وجمع مكتبة مخطوطة لم تزل بقيتها ~~أكبر مكتبة معروفة بحضرموت. # ووالدة محمد المذكور هي الزهراء بنت العلامة السيد عبد الله بن الحسين بن طاهر، ~~وإليه وإلى أخيه أمير المؤمنين بحضرموت (ولم يدع بهذا اللقب بحضرموت غيره) وإلى ابن ~~شقيقتهما السيد عبد الله صاحب البقرة ينتهي إسناد الحضارمة في العلوم الشرعية. # وبعد بلوغ محمد هذا ست سنين جلب له والده من يعلمه القراءة والكتابة في بيته ~~حفظا له من الاختلاط بالناس، وفي بضعة أشهر ختم قراءة القرآن الكريم في المصحف، ثم ~~حفظ عددا من مختصرات المتون في العربية وغيرها، مع أكثر من ربع كتاب الإرشاد في الفقه، ~~والملحة، ونظم القواعد الفقهية، وبعض دواوين الشعر ، وأكثر مقامات الحريري وغير ذلك، ~~وقد لازم والده إلى وفاته وقرأ عليه وانتفع به، وحضر دروس عمه السيد محمد بن عبد ~~الله نحو سنة، وانتفع كثيرا من العلامة الأوحد الجليل السيد أبي بكر بن عبد الرحمن ~~بن شهاب الدين في أوقات متفرقة قضاها في رعايته بحضرموت وجاوة والهند. # وقد احتاج للرحلة عن وطنه صغيرا لوفاة والده السيد عقيل سحر ليلة الأربعاء لثلاث ~~بقين من صفر سنة 1294ه عن أقل من 45 عاما، فسافر في صفر سنة 1296ه من وطنه بعد أن تزوج ~~فيه بنت السيد عثمان بن عبد الله بن عقيل بن يحيى العلوي أكبر علماء جاوة ومفتيها ~~الأكبر، فوصل سنغافورة منتصف ربيع الأول سنة 1296ه، ودخل جزيرة جاوة، واشتغل في بعض ~~نواحيها وفيما جاورها بالتجارة وبالزراعة وبالتصدير، فكانت له صلات تجارية واسعة ~~الأطراف بجهات متعددة في الصين واليابان وجزائر الفلبين وسومطرة وغينيا الجديدة والهند ~~والسند وبرما وسيلان واليمن والحجاز ومصر والشام والعراق والآستانة والأناضول وبعض ~~أوروبا، وله معارف ببعض تلك النواحي وأصحاب، ورحل وساح في الكثير من هذه الأصقاع، ~~وكرر زيارة بعضها، وأقام مددا في بعضها كالصين واليابان والحجاز والهند وسومطرة وبعض ~~عواصم أوروبا، وحضر معرض باريس سنة 1900م ثم عاد إليها بعد ذلك، ولم تكن له معرفة بغير ~~اللغة العربية ولغة ms176 ملايو، ويفهم قليلا من لغة أردو الهندية وما لا يذكر من لغات ~~أخرى، وقيد فوائد متعلقة بتلك السياحات في مدة أكثر من أربعين سنة في مسودات لم ~~تبيض ضاع بعضها. # ثم طاف في حضرموت وغيرها منقبا عن آثار الأقدمين، وعرف كثيرا من أمراء جزيرة ~~العرب وكبرائها وعلمائها، ومن جهات أخرى، وانتفع بكثير من العلماء والصالحين، وحضر دروس ~~معظمهم، وقرأ على بعضهم رسائل ومختصرات وأوائل كتب كالأمهات، وأجازه كثير منهم ~~بمروياتهم، كما أجازه بعض من لم يتيسر له ملاقاته، كالشيخ البركة محمد العرب نزيل ~~المدينة، وأرسل له لباسا مع الإجازة، ومنهم الحافظ الجليل محدث اليمن الشيخ حسين بن ~~محمد السبعي اليمني نزيل يهويال بالهند، وقد ذكر طرقه وأسانيده في إجازاته. # وممن أجازه مشافهة العلامة الصوفي السيد المحسن بن علوي بن سقاف السقاف، وبقية ~~السلف السيد محمد بن إبراهيم بلفقيه، والمعمر الصالح العابد السيد شيخ بن عمر السقاف، ~~والجهبذ العلامة السيد أحمد بن محمد المحضار، والبارع المحقق المتفنن علامة العصر ~~السيد أبو بكر بن عبد الرحمن بن شهاب الدين، والحافظ الجليل الإمام السيد أحمد بن حسن ~~العطاس الضرير، والعلامة البركة السيد علي بن محمد الحبشي، وأنموذج الأسلاف شريف ~~الأوصاف الورع الزاهد العلامة السيد عيدروس بن عمر الحبشي، والصالح البركة السيد أحمد ~~بن عمر العيدروس نزيل سورات بالهند، والعابد الناسك السيد المحسن بن عمر العطاس نزيل ~~باروده بالهند، وقد ألبسه كل هؤلاء خرقة الصوفية. # وممن أجازه وألبسه خرقة التصوف علامة المدينة الشيخ حبيب الرحمن الدكني الهندي، ~~وممن أجازه العلامة المحدث السيد محمد مظهر المدني. # وحصلت بينه وبين كثير من الفضلاء محبة ومكاتبة، ومباحثة ومراجعة، وحبب إليه ربه ~~المطالعة في الكتب النافعة فكانت هي السمير والرفيق، والتقط من بحرها فرائد فوائد أورد ~~كثيرا منها فيما جمعه من الرسائل والكتب التي يشتغل بكتابتها في ساعات الراحة. # وكان جل إقامته وتجارته في جزيرة سنغافورة، وفي سنة 1338ه أرسل بعض أفراد أسرته ~~إلى مكة المكرمة، ثم في سنة 1339ه أرسل من بقي منهم مع حاشيته، ثم لحق ms177 بهم فيها، ~~وأقام بها ستة أشهر، ثم رحل بجميع أهله ومن معه من الحجاز في صفر سنة 1340ه إلى ~~المكلا أسكلة حضرموت، وهو الآن # 1 # بها، وفقه الله لما به يرضى عنه بمنه وكرمه، والحمد لله والصلاة ~~والسلام على سيدنا محمد وآله. # | علي حيدر # كان الشريف علي حيدر من الأسرة التي تولت إمارة الحرمين الشريفين فينتمي سمو ~~الأمير علي حيدر إلى أسرة آل زيد الذين حكموا الحجاز إلى سنة 1250ه، وانتهى هذا الحكم ~~بإلقاء القبض على الأمير الشريف غالب الذي نفي هو وأولاده السبعة وحاشيته وعددها أربعة ~~وثلاثون شخصا إلى سلانيك فتوفوا جميعا في يوم واحد، فعينت الدولة العثمانية بعده ~~بمدة وجيزة الأمير الشريف محمد عبد المعين بن عون جد الملك الحسين والأشراف المقيمين ~~في جهات القبة . # ويجتمع نسب آل زيد وآل عون بعد اثني عشر جدا، فلم يكن لأسرة آل عون حكم في ~~الحجاز إلا بعد تلك الحادثة التاريخية؛ فلذلك وقعت منازعة بين الفريقين بسبب الحكم، ~~فكانت الدولة العثمانية تعين أمراء مكة من هذه العائلة أي من أسرة آل عون حتى الحرب ~~العظمى. # وعلى أثر ثورة الملك حسين بنهضته المعروفة وإعلان استقلاله عن الخلافة عينت الحكومة ~~في سنة 1915م سمو الأمير الشريف علي حيدر أميرا بدلا من الحسين، تلقى علومه في ~~السراي السلطانية مع أمراء آل عثمان، فهو يحسن اللغات العربية والتركية والفرنسية ~~والإنكليزية، ومشغوف بالرسم والموسيقى أيضا، وكان عضوا بمجلس الشيوخ العثماني ~~ووزيرا للأوقاف، وأميرا على مكة، هو ذو شخصية قوية ولا يضارعها أحد من أبناء ~~عشيرته. # وقد كان تعيينه شريفا للحجاز مما صدر به الأمر ولم ينفذ لانكسار الدولة في ~~الحرب العظمى واستقلال الشريف حسين بالحجاز. # كما أنه قد أشيع العزم على انتخابه ملكا على سورية سنة 1348ه، وهو ابن الشريف ~~عبد المطلب. # وقد كان محبا للعلم والعلماء، ولوعا بكل ما يكسب المرء إجلالا واحتراما، ~~لاتصافه بالأخلاق الطيبة والمزايا الحميدة، وفي عطفه على الضعفاء والبائسين، والاجتهاد ~~في الدأب وراء ما يفيد الناس في دنياهم وأخراهم بما يبذله ms178 من بر وإحسان، منفقا في ~~سبيل الله ما وسعه الجهد وما وجد إلى ذلك سبيلا. # كما كان يميل إلى جمع نفائس المؤلفات من مخطوطات نادرة ومطبوعات قيمة، حتى إنه ترك ~~مكتبة زاخرة بشتى المؤلفات الفريدة في نوعها، وكانت مضرب الأمثال بما احتوته من ~~المصنفات التي يندر وجودها في كبرى المكتبات الأخرى. # | أعلام الأفارقة # تونس، والجزائر، والمغرب. # رقم مسلسل # أسماء الأعلام # التاريخ # 1 # عبد القادر الجزائري # 1222-1300ه # 2 # محمد محمود التركزي الشنقيطي # 1245-1322ه # 3 # أحمد بن الخوجة التونسي # 1246-1310ه # 4 # محمد الخضر حسين # 1293-1378ه # | عبد القادر الجزائري # 1222-1300ه # وقفت له على ترجمة كتبها حفيده الأمير طاهر الجزائري، قال: هو سمو الأمير عبد القادر الجزائري الحسيني الكبير فرع الشجرة الزكية، وبدر العصابة الحسنية، إنسان عين ~~السادة الأخيار، وعقد جيد القادة الأبرار، صدر الشريعة بل تاجها، بدر الحقيقة بل ~~معراجها، نخبة آل بيت اشتهرت بالشرف أوائلهم وأواخرهم، وأشرقت في أفق سماء السعادة ~~فضائلهم ومفاخرهم، من عجزت عن حصر أوصافه الأقلام، وتباهت بوجوده الليالي والأيام، ~~وتزينت الطروس بغرر مزاياه ومدائحه، وتلت النفوس آيات الحمد والإخلاص في صحائفه، ~~واسطة عقد الشرف المقتنى، وغصن شجرة المجد المجتنى، كعبة القاصدين، حرم الخائفين، ~~ناصر الدين، الأمير عبد القادر بن محيي الدين بن مصطفى بن محمد بن المختار بن عبد ~~القادر بن أحمد المختار بن عبد القادر بن خدة بن أحمد بن محمد بن عبد القوي بن علي بن ~~أحمد بن عبد القوي بن خالد بن يوسف بن أحمد بن بشار بن أحمد بن محمد بن إدريس بن إدريس ~~بن عبد الله الكامل بن الحسن المثنى بن الحسن السبط ابن فاطمة الزهراء، بضعة خير ~~الأنام، عليه أفضل الصلاة وأكمل السلام. # ولد قدس الله سره في رجب سنة ألف ومائتين واثنتين وعشرين ببلدة القيطنة التي ~~اختطها جده بإيالة وهران من أعمال الجزائر، ثاني أنجال والده ووالدته السيدة الشريفة ~~الزهراء بنت السيد عبد القادر بن دوخة الحسيني، تربى في حجر والده، وفي مدرسته حفظ ~~القرآن الكريم، وأخذ العلم عن أهل العرفان. ms179 # وفي سنة 1236ه سافر إلى وهران وحصل بها، وبرع في مختلف الفنون. # وفي سنة 1241ه سافر منها برا صحبة والده ذي الكمالات والعلوم الباهرة، قاصدين مكة ~~المكرمة عن طريق القاهرة، وبعد الحج رجعا إلى دمشق الشام، لزيارة الصلحاء والعلماء ~~الأعلام، وأخذ بها عن الولي الصالح الإمام حضرة مولانا الشيخ خالد المجدوي الطريقة ~~النقشبندية، ثم غادرها إلى بغداد حيث أخذ الطريقة العلية القادرية على السيد محمود ~~الكيلاني، ثم رجع برا إلى الشام، ومنها قصد بيت الله الحرام مرة أخرى، وبعد أداء ~~المناسك رجع من طريق البر إلى بلدته في السنة الثالثة والأربعين بعد المائتين والألف من ~~الهجرة. # وفي سنة 1246ه قام والده بأمر الجهاد فحارب معه سنتين، وفي رجب سنة 1248ه بايعه أهل ~~الجزائر أميرا عليهم لاشتهاره بالشجاعة والعلم والصلاح والبراعة، فباشر الأعمال، وركب ~~الأخطار والأهوال، وأقام الإمارة على قدمي الفضل والعدل، وزانها بما يؤيده العقل ~~والنقل، وضرب السكة من فضة ونحاس، وأنشأ المعامل للأسلحة واللباس، وقام بأمر الجهاد ~~ستة عشر عاما، يحارب جيوش فرنسا ويحمي دينه ووطنه، وأظهر من الشجاعة والبسالة في كل ~~مجال ما اشتهر في الآفاق، وقد بسطت ترجمته في كتابي المسمى ب «تحفة الزائر في مآثر ~~الأمير عبد القادر». # وكان يباشر القتال بنفسه، ويتقدم أصحابه في المواقف، فيرجع وألبسته محرقة من الرمي ~~بالرصاص، ولم يصبه سوى جرح بكتفه وآخر بأذنه، وماتت تحته عدة خيول. # ثم هاجمته جيوش مراكش من جهة أخرى، وبعد محاربات عديدة علم أن التسليم أولى، ~~فسلم لفرنسا على شروط مقررة وعهود، وذلك في المحرم 1264ه، وبقي محجورا عليه ~~عندها. # وفي سنة 1266ه زاره في محل إقامته بمدينة «أمبواز» نابليون الثالث إمبراطور فرنسا ~~وبشره بإطلاق سبيله، وأهدى إليه سيفا مرصعا، ورتب له في كل سنة خمسة آلاف ليرة ~~فرنسية. # ثم سافر إلى باريس ومنها إلى الآستانة حيث قابل السلطان عبد المجيد خان فأكرم ~~وفادته، ومنحه دارا عظيمة بمدينة «بورصة»، ثم رجع سنة 1270ه إلى الآستانة وتوجه ~~منها إلى باريس، ثم رجع إلى بورصة وبقي بها ms180 حتى سنة 1271ه، فغادرها إلى دمشق للإقامة ~~بها. # وفي سنة 1273ه توجه إلى زيارة بيت المقدس، وقرأ خلال شهر رمضان في دار الحديث هناك ~~البخاري، كما قرأ الإتقان والإبريز في مدينة الجقمقية. # وفي شهر رمضان سنة 1275ه اعتكف بالجامع الأموي، وقرأ الشفاء والصحيحين في مشهد الإمام ~~الحسين رضي الله عنه، وفي سنة 1277ه زار حمص وحماة، ومنح من الدولة العلية النيشان ~~المجيدي من الرتبة الأولى، ونياشين كثيرة من دول مختلفة، تقديرا لما أبداه من ~~المساعدة للمسيحيين في الفتنة التي حدثت في تلك السنة. # وفي سنة 1280ه توجه إلى مكة المكرمة وأقام بها وبالطائف وبالمدينة المنورة سنة وستة ~~أشهر، وأخذ بمكة الطريقة الشاذلية عن الشيخ محمد الفاسي. # وفي سنة 1282ه قصد الآستانة وقابل السلطان عبد العزيز فأكرم نزله ومنحه النيشان ~~العثماني من الرتبة الأولى، ثم توجه منها إلى باريس فزاد له الإمبراطور نابليون ~~الثالث 2500 ليرة فرنسية على مرتبه السنوي السابق. # وفي سنة 1286ه دعي إلى مصر لحضور احتفال خليج السويس، وقرأ «الفتوحات المكية» مرتين ~~سنة 1289ه بعد أن أرسل عالمين لتصحيحها على النسخة الموجودة بخط مؤلفها الشيخ الأكبر ~~في «قونية»، وأخذ الطريقة العلية المولوية على الدرويش صبري شيخ طريقة المولوية بالديار ~~الدمشقية. # وكان مالكي المذهب، محافظا على السنن، عاكفا على شهود الجماعة، كثير الصدقات، ~~وجعل مرتبا في كل شهر للعلماء الصلحاء والفقراء، عاملا بتقوى الله في السر ~~والجهر. # وتغلغل في آخر عمره في علوم القوم، وأظهر من دقائق الحقائق وعوارف المعارف ما يؤذن ~~بسمو مقامه وعلو قدره، وكان يصوم شهر رمضان على الكعك والزبيب، معتزلا عن القريب ~~والغريب، وله خلوة يتحنث بها في قصره بقرية أشرفية صحنايا، وكان خلال مرض وفاته ~~مشتغلا بالمراقبة والمشاهدة، حتى إنه ما أن ولا تأوه برغم اشتداد آلام الكلى ~~والمثانة طيلة 25 يوما، إلى أن انتقل إلى رحمة ربه الكريم في منتصف ليلة السبت 19 من ~~رجب سنة 1300ه في قصره بقرية دمر بدمشق. # وصلى عليه بالجامع الأموي خلق كثير، واجتمع في جنازته أمم من ms181 جميع الملل، ودفن ~~ظهر يوم السبت إلى جوار الشيخ الأكبر سيدي محيي الدين ابن العربي الحاتمي في ~~حجرته. # وقد توفي عن زوجته ابنة عمه وعشرة أولاد ذكور وست بنات، وثلاث جوار جركسيات وجارية ~~حبشية، وكان رضي الله عنه معتدل القامة، عظيم الهامة، ممتلئ الجسم، وجهه أبيض مشرب ~~بحمرة، وشعر رأسه أسود إذ كان يخضب بالسواد، أقنى الأنف، أشهل العينين. # وله من المؤلفات تعليقات على حاشية جده السيد عبد القادر بن خدة في علم الكلام، ~~وتنبيه الغافل وذكرى العاقل، والمقراض الحاد لقطع لسان الطاعن في دين الإسلام من أهل ~~الباطل والإلحاد، والمواقف في علم التصوف، وله من الشعر الرائق والنثر الفائق ما يطرب ~~الأسماع، ويستهوي الألباب والطباع، كما كان يجيد اللعب بالشطرنج، ويحسن الخياطة ولا ~~سيما خياطة الشبكة، وبالجملة كان إماما جليلا، عالما عاملا، نبيها نبيلا، زاهدا ~~ورعا، مهيبا شجاعا، كريما حليما أوابا، رضي الله عنه وأرضاه، وجعل الجنة ~~مثواه، آمين. # وله ديوان شعر فائق العبارات، رائق الإشارات ، سماه: «نزهة الخاطر في قريض الأمير ~~عبد القادر». # ومنه قوله مفاخرا بانتمائه إلى آل البيت: # أبونا رسول الله خير الورى طرا # فمن في الورى يبغي يطاولنا قدرا # ولانا غدا دينا وفرضا محتما # على كل ذي لب به يأمن الكفرا # وحسبي بهذا الفخر من كل منصب # وعن رتبة تسمو وبيضاء أو صفرا # وقال قدس الله سره لما شاهد تشييد حصن «طازه» في أسرع وقت، وأمر بكتابته على ~~باب الحصن: # الله أعلم أن هذا لم يكن # مني على الأمد الطويل دليلا # كلا وإن منيتي لقريبة # مني وأصبح في التراب جديلا # ورضا الإله هو المنى، ويكون من # بعدي انتفاع الخلق ثم طويلا # وقال لما تركه إخوته وتوجهوا إلى مراكش في أيام الجهاد: # يا سواد العين يا روح الجسد # يا ربيع القلب يا نعم السند # كنت لي قرة عين، وبها # راح قلبي لا بمال وولد # فرمى الدهر بعيني أسهما # مذ نأيتم لا أرى فيها أحد # وقال مستغيثا ومتوسلا بالنبي # صلى الله عليه وسلم ~~: # يا سيدي يا رسول ms182 الله يا سندي # ويا رجائي ويا حصني ويا مددي # لا علم عندي أرجيه ولا عمل # أمام نجواي من هدى ومن رشد # أبغي رضاك ولا شيء أقدمه # سوى افتقاري وذلي واصفرار يدي # وقال مرحبا بالعالم المتفنن السيد محمد الشاذلي القسطنطيني حين زاره في منفاه ~~بفرنسا: # أهلا وسهلا بالحبيب القادم # هذا النهار لدي خير مواسم # جاء السرور مصاحبا لقدومه # وانزاح ما قد كان قبل ملازمي # أفديك بالنفس النفيسة زائرا # من غير ما من ولست بنادم # طالت مساءلتي الركاب تشوقا # لجمال رؤية وجهك المتعاظم # لا غرو إن أحببتكم من قبل ما # شاهدتكم أنتم جمال العالم # لا زلت ميمون النقيبة طالعا # بالسعد ذا فضل وخدن مكارم # وقال متحدثا بنعمة الله: # الحمد لله الذي قد خصني # بصفات كل الناس لا النسناس # الجود والعلم النفيس وإنني # لأنا الصبور لدى اشتداد الباس # وتحدثي شكرا لنعمة خالقي # إذ كان في ضمني جميع الناس # | محمد محمود التركزي الشنقيطي1 # 1245-1322ه # هو الأستاذ العلامة الحجة الثقة إمام اللغويين في عصره شيخنا محمد محمود بن أحمد بن ~~محمد التركزي الشنقيطي، اشتهر والده بالتلاميد - بالدال المهملة - وسبب ذلك على ما ~~أخبرني به أنه كان يقرئ تلاميذه في خيمة انفرد بها، فكان كل من يسأل عنه يقول: ~~أين خيمة التلاميد؟ ثم أطلق هذا اللقب عليه كما يقال: السادات للواحد من السادات ~~الوفائية بمصر، وتركز، بضم فسكون: اسم قبيلته، وهو في الأصل أموي النسب؛ ولهذا كان ~~يكتب في توقيعه: «العبشمي» نسبة إلى عبد شمس، ثم ترك كتابته لما أقام بمصر. # قرأ على أبيه وبعض أقاربه، كما أشار إلى ذلك في ميميته التي نظمها لمؤتمر العلوم ~~الشرقية باستكهلم، فقال: # غذاني بدر العلم أرأف والد # وأرحم أم لم تبتني على غم # ولم يفطماني عنه حتى رويته # عن الأب ثم الأخ والخال والأم # وعن غيرهم من كل حبر سميدع # تقي نقي لا عيي ولا فدم # ولازم أيضا الشيخ عبد الوهاب الملقب بأجدود وعليه تخرج، ثم تلقى الحديث عن ابن ~~بلعمش الجلني، واستظهر من المتون وأشعار العرب شيئا كثيرا ms183 لم يذهب من حفظه حتى مات، ~~واشتهر باللغة والأنساب وانفرد بهما. # ثم رحل إلى المشرق وحج واجتمع بأمير مكة الشريف عبد الله بن محمد بن عون فأكرمه ~~وطلب منه البقاء عنده فأجاب، وكانت تقع بينه وبين علماء مكة والواردين عليها مناظرات ~~ومحاورات علمية في مجلس الأمير، وصار يتردد في الإقامة بين مكة والمدينة إلى أن ~~قصد القسطنطينية فأكرمه السلطان عبد الحميد وعرف قدره، وأوفده سنة 1304ه إلى باريس ~~ولندن والأندلس للاطلاع على ما في خزائنها من الكتب العربية النادرة وتقييد أسماء ما ~~يوجد منها بخزائن القسطنطينية لتستنسخ، فسافر على باخرة خاصة، وكان ينزل حيثما حل ~~بدور السفارات العثمانية، ولكن المشروع أهمل بعد عودته، ثم لما شرع الملك أسكار الثاني ~~ملك السويد والنرويج في عقد المؤتمر الثامن من العلوم الشرقية استكهلم سنة 1306ه طلب من ~~السلطان عبد الحميد أن ينتدب الشيخ إليه، فانتدبه مع مدحت أفندي الكاتب التركي الشهير، ~~ونظم الشيخ قصيدته الميمية ليقدمها للمؤتمر، وأولها: # ألا طرقت مي فتى مطلع النجم # غريبا عن الأوطان في أمم العجم # ذكر بها سبب هذه الرحلة وابتداء تحصيله للعلم بالمغرب ورحلته إلى المشرق، وضمنها ~~مسائل علمية، ورثى نفسه فيها، وختمها بذكر القبائل العربية المشهورة، ولكنه لم يسافر ~~لاشتراطه شروطا أغضبت السلطان، فأمر بسفره إلى المدينة، ومنها قدم إلى القاهرة وألقى ~~بها عصا التسيار، واستحضر أهله وكتبه من المدينة، وأقبل على المطالعة والإفادة ~~إلى أن توفي بدار سكنه القريبة من الأزهر قبيل الغروب من يوم الجمعة 23 شوال سنة ~~1322ه عن سن عالية، ولم يمرض إلا أياما قليلة. # وكان رحمه الله نحيفا أسمر اللون، شديد التمسك بالسنة قوالا للحق ولو على ~~نفسه، مع حدة طبع زائدة؛ ولهذا لم ينتفع به إلا القليلون، وكان لا يمل المطالعة ~~ليلا ونهارا حتى أضنته كثرة الجلوس وسببت له أمراضا وآلاما، ولا سيما لما اشتغل ~~بتصحيح المخصص وأنه كان يقابله مع شخص آخر بمكان رطب في الطبقة السفلى من داره، ~~فاشتد به مرض الصدر وألم الرثية في أطرافه، وكثيرا ما ms184 كان يقول: «أنا قتيل المخصص، ~~أنا قتيل الكتب»، ولم يترك من الآثار إلا «الحماسة السنية الكاملة المزية في الرحلة ~~العلمية الشنقيطية التركزية»، ضمنها شيئا من أخباره وقصائده وردوده على من خالفه في ~~بعض المسائل العلمية، وطبعت بالقاهرة في مطبعة الموسوعات سنة 1319، وله أرجوزة ~~سماها: «عذب المنهل والمعل المسمى صرف ثعل» لم تطبع، و«إحقاق الحق وتبريء العرب ~~مما أحدث عاكش اليمني في لغتهم ولامية العرب»، وهي حاشية على شرح لامية العرب لعاكش ~~اليمني، وكان قد وفد على الشريف عبد الله بن محمد بن عون بمكة وقدم له هذا الشرح، ~~فطلب الشريف من الشيخ أن يكتب عليه فكتب هذه الحاشية وبين فيها أغلاطه، وهي مخطوطة لم ~~تطبع، وكان شرع في تأليف كتاب سماه: «بنيان العلم المرصص في أوهام المخصص» لم يكتب ~~منه إلا ما طبع على حواشي المخصص، وكان صحح بعض الأوهام الواقعة في الطبعة ~~البولاقية من الأغاني، ولم يستوعب كل ما فيه، فجردها من حواشي نسخته الشيخ الفاضل ~~محمد عبد الجواد الأصمعي وطبعها بالمطبعة الجمالية بالقاهرة سنة 1334 بعنوان: تصحيح ~~الأغاني. # | أحمد بن الخوجة التونسي # 1246-1310ه # هو أبو العباس أحمد بن محمد بن أحمد بن حمودة بن محمد بن علي خوجة، # 1 # ولد سنة 1246، ونشأ في حجر علم وفضل، فقرأ على والده شيخ الإسلام ~~النحو والفقه والأصول وعلم الكلام، وروى عنه صحيح البخاري، وجود عليه القرآن العظيم، ~~وأجازه إجازة عامة هذا نصها: # الحمد لله الذي وصل من انقطع إلى جنابه، ووقف ضارعا خاضعا ببابه، والصلاة ~~والسلام على سيدنا محمد وعلى آل وأصحابه، صلاة وسلاما نرجو بهما النجاة يوم ~~العرض على الله من مناقشة حسابه وأليم عذابه. # وبعد، فإن ولدي الفاضل النجيب، الزكي الذكي الأريب، الحائز من العلوم أوفر ~~نصيب، الرامي في ميدانها بسهم مصيب، الأمجد الأنجد، أبا العباس أحمد، زاده الله ~~توفيقا، وحشرني وإياه مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء ~~والصالحين وحسن أولئك رفيقا، قد التمس مني أن أجيز له فيما تضمنه هذا ~~الثبت وغيره مما أمليت أو ms185 كتبت وفي سائر ما هو لدي وصحت نسبته إلي، فها ~~أنا قد أجزت له إجازة تامة في ذلك كله، علما مني بأنها من وضع الشيء في ~~محله، وأجزت له أيضا أن يجيز من أراد الكرع من حياضه، والاقتطاف من أزهار ~~رياضه، وأوصي ولدي بتقوى الله في سره وعلانيته، فإنه سبحانه وتعالى مطلع ~~على فعله وعلى نيته، وألا ينساني بصالح دعواته، في خلواته وجلواته، والله يهدي ~~من يشاء إلى صراط مستقيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. # كتبه بيده الفانية الفقير إلى ربه # محمد بن الخوجة # في يوم الإثنين 19 صفر عام 1271ه # وقد بلغ من عناية والده به أنه كان إذا خطرت في باله مسألة من مسائل العلم وهو في ~~سريره ينبه ابنه من النوم ويلقيها إليه لئلا يفوت صاحب الترجمة أخذها ~~عنه. # وأخذ عن عمه حسين بن الخوجة، والشيخ حسين البارودي، والشيخ محمد الستاري، والشيخ ~~إبراهيم الرياحي، والشيخ ابن ملوكة، والشيخ محمد بن عاشور، والشيخ ابن سلامة، والشيخ ~~محمد النيفر، والشيخ معاوية، والشيخ الخضار ، والشيخ الشاهد، والشيخ محمد ~~الشنقيطي. # وأجاز له شيخ الإسلام الشيخ بيرم الرابع إجازة منظومة، قال فيها: # وبعد فإن نيل العلم فخر # لصاحبه يورثه جلالا # ولا سيما الحديث وأي شخص # يزاوله ولم يحمد مآلا # وممن قاده التوفيق حتى # تردى من مطارفه وجالا # وأسهر جفنه فيه اكتسابا # وبالغ في تطلبه فنالا # أبو العباس أحمد وهو من قد # عجزت إذا طلبت له مثالا # ويابن الخوجة الأسمى أبيه # محمد الهمام حوى احتفالا # ومن أضحى لذاك الليث شبلا # فقد سبق الجهابذة الرجالا # وقد طمحت إلى الإسناد نفس # زكت منه وأحسنت الفعالا # فيمم ذا الفقير يروم منه # إجازته وقد ظن الكمالا # وأفنى في تردده زمانا # وكرر في عنايته السؤالا # فأحجم عن إجابته حياء # وأوسعه لذا المعنى المطالا # ولما لم يجد من ذاك بدا # ولا أعفى الملح ولا أقالا # تجشمها وليس لها بأهل # مساعفة لراغبه وقالا # أجزت له رواية ما روى لي # أساتذة وقد كانوا جبالا # تولى صاحب الترجمة خطة ms186 التدريس بجامع الزيتونة، فبهر العقول بتحقيقه وبراعة أسلوبه، ~~وتولى الإمامة بجامع محمد باي، ومشيخة المدرسة الشماعية، وخطب من إنشائه الخطب ~~البليغة، وتولى خطة القضاء في ربيع الأول سنة 1277 فقام بأعبائها أحسن قيام، ~~وتولى الإفتاء في المحرم سنة 1279، ورجع إلى التدريس يجمع بين التدريس والفتوى، ولا ~~يصح الجمع بين القضاء والتدريس. # ولما توفي الشيخ معاوية ولاه المشير محمد الصادق باي منصب شيخ الإسلام في صفر سنة ~~1294، وانتصب لدرس تفسير البيضاوي عام ولايته مشيخة الإسلام فأبدع في التقرير، وكان ~~درسه موردا لأذكياء العلماء، وشرع في الكتابة على حواشي عبد الحكيم على هذا التفسير، ~~ولكن عاقه عن الاستمرار على ذلك الدرس ما طرأ على سمعه من صمم. # وكان رحمه الله لطيف المحاضرة، حسن النظر في مذاهب السياسة الشرعية، عالي الهمة، حسن ~~اللقاء. ~~«مؤلفاته» منها: المرشد، ورسالة في حكم الانتفاع بشواطئ البحار ومعظم الأنهار، والصبح ~~المبين، ونفثة المصدور. وتصدى لتكميل حاشية والده على الدرر من أولها لأن والده شيخ ~~الإسلام ابتدأ تلك الحاشية على كتاب النكاح. # وحرر من الفتاوى ما لا يسع القلم استيعابه، وكان يصوغها على طريقة النظر المستقل، ~~فيطبق الأصول والقواعد على الوقائع مع رعاية المصالح ومقتضيات الأحوال، ويجمع في ~~أكثرها بين المذهبين الحنفي والمالكي. # وما برحت مجالسه بأهل العلم والأدب حافلة، وبراعته على تحرير الفتاوى عاملة، إلى أن ~~توفي سنة 1310ه، تغمده الله برحمته ورضوانه. # | محمد الخضر حسين # 1293-1378ه # ولد الشيخ محمد الخضر حسين، # 1 # بمدينة نقطة بالقطر التونسي في 26 رجب سنة 1293ه، واشتغل بالعلم بعد أن ~~حفظ القرآن، فقرأ بعض الكتب الابتدائية ببلده، وفي آخر سنة 1306ه رحل مع أبيه وأسرته ~~إلى القاعدة التونسية، فدخل الكلية الزيتونية سنة 1307ه وقرأ على أشهر أساتذتها، ~~وتخرج عليهم في العلوم الدينية واللغوية، ونبغ فيها وفي غيرها، فطلب لتولي بعض ~~الخطط العلمية قبل إتمام دراسته، لكنه أبى وواظب على حضور دروس العلماء والأكابر، مثل: ~~عمر بن الشيخ، والشيخ محمد النجار، وكانا يدرسان التفسير، والشيخ سالم بوحاجب، وكان ~~يدرس صحيح البخاري. # ثم رحل ms187 إلى الشرق سنة 1317ه، ولكنه لم يبلغ طرابلس حتى اضطر إلى الرجوع بعد أن أقام ~~بها أياما، فلازم جامع الزيتونة يفيد ويستفيد إلى سنة 1321ه، فأنشأ فيها مجلة السعادة ~~العظمى، ولقي في سبيل بث رأيه الإصلاحي ما يلقاه كل من سلك هذا السبيل. # وفي سنة 1323ه ولي القضاء بمدينة بنزرت، والتدريس والخطابة بجامعها الكبير، ثم ~~استقال ورجع إلى القاعدة التونسية، وتطوع للتدريس بجامع الزيتونة، ثم أحيل إليه ~~تنظيم خزائن الكتب بالجامع المذكور، وفي سنة 1325ه اشترك في تأسيس جمعية زيتونية، وفي ~~هذه المدة جعل من المدرسين المعينين بالجامع. # وفي سنة 1326ه جعل مدرسا بالصادقية، وكلف بالخطابة بالخلدونية. # ولما قامت الحرب الطرابلسية بين الطليان والعثمانيين كان من أعظم الدعاة لإعانة ~~الدولة، ونشر بجريدة الزاهرة قصيدته التي مطلعها: # ردوا على مجدنا الذكر الذي ذهبا # يكفي مضاجعنا نوم دهى حقبا # ثم رحل إلى الجزائر فزار أمهات مدنها، وألقى بها الدروس المفيدة، ثم عاد إلى تونس، ~~وعاود دروسه في جامع الزيتونة، ونشر المقالات العلمية والأدبية في الصحف. # وفي سنة 1330ه سافر إلى دمشق مارا بمصر، ثم سافر إلى القسطنطينية فدخلها يوم إعلان ~~حرب البلقان فاختلط بأهلها وزار مكاتبها، ثم لما عاد إلى تونس في ذي الحجة من هذه السنة ~~نشر رحلته المفيدة عنها وعن الحالة الاجتماعية بها ببعض الصحف. # ثم جعل عضوا في اللجنة التي ألفتها حكومة تونس للبحث عن حقائق في تاريخ تونس، ~~ثم ترك ذلك لما عزم على المهاجرة إلى الشرق، فرحل إليه ونزل مصر وعرف بعض فضلائها، ثم ~~سافر إلى الشام ثم للمدينة ثم للقسطنطينية، ثم عاد إلى دمشق معينا مدرسا للغة ~~العربية والفلسفة بالمدرسة السلطانية بها، وبقي كذلك إلى أن اتهمه مدة الحرب العظمى ~~جمال باشا حاكم سورية بكتم حال المتآمرين على الدولة، واعتقله ستة أشهر وأربعة عشر ~~يوما، ثم حوكم فبرئ من التهمة فأطلق سبيله في شهر ربيع الثاني سنة 1335ه. # ومن شعره في حبسه، وكانوا حالوا بينه وبين أدوات الكتابة: # غلل الحبس يدي عن قلم # كان لا يصحو ms188 عن الطرس فناما # هل يذود الغمض عن مقلته # أو يلاقي بعده الموت الزؤاما # أنا لولا همة تحدو إلى # خدمة الإسلام آثرت الحماما # ليست الدنيا وما يقسم من # زهرها إلا سرابا أو جهاما # ثم استمر في التدريس بالمدرسة بدمشق، إلى أن دعي إلى القسطنطينية سنة 1336ه فجعل ~~منشئا عربيا بوزارة الحرب، وواعظا بجامع الفاتح، فبقي كذلك إلى سنة 1337ه، ففارق ~~الآستانة وعاد إلى دمشق، وقال في ذلك: # أنا كأس الكريم والأرض ناد # والمطايا تطوف بي كالسقاة # رب كأس هوت إلى الأرض صدعا # بين كف تديرها واللهاة # فاسمحي يا حباة بي لبخيل # جفن ساقيه طافح بالسبات # وعين عضوا بالمجمع العلمي العربي بدمشق ومدرسا ببعض المدارس، فلم يباشر شيئا من ~~ذلك، بل سافر قاصدا مصر، ونزل بها، فولي التصحيح، وعمل الفهارس بدار الكتب ~~المصرية. # ومن مؤلفاته: نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم، وحياة ابن خلدون، والخيال في الشعر ~~العربي، وحياة اللغة العربية، وغيرها. # 2 ms189