######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0007516 #META# 000.BookURI :: AFTER1900 #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: سليمان بن سحمان بن مصلح بن حمدان بن مصلح بن حمدان بن مسفر بن محمد بن مالك بن عامر الخثعمي , التبالي , العسيري , النجدي (المتوفى: 1349هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 1349 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: إقامة الحجة والدليل وإيضاح المحجة والسبيل #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: العقيدة #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0007516 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-7516 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/7516 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: عبد السلام بن برجس بن ناصر العبد الكريم #META# 041.EdNUMBER :: 1409 هـ / 1989 م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار العاصمة #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، ~~كالمبتدعة والمشركين، والزنادقة المكذبين، الذين يصدون عن سبيل الله من آمن ~~به ويبغونها عوجا أولئك في ضلال مبين. # وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله الأولين والآخرين، وقيوم ~~السموات والأرضين. # وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الصادق الأمين، الذي أكمل الله به الدين، ~~وبلغ البلاغ المبين، فنصح الأمة، وكشف الغمة، وأدى الأمانة، وعبد الله حتى ~~أتاه اليقين، فصلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله، وأصحابه، ومن تبعهم ~~بإحسان إلى يوم الدين. # أما بعد: # فإني لما قدمت إلى البحرين في سنة 1332 "اثنين وثلاثين وثلاثمائة وألف" ~~من الهجرة النبوية، رأيت سؤالا أورده بعض زنادقة أهل البحرين، يسألون فيه ~~عن الحكمة في أشياء مما شرعه الله ورسوله من مناسك الحج، وأرسلوا به إلى ~~صاحب مجلة المنار: السيد محمد رشيد رضا، وكانوا فيما يزعم زعيمهم، وهو رجل ~~يقال له: ناصر بن خيري – انتسب السائل إلى غير أبيه، إذ هو: ناصر بن مبارك، ~~ولا يخفى ما فيه # PageV01P007 # من الإثم- أنهم عشرة أشخاص، قد اتفقوا واجتمعوا على اعتقاد هذه الزندقة، ~~وتصدير هذه السفسطة والمخرقة. # ولا ريب أن هؤلاء أناس قد انتكست قلوبهم، وعمي عليهم مطلوبهم، وغلظت ~~طباعهم، وكثف عن معرفة الله وشرعه ودينه حجابهم، فهم في مهامة الغي يعمهون، ~~وفي ريبهم يترددون، ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون، وقد أجابهم ~~على سؤالهم السيد محمد رشيد رضا – صاحب المنار – على قدر ما أظهروه من طلب ~~الحق والاستفادة، وما تزندقوا به من ذلك، ونمقوه من تحسين العبارة ~~والإجادة، وما علم أنهم زنادقة جهال، وأهل ابتداع وضلال، يريدون أن يطفئوا ~~نور الله بأفواههم، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون. # وسبب منشأ هذا الضلال الذي اعتمده هؤلاء الزنادقة الضلال هو: الإعراض عن ~~كتاب الله، وسنة رسوله، وكلام أهل العلم من سلف هذه الأمة وأئمتها، وطلب ~~الهدى في مقالات أهل الجهالة والضلالات، والمعارضين لكتاب الله وسنة رسوله ~~بالشبه والبدع المحدثات، ونتائج أفكارهم بالمقاييس ms01 والسياسات التي أحدثتها ~~الملاحدة من زنادقة هذه الأمة ومنافقيها. # ولو اعتصم هؤلاء الجهال بكتاب الله وسنة رسوله، لأغناهم ذلك عن طلب الهدى ~~في غير ما أنزل الله في كتابه، وما أنزله من الحكمة على أفضل رسله ~~وأنبيائه، قال الله تعالى: {وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين ~~لهم ما يتقون} [التوبة: من الآية115] ، وقال تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم ~~وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم # PageV01P008 # الأسلام دينا} [المائدة: 3] ، وقال تعالى: {لئلا يكون للناس على الله حجة ~~بعد الرسل} [النساء: 165] ، وقال تعالى: {وما على الرسول إلا البلاغ ~~المبين} [النور: 54] ، وقال تعالى: {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم} ~~[الإسراء: 9] ، وقال تعالى: {ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم ~~وأشد تثبيتا وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ولهديناهم صراطا مستقيما} ~~[النساء: 66- 67 - 68] ، وقال تعالى: {قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين ~~يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام} [المائدة: 15 – 16] . # وقال أبو ذر رضي الله عنه: لقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما ~~طائر يقلب جناحيه إلا ذكر لنا منه علما 1. # وفي صحيح مسلم أن بعض المشركين قالوا لسلمان: لقد علمكم نبيكم كل شيء حتى ~~الخراءة. قال: أجل 2. PageV01P009 # وقال صلى الله عليه وسلم: "تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ ~~عنها بعدي إلا هالك" 1. # وقال صلى الله عليه وسلم: "ما تركت من شيء يقربكم إلى الجنة إلا وقد ~~حدثتكم به، ولا من شيء يبعدكم # من النار إلا وقد حدثتكم به" 2. # فإذا تبين لك هذا عرفت أن منشأ ضلال هؤلاء الزنادقة هو الإعراض عن كتاب ~~الله، وسنة رسوله، وكلام أئمة أهل الإسلام الذين هم أعلام الهدى، ومصابيح ~~الدجى، وتعوضوا عن ذلك بالإكباب على مطالعة كتب زنادقة هذه الأمة ~~وملاحدتها، وما تلقوه PageV01P010 # من شبه النصارى، وأشباههم، وإخوانهم الذين يشبهون بها على خفافيش ~~البصائر، ويشككون بها الناس في أمر دينهم. # وقد كان من المعلوم بالضرورة من دين الإسلام أنه لا يعترض على ما شرعه ~~الله ورسوله بمثل هذا ms02 السؤال إلا أشباه هؤلاء الزنادقة الضلال، لأنه قد كان ~~من المعلوم أن هذا مما شرعه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وكان عليه عمل ~~المسلمين قديما وحديثا من عهد إبراهيم الخليل عليه السلام إلى يومنا هذا، ~~فلا يستريب في ذلك أحد يؤمن بالله واليوم الآخر، ولا يستشكل فيه إلا رجل ~~مغموص بالنفاق، مشاق لله ورسوله، قال الله تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ~~ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت ~~مصيرا} [النساء:115] . # ولما تأملت جواب صاحب المنار رأيته قد أفاد وأجاد، لكنه قد تساهل في ~~الجواب مع هؤلاء الزنادقة، لظنه أنهم يطلبون الحق ويسترشدون، وهم بخلاف ~~ذلك، نعوذ بالله من رين الذنوب، وانتكاس القلوب. # فلأجل ذلك سألني بعض الإخوان أن أكتب في ذلك ما يبين ضلالهم، ويزيل ~~شبهتهم، ويدحض حجتهم، لما استنشق من سؤالهم وكلامهم سوء معتقدهم، وخبث ~~مرامهم، واستسهل مع ذلك جواب صاحب المنار، لأنهم قد كانوا أهل زندقة ونفاق، ~~وأهل بدع وشقاق. # فأجبته إلى ذلك، والله المسؤول المرجو الإجابة أن يعصمنا من الزلل، وأن ~~يعظم لنا الإثابة، وأن يوفقنا لطريق الحق والإصابة. # PageV01P011 ### | في ذكر نص السؤال الموجة إلى السيد محمد رشيد رضا # ... # فصل # قال السائل: "بسم الله الرحمن الرحيم، إلى حضرة سيدي العلامة المصلح ~~العليم، مرشد الأمة، ورشيدها، الفيلسوف الحكيم، السيد محمد رشيد رضا، صاحب ~~المنار المنير، أدام الله تعالى شريف وجوده. # وسلام الله عليك ورحمته ورضوانه، وبعد: # فالداعي لتحريره عرض مسألة عرضت لنا في هذه الأيام، وهو أننا عشرة أشخاص ~~نوينا هذه السنة التوجه لحج بيت الله الحرام، والتمتع بمشاهدة 1 مهد ~~الإسلام، وبهذه المناسبة صار بيننا جدال وكلام كثير بخصوص الحج ومناسكه، ~~فلجئنا إلى طلب الاستمداد من حضرتكم لإرشادنا إلى السبيل الأقوم، والصراط ~~المستقيم، فعليه قدمنا هذا الكتاب مؤملين فيه الجواب من حضرتكم على هذه ~~الأسئلة وهي: # علمنا أن الله سبحانه وتعالى قد اختار لنا الإسلام دينا، وجعل هذا الدين ~~مقاما على خمسة أركان رئيسية، وهي شهادة أن لا ms03 إله إلا الله، وأن محمدا ~~رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، والحج إلى بيت الله ~~الحرام من استطاع إليه سبيلا. هذه هي الخمسة الأركان التي لا يكمل الإسلام ~~إلا بها. PageV01P013 # وبفضل المنار المنير، وباقي كتب العلماء المصلحين الأفاضل قد فهمنا ~~المقاصد والحكم من الصلاة والزكاة والشهادتين والصيام، كما قد فهمنا المقصد ~~من الحج على الوجه العام، ولكن اسمح لنا يا حضرة المفضال الحكيم أن نقول: # إن في الحج بعض أعمال لم نعرف الحكمة منها، فلذلك جئنا بهذا الكتاب نلتمس ~~منك هدايتنا إلى ما جهلنا، وهي: # ما هي الحكمة في الاجتماع على تقبيل الحجر الأسود، إذا عرفنا أنه حجر ~~عادي لا يضر ولا ينفع، ولا يخفى ما في ذلك من الظاهرة 1 الوثنية. # هذا لفظه بحروفه إلى آخره ما ذكره. # ونحن نجيب على ما ينبغي الجواب عنه مما فيه اعتراض على ما شرعه الله ~~ورسوله من مناسك الحج، ونترك ما عدا ذلك مما لا فائدة في الجواب عنه. # أما قول السائل: "ما هي الحكمة في الاجتماع على تقبيل الحجر الأسود، إذا ~~عرفنا أنه حجر عادي لا يضر ولا ينفع، ولا يخفى ما في ذلك من الظاهرة1 ~~الوثنية". # فنقول: لا ريب أنه يجب على كل أحد أن يؤمن بما جاء به الرسول صلى الله ~~عليه وسلم إيمانا عاما مجملا، ولا ريب أن معرفة ما جاء به الرسول صلى الله ~~عليه وسلم عن التفصيل فرض على الكفاية، فإن ذلك داخل في # تبليغ ما بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم، وداخل في تدبر القرآن ~~وعقله وفهمه. PageV01P014 # وعلم الكتاب والحكمة، وحفظ الذكر والدعاء إلى الخير، والأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر، والدعاء إلى سبيل الرب بالحكمة والموعظة الحسنة، ~~والمجادلة بالتي هي أحسن، ونحو ذلك مما أوجبه الله على المؤمنين فهو واجب ~~على الكفاية منهم. # وأما ما وجب على أعيانهم فهذا يتنوع بتنوع قدرتهم وحاجتهم ومعرفتهم، وما ~~أمر به أعيانهم، ولا يجب على العاجز عن سماع بعض العلم أو عن فهم دقيقة ما ms04 ~~يجب على القادر على ذلك، ويجب على من سمع النصوص وفهمها على التفصيل ما لا ~~يجب على من لم يسمعها، ويجب على المفتي والمحدث والمجادل ما لا يجب على من ~~ليس كذلك. # إذا فهمت هذا فاعلم أنه ليس على عوام المسلمين ممن لا قدرة لهم على معرفة ~~تفاصيل ما شرعه الله ورسوله أن يعرفوا على التفصيل ما يعرفه من أقدره الله ~~على ذلك من علماء المسلمين وأعيانهم، من الحكمة فيما شرعه الله ورسوله، بل ~~عليهم أن يؤمنوا بما جاء به الرسول إيمانا عاما مجملا، وأن يكلوا علم ما لم ~~يعلموه إلى عالمه. # ولم يقل أحد من عوام المسلمين فضلا عن العلماء الأعلام منهم: إنه لا ~~ينبغي للإنسان أن يعمل بشيء مما شرعه الله ورسوله إلا أن يعلم الحكمة في ~~ذلك، بل لا يقول ذلك إلا من أعمى الله بصيرة قلبه، أو زنديق منافق لا يؤمن ~~بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم. # قال ابن القيم رحمه الله تعالى في "مفتاح دار السعادة" بعد كلام سبق فيمن ~~اعترض على ما شرعه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بعد العلم بالحكمة في ~~ذلك، قال رحمه الله تعالى: # PageV01P015 # وقالوا: أي حكمة فيها، وأي فائدة؟، وهذا من فرط جهلهم، وسخافة عقولهم، ~~فإن الحكمة لا يجب أن تكون بأسرها معلومة للبشر، ولا أكثرها، بل لا نسبة ~~لما علموه إلى ما جهلوه فيها، لو قيست علوم الخلائق كلهم بوجوه حكمة الله ~~تعالى في خلقه وأمره إلى ما خفي عنهم منها كانت كنقرة عصفور في البحر، وحسب ~~الفطن اللبيب أن يستدل بما عرف منها على ما لم يعرف، ويعلم الحكمة فيما ~~جهله منها، مثلها فيما علمه، بل أعظم وأدق. # وما مثل هؤلاء الحمقى النوكى إلا كمثل رجل لا علم له بدقائق الصنائع ~~والعلوم بالبناء والهندسة والطب، بل والحياكة والخياطة والتجارة، إذا رام ~~الاعتراض بعقله الفاسد على أربابها في شيء من آلاتهم وصنائعهم وترتيب ~~صناعتهم، فخفيت عليه، فجعل كل ما خفي عليه منها شيء قال: هذا لا ms05 فائدة فيه، ~~وأي حكمة تقتضيه، هذا مع أن أرباب الصنائع بشر مثله، يمكنه أن يشاركهم في ~~صنائعهم، ويفوقهم فيها، فما الظن بمن بهرت حكمته العقول، الذي لا يشاركه ~~مشارك في حكمته، كما لا يشاركه في خلقه، فلا شريك له بوجه، فمن ظن أن يكتال ~~حكمته بمكيال عقله، أو يجعل عقله عيارا عليها، فما أدركه أقر به، وما لم ~~يدركه نفاه، فهو من أجهل الجاهلين، ولله في كل ما خفي على الناس وجه الحكمة ~~فيه حكم عديدة لا تدفع ولا تنكر. # PageV01P016 # وقال رحمه الله في موضع آخر من هذا الكتاب: # فصل # قد شهدت الفطرة والعقول بأن للعالم ربا قادرا حليما عليما رحيما، كاملا ~~في ذاته وصفاته لا يكون إلا مريدا للخير لعباده، مجريا لهم على الشريعة ~~والسنة الفاضلة العائدة باستصلاحهم، الموافقة لما ركب في عقولهم من استحسان ~~الحسن واستقباح القبيح، وما جبل طباعهم عليه من إيثار النافع لهم، المصلح ~~لشأنهم، وترك الضار المفسد لهم، وشهدت هذه الشريعة له بأنه أحكم الحاكمين، ~~وأرحم الراحمين، وأنه المحيط بكل شيء عليما. # وإذا عرف ذلك فليس من الحكمة الإلهية، بل ولا الحكمة في ملوك العالم أنهم ~~يسوون بين من هو تحت تدبيرهم في تعريفهم كلما يعرفه الملوك، وإعلامهم جميع ~~ما يعلمونه، وإطلاعهم على كل ما يجرون عليه سياساتهم في أنفسهم وفي ~~منازلهم، حتى لا يقيموا في بلد فيها إلا أخبروا من تحت أيديهم بالسبب في ~~ذلك، والمعنى الذي قصدوه منه، ولا يأمرون رعيتهم بأمر، ولا يضربون عليهم ~~بعثا 1، ولا يسوسونهم سياسة إلا أخبروهم بوجه ذلك وسببه، وغايته ومدته، بل ~~لا تتصرف بهم PageV01P017 # الأحوال في مطاعمهم وملابسهم ومراكبهم إلا أوقفوهم على أغراضهم فيه، ولا ~~شك أن هذا مناف للحكمة والمصلحة بين المخلوقين، فكيف بشأن رب العالمين ~~وأحكم الحاكمين، الذي لا يشاركه في علمه ولا حكمته أحد أبدا. # فحسب العقول الكاملة أن تستدل بما عرفت من حكمته على ما غاب عنها، وتعلم ~~أن له حكمة في كل ما خلقه وأمر به وشرعه، وهل تقتضي الحكمة أن يخبر ms06 الله ~~تعالى كل عبد من عباده بكل ما يفعله، ويوقفهم على وجه تدبيره في كل ما ~~يريده، وعلى 1 حكمته في صغير ما ذرأ وبرأ من خليقته، وهل في قوى المخلوقات ~~ذلك؟ بل طوى سبحانه كثيرا من صنعه وأمره عن جميع خلقه، فلم يطلع على ذلك ~~ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا. # والمدبر الحكيم من البشر إذا ثبتت حكمته وابتغاؤه الصلاح لمن تحت تدبيره ~~وسياسته كفا في ذلك تتبع مقاصده فيمن يولي ويعزل، وفي جنس ما يأمر به وينهى ~~عنه، وفي تدبيره لرعيته وسياسته لهم دون تفاصيل كل فعل من أفعاله، اللهم ~~إلا أن يبلغ الأمر في ذلك مبلغا لا يوجد لفعله منفذ ومساغ في المصلحة أصلا، ~~فحينئذ يخرج بذلك عن استحقاق اسم الحكيم، ولن يجد أحد في خلق الله ولا في ~~أمره ولا واحد من هذا الضرب، بل غاية ما تخرجه نفس المتعنت أمور يعجز العقل ~~عن معرفة وجوهها وحكمتها، وأما أن ينفي ذلك عنها فمعاذ الله إلا أن يكون ما ~~أخرجه كذب على الخلق والأمر فلم يخلق الله ذلك ولا شرعه. PageV01P018 # وإذا عرف هذا، فقد علم أن رب العالمين أحكم الحاكمين، والعالم بكل شيء 1، ~~والقادر على كل شيء، ومن هذا شأنه لم تخرج أفعاله وأوامره قط عن الحكمة ~~والرحمة والمصلحة، وما يخفى على العباد من معاني حكمته في صنعه وإبداعه ~~وأمره وشرعه. فيكفيهم فيه معرفته بالوجه العام أن تضمنته حكمة بالغة، وإن ~~لم يعرفوا تفصليها، وأن ذلك من علم الغيب الذي استأثر الله به. فيكفيهم في ~~ذلك الإسناد إلى الحكمة البالغة العامة الشاملة التي علموا ما خفي منها بما ~~ظهر لهم. # هذا وإن الله تعالى بنى أمور عباده على أن عرفهم معاني جلائل خلقه وأمره ~~دون دقائقهما وتفاصيلهما. وهذا مطرد في الأشياء أصولها وفروعها، فأنت إذا ~~رأيت الرجلين مثلا أحدهما أكثر شعرا من الآخر أو أشد بياضا، أو أحد ذهنا ~~لأمكنك أن تعرف من جهة السبب الذي أجرى الله عليه سنة الخليقة وجه اختصاص ~~كل واحد منهما بما اختص ms07 به، وهكذا في اختلاف الصور والأشكال، ولن لو أردت ~~تعرف المعنى الذي كان شعر هذا مثلا يزيد على شعر الآخر بعدد معين، أو ~~المعنى الذي فضله به في القدر المخصوص والتشكيل المخصوص، ومعرفة القدر الذي ~~بينهما من التفاوت وسببه لما أمكن ذلك أصلا، وقس على هذا جميع المخلوقات من ~~الرمال، والجبال، والأشجار، ومقادير الكواكب، وهيئاتها. PageV01P019 # وإذا كان لا سبيل إلى معرفة هذا في الخلق، بل يكفي فيه العلة العامة، ~~والحكمة الشاملة، فهكذا في الأمر يعلم أن جميع ما أمر به متضمن لحكمة ~~بالغة، وأما تفاصيل أسرار المأمورات والمنهيات فلا سبيل إلى علم البشر به، ~~ولكن يطلع الله من شاء من خلقه على ما شاء منه، فاعتصم بهذا الأصل، انتهى. # فتبين من كلام شمس الدين ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى أنه لا يجب على ~~الإنسان أن يعلم الحكمة في جميع ما شرع الله ورسوله، فإن ذلك ليس في قوى ~~البشر، ولا في وسعهم وطاقتهم، وإنما يجب هذا على الأعيان الذين أهلهم الله ~~لمعرفة ما أنزله الله، وأطلعهم عليه. # وأما من كان عاجزا عن ذلك، وليس في طاقته ووسعه معرفة ذلك والاطلاع عليه، ~~فالواجب عليه أن يؤمن بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم إيمانا عاما ~~مجملا، وأن يعمل بما أمر الله به ورسوله، سواء عرف الحكمة في ذلك أو لم ~~يعرفها. # إذا تبين هذا، فاعلم أن الحكمة والله أعلم في اجتماع الناس على تقبيل ~~الحجر الأسود هو ما ثبت عن حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي ~~الله عنهما حيث قال: "الحجر الأسود يمين الله في الأرض، فمن صافحه أو ~~استلمه فكأنما صافح الله". # قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه ونور ضريحه في الجواب على هذا ~~الحديث: # أما الحديث الأول فقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد لا يثبت، ~~والمشهور إنما هو عن ابن عباس قال: "الحجر الأسود يمين الله في # PageV01P020 # الأرض، فمن صافحه أو استلمه 1 فكأنما صافح الله وقبل يمينه". # ومن ms08 تدبر اللفظ المنقول تبين له أنه لا إشكال فيه، وإنما يشكل على من لا ~~يتدبره 2، فإنه قال: "يمين الله في الأرض" فقيده بقوله: "في الأرض" ولم ~~يطلق، فيقول: "يمين الله" وحكم اللفظ المقيد يخالف حكم اللفظ المطلق. # ثم قال: "من استلمه وصافحه فكأنما صافح الله، وقبل يمينه"، ومعلوم أن ~~المشبه غير المشبه به. # وهذا صريح في أن المصافح لم يصافح يمين الله أصلا، ولكن شبه بمن يصافح ~~الله. # فأول الحديث وآخره يبين أن الحجر الأسود ليس من صفات الله كما هو معلوم ~~عند كل عاقل، ولكن بين أن الله كما جعل للناس بيتا يطوفون به، جعل لهم ما ~~يستلمونه، ليكون ذلك بمنزلة تقبيل يد العظماء، فإن ذلك تقريب للمقبل، ~~وتكريم له، كما جرت العادة. # والله ورسوله لا يتكلمون بما فيه ضلال الناس، [بل لا بد] 3 من أن يبين ~~لهم ما يتقون، فقد بين 4 في الحديث ما يتقى 5 من التمثيل. انتهى. ~~PageV01P021 # فبين رحمه الله تعالى أن الحكمة في تقبيل الحجر واستلامه: أن الله كما ~~جعل للناس بيتا يطوفون به، جعل لهم ما يستلمونه، ليكون ذلك بمنزلة تقبيل يد ~~العظماء، فإن ذلك تقريب للمقبل، وتكريم له، كما جرت العادة. والله ورسوله ~~لا يتكلمون بما فيه ضلال الناس، بل لا بد من أن يبين لهم ما يتقون، فقد بين ~~في الحديث ما يتقى من التمثيل. # ولو كان في استلام الحجر وتقبيله مظاهرة الوثنيين لم يشرع الله ورسوله ما ~~يوهم الناس ويوقعهم في مظاهرة الوثنية، بل قد بين لهم ما يتقون، وقد قال ~~أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا ~~تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك"1. # وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قبله واستلمه، وعمل بذلك ~~الصحابة رضي الله عنهم، ومن بعدهم إلى يومنا هذا، كان الواجب على المسلم أن ~~يؤمن بما شرعه الله ورسوله، ويعمل به سواء عرف الحكمة في ذلك أو ms09 لم يعرفها. # ومن المعلوم بالضرورة من دين الإسلام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كان أحرص الناس على هداية الخلق، وتحذيرهم وإبعادهم عما يوقعهم في الشرك ~~ومظاهرة الوثنيين حتى في الألفاظ، وكذلك الصحابة بعده رضي الله عنهم، فلو ~~كان في استلام الحجر وتقبيله ما يوقع أو يقارب مظاهرة الوثنيين لنهى عن ~~ذلك، ولبين للناس ما يتقون، فكان هذا PageV01P022 # من نتائج أوضاع الزنادقة الذين يصدون عن سبيل الله من آمن به ويبغونها ~~عوجا، ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين. # ولولا أن هؤلاء الذين أوردوا هذا السؤال من أجهل الناس، وأفسدهم عقولا، ~~وأضلهم عن سواء السبيل، وأبعدهم عن سلوك سبيل المؤمنين، والدخول معهم في ~~امتثال ما أمر الله به ورسوله، والإيمان بما أخبر الله به وشرعه، لما ~~داخلهم في ذلك شك وارتياب. # ولكن على تلك القلوب أكنة # فليست وإن أصغت تجيب المناديا # وقال الإمام ابن قتيبة في "مختلف الحديث في الرد على الزنادقة": # قالوا حديثان متناقضان. قالوا: رويتم عن حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب ~~عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: "الحجر الأسود من الجنة، وكان أشد ~~بياضا من الثلج حتى سودته خطايا أهل الشرك"1. # ثم رويتم أن ابن الحنفية سئل عن الحجر الأسود فقال: "إنما هو من بعض هذه ~~الأودية". PageV01P023 # قالوا: وهذا اختلاف وبعد، فكيف يجوز أن ينزل الله تعالى حجرا من الجنة! ~~وهل في الجنة حجارة؟ وإن كانت الخطايا سودته فقد ينبغي أن يبيض لما أسلم 1 ~~الناس، ويعود إلى حالته الأولى. # قال أبو محمد: ونحن نقول إنه ليس بمنكر أن يخالف ابن الحنفية ابن عباس، ~~ويخالف علي عمر، وزيد بن ثابت ابن مسعود في التفسير وفي الأحكام. # وإنما المنكر أن يحكوا عن النبي صلى الله عليه وسلم خبرين مختلفتين من ~~غير تأويل. # فأما اختلافهم فيما بينهم فكثير، فمنهم من يعمل على شيء سمعه، ومنهم من ~~يستعمل ظنه، ومنهم من يجتهد رأيه، ولذلك اختلفوا في تأويل القرآن، وفي أكثر ~~الأحكام. # غير أن ابن ms10 عباس قال في الحجر بقول سمعه، ولا يجوز غير ذلك، لأنه يستحيل ~~أن يقول: كان أبيض وهو من الجنة برأي نفسه. # وإنما الظان 2 ابن الحنفية لأنه رآه بمنزلة غيره من قواعد البيت، فقضى ~~عليه بأنه أخذ من حيث أخذت 3. # والأخبار المقوية لقول ابن عباس في الحجر، وأنه من الجنة كثيرة. ~~PageV01P024 # منها: أنه يأتي يوم القيامة وله لسان وشفتان، يشهد لمن استلمه بحق. # ومنها: أنه يمين الله عز وجل في الأرض يصافح بها من شاء من خلقه، وقد ~~تقدم ذكر هذا. # ومنها ما ذكره وهب بن منبه، فإنه قال: كان لؤلؤة بيضاء فسوده المشركون. # وأما قولهم: "هل في الجنة حجارة"؟ فما الذي أنكروه من أن يكون في الجنة ~~حجارة، وفيها الياقوت وهو حجر، والزمرد حجر، والذهب والفضة من الحجارة. # وما الذي أنكروه من تفضيل الله تعالى حجرا، حتى لثم واستلم! والله تعالى ~~يستعبد عباده بما شاء من العمل والقول، ويفضل بعض ما خلق على بعض. # فليلة القدر خير من ألف شهر ليست فيها ليلة القدر، والسماء أفضل من الأرض ~~والكرسي أفضل من السماء، والعرش أفضل من الكرسي، والمسجد الحرام أفضل من ~~المسجد الأقصى، والشام أفضل من العراق. # وهذا كله مبتدأ بالتفضيل لا بعمل عمله، ولا بطاعة كانت منه، كذلك الحجر ~~أفضل من الركن اليماني، والركن اليماني أفضل من قواعد البيت، والمسجد أفضل ~~من الحرم، والحرم أفضل من بقاع تهامة. # وأما قولهم: "إن كانت الخطايا سودته فقد يجب أن يبيض لما # PageV01P025 # أسلم الناس" فمن الذي أوجب أن يبيض بإسلام 1 الناس، ولو شاء الله تعالى ~~لفعل ذلك من غير أن يجب. # وبعد 2: فإنهم أصحاب قياس وفلسفة، فكيف ذهب عليهم أن السواد يصبغ ولا ~~ينصبغ، والبياض ينصبغ ولا يصبغ انتهى. # فتبين من كلام ابن قتيبة أن الحكمة في تقبيل الحجر الأسود أنه يأتي يوم ~~القيامة وله لسان وشفتان يشهد لمن استلمه بحق، وأنه يمين الله عز وجل في ~~الأرض يصافح بها من شاء من خلقه. # وقد بسط الجواب على هذه المسألة صاحب ms11 المنار فأجاد وأفاد، فمن أراد ~~الوقوف على ذلك فليراجعه هناك والله المستعان. PageV01P026 ### | في الإجابة عن قول السائل: (ماالحكمة في رمي الحجارة في القليب في مزدلفة؟) # ... # فصل # ثم قال السائل: # "ما الحكمة في رمي الجمار في القليب في مزدلفة؟ " # فالجواب أن نقول: قد بينا فيما تقدم أنه ليس على الإنسان أن يعلم الحكمة ~~في جميع ما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم، لأن ذلك ليس في طاقة ~~البشر ولا في وسعهم، وإنما على الإنسان العاجز عن ذلك أن يؤمن بما جاء به ~~الرسول صلى الله عليه وسلم إيمانا عاما مجملا، سواء عرف الحكمة في ذلك أم ~~لم يعرفها. # والعمدة في مناسك الحج ما شرعه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فالواجب ~~علينا أن نمتثل أمر الله ورسوله صلى اله عليه وسلم في جميع ما أمر به رسوله ~~صلى الله عليه وسلم وفعله، فكان من هديه صلى الله عليه وسلم في رمي الجمار ~~ما ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى في الهدي النبوي، قال رحمه الله تعالى: # فصل: ثم رجع صلى الله عليه وسلم إلى منى من يومه ذلك، فبات بها، فلما ~~أصبح انتظر زوال الشمس، فلما زالت الشمس مشى من رحله إلى الجمار ولم يركب، ~~فبدأ بالجمرة الأولى التي تلي مسجد الخيف فرماها بسبع حصيات واحدة بعد ~~واحدة، يقول مع كل حصاة: الله أكبر، ثم يقدم على الجمرة أمامها حتى أسهل ~~وقام مستقبل القبلة، ثم # PageV01P027 # رفع يديه ودعا دعاء طويلا بقدر سورة البقرة، ثم أتى إلى الجمرة الوسطى ~~فرماها كذلك، ثم انحدر ذات اليسار مما يلي الوادي، فوقف مستقبل القبلة ~~رافعا يديه يدعو قريبا من وقوفه الأول، ثم أتى الجمرة الثالثة وهي جمرة ~~العقبة فاستبطن الوادي، واستعرض الجمرة، فجعل البيت عن يساره، ومنى عن ~~يمينه فرماها بسبع حصيات كذلك، ولم يرمها من أعلاها كما يفعل الجهال، ولا ~~جعلها عن يمينه، واستقبل البيت وقت الرمي كما ذكره غير واحد من الفقهاء. ~~انتهى. # فإذا تبين لك هذا من أمره صلى الله ms12 عليه وسلم وفعله، وكان عليه عمل ~~المسلمين من عهده صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا، فالحكمة في ذلك - ~~والله أعلم – هي ما ذكره أئمة المفسرين وأهل الحديث على قوله تعالى عن ~~خليله إبراهيم {ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا ~~مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم} [البقرة:128] قال الحافظ العماد ~~بن كثير: قال ابن جريج عن عطاء: "وأرنا مناسكنا" أخرجها لنا، علمناها. وقال ~~مجاهد: "أرنا مناسكنا": مذابحنا. وروي عن عطاء أيضا وقتادة نحو ذلك. # وقال سعيد بن منصور: أخبرنا عتاب بن بشير عن خصيف عن مجاهد قال: قال ~~إبراهيم "أرنا مناسكنا" فأتاه جبرئيل فأتي به البيت فقال: ارفع القواعد 1، ~~وأتم البنيان، ثم أخذ بيده فأخرجه فانطلق به إلى الصفا، قال: هذا من شعائر ~~الله، ثم انطلق به إلى PageV01P028 # المروة فقال: هذا من شعائر الله، ثم انطلق به نحو منى فلما كان من العقبة ~~إذا إبليس قائم عند الشجرة، فقال: كبر وارمه، فكبر ورماه، ثم انطلق إبليس ~~فقام عند الجمرة الوسطى، فلما جاز به جبريل وإبراهيم قال له: كبر وارمه، ~~فكبر ورماه، فذهب الخبيث إبليس، وكان الخبيث أراد أن يدخل في الحج شيئا فلم ~~يستطع، فأخذ بيد إبراهيم حتى أتى به المشعر الحرام فقال: هذا المشعر ~~الحرام، فأخذ بيد إبراهيم حتى أتى به عرفات، قال: قد عرفت ما أريتك، قالها ~~ثلاث مرات، قال: نعم. # وروي عن أبي مجلز وقتادة نحو ذلك. # وقال أبو داود الطيالسي: أخبرنا حماد بن سلمة عن أبي العاصم الغنوي عن ~~أبي الطفيل عن ابن عباس قال: إن إبراهيم لما أوري أوامر المناسك عرض له ~~الشيطان عند المسعى، فسابقه إبراهيم، ثم انطلق به جبرئيل حتى أتى به منى، ~~فقال: هذا مناخ الناس، فلما انتهى إلى جمرة العقبة تعرض له الشيطان فرماه ~~بسبع حصيات حتى ذهب، ثم أتى به إلى الجمرة الوسطى فعرض له الشيطان فرماه ~~بسبع حصيات حتى ذهب، ثم أتي به إلى الجمرة القصوى فعرض له الشيطان فرماه ~~بسبع حصيات حتى ذهب، ms13 فأتي جمعا فقال: هذا المشعر، ثم أتي به عرفة فقال: هذه ~~عرفة، فقال له جبريل: أعرفت؟ انتهى. # وقال الإمام محمد بن علي بن وهب بن دقيق العيد في شرح أحاديث الإحكام في ~~الكلام على حديث ابن عباس قال: "قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ~~فقال المشركون: إنه يقدم عليكم قوم وهنتهم حمى يثرب" الحديث. # PageV01P029 # قال في الكلام عليه: وفي ذلك من الحكمة تذكر الوقائع الماضية للسلف ~~الكرام، وفي طي تذكرها مصالح دينية، إذ تبين في أثناء كثير منها ما كانوا ~~عليه من امتثال أمر الله، والمبادرة إليه، وبذل الأنفس في ذلك، وبهذه ~~النكتة يظهر لك أن كثيرا من الأعمال التي وقعت في الحج ويقال فيها: إنها ~~تعبد ليست كما قيل، ألا ترى أنا إذا فعلناها وتذكرنا أسبابها حصل لنا من ~~ذلك تعظيم الأولين، وما كانوا عليه من احتمال المشاق في امتثال أمر الله، ~~فكان هذا التذكر باعثا لنا على مثل ذلك، ومقررا في أنفسنا تعظيم الأولين، ~~وذلك أمر معقول إلى أن قال: # وكذلك رمي الجمار إذا فعلناه وتذكرنا أن سببه رمي إبليس بالجمار في هذه ~~المواضع عند إرادة الخليل ذبح ولده، حصل من ذلك مصالح عظيمة النفع في ~~الدين. انتهى. # وأما زعمه أن الرمي بالجمار كان في القليب بمزدلفة فهذا يبين لك أن هذا ~~السائل من أجهل الناس، وأشدهم غباوة، فإنه قد كان من المعلوم أن الرمي ~~بالجمار لم يكن في قليب، ولم تكن هذه القليب بمزدلفة، فإن هذا مما لا يخفى ~~على آحاد الناس، فضلا عمن ينتسب إلى المعرفة والعلم. والله أعلم. # PageV01P030 ### | في الإجابة عن قول السائل: مالحكمة في الهرولة بين المروتين # ... # فصل # وأما قوله: "ما الحكمة في الهرولة بين المروتين"؟ # والجواب أن يقال لهؤلاء الزنادقة الضلال: قد ثبت بالكتاب والسنة وإجماع ~~الأمة أن السعي والرمل بين الصفا والمروة من شعائر الله، فالواجب على ~~المسلم أن يمتثل ما أمر الله ورسوله مما شرعه من السعي بينهما والرمل، وأن ~~لا يدع ما أمر الله به ورسوله صلى الله ms14 عليه وسلم لعدم علمه بالحكمة في ~~ذلك، لأن ترك العمل بذلك – إلا بعد العلم بالحكمة فيه – من شأن أهل البدع ~~المارقين المتعنتين بالأسئلة والتشكيكات، والمعارضة الباطلة لما شرعه الله ~~ورسوله صلى الله عليه وسلم – كما نبه على ذلك أهل العلم. # قال ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى في الكلام على ما رواه البخاري ومسلم ~~في صحيحهما أن معاذة قالت: "سألت عائشة رضي الله عنها فقلت: ما بال الحائض ~~تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: أحرورية أنت؟ فقلت: لست بحرورية، ولكني ~~أسأل. فقالت: كان يصيبنا ذلك، فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة": # معاذة بنت عبد الله العدوية امرأة صلة بن أشيم، بصرية، أخرج لها الشيخان ~~في صحيحهما. # PageV01P031 # والحروري نسبة إلى حروراء، وهو موضع بظاهر الكوفة، اجتمع فيه أوائل ~~الخوارج، ثم كثر استعماله حتى استعمل في كل خارجي، ومنه قول عائشة لمعاذة: ~~أحرورية. أي خارجية. # وإنما قالت ذلك لأن مذهب الخوارج أن الحائض تقضي الصلاة، وإنما ذكرت ذلك ~~أيضا لأن معاذة أوردت السؤال على غير جهة السؤال المجرد، بل صيغتها قد تشعر ~~بتعجب أو إنكار، فقالت لها عائشة ذلك، فأجابتها بأن قالت: لا ولكني أسأل، ~~أي أسأل سؤالا مجردا عن الإنكار والتعجب، بل لطلب مجرد العلم بالحكمة. # فأجابتها عائشة رضي الله عنها بالنص، ولم تتعرض للمعنى، لأنه أبلغ وأقوى ~~في الردع عن مذهب الخوارج، وأقطع لمن يعارض، بخلاف المعاني المناسبة، فإنها ~~عرضة للمعارضة. انتهى. # إذا تحققت هذا وعلمته تبين لك خطأ هؤلاء المتهوكين الحيارى المفتونين، ~~وأنهم على طريقة أهل البدع المارقين، الذين يعارضون ما شرعه الله ورسوله ~~صلى الله عليه وسلم بآرائهم الفاسدة، والشبهات الداحضة الكاسدة، وأما من ~~حسنت سيرته، وصفت سريرته، فلا يداخله فيما شرعه الله ورسوله صلى الله عليه ~~وسلم شك ولا ريب، بل يمتثل ما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم. # فإذا عرفت هذا فالاعتماد في ذلك على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه ~~وسلم وإجماع المسلمين. # قال الإمام الحافظ العماد بن كثير رحمه الله ms15 تعالى في تفسيره على قوله ~~وتعالى: {إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن # PageV01P032 # حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله ~~شاكر عليم} [البقرة: من الآية158] ، قال رحمه الله: قال الإمام أحمد: حدثنا ~~سليمان بن داود الهاشمي أنبأنا إبراهيم بن سعد عن الزهري عن عروة عن عائشة ~~قالت: قلت: أرأيت قول الله تعالى {إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج ~~البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما} [البقرة: من الآية158] قلت: ~~فوالله ما على أحد من جناح أن لا يتطوف بهما، فقالت عائشة: بئس ما قلت يا ~~ابن أختي، إنها لو كانت على ما أولتها عليه كانت: "فلا جناح عليه أن لا ~~يطوف بهما" ولكنها إنما أنزلت: أن الأنصار كانوا قبل أن يسلموا كانوا يهلون ~~لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها عند المشلل، وكان من أهل لها يتحرج أن ~~يطوف بالصفا والمروة، فسألوا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا ~~يا رسول الله: إنا كنا نتحرج أن نطوف بالصفا والمروة في الجاهلية، فأنزل ~~الله عز وجل {إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا ~~جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم} [البقرة:158] . # قالت عائشة: ثم قد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بهما فليس ~~لأحد أن يدع الطواف بهما. # أخرجاه في الصحيحين. # وفي رواية عن الزهري أنه قال: فحدثت بهذا الحديث أبا بكر بن عبد الرحمن ~~بن الحارث بن هشام فقال: إن هذا العلم ما كنت سمعته، ولقد سمعت رجالا من ~~أهل العلم يقولون: إن الناس إلا من # PageV01P033 # ذكرت عائشة كانوا يقولون: إن طوافنا بين هذين الحجرين من أمر الجاهلية، ~~وقال آخرون من الأنصار: إنما أمرنا الطواف بالبيت، ولم نؤمر بالطواف بين ~~الصفا والمروة، فأنزل الله تعالى {إن الصفا والمروة من شعائر الله} ~~[البقرة: 158] . # قال أبو بكر بن عبد الرحمن: فلعلها نزلت في هؤلاء وهؤلاء. # ورواه البخاري من ms16 حديث مالك عن هشام عن عروة عن أبيه عن عائشة بنحو ما ~~تقدم، ثم قال البخاري: حدثنا محمد بن يوسف حدثنا سفيان عن عاصم بن سليمان ~~قال سألت أنسا عن الصفا والمروة. قال: كنا نرى أنهما من أمر الجاهلية، فلما ~~جاء الإسلام أمسكنا عنهما، فأنزل الله عز وجل {إن الصفا والمروة من شعائر ~~الله} [البقرة: 158] . # وذكر القرطبي في تفسيره عن ابن عباس قال: كانت الشياطين تفرق بين الصفا ~~والمروة الليل كله، وكانت بينهما آلهة، فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن الطواف بينهما. فنزلت هذه الآية. # وقال الشعبي: كان إساف على الصفا، وكانت نائلة على المروة، وكانوا ~~يستلمونهما، فتحرجوا بعد الإسلام من الطواف بينهما. فنزلت هذه الآية. # قلت: ذكر محمد بن إسحاق في كتاب "السيرة" أن إسافا ونائلة كانا بشرين، ~~فزينا داخل الكعبة، فمسخا حجرين، فنصبتهما قريش تجاه الكعبة ليعتبر بهما ~~الناس، فلما طال عهدهما عبدا، ثم # PageV01P034 # حولا إلى الصفا والمروة، فنصبا هنالك، فكان من طاف بالصفا والمروة ~~يستلمهما، ولهذا يقول أبو طالب في قصيدته المشهورة: # وحيث ينيخ الأشعرون ركابهم لمفضي السيول من إساف ونائل وفي صحيح مسلم من ~~حديث جابر الطويل وفيه: # أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فرغ من طوافه بالبيت عاد إلى الركن ~~فاستلمه، ثم خرج من باب الصفا وهو يقول: {إن الصفا والمروة من شعائر الله} ~~ثم قال: "أبدأ بما بدأ الله به". # وفي رواية النسائي "ابدأوا بما بدأ الله به". # وقال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا عبد الله بن المؤمل عن عطاء بن أبي ~~رباح عن صفية بنت شيبة عن حبيبة بنت أبي تجزاة قالت: رأيت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يطوف بين الصفا والمروة والناس بين يديه، وهو وراءهم، وهو ~~يسعى حتى أرى ركبتيه من شدة السعي يدور به إزاره، وهو يقول: "اسعوا فإن ~~الله كتب عليكم السعي". # ثم رواه الإمام أحمد عن عبد الرزاق أنبأنا معمر عن واصل مولى أبي عيينة ~~عن موسى بن عبيد عن ms17 صفية بنت شيبة أن امرأة أخبرتها أنها سمعت النبي صلى ~~الله عليه وسلم بين الصفا والمروة يقول: "كتب عليكم السعي فاسعوا". # وقد استدل بهذا الحديث على مذهب من يرى أن السعي بين الصفا والمروة ركن ~~في الحج، كما هو مذهب الشافعي ومن وافقه، ورواية عن أحمد، وهو المشهور عن ~~مالك. # وقيل: إنه واجب وليس بركن، فإن تركه عمدا أو سهوا جبره # PageV01P035 # بدم، وهو رواية عن أحمد، وبه يقول طائفة. # وقيل: بل مستحب، وإليه ذهب أبو حنيفة، والثوري، والشعبي، وابن سيرين، ~~وروي عن أنس، وابن عمر، وابن عباس، وحكي عن مالك في العتبية. # قال القرطبي: واحتجوا بقوله: "فمن تطوع خيرا"، والقول الأول أرجح، لأنه ~~عليه السلام طاف بينهما وقال: "لتأخذوا عني مناسككم" فكل ما فعله في حجته ~~تلك واجب لا بد من فعله في الحج إلا ما خرج بدليل. والله أعلم. # وقد تقدم قوله عليه الصلاة والسلام: "اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي" ~~فقد بين الله تعالى أن الطواف بين الصفا والمروة من شعائر الله، أي مما شرع ~~الله تعالى لإبراهيم في مناسك الحج. # وقد تقدم في حديث ابن عباس أن أصل ذلك مأخوذ من طواف هاجر وتردادها بين ~~الصفا والمروة في طلب الماء لولدها، لما نفد ماؤهما وزادهما، حين تركهما ~~إبراهيم عليه السلام هنالك، وليس عندهما أحد من الناس، فلما خافت على ولدها ~~الضيعة هنالك، ونفد ما عندهما، قامت تطلب الغوث من الله عز وجل. فلم تزل ~~تردد في هذه البقعة المشرفة بين الصفا والمروة متذللة خائفة وجلة مضطرة ~~فقيرة إلى الله عز وجل، حتى كشف الله كربتها، وآنس غربتها، وفرج شدتها، ~~وأنبع لها زمزم التي طعمها طعام طعم، وشفاء سقم. # فالساعي بينهما ينبغي له أن يستحضر فقره، وذله، وحاجته إلى الله في هداية ~~قلبه، وصلاح حاله، وغفران ذنبه، وأن يلتجئ إلى الله عز # PageV01P036 # وجل لتفريج ما هو به من النقائص والعيوب، وأن يهديه إلى الصراط المستقيم، ~~وأن يثبته عليه إلى مماته، وأن يحوله من حاله الذي هو عليه من ms18 الذنوب ~~والمعاصي إلى حال الكمال والغفران والسداد والاستقامة، كما فعل بهاجر عليها ~~السلام. # وقوله: {ومن تطوع خيرا} قيل: زاد في طوافه بينهما على قدر الواجب: ثامنة ~~وتاسعة ونحو ذلك. # وقيل: يطوف بينهما في حجة تطوع، أو عمرة تطوع. # وقيل: المراد تطوع خيرا في سائر العبادات حكى ذلك الرازي، وعزى الثالث ~~إلى الحسن البصري والله أعلم. # وقوله: {فإن الله شاكر عليم} أي يثيب على القليل بالكثير، عليم بقدر ~~الجزاء فلا يبخس أحدا ثوابه، ولا يظلم # مثقال ذرة، {وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما} [النساء:40] ~~انتهى. # وفي الصحيحين عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: "قدم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه مكة، فقال المشركون: إنه يقدم عليكم قوم وهنتهم ~~حمى يثرب. فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأن ~~يمشوا ما بين الركنين، ولم يمنعهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء ~~عليهم". # وفيهما أيضا عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: "رأيت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حين يقدم مكة إذا استلم الركن الأسود أول ما يطوف يخب ثلاثة ~~أشواط". # فإذا تبين لك هذا وتحققت أن الأصل في مشروعية السعي بين # PageV01P037 # الصفا والمروة ما فعلت هاجر أم إسماعيل عليهما السلام من السعي بينهما ~~لما خافت على ولدها من الضيعة، ونفد ما عندهما، قامت تطلب الغوث من الله عز ~~وجل، فلم تزل تردد في هذه البقعة المشرفة بين الصفا والمروة متذللة خائفة ~~وجلة مضطرة فقيرة إلى الله عز وجل حتى كشف الله كربتها، وآنس غربتها، وفرج ~~شدتها، وأنبع لها زمزم التي طعمها طعام طعم. # فسن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته السعي بينهما، وأمر به، وأخبر أن ~~الله قد كتب السعي على هذه الأمة. # والساعي بينهما ينبغي أن يستحضر فقره وذله وحاجته إلى الله في هداية ~~قلبه، وصلاح حاله، وغفران ذنبه، وأنه يلتجئ إلى الله عز وجل لتفريج ما هو ~~به من النقائص والعيوب، وأن يهديه إلى الصراط المستقيم، ms19 وأن يثبته عليه إلى ~~مماته، وأن يحوله من حاله إلى حال الكمال والغفران والسداد والاستقامة، كما ~~فعل بهاجر عليها السلام، وهذا هو الحكمة في مشروعية السعي بين الصفا ~~والمروة، كما نبه عليه أهل العلم، والله أعلم. # PageV01P038 ### | في الجواب عن قول السائل: (ما القصد من ذبح الذبائح على كثرتها # ... # فصل # وأما قول السائل: "ما القصد في ذبح الذبائح على كثرتها، ودفن لحومها في ~~منى؟ وفي ذلك ما فيه من النتائج الوخيمة التي تصدر من تعفن اللحوم، إذ ~~تنتشر الأوبئة منها، ولماذا يمنع من أكلها؟، وهل ذلك لازم، ومن المناسك ~~التي لا يتم الحج إلا بها على هذه الصورة؟، ولا يخفاكم مبلغ النقود الطائلة ~~التي يدفعها الحجاج سنويا ثمنا لهذه اللحوم، إذ هي لا تقل عن خمسين ألف ~~جنيه، فما قولكم لو صرفوا هذه المبالغ على إصلاح آبار مكة، وطرقها، ~~وتكاياها، وتنظيفها، وعلى كل ما يعود على الحجاج بالراحة والصحة والسلامة" # فالجواب أن يقال: القصد بذبح الذبائح أيام منى، وفي عيد الأضحى في سائر ~~الأمصار هو طاعة الله، وامتثال ما أمر به، وما سنه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وشرعه لأمته، وتقوى الله سبحانه وتعالى في هذا كله، لأن ذلك من شعائر ~~الله، فإنها من تقوى القلوب أي أوامره فإنها من تقوى القلوب، ومن ذلك تعظيم ~~الهدايا والبدن. # ومن القصد بالذبائح أيام منى إظهار نعمة الله بالتوسعة على الفقراء ~~المسلمين، وإحياء سنة الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام. # وإذا كان من المعلوم المستقر عند الخلق أن علامة المحبة الصحيحة بذل ~~الروح والمال في مرضاة المحبوب، فالمحبوب الحق – الذي لا ينبغي # PageV01P039 # المحبة إلا له، وكل محبة سوى محبته فالمحبة له باطلة – أولى بأن يشرع ~~لعباده الجهاد الذي هو غاية ما يتقرب به إلى إلههم وربهم. # وكانت قرابين من قبلهم من الأمم ذبائحهم وقرابينهم تقديم أنفسهم للذبح في ~~الله مولاهم الحق، فأي حسن يزيد على حسن هذه العبادة، ولهذا ادخرها الله ~~لأكمل الأنبياء، وأكمل الأمم، عقلا وتوحيدا، ومحبة لله. # وأما الضحايا والهدايا فقربان إلى ms20 الخالق سبحانه تقوم مقام الفدية عن ~~النفس المستحقة للتلف فدية وعوضا وقربانا إلى الله، وتشبها بإمام الحنفاء، ~~وإحياء لسنته، أن فدى الله ولده بالقربان، فجعل ذلك في ذريته باقيا أبدا. # وتأمل حكمة الرب تعالى في أمره إبراهيم خليله صلى الله عليه وسلم بذبح ~~ولده، لأن الله اتخذه خليلا، والخلة منزلة تقتضي إفراد الخليل بالمحبة، وأن ~~لا يكون له فيها منازع أصلا، بل قد تخللت محبته جميع أجزاء القلب والروح، ~~فلم يبق فيها موضع خال من حبه، فضلا عن أن يكون محلا لمحبة غيره. # فلما سأل إبراهيم الولد وأعطيه، أخذ شعبة من قلبه، كما يأخذ الولد شعبة ~~من قلب والده، فغار المحبوب على خليله أن يكون في قلبه موضع لغيره، فأمره ~~بذبح الولد ليخرج حبه من قلبه، ويكون الله أحب إليه، وآثر عنده، ولا يبقى ~~في القلب سوى محبته، فوطن نفسه على ذلك، وعزم عليه، فخلصت المحبة لوليها ~~ومستحقها، فحصلت مصلحة المأمور به من العزم عليه، وتوطين النفس على # PageV01P040 # الامتثال، فبقي الذبح مفسدة، لحصول المصلحة بدونه، فنسخه في حقه، لما صار ~~مفسدة، وأمر به لما كان عزمه عليه، وتوطين نفسه مصلحة لهما، فأي حكمة فوق ~~هذا، وأي لطف وبر وإحسان يزيد على هذا، وأي مصلحة فوق هذه المصلحة بالنسبة ~~إلى هذا الأمر ونسخه. # وإذا تأملت الشرائع الناسخة والمنسوخة وجدتها كلها بهذه المنزلة، # فمنها ما يكون وجه المصلحة فيه ظاهرا مكشوفا، ومنها ما يكون ذلك فيه خفيا ~~لا يدرك إلا بفضل فطنة وجودة إدراك. # وأما دفن لحومها فليس من الدين في شيء، ولا ينسب ذلك إلى ما شرعه الله ~~ورسوله، بل هذا من الأوضاع المبتدعة المحدثة الباطلة، التي وضعها الخلوف ~~الذين ليس لهم معرفة بأصول الدين وقواعده التي تبتنى عليها الأحكام ~~الشرعية، فإدخال مثل هذا في مناسك الحج الذي 1 شرعه الله ورسوله إدخال ~~الدين شرع لم يأذن الله به. # وهذا لم يقله أحد من عوام المسلمين، فضلا عن علمائهم، فضلا عن أن ينقل ~~ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، فلا ms21 يسأل عن الحكمة في دفن اللحوم في منى ~~إلا من أعمى الله بصيرته، وكان من أجهل الناس وأضلهم عن سواء السبيل، لأن ~~ذلك ليس من الدين في شيء، وإنما هو من وضع بعض الملوك بإشارة بعض حكماء أهل ~~الطب، وذلك بآرائهم الفاسدة، وأوهامهم الكاسدة، ونتائج أفكارهم الباردة، ~~ولو تركوا الناس على ما كانوا عليه أولا من التوسعة على فقراء المسلمين، ~~وجعل بعضه قديدا وينقلون ذلك في رحالهم، وأوطانهم، لكان ذلك أصلح للعباد، ~~وأقرب إلى السداد. PageV01P041 # وأما منع الناس من أكلها فمن الظلم والعدوان، والدفع في نحر ما شرعه الله ~~ورسوله من التوسعة على المسلمين وعلى فقرائهم. # وأما كون ذلك لازما، ومن المناسك التي لا يتم الحج إلا بها فمعاذ الله، ~~ولا يقول ذلك من يؤمن بالله ورسوله، أو يدري ما يقول، بل لا يقول ذلك إلا ~~من هو أضل من حمار أهله. # واعتقد أن ذلك لازم، وأنه لا يتم الحج إلا به من أوهام الزنادقة، ~~وإدخالهم في الدين ما لم يأذن به الله، ليلبسوا على الناس أمور دينهم، فلا ~~يستريب في ذلك إلا من هو من أجهل الناس، وأبعدهم عن سلوك الصراط المستقيم. # وأما قوله: "ولا يخفاكم مبلغ النقود الطائلة التي يدفعها الحجاج سنويا ~~ثمنا لهذه اللحوم، إذ هي لا تقل عن خمسين ألف جنيه، فما قولكم لو صرفوا هذه ~~المبالغ على إصلاح آبار مكة، وطرقها، وتكاياها، وتنظيفها 1 وعلى كل ما يعود ~~على الحجاج بالراحة والصحة والسلامة". # فالجواب أن يقال لهؤلاء الزنادقة: قد كان من المعلوم بالضرورة من دين ~~الإسلام أن معارضة ما شرعه الله ورسوله من ذبح الذبائح، ونحر النحور، ~~وإهراق الدماء طاعة لله، وامتثالا لأمره، وإحياء لسنة الخليلين عليهما ~~الصلاة والسلام، بأوهام هؤلاء الضلال وآرائهم، وزبالة أذهانهم، ونتائج ~~أفكارهم التي هي جيف الوجود، وريح المقاعد: من أبطل الباطل، وأضل الضلال. ~~PageV01P042 # ومن حاول أن يصرف هذه النقود المبذولة في ذلك طاعة لله، وامتثالا لما ~~شرعه الله ورسوله، إلى ما توهمه بعقله الفاسد، ورأيه الكاسد من أن صرف تلك ms22 ~~المبالغ إلى إصلاح آبار مكة، وطرقها، وتكاياها، وتنظيفها 1، وعلى كل ما ~~يعود على الحجاج بالراحة والصحة والسلامة هو الأصلح: فقد حاول أن يشرع ~~للناس من الدين ما لم يأذن به الله، وذلك كفر بواح، لا يستريب فيه من له ~~أدنى مسكة من عقل أو دين. قال الله تعالى: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من ~~الدين ما لم يأذن به الله} [الشورى:21] . # وإذا كان من المعلوم أنه ليس من شرع الله، ولا مما لم يأذن به الله، كان ~~من شرع طواغيت هؤلاء الزنادقة، الذين يزعمون أن نصوص الكتاب والسنة ظواهر ~~ظنية، وما رأوه بعقولهم وقياساتهم الباطلة أنها قواطع عقلية، أولئك الذين ~~طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون. # ثم إنه قد كان من المعلوم عند خواص الناس وعوامهم أنه قد بذل من الأموال ~~والصدقات ما يقوم بإصلاح آبار مكة، وطرقها، وما يحتاج، وما يحتاج إليه ~~الحجاج من المصالح الدنيوية والدينية ما يكفي، ويعود نفعه إلى ما فيه ~~صلاحهم وسلامتهم، فلا حاجة إلى السعي في إبطال ما شرعه ورسوله صلى الله ~~عليه وسلم من مناسك الحج، وشعائره التي لا يتم ولا يستقيم الحج إلا بها. # وأما إصلاح آبار مكة وطرقها وتكاياها فإن الحج يتم بدون ذلك والله أعلم. ~~PageV01P043 ### | في رد اعتراضه بقوله: ولماذا أقامو دون عرفة بناءين؟ # ... # فصل # وأما قوله: "ولماذا أقاموا دون عرفة بناءين 1 عن اليمين والشمال، تعرف ~~بالعلمين، وكل من لم يكن خلف هذين البناءين ليس مقبول الحج، مع أنه تكلف ~~العناء، ووصل إلى ما دونهما، ولماذا يكون من خلفهما مقبول الحج وهو في لهوه ~~ولعبه، وممارسة ما اعتاده في بلاده من الأعمال، ومن كان دونهما غير مقبول، ~~ولو كان على غير ذلك؟ وهل هذان البناءان حد فاصل بين الله والناس، أو بين ~~الجنة والنار؟ ". # والجواب أن يقال: قد كان من المعلوم عند الخاصة والعامة أن هذين العلمين ~~بنيا حدا فاصلا بين عرفة وغيرها، ليعرف من كان جاهلا بذلك حدود عرفة، ولذلك ~~سميا بالعلمين، وهذا لا يخفى ms23 إلا على من كان أضل من حمار أهله، أو زنديقا ~~يروم بعقله الفاسد أن يشكك الناس في أمر دينهم. # وأما قوله: "وكل من لم يكن خلف هذين البناءين ليس مقبول الحج" إلى آخره. # فالجواب أن يقال: قد كان من المعلوم أن الوقوف بعرفة ركن لا يتم الحج إلا ~~به، بإجماع المسلمين، لقوله صلى الله عليه وسلم: "الحج عرفة فمن ~~PageV01P044 # جاء قبل صلاة الفجر ليلة جمع فقد تم حجه" رواه أبو داود 1 # فمن حج ولم يقف بعرفة نهارا أو ليلا إلى قبل صلاة الفجر فلا حج له، وعليه ~~القضاء من قابل، لأنه لم يأت بما فرض الله عليه من الوقوف بعرفة، لأنه هو ~~الركن الأعظم، وهذا لا يخفى على من له أدنى مسكة من عقل أو دين، والله ~~سبحانه لا يضيع أجر من أحسن عملا. # وأما قوله: "ولماذا يكون من خلفهما مقبول الحج وهو في لهوه ولعبه وممارسة ~~ما اعتاده في بلاده من الأعمال". # فالجواب أن يقال: مسألة القبول أمر آخر، وهو مما ليس للعقول فيه مجال، بل ~~أمر ذلك إلى الله، وليس كل من أتى بشيء من العبادات يكون قد أتى بما فرض ~~الله عليه فيها، وأداها على الوجه المشروع، فلا ينبغي أن يجزم لفاعل شيء من ~~هذه العبادات أن الله قد قبل عمله، لجواز أن يكون قد راءى بعمله ذلك، أو ~~أتى بما يبطله ويحبطه من الرفث والفسوق والعصيان، ولم يتق الله فيه، وإنما ~~يتقبل الله من المتقين، وهذا كحال من ذكر السائل ممن كان في لهوه ولعبه ~~وممارسة ما اعتاده في بلاده من الأعمال. # وأكثر الحاج اليوم إلا من شاء الله وثنية، عباد قبور، وأرفاض، ~~PageV01P045 # وجهمية، وأهل بدع، ولهو ولعب ومعاص، لا يعرفون حدود ما أنزل الله على ~~رسوله، وقد قال بعض العلماء فيما هو دون ذلك: # إذا حججت بمال أصله سحت ... ما حججت ولكن حجت العير # لا يقبل الله كل صالحة ... ما كل من حج بيت الله مبرور # والذي ينبغي للمسلم إذا كان واقفا بعرفة أن ms24 يشتغل بذكر الله، والدعاء، ~~والاستغفار، والتسبيح، والتهليل، والثناء على الله، ويكثر من أدعية القرآن، ~~كما ذكر ذلك أهل العلم في مناسكهم. # وأما قوله: "وهل هذان البناءان حد فاصل بين الله والناس، أو بين الجنة ~~والنار". # فالجواب أن يقال: ليس بناء العلمين حدا فاصلا بين الله والناس، ولا بين ~~الجنة والنار، ولا يورد مثل هذا السؤال ويستشكله إلا من هو أبلد الناس، ~~وأبلههم، وأشدهم غباوة، وأنجسهم عقلا ورأيا، فقد كان من المعلوم بالضرورة ~~من دين الإسلام أن الله سبحانه وتعالى فوق سماواته على عرشه، بائنا 1 من ~~خلقه، وأدلة ذلك من الكتاب، والسنة، وكلام سلف الأمة وأئمتها في ذلك أكثر ~~من أن يحصر، وأشهر من أن يذكر، وذلك مبسوط في محله. # وأيضا فقد كان من المعلوم أن الجنة فوق السموات في أعلا عليين، وأن النار ~~تحت الأرض السابعة في أسفل سافلين، فكيف يكون العلمان حدا فاصلا بينهما، أو ~~بين الله والناس هذا لا يقوله PageV01P046 # من يؤمن بالله واليوم الآخر، أو يدري ما يقول. # فإذا تحققت ما قدمته لك من الحكمة في مناسك الحج، فاعلم أن شأن الحج وما ~~في طيه من الأسرار والحكم، والمصالح، لا يدركه إلا الحنفاء، الذين ضربوا في ~~المحبة بسهم، وشأنه أجل من أن تحيط به العبارة، وهو خاصة هذا الدين الحنيف، ~~حتى قيل في قوله تعالى: {حنفاء لله غير مشركين به} [الحج:31] . أي حجاجا. # وجعل الله بيته الحرام قياما للناس، فهو عمود العالم الذي عليه بناؤه، ~~فلو ترك الناس كلهم الحج سنة لخرت السماء على الأرض، هكذا قال ترجمان ~~القرآن ابن عباس رضي الله عنهما. # فالبيت الحرام قيام العالم، فلا يزال قياما ما زال هذا البيت محجوجا، ~~فالحج هو خاصة الحنيفية، ومعونة الصلاة، وسر قول العبد: لا إله إلا الله، ~~فإنه مؤسس على التوحيد المحض، والمحبة الخالصة، وهو استزارة المحبوب ~~لأحبابه، ودعوتهم إلى بيته، ومحل كرامته، ولهذا إذا دخلوا في هذه العبادة ~~فشعارهم "لبيك اللهم لبيك" إجابة محب لدعوة حبيبه، ولهذا كان للتلبية موقع ~~عند الله، وكلما ms25 أكثر العبد منها كان أحب إلى ربه، وأحضى، فهو لا يملك نفسه ~~أن يقول: "لبيك لبيك" حتى ينقطع نفسه. # وأما أسرار ما في هذه العبادة من الإحرام، واجتناب العوائد، وكشف الرأس، ~~ونزع الثياب المعتادة، والطواف، والوقوف بعرفة، ورفع الجمار، وسائر شعائر ~~الحج: فمما شهدت بحسنه العقول السليمة، والفطرة المستقيمة، وعلمت بأن الذي ~~شرع هذه لا حكمة فوق حكمته، كما # PageV01P047 # قاله ابن القيم رحمه الله. وما أحسن ما قيل: # وقل للعيون الرمد للشمس أعين ... سواك تراها في مغيب ومطلع # وسامح نفوسا أطفأ الله نورها ... بأهوائها لا تستفيق ولا تعي # وقول الآخر: # فقل لغليظ القلب ويحك ليس ذا ... بعشك فارج طالبا عشك الخالي # ولا تك ممن مد باعا إلى جنا ... فقصر عنه قال: ذا ليس بالحالي # PageV01P048 ### | الرد على قوله: إن كثيرا من علماء الأمة الإسلامية الآن لم يحجوا # ... # فصل # وأما قول السائل: "بل نرى كثيرا من علماء الأمة الإسلامية، ومرشديها ~~المصلحين، منهم من عاش ومات ولم يحج، مع أنه ربما رحل في سنة مرتين أو ~~ثلاثا إلى أوربا، أو إلى غيرها من البلاد، ولم يذهب إلى مكة، مع أنه كان ~~الألزم والأوجب أن يقصد مكة والحج كل موسم للنصح والإرشاد، فهذا ساكن ~~الجنان الأستاذ الإمام المرحوم السيد عبد الرحمن الكواكبي، وغيرهم، وعاشوا ~~وماتوا، وهم لم يروا مكة في وقت الحج، وحضرتك أيضا كذلك، فما هي الأسباب يا ~~ترى؟ ونحن نعتقد أن امتناعكم جميعا عن الحج لا بد له من سبب، فما هو ذلك ~~السبب العظيم الذي يمنع رجال الإصلاح العظام عن الحج المقدس؟ " # فالجواب أن نقول: تر ك هؤلاء العلماء المصلحين للحج، وقد كان الواحد منهم ~~يسافر إلى الأماكن الشاسعة البعيدة، ويتجشمون في ذلك الأخطار الشاقة ~~الشديدة، فترك هؤلاء العلماء المصلحين للحج مع ذلك والحالة هذه لا بد أن ~~يكون لأحد أمرين: # إما أن يكون تكاسلا: وطلبا للراحة، وملاذ النفوس وشهواتها، وتسويلا من ~~الشيطان بالتسويفات الباطلة، والأماني الكاذبة، فهذا فيه من الوعيد على ترك ~~الحج مع القدرة عليه ما سيأتي ذكره إن ms26 شاء الله تعالى. # PageV01P049 # وإما أن يكون لسبب وعذر من الأعذار الموجبة لترك الحج، من الخوف على ~~النفس من القتل، أو الحبس، وغير ذلك من الأعذار، فهذا معذور، داخل في حكم ~~من لا يستطيع إليه سبيلا. # وقد أجاب صاحب المنار عن نفسه، وعن غيره من العلماء الذين تركوا الحج ~~لشيء من الأسباب المانعة لذلك، ولا نظن بعلماء أهل الإسلام إلا الخير، وعدم ~~الاستطاعة لشيء من الأعذار الموجبة لتركهم ذلك. والله أعلم. # ولو صدر من هؤلاء العلماء المصلحين على سبيل الفرض والتقدير ترك الحج مع ~~الاستطاعة عليه، من غير عذر شرعي، لكان الفرض علينا طاعة الله ورسوله، بترك ~~تقليدهم فيما لا ينبغي تقليدهم فيه من معصية الله ورسوله، لأن طاعتهم في ~~معصية الله ورسوله من العبادة التي ذم الله بها النصارى في قوله: {اتخذوا ~~أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله} [التوبة: 31] الآية. # وتفسيرها الذي لا إشكال فيه: طاعة العلماء في تحليل ما حرم الله، أو ~~تحريم ما أحله، كما ثبت ذلك في الصحيح 1 عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: ~~"دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتلو هذه الآية: {اتخذوا أحبارهم ~~ورهبانهم أربابا من دون الله} [التوبة: 31] PageV01P050 # قلت يا رسول الله: إنا لسنا نعبدهم. قال: أليسوا يحرمون ما أحل الله ~~فتتبعونهم؟ ويحلون ما حرم الله فتتبعونهم؟ قلت: بلى. قال: فتلك عبادتهم" # لكن لم يصدر هذا منهم، وقد كتبوا في ذلك بيان عذرهم، فلا نظن بهم إلا ~~الخير إن شاء الله تعالى. # والذي يظهر لي من كلام هذا السائل أنه أراد بهذا السؤال أحد أمرين: - # إما تعجيز صاحب "المنار" عن إدراك الجواب عن وجه الحكمة عما سئل عنه، مما ~~استشكله فيه من مناسك الحج، لظنه أن هذا لا سبيل إلى معرفة وجه الحكمة فيه. # والأمر الثاني: - أنه لما رآه قد ترك الحج، وهو قد سافر إلى الهند، وإلى ~~غيره من الأماكن البعيدة، تخيل في وهمه وظنه الفاسد أنه يرى ما يراه ~~الزنادقة، من أنه لا مصلحة للعباد في ذلك، ms27 ولا حكمة للشارع الحكيم في شرع ~~تلك المناسك، إلا محض المشيئة، وترجيح مثل على مثل بلا مرجح، كما يقول ذلك ~~نفاة الحكم والمصالح، فلأجل هذا أراد السائل من صاحب المنار أن يوافقه على ~~أحد الأمرين، ليتم له مقصوده من ترك الحج، لسوء اعتقاده، وخبث مرامه. # يوضح ما قلناه أنه قال في أول سؤاله: إلى سيدي العلامة المصلح العليم ~~مرشد الأمة ورشيدها الفيلسوف فأثنى عليه بأنه فيلسوف. # PageV01P051 # وقد كان من المعلوم أن مذهب الفلاسفة من أخبث المذاهب، وأنهم من أضل ~~الناس، وأبعدهم عن سلوك الصراط المستقيم، واتباع سبيل المؤمنين، وإنما غالب ~~علومهم النظر في العقليات، وأما ما كان عليه الرسل وأتباعهم فهم لا ~~يعرفونه، ولذلك كانوا يعارضون ما بلغهم من النقليات بما عندهم من العقليات ~~بآرائهم الفاسدة، وأوهامهم الكاسدة، فليسوا في الحقيقة من أهل الإسلام ~~وعلومهم في شيء. # وقد ذهب طوائف من المتكلمين وغيرهم من أهل الإسلام إلى ما وضعوه من ~~العقليات، واستحسنوا ذلك، فضلوا وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل، وهؤلاء ~~هم الذين أشار إليهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بقوله: # لا سيما والإشارة بالخلف إلى ضرب من المتكلمين الذين كثر في باب الدين ~~اضطرابهم، وغلظ عن معرفة الله حجابهم، وأخبر الواقف على نهاية إقدامهم بما ~~انتهى إليه مرامهم: # لعمري لقد طفت المعاهد كلها ... وسيرت طرفي بين تلك المعالم # فلم أر إلا واضعا كف حائر ... على ذقن أو قارعا سن نادم # وأقروا على أنفسهم بما قالوا متمثلين به، أو منشئين له فيما صنفوه من ~~كتبهم، كقول بعض رؤسائهم: - # نهاية إقدام العقول عقال ... وأكثر سعي العالمين ضلال # PageV01P052 # وأرواحنا في وحشة من جسومنا ... وغاية دنيانا أذى ووبال # ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا # لقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلا، ~~ولا تروي غليلا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، اقرأ في الإثبات: {الرحمن ~~على العرش استوى} [طه:5] {إليه يصعد الكلم الطيب} [فاطر:10] واقرأ في النفي ~~{ليس كمثله شيء} [الشورى:11] {ولا يحيطون به علما} ms28 [طه:110] ومن جرب مثل ~~تجربتي عرف مثل معرفتي. # ويقول الآخر منهم: - لقد خضت البحر الخضم، وتركت أهل الإسلام وعلومهم، ~~وخضت في الذي نهوني عنه، والآن إن لم يتداركني ربي برحمته، فالويل لفلان، ~~وها أنا أموت على عقيدة أمي. # ويقول الآخر منهم: أكثر الناس شكا عند الموت أصحاب الكلام 1. # وقال ابن القيم رحمه الله في "الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة" لما ~~ذكر اختلاف الناس في التوحيد، وأنهم فيه أنواع قال: - # وأما توحيد الفلاسفة فهو إنكار ماهية الرب الزائدة على وجوده، وإنكار ~~صفات كماله، وأنه لا سمع له، ولا بصر، ولا قدرة، ولا حياة، PageV01P053 # ولا إرادة، ولا كلام، ولا وجه، ولا يدين، وليس فيه معنيان يتميز أحدهما ~~عن الآخر البتة، قالوا لأنه لو كان كذلك لكان مركبا، وكان جسما مؤلفا، ولم ~~يكن واحدا من كل وجه، فجعلوه 1 من جنس الجوهر الفرد الذي لا يحس، ولا يرى، ~~ولا يتميز منه جانب عن جانب، بل جوهر فرد يمكن وجوده، وهذا الواحد الذي ~~جعلوه حقيقة رب العالمين يستحيل وجوده، فلما اصطلحوا على هذا المعنى في ~~التوحيد، وسمعوا قوله: {وإلهكم إله واحد} [البقرة: 163] ، وقوله: {وما من ~~إله إلا إله واحد} نزلوا لفظ القرآن على هذا المعنى الاصطلاحي، وقالوا: - ~~لو كان له صفة أو كلام أو مشيئة أو علم أو حياة أو قدرة أو سمع أو بصر لم ~~يكن واحدا، وكان مركبا مؤلفا، فسموا أعظم التعطيل بأحسن الأسماء وهو ~~التوحيد، وسموا أصح الأشياء وأحقها بالثبوت وهو 2 صفات الرب بأقبح الأسماء ~~وهو التركيب والتأليف، فتولد من بين هذه التسمية الصحيحة للمعنى الباطل جحد ~~حقائق أسماء الرب وصفاته، بل 3 وجحد ماهيته وذاته، وتكذيب رسله، ونشأ من ~~نشأ على اصطلاحهم، مع إعراضه عن استفادة الهدى والحق من الوحي، فلم يعرف ~~سوى الباطل الذي اصطلحوا عليه، فجعلوا أصل دينهم 4 فلما رأى أن ما جاءت به ~~PageV01P054 # الرسل يعارضه قال: إذا تعارض العقل والنقل قدم العقل. انتهى. # وقال أيضا في "الإغاثة": - # والمقصود أن الفلاسفة اسم جنس لمن يحب الحكمة ms29 ويؤثرها. وقد صار هذا الاسم ~~في عرف كثير من الناس مختصا بمن خرج عن ديانات الأنبياء، ولم يذهب إلى ما ~~يقتضيه العقل في زعمه، وأخص من ذلك أنه في عرف المتأخرين اسم لأتباع ~~أرسطوا، وهم المشاؤن خاصة، وهم الذين هذب ابن سيناء طريقتهم وبسطها، ~~وقررها، وهي التي يعرفها – بل لا يعرف سواها – المتأخرون من المتكلمين إلى ~~آخر كلامه رحمه الله. # والمقصود أن أحد هؤلاء الفلاسفة لا يذهب إلا إلى ما يقتضيه عقله في زعمه، ~~فلما كان هذا الفيلسوف منهم توهم هذا السائل أن صاحب المنار يرى هذا الرأي، ~~وحاشا وكلا، بل هو بريء منهم، وهم برآء منه، وكلامه يقتضي تكفير هذا الضرب ~~من الناس، ولا يخفى هذا إلا على من ليس له معرفة وإلمام بالعلوم، والله ~~المستعان. # ثم لو سلمنا أن الفيلسوف على عرف الفلاسفة وأتباعهم من أهل الكلام هو محب ~~الحكمة، وأنه يمدح ويثنى به على العالم المصطلح المرشد للعباد، لم يكن هذا ~~من عرف أهل الإسلام، ولا من لغتهم، ولا يمدح به أحد من علماء الإسلام، لأنه ~~قد كان من المعلوم أنه لم يكن يسمى به أحد من علماء الصحابة، ولا علماء ~~التابعين، ولا من بعدهم من الأئمة المهتدين، والعلماء المصلحين المرشدين، ~~ولا أكابر # PageV01P055 # علماء أهل الحديث المجتهدين، بل كان هذا الاسم في عرف أهل الإسلام لا ~~يسمى به إلا من كان من علماء الفلاسفة، ومن نحا نحوهم من زنادقة هذه الأمة، ~~فكان في الحقيقة أن هذا مما يعاب ويذم به من يسمى بذلك، لا مما يمدح ويثنى ~~به عليه. # ولو أراد هؤلاء المتنطعون المتعمقون أن ينقلوا هذا عن أحد من أهل العلم، ~~أو يذكروه في شيء من دواوين أهل الإسلام لم يجدوا إلى ذلك سبيلا البتة، ~~اللهم إلا ما يذكر عن أشباه هؤلاء الهمج الرعاع، اتباع كل ناعق، الذين لم ~~يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجئوا إلى ركن وثيق من الفهم، {إن هم إلا ~~كالأنعام بل هم أضل} {أولئك هم الغافلون} 1 PageV01P056 ### | في الإجابة عن قول السائل: (وكذلك ms30 نرى أن جميع ملوك الاسلام لا يحجون) # ... # فصل # ثم قال السائل: - "وكذلك نرى أن جميع ملوك الإسلام وأمرائه وأغنيائه 1 لا ~~يحجون، ولا نرى الحجاج سواهم إلا من فقراء الهند، والصين، والروسيا، وجاوا، ~~وبلاد العرب كمصر، وتونس، وسوريا، والعراق، وغيرها، وهذا كثير من سلاطين آل ~~عثمان، وأمراء البيت السلطاني، وأعاظم الرجال من الوزراء، والحكام ~~والأغنياء المشار إليهم بالبنان، كلهم لا يحجون، ولا يدور في خلد أحدهم أن ~~يحج، فما هو السر في ذلك يا ترى؟ وكم عجبنا لما سمعنا بحج أمير مصر قبل ~~سنتين، وكثر تحدث الناس في ذلك، حتى تجرأ 2 أحدهم فقال: - إن المقصود من حج ~~العزيز، غرض سياسي، ورحلة في جهات الحجاز لا غير، وليس له مقصد في الحج ~~قطعا" إلى آخر كلامه. # والجواب أن نقول: - ترك هؤلاء الملوك، والسلاطين، والوزراء، والأغنياء ~~المترفين للحج لا يكون عذرا لمن أراد ترك الحج تقليدا لهؤلاء. PageV01P057 # فإن الله سبحانه وتعالى قد فرض الحج على جميع الناس ملوكهم، وسلاطينهم، ~~ووزرائهم، ولم يعذر الله إلا من كان فقيرا عاجزا لا يستطيع إليه سبيلا. # وأما ما ذكره من كون أكثر الحجاج من فقراء أهل الأمصار المذكورين في ~~السؤال، لا يدل على أن الحج واجب عليهم دون من عداهم من الملوك والوزراء ~~والأغنياء، فمن كان مؤمنا بالله ورسوله، سالما من شوائب الشرك والبدع ~~والمعاصي 1 فهو على نور من ربه، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو ~~الفضل العظيم. # وأما من ترك الحج من هؤلاء وهؤلاء، أو من العلماء المصلحين وهو قادر ~~عليه، وليس له عذر شرعي ففي ذلك من الوعيد الشديد ما صح عن أمير المؤمنين ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: - "لقد هممت أن أبعث عمالا إلى الناس، ~~فينظرون إلى من ترك الحج وهم قادرون عليه، فأضع عليهم الجزية، ما هم عندي ~~بمسلمين". # وعن علي رضي الله عنه قال: - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: - من ملك ~~زادا وراحلة تبلغه إلى بيت الله، ولم يحج، فلا عليه أن ms31 يموت يهوديا أو ~~نصرانيا، وذلك أن الله يقول: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه ~~سبيلا} [آل عمران: 97] رواه الترمذي والبيهقي من رواية الحارث عن علي 2 ~~PageV01P058 # ورواه البيهقي أيضا عن عبد الرحمن بن سابط عن أبي أمامه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: - "من لم يحبسه حاجة ظاهرة أو مرض حابس، أو سلطان ~~جائر، ولم يحج، فليمت إن شاء يهوديا وإن شاء نصرانيا"1. # إذا تحققت ما ذكرته لك مما تقدم بيانه، وعلمت أن هؤلاء الملوك، وأمراء ~~السلاطين، ووزراءهم، والأغنياء المترفين، والعلماء المصلحين وغيرهم ممن ~~تركوا الحج وهم قادرون عليه، أنهم ليسوا حجة يقتدى بهم. # وتحققت أيضا أن الله سبحانه وتعالى هو الذي فرض مناسك الحج وأمر بها، ~~وكتبها على عباده، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم سنها لأمته، وقال: ~~"خذوا عني مناسككم" فأخذ بها المسلمون، وعملوا بها، ولم يستشكل أحد منهم عن ~~وجه الحكمة في شيء منها، بل امتثلوا ما أمر الله به، طاعة لله ورسوله: تبين ~~لك أن هذا السؤال من هؤلاء الزنادقة نشأ عن سوء اعتقاد، وخبث طوية، وشك في ~~الدين الذي بعث الله به رسوله، وأنزل به كتابه PageV01P059 # فالواجب على المسلم أن يتباعد عن هذا الضرب من الناس كل التباعد، وأن ~~يظهر عداوتهم ومقتهم، والبراءة منهم، وأن ينشر في العالمين خزيهم وضلالهم، ~~ليعلم الناس حقيقة ما هم عليه من الزندقة، وصريح السفسطة والمخرقة، وأن ~~سؤالهم ليس عن جهل بحقيقة الأمر المسؤول عنه، لأنه قد كان من المعلوم أنه ~~من الأمور الضرورية التي لا تخفى على آحاد البرية، أو أن ذلك من المسائل ~~الخفية، فيقال لأجل ذلك عثارهم، ويقبل اعتذارهم، فقد تلألأ الحق واستبان ~~لأهل العقول السليمة، والألباب المستقيمة. # تلألأ نور الحق في الخلق واستما ... وبان لمن بالحق قد كان مغرما # محاسن ما يدعو إليه محمد ... نبي الهدى من كان بالله أعلما # من الدين والتوحيد والنور والهدى ... فليس بها لبس على من تجشما # وسار إلى أعلامها متيمما ... على المنهج الأسنى الذي كان أقوما # ومستيقنا ms32 بل مؤمنا ومصدقا ... بأن رسول الله قد كان أحكما # وأعلم بالحق الذي قد أتي به ... عن الله إذ قد كان لا شك قيما # PageV01P060 # ومن ذاك أن الحج ركن وفرضه ... على الخلق طرا كان أمرا محتما # ولا عذر في هذا لمن كان قادرا ... عليه بلا عذر ولا كان معدما # وسن رسول الله فيه مناسكا ... تقدمه فيها الخليل لتعلما # فسار على منهاجه وطريقه ... ليحي منها ما عفى وتهدما # فمن صدق المعصوم فيما أتي به ... وكان به مستقينا ومعظما # تيقن من غير ارتياب ومرية ... بأن الذي قد سنه كان أحكما # وحكمته معلومة مستنيرة ... لمن كان للشرع الشريف مقدما # ولم يسترب في شرعه باعتراضه ... على النقل بالعقل الذي كان مظلما # كهذا الذي أبدى لسوء اعتقاده ... سؤالا وقد أضحى به متهكما # وأظهر أن الحق لم يستبن له ... وقد كان لا يخفى من تعلما # وقد كان معلوما من الدين واضحا ... ومنهاجه قد كان والله لهجما # PageV01P061 # ومن كان لا يدري بها وهو جاهل ... فكيفيه منها أن يكون مسلما # ويؤمن بالشرع الذي قد أتى به ... أجل الورى من كان بالله أعلما # ولكنهم في غمرة من ضلالهم ... وفي غيهم بعدا لمن كان مجرما # فقل لزعيم القوم ناصر من غدا ... عن الخير مزورا وقد حاز مأثما # ثكلتك من خب لئيم هبينغ ... يرى أن ما أبداه حقا فأقدما # وأظهر مكنونا من الغي جهرة ... لدى الناس مكشوف القناع ليعلما # وقل للغوي الفدم ويحك ما الذي ... دعاك إلى أن قلت قولا محرما # أخلت طريق الحق ليس بواضح ... وأن طريق الغي قد كان قيما # لعمري لقد أخطأت رشدك فاتئد ... فلست بكفو أن ترى متقدما # فقد حدت عن نهج الهداة وإنما ... سلكت طريقا للضلالة مظلما # طريقا وخيما للغواة الذين هم ... فلاسفة دهرية أورثوا العما # PageV01P062 # كنحو ابن سينا بل أرسطو وقومه ... وأتباعه ممن مضى وتقدما # طريقتهم ما تقتضيه عقولهم ... وإن خالف الشرع الشريف المقدما # فسرت على آثار من ضل سعيهم ... وكانوا ببيداء الضلالة هوما # وآثار أقوام رأوا أن دينهم ... ومذهبهم قد كان أهدى وأحكما # فما تقتضي ms33 آراؤهم وعقولهم ... وما استحسنوا من ذلك قد كان أقوما # لذا عارضوا المنقول مما أتى به ... من الشرع من قد كان بالله أعلما # بمعقول ما قد أصلوه برأيهم ... وقانون كفر أحدثوه تحكما # وردوا بذا القانون أحكام شرعه ... فنالوا به شرا عظيما ومأثما # وقد رام هذا الوعد أن يقتدى بهم ... وأن يقتفي آثار من كان أظلما # فعارض ما قد سنه سيد الورى ... لأمته في الحج نسكا وأحكما # بمعقوله في بعض أسئلة له ... توهمها حقا فأدت إلى العما # PageV01P063 # فيسأل عن تقبيلنا الحجر الذي # ... # لدى الركن موضوعا هناك معظما # وقد كان في تقبيله واستلامه # ... # مظاهرة الأوثان فيما توهما # على زعمه فيما يراه بعقله # ... # وقد كان معلوما من الشرع محكما # وعن سعينا بين الصفاء ومروة # ... # وعن رمل قد سنه من تقدما # وما القصد في ذبح الذبائح في منى # ... # وإدخالهم في النسك أمرا محرما # كمنع الورى عن أكلهم من لحومها # ... # ودفن لها في الأرض ظلما ومأثما # ولو صرفت فيما يراه بعقله # ... # لإصلاح آبار تعد وترتما # لحجاج بيت الله أو طرق لهم # ... # وتنظيفها أو في تكايا ليعلما # ويعرف منها القصد والنفع للورى # ... # فتبا لهذا الرأي ما كان أوخما # وما القصد في رمي الجمار التي رمى # ... # بهن خليل الله من كان قد رما # وسن رسول الله ذلك واقتفى # ... # بآثار من قد كان بالله أعلما # PageV01P064 # وما القصد في الوضع البناءين حاجزا ... لدى عرفات عن سواها لتعلما # وهل ذاك حد فاضل بين ربنا ... وبين الورى فيما رأى وتوهما # أم القصد حد فاصل بين جنة ... ونار فهذا قول من كان أظلما # ويسأل عمن قد أتى من بلاده ... وقد جاب أخطارا لها وتجشما # فما كان مقبولا لديه لأنه ... لدى عرفات لم يقف حين أقدما # وقد جاء إيمانا وحبا وطاعة ... لمولاه يرجو العفو إذ كان مجرما # ومن كان فيها واقفا متقدما ... ولكنه للهو أضحى مقدما # وفي لعب أو في ممارسة لما ... يروق له في أهله قبل من عما # فذلك مقبول لديه ولو أتى ... بشيء من المكروه أو كان مجرما # فأية مقصود وأية حكمة ms34 ... لذلك اقتضت لما لها الشرع أحكما # أيحسن منا أن نحج ولم نكن ... بحكمتها ندري فما هي لتعلما # PageV01P065 # ويسأل عمن كان للناس مرشدا ... وبالعلم وبالإصلاح للناس قد سما # وقد عاش دهرا ثم مات ولم يكن ... إلى البيت ممن قد أهل وأحرما # وقد كان فيما قبل يرحل دائما ... إلى أي أرض شآءها متيمما # فما السبب الداعي إلى ترك حجة ... وقد كان ذا علم وكان معلما # كذلك عن حال الملوك ونحوهم ... من الوزراء ممن عسى أن يعظما # وكالأغنياء المترفين وغيرهم ... من الناس ممن ليس قد كان معدما # ونحن نرى الحجاج من كل وجهة ... سواهم فما عذر الذي كان أجرما # وما السر في ترك الملوك وغيرهم ... من الأغنياء للحج فرضا # وما القصد في هذا لمن كان قادرا ... على الحج ممن قد أساء وأجرما # فهذا اعتراض الفدم للشرع بالذي ... تخيله في عقله وتوهما # ودونك في المنثور ما قد أجبته ... وقد كان حقا أن يهاض ويهضما # PageV01P066 # ولكن تركنا البسط من أجل أنه # ... # أجاب سوانا من أجاد وأحكما # فلله رب الحمد والشكر والثنا # ... # على قمع زنديق تحدى وغمغما # وظن غباء من سفاهة رأيه # ... # بأن الحمى أقوى فجاء وأقدما # ليهدم من أعلام سنة أحمد # ... # مناسك حج سنها من تقدما # فغودر مجدولا على أم رأسه # ... # كإخوانه ممن عثى وتدهكما # وخال طريق الحق دحضا مزلة # ... # وأن طريق الغي قد كان لهجما # فتبا له من جاهل ما أضله # ... # وأبعده عن منهج الرشد إذ سما # فأبصره من كا بالله مؤمنا # ... # وللشرع أضحى مذعنا ومسلما # وعارضه من لم يكن مؤمنا به # ... # كهذا الغبي الفدم لما تكلما # وصل على المعصوم رب وآله # ... # وأصحابه ما دامت الأرض والسما # وما انهل صوب المزن سحا وكلما # ... # على المصطفى صلى الإله وسلما # PageV01P067 # فهذا ما تيسر لي من الجواب، مع تكدر البال، وكثرة الانشغال، وتغير ~~الأحوال، وما يدرك كله لا يترك كله، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، ~~وحسبنا الله ونعم الوكيل، وصلى الله على أفضل المرسلين، وإمام المتقين، ~~وقائد الغر المحجلين، نبينا محمد، وعلى آله، وأصحابه أجمعين، ومن ms35 تبعهم ~~بإحسان إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين. PageV01P068 ms36