######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0012091 #META# 000.BookURI :: AFTER1900 #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: سليمان بن سحمان بن مصلح بن حمدان بن مصلح بن حمدان بن مسفر بن محمد بن مالك بن عامر الخثعمي , التبالي , العسيري , النجدي (المتوفى: 1349هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 1349 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: منهاج أهل الحق والاتباع في مخالفة أهل الجهل والابتداع #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: العقيدة #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0012091 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-12091 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/12091 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: عبد السلام بن برجس العبد الكريم #META# 041.EdNUMBER :: الثالثة 1422هـ - 2001م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مكتبة الفرقان #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم # وبه نستعين, ولا حول ولا قوة إلا بالله # الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على أشرف المرسلين, نبينا محمد ~~وعلى آله وصحبه أجمعين, أما بعد: # فقد وصل إلي كتابك المشتمل على بعض المسائل التي قد أوضحناها لك في ~~"إرشاد الطالب إلى أهم المطالب" وذلك في شأن التكفير, وبينا لك فيه: أن ~~المبادرة بالتكفير والتفسيق والهجر من غير اطلاع على كلام العلماء لا ~~يتجاسر عليه إلا أهل البدع الذين مرقوا من الإسلام, ولم يحققوا تفاصيل ما ~~في هذه المسائل المهمة العظام, مما قرروه وبينوه من الأحكام, وذكرنا فيه ~~قول شيخ الإسلام ابن تيمية_ قدس الله روحه_: "إن من عيوب أهل البدع: تكفير ~~بعضهم بعضا, ومن ممادح أهل العلم: أنهم يخطئون ولا يكفرون", وقول الشافعي_ ~~رحمه الله تعالى_: "لأن أتكلم في علم يقال لي فيه: أخطأت, أحب إلي من أن ~~أتكلم في علم يقال لي فيه: كفرت". # إذا فهمت ذلك وتحققته فاعلم أن الكفر الذي يخرج من الإسلام ويصير به ~~الإنسان كافرا هو: أن يكفر بما علم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء به ~~من عند الله جحودا وعنادا, من أسماء الرب وصفاته, وأفعاله وأحكامه, التي ~~أصلها توحيده وحده لا شريك له, وهذا مضاد للإيمان من كل وجه؛ وقد # PageV01P011 # قال ابن القيم_ رحمه الله تعالى_: # فالكفر ليس سوى العناد ورد ما # جاء الرسول به لقول فلان # إلى أن قال: # والله ما خوفي الذنوب فإنها # لعلى طريق العفو والغفران # لكنما أخشى انسلاخ القلب عن # تحكيم هذا الوحي والقرآن # ورضا بآرآء الرجال وخرصها # لا كان ذاك بمنة الرحمن # وإنما قدمت لك هذه المقدمة لتعلم أن كثيرا من المتدينين في هذا الزمان لا ~~يعرفون الكفر الذي يخرج عن الملة, والكفر الذي لا يخرج من الملة, خصوصا من ~~ينتسب إلى العلم والمعرفة منهم ممن يذهب إلى البادية, يدعوهم إلى الله وهو ~~لا يعرف تفاصيل ما قرره العلماء وأوضحوه في مسائل التكفير, وما يخرج من ~~الملة, وما لا يخرج من الملة. ms01 # وكذلك مسألة الهجرة وأحكامها, ومسألة الهجر وما يترتب عليه من المصالح ~~والمفاسد. ويستدلون على ما ذكروه بكلام بعض العلماء في مسألة التكفير في ~~الأمور الظاهرة الجلية التي لا يمكن أحدا جهلها, ولا يعذر بذلك, مثل الأمر ~~بعبادة الله وحده لا شريك له وترك عبادة ما سواه, مما قد كان يعلم بالضرورة ~~من دين الإسلام أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد جاء به, # PageV01P012 # فيستدلون بذلك على بعض المسائل الخفية التي قد يخفى دليلها من الكتاب ~~والسنة على كثير من البرية, وذلك بمجرد ظنونهم وآرائهم القاصرة, وأفهامهم ~~الخاسرة. # وهذه المسائل الخفية لا يكفر بها من فعلها أو قالها _على أصح قولي ~~العلماء_ حتى تقوم عليه الحجة الرسالية. # فإذا تبين لك ما قد قدمت لك: انزاحت عنك شبهات كثيرة مما قد تعرض في هذا ~~المقام, ويتكلم فيه من لا معرفة عنده بأحكام الإسلام ومدارك الأحكام, والله ~~المستعان. # PageV01P013 ### | مسائل متفرقة ### | استدلال المتدينين بتكفير البادية الذين في زمنهم بعبارات للشيخ محمد بن عبد الوهاب في البدو الذين في زمانه # ... # فصل # المسألة الأولى: قال السائل هنا: هنا مسألة, وهي ذات أنواع, وهي التي أخذ ~~بها هؤلاء المتدينون من البدو, وهي أن من يقرأ عليهم بعض عبارات الشيخ محمد ~~ابن عبد الوهاب_ رحمه الله تعالى_ في البدو مثل الموضع السادس من السيرة, ~~وما ذكر عن الأعرابي الذي يشهد أنه هو وسائر البدو كفار, وأن المطوع الذي ~~ما يكفر البدو كافر, وأمثال ذلك فإذا قرأه عليهم قالوا: نعم, هذا قول ~~الشيخ_ رحمه الله_ في البدو, والمشايخ اليوم يقولون ويقولون (1) . # والجواب: _ومن الله أستمد الصواب_ أن نقول: قد بينا لك في المقدمة أن ~~هؤلاء الذين يذهبون إلى البادية ويدعونهم إلى الله وهم لا يعرفون تفاصيل ما ~~قرره العلماء وأوضحوه في مسائل التكفير, بل يقولون بآرائهم الفاسدة ~~وأفهامهم القاصرة الخاسرة, لعدم علمهم ومعرفتهم لمواقع الخطاب وأحوال الناس ~~ومراتبهم في الإسلام في الأحوال والأزمان, وإذا كان ذلك معلوما مشهورا من ~~أحوالهم وأقوالهم تعين أن نبين لك خطأهم وقلة معرفتهم وعلمهم ms02 بما كان عليه ~~أهل نجد _حاضرتهم وباديتهم_ قبل ظهور نور هذه الدعوة الإسلامية التي من ~~الله بإظهارها على يد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب _رحمه الله تعالى_ ~~قبل دخولهم PageV01P014 # في الإسلام, وما هم عليه من الكفر بالله والإشراك به, وما من الله به ~~عليهم بعد ذلك من دخولهم في الإسلام ومعرفته والقيام به, فنقول: # قد كان أهل نجد قبل ظهور هذه الدعوة المحمدية على غاية من الجهالة ~~والضلالة, والفقر والعالة, لا يستريب في ذلك عاقل, ولا يجادل فيه عارف, ~~كانوا على غاية من الجهالة في أمر دينهم, في جاهلية: يدعون الصالحين, ~~ويعتقدون في الأشجار والأحجار والغيران, ويطوفون بقبور الأولياء, يرجون ~~الخير والنصر من جهتها, وفيهم من كفر الاتحادية والحلولية, وجهالة الصوفية ~~ما يرون أنه من الشعب الإيمانية والطريقة المحمدية, وفيهم من إضاعة الصلاة ~~ومنع الزكاة وشرب المسكرات ما هو معروف مشهور, وغير ذلك من جميع الفواحش ~~والمنكرات التي لا تحصى, ولا تستقصى, فهذه هي حال الحاضرة من أهل نجد قبل ~~ظهور الدعوة الإسلامية والطريقة المحمدية. # وأما حال الأعراب من أهل نجد وغيرهم فهم أغلظ كفرا ونفاقا, وأشد إعراضا ~~عن الدين, مع ما هم عليه من قتل النفس ونهب الأموال وارتكاب المحرمات؛ كما ~~قال_ تعالى_: {الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله ~~على رسوله} (التوبة: 97) # ويصدق عليهم قول الأعرابي الذي وفد على الشيخ في الدرعية_ لما تبين له ~~الإسلام, وعرف أن ما هم عليه قبل ذلك هو الكفر والإشراك بالله_ فقال: أشهد ~~بالله أني وسائر البدو كفار, وأن المطوع الذي ما يكفر البدو كافر. # PageV01P015 # وكذلك ما ذكره الشيخ في الموضع السادس من السيرة, من حال الأعراب في ذلك ~~الوقت الذين ذكر علماء أهل زمانهم أن هذا هو الشرك, لكن يقولون: لا إله إلا ~~الله. ومن قالها لا يكفر بشيء. وأعظم من ذلك وأكبر: تصريحهم بأن البوادي ~~ليس معهم من الإسلام شعرة, ولكن يقولون: "لا إله إلا الله" وهم بهذه اللفظة ~~إسلام, وحرم الإسلام مالهم ودمهم مع ms03 إقرارهم أنهم تركوا الإسلام كله ... ~~إلى آخر كلامه _رحمه الله_. # فهذا الكلام _الذي قاله الشيخ رحمه الله في الأعراب_: إنما هو حال كفرهم ~~وقبل دخولهم في الإسلام. ثم لما فتح الله بصيرة شيخ الإسلام بتوحيد الله ~~الذي بعث الله به رسله وأنبياءه, فعرف الناس ما في كتاب ربهم من أدلة ~~توحيده الذي خلقهم له, وما حرم الله عليهم من الشرك الذي لا يغفره الله إلا ~~بالتوبة منه, وساعده على القيام بذلك آل سعود؛ فنصروه وآووه وجاهدوا معه ~~القريب والبعيد, حتى أظهر الله الإسلام ودخل الناس في دين الله أفواجا, ~~فمحا الله بدعوته شعار الشرك ومشاهده, وهدم بيوت الكفر والشرك ومعابده, ~~وكبت الطواغيت والملحدين, وألزم من ظهر عليه من البوادي وسكان القرى بما ~~جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من التوحيد والهدى, وكفر من أنكر البعث ~~واستراب فيه من أهل الجهالة والجفاء, وأمر بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وترك ~~المنكرات والمسكرات, ونهى عن الابتداع في الدين, وأمر بمتابعة السلف ~~الماضين, في الأصول والفروع ومسائل الدين, حتى ظهر دين الله واستعلن, ~~واستبان بدعوته منهاج # PageV01P016 # الشريعة والسنن, وأقام قائم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وحدت ~~الحدود الشرعية, وعزرت التعازير الدينية, وانتصب علم الجهاد, وقاتل لإعلاء ~~كلمة الله أهل الشرك والفساد, حتى سارت دعوته مسير الشمس في الآفاق, وثبت ~~النصح لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم, وجمع الله القلوب بعد ~~شتاتها, وتألفت بعد عداوتها, وصاروا بنعمته إخوانا, فأعطاهم الله بذلك من ~~النصر والعز والظهور, ما لا يعرف مثله لسكان تلك الفيافي, والصخور, وفتح ~~الله عليهم الإحساء والقطيف, وقهروا سائر العرب من عمان إلى عقبة مصر, ومن ~~اليمن إلى العراق والشام, ودانت لهم عربها وأعطوا الزكاة, فأصبحت نجد تضرب ~~إليها أكباد الإبل في طلب الدنيا والدين, وتفتخر بما نالها من العز والنصر ~~والتمكين, كما قال عالم الإحسان وشيخها_ رحمه الله_: # لقد رفع المولى به رتبة الهدى ... بوقت به يعلو الضلال ويرفع # وجرت به نجد ذيول افتخارها ... وحق لها بالألمعي ترفع # فهذه هي حال أهل نجد ms04 حاضرتهم وباديتهم بعد ما دخلوا في دين الله وتركوا ~~ما كانوا عليه قبل ذلك من الكفر بالله والإشراك به. # وقد حدثني رجل من أعراب أهل بيشة _وقد كان أدرك زمن الدرعية, ووفد مع من ~~وفد إليها من قومه_ فذكر أنهم كانوا في طريقتهم إذا اجتمعوا بمن قدم من ~~الدرعية من وفود الأعراب يسألونهم ما أفادهم به الشيخ # PageV01P017 # من الفوائد, وما علمهم من توحيد الله, وما أمرهم به من ذلك, وما نهاهم ~~عنه مما يخالف دين الإسلام مما كانوا عليه في الجاهلية, ويتذاكرون ويحمدون ~~الله على ما من الله به عليهم من الإسلام. # فمن زعم أن حال الأعراب_ بعد ما دخلوا في دين الإسلام والتزموا شرائعه ~~العظام_ هي حالهم قبل أن يدخلوا فيه من الكفر بالله والإشراك به, وأن هذا ~~وصف قائم بهم لا ينفك عنهم, وأنهم على الحالة الأولى: فقد أعظم الفرية على ~~الله وعلى المسلمين ونسبهم إلى ما هم بريئون منه. # ثم لما انقضى زمن الدرعية, وتسلطت عليهم العساكر المصرية, بسبب ما اقترفه ~~أولاد سعود من الذنوب والتقصير في الأوامر الدينية, ونقلوا عبد الله بن ~~سعود إلى مصر, وأتبعوه أولاده وإخوانه وأكابر أولاد الشيخ ثم تشتت الناس ~~وتضعضع أمرهم وانفلت ولاية أهل الإسلام وبقي الناس في مرجة عظيمة لا والي ~~لهم. # ثم رد الله الكرة للمسلمين, وجمعهم الله على الإمام تركي بن عبد ~~الله_رحمه الله تعالى_ وشيخ الإسلام شيخنا الشيخ عبد الرحمن بن حسن_ قدس ~~الله روحه_ واستقام الأمر على ما كان عليه أهل نجد أولا _باديتهم وحاضرتهم_ ~~على هذا الدين. # ثم حدثت بعد ذلك أمور لا فائدة في ذكرها. # ثم جمعهم الله بعد ذلك بالإمام فيصل بن تركي _رحمه الله_ فاستقامت ولاية ~~الإسلام على ما كانوا عليه أولا. # PageV01P018 # يوضح ذلك: ما ذكره شيخنا الشيخ عبد الرحمن بن حسن _قدس الله روحه_ في ~~نصيحته للإمام فيصل, قال فيها: # ومن الدعوة الواجبة, والفرائض اللازمة: جهاد من أبى أن يلتزم التوحيد ~~ويعرفه من البادية والحاضرة, وأكثر بادية نجد يكفي فيهم المعلم, ms05 وأما من ~~يليهم من المشركين من آل ظفير وأمثالهم: فيجب جهادهم ودعوتهم إلى الله.. ~~انتهى. # فذكر _رحمه الله_ أن أكثر بادية نجد يكفي فيهم المعلم؛ لأنهم ملتزمون ~~بشرائع الإسلام الظاهرة, وإنما يحتاجون إلى تعليمهم ما قد يخفى عليهم من ~~حقوقه اللازمة فيه, بخلاف الظفير وأمثالهم من المشركين فإنه يجب جهادهم. # ثم بعد ذلك: انثلت ولاية آل سعود, ثم صار الأمر بعد ذلك لآل رشيد, وحصل ~~من أهل نجد إعراض عن الدين, وضعف أمر الإسلام فيهم حتى غلب على أكثرهم ~~الجهل ونسيان ما كانوا عليه أولا؛ فنبذوا شرع الله وراء ظهورهم, وصاروا ~~يتحاكمون إلى الطواغيت وسوالف الآباء والأجداد, وفشت فيهم المنكرات ~~والفواحش وأنواع المعاصي التي يطول عدها. # ثم رد الله الكرة للمسلمين وجمعهم الله بالإمام عبد الرحمن بن فيصل وابنه ~~عبد العزيز حتى استقامت لهم الأمور, وقد كانت الأعراب _الذين هم بين أظهر ~~أهل الإسلام_ ملتزمين بشعائر الإسلام الظاهرة في هذه الأزمان, ولا يمكن أحد ~~يؤمن بالله واليوم الآخر أن يعمهم جميعهم بالكفر, ويطلق # PageV01P019 # عليهم لأجل ما غلب على بعضهم من المكفرات, والتلوث بكثير من المنكرات ~~والمحرمات. # وبهذا التفصيل يزول الإشكال عن من كان له قلب, أو ألقى السمع وهو شهيد, ~~وكان غاية أمره ونهاية مقصوده طلب الحق. # فإذا تبين لك هذا, فيقال لهؤلاء الجهلة الصعافقة الحمقى, الذين لا علم ~~لهم ولا معرفة لديهم بحقائق الأمور ومدارك الأحكام, الذين يقرؤون على الناس ~~كلام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب, وهم لا يفهمون مواقع الخطاب وتوقيع ~~الأمور على ما هي عليه, حيث يقول قائلهم: نعم, هذا قول الشيخ في البدو, ~~والمشايخ اليوم يقولون ويقولون. # فيقال لهم: إن كلام الشيخ الذي تقرءونه على الناس في قوم كفار ليس معهم ~~من الإسلام شيء, وذلك قبل أن يدخلوها في الإسلام, ويلتزموا شرائعه, ~~وينقادوا لأوامره, وينزجروا عن زواجره ونواهيه, وأما بعد دخولهم في الإسلام ~~فلا يقول ذلك فيهم إلا من هو أضل من حمار أهله وأقلهم دينا وورعا, ومقالته ~~هذه أخبث من مقالة الخوارج الذين يكفرون ms06 بالذنوب, وهؤلاء يكفرونهم بمحض ~~الإسلام. أما علم هؤلاء المساكين أن الإسلام يجب ما قبله, وأن الهجرة تهدم ~~ما قبلها, بنص رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ # وأما قوله: والمشايخ اليوم يقولون ويقولون, فالجواب أن نقول: نعم المشايخ ~~اليوم يقولون لا نكفر من ظاهره الإسلام, ولا يطلقون الكفر على جميع أهل ~~البادية الذين هم بين أظهر أهل الإسلام, وإنما يقولون: من # PageV01P020 # قام به وصف الكفر منهم فهو كافر؛ كمن يعبد غير الله, ويشرك به أحدا من ~~المخلوقين, أو يتحاكم إلى الطواغيت, ويرى أن حكمهم أحسن وأفضل من حكم الله ~~ورسوله, أو يستهزئ بدين الله ورسوله, أو ينكر البعث. # فمن قام به هذا الوصف الذي ذكرنا من المكفرات وغيرها مما يخرج من الملة ~~في بادية أو حاضرة: فهو كافر. كما ذكر ذلك شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ~~وغيره من العلماء _رحمهم الله تعالى_ وهذا هو الذي ندين الله به في أي ~~بادية كانت أو حاضرة. # ثم لو ذهبنا نذكر ما أحدثه هؤلاء من البدع والغلو والمجاوزة للحد في ~~الأوامر والنواهي لطال الجواب, والعاقل يسير فينظر, والهداية والتوفيق بيد ~~الله, وإنما عليه الإعذار والإنذار وبيان الحق. # ومن لم يقم به وصف الكفر, وكان ملتزما لشرائع الإسلام الظاهرة فهو مسلم, ~~ولا نكفره بارتكاب الذنوب والمعاصي, ولا بالأعمال التي لا تخرجه من الملة. # ومن لم يسلك طريقة المشايخ في هذه المسائل سلك ولا بد على طريقة الخوارج ~~الذين يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ثم لا يعودون إليه, ~~فإنهم _ولله الحمد والمنة_ كانوا وسطا بين طرفين, وعلى هدى بين ضلالتين. # وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية_ قدس الله روحه_: وليعلم أن المؤمن تجب ~~موالاته وإن ظلمك واعتدى عليك, والكافر تجب معاداته # PageV01P021 # وإن أعطاك وأحسن إليك؛ فإن الله_ سبحانه وتعالى_ بعث الرسل, وأنزل الكتب ~~ليكون الدين كله لله, فيكون الحب له ولأوليائه, والبغض لأعدائه, والإكرام ~~لأوليائه, والإهانة لأعدائه, والثواب لأوليائه, والعقاب لأعدائه, فإذا ~~اجتمع في الرجل الواحد خير وشر, وبر وفجور, وطاعة ومعصية, ms07 وسنة وبدعة: ~~استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير, واستحق من المعاداة ~~والعقاب بحسب ما فيه من الشر, فيجتمع في الشخص الواحد موجبا الإكرام ~~والإهانة, فيجتمع له من هذا وهذا, كاللص الفقير تقطع يده لسرقته, ويعطي ما ~~يكفيه من بيت المال لحاجته. # هذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة, وخالفهم الخوارج ~~والمعتزلة ومن وافقهم عليه, فلم يجعلوا الناس إلا مستحقا للثواب فقط, أو ~~مستحقا للعقاب فقط. وأهل السنة يقولون: إن الله يعذب بالنار من أهل الكبائر ~~من يعذبه, ثم يخرجهم منها بشفاعة من يأذن له في الشفاعة وبفضله ورحمته, كما ~~استفاضت بذلك السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والله أعلم. انتهى. # وقال _رحمه الله_ في موضع آخر: ومن سلك طريق الاعتدال عظم من يستحق ~~التعظيم وأحبه ووالاه, وأعطى الحق حقه, فيعظم الحق, ويرحم الخلق, ويعلم أن ~~الرجل الواحد يكون له حسنات وسيئات فيحمد ويذم, ويثاب ويعاقب, ويحب من وجه ~~ويبغض من وجه آخر, هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة, خلافا للخوارج ~~والمعتزلة ومن وافقهم كما بسط هذا في موضعه والله أعلم. انتهى. # PageV01P022 # فانظر _رحمك الله_ إلى ما قرره شيخ الإسلام في مسألة الهجر: أن الرجل ~~الواحد قد يجتمع فيه خير وشر, وبر وفجور, وطاعة ومعصية, وسنة وبدعة, فيستحق ~~من الموالاة والثواب والعقاب بقدر ما فيه من الخير, ويستحق من المعاداة ~~والعقاب بحسب ما فيه من الشر, فيجتمع في الشخص الواحد موجبا الإكرام ~~والإهانة, إلى آخر كلامه, فمن أهمل هذا ولم يراعي حقوق المسلم التي يستحق ~~بها الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير, وكذلك يراعي ما فيه من الشر ~~والمعصية والفجور والبدعة وغير ذلك فيعامله بما يستحقه من المعاداة والعقاب ~~بحسب ما فيه من الشر, فمن ترك هذا وأهمله سلك مسلك أهل البدع المخالفين ~~لأهل الإسلام ومن حذا حذوهم ولا بد. # وتأمل قوله: وهذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة, وخالفهم ~~الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم عليه, فلم يجعلوا الناس إلا مستحقا للثواب ms08 أو ~~مستحقا للعقاب فقط. فإن هذا مخالف لما قاله أهل السنة والجماعة. # ثم انظر إلى ما يقوله هؤلاء المخالفون للمشايخ, هل هم متبعون لما عليه ~~أهل السنة والجماعة, أو متبعون لمن خالفهم, يتبين لك خطأهم فيما ينقلونه ~~وهم لا يعرفون معناه وما يراد به, بل يحكمون على أقوال أهل العلم بمجرد ~~آرائهم وأفهامهم القاصرة. وما أحسن ما قال القائل: # يقولون أشياء ولا يعرفونها # وإن قيل هاتوا حققوا لم يحققوا # PageV01P023 # فإن كان ما كان عليه المشايخ هو الحق والصواب الذي كان عليه أهل السنة ~~والجماعة: فهو المطلوب وعليهم أن يرجعوا عما ارتكبوه من هذه الورطات ~~المفضية بهم إلى المفاوز المهلكات, وإن لم يقبلوا ولم يرجعوا: قيل لهم {قل ~~هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} (البقرة: من الآية111) , {هل عندكم من علم ~~فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون} (الأنعام: من ~~الآية148) . # فإذا تقرر هذا وتبين لك أنهم لم يفهموا ما ذكره الشيخ محمد _رحمه الله ~~تعالى_ في الأعراب الذين كانوا في زمنه قبل أن يدخلوا في الإسلام, وأنهم ~~وضعوه في غير موضعه, فجعلوه في الأعراب الذين هم بين ظهور المسلمين وظاهرهم ~~الإسلام: فالعجب كل العجب ممن يصغي ويأخذ بأقوال أناس ليسوا بعلماء ولا ~~قرءوا على أحد من المشايخ فيحسنون الظن بهم فيما يقولونه وينقلونه, ويسيئون ~~الظن بمشايخ أهل الإسلام وعلمائهم الذين هم أعلم منهم بكلام أهل العلم, ~~وليس لهم غرض في الناس إلا هدايتهم وإرشادهم إلى الحق الذي كان عليه صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه وسلف الأمة وأئمتها. # وأما هؤلاء المتعالمون الجهال فكثير منهم _خصوصا من لم يتخرج على العلماء ~~منهم_ وإن دعوا الناس إلى الحق فإنما يدعون إلى أنفسهم ليصرفوا وجوه الناس ~~إليهم؛ طلبا للجاه والشرف والترؤس على الناس؛ فإذا سئلوا أفتوا بغير علم, ~~فضلوا وأضلوا. # وقد قال بعض السلف: "إن هذا العلم دين فانظروا عن من تأخذون دينكم", وقال ~~بعض العلماء: إن من سعادة العجمي والعربي إذا أسلما: # PageV01P024 # أن يوفقا لصاحب سنة, ومن شقاوتهما أن يوفقا لصاحب ms09 بدعة" أو كما قال. # ولكن الشأن كل الشأن في معرفة صاحب السنة ومعرفة صاحب البدعة, فأما صاحب ~~السنة فمن علاماته التي يعرف بها: الأخذ بكتاب الله وسنة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في الأقوال والأعمال والهدي والسمت, ويأخذ بأقوال أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقوال التابعين ومن بعدهم من السلف الصالح ~~والأئمة المهتدين, ويعلم الناس أمر دينهم بالأهم فالأهم, ويربى بصغار العلم ~~قبل كباره, ويسلك طريقة التيسير, كما قال تعالى: {وما أنا من المتكلفين} ~~(ص: من الآية86) , وقال صلى الله عليه وسلم: " إنما بعثتم ميسرين, ولم ~~تبعثوا معسرين " (1) , وقد قال صلى الله عليه وسلم: " إياكم والغلو؛ فإنما ~~أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين " (2) , وقال صلى الله عليه وسلم لما جاء ~~الحبشة يلعبون يوم العيد في المسجد قام ينظر إليهم, ثم قال: " لتعلم يهود ~~أن في ديننا فسحة؛ إني بعثت بحنيفية سمحة " (3) ذكر هذا العماد ابن كثير ~~_رحمه الله تعالى_ في تفسيره على PageV01P025 # قوله تعالى: {قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم ~~حنيفا وما كان من المشركين} (الأنعام:161) إلى غير ذلك من الأمور التي يتصف ~~بها أهل السنة والجماعة. # ومن ذلك: أن يكون الرجل عليما فيما يأمر به, عليما فيما ينهى عنه, حليما ~~فيما يأمر به, حليما فيما ينهى عنه, رفيقا فيما يأمر به, رفيقا فيما ينهى ~~عنه. # ومن علامات صاحب البدعة: التشديد, والغلظة, والغلو في الدين, ومجاوزة ~~الحد في الأوامر والنواهي, وطلب ما يعنت الأمة ويشق عليهم ويحرجهم, ويضيق ~~عليهم في أمر دينهم, وتكفيرهم بالذنوب والمعاصي, إلى غير ذلك مما هو مشهور ~~مذكور من أحوال أهل البدع. # فهؤلاء هم الذين نخشى على من سلك طريقتهم أن يوقعوا من تدين من الأعراب ~~ممن لم يتمكن من معرفة الدين وتفاصيل الأحكام فيما يخالف طريقة أهل السنة ~~والجماعة من هذه البدع التي تقضي بهم إلى مجاوزة الحد في الأوامر والنواهي. # ولكن الله _وله الحمد والمنة_ قد من على كثير من الإخوان بمعرفة هذا ~~الدين وقبوله ms10 والانقياد له وترك ما كانوا عليه أولا من أمور الجاهلية, ~~فنسأل الله أن يمن علينا وعليهم بالثبات على الإسلام ومعرفته ومحبته ~~وإيثاره, وقبول الحق ممن جاء به, وألا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا, وأن ~~يتوفانا وإياهم على الإسلام غير خزايا ولا مفتونين. # PageV01P026 ### | إنهم يتحاجون بيانا في فضل المهاجر على الذي لم يهاجر # ... # فصل # المسألة الثانية: قول السائل: إنهم يحتاجون بيانا في فضل المهاجر على ~~الذي ما يهاجر. # والجواب: أن نقول: قد كان من المعلوم بالضرورة من دين الإسلام فضل الهجرة ~~وفضل من هاجر وعلى من لم يهاجر, وهذا مما لا يمتري فيه عاقل, ولا يشك فيه ~~مسلم. # قال الله تعالى: {ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة ~~ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على ~~الله} (النساء: من الآية100) , وقال تعالى: {والذين هاجروا في الله من بعد ~~ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون} ~~(النحل:41) , وقال تعالى: {والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ~~ليرزقنهم الله رزقا حسنا وإن الله لهو خير الرازقين ليدخلنهم مدخلا يرضونه ~~وإن الله لعليم حليم} (الحج:58_59) وقال الله تعالى: {ثم إن ربك للذين ~~هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم} ~~(النحل:110) . # ففي هذه الآيات كلها فضيلة الهجرة وفضيلة من هاجر على من لم يهاجر, وفيها ~~بيان ما أعد الله لهم من الأجر والثواب في الدنيا والآخرة. # ومن أصدق من الله قيلا؟ ومن أحسن من الله حديثا؟ # PageV01P027 # وقال الله تعالى: {يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون} ~~(العنكبوت:56) , قال الإمام محمد بن جرير الطبري في تفسيره على هذه الآية: # يقول _تعالى ذكره_ للمؤمنين من عباده: يا عبادي الذين وحدوني وآمنوا ~~برسولي إن أرضي واسعة, لم تضق عليكم, فتقيموا بموضع منها لا يحل لكم المقام ~~فيه, ولكن إذا عمل بمكان منها بمعاصي الله فلم تقدروا على تغييره فارهبوا ~~منه. وساق ms11 بسنده عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: {إن أرضي واسعة} ~~(العنكبوت: من الآية56) قال: إذا عمل فيها بالمعاصي فاخرج منها. وساق من ~~طريق وكيع عن سعيد بن زيد مثله, قال: اهربوا؛ فإن أرضي واسعة. وعن عطاء: ~~إذا أمرتم بالمعاصي فاهربوا. وعنه: مجانبة أهل المعاصي. وعن مجاهد في قوله ~~تعالى: {إن أرضي واسعة} (العنكبوت: من الآية56) قال: فهاجروا وجاهدوا. ~~انتهى. # وقد توعد الله _سبحانه وتعالى_ من أقام بين أظهر المشركين وهو قادر على ~~الهجرة ولم يهاجر بقوله _تعالى_: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ~~قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة ~~فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا إلا المستضعفين من الرجال ~~والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا فأولئك عسى الله أن ~~يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا} (النساء:97_99) قال ابن كثير _رحمه الله ~~تعالى_: "فهذه الآية عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين وهو قادر على ~~الهجرة, وليس متمكنا من إقامة الدين, # PageV01P028 # فهو مرتكب حرام بالإجماع وبنص هذه الآية, حيث يقول: {إن الذين توفاهم ~~الملائكة ظالمي أنفسهم} أي: بترك الهجرة {قالوا فيم كنتم} أي: لم مكثتم ~~هاهنا وتركتم الهجرة {قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله ~~واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا} (النساء: من الآية97) ~~انتهى. # وقال شيخنا الشيخ عبد اللطيف _رحمه الله تعالى_ في بعض رسائله, وقد سأله ~~بعض الإخوان عمن كان في سلطان المشركين, وعرف التوحيد, وعمل به, ولكن ما ~~عاداهم ولا فارق أوطانهم. فأجابه بقوله: # إن هذا السؤال صدر عن عدم تعقل لصورة الأمر, والمعنى المقصود من التوحيد ~~والعمل به, لأنه لا يتصور أنه يعرف التوحيد ويعمل به ولا يعادي المشركين. ~~ومن لم يعادهم لا يقال له: عرف التوحيد وعمل به. # والسؤال متناقض _وحسن السؤال مفتاح العلم_ أظن مقصودك من لم يظهر العداوة ~~ولم يفارق, ومسألة إظهار العداوة غير مسألة وجود العداوة: فالأول يعذر به ~~مع العجز والخوف, لقوله تعالى: {إلا ms12 أن تتقوا منهم تقاة} (آل عمران: من ~~الآية28) والثاني لا بد منه, لأنه يدخل في الكفر بالطاغوت, وبينه وبين حب ~~الله ورسوله تلازم كلي, لا ينفك عن المؤمن, فمن عصى الله بترك إظهار ~~العداوة فهو عاص لله. فإذا كان أصل العداوة في قلبه فله حكم أمثاله من ~~العصاة. فإذا انضاف إلى ذلك ترك الهجرة فله نصيب من قوله تعالى: {إن الذين ~~توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} الآية. لكنه لا يكفر لأن الآية فيها الوعيد ~~لا التكفير. وأما الثاني الذي لا يوجد في قلبه شيء من # PageV01P029 # العداوة فيصدق عليه قول السائل: لم يعاد المشركين. فهذا هو الأمر العظيم ~~والذنب الجسيم. وأي خير يبقى مع عدم عداوة المشركين. # والخوف على النخل والمساكن ليس بعذر يوجب ترك الهجرة. قال الله تعالى: ~~{يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون} (العنكبوت:56) انتهى. # فإذا عرفت هذا وتبين لك فالشأن كل الشأن, والخوف كل الخوف على من هاجر من ~~إخواننا الذين دخلوا في هذا الدين وأحبوه, ورغبوا فيما عند الله والدار ~~الآخرة, وتركوا ملاذ أنفسهم وشهواتهم لله, وحصلت لهم هذه الفضائل العظيمة ~~والمواهب الجسيمة. ثم صار بعضهم ممن ليس له علم ولا معرفة بمدارك الأحكام ~~الشرعية يسعى ويكدح في إبطال هجرته أو ما يقدح فيها أو ينقص أجرها وثوابها, ~~مما قد يجري على ألسنة كثير منهم من الأمور التي أحدثها وابتدعها من تجاوز ~~الحد, وغلا في الدين, واتبع غير سبيل المؤمنين. # فمن ذلك قولهم: إنه لا إسلام لمن لم يهاجر من الأعراب, وإن كان قد دخل في ~~الدين وأحبه ووالى أهله, وترك ما كان عليه أولا من أمور الجاهلية إلا أن ~~يهاجر, ومن لم يهاجر فليس بمسلم عندهم. # ومن ذلك أيضا أنه إذا مرت قافلتهم على بعض الأعراب الذين ظاهرهم الإسلام ~~وفيهم من تميز بمعرفة الدين والدخول فيه وترك ما كانوا عليه من أمور ~~الجاهلية لم يسلموا عليهم ابتداء, ولا يردون السلام عليهم, ولا يأكلون ~~ذبائحهم, لأنهم لم يهاجروا معهم. # PageV01P030 # وهذا خلاف ما كان عليه رسول ms13 الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وسلف الأمة ~~وأئمتها. ففي صحيح مسلم عن بريدة _رضي الله عنه_, قال: كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إذا أمر أميرا عل جيش أو سرية أوصاه بتقوى الله ومن معه من ~~المسلمين خيرا. فقال: " اغزوا بسم الله في سبيل الله, قاتلوا من كفر بالله, ~~اغزوا ولا تغلوا؛ ولا تغدروا, ولا تمثلوا, ولا تقتلوا وليدا. وإذا لقيت ~~عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال فأيتهن ما أجابوك فاقبل, ~~وكف عنهم, ثم ادعهم إلى الإسلام, فإن أجابوك فاقبل منهم, ثم ادعهم إلى ~~التحول من دارهم إلى دار المهاجرين, وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما ~~للمهاجرين, وعليهم ما على المهاجرين, فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم ~~أنهم يكونون كأعراب المسلمين, يجري عليهم حكم الله تعالى ولا يكون لهم في ~~الغنيمة والفيء شيء؛ إلا أن يجاهدوا مع المسلمين " (1) الحديث بتمامه. # فأخبر صلى الله عليه وسلم أن من دعي إلى الإسلام فأجاب إليه, وأبى أن ~~يتحول من دارهم إلى دار المهاجرين فإنهم يكونون كأعراب المسلمين, يجري ~~عليهم حكم الله. فأثبت لهم صلى الله عليه وسلم الإسلام, ولم ينفه عنهم, ~~لكونهم لم يهاجروا. # فمن جعل حكم أعراب المسلمين الذين لم يهاجروا وقد تميزوا عن غيرهم ~~بالدخول في هذا الدين ومحبته والانتساب إليه واشتهروا بذلك وعرفوا به؛ حكم ~~من لم يعرف هذا الدين ولم يدخل فيه ولا أحبه في عدم PageV01P031 # موالاتهم ومحبتهم وعدم السلام عليهم وامتنع من أكل ذبائحهم فقد أخطأ ~~وتجاوز الحد, وخالف سبيل المؤمنين, واتبع سبيل من خالفهم من المبتدعين. # ومن ذلك أيضا أنهم يلزمون من دخل في هذا الدين من الأعراب وغيرهم بلبس ~~عصابة, ويسمونها: العمامة. فمن لبسها كان من الإخوان الداخلين في الدين, ~~ومن لم يلبسها فليس من الإخوان؛ لأنه لم يلبس السنة عندهم, وزعموا أن هذه ~~العمامة زي وشعار يتميز به من دخل في هذا الدين عمن لم يدخل فيه. فمن رأوها ~~عليه أحبوه ووالوه وسلموا عليه, ومن لم يروها عليه لم ms14 يسلموا عليه ولم ~~يردوا عليه السلام؛ لأنه ليس من الإخوان ولم يلبس السنة. # وقد ذكرنا ما يبطل هذه البدعة ويردها في" إرشاد الطالب إلى أهم المطالب" ~~مستوفاة بأدلتها, وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية _قدس الله روحه_ في كتاب ~~الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان: # فصل: وليس لأولياء الله شيء يتميزون به عن الناس في الظاهر من الأمور ~~المباحات, فلا يتميزون بلباس دون لباس إذا كان كلاهما مباحا, ولا بحلق شعر ~~أو تقصيره أو تضفيره إذا كان مباحا, كما قيل: كم من صديق في قباء, وكم من ~~زنديق في عباء إلى آخر كلامه _رحمه الله تعالى_. # فبين _رحمه الله تعالى_ أنه ليس لأولياء الله المتقين لباس يتميزون به عن ~~الناس في الظاهر من الأمور المباحات. # PageV01P032 # وقال ابن القيم _رحمه الله تعالى_ في "مدارج السالكين" لما ذكر حال ~~أولياء الله المتقين, قال: وهم مستترون عن أعين الناس بأسبابهم وصنائعهم ~~ولباسهم, لم يجعلوا لطلبهم ولإرادتهم إشارة تشير إليهم: اعرفوني. انتهى. # وهؤلاء الجهال يأمرون الناس أن يلبسوا عمائم يتميزون بها عن الناس, ويشار ~~إليهم, ويعرفون بها. # إذا فهمت هذا فاعلم أنه ليس مقصودنا بإنكار هذه العمائم لبسها فإنها من ~~المباحات والعادات. وإنما الإنكار زعمهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم سنها ~~وشرعها لأمته, وأنها شعار يتميز به من دخل في هذا الدين عن غيره. # وهذا لم يشرعه الله ولا رسوله, ولا قاله المحققون من أهل العلم. # ومن ذلك أنهم ينكرون على من لبس عقالا من صوف, ولا يسلمون عليه, ويقولون: ~~إنه لم يكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يلبسه لا هو ولا ~~أصحابه, وهم يلبسون المشالح السود والبيض والحمر والغتر (الشمغ) والرسول ~~صلى الله عليه وسلم لم يلبسها لا هو ولا أصحابه, ولم تكن في عهده ولا في ~~عهد أصحابه, فكيف يكون لبس هذه حلالا ولبس تلك حراما؟ وهذا من جهلهم وعدم ~~معرفتهم بمواقع الخطاب في الحلال والحرام, وما يترتب عن ذلك من القول على ~~الله بلا علم. والله ms15 المستعان. # واعلم أيها الناظر في هذه الأوراق: أني لم أقل هذا الكلام طعنا على ~~الإخوان ولا عيبا لهم ولا تتبعا لمساوئهم, ولا يظن هذا بنا إلا رجل سوء أو ~~من أعمى الله بصيرة قلبه لعدم علمه ومعرفته بما يفرق بين الحق والباطل # PageV01P033 # وبين ما شرعه الله ورسوله وما لم يشرعه. # وإنما مقصودنا بهذا الكلام نصح للإخوان وشفقة عليهم أن يصدر منهم ما يبطل ~~هجرتهم أو يقدح فيها أو ينقص أجرها وثوابها. # وقد تحققنا أن الإخوان لا يريدون إلا الحق ومتابعة الرسول في أقواله ~~وأفعاله, ولكن قد يدخل عليهم بعض هؤلاء الجهال هذه الأمور ظنا منهم أنها من ~~الدين ومما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم, وذلك من جهلهم وعدم علمهم, ~~قال بعض العلماء: # والعلم ليس بنافع أربابه # مالم يفد نظرا وحسن تبصر # وقول الآخر: # والعلم للرجل اللبيب زيادة # ونقيصه للأحمق الطياش # مثل النهار يزيد أبصار الورى # نورا ويعمي أعين الخفاش # والله يقول الحق وهو يهدي السبيل, وحسبنا الله ونعم الوكيل. # PageV01P034 ### | حكم من رجع إلى المكان الذي هاجر منه # ... # فصل # المسألة الثالثة: الذي يظهر من البدو بعد ما نزل وبنى بيته ثمخرج إلى ~~البادية, لكن على محبة الإسلام والمسلمين, وليس من نيته الرجوع, ما الذي ~~يلحقه من الوعيد؟ # الجواب: الذي هاجر من البدو وبنى بيته ثم خرج إلى البادية وليس من نيته ~~الرجوع فهذا قد فعل كبيرة من الكبائر, وارتكب أمرا محرما, كما ذكر ذلك أهل ~~العلم, ولا يخرجه ذلك من الملة, وله من الحقوق الإسلامية بقدر ما معه منها, ~~فيحب ويوالي على ما التزمه من شرائع الإسلام, ويبغض ويعادى بقدر ما ارتكبه ~~من فعل هذه الكبيرة, واستحق من الوعيد ما يستحقه فاعل الكبيرة من اللعنة, ~~كما روى الطبراني من حديث جابر بن سمرة مرفوعا: "لعن الله من بدا بعد ~~هجرته, إلا في الفتنة" (1) . # وما رواه النسائي عن عبد الله بن مسعود مرفوعا: " لعن الله آكل الربا ~~ومؤكله " الحديث, وفيه " والمرتد بعد هجرته أعرابيا " (2) . قال ابن الأثير ~~في "النهاية": من ms16 رجع بعد هجرته إلى موضع من غير عذر يعدونه كالمرتد. انتهى ~~من "الفتح". PageV01P035 # ومثله ما رواه البخاري عن سلمة بن الكوع أنه لما دخل على الحجاج, قال: يا ~~ابن الأكوع ارتدت على عقبيك, تعربت؟ قال: لا, ولكن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أذن لي في البدو (1) . انتهى. # وإذا كان المرتد بعد هجرته أعرابيا ملعونا من أجل خوف الجفا ونسيان العلم ~~ولمصالح الإسلام والأعراب إذ ذاك أحسن حالا وأكمل عقولا؛ فكيف الحال ~~بالأعراب الذين لم يتمكنوا من معرفة الدين ومعرفة شرائع الإسلام في هذه ~~الأزمان؛ فهم أحق وأولى بهذه العقوبة. # وأما قول ابن الأثير: كل من رجع بعد هجرته إلى موضع من غير عذر يعدونه ~~كالمرتد. فالمراد بهذه الردة: الردة الصغرى, التي لا تخرجه من الملة, بدليل ~~ما تقدم من الأحاديث في الوعيد على من فعل ذلك باللعنة, وبما ذكره العماد ~~ابن كثير في تفسيره على قوله تعالى: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر ~~عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما} (النساء:31) فقال: _رحمه الله_: # قال ابن أبي حاتم: ثنا احمد بن سنان, قال: ثنا أبو أحمد _يعني الزبيري_ ~~ثنا علي بن صالح, عن عثمان بن المغيرة, عن مالك بن جرير, عن علي _رضي الله ~~عنه_ قال:" الكبائر: الإشراك بالله, وقتل النفس, وأكل مال اليتيم, وقذف ~~المحصنات, والفرار من الزحف, والتعرب بعد PageV01P036 # الهجرة" وذكر الحديث بتمامه (1) . انتهى. فذكر _رضي الله عنه_ أن التعرب ~~بعد الهجرة من الكبائر. # وكلام السلف _رحمهم الله_ في هذه المسألة معروف مشهرو في كتب الحديث ~~والتفسير, لا يخفى ذلك على من طلب الحق, ومقصوده اتباع سبيل المؤمنين, ~~والله المستعان. PageV01P037 ### | من خرج بغنمه وقت الربيع إلى المكان الذي هاجر منه، ونيته الرجوع # ... # فصل # المسألة الرابعة: قول السائل: من خرج في غنمه وقت الربيع ونيته الرجوع, ~~ما الذي له؟ وما الذي عليه؟ # الجواب: هذه المسألة قد ذكرنا جوابها في "إرشاد الطالب إلى أهم المطالب" ~~أنه إذا خرج بعض من نزل في دار الهجرة إلى البادية لأجل غنمه ومن نيته ms17 ~~الرجوع إلى مسكنه وداره التي هاجر إليها لا يقع عليه وعيد من تعرب بعد ~~الهجرة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إنما العمال بالنيات, ~~وإنما لكل امرئ مانوى, فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ~~ورسوله, ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما ~~هاجر إليه " (1) , وهذا الذي خرج إلى غنمه ليصلحها ويتعاهد أحوالها ثم يرجع ~~إلى مهاجره, ليس من نيته التعرب بعد الهجرة, ولا رغبة عن الإسلام وأهله؛ ~~فلا يدخل في الوعيد, إلى آخر ما ذكرناه فيه, والله أعلم. PageV01P038 ### | إذا نزل في دار الهجرة. ثم بعد ذلك رجع إلى باديته رغبة عن الدين وربما سبه # ... # فصل # المسألة الخامسة: قول السائل في الذي نزل في دار الهجرة, ثم بعد ما نزل ~~باع بيته ثم خرج مع البادية, ظاهره رغبته عن الدين وربما سبه. # ماذا حاله؟ # الجواب: من هاجر إلى بلد من بلاد المسلمين وابتنى بها بيتا ثم بداله أن ~~يرجع إلى البادية فباع منزله وظاهره الرغبة عن الدين وربما سبه فهو كافر ~~مرتد عن الإسلام, وليس حاله كحال من تعرب بعد الهجرة, ولم يرغب عن الدين ~~ولا سبه, فإن هذا مرتكب كبيرة من الكبائر بإجماع العلماء. وأما الذي رغب عن ~~الدين أو سبه فهو كافر, لقوله تعالى: {إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ~~ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم} إلى قوله {ذلك بأنهم اتبعوا ~~ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم} (محمد:25_28) وهذا مما لا إشكال ~~فيه ولله الحمد والمنة, كما قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب _رحمه الله ~~تعالى_ في رسالته للشريف لما سأله الشريف: عما تكفرون به الرجل؟ فأجابه ~~بقوله: # نقول: أعداؤنا معنا على أنواع, فذكر الأول, ثم قال: النوع الثاني من عرف ~~ذلك وتبين في سبه دين الرسول صلى الله عليه وسلم مع ادعائه أنه عليه وأنه ~~عامل به, وتبين في مدح من عبد "يوسف والأشقر" ومن عبد "أبا علي والخضر" # PageV01P039 # من أهل الكويت, ms18 وفضلهم على من وحد الله وترك الشرك, فهذا أعظم كفرا من ~~الأول. وفيه قوله تعالى: {فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به} (البقرة: من ~~الآية89) الآية. # وهو ممن قال الله فيهم: {وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في ~~دينكم} (التوبة: من الآية12) الآية انتهى. # والمقصود: أن من عرف الدين ثم بعد ما عرفه رغب عنه ورجع إلى البادية, أو ~~سب الدين فهو كافر. # PageV01P040 ### | حكم قول الزائر للإخوان في المسجد: إخواننا يسلمون عليكم. ثم يرتفع الصوت بالرد عليه # ... # فصل # المسألة السادسة: قول السائل: إذا قدم بعض الزائرين من الإخوان وقف في ~~المسجد, ثم قال: السلام عليكم أيها الإخوان! إخواننا يسلمون عليكم, ثم ثار ~~أهل المسجد للسلام عليه, وحصل نوع تشويش وقطع صلاة الذين يصلون الراتبة. هل ~~مثل هذا مشروع أم لا؟ # الجواب: هذا الذي يفعله بعض الزائرين من الإخوان إذا قدموا على إخوانهم ~~قاموا بعد الصلاة في المسجد, فقالوا: السلام عليكم أيها الإخوان! إخواننا ~~يسلمون عليكم. أمر محدث مبتدع في الدين, لم يفعله أحد من الصحابة على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا على عهد الخلفاء الراشدين من بعده, ولا ~~فعله أحد من التابعين, ولا من بعدهم من أئمة السلف. # ولا ذكر هذا عن أحد من العلماء, فكان أمرا مخترعا مبتدعا في الدين, وشرعا ~~لم يأذن الله به, بل هو مما استحسنه هؤلاء الذين لا معرفة لهم بما سنه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وشرعه لأمته, ويظنون أن هذا قربة لله وطاعة, وما ~~علموا أن البدع لا تكون إلا في الدين. فإذا فهمت ما ذكرته لك وانضاف إلى ~~فعل هذه البدع نوع تشويش على المصلين أو قطع صلاتهم, لم يرجعوا بالكفاف, ~~ووقعوا في أمر عظيم ووعيد شديد, كما ورد في الحديث عن أبي جهيم عبد الله بن ~~الحارث ابن الصمة الأنصاري, قال: قال صلى الله عليه وسلم: " لو يعلم المار ~~بين يدي المصلين ماذا عليه من الإثم لكان أن يقف # PageV01P041 # أربعين خيرا له من أن يمر بين يدي ms19 المصلي ". قال أبو النضر: لا أدري قال: ~~أربعين يوما أو شهرا, أو سنة. رواه البخاري (1) . # وكذلك ورد النهي عن الجهر بقراءة القرآن بين المصلين؛ لئلا يشوش عليهم ~~صلاتهم. وقد كان من المعلوم أن قراءة القرآن من أفضل الأعمال, وهي مشروعة ~~فنهى عنها لأجل ذلك, فكيف الحال بمن فعل أمرا غير مشروع ولا مأذون فيه؟ ~~فكان أجدر وأولى بان ينهى عن هذا الفعل المبتدع, الذي يحصل به قطع صلاة ~~المصلين أو تشويش عليهم. # ثم إنه ليس هذا الأمر بأقل مما فعله بعض المتنطعين المتعمقين الغالين في ~~الدين على عهد الصحابة _رضي الله عنهم_ من الاجتماع على التسبيح والتهليل ~~والتكبير, الذي هو من أفضل الأعمال وأجل العبادة, لكن لما لم يكن على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولم يتعبد به أحد من الصحابة على هذا الوجه ~~الذي فعلوه, أنكر ذلك عليهم أفاضل الصحابة _رضي الله عنهم_ كعبد الله بن ~~مسعود وأبي موسى الأشعري, كما ذكر ذلك أهل العلم. # قال الدارمي: أخبرنا الحاكم بن المبارك, أنبأنا عمرو بن يحيى, قال سمعت ~~أبي يحدث عن أبيه؛ قال: كنا نجلس على باب عبد الله بن مسعود قبل صلاة ~~الغداة، فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد, فجاء أبو موسى الأشعري, فقال: أخرج ~~أبوعبد الرحمن؟ قلنا: لا. فجلس. فلما PageV01P042 # خرج قال: يا أبا عبد الرحمن! إني رأيت في المسجد أمرا أنكرته, ولم أر ~~_ولله الحمد_ إلا خيرا, قال: فما هو؟ فقال: إن عشت فستراه. # قال: رأيت في المسجد قوما جلوسا, ينتظرون الصلاة, في كل حلقة رجل, وفي ~~أيديهم حصى, فيقول: كبروا مائة. فيكبرون مائة. # فيقول هللوا مائة. فيهللون مائة. فيقول: سبحوا مائة. فيسبحون مائة. # قال: فماذا قلت لهم؟ ما قلت لهم شيئا, أنتظر أمرك. قال: أفلا أمرتهم أن ~~يعدوا سيئاتهم, وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم شيء. # ثم مضى حتى أتى حلقة, فقال: ما هذا؟ قالوا: له: حصى نعد به التكبير ~~والتهليل والتسبيح. قال: فعدوا سيئاتكم, فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم ~~شيء. ms20 ويحكم يا أمة محمد! ما أسرع هلكتكم! هؤلاء صحابة نبيكم صلى الله عليه ~~وسلم متوافرون, وهذه ثيابه لم تبل, وآنيته لم تنكسر, والذي نفسي بيده إنكم ~~لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد, أو مفتتحي باب ضلالة. قالوا: والله يا أبا ~~عبد الرحمن! ما أردنا إلا الخير. قال: وكم من مريد للخير لم يصبه؟ إن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حدثنا أن قوما يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم. ~~وأيم الله إني لأرى أكثرهم منكم. فقال عمر بن سلمة: رأينا عامة أولئك ~~يطاعنونا يوم النهروان مع الخوارج (1) . انتهى. PageV01P043 # وقال أيضا _رحمه الله ورضي الله عنه_ من كان منكم مستنا فليستن بمن قد ~~مات, فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة, أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ~~كانوا أبر هذه الأمة قلوبا, وأعمقها علما, وأقلها تكلفا, قوم اختارهم الله ~~لصحبة نبيه, ولإظهار دينه, فاعرفوا لهم فضلهم, وخذوا بهديهم, فإنهم كانوا ~~على الصراط المستقيم. انتهى. # فانظر إلى قوله _رضي الله عنه_: وأقلهم تكلفا. وهؤلاء الجهلة لا يقبلون ~~إلا ممن يضيق عليهم ويشدد عليهم, ولا يقبلون رخصة الله في التيسير وعدم ~~التكلف. # وقال حذيفة بن اليمان _رضي الله عنه_: " كل عبادة لا يتعبدها أصحاب محمد ~~صلى الله عليه وسلم فلا تعبدوها, فإن الأول لم يدع للآخر مقالا. # فاتقوا الله يا معشر القراء! وخذوا طريق من كان قبلكم". رواه أبو داود. ~~انتهى. # ثم اعلم _وفقك الله_ أنه قد بلغنا وسمعنا أشياء كثيرة من هذه البدع ~~والمنكرات المحدثة في الدين, التي أحدثها من أحدثها من أزمان تتطاول, فلم ~~تنكر حتى فشت في الناس. # كما قال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين _رحمه الله_ في بعض ~~رسائله: وما أخوفني على من عاش أن يرى أمورا كثيرة لا منكر لها. # فلما لم تنكر هذه البدع ابتداء وتركت تفاقم الأمر, وفشت في كثير من ~~العوام من الأعراب وغيرهم, حتى صعب إخراجها من قلوبهم. ولما أنكرنا شيئا ~~منها, قال بعضهم: هؤلاء يميتون السنن. # PageV01P044 # وقد ذكرت عن بعضهم ms21 أنهم يقولون: هذا كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب في ~~البدو, والمشايخ اليوم يقولون ويقولون, وليس علينا إلا بيان الحق ورد الخلق ~~إلى ما فيه صلاحهم وهدايتهم إلى سلوك الصراط المستقيم المخالف لما عليه أهل ~~الأهواء والبدع. والتوفيق والهداية بيد الله, وما توفيقي إلا بالله, عليه ~~توكلت وإليه أنيب. # PageV01P045 ### | فصل في قصة الخوارج ### | المدخل # ... # فصل # ثم لما فرغنا من تسويد هذه الأوراق ورد علينا منك رسالة تطلب فيها أن ~~نكتب لك قصة الخوارج مستوفاة من حين خروجهم على علي _رضي الله عنه_ إلى آخر ~~من كان من أمرهم. فقد ذكر ذلك شيخنا الشيخ عبد اللطيف في رده على داود بن ~~جرجيس. وهذا نص ما ذكر, وبه الكفاية. قال _رحمه الله_ (1) : # "إنه لما اشتد القتال يوم صفين قال عمرو بن العاص لمعاوية بن أبي سفيان: ~~هل لك في أمر أعرضه عليك لا يزيدنا إلا اجتماعا ولا يزيدهم إلا فرقة؟ قال: ~~نعم, قال: نرفع المصاحف, ثم نقول لما فيها: هذا حكم بيننا وبينكم. فإن أبى ~~بعضهم أن يقبلها رأيت فيهم من يقول: ينبغي لنا أن نقبلها. فتكون فرقة فيهم. ~~فإن قبلوا رفعنا القتال عنا إلى أجل. # فرفعوا المصاحف بالرماح, وقالوا: هذا كتاب الله بيننا وبينكم, من لثغور ~~الشام بعد أهله؟ من لثغور العراق بعد أهله؟ # فلما رآها الناس قالوا: نجيب إلى كتاب الله. # فقال لهم علي: عباد الله! امضوا على حقكم وصدقكم, فإنهم ليسوا بأصحاب دين ~~ولا قرآن أنا أعلم به منكم, والله ما رفعوها إلا PageV01P046 # خديعة, ووهنا ومكيدة. قالوا: لا يسعنا أن ندعى إلى كتاب فنأبى أن نقبله. # وقال لهم علي: إنما أقاتلهم ليدينوا بحكم الكتاب, فإنهم قد عصوا الله ~~ونسوا عهده. # قال له مسعر بن فدكي التميمي وزيد بن حصين الطائي في عصابة من القراء: يا ~~علي أجب إلى كتاب الله إذا دعيت إليه وإلا دفعناك برمتك إلى القوم, أو نفعل ~~بك كما فعلنا بابن عفان. فلم يزالوا به حتى نهى الناس عن القتال, ووقع ~~السباب بينهم وبين الأشتر وغيره ms22 ممن يرى عدم التحكيم. # فقال الناس: قد قبلنا أن نجعل القرآن بيننا وبينهم حكما, فجاء الأشعث بن ~~قيس إلى علي فقال: لأن الناس قد رضوا بما دعوهم إليه من حكم القرآن, إن شئت ~~أتيت معاوية. قال علي: ائته, فأتاه. فقال: لأي شيء رفعوا المصاحف؟ قال: ~~لنرجع نحن وأنتم إلى ما أمر الله به في كتابه, تبعثون رجلا ترضون به, ونبعث ~~رجلا نرضى به, فنأخذ عليهما أن يعملا بما في كتاب الله, لا يعدلان عنه. ~~فعاد إلى علي فأخبره. فقال الناس: قد رضينا. قال أهل الشام رضينا عمرو بن ~~العاص. وقال الأشعث, وأولئك القوم الذين صاروا خوارج: رضينا بأبي موسى ~~الأشعري. فراودهم علي على غيره, وأراد ابن عباس. قالوا: والله لا نبالي أنت ~~كنت حكمها أم ابن عباس, ولا نرضى إلا رجلا منك ومن معاوية سواء, وأبوا غير ~~أبي موسى. فوافقهم علي كرها. وكتب كتاب التحكيم. # PageV01P047 # فلما قرأه على الناس سمعه عروة بن أمية أخو أبي بلال. قال: تحكمون في أمر ~~الله الرجال, لا حكم إلا لله. وشد بسيفه فضرب دابة من قرأ الكتاب. وكان ذلك ~~أول ما ظهرت الحرورية الخوارح. وفشت العداوة بينهم وبين عسكر علي, وقطعوا ~~الطريق في إيابهم بالتشاتم والتضارب بالسياط. # تقول الخوارج: يا أعداء الله! داهنتم في دين الله. # ويقول الآخرون: فارقتم إمامنا, ومزقتم جماعتنا. ولم يزالوا كذلك حتى ~~قدموا العراق, فقال بعض الناس من المتخلفين: ما صنع علي شيء. فسمعها علي ~~فقال: وجوه قوم ما رأوا الشام, ثم أنشد شعرا: # أخوك الذي إن أجرضتك ملمة # من الدهر لم يبرح لبثك واجما # وليس أخوك بالذي إن تشعبت # عليك الأمور ظل يلحاك لائما # فلما دخل الكوفة ذهبت الخوارج إلى حروراء فنزل بها اثنا عشر ألفا, على ما ~~ذكره ابن جرير. ونادى مناديهم: أن أمير القتال: شبث بن ربعي التميمي. وأمير ~~الصلاة: عبد الله بن الكواء اليشكري. والأمر شورى بعد الفتح, والبيعة لله ~~عز وجل, والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. # فلما سمع علي ذلك وأصحابه قامت إليه الشيعة, فقالوا ms23 له: في أعناقنا بيعة ~~ثانية, نحن أولياء من واليت, وأعداء من عاديت. # PageV01P048 # قالت لهم الخوارج: استبقتم أنتم وأهل الشام إلى الكفر كفرسي رهان, أهل ~~الشام بايعوا معاوية على ما أحب. أنتم بايعتم عليا على أنكم أولياء من والى ~~وأعداء من عادى. يريدون أن البيعة لا تكون إلا على كتاب الله وسنة رسوله ~~صلى الله عليه وسلم, لأن الطاعة له تعالى. # وقال لهم زياد بن النضر: والله ما بسط علي يده فبايعناه قط, إلا على كتاب ~~الله وسنة نبيه, ولكنكم لما خالفتموه جاءت شيعته, فقالوا: نحن أولياء من ~~واليت وأعداء من عاديت, ونحن كذلك وهو على الحق والهدى, ومن خالفه ضال مضل. # وبعث علي _رضي الله عنه_ عبد الله بن عباس إلى الخوارج فخرج إليهم, ~~فأقبلوا يكلمونه, فقال: نقمتم من المحكمين وقد قال الله عز وجل: {فابعثوا ~~حكما من أهله وحكما من أهلها} (النساء: من الآية35) . فكيف بأمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم!! قالوا له: ما جعل الله حكمه إلى الناس وأمرهم بالنظر فيه ~~فهو إليهم, وما حكم فأمضى فليس للعباد أن ينظروا فيه, في الزنا مائة جلدة, ~~وفي السارق قطع يده, فليس للعباد أن ينظروا في هذا. # قال ابن عباس: فإن الله تعالى يقول: {يحكم به ذوا عدل منكم} (المائدة: من ~~الآية95) قالوا: تجعل الحكم في الصيد والحرث وبين المرأة وزوجها: كالحكم في ~~دماء المسلمين؟ وقالوا له: أعدل عندك عمرو بن العاص وهو بالأمس يقاتلنا؟ ~~فإن كان عدلا فلسنا بعدول, وقد حكمتم في أمر الله الرجال. # قد أمضى الله حكمه في معاوية وأصحابه أن يقتلوا أو يرجعوا, وقد كتبتم ~~بينكم وبينهم كتابا, وجعلتم بينكم وبينهم الموادعة, وقد قطع الله # PageV01P049 # الموادعة بين المسلمين وأهل الحرب منذ نزلت براءة إلى من أقر بالجزية. # فجاء علي وابن عباس يخاصمهم, فقال: إني نهيتك عن كلامهم حتى آتيك. # ثم تكلم _رضي الله عنه_ فقال: اللهم هذا مقام من يفلج فيه, كان أولى ~~بالفلج يوم القيامة. وقال لهم: من زعيمكم؟ قالوا ابن الكواء. # فقال: فما أخرجكم ms24 علينا؟ # قالوا: حكومتكم يوم صفين. # قال: أنشدكم الله! أتعلمون أنهم حين رفعوا المصاحف وملتم بجنبهم قلت لكم: ~~إني أعلم بالقوم منكم, إنهم ليسوا بأصحاب دين؟ وذكرهم مقالته, ثم قال: وقد ~~اشترطت على الحكمين أن يحييا ما أحيا القرآن ويميتا ما أمات القرآن, فإن ~~حكما بحكم القرآن فليس لنا أن نخالفه, إن أبينا فنحن من حكمهما براء. # قالوا: فخبرنا أتراه عدلا تحكيم الرجال في الدماء. # قال: إنا لسنا حكمنا الرجال, إنما حكمنا القرآن إنما هو خط مسطور بين ~~دفتين, وإنما يتكلم به الرجال. # قالوا: فخبرنا عن الأجل لما جعلته بينكم؟ قال: ليعلم الجاهل, ويثبت ~~العالم, ولعل الله يصلح في هذه الهدنة هذه الأمة, فادخلوا مصركم رحمكم ~~الله. فدخلوا من عند آخرهم. # فلما جاء الأجل وأراد علي أن يبعث أبا موسى للحكومة أتاه رجلان من ~~الخوارج: زرعة بن البرج الطائي وحرقوص بن زهير السعدي, فقالا # PageV01P050 # له: لا حكم إلا لله. فقال علي: لا حكم إلا لله. وقالا: تب من خطيئتك ~~وارجع عن قضيتك, واخرج بنا إلى عدونا, نقاتلهم حتى نلقى الله ربنا. # فقال علي: قد أردتكم على ذلك فعصيتموني, قد كتبنا بيننا وبين القوم ~~كتابا, وشرطنا شروطا, وأعطينا عهودا. وقد قال تعالى: {وأوفوا بعهد الله إذا ~~عاهدتم} (النحل: من الآية91) , فقال حرقوص: ذلك ذنب ينبغي أن تتوب منه. قال ~~علي: ما هو ذنب, ولكنه عجز من الرأي وقد نهيتكم عنه. قال زرعة: يا علي لئن ~~حكمتم الرجال لأقاتلنك أطلب وجه الله. فقال له علي: بؤسا لك ما أشقاك! كأني ~~بك قتيلا تسفي عليك الرياح. قال: وددت لو كان ذلك. وخرجا من عنده يقولان: ~~لا حكم إلا لله. # وخطب علي ذات يوم فقالوها في جوانب المسجد. فقال علي: الله أكبر! كلمة حق ~~أريد بها باطل. فوثب يزيد بن عاصم المحاربي فقال: الحمد لله غير مودع ربنا, ~~ولا مستغنى عنه, اللهم إنا نعوذ بك من إعطاء الدنية في ديننا, فإن إعطاء ~~الدنية في الدين إدهان في أمر الله, وذل راجع بأهله إلى سخط الله. ms25 يا علي ~~أبالقتل تخوفنا؟ أما والله إني لأرجو أن نضربكم بها عما قليل غير مصفحات, ~~ثم لتعلم أينا أولى بها صليا. # وخطب علي يوما آخر فقال رجال في المسجد: لا حكم إلا لله. # يريدون بهذا إنكار المنكر على زعمهم. فقال علي: الله أكبر! كلمة حق أريد ~~بها باطل. أما إن لكم علينا ثلاثا: ما صحبتمونا لا نمنعكم مساجد الله أن ~~تذكروا فيها اسمه, ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا, ولا نقاتلكم ~~حتى تبدؤنا, وإنا ننتظر فيكم أمر الله. ثم عاد إلى # PageV01P051 # مكانه من الخطبة. # ثم إن الخوارج لقي بعضهم بعضا واجتمعوا في منزل عبد الله بن وهب الراسبي, ~~فخطبهم وزهدهم في الدنيا, وأمرهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, ثم ~~قال: اخرجوا بنا من هذه القرية الظالم أهلها إلى بعض كهوف الجبال أو إلى ~~بعض هذه المدائن, منكرين لهذه البدع المضلة. # فقال حرقوص بن زهير: إن المتاع في هذه الدنيا قليل, وإن الفراق لها وشيك, ~~فلا تدعونكم بزينتها وبهجتها إلى المقام بها, ولا تلفتنكم عن طلب الحق ~~وإنكار الظلم, فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون. # قال حمزة بن سنان الأسدي: يا قوم! إن الرأي ما رأيتم, فولوا أمركم رجلا ~~منكم, فإنه لا بد لكم من عماد وسنان وراية تحفون بها وترجعون إليها. فعرضوا ~~ولايتهم على زيد بن حصين الطائي, وعرضوها على حرقوص بن زهير فأبياها, وعلى ~~حمزة بن سنان وشريح بن أوفى العبسي فأبيا, ثم عرضوها على عبد الله بن وهب ~~فقال: هاتوها, أما والله لا آخذها رغبة في الدنيا, ولا أدعها فرارا من ~~الموت. فبايعوه لعشر خلون من شوال. وكان يقال له: ذوا الثفنات (1) . ~~PageV01P052 # فاجتمعوا في منزل شريح بن أوفى العبسي. فقال ابن وهب: اشخصوا بنا إلى ~~بلدة نجتمع فيها وننفذ حكم الله فإنكم أهل الحق. # قال شريح: نخرج إلى المدائن فننزلها, ونأخذ بأبوابها, ونخرج منها سكانها, ~~ونبعث إلى أخواننا من أهل البصرة فيقدمون علينا. فقال زيد بن حصين: إنكم إن ~~خرجتم مجتمعين تبعوكم, ولكن اخرجوا ms26 وحدانا ومستخفين. فأما المدائن فغن بها ~~من يمنعكم, ولا تسيروا حتى تنزلوا بجسر النهروان, وتكابوا (1) إخوانكم من ~~أهل البصرة. قالوا: هذا الرأي. # فكتب عبد الله بن وهب إلى من بالبصرة, ليعلمهم ما اجتمعوا عليه, ويحثهم ~~على اللحاق بهم. فأجابوه. فلما خرجوا صار شريح بن أوفى العبسي يتلو قوله: ~~{فخرج منها خائفا يترقب} (القصص: من الآية21) إلى قوله: {سواء السبيل} ~~البقرة: من الآية108) وخرج معهم طرفة بن عدي إلى عامل علي أمير المدائن. ~~(2) يحذره, فحذر وضبط الأبواب, واستخلف عليها المختار بن أبي عبيد, وخرج ~~بالخيل في طلبهم فأخبر ابن وهب فسار على بغداد ولحقه ابن مسعود أمير ~~المدائن بالكرخ في خمسمائة فارس, فانصرف إليه ابن وهب الخارجي في ثلاثين ~~فارسا, فاقتتلوا ساعة, وامتنع القوم منهم, فلما جن الليل على ابن وهب عبر ~~الدجلة, وصار إلى النهروان, ووصل إلى PageV01P053 # أصحابه, وتفلت رجال من أهل الكوفة يريدون الخوارج, فردهم أهلوهم, ولما ~~خرجت الخوارج من الكوفة عاد أصحاب علي وشيعته إليه, نحن أولياء من واليت ~~وأعداء من عاديت. فشرط لهم سنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم, فجاءه ربيعة ~~بن أبي (1) شداد الخثعمي. فقال: أبايع على سنة أبي بكر وعمر. قال علي: ويلك ~~لو أن أبا بكر وعمر عملا بغير كتاب الله وسنة رسوله لم يكونا على شيء (2) ~~من الحق, فبايعه, ونظر إليه علي فقال: أما والله لكأني بك وقد نفرت مع هذه ~~الخوارج فقتلت, وكأني بك وقد وطأتك الخيل بحوافرها. فكان ذلك, وقتل يوم ~~النهروان مع الخوارج. # وأما خوارج البصرة فإنهم اجتمعوا في خمسمائة رجل جعلوا عليهم مسعر بن ~~فدكي التميمي, وعلم بهم ابن عباس, فأتبعهم بالأسود الدؤلي, فلحقهم بالجسر ~~الأكبر, فتواقفوا حتى حجز دونهم الليل (3) , وأدلج مسعر بأصحابه, وسار حتى ~~لحق بابن وهب. # فلما انقضى أمر التحكيم وخدع عمرو بن العاص أبا موسى الأشعري, وصرح عمرو ~~بولاية معاوية, بعد أن عزل أبو موسى عليا _خدعه عمرو بذلك_ فهرب أبو موسى ~~إلى مكة؛ قام علي في الكوفة فخطبهم. وقال في خطبته: PageV01P054 # الحمد لله, ms27 وإن أتى الدهر بالخطب الفادح والحدثان الجليل وأشهد أن لا إله ~~إلا الله وأن محمدا رسول الله. # أما بعد: فإن المعصية تورث الحسرة وتعقب الندم, وقد كنت أمرتكم في هذين ~~الرجلين _يعني: أبا موسى وعمرو بن العاص_ وفي هذه الحكومة أمري, ونحلتكم ~~رأيي لو كان لقصير أمر (1) ! ولكن أبيتم إلا ما أردتم, فكنت أنا وأنتم كما ~~قال أخو هوزان: # أمرتهم أمري بمنعرج اللوى # فلم يستبينوا (2) الرشد إلا ضحى الغد # إلا أن هذين الرجلين الذين أخرجتموهما حكمين قد نبذا حكم القرآن وراء ~~ظهورهما, وأحييا ما أمات القرآن, واتبع (3) كل واحد منهما هواه بغير هدى من ~~الله, فحكما بغير حجة بينه ولا سنة ماضية (3) , واختلفا في حكمهما, وكلاهما ~~لم يرشد, فبرئ الله منهما ورسوله وصالح المؤمنين. فاستعدوا وتأهبوا للمسير ~~إلى الشام. PageV01P055 # وكتب إلى الخوارج: من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى زيد بن حصين وعبد ~~الله بن وهب ومن معهما من الناس, أما بعد: فإن هذين الرجلين اللذين ارتضينا ~~حكمهما (1) قد خالفا كتاب الله, واتبعا أهواءهما بغير هدى من الله, فلم ~~يعملا بالسنة, ولم ينفذا للقرآن حكما, فبرئ الله منهما ورسوله والمؤمنون. # فإذا بلغكم كتابي هذا فاقبلوه إلينا, فإنا سائرون إلى عدونا وعدوكم, ونحن ~~على الأمر الأول, الذي كنا عليه والسلام (2) . # فكتبوا إليه: أما بعد: فإنك لم تغضب لربك, وإنما غضبت لنفسك, فإن شهدت ~~على نفسك بالكفر, واستقبلت التوبة نظرنا فيما بيننا وبينك, وإلا فقد ~~نابذناك على سواء {إن الله لا يحب الخائنين} (الأنفال: من الآية58) . # فلما قرأ كتابهم أيس منهم, ورأى أن يدعهم ويمضي بالناس إلى قتال أهل ~~الشام, فقام في الكوفة فندبهم إلى الخروج معه, وخرج معه أربعون ألف مقاتل ~~وسبعة عشر من الأبناء وثمانية آلاف من الموالي والعبيد. وأما أهل البصرة ~~فتثاقلوا ولم يخرج إلا ثلاثة آلاف. # وبلغ عليا أن الناس يرون قتال الخوارج أهم وأولى. قال لهم علي: دعوا ~~هؤلاء, وسيروا إلى قوم يقاتلونكم كيما يكونوا (3) جبارين ملوكا, ~~PageV01P056 # ويتخذوا عباد الله خولا. فناداه الناس: أن سر بنا يا ms28 أمير المؤمنين حيث ~~أحببت. # ثم إن الخوارج استعر (1) أمرهم, وبدؤا بسفك الدماء وأخذوا الأموال, ~~وقتلوا عبد الله بن خباب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وجدوه سائرا ~~بامرأته على حمار فانتهروه وأفزعوه, ثم قالوا له: ما أنت؟ فأخبرهم. # قالوا: حدثنا عن أبيك الخباب حديثا سمعه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~تنفعنا به, فقال: حدثني أبي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" ستكون ~~فتنة يموت فيها قلب الرجل كما يموت فيها بدنه, يمسي مؤمنا ويصبح كافرا, ~~ويصبح كافرا ويمسي مؤمنا " (2) . قالوا: لهذا سألنك. فما تقول في أبي بكر ~~وعمر؟ فأثنى عليهما خيرا. فقالوا: ما تقول في عثمان في أول خلافته وفي ~~آخرها. قال: إنه كان محقا في أولها وآخرها؟ قالوا: فما تقول في علي قبل ~~التحكيم وبعده؟ قال أقول: إنه أعلم بالله منكم, وأشد توقيا على PageV01P057 # دينه, وأنفذ بصيرة. فقالوا: إنك تتبع الهوى وتوالي الرجال على أسمائها لا ~~على أفعالها, والله لنقتلنك قتلة ما قتلناها أحدا, فأخذوه فكتفوه, ثم ~~أقبلوا به وبامراته وهي حبلى متم (1) , فنزلوا تحت نخل مثمر, فسقط منه ~~رطبة, فأخذها أحد فلاكها في فيه, فقال له آخر: أخذتها بغير حلها, وبغير ~~ثمن! فألقاها. ثم مر بهم خنزير, فضربه أحدهم بسيفه, فقالوا: هذا فساد في ~~الأرض, فلقي صاحب الخنزير وهو من أهل الذمة, فأرضاه. # فلما رأى ذلك ابن خباب قال: لئن كنتم صادقين فيما أرى فما علي بأس, إني ~~لمسلم (2) ما أحدثت في الإسلام حدثا, ولقد أمنتموني. فأضجعوه وذبحوه, ~~وأقبلوا إلى امرأته. فقالت: أنا امرأة ألا تتقون الله, فبقروا بطنها. ~~وقتلوا أم سنان الصيداوية وثلاثا من النساء. # فلما بلغ ذلك عليا بعث الحارث بن مرة العبدي يأتيه بالخبر, فلما دنا منهم ~~قتلوه, فألح الناس على علي في قتالهم, وقالوا: نخشى أن يخالفونا في عيالنا ~~وأموالنا, فسر بنا إليهم. وكلمه الأشعث بن قيس الكندي بمثل ذلك, واجتمع ~~الرأي على حربهم, وسار علي يريد قتالهم, فلقيه منجم في مسيره, فأشار عليه ~~أن يسير في وقت مخصوص, ms29 وقال: إن سرت في غيره لقيت أنت وأصحابك ضررا شديدا. ~~فخالفه علي في الوقت الذي نهاه عنه. PageV01P058 # فلما وصل إليهم قالوا (1) : ادفعوا إلينا قتلة إخواننا نقتلهم ونترككم, ~~فلعل الله أن يقبل بقلوبكم, ويردكم إلى خير ما أنتم عليه. فقالوا (2) : ~~كلنا قتلتهم (3) , وكلنا مستحل لدمائهم ودمائكم. وخرج إليهم قيس بن سعد بن ~~عبادة فقال: عباد الله أخرجوا إلينا طلباتنا منكم, وادخلوا في هذا الأمر ~~الذي خرجتم منه, وعودوا بنا إلى قتال عدونا وعدوكم (4) , فإنكم ركبتم عظيما ~~من الأمر, تشهدون علينا بالشرك, وتسفكون دماء المسلمين. # فقال له عبد الله بن شجرة السلمي: إن الحق قد أضاء لنا فلسنا متابعيكم أو ~~تأتونا بمثل عمر. فقال: ما نعلمه غير صاحبنا, فهل تعلمونه فيكم؟ قالوا: لا. ~~قال: نشدتكم الله في أنفسكم أن تهلكوها, فإني لا أرى الفتنة إلا وقد غلبت ~~عليكم. # وخطبهم أبو أيوب خالد بن زيد الأنصاري, فقال: عباد الله! إنا وإياكم على ~~الحال الأولى التي كنا عليها, ليست بيننا وبينكم فرقة, فعلام تقاتلوننا (5) ~~؟ فقالوا: إن بايعناكم (6) اليوم حكمتكم الرجال غدا. قال: فإني أنشدكم الله ~~أن تعجلوا فتنة العام مخافة ما يأتي في القابل. PageV01P059 # وأتاهم علي _رضي الله عنه_ فقال: أيتها العصابة التي أخرجها عداوة المراء ~~واللجاجة, وصدها عن الحق الهوى, وطمع بها النزق, وأصبحت في الخطب العظيم. # إنني نذير لكم أن تصبحوا تلفيكم (1) الأمة غدا صرعى بأثناء هذا النهر, ~~وبأهضام (2) هذا الغائط, بغير بينة من ربكم ولا برهان, ألم تعلموا أني ~~نهيتكم عن الحكومة, ونبأتكم أنها مكيدة, وأن القوم ليسوا بأصحاب دين ولا ~~قرآن, فعصيتموني, فلما فعلتم أخذت على الحكمين واستوثقت أن يحييا ما أحيا ~~القرآن, ويميتنا ما أمات القرآن, فاختلفا وخالفا حكم الكتاب, فنبذنا ~~أمرهما, فنحن على الأمر الأول فمن أين أتيتم؟ # قالوا: إنا حكمنا فلما حكمنا أثمنا, وكنا بذلك كافرين, وقد تبنا, فإن تبت ~~فنحن معك ومنك, فإن أبيت فإنا منابذوك على سواء. # قال علي: أصابكم حاصب, ولا بقي منكم وابر (3) , أبعد (4) إيماني برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم هجرتي معه ms30 وجهادي في سبيل الله أشهد على نفسي ~~بالكفر!! لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين. PageV01P060 # وقيل كان من كلامه: يا هؤلاء! إن أنفسكم قد سولت لكم فراقي بهذه الحكومة ~~التي أنتم ابتدأتموها وسألتموها, وأنا لها كاره, وأنبأتكم أن القوم إنما ~~طلبوها مكيدة ووهنا, فأبيتم علي إباء المخالفين, وعدلتم عني عدول (1) ~~النكداء العاصين, حتى صرفت رأيي إلى رأيكم, وأنتم _والله_ معاشر أخفاء ~~الهام, سفهاء الأحلام, فلم آت_لا أبالكم_ حراما, والله ما خبلتكم عن أموركم ~~(2) , ولا أخفيت شيئا من هذا الأمر عنكم, ولا أوطأتكم عشوة (3) , ولا أدنيت ~~لكم ضرا, وإن كان أمرنا لأمر المسلمين ظاهرا فأجمع رأي ملئكم على (4) أن ~~اختاروا رجلين, فأخذنا عليهما أن يحكما بالحق ولا يعدوانه, فتركا الحق وهما ~~يبصرانه, وكان الجور هواهما والتقية دينهما, حتى خالفا سبيل الحق وأتيا بما ~~لا يعرف, فبينوا لنا بم تستحلون قتالنا والخروج عن جماعتنا, وتضعون (5) ~~سيوفكم على عواتقكم, ثم تستعرضون الناس تضربون رقابهم, إن هذا هو الخسران ~~المبين, والله لئن قتلتم على هذا دجاجة لعظم عند الله قتلها, فكيف بالنفس ~~التي قتلها عند الله حرام. PageV01P061 # فتنادوا: أن لا تخاطبوهم ولا تكلموهم وتهيئوا للقاء الله, الرواح الرواح ~~إلى الجنة. # فرجع علي عنهم, ثم إنهم قصدوا جسر النهر, فظن الناس أنهم عبروه. فقال ~~علي: لم يعبروه, وإن مصارعهم لدون النهر, والله لا يقتلون منكم عشرة ولا ~~يسلم منهم عشرة. # فتعبأ الفريقان للقتال, فناداهم أبو أيوب فقال: من جاء هذه الراية فهو ~~آمن, ومن انصرف إلى الكوفة أو إلى المدائن وخرج من هذه الجماعة فهو آمن. ~~فانصرف فروة ابن نوفل الأشجعي في خمسمائة فارس, وخرجت طائفة أخرى متفرقين, ~~فبقي مع عبد الله بن وهب ألفان وثمانمائة (1) , فزحفوا إلى علي وبدؤوه ~~بالقتال وتنادوا: الرواح الرواح إلى الجنة. فاستقبلهم (2) الرماة من جيش ~~علي بالنبل والرماح والسيوف, ثم عطفت عليهم الخيل من الميمنة والميسرة, ~~وعليها أبو أيوب الأنصاري, وعلى الرجالة أبو قتادة الأنصاري, فلما عطفت ~~عليهم الخيل والرجال, وتداعى عليهم الناس ما لبثوا أن أناموهم فماتوا في ~~ساعة ms31 واحدة, فكأنما قيل لهم موتوا فماتوا, وقتل ابن وهب وحرقوص وسائر ~~سراتهم. # وفتش علي في القتلى والتمس المخدج الذي وصفه النبي صلى الله عليه وسلم في ~~حديث الخوارج فوجده في حفرة على شاطئ النهر, فنظر إلى عضده فإذا لحم مجتمع ~~كثدي المرأة وحلمته عليها شعرات سود, فإذا مدت امتدت PageV01P062 # معه من أفاضل الصحابة والتابعين لما وافقهم في تحكيم الحكمين, ثم زعموا ~~أن تحكيم الرجال في دين الله كفر يخرج عن الملة, وأنهم قد أثموا بذلك, ~~وكفروا فتابوا من هذا الأمر, وقالوا لعلي: "إن تبت فنحن معك ومنك, وإن أبيت ~~فإنا منابذوك على سواء". # فإذا تبين لك أن ما فعلوه إنما هو إحسان ظن بقرائهم الذين غلو في الدين, ~~وتجاوزوا الحد في الأوامر والنواهي, وأساءوا الظن بعلماء الصحابة, الذين هم ~~أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا, قوم اختارهم الله لصحبة ~~نبيه ولإظهار دينه, فلما لم يعرفوا فضلهم ولم يهتدوا بهديهم؛ ضلوا عن ~~الصراط المستقيم الذي كان عليه أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم وزعموا ~~أنهم داهنوا في الدين (1) . # والذي حملهم على ذلك أخذهم بظواهر النصوص في الوعيد, ولم يهتدوا ~~لمعانيها, وما دلت عليه, فوضعوها في غير مواضعها, وسلكوا طريقة التشديد ~~والتعسير والضيق, وتركوا ما وسع الله لهم من اليسير الذي أمر الله به رسوله ~~صلى الله عليه وسلم بقوله: "إنما بعثتم ميسرين, ولم تبعثوا معسرين" (2) . ~~PageV01P064 # ولهذا كان أمير المؤمنين علي _رضي الله عنه_ يسير فيهم بهذه الطريقة, ~~ويناصحهم في الله ولله, ويتلطف لهم في القول لعل الله أن يقبل بقلوبهم, وأن ~~يرجعوا إلى ما كانوا عليه أولا, ويراجعهم المرة بعد المرة, كما قاله في ~~خطبتهم لما خطبهم. فقالوا: "لا حكم إلا لله _يريدون بهذا إنكار المنكر على ~~زعمهم_ فقال علي: "الله أكبر كلمة حق أريد بها باطل, أما إن لكم علينا ~~ثلاثا ما صحبتمونا: لا نمنعكم مساجد الله أن يذكر فيها اسمه, ولا نمنعكم ~~الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا, ولا نقاتلكم حتى تبدؤنا, وإنا ننتظر فيكم ~~أمر ms32 الله". # ولما قيل له: "يا أمير المؤمنين أكفار هم؟ " قال: "من الكفر فروا". ~~فقالوا: "أفمنافقون هم؟ " قال: "إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا, ~~وهؤلاء يذكرون الله كثيرا". قالوا: فما هم؟ قال: " إخواننا بغوا علينا". # فهذه سيرته _رضي الله عنه_ مع هؤلاء المبتدعة الضلال مع قوله لأصحابه ~~فيهم: والله لولا أن تنكلوا عن العمل لأخبرتكم بما قضى الله على لسان نبيه ~~صلى الله عليه وسلم لمن قاتلهم, متبصرا في قتالهم, عارفا للحق الذي نحن ~~عليه, ومع علمه بقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم: " يمرقون من ~~الإسلام كما يمرق السهم من الرمية, ثم لا يرجعون إليه حتى يرجع السهم إلى ~~فوقه " (1) ومع قوله صلى الله عليه وسلم فيهم:" أينما لقيتموهم فاقتلومهم " ~~(2) , " لئن أدركتهم PageV01P065 # لأقتلنهم قتل عاد " (1) مع كونهم من أكثر الناس عبادة وتهليلا, حتى أن ~~الصحابة يحقرون أنفسهم عندهم, وهم إنما تعلموا العلم من الصحابة. # فعلى من نصح نفسه وأراد نجاتها أن يعرف طريقة هؤلاء القوم, وأن يجتنبها, ~~ولا يغتر بكثرة صلاتهم وصيامهم وقراءتهم وزهدهم في الدنيا, وأن يعرف سيرة ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم, وما كانوا عليه من الهدى ودين ~~الحق, الذي فضلوا به على من بعدهم, وعدم تكلفهم في الأقوال والأفعال, لعله ~~أن يسلم من ورطات هؤلاء الضلال, والله يقول الحق وهو يهدي السبيل, وحسبنا ~~الله ونعم الوكيل. # هذا ما تيسر لي من الجواب, وما كان فيه من حق وصواب, من الله فهو المان ~~به, وما كان فيه من خطأ فمني ومن الشيطان, والله ورسوله بريء منه, والحمد ~~لله الذي بنعمته تتم الصالحات, وصلى الله على خاتم الأنبياء والمرسلين ~~نبينا محمد, وعلى آله وصحبه والتابعين لهم إلى يوم الدين, وسلم تسليما ~~كثيرا. PageV01P066 # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله وحده, والصلاة والسلام على من لا نبي بعده: # أما بعد: فاعلم يا أخي إنا لما فرغنا من تسويد جواب المسائل التي أوردتها ~~أولا, وطالبت الجواب عنها, وقد عن لي أولا أن أترك الجواب عنها لوضوحها في ms33 ~~كلام العلماء, ثم ترجح عندي آخرا إسعافك بالجواب لما رأيت اعتراض هؤلاء ~~المتعالمين الجهال الذين شرعوا في الدين ما لم يأذن به الله, وتعمقوا, ~~وتكلفوا ما لا علم لهم به بمجرد آرائهم وأفهامهم القاصرة, واستحساناتهم ما ~~لم يكن حسنا في الدين, وتحليل ما حرمه الله, وتحريم ما أحله الله بغير ما ~~شرع الله ورسوله. # فإذا علمت ذلك فلا بد من ذكر قاعدة تنبني عليها أحكام الشريعة, وينبني ~~عليها الجواب عن هذه المسائل الآتي ذكرها. # وهذه القاعدة قد ذكرها علماء أهل الإسلام الذين هم الأسوة وبهم القدوة ~~وهي قولهم: إن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. وارتكاب أخف الضررين لدفع ~~أعلاهما, وترك إحدى المصلحتين لتحصيل أولاهما. # وقد قال الإمام الحافظ محمد بن عبد الهادي في "الصارم المنكي" بعد أن ذكر ~~كلاما طويلا, قال: "فههنا أمران يمنعان كون الفعل قربة: استلزامه لأمر ~~مبغوض مكروه, # PageV01P067 # وتفويته لمحبوب هو أحب إلى الله من ذلك الفعل. ومن تأمل هذا الموضوع حق ~~التأمل أطلعه على سر الشريعة, ومراتب الأعمال, وتفاوتها في الحب والبغض, ~~والضر والنفع, بحسب قوة فهمه وإدراكه ومواد توفيق الله له, بل مبنى الشريعة ~~على هذه القاعدة, وهي تحصيل خير الخيرين وتعطيل (1) أدناهما, وتفويت شر ~~الشرين باحتمال أدناهما, بل مصالح الدنيا (2) كلها قائمة على هذا الأصل". ~~انتهى. # ونضيف إلى هذه القاعدة الشرعية ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية _قدس الله ~~روحه_ في مسألة الهجر, إذ هو من أجل القواعد الشرعية والمباحث الدينية التي ~~لا غنى لأحد ممن يدعو إلى دين الله ورسوله ويعلم الناس أمر دينهم عن تدبرها ~~ومعرفتها علما وعملا؛ ليكون فيما يدعو إليه ويعلمه الناس من أمر دينهم على ~~بصيرة. # قال _رحمه الله تعالى_ وليعلم أن المؤمن تجب موالاته وإن ظلمك واعتدى ~~عليك, والكافر تجب معاداته وإن أعطاك وأحسن إليك, فإن الله بعث الرسل وأنزل ~~الكتب ليكون الدين كله لله, فيكون الحب لأوليائه (3) والبغض لأعدائه, ~~والإكرام لأوليائه والإهانة لأعدائه, والثواب لأوليائه والعقاب لأعدائه. ~~PageV01P068 # وإذا (1) اجتمع في الرجل الواحد خير وشر, وبر وفجور, ms34 وطاعة ومعصية, وسنة ~~وبدعة, استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير واستحق من المعاداة ~~والعقاب بحسب مافيه من الشر, فيجتمع في الشخص الواحد موجبات (2) الإكرام ~~والإهانة, فيجتمع له من هذا وهذا كاللص الفقير تقطع يده لسرقته ويعطى ما ~~يكفيه من بيت المال لحاجته. # هذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة, وخالفهم الخوارج ~~والمعتزلة ومن وافقهم عليه, فلم يجعلوا الناس إلا مستحقا للثواب فقط أو ~~مستحقا للعقاب فقط. وأهل السنة يقولون: "إن الله يعذب بالنار من أهل ~~الكبائر من يعذبهم, ثم يخرجهم منها بشفاعة من يأذن له في الشفاعة بفضله (3) ~~ورحمته, كما استفاضت بذلك السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والله ~~أعلم". انتهى. # وقال _رحمه الله تعالى_ في موضع آخر"ومن سلك طريقة الاعتدال عظم من يستحق ~~التعظيم وأحبه ووالاه وأعطى الحق حقه فيعظم الحق, ويرحم الخلق, ويعلم أن ~~الرجل الواحد يكون له حسنات وسيئات, فيحمد ويذم, ويثاب ويعاقب, ويحب من وجه ~~ويبغض من وجه آخر. # هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة خلافا للخوارج والمعتزلة ومن وافقهم, كما ~~بسط هذا في موضعه, والله أعلم". انتهى. PageV01P069 # فمن تأمل هذه القاعدة الشرعية والمباحث الدينية حق التأمل, وأعطاها حقها ~~من الإمعان والنظر, وتأمل ما ذكره شيخ الإسلام _رحمه الله تعالى_ تبين له ~~أن أهل العلم بكتاب الله وسنة رسوله وشرعه ودينه وما كان عليه سلف الأمة ~~وأئمتها سلفا وخلفا في واد وهؤلاء الجهلة في واد آخر, لم يستضيئوا بنور ~~العلم, ولم يلجئوا في هذه المباحث إلى ركن وثيق من الفهم, وان اعتراضهم على ~~طلبة العلم ومشايخ أهل الإسلام إنما هو بالجهل وعدم العلم والاطلاع على هذه ~~المباحث الدينية, فمن أجل هذا تكلموا بغير حجة ولا برهان, ولا معرفة لما ~~عليه أهل العلم والعرفان, فالله المستعان. # وقد عم الجهل, وعظمت الفتنة, واشتد البلاء بمن يتكلم في هذه المباحث ~~الدينية فابتدعوا بدعا, وأحدثوا في الدين ما ليس منه, وشرعوا في الدين ما ~~لم يأذن به الله, وهذا مصداق ما أخبر به ms35 النبي صلى الله عليه وسلم كما في ~~الحديث الصحيح عن ابن عمرو (1) مرفوعا:" إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ~~ينتزعه من العباد, ولكن يقبض العلم بموت العلماء, حتى إذا لم يبق عالم اتخذ ~~الناس رؤساء جهالا, فسئلوا فأفتوا بغير علم, فضلوا وأضلوا " (2) فنعوذ ~~بالله من القول بغير علم, ونسأله العفو والعافية, والمعافاة الدائمة في ~~الدنيا والآخرة, إنه ولي ذلك والقادر عليه, ولا حول ولا قوة إلا بالله ~~العظيم. PageV01P070 ### | عبارات الشيخ محمد بن عبد الوهاب في البدو هل تنطبق على ماجاء بعدهم # ... # فصل # وأما ما ذكره الأخ من المسائل فنجيب عليها بحسب الطاقة والإمكان, على ~~سبيل التنبيه والاختصار, فنقول: # المسألة الأولى: قول السائل في العبارة التي ذكرها الشيخ _رحمه الله_ في ~~الموضع السادس التي نقلها من السيرة. فقال في آخرها: وما أحسن ما قاله بعض ~~البداوي لما حضر مجالسنا وسمع شيئا من الدين, قال: هو يشهد أن البدو كفار, ~~وأن المطوع الذي ما يكفرهم كافر, إلى آخر كلامه. وكذلك ما قاله _رحمه الله ~~تعالى_ في رسالته لعلماء الحرمين لما أفتى بكفر البوادي الذين ينكرون ~~البعث, إلى آخر كلامه. # وكذلك ما قاله رحمه الله تعالى في النبذة الحكمية في تكفيره البوادي ~~الذين كانوا في زمانه. # فهذه المسألة (1) قد أجبنا عليها فيما تقدم في المسائل التي أوردتها قبل ~~هذه المسائل, وبينا فيها الشيخ _رحمه الله تعالى_ في تكفير هؤلاء البوادي ~~إنما هو قبل ظهور هذه الدعوة الإسلامية في حال كفرهم وإشراكهم بالله, ثم ~~لما أظهر الله هذا الدين على يد شيخ الإسلام محمد ابن عبد الوهاب, ودخل ~~الناس فيه أفواجا حاضرتهم وباديتهم, ولم يبق PageV01P071 # في نجد _ولله الحمد والمنة_ أحد إلا وقد دخل في الدين وأسلموا بعدما ~~كانوا كفارا مشركين, فمن زعم أنهم بعد إسلامهم ودخولهم في هذا الدين لم ~~يزالوا على الحالة الأولى من الكفر بالله والإشراك به وأنهم لم يسلموا, فهو ~~أضل من حمار أهله. # وذكرنا أحوال أهل نجد من وقت الدرعية إلى وقتنا هذا في شأن البادية ~~وغيرهم على التفصيل ms36 الذي ذكرناه فيها, بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع ~~فراجعه فيها. # PageV01P072 ### | عبارات الشيخ سليمان بن عبد الوهاب في كفر البوادي هل ينطبق على من في زماننا # ... # المسألة الثانية: فيما ذكره سليمان بن عبد الوهاب بأن البادية التي نحن ~~نزعم إسلامهم أولا أنهم كفار, وكذا علماء أهل المجمعة وغيرهم هل هذا الكفر ~~الذي أوقعه هذا الشيخ _رحمه الله_ ومن تبعه على بوادي زمانه يوقع على بوادي ~~زماننا, ويطلق عليهم الكفر أم فيهم وفيهم أم لا؟ # وماذا يقال فيهم؟ إلى آخر المسألة. # فالجواب: أن نقول ما ذكره الشيخ سليمان وعلماء أهل المجمعة وغيرهم من ~~الكفر الذي أوقعه الشيخ على بوادي زمانه لا يوقع على بوادي أهل زماننا ~~الذين التزموا بشرائع الإسلام الظاهرة وقاموا بها, فلا يطلق الكفر على ~~جميعهم؛ لأن فيهم من قام به وصف الكفر الذي يخرجه من الملة, بل من قال به ~~هذا الوصف فهو كافر, ومن لم يقم به هذا الوصف المخرج من الملة لا يكون ~~كافرا, كما فصلنا ذلك وبيناه في المسألة الأولى التي أجبنا عنها أولا. # وأما قولك: وهل تكون حال العالم الذي لا يقول بكفرهم اليوم # PageV01P072 # كحال العلماء الذين اعترضوا على الشيخ محمد _رحمه الله_ أم لا؟ # فنقول: لا تكون حال العالم اليوم الذي لا يقول بكفر من ظاهرة الإسلام من ~~بوادي أهل نجد كحال من اعترض على الشيخ محمد _رحمه الله_ علمائهم وباديتهم ~~ليس معهم من الإسلام شيء, بخلاف بوادي أهل زماننا, فإن فيهم المسلم, وفيهم ~~من قام به وصف الكفر, فلا يجوز إطلاق الكفر على جميعهم, لما سنبينه _إن شاء ~~الله تعالى_. # فإذا تحققت هذا وعرفته فاعلم أن مشايخ أهل الإسلام وإخوانهم من طلبة ~~العلم الذين هم على طريقتهم هم الذين ساروا على منهاج شيخ الإسلام محمد بن ~~عبد الوهاب, وأخذوا بجميع أقواله في حاضرة أهل نجد وبواديهم, الذين كانوا ~~في زمانه, فأخذوا بقوله في الموضع السادس الذي نقله من السيرة في بوادي أهل ~~نجد, حيث قال بهم الوصف المكفر لهم بعد دعوتهم ms37 إلى توحيد الله وإقامة الحجة ~~عليهم والإعذار والإنذار منهم, وأخذوا بقوله في الرسالة التي كتبها للشريف ~~لما سأله عما يكفر به الناس ويقاتلهم عليه وكذلك ما ذكره في رسالته إلى ~~السويدي وأنه لا يكفر الناس بالعموم, وكذلك ما ذكره أولاده بعده في هذه ~~المسائل, ونحن نسوق ما ذكروه. # قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في رسالته إلى الشريف بعد أن ذكر ما ~~يكفر الناس به, ويقاتلهم عليه مما هو معلوم عنه مشهور قال:" # PageV01P073 # وأما الكذب والبهتان مثل قولهم: إنا نكفر بالعموم, و (1) نوجب الهجرة ~~إلينا على من قدر أن يظهر دينه في بلده, وأنا نكفر من لم يكفر ولم يقاتل, ~~وأمثال هذا وأضعاف أضعافه, فكل هذا من الكذب والبهتان الذي (2) يصدون الناس ~~به عن دين الله ورسوله. # وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على قبر أحمد البدوي, لأجل جهلهم ~~وعدم من ينبههم, فكيف نكفر من لم يشرك بالله إذا لم يهاجر إلينا ولم يكفر ~~ولم يقاتل؟! سبحانك هذا بهتان عظيم. بل نكفر تلك الأنواع الأربعة لأجل ~~محادتهم لله ورسوله, إلى آخر كلامه. # وهذا بخلاف ما عليه هؤلاء الجهال, فإنهم يكفرون الناس بالعموم, ويكفرون ~~من لم يهاجر, كما هو معلوم مشهور عنهم لا ينكره إلا من هو مباهت في ~~الحسيات, مكابر في الضروريات". # قال _رحمه الله_ في رسالته للسويدي البغدادي: "وما ذكرت أني أكفر جميع ~~الناس إلا من اتبعني, وأزعم أن أنكحتهم غير صحيحة, فيا عجبا! كيف يدخل هذا ~~في عقل عاقل؟ وهل يقول هذا مسلم أو كافر أو عارف أو مجنون؟! إلى أن قال: ~~وأما التكفير؛ فأنا أكفر من عرف التوحيد ثم بعدما عرفه سبه ونهى الناس عنه ~~وعادى من فعله, وأكثر الأمة _ولله الحمد_ ليسوا كذلك". انتهى. PageV01P074 # فانظر _رحمك الله_ إلى ما قاله الشيخ _رحمه الله_ ثم انظر إلى ما يقوله ~~هؤلاء الجهال, وهل كانوا على ما قاله الشيخ أم لا؟ يتبين لك أنهم يقولون ~~بأهوائهم, ويفتون بآرائهم لا بما قاله أهل العلم. # وقال الشيخ حسين ms38 بن محمد بن عبد الوهاب وأخوه الشيخ عبد الله ابن الشيخ ~~محمد بن عبد الوهاب لما سئلا عن مسائل عديدة فأجابا عنها. ثم قالا: # "وأما المسألة الثامنة عشرة في أهل بلد بلغتهم هذه الدعوة, وأن بعضهم ~~يقول: هذا الأمر حق, ولا غير منكرا, ولا أمر بالمعروف, ولا عادى ولا والى, ~~ولا أقر أنه قبل هذه الدعوة على ضلال, وينكر على الموحدين إذا قالوا: ~~تبرأنا من دين الآباء والأجداد, وبعضهم يكفر المسلمين جهارا, أو يسب هذا ~~الدين ويقول: هو دين مسيلمة, والذي يقول: هذا أمر زين لا يمكنه يقوله ~~جهارا. فما تقولون في هذه البلدة على هذه الحال مسلمين أم كفار؟ وما معنى ~~قول الشيخ وغيره: إنا لا نكفر بالعموم؟ وما معنى العموم و (1) الخصوص؟ إلى ~~آخره. # الجواب: أن أهل هذه البلد المذكورين إذا كانوا قد قاتت عليهم الحجة التي ~~يكفر من خالفها حكمهم حكم الكفار, والمسلم الذي بين أظهرهم ولا يمكنه إظهار ~~دينه تجب عليه الهجرة, إذا لم يكن ممن عذر الله, فإن لم يهاجر فحكمه حكمهم ~~في القتل وأخذ المال". PageV01P075 # والسامعون (1) كلام الشيخ في قوله: "إنا لا نكفر بالعموم". فالفرق بين ~~العموم والخصوص ظاهر, فالتكفير بالعموم أن يكفر الناس كلهم عالمهم وجاهلهم ~~ومن قامت عليه الحجة ومن لم تقم عليه, وأما التكفير بالخصوص فهو أن لا يكفر ~~إلا من قامت عليه الحجة بالرسالة التي يكفر من خالفها. # وقد يحكم بأن أهل هذه القرية كفار, حكمهم حكم الكفار, ولا يحكم بأن كل ~~فرد منهم كافر بعينه؛ لأنه يحتمل أن يكون منهم من هو على الإسلام, معذور في ~~ترك الهجرة, أو يظهر دينه ولا يعلمه المسلمون, كما قال تعالى في أهل مكة ~~(في حال كفرهم) (2) : {ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن ~~تطأوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم} (الفتح: من الآية25) الآية, وقال ~~تعالى: {والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا ~~من هذه القرية الظالم أهلها} (النساء: من الآية75) . # وفي الصحيح عن ابن عباس _رضي الله عنهما_ قال: ms39 "كنت أنا وأمي من ~~المستضعفين". انتهى. # وقال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين _رحمه الله_ بعد أن ذكر ~~اختلاف العلماء وتنازعهم في التكفير, وقد سئل عن هذه المسألة فقال في آخر ~~الجواب: PageV01P076 # "وبالجملة فيجب على من نصح نفسه أن لا يتكلم في هذه المسألة, إلا بعلم ~~وبرهان من الله, وليحذر من إخراج رجل من الإسلام بمجرد فهمه واستحسان عقله, ~~فإن إخراج رجل من الإسلام أو إدخاله فيه من أعظم أمور الدين, وقد كفينا ~~بيان هذه المسألة كغيرها, بل حكمها في الجملة أظهر أحكام الدين, فالجواب ~~علينا الاتباع وترك الابتداع, كما قال ابن مسعود _رضي الله عنه_: "اتبعوا ~~ولا تبتدعوا فقد كفيتم". # وأيضا: فما تنازع العلماء في كونه كفرا فالاحتياط للدين التوقف وعدم ~~الإقدام ما لم يكن في المسألة نص صريح عن المعصوم صلى الله عليه وسلم. # وقد استزل الشيطان أكثر الناس في هذه المسألة, فقصر بطائفة فحكموا بإسلام ~~من دلت نصوص الكتاب والسنة والإجماع على كفره, وتعدى بآخرين فكفروا من حكم ~~الكتاب والسنة مع الإجماع بأنه مسلم. # ومن العجب أن أحد هؤلاء لو سئل عن مسألة في الطهارة أو البيع ونحوهما لم ~~يفت بمجرد فهمه واستحسان عقله, بل يبحث عن كلام العلماء, ويفتي بما قالوه, ~~فكيف يعتمد في هذا الأمر العظيم الذي هو أعظم أمور الدين وأشدها خطرا على ~~مجرد فهمه واستحسانه؟ فيا مصيبة الإسلام من هاتين الطائفتين, ويا محنته من ~~تينك البليتين, ونسألك اللهم أن تهدينا الصراط المستقيم, صراط الذين أنعمت ~~عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين".انتهى. # فانظر _رحمك الله تعالى_ إلى ما قاله هذا الإمام الذي هو من أجل علماء ~~أهل الإسلام في وقته حيث قال:"وبالجملة فيجب على من نصح # PageV01P077 # نفسه ألا يتكلم في هذه المسألة إلا بعلم وبرهان من الله, وليحذر من إخراج ~~رجل من الإسلام بمجرد فهمه واستحسان عقله, فإن إخراج رجل من الإسلام أو ~~إدخاله فيه من أعظم أمور الدين". # وهذا الذي ذكره الشيخ قد نبهناكم على مثله في "إرشاد الطالب إلى أهم ms40 ~~المطالب" فليكن منك ذلك على بال. # وكذلك قوله _رحمه الله_:"وقد استزل الشيطان أكثر الناس في هذه المسألة ~~فقصر بطائفة فحكموا بإسلام من دلت نصوص الكتاب والسنة والإجماع على كفره". # قلت: وهؤلاء كأمثال الذين حكموا بإسلام طائفة الترك وأشباههم, وتعدى ~~بآخرين فكفروا من حكم الكتاب والسنة مع الإجماع بأنه مسلم. كمثل هؤلاء ~~الذين الكلام بصددهم, حيث زعموا: أن من لم يهاجر وإن كان ملتزما بشرائع ~~الإسلام الظاهرة, أنه ليس بمسلم. # وكذلك قوله _رحمه الله_:"فيا مصيبة الإسلام من هاتين الطائفتين, ويا ~~محنته من تينك البليتين".فالله المستعان. # PageV01P078 ### | هل التفريق بين البادية الذين في جزيرة العرب وفي ولاية إمام المسلمين ومن ليس في ولايته صحيح؟ # ... # المسألة الثالثة: قول السائل: وهل من فرق بين بادية جزيرة العرب جنوبا ~~وشمالا, شرقا ومغربا, ومن في ولاية إمام المسلمين ومن ليس في ولايته, وماذا ~~يعامل به من ظاهره الإسلام منهم ومن ظاهره لا إسلام ولا كفر بل جاهل ومن ~~ظاهره الكفر, ومن ظاهره المعاصي دون الكفر, ومن الذي تباح ذبيحته منهم ومن ~~الذي لا تباح ذبيحته, وما القدر الواجب في الإسلام المبيح للذبيحة؟ # PageV01P078 # الجواب: أن من في جزيرة العرب لا نعلم ما هم عليه جميعهم, بل الظاهر أن ~~(1) غالبهم وأكثرهم ليسوا على الإسلام, فلا نحكم على جميعهم بالكفر لاحتمال ~~أن يكون فيهم مسلم. # وأما من كان في ولاية إمام المسلمين فالغالب على أكثرهم الإسلام, لقيامهم ~~بشرائع الإسلام الظاهرة. # ومن قام به من نواقض الإسلام ما يكونون به كفارا فلا نحكم على جميعهم ~~بالإسلام ولا على جميعهم بالكفر, لما ذكرنا. # وأما من لم يكن في ولاية إمام المسلمين (فلا ندري بجميع أحوالهم وما هم ~~عليه, لكن الغالب على أكثرهم ما ذكرناه أولا من عدم الإسلام) (2) فمن كان ~~ظاهره الإسلام منهم فيعامل بما يعامل به المسلم في جميع الأحكام. # وأما من ظاهره لا إسلام ولا كفر بل هو جاهل, فنقول: هذا الرجل الجاهل إن ~~كان معه الأصل الذي يدخل به الإنسان في الإسلام فهو مسلم, ولو كان جاهلا ~~بتفاصيل دينه, ms41 فإنه ليس على عوام المسلمين PageV01P079 # ممن لا قدرة لهم على معرفة تفاصيل ما شرعه الله ورسوله أن يعرفوا على ~~التفصيل ما يعرفه من أقدره الله على ذلك من علماء المسلمين وأعيانهم, فيما ~~شرعه الله ورسوله من الأحكام الدينية, بل عليهم أن يؤمنوا بما جاء به ~~الرسول إيمانا عاما مجملا, كما قرر ذلك شيخ الإسلام في "المنهاج". # وإن لم يوجد معه الأصل الذي يدخل في الإسلام فهو كافر, وكفره هو بسبب ~~الإعراض عن تعلم دينه لا علمه ولا تعلمه ولا عمل به. # والتعبير بأن ظاهره لا إسلام ولا كفر لا معنى له عندي, لأنه لا بد أن ~~يكون مسلما جاهلا أو كافرا جاهلا. # فمن كان ظاهره الكفر فهو كافر, ومن ظاهره المعاصي فهو عاص, ولا نكفر إلا ~~من كفر الله ورسوله بعد قيام الحجة عليه. # وأما الذي تباح ذبيحته منهم فهو المسلم. وأما الذي لا تباح ذبيحته فهو ~~الكافر المرتد, وهو الذي يكفر بعد إسلامه بفعل ناقض من نواقض الإسلام ~~المخرجة من الملة وقد وضحنا فيما تقدم حكم أعراب أهل نجد أولا. # والعجب كل العجب من هؤلاء الجهال الذين يتكلمون في مسائل التكفير, وهم ما ~~بلغوا في العلم والمعرفة معشار ما بلغه من أشار إليهم الشيخ عبد الله بن ~~عبد الرحمن أبو بطين في جوابه الذي ذكرناه قريبا من أن أحدهم لو سئل عن ~~مسألة في الطهارة أو البيع ونحوهما لم يفت بمجرد فهمه واستحسان عقله, بل ~~يبحث عن كلام العلماء ويفتي بما قالوه, # PageV01P080 # فكيف يعتمد في هذا الأمر العظيم الذي هو أعظم أمور الدين وأشدها خطرا على ~~مجرد فهمه واستحسان عقله؟ فما أشبه الليلة بالبارحة في إقدام هؤلاء على ~~الفتوى في مسائل التكفير بمجرد أفهامهم واستحسان عقولهم, ثم أخذ ذلك (1) ~~عنهم وأفتى به من لا يحسن قراءة الفاتحة, فالله المستعان. PageV01P081 # المسألة الرابعة: قول السائل: و ### | ما الإعراض الذي هو ناقض من نواقض الإسلام؟ وما الذي يصدق عليه الإعراض؟ # فالجواب أن نقول: قد ذكرنا الجواب عن هذه المسالة فيما تقدم من ms42 المسائل ~~التي أجبنا عنها أولا فراجعه منها (2) , ولكن نذكر ههنا ما ذكره شيخنا ~~الشيخ عبد اللطيف _رحمه الله تعالى_ لما سئل عن هذه المسألة فقال: # الجواب:"أن أحوال الناس تتفاوت تفاوتا عظيما, وتفاوتهم بحسب درجاتهم في ~~الإيمان إذا كان أصل الإيمان موجودا, والتفريط والترك إنما هو فيما دون ذلك ~~من الواجبات والمستحبات. # وأما إذا عدم الأصل الذي يدخل به في الإسلام وأعرض عن هذا بالكلية, فهذا ~~كفر إعراض فيه قوله تعالى: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والأنس} ~~(لأعراف: من الآية179) الآية. وقوله: {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا} ~~(طه: من الآية124) الآية. PageV01P081 # ولكن عليك أن تعلم أن المدار على معرفة حقيقة الأصل وحقيقة القاعدة وإن ~~اختلف التعبير واللفظ, فإن كثيرا يعرف الأصل والقاعدة ويعبر بغير التعبير ~~المشهور. # وتعزيرهم وتوقيرهم كذلك تحته أنواع أيضا أعظمها رفع شأنهم ونصرتهم على ~~أهل الإسلام ومباينه, وتصويب ما هم عليه, فهذا وجنسه من المكفرات, ودونه ~~مراتب من التوقير بالأمور الجزئية كلياقة الرواة ونحوه". انتهى. # فتبين من كلام الشيخ أن الإنسان لا يكفر إلا بالإعراض عن تعلم الأصل الذي ~~يدخل به الإنسان في الإسلام, لا ترك الواجبات والمستحبات. # PageV01P082 # المسألة الخامسة: قول السائل: و ### | ما معنى التعرب بعد الهجرة الذي هو كبيرة, وهل يطلق الذم على كل من بدا ولو كان نيته الرجوع إلى منزله بالحاضرة؟ # والجواب أن نقول: هذه المسألة قد تقدم الجواب عنها فيما تقدم بما أغنى عن ~~إعادته ههنا, وكذلك قد تقدم الجواب عمن ذهب إلى البادية ومن نيته الرجوع ~~إلى منزله. # PageV01P082 ### | قول السائل وهل يستدل بالحديث"لا يرث كافرا مسلما" على من مات من النازلين من باديتنا اليوم على من لا ينزل منهم؟ # ... # المسألة السادسة: قول السائل: وهل يستدل بالحديث: " لا يرث كافر مسلما " ~~على من مات من النازلين من باديتنا اليوم على من لا ينزل منهم؟ أو من هو مع ~~بادية ولايتهم في يد كافر مثلا, أو من هو بين أظهر المشركين؟ هل يحرم إرثه ~~إذا كان مورثه مات مسلما مع ms43 المسلمين؟ # PageV01P082 # والجواب أن يقال: من مات من المهاجرين النازلين في بلاد المسلمين وله ~~وارث كافر من أهل البادية أو الحاضرة فلا يحل له إرثه لأنه كافر, بنص ~~الحديث, ومن كان وارثه مسلما وكان مسكنه في البادية أو في بلد من بلدان ~~المسلمين, أو كان في بلد كفر أو في بادية ولايتها في يد كافر فلا مانع من ~~إرثه, لأنه مسلم ورث مسلما, والله أعلم. # PageV01P083 ### | هل الهجرة من جميعهم واجبة كوجوبها من بالد الشرك على من لا يقدر إضهار دينه أم مستحبة؟ # ... # وأما المسألة السابعة: وهو قول السائل: بادية نجد شمالا أقصاهم عنزة ومن ~~يليهم من بادية الشمال, وجنوبا إلى من المسئول أعلم بهم (1) : هل الهجرة من ~~جميعهم واجبة كوجوبها من بلاد الشرك على من لا يقدر على إظهار دينه أم ~~مستحبة؟ أم فيهم من هو واجبة عليه الهجرة من بين أظهرهم وآخرين مستحبة؟ # والجواب أن نقول: تجب الهجرة على من كان مقيما بين أظهر الكفار, سواء ~~كانوا حاضرة أو بادية إذا كان لا يقدر على إظهار دينه بينهم, إذا لم يكن من ~~المستضعفين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا. # وأما من كان قادرا على التمكن من إظهار دينه ومع ذلك يأمن على نفسه من ~~الفتنة فالهجرة في حقه مستحبة لا واجبة. ولكن أين من يقدر على ذلك؟ ~~PageV01P083 # وقول السائل: وهل بادية نجد على أصلهم في الكفر, لم يسلموا في دعوة الشيخ ~~_رحمه الله_ ولم يعمهم الإسلام كحاضرة نجد؟ أم هم أسلموا كالحاضرة, فيكون ~~من قام به نوع من أنواع الكفر المجمع عليه يكون كفره ظاهرا, وهل يعمون ~~بالكفر أم لا؟ # فنقول: قد قدمنا الجواب على هذه المسألة مفصلا, وبينا فيه أن أهل نجد ~~كانوا قبل دعوة الشيخ على الكفر, وبينا أن جميع باديتهم وحاضرتهم أسلموا ~~بتلك الدعوة, وعمهم الإسلام بما أغنى عن إعادته ههنا. # وأما من قام به نوع من أنواع الكفر المخرج من الملة فهو مرتد عن الإسلام. ~~فلا يعمهم بالكفر بعد أن أسلموا, ولم يقم بهم ناقض ms44 من نواقض الإسلام, إلا ~~رجل لا يؤمن بالله واليوم الآخر. # PageV01P084 ### | في إقامة الحجة # ... # المسألة الثامنة: قول السائل: وهل من كفر منهم كما ذكرنا يطلق عليه الكفر ~~ولو لم تقم عليه الحجة, قبيلة كانت أو شخصا معينا, وما وجه قيام الحجة؟ هل ~~كل تقوم به أم لا بد من إنسان يحسن إقامتها على من أقامها عليه؟ # والجواب أن نقول: قد ذكر علماء أهل الإسلام من أولاد الشيخ محمد بن عبد ~~الوهاب وغيرهم: أن من مات من أهل الشرك قبل بلوغ هذه الدعوة فالذي يحكم ~~عليه أنه إذا كان معروفا بفعل الشرك ويدين به ومات على ذلك: فهذا ظاهره أنه ~~مات على الكفر, فلا يدعى له ولا يضحى له ولا يتصدق عنه. # PageV01P084 # وأما حقيقة أمره فإلى الله تعالى فإن كان قد قامت عليه الحجة في حياته ~~وعاند فهذا كافر في الظاهر والباطن. وإن كان لم تقم به الحجة فأمره إلى ~~الله تعالى. # وأما سبه ولعنه فلا يجوز سب الأموات مطلقا, كما في "صحيح البخاري" (1) عن ~~عائشة _رضي الله عنها_ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" لا تسبوا ~~الأموات؛ فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا " إلا إن كان أحد من أئمة الكفر وقد ~~اغتر الناس به فلا بأس بسبه إذا كان فيه مصلحة دينية. انتهى. # وأما قول السائل: هل كل تقوم به الحجة أم لا بد من إنسان يحسن إقامتها ~~على من أقامها عليه؟ فالذي يظهر لي _والله أعلم_ أنها لا تقوم الحجة إلا ~~بمن يحسن إقامتها, وأما من لا يحسن إقامتها: كالجاهل الذي لا يعرف أحكام ~~دينه, ولا ما ذكره العلماء في ذلك, فإنه لا تقوم به الحجة فيما أعلم, والله ~~أعلم. # وأما قول السائل: في الحديث الذي ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:" ~~والذي نفسي بيده ما سمع بي من هذه الأمة يهودي أو نصراني " إلى آخر الحديث ~~(2) . # فأقول: الأمة المذكورة في الحديث هم أمة الدعوة, سواء كانوا يهودا أو ~~نصراني أو عربا أو غيرهم من سائر ms45 الأعاجم, فمن بلغته دعوة الرسول صلى الله ~~عليه وسلم PageV01P085 # منهم فلم يؤمن به أي لم يصدقه ويتابعه على دينه فيما بلغه من الدين الذي ~~جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل النار, والله أعلم. # PageV01P086 ### | في رجلين تحاورا فب مقصد الإمام والمشايخ بمنع "الإخوان" من الدعوة # ... # المسألة التاسعة: قول السائل: إن رجلين سأل أحدهما الآخر قال: ما مرام ~~الإمام (1) والمشايخ باستدعاء الإخوان تهددهم ومنعهم من دعوة البادية ~~والأخذ عليهم من دخول بلاد النازلين منهم حتى حصل بسبب ذلك تجسر على مشايخ ~~المسلمين بالسب والثلب وإساءة الظن وقلة الانتفاع بفوائدهم ونصائحهم, وربما ~~توصلوا إلى ولي الأمر بأقوال (2) لا تروج على عاقل, ولكن يغتر بها كل مغرور ~~جاهل, ويأنس بها كل منافق بلاؤه في قلبه داخل. # كقول بعضهم: ما فعل المشايخ ذلك إلا حسدا منهم للإخوان في دعوتهم. # وكقولهم: إن المشايخ داهنوا في دين الله, والإخوان أمروا وأنكروا. # وكقولهم: الإخوان علمونا ملة إبراهيم وبينوها, والمشايخ كتموها ودفنوها. # وكقولهم: ما أطاع الإمام المشايخ فيها إلا لسكوتهم عند المآكل والأغراض. ~~PageV01P086 # وكقولهم: المشايخ يرخصون ويبيحون السفر إلى بلاد المشركين, ويسلمون على ~~المسافرين (1) . # ويقولون (2) : ساكن البادية والنازل منها إلى الحاضرة سواء. # ويقولون: لابس العمامة ولابس العقال سواء. # ويقولون: بروا في آبائكم وأقاربكم الذين ماتوا واسكتوا وكفوا عنهم إلى ~~غير ذلك. # ومما يتقاولونه بينهم: ما فعل المشايخ بهم ذلك إلا أنهم مكفرون لهم (3) . # فأجابه الآخر بجواب مجمل, لا يفي بالمقصود, ولكنه أجاب بما هو الحق ~~والصواب في نفس الأمر. # ونحن نجيب على ما قاله هؤلاء المعترضون, ونبين ما في كلامهم من الكذب ~~والزور والبهتان, وما فيه من الحق الذي قاله المشايخ والإخوان بالتفصيل _إن ~~شاء الله تعالى_. # فنقول: قد كان من المعلوم عند الخاصة والعامة أن الذي منع هؤلاء من ~~الذهاب إلى هذه الأماكن المذكورة في السؤال هو الإمام _أعزه الله بطاعته ~~وأحاطه بحياطته_ لأمرين: PageV01P087 # أحدها: أنهم افتاتوا على منصب الإمامة, فذهبوا إلى البادية من رعيته ومن ~~تحت يده وفي ولايته من غير إذن منه ولا ms46 أمر لهم بذلك. # وقد كان من المعلوم أن الإمام هو الذي يبعث العمال والدعاة إلى دين الله. # الثاني: ما بلغه عنهم من الغلو والمجازفة والتجاوز للحد في المأمورات ~~والمنهيات, وإحداثهم في دين الله ما لم يشرعه الله ولا رسوله, فمن ذلك: # أنهم كفروا البادية بالعموم, وزعموا أنهم على الحالة التي كانوا عليها ~~قبل دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب _رحمه الله تعالى_ وأنهم لم يسلموا ولم ~~يدخلوا في هذا الدين, ويستدلون على ذلك بما ذكره الشيخ _رحمه الله_ في ~~الموضع السادس الذي نقله من"السيرة" وبما ذكره في رسالته إلى الشريف من ~~تكفيره البادية الذين كانوا في وقته, وأنه ليس معهم من الإسلام شيء. # ومنها أن من دين ودخل في الدين من الأعراب لا يصح لهم إسلام حتى يهاجروا. # ومنها أنهم يلزمون من دخل في هذا الدين أن يلبس عصابة على رأسه, ويسمونها ~~العمامة, وأنها هي السنة, فمن لبسها كان من الإخوان الداخلين في الدين, ومن ~~لم يلبسها فليس من الإخوان, وأنها شعار وزي يتميز به المسلم عن الكافر. وقد ~~أجبنا عن هذا كله فيما تقدم. # ومنها أنهم لا يسلمون إلا على من يعرفون وتميز بالعمامة, وهم مع # PageV01P088 # ذلك يزعمون أنهم هم الذين على السنة, وأن المشايخ يميتون السنن, وهم ~~يخالفون ما سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في السلام بالأمر بالسلام على ~~من عرف ومن لم يعرف. # قال البخاري _رحمه الله_ في"الأدب المفرد" (1) : باب التسليم بالمعرفة ~~وغيرها. حدثنا قتيبة, قال حدثنا الليث, عن يزيد بن حبيب, عن أبي الخير, عن ~~عبد الله بن عمرو؛ أن رجلا قال: يا رسول الله أي الإسلام خير؟ قال:" تطعم ~~الطعام, وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف " وفيه (2) أن الطفيل بن أبي ~~بن كعب أخبره أنه كان يأتي عبد الله بن عمر فيغدوا معه إلى السوق, قال: ~~فإذا غدونا إلى السوق لم يمر عبد الله ابن عمر على سقاط ولا صاحب بيعة ولا ~~مسكين ولا أحد إلا يسلم عليه. # قال الطفيل: فجئت ms47 عبد الله بن عمر يوما فاستتبعني إلى السوق. قلت: ما ~~تصنع بالسوق, وأنت لا تقف على البيع, ولا تسأل عن السلع, ولا تسوم بها, ولا ~~تجلس في مجالس السوق؟ فاجلس بنا ههنا نتحدث. # فقال لي عبد الله: يا أبا بطن _وكان الطفيل ذا بطن_ إنما نغدوا لأجل سلام ~~من لقينا. # فرسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" اقرأ السلام على من عرفت ومن لم ~~تعرف ", وابن عمر _رضي الله عنه_ يقول:"إنما نغدوا من أجل السلام على من ~~لقينا". PageV01P089 # ومنها أنهم لا يدعون أحدا صلى معهم صلاة الصبح أن يخرج من المسجد إلا بعد ~~طلوع الشمس, وهذا لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا فعله ~~أصحابه بعده. # ومنها أنهم أدخلوا في الدين ما ليس منه, فزعموا أن تدوينه (1) البدو ~~للإبل عند ورودها وصدودها بدعة. # ومن المعلوم أن البدع لا تكون إلا في القربات الشرعية, وتدويه الأعراب ~~لإبلهم من العادات الطبعية, فزعموا أن هذه العادات من العبادات. # وقد بلغني أن رجلا من هؤلاء المتعمقين, يقال له: عبد الله بن دامغ؛ أنه ~~يقول: من لبس العمامة ثم تركها ارتد عن الإسلام. # وبلغني _أيضا_ عن رجل من أعيانهم؛ أنه كتب إلى بعض الأعراب ينهاهم عن ~~مباشرة النساء في فروشهن في الحيض, لأن ذلك ذريعة إلى جماعهن في الحيض _ويل ~~أمه_ أما علم أن ذلك قد ثبت في الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم من فعله وأمره. # ومن هؤلاء من تجاوز الحد في التأديب عند فوات بعض الصلاة, فضربوا رجلا ~~منهم حتى مات. PageV01P090 # وثبت عندنا عن بعضهم أنه فسر قوله صلى الله عليه وسلم:" اللهم إني أعوذ ~~بك من الحور بعد الكور " (1) فزعم أن الكور هي العمامة, وأن الرسول استعاذ ~~بالله من تركها بعد لبسها. # وثبت عن رجل آخر منهم أنه (2) يقول لما انقطعت ناقته, وأعيت من الهزال, ~~فنحرها أهلها,. فقال: إنها حرام, لا تأكلوها. واستدل بقول الله تعالى: ~~{والموقوذة والمتردية} (المائدة: من الآية3) فحمل القرآن على لغته الفاسدة. ms48 ~~إلى غير ذلك من الأمور التي أحدثوها مما لا يمكن عده ولا اسقصاؤه. # فلما اشتهر هذا عنهم, وهذا الغلو والتجاوز للحد؛ خاف الإمام أن يسيروا ~~بسيرة الخوارج, فيمرقون في الدين بعد أن دخلوا فيه, كما مرق منه من غلا في ~~الدين وتجاوز الحد ممن كانوا من أعبد الناس وأزهدهم وأكثر تهليلا, حتى أن ~~الصحابة يحقرون أنفسهم عندهم, وهم تعلموا العلم من الصحابة. PageV01P091 # فهذا هو المرام الذي أوجب للإمام منع (1) هؤلاء الجهلة عن دخول بلاد ~~النازلين. # وأما المشايخ فلم يمنعوا أحدا من هؤلاء من الدعوة إلى الله, بل هذا من ~~الكذب والعدوان, والزور والبهتان, وإن كانوا قد استحسنوا ما فعله الإمام ~~واستصوبوه ورأوا أنه الحق والصواب الذي لا شك فيه ولا ارتياب. # ثم إن الإمام _أعزه الله بطاعته_ اقتضى رأيه بعد مشاورة الشيخ عبد الله ~~بن عبد اللطيف أن يبعث دعاة إلى كل بلد من هذه البلدان, فبعث إليهم دعاة ~~معلمين من أهل المعرفة يعلمونهم أصل دينهم وأحكام صلاتهم, ويخبرونهم بما ~~وجب عليهم من حق الله تعالى في الإسلام, وبعث _أيضا_ إلى كل قبيلة من ~~الأعراب الذين هم في ولايته دعاة معلمين يصلون بهم, ويعلمونهم أصل دينهم. # وهذا من كمال نصحه وشفقته برعيته فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين أحسن ~~الجزاء. # وأما سبهم المشايخ وثلبهم إياهم وإساءة الظن بهم, وكذلك ما نسبوه إلى ولي ~~الأمر من الأقوال التي تروج على عاقل, ويغتر بها كل مغرور جاهل. # فهذا كله مما (2) يرفع الله به درجة الإمام والمشايخ, وحسابهم على الله, ~~وسيجازيهم بما جازى (3) به المفترين, لأن الإمام والمشايخ لم PageV01P092 # يمنعوهم إلا خوفا على من دخل في هذا الدين أن يسلكوا مسلك الخوارج, الذين ~~مرقوا من دين الإسلام, وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. # وأما قول بعضهم: ما فعل المشايخ ذلك إلا حسدا منهم للإخوان في دعوتهم: # فنقول: وهذا أيضا من نمط ما قبله من الكذب والزور والبهتان. وقد أعاذ ~~الله المشايخ من هذه الظنون الكاذبة الخاسرة, والأماني الخاطئة الفاجرة, ~~التي لا يظنها إلا رجل مغموص ms49 بالنفاق, أو مدخول في قلبه مشغوف بالشقاق, ~~متخلق بمساوئ الأخلاق. # وهل يدور في عقل عاقل أن المشايخ يحسدونهم على ما أحدثوه من البدع والغلو ~~والمجازفة والتجاوز للحد, وكونهم شرعوا في دين الله ما لم يأذن به الله؟ ~~كما هو معلوم مشهور عنهم, لا يجحده إلا مكابر في الحسيات, مباهت في ~~الضروريات, كما قيل: # نجازي بني سعد بسوء فعلنا # جزاء سنمار وما كان ذا ذنب # وأما قولهم: إن المشايخ داهنوا في دين الله, والإخوان أمروا وأنكروا. ~~فنقول: # ما أشبه الليلة بالبارحة, فلا جرم قد قالها الذين من قبلهم, لما نهاهم ~~أهل الحق عن الغلو في الدين, قالوا لمن نهاهم (1) : يا أعداء الله ~~PageV01P093 # قد داهنتم في الدين. وهم يزعمون أنهم ما فعلوا ذلك إلا من أجل أنهم ~~يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر, تشابهت قلوبهم. # وأما قولهم: الإخوان علمونا ملة إبراهيم وبينوها, والمشايخ كتموها ~~ودفنوها. # فنقول: أما قولهم: إن الإخوان علمونا ملة إبراهيم, فإن كان حقا فسيجازيهم ~~الله على ذلك, والله عند لسان كل قائل وقلبه, وهو المطلع على نيته وكسبه, ~~لكنهم مع ذلك قد سلكوا بهم مسالك أهل البدع, وتجاوزوا بهم الحد في الأقوال ~~والأفعال, وشرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله, كما قد ذكرنا منه نزرا ~~قليلا مما هو معلوم مشهور عنهم, فإن كان هذا هو ملة إبراهيم فقد أعظموا ~~الفرية على الله, وعلى ملة إبراهيم, وكان الحق والواجب الذي أوجبه الله على ~~المشايخ وعلى غيرهم أن يدفنوا هذه المفتريات والأحداث الكاذبة الخاطئة. # وإن كانوا أرادوا أن المشايخ لا يأمرون بعبادة الله وحده لا شريك له, ولا ~~ينهون عن الشرك, ولا يكفرون من كفر الله ورسوله, أو لا يكفرون من شك في ~~كفرهم, ولا يحبون في الله, ولا يعادون في الله, ولا يبغضون في الله, ولا ~~يوالون فيه, ولا يأمرون بالمعروف, ولا ينهون عن المنكر, وأنهم دفنوا هذا ~~كله, فمن زعم أن هذه طريقة المشايخ وسيرتهم, فقد بهتهم وافترى عليهم, ومن ~~افترى عليهم هذا الكذب, فعليه لعنة الله والملائكة ms50 والناس أجمعين, لا يقبل ~~الله منه صرفا ولا عدلا, وفضحه على رؤوس الأشهاد {يوم لا ينفع الظالمين ~~معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار} (غافر:52) . # PageV01P094 # لأن المشايخ _ولله الحمد والمنة_ قد بذلوا الجد والاجتهاد في نشر ملة ~~إبراهيم وتعليمها, والقراءة في أصول الدين: كمثل كتاب "التوحيد", و"كشف ~~الشبهات", و"ثلاثة الأصول" وجميع ما اشتملت عليه "مجموعة التوحيد" من رسائل ~~الشيخ محمد بن عبد الوهاب, وكتب الحديث والفقه, ويقررونها ويعلمون طلبة ~~العلم معانيها, ويفقهونهم في الدين وفي ملة إبراهيم, وعندهم من طلبة العلم ~~في هذا الزمان أكثر من مائة رجل كلهم يقرؤون في هذه الكتب المذكورة, كما هو ~~معلوم مشهور, ولا ينكره إلا مكابر, فكيف يمكنهم مع هذا أنهم دفنوا ملة ~~إبراهيم, وكيف يتصور وقوع هذا عاقل أو عارف أو مجنون؟ ولا يصغي إلى قول ~~هؤلاء الأغبياء إلا رجل مريض القلب, قد داخله نوع من الحقد والحسد, وأما ~~سليم القلب فيقول عند سماع هذه المفتريات: {ما يكون لنا أن نتكلم بهذا ~~سبحانك هذا بهتان عظيم} (النور: من الآية16) . # ومع هذا كله رتب الإمام والمشايخ أناسا من أهل الحسبة يأمرون بالمعروف ~~وينهون عن المنكر, ورتبوا في كل بلد من بلدان المسلمين _ولله الحمد والمنة_ ~~من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. فمتى دفنوا ملة إبراهيم؟ لو أنهم ~~يعلمون, كما قيل: # سلي إن جهلت الناس عنا وعنهموا # فليس سواء عالم وجهول # ثم إني _ولله الحمد والمنة_ كتبت في ذلك ما شاء الله أن أكتب نثرا ونظما, ~~وسأذكر من ذلك شيئا قليلا, ليعلم الجاهل بحالنا وما كنا # PageV01P095 # عليه نحن ومشايخنا, وأنا لم ندفن ملة إبراهيم, ولم نداهن في نشرها ~~وإظهارها أحدا _ولله المنة في ذلك_ فمن ذلك ما قلته من النظم في أبيات: # فيا أيها الأخ الأكيد إخاؤه # تمسك بأصل الدين سامي الشعائر # وكن باذلا للجد في طلب الهدى # من العلم إن العلم خير الذخائر # وبالعلم ينجو المرء من شرك الردى # ويسمق بالتقوى لشأو المفاخر # ويرسب في قعر الحضيض مجانب # لأسبابه اللاتي سمت بالأطاهر # وما العلم إلا ms51 الاتباع وضده # فذاك ابتداع من عضال الكبائر # وتقديمه شرط وقد قيل إنه # لثالث أركان لتوحيد قاهر # وتقديم آراء الرجال وخرصها # عليه ضلال موبق في النهابر # وملة إبراهيم فاسلك سبيلها # فمهيعها المنجي لأهل البصائر # PageV01P096 # هي العروة الوثقى فكن متمسكا # بجذر عراها عن جهول مقامر # ما الدين إلا الحب والبغض والولا # كذاك البرا من كل طاغ وكافر # ومن ذلك_أيضا_ ما قلته ونحن إذ ذاك في ولاية آل رشيد, لما منعونا من ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وألا نتكلم في شيء من أمور الدين: # على الدين فليبك ذوو العلم والهدى # فقد طمست أعلامه في العوالم # ‍وقد صار إقبال الورى واحتيالهم # على هذه الدنيا وجمع الدراهم # وإصلاح دنياهم بإفساد دينهم # وتحصيل ملذوذاتهم والمطاعم # يعادون فيها بل يوالون أهلها # سواء لديهم ذو التقى والجرائم # إذا انتقص الإنسان منها بما عسى # يكون له ذخرا أتى بالعظائم # وأبدى أعاجيبا من الحزن والأسى # على قلة الأنصار من كل حازم # PageV01P097 # وناح عليها آسفا متظلما # وباح بما في صدره غير كاتم # فأما على الدين الحنيفي والهدى # وملة إبراهيم ذات الدعائم # فليس عليها بعد أن ثل عرشها # من الناس من باك وآس ونادم # وقد درست منها المعالم بل عفت # ولم يبق إلا الاسم بين العوالم # فلا آمر بالعرف يعرف بيننا # ولا زاجر عن معضلات الجرائم # وملة إبراهيم غودر نهجها # عفاء فأضحت طامسات المعالم # وقد عدمت فينا وكيف قد سفت # عليها السوافي في جميع الأقالم # وما الدين إلا الحب والبغض والولا # كذاك البرا من كل غاو وآثم # وليس لها من سالك متمسك # بدين النبي الأبطحي ابن هاشم # فلسنا نرى ما حل بالدين وانمحت # به الملة السمحاء إحدى القواصم # PageV01P098 # فنأسى على التقصير منا ونلتجي # إلى الله في محو الذنوب العظائم # ‍فنشكو إلى الله القلوب التي قست # وران عليها كسب تلك المآثم # ‍ألسنا إذا ما جاءنا متضمخ # بأوضار أهل الشرك من كل ظالم # ‍نهش إليهم بالتحية والثنا # ونهرع في إكرامهم بالولائم # ‍وقد برئ المعصوم من كل مسلم # يقيم بدار الكفر غير مصارم # ‍ولا مظهر ms52 للدين بين ذوي الردى # فهل كان منا هجر أهل الجرائم # ‍ولكنما العقل المعيشي عندنا # مسالمة العاصين من كل آثم # ‍فيا محنة الإسلام من كل جاهل # ويا قلة الأنصار من كل عالم # ‍وهذا أوان الصبر إن كنت حازما # على الدين فاصبر صبر أهل العزائم # ‍فمن يتمسك بالحنيفية التي # أتتنا عن المعصوم صفوة آدم # PageV01P099 # له أجر خمسين امرىء من ذوي الهدى # من الصحب أصحاب النبي الأكارم # فنح وابك واستنصر بربك راغبا # إليه فإن الله أرحم راحم # لينصر هذا الدين بعد ما عفت # معالمه في الأرض بين العوالم # وصل على المعصوم والآل كلهم # وأصحابه أهل التقى والمكارم # بعد وميض البرق والرمل والحصا # وما انهل ودق من خلال الغمائم # وأما قولهم: ما أطاع الإمام المشائخ إلا لسكوتهم عنه للمآكل والأغراض. # فنقول: وهذا أيضا من جنس ما قبله من الطعن على الإمام وعلى المشايخ ~~بالزور والبهتان, والظلم والعدوان, وظن السوء, وقد ذم الله هذا في كتابه ~~وعلى لسان رسوله, قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن ~~إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم ~~أخيه ميتا فكرهتموه} (الحجرات: من الآية12) الآية. وقال تعالى: {والذين ~~يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا} ~~(الأحزاب:58) , وعن ابن عمر _رضي الله عنهما_ مرفوعا: " من قال في أخيه ما ~~ليس فيه أسكنه الله ردغة الخبال, حتى يخرج مما قال " قيل: يا رسول الله # PageV01P100 # وما ردغة الخبال؟ قال:" عصارة أهل النار " رواه أبو داود بسنده (1) . # ولمسلم عن أبي هريرة _رضي الله تعالى عنه_ مرفوعا: " أتدرون ما الغيبة؟ " ~~قالوا: الله ورسوله أعلم, قال:" ذكرك أخاك بما يكره " قيل: أفرأيت إن كان ~~في أخي ما أقول؟ قال:" إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته, وإن لم يكن فيه ما ~~تقول فقد بهته " (2) . # فإذا تحققت هذا فيما قاله هؤلاء في الإمام وفي المشايخ إن كان حقا وصدقا ~~فقد اغتابوهم, وإن لم يكن حقا ولا صدقا فقد بهتوهم, وحسبنا الله ونعم ms53 ~~الوكيل. # وأما قولهم: والمشايخ يرخصون ويبيحون السفر إلى بلاد المشركين. # فالجواب: أن نقول: قد كان من المعلوم عند الخاصة والعامة أن هذا من أعظم ~~الكذب والفرية على مشايخ المسلمين, أنهم يبيحون السفر إلى بلاد المشركين, ~~ومن نقل هذا (3) عنهم فقد أعظم الفرية عليهم. # فإن كان مراد هؤلاء الذين شبهوا على عوام المسلمين بهذه الشبهات أن السفر ~~إلى بلد الأحساء بعد أن أخرج الإمام الدولة الكفار منها مباح, فهذا لا شك ~~فيه, لأنها صارت دار إسلام, بعد أن كانت دار كفر, لجريان أحكام أهل الإسلام ~~على أهلها, والغلبة والظهور فيها لأهل PageV01P101 # الإسلام على من كان فيها ممن ظاهر أهل الكفر من الروافض وغيرهم, كما نص ~~على ذلك العلماء قديما وحديثا. # وإن كان مرادهم أن السفر إلى بلد الأحساء وإلى بلد الكويت (1) مثلا مباح ~~حال ولاية الكفار عليها, وأن المشايخ إذ ذاك يبيحون السفر إليها, فقد كان ~~من المعلوم أن المشايخ من أعظم الناس تحريما لهذا السفر, وأن ذلك عندهم من ~~أكبر الكبائر, ولا يبيحون السفر إليها, إلا (2) لمن كان قادرا على إظهار ~~دينه مع عدم الانبساط إليهم والتلطف لهم. وإظهار الدين عندهم هو التصريح ~~لأعداء الله بالكفر ومبادأتهم بالعداوة والبغضاء, كما قال الله تعالى: {قد ~~كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ~~ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء ~~أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده} (الممتحنة: من الآية4) . # ثم إنه قد كان من المعلوم عند جميع المسلمين ما جرى بيننا وبين أعدائنا ~~ممن خالفنا, وأباح السفر إلى بلاد المشركين من أهل القصيم: كمثل عبد الله ~~بن عمرو وابن (3) جاسر وأتباعهم في حال ولاية آل رشيد من المخاصمات ~~والمحاورات, ورد الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف عليهم لما كبروا في ذلك ~~برسالة مشهورة بين فيها ضلالهم, وأدحض حججهم, PageV01P102 # فأجابه ابن عمرو عليها بجواب لا يقوله من يؤمن بالله واليوم الآخر, ويعلم ~~أنه موقوف بين يديه مسئول عنه, فأجبته على ذلك بنحو ms54 من خمسة عشر كراسا, ~~وجواب آخر قدر تسعة كراريس, وأجابهم الشيخ إسحق ابن الشيخ عبد الرحمن بن ~~حسن على مسائل أوردها عليه في هذا المعنى بنحو من ثلاثة كراريس. # فمتى أباح المشايخ السفر إلى بلاد المشركين والحالة هذه وقد كان تحريمه ~~عنهم أشهر من نار على علم؟ # وهؤلاء الذين طعنوا على المشايخ بهذه الأكاذيب يعلمون ذلك ولا ينكرونه, ~~ولكن "لهوى النفوس سريرة لا تعلم" ولولا عمى عين الهوى عن الهدى ولبس الحق ~~بالباطل وإرادة الجاه والشرف والترأس على الناس لما لبسوا على عوام الناس ~~وخفافيش البصائر الذين لا معرفة لهم بمدارك الأحكام, وليس لهم نور يمشون به ~~في غياهب الظلام. # وأما المشايخ _ولله الحمد والمنة_ فقد ساروا على منهاج سلفهم الصالح من ~~علماء المسلمين, وسلكوا على طريقتهم في هذه المباحث. # فمن ذلك ما أفتى به الشيخ سليمان بن عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد ~~الوهاب لما سئل عن السفر إلى بلاد المشركين. # قال السائل: هل يجوز للمسلم أن يسافر إلى بلد الكفار الحربية لأجل ~~التجارة أم لا؟ # فأجاب: الحمد لله, إن كان يقدر على إظهار دينه ولا يوالي المشركين جاز له ~~ذلك, فقد سافر بعض الصحابة _رضي الله عنهم_ كأبي # PageV01P103 # بكر _رضي الله عنه_ وغيره من الصحابة إلى بلدان المشركين, لأجل التجارة, ~~ولم ينكر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم كما رواه أحمد في"مسنده" وغيره. # وإن كان لا يقدر على إظهار دينه ولا على عدم موالاتهم لم يجز له السفر ~~إلى ديارهم, كما نص على ذلك العلماء, وعليه تحمل الأحاديث التي تدل على ~~النهي عن ذلك. # ولأن الله تعالى أوجب على الإنسان العمل بالتوحيد, وفرض عليه عداوة ~~المشركين, فما كان ذريعة وسببا إلى إسقاط ذلك لم يجز. # وأيضا قد يجره إلى موافقتهم وإرضائهم, كما هو الواقع كثيرا ممن يسافر إلى ~~بلدان المشركين من فساق المسلمين, نعوذ بالله من ذلك. # المسألة الثانية: هل يجوز للإنسان أن يجلس في بلد الكفار, وشعائر الكفر ~~ظاهرة لأجل التجارة؟ # الجواب عن هذه المسألة: هو ms55 الجواب عن التي قبلها سواء, ولا فرق في ذلك ~~بين دار الحرب أو دار الصلح, فكل بلد لا يقدر المسلم على إظهار دينه فيها ~~لا يجوز له السفر إليها. انتهى. # ثم لما كان في هذا الزمان إقبال من البادية على الدخول في هذا الدين وسكن ~~كثير منهم في بلدان المسلمين ووفدوا على الإمام في بلد الرياض, سأل كثير ~~منهم المشايخ عن السفر إلى بلد الكويت فأجابوهم بما أفتى به سلفهم الصالح, ~~مما تقدم بيانه قريبا, فمتى أباحوا السفر إلى بلاد المشركين, ومن نقل ذلك ~~عنهم ممن يوثق بنقله؟ والله المستعان. # PageV01P104 # وأما قولهم: ويسلمون على المسافرين: فنقول: اعلم يا أخي أنا قد بينا فيما ~~تقدم براءة المشايخ مما نسبه عنهم هؤلاء المفترون من إباحة السفر إلى بلاد ~~المشركين. # وأما السلام على المسافرين فقد بينا في مسألة الهجر, أن ذلك من باب ~~التأديب والتعزير لأهل الذنوب والمعاصي, وأن ذلك مشروع إذا كان فيه مصلحة ~~راجحة على مفسدته, وأما إذا كانت مفسدته أرجح من مصلحته فليس بمشروع. كما ~~قال شيخ الإسلام ابن تيمية _قدس الله روحه_: # "وهذا الهجر يختلف باختلاف المهاجرين في قوتهم وضعفهم وقلتهم وكثرتهم, ~~فإن المقصود زجر المهجور وتأديبه ورجوع العامة عن مثل حاله, فإن كانت ~~المصلحة في ذلك راجحة بحيث يفضي هجره إلى ضعف الشر وخفيته (1) (كان مشروعا) ~~(2) , وإن كان لا المهجور ولا غيره يرتدع بذلك بل يزيد الشر, والهاجر ضعيف ~~بحيث تكون مفسدة ذلك راجحة على مصلحته لم يشرع الهجر, بل يكون التأليف لبعض ~~الناس أنفع (من الهجر) , والهجر لبعض الناس انفع من التأليف, ولهذا كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يتألف أقواما ويهجر آخرين. وقد يكون المؤلفة ~~قلوبهم أشر حالا في الدين من المهجورين, كما أن الثلاثة الذين خلفوا كانوا ~~خيرا من أكثر المؤلفة قلوبهم, لكن أولئك كانوا سادة مطاعين في عشائرهم, ~~PageV01P105 # فكانت المصلحة الدينية في تأليف قلوبهم, وهؤلاء كانوا مؤمنين, والمؤمنون ~~سواهم كثيرون. فكان في هجرهم عز الدين وتطهيرهم من ذنوبهم ... إلى آخر ~~كلامه. # فإذا تحققت هذا ms56 فقد هجر المشايخ المسافرين إلى بلاد المشركين مدة طويلة, ~~فلما لم ينجع فيهم الهجر, ولم ينزجروا عن السفر, رأوا أن درأ المفسدة التي ~~تفضي إلى المقاطعة والمدابرة والتباغض والتحاسد والشحناء أرجح من مصلحة ~~الهجر, كما في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا تقاطعوا, ولا ~~تدابروا, ولا تباغضوا, ولا تحاسدوا, وكونوا عباد الله إخوانا " (1) . # وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي في "السنن": " ألا أنبئكم بأفضل ~~من درجة الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ " ~~قالوا: بلى يا رسول الله. قال:" إصلاح ذات البين, فإن فساد ذات البين هي ~~الحالقة, لا أقول: تحلق الشعر, ولكن تحلق الدين " (2) . PageV01P106 # وقال في الحديث الصحيح:"مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد ~~الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر" (1) . انتهى. # فإذا فهمت هذا فاعلم أن للمسلم على المسلم حقوقا في الإسلام, يجب ~~مراعاتها, وله من الذنوب والمعاصي ما يوجب بغضه ومعاداته عليها, فيحب ~~ويوالي ويكرم من وجه, ويبغض ويعادي ويهان من وجه آخر. فإذا اجتمع في الرجل ~~الواحد خير وشر, وبر وفجور, وطاعة ومعصية, وسنة وبدعة, استحق من الموالاة ~~والثواب بقدر ما فيه من الخير, واستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من ~~الشر, فيجتمع في الرجل الواحد موجبا الإكرام والإهانة, فيجتمع له من هذا ~~وهذا, كاللص الفقير تقطع يده لسرقته, ويعطي ما يكفيه من بيت المال لحاجته. # هذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة, وخالفهم الخوارج ~~والمعتزلة ومن وافقهم عليه فلم يجعلوا الناس إلا مستحقا للثواب فقط, أو ~~مستحقا للعقاب فقط. وأهل السنة يقولون: "إن الله يعذب بالنار من أهل ~~الكبائر من يعذبه, ثم يخرجهم منها بشفاعة من يأذن له في الشفاعة بفضله ~~ورحمته, كما استفاضت بذلك السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم كما قرر ذلك ~~شيخ الإسلام في مسألة الهجر. PageV01P107 # فلما عاملنا المسافرين بهذه المعاملة, أخذنا بقول أئمة الإسلام, أنكر ~~هؤلاء الجهال علينا ذلك وطعنوا به, ورأوا أن ذلك من أعظم المنكرات. ms57 # ومراد هؤلاء ومرامهم منا أن نسير في المسلمين بسيرة الخوارج والمعتزلة ~~ومن وافقهم, فنأخذ بالشدة والتضييق والحرج على الأمة, وأن لا نرى للمسلم ~~على المسلم حقوقا في الإسلام, وأن نترك ما اتفق عليه أهل السنة والجماعة, ~~فلا نجعل الناس إلا مستحقا للثواب فقط أو مستحقا للعقاب فقط. # ونحن نبرأ إلى الله من هذا المذهب, ونعوذ بالله من الحور بعد الكور, ومن ~~الضلالة بعد الهدى. # والدليل من السنة على أن درأ المفاسد مقدم على جلب المصالح: حديث أبي ~~هريرة المتفق عليه عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لقد هممت أن آمر ~~بالصلاة فتقام, ثم آمر رجلا يصلي بالناس, ثم أنطلق إلى قوم لا يشهدون ~~الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار " فهم بتحريق من لم يشهد الصلاة. # في "المسند" وغيره:" لولا ما في البيوت من النساء والذرية لأمرت أن تقام ~~الصلاة " الحديث (1) . # فبين صلى الله عليه وسلم أنه هم بتحريق البيوت على من لم يشهد الصلاة, ~~وبين أنه إنما منعه من ذلك من فيها من النساء والذرية, فإنهم لا يجب عليهم ~~PageV01P108 # شهود الصلاة, وفي تحريق البيوت قتل ما لا يجوز قتله, كما ذكر ذلك شيخ ~~الإسلام ابن تيمية _قدس الله روحه_. # وكذلك لما استأذنه بعض الصحابة في قتل المنافقين, قال: " لا يتحدث الناس ~~أن محمدا يقتل أصحابه " (1) وكذلك لما استؤذن في قتل رجل آخر منهم قال: " ~~إذا ترعد له أنوف كثيرة بيثرب " إلى غير ذلك من الأحاديث التي قدم فيها درء ~~المفاسد على جلب المصالح, كما قرر ذلك علماء أهل السنة والجماعة, والله ~~أعلم. # وأما قول السائل: ويقولون ساكن البادية والنازل منها إلى الحاضرة سواء, ~~فنقول: # وهذا أيضا من الكذب على المشايخ, فإنه لم يقل أحد منهم أن من أسلم من ~~البادية ودخل في هذا الدين ولم يهاجر, كمن هاجر منهم وترك جميع ما كان عليه ~~من أمور الجاهلية وسكن مع الحاضرة: أنهم سواء, بل هذا من أعظم الكذب ~~والافتراء. وقد بينا فضل من هاجر على من لم يهاجر فيما تقدم بما ms58 أغنى عن ~~إعادته هنا. # وإنما قال المشايخ لمن سألهم منهم عن حكم من أسلم وتبين له الدين وكان ~~متمكنا من إقامة دينه وإظهاره بين من لم يسلم من الأعراب الساكنين في ~~البادية: أن الهجرة لا تجب عليه, بل هي مستحبة في حقه, PageV01P109 # لأنه لا واجب إلا من أوجبه الله ورسوله, ولا حرام إلا ما حرما الله ~~ورسوله, ولا حلال إلا ما أحله الله ورسوله. وقد أوضحنا هذا مفصلا فيما ~~تقدم. والله أعلم. # وأما قول السائل: ويقولون: بروا في آبائكم وأقاربكم الذين ماتوا, واسكتوا ~~وكفوا عنهم. # فالجواب: أن نقول: إن كان مراد هؤلاء الذين يطعنون على المشايخ المسلمين ~~تارة بالظلم, وتارة بالعدوان والزور والبهتان, وتارة بالجهل وعدم العلم بما ~~كان عليه سلف الأمة وأئمتها وعلماء المسلمين, الذين ساروا على منهاج أهل ~~السنة والجماعة: أن المشايخ يقولون: بروا في آبائكم وأقاربكم الذين ماتوا ~~على الكفر بالله والإشراك به. فهذا كذب على المشايخ, ولم يقل ذلك أحد منهم. # وإن كان مرادهم بآبائهم وأقاربهم الذين ماتوا وظاهرهم الإسلام ولم نذر ما ~~ماتوا؟ فهذا القول من هؤلاء الجهلة قد قاله قبلهم من بهت شيخ الإسلام محمد ~~بن عبد الوهاب _قدس الله روحه_ بأنه ينهى أتباعه عن الاستغفار والتضحية لمن ~~ماتوا من آبائهم وأقاربهم ولم يدركوا دعوته, كما ذكر ذلك عثمان بن منصور في ~~المطاعن التي طعن بها على الشيخ محمد بن عبد الوهاب حيث قال:"والويل كل ~~الويل لمن استغفر من أتباعه لوالديه, أو ضحى لهم" فأجابه شيخنا الشيخ عبد ~~اللطيف _رحمه الله_ بقوله:"فهذه القولة الضالة كأخواتها السابقة, فيها من ~~نقض عهده الذي # PageV01P110 # جعله على نفسه, وفيها من البهت والكذب وطلب العنت للبراء ما يقضي بفسوق ~~القائل. فنعوذ بالله من استحكام الهوى, والضلال بعد الهدى, فمن قال في مؤمن ~~ما ليس فيه حبس في ردغة الخبال حتى يخرج مما قال. # ولا نعلم أن أحدا من أهل العلم والدين نهى عن الاستغفار والتضحية إلا إذا ~~استبان أن الشخص الذي يستغفر له من أصحاب الجحيم, بأن مات يدعو ms59 لله ندا, ~~وهذا نص القرآن, قال تعالى: {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا ~~للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم} ~~(التوبة:113) . # هذا مذهب الشيخ وأهل العلم من أتباعه. وأما التخليط والحكم بالظن (1) ~~والهذيان, فذاك من طوائف الشيطان, يصدهم به عن سبيل العلم والإيمان. # وفي قول المعترض: الذين لم يدركوا دعوته؛ أن من تقادم عهده, وتطاول عصره, ~~داخل في عموم كلامه, وأن الشيخ ينهى عن الاستغفار له. وإطلاق هذا يتناول ~~القرون المفضلة ومن بعدهم, وليس هذا ببدع من كذبه وبهته, وحسابه على الله ~~وأمره إليه, قال تعالى: {إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله ~~وأولئك هم الكاذبون} (النحل:105) . PageV01P111 # لي حيلة فيمن ينم # وليس في الكذاب حيلة # من كان يخلق ما يقول # فحيلتي فيه قليلة # أين ميثاقه وعهده؟ قال تعالى: {وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا ~~أكثرهم لفاسقين} (لأعراف:102) . # حلفت لنا أن لا تخون عهودنا # فكأنها حلفت (لنا) أن (1) لا تفي # انتهى. # والعهد الذي ذكره شيخنا الشيخ عبد الله عن ابن منصور أنه أخذ على نفسه أن ~~لا ينقل عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلا ما صح عنده بنقل العدول الأثبات. # إذا عرفت هذا: فالبهت الذي بهتوا به الشيخ _رحمه الله_ إنما هو بمجرد ~~الاستغفار والتضحية لوالديهم الذين لم يدركوا دعوته. وأما هؤلاء فأطلقوا ~~لفظ البر وهو أعلم من الاستغفار والتضحية, فيدخل فيه جميع أنواع البر. # وأما قولهم: واسكتوا وكفوا عنهم. فالجواب عن ذلك أن نقول: قد تقدم في ~~جواب أولاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب عن هذه المسائل ما فيه الكفاية, وفيه: ~~وإن كان لم تقم عليه الحجة فأمره إلى الله تعالى, وأما PageV01P112 # سبه ولعنه فلا يجوز, بل لا يجوز سب الأموات مطلقا كما في "صحيح البخاري" ~~عن عائشة _رضي الله عنها_ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" لا تسبوا ~~الأموات, فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا " إلا أن يكون أحد من أئمة الكفر وقد ~~اغتر الناس به فلا ms60 بأس بسبه, إذا كان فيه مصلحة دينية. انتهى, والله أعلم. # وأما قول السائل: ويقولون: لبس العمامة, ولابس العقال سواء فالجواب: أن ~~نقول: # نعم قد قال ذلك المشايخ, لأن لبس العمامة من المباحات التي أباحها الله ~~ورسوله, وهي من العادات الطبعية التي اعتاد العرب لبسها في الجاهلية ~~والإسلام, لا من العبادات الشرعية التي شرعها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وسنها لأمته, قال الله تعالى: {يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري ~~سوآتكم وريشا} (لأعراف: من الآية26) , وقال تعالى: {قل من حرم زينة الله ~~التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق} (لأعراف: من الآية32) . # وأما لبس العقال فهو أيضا من المباحات, ولم يرد في الأمر به والنهي عنه ~~عن العلماء ما يجب تحريمه ولا كراهته, لأن لبسه من العادات الطبعية كغيره ~~من الملابس التي اعتاد الناس لبسها, كالعمامة والرداء والإزار والقميص وغير ~~ذلك من الملابس العادية. # فبهذا الاعتبار يكون لبس العمامة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه يلبسونها عادة, ولبس العقال الذي يلبسه الناس اليوم من المباحات ~~والعادات, فهما سواء بهذا الاعتبار. # PageV01P113 # وأما هذه العصائب المحدثة التي يزعم من أحدثها أنها من السنة فهي مكروهة, ~~لأنها غير محنكة, ولا ساترة لجميع الرأس عند جميع العلماء, كما سننبه على ~~ذلك, وقد نبهنا على عدم مشروعيتها عن إعادته ههنا. ونذكر ههنا مالم نذكره ~~فيها من كلام العلماء. # قال السفاريني في "غذاء الألباب" في شرحه لمنظومة الآداب لابن عبد القوي, ~~قال: # وعمة مخلي (1) حلقه من تحنك # لدى أحمد مكروهة بتأكد # لنص _أحمد رضي الله عنه_ على كراهة ذلك, وكذلك الأصحاب, وحكى في "الآداب ~~الكبرى" الخلاف في أن الكراهة هل هي للتحريم أو التنزيه. وقال في"الفروع": ~~وكره أحمد لبس غير المحنكة. ونقل الحسن بن ثواب كراهية شديدة. # وقال شيخ الإسلام: المحكي عن الإمام أحمد الكراهة, والأقرب أنها كراهة لا ~~ترتقي إلى التحريم. # وذكر كلاما طويلا عن كثير من العلماء من أهل المذاهب إلى أن قال: وقد ~~أطنب ابن الحاج في "المدخل" لاستحباب ms61 التحنك, ثم قال: وإذا كانت العمامة من ~~باب المباح فلا بد فيها من فعل سنن تتعلق بها, PageV01P114 # من تناولها باليمين والتسمية والذكر الوارد _إن كان ممن يلبس جديدا_ ~~وامتثال السنة في صفة التعميم من فعل التحنيك والعذبة وتصغير العمامة بقدر ~~سبعة أذرع أو نحوها, يخرجون منها التحنك والعذبة, فإن زاد في العمامة قليلا ~~لأجل حر أو برد فيتسامح فيه. إلى آخر ما ذكر _رحمه الله_. # فانظر إلى قوله: وإذا كانت العمامة من باب المباح فلا بد فيها من فعل سنن ~~تتعلق بها, يستبين لك خطأ من زعم أن العمامة سنة سنها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فإن العمامة عند جميع العلماء من باب المباح, لا من باب السنن. ~~والمباح هو الذي لا يثاب فاعله, ولا يعاقب تاركه, وأما السنة فيثاب فاعلها, ~~ولا يعاقب تاركها. # ثم ذكر _رحمه الله_ أنه لا بد فيها من فعل سنن تتعلق بها إلى آخر كلامه, ~~ثم ذكر كلاما طويلا إلى أن قال: العاشر: الاقتعاط _هو بهمزة مكسورة فقاف ~~ساكنة فمثناة فوق مكسورة فعين مهملة فألف فطاء مهملة_ أن يتعمم بغير تحنيك, ~~كما تقدم. # قال ابن الأثير في "نهايته": فيه أي الحديث أنه ينهى عن الاقتعاط, وهو أن ~~يعتم بالعمامة, ولا يجعل منها شيئا تحت ذقنه. # ويقال للعمامة: المقعطة (1) . وفي "القاموس": اقتعط: تعمم. ولم يدر تحت ~~الحنك, وكمكنسة العمامة. انتهى. PageV01P115 # وقال علماؤنا: العمامة المحنكة: هي التي يدار منها تحت الحنك كور أو ~~كوران _بفتح الكاف_ سواء كان لها ذؤابة أو لا, وهذه عمامة المسلمين على ~~عهده صلى الله عليه وسلم وهي أكثر سترا, ويشق نزعها, فلذلك جاز المسح ~~عليها, والله تعالى أعلم. انتهى. # فهذا ما ورد من الأحاديث وكلام العلماء في هذه العمائم المقتعطة, وهي ~~التي ليس تحت الحنك والذقن منها شيء. # مع انه ليس المقصود بلبس هذه العصائب التي يسمونها العمائم الاقتداء به ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه _رضي الله عنهم_ في هديه في لباسه, وما كان ~~يعتاده هو وأصحابه_رضي الله عنهم_ فإنهم لم ms62 يقتدوا به في ذلك, ولو كان هذا ~~هو مقصودهم لاقتدوا به في لبس الرداء والإزار وغير ذلك من لباسه, وجعلوا ~~العمامة محنكة مع الذؤابة. # وإنما مقصودهم الأكبر في إحداث هذه العصائب أن تكون زيا وشعارا يميز به ~~من دخل منهم في هذا الدين ممن لم يدخل فيه, فمن لبسها كان من الإخوان ~~الداخلين في هذا الدين, ومن لم يلبسها فليس منهم, ويقولون: فلان لبس السنة, ~~وفلان لم يلبسها, فلا تسلموا عليه, كما صرحوا بذلك. # وهذا الزي والشعار الذي أحدثوه في الإسلام, قد أنكره العلماء, فقال شيخ ~~الإسلام ابن تيمية _قدس الله روحه_ في كتابه "الفرقان بين أولياء الرحمن من ~~أولياء الشيطان": # فصل: وليس لأولياء الله شيء يتميزون به عن الناس من الظاهر في # PageV01P116 # الأمور المباحات, فلا يتميزون بلباس دون لباس إذا كان كلاهما مباحا, ولا ~~بحلق شعر ولا تقصيره أو تضفيره إذا كان مباحا كما قيل: كم صديق في قباء, ~~وكم زنديق في عباء. إلى آخر كلاممه _رحمه الله_. انتهى. # وقال ابن القيم _رحمه الله_ في "مدارج السالكين" لما ذكر حال أولياء الله ~~المتقين قال:"وهم مستترون عن أعين الناس بأسبابهم وصفاتهم ولباسهم, لم ~~يجعلوا لطلبهم وإرادتهم إشارة تشير إليهم: اعرفوني. # فهؤلاء الصادقون, فهؤلاء يكونون مع الناس. والمحجوبون لا يعرفونهم ولا ~~يرفعون بهم رأسهم. ومن سادات أولياء الله صانهم الله عن معرفة الناس لهم ~~لكرامته لهم, لئلا يفتنون بهم. انتهى المقصود منه." # وهؤلاء الجهلة أحدثوا للناس شعارا وزيا يتميزون به عن المسلمين, بخلاف ~~أولياء الله الصالحين, الذين وصف حالهم شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم ~~_رحمهما الله_. # وأما لبس العقال: فهو من اللباس المباح, ولم يتكلم فيه العلماء لا في ~~قديم الزمان ولا حديثه؛ لأنه قد كان من المعلوم أن لباس الصوف من الملابس ~~التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبسها هو وأصحابه. والعقال من ~~الصوف المباح لبسه. # وقد امتن الله بذلك على عباده, وجعله من النعم التي تفضل بها وأنعم بها ~~عليهم, فقال تعالى: {والله جعل لكم من بيوتكم ms63 سكنا وجعل لكم من جلود ~~الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها ~~وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين} (النحل:80) فقوله: # {ومن # PageV01P117 # أصوافها} , فهي للظأن, {وأوبارها} هي للإبل, {وأشعارها} للمعز, {أثاثا} ~~من الفرش والأكسية وغيرها, {ومتاعا} يتمتعون إلى حين. # فيقال لهؤلاء: {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق} ~~(الأعراف: من الآية32) فإن قالوا: إنما حرمنا العقال أو كرهنا لبسه, لأنه ~~لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عهد أصحابه, ولا لبسه أحد ~~منهم, بل هو من زي الجند وشعارهم. قيل لهم: إذا كان لا يجوز لبس شيء من ~~اللباس إلا ما كان يلبسه صلى الله عليه وسلم وأصحابه, فهذه الملابس التي ~~يلبسونها من المشالح على اختلاف ألوانها والغتر (الشمغ) وغيرها من شالات ~~الصوف لم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه يلبسونها, فلأي شيء كانت ~~هذه الملابس المباحة حراما {هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} (البقرة: من ~~الآية111) {هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا ~~تخرصون} (الأنعام: من الآية148) {إن عندكم من سلطان بهذا أتقولون على الله ~~ما لا تعلمون} (يونس: من الآية68) . # ثم إن هذه الملابس من المشالح على اختلاف أنواعها والغتر من الشمغ والصوف ~~من أفخر لباس الجند, الذين كرهتم لبس العقال من أجل مشابهتهم فيه, فهلا ~~تركتم لبس هذه المشالح وهذه الشمغ لأنها من لباسهم وزيهم وشعارهم إن كنتم ~~صادقين. # وكذلك ما كان يعتاده المسلمون مما لم يكن على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه من المحاربة بهذه الآلات والصنائع التي حدثت بعده صلى ~~الله عليه وسلم من المدافع والموازر والصمع وغيرها من آلات الحرب, لأنه قد ~~كان من # PageV01P118 # المعلوم بالضرورة من دين الإسلام أن الملابس والمآكل والمشارب والمراكب ~~وآلات الحرب من العادات الطبيعية لا من العادات الدينية الشرعية. والله ~~أعلم. # وأما قول السائل: ومما يتقاولونه بينهم: ما فعل المشايخ بهم ذلك إلا أنهم ~~مكفرون لهم. # فالجواب أن نقول: وهذا أيضا ms64 من أعظم كذبهم وافترائهم على المشايخ, لأنه ~~قد كان من المعلوم أن المبادرة بالتكفير والجراءة على ذلك بغير بينة من ~~الله ولا برهان من طرائق أهل البدع ومذاهبهم. كما قال شيخ الإسلام ابن ~~تيمية _رحمه الله_: "ومن مثالب أهل البدع تكفير بعضهم لبعض, ومن ممادح أهل ~~العلم أنهم يخطئون ولا يكفرون. # فإذا فهمت هذا وتحققت أن المشايخ لا يكفرون بما دون الكفر من الذنوب ~~والمعاصي؛ تبين لك أن هذه الأمور التي زعموا أن المشايخ منعوهم من فعلها ~~إلا أنهم مكفرون لهم بها, كان من المعلوم أنهم هم الذين يكفرون بها ~~لاعتقادهم أنها كفر, والمشايخ يبرءون إلى الله من هذا المعتقد, لان هذا هو ~~حقيقة مذهب الخوارج الذين يكفرون بما دون الكفر من الذنوب, وإذا كان هذا هو ~~معتقدهم وكان هذا القول الذي بهتوا به المشايخ ثابتا عنهم فلا تسأل عنهم ~~وعن معتقدهم, وهذا عين ما نطقوا به وأظهروه علانية إن كان هذا ثابتا عنهم. # وهذا هو الذي خاف الإمام والمشايخ بمنعهم أن يتجارى بهم هذا الأمر, ~~ويبثوه في عوام البدو الذين ليس عندهم من المعرفة والعلم إلا ما # PageV01P119 # ألقاه هؤلاء إليهم فيصادف قلوبا خالية من غيره, فيصعب إخراجه من قلوبهم, ~~كما قيل: # أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى # فصادف قلبا خاليا فتمكنا # وهذا قد وقع في كثير من البدو, لا يقبلون إلا ما قاله هؤلاء لهم, والعاقل ~~يسير وينظر. # والظاهر أنهم في رميهم وبهتانهم المشايخ بأنهم مكفرون؛ لهم مبرئون أنفسهم ~~مما هو معلوم بالضرورة بأن ذلك هي حالتهم وسيرتهم كما قيل:"رمتني بدائها ~~وانسلت". # ثم إن المشايخ _ولله الحمد والمنة_ لا يزكون أنفسهم ولا يبرئونها من ~~الخطأ والزلل والذنوب والمعاصي, بل هم معترفون بذلك على أنفسهم, وأنهم ~~مقصرون في الأعمال الصالحات, والعصمة إنما هي للرسل, ولكنهم لا يرضون ما ~~يسخط اله من الأقوال والأعمال والغلو والتجاوز والمجاوزة للحد بغير ما شرع ~~الله ورسوله, ولا القول على الله بلا علم. وحسبنا الله ونعم الوكيل. # PageV01P120 ### | قول: صبحك الله بالخير ونحوها، هل هو مسنون ms65 أم الا؟ # ... # المسألة العاشرة: قول السائل: صبحك الله بالخير, وكيف أصبحت, وكيف أمسيت؟ ~~هل بين هذه الألفاظ فرق, وهل فيها مسنون وغير مسنون؟ وما الفرق بين الدعاء ~~والاستفصال؟ # والجواب أن نقول: قد كان من المعلوم عند ذوي المعارف والمفهوم أن قول ~~الرجل لأخيه المسلم: صبحك الله بالخير, مساك الله بالخير, # PageV01P120 # دعاء له بالخير. # وأما قوله: كيف أصبحت؟ وكيف أمسيت؟ فهو سؤال له عن حاله وعن حقيقة ما هو ~~عليه. # وقد أمر الله بدعاء المؤمنين لإخوانهم المؤمنين خصوصا وعموما في كتابه ~~وعلى لسان رسوله, كما هو معلوم مشهور, لا ينكره إلا جاهل. # وكان من المعلوم أيضا أن دعاء المسلم لأخيه المسلم أفضل وأحب إلى الله من ~~السؤال عن حاله, هذا لا يشك فيه من كان له أدنى ممارسة وإلمام بالعلوم ~~الشرعية, والفرق بينهما ظاهر ليس به _ولله الحمد_ خفاء على من كان له قلب ~~أو ألقى السمع وهو شهيد؛ لأن دعاء المسلم لأخيه المسلم مما أمر الله به. ~~فذنب الناهي عن ذلك خطره عظيم, نعوذ بالله من القول على الله بلا علم. # وأما قوله: وهل فيها مسنون وغير مسنون؟ فنقول: كل من اللفظين جائز مسنون, ~~ونحن نذكر ما ذكره العلماء في ذلك, وما ورد فيه من الأحاديث. # قال في"غذاء الألباب": فوائد: الأولى: لا بأس أن يقول لصاحبه: كيف أمسيت؟ ~~وكيف أصبحت؟ قال الإمام أحمد _رضي الله عنه_ لصدقة (1) _وهم في جنازة_: يا ~~أبا محمد كيف أمسيت؟ فقال: مساك الله بالخير PageV01P121 # وقال _أيضا_ للمروذي: كيف أصبحت يا أبا بكر؟ فقال له: صبحك الله بالخير ~~يا أبا عبد الله. # وروى _أيضا_ عبد الله ابن الإمام أحمد _رضي الله عنه_ عن الحسن مرسلا أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحاب الصفة "كيف أصبحتم؟ ". # وروى ابن ماجة بإسناد لين من حديث أبي أسيد (1) الساعدي أنه _عليه الصلاة ~~والسلام_ دخل على العباس فقال:" السلام عليكم " فقالوا: وعليك السلام ورحمة ~~الله وبركاته. قال:" كيف أصبحتم؟ " قالوا: بخير نحمد الله, كيف أصبحت ~~بأبينا وأمنا أنت يا ms66 رسول الله؟ قال:" أصبحت بخير أحمد الله " (2) . # وروى _أيضا_ عن جابر, قلت: كيف أصبحت يا رسول الله؟ قال:" بخير من رجل لم ~~يصبح صائما ولم يعد سقيما " (3) وفيه عبد الله بن مسلم ابن هرمز ضعيف. # وفي حواشي تعليق القاضي الكبير عند كتاب النذور, وأبو بكر البرقاني ~~بإسناده عن ابن عباس _رضي الله عنهما_ أنه قال: لو لقيت رجلا PageV01P122 # فقال: بارك الله فيك, لقلت: وفيك. # قال في "الآداب الكبرى" فقد ظهر من ذلك الاكتفاء بنحو أصبحت؟ وكيف أمسيت, ~~بدلا من السلام, وأنه يرد على المبتدي بذلك, وإن (1) كان السلام وجوابه ~~أفضل وأكمل. انتهى. # قلت ما ذكره في "الآداب الكبرى" من الاكتفاء: بكيف أصبحت وكيف أمسيت, خطأ ~~لمعارضته لما ثبت في الأحاديث الصحيحة من لفظ السلام, وكل يؤخذ من قوله ~~ويترك, إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قال الله تعالى: {فإذا دخلتم ~~بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة} (النور: من ~~الآية61) والله أعلم (2) . PageV01P123 # المسألة الحادية عشر: قول السائل ### | : ما الرخص المذمومة # المذموم الترخص بها التي قيل فيها من تتبع الرخص تزندق أو كاد. فإن أكثر ~~من لدينا إذا سمع ما لم يدره ولا هو على باله عد ذلك رخصة. # فالجواب أن نقول: الرخص المذمومة التي من ترخص بها تزندق هي ما جاء عن ~~العلماء في بعض المسائل في المعاملات: كالربا وكالأنكحة وغيرها, مما اختلف ~~العلماء فيه: كمن ترخص بقول مالك _رضي الله عنه_ بجواز أكل الكلاب والحشرات ~~وغيرها مما حرم الشرع # PageV01P123 # أكله, مستدلا بقوله تعالى: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم ~~يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل ~~لغير الله به} (الأنعام: من الآية145) الآية. فمن ترخص بقول مالك في أكل ما ~~عدا هذه المحرمات المذكورات في بعض الآية فقد أخطأ. # وقال بعض العلماء: إنه يجوز للرجل أن يتزوج من النساء تسعا لقوله: ~~{فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع} (النساء: ms67 من الآية3) . # وقول بعضهم: إذا وجبت الزكاة أن للرجل أن يهب ماشيته أو نقوده قبل أن يحل ~~وقت الزكاة بشهر أو شهرين لزوجه أو بعض أقاربه لئلا تجب فيها الزكاة, فإذا ~~ذهبت وقت إخراجها استرجع ماشيته أو نقوده, وهكذا أبدا يفعل عند وجوب ~~الزكاة. # وكما ترخص بعض الحنفية بقول أبي حنيفة بعدم وجوب الطمأنينة في الصلاة ~~مستدلا من قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا} (الحج: من ~~الآية77) . # ونظيره دعواهم أن الإيمان واحد والناس فيه سواء, وهو مجرد التصديق, وليست ~~الأعمال داخلة في ماهيته, وإن مات ولم يصل قط في عمره مع قدرته وصحة جسمه ~~وفراغه فهو مؤمن, إلى غير ذلك مما لا يحصى ولا يستقصى مما رخص فيه بعض ~~العلماء بقول متبوعهم. # فإذا أردت مسألة في أمر أو نهي أو معاملة وقد اختلف العلماء فيها بين ~~مانع من ذلك ومرخص في هذه المسألة ومستنده في ذلك حديث ضعيف أو قياس فاسد ~~أو استحسان أو احتياط يخالف ما أصله العلماء # PageV01P124 # من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم, فمن ترخص بها ليس عليه دليل شرعي من ~~أقوال من ذكرنا من العلماء في أي مسألة كانت من الفروع. # ومع من خالفه في النهي عنها الحق والصواب؛ فقد أخطأ لمخالفته ما جاء عن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم أو عن أصحابه أو التابعين لهم بإحسان أو من ~~بعدهم من الأئمة المهتدين. # فمن أخذ بشيء من هذه المسائل التي رخص فيها بعض العلماء من غير دليل ~~شرعي, وقصده في ذلك اتباع ما يهواه, لا ما يحبه الله ويرضاه فقد تزندق, لما ~~في ذلك من المسائل التي جاءت الرخصة فيها عن الشارع _عليه الصلاة والسلام_ ~~فالأخذ برخصة الله في ذلك هو الأحب إلى الله تعالى, كما جاء في الحديث عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن ~~تجتنب مناهيه " (1) أو كما قال. # وإن كان المراد بالترخص ما ظنه بعض الجهال من العوام أو من أفتاهم به من ms68 ~~هؤلاء المتعالمين الجهال, الذين لا معرفة لهم بمدارك الأحكام, وليس لهم ~~اطلاع على كلام الأئمة الأعلام, وإنما يقولوون بأهوائهم أو يظنونه باستحسان ~~عقولهم في العقائد في مسائل التكفير التي ذهب الخوارج وغيرهم من أهل البدع ~~من التشديد فيها والتضييق والحرج وعدم التيسير والتسهيل, مما لم يرد فيه نص ~~من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة ومن بعدهم من الأئمة المهتدين من المكفرات ~~التي تخرج من الملة. PageV01P125 # فأما ما لم يخرج من الملة كارتكاب ما حرمه الله من الذنوب والمعاصي ~~كالظلم والفسق والكذب وقول الزور وغير ذلك مما كفر به الخوارج وغيرهم من ~~أهل البدع, كالمسائل التي أجبنا عنها أولا, فمن زعم أن ما أجمع عليه ~~الصحابة والتابعون والأئمة المهتدون هو الترخص المذموم الذي من فعله فقد ~~تزندق فقد أعظم الفرية على الله ورسوله وعلى ما أجمع عليه الصحابة ~~والتابعون والأئمة المهتدون, وأن ما قاله هؤلاء المتعالمون الحيارى ~~المفتونون, والناقصون المنقوصون, هو الحق والصواب لأن فيه تضييقا وحرجا على ~~الأئمة فقد غلا وتجاوز الحد واتبع غير سبيل المؤمنين _فإن سبيل المؤمنين هو ~~ما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال عبد الله بن مسعود ~~_رضي الله عنه_: من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات, فإن الحي لا تؤمن ~~عليه الفتنة, أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أبر هذه الأمة قلوبا ~~وأعمقها علما وأقلها تكلفا, قوم اختارهم الله لصحبة نبيه, ولإظهار دينه, ~~فخذوا بهديهم, واعرفوا لهم فضلهم, فإنهم كانوا على الصراط المستقيم, وكذلك ~~ما كان عليه التابعون ومن بعدهم من الأئمة المهتدين. # ومن سلك سبيل المؤمنين الذي من سلكه كان على الصراط المستقيم ما ذكره ~~الإمام أبو الفرج عبد الرحمن بن رجب _رحمه الله_ في كتابه "المحجة في سير ~~الدلجة" حيث قال _رحمه الله تعالى_:"الثاني أن أحب الأعمال إلى الله ما كان ~~على وجه السداد والاقتصاد والتيسير, دون ما كان على وجه التكلف والاجتهاد ~~والتعسير, كما قال # PageV01P126 # تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} (الحج: من الآية78) ms69 كما كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول:" يسروا ولا تعسروا, إنما بعثتم ميسرين, ولم ~~تبعثوا معسرين ". # وفي "المسند" عن ابن عباس _رضي الله عنهما_ قيل لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال:" الحنيفية السمحة " (1) . # وفيه _أيضا_ عن محجن بن الأدرع أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المسجد ~~فرأى رجلا قائما يصلي فقال:" أتراه صادقا؟ " فقيل: يا نبي الله هذا فلان من ~~أحسن أهل المدينة أو من أكثر أهل المدينة صلاة. فقال:" لا تسمعه فتهلكه ~~_مرتين أو ثلاثا_ إنكم أمة أريد بكم اليسر ". وفي رواية أخرى له قال:" إن ~~خير دينكم أيسره ". وفي رواية أخرى له: " لن تنالوا هذا الأمر بالمغالبة " ~~(2) . وخرج حميد بن زنجوية وزاد, فقال:" واكلفوا من العمل ما تطيقون, فإن ~~الله لا يمل حتى تملوا, الغدوة والروحة وشيء من الدلجة ". وفي "المسند" (3) ~~عن بريدة, قال: خرجت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي فلحقته فإذا ~~نحن بين يدي رجل يصلي يكثر الركوع والسجود. قال:" أتراه يرائي؟ " قلت: الله ~~ورسوله أعلم. قال: من ليده من يدي فجعل يصوبهما ويقول:" عليكم هديا قاصدا. ~~عليكم هديا قاصدا. عليكم هديا قاصدا. فإنه من شاد هذا الدين يغلبه ". وقد ~~روي من وجه آخر مرسل, وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" إن هذا آخذ ~~بالعسر, ولم يأخذ PageV01P127 # باليسر ", ثم دفع في صدره فخرج من المسجد ولم ير فيه بعد ذلك. إلى آخر ~~كلامه. # فهذا ما اخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأحاديث التي تقدم ~~ذكرها, وفيها أن أحب الأعمال إلى الله ما كان على وجه السداد والاقتصاد ~~والتيسير, دون ما كان على وجه التكلف والاجتهاد والتعسير, كما قال تعالى: ~~{وما جعل عليكم في الدين من حرج} (الحج: من الآية78) , وأخبر صلى الله عليه ~~وسلم فيما أن أحب الأديان إلى الله _عز وجل_ الحنيفية السمحة, واخبر فيها ~~أن من شاد هذا الدين يغلبه. إلى آخر ما ذكر فيها من المر بالتيسير وترك ms70 ~~التعسير والتكلف والحرج. # فهذا هديه صلى الله عليه وسلم وهدي أصحابه وهدي من سلك سبيلهم من ~~المؤمنين. فمن سلك سبيل المؤمنين سلم ونجا, ومن ترك سبيلهم زاغ وهلك. فإذا ~~تبين لك هذا عرفت أنه هو الحق, وماذا بعد الحق إلا الضلال؟ قال الله تعالى: ~~{ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ~~ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} (النساء:115) فمن بلغته هذه الأحاديث عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم زعم أن الأخذ بها من باب الترخص, ومن أخذ ~~بالترخص فقد تزندق, فقد أعظم الفرية على الله, وسلك غير سبيل المؤمنين. # قال _رحمه الله تعالى_: وقوله صلى الله عليه وسلم:" القصد القصد تبلغوا " ~~حث على الاقتصاد في العبادة والتوسط فيها بين الغلو والتقصير, وكذلك كرره ~~مرة بعد مرة. # PageV01P128 # وفي مسند البزار من حديث حذيفة _رضي الله عنه_ مرفوعا:"ما أحسن القصد في ~~الفقر, وما أحسن القصد في الغنى, وما أحسن القصد في العبادة" (1) . # وكان لمطرف بن عبد الله بن الشخير ابن قد اجتهد في العبادة فقال له أبوه: ~~خير الأمور أوسطها: الحسنة بين السيئتين, وشر السير الحقحقة. قال أبو عبيد: ~~يعني: أن الغلو في العبادة سيئة, والتقصير سيئة, والاقتصاد بينهما حسنة. ~~قال: والحقحقة: أن يلح في السير, حتى تقوم عليه راحلته وتعطب, فيبقى منقطعا ~~به سفره". انتهى. # ويشهد لهذا المعنى الحديث عن عبد الله بن عمر مرفوعا: " إن هذا الدين ~~متين فأوغل فيه برفق, ولا تبغض إلى نفسك عبادة الله, فإن المنبت لا سفرا ~~قطع ولا ظهرا أبقى, فاعمل عمل امرئ يظن أنه لن يموت إلا هرما, واحذر حذر ~~امرئ يحذر أن يموت غدا " أخرجه حميد بن زنجوية وغيره إلى آخر كلامه _رحمه ~~الله تعالى_. # فمن تحقق هذا, وتأمله حق التأمل, ثم رأى بعد ذلك أن طريقة أهل البدع ~~والأهواء من الخوارج والمعتزلة وغيرهم ممن تشدد في هذا الدين, وغلا فيه, ~~وتكلف باجتهاده ورأيه, وسلك طريقة التعسير والتضييق والعنت والحرج, وظن ~~أنها أهدى وأفضل ms71 من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه, وأنها أحسن ~~وأكمل, فقد قام به ناقض من نواقض الإسلام العشرة التي ذكرها الشيخ محمد بن ~~عبد الوهاب _رحمه الله تعالى_ وليبك PageV01P129 # على نفسه, ويجدد إسلامه, فإنه وقع في أمر عظيم, وخطب جسيم. # وهذا ما تيسر من الجواب على سبيل الإختصار والاقتصاد, والله يقول الحق, ~~وهو يهدي السبيل, وحسبنا الله ونعم الوكيل, والحمد لله الذي هدانا لهذا وما ~~كنا لنهتدي لولا هدانا الله, وصلى الله وسلم على أشرف المرسلين وإمام ~~المتقين, نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين, والحمد لله رب العالمين (1) . ~~PageV01P130 ms72