######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0007663 #META# 000.BookURI :: AFTER1900 #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: سليمان بن سحمان بن مصلح بن حمدان بن مصلح بن حمدان بن مسفر بن محمد بن مالك بن عامر الخثعمي , التبالي , العسيري , النجدي (المتوفى: 1349هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 1349 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الصواعق المرسلة الشهابية على الشبه الداحضة الشامية #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: العقيدة #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0007663 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-7663 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/7663 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار العاصمة، الرياض، المملكة العربية السعودية #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي وفقنا لسلوك صراطه المستقيم، وجنبنا بفضله ورحمته طريق ~~أصحاب الجحيم، ومن علينا بمتابعة نبيه الكريم، فضلا من الله ونعمة والله ذو ~~الفضل العظيم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له العزيز الحكيم، ~~وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وخيرته من خلقه وأمينه على وحيه أفضل الصلاة ~~وأتم التسليم، وعلى آله وأصحابه الذين هم نجوم الهداية والدراية والتعليم. # أما بعد: فإني وقفت على أوراق كتبها رجل من أهل الشام يقال له: " محمد ~~عطا الكسم"1، وكان ممن تجانف للعدوان والإثم، جمع فيها من الترهات ~~والأكاذيب الموضوعات ما يمج سماعه أولو العقول السليمة، والألباب الزاكية ~~المستقيمة، وسماها # "الأقوال المرضية في الرد على الوهابية"، ورتبها على مقدمة وثلاثة أبواب ~~وخاتمة، وقد اشتملت مقدمته الكاذبة الخاطئة على ألفاظ مبتدعة، ومعان ~~وإشارات مخترعة، وأقوال مختلفة مفترعة، ليست من أقوال أهل الإسلام، ولم يقل ~~بها أحد من الأئمة PageV01P005 # الأعلام، وإنما هي أوضاع الفلاسفة ومن وافقهم من أهل الكلام، وأهل ~~الاتحاد الطغاة اللئام، ومن وافقهم على أصولهم ممن يزعم أن معاني هذه ~~الألفاظ حصلت له بطريق المشاهدة والمكاشفة التي هي عند التحقيق مكاشفة، وأن ~~ذلك من الفتوحات الربانية والمواهب اللدنية، وفي الحقيقة إنما هي خيالات ~~شيطانية، واصطلاحات وأوضاع فلسفية، وخلف من بعدهم خلف على طريقتهم عبروا عن ~~هذه المعاني الفلسفية بعبارات إسلامية، يخاطبون بها من لا يعرف معاني هذه ~~الأوضاع، ويجعلون مراد الله ورسوله من الآيات والأحاديث على ما أرادوا من ~~معاني هذه الأوضاع التي تخالف كتاب الله وسنة رسوله وأقوال سلف الأمة ~~وأئمتها، كما يذكر أبو حامد الغزالي في مواضع من الفرق بين عالم الملك ~~والملكوت والجبروت، وفي مواضع أخر قال فيها: إن أشرف أفعال الله وأعجبها ~~وأدلها على جلالة صانعها ما لا يظهر للحس بل هو من عالم الملكوت، وهي ~~الملائكة الروحانية والروح والقلب، أعني العارف بالله تعالى من جملة أجزاء ~~الآدمي فإنها أيضا من جملة عالم الغيب والملكوت وخارج عن عالم الملك ~~والشهادة. # قال شيخ الإسلام: ms001 ومعلوم أن ما جاء في الكتاب والسنة من لفظ الملكوت، ~~كقوله: {بيده ملكوت كل شيء} [المؤمنون: 88] ، وقوله صلى الله عليه وسلم في ~~ركوعه: " سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة" 1، لم يرد به هذا ~~باتفاق المسلمين، ولا دل كلام أحد من PageV01P006 # السلف والأئمة على التقسيم الذي يذكرونه بهذه الألفاظ، وهم يعبرون بهذه ~~العبارات المعروفة عند المسلمين عن تلك المعاني التي تلقوها عن الفلاسفة ~~وضعا وضعوه، ثم يريدون أن ينزلوا كلام الله تعالى ورسوله صلى الله عليه ~~وسلم على ما وضعوه من اللغة والاصطلاح. انتهى. # وهذه المعاني التي ذكرها الفلاسفة يفسرون عالم الملك بعالم الأجسام، ~~وعالم الملكوت بعالم النفوس، لأنها باطن الأجسام، وعالم الجبروت بالعقول، ~~لأنها غير متصلة بالأجسام ولا متعلقة بها، ومنهم من يعكس، وقد يجعلون ~~الإسلام والإيمان والإحسان مطابقا لهذه الأمور. # والمقصود بهذا أن ما ذكره هذا الملحد فيما يأتي من كلام القسطلاني وما ~~بعده هو من هذا النمط المأخوذ عن الفلاسفة ومن وافقهم، فلما لم يكن هذا من ~~كلام أهل الإسلام ولم يذكره أحد من أئمة الأعلام، وشبه به هؤلاء الغلاة على ~~الطغام من العوام، ومن لا معرفة له بمدارك الأحكام ومعاني الكلام استعنت ~~الله تعالى على التنبيه على بعض ما في هذه PageV01P007 # الأوراق من المخرفة والشقاق، وعلى كشف ما موه به من جواز الاستغاثة ~~بالأنبياء والأولياء والصالحين، والتوسل بهم على اصطلاح هؤلاء الغلاة، وما ~~ذكر من الأحاديث في ذلك وأقوال أهل العلم، مما هو موضوع مكذوب، أو ضعيف لا ~~يحتج به ولا تثبت به الحجة الشرعية، وتركت كثيرا من كلامه مما هو متضمن ~~للغلو والإطراء في حق نبينا صلى الله عليه وسلم مما يزعم أنه من تعظيمه ~~وتوقيره، وكذلك ما ذكره عن السبكي في كتابه: " تعظيم المنة"، وما ذكره من ~~المفاضلة بين الأنبياء وبين نبينا صلى الله عليه وسلم مما قد نهى عنه صلى ~~الله عليه وسلم1، وأعقبت ذلك بذكر خاتمة في الفرق بين توحيد الربوبية ~~وتوحيد الألوهية وأقوال بعض العلماء في معنى لا إله إلا الله، وسميت ms002 هذا ~~الجواب: " الصواعق المرسلة الوهابية على الشبهات الداحضة الشامية"2 وأسأل ~~الله تعالى أن يلهمنا الصواب، وأن يجزل لنا الأجر والثواب، بمنه وكرمه. ~~PageV01P008 ### | فصل: في نقض تسميته عباد القبور: أهل السنة والجماعة # ... # فصل # "قال الملحد أما بعد: فيقول خويدم طلبت العلم الفقير إلى الله محمد عطا ~~الكسم: إنه قد أخبرني بعض الإخوان أنه قد اجتمع برجل من الوهابية؛ يوسوس ~~لأهل السنة المحمدية؛ بتحريم التوسل بخير البرية؛ عليه أفضل الصلاة وأتم ~~التحية إلى آخر ما قال". # والجواب وبالله التوفيق أن أقول: قد سبق هذا الملحد إلى تسمية عباد ~~القبور: أهل السنة المحمدية من أعمى الله بصيرة قلبه طاغية العراق داود بن ~~جرجيس العراقي؛ وأجابه على ذلك الإمام وعلم الهداة الأعلام الشيخ عبد ~~اللطيف؛ فنذكر من جوابه ما يبطل تسمية هذا الملحد عباد القبور أهل السنة ~~المحمدية؛ قال رحمه الله تعالى1: # والجواب أن يقال أولا: تسمية عباد القبور أهل سنة وجماعة جهل عظيم بحدود ~~ما أنزل الله على رسوله؛ وقلب PageV01P009 # للمسميات الشرعية؛ وما يراد من الإسلام والإيمان والشرك والكفر؛ قال ~~تعالى: # {الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله} ~~[التوبة: آية97] # وهذا وأمثاله أجدر من أولئك بالجهل وعدم العلم بالحدود لغربة الإسلام؛ ~~وبعد العهد بآثر النبوة. # وأهل السنة والجماعة أهل الإسلام والتوحيد؛ المتمسكون بالسنن الثابتة عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في العقائد والنحل والعبادات الباطنة ~~والظاهرة؛ الذين لم يشوبوها ببدع أهل الأهواء وأهل الكلام في أبواب العلم ~~والاعتقادات؛ ولم يخرجوا عنها في باب العلم والإرادات؛ كما عليه جهال أهل ~~الطرائق والعبادات؛ فإن السنة في الأصل تقع على ما كان عليه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وما سنه أو أمر به من أصول الدين وفروعه حتى الهدى والسمت؛ ~~ثم خصت في بعض الاطلاقات بما كان عليه أهل السنة من إثبات الأسماء والصفات ~~خلافا للجهمية المعطلة النفاة؛ وخصت بإثبات القدر وبنفي الجبر خلافا ~~للقدرية النفاة وللقدرية الجبرية العصاة؛ وتطلق أيضا على ما كان عليه السف ~~الصالح في ms003 مسائل الإمامة والتفضيل والكف عما شجر بين أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهذا من إطلاق الاسم على بعض مسمياته لأنهم يريدون بمثل هذا ~~الإطلاق التنبيه على أن المسمى ركن أعظم وشرط أكبر كقوله " الحج عرفة " 1 ~~ولأنه الوصف الفارق بينهم وبين غيرهم؛ PageV01P010 # ولذلك سمى العلماء كتبهم في هذه الأصول كتب السنة ككتاب السنة للالكائي ~~والسنة لأبي بكر الأثرم؛ والسنة للخلال؛ والسنة لابن خزيمة والسنة لعبد ~~الله بن أحمد ومنهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهم. انتهى. # وهذا الملحد يرى أن أهل السنة المحمدية هم الذين يتوسلون ويدعون الأنبياء ~~والأولياء والصالحين ويلتجؤون إليهم ويستغيثون بهم ويستعينون بهم في ~~الشدائد والمهمات؛ ويرجونهم لكشف الكربات وإغاثة اللهفات؛ ويتقربون إليهم ~~بأنواع القربات من الذبح لهم والنذر والخوف والتعظيم والدعاء والإنابة ~~إليهم والتوكل عليهم والخضوع لهم. ومن عجيب أمر هؤلاء الغلاة ما ذكره حسين ~~بن محمد النعيمي اليمني في بعض رسائله أن امرأة كف بصرها فنادت وليها: أما ~~الله فقد صنع ما ترى؛ ولم يبق إلا حسبك PageV01P011 # قال الشيخ عبد اللطيف رحمه الله "1": وحدثني سعد بن عبد الله بن سرور ~~الهاشمي رحمه الله؛ أن بعض المغاربة قدموا مصر يريدون الحج فذهبوا إلى ~~الضريح المنصوب إلى الحسين رضي الله عنه بالقاهرة فاستقبلوا القبر وأحرموا ~~ووقفوا وركعوا وسجدوا لصاحب القبر؛ حتى أنكر عليهم سدنة المشهد وبعض ~~الحاضرين؛ فقالوا: هذا محبة في سيدنا الحسين. # وذكر بعض المؤلفين من أهل اليمن أن مثل هذا وقع عندهم. # وقد حدثني الشيخ خليل الرشيدي بالجامع الأزهر أن بعض أعيان المدرسين هناك ~~قال: لا يدق وتد بالقاهرة إلا بإذن السيد أحمد البدوي. قال فقلت له: هذا لا ~~يكون إلا لله أو كلاما نحو هذا؛ فقال: حبي في سيدي أحمد البدوي اقتضى هذا. # وحتى أن رجلا سأل الآخر: كيف رأيت الجمع عند زيارة الشيخ الفلاني؟ فقال: ~~لم أر أكثر منه إلا في جبال عرافا؛ إلا أني لم أرهم سجدوا لله سجدة قط؛ ولا ~~صلوا مدة ثلاثة أيام؛ فقال السائل قد تحملها الشيخ؛ ms004 قال بعض الأفاضل: وباب ~~تحمل الشيخ مصراعاه ما بين بصرى وعدن؛ 1 PageV01P012 # قد اتسع خرقه؛ وتتابع فتقه؛ ونال رشاش زقومه الزائر والمعتقد وساكن ~~البلد. انتهى. # ولو ذهبنا نذكر ما يفعله عباد القبور والأولياء والصالحين لطال الكلام. ~~فهؤلاء عند هذا الملحد أهل السنة والجماعة فنعوذ بالله من رين الذنوب ~~وانتكاس القلوب. # إذا تحققت هذا وعرفته فقول هذا الملحد: إيه قد اجتمع برجل من الوهابية ~~يوسوس لأهل السنة المحمدية بتحريم التوسل بخير البرية". مراده بالتوسل هنا: ~~أن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم والاستغاثة به والالتجاء إليه فيما لا ~~يقدر عليه إلا الله يسمى توسلا وتشفعا؛ وهذا فرار منه أن يسمى شركا وكفرا؛ ~~ومن المعلوم عند ذوي العلوم والفهوم أن لفظ التوسل بالشخص والتوجه به ~~والسؤال به فيه إجمال واشتراك بحسب الاصطلاح؛ فمعناه في لغة الصحابة رضي ~~الله عنهم وعرفهم أن يطلب منه الدعاء والشفاعة فيكون التوسل به والتوجه به ~~في الحقيقة بدعائه وشفاعته وذلك لا محذور فيه؛ والتوسل له أقسام؛ فقسم ~~مشروع؛ وهو التوسل بالأعمال الصالحة وبدعاء النبي صلى الله عليه وسلم في ~~حياته وطلب الاستغفار منه وبدعاء الصالحين وأهل الفضل والعلم كما استسقى ~~عمر رضي الله عنه بدعاء العباس1 ومعاوية رضي الله عنهما بدعاء يزيد بن ~~الأسود PageV01P013 # الجرشي1؛ وكذلك بالأعمال الصالحة؛ وقسم محرم وبدعة مذمومة وهو التوسل بحق ~~العبد وجاهه وحرمته نبيا كان ذلك أو وليا أو صالحا؛ كأن يقول الإنسان: ~~اللهم إني أسألك بجاه نبيك محمد صلى الله عليه وسلم أو بجاه عباد الله ~~الصالحين أو بحقهم أو بحرمتهم؛ ونحو ذلك لأن ذلك لم يرد به نص عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ولا فعله أحد من الصحابة ولا التابعين رضي الله عنهم؛ ~~فإذا عرقت أن معنى التوسل في لغة الصحابة طلب الدعاء؛ وأن هذا هو الشرع؛ ~~وأن ما عداه إما شرك أو محرم أو مكروه مبتدع؛ عرفت أن قصد هؤلاء بالتوسل هو ~~دعاء الأنبياء والأولياء والصالحين؛ وصرف خالص حق الله تعالى لهم بجميع ~~أنواع العبادات من الدعاء ms005 والخوف والرجاء والنذر والتوكل والاستغاثة ~~والاستعانة والاستشفاع بهم وطلب الحوائج من الولائج في المهمات والملمات ~~وكشف الكربات وإغاثة اللهفات ومعافاة أولى العاهات والبليات؛ إلى غير ذلك ~~من الأمور التي صرفها المشركون لغير فاطر الأرض والسماوات؛ نعوذ بالله من ~~موجبات غضبه وأليم عقابه؛ فمن صرف من هذه الأنواع شيئا لغير الله؛ فهو كافر ~~مشرك بإجماع المسلمين؛ كما ذكر ذلك شيخ الإسلام وغيره من العلماء. ~~PageV01P014 # فصل: قوله عن النبي - صلى الله عليه وسلم - "الآخذ باليد وقت الشدائد ... ~~" الخ. # ... # فصل # "ثم قال الملحد: ولكن من فرط المحبة لهذا المحبوب الذي هو صفوة علام ~~الغيوب الآخذ باليد وقت الشدائد والخطوب". # والجواب أن يقال: إن قول هذا الملحد: " الآخذ باليد وقت الشدائد والخطوب" ~~كلام متضمن لغاية الغلو والإطراء الذي وقعت فيه النصارى وأمثالهم وهو مناف ~~لقوله تعالى: # {وما أدراك ما يوم الدين * ثم ما أدراك ما يوم الدين* يوم لا تملك نفس ~~لنفس شيئا والأمر يومئذ لله*} [الانفطار: آية 18-19] وقوله تعالى: {قل إني ~~لا أملك لكم ضرا ولا رشدا} [الجن: آية 21] وقوله تعلى: {قل لا أملك لنفسي ~~ضرا ولا نفعا} [يونس: آية 49] وللحديث الصحيح حيث قال لا بنته فاطمة وأحب ~~الناس إليه: "يا فاطمة بنت محمد سليني من ما لي ما شئت لا أغني عنك من الله ~~شيئا" 1. PageV01P015 # فتأمل ما بين هذه النصوص وبين قول هذا الملحد من التضاد والتباين ثم ~~الصادمة منه لما ذكره الله تعالى وذكره رسوله صلى الله عليه وسلم كقوله ~~تعالى: {ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون} [آل ~~عمران: آية 128] وتأمل ما ذكر العلماء في سبب نزولها1وأمثال هذه الآية كثير ~~لم ينسخ حكمها ولم يغير؛ ومن ادعى ذلك فقد افترى على الله كذبا وأضل الناس ~~بغير علم. PageV01P016 # فصل: نقل الملحد كلام القسطلاني المتضمن خلق العالم بما فيه من روح النبي ~~... الخ. # ... # فصل # "ثم قال الملحد: قال القسطلاني في "المواهب اللدنية": اعلم يا ذا العقل ~~السليم؛ والمتصف بأوصاف الكمال والتتميم؛ وفقني الله وإياك لهداية الصراط ms006 ~~المستقيم؛ أنه لما تعلقت إرادة الحق تعالى بإيجاد خلقه؛ وتقدير رزقه؛ أبرز ~~الحقيقة المحمدية من الأنوار الصمدية في الحضرة الأحدية؛ ثم سلخ منها ~~العوالم كلها علوها وسفلها على صورة حكمه؛ كما سبق في سابق إرادته وعلمه؛ ~~ثم أعلمه تعالى: بنبوته؛ وبشره برسالته؛ هذا وآدم لم يكن إلا كما قال: بين ~~الروح والجسد ثم انبجست منه- صلى الله عليه وسلم- عيون الأرواح. # قال الشارح الإمام الزرقاني: أي تفجرت منه –صلى الله عليه وسلم- عيون ~~الأرواح. أي: خالصها كأرواح الأنبياء؛ والمراد بالعيون الكمالات المفرغة من ~~نوره على أرواح الأنبياء؛ عبر عنها بالعيون مجازا لمشابهتها لعيون الإنسان ~~للكمال". # والجواب ومن الله أستمد الصواب أن نقول: هذا كلام مخترع مبتدع؛ لم يقل به ~~أحد ممن يعتد بقوله من أهل # PageV01P017 # الإسلام؛ ولم ينقله أحد من العلماء الأمناء عن الأئمة الأعلام؛ وليس هو ~~في شيء من الكتب المعروفة المشهورة؛ كالصحاح والسنن والمساند وغيرها من ~~الكتب المعتمدة؛ بل هو من الترهات التي يحكيها هؤلاء الغلاة المتهوكون؛ ~~الحيارى المفتونون؛ الذين ليس لهم قدم صدق في العالمين؛ وليسوا من حملة سنة ~~سيد المرسلين؛ ولا لهم معرفة بمدارك الأحكام؛ ولا أقول أهل السنة أئمة ~~الإسلام؛ وإنما ينقلون مثل هذه الحكايات التي لا أصل لها في الكتاب والسنة ~~عن مثل القسطلاني وغيره؛ ويغترون بها فضلوا وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء ~~السبيل؛ إذ ليس لهم في ذلك مستند ولا حجة من البرهان والدليل؛ بل هذا مقتبس ~~من أقوال الفلاسفة ومن نحا نحوهم من المتكلمين. # ومن المعلوم بالضرورة أن ما حكاه هذا الملحد عن القسطلاني إن كان صحيحا ~~لا يدرك معرفة ذلك على التحقيق إلا من مشكاة النبوة؛ بنقل حملة السنة ~~والقرآن؛ أهل المعرفة والحفظ والإتقان. ولا خبر بذلك بنقل صحيح عن رسول ~~–صلى الله عليه وسلم- يجب المسير إليه؛ فما كان هذا سبيله فهو مطرح ساقط لا ~~يلتفت إليه؛ ولا يقول في الحكم عليه؛ إذا هو من الترهات الواهية؛ التي هي ~~عن الدليل عارية؛ بل هو مصادم لصريح الكتاب والسنة كما سنبينه إن شاء الله ~~تعالى. ms007 قال تعالى: {ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى} [الحجرات: آية ~~13] # PageV01P018 # وهذا خطاب للإنسان الذي هو روح وبدن؛ فدل على أن جملته مخلوقة بعد خلق ~~الأبوين؛ وأصرح منه {ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق ~~منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء} [النساء: آية 1] وهذا صريح في أن ~~خلق جملة النوع الإنساني بعد خلق أصله. # وفي الموطأ: حدثنا زيد بن أبي أنيسة أن عند الحميد بن عبد الرحمن بن زيد ~~بن الخطاب أخبره عن مسلم بن يسار الجهني أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سئل ~~عن هذه الآية: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم} [الأعراف: آية ~~172] فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عنها فقال: "خلق الله ~~آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذريته؛ فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل ~~أهل النار يعملون؛ وخلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون" فقال رجل: يا ~~رسول الله ففيم العمل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله إذا خلق ~~الرجل للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال الجنة فيدخل ~~به الجنة؛ وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل ~~من أعمال النار فيدخل به النار" 1 قال الحاكم: هذا حديث على شرط ~~PageV01P019 ### | ................................................................................................................................ # PageV01P020 # مسلم؛ وروى الحاكم أيضا من طريق هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبي صالح ~~عن أبي هريرة مرفوعا: "لما خلق الله آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو ~~خلقها إلى يوم القيامة أمثال الذر؛ ثم جعل بين عيني كل إنسان منهم ~~PageV01P021 # وبيصا من نور؛ ثم عرضهم على آدم فقال: من هؤلاء يا رب؟ فقال: هؤلاء ~~ذريتك؛ فرأى رجلا منهم أعجبه وبيص ما بين عينيه فقال: يا رب من هذا؟ فقال: ~~هذا ابنك داود يكون في آخر الأمم؛ قال آدم 1: كم جعلت له من العمر؟ قال: ~~ستين سنة؛ قال: يا رب زده من عمري أربعين سنة "حتى يكون عمره ms008 مائة سنة"2 ~~فقال الله: إذا يكتب ويختم فلا يبدل؛ فلما انقضى عمر آدم جاءه ملك ~~الموت"لقبض روحه": 2 قال آدم: أولم يبق من عمري أربعون سنة:؟ فقال "له ملك ~~الموت"2: أولم تجعلها لا بنك داود. قال: مجحد فجحدت ذريته؛ ونسى فنسيت ~~ذريته؛ وخطأ فطئت ذريته" قال: هذا على شرط مسلم 3وفي صحيح الحاكم من حديث ~~أبي جعفر الرازي حدثنا الربيع بن أنس 4 عن أبي العالية عن أبي بن ~~PageV01P022 # كعب في قوله: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم} [الآية] قال: ~~جمعهم له يومئذ جميعا"1" ما هو كائن إلى يوم القيامة فجعلهم أرواحا ثم ~~صورهم واستنطقهم فتكلموا وأخذوا عليهم العهد والميثاق {وأشهدهم على أنفسهم ~~ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ~~أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل ~~المبطلون} 2 قال: فإني أشهد عليكم السماوات السبع والأرضين السبع؛ وأشهد ~~عليكم أباكم آدم أن تقولوا يوم القيامة "لم نعلم أو تقولوا" إنا كنا عن هذا ~~غافلين فلا تشركوا بي شيئا؛ فإني أرسلت إليكم رسلي يذكرونهم عهدي وميثاقي؛ ~~وأنزل عليكم كتلي؛ فقالوا: "نشهد أنك ربنا وإلهنا لا رب لنا غيرك ولا إله ~~لنا غيرك" 2 ورفع لهم أبوهم آدم " فنظر إليهم" 2 فرأى فيهم الغني والفقير ~~وحسن الصورة وغير ذلك؛ فقال: يا رب لو سويت بين عبادك؛ فقال: إني أحب أن ~~أشرك. ورأى فيهم الأنبياء مثل السرج؛ وخصوا بميثاق آخر بالرسالة والنبوة 3 ~~فذلك قوله: {وإذ أخذنا من PageV01P023 # النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح} [الأحزاب: آية 7] وهو قوله: {فأقم وجهك ~~للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله} [الروم: ~~آية 30] وهو قوله: {هذا نذير من النذر الأولى} [النجم: آية56] وقوله: {وما ~~وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين} [الأعراف: آية 102] ~~والآيات في هذا المعنى كثيرة. # والمقصود مما ذكرنا أن آدم رأى فيهم الأنبياء مثل السرج وذلك بعد إخراجهم ~~من صلبه؛ فهذا فيه ms009 دلالة ظاهرة على بطلان من زعم أنعه لما تعلقت إرادة الحق ~~لعالى بإيجاد خلقه وتقدير رزقه؛ أبرز الحقيقة المحمدية من الأنوار الصمدية ~~في الحضرة الأحدية؛ ثم سلخ منها العوالم كلها علوها وسفلها؛ ثم انبجست منه ~~– صلى الله عليه وسلم- عيون الأرواح فعلى زعم هذا القائل أن الله لم يخلق ~~جميع النوع الإنساني إلا من نور محمد؛ وأن PageV01P024 # الملائكة مخلوقون من نوره وعلى هذا فلا معنى لقوله تعالى: {ياأيها الناس ~~إنا خلقناكم من ذكر وأنثى} [الحجرات: آية 13] وقوله: {ياأيها الناس اتقوا ~~ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ~~ونساء} [النساء: آية 1] وأن هذه الأحاديث لا دلالة فيها؛ سبحانك هذا بهتان ~~عظيم. # إذا عرفت هذا فهذه الأحاديث لا تدل على سبق الأرواح الأجساد سبقا مستقرا ~~ثابتا؛ غايتها أنها تدل بعد صحتها وثبوتها على أن بارئها وفاطرها سبحانه ~~صور النسم وقدر خلقها وآجالها وأعمالها؛ واستخرج تلك الصور من مادتها؛ ثم ~~أعادها إليها؛ وقدر خروج كل فرد من أفرادها في وقته المقدر له؛ وهذا هو ~~المطلوب ولا تدل على أنها خلقت خلقا مستقرا؛ ثم استقرت بوجوده حية عالمة ~~ناطقة كلها في موضع واحد؛ ثم يرسل منها إلى الأبدان جملة بعد جملة كما يقول ~~محمد بن حزم. نعم الرب سبحانه يخلق منها جملة على الوجه الذي سبق به ~~التقدير أولا؛ فيجيء الخلق الخارجي مطابقا للتقدير السابق كشأنه تعالى في ~~جميع مخلوقاته؛ فإنه قدر لها أقدارا وآجالا وصفاتا وهيئة ثم أبرزها إلى ~~الوجود مطابقة لذلك التقدير الذي قدره الله لها لا يزيد عليه ولا ينقص منه؛ ~~فالآثار المذكورة في هذا الباب إنما تدل على إثبات القدر السابق؛ وبعضها ~~يدل على أنه سبحانه استخرج أمثالهم وصورهم وميز أهل السعادة # PageV01P025 # من أهل الشقاوة. انتهى ملخصا من كتاب الروح لا بن القيم رحمه الله تعالى. # ثم قال بعد ذلك: فهذا بعض كلام السلف والخلف في هذه الآية؛ وعلى كل تقدير ~~فلا يدل على خلق الأرواح قبل الأجساد خلقا مستقرا؛ وإنما غابته أن تدل على ms010 ~~إخراج صورهم وأمثالهم في صور الذر واستنطاقهم؛ ثم ردهم إلى أصلهم إن صح ~~الخبر بذلك؛ والذي صح إنما هو إثبات القدر السابق وتقسيمهم إلى شقي وسعيد. ~~انتهى. # فتحصل لنا مما ذكر من كلام السلف إبطال دعوى من ادعى أن أرواح الأنبياء ~~مخلوقة من نور محمد- صلى الله عليه وسلم- قبل خلق السماوات والأرض وقبل ~~العرش والقلم واللوح؛ وأن جميع المخلوقات تفرعت جزء ابعد جزء؛ وخلقا بعد ~~خلق؛ إنسان؛ وجنها؛ وجنتها؛ ونارها؛ وحتى الملائكة من نور محمد- صلى الله ~~عليه وسلم-؛ وهذا مما يعلم بضرورة العقل أن هذا من الكذب والحكايات التي لا ~~أصل لها؛ بل الذي ثبت عن النبي- صلى الله عليه وسلم أن الله قدر مقادير ~~الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة؛ ففي صحيح مسلم من حديث ~~ابن وهب: أخبرني أبو هانىء الخولاني عن أبي عند الرحمن الحبلي عن عبد الله ~~بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " كتب الله ~~مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين # PageV01P026 # ألف سنة وعرشه على الماء" 1. # وهذا الملحد يزعم أن الحقيقة المحمدية أبرزت من الأنوار الصمدية في ~~الحضرة الأحدية؛ قبل خلق العرش والماء والقلم الذي كتب مقادير كل شيء قبل ~~خلق السماوات السماوات والأرض بخمسين ألف سنة؛ وهذا التر مناف لصريح الكتاب ~~والسنة ومناقض لهما أشد المناقضة؛ وهذه الترهات مقتبست من كلام ابن عربي ~~صاحب الفصوص الذي هو من أكفر خلق الله؛ فإنه ذكر في "الفتوحات" من نمط هذا؛ ~~وفي " الفصوص" في أثناء كلام له قال فيه: فإن فهمت ما أشرت به فقد حصل لك ~~العلم النافع؛ فكل نبي من بني آدم إلى آخر النبي؛ ما منهم أحد يأخذ إلا من ~~مشكاة خاتم النبيين؛ وإن تأخر وجود طينته؛ فإنه بحقيقته موجود وهو قوله: " ~~كنت نبيا وآدم بين الماء والطين" وغيره ما كان نبيا إلى حين بعث؛ وكذلك ~~خاتم الأولياء كان وليا وآدم بين الماء والطين؛ وغيره من الأولياء ما كان ~~وليا إلا تعد تحصيل شرائط الولاية من ms011 الأخلاق الإلهية في الاتصاف بها من ~~كون الله بالولي الحميد إلى آخر كلامه2. PageV01P027 # وبهذا تعلم أنهم إنما حذوا حذوه؛ وقفوا أثرهم؛ مع أن قوله: "كنت نبيا ~~وآدم بين الماء والطين" مما يرويه العوام؛ وهذا باطل؛ واللفظ المعروف "بين ~~الروح والجسد" 1؛ لأن بين الماء والطين مرتبة. PageV01P028 # وكذلك قوله: "وغيره ما كان نبيا إلى حين بعث" فإنه مخالف لقوله صلى الله ~~عليه وسلم " إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض ~~بخمسين ألف سنة " ولقوله في حديث أبي بن كعب المتقدم " ورأى فيهم الأنبياء ~~مثل السرج وخصوا بميثاق آخر بالرسالة والنبوية " إلى آخره. # وهؤلاء الغلاة يظنون أنهم بهذه الترهات معظمين الرسول؛ وهم بهذه الأمور ~~ضارعوا النصارى في الغلو والإطراء؛ ويزعمون أنهم بهذا الغلو قد بالغوا في ~~تعظيمه صلى الله عليه وسلم وتوقيره وتبجيله وتعزيره؛ وحاشا وكلا بل هو مما ~~يكرهه صلى الله عليه وسلم ويسخطه وينهي عنه كما قال صلى الله عليه وسلم " ~~لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله ~~" أخرجاه في الصحيحين "1؛ وقوله صلى الله عليه وسلم لما قيل له يا سيدنا ~~وخيرنا وابن خيرنا فقال: " يا أيها الناس قولوا بقولكم أو بعض قولكم ولا ~~يستجرينكم الشيطان أنا محمد عبد الله ورسوله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي ~~التي أنزلني الله عزوجل" 2. PageV01P029 # وإنما كره ذلك صلى الله عليه وسلم خشية أن يستجرينهم الشيطان في المبالغة ~~في المدح والثناء فيخرج بهم إلى حد الإطراء فأرشد صلى الله عليه وسلم إلى ~~الأدب في الألفاظ؛ وعلمهم كيفية الثناء عليه بأن يقولوا: عبد الله ورسوله. # فتبين من هذا الحديث أن أشرف مقامات النبي صلى الله عليه وسلم مقام ~~العبودية والرسالة؛ ولذلك شرفه الله بهما في مقام التحدي وغيره؛ فقال ~~تعالى: {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله} [البقر: ~~آية 23] وقال تعالى: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام} ~~[الإسراء: آية 1] وقال تعالى: {الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب} ~~[الكهف: ms012 آية 1] وقال تعالى: {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون ~~للعالمين نذيرا} [الفرقان: آية 1] وقال تعالى: {محمد رسول الله} [القلم: ~~آية 29] وقال تعالى: {وأنه لما قام عبد الله يدعوه} [الجن: آية 19] . # فتعظيمه صلى الله عليه وسلم إنما هو بطاعته؛ وامتثال أمره؛ والانتهاء عما ~~نهى عنه؛ ولزوم متابعته؛ وتقديم قوله على قول كل أحد من PageV01P030 # الخلق بهديه وسنته؛ فصلوات الله وسلامه عله كما نصح الأمة؛ وكشف الغمة؛ ~~وأدى الأمانة؛ وبلغ الرسالة؛ وقطع الوسيلة والذريعة المفضية إلى مجاوزة ~~الحد بالغلو والإطراء في مدحه والثناء فليه كما أطرت النصارى عسى بن مريم ~~وغلت فيه حتى تجاوزت الحد بدعواهم إلهيته وأنه هو الله أو ابن الله أو ثالث ~~ثلاثة تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. # وقد تجاوز الحد في مدحه والثناء عليه من هذه الأمة أناس ضاهوا النصارى ~~كما قال دحلان 1 في كتابه الذي سماه " الدرر السنية " فقال: "نعم يجب علينا ~~أن لا نصفه بشيء من صفات الربوبية؛ فليس في تعظيمه بغير صفات الربوبية شيء ~~من الكفر والإشراك؛ بل ذلك من أعظم الطاعات. ورحم الله البوصيري حيث قال: # دع ما ادعته النصارى في نبيهمو ... واحكم بما شئت مدحا فيه واحتكم # انتهى". PageV01P031 # وهذا ليس من التعظيم المشروع في شيء؛ بل هو من صرف خالص حق الله لغيره؛ ~~فإن دعاء غير الله والنحر له والنذر له والاستغاثة به والالتجاء إليه ~~والطواف له والسجدة له والركوع له وغيرها من أنواع العباد كفر وشرك؛ مع ~~أنها تعظيم بغير صفات الربوبية؛ بل الذي يجب علينا أن لا نعبد غير الله ~~بقسم من أقسام العبادة المتقدمة ذكرها؛ وأن لا نفعل ما نهى الله عنه ~~ورسوله؛ وأن لا نحدث في أمر الدين شيئا؛ قال الله تعالى: {وأن المساجد لله ~~فلا تدعوا مع الله أحدا} [الجن: آية 18] وقال تعالى: {ولا تدع من دون الله ~~ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين} [يونس: آية 106] وقال ~~تعالى: {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير ms013 فلا راد ~~لفضله} [يونس: آية 107] وقال تعالى: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله ~~رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين} [الأنعام: آية 162] ~~. إلى غير ذلك من الآيات الدالة على إفراد الله تعالى بالعبادة دون ما سواه ~~كائنا من كان. # PageV01P032 # فصل: ذكر الملحد حديث جابر وفيه " إن الله خلق قبل الأشياء نور نبيك ### | .... # الخ. # ... # فصل # قال الملحد: " وروى عبد الرزاق بسنده عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي ~~الله عنه قال: قلت يا رسول الله: بأبي وأمي أخبرني عن أول شيء خلقه الله ~~تعالى قبل الأشياء؟ قال يا جابر: إن الله تعالى خلق قبل الأشياء نور نبيك ~~من نوره، فجعل ذلك النور يدور بالقدرة حيث شاء الله تعالى، ولم يكن في ذلك ~~الوقت لوح ولا قلم ولا جنة ولا نار ولا ملك ولا سماء ولا أرض ولا شمس ولا ~~قمر ولا جن ولا إنس، فلما أراد الله أن يخلق الخلق قسم ذلك النور أربعة ~~أجزاء: فخلق من الجزء الأول القلم، ومن الثاني اللوح، ومن الثالث العرش، ثم ~~قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء: فخلق من الجزء الأول حملة العرش، ومن الثاني ~~الكرسي، ومن الثالث باقي الملائكة، ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء: فخلق ~~من الأول السماوات، ومن الثاني الأرضين، ومن الثالث الجنة والنار، ثم قسم ~~الرابع أربعة أجزاء: فخلق من الأول نور أبصار المؤمنين، ومن الثاني نور ~~قلوبهم وهي المعرفة بالله، ومن # PageV01P033 # الثالث نور أنسهم وهو التوحيد: لا إله إلا الله محمد رسول الله إلى آخر" ~~1. # والجواب أن يقال: هذا حديث موضوع مكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مخالف لصريح الكتاب والسنة، وهذا الحديث لا يوجد في شيء من الكتب المعتمدة، ~~وإنما يوجد مثل هذا في الكتب المصنفة في شرح الخصائص والشمائل وفي بعض ~~الكتب، كما يذكر أمثال ذلك أبو نعيم وابن عساكر وأبو حامد الغزالي وابن أبي ~~الدنيا في جزء التفكر والاعتبار من الأحاديث PageV01P034 # الموضوعة المكذوبة، ولا حاجة بأهل الإسلام إلى شيء مما يتعلق بخصائص ms014 ~~النبي صلى الله عليه وسلم وشمائله وفضائله من هذه الموضوعات، وفيما ذكره ~~أهل العلم بالله من حملة السنة والقرآن وأهل الحفظ والإتقان من خصائص النبي ~~وفضائله ومعجزاته وشمائله مما صح الخبر به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مقنع عما يذكره هؤلاء من الأكاذيب الموضوعة والأحاديث المصنوعة، فمن ذلك ~~الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: " فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ~~ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا1، وأرسلت إلى ~~الخلق كافة، وختم بي النبيون" 2. # وروى الإمام أحمد والنسائي من حديث البراء قال: " لما كان يوم الخندق ~~عرضت لنا في بعض الخندق صخرة لا تأخذ فيها3المعاول، فاشتكينا ذلك إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فجاء فأخذ المعول فقال: بسم الله، ثم ضرب ضربة ~~كسر4ثلثا، وقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأنظر قصورها ~~الحمر الساعة، ثم ضرب الثانية فقطع ثلثا آخر فقال: الله أكبر PageV01P035 # أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض الآن، ثم ضرب ~~الثالثة فقال: بسم الله فقطع باقي الحجر فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح ~~اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني" 1. # وفي صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قبل أن يموت بخمس2 وهو يقول: "إني أبر إلى الله أن يكون لي منكم خليل، ~~فإن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، ولو كنت متخذا من أمتي ~~خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون" قبور ~~أنبيائهم وصالحيهم"3 مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ~~ذلك" 4. # وله من المعجزات والفضائل والخصائص ما ليس لغيره PageV01P036 # من الأنبياء مما لا يحصى ولا يستقصى. # ومن أعظم ما خصه الله به من الفضائل المقام المحمود الذي يغبطه به ~~النبيون، قال الإمام أبو جعفر بن جرير رحمه الله على قوله تعالى: {عسى أن ~~يبعثك ms015 ربك مقاما محمودا} [الإسراء: آية 79] قال: يقعده معه على العرش1. ~~PageV01P037 # وله في القيامة ثلاث شفاعات: أما الشفاعة الأولى فيشفع لأهل الموقف حتى ~~يقضى بينهم، بعد أن يتراجع الأنبياء آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم ~~عن الشفاعة حتى تنتهي إليه. وأما الشفاعة الثانية، فيشفع في أهل الجنة أن ~~يدخلوا الجنة، وهاتان الشفاعتان خاصتان له. وأما الشفاعة الثالثة فيشفع ~~فيمن استحق النار، وهذه الشفاعة له ولسائر النبيين والصديقين وغيرهم، ويشفع ~~فيمن استحق النار أن لا يدخلها، ويشفع فيمن دخلها أن يخرج منها. # وله الحوض المورود في عرصات القيامة، ماؤه أشد بياضا من اللبن، وأحلى من ~~العسل، آنيته عدد نجوم السماء، طوله شهر، وعرضه شهر، من شرب منه شربة لم ~~يظمأ بعدها أبدا. PageV01P038 # وهو أول من يفتح له باب الجنة وأول من يدخل الجنة من الأمم أمته. # والمقصود من هذا: أن قول هذا الملحد فيما أورده عن القسطلاني من تلك ~~الحكاية، وما ذكره من هذا الحديث الموضوع " أن أول ما خلق الله من الأشياء ~~نور محمد صلى الله عليه وسلم، وأن جميع المخلوقات خلقت من نوره حتى النار" ~~1مناقض لما ذكره الله في كتابه، وعلى لسان رسوله في سنته. # ولو كان حقا ثابتا، أو كان من الفضائل والخصائص لذكره أهل الصحاح ~~والمسانيد والسنن وغيرها من الكتب المعتمدة، ومن المعلوم بالضرورة من دين ~~الإسلام أن هذا من الكذب الذي لا يمتري فيه عاقل، فضلا عن العلماء الذين هم ~~أعلم الخلق بالله وبكتابه ورسوله وسنة نبيه. # وإذا كان نور رسول الله صلى الله عليه وسلم على زعم هؤلاء مخلوقا من نور، ~~فمن المعلوم بصريح النقل أن الملائكة مخلوقون من النور أيضا، كما في الحديث ~~الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" خلقت الملائكة من نور، وخلق ~~إبليس من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم" 2. # وفي تفسير الحافظ أبي بكر أحمد بن موسى بن مردويه من حديث حماد بن سلمة ~~حدثنا الزبير بن عبد السلام عن أيوب بن عبد الله بن ms016 مكرز عن أبيه ~~PageV01P039 # قال: قال عبد الله بن مسعود: " إن ربكم عز وجل ليس عنده ليل ولا نهار، ~~ونور السموات من نور وجهه" الحديث إلى آخره1. # ونهى العلماء عن استقبال الشمس والقمر ببول أو غائط لما فيهما من نور ~~الله2، فإذا كان ذلك كذلك فما خاصية رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك ~~وامتيازه عن هذه المخلوقات؟ إذ من PageV01P040 # المعلوم بالضرورة أن خلق آدم من صلصال كالفخار، وقد فضله الله على ~~الملائكة وهم مخلوقون من نور، ورسول الله صلى الله عليه وسلم سيد ولد آدم، ~~وآدم عليه السلام فمن دونه تحت لوائه يوم القيامة، وقد ذكر صلى الله عليه ~~وسلم في الحديث السابق أن الملائكة خلقت من نور، ولم يقل: خلقت من نور محمد ~~فدل على أن هذا كذب عليه، وقد قال تعالى: {ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من ~~حمإ مسنون والجان خلقناه من قبل من نار السموم} [الحجر: آية26، 27] وثبت ~~بالإسناد الذي على شرط الصحيح عن عبد الله بن عمرو أنه قال: قالت الملائكة: ~~يا ربنا قد جعلت لبني آدم الدنيا يأكلون ويشربون، فاجعل لنا الآخرة كما ~~جعلت لهم الدنيا، فقال: لا أفعل. ثم أعادوا عليه، فقال: لا أفعل. ثم أعادوا ~~عليه، فقال: وعزتي لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له كن فكان 1. ~~فإذا ثبت أن الملائكة مخلوقون من نور وأن خلق آدم وذريته من PageV01P041 ### | ..................................................................................................................................... # PageV01P042 ### | ..................................................................................................................................... # PageV01P043 # صلصال من حمإ مسنون؛ وأقسم بعزته جل ثنائه وتقدست أسمائه أن من خلق بيده ~~أفضل من الملائكة المخلوقين من النور؛ وأنه لا يجعل صالح ذريته كلملائة؛ ~~وقال عبد الله بن سلام:" ما خلق الله خلقا أكرم عليه من محمد –صلى الله ~~عليه وسلم- فقيل له: يا أبا يوسف ولا جبرائيل ولا ميكائيل؟ فقال: يا ابن ~~أخي أو تعرف ما جبرائيل وميكائل؟ إنما جبرائيل وميكائيل خلق مسخر مثل الشمس ~~والقمر ما خلق الله خلقا أكرم عليه من محمد"وفي الحديث الصحيح عن أبي هريرة ~~ضي الله عنه قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه ms017 وسلم بيدي فقال: " خلق الله ~~التربة يوم الاثنين؛ وخلق المكروه يوم الثلاثاء؛ وخلق النور يوم الأربعاء ~~وبث فيها الدواب يوم الخميس؛ وخلق آدم 1 بعد العصر من يوم الجمعة 2 في آخر ~~الخلق في آخر الساعة من الساعات PageV01P044 # الجمعة فيما بين العصر إلى الليل" 1 فتبين من هذا الحديث أن خلق النور ~~يوم الأربعاء؛ وآدم خلق بعد العصر من يوم الجمعة آخر الخلق. # وقد ثبت أن نبينا صلى الله عليه وسلم قال: " أنا سيد ولد آدم ولا فخر" 2 ~~فكيف يصح في الأذهان أن يكون آدم مخلوقا من نور أفضل ولده؟ وقد أخبرنا الله ~~في كتابه وعلى لسان رسوله أن الله خلق آدم من صلصال من حمإ مسنون؛ أو تكون ~~النار التي هي محل غضبه وسخطه مخلوقة من نور محمد؟ # وقد ثبت أن الله خلق النار قبل أن يخلق آدم وذريته. ومن المعلوم بالضرورة ~~من دين الإسلام أن نور الله الذي هو صفته غير مخلوق؛ وليس من الله شيء ~~مخلوق؛ وإنما تكون الأشياء وتخلق بأمره وتكوينه وأفعاله سبحانه وبحمده إنما ~~أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون. # فإذا عرفت هذا عرفت أن ما ذكره القسطلاني لا يصح وأن هذا الحديث موضوع ~~مكذوب؛ وإذا كان ذلك كذلك تبين لك أنه لم يكن قبل خلق آدم خلق من ذريته ~~يسمى عالم الغيب لا أرواح ذريته من الأنبياء ولا غييرهم. PageV01P045 # فإذا عرفت هذا فنذكر هنا من الأحاديث الصحيحة ما يبطل دعى هؤلاء الوضاعين ~~الغلاة وأن الصحيح الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أول ما خلق ~~الله تعالى من الأشياء العرش أو القلم كما ذكره أهل العلم.قال الشيخ ~~الإسلام: الوجه التاسع أنه قد ذكرنا أن للسلف في العرش والقلم أيهما خلق ~~الآخر قولين كما ذكره الحافظ أبو العلاء الهمذاني وغيره أحدهما: أن القلم ~~خلق أولا؛ كما أطلق ذلك غير واحد؛ وهذا "1 هو الذي يفهم في الظاهر في كتب ~~من صنف في الأوائل كالحافظ ابن أبي عروبة وابن أبي ms018 معشر الحراني وأبي ~~القاسم الطبراني للحديث الذي رواه أبو داود في سننه عن عبادة بن الصامت أنه ~~قال: يا بني إنك لن تجد طعم الإيمان حتى تعلم أنما أصابك لم يكن ليخطئك وما ~~أخطأك لم يكن ليصيبك سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إن أول ما ~~خلق الله القلم فقال: اكتب. فقال: يا رب وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل ~~شيء حتى تقوم الساعة" يا بني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ~~مات على غير هذا فليس مني" 2. PageV01P046 ### | ..................................................................................................................................... # PageV01P047 # والثاني: أن العرش خلق أولا، قال الإمام عثمان بن سعيد الدارمي في مصنفه ~~في الرد على الجهمية حدثنا محمد بن كثير العبدي أنبأنا سفيان الثوري حدثنا ~~ابن هشام عن مجاهد عن ابن عباس قال: " إن الله كان على عرشه قبل أن يخلق ~~شيئا فكان أول ما خلق الله القلم، فأمره أن يكتب ما هو كائن، وإنما يجري ~~الناس على أمر قد فرغ منه" 1 ورواه أيضا أبو القاسم اللالكائي في كتابه في ~~شرح أصول السنة من حديث يعلى عن سفيان عن أبي هاشم عن مجاهد قال: قيل لابن ~~عباس: "إن ناسا يقولون في القدر قال: يكذبون بالكتاب لئن أخذت بشعر أحدهم ~~لأنصونه – أي لآخذن بناصيته – إن الله كان على عرشه قبل أن يخلق شيئا فخلق ~~القلم فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة وإنما يجري الناس على أمر قد فرغ ~~منه" 2 وكذلك روى الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب الأسماء والصفات لما ذكر ~~بدء الخلق فذكر حديث عبد الله بن عمرو 3؛4 وعمران بن حصين 5 وغيرهما؛ ~~وسنذكر هذين PageV01P048 # الحديثين إن شاء الله تعال؛ ثم ذكر حديث الأعمش عن المنهال بن عمرو عن ~~سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه سئل عن قول الله تعالى: {وكان عرشه على ~~الماء} [هود: آية 7] على أي شيء كان؟ قال: "على متن الريح" 1 وروى حديث ~~القاسم بن أبي بزة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه كان يحدث أن ms019 رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: "إن أول شيء خلقه الله القلم وأمره فكتب كل شيء ~~يكون" 2 قال البيهقي: ويروى ذلك عن عبادة بن الصامت مرفوعا. قال البيهقي: ~~وإنما أراد والله أعلم أول شيء خلقه بعد خلق الماء والريح والعرش 3 القلم؛ ~~وذلك بين في حديث عمران بن حصين "ثم خلق السماوات والأرض". PageV01P049 # وفي حديث أبي ظبيان 1 عن عباس موقوفا عليه " ثم خلق النون فدحا 2 الأرض ~~عليها". # وروى بإسناده الحديث المعروف عن وكيع عن الأعمش عن أبي ظبيان 1 عنى ابن ~~عباس قال:"إن 3 أول ما خلق الله من شيء القلم فقال له: يا رب ما أكتب؟ قال: ~~اكتب القدر. قال فجرى بما هو كائن من ذلك اليوم إلى قيام الساعة. قال: ثم ~~خلق النون فدحا 2 الأرض عليها فارتفع بخار الماء ففتق منه السماوات واضطرب ~~النون فمادت الأرض فأثبتت بالجبال وإنها لتفتخر على الأرض إلى يوم القيامة" ~~4. # قلت: حديث عمران بن حصين الذي ذكر هو ما رواه البخاري من غير وجه منها ما ~~رواه في كباب التوحيد في "باب وكان عرشه على الماء وهو رب العرش العظيم"5 ~~قال أبو PageV01P050 # العالية: استوى إلى السماء: ارتفع. وقال مجاهد: استوى 1 على العرش. # وذكره من حديث أبي حمزة عن الأعمش عن جامع بن شداد 2 عن صفوان بن محرز عن ~~عمران بن حصين قال: " إني عند النبي – صلى الله عليه وسلم- إذا جاءه قوم من ~~بني تميم فقال: اقبلوا البشرى يا بني تميم؛ قالوا: بشرتنا فأعطنا؛ فدخل ~~الناس من أهل اليمن فقال: اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذا لم يقبلها بنو ~~تميم؛ فقالوا قد قبلنا جئناك لنتفقه 3 في الدين؛ ولنسألك عن أول هذا الأمر؛ ~~قال: كان الله ولم يكن شيء قبله؛ وكان عرشه على الماء ثم خلق السماوات ~~والأرض؛ وكتب في الذكر كل شيء؛ ثم أتاني رجل فقال: يا عمران أدرك ناقتك فقد ~~ذهب فانطلقت أطلبها فإذا السراب ينقطع دونها وأيم الله لوددت أنها قد ذهبت ~~ولم أقم" ms020 رواه البيهقي كما رواه محمد بن خهارون الروياني في مسنده. # وعن عثمان بن سعيد وغيرهما من حديث الثقات المتفق على ثقتهم عن أبي إسحاق ~~الفزاري عن الأعمش عن جامع بن شداد عن صفوان بن محرز عن عمران بن حصين قال: ~~أتيت النبي – صلى الله عليه وسلم – فعقلت ناقتي بالباب ثم دخلت؛ فأتاه نفر ~~PageV01P051 # من بني تميم فقال: اقبلوا البشرى يا تميم قالوا: بشرتنا فأعطنا. فجاء نفر ~~من أهل اليمن فقال: اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها إخوانكم من ~~بني تميم فقالوا: قبلنا يا رسول الله أتيناك لنتفقه في الدين ونسألك عن أول ~~هذا الأمر كيف كان؟ قال: كان الله ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء ثم ~~كتب في الذكر كل شيء ثم خلق السماوات والأرض قال: ثم أتاني رجل فقال: أدرك ~~ناقتك قال: فذهبت فخرجت فوجدتها ينقطع دونها السراب؛ وأيم الله لوددت أني ~~تركتها. ففي هذا الحديث الصحيح بيان أنه كتب في 1 الذكر ما كتبه بعد أن كان ~~عرشه على الماء وقبل أن يخلق السماوات والأرض. # فتبين من هذه الأحاديث الصحيحة أن هذا الحديث الذي ذكره الملحد موضوع ~~مكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن أول ما خلف الله العرش على ~~الصحيح كما قال ابن القيم رحمه الله # واذكر حديث السبق للتقدير التو ... قيت قبل جميع ذي الأعيان # خمسين ألفا من سنين عدها ال ... مختار سابقة لذي الأكوان # هذا وعرش الرب فوق الماء من ... قبل السنين بمدة وزمان PageV01P052 # والناس مختلفون في القلم الذي ... كتب القضاء به من الديان # هل كان قبل العرش أو هو بعده ... قولان عن أبي العلا الهمداني # والحق أن العرش قبل لأنه ... قبل الكتابة كان ذا أركان # وكتابة القلم الشريف تعقبت ... إيجاده من غير فصل زمان # لما براه الله قال اكتب كذا ... فغدا بأمر الله ذا جريان # فجرى بما هو كائن أبدا إلى ... يوم المعاد بقدرة الرحمان # وهؤلاء الجهلة يزعمون أن أول ما خلق الله من الأشياء نور محمد – صلى ms021 الله ~~عليه وسلم ثم لما أراد الله أن يخلق الخلق قسم ذلك النور أربعة أجزاء فخلق ~~من الجزء الأول القلم؛ وهذا مناقض ومناف لما ثبت في صحيح البخاري عن عمران ~~بن حصين " مرفوعا" قال: " كان الله ولم يكن شيئ قبله وكان عرشه على الماء ~~ثم كتب في الذكر [كل شيء ثم خلق السماوات والأرض] . # PageV01P053 # ففي هذا الحديث أنه كتب في الذكر] 1 بعد أن كان عرشه على الماء فصح أن ~~العرش والماء مخلوقان قبل القلم؛ ولو كان الله خلق نور محمد – صلى الله ~~عليه وسلم- قبل الأشياء لذكره في الحديث الصحيح؛ وقد سألوه عن أول هذا ~~الأمر فأخبرهم أن الله كان ولم يكن قبله شيء وكان عرشه على الماء. وذكر ~~البيهقي فيما تقدم على حديث عبادة أن أول شيء خلقه الله بعد خلق الماء ~~والريح والعرش القلم. قال: وذكر بين في حديث عمران. ولم يذكر خلق نور محمد ~~لا قبل العرش ولا القلم ولا بعده. ثم ذكر هذا الملحد أن الله قسم الجزء ~~الرابع أربعة أجزاء فخلق من الأول السماوات ومن الثاني الأرض. وهذا مخالف ~~للأحاديث كما في حديث أبي ظبيان عن ابن عباس قال: " أول ما خلق الله عزوجل ~~القلم" فذكره وفيه: " ثم خلق النور فدحا الأرض فأثبتت بالجبال" فتبين من ~~هذا الحديث أن خلق الأرض قبل السماء كما قال تعالى: {قل أئنكم لتكفرون ~~بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين} - إلى قوله:- ~~{ثم استوى إلى السماء وهي دخان} [فصلت: آية 9-11] . وهذا الجاهل يقول ثم ~~خلق من الجزء الأول السماوات ومن الثاني الأرض خلاف ما PageV01P054 # ذكره ابن عباس – رضي الله عنهما- وخلاف ما نزل به القرآن. وقال عثمان بن ~~سعيد حدثنا عبد الله بن صالح المصري؛ حدثنا ابن لهيعة ورشدين بن سعد عن أبي ~~عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو قال: " لما أراد الله تبارك وتعالى ~~أن يخلق شيئا إذا كان عرشه على الماء وإذا لا أرض 1 ولا السماء؛ خلق الريح ~~فسلطها على الماء ms022 حتى اضطربت أمواجه وأثار ركامه؛ فأخرج من الماء دخانا ~~وطينا وزبدا؛ فأمر الدخان فعلا؛ وسما؛ ونمى؛ فخلق منه السماوات؛ وخلق من ~~الطين الأرضين؛ وخلق من التربة الجبال " 2. # وهذا الجاهل يقول إن الله خلق السماوات والأرض من الجزء الرابع من نور ~~محمد صلى الله عليه وسلم {سبحانك هذا بهتان عظيم} [النور: آية 16] . ~~PageV01P055 # فصل: ذكر الملحد حديث "كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد" ### | .... # الخ # ... # فصل # وأما قول الملحد: " أخرج الإمام أحمد والبخاري في تاريخه والطبراني ~~والحاكم وأبو نعيم عن ميسرة الضبي قال: قلت يا رسول الله: متى كنت نبيا؟ ~~قال: " وآدم بين روح والجسد" 1 قال المناوي في قوله: "متى كنت نبيا" ~~الحديث؛ ولم يقل إنسانا ولا موجودا إشارة إلى أن نبوته كانت موجودة في أول ~~خلق الزمان في عالم الغيب دون عالم الشهادة؛ فلما انتهى الزمان بالاسم ~~الباطن إلى وجود اسمه وارتباط الروح به؛ انتقل الحكم الزماني في جريانه إلى ~~الاسم الظاهر؛ فظهر بذاته جسما وروحا فكان الحكم له باطنا أولا في كل ما ~~ظهر من الشرائع على أيدي الأنبياء والرسل ثم صار له الحكم ظاهرا فنسخ كل ~~شيء أبرزه الاسم الباطن بحكم الاسم الظاهر لبيان اختلاف حكم الاسمين وإن ~~كان المشروع واحدا؛ انتهى". # فالجواب أن يقال: - ما ما ذكره المناوي على هذا الحديث PageV01P056 # من قوله: " إشارة إلى أن نبوته كانت 1 موجودة في أول خلق الزمان في عالم ~~الغيب دون عالم الشهادة إلى آخره". # فهو من جنس الرموز والإشارات والاعتبار الذي سلكه المتصوفة من أهل ~~السلوك؛ ومن جنس ما يذكره صاحب " الفصوص" في "الفتوحات"؛ ومن نمط ما يذكره ~~أبو حامد الغزالي من الألفاظ المبتدعة المأخوذة عن الفلاسفة؛ كلفظ عالم ~~الغيب والملكوت؛ وعالم الشهادة وغير ذلك من الألفاظ التي لا تذكر في شيء من ~~الأحاديث؛ وإنما أصل هذه الألفاظ من وضع الفلاسفة واصطلاحاتهم؛ فيعبر هؤلاء ~~بهذه العبارات المأخودة عن الفلاسفة؛ ويجعلون مراد الله ورسوله صلى الله ~~عليه وسلم من الآيات والأحاديث على ما أرادوا من معاني هذه الألفاظ ~~المخترعة التي تخالف ms023 كاب الله وسنة رسوله. # ومن المعلوم بالضرورة من دين الإسلام؛ ومما جاء عن سيد الأنام؛ أنه ليس ~~قبل خلق السماوات والأرض خلق من بني آدم أرواحا؛ ولا غيرها يسمى عالم ~~الغيب؛ ولا يوجد ذلك في كلام أئمة الإسلام؛ وهذا بناء من هؤلاء على أن ~~الأرواح مخلوقة قبل خلق السماوات والأرض؛ وعليه وضع الوضاعون تفرع خلق جميع ~~المخلوقات جزءا بعد جزء من نور محمد صلى الله عليه وسلم والذي ذكره أهل ~~العلم من الأحاديث إنما هو PageV01P057 # تقدير ما هو كائن إلى يوم القيامة؛ فإن الله تعلى قدر مقادير الخلق ~~وانقسام الخلق إلى سعيد وشقي؛ وميزهم قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف ~~سنة كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح: " إن الله كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق ~~السماوات والأرض بخمسين ألف سنة؛ وعرشه على الماء" وسيأتي بيان ذلك فيما ~~بعد إن شاء 1 الله تعالى؛ ومن المعلوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ قد ~~كان نبيا في سابق علم الله قبل أن يخلق السماوات والأرض؛ فإن الله قدر ما ~~هو كائن إلى يوم القيامة؛ ولم يكن ثم عالم غيب من الأرواح لا أرواح ~~الأنبياء ولا غيرهم من بني آدم. وهذا بخلاف ما قاله المناوي " من أن نبوته ~~كانت موجودة في أول خلق الزمان في عالم الغيب؛ يعني أنه كان في أول الزمان ~~فعالم الغيب روح موجودة بالاسم الباطن؛ ثم انتهى الزمان بالاسم الباطن إلى ~~وجود جسمه وارتباط الروح به؛ إلى أن انتقل الحكم الزماني في جريانه إلى ~~الاسم الظاهر؛ فظهر بذاته جسما وروحا" ومستنده في ذلك الحديث الذي أخرجه ~~البخاري في تاريخه؛ وأحمد والطبراني والحاكم والبيهقي وأبو نعيم؛ عن ميسرة ~~الضبي قال: قلت يا رسول الله: متى كنت نبيا؟ قال: "وآدم بين الروح والجسد". # ومن المعلوم أن هذا الحديث مناق لما قاله المناوي فإن PageV01P058 # آدم عليه السلام إنما خلقه الله بعد خلق السماوات والأرض بعد العصر من ~~يوم الجمعة آخر الخلق من آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى ms024 ~~الليل. ومعلوم أن خلق الزمان قبل خلق آدم بمدة طويلة؛ وإنما قال صلى الله ~~عليه وسلم "كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد" ولم يقل كنت نبيا في أول خلق ~~الزمان؛ بمعنى انه كان في أول خلق الزمان روحا موجودة قبل خلق العرش والماء ~~والريح والقلم؛ وأخرج صلى الله عليه وسلم في جملة من اخرج لما مسح الله ظهر ~~آدم بيده فاستخرج ذريته كأمثال الذر؛ فعلم أن هذا الحديث مناقض لما قاله ~~المناوي ومناف له. # PageV01P059 ### | فصل: ذكر كلام ابن القيم في أن خلق الأرواح متأخر عن خلق أبدانها. # ... # قال شمس الدين بن القيم – رحمه الله تعالى وعفا عنه-: # فصل # وأما الدليل على أن خلق الأرواح متأخر عن خلق 1 أبدانها فمن وجوه: # أحدها: أن خلق أبي البشر وأصلهم كان هكذا؛ فإن الله سبحانه أرسل جبرائيل ~~فقبض قبضة من الأرض ثم خمرها حتى صارت طينا ثم نفخ فيه الروح بعد أن صوره ~~فلما دخلت الروح فيه صار لحما ودما حيا ناطقا. ففي تفسير أبي مالك وأبي ~~صالح عن ابن عباس؛ وعن مرة عن ابن مسعود؛ وعن ناس من أصحاب النبي- صلى الله ~~عليه وسلم-؛ لما فرغ الله من خلق ما أحب استوى على العرش؛ فجعل إبليس على ~~ملك سماء الدنيا؛ وكان من قبيلة من الملائكة يقال لهم الجن؛ وإنما سموا ~~الجن لأنهم خزان الجن؛ وكان إبليس مع ملكه خازنا؛ فوقع في صدره 2 فقال: ما ~~أعطاني الله هذا إلا لمزية لي. # وفي لفظ:- لمزية لي على الملائكة؛ فلما وقع ذلك الكبر PageV01P060 # في نفسه اطلع الله على ذلك منه؛ فقال الله للملائكة: إني جاعل في الأرض ~~خليفة؛ قالوا: ربنا وما يكون حال الخليفة؟ قال: يكون له ذرية يفسدون في ~~الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضا؛ قالوا: ربنا أتجعل فيها من يفسد فيها ~~ويسفك الدماء؛ ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟ قال: إني أعلم ما لا تعلمون – ~~يعني من شأن إبليس- فبعث جبريل إلى الأرض يأتيه بطين منها؛ فقالت الأرض: ~~أعوذ بالله أن تقبض مني؛ فرجع ولم يأخذ. فقال: ms025 رب إنها عاذت بك فأعذتها؛ ~~فبعث ميكائيل فعاذت منه فأعاذها؛ فبعث ملك الموت فعاذت منه فقال: وأنا أعوذ ~~بالله أن أرجع ولم أنفذ أمره؛ فأخذ من وجه الأرض وخلط ولم ياخذ من مكان ~~واحد 1 فأخذ من تربة حمراء وبيضاء وسوداء. فلذلك خرج بنو آدم مختلفين؛ فصعد ~~به قبل الرب حتى عاد طينا لازبا- واللازب هو الذي يلزق بعضه ببعض – ثم قال ~~للملائكة: إني خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ~~ساجدين؛ فخلقه الله بيده لكيلا يتكبر إبليس عنه؛ 2 وخلقه بشرا فكان جسدا من ~~طين أربعين سنة؛ فمرت به الملائكة ففزعوا منه 3 لما رأوه وكان أشدهم منه ~~فزعا إبليسا؛ فكان يمر به فيضربه فيصوت الجسد PageV01P061 # كما يصوت الفخار؛ يكون له صلصة؛ فذلك حين يقول 1: من صلصال كالفخار؛ ~~ويقول لأمر ما خلقت؛ ودخل من فيه وخرج من دبره؛ فقال للملائكة: لا ترهبوا ~~من هذا فإن ركبكم صمد؛ وهذا جوف لئن سلطت عليه لأهلكنه؛ فلما بلغ الحين ~~الذي يريد الله جل ثناؤه أن ينفخ فيه الروح؛ قال للملائكة 2: إذا نفخت فيه ~~من روحي فاس جدوا له؛ ولما نفخ فيه الروح دخل الروح في رأسه فعطش؛ فقالت ~~الملائكة: قل الحمد لله. فقال: الحمد لله فقال: يرحمك ربك؛ فلما دخل في ~~عينيه نظر إلى ثمار الجنة؛ فلما دخل في جوفه اشتهى الطعام قبل أن تبلغ ~~الروح رجليه فنهض عجلان إلى ثمار الجنة فذلك 3 حين يقول: خلق الإنسان من ~~عجل وذكر باقي الحديث. # وقال 4 يونس بن عبد الأعلى: أخبرنا ابن وهب قال: حدثنا ابن زيد قال: لما ~~خلق الله 5 النار ذعرت منها الملائكة ذعرا شديدا. وقالوا: ربنا لما خلقت ~~هذا النار ولأي شيء خلقتها؟ قال: لمن عصاني من خلقي. PageV01P062 # ولم يكن لله 1 خلق يومئذ إلا الملائكة؛ والأرض ليس 2 فيها خلق؛ إنما خلق ~~آدم بعد ذلك؛ وقرأ قوله: {هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا ~~مذكورا} [الإنسان: آية1] قال عمر بن الخطاب: ms026 يا رسول الله ليت ذلك الحين. ~~ثم قال: وقالت الملائكة ويأتي علينا دهر نعصيك فيه؟ لا يرون له خلقا غيرهم ~~قال: لا إني أريد أن أخلق في الأرض خلقا وأجعل فيها خليفة.وذكر الحديث. # قال ابن إسحاق: فيقال والله أعلم: خلق الله آدم ثم وضعه ينظر إليه أربعين ~~عاما قبل أن ينفخ فيه الروح حتى عاد صلصالا كالفخار ولم تمسه نار فيقال ~~والله أعلم: لما انتهى الروح إلى رأسه عطش فقال: الحمد لله. فذكر الحديث. # فالقرآن والحديث؛ والآثار تدل على أنه سبحانه نفخ فيه من روحه بعد خلق ~~جسده فمن تلك النفخة حدثت فيه الروح ولو كانت روحه مخلوقة قبل بدنه مع جملة ~~أرواح ذريته لما عجبت الملائكة من خلقه ولما تعجبت من خلق النار وقالت لأي ~~شيء خلقتها وهي ترى أرواح بني آدم فيهم المؤمن والكافر والطيب والخبيث. ~~ولما كانت أرواح الكافر كلها تبعا لإبليس بل كانت الأرواح الكافرة مخلوقة ~~قبل كفره فإن الله سبحانه إنما حكم عليه بالكفر لعد خلق بدن آدم وروحه ولم ~~PageV01P063 # يكن قبل ذلك كافرا فكيف تكون الأرواح قبله كافرة ومؤمنة وهو لم يكن إذا ~~ذاك؟ وهل حصل الكفر للأرواح إلا بتزيينه وإغوائه فالأرواح الكافرة إنما ~~حدثت بعد كفره؛ إلا أن يقال كانت كلها مؤمنة ثم ارتدت بسببه؛ والذي احتجوا ~~به على تقدم خلق الأرواح بخلاف ذلك. # وفي حديث أبي هريرة في خلق 1 العالم الإخبار عن خلق أجناس العالم وتأخر ~~خلق آدم إلى يوم الجمعة ولو كانت الأرواح مخلوقة قبل خلق الأجساد لكانت من ~~جملة العالم المخلوق في ستة أيام فلما لم يخبر عن خلقها في هذه الأيام علم ~~أن خلقها تابع لخلق الذرية؛ وتمام الكلام في كتاب الروح فمن أراد الوقوف ~~عليه فليراجعه 2. # والمقصود أنه لم يكن هناك خلق يسمى عالم الغيب من بني آدم؛ ونبينا صلى ~~الله عليه وسلم أشرف نسمة وأكرمها على الله من بني آدم؛ فعلمنا قطعا أن ~~تفريع هؤلاء على هذا الحديث غير صحيح؛ مخالفا للكتاب والسنة وأقوال سلف ~~الأمة. ms027 # والمقصود أنه ذكر في الحديث الذي رواه عن الإمام أحمد والبخاري في تاريخه ~~وغيرهما ممن رواه قوله: متى PageV01P064 # كنت نبيا. قال: "وآدم بين الروح والجسد" وقد تقدم في كلام ابن القيم عن ~~ابن اسحاق وغيره أنه كان بين نفخ الروح في آدم وبين تصوير جسده أربعون سنة؛ ~~وهذا مناف لما قال المناوي:- إن نبوته كانت موجودة في أول خلق الزمان في ~~عالم الغيب فإن خلق الزمان كان قبل أن يخلق الله آدم بمدة طويلة اللهم إلا ~~إن كان أراد أنه في علم الله الذي كتبه حين كتب مقادير كل شيئ قبل أن يخلق ~~السماوات والأرض بخمسين ألف سنة. # إذا تحققت ذلك فلا يقال إن عالم الغيب هوعلم الله لأن علم الله صفة قائمة ~~بذاته وهو غير مخلوق وما سوى الله من العالم فهو مخلوق عالم الغيب وعالم ~~الشهادة؛ وقد كان من المعلوم أن آدم عليه السلام إنما خلق بعد خلق السماوات ~~والأرض آخر المخلوقات بعد هذا العدد المذكور؛ ونبينا صلى الله عليه وسلم ~~أكرم نسمة على الله من بني آدم وهو سيد ولد آدم. # فإذا عرفت هذا عرفت أن كلام المناوي من نمط ما يقوله أبو حامد الغزالي ~~حيث قال: وأما الأفعال فبحر متسعة أكنافه؛ ولا ينال بالاستقصاء أطرافه؛ بل ~~ليس في الوجود إلا الله وأفعاله؛ فكل ما سواه فعله؛ لكن القرآن اشتمل على ~~الخلق منها الواقع في عالم الشهادة كذكر السماوات والكواكب والأرض والجبال ~~والبحار والحيوان والنبات وإنزال الماء الفرات وسائر أصناف النبات وهي التي ~~ظهرت للحس؛ وأشرف أفعاله وأعجبها وأدلها على جلالة صانعها ما لا يظهر # PageV01P065 # للحسن بل هو في عالم الملكوت وهي الملائكة 1 الروحانية والروح والقلب ~~أعني العارف بالله تعالى من جملة أجزاء الآدمي فإنها أيضا من جملة عالم ~~الغيب والملكوت؛ وخارج عن عالم الملك والشهادة وذكر كلاما لا حاجة بنا ~~إليه؛ ولكن المقصود أنه زعم أن الروح من جملة عالم الغيب والملكوت. قال شيخ ~~الإسلام على هذا الكلام:-فهذا الكلام يستعظمه في باديء الرأي؛ أو مطلقا؛ من ms028 ~~لم يعرف حقيقة ما جاء به الرسول؛ ولم يعلم حقيقة الفلسفة التي طبق هذا ~~الكلام عليها وعبر عنها بعبارات المسلين. # فأما قول القائل إن القرآن اشتمل على الخلق؛ وهي التي ظهرت للحس؛ وأشرف ~~أفعال الله تعالى ما لا يظهر للحس؛ يعني ولم يشتمل القرآن عليه. فهذا مع ما ~~فيه من الغض بالقرآن؛ وذكر اشتماله على القسم الناقص دون الكامل؛ وتطرق أهل ~~الإلحاد إلى الاستخفاف بما جاءت به الرسل؛ هو كذب صريح يعلم صبيان المسلمين ~~أنه كذب على القرآن؛ فإن في القرآن من الأخبار عن الغيب من الملائكة والجن ~~والجنة والنار وغير ذلك ما لا يخفى على أحد؛ وهو أكثر من أن يذكر هنا؛ وفي ~~القرآن من الأخبار بصفات الملائكة وأصنافهم وأعمالهم ما لا يهتدي هؤلاء إلى ~~عشره؛ إذ ليس عندهم من ذلك إلا شيء قيل مجمل؛ بل الرسول إنما بعث ليخبرنا ~~PageV01P066 # بالغيب؛ والمؤمن من آمن بالغيب؛ وما ذكره من المشاهدات فإنما ذكره آية ~~ودلالة وبينة على ما أخبر به من الغيب؛ فهذا وسيلة وذلك هو المقصود. ثم ~~يقال: إنه إنما ذكر الوسيلة؛ يا سبحان الله إذا لم يكن الإخبار عن هذا ~~القسم في هذا الكتاب الذي ليس تحت أديم السماء كتاب أشرف منه؛ وعلم هذا لا ~~يوجد عن الرسول الذي هو أفضل خلق خلق الله تعالى في كل شيئ في العلم ~~والتعليم وغير ذلك؛ أيكون ذكر 1 هذا في كلام أرسطو وذوية؛ وأصحاب رسائل ~~إخوان الصفا؛ وأمثال هؤلاء الذين يثبون ذلك بأقيسة مشتملة على دعاوي مجردة؛ ~~لا نقل صحيح ولا عقل صريح؛ بل تشبه الأقيسة الطردية الخالية عن التأثير؛ ~~وتعود عند التحقيق إلى خيالات لا حقيقة لها في الخارج؛ كما سنبينه؛ وكذلك ~~روح الإنسان وقبله في الكتاب والسنة من الإخبار عن ذلك ما لا يحصيه إلا ~~الله. # ثم تكلم على ما أخطأ فيه من ذلك الملائكة وما يتضمن ذلك. # والمقصود أنما ذكره هذا الملحد عن المناوي إن كان النقل صحيحا فهو من جنس ~~ما يذكره أبو حامد مما يعود حقيقته ms029 عند التحقيق 2 إلى خيالات لا حقيقة لها ~~في الخارج. وأما ما ذكره من هذين الاسمين الشريفين فلا يدلان على ما ذكره ~~لا لفظا ولا معنى؛ ولا علاقة بينهما وبين ما ذكره؛ ولا PageV01P067 # ارتباط بوجه من الوجوه لا بإشارة ولا بتلويح ولا بتصريح؛ وقد فسر أعلم ~~الخلق بربه هذه الآية: قوله تعالى: {هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو ~~بكل شيء عليم} [الحديد: آية 3] بأنه هو الأول الذي ليس قبله شيء والآخر ~~الذي ليس بعده شيء والظاهر الذي ليس فوقه شيء والباطن الذي ليس دونه شيء 1؛ ~~قوله صلى الله عليه وسلم: "الظاهر الذي ليس فوقه شيء والباطن الذي ليس دونه ~~شيء" يدلان العبد على معرفة إحاطة الرب سبحانه بالعالم وعظمته؛ وأن العوالم ~~كلها في قبضته؛ وأن السماوات السبع والأرضين السبع في يده كخردلة في يد ~~العبد؛ قال تعالى: {وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس} [الإسراء: آية 60] ~~وقال: {والله من ورائهم محيط} [البروج: آية 20] ولهذا يقرن سبحانه بين هذين ~~الاسمين الدليلين على هذين المعنيين اسم العلو الدال على أنه الظاهر وأنه ~~لا شيء فوقه؛ واسم العظمة الدال على الإحاطة وأنه لا شيء دونه؛ كما قال ~~تعالى: {وهو العلي الكبير} [سبأ: آية 23] وقال تعالى: {ولله المشرق والمغرب ~~فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم} [البقر: آية 115] وهو تبارك ~~وتعالى كما أنه العالي فوق خلقه بذاته؛ فليس فوقه PageV01P068 # شيء فهو الباطن بذاته فليس دونه شيء؛ بل ظهر على كل شيء فكان فوقه؛ وبطن ~~فكان أقرب إلى كل شيء من نفسه؛ وهو محيط به حيث لا يحيط الشيء بنفسه؛ وكل ~~شيء في قبضته وليس في قبضة نفسه؛ فهذا قرب الإحاطة والعامة. # وأما القرب المذكور في القرآن والسنة فقرب خاص من عابدية وسائلية؛ فمعرفة ~~هذه الأسماء الأربعة وهي الأول والآخر والظاهر والباطن هي أركان العلم ~~والمعرفة؛ فحقيق بالعبد أن يبلغ في معرفتها إلى حيث تنتهي به قواه وفهمه؛ ~~واعلم أن لك أنت أولا وآخرا وظاهرا وباطنا كل شيء فله أول وآخر وظاهر وباطن ms030 ~~حتى الخطرة واللحظة والنفس وأدنى من ذلك وأكثر؛ فأوليته عزوجل سابقة على ~~أولية كل ما سواه؛ وآخريته ثابتة بعد آخرية كل ما سواه؛ فأوليته سبقه بكل ~~شيء؛ وآخريته بقاؤه بعد كل شيء؛ وظاهريته سبحانه فوقيته وعلوه على كل شيء؛ ~~ومعنى الظهور يقتضي العلو وظاهر الشيء هو ما علا منه وأحاط بباطنه؛ وبطونه ~~سبحانه إحاطته بكل شيء بحيث يكون أقرب إليه من نفسه؛ وهذا قرب غير قرب ~~المحب من حبيبه وهي إحاطتان زمانية ومكانية؛ فإحاطة أوليته وآخريته بالقبل ~~والبعد فكل سابق انتهى إلى أوليته وكل آخر انتهى إلى آخريته فأحاطت أوليته ~~وآخريته بالأوائل والأواخر وأحاطت ظاهريته وباطنيته بكل ظاهر وباطن؛ فما من ~~ظاهر إلا والله فوقه؛ وما من باطن إلا والله دونه وما من أول إلا والله ~~قبله وما من آخر إلا # PageV01P069 # والله بعده؛ فالأول قدمه؛ والآخر دوامه؛ والظاهر علوه وعظمته؛ والباطن ~~قربه ودنوه؛ فسبق كل شيء بأوليته؛ وبقى كل شيء بآخريته؛ وعلا كل شيء ~~بظهوره؛ ودنا عن كل شيء ببطونه؛ فلا تواري منه سماء سماء ولا أرض أرضا ولا ~~يحجب عنه ظاهر باطنا بل الباطن له ظاهر الغيب عنده شهادة والبعيد منه قريب ~~والسر عنده علانية؛ فهذه الأسماء الأربعة تشتمل على أركان التوحيد؛ فهو ~~الأول في آخريته والآخر في أوليته والظاهر في بطونه والباطن في ظهوره لم ~~يزل أولا وآخرا وظاهرا وباطنا؛ انتهى ملخصا من سفر الهجرتين. # فتبين مما ذكرناه أن لا تعلق لهذين الإسمين الشريفين بشيء مما ذكره ~~المناري؛ وإنما هو من التفريعات والرموزات والإشارات التي لا حقيقة لها عند ~~التحقيق؛ ولا قوام لها بالثبات على الطريق؛ وإن زعموا أن هذا من علم ~~المكاشفة فهو عند التحقيق مكاشفة. فإذا عرفت هذا وتحققت أنه لم يكن قبل خلق ~~المخلوقات عالم من أرواح بني آدم يسمى علم الغيب؛ وأن أول ما خلق الله ~~العرش والماء والريح ثم خلق القلم وكتب في الذكر كل شيء كائن إلى يوم ~~القيامة علمت يقينا أن ما ذكره القسطلاني والمناوي من الترهات والأكاذيب ~~الموضوعات؛ وأن هذا ms031 الحديث المروي عن جابر كذب مختلق؛ وأن الصحيح # PageV01P070 # الثابت عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم- هو التقدير السابق كما رواه ~~مسلم في صحيحه من حديث ابن وهب أخبرني أبو هاني الخولاني عن أبي عبد الرحمن ~~الحبلي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: "كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات الأرض بخمسين ~~ألف سنة"وعرشه على الماء " ورواه المسلم أيضا من حديث حيوة ونافع بن يزيد ~~كلامها عن أبي هاني الخولاني أنه سمع أبا عبد الرحمن الحبلي أنه سمع رسول ~~الله – صلى الله عليه وسلم – يقول "قدر الله المقادير قبل أن يخلق السماوات ~~والأرض بخمسين ألف سنة " ورواه البيهقي أيضا من حديث أبي مريم حدثنا الليث ~~ونافع بن يزيد قالا: حدثنا أبو هاني عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله ~~بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم- " فرغ الله من ~~المقادير وأمور الدنيا قبل أن يخلق السماوات الأرض وعرشه على الماء بخمسين ~~ألف سنة" ففي هذا الحديث الصحيح ما في ذلك الحديث من أنه قدر المقادير ~~وعرشه على الماء قبل أن يخلق السماوات والأرض؛ لكن بين فيه مقدار السبق أن ~~ذلك قبل السماوات والأرض بخمسين ألف سنة والله سبحانه وتعالى أعلم. # ثم لو كان ما ذكره المناوي والقسطلاني حقا ثابتا معلوما عند أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لذكره العباس بن عبد المطلب لما امتدح رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم منصرفه من تبوك؛ ففي السيرة النبوية # PageV01P071 # [روي عن عم أزي] 1 زحر بن حصن عن جده حميد بن منهب قال: سمعة جدي خزيم بن ~~أوس بن حارثة يقول: هاجرت إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- منصرفه من ~~تبوك فسمعت العباس يقول: يا رسول الله أريد أن أمدحك فقال: قل لا يفضض الله ~~فاك فقال: # من قبلها طبت في الظلال وفي ... مستودع حيث يخصف الورق # ثم هبطت البلاد لا بشر ... أنت ولا مضغة ولا علق # بل ms032 نطفة تركب السفين وقد ... ألجم نسرا وأهله الغرق # تنقل من صالب إلى رحم ... إذا مضى علم بدا طبق # حتى احتوى بيتك المهيمن من ... خندف علياء تحتها النطق # وأنت لما ولدت أشرقت الأر ... ض وضاءت بنورك الأفق # فنحن في ذلك الضياء وفي النو ... ر وسبل الرشاد نخترق PageV01P072 # الظلال: ظلال الجنة. قال الله تعالى: {إن المتقين في ظلال وعيون} ~~[المرسلات: آية 41] والمستودع هو الموضع الذي كان آدم وحواء يخصفان فيه ~~عليهما من ورق الجنة أي يضمان بعضه إلى بعض يستتران به؛ ثم هبطت إلى الدنيا ~~في صلب آدم وأنت لا بشر ولا مضغة؛ وقوله: تركب السفين يعني في صلب نوح؛ ~~وصالب لغة غريبة في الصلب الفتحتان كسقم وسقم؛ والطبق القرن أي كلما مضى ~~عالم وقرن جاء قرن؛ ولأن القرن يطبق الأرض؛ والنطق جمع نطاق وهو ما يشد به ~~الوسط ومنه المنطقة أي أنت أوسط قومك نسبا وجعله في عليا وجعلهم تحته ~~نطاقا؛ وضاءت لغة في أضاءت. انتهى. # وبهذا يعلم أنه لم مكن عندهم أعني الصحابة رضي الله عنهم خصوصا أهل بيته ~~أن الله خلق الأشياء كلها ولا أن العرش واللوح والقلم والملائكة والجنة ~~والنار وسائر والمخلوقاة خلقها الله من نور محمد جزاء بعد جزء وخلقا بعد ~~خلق. # ثم ذكر هذا الملحد كلاما لا حاجة بنا إلى الجواب عنه. # PageV01P073 # فصل: قال الملحد: (الباب الأول: في الآيات القرآنية الدالة على جواز ~~التوسل ... الخ. # ... # فصل # قال الملحد: "الباب الأول في الآيات القرآنية الدالة على جواز التوسل به" ~~ذكر بعض الآيات التي قرن الله بها اسمه باسم النبي- صلى الله عليه وسلم- ~~وما يتعلق في بيان ذلك. قال تعالى: {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك ~~فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما} [النساء: آية ~~64] وقال تعالى في شأن أهل أحد: {فاعف عنهم واستغفر لهم} [آل عمران: آية ~~159] وقال تعالى: {واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات} [محمد: آية 19] . # والجواب أن يقال: قد سبق هذا الملحد إلى الاستدلال بهذه الآية من ~~المشبهين أقوام وذكروا من الشبه نحو ما ذكره هذا ms033 وأكثر وأعظم تلبيسا ~~وتمويها؛ وأجابهم على ذلك الأئمة الجهابذة الحفاظ الذين هم القدوة وبهم ~~الأسوة وحسبنا ما ذكروه ووضحوه في هذه المسائل. # فقال الإمام الحافظ المحقق أبو عبد الله محمد بن أحمد ابن عبد الهادي ~~الحنبلي المقدسي؛ قدس الله روحه على ما # PageV01P074 # ذكره السبكي:- فأما استدلاله بقوله تعالى: {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم ~~جاءوك} [النساء: آية 64] فالكلام فيها في مقامين: # " أحدها": عدم دلالتها على مطلوبه."الثانية": بيان دلالتها على نقيضه؛ ~~وإنما يتبين الأمران بفهم الآية وما أريد بها وسيقت فه؛ وما فهمه منها أعلم ~~الأمة بالقرآن ومعانيه وهم سلف الأمة ومن سلك سبيلهم؛ ولم يفهم منها أحد من ~~السلف والخلف إلا المجيء إليه في حياته ليستغفر لهم؛ وقد ذم تعالى من تخلف ~~عن هذا المجيء إذ 1 ظلم نفسه وأخبر أنه من المنافقين. فقال تعالى: {وإذا ~~قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رءوسهم ورأيتهم يصدون وهم ~~مستكبرون} [المنافقون: آية 5] وكذلك هذه الآية إنما هي في المنافق الذي رضي ~~بحكم كعب بن الأشرف وغيره من الطواغيت دون حكم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم؛ فظلم نفسه بهذا أعظم ظلم ثم لم يجيء إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ليستغفر له؛ فإن المجيء إليه ليستغفر له توبة وتنصل من الذنب؛ وهذه ~~كانت عادة الصحابة معه صلى الله عليه وسلم أن أحدهم متى صدر منه ما يقتضي ~~التوبة جاء إليه فقال: يا رسول الله فعلت كذا وكذا فستغفر لي؛ وكان هذا ~~فرقا بينهم وبين المنافقين. PageV01P075 # فلما استأثر الله عز وجل بنبيه – صلى الله عليه وسلم- ونقله من بين ~~ظهورهم إلى دار كرامته؛ لم يكن أحد منهم قط يأتي إلى قبره؛ ويقول: يا رسول ~~الله فعلت كذا وكذا فستغفر لي؛ ومن نقل هذا عن أحد منهم فقد جاهر بالكذب ~~والبهت وافترى على كل 1 الصحابة والتابعين وتابعيهم؛ وهم خير القرون على ~~الإطلاق حيث تركوا هذا الواجب 2 الذي ذم الله سبحانه من تخلف عنه وجعل ~~التخلف عنه من أمارات النفاق 3؛ وكيف أغفل هذا الأمر ms034 أئمة الإسلام وهداة ~~الأنام من أهل الحديث والفقه والتفسير ومن لهم لسان صدق في الأمة؛ فلم ~~يدعوا إليه؛ ولم يرشدوا إليه؛ ولم يفعله أحد منهم ألبتة 4؛ ووفق له من لا ~~يؤبه 5 له من الناس ولا يعد في أهل العلم؛ بل المنقول الثابت عنهم 6 ما قد ~~عرف مما يسوء الغلاة فيما يكرهه وينهى PageV01P076 # عنه من الغلو والشرك الجفاة عما يحبه ويأمر به من التوحيد والعبودية. # ولما كان هذا المنقول شجا في حلوق الغلاة 1؛ وقذى في عيونهم؛ وريبة 2 في ~~قلوبهم؛ قابلوه بالتكذيب والطعن في الناقل؛ ومن اسحى 3 منهم من أهل العلم ~~بالآثار قابله بالتحريف والتبديل؛ ويأبي الله إلا أن يعلى منار الحق؛ ويظهر ~~أدلته ليهتدي المسترشد؛ وتقوم الحجة على المعاند؛ فيعلي الله بالحق من ~~يشاء؛ ويضع برده وبطره وغمص 4 أهله من يشاء. # ويا لله العجب أكان ظلم الأمة لأنفسها ونبيها حي بين أظهرها موجود؛ وقد ~~دعيت فيه إلى المجيء؛ إليه ليستغفر لها وذم من تخلف عن هذا المجيء؛ فلما ~~توقي صلى الله عليه وسلم ارتفع ظلمها له. # وهذا يبين أن هذا التأويل الذي تأول عليه المعترض هذه الآية تأويل باطل؛ ~~ولو كان حقا لسبقونا إليه علما وعملا وإرشادا ونصيحة؛ ولا يجوز إحداث تأويل ~~في آية أو سنة؛ لم PageV01P077 # يكن على عهد السلف ولا عرفوه ولا بينوه للأمة؛ فإن هذا يتضمن أنهم جهلوا ~~الحق في هذا وضلوا عنه واهتدى إليه هذا المعترض المستأخر؛ فكيف إذا كان ~~التأويل بخلاف تأويلهم ويناقضه؛ وبطلان هذا التأويل أظهر من أن يطنب في ~~رده؛ وإنما ننبه عليه بعض التنبيه. # ومما يدل على بطلان تأويله قطعا: أنه لا يشك مسلم أن من دعي إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في حياته؛ وقد ظلم نفسه ليستغفر له فأعرض عن ~~المجيء وأباه مع قدرته عليه؛ كان مذموما غاية الذم مغموصا بالنفاق؛ ولا كان ~~كذلك من دعي إلى قبره ليستغفر له؛ ومن سوى بين الأمرين وبين المدعوين وبين ~~الدعوبين؛ فقد جاهر بالباطل وقال على الله وكلامه ms035 ورسوله وأمناء دينه غير ~~الحق. # وأما دلالة الآية على خلاف تأويلها؛ فهو أنه سبحانه صدرها بقوله: {وما ~~أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك} ~~[النساء: آية 64] وهذا يدل على أن مجيئهم إليه ليستغفر لهم إذا ظلموا ~~أنفسهم طاعة له؛ ولهذا ذم من تخلف عن هذا الطاعة؛ ولم يقل مسلم إن على من ~~ظلم نفسه بعد موته أن يذهب إلى قبره ويسأله أن يستغفر له؛ ولوكان هذا طاعة ~~له لكان خير القرون عصوا هذه الطاعة وعطلوها؛ ووفق لها هؤلاء الغلاة ~~العصاة؛ وهذا بخلاف قوله: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم} # PageV01P078 # [النساء: آية 65] فإنه نعى الإيمان عمن لم يحكمه؛ وتحكيمه هو تحكيم 1 ما ~~جاء به حيا وميتا ففي حياته كان هو الحاكم بينهم بالوحي؛ وبعد وفاته نوابه ~~وخلفاؤه؛ يوضح ذلك أنه قال:"لا تجعلوا قبري عيدا" 2؛ ولو كان يشرع لكل مذنب ~~أن يأتي إلى قبره ليستغفر له لكان القبر أعظم أعياد المذنبين؛ وهذا مضادة ~~صريحة لدينه وما جاء به؛ انتهى. # وأما قول الملحد: وقال تعالى: في شأن أهل أحد: {فاعف عنهم واستغفر لهم} ~~[آل عمران: آية 159] وقال تعالى: {واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات} ~~[محمد: آية 19] . # فنقول: هذا كان في حياته بأبي هو وأمي وقد فعل ما أمره الله به؛ وأما بعد ~~وفاته فحاشا وكلا؛ ولو كان مشروعا بعد موته لأمر به أمته وحضهم عليهم؛ ~~ورغبهم فيه؛ ولكان الصحابة وتابعوهم PageV01P079 # بإحسان أرغب شيء فيه وأسبق إليه؛ ولم ينقل عن أحد منهم قط وهو القدوة ~~بنوع من نوع 1 الأسانيد أنه جاء إلى قبره ليستغفر له ويشتكي إليه ويسأله 2. # والذي صح عنه من الصحابة مجيء القبر هو ابن عمر وحده؛ إنما كان يجيء ~~للتسليم عليه صلى الله عليه وسلم وعلى صاحبه عند قدموه من سفر؛ ولم يكن ~~يزيد على التسليم شيئا؛ ومع هذا فقد قال عبيد الله بن عمر العمري الذي هو ~~أجل أصحاب نافع مولى ابن عمر أو من أجلهم: لا نعلم أحدا من أصحابه ms036 النبي ~~صلى الله عليه وسلم فعل ذلك إلا ابن عمر. # ومعلوم أنه لا هدي أكمل من هدي الصحابة؛ ولا تعظيم لرسول3 الله فوق ~~تعظيمهم؛ ولا معرفة لقده فوق معرفتهم؛ فمن خالفهم إما أن يكون 4 أهدى منهم؛ ~~أو مرتكبا 5 لنوع بدعة؛ كما قال عبد الله بن مسعود- لقوم رآهم اجتمعوا على ~~ذكر يقولونه بينهم-: لأنتم أهدى من أصحاب محمد أو أنكم 6 على شعبة ضلالة. ~~PageV01P080 # فتبين أنه 1 لو كان استغفاره لمن جاءه 2 مستغفرا بعد موته ممكنا أو ~~مشروعا؛ لكان كمال شفقته ورحمته بل رأفة مرسلة ورحمته بالأمة تقتضي3 ~~ترغيبهم في ذلك وحضهم 4 عليه ومبادرة خير القرون إليه؛ انتهى5. # وأما قوله: "فإن قال وهابي: هذا في حياته صلى الله عليه وسلم" # فالجواب أن نقول: نعم؛ قول الوهابية وبه قال أهل العلم قديما وحديثا؛ ولم ~~يخالفهم إلا كل مبتدع ضال مخالف لكتاب الله وسنة رسوله وإجماع سلف الأمة ~~وأئمتها كما تقدم بيانه. # وأما قوله: "فأقول قد انععقد الإجماع على حياته في قبره صلى الله عليه ~~وسلم". # فألجواب أن نقول: دعوى هذا الملحد أن الإجماع انعقد في حياته في قبره صلى ~~الله عليه وسلم؛ مصادمة لقوله تعالى: {إنك ميت وإنهم ميتون} [الزمر: 30] ~~وقوله تعالى: {وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإين مت فهم الخالدون} ~~[الأنبياء: آية34] وقوله: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ~~PageV01P081 # أفإين مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم} [آل عمران: آية 144] وقوله تعالى: ~~{كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} [الرحمن: آية 26؛ 27] ~~وقوله تعالى: {كل نفس ذائقة الموت} [آل عمران: آية 185] . # ومن المعلوم أنه لم يكن صلى الله عليه وسلم حيا في قبره كالحياة الدنيوية ~~المعهودة التي تقوم فيها الروح بالبدن وتدبره وتصرفه؛ ويحتاج معها إلى ~~الطعام والشراب واللباس والنكاح وغير ذلك؛ بل حياته صلى الله عليه وسلم ~~حياة برزخية وروحه في الرفيق الأعلى؛ وكذلك أرواح الأنبياء؛ والأرواح ~~متفاوتة في مستقرها في البرزخ أعظم تفاوت؛ فمنها أرواح في أعلا عليين في ~~الملأ ms037 الأعلى؛ وهي أرواح الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم؛ وهم متفاوتون ~~في منازلهم كما رآهم النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء؛ ونبينا صلى ~~الله عليه وسلم في المنزلة العليا التي هي الوسيلة. # قال ابن القيم- رحمه الله تعالى- في كتاب الروح بعد كلام طويل: وقد بينا ~~أن عرض مقعد الميت عليه من الجنة أو النار لا يدل على أن الروح في القبر ~~ولا على فنائه دائما من جميع الوجوه بل لها إشراف واتصال بالقبر وفنائه؛ ~~وذلك القدر منها يعرض عليه مقعده فإن للروح شأنا آخر تكون في الرفيق الأعلى ~~في أعلى عليين؛ ولها اتصال بالبدن بحيث إذا سلم المسلم على الميت رد الله ~~عليه روحه فيرد عليه السلام وهي في الملأ الأعلى وإنما يغلط أكثر الناس في ~~هذا الوضع؛ # PageV01P082 # حيث يعتقد أن الروح من جنس ما يعهد من الأجسام؛ إذا شغلت مكانا لم يمكن ~~أن تكون في غيره؛ وهذا غلط محض؛ بل الروح تكون فوق السماوات في أعلا عليين ~~فترد إلى القبر وترد السلام وتعلم بالمسلم وهي في مكانها. # وروح رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرفيق الأعلى دائما؛ ويردها الله ~~سبحانه وتعالى إلى القبر فيرد السلام على من يسلم عليه ويسمع كلامه؛ وقد ~~رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم موسى قائما يصلي في قبره 1 ورآه في ~~السماء السادسة والسابعة 2؛ فإما أن تكون سريعة الحركة ولانتقال كلمح ~~البصر؛ وإما أن يكون متصل منها بالقبر وفنائه بمنزلة شعاع الشمس؛ وجرمها في ~~السماء؛ انتهى. PageV01P083 ### $ فصل: سياق أبيات ابن القيم في نونيته فيما يتعلق بحياة الأنبياء في قبورهم ... # ... # وقال ابن القيم- رحمه الله تعالى- في " الكافية الشافية في الانتصار ~~للفرقة الناجية": # فصل # في الكلام في حياة الأنبياء في قبورهم # ولأجل هذا رام ناصر قولكم ... ترقيعه يا كثرة الخلقان # قال الرسول بقبره حي كما ... قد كان فوق الأرض والرجمان # من فوقه أطباق ذاك الترب والل ... بيات قد عرضت على الجدران # لوكان حيا في الضريح حياته ... قبل الممات بغير ما فرقان # ما كان تحت الأرض بل ms038 من فوقها ... والله هذي سنة الرحمن # أتراه تحت الأرض حيا ثم لا ... يفتيهمو بشرائع الإيمان # ويريح أمته من الآراء وال ... خلف العظيم وسائر البهتان # أم كان حيا عاجزا عن نطقه ... وعن الجواب السائل لهفان # PageV01P084 # وعن الحراك فما الحياة اللأء قد ... أثبتموها أو ضحوا ببيان # هذا ولم لا جاءه أصحابه ... يشكون بأس الفاجر الفتان # إذا كان ذلك دأبهم ونبيهم ... حي يشاهدهم شهود عيان # هل جاءكم أثر بأن صحابه ... سألوه فتيا وهو في الأكفان # فأجابهم بجواب حي ناطق ... فأتوا إذا بالحق والبرهان # هلا أجابهمو جوابا شافيا ... إن كان حيا ناطقا بلسان # هذا وما شدت ركائبه عن ال ... حجرات للقاصي من البلدان # مع شدة الحرص العظيم له على ... إرشادهم بطرائق التبيان # أتراه يشهد رأيهم وخلافهم ... ويكون للتبيان ذا كتمان # إن قلتموا سبق البيان صدقتمو ... قد كان بالتكرار ذا إحسان # هذا وكم من أمر أشكل بعده ... أعيى على العلماء كل زمان # PageV01P085 # أو ما ترى الفاروق ود بأنه ... قد كان منه العهد ذا تبيان # بالجد في ميراثه وكلالة ... وببعض أبواب الربا الفتان # قد قصر الفاروق عند فريقكم ... إذا لم يسله وهو في الأكفان # أتراهمو يأتون حول ضريحه ... لسؤال أمهمو أعز حصان # ونبيهم حي يشاهدهم ويسم ... عهم ولا يأتي لهم ببيان # أفكان يعجز أن يجيب بقوله ... إن كان حيا داخل البنيان # يا قومنا استحيوا من العقلاء و ... المبعوث بالقرآن والرحمان # والله لا قدر الرسول عرفتمو ... كلا ولا للنفس والإنسان # من كان هذا القدر مبلغ علمه ... فليستتر بالصمت والكتمان # ولقد أبان الله أن رسوله ... ميت كما قد جاء في القرآن # أفجاء أن الله باعثه لنا ... في القبر قبل قيامة الأبدان # PageV01P086 # أثلاث موتات تكون لرسله ... ولغيرهم من خلقه موتان # إذ عند نفخ الصور لا يبقي امرؤ ... في الأرض حيا قط بالبرهان # أفهل يموت الرسل أم يبقوا إذا ... مات الورى أم هل لكم قولان # فتكلموا بالعلم لا الدعوى وجي ... ئوا بالدليل فنحن ذو أذهان # أولم يقل من قبلكم للرافعي الأ ... صوات حول القبر بالنكران # لا ترفعوا الأصوات حرمة عبده ms039 ... ميتا كحرمته لدى الحيوان # قد كان يمكنهم يقولوا إنه ... حي فغضوا الصوت بالإحسان # لكنهم بالله أعلم منكمو ... ورسوله وحقائق الإيمان # ولقد أتوا يوما إلى العباس يس ... تسقون من قحط وجدب زمان # هذا وبينهم وبين نبيهم ... عرض الجدار وحجرة النسوان # فنبيهم حي ويستسقون غ ... ير نبيهم حاشا أولى الإيمان # PageV01P087 ### | فصل: قول ابن القيم في نونيته: فصل فيما احتجوا به على حياة الرسل في القبور # ... # فصل # فيما احتجوا به على حياة الرسل في القبور # فإن احتججتم بالشهيد بأنه ... حي كما قد جاء في القرآن # والرسل أكمل حالة منه بلا ... شك وهذا ظاهر التبيان # فلذاك كانوا بالحياة أحق من ... شهدائنا بالعقل ولإيمان # وبأن عقد نسائه لم ينفسخ ... فنساؤه في عصمة وصيان # والأجل هذا لم يحل لغيره ... منهن واحدة مدى الأزمان # أفليس في هذا دليل أنه ... حي لمن كانت له أذنان # أولم ير المختار موسى قائما ... في قبره لصلاة ذى القربان # أفميت يأتي الصلاة وإن ذا ... عين المحال وواضح البطلان # PageV01P088 # أولم يقل إني أرد على الذي ... يأتي بتسليم مع الإحسان # أيرد ميت السلام على الذي ... يأتي به هذا من البهتان # هذا وقد جاء الحديث بأنهم ... أحياء في الأجداث ذا تبيان # وبأن أعمال العباد عليه تع ... رض دائما في جمعة يومان # يوم الخميس ويوم الإثنين الذي ... قد خص بالفضل العظيم الشأن # PageV01P089 ### | فصل: قول ابن القيم في نونيته: فصل في الجواب عما احتجوا به في هذه المسألة # ... # فصل # في الجواب عما احتجوا به في هذا المسألة # فيقال أصل دليلكم في ذاك حج ... تنا عليكم وهي ذات بيان # إن الشهيد حياته منصوصة ... لا بالقياس القائم الأركان # هذا مع النهي المؤكد أننا ... ندعوه ميتا ذاك في القرآن # ونساؤه حل لنا من بعده ... والمال مقسوم على السهمان # هذا وإن الأرض تأكل لحمه ... وسباعها مع أمة الديدان # لكنه مع ذاك حي فارح ... مستبشر بكرامة الرحمان # فالرسل أولى بالحياة لديه مع ... موت الجسوم وهذه الأبدان # وهي الطرية في التراب وأكلها ... فهو الحرام عليه بالبرهان # PageV01P090 # ولبعض أتباع الرسول يكون ذا ... أيضا وقد ms040 وجدوه رأي عين # فانظر إلى قلب الدليل عليهمو ... حرفا بحرف ظاهر التبيان # لكن رسول الله خص نساؤه ... بخصيصة عن سائر النسوان # خيرن بين رسوله وسواه فاخ ... ترن الرسول لصحة الأيمان # شكر الإله لهن ذاك وربنا ... سبحانه للعبد ذو شكران # قصر الرسول على أولئك رحمة ... منه بهن وشكر ذي الإحسان # وكذلك أيضا قصرهن عليه مع ... لوم بلا شك ولا حسبان # زوجاته في هذه الدنيا وفي الأ ... خرى يقينا واضح البرهان # فلذا حرمن على سواه بعده ... إذ ذاك صون عن فراش ثان # لكن أتين بعدة شرعية ... فيها الحدود وملزم الأوطان # هذا ورؤيته الكليم مصليا ... في قبره أثر عظيم الشأن # PageV01P091 # في القلب منه حسيكة هل قاله ... فالحق ما قد قال ذو البرهان # ولذاك أعرض في الصحيح محمد ... عنه على عمد بلا نسيان # والدارقطني الإيمان أعله ... برواية معلومة التبيان # أنس يقول رأى الكليم مصليا ... في قبره فأعجب لذا الفرقان # بين السياق إلى السياق تفاوتا ... لا تطرحه فما هما سيان # لكن تقلد مسلم وسواه ممن ... صح هذا عنده ببيان # فرواته الأثبات أعلام الهدى ... حفاظ هذا الدين في الأزمان # لكن هذا ليس مختصا به ... والله ذو فضل وذو إحسان # فروي ابن حبان الصدوق وغيره ... خبرا صحيحا عنده ذا شأن # فيه صلاة العصر في قبر الذي ... قد مات وهو محقق الإيمان # فتمثل الشمس الذي قد كان ير ... عاها لأجل صلاة ذى القربان # PageV01P092 # عند الغروب يخاف فوت صلاته ... فيقول للملكين هل تدعان # حتى أصل العصر قبل فواتها ... قالا سنفعل ذاك بعد الآن # هذا مع الموت المحقق لا الذي ... حكيت لنا بثبوته القولان # هذا وثابت البناني قد دعا الر ... حمن دعوة صادق الإيقان # أن لا يزال مصليا في قبره ... إن كان أعطا ذاك من إنسان # لكن رؤيته لموسى ليلة المع ... راج فوق جميع ذي الأكوان # يرويه أصحاب الصحاح جميعهم ... والقطع موجبه بلا نكران # والذاك ظن معارضا لصلاته ... في قبره إذ ليس يجتمعان # وأجيب عنه بأنه أسرى به ... ليراه ثم مشاهدا بعيان # فرآه ثم وفي الضريح وليس ذا ... بتناقض إذ ms041 أمكن الوقتان # هذا ورد نبينا لسلام من ... يأتي بتسليم مع الإحسان # PageV01P093 # ما ذاك مختصا به أيضا كما ... قد قاله المبعوث بالقرآن # من زار قبر أخ له فأتى بتس ... ليم عليه وهو ذو إيمان # رد الإله عليه حقا روحه ... حتى يرد عليه رد بيان # وحديث ذكر حياتهم بقبورهم ... لما يصح وظاهر النكران # فانظر إلى الإسناد تعرف حاله ... إن كنت ذا علم بهذا الشأن # هذا ونحن نقول هم أحياء ل ... كن عندنا كحياة ذي الأبدان # والترب تحتهمو وفوق رؤوسهم ... وعن الشمائل ثم عن أيمان # مثل الذي قد قلتموه ومعاذنا ... بالله من إفك ومن بهتان # بل عند ربهمو تعالى مثلما ... قد قال في الشهداء في القرآن # لكن حياتهمو أجل وحالهم ... أعلى وأكمل عند ذي الإحسان # هذا وأما عرض أعمال العبا ... # د عليه فهو الحق ذو إمكان # PageV01P094 # وأتى به أثر فإن صح الحديث ... به فحق ليس ذا نكران # لكن هذا ليس مختصا به ... أيضا بآثار روين حسان # فعلى أبى الإنسان يعرض سعيه ... وعلى أقاربه مع الإخوان # إن كان سعيا صلحا فرحوا به ... واستبشروا يا لذة الفرحان # أو كان سعيا سيئأ حزنوا وقا ... لوا رب رجعه إلى الإحسان # ولذا استعاذ من الصحابة من روى ... هذا الحديث عقيبه بليان # يا رب إني عائذ من خزية ... أخزي بها عند القريب الدان # ذاك الشهيد المرتضى ابن رواحة المح ... بو بالغفران والرضوان # لكن هذا ذو اختصاص والذي ... للمصطفى ما يعمل الثقلان # هذي نهايات لأقدام الورى ... في ذا المقام الضنك صعب الشان # والحق فيه ليس تحمله عقو ... ل بني الزمان لغلظة الأذهان # PageV01P095 # والجهلهم بالروح مع أحكامها ... وصفاتها للألف بالأبدان # فارض الذي رضي الإله لهم به ... أتريد تنقض حكمة الديان؟ # هل في عقولهمو بأن الروح في ... أعلى الرفيق مقيمة بجنان # وترد أوقات السلام عليه من ... أتباعه في سائر الأزمان؟ # وكذاك إن زرت القبور مسلما ... ردت لهم أرواحهم للآن # فهمو يردون السلام عليك ل ... كن لست تسمعه بذى الأذنان # هذا وأجواف الطيور الخضر ... مسكنها لدى الجنات والرضوان # من ليس يحمل عقله هذا ms042 فلا ... تظلمه واعذره على النكران # للروح شأن غير ذى الأجسام لا ... تهمله شأن الروح أعجب شأن # وهو الذي حار الورى فيه فلم ... يعرفه غير الفرد في الأزمان # هذا وأمر فوق ذا لو قلته ... بادرت بالإنكار والعدوان # PageV01P096 # فلذاك أمسكت العنان ولو أرى ... ذاك الرفيق جريت في الميدان # هذا وقولي إنها مخلوقة ... وحدوثها المعلوم بالبرهان # هذا وقولي إنها ليست كما ... قد قال أهل الإفك البهتان # لا داخل فينا ولا هي خارج ... عنا كما قالوه في الديان # والله لا الرحمن أثبتم ولا ... أرواحكم يا مدعى العرفان # عطلتمو الأبدان من أرواحها ... والعرش عطلتم من الرحمن # وهذا الذي ذكره الحافظ شمس الدين هو مقتضى الكتاب والسنة وعليه سلف الأمة ~~وأئمتها وبما ذكره كفاية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. # PageV01P097 # فصل: استدل الملحد على النبي -صلى الله عليه وسلم - بقوله: "من رآني في ~~المنام فسيراني ... " الخ # ... # فصل # قال الملحد: "كيف لا وقد أخرج البخاري ومسلم وأبو داود عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم-: "من رآني في المنام ~~فسيراني في اليقظة" 1 فرؤيته يقظة أكبر دليل على حياته- صلى الله عليه ~~وسلم-. # والجواب أن يقال: هذا الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه وأبو داود في سننه ~~لا يدل على أن الرسول الله صلى الله عليه وسلم يرى يقظة في الدنيا كما كان ~~يرى حيا قبل أن يموت وكذلك ليس بصريح في أن النبي صلى الله عليه وسلم حي ~~قبره الحياة المعهودة في الدنيا ولا فيه دلالة على جواز التوسل به فضلا عن ~~أن يدعى ويستغاث به ويرجى في كشف الشدائد والمهمات لتفريج الكربات وإغاثة ~~اللهفات وأن يصرف له شيء من خالص ما PageV01P098 # لرب الأرض والسماوات؛ من جميع أنواع العبادات التي صرفها المشركون لغير ~~الله من المعبودات. # قال في السراج الوهاج على قوله: " فسيراني في اليقظة": أي سيراني يوم ~~القيامة رؤيا خاصة في القرب منه؛ أو من رآني في المنام ولم يكن هاجر يوفقه ~~الله للهجرة إلي والتشرف ms043 بلقائي ويكون الله جعل رؤيته في المنام علما على ~~رؤياه في اليقظة. # قال في المصابيح: وعلى الأول ففيه بشارة لرائيه بأنه يموت على الإسلام ~~وكفى بها بشارة وذلك أنه لا يراه في القيامة تلك الرؤية الخاصة باعتبار ~~القرب منه إلا من تحقق منه الوفاة على الإسلام حقق الله لنا ولأحبابنا ~~وللمسلمين والمتبعين ذلك بمنه وكرمه أو لكأنما رآني في اليقظة لا يتمثل ~~الشيطان بي. # قال العلماء: إن كان الواقع في نفس الأمر لكأنما رآني فهو كقوله فقد ~~رآني؛ أو فقد رأى الحق؛ وإن كان سيراني في اليقظة ففيه أقوال؛ وسيأتي ~~تفسيره: أحدها المراد به أهل عصره. الثاني: أنه يرى تصديق تلك الرؤيا في ~~اليقظة في الدار الآخرة. الثالث: يراه في الآخرة رؤيا خاصة في القرب منه ~~وحول شفاعته ونحو ذلك والله أعلم؛ انتهى.1 PageV01P099 ### | ..................................................................................................................................... # PageV01P100 # فغاية ما في هذا الحديث أن من رآه في المنام فسيراه في اليقظة في الآخرة ~~رؤيا خاصة باعتبار القرب منه أو يرى تصديق تلك الرؤيا في اليقظة في الدار ~~الآخرة وليس فيه أنه حي في قبره كحياته في الدنيا لا تصريحا ولا تلويحا؛ ~~وإنما هذه الدعوى المجردة من الدليل من تصرف هؤلاء الغلاة؛ واعتقادهم ~~الباطل المخالف لكتاب الله وسنة رسوله وكلام سلف الأمة وأئمتها. # وأما حياة الأنبياء في قبورهم ورؤيته صلى الله عليه وسلم لموسى قائما ~~يصلي في قبره فقد تقدم الجواب عنه في كلام الحافظ ابن القيم رحمه الله وبه ~~الكفاية. # وأما قوله: "وقد وقع الإخبار برؤيته صلى الله عليه وسلم يقظة لجماعة من ~~الأولياء اشتهرت كرامتهم؛ وعلت 1 مقاماتهم؛ واستقامت أحوالهم وجاءت على طبق ~~الشريعة أقوالهم؛ من الخواص القائمين بالمراقبة؛ وصحة التوجه على قدم ~~الصدق؛ ونهج الحق كالشيخ عبد القادر الجيلاني وأبي العباس المرسي وسيدي علي ~~وفاء وغيرهم من الأكابر؛ فلا يقدم على تكذيبهم فيما أخبروا به بطريق الجزم ~~عن أنفسهم إلا متجازف". # فالجواب أن يقال: إن رؤيته صلى الله عليه وسلم يقظة في هذه الدنيا من ~~أمحل المحال وأبطل الباطل؛ فإن الله تعالى قد ms044 قبضه إليه PageV01P101 # واستأثر به ورفعه إلى الرفيق الأعلى وإنما يتصور وجود هذا مناما فمن في ~~المنام وكان من أهل الصلاح وعلى صفته التي هو عليها فقد رآه حقا؛ فإن ~~الشيطان لا يتمثل به. وأما يقظة فهو من التخيلات الشيطانية التي أغوى بها ~~الشيطان كثيرا من الناس ممن يدعي الولاية؛ فإن منهم من يرى أشخاصا في ~~اليقظة يدعي أحدهم أنه نبي أو صديق أو شيخ من الصالحين؛ وقد جرى هذا لغير ~~واحد 1. وهذه الأحوال الشيطانية تحصل لمهن خرج عن الكتاب والسنة وهم درجات؛ ~~والجن الذين يقترنون بهم من جنسهم وهم على مذهبهم؛ والجن فيهم الكافر ~~والفاسق والمخطئ فإن كان الإنسي كافرا أو فاسقا أو جاهلا دخلوا معه في ~~الكفر والفسوق والضلال؛ وقد يعاونونه إذا وافقهم على ما يختارونه من الكفر ~~فيغتر بهؤلاء كثير من الناس ممن قلت معرفته وغلظ حجاب قلبه عن معرفة الحق ~~من الباطل. # وهؤلاء كما قال شيخ الإسلام تجد كثيرا من هؤلاء عمدتهم في اعتقاد كونه ~~وليا لله أنه قد صدر عنه مكاشفة في بعض الأمور أو بعض التصرفات الخارقة ~~للعادة مثل أن يشير إلى شخص فيموت؛ أو يطير في الهواء؛ أو ينفق بعض الأوقات ~~من الغيب؛ أو يختفي أحيانا عن أعين الناس؛ أو أن PageV01P102 # بعض الناس استغاث به وهو غائب أو ميت فرآه قد جاءه فقضى حاجته؛ أو يخبر ~~الناس بما سرق لهم؛ أو بحال غائب لهم؛ أو مريض؛ أو نحو ذلك من الأمور؛ وليس ~~في شيء من هذه الأمور ما يدل على أن صاحبها ولي لله بل قد اتفق أولياء الله ~~على أن الرجل لو طار في الهواء أو مشى على الماء لم يغتر به حتى ينظر ~~متابعته لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- وموافقته لأمره ونهيه؛ وكرامات ~~الأولياء أعظم من هذه الأمور الخارقة للعادة وإن كان قد يكون صاحبها وليا ~~لله فقد يكون عدوا لله؛ فإن هذه الخوارق تكون لكثير من الكافر والمشركين ~~وأهل الكتاب والمنافقين؛ وتكون لأهل البدع؛ وتكون من الشياطين فلا يجوز أن ~~يظن أن ms045 كل من كان له شيء من هذه الأمور أنه ليس لله بل يعتبر أولياء الله ~~بصفاتهم وأفعالهم وأحوالهم التي دل عليها الكتاب والسنة ويعرفون بنور ~~الإيمان والقرآن وبحقائق الإيمان الباطنة وشرائع الإسلام والظاهرة؛ انتهى. # وأما من ذكر من هؤلاء الذين يزعم أنهم أولياء فأما الشيخ عبد القادر ~~الجيلاني- رحمه الله- وأمثاله ممن هو على طريقته وسيرته فهو من عباد الله ~~الصالحين والعلماء العاملين؛ وله من الأحوال الإيمانية؛ والمآثر السنية ~~الدالة على متابعة الكتاب والسنة ما هو معروف من حاله ومقاله؛ ولكنه تجارى ~~عليه الملحدون؛ ووضعوا عليه أوضاعا؛ ونسبوا إليه أقوالا هو بريء منها؛ ومن ~~جملتها هذه الحكاية التي لا أصل لها؛ ولا نقلها # PageV01P103 # عنه من هو مأمون على الدين معروف بالصدق واليقين. # وأما من عداه من هؤلاء الذين ذكر أنهم من أكابر أولياء الله ممن لا نعرف ~~حالهم فالإقدام على تكذيبهم فيما أخبروا به بطريق الجزم عن أنفسهم هو من ~~الأمور التي يحبها الله ويرضاها؛ ومن رد الباطل على من قال به؛ إذ من ~~المعلوم بالضرورة أن رؤيته – صلى الله عليه وسلم- يقظة في هذه الدنيا لا ~~تصح لا من الشيخ عبد القادر؛ ولا ممن هو أجل منه فضلا عمن هو دونه؛ لأن ~~دعوى ذلك من المكابرة في الحسيات؛ والمباهتة في الضروريات والله أعلم. # "وأما قوله: # وإذا لم تر الهلال فسلم ... لأناس رأوه 1 بالأبصار" # فالجواب: # أقول من المحال نراه حيا ... بهذي الدار لا دار القرار # فغير مسلم تسليم هذا ... لأقوام رأوه بالأبصار # وهذا لا يكون فقد أتانا ... بذاك2 النص متضح المنار PageV01P104 # بأن المصطفى قد مات حقا ... وأنا ميتون وذاك 1 جاري # على كل الخلائق ليس يبقى ... سوى الخلاق من الخلق باري # فأما في المنام فذاك 2 حق ... يراه الصالحون أولو الفخار # وأما يقظة فيراه حيا ... كما قد كان حيا ذو اختيار # وتدبير وتصريف ويدري ... كما يدريه في ماض وجار # فدعوى هذه دعوى لعمري ... تبين أفكها بالإضرار # فإذا تحققت هذا فهؤلاء لم تكن أحوالهم وخوارقهم 2 أحوال وخوارق إيمانية؛ ~~وإنما كانت أبصارهم وحقائق ms046 أحوالهم خيالات شيطانية؛ وعلى غير متابعة الكتاب ~~والسنة مبنية؛ فلا يلتفت إلى أقوالهم؛ ولا يعول على ما ادعوه من أحوالهم؛ ~~لأنها عن الحقائق الإيمانية خالية؛ وأقوالهم عن الدليل عارية. # وأما قوله:"فالآية: {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله ~~واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما} [النساء: آية 64] منسحب إلى ~~الآن وإلى ما شاء الله." PageV01P105 # فأقول: هذا غير مسلم وقد تقدم الجواب عن هذا فراجعة. # وأما قوله:"ولذا ترى العلماء جميعا ذكروا في باب زيارة قبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن الإنسان عند المقابلة يتلو هذه الآية الكريمة كما يأتي ~~نقل ذلك عنهم في الباب الثالث". # فالجواب أن يقال: نسبة هذا إلى العلماء جميعهم من أبطل الباطل، وأمحل ~~المحال، وإنما يعرف مثل هذا في حكاية ذكرها طائفة من متأخري الفقهاء عن ~~أعرابي أتى قبر النبي صلى لله عليه وسلم وتلى هذه الآية واستحبها طائفة من ~~متأخري الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد، وسيأتي الكلام على هذا إن شاء الله ~~تعالى. # وأما الأئمة وعلماء السلف فلم يذكره أحد منهم، ولا استحب أحد منهم سؤال ~~النبي صلى الله عليه وسلم الاستغفار بعد موته، ولا غير ذلك ألبتة، فنسبته ~~إلى العلماء كلهم من الكذب عليهم كما سنبينه. # والحكايات والمنامات لا يثبت بها حكم شرعي ولا يسوغ مثل هذا إلا في دين ~~النصارى، فإن دينهم مبني على الحكايات والمنامات والأوضاع المخترعات. وأما ~~دين الإسلام فهو محفوظ بالإسناد، فلا يثبت حكم شرعي إلا بكتاب الله عز وجل، ~~وبما صح الخبر به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، # PageV01P106 # وكان عليه عمل الصحابة رضي الله عنهم، واشتهر ذلك بنقل الثقات العدول ~~المتفق على عدالتهم. # وأما قوله:"على أن من يدعي أنها خاصة بقبل الوفاة فعليه الدليل وأنى له ~~ذلك". # فالجواب أن يقال: أما كون المجيء إلى النبي صلى الله عليه وسلم خاصا بحال ~~حياته قبل وفاته فنعم، والدليل على ذلك من وجوه: # الوجه الأول: أن الآية نزلت في قوم معينين من أهل النفاق بدليل قوله ~~تعالى: {وإذا قيل ms047 لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين ~~يصدون عنك صدودا} [النساء: آية 61] فإن قيل: فالآية وإن وردت في أقوام ~~معينين في حال الحياة فإنها تعم بعموم العلة. قيل: نعم هذا حق فإنها تعم ما ~~وردت فيه وما كان مثله فهي عامة في حق كل من ظلم نفسه، وجاء كذلك في حال ~~حياته، وأما دلالتها على المجيء إليه في قبره فقد عرف بطلانه، يوضحه. # الوجه الثاني: أنه لو شرع لكل مذنب أن يأتي إلى قبره ليستغفر له لكان ~~القبر أعظم أعياد المذنبين وهذه مصادمة صريحة لقوله صلى الله عليه وسلم:"لا ~~تجعلوا قبري عيدا" 1. # الوجه الثالث: أن أعلم الأمة بالقرآن ومعانية وهم سلف الأمة، لم يفهم أحد ~~منهم إلا المجيء إليه في حياته ليستغفر PageV01P107 # لهم، ولم يكن أحد منهم يأتي إلى قبره ويقول: يا رسول الله فعلت كذا وكذا ~~فاستغفر لي، ومن نقل هذا عن أحد منهم فقد جاهر بالكذب والبهت. # فلو كان هذا منسحبا إلى ذا الآن وإلى ما شاء الله، لما ترك الصحابة- رضي ~~الله عنهم والتابعون لهم بإحسان هذه القربة التي ذم الله سبحانه من تخلف ~~عنها، وجعل التخلف عنه من أمارات النفاق، ووفق لها من بعدهم ممن لا يؤبه له ~~من الناس ولا يعد في أهل العلم، ويا لله العجب أكان ظلم الأمة لأنفسها ~~ونبيها حي بين أظهرها موجودا، وقد دعيت فيه إلى المجيء ليستغفر لها، وذم من ~~تخلف عن هذا المجيء، فلما توفي صلى الله عليه وسلم ارتفع ظلمها لأنفسها ~~بحيث لا يحتاج أحد منهم إلى المجيء إليه ليستغفر له، ولو كان حقا لسبقونا ~~إليه علما وعملا وإرشادا ونصيحة، ولا يجوز إحداث تأويل في آية أو سنة لم ~~يكن على عهد السلف، ولا عرفوه ولا بينوه للأمة. # الوجه الرابع: أنه لو كان المجيء إلى قبره بعد وفاته مشروعا لأمر به أمته ~~وحضهم عليه ورغبهم فيه، لأنه من كمال شفقته ورحمته ورأفته بالمؤمنين، فلا ~~خير إلا دل عليه أمته وأمر هم به، ولا شر إلا حذرها ms048 عنه ونهى 1 عنه، لأنه ~~أكمل الخلق نصحا للأمة، فقد بلغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح الأمة، ومن ~~كمال نصحه وشفقته بأمته أنه نهى عن اتخاذ قبره PageV01P108 # عيدا. فقال صلى الله عليه وسلم "لا تتخذوا قبري عيدا ولا بيوتكم قبورا" ~~الحديث,. فمن أتى إلى قبره بعد وفاته ليستغفر له فقد ارتكب ما نهى عنه وفعل ~~ما يسخطه. # قال تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} [الحشر: آية ~~7] وقد روى عبد الرزاق في مصنفه عن الثوري 1 عن ابن عجلان عن رجل يقال له ~~سهيل عن الحسن بن الحسن بن علي رأى قوما عند القبر فنهاهم وقال إن النبي- ~~صلى الله عليه وسلم- قال: " لا تتخذوا قبري عيدا، ولا تتخذوا بيوتكم قبورا، ~~وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني". # وروى سعيد بن منصور في سننه عن عبد العزيز بن محمد قال: أخبرني سهيل بن ~~أبي سهيل قال: رآني الحسن بن الحسن بن 2 علي بن أبي طالب عند القبر، ~~فناداني وهو في بيت فاطمة فقال: هلم إلى العشاء. فقلت: لا أريده. فقال: ~~مالي رأيتك عند القبر. فقلت: سلمت على النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: إذا ~~دخلت المسجد فسلم، ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا تتخذوا ~~قبري3 عيدا، ولا تتخذوا بيوتكم مقابر، لعن الله اليهود اتخذوا قبور ~~أنبيائهم مساجد وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم" ما أنتم ومن ~~بالأندلس إلا سوي PageV01P109 # وروى أبو يعلى الموصلي في مسنده عن أبي بكر ابن أبي شيبة حدثنا 1 زيد بن ~~الحباب حدثنا 1جعفر بن إبراهيم من ولد ذي الجناحين حدثنا 1 علي بن عمر عن ~~أبيه عن علي بن حسين أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم فيدخل فيها فيدعو. فنهاه فقال: ألا أحدثكم حديثا سمعته من ~~أبي عن جدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا تتخذوا قبري عيدا، ولا ~~بيوتكم قبورا فإن تسليمكم يبلغني 2 أينما كنتم 3. # الوجه الخامس: أنه ms049 قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"من عمل ~~عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" 4 وقد كان من المعلوم أن الصحابة رضي الله ~~عنهم لم يكونوا يفعلون 5 هذا. ولا هدي أكمل من هدي الصحابة، ولا تعظيم ~~لرسول الله فوق تعظيمهم، ولا معرفة لقدره فوق معرفتهم، كانوا كما قال ~~PageV01P110 # عبد لله بن سعود- رضي الله عنه-: من كان منهم مستنا فليستن بمن قد مات ~~فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا ~~أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا، قوم، 1 اختارهم الله لصحبة ~~نبيه ولإظهار دينه، فاعرفوا لهم فضلهم فاهتدوا بهديهم، فإنهم كانوا على ~~الصراط المستقيم. # وقد قال مالك في المبسوط: لا بأس لمن قدم من سفر أن يقف على قبر النبي ~~صلى الله عليه وسلم فيصلي ويدعو له ولأبي بكر وعمر فقيل له: فإن ناسا من ~~أهل المدينة لا يقدمون من سفر، ولا يريدونه، يفعلون ذلك في اليوم مرة أو ~~مرتين أو أكثر عند القبر، يسلمون ويدعون ساعة، فقال: لم يبلغني هذا من أحد ~~من أهل الفقه في بلدنا وتركه واسع، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح ~~أولها، ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك، ويكره ~~إلا لمن جاء من سفر أو أراداه والله أعلم2. PageV01P111 ### | فصل: في رد قول الملحد: هناك آيات أخر تشير إلى الالتجاء بالنبي الخ # ... # فصل # قال الملحد: "وهنا آيات أخر تشير إلى الالتجاء به صلى الله عليه وسلم ~~منها قوله تعالى: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} [الأحزاب: آية 6] ~~وقوله: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} [الأنبياء: آية 107] وقوله: ~~{بالمؤمنين رءوف رحيم} [التوبة: آية128] ". # فالجواب أن يقال: ليس في هذه الآيات ما يشير إلى الالتجاء به صلى الله ~~عليه وسلم، لا لفظا ولا معنى، والإلتجاء من خصائص الإلهية، فصرفه لغيره شرك ~~يخرج من الملة، فمن التجأ إلى غير الله كان مشركا، فقوله: {النبي أولى ~~بالمؤمنين من أنفسهم} [الأحزاب: آية 6] . # قال في ms050 جامع البيان: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} . في أمور ~~الدارين. قال عمر رضي الله عنه-: يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا ~~من نفسي، فقال عليه السلام:"لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك" فقال: ~~والله لأنت يا رسول الله أحب إلي من كل شيء حتى من # PageV01P112 # نفسي فقال:"الآن يا عمر" 1 وعن بعض المفسرين معناه: النبي أولى من بعضهم ~~ببعض في وجوب طاعته عليهم، انتهى. # وفال في الإكليل: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} أخرج البخاري عن أبي ~~هريرة مرفوعا:"ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة. ~~اقرأوا إن شئتم: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} فأيما مؤمن ترك مالا ~~فليرثه عصبته 2 من كانوا، فإن ترك دينا أو ضياعا فليأتني فأنا مولاه"، ~~انتهى3. # وفي صحيح البخاري أيضا: "والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب ~~إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين" 4. PageV01P113 # إذا علمت هذا فغاية ما في هذه الآيات إخباره تعالى بأن رسوله- صلى الله ~~عليه وسلم- أولى بالمؤمنين من أنفسهم في أمور دنياهم وأخراهم، وأن الله ~~تعالى أرسله رحمة للعالمين ليخرجهم من الظلمات، أي ظلمات الكفر والمعاصي، ~~إلى النور نور الإيمان والطاعة"وكان بالمؤمنين رحيما" كقوله: {لقد جاءكم ~~رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم} ~~[التوبة: آية128] فرأفته ورحمته بالمؤمنين، وغلظته وشدته على الكافرين، فمن ~~آمن بالله ورسوله وأخلص العبادة بجميع أنواعها لله ولم يشرك فيها أحدا، لا ~~ملكا مقربا، ولا نبيا مرسلا، فضلا عن غيرهما، فالرسول أولى به من نفسه، ~~ورأفته ورحمته- صلى الله عليه وسلم- خاصة بالمؤمنين به المؤتمرين لأمره، ~~المنتهين عما نهى عنه، ومن أشرك بالله في عبادته أحدا من مخلوقاته كائنا من ~~كان، والتجأ إليه في كشف المهمات وإغاثة اللهفات وصرف له خالص حق الله ~~فرسوله الله منه بريء فلا تنال رأفته ورحمته وشفقته من أشرك بالله، ولا ~~يكون من أهل ولاية الله في الدنيا والآخرة. # قال شمس الدين الحافظ ابن القيم- رحمه الله تعالى: # يا من ms051 له عقل ونور قد غدا ... يمشي به في الناس كل زمان # لكننا قلنا مقاله صارخ ... # في كل وقت بينكم بأذان # PageV01P114 # الرب رب والرسول فعبده ... حقا وليس لنا إله ثان # فلذاك لم نعبده مثل عبادة ال ... رحمن فعل المشرك النصراني # كلا ولم نغل الغلو كما نهى ... عنه الرسول مخافة الكفران # لله حق لا يكون لغيره ... ولعبده حق هما حقان # لا تجعلوا الحقين حقا واحدا ... من غير تمييز ولا فرقان # فالحج للرحمن دون رسوله ... وكذا الصلاة وذبح ذي القربان # وكذا السجود ونذرنا ويمننا ... وكذا مثاب العبد من عصيان # وكذا التوكل والإنابة والتقى ... وكذا الرجاء وخشية الرحمن # وكذا العبادة واستعانتنا به ... إياك نعبد ذان توحيدان # وعليهما قام الوجود بأسره ... دنيا وأخرى حبذا الركنان # وكذلك التسبيح والتكبير والت ... هليل حق إلهنا الديان # PageV01P115 # لكنا التعزير والتوقير ح ... ق للرسول بمقتضى القرآن # والحب والإيمان والتصديق لا ... يختص بل حقان مشتركان # هذي تفاصيل الحقوق ثلاثة ... لا تجملوها يا أولي العدوان # حق الإله عبادة بالأمر لا ... بهوى النفوس فذاك للشيطان # من غير إشراك به شيئا هما ... سببا النجاة فحبذا السببان # ورسوله فهو المطاع وقوله الم ... قبول إذ هو صاحب البرهان # والأمر منه الحتم لا تخيير في ... ه عند ذي عقل وذي إيمان # إلى أن قال: # هذا الذي أدى إليه علمنا ... وبه ندين الله كل أوان # فهو المطاع وأمره العالي على ... أمر الورى وأوامر السلطان # وهو المقدم في محبتنا على الأ ... هلين والأزواج والوالدان # PageV01P116 # وعلى العباد جميعهم حتى على النف ... س التي قد ضمها الجنبان # إلى أن قال: # كفرتموا من جرد التوحيد جه ... لا منكمو بحقائق الإيمان # لكن تجردتم لنصر الشرك والب ... دع المضلة في رضى الشيطان # والله لم نقصد سوى التجريد للت ... وحيد ذاك وصية الرحمن # ورضى رسول الله منا لا غلو ... الشرك أصل عبادة الأوثان # والله لو يرضى الرسول دعاءنا ... إياه بادرنا إلى الإذعان # والله لو يرضى الرسول سجودنا ... كنا نخر له على الأذقان # والله ما يرضيه منا غير إخلا ... ص وتحكيم لذي القرآن # ولقد نهى ذا ms052 الخلق عن إطرائه ... فعل النصارى عابدي الصلبان # ولقد نهانا أن نصير قبره ... # عيدا حذار الشرك بالرحمن # PageV01P117 # فصل: في رد قول الملحد: قد فهم آدم من قرن اسمه تعالى باسم نبيه أنه ~~الوسيلة ... الخ. # ... # فصل # قال الملحد:"وقد فهم أبو البشر آدم صلى الله عليه وسلم من قرنه اسمه ~~تعالى باسم نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أنه الوسيلة إليه، فتوسل به إلى ~~ربه بأن يغفر له، كما يأتي بالبان الثاني إن شاء الله". # فأقول هذا كذب محض، والحديث الآتي ذكره بعد موضوع وسيأتي الكلام عليه في ~~محله إن شاء الله تعالى. # وأما قوله:"فإذا علمت أن قرن اسم النبي باسمه تعالى يشعر بالتوسل به فخذ ~~الآيات المقرون بها اسم النبي باسمه تعالى". # فالجواب أن يقال: هذه الآيات التي قرن الله اسم نبيه باسمه تعالى لا تشعر ~~بالتوسل به، ولا تجيز صرف خالص حق الله له، وإنما غاية ما فيها تشريفه صلى ~~الله عليه وسلم، والتنويه بذكره، فهو صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، ~~وحسرة على الكافرين، وحجة على العباد أجمعين، قد افترض الله على 1 العباد ~~طاعته، ومحبته، PageV01P118 # وتعظيمه، وتوقيره، والقيام بحقوقه، وسد إلى جنته جميع الطرق فلم يفتح ~~لأحد إلا من طريقه، فشرح له صدره، ووضع عنه وزره، ورفع ذكره، وجعل الذلة ~~والصغار على من خالف أمره 1، وأقسم بحياته في كتابه المبين، وقرن اسمه ~~باسمه فلا يذكر إلا معه كما في التشهد والخطب والتأذين. # ثم سرد هذا الملحد الآيات التي قرن الله اسمه باسم نبيه فيها كطاعته ~~وطاعة رسوله، وترك معصية الله ورسوله، وعدم مشاقة الله ورسوله، وعدم ~~محاربته ومحاداة رسوله، وأن الأنفال الخمس لله ورسوله، ورد إلى الله وإلى ~~رسوله فيما تنازعت الأمة فيه، وأن الإيتاء لله ورسوله إلى غير ذلك من ~~الآيات التي شرف الله بها رسوله ورفع له بها ذكره وأوجب بها على الخلق ~~طاعته وغايتها ومقتضاها: تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، والإنتهاء عما ~~نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد PageV01P119 # الله إلا بما شرع، لا بالأهواء والبدع ms053 1، فمن فهم غير هذا منها بأن يتوسل ~~به، ويدعى ويستغاث به، ويلجأ إليه، فقد ضل فهمه، وحمل كلام الله ما لا ~~يحتمله، وحسبنا الله ونعم الوكيل. PageV01P120 # فصل: في رد قول الملحد: الآيات التي تمسك بها الوهابية لا تدل على مدعاهم ~~... الخ # ... # فصل # قال الملحد:"وأما الآيات التي تمسك بها الوهابية من قوله تعالى: {ادعوني ~~أستجب لكم} [غافر: آية 60] وقوله تعالى: {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له ~~إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله} [يونس: آية107] وقوله: {ونحن أقرب ~~إليه من حبل الوريد} [ق: آية16] ونحوها من الآيات الكريمة، فلا تدل على ~~مدعاهم من امتناع التوسل بالأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام". # فالجواب أن نقول: # هذه الآيات ونحوها من الآيات التي يستدل بها الوهابي على امتناع التوسل ~~بالأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وغيرهم من الملائكة، والأولياء ~~والصالحين هي من أوضح الدلائل والبينات على امتناع دعائهم، والاستغاثة لهم، ~~والاستشفاع بهم، والالتجاء إليهم، إلى غير ذلك من أنواع العبادة، لأنها ~~دالة على وجوب عبادة الله وحده لا شريك له، والبراءة عن عبادة ما سواه ~~كائنا من كان، وهي تتضمن كمال # PageV01P121 # الذل والحب، وتتضمن كمال الطاعة والتعظيم، وهذا دين الإسلام الذي لا يقبل ~~الله دينا غيره، لا من الأولين ولا من الآخرين، فإن جميع الأنبياء على دين ~~الإسلام، وهو يتضمن الاستسلام لله وحده، فمن استسلم له ولغيره كان مشركا، ~~ومن لم يستسلم له كان مستكبرا عن عبادته. قال تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة ~~رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} [النحل: آية 36] وقال تعالى: {وما ~~أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} ~~[الأنبياء: آية25] وقال تعالى عن الخليل: {وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه ~~إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين وجعلها كلمة باقية في ~~عقبه لعلهم يرجعون} [الزخرف: آيات 26-28] وقال تعالى عنه: {أفرأيتم ما كنتم ~~تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين} [الشعراء: ~~آيات75-77] وقال تعالى: {قد كانت لكم أسوة حسنة ms054 في إبراهيم والذين معه إذ ~~قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا ~~وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده} [الممتحنة: آية 4] ~~وقال تعالى: {واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمان آلهة ~~يعبدون} [الزخرف: آية 45] وذكر عن رسله نوح وهود وصالح وشعيب وغيرهم أنهم ~~قالوا لقومهم:- اعبد الله ما لكم من إله غيره، وقال عن أهل الكهف: {إنهم ~~فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا # PageV01P122 # رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا هؤلاء قومنا ~~اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين فمن أظلم ممن افترى على ~~الله كذبا} [الكهف: آيات13-15] وقال تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء: آية116] في موضعين من كتابه وقال ~~تعالى: {إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار} ~~[المائدة: آية72] . # قال الشيخ رحمه الله: والشرك المراد بهذه الآيات ونحوها يدخل فيه شرك ~~عباد القبور وعباد الأنبياء والملائكة والصالحين، فإن هذا هو شرك جاهلية ~~العرب الذين بعث فيهم عبد الله ورسوله محمد- صلى الله عليه وسلم-، فإنهم ~~كانوا يدعونها1، ويلتجؤون إليها، ويسألونها على وجه التوسل بجاهها، ~~وشفاعتها لتقربهم إلى الله كما حكى الله ذلك عنهم في مواضع2من كتابه كقوله ~~تعالى: {ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا ~~عند الله} [يونس: آية 18] وقال تعلى: {الذين اتخذوا من دون الله قربانا ~~آلهة بل ضلوا عنهم وذلك إفكهم وما كانوا يفترون} [الأحقاف: آية 28] . قال ~~رحمه الله: ومعلوم أن المشركين لم يزعموا أن الأنبياء والأولياء والصالحين ~~والملائكة شاركوا الله في خلق السماوات PageV01P123 # والأرض، أو استلقوا بشيء من التدبير والتأثير والإيجاد، ولو في خلق ذرة ~~من الذرات. # قال تعالى: {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل أفرأيتم ~~ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني ms055 برحمة ~~هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون} [الزمر: آية 38] . ~~فهم 1 معترفون بهذا مقرون به لا ينازعون فيه، ولذلك حسن موقع الاستفهام، ~~وقامت الحجة بما أقروا به من هذه الجمل، وبطلت عبادة من لا يكشف الضر، ولا ~~يمسك الرحمة. ولا يخفى ما في التنكير من العموم والشمول المتناول لأول شيء ~~وأدناه من ضر أو رحمة، وقال تعالى: {قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون ~~- إلى قوله: فأنا تسحرون} [المؤمنون: آيات 84-89] . وقال تعالى: {وما يؤمن ~~أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} [يوسف: آية 106] .ذكر فيه السلف كابن عباس ~~وغيره: إيمانهم هنا بما أقروا به من ربوبيته وملكه. وفسر شركهم2 بعبادة ~~غيره. # قال رحمه الله: وقد بين القرآن في غير موضع أن من المشركين من أشرك ~~بالملائكة، ومنهم من أشرك بالأنبياء والصالحين، ومنهم من أشرك بالكواكب، ~~ومنهم من أشرك PageV01P124 # بالأصنام، وقد رد عليهم أجمعين وكفر كل أصنافهم، كما قال تعالى: {ولا ~~يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم ~~مسلمون} [آل عمران: آية 80] . وقال تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا ~~من دون الله والمسيح ابن مريم} [التوبة: آية 31] ونحو ذلك في القرآن كثير. ~~وبه يعلم المؤمن أن دعاء الأنبياء والصالحين كدعاء الكواكب والأصنام من حيث ~~الشرك والكفر، واتفاقهما في 1 العلة التي هي دعاء غير الله. # وقال رحمه الله: وهذه العبادات التي صرفها المشركون لآلهتهم هي أفعال ~~العبد الصادرة منه كالحب والخضوع والإنابة والتوكل والدعاء والاستغاثة ~~والاستعانة والخوف والرجاء والنسك والتقوى والطواف ببيته رغبة ورجاء وتعلق ~~القلوب والآمال بفيضه ومده وإحسانه وكرمه، فهذه الأنواع أشرف أنواع العبادة ~~وأجلها بل هي لب سائر الأعمال الإسلامية وخلاصتها وكل عمل يخلو منها فهو ~~خداج مرود على صاحبه وإنما أشرك وكفر من كفر من المشركين بقصد غير الله ~~بهذا وتأهيله لذلك قال تعالى: {أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون} [النحل: ~~آية 17] وقال تعالى: {أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا لا يستطيعون نصر أنفسهم ~~ولا هم منا يصحبون} [الأنبياء: ms056 آية 43] وقال {أأتخذ من دونه آلهة إن يردني ~~الرحمان بضر لا PageV01P125 # تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذوني إني إذا لفي ضلال مبين} [يس: آيات ~~23-24] . وحكى عن أهل النار أنهم يقولون لآلهتهم التي عبدوها من دون الله: ~~{تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين} [الشعراء: آيات 97، ~~98] ومعلوم أنهم ما سووهم بالله في الخلق والتدبير والتأثير وإنما كانت ~~التسوية في الحب والخضوع والتعظيم والدعاء ونحو ذلك من العبادات. # وقال رحمه الله: فجنس هؤلاء المشركين وأمثالهم ممن يعبد الأولياء ~~والصالحين نحكم بأنهم مشركون ونرى كفرهم إذا قامت عليهم الحجة الرسالية، ~~وما عدا هذا من الذنوب التي دونه في الرتبة والمفسدة لا يكفر بها، ولا نحكم ~~على أحد من أهل القبلة الذين باينوا لعباد الأوثان والأصنام والقبور بكفر ~~بمجرد ذنب ارتكبوه، وعظيم جرم اجترحوه، انتهى. # فما استدل به الوهابي على امتناع التوسل بالأنبياء والرسل عليهم الصلاة ~~والسلام على عرف أهل هذا الزمان ولغتهم واصطلاحهم في معنى التوسل هو مقتضى ~~هذه الآيات، فأما التوسل الذي هو بلغة الصحابة والتابعين فهو التوسل ~~بدعائهم وذلك في حياتهم، وأما بعد وفاتهم فهو من البدع المكروهة المذمومة ~~المحرمة والله سبحانه وتعالى أعلم. # PageV01P126 # فصل: في الجواب عن قوله: إن القائلين بالتوسل بالأنبياء والصالحين ~~يقولون: ... الخ # ... # فصل # وأما قوله "وأما الذين أجمعوا من المسلمين على التوسل إلى الله بالأنبياء ~~والمرسلين لا يقصدون بذلك تأثير شيء بإيجاد نفع، أو دفع ضرر، ولا يعتقدون ~~ذلك ألبته. جميع المسلمين يعتقدون أن الله تعالى هو المنفرد بالإيجاد ~~والإعدام والنفع والضر، فلا يعدون من توسل بالنبي صلى الله عليه وسلم أو ~~بالملائكة أنهم اتخذوهم أولياء من دون الله فكيف يتجرؤن على الاستشهاد على ~~مذهبهم بقوله: {ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا} [آل عمران: ~~آية 80] . # فالجواب أن نقول: ما أشبه الليلة بالبارحة، لقد والله أمكنت الرامي 1 من ~~سواء الثغرة. فإن قولك هذا هو شرك جاهلية العرب الذين بعث فيهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فإنهم كانوا يدعون الأنبياء والملائكة والأولياء ms057 ~~والصالحين، ويلتجؤون 2 إليهم، ويسألونهم على وجه التوسل بجاههم وشفاعتهم ~~PageV01P127 # ليقربوهم 1 إلى كما حكى الله ذلك عنهم في مواضع من كتابه. قال تعالى: ~~{ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند ~~الله} [يونس: آية 18] .وقال تعالى: {والذين اتخذوا من دونه أولياء ما ~~نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} [الزمر: آية 3] .وقال تعالى: {فلولا ~~نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة بل ضلوا عنهم وذلك إفكهم وما ~~كانوا يفترون} [الأحقاف: آية 28] # ومن المعلوم أن الكفار الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقاتلهم واستحل دماءهم وأموالهم كانوا مقرين أن الله هو الخالق الرزاق ~~المحيي المميت النافع الضار الذي يدبر جميع الأمور، ويعتقدون أن الله هو ~~الفاعل لهذه الأشياء، وأنه لا مشارك له في إيجاد شيء وإعدامه، وأن النفع ~~والضر بيده وأنه هو رب كل شيء ومليكه، ولا يعتقدون أن آلهتهم التي يدعونها ~~من دون الله من الأنبياء والأولياء والصالحين والملائكة شاركوا الله في خلق ~~السماوات والأرض، واستقلوا بشيء من التدبير والتأثير والإيجاد، ولو في خلق ~~ذرة من الذرات. قال تعالى: {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن ~~الله قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره ~~أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون} ~~[الزمر: آية 38] فهم PageV01P128 # معترفون بهذا، ومقرون به لا ينازعون فيه. ولكن لم يدخلهم ذلك في الإسلام، ~~وقاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن يكون الدين كله لله. # فإذا عرفت أن هذا لم يدخلهم في الإسلام، وأن قصدهم الملائكة والأنبياء ~~يريدون شفاعتهم والتقرب إلى الله بهم هو الذي أحل دماءهم وأموالهم، عرفت أن ~~التوحيد الذي دعت إليه الرسل وأبي عن الإقرار به المشركون هو توحيد الله ~~تعالى، وأفعال العبد الصادرة منه كالدعاء والحب والخوف والرجاء والخضوع ~~والخشوع والإنابة والتوكل والاستقامة والاستعانة والخضوع والتذرع والالتجاء ~~وغير ذلك من أنواع العبادة التي اختص الله بها دون ms058 من سواه، وأن من صرف ~~منها شيئا لغيره، كان مشركا سواء اعتقد التأثير ممن يدعوه ويرجوه، أو لم ~~يعتقد. فمن صرف لغير الله شيئا من أنواع العبادة المتقدم ذكرها، فقد عبد ~~ذلك الغير واتخذه إلها، وأشركه مع الله في خالص حقه، وإن فر من تسمية 1 ~~فعله ذلك تألها 2 وعبادة وشركا. ومعلوم عند كل عاقل أن حقائق الأشياء لا ~~تتغير بتغير أسمائها، فلا تزول هذه المفاسد أسمائها، كتسمية عبادة غير الله ~~توسلا وتشفعا، وتعظيما للصالحين وتوقيرا، فالاعتبار بحقائق الأمور، لا ~~بالأسماء والاصطلاحات، والحكم يدور مع الحقيقة لا مع الأسماء. PageV01P129 # إذا عرفت هذا فمن أنواع هذا الشرك الذي يسميه هؤلاء توسلا وتشفعا بجاه ~~النبي صلى الله عليه وسلم أو بحقه، وغير ذلك من الألفاظ، أو بجاه غير النبي ~~كالملائكة والأنبياء والأولياء والصالحين، أن يعتقد الإنسان في غير الله ~~أنه يقدر بذاته على جلب منفعة لمن دعاه أو استغاث به، أو دفع مضرة. قال ~~تعالى: {ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها} الآية [فاطر: آية 2] . ~~وقال تعالى: {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد ~~لفضله} [يونس: آية 107] فإذا ثبت في القلب أن الله عز وجل بهذه الصفات فوجب ~~أن لا يستغاث إلا به، ولا يدعى إلا هو، ولا يخاف ولا يرجى إلا هو، ولذلك ~~قال تعالى: {قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا} [التوبة: آية 51] ~~فقال تعالى توبيخا لأهل الكتاب الذين يستغيثون بعيسى وأمه وعزير عليهم ~~السلام لما أنزل الله عليهم القحط والجدب: {قل ادعوا الذين زعمتم من دونه ~~فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا} [الإسراء: آية 56] وقال تعالى: {إنما ~~أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد} الآية [الكهف: آية 110] وقال: ~~{قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله} [يونس: آية 49] . # ومن أنواع هذا الشرك التوكل والصلاة والنذر والذبح لغير الله. قال تعالى: ~~{فاعبده وتوكل عليه} [هود: آية 123] . # PageV01P130 # وقال: {وتوكل على الحي الذي ms059 لا يموت} [الفرقان: آية 58] . وقال: {وعلى ~~الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين} [المائدة: آية 23] . وقال تعالى: {حرمت عليكم ~~الميتة والدم - إلى قوله- وما ذبح} [المائدة: آية 3] . وقال: {فصل لربك ~~وانحر} [الكوثر: آية 2] . وقال: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب ~~العالمين لا شريك له} [الأنعام: آيات 162, 163] . # ومن أنواع هذا الشرك العكوف على قبور المشهورين بالنبوة الصلاح 1 ~~والولاية, لأن الناس يعرفون الرجل الصالح وبركته ودعاءه, فيعكفون على قبره ~~ويقصدون ذلك، فتارة يسألونه, وتارة يسألون الله عند قبره 2. # ولما كان هذا مبدأ الشرك سد النبي صلى الله عليه وسلم هذا الباب ففي ~~الصحيحين أنه قال في مرض موته: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور ~~أنبيائهم مساجد "يحذر ما صنعوا" قالت عائشة: "ولولا ذلك لأبرز قبره. لكن ~~كره أن يتخذ مسجدا 3، وقال: "لا تتخذوا قبري عيدا ولا بيوتكم قبورا وصلوا ~~علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني" 3 وقال صلى الله عليه وسلم: "لعن الله ~~زائرات القبور PageV01P131 # المتخذين عليها المساجد والسرج، 1، انتهى. # وأما قوله: "ولا يعدون من توسل بالنبي صلى الله عليه وسلم أو بالملائكة ~~أنهم اتخذوهم أربابا من دون الله, فكيف يتجرءون على الاستشهاد على مذهبهم ~~بقوله: {ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا} الآية [آل عمران: ~~آية 80] . # فالجواب أن يقال: إن دعوى من دعا النبي صلى الله عليه وسلم واستغاث به ~~ولجأ إليه ودعا الملائكة أنهم لا يتخذوه أربابا من دون الله ولا يعدون ذلك، ~~لا تجدي هذه الدعوى شيئا، فإن الكفار كما تقدم بيان ذلك يزعمون 2 أن ~~الأنبياء والملائكة استقلوا بشيء من أفعال الربوبية، أو شاركوا الله في ~~إيجاد شيء، أو إعدامه PageV01P132 # أو ساووهم بالله في التدبير والنفع والضر والتأثير، ولكن لما أشركوهم مع ~~الله في عبادته بالحب والخوف والتعظيم والرجاء والتوكل والاستغاثة ~~والالتجاء والذبح والنذر وغير ذلك، كان ذلك كفرا وشركا بالله، فإن من أشرك ~~مع الله في عبادة غيره فقد اتخذه 1 ربا وإلها، ولذلك يحتج عليهم سبحانه بما ~~أقروا به من توحيد الربوبية على ما جحده من ms060 توحيد الإلهية. # ولما قال- صلى الله عليه وسلم-: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون ~~الله} قال عدي بن حاتم رضي الله عنه: إنهم لا يعبدوهم. قال: أليسوا يحلون ~~ما حرم الله فيحلونه، ويحرمون ما أحل الله فيحرمونه. قال: بلى. قال: فتلك ~~عبادتهم 2 فجعل صلى الله عليه وسلم طاعتهم في التحليل والتحريم التي هي ~~أفعالهم بتعظيم- أحبارهم ورهبانهم الذين اتخذوهم أربابا من دون الله- عبادة ~~لهم مع الله. # ولهذا اجترأ الوهابية على تكفير من دعا غير الله، واستغاث به، ولجأ إليه، ~~وصرف له شيئا من خالص حق الله، لأنه قد اتخذه ربا ومعبودا، واستدلوا على ~~ذلك بقوله تعالى: {ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم ~~بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون} [آل عمران: آية 80] كما سيأتي بيان ذلك إن شاء ~~الله. PageV01P133 # فصل: في رد قول الملحد: إن العوام الطالبين من الصالحين ما لا يطلب إلا ~~من الله: طلبهم مجاز ... الخ # ... # فصل # وأما قول الملحد:" فإن قلت شبهة من منع التوسل رؤيتهم بعض العوام يطلبون ~~من الصالحين أحياء وأمواتا أشياء لا تطلب إلا من الله تعالى، ويقولون للولي ~~افعل لي كذا وكذا، فهذه الألفاظ الموهمة محمولة على المجاز العقلي، ~~والقرينة عليه صدوره من موحد، ويدلك على ذلك أنك إذا استفسرت العامي عند ~~نطقه بهذه الألفاظ الموهمة يبين لك معتقده بأن الله هو الفاعل للأشياء ولا ~~مشارك له في إيجاد شيء". # فالجواب أن نقول: الكلام على هذا من وجوه: # الأول: أن طلب بعض العوام، أو بعض الخواص من أهل القبور المعروفين ~~بالصلاح من الأحياء والأموات، واعتقاد أنهم يقدرون على ما لا يقدر1عليه إلا ~~الله عز وجل، ويفعلون ما لا يفعله إلا الله عز وجل، حتى نطقت ألسنتهم بما ~~PageV01P134 # انطوت عليه قلوبهم، وصاروا يدعونهم تارة مع الله، وتارة استقلالا، ~~ويصرخون بأسمائهم، ويعظمونهم تعظيم من يملك الضر والنفع، ويخضعون لهم خضوعا ~~زائدا على خضوعهم عند وقوفهم بين يدي الله عز وجل في الدعاء: هو اعتقاد ~~كفار قريش الذين بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقاتلهم ms061 عليه ليكون ~~الدين كله لله، وأن يخلصوا العبادة له، ويخلعوا الأنداد المدعوة من دونه، ~~فمن طلب من مخلوق ما لا يقدر عليه إلا الخالق فقد أشرك ذلك المخلوق في ~~عبادة الله، سواء كان المدعو نبيا أو ملكا أو رجلا صالحا أو غير ذلك. # الثاني: أن مجرد عدم التأثير والخلق والإيجاد والإعدام والنفع والضر إلا ~~لله1 لا يبرئ من الشرك، فإن المشركين الذين بعث الله الرسل إليهم أيضا ~~كانوا مقرين بأن الله هو الخالق الرازق النافع الضار، بل لا بد فيه من ~~إخلاص توحيده وإفراده، وإخلاص التوحيد لا يتم إلا بأن يكون الدعاء كله لله، ~~والطلب منه والنداء والاستغاثة والرجاء واستجلاب الخير واستدفاع الشر له ~~وعنه، لا بغيره ولا من غيره، وكذلك النذر والذبح والسجدة كلها يكون لله. # الثالث: أن مجرد كون الأحياء والأموات شركاء في أنهم لا يخلقون شيئا، ~~وليس لهم تأثير في شيء لا يقتضي أن يكون PageV01P135 # الأحياء والأموات متساوين في جميع الأحكام، حتى يلزم من جواز التوسل ~~بالأحياء جواز1التوسل بالأموات، مع أن العرف المعروف من لغة العرب في معنى ~~التوسل بالأحياء التوسل بدعائهم، وهو ثابت بالأحاديث الصحيحة، وأما التوسل ~~بالأموات فلم يثبت بحديث صحيح ولا حسن، وأما التوسل في عرف هؤلاء فهو ~~دعاؤهم والاستغاثة بهم والالتجاء إليهم، وهذا شرك وكفر وخروج من الدين ~~بإجماع المسلمين المحكمين الكتاب والسنة. # وأما قول الملحد: " فهذه الألفاظ الموهمة محمولة على المجاز العقلي". # فالجواب من وجوه: # الأول: أن تلك الألفاظ دالة دلالة مطابقة على اعتقاد التأثير من غير الله ~~تعالى فما معنى الإيهام؟ # والثاني: لو سلم هذا الحمل لاستحال2 الارتداد وانسد باب الردة الذي يعقده ~~الفقهاء في كل مصنف وكتاب من كتب أهل المذاهب الأربعة وغيرها فإن المسلم ~~الموحد متى صدر منه قول أو فعل موجب للكفر يجب حمله على المجاز العقلي، ~~والإسلام والتوحيد قرينة على ذلك المجاز3. PageV01P136 # والثالث: أنه يلزم على هذا أن لا يكون المشركون الذين نطق كتاب الله ~~بشركهم مشركين، فإنهم كانوا يعتقدون أن الله هو الخالق الرازق الضار ~~النافع، ms062 وأن الخير والشر بيده، لكن كانوا يعبدون الأصنام؛ لتقربهم إلى الله ~~زلفى، فالاعتقاد المذكور قرينة على أن المراد بالعبادة ليس معناه1الحقيقي، ~~بل المراد هو المعنى المجازي أي التكرم مثلا، فما هو جوابكم فهو جوابنا؟ # والرابع: أنكم هؤلاء أولتم عنهم في تلك الألفاظ الدالة على تأثير غير ~~الله، فما تفعلون في أعمالهم الشركية من دعاء غير الله والاستغاثة والنذر ~~والذبح، فإن الشرك لا يتوقف على اعتقاد تأثير غير الله، بل إذا صدر من أحد ~~عبادة من العبادات لغير الله صار مشركا، سواء اعتقد ذلك الغير مؤثرا أم لا. ~~انتهى. # فإذا عرفت أن هذا هو اعتقاد كفار قريش وغيرهم من العرب، فإنهم كانوا ~~معترفين بأن الله هو الفاعل لهذه الأشياء، وأنه لا مشارك له في2إيجاد شيء، ~~ولا أدخلهم ذلك في الإسلام، بل قاتلهم رسول الله واستحل دماءهم وأموالهم، ~~إلى أن يخلصوا العبادة لله، ولا يشركوا في عبادته أحدا سواه كان دعوى3هؤلاء ~~أن هذا من الألفاظ الموهمة، من الأوهام الموبقة. PageV01P137 # قال الشيخ صنع الله الحلبي الحنفي رحمه الله في كتابه: " في الرد على من ~~ادعى أن للأولياء تصرفات في الحياة وبعد الممات على سبيل الكرامة" هذا وقد ~~ظهر الآن فيما بين المسلمين جماعات يدعون أن للأولياء تصرفات بحياتهم وبعد ~~مماتهم، ويستغاث بهم في الشدائد والبليات وبهممهم تكشف المهمات، فيأتون ~~قبورهم وينادونهم في قضاء الحاجات، مستدلين على1أن ذلك منهم كرامات، ~~وقالوا: منهم أبدال ونقباء، وأوتاد ونجباء وسبعون وسبعة وأربعون وأربعة ~~والقطب هو الغوث للناس، وعليه المدار بلا التباس، وجوزا لهم الذبائح ~~والنذور، وأثبتوا لهم فيهما الأجور. # قال وهذا الكلام فيه تفريط وإفراط، بل فيه الهلاك الأبدي والعذاب ~~السرمدي، لما فيه من روائح الشرك المحقق، ومصادمة الكتاب العزيز المصدق، ~~ومخالفته لعقائد الأئمة وما أجمعت عليه الأمة، وفي التنزيل: {ومن يشاقق ~~الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين} الآية [النساء: ~~آية155] إلى أن قال: وأما القول بالتصرف في الحياة، قال جل ذكره: {إنك ميت ~~وإنهم ميتون} PageV01P138 # [الزمر: آية30] . {الله يتوفى الأنفس حين ms063 موتها والتي لم تمت في منامها ~~فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى} [الزمر: آية42] {كل ~~نفس ذائقة الموت} [آل عمران: 185] {كل نفس بما كسبت رهينة} [المدثر: آية38] ~~وفي الحديث: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث" الحديث1فجميع ذلك ~~وما هو نحوه دال على انقطاع الحس والحركة من الميت، وأن أرواحهم ممسكة، وأن ~~أعمالهم منقطعة عن زيادة أو نقصان، فدل ذلك على أن ليس للميت تصرف في ذاته ~~فضلا عن غيره، فإذا عجز عن حركة نفسه فكيف يتصرف في غيره، فالله سبحانه ~~يخبر أن الأرواح عنده، وهؤلاء الملحدون يقولون إن الأرواح مطلعة متصرفة {قل ~~أأنتم أعلم أم الله} [البقرة: آية140] قال: والاستغاثة تجوز في الأسباب ~~الظاهرة العادية من الأمور الحسية في قتال أو إدراك عدو أو سبع ونحوه، ~~كقولهم: يا لزيد، يا للمسلمين بحسب الأفعال الظاهرة، وأما الاستغاثة بالقوة ~~والتأثير أو في الأمور المعنوية من الشدائد كالمرض وخوف الغرق والضيق ~~والفقر وطلب الرزق ونحوه، فمن PageV01P139 # خصائص الله لا يطلب فيها غيره، انتهى. # والمقصود أن أهل العلم ما زالوا ينكرون هذه الأمور الشركية التي عمت بها ~~البلوى، واعتقدها أهل الأهواء، فلو تتبعنا كلام العلماء المنكرين لهذه ~~الأمور الشركية لطال الجواب، والبصير النبيل يدرك الحق من أول دليل، ومن ~~قال قولا بلا برهان فقوله ظاهر البطلان، مخالف ما عليه أهل الحق والإيمان ~~المتمسكين بحكم القرآن، المستجيبين لداعي الحق والإيمان، والله المستعان ~~وعليه التكلان. # PageV01P140 # فصل: وإنما دهى الغلاة ما ألقاه الشيطان إليهم من قوله: إن هؤلاء ~~المدعوين من دون الله ... الخ # ... # فصل # وإنما دهى1الغلاة ما ألقاه الشيطان إليهم بكيده أن قال: إن هؤلاء قوم ~~صالحون، وعند الله مقربون، ولهم ما يشاؤون، ولهم الجاه الأعلى، والمقام ~~الرفيع الأسنى، فمن قصدهم لا يخيب سعيه، ولا يطيش رأيه، وإن ببركتهم تدفع ~~البليات، وتقضى الحاجات، وبشفاعتهم يتقرب زوارهم إلى الله الغفار، فتحط ~~عنهم بشفاعتهم عند الله الأوزار إلى غير ذلك من الدلائل التي يملأ بها قلوب ~~أهل الأماني بمثل هذه المعاني، فيتلاعب ms064 بعقولهم السخيفة، وآرائهم الضعيفة، ~~ويحسن لهم البدع والمنكرات، بما يلقيه إليهم من الحكايات والخرافات، ويحثهم ~~على التقرب إلى أهل القبور بما يقدرون عليه، من النحر والنذور والطواف ~~والتزين بالزين المحرمة من القصب والذهب والفضة وتعليق القناديل وإيقاد ~~شموع العسل وتصفيح الجدران والأعتاب والسنون والأبواب بالفضة PageV01P141 # والذهب وغيرهما مما يجاوز الحساب ويفهمهم1أنهم2كلما ازدادوا في مثل ذلك ~~أحسنوا كل الإحسان، فدخلوا الجنان، ثم ما كفاه ذلك حتى استخفهم3 فدعاهم إلى ~~أن يطلبوا منهم النصر على الأعداء، والشفاء من عضال الداء فأجابوه إلى ما ~~دعاهم مسرعين، وزادوا على ذلك بأن طلبوا منهم الحياة لأولادهم، فتراهم ~~يقولون: قد علقنا أولادنا عليهم، ومنهم من يطلب منهم النسل إذا كان عقيما، ~~والشفاء إذا كان سقيما، وكثيرا مما يطلب منهم منصبا فيه أخذ أموال العباد، ~~والسعي في الأرض بكل فساد، فيجيء إليهم ويلازمهم معتقدا أن من لازمهم قضيت ~~حاجته، ونجحت سعايته، واقترنت سعادته. # وإذا فتحت أبواب بيوت قبورهم المذهبة، ورفعت ستور الأبواب المطلاة ~~المطرزة4، وفاحت تلك الأرواح المسكية من الجدران المخلقة، وجد هذا الزائر ~~في فؤاده من الخشية والرعب ما لا يجد أدنى معشار جزء عشره بين يدي خالق ~~السموات والأرضين، وإله جميع العالمين، فيدخل إلى القبر خاشعا ذليلا ~~متواضعا لا يخطر في قلبه مثقال ذرة من غير إجلاله، منتظرا فيض كرمه ونواله، ~~فأقسم بالله أنه لم يتصوره PageV01P142 # بشر قد وضع بأكفانه في لحده، ولو سلمنا أنه لو خطرت له وهو عنده في تلك ~~الحضرة لتعوذ بالله منها، ووقف عند حده، ويا خيبة من أنكر عليهم حالهم، ويا ~~شناعة من رد عليهم أمرهم، ويا خسارة من علمهم وأرشدهم، فإن ذلك عندهم1، قد ~~تنقص الأولياء وهضمهم مرتبتهم عن السمو والارتقاء، ولو ذهبنا نذكر أفعالهم ~~وأقوالهم لطال الجواب، فإلى الله المشتكى وبه المستغاث وهو المستعان ولا ~~حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. PageV01P143 ### | فصل: في رد قوله: إنما الطلب من هؤلاء الصالحين على سبيل التوسط # ... # فصل # قال الملحد:" وإنما الطلب من هؤلاء الصالحين على سبيل التوسط بحصول ~~المقصود من ms065 الله تعالى لعلو شأنهم عنده سبحان". # فالجواب: أن نقول هكذا كان مشركو العرب الجاهلية حذو النعل بالنعل، كانوا ~~يدعون الصالحين والأنبياء والمرسلين طالبين منهم الشفاعة عند رب العالمين، ~~ويلتجئون إليهم ويسألونهم على وجه التوسل بجاههم وشفاعتهم، ويعلمون أن الله ~~تعالى هو النافع الضار وأن الله سبحانه هو المؤثر، وأن غيره لا تأثير له في ~~جلب نفع أو دفع ضر، ولم يدخلهم ذلك في الإسلام لما جعلوا بعض المخلوقين ~~وسائط بينهم وبين الله تعالى فلم ينفعهم إقرارهم بتوحيد الربوبية. # وقد قال شيخ الإسلام رحمه الله لما سئل عن رجلين تناظرا فقال أحدهما: لا ~~بد لنا من وساطة بيننا وبين الله تعالى فإنا لا نقدر على أن نصل إليه بغير ~~ذلك فما معنى الوساطة؟ # PageV01P144 # وهل التوسط عام في كل شيء يوجده الله تعالى أم في ذلك بيان وتفصيل؟. # فأجاب رحمه الله ورضي عنه بقوله: الحمد لله إن أراد بذلك أنه لا بد من ~~وساطة تبلغ أمر الله تعالى فهذا حق، فإن الخلق لا يعلمون ما يحبه الله ~~ويرضاه، وما أمر الله به ونهى عنه، وما أعد لأوليائه من كرامته، وما أوعد ~~به أعداءهم من عذابه، ولا يعرفون ما يستحقه الله من أسمائه الحسنى، وصفاته ~~العلا1 التي تعجز العقول عن الإحاطة بها، إلى أمثال ذلك إلا بالرسل الذين ~~أرسلهم الله إلى عباده. # والمؤمنون بالرسل المتبعون لهم هم2المهتدون الذين يقربهم لديه زلفى ويرفع ~~درجاتهم ويكرمهم في الدنيا والآخرة. وأما المخالفون للرسل فإنهم ملعونون ~~وهم ضالون وعن ربهم محجوبون قال تعالى: {يابني آدم إما يأتينكم رسل منكم ~~يقصون عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون* والذين ~~كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} [الأعراف: ~~آيات35، 36] وذكر آيات في المعنى ثم قال رحمه الله: وإن PageV01P145 # أراد بالواسطة أنه لا بد من واسطة يتخذها العباد بينهم وبين الله في جلب ~~المنافع ودفع المضار، مثل أن يكون واسطة في رزق العباد ونصرهم وهداهم ~~يسألونهم ذلك ويرجونهم فيه فهذا من أعظم الشرك ms066 الذي كفر الله به المشركين ~~حيث اتخذوا من دون الله أولياء وشفعاء يجلبون بهم المنافع ويدفعون بهم ~~المضار، لكن الشفاعة لمن يأذن الله تعالى له فيها قال الله تعالى: {الله ~~الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما ~~لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون} [السجدة:4] ، وقال: {وأنذر به ~~الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع} [الأنعام: ~~آية51] وقال تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة ~~في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير} [سبأ: ~~آيات:22، 23] وساق آيات المعنى إلى أن قال: وقال تعالى: {ما كان لبشر أن ~~يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون ~~الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا ~~يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم ~~مسلمون} [آل عمرن: آيات79، 80] فبين سبحانه وتعالى أن اتخاذ الملائكة ~~والنبيين أربابا كفر، فمن جعل الملائكة والأنبياء # PageV01P146 # وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار مثل أن ~~يسألهم غفران الذنوب، وهداية القلوب، وتفريج الكروب، وسد الفاقات، فهو كافر ~~بإجماع المسلمين وقد قال تعالى: {وقالوا اتخذ الرحمان ولدا سبحانه بل عباد ~~مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ~~ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون ومن يقل منهم إني إله من ~~دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين} [الأنبياء: آيات 2629] وقال ~~تعالى: {لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن ~~يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا} [النساء: آية172 وقال ~~تعالى: {وقالوا اتخذ الرحمان ولدا لقد جئتم شيئا إدا تكاد السماوات يتفطرن ~~منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمان ولدا وما ينبغي للرحمان ~~أن يتخذ ولدا إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمان عبدا لقد ms067 أحصاهم ~~وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم القيامة فردا} [مريم: آيات8895] وقال تعالى: ~~{ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند ~~الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى ~~عما يشركون} [يونس: آية18] وقال تعالى: {وكم من ملك في السماوات لا تغني ~~شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى} [النجم: آية26] وقال ~~تعالى: {من ذا الذي يشفع عنده إلا # PageV01P147 # بإذنه} [البقرة: آية255] وقال تعالى: {ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ~~ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده} [فاطر:2] وقال تعالى: {وإن يمسسك ~~الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله} [يونس: آية107] ~~وقال تعالى: {قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن ~~كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل ~~المتوكلون} [الزمر: آية38] ومثل هذا في القرآن كثير، ومن سوى الأنبياء من ~~مشايخ العلم والدين فمن1 أثبتهم وسائط بين الرسول وأمته يبلغونهم ويعلمونهم ~~ويؤدبونهم ويقتدون بهم فقد أصاب في ذلك. وهؤلاء إذا أجمعوا فإجماعهم2 حجة ~~قاطعة لا يجتمعون على ضلالة، إلى أن قال: وإن أثبتهم وسائط بين الله وبين ~~خلقه كالحجاب الذين بين الملك وبين رعيته بحيث يكونون هم يرفعون إلى الله ~~حوائج خلقه، وأن الله إنما يهدي عباده ويرزقهم وينصرهم بتوسطهم، بمعنى أن ~~الخلق يسألونهم وهم يسألون الله كما أن الوسائط عند الملوك يسألون الملوك ~~حوائج الناس لقربهم منهم والناس يسألونهم أدبا منهم أن يباشروا سؤال الملك، ~~أو لأن طلبهم من الوسائط أنفع لهم من طلبهم من PageV01P148 # الملك لكونهم أقرب إلى الملك من الطالب، فمن أثبتهم وسائط على هذا الوجه ~~فهو كافر مشرك يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل. # قلت: وهذا عين كلام الشامي فإنه زعم أن الطلب من هؤلاء الصالحين على سبيل ~~التوسط بحصول المقصود من الله تعالى لعلو شأنهم عنده سبحانه، والشيخ رحمه ms068 ~~الله هنا وفي جميع كلامه جزم بأن فاعل ذلك كافر مشرك يستتاب كما يستتاب ~~المرتد فإن تاب وإلا قتل. # ثم قال الشيخ: وهؤلاء المشبهون يشبهون الخالق بالمخلوق، وجعلوا لله ~~أندادا. وفي القرآن من الرد على هؤلاء ما لا تتسع له هذه الفتوى، فإن ~~الوسائط التي بين الملوك وبين الناس تكون على أحد وجوه ثلاثة: # إما لإخبارهم من أحوال الناس ما لا يعرفونه، ومن قال: إن الله لا يعرف ~~أحوال العباد حتى يخبره بذلك بعض الملائكة أو الأنبياء أو غيرهم فهو كافر، ~~بل هو سبحانه يعلم السر وأخفى، لا يخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء ~~وهو السميع البصير، يسمع ضجيج الأصوات باختلاف اللغات على تفنن الحاجات، لا ~~يشغله سمع عن سمع، ولا تغلطه1المسائل، ولا يتبرم بإلحاح الملحين. ~~PageV01P149 # الوجه الثاني: أن يكون الملك عاجزا عن تدبير رعيته، ودفع أعاديهم إلا ~~بأعوان يعينونه، فلا بد له من أعوان وأنصار لذله وعجزه، والله سبحانه ليس ~~له ظهير ولا ولي من الذل. قال تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا ~~يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له ~~منهم من ظهير} [سبأ: آية22] وقال تعالى: {وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ~~ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا} [الإسراء: ~~آية111] وكل ما في الوجود من الأسباب فهو سبحانه خالقه وربه ومليكه، فهو ~~الغني عن كل ما سواه، فقير إليه بخلاف الملوك المحتاجين إلى ظهرائهم1، وهم ~~في الحقيقة شركاؤهم. # والله سبحانه ليس له شريك في الملك، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له ~~الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. # ولهذا لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، لا ملك ولا نبي ولا غيرهما، فإن من ~~يشفع عند غيره بغير إذنه، فهو شريك في حصول المطلوب؛ لأنه أثر فيه بشفاعته ~~حتى جعله يفعل ما يطلبه منه. والله سبحانه وتعالى لا شريك له بوجه من ~~الوجوه. ms069 # ويسمى الشفيع شفيعا؛ لأنه يشفع غيره أي يصير له شفعا، قال تعالى: {من ~~يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها} ~~[النساء: آية85] وكل PageV01P150 # من أعان غيره على أمر فقد شفعه فيه. والله تعالى وتر لا يشفعه أحد بوجه ~~من الوجوه. # الوجه الثالث: أن يكون الملك ليس مريدا لنفع رعيته، والإحسان إليهم ~~ورحمتهم إلا بمحرك يحركه من خارج. فإذا خاطب الملك من ينصحه ويعطفه، أو من ~~يدل عليه بحيث يكون يرجوه ويخافه تحركت أداة الملك وهمته في قضاء حوائج ~~رعيته، إما لما يحصل في قلبه من كلام الناصح الواعظ المشير، وإما لما يحصل ~~له من الرغبة والرهبة من كلام المدل عليه. والله تعالى هو رب كل شيء ~~ومليكه، وهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها، وكل الأسباب إنما تكون ~~بمشيئته، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وهو إذا أجرى1نفع العباد بعضهم ~~على أيدي بعضهم، فجعل هذا يحسن إلى هذا ويدعو له ويشفع فيه ونحو ذلك، فهو ~~الذي خلق ذلك كله، وهو الذي خلق في قلب هذا المحسن والداعي والشافع إرادة ~~الإحسان والدعاء والشفاعة، ولا يجوز أن يكون في الوجود من يكرهه على خلاف ~~مراده أو يعلمه ما لم يكن يعلمه أو من يرجوه الرب ويخافه ولهذا قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: "لا يقولن أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني ~~إن شئت ولكن ليعزم المسألة فإن الله لا مكره له" 2 والشفعاء الذين يشفعون ~~عنده لا يشفعون إلا PageV01P151 # بإذنه، قال تعالى: {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} [الأنبياء: آية28] وقال ~~تعالى: {ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} [سبأ: آية23] بخلاف الملوك ~~فإن الشافع عندهم قد يكون له ملك أو يكون شريكا لهم في الملك، وقد يكون ~~مظاهرا لهم معاونا على ملكه، وهؤلاء يشفعون عند الملوك بغير إذن الملوك ~~والملك يقبل شفاعتهم تارة على إنعامهم عليه، حتى إنه يقبل شفاعة ولده ~~وزوجته لذلك فإنه محتاج إلى الزوجة وإلى الولد حتى ms070 لو أعرض عنه ولده وزوجته ~~لتضرر بذلك، ويقبل شفاعة مملوكه فإنه إن لم يقبل شفاعته يخاف أن لا يطيعه، ~~وأن يسعى في ضرره، وشفاعة العباد لبعضهم عند بعض كلها من هذا الجنس فلا ~~يقبل أحد شفاعة أحد إلا لرغبة أو رهبة والله تعالى لا يرجو أحدا ولا يخافه ~~ولا يحتاج إلى أحد بل هو الغني. قال تعالى: {ألا إن لله من في السماوات ومن ~~في الأرض وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء إن يتبعون إلا الظن وإن ~~هم إلا يخرصون} إلى قوله: {قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني له ما في ~~السماوات وما في الأرض} [يونس: آية6668] وقوله: {وما يتبع الذين يدعون من ~~دون الله شركاء} [يونس: آية66] استفهام استنكار أي ليس متبع الذين يدعون من ~~دون الله شركاء حجة ولا برهانا، ما يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون، بين ~~تعالى أن من دعا من دون الله # PageV01P152 # شركاء فليس معه علم، ليس معه إلا الظن والخرص والظن المقرون بالخرص هو ظن ~~باطل غير مطابق للحق؛ فإن الخرص هنا بمعنى الكذب كقوله تعالى: {قتل ~~الخراصون} [الذاريات: 10] ومن ظن أن "ما" هنا نافية فقد فسر الآية بما هو ~~خطأ كما قد بسط في غير هذا الموضع، والمشركون يتخذون شفعاء من جنس ما ~~يعهدونه من الشفاعة عند المخلوقين. قال تعالى: {ويعبدون من دون الله ما لا ~~يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا ~~يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون} [يونس: آية18] ~~وقال عن صاحب يس1: {وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون أأتخذ من دونه ~~آلهة إن يردني الرحمان بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذوني إني إذا ~~لفي ضلال مبين إني آمنت بربكم فاسمعوني} [يس: آيات2225] ، وقال تعالى: ~~{فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة بل ضلوا عنهم وذلك ~~إفكهم وما كانوا يفترون} [الاحقاف:28] وأخبر عن المشركين أنهم قالوا: {ما ~~نعبدهم إلا ليقربونا إلى ms071 الله زلفى} [الزمر: آية3] وقال تعالى: {ولا يأمركم ~~أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون} ~~PageV01P153 # [آل عمران: آية80] . وقال: {قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف ~~الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ~~ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا} [الإسراء: آيات 5657] ~~فأخبر أن من يدعي من دونه لا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا، وأنهم يرجون ~~رحمته ويخاف عذابه، ويتقربون إليه فقد نفى سبحانه ما أثبتوه من توسيط ~~الملائكة والأنبياء. # إلى أن قال: والمقصود هنا أن من أثبت وسائط بين الله تعالى وبين خلقه ~~كالوسائط التي تكون بين الملوك والرعية فهو مشرك، بل هذا دين المشركين عباد ~~الأوثان، كانوا يقولون إنها تماثيل الأنبياء والصالحين، وأنها وسائط ~~يتقربون بها إلى الله تعالى، وهو من الشرك الذي أنكره الله تعالى على ~~النصارى حيث قال: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن ~~مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون} ~~[التوبة: آية31] وقد قال تعالى: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة ~~الداعي إذا دعاني فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون} [البقرة: آية ~~186] ثم ذكر آيات في المعنى وهذا الذي قاله الشيخ لا خلاف فيه بين ~~المسلمين، وإنما اشتبه الأمر على هؤلاء الضلال لما قدم العهد، ونسي العلم، ~~واعتادوا سؤال غير الله فيما يختص به تعالى، ونشئوا على ذلك. # PageV01P154 # فصل: في رد قول الملحد: (لكن ندعو العامة إلى الأدب في التوسل ... الخ # ... # فصل # وأما قوله: "ولكن مع ذلك علينا أن نأمر العامة الأدب بالتوسل بأن يكون ~~بالألفاظ التي ليس فيها إيهام، وذلك كأن يقول المتوسل: اللهم إني أسألك ~~وأتوسل إليك بالنبي صلى الله عليه وسلم وبأصحابه وبأحبابه أن تعطيني كذا ~~وكذا وتدفع عني كذا وكذا إلى آخر مطلوبه، ولا يصح لنا أن نمنعه من التوسل ~~مطلقا لما قدمنا من الآيات، ولما يأتي من الأحاديث، والإجماع فنعوذ بالله ~~من طمس ms072 عين البصيرة {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك ~~رحمة إنك أنت الوهاب} [آل عمران: آية8] . # فالجواب أن نقول: إن قول القائل: اللهم إني أسألك وأتوسل إليك بالنبي ~~وبأصحابه وبأحبابه أن تعطيني كذا وكذا قول مبتدع محرم منهي عنه في أصح ~~القولين عند الحنابلة، وقد نص على المنع منه جمهور أهل العلم بل ذكر شيخ ~~الإسلام في رده على ابن البكري أنه لا يعلم قائلا بجوازه إلا ابن عبد ~~السلام في حق النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يجزم بل علق # PageV01P155 # القول به على ثبوت حديث الأعمى وصحته، وفيه من لا يحتج به عند أهل ~~الحديث1. # ونقل القدوري وغيره من الحنفية عن أبي يوسف أنه قال: قال أبو حنيفة رضي ~~الله عنه: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به. وذكر الملا في شرح التنوير ~~على التتار خانية عن أبي حنيفة قال: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله سبحانه إلا ~~به أي بالله سبحانه. # وفي جميع متونهم: أن قول الداعي المتوسل بحق الأنبياء والأولياء وبحق ~~البيت والمشعر الحرام مكروه كراهة تحريم، وعللوا ذلك كلهم بقولهم: إنه لا ~~حق للمخلوق على الخالق. انتهى. # ولكن هؤلاء الغلاة مع كونهم مبتدعين هم مع ذلك يدعون الأنبياء والأولياء ~~والصالحين ويلجؤون2، وقد كان من المعلوم عند جميع أهل السنة والجماعة من ~~جعل الأنبياء والأولياء والملائكة وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم جلب ~~المنافع ودفع المضار مثل أن يسألهم غفران الذنوب وهداية القلوب وتفريج ~~الكروب وسد الفاقات فهو كافر بإجماع المسلمين والله الهادي إلى الصواب. ~~PageV01P156 # فصل: في رد قول الملحد: (الباب الثاني في ذكر الأحاديث الدالة على التوسل ~~بالنبي ... الخ # ... # فصل # قال الملحد: "الباب الثاني بذكر الأحاديث الدالة على التوسل بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم أخرج البخاري في تاريخه، والبيهقي في الدلائل والدعوات ~~وصححه، وأبو نعيم في المعرفة عن عثمان بن حنيف، أن رجلا ضريرا أتى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال: ادع الله لي أن يعافيني. قال: إن شئت أخرت ذلك ~~وهو ms073 خير لك، وإن شئت دعوت الله تعالى. قال: فادعه. فأمره أن يتوضأ فيحسن ~~الوضوء، ويصلي ركعتين، ويدعو بهذا الدعاء "اللهم إني أسألك وأتوجه إليك ~~بنبيك محمد صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي ~~في حاجتي هذه ليقضيها، اللهم شفعه في" ففعل الرجل فقام وقد أبصر". # والجواب أن يقال: هذا الحديث غير محفوظ، وفيه مقال مشهور وفي سنده أبو ~~جعفر عيسى بن أبي عيسى بن ماهان الرازي التميمي1قال الحافظ بن حجر في ~~التقريب: PageV01P157 # الأكثرون على ضعفه، وقال أحمد والنسائي: ليس بالقوي، وقال أبو حاتم: ~~صدوق، وقال ابن المديني: ثقة كان يخلط، وقال مرة: يكتب حديثه إلا أنه يخطئ، ~~وقال القلانسي: سيء الحفظ، وقال ابن حبان: ينفرد بالمناكير عن المشاهير، ~~وقال أبو زرعة يهم كثيرا، وقال الحافظ في التقريب أيضا في ترجمة الرازي ~~التميمي مولاهم مشهور بكنيته واسمه عيسى بن أبي عيسى بن عبد الله ماهان، ~~وأصله من مرو، وكان يتجر إلى الري صدوق سيء الحفظ خصوصا عن مغيرة من كبار ~~السابعة مات في حدود الستين انتهى، وعلى تقدير صحته وثبوته فلا يدل على ما ~~توهمه هذا الملحد، وببيان معنى الحديث يعلم أن ما توهمه هؤلاء الغلاة غير ~~صحيح، فقوله: "اللهم إني أسألك" أي أطلب منك، وأتوجه إليك بنبيك محمد صلى ~~الله عليه وسلم صرح باسمه مع ورود النهي عن ذلك تواضعا منه لكون التعليم من ~~قبله، وفي ذلك قصر السؤال الذي هو أصل الدعاء على الله تعالى الملك ~~المتعال، ولكنه توسل بالنبي PageV01P158 # بدعائه؛ ولذلك قال في آخره: "اللهم فشفعه في" إذ شفاعته لا تكون إلا ~~بالدعاء لربه قطعا، ولو كان المراد التوسل بذاته فقط لم يكن لذلك التعقيب ~~معنى، إذ التوسل بقوله: "نبيك" كاف في إفادة هذا المعنى. فقوله: "يا محمد ~~إني توجهت بك إلى ربي" 1قال الطيبي: "الباء في بك للاستعانة" وقوله: "إني ~~توجهت بك" بعد قوله: "أتوجه إليك" فيه معنى قوله: {من ذا الذي يشفع عنده ~~إلا بإذنه} [البقرة225] فيكون خطابا2 لحاضر معاين ms074 في قلبه مرتبط بما توجه ~~به عند ربه من سؤال نبيه بدعائه الذي هو عين شفاعته، ولذلك أتى بالصيغة ~~الماضوية بعد الصيغة المضارعية المفيد كل ذلك أن هذا الداعي قد توسل بشفاعة ~~نبيه في دعائه فكأنه استحضره وقت ندائه. # وقال شيخ الإسلام في "اقتضاء الصراط المستقيم": "والميت لا يطلب منه شيء ~~لا دعاء ولا غيره، وكذلك حديث الأعمى فإنه طلب من النبي صلى الله عليه وسلم ~~أن يدعو له ليرد الله عليه بصره فعلمه النبي صلى الله عليه وسلم دعاء أمره ~~فيه أن يسأل الله قبول شفاعة نبيه فيه، فهذا يدل على أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم شفع فيه، وأمره أن يسأل الله قبول قوله "أسألك وأتوجه إليك بنبيك ~~محمد نبي الرحمة" أي بدعائه وبشفاعته كما قال عمر: "كنا نتوسل إليك بنبينا" ~~فلفظ التوسل والتوجه في الحديثين بمعنى واحد ثم قال: "يا محمد PageV01P159 # يا رسول الله إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي ليقضيها اللهم فشفعه في" ~~فطلب من الله أن يشفع فيه نبيه. وقوله: "يا محمد يا نبي الله" وهذا وأمثاله ~~نداء يطلب به استحضار المنادي في القلب، فيخاطب المشهود بالقلب كما يقول ~~المصلي: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته"، والإنسان يفعل مثل ~~هذا كثيرا يخاطب من يتصوره في نفسه وإن لم يكن في الخارج من يسمع الخطاب، ~~فلفظ التوسل بالشخص، والتوجه به، والسؤال به فيه إجمال واشتراك غلط بسببه ~~من لم يفهم مقصود الصحابة، يراد التسبب به لكونه داعيا وشافعا مثلا، أو ~~لكون الداعي محبا له مطيعا لأمره مقتديا به، فيكون التسبب إما بمحبة السائل ~~له واتباعه له، وإما بدعاء الوسيلة، وإما بدعاء الوسيلة وشفاعته، ويراد به ~~الإقسام به، والتوسل بذاته فلا يكون التوسل لا منه ولا من السائل بل بذاته ~~أو بمجرد الإقسام به على الله، فهذا الثاني هو الذي كرهوه ونهوا عنه، وكذلك ~~السؤال بالشيء قد يراد به المعنى الأول وهو التسبب لكونه سببا في حصول ~~المطلوب، وقد يراد به الإقسام إلى آخر ما ms075 قال انتهى. # فإذا عرفت هذا فليس في حديث الأعمى ما يدل على التوسل به ودعائه ~~والإلتجاء إليه بعد وفاته، وإنما فيه أنه توسل بدعائه كما كان الصحابة ~~يتوسلون بذلك، ويسألونه الاستغفار والدعاء وقد قال تعالى: {وصل عليهم إن ~~صلاتك سكن لهم} [التوبة: 103] وقال تعالى حاكيا عن المنافقين {وإذا # PageV01P160 # قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رءوسهم ورأيتهم يصدون وهم ~~مستكبرون} [المنافقون 5] فذم هذا الصنف بالصد عن ذلك، فهذا كان هديهم ~~وفعلهم في حياته صلى الله عليه وسلم، وأما بعد موته صلى الله عليه وسلم فلم ~~يفعله أحد منهم، ولا من أهل العلم والإيمان بعدهم. # وأما قوله: "وليس لمانع التوسل أن يخصه بقبل وفاته صلى الله عليه وسلم؛ ~~لأن الصحابة استعملوه بعد وفاته صلى الله عليه وسلم". # فالجواب أن هذا كذب على الصحابة رضي الله عنهم فإن الصحيح الثابت عنهم ~~التوسل به في حياته بدعائه، وأما بعد وفاته فلم يكن يفعل ذلك أحد منهم، وقد ~~ثبت في صحيح البخاري أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استسقى بالعباس فقال: ~~"اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم ~~نبينا فاسقنا فيسقون" فقد بين عمر رضي الله عنه، أنهم كان يتوسلون به في ~~حياته فيسقون، وذلك التوسل أنهم كانوا يسألونه أن يدعو الله لهم، فيدعو لهم ~~ويدعون معه فيتوسلون بشفاعته ودعائه، فهذا كان توسلهم به في الاستسقاء ~~ونحوه، فلما مات توسلوا بالعباس كما كانوا يتوسلون به، ولم يتوسلوا به ~~ويستسقونه بعد موته، ولا في مغيبه، ولا عند قبره. # وكذلك معاوية بن أبي سفيان استسقى بيزيد بن الأسود الجرشي وقال اللهم: ~~"إنا نستشفع إليك بخيارنا يا يزيد ارفع يديك إلى الله" فرفع يديه ودعا ~~فسقوا ولذلك قال العلماء: # PageV01P161 # يستحب أن يستسقي بأهل الصلاح والخير، فإذا كان من أهل بيت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كان أحسن، ولم يذكر أحد من العلماء أنه يشرع التوسل ~~والاستسقاء بالنبي الصالح بعد موته، ولا في مغيبه، ولا استحبوا ذلك لا في ms076 ~~الاستسقاء ولا في غيره من الأدعية، والدعاء مخ العبادة، والعبادة مبناها ~~على النية والاتباع، وإنما يعبد الله بما شرع لا بالأهواء والبدع قال الله ~~تعالى: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} # [الشورى 21] وقال تعالى: {ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين} ~~[الأعراف 55] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنه سيكون في هذه الأمة ~~أقوام يعتدون في الدعاء والطهور" انتهى. # وأما قوله: "فقد أخرج البيهقي، وأبو نعيم في المعرفة عن أبي أمامة بن سهل ~~بن حنيف أن رجلا كان يختلف إلى عثمان بن عفان في حاجة، وكان عثمان لا يلتفت ~~إليه، ولا ينظر في حاجته، فلقي عثمان بن حنيف وشكى إليه ذلك. # فقال: ائت الميضأة فتوضأ، ثم ائت المسجد فصل ركعتين، ثم قل: "اللهم إني ~~أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة، يا محمد إني ~~أتوجه بك إلى ربي لتقضي حاجتي، واذكر حاجتك، ثم رح حين أروح، فانطلق الرجل ~~وصنع ذلك، ثم أتا باب عثمان فجاء البواب فأخذه بيده وأدخله على عثمان، ~~فأجلسه معه على الطنفسة فقال: "انظر ما كان لك من # PageV01P162 # حاجة" ثم إن الرجل خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف فقال: "جزاك الله خيرا ~~ما كان ينظر في حاجتي، ولا يلتفت إلي حتى كلمته" قال: ما كلمته، ولكن رأيت ~~النبي صلى الله عليه وسلم وجاءه ضرير فشكا إليه ذهاب بصره، فقال له أو ~~تبصر، قال يا رسول الله ليس لي قائد وقد شق علي فقال: "ائت الميضاة فتوضأ ~~وصل1 ركعتين ثم قل اللهم إن أتوجه بك إلى ربي ليجلي بصري اللهم شفعه في ~~وشفعني في نفسي، قال عثمان: فوالله ما تفرقنا حتى دخل الرجل كأن لم يكن به ~~ضرر" انتهى من شرح الخصائص..". # فالجواب: إن في سند هذا الحديث مقالا، وقد رواه الطبراني وفي سنده روح بن ~~صلاح وقد ضعفه ابن عدي2 PageV01P163 ### | ........................................................................................................................................ # PageV01P164 ### | ........................................................................................................................................ # PageV01P165 ### | ........................................................................................................................................ # PageV01P166 # بل قد قال بعضهم: إن إمارات الوضع لائحة عليه، فكيف يعارض جميع كتاب الله ~~تعالى، ms077 وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وعمل أصحابه رضوان الله تعالى عليهم ~~أجمعين؟ وهل سمعت أحدا منهم جاء إليه بعد وفاته إلى قبره الشريف فطلب منه ~~ما لا يقدر عليه إلا الله، وهم حريصون على مثل هذه المثوبات، لا سيما ~~والنفوس مولعة بقضاء حوائجها تتشبث بكل ما تقدر عليه، فلو صح عند أحدهم ~~أدنى شيء من ذلك لرأيت أصحابه يتناوبون قبره الشريف في حوائجهم زمرا زمرا، ~~خصوصا في الفتن الكبار1التي جرت بزمنهم وبصدهم على الإسلام والمسلمين، ومثل ~~ذلك تتوفر الدواعي على نقله، ولا وسع2الله طريقا لم يتسع للصحابة والتابعين ~~وصلحاء علماء الدين. نعم كان ابن عمر رضي الله عنهما يأتي القبر المكرم ~~ويقول: " السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك ~~يا أبت" ثم ينصرف، وكذلك أنس وغيره، فإذا أرادوا الدعاء استقبلوا القبلة. # ثم اعلم أن هذا الحديث مخالف لعمل الصحابة رضي الله عنهم، وقد قال صلى ~~الله عليه وسلم: "كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد". # وأما دعوى هؤلاء الغلاة أن الصحابة استعملوا هذا الدعاء بعد وفاته فإن ~~هذا مما يعلم بالضرورة أنه من الكذب على PageV01P167 # الصحابة رضي الله عنهم، ولو كان هذا الاستعمال صحيحا لتوفرت الهمم ~~والدواعي على نقله، ولما عدل الفاروق إلى التوسل بدعاء العباس، ومعاوية ~~بيزيد بن الأسود الجرشي، ولكان يمكنهم لو كان هذا الحديث صحيحا معروفا ~~عندهم أن يتوسلوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولا يطلبون من العباس أن ~~يدعوا لهم، ومما يوضح لك الأمر أن هذا الحديث غير صحيح أن رواته مختلفون في ~~متنه وسنده، مع أنه لم يذكر في شيء من الكتب المعتمدة، وإنما ذكره مثل ~~البيهقي والطبراني والترمذي وأبي نعيم1، وهؤلاء يذكرون مثل هذه الأحاديث ~~الضعيفة أو الموضوعة على وجه التنبيه، وقد رأى علماء الإسلام الجهابذة ~~النقاد ظلمات الوضع لائحة عليه فأعرضوا عنه ولم يلتفتوا إليه والله أعلم. ~~PageV01P168 # فصل: ذكر المعترض أن الناس اصابهم قحط في زمن عمر ... الخ # ... # فصل # قال الملحد: وفي حاشية العلامة ابن حجر على ms078 الإيضاح للنووي ما نصه: " وقد ~~صح في حديث طويل أن الناس أصابهم قحط في زمن عمر، فجاء رجل إلى قبر النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله استسق لأمتك، فجاءه في النوم وأخبره ~~أنهم يسقون فكان كذلك" انتهى. # فالجواب أن يقال: # هذا الحديث الذي ذكره هذا الملحد في حاشية ابن حجر على الإيضاح للنووي قد ~~رواه البيهقي وابن أبي شيبة عن بلال بن الحارث1وليس فيه دلالة على جواز ~~دعاء النبي صلى الله عليه وسلم، والتوسل به، والإلتجاء إليه، والإستغاثة به ~~بل هو من جنس المنامات التي لا يعتمد عليها في الأحكام، ولا يثبت بها حكم ~~شرعي. PageV01P169 # وأيضا ففي هذا الحديث مقال مشهور، قال الحافظ في الفتح1: وروى ابن أبي ~~شيبة بإسناد صحيح من رواية أبي صالح السمان عن مالك الدار2 - وكان خازن عمر ~~رضي الله عنه - قال: "أصاب الناس قحط في زمن عمر رضي الله عنه، فجاء رجل ~~إلى قبر النبي صلى الله عليه سلم في المنام، فقيل له إئت عمر" الحديث، وقد ~~روى سيف في الفتوح أن الذي رأى في المنام المذكور هو بلا بن الحارث المزني ~~أحد الصحابة انتهى3. PageV01P170 ### | ........................................................................................................................................ # PageV01P171 ### | ........................................................................................................................................ # PageV01P172 ### | ........................................................................................................................................ # PageV01P173 # فعلم أن ما روي بإسناد صحيح ليس فيه أن الجائي أحد الصحابة، وما فيه أن ~~الجائي أحد الصحابة ضعيف غاية الضعف، قال الذهبي في الميزان: سيف بن عمر ~~الضبي1 الأسدي، ويقال التميمي البرجمي، ويقال السعدي الكوفي PageV01P174 # مصنف الفتوح والرواة1وغير ذلك هو كالواقدي يروي عن هشام بن عروة، وعبد ~~الله بن عمر، وجابر الجعفي، وخلق كثير من المجهولين، كان أخباريا عارفا، ~~روى عنه جبارة بن المغلس، وأبو معمر القطيعي، والنضر بن حماد العتكي، ~~وجماعة، قال عباس: عن يحيى ضعيف، وروى مطين عن يحيى فلس2خير منه. وقال أبو ~~داود: ليس بشيء، وقال أبو حاتم: متروك، وقال ابن حبان: اتهم بالزندقة، وقال ~~ابن عدي: عامة حديثه منكر، قال مكحول البيروني3: سمعت جعفر بن أبان، سمعت ~~ابن نمير يقول: سيف الضبي4تميمي كان جميع يقول: حدثني رجل من بني تميم، كان ~~سيف ms079 يضع الحديث، وقد اتهم بالزندقة انتهى ملخصا. # قال الحافظ في التقريب: سيف بن عمر التميمي صاحب الردة، ويقال له الضبي، ~~ويقال غير ذلك الكوفي، ضعيف في الحديث، عمدة في الأخبار أفحش ابن حبان ~~القول فيه انتهى. # وقال الذهبي في الكاشف: قال ابن معين وغيره ضعيف، PageV01P175 # وقال في الخلاصة: سيف بن عمر1الأسدي الكوفي، صاحب الردة، عن جابر الجعفي، ~~وأبي الزبير، وعنه محمد بن عيسى الطباع، وأبو معمر الهذلي ضعفوه انتهى. # فهذا ما قيل في حديث بلال بن الحارث الذي رواه البيهقي وابن أبي شيبة2فإن ~~كان الذي رواه الحافظ في الفتح وعلى الإيضاح للنووي ففيه ما قال الحافظ من ~~المقال آنفا وإن كان غير ذلك فغاية ما فيه أنه رأى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في المنام وهو يأمر أن يأتي عمر فيأمره أن يخرج يستسقي بالناس وهذا ~~ليس من هذا الباب الذي نحن بصدد الكلام فيه فإن هذا قد يقع كثيرا لمن هو ~~دون النبي صلى الله عليه وسلم. # قال شيخ الإسلام: وأيضا ما يروي أن رجلا جاء إلى قبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم فشكى إليه الجدب عام الرمادة فرآه وهو يأمره أن يأتي عمر فيأمره أن ~~يخرج يستسقي بالناس فإن هذا ليس من هذا الباب ومثل هذا يقع كثيرا لمن هو ~~دون النبي صلى الله عليه وسلم وأعرف من هذا وقائع وكذلك سؤال بعضهم للنبي ~~صلى الله عليه وسلم أو لغيره من أمته حاجة فتقضي له فإن هذا قد وقع كثيرا ~~وليس مما نحن فيه PageV01P176 # وعليك أن تعلم أن إجابة النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره لهؤلاء ~~السائلين ليس هو مما يدل على استحباب السؤال فإنه هو القائل صلى الله عليه ~~وسلم إن أحدهم ليسألني المسألة فأعطيه إياها فيخرج يتأبطها نارا فقالوا يا ~~رسول الله فلم تعطيهم؟ قال: يأبون إلا أن يسألوني ويأبى الله لي البخل ~~وأكثر هؤلاء السائلين الملحين لما هم فيه من الحال لو لم يجابوا لاضطرب ~~إيمانهم كما أن السائلين في الحياة كانوا كذلك ms080 وفيهم من أجيب وأمر بالخروج ~~من المدينة فهذا القدر إذا وقع يكون كرامة لصاحب القبر أما أنه يدل على حسن ~~حال السائل فلا فرق بين هذا وهذا انتهى. # وهذا الحديث على تقدير ثبوت صحته لا يدل على ما يتوهمه هذا الملحد غاية ~~ما فيه أن سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يستسقي لأمته فأمره أن يأتي عمر ~~فيأمره أن يخرج يستسقي بالناس فكان المستسقي بالناس عمر لا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فتتبين من هذا أنه لا تطلب السقيا إلا من الحي بدعائه لا ~~من الميت لأمره صلى الله عليه وسلم بذلك وخروج عمر بالصحابة يستسقون فسقوا ~~والله أعلم. # PageV01P177 # فصل: ذكر الملحد حديث توسل آدم صلى الله عليه وسلم بنبينا محمد ... الخ # ... # فصل # قال الملحد: "وأخرج البيهقي، والحاكم، والطبراني في الصغير، وأبو نعيم، ~~وابن عساكر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "لما اقترف آدم الخطيئة، قال يا رب أسألك بحق محمد لما غفر لي" ~~فقال الله: يا آدم وكيف عرفت محمدا؟ قال: لأنك يا رب لما خلقتني بيدك، ~~ونفخت في من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبا "لا إله إلا ~~الله، محمد رسول الله" فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك، فقال ~~الله تعالى: صدقت يا آدم إنه لأحب الخلق إلي، وإذ سألتني بحقه قد غفرت لك، ~~ولولا محمد ما خلقتك". # والجواب أن يقال: هذا حديث ضعيف بل موضوع، فلا يعتمد عليه ولا يعول عليه، ~~قال الذهبي في الميزان: عبد الله بن مسلم أبو الحارث الفهري، عن إسماعيل بن ~~مسلمة بن قعنب عن عبد الله بن زيد بن أسلم1 خبرا PageV01P178 # باطلا فيه يا آدم لولا محمد ما خلقناك رواه البيهقي في "دلائل النبوة". # قال في "مجمع الزوائد" رواه الطبراني في الأوسط والصغير، وفيه من لا ~~أعرفهم، انتهى. # وذكر الحافظ ابن عبد الهادي عن الإمام مالك رضي الله عنه أنه قال فيه: ~~اذهب إلى عبد ms081 الرحمن بن زيد بن أسلم يحدثك عن أبيه عن نوح. # وقال الربيع بن سليمان: سمعت الشافعي يقول: سأل رجل عبد الرحمن بن زيد بن ~~أسلم حدثك أبوك عن أبيه عن جده أن سفينة نوح طافت بالبيت، وصلت ركعتين؟ ~~قال: نعم. # وقال ابن خزيمة عبد الرحمن بن زيد ليس ممن يحتج أهل العلم بحديثه. # وقال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني: حدث عن أبيه لا شيء. # وقال أيضا في الصارم المنكي: وإني أتعجب منه كيف قلد الحاكم فيما صححه من ~~حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم الذي رواه في التوسل، وفيه قول الله لآدم: ~~"ولولا محمد ما خلقناك" مع أنه حديث غير صحيح ولا ثابت بل هو ضعيف الإسناد ~~جدا، وقد حكم عليه بعض الأئمة بالوضع، وليس إسناده من الحاكم إلى عبد ~~الرحمن بن زيد # PageV01P179 # صحيحا بل هو مفتعل على عبد الرحمن كما سنبينه، ولو كان صحيحا إلى عبد ~~الرحمن لكان ضعيفا غير محتج به، لأن عبد الرحمن في طريقه. وقد أخطأ الحاكم ~~في تصحيحه، وتناقض تناقضا فاحشا كما عرف له ذلك في غير موضع، فإنه قال في ~~كتاب " الضعفاء" بعد أن ذكر عبد الرحمن منهم، وقال: ما حكيت عنه فيما تقدم ~~أنه روى عن أبيه أحاديث موضوعة لا تخفى على من تأملها من أهل الصنعة، أن ~~الحمل فيها عليه. # قال في آخر الكتاب: فهؤلاء الذين قدمت ذكرهم قد ظهر عندي جرحهم، لأن ~~الجرح لا يثبت إلا ببينة، فهم الذين أبين جرحهم لمن طالبني به، فإن الجرح ~~لا استحله تقليدا، والذي أختاره لصاحب هذا الشأن أن لا يكتب حديثا واحدا من ~~هؤلاء الذين سميتهم، فالراوي لحديثهم داخل في قوله صلى الله عليه وسلم: "من ~~حدث بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين" هذا كله كلام الحاكم أبي عبد ~~الله صاحب المستدرك، وهو متضمن أن عبد الرحمن بن زيد قد ظهر له جرحه ~~بالدليل، وأن الراوي لحديثه داخل في قوله صلى الله عليه وسلم: "من حدث ~~بحديث وهو يرى1 أنه كذب فهو ms082 أحد الكاذبين" انتهى. PageV01P180 # فتبين من كلام العلماء حملة السنة، وأهل الجرح والتعديل الذين حفظ الله ~~بهم الدين عن تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الزائفين أن هذا ~~الحديث موضوع مكذوب لا يعتمد عليه، وأقل أحواله أن يكون ضعيفا، ولا نقول ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا لا نجزم بصحته وثبوته، وإن كان قد ~~صححه الحاكم فالجرح1مقدم على التعديل، مع أنه قد قال في عبد الرحمن بن زيد ~~بن أسلم ما قال2، فنأخذ بقوله مع أقوال أئمة هذا الشأن، ولا نأخذ بغلطه ~~وخطئه فيما أخطأ فيه3. PageV01P181 # إذ عرفت هذا وتحققته فالصحيح المأثور عن أئمة التفسير على قوله تعالى: ~~{فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه} [البقرة37] أن هذه الكلمات هي المفسرة ~~بقوله تعالى: {ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من ~~الخاسرين} [الأعراف23] وهذا مروي عن سعيد بن جبير، ومجاهد، وأبي العالية، ~~والربيع بن أنس، والحسن، وقتادة، ومحمد بن كعب القرظي، وخالد بن معدان، ~~وعطاء الخراساني، وعبد الرحمن بن زيد. # وعن ابن عباس قال علم شأن الحج. وعبيد بن عمير أنه قال: قال آدم: "يا رب ~~خطيئتي التي أخطأت شيء كتبته علي قبل أن تخلقني، أو شيء ابتدعته من قبل ~~نفسي"؟ قال: بل كتبته علي قبل أن تخلقني، أو شيء ابتدعته من قبل نفسي؟ قال: ~~بل كتبته عليك قبل أن أخلقك قال فكما كتبته علي فاغفر لي قال: فذلك قوله: ~~{فتلقى آدم من ربه كلمات} [البقرة37] . # وعن ابن عباس قال آدم عليه السلام: ألم تخلقني بيدك؟ قيل له بلى. ونفخت ~~في من روحك؟ قيل بلي وعطست، PageV01P182 # فقلت: يرحمك الله وسبق رحمتك غضبك؟ قيل: بل. وكتبت علي أن أعمل هذا؟ قيل ~~له: بلى. قال: أفرأيت إن تبت هل أنت راجعي إلى الجنة؟ قال: نعم. وكذا رواه ~~العوفي، وسعيد بن جبير، وسعيد بن معبد. ورواه الحاكم في مستدركه إلى ابن ~~عباس. وروى ابن أبي حاتم حدثنا مرفوعا شبيها بهذا. # وعن مجاهد قال: الكلمات "اللهم لا إله إلا أنت، سبحانك وبحمدك، ms083 رب إني ~~ظلمت نفسي فاغفر لي إنك خير الغافرين، اللهم لا إله إلا أنت، سبحانك ~~وبحمدك، إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك خير الراحمين، اللهم لا إله إلا أنت ~~سبحانك وبحمك، رب إني ظلمت نفسي فتب علي إنك أنت التواب الرحيم" هذا ما ~~عليه المفسرون، لا ما قاله هذا الأحمق، فإن بعض من لا بصيرة له قد ذكره ~~فالحجة فيما ثبت عن الصحابة، وعن سلف الأمة، وأئمتها، ولا يجوز تفسير ~~القرآن بأقوال شاذة، أو موضوعة لا تثبت عند أهل العلم والحديث وأئمة ~~التصحيح والترجيح انتهى. # وأما قول هذا الملحد: "قال في المواهب اللدنية: روي أنه لما خرج آدم من ~~الجنة رأى مكتوبا على ساق العرش، وعلى كل موضع في الجنة اسم محمد صلى الله ~~عليه وسلم مقرونا باسمه تعالى، فقال: يا رب هذا محمد من هو؟ قال الله: هذا ~~ولدك الذي لولاه ما خلقتك. فقال: يا رب بحرمة هذا الولد ارحم هذا الوالد. ~~فنودي يا آدم لو تشفعت إلينا بمحمد # PageV01P183 # في أهل السموات والأرض لشفعناك". # فالجواب أن نقول: هذا من نمط ما قبله من الموضوعات المكذوبات التي لا أصل ~~لها في الكتاب والسنة، ولا رواها أحد ممن يعتمد عليه من الأئمة، فلا يلتفت ~~إليه، ولا يعول في الحكم عليه، والله أعلم. # وأما قوله: "ولله در من قال: # وكان لدى الفردوس في زمن الصبا ... أثواب شمل الأنس محكمة السدى # يشاهد في "عدن" ضياء مشعشعا ... يزيد على الأنوار في الضوء والهدى # فقال: إلهي ما الضياء الذي أرى ... جنود السماء تعشو إليه ترددا # فقال: نبي خير من طئ الثرى ... وأفضل من في الخير راح أو اغتدى # تخيرته من قبل خلقك سيدا ... وألبسته قبل النبيين سؤددا # وأعددته يوم القيامة شافعا ... مطاعا إذا ما الغير حاد وحيدا # فيشفع في إنقاذ كل موحد ... ويدخله جنات عدن مخلدا # PageV01P184 # وإن له أسماء سميته بها ... ولكنني أحببت منها "محمدا" # فقال: إلهي امنن علي بتوبة ... تكون على غسل الخطيئة مسعدا # بحرمة هذا الاسم والزلفة التي ... خصصت بها دون الخليقة "أحمدا" ms084 # أقلني عثاري يا إلهي فإن لي ... عدوا لعينا جار في القصد واعتدا # فتاب عليه ربه وحماه من ... جناية ما أخطاه لا متعمدا # والجواب ومن الله أستمد الصواب: # أقول لعمري ما لهذا حقيقة ... ولو صح هذا القول أو كان مسندا # لما طعن الحفاظ فيه وأوهنوا ... أسانيده حتى غدا واهيا سدا # ولو صح هذا في فضائل "أحمد" ... لكان به الحفاظ أولى وأسعدا # فما كان في الفردوس آدم في الصبا ... يشاهد في عدن ضياءا ممددا # يزيد على الأنوار نور ضيائه ... جنود السماء تعشو إليه ترددا # PageV01P185 # فقال: نبي خير من وطئ الثرى ... وأفضل من في الخير راح واغتدى # فلم ير في الفردوس هذا ولم يقل ... إلهي ما هذا الضياء الذي بدا # نعم كان في المعلوم أن نبينا ... محمد المعصوم قد كان أوحدا # فليس له في الخلق حتما مما ثلا ... يماثله في الفضل والجود والندا # ولكنه ما قيل هذا لآدم ... فننفي الذي ما قيل والفضل قد بدا # ولا قال في الفردوس يوما لآدم ... تخيرته من قبل خلقك سيدا # وأعددته يوم القيامة شافعا ... وألبسته قبل النبيين سؤددا # ولا قال في الفردوس يوما لآدم ... يخاطبه فيها خطابا مؤكدا # وإن له أسماء سميته بها ... ولكنني أحببت منها محمدا # فقال إلهي أمنن علي بتوبة ... تكون على غسل الخطيئة مسعدا # بحرمة هذا الاسم والزلفة التي ... خصصت بها دون الخليقة أحمدا # PageV01P186 # فكل الذي قد قال ما صح نقله ... ولا قيل في الفردوس هذا ولا بدا # وسيدنا المعصوم أفضل خلقه ... ولا شك في هذا الذي من تسودا # فكان لعمري سيدا ذا جلالة ... ببعثته زال الظلام وأبعدا # ومات ودين الله للناس واضح ... ومهيعة قد كان نهجا معبدا # وغادر في أتباعه النور فاهتدى ... فكانوا على هذا الضياء وفي الهدى # فكان لهم يوم القيامة شافعا ... لإخلاصهم في الدين إذ كان أحمدا # وأعداؤه في ظلمة الكفر والهوى ... قد انهمكوا في الغي والجهل والردى # فليس لهم يوم القيامة شافعا ... لإشراكهم جهلا وإلا تعمدا # فدع ذا ولا يغررك ألوان وشيه ... فليت لعمرو الله محكمة السدى # فذاك من الموضوع ms085 إذ كان لم يكن ... رواه عن الأعلام من كان سيدا # فسيدنا المعصوم أكمل خلقه ... وأكرمهم بيتا ونفسا ومحتدا # PageV01P187 # وإن له فضلا عن الناس كلهم ... يزيد على هاذي الأقاويل مسندا # رواه عن المعصوم حفاظ دينه ... ومنهم به كانوا أحق وأسعدا # وأعظم مما قاله الكسم والذي ... روى عنه المعصوم درا منضدا # ففيما روى الحفاظ في حق أحمد ... من الفضل ما يغني أولي الدين والهدى # عن الكذب الموضوع والحق واضح ... وإن ير ذا الحق من كان أرمدا # وخال سفاها أن ما قال فرية ... مجاوزة للحد أهدى وأرشدا # لعمري لقد أخطأ من الحق مهيعا ... سويا سميا مستقيما ممهدا # وأم طريقا مظلما غير ناصع ... ولا مستقيم قد غلا فيه واعتدا # لعمري لقد أعطاه ربي فضائلا ... وخص بها الرحمن فضلا محمدا # فأعطى لواء الحمد والكوثر الذي ... حباه إله العرش حقا وأصعدا # وإن له حوضا هنيئا شرابه ... به يشرب السني كأسا منددا # PageV01P188 # وأحلى من الشهد المصفي عذوبة ... وعنه ينحى من عتا وتمردا # ويشفع في يوم القيامة للورى ... ليحكم بين الخلق ذو العرش بالهدى # ويقعده فوق عرشه ... كما جاء هذا في الأحاديث مسندا # فيغبطه كل الخلائق جملةسبحانه ... بما قد حباه الله فضلا واصعدا # وقد خصه المولى بما لم نحط به ... ونحصيه علما أو حسابا محددا # فدع عنك ما قال الغلاة وإن رووا ... بذلك أخبارا ودرا منضدا # فأخبارهم موضوعة ونظامهم ... لعمري إلهي باطل واهي السدى # PageV01P189 # فصل: في رد استدلال الملحد لمراده بقوله صلى الله عليه وسلم:" ... أسألك ~~بحق السائلين ... " # ... # فصل # قال الملحد: "وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "من خرج من بيته إلى الصلاة فقال: اللهم إني أسألك بحق ~~السائلين عليك، وأسألك بحق ممشاي هذا، إني لم أخرج أشرا، ولا بطرا، ولا ~~رياء، ولا سمعة، وإنما خرجت اتقاء سخطك، وابتغاء مرضاتك، فأسألك أن تعيذني ~~من النار، وأن تغفر لي ذنوبي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. أقبل الله عليه ~~بوجهه، واستغفر له سبعون ألف ملك" رواه ابن ماجة ورواه ابن ms086 السني بإسناد ~~صحيح عن بلال". # والجواب أن يقال: هذا الحديث ضعيف رواه عطية العوفي وفيه ضعف. # قال شيخ الإسلام: ولكن بتقدير ثبوته هو من هذا الباب، فإن حق السائلين ~~عليه سبحانه أن يجيبهم، وحق المطيعين له أن يثيبهم، فالسؤال له، والطاعة له ~~سبب لحصول إجابته وإثابته، فهو من التوسل به، والتوجه، والتسبب به، ولو قدر ~~أنه قسم لكان قسما بما هو من صفاته، فإن إجابته وإثابته # PageV01P190 # من أفعاله وأقواله، فصار هذا كقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ~~"أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء ~~عليك أنت كما أثنيت على نفسك" 1. # والاستعاذة لا تصح بمخلوق، كما نص عليه الإمام أحمد وغيره من الأئمة إلى ~~آخر كلامه رحمه الله. # فتبين من كلام الشيخ أن السؤال بحق السائلين هو إجابتهم، وسؤاله بحق ~~الطائعين إثابتهم، فيكون السائل بهذين سائلا بصفات الله، فإن الإجابة ~~والإثابة من أفعاله وأقواله سبحانه وتعالى، وسؤال الله بأسمائه وصفاته ~~والتوسل بها ثابت بالكتاب والسنة قال الله تعالى: {ولله الأسماء الحسنى ~~فادعوه بها} [الأعراف180] وفي الحديث عن عبد الله بن بريدة عن أبيه أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يقول: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا ~~إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد. فقال: ~~"دعا2 الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب" رواه ~~الترمذي وأبو داود3 إلى غير ذلك من الأحاديث، وكذلك PageV01P191 # التوسل بالأعمال الصالحة كما ثبت ذلك بالكتاب والسنة، كما روي عن ابن عمر ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "بينما ثلاثة نفر يتماشون أخذهم المطر، ~~فمالوا إلى غار في الجبل، فانحطت على فم غارهم صخرة من الجبل فأطبقت عليهم، ~~فقال بعضهم لبعض: انظروا أعمالا عملتموها لله صالحة فادعوا الله بها لعله ~~يفرجها" الحديث متفق عليه. # فليس في حديث أبي سعيد الخدري ما يدل على ما ادعوه من التوسل بذوات ~~الأنبياء والأولياء والصالحين، فضلا ms087 عن دعائهم والاستغاثة بهم والإلتجاء ~~إليهم وحسبنا الله ونعم الوكيل. # وأما قوله: "ومما جاء عنه صلى الله عليه وسلم من التوسل قوله: "اغفر لأمي ~~فاطمة بنت أسد" ووسع عليها مدخلها بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي" إلى ~~آخره. PageV01P192 # فالجواب أن هذا من نمط ما قبله، وقد تقدم الكلام على جنسه، وفي سند روح ~~بن صلاح المصري ضعفه ابن عدي، وتصحيح الحاكم لن1 يجدي شيئا2، وقد تقدم عن ~~أهل العلم أنه لما جمع المستدرك على الشيخين ذكر فيه من الأحاديث الضعيفة ~~والمنكرة بل والموضوعة جملة كثيرة، وقد روى فيه لجماعة من المجروحين في ~~كتابه في الضعفاء انتهى. # وأما رواية الطبراني له، فيقال لهذا الملحد: كم في الطبراني من حديث ~~يخالف هذا ويدل على وجوب التوسل بأسماء الله تعالى وصفاته وإنابة الوجوه ~~إليه؟ فما أعمى عينك عنها! هل هناك شيء أعماها سوى الجهل والهوى؟ وقد تكلم ~~PageV01P193 # في هذا الحديث غير واحد. # وقال شيخ الإسلام: قد بالغت في البحث والاستقصاء فما وجدت أحدا قال ~~بجوازه، إلا ابن عبد السلام في حق نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام، أترى ~~هذا الحديث خفي على علماء الأمة لم يعلموا ما دل عليه، ثم لو سلمنا صحته أو ~~حسنه ففيه ما مر في حديث الأعمى أن المراد بدعاء نبيك إلى آخره، وأي وسيلة ~~بذوات الأنبياء لمن عصى أمرهم، وخرج عما جاؤوا به من التوحيد والشرع. # قال شيخ الإسلام: فإذ قال الداعي: أسألك بحق فلان وفلان لم يدع له، وهو ~~لم يسأله باتباعه لذلك الشخص أو محبته وطاعته، بل بنفس ذاته، وما جعله له ~~ربه من الكرامة لم يكن قد سأله بسبب يوجب المطلوب انتهى. # PageV01P194 # فصل: في رد استدلال الملحد بقوله صلى الله عليه وسلم:" ... فليناد يا ~~عباد الله احبسوا ... " # ... # فصل # قال الملحد: "وفي الأذكار للنووي ما نصه: روينا في كتاب ابن السني عن عبد ~~الله بن مسعود رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا ~~انفلتت دابة أحدكم بأرض فلاة فليناد يا عباد الله ms088 احبسوا يا عباد الله ~~احبسوا، فإن لله1عز وجل في الأرض حاضرا سيحبسه". # والجواب أن يقال: هذا حديث فيه مقال، فإن فيه ابن حسان وهو ضعيف قال ~~الذهبي في الميزان2معروف بن حسان أبو معاذ السمرقندي عن عمر3بن ذر قال ابن ~~عدي: منكر الحديث قد روى عن عمر4 بن ذر نسخة طويلة كلها غير محفوظة. ~~PageV01P195 # وعلى تقدير صحته إنما يفيد نداء حاضر1، كنداء زيد عمرا مثلا ليمسك دابة ~~أو ليرجعها، أو ليناوله ماء أو طعاما، أو نحو ذلك، وهذا مما لا نزاع فيه، ~~غاية ما في الباب أن عمروا مثلا محسوس، وهؤلاء لا يرون لأنهم إما مسلمو ~~الجن أو ملائكة مكلمون، لا نداء على شيء لا2يقدر عليه إلا الله تعالى. وأين ~~هذا من الاستغاثة بأصحاب القبور من الأولياء والمشايخ؟ والمقصود أنه ليس في ~~الحديث إلا نداء الأحياء والطلب منهم ما يقدر هؤلاء الأحياء عليه وذلك لا ~~ننكره. # وأما قول هذا الملحد: "وأما ما تمسك به الوهابية من قوله لابن عباس: ~~"وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، جف القلم بما أنت لاق، ~~فلو جهدت الخليقة على أن تنفعك لم تنفعك إلا بشيء كتبه الله لك، ولو جهدت ~~على أن تضرك لم تضرك إلا بشيء كتبه الله عليك" فلا يدل على عدم التوسل؛ لأن ~~المتوسل إلى الله برسوله ما سأل إلا الله ولا استعان إلا به، مع اعتقاده ~~بأن النفع والضر صار منه سبحانه وتعالى". # فالجواب أن نقول: نعم هذه كانت حال "الوهابية" فإنهم كانوا يتمسكون بكتاب ~~الله، وبما صح الخبر به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعملون به، ~~ويتركون ما خالف الكتاب والسنة PageV01P196 # ويعملون بما كان عليه سلف الأمة وأئمتها، ولا يحدثون في دين الله ما لم ~~يشرعه الله ورسوله، فهم بخلاف من نبذ كتاب الله وسنة رسوله وراء ظهورهم، ~~واتبعوا ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، ولو جهد أعداء الله ~~ممن خالف الوهابية أن يستدركوا على الوهابية في أصول الدين وفروعه أنهم ~~استدلوا على ما يذهبون إليه ms089 بحديث موضوع أو ضعيف لا يصح الاحتجاج به لما ~~وجدوا إلى ذلك سبيلا، فضلا من الله ونعمة والله ذو الفضل العظيم. # وهذا الحديث خرجه الترمذي من حديث حنش الصنعاني عن ابن عباس، وقال حسن ~~صحيح، وخرجه الإمام أحمد من حديث حنش الصنعاني، وقد روى هذا الحديث عن ابن ~~عباس من طرق كثيرة من رواية ابنه علي، ومولاه عكرمة، وعطاء بن أبي رباح ~~وعمر بن دينار، وعبيد الله بن عبد الله، وعمر مولى عفرة، وابن أبي مليكة ~~وغيرهم. # قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى على هذا الحديث: وقوله صلى الله عليه ~~وسلم: "إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله" هذا منتزع من قوله ~~تعالى: {إياك نعبد وإياك نستعين} [الفاتحة5] فإن السؤال هو دعاؤه والرغبة ~~إليه، والدعاء هو العبادة كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ~~النعمان بن بشير وتلا قوله {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} [غافر60] خرجه ~~الإمام أحمد وأبو داود والترمذي # PageV01P197 # والنسائي وابن ماجه. وخرج الترمذي من حديث أنس بن مالك عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم: "الداء مخ العبادة" فتضمن هذا الكلام أن يسأل الله عز وجل ولا ~~يسأل غيره، وأن يستعان بالله دون غيره، وأما السؤال فقد أمر الله بسؤاله، ~~فقال: {واسألوا الله من فضله} [النساء: آية32] وفي الترمذي عن ابن مسعود ~~مرفوعا: "اسألوا الله من فضله فإن الله يحب أن يسأل" وفيه أيضا عن أبي ~~هريرة مرفوعا: "من لم يسأل الله يغضب عليه"، وفي حديث آخر: "يسأل أحدكم ربه ~~حاجته كلها حتى يسأل شسعا نعله إذا انقطع". # وفي النهي عن مسألة المخلوقين أحاديث كثيرة صحيحة، وقد بايع النبي صلى ~~الله عليه وسلم جماعة من أصحابه على أن لا يسألوا الناس شيئا منهم أبو بكر ~~الصديق، وأبو ذر، وثوبان، وكان أحدهم يسقط السوط وخطام ناقته فلا يسأل أحدا ~~أن يناوله إياه، وخرج ابن أبي الدنيا من حديث أبي عبيدة بن عبد الله بن ~~مسعود: "أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ms090 فقال: يا رسول الله إن ~~بني فلان أغاروا علي فذهبوا بابني وإبلي" فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"إن آل محمد كذا وكذا وأهل بيت ما لهم مد من طعام أو صاع، فاسأل الله عز ~~وجل"، فرجع إلى امرأته فقالت: ما لك؟ فأخبرها فقالت: نعم ما رد عليك، فما ~~لبث أن رد الله عليه إبله وابنه أوفر ما كانت. فأتى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فأخبره فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وأمر الناس بمسألة الله عز ~~وجل والرغبة إليه وقرأ # PageV01P198 # {ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب} [الطلاق23] . # وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن الله عز وجل يقول: ~~"هل من داع فأستجيب له دعاءه؟ هل من سائل فأعطيه سؤله؟ هل من مستغفر فأغفر ~~له"؟ وخرج المحاملي وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم، قال الله تعالى: "من ذا الذي دعاني فلم أجبه، ويسألني فلم ~~أعطه، واستغفرني فلم أغفر له، وأنا أرحم الراحمين"؟ انتهى. # وأما قوله: "فلا يدل على عدم التوسل، لأن المتوسل إلى الله برسوله ما سأل ~~إلا الله، ولا استعان إلا به، مع اعتقاده بأن النفع والضر صادر منه سبحانه ~~وتعالى". # فالجواب أن نقول: أما دعواه أن المتوسل إلى الله برسوله ما سأل إلا الله ~~ولا استعان إلا به فمن1أقبح الكلام، وأبطل الباطل، وأمحل المحال، وهو مصادم ~~لقوله تعالى: {إياك نعبد وإياك نستعين} [الفاتحة5] فإن تقديم المفعول وهو ~~"إياك" وتكريره للاهتمام والحصر، أي لا نعبد إلا إياك، ولا نتوكل إلا عليك، ~~وهذا هو كمال الطاعة، والدين كله يرجع إلى هذين المعنيين، فالأول التبريء ~~من الشرك، والثاني التبريء من الحول والقوة، فقوله: {إياك نعبد} أي إياك ~~نوحد، ومعناه أنك تعاهد ربك أن لا تشرك في عبادته أحدا، لا ملكا ولا نبيا ~~PageV01P199 # ولا غيرهما، فإن السؤال هو دعاؤه والرغبة إليه، والدعاء هو العبادة، ~~وقوله: {وإياك نستعين} هذا فيه سؤال الله الإعانة وهو التوكل والتبريء ms091 من ~~الحول والقوة، وفرق بين سؤال الله وسؤاله برسوله، ومن قال: إن المتوسل إلى ~~الله برسوله ما سأل إلا الله، ولا استعان إلا به لم يفرق بين الخالق ~~والمخلوق، والمسؤول والسائل، وهذا هو حقيقة مذهب الاتحادية، وكفى بسلوك ~~طريق أهل الوحدة ضلالا وخروجا عن الصراط المستقيم. # وإن كان أراد هذا الملحد أن المتوسل إلى الله برسوله ما سأل ولا استعان ~~إلا بالله، يعني أن المسؤول والمستعان به في الحقيقة هو الله، وأما النبي ~~صلى الله عليه وسلم فهو واسطة بينه وبين السائل المستعين، فهو سبحانه ~~وتعالى المسؤول المستعان به حقيقة منه بالخلق والإيجاد، والنبي صلى الله ~~عليه وسلم مستعان مسؤول منه بالكسب والتسبب العادي، فإن كان أراد هذا فهذا ~~هو فعل المشركين الذين بعث الله فيهم رسوله صلى الله عليه وسلم، فإنهم ~~كانوا يعلمون أن الله تعالى هو الخالق الموجد النافع الضار، وأما الأصنام ~~وغيرهم من الملائكة والأولياء والصالحين، فيقولون إنها أسباب ووسائل عادية، ~~فمن أجل ذلك كانوا يدعونهم ويستغيثون بهم وينحرون لهم وينذرون لهم، والدعاء ~~والنذر والذبح والاستغاثة والسؤال والاستعانة والاستعاذة كلها من أقسام ~~العبادة، وإذا حملتم لفظ الدعاء والاستغاثة والاستعانة والنحر والنذر التي ~~هي من أقسام العبادة على معناها المجازي، فليحمل لفظ العبادة الواقع في ~~كلام المشركين # PageV01P200 # الأولين الذي حكا الله تعالى عنهم حيث قال سبحانه وتعالى: {ما نعبدهم إلا ~~ليقربونا إلى الله زلفى} [الزمر: آية3] فما وجه الفرق وأنى ذلك؟. # فإذا عرفت هذا فاعلم أن سؤال الله عز وجل دون خلقه هو المتعين، لأن ~~السؤال فيه إظهار الذل من السائل والمسكنة والحاجة والافتقار، وفيه ~~الاعتراف بقدر المسؤول على دفع الضر ونيل المطلوب وجلب المنافع ودفع ~~المضار، لا يصلح الذل والافتقار إلا لله وحده، لأنه حقيقة العبادة. # وكان الإمام أحمد رحمه الله يدعو ويقول: "اللهم كما صنت وجهي عن السجود ~~لغيرك، فصنه عن المسألة لغيرك، ولا يقدر على كشف الضر وجلب النفع سواك" كما ~~قال تعالى: {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير ms092 فلا راد ~~لفضله} [يونس: 107] وقال: {ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما ~~يمسك فلا مرسل له من بعده} [فاطر 2] والله تعالى يحب أن يسأل ويرغب إليه في ~~الحوائج، ويلح في سؤاله ودعائه، ويغضب على من لا يسأله، ويستدعي من عباده ~~سؤله، وهو قادر على إعطاء خلقه كلهم سؤالهم من غير أن ينقص من ملكه شيء، ~~والمخلوق بخلاف ذلك كله يكره أن يسأل، ويحب أن لا يسأل لعجزه وفقره وحاجته، ~~ولهذا قال وهب بن منبه لرجل كان يأتي الملوك: "ويحك تأتي من يغلق عنك بابه، ~~ويظهر لك فقره، # PageV01P201 # ويواري عنك غناه، وتدع من يفتح له بابه نصف الليل نصف النهار، ويظهر لك ~~غناه، ويقول: ادعني استجب لك! " وقال طاووس لعطاء: "إياك أن تطلب حوائجك ~~إلى من أغلق دونك بابه، ويجعل دونها حجابه، وعليك بمن بابه مفتوح إلى يوم ~~القيامة، أمرك أن تسأله، ووعدك أن يجيبك"، وأما الاستعانة بالله عز وجل دون ~~غيره من الخلق، فلأن العبد عاجز عن الاستقلال بجلب مصالحه ودفع مضاره، ولا ~~معين له على مصالح دينه ودنياه إلا الله عز وجل، فمن أعانه الله فهو ~~المعان، ومن خذله فهو المخذول، وهذا تحقيق معنى قول "لا حول ولا قوة إلا ~~بالله" فإن المعنى لا تحول للعبد من حال إلى حال، ولا قوة له على ذلك إلا ~~بالله، وهذه كلمة عظيمة، وهي كنز من كنوز الجنة، فالعبد محتاج إلى ~~الاستعانة بالله في فعل المأمورات، وترك المحظورات، والصبر على المقدورات ~~كلها في الدنيا وعند الموت وبعده من أهوال البرزخ ويوم القيامة، ولا يقدر ~~على ذلك إلا الله عز وجل، فمن حقق الاستعانة عليه في ذلك كله أعانه، وفي ~~الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "احرص على ما ينفعك، ~~واستعن بالله، ولا تعجز" ومن ترك الاستعانة بالله واستعان بغيره وكله الله ~~إلى من استعان به فصار مخذولا. كتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز "لا تستعن ~~بغير الله فيكلك الله إليه" ومن كلام بعض السلف: "يا ms093 رب عجبت لمن يعرفك كيف ~~يستعين لغيرك؟ " انتهى. # PageV01P202 # فصل: قال الملحد: الباب الثالث في أقوال العلماء بالتوسل بالأنبياء ~~والصالحين ... الخ # ... # فصل # قال الملحد: "الباب الثالث: في أقوال العلماء العاملين الذين هم أئمة ~~الدين بالتوسل بالأنبياء والصالحين، وفي الخصائص: واختص أيضا بجواز القسم ~~به على الله الكريم المنعم، واختص صلى الله عليه وسلم بجواز أن يقسم على ~~الله به، وفي المواهب اللدنية قال ابن عبد السلام: وهذا ينبغي أن يكون ~~مقصورا على النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه سيد ولد آدم، وأن لا يقسم على ~~الله بغيره من الملائكة والأنبياء والأولياء؛ لأنهم ليسوا في درجته، وأن ~~يكون هذا مما اختص به لعلو درجته ومرتبته انتهى". # والجواب أن يقال: إن مسألة التوسل بالأنبياء والصالحين قد نص على المنع ~~منها جمهور أهل العلم، بل ذكر الشيخ في رده على ابن البكري أنه لا يعلم ~~قائلا بجوازه إلا ابن عبد السلام في حق النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يجزم ~~بذلك بل علق القول به على ثبوت حديث الأعمى وصحته، وفيه من لا # PageV01P203 # يحتج به عند أهل الحديث1، ولم يجز التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم ولا ~~بالأنبياء والصالحين أحد ممن يعتد به ويقتدى به كالأئمة الأربعة وأمثالهم ~~من أهل العلم والحديث. # قال شيخ الإسلام: بل لو أقسم على الله ببعض خلقه من الأنبياء والملائكة ~~وغيرهم لنهي عن ذلك، ولو لم يكن عند قبره، كما لا يقسم بمخلوق مطلقا، وهذا ~~القسم منهي عنه غير منعقد باتفاق الأئمة، وهل هو نهي تحريم أو تنزيه على ~~قولين: أصحهما أنه نهي تحريم، ولم ينازع العلماء إلا في الحلف بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم خاصة، فإن فيه قولين في مذهب أحمد، وبعض أصحابه كابن عقيل ~~طرد2الخلاف في الحلف بسائر الأنبياء، لكن القول الذي عليه جمهور الأئمة ~~كمالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم أنه لا ينعقد اليمين بمخلوق البتة، ولا ~~يقسم بمخلوق البتة، وهذا هو الصواب، والإقسام على الله بنبيه محمد صلى الله ~~عليه وسلم ينبني على هذا الأصل، ففي ms094 هذا النزاع، وقد نقل عن أحمد في التوسل ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم في منسك المروذي ما يناسب قوله بانعقاد اليمين، ~~لكن الصحيح أنه لا تنعقد اليمين به فكذلك هذا. # ثم قال هذا الملحد: وخالف في ذلك بعضهم، فجوز القسم على الله تعالى بكل ~~نبي، بل جوز بعضهم التوسل PageV01P204 # بالصالحين، حتى قال الأستاذ أبو العباس المرسي الشاذلي: من له حاجة إلى ~~الله تعالى فليتوسل في قضائها بأبي حامد الغزالي". # فالجواب أن نقول: لا يجوز الإقسام على الله بخلقه لا الأنبياء ولا غيرهم ~~باتفاق الأئمة، كما حكاه شيخ الإسلام آنفا، وحكى الخلاف في النبي صلى الله ~~عليه وسلم خاصة، قال: وأما غيره فما علمت بين الأمة فيه نزاعا، بل قد صرح ~~العلماء بالنهي عن ذلك واتفقوا على أن الله يسأل ويقسم عليه بأسمائه وصفاته ~~كما تقدم بيانه مرارا. # وأما قول الشاذلي: "من كانت له حاجة إلى الله فليتوسل في قضائها بأبي ~~حامد الغزلي" فأقول: قد كان من المعلوم أن الشاذلي هذا من الغلاة، وليس من ~~أهل العلم المعروفين بالصلاح والدين، ولا من حملة سنة سيد المرسلين، بل من ~~الدعاة إلى عبادة الأولياء والصالحين، فلا حجة في قوله. وقد تكلم العلماء ~~في أبي حامد الغزالي، فقال الفقيه ابن العربي المالكي: شيخنا أبو حامد دخل ~~في جوف الفلسفة ثم أراد أن يخرج فلم يحسن الخروج. هذا كلام تلميذه وهو أعرف ~~الناس به، وقال أبو بكر الطرطوشي: شحن أبو حامد كتاب الإحياء بالكذب على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما على بسيط الأرض أكذب منه، شبكه بمذاهب ~~الفلسفة ومعاني رسائل إخوان # PageV01P205 # الصفا، وهم قوم يرون النبوة مكتسبة، زعموا أن المعجزات حيل ومخاريف1 ~~انتهى. # فإذا كان هذا كلام العلماء في أبي حامد، مع أنه لو كان سالما من القول ~~المذكور، وكان في درجة أحد من الصحابة أو أفاضل التابعين والأئمة المقلدين ~~لم يكن التوسل به جائزا بعد مماته، وأنه يقضي حاجة من سأله قضاء الحاجات ~~وتفريج الكربات، وقد منع العلماء ذلك في حق جميع ms095 الأنبياء، فضلا عمن دونهم، ~~ووقع النزاع في الحلف بنبينا صلى الله عليه وسلم على القول بصحة الحديث، ~~ولا يصح2، فكيف الحال بالشاذلي الذي يدعو الناس إلى التوسل إلى الله في ~~قضاء حوائجهم بأبي حامد وقد عرفت ما يعنون هؤلاء الغلاة بالتوسل أنه دعاء ~~الأموات والغائبين، والالتجاء إليهم من طلب الحوائج، وكشف الكربات، وإغاثة ~~اللهفات، والاستغاثة بهم في جميع الطلبات، وقد ذكر شيخ الإسلام أن أبا حامد ~~الغزالي رجع عن مقالاته، وندم على هفوات ورطاته، ومات والبخاري على صدره، ~~فيكون المقصود بالكلام رد ما في كلامه من الباطل، وإبطال قول من زعم أن من ~~كانت له حاجة إلى الله فليتوسل في قضائها بأبي حامد، لأن العلماء قد منعوا ~~من ذلك في حق من هو أفضل منه، فكيف به وبأمثاله. PageV01P206 # فصل: نقل الملحد كلام السبكي المتضمن تحسين التوسل والاستغاثة والتشفع ~~بالنبي إلى ربه ... الخ # ... # فصل # قال الملحد: "قال السبكي: ويحسن التوسل والاستغاثة والتشفع بالنبي إلى ~~ربه؛ ولم ينكر ذلك أحد من السلف والخلف حتى جاء ابن تيمية فأنكر ذلك؛ وعدل ~~عن الصراط المستقيم؛ وابتدع ما لم يقله عالم قبله؛ وصار بين أهل الإسلام ~~مثلة. انتهى". # والجواب أن يقال قد تقدم الكلام على التوسل؛ وما يراد به في لغة الصحابة ~~والتابعين والأئمة المهتدين؛ وما يراد به في عرف هؤلاء الغلاة المنحرفين؛ ~~الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا؛ ويسعون في الأرض فسادا؛ والله لا ~~يحب المفسدين. # وأما الاستغاثة والتشفع بالنبي إلى ربه؛ فروى الطبراني أنه كان في زمن ~~النبي صلى الله عليه وسلم منافق يؤذي المؤمنين؛ فقال أبو بكر الصديق رضي ~~الله عنه قوموا نستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا المنافق؛ فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "إنه لا يستغاث بي؛ وإنما يستغاث # PageV01P207 # بالله" 1 فقوله: قوموا بنا نستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا ~~المنافق لأنه صلى الله عليه وسلم يقدر على كف أذاه. وأما قوله: إنه لا ~~يستغاث بي وإنما يستغاث بالله. فيه النص على أنه ms096 لا يستغاث بالنبي صلى الله ~~عليه وسلم ولا من دونه؛ كره صلى الله عليه وسلم أن يستعمل هذا اللفظ في ~~حقه؛ وإن كان مما يقدر عليه في حياته حماية لجناب التوحيد؛ وسدا لذرائع ~~الشرك؛ وأدبا وتواضعا لربه؛ وتحذيرا للأمة من وسائل الشرك في الأقوال ~~والأفعال؛ فإذا كان هذا فيما يقدر عليه صلى الله عليه وسلم في حياته؛ فكيف ~~يجوز أن يستغاث به بعد وفاته؛ ويطلب منه أمورا لا يقدر عليها إلا الله عز ~~وجل؛ ومن المعلوم بالضرورة أن الإستغاثة هي طلب الغوث؛ وهو إزالة الشدة ~~كالاستنصار: طلب النصر؛ والاستعانة:طلب العون؛ وقال أبوعبد الله الحليمي: ~~الغياث هو المغيث؛ وأكثر ما يقال:غياث المستغيثين؛ ومعناه المدرك عباده في ~~الشدائد إذا دعوه ومجيبهم ومخلصهم وقال أبو يزيد البسطامي: استغاثة المخلوق ~~بالمخلوق كاستغاثة الغريق بالغريق وقال الشيخ أبو عبد القرشي: استغاثة ~~المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون وفي دعاء موسى عليه سلام ~~"اللهم لك الحمد؛ وإليك المشتكى؛ وأنب المستعان؛ وبك المستغاث؛ وعليك ~~التكلان؛ ولا حول ولا قوة إلا بالله" ولما كان هذا المعنى هو المفهوم عند ~~الإطلاق وكان مختصا بالله PageV01P208 # صح إطلاق نفيه عما سواه؛ ولهذا لا يعرف عن أحد من أئمة المسلمين أنه جوز ~~مطلق الاستغاثة بغير الله؛ وكذلك الاستغاثة أيضا منها ما لا يصح إلا لله 1 ~~وهي المشار إليها بقوله: {إياك نعبد وإياك نستعين} فإنه لا يعين على ~~العبادة الإعانة المطلقة إلا الله. # وقال ابن القيم رحمه الله: ومن أنواعه أي الشرك طلب الحوائج من الموتى ~~والإستغاثة بهم؛ وهو أصل شرك العالم؛ فإن الميت قد انقطع عمله وهو لا يملك ~~لنفسه نفعا ولا ضرا فضلا لمن استغاث به وسأله أن يشفع له إلى الله؛ وهذا من ~~جهله بالشافع والمشفوع عنده؛ فإنه لا يقدر أن يشفع له عند الله إلا بإذنه؛ ~~والله لم يجعل استغاثته وسؤاله سببا لإذنه؛ وإنما السبب كمال التوحيد؛ فجاء ~~هذا المشرك بسبب يمنع الإذن؛ وهو بمنزلة من استعان في حاجة بما يمنع ~~حصولها؛ وهذه حالة كل مشرك؛ فجمعوا بين الشرك ms097 بالمعبود؛ وتغيير دينه؛ ~~ومعاداة أهل التوحيد؛ ونسبة أهله إلى التنقص بالأموات؛ وهم قد تنقصوا ~~الخالق بالشرك؛ أولياءه 2 الموحدين بذمهم وعيبهم ومعاداتهم؛ وتنقصوا من ~~أشركوا به غاية التنقص؛ إذا ظنوا أنهم راضون منهم بهذا؛ وأنهم أمروهم به ~~وأنهم يوالونهم عليه؛ وهؤلاء هم أعداء الرسل في كل PageV01P209 # زمان ومكان؛ وما أكثر المستجيبين لهم؛ وما نجا من شرك هذا الشرك الأكبر ~~إلا من جرد وتوحيده لله؛ وعادى المشركين في الله؛ وتقرب بمقتهم إلى الله؛ ~~واتخذ الله وحده وليه وإلهه ومعبوده؛ فجرد حبه لله؛ وخوفه لله؛ ورجاءه لله؛ ~~وذله لله؛ وتوكله على الله؛ واستعانته بالله والتجاءه إلى الله؛ واستغاثته ~~بالله؛ وقصده لله؛ فهو لله؛ وبالله؛ ومع الله انتهى. # وأما قوله: "ولم ينكر ذلك أحد من السلف والخلف حتى جاء ابن تيمية فأنكر ~~ذلك؛ وعدل عن الصراط المستقيم؛ وابتدع ما لم يقله عالم قبله؛ وصار بين أهل ~~الإسلام مثله". # فأقول: إن هذا الكلام من لا يخاف الله ولا يتقيه؛ فإنه قد كذب في ما ~~قاله؛ وافترى وقد خاب من افترى؛ وأكمل الناس وأكرمهم على الله سيد ولد آدم ~~أنكر هذا؛ وقال:" إنه لا يستغاث بي؛ وإنما يستغاث بالله؛وقال صلى الله عليه ~~وسلم: "لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد ولكن قولوا ما شاء الله وحده" ولو ~~كان عند هذا الرجل من الدين ما يزعه؛ ومن الحياء ما يردعه؛ ما فاه بهذه ~~المخرقة؛ فإنه قد سبق شيخ الإسلام على ذلك الأئمة الأعلام سلفا وخلفا؛ وما ~~خالفهم في ذلك إلا كل من لا يعتد به؛ ولا يعتمد عليه في الخلاف والوفاق؛ ~~وقد تقدم كلام أبي عبد الله الحليمي؛ وكلام أبي يزيد البسطامي؛ وأبي عبد ~~الله القرشي؛ وكلام العلماء في ذلك سلفا وخلفا كثير جدا لا يخفى إلا على من ~~أعمى الله بصيرته؛ وقد اشتهر وظهر عند الخاص والعام. # PageV01P210 # من عدل شيخ الإسلام وإنصافه أن ليس عنده في مسائل الفروع ميل إلا إلى ما ~~دل عليه الكتاب والسنة؛ وإذا ذكر المسألة فإنه يذكر فيها مقالات الأئمة ~~الأربعة ms098 وأصحابهم وغير أصحابهم ممن بعدهم أو قبلهم من الصحاتة والتابعين ~~وتابعيهم؛ ويذكر دليل كل قول وتقريره على وجه لا يكاد يوجد في الكتب ~~المصنفة لهم؛ فكيف في مسائل أصول الدين التي ليس بين الأمة في مسائلهما ~~المشهورة خلاف؛ وإنما يخالف فيها أهل الأهواء والبدع؛ وهو من أعرف خلق الله ~~بمذاهب أهل الأهواء ووقت حدوثها. # قال الإمام الذهبي في معجم شيوخه: هو شيخنا وشيخ الإسلام وفريد العصر ~~علما ومعرفة وشجاعة وذكاء وتنويرا إلهيا وكرما ونصحا للأمة وأمرا بالمعروف ~~ونهيا عن المنكر سمع الحديث وأكثر بنفسه من طلبه وكتابته؛ وخرج ونظر في ~~الرجال والطبقات؛ وحصل ما لم يحصله غيره؛ وبرع في تفسير القرآن؛ وغاص في ~~دقائق ومعانية بطبع سيال وخاطر وقاد إلى مواضع الإشكال ميال؛ واستنبط منه ~~أشياء لم يسبق إليها؛ وبرع في الحديث وحفظه فقل من يحفظ ما يحفظ من الحديث؛ ~~مع شدة استحضاه له وقت الدليل؛ وفاق الناس في معرفة الفقه؛ واختلاف ~~المذاهب؛ وفتاوى الصحابة والتابعين؛ وأتقن العربية أصولا وفروعا؛ ونظر في ~~العقليات؛ وعرف أقوال المتكلمين ورد عليهم؛ ونبه على خطئهم؛ وحذر منهم؛ # PageV01P211 # ونصر السنة بأوضح حجج وأبهر براهين؛ وأوذي في الله تعالى من المخالفين؛ ~~وأخيف في نصر السنة المحفوظة؛ حتى أعلى الله تعالى مناره؛ وجمع قلوب أهل ~~التقوى على محبته والدعاء له؛ وكبت أعداءه؛ وهدى به رجالا كثيرا 1 من أهل ~~الملل والنحل؛ وجبل قلوب الملوك والأمراء على الإنقياد له غالبا وعلى ~~طاعته؛ وأحيا به الشام بل الإسلام بعد أن كاد ينثلم؛ خصوصا في كائنة ~~التتار؛ وهو أكبر من أن ينبه على سيرته مثلي؛ فلو حفلت بين الركن والمقام ~~أني ما رأيت بعيني مثله؛ وأنه ما رآى هو مثل نفسه لما حنثت. # فانظر إلى ما قاله هذا الإمام المنصف من أنه من أعرف خلق الله بمذاهب أهل ~~الأهواء ووقت حدوثها؛ وأنه يصر السنة بأوضح حجج وأبهر براهين؛ وأنه أوذي في ~~الله تعالى؛ ومن جعلتهم هذا الرجل لأنه من المخالفين؛ وأخيف في نصر السنة ~~حتى أعلا الله تعالى مناره؛ وجمع ms099 قلوب أهل التقى على محبته والدعاء له. # وهذا الرجل لو كان عند أهل العلم ممن يتقي الله لكان من جملة أهل التقى ~~المحبين له والداعين له وأن الله كبت أعداءه؛ وهدى به رجالا كثيرا من أهل ~~الملل والنحل؛ وأن الله أحيا به الشام بل الإسلام؛ إلى غير ذلك مما ذكر في ~~فضله. PageV01P212 # وهذا الرجل- عامله الله بعدله- يقول: "ولم ينكر ذلك أحد من السلف والخلف ~~حتى جاء ابن تيمية فأنكر ذلك؛ وعدل عن الصراط المستقيم؛ وابتدع ما لم يقله ~~عالم قبله" إلى آخر كلامه. وإنما حمله على هذا الكلام الحسد والهوى؛ وعدم ~~خشية الله؛ والغلو الذي خرج به عن الصراط المستقيم وسلوك طريق أئمة الدين ~~من الصحابة والتابعين والأئمة المهتدين الذين لهم قدم صدق في العالمين؛ ~~فشيخ الإسلام هو الذي نصر الله به السنة؛ وقمع به أهل البدعة؛ فصاروا ~~ببدعتهم مستترين؛ وأعز الله به الإسلام بعد أن كاد ينثلم. # وقال الإمام محمد التافلاني مفتي الحنفية بعد كلام له: وقد أثنى عليه ~~جمهور معاصريه؛ وجمهور من تأخر عنه؛ وكانوا خير مناصرية؛ وهم ثقاة صيارفة ~~حفاظ عريفهم في النقد دونه عريق عكاظ؛ وطعن فيه بعض معاصريه بسبب أمور ~~أشاعها مشيع لحظ نفسه؛ أو لأجل معاصرة التي لا ينجو من سمها إلا من قد كمل ~~في قدسه؛ فخلف من بعدهم مقلدهم في الطعن فتجاوز فيه الحد؛ ورماه بعظائم ~~موجبة للتعزير والحد؛ ولو قال هذا المقلد كقول بعض السلف حين سئل عما جرى ~~بين الإمام علي ومعاوية فقال"تلك دماء طهر الله منها سيوفنا أفلا نطهر منها ~~ألسنتنا" لنجا من هذا العنا؛ وهذا الإمام تصانيفه قد ملأت طباق الثرى؛ ~~واطلع عليها القاصي والداني من علماء الورى؛ فما وجدوا فيها عقيدة زائغة؛ ~~ولا عن الحق # PageV01P213 # رابغة 1؛ كم سل السيوف الصوارم على فرق الضلال؛ وكم رماهم بصواعق براهين ~~محرقة كالجبال؛ تنادي عقيدته البيضاء بعقيدة السلف؛ ولا ينكر صحتها ~~وأفضليتها من خلف منا ومن سلف؛ شهد له الأقران بالإجهاد؛ ومن منع له فقد ~~خرط بكفه شوك القتاد. # وقال الإمام الحافظ ms100 بن عبد الهادي في رده على السبكي لما قال:"إن ~~المبالغة في تعظيمه أي الرسول واجبة" فقال: إن أريد به المبالغة بحسب ما ~~يراه كل أحد تعظيما؛ حتى الحج إلى قبره؛ والسجود له؛ والطواف به؛ واعتقاده ~~أنه يعلم الغيب؛ وأنه يعطي ويمنع؛ ويملك لمن استغاث به من دون الله الضر ~~والنفع؛ وأنه يقضي حوائج السائلين؛ ويفرج الكروب؛ وأنه يشفع فيمن يشاء؛ ~~ويدخل الجنة من يشاء؛ فدعوى المبالغة في هذا التعظيم مبالغة في الشرك؛ ~~وانسلاخ من جملة الدين. انتهى. # ولو ذهبنا نذكر ما ذكره العلماء في مناقبه وفضائله؛ وما ردوا به على ~~مخالفيه في هذه الباحث لطال الكلام. # فإذا تحققت ما ذكره أهل العلم في شيخ الإسلام تبين لك أن السبكي هو الذي ~~خرج عن الصراط المستقيم؛ وخالف ما عليه الأئمة من علماء المسلمين؛ وأنه هو ~~الذي ابتدع مالم PageV01P214 # يقله عالم قبله؛ فصار بافترائه وعدوانه مثلة بين أهل الإسلام؛ ممن له ~~معرفة بالعلوم ومدارك الأحكام؛ فلا يلتفت إلى مفترياته عاقل؛ ولا ينظر في ~~أساطيل أساطيرها فاضل؛ وحسبنا الله ونعم الوكيل. # PageV01P215 ### | فصل: ذكر الملحد عن معروف الكرخي أنه قال لتلاميذه:.. الخ # ... # فصل # وأما قوله: "وروى القشيري عن معروف الكرخي أنه قال لتلامذته: إذا كانت ~~لكم إلى الله حاجة؛ فاقسموا عليه بي؛ فإني الواسطة بينكم وبينه وذلك بحكم ~~الوراثة عن المصطفى صلى الله عليه وسلم انتهى". # فالجوال: أن هذا من الكذب المعلوم كذبه بالإضطرار عند من له معرفة ~~بالنقل؛ ومقادير الأئمة الأخيار؛ فإن مثل هذه الحكاية الواهية الساقطة ~~المنتنة المظلمة لا يتصور صدورها عمن هو دون معروف الكرخي فضلا عن ذلك ~~الزاهد الفاضل إلا من هو من أبعد الناس معرفة بحقيقة دين الإسلام؛ فإنه لا ~~يقول هذا ويفتريه على أهل الإسلام والعلماء العاملين إلا أمثال هؤلاء ~~الغلاة المنحرفين الحيارى المفتونين؛ فنعوذ بالله من طمس القلوب؛ ورين ~~الذنوب. # ثم قال هذا الملحد: "وفي الفتوحات ما نصه:- مستمد جميع الأنبياء ~~والمرسلين من روح محمد صلى الله عليه وسلم؛ إذ هو قطب الأقطاب؛ فهو ممد ~~لجميع الناس أولا ms101 وآخرا؛ فهو ممد كل # PageV01P216 # نبي وولي؛ سابق على ظهوره حال كونه بالغيب؛ وممد أيضا لكل ولي لا حق ~~فيوصله بذلك إلى مرتبة كماله في حال كونه موجودا في عالم الشهادة؛ وفي حال ~~كونه منتقلا إلى الغيب الذي هو البرزخ والدار الآخرة؛ فإن أنوار رسالته صلى ~~لله عليه وسلم غير منقطعة عن العالم من المتقدمين والمتأخرين؛ فكل نبي تقدم ~~زمان ظهوره فهو نائب عنه في بعثته لتلك الشريعة انتهى". # والجواب أن نقول: ما ذكره هذا الملحد من كلام صاحب الفتوحات كلام باطل؛ ~~فإن مستمد جميع الأنبياء والمرسلين إنما هو الوحي الذي نزل به الأمين من رب ~~العالمين؛ قال الله تعالى: {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين ~~من بعده} [النساء: آية 163] وقال تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا ~~والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا ~~تتفرقوا فيه} [الشورى: آية 13] وقال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول ~~إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} [الأنبياء: آية 25] وقال تعالى: ~~{تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا ~~عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس} [البقرة: آية 253] وقال تعالى: ~~{قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس} [الأنعام: آية 91] ~~وقال تعالى: {وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة} [الأعراف: آية 145] ~~الآية # PageV01P217 # والآيات في هذا المعنى كثيرة جدا؛ فمستمد جميع الأنبياء والرسل ما أنزل ~~الله عليهم من وحيه؛ فقوله: إن مستمد جميع الأنبياء والمرسلين من روح محمد ~~صلى الله عليه وسلم مصادم ومناف لما تقدم من الآيات؛ ولقوله تعالى: {تلك من ~~أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا} [هود: آية ~~49] وقوله: {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا ~~الإيمان} [الشورى: آية 52] وقوله: {نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا ~~إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين} [يوسف: آية 3] وهذا ms102 مبني ~~على أن روح محمد صلى الله عليه وسلم مخلوقة قبل جميع المخلوقات؛ وقد تقدم ~~بطلان هذا القول؛ ومخالفته لصريح العقل والنقل في الكلام على ما نقله عن ~~القسطلاني وما ذكره عن المناوي؛ وأن هذا القول مبتدع لم يقل به أحد من ~~الأئمة المقتدى بهم؛ بل هذا مبني على مذهب الفلاسفة القائلين بأن الكتب ~~المنزلة فيض فاض من العقل الفعال؛ على النفس المستعدة الفاضلة الزكية؛ ~~فتصورت تلك المعاني وتشكلت في النفس بحيث يتوهمها أصواتا تخاطبه؛ وربما قوي ~~الوهم حتى يراها أشكالا نورانية تخاطبه؛ وربما قوي ذلك ببعض الحاضرين ~~فيرونها ويسمعون خطابها ولا حقيقة لشيء من ذلك في الخارج؛ وهذا يكون عندهم ~~بتجرد النفس عن العلائق؛ واتصالها بالمعارفات من العقول والنفوس المجردة؛ ~~وهذه # PageV01P218 # الحقائق تحصل عندهم بالاكتساب؛ ولهذا طلب النبوة من تصرف على مذهب هؤلاء. ~~فتبين من كلام هذا الملحد أن الأنبياء والرسل- عليهم الصلاة والسلام- لم ~~ينزل عليهم وحي من الله؛ كما نزل به الروح الأمين على قلب محمد- صلى الله ~~عليه وسلم-؛ وإنما ذلك فيض فاض على أرواح الأنبياء من روح محمد- صلى الله ~~عليه وسلم-؛ واستمدوا من روحه ما أنزل الله عليهم وشرعه لهم من الدين؛ ~~ويزعمون أن الولاية أعظم من النبوة؛ لأن الولي # يأخذ عن الله بغير واسطة؛ والنبي الرسول بواسطة وينشدوان:- # مقام النبوة في برزخ ... فويق الرسول ودون الولي # ويقولون: إن ولاية النبي أعظم من نبوته؛ ونبوته أعظم من رسالته؛ ثم قد ~~يدعي أحدهم أن ولايته وولاية سائر الأولياء تابعة لولاية خاتم الأولياء؛ ~~وأن جميع الأنبياء والرسل من حيث ولايتهم هي عندهم أعظم من نبوتهم ~~ورسالتهم؛ وإنما يستفيدون العلم بالله الذي هو عندهم القول بوحدة الوجود من ~~مشكاة 1 خاتم الأولياء؛ وشبهتهم في أصل ذلك أن قالوا: الولي يأخذ عن الله ~~بغير واسطة؛ والنبي والرسول بواسطة؛ ولهذا جعلوا ما يفيض في نفوسهم يجعلونه ~~PageV01P219 # من باب المخاطبات الإلهية؛ والمكاشفات الربانية أعظم من تكليم موسى بن ~~عمران؛ وهو في الحقيقية إيحاءات شيطانية؛ ووساوس نفسانية؛ وإن الشياطين ~~ليوحون إلى أوليائهم. # وأما قوله: "وفي حال ms103 كونه منتقلا إلى الغيب الذي هو البرزخ والدار ~~الآخرة. فإن أنوار رسالته صلى الله عليه وسلم غير منقطعة عن العالم من ~~المتقدمين والمتأخرين". # فالجواب أن يقال: إن كان أراد إنه صلى الله عليه وسلم له قدرة على إيصال ~~الخيرات؛ ورفع المضرات بعد الممات؛ فقد قال تعالى: {قل لا أملك لنفسي نفعا ~~ولا ضرا إلا ما شاء الله} [الأعراف: آية 188] وقال تعالى: {وإن يمسسك الله ~~بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله} [يونس: آية 107] فإذا ~~كان هذا حاله في الحياة فما الظن به أو بغيره بعد الممات؟. # وإن كان أراد أن الخلق يستمدون منه أي مما جاء به من توحيد الله؛ وعبادته ~~وحده لا شريك له؛ وترك عبادة ما سواه كائنا من كان؛ والعمل بسنته؛ ~~والاهتداء بهديه؛ وترك ما نها عنه؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم في خطبته ~~يوم عرفة:"وقد تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا إن اعتصمتم به كتاب ~~الله" الحديث 1. وقال صلى الله عليه وسلم: "تركتكم على الحجة البيضاء ليلها ~~كنهارها لا يزيغ PageV01P220 # عنها بعدي إلا هالك" 1 وقال صلى الله عليه وسلم: "إنها ستكون فتن"2 فقلنا ~~له ما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: "كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم؛ وخبر ~~ما بعدكم؛ وحكم ما بينكم؛ هو الفصل ليس بالهزل؛ من بركه من جبار قصمه الله؛ ~~ومن ابتغى الهدى من غيره أضله الله؛ هو حبل الله المتين؛ وهو الذكر الحكيم؛ ~~وهو الصراط المستقيم؛ هو الذي لا تزيغ به الأهواء؛ ولا تلتبس به الألسنة؛ ~~ولا تشبع منه العلماء؛ ولا يخلق عن كثرة الرد؛ ولا تنقضي عجائبه؛ هو الذي ~~لم تنته الجن إذ 3 سمعته حتى قالوا: {إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد ~~فآمنا به} [الجن: آيات1-2] من قال به صدق؛ ومن عمل به أجر؛ ومن حكم به عدل؛ ~~ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم" # رواه الترمذي وقال غريب 4. PageV01P221 # فإذا عرفت هذا فلا يكون الاستمداد منه حال كونه منتقلا إلى ms104 الغيب الذي هو ~~البزرخ والدار الآخرة, ولكن بما ترك فينا من كتاب الله وسنة رسوله, لأن ~~أنوار رسالته صلى الله عليه وسلم لا تنقطع ما عمل بالكتاب والسنة. # وأما قوله: "فكل نبي تقدم على زمان ظهوره فهو نائب عنه في بعثته لتلك ~~الشريعة". # فالجواب أن نقول: هذا كلام باطل مصادم لقوله تعالى: {لكل جعلنا منكم شرعة ~~ومنهاجا} [المائدة: آية 48] ولقوله صلى الله عليه وسلم: "نحن معاشر ~~الأنبياء أولاد علات" الحديث 1, وقد قال تعالى: {الذين يتبعون الرسول النبي ~~الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف ~~وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات PageV01P222 # ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم} ~~[الأعراف: آية 157] ومن المعلوم بالضرورة أن الأغلال والآصار التي كانت ~~عليهم وفي شريعتهم من قتل أنفسهم وغير ذلك من الأغلال, لم يكن موسى عليه ~~السلام نائبا عن نبينا في بعثته لتلك الشريعة من التكاليف الشاقة, من ~~الآصار والأغلال التي كانت عليهم, بل من بركة هذا النبي الكريم, وأن الله ~~أرسله رحمة للعالمين وضع عنهم الآصار والأغلال التي كانت عليهم, وأحل لهم ~~الطيبات مما حرم عليهم في التوراة من لحوم الإبل والشحوم, ويحرم عليهم ~~الخبائث كالدم ولحم الخنزير والميتة والربا, فكان من المعلوم أن لكل رسول ~~أرسله الله إلى أمته شريعة ومنهاجا, وأما الأصل الذي هو دين الإسلام فجميع ~~الرسل والأنبياء فيه على طريقة واحدة كما قال تعالى: {شرع لكم من الدين ما ~~وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا ~~الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه} [الشورى: آية 13] ~~ولا حاجة بنا إلى الكلام إلى استقصاء الكلام 1 على ما ذكره من كلام صاحب ~~الفتوحات لسقوطه وتهافته, ومخالفته لصريح الكتاب والسنة, فلا نطيل برد ~~كلام, لكن هذا على سبيل التنبية والإشارة, ثم كيف يستجيز من يؤمن بالله ~~واليوم PageV01P223 # الآخر النقل في هذه المباحث وغيرها عن ابن عربي صاحب "الفصوص" ~~و"الفتوحات" الذي هو من أكفر خلق الله, وأبعدهم عن ms105 سلوك الصراط المستقيم, ~~ويعد من العلماء العاملين؟.. # وإذا أردت حقيقة ما قلنا فانظر إلى ما قاله في"الفصوص" قال في الإدريسة: ~~ومن أسمائه الحسنى العلي, على من وما ثم إلا 1 هو, فهو العلي لذاته أو عن ~~ماذا, وما هو إلا هو, فعلوه لنفسه, وهو من حيث الوجود عين الموجودات ~~فالمسمى محدثات هي العلية لذاتها, وليست إلا هو- إلى أن قال-: فهو عين ما ~~ظهر وهو عين ما بطن في حال ظهوره, وما ثم من يراه غيره, ومن ثم من يبطن عنه ~~فهو الظاهر لنفسه باطن عنه, وهو المسمى أبو سعيد الحزاز, وغير ذلك من أسماء ~~المحدثات- إلى أن قال-: ومن عرف ما قررناه في الأعداد, وأن نفيها عين ~~إثباتها علم أن الحق المنزه هو الخلق المشبه, وإن كان قد تميز الخلق من ~~الخالق فالأمر الخالق المخلوق, والأمر المخلوق الخالق كل ذلك من عين واحدة, ~~لا بل هو العين الواحدة, وهو العيون الكثيرة {فانظر ماذا ترى قال يا أبت ~~افعل ما تؤمر} [الصافات: آية 102] والولد عين أبيه فما رأى2 يذبح سوى نفسه, ~~وفداه بذبح عظيم, فظهر بصورة كبش من ظهر بصورة إنسان, فظهر بصورة لا بحكم ~~ولد من PageV01P224 # هو عين الوالد, وخلق منها زوجها فما نكح سوى نفسه- إلى أن قال-: فالعلي ~~لنفسه هو الذي يكون له الكمال الذي يستغرق جميع الأمور الوجودية والنسب ~~العدمية, بحيث لا يمكن أن يفوقه نعت منها, وسواء كانت محمودة عرفا وعقلا ~~وشرعا, أو مذمومة عرفا وعقلا وشرعا, وليس ذلك إلا لمسمى 1 الله خاصة. # فصرح عدو الله بأن الحق المنزه هو الخلق المشبه، وصرح بأنه المنعوت بكل ~~نعت مذموم ومحمود, وصرح بأنه أبو سعيد الخزاز وغيره من المحدثات, كما صرح ~~بأن المسمى محدثات هي العلية لذاتها, وليست إلا هو. وقال أيضا: ولما كان ~~فرعون في منصب التحكم, وأنه الخليفة بالسيف, وإن جاز في العرف الناموسي ~~لذلك قال: "أنا ربكم الأعلى" أي وإن كان الكل أربابا بنسبة ما, فأنا الأعلى ~~منهم بما أعطيته في الظاهر من التحكم عيهم, ولما ms106 علمت السحرة صدقه فيما قال ~~لم ينكروه, وأقروا له بذلك, وقالوا له: "إنما تقضي هذه الحياة الدنيا فاقض ~~ما أنت قاض", فالدولة لك فصح قوله: "أنا ربكم الأعلى", وإن كان عين الحق. ~~إلى أمثال هذه الكفريات, والله در الأمير محمد بن إسماعيل حيث يقول:- # وأكفر خلق الله من قال: إنه ... إله فإن الله جل عن الند PageV01P225 # مسماه كل الكائنات بأسرها ... من الكلب والخنزير والقرد والفهد # وأن عذاب النار عذب لأهلها ... سواء عذاب النار أو جنة الخلد # وينشدنا عنه نصوص فصوصه ... ينادي خذوا في النظم مكنون ما عندي # "وكنت امرأ من جند إبليس فارتمى # ... بي الدهر حتى صار إبليس من جندي!! " # فلو مات قبلي كنت أدركت بعده ... دقائق كفر ليس يدركها بعد # فمن كان بهذه المثابة كيف يستجيز من يؤمن بالله واليوم الآخر أن يذكر ~~كلامه في جملة العلماء العاملين, أو يصغي إلى شبهات هؤلاء الغالين. # وأما دعوى هؤلاء الملاحدة أن خاتم الأولياء هو أفضلهم, كما أن خاتم الرسل ~~أفضلهم, بل يزعم ابن عربي أن خاتم الأولياء أفضل من خاتم الرسل, لأن خاتم ~~لأولياء يأخذ عن الله بلا واسطة, وخاتم الرسل إنما يأخذ عن الملك, فقد ذكر ~~شيخ الإسلام أن خاتم الأولياء كلمة لا حقيقة لفضلها ومرتبتها, وإنما تكلم ~~أبو عبد الله الترمذي بشيء من ذلك ولم يستند فيه إلى شيء, ومسمى هذا اللفظ ~~هو آخر مؤمن يبقى, ويكون بذلك خاتم الأولياء, وليس ذلك أفضل الأولياء ~~باتفاق # PageV01P226 # المسلمين, بل أفضل الأولياء سابقهم, وأقربهم إلى الرسول, وهو أبو بكر, ثم ~~عمر, إذ الأولياء يستفيدون من الأنبياء فأقربهم إلى الرسول أفضل, بخلاف ~~خاتم الرسل فإن الله أكرمه بالرسالة ولم يحله على غيره, فقياس أحد اللفظين ~~على الآخر في وجوب كونه أفضل من أفسد القياس. # PageV01P227 ### | قال شيخ الإسلام: فصل: اتفق السلف على أن الأنبياء أفضل من الأولياء # ... # وقال أيضا: # فصل # وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها وسائر أولياء الله تعالى على أن الأنبياء ~~أفضل من الأولياء الذين ليسوا بأنبياء, وقد رتب الله عباده السعداء المنعم ~~عليهم ms107 أربع مرات, فقال تعالى: {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم ~~الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا} ~~[النساء: آية 69] وفي حديث "ما طلعت الشمس ولا غربت على أحد تعد النبيين ~~والمرسلين أفضل من أبي بكر" وأفضل الأمم أمة محمد- صلى الله عليه وسلم- قال ~~تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} [آل عمران: آية 110] وقال تعالى: {ثم ~~أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا} [فاطر: آية 32] وقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم في الحديث الذي في المسند " أنتم توفون سبعين أمة, أنتم ~~خيرها, وأكرمها على الله" وأفضل أمة محمد القرن الأول, وقد ثبت عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم من غير وجه أنه قال:"خير القرون القرن الذي بعثت فيهم, ~~ثم الذين يلونهم" وهذا ثابت في الصحيحين من غير وجه, وفي الصحيحين أيضا صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: # PageV01P228 # "لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد ~~أحدهم ولا نصيفه". # والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار أفضل من سائر الصحابة قال ~~تعالى: {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من ~~الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى} [الحديد- 10] , وقال ~~تعالى: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ~~رضي الله عنهم ورضوا عنه} [التوبة- 100] والمراد بالفتح صلح الحديبية, فإنه ~~كان أول فتح مكة, وفيه أنزل الله {إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ~~ما تقدم من ذنبك وما تأخر} [الفتح- 1] فقالوا يا رسول الله أو فتح هو؟ قال ~~نعم. # وأفضل السابقين الأولين الخلفاء الأربعة, وأفضلهم أبو بكر, ثم عمر, وهذا ~~هو المعروف عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان, وأئمة الأمة وجماهيرها, وقد ~~دلت على ذلك دلائل بسطناها في "منهاج أهل السنة النبوية في نقض كلام الشيعة ~~والقدرية". وبالجملة اتفق طوائف السنة والشيعة على أن أفضل هذه الأمة بعد ~~نبيها واحد من الخلفاء, ولا يكون من بعد الصحابة أفضل من الصحابة. # وأفضل أولياء الله تعالى أعظمهم معرفة بما جاء به # PageV01P229 # الرسول ms108 واتباعا له كالصحابة الذين هم أكمل الأمة في معرفة دينه واتباعه, ~~وأبو بكر الصديق أكمل معرفة بما جاء به, وعملا به فهو أفضل أولياء الله, ~~إذا كانت أمة محمد صلى الله عليه وسلم أفضل الأمم, وأفضلها أصحاب محمد صلى ~~الله عليه وسلم وأفضلهم أبو بكر رضي الله عنه # وقد ظن طائفة غالطة أن "خاتم الأولياء" أفضل الأولياء قياسا على خاتم ~~الأنبياء, ولم يتكلم أحد من المشائخ المتقدمين بخاتم الأولياء إلا محمد بن ~~علي الحكيم الترمذي, فإنه صنف مصنفا غلط فيه في مواضع, ثم صار طائفة من ~~المتأخرين يزعم كل واحد منهم أنه خاتم الأولياء, ومنهم من يدعي أن خاتم ~~الأولياء أفضل من خاتم الأنبياء من جهة العلم بالله, وأن الأنبياء يستفيدون ~~العلم بالله من جهته, كما يزعم ذلك ابن عربي صاحب كتاب" الفتوحات المكية" ~~وكتاب"الفصوص" فخالف الشرع والعقل, مع مخالفته جميع أنبياء الله تعالى ~~وأوليائه, كما يقال لمن قال: فخر عليهم السقف من تحتهم: لا عقل ولا قرآن, ~~وذلك أن الأنبياء أفضل في الزمان من أولياء هذه الأمة [والأنبياء عليهم ~~أفضل الصلاة والسلام أفضل من الأولياء, فكيف الأنبياء كلهم؟] 1والأولياء 2 ~~إنما PageV01P230 # يستفيدون معرفة الله ممن يأتي بعدهم, ويدعي أنه خاتم الأولياء, وليس آخر ~~الأولياء 1 أفضلهم, كما أن آخر الأنبياء أفضلهم, فإن فضل محمد صلى الله ~~عليه وسلم ثبت بالنصوص الدالة على ذلك كقوله صلى الله عليه وسلم "أنا سيد ~~ولد آدم ولا فخر" كقوله "آتي باب الجنة فاستفتح, فيقول الخازن من أنت؟ ~~فأقول محمد, فيقول بك 2 أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك" وليلة المعراج رفع الله ~~درجته فوق الأنبياء كلهم, فكان أحقهم بقوله تعالى: {تلك الرسل فضلنا بعضهم ~~على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات} [البقرة: آية 253] إلى غير ذلك ~~من الدلائل, كل منهم يأتيه الوحي من الله, لا سيما محمد صلى الله عليه وسلم ~~لم يكن في نبوته محتاجا إلى غيره, فلم تحتج شريعته إلى سابق ولا إلى لاحق, ~~بخلاف المسيح أحالهم في أكثر ms109 الشريعة على التوراة, وجاء المسيح فكملها, ~~ولهذا كان النصارى محتاجين إلى النبوات المتقدمة على المسيح كالتوراة, ~~والزبور, وتمام الأربع وعشرين نبوة, وكان الأمم قبلنا محتاجين إلى محدثين, ~~بخلاف أمة محمد صلى الله عليه وسلم فإن الله أغناهم به 3 فلم يحتاجوا معه ~~إلى نبي ولا إلى محدث, بل جمع له من الفضائل والمعارف والأعمال الصالحة ما ~~فرقه في غيره من الأنبياء, فكان ما فضله PageV01P231 # الله1به من الله 1بما أنزله إليه وأرسله إليه لا بتوسط بشر, وهذا بخلاف ~~الأولياء فإن كل من بلغه رسالة محمد صلى الله عليه وسلم لا يكون وليا لله ~~إلا باتباع محمد صلى الله عليه وسلم, وكل ما حصل له من الهدى ودين الحق هو ~~بتوسط محمد, صلى الله عليه وسلم وكذلك من بلغه رسالة رسول إليه لا يكون ~~وليا لله إلا إذا اتبع ذلك الرسول الذي أرسل إليه. # ومن ادعى من الأولياء الذين بلغتهم رسالة محمد صلى الله عليه وسلم من أن ~~له طريقا 2 إلى الله لا يحتاج فيه إلى محمد فهذا كافر ملحد 3, وإذا قال أنا ~~محتاج إلى محمد في علم الظاهر دون علم الباطن, أو في علم الشريعة دون علم ~~الحقيقة, فهو شر من اليهود والنصارى الذين قالوا: إن محمدا 4 رسول إلى ~~الأمين دون أهل الكتاب, فأن أولئك آمنوا ببعض وكفروا ببعض فكانوا كفارا ~~بذلك, وكذلك الذي يقول إن محمدا بعث بعلم الظاهر دون علم الباطن [آمن ببعض ~~ما جاء به وكفر PageV01P232 # ببعض فهو كافر, وهو أكفر من أولئك لأن علم الباطن] 1 الذي هو علم إيمان ~~القلوب ومعارفها وأحوالها هو علم بحقائق الإيمان الباطن, وهذا أشرف 2 من ~~العلم بمجرد أعمال الإسلام الظاهرة. # فإذا ادعى المدعي أن محمد- صلى الله عليه وسلم- إنما علم هذه الأمور ~~الظاهرة دون حقائق الإيمان, وأنه لا يأخذ هذه الحقائق عن الكتاب والسنة, ~~فقد ادعى أن بعض الذي آمن به مما جاء به الرسول دون البعض, الآخر, وهذا شر ~~3 ممن يقول أؤمن ببعض وأكفر ببعض, ولا يدعي ms110 أن هذا البعض الذي آمن به أدنى ~~القسمين. # وهؤلاء الملاحدة يدعون أن الولاية أفضل من النبوة, ويلبسون على الناس ~~فيقولون: ولايته أفضل من نبوته وينشدون 4:- # مقام النبوة في برزخ ... فويق الرسول ودون الولي! # ويقولون: نحن 5 شاركناه في ولايته التي هي أعظم من PageV01P233 # رسالته, وهذا من أعظم ضلالهم, فإن ولاية محمد لم يماثله فيها أحد لا ~~إبراهيم ولا موسى, فضلا أن يماثله فيها هؤلاء الملحدون. # وكل رسول نبي ولي, فالرسول نبي ولي, ورسالته متضمنة لنبوته, ونبوته ~~متضمنة لولايته, وإذا قدروا مجرد إنباء 1 الله إياه بدون ولايته لله فهذا ~~تقدير ممتنع, فإنه حال انبائه إياه ممتنع أن يكون إلا وليا 2 لله, ولا تكون ~~مجردة عن ولايته, ولو قدرت مجردة لم يكن أحد مماثلا للرسول في ولايته إلى ~~أن قال:- # وهؤلاء المتفلسفة قد يجعلون"جبرائيل" هو الخيال الذي يتشكل في نفس النبي ~~صلى الله عليه وسلم, والخيال تابع للعقل, فجاء الملاحدة الذين شاركوا هؤلاء ~~الملاحدة المتفلسفة وزعموا أنهم "أولياء الله" وأن أولياء الله أفضل من ~~أنبياء الله, وأنهم يأخذون عن الله بلا واسطة كابن عربي صاحب "الفتوحات" و ~~"الفصوص" فقال: إنه يأخذ من المعدن الذي أخذ منه الملك الذي يوحي به إلى ~~الرسول, والمعدن عنده هو العقل, الملك هو الخيال, والخيال تابع للعقل, وهو ~~بزعمه يأخذ عن الذي هو أصل الخيال, والرسول يأخذ عن3 الخيال, فلهذا ~~PageV01P234 # صار عند نفسه فوق النبي ولو كان خاصة النبي ما ذكروه 1 ولم يكن هو من ~~جنسه, فضلا عن أن يكون فوقه, فكيف وما ذكروه يحصل لآحاد المؤمنين؟ والنبوة ~~أمر وراء ذلك, فإن ابن عربي وأمثاله وإن ادعوا أهم من الصوفية فهم من صوفية ~~الملاحدة الفلاسفة, ليسوا من صوفية أهل العلم, فضلا عن أن يكونوا من مشائخ ~~أهل الكتاب والسنة كالفضيل بن عياض, وإبراهيم بن أدهم, وأبي سليمان ~~الداراني, ومعروف الكرخي, والجنيد بن محمد, وسهل بن عبد الله التستري, ~~وأمثالهم رضوان الله تعالى عليهم أجمعين إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى. ~~PageV01P235 # فصل: أنشد الملحد أبياتا للبكري ms111 فيها الغلو والإطراء ... الخ # ... # وأما قول الملحد:"ولذا أنشد القطب الكبير سيدي محمد بن أبي الحسن البكري ~~المصري:- # ما أرسل الرحمن أو يرسل ... من رحمة تصعد أو تنزل # في ملكوت الله أو ملكه ... من كل ما يختص أو يشمل # إلا وطه المصطفى عبده ... نبيه مختاره المرسل # واسطة فيها وأوصل لها ... يعلم هذا كل من يعقل # فعذبه من كل ما تشتكي ... فهو شفيع دائما يقبل # ولذ به في كل ما ترتجي ... # فإنه المأمن المعقل # PageV01P236 # وحط أحمال الرجاء عنده ... فإنه المرجع والموئل # وناده إن أزمة انشبت ... أظفارها واستحكم المعضل # يا أكرم الخلق على ربه ... وخير من فيهم به يسأل # قد مسني الكرب وكم مرة ... فرجت كربا بعضه يذهل # فبالذي فضلك بين الورى ... برتبة عنها العلا تنزل # عجل باذهاب الذي اشتكي ... فإن توقفت فمن أسأل # فحيلتي ضاقت وصبري انقضى ... ولست أدري ما الذي أفعل # وإن ترى أعجز مني فما ... لشدة أقوى ولا أجمل # وأنت باب الله أي امرىء ... أتاه من غيرك لا يدخل # عليك صلى الله ما صافحت ... زهر الروابي نسمة شمأل # مسلما ما فاح عطر الحمى ... وطاب منه الند والمندل # PageV01P237 # والآل والأصحاب ما غردت ... ساجعة أملودها مخضل # والجواب أن أقول:- # أقول هذا كله لا يعقل ... ولا له في الشرع أصل منزل # إلا أكاذيب رواها عصبة ... مرفوضة أقوالهم لا تنقل # بل كلها موضوعة مكذوبة ... والطعن فيها كلها مستعمل # بل الذي في الشرع أن المصطفى ... محمدا رسوله والأفضل # مختاره من خلقه وأنه ... إلى جميع الخلق حقا مرسل # وأنه للناس فيما بينهم ... وبين ربي بالهدى يفصل # واسطة بوحيه يهديهموا ... بما به الله الكريم ينزل # فمن يقول إنه أصل لهذا ... الخلق طرا أوه لما قد ينزل # من رحمة من ربنا سبحانه ... في الملك والملكوت أو ما يرسل # PageV01P238 # إلا وهذا المصطفى أصل لها ... من كل ما يختص أو ما يشمل # فقد أتى بفرية معلومة ... بل ليس هذا في العقول يعقل # فليأتنا1بآية من قال ذا ... أو سنة محفوظة لا تجهل # وقد أتى من بعد هذا كله ... بمنكر لا يرتضيه الكمل # بأنه ms112 معاذ من يشكو له ... أف لما قد قاله ذا المبطل # أو أنه من غير أذن شافع ... فهو شفيع سرمديا يقبل # وأنه الملاذ فيما يرتجى ... وأنه الكهف المنيع المعقل # وأنه محط أحمال الرجا ... لأنه الرجعى له والموئل # وأن ينادي إن ألمت أزمة ... ونشبت أظفارها لا تمهل # فهذا كله شرك به ... سبحانه عما يقول المبطل PageV01P239 # فهو المنادي وحده سبحانه ... وهو الملاذ المرتجى الموئل # وهو المعاذ وحده إن أزمة ... أو كربة تعدو لنا أو تنزل # لا عبده المعصوم فهو المجتبي ... وهو المطاع أمره لا يهمل # لكننا لا ندع إلا ربنا ... في كل ما نرجوه وما نأمل # ما مس عبد كربة أو نابه ... من نائبات الدهر مما يعضل # إلا وربي فراج لها ... لا عبده إن كنت ممن يعقل # تالله ما هذا بقول يرتضى ... في المصطفى مما يقول المبطل # فالمشتكى لله لا للمصطفى ... وهو الذي إن لم يجب من نسأل # وهو الذي إن لم يعنا لم نطق ... حملا لعجزان دها ما يشغل # وهو الذي لا رب حق غيره ... وهو الرجا والملتجا الموئل # هذا الذي قالته وهابية ... والحق ما قالوه وهو الأكمل # PageV01P240 # وهو الصواب حقيقة إذا كله ... حق وتحقيق وأمر يعقل # لا ما ادعاه الكسم أو قاله ... من قد دعوه القطب وهو الأرذل # تالله ما هذا بقطب الورى ... في دينهم بل كان ممن يجهل # بل كان قطب الكفر والشرك الذي ... أغوى به الشيطان من لا يعقل # فانبذه خلف الظهر لا تعبأ بما ... # قد قاله هذا الغوى المبطل # PageV01P241 ### | فصل: ذكر الملحد مناظرة أبي جعفر المنصور مع مالك # ... # فصل # قال الملحد: "وفي الشفا للقاضي عياض قال: ناظر 1 أبو جعفر أمير المؤمنين ~~مالكا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال: لا ترفع صوتك في هذا ~~المسجد, فإن الله أدب قوما فقال {لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي} ~~[الحجرات-2] الآية ومدح قوما فقال {إن الذين يغضون أصواتهم} الآية ~~[الحجرات-3] , وذم قوما فقال: {إن الذين ينادونك من وراء الحجرات} الآية, ~~[الحجرات-4] وحرمته ميتا كحرمته حيا, فاستكان لها أبو ms113 جعفر وقال: يا أبا ~~عبد الله أستقبل القبلة وادعو, أم أستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ~~فقال: ولم تصرف وجهك عنه, وهو وسيلتك, ووسيلة أبيك آدم عليه السلام إلى ~~الله تعالى يوم القيام؟ بل استقبله, واستشفع به, فيشفعك الله وفي نسخة ~~فيشفعه الله قال الله تعالى: {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم} [النساء – 64] , ~~انتهى. PageV01P242 # والجواب أن يقال هذه الحكاية لا حجة فيها لمبطل لما سنذكره إن شاء الله ~~تعالى, قال الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادي في ~~"الصارم المنكي" قلت المعروف عن مالك أنه لا يستقبل القبر عند الدعاء, وهذه ~~الحكاية التي 1 ذكرها القاضي عياض, ورواها بإسناده عن مالك ليست بصحيحة ~~عنه. # وقد ذكر المعترض 2 في موضع من كتابه أن إسنادها إسناد جيد, وهو مخطىء في ~~هذا القول خطأ فاحشا, بل إسنادها إسناد ليس بجيد, بل هو إسناد مظلم منقطع, ~~وهو مشتمل على من يتهم بالكذب, وعلى من يجهل حاله, وابن حميد هو محمد بن ~~حميد الرازي, وهو ضعيف كثير المناكير غير محتج بروايته, ولم يسمع من مالك ~~شيئا, ولم يلقه, بل رواية عنه منقطعة غير متصلة. # وقد ظن المعترض أنه أبو سفيان محمد بن حميد المعمري أحد الثقاة المخرج ~~لهم في صحيح مسلم, قال: فإن الخطيب ذكره في الرواة عن مالك, وقد أخطأ فيما ~~ظنه خطأ فاحشا, ووهم وهما قبيحا. إلى أن قال: # وأما محمد بن حميد الرازي فإنه في طبقة الرواة عن PageV01P243 # المعمري كأبي خيثمة 1,وابن نمير, وعمرو الناقد, وغيرهم إلى أن قال: # وقد تكلم في محمد بن حميد الرازي وهو الذي رويت عنه هذه الحكاية من غير ~~واحد من الأئمة, ونسبه بعضهم إلى الكذب. قال يعقوب بن شيبة السدوسي محمد بن ~~حميد الرازي كثير المناكير. وقال البخاري: حديثه فيه نظر. وقال النسائي: ~~ليس بثقة. وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: رديء المذهب غير ثقة. وقال ~~فضلك الرازي عندي عن ابن حميد خمسون ألف حديث لا أحدث عنه بحرف, وقال أبو ~~العباس ms114 أحمد بن محمد الأزهري: سمعت إسحاق بن منصور يقول: أشهد على محمد بن ~~حميد, وعبيد بن إسحاق العطار بين يدي الله أنهما كذابان. وقال صالح بن محمد ~~الحافظ: كان كل 2 ما بلغه من حديث سفيان يحيله على مهران, وما بلغه من حديث ~~منصور يحيله على عمرو بن أبي قيس3, وما بلغه من حديث الأعمش يحيله على مثل ~~هؤلاء وعلى عنبسة, ثم قال: كل شيء كان يحدثنا ابن حميد كنا نتهمه فيه. وقال ~~PageV01P244 # في موضع آخر: كانت أحاديثه تزيد, وما رأيت أحدا أجرأ 1 على الله منه كان ~~يأخذ أحاديث الناس فيقلب بعضهم على بعض, وقال في موضع آخر: ما رأيت أحدا ~~أحذق بالكذب من رجلين: سليمان الشاذكوني, ومحمد بن حميد الرازي كان يحفظ ~~حديثه كله, وكان حديثه كل يوم يزيد- ثم أطال الحافظ الكلام فيه 2 إلى أن ~~قال-: # فإذا كانت هذه حال محمد بن حميد الرازي عند أئمة هذا الشأن فكيف يقال في ~~حكاية رواها 3 منقطعة: إسنادها جيد, مع أن في طريقها إليه من ليس بمعروف, ~~إلى أن قال: فانظر هذه الحكاية وضعفها, وانقطاعها, ونكارتها, وجهالة بعض ~~رواتها, ونسبة بعضهم إلى الكذب, ومخالفتها لما ثبت عن مالك, وغيره من ~~العلماء. وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه في "اقتضاء الصراط ~~المستقيم في مخالفة أصحاب الجحيم": ولم يكن أحد من السلف يأتي إلى قبر نبي, ~~أو غير نبي لأجل الدعاء عنده, ولا كان الصحابة PageV01P245 # يقصدون الدعاء عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم ولا عند قبر غيره من ~~الأنبياء, وإنما كانوا يصلون ويسلمون على النبي صلى الله عليه وسلم, وعلى ~~صاحبيه, واتفق الأئمة على أنه إذا دعا بمسجد النبي صلى الله عليه وسلم لا ~~يستقبل قبره, وتنازعوا عند السلام عليه, فقال مالك وأحمد وغيرهما: يستقبل ~~قبره, ويسلم عليه, وهو الذي ذكره أصحاب الشافعي, وأظنه منصوصا عنه. # وقال أبو حنيفة: بل يستقبل القبلة ويسلم عليه هكذا في كتب أصحابه. وقال ~~مالك: فيما ذكره إسماعيل بن إسحاق في" المبسوط" ms115 والقاضي عياض, وغيرهما 1:- ~~لا أرى أن يقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم ويدعو, ولكن يسلم ويمضي, ~~وقال أيضا في "المبسوط": لا بأس لمن قدم من سفر, أو خرج أن يقف على قبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم ويدعو له, ولأبي بكر وعمر, قيل له: فإن ناسا من ~~أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه يفعلون ذلك في اليوم مرة أو ~~أكثر, وربما وقفوا في الجمعة, أو في الأيام المرة والمرتين أو أكثر عند ~~القبر يسلمون ويدعون ساعة فقال: لم يبلغني هذا عن أحد من أهل الفقه ببلدنا, ~~وتركه واسع, ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها, ولم يبلغني عن أول ~~هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك, ويكره إلا لمن جاء من سفر أو ~~أراده. وقد تقدم في ذلك من الآثار عن السلف والأئمة ما يوافق هذا ويؤيده من ~~أنهم كانوا PageV01P246 # إنما يستحبون عند قبره ما هو من جنس الدعاء له والتحية كالصلاة والسلام, ~~ويكرهون قصده للدعاء, والوقوف عنده للدعاء 1, ومن يرخص منهم في شيء من ذلك ~~فإنه إنما يرخص فيما إذا سلم عليه, ثم أراد الدعاء أن يدعو مستقبل القبلة ~~إما مستدير القبر, وإما منحرفا عنه, وهو أن يستقبل القبلة ويدعو, ولا يدعو ~~مستقبل القبر, وهكذا المنقول عن سائر الأئمة, ليس في أئمة المسلمين من ~~استحب للمرء 2 أن يستقبل قبر النبي ويدعو عنده. # وهذا الذي ذكرناه عن مالك يبين حقيقة الحكاية المأثورة عنه, وهي الحكاية ~~التي ذكرها القاضي عياض عن محمد بن حميد قال ناظر 3 أبو جعفر أمير المؤمنين ~~مالكا في مسجد رسول الله- صلى الله عليه وسلم-, قال له مالك: يا أمير ~~المؤمنين لا ترفع صوتك في هذا المسجد, فإن الله تعالى أدب قوما فقال: {لا ~~ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي} [الحجرات-2] وذكر باقي الحكاية, ثم قال: ~~فهذه الحكاية على هذا الوجه إما أن تكون ضعيفة, أو مغيرة, وإما أن تفسر بما ~~يوافق مذهبه إذ قد يفهم منها ما هو خلاف مذهبه ms116 المعروف بنقل الثقاة من ~~أصحابه, فإنه لا يختلف مذهبه أنه لا يستقبل القبر عند PageV01P247 # الدعاء, وقد نص على أنه لا يقف عند الدعاء مطلقا, وذكر طائفة من أصحابه ~~أنه يدنو من القبر, ويسلم على النبي صلى الله عليه وسلم, ثم يدعو مستقبل ~~القبلة ويوليه ظهره, وقيل: [لا يوليه ظهره] 1 فاتفقوا في استقبال القبلة, ~~وتنازعوا في تولية القبر ظهره وقت الدعاء, ويشبه والله أعلم أن يكون مالك 2 ~~رحمه الله سئل 3 عن استقبال القبر عند السلام عليه, وهو يسمى ذلك دعاء, ~~فإنه قد كان من فقهاء العراق من يرى أنه عند السلام عليه يستقبل القبلة ~~أيضا, ومالك يرى استقبال القبر في هذا الحال كما تقدم. وكما قال في رواية ~~ابن4وهب عنه: إذا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم يقف ووجهه إلى القبر, ~~لا إلى القبلة 5, ويدنو, ويسلم, ويدعو, ولا يمس القبر بيديه. وقد تقدم ~~قوله: إنه يصلي عليه, ويدعو له. # ومعلوم أن الصلاة عليه, والدعاء له توجب شفاعته للعبد يوم القيامة كما ~~قال في الحديث الصحيح:"إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول, ثم صلوا علي ~~فإنه من صلى علي PageV01P248 # مرة صلى الله عليه عشرا, ثم اسألوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في الجنة ~~لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله, وأرجو أن أكون ذلك العبد, فمن سأل الله لي ~~الوسيلة حلت عليه شفاعتي يوم القيامة" 1. # فقول مالك في هذه الحكاية- إن كان ثابتا عنه- معناه أنك إذا استقبلته, ~~وصليت عليه, وسلمت عليه, وسألت الله له الوسيلة, يشفع فيك يوم القيامة, فإن ~~الأمم يوم القيامة يتوسلون بشفاعته, واستشفاع العبد به في الدنيا هو فعله ~~ما يشفع به له يوم القيامة, كسؤال الله تعالى له بالوسيلة, ونحو ذلك, وكذلك ~~ما نقل عنه من رواية ابن وهب: إذا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم ودعا, ~~يقف ووجهه إلى القبر لا إلى القبلة, ويدعو ويسلم, يعني دعاءه 2 للنبي صلى ~~الله عليه وسلم وصاحبيه. # فهذا هو الدعاء المشروع هناك, كالدعاء عند زيارة قبور ms117 سائر المؤمنين, وهو ~~الدعاء لهم, فإنه أحق الناس أن يصلي عليه, ويسلم عليه, ويدعى له, بأبي هو ~~وأمي صلى الله عليه وسلم. وبهذا تتفق أقوال مالك, ويفرق بين الدعاء الذي ~~أحبه, والدعاء الذي كرهه وذكر أنه بدعة. PageV01P249 # وأما الحكاية في تلاوة مالك هذه الآية1: {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم} ~~[النساء–64] فهو- والله أعلم- باطل2, فإن هذا لم يذكره أحد من الأئمة فيما ~~أعلم, ولم يذكر أحد منهم أنه استحب أن يسأل بعد الموت لا استقلالا 3 ولا ~~غيره, وكلامه المنصوص عنه وأمثاله ينافي هذا, انتهى4.وقد تقدم الجواب على ~~هذه الآية. # وأما القول هذا الملحد: "والمراد من قوله وحرمته ميتا أي حال انتقاله إلى ~~البرزخ, فلا ينافي ما تقدم: أنه حي في قبره صلى الله عليه وسلم. # والجواب أن يقال: ليس هذا مالك رحمه الله, فإنه إمام عالم عربي فقيه, ومن ~~أعلم أهل زمانه بالحديث ومعانية, فإنه حال حكايته مع المنصور- لو ثبت- لا ~~يخاطب المنصور بحال انتقاله إلى البرزخ بأنه ميت, وإنما يخاطبه حال الحكاية ~~معه وقت المناظرة بعد وفاته بزمان طويل, أن حرمته ميتا في هذا الوقت- أي ~~وقت المناظرة- كحرمته في حال الحياة في PageV01P250 # غض الصوت عنده وعدم رفعه, فما قاله مالك- رحمه الله- ينافي ما تقدم من ~~الحكايات الموضوعة, والأحاديث المكذوبة, وما كان منها ضعيفا فمؤلف محرف, من ~~تحريفات هؤلاء الغلاة المارقين. # وأما حكايته عن شارح "نور الإيضاح" فككلام 1 غيره من المصنفين في الزيارة ~~ممن لا يوثق به, ولا يعتمد على قوله ونقله, وليسوا من أهل الحديث المعروفين ~~بالرواية والدراية والأمانة, وفيما نقلنا عن مالك وأصحابه, وأبي حنيفة ~~وأصحابه, وأحمد وأصحابه, والشافعي وأصحابه ما يكفي ويشفي عن كلام هؤلاء, ~~وليس 2 المراد من ذكر أصحاب مالك, وأبي حنيفة, وأحمد, وشافعي من تأخر منهم, ~~إنما المراد بأصحاب الأئمة من نهجوا منهجهم, وأخذوا بمذهبهم, وكانوا على ~~طريقتهم في الأقوال, والأفعال, والمآخذ من الأصول المنقولة المأثورة عن ~~الصحابة – رضي الله عنهم- أجمعين. PageV01P251 # فصل: ذكر الملحد قصة العتبي نقلا عن النووي، وبيان بطلانها ... الخ # ... # فصل: # قال الملحد: "وفي "الإيضاح" ms118 للنووي المؤلف في مناسك الحج على مذهب الإمام ~~الشافعي- رحمه الله تعالى- ما نصه: ومن أحسن ما يقول ما حكاه أصحابنا عن ~~العتبي مستحبين له, قال: كنت جالسا عند قبر النبي- صلى الله عليه وسلم- ~~فجاء أعرابي, فقال: السلام عليك يا رسول الله, سمعت الله يقول: {ولو أنهم ~~إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله ~~توابا رحيما} [النساء: آية 64] وقد جئتك مستغفرا من ذنبي, مستشفعا بك إلى ~~ربي ثم أنشأ يقول: # يا خير من دفنت بالقاع أعظمه ... فطاب من طيبهن القاع والأكم # نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم # أنت الشفيع الذي ترجى شفاعته ... # على الصراط إذا ما زلت القدم # PageV01P252 # وصاحباك فلا أنساهما أبدا ... مني السلام عليكم ما جرى القلم # قال: ثم انصرف, فغلبتني عيناي, فرأيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في ~~النوم, فقال يا عتبي: إلحق الأعرابي وبشره بأن الله قد غفر له, انتهى. # والجواب أن يقال: هذه الحكاية على تسليم صحتها ليس فيها دليل شرعي يجب ~~المصير إليه عند أهل العلم والإيمان, فقد ذكر العلماء الأدلة الشرعية, ~~وحصروها, وليس أحد منهم استدل على الأحكام برؤيا آحاد الأمة, لا سيما إذا ~~تجردت عما يعضدها من الكتاب والسنة والإجماع والقياس. # قال شيخنا الشيخ عبد اللطيف- رحمه الله-: وهذه القصة ذكرها طائفة من ~~متأخري الفقهاء, ولم يذكرها غيرهم ممن يعتد به, ويقتدى به, كالأئمة ~~المتبوعين, وأكابر أصحابهم, وأهل الوجوه في مذاهبهم, كأشهب, وابن القاسم, ~~وسحنون, وابن وهب, وعبد الملك, وابنه, والقاضي إسماعيل من المالكية. ولا من ~~الشافعية كالمزني, والبويطي, وابن عبد الحكيم, ومن بعدهم كابن خزيمة, وابن ~~سريج, وأمثالهم ونظرائهم من أهل الوجوه. وكأبي يوسف من أصحاب أبي حنيفة, ~~ومحمد بن الحسن اللؤلؤي, وزفر بن الهذيل, ومن بعدهم كالطحاوي حامل لواء ~~المذهب. وكذلك أصحاب # PageV01P253 # أحمد, وأصحاب الوجوه في مذهبه, لم يذكرها أحد منهم كعبد الله, وصالح, ~~والخلال, والأثرم, وأبي بكر عبد العزيز, والمروذي, وأبي الخطاب, ومن بعدهم ~~كابن عقيل, وابن بطة. # وبعض 1من ذكر هذه الحكاية يرويها بلا إسناد, وبعضها ms119 عن محمد بن حرب ~~الهلالي, وبعضهم يرويها عن محمد بن حرب عن أبي الحسي الزعفراني عن ~~الأعرابي, وقد ذكرها البيهقي 2 بإسناد مظلم عن محمد بن روح بن يزيد البصري ~~حدثني أبو حرب الهلالي قال: حج أعرابي فذكر نحو ما تقدم. # ووضع لها بعض الكذابين إسنادا إلى علي بن أبي طالب 3. كما روى أبو الحسن ~~علي بن إبراهيم بن عبد الله بن عبد الرحمن الكرخي, عن علي بن محمد بن علي, ~~حدثنا أحمد بن محمد بن الهيثم الطائي, قال حدثنا أبي عن أبيه سلمة بن كهيل ~~عن أبي صادق عن علي بن PageV01P254 # أبي طالب, فذكر نحو ما تقدم 1. # قال الحافظ بن عبد الهدي: هذا الخبر منكر موضوع 2 لا يصلح الاعتماد عليه, ~~ولا يحسن المصير إليه, وإسناده ظلمات بعضها فوق بعض, والهيثم جد أحمد بن ~~محمد بن الهيثم أظنه ابن عدي الطائي, فإن لم يكن هو فهو كذاب متروك 3, وإلا ~~فمجهول4, وقال عباس5 الدوري: سمعت يحيى بن معين يقول: الهيثم بن عدي كوفي ~~ليس بثقة كان يكذب, وقال العجلي وأبو داود: كذاب, وقال أبو حاتم الرازي ~~6والنسائي والدولابي والأزدي متروك الحديث, وقال PageV01P255 # السعدي: ساقط كشف قناعه, وقال أبو زرعة: - ليس بشيء 1,وقال ابن عدي: ما ~~أقل ما له من المسند, وإنما هو صاحب أخبار, وأسمار, ونسب, وأشعار2, وقال ~~الحاكم أبو عبد الله:- الهيثم بن عدي الطائي في علمه ومحله حدث عن جماعة من ~~الثقات أحاديثه منكرة, وقال العباس بن محمد: سمعت بعض أصحابنا يقول: قالت ~~جارية الهيثم: كان مولاي يقوم عامة الليل يصلي فإذا أصبح جلس يكذب؟. # فإذا كانت هذه الحكاية عند أهل العلم بهذه المثابة لم تثبت بسند يعول ~~عليه ويحتج به. # قال الشيخ: ولو سلمنا ثبوت هذه الحكاية فلا دليل فيما على ما ذهب إليه ~~هذا الأحمق من تجويز دعاء الأنبياء والصالحين, وطلب الحوائج منهم. والأعراب ~~لا يحتج بأفعالهم ويجعلها دليلا شرعيا إلا مصاب في عقله, مفلس في فهمه ~~وعلمه, وكذلك نقل العتبي ومن مضى من رجال سندها ليسوا ms120 بشيء. وقد تقدم أن ~~أدلة الأحكام هي الكتاب, والسنة, والإجماع, والقياس المعتبر فيه خلاف, وغير ~~ذلك ليس من PageV01P256 # الأدلة في شيء, ولم يأت عن أحد من الأئمة من عهد الصحابة إلى آخر القرون ~~المفضلة في هذا الباب ما يثبت, لا طلب الاستغفار ولا غيره, وقد تقدم عن شيخ ~~الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالي أنه حكي الإجماع على منعه. # ولو فرض أن هذا الأعرابي قد غفر له فذلك أيضا لا يدل على حسن حاله, ~~وأسباب الكائنات لا يحصيها إلا الله تعالى, وقد يستجاب لعباد الأصنام ~~استدراجا, كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى-في كتابه"اقتضاء ~~الصراط المستقيم" ثم ليس في الحكاية أنه سأل الرسول شيئا, غايتة أنه توسل ~~به, ومسألة التوسل بذاته صلى الله عليه وسلم غير مسألة دعائه والاستغاثة به ~~والطلب منه, وقد قال تعالى: {ومن يغفر الذنوب إلا الله} [آل عمران: آية ~~135] فإذا كان هذا المختص بمغفرة الذنوب فكيف تطلب المغفرة من غيره تعالى ~~وتقدس, وقد تقدم الكلام على قوله تعالى: {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم} بما ~~أغنى عن إعادته هنا. # وأما ذكره في"المستوعب" لأبي عبد الله السامري الحنبلي وفيه" اللهم إنك ~~قلت في كتابك لنبيك - عليه السلام: {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم} "الآية". # فنقول هذا من نمط ما قبله وقد تقدم الكلام عليه. # ثم قال الملحد: "سئل العلامة الشهاب الرملي عن ما يقع # PageV01P257 # من العامة من قولهم عند الشدائد: يا شيخ فلان ونحو ذلك, فأجاب: بأن ~~الاستغاثة بالأنبياء والمرسلين والأولياء والعلماء والصالحين جائزة, وللرسل ~~والأنبياء والأولياء إغاثة بعد وتهم, لأن معجزة الأنبياء وكرامة الأولياء ~~لا تنقطع, انتهى". # فالجواب أن يقال: قد تقدم أن الاستغاثة هي طلب الغوث, وهو: إزالة الشدة, ~~كالاستنصار طلب النصر, والاستعانة طلب العون, وذكرنا فيما تقدم كلام أبي ~~عبد الله القرشي أحد مشايخ الطريقة أنه قال: استغاثة المخلوق بالمخلوق ~~كاستغاثة الغريق بالغريق, وعن ذي النون 1إستغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة ~~المسجون بالمسجون. # وقال شيخ الإسلام رحمه الله في الرسالة السنية: فإذا كان على عهد ms121 رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ممن انتسب إلى الإسلام من مرق منه مع عبادته ~~العظيمة, فليعلم أن المنتسب إلى الإسلام والسنة في هذه الأزمان قد يمرق ~~أيضا من الإسلام لأسباب منها: الغلو في بعض المشائخ, بل الغلو في علي بن ~~أبي طالب، بل الغلو في المسيح عليه السلام, فكل من غلا في نبي أو رجل صالح, ~~وجعل فيه نوعا من الإلهية مثل أن يقول: يا سيدي فلان أنصرني, أو أغثني, ~~وارزقني, أو أنا في حسبك, ونحو هذه الأقوال, فهذا شرك وضلال يستتاب صاحبه ~~فإن تاب وإلا قتل, فإن الله سبحانه وتعالى إنما أرسل الرسل, وأنزل ~~PageV01P258 # الكتب ليعبد وحده لا شريك له, ولا يدعى معه إله, والذين يدعون مع الله ~~آلهة أخرى مثل المسيح والملائكة والأصنام لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق ~~الخلائق, أو تنزل المطر, أو تنبت النبات, وإنما كانوا يعبدونهم, أو يعبدون ~~قبورهم, أو يعبدون صورهم يقولون: إنما نعبدهم, ليقربونا إلى الله زلفى, ~~ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله فبعث الله سبحانه رسله تنهي أن يدعى أحد ~~من دونه, لا دعاء عبادة ولا دعاء استغاثة انتهى. # وقال أيضا: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم, ويتوكل عليهم, ويسألهم ~~كفر إجماعا. نقله عنه 1 صاحب الفروع, وصاحب الإنصاف, وصاحب الإقناع. # وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: ومن أنواع - يعني الشرك - طلب الحوائج ~~من الموتى, والاستغاثة بهم, والتوجه إليهم, وهذا أصل شرك العالم فإن الميت ~~قد انقطع عمله, وهو لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا, فضلا لمن استغاث به أو ~~سأله أن يشفع له إلى الله, وهذا من جهله بالشافع والمشفوع عنده, وقد تقدم ~~بتمامه. # وبالجملة فضابط هذا أن كل ما شرعه الله لعباده, وأمرهم به ففعله لله ~~عبادة, فإذا صرف العبد من تلك العبادة شيئا لغير الله فهو مشرك, مصادم لما ~~بعث الله به رسوله من قوله: {قل الله أعبد مخلصا له ديني} [الزمر: آية 14] ~~. PageV01P259 # فإذا عرفت هذا فهذا الرجل المسمى الشهاب الرملي إن كان من المعروفين ~~بالعلم - لأني لا أعرف ms122 ما حاله - فهو من جنس السبكي وأضرابه الغالين الذين ~~يصنفون في إباحة الشرك وجوازه زاعمين أن ذلك من تعظيم الرسول, وتعظيم ~~الأنبياء والأولياء, وذلك لجهلهم, وعدم إدراكهم لحقائق الدين, ومدارك ~~الأحكام, وليس لهم قدم صدق في العالمين, ولا كانوا من العلماء العاملين, ~~فلا حجة في أقوالهم {ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور} [النور: آية ~~40] ثم لو كان الشهاب الرملي من أهل الفضل والعلم والعبادة وأكابر أهل ~~الفقه والورع والزهادة لكان قد أخطأ فيما قاله وأراده, ودعا إلى عبادة غير ~~الله, وهذا يوجب كفره وارتداده. # وأما معجزات الأنبياء وكرامة الأولياء فهي لا تدل على دعائهم, ولا ~~الاستغاثة بهم, وصرف خالص حق الله لهم, وإنما تدل على علو درجتهم, وكرامتهم ~~على الله, وقربهم منه. وقد قال صلى الله عليه وسلم لما طلب الصحابة رضي ~~الله عنهم من النبي أن يغيثهم من المنافق الذي آذاهم: "إنه لا يستغاث بي, ~~وإنما يستغاث بالله عزو جل" 1 وقد قال الله PageV01P260 # تعالى لنبيه- صلى الله عليه وسلم-: {ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك ~~لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين بل الله فاعبد وكن من الشاكرين} ~~[الزمر: آية 65] وهؤلاء الغلاة لا يأتمرون بما أمر الله به ورسوله, ولا ~~ينتهون عما نهى الله عنه ورسوله, فالله المستعان. PageV01P261 # فصل: ذكر الملحد حديث ابن عباس"أن عمر قال: اللهم إنا نستسقيك بعم نبيك ~~... الخ # ... # فصل # قال الملحد: "وروي عن ابن عباس أن عمر رضي الله عنه قال:"اللهم إنا ~~نستسقيك بعم نبيك صلى الله عليه وسلم, ونستشفع إليك وبشيبته, فسقوا" وفي ~~ذلك يقول عباس بن عتبة بن أبي لهب: # بعمي سق الله الحجاز وأهله ... عشية يستسقي بشيبته عمر" # والجواب أن يقال: هذا الحديث الذي ذكره عن ابن عباس لم يذكره بإسناده, ~~ولم يعزه إلى شيء من الكتب المعتمدة, وفيه ألفاظ مخالفة للأخبار الصحيحة, ~~فلا اعتماد على ما ذكره, والمحفوظ المعتمد عليه ما ذكره البخاري في صحيحه ~~عن أنس أن عمر استقى بالعباس بن عبد المطلب, وقال: " اللهم ms123 إنا كنا إذا ~~أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا, وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا" ~~فيسقون. # قلت: وقد ورد في بعض الألفاظ: قم يا عباس فادع الله. فاستسقوا به كما ~~كانوا يستسقون بالنبي صلى الله عليه وسلم في حياته, وهو # PageV01P262 # أنهم يتوسلون بدعائه وشفاعته, فيدعون معه, كالإمام والمأمومين من غير أن ~~يكونوا يقسمون على الله بمخلوق, كما ليس لهم أن يقسم بعضهم على بعض بمخلوق, ~~ولما مات صلى الله عليه وسلم توسلوا بدعاء العباس واستسقوا به. # ولهذا قال الفقهاء: يستحب الإستقاء بأهل الخير والدين, والأفضل أن يكونوا ~~من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم, وقد استقى معاوية بيزيد بن الأسود ~~الجرشي, وقال: "اللهم أنا نستقي بيزيد بن الأسود: يا يزيد أرفع يديك, فرفع ~~يديه ودعا, ودعا الناس حتى امطروا, وذهب الناس. ولم يذهب أحد من الصحابة ~~إلى قبر نبي ولا غيره يستسقي عنده ولا به. # وأما قوله: "وفي رواية للزبير بن بكار أن العباس رضي الله عنه قال في ~~دعائه: وقد توجه بي القوم إليك لمكاني من نبيك صلى الله عليه وسلم فأسقنا ~~الغيث, فأرخت السماء مثل الجبال حتى أخصبت الأرض. انتهى". # فأقول: قال الحافظ في الفتح, وقد بين الزبير بن بكار في الأنساب صفة ما ~~دعا به العباس لما استسقى به عمر قال: اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب, ~~ولم يكشف إلا بتوية, وقد توجه القوم بي إليك لمكاني من نبيك, وهذه أيدينا ~~إليك بالذنوب, ونواصينا إليك بالتوبة, فاسقنا الغيث, فأرخت السماء مثل ~~الجبال, حتى أخصبت الأرض, وعاش الناس. # وقد أسقط هذا الملحد من هذا الأثر قوله: اللهم إنه لم # PageV01P263 # ينزل بلاء إلا بذنب, ولم يكشف إلا بتوبة. لعلمه أنه يعود على مقصوده ~~بالهدم, وذلك أنهم إنما سألوا به ليدعو لهم, فاستكان لله تعالى بالاعتراف ~~وبالذنب, وأنهم قد أتوه بائبين منيبين. # وكذلك أسقط منه قوله: "ونواصينا إليك بالتوبة" وهذا توسل منه بهذا العمل ~~الصالح, وهو التوبة, وعلى تقدير صحة هذا الأثر فلا دليل فيه على ما يتوهمه, ~~فإن ms124 توسلهم بالعباس بدعاء حي يقدر على الدعاء, وهذا لا محذور فيه وقد فعله ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما المحذور المنهي عنه دعاء ~~الأموات, وتوجه بهم, والتوسل بهم وهذا لم ينقل عن أحد من الصحابة, ولا ~~التابعين, ولا الأئمة المهديين, والعلماء والراسخين. # وأما قوله: "وفي هذا يبطل قول من منع التوسل مطلقا سواء كان في الأحياء ~~وبالأموات, وقول من منع ذلك بغير النبي صلى الله عليه وسلم لأن فعل عمر رضي ~~الله عنه حجة لقوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله جعل الحق على لسان عمر ~~وقلبه" رواه الإمام أحمد والترمذي"1. PageV01P264 # فالجواب على هذا من وجوه:- # الأول: أن في سنده خارجة بن عبد الله الأنصاري, وهو ضعيف ضعفه أحمد. # الثاني: أن عمر استسقى بدعاء حي حاضر يقدر على الدعاء, وليس في هذا ما ~~يدل على الاستسقاء بالأموات, ولو كان هذا جائرا لما عدل الفاروق عن ~~الاستسقاء بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى الاستسقاء بالعباس الحي, فالقياس ~~باطل, والتوهم تحكم. # الثالث: أن جعل الحق على لسان عمر وقلبه لا يستلزم كون فعله رضي الله عنه ~~حجة, ومن يدعيه فعليه البيان, خصوصا إذا خالف غيره من الصحابة. # الرابع: أن المقصود أن الله تعالى أجرى الحق على لسان عمر رضي الله عنه ~~في وقائع, كما قال ابن عمر راوي الحديث: ما نزل بالناس أمر قط, فقالوا فيه, ~~وقال فيه عمر إلا نزل فيه القرآن على نحو ما قال عمر. ويقويه الحديث المتفق ~~عليه عن أنس وابن عمر أن عمر قال:1وافقت ربي في ثلاث. قلت يا رسول الله: لو ~~اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى؟ فنزلت {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} ~~[البقر: آية PageV01P265 # 125] وقلت يا رسول الله يدخل على نسائك البر والفاجر فلو أمرتهن يحتجبن ~~فنزلت آية الحجاب, واجتمع نساء النبي صلى الله عليه وسلم في الغيرة عليه ~~فقلت: {عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن} ونزلت كذلك. إلى غير ~~ذلك من الأمور التي وافق فيها عمر, كقصة أسارى بدر وقصة الصلاة ms125 على ~~المنافقين. # وجملة القول أن هذا الحديث على تقدير ثبوته ليس معناه إلا ما روي في ~~الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ولقد كان فيمن قبلكم محدثون فإن يكن في أمتى أحد فإنه عمر" المحدث الملهم1, ~~وقيل الرجل الصادق الظن, وهو من ألقي في روعه شيء من قبل الملأ الأعلى ~~فيكون كالذي حدثه غيره به, وقيل من يجري الصواب على لسانه من غير قصد, وقيل ~~المكلم أي تكلمه الملائكة بغير نبوت, وقيل الملهم بالصواب الذي يلقى على ~~فيه, وعلى كل تقدير لا يحكم بما وقع للمحدث بل لا بد له من عرضه على الكتاب ~~والسنة, ومن ثم أجمع أهل السنة على أن إلهام غير النبي صلى الله عليه وسلم ~~ليس بحجة, وعلى هذا المعنى ينبغي أن يحمل حديث ابن عمر المذكور, وليس الغرض ~~أن الله جعل الحق في كل حادثه وواقعة على لسان عمر وقلبه, وأن فعله وقوله ~~حجة شرعية, وأنه لا يقع منه خطأ قط, وإلا لما خالفه ونازعه أحد PageV01P266 # من الصحابة والتابعين من بعدهم من أهل الحديث والفقه, والثاني باطل فإن ~~مخالفات الصحابة لعمر رضي الله عنه أكثر من أن يكتب في هذا المختصر, وأشهر ~~أن يخفى على من له إلمام بكتب الحديث والأثر, ثم كيف يصح القول بحجية فعل ~~عمر رضي الله عنه عموما كما زعم هذا المؤلف فقد أخطأ عمر رضي الله عنه في ~~مسائل: منها عدم جواز التيمم عنده لمن أجنب فلم يجد الماء. ومنها عدم جواز ~~التمتع في الحج عنده. ومنها قوله: إن لمعتدة 1الثلاث السكنى والنفقة, إلى ~~غير ذلك من الأمور التي أخطأ فيها, ورجع فيها إلى الصواب. وكان الصديق رضي ~~الله عنه يقومه في أشياء كثيرة, كما قومه يوم صلح الحديبية, ويوم موت النبي ~~صلى الله عليه وسلم, بل كان آحاد الناس يبين له الصواب فيرجع إلى قوله, كما ~~راجعته أمرأة في قوله:"لئن بلغني أن أحدا زاد صداقه على صداق أزواج النبي ~~صلى ms126 الله عليه وسلم وبناته إلا رددت الفضل في بيت المال" فقالت له امرأة: ~~لم تحرمنا شيئا أعطانا الله إياه؟ وقرأت قوله تعالى: {وآتيتم إحداهن ~~قنطارا} 2 [النساء: آية 20] فرجع إلى قولها وقال في لفظ آخر: الله أكبر ~~أصابت امرأة وأخطأ عمر, وأمثال هذا كثير. # إذا عرفت هذا فليس في قول صلى الله عليه وسلم: "إن الله جعل الحق ~~PageV01P267 # على لسان عمر وقلبه" حجة على جواز التوسل بالنبي, والاستغاثه به بعد موته ~~صلى الله عليه وسلم, ولا بأحد من الأموات والغائبين, لا من الأنبياء ~~والأولياء, ولا غيرهم من الصالحين, غاية ما فيه أن الله جعل الحق على لسان ~~عمر وقلبه, ومن ذلك أنه عدل عن التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد موته ~~إلى التوسل بدعاء العباس, وهذا من الحق الذي جعل الله على لسان عمر وقلبه, ~~وسيأتي إيضاح هذا فيما بعد عن قريب إن شاء الله تعالى. # وأما قول الملحد: "ولا يقال فيه دليل على امتناع التوسل بالنبي صلى الله ~~عليه وسلم بعد انتقاله لأن التوسل والاستسقاء بالنبي صلى الله عليه وسلم ~~كان معلوما عندهم كما تقدم في القصة التي رواها ابن حنيف, وكما في توسل آدم ~~في الحديث المتقدم الذي رواه عمر رضي الله عنه , وإنما فعله عمر رضي الله ~~عنه لدفع توهم أن الاستسقاء بغير النبي صلى الله عليه وسلم لا يجوز". # فالجواب أن نقول: قد تقدم الجواب عن هذا, وأنه لم يكن يفعله أحد من ~~الصحابة, ولا التابعين, ولا من بعدهم من الأئمة المقلدين, لذلك عدل عمر رضي ~~الله عنه عن التوسل به صلى الله عليه وسلم إلى التوسل بالعباس, وقد ألهم ~~الصواب لأن الله جعل الحق على لسانه وقلبه. # وأما حديث الأعمى فليس فيه ما يدل على غيبته صلى الله عليه وسلم, وهو ~~توسل بدعائه, كما كان الصحابة يتوسلون بذلك, ويسألونه الاستغفار والدعاء, ~~وهذا كان هديهم وفعلهم في حياته صلى الله علي وسلم # PageV01P268 # كما تقدم, وأما بعد وفاته فلم يفعله أحد من الصحابة رضي الله عنهم. ms127 # وأما الذي حدثه عثمان بن حنيف فلم يخاطبه, ولم يثبت ذلك في حديث الأعمى ~~أعني مخاطبته صلى الله عليه وسلم والذي رواه من أهل السنن المعتبرة لم يثبت ~~مخاطبة الرسول, بل هي ساقطة في الأصول المحررة, ومسألة السؤال به أو بحقه ~~غير مسألة نفسه ودعائه. # وأما الحديث الذي عزاه لعمر بن الخطاب بتوسل آدم بجاه محمد فهو حديث ~~موضوع مكذوب باتفاق أهل العلم بالحديث. # وأما قوله:"وإنما فعله عمر رضي الله عنه لدفع توهم أن الاستسقاء بغير ~~النبي صلى الله عليه وسلم لا يجوز." # فالجواب أن يقال: قد ثبت في صحيح البخاري عن أنس رضي الله عنه أن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه كانوا إذا قحطوا استسقى بالعباس رضي الله عنه , قال: ~~اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبيك صلى الله عليه وسلم فتسقينا, وإنا نتوسل ~~إليك بعم نبينا فأسقنا فيسقون. فإنه لو كان التوسل به عليه الصلاة والسلام ~~بعد انتقاله من هذه الدار جائز لما عدلوا إلى غيره بل كانوا يقولون: اللهم ~~إنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. وحاشاهم أن يعدلوا عن التوسل بسيد الناس ~~إلى التوسل بعمه العباس وهو يجدون أدنى مساغ لذلك, فعدولهم هذا مع أنهم ~~السابقون # PageV01P269 # الأولون وهم أعلم منا بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم بحقوق الله ~~تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام, وما يشرع من الدعاء وما لا يشرع, وهم في ~~وقت ضرورة ومخمصة يطلبون تفريج الكربات, وتيسير العسير, وإنزال الغيث بكل ~~طريق, دليل واضح على أن المشروع ما سلكوه دون غيره. # وأما قوله: "وإنما فعله عمر رضي الله عنه لدفع توهم أن الاستسقاء بغير ~~النبي لا يجوز". # فأقول فيه كلام من وجوه:- # الأول: أن المراد بالاستسقاء بالعباس والتوسل به الوارد في حديث أنس رضي ~~الله عنه هو الاستسقاء بدعاء العباس, على طرية معهودة في الشرع, وهي أن ~~يخرج من يستسقى به إلى المصلي, فيستسقي ويستقبل القبلة داعيا, ويحول رداءه, ~~ويصلي ركعتين أو نحوه من هيئات الاستسقاء التي وردت في الصحاح, والدليل ~~عليه قول عمر رضي ms128 الله عنه: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا صلى الله عليه ~~وسلم فتسقينا, وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. ففي هذا القول دلالة ~~واضحة على أن التوسل بالعباس كان مثل توسلهم بالنبي صلى الله عليه وسلم, ~~والتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن إلا بأن يخرج, ويستقبل القبلة, ~~ويحول رداءه, ويصلي ركعتين أو نحوه من الهيئات الثابتة في الاستسقاء, ولم ~~يرد في حديث ضعيف فضلا عن الحسن والصحيح أن الناس طلبوا السقيا من الله في ~~حياته متوسلين به صلى الله عليه وسلم من غير أن يفعل ما يفعل في # PageV01P270 # الاستسقاء المشروع من طلب السقيا والدعاء والصلاة وغيرهما مما ثبت ~~بالأحاديث الصحيحة, ومن يدعي وروده فعليه الإثبات. # إذا تمهد هذا فاعلم أن الاستسقاء والتوسل على الهيئة التي وردت في الصحاح ~~من الاستسقاء لا يمكن إلا بالحي لا بالميت, فالقول بإمكان هذا الاستسقاء ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته من أبطل الباطل, وكان القول بأنه لو ~~استسقي بالنبي صلى الله عليه وسلم لربما يفهم منه بعض الناس أو يتوهم أنه ~~لا يجوز الاستسقاء بغيره بديهي البطلان, فإن ما ثبت بفعله صلى الله عليه ~~وسلم هو مشروع لنا لقوله تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا} [الحشر: آية 7] وقوله تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة ~~حسنة} [الأحزاب: آية 21] ما لم يدل دليل على كونه مخصوصا بالنبي صلى الله ~~عليه وسلم, فلا مجال لهذا التوهم حتى يحتاج إلى دفعه. # والثاني: أن المقصود لو كان دفع التوهم المذكور لكان أولى بأن يتوسل بحي ~~غير النبي صلى الله عليه وسلم في حياته, أو بميت غير النبي صلى الله عليه ~~وسلم بعد وفاته, أو بميت غير النبي صلى الله عليه وسلمفي حياته, فإن هذه ~~الصور الثلاث أبعد من أن يبدو فيها الاحتمال الآتي من أنه إنما استسقي ~~بالعباس لأنه حي, والنبي صلى الله عليه وسلم قد مات, وأن الاستسقاء بغير ~~الحي لا يجوز, فلما ترك عمر رضي الله عنه تلك الصور, ms129 واختار الصورة التي ~~يتأتي فيها الاحتمال المذكور # PageV01P271 # دل هذا الصنيع على أن مقصوده رضي الله عنه ليس دفع التوهم المذكور. # الثالث: أن توهم عدم جواز الاستسقاء بغير النبي صلى الله عليه وسلم أخف ~~من توهم عدم جواز الاستسقاء بالميت, لا سيما إذا كان ذلك الميت غير النبي ~~صلى الله عليه وسلم, فكان هذا التوهم أولى بالدفع, فكان الأنسب حينئذ أن ~~يستسقي بميت غير النبي صلى الله عليه وسلم. # الرابع: أن هذا التعليل فاسد لأن المعلل لم يقم عليه برهان ولا دليل فلا ~~يصغي إليه. # PageV01P272 # فصل: نقل المعترض حكاية توسل الشافعي بأبي حنيفة وبيان بلادة المعترض ... ~~الخ # ... # فصل: # قال الملحد: "وقد ذكر العلامة ابن حجر في كتابه المسمى "بالخيرات الحسان ~~في مناقب الإمام أبي حنيفة" في الفصل الخامس والعشرين أن الإمام الشافعي ~~أيام هو ببغداد كان يتوسل بالإمام أبي حنيفة رضي الله عنه يجيء إلى ضريحه ~~يزور فيسلم عليه, ثم يتوسل إلى الله تعالى في قضاء حاجاته, وقد ثبت توسل ~~الإمام أحمد بالشافعي رضي الله عنهما حتى تعجب ابنه عبد الله من ذلك, فقال ~~له الإمام أحمد: إن الشافعي كالشمس للناس وكالعافية للبدن"1. # والجواب أن يقال لهذا الجاهل البليد كيف يثبت دين الله تعالى بمثل هذه ~~الأقوال الكاسدة, والشبه المعتلة الفاسدة. أيظن أن كل أحد يروج عليه ~~الباطل, ويشتبه عليه العاطل؟ طلا فإن الله رجالا ينفون عن دينه زيغ ~~المبطلين, وتحريف الملحدين. # ثم إن هذه الحكاية من الكذب المعلوم كذبه بالاضطرار PageV01P273 # عند من له معرفة بالنقل والآثار 1,فإن الشافعي لما قدم بغداد لم يكن ~~ببغداد قبر ينتاب للدعاء عنده ألبتة, بل ولم يكن هذا على عهد الشافعي ~~معروفا, وقد رأى الشافعي بالحجاز واليمن والشام والعراق ومصر من قبور ~~الأنبياء والصحابة والتابعين, من كان أصحابها عنده وعند المسلمين أفضل من ~~أبي حنيفة وأمثاله من العلماء، فما باله لم يتوخ الدعاء إلا عنده. # ثم إن أصحاب أبي حنيفة الذي أدركوه مثل أبي يوسف, ومحمد بن الحسن, وزفر, ~~والحسن بن زياد, وطبقتهم لم يكونوا ms130 يتحرون الدعاء عند قبر أبي حنيفة ولا ~~غيره, # ثم إن الشافعي قد صرح في بعض كتبه بكراهة تعظيم قبور المخلوقين خشية ~~الفتنة بها, وإنما يضع هذه الحكايات من يقل علمه ودينه, وإما أن يكون ~~المنقول من هذه الحكايات عن مجهول لا يعرف, ونحن لو روي لنا مثل هذه ~~الحكايات المسيبة أحاديث عمن لا ينطق عن الهوى لما جاز التمسك لها حتى ~~تثبت, فكيف بالمنقول عن غيره. # ثم هذه الحجج دائرة بين نقل لا يجوز إثبات الشرع به, أو قياس لا يجوز ~~استحباب العبادات بمثله, مع العلم بأن الرسول لم يشرعها, وتركه مع قيام ~~المقتضي بمنزلة فعله, وإنما يثبت العبادات بمثل هذه الحكايات والمقاييس من ~~غير PageV01P274 # نقل عن الأنبياء 1 النصارى وأمثالهم, وإنما المتبع في إثبات أحكام الله ~~وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وسبيل السابقين الأولين لا يجوز إثبات حكم ~~شرعي بدون هذه الأصول الثلاثة نصا واستنباطا بحال. # وأما قوله: "وقد ثبت توسل الإمام أحمد بالشافعي" فهو من نمط ما قبله مما ~~يعلم كل عاقل بالضرورة أنه من الكذب بل لا بد من رفع هذه الأمور إلى ~~أصحابها بسند يعتمد عليه, ودونه لا يسمع, ثم لو ثبت ذلك فأفعالهم ~~وتقريراتهم ليست من الحجة, في شيء, وحاشاهم من ذلك فهم أجل قدرا, وأعظم ~~خطرا من أن تجري منهم هذه الأمور, وهي لم يفعلها أحد من أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم, وشيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه أجاب في ~~كتابه"اقتضاء الصراط المستقيم" عن مثل شبه هذا الملحد بوجهين.- مجمل ومفصل, ~~وقد أجاد فيها وأفاد, وحيث أن ذلك مما لا يمكننا نقل جميعه فلا بأس أن نذكر ~~المجمل. # قال رحمه الله تعالى:- أما المجمل فالنقض, فإن اليهود والنصارى عندهم من ~~الحكايات والقياسات من هذا النمط كثير, بل المشركون الذين بعث إليهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كانوا يدعون عند أوثانهم فيستجاب لهم أحيانا كما ~~يستجاب لهؤلاء أحيانا, وفي وقتنا هذا عند النصارى من هذا طائفة, فإن كان ~~PageV01P275 # هذا وحده دليلا على ms131 أن الله يرضى ذلك ويحبه فليطرد الدليل, وذلك كفر ~~متناقض, ثم إنك تجد كثيرا من هؤلاء الذين يستغيثون عند نبي أو غيره, كل ~~منهم قد اتخذ وثنا أحسن به الظن بآخر, وكل منهم يزعم أن قرينه يستجاب عنده, ~~ولا يستجاب عند غيره, فمن المحال أصابتهم جميعا, موافقة بعضهم دون بعض تحكم ~~وترجيح بلا مرجح, والتدين بدينهم جميعا جمع بين الأضداد, فإن أكثر هؤلاء ~~إنما يكون تأثيرهم فيما يزعمون بقدر إقبالهم على وثنهم, وانصرافهم عن غيره, ~~وموافقتهم جميعا فيما يثبتونه دون ما ينفونه يضعف التأثير على زعمهم, فإن ~~الواحد إذا حسن الظن بالإجابة عند هذا, وهذا لم يكن تأثره مثل تأثر الحسن ~~الظن بواحد دون آخر, وهذه كلها من خصائص الأوثان, ثم قد استجيب لبلعام بن ~~باعورا في قوم موسى المؤمنين, وسلبه الله تعالى الإيمان, والمشركون قد ~~يستسقون فيسقون, ويستنصرون فينصرون انتهى. # وفيه كفاية لمن كشف الله عن بصيرته حجب الغفلة, والله الهادي إلى سواء ~~السبيل. # PageV01P276 ### | فصل: زعم الملحد تبعا لابن حجر الهيتمي أن الشافعي توسل بآل البيت. # ... # فصل: # قال الملحد: "وذكر العلامة ابن حجر في كتابه المسمى "بالصواعق المحرقة ~~لأهل الضلال والزندقة" إن الإمام الشافعي رضي الله عنه توسل بأهل البيت ~~النبوي حيث قال:- # آل النبي ذريعتي ... وهم إليه وسيلتي # أرجو بهم أعطى غدا ... بيدي اليمنى صحيفتي # انتهى, من كتاب "خلاصة الكلام" مع بعض تقرير واختصار". # والجواب أن نقول: وهذا أيضا من نمط ما قبله, وفيه من الكلام كما فيما ~~قبله. وابن حجر المكي - عامله الله بعدله - من الغالين في الصالحين, ومن ~~الثالبين لأئمة المسلمين, الذين جردوا توحيد العبادة لله رب العالمين, ~~وجاهدوا في الله ولله من خرج عن سبيل المؤمنين {ومن يشاقق الرسول من بعد ما ~~تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت ~~مصيرا} [النساء: آية 115] {ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور} ~~[النور: آية 40] ومن كانت هذه حاله, # PageV01P277 # وهذه أقواله فحقيق أن لا يلتفت إليه. وعلى تقدير ثبوته وصحته إن ms132 كان ~~النقل صحيحا أن المضاف هنا مقدر تقديره: إن حب آل محمد, وتعظيمهم, ~~واتباعهم, والصلاة عليهم ذريعتي ووسيلتي, وكان في قوله: أرجو بهم, أي أرجو ~~بحبهم وتعظيمهم واتباعهم. # وأما قول هذا الملحد: "فتحصل لنا من هذا جميعه أنه يجوز التوسل بالنبي ~~صلى الله عليه وسلم قبل وجوده وفي حياته وبعد انتقاله، وأنه يصح التوسل ~~بغيره أيضا من الأحياء" # فأقول: أما التوسل به صلى الله عليه وسلم قبل وجوده فمسند 1هؤلاء الغلاة ~~فيه على حديث موضوع مكذوب كما بيناه فيما سبق وأما في حياته صلى الله عليه ~~وسلم فقد بينا فيما تقدم أن ذلك بدعائه كما ذكرنا كلام أهل العلم بما أغنى ~~عن إعادته. وأما بعد وفاته فقد بينا أنه ليس من هدي الصحابةرضي الله عنهم, ~~وأنهم لم يكونوا يفعلونه, ولا نقل ذلك عنهم أحد من العلماء الذين يعتد بهم. # وإذا علمت هذا فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من عمل عملا ليس عليه ~~أمرنا فهو رد" ,وفي رواية "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" وما ~~ذكره هؤلاء المشبهون من الأحاديث في جواز ذلك فمنها ما هو موضوع, ومنها ما ~~هو معلول لا تقوم به الحجة, ولا تثبت به الأحكام الشرعية, وكذلك ما ذكر من ~~PageV01P278 # الحكايات التي هي كالخيالات الخرافات التي يوردها أهل الشبهات هي كلها من ~~الموضوعات المكذوبات, والله الهادي إلى الصواب. # وأما قوله:"وقد أجمع من يعتد بإجماعه من المسلمين على ذلك". # فأقول: هذه دعوى مجردة, وقوله: "وهو مذهب الأئمة الأربعة" فأقول: وهذا ~~أيضا أبطل مما قبله, فإنه لم يذكر عن الأئمة الأربعة إلا هذه الحكايات ~~الموضوعة المكذوبة التي وضعها بعض الغلاة في الصالحين. # وقوله:"ومستندهم الكتاب والسنة لما قدمنا, والإجماع حجة قاطعة". # فأقول: هذا قول على كتاب الله, وعلى سنة رسول الله, وعلى جميع العلماء ~~بغير علم قال تعالى: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم ~~والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على ~~الله ms133 ما لا تعلمون} [الأعراف: آية 33] . # وهذا الملحد لم يذكر من كتاب الله, وسنة رسوله, والإجماع القاطع ما يدل ~~على ما توهمه, بل هو عليه لا له, ولا يعجز كل مبطل عن مثل هذه الدعوى فالله ~~المستعان. # وإذا كان هذا جميع ما تحصل له من ما مر حكايته عنه من # PageV01P279 # القول القاسط, والهذيان الساقط, فيتعين أن نذكر من كلام أهل العلم ما ~~يبطل دعواه: إن مستنده كتاب الله, وسنة رسوله, والإجماع القاطع, وما يترتب ~~على ذلك من المفاسد. # PageV01P280 # فصل: قال ابن القيم: فصل: ذكر فيه مفاسد اتخاذ القبور أعيادا ... الخ # ... # قال ابن القيم رحمه الله تعالى: # فصل # ثم إن في اتخاذ القبور أعيادا من المفاسد العظيمة التي لا يعلمها إلا ~~الله تعالى ما يغضب لأجله كل من في قلبه وقار لله تعالى، وغيرة على ~~التوحيد1، وتهجين وتقبيح للشرك، ولكن ما لجرح بميت إيلام. # فمن مفاسد اتخاذها أعيادا: الصلاة إليها، والطواف بها، وتقبيلها، ~~واستلامها، وتعفير الخدود على ترابها، وعبادة أصحابها، والاستغاثة بهم، ~~وسؤالهم النصر والرزق والعافية وقضاء الديون، وتفريج الكربات، وإغاثة ~~اللهفات وغير ذلك من أنواع الطلبات التي كان عباد الأوثان يسألونها ~~أوثانهم، فلو رأيت غلاة المتخذين لها عيدا، وقد نزلوا عن الأكوار والدواب ~~إذا رأوها من مكان بعيد، فوضعوا لها الجباة، وقبلوا الأرض، وكشفوا الرؤوس، ~~وارتفعت الأصوات بالضجيج، وتباكوا حتى تسمع لهم النشيج، ورأوا أنهم قد ~~أربوا في الربح على PageV01P281 # الحجيج، فاستغاثوا بمن لا يبدي ولا يعيد، ونادوا ولكن من مكان بعيد، حتى ~~إذا نزلوا منها صلوا عند القبر ركعتين، ورأوا أنهم قد أحرزوا من الأجر ولا ~~أجر لمن صلى إلى القبلتين، فتراهم حول القبر ركعا سجدا، يبتغون فضلا من ~~الميت ورضوانا، وقد ملؤوا أكفهم بالخيبة وخسرانا، فلغير الله بل للشيطان ما ~~يراق هناك من العبرات، ويرتفع من الأصوات، ويطلب من الميت من الحاجات، ~~ويسأل من تفريج الكربات، وإغناء ذي الفاقات، ومعافاة أولي العاهات ~~والبليات، ثم انبثوا بعد ذلك حول القبر طائفين، تشبيها له بالبيت الحرام ~~الذي جعله الله مباركا وهدى ms134 للعالمين، ثم أخذوا في التقبيل والاستلام، ~~أرأيت الحجر الأسود وما يفعل به وفد البيت الحرام؟ ثم عفروا لديه تلك ~~الجباه والخدود، الذي يعلم الله أنها لم تعفر كذلك بين يديه في السجود، ثم ~~كملوا مناسك حج القبر بالتقصير هناك والحلاق، واستمتعوا بخلاقهم من ذلك ~~الوثن إذ لم يكن لهم عند الله من خلاق، وقربوا لذلك الوثن القرابين، وكانت ~~صلاتهم ونسكهم وقربانهم لغير الله رب العالمين، فلو رأيتهم يهنيء بعضهم ~~بعضا، ويقول: أجزل1الله لنا ولكم أجرا وافرا وحظا، فإذا رجعوا سألهم غلاة ~~المتخلفين أن يبيع أحدهم ثواب حجه القبر بحج المتخلف إلى البيت الحرام، ~~فيقول: لا ولو بحجك كل عام. هذا ولم PageV01P282 # نتجاوز ما حكينا عنهم، ولا استقصينا جميع بدعتهم وضلالتهم إذ هي فوق ما ~~يخطر بالبال، أو يدور في الخيال. # وهذا كان مبدأ عبادة الأصنام في قوم نوح كما تقدم، وكل من شم أدنى رائحة ~~من العلم والفقه يعلم أن من أهم الأمور سد الذريعة إلى هذا المحذور، وأن ~~صاحب الشرع أعلم بعاقبة ما نهى عنه، وما يؤول إليه، وأحكم في نهيه عنه، ~~وتوعده عليه، وأن الخير والهدى في اتباعه وطاعته، والشر والضلال في معصيته ~~ومخالفته. # ورأيت لأبي الوفاء1بن عقيل في ذلك فصلا حسنا، فذكرته بلفظه، قال: لما ~~صعبت التكاليف على الجهال والطغام، عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع ~~وضعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم، قال: وهم ~~عندي كفار، مثل تعظيم القبور وإلزامها بما نهى عنه الشرع من إيقاد النيران، ~~وتقبيلها، وتخليقها، وخطاب الموتى بالحوائج، وكتب الرقاع فيها: يا مولاي ~~افعل بي كذا أو كذا، وأخذ تربتها تبركا، وإفاضة الطيب اقتداء بمن عبد اللات ~~والعزى، والويل عندهم لمن لم يقبل مشهد الكف، ولم يتمسح بآجرة مسجد ~~الملموسة يوم الأربعاء، ولم يقل PageV01P283 # الحمالون على جنازته: الصديق أبو بكر أو محمد وعلي، أو لم يعقد1على قبر ~~أبيه أزجا بالجص والآخر، ولم يخرق ثيابه إلى الذيل، ولم يرق ماء الورد على ~~القبر، انتهى. # ومن جمع بين سنة ms135 رسول الله صلى الله عليه وسلم في القبور، وما أمر به، ~~ونهى عنه، وما كان عليه أصحابه، وبين ما عليه أكثر الناس اليوم رأى أحدهما ~~مضادا للآخر، مناقضا له، بحيث لا يجتمعان أبدا. # فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة إلى القبور، وهؤلاء يصلون ~~عندها. # ونهى عن اتخاذها مساجد، وهؤلاء يبنون عليها المساجد ويسمونها مشاهد ~~مضاهاة لبيوت الله تعالى. # ونهى عن إيقاد السرج عليها، وهؤلاء يوقفون الوقوف على إيقاد القناديل ~~عليها. # ونهى أن يتخذ عيدا، وهؤلاء يتخذون أعيادا ومناسك، ويجتمعون لها كاجتماعهم ~~للعيد أو أكثر. # وأمر بتسويتها كما روى مسلم في صحيحه عن أبي الهياج الأسدي، قال قال علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنه: "ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ألا أدع ثمثالا إلا طمسته، ولا قبرا مشرفا إلا سويته"، وفي ~~صحيحه أيضا عن PageV01P284 # ثمامة بن شفي قال: كنا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم برودس فتوفي صاحب لنا ~~فأمر فضالة بقبر فسوي، ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر ~~بتسويتها، وهؤلاء يبالغون في مخالفة هذين الحديثين، ويرفعونها من الأرض ~~كالبيت، ويعقدون عليها القباب. # ونهى عن تجصيص القبر والبناء عليه، كما روى مسلم في صحيحه عن جابر قال: ~~"نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تجصيص القبر وأن يعقد عليها وأن يبنى ~~عليه بناء". # ونهى عن الكتابة عليها، كما روى أبو داود في سننه عن جابر رضي الله عنه ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن تجصيص القبور، وأن يكتب عليها. قال ~~الترمذي: حديث حسن صحيح. # وهؤلاء يتخذون عليها الألواح، ويكتبون عليها القرآن وغيره. # ونهى أن يزاد عليها غير ترابها، كما روى أبو داود من حديث جابر أيضا أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يجصص القبر، أو يكتب عليه، أو يزاد ~~عليه. # وهؤلاء يزيدون عليه سوى التراب والآجر والأحجار والجص. # ونهى عمر بن عبد العزيز أن يبنى القبر بآجر، وأوصى أن لا ms136 يفعل ذلك بقبره، ~~وأوصى الأسود بن يزيد ألا تجعلوا على قبري آجرا. # وقال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون الآجر على قبورهم. # وأوصى أبو هريرة حين حضرته الوفاة: أن لا تضربوا # PageV01P285 # علي فسطاطا. # وكره الإمام أحمد أن يضرب على القبر فسطاطا. # والمقصود أن هؤلاء المعظمين للقبور المتخذينها أعيادا الموقدين عليها ~~السرج، الذين يبنون عليها المساجد والقباب مناقضون لما أمر به رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، ومحادون لما جاء به، وأعظم ذلك اتخاذها مساجد، وإيقاد ~~السرج عليها، وهو من الكبائر. # قال رحمه الله: وقد آل الأمر بهؤلاء الضلال المشركين إلى أن شرعوا للقبور ~~حجا، ووضعوا له مناسك حتى صنف بعض غلاتهم في ذلك كتابا وسماه "مناسك حج ~~المشاهد" مضاهاة منه بالقبور للبيت الحرام، ولا يخفى أن هذا مفارقة لدين ~~الإسلام، ودخول في دين عباد الأصنام. # فانظر إلى هذا التباين العظيم بين ما شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقصده من النهي عما تقدم ذكره في القبور، وبين ما شرعه هؤلاء وقصدوه، ولا ~~ريب أن في ذلك من المفاسد ما يعجز العبد عن حصره. # فمنها تعظيمها الموقع في الافتتان بها. # ومنها اتخاذها عيدا. # ومنها السفر إليها. # ومنها مشابهة عباد الأصنام بما يفعل عندها من العكوف # PageV01P286 # عليها، والمجاورة عندها، وتعليق الستور عليها، وسدانتها، وعبادتها يرجحون ~~المجاورة عندها على المجاورة عند المسجد الحرام، ويرون سدانتها أفضل من ~~خدمة المساجد، والويل عندهم لقيمها ليلة يطفي القنديل المعلق عليها. # ومنها النذر لها، ولسدنتها. # ومنها اعتقاد المشركين بها أن بها يكشف البلاء، وينصر على الأعداء، ~~ويستنزل غيث السماء، ويفرج الكروب، وتقضى الحوائج، وينصر المظلوم، ويجار ~~الخائف إلى غير ذلك. # ومنها الدخول في لعنة الله تعالى، ورسوله باتخاذ المساجد عليها، وإيقاد ~~السرج عليها. # ومنها الشرك الأكبر الذي يفعل عندها. # ومنها إيذاء أصحابها بما يفعله المشركون بقبورهم، فإنهم يؤذيهم ما يفعل ~~عند قبورهم، ويكرهونه غاية الكراهة، كما أن المسيح يكره ما تفعله النصارى ~~عند قبره1وكذلك غيره من الأنبياء والأولياء، والمشائخ يؤذيهم ما يفعله ~~أشباه النصارى عند قبورهم، ويوم القيامة ms137 يتبرؤون منهم، كما قال تعالى: ~~{ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ~~ضلوا السبيل قالوا PageV01P287 # سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ولكن متعتهم وآباءهم ~~حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا} [الفرقان:17-18] قال الله للمشركين {فقد ~~كذبوكم بما تقولون} [الفرقان19] وقال تعالى: {وإذ قال الله ياعيسى ابن مريم ~~أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن ~~أقول ما ليس لي بحق} [المائدة116] الآية، وقال تعالى: {ويوم يحشرهم جميعا ~~ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من ~~دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون} [سبأ40] ومنها مشابهة ~~اليهود والنصارى في اتخاذ المساجد والسرج عليها. # ومنها محادة الله ورسوله، ومناقضة ما شرعه فيها. # ومنها التعب العظيم، مع الوزر الكثير، والإثم العظيم. # ومنها إماتة السنن، وإحياء البدع. # ومنها تفضيلها على خير البقاع وأحبها إلى الله، فإن عباد القبور يقصدونها ~~من التعظيم، والاحترام، والخشوع، ورقة القلب، والعكوف بالهمة على الموتى ~~بما لا يفعلونه في المساجد، ولا يحصل لهم فيها نظيره، ولا قريب منه. # ومنها أن ذلك يتضمن عمارة المشاهد، وخراب المساجد، ودين الله الذي بعث به ~~رسوله بضد ذلك، ولهذا # PageV01P288 # لما كانت الرافضة من أبعد الناس عن العلم والدين عمروا المشاهد وخربوا ~~المساجد. # ومنها أن الذي شرعه الرسول صلى الله عليه وسلم عند زيارة القبور إنما هو ~~تذكر الآخرة، والإحسان إلى المزور بالدعاء له، والترحم عليه، والاستغفار ~~له، وسؤال العافية له، فيكون الزائر محسنا إلى نفسه، وإلى الميت، فقلب ~~هؤلاء المشركين الأمر، وعكسوا الدين، وجعلوا المقصود بالزيارة الشرك ~~بالميت، ودعاءه والدعاء به، وسؤالهم حوائجهم، واستنزال البركاتت منه، ونصره ~~لهم على الأعداء، ونحو ذلك، فصاروا مسيئين إلى نفوسهم، وإلى الميت، ولو لم ~~يكن إلا محروما به تركه ما شرعه الله تعالى من الدعاء له، والترحم عليه، ~~والاستغفار له ... # ثم ذكر رحمه الله تعالى الزيارة الشرعية، والأحاديث الواردة في ذلك، ثم ~~ذكر أقوال ms138 السلف، ومن بعدهم من العلماء ثم قال: # فإذا كنا على جنازته ندعو له، لا ندعو به، ونشفع له، ولا نستشفع به، فبعد ~~الدفن أولى وأحرى، {فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم} بدلوا الدعاء ~~له بدعائه نفسه، والشفاعة له بالاستشفاع به، وقصدوا بالزيارة التي شرعها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إحسانا إلى الميت وإحسانا إلى الزائر وتذكيرا ~~بالآخر سؤال الميت، والإقسام به على الله، وتخصيص تلك # PageV01P289 # البقعة بالدعاء الذي هو في العبادة، وحضور القلب عندها، وخشوع أعظم منه ~~في المساجد وأوقات الأسحار، ومن المحال أن يكون دعاء الموتى والدعاء به، أو ~~الدعاء عندهم مشروعا، وعملا صالحا، ويصرف عنه القرون الثلاثة المفضلة بنص ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يرزقها الخلوف الذين يقولون ما لا ~~يفعلون، ويفعلون ما يؤمرون، فهذه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أهل ~~القبور بضعا وعشرين سنة حتى توفاه الله تعالى، وهذه سنة خلفائه الراشدين، ~~وهذه طريقة جميع الصحابة والتابعين لهم بإحسان هل يمكن بشرا على وجه الأرض ~~أن يأتي عن أحد منهم بنقل صحيح أو حسن أو ضعيف أو منقطع أنهم كانوا إذا كان ~~لهم حاجة قصدوا القبور فدعوا عندها، وتمسحوا بها، فضلا أن يصلو عندها، أو ~~يسألوا الله بأصحابها، أو يسألوهم حوائجهم، فليوقفونا على أثر واحد، أو حرف ~~واحد في ذلك، بل يمكنهم أن يأتوا عن الخلوف التي خلفت بعدهم بكثير من ذلك، ~~وكلما تأخر الزمان وطال العهد كان ذلك أكثر، حتى لقد وجد في ذلك عدة مصنفات ~~ليس فيها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن خلفائه الراشدين، ولا عن ~~أصحابه حرف واحد من ذلك، بلى فيها من خلاف ذلك كثير كما قدمناه من الأحايث ~~المرفوعة. # قال رحمه الله بعد ذكره ما فعله الصحابة رضي الله عنهم بقبر دانيال ~~وتعميته بين القبور قال: ففي هذه القصة ما فعله # PageV01P290 # المهاجرون والأنصار من تعمية قبره، لئلا يفتتن به الناس، ولم يبرزوه ~~للدعاء عنده، والتبرك به ولو ظفر به المتأخرون ms139 لجالدوا عليه بالسيوف، ~~ولعبدوه من دون الله، فهم قد اتخذوا من القبور أوثانا من لا يداين هذا ولا ~~يقاربه، وأقاموا لها سدنة، وجعلوها معابد أعظم من المساجد، فلو كان الدعاء ~~عند القبور والصلاة عندها، والتبرك بها فضيلة أو سنة أو مباحا لنصب ~~المهاجرون والأنصار هذا القبر علما لذلك، ودعوا عنده، وسنوا ذلك لمن بعدهم ~~ولكن كانوا أعلم بالله، ورسوله، ودينه من الخلوف التي خلفت بعدهم، وكذلك ~~التابعون لهم بإحسان راحوا على هذا السبيل، وقد كان عندهم من قبور أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمصار عدد كثير وهم متوافرون، فما منهم من ~~استغاث عند قبر صاحب، ولا دعاه، ولا دعا به ولا عنده، ولا استشفى به، ولا ~~استنصر به، ومن المعلوم أن مثل هذا مما تتوافر الهمم والدواعي على نقله، بل ~~على نقل ما هو دونه. # وحينئذ فلا يخلو إما أن يكون الدعاء عندها والدعاء بأربابها أفضل منه في ~~غير تلك البقعة، أو لا يكون، فإن كان أفضل فكيف خفي علما وعملا عن الصحابة ~~والتابعين وتابعيهم، فتكون القرون الثلاثة الفاضلة جاهلة بهذا الفضل ~~العظيم، وتظفر به الخلوف علما وعملا، ولا يجوز أن يعلموه ويزهدوا فيه1مع ~~حرصهم على كل خير، لا سيما الدعاء فإن PageV01P291 # المضطر يتشبث بكل سب وإن كان فيه كراهة ما، فكيف يكونون مضطرين في كثير ~~من الدعاء، وهم يعلمون فضل الدعاء عند القبور، ثم لا يقصدونه، هذا محال ~~طبعا وشرعا، فتعين القسم الآخر وهو أنه لا فضل للدعاء عندها، ولا هو مشروع، ~~ولا مأذون فيه بقصد الخصوص، بل تخصيصها بالدعاء عندها ذريعة إلى ما تقدم من ~~المفاسد، ومثل هذا مما لا يشرعه الله ولا رسوله البتة، بل استحباب1الدعاء ~~عندها شرع عبادة لم يشرعها الله، ولم ينزل بها سلطانا، وقد أنكر الصحابة ما ~~هو دون هذا بكثير. # ثم قال رحمه الله: # ومن أعظم كيد الشيطان أنه ينصب لأهل الشرك قبر معظم يعظمه الناس، ثم ~~يجعله وثنا يعبد من دون الله، ثم يوحي إلى أوليائه أن من نهى عن ms140 عبادته ~~واتخاذه عيدا وجعله وثنا فقد تنقصه وهضم حقه، فيسعى الجاهلون المشركون في ~~قتله وعقوبته ويكفرونه، وذنبه عند أهل الإشراك أمره بما أمر الله به ~~ورسوله، ونهيه عما نهى الله عنه ورسوله من جعله وثنا وعيدا. # وإيقاد السرج عليها2، وبناء المساجد، والقباب عليه، وتجصيصه، وتقبيله، ~~واستلامه، ودعائه، أو الدعاء به، أو PageV01P292 # السفر إليه، أو الاستعانة به من دون الله مما قد علم بالاضطرار من دين ~~الإسلام أنه مضاد لما بعث الله به رسوله، من تجريد التوحيد لله، وأن لا ~~يعبد إلا الله، فإذا نهى الموحد عن ذلك غضب المشركون، واشمأزت قلوبهم، ~~وقالوا قد تنقص أهل الرتب العالية، وزعم أنهم لا حرمة لهم ولا قدر، وسرى ~~ذلك في نفوس الجهال والطغام وكثير ممن ينسب إلى العلم والدين، حتى عادوا ~~أهل التوحيد، ورموهم بالعظائم، ونفروا الناس منهم، وولوا أهل الشرك ~~وعظموهم، وزعموا أنهم هم أولياء الله وأنصار دينه ورسوله، ويأبى الله ذلك ~~فما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون له، الموافقون له، العارفون بما ~~جاء به، الداعون إليه، لا المتشبعون بما لم يعطوا لابسو ثياب الزور، الذين ~~يصدون الناس عن سنة نبيهم، ويبغونها عوجا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. # ثم ذكر كلاما طويلا، إلى أن قال: # قال شيخنا قدس الله روحه: وهذه الأمور المبتدعة عند القبور مراتب: أبعدها ~~عن الشرع أن يسأل الميت حاجته، ويستغيث به فيها، كما يفعله كثير من الناس، ~~قال: وهؤلاء من جنس عباد الأصنام، ولهذا قد يتمثل لهم الشيطان في صورة ~~الميت أو الغائب، كما قد يتمثل لعباد الأصنام، وهذا يحصل للكفار من ~~المشركين وأهل الكتاب يدعو أحدهم من يعظمه فيتمثل له الشيطان أحيانا، وقد ~~يخاطبهم ببعض الأمور الغائبة، # PageV01P293 # وكذلك السجود للقبر والتمسح به وتقبيله. # المرتبة الثانية: 1يسأل الله عز وجل به، وهذا يفعله كثير من المتأخرين، ~~وهو بدعة باتفاق المسلمين. # الثالثة: أن يسأله نفسه. # الرابعة: أن يظن أن الدعاء عند قبره مستجاب، أو أنه أفضل من الدعاء في ~~المسجد، فيقصد زيارته، والصلاة عنده لأجل طلب حوائجه، فهذا ms141 أيضا من ~~المنكرات المبتدعة باتفاق المسلمين، وهي محرمة، وما علمت في ذلك نزاعا بين ~~أئمة الدين، وإن كان كثير من المتأخرين يفعل ذلك، ويقول بعضهم: قبر فلان ~~ترياق مجرب، والحكاية المنقولة عن الشافعي أنه كان يقصد الدعاء عند قبر أبي ~~حنيفة من الكذب الظاهر، انتهى من إغاثة اللهفان. PageV01P294 # فصل: ذكر الملحد حديث "لا تجتمع أمتي على ضلالة" ... الخ # ... # فصل # قال الملحد: "وقد روى الترمذي عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة، ويد الله على الجماعة، ومن شذ ~~شذ في النار". # والجواب أن يقال: هذا الحديث رواه الترمذي في أبواب الفتن من حديث ابن ~~عمر، ولفظه هكذا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله لا يجمع ~~أمتي أو قال أمة محمد على ضلالة، ويد الله على الجماعة، ومن شذ شذ في ~~النار" هذا الحديث غريب من هذا الوجه، وسليمان المديني هو عندي سليمان بن ~~سفيان. # قلت هذا حديث ضعيف ففي سنده سليمان بن سفيان، قال الذهبي في الميزان: ~~سليمان بن سفيان أبو سفيان المدني عن عبد الله بن دينار وبلال بن يحيى قال ~~ابن معين: ليس بشيء وقال مرة: ليس بثقة. وكذا قال النسائي وقال أبو حاتم ~~والدارقطني: ضعيف انتهى. # PageV01P295 # والمقصود بالأمة أمة الإجابة لا أمة الدعوة، وأمته المستجيبون لدعوته، ~~المتبعون لأمره، المنتهون عما نهى عنه، الآخذون بسنته وهديه هم الأمة ~~الناجون المنصورون إلى قيام الساعة، الذين لا يضرهم من خالفهم، ولا من ~~خذلهم، بخلاف عباد القبور المتخذين الأولياء والصالحين شركاء في خالص حقه ~~سبحانه، يستغيثون بهم في الشدائد، ويلجؤون إليهم، ويذبحون لهم، وينذرون ~~لهم، ويستعينون بهم، في قضاء الحوائج، ويطلبون منهم ما لا يقدر عليه إلا ~~الله، ويدعونهم، ويرغبون إليهم في الطلبات، ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند ~~الله، فهؤلاء ليسوا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم الذين استجابوا لله ~~ورسوله، بل هؤلاء مجتمعون على خلاف الكتاب والسنة، مخالفون لما عليه الأمة ~~من أهل السنة والجماعة، مجمعون ms142 على الضلالة، نعوذ بالله من موجبات غضبه، ~~وأليم عقابه. # وأما قول الملحد: "وفي سنن ابن ماجة عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "ابغوا السواد الأعظم، فإنه من شذ شذ في النار". # فالجواب أن يقال: إن السواد الأعظم والجماعة هم من كانوا على مثل ما كان ~~عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوله صلى الله عليه وسلم: ~~"افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنين وسبعين ~~فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث # PageV01P296 # وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة قالوا: يا رسول الله ومن هي؟ قال: ~~"من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي". # فمن كان على مثل ما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم ~~السواد الأعظم، وهم الجماعة وإن كانوا قليلا، يدل عليهم حديث عبد الله بن ~~عمر وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليأتين على أمتي ما أتى على ~~بني إسرائيل حذو النعل بالنعل" وفيه قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال ما أنا ~~عليه اليوم وأصحابي، رواه الترمذي، وقال هذا حديث حسن غريب مفسر. # وفي رواية عوف بن مالك قيل: يا رسول الله من هم؟ قال: الجماعة. # وفي رواية أنس بن مالك "كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة" رواها ابن ~~ماجة والأحاديث بعضها يفسر بعضا، فعلم أن السواد الأعظم هو الجماعة، وهي ~~جماعة الصحابة، ولعله بهذا المعنى. # قال إسحاق بن راهويه حين سئل عن معنى حديث "عليكم بالسواد الأعظم" هو ~~محمد بن أسلم وأتباعه، فأطلق على محمد بن أسلم وأتباعه لفظ السواد الأعظم، ~~تشبيها لهم بالصحابة في شدة ملازمة السنة والتمسك بها. ولذا كان سيفان ~~الثوري يقول: المراد بالسواد الأعظم هم من كان من أهل السنة والجماعة ولو ~~واحدا. كذا في "الميزان" للشعراني. # PageV01P297 # قال ملا سعد الرومي في مجالس الأبرار: فلا بد لك أن تكون شديد التوقي من ~~محدثات الأمور، وإن اتفق الجمهور فلا يغرنك اتفاقهم على ما أحدث بعد ~~الصحابة، ms143 بل ينبغي لك أن تكون حريصا على التفتيش على أحوالهم وأعمالهم، فإن ~~أعلم الناس وأقربهم إلى الله تعالى أشبههم بهم، وأعرفهم بطريقهم، إذ منهم ~~أخذ الدين، وهم أصول في نقل الشريعة عن صاحب الشرع، وقد جاء في الحديث "إذا ~~اختلف الناس فعليكم بالسواد الأعظم" والمراد به لزوم الحق واتباعه وإن كان ~~المتمسك به قليلا، والمخالف له كثير، إلا أن الحق ما كان عليه الجماعة ~~الأولى وهم الصحابة، ولا عبرة بالنظر إلى كثرة الباطل بعدهم، وقد قال ~~الفضيل بن عياض ما معناه: الزم طريق الهدى، ولا يغرك قلة السالكين، وإياك ~~وطرق الضلالة، ولا تغتر بكثرة الهالكين. # وقال بعض السلف: إذا وافقت الشريعة، ولاحضت الحقيقة فلا تبال وإن خالفت ~~رأيك جميع الخليقة. # وقال الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى في "إغاثة اللهفان": فالبصير ~~الصادق لا يستوحش من قلة الرفيق، ولا من فقده إذا استشعر قلبه مرافقة ~~الرعيل الأول الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والصالحين ~~والشهداء وحسن أولئك رفيقا، منفرد العبد في طريق طلبه دليل على صدق طلبه. # PageV01P298 # ولقد سئل إسحاق بن راهويه عن مسألة، فأجاب عنها، فقيل له: إن أخاك أحمد ~~بن حنبل يقول فيها بمثل قولك، فقال: ما ظننت أن أحدا يوافقني عليها، ولم ~~يستوحش بعد ظهور النور له من عدم الموافق، فإن الحق إذا لاح وتبين لم يحتج ~~إلى شاهد يشهد به، والقلب يبصر الحق كما تبصر العين الشمس، فكيف يحتاج إلى ~~شاهد يشهد بطلوعها ويوافقه عليه. # وما أحسن ما قال أبو شامة عبد الرحمن بن إسماعيل في كتاب "الحوادث ~~والبدع" حيث جاء الأمر بلزوم الجماعة فالمراد لزوم الحق وأتباعه، وإن كان ~~المتمسك به قليلا، والمخالف له كثيرا، لأن الحق هو الذي كانت عليه الجماعة ~~الأولى من عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ولا ينظر إلى كثرة أهل ~~الباطل بعدهم. # قال عمر بن ميمون الأزدي، صحبت معاذا باليمن فما فارقته حتى واريته في ~~التراب بالشام، ثم صحبت بعده أفقه الناس عبد الله بن مسعود فسمعته يقول: ~~عليكم ms144 بالجماعة، فإن يد الله على الجماعة، ثم سمعته يوما من الأيام وهو ~~يقول: سيلي عليكم ولاة يؤخرون الصلاة عن مواقيتها، فصلوا الصلاة لميقاتها، ~~فهي الفريضة، وصلوا معهم فإنها لكم نافلة، فقلت: يا أصحاب محمد ما أدري ما ~~تحدثونا! قال: وما ذاك؟ قلت: تأمرني بالجماعة، وتحضني عليها، ثم تقول: صل # PageV01P299 # الصلاة وحدك، وهي الفريضة، وصل مع الجماعة وهي النافلة؟ قال: يا عمرو بن ~~ميمون قد كنت أظنك من أفقه أهل هذه القرية، تدري ما الجماعة؟ قلت: قال إن ~~جمهور الناس الذين فارقوا الجماعة، الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك. # قال نعيم بن حماد يعني إذا فسدت الجماعة فعليك بما كانت عليه الجماعة قبل ~~أن تفسد وإن كنت وحدك فإنك أنت الجماعة حينئذ. # وعن الحسن قال: السنة والذي لا إله إلا هو بين الغالي والجافي، فاصبروا ~~عليها رحمكم الله، فإن أهل السنة كانوا أقل الناس فيما بقي الذين لم يذهبوا ~~مع أهل الإتراف في أترافهم، ولا مع أهل البدع في بدعهم، وصبروا على سنتهم ~~حتى لقوا ربهم، فكذلك إن شاء الله تعالى فكونوا. # وكان محمد بن أسلم الطوسي الإمام المتفق على إمامته من أتبع الناس للسنة ~~في زمانه حتى قال: ما بلغتني سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عملت ~~بها، ولقد حرصت على أن أطوف بالبيت راكبا فما مكنت من ذلك، وسأل بعض أهل ~~العلم في زمانه عن السواد الأعظم الذين جاء فيهم الحديث: "إذا اختلف الناس ~~فعليكم بالسواد الأعظم". من السواد الأعظم؟ قال محمد بن أسلم الطوسي: هو ~~السواد الأعظم انتهى. # وليعلم هنا أن محل وجوب السواد الأعظم الذي أريد منه # PageV01P300 # جماعة الصحابة هو ما اختلف فيه الصحابة فذهب عمامتهم وأكثرهم إلى أمر، ~~والبعض الآخر إلى خلافه، بدليل لفظ الاختلاف، فإذا اختلفوا فالصحيح أن الحق ~~مع من كان الخلفاء الأربعة فيهم، فإن اختلفوا وكان أبو بكر وعمر مع طائفة ~~فالحق معهم، وكذلك إذا كان أحد الخلفاء في طائفة ولم يكن أبو بكر وعمر معهم ~~فمن كان عثمان ms145 أو علي معه فهم أولى من غيرهم. # وأما ما أجمع عليه الصحابة فوجوب اتباعهم يعلم بفحوى الخطاب، وأما ما ~~اختلفوا فيه ولا يعلم كثرتهم في جانب فالحديث لا يدل على وجوب اتباعهم فيه، ~~وهذا كله فيما إذا لم يعارضه آية أو حديث مرفوع صحيح أو حسن لم يثبت ~~نسخهما، وأما إذا عارضته آية أو حديث فالحجة الكتاب والسنة، وإذا جاء نهر ~~الله بطل نهر معقل، وماذا بعد الحق إلا الضلال. # والمقصود أن السواد الأعظم من هذه الأمة من كانوا على مثل ما كان عليه ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل ما ينتحلونه ويفعلونه ويقولونه، ~~وقد علمت أنهم رضي الله عنهم ما كان أحد منهم يستغيث برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بعد وفاته، ولا يدعونه، ولا يلجؤون إليه فما ينوبهم، ولا كان أحد ~~منهم يأتي إلى قبره عليه الصلاة والسلام فيتوسل به، ويدعو هناك، أو يستغيث ~~به، وقد كان أعلم الناس بمثل هذه الأمور مالك إمام دار الهجرة، فإنه # PageV01P301 # مقيم بالمدينة يرى ما يفعله التابعون وتابعوهم، ويسمع ما ينقلون عن ~~الصحابة وأكابر التابعين، وهو ينهى عن الوقوف عند القبر للدعاء، ويذكر أنه ~~لم يفعله السلف. # والمقصود أن ما نقله هذا الملحد من جواز التوسل بالأنبياء والأولياء ~~والصالحين من الأحاديث أنه إما كذب موضوع، وإما ضعيف لا يقوم به حجة ولا ~~تثبت به الأحكام الشرعية، وكذلك ما نقله عن العلماء فهو من هذا النمط، فما ~~سلكه هذا الملحد مخالف لما كان عليه السلف الصالح والصدر الأول، واتبع سبيل ~~من خالفهم ممن ابتدع في الدين، واتبع غير سبيل المؤمنين، وهؤلاء الأكثرون ~~كما قال تعالى: {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون ~~إلا الظن وإن هم إلا يخرصون} [الأنعام116] # وقال تعالى: {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} [يوسف103] وقال تعالى: ~~{وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين} [الأعراف102] فهؤلاء ~~وإن كانوا هم الأكثرين فليسوا بالسواد الأعظم، والجماعة المذكورين في ~~الأحاديث النبوية، بل السواد ms146 الأعظم والجماعة من كان على مثل ما كان عليه ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كالتابعين رضي الله عنهم، والأئمة ~~المهتدين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وإن كانوا قليلا كما تقدم بيانه ~~مفصلا موضحا والله سبحانه وتعالى أعلم. # PageV01P302 ### | فصل: في الفرق بين توحيد الربوبية والإلهية # ... # فصل # ولنختم الجواب بالفرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الإلهية، ليعلم الناظر ~~في هذه الأوراق أن هؤلاء الغلاة الجهال ما عرفوا من معنى "لا إله إلا الله" ~~ما عرفه جهال الكفار الذين بعث الله فيهم رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، ~~فإن هؤلاء الغلاة يزعمون أن من قال: لا إله إلا الله، وأقر أن الله هو ~~الخالق الرازق المحيي المميت النافع الضار المدبر لجميع الأمور، أنهم لا ~~يقصدون ممن يدعونه ويستغيثون به ويلجأون إليه من الأنبياء والأولياء ~~والصالحين بذلك تأثير شيء منهم بإيجاد نفع أو دفع ضر، ولا يعتقدون ذلك ~~البتة، بل يعتقدون أن الله هو المنفرد بالإيجاد والإعدام والنفع والضر، ~~وأنه لا مشارك له في ذلك، وهذا هو اعتقاد جهال الكفار الذين بعث الله إليهم ~~رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم، فإنهم كانوا يدعون الأنبياء والملائكة ~~والأولياء والصالحين، ويلتجئون إليهم، ويسألونهم على وجه التوسل بجاههم ~~وشفاعتهم ليقربوهم إلى الله زلفى، كما حكى الله ذلك عنهم في مواضع من كتابه ~~كما سنبينه إن شاء الله تعالى. # PageV01P303 # إذا عرفت ما قدمت لك فاعلم أن التوحيد نوعان: توحيد في المعرفة والإثبات، ~~وهو توحيد الربوبية والأسماء والصفات، وتوحيد في الطلب والقصد، وهو توحيد ~~الإلهية والعبادة كما قال شمس الدين ابن القيم رحمه الله تعالى: # وأما التوحيد الذي دعت إليه الرسل وأنزلت به الكتب فهو نوعان: توحيد في ~~المعرفة والإثبات، وتوحيد في الطلب والقصد، فالأول هو إثبات حقيقة ذات الرب ~~تعالى، وصفاته، وأفعاله، وأسمائه، وتكلمه بكتبه، وتكليمه لمن شاء من عباده، ~~وإثبات عموم قضائه وقدره وحكمته، وقد أفصح القرآن عن هذا النوع حق الإفصاح ~~كما قال في أول الحديد، وسورة طه، وآخر الحشر، وأول تنزيل السجدة، وأول آل ms147 ~~عمران، وسورة الإخلاص بكمالها وغير ذلك. انتهى كلامه رحمه الله. # فإذا عرفت هذا تبين لك أن توحيد الربوبية هو توحيد العبد ربه سبحانه ~~وتعالى بأفعاله الصادرة منه، كالخلق والرزق والإحياء والإماتة وإنزال المطر ~~وإنبات النبات والنفع والضر وتدبير جميع الأمور إلى غير ذلك من أفعال الرب ~~سبحانه وتعالى، وهذا هو اعتقاد جاهلية العرب فإنهم كانوا مقرين ومعترفين أن ~~الله هو الفاعل لهذا الأشياء، وأنه لا مشارك له في إيجاد شيء وإعدامه، وأن ~~النفع والضر بيده، وأنه هو رب كل شيء ومليكه، كما كانوا يقولون في تلبيتهم: ~~"لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك إلا شريك هو لك تملك وما ملك"، ولا # PageV01P304 # يعتقدون أن آلهتهم التي يدعونها من دون الله من الأنبياء والأولياء ~~الصالحين والملائكة شاركوا الله في خلق السموات والأرض، أو استقلوا بشيء من ~~التدبير والتأثير والإيجاد، ولو في خلق ذرة من الذرات، كما حكى الله ذلك ~~عنهم في مواضع من كتابه قال تعالى: {قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن ~~يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر ~~الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون} [يونس31] {قل لمن الأرض ومن فيها إن ~~كنتم تعلمون سيقولون لله قل أفلا تذكرون قل من رب السماوات السبع ورب العرش ~~العظيم سيقولون لله قل أفلا تتقون قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا ~~يجار عليه إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل فأنا تسحرون} [المؤمنون:8489] ~~وقال تعالى: {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل أفرأيتم ~~ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة ~~هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون} [الزمر:38] وقال ~~تعالى: {ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا ~~عند الله} الآية [يونس18] وقال تعالى: {والذين اتخذوا من دونه أولياء ما ~~نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} [الزمر3] وقال تعالى: {فلولا نصرهم ~~الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة ms148 بل ضلوا عنهم وذلك إفكهم وما كانوا ~~يفترون} [الأحقاف28] وقال تعالى: {أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا # PageV01P305 # تذكرون} [النحل17] وقال تعالى: {أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا لا يستطيعون ~~نصر أنفسهم ولا هم منا يصحبون} [الأنبياء43] وقال تعالى: {واتخذوا من دونه ~~آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون} [الفرقان3] الآية، وحكي عن أهل النار أنهم ~~يقولون لآلهتهم التي عبدوها مع الله {تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم ~~برب العالمين} [الشعراء97] ومعلوم أنهم ما سووهم به في الخلق والتدبير ~~والتأثير، وإنما كانت التسوية في الحب والخضوع والتعظيم والدعاء ونحو ذلك ~~من العبادات. # فإذا عرفت أن إقرارهم بتوحيد الربوبية لم يدخلهم في الإسلام، وأن قصدهم ~~الملائكة والأنبياء والأولياء يريدون شفاعتهم والتقرب إلى الله بهم هو الذي ~~أحل دماءهم وأموالهم، عرفت أن التوحيد الذي دعت إليه الرسل، وأبى عن ~~الإقرار به المشركون هو توحيد الألوهية والعبادة كما قال تعالى: {إنهم ~~كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا ~~لشاعر مجنون} [الصافات35] وقال تعالى عن كفار قريش: {أجعل الآلهة إلها ~~واحدا إن هذا لشيء عجاب} [ص5] وهذه الآية نزلت حين اجتمعت سراة قريش عند ~~أبي طالب قائلين: اقض بيننا وبين ابن أخيك بأن يرفض ذكر آلهتنا ونذره ~~وإلهه، فأجاب عليه الصلاة والسلام بعد ما جاء وأخبره عمه عنهم: يا عم أفلا # PageV01P306 # أدعوهم إلى كلمة واحدة يدين لهم بها العرب ويملكون بها العجم؟ فقال من ~~بين القوم أبو جهل: ما هي؟ لنعطينكها وعشر أمثالها، فقال: قولوا: "لا إله ~~إلا الله" فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم وذلك قوله: {وانطلق الملأ منهم أن ~~امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد} [ص6] فإذا تمهد هذا واتضح لك، ~~علمت أنه لا ينجي من الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله إلا القيام بما دعت ~~إليه الرسل، وأنزلت به الكتب من هذا النوع الآتي بيانه، وهو توحيد الله ~~تعالى بأفعال العبد الصادرة منه؛ لأن الإله هو الذي تألهه القلوب محبة ~~وإجلالا وتعظيما وخوفا ورجاء، وخضوعا ms149 وخشوعا وإنابة وتوكلا واستعانة ~~واستغاثة ودعاء، فهو الذي يألهه كل شيء، ويعبده كل خلق. # قال ابن القيم رحمه الله تعالى: النوع الثاني: ما تضمنته سورة {قل ياأيها ~~الكافرون} [الكافرون 1] وقوله تعالى {قل ياأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء ~~بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا} [آل عمران63] الآية، ~~وأول سورة تنزيل الكتاب وآخرها، وأول سورة المؤمن ووسطها وآخرها، وأول سورة ~~الأعراف وآخرها، وجملة سورة الأنعام، وغالب سور القرآن، بل كل سورة في ~~القرآن فهي متضمنة لنوعي التوحيد، شاهدة به، داعية إليه، فإن القرآن إما # PageV01P307 # خبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله وأقواله فهو التوحيد العلمي الخبري، ~~وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له وخلع ما يعبد من دونه فهو التوحيد ~~الإرادي الطلبي، وإما أمر ونهي وإلزام بطاعته وأمره ونهيه فهو حقوق التوحيد ~~ومكملاته، وإما خبر عن أهل الشرك وما فعل بهم في الدنيا من النكال وما يحل ~~بهم في العقبى من العذاب فهو جزاء من خرج عن حكم التوحيد، فالقرآن كله في ~~التوحيد وحقوقه وجزائه، وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم، انتهى. # فإذا عرفت أن توحيد الربوبية هو الإقرار والإعتراف بأن الله تعالى هو ~~الخالق الرازق المحيي المميت النافع الضار المدبر لجميع الأمور، وعرفت أن ~~جهال الكفار الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مقرون بهذا ~~معترفون به، ولم ينازع أحد منهم في ذلك، بل يعتقدون أن الله هو الفاعل لهذه ~~الأشياء، وأنه لا ينفع ولا يضر إلا الله، وأنه المنفرد بالإيجاد والإعدام ~~والتدبير والتأثير، وأنه لا مشارك له ولو في خلق ذرة من الذرات، ولم يدخلهم ~~ذلك في الإسلام، بل قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن يكون الدين ~~كله لله، بأن يخلصوا العبادة ولا يشركوا معه في عبادته أحد سواه، فإن من ~~دعا الله ودعا معه غيره فهو مشرك، فالدعاء والخوف والحب والرجاء والتوكل ~~والإنابة والخشوع والخضوع والاستغاثة والاستعانة والذبح والنذر والإلتجاء ~~وغير ذلك من أنواع العبادة التي اختص الله بها ms150 دون من سواه هي له سبحانه ~~وتعالى، فمن صرف من هذه # PageV01P308 # العبادة شيئا لغير الله كان مشركا سواء اعتقد التأثير ممن يدعوه ويرجوه ~~أو لم يعتقد ذلك فيه. # قال شيخ الإسلام قدس الله روحه: التوحيد الذي جاء به الرسول إنما يتضمن ~~إثبات الإلهية لله وحده بأن يشهد ألا إله إلا الله لا يعبد إلا إياه، ولا ~~يتوكل إلا عليه، ولا يوالى إلا الله، ولا يعادي إلا فيه، ولا يعمل إلا ~~لأجله، وذلك يتضمن إثبات ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات قال تعالى: ~~{وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمان الرحيم} [البقرة: 163] وقال تعالى: ~~{وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون} ~~[النحل:51] وقال تعالى: {ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما ~~حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون} [المؤمنون117] وقال تعالى: {واسأل من ~~أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمان آلهة يعبدون} [الزخرف:45] ~~وأخبر عن كل نبي من الأنبياء أنهم دعوا الناس إلى عبادة الله وحده لا شريك ~~له. وقال تعالى: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا ~~لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم ~~العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده} [الممتحنة4] وقال تعالى عن ~~المشركين: {إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون ويقولون أئنا ~~لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون} [الصفات35] وهذا في القرآن كثير. # PageV01P309 # وليس المراد بالتوحيد مجرد توحيد الربوبية، وهو اعتقاد أن الله وحده خلق ~~العالم، كما يظن ذلك من يظنه من أهل الكلام والتصوف، ويظن هؤلاء أنهم إذا ~~أثبتوا ذلك بالدليل فقد أثبتوا غاية التوحيد، وأنهم إذا شهدوا هذا وقفوا في ~~غاية التوحيد، فإن الرجل لو أقر بما يستحقه الرب من الصفات، ونزهه عن كل ما ~~ينزه عنه، وأقر بأنه وحده خالق كل شيء لم يكن موحدا حتى يشهد أن لا إله إلا ~~الله، فيقر بأن الله وحده هو الإله المستحق للعبادة، ms151 ويلتزم بعبادة الله ~~وحده لا شريك له، وأنه هو المألوه المعبود الذي يستحق العبادة، وليس هو ~~الإله بمعنى القادر على الإختراع، فإذا فسر المفسر الإله بمعنى القادر على ~~الإختراع، واعتقد أن هذا المعنى هو أخص وصف الإله، وجعل إثبات هذا هو ~~الغاية في التوحيد، كما يفعل ذلك من يفعله من متكملة الصفاتية، وهو الذي ~~يقولونه، عن أبي الحسن وأبتاعه، لم يعرفوا حقيقة التوحيد الذي بعث الله به ~~رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن مشركي العرب كانوا مقرين بأن الله وحده خالق ~~كل شيء، وكانوا مع هذا مشركين قال تعالى: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم ~~مشركون} [يوسف: 106] قال طائفة من السلف: تسألهم من خلق السموات والأرض؟ ~~فيقولون: الله. وهم مع هذا يعبدون غيره، قال تعالى: {قل لمن الأرض ومن فيها ~~إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل أفلا تذكرون} إلى قوله {فأنا تسحرون} ~~[المؤمنون84-85] . # PageV01P310 # فليس كل من أقر بأن الله تعالى رب كل شيء وخالقه يكون عابدا له دون ما ~~سواه، راجيا له خائفا منه دون ما سواه، يوالي فيه، ويعادي فيه، ويسمع رسله، ~~ويأمر بما أمر به، وينهى عما نهى عنه، وعامة المشركين أقروا بأن الله خالق ~~كل شيء، وأثبتوا الشفعاء الذين يشركونهم به، وجعلوا له أندادا قال تعالى: ~~{أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون قل ~~لله الشفاعة جميعا له ملك السماوات والأرض} [الزمر: 43] وقال تعالى: ~~{ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند ~~الله} إلى قوله سبحانه وتعالى: {عما يشركون} [يونس: 18] وقال تعالى: {ولقد ~~جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى ~~معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم ~~تزعمون} [الأنعام94] وقال تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا ~~يحبونهم كحب الله} [البقرة: 165] ولهذا كان من أتباع هؤلاء من يسجد للشمس ~~والقمر والكواكب ويدعونها، ويصوم وينسك لها، ويتقرب إليها ثم يقول: إن ms152 هذا ~~ليس بشرك، إنما الشرك إذا اعتقد أنها المدبرة، فإذا جعلتها سببا وواسطةلم ~~أكن مشركا، ومن المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أن هذا شرك، انتهى كلامه. # PageV01P311 # وقال أيضا على قوله تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون ~~مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض} [سبأ22] الآيات، نفى الله عما سواه ~~كلما يتعلق به المشركون، فنفى أن يكون لغيره ملك أو قسط منه، أو يكون عونا ~~لله، فلم يبق إلا الشفاعة، فبين أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب، كما قال ~~تعالى: {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} [الأنبياء:28] فهذه الشفاعة التي يظنها ~~المشركون هي منتفية يوم القيامة، كما نفاها القرآن، وأخبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه يأتي فيسجد لربه ويحمده لا يبدأ بالشفاعة أولا، ثم يقال: ~~ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعط، واشفع تشفع. وقال له أبو هريرة: من أسعد ~~الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: "من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه" ~~فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله، ولا تكون لمن أشرك بالله، وحقيقته أن ~~الله سبحانه هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن ~~له أن يشفع ليكرمه، وينال المقام المحمود، فالشفاعة التي نفاها القرآن ما ~~كان فيها شرك، ولهذا أثبت الشفاعة بإذنه في مواضع، وقد بين النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنها لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص. انتهى. # وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في الكلام على هذه الآيات: وقد قطع الله ~~الأسباب التي يتعلق بها المشركون جميعها، فالمشرك إنما يتخذ معبوده لما ~~يحصل له من النفع، # PageV01P312 # والنفع لا يكون إلا ممن فيه خصلة من هذه الأربع إما مالكا لما يريده ~~عابده منه، فإن لم يكن شريكا للمالك كان معينا له وظهيرا، فإن لم يكن معينا ~~ولا ظهيرا كان شفيعا عنده، فنفى سبحانه المراتب الأربع نفيا مرتبا متنقلا ~~من الأعلى إلى الأدنى، فنفى الملك، والشركة، والمظاهرة، والشفاعة التي ~~يطلبها المشرك، وأثبت شفاعة لا نصيب فيها لمشرك، ms153 وهي الشفاعة بإذنه، فكفى ~~بهذه الآية نورا وبرهانا وتجريدا للتوحيد، وقطعا لأصول الشرك وموارده لمن ~~عقلها، والقرآن مملوء من أمثالها ونظائرها، ولكن أكثر الناس لا يشعرون ~~بدخول الواقع تحته وتضمنه له، ويظنه في نوع وقوم قد خلوا من قبل ولم يعقبوا ~~وارثا، وهذا هو الذي حال بين القلب وبين فهم القرآن، ولعمر الله إن كان ~~أولئك قد خلوا فقد ورثهم من هو مثلهم أو شر منهم أو دونهم، فتناول القرآن ~~لهم كتناوله لأولئك، انتهى كلامه رحمه الله. # فإذا تبين لك الفرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية عرفت أن مشركي ~~أهل زماننا لا يعرفون ما عرفه كفار العرب، فإن كفار العرب يعلمون أنهم إذا ~~قالوا: لا إله إلا الله، فقد نفوا جميع المعبودات من دون الله، وأثبتوا ~~العبادة لله وحده لا شريك له دون سواه، فأبوا عن النطق بلا إله إلا الله، ~~وعتوا عتوا كبيرا، وأبى الظالمون إلا كفورا، فجحدوا لا إله إلا الله # PageV01P313 # لفظا ومعنى ولذلك لما قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قولوا لا ~~إله إلا الله" قالوا: {أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب} [ص5] وقال ~~تعالى حاكيا عنهم {إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون ~~ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون} [الصافات35] وهذا بخلاف ما عليه ~~هؤلاء الغلاة الجهال فإنهم يقولونها وهم مع ذلك يعبدون مع الله غيره ممن ~~يشركونه في عبادته بالدعاء الخوف والحب والرجاء والتوكل والاستغاثة ~~والاستعانة والذبح والنذر والالتجاء وطلب الشفاعة منهم إلى غير ذلك من ~~أنواع العبادة، فمن صرف لغير الله شيئا من أنواع العبادة فقد عبد ذلك ~~الغير، واتخذه إلها، وأشركه مع الله في خالص حقه، سواء اعتقد التأثير ~~والتدبير والإيجاد والإعدام والنفع والضرر ممن يدعوه أو يرجوه، أو لم ~~يعتقد، وإن فر من تسمية فعلة ذلك تألها وعبادة وشركا. # ومن المعلوم بالضرورة من دين الإسلام أن حقائق الأشياء لا تتغير بتغير ~~أسمائها فلا تزول هذه المفاسد بتغير أسمائها كتسمية عباد القبور عبادة غير ~~الله توسلا ms154 وتشفعا وتعظيما للصالحين وتوقيرا، فالاعتبار بحقائق الأمور لا ~~بالأسماء والإصطلاحات، والحكم يدور مع الحقيقة لا مع الأسماء، فإذا تحققت ~~ما قدمت لك فلا بد من ذكر شيء يسير من كلام العلماء في معنى لا إله إلا ~~الله. # PageV01P314 # قال الوزير أبو المظفر في "الإفصاح" قوله: شهادة أن لا إله إلا الله، ~~يقتضي أن يكون الشاهد عالما بأن لا إله إلا الله، كما قال تعالى: {فاعلم ~~أنه لا إله إلا الله} [محمد: آية19] قال واسم الله مرتفع بعد إلا من حيث ~~إنه الواجب له الإلهية، فلا يستحقها غيره سبحانه. قال: وجملة الفائدة في ~~ذلك أن تعلم أن هذه الكلمة مشتملة على الكفر بالطاغوت، والإيمان بالله، ~~فإنك لما نفيت الآلهية، وأثبت الإيجاب لله سبحانه كنت ممن كفر بالطاغوت، ~~وآمن بالله. # وقال في "البدائع" ردا لقول من قال: إن المستثنى مخرج من النفي، قال: بل ~~هو مخرج من المنفي وحكمه، فلا يكون داخلا في النفي إذ لو كان كذلك لم يدخل ~~الرجل في الإسلام بقول: لا إله إلا الله، لأنه لم يثبت الإلهية لله تعالى، ~~وهذه أعظم كلمة تضمنت نفي الإلهة عما سوى الله، وإثباتها له تعالى بوصف ~~الإختصاص، فدلالتها على إثبات إلهيته أعظم من دلالة قولنا: الله إله، ولا ~~يستريب أحد في هذه البتة انتهى بمعناه. # وقال أبو عبد الله القرطبي في تفسيره "لا إله إلا الله" أي لا معبود إلا ~~هو. # وقال الزمخشري: الإله من أسماء الأجناس كالرجل والفرس يقع على كل معبود ~~بحق أو باطل، ثم غلب على المعبود بحق. # PageV01P315 # قال شيخ الإسلام: الإله هو المعبود المطاع، فإن الإله هو المألوه، ~~والمألوه هو الذي يستحق أن يعبد، وكونه يستحق أن يعبد هو بما اتصف به من ~~الصفات التي تستلزم أن يكون هو المحبوب غاية الحب، المخضوع له غاية الخضوع، ~~قال: فإن الإله هو المحبوب المعبود الذي تألهه القلوب بحبها، وتخضع له، ~~وتذل له، وتخافه، وترجوه، وتلجأ إليه، وتطمئن بذكره، وتسكن إلى حبه، وليس ~~إلا الله وحده، ولهذا كانت لا إله إلا ms155 الله أصدق الكلام، وكان أهلها أهل ~~الله وحزبه، والمنكرون لها أعداؤه وأهل غضبه ونقمته، فإذا صحت صح بها كل ~~مسألة وحال وذوق، وإذا لم يصححها العبد فالفساد لازم له في علومه وأعماله. # وقال ابن القيم رحمه الله: الإله الذي تألهه القلوب محبة وإجلالا وإنابة ~~وإكراما وتعظيما وذلا وخضوعا وخوفا ورجاء وتوكلا. # وقال ابن رجب رحمه الله: الإله هو الذي يطاع فلا يعصى هيبة له وإجلالا ~~ومحبة وخوفا ورجاء وتوكلا عليه، وسواء لأمنه، ودعاء له، ولا يصلح ذلك كله ~~إلا الله عز وجل فمن أشرك مخلوقا في شيء من هذه الأمور التي هي من خصائص ~~الإلهية كان ذلك قدحا في إخلاصه في قول "لا إله إلا الله" وكان فيه من ~~عبودية المخلوق بحسب ما فيه من ذلك. # وقال البقاعي: لا إله إلا الله أي انتفاء عظيما أن يكون # PageV01P316 # معبودا بحق غير الملك الأعظم، فإن هذا العلم هو أعظم الذكرى المنجية من ~~أهوال الساعة، وإنما يكون علما إذا كان نافعا، وإنما يكون نافعا إذا كان مع ~~الإذعان والعمل بما تقتضيه، وإلا فهو جهل صرف. # وقال الطيبي: الإله فعال بمعنى مفعول، كالكتاب بمعنى المكتوب من أله إلهة ~~أي عبد عبادة. # قال الشيخ سليمان بن عبد الله رحمه الله: وهذا كثير في كلام العلماء، ~~وإجماع منهم، فدلت لا إله إلا الله على نفي الإلهية عن كل ما سوى الله ~~تعالى كائنا من كان، وإثبات الإلهية لله وحده دون كل ما سواه، وهذا هو ~~التوحيد الذي دعت إليه الرسل، ودل عليه القرآن من أوله إلى آخره كما قال ~~تعالى عن الجن {قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا ~~عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا} [الجن1] فلا إله إلا ~~الله لا تنفع إلا من عرف مدلولها نفيا وإثباتا، واعتقد ذلك وقبله وعمل به، ~~وأما من قالها من غير علم واعتقاد وعمل فقد تقدم في كلام العلماء أن هذا ~~جهل صرف، فهي حجة عليه بلا ريب، فقوله في ms156 الحديث "وحده لا شريك له" تأكيد ~~وبيان لمضمون معناها، وقد أوضح الله ذلك وبينه في قصص الأنبياء والمرسلين ~~في كتابه المبين، فما أجهل عباد القبور بحالهم، وما أعظم ما وقعوا فيه من ~~الشرك المنافي لكلمة الإخلاص "لا إله إلا الله" فإن مشركي # PageV01P317 # العرب ونحوهم جحدوا لا إله إلا الله لفظا ومعنى، وهؤلاء المشركون أقروا ~~بها لفظا وجحدوها معنى، فتجد أحدهم يقولها لفظا وهو يأله غير الله بأنواع ~~العبادة، كالحب والتعظيم والخوف والرجاء والتوكل وغير ذلك من أنواع ~~العبادة، بل زاد شركهم على شرك العرب بمراتب، فإن أحدهم إذا وقع في شدة ~~أخلص الدعاء لغير الله تعالى، ويعتقد أنه أسرع فرجا لهم من الله، بخلاف حال ~~المشركين الأولين فإنهم يشركون في الرخاء، وأما في الشدة فإنما يخلصون لله ~~وحده كما قال تعالى: {فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما ~~نجاهم إلى البر إذا هم يشركون} [العنكبوت65] الآية فبهذا تبين أن مشركي أهل ~~هذه الأزمان أجهل بالله وبتوحيده من مشركي العرب ومن قبلهم. انتهى. # وقال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن المعروف بأبي بطين في معنى الإله قال: ~~وأما لإله فهو الذي تألهه القلوب بالمحبة والخشوع والخوف والرجاء وتوابع ~~ذلك من الرغبة والرهبة والتوكل والاستغاثة والدعاء والذبح والنذور والسجود ~~وجميع أنواع العبادة الظاهرة والباطنة، فهو إله بمعنى مألوه أي معبود، ~~وأجمع أهل اللغة أن هذا معنى الإله قال الجوهري: أله بفتح إلهة أي عبد ~~عبادة، قال ومنه قولنا "الله" وأصله لاه على فعال بمعنى مفعول، لأنه مألوه ~~بمعنى معبود، كقولنا "إمام" فعال بمعنى مفعول، لأنه مؤتم به، قال والتأليه: # PageV01P318 # التعبد، والتأله: التنسك والتعبد، قال رؤبة سجن واسترجعن من تأله. انتهى. # وقال في "القاموس" أله إلهة وألوهة عبد عبادة، ومنه لفظ الجلالة، واختلف ~~فيه على عشرين قولا يعني لفظ الجلالة قال: وأصله إلاه بمعنى مألوه، وكلما ~~اتخذ معبودا له عند متخذه قال: والتأله والتنسك والتعبد، انتهى. # وجميع العلماء من المفسرين وشراح الحديث والفقه وغيرهم يفسرون الإله بأنه ~~المعبود، وإنما غلط ms157 في ذلك بعض أئمة المتكلمين فظن أن الإله هو القادر على ~~الإختراع، وهذه ذلة عظيمة، وغلط فاحش، إذا تصوره العامي العاقل تبين له ~~بطلانه، وكأن هذا القائل لم يستحضر ما حكاه الله عن المشركين في مواضع من ~~كتابة، ولم يعلم أن مشركي العرب وغيرهم يقرون بأن الله هو القادر على ~~الإختراع، وهم مع ذلك مشركون، ومن أبعد الأشياء أن عاقلا يمتنع من التلفظ ~~بكلمة يقر بمعناها، ويعترف به ليلا ونهارا وإسرارا وجهارا، هذا ما لا يفعله ~~من له أدنى مسكة من عقل. # قال أبو العباس رحمه الله تعالى: وليس المراد بالإله هو القادر على ~~الإختراع، كما ظنه من ظنه من أئمة المتكلمين حيث ظن أن الألوهية هي القدرة ~~على الإختراع، وأن من أقر بأن الله هو القادر على الإختراع دون غيره فقد ~~شهد أن لا إله إلا الله، فإن المشركين كانوا يقرون بهذا التوحيد، كما قال # PageV01P319 # تعالى: {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل الحمد لله} ~~وقال تعالى: {قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل أفلا ~~تذكرون} [المؤمنون:8485] الآيات، وقال تعالى: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا ~~وهم مشركون} [يوسف106] الآيات، وقال ابن عباس: تسألهم من خلق السموات ~~والأرض؟ فيقولون: الله، وهم مع هذا يعبدون غيره. وهذا التوحيد من التوحيد ~~الواجب لكن لا يحصل به الواجب، ولا يخلص بمجرده عن الإشراك الذي هو أكبر ~~الكبائر الذي لا يغفره الله، بل لا بد أن يخلص لله الدين فلا يعبد إلا إياه ~~فيكون دينه الله، والإله هو المألوه الذي تألهه القلوب فهو إله بمعنى مألوه ~~لا بمعنى إله انتهى. # وقد دل صريح القرآن على معنى الإله وأنه هو المعبود كما في قوله تعالى: ~~{وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه ~~سيهديني وجعلها كلمة باقية في عقبه} [الزخرف2628] قال المفسرون: هي كلمة ~~التوحيد "لا إله إلا الله" باقية في عقبه أي ذريته. قال قتادة: لا يزال في ~~ذريته من يعبد الله ويوحده، ms158 والمعنى جعل هذه الموالاة والبراءة من كل معبود ~~سواه كلمة باقية في ذرية إبراهيم يتوارثها الأنبياء وأتباعهم بعضهم عن بعض، ~~وهي كلمة "لا إله إلا الله" فتبين أن موالاة الله بعبادته، والبراءة من كل ~~معبود سواه هو معنى "لا إله إلا الله" # PageV01P320 # إذا تبين ذلك فمن صرف لغير الله شيئا من أنواع العبادة المتقدم تعريفها، ~~كالحب والتعظيم والخوف والرجاء والدعاء والتوكل والذبح والنذر وغير ذلك فقد ~~عبد ذلك الغير، واتخذه إلها، وأشركه مع الله في خالص حقه، وإن فر من تسمية ~~فعله ذلك: تألها وعبادة وشركاء، ومعلوم عند كل عاقل أن حقائق الأشياء لا ~~تتغير بتغيير أسمائها، فلو سمي الزنا والربا، والخمر بغير أسمائها لم ~~يخرجها تغيير الإسم عن كونها زنا وربا وخمرا ونحو ذلك، فمن المعلوم أن ~~الشرك إنما حرم لقبحه في نفسه، وكونه متضمنا مسبة الرب، وتنقصه، وتشبيهه ~~بالمخلوقين، فلا تزول هذه المفاسد بتغيير أسمائها، كتسميته توسلا وتشفعا ~~للصالحين وتوقيرا لهم ونحو ذلك، فالمشرك مشرك شاء أم أبى، وقد أخبر النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن طائفة من أمته يستحلون الربا باسم البيع، ويستحلون ~~الخمر باسم آخر غير اسمها، وذمهم على ذلك، فلو كان الحكم دائرا مع الاسم لا ~~مع العلة لم يستحق الذم، وهذا من أعظم مكائد الشيطان لبني آدم قديما ~~وحديثا، أخرج لهم الشرك في قالب تعظيم الصالحين وتوقيرهم، وغير اسمه ~~بتسميته إياه توسلا، وتشفعا ونحو ذلك، والله الهادي إلى سواء السبيل. ~~انتهى. # فلا بد في شهادة أن لا إله إلا الله من أن يكون المتكلم بها عارفا ~~لمعناها، عاملا بمقتضاها باطنا وظاهرا، ولا بد من العلم واليقين بمدلوها ~~كما قال تعالى: {فاعلم أنه لا إله إلا # PageV01P321 # الله} [محمد 19] وقوله: {إلا من شهد بالحق وهم يعلمون} [الزخرف86] ، أما ~~النطق بها من غير معرفة بمعناها، ولا يقين، ولا عمل بما تقتضيه من نفي ~~الشرك وإخلاص القول والعمل قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح فغير ~~نافع بالإجماع. # قال في "المفهم على صحيح مسلم" باب لا يكفي مجرد اللفظ ms159 بالشهادتين، بل لا ~~بد من استيقان القلب، هذه الترجمة تنبيه على فساد مذهب غلاة المرجئة ~~القائلين بأن التلفظ بالشهادتين كاف في الإيمان، وأحاديث هذا الباب تدل على ~~فساده، بل هو مذهب معلوم الفساد من الشريعة لمن وقف عليها، ولأنه يلزم من ~~تسويغ النفاق والحكم للمنافق بالإيمان الصحيح، وهو باطل قطعا انتهى. # ومعنى "لا إله إلا الله" أي لا معبود حق إلا الله، وهو في غير موضع من ~~القرآن قال تعالى: {وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم} [البقرة: ~~163] وقال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله ~~إلا أنا فاعبدون} [الأنبياء25] وقال: {وإلى عاد أخاهم هودا قال ياقوم ~~اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} [هود50] فأجابوا ردا عليه بقولهم: {أجئتنا ~~لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا} [الأعراف70] وقال تعالى: # PageV01P322 # {ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل} [الحج62] الآية. # فتضمن ذلك نفي الإلهية عما سوى الله، وهي العبادة، وإثباتها لله وحده لا ~~شريك له، والقرآن من أوله إلى آخره يبين هذا، ويقرره، ويرشد إليه، فالعبادة ~~بجميع أنواعها إنما تصدر عن تأله القلب بالحب والخضوع والتذلل رغبا ورهبا، ~~وهذا كله لا يستحقه إلا الله تعالى، فمن صرف من ذلك شيئا لغير الله فقد ~~جعله الله ندا، فلا ينفعه مع ذلك قول ولا عمل، والله يقول الحق وهو يهدي ~~السبيل، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد ~~وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين. # تم بحمد الله. # PageV01P323 # قال محققه عفا الله عنه: تم تصحيح هذا الكتاب والتعليق على بعض أحاديثه ~~في اليوم السابع من شهر جمادى الثانية من شهور سنة ثمان وأربعمائة بعد ~~الألف من هجرة المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. # عبد السلام آل عبد الكريم. PageV01P324 ms160