######OpenITI# #META# URI: 1349JibranKhalilJibran.AjnihaMutakassira.Hindawi46094724 #META# Tags: novels #META# ID: 46094724 #META# Title: الأجنحة المتكسرة #META# AuthorID: 85274958 #META# Author: جبران خليل جبران #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # إهداء‏ # توطئة‏ # الكآبة الخرساء‏ # يد القضاء‏ # في باب الهيكل‏ # الشعلة البيضاء‏ # العاصفة‏ # بحيرة النار‏ # أمام عرش الموت‏ # بين عشتروت والمسيح‏ # التضحية‏ # المنقذ‏ # إهداء‏ # توطئة‏ # الكآبة الخرساء‏ # يد القضاء‏ # في باب الهيكل‏ # الشعلة البيضاء‏ # العاصفة‏ # بحيرة النار‏ # أمام عرش الموت‏ # بين عشتروت والمسيح‏ # التضحية‏ # المنقذ‏ # | الأجنحة المتكسرة # | الأجنحة المتكسرة # تأليف # جبران خليل جبران # | إهداء # إلى التي تحدق إلى الشمس بأجفان جامدة، وتقبض على النار بأصابع غير مرتعشة، وتسمع ~~نغمة الروح «الكلي» من وراء ضجيج العميان وصراخهم. إلى # M. E. H # أرفع هذا الكتاب. # جبران # | توطئة # كنت في الثامنة عشرة عندما فتح الحب عيني بأشعته السحرية، ولمس نفسي لأول مرة بأصابعه ~~النارية. وكانت سلمى كرامة المرأة الأولى التي أيقظت روحي بمحاسنها، ومشت أمامي إلى جنة ~~العواطف العلوية، حيث تمر الأيام كالأحلام وتنقضي الليالي كالأعراس. # سلمى كرامة هي علمتني عبادة الجمال بجمالها، وأرتني خفايا الحب بانعطافها، وهي التي ~~أنشدت على مسمعي أول بيت من قصيدة الحياة المعنوية. # أي فتى لا يذكر الصبية الأولى التي أبدلت غفلة شبيبته بيقظة هائلة بلطفها، جارحة ~~بعذوبتها، فتاكة بحلاوتها؟ من منا لا يذوب حنينا إلى تلك الساعة الغريبة التي إذا ~~انتبه فيها فجأة رأى كليته قد انقلبت وتحولت، وأعماقه قد اتسعت وانبسطت وتبطنت ~~بانفعالات لذيذة بكل ما فيها من مرارة الكتمان، مستحبة بكل ما يكتنفها من الدموع والشوق ~~والسهاد؟ # لكل فتى سلمى تظهر على حين غفلة في ربيع حياته، وتجعل لانفراده معنى شعريا، وتبدل ~~وحشة أيامه بالأنس، وسكينة لياليه بالأنغام. # كنت حائرا بين تأثيرات الطبيعة وموحيات الكتب والأسفار عندما سمعت الحب يهمس بشفتي ~~سلمى في آذان نفسي، وكانت حياتي خالية مقفرة باردة شبيهة بسبات آدم في الفردوس عندما ~~رأيت سلمى منتصبة أمامي كعمود النور. فسلمى كرامة هي حواء هذا القلب المملوء بالأسرار ~~والعجائب، وهي التي أفهمته كنه هذا الوجود، وأوقفته كالمرآة أمام هذه الأشباح. حواء ~~الأولى أخرجت آدم من الفردوس بإرادتها وانقياده، أما سلمى كرامة فأدخلتني إلى جنة الحب ~~والطهر بحلاوتها واستعدادي، ولكن ما أصاب الإنسان الأول قد ms01 أصابني، والسيف الناري الذي ~~طرده من الفردوس هو كالسيف الذي أخافني بلمعان حده، وأبعدني كرها عن جنة المحبة قبل أن ~~أخالف وصية، وقبل أن أذوق طعم ثمار الخير والشر. # واليوم، وقد مرت الأعوام المظلمة طامسة بأقدامها رسوم تلك الأيام، لم يبق لي من ذلك ~~الحلم الجميل سوى تذكارات موجعة ترفرف كالأجنحة غير المنظورة حول رأسي، مثيرة تنهدات الأسى ~~في أعماق صدري، مستقطرة دموع اليأس والأسف من أجفاني ... وسلمى؛ سلمى الجميلة العذبة، قد ذهبت ~~إلى ما وراء الشفق الأزرق، ولم يبق من آثارها في هذا العالم سوى غصات أليمة في قلبي، وقبر ~~رخامي منتصب في ظلال أشجار السرو. فذلك القبر وهذا القلب هما كل ما بقي ليحدث الوجود عن ~~سلمى كرامة، غير أن السكينة التي تخفر القبور لا تفشي ذلك السر المصون الذي أخفته الآلهة ~~في ظلمات التابوت، والأغصان التي امتصت عناصر الجسد لا تبيح بحفيفها مكنونات الحفرة. أما ~~غصات هذا القلب وأوجاعه فهي التي تتكلم وهي التي تنسكب الآن مع قطرات الحبر السوداء معلنة ~~للنور أشباح تلك المأساة التي مثلها الحب والجمال والموت. # فيا أصدقاء شبيبتي المنتشرين في بيروت، إذا مررتم بتلك المقبرة القريبة من غابة الصنوبر ~~فادخلوها صامتين، وسيروا ببطء كيلا تزعج أقدامكم رفات الراقدين تحت أطباق الثرى، وقفوا ~~متهيبين بجانب قبر سلمى وحيوا عني التراب الذي ضم جثمانها. ثم اذكروني بتنهدة قائلين في ~~نفوسكم: ههنا دفنت آمال ذلك الفتى الذي نفته صروف الدهر إلى ما وراء البحار، وههنا توارت ~~أمانيه، وانزوت أفراحه، وغارت دموعه، واضمحلت ابتساماته، وبين هذه المدافن الخرساء تنمو ~~كآبته مع أشجار السرو والصفصاف، وفوق هذا القبر ترفرف روحه كل ليلة مستأنسة بالذكرى، ~~مرددة مع أشباح الوحشة ندبات الحزن والأسى، نائحة مع الغصون على صبية كانت بالأمس نغمة ~~شجية بين شفتي الحياة، فأصبحت اليوم سرا صامتا في صدر الأرض. # أستحلفكم يا رفاق الصبا بالنساء اللواتي أحبتهن قلوبكم أن تضعوا أكاليل الأزهار على ~~قبر المرأة التي أحبها قلبي؛ فرب زهرة تلقونها على ضريح منسي تكون كقطرة الندى ms02 التي ~~تسكبها أجفان الصباح بين أوراق الوردة الذابلة. # | الكآبة الخرساء # أنتم أيها الناس تذكرون فجر الشبيبة فرحين باسترجاع رسومه، متأسفين على انقضائه، أما أنا ~~فأذكره مثلما يذكر الحر المعتق جدران سجنه وثقل قيوده. أنتم تدعون تلك السنين التي ~~تجيء بين الطفولة والشباب عهدا ذهبيا يهزأ بمتاعب الدهر وهواجسه، ويطير مرفرفا فوق رؤوس ~~المشاعل والهموم مثلما تجتاز النحلة فوق المستنقعات الخبيثة سائرة نحو البساتين المزهرة، ~~أما أنا فلا أستطيع أن أدعو سني الصبا سوى عهد آلام خفية خرساء كانت تقطن قلبي وتثور ~~كالعواصف في جوانبه، وتتكاثر نامية بنموه، ولم تجد منفذا تنصرف منه إلى عالم المعرفة حتى ~~دخل إليه الحب وفتح أبوابه وأنار زواياه، فالحب قد أعتق لساني فتكلمت، ومزق أجفاني ~~فبكيت، وفتح حنجرتي فتنهدت وشكوت. # أنتم أيها الناس تذكرون الحقول والبساتين والساحات وجوانب الشوارع التي رأت ألعابكم وسمعت ~~همس طهركم، وأنا أيضا أذكر البقعة الجميلة من شمال لبنان، فما أغمضت عيني عن هذا المحيط ~~إلا رأيت تلك الأودية المملوءة سحرا وهيبة، وتلك الجبال المتعالية بالمجد والعظمة نحو ~~العلاء، ولا صممت أذني عن ضجة هذا الاجتماع إلا سمعت خرير تلك السواقي وحفيف تلك الغصون. ~~ولكن هذه المحاسن - التي أذكرها الآن وأتشوق إليها تشوق الرضيع إلى ذراعي أمه - هي التي ~~كانت تعذب روحي المسجونة في ظلمة الحداثة، مثلما يتعذب البازي بين قضبان قفصه عندما يرى ~~أسراب البزاة تسبح حرة في الخلاء الواسع - وهي التي كانت تملأ صدري بأوجاع التأمل ومرارة ~~التفكير، وتنسج بأصابع الحيرة والالتباس نقابا من اليأس والقنوط حول قلبي، فلم أذهب إلى ~~البرية إلا عدت منها كئيبا جاهلا أسباب الكآبة، ولا نظرت مساء إلى الغيوم المتلونة ~~بأشعة الشمس إلا شعرت بانقباض متلف ينمو لجهلي معاني الانقباض، ولا سمعت تغريدة الشحرور أو ~~أغنية الغدير إلا وقفت حزينا لجهلي موحيات الحزن. # يقولون إن الغباوة مهد الخلو والخلو مرقد الراحة، وقد يكون ذلك صحيحا عند الذين يولدون ~~أمواتا ويعيشون كالأجساد الهامدة الباردة فوق التراب. ولكن إذا كانت الغباوة العمياء قاطنة ~~في جوار العواطف ms03 المستيقظة تكون الغباوة أقسى من الهاوية وأمر من الموت. والصبي الحساس ~~الذي يشعر كثيرا ويعرف قليلا هو أتعس المخلوقات أمام وجه الشمس؛ لأن نفسه تظل واقفة بين ~~قوتين هائلتين متباينتين: قوة خفيفة تحلق به في السحاب وتريه محاسن الكائنات من وراء ضباب ~~الأحلام، وقوة ظاهرة تقيده بالأرض وتغمر بصيرته بالغبار، وتتركه ضائعا خائفا في ظلمة ~~حالكة. # للكآبة أيد حريرية الملامس قوية الأعصاب، تقبض على القلوب وتؤلمها بالوحدة، فالوحدة ~~حليفة الكآبة، كما أنها أليفة كل حركة روحية. ونفس الصبي المنتصبة أمام عوامل الوحدة ~~وتأثيرات الكآبة شبيهة بالزنبقة البيضاء عند خروجها من الكمام، ترتعش أمام النسيم، وتفتح ~~قلبها لأشعة الفجر، وتضم أوراقها بمرور أخيلة المساء، فإن لم يكن للصبي من الملاهي ما يشغل ~~فكرته، ومن الرفاق من يشاركه في الميول، كانت الحياة أمامه كحبس ضيق لا يرى في جوانبه غير ~~أنوال العناكب، ولا يسمع من زواياه سوى دبيب الحشرات. # أما تلك الكآبة التي اتبعت أيام حداثتي فلم تكن ناتجة عن حاجتي إلى الملاهي لأنها كانت ~~متوفرة لدي، ولا عن افتقاري إلى الرفاق لأنني كنت أجدهم أينما ذهبت، بل هي من أعراض علة ~~طبيعية في النفس كانت تحبب إلي الوحدة والانفراد، وتميت في روحي الميول إلى الملاهي ~~والألعاب، وتخلع عن كتفي أجنحة الصبا، وتجعلني أمام الوجود كحوض مياه بين الجبال يعكس ~~بهدوئه المحزن رسوم الأشباح وألوان الغيوم وخطوط الأغصان، ولكنه لا يجد ممرا يسير فيه ~~جدولا مترنما إلى البحر. # هكذا كانت حياتي قبل أن أبلغ الثامنة عشرة، فتلك السنة هي من ماضي بمقام القمة من ~~الجبل، لأنها أوقفتني متأملا تجاه هذا العالم، وأرتني سبل البشر، ومروج ميولهم، وعقبات ~~متاعبهم، وكهوف شرائعهم وتقاليدهم. # في تلك السنة ولدت ثانية، والمرء إن لم تحبل به الكآبة ويتمحض به اليأس، وتضعه المحبة ~~في مهد الأحلام؛ تظل حياته كصفحة خالية بيضاء في كتاب الكيان. # في تلك السنة شاهدت ملائكة السماء تنظر إلي من وراء أجفان امرأة جميلة، وفيها رأيت ~~أبالسة الجحيم يضجون ويتراكضون في صدر رجل مجرم، ومن ms04 لا يشاهد الملائكة والشياطين في محاسن ~~الحياة ومكروهاتها يظل قلبه بعيدا عن المعرفة ونفسه فارغة من العواطف. # | يد القضاء # كنت في بيروت في ربيع تلك السنة المملوءة بالغرائب، وكان نيسان قد أنبت الأزهار والأعشاب، ~~فظهرت في بساتين المدينة كأنها أسرار تعلنها الأرض للسماء، وكانت أشجار اللوز والتفاح قد ~~اكتست بحلل بيضاء معطرة، فبانت بين المنازل كأنها حوريات بملابس ناصعة قد بعثت بهن الطبيعة ~~عرائس وزوجات لأبناء الشعر والخيال. # الربيع جميل في كل مكان، ولكنه أكثر من جميل في سوريا ... الربيع روح إله غير معروف تطوف في ~~الأرض مسرعة، وعندما تبلغ سوريا تسير ببطء متلفتة إلى الوراء مستأنسة بأرواح الملوك ~~والأنبياء الحائمة في الفضاء، مترنمة مع جداول اليهودية بأناشيد سليمان الخالدة، مرددة مع ~~أرز لبنان تذكارات المجد القديم. # وبيروت في الربيع أجمل منها في ما بقي من الفصول؛ لأنها تخلو فيه من أوحال الشتاء وغبار ~~الصيف، وتصبح بين أمطار الأول وحرارة الثاني كصبية حسناء قد اغتسلت بمياه الغدير ثم جلست ~~على ضفته تجفف جسدها بأشعة الشمس. # ففي يوم من تلك الأيام المفعمة بأنفاس نيسان المسكرة وابتساماته المحيية، ذهبت لزيارة ~~صديق يسكن بيتا بعيدا عن ضجة الاجتماع، وبينما نحن نتحدث راسمين بالكلام خطوط آمالنا ~~وأمانينا دخل علينا شيخ جليل في الخامسة والستين من عمره، تدل ملابسه البسيطة وملامحه ~~المتجعدة على الهيبة والوقار، فوقفت احتراما، وقبيل أن أصافحه مسلما تقدم صديقي وقال: ~~حضرته فارس أفندي كرامة، ثم لفظ اسمي مشفوعا بكلمة ثناء، فحدق إلي الشيخ هنيهة لامسا ~~بأطراف أصابعه جبهته العالية المكللة بشعر أبيض كالثلج، كأنه يريد أن يسترجع إلى ذاكرته ~~صورة شيء قديم مفقود، ثم ابتسم ابتسامة سرور وانعطاف واقترب مني قائلا: أنت ابن صديق حبيب ~~قديم صرفت ربيع العمر برفقته، فما أعظم فرحي بمرآك! وكم أنا مشتاق إلى لقاء أبيك ~~بشخصك! # فتأثرت لكلامه، وشعرت بجاذب خفي يدنيني إليه بطمأنينة، مثلما تقود الغريزة العصفور إلى ~~وكره قبيل مجيء العاصفة. ولما جلسنا أخذ يقص علينا أحاديث صداقته لوالدي، متذكرا أيام ~~الشباب التي صرفها ms05 بقربه، تاليا على مسامعنا أخبار أعوام قضت، فكفنها الدهر بقلبه ~~وقبرها في صدره ... إن الشيوخ يرجعون بالفكر إلى أيام شبابهم رجوع الغريب المشتاق إلى مسقط ~~رأسه، ويميلون إلى سرد حكايات الصبا ميل الشاعر إلى تنغيم أبلغ قصائده، فهم يعيشون بالروح ~~في زوايا الماضي الغابر؛ لأن الحاضر لا يمر بهم ولا يلتفت، والمستقبل يبدو لأعينهم متشحا ~~بضباب الزوال وظلمة القبر. # وبعد ساعة مرت بين الأحاديث والتذكارات مرور ظل الأغصان على الأعشاب، وقف فارس كرامة ~~للانصراف، ولما دنوت منه مودعا أخذ يدي بيمينه ووضع شماله على كتفي قائلا: أنا لم أر ~~والدك منذ عشرين سنة، ولكنني أرجو أن أستعيض عن بعاده الطويل بزياراتك الكثيرة. # فانحنيت شاكرا واعدا بتتميم ما يجب على الابن نحو صديق أبيه. # ولما خرج فارس كرامة استزدت صاحبي من أخباره، فقال بلهجة يساورها التحدر: لا أعرف رجلا ~~سواه في بيروت قد جعلته الثروة فاضلا والفضيلة مثريا. وهو واحد من القليلين الذين يجيئون ~~هذا العالم ويغادرونه قبل أن يلامسوا بالأذى نفس مخلوق، ولكن هؤلاء الرجال يكونون غالبا ~~تعساء مظلومين؛ لأنهم يجهلون سبل الاحتيال التي تنقذهم من مكر الناس وخبثهم ... ولفارس كرامة ~~ابنة وحيدة تسكن معه منزلا فخما في ضاحية المدينة، وهي تشابهه بالأخلاق، وليس بين النساء ~~من يماثلها جمالا، وهي أيضا ستكون تاعسة؛ لأن ثروة والدها الطائلة توقفها الآن على شفير ~~هاوية مظلمة مخيفة. # لفظ صديقي الكلمات الأخيرة، وظهرت على محياه لوائح الغم والأسف، ثم زاد قائلا: فارس ~~كرامة شيخ شريف القلب كريم الصفات، ولكنه ضعيف الإرادة يقوده رياء الناس كالأعمى وتوقفه ~~مطامعهم كالأخرس. أما ابنته فتخضع ممتثلة لإرادته الواهنة على رغم كل ما في روحها الكبيرة ~~من القوى والمواهب، وهذا هو السر الكامن وراء حياة الوالد وابنته. وقد فهم هذا السر رجل ~~يأتلف في شخصه الطمع بالرياء والخبث بالدهاء، وهذا الرجل هو مطران، تسير قبائحه بظل الإنجيل ~~فتظهر للناس كالفضائل. هو رئيس دين في بلاد الأديان والمذاهب، تخافه الأرواح والأجساد وتخر ~~لديه ساجدة مثلما تنحني رقاب الأنعام أمام الجزار. ms06 ولهذا المطران ابن أخ تتصارع في نفسه ~~عناصر المفاسد والمكاره مثلما تتقلب العقارب والأفاعي على جوانب الكهوف والمستنقعات. وليس ~~بعيدا اليوم الذي ينتصب فيه المطران بملابسه الحبرية جاعلا ابن أخيه عن يمينه وابنة فارس ~~كرامة عن شماله، رافعا بيده الأثيمة إكليل الزواج فوق رأسيهما، مقيدا بسلاسل التكهين ~~والتعزيم جسدا طاهرا بجيفة منتنة، جامعا في قبضة الشريعة الفاسدة روحا سماوية بذات ~~ترابية، واضعا قلب النهار في صدر الليل. هذا كل ما أستطيع أن أقوله لك الآن عن فارس كرامة ~~وابنته، فلا تسلني أكثر من ذلك؛ لأن ذكر المصيبة يدنيها مثلما يقرب الموت الخوف من ~~الموت. # وحول صديقي وجهه ونظر من النافذة إلى الفضاء كأنه يبحث عن أسرار الأيام والليالي بين ~~دقائق الأثير. # فقمت إذ ذاك من مكاني، ولما أخذت يده مودعا قلت له: غدا أزور فارس كرامة قياما بوعدي ~~له واحتراما للتذكارات التي أبقتها صداقته لوالدي. # فبهت بي الشاب دقيقة وقد تغيرت ملامحه، كأن كلماتي القليلة البسيطة قد أوحت إليه فكرا ~~جديدا هائلا، ثم نظر في عيني نظرة طويلة غريبة - نظرة محبة ~~وشفقة وخوف - نظرة نبي يرى في أعماق الأرواح ما لا تعرفه ~~الأرواح، ثم ارتعشت شفتاه قليلا ولكنه لم يقل شيئا، فتركته وسرت نحو الباب بأفكار ~~متضعضعة، وقبيل أن يلتفت إلى الوراء رأيت عينيه ما زالتا تتبعانني بتلك النظرة الغريبة؛ تلك ~~النظرة التي لم أفهم معانيها حتى عتقت نفسي من عالم المقاييس والكمية وطارت إلى مسارح الملأ ~~الأعلى حيث تتفاهم القلوب بالنظرات وتنمو الأرواح بالتفاهم. # | في باب الهيكل # وبعد أيام وقد مللت الوحدة، وتعبت أجفاني من النظر إلى أوجه الكتب العابسة علوت مركبة ~~طالبا منزل فارس كرامة، حتى إذا ما بلغت بي غابة الصنوبر حيث يذهب القوم للتنزه، حول ~~السائق وجهة فرسيه عن الطريق العمومية، فسار خببا على ممر تظلله أشجار الصفصاف، وتتمايل ~~على جانبيه الأعشاب والدوالي المتعرشة وأزاهر نيسان المبتسمة بثغور حمراء كالياقوت وزرقاء ~~كالزمرد وصفراء كالذهب. # وبعد دقيقة وقفت المركبة أمام منزل منفرد تحيط به حديقة مترامية الأطراف، ms07 تتعانق في ~~جوانبها الأغصان، وتعطر فضاءها رائحة الورد والفل والياسمين. # ما سرت بضع خطوات في تلك الحديقة حتى ظهر فارس كرامة في باب المنزل خارجا للقائي، كأن ~~هدير المركبة في تلك البقعة المنفردة قد أعلن له قدومي، فهش متأهلا وقادني مرحبا إلى ~~داخل الدار، ونظير والد مشتاق أجلسني بقربه يحدثني مستفسرا عن ماضي مستطلعا مقاصدي في ~~مستقبلي، فكنت أجيبه بتلك اللهجة المفعمة بنغمة الأحلام والأماني التي يترنم بها الفتيان ~~قبل أن تقذفهم أمواج الخيال إلى شاطئ العمل حيث الجهاد ~~والنزاع ... للشبيبة أجنحة ذات ريش من الشعر وأعصاب من الأوهام، ترتفع بالفتيان إلى ما وراء ~~الغيوم، فيرون الكيان مغمورا بأشعة متلونة بألوان قوس قزح، ويسمعون الحياة مرتلة أغاني ~~المجد والعظمة، ولكن تلك الأجنحة الشعرية لا تلبث أن تمزقها عواصف الاختبار، فيهبطون إلى ~~عالم الحقيقة، وعالم الحقيقة مرآة غريبة يرى فيها المرء نفسه مصغرة مشوهة. # في تلك الدقيقة ظهرت من بين ستائر الباب المخملية صبية ترتدي أثوابا من الحرير الأبيض ~~الناعم، ومشت نحوي ببطء، فوقفت ووقف الشيخ قائلا: هذه ابنتي «سلمى». وبعد أن لفظ اسمي شفعه ~~بقوله: إن ذاك الصديق القديم الذي حجبته عني الأيام قد عادت فأبانته لي بشخص ابنه، فأنا ~~أراه الآن ولا أراه. فتقدمت الصبية إلي وحدقت إلى عيني، كأنها تريد أن تستنطقهما عن ~~حقيقة أمري، وتعلم منهما أسباب مجيئي إلى ذلك المكان، ثم أخذت يدي بيد تضارع زنبقة الحقل ~~بياضا ونعومة، فأحسست عند ملامسة الأكف بعاطفة غريبة جديدة أشبه شيء بالفكر الشعري عند ~~ابتداء تكوينه في مخيلة الكاتب. # جلسنا جميعا ساكتين كأن سلمى قد أدخلت معها إلى تلك الغرفة روحا علوية توعز الصمت ~~والتهيب، وكأنها شعرت بذلك فالتفتت نحوي وقالت مبتسمة: كثيرا ما حدثني والدي عن أبيك ~~معيدا على مسمعي حكايات شبابهما، فإن كان والدك قد أسمعك تلك الوقائع فلا يكون هذا اللقاء ~~هو الأول بيننا. # فسر الشيخ بكلمات ابنته وانبسطت ملامحه ثم قال: إن سلمى روحية الميول والمذاهب، فهي ~~ترى جميع الأشياء سابحة في عالم النفس. # وهكذا ms08 عاد فارس كرامة إلى محادثتي باهتمام كلي ورقة متناهية، كأنه وجد في سرا ~~سحريا يرجعه على أجنحة الذكرى إلى ربيع أيامه الغابرة. # كان ذلك الشيخ يحدق بي مسترجعا أشباح شبابه وأنا أتأمله حالما بمستقبلي. كان ينظر ~~إلي مثلما تخيم أغصان الشجرة العالية المملوءة بمآتي الفصول فوق غرسة صغيرة مفعمة بعزم ~~هاجع وحياة عمياء. شجرة مسنة راسخة الأعراق قد اختبرت صيف العمر وشتاءه، ووقفت أمام عواصف ~~الدهر وأنوائه. وغرسة ضعيفة لينة لم تر غير الربيع ولم ترتعش إلا بمرور نسيم الفجر. # أما سلمى فكانت ساكتة تنظر إلي تارة وطورا إلى أبيها، كأنها تقرأ في وجهينا أول فصل من ~~رواية الحياة وآخر فصل منها. # قضى ذلك النهار متنهدا أنفاسه بين تلك الحدائق والبساتين، وغابت الشمس تاركة خيال قبلة ~~صفراء على قمم لبنان المتعالية قبالة ذلك المنزل، وفارس كرامة يتلو علي أخباره فيذهلني، ~~وأنا أترنم أمامه بأغاني شبيبتي فأطربه، وسلمى جالسة بقرب تلك النافذة تنظر إلينا بعينيها ~~الحزينتين ولا تتحرك، وتسمع أحاديثنا ولا تتكلم، كأنها عرفت أن للجمال لغة سماوية تترفع عن ~~الأصوات والمقاطع التي تحدثها الشفاه والألسنة، لغة خالدة تضم إليها جميع أنغام البشر، ~~وتجعلها شعورا صامتا مثلما تجتذب البحيرة الهادئة أغاني السواقي إلى أعماقها وتجعلها ~~سكوتا أبديا. إن الجمال سر تفهمه أرواحنا وتفرح به وتنمو بتأثيراته، أما أفكارنا فتقف ~~أمامه محتارة محاولة تحديده وتجسيده بالألفاظ، ولكنها لا تستطيع. هو سيال خاف عن العين ~~يتموج بين عواطف الناظر وحقيقة المنظور. الجمال الحقيقي هو أشعة تنبعث من قدس أقداس النفوس ~~وتنير خارج الجسد، مثلما تنبثق الحياة من أعماق النواة وتكسب الزهرة لونا وعطرا، هو تفاهم ~~كلي بين الرجل والمرأة يتم بلحظة، وبلحظة يولد ذلك الميل المترفع عن جميع الميول، ذلك ~~الانعطاف الروحي الذي ندعوه حبا، فهل فهمت روحي روح سلمى في عشية النهار فجعلني التفاهم ~~أراها أجمل امرأة أمام الشمس؟ أم هي سكرة الشبيبة التي تجعلنا نتخيل رسوما وأشباحا لا ~~حقيقة لها؟ هل أعمتني الفتوة فتوهمت الأشعة في عيني سلمى، والحلاوة في ثغرها، ms09 والرقة في ~~قدها ؟ أم هي تلك الأشعة وتلك الحلاوة وتلك الرقة التي فتحت عيني لتريني أفراح الحب وأحزانه؟ ~~لا أدري، ولكنني أعلم أنني شعرت بعاطفة لم أشعر بها قبل تلك الساعة، عاطفة جديدة تمايلت حول ~~قلبي بهدوء يشابه رفرفة الروح على وجه القمر قبل أن تبتدئ الدهور. ومن تلك العاطفة قد تولدت ~~سعادتي وتعاستي مثلما ظهرت وتناسخت الكائنات بإرادة ذلك الروح. # هكذا انقضت تلك الساعة التي جمعتني بسلمى لأول مرة، وهكذا شاءت السماء وأعتقتني على حين ~~غفلة من عبودية الحيرة والحداثة لتسيرني حرا في موكب المحبة، فالمحبة هي الحرية الوحيدة ~~في هذا العالم؛ لأنها ترفع النفس إلى مقام سام لا تبلغه شرائع البشر وتقاليدهم، ولا تسوده ~~نواميس الطبيعة وأحكامها. # ولما وقفت للانصراف اقترب مني فارس كرامة، وقال بصوت تعانقه رنة الإخلاص: الآن وقد عرفت ~~الطريق إلى هذا المنزل يجب أن تأتي إليه شاعرا بالثقة التي تقودك إلى بيت أبيك، وأن تحسبني ~~وسلمى كوالد وأخت لك، أليس كذلك يا سلمى؟ # فأحنت سلمى رأسها إيجابا ثم نظرت إلي نظرة غريب ضائع وجد رفيقا يعرفه. # إن تلك الكلمات التي قالها لي فارس كرامة هي النغمة الأولى التي أوقفتني بجانب ابنته أمام ~~عرش المحبة، هي استهلال الأغنية السماوية التي انتهت بالندب والرثاء، هي القوة التي شجعت ~~روحينا فاقتربنا من النور والنار، هي الإناء الذي شربنا فيه الكوثر والعلقم. # وخرجت فشيعني الشيخ إلى أطراف الحديقة، فودعتهما وقلبي يخفق في داخلي مثلما ترتعش شفتا ~~العطشان بملامسة حافة الكأس. # | الشعلة البيضاء # وانقضى نيسان وأنا أزور منزل فارس كرامة وألتقي سلمى وأجلس قبالتها في تلك الحديقة ~~متأملا محاسنها، معجبا بمواهبها، مصغيا لسكينة كآبتها، شاعرا بوجود أيد خفية تجتذبني ~~إليها. فكل زيارة كانت تبين لي معنى جديدا من معاني جمالها وسرا علويا من أسرار روحها ~~حتى أصبحت أمام عيني كتابا أقرأ سطوره وأستظهر آياته وأترنم بنغمته، ولا أستطيع الوصول ~~إلى نهايته. # إن المرأة التي تمنحها الآلهة جمال النفس مشفوعا بجمال الجسد هي حقيقة ظاهرة غامضة ~~نفهمها بالمحبة ونلمسها بالطهر، ms10 وعندما نحاول وصفها بالكلام تختفي عن بصائرنا وراء ضباب ~~الحيرة والالتباس. # وسلمى كرامة كانت جميلة النفس والجسد، فكيف أصفها لمن لا يعرفها؟ هل يستطيع الجالس في ظل ~~أجنحة الموت أن يستحضر تغريدة البلبل وهمس الوردة وتنهدة الغدير؟ أيقدر الأسير المثقل ~~بالقيود أن يلاحق هبوط نسمات الفجر؟ ولكن أليس السكوت أصعب من الكلام؟ وهل يمنعني التهيب عن ~~إظهار خيال من أخيلة سلمى بالألفاظ الواهية إذا كنت لا أستطيع أن أرسم حقيقتها بخطوط من ~~الذهب؟ إن الجائع السائر في الصحراء لا يأبى أكل الخبز اليابس إذا كانت السماء لا تمطره ~~المن والسلوى. # كانت سلمى نحيلة الجسم، تظهر بملابسها البيضاء الحريرية كأشعة قمر دخلت من النافذة، وكانت ~~حركاتها بطيئة متوازنة أشبه شيء بمقاطيع الألحان الأصفهانية، وصوتها منخفضا حلوا تقطعه ~~التنهدات، فينسكب من بين شفتيها القرمزيتين مثلما تتساقط قطرات الندى عن تيجان الزهور بمرور ~~تموجات الهواء ... ووجهها - ومن يا ترى يستطيع أن يصف وجه سلمى كرامة؟ بأية ألفاظ نقدر أن ~~نصور وجها حزينا هادئا محجوبا وليس محجوبا بنقاب من الاصفرار الشفاف؟ بأية لغة نقدر أن ~~نتكلم عن ملامح تعلن في كل دقيقة سرا من أسرار النفس، وتذكر الناظرين إليها بعالم روحي ~~بعيد عن هذا العالم؟! # إن الجمال في وجه سلمى لم يكن منطبقا على المقاييس التي وضعها البشر للجمال، بل كان ~~غريبا كالحلم أو كالرؤيا أو كفكر علوي لا يقاس ولا يحد ولا ينسخ بريشة المصور، ولا ~~يتجسم برخام الحفار. جمال سلمى لم يكن في شعرها الذهبي، بل في هالة الطهر المحيطة به، ~~ولم يكن في عينيها الكبيرتين، بل في النور المنبعث منهما، ولا في شفتيها الورديتين، بل في ~~الحلاوة السائلة عليهما، ولا في عنقها العاجي، بل في كيفية انحنائه قليلا إلى الأمام، جمال ~~سلمى لم يكن في كمال جسدها، بل في نبالة روحها الشبيهة بشعلة بيضاء متقدة سابحة بين الأرض ~~واللانهاية. جمال سلمى كان نوعا من ذلك النبوغ الشعري الذي نشاهد أشباحه في القصائد ~~السامية والرسوم والأنغام الخالدة. وأصحاب النبوغ تعساء، مهما تسامت ms11 أرواحهم تظل مكتنفة ~~بغلاف من الدموع. # وكانت سلمى كثيرة التفكير قليلة الكلام، ولكن سكوتها كان موسيقيا ينتقل بجليسها إلى ~~مسارح الأحلام البعيدة، ويجعله يصغي لنبضات قلبه، ويرى أخيلة أفكاره وعواطفه منتصبة أمام ~~عينيه. # أما الصفة التي كانت تعانق مزايا سلمى وتساور أخلاقها فهي الكآبة العميقة الجارحة، ~~فالكآبة كانت وشاحا معنويا ترتديه فتزيد محاسن جسدها هيبة وغرابة، وتظهر أشعة نفسها من ~~خلال خيوطه كخطوط شجرة مزهرة من وراء ضباب الصباح. وقد أوجدت الكآبة بين روحي وروح سلمى صلة ~~المشابهة، فكان كلانا يرى في وجه الثاني ما يشعر به قلبه، ويسمع بصوته صدى مخبآت صدره، ~~فكأن الآلهة قد جعلت كل واحد منا نصفا للآخر يلتصق به بالطهر فيصير إنسانا كاملا، وينفصل ~~عنه فيشعر بنقص موجع في روحه. # إن النفس الحزينة المتألمة تجد راحة بانضمامها إلى نفس أخرى تماثلها بالشعور وتشاركها ~~بالإحساس، مثلما يستأنس الغريب بالغريب في أرض بعيدة عن وطنهما، فالقلوب التي تدنيها أوجاع ~~الكآبة بعضها من بعض لا تفرقها بهجة الأفراح وبهرجتها. فرابطة الحزن أقوى في النفوس من ~~روابط الغبطة والسرور. والحب الذي تغسله العيون بدموعها يظل طاهرا وجميلا وخالدا. # | العاصفة # وبعد أيام دعاني فارس كرامة إلى تناول العشاء في منزله، فذهبت ونفسي جائعة إلى ذلك الخبز ~~العلوي الذي وضعته السماء بين يدي سلمى، ذلك الخبز الروحي الذي نلتهمه بأفواه أفئدتنا ~~فنزداد جوعا، ذلك الخبز السحري الذي ذاق طعمه قيس العربي ودانتي الطلياني وسافو ~~اليونانية، فالتهبت أحشاؤهم وذابت قلوبهم، ذلك الخبز الذي عجنته الآلهة بحلاوة القبل ~~ومرارة الدموع، وأعدته مأكلا للنفوس الحساسة المستيقظة لتفرحها بطعمه وتعذبها ~~بتأثيره. # ولما بلغت المنزل وجدت سلمى جالسة على مقعد خشبي في زاوية من الحديقة، وقد أسندت رأسها ~~إلى عمد شجرة فبانت بثوبها الأبيض كواحدة من عرائس الخيال تخفر ذلك المكان، فدنوت منها ~~صامتا وجلست بقربها جلوس مجوسي متهيب أمام النار المقدسة، ولما حاولت الكلام وجدت لساني ~~منعقدا وشفتي جامدتين، فاستأنست بالسكوت؛ لأن الشعور العميق غير المتناهي يفقد شيئا من ~~خاصته المعنوية عندما يتجسم بالألفاظ المحدودة، ms12 ولكنني شعرت بأن سلمى كانت تسمع في ~~السكينة مناجاة قلبي المتواصلة، وتشاهد في عيني أشباح نفسي المرتعشة. # وبعد هنيهة خرج فارس كرامة إلى الحديقة، ومشى نحونا مرحبا بي كعادته، باسطا يده إلي ~~كأنه يريد أن يبارك بها ذلك السر الخفي الذي يربط روحي بروح ابنته، ثم قال مبتسما: هلما ~~يا ولدي إلى العشاء فالطعام ينتظرنا. فقمنا وتبعناه وسلمى تنظر إلي من وراء أجفان ~~مكحولة بالرقة والانعطاف، كأن لفظة «يا ولدي» قد أيقظت في داخلها شعورا جديدا عذبا ~~يكتنف محبتها لي مثلما تحتضن الأم طفلها. # جلسنا إلى المائدة نأكل ونشرب ونتحدث، جلسنا في تلك الغرفة نتلذذ بألوان الطعام الشهية ~~وأنواع الخمور المعتقة، وأرواحنا تسبح على غير معرفة منا في عالم بعيد عن هذا العالم، ~~وتحلم بمآتي المستقبل، وتتأهب للوقوف أمام مخاوفه وأهواله. ثلاثة أشخاص تختلف أفكارهم ~~باختلاف مقاصدهم من الحياة، وتتفق سرائرهم باتفاق قلوبهم بالمودة والمحبة، ثلاثة من الضعفاء ~~الأبرياء يشعرون كثيرا ويعرفون قليلا، وهذه هي المأساة المستتبة على مسرح النفس. شيخ ~~جليل شريف يحب ابنته ولا يحفل بغير سعادتها، وصبية في العشرين من عمرها ترى المستقبل ~~قريبا بعيدا، وتحدق إليه لترى ما يخبئ لها من الغبطة والشقاء، وفتى كثير الأحلام ~~والهواجس لم يذق بعد خمر الحياة ولا خلها، يحرك جناحيه ليطير سابحا في فضاء المحبة ~~والمعرفة، ولكنه لا يستطيع النهوض لضعفه. ثلاثة جالسون حول مائدة أنيقة في منزل منفرد عن ~~المدينة، تخيم عليه سكينة الدجى وتحدق إليه عيون السماء، ثلاثة يأكلون ويشربون وفي أعماق ~~صحونهم وكؤوسهم قد أخفى القدر المرارة والأشواك. # ولم ننته من العشاء حتى دخلت علينا إحدى الخادمات وخاطبت فارس كرامة قائلة: في الباب رجل ~~يطلب مقابلتك يا سيدي. # فسألها: من هو هذا الرجل؟ فأجابت: أظنه خادم المطران يا سيدي. فسكت دقيقة وحدق إلى عيني ~~ابنته نظير نبي ينظر إلى وجه السماء ليرى ما تخبئه من الأسرار، ثم التفت نحو الخادمة وقال: ~~دعيه يدخل. # فعادت الخادمة، وبعد هنيهة ظهر رجل بأثواب مزركشة وشارب معقوف الطرفين، فسلم منحنيا ~~وخاطب ms13 فارس كرامة قائلا : قد بعثني سيادة المطران بمركبته الخصوصية لأطلب إليك أن تتكرم ~~بالذهاب إليه، فهو يريد أن يباحثك بأمور ذات أهمية. # فانتصب الشيخ، وقد تغيرت ملامحه وانحجبت بشاشة وجهه وراء نقاب من التأمل والتفكير، ثم ~~اقترب مني وقال بصوت تساوره الرقة والحلاوة: أرجو أن أعود وألقاك ههنا؛ فسلمى ستجد بك ~~مؤنسا يبعد بأحاديثه وحشة الليل، ويزيل بأنغام نفسه تأثير الوحدة والانفراد. ثم التفت نحو ~~ابنته وزاد مبتسما: أليس كذلك يا سلمى؟ # فحنت الصبية رأسها وقد توردت وجنتاها قليلا، وبصوت يضارع نغمة الناي رقة قالت: سوف ~~أجهد النفس لكي أجعل ضيفنا مسرورا يا والدي. # وخرج الشيخ مصحوبا بخادم المطران، وظلت سلمى واقفة تنظر من النافذة نحو الطريق حتى اختفت ~~المركبة عن بصرها وراء ستائر الظلام، واضمحل ارتجاج الدواليب بتباعد المسافة، وتشرب السكون ~~حرتقة سنابك الخيل، ثم جلست قبالتي على مقعد موشى بنسيج من الحرير الأخضر، فبانت ~~بأثوابها الناصعة كزنبقة لوت قامتها نسمات الصباح على بساط من الأعشاب. # كذا شاءت السماء، فخلوت بسلمى ليلا في منزل منفرد تخفره الأشجار، وتغمره السكينة، وتسير ~~في جوانبه أخيلة الحب والطهر والجمال. # ومرت دقائق، وكلانا صامت حائر مفكر يترقب الآخر ليبدأ بالكلام. ولكن هل هو الكلام الذي ~~يحدث التفاهم بين الأرواح المتحابة؟ هل هي الأصوات والمقاطع الخارجة من الشفاه والألسنة ~~التي تقرب بين القلوب والعقول؟ أفلا يوجد شيء أسمى مما تلده الأفواه وأطهر مما تهتز به ~~أوتار الحناجر؟ أليست هي السكينة التي تحمل شعاع النفس إلى النفس، وتنقل همس القلب إلى ~~القلب؟ أليست هي السكينة التي تفصلنا عن ذواتنا فنسبح في فضاء الروح غير المحدود مقتربين من ~~الملأ الأعلى، شاعرين بأن أجسادنا لا تفوق السجون الضيقة، وهذا العالم لا يمتاز عن المنفى ~~البعيد؟ # ونظرت سلمى إلي وقد باحت أجفانها بسرائر نفسها ثم قالت بهدوء سحري: تعال نخرج إلى ~~الحديقة ونجلس بين الأشجار لنرى القمر طالعا من وراء الجبل. # فوقفت مطيعا وقلت ممانعا: أليس الأفضل أن نبقى ههنا يا سلمى حتى يطلع القمر وينير ~~الحديقة؟ أما ms14 الآن فالظلام يحجب الأشجار والأزهار، فلا نستطيع أن نرى شيئا. فأجابت: إذا ~~حجب الظلام الأشجار والرياحين عن العين، فالظلام لا يحجب الحب عن النفس. # قالت هذه الكلمات بلهجة غريبة، ثم حولت عينيها ونظرت نحو النافذة، فبقيت أنا صامتا ~~مفكرا بكلماتها مصورا لكل مقطع معنى، راسما لكل معنى حقيقة، ثم عادت فحدقت إلي كأنها ~~ندمت على ما قالت، فحاولت استرجاع كلماتها من أذني بسحر أجفانها، ولكن سحر تلك الأجفان لم ~~يسترجع تلك الألفاظ إلا ليعيدها إلى أعماق صدري أكثر وضوحا وأشد تأثيرا، وليبقيها هناك ~~ملتصقة بقلبي متموجة مع عواطفي إلى آخر الحياة. # كل شيء عظيم وجميل في هذا العالم يتولد من فكر واحد أو من حاسة واحدة في داخل الإنسان. ~~كل ما نراه اليوم من أعمال الأجيال الغابرة كان قبل ظهوره فكرا خفيا في عاقلة رجل أو ~~عاطفة لطيفة في صدر امرأة ... الثورات الهائلة التي أجرت الدماء كالسواقي وجعلت الحرية تعبد ~~كالآلهة كانت فكرا خياليا مرتعشا بين تلافيف دماغ رجل فرد عائش بين ألوف من الرجال. ~~والحروب الموجعة التي ثلت العروش وخربت الممالك كانت خاطرا يتمايل في رأس رجل واحد. ~~والتعاليم السامية التي غيرت مسير الحياة البشرية كانت ميلا شعريا في نفس رجل واحد منفصل ~~بنبوغه عن محيطه؛ فكر واحد أقام الأهرام، وعاطفة واحدة خربت تروادة، وخاطر واحد أوجد مجد ~~الإسلام، وكلمة واحدة أحرقت مكتبة الإسكندرية. # فكر واحد يجيئك في سكينة الليل يسير بك إلى المجد أو إلى الجنون. نظرة واحدة من أطراف ~~أجفان امرأة تجعلك أسعد الناس أو أتعسهم، كلمة واحدة تخرج من بين شفتي رجل تصيرك غنيا ~~بعد الفقر أو فقيرا بعد الغنى ... كلمة واحدة لفظتها سلمى كرامة في تلك الليلة الهادئة ~~أوقفتني بين ماضي ومستقبلي وقوف سفينة بين لجة البحار وطبقات الفضاء. كلمة واحدة معنوية ~~قد أيقظتني من سبات الحداثة والخلو، وسارت بأيامي على طريق جديدة إلى مسارح الحب حيث ~~الحياة والموت. # خرجنا إلى الحديقة وسرنا بين الأشجار شاعرين بأصابع النسيم الخفية تلامس وجهينا وقامات ~~الأزهار والأعشاب اللدنة ms15 تتمايل بين أقدامنا ، حتى إذا ما بلغنا شجرة الياسمين جلسنا صامتين ~~على ذلك المقعد الخشبي نسمع تنفس الطبيعة النائمة، ونكشف بحلاوة التنهد خفايا صدرينا أمام ~~عيون السماء الناظرة إلينا من وراء ازرقاق السماء. # وطلع القمر إذا ذاك من وراء صنين، وغمر بنوره تلك الروابي والشواطئ، فظهرت القرى على ~~أكتاف الأودية كأنها قد انبثقت من اللاشيء، وبان لبنان جميعه من تحت تلك الأشعة الفضية، ~~كأنه فتى متكئ على ساعده تحت نقاب لطيف يخفي أعضاءه ولا يخفيها. # لبنان عند شعراء الغرب مكان خيالي، قد اضمحلت حقيقته بذهاب داود وسليمان والأنبياء، ~~مثلما انحجبت جنة عدن بسقوط آدم وحواء، هو لفظة شعرية لا اسم جبل - لفظة ترمز عن عاطفة في ~~النفس وتستحضر إلى الفكر رسوم غابات من الأرز يفوح منها العطر والبخور، وأبراج من النحاس ~~والرخام تتعالى بالمجد والعظمة، وأسراب من الغزلان تتهادى بين الطلول والأودية. وأنا قد ~~رأيت لبنان في تلك الليلة مثل فكر شعري خيالي منتصب كالحلم بين اليقظة واليقظة. كذا تتغير ~~الأشياء أمام أعيننا بتغير عواطفنا، وهكذا نتوهم الأشياء متشحة بالسحر والجمال عندما ~~لا يكون السحر والجمال إلا في نفوسنا. # والتفتت إلي سلمى وقد غمر نور القمر وجهها وعنقها ومعصميها، فبانت كتمثال من العاج نحتته ~~أصابع متعبد لعشتروت ربة الحسن والمحبة: لماذا لا تتكلم؟ لماذا لا تحدثني عن ماضي حياتك؟ # فنظرت إلى عينيها المنيرتين، ومثل أخرس فاجأ النطق شفتيه؛ أجبتها قائلا: ألم تسمعيني ~~متكلما مذ جئت إلى هذا المكان؟ أو لم تسمعي كل ما قلته مذ خرجنا إلى هذه الحديقة؟ إن نفسك ~~التي تسمع همس الأزهار وأغاني السكينة تستطيع أن تسمع صراخ روحي وضجيج قلبي. # فحجبت وجهها بيديها ثم قالت بصوت متقطع: قد سمعتك ... نعم سمعتك. سمعت صوتا صارخا خارجا ~~من أحشاء الليل وضجة هائلة منبثقة من قلب النهار. # فقلت بسرعة وقد نسيت ماضي حياتي ونسيت كياني ونسيت كل شيء، ولم أعد أعرف سوى سلمى ولا ~~أشعر بغير وجودها، وأنا قد سمعتك يا سلمى؛ سمعت نغمة عظيمة محيية جارحة تتموج لها ms16 دقائق ~~الفضاء، وتهتز بارتعاشها أسس الأرض. # فأغمضت سلمى أجفانها وظهر على شفتيها القرمزيتين خيال ابتسامة محزنة، ثم همست قائلة: قد ~~عرفت الآن بأنه يوجد شيء أعلى من السماء، وأعمق من البحر، وأقوى من الحياة والموت والزمن. ~~وقد عرفت الآن ما لم أكن أعرفه بالأمس ولا أحلم به. # منذ تلك الدقيقة صارت سلمى كرامة أعز من الصديق وأقرب من الأخت وأحب من الحبيبة، صارت ~~فكرا ساميا يتبع عاقلتي، وعاطفة رقيقة تكتنف قلبي، وحلما جميلا يجاور نفسي. # ما أجهل الناس الذين يتوهمون أن المحبة تتولد بالمعاشرة الطويلة والمرافقة المستمرة. إن ~~المحبة الحقيقية هي ابنة التفاهم الروحي، وإن لم يتم هذا التفاهم بلحظة واحدة لا يتم بعام ~~ولا بجيل كامل. # ورفعت سلمى رأسها ونظرت نحو الأفق البعيد حيث تلتقي خطوط صنين بأذيال الفضاء، ثم قالت: ~~لقد كنت لي بالأمس مثل أخ أقترب منه مطمئنة وأجلس بجانبه في ظلال والدي، أما الآن فقد شعرت ~~بوجود أقوى وأعذب من العلاقة الأخوية، قد شعرت بعاطفة غريبة مجردة عن كل علاقة؛ عاطفة قوية ~~مخيفة لذيذة تملأ قلبي حزنا وفرحا. # فأجبتها: أليست هذه العاطفة التي نخافها ونرتجف لمرورها في صدورنا جزءا من الناموس الكلي ~~الذي يسير القمر حول الأرض، والأرض حول الشمس، والشمس وما يحيط بها حول الله؟ # فوضعت يدها على رأسي وغرست أصابعها بشعري، وقد تهلل وجهها وترقرقت الدموع في عينيها، ~~مثلما تلمع قطرات الندى على أطراف أوراق النرجس، ثم قالت: من من البشر يصدق حكايتنا؟ من ~~منهم يصدق أننا في الساعة التي تجيء بين غروب الشمس وطلوع القمر قد قطعنا العقبات واجتزنا ~~المعابر الكائنة بين الشك واليقين؟ من منهم يعتقد أن نيسان الذي جمعنا لأول مرة هو الشهر ~~الذي أوقفنا في قدس أقداس الحياة؟ # قالت هذه الكلمات ويدها ما برحت على رأسي المنحني، ولو تخيرت في تلك الدقيقة لما فضلت ~~تيجان الملوك وأكاليل الغار على تلك اليد الحريرية المتلاعبة بشعري. ثم أجبتها قائلا: إن ~~البشر لا يصدقون حكايتنا لأنهم لا يعلمون بأن المحبة هي الزهرة الوحيدة ms17 التي تنبت وتنمو ~~بغير معاونة الفصول، ولكن هل هو نيسان الذي جمعنا لأول مرة؟ وهل هي هذه الساعة التي أوقفتنا ~~في قدس أقداس الحياة؟ أما جمعت روحينا قبضة الله قبل أن تصيرنا الولادة أسيري الأيام ~~والليالي؟ إن حياة الإنسان يا سلمى لا تبتدئ في الرحم، كما أنها لا تنتهي أمام القبر، وهذا ~~الفضاء الواسع المملوء بأشعة القمر والكواكب لا يخلو من الأرواح المتعانقة بالمحبة والنفوس ~~المتضامنة بالتفاهم. # ورفعت سلمى يدها بلطف عن رأسي تاركة بين مغارس الشعر تموجات كهربائية يتلاعب بها نسيم ~~الليل، فيزيدها نموا وحراكا، فأخذت تلك اليد براحتي، نظير متعبد يتبرك بلثم المذبح، ~~ووضعتها على شفتي الملتهبتين وقبلتها قبلة طويلة عميقة خرساء، تذيب بحرارتها كل ما في ~~القلب البشري من الإحساس، وتنبه بعذوبتها كل ما في النفس الإلهية من الطهر. # ومرت علينا ساعة كل دقيقة منها عام شغف ومحبة، تساورنا سكينة الليل، وتغمرنا أشعة القمر، ~~وتحيط بنا الأشجار والرياحين، حتى إذا ما بلغنا تلك الحالة التي ينسى فيها الإنسان كل شيء ~~سوى حقيقة الحب سمعنا وقع حوافر وهدير مركبة تقترب منا مسرعة، فانتبهنا من تلك الغيبوبة ~~اللذيذة، وهبطت بنا اليقظة من عالم الأحلام إلى هذا العالم الواقف بمسيرة بين الحيرة ~~والشقاء، فعرفنا بأن الوالد الشيخ قد عاد من دار المطران، فسرنا بين الأشجار ننتظر وصوله. ~~وبلغت المركبة مدخل الحديقة، فترجل فارس كرامة وسار نحونا منحني الرأس بطيء الحركة، ونظير ~~متعب رازح تحت حمل ثقيل تقدم نحو سلمى، ووضع كلتا يديه على كتفيها، وحدق إلى وجهها طويلا ~~كأنه يخاف أن تغيب صورتها عن عينيه الضئيلتين، ثم انسكبت دموعه على وجنتيه المتجعدتين ~~وارتجفت شفتاه بابتسامة محزنة، وقال بصوت مخنوق: عما قريب يا سلمى، عما قريب تخرجين من بين ~~ذراعي والدك إلى ذراعي رجل آخر، عما قريب تسير بك سنة الله من هذا المنزل المنفرد إلى ساحة ~~العالم الواسعة، فتصبح هذه الحديقة مشتاقة إلى وطء قدميك ويصير والدك غريبا عنك. لقد لفظ ~~القدر كلمته يا سلمى فلتباركك السماء وتحرسك! # سمعت سلمى ms18 هذه الكلمات فتغيرت ملامحها وجمدت عيناها، كأنها رأت شبح الموت منتصبا ~~أمامها، ثم شهقت وتململت متوجعة كعصفور رماه الصياد فهبط على الحضيض مرتجفا بآلامه، ~~وبصوت تقطعه الغصات العميقة صرخت قائلة: ماذا تقول؟ ماذا تعني؟ إلى أين تريد أن تبعث بي؟ # ثم شخصت به كأنها تريد أن تزيل بنظراتها الغلاف عن مخبآت صدره، وبعد دقيقة مثقلة بعوامل ~~ذلك السكون الشبيه بصراخ القبور قالت متأوهة: قد فهمت الآن ... قد عرفت كل شيء ... إن المطران ~~قد فرغ من حبك قضبان القفص الذي أعده لهذا الطائر المكسور الجناحين، فهل هذه هي إرادتك ~~يا والدي؟ # فلم يجبها بغير التنهدات العميقة، ثم أدخلها الدار وأشعة الحنو تنسكب من ملامحه ~~المضطربة، فبقيت أنا واقفا بين الأشجار والحيرة تتلاعب بعواطفي مثلما تتلاعب العواصف ~~بأوراق الخريف، ثم تبعتهما إلى القاعة. وكيلا أظهر بمظهر طفيلي يميل إلى استطلاع الخصوصيات ~~أخذت يد الشيخ مودعا، ونظرت إلى سلمى نظرة غريق تلفت نحو نجم لامع في قبة الفلك، ثم خرجت ~~دون أن يشعروا بخروجي، ولكنني ما بلغت أطراف الحديقة حتى سمعت صوت الشيخ مناديا، فالتفت ~~وإذا به يتبعني، فعدت إلى لقائه، ولما دنوت منه أمسك بيدي وقال بصوت مرتعش: سامحني يا ابني ~~فقد جعلت ختام ليلتك مكتنفا بالدموع، ولكنك سوف تجيء إلي دائما، أليس كذلك؟ ألا تزورني ~~عندما يصير هذا المكان خاليا إلا من الشيخوخة المحزنة؟ إن الشباب الغض لا يستأنس ~~بالشيخوخة الذابلة، كما أن الصباح لا يلتقي بالمساء، أما أنت فسوف تجيء إلي لتذكرني ~~بأيام الصبا التي صرفتها بقرب أبيك، وتعيد على مسمعي أخبار الحياة التي لم تعد تحسبني من ~~أبنائها، أليس كذلك؟ ألا تزورني عندما تذهب سلمى وأصبح وحيدا منفردا في هذا المنزل البعيد ~~عن المنازل؟ # لفظ الكلمات الأخيرة بصوت منخفض متقطع، ولما أخذت يده وهززتها صامتا أحسست بقطرات من ~~الدموع السخينة قد تساقطت على يدي من جفانه، فارتعشت نفسي في داخلي، وشعرت نحوه بعاطفة ~~بنوية عذبة محزنة تتمايل بين ضلوعي، وتتصاعد كاللهاث إلى شفتي، ثم تعود كالغصات إلى ~~أعماق قلبي. ms19 ولما رفعت رأسي ورأى أن دموعه قد استدرت الدموع من أجفاني انحنى قليلا ولمس ~~بشفتيه المرتجفتين أعلى جبهتي، ثم قال محولا وجهه نحو باب المنزل: مساء الخير ... مساء الخير ~~يا ابني. # إن دمعة واحدة تتلمع على وجنة شيخ متجعدة لهي أشد تأثيرا في النفس من كل ما تهرقه أجفان ~~الفتيان. # إن دموع الشباب الغزيرة هي مما يفيض من جوانب القلوب المترعة، أما دموع الشيوخ، فهي من ~~فضلات العمر تنسكب من الأحداق، هي بقية الحياة في الأجساد الواهنة. الدموع في أجفان الشبيبة ~~كقطرات الندى على أوراق الوردة، أما الدموع على وجنة الشيخوخة فأشبه بأوراق الخريف المصفرة ~~التي تنثرها الرياح وتذريها عندما يقترب شتاء الحياة. # واختفى فارس كرامة وراء مصراعي الباب، وخرجت أنا من تلك الحديقة وصوت سلمى يتموج في ~~أذني، وجمالها يسير كالخيال أمام عيني، ودموع والدها تجف ببطء على يدي. خرجت من ذلك ~~المكان خروج آدم من الفردوس، ولكن حواء هذا القلب لم تكن بجانبي لتجعل العالم كله فردوسا. ~~خرجت شاعرا بأن تلك الليلة التي ولدت فيها ثانية هي الليلة التي لمحت فيها وجه الموت لأول ~~مرة. # كذا تحيي الشمس الحقول بحرارتها، وبحرارتها تميتها. # | بحيرة النار # كل ما يفعله الإنسان سرا في ظلمة الليل يظهره الإنسان علنا في نور النهار. الكلمات ~~التي تهمسها شفاهنا في السكينة تصير على غير معرفة منا حديثا عموميا، والأعمال التي ~~نحاول اليوم إخفاءها في زاويا المنازل تتجسم غدا، وتنتصب في منعطفات الشوارع. # كذا أعلنت أشباح الدجى مقاصد المطران بولس غالب من اجتماعه بفارس كرامة، وهكذا حملت دقائق ~~الأثير أقواله وأحاديثه إلى أحياء المدينة حتى بلغت مسمعي. # ما طلب المطران بولس غالب مقابلة فارس كرامة في تلك الليلة المقمرة ليفاوضه بشؤون الفقراء ~~والمعوزين، أو يخابره بأمور الأرامل والأيتام، بل أحضره بمركبته الخصوصية الفخمة ليطلب منه ~~ابنته سلمى عروسا لابن أخيه منصور بك غالب. # كان فارس كرامة رجلا غنيا، ولم يكن له وارث سوى ابنته سلمى، وقد اختارها المطران زوجة ~~لابن أخيه، لا لجمال وجهها ونبالة روحها، ms20 بل لأنها غنية موسرة، تكفل بأموالها الطائلة ~~مستقبل منصور بك، وتساعده بأملاكها الواسعة على إيجاد مقام رفيع بين الخاصة والأشراف. # إن رؤساء الدين في الشرق لا يكتفون بما يحصلون عليه أنفسهم من المجد والسؤدد، بل يفعلون ~~كل ما في وسعهم ليجعلوا أنسباءهم في مقدمة الشعب ومن المستبدين به والمستدرين قواه ~~وأمواله. إن مجد الأمير ينتقل بالإرث إلى ابنه البكر بعد موته، أما مجد الرئيس الديني ~~فينتقل بالعدوى إلى الإخوة وأبناء الإخوة في حياته. وهكذا يصبح الأسقف المسيحي والإمام ~~المسلم والكاهن البرهمي، كأفاعي البحر التي تقبض على الفريسة بمقابض كثيرة وتمتص دماءها ~~بأفواه عديدة. # عندما طلب المطران بولس يد سلمى من والدها لم يجبه ذلك الشيخ بغير السكوت العميق والدموع ~~السخينة، وأي والد لا يشق عليه فراق ابنته حتى ولو كانت ذاهبة إلى بيت جاره أو إلى قصر ملك؟ ~~أي رجل لا ترتعش أعماق نفسه بالغصات عندما يفصله ناموس الطبيعة عن الابنة التي لاعبها طفلة ~~وهذبها صبية ورافقها امرأة؟ إن كآبة الوالدين لزواج الابنة تضارع فرحهما بزواج الابن، لأن ~~هذا يكسب العائلة عضوا جديدا، أما ذاك فيسلبها عضوا قديما عزيزا. أجاب الشيخ طلب ~~المطران مضطرا، وانحنى أمام مشيئته قهرا عما في نفسه من الممانعة، وكان قد اجتمع بابن ~~أخيه منصور بك وسمع الناس يتحدثون عنه، فعرف خشونته وطمعه وانحطاط أخلاقه، ولكن أي مسيحي ~~يقدر أن يقاوم أسقفا في سوريا ويبقى محسوبا بين المؤمنين؟ أي رجل يخرج عن طاعة رئيس دينه ~~في الشرق ويظل كريما بين الناس؟ أتعاند العين سهما ولا تفقأ؟ أو تناضل اليد سيفا ولا ~~تقطع؟ وهب أن ذلك الشيخ كان قادرا على مخالفة المطران بولس والوقوف أمام مطامعه، فهل تكون ~~سمعة ابنته في مأمن من الظنون والتآويل؟ وهل يظل اسمها نقيا من أوساخ الشفاه والألسنة؟ ~~أو ليست جميع العناقيد العالية حامضة في شرع بنات آوى؟ # هكذا قبض القدر على سلمى كرامة، وقادها عبدة ذليلة في موكب النساء الشرقيات التاعسات، ~~وهكذا سقطت تلك الروح النبيلة بالحبائل، بينما كانت تسبح لأول ms21 مرة على أجنحة الحب البيضاء ~~في فضاء تملأه أشعة القمر وتعطره رائحة الأزاهر. # إن أموال الآباء تكون في أكثر المواطن مجلبة لشقاء البنين؛ تلك الخزائن الواسعة التي ~~يملأها نشاط الوالد وحرص الأم تنقلب حبوسا ضيقة مظلمة لنفوس الورثة. ذلك الإله العظيم الذي ~~يعبده الناس بشكل الدينار ينقلب شيطانا مخيفا يعذب النفوس ويميت القلوب. وسلمى كرامة هي ~~كالكثيرات من بنات جنسها اللواتي يذهبن ضحية ثروة الوالد وأماني العريس. فلو لم يكن فارس ~~كرامة رجلا غنيا لكانت سلمى اليوم حية تفرح مثلنا بنور الشمس. # مر أسبوع وحب سلمى يجالسني في المساء منشدا على مسمعي أغاني السعادة، وينبهني عند ~~الفجر ليريني معاني الحياة وأسرار الكيان. حب علوي لا يعرف الحسد لأنه غني، ولا يوجع ~~الجسد لأنه في داخل الروح. ميل قوي يغمر النفس بالقناعة، مجاعة عميقة تملأ القلب بالاكتفاء، ~~عاطفة تولد الشوق ولكنها لا تثيره، فتون جعلني أرى الأرض نعيما والعمر حلما جميلا. ~~فكنت أسير صباحا في الحقول وأرى في يقظة الطبيعة رمز الخلود، وأجلس على شاطئ البحر وأسمع ~~من أمواجه أغاني الأبدية، وأمشي في شوارع المدينة وأجد في طلعات العابرين وحركات المشتغلين ~~محاسن الحياة وبهجة العمران. # تلك الأيام مضت كالأشباح واضمحلت كالضباب، ولم يبق لي منها سوى الذكرى الأليمة؛ فالعين ~~التي كنت أرى بها جمال الربيع ويقظة الحقول لم تعد تحدق إلى غير غضب العواصف ويأس الشتاء. ~~والأذن التي كنت أسمع بها أغنية الأمواج لم تعد تصغي لغير أنة الأعماق وعويل الهاوية. ~~والنفس التي كانت تقف متهيبة أمام نشاط البشر ومجد العمران لم تعد تشعر بغير شقاء الفقراء ~~وتعاسة الساقطين. فما أحلى أيام الحب وما أعذب أحلامها! وما أمر ليالي الحزن وما أكثر ~~مخاوفها! # وفي نهاية الأسبوع، وقد سكرت نفسي بخمرة عواطفي، سرت مساء إلى منزل سلمى كرامة، ذلك ~~الهيكل الذي أقامه الجمال وقدسه الحب لتسجد فيه النفس مصلية ويركع القلب خاشعا. ولما ~~بلغته ودخلت إلى تلك الحديقة الهادئة أحسست بوجود قوة تستهويني وتستميلني وتبعدني عن هذا ~~العالم وتدنيني ببطء إلى عالم ms22 سحري خال من العراك والجهاد، ومثل متصوف جذبته السماء إلى ~~مسارح الرؤيا؛ وجدتني سائرا بين تلك الأشجار المحتبكة والزهور المتعانقة، حتى إذا ما ~~اقتربت من باب الدار التفت، وإذا بسلمى جالسة على ذلك المقعد بظلال شجرة الياسمين، حيث ~~جلسنا منذ أسبوع في تلك الليلة التي اختارتها الآلهة من بين الليالي وجعلتها بدء سعادتي ~~وشقائي، فدنوت منها صامتا، فلم تتحرك ولم تتكلم؛ كأنها علمت بقدومي قبل قدومي، ولما ~~جلست بجانبها حدقت إلى عيني دقيقة، وتنهدت تنهدة طويلة عميقة، ثم عادت ونظرت إلى ~~الشفق البعيد حيث تعبث أوائل الليل بأواخر النهار. وبعد هنيهة مملوءة بتلك السكينة السحرية ~~التي تضم نفوسنا إلى مواكب الأرواح غير المنظورة، حولت سلمى وجهها نحوي، وأخذت يدي بيد ~~مرتعشة باردة، وبصوت يشابه تأوه جائع لا يقوى على الكلام قالت: انظر إلى وجهي يا صديقي، ~~انظر إلى وجهي جيدا وتأمله طويلا واقرأ فيه كل ما تريد أن تفهمه مني بالكلام ... انظر إلى ~~وجهي يا حبيبي ... انظر جيدا يا أخي. # فنظرت إلى وجهها، نظرت طويلا، فرأيت تلك الأجفان التي كانت منذ أيام قليلة تبتسم ~~كالشفاه وتتحرك كأجنحة الشحرور قد غارت وجمدت واكتحلت بخيالات التوجع والألم، رأيت تلك ~~البشرة التي كانت بالأمس ثنايا الزنبقة البيضاء الفرحة بقبلات الشمس، قد اصفرت وذبلت ~~وتبرقعت بنقاب القنوط، رأيت الشفتين اللتين كانتا كزهرة أقاح تسيل عليهما الحلاوة قد يبستا ~~وصارتا كوردتين مرتجفتين أبقاهما الخريف على طرف الغصن، رأيت العنق الذي كان مرفوعا كعمود ~~العاج قد انحنى إلى الأمام كأنه لم يعد قادرا على حمل ما يجول في تلافيف الرأس. # رأيت هذه الانقلابات الموجعة في ملامح سلمى، رأيتها جميعها، ولكنها لم تكن في نظري إلا ~~كسحابة رقيقة توشح القمر فتزيد منظره حسنا وهيبة. إن الملامح التي تبيح أسرار الذات ~~المعنوية تكسب الوجه جمالا وملاحة مهما كانت تلك الأسرار موجعة وأليمة، أما الوجوه التي لا ~~تتكلم بصمتها عن غوامض النفس وخفاياها فلا تكون جميلة مهما كانت متناسقة الخطوط متناسبة ~~الأعضاء. إن الكؤوس لا تستميل شفاهنا حتى يشف ms23 بلورها عن لون الخمر. فسلمى كرامة كانت في ~~عشية ذلك النهار كأس طافحة من خمرة علوية تمتزج بدقائقها مرارة العيش بحلاوة النفس. كانت ~~تمثل على غير معرفة منها حياة المرأة الشرقية التي لا تغادر منزل والدها المحبوب إلا لتضع ~~عنقها تحت نير زوجها الخشن ... ولا تترك ذراعي أمها الرؤوف إلا لتعيش في عبودية والدة زوجها ~~القاسية. # وبقيت محدقا إلى وجه سلمى، مصغيا لأنفاسها المتقطعة، صامتا مفكرا، شاعرا متألما ~~معها ولها، حتى أحسست أن الزمن قد وقف عن مسيره، والوجود قد انحجب واضمحل، ولم أعد أرى ~~سوى عينين كبيرتين محدقتين إلى أعماقي، ولا أشعر بغير يد باردة مرتعشة تضم يدي. ولم أفق من ~~هذه الغيبوبة حتى سمعت سلمى تقول بهدوء: تعال نتحدث الآن يا صديقي. تعال نحاول تصوير ~~المستقبل قبل أن يحمل علينا بمخاوفه وأهواله. لقد ذهب والدي إلى منزل الرجل الذي سيكون ~~رفيقا لي حتى القبر. قد ذهب الرجل الذي اختارته السماء سببا لوجودي ليلتقي الرجل الذي ~~انتقته الأرض سيدا على أيامي الآتية. ففي قلب هذه المدينة يجتمع الآن الشيخ الذي رافق ~~شبيبتي بالشاب الذي سيرافق ما بقي لي من السنين، وفي هذه الليلة يتفق الوالد والخطيب على ~~يوم القران الذي سيكون قريبا مهما جعلاه بعيدا، فما أغرب هذه الساعة وما أشد تأثيرها! ~~في مثل هذه الليلة من الأسبوع الغابر. وفي ظلال هذه الياسمينة قد عانق الحب روحي لأول مرة، ~~بينما كان القدر يخط أول كلمة من حكاية مستقبلي في دار المطران بولس غالب. وفي هذه الساعة ~~وقد جلس والدي وخطيبي ليضفرا إكليل زواجي، أراك جالسا بجانبي وأشعر بنفسك متموجة حولي، ~~كطائر ظامئ يحوم مرفرفا فوق ينبوع ماء يخفره ثعبان جائع مخيف، فما أعظم هذه الليلة وما ~~أعمق أسرارها! # فأجبتها وقد تخيلت القنوط شبحا مظلما قابضا على عنق حبنا ليميته في طفوليته: سيظل هذا ~~الطائر حائما مرفرفا فوق الينبوع حتى يضنيه العطش فيرديه، أو يقبض عليه الثعبان المخيف ~~فيمزقه ويلتهمه. # فقالت متأثرة وصوتها يرتجف كالأوتار الفضية: لا، لا يا صديقي، ms24 فليبق هذا الطائر حيا، ~~ليبق هذا البلبل مغردا حتى المساء، حتى ينتهي الربيع، حتى ينتهي العالم، حتى تنتهي ~~الدهور. لا تخرسه؛ لأن صوته يحييني، ولا توقف جناحيه؛ لأن حفيفهما يزيل الضباب عن قلبي. # فهمست متنهدا: الظمأ يقتله يا سلمى والخوف يميته. # فأجابت والكلام يتدفق بسرعة من بين شفتيها المرتعشتين: إن ظمأ الروح أعذب من ارتواء ~~المادة، وخوف النفس أحب من طمأنينة الجسد ... ولكن اسمع يا حبيبي، اسمعني جيدا، أنا واقفة ~~الآن في باب حياة جديدة لا أعرف عنها شيئا. أنا مثل عمياء تتلمس بيدها الجدران مخافة ~~السقوط. أنا جارية أنزلني مال والدي إلى ساحة النخاسين فابتاعني رجل من بين الرجال. أنا لا ~~أحب هذا الرجل لأنني أجهله، وأنت تعلم أن المحبة والجهالة لا تلتقيان، ولكنني سوف أتعلم ~~محبته، سوف أطيعه وأخدمه وأجعله سعيدا، سوف أهبه كل ما تقدر المرأة الضعيفة أن تهب الرجل ~~القوي. أما أنت فلم تزل في ربيع العمر، أمامك الحياة طريقا واسعة مفروشة بالأزهار ~~والرياحين، سوف تخرج إلى ساحة العالم حاملا قلبك مشعلا متقدا، سوف تفكر بحرية، وبحرية ~~تتكلم وتفعل، سوف تكتب اسمك على وجه الحياة لأنك رجل، سوف تعيش سيدا لأن فاقة والدك لا ~~تجعلك عبدا، وأمواله لا تنزل بك إلى سوق النخاسين حيث تباع البنات وتشرى، سوف تقترن ~~بالصبية التي تختارها لنفسك من بين الصبايا، فتسكنها صدرك قبل أن تسكنها منزلك، وتشاركها ~~بأفكارك قبل أن تساهمها الأيام والليالي. # وسكتت دقيقة كيما تسترجع أنفاسها، ثم زادت بصوت تتابعه الغصات: ولكن أههنا تفرقنا سبل ~~الحياة لتذهب بك إلى أمجاد الرجل وتسير بي إلى واجبات المرأة؟ أهكذا ينقضي الحلم الجميل ~~وتندثر الحقيقة العذبة؟ أهكذا تبتلع اللجة نغمة الشحرور وتنثر الرياح أوراق الوردة وتسحق ~~الأقدام كأس الخمر؟ أباطلا أوقفتنا تلك الليلة أمام وجه القمر وباطلا ضمنا الروح في ~~ظلال هذه الياسمينة؟ هل تسرعنا بالصعود نحو الكواكب فكلت أجنحتنا وهبطت بنا إلى الهاوية؟ ~~هل فاجأنا الحب نائما فاستيقظ غاضبا ليعاقبنا؟ أم هيجت أنفاسنا نسمات الليل فانقلبت ريحا ~~شديدة لتمزقنا وتجرفنا ms25 كالغبار إلى أعماق الوادي؟ لم نخالف وصية ولم نذق ثمرا، فكيف ~~نخرج من هذه الجنة؟! لم نتآمر ولم نتمرد، فلماذا نهبط إلى الجحيم؟! لا لا وألف لا ولا. إن ~~الدقائق التي جمعتنا هي أعظم من الأجيال، والشعاع الذي أنار نفسينا هو أقوى من الظلام، فإن ~~فرقتنا العاصفة على وجه هذا البحر الغضوب فالأمواج تجمعنا على ذلك الشاطئ الهادئ، وإن ~~قتلتنا هذه الحياة فذاك الموت يحيينا. # إن قلب المرأة لا يتغير من الزمن ولا يتحول مع الفصول، قلب المرأة ينازع طويلا، ولكنه لا ~~يموت. قلب المرأة يشابه البرية التي يتخذها الإنسان ساحة لحروبه ومذابحه، فهو يقتلع أشجارها ~~ويحرق أعشابها ويلطخ صخورها بالدماء ويغرس تربتها بالعظام والجماجم، ولكنها تبقى هادئة ~~ساكنة مطمئنة، ويظل فيه الربيع ربيعا والخريف خريفا إلى نهاية الدهور ... والآن قد قضي ~~الأمر، فماذا نفعل؟ قل لي ماذا نفعل وكيف نفترق ومتى نلتقي؟ هل نحسب الحب ضيفا غريبا أتى ~~به المساء وأبعده الصباح؟ أنحسب هذه العاطفة النفسية حلما أبانه الكرى ثم أخفته اليقظة؟ ~~أنحسب هذا الأسبوع ساعة سكر ما لبثت أن قضت بالصحو والانتباه؟ ... ارفع رأسك لأرى عينيك يا ~~حبيبي. افتح شفتيك لأسمع صوتك، تكلم، أخبرني، حدثني، هل تذكرني بعد أن تغرق العاصفة ~~سفينتي أيامنا؟ هل تسمع حفيف أجنحتي في سكينة الليل؟ هل تشعر بأنفاسي متموجة على وجهك ~~وعنقك؟ هل تصغي لتنهداتي متصاعدة بالتوجع منخفضة بالغصات؟ وهل ترى خيالي قادما مع ~~خيالات الظلام مضمحلا مع ضباب الصباح؟ قل لي يا حبيبي، قل لي ماذا تكون لي بعد أن كنت ~~نورا لعيني ونغمة لأذني وجناحا لروحي، ماذا تكون؟ # فأجبتها وحبات قلبي تذوب في عيني: سأكون لك يا سلمى مثلما تريدينني أن أكون. # فقالت: أريدك أن تحبني، أريدك أن تحبني إلى نهاية أيامي، أريدك أن تحبني مثلما يحب ~~الشاعر أفكاره المحزنة، أريدك أن تذكرني مثلما يذكر المسافر حوض ماء هادئ رأى فيه خيال وجهه ~~قبل أن يشرب من مائه، وأريدك أن تذكرني مثلما تذكر الأم جنينا مات في أحشائها قبل أن يرى ms26 ~~النور، وأريدك أن تفكر بي مثلما يفكر الملك الرؤوف بسجين مات قبل أن يبلغه عفوه، أريدك أن ~~تكون لي أخا وصديقا ورفيقا، أريدك أن تزور والدي في وحدته وتعزيه في انفراده؛ لأنني عما ~~قريب سأتركه وأصير غريبة عنه. # فأجبتها: سأفعل كل ذلك يا سلمى، سوف أجعل روحي غلافا لروحك، وقلبي بيتا لجمالك، وصدري ~~قبرا لأحزانك. سوف أحبك يا سلمى محبة الحقول للربيع. سوف أحيا بك حياة الأزاهر بحرارة ~~الشمس. سوف أترنم باسمك مثلما يترنم الوادي بصدى رنين الأجراس المتمايلة فوق كنائس القرى. ~~سوف أصغي لأحاديث نفسك مثلما تصغي الشواطئ لحكاية الأمواج ... سأذكرك يا سلمى مثلما يذكر ~~الغريب المستوحش وطنه المحبوب، والفقير الجائع مائدة الطعام الشهية، والملك المخلوع أيام ~~عزه ومجده، والأسير الكئيب ساعات الحرية والطمأنينة. سوف أفكر بك مثلما يفكر الزارع بأغمار ~~السنابل وغلة البيادر، والراعي الصالح بالمروج الخضراء والمناهل العذبة. # كنت أتكلم وسلمى تنظر إلى أعماق الليل وتتأوه بين الآونة والأخرى، ونبضات قلبها تتسارع ~~وتتماهل كأنها أمواج بحر بين صعود وهبوط. ثم قالت: غدا تصير الحقيقة خيالا واليقظة حلما، ~~فهل يكتفي المشتاق بعناق الخيال ويرتوي الظمآن من جداول الأحلام؟ # فأجبتها قائلا: غدا يسير بك القدر إلى أحضان العائلة المملوءة بالراحة والهدوء، ويسير ~~بي إلى ساحة العالم حيث الجهاد والقتال. أنت إلى منزل رجل يسعد بجمالك وطهر نفسك. وأنا ~~إلى مكامن أيام تعذبني بأحزانها وتخيفني بأشباحها. أنت إلى الحياة وأنا إلى النزع. أنت ~~إلى الأنس والألفة وأنا إلى الوحشة والانفراد. ولكنني سأرفع في وادي ظل الموت تمثالا للحب ~~وأعبده. سأتخذ الحب سميرا وأسمعه منشدا وأشربه خمرا وألبسه ثوبا. عند الفجر سينبهني ~~الحب من رقادي ويسير أمامي إلى البرية البعيدة. وعند الظهيرة سيقودني إلى ظل الأشجار، فأربض ~~مع العصافير المحتمية من حرارة الشمس. وفي المساء سيوقفني أمام المغرب ويسمعني نغمة وداع ~~الطبيعة للنور، ويريني أشباح السكينة سابحة في الفضاء. وفي الليل سيعانقني فأنام حالما ~~بالعوالم العلوية حيث تقطن أرواح العشاق والشعراء. وفي الربيع سأمشي والحب جنبا لجنب ~~مترنمين بين التلول والمنحدرات ms27 متبعين آثار أقدام الحياة المخططة بالبنفسج والأقحوان، ~~شاربين بقايا الأمطار بكؤوس النرجس والزنبق. وفي الصيف سأتكئ والحب ساندين رأسينا إلى أغمار ~~القش مفترشين الأعشاب ملتحفين السماء ساهرين مع القمر والنجوم. وفي الخريف سأذهب والحب إلى ~~الكروم، فنجلس بقرب المعاصر ناظرين إلى الأشجار وهي تخلع أثوابها المذهبة متأملين بأسراب ~~الطيور الراحلة إلى الساحل. وفي الشتاء سأجلس والحب بقرب الموقد تاليين حكايات الأجيال ~~مرددين أخبار الأمم والشعوب. وفي أيام الشبيبة سيكون لي الحب مهذبا، وفي الكهولة عضدا، ~~وفي الشيخوخة مؤنسا. سيظل الحب معي يا سلمى إلى نهاية العمر، إلى أن يجيء الموت، إلى أن ~~تجمعني بك قبضة الله. # كانت الألفاظ تتصاعد مسرعة من أعماق نفسي، كأنها شعلات من نار تنمو وتتطاير ثم تتبدد ~~وتضمحل في زوايا تلك الحديقة، وكانت سلمى مصغية والدموع تنهمر من عينيها، كأن أجفانها شفاه ~~تجيبني بالدموع على الكلام. # إن الذين لم يهبهم الحب أجنحة لا يستطيعون أن يطيروا إلى ما وراء الغيوم ليروا ذلك العالم ~~السحري الذي طافت فيه روحي وروح سلمى في تلك الساعة المحزنة بأفراحها المفرحة بأوجاعها. إن ~~الذين لم يتخذهم الحب أتباعا لا يسمعون الحب متكلما، فهذه الحكاية لم تكتب لهم، فهم ~~وإن فهموا معاني هذه الصفحات الضئيلة لا يمكنهم أن يروا ما يسيل بين سطورها من الأشباح ~~والأخيلة التي لا تلبس الحبر ثوبا ولا تتخذ الورق مسكنا. لكن أي بشري لم يرشف من خمرة ~~الحب في إحدى كاساته؟ أية نفس لم تقف متهيبة في ذلك الهيكل المنير المرصوف بحبات القلوب ~~المسقوف بالأسرار والأحلام والعواطف؟ أي زهرة لم يسكب الصباح قطرة من الندى بين أوراقها؟ ~~وأي ساقية تضل طريقها ولا تذهب إلى البحر؟ # ورفعت سلمى إذ ذاك رأسها نحو السماء المزينة بالكواكب، ومدت يديها إلى الأمام، وكبرت ~~عيناها، وارتجفت شفتاها، وظهر على وجهها المصفر كل ما في نفس المرأة المظلومة من الشكوى ~~والقنوط والألم، ثم صرخت قائلة: ماذا فعلت المرأة يا رب فاستحقت غضبك؟! ماذا أتت من الذنوب ~~ليتبعها سخطك إلى آخر الدهور؟! هل اقترفت ms28 جرما لا نهاية لفظاعته ليكون عقابك لها بغير ~~نهاية؟! أنت قوي يا رب وهي ضعيفة، فلماذا تبيدها بالأوجاع؟! أنت عظيم وهي تدب حول عرشك، ~~فلماذا تسحقها بقدميك؟! أنت عاصفة شديدة وهي كالغبار أمام وجهك، فلماذا تذريها على ~~الثلوج؟! أنت جبار وهي بائسة، فلماذا تحاربها؟! أنت بصير عليم وهي تائهة عمياء، فلماذا ~~تهلكها؟! أنت توجدها بالمحبة، فكيف بالمحبة تفنيها؟! بيمينك ترفعها إليك وبشمالك تدفعها ~~إلى الهاوية، وهي جاهلة لا تدري أنى ترفعها وكيف تدفعها؟! في فمها تنفخ نسمة الحياة، وفي ~~قلبها تزرع بذور الموت، على سبل السعادة تسيرها راجلة ثم تبعث الشقاء فارسا ليصطادها، في ~~حنجرتها تبث نغمة الفرح ثم تغلق شفتيها بالحزن وتربط لسانها بالكآبة، بأصابعك الخفية تمنطق ~~باللذة أوجاعها، وبأصابعك الظاهرة ترتسم هالات الأوجاع حول ملذاتها، في مضجعها تخفي الراحة ~~والسلامة، وبجانب مضجعها تقيم المخاوف والمتاعب، بإرادتك تحيي ميولها، ومن ميولها تتولد ~~عيوبها وزلاتها، بمشيئتك تريها محاسن مخلوقاتك، وبمشيئتك تنقلب محبتها للحسن مجاعة مهلكة، ~~بشريعتك تزوج روحها من جسد جميل، وبقضائك تجعل جسدها بعلا للضعف والهوان. أنت تسقيها ~~الحياة بكأس الموت والموت بكأس الحياة. أنت تطهرها بدموعها، وبدموعها تذيبها. أنت تملأ ~~جوفها من خبز الرجل، ثم تملأ حفنة الرجل من حبات صدرها. أنت أنت يا رب، قد فتحت عيني ~~بالمحبة، وبالمحبة أعميتني، أنت قبلتني بشفتيك، وبيدك القوية صفعتني، أنت زرعت في قلبي ~~وردة بيضاء، وحول هذه الوردة أنبت الأشواك والحسك، أنت أوثقت حاضري بروح فتى أحبه، وبجسد ~~رجل لا أعرفه قيدت أيامي؛ فساعدني لأكون قوية في هذا الصراع المميت، وأسعفني لأبقى أمينة ~~وطاهرة حتى الموت ... لتكن مشيئتك يا رب، ليكن اسمك مباركا إلى النهاية. # وسكتت سلمى وظلت ملامحها تتكلم، ثم حنت رأسها وأرخت ذراعيها، وانخفض هيكلها، كأن ~~القوى الحيوية قد تركتها فبانت لناظري كغصن قصفته العاصفة وألقته إلى الحضيض ليجف ويندثر ~~تحت أقدام الدهر، فأخذت يدها المثلجة بيدي الملتهبة، وقبلت أصابعها بأجفاني وشفتي، ولما ~~حاولت تعزيتها بالكلام وجدتني أحرى منها بالتعزية والشفقة؛ فبقيت صامتا حائرا متأملا، ~~شاعرا بتلاعب الدقائق ms29 بعواطفي، مصغيا لأنة قلبي في داخلي، خائفا من نفسي على نفسي. # ولم ينبس أحدنا ببنت شفة في ما بقي من تلك الليلة؛ لأن اللوعة إذا عظمت تصير خرساء، ~~فبقينا ساكتين جامدين كعمودي رخام قبرهما الزلزال في التراب، ولم يعد أحدنا يريد أن ~~يسمع الآخر متكلما؛ لأن خيوط قلبينا قد وهت حتى صار التنهد دون الكلام يقطعها. # انتصف الليل، ونمت رهبة السكوت، وطلع القمر ناقصا من وراء صنين، وبان بين النجوم كوجه ~~ميت شاحب غارق في المساند السوداء بين شموع ضئيلة تحيط بنعشه، وظهر لبنان كشيخ لوت ظهره ~~الأعوام وأناخت هيكله الأحزان وهجر أجفانه الرقاد، فبات يساهر الدجى ويترقب الفجر، كملك ~~مخلوع جالس على رماد عرشه بين خرائب قصره. إن الجبال والأشجار والأنهار تتبدل هيئاتها ~~ومظاهرها بتقلب الحالات والأزمنة، مثلما تتغير ملامح وجه الإنسان بتغير أفكاره وعواطفه؛ ~~فشجرة الحور، التي تتعالى في النهار كعروس جميلة يلاعب النسيم أثوابها تظهر في المساء كعمود ~~دخان يتصاعد نحو اللاشيء، والصخر الكبير، الذي يجلس عند الظهيرة كجبار قوي يهزأ بعاديات ~~الزمن يبدو في الليل كفقير بائس يفترش الثرى ويلتحف الفضاء. والساقية التي نراها عند الصباح ~~متلمعة كذوب اللجين ونسمعها مترنمة بأغنية الخلود، نخالها في المساء مجرى دموع يتفجر ~~من بين أضلع الوادي، ونسمعها تندب وتنوح كالثكلى. ولبنان الذي ظهر منذ أسبوع بكل مظاهر ~~الجلال والرونق عندما كان القمر بدرا والنفس راضية قد بان في تلك الليلة كئيبا منهوكا ~~مستوحشا أمام قمر ضئيل ناقص هائم في عرض السماء وقلب خافق معتل في داخل الصدر. # وقفنا للوداع، وقد وقف بيننا الحب واليأس شبحين هائلين؛ هذا باسط جناحيه فوق رأسينا، وذاك ~~قابض بأظافره على عنقينا، هذا يبكي مرتاعا، وذاك يضحك ساخرا. ولما أخذت يد سلمى ووضعتها ~~على شفتي متبركا دنت مني ولثمت مفرق شعري، ثم عادت فارتمت على المقعد الخشبي وأطبقت ~~أجفانها وهمست ببطء: أشفق يا رب وشدد جميع الأجنحة المتكسرة. # انفصلت عن سلمى وخرجت من تلك الحديقة شاعرا بنقاب كثيف يوشي مداركي الحسية، مثلما يغمر ~~الضباب وجه ms30 البحيرة، وسرت وأخيلة الأشجار القائمة على جانبي الطريق تتحرك أمامي كأنها أشباح ~~قد انبثقت من شقوق الأرض لتخيفني، وأشعة القمر الضعيفة ترتعش بين الغصون كأنها سهام دقيقة ~~تريشها أرواح الجان السابحة في الفضاء نحو صدري، والسكينة العميقة تخيم علي كأنها أكف ~~سوداء ثقيلة ألقتها الظلمة على جسدي. # كل ما في الوجود وكل معنى في الحياة وكل سر في النفس قد صار قبيحا رهيبا هائلا، فالنور ~~المعنوي الذي أراني جمال العالم وبهجة الكائنات قد انقلب نارا تحرق كبدي بلهيبها وتستر ~~نفسي بدخانها، والنغمة التي كانت تضم إليها أصوات المخلوقات وتجعلها نشيدا علويا قد ~~استحالت في تلك الساعة إلى ضجيج أروع من زمجرة لأسد وأعمق من صراخ الهاوية. # بلغت غرفتي وارتميت على فراشي كطائر رماه الصياد فسقط بين السياج والسهم في قلبه. وظلت ~~عاقلتي تراوح بين يقظة مخيفة ونوم مزعج، وروحي في داخلي تردد في الحالتين كلمات سلمى: أشفق ~~يا رب وشدد جميع الأجنحة المتكسرة. # | أمام عرش الموت # إنما الزيجة في أيامنا هذه تجارة مضحكة مبكية يتولى أمورها الفتيان وآباء الصبايا، ~~الفتيان يربحون في أكثر المواطن والآباء يخسرون دائما، أما الصبايا المنتقلات كالسلع من ~~منزل إلى آخر فتزول بهجتهن، ونظير الأمتعة العتيقة يصير نصيبهن زوايا المنازل حيث الظلمة ~~والفناء البطيء. # إن المدنية الحاضرة قد أنمت مدارك المرأة قليلا، ولكنها أكثرت أوجاعها بتعميم مطامع ~~الرجل، كانت المرأة بالأمس خادمة سعيدة فصارت اليوم سيدة تعسة. كانت بالأمس عمياء تسير في ~~نور النهار، فأصبحت مبصرة تسير في ظلمة الليل، كانت جميلة بجهلها فاضلة ببساطتها قوية ~~بضعفها، فصارت قبيحة بتفننها سطحية بمداركها بعيدة عن القلب بمعارفها. فهل يجيء يوم ~~يجتمع في المرأة الجمال بالمعرفة والتفنن بالفضيلة، وضعف الجسد بقوة النفس؟ أنا من القائلين ~~إن الارتقاء الروحي سنة في البشر، والتقرب من الكمال شريعة بطيئة لكنها فعالة، فإذا كانت ~~المرأة قد ارتقت بشيء وتأخرت بشيء آخر؛ فلأن العقبات التي تبلغنا قمة الجبل لا تخلو من ~~مكامن اللصوص وكهوف الذئاب. ففي هذا الجبل الشبيه بالغيبوبة التي تتقدم اليقظة، ms31 في هذا ~~الجبل القابض بكفيه على تراب الأجيال الغابرة وبزور الأجيال الآتية، في هذا الجبل الغريب ~~بميوله وأمانيه لا تخلو مدينة من امرأة ترمز بوجودها عن ابنة المستقبل. وسلمى كرامة كانت في ~~بيروت رمز المرأة الشرقية العتيدة، ولكنها كالكثيرين الذين يعيشون قبل زمانهم قد ذهبت ضحية ~~الزمن الحاضر، ونظير زهرة اختطفها تيار النهر قد صارت قهرا في موكب الحياة نحو الشقاء. # وتزوج منصور بك غالب من سلمى، فسكنا معا في منزل فخم قائم على شاطئ البحر في رأس بيروت ~~حيث يقطن وجهاء القوم والأغنياء، وبقي فارس كرامة وحده في ذلك البيت المنفرد بين الحدائق ~~والبساتين انفراد الراعي بين أغنامه، ومضت أيام العرس وانقضت ليالي الأفراح، ومر الشهر ~~الذي يدعوه الناس عسلا، تاركا وراءه شهور الخل والعلقم، مثلما تترك أمجاد الحروب جماجم ~~القتلى في البرية البعيدة ... إن بهرجة الأعراس الشرقية تصعد بنفوس الفتيان والصبايا صعود ~~النسر إلى ما وراء الغيوم، ثم تهبط بهم هبوط حجر الرحى إلى أعماق اليم، بل هي مثل آثار ~~الأقدام على رمال الشاطئ لا تلبث أن تمحوها الأمواج. # وذهب الربيع وتلاه الصيف وجاء الخريف، ومحبتي لسلمى تتدرج من شغف فتى في صباح العمر ~~بامرأة حسناء إلى نوع من تلك العبادة الخرساء التي يشعر بها الصبي اليتيم نحو روح أمه ~~الساكنة في الأبدية، فالصبابة التي كانت تمتلك كليتي قد تحولت إلى كآبة عمياء لا ترى غير ~~نفسها، والولع الذي كان يستدر الدموع من عيني قد انقلب ولها يستقطر الدم من قلبي، ~~وأنة الحنين التي كانت تملأ ضلوعي أصبحت صلاة عميقة تقدمها روحي في السكينة أمام السماء ~~مستمدة السعادة لسلمى والغبطة لبعلها والطمأنينة لوالدها، ولكن باطلا كنت أشفق وأبتهل ~~وأصلي؛ لأن تعاسة سلمى كانت علة في داخل النفس لا يشفيها سوى الموت. أما بعلها فكان من ~~أولئك الرجال الذين يحصلون بغير تعب على كل ما يجعل الحياة هنيئة ولا يقنعون، بل يطمحون ~~دائما إلى ما ليس لهم، وهكذا يظلون معذبين بمطامعهم إلى نهاية أيامهم. وباطلا كنت أرجو ~~الطمأنينة لفارس ms32 كرامة؛ لأن صهره لم يستلم يد ابنته ويحصل على أموالها حتى نسيه وهجره، بل ~~صار يطلب حتفه توصلا إلى ما بقي من ثروته. # كان منصور بك شبيها بعمه المطران بولس غالب، وكانت أخلاقه كأخلاقه، ونفسه صورة مصغرة ~~لنفسه، ولم يكن الفرق بينهما إلا بما يفرق الرياء عن الانحطاط. كان المطران يبلغ أمانيه ~~مستترا بأثوابه البنفسجية، ويشبع مطامعه محتميا بالصليب الذهبي المعلق على صدره، أما ابن ~~أخيه فكان يفعل كل ذلك جهارا وعنوة. كان المطران يذهب إلى الكنيسة في الصباح، ويصرف ما بقي ~~من النهار منتزعا الأموال من الأرامل واليتامى وبسطاء القلب. أما منصور بك فكان يقضي ~~النهار كله متبعا ملذاته ملاحقا شهواته في تلك الأزقة المظلمة حيث يختمر الهواء ~~بأنفاس الفساد. # كان المطران يقف يوم الأحد أمام المذبح، ويعظ المؤمنين بما لا يتعظ به، ويصرف أيام ~~الأسبوع مشتغلا بسياسة البلاد، أما ابن أخيه فكان يصرف جميع أيامه متاجرا بنفوذ عمه بين ~~طالبي الوظائف ومريدي الوجاهة. كان المطران لصا يسير مختبئا بستائر الليل، أما منصور بك ~~فكان محتالا يمشي بشجاعة في نور النهار. # كذا تبيد الشعوب بين اللصوص والمحتالين مثلما تفنى القطعان بين أنياب الذئاب وقواطع ~~الجزارين، وهكذا تستسلم الأمم إلى ذوي النفوس المعوجة والأخلاق الفاسدة، فتتراجع إلى ~~الوراء ثم تهبط إلى الحضيض، فيمر الدهر ويسحقها بأقدامه مثلما تسحق مطارق الحديد آنية ~~الفخار. # وماذا يا ترى يجعلني الآن أشغل هذه الصفحات بالكلام عن أمم بائسة يائسة، وأنا قد خصصتها ~~لتدوين حكاية امرأة تاعسة وتصوير خيالات قلب وجيع لم يلمسه الحب بأفراحه حتى صفعه بأحزانه؟! ~~لماذا تراود الدموع أجفاني لذكر شعوب خاملة ومظلومة، وأنا قد وقفت دموعي على ذكرى أيام ~~امرأة ضعيفة لم تعانق الحياة حتى احتضنها الموت؟ ولكن أليست المرأة الضعيفة هي رمز الأمة ~~المظلومة؟ أليست المرأة المتوجعة بين ميول نفسها وقيود جسدها هي كالأمة المتعذبة بين ~~حكامها وكهانها؟ أوليست العواطف الخفية التي تذهب بالصبية الجميلة إلى ظلمة القبر هي ~~كالعواصف الشديدة التي تغمر حياة الشعوب بالتراب؟ إن المرأة من الأمة ms33 بمنزلة الشعاع من ~~السراج، وهل يكون شعاع السراج ضئيلا إذا لم يكن زيته شحيحا؟ ~~••• # مضت أيام الخريف وعرت الرياح الأشجار متلاعبة بأوراقها الصفراء مثلما تداعب الأنواء زبد ~~البحر، وجاء الشتاء باكيا منتحبا وأنا في بيروت ولا رفيق لي سوى أحلام تتصاعد بنفسي تارة ~~فتبلغها الكواكب، وتنخفض بقلبي طورا فتلحده بجوف الأرض. # إن النفس الكئيبة تجد راحة بالعزلة والانفراد فتهجر الناس مثلما يبتعد الغزال الجريح عن ~~سربه ويتوارى في كهفه حتى يبرأ أو يموت. # فذات يوم سمعت باعتلال فارس كرامة، فتركت وحدتي وذهبت لعيادته ماشيا على ممر منفرد بين ~~أشجار الزيتون المتلمعة أوراقها الرصاصية بقطرات المطر، متنحيا عن الطريق العمومية حيث ~~تزعج ضجة المركبات سكينة الفضاء. # بلغت منزل الشيخ ودخلت عليه، فوجدته ملقى على فراشه مضنى الجسم، شاحب الوجه أصفر اللون، ~~قد غرقت عيناه تحت حاجبيه فباتتا كهوتين عميقتين مظلمتين تجول فيهما أشباح السقم والألم، ~~فالملامح التي كانت بالأمس عنوان البشاشة والانبساط قد تقلصت واكفهرت وأصبحت كصحيفة ~~رمادية متجعدة تكتب عليها العلة سطورا عريبة ملتبسة. واليدان اللتان كانتا مغلفتين باللطف ~~واللدانة قد نحلتا حتى بدت عظام أصابعهما من تحت الجلد كقضبان عارية ترتعش أمام العاصفة. # ولما دنوت منه سائلا عن حاله، حول وجهه المهزول نحوي وظهر على شفتيه المرتجفتين خيال ~~ابتسامة محزنة، وبصوت ضعيف خافت خلته آتيا من وراء الجدران قال: اذهب، اذهب يا ابني إلى ~~تلك الغرفة وامسح دموع سلمى وسكن روعها ثم عد بها إلي لتجلس بجانب فراشي ... # دخلت الغرفة المحاذية فوجدت سلمى منطرحة على مقعد وقد غمرت رأسها بزنديها وغرقت وجهها ~~بالمساند، وأمسكت أنفاسها كيلا يسمع والدها نحيبها. فاقتربت منها ببطء ولفظت اسمها بصوت ~~أقرب إلى التنهد منه إلى الهمس، فتحركت مضطربة كنائم تراوده الأحلام المخيفة، ثم استوت ~~على مقعدها ونظرت إلي بعينين شاخصتين جامدتين كأنها ترى شبحا في عالم الرؤيا، ولا تصدق ~~حقيقة وجودي في ذلك المكان. # وبعد سكوت عميق أرجعنا بتأثيراته السحرية إلى تلك الساعات التي سكرنا فيها من خمرة ~~الآلهة، مسحت سلمى دموعها بأطراف أناملها ms34 وقالت متحسرة: أرأيت كيف تبدلت الأيام؟ أرأيت ~~كيف أضلنا الدهر فسرنا مسرعين إلى هذه الكهوف المفزعة؟ في هذا المكان جمعنا الربيع في ~~قبضة الحب، وفي هذا المكان يجمعنا الآن الشتاء أمام عرش الموت، فما أبهى ذلك النهار! وما ~~أشد ظلمة هذا الليل! # قالت هذه الكلمات وقد ابتلعت الغصات أواخرها، ثم عادت فسترت وجهها بيديها كأن ذكرى ~~الماضي قد تجسدت، ووقفت أمامها فلم تشأ أن تراها. فوضعت يدي على شعرها قائلا: تعالي يا ~~سلمى، تعالي ننتصب كالأبراج أمام الزوبعة. هلمي نقف كالجنود أمام الأعداء متلقين شفار ~~السيوف بصدورنا لا بظهورنا، فإن صرعنا نموت كالشهداء وإن تغلبنا نعش كالأبطال ... إن ~~عذاب النفس بثباتها أمام المصاعب والمتاعب لهو أشرف من تقهقرها إلى حيث الأمن والطمأنينة. ~~فالفراشة التي تظل مرفرفة حول السراج حتى تحترق هي أسمى من الخلد الذي يعيش براحة وسلامة ~~في نفقه المظلم. والنواة التي لا تحتمل برد الشتاء وثورات العناصر لا تقوى على شق الأرض ~~ولن تفرح بجمال نيسان ... هلمي نسر يا سلمى بقدم ثابتة على هذه الطريق الوعرة رافعين ~~أعيننا نحو الشمس كيلا نرى الجماجم المطروحة بين الصخور، والأفاعي المنسابة بين الأشواك، ~~فإن أوقفنا الخوف في منتصف الطريق أسمعتنا أشباح الليل صراخ الاستهزاء والسخرية، وإن بلغنا ~~قمة الجبل بشجاعة تترنم معنا أرواح الفضاء بأنشودة النصر والاستظهار ... خففي عنك يا سلمى ~~وجففي دموعك، وأخفي هذه الكآبة الظاهرة على محياك، وقومي نجلس بجانب فراش والدك لأن حياته ~~من حياتك وشفاءه بابتسامتك. # فنظرت إلي نظرة ملؤها الحنان والرأفة والانعطاف، ثم قالت: أتطلب مني الصبر والتجلد وفي ~~عينيك معنى اليأس والقنوط؟ أيعطي الفقير الجائع خبزه للجائع الفقير؟ أو يصف العليل دواء ~~لعليل آخر وهو أحرى بالدواء؟ # ثم وقفت وسارت أمامي منحنية الرأس إلى غرفة والدها. جلسنا بقرب مضجع الشيخ العليل وسلمى ~~تتكلف الابتسام وهدوء البال وهو يتكلف الراحة والقوة، وكل منهما شاعر بلوعة الآخر، عالم ~~بضعفه، سامع غصات قلبه، فكانا مثل قوتين متصارعتين يفني بعضهما بعضا في السكينة. والد دنف ~~يذوب ضنى لتعاسة ابنته، ms35 وابنة محبة تذبل متوجعة بعلة والدها، نفس راحلة ونفس يائسة ~~تتعانقان أمام الحب والموت، وأنا بينهما أتحمل ما بي وأقاسي ما بهما؛ ثلاثة جمعتهم يد ~~القضاء ثم قبضت عليهم بشدة حتى سحقتهم؛ شيخ يمثل بيتا قديما هدمه الطوفان، وصبية تحاكي ~~زنبقة قطع عنقها حد المنجل، وفتى يشابه غرسة ضعيفة لوت قامتها الثلوج، وجميعنا مثل ألعوبة ~~بين أصابع الدهر. # وتحرك الشيخ إذ ذاك بين اللحف ومد يده النحيلة نحو سلمى، وبصوت أودعه كل ما في قلب الأب ~~من الرقة والرأفة، وكل ما في الصدر العليل من السقم والألم قال: ضعي يدك في يدي يا سلمى. # فمدت يدها وألقتها بين أصابعه فضمها بلطف ثم زاد قائلا: لقد شبعت من السنين يا ولدي، قد ~~عشت طويلا وتلذذت بكل ما تثمره الفصول، وتمتعت بكل ما تبرزه الأيام والليالي، قد لاحقت ~~الفراش صبيا وعانقت الحب فتى وجمعت المال كهلا، وكنت في هذه الأدوار سعيدا مغتبطا ... ~~فقدت أمك يا سلمى قبل أن تبلغي الثالثة، ولكنها أبقتك لي كنزا ثمينا، فكنت تنمين ~~بسرعة نمو الهلال، وتنعكس على وجهك ملامح أمك مثلما تنعكس أشعة النجوم في حوض ماء هادئ، ~~وتظهر أخلاقها ومزاياها بأعمالك وأقوالك ظهور الحلي الذهبية من وراء النقاب الرقيق، ~~فتعزيت بك يا ولدي لأنك كنت مثلها جميلة وحكيمة ... والآن قد صرت شيخا طاعنا وراحة ~~الشيوخ بين أجنحة الموت الناعمة، فتعزي يا ولدي لأنني بقيت لأراك امرأة كاملة، وافرحي لأني ~~سأبقى بك حيا بعد موتي. إن ذهابي الآن هو مثل ذهابي غدا أو بعده، لأن أيامنا مثل أوراق ~~الخريف، تتساقط وتتبدد أمام وجه الشمس، فإن أسرعت بي الساعات إلى الأبدية فلأنها علمت بأن ~~روحي قد اشتاقت إلى لقاء أمك. # لفظ الكلمات الأخيرة بنغمة مفعمة بحلاوة الحنين والرجاء، ولاحت على وجهه المنقبض أشعة ~~شبيهة بذلك النور الذي ينبثق من أجفان الأطفال، ثم مد يده بين المساند المحيطة برأسه، ~~وانتشل صورة صغيرة قديمة يمنطقها إطار من الذهب قد نعمت حدوده ملامس الأيدي ومحت نقوشه ~~قبل الشفاه، ثم قال دون ms36 أن يحول عينيه عن الرسم: اقتربي يا سلمى، اقتربي مني يا ولدي ~~لأريك خيال أمك، تعالي وانظري ظلها على صفحة من الورق. # فدنت سلمى ماسحة الدموع من مقلتيها كيلا تحول بين ناظريها والرسم الضئيل، وبعد أن حدقت ~~إليه طويلا كأنه مرآة تعكس معانيها وشكل وجهها، قربته من شفتيها وقبلته بلهفة مرارا ~~متوالية ثم صرخت قائلة: يا أماه، يا أماه، يا أماه! ولم تزد على هذه الكلمة، بل عادت فوضعت ~~الرسم على شفتيها المرتعشتين كأنها تريد أن تبث فيه الحياة بأنفاسها الحارة ... # إن أعذب ما تحدثه الشفاه البشرية هو لفظة «الأم»، وأجمل مناداة هي: يا أمي، كلمة صغيرة ~~كبيرة مملوءة بالأمل والحب والانعطاف، وكل ما في القلب البشري من الرقة والحلاوة والعذوبة. ~~الأم هي كل شيء في هذه الحياة، هي التعزية في الحزن، والرجاء في اليأس، والقوة في الضعف، هي ~~ينبوع الحنو والرأفة والشفقة والغفران، فالذي يفقد أمه يفقد صدرا يسند إليه رأسه ويدا ~~تباركه وعينا تحرسه ... # كل شيء في الطبيعة يرمز ويتكلم عن الأمومة، فالشمس هي أم هذه الأرض ترضعها حرارتها ~~وتحتضنها بنورها، ولا تغادرها عند المساء إلا بعد أن تنومها على نغمة أمواج البحر وترنيمة ~~العصافير والسواقي، وهذه الأرض هي أم للأشجار والأزهار تلدها وترضعها ثم تفطمها. ~~والأشجار والأزهار تصير بدورها أمهات حنونات للأثمار الشهية والبزور الحية. وأم كل شيء في ~~الكيان هي الروح الكلية الأزلية الأبدية المملوءة بالجمال والمحبة. # وسلمى كرامة لم تكن تعرف أمها لأنها ماتت وهي طفلة، وقد شهقت متأثرة عندما رأت رسمها ~~ونادتها: يا أماه، قسر إرادتها؛ لأن لفظة الأم تختبئ في قلوبنا مثلما تختبئ النواة في ~~قلب الأرض، وتنبثق من بين شفاهنا في ساعات الحزن والفرح، كما يتصاعد العطر من قلب الوردة في ~~الفضاء الصافي والممطر. # كانت سلمى تحدق إلى رسم أمها ثم تقبله بلهفة ثم تلزه إلى صدرها الخفوق، ثم تتأوه ~~متنهدة، ومع كل تنهدة تفقد جزءا من قواها، حتى إذا ما وهت الحياة في جسدها النحيل هوت ~~وسقطت بجانب سرير أبيها، فوضع ms37 كلتا يديه على رأسها قائلا: قد أريتك يا ولدي شبح أمك على ~~صفحة من الورق، فأصغي إلي لأسمعك أقوالها. # فرفعت سلمى رأسها مثلما تفعل الفراخ في العش عندما تسمع حفيف أجنحة العصفورة بين القضبان، ~~ونظرت إليه مصغية صاغرة كأن ذاتها المعنوية قد استحالت إلى أعين محدقة وآذان واعية. # فقال والدها: كنت طفلة رضيعة عندما فقدت أمك والدها الشيخ، فحزنت لفقده وبكت بكاء حكيم ~~متجلد، ولكنها لم تعد من جانب قبره حتى جلست بجانبي في هذه الغرفة وأخذت يدي براحتيها ~~وقالت: قد مات والدي يا فارس وأنت باق لي وهذه هي تعزيتي. إن القلب بعواطفه المتشعبة ~~يماثل الأرزة بأغصانها المتفرقة، فإذا ما فقدت شجرة الأرز غصنا قويا تتألم ولكنها لا ~~تموت، بل تحول قواها الحيوية إلى الغصن المجاور لينمو ويتعالى ويملأ بفروعه الغضة مكان ~~الغصن المقطوع. هذا ما قالته والدتك يا سلمى عندما مات أبوها، وهذا ما يجب عليك أن تقوليه ~~عندما يأخذ الموت جسدي إلى راحة القبر وروحي إلى ظل الله. # فأجابت سلمى متفجعة: فقدت أمي والدها فبقيت أنت لها، فمن يبقى لي إذا فقدتك يا والدي؟ ~~مات والدها وهي في ظلال زوج محب فاضل أمين، مات والدها فبقي لها طفلة تغمر رأسها الصغير ~~بثدييها وتطوق عنقها بذراعيها، فمن يبقى لي إذا فقدتك يا والدي؟ أنت أبي وأمي ورفيق حداثتي ~~ومهذب شبيبتي، فبمن أستعيض إذا ما ذهبت عني؟ # قالت هذا وحولت عينيها الدامعتين نحوي وأمسكت بيمينها طرف ثوبي ثم قالت: ليس لي غير هذا ~~الصديق يا والدي، ولن يبقى لي سواه إذا ما تركتني. فهل أتعزى به وهو متعذب مثلي؟ هل يتعزى ~~كسير القلب بالقلب الكسير؟ إن الحزينة لا تتصبر بحزن جارتها كما أن الحمامة لا تطير بأجنحة ~~مكسورة. هو رفيق لنفسي ولكنني قد أثقلت عاتقه بأشجاني حتى لويت ظهره وسملت عينيه ~~بعبراتي، فلم يعد يرى غير الظلمة. هو أخ أحبه ويحبني مثل جميع الإخوة يشترك بالمصيبة ولا ~~يخففها، ويساعد بالبكاء فيزيد الدمع مرارة والقلب احتراقا. # كنت أسمع سلمى متكلمة ms38 وعواطفي تنمو وصدري يضيق حتى شعرت بأن أضلعي تكاد تتفجر حناجر ~~وفوهات. أما الشيخ فكان ينظر إليها وجسده المهزول يهبط ببطء بين الوسائد والمساند، ونفسه ~~المتعبة ترتجف كشعلة السراج أمام الريح، ثم بسط ذراعيه وقال بهدوء: دعيني أذهب بسلام يا ~~ولدي، لقد لمحت عيناي ما وراء الغيوم، فلن أحولهما نحو هذه الكهوف. دعيني أطير فقد كسرت ~~بأجنحتي قضبان هذا القفص ... لقد نادتني أمك يا سلمى فلا توقفيني ... ها قد طابت الريح وتبدد ~~الضباب عن وجه البحر فرفعت السفينة شراعها وتأهبت للمسير فلا توقيفها ولا تنزعي دفتها، دعي ~~جسدي يرقد مع الذين رقدوا، ودعي روحي تستيقظ لأن الفجر قد لاح والحلم قد انتهى ... قبلي ~~روحي بروحك ... قبليني قبلة رجاء وأمل ولا تسكبي قطرة من مرارة الحزن على جسدي لئلا تمتنع ~~الأعشاب والأزهار عن امتصاص عناصره، ولا تذرفي دموع اليأس على يدي لأنها تنبت شوكا على ~~قبري. ولا ترسمي بزفرات الأسى سطرا على جبهتي؛ لأن نسيم السحر يمر ويقرأه فلا يحمل غبار ~~عظامي إلى المروج الخضراء ... قد أحببتك بالحياة يا ولدي وسوف أحبك بالموت، فتظل روحي قريبة ~~منك لتحميك وترعاك. # والتفت الشيخ إلي وقد انطبقت أجفانه قليلا فلم أعد أرى سوى خطين رماديين مكان عينيه، ثم ~~قال وسكينة الفناء تسترق ألفاظه: أما أنت يا ابني فكن أخا لسلمى مثلما كان والدك لي. كن ~~قريبا منها في ساعات الشدة، وكن صديقا لها حتى النهاية، ولا تدعها تحزن لأن الحزن على ~~الأموات غلطة من أغلاط الأجيال الغابرة. بل اتل على مسمعها أحاديث الفرح وأنشدها أغاني ~~الحياة فتسلو وتتناسى ... قل لأبيك أن يذكرني، سله فيخبرك عن مآتي أيامي عندما كان الشباب ~~يحلق بنا إلى الغيوم ... قل له إنني أحببته بشخص ابنه في آخر ساعة من حياتي ... # وسكت دقيقة وظلت أشباح ألفاظه تدب على جدران الغرفة، ثم عاد فنظر إلي وإلى سلمى بوقت واحد ~~وقال همسا: لا تدعوا طبيبا ليطيل بمساحيقه ساعات سجني، لأن أيام العبودية قد مضت، فطلبت ~~روحي حرية الفضاء، ولا تدعوا كاهنا إلى ms39 جانب فراشي، لأن تعازيمه لا تكفر عن ذنوبي إن كنت ~~خاطئا، ولا تسرع بي إلى الجنة إن كنت بارا. إن إرادة البشر لا تغير مشيئة الله، كما أن ~~المنجمين لا يحولون مسير النجوم. أما بعد موتي فليفعل الأطباء والكهان ما شاءوا، فاللجة ~~تنادي اللجة، أما السفينة فتظل سائرة حتى تبلغ الساحل ... ~~••• # عندما انتصف ذلك الليل المخيف فتح فارس كرامة عينيه الغارقتين في ظلمة النزع، فتحهما لآخر ~~مرة، وحولهما نحو ابنته الجاثية بجانب مضجعه، ثم حاول الكلام فلم يستطع، لأن الموت كان قد ~~تشرب صوته فخرجت هذه الألفاظ لهاثا عميقا من بين شفتيه: ها قد ذهب الليل ... وجاء الصباح ... ~~يا سلمى. يا. يا سلمى ... # ثم نكس رأسه وابيض وجهه وابتسمت شفتاه وأسلم الروح. # ومدت سلمى يدها ولمست يد والدها فوجدتها باردة كالثلج، فرفعت رأسها ونظرت إليه فرأت وجهه ~~مبرقعا بنقاب الموت، فجمدت الحياة في جسدها وجفت الدموع في محاجرها، فلم تتحرك ولم تصرخ ~~ولم تتأوه، بل بقيت محدقة به بعينين جامدتين كعيني التمثال، ثم تراخت أعضاؤها مثلما تتراخى ~~طيات الثوب البليل، وهبطت حتى لمست جبهتها الأرض ثم قالت بهدوء: أشفق يا رب وشدد جميع ~~الأجنحة المتكسرة. ~~••• # مات فارس كرامة وعانقت الأبدية روحه واسترجع التراب جسده، واستولى منصور بك على أمواله، ~~وظلت ابنته أسيرة تعاستها ترى الحياة مأساة هائلة تمثلها المخاوف أمام عينيها. # أما أنا فكنت ضائعا بين أحلامي وهواجسي، تنتابني الأيام والليالي مثلما تنتاب النسور ~~والعقبان لحمان الفريسة، فكم حاولت أن أفقد ذاتي بين صفحات الكتب لعلني أستأنس بأخيلة الذين ~~طواهم الدهر، وكم جربت أن أنسى حاضري لأعود بقراءة الأسفار إلى مسارح الأجيال الغابرة، فلم ~~يجدني كل ذلك نفعا، بل كنت كمن يحاول إخماد النار بالزيت، لأنني لم أكن أرى من مواكب ~~الأجيال سوى أشباحها السوداء، ولا أسمع من أنغام الأمم غير الندب والنواح، فسفر أيوب كان ~~عندي أجمل من مزامير داود، ومراثي أرميا كان أحب لدي من نشيد سليمان، ونكبة البرامكة أشد ~~وقعا في نفسي من عظمة العباسيين، وقصيدة ابن ms40 زريق أكثر تأثيرا من رباعيات الخيام، ورواية ~~هملت أقرب إلى قلبي من كل ما كتبه الإفرنج. # كذا يضعف القنوط بصيرتنا، فلا نرى غير أشباحنا الرهيبة، وهكذا يصم اليأس آذاننا، فلا ~~نسمع غير طرقات قلوبنا المضطربة. # | بين عشتروت والمسيح # بين تلك البساتين والتلول التي تصل أطراف بيروت بأذيال لبنان يوجد معبد صغير قديم العهد ~~محفور في قلب صخرة بيضاء قائمة بين أشجار الزيتون واللوز والصفصاف. ومع أن هذا المعبد لا ~~يبعد أكثر من نصف ميل عن طريق المركبات، فقد قل من عرفه من محبي الآثار والخرائب القديمة، ~~فهو مثل أشياء كثيرة خطيرة في سوريا مختبئ وراء ستائر الإهمال، فكأن الإهمال قد أبقاه ~~محجوبا عن عيون الأثريين ليجعله خلوة لنفوس المتعبين ومزارا للمحبين المستوحشين. # والداخل إلى هذا المعبد العجيب يرى على الجدار الشرقي منه صورة فينيقية الشواهد والبينات، ~~محفورة في الصخر، قد محت أصابع الدهر بعض خطوطها ولونت الفصول معالمها؛ وهي تمثل عشتروت ~~ربة الحب والجمال جالسة على عرش فخم، ومن حولها سبع عذارى عاريات واقفات بهيئات مختلفة، ~~فالواحدة منهن تحمل مشعلا، والثانية قيثارة، والثالثة مبخرة، والرابعة جرة من الخمر، ~~والخامسة غصنا من الورد، والسادسة إكليلا من الغار، والسابعة قوسا وسهاما، وجميعهن ~~ناظرات إلى عشتروت، وعلى وجوههن سماء الخضوع والامتثال. # وعلى الجدار الثاني صورة أخرى أحدث عهدا وأكثر ظهورا، تمثل يسوع الناصري مصلوبا، ~~وإلى جانبه أمه الحزينة ومريم المجدلية وامرأتان ثانيتان تنتحبان. وهذه الصورة البيزنطية ~~الأسلوب والقرائن تدل على كونها حفرت في القرن الخامس أو السادس للمسيح. # وفي الجدار الغربي كوتان مستديرتان، يدخل منهما شعاع الشمس عند أصيل النهار، وينسكب على ~~الصورتين فتظهران كأنهما طليتا بماء الذهب. # وفي وسط المعبد حجر من الرخام مربع الشكل على جوانبه نقوش ووسامات قديمة الطراز، قد انحجب ~~بعضها تحت كتلات متحجرة من الدماء، تدل على أن الأقدمين كانوا ينحرون ذبائحهم على هذا ~~الحجر، ويصبون فوقه قرابين الخمر والعطر والزيت. # ولم يكن في هذا المعبد الصغير شيء آخر سوى سكينة عميقة تعانق النفس، وهيبة سحرية تبيح ~~بتموجاتها ms41 أسرار الآلهة، وتتكلم بلا نطق عن مآتي الأجيال الغابرة ومسير الشعوب من حالة إلى ~~حالة ومن دين إلى دين، وتستميل الشاعر إلى عالم بعيد عن هذا العالم، وتقنع الفيلسوف بأن ~~الإنسان مخلوق دين يشعر بما لا يراه، ويتخيل ما لا تقع عليه حواسه، فيرسم لشعوره رموزا ~~تدل بمعانيها على خفايا نفسه، ويجسم خياله بالكلام والأنغام والصور والتماثيل التي تظهر ~~بأشكالها أقدس ميوله في الحياة وأجمل مشتهياته بعد الموت. # في هذا الهيكل المجهول كنت ألتقي سلمى كرامة مرة في الشهر، فنصرف الساعات الطوال ناظرين ~~إلى الصورتين الغريبتين مفكرين بفتى الأجيال المصلوب فوق الجلجلة، مستحضرين إلى مخيلتينا ~~أشباح الفتيان والصبايا الفينيقيين الذين عاشوا وعشقوا وعبدوا الجمال بشخص عشتروت، فحرقوا ~~البخور أمام تماثيلها، وهرقوا الطيوب على مذابحها، ثم طوتهم الأرض فلم يبق منهم سوى اسم ~~تردده الأيام أمام وجه الأبدية. # كم يصعب علي الآن أن أدون بالكلام ذكرى تلك الساعات التي كانت تجمعني بسلمى، تلك ~~الساعات العلوية المكتنفة باللذة والألم، والفرح والحزن، والأمل واليأس، وكل ما يجعل ~~الإنسان إنسانا والحياة لغزا أبديا. ولكن كم يصعب علي أن أذكرها ولا أرسم بالكلام ~~الضئيل خيالا من أخيلتها ليبقى مثلا لأبناء الحب والكآبة. # كنا نختلي في ذلك الهيكل القديم، فنجلس في بابه ساندين ظهرينا إلى جداره مرددين صدى ~~ماضينا، مستقصين مآتي حاضرنا، خائفين مستقبلنا، ثم نتدرج إلى إظهار ما في أعماق نفسينا، ~~فيشكو كل منا لوعته وحرقة قلبه وما يقاسيه من الجزع والحسرة، ثم يصبر واحدنا الآخر، ~~باسطا أمامه كل ما في جيوب الأمل من الأوهام المفرحة والأحلام العذبة، فيهدأ روعنا وتجف ~~دموعنا وتنفرج ملامحنا، ثم نبتسم متناسين كل شيء سوى الحب وأفراحه، منصرفين عن كل أمر إلا ~~النفس وميولها. ثم نتعانق فنذوب شغفا وهياما. ثم تقبل سلمى مفرق شعري بطهر وانعطاف، ~~فتملأ قلبي شعاعا، وأقبل أطراف أصابعها البيضاء، فتغمض عينيها، وتلوي عنقها العاجي، ~~وتتورد وجنتاها باحمرار لطيف يشابه الأشعة الأولى التي يلقيها الفجر على جباه الروابي. ثم ~~نسكت وننظر طويلا نحو الشفق البعيد حيث الغيوم ms42 المتلونة بأنوار المغرب ~~البرتقالية. # ولم تكن اجتماعاتنا مقتصرة على مبادلة العواطف وبث الشكوى، بل كنا ننتقل على غير معرفة ~~بنا إلى العموميات، فنتبادل الآراء والأفكار في شؤون هذا العالم الغريب، ونتباحث في مرامي ~~الكتب التي كنا نقرأها ذاكرين حسناتها وسيئاتها، وما تنطوي عليه من الصور الخيالية والمبادئ ~~الاجتماعية، فتتكلم سلمى عن منزلة المرأة في الجامعة البشرية وعن تأثير الأجيال الغابرة على ~~أخلاقها وميولها، وعن العلاقة الزوجية في أيامنا هذه وما يحيط بها من الأمراض والمفاسد. ~~وإني أذكر قولها مرة: إن الكتاب والشعراء يحاولون إدراك حقيقة المرأة، ولكنهم للآن لم ~~يفهموا أسرار قلبها ومخبآت صدرها، لأنهم ينظرون إليها من وراء نقاب الشهوات، فلا يرون غير ~~خطوط جسدها، أو يضعونها تحت مكبرات الكره، فلا يجدون فيها غير الضعف والاستسلام. # وقولها لي مرة أخرى وقد أشارت بيدها إلى الرسمين المحفورين على جدران الهيكل: في قلب هذه ~~الصخرة قد نقشت الأجيال رمزين يظهران خلاصة ميول المرأة ويستجليان غوامض نفسها المراوحة ~~بين الحب والحزن، بين الانعطاف والتضحية، بين عشتروت الجالسة على العرش ومريم الواقفة أمام ~~الصليب ... إن الرجل يشتري المجد والعظمة والشهرة، ولكن هي المرأة التي تدفع الثمن. # ولم يدر باجتماعاتنا السرية أحد سوى الله وأسراب العصافير المتطايرة بين تلك البساتين، ~~فسلمى كانت تجيء بمركبتها إلى المكان المدعو بحديقة الباشا، ثم تسير الهويناء على الممرات ~~المنفردة حتى تبلغ المعبد الصغير، فتدخله مستندة إلى مظلتها، وعلى وجهها لوائح الأمن ~~والطمأنينة، فتجدني منتظرا مترقبا مشتاقا بكل ما في الشوق من الجوع والعطش. # ولم نخف قط عين الرقيب ولا شعرنا بوخز الضمير؛ لأن النفس إذا تطهرت بالنار واغتسلت ~~بالدموع تترفع عما يدعوه الناس عيبا وعارا، وتتحرر من عبودية الشرائع والنواميس التي ~~سنتها التقاليد لعواطف القلب البشري، وتقف برأس مرفوع أمام عروش الآلهة. # إن الجامعة البشرية قد استسلمت سبعين قرنا إلى الشرائع الفاسدة، فلم تعد قادرة على إدراك ~~معاني النواميس العلوية الأولية الخالدة. وقد تعودت بصيرة الإنسان النظر إلى ضوء الشموع ~~الضئيلة، فلم تعد تستطيع أن تحدق إلى نور ms43 الشمس. لقد توارثت الأجيال الأمراض والعاهات ~~النفسية بعضها عن بعض حتى أصبحت عمومية، بل صارت من الصفات الملازمة للإنسان، فلم يعد الناس ~~ينظرون إليها كعاهات وأمراض، بل يعتبرونها كخلال طبيعية نبيلة أنزلها الله على آدم، فإذا ما ~~ظهر بينهم فرد خال منها ظنوه ناقصا محروما من الكمالات الروحية. # أما الذين سيعيبون سلمى كرامة محاولين تلويث اسمها، لأنها كانت تترك منزل زوجها الشرعي ~~لتختلي برجل آخر، فهم السقماء الضعفاء الذين يحسبون الأصحاء مجرمين وكبار النفوس متمردين، ~~بل هم كالحشرات التي تدب في الظلمة وتخشى الخروج إلى نور النهار كيلا تدوسها أقدام ~~العابرين. # إن السجين المظلوم الذي يستطيع أن يهدم جدران سجنه ولا يفعل يكون جبانا. وسلمى كرامة ~~كانت سجينة مظلومة، ولم تستطع الانعتاق، فهل تلام لأنها كانت تنظر من وراء نافذة السجن إلى ~~الحقول الخضراء والفضاء الواسع؟ هل يحسبها الناس خائنة لأنها كانت تجيء من منزل منصور بك ~~غالب لتجلس بجانبي بين عشتروت المقدسة والجبار المصلوب؟ ليقل الناس ما شاؤوا؛ فسلمى قد ~~اجتازت المستنقعات التي تغمر أرواحهم، وبلغت ذلك العالم الذي لا يبلغه عواء الذئاب وفحيح ~~الأفاعي. وليقل الناس ما أرادوا عني؛ فالنفس التي شاهدت وجه الموت لا تذعرها وجوه اللصوص، ~~والجندي الذي رأى السيوف محتبكة فوق رأسه وسواقي الدماء تجري تحت قدميه لا يحفل بالحجارة ~~التي يرشقه بها صبيان الأزقة. # | التضحية # ففي يوم من أواخر حزيران، وقد ثقلت وطأة الحر في السواحل وطلب الناس أعالي الجبال، سرت ~~كعادتي نحو ذلك المعبد واعدا نفسي بلقاء سلمى كرامة حاملا بيدي كتابا صغيرا من الموشحات ~~الأندلسية التي كانت في ذلك العهد - ولم تزل إلى الآن - تستميل روحي. # بلغت المعبد عند الأصيل، فجلست أرقب الطريق المنسابة بين أشجار الليمون والصفصاف، وأنظر ~~من وقت إلى آخر إلى وجه كتابي هامسا في مسامع الأثير أبيات تلك الموشحات التي تستهوي القلب ~~برشاقة تراكيبها ورنة أوزانها، وتعيد إلى النفس ذكرى أمجاد الملوك والشعراء والفرسان الذين ~~ودعوا غرناطة وقرطبة وإشبيلية تاركين في قصورها ومعاهدها وحدائقها كل ما في أرواحهم ms44 من ~~الآمال والميول ، ثم تواروا وراء حجب الدهر والدمع في أجفانهم والحسرة في أكبادهم. # وبعد ساعة التفت، فإذا بسلمى تميس بقدها النحيل بين الأشجار المحتبكة، وتقترب نحوي ~~مستندة على مظلتها كأنها تحمل كل ما في العالم من الهموم والمتاعب، ولما بلغت باب الهيكل ~~وجلست بقربي نظرت إلى عينيها الكبيرتين، فرأيت فيهما معاني وأسرارا جديدة غريبة توحي ~~التحذر والانتباه، وتثير حب الاستطلاع والاستقصاء. # وشعرت سلمى بما يجول في خاطري، فلم تشأ أن يطول الصراع بين ظنوني وهواجسي، فوضعت يدها على ~~شعري وقالت: اقترب مني، اقترب مني يا حبيبي، اقترب ودعني أزود نفسي منك، فقد دنت الساعة ~~التي تفرقنا إلى الأبد. # فصرخت قائلا: ماذا تقولين يا سلمى؟! وأية قوة تستطيع أن تفرقنا إلى الأبد؟! # فأجابت: إن القوة العمياء التي فرقتنا بالأمس ستفرقنا اليوم. القوة الخرساء التي تتخذ ~~الشرائع البشرية ترجمانا عنها قد بنت بأيدي عبيد الحياة حاجزا منيعا بيني وبينك، القوة ~~التي أوجدت الشياطين وأقامتهم أولياء على أرواح الناس قد حتمت علي أن لا أخرج من ذلك ~~المنزل المبني من العظام والجماجم. # فسألتها قائلا: هل علم زوجك باجتماعاتنا فصرت تخشين غضبه وانتقامه؟ # فأجابت: إن زوجي لا يحفل بي ولا يدري كيف أصرف أيامي؛ فهو مشغول عني بأولئك الصبايا ~~المسكينات اللواتي تقودهن الفاقة إلى أسواق النخاسين فيتعطرن ويكتحلن ليبعن أجسادهن ~~بالخبز المعجون بالدماء والدموع. # فقلت: إذا ماذا يصدك عن المجيء إلى هذا المعبد والجلوس بجانبي أمام هيبة الله وأشباح ~~الأجيال؟ هل مللت النظر إلى خفايا نفسي فطلبت روحك الوداع والتفريق؟ # فأجابت والدمع يراود أجفانها: لا يا حبيبي. إن روحي لم تطلب فراقك لأنك شطرها، ولا ملت ~~عيناي النظر إليك لأنك نورهما. ولكن إذا كان القضاء قد حكم علي أن أسير على عقبات الحياة ~~مثقلة بالقيود وبالسلاسل، فهل أرضى أن يكون نصيبك من القضاء مثل نصيبي؟ # فقلت: تكلمي يا سلمى وأخبريني عن كل شيء، ولا تتركيني ضائعا بين هذه المعميات. # فأجابت: لا أقدر أن أقول كل شيء؛ لأن اللسان الذي أخرسته الأوجاع لا يتكلم، ms45 والشفاه التي ~~ختم عليها اليأس لا تتحرك، وكل ما أقدر أن أقوله لك هو أني أخاف عليك من الوقوع في شرك ~~الذين نصبوا لي الحبائل واصطادوني. # فقلت: ماذا تعنين يا سلمى؟ ومن هم الذين تخافين علي منهم؟ # فسترت وجهها بيدها وتأوهت ملتاعة ثم قالت مترددة: إن المطران بولس غالب قد صار يعلم ~~بأنني أخرج مرة في الشهر من القبر الذي وضعني فيه. # فقلت: وهل علم المطران بأنك تلتقين بي في هذا المكان؟ # فأجابت: لو علم بذلك لما رأيتني الآن جالسة بقربك، ولكن الشكوك تخامره والظنون تتلاعب ~~بأفكاره، وقد بث علي العيون لترقبني، وأوعز إلى خدمه ليتجسسوا حركاتي حتى صرت أشعر بأن ~~للمنزل الذي أسكنه والطرقات التي أسير عليها نواظر تحدق بي وأصابع تشير إلي وآذانا تسمع ~~همس أفكاري. # وأطرقت هنيهة ثم زادت والدمع ينسكب على وجنتيها: أنا لا أخاف على نفسي من المطران؛ لأن ~~الغريق لا يخشى البلل، ولكنني أخاف عليك وأنت حر كنور الشمس أن تقع مثلي في أشراكه، فيقبض ~~عليك بأظافره وينهشك بأنيابه، أنا لا أخاف من الدهر لأنه أفرغ جميع سهامه في صدري، ولكنني ~~أخاف عليك وأنت في ربيع العمر أن تلسع الأفعى قدميك وتوقفك عن المسير نحو قمة الجبل، حيث ~~ينتظرك المستقبل بأفراحه وأمجاده. # فقلت: إن من لا تلسعه أفاعي الأيام وتنهشه ذئاب الليالي يظل مغرورا بالأيام والليالي. ~~ولكن اسمعي يا سلمى، اسمعيني جيدا، أليس أمامنا غير الفراق لنتقي صغارة الناس وشرورهم؟ هل ~~سدت أمامنا سبل الحب والحياة والحرية، فلم يبق غير الاستسلام إلى مشيئة عبيد ~~الموت؟ # فأجابت بلهجة يساورها القنوط والحسرة: لم يبق أمامنا غير الوداع والتفرق. # فأخذت يدها وقد تمردت روحي في داخلي وتبدد الدخان عن شعلة فتوتي، فقلت متهيجا: لقد ~~استسلمنا طويلا إلى أهواء الناس يا سلمى ... منذ تلك الساعة التي جمعتنا حتى الآن ونحن ننقاد ~~إلى العميان ونركع أمام أصنامهم. مذ عرفتك، ونحن في يد المطران بولس غالب مثل كرتين يلعب ~~بنا كيفما أراد، ويقذفنا حيثما شاء، فهل نبقى خاضعين لديه محدقين ms46 بظلمة نفسه حتى يلوكنا ~~القبر وتبتلعنا الأرض؟ هل وهبنا الله نسمة الحياة لنضعها تحت أقدام الموت؟ وأعطانا الحرية ~~لنجعلها ظلا للاستعباد؟ إن من يخمد نار نفسه بيده يكون كافرا بالسماء التي أوقدتها. ومن ~~يصبر على الضيم ولا يتمرد على الظلم يكون حليف البطل على الحق وشريك السفاحين بقتل ~~الأبرياء. قد أحببتك يا سلمى وأحببتني، والحب كنز ثمين يودعه الله النفوس الكبيرة ~~الحساسة، فهل نرمي بكنزنا إلى حظائر الخنازير لتبعثره بأنوفها وتذريه بأرجلها؟ أمامنا ~~العالم مسرحا واسعا مملوءا بالمحاسن والغرائب، فلماذا نسكن في هذا النفق الضيق الذي حفره ~~المطران وأعوانه؟ أمامنا الحياة وما في الحياة من الحرية وما في الحرية من الغبطة والسعادة، ~~فلماذا لا نخلع النير الثقيل عن عاتقينا ونكسر القيود الموثقة بأرجلنا، ونسير إلى حيث ~~الراحة والطمأنينة؟ قومي يا سلمى نذهب من هذا المعبد الصغير إلى هيكل الله الأعظم. هلمي ~~نرحل من هذه البلاد وما فيها من العبودية والغباوة إلى بلاد بعيدة لا تطالها أيدي اللصوص ~~ولا يبلغها لهاث الأبالسة، تعالي نسرع إلى الشاطئ مستترين بوشاح الليل، فنعتلي سفينة ~~تقلنا إلى ما وراء البحار، وهناك نحيا حياة مكتنفة بالطهر والتفاهم، فلا تنفثنا الثعابين ~~بأنفاسها، ولا تدوسنا الضواري بأقدامها. لا تترددي يا سلمى، فهذه الدقائق أثمن من تيجان ~~الملوك وأسمى من سرائر الملائكة. قومي نتبع عمود النور فيقودنا من هذه الصحراء القاحلة إلى ~~حقول تنبت الأزاهر والرياحين. # فهزت رأسها وقد شخصت عيناها بشيء غير منظور في فضاء ~~ذلك الهيكل، وسالت على شفتيها ابتسامة محزنة تعلن ما في داخل نفسها من الشدة والألم، ثم ~~قالت بهدوء: لا، لا يا حبيبي، إن السماء قد وضعت في يدي كأسا مفعمة بالخل والعلقم، وقد ~~تجرعتها صرفا، ولم يبق فيها غير قطرات قليلة سوف أشربها متجلدة لأرى ما في قعر الكأس من ~~الأسرار والخفايا. أما تلك الحياة الجديدة العلوية المكتنفة بالمحبة والراحة والطمأنينة ~~فأنا لا أستحقها ولا أقوى على احتمال أفراحها وملذاتها؛ لأن الطائر المكسور الجناحين يدب ~~متنقلا بين الصخور ولكنه لا يستطيع أن يسبح ms47 محلقا في الفضاء ، والعيون الرمداء تحدق إلى ~~الأشياء الضئيلة ولكنها لا تقوى على النظر إلى الأنوار الساطعة، فلا تحدثني عن السعادة لأن ~~ذكرها يؤلمني كالتعاسة، ولا تصور لي الهناء لأن ظله يخيفني كالشقاء ... # ولكن انظر إلي لأريك الشعلة المقدسة التي أوقدتها السماء بين رماد صدري ... أنت تعلم بأنني ~~أحبك محبة الأم وحيدها، وهي المحبة التي علمتني أن أحميك حتى ومن نفسي. هي المحبة المطهرة ~~بالنار التي توقفني الآن عن اتباعك إلى أقاصي الأرض، وتجعلني أميت عواطفي وميولي لكي تحيا ~~أنت حرا نزيها، وتظل في مأمن من لوم الناس وتقولاتهم الفاسدة. # إن المحبة المحدودة تطلب امتلاك المحبوب، أما المحبة غير المتناهية فلا تطلب غير ذاتها. ~~المحبة التي تجيء بين يقظة الشباب وغفلته تستكفي باللقاء وتقنع بالوصل وتنمو بالقبل ~~والعناق. أما المحبة التي تولد في أحضان اللانهاية وتهبط مع أسرار الليل، فلا تقنع بغير ~~الأبدية، ولا تستكفي بغير الخلود، ولا تقف متهيبة أمام شيء سوى الألوهية ... # عندما عرفت بالأمس أن المطران بولس غالب يريد أن يمنعني عن الخروج من منزل ابن أخيه ~~ويسلبني اللذة الوحيدة التي عرفتها مذ تزوجت، وقفت أمام نافذة غرفتي ونظرت نحو البحر مفكرة ~~بما وراءه من البلاد الواسعة والحرية المعنوية والاستقلال الشخصي، وتخيلت نفسي عائشة بقربك ~~محاطة بأخيلة روحك، مغمورة بانعطافك، ولكن هذه الأحلام التي تنير صدور النساء المظلومات ~~وتجعلهن يتمردن على التقاليد الباطلة ليعشن في ظل الحق والحرية لم تمر في خاطري حتى ~~جعلتني أستصغر نفسي وأستضعفها، وأرى محبتنا واهية محددة لا تستطيع الوقوف أمام وجه الشمس. ~~فبكيت بكاء ملك أضاع ملكه وغني فقد كنوزه، ولكنني ما لبثت أن رأيت وجهك من خلال دموعي، ~~وأبصرت عينيك محدقتين إلي، فتذكرت ما قلته لي مرة وهو: هلمي يا سلمى نقف أمام الأعداء ~~متلقين شفار السيوف بصدورنا، فإن صرعنا نمت كالشهداء وإن تغلبنا نعش كالأبطال؛ لأن ~~عذاب النفس بثباتها أمام المصاعب والمتاعب هو أشرف من تقهقرها إلى حيث الأمن والطمأنينة ~~... # هذه الكلمات قلتها لي يا حبيبي عندما كانت أجنحة الموت ms48 ترفرف حول مضجع والدي، وقد ذكرتها ~~بالأمس وقد كانت أجنحة اليأس تصفق حول رأسي، فتقويت وتشجعت وشعرت وأنا في ظلمة السجن بنوع ~~من الحرية النفسية التي تستهون الشدائد وتستصغر الأحزان، ورأيت حبنا عميقا كالبحر، عاليا ~~كالنجوم، متسعا كالفضاء، وقد جئت اليوم إليك، وفي نفسي المتوجعة المنهوكة قوة جديدة، وهي ~~المقدرة على تضحية الأمر العظيم للحصول على أمر أعظم، تضحية سعادتي بقربك لكي تبقى أنت ~~شريفا بعرف الناس بعيدا عن غدرهم واضطهادهم ... # كنت أجيء بالأمس إلى هذا المكان والقيود الثقيلة تغل قدمي الضعيفتين، أما اليوم فقد جئت ~~شاعرة بعزم يهزأ بثقل القيود ويستقصر الطريق. كنت أجيء مثل طيف طارق خائف، أما اليوم فقد ~~جئت مثل امرأة حية تشعر بوجوب التضحية وتعرف قيمة الأوجاع، وتريد أن تحمي من تحبه من الناس ~~الأغبياء ومن نفسها الجائعة. كنت أجلس حذاءك مثل ظل مرتجف، وقد أتيت اليوم لأريك حقيقتي ~~أمام عشتروت المقدسة ويسوع المصلوب. أنا شجرة نابتة في الظل، وقد مددت أغصاني اليوم لكي ~~ترتعش ساعة في نور النهار ... قد جئت لأودعك يا حبيبي، فليكن وداعنا عظيما وهائلا مثل حبنا، ~~ليكن وداعنا كالنار التي تصهر الذهب لتجعله أشد لمعانا. # ولم تترك لي سلمى مجالا للكلام والاحتجاج، بل نظرت إلي وقد برقت عيناها، فأحاطت أشعتها ~~بوجداني، واتشحت ملامح وجهها بنقاب من الهيبة والجلال، فبانت كمليكة توحي الصمت والتخشع. ~~ثم ارتمت على صدري بانعطاف كلي ما عهدته فيها قبل تلك الساعة، وطوقت عنقي بزندها الأملس، ~~وقبلت شفتي قبلة طويلة عميقة محرقة أيقظت الحياة في جسدي، وأثارت الأسرار الخفية في نفسي، ~~وجعلت الذات الوضعية التي أدعوها «أنا» تتمرد على العالم بأسره لتخضع صامتة أمام الناموس ~~العلوي الذي اتخذ صدر سلمى هيكلا ونفسها مذبحا. ~~••• # ولما غربت الشمس وامحت أشعتها الأخيرة عن تلك الحدائق والبساتين انتفضت سلمى ووقفت في ~~وسط الهيكل، ونظرت طويلا إلى جدرانه وزواياه، كأنها تريد أن تسكب نور عينيها على رسومه ~~ورموزه، ثم تقدمت قليلا وجثت خاضعة أمام صورة يسوع المصلوب، وقبلت قدميه المكلومتين مرات ~~متوالية، ثم ms49 همست قائلة: ها قد اخترت صليبك يا يسوع الناصري، وتركت مسرات عشتروت وأفراحها، ~~قد كللت رأسي بالأشواك بدلا من الغار، واغتسلت بدمي ودموعي بدلا من العطور والطيوب، ~~وتجرعت الخل والعلقم بالكأس التي صنعت للخمر والكوثر، فاقبلني بين تابعيك الأقوياء ~~بضعفهم، وسيرني نحو الجلجلة برفقة مختاريك المستكفين بأوجاعهم المغبوطين على كآبة قلوبهم. # ثم انتصبت والتفتت نحوي قائلة: سأعود الآن فرحة إلى الكهف المظلم حيث تتراكض الأشباح ~~المخيفة، فلا تشفق علي يا حبيبي ولا تحزن من أجلي؛ لأن النفس التي ترى ظل الله مرة لا تخشى ~~بعد ذلك أشباح الأبالسة، والعين التي تكتحل بلمحة واحدة من الملأ الأعلى لا تغمضها أوجاع ~~هذا العالم. # وخرجت سلمى من ذاك المعبد ملتفة بملابسها الحريرية، وتركتني حائرا ضائعا مفكرا ~~مجذوبا إلى مسارح الرؤيا حيث تجلس الآلهة على العروش، وتدون الملائكة أعمال البشر، وتتلو ~~الأرواح مأساة الحياة، وتترنم عرائس الخيال بأناشيد الحب والحزن والخلود. # ولما صحوت من هذه السكرة وكان الليل قد غمر الوجود بأمواجه القاتمة، وجدتني هائما بين ~~تلك البساتين، مسترجعا إلى حافظتي صدى كل كلمة لفظتها سلمى، معيدا إلى نفسي حركاتها ~~وسكناتها وملامح وجهها وملامس يديها، حتى إذا ما اتضحت لي حقيقة الوداع، وما سيجيء من ألم ~~الوحشة ومرارة الشوق، جمدت فكرتي وتراخت خيوط قلبي، وعلمت للمرة الأولى أن الإنسان وإن ولد ~~حرا يظل عبدا لقساوة الشرائع التي سنها آباؤه وأجداده، وأن القضاء الذي نتوهمه سرا ~~علويا هو استسلام اليوم إلى مآتي الأمس، وخضوع الغد إلى ميول اليوم. وكم مرة فكرت منذ تلك ~~الليلة إلى هذه الساعة بالنواميس النفسية التي جعلت سلمى تختار الموت بدلا من الحياة، وكم ~~مرة وضعت نبالة التضحية بجانب سعادة المتمردين، لأرى أيهما أجل وأجمل، ولكنني للآن لم ~~أفهم سوى حقيقة واحدة، وهي أن الإخلاص يجعل جميع الأعمال حسنة وشريفة، وسلمى كرامة كانت ~~الإخلاص متأنسا وصحة الاعتقاد متجسدة. # | المنقذ # ومرت خمسة أعوام على زواج سلمى ولم ترزق ولدا ليوجد بكيانه العلاقة الروحية بينها وبين ~~بعلها، ويقرب بابتسامته نفسيهما المتنافرتين، مثلما يجمع ms50 الفجر أواخر الليل وأوائل النهار. # والمرأة العاقر مكروهة في كل مكان؛ لأن الأنانية تصور لأكثر الرجال دوام الحياة في أجساد ~~الأبناء، فيطلبون النسل ليظلوا خالدين على الأرض. # إن الرجل المادي ينظر إلى زوجته العاقر بالعين التي يرى بها الانتحار البطيء، فيمقتها ~~ويهجرها ويطلب حتفها كأنها عدو غدار يريد الفتك به، ومنصور بك غالب كان ماديا كالتراب ~~وقاسيا كالفولاذ وطامعا كالمقبرة، وكانت رغبته بابن يرث اسمه وسؤدده تكرهه بسلمى ~~المسكينة وتحول محاسنها في عينيه إلى عيوب جهنمية. # إن الشجرة التي تنبت في الكهف لا تعطي ثمرا، وسلمى كرامة كانت في ظل الحياة فلم تثمر ~~أطفالا. إن البلبل لا يحوك عشا في القفص كيلا يورث العبودية لفراخه، وسلمى كرامة كانت ~~سجينة الشقاء، فلم تقسم السماء حياتها إلى أسيرين. إن أزاهر الأودية هي أطفال يلدها انعطاف ~~الشمس وشغف الطبيعة، وأطفال البشر أزاهر يلدها الحب والحنو، فسلمى كرامة لم تشعر قط بأنفاس ~~الحنو وملامس الانعطاف في ذلك المنزل الفخم القائم على شاطئ البحر في رأس بيروت، ولكنها ~~كانت تصلي في سكينة الليالي ضارعة أمام السماء لتبعث إليها بطفل يجفف بأصابعه الوردية ~~دموعها، ويزيل بنور عينيه خيال الموت عن قلبها. # وقد صلت سلمى متوجعة حتى ملأت الفضاء صلاة وابتهالا، وتضرعت مستغيثة حتى بدد صراخها ~~الغيوم، فسمعت السماء نداءها وبثت في أحشائها نغمة مختمرة بالحلاوة والعذوبة، وأعدتها ~~بعد خمسة أعوام من زواجها لتصيرها أما وتمحو ذلها وعارها. # الشجرة النابتة في الكهف قد أزهرت لتثمر. # البلبل المسجون في القفص قد هم ليحوك عشا من ريش جناحيه. # القيثارة التي طرحت تحت الأقدام قد وضعت في مهب نسيم المشرق ليحرك بأمواجه ما بقي من ~~أوتارها. # سلمى كرامة المسكينة قد مدت ذراعيها المكبلتين بالسلاسل لتقتبل موهبة السماء. # وليس بين أفراح الحياة ما يضارع فرح المرأة العاقر عندما تهيئها النواميس الأزلية ~~لتصيرها أما. كل ما في يقظة الربيع من الجمال، وكل ما في مجيء الفجر من المسرة يجتمع ~~بين أضلع المرأة التي حرمها الله ثم أعطاها. # لا يوجد نور أشد سطوعا ms51 وأكثر لمعانا من الأشعة التي يبعثها الجنين السجين في ظلمة ~~الأحشاء. # وكان نيسان قد جاء متنقلا بين الروابي والمنحدرات عندما تمت أيام سلمى لتلد بكرها، وكأن ~~الطبيعة قد وافقتها وعاهدتها، فأخذت تضع حمل أزاهرها وتلف بأقمطة الحرارة أطفال الأعشاب ~~والرياحين. # مضت شهور الانتظار وسلمى تترقب الخلاص مثلما يترقب المسافر طلوع كوكب الصباح، وتنظر إلى ~~المستقبل من وراء دموعها، فتراه مشعشعا، وقد طالما ظهرت الأشياء القاتمة متلمعة من خلال ~~الدموع. # ففي ليلة وقد طافت أشباح الظلام بين تلك المنازل في رأس بيروت، انطرحت سلمى على مضجع ~~المخاض والأوجاع، فانتصب الموت والحياة يتصارعان بجانب فراشها، ووقف الطبيب والقابلة ليقدما ~~إلى هذا العالم ضيفا جديدا، وسكنت حركة عابري الطريق وانخفضت نغمة أمواج البحر، ولم يعد ~~يسمع في ذلك الحي سوى صراخ هائل يتصاعد من نوافذ منزل منصور بك غالب ... صراخ انفصال الحياة ~~عن الحياة ... صراخ محبة البقاء في فضاء اللاشيء والعدم ... صراخ قوة الإنسان المحدودة أمام ~~سكينة القوى غير المتناهية ... صراخ سلمى الضعيفة المنطرحة تحت أقدام جبارين: الموت ~~والحياة. # عندما لاح الفجر ولدت سلمى ابنا، ولما سمعت إهلاله فتحت عينيها المغلقتين بالألم، ونظرت ~~حواليها، فرأت الأوجه متهللة في جوانب تلك الغرفة ... ولما نظرت ثانية رأت الحياة والموت ما ~~زالا يتصارعان بقرب مضجعها، فعادت وأغمضت عينيها وصرخت لأول مرة: يا ولدي. # ولفت القابلة الطفل بالأقمطة ووضعته حذاء أمه، أما الطبيب فظل ينظر بعينين حزينتين نحو ~~سلمى ويهز رأسه صامتا بين الدقيقة والأخرى. # وأيقظت نغمة الفرح بعض الجيران فجاؤوا بملابس النوم ليهنئوا الوالد بولده. أما الطبيب ~~فبقي ينظر بعينين كئيبتين نحو الوالدة وطفلها. # وأسرع الخدم نحو منصور بك ليبشروه بقدوم وريثه ويملئوا أيديهم من عطاياه. أما الطبيب فلبث ~~واقفا ينظر بعينين يائستين إلى سلمى وابنها. # ولما طلعت الشمس قربت سلمى ولدها من ثديها ففتح عينيه لأول مرة ونظر في عينيها واختلج ~~وأغمضها لآخر مرة، فدنا الطبيب وأخذه من بين ذراعيها، وانسكبت على وجنتيه دمعتان كبيرتان ثم ~~همس في سره قائلا: هو زائر راحل! # مات الطفل ms52 وسكان الحي يفرحون مع الوالد في القاعة الكبرى ويشربون نخبه ليعيش طويلا، ~~وسلمى المسكينة تحدق إلى الطبيب وتصرخ قائلة: أعطني ولدي لأضمه، ثم تحدق ثانية فترى الموت ~~والحياة يتصارعان بجانب سريرها. # مات الطفل ورنات الكؤوس تنمو وتتكاثر بين أيدي الفرحين بمجيئه. # ولد مع الفجر، ومات عند طلوع الشمس، فأي بشري يستطيع أن يقيس الزمن ليخبرنا ما إذا كانت ~~الساعة التي تمر بين مجيء الفجر وطلوع الشمس هي أقصر من الدهر الذي يمر بين ظهور الأمم ~~وتواريها؟ # ولد كالفكر، ومات كالتنهدة، واختفى كالظل، فأذاق سلمى كرامة طعم الأمومة، ولكنه لم يبق ~~ليسعدها ويزيل يد الموت عن قلبها. # حياة قصيرة ابتدأت بنهاية الليل وانقضت بابتداء النهار، فكانت مثل قطرة الندى التي تسكبها ~~أجفان الظلام ثم تجففها ملامس النور. # كلمة لفظتها النواميس الأزلية، ثم ندمت عليها وأعادتها إلى سكينة الأبدية ... # لؤلؤة قذفها المد إلى الشاطئ ثم جرفها الجزر إلى الأعماق ... # زنبقة ما انبثقت من أكمام الحياة حتى انسحقت تحت أقدام الموت ... # ضيف عزيز ترقبت سلمى قدومه، ولكنه ما حل حتى ارتحل، وما فتح مصراعي الباب حتى اختفى. # جنين ما صار طفلا حتى صار ترابا ... وهذه حياة الإنسان بل حياة الشعوب، بل حياة الشموس ~~والأقمار والكواكب ... وحولت سلمى عينيها نحو الطبيب، وتنهدت بشوق جارح ثم صرخت قائلة: ~~أعطني ابني لأضمه بذراعي ... أعطني ولدي لأرضعه ... # فنكس الطبيب رأسه وقال والغصات تخرسه: قد مات طفلك يا سيدتي فتجلدي وتصبري لكي تعيشي ~~بعده. # فصرخت سلمى بصوت هائل، ثم سكتت هنيهة، ثم ابتسمت ابتسامة فرح ومسرة، ثم تهلل وجهها وكأنها ~~عرفت شيئا لم تكن تعرفه وقالت بهدوء: أعطني جثة ولدي ... قربه مني ميتا. # فحمل الطبيب الطفل الميت ووضعه بين ذراعيها، فضمته إلى صدرها وحولت وجهها نحو الحائط ~~وقالت تخاطبه: قد جئت لتأخذني يا ولدي. جئت لتدلني على الطريق المؤدية إلى الساحل. ها أنا ~~ذا يا ولدي فسر أمامي لنذهب من هذا الكهف المظلم. # وبعد دقيقة دخلت أشعة الشمس من بين ستائر النافذة، وانسكبت على جسدين هامدين منطرحين على ms53 ~~مضجع تخفره هيبة الأمومة وتظلله أجنحة الموت. # فخرج الطبيب باكيا من تلك الغرفة، ولما بلغ القاعة الكبرى تبدلت تهاليل المهنئين ~~بالصراخ والعويل. أما منصور بك غالب فلم يصرخ ولم يتنهد ولم يذرف دمعة ولم يفه بكلمة، بل ~~لبث جامدا منتصبا كالصنم قابضا بيمينه على كأس الشراب. ~~••• # في اليوم التالي كفنت سلمى بأثواب عرسها البيضاء، ووضعت في تابوت موشى بالمخمل ~~الناصع. أما طفلها فكانت أكفانه أقمطته وتابوته ذراعي أمه وقبره صدرها الهادئ. # حملوا الجثتين في نعش واحد، ومشوا ببطء متلف يشابه طرقات القلوب في صدور المنازعين، فسار ~~المشيعون وسرت بينهم، وهم لا يعرفونني ولا يدرون ما بي. # بلغوا المقبرة فانتصب المطران بولس غالب يرتل ويعزم، ووقف الكهان حوله ينغمون ويسبحون، ~~وعلى وجوههم الكالحة نقاب من الخلو والغفول. # ولما أنزلوا التابوت إلى أعماق الحفرة همس أحد الواقفين قائلا: هذه أول مرة رأيت فيها ~~جسدين يضمهما تابوت واحد ... # وقال آخر: كأن طفلها قد جاء ليأخذها وينقذها من مظالم زوجها وقساوته. # وقال آخر: تأملوا بوجه منصور بك فهو ينظر إلى الفضاء بعينين زجاجيتين كأنه لم يفقد زوجته ~~وطفله في يوم واحد. # وقال آخر: غدا يزوجه عمه المطران ثانية من امرأة أخرى أوفر ثروة وأقوى جسما. # وظل الكهان يرتلون ويسبحون حتى فرغ حفار القبور من ردم الحفرة، فأخذ المشيعون إذ ذاك ~~يقتربون واحدا واحدا من المطران وابن أخيه، يصبرونهما ويؤاسونهما بمستعذبات الكلام، أما ~~أنا فبقيت واقفا منفردا وحدي، وليس من يعزيني على مصيبتي، كأن سلمى وطفلها لم يكونا ~~أقرب الناس إلي. # عاد المشيعون وبقي حفار القبور منتصبا بجانب القبر الجديد وفي يده رفشه ومحفره، فدنوت ~~منه وسألته قائلا: أتذكر أين قبر فارس كرامة؟ # فنظر إلي طويلا ثم أشار نحو قبر سلمى وقال: في هذه الحفرة قد مددت ابنته على صدره، ~~وعلى صدر ابنته مددت طفلها وفوق الجميع قد وضعت التراب بهذا الرفش. # فأجبته: وفي هذه الحفرة أيضا قد دفنت قلبي أيها الرجل، فما أقوى ساعديك! # ولما توارى حفار القبور وراء أشجار السرو، خانني الصبر والتجلد ms54 فارتميت على قبر سلمى ~~أبكيها وأرثيها. ms55