######OpenITI# #META# URI: 1349JibranKhalilJibran.ArwahMutamarrida.Hindawi91827302 #META# Tags: novels #META# ID: 91827302 #META# Title: الأرواح المتمردة #META# AuthorID: 85274958 #META# Author: جبران خليل جبران #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # إهداء‏ # السيدة وردة‏ # وردة الهاني‏ # صراخ القبور‏ # مضجع العروس1‏ # خليل الكافر‏ # إهداء‏ # السيدة وردة‏ # وردة الهاني‏ # صراخ القبور‏ # مضجع العروس1‏ # خليل الكافر‏ # | الأرواح المتمردة # | الأرواح المتمردة # تأليف # جبران خليل جبران # | إهداء # إلى الروح التي عانقت روحي، إلى القلب الذي سكب أسراره في قلبي، إلى اليد التي أوقدت ~~شعلة عواطفي. أرفع هذا الكتاب. # جبران # | السيدة وردة # | وردة الهاني # 1 # ما أتعس الرجل الذي يحب صبية من بين الصبايا ويتخذها رفيقة لحياته، ويهرق على ~~قدميها عرق جبينه ودم قلبه، ويضع بين كفيها ثمار أتعابه وغلة اجتهاده، ثم ~~ينتبه فجأة فيجد قلبها الذي حاول ابتياعه بمجاهدة الأيام وسهر الليالي قد أعطي ~~مجانا لرجل آخر ليتمتع بمكنوناته ويسعد بسرائر محبته! # وما أتعس المرأة التي تستيقظ من غفلة الشبيبة، فتجد ذاتها في منزل رجل يغمرها ~~بأمواله وعطاياه ويسربلها بالتكريم والمؤانسة، لكنه لا يقدر أن يلامس قلبها بشعلة ~~الحب المحيية، ولا يستطيع أن يشبع روحها من الخمرة السماوية التي يسكبها الله من ~~عيني الرجل في قلب الامرأة! ~~••• # عرفت رشيد بك نعمان منذ حداثتي، وهو رجل لبناني الأصل بيروتي المولد والدار متحدر ~~من أسرة قديمة غنية موصوفة بالمحافظة على ذكر الأمجاد الغابرة، فكان مولعا بسرد ~~الحوادث التي تبين نبالة آبائه وجدوده، متبعا بمعيشته عقائدهم وتقاليدهم منصرفا ~~إلى تقليدهم في العادات والأزياء الغربية المرفرفة كأسراب الطيور في فضاء ~~الشرق. # وكان رشيد بك طيب القلب، كريم الأخلاق لكنه كالكثيرين من سكان سوريا لا ينظر إلى ~~ما وراء الأشياء بل إلى الظاهر منها، ولا يصغي إلى نغمة نفسه بل يشغل عواطفه ~~باستماع الأصوات التي يحدثها محيطه، ويلهي أمياله ببهرجة المرئيات التي تعمي ~~البصيرة عن أسرار الحياة وتحول النفس عن إدراك خفايا الكيان إلى ملاحظة ~~الملذات الوقتية، وكان من أولئك الرجال الذين يتسرعون بإظهار محبتهم أو مقتهم ~~للناس وللأشياء، ثم يندمون على تسرعهم بعد فوات الوقت عندما تصير الندامة مجلبة ~~للسخرية والاستهزاء بدلا من العفو والغفران. # هذه هي الصفات والأخلاق التي جعلت رشيد بك نعمان يقترن بالسيدة وردة الهاني قبل ~~أن ms01 تضم نفسها نفسه في ظل المحبة الحقيقية التي تجعل الحياة الزوجية نعيما. ~~••• # غبت عن بيروت بضعة أعوام، ولما رجعت إليها ذهبت لزيارة رشيد، فوجدته ضعيف الجسد ~~مكمد اللون، تتمايل على سحنته المنقبضة أشباح الأحزان، وتنبعث من عينيه الحزينتين ~~نظرات موجعة تتكلم بالسكينة عن انسحاق قلبه وظلمة صدره، وبعيد أن بحثت في محيطه ~~ولم أجد أسباب نحوله وانقباضه سألته قائلا: «ما أصابك أيها الرجل؟ وأين تلك ~~البشاشة التي كانت تنبعث كالشعاع من وجهك؟ وأين ذهب ذاك السرور الذي كان ملاصقا ~~شبيبتك؟ هل فصل الموت بينك وبين صديق عزيز، أم سلبتك الليالي السوداء مالا ~~جمعته في الأيام البيضاء؟ قل لي بحق الصداقة ما هذه الكآبة المعانقة نفسك، وهذا ~~النحول المالك جسدك؟» # فنظر إلي نظرة متأسف أرته الذكرى رسوم أيام جميلة ثم حجبتها، وبصوت تتموج في ~~مقاطعه معاني اليأس والقنوط قال: «إذا فقد المرء صديقا عزيزا والتفت حوله يجد ~~الأصدقاء الكثيرين فيتصبر ويتعزى، وإذا خسر الإنسان مالا وفكر قليلا رأى ~~النشاط الذي أتى بالمال سيأتي بمثله فينسى ويسلو، ولكن إذا أضاع الرجل راحة قلبه ~~فأين يجدها؟! وبم يستعيض عنها؟ يمد الموت يده ويصفعك بشدة، فتتوجع ولكن لا يمر ~~يوم وليلة حتى تشعر بملامس أصابع الحياة فتبتسم وتفرح، يجيئك الدهر على حين غفلة ~~ويحدق بك بأعين مستديرة مخيفة، ويقبض على عنقك بأظافر محددة ويطرحك بقساوة على ~~التراب ويدوسك بأقدامه الحديدية، ويذهب ضاحكا ثم لا يلبث أن يعود إليك نادما ~~مستغفرا، فينتشلك بأكفه الحريرية، ويغني لك نشيد الأمل، فينزل بك مصائب كثيرة ~~ومتاعب أليمة تأتيك مع خيالات الليل تضمحل أمامك بمجيء الصباح، وأنت شاعر ~~بعزيمتك متمسك بآمالك، ولكن إذا كان نصيبك من الوجود طائرا تحبه وتطعمه حبات ~~قلبك وتسقيه نور أحداقك، وتجعل ضلوعك له قفصا ومهجتك عشا، وبينما أنت تنظر إلى ~~طائرك وتغمر ريشه بشعاع نفسك إذ به قد فر من بين يديك، وطار حتى حلق السحاب ثم ~~هبط نحو قفص آخر وما من سبيل إلى رجوعه، فماذا تفعل إذ ذاك أيها الرجل، قل لي ms02 ماذا ~~تفعل وأين تجد الصبر والسلوان، وكيف تحيي الآمال والأماني؟» # لفظ رشيد بك الكلمات الأخيرة بصوت مخنوق متوجع، ووقف على أقدامه مرتجفا كقصبة في ~~مهب الريح، ومد يديه إلى الأمام كأنه يريد أن يقبض بأصابعه المعوجة على شيء ~~ليمزقه إربا إربا، وقد تصاعد الدم إلى وجهه وصبغ بشرته المتجعدة بلون ~~قاتم، وكبرت عيناه وجمدت أجفانه، وأحدق دقيقة كأنه رأى أمامه عفريتا قد ~~انبثق من العدم وجاء ليميته، ثم نظر إلي وقد تغيرت ملامحه بسرعة وتحول الغضب ~~والحنق في جسده المهزول إلى التوجع والألم وقال باكيا: «هي المرأة، المرأة التي ~~أنقذتها من عبودية الفقر، وفتحت أمامها خزائني وجعلتها محسودة بين النساء على ~~الملابس الجميلة، والحلي الثمينة والمركبات الفخمة، والخيول المطهمة. المرأة التي ~~أحبا قلبي، وسكب على أقدامها عواطفه ومالت إليها نفسى فغمرتها بالمواهب ~~والعطايا. المرأة التي كنت لها صديقا ودودا ورفيقا مخلصا وزوجا أمينا قد ~~خانتني وغادرتني وذهبت إلى بيت رجل آخر لتعيش معه في ظلال الفقر، وتشاركه بأكل ~~الخبز المعجون بالعار، وشرب الماء الممزوج بالذل والعيب. المرأة التي أحببتها، ~~الطائر الجميل الذي أطعمته حبات قلبي، وأسقيته نور أحداقي وجعلت ضلوعي له قفصا، ~~ومهجتي عشا قد فر من بين يدي وطار إلى قفص آخر محبوك من قضبان العوسج؛ ليأكل ~~فيه الحسك والديدان، ويشرب من جوانبه السم والعلقم. الملاك الطاهر الذي أسكنته ~~فردوس محبتي وانعطافي قد انقلب شيطانا مخيفا، وهبط إلى الظلمة ليتعذب بآثامه ~~ويعذبني بجريمته.» # وسكت الرجل وقد حجب وجهه بكفيه كأنه يريد أن يحمي نفسه من نفسه ثم تنهد ~~قائلا: «هذا كل ما أقدر أن أقوله، فلا تسألني أكثر من ذلك، ولا تجعل لمصيبتي ~~صوتا صارخا بل دعها مصيبة خرساء لعلها تنمو بالسكينة فتميتني وتريحني.» # فقمت من مكاني والدموع تراود أجفاني والشفقة تسحق قلبي، ثم ودعته ساكتا لأنني لم ~~أجد في الكلام معنى يعزي قلبه الجريح ولا في الحكمة شعلة تنير نفسه المظلمة. # 2 # بعد أيام التقيت لأول مرة بالسيدة وردة الهاني في بيت حقير محاط بالزهور ~~والأشجار، وكانت قد ms03 سمعت لفظ اسمى في منزل رشيد بك نعمان، ذلك الرجل الذي داست قلبه ~~وتركته ميتا بين حوافر الحياة، ولما رأيت عينيها المنيرتين وسمعت نغمة صوتها ~~الرخيمة، قلت في ذاتي: «أتقدر هذه المرأة أن تكون شريرة؟ وهل بإمكان هذا الوجه ~~الشفاف أن يستر نفسا شنيعة وقلبا مجرما؟ أهذه هي الزوجة الخائنة؟ أهذه هي المرأة ~~التي جنيت عليها مرات عديدة بتصورها لفكري كثعبان مخيف مختبئ في جسم طائر بديع ~~الشكل؟» ولكني رجعت وهمست في سري قائلا: «إذا أي شيء ذلك الرجل تعسا إذا لم يكن ~~هذا الوجه الجميل؟ أولم نسمع ونر أن المحاسن الظاهرة كانت سببا لمصائب خفية ~~هائلة وأحزان عميقة أليمة؟ أوليس القمر الذي يسكب في قرائح الشعراء شعاعا هو ~~القمر الذي يهيج سكينة البحار بالمد والجزر.» # جلست وجلست السيدة وردة وكأنها قد سمعتني مفتكرا، فلم ترد أن يطول الصراع بين ~~حيرتي وظنوني، فأسندت رأسها الجميل بيدها البيضاء وبصوت يحاكي نغمة الناي رقة ~~قالت: «لم ألتق بك قبل الآن أيها الرجل، ولكني سمعت صدى أفكارك وأحلامك من أفواه ~~الناس، فعرفتك شفوقا على المرأة المظلومة، رؤوفا بضعفها، خبيرا بعواطفها ~~وميولها؛ من أجل ذلك أريد أن أبسط لك قلبي وأفتح أمامك صدري لترى مخبآته وتخبر ~~الناس إن شئت بأن وردة الهاني لم تكن قط امرأة خائنة شريرة ... # كنت في الثامنة عشرة من عمري عندما قادني القدر إلى رشيد بك نعمان، وكان هو إذ ~~ذاك قريبا من الأربعين فشغف بي، ومال إلي ميلا شريفا كما يقول الناس، ثم جعلني ~~زوجة له وسيدة في منزله الفخم بين خدامه الكثيرين، فألبسني الحرير وزين ~~رأسي وعنقي ومعصمي بالجواهر والحجارة الكريمة، وكان يعرضني كتحفة غريبة في منازل ~~أصدقائه ومعارفه، ويبتسم ابتسامة الفوز والانتصار عندما يرى عيون أترابه ناظرة ~~إلي بإعجاب واستحسان، ويرفع رأسه تيها وافتخارا إذ يسمع نساء أصحابه ~~يتكلمن عني بالإطراء والمودة، لكنه لم يكن يسمع قول السائل: «أهذه زوجة رشيد ~~بك أم هي صبية تبناها؟» وقول الآخر: «لو تزوج رشيد بك في زمن الشباب لكان ~~بكره ms04 أكبر سنا من وردة الهاني.» # جرى كل ذلك قبل أن تستيقظ حياتي من سبات الحداثة العميق، وقبل أن توقد الآلهة ~~المحبة في قلبي، وقبل أن تنبت بذور العواطف والأميال في صدري، نعم جرى كل ذلك عندما ~~كنت أحسب منتهى السعادة في ثوب جميل يزين قامتي، ومركبة فخمة تجرني ورياش ثمينة ~~تحيط بي، ولكن عندما استيقظت، عندما استيقظت وفتح النور أجفاني، وشعرت بألسنة النار ~~المقدسة تلسع أضلعي وتحرقها، وبالمجاعة الروحية تقبض على نفسي فتوجعها، عندما ~~استيقظت ورأيت أجنحتي تتحرك يمينا وشمالا، وتريد النهوض بي إلى سماء المحبة، ثم ~~ترتجف وترتخي عجزا بجانب سلاسل الشريعة التي قيدت جسدي قبل أن أعرف كنه تلك ~~القيود، ومفاد تلك الشريعة. # عندما استيقظت وشعرت بهذه الأشياء عرفت بأن سعادة المرأة ليست بمجد الرجل وسؤدده، ~~ولا بكرمه وحلمه، بل بالحب الذي يضم روحها إلى روحه، ويسكب عواطفها في كبده ويجعلها ~~ويجعله عضوا واحدا من جسم الحياة وكلمة واحدة على شفتي الله، عندما بانت هذه ~~الحقيقة الجارحة لبصيرتي رأيتني في منزل رشيد نعمان مثل لص سارق يأكل خبزه، ثم ~~يستتر بظلام الليل، وعرفت أن كل يوم أصرفه بقربه هو كذبة هائلة يخطها الرياء بأحرف ~~نارية ظاهرة على جبهتي أمام الأرض والسماء؛ لأنني لم أقدر أن أهبه محبة قلبي لقاء ~~كرمه، ولا أن أمنحه انعطاف نفسي ثمنا لإخلاصه وصلاحه، وقد حاولت - وباطلا حاولت ~~- أن أتعلم محبته فلم أتعلم؛ لأن المحبة هي قوة تبتدع قلوبنا، وقلوبنا لا تقدر ~~أن تبتدعها، ثم صليت وتضرعت، وباطلا تضرعت وصليت في سكينة الليالي أمام السماء ~~لتولد في أعماقي عاطفة روحية تقربني من الرجل الذي اختارته رفيقا لي، فلم تفعل ~~السماء؛ لأن المحبة تهبط على أرواحنا بإيعاز من الله لا بطلب من البشر. # وهكذا بقيت عامين كاملين في منزل ذلك الرجل أحسد عصافير الحقل على حريتها، ~~وبنات جنسي يحسدنني على سجني، وكالثكلى الفاقدة وحيدها كنت أندب قلبي الذي ~~ولد بالمعرفة، واعتل بالشريعة، وكان يموت في كل يوم جوعا وعطشا، ففي يوم من ~~تلك الأيام السوداء ms05 نظرت من وراء الظلمة ، فرأيت شعاعا لطيفا ينسكب من عيني ~~فتى يسير وحده على سبل الحياة، ويعيش منفردا بين أوراقه وكتبه في هذا البيت ~~الحقير، فأغمضت عيني كي لا أرى ذلك الشعاع وقلت لنفسي: «نصيبك يا نفس ظلمة ~~القبر فلا تطمعي بالنور.» ثم أصغيت فسمعت نغمة علوية تهز جوارحي بعذوبتها، وتمتلك ~~كليتي بطهرها فأغلقت أذني وقلت: «نصيبك يا نفس صراخ الهاوية فلا تطمعي ~~بالأغاني.» ... أغمضت أجفاني كي لا أرى، وأغلقت أذني كي لا أسمع، لكن عيني ~~ظلتا تريان ذلك الشعاع، وهما مطبقتان، وأذني تسمعان تلك النغمة، ~~وهما معلقتان فخفت لأول وهلة خوف فقير وجد جوهرة بقرب قصر الأمير، فلم يجسر أن ~~يلتقطها لخوفه، ولم يقدر أن يتركها لفاقته، وبكيت بكاء ظامئ رأى الينبوع العذب ~~محاطا بكواسر الغاب، فارتمى على الأرض مترقبا جازعا.» # وسكتت السيدة وردة دقيقة وقد أغمضت عينيها الكبيرتين كأن ذلك الماضي قد انتصب ~~أمامها، فلم تجسر أن تحدق بي وجها لوجه، ثم عادت وقالت: «هؤلاء البشر الذين ~~يجيئون من الأبدية ويعودون إليها قبل أن يذوقوا طعم الحياة الحقيقية لا يمكنهم أن ~~يدركوا كنه أوجاع المرأة عندما تقف نفسها بين رجل تحبه بإرادة السماء، ورجل ~~تلتصق به بشريعة الأرض. # هي مأساة أليمة مكتوبة بدماء الأنثى ودموعها، يقرؤها الرجل ضاحكا؛ لأنه لا ~~يفهمها وإن فهمها انقلب ضحكه فجورا وقساوة، وأنزل على رأس المرأة من غضبه نارا ~~وكبريتا وملأ أذنيها لعنا وتجديفا، هي رواية موجعة تمثلها الليالي السوداء بين ~~ضلوع كل امرأة تجد جسدها مقيدا بمضجع رجل عرفته زوجا قبل أن تعرف ما هي الزيجة، ~~وترى روحها مرفرفة حول آخر تحبه بكل ما في الروح من المحبة، وبكل ما في المحبة ~~من الطهر والجمال، هو نزاع مخيف قد ابتدأ منذ ظهور الضعف في المرأة والقوة في ~~الرجل، ولا ينتهي حتى تنقضي أيام عبودية الضعف للقوة، هي حرب هائلة بين شرائع ~~الناس الفاسدة، وعواطف القلب المقدسة قد طرحت بالأمس في ساحتها وكدت أموت ~~جزعا وأذوب دموعا، لكنني وقفت ونزعت عني جبانة بنات ms06 جنسي، وحللت جناحي من ربط ~~الضعف والاستسلام، وطرت في فضاء الحب والحرية وأنا سعيدة الآن بقرب الرجل الذي خرج ~~وخرجت شعلة واحدة من يد الله قبيل ابتداء الدهور، ولا توجد قوة في هذا العالم ~~تستطيع أن تسلبني سعادتي؛ لأنها منبثقة من عناق روحين يضمهما التفاهم ويظللهما ~~الحب.» # ونظرت إلي السيدة وردة نظرة معنوية كأنها تريد أن تخترق صدري بعينيها؛ لترى ~~تأثير كلامها في عواطفي، وتسمع صدى صوتها من بين ضلوعي، لكنني بقيت صامتا كي لا ~~أوقفها عن الكلام، فقالت وقد قارن صوتها بين مرارة الذكرى وحلاوة الخلاص والحرية: ~~«يقول لك الناس إن وردة الهاني امرأة خائنة جحودة قد اتبعت شهوة قلبها، وهجرت الرجل ~~الذي رفعها إليه وجعلها سيدة في منزله. # ويقولون لك: هي زانية عاهرة قد أتلفت بمقابضها القذرة إكليل الزواج المقدس الذي ~~ضفرته الديانة، واتخذت عوضا عنه إكليلا وسخا محبوكا من أشواك الجحيم، وألقت عن ~~جسدها ثوب الفضيلة وارتدت بلباس الإثم والعار، ويقولون لك أكثر من ذلك لأن أشباح ~~جدودهم مازالت حية في أجسادهم، فهم مثل كهوف الأودية الخالية يرجعون صدى أصوات ~~ولا يفهمون معناها، هم لا يعرفون شريعة الله في مخلوقاته، ولا يفقهون مفاد الدين ~~الحقيقي، ولا يعلمون متى يكون الإنسان خاطئا أو بارا، بل ينظرون بأعينهم الضئيلة ~~إلى ظواهر الأعمال، ولا يرون أسرارها فيقضون بالجهل ويدينون بالعماوة، ويستوي ~~أمامهم المجرم والبريء والصالح والشرير، فويل لمن يقضي وويل لمن يدين، أنا كنت ~~زانية وخائنة في منزل رشيد نعمان؛ لأنه جعلني رفيقة مضجعه بحكم العادات والتقاليد ~~قبل أن تصيرني السماء قرينة له بشريعة الروح والعواطف، وكنت دنسة ودنيئة أمام ~~نفسي وأمام الله عندما كنت أشبع جوفي من خيراته ليشبع أمياله من جسدي، أما الآن ~~فصرت طاهرة نقية؛ لأن ناموس الحب قد حررني، وصرت شريفة وأمينة لأنني أبطلت بيع جسدي ~~بالخبز وأيامي بالملابس، نعم كنت زانية ومجرمة عندما كان الناس يحسبونني زوجة ~~فاضلة، واليوم صرت طاهرة وشريفة، وهم يحسبونني عاهرة دنسة؛ لأنهم يحكمون على النفوس ~~من مآتي الأجساد ويقيسون الروح ms07 بمقاييس المادة.» # والتفتت السيدة وردة نحو النافذة وأشارت بيمينها نحو المدينة ورفعت صوتها عن ذي ~~قبل، وقالت بلهجة الاحتقار والاشمئزاز كأنها رأت بين الأزقة وعلى السطوح ~~وفي الأروقة أشباح المفاسد وخيالات الانحطاط: «انظر إلى هذه المنازل الجميلة ~~والقصور الفخمة العالية حيث يسكن الأغنياء والأقوياء من البشر، فبين جدرانها ~~المكسوة بالحرير المنسوج تقطن الخيانة بجانب الرياء، وتحت سقوفها المطلية بالذهب ~~المذوب يقيم الكذب بقرب التصنع، انظر وتأمل جيدا بهذه البنايات التي تمثل لك ~~المجد والسؤدد والسعادة، فهي ليست سوى مغائر يختبئ فيها الذل والشقاء والتعاسة، هي ~~قبور مكلسة يتوارى فيها مكر المرأة الضعيفة وراء كحل العيون واحمرار الشفاه، ~~وتنحجب في زواياها أنانية الرجل وحيوانيته بلمعان الفضة والذهب، هي قصور تتشامخ ~~جدرانها تيها وافتخارا نحو العلاء، ولو كانت تشعر بأنفاس المكاره والغش السائلة ~~عليها لتشققت وتبعثرت وهبطت إلى الحضيض، هي منازل ينظر إليها القروي الفقير بأعين ~~دامعة، ولو علم بأنه لا يوجد في قلوب سكانها ذرة من تلك المحبة العذبة التي ~~تملأ صدر رفيقته لابتسم مستهزئا وعاد إلى حقله مشفقا.» # وأمسكت السيدة وردة بيدي وقادتني إلى جانب النافذة التي كانت تنظر منها نحو تلك ~~المنازل والقصور، وقالت: «تعال فأريك خفايا هؤلاء الناس الذين لم أرض أن أكون ~~مثلهم، انظر إلى ذلك القصر ذي الأعمدة الرخامية والجوانح النحاسية، والنوافذ ~~البلورية ففيه يسكن رجل غني ورث ماله عن والده البخيل، واكتسب أخلاقه من جوانب ~~الأزقة المفعمة بالمفاسد، وقد تزوج منذ عامين بامرأة لم يعرف عنها شيئا ~~سوى أن لوالدها شرفا موروثا ومنزلة رفيعة بين نبلاء البلاد، ولم ينقض شهر العسل ~~حتى ملها متضجرا، وعاد إلى مسامرة بنات الهوى، وتركها في هذا القصر مثلما يترك ~~السكير جرة خمر فارغة، فبكت وتوجعت لأول وهلة ثم تصبرت وسلت سلو من عرف ~~خطأه، وعلمت بأن دموعها هي أثمن من أن تهرق على خسارة رجل مثل زوجها، وهي الآن ~~مشغولة عن كل شيء بعشق فتى جميل الوجه حلو الحديث تسكب في راحتيه عواطف قلبها، ~~وتملأ جيوبه من ذهب بعلها ms08 الذي يغض الطرف عنها ؛ لأنها تغض الطرف عنه ... # ثم انظر إلى ذلك البيت المحاط بالحديقة الغناء، فهو مسكن رجل ينتمي إلى أسرة ~~شريفة حكمت البلاد مدة طويلة، وقد انخفض مقامها اليوم بتوزيع ثروتها وانصراف ~~أبنائها إلى التواني والكسل، وقد اقترن هذا الرجل منذ أعوام بفتاة قبيحة الصورة ~~لكنها غنية جدا، وبعد استيلائه على ثروتها الطائلة نسي وجودها، واتخذ له خليلة ~~حسناء وغادرها تنهش أصابعها ندما، وتذوب شوقا وحنينا، وهي الآن تصرف الساعات ~~بتجعيد شعرها، وتكحيل عينيها وتلوين وجهها بالمساحيق والعقاقير، وتزين قامتها ~~بالأطالس والحرير لعلها تحظى بنظرة من أحد زائريها لكنها لا تحصل إلا على نظرات ~~شبحها في المرآة ... # ثم انظر إلى ذلك المنزل الكبير المزين بالنقوش والتماثيل، فهو منزل امرأة جميلة ~~الوجه خبيثة النفس قد مات زوجها الأول، فاستأثرت بأمواله وأملاكه ثم اختارت من بين ~~الرجال رجلا ضعيف الجسم والإرادة، واتخذته بعلا لتحتمي باسمه من ألسنة الناس ~~وتدافع بوجوده عن منكراتها، وهي الآن بين مريديها كالنحلة تمتص من الزهور ما كان ~~حلوا ولذيذا، وانظر إلى تلك الدار ذات الأروقة الوسيعة والقناطر البديعة، فهي ~~مسكن رجل مادي الأميال كثير المشاغل والمطامع وله زوجة كل ما في جسدها جميل وحسن، ~~وكل ما في روحها حلو ولطيف، وقد تمازجت في شخصها عناصر النفس بدقائق الجسد مثلما ~~تتآلف في الشعر نغمة الوزن برقة المعاني، فهي قد كونت لتعيش بالحب وتموت به، ~~لكنها كالكثيرات من بنات جنسها قد جنى عليها والدها قبل بلوغها الثامنة عشرة من ~~عمرها، ووضع عنقها تحت نير الزيجة الفاسدة، وهي الآن سقيمة الجسم تذوب كالشمع ~~بحرارة عواطفها المقيدة، وتضمحل على مهل كالرائحة الزكية أمام العاصفة، وتفنى حبا ~~بشيء جميل تشعر به ولا تراه وتصبو حنينا إلى معانقة الموت لتتخلص من حياتها ~~الجامدة وتتحرر من عبودية رجل يصرف الأيام بجمع الدنانير والليالي بعدها، ويصر ~~أسنانه مجدفا على الساعة التي تزوج فيها بامرأة عاقر لا تلد له ابنا ليحيي ~~اسمه ويرث ماله وخيراته ... ثم انظر إلى ذلك البيت المنفرد بين البساتين فهو ms09 مسكن ~~شاعر خيالي، سامي الأفكار، روحي المذهب له زوجة غليظة العقل، خشنة الطباع، تسخر ~~بأشعاره؛ لأنها لا تفهمها وتستهزئ بأعماله لأنها غريبة، وهو الآن مشغول عنها بمحبة ~~امرأة أخرى متزوجة تتوقد ذكاء، وتسيل رقة وتولد في قلبه النور بانعطافها، وتوحي ~~إليه الأقوال الخالدة بابتساماتها ونظراتها.» # وسكتت السيدة وردة هنيهة، وقد جلست على مقعد بجانب النافذة كأن نفسها قد ~~تعبت من التجول في مخادع تلك المنازل الخفية، ثم عادت تقول بهدوء: «هذه هي القصور ~~التي لم أرض أن أكون من سكانها، هذه هي القبور التي لم أرد أن أدفن حية طي ~~لحودها، هؤلاء هم الناس الذين تخلصت من عوائدهم، وخلعت عني نير جامعتهم، هؤلاء هم ~~المتزوجون الذين يقترنون بالأجساد، ويتنافرون بالروح ولا شفيع بهم أمام الله سوى ~~جهلهم ناموس الله، أنا لا أدينهم الآن بل أشفق عليهم، ولا أكرههم بل أكره استسلامهم ~~عفوا إلى الرياء والكذب والخباثة، ولم أكشف أمامك خفايا قلوبهم وأسرار معيشتهم؛ ~~لأنني لا أحب الاغتياب والنميمة بل فعلت ذلك لأريك حقيقة قوم كنت بالأمس مثلهم ~~فنجوت، وأبين لك معيشة بشر يقولون عني كل كلمة شريرة؛ لأنني خسرت صداقتهم لأربح ~~نفسي، وخرجت عن سبل خداعهم المظلمة، وحولت عيني نحو النور حيث الإخلاص والحق ~~والعدل، وقد نفوني الآن من جامعتهم، وأنا راضية لأن البشر لا ينفون إلا من ~~تمردت روحه الكبيرة على الظلم والجور، ومن لا يؤثر النفي على الاستعباد لا يكون ~~حرا بما في الحرية من الحق والواجب. # أنا كنت بالأمس مثل مائدة شهية، وكان رشيد بك يقترب مني عندما يشعر بحاجة إلى ~~الطعام، أما نفسانا فتظلان بعيدتين كخادمين ذليلين، ولما رأيت المعرفة كرهت ~~الاستخدام وقد حاولت الخضوع لما يدعونه نصيبا فلم أقدر؛ لأن روحي أبت أن أصرف ~~العمر كله راكعة أمام صنم مخيف أقامته الأجيال المظلمة، ودعته الشريعة، فكسرت قيودي ~~لكنني لم ألقها عني حتي سمعت الحب مناديا، ورأيت النفس متأهبة للمسير، فخرجت ~~من منزل رشيد نعمان خروج الأسير من سجنه تاركة خلفي الحلي والحلل، والخدم ~~والمركبات وجئت ms10 بيت حبيبي الخالي من الرياش المملوء من الروح، وأنا عالمة بأنني لم ~~أفعل غير الحق والواجب؛ لأن مشيئة السماء ليست بأن أقطع جناحي بيدي وأرتمي على ~~الرماد حاجبة رأسي بساعدي ساكبة حشاشتي من أجفاني قائلة هذا نصيبي من الحياة، إن ~~السماء لا تريد أن أصرف العمر صارخة متوجعة في الليالي قائلة متي يجيء الفجر، ~~وعندما يجيء الفجر أقول متى ينقضي هذا النهار. # إن السماء لا تريد أن يكون الإنسان تعسا؛ لأنها وضعت في أعماقه الميل إلى ~~السعادة؛ لأنه بسعادة الإنسان يتمجد الله. هذه هي حكايتي أيها الرجل، وهذا احتجاجي ~~أمام السماء والأرض، وأنا أردده وأترنم به، والناس يغلقون آذانهم ولا ~~يسمعون؛ لأنهم يخشون ثورة أرواحهم، ويخافون أن تتزعزع أسس جامعتهم وتهبط على ~~رؤوسهم، هذه هي العقبة التي سرت عليها حتى بلغت قمة سعادتي، ولو جاء الموت ~~واختطفني الآن لوقفت روحي أمام العرش الأعلى بلا خوف ولا وجل، بل بفرح وأمل، ~~وانحلت لفائف ضميري أمام الديان الأعظم وبانت نقية كالثلج؛ لأنني لم أفعل ~~غير مشيئة النفس التي فصلها الله عن ذاته، ولم أتبع غير نداء القلب، وصدى أغاني ~~الملائكة، هذه هي روايتي التي يحسها سكان بيروت لعنة في فم الحياة، وعلة في جسم ~~الهيئة الاجتماعية، ولكنهم سوف يندمون عندما تنبه الأيام محبة المحبة في قلوبهم ~~المظلمة مثلما تستنبت الشمس الزهور من بطن الأرض المملوء من بقايا الأموات، فيقف إذ ~~ذاك عابر الطريق بجانب قبري ويلقي عليه السلام قائلا: ههنا رقدت وردة الهاني التي ~~حررت عواطفها من عبودية الشرائع البشرية الفاسدة لتحيا بناموس المحبة الشريفة، ~~وحولت وجهها نحو الشمس كي لا ترى ظل جسدها بين الجماجم والأشواك.» ~~••• # ولم تنته السيدة وردة من كلامها حتى فتح الباب، ودخل علينا فتى نحيل القوام ~~جميل الوجه تنسكب من عينيه أشعة سحرية، وتسيل على شفتيه ابتسامة لطيفة، فوقفت ~~السيدة وردة وأمسكت بذراعه بانعطاف كلي وقدمته إلي بعد أن لفظت اسمي مذيلا بكلمة ~~لطيفة واسمه مشفوعا بنظرة معنوية؛ فعرفت بأنه ذلك الشاب الذي أنكرت العالم وخالفت ~~الشرائع ms11 والتقاليد من أجله، ثم جلسنا جميعا صامتين لانشغال كل منا بمعرفة رأي ~~الآخر فيه حتى إذا مرت دقيقة مملوءة من السكينة التي تستميل النفوس إلى الملأ ~~الأعلى نظرت إليهما، وقد جلسا أحدهما بجانب الآخر فرأيت ما لم أره قط، وعرفت بلحظة ~~معنى حكاية السيدة وردة وأدركت سر احتجاجها على الهيئة الاجتماعية التي تضطهد ~~الأفراد المتمردين على شرائعها قبل أن تستفحص دواعي تمردهم، رأيت روحا واحدة ~~سماوية متمثلة أمامي بجسدين يجملهما الشباب ويسربلهما الاتحاد، وقد وقف بينهما إله ~~الحب باسطا جناحيه ليحميهما من لوم الناس وتعنيفهم، وجدت التفاهم الكلي منبعثا ~~من وجهين شفافين ينيرهما الإخلاص ويحيط بهما الطهر: وجدت لأول مرة في حياتي طيف ~~السعادة منتصبا بين رجل وامرأة يرذلهما الدين وتنبذهما الشريعة. # وبعد هنيهة وقفت وودعتهما مظهرا بغير الكلام تأثيرات نفسي، وخرجت من ذلك المنزل ~~الحقير الذي جعلته العواطف هيكلا للحب والوفاق، وسرت بين تلك القصور والمنازل التي ~~أظهرت لي خفاياها السيدة وردة مفكرا بحديثها، وبكل ما ينطوي تحته من المبادئ ~~والنتائج، لكنني لم أبلغ أطراف ذلك الحي حتى تذكرت رشيد بك نعمان فتمثلت لبصيرتي ~~لوعة قنوطه وشقائه، فقلت في ذاتي: «هو تعس مظلوم ولكن هل تسمعه السماء إذا وقف ~~أمامها متظلما شاكيا وردة الهاني؟ هل جنت عليه تلك المرأة عندما تركته واتبعت ~~حرية نفسها أم هو الذي جنى عليها عندما أخضع جسدها بالزواج قبل أن يستميل روحها ~~بالمحبة؟ فمن هو الظالم من الاثنين ومن هو المظلوم؟ ومن هو المجرم ومن هو البريء يا ~~ترى؟» ثم عدت قائلا لذاتي مستفتيا أخبار الأيام مستقصيا حوادثها كثيرا ما أباح ~~الغرور للنساء أن يتركن رجالهن الفقراء ويتعلقن بالرجال الأغنياء؛ لأن شغف المرأة ~~ببهرجة الملابس ونعومة العيش يعمي بصيرتها ويقودها إلى العار والانحطاط، فهل ~~كانت وردة الهاني مغرورة وطامعة عندما خرجت من قصر رجل غني مفعم بالحلي والحلل ~~والرياش والخدم، وذهبت إلى كوخ رجل فقير لا يوجد فيه سوى صف من الكتب القديمة؟ ~~وكثيرا ما يميت الجهل شرف المرأة ويحيي شهواتها، فتترك بعلها مللا ms12 وتضجرا، ~~وتطلب ملذات جسدها بقرب رجل آخر أكثر منها انحطاطا وأقل شرفا، فهل كانت وردة ~~الهاني جاهلة راغبة بالملذات الجسدية عندما أعلنت استقلالها على رؤوس الأشهاد، ~~وانضمت إلى فتى روحي الأميال، وقد كان بإمكانها أن تشبع حواسها سرا في منزل ~~زوجها من هيام الفتيان الذين يستميتون ليكونوا عبيد جمالها وشهداء غرامها؟ وردة ~~الهاني كانت امرأة تعسة، فطلبت السعادة فوجدتها وعانقتها، وهذه هي الحقيقة التي ~~تحتقرها الجامعة الإنسانية، وتنفيها الشريعة. # همست تلك الكلمات في مسامع الأثير ثم قلت مستدركا: «ولكن أيسوغ للمرأة أن تشتري ~~سعادتها بتعاسة بعلها؟» فأجابتني نفسي قائلة: «وهل يجوز للرجل أن يستعبد عواطف ~~زوجته ليبقى سعيدا؟» ~~••• # وظللت سائرا وصوت السيدة وردة يتموج في مسامعي حتى بلغت أطراف المدينة، ~~والشمس قد مالت إلى الغروب، وابتدأت الحقول والبساتين تتشح بنقاب السكينة ~~والراحة، والطيور تنشد صلاة المساء، فوقفت متأملا ثم تنهدت قائلا أمام عرش الحرية ~~تفرح هذه الأشجار بمداعبة النسيم، وأمام هيبتها تبتهج بشعاع الشمس والقمر، على ~~مسامع الحرية تتناجى هذه العصافير وحول أذيالها ترفرف بقرب السواقي، في فضاء الحرية ~~تسكب هذه الزهور عطر أنفاسها، وأمام عينيها تبتسم لمجيء الصباح كل ما في الأرض يحيا ~~بناموس طبيعته ومن طبيعته ناموسه يستمد مجد الحرية وأفراحها ... أما البشر فمحرومون ~~من هذه النعمة؛ لأنهم وضعوا لأرواحهم الإلهية شريعة عالمية محدودة، وسنوا ~~لأجسادهم ونفوسهم قانونا واحدا قاسيا، وأقاموا لميولهم وعواطفهم سجنا ضيقا ~~مخيفا، وحفروا لقلوبهم وعقولهم قبرا عميقا مظلما، فإذا ما قام واحد من بينهم، ~~وانفرد عن جامعتهم وشرائعهم قالوا: هذا متمرد شرير خليق بالنفي، وساقط دنس يستحق ~~الموت ... ولكن هل يظل الإنسان عبدا لشرائعه الفاسدة إلى انقضاء الدهر أم تحرره ~~الأيام ليحيا بالروح وللروح؟ أيبقى الإنسان محدقا بالتراب أم يحول عينيه نحو الشمس ~~كي لا يرى ظل جسده بين الأشواك والجماجم؟ # | صراخ القبور # 1 # تربع الأمير على منصة القضاء، فجلس عقلاء بلاده عن يمينه وشماله وعلى وجوههم ~~المتجعدة تنعكس أوجه الكتب والأسفار، وانتصب الجند حوله ممتشقين السيوف رافعين ~~الرماح، ووقف الناس أمامه بين متفرج ms13 أتى به حب الاستطلاع، ومترقب ينتظر الحكم في ~~جريمة قريبه، وجميعهم قد أحنوا رقابهم، وخشعوا ببصائرهم وأمسكوا أنفاسهم كأن في ~~عيني الأمير قوة توعز الخوف، وتوحي الرغبة إلى نفوسهم وقلوبهم. حتى إذا ما اكتمل ~~المجلس، وأزفت ساعة الدينونة رفع الأمير يده وصرخ قائلا: «أحضروا المجرمين أمامي ~~واحدا واحدا، وأخبروني بذنوبهم ومعاصيهم.» ففتح باب السجن وبانت جدرانه المظلمة ~~مثلما تظهر حنجرة الوحش الكاسر عندما يفتح فكيه متثائبا، وتصاعدت من جوانبه قلقلة ~~القيود والسلاسل متآلفة مع أنين الحبساء ونحيبهم، فحول الحاضرون أعينهم، وتطاولت ~~أعناقهم كأنهم يريدون مسابقة الشريعة بنواظرهم؛ ليروا فريسة الموت خارجة من أعماق ~~ذلك القبر. # وبعد هنيهة خرج من السجن جنديان يقودان فتى مكتوف الساعدين يتكلم وجهه العابس، ~~وملامحه المنقبضة عن عزة في النفس وقوة في القلب، وأوقفاه وسط المحكمة وتراجعا ~~قليلا إلى الوراء، فأحدق به الأمير دقيقة ثم سأل قائلا: «ما جريمة هذا الرجل ~~المنتصب أمامنا برأس مرفوع كأنه في موقف الفخر لا في قبضة الدينونة؟» # فأجابه رجل من أعوانه قائلا: «هو قاتل شرير قد اعترض بالأمس قائدا من قواد ~~الأمير، وجندله صريعا إذ كان ذاهبا بمهمة بين القرى، وقد قبض عليه والسيف ~~المغمد بدماء القتيل ما زال مشهورا في يده.» # فتحرك الأمير غضبا فوق عرشه، وتطايرت سهام الحنق من عينيه، وصرخ بأعلى صوته ~~قائلا: «أرجعوه إلى الظلمة، وأثقلوا جسده بالقيود وعندما يجيء فجر الغد اضربوا ~~عنقه بحد سيفه، ثم اطرحوا جثته في البرية؛ لتجردها العقبان والضواري، وتحمل ~~الرياح رائحة نتانتها إلى أنوف أهله ومحبيه.» # أرجعوا الشاب إلى السجن والناس يتبعونه بنظرات الأسف والتنهيدات العميقة؛ لأنه ~~كان فتى في ربيع العمر حسن المظاهر قوي البنية. # وخرج الجنديان ثانية من السجن يقودان صبية جميلة الوجه ضعيفة الجسد، قد وشح ~~معانيها اصفرار اليأس والقنوط، وغمرت عينيها العبرات، وألوت عنقها الندامة ~~والحسرة. # فنظر إليها الأمير قائلا: «وما فعلت هذه الامرأة المهزولة الواقفة أمامنا وقوف ~~الظل بجانب الحقيقة؟» # فأجابه أحد الجنود قائلا: «هي امرأة عاهرة قد فاجأها بعلها ليلا، فوجدها بين ~~ذراعي خليلها ms14 فأسلمها للشرطة بعد أن فر أليفها هاربا.» # فأحدق الأمير بها، وهي مطرقة خجلا ثم قال بشدة وقساوة: «أرجعوها إلى الظلمة، ~~ومددوها على فراش من الشوك لعلها تذكر المضجع الذي دنسته بعيبها، وأسقوها الخل ~~ممزوجا بنقيع العلقم عساها تذكر طعم القبل المحرمة، وعند مجيء الفجر جروها ~~عارية إلى خارج المدينة، وارجموها بالحجارة، واتركوا جسدها هناك لكي تتنعم بلحمانه ~~الذئاب، وتنخر عظامه الديدان والحشرات.» # توارت الصبية بظلمة السجن والحاضرون ينظرون إليها بين معجب بعدل الأمير، ومتأسف ~~على جمال وجهها الكئيب، ورقة نظراتها المحزنة. # وظهر الجنديان ثالثة يقودان كهلا ضعيفا يسحب ركبتيه المرتعشتين كأنهما خرقتان ~~من أطراف ثوبه البالي، ويلتفت جزعا إلى كل ناحية، ومن نظراته الموجعة تنبعث خيالات ~~البؤس والفقر والتعاسة. # فالتفت الأمير نحوه، وقال بلهجة الاشمئزاز: «وما ذنب هذا القذر الواقف كالميت بين ~~الأحياء؟» # فأجابه أحد الجنود قائلا: «هو لص سارق قد دخل الدير ليلا، فقبض عليه الرهبان ~~الأتقياء ووجدوا طي أثوابه آنية مذابحهم المقدسة.» # فنظر إليه الأمير نظرة النسر الجائع إلى عصفور مكسور الجناحين، وصرخ قائلا: ~~«أنزلوه إلى أعماق الظلمة، وكبلوه بالحديد وعند مجيء الفجر جروه إلى شجرة ~~عالية واشنقوه بحبل من الكتان، واتركوا جسده معلقا بين الأرض والسماء، فتنثر ~~العناصر أصابعه الأثيمة نثرا، وتذري الرياح أعضاءه نتفا.» # أرجعوا اللص إلى السجن والناس يهمسون بعضهم في آذان بعض قائلين: «كيف تجرأ هذا ~~الضعيف الكافر على اختلاس آنية الدير المقدسة؟» # ونزل الأمير عن كرسي القضاء فاتبعه العقلاء والمتشرعون، وسار الجند خلفه وأمامه ~~وتبدد شمل المتفرجين وخلا ذلك المكان إلا من عويل المسجونين، وزفرات القانطين ~~المتمايلة كالخيالات على الجدران. # جرى كل ذلك وأنا واقف هناك وقوف المرآة أمام الأشباح السائرة مفكرا بالشرائع ~~التي وضعها البشر للبشر، متأملا بما يحسبه الناس عدلا، متعمقا بأسرار الحياة ~~باحثا عن معنى الكيان، حتى إذا ما تضعضعت أفكاري مثلما تتوارى خطوط الشفق بالضباب ~~خرجت من ذاك المكان قائلا لذاتي: الأعشاب تمتص عناصر التراب، والخروف يلتهم ~~الأعشاب، والذئب يفترس الخروف، ووحيد القرن يقتل الذئب، والأسد يصيد وحيد القرن. ms15 ~~والموت يفني الأسد. فهل توجد قوة تتغلب على الموت، فتجعل سلسلة هذه المظالم عدلا ~~سرمديا؟! ... أتوجد قوة تحول جميع هذه الأسباب الكريهة إلى نتائج جميلة؟! أتوجد قوة ~~تقبض بكفها على جميع عناصر الحياة، وتضمها إلى ذاتها مبتسمة مثلما يرجع البحر ~~جميع السواقي إلى أعماقه مترنما؟ أتوجد قوة توقف القاتل والمقتول والزانية وخليلها ~~والسارق والمسروق منه أمام محكمة أسمى وأعلى من محكمة الأمير؟ # 2 # وفي اليوم الثاني خرجت من المدينة، وسرت بين الحقول حيث تبيح السكينة للنفس ما ~~تسره النفس، ويميت طهر الفضاء جراثيم اليأس والقنوط التي تولدها الشوارع الضيقة ~~والمنازل المظلمة، ولما بلغت طرف الوادي التفت فإذا بأجواق كثيرة من العقبان ~~والغربان والنسور تتطاير تارة، وتهبط طورا وقد ملأت الفضاء بنعابها وصفيرها وحفيف ~~أجنحتها، فتقدمت قليلا مستطلعا، فرأيت أمامي جثة رجل معلقة على شجرة عالية، وجثة ~~امرأة عارية مطروحة بين الحجارة التي رجمت بها، وجثة فتى غارقة بالدماء المجبولة ~~بالتراب، وقد فصل رأسها عنها. # وقفت وهول المشهد يغشى بصيرتي بنقاب كثيف مظلم، ونظرت فلم أر سوى خيال الموت ~~المريع منتصبا بين الجثث الملطخة بالدماء، وأصغيت فلم أسمع غير عويل العدم ~~ممزوجا بنعاب الغربان الحائمة حول فريسة شرائع البشر. # ثلاثة من أبناء آدم كانوا بالأمس على أحضان الحياة، فأصبحوا اليوم في قبضة ~~الموت. # ثلاثة أساءوا بعرف البشر إلى الناموس، فمدت الشريعة العمياء يدها، وسحقتهم ~~بقساوة. # ثلاثة جعلهم الجهل مجرمين؛ لأنهم ضعفاء فجعلتهم الشريعة أمواتا لأنها ~~قوية. # رجل فتك برجل آخر، فقال الناس: هذا قاتل ظالم، وعندما فتك به الأمير قال الناس: ~~هذا أمير عادل. # ورجل حاول أن يسلب الدير، فقال الناس: هذا لص شرير، وعندما سلبه الأمير حياته، ~~قالوا: هذا أمير فاضل. # وامرأة خانت بعلها، فقال الناس: هي زانية عاهرة، ولكن عندما سيرها الأمير عارية ~~ورجمها على رؤوس الأشهاد، قالوا: هذا أمير شريف. # سفك الدماء محرم، ولكن من حلله للأمير؟ # سلب الأموال جريمة، ولكن من جعل سلب الأرواح فضيلة؟ # خيانة النساء قبيحة، ولكن من صير رجم الأجساد جميلا؟ # أنقابل الشر بشر ms16 أعظم ونقول هذه هي الشريعة، ونقاتل الفساد بفساد أعم، ~~ونهتف هذا هو الناموس، ونغالب الجريمة بجريمة أكبر، ونصرخ هو العدل؟ # أما صرع الأمير عدوا في غابر حياته؟ أما سلب مالا أو عقارا من أحد تابعيه ~~الضعفاء؟ أما راود امرأة جميلة عن نفسها؟ هل كان معصوما عن هذه المحرمات، فجاز له ~~إعدام القاتل وشنق السارق ورجم الزانية؟ # ومن هم الذين رفعوا هذا اللص على الشجرة؟ أملائكة نزلوا من السماء أم رجال ~~يغتصبون ويسرقون كل ما تصل إليه أيديهم؟ # ومن قطع رأس هذا القاتل؟ أأنبياء هبطوا من العلاء أم جنود يقتلون ويسفكون الدماء ~~أينما حلوا؟ # ومن رجم هذه الزانية؟ أنساك طاهرون أتوا من صوامعهم أم بشر يأتون المنكرات ~~ويفعلون الرذائل مختبئين بستائر الظلام؟ # الشريعة، وما هي الشريعة؟ من رآها نازلة مع نور الشمس من أعماق السماء؟ وأي بشري ~~رأى قلب الله فعلم مشيئته في البشر، وفي أي جيل من الأجيال سار الملائكة بين الناس ~~قائلين: «احرموا الضعفاء نور الحياة، وأفنوا الساقطين بحد السيف، ودوسوا الخطأة ~~بأقدام من حديد.» # وظلت هذه الأفكار تتزاحم على فكرتي وتتساهم عواطفي حتى سمعت وطء أقدام قريبة مني، ~~فنظرت وإذا بصبية قد ظهرت من بين الأشجار، واقتربت من الجثث الثلاث متحذرة متلفتة ~~بخوف إلى كل ناحية، حتى إذا ما رأت رأس الفتى المقطوع صرخت جزعا، وركعت بجانبه ~~وطوقته بزنديها المرتجفتين، وأخذت تستفرغ الدموع من عينيها، وتلامس شعره الجعدي ~~بأطراف أصابعها، وتنتحب بصوت عميق جارح خارج من صميم الكبد، ولما أنهكها البكاء ~~وغلبتها الحسرات، أسرعت تحفر التراب بيديها حتى إذا ما حفرت قبرا وسيعا، وجرت ~~إليه الفتى المصروع، ومددته على مهل موجع، ووضعت رأسه المضرج بالدماء بين كتفيه ~~وبعد أن غمرته بالتراب غرست نصل السيف الذي قطع عنقه على قبره، وإذ همت بالانصراف ~~تقدمت نحوها، فأجفلت وارتعشت خوفا ثم أطرقت والدمع السخين يتساقط كالمطر من ~~مقلتيها وقالت متنهدة: «اشكني إلى الأمير إن شئت فخير لي أن أموت وألحق بمن خلصني ~~من قبضة العار من أن أترك جسده طعاما لقشاعم ms17 الطير والوحوش الكواسر.» فأجبتها ~~قائلا: «لا تخافي مني أيتها المسكينة. فأنا قد ندبت حظ فتاك قبلك بل خبريني كيف ~~أنقذك من قبضة العار.» # فقالت والغصص تقطع صوتها: «جاء قائد الأمير إلى حقولنا ليتقاضى الضرائب ويجمع ~~الجزية ولما رآني نظر إلي نظرة استحسان مخيفة ثم فرض ضريبة باهظة على حقل والدي ~~الفقير يعجز الغني عن دفعها فقبض علي ليقتادني قهرا إلى صرح الأمير بدلا من ~~الذهب فاسترحمته بدموعي فلم يحفل واستحلفته بشيخوخة والدي فلم يرحم فصرخت مستغيثة ~~برجال القرية فجاء هذا الشاب وهو خطيبي وخلصني من بين يديه القاسيتين فاستشاط غضبا ~~وهم أن يفتك به فسبقه الشاب وامتشق سيفا قديما معلقا على الحائط وصرعه به ~~مدافعا عن حياته وعن عرضي، ولكبر نفسه لم يفر هاربا كالقتلة المجرمين بل لبث ~~واقفا بقرب جثة القائد الظلوم حتى جاء الجند وساقوه إلى السجن مكبلا ~~بالقيود.» # قالت هذا ونظرت إلي نظرة تذيب الفؤاد وتثير الشجون وولت مسرعة ورنات صواتها ~~الموجعة تولد بين تموجات الأثير اهتزازا وارتعاشا. # وبعد هنيهة نظرت فرأيت فتى في ربيع العمر يتقدم ساترا وجهه بأثوابه حتى إذا ما ~~بلغ جثة المرأة الزانية وقف بقربها وخلع عباءته وستر بها أعضاءها العارية وأخذ يحفر ~~الأرض بخنجر كان معه ثم حملها بهدوء وواراها التراب ساكبا مع كل حفنة قطرة من ~~أجفانه. ولما انتهى من عمله جنى بعض الزهور النابتة هناك ووضعها على القبر منحني ~~الرأس منخفض الطرف. وإذا هم بالذهاب أوقفته قائلا: «ما نسبة هذه المرأة الساقطة ~~إليك حتى سعيت مخالفا إرادة الأمير ومخاطرا بحياتك لكي تحمي جسدها المرضوض من ~~طيور السماء الجوارح؟» # فنظر إلي وأجفانه المقرحة من البكاء والسهر تتكلم عن شدة حزنه ولوعته وبصوت ~~مخنوق ترافقه التنهيدات الأليمة قال: «أنا هو ذلك الرجل التعس الذي رجمت من ~~أجله، أحببتها وأحبتني مذ كنا صغيرين نلعب بين المنازل. نمونا ونما الحب معنا ~~حتى صار سيدا قويا نخدمه بعواطف قلبينا فيستميلنا إليه ونهابه بسرائر روحينا ~~فيضمنا إلى صدره. ففي يوم وقد كنت غائبا عن المدينة زوجها ms18 والدها كرها من رجل ~~تكرهه ولما رجعت وسمعت بالخبر تحولت أيامي إلى ليل طويل حالك وصارت حياتي نزاعا ~~مرا متواصلا. وبقيت أصارع عواطفي وأغالب ميول نفسي حتى تغلبت علي وقادتني مثلما ~~يقود البصير ضريرا أعمى. فذهبت إلى حبيبتى سرا وأقصى مرامي أن أرى نور عينيها ~~وأسمع نغمة صوتها فوجدتها منفردة تندب حظها وترثي أيامها فجلست والسكينة حديثنا ~~والعفاف ثالثنا، ولم تمر ساعة حتى دخل زوجها فجأة ولما رآني أوعزت إليه نياته ~~القذرة فقبض على عنقها الأملس بكفيه القاسيتين وصرخ بأعلى صوته «تعالوا وانظروا ~~الزانية وعشيقها» فهرول الجيران ثم جاء الجند مستطلعين الخبر فأسلمها إلى أيديهم ~~الخشنة فاقتادوها محلولة الشعر ممزقة الأثواب. أما أنا فلم يمسني أحد بضرر لأن ~~الشريعة العمياء والتقاليد الفاسدة تعاقب المرأة إذا سقطت، أما الرجل ~~فتسامحه.» # وعاد الشاب نحو المدينة ساترا وجهه بأثوابه ولبثت أنا ناظرا متأملا متنهدا ~~وجثة اللص المشنوق ترتجف قليلا كلما هز الهواء أغصان الشجرة كأنها تسترحم ~~بحراكها أرواح الفضاء لتهبط وتمددها على صدر الأرض بجانب قتيل المروءة وشهيدة ~~الحب. # وبعد ساعة ظهرت امرأة ضعيفة الجسم ترتدي خرقا بالية ووقفت بقرب المشنوق تقرع ~~صدرها باكية ثم تسلقت الشجرة وقضمت حبل الكتان بأسنانها فسقط الميت على الأرض سقوط ~~الثوب البليل. فنزلت المرأة وحفرت قبرا بجانب القبرين ووضعته فيه: وبعد أن غمرته ~~بالتراب أخذت قطعتين من الخشب وصنعت منهما صليبا وغرسته فوق رأسه. ولما تحولت نحو ~~الوجهة التي جاءت منها أوقفتها قائلا: «ما غرك أيتها المرأة فجئت تدفنين لصا ~~سارقا؟» # فنظرت إلي بعينين غارقتين مكحولتين بأشباح الكآبة والشقاء وقالت: «هو زوجي ~~الصالح ورفيقي الحنون ووالد أطفالي. خمسة أطفال يتضورون جوعا أكبرهم في الثامنة ~~وأصغرهم رضيع لم يفطم ... لم يكن زوجى لصا بل كان زارعا يفلح أرض الدير ويستغلها ~~ولا يحصل من الرهبان إلا على رغيف نتقاسمه عند المساء ولا تبقى منه لقمة إلى الصباح ~~... مذ كان فتى وهو يسقي بعرق جبينه حقول الدير ويزرع عزم ساعديه في بساتينه. ولما ~~ضعف وانتهبت أعوام العمل قواه وراودت الأمراض ms19 جسده أبعدوه قائلين: «لم يعد الدير ~~محتاجا إليك فاذهب الآن وعندما يشب أبناؤك ابعثهم إلينا لكي يأخذوا مكانك في ~~الحقل» فبكى وأبكاني واسترحمهم باسم يسوع واستحلفهم بالملائكة والقديسين فلم يرحموه ~~ولم يشفقوا عليه وعلي وعلى صغارنا العراة الجائعين. فذهب يطلب عملا في المدينة ~~وعاد مطرودا لأن سكان تلك القصور لا يستخدمون إلا الفتيان الأقوياء. ثم جلس على ~~قارعة الطريق مستعطيا فلم يحسن الناس إليه بل كانوا يمرون به قائلين: «الصدقة لا ~~تجوز على مغلوب التواني والكسل» ففي ليلة وقد برح العوز بنا حتى صار ~~أطفالنا يتلوون جوعا على التراب. والرضيع بينهم يمص ثديي ولا يجد لبنا. تغيرت ~~ملامح زوجي وذهب مستترا بالظلام ودخل قبوا من أقبية الدير حيث يخزن الرهبان غلة ~~الحقول وخمر الكروم وحمل زنبيلا من الدقيق على ظهره وهم بالرجوع إلينا. لكنه لم ~~يسر بضع خطوات حتى استيقظ القسس من رقادهم وقبضوا عليه وأوسعوه ضربا وشتما ~~وعندما جاء الصباح أسلموه إلى الجند قائلين: «هو لص شرير جاء لكي يسرق آنية الدير ~~الذهبية» فاقتاده الجند إلى السجن ثم إلى المشنقة ليملأوا أجواف العقبان من جسده ~~لأنه حاول أن يملأ أجواف صغاره الجياع من فضلات الغلة التي جناها بأتعابه إذ كان ~~خادما للدير.» # وذهبت المرأة الفقيرة ولكلامها المتقطع أشباح محزنة تتصاعد وتتسارع إلى كل ناحية ~~كأنها أعمدة من الدخان يتلاعب بها الهواء. ~~••• # وقفت بين القبور الثلاثة وقفة مؤبن أرتج عليه وانعقد لسانه لوعة فانسكب ~~دمعه متكلما عن عواطفه. وحاولت التفكر والتأمل فعصتني نفسي لأن النفس كالزهرة تضم ~~أوراقها أمام الظلمة ولا تعطي أنفاسها لخيالات الليل. # وقفت ومن دقائق تراب تلك القبور ينبثق صراخ التظلم انبثاق الضباب من خلايا ~~الأودية ويتموج حول مسامعي ليوحي إلي الكلام. # وقفت ساكتا ولو فهم الناس ما تقوله السكينة لكانوا أقرب إلى الآلهة منهم إلى ~~كواسر الغاب. # وقفت متنهدا ولو لامست شعلات تنهيداتي أشجار ذلك الحقل لتحركت وتركت أماكنها ~~وزحفت كتائب كتائب وحاربت بقضبانها الأمير وجنوده وهدمت بجذوعها جدران الدير على ~~رؤوس رهبانه. # وقفت ناظرا ومع ms20 نظراتي تنسكب حلاوة الشفقة ومرارة الحزن على جوانب تلك القبور ~~الجديدة: قبر فتى دافع بحياته عن شرف عذراء ضعيفة وأنقذها من بين أظافر ذئب كاسر ~~فقطعوا عنقه جزاء شجاعته، وقد أغمدت تلك الصبية سيفه بتراب قبره ليبقى هناك رمزا ~~يتكلم أمام وجه الشمس عن مصير الرجولة في دولة الحيف والغباوة. وقبر صبية لامس الحب ~~نفسها قبل أن تغتصب المطامع جسدها فرجمت لأن قلبها أبى إلا أن يكون أمينا حتى ~~الموت. وقد وضع حبيبها باقة من زهور الحقل فوق جسدها الهامد لتتكلم بذبولها وفنائها ~~البطيء عن مصير النفوس التي يقدسها الحب بين قوم أعمتهم المادة وأخرسهم الجهل. وقبر ~~فقير بائس أوهت ساعديه حقول الدير فطرده الرهبان ليستعيضوا عنها بسواعد غيره، ~~فطلب الخبز لصغاره بالعمل فلم يجده، ثم رجاه بالتسول فلم ينله، وعندما دفعه اليأس ~~إلى استرجاع قليل من الغلة التي جمعها بأتعابه وعرق جبينه قبضوا عليه وفتكوا به، ~~وقد وضعت أرملته صليبا على قبره ليستشهد في سكينة الليل نجوم السماء على ظلم رهبان ~~يحولون تعاليم الناصري إلى سيوف يقطعون بها الرقاب ويمزقون بحدودها السنينة أجساد ~~المساكين والضعفاء. # وتوارت الشمس إذ ذاك وراء الشفق كأنها ملت متاعب البشر وكرهت ظلمهم. وابتدأ ~~المساء يحيك من خيوط الظل والسكون نقابا دقيقا ليلقيه على جسد الطبيعة، فرفعت ~~عيني إلى العلاء وبسطت يدي نحو القبور وما عليها من الرموز وصرخت بأعلى صوتي: ~~«هذا هو سيفك أيتها الشجاعة فقد أغمد بالتراب، وهذه هي زهورك أيها الحب فقد لفحتها ~~النيران. وهذا هو صليبك يا يسوع الناصري فقد غمرته ظلمة الليل.» # | مضجع العروس1 # خرج العريس والعروس من الهيكل يتبعهما المهنئون الفارحون وتتقدمهما الشموع والمصابيح، ~~ويسير حولهما الفتيان المترنمون بالأهازيج والصبايا المنشدات أغاني السرور. # بلغ الموكب منزل العريس المزدان بالرياش الثمينة والأواني المتلمعة والرياحين العطرة ~~فاعتلى العروسان مقعدا مرتفعا وجلس المدعوون على الطنافس الحريرية والكراسي المخملية ~~حتى غصت تلك القاعة الوسيعة بأشكال الناس. وسعى الخدام بآنية الشراب فتصاعدت رنات ~~الكؤوس متآلفة مع هتاف الغبطة، ثم جاء الموسيقيون وجلسوا يسكرون النفوس ms21 بأنفاسهم ~~السحرية ويبطنون الصدور بألحانهم المنسوجة مع همس أوتار العود وتنهيدات الناس وحفيف ~~الدفوف. # ثم قامت الصبايا يرقصن ويتمايلن بقامات تلاحق مقاطيع اللحن مثلما تتابع الأغصان ~~اللينة مجاري هبوب النسيم، وتنثني طيات أثوابهن الناعمة كأنها سحب بيضاء يداعبها شعاع ~~القمر، فشخصت إليهن الأبصار وسجدت لهن الرؤوس وعانقتهن أرواح الفتيان وتفطرت لجمالهن ~~مرائر الشيوخ، ثم مال الجميع يستزيدون من الشراب ويغمرون أميالهم بالخمور، فنمت الحركة ~~وعلت الأصوات وسادت الحرية وتوارت الرزانة وتضعضعت الأدمغة وتلهبت النفوس واضطربت ~~القلوب وأصبح ذلك المنزل بكل ما فيه كقيثارة مقطعة الأوتار في يد جنية غير منظورة ~~تضرب عليها بعنف وتولد منها أنغاما جامعة بين التناسق والالتباس، فهنا فتى يبوح ~~بسرائر حبه لفتاة أولاها الجمال تيها ودلالا، وهناك شاب يستعد لمحادثة حسناء مستحضرا ~~إلى حافظته أعذب الألفاظ وأرق المعاني، وهنالك كهل يجرع الكأس وراء الكأس ويطلب بلجاجة ~~إلى المنشدين إعادة أغنية ذكرته بأيام صبابته، في هذه القرنة امرأة تغامز بأطراف ~~أجفانها رجلا ينظر بمودة إلى سواها، وفي تلك الزاوية سيدة قد بيض الشيب مفرقها ~~تنظر مبتسمة نحو الصبايا لتنتقي منهن عروسة لوحيدها، وبجانب تلك النافذة زوجة قد ~~اتحذت سكر حليلها فرصة فاقتربت من خليلها وجميعهم غارقون في بحر من الخمر والغزل ~~مستسلمون إلى تيار الغبطة والسرور متناسون حوادث الأمس منصرفون عن مآتي الغد منعكفون ~~على استثمار دقائق الحاضر. # كان يجري كل ذلك والعروس الجميلة تنظر بعينين كئيبتين إلى هذا المشهد مثلما ينظر ~~الأسير اليائس إلى جدران سجنه السوداء. وتتلفت بين الآونة والأخرى نحو زاوية من زوايا ~~تلك القاعة حيث جلس فتى في العشرين من عمره منفردا عن الناس المغبوطين انفراد الطائر ~~الجريح عن سربه، مكبلا زنديه على صدره كأنه يحول بهما بين قلبه والفرار محدقا بشيء ~~غير منظور في فضاء تلك القاعة كأن ذاته المعنوية قد انفصلت عن ذاته الحسية وسبحت في ~~الخلاء متبعة أشباح الدجى. # انتصف الليل وتعاظمت غبطة الجماعة حتى صارت ثورة، واختمرت أدمغتهم حتى تلجلجت ~~ألسنتهم، فقام العريس من مكانه وهو كهل خشن المظاهر ms22 وقد تغلب السكر على حواسه وطاف ~~يتكلف اللطف والرقة بين الناس. # في تلك الدقيقة أومأت العروس إلى صبية أن تقترب منها فاقتربت وجلست بجانبها وبعد أن ~~تلفتت العروس إلى كل ناحية تلفت جازع يريد أن يفشي سرا خفيا هائلا لزت إلى ~~الصبية وهمست في أذنها هذه الكلمات بصوت مرتعش: «أستحلفك يا رفيقتي بالعواطف التي ضمت ~~نفسينا مذ كنا صغيرتين، أستحلفك بكل ما هو عزيز لديك في هذه الحياة، أستحلفك بمخبآت ~~صدرك، استحلفك بالحب الذي يلامس أرواحنا ويجعلها شعاعا، أستحلفك بأفراح قلبك وأوجاع ~~قلبي أن تذهبي الآن إلى سليم وتطلبي إليه أن ينزل خفية إلى الحديقة وينتظرني هناك بين ~~أشجار الصفصاف، تضرعي عني يا سوسان حتى يجيب طلبي، ذكريه بالأيام الغابرة، توسلي إليه ~~باسم الحب، قولي له هي تعسة عمياء، قولي هي مائتة تريد أن تفتح قلبها أمامك قبل أن ~~يكتنفها الظلام، قولي له هي هالكة شقية تريد أن ترى نور عينيك قبل أن تختطفها نار ~~الجحيم، قولي له هي خاطئة تريد أن تعترف بذنوبها وتلتمس عفوك، أسرعي إليه وابتهلي عني ~~أمامه ولا تخافي مراقبة هؤلاء الخنازير لأن الخمور قد سدت آذانهم وأعمت ~~بصائرهم.» # فقامت سوسان من جانب العروس وجلست بقرب سليم الكئيب المنفرد وحده وأخذت تستعطفه هامسة ~~في أذنه كلمات رفيقتها ودلائل الود والإخلاص بادية على ملامحها وهو منحني الرأس يسمع ~~ولا يجيب ببنت شفة، حتى إذا ما انتهت من كلامها نظرت إليها نظرة ظامئ يرى الكأس ~~في قبة الفلك وبصوت منخفض تخاله آتيا من أعماق الأرض أجابها قائلا: «سوف أنتظرها في ~~الحديقة بين أشجار الصفصاف.» # قال هذه الكلمات وقام من مكانه وخرج إلى الحديقة ولم تمض بضع دقائق حتى قامت ~~العروس واتبعته مختلسة خطواتها بين رجال فتنتهم ابنة الكروم ونساء أشغلت قلوبهن صبابة ~~الفتيان. ولما بلغت الحديقة الموشاة بأثواب الليل أسرعت ملتفتة إلى الوراء، ومثل ~~غزال جازع هارب إلى كناسه من الذئاب الخاطفة تقدمت نحو أشجار الصفصاف حيث وقف ذلك ~~الفتى، ولما رأت نفسها بجانبه ترامت عليه وطوقت عنقه ms23 بزنديها وأحدقت بعينيه ثم قالت ~~والألفاظ تتسارع من شفتيها بسرعة الدموع من أجفانها: «اسمعني يا حبيبي، اسمعنى جيدا، ~~ها قد ندمت على جهالتي وتسرعي، قد ندمت يا سليم حتى سحقت الندامة كبدي، أنا أحبك ولا ~~أحب سواك وسوف أحبك إلى منتهى العمر، قد أخبروني بأنك سلوتني وهجرتني وتعلقت بهوى غيري ~~أخبروني بكل ذلك يا سليم وسمموا قلبي بألسنتهم ومزقوا صدري بأظافرهم وملأوا نفسي ~~بكذبهم. قد أخبرتني نجيبة بأنك سلوتني وكرهتني وانشغفت بحبها، قد ظلمتني تلك الخبيثة ~~واحتالت على عواطفي لكي أرضى بنسيبها عريسا فرضيته يا سليم ولا عريس لي سواك. والآن، ~~والآن قد رفع الغشاء عن عيني فجئت إليك، قد خرجت من هذا المنزل ولن أعود إليه، قد جئت ~~لكي أضمك بذراعي ولا توجد قوة في هذا العالم ترجعني إلى ذراعي الرجل الذي زففت إليه ~~كرها ويأسا، قد تركت العريس الذي اختاره لي الكذب بعلا، وتركت الوالد الذي أقامه ~~القدر وليا، وتركت الزهور التي ضفرها الكاهن إكليلا، وتركت الشرائع التي حبكتها ~~التقاليد قيودا، قد تركت كل شيء في هذا المنزل المملوء بالسكر والخلاعة وأتيت ~~لأتبعك إلى أرض بعيدة، إلى أقاصي العالم، إلى مكامن الجن، إلى قبضة الموت. تعال نسرع ~~يا سليم من هذا المكان متسترين بوشاح الليل، هلم نسير إلى الساحل ونركب سفينة تحملنا ~~إلى بلاد بعيدة مجهولة، تعال نمشي الآن فلا يجيء الفجر إلا ونحن في مأمن من أيدي العدو. ~~انظر، انظر هذه الحلي الذهبية، وهذه القلائد والخواتم الثمينة، وهذه الجواهر النفيسة، ~~فهي تكفل مستقبلنا وتكفي لنعيش بأثمانها كالأمراء، لماذا لا تتكلم يا سليم؟ لماذا لا ~~تنظر إلي؟ لماذا لا تقبلني؟ أسامع أنت صراخ قلبي وعويل نفسى؟ ألا تصدق بأني ~~هجرت عريسي وأبي وأمي وجئت بأثواب العرس لكي أهرب معك؟ تكلم أو هلم نسرع فهذه الدقائق ~~أثمن من حبات الألماس وأغلى من تيجان الملوك.» # كانت العروس تتكلم وفي صوتها نغمة أعذب من همس الحياة وأمر من عويل الموت وألطف ~~من حفيف الأجنحة وأعمق من أنين الأمواج، نغمة تتموج نبضاتها ms24 بين اليأس والأمل، واللذة ~~والألم، والفرح والشقاء ، وكل ما في صدر الامرأة من الميول والعواطف. # أما الشاب فكان يسمع وفي داخل نفسه يتصارع الحب والشرف، ذلك الحب الذي يجعل الوعر ~~سهلا، والظلام نورا، وذلك الشرف الذي يقف أمام النفس، ويثنيها عن رغائبها ومنازعها. ~~ذلك الحب الذي ينزله الله على القلب، وذلك الشرف الذي تسكبه تقاليد البشر في ~~الدماغ. # وبعد أحيان خرساء هائلة شبيهة بالأجيال المظلمة التي تتمايل فيها الأمم بين النهوض ~~والاضمحلال، رفع الشاب رأسه وقد تغلب شرف نفسه على ميلها وحول عينيه عن ~~الصبية الخائفة المترقبة وقال بهدوء: «ارجعي أيتها الامرأة إلى ذراعي عريسك فقد قضي ~~الأمر ومحت اليقظة ما صورته الأحلام. أسرعي إلى أحضان المسرات قبل أن تراك أعين ~~الرقباء فيقول الناس قد خانت عريسها في ليلة العرس مثلما خانت حبيبها أيام ~~البعاد.» # فارتعشت العروس لهذه الكلمات وتململت كزهرة ذابلة أمام الريح ثم قالت متوجعة: «لا ~~أعود إلى هذا المنزل وبي رمق من الحياة، قد خرجت منه إلى الأبد، قد تركته وكل من فيه ~~مثلما يترك الأسير أرض المنفى، فلا تبعدني عنك ولا تقل بأنني خائنة؛ لأن يد الحب الذي ~~مزجت روحي بروحك هي أقوى من يد الكاهن التي أسلمت جسدي إلى مشيئة العريس، ها قد طوقت ~~ذراعي حول عنقك فلا تحلهما القوات وقربت نفسي إلى نفسك فلا يفرقهما الموت.» # فقال الشاب محاولا الخلاص من ذراعيها متكلفا إظهار المقت والاشمئزاز: «ابتعدي عني ~~أيتها المرأة فقد سلوتك، نعم سلوتك وكرهتك وتعلقت بهوى غيرك، فلم يقل الناس غير ~~الصحيح. هل سمعت ماذا أقول؟ قد سلوتك حتى نسيت وجودك وكرهتك حتى أبت نفسي مرآك فابتعدي ~~عني ودعيني أذهب في سبيلي، وعودي إلى عريسك وكوني له زوجة أمينة.» # فقالت الصبية متفجعة: «لا، لا أصدق كلامك فأنت تحبني وقد قرأت معنى الحب في عينيك ~~وشعرت بملامسه عندما لمست جسدك، أنت تحبني وتحبني وتحبني مثلما أحبك فأنا لا أترك هذا ~~المكان إلا بجانبك ولن أدخل هذا المنزل وفي نفسي بقية من الإرادة، قد جئت ms25 لكي أتبعك إلى ~~آخر الأرض فسر أمامي وارفع يدك وأهرق دمي.» # فقال الشاب وقد رفع صوته عن ذي قبل: «اتركيني أيتها الامرأة وإلا صرخت بأعلى صوتي ~~وجمعت في هذه الحديقة أولئك الناس المدعوين إلى أفراح عرسك وأريتهم عارك وجعلتك مضغة ~~مرة في أحناكهم ومثلا قبيحا على ألسنتهم وأوقفت نجيبة التي أحبها قلبي تسخر بك وتبتسم ~~فارحة بانتصارها مستهزئة بانغلابك.» # قال هذا وأمسك بذراعها ليبعدها عنه فتغيرت ملامحها وأبرقت عيناها وتحولت بكليتها من ~~الاستعطاف والرجاء والتوجع إلى الغضب والقساوة وصارت كلبوة فقدت أشبالها أو كبحر أثارت ~~أعماقه الزوابع ثم صرخت: «من هي التي تتمتع بحبك بعدي وأي قلب يسكر بقبل شفتيك غير ~~قلبي؟!» # لفظت هذه الكلمات وانتشلت من بين أثوابها خنجرا سنينا وأغمدته بصدره بسرعة البرق، ~~فهوى وسقط على الأرض كغصن قصفته العاصفة فانحنت فوقه والخنجر في يدها يقطر دما، ففتح ~~عينيه المغمورتين بظل الموت وارتعشت شفتاه وخرجت هذه الكلمات مع أنفاسه الضعيفة: ~~«اقتربي الآن يا حبيبتي اقتربي يا ليلى ولا تتركيني، الحياة أضعف من الموت والموت أضعف ~~من الحب، اسمعي اسمعي قهقهة الفارحين بعرسك، اسمعي رنين كؤوسهم يا حبيبتي، لقد أنقذتني ~~يا ليلى من قساوة هذه القهقهة ومرارة تلك الكؤوس فدعيني أقبل اليد التي كسرت قيودى، ~~قبلي شفتي، قبلي شفتي اللتين تكلفتا الكذب وأخفتا أسرار قلبي، أغمضي أجفاني ~~الذابلة بأصابعك المغموسة بدمي، وعندما تطير روحي في الفضاء ضعي الخنجر في يميني وقولي ~~لهم قد انتحر يأسا وحسدا، قد أحببتك يا ليلى ولم أحب سواك ولكنني رأيت تضحية قلبي ~~وسعادتي وحياتي أفضل من الهرب بك في ليلة عرسك، قبليني يا حبيبة نفسي قبل أن يرى الناس ~~جثتى، قلبيني قبليني يا ليلى.» # ووضع المصروع يده فوق قلبه المطعون ولوى عنقه وفاضت روحه! # فرفعت العروس رأسها والتفتت نحو المنزل وصرخت بصوت هائل: «تعالوا، تعالوا أيها الناس، ~~فهنا العرس وهذا العريس، هلموا لنريكم مضجعنا الناعم، استيقظوا أيها النيام وانتبهوا ~~أيها السكارى وأسرعوا لنريكم أسرار الحب والموت والحياة.» # تموج صراخ العروس في زوايا ذلك المنزل ms26 حاملا كلماتها إلى آذان المحتفلين المغبوطين، ~~فارتعشت أرواحهم، وأصغوا هنيهة كأن الصحو قد باغت نشوتهم، ثم تراكضوا مسرعين من ~~أبواب المنزل ومخارجه وساروا ملتفتين يمينا وشمالا حتى إذا ما رأوا جثة المصروع ~~والعروس الجاثية بقربها تراجعوا مذعورين إلى الوراء ولا أحد منهم يجسر على استقصاء ~~الخبر كأن منظر الدماء المنبعثة من صدر القتيل ولمعان الخنجر في يد العروس قد عقد ~~ألسنتهم وأجمد الحياة في أجسادهم. # فالتفتت العروس إليهم وقد اتشحت ملامحها بهيبة محزنة وصرخت قائلة: «اقتربوا أيها ~~الجبناء ولا تخافوا خيال الموت فهو عظيم لا يدنو من صغارتكم، اقتربوا ولا ترتجفوا جزعا ~~من هذا الخنجر فهو آلة مقدسة لا تلامس أجسادكم القذرة وصدوركم المظلمة، انظروا هذا ~~الفتى الجميل المتسربل بحلة العرس، هو حبيبي وقد قتلته لأنه حبيبي، هو عريسي وأنا ~~عروسته وقد بحثنا فلم نجد مضجعا يليق بعناقنا في هذا العالم الذي جعلتموه ضيقا ~~بتقاليدكم ومظلما بجهالتكم وفاسدا بلهاثكم ففضلنا الذهاب إلى ما وراء الغيوم. اقتربوا ~~أيها الضعفاء الخائفون وانظروا لعلكم ترون وجه الله منعكسا على وجهينا وتسمعون صوته ~~العذب منبثقا من قلبينا. أين هي تلك المرأة الخبيثة الحسودة التي وشت إلي بحبيبي ~~وقالت بأنه شغف بها وسلاني وتعلق بحبها لينساني. قد توهمت تلك الشريرة بأنها ظفرت عندما ~~رفع الكاهن يده فوق رأسي ورأس نسيبها. أين نجيبة المحتالة؟ أين تلك الأفعى الجهنمية؟ ~~دعوها تقترب الآن وترى بأنها قد جمعتكم لتفرحوا بعرس حبيبي وليس بعرس الرجل الذي ~~اختارته لي ... أنتم لا تفهمون كلامي، لأن اللجة لا تعي أغاني الكواكب. لكنكم سوف ~~تخبرون أبناءكم عن المرأة التي قتلت حبيبها ليلة عرسها، سوف تذكروني وتلعنوني بشفاهكم ~~الأثيمة، أما أحفادكم فسوف يباركونني لأن الغد سيكون للحق والروح. وأنت أيها الرجل ~~الغبي الذي استخدم الحيلة والمال والخباثة ليصيرني له زوجة، أنت رمز هذه الأمة التعسة ~~التي تبحث عن النور في الظلمة وتترقب خروج الماء من الصخرة وظهور الورد من القطرب، أنت ~~رمز هذه البلاد المستسلمة لغباوتها استسلام الأعمى إلى قائده الأعمى، أنت ممثل الرجولة ~~الكاذبة ms27 التي تقطع الأعناق والمعاصم توصلا إلى العقود والأساور، أنا أغتفر لك صغارتك ~~لأن النفس الفارحة بذهابها من هذا العالم تغتفر جميع زلات هذا العالم.» # حينئذ رفعت العروس خنجرها نحو العلاء ونظير ظامئ يقرب حافة الكأس إلى شفتيه أغمدته ~~بعزم في صدرها وهبطت بجانب حبيبها نظير زنبقة قطع عنقها حد المنجل، فتململت النساء ~~وصرخن صراخ الخوف والألم وأغمي على بعضهن وتصاعد ضجيج الرجال من كل ناحية واقتربوا من ~~المصروعين بوجل وهيبة. # فنظرت إليهم العروس المنازعة وقالت ونجيع الدماء ينهل بغزارة من صدرها البلوري: «لا ~~تقتربوا أيها العاذلون ولا تفصلوا بين جسدينا، وإن حاولتم فالروح الحائمة فوق رؤوسكم ~~تقبض على أعناقكم وتخنقكم بعنف وقساوة، دعوا هذه الأرض الجائعة تلوك جسدينا لقمة واحدة، ~~دعوها تخفينا وتحمينا في صدرها مثلما تحمي البذور من ثلوج الشتاء حتى يجيء ~~الربيع.» # ولزت العروس إلى حبيبها وألقت شفتيها على شفتيه الباردتين وخرجت هذه الكلمات المتقطعة ~~مع أنفاسها الأخيرة: «انظر يا حبيبي، انظر يا عريس نفسي كيف وقف الحساد حول مضجعنا، ~~انظر عيونهم المحدقة بنا، واسمع صرير أسنانهم وتكسير ضلوعهم، قد انتظرتني طويلا يا ~~سليم فها أنذا. قد كسرت القيود وفككت السلاسل فلنسرعن نحو الشمس فقد طال وقوفنا في ~~الظل، ها قد امحت الرسوم وانحجبت الأشياء فلم أعد أرى سواك يا حبيبي، ها شفتاي فاقتبل ~~أنفاسي الأخيرة، هلم نذهب يا سليم فقد رفع الحب أجنحته وسبح أمامنا نحو دائرة ~~النور.» # وألقت العروس صدرها على صدر حبيبها فامتزجت دماؤها بدمائه وأحنت رأسها على عنقه وظلت ~~عيناها محدقتين بعينيه. # ولبث الناس صامتين هنيهة وقد اصفرت وجوههم وتراخت ركابهم كأن هيبة الموت قد سلبتهم ~~القوة والحراك. # فتقدم إذ ذاك الكاهن الذي ضفر بتعاليمه أكاليل ذلك العرس وأشار بيمينه نحو القتيلين ~~ونظر نحو القوم المذهولين وخاطبهم بصوت خشن قائلا: «معلونة هي الأيدي التي تمد إلى ~~هذين الجسدين الملطخين بدماء الجريمة والعار، وملعونة هي الأعين التي تذرف دموع الحزن ~~على هالكين قد حملت الأبالسة روحيهما إلى الجحيم، لتبق جثة ابن سادوم وجثة ابنة عمورة ms28 ~~مطروحتين على هذا التراب الدنس المجبول بدمائهما حتى تتقاسم لحمانهما الكلاب وتذري ~~عظامهما الرياح. اذهبوا إلى مساكنكم أيها الناس واهربوا من الرائحة المنتنة المتصاعدة ~~من داخل قلبين جبلتهما الخطيئة وسحقتهما الرذيلة، تفرقوا أيها الواقفون بقرب هاتين ~~الجيفتين، وانصرفوا مسرعين قبل أن تلسعكم ألسنة النار الجهنمية ومن يبق منكم ههنا ~~يكن محروما ومرذولا فلا يدخل الهيكل الذي يركع فيه المؤمنون ولا يشترك بالصلاة التي ~~يقدمها المسيحيون!» # فتقدمت سوسان، تلك الصبية التي بعثتها العروس رسولا إلى حبيبها، ووقفت أمام الكاهن ~~ونظرت إليه بعينين مغرورقتين بالدموع وقالت بشجاعة: «أنا أبقى هنا أيها الكافر الأعمى ~~وانا أحرسهما حتى يجيء الفجر وأنا أحفر لهما قبرا تحت هذه الأغصان المتدلية، فإن منعتم ~~عني محفرا مزقت صدر الأرض بأصابعي، وإن ربطتم ساعدي حفرته بأسناني، أسرعوا من هذا ~~المكان المملوء برائحة البخور واللبان فالخنازير تأبى استنشاق العطور الزكية، واللصوص ~~الخاطفة تهاب رب البيت وتخشى قدوم الصباح، أسرعوا إلى مضاجعكم المظلمة لأن أغاني ~~الملائكة المتموجة فوق شهيدي الحب لا تدخل آذانكم المسدودة بالتراب.» # وتفرق الناس من أمام وجه الكاهن العبوس ولبثت تلك الصبية واقفة بقرب الجثتين ~~الهامدتين كأنها أم رقوب تحرس طفليها في سكينة الليل ولما توارى الجمع وخلا ذلك ~~المكان استسلمت للبكاء والنحيب. # | خليل الكافر # 1 # كان الشيخ عباس بين سكان تلك القرية المنزوية في شمال لبنان كالأمير بين الرعية، ~~وكان منزله القائم بين أكواخهم الحقيرة يشابه الجبار الواقف بين الأقزام. وكانت ~~معيشته ممتازة عن معيشتهم بميزة السعة عن العوز وأخلاقه مختلفة عن أخلاقهم باختلاف ~~القوة عن الضعف. # إن تكلم الشيخ عباس بين أولئك الفلاحين أحنوا رؤوسهم إعجابا كأن القوى العقلية قد ~~انتدبته ممثلا لها واتخذت لسانه ترجمانا عنها، وإن غضب ارتجفوا جزعا وتبددوا من ~~أمام وجهه مثلما تتراكض أوراق الخريف أمام الأرياح وإن صفع خد رجل منهم ظل ذلك ~~الرجل جامدا صامتا كأن الضربة قد أتت من السماء؛ فمن الكفر أن يتجاسر أو يرفع ~~عينيه ليرى من أنزلها. وإن تبسم لرجل آخر قال الجميع: ما أسعده فتى ms29 رضي عنه الشيخ ~~عباس. # ولم يكن استسلام أولئك المساكين إلى الشيخ عباس وخوفهم قساوته صادرين عن ضعفهم ~~وقوته فقط، بل كانا ناتجين عن فقرهم واحتياجهم إليه؛ لأن الحقول التي كانوا ~~يحرثونها والأكواخ التي يسكنونها كانت ملكه وقد ورثها عن أبيه وجده مثلما ورثوا ~~الفقر والتعاسة من آبائهم وجدودهم، فكانوا يفلحون الأرض ويزرعونها ويحصدونها تحت ~~مراقبته ولا يحصلون لقاء أتعابهم وجهادهم إلا على جزء من الغلة لا يكاد ينقذهم من ~~أظافر الجوع، قد كان أكثرهم يحتاج الخبز قبل انقضاء أيام الشتاء الطويلة فيذهب إليه ~~الواحد بعد الآخر ويتضرع أمامه باكيا مستعطفا لكي يقرضه دينارا أو مكيالا من ~~الحنطة فكان الشيخ عباس يجيب سؤالهم مسرورا لعلمه بأنه سيستوفي الدينار دينارين ~~ومكيال الحنطة مكيالين عندما تجيء أيام البيادر والموسم. وهكذا كان يبقى أولئك ~~التعساء مثقلين بديون الشيخ عباس مكبلين بحاجتهم إليه خائفين غضبه طالبين ~~رضاه. # 2 # قدم الشتاء بثلوجه وعواصفه وخلت الحقول والأودية إلا من الغربان الناعية ~~والأشجار العارية، فلزم سكان تلك القرية أكواخهم بعد أن أشبعوا أهراء الشيخ عباس من ~~الغلة وملأوا آنيته من عصير الكروم وأصبحوا ولا عمل لهم يفنون الحياة بجانب المواقد ~~متذكرين مآتي الأجيال الغابرة مرددين على مسامع بعضهم حكايات الأيام ~~والليالي. # انقضى كانون الأول (دسمبر) وقضى العام العجوز متنهدا أنفاسه الأخيرة في الفضاء ~~الرمادي وجاءت الليلة التي يتوج فيها الدهر رأس عام الطفل ويجلسه على عرش ~~الوجود. # توارى النور الضئيل وغمرت الظلمة البطاح والأودية وابتدأت الثلوج تنهمر بغزارة ~~العواصف تصفر وتتسارع ملعلعة من أعالي الجبال نحو المنخفضات حاملة الثلوج لتخزنها ~~في الوهاد فترتعش لهولها الأشجار وتتململ أمامها الأرض فمزجت الأرياح بين ما تساقط ~~من الثلج في ذلك النهار والساقط منه في تلك الليلة حتى أصبحت الحقول والطلول ~~والممرات كصفحة واحدة بيضاء يكتب عليها الموت سطورا مبهمة ثم يمحوها، وفصل الضباب ~~بين القرى المنثورة على كتفي الوادي وتوارت الأنوار الضئيلة التي كانت تشعشع في ~~نوافذ البيوت والأكواخ الحقيرة، وقبضت الرعبة على نفوس الفلاحين وانزوت البهائم ~~بقرب المعالف واختبأت الكلاب ms30 في القراني ولم يبق سوى الريح تخطب وتضج على مسامع ~~الكهوف والمغاير فيتصاعد صوتها الرهيب من أعماق الوادي تارة وطورا ينقض من أعالي ~~قمم الجبال، فكأن الطبيعة قد غضبت لموت العام العجوز فقامت تأخذ بثأره من الحياة ~~المختبئة في الأكواخ وتحاربها بالبرد القارس والزمهرير الشديد. # ففي هذه الليلة الهائلة وتحت هذا الجو الثائر كان فتى في الثانية والعشرين من ~~عمره يسير على الطريق المتصاعدة بتدرج من دير قزحيا # 1 # إلى قرية الشيخ عباس وقدأ يبس البرد مفاصله وانتزع الجوع والخوف قواه ~~وأخفت الثلوج ثوبه الأسود كأنها تريد أن تكفنه قبل أن تميته، فكان يخطو إلى الأمام ~~والأرياح تصده وترجعه إلى الوراء كأنها أبت أن تراه في منازل الأحياء، وتتشبث ~~الطريق الوعرة بأقدامه فيسقط ثم ينهك ثم يصرخ بأعلى صوته مستغيثا ثم يخرسه البرد ~~فيقف صامتا مرتجفا فكأنه العناصر المتحاربة كالأمل الضعيف بين اليأس الشديد ~~والحزن العميق، أو كعصفور مكسور الجناحين سقط في النهر فحمله التيار الغضوب إلى ~~الأعماق. # وظل الشاب سائرا والموت يتبعه حتى خارت قواه وانحطت عزيمته وتجمدت الدماء ~~في عروقه فارتمى على الثلوج. # وصرخ صوتا هائلا هو بقية الحياة في جسده: صوت خائف قد رأى خيال الموت وجها ~~لوجه، صوت منازع قانط أتلفته الظلمة وقبضت عليه العاصفة لترمي به إلى الهاوية، صوت ~~محبة الكيان في فضاء العدم. # 3 # في الجهة الشمالية من تلك القرية كوخ صغير منفرد بين الحقول تسكنه امرأة تدعى ~~راحيل مع ابنتها مريم غير المتجاوزة الثامنة عشرة من سنيها، هذه المرأة هي أرملة ~~سمعان الرامي الذي وجد قتيلا في البرية منذ خمسة أعوام ولم يعرف ~~قاتله بعد. # كانت راحيل مثل جميع الأرامل الفقيرات تعيش بالاجتهاد والعمل مخافة الموت ~~والفناء، فكانت تخرج أيام الحصاد وتلتقط السنابل المتروكة في الحقل وفي أيام الخريف ~~كانت تجمع فضلات الأثمار المنسية في البساتين وفي الشتاء كانت تغزل الصوف وتخيط ~~الأثواب لقاء دريهمات قليلة أو مكيال من الذرة، وكانت جميع أعمالها مقرونة بالثبات ~~والصبر والاعتناء، أما ابنتها مريم فكانت صبية جميلة ms31 هادئة تشاطر والدتها الأتعاب ~~وتساهمها أعمال البيت. # ففي تلك الليلة المخيفة التي وصفناها كانت راحيل وابنتها جالستين بقرب موقد قد ~~تغلب البرد على حرارته واكتنف الرماد جمره، وفوق رأسيهما سراج ضعيف يبعث أشعته ~~الصفراء الضئيلة إلى قلب الظلمة مثلما تبعث الصلاة أشباح التعزية إلى كبد الفقير ~~الحزين. # انتصف الليل والمرأتان جالستان تسمعان ولولة الأرياح خارجا ومن وقت إلى آخر كانت ~~الصبية تقف وتفتح الكوة الصغيرة وتنظر نحو الفضاء المظلم ثم تعود إلى مكانها مضطربة ~~مرتعبة من غضب العناصر. # في تلك الدقيقة تحركت الصبية فجأة كأنها استيقظت من سبات نوم عميق والتفتت ~~بوجل نحو أمها وقالت بسرعة: «هل سمعت يا أماه؟ هل سمعت صوت صارخ مستغيث؟» # فرفعت الوالدة رأسها وأصغت هنيهة ثم أجابت: «لا لم أسمع سوى عويل الأرياح يا ~~ابنتي.» # فقالت الصبية: «أنا قد سمعت صوتا أعمق من هزيم الريح وأمر من عويل ~~العاصفة.» # قالت هذه الكلمات وانتصبت واقفة وفتحت الكوة وأصغت دقيقة ثم قالت: «قد سمعت ~~الصراخ ثانية يا أماه.» # فأجابت الأم وقد أسرعت مرتاعة نحو النافذة: «وأنا قد سمعت أيضا ... تعالي نفتح ~~الباب وننظر ... أوصدي النافذة كي لا تطفئ الريح السراج.» # قالت هذا والتفت برداء طويل وفتحت الباب وخرجت بقدم ثابتة وبقيت مريم واقفة في ~~الباب والهواء يتلاعب بجدائل شعرها. # مشت راحيل بضع خطوات فالحة الثلج بقدميها ثم وقفت ونادت: «من الصارخ؟ أين ~~المستغيث؟» فلم يجبها أحد ثم رددت كلماتها هذه ثانية وثالثة وإذ لم تسمع غير صراخ ~~الزوبعة تقدمت إلى الأمام بشجاعة ملتفتة إلى كل ناحية حاجبة وجهها من تموجات الريح ~~العنيفة، ولم تسر رمية سهم حتى رأت أثر أقدام غارقة في الثلج قد أوشكت الأرياح أن ~~تمحوها فاتبعتها بسرعة جازع مترقب وبعد هنيهة نظرت فرأت أمامها جسدا مطروحا على ~~الثلج كرقعة سوداء على ثوب ناصع البياض، فتقدمت وذرت الثلج عنه وأسندت رأسه على ~~ركبتيها ووضعت يدها على صدره وإذ شعرت بنبضات قلبه المتهاونة التفتت نحو الكوخ ~~وصرخت قائلة: «هلمي يا مريم هلمي إلى معونتي فقد وجدته.» ms32 # فخرجت مريم من البيت متبعة أثر أقدام والدتها مرتعشة من البرد والخوف حتى إذا ما ~~بلغت المكان ورأت الشاب الملقى بلا حراك على الثلج تأوهت وصرخت بلهفة ~~وتوجع، فقالت الأم وقد وضعت يديها تحت إبطيه: «هو حي فلا تخافي بل أمسكي بأطراف ~~أثوابه وتعالي نحمله إلى البيت.» # حملت المرأتان الفتى والأرياح الشديدة تصدهما والثلوج تتمسك بأقدامهما حتى إذا ما ~~بلغتا به الكوخ ألقتاه بجانب الموقد وأخذت الأم تفرك أعضاءه المتجلدة والابنة تجفف ~~بأطراف ثوبها شعره البليل وأصابعه الباردة، فلم تمر بضع دقائق حتى عادت إليه الحياة ~~فتحرك قليلا وارتعشت أجفانه وتنهد تنهيدة عميقة بثت الأمل بنجاته في قلبي المرأتين ~~الشفوقتين، فقالت مريم بعد أن حلت سيور حذائه المهشم وخلعت عباءته البليلة: «انظري ~~يا أماه! انظري ملابسه فهى شبيهة بأثواب الرهبان.» فالتفتت راحيل وقد وضعت في ~~الموقد غمرا من القضبان اليابسة وقالت مستغربة: «إن الرهبان لا يخرجون من الدير في ~~مثل هذه الليلة المخيفة فأي شيء يا ترى جعل هذا المسكين يخاطر بحياته؟» # فقالت الصبية مستدركة: «ولكن هو أمرد يا أماه وللرهبان لحى كثيفة.» فنظرت إليه ~~الوالدة وقد انسكبت الرأفة الوالدية من عينيها وقالت متنهدة: «جففي قدميه جيدا يا ~~ابنتي راهبا كان أم مجرما.» # وفتحت راحيل الخزانة الخشبية وأخرجت منها جرة صغيرة مملوءة خمرا وسكبت منها في ~~إناء من الفخار ثم قالت لابنتها: «أسندي رأسه يا مريم لنجرعه قليلا من الخمر ~~فينتعش وتعود الحرارة إلى جسده.» # قربت راحيل حافة الطاس إلى شفتي الشاب وجرعته قليلا ففتح عينيه الكبيرتين ونظر ~~إلى منقذيه لأول مرة نظرة لطيفة محزنة قد انبعثت مع دموع الشكر ومعرفة الجميل، نظرة ~~من شعر بملامس الحياة بعد أن كان بين مخالب الموت، نظرة الأمل بعد اليأس. ثم ألوى ~~عنقه وخرجت هذه الكلمات من بين شفتيه المرتعشتين: «ليبارككما الله.» # فقالت راحيل وقد وضعت يدها على كتفه: «لا تزعج نفسك بالكلام يا أخي بل ابق ~~صامتا حتى تعود إليك القوة.» # وقالت مريم: «اتكئ يا أخي إلى هذا المسند واقترب قليلا من ms33 الموقد.» # فاتكأ الشاب متنهدا وبعد دقيقة ملأت راحيل الطاس خمرا وسقته ثانية ثم التفتت ~~نحو ابنتها وقالت: «ضعي جبته بقرب النار لتجف.» ففعلت مريم ثم جلست تنظر إليه بحنو ~~وشفقة كأنها تريد أن تبث بنظراتها الحرارة والقوة في جسده النحيل. # وأحضرت راحيل إذ ذاك رغيفين من الخبز وقصعة مملوءة دبسا وطبقا عليه بعض الثمار ~~المجففة وجلست بجانبه تطعمه بيدها لقما صغيرة مثلما تفعل الأم وطفلها، حتى إذا ~~اكتفى من الطعام وشعر بشيء من النشاط استوى جالسا على البساط فانعكست أشعة النار ~~الوردية على وجهه المصفر، وتلمعت عيناه الحزينتان ثم قال هازا رأسه بهدوء: ~~«الرحمة والقساوة تتصارعان في القلب البشري مثلما تتحارب العناصر في فضاء هذه ~~الليلة المظلمة، ولكن سوف تتغلب الرحمة على القساوة لأنها إلهية وسوف تمر مخاوف هذه ~~الليلة بمجيء النهار.» وسكت الشاب دقيقة ثم زاد بصوت منخفض يكاد لا يسمع: «يد ~~بشرية دفعتني إلى الهوان ويد بشرية خلصتني فما أشد قساوة الإنسان وما أكثر ~~رأفته!» # فقالت راحيل بصوت تمتزج بمقاطعه عاطفة الأمومة بعذوبة الطمأنينة: «كيف ~~تجرأت يا أخي وتركت الدير في هذه الليلة التي تخافها الذئاب وتنزوي بالكهوف ~~وتهابها العقبان فتختبئ بين الصخور؟» # فأغمض الشاب عينيه كأنه يريد أن يعيد بأجفانه الدموع إلى أعماق قلبه ثم قال: ~~«للثعالب أوجرة ولطيور السماء أوكار، وأما ابن الإنسان فليس له أن يسند ~~رأسه.» # فقالت راحيل: «هكذا قال يسوع الناصري عن نفسه عندما طلب إليه أحد الكتبة أن يتبعه ~~إلى حيث يذهب.» # فأجاب الشاب: «وهكذا يقول كل من يريد أن يتبع الروح والحق في هذا الجيل المملوء ~~بالكذب والرياء والفساد.» # فسكتت راحيل مفكرة بمعنى كلماته ثم قالت بشيء من التردد: «ولكن في الدير غرف ~~عديدة رحبة، وخزائن طافحة بالذهب والفضة، وأقبية مملوءة بالغلة والخمور، وزرائب ~~غاصة بالعجول والكبوش المسمنة، فأي أمر جعلك تترك جميع هذه الأشياء وتخرج في مثل ~~هذه الليلة؟» # فقال الشاب متنهدا: «قد تركت جميع هذه الأشياء وخرجت كرها من الدير.» # فقالت راحيل: «إن الراهب في الدير نظير الجندي في ms34 ساحة الحرب يزجره رئيسه فينحني ~~صامتا ويأمره فيطيع مسرعا، وقد سمعت بأن الرجل لا يصير راهبا إلا إذا نزع عنه ~~الإرادة والفكر والميل وكل ما يختص بالنفس، ولكن الرئيس الصالح لا يطلب من مرءوسيه ~~فوق طاقتهم فكيف يطلب منك رئيس دير قزحيا أن تسلم حياتك إلى العواصف ~~والثلوج؟» # فأجاب الشاب: «إن الرجل لا يصير راهبا في عرف رئيسه إلا إذا كان مثل آلة عمياء ~~خرساء فاقدة الحس والقوة، أما أنا فقد خرجت من الدير لأنني لست آلة عمياء بل ~~إنسانا يرى ويسمع.» # فأحدقت به راحيل ومريم كأنهما قد رأتا في وجهه سرا خفيا يريد كتمانه، وبعد ~~هنيهة قالت الوالدة مستغربة: «أيخرج الإنسان الذي يرى ويسمع في مثل هذه الليلة التي ~~تعمي العيون وتصم الآذان؟» # فتنهد الشاب وأحنى رأسه على صدره وقال بصوت عميق: «خرجت مطرودا من ~~الدير.» # فقالت راحيل بدهشة: «مطرودا؟!» # ورددت مريم هذه الكلمة متأوهة. # فرفع الشاب رأسه وقد ندم على إظهاره الحقيقة للمرأتين وخاف أن تتحول رأفتهما عليه ~~إلى استياء واستهجان، ولكنه نظر فرأى في عينيهما أشعة الشفقة متموجة مع محبة ~~الاستطلاع فقال بصوت مخنوق: «نعم خرجت مطرودا من الدير لأنني لم أستطع أن أحفر ~~قبري بيدي لأن قلبي قد تعب في داخلي من متابعة الكذب والرياء؛ لأن نفسي أبت أن ~~تتنعم بأموال الفقراء والمساكين، لأن روحي قد امتنعت عن التلذذ بخيرات الشعب ~~المستسلم إلى الغباوة. خرجت مطرودا لأن جسدي لم يعد يجد راحة في الغرف الرحبة التي ~~بناها سكان الأكواخ؛ لأن خوفي لم يعد يقبل الخبز المعجون بدموع اليتيم والأرملة، ~~لأن لساني لم يعد يتحرك بالصلاة التي يبيعها الرئيس بأموال المؤمنين والبسطاء. خرجت ~~مطرودا كالأبرص القذر؛ لأنني رددت على مسامع القسس والرهبان آيات الكتاب الذي ~~جعلهم قسسا ورهبانا.» # وسكت الشاب وظلت راحيل ومريم ناظرتين إليه مستغربتين كلامه محدقتين بوجهه الجميل ~~الحزين متلفتتين بين الآونة والأخرى إلى بعضهما كأنهما تتساءلان بالسكينة عن ~~الأسباب الغريبة التي جاءت به إليهما، حتى إذا ما نمت محبة الاستقصاء في قلب ~~الوالدة نظرت ms35 إليه بانعطاف وسألته قائلة: «أين أبوك وأمك يا أخي؟ هل هما ~~حيان؟» # فأجاب الشاب والغصات الموجعة تقطع ألفاظه: «ليس لي أب ولا أم ولا أخت ولا مسقط ~~رأس.» # فتنهدت راحيل متأثرة وحولت مريم وجهها نحو الحائط لتخفي دمعة محرقة استقطرتها ~~الشفقة من أجفانها، فنظر إليهما الشاب نظرة المغلوب إلى منجده وقد انتعشت نفسه برقة ~~عواطفهما مثلما تنتعش الزهرة النابتة بين الصخور عندما يسكب الصباح قطرات الندى في ~~قلبها، ثم رفع رأسه وقال: «مات أبي وأمي قبل أن أبلغ السابعة من عمري فأخذني كاهن ~~القرية التي ولدت فيها إلى دير قزحيا، فسر الرهبان بي وجعلوني راعيا للبقر ~~ولما بلغت الخامسة عشرة ألبسوني هذا الثوب الأسود والخشن وأوقفوني أمام المذبح ~~قائلين: أقسم بالله وقديسيه بأنك قد نذرت الفقر والطاعة والعفة. فرددت كلامهم ~~قبل أن أفهم مفاد كلامهم، وقبل أن أدرك معاني الفقر والطاعة والعفاف، وقبل أن أرى ~~السبيل الضيقة التي سيروني عليها. كان اسمي خليلا فصار الرهبان منذ ذلك الحين ~~يدعونني الأخ مبارك ولكنهم لم يعاملونى قط كأخ لهم، كانوا يتنعمون باللحوم والمآكل ~~الشهية ويطعمونني الخبز اليابس والبقول المجففة ويتلذذون بالخمور والمشارب الطيبة ~~ويسقونني الماء ممزوجا بالدموع، ويتضجعون على الأسرة الناعمة وينيمونني على فراش ~~حجري في غرفة مظلمة باردة بجانب زرائب الخنازير فكنت أقول في نفسى: متى أصير راهبا ~~يا ترى فأشارك هؤلاء السعداء بغبطتهم، وأصبح خليقا بملذاتهم ومسراتهم فلا تقطع ~~قلبي رائحة الطعام، ولا تعذب كبدي ألوان الخمور، ولا ترتعش روحي لصوت الرئيس. ولكن ~~باطلا كنت أتمنى وأحلم لأنني بقيت أرعى البقر في البرية وأنقل الحجارة ~~الثقيلة على ظهري وأحفر التراب بساعدي، بقيت أفعل كل ذلك لبقاء الخبز الدنيء ~~والمأوى الضيق لأنني لم أكن أعلم بأنه يوجد مكان غير الدير يمكن أن أعيش فيه لأنهم ~~علموني الكفر بكل شيء إلا معيشتهم، وسمموا نفسي بنقيع اليأس والاستسلام حتى ~~ظننت بأن هذا العالم هو بحر أحزان وشقاء وأن الدير هو ميناء الخلاص. # واستوى خليل جالسا وانبسطت ملامحه المنقبضة، ونظر كأنه رأى شيئا جميلا ms36 منتصبا ~~أمامه في ذلك الكوخ. أما راحيل ومريم فلبثتا صامتتين محدقتين به وبعد هنيهة عاد ~~فقال: «إن السماء التي شاءت فأخذت والدي ونفتني يتيما إلى الدير لم تشأ أن أصرف ~~العمر كله كالأعمى السائر في المعابر الخطرة، ولم ترض بأن أكون عبدا تعسا ~~متصاغرا إلى نهاية الحياة، ففتحت عيني وأذني وأرتني النور مشعشعا وأسمعتني ~~الحقيقة متكلمة.» # فهزت راحيل رأسها إذ ذاك وقالت: «أيوجد نور غير النور الذي تسكبه الشمس على جميع ~~الناس؟ وهل بإمكان البشر أن يعرفوا الحقيقة؟» # فأجاب خليل قائلا: «النور الحقيقي هو ذاك الذي ينبثق من داخل الإنسان، ويبين ~~سرائر النفس للنفس ويجعلها فارحة بالحياة مترنمة باسم الروح، أما الحقيقة فهي ~~كالنجوم لا تبدو إلا من وراء ظلمة الليل. الحقيقة هي مثل جميع الأشياء الجميلة في ~~هذا العالم لا تظهر مفاعليها المستحبة إلا لمن شعر بتأثيرات البطل القاسية، الحقيقة ~~هي تلك العاطفة الخفية التي تعلمنا أن نفرح بأيامنا وتجعلنا نتمنى ذلك الفرح نفسه ~~لجميع الناس.» # فقالت راحيل: «كثار هم الذين يعيشون حسب العاطفة الخفية الكائنة في قلوبهم، وكثار ~~هم الذين يعتقدون بأن هذه العاطفة هي ظل الناموس الذي سنه الله للإنسان. ولكنهم ~~لا يفرحون قط بأيامهم بل يظلون تعساء حتى الموت.» # فأجابها خليل قائلا: «باطلة هي الاعتقادات والتعاليم التي تجعل الإنسان تعسا في ~~حياته، وكذابة هي العواطف التي تقوده إلى اليأس والحزن والشقاء؛ لأن واجب الإنسان ~~أن يكون سعيدا على الأرض وأن يعلم سبل السعادة ويكرز باسمها أينما كان، ومن لا ~~يشاهد ملكوت السموات في هذه الحياة لن يراه في الحياة الآتية؛ لأننا لم نجئ هذا ~~العالم كالمنفيين المرزولين بل جئنا كالأطفال الأغبياء لكي نتعلم من محاسن الحياة ~~وأسرارها عبادة الروح الكلي الخالد واستطلاع خفايا نفوسنا. هذه هي الحقيقة التي ~~عرفتها عندما قرأت تعاليم يسوع الناصري وهذا هو النور الذي انبثق من داخلي وأبان لي ~~الدير ومن فيه كهوة مظلمة تنبعث من أعماقها الأشباح المخيفة لتميتني، هذا هو السر ~~الخفي الذي أعلنته البرية الجميلة لنفسي عندما كنت أجلس ms37 جائعا باكيا ~~متأوها في ظل الأشجار؛ ففي يوم وقد سكرت نفسي من هذه الخمرة السماوية تشجعت ~~ووقفت بين الرهبان إذ كانوا جالسين في حديقة الدير مثلما تربض البهائم المتخومة ~~وأخذت أبين لهم أفكاري وأتلو على مسامعهم آيات الكتاب التي تبين ضلالهم وكفرهم. قلت ~~لهم: لماذا نصرف الأيام في هذه الخلوة متمتعين بخيرات الفقراء والمساكين مستطيبين ~~الخبز المعجون بعرق جبينهم ودموع أجفانهم متلذذين بغلة الأرض المسلوبة منهم؟ لماذا ~~نعيش في ظلال التواني والكسل مبتعدين عن الشعب المحتاج إلى المعرفة حارمين البلاد ~~قوى نفوسنا وعزم سواعدنا؟ إن يسوع الناصري قد بعثكم كالخراف بين الذئاب فأي تعاليم ~~جعلتكم تصيرون كالذئاب بين الخراف؟ لماذا تبتعدون عن البشر وقد خلقكم الله بشرا؟ ~~إذا كنتم أفضل من الناس السائرين في موكب الحياة فعليكم أن تذهبوا إليهم وتعلموهم ~~وإن كانوا أفضل منكم فامتزجوا بهم وتعلموا. كيف تنذرون الفقر وتعيشون كالأمراء ~~وتنذرون الطاعة وتتمردون على الإنجيل وتنذرون العفة وقلوبكم مفعمة بالشهوات؟ أنتم ~~تتظاهرون بقتل أجسادكم ولكنكم لا تقتلون غير نفوسكم، وتتظاهرون بالترفع عن ~~العالميات وأنتم أكثر الناس طمعا. وتتظاهرون بالتنسك والتقشف وأنتم ~~كالبهائم المشغولة عن المعرفة بطيب المرعى. تعالوا نعيد أراضي الدير الوسيعة إلى ~~سكان هذه القرى المحتاجين ونرجع إلى جيوبهم الأموال التي أخذناها، تعالوا نتفرق إلى ~~كل ناحية مثلما تتفرق أسراب الطيور فنخدم الشعب الضعيف الذي جعلنا أقوياء، ونصلح ~~البلاد التي نعيش بخيراتها، ونعلم هذه الأمة التعسة أن تبتسم لنور الشمس وتفرح ~~بمواهب السماء ومجد الحياة والحرية؛ لأن المتاعب التي نجدها بين الناس هي أجل ~~وأجمل من الراحة التي نستسلم إليها في هذا المكان، والرأفة التي نلامس بها قلب ~~القريب هي أسمى من الفضيلة المختبئة في قراني الدير، وكلمة التعزية التي نقولها على ~~مسامع الضعيف والمجرم والساقطة هي أشرف من الصلاة الطويلة التي نرددها في ~~الهيكل.» # وسكت خليل دقيقة مسترجعا أنفاسه ثم رفع عينيه نحو راحيل ومريم وقال بصوت هادئ: ~~«كنت أتكلم بهذه الأشياء وما يشابهها أمام الرهبان وهم سامعون ودلائل الاستغراب ~~بادية على وجوههم كأنهم لم ms38 يصدقوا بأن فتى مثلي يقف بينهم ويتكلم متجاسرا بمثل ~~هذا الكلام حتى إذا ما انتهيت اقترب أحدهم وقال صارفا أسنانه: «أتتجرأ أيها الضعيف ~~وتتلفظ أمامنا بمثل هذا الكلام؟» واقترب آخر وقال ضاحكا مستهزئا: «هل تعلمت هذه ~~الحكمة من البقر والخنازير التي رافقتها كل أيام حياتك؟» وجاء آخر وقال متوعدا: ~~«سوف ترى ما يحل بك أيها الخبيث الكافر.» ثم تفرقوا عني إلى كل ناحية مثلما يبتعد ~~الأصحاء عن الأبرص، وذهب بعضهم وشكوني إلى الرئيس فاستدعاني عند غروب الشمس وبعد أن ~~وبخني بقساوة على مسمع من الرهبان المبتهجين أمر بجلدي فجلدت بسياط من المرس، ثم ~~حكم بسجني شهرا كاملا، فاقتادني الرهبان متقهقهين فرحين إلى غرفة رطبة مظلمة ... ~~انقضى الشهر وأنا مطروح في ذلك القبر لا أرى النور ولا أشعر بغير دبيب الحشرات ولا ~~ألمس سوى التراب ولا أعرف نهاية الليل من بدء النهار ولا أسمع سوى وطء أقدام أحد ~~الرهبان عندما يجيء ويضع بقربي كسرة من الخبز اليابس العطن وطاسا من الماء الممزوج ~~بالخل، ولما خرجت من ذلك السجن ورأى الرهبان نحول جسدي واصفرار وجهي توهموا بأن ~~أميال نفسي قد ماتت في داخلي وأنهم بالجوع والعطش والعذاب قد قتلوا العاطفة التي ~~أحياها الله في قلبي ... مرت الأيام أثر الليالي وأنا أجهد النفس مفكرا في ساعات ~~انفرادي بما يجعل أولئك الرهبان يرون النور ويسمعون نغمة الحياة، ولكن باطلا كنت ~~أفتكر وأفتكر، لأن الغشاء الكثيف الذي حاكته الأجيال الطويلة على بصائرهم لا تمزقه ~~الأيام القليلة، والطينة التي طلت بها الغباوة آذانهم قد تحجرت فلا تزيلها ~~ملامس الأصابع الناعمة.» # وبعد سكينة مملوءة بالتنهدات رفعت مريم رأسها والتفتت نحو والدتها كأنها تستأذنها ~~بالكلام ثم نظرت بكآبة نحو خليل وسألته قائلة: «هل عدت وتكلمت ثانية أمام الرهبان ~~فطردوك من الدير في هذه الليلة المخفية التي تعلم الإنسان أن يكون رؤوفا ورفوقا ~~حتى بأعدائه؟» # فقال الشاب: «في هذا المساء عندما تعاظم هول العاصفة وابتدأت العناصر تتحارب في ~~الفضاء جلست منفردا عن الرهبان المستدفئين حول النار والمشغولين بسرد الحوادث ms39 ~~والحكايات المضحكة وفتحت الإنجيل متأملا بتلك الأقوال التي تستميل النفس وتنسيها ~~غضب الطبيعة وقساوة العناصر، ولما رآني الرهبان بعيدا عنهم اتخذوا انفرادي سببا ~~للسخرية بي، فجاء بعضهم ووقفوا بقربي وأخذوا يتغامزون ويضحكون ويشيرون نحوي ~~مستهزئين، فلم أحفل بهم بل أطبقت الكتاب وبقيت ناظرا من النافذة، فتململوا لذاك ~~غيظا ونظروا إلي شزرا لأن سكوتي قد أيبس عواطفهم ثم قال أحدهم ساخرا: «ماذا ~~تقرأ أيها المصلح العظيم؟» فلم أرفع عيني نحو المتكلم بل فتحت الإنجيل وقرأت منه ~~بصوت عال هذه الآية: «وكان يقول للجموع الذين خرجوا ليعتمدوا منه: يا أولاد ~~الأفاعي من أراكم أن تهربوا من الغضب الآتي؟ فاصنعوا أثمارا تليق بالتوبة، ولا ~~تبتدئوا تقولون في نفوسكم: إن لنا إبراهيم أبا؛ لأني أقول: لكم إن الله قادر على ~~أن يقيم من هذه الحجارة أولادا لإبراهيم، والآن وقد وضعت الفأس على أصل الشجرة فكل ~~شجرة لا تعطي ثمرا جيدا تقطع وتلقى في النار. وسأله الجموع قائلين: فماذا نفعل؟ ~~فأجاب وقال لهم من: له ثوبان فليعط من ليس له ومن له طعام فليفعل هكذا.» عندما قرأت ~~هذه الكلمات التي قالها يوحنا المعمدان سكت الرهبان دقيقة كأن يدا خفية قد قبضت ~~على أرواحهم ولكنهم عادوا وقهقهوا ضاحكين ثم قال أحدهم: «قد قرأنا هذا الكلام مرات ~~عديدة ولسنا نحتاج لرعاة البقر أن يرددوه على مسامعنا.» فقلت: «لو كنتم تقرأون هذه ~~الآيات وتفهمونها لما كان سكان هذه القرى المغمورة بالثلوج يتأففون بردا ~~ويتضورون جوعا وأنتم ههنا تتمتعون بخيراتهم وتشربون عصير كرومهم وتأكلون لحوم ~~مواشيهم.» لم تخرج هذه الألفاظ من بين شفتي حتى صفعني أحد الرهبان على وجهي كأني ~~لم أتكلم بغير الحماقة، ثم رفسني آخر برجله وآخر انتزع الكتاب من يدي، وآخر نادى ~~الرئيس فجاء مسرعا وإذ أخبروه بما جرى تعالت قامته وزوى ما بين عينيه وارتجف غضبا ~~وصرخ بأعلى صوته: «اقبضوا على هذا الشرير المتمرد وجروه بعيدا عن الدير، ودعوا ~~العناصر الغضوبة تعلمه الطاعة، أخرجوه إلى الظلمة الباردة لتفعل به الطبيعة مشيئة ~~الله، ثم اغسلوا أكفكم ms40 خوفا من سموم الكفر المتعلقة بأثوابه وإن عاد متضرعا ~~متظاهرا بالتوبة فلا تفتحوا له الأبواب؛ لأن الأفعى إذا سجنت في القفص لا تنقلب ~~حمامة والعليقة إذا غرست في الكرم لا تثمر تينا».» # حينئذ قبض الرهبان علي وجروني بعنف إلى خارج الدير وعادوا ضاحكين وقبل أن ~~يوصدوا الأبواب سمعت أحدهم يقول ساخرا: «كنت بالأمس ملكا وكانت رعيتك البقر ~~والخنازير، وقد خلعناك اليوم أيها المصلح لأنك أسأت السياسة فاذهب الآن وكن ملكا ~~على الذئاب الجائعة والغربان المتطايرة وعلمها كيف يجب أن تعيش في كهوفها ~~وأوجرتها.» # وتنهد خليل تنهيدة عميقة ثم حول وجهه ونظر إلى النار المتأججة في الموقد، وبصوت ~~جارح بحلاوته قال: «هكذا طردت من الدير، وهكذا سلمني الرهبان إلى يد الموت فسرت ~~والضباب يحجب الطريق عن بصري والأرواح الشديدة تمزق أثوابي والثلوج المتراكمة ~~تتمسك بركابي حتى وهنت قواي فسقطت مستغيثا صارخا صراخ يائس شعر بأنه لا يوجد من ~~يسمعه سوى الموت المخيف والأودية المظلمة، ولكن من وراء الثلوج والأرياح، من وراء ~~الظلمة والغيوم، من وراء الأثير والكواكب ومن وراء كل شيء قوة هي كل معرفة وكل رحمة ~~قد سمعت صراخي وندائي فلم تشأ أن أموت قبل أن أتعلم ما بقي من سرائر الحياة ~~فبعثتكما إلي لكي تسترجعاني من أعماق الهاوية والعدم.» # وسكت الشاب والمرأتان تنظران إليه بانعطاف وإعجاب وشفقة كأن نفسيهما قد فهمتا ~~خفايا نفسه واشتركتا معها بالشعور والمعرفة، وبعد هنيهة مدت راحيل يدها أسر إرادتها ~~ولمست يده بلطف وقالت والدموع تتلمع في عينيها: «إن من تختاره السماء نصيرا للحق ~~لا تفنيه المظالم ولا تميته الثلوج والعواصف.» # وهمست مريم قائلة: «إن العواصف والثلوج تفني الزهور ولكنها لا تميت ~~بذورها.» # فقال خليل وقد أنارت التعزية وجهه المصفر مثلما تنير أشعة الفجر خطوط ~~الأفق: «إن كنتما لا تحسباني متمردا وكافرا كما يحسبني الرهبان يكون الاضطهاد ~~الذي لقيته في الدير رمزا للشدة التي تعانيها الأمة قبل بلوغها المعرفة، وتكون هذه ~~الليلة التي كادت تميتني شبيهة بالثورات التي تتقدم الحرية والمساواة؛ لأن من قلب ~~الامرأة ms41 الحساس تنبثق سعادة البشر ومن عواطف نفسها الشريفة تتولد عواطف ~~نفوسهم .» # قال هذا واتكأ على الوسادة فلم تشأ الامرأتان متابعة الحديث لأنهما عرفتا من ~~نظراته بأن النعاس المتولد من الراحة والاستدفاء بعد عناء المسير قد راود ~~عينيه. # ولم تمر بضع دقائق حتى أغمض خليل أجفانه ونام كالطفل المستأمن على ذراعي أمه، ~~فقامت راحيل بهدوء واتبعتها مريم وجلستا على فراشهما تنظران إليه كأن في وجهه ~~الذابل جاذبا يستميل روحيهما ويحيط بقلبيهما، ثم همست الوالدة كأنها تتكلم مع ~~نفسها وقالت: «في عينيه المطبقتين قوة غريبة تتكلم بالسكينة وتنبه أميال ~~النفس.» # وقالت الابنة: «يداه يا أماه مثل يدي صورة يسوع الموجودة في الكنيسة.» # فهمست الوالدة: «على وجهه الكئيب ظاهرة رقة الامرأة وقوة الرجل.» # وحملت أجنحة الكرى روحي الامرأتين إلى عالم الأحلام وخمدت النار في الموقد وتحولت ~~إلى رماد، ثم جف زيت السراج فشح نوره ببطء ثم انطفأ، وظلت العاصفة الغضوبة تضج ~~خارجا والجو القاتم ينثر رقع الثلوج والأرياح العنيفة تقذفها يمينا ~~وشمالا. # 4 # مضى أسبوعان على تلك الليلة والفضاء المتلبد بالغيوم يسكن حينا ثم يثور متهيجا ~~غامرا الأودية بالضباب مكفنا الطلول بالثلوج، وقد هم خليل ثلاث مرات أن يتابع ~~مسيره نحو الساحل فكانت راحيل تصده بلطف وانعطاف قائلة: «لا تسلم حياتك ثانية إلى ~~العناصر العمياء بل ابق ههنا يا أخي فالخبز الذي يشبع اثنين يكفي ثلاثة، والنار ~~في هذا الموقد تظل متقدة بعد ذهابك مثلما كانت قبله، نحن فقراء يا أخي ولكننا نحيا ~~أمام وجه الشمس مثل جميع الناس لأن الله يعطينا خبزنا كفاف يومنا.» # أما مريم فكانت ترجوه بنظراتها اللطيفة وتستعطفه بتنهداتها الهادئة لكي يمتنع عن ~~الذهاب لأنها منذ دخوله بين حي وميت ذلك البيت الحقير شعرت بوجود قوة علوية في نفسه ~~تبعث الحياة والشعاع إلى قلبها وتنبه عواطف جديدة مستحبة في قدس من أقداس روحها؛ ~~لأنها شعرت لأول مرة في حياتها بتلك الحاسة الغريبة التي تجعل قلب الصبية النقي مثل ~~وردة بيضاء تشرب قطرات الندى وتسكب دقائق العطر. # لا يوجد في ms42 داخل الإنسان عاطفة أنقى وأعذب من تلك العاطفة الخفية التي تستفيق على ~~حين غفلة في قلب الصبية وتملأ خلايا صدرها بالأنغام السحرية وتجعل أيامها شبيهة ~~بأحلام الشعراء ولياليها مثل الأنبياء، ولا يوجد بين أسرار الطبيعة سر أقوى وأجمل ~~من ذلك الميل الذي يحول سكينة نفس العذراء إلى حراك مستمر يميت بعزمه ذكرى الأيام ~~الغابرة ويحيي بحلاوته الآمال بالأيام الآتية. # والصبية اللبنانية تمتاز عن صبايا الأمم بقوة عواطفها ورقة إحساسها؛ لأن التربية ~~البسيطة التي تحرم عاقلتها من النمو وتوقف مداركها عن الارتقاء تحول نفسها إلى ~~استفسار ميول نفسها، وتشغل قلبها باستطلاع خفايا قلبها، الصبية اللبنانية مثل ينبوع ~~يخرج من قلب الأرض بين المنخفضات فلا يجد ممرا ليسير به نهرا نحو البحر فينقلب ~~بحيرة هادئة تنعكس على وجهها أشعة القمر والنجوم. # وشعر خليل بتموجات روح مريم حول روحه، وعرف بأن الشعلة المقدسة التي أحاطت بقلبه ~~قد لامست قلبها؛ ففرح لأول وهلة فرح طفل ضائع وجد أمه ولكنه عاد فلام نفسه على ~~تسرعها وانشغافها ظنا منه بأن هذا التفاهم الروحي سيضمحل كالضباب عندما تفصله ~~الأيام عن تلك القرية فكان يناجي نفسه قائلا: «ما هذه الأسرار الخفية التي تتلاعب ~~بنا ونحن غافلون؟ وما هذه النواميس التي تسيرنا تارة على سبل وعرة فنسير منقادين، ~~وتوقفنا طورا أمام وجه الشمس فنقف فرحين، وتبلغنا مرة قمة الجبل فنبتسم متهللين ~~وتهبط بنا أخرى إلى أعماق الوادي فنصرخ متوجعين؟ ما هذه الحياة التي تعانقنا يوما ~~كالحبيب ويوما تضعفنا كالعدو؟ ألم أكن بالأمس مكرها مضطهدا بين رهبان ~~الدير؟ أولم أقبل العذاب والسخرية من أجل هذه الحقيقة التي أيقظتها السماء في ~~صدري؟ أولم أقل للرهبان بأن السعادة هي مشيئة الله في الإنسان؟ إذا ما هذا ~~الخوف، ولماذا أغمض عيني وأحول وجهي عن النور المنبعث من عيني هذه الصبية؟ أنا ~~مطرود وهي فقيرة ولكن أبالخبز وحده يحيا الإنسان؟ أوليست الحياة دينا ووفاء؟ ~~أولسنا بين العوز واليسر كالأشجار بين الشتاء والصيف؟ ولكن ماذا تقول راحيل إذا ~~علمت بأن روح الفتى المطرود من الدير ms43 وروح ابنتها الوحيدة قد تفاهمتا في السكينة ~~واقتربتا من دائرة النور الأعلى ؟ وماذا تفعل يا ترى إذا مادرت بأن الشاب الذي ~~خلصته من مخالب الموت يريد أن يكون رفيقا لابنتها؟ وماذا يقول سكان هذه القرية ~~البسطاء إذا ما علموا بأن فتى ربي في الدير وخرج منه مطرودا فجاء قريتهم لكي ~~يعيش بقرب صبية جميلة؟ أفلا يغلقون آذانهم إذا ما قلت لهم بأن الذي يغادر الدير ~~ليعيش بينهم يكون كالطائر الذي يخرج من ظلمة القفص إلى النور والحرية؟ وماذا يقول ~~الشيخ عباس العائش بين هؤلاء الفلاحين المساكين كالأمير بين العبيد إذا ما سمع ~~حكايتي؟ وماذا يفعل كاهن القرية إذا ما رددوا على مسامعه تلك الأقوال التي سببت ~~طردي من الدير؟» # كان خليل يناجي نفسه وهو جالس بقرب الموقد يتأمل بألسنة النار الشبيهة بعواطفه، ~~أما مريم فكانت تختلس النظرات إليه وتقرأ أحلامه في ملامح وجهه وتسمع صدى أفكاره ~~خارجا من صدرها وتشعر بخيالات هواجسه متمايلة حول قلبها. # ففي عشية يوم وقد وقف خليل بقرب الكوة المطلة نحو الوادي، حيث الأشجار والصخور ~~الملتحفة بالثلوج التحاف الأموات بالأكفان، جاءت مريم ووقفت بجانبه ونظرت من الكوة ~~إلى الفضاء، فالتفت نحوها وإذ التقت عيناه بعينيها تنهد تنهيدة محرقة ثم حول وجهه ~~وأغمض أجفانه كأن نفسه قد تركته وسبحت ساعية في أعماق اللانهاية باحثة عن كلمة ~~تقولها. # وبعد هنيهة تشجعت مريم وسألته قائلة: «إلى أي مكان تذهب عندما تذوب هذه الثلوج ~~وتنفتح الطرقات؟» # فأجابها وقد فتح عينيه الكبيرتين وأحدق بالأفق البعيد: «سوف أتبع الطريق إلى حيث ~~لا أعلم.» # فارتعشت روح مريم ثم قالت متنهدة: «لماذا لا تسكن في هذه القرية وتبقى قريبا ~~منا، أليست الحياة ههنا أفضل من الغربة البعيدة؟» # فأجابها وقد اضطربت أحشاؤه لرقة كلماتها ونغمة صوتها: «إن سكان هذه القرية لا ~~يقبلون المطرود من الدير جارا لهم، ولا يسمحون له أن يتنفس الهواء الذي يحييهم؛ ~~لأنهم يحسبون عدو الرهبان كافرا بالله وقديسيه.» # فتأوهت مريم ولبثت ساكنة لأن الحقيقة الجارحة قد أخرستها؛ حينئذ أسند خليل رأسه ms44 ~~بيده وقال: «إن سكان هذه القرى يا مريم قد تعلموا من الرهبان والكهان بغض كل ~~من يفتكر لذاته، فصاروا يقلدونهم ويبتعدون مثلهم عن جميع الذين يريدون أن يصرفوا ~~حياتهم فاحصين لا تابعين، فإذا بقيت في هذه القرية وقلت لسكانها تعالوا يا إخوتي ~~نعبد ونصلي حسب مشيئة نفوسنا لا مثلما يريد الرهبان والقسس لأن الله لا يريد أن ~~يكون معبودا من الجاهل الذي يقلد غيره؛ يقولون هذا ملحد يعاند السلطة التي وضعها ~~الله في أيدي كهانه. وإن قلت لهم أصغوا يا إخوتي واسمعوا صوت قلوبكم واعملوا إرادة ~~الروح الكائنة في أعماقكم؛ يقولون هذا شرير يريدنا أن نكفر بالوسائط التي أقامها ~~الله بين السماء والأرض.» # ونظر خليل إذ ذاك إلى عيني مريم وبصوت يحاكي رنين الأوتار الفضية قال: «ولكن في ~~هذه القرية يا مريم قوة سحرية تمتلكني وتتشبث بنفسي، قوة علوية قد أنستني اضطهاد ~~الرهبان وحببت إلي قساوتهم، في هذه القرية لقيت الموت وجها لوجه وفيها عانقت ~~روحي روح الله، في هذه القرية زهرة نابتة بين الأشواك يستميل جمالها نفسي ويملأ ~~عطرها كبدي فهل أترك هذه الزهرة وأذهب مبشرا بالمبادئ التي أبعدتني عن الدير أم ~~أبقى بجانبها وأحفر لأفكاري وأحلامي قبرا بين الأشواك المحيطة بها، ماذا أفعل يا ~~مريم؟» # سمعت مريم هذه الكلمات فاهتزت قامتها مثلما ترتعش الزنبقة أمام نسيم السحر، وفاضت ~~أشعة قلبها من مقلتيها فقالت والحياء يغالب لسانها: «كلانا بين يدي قوة خفية عادلة ~~رحومة فلندعها تفعل ما تشاء بنا.» # منذ تلك الدقيقة تمازجت عواطف خليل بعواطف مريم وصارت نفساهما شعلة واحدة متقدة ~~ينبعث منها النور وتتضوع حولها البخور. # 5 # منذ ابتداء الدهر إلى أيامنا هذه والفئة المتمسكة بالشرف الموروث تتحالف وتتفق مع ~~الكهان ورؤساء الأديان على الشعب، هي علة مزمنة قابضة بأظافرها على عنق الجامعة ~~البشرية ولن تزول إلا بزوال الغباوة من هذا العالم عندما يصير عقل كل رجل ملكا ~~ويصبح قلب كل امرأة كاهنا. # ابن الشرف الموروث يبني قصره من أجساد الفقراء الضعفاء، والكاهن يقيم الهيكل على ~~قبور ms45 المؤمنين المستسلمين، الأمير يقبض على ذراعي الفلاح المسكين والكاهن يمد يده ~~إلى جيبه ، الحاكم ينظر إلى أبناء الحقول عابسا والمطران يلتف نحوهم مبتسما، وبين ~~عبوسة النمر وابتسامة الذئب يفنى القطيع، الحاكم يدعي تمثيل الشريعة والكاهن يدعي ~~تمثيل الدين وبين الاثنين تفنى الأجساد وتضمحل الأرواح. # وفي لبنان - ذلك الجبل الغني بنور الشمس الفقير إلى نور المعرفة - قد اتحد الشريف ~~والكاهن على الفقير الضعيف الذي يحرث الأرض ويستغلها كيما يحمي جسده من سيف الأول ~~ولعنة الثاني. # ابن الشرف الموروث يقف في لبنان بجانب قصره ويصرخ باللبنانين قائلا: «قد أقامني ~~السلطان وليا على أجسادكم.» والكاهن ينتصب أمام المذبح هاتفا: «قد أقامني الله ~~وصيا على أرواحكم.» أما اللبنانيون فيظلون صامتين لأن القلوب المغلغلة بالتراب لا ~~تنكسر؛ لأن الأموات لا يبكون. # فالشيخ عباس الذي كان في تلك القرية وليا وحاكما وأميرا كان محبا لرهبان ~~الدير، محافظا على تعاليمهم وتقاليدهم؛ لأنهم كانوا يشاركونه بقتل المعرفة وإحياء ~~الطاعة في نفوس حارثي حقوله وكرومه. # ففي ذلك المساء - بينما كان خليل ومريم يقتربان من عرش الحب وراحيل تنظر إليهما ~~بانعطاف مستطلعة خفايا نفسيهما - ذهب الخوري إلياس كاهن القرية وأخبر الشيخ عباس ~~بأن الرهبان الأتقياء قد طردوا من الدير فتى متمردا شريرا وأن هذا الملحد الكافر ~~قد جاء القرية منذ أسبوعين، وهو الآن ساكن في بيت راحيل أرملة سمعان الرامي. # ولم يكتف الخوري إلياس بإبلاغ الشيخ هذا الخبر بل زاد قائلا: «إن الشيطان الذي ~~يطرد من الدير لا ينقلب ملاكا في هذه القرية، والتينة التي يقطعها رب الحقل ~~ويلقيها في النار لا تعطي أثمارا جيدة وهي في الموقد، فإن كنا نريد أن تبقى هذه ~~القرية سالمة من جراثيم العلل الخبيثة فعلينا أن نطرد هذا الشاب من منازلنا وحقولنا ~~مثلما طرده الرهبان من الدير.» # فسأله الشيخ عباس قائلا: «وكيف عرفت بأن هذا الشاب سيكون في هذه القرية كالعلة ~~الخبيثة؟ أليس أفضل أن نبقيه عندنا ونجعله ناطورا للكروم أو راعيا للبقر؟ نحن ~~بحاجة ماسة إلى العمال فإذا ما جلبت لنا الطريق فتى ms46 قوي الساعدين نسترضيه ولا ~~نتركه.» # فابتسم الكاهن تلك الابتسامة الشبيهة بملامس الأفعى ثم قال ممشطا لحيته الكثيفة ~~بأصابعه: «لو كان هذا الشاب صالحا للعمل لما طرده الرهبان؛ لأن أراضي الدير وسيعة ~~وقطعانه لا تحصى، وقد أخبرني مكاري الدير الذي بات عندي ليلة أمس بأن هذا الشاب كان ~~يردد على مسامع الرهبان آيات الكفر مقرونة بألفاظ ثورية تدل على طيشه وخباثته، فقد ~~تجاسر مرات عديدة وخطب فيهم قائلا: «أرجعوا حقول الدير وكرومه وأمواله إلى سكان ~~هذه القرى الفقراء وتفرقوا إلى كل ناحية وذاك خير من الصلاة والعبادة.» وأخبرني ~~المكاري أيضا بأن قساوة التوبيخ وأوجاع الجلد بالسياط وظلمة السجن لم تعد لهذا ~~الكافر صوابه بل كانت تغذي الشيطان القابض على نفسه مثلما تكثر أوساخ المزابل عدد ~~الحشرات.» # فانتصب الشيخ عباس على أقدامه ونظير نمر يتراجع قليلا إلى الوراء قبيل الوثوب ~~بقي ساكتا هنيهة يصر أسنانه وينتفض غيظا، ثم مشى نحو باب القاعة ونادى خدامه ~~بصوت عال فجاء ثلاثة منهم ووقفوا أمامه مستطلعين أمره، فخاطبهم قائلا: «في بيت ~~راحيل الأرملة شاب مجرم يرتدي أثواب راهب فاذهبوا الآن وقودوه إلي مكتوفا وإن ~~قاومتكم تلك الامرأة فاقبضوا عليها وجروها على الثلج بجدائل شعرها لأن من يساعد ~~الشرير يكون شريرا.» # فأحنى الخدام رؤوسهم وخرجوا مسرعين ليتمموا مشيئة سيدهم، وبقي الشيخ عباس والكاهن ~~يتحدثان عما يجب أن يفعلاه بالشاب المطرود وراحيل الأرملة. # 6 # توارى النهار وقدم الليل ناشرا خيالاته بين تلك الأكواخ المكتنفة بالثلوج، ~~وظهرت النجوم في ذلك الفضاء المظلم البارد ظهور الأمل بالخلود من وراء أوجاع النزاع ~~والموت، فأوصد الفلاحون الأبواب والنوافذ وأشعلوا السراج وجلسوا يصطلون بقرب الموقد ~~غير حافلين بأشباح الليل السائرة حول بيوتهم. # في تلك الساعة بينما كانت راحيل وابنتها مريم وخليل جالسين حول مائدة خشبية ~~يتناولون العشاء طرق الباب ودخل عليهم خدام الشيخ عباس، فالتفتت راحيل مذعورة وشهقت ~~مريم مرتاعة، أما خليل فلبث هادئا كأن نفسه الكبيرة قد تنبأت وعلمت بمجيء هؤلاء ~~الرجال قبيل مجيئهم، فاقترب أحد الخدام وألقى يده بعنف على كتف ms47 خليل وقال بصوت أجش: ~~«ألست أنت الشاب المطرود من الدير؟» فأجابه خليل ببطء: «أنا هو فماذا ~~تريدون؟» # فقال الرجل: «نريد أن نسير بك مكتوفا إلى منزل الشيخ عباس وإن أبديت ممانعة نجرك ~~على الثلج كالخروف المذبوح.» # فانتصبت راحيل وقد اصفر وجهها وتجعدت جبهتها وقالت بصوت مرتجف: «أي ذنب أتاه أمام ~~الشيخ عباس ولماذا تريدون جره مكتوفا؟» # وقالت مريم ونغمة الرجاء والاستعطاف تمازج صوتها: «هو فرد وأنتم ثلاثة فمن ~~الجبانة أن تتحالفوا على إذلاله وتعذيبه.» # فصرخ الخادم وقد حمي غضبه: «أيوجد في هذه القرية امرأة تعارض مشيئة الشيخ عباس؟» ~~قال هذا وانتشل من وسطه حبلا متينا وهم ليوثق به كتفي خليل، فوقف الشاب ولم تتغير ~~ملامحه بل ظل رأسه مرفوعا كالبرج أمام الزوبعة وسالت على شفتيه ابتسامة محزنة ثم ~~قال: «أنا أشفق عليكم أيها الرجال لأنكم آلة قوية عمياء في يد مبصر ضعيف يظلمكم ~~ويسحق الضعفاء بسواعدكم، أنتم عبيد الغباوة، والغباوة هي أشد اسودادا من بشرة ~~الزنوج، وأكثر استسلاما للحيف والقساوة، كنت بالأمس مثلكم أيها الرجال وغدا ~~تصيرون مثلي، أما الآن فبيننا هوة عميقة مظلمة تمتص ندائي وتحجب حقيقتي عنكم ~~فلا تسمعون ولا تبصرون، ها أنذا فشدوا ساعدي وافعلوا بي ما شئتم.» # سمع الرجال هذا الكلام فجمدت عيونهم واقشعرت أبدانهم وبهتوا بالشاب هنيهة ~~كأن عذوبة صوته قد انتزعت الحركة من أجسادهم وأيقظت الميول العلوية الهاجعة في ~~أعماق قلوبهم، ولكنهم عادو فانتبهوا كأن صدى صوت الشيخ عباس قد تململ في مسامعهم ~~وذكرهم بالمهمة التي بعثهم من أجلها، فتقدموا وأوثقوا ساعدي الشاب، وخرجوا به ~~ساكتين شاعرين بشيء من الألم بين تلافيف ضمائرهم. فاتبعتهم راحيل ومريم ونظير بنات ~~أورشليم عندما اتبعن يسوع إلى الجلجلة سارتا خلف خليل نحو منزل الشيخ عباس. # 7 # إن الأخبار - كبيرة كانت أم تافهة - تنتقل بسرعة الفكر بين الفلاحين في القرى ~~الصغيرة، لأن بعدهم عن مشاغل الاجتماع المتتابعة يجعلهم أن ينصرفوا بكليتهم إلى ~~استقصاء ما يحدث في محيطهم المحدود، وفي أيام الشتاء عندما تكون الحقول والبساتين ~~راقدة تحت لحف الثلوج ms48 وتنزوي الحياة خائفة مستدفئة حول المواقد يصير القرويون أشد ~~رغبة وأكثر ميلا إلى استطلاع الأخبار لكي يملأوا بتأثيراتها أيامهم الفارغة ~~ويصرفوا باستفسارها لياليهم الباردة. # وهكذا لم يقبض خدام الشيخ عباس على خليل في تلك الليلة حتى انتشر الخبر كالعدوى ~~بين سكان تلك القرية، وأثارت محبة الاستفهام نفوسهم، فتركوا أكواخهم وتراكضوا ~~مسرعين من كل ناحية كالجنود المتفرقين، فلم يبلغ الشاب المكتوف منزل الشيخ حتى ~~اجتمع في تلك الدار الوسيعة الرجال والنساء والصبيان وكلهم يمدون أعناقهم بتشوق ~~ليحظوا بنظرة من الكافر المطرود من الدير ومن راحيل الأرملة وابنتها مريم اللتين ~~شاركتا الأرواح الشريرة على بث السموم والعلل الجهنمية في فضاء قريتهم. # جلس الشيخ عباس على مقعد عال وتربع بجانبه الخوري إلياس ووقف الفلاحون والخدام ~~مترقبين محدقين بالفتى المكتوف الواقف بينهم برأس مرفوع وقوف الطود بين ~~المنخفضات. أما راحيل ومريم فكانتا واقفتين خلفه والخوف يراود قلبيهما ونظرات القوم ~~القاسية تعذب نفسيهما، ولكن ماذا يفعل الخوف في عواطف امرأة رأت الحق فاتبعته وماذا ~~تفعل النظرات القاسية في فؤاد صبية سمعت نداء الحب فاستيقظت؟ # ونظر الشيخ عباس إذ ذاك نحو الشاب وبصوت يشابه ضجيج الأمواج سأله قائلا: «ما ~~اسمك أيها الرجل؟» # فأجابه: اسمي خليل. فقال الشيخ: «من هم أهلك وذووك وأين مسقط رأسك؟» # فالتفت خليل نحو الفلاحين الناظرين إليه بكره واشمئزاز وقال: «الفقراء والمساكين ~~المظلومون هم أهلي وعشيرتي، وهذه البلاد الوسيعة هي مسقط رأسي.» # فابتسم الشيخ عباس مستهزئا ثم قال: «إن الذين تنتسب إليهم يطلبون معاقبتك ~~والبلاد التي تدعيها وطنا تأبى أن تكون من سكانها.» # فقال خليل وقد اضطربت أحشاؤه: «إن الشعوب الجاهلة تقبض على أشرف أبنائها وتسلمهم ~~إلى قساوة العتاة والظالمين، والبلاد المغمورة بالذل والهوان تضطهد محبيها ~~ومخلصيها، ولكن أيترك الابن الصالح والدته إذا كانت مريضة، وينكر الأخ الرؤوف أخاه ~~إذا كان تعسا! إن هؤلاء المساكين الذين أسلموني إليك مكتوفا اليوم هم الذين ~~أسلموك رقابهم بالأمس، والذين أوقفوني مهانا أمامك هم الذين يزرعون حبات قلوبهم في ~~حقولك ويهرقون دماء أجسادهم على أقدامك، وهذه الأرض ms49 التي تأبى أن أكون من سكانها هي ~~الأرض التي لا تفغر فاها وتبتلع الطغاة والطامعين .» # فقهقه الشيخ عباس ضاحكا كأنه يريد أن يغرق بضحكه القبيح روح الشاب ويوقفها عن ~~المسير إلى أرواح السامعين والبسطاء ثم قال: «أولم تكن راعيا لثيران الدير ~~أيها الشاب الوقح فلماذا تركت رعيتك وخرجت مطرودا؟ هل ظننت أن الشعب يكون أكثر ~~رأفة بالمجاذيب الملحدين من الرهبان الأتقياء؟» # فأجابه خليل: «كنت راعيا ولم أكن جزارا، كنت أقود العجول إلى المروج الخضراء ~~والمراعي الخصبة ولم أسر بها قط إلى الطلول الجرداء، كنت أوردها الينابيع العذبة ~~وأبعدها عن المستنقعات الفاسدة، كنت أعيدها في المساء إلى الحظيرة ولم أتركها في ~~الوادي فريسة للذئاب والضواري الخاطفة، هكذا كنت أفعل بالبهائم ولو فعلت أنت مثلي ~~بهذا القطيع المهزول الرابض الآن حولنا لما كنت تسكن هذا القصر الرفيع وتتركه يبيد ~~جوعا في الأكواخ المظلمة، لو كنت ترحم أبناء الله المخلصين مثلما كنت أرحم عجول ~~الدير لما كنت جالسا الآن على هذا المقعد الحريري وهم واقفون أمامك وقوف القضبان ~~العارية أمام ريح الشمال.» # فتحرك الشيخ عباس منزعجا، وتلمعت على جبهته قطرة عرق باردة، وتبدل ضحكه بالغضب، ~~ولكنه عاد فامتلك نفسه كي لا يظهر الاهتمام والاكتراث أمام رجاله وتابعيه ثم قال ~~مشيرا بيده: «لم نأت بك مكتوفا أيها الكافر لنسمع هذيانك، بل أحضرناك لكي نحاكمك ~~كمجرم شرير فاعلم إذا بأنك واقف الآن أما سيد هذه القرية وممثل إرادة الأمير أمين ~~الشهابي أيده الله # 2 # وأمام الخوري إلياس ممثل الكنيسة المقدسة التي كفرت بها، فدافع إذا عن ~~نفسك مما اتهمت به أو فاركع مسترحما نادما أمامنا وأمام هذا الجمع الساخر ~~بك، فنغفر لك ونجعلك راعيا للبقر مثلما كنت في الدير.» # فأجاب الشاب بهدوء: «إن المجرم لا يحاكمه المجرمون والكافر الشرير لا يدافع عن ~~نفسه أمام الخطاة.» # قال هذه الكلمات والتفت نحو الجمع المزدحم في تلك القاعة الوسيعة وبصوت جهوري ~~يشابه رنين الأجراس الفضية ناداهم قائلا: «أيها الإخوة، إن الرجل الذي أقامه ~~خضوعكم واستسلامكم سيدا على حقولكم ms50 قد أحضرني مكتوفا ليحاكمني أمامكم في هذا ~~القصر المبني فوق بقايا آبائكم وجدودكم، والرجل الذي جعله إيمانكم كاهنا في ~~كنيستكم قد جاءني ليدينني، ويساعد على تعذيبي وإذلالي. أما أنتم فقد تراكضتم مسرعين ~~من كل ناحية لكي تنظروني متألما وتسمعوني مستغيثا مسترحما، قد تركتم جوانب ~~المواقد الدافئة لتشاهدوا ابنكم وأخاكم مكتوفا مهانا، قد أسرعتم لتروا الفريسة ~~المتوجعة بين مخالب الكواسر، قد جئتم لتنظروا المجرم الكافر واقفا أمام القضاة، ~~أنا هو المجرم، أنا هو الكافر الذي طرد من دير فحملته العاصفة إلى قريتكم، أنا ~~هو ذلك الشرير فاسمعوا احتجاجي ولا تكونوا مشفقين بل كونوا عادلين لأن الشفقة تجوز ~~على المجرمين الضعفاء، أما العدل فهو كل ما يطلبه الأبرياء، قد اخترتكم قضاتي لأن ~~إرادة الشعب هي مشيئة الله، فأيقظوا قلوبكم واسمعوني جيدا ثم احكموا علي بما ~~توحيه ضمائركم، قد قيل لكم بأني رجل كافر شرير ولكنكم لم تعرفوا ما هي جريمتي، وقد ~~رأيتموني مكتوفا كاللص القاتل ولم تسمعوا بعد بذنوبي لأن حقيقة الجرائم والذنوب في ~~هذه البلاد تظل مستترة وراء الضباب، أما العقاب فيظهر للناس ظهور أسياف البرق في ~~ظلمة الليل، جريمتي أيها الرجال هي إدراكي تعاستكم وشعوري بثقل قيودكم، وآثامي ~~أيتها النساء هي شفقتي عليكن وعلى أطفالكن الذين يمتصون الحياة من صدوركن ممزوجة ~~بلهات الموت. # أنا واحد منكم أيها الجمع وقد عاش آبائي وجدودي بين هذه الأودية التي تستفرغ ~~قواكم وماتوا تحت هذا النير الذي يلوي أعناقكم، أنا أؤمن بالله الذي يسمع نداء ~~نفوسكم المتوجعة ويرى صدوركم المقروعة، وأؤمن بالكتاب الذي يجعلني ويجعلكم إخوة ~~متساوين أمام وجه الشمس وأؤمن بالتعاليم التي تحررني وتحرركم من عبودية البشر ~~وتوقفنا جميعا بغير قيود على الأرض موطئ أقدام الله. كنت في الدير راعيا للبقر ~~لكن انفرادي مع البهائم الخرساء في البرية الساكنة لم يعمني عن المأساة الأليمة ~~التي تمثلونها كرها في الحقول، ولم يصم أذني عن صراخ اليأس المتصاعد من قراني ~~الأكواخ، قد نظرت فرأيتني في الدير ورأيتكم في الحقول كقطيع من النعاج سائر وراء ~~ذئب ms51 خاطف إلى وكره فوقفت في منتصف الطريق وصرخت متسغيثا فهجم الذئب ونهشني بأنيابه ~~المحددة، ثم احتال علي وأبعدني كي لا يثير صراخي روح القطيع فيتمرد ويتفرق ~~مذعورا إلى كل ناحية ويتركه منفردا جائعا في ظلام الليل. قد احتملت السجن ~~والجوع والعطش من أجل الحقيقة الجارحة التي رأيتها مكتوبة بالدماء على وجوهكم، ~~وقاسيت العذاب والجلد والسخرية لأنني جعلت لسكينة تنهيداتكم صوتا صارخا متموجا ~~في خلايا الدير، ولكنني لم أخف قط ولم يضعف قلبي لأن صراخكم الأليم كان يتبع نفسي ~~ويجدد قواي ويحبب إلي الاضطهاد والاحتقار والموت. # أنتم تسألون نفوسكم الآن قائلين: «أي متى صرخنا متظلمين وأي فرد منا يتجاسر أن ~~يفتح شفتيه؟» وأنا أقول لكم بأن نفوسكم تصرخ متظلمة في كل يوم وقلوبكم تستغيث ~~متوجعة في كل ليلة، ولكنكم لا تسمعون نفوسكم وقلوبكم؛ لأن المنازع لا يسمع حشرجة ~~صدره أما الجالسون بجانب مضجعه فيسمعون، والطائر المذبوح يرقص متململا أسر إرادته ~~ولا يعلم، أما الناظرون فيعلمون في أي ساعة من النهار لا تتأوه أرواحكم متوجعة؟ أفي ~~الصباح عندما تنتهركم محبة البقاء وتمزق نقاب الكرى عن أجفانكم وتقودكم كالعبيد إلى ~~الحقول؟ أم في الظهيرة عندما تتمنون الجلوس في ظل الأشجار لكي تتقوا سهام الشمس ~~المحرقة ولا تستطيعون؟ أم في المساء عندما تعودون جائعين إلى أكواخكم ولا تجدون سوى ~~الخبز اليابس والماء العكر؟ أم في الليل عندما تطرحكم المتاعب على الأسرة ~~الحجرية فتنامون قلقين ولا يكتحل النعاس أجفانكم إلا وتهبون خائفين متوهمين صوت ~~الشيخ يرن في آذانكم؟ وفي أي فصل من السنة لا تندب قلوبكم متحسرة؟ أفي الربيع عندما ~~ترتدي الطبيعة حلة جديدة فتخرجون لمشاهدتها بأطمار بالية ممزقة؟ أم في الصيف ~~عندما تحصدون الزرع وتجمعون الأغمار على البيادر وتملأون أهراء سيدكم الظلوم بالغلة ~~ولا تحصلون لقاء أتعابكم على غير التبن والزوان؟ أم في الخريف عندما تجنون الأثمار ~~وتعصرون العنب ولا يكون نصيبكم منها سوى الخل والبلوط؟ أم في الشتاء عندما يضطهدكم ~~الفضاء ويطردكم البرد والزمهرير إلى الأكواخ الملتحفة بالثلوج، فتجلسون بجانب ~~المواقد متأففين خائفين ms52 غضب الزوابع والعواصف؟ # هذه هي حياتكم أيها الفقراء، هذا هو الليل المخيم على أرواحكم أيها التعساء ، ~~هذه هي أشباح ذلكم وشقائكم أيها المساكين، هذا هو الصراخ الأليم المستمر الذي ~~سمعته خارجا من أعماق صدوركم فاستيقظت وتمردت على الرهبان وكفرت بمعيشتهم، ووقفت ~~منفردا متظلما باسمكم واسم العدالة المتوجعة بأوجاعكم فحسبوني كافرا شريرا ~~وطردوني من الدير فجئت لكي أشاطركم التعاسة وأعيش بقربكم وأمزج دموعي بدموعكم ~~فأسلمتموني مكتوفا إلى عدوكم القوي الذي يغتصب خيراتكم ويحيا غنيا بأموالكم ~~ويملأ جوفه الوسيع من أثمار أتعابكم ... ألا يوجد بينكم شيوخ يعلمون بأن الأرض التي ~~تحرثونها وتحرمون غلتها هي لكم وقد اغتصبها والد الشيخ عباس من آبائكم عندما كانت ~~الشريعة مكتوبة على حد السيف؟ أما سمعتم بأن الرهبان قد احتالوا على جدودكم ~~وامتلكوا مزارعهم وكرومهم عندما كانت آيات الدين مخطوطة على شفتي الكاهن؟ ألا ~~تعلمون بأن ممثلي الدين وأبناء الشرف الموروث يتعاونون على إخضاعكم وإذلالكم ~~واستقطار دماء قلوبكم؟ أي رجل منكم لم يلو عنقه كاهن الكنيسة أمام سيد ~~الحقول؟ وأي امرأة بينكم لم يزجرها سيد الحقول ويستحثها لكي تتبع مشيئة كاهن ~~الكنيسة؟ ~~«قد سمعتم بأن الله قد قال للإنسان الأول: «بعرق جبينك تأكل خبزك.» فلماذا يأكل ~~الشيخ عباس خبزه مجبولا بعرق جبينكم ويشرب خمره ممزوجا بدموعكم؟ هل ميز الله ~~هذا الرجل وجعله سيدا إذ كان في رحم أمه أم غضب عليكم لذنوب مجهولة وبعثكم ~~عبيدا إلى هذه الحياة لكي تجمعوا غلة الحقول ولا تأكلون غير أشواك الأودية، ~~وتقيموا القصور الفخمة ولا تسكنون غير الأكواخ المتداعية؟ قد سمعتم بأن يسوع ~~الناصري قد قال لتلامذته: «مجانا أخذتم ومجانا أعطوا. لا تقتنوا فضة ولا ذهبا ~~ولا نحاسا في مناطقكم.» إذا أي تعاليم أباحت للرهبان والكهان بيع صلواتهم ~~وتعازيمهم بالفضة والذهب؟ أنتم تصلون في سكينة الليالي قائلين: «أعطنا يا رب خبزنا ~~كفاف يومنا.» والرب قد وهبكم هذه الأرض لتعطيكم الخبز والكفاف فهل وهب رؤساء ~~الأديرة السلطة لانتزاع هذا الخبز من بين أيديكم؟ أنتم تلعنون يهوذا لأنه باع سيده ~~بالفضة فأي شيء ms53 يجعلكم أن تباركوا الذين يبيعونه في كل يوم من حياتهم؟ إن يهوذا ~~التعس قد ندم على خطيئته فشنق نفسه، أما هؤلاء فيسيرون أمامكم برؤوس مرفوعة وأذيال ~~طويلة ناعمة وقلائد ذهبية وخواتم ثمينة، أنتم تعلمون أبنائكم محبة الناصري فكيف ~~تعلمونهم الخضوع أمام مبغضيه ومخالفي تعاليمه وشرائعه، قد عرفتم بأن رسل المسيح قد ~~ماتوا قتلا ورجما لكي يحيوا فيكم الروح المقدسة فهل تعرفون بأن الرهبان والكهان ~~يقتلون أرواحكم لكي يحيوا متمتعين بخيراتكم متلذذين بحرتقة قيودكم، ماذا يغركم ~~أيها المساكين في وجود مفعم بالذل والهوان ويبقيكم راكعين أمام صنم مخيف أقامه ~~الكذب والرياء على قبور آبائكم؟ وأي كنز ثمين تحافظون عليه بخضوعكم لتبقوه إرثا ~~لأبنائكم؟ ~~«نفوسكم في قبضة الكاهن، وأجسادكم بين مخالب الحاكم، وقلوبكم في ظلمة اليأس ~~والأحزان، فأي شيء في الحياة يمكنكم أن تشيروا إليه قائلين: «هذا لنا.» أتعرفون ~~أيها المستسلمون الضعفاء من هو الكاهن الذي تهابونه وتقيمونه وصيا على أقدس أسرار ~~نفوسكم؟ اسمعوني فأبين لكم ما تشعرون أنتم به وتخافون إظهاره، هو خائن يعطيه ~~المسيحيون كتابا مقدسا فيجعله شبكة يصطاد بها أموالهم ومرائي يقلده المؤمنون ~~صليبا جميلا فيمتشقه سيفا سنينا ويرفعه فوق رؤوسهم، وظالم يسلمه الضعفاء أعناقهم ~~فيربطها بالمقاود ويوثقها باللجم ويقبض عليها بيد من حديد ولا يتركها حتى تنسحق ~~كالفخار وتتبدد كالرماد. # هو ذئب كاسر يدخل الحظيرة فيظنه الراعي خروفا وينام مطمئنا وعند مجيء الظلام ~~يثب على النعاج ويخنقها نعجة إثر نعجة، هو نهم يحترم موائد الطعام أكثر من مذابح ~~الهيكل، وطامع يتبع الدينار إلى مغاور الجن ويمتص دماء العباد مثلما تمتص رمال ~~الصحراء قطرات المطر، وبخيل يحرص على أنفاسه ويدخر مالا يحتاجه، هو محتال يدخل ~~من شقوق الجدران ولا يخرج إلا بسقوط البيت، ولص صخري القلب ينتزع الدرهم من الأرملة ~~والفلس من اليتيم، هو مخلوق عجيب له منقار النسر ومقابض النمر وأنياب الضبع ~~وملامس الأفعى، خذوا كتابه ومزقوا ثوبه وانتفوا لحيته وافعلوا به ما شئتم ثم عودوا ~~وضموا الدينار في كفه فيغفر لكم ويبتسم بمحبة، اصفعوا خده وابصقوا بوجهه ms54 ودوسوا ~~عنقه ثم أجلسوه على موائدكم فيتناسى ويتهلل ويحل حزامه لينمو جوفه بمآكلكم ~~ومشاربكم، جدفوا على اسم ربه واقذفوا بعقائده واسخروا بإيمانه ثم ابعثوا إليه بجرة ~~من الخمر أو بسلة من الفاكهة فيسامحكم ويبرركم أمام الله والناس، يرى الامرأة فيحول ~~وجهه قائلا بأعلى صوته: «ابتعدي عني يا ابنة بابل.» ثم يهمس بسره قائلا: «الزيجة ~~أفضل من التحرق.» يرى الفتيان والصبايا سائرين في موكب الحب فيرفع عينيه نحو السماء ~~ويهتف قائلا: «باطلة الأباطيل وكل شيء تحت الشمس باطل.» ثم يختلي ويتنهد قائلا: ~~«لتفن الشرائع وتضمحل التقاليد التي أبعدتني عن غبطة الحياة، وأحرمتني ملذات ~~العمر.» يقول للناس مستشهدا: «لا تدينوا لئلا تدانوا.» ولكنه يدين بقساوة جميع ~~الذين يسخرون بمكارهه ويبعث بأرواحهم إلى الجحيم قبل أن يبعدهم الموت عن هذه ~~الحياة، يحدثكم رافعا عينيه بين الآونة والأخرى نحو العلاء أما فكرته فتظل منسابة ~~كالأفعى حول جيوبكم، يناديكم بقوله لكم: «يا أولادي ويا أبنائي.» وهو لا يشعر ~~بالعاطفة الأبوية ولا تبتسم شفتاه لرضيع ولا يحمل طفلا على منكبيه، ويقول لكم ~~هازا رأسه بتخشع: «لنترفعن عن العالميات لأن أعمارنا تضمحل كالضباب وأيامنا تزول ~~كالفيء.» # وإذا نظرتم جيدا رأيتموه متمسكا بأذيال الحياة متشبثا بأهداب العمر، متأسفا ~~على ذهاب الأمس، خائفا من سرعة اليوم، مترقبا مجيء الغد، يطلب منكم الإحسان وهو ~~أوفر منكم مالا فإن أجبتموه يبارككم علنا وإن منعتموه يلعنكم سرا، في الهيكل ~~يوصيكم بالفقراء والمحتاجين وحول منزله يصرخ الجائعون وأمام عينيه تمد أيدي ~~البائسين فلا ينظر ولا يسمع، يبيع صلاته ومن لا يشتري يكون كافرا بالله وأنبيائه ~~محروما من الجنة والنعيم، هذا هو المخلوق الذي يخيفكم أيها المسيحيون، هذا هو ~~الراهب الذي يمتص دماءكم أيها الفقراء، هذا هو الكاهن الذي يرسم إشارة الصليب ~~بيمينه ويقبض على قلوبكم بشماله، هذا هو الأسقف الذي تقيمونه خادما فينقلب سيدا، ~~وتطوبونه قديسا فيصير شيطانا، وترفعونه نائبا فيصبح نيرا ثقيلا، هذا هو الظل ~~الذي يتبع أرواحكم منذ بلوغها هذا العالم حتى رجوعها إلى الأبدية، هذا هو الرجل ~~الذي جاء في ms55 هذه الليلة لكي يدينني ويرذلني لأن روحي تمردت على أعداء يسوع ~~الناصري الذي أحبكم ودعاكم إخوة له ثم صلب من أجلكم.» # وتهلل وجه الشاب المكتوف وقد شعر باليقظة الروحية المتمايلة في صدور سامعيه ~~واتضحت له تأثيرات كلامه في وجوه الناظرين إليه فرفع صوته وزاد قائلا: «قد ~~سمعتم أيها الإخوة بأن الشيخ عباس قد أقامه الأمير أمين الشهابي سيدا على هذه ~~القرية، وسمعتم أيضا بأن الأمير قد أقامه المليك حاكما على هذا الجبل، فهل سمعتم ~~أو رأيتم القوة التي أقامت المليك ربا على هذه البلاد؟ أنتم لا ترون تلك القوة ~~متجسدة ولا تسمعونها متكلمة ولكنكم تشعرون بوجودها في أعماق أرواحكم، وتسجدون ~~أمامها مصلين مبتهلين وتنادونها بقولكم: «أبانا الذي في السماوات.» نعم إن أباكم ~~السماوي هو الذي يقيم الملوك والأمراء وهو القادر على كل شيء، ولكن هل تعتقدون بأن ~~أباكم الذي أحبكم وعلمكم سبل الحق بواسطة أنبيائه يريد أن تكونوا مظلومين ~~ومرذولين؟ هل تعتقدون بأن الله الذي ينزل السحاب مطرا، ويستنبت البذور زرعا، ~~وينمي الزهور أثمارا، يريد أن تكونوا جياعا محتقرين لكي يبقى واحد بينكم ~~منتفخا متلذذا؟ # هل تعتقدون بأن الروح السرمدي الذي يوحي إليكم محبة الزوجة والرأفة بالبنين ~~والشفقة على القريب يقيم عليكم سيدا قاسيا يظلمكم ويستعبد أيامكم؟ هل تعتقدون بأن ~~النواميس الأزلية التي تحبب إليكم نور الحياة تبعث إليكم بمن يحبب إليكم ظلمة ~~الموت؟ هل تعتقدون بأن الطبيعة قد بعثت القوى في أجسادكم لكي تعود وتخضعها أمام ~~الضعف؟ أنتم لا تعتقدون بهذه الأشياء لأنكم إن فعلتم تكونون كافرين بالعدل الإلهي ~~جاحدين نور الحق الذي يضيء على جميع الناس. إذا أي شيء يجعلكم أن تساعدوا الشرير ~~على نفوسكم؟ ولماذا تخافون مشيئة الله الذي بعثكم أحرارا إلى هذا العالم وتصيرون ~~عبيدا للمتمردين على ناموسه، كيف ترفعون أعينكم نحو الله القوي وتدعونه أبا ثم ~~تحنون رقابكم أمام الإنسان الضعيف وتدعونه سيدا؟ كيف يرضى أبناء الله أن يكونوا ~~عبيدا للبشر؟ أما دعاكم يسوع إخوة فكيف يدعوكم الشيخ عباس خدما؟ أما جعلكم يسوع ~~أحرارا بالروح ms56 والحق فكيف يجعلكم الأمير عبيدا للحيف والفساد؟ أما رفع يسوع ~~رؤوسكم نحو السماء فكيف تخفضونها إلى التراب؟ أما سكب يسوع النور في قلوبكم فكيف ~~تغمرونها بالظلام؟ # إن الله قد بعث أرواحكم في هذه الحياة كشعلات مضيئة تنمو بالمعرفة وتزيد جمالا ~~باستطلاعها خفايا الأيام والليالي فكيف تلحقونها بالرماد لتبيد وتنطفيء، إن الله قد ~~وهب نفوسكم أجنحة لتطير بها سابحة في فضاء الحب والحرية فلماذا تجزونها بأيديكم ~~وتدبون كالحشرات على أديم الأرض، إن الله قد وضع في قلوبكم بذور السعادة فكيف ~~تنتزعونها وتطرحونها على الصخر لتلتقطها الغربان وتذريها الأرياح، إن الله قد رزقكم ~~البنين والبنات لكي تدربوهم على سبل الحق وتملأوا صدورهم بأغاني الكيان وتتركوا لهم ~~غبطة الحياة إرثا ثمينا فكيف تهجعون وتخلفونهم أمواتا بين أيدي الدهر، غرباء في ~~أرض مولدهم، تعساء أمام وجه الشمس؟ أوليس الوالد الذي يترك ابنه الحر عبدا يكون ~~كالوالد الذي يسأله ابنه خبزا فيعطيه حجرا؟ أما رأيتم عصافير الحقل تدرب فراخها ~~على الطيران فكيف تعلمون صغاركم جر القيود والسلاسل؟ أما رأيتم زهور الأودية تستودع ~~بذورها حرارة الشمس فكيف تسلمون أطفالكم إلى الظلمة الباردة.» # وسكت خليل هنيهة كأن أفكاره وعواطفه قد نمت واتسعت فلم تعد ترتدي الألفاظ ~~ثوبا ثم قال بصوت منخفض: «إن الكلام الذي سمعتموه مني في هذه الليلة هو الكلام ~~الذي طردني الرهبان من أجله، والروح التي شعرتم بتموجاتها في قلوبكم هي الروح التي ~~أوقفتني مكتوفا أمامكم، فإن وثب علي سيد حقولكم وكاهن كنيستكم وصرعاني أموت ~~سعيدا فرحا لأني بإظهاري لكم حقيقة ما يحسبه الظالمون جرما هائلا قد تممت ~~مشيئة بارئي وباريكم.» # كان خليل يتكلم وفي صوته الجهوري نغمة سحرية تضطرب لها قلوب الرجال الناظرين إليه ~~بإعجاب يشابه استغراب الأعمى إذا ما أبصر فجأة وتهتز لحلاوتها نفوس النساء المحدقات ~~به بأعين طافحة بالدموع، أما الشيخ عباس والخوري إلياس فكانا يرتجفان غضبا ~~ويتلويان كالمطروحين على وسائد من الأشواك، وقد حاول كل منهما أن يوقف الشاب عن ~~الكلام فلم يستطع لأنه كان يخاطب الجمع بقوة علوية تشابه العاصفة ms57 بعزمها والنسيم ~~برقتها. # ولما انتهى خليل من كلامه وقد تراجع قليلا إلى الوراء ووقف بجانب راحيل ومريم ~~حدث سكوت عميق كأن روحه المرفرفة في جوانب تلك القاعة الوسيعة قد حولت بصائر ~~القرويين نحو مكان قصي وانتزعت الفكر والإرادة من نفسي الشيخ والكاهن وأوقفتهما ~~مرتعشين أمام أشباح ضميريهما المزعجة. # حينئذ وقف الشيخ عباس وقد تقلصت ملامحه واصفر وجهه وانتهر الرجال الواقفين ~~حوله قائلا بصوت مخنوق: «ما أصابكم أيها الكلاب؟ هل تسممت قلوبكم وجمدت الحياة ~~في داخل أجسادكم فلم تعودوا قادرين على تمزيق هذا الكافر المهزار؟ هل اكتنفت روح ~~هذا الشيطان أرواحكم وكبلت بسحره الجهنمي سواعدكم فلم تستطيعوا إبادته؟» # قال هذه الكلمات وامتشق سيفا كان بجانبه وهجم على الفتى المكتوف ليوقع به ~~فتقدم رجل قوي البنية من بين الشعب واعترضه قائلا بهدوء: «أغمد سيفك يا سيدي لأن ~~من يأخذ بالسيف، بالسيف يهلك.» # فارتعش الشيخ عباس وسقط السيف من يده وصرخ قائلا: «هل يعترض الخادم الضعيف سيده ~~وولي نعمته؟» # فأجابه الرجل: «الخادم الأمين لا يشارك سيده بالشرور والمظالم، إن هذا الشاب لم ~~يقل غير الحق ولم يعلن لهؤلاء السامعين سوى الحقيقة.» # وتقدم رجل آخر وقال: «لم يقل هذا الفتى شيئا يستوجب الحكم؛ فلماذا ~~تضطهده؟» # ورفعت امرأة صوتها وقالت: «لم يقذف بالدين ولم يجدف على اسم الله فلماذا تدعوه ~~كافرا؟» # فتشجعت راحيل إذ ذاك وتقدمت إلى الأمام وقالت: «إن هذا الشاب يتكلم بألسنتنا ~~ويتظلم عنا ومن يريد به شرا يكون عدوا لنا.» # فقال الشيخ عباس صارفا أسنانه: «وأنت تتمردين أيضا أيتها الأرملة الساقطة؟ هل ~~نسيت ما أصاب زوجك عندما تمرد علي منذ خمس سنوات؟» # فشهقت راحيل عندما سمعت هذه الكلمات وارتعشت متوجعة كمن أدرك سرا هائلا، ~~والتفتت نحو الجمع وصرخت بأعلى صوتها: «هل سمعتم القاتل يعترف بجريمته في ساعة ~~غضبه؟ ألا تذكرون أن زوجي قد وجد قتيلا في الحقل وقد بحثتم عن القاتل فلم تجدوه ~~لأنه كان مختبئا وراء هذه الجدران؟ ألا تذكرون أن زوجي كان رجلا شجاعا؟ أما ~~سمعتموه متكلما عن مكاره الشيخ ms58 عباس منددا بأعماله متمردا على قساوته؟ ها قد ~~أبانت السماء قاتل جاركم وأخيكم وأوقفته أمامكم فانظروا إليه واقرأوا جريمته مكتوبة ~~على وجهه المصفر، انظروه متململا جازعا، تأملوا كيف قد ستر وجهه بيديه كي لا يرى ~~عيونكم محدقة به، انظروا السيد القوي مرتجفا كالقصبة المرضوضة، انظروا الجبار ~~العظيم مرتاعا أمامكم كالعبد الخاطئ، إن الله قد أراكم على حين غفلة خفايا هذا ~~القاتل الذي تخافونه وأبان لكم النفس الشريرة التي جعلتني أرملة بين نسائكم وتركت ~~ابنتي يتيمة بين أبنائكم.» # وبينما راحيل تتكلم صارخة وألفاظها تنقض كالصواعق على رأس الشيخ عباس وضجيج ~~الرجال وزفرات النساء تتموج كشعلات النار والكبريت حول دماغه وقف الكاهن وأخذ ~~بساعده وأجلسه على المقعد ثم نادى الخدم بصوت مرتجف قائلا: «اقبضوا على هذه المرأة ~~التي تتهم سيدكم زورا وجروها مع هذا الشاب الكافر إلى غرفة مظلمة، ومن يعترضكم ~~يكون شريكا لهما بالجريمة محروما نظيرهما من الكنيسة المقدسة.» # فلم يتحرك الخدام من أماكنهم ولم يحفلوا بأوامر الكاهن بل لبثوا جامدين محدقين ~~بخليل المكتوف وراحيل ومريم الواقفتين عن يمينه وشماله كأنهما جناحان قد فتحهما ~~ليطير ويحلق بهما في السحاب. # فقال الكاهن ولحيته تتراقص حنقا: «هل تكفرون بنعمة سيدكم أيها الأجلاف وتجحدون ~~فضله وتنكرونه من أجل فتى مجرم كافر وامرأة عاهرة كاذبة؟» ... # فأجابه أكبر الخدام سنا وقال: «قد خدمنا الشيخ عباس لقاء الخبز والمأوى ولكننا ~~لم نكن له عبيدا قط.» قال هذا ونزع عباءته وكوفيته وطرحهما أمام الشيخ عباس وزاد ~~قائلا: «لا أريد أن أنعم جسدي بهذه الملابس الحقيرة كيما تبقى نفسي متعذبة في منزل ~~سفاك الدماء.» # ففعل الخدام كافة نظيره وانضموا إلى الجمع وعلى وجوههم سيماء الانعتاق ~~والحرية. # فلما رأى الخوري إلياس ما فعلوه وقد شعر بأن سلطته الكاذبة قد تضعضعت خرج من ذلك ~~المنزل مجدفا على الساعة التي أتت بخليل إلى تلك القرية. # حينئذ تقدم رجل من بين الجمع وحل وثاق خليل ونظر إلى الشيخ عباس المرتمي على ~~كرسيه كجثة هامدة وبلهجة مملوءة بالعزم والإرادة خاطبه قائلا: «إن الشاب الذي ms59 ~~أحضرته مكتوفا لكي تحاكمه كمجرم أثيم قد أنار قلوبنا المظلمة وحول بصائرنا نحو ~~سبل الحق والمعروفة ، والأرملة البائسة التي دعوتها عاهرة كاذبة قد أبانت لنا السر ~~الهائل الذي ظل مكتوما خمسة أعوام، أما نحن فقد تراكضنا مسرعين إلى هذه الدار ~~بدينونة البريء واضطهاد العادل، والآن وقد انفتحت أعيننا وأرتنا السماء جريمتك ~~المخيفة ومظالمك القاسية نغادرك منفردا ولا ندينك، ونهملك ولا نشكوك ونبتعد عنك ~~طالبين من السماء أن تفعل مشيئتها بك.» # وارتفعت إذ ذاك أصوات الرجال والنساء في تلك القاعة الوسيعة فكان هذا يقول: هلموا ~~نخرج من هذا المكان المشحون بالآثام والمعاصي ونذهب إلى بيوتنا. وذا يصرخ: تعالوا ~~نتبع الشاب إلى بيت راحيل ونسمع حكمته المعزية وأقواله العذبة. وذاك يهتف: لنفعلن ~~إرادة خليل فهو أعلم بحاجاتنا وأدرى منا بمطالبنا. وغيره يقول: إن كنا نريد العدل ~~والإنصاف فلنذهب غدا إلى الأمير أمين ونخبره بجرائم الشيخ عباس ونطلب إليه أن ~~يعاقبه. وآخر يصيح: يجب أن نستعطف الأمير ونرجوه أن يقيم خليلا ممثلا له في هذه ~~القرية. وغيره يقول: يجب أن نشكو الخوري إلياس إلى الأسقف لأنه يشارك الشيخ بجميع ~~أعماله. # وبينما هذه الأصوات تتصاعد من كل ناحية وتهبط كالسهام الحادة على صدر الشيخ ~~الخفوق رفع خليل يده وأسكت الجمع بإشارة ثم ناداهم قائلا: «اسمعوا وتبصروا أيها ~~الإخوة ولا تكونوا متسرعين، أنا أطلب إليكم باسم محبتي ألا تذهبوا إلى الأمير فهو ~~لا ينصفكم من الشيخ لأن الكواسر لا تنهش بعضها البعض، ولا تشكوا الكاهن إلى رئيسه ~~لأن الرئيس يعلم أن البيت الذي ينقسم على ذاته يخرب، ولا تطلبوا أن أكون ممثلا ~~للحاكم في هذه القرية لأن الخادم الأمين لا يريد أن يكون عونا للسيد الشرير، إن ~~كنت خليقا بحبكم وانعطافكم فدعوني أعيش بينكم وأشارككم بأفراح الحياة وأحزانها، ~~وأشاطركم العمل في الحقول والراحة في المنازل؛ لأننى إن لم أكن كواحد منكم أكن ~~كالمرائين الذين يكرزون بالفضيلة ولا يفعلون غير الشر، والآن وقد وضعت الفأس على ~~أصل الشجرة تعالوا نذهب تاركين الشيخ عباس واقفا في محكمة ms60 ضميره أمام عرش الله ~~الذي يشرق شمسه على الأبرار والأشرار.» # قال هذا وخرج من ذلك المكان فتبعه الجمع كأن في شخصه قوة تتحول نحوها الأبصار ~~كيفما تحولت، وبقي الشيخ منفردا كالبرج المهدوم متوجعا كالقائد المغلوب، ولما بلغ ~~الجمع ساحة الكنيسة وكان القمر قد طلع من وراء الشفق وسكب أشعته الفضية في السماء ~~التفت خليل ورأى أوجه الرجال والنساء متجهة نحوه كالخراف الناظرة إلى راعيها فتحركت ~~روحه في داخله كأنه وجد في أولئك القرويين المساكين رمز الشعوب المظلومة وشاهد في ~~تلك الأكواخ الحقيرة المكتنفة بالثلوج المتجلدة رمز البلاد المغمورة بالذل والهوان، ~~فوقف وقفة نبي يسمع صراخ الأجيال، وتغيرت ملامحه واتسعت عيناه كأن نفسه قد أبصرت ~~جميع أمم المشرق سائرة تجر قيود العبودية في تلك الأودية، فرفع كفيه نحو العلاء ~~وبصوت يشابه ضجيج الأمواج صرخ قائلا: «من أعماق هذه الأعماق نناديك أيتها الحرية ~~فاسمعينا، من جوانب هذه الظلمة ترفع أكفنا نحوك فانظرينا، وعلى هذه الثلوج ~~نسجد أمامك فارحمينا، أمام عرشك الرهيب نقف الآن ناشرين على أجسادنا أثواب آبائنا ~~الملطخة بدمائهم، عافرين شعورنا بتراب القبور الممزوج ببقاياهم، حاملين السيوف التي ~~أغمدت بأكبادهم، رافعين الرماح التي خرقت صدورهم، ساحبين القيود التي أبادت ~~أقدامهم، صارخين الصراخ الذي جرح حناجرهم، نائحين النواح الذي ملأ ظلمة سجونهم، ~~مصلين الصلاة التي انبثقت من أوجاع قلوبهم، فأصغي أيتها الحرية واسمعينا، من منبع ~~النيل إلى مصب الفرات يتصاعد نحوك عويل النفوس متموجا مع صراخ الهاوية، ومن أطراف ~~الجزيرة إلى جبهة لبنان تمتد إليك الأيدي مرتعشة بنزاع الموت، ومن شاطئ الخليج إلى ~~أذيال الصحراء ترتفع نحوك الأعين مغمورة بذوبان الأفئدة، فالتفتي أيتها الحرية ~~وانظرينا: في زوايا الأكواخ القائمة في ظلال الفقر والهوان تقرع أمامك الصدور، وفي ~~خلايا البيوت الجالسة في ظلمة الجهل والغباوة تطرح لديك القلوب، وفي قراني المنازل ~~المحجوبة بضباب الجور والاستبداد تحن إليك الأرواح، فانظري أيتها الحرية وارحمينا ... ~~في المدارس والمكاتب تناجيك الشبيبة اليائسة، وفي الكنائس والجوامع يستميلك الكتاب ~~المتروك، وفي المحاكم والمجالس تستغيث بك الشريعة المهملة، فأشفقي أيتها ms61 الحرية ~~وخلصينا ... في شوارعنا الضيقة يبيع التاجر أيامه ليعطي أثمانها إلى لصوص المغرب، ولا ~~من ينصحه ، وفي حقولنا المجدبة يحفر الفلاح بأظافره، ويزرعها حبات قلبه، ويسقيها ~~دموعه، ولا يستغل غير الأشواك ولا من يعلمه، وفي سهولنا الجرداء يسير البدوي عاريا ~~حافيا جائعا ولا من يترأف عليه، فتكلمي أيتها الحرية وعلمينا. # نعاجنا ترعى الأشواك والحسك بدلا من الزهور والأعشاب، وعجولنا تقضم أصول ~~الأشجار بدلا من الذرة، وخيولنا تلتهم الهشيم بدلا من الشعير فهلمي أيتها الحرية ~~وأنقذينا. # منذ البدء وظلام الليل يخيم على أرواحنا فأي متى يجيء الفجر؟ من الحبوس إلى ~~الحبوس تنتقل أجسادنا والأجيال تمر بنا ساخرة فإلى متى نحتمل سخرية الأجيال؟ ومن ~~نير ثقيل إلى نير أثقل تذهب أعناقنا وأمم الأرض تنظر من بعيد ضاحكة منا فإلام نصبر ~~على ضحك الأمم؟ ومن القيود إلى القيود تسير ركابنا فلا القيود تفنى ولا نحن ننقرض. ~~فإلى متى نحيا؟ # من عبودية المصريين إلى سبي بابل إلى قساوة الفرس إلى خدمة الإغريقيين إلى ~~استبداد الروم إلى مظالم المغول إلى مطامع الإفرنج فإلى أين نحن سائرون الآن، وأي ~~متى نبلغ جبهة العقبة؟ # من مقابض فرعون إلى مخالب نبوختنصر إلى أظافر الإسكندر إلى أسياف هيرودس إلى ~~براثن نيرون إلى أنياب الشيطان فإلى يد من نحن ذاهبون الآن وأى ومتى نبلغ قبضة ~~الموت فنرتاح من سكينة العدم؟ # بعزم سواعدنا قد رفعوا أعمدة الهياكل والمعابد لمجد آلهتهم، وعلى ظهورنا قد نقلوا ~~الطين والحجارة لبناء الأسوار والبروج لتعزيز حماهم، وبقوى أجسادنا قد أقاموا ~~الأهرام لتخليد أسمائهم، فحتى متى نبني القصور والصروح ولا نسكن غير الأكواخ ~~والكهوف، ونملأ الأهرام والخزائن ولا نأكل غير الثوم والكراث، ونحوك الحرير والصوف ~~ولا نلبس غير المسوح والأطمار؟ # بخبثهم واحتيالهم قد فرقوا بين العشيرة والعشيرة وأبعدوا الطائفة عن الطائفة، ~~وبغضوا القبيلة بالقبيلة، فحتى متى نتبدد كالرماد أمام هذه الزوبعة القاسية، ~~ونتصارع كالأشبال الجائعة بقرب هذه الجيفة المنتنة؟» ~~«لحفظ عروشهم وطمأنينة قلوبهم قد سلحوا الدرزي لمقاتلة العربي وحمسوا الشيعي ~~لمصارعة السني ونشطوا الكردي لذبح البدوي وشجعوا ms62 الأحمدي لمنازعة المسيحي، فحتى متى ~~يصرع الأخ أخاه على صدر الأم وإلى متى يتوعد الجار جاره بجانب قبر الحبيبة وإلام ~~يتباعد الصليب عن الهلال أمام عين الله؟ # أصغي أيتها الحرية واسمعينا، التفتي يا أم ساكني الأرض وانظرينا فنحن لسنا أبناء ~~ضرتك، تكلمي بلسان فرد واحد منا، فمن شرارة واحدة يشتعل القش اليابس، أيقظي ~~بحفيف أجنحتك روح رجل من رجالنا، فمن سحابة واحدة ينبثق البرق وينير بلحظة خلايا ~~الأودية وقمم الجبال، بددي بعزمك هذه الغيوم السوداء وانزلي كالصاعقة واهدمي ~~كالمنجنيق قوائم العروش المرفوعة على العظام والجماجم المصفحة بذهب الجزية ~~والرشوة، المغمورة بالدماء والدموع.» ~~«اسمعينا أيتها الحرية، ارحمينا يا ابنة أثينا، أنقذينا يا أخت رومة، خلصينا يا ~~رفيقة موسى، أسعفينا يا حبيبة محمد، علمينا يا عروسة يسوع، قوي قلوبنا لنحيا أو ~~شددي سواعد أعدائنا علينا فنفنى وننقرض ونرتاح.» # كان خليل يناجي السماء وعيون الفلاحين محدقة به، وعواطفهم تنسكب مع نغمة صوته، ~~ونفوسهم تتطاير مع أنفاسه، وصدورهم تخفق بنبضات قلبه، فكأنه أصبح منهم في تلك ~~الساعة بمنزلة الروح من الجسد، ولما انتهى من مناجاته التفت نحوهم وقال بهدوء: «قد ~~جمعنا هذا الليل في منزل الشيخ عباس لكي نرى نور النهار، وأوقفتنا المظالم أمام هذا ~~الفضاء البارد لكي نتفاهم وننضم كالفراخ تحت جناحي الروح الخالدة، فليذهب الآن كل ~~منا إلى فراشه لينام مترقبا لقاء أخيه في الصباح.» # قال هذا ومشى متبعا خطوات راحيل ومريم إلى كوخهما، فتفرق إذ ذاك الجمع وذهب كل ~~إلى بيته مفكرا بما سمعه ورآه شاعرا بملامس حياة جديدة في داخل نفسه. # ولم تمر ساعة حتى انطفأت السرج في الأكواخ وألقت السكينة وشاحها على تلك القرية ~~وحملت الأحلام أرواح الفلاحين تاركة روح الشيخ عباس ساهرة مع أشباح الليل مرتعدة ~~أمام ذنوبه متعذبة بين أنياب هواجسه. # 8 # مر شهران وخليل يسكب سرائر روحه في قلوب أولئك القرويين محدثا إياهم في كل يوم ~~عن غوامض حقوقهم وواجباتهم، مصورا لبصائرهم حياة الرهبان الطامعين مرددا على ~~مسامعهم أخبار الحكام القساة، جاعلا بين عواطفه وعواطفهم صلة ms63 قوية شبيهة بالنواميس ~~الأزلية التي تقيد الأجرام ببعضها بعضا، فكانوا يصغون إليه بفرح يضارع بهجة الحقول ~~الظمآنة بانهطال الأمطار، ويرددون كلامه في خلوتهم ملبسين نسمات مقاصده أجسادا من ~~محبتهم غير حافلين بالخوري إلياس الذي أصبح يتزلف إليهم منذ ظهور جريمة حليفه ~~الشيخ، ويقترب منهم لينا كالشمع بعد أن كان صلبا كالرخام. # أما الشيخ عباس فقد أصيب بعلة في نفسه شبيهة بالجنون، فكان يسير ذهابا ~~وإيابا في رواق منزله كالنمر المسجون، وينادي خدامه بأعلى صوته فلا يجيبه غير ~~الجدران، ويصرخ مستنجدا برجاله، فلا يأتي لمعونته غير زوجته المسكينة التي عانت من ~~خشونة طباعه ما قاساه الفلاحون من مظالمه واستبداده، ولما جاءت أيام الصوم وأعلنت ~~السماء قدوم الربيع انقضت أيام الشيخ بانقضاء زوابع الشتاء فمات بعد نزاع موجع ~~مخيف، وذهبت روحه محمولة على بساط أعماله لتقف عارية أمام ذلك العرش الذي نشعر ~~بوجوده ولا نراه، وقد اختلفت آراء الفلاحين في سبب موته، فكان بعضهم يقول قد اختل ~~شعوره فقضى مجنونا وبعضهم يقول قد سمم اليأس حياته عندما زالت سطوته فمات ~~منتحرا. أما النساء اللواتي ذهبن لتعزية زوجته فأخبرن رجالهن بأنه مات خائفا ~~مرتاعا؛ لأن شبح سمعان الرامي كان يظهر له مرتديا أثوابا ملطخة بالدماء ويقوده ~~كرها عندما ينتصف الليل إلى المكان الذي وجد فيه مصروعا منذ خمسة أعوام. ~~••• # وأعلنت أيام نيسان لسكان تلك القرية سرائر الحب الخفية الكائنة بين روح خليل وروح ~~مريم ابنة راحيل فتهللت وجوههم فرحا، ورقصت قلوبهم ابتهاجا، ولم يعودوا يخشون ~~ذهاب الشاب الذي أيقظ قلوبهم إلى محيط أوسع وأرقى من وسطهم فطافوا يبشرون بعضهم ~~بعضا بصيرورته جارا قريبا وصهرا محبوبا لكل واحد منهم. # ولما جاءت أيام الحصاد خرج الفلاحون إلى الحقول وجمعوا الأغمار على البيادر ولم ~~يكن الشيخ عباس هناك ليغتصب الغلة ويحملها إلى أهرائه ومخازنه بل كان كل من ~~الفلاحين يستغل الحقل الذي فلحه وزرعه فامتلأت تلك الأكواخ من القمح والذرة والخمر ~~والزيت. # أما خليل فكان يشاطرهم الأتعاب والمسرات ويساعدهم بجمع الغلة وعصر العنب واجتناء ~~الأثمار، ولم ms64 يكن يميز نفسه عن الواحد منهم إلا بمحبته ونشاطه. # منذ تلك السنة إلى أيامنا هذه أصبح كل فلاح في تلك القرية يستغل بالفرح الحقل ~~الذي زرعه بالأتعاب، ويجمع بالمسرة ثمار البستان الذي غرسه بالمشقة، فصارت الأرض ~~ملكا لمن يفلحها، والكروم نصيبا لمن ينقبها ويحرثها. # والآن وقد انقضى نصف قرن على هذه الحادثة، وراودت اليقظة أجفان اللبنانيين، ~~يمر المسافر على طريقه إلى غابة الأرز ويقف متأملا بمحاسن تلك القرية الجالسة ~~كالعروس على كتف الوادي فيرى أكواخها قد صارت بيوتا جميلة مكتنفة بالحقول ~~الخصبة والحدائق الناضرة، وإن سأل أحد سكانها عن تاريخ الشيخ عباس يجبه مشيرا نحو ~~حجارة متقوضة وجدران مهدومة مرتمية قائلا: «هذا قصر الشيخ عباس وهذا هو تاريخ ~~حياته.» وإن سأله عن خليل يرفع يده إلى العلاء قائلا: «هناك يسكن خليلنا الصالح، ~~أما تاريخ حياته فقد كتبه آباؤنا بأحرف من شعاع على صفحات قلوبنا فلن تمحوه الأيام ~~والليالي.» ms65