######OpenITI# #META# URI: 1349JibranKhalilJibran.BadaicWaTaraif.Hindawi40604174 #META# Tags: literature #META# ID: 40604174 #META# Title: البدائع والطرائف #META# AuthorID: 85274958 #META# Author: جبران خليل جبران #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # القشور واللباب‏ # نفسي مثقلة بأثمارها‏ # حفنة من رمال الشاطئ‏ # سفينة في ضباب‏ # المراحل السبع‏ # وعظتني نفسي‏ # لكم لبنانكم ولي لبناني‏ # الأرض‏ # بالأمس. واليوم. وغدا‏ # الكمال‏ # الاستقلال والطرابيش‏ # أيتها الأرض‏ # البحر الأعظم‏ # في سنة لم تكن قط في التاريخ‏ # ابن سينا وقصيدته‏ # الغزالي‏ # جرجي زيدان‏ # مستقبل اللغة العربية‏ # ابن الفارض‏ # العهد الجديد‏ # الوحدة والانفراد‏ # إرم ذات العماد‏ # سكوتي إنشاد‏ # يا من يعادينا‏ # يا نفس‏ # البلاد المحجوبة‏ # حرقة الشيوخ‏ # بالله يا قلبي‏ # أغنية الليل‏ # البحر‏ # الشحرور‏ # الجبار الرئبال‏ # إذا غزلتم‏ # الشهرة‏ # بالأمس‏ # ماذا تقول الساقية؟‏ # القشور واللباب‏ # نفسي مثقلة بأثمارها‏ # حفنة من رمال الشاطئ‏ # سفينة في ضباب‏ # المراحل السبع‏ # وعظتني نفسي‏ # لكم لبنانكم ولي لبناني‏ # الأرض‏ # بالأمس. واليوم. وغدا‏ # الكمال‏ # الاستقلال والطرابيش‏ # أيتها الأرض‏ # البحر الأعظم‏ # في سنة لم تكن قط في التاريخ‏ # ابن سينا وقصيدته‏ # الغزالي‏ # جرجي زيدان‏ # مستقبل اللغة العربية‏ # ابن الفارض‏ # العهد الجديد‏ # الوحدة والانفراد‏ # إرم ذات العماد‏ # سكوتي إنشاد‏ # يا من يعادينا‏ # يا نفس‏ # البلاد المحجوبة‏ # حرقة الشيوخ‏ # بالله يا قلبي‏ # أغنية الليل‏ # البحر‏ # الشحرور‏ # الجبار الرئبال‏ # إذا غزلتم‏ # الشهرة‏ # بالأمس‏ # ماذا تقول الساقية؟‏ # | البدائع والطرائف # | البدائع والطرائف # تأليف # جبران خليل جبران # | القشور واللباب # ما شربت كأسا علقمية إلا كانت ثمالتها عسلا. # وما صعدت عقبة حرجة إلا بلغت سهلا أخضر. # وما أضعت صديقا في ضباب السماء إلا وجدته في جلاء الفجر. # وكم مرة سترت ألمي وحرقتي برداء التجلد متوهما أن في ذلك الأجر والصلاح، ولكنني لما ~~خلعت الرداء رأيت الأمل قد تحول إلى بهجة والحرقة قد انقلبت بردا وسلاما. # وكم سرت ورفيقي في عالم الظهور فقلت في نفسي: ما أحمقه وما أبلده، غير أنني لم أبلغ ~~عالم السر حتى وجدتني الجائر الظالم وألفيته الحكيم الظريف. # وكم سكرت بخمرة الذات فحسبتني وجليسي حملا وذئبا، حتى إذا ما صحوت من نشوتي رأيتني ~~بشرا ورأيته بشرا. # أنا وأنتم أيها الناس مأخوذون بما بان من حالنا، متعامون عما خفي من حقيقتنا. فإن عثر ~~أحدنا قلنا: هو الساقط، وإن تماهل قلنا: هو الخائر ms01 التلف، وإن تلعثم قلنا: ~~هو الأخرس، وإن تأوه قلنا: تلك حشرجة النزع فهو مائت. # أنا وأنتم مشغوفون بقشور «أنا» وسطحيات «أنتم»؛ لذلك لا نبصر ما أسره الروح إلى ~~«أنا» وما أخفاه الروح في «أنتم». # وماذا عسى نفعل ونحن بما يساورنا من الغرور غافلون عما فينا من الحق؟ # أقول لكم، وربما كان قولي قناعا يغشي وجه حقيقتي، أقول لكم ولنفسي: إن ما نراه بأعيننا ~~ليس بأكثر من غمامة تحجب عنا ما يجب أن نشاهده ببصائرنا. وما نسمعه بآذاننا ليس إلا طنطنة ~~تشوش ما يجب أن نستوعبه بقلوبنا. فإن رأينا شرطيا يقود رجلا إلى السجن علينا ألا نجزم ~~في أيهما المجرم. وإن رأينا رجلا مضرجا بدمه وآخر مخضوب اليدين فمن الحصافة ألا ~~نحتم في أيهما القاتل وأيهما القتيل. وإن سمعنا رجلا ينشد وآخر يندب فلنصبر ريثما ~~نتثبت أيهما الطروب. # لا، يا أخي، لا تستدل على حقيقة امرئ بما بان منه، ولا تتخذ قول امرئ أو عملا من أعماله ~~عنوانا لطويته. فرب من تستجهله لثقل في لسانه وركاكة في لهجته، كان وجدانه ~~منهجا للفطن وقلبه مهبطا للوحي. ورب من تحتقره لدمامة في وجهه وخساسة في عيشه، ~~كان في الأرض هبة من هبات السماء وفي الناس نفحة من نفحات الله. # قد تزور قصرا وكوخا في يوم واحد، فتخرج من الأول متهيبا ومن الثاني مشفقا؛ ~~ولكن، لو استطعت تمزيق ما تحوكه حواسك من الظواهر لتقلص تهيبك وهبط إلى ~~مستوى الأسف، وانبدلت شفقتك وتصاعدت إلى مرتبة الإجلال. # وقد تلتقي بين صباحك ومسائك رجلين فيخاطبك الأول وفي صوته أهازيج العاصفة وفي حركاته هول ~~الجيش؛ أما الثاني فيحدثك متخوفا وجلا بصوت مرتعش وكلمات متقطعة، فتعزو العزم والشجاعة ~~إلى الأول، والوهن والجبن إلى الثاني. غير أنك لو رأيتهما وقد دعتهما الأيام إلى ~~لقاء المصاعب، أو إلى الاستشهاد في سبيل مبدأ لعلمت أن الوقاحة المبهرجة ليست ببسالة ~~والخجل الصامت ليس بجبانة. # وقد تنظر من نافذة منزلك فترى بين عابري الطريق راهبة تسير يمينا ومومسا تسير شمالا؛ ~~فتقول على الفور: ما ms02 أنبل هذه وما أقبح تلك! ولكنك لو أغمضت عينيك وأصغيت هنيهة لسمعت ~~صوتا هامسا في الأثير قائلا: هذه تنشدني بالصلاة وتلك ترجوني بالألم، وفي روح كل منهما ~~مظلة لروحي. # وقد تطوف في الأرض باحثا عما تدعوه حضارة وارتقاء، فتدخل مدينة شاهقة القصور فخمة ~~المعاهد رحبة الشوارع، والقوم فيها يتسارعون إلى هنا وهناك؛ فذا يخترق الأرض، وذاك يحلق ~~في الفضاء، وذلك يمتشق البرق، وغيره يستجوب الهواء، وكلهم بملابس حسنة الهندام، ~~بديعة الطراز، كأنهم في عيد أو مهرجان. # وبعد أيام يبلغ بك المسير إلى مدينة أخرى حقيرة المنازل ضيقة الأزقة إذا أمطرتها السماء ~~تحولت إلى جزر من المدر في بحر من الأوحال. وإن شخصت بها الشمس انقلبت غيمة من ~~الغبار. أما سكانها فما برحوا بين الفطرة والبساطة كوتر مسترخ بين طرفي ~~القوس. يسيرون متباطئين ويعملون متماهلين وينظرون إليك كأن وراء عيونهم عيونا تحدق إلى ~~شيء بعيد عنك، فترحل عن بلدهم ماقتا مشمئزا قائلا في سرك: إنما الفرق بين ما شهدته في ~~تلك المدينة وما رأيته في هذه لهو كالفرق بين الحياة والاحتضار. فهناك القوة بمدها ~~وهنا الضعف بجزره. هناك الجد ربيع وصيف وهنا الخمول خريف وشتاء. هناك اللجاجة شباب يرقص في ~~بستان وهنا الوهن شيخوخة مستلقية على الرماد. # ولكن، لو استطعت النظر بنور الله إلى المدينتين لرأيتهما شجرتين متجانستين في حديقة ~~واحدة. وقد يمتد بك التبصر في حقيقتهما فترى أن ما توهمته رقيا في إحداهما لم يكن ~~سوى فقاقيع لماعة زائلة، وما حسبته خمولا في الأخرى كان جوهرا خفيا ثابتا. # لا ليست الحياة بسطوحها بل بخفاياها، ولا المرئيات بقشورها بل بلبابها، ولا الناس ~~بوجوههم بل بقلوبهم. # لا، ولا الدين بما تظهره المعاهد وتبينه الطقوس والتقاليد، بل بما يختبئ في النفوس ~~ويتجوهر بالنيات. # لا، ولا الفن بما تسمعه بأذنيك من نبرات وخفضات أغنية، أو من رنات أجراس الكلام في ~~قصيدة، أو بما تبصره بعينيك من خطوط وألوان صورة؛ بل الفن بتلك المسافات الصامتة المرتعشة ~~التي تجيء بين النبرات والخفضات في الأغنية، وبما يتسرب ms03 إليك بواسطة القصيدة مما بقي ~~ساكتا هادئا مستوحشا في روح الشاعر، وبما توحيه إليك الصورة فترى وأنت محدق إليها ما هو ~~أبعد وأجمل منها. # لا، يا أخي، ليست الأيام والليالي بظواهرها. وأنا، أنا السائر في موكب الأيام ~~والليالي، لست بهذا الكلام الذي أطرحه عليك إلا بقدر ما يحمله إليك الكلام من طويتي ~~الساكنة. إذن لا تحسبني جاهلا قبل أن تفحص ذاتي الخفية، ولا تتوهمني عبقريا قبل أن ~~تجردني من ذاتي المقتبسة. لا تقل: هو بخيل قابض الكف قبل أن ترى قلبي، أو هو ~~الكريم الجواد قبل أن تعرف الواعز إلى كرمي وجودي. لا تدعني محبا حتى يتجلى لك ~~حبي بكل ما فيه من النور والنار، ولا تعدني خليا حتى تلمس جراحي الدامية. # | نفسي مثقلة بأثمارها # نفسي مثقلة بأثمارها؛ فهل من جائع يجني ويأكل ويشبع؟ # أليس بين الناس من صائم رؤوف يفطر على نتاجي ويريحني من أعباء خصبي وغزارتي؟ # نفسي رازخة تحت عبء من التبر واللجين فهل بين الناس من يملأ جيوبه ~~ويخفف عني حملي؟ # نفسي طافحة من خمرة الدهور؛ فهل من ظامئ يسكب ويشرب ويرتوي؟ # هو ذا رجل واقف على قارعة الطريق يبسط نحو العابرين يدا مفعمة بالجواهر ويناديهم ~~قائلا: ألا فارحموني وخذوا مني. أشفقوا علي وخذوا ما معي. أما الناس فيسيرون ولا ~~يلتفتون. # ألا ليته كان شحاذا متسولا يمد يدا مرتعشة نحو العابرين ويرجعها فارغة مرتعشة. ليته ~~كان مقعدا أعمى يمر به الناس ولا يحفلون. # هو ذا مثر جواد نصب خيامه بين مجاهل البيداء ولحف الجبل، يوقد نار القرى ~~كل ليلة ويبعث عبيده ليرصدوا السبل لعلهم يقودون إليه ضيفا يقربه ويكرمه، ولكن السبل ~~بخيلة لا تجود على هباته بمرتزق، ولا تبعث إلى هباته بطالب. # ألا ليته كان صعلوكا منبوذا! # ليته كان عيارا متشردا يطوف البلاد وفي يده عكاز وفي كوعه دلو، فإذا ما جاء ~~المساء جمعته ملتويات الأزقة بزملائه العيارين المتشردين فيجلس بقربهم ويقاسمهم خبز ~~الصدقة! # هو ذا ابنة الملك الأكبر قد استيقظت من رقادها وهبت من مضجعها، وقامت ms04 فتردت ~~بأرجوانها وبرفيرها، وتزينت بلؤلؤها وياقوتها، ونثرت المسك على شعرها، وغمست بذوب ~~العنبر أصابعها، ثم خرجت إلى حديقتها ومشت وقطرات الندى تبلل أطراف ثوبها. # في سكون الليل سارت ابنة الملك الأكبر في جنتها تبحث عن حبيبها. ولكن، لم يكن في مملكة ~~أبيها من يحبها. # ألا ليتها كانت ابنة زراع ترعى أغنام أبيها في الأودية وتعود مساء إلى كوخ أبيها وعلى ~~قدميها غبار المنعكفات وبين طيات ثوبها رائحة الكروم. حتى إذا ما جن الليل ونام سكان ~~الحي اختلست خطواتها إلى حيث يترقبها حبيبها. # ليتها كانت راهبة في الدير تحرق قلبها بخورا فينشر الهواء عطر قلبها. وتوقد روحها شمعا ~~فيحمل الأثير نور روحها. وتركع مصلية فتحمل أشباح الخفاء صلواتها إلى خزائن الزمن حيث ~~تصان صلوات المتعبدين بجانب حرقة المحبين وهواجس المستوحدين! # ليتها كانت عجوزا مسنة تجلس مستدفئة في أشعة الشمس بمن تقاسموا صباها، فذاك خير ~~من أن تكون ابنة الملك الأكبر وليس في مملكة أبيها من يأكل قلبها خبزا ويشرب دمها ~~خمرا! # نفسي مثقلة بأثمارها، فهل في الأرض جائع يجني ويأكل ويشبع؟ # نفسي طافحة بخمرها؛ فهل من ظامئ يسكب ويشرب ويرتوي؟ # ألا ليتني كنت شجرة لا تزهر، ولا تثمر، فألم الخصب أمر من ألم العقم، وأوجاع ميسور ~~لا يؤخذ منه أشد هولا من قنوط فقير لا يرزق. # ليتني كنت بئرا جافة والناس ترمي بي الحجارة، فذلك أهون من أن أكون ينبوع ماء حي ~~والظامئون يجتازونني ولا يستقون. # ليتني كنت قصبة مرضوضة تدوسها الأقدام، فذاك خير من أن أكون قيثارة فضية الأوتار في منزل ~~ربه مبتور الأصابع وأهله طرشان! # | حفنة من رمال الشاطئ # كآبة الحب تترنم، وكآبة المعرفة تتكلم، وكآبة الرغائب تهمس، وكآبة الفقر تندب، ولكن، هناك ~~كآبة أعمق من الحب، وأنبل من المعرفة، وأقوى من الرغائب، وأمر من الفقر. غير أنها خرساء ~~لا صوت لها، أما عيناها فمشعشعتان كالنجوم. # عندما تشكو مصابا لجارك تهبه جزءا من قلبك، فإن كان كبير النفس شكرك. وإن كان ~~صغيرها احتقرك. # ليس التقدم بتحسين ما كان، بل ms05 بالسير نحو ما سيكون. # المسكنة نقاب يخفي ملامح الكبرياء. والدعوى قناع يغشي وجه البلاء. # عندما يجوع المتوحش يقطف ثمرة من شجرة ويأكلها، وعندما يجوع المتمدن يشتري ثمرة ممن ~~اشتراها ممن اشتراها ممن اشتراها ممن قطفها من الشجرة. # الفن خطوة من المعروف الظاهر نحو المجهول الخفي. # بعض الناس يستحثونني على الأمانة إليهم ليتمتعوا بلذة السماح عني. # ما أدركت طوية امرئ إلا حسبني مديونا له. # تتنفس الأرض فنولد، ثم تستريح أنفاسها فنموت. # عين الإنسان مجهر تبين له الدنيا أكبر مما هي حقيقة. # أنا بريء من قوم يحسبون القحة شجاعة واللين جبانة؛ وأنا بريء ممن يتوهم الثرثرة معرفة ~~والصمت جهالة والتصنع فنا. # قد يكون في استصعابنا الأمر أسهل السبل إليه. # يقولون لي: إذا رأيت عبدا نائما فلا تنبهه لعله يحلم بحريته. وأقول لهم: إذا رأيت ~~عبدا نائما نبهته وحدثته عن الحرية. # المعاكسة أدنى مراتب الذكاء. # الجميل يأسرنا، أما الأجمل فيعتقنا حتى ومن ذاته. # الحماسة بركان لا تنبت على قمته أعشاب التردد. # يظل النهر جادا نحو البحر، انكسر دولاب المطحنة أم لم ينكسر. # صنع الأديب من الفكر والعاطفة ثم وهب الكلام. أما الباحث فقد صنع من الكلام ثم أعطي ~~قليلا من الفكر والعاطفة. # تأكل مسرعا وتمشي متباطئا، فهلا أكلت برجلك ومشيت على كفيك! # ما تعاظم فرحك أو حزنك إلا صغرت الدنيا في عينيك. # العلم يستنبت بذورك ولا يلقي بك بذرا. # ما أبغضت إلا كان البغض سلاحا أدافع به عن نفسي، ولكن، لو لم أكن ضعيفا لما اتخذت هذا ~~النوع من السلاح. # لو علم جد جد يسوع ما كان مختبئا في شخصه لوقف خاشعا متهيبا أمام نفسه. # الحب سعادة ترتعش. # يحسبونني حاد النظر ثاقبه؛ لأنني أراهم من خلال شبكة الغربال. # لم أشعر بألم الوحشة حتى مدح الناس عيوبي الثرثارة وطعنوا في حسناتي الخرساء. # بين الناس قتلة لم يسفكوا دما قط، ولصوص لم يسرقوا شيئا البتة، وكذبة لم يقولوا إلا ~~الصحيح. # الحقيقة التي تحتاج إلى برهان هي نصف حقيقة. # ألا فأبعدوني عن الحكمة التي لا تبكي ms06 ، وعن الفلسفة التي لا تضحك، وعن العظمة التي لا تحني ~~رأسها أمام الأطفال. # أيها الكون العاقل، المحجوب بظواهر الكائنات، الموجود بالكائنات وفي الكائنات وللكائنات؛ ~~أنت تسمعني لأنك حاضر في ذاتي؛ وإنك تراني لأنك بصيرة كل شيء حي. ألق في روحي بذرة من ~~بذور حكمتك لتنبت نصبة في غابتك وتعطي ثمرا من أثمارك. آمين. # | سفينة في ضباب # هذا حديث رجل جمعنا في منزله المنفرد القائم على كتف وادي قاديشا في ليلة مغمورة بالثلوج ~~مرتعشة بالأهوية. # قال محدثنا وهو ينبش رماد الموقد بطرف قضيب كان بيده: تريدون، يا رفاقي، أن أعلن لكم سر ~~كآبتي. # تريدون أن أحدثكم عن المأساة التي تعيد الذكرى تمثيلها في صدري كل يوم وكل ليلة. # لقد مللتم سكوتي وتكتمي. وضجرتم من تنهدي وتململي. وقال بعضكم لبعض: إذا كان لا يدخلنا ~~هذا الرجل إلى هيكل أوجاعه فكيف نستطيع الدخول إلى بيت مودته؟ # أنتم مصيبون يا رفاقي. فمن لا يساهمنا الألم لن يشركنا في شيء آخر. # فاسمعوا إذن حكايتي. اسمعوا ولا تكونوا مشفقين، فالشفقة تجوز على الضعفاء وأنا لم أزل ~~قويا بكآبتي. # منذ فجر شبابي وأنا أرى في أحلام يقظتي وأحلام نومي طيف امرأة غريبة الشكل والمزايا. كنت ~~أراها في ليالي الوحدة واقفة قرب مضجعي. وكنت أسمع صوتها في السكينة. وكنت في بعض الأحيان ~~أغمض عيني وأشعر بملامس أصابعها على جبهتي فأفتح عيني وأهب مذعورا مصغيا بكل ما بي ~~من المسامع إلى همس اللا شيء. # وكنت أقول لذاتي: هل تطوح بي خيالي حتى ضعت في الضباب؟ هل صنعت من أبخرة أحلامي امرأة ~~جميلة الوجه عذبة الصوت لينة الملامس لتأخذ مكان امرأة من الهيولي؟ هل خولطت بعقلي ~~فاتخذت من ظلال عقلي رفيقة أحبها وأستأنس بها وأركن إليها وأبتعد عن الناس لأقترب منها، ~~وأغلق عيني ومسامعي عن كل ما في الحياة من الصور والأصوات لأرى صورتها وأسمع صوتها؟ ~~أمجنون أنا يا ترى؟ أمجنون لم يكتف بالانصراف إلى العزلة، بل ابتدع له من أشباح العزلة ~~رفيقة وقرينة؟ # قلت: «قرينة» وأنتم تستغربون هذه اللفظة ms07 . ولكن، هناك بعض الاختبارات التي نستغربها بل ~~وننكرها؛ لأنها تظهر لنا بمظاهر المستحيل. ولكن استغرابنا ونكراننا لا يمحوان حقيقتها في ~~نفوسنا. # لقد كانت تلك المرأة الخيالية قرينة لي، تساهمني وتبادلني كل ما في الحياة من الميول ~~والمنازع والأفراح والرغائب، فلم أستيقظ صباحا إلا رأيتها متكئة على مساند سريري وهي تنظر ~~إلي بعينين يملأهما طهر الطفولة وعطف الأمومة. ولم أحاول عملا إلا ساعدتني على تحقيقه. ~~ولم أجلس إلى مائدة إلا جلست قبالتي تحدثني وتبادلني الآراء والأفكار. وما جاء مساء إلا ~~اقتربت مني قائلة: قم بنا نسر بين التلول والمنحدرات، كفانا الإقامة في هذا المنزل. ~~فأترك إذ ذاك عملي وأسير قابضا على أصابعها، حتى إذا ما بلغنا البرية المتشحة بنقاب ~~المساء المغمورة بسحر السكون نجلس جنبا إلى جنب على صخرة عالية محدقين إلى الشفق البعيد. ~~فكانت تارة تومئ إلى الغيوم المذهبة بأشعة الغروب، وطورا تسترعي سمعي إلى تغريد الطائر ~~يبعث صوته تسبيحة شكر وطمأنينة قبيل أن يلتجئ إلى الأغصان للمبيت. # وكم مرة دخلت علي وأنا أشتغل في غرفتي قلقا مضطربا فلا تلمحها عيني حتى يتحول قلقي ~~إلى الهدوء، واضطرابي إلى الائتلاف والاستئناس. # وكم لقيت الناس في روحي جيش يزحف متمردا على ما أكرهه في نفوسهم، ولكنني ما تبينت وجهها ~~بين وجوههم إلا انقلبت الزوبعة في باطني إلى أنغام علوية. # وكم جلست منفردا وفي قلبي سيف من ألم الحياة ومتاعبها وحول عنقي سلاسل من مشاكل الوجود ~~ومعضلاته، ثم ألتفت فأراها واقفة أمامي محدقة إلي بعينين تفيضان نورا وبهاء فتنقشع ~~غيومي ويتهلل قلبي وتبدو الحياة لبصيرتي جنة أفراح ومسرات. # وأنتم تسألون، يا رفاقي، ما إذا كنت مقتنعا بهذه الحالة الشاذة الغريبة. تسألون ما إذا ~~كان المرء وهو في عنفوان شبابه، يستطيع الاكتفاء بما تدعونه وهما وخيالا وحلما بل وعلة ~~نفسية؟ # أقول لكم: إن الأعوام التي صرفتها في تلك الحالة لهي زبدة ما عرفته في الحياة من الجمال ~~والسعادة واللذة والطمأنينة. أقول لكم: إنني كنت ورفيقتي الأثيرية فكرة مطلقة مجردة تطوف ~~في نور الشمس، وتطفو ms08 على وجه البحار، وتسعى في الليالي المقمرة، وتتهلل بأغان ما ~~سمعتها أذن، وتقف أمام مشاهد ما رأتها عين. إن الحياة، كل الحياة، هي في ما نختبره ~~بأرواحنا؛ والوجود، كل الوجود، هو في ما نعرفه ونتحققه فنبتهج به أو نتوجع لأجله. وأنا قد ~~اختبرت أمرا بروحي، اختبرته كل يوم وكل ليلة حتى بلغت الثلاثين من عمري. # ليتني لم أبلغ الثلاثين. ليتني مت ألف مرة ومرة قبل أن أبلغ تلك السنة التي سلبتني لباب ~~حياتي، واستنزفت دماء قلبي وأوقفتني أمام الأيام والليالي شجرة يابسة عارية مستوحدة، فلا ~~ترقص أغصانها لأغاني الهواء ولا تحوك الأطيار أعشاشها بين أوراقها وأزهارها. # وسكت محدثنا دقيقة وقد ألوى رأسه وأغمض عينيه وأرخى زنديه إلى جنب مقعده فبان كأنه اليأس ~~مجسما. أما نحن فبقينا صامتين مترقبين استماع تتمة حديثه. ثم فتح أجفانه وبصوت متقطع ~~خارج من أعماق كيان مكلوم قال: تذكرون، يا رفاقي، أنه منذ عشرين سنة بعثني حاكم هذا الجبل ~~بمهمة علمية إلى مدينة البندقية، وأصحبني برسالة إلى محافظ تلك المدينة الذي كان قد عرفه ~~في القسطنطينية. # تركت لبنان وأبحرت على سفينة إيطالية، وقد كان ذلك في شهر نيسان وروح الربيع ترتعش بين ~~ثنايا الهواء، وتنثني مع أمواج البحر، وتتمثل بصور جميلة متقلبة في الغيوم البيضاء المتلبدة ~~فوق الآفاق. كيف أصف لكم تلك الأيام وتلك الليالي التي صرفتها على ظهر السفينة؟ إن قوة ~~الكلام المتعارف بين البشر لا تتجاوز ما تحويه مدارك البشر وما يشعرون به. وفي الروح ما هو ~~أبعد من الإدراك وأدق من الشعور فكيف أرسمها لكم بالكلام؟ # لقد كانت تلك السنون التي صرفتها مع رفيقتي الأثيرية ممنطقة بالأنس والألفة، مغمورة ~~بالسكينة والرضى، فلم يدر في خلدي أن الألم رابض لي وراء حجب سعادتي، وأن المرارة ثمالة ~~راكدة في أعماق كأسي. لا، لم أخش قط ذبول زهرة نبتت فوق الغيوم، واضمحلال أنشودة ترنمت بها ~~عرائس الفجر. # ولما تركت هذه التلول والأودية كانت رفيقتي جالسة بقربي في المركبة التي حملتني إلى ~~الساحل. وفي الثلاثة الأيام التي ms09 قضيتها في بيروت قبيل سفري، كانت قرينتي تذهب حيثما أذهب ~~وتقف عندما أقف، فلم أجتمع بصديق إلا رأيتها تبتسم له، ولم أزر معهدا إلا شعرت بيدها ~~قابضة على يدي، ولم أجلس مساء في شرفة النزل مصغيا إلى أصوات المدينة إلا شاركتني في ~~التأمل وساهمتني الفكر. # ولكن، لما فصلني الزورق عن ميناء بيروت، في الدقيقة التي وطئت فيها ظهر السفينة، ~~شعرت بتغير في فضاء روحي، شعرت بيد خفية قوية تتمسك بساعدي وسمعت صوتا عميقا يهمس في ~~أذني قائلا: ارجع، ارجع من حيث أتيت. انزل إلى الزورق وعد إلى شواطئ بلادك قبل أن تبحر ~~السفينة. # وأبحرت السفينة وأنا على ظهرها أشبه شيء بعصفور بين مخالب باشق يسبح محلقا في الخلاء. ~~ولما جاء المساء وقد انحجبت قمم لبنان وراء ضباب البحر، رأيتني واقفا وحدي على مقدمة ~~السفينة وفتاة أحلامي - المرأة التي أحبها قلبي، المرأة التي رافقت شبابي - لم تكن معي. ~~الصبية العذبة التي كنت أرى وجهها كلما حدقت إلى الفضاء، وأسمع صوتها كلما أصغيت إلى ~~السكينة، وألمس يدها كلما مددت يدي إلى الأمام، لم تكن على ظهر تلك السفينة. لأول مرة، ~~ولأول مرة وجدتني واقفا وحدي أمام الليل والبحر والفضاء. # وبقيت على هذه الحالة أنتقل من مكان إلى مكان مناديا رفيقتي في قلبي، ناظرا إلى الأمواج ~~المتقلبة لعلي أرى وجهها في بياض الزبد. # وعندما انتصف الليل وقد التجأ ركاب السفينة إلى مراقدهم وبقيت أنا وحدي هائما ضائعا ~~مضطربا، التفت بغتة فرأيتها واقفة في الضباب على بعد بضع خطوات فانتفضت مرتعشا ومددت ~~يدي إليها هاتفا: لم تركتني؟ ... لم تركتني في وحدتي؟ إلى أين ذهبت؟ أين كنت يا ~~رفيقتي؟ اقتربي، اقتربي مني ولا تتركيني بعد الآن. # فلم تدن مني، بل ظلت جامدة في مكانها ثم بدت على وجهها سيماء توجع ولهفة ما رأيت ~~أهول منهما في حياتي، وبصوت خافت ضئيل قالت: جئت من أعماق اللجة لأراك لمحة واحدة. وها أنا ~~راجعة إلى أعماق اللجة. ادخل مخدعك وارقد واحلم. # قالت هذه الكلمات وامتزجت بالضباب واضمحلت. فطفقت ms10 أناديها بلجاجة الطفل الجائع وأبسط ~~ذراعي إلى كل ناحية فلا أقبض إلا على الهواء المثقل بندى الليل. # دخلت مخدعي وفي روحي عناصر تتقلب وتتصارع وتهبط وتتصاعد، فكنت في جوف تلك السفينة سفينة ~~أخرى في بحر من اليأس والالتباس. وللغرابة أنني لم ألق رأسي على وسائد مضجعي حتى أحسست ~~بثقل في أجفاني وبتخدر في جسدي فنمت نوما عميقا حتى الصباح. ولقد رأيت في نومي ~~حلما. رأيت رفيقتي مصلوبة على شجرة تفاح مزهرة وقطرات الدماء تسيل من كفيها وقدميها ~~على غصني الشجرة وعمدها ثم تنسكب على الأعشاب وتمتزج بأزهار الشجرة المنثورة. # وظلت السفينة تسعى الأيام والليالي بين اللجتين وأنا على ظهرها لا أدري ما إذا كنت ~~بشرا مسافرا إلى بلد بعيد بمهمة بشرية أم شبحا تائها في فضاء خال إلا من الضباب، فلم ~~أشعر بقرب رفيقتي ولم ألمح وجهها في اليقظة أو في المنام، وباطلا كنت أنادي مصليا مبتهلا ~~للقوى الخفية لتسمعني من مقاطع صوتها، أو لتريني ظلا من ظلالها أو تجعلني أشعر بملامس ~~أصابعها على جبهتي. # ومر أربعة عشر يوما وأنا في هذه الحالة. وعند ظهيرة اليوم الخامس عشر ظهرت عن بعد شواطئ ~~إيطاليا، وفي مساء ذلك النهار دخلت السفينة ميناء البندقية وجاء قوم بزوارق مطلية بألوان ~~ورسوم بهجة لينقلوا الركاب وأمتعتهم إلى المدينة. # أنتم تعلمون، يا رفاقي، أن البندقية قائمة على عشرات من الجزر الصغيرة المتقاربة، ~~فشوارعها ترع ومنازلها وقصورها مبنية في الماء، والزوارق هناك تقوم مقام المركبات. # فلما نزلت من السفينة إلى الزورق سألني النوتي قائلا: إلى أين يريد سيدي أن ~~يذهب؟ # فلما ذكرت اسم محافظ المدينة نظر إلي باهتمام واحترام وأخذ يضرب الماء بمقذافه. # سار بي الزورق وكان قد جاء الليل وألقى رداءه على المدينة، فظهرت الأنوار في نوافذ القصور ~~والمعابد والمعاهد فانعكست أشعتها في الماء متلألئة مرتعشة، فبانت البندقية كحلم شاعر ~~يفتنه الغريب من المشاهد والوهمي من الأماكن. ولم يبلغ بي الزورق إلى منعطف أول ترعة حتى ~~سمعت رنين أجراس لا عداد لها تملأ الفضاء بأنات محزنة ms11 متقطعة مخيفة. ومع أنني كنت في ~~غيبوبة نفسية تفصلني عن كل المظاهر الخارجية، فقد كانت تلك الطنات النحاسية تخترق لوح صدري ~~كالمسامير. # ووقف الزورق بجانب سلم حجري تتصاعد درجاته من الماء إلى الرصيف، فالتفت البحري إلي ~~وأشار بيده نحو قصر قائم في وسط حديقة وقال: هذا هو المكان. فصعدت من الزورق وسرت مبطئا ~~نحو المنزل والبحري يتبعني حاملا حقيبتي على كتفه، حتى إذا ما بلغت باب المنزل ناولته ~~أجرته وصرفته، ثم طرقت الباب ففتح لي، وإذا أنا أمام رهط من الخدم مطأطئي الرؤوس وهم ~~يبكون وينوحون ويتأوهون بأصوات منخفضة، فاستغربت هذا المشهد واحترت بأمري. # وبعد هنيهة تقدم مني خادم كهل ونظر إلي من وراء أجفان مقروحة وسألني متنهدا: ماذا يريد ~~سيدي؟ فقلت: أليس هذا منزل محافظ المدينة؟ فحنى رأسه إيجابا. # فأخرجت، إذ ذاك الرسالة التي أصحبني بها حاكم لبنان وناولته إياها، فنظر في عنوانها ~~صامتا ثم راح متماهلا نحو باب في مؤخر ذلك الدهليز. # جرى كل ذلك وأنا بدون فكر ولا إرادة. ثم دنوت من خادمة صبية وسألتها عن سبب حزنهم ونواحهم ~~فأجابت متوجعة: عجبا، ألم تسمع أن ابنة المحافظ قد ماتت اليوم؟ # ولم تزد على هذه الكلمات، بل غمرت وجهها بكفها واستسلمت إلى البكاء. # تأملوا، يا رفاقي، حالة رجل قطع البحار وهو كفكرة سديمية ملتبسة أضاعها جبار من ~~جبابرة الفضاء بين الأمواج المزبدة والضباب الرمادي. صوروا لنفوسكم حالة فتى سار ~~أسبوعين بين عويل اليأس وصراخ اللجة، ولما بلغ نهاية الطريق وجد نفسه واقفا في باب منزل ~~تتمشى في جنباته أشباح التفجع وتملأ قرانيه أنات اللوعة. صوروا لنفوسكم، يا رفاقي، ~~رجلا غريبا يطلب الضيافة في قصر تخيم عليه أجنحة الموت. # وعاد الخادم الذي حمل الرسالة إلى سيده وانحنى قائلا: تفضل يا سيدي فالمحافظ ~~ينتظرك. # قال هذا ومشى أمامي فاتبعته حتى إذا ما بلغنا بابا في نهاية الممشى أومأ إلي أن أدخل، ~~فدخلت قاعة واسعة عالية السقف منارة بالشموع وقد جلس فيها بعض الوجهاء والكهان وكلهم في ~~سكوت عميق. فلم أكد ms12 أخطو بضع خطوات حتى قام من صدر القاعة شيخ ذو لحية بيضاء وقد حنت ظهره ~~الأشجان وثلمت وجهه الأوجاع وتقدم نحوي وأخذ بيدي قائلا: يعز علي أن تأتي من بلاد ~~بعيدة وتجدنا مصابين بأحب من لدينا. ولكني أرجو أن لا يكون مصابنا حائلا دون إتمام الغرض ~~الذي جئتنا من أجله، فكن مطمئن البال يا ولدي. # فشكرت له عطفه مظهرا أسفي لمصابه ببعض الألفاظ المشوشة. # وقادني الشيخ إلى كرسي بجانب مقعده فجلست صامتا مع الجلاس الصامتين أنظر خلسة إلى ~~وجوههم الكئيبة، وأسمع تأوههم فتتولد في صدري كتلات من الضيم واللهفة. وبعد ساعة انصرف ~~القوم الواحد تلو الآخر، ولم يبق سواي مع الوالد الحزين في تلك القاعة الخرساء، فوقفت إذ ~~ذاك وتقدمت إليه قائلا: اسمح لي يا سيدي بالانصراف. فقال ممانعا: لا، يا صديقي، لا تذهب؛ ~~كن ضيفنا إن كان بإمكانك احتمال النظر إلى كآبتنا واستماع أنة لوعتنا. فأخجلني كلامه ~~وحنيت رأسي امتثالا. ثم عاد وقال: أنتم اللبنانيين أبر الناس بالضيف؛ فهلا بقيت عندنا ~~لنريك ولو قليلا مما يلقاه الغريب في بلادكم! # وبعد هنيهة قرع الشيخ المنكوب جرسا فضيا فدخل علينا حاجب بملابس مزركشة مقصبة، فقال له ~~الشيخ مشيرا إلي: سر بضيفنا إلى الغرفة الشرقية، وانظر بشأن مأكله ومشربه، وتول بنفسك ~~شؤونه، وكن ساهرا على راحته. # فقادني الحاجب إلى غرفة رحبة بديعة الهندسة، فخمة الرياش تغشي جدرانها الرسوم والمنسوجات ~~الحريرية، في وسطها سرير نفيس مغطى باللحف والمساند المطرزة. # تركني الحاجب فارتميت على مقعد أفكر بنفسي ومحيطي وبغربتي ووحدتي ومآتي أول ساعة صرفتها ~~في بلاد قصية عن بلادي. # وعاد الحاجب يحمل طبقا عليه الطعام والشراب ووضعه أمامي فأكلت قليلا، ولكن بدون رغبة ثم ~~صرفت الحاجب. # ومرت ساعتان وأنا أتمشى تارة في تلك الغرفة وطورا أقف في جوانب إحدى نوافذها محدقا إلى ~~الفضاء مصغيا إلى أصوات البحارة، وخفق مقاذيفهم في الماء حتى إذا ما نهكني السهر وتضعضعت ~~فكرتي بين مظاهر الحياة وخفاياها، ارتميت على السرير مستسلما إلى غيبوبة تتآلف فيها سكرة ~~الهجوع وصحو اليقظة ms13 ويتقلب فيها التذكار والنسيان مثلما يتناوب الشواطئ مد البحر وجزره، ~~فكنت كساحة حرب صامتة تتناضل فيها فيالق صامتة ويجندل الموت فرسانها فيقضون ~~صامتين. # لا، لا أدري، يا رفاقي، كم ساعة صرفت أنا في هذه الحالة. إن في الحياة فسحات تجتازها ~~أرواحنا، ولكننا لا نستطيع أن نقيسها بالمقاييس الزمنية التي ابتدعتها فكرة الإنسان. # لا، لا أعرف كم ساعة بقيت في هذه الحالة. كل ما عرفته إذ ذاك وكل ما أعرفه الآن هو أنني ~~بينما كنت في تلك الحالة الملتبسة شعرت بكيان حي واقف بقرب سريري، شعرت بقوة ترتعش في فضاء ~~الغرفة، شعرت بذات أثيرية تناديني ولكن بدون صوت، وتستفزني ولكن بدون إشارة، فنهضت على ~~قدمي وخرجت من الغرفة إلى الدهليز مدفوعا مأمورا مجذوبا بعامل قاهر ضابط كلي. سرت ~~ولكن بغير إرادتي. سرت كمن يسير وهو نائم، سرت في عالم مجرد عما نحسبه زمنا ومسافة، حتى ~~إذا ما بلغت نهاية الدهليز دخلت قاعة كبرى في وسطها نعش تنيره كوكبتان من الشموع وتحيط به ~~الأزهار. فتقدمت وركعت بجانبه ونظرت، نظرت فرأيت وجه رفيقتي، رأيت وجه رفيقة أحلامي وراء ~~نقاب الموت، رأيت المرأة التي أحببتها حبا فوق الحب. رأيتها جثة هامدة بيضاء بأثواب بيضاء ~~بين أزهار بيضاء تخيم عليها سكينة الدهور ورهبة الأزل. # يا إلهي، يا إله الحب والحياة والموت، أنت الذي كونت أرواحنا ثم سيرتها في هذه الأنوار ~~وهذه الظلمات. أنت الذي فطرت قلوبنا ثم جعلتها تنبض بالأمل والألم. أنت، أنت الذي أريتني ~~رفيقتي جسدا باردا. أنت الذي قدتني من أرض إلى أرض لتظهر لي مراد الموت بالحياة، ومشيئة ~~الوجع بالفرح. أنت الذي أنبت في صحراء وحدتي وانفرادي زنبقة بيضاء ثم سيرتني إلى واد ~~بعيد لتبينها لي زنبقة ذابلة ذاوية فانية! # نعم، يا رفاقي، يا رفاق وحشتي واغترابي، إن الله قد شاء فسقاني الكأس العلقمية. لتكن ~~مشيئة الله. نحن البشر، نحن الذرات المرتعشة في خلاء لا حد له ولا مدى، نحن لا نستطيع ~~سوى الخضوع والامتثال. فإن أحببنا فحبنا ليس منا وليس لنا ms14 . وإن سررنا فسرورنا ليس فينا بل ~~في الحياة نفسها. وإن تألمنا فالألم ليس بكلومنا بل بأحشاء الطبيعة بأسرها. # لم أقص عليكم حكايتي شاكيا، إن من يشكو يشك في الحياة. وأنا من المؤمنين؛ أؤمن ~~بصلاحية هذه المرارة التي تمازج كل رشفة أرتشفها من كؤوس الليالي، أؤمن بجمال هذه المسامير ~~التي تخترق صدري، أؤمن برأفة هذه الأصابع الحديدية التي تمزق غشاء قلبي. # هذه حكايتي؛ فكيف أصل إلى نهايتها وهي بدون نهاية؟ لقد بقيت راكعا أمام نعش الصبية التي ~~أحببتها في أحلامي محدقا إلى وجهها حتى وضع الفجر يده على بلور النوافذ، فقمت إذ ذاك وعدت ~~إلى غرفتي متوكئا على أوجاع الإنسانية منحنيا تحت أعباء الأبدية. # وبعد ثلاثة أسابيع تركت البندقية ورجعت إلى لبنان رجوع من صرف ألف جيل في أعماق الدهر. ~~رجعت رجوع كل لبناني من غربة إلى غربة. # سامحوني، يا رفاقي، فقد أطلت حديثي. سامحوني! # | المراحل السبع # شجيت نفسي سبع مرات: المرة الأولى لما حاولت الحصول على الرفعة عن طريق الضعة، ~~والمرة الثانية لما عرجت أمام المقعدين، والمرة الثالثة لما خيرت بين الصعب والهين ~~فاختارت الهين، والمرة الرابعة لما أخطأت فتعزت بخطإ غيرها، والمرة الخامسة لما تجلدت ~~عن ضعف وعزت جلدها إلى القوة، والمرة السادسة لما لمت أذيالها عن أوحال الحياة، والمرة ~~السابعة لما وقفت مرتلة أمام الله وحسبت الترتيل فضيلة فيها. # | وعظتني نفسي # وعظتني نفسي فعلمتني حب ما يمقته الناس ومصافاة من يضاغنونه وأبانت لي أن الحب ليس ~~بميزة في المحب بل في المحبوب. وقبل أن تعظني نفسي كان الحب بي خيطا دقيقا مشدودا بين ~~وتدين متقاربين، أما الآن فقد تحول إلى هالة أولها آخرها وآخرها أولها، تحيط ~~بكل كائن وتتوسع ببطء لتضم كل ما سيكون. # وعظتني نفسي فعلمتني أن أرى الجمال المحجوب بالشكل واللون والبشرة، وأن أحدق متبصرا بما ~~يعده الناس شناعة حتى يبدو لي حسنا. وقبل أن تعظني نفسي كنت أرى الجمال شعلات مرتعشة ~~بين أعمدة من الدخان واضمحل فلم أعد أرى سوى ما يشتعل. # وعظتني نفسي فعلمتني ms15 الإصغاء إلى الأصوات التي لا تولدها الألسنة ولا تضج بها الحناجر. ~~وقبل أن تعظني نفسي كنت كليل المسامع مريضها، لا أعي سوى الجلبة والصياح، أما الآن فقد ~~صرت أتوجس بالسكينة فأسمع أجواقها منشدة أغاني الدهور، مرتلة تسابيح الفضاء، معلنة أسرار ~~الغيب. # وعظتني نفسي فعلمتني أن أشرب مما لا يعصر ولا يسكب بكؤوس لا ترفع بالأيدي ولا تلمس ~~بالشفاه. وقبل أن تعظني نفسي كان عطشي شرارة ضئيلة في رابية من رماد أخمدها بعبة من ~~الغدير أو برشفة من جرن المعصرة. أما الآن فقد صار شوقي كأسي، وغلتي شرابي، ووحدتي نشوتي. ~~وأنا لا ولن أرتوي. ولكن في هذه الحرقة التي لا تنطفئ، مسرة لا تزول. # وعظتني نفسي فعلمتني لمس ما لم يتجسد ولم يتبلور، وأفهمتني أن المحسوس نصف المعقول. وأن ~~ما نقبض عليه بعض ما نرغب فيه. وقبل أن تعظني نفسي كنت أكتفي بالحار إن كنت باردا، والبارد ~~إن كنت حارا، وبأحدهما إن كنت فاترا. أما الآن فقد انتثرت ملامسي المنكمشة وانقلبت ~~ضبابا دقيقا يخترق كل ما ظهر من الوجود ليمتزج بما خفي منه. # وعظتني نفسي فعلمتني استنشاق ما لا تبثه الرياحين ولا تنشره المجامر. وقبل أن تعظني ~~نفسي كنت إن اشتهيت عطرا طلبته من البساتين أو من القوارير أو المباخر. أما الآن فقد صرت ~~أشم ما لا يحترق ولا يهرق وأملأ صدري من أنفاس زكية لم تمر بجنة من جنات هذا العالم ولم ~~تحملها نسمة من نسمات هذا الفضاء. # وعظتني نفسي فعلمتني أن أقول: «لبيك» عندما يناديني المجهول والخطر. وقبل أن تعظني نفسي ~~كنت لا أنهض إلا لصوت مناد عرفته. ولا أسير إلا على سبل خبرتها فاستهونتها. أما الآن ~~فقد أصبح المعلوم مطية أركبها نحو المجهول، والسهل سلما أتسلق درجاته لأبلغ ~~الخطر. # وعظتني نفسي فعلمتني ألا أقيس الزمن بقولي: كان بالأمس وسيكون غدا. وقبل أن تعظني نفسي ~~كنت أتوهم الماضي عهدا لا يرد والآتي عصرا لن أصل إليه. أما الآن فقد عرفت أن في ~~الهنيهة الحاضرة كل الزمن بكل ما في ms16 الزمن مما يرجى وينجز ويتحقق. # وعظتني نفسي فعلمتني ألا أحد المكان بقولي: هنا وهناك وهنالك. وقبل أن تعظني نفسي كنت ~~إذا ما صرت في موضع في الأرض ظننتني بعيدا عن كل موضع آخر. أما الآن فقد علمت أن مكانا ~~أحل فيه هو كل مكان، وأن فسحة أشغلها هي كل المسافات. # وعظتني نفسي فعلمتني أن أسهر وسكان الحي راقدون؛ وأن أنام وهم منتبهون، وقبل أن تعظني ~~نفسي كنت لا أرى أحلامهم في هجعتي ولا يرصدون أحلامي في غفلتهم. أما الآن فلا أسبح مرفرفا ~~في منامي إلا وهم يرقبونني ولا يطيرون في أحلامهم إلا وفرحت بانعتاقهم. # وعظتني نفسي فعلمتني أن لا أطرب لمديح ولا أجزع لمذمة. وقبل أن تعظني نفسي كنت أظل ~~مرتابا في قيمة أعمالي وقدرها حتى تبعث إليها الأيام بمن يقرظها أو يهجوها. أما الآن فقد ~~عرفت أن الأشجار تزهر في الربيع، وتثمر في الصيف ولا مطمع لها بالثناء، وتنثر أوراقها في ~~الخريف وتتعرى في الشتاء ولا تخشى الملامة. # وعظتني نفسي فعلمتني وأثبتت لي أنني لست بأرفع من الصعاليك، ولا أدنى من الجبابرة، وقبل ~~أن تعظني نفسي كنت أحسب الناس رجلين: رجلا ضعيفا أرق له أو أزدري به، ورجلا قويا ~~أتبعه أو أتمرد عليه. أما الآن فقد علمت أنني كونت فردا مما كون البشر منه جماعة. ~~فعناصري عناصرهم، وطويتي طويتهم، ومنازعي منازعهم، ومحجتي محجتهم، فإن أذنبوا فأنا ~~المذنب، وإن أحسنوا عملا فاخرت بعملهم، وإن نهضوا نهضت وإياهم. وإن تقاعدوا تقاعدت ~~معهم. # وعظتني نفسي فعلمتني أن السراج الذي أحمله ليس لي، والأغنية التي أنشدها لم تتكون في ~~أحشائي فأنا وإن سرت بالنور لست بالنور، وأنا وإن كنت عودا مشدود الأوتار فلست ~~بالعواد. # وعظتني نفسي يا أخي وعلمتني، ولقد وعظتك نفسك وعلمتك، فأنت وأنا متشابهان متضارعان، وما ~~الفرق بيننا سوى أنني أتكلم عما بي وفي كلامي شيء من اللجاجة، وأنت تكتم ما بك وفي تكتمك ~~شكل من الفضيلة. # | لكم لبنانكم ولي لبناني # لكم لبنانكم ولي لبناني. # لكم لبنانكم ومعضلاته، ولي لبناني وجماله ms17 . # لكم لبنانكم بكل ما فيه من الأغراض والمنازع، ولي لبناني بما فيه من الأحلام ~~والأماني. # لكم لبنانكم فاقنعوا به، ولي لبناني وأنا لا أقنع بغير المجرد المطلق. # لبنانكم عقدة سياسية تحاول حلها الأيام؛ أما لبناني فتلول تتعالى بهيبة وجلال نحو ازرقاق ~~السماء. # لبنانكم مشكلة دولية تتقاذفها الليالي؛ أما لبناني فأودية هادئة سحرية تتموج في جنباتها ~~رنات الأجراس وأغاني السواقي. # لبنانكم صراع بين رجل جاء من المغرب ورجل جاء من الجنوب؛ أما لبناني فصلاة مجنحة ترفرف ~~صباحا عندما يقود الرعاة قطعانهم إلى المروج، وتتصاعد مساء عندما يعود الفلاحون من الحقول ~~والكروم. # لبنانكم حكومة ذات رؤوس لا عداد لها؛ أما لبناني فجبل رهيب وديع جالس بين البحر والسهول ~~جلوس شاعر بين الأبدية والأبدية. # لبنانكم حيلة يستخدمها الثعلب عندما يلتقي الضبع، والضبع حينما يجتمع بالذئب؛ أما لبناني ~~فتذكارات تعيد على مسمعي أهازيج الفتيات في الليالي المقمرة وأغاني الصبايا بين البيادر ~~والمعاصر. # لبنانكم مربعات شطرنج بين رئيس دين وقائد جيش؛ أما لبناني فمعبد أدخله بالروح عندما ~~أمل النظر إلى وجه هذه المدنية السائرة على الدواليب. # لبنانكم رجلان: رجل يؤدي المكوس ورجل يقبضها؛ أما لبناني فرجل فرد متكئ على ساعده في ظلال ~~الأرز وهو منصرف عن كل شيء سوى الله ونور الشمس. # لبنانكم مرافئ وبريد وتجارة؛ أما لبناني ففكرة بعيدة وعاطفة مشتعلة وكلمة علوية تهمسها ~~الأرض في أذن الفضاء. # لبنانكم موظفون وعمال ومديرون؛ أما لبناني فتأهب الشباب وعزم الكهولة وحكمة ~~الشيخوخة. # لبنانكم وفود ولجان؛ أما لبناني فمجالس حول المواقد في ليال تغمرها هيبة العواصف ويجللها ~~طهر الثلوج. # لبنانكم طوائف وأحزاب؛ أما لبناني فصبية يتسلقون الصخور ويركضون مع الجداول ويقذفون الأكر ~~في الساحات. # لبنانكم خطب ومحاضرات ومناقشات؛ أما لبناني فتغريد الشحارير، وحفيف أغصان الحور ~~والسنديان، ورجع صدى النايات في المغاور والكهوف. # لبنانكم كذب يحتجب وراء نقاب من الذكاء المستعار، ورياء يختبئ في رداء من التقليد ~~والتصنع؛ أما لبناني فحقيقة بسيطة عارية إذا نظرت في حوض ماء ما رأت غير وجهها الهادئ ~~وملامحها المنبسطة. # لبنانكم شرائع وبنود ms18 على أوراق، وعقود وعهود في دفاتر؛ أما لبناني ففطرة في أسرار الحياة ~~وهي لا تعلم أنها تعلم، وشوق يلامس في اليقظة أذيال الغيب ويظن نفسه في منام. # لبنانكم شيخ قابض على لحيته، قاطب ما بين عينيه ولا يفكر إلا بذاته؛ أما لبناني ففتى ~~ينتصب كالبرج، ويبتسم كالصباح، ويشعر بسواه شعوره بنفسه. # لبنانكم ينفصل آنا عن سوريا ويتصل بها آونة، ثم يحتال على طرفيه ليكون بين معقود ومحلول؛ ~~أما لبناني فلا يتصل ولا ينفصل ولا يتفوق ولا يتصاغر. # لكم لبنانكم ولي لبناني. # لكم لبنانكم وأبناؤه ولي لبناني وأبناؤه. # ومن هم يا ترى أبناء لبنانكم؟ # ألا فانظروا هنيهة لأريكم حقيقتهم. # هم الذين ولدت أرواحهم في مستشفيات الغربيين. # هم الذين استيقظت عقولهم في حضن طامع يمثل دور أريحي. # هم تلك القضبان اللينة التي تميل إلى اليمين وإلى اليسار، ولكن بدون إرادة، وترتعش في ~~الصباح وفي المساء، ولكنها لا تدري أنها ترتعش. # هم تلك السفينة التي تصارع الأمواج وهي بدون دفة ولا شراع، أما ربانها فالتردد وأما ~~ميناؤها فكهف تسكنه الغيلان. أوليست كل عاصمة في أوروبا كهفا للغيلان؟ # هم الأشداء الفصحاء البلغاء، ولكن بعضهم لدى بعض، والضعفاء الخرسان أمام الإفرنج. # هم الأحرار المصلحون المتحمسون، ولكن في صفحهم وفوق منابرهم، والمنقادون الرجعيون أمام ~~الغربيين. # هم الذين يضجون كالضفادع قائلين: لقد تملصنا من عدونا الطاغية القديم، وعدوهم القديم ~~الطاغية ما برح يختبئ في أجسادهم. # هم الذين يسيرون أمام الجنازة مزمرين راقصين، حتى إذا ما التقوا موكب العرس تحول تزميرهم ~~إلى نواح ورقصهم إلى قرع الصدور وشق الأثواب. # هم الذين لا يعرفون المجاعة إلا إذا كانت في جيوبهم، فإذا ما التقوا من كانت مجاعته في ~~روحه ضحكوا منه وتحولوا عنه قائلين: ما هذا سوى خيال يسير في عالم الأخيلة. # هم أولئك العبيد الذين تبدل الأيام قيودهم المصدأة بقيود لامعة فيظنون أنهم أصبحوا ~~أحرارا مطلقين. # هؤلاء هم أبناء لبنانكم، فهل بينهم من يمثل العزم في صخور لبنان أم النبل في ارتفاعه أم ~~العذوبة في مائه أم العطر في ms19 هوائه؟ هل بينهم من يتجرأ أن يقول: إذا ما مت تركت وطني ~~أفضل قليلا مما وجدته عندما ولدت؟ هل بينهم من يتجرأ أن يقول: لقد كانت حياتي قطرة من ~~الدم في عروق لبنان أو دمعة بين أجفانه أو ابتسامة على ثغره؟ # هؤلاء هم أبناء لبنانكم، فما أكبرهم في عيونكم وما أصغرهم في عيني! # ولكن قفوا قليلا وانظروا لأريكم أبناء لبناني: # هم الفلاحون الذين يحولون الوعر إلى حدائق وبساتين. # هم الرعاة الذين يقودون قطعانهم من واد إلى واد فتنمو وتتكاثر وتعطيكم لحومها غذاء ~~وصوفها رداء. # هم الكرامون الذين يعصرون العنب خمرا ويعقدون الخمر دبسا. # هم الآباء الذين يربون أنصاب التوت، والأمهات اللواتي يغزلن الحرير. # هم الرجال الذين يحصدون الزرع، والزوجات اللواتي يجمعن الأغمار. # هم البناؤون والفخارون والحائكون وصانعو الأجراس والنواقيس. # هم الشعراء الذين يسكبون أرواحهم في كؤوس جديدة، وهم شعراء الفطرة الذين ينشدون العتابا ~~والمعنى والزجل. # هم الذين يغادرون لبنان وليس لهم سوى حماسة في قلوبهم وعزم في سواعدهم، ويعودون إليه ~~وخيرات الأرض في أكفهم، وأكاليل الغار على رؤوسهم. # هم الذين يتغلبون على محيطهم أينما حلوا ويجتذبون القلوب إليهم أينما وجدوا. # وهم الذين يولدون في الأكواخ ويموتون في قصور العلم. # هؤلاء هم أبناء لبنان. هؤلاء هم السرج التي لا تطفئها الرياح، والملح الذي لا تفسده ~~الدهور. # هؤلاء هم السائرون بأقدام ثابتة نحو الحقيقة والجمال والكمال. # وماذا عسى أن يبقى من لبنانكم وأبناء لبنانكم بعد مئة سنة؟ أخبروني، ماذا تتركون للغد سوى ~~الدعوى والتلفيق والبلادة؟ هل تحسبون أن الزمن يحفظ في ذاكرته مظاهر الخداع والمداهنة ~~والتدليس؟ # أتظنون أن الأثير يخزن في جيوبه أشباح الموت وأنفاس القبور؟ # أتتوهمون أن الحياة تستر جسدها العاري بالخرق البالية؟ # أقول لكم والحق شاهد علي: إن نصبة الزيتون التي يغرسها القروي في سفح لبنان لأبقى من ~~جميع أعمالكم ومآتيكم، والمحراث الخشبي الذي تجره العجول في منعطفات لبنان لأشرف وأنبل من ~~كل أمانيكم ومطامحكم. # أقول لكم وضمير الوجود صاغ إلي: إن أغنية جامعة البقول بين هضبات لبنان لأطول عمرا ms20 من ~~كل ما يقوله أوجه وأصخم ثرثار بينكم. # أقول لكم: إنكم لستم على شيء. ولو كنتم تعلمون أنكم لستم على شيء لتحول اشمئزازي منكم إلى ~~شكل من العطف والحنان، ولكنكم لا تعلمون. # لكم لبنانكم ولي لبناني. # لكم لبنانكم وأبناء لبنانكم فاقتنعوا به وبهم، إن استطعتم الاقتناع بالفقاقيع الفارغة؛ ~~أما أنا فمقتنع بلبناني وأبنائه، وفي اقتناعي عذوبة وسكينة وطمأنينة. # | الأرض # تنبثق الأرض من الأرض كرها وقسرا. # ثم تسير الأرض فوق الأرض تيها وكبرا. # وتقيم الأرض من الأرض القصور والبروج والهياكل. # وتنشئ الأرض في الأرض الأساطير والتعاليم والشرائع. # ثم تمل الأرض أعمال الأرض فتحوك من هالات الأرض الأشباح والأوهام والأحلام. # ثم يراود نعاس الأرض أجفان الأرض فتنام نوما هادئا عميقا أبديا. # ثم تنادي الأرض قائلة للأرض: أنا الرحم، وأنا القبر وسأبقى رحما وقبرا حتى تضمحل ~~الكواكب وتتحول الشمس إلى رماد. # | بالأمس. واليوم. وغدا # قلت لصديقي: ألا فانظرها متكئة على ساعده، وبالأمس كانت على ساعدي. # فقال: وغدا على ساعدي. # قلت: تأملها جالسة إلى جانبه، وبالأمس كانت إلى جانبي. # فقال: وغدا إلى جانبي. # قلت: ألا تبصرها تشرب الخمر من كأسه، وبالأمس كانت ترشفها من كأسي؟ # فقال: وغدا من كأسي. # قلت: انظر إليها ترمقه بعين ملؤها الحب، وبالأمس كانت ترمقني. # فقال: وغدا ترمقني. # قلت: اسمعها تهمس أغاني الغرام في أذنه، وبالأمس كانت تهمسها في أذني. # فقال: وغدا في أذني. # قلت: انظر فهي تعانقه، وقد كانت بالأمس تعانقني. # فقال: وغدا تعانقني. # قلت: ما أغربها امرأة! # قال: هي كالحياة يمتلكها كل البشر، وكالموت تتغلب على كل البشر، وكالأبدية تضم كل ~~البشر. # | الكمال # تسألني يا أخي متى يصير الإنسان كاملا. # فاسمع جوابي: # يسير الإنسان نحو الكمال عندما يشعر بأنه هو الفضاء ولا حد له، وهو هو البحر بدون شواطئ، ~~وأنه النار المتأججة دائما، والنور الساطع أبدا، والرياح إذا هبت أو إذا سكنت، والسحب إذا ~~برقت وأرعدت وأمطرت، والجداول إذا ترنمت أو ناحت، والأشجار إذا أزهرت في الربيع أو تجردت في ~~الخريف، والجبال إذا تعالت، والأودية إذا انخفضت، والحقول ms21 إذا أخصبت أو أجدبت. # إذا شعر الإنسان بكل هذه الأمور بلغ منتصف طريق الكمال، أما إذا شاء بلوغ محجة الكمال ~~فعليه إن شعر بكيانه، أن يشعر بأنه الطفل المتكل على أمه، والشيخ المسؤول عن عياله، والشاب ~~الضائع بين أمانيه وغرامه، والكهل الذي يصارع ماضيه ومستقبله، والعابد في صومعته، والمجرم ~~في سجنه، والعالم بين كتبه وأوراقه، والجاهل بين ظلمة ليله وظلمة نهاره، والراهبة بين أزهار ~~إيمانها وأشواك وحشتها، والمومس بين أنياب ضعفها ومخالب حاجتها، والفقير بين مرارته ~~وامتثاله، والغني بين مطامعه وإذعانه، والشاغر بين ضباب أمسائه وشعاع أسحاره. # إذا استطاع الإنسان أن يختبر ويعلم جميع هذه الأمور يصل إلى الكمال ويصير ظلا من ظلال ~~الله. # | الاستقلال والطرابيش # قرأت منذ أمد غير بعيد مقالا لأديب قام يعترض ويحتج فيه على ربان وموظفي باخرة فرنسية ~~أقلته من سورية إلى مصر؛ ذلك لأن هؤلاء قد أجبروه، أو حاولوا إجباره على خلع طربوشه في ~~أثناء جلوسه إلى مائدة الطعام، وكلنا يعلم أن خلع القبعات تحت كل سقف عادة مرعبة عند ~~الغربيين. # ولقد أعجبني هذا الاحتجاج؛ لأنه أبان لي تمسك الشرقي برمز من رموز حياته الخاصة. # أعجبت بجرأة ذلك السوري كما أعجبت مرة بأمير هندي دعوته إلى حضور رواية غنائية في مدينة ~~ميلانو في إيطاليا فقال لي: لو دعوتني إلى زيارة جحيم دانتي لذهبت معك مسرورا، ولكني لا ~~أستطيع الجلوس في مكان يحظرون فيه علي استبقاء عمامتي وتدخين اللفائف. # أجل يعجبني أن أرى الشرقي متمسكا ببعض مزاعمه قابضا ولو على ظل من ظلال عاداته ~~القومية. # ولكن إعجابي هذا لا ولن يمحو ما وراءه من الحقائق الخشنة المستتبة المتشبثة بذاتية الشرق ~~ومنازع الشرق ومزاعم الشرق. # لو فكر ذلك الأديب الذي استصعب خلع طربوشه في الباخرة الإفرنجية بأن ذلك الطربوش الشريف ~~قد صنع في معمل إفرنجي، لهان عليه خلعه في أي مكان في أية باخرة إفرنجية. # لو فكر أديبنا بأن الاستقلال الشخصي في الأمور الصغيرة كان وسيكون رهن الاستقلال الفني ~~والاستقلال الصناعي، وهما كبيران، لخلع طربوشه ممتثلا صامتا ms22 . # لو فكر صاحبنا بأن الأمة المستعبدة بروحها وعقليتها لا تستطيع أن تكون حرة بملابسها ~~وعاداتها. # لو فكر بذلك لما كتب مقاله معترضا. # لو فكر أديبنا بأن جده السوري كان يبحر إلى مصر على ظهر مركب سوري مرتديا ثوبا غزلته ~~وحاكته وخاطته الأيدي السورية، لما تردى بطلنا الحر إلا بالملابس المصنوعة في بلاده، ولما ~~ركب سوى سفينة سورية ذات ربان سوري وبحارة سوريين. # مصاب أديبنا الشجاع أنه قد اعترض على النتائج ولم يحفل بالأسباب، فتناولته الأعراض قبل أن ~~يستميله الجوهر. وهذا شأن أكثر الشرقيين الذين يأبون أن يكونوا شرقيين إلا بتوافه الأمور ~~وصغائرها، مع أنهم يفاخرون بما اقتبسوه من الغربيين مما ليس بتافه أو صغير. # أقول لأديبنا وأقول لجميع المتطربشين: ألا فاصنعوا طرابيشكم بيدكم، ثم تخيروا في ما ~~تفعلونه بطرابيشكم على ظهر الباخرة أو على قمة الجبل أو في جوف الوادي. # وتعلم السماء أن هذه الكلمة لم تكتب في الطرابيش أو في شأن خلعها أو استبقائها على ~~الرؤوس تحت السقوف أو تحت المجرة، تعلم السماء أنها كتبت في أمر أبعد من كل طربوش، فوق كل ~~رأس، فوق كل جثة مختلجة. # | أيتها الأرض # ما أجملك أيتها الأرض وما أبهاك. # ما أتم امتثالك للنور وأنبل خضوعك للشمس. # ما أظرفك متشحة بالظل وما أملح وجهك مقنعا بالدجى. # ما أعذب أغاني فجرك وما أهول تهاليل مسائك. # ما أكملك أيتها الأرض وما أسناك. # لقد سرت في سهولك، وصعدت على جبالك، وهبطت إلى أوديتك، وتسلقت صخورك، ودخلت كهوفك، فعرفت ~~حلمك في السهل، وأنفتك على الجبل، وهدوءك في الوادي، وعزمك في الصخر، وتكتمك في الكهف، ~~فأنت أنت المنبسطة بقوتها، المتعالية بتواضعها، المنخفضة بعلوها، اللينة بصلابتها، ~~الواضحة بأسرارها ومكنوناتها. # لقد ركبت بحارك، وخضت أنهارك، وتتبعت جداولك، فسمعت الأبدية تتكلم بمدك وجزرك، والدهور ~~تترنم بين هضابك وحزونك، والحياة تناجي الحياة في شعبك ومنحدراتك، فأنت أنت لسان ~~الأبدية وشفاهها، وأوتار الدهور وأصابعها، وفكرة الحياة وبيانها. # لقد أيقظني ربيعك وسيرني إلى غاباتك حيث تتصاعد أنفاسك بخورا، وأجلسني صيفك في حقولك حيث ~~يتجوهر ms23 إجهادك أثمارا، وأوقفني خريفك في كرومك حيث يسيل دمك خمرا، وقادني شتاؤك إلى مضجعك ~~حيث يتناثر طهرك ثلجا، فأنت أنت العطرة بربيعها، الجوادة بصيفها، الفياضة بخريفها، ~~النقية بشتائها. # وفي الليلة الصافية قد فتحت نوافذ نفسي وأبوابها وخرجت إليك مثقلا بمطامعي، مكبلا ~~بقيود أنانيتي، فألفيتك شاخصة بالكواكب وهي تبتسم لك، فنزعت عني قيودي وأثقالي، وعلمت أن ~~منزل النفس فضاؤك، ورغائبها في رغائبك، وسلامتها في سلامتك، وسعادتها في الغبار الذهبي ~~الذي تنثره النجوم على جسدك. # في الليلة المبطنة بالغيوم، وقد مللت غفلتي وجمودي، خرجت إليك فوجدتك جبارة هائلة مسلحة ~~بالعاصفة، تحاربين ماضيك بحاضرك، وتصرعين قديمك بجديدك، وتبعثرين ضئيلك بضليعك، فعلمت أن ~~نظام البشر نظامك، وناموسهم ناموسك، وسنتهم سنتك، وأن من لا يهصر برياحه ما يبس من أغصانه ~~يموت مللا، ومن لا يمزق بثوراته ما بلى من أوراقه يفنى خمولا، ومن لا يكفن بنسيان ~~ما مات من ماضيه كان هو كفنا لمآتي الماضي. # ما أكرمك أيتها الأرض وما أطول أناتك. # ما أشد حنانك على أبنائك المنصرفين عن حقيقتهم إلى أوهامهم، الضائعين بين ما بلغوا إليه ~~وما قصروا عنه. # نحن نضج، وأنت تضحكين. # نحن نذنب، وأنت تكفرين. # نحن نجدف، وأنت تباركين. # نحن ننجس، وأنت تقدسين. # نحن نهجع ولا نحلم، وأنت تحلمين في سهرك السرمدي. # نحن نكلم صدرك بالسيوف والرماح، وأنت تغمرين كلومنا بالزيت والبلسم. # نحن نزرع راحاتك العظام والجماجم، وأنت تستنبتينها حورا وصفصافا. # نحن نستودعك الجيف، وأنت تملئين بيادرنا بالأغمار، ومعاصرنا بالعناقيد. # نحن نصبغ وجهك بالدم، وأنت تغسلين وجوهنا بالكوثر. # نحن نتناول عناصرك لنصنع منها المدافع والقذائف، وأنت تتناولين عناصرنا وتكونين منها ~~الورود والزنابق. # ما أوسع صبرك أيتها الأرض وما أكثر انعطافك. # ما أنت أيتها الأرض ومن أنت؟ # أذرة من الغبار تصاعدت من بين قدمي الله عندما سار من مشارق الأكوان إلى مغاربها، أم ~~شرارة قذفت من موقد اللا نهاية؟ # أنواة طرحت في حقل الأثير لتشق قشرتها بعزم لبابها، وتتعالى نصبة ربانية إلى ما فوق ~~الأثير؟ # أقطرة من الدم في عروق جبار الجبابرة، أم ms24 أنت قطرة من العرق على جبينه؟ # أثمرة تلوحها الشمس ببطء؟ أثمرة أنت في شجرة المعرفة الكلية التي تمد عروقها في ~~أعماق الأزل وترفع غصونها إلى أعماق الأبد؟ أم جوهرة أنت وضعها إله الزمن في حفنة آلهة ~~المسافة؟ أطفلة أنت في حضن الفضاء؟ أم عجوز ترقب الأيام والليالي وقد شبعت من حكمة ~~الليالي والأيام؟ # ما أنت أيتها الأرض ومن أنت؟ # أنت أنا أيتها الأرض! أنت بصري وبصيرتي، أنت عاقلتي وخيالي وأحلامي، أنت جوعي وعطشي، ~~أنت ألمي وسروري، أنت غفلتي وانتباهي. # أنت الجمال في عيني، والشوق في قلبي، والخلود في روحي. # أنت أنا أيتها الأرض، فلو لم أكن لما كنت. # | البحر الأعظم # بالأمس - وما أبعد الأمس وما أقربه! - ذهبت ونفسي إلى البحر الأعظم لنغسل بمائه ما علق ~~بنا من غبار الأرض وأوحالها. # ولما بلغنا الشاطئ طفقنا نبحث مكان خال يحجبنا عن العيون. # وبينما نحن سائران التفتنا فإذا برجل جالس على صخرة غبراء وفي يده كيس يأخذ منه الملح ~~قبضة بعد قبضة ويطرحها في البحر. # فقالت لي نفسي: هو ذا المتشائم الذي لا يرى من الحياة سوى ظلها، وليس المتشائم بخليق أن ~~يرى جسدينا العاريين، فلنغادر هذا المكان إذ لا سبيل إلى الاستحمام ها هنا. # فتركنا ذلك المكان وتابعنا المسير حتى وصلنا إلى خور في الشاطئ، فإذا برجل واقف على صخرة ~~بيضاء وفي يده صندوقة مرصعة بالجواهر وهو يتناول منها قطعا من السكر ويرمي بها في ~~البحر. # فقالت لي نفسي: «هو ذا المتفائل الذي يستبشر بما لا بشر فيه، وحذار من المتفائلين أن ~~يروا جسدينا العاريين». # فعدنا نواصل السير حتى عثرنا على رجل واقف بقرب الشاطئ يلتقط الأسماك الميتة ويعيدها بحنو ~~إلى البحر. # فقالت لي نفسي: «وهذا هو الشفوق الذي يحاول إرجاع الحياة لمن في القبور، فلنبتعد ~~عنه». # ثم انتهينا إلى حيث رأينا رجلا يرسم خياله على الرمال فتجيء الأمواج وتمحو ما رسمه وهو ~~يتابع عمله المرة بعد الأخرى. # فقالت لي نفسي: «هو ذا المتصوف الذي يقيم في أوهامه صنما ليعبده، فلندعه وشأنه ms25 ». # ومشينا إلى أن أبصرنا في خليج هادئ رجلا يكشط الزبد عن سطح الماء ويضعه في إناء من ~~العقيق. # فقالت لي نفسي: «هو ذا الخيالي الذي يحوك من خيوط العنكبوت رداء ليلبسه، وهو ليس بجدير أن ~~يرى جسدينا عاريين». # فتابعنا السير وإذا بنا نسمع صوتا هاتفا: «هو ذا البحر العميق، هو ذا البحر الهائل ~~العظيم». # فبحثنا عن مصدر الصوت فرأينا رجلا واقفا مديرا ظهره إلى البحر وقد وضع صدفة على أذنه ~~وهو يصغي إلى دمدمتها. # فقالت لي نفسي: «سر بنا فهذا هو الدهري الذي يدير ظهره إلى كليات لا يستطيع الإحاطة ~~بها، ويشغل ذاته بجزئيات تستميل كليته». # فسرنا إلى أن رأينا في معشبة رجلا بين الصخور وقد دفن رأسه في الرمال. # فقلت لنفسي: «هلمي يا نفس نستحم ها هنا، فهذا الرجل لا يستطيع أن يبصرنا». # فهزت نفسي رأسها قائلة: «لا وألف لا، إن من تراه هو شر الناس أجمعهم؛ هو التقي النقي الذي ~~يحجب نفسه عن مأساة الحياة، فتحجب الحياة مسراتها عن نفسه». # حينئذ ظهر على وجه نفسي حزن عميق، وبصوت تقطعه المرارة قالت: «لنذهبن من هذه الشواطئ. ~~فليس هنا مكان خفي محجوب نستطيع أن نستحم به. وأنا لا أرضى أن أسرح غدائري الذهبية في هذه ~~الريح، أو أن أكشف صدري البض أمام هذا الفضاء، أو أن أتجرد وأقف عارية أمام هذا ~~النور». # فغادرت ونفسي ذلك البحر العظيم، وسرنا ننشد البحر الأعظم. # | في سنة لم تكن قط في التاريخ # ... في تلك الدقيقة ظهرت من وراء أشجار الصفصاف صبية تجر أذيالها على الأعشاب ووقفت بجانب ~~الفتى النائم ووضعت يدها الحريرية على رأسه فنظر إليها نظرة نائم أيقظه شعاع الشمس، فرأى ~~ابنة الأمير واقفة حذاءه فجثا على ركبتيه مثلما فعل موسى عندما رأى العليقة مشتعلة، ولما ~~أراد الكلام أرتج عليه فنابت عيناه الطافحتان بالدمع عن لسانه. # ثم عانقته الصبية وقبلت شفتيه، وقبلت عينيه راشفة المدامع السخينة وقالت بصوت ألطف من ~~نغمة الناي: قد رأيتك، يا حبيبي، في أحلامي ونظرت وجهك في وحدتي وانقطاعي ms26 ، فأنت رفيق نفسي ~~الذي فقدته، ونصفي الجميل الذي انفصلت عنه عندما حكم علي بالمجيء إلى هذا العالم، قد ~~جئت سرا يا حبيبي لألتقيك، وها أنت الآن بين ذراعي فلا تجزع. قد تركت مجد والدي ~~لأتبعك إلى أقاصي الأرض وأشرب معك كأس الحياة والموت. # قم، يا حبيبي، فنذهب إلى البرية البعيدة عن الإنسان. # ومشى الحبيبان بين الأشجار تخفيهما ستائر الليل، ولا يخفيهما بطش الأمير ولا أشباح ~~الظلمة. # | ابن سينا وقصيدته # ليس بين ما نظمه الأقدمون قصيدة أدنى إلى معتقدي وأقرب إلى ميولي النفسية من قصيدة ابن ~~سينا في النفس. # في هذه القصيدة النبيلة قد وضع «الشيخ الرئيس» أبعد ما يراود فكرة الإنسان، وأعمق ما ~~يلازم خياله من الأماني التي تولدها المعرفة، والسؤالات التي يثمرها الرجاء، والنظريات ~~التي لا تصدر إلا عن التفكر المستمر والتأملات الطويلة. # وليس من الغرائب صدور هذه القصيدة عن وجدان ابن سينا وهو نابغة زمانه، ولكن، من الغرائب ~~أن تكون مظهرا لرجل صرف عمره مستقصيا أسرار الأجسام ومزايا الهيولي، فكأني به قد بلغ ~~خفايا الروح عن طريق المادة، وأدرك مكنونات المعقولات بواسطة المرئيات، فجاءت قصيدته هذه ~~برهانا نيرا على أن العلم هو حياة العقل يتدرج بصاحبه من الاختبارات العملية إلى ~~النظريات العقلية، إلى الشعور الروحي، إلى الله. # قد يجد المطالع في ما نظمه كبار شعراء الغربيين مقاطع متفرقة تذكره بهذه القصيدة ~~السامية. ففي روايات شكسبير الخالدة أبيات لا تختلف بمعانيها عن قول ابن سينا: # وصلت على كره إليك وربما # كرهت فراقك وهي ذات تفجع # وفي أقوال تشلي ما يماثل: # سجعت وقد كشف الغطاء فأبصرت # ما ليس يدرك بالعيون الهجع # وفي تأملات غوتي ما يضارع: # وتعود عالمة بكل خفية # في العالمين، فخرقها لم يرقع # وفي ما قاله براونن ما يضاهي: # فكأنها برق تألق بالحمى # ثم انطوى فكأنه لم يلمع # ولكن «الشيخ الرئيس» قد تقدم جميع هؤلاء بقرون عديدة. فوضع في قصيدة واحدة ما هبط بصور ~~متقطعة على أفكار مختلفة في أزمنة مختلفة. وهذا ما يجعله نابغة لعصره وللعصور التي ms27 جاءت ~~بعده، ويجعل قصيدته في النفس أبعد وأشرف ما نظم في أشرف وأبعد موضوع. # | الغزالي # بين الغزالي والقديس أوغوسطينوس رابطة نفسية، فهما منظران متشابهان لمبدأ واحد، رغم ما ~~بين زمانيهما ومحيطيهما من الاختلافات المذهبية والاجتماعية. أما ذلك المبدأ فهو ميل وضعي ~~في داخل النفس يتدرج بصاحبه من المرئيات وظواهرها إلى المعقولات فالفلسفة فالإلهيات. # اعتزل الغزالي الدنيا وما كان له فيها من الرخاء والمقام الرفيع، وانفرد وحده متصوفا، ~~متوغلا في البحث عن تلك الخيوط الدقيقة التي تصل أواخر العلم بأوائل الدين، متعمقا في ~~التفتيش عن ذلك الإناء الخفي الذي تمتزج فيه مدارك الناس واختباراتهم بعواطف الناس ~~وأحلامهم. # وهكذا فعل أوغسطينوس قبله بخمسة أجيال. فمن يقرأ له كتاب «الاعتراف» يرى أنه قد اتخذ ~~الأرض ومآتيها سلما يصعد عليه نحو ضمير الوجود الأعلى. # غير أنني وجدت الغزالي أقرب إلى جواهر الأمور وأسرارها من القديس أوغسطينوس. وقد يكون سبب ~~ذلك في الفرق الكائن بين ما ورثه الأول من النظريات العلمية العربية واليونانية التي تقدمت ~~زمانه، وما ورثه الثاني من علم اللاهوت الذي كان يشغل آباء الكنيسة في القرنين الثاني ~~والثالث للمسيح، وأعني بالوراثة ذلك الأمر الذي ينتقل مع الأيام من فكر إلى فكر مثلما تلازم ~~بعض المزايا الجسدية مظاهر الشعوب من عصر إلى عصر. # ووجدت في الغزالي ما يجعله حلقة ذهبية موصلة بين الذين تقدموه من متصوفي الهند والذين ~~جاؤوا بعده من الإلهيين. ففي ما بلغت إليه أفكار البوذيين قديما شيء من ميول الغزالي، وفي ~~ما كتبه سبينوزا ووليم بلايك حديثا شيء من عواطفه. # وللغزالي عند مستشرقي الغرب وعلمائه منزلة رفيعة، وهم يضعونه مع ابن سينا وابن رشد في ~~المقام الأول بين فلاسفة الشرق. أما الروحيون بينهم فيحسبونه أنبل وأسمى فكرة ظهرت في ~~الإسلام. ومن الغرائب أنني شاهدت على جدران كنيسة في فلورنسا (إيطاليا) من بناء الجيل ~~الخامس عشر صورة الغزالي بين صور غيره من الفلاسفة والقديسين واللاهوتيين الذين تعتبرهم ~~أئمة الكنيسة في الأجيال الوسطى دعائم وأعمدة في هيكل الروح المطلق. # ولكن الأغرب من ms28 ذلك هو أن الغربيين يعرفون عن الغزالي أكثر مما يعرفه الشرقيون، فهم ~~يترجمونه ويبحثون في تعاليمه ويدققون النظر في منازعه الفلسفية ومراميه الصوفية. أما نحن، ~~نحن الذين لم نزل نتكلم اللغة العربية ونكتبها، فقلما ذكرنا الغزالي أو تحدثنا عنه، نحن لم ~~نزل مشغولين بالأصداف كأن الأصداف هي كل ما يخرج من بحر الحياة إلى شواطئ الأيام ~~والليالي. # | جرجي زيدان # لقد مات زيدان، وممات زيدان عظيم كحياته، جليل كأعماله. # لقد رقدت تلك الفكرة الكبيرة وحول مضجعها تحوم الآن سكينة توحي الهيبة والوقار وترتفع عن ~~الحزن والبكاء. # قد تملصت تلك الروح الطيبة ورحلت إلى عالم نشعر به ولا ندركه، وفي رحيلها عظة للباقين في ~~قبضة الأيام والليالي. # قد تحرر ذلك الوجدان النبيل من متاعب العمل ومشاقه وسار ملتفا برداء مجده إلى حيث ~~يتسامى العمل عن المشاق والمتاعب. قد ذهب زيدان إلى حيث لا تراه العين ولا تسمعه ~~الأذن. # ولكن، إذا كان زيدان قد انتقل إلى إحدى السيارات السابحة في بحر اللانهاية، فهو الآن ~~مشغول بنفع سكانها، منهمك بجمع معارفها، مأخوذ بجمال تاريخها، منصب على درس لغاتها. # هذا هو زيدان: فكرة متحمسة لا ترتاح إلا إلى العمل، وروح ظامئة لا تنام إلا على منكبي ~~اليقظة، وقلب كبير مفعم بالرقة والغيرة. فإذا كانت تلك الفكرة لا تزال كائنة بكيان العقل ~~العام فهي تشتغل الآن مع العقل العام. وإذا كانت تلك الروح موجودة بوجود النواميس فهي تعمل ~~الآن مع النواميس. وإذا كان ذلك القلب باقيا ببقاء الله فهو الآن ملتهب بشعلة الله. # هذه هي حياة زيدان: ينبوع تدفق من صدر الوجود وصار نهرا صافيا يروي ما على جانبي الوادي ~~من النبات والأنصاب. # وها قد بلغ النهر شاطئ البحر فأي متطفل، يا ترى، يجسر أن يندبه أو يرثيه؟ أوليس الندب ~~والنواح خليقين بالذين يقفون أمام عرش الحياة، ثم ينصرفون قبل أن يسكبوا في راحتيها قطرة ~~من عرق جبينهم أو دم قلوبهم؟ أولم يصرف زيدان ثلاثين سنة مذيبا قلبه مستقطرا جبينه؟ وهل ~~بيننا من لم يستق من ms29 تلك المجاري البلورية العذبة؟ # إذا فمن شاء أن يكرم زيدان فليرفع نحو روحه ترنيمة الشكر وعرفان الجميل بدلا من ندبات ~~الحزن والأسى. # من شاء أن يكرم ذكر زيدان فليطلب قسمته من خزائن المعارف والمدارك التي جمعها زيدان ~~وتركها إرثا للعالم العربي. # لا تعطوا الرجل الكبير بل خذوا منه، وهكذا تكرمونه. # لا تعطوا زيدان ندبا ورثاء، بل خذوا من مواهبه وعطاياه، وهكذا تخلدون ذكره. # | مستقبل اللغة العربية # أولا: ما هو مستقبل اللغة العربية؟ # إنما اللغة مظهر من مظاهر الابتكار في مجموع الأمة، أو ذاتها العامة، فإذا هجعت قوة ~~الابتكار توقفت اللغة عن مسيرها، وفي الوقوف التقهقر، وفي التقهقر الموت ~~والاندثار. # إذا فمستقبل اللغة العربية يتوقف على مستقبل الفكر المبدع الكائن - أو غير الكائن - ~~في مجموع الأمم التي تتكلم اللغة العربية. فإن كان ذلك الفكر موجودا كان مستقبل اللغة ~~عظيما كماضيها، وإن كان غير موجود فمستقبلها سيكون كحاضر شقيقتها السريانية ~~والعبرانية. # وما هذه القوة التي ندعوها بقوة الابتكار؟ # هي في الأمة عزم دافع إلى الأمام. هي في قلبها جوع وعطش وشوق إلى غير المعروف، وفي ~~روحها سلسلة أحلام تسعى إلى تحقيقها ليلا ونهارا، ولكنها لا تحقق حلقة من أحد طرفيها ~~إلا أضافت الحياة حلقة جديدة في الطرف الآخر. هي في الأفراد النبوغ وفي الجماعة ~~الحماسة، وما النبوغ في الأفراد سوى المقدرة على وضع ميول الجماعة الخفية في أشكال ~~ظاهرة محسوسة. ففي الجاهلية كان الشاعر يتأهب لأن العرب كانوا في حالة التأهب، وكان ~~ينمو ويتمدد أيام المخضرمين لأن العرب كانوا في حالة النمو والتمدد، وكان يتشعب أيام ~~المولدين لأن الأمة الإسلامية كانت في حالة التشعب. وظل الشاعر يتدرج ويتصاعد ويتلون ~~فيظهر آنا كفيلسوف، وآونة كطبيب، وأخرى كفلكي، حتى راود النعاس قوة الابتكار في اللغة ~~العربية فنامت وبنومها تحول الشعراء إلى ناظمين، والفلاسفة إلى كلاميين، والأطباء إلى ~~دجالين، والفلكيون إلى منجمين. # إذا صح ما تقدم كان مستقبل اللغة العربية رهن قوة الابتكار في مجموع الأمم التي ~~تتكلمها، فإن كان لتلك الأمم ذات خاصة أو ms30 وحدة معنوية وكانت قوة الابتكار في تلك الذات ~~قد استيقظت بعد نومها الطويل كان مستقبل اللغة العربية عظيما كماضيها، وإلا ~~فلا. # ثانيا: وما عسى أن يكون تأثير التمدين الأوروبي، والروح الغربية فيها؟ # إنما التأثير شكل من الطعام تتناوله اللغة من خارجها فتمضغه وتبتلعه وتحول الصالح ~~منه إلى كيانها الحي كما تحول الشجرة النور والهواء وعناصر التراب إلى أفنان فأوراق ~~فأزهار فأثمار. ولكن إذا كانت اللغة بدون أضراس تقضم ولا معدة تهضم، فالطعام يذهب سدى ~~بل ينقلب سما قاتلا. وكم من شجرة تحتال على الحياة وهي في الظل فإذا ما نقلت إلى ~~نور الشمس ذبلت وماتت. وقد جاء: من له يعطى ويزاد ومن ليس له يؤخذ منه. # وأما الروح الغربية فهي دور من أدوار الإنسان وفصل من فصول حياته. وحياة الإنسان موكب ~~هائل يسير دائما إلى الأمام، ومن ذلك الغبار الذهبي المتصاعد من جوانب طريقه تتكون ~~اللغات والحكومات والمذاهب، فالأمم التي تسير في مقدمة هذا الموكب هي المبتكرة، ~~والمبتكر مؤثر؛ والأمم التي تمشي في مؤخرته هي المقلدة، والمقلد يتأثر. فلما كان ~~الشرقيون سابقين والغربيون لاحقين كان لمدنيتنا التأثير العظيم في لغاتهم. وها قد ~~أصبحوا هم السابقين وأمسينا نحن اللاحقين، فصارت مدنيتهم، بحكم الطبع، ذات تأثير ~~عظيم في لغتنا وأفكارنا وأخلاقنا. # بيد أن الغربيين كانوا في الماضي يتناولون ما نطبخه فيمضغونه ويبتلعونه محولين ~~الصالح منه إلى كيانهم الغربي، أما الشرقيون في الوقت الحاضر فيتناولون ما يطبخه ~~الغربيون ويبتلعونه، ولكنه لا يتحول إلى كيانهم، بل يحولهم إلى شبه غربيين، وهي حالة ~~أخشاها وأتبرم منها؛ لأنها تبين لي الشرق تارة كعجوز فقد أضراسه وطورا كطفل بدون ~~أضراس! # إن روح الغرب صديق وعدو لنا؛ صديق إذا تمكنا منه وعدو إذا وهبنا له قلوبنا، صديق ~~إذا أخذنا منه ما يوافقنا وعدو إذا وضعنا نفوسنا في الحالة التي توافقه. # ثالثا: وما يكون تأثير التطور السياسي الحاضر في الأقطار العربية؟ # قد أجمع الكتاب والمفكرون في الغرب والشرق على أن الأقطار العربية في حالة التشويش ~~السياسي والإداري والنفسي، ولقد ms31 اتفق أكثرهم على أن التشويش مجلبة الخراب ~~والاضمحلال. # أما أنا فأسأل: هل هو تشويش أم ملل؟ # إن كان مللا فالملل نهاية كل أمة وخاتمة كل شعب، الملل هو الاحتضار في صورة النعاس، ~~والموت في شكل النوم. # وإن كان بالحقيقة تشويشا فالتشويش في شرعي ينفع دائما لأنه يبين ما كان خافيا في ~~روح الأمة ويبدل نشوتها بالصحو وغيبوبتها باليقظة، ونظير عاصفة تهز بعزمها الأشجار لا ~~لتقلعها، بل لتكسر أغصانها اليابسة وتبعثر أوراقها الصفراء. وإذا ما ظهر التشويش في أمة ~~لم تزل على شيء من الفطرة، فهو أوضح دليل على وجود قوة الابتكار في أفرادها، والاستعداد ~~في مجموعها. إنما السديم أول كلمة من كتاب الحياة وليس بآخر كلمة منها، وما السديم سوى ~~حياة مشوشة. # إذا فتأثير التطور السياسي سيحول ما في الأقطار العربية من التشويش إلى نظام، وما ~~في داخلها من الغموض والإشكال إلى ترتيب وألفة، ولكنه لا ولن يبدل مللها بالوجد وضجرها ~~بالحماسة. إن الخزاف يستطيع أن يصنع من الطين جرة للخمر أو للخل، ولكنه لا يقدر أن يصنع ~~شيئا من الرمل والحصى. # رابعا: هل يعم انتشار اللغة العربية في المدارس العالية وغير العالية وتعلم ~~بها جميع العلوم؟ # لا يعم انتشار اللغة في المدارس العالية وغير العالية حتى تصبح تلك المدارس ذات صبغة ~~وطنية مجردة. ولن تعلم بها جميع العلوم حتى تنتقل المدارس من أيدي الجمعيات الخيرية ~~واللجان الطائفية والبعثات الدينية إلى أيدي الحكومات المحلية. # ففي سوريا مثلا كان التعليم يأتينا من الغرب بشكل الصدقة، وقد كنا ولم نزل نلتهم خبز ~~الصدقة؛ لأننا جياع متضورون، ولقد أحيانا ذلك الخبز، ولما أحيانا أماتنا؛ أحيانا لأنه ~~أيقظ جميع مداركنا ونبه عقولنا قليلا؛ وأماتنا لأنه فرق كلمتنا وأضعف وحدتنا وقطع ~~روابطنا وأبعد ما بين طوائفنا حتى أصبحت بلادنا مجموعة مستعمرات صغيرة مختلفة الأذواق ~~متضاربة المشارب، كل مستعمرة منها تشد في حبل إحدى الأمم الغربية وترفع لواءها وتترنم ~~بمحاسنها وأمجادها. # فالشاب الذي تناول لقمة من العلم في مدرسة أميركية قد تحول بالطبع إلى معتمد أميركي ms32 ، ~~والشاب الذي تجرع رشفة من العلم في مدرسة يسوعية صار سفيرا فرنسيا، والشاب الذي لبس ~~قميصا من نسيج مدرسة روسية أصبح ممثلا لروسيا ... إلى آخر ما هناك من المدارس وما ~~تخرجه في كل عام من الممثلين والمعتمدين والسفراء. وأعظم دليل على ما تقدم اختلاف ~~الآراء وتباين المنازع في الوقت الحاضر في مستقبل سوريا السياسي. # فالذين درسوا بعض العلوم باللغة الانكليزية يريدون أميركا أو انكلترا وصية على ~~بلادهم؛ والذين درسوها باللغة الفرنسية يطلبون فرنسا أن تتولى أمرهم؛ والذين لم يدرسوا ~~بهذه اللغة أو بتلك لا يريدون هذه الدولة ولا تلك، بل يتبعون سياسة أدنى إلى معارفهم ~~وأقرب إلى مداركهم. # وقد يكون ميلنا السياسي إلى الأمة التي نتعلم على نفقتها دليلا على عاطفة عرفان ~~الجميل في نفوس الشرقيين، ولكن، ما هذه العاطفة التي تبني حجرا من جهة واحدة وتهدم ~~جدارا من الجهة الأخرى؟ ما هذه العاطفة التي تستنبت زهرة وتقتلع غابة؟ ما هذه العاطفة ~~التي تحيينا يوما وتميتنا دهرا؟ # إن المحسنين الحقيقيين وأصحاب الأريحية في الغرب لم يضعوا الشوك والحسك في الخبز الذي ~~بعثوا به إلينا، فهم بالطبع قد حاولوا نفعنا لا الضرر بنا. ولكن، كيف تولد ذلك ~~الشوك ومن أين أتى ذلك الحسك؟ هذا بحث آخر أتركه إلى فرصة أخرى. # نعم، سوف يعم انتشار اللغة العربية في المدارس العالية وغير العالية، وتعلم بها ~~جميع العلوم فتتوحد ميولنا السياسية وتتبلور منازعنا القومية؛ لأن في المدرسة تتوحد ~~الميول، وفي المدرسة تتجوهر المنازع. ولكن، لا يتم هذا حتى يصير بإمكاننا تعليم الناشئة ~~على نفقة الأمة. لا يتم هذا حتى يصير الواحد منا ابنا لوطن واحد بدلا من وطنين ~~متناقضين أحدهما لجسده والآخر لروحه. لا يتم هذا حتى نستبدل خبز الصدقة بخبز معجون في ~~بيتنا؛ لأن المتسول المحتاج لا يستطيع أن يشترط على المتصدق الأريحي، ومن يضع نفسه في ~~منزلة الموهوب لا يستطيع معارضة الواهب، فالموهوب مسير دائما والواهب مخير ~~أبدا. # خامسا: وهل تتغلب (اللغة العربية الفصحى) على اللهجات العامية المختلفة ~~وتوحدها؟ # إن اللهجات العامية ms33 تتحور وتتهذب ويدلك الخشن فيها فيلين؛ ولكنها لا ولن ~~تغلب - ويجب ألا تغلب - لأنها مصدر ما ندعوه فصيحا من الكلام ومنبت ما نعده بليغا من ~~البيان. # إن اللغات تتبع، مثل كل شيء آخر، سنة بقاء الأنسب، وفي اللهجات العامية الشيء ~~الكثير من الأنسب الذي سيبقى؛ لأنه أقرب إلى فكرة الأمة وأدنى إلى مرامي ذاتها العامة. ~~قلت: إنه سيبقى وأعني بذلك أنه سيلتحم بجسم اللغة ويصير جزءا من مجموعها. # لكل لغة من لغات الغرب لهجات عامية، ولتلك اللهجات مظاهر أدبية وفنية لا تخلو من ~~الجميل المرغوب والجديد المبتكر، بل في أوروبا وأميركا طائفة من الشعراء والموهوبين ~~الذين تمكنوا من التوفيق بين العامي والفصيح في قصائدهم وموشحاتهم، فجاءت بليغة ومؤثرة. ~~وعندي أن في «الموال و«الزجل» و«العتابا» و«المعنى» من الكنايات المستجدة والاستعارات ~~المستملحة والتعابير الرشيقة المستنبطة ما لو وضعناه بجانب تلك القصائد المنظومة بلغة ~~فصيحة، والتي تملأ جرائدنا ومجلاتنا، لبانت كباقة من الرياحين بقرب رابية من الحطب، أو ~~كسرب من الصبايا الراقصات المترنمات قبالة مجموعة من الجثث المحنطة. # لقد كانت اللغة الإيطالية الحديثة لهجة عامية في القرون المتوسطة، وكان الخاصة ~~يدعونها بلغة «الهمج»، ولكن، لما نظم بها دانتي وبتراك وكامونس وفرانسيس داسيزي، ~~قصائدهم وموشحاتهم الخالدة، أصبحت تلك اللهجة لغة إيطاليا الفصحى، وصارت اللاتينية بعد ~~ذلك هيكلا يسير ولكن في نعش على أكتاف الرجعيين. وليست اللهجات العامية في مصر وسوريا ~~والعراق أبعد عن لغة المعري والمتنبي من لهجة «الهمج» الإيطالية عن لغة أوفيدي وفرجيل. ~~فإذا ما ظهر في الشرق الأدنى عظيم ووضع كتابا عظيما في إحدى تلك اللهجات، تحولت هذه ~~إلى لغة فصحى. بيد أني أستبعد حدوث ذلك في الأقطار العربية؛ لأن الشرقيين أشد ميلا إلى ~~الماضي منهم إلى الحاضر أو المستقبل، فهم المحافظون، على معرفة منهم أو على غير معرفة، ~~فإن قام كبير بينهم لزم في إظهار مواهبه السبل البيانية التي سار عليها الأقدمون، وما ~~سبل الأقدمين سوى أقصر الطرقات بين مهد الفكر ولحده. # سادسا: وما هي خير الوسائل لإحياء اللغة العربية؟ # إن ms34 خير الوسائل، بل الوسيلة الوحيدة لإحياء اللغة هي في قلب الشاعر وعلى شفتيه وبين ~~أصابعه. فالشاعر هو الوسيط بين قوة الابتكار والبشر، وهو السلك الذي ينقل ما يحدثه عالم ~~النفس إلى عالم البحث، وما يقرره عالم الفكر إلى عالم الحفظ والتدوين. # الشاعر أبو اللغة وأمها، تسير حيثما يسير وتربض أينما يربض، وإذا ما قضى جلست على ~~قبره باكية منتحبة حتى يمر بها شاعر آخر ويأخذ بيدها. وإذا كان الشاعر أبا اللغة وأمها ~~فالمقلد ناسج كفنها وحافر قبرها. # أعني بالشاعر كل مخترع، كبيرا كان أو صغيرا، وكل مكتشف، قويا كان أو ضعيفا، ~~وكل مختلق عظيما كان أو حقيرا، وكل محب للحياة المجردة، إماما كان أو صعلوكا، وكل ~~من يقف متهيبا أمام الأيام والليالي، فليسوفا كان أو ناطورا للكروم. # أما المقلد فهو الذي لا يكتشف شيئا ولا يختلق أمرا، بل يستمد حياته النفسية من ~~معاصريه ويصنع أثوابه المعنوية من رقع يجزها من أثواب من تقدمه. # أعني بالشاعر ذلك الزارع الذي يفلح حقله بمحراث يختلف ولو قليلا عن المحراث الذي ~~ورثه عن أبيه، فيجيء بعده من يدعو المحراث الجديد باسم جديد، وذلك البستاني الذي يستنبت ~~بين الزهرة الصفراء والزهرة الحمراء زهرة ثالثة برتقالية اللون، فيأتي بعده من يدعو ~~الزهرة الجديدة باسم جديد؛ وذلك الحائك الذي ينسج على نوله نسيجا ذا رسوم وخطوط تختلف ~~عن الأقمشة التي يصنعها جيرانه الحائكون، فيقوم من يدعو نسيجه هذا باسم جديد. أعني ~~بالشاعر الملاح الذي يرفع لسفينة ذات شراعين شراعا ثالثا؛ والبناء الذي يبني ~~بيتا ذا بابين ونافذتين بين بيوت كلها ذات باب واحد ونافذة واحدة؛ والصباغ الذي يمزج ~~الألوان التي لم يمزجها أحد قبله فيستخرج لونا جديدا، فيأتي بعد الملاح والبناء ~~والصباغ من يدعو ثمار أعمالهم بأسماء جديدة، فيضيف بذلك شراعا إلى سفينة اللغة ~~ونافذة إلى بيت اللغة ولونا إلى ثوب اللغة. # أما المقلد فهو ذاك الذي يسير من مكان إلى مكان على الطريق التي سار عليها ألف ~~قافلة وقافلة لا يحيد عنها مخافة أن يتيه ويضيع؛ ms35 ذاك الذي يتبع بمعيشته وكسب رزقه ~~ومأكله ومشربه وملبسه، تلك السبل المطروقة التي مشى عليها ألف جيل وجيل، فتظل حياته ~~كرجع الصدى، ويبقى كيانه كظل ضئيل لحقيقة قصية لا يعرف عنها شيئا ولا يريد أن ~~يعرف. # أعني بالشاعر ذلك المتعبد الذي يدخل هيكل نفسه فيجثو باكيا فرحا نادبا مهللا ~~مصغيا مناجيا، ثم يخرج وبين شفتيه ولسانه أسماء وأفعال وحروف واشتقاقات جديدة لأشكال ~~عبادته التي تتجدد في كل يوم، وأنواع انجذابه التي تتغير في كل ليلة فيضيف بعمله هذا ~~وترا فضيا إلى قيثارة اللغة وعودا طيبا إلى موقدها. # أما المقلد فهو الذي يردد صلاة المصلين وابتهال المبتهلين بدون إرادة ولا عاطفة، ~~فيترك اللغة حيث يجدها والبيان الشخصي حيث لا بيان ولا شخصية. # أعني بالشاعر ذاك الذي إن أحب امرأة انفردت روحه، وتنحت عن سبل البشر لتلبس أحلامها ~~أجسادا من بهجة النهار وهول الليل وولولة العواصف وسكينة الأودية، ثم عادت لتضفر من ~~اختباراتها إكليلا لرأس اللغة وتصوغ من اقتناعها قلادة لعنق اللغة. # أما المقلد فمقلد حتى في حبه وغزله وتشبيبه، فإن ذكر وجه حبيبته وعنقها قال: ~~بدر وغزال، وإن خطر على باله شعرها وقدها ولحظها قال: ليل وغصن بان وسهام، وإن شكا ~~قال: جفن ساهر وفجر بعيد وعذول قريب، وإن شاء أن يأتي بمعجزة بيانية قال: حبيبتي ~~تستمطر لؤلؤ الدمع من نرجس العيون لتسقي ورد الخدود، وتعض على عناب أناملها ببرد ~~أسنانها. يترنم صاحبنا البغاء بهذه الأغنية العتيقة وهو لا يدري أنه يسمم ببلادته اللغة ~~ويمتهن بسخافته وابتذاله شرفها ونبالتها. # قد تكلمت عن المستنبط ونفعه، والعقيم وضرره، ولم أذكر أولئك الذين يصرفون حياتهم ~~بوضع القواميس وتأليف المطولات وتشكيل المجامع اللغوية، لم أقل كلمة عن هؤلاء ~~لاعتقادي بأنهم كالشاطئ بين مد اللغة وجزرها، وأن وظيفتهم لا تتعدى حد الغربلة. ~~والغربلة وظيفة حسنة؛ ولكن، ما عسى يغربل المغربلون إذا كانت قوة الابتكار في الأمة لا ~~تزرع غير الزوان ولا تحصد إلا الهشيم ولا تجمع على بيادرها سوى الشوك ~~والقطرب. # أقول ثانية : إن حياة اللغة ms36 وتوحيدها وتعميمها وكل ما له علاقة بها قد كان وسيكون رهن ~~خيال الشاعر، فهل عندنا شعراء؟ # نعم، عندنا شعراء، وكل شرقي يستطيع أن يكون شاعرا في حقله وفي بستانه وأمام نوله وفي ~~معبده وفوق منبره وبجانب مكتبته. كل شرقي يستطيع أن يعتق نفسه من سجن التقليد والتقاليد ~~ويخرج إلى نور الشمس فيسير في موكب الحياة. كل شرقي يستطيع أن يستسلم إلى قوة الابتكار ~~المختبئة في روحه، تلك القوة الأزلية الأبدية التي تقيم من الحجارة أبناء الله. # أما أولئك المنصرفون إلى نظم مواهبهم ونثرها فلهم أقول: ليكن لكم من مقاصدكم الخصوصية ~~مانع عن اقتفاء أثر المتقدمين، فخير لكم وللغة العربية أن تبنوا كوخا حقيرا من ذاتكم ~~الوضعية من أن تقيموا صرحا شاهقا من ذاتكم المقتبسة. # ليكن لكم من عزة نفوسكم زاجر عن نظم قصائد المديح والرثاء والتهنئة، فخير لكم وللغة ~~العربية أن تموتوا مهملين محتقرين من أن تحرقوا قلوبكم بخورا أمام الأنصاب ~~والأصنام. # ليكن لكم من حماستكم القومية دافع إلى تصوير الحياة الشرقية بما فيها من غرائب الألم ~~وعجائب الفرح، فخير لكم وللغة العربية أن تتناولوا أبسط ما يتمثل لكم من الحوادث في ~~محيطكم وتلبسوها حلة من خيالكم من أن تعربوا أجل وأجمل ما كتبه الغربيون. # | ابن الفارض # كان عمر بن الفارض شاعرا ربانيا، وكانت روحه الظمآنة تشرب من خمرة الروح فتسكر ثم تهيم ~~سابحة، مرفرفة في عالم المحسوسات حيث تطوف أحلام الشعراء وميول العشاق وأماني المتصوفين، ثم ~~يفاجئها الصحو فتعود إلى عالم المرئيات لتدون ما رأته وسمعته بلغة جميلة مؤثرة؛ لكنها غير ~~خالية في بعض الأحايين من ذلك التعقيد اللفظي المعروف بالبديع، وهو في شرعي ليس ~~بالبديع. # ولكن، إذا وضعنا صناعة [ابن] الفارض جانبا ونظرنا إلى فنه المجرد وما وراء ذلك الفن من ~~المظاهر النفسية، وجدناه كاهنا في هيكل الفكر المطلق، أميرا في دولة الخيال الواسع، ~~قائدا في جيش المتصوفين العظيم، ذلك الجيش السائر بعزم بطيء نحو مدينة الحق، المتغلب في ~~طريقه على صغائر الحياة وتوافهها، المحدق أبدا إلى هيبة ms37 الحياة وجلالها. # وقد عاش [ابن] الفارض في زمن خال من التوليد العقلي والإحداث النفسي بين قوم منصرفين إلى ~~التقليد والتقاليد، مشغولين باستفسار واستيضاح ما تركه الإسلام من الأمجاد الأدبية ~~والفلسفية، غير أن النبوغ - والنبوغ معجزة إلهية - قد صار بالشاعر الحموي، فتنحى عن زمنه ~~وعن محيطه واختلى بذاته لينظم ما يتراءى لذاته شعرا أبديا يصل ما ظهر من الحياة بما خفي ~~منها. # ولم يتناول [ابن] الفارض مواضيعه من ماجريات يومه كما فعل المتنبي، ولم تشغله معميات ~~الحياة وأسرارها كما شغلت المعري، بل كان يغمض عينيه عن الدنيا ليرى ما وراء الدنيا، ويغلق ~~أذنيه عن ضجة الأرض ليسمع أغاني اللانهاية. # هذا هو [ابن] الفارض: روح نقية كأشعة الشمس، وقلب متقد كالنار، وفكرة صافية كبحيرة بين ~~الجبال، وهو إن كان دون الجاهليين عزما وأقل من المولدين ظرفا. ففي شعره ما لم يحلم به ~~الأولون ولم يبلغه المتأخرون. # | العهد الجديد # في الشرق اليوم فكرتان متصارعتان: فكرة قديمة وفكرة جديدة، أما الفكرة القديمة فستغلب ~~على أمرها؛ لأنها منهوكة القوى محلولة العزم. # وفي الشرق يقظة تراود النوم؛ واليقظة قاهرة لأن الشمس قائدها والفجر جيشها. # وفي حقول الشرق، ولقد كان الشرق بالأمس جبانة واسعة الأرجاء، يقف اليوم فتى الربيع ~~مناديا سكان الأجداث ليهبوا ويسيروا مع الأيام. وإذا ما أنشد الربيع أغنيته، بعث مصروع ~~الشتاء وخلع أكفانه ومشى. # وفي فضاء الشرق اهتزازات حية تنمو وتتمدد وتتوسع، وتتناول النفوس المتنبهة الحساسة فتضمها ~~إليها، وتحيط بالقلوب الأبية الشاعرة لتكتسبها. # وللشرق اليوم سيدان: سيد يأمر وينهى ويطاع ولكنه شيخ يحتضر، وسيد ساكت بسكوت النواميس ~~والأنظمة، هادئ بهدوء الحق، ولكنه جبار مفتول الساعدين يعرف عزمه ويثق بكيانه ويؤمن ~~بصلاحيته. # في الشرق اليوم رجلان: رجل الأمس ورجل الغد، فأي منهما أنت أيها الشرقي؟ # ألا فاقترب مني لأتفرسك وأتبصرك وأتحقق من ملامحك ومظاهرك ما إذا كنت من الآتين إلى النور ~~أو الذاهبين إلى الظلام. # تعال وأخبرني ما أنت ومن أنت. # أسياسي يقول في سره: «أريد أن أنتفع من أمتي»؟ أم غيور متحمس يهمس في ms38 نفسه: «أتوق إلى ~~نفع أمتي؟» # إن كنت الأول فأنت نبتة طفيلية، وإن كنت الثاني فأنت واحة في صحراء. # أتاجر يتخذ عوز الناس وسيلة للربح والانتفاخ فيحتكر الضروريات؛ ليبيع بدينار ما ~~ابتاعه بدرهم؟ أم رجل جد واجتهاد يسهل التبادل بين الحائك والزراع ويجعل نفسه حلقة بين ~~الراغب والمرغوب، فيفيد المرغوب والراغب ويستفيد بعدل منهما؟ # إن كنت الأول فأنت مجرم سكنت القصور أو السجون، وإن كنت الثاني فأنت محسن شكرك الناس أو ~~جحدوك. # أرئيس دين يحوك من سذاجة القوم برفيرا لجسده، ويصوغ من بساطة قلوبهم تاجا لرأسه، ~~ويدعي كره إبليس ويعيش بخيراته؟ أم تقي ورع يرى في فضيلة الفرد أساسا لرقي الأمة، وفي ~~استقصاء أسرار روحه سلما إلى الروح الكلي؟ # إن كنت الأول فأنت كافر ملحد صمت النهار أو صليت الليل، وإن كنت الثاني، فأنت زنبقة في ~~جنة الحق ضاع أريجها بين أنوف البشر أو تصاعد حرا طليقا إلى الغلاف الأثيري حيث تحفظ ~~أنفاس الأزهار. # أصحفي يبيع فكرته ومبدأه في سوق النخاسين وينمو ويترعرع على ما يفرزه الاجتماع من أخبار ~~المصائب والويلات، ونظير الشوحة الجائعة لا تهبط إلا على الجيف المنتنة؟ أم معلم ~~واقف على منبر من منابر المدنية يستمد من مآتي الأيام مواعظ يلقيها على الناس بعد أن يتعظ ~~بها هو نفسه؟ # إن كنت الأول فأنت بثور وقروح، وإن كنت الثاني فدواء وبلسم ... # أحاكم يتصاغر أمام من ولاه ويستصغر من تولى عليهم، فلا يحرك يدا إلا ليضعها في ~~جيوبهم، ولا يخطو خطوة إلا لمطمع له فيهم؟ أم خادم أمين يدير شؤون الشعب ويسهر على مصالحه ~~ويسعى إلى تحقيق أمانيه؟ # إن كنت الأول أنت زوان في بيادر الأمة، وإن كنت الثاني فأنت بركة في أهرائها. # أزوج يستبيح لنفسه ما يحرمه على زوجته، ويسرح ويمرح وفي حزامه مفتاح سجنها، ويلتهم ما ~~يشتهيه حتى التخمة وهي جالسة في وحدتها أمام صحفة فارغة؟ أم رفيق لا يسير إلى أمر إلا ويده ~~بيد رفيقته، ولا يفعل أمرا إلا ولها فيه فكرة ورأي، ولا يفوز بأمر إلا ms39 لتساهمه أفراحه ~~وأمجاده؟ # إن كنت الأول فأنت ممن بقي حيا من قبائل انقرضت وهي تسكن الكهوف وتلبس الجلود، وإن كنت ~~الثاني فأنت في طليعة أمة تسير مع الفجر نحو ظهيرة العدالة والحصافة. # أكاتب بحاثة يشمخ برأسه إلى ما فوق رؤوسنا أما ما في داخل رأسه فيدب في هوة الماضي الغابر ~~حيث ألقت الأجيال ما رث من أثوابها، ورمت ما لم يعد صالحا لها، أم فكرة صافية تتفحص محيطها ~~لتعلم ما ينفعه وما يضره فتصرف العمر في بناء النافع وهدم المضر؟ # إن كنت الأول فأنت سخافة مطرسة وبلادة مزركشة، وإن كنت الثاني فأنت خبز للجائعين وماء ~~للظامئين. # أشاعر أنت يضرب الطنبور أمام أبواب الأمراء وينثر الأزهار في الأعراس، ويسير وراء الجثث ~~الهامدة وبين فكيه إسفنجة مثقلة بالماء الفاتر، حتى إذا ما بلغ المقبرة ضغط عليها بلسانه ~~وشفتيه، أم موهوب وضع الله في يده قيثارة يستولدها أنغاما علوية تجذب قلوبنا وتوقفنا ~~متهيبين أمام الحياة وما في الحياة من الجمال والهول؟ # إن كنت الأول فأنت من المشعوذين الذين لا ينبهون في نفوسنا سوى عكس ما يقصدون، فإن تباكوا ~~نضحك، وإن مرحوا نكتئب، وإن كنت الثاني فأنت بصيرة مشعشعة وراء بصرنا، وشوق عذب في قلوبنا، ~~ورؤيا ربانية في غيبوبتنا. # أقول في الشرق موكبان: موكب من عجائز محدودبي الظهور يسيرون متوكئين على العصي ~~العوجاء، ويلهثون منهوكين مع أنهم ينحدرون من الأعالي إلى المنخفضات، وموكب من فتيان ~~يتراكضون كأن في أرجلهم أجنحة، ويهللون كأن في حناجرهم أوتارا، وينتهبون العقبات كأن في ~~جبهات الجبال قوة تجذبهم وسحرا يختلب ألبابهم. # فمن أية فئة أنت أيها الشرقي وفي أي موكب تسير؟ # ألا فاسأل نفسك، استجوبها في سكينة الليل وقد صحت من مخدرات محيطها، عما إذا كنت من عبيد ~~الأمس أم من أحرار الغد؟ # أقول لك: إن أبناء الأمس يمشون في جنازة العهد الذي أوجدهم وأوجدوه. أقول: إنهم ~~يشدون بحبل أوهت الأيام خيوطه، فإذا ما انقطع - وعما قريب ينقطع - هبط من تعلق به ~~إلى حفرة النسيان. أقول : إنهم يسكنون منازل ms40 متداعية الأركان، فإذا ما هبت العاصفة - وهي ~~على وشك الهبوب - انهدمت تلك المنازل على رؤوسهم وكانت لهم قبورا. أقول: إن أفكارهم ~~وأقوالهم ومنازعهم وتصانيفهم ودواوينهم وكل مآتيهم ليست سوى قيود تجرهم بثقلها ولا ~~يستطيعون جرها لضعفهم. # أما أبناء الغد فهم الذين نادتهم الحياة فاتبعوها بأقدام ثابتة ورؤوس مرفوعة. هم فجر ~~عهد جديد، فلا الدخان يحجب أنوارهم، ولا قلقلة السلاسل تغمر أصواتهم، ولا نتن المستنقعات ~~يتغلب على طيبهم. هم طائفة قليلة العدد بين طوائف كثر عددها. ولكن، في الغصن المزهر ما ~~ليس غابة يابسة، وفي حبة القمح ما ليس في رابية من التبن، هم فئة مجهولة لكنهم يعرفون بعضهم ~~بعضا، ومثل قمم عالية يرى واحدهم الآخر ويسمع نداءه ويناجيه. أما المغاور فعمياء لا ترى، ~~وطرشاء لا تسمع. هم النواة التي طرحها الله في حقلة ما، فشقت قشرتها بعزم لبابها، ~~وتمايلت نصبة غضة أمام وجه الشمس، وسوف تنمو شجرة عظمى تمتد عروقها إلى قلب الأرض وتتصاعد ~~فروعها إلى أعماق الفضاء. # | الوحدة والانفراد # الحياة جزيرة في بحر من الوحدة والانفراد. # الحياة جزيرة صخورها الأماني، وأشجارها الأحلام، وأزهارها الوحشة، وينابيعها التعطش، وهي ~~في وسط بحر من الوحدة والانفراد. # حياتك، يا أخي، جزيرة منفصلة عن جميع الجزور والأقاليم، ومهما سيرت من المراكب ~~والزوارق إلى الشواطئ الأخرى، ومهما بلغ شواطئك من الأساطيل والعمارات فأنت أنت الجزيرة ~~المنفردة بآلامها، المستوحدة بأفراحها، البعيدة بحنينها، المجهولة بأسرارها ~~وخفاياها. # رأيتك، يا أخي، جالسا على رابية من الذهب وأنت فرح بثروتك، متفوق بغناك، شاعر أن في كل ~~حفنة من التبر سلكا خفيا يصل فكرة الناس بفكرتك ويربط ميولهم بميولك. ومثل فاتح كبير ~~أبصرتك تقود فيالق جنود الظفر إلى المعاقل الحصينة فتدكها، وإلى المستحكمات المنيعة ~~فتمتلكها. ولكنني نظرت إليك ثانية فرأيت وراء جدران خزائنك قلبا يختلج في وحدته وانفراده ~~اختلاج ظامئ في قفص مصنوع من الذهب والجواهر ولكنه خال من الماء. # رأيتك، يا أخي، جالسا على عرض من المجد وقد وقف حولك الناس مترنمين باسمك، مرددين ~~حسناتك، معددين مواهبك ، محدقين إليك كأنهم ms41 في حضرة نبي يرفع أرواحهم بعزم روحه ويطوف بها ~~بين النجوم والكواكب، وأنت تنظر إليهم وعلى وجهك سيماء الغبطة والقوة والتغلب كأنك منهم ~~بمقام الروح من الجسد. ولكنني نظرت إليك ثانية فرأيت ذاتك المستوحدة واقفة إلى جانب عرشك ~~وهي تتوجع بغربتها وتغص بوحشتها، ثم رأيتها تمد يدها إلى كل ناحية كأنها تستعطف وتستعطي ~~الأشباح غير المنظورة. ثم رأيتها تنظر من فوق رؤوس الناس إلى مكان قصي، إلى مكان خال من كل ~~شيء سوى وحدتها وانفرادها. # رأيتك، يا أخي، مشغوفا بحب امرأة جميلة وأنت تسكب على مفرق شعرها ذوب قلبك وتملأ ~~راحتيها بقبل شفتيك، وهي تنظر إليك وأشعة الانعطاف في عينيها وحلاوة الأمومة على ثغرها، ~~فقلت بسري: لقد أزالت المحبة وحدة هذا الرجل ومحت انفراده، فعاد واتصل بالروح الكلية العامة ~~التي تجتذب إليها بالحب ما انفصل عنها بالخلو والسلوان. ولكنني نظرت إليك ثانية فرأيت طي ~~قلبك المشغوف قلبا منفردا يريد أن يكسب مخبآته على رأس المرأة ولا يقدر، ورأيت وراء ~~نفسك الذائبة حبا نفسا أخرى مستوحدة شبيهة بالضباب تروم أن تتحول في حفنتي رفيقتك إلى ~~قطرات من الدموع ولكنها لا تستطيع. # حياتك، يا أخي، منزل منفرد بعيد عن جميع المنازل والأحياء. # حياتك المعنوية منزل بعيد عن سبل الظواهر والمظاهر التي يدعوها الناس باسمك، فإن كان هذا ~~المنزل مظلما فأنت لا تقدر أن تملأه من خيرات جارك؛ وإن كان قائما في صحراء فأنت لا تقدر ~~أن تنقله إلى حديقة غرسها سواك؛ وإن كان منتصبا على قمة جبل فأنت لا تستطيع أن تهبط به إلى ~~واد وطئته أقدام غيرك. # حياتك النفسية، يا أخي، محاطة بالوحدة والانفراد، ولولا هذه الوحدة وذاك الانفراد لما ~~كنت أنت أنت، وأنا أنا. لولا هذه الوحدة وذاك الانفراد لكنت إن سمعت صوتك ظننتني متكلما، ~~وإن رأيت وجهك توهمت نفسي ناظرا في المرآة. # | إرم ذات العماد # ألم تر كيف فعل ربك بعاد * ~~إرم ذات العماد * التي لم يخلق مثلها في ~~البلاد ~~[الفجر: 6-8]. ~~(القرآن الكريم) ~~«يدخلها بعض أمتي ». ~~(الحديث) # توطئة ms42 لإرم ذات العماد # بعد أن ملك شداد بن عاد جميع الدنيا أمر ألف أمير من جبابرة قوم عاد أن ~~يخرجوا ويطلبوا أرضا واسعة كثيرة الماء طيبة الهواء بعيدة عن الجبال ليبني فيها ~~مدينة من ذهب، فخرج أولئك الأمراء ومع كل أمير ألف رجل من خدمه وحشمه، فساروا ~~حتى وجدوا أرضا واسعة طيبة الهواء فأعجبتهم تلك الأرض، فأمروا المهندسين ~~والبنائين فخطوا مدينة مربعة الجوانب دورها أربعون فرسخا من كل جهة عشرة، فحفروا ~~الأساس إلى الماء وبنوا الجدران بحجارة الجزع اليماني حتى ظهر على وجه الأرض، ثم ~~أحاطوا به سورا ارتفاعه خمسمائة ذراع وغشوه بصفائح الفضة المموهة بالذهب فلا ~~يكاد يدركه البصر إذا أشرقت الشمس. وكان شداد قد بعث إلى جميع معادن الدنيا ~~فاستخرج منها الذهب واتخذه لبنا، واستخرج الكنوز المدفونة، ثم بنى داخل المدينة ~~مائة ألف قصر بعدد رؤساء مملكته كل قصر على أعمدة من أنواع الزبرجد واليواقيت ~~معقدة بالذهب طول كل عمود مائة ذراع. وأجرى في وسطها أنهارا وعمل منها جداول لتلك ~~القصور والمنازل، وجعل حصاها من الذهب والجواهر واليواقيت، وحلى قصورها بصفائح ~~الذهب والفضة، وجعل على حافات الأنهار أنواع الأشجار جذوعها من الذهب وأوراقها ~~وثمرها من أنواع الزبرجد واليواقيت واللآلئ. وطلى حيطانها بالمسك والعنبر، وجعل ~~فيها جنة مزخرفة له، وجعل أشجارها الزمرد واليواقيت وسائر أنواع المعادن. # ونصب عليها أنواع الطيور المسموعة الصادح والمغرد وغير ذلك. ~~«الشعبي في كتاب سير الملوك» # إرم ذات العماد # المكان: # غابة صغيرة من الجوز والحور ~~والرمان تحيط بمنزل قديم منفرد بين منبع العاصي وقرية الهرمل في الشمال ~~الشرقي من لبنان. # الزمان: # عصارى يوم من أيام تموز في سنة ~~1883. # أشخاص الرواية: # زين العابدين النهاوندي: # وهو درويش عجمي في الأربعين من عمره، معروف ~~بالصوفي. # نجيب رحمة: # أديب لبناني في الثالثة والثلاثين. # آمنة العلوية: # معروفة في تلك النواحي بجنية الوادي، ولا أحد يعرف ~~عمرها. # يرفع الستار فيظهر زين العابدين متكئا على ساعده في ظلال الأشجار وهو يرسم برأس عصاه ~~الطويلة خطوطا مستديرة على التراب. بعد هنيهة يدخل الغابة ms43 نجيب رحمة راكبا على فرس، ~~ثم يترجل ويربط مقود فرسه بجذع شجرة وينفض الغبار عن ملابسه ثم يقترب من زين ~~العابدين. # نجيب رحمة ~~: # السلام عليك يا سيدي. # زين العابدين ~~: # وعليك السلام ~~(ويحول وجهه قائلا في ~~نفسه): # أما السلام فنقبله، وأما السيادة فلا ندري أنقبلها أم ~~لا. # نجيب ~~(ينظر حواليه مستفحصا) ~~: # أهنا تسكن آمنة العلوية؟ # زين العابدين ~~: # هذا منزل من منازلها. # نجيب ~~: # أتعني يا سيد أن لها بيتا آخر؟ # زين العابدين ~~: # لها منازل لا عداد لها. # نجيب ~~: # منذ الصباح وأنا أبحث وأسأل كل من لقيته عن مقر آمنة العلوية، ولم يقل لي ~~أحد: إن لها منزلين أو أكثر. # زين العابدين ~~: # هذا دليل على أنك لم تلتق منذ الصباح غير من لا يرى إلا بعينيه ولا يسمع ~~إلا بأذنيه. # نجيب ~~(مستغربا) ~~: # ربما كان الأمر مثلما تقول، ولكن، أصدقني، يا سيدي، أفي هذا المكان تسكن آمنة ~~العلوية؟ # زين العابدين ~~: # نعم، في هذا المكان يسكن جسدها بعض الأحايين. # نجيب ~~: # وهلا أخبرتني أين هي الآن؟ # زين العابدين ~~: # هي في كل مكان. ~~(مشيرا بيده إلى الجهة ~~الشرقية) # أما جسدها فيسير متجولا بين تلك التلول ~~والأودية. # نجيب ~~: # وهل تعود اليوم إلى هذا المكان؟ # زين العابدين ~~: # ستعود إن شاء الله. # نجيب ~~(يجلس على صخر أمام زين العابدين ثم يتفحصه طويلا) ~~: # يبدو لي من لحيتك أنك فارسي. # زين العابدين ~~: # نعم ولدت في نهاوند، وربيت في شيراز، وتثقفت في نيسابور، وجبت مشارق ~~الأرض ومغاربها، وأنا غريب في كل مكان. # نجيب ~~: # كلنا غريب في كل مكان. # زين العابدين ~~: # لا والحق، فقد لقيت وحدثت ألف ألف من الناس فلم أر سوى المكتفين بمحيطهم، ~~المستأنسين بإلفهم، المنصرفين عن العالم إلى الفسحة الضيقة التي يرونها من ~~العالم. # نجيب ~~(معجبا بكلام جليسه) ~~: # الإنسان، يا سيدي، مطبوع على حب المكان الذي ولد فيه. # زين العابدين ~~: # المحدود من الناس مطبوع على حب المحدود من الحياة، وشحيح البصر لا يرى غير ~~ذراع من السبيل الذي تطأه قدماه، وذراع من الحائط الذي يسند إليه ظهره. # نجيب ~~: # ليس لكل منا ms44 المقدرة على الإحاطة بكليات الحياة، ومن الظلم أن تطلب من شحيح ~~البصر أن يرى البعيد والضئيل. # زين العابدين ~~: # أصبت وأحسنت، فمن الظلم أن نطلب الخمر من الحصرم. # نجيب ~~(بعد دقيقة سكوت) ~~: # اسمع، يا سيدي: منذ أعوام وأنا أسمع الأخبار عن آمنة العلوية، ولقد أثرت ~~بي هذه الأخبار إلى درجة قصوى، فعزمت على الاجتماع بها لاستفسارها ومعرفة ~~أسرارها وخفاياها. # زين العابدي ~~(يقاطعه) ~~: # أيوجد في هذا العالم من يستطيع معرفة أسرار آمنة العلوية وخفاياها؟ أيوجد بين ~~البشر من يقدر أن يسير متجولا متنزها في قاع البحر كأنه في حديقة؟ # نجيب ~~: # قد أسأت التعبير، يا سيدي، فسامحني. أنا لا أقدر بالطبع على الإحاطة بمكنونات ~~آمنة العلوية؛ ولكنني أرجو أن أسمع منها حكاية دخولها إلى إرم ذات ~~العماد. # زين العابدين ~~: # ما عليك سوى الوقوف في باب حلمها، فإن فتح لك بلغت قصدك، وإن لم يفتح ~~فأنت الملوم. # نجيب ~~: # ماذا تعني، يا سيدي، بقولك: إن لم يفتح لي كنت أنا الملوم؟ # زين العابدين ~~: # أعني أن آمنة العلوية أدرى الناس منهم بنفوسهم، فهي ترى بلمحة واحدة ما في ~~ضمائرهم وقلوبهم وأرواحهم، فإن وجدتك خليقا بمحادثتها حدثتك وإلا فلا. # نجيب ~~: # ماذا أقول وماذا أفعل لأكون حريا باستماع حديثها؟ # زين العابدين ~~: # عبثا تحاول الدنو من آمنة العلوية بواسطة القول والعمل، فهي لا ولن تصغي ~~إلى ما تقوله. لا، ولا تنظر إلى ما تفعله؛ بل سوف تسمع بأذن أذنها ما لا تقوله ~~وترى بعين عينها ما لا تفعله. # نجيب ~~(تظهر على ملامحه سيماء الدهشة) ~~: # ما أبلغ كلامك هذا وما أجمله! # زين العابدين ~~: # ليس ما أقول عن آمنة العلوية سوى دندنة أخرس يريد أن يغني نشيدا. # نجيب ~~: # أتعلم يا سيدي أين ولدت هذه المرأة العجيبة؟ # زين العابدين ~~: # ولدت في صدر الله. # نجيب ~~(ملتبكا) ~~: # أعني أين ولد جسدها؟ # زين العابدين ~~: # بجوار دمشق. # نجيب ~~: # وهلا أخبرتني شيئا عن والديها وتربيتها؟ # زين العابدين ~~: # ما أشبه سؤالاتك هذه بسؤالات القضاة والمتشرعين. # أفتظن أنك تستطيع إدراك الجواهر باستفسارك الأعراض، أو معرفة طعم الخمرة ~~بمجرد النظر ms45 إلى خارج الجرة؟ # نجيب ~~: # بين الأرواح وأجسادها رابطة، وبين الأجساد ومحيطها علاقة. ولما كنت لا أعتقد ~~بالصدف، أرى أن النظر في تلك الروابط وتلك العلاقات لا يخلو من ~~الفائدة. # زين العابدين ~~: # أعجبتني، أعجبتني. يلوح لي أنك على شيء من العلم. إذا، فاسمع. لا أعرف ~~شيئا عن والدة آمنة العلوية سوى أنها ماتت وهي تتمخض بابنتها. أما والدها ~~الشيخ عبد الغني الضرير المشهور بالعلوي، فقد كان إمام زمانه في العلوم ~~الباطنية والتصوف. وقد كان، رحمه الله، ولوعا بابنته إلى درجة قصوى، فهذبها ~~وثقفها وسكب في روحها كل ما في روحه. ولما بلغت أشدها، أدرك أن العلوم ~~التي أخذتها عنه لم تكن من العلم الذي أنزل عليها إلا بمقام الزبد من البحر، ~~فصار يقول عنها: لقد انبثق من ظلمتي نور أستضيء به. # ولما بلغت الخامسة والعشرين، خرج بها لأداء فريضة الحج، ولما قطعا بادية ~~الشام وأصبحا على بعد ثلاث مراحل من المدينة المنورة بلي الضرير بالحمى ~~وتوفي، فدفنته ابنته في لحف جبل هناك وجلست على قبره سبع ليال تناجي روحه، ~~وتستكشفها أسرار الغيب وتستعلم منها عما وراء الحجاب. # وفي الليلة السابعة أوحت إليها روح والدها أن تطلق راحلتها، وتحمل زادها على ~~عاتقها وتسير من ذلك المكان إلى الجنوب الشرقي، ففعلت. ~~(يسكت دقيقة ويحدق إلى الأفق البعيد ثم يعود إلى ~~الكلام): # وظلت آمنة العلوية سائرة في البادية حتى وصلت إلى «الربع ~~الخالي» وهو قلب الجزيرة الذي لم تخترقه قافلة ولم يصل إليه سوى أفراد قليلين ~~منذ بدء الإسلام إلى يومنا هذا. أما الحجاج فظنوا أنها تاهت في تلك القفار ~~وقضت جوعا، ولما عادوا إلى دمشق أخبروا الناس بذلك، فحزن عليها وعلى أبيها من ~~عرف فضلهما ثم التحف ذكرهما النسيان كأنهما ما كانا ... # وبعد خمسة أعوام ظهرت آمنة العلوية في الموصل، وكان ظهورها بما هي عليه من ~~الجمال والهيبة والعلم والصلاح، أشبه شيء بهبوط نيزك من الفضاء. فقد كانت تسير ~~بين الناس مسفرة وتقف بحلقات العلماء والأئمة متكلمة عن الأمور الربانية، وتصف ~~لهم مشاهد ms46 إرم ذات العماد بفصاحة ما سمع القوم بمثلها. # ولما اشتهر أمرها وكثر عدد أتباعها ومريديها، خاف علماء المدينة ظهور بدعة، ~~وخشوا الفتنة، فشكوها إلى الوالي، فاستقدمها هذا إليه وألقى بين يديها صرة من ~~الذهب وطلب إليها أن تغادر المدينة، فرفضت المال وتركت المدينة ليلا دون أن ~~يصحبها أحد من الناس. ثم توجهت إلى الأستانة فحلب فدمشق فحمص فطرابلس. # وكانت في كل مدينة من هذه المدن تثير ما سكن في نفوس الناس، وتشعل ما خمد في ~~وجدانهم، فيلتفون حولها ويصغون إلى محاضراتها وأحاديث اختباراتها العجيبة ~~مجذوبين بعوامل قوية سحرية. غير أن أئمة الدين وشيوخ العلم في كل بلد، كانوا ~~يصادرونها ويفندون أقوالها ويعرضون بها إلى الحكام. # بعد ذلك طلبت نفسها العزلة، فجاءت هذا المكان منذ أعوام واستوحدت به زاهدة ~~متعبدة منصرفة عن كل شيء سوى التعمق في الأسرار الربانية. # هذا قليل من كثير أعرفه عن حياة آمنة العلوية، أما ما حباني الله بمعرفته عن ~~ذاتها المعنوية وما يتآلف في نفسها من القوى والمواهب فليس بإمكاني الكلام عنه ~~الآن. ومن من البشر، يا ترى، يستطيع أن يجمع الأثير المحيط بهذا العالم في ~~كؤوس وأكواب؟ # نجيب ~~(متأثرا) ~~: # أشكر لك، يا سيدي، ما تفضلت وحدثتني به عن هذه المرأة العجيبة. لقد ضاعفت ~~شوقي إلى الوقوف بحضرتها. # زين العابدين ~~(يتفرس فيه دقيقة) ~~: # أنت مسيحي، أليس كذلك؟ # نجيب ~~: # نعم، ولدت مسيحيا، غير أنني أعلم أننا إذا جردنا الأديان مما تعلق بها من ~~الزوائد المذهبية والاجتماعية وجدناها دينا واحدا. # زين العابدين ~~: # أصبت، وليس بين البشر أدرى بالوحدة الدينية المجردة من آمنة العلوية، فهي في ~~الناس على اختلاف طوائفهم كندى الصباح الذي يهبط من الأعالي وينعقد درا ~~مشعشعا بين أوراق الأزهار المتباينة لونا وشكلا. نعم، هي كندى الصباح ... ~~(يقف زين العابدين فجأة عن الكلام ويلتفت إلى الجهة الشرقية ~~مصغيا، ثم ينتصب على قدميه ويومئ إلى نجيب أن ينتبه فيفعل هذا ممتثلا.) # زين العابدين ~~(هامسا) ~~: # هو ذا آمنة العلوية. ~~(يرفع نجيب يده إلى جبهته كأنه أحس بحدوث تغيير في ms47 دقائق ~~الهواء، ثم ينظر فيرى العلوية آتية، فتتغير ملامحه ويضطرب في داخله؛ ولكنه يبقى ~~واقفا في مكانه كالتمثال ... تدخل آمنة العلوية وتقف أمام الرجلين وهي بهيئتها ~~وحركاتها وملابسها أقرب إلى معبودات الشعوب الغابرة منها إلى امرأة شرقية في الزمن ~~الحاضر. ومن الصعب تحديد عمرها بمجرد النظر إلى ملامحها، فكأن الشباب في وجهها يستر ~~ألف سنة من المعرفة والاختبار. أما نجيب وزين العابدين فيظلان جامدين خاشعين ~~متهيبين كأنهما بحضرة نبي من أنبياء الله ... وبعد أن تحدق العلوية إلى وجه نجيب ~~كأنها تخترق بنظراتها صدره، تدنو منه وقد انبسطت ملامحها وابتسمت، وبصوت عذب تقول ~~...) # آمنة العلوية ~~: # جئتنا أيها اللبناني متنسما أخبارنا مستفحصا حالنا. ولن تجد بنا إلا ما ~~بك، ولن تسمع منا إلا ما عرفته في نفسك. # نجيب ~~(مفعولا) ~~: # ها قد رأيت وسمعت وصدقت واكتفيت. # العلوية ~~: # لا تكن قنوعا بالقليل، فمن يرد ينابيع الحياة بجرة فارغة صرف بجرتين ~~طافحتين. ~~(تمد يدها إليه فيتناولها بكلتا يديه خاشعا ~~محتشما ويقبل أطراف أصابعها مدفوعا بعامل خفي. تلتفت إلى زين ~~العابدين وتمد يدها إليه، فيفعل هذا فعل نجيب، ثم تتراجع قليلا إلى ~~الوراء، وتجلس على حجر منحوت أمام بيتها، وتشير إلى صخر قريب، وتقول ~~لنجيب): # هذه مقاعدنا فاجلس. ~~(يجلس نجيب ويفعل زين العابدين فعله.) # العلوية ~~: # إنا نرى بعينيك نورا من أنوار الله، ومن ينظر إلينا ونور الله في عينيه يرى ~~حقيقتنا عارية مجردة. وإنا نرى بوجهك ما يرفعه الإخلاص عن حب الاستطلاع إلى ~~الرغبة في الحق. فإن كان على لسانك كلمة فقلها فنحن إليك مصغون. وإن كان في ~~قلبك سؤال فاطرحه فنحن لك مجيبون. # نجيب ~~: # جئت مستعلما عن أمر يتحدث الناس به لغرابته، ولكني ما وقفت بحضرتك حتى ~~علمت أن الحياة مظاهر الروح الكلية، فكان مثلي مثل صياد ألقى شبكته في البحر ~~ليصطاد سمكا، ولما اجتذبها إلى الشاطئ وجد فيها صرة من الحجارة ~~الكريمة. # العلوية ~~: # جئت تسألنا عن دخولنا إرم ذات العماد؟ # نجيب ~~: # نعم، يا سيدتي، منذ حداثتي وهذه الكلمات الثلاث «إرم ذات العماد » تعانق ~~أحلامي، ms48 وتتمشى مع خيالي بما وراءها من الرموز والمقاصد الخفية. # العلوية ~~(ترفع رأسها وتغمض عينيها وبصوت يخاله نجيب آتيا من قلب ~~الفضاء تقول) ~~: # أجل، قد بلغنا المدينة المحجوبة ودخلناها وأقمنا فيها وملأنا روحنا من ~~أريجها، وقلبنا من أسرارها، وجيوبنا من لؤلؤها وياقوتها، فمن ينكر علينا ما ~~شاهدناه وعرفناه كان ناكرا لذاته أمام الله. # نجيب ~~(متأنيا) ~~: # ما أنا، يا سيدتي، سوى طفل يلثغ متلعثما بما يريد بيانه، فإن سألتك عن ~~أمر فبخشوع أسأل، وإن استقصيت أمرا فبإمعان وإخلاص. فهلا جعلت عطفك علي ~~شفيعا بي لديك إذا ما أتعبت سرك بسؤالاتي الكثيرة؟ # العلوية ~~: # سل ما شئت، فقد جعل الله الحقيقة ذات أبواب يفتحها بوجه من يطرقها بيد ~~الإيمان. # نجيب ~~: # هل دخلت إرم ذات العماد بالجسد أم بالروح؟ وهل هي مدينة مصنوعة من عناصر ~~الأرض المتبلورة وقائمة في بقعة معلومة من الأرض، أم هي مدينة روحية ترمز عن ~~حالة روحية يبلغها أنبياء الله وأولياؤه في غيبوبة يلقيها الله نقابا على ~~نفوسهم؟ # العلوية ~~: # ليس ما نراه على الأرض وما لا نراه سوى حالات روحية، وأنا قد دخلت المدينة ~~المحجوبة بجسدي وهو روحي الظاهرة، ودخلتها بروحي وهي جسدي الخفي. ومن يحاول ~~التفريق بين ذرات الجسد كان في ضلال مبين. إنما الزهرة وعطرها شيء واحد. ~~فالأعمى الذي ينكر لون الزهرة وصورتها قائلا: «ليست الزهرة سوى عطر يتموج في ~~الأثير»، ليس هو إلا كالمزكوم الذي يقول: «ليست الأزهار غير صور ~~وألوان». # نجيب ~~: # إذا فالمدينة المحجوبة التي ندعوها بإرم ذات العماد، حالة روحية؟ # العلوية ~~: # كل مكان وزمان حالة روحية، وكل المرئيات والمعقولات حالات روحية. فإن أغمضت ~~عينيك ونظرت في أعماق أعماقك رأيت العالم بكلياته وجزئياته، وخبرت ما فيه من ~~النواميس، وعلمت ما يلازمه من الذرائع وفهمت ما يتلمسه من المحجات. أجل، ~~إنك إذا أغمضت بصرك وفتحت بصيرتك، رأيت بداية الوجود ونهايته، تلك النهاية التي ~~تصير بدورها بداية وتلك البداية التي تتحول إلى نهاية. # نجيب ~~: # وهل بإمكان كل إنسان أن يغمض عينيه ويرى جوهر الحياة المجرد؟ # العلوية ~~: # يستطيع كل إنسان ms49 أن يتشوق ثم يتشوق ثم يتشوق حتى ينزع الشوق نقاب الظواهر عن ~~بصره، فيشاهد إذ ذاك ذاته، ومن ير ذاته ير جوهر الحياة المجرد. فكل ذات هي ~~جوهر الحياة المجرد. # نجيب ~~(يضع يده على صدره) ~~: # إذا كل ما في الوجود من محسوس ومعقول كائن هنا هنا في صدري؟ # العلوية ~~: # كل ما في الوجود كائن فيك وبك ولك. # نجيب ~~: # أبإمكاني أن أقول لذاتي: إن إرم ذات العماد موجودة في باطني لا في ~~خارجي؟ # العلوية ~~: # كل ما في الوجود كائن في باطنك، وكل ما في باطنك موجود في الوجود. وليس هناك ~~من حد فاصل بين أقرب الأشياء وأقصاها، أو بين أعلاها وأخفضها، أو بين أصغرها ~~وأعظمها، ففي قطرة الماء الواحدة جميع أسرار البحار، وفي ذرة واحدة جميع عناصر ~~الأرض، وفي حركة واحدة من حركات الفكر كل ما في العالم من الحركات ~~والأنظمة. # نجيب ~~(تظهر على وجهه علامات الالتباس) ~~: # قد قيل لي، يا سيدتي: إنك قطعت المسافات الشاسعة حتى بلغت ذلك المكان ~~المعروف بالربع الخالي في قلب الجزيرة. وقيل لي: إن روح والدك كانت الموحية ~~إليك والهادية لك والسائرة حتى بلغت إرم ذات العماد. أفليس على الراغب في ~~الوصول إلى تلك المدينة المحجوبة أن يكون في حالة شبيهة بحالتك، وأن تكون له ~~الوسائل الجسدية والأسباب المعنوية ليحصل على ما حصلت أنت عليه؟ # العلوية ~~: # أجل، قد قطعنا الصحاري، وقاسينا الجوع والعطش، وخبرنا مخاوف النهار ورمضاءه، ~~وأهوال الليل وسكينته قبل أن رأينا أسوار مدينة الله. ولكن قد بلغ مدينة الله ~~قبلنا من لم يسر خطوة، وعرف جمالها وبهاءها من لم يختبر جوعا في الجسد أو ~~عطشا في الروح. إي والحق، لقد طاف في المدينة المقدسة إخوان لنا وأخوات دون أن ~~يخرجوا من المنازل التي ولدوا فيها. ~~(تسكت هنيهة ثم ~~تومئ بيدها إلى الأشجار والرياحين المحيطة بها): # لكل بذرة من ~~البذور التي يلقيها الخريف في أديم التراب أساليب خاصة في فسخ قشرتها عن لبابها ~~وفي تكوين أوراقها فأزهارها فأثمارها. ولكن مهما تباينت الأساليب فمحجة جميع ~~البذور ms50 تظل واحدة. وتلك المحجة هي الوقوف أمام وجه الشمس. # زين العابدين ~~(يتمايل إلى الأمام وإلى الوراء متأثرا كأنه انتقل بالروح ~~إلى عالم سام ثم يصرخ بصوت رخيم) ~~: # الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله الكريم الوهاب الملقي ظله بين ~~الألسنة والشفاه. # العلوية ~~: # أجل. قل: الله أكبر. لا إله إلا الله، وقل: لا شيء إلا الله. ~~(يتمتم زين العابدين هذه الكلمات في ذاته أما نجيب فيحدق إلى ~~العلوية كالمسحور وبصوت يكاد يكون همسا يقول: لا شيء إلا الله.) # العلوية ~~: # قل: لا إله إلا الله، ولا شيء إلا الله، وكن مسيحيا. # نجيب: ~~(يحني رأسه محركا شفتيه مرددا كلماتها ثم يرفع رأسه ~~قائلا) ~~: # قد قلتها، يا سيدتي، وسوف أقولها إلى نهاية حياتي. # العلوية ~~: # ليس لحياتك نهاية، فأنت باق ببقاء كل شيء. # نجيب ~~: # من أنا وما أنا لأبقى خالدا؟ # العلوية ~~: # أنت أنت. وأنت كل شيء؛ لذلك ستبقى خالدا. # نجيب ~~: # إني أعلم طبعا، يا سيدتي، أن الذرات التي تتألف منها وحدتي الهيولية ~~ستبقى ببقاء الهيولي. ولكن، أباقية، يا ترى، هذه الفكرة التي أدعوها أنا؟ ~~أباقية هذه اليقظة الضئيلة الممنطقة بالهجوع؟ أباقية هذه الفقاقيع الملتمعة ~~بنور الشمس وأمواج البحر التي ولدتها هي هي الأمواج التي تمحوها لتولد ~~غيرها؟ أباقية هذه الأماني والآمال والأوجاع والأفراح؟ أباقية هذه الأوهام ~~المرتعشة في هذا النوم المتقطع في هذا الليل الغريب بعجائبه، الهائل باتساعه ~~وعمقه وعلوه؟ # العلوية ~~(ترفع عينيها إلى العلاء كأنها تتناول شيئا من جيوب ~~الفضاء، وتقول بلهجة إيجابية ملؤها العزم والمعرفة والخبرة) ~~: # كل موجود باق، ووجود الموجود دليل على بقائه، أما الفكرة وهي العلم بكليته، ~~إذ لولاها لما علم العالم موجودا كان أو غير موجود، فهي كيان أزلي أبدي خالد ~~لا يتغير إلا ليتجوهر، ولا يختفي إلا ليظهر بصورة أسنى، ولا ينام إلا ليحلم ~~بيقظة أبهى. # ولقد عجبت لمن يثبت بقاء الذرات في الغلافات الخارجية التي تتصورها ~~حواسنا، ولكنه ينكر ما جعلت الغلافات من أجله. عجبت لمن يقرر خلود العناصر ~~التي تتألف منها العين، ولكنه يشك بخلود النظر ms51 الذي اتخذ العين آلة له. عجبت ~~لمن يثبت أبدية المسببات ولكنه يحتم باضمحلال الأسباب. عجبت لمن تشغله ~~المظاهر المكونة عن المكون المظهر. عجبت لمن يقسم الحياة إلى شطرين فيؤمن ~~بالشطر المدفوع ويجحد الشطر الدافع. # عجبت لمن ينظر إلى تلك الجبال والسهول المغمورة بنور الشمس، ثم يصغي إلى ~~الهواء متكلما بألسنة الأغصان، ثم يتجرع عطر الأزهار والرياحين، وبعد ذلك يقول ~~لنفسه: لا ولن يزول ما أراه وأسمعه، لا ولن يضمحل ما أعرفه وأشعر به. ولكن، هذه ~~الروح العاقلة التي ترى فتتهيب وتتأمل، وتسمع فتفرح وتكتئب؛ هذه الروح التي ~~تشعر فترتعش وتنبسط، وتعلم فتكتئب وتتحقق؛ هذه الروح التي تحيط بكل شيء سوف ~~تضمحل اضمحلال الفقاقيع على وجه البحر، وتزول زوال الظل أمام النور. # إي والحق، إني أعجب لكائن ينكر كيانه. # نجيب ~~(متهيجا) ~~: # قد آمنت بكياني يا سيدتي، ومن يسمعك متكلمة ولا يؤمن كان أشبه بالصخر منه ~~بالإنسان. # العلوية ~~: # إن الله وضع في كل نفس رسولا ليسير بنا إلى النور. ولكن، في الناس من يبحث ~~عن الحياة في خارجه والحياة في داخله ولكنه لا يعلم. # نجيب ~~: # أليس في خارجنا أنوار لا نستطيع بدونها الوصول إلى ما في أعماقنا؟ أليس في ~~محيطنا قوى تستنهض قوانا ومؤثرات تنبه الغافل فينا؟ ~~(يطرق هنيهة مترددا ثم يعود يقول): # أولم ~~توح إليك روح والدك أمورا لا يعرفها سجين الجسد ورهين الأيام ~~والليالي؟ # العلوية ~~: # أجل، ولكن عبثا يطرق الزائر باب البيت إذا لم يكن في داخل البيت من يسمع ~~الطرقات ويقوم ليفتح في وجهه. إنما الإنسان كائن منتصب بين اللانهاية في باطنه ~~واللانهاية في محيطه. فلو لم يكن فينا ما فينا لما كان في خارجنا ما في ~~خارجنا. لقد ناجتني روح والدي؛ لأن روحي ناجتها وأوحت إلى عاقلتي الخارجية ما ~~كانت تعرفه عاقلتي الباطنية، فلولا جوعي وعطشي لما حصلت على الخبز والماء، ~~ولولا شوقي وحنيني لما لقيت موضوع شوقي وحنيني. # نجيب ~~: # أيستطيع كل منا، يا سيدتي، أن يغزل سلكا من شوقه وحنينه ويمده بين روحه ~~والأرواح المنعتقة ؟ أفليس هناك ms52 طائفة من الناس قد أعطيت المقدرة على ~~مخاطبة الأرواح واستنزال مشيئتها ومراميها؟ # العلوية ~~: # إن بين سكان الأثير وسكان الأرض مخاطبات ومسامرات مستتبة باستتباب الأيام ~~والليالي، وليس بين الناس من لم يأتمر بمشيئة القوى العاقلة غير المنظورة، فكم ~~من عمل يأتي به الفرد متوهما أنه مخير بفعله وهو بالحقيقة مسير، وكم ~~من عظيم في الأرض كانت عظمته في استسلامه التام إلى إرادة روح من الأرواح ~~استسلام قيثارة دقيقة الأوتار إلى نقرات عازف خبير. # أجل، إن بين عالم المرئيات وعالم العقل سبيلا نجتازه في غيبوبات تحدث لنا ~~ونحن غافلون، ثم نعود وفي أكفنا المعنوية بذور نلقيها في تربة حياتنا اليومية، ~~فتنبت أعمالا جليلة أو أقوالا خالدة، ولولا تلك السبل المفتوحة بين أرواحنا ~~والأرواح الأثيرية لما ظهر في الناس نبي ولا قام فيهم شاعر ولا سار بينهم ~~عازف. ~~(ترفع صوتها عن ذي قبل): # أقول، ومآتي ~~الأدهار تشهد لي: إن بين الملإ الأعلى والملإ الأدنى روابط شبيهة بعلاقة الآمر ~~بالمأمور والمنذر بالمنذر؛ أقول: إنا محاطون بوجدانات تستميل وجداناتنا، ~~وعاقلات توعز إلى عاقلاتنا، وقوى تستنهض قوانا؛ أقول: إن شكوكنا لا تنفي ~~امتثالنا إلى ما نشك به، وانصرافنا إلى أماني أجسادنا لا يصرفنا عن مراد ~~الأرواح بأرواحنا، وتعامينا عن حقيقتنا لا يحجب حقيقتنا عن عيون المحجوبين عنا. ~~فنحن وإن وقفنا فسائرون بمسيرهم وإن همدنا فمتحركون بحركاتهم، وإن صمتنا ~~فمتكلمون بأصواتهم؛ فلا الهجوع فينا يزيل يقظتهم عنا، ولا اليقظة بنا ~~تحول أحلامهم عن مسارح خيالنا. فنحن وهم في عالمين يضمهما عالم واحد، وفي ~~حالتين تمنطقهما حالة واحدة، وفي وجودين يجمعهما ضمير كلي سرمدي أحد ليس له ~~بدء، وليس له نهاية، وليس له فوق، وليس له تحت، وليس له حد، وليس له جهات. # نجيب ~~: # أيأتي يوم، يا سيدتي، نعرف فيه بالاستقراء العلمي والاختبار الحسي ما تعرفه ~~أرواحنا بالخيال وما تختبره قلوبنا بالتشويق؟ وهل يتقرر لنا بقاء الذات ~~المعنوية بعد الموت مثلما تقرر لدينا بعض الأسرار الطبيعية، فنلمس بيد المعرفة ~~المجردة ما نتلمسه الآن بأصابع الإيمان؟ # العلوية ~~: # نعم، سيأتي ms53 ذلك اليوم. ولكن، ما أضل الذين يدركون حقيقة مجردة ببعض حواسهم، ~~ولكنهم يظلون مرتابين بها حتى تبدو لحواسهم الأخرى. ما أغرب من يسمع الشحرور ~~مغردا ويشاهده مرفرفا متنقلا، ولكنه يبقى مشككا بما سمع وما رأى حتى ~~يقبض بيده على جسم الشحرور. ما أغرب من يحلم بحقيقة جميلة ثم يحاول تجسيدها ~~وحبسها بقوالب الظواهر فلا يفلح، فيرتاب بالحلم ويجحد الحقيقة ويشك ~~بالجمال! # ما أجهل من يتخيل أمرا ويتصوره بشكله ومعالمه، وعندما يستحيل عليه إثباته ~~بالمقاييس السطحية والبراهين اللفظية يحسب الخيال وهما والتصور شيئا فارغا. ~~ولكن، لو تعمق قليلا وتأمل هنيهة لعلم أن الخيال حقيقة لم تتحجر بعد، وأن ~~التصور معرفة أسمى من أن تتقيد بسلاسل المقاييس، وأعلى وأرحب من أن تسجن ~~بأقفاص الألفاظ. # نجيب ~~: # أفي كل خيال حقيقة، يا سيدتي، وهل في كل تصور معرفة؟ # العلوية ~~: # إي والحق، إن مرآة النفس لا تعكس سوى ما انتصب أمامها، ولو شاءت لما استطاعت. ~~إن البحيرة الهادئة لا تريك في أعماقها خطوط جبال ورسوم أشجار وأشكال غيوم لا ~~وجود لها بالحقيقة، ولو شاءت البحيرة لما استطاعت. إن خلايا الروح لا ترجع ~~إليك صدى أصوات لم يرتعش بها الأثير حقا، ولو شاءت الخلايا لما استطاعت. إن ~~النور لا يلقي على الأرض ظل شيء لا كيان له، ولو شاء النور لما استطاع. # إنما الإيمان بالشيء المعرفة بالشيء. والمؤمن يرى ببصيرته الروحية ما لا يراه ~~الباحثون والمنقبون بعيون رؤوسهم، ويدرك بفكرته الباطنة ما لا يستطيعون إدراكه ~~بفكرتهم المقتبسة. المؤمن يختبر الحقائق القدسية بحواس تختلف عن الحواس التي ~~يستخدمها الناس كافة، فيظنها جدارا محكم البناء فيسير في طريقه قائلا: ليس ~~لهذه المدينة من أبواب. ~~(تقف العلوية وتخطو بضع خطوات نحو نجيب، وبلهجة من أوشك أن ~~يبلغ من الكلام حدا لا يريد الزيادة عليه تقول): # إن المؤمن يعيش كل الأيام وكل الليالي، أما غير المؤمن فلا يعيش سوى ثوان ~~معدودة منها. فما أضيق عيش من يرفع يده بين وجهه والعالم أجمع فلا يرى غير ~~الخطوط في كفه ، وما أشد ms54 شفقتي على من يدير ظهره إلى الشمس فلا يرى ظل جسده على ~~التراب. # نجيب ~~(ينتصب واقفا شاعرا بدنو ساعة انصرافه) ~~: # أأقول للناس، يا سيدتي، عندما أعود إليهم: إن إرم ذات العماد مدينة أحلام ~~روحية، وإن آمنة العلوية قد سارت إليها على سبيل الشوق ودخلتها من باب ~~الإيمان؟ # العلوية ~~: # قل: إن إرم ذات العماد مدينة حقيقية كائنة بكيان الجبال والغابات والبحار ~~والصحاري، وقل: إن آمنة العلوية قد وصلت إليها بعد أن قطعت البادية الخالية ~~وقاست ألم الجوع وحرقة العطش وكآبة الوحدة وهول الانفراد، وقل: إن جبابرة ~~الدهور قد بنوا إرم ذات العماد مما تبلور وتجوهر من عناصر الوجود، ولم ~~يحجبوها عن الناس، ولكن الناس حجبوا نفوسهم عنها، فمن يضل الوصول إليها ~~فليشك دليله وحاديه بدلا من مصاعب الطريق وحراجتها، وقل للناس: إن من لا ~~يشعل سراجه لا يرى في الظلام سوى الظلام. ~~(ترفع ~~وجهها نحو العلاء وتغمض عينيها، ويظهر على ملامحها نقاب من العطف ~~والحلاوة). # نجيب ~~(يدنو منها منحني الرأس ويظل صامتا هنيهة ثم يقبل يدها ~~هامسا) ~~: # ها قد بلغت الشمس الغروب، وعلي أن أعود إلى مساكن الناس قبل أن يكتنف ~~الظلام الطريق. # العلوية ~~: # سر في النور وسر بأمان الله. # نجيب ~~: # سأسير في نور المشعل الذي وضعته في يدي، يا سيدتي. # العلوية ~~: # سر بنور الحق الذي لا تطفئه الأهوية. ~~(تنظر إليه ~~نظرة طويلة مفعمة بشعاع الأمومة، ثم تتحول عنه وتمشي بين الأشجار حتى تنحجب ~~عن عينيه). # زين العابدين ~~(يقترب من نجيب) ~~: # إلى أين أنت سائر الآن؟ # نجيب ~~: # إلى منزل أصحاب لي بقرب منبع العاصي. # زين العابدين ~~: # أتسمح لي بمرافقتك؟ # نجيب ~~: # بكل سرور، ولكني ظننت أنك باق بجوار آمنة العلوية، فطوبتك روحي وتمنيت ~~لو كنت مكانك. # زين العابدين ~~: # نحن نحيا بنور الشمس عن بعد. ولكن، من منا يستطيع الحياة في الشمس؟ ~~(بلهجة ذات معان بعيدة) # أجيء مرة في الأسبوع ~~متبركا متزودا، وعندما يأتي المساء أعود قانعا مكتفيا. # نجيب ~~: # وددت لو جاء الناس كافة مرة في الأسبوع؛ ليتبركوا ويتزودوا ويعودوا قانعين ~~مطمئنين. ~~(يحل ms55 نجيب مقود فرسه ويسير به راجلا بجانب ~~زين العابدين). # الستار # | سكوتي إنشاد # سكوتي إنشاد وجوعي تخمة # وفي عطشي ماء وفي صحوتي سكر # وفي لوعتي عرس وفي غربتي لقا # وفي باطني كشف وفي مظهري ستر # وكم أشتكي هما وقلبي مفاخر # بهمي، وكم أبكي وثغري يفتر # وكم أرتجي خلا وخلي بجانبي # وكم أبتغي أمرا وفي حوزتي الأمر # وقد ينثر الليل البهيم منازعي # على بسط أحلامي فيجمعها الفجر # نظرت إلى جسمي بمرآة خاطري # فألفيته روحا يقلصه الفكر # فبي من براني والذي مد فسحتي # وبي الموت والمثوى وبي البعث والنشر # فلو لم أكن حيا لما كنت مائتا # ولولا مرام النفس ما رامني القبر # ولما سألت النفس ما الدهر فاعل # بحشد أمانينا؟ أجابت أنا الدهر # | يا من يعادينا # يا من يعادينا وما إن لنا # ذنب إليه غير أحلامنا # هذي رحيق ما لها أكؤس # فكيف نسقيها للوامنا # وهي بحار مدها صمتنا # وجزرها في حبر أقلامنا ~~••• # جاورتم الأمس وملنا إلى # يوم موشى صبحه بالخفاء # ورمتم الذكرى وأطيافها # ونحن نسعى خلف طيف الرجاء # وجبتم الأرض وأطرافها # ونحن نطوي بالفضاء الفضاء # لوموا وسبوا والعنوا واسخروا # وساوروا أيامنا بالخصام # وابغوا وجوروا وارجموا واصلبوا # فالروح فينا جوهر لا يضام # فنحن نحن كوكب لا يسير # إلى الورا في النور أو في الظلام # إن تحسبونا ثلمة في الأثير # لن تستطيعوا رتقها بالكلام # | يا نفس # يا نفس لولا مطمعي # بالخلد ما كنت أعي # لحنا تغنيه الدهور # بل كنت أنهى حاضري # قسرا فيغدو ظاهري # سرا تواريه القبور ~~••• # يا نفس لو لم أغتسل # بالدمع أو لم يكتحل # جفني بأشباح السقام # لعشت أعمى وعلى # بصيرتي ظفر، فلا # أرى سوى وجه الظلام ~~••• # يا نفس ما العيش سوى # ليل إذا جن انتهى # فالفجر، والفجر يدوم # وفي ظما قلبي دليل # على وجود السلسبيل # في جرة الموت الرحوم ~~••• # يا نفس إن قال الجهول # الروح كالجسم تزول # وما يزول لا يعود # قولي له: إن الزهور # تمضي ولكن البذور # تبقى وذا كنه لخلود # | البلاد المحجوبة # هو ذا الفجر فقومي ننصرف # عن ديار ما ms56 لنا فيها صديق # ما عسى يرجو نبات يختلف # زهره عن كل ورد وشقيق # وجديد القلب أنى يأتلف # مع قلوب كل ما فيها عتيق # هو ذا الصبح ينادي فاسمعي # وهلمي نقتفي خطواته # قد كفانا من مساء يدعي # أن نور الصبح من آياته ~~••• # قد أقمنا العمر في واد تسير # بين ضلعيه خيالات الهموم # وشهدنا اليأس أسرارا تطير # فوق متنيه كعقبان وبوم # وشربنا السقم من ماء الغدير # وأكلنا السم من فج الكروم # ولبسنا الصبر ثوبا فالتهب # فغدونا نتردى بالرماد # وافترشناه وسادا فانقلب # عندما نمنا هشيما وقتاد ~~••• # يا بلادا حجبت منذ الأزل # كيف نرجوك ومن أي سبيل # أي فقر دونها، أي جبل # سورها العالي ومن منا الدليل؟ # أسراب أنت أم أنت الأمل # في نفوس تتمنى المستحيل؟ # أمنام يتهادى في القلوب # فإذا ما استيقظت ولى المنام # أم غيوم طفن في شمس الغروب # قبل أن يغرقن في بحر الظلام؟ ~~••• # يا بلاد الفكر يا مهد الألى # عبدوا الحق وصلوا للجمال # ما طلبناك بركب أو على # متن سفن أو بخيل ورحال # لست في الشرق ولا الغرب ولا # في جنوب الأرض أو نحو الشمال # لست في الجو ولا تحت البحار # لست في السهل ولا الوعر الحرج # أنت في الأرواح أنوار ونار # أنت في صدري فؤادي يختلج # | حرقة الشيوخ # يا زمان الحب، قد ولى الشباب # وتوارى العمر كالظل الضئيل # وامحى الماضي، كسطر من كتاب # خطه الوهم على الطرس البليل # وغدت أيامنا قيد العذاب # في وجود بالمسرات بخيل # فالذي نعشقه يأسا قضى، # والذي نطلبه مل وراح # والذي حزناه بالأمس مضى # مثل حلم بين ليل وصباح ~~••• # يا زمان الحب، هل يغني الأمل # بخلود النفس عن ذكر العهود؟ # هل، ترى، يمحو الكرى رسم القبل # عن شفاه ملها ورد الخدود؟ # أو يدانينا وينسينا الملل # سكرة الوصل وأشواق الصدود؟ # هل يصم الموت آذانا وعت # أنه الظلم وأنغام السكون؟ # هل يغشي القبر أجفانا رأت # خافيات القبر والسر المصون؟ # كم شربنا من كؤوس سطعت # في يد الساقي كنور القبس! # ورشفنا من شفاه جمعت # نغمة اللطف بثغر ألعس! ms57 # وتلونا الشعر حتى سمعت # زهر الأفلاك صوت الأنفس ~~... تلك أيام تولت كالزهور # بهبوط الثلج من صدر الشتاء # فالذي جادت به أيدي الدهور # سلبته خلسة كف الشقاء ... # لو عرفنا ما تركنا ليلة # تنقضي بين نعاس ورقاد # لو عرفنا ما تركنا لحظة # تنثني بين خلو وسهاد # لو عرفنا ما تركنا برهة # من زمان الحب تمضي بالبعاد # قد عرفنا الآن، لكن بعدما # هتف الوجدان: «قوموا واذهبوا!» # قد سمعنا وذكرنا عندما # صرخ القبر ونادى: «اقتربوا!» # | بالله يا قلبي # بالله يا قلبي # أكتم هواك # واخف الذي تشكوه # عمن يراك - تغنم # من باح بالأسرار # يشابه الأحمق # فالصمت والكتمان # أحرى بمن يعشق # بالله يا قلبي # إذا أتاك # مستعلم يسأل # عما دهاك - فاكتم # يا قلب إن قالوا: # أين التي تهوى؟ # قل: قد سبت غيري # ثم ادع السلوى # بالله يا قلبي # استر جواك # فما الذي يضنيك # إلا دواك - فاعلم # الحب في الأرواح # كخمرة في الكاس # ما بان منها ماء # وما خفي أنفاس # بالله يا قلبي # احبس عناك # إن ضجت الأبحار # أو هدت الأفلاك - تسلم # | أغنية الليل # سكن الليل، وفي ثوب السكون # تختبي الأحلام # وسعى البدر، وللبدر عيون # ترصد الأيام ~~••• # فتعالي، يا ابنة الحقل، نزور # كرمة العشاق # علنا نطفي بذياك العصير # حرقة الأشواق ~~••• # اسمعي البلبل ما بين الحقول # يسكب الألحان # في فضاء نفخت فيه التلول # نسمة الريحان ~~••• # لا تخافي، يا فتاتي، فالنجوم # تكتم الأخبار # وضباب الليل في تلك الكروم # يحجب الأسرار # لا تخافي، فعروس الجن في # كهفها المسحور # هجعت سكرى وكادت تختفي # عن عيون الحور ~~••• # ومليك الجن إن مر يروح # والهوى يثنيه # فهو مثلي عاشق كيف يبوح # بالذي يضنيه! # | البحر # في سكون الليل لما تنثني # يقظة الإنسان من خلف الحجاب # يصرخ الغاب: أنا العزم الذي # أنبتته الشمس من قلب التراب # غير أن البحر يبقى ساكتا # قائلا في نفسه: العزم لي # ويقول الصخر: إن الدهر قد # شادني رمزا إلى يوم الحساب # غير أن البحر يبقى صامتا # قائلا في نفسه: الرمز لي # وتقول الريح: ما أغربني # فاصلا بين سديم وسما # غير أن ms58 البحر يبقى ساكتا # قائلا في نفسه: الريح لي # ويقول النهر: ما أعذبني # مشربا يروي من الأرض الظما # غير أن البحر يبقى صامتا # قائلا في ذاته: النهر لي # ويقول الطود: إني قائم # ما أقام النجم في صدر الفلك # غير أن البحر يبقى هادئا # قائلا في نفسه: الطود لي # ويقول الفكر: إني ملك # ليس في العالم غيري من ملك # غير أن البحر يبقى هاجعا # قائلا في نومه: الكل لي # | الشحرور # أيها الشحرور غرد # فالغنا سر الوجود # ليتني مثلك حر # من سجون وقيود ~~••• # ليتني مثلك روحا # في فضا الوادي أطير # أشرب النور مداما # في كؤوس من أثير ~~••• # ليتني مثلك طهرا # واقتناعا ورضى # معرضا عما سيأتي # غافلا عما مضى ~~••• # ليتني مثلك ظرفا # وجمالا وبها # تبسط الريح جناحي # كي يوشيه الندى ~~••• # ليتني مثلك فكرا # سابحا فوق الهضاب # أسكب الأنغام عفوا # بين غاب وسحاب ~~••• # أيها الشحرور غن # واصرف الأشجان عني # إن في صوتك صوتا # نافخا في أذن أذني # | الجبار الرئبال # في ظلام الليل يمشي مبطئا # وهو مثل الليل هولا قد بدا # وحده يمشي كأن الأرض لم # تبر إلاه عظيما سيدا ~~••• # ويدوس التراب مرفوعا كما # تلمس الأطلال أطراف السحاب # فكأن الجسم في أثوابه # من شعاع وسديم وضباب ~~••• # قلت: يا طيفا يعيق الليل في # سيره، هل أنت جن أم بشر؟ # قال مغتاظا وفي ألفاظه # رنة الهزء: أنا ظل القدر # قلت: لا يا طيف قد مات القضا # يوم ضمتني ذراع القابله # قال محتارا: أنا الحب الذي # لا ينال العيش إلا نائله ~~••• # قلت: لا فالحب زهر لا يعيش # بعد أن تذبل أزهار الربيع # قال غضبانا وفي لهجته # ضجة البحر: أنا الموت المريع ~~••• # قلت: لا فالموت صبح إن أتى # أيقظ النائم من غفلته # قال مختالا: أنا المجد فمن # لم ينلني مات في علته # قلت: لا فالموت ظل ينثني # مضمحلا بين لحد وكفن # قال مرتابا: أنا السر الذي # يتهادى بين روح وبدن # قلت: لا فالسر إن باحت به # يقظة الفكر تولى كالمنام # قال ملتاعا: كفى تسألني # من أنا. قلت: أفي السؤل ملام؟ ms59 ~~••• # قال محجوبا: أنا أنت فلا # تسألن الأرض عني والسما # فإذا ما شئت أن تعرفني # فارقب المرآة صبحا ومسا ~~••• # قال هذا واختفى عن ناظري # مثلما الدخان تذريه الرياح # تاركا ما بي من الفكر يهيم # بين أشباح الدجى حتى الصباح # | إذا غزلتم # إذا غزلتم حول يومي الظنون # وإن حبكتم حول ليلي الملام # فلن تدكوا برج صبري الحصين # ولن تزيلوا من كؤوسي المدام # ففي حياتي منزل للسكون # وفي فؤادي معبد للسلام # ومن تغذى من طعام المنون # لا يختشي من أن يذوق المنام # | الشهرة # كتبت في الجزر سطرا على الرمل # أودعته كل روحي مع العقل ~~••• # وعدت في المد أقرا وأستجلي # فلم أجد في الشواطي سوى جهلي # | بالأمس # كان لي بالأمس قلب فقضى # وأراح الناس منه واستراح # وذاك عهد من حياتي قد مضى # بين تشبيب وشكوى ونواح # إنما الحب كنجم في الفضا # نوره يمحى بأنوار الصباح # وسرور الحب وهم لا يطول # وجمال الحب ظل لا يقيم # وعهود الحب أحلام تزول # عندما يستيقظ العقل السليم ~~••• # كم سهرت الليل والشوق معي # ساهر أرقبه كي لا أنام # وخيال الوجد يحمي مضجعي # قائلا: «لا تدن! فالنوم حرام» # وسقامي هامس في مسمعي: ~~«من يريد الوصل لا يشكو السقام» # تلك أيام تقضت، فابشري، # يا عيوني بلقا طيف الكرى # واحذري، يا نفس، ألا تذكري # ذلك العهد وما فيه جرى ~~••• # كنت إن هبت نسيمات السحر # أتلوى راقصا من مرحي # وإذا ما سكب الغيم المطر # خلته الراح فأملا قدحي # وإذا البدر على الأفق ظهر # وهي قربي صحت: «هلا يستحي» # كل هذا كان بالأمس، وما # كان بالأمس تولى كالضباب # ومحا السلوان ماضي كما # تفرط الأنفاس عقدا من حباب ~~••• # يا بني أمي إذا جاءت سعاد # تسأل الفتيان عن صب كئيب # فاخبروها أن أيام البعاد # أخمدت من مهجتي ذاك اللهيب # ومكان الجمر قد حل الرماد # ومحا السلوان آثار النحيب # فإذا ما غضبت لا تغضبوا # وإذا ناحت فكونوا مشفقين # وإذا ما ضحكت لا تعجبوا # إن هذا شأن كل العاشقين ~~••• # ليت شعري! هل لما مر رجوع # أو معاد لحبيب ms60 وأليف؟ # هل لنفسي يقظة بعد الهجوع # لتريني وجه ماضي المخيف؟ # هل يعي أيلول أنغام الربيع # وعلى أذنيه أوراق الخريف # لا، فلا بعث لقلبي أو نشور # لا، ولا يخضر عود المحفل # ويد الحصاد لا تحيي الزهور # بعد أن تبرى بحد المنجل ~~••• # شاخت الروح بجسمي وغدت # لا ترى غير خيالات السنين # فإذا الأميال في صدري فشت # فبعكاز اصطباري تستعين # والتوت مني الأماني وانحنت # قبل أن أبلغ حد الأربعين ~~••• # تلك حالي فإذا قالت رحيل: # ما عسى حل به؟ قولوا: الجنون # وإذا قالت: أيشفى ويزول # ما به؟ قولوا: ستشفيه المنون # | ماذا تقول الساقية؟ # سرت في الوادي وقد جاء الصباح # معلنا سر وجود لا يزول # فإذا ساقية بين البطاح # تتغنى وتنادي وتقول: # ما الحياة بالهناء # إنما العيش نزوع ومرام # ما الممات بالغناء # إنما الموت قنوط وسقام # ما الحكيم بالكلام # بل بسر ينطوي تحت الكلام # ما العظيم بالمقام # إنما المجد لمن يأبى المقام # ما النبيل بالجدود # كم نبيل كان من قتلى الجدود # ما الذليل بالقيود # قد يكون القيد أسنى من عقود # ما النعيم بالثواب # إنما الجنة بالقلب السليم # ما الجحيم بالعذاب # إنما القلب الخلي كل الجحيم # ما العقار بالنضار # كم شريد كان أغنى الأغنياء # ما الفقير بالحقير # ثروة الدنيا رغيف ورداء # ما الجمال بالوجوه # إنما الحسن شعاع للقلوب # ما الكمال للنزيه # رب فضل كان في بعض الذنوب # هذا ما قالته تلك الساقية # لصخور عن يمين ويسار # رب ما قالته تلك الساقية # كان من أسرار هاتيك البحار ms61