######OpenITI# #META# URI: 1349JibranKhalilJibran.Cawasif.Hindawi85258647 #META# Tags: literature #META# ID: 85258647 #META# Title: العواصف #META# AuthorID: 85274958 #META# Author: جبران خليل جبران #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # حفار القبور‏ # العبودية‏ # الملك السجين‏ # يسوع المصلوب‏ # على باب الهيكل‏ # أيها الليل‏ # الجنية الساحرة‏ # قبل الانتحار‏ # يا بني أمي‏ # نحن وأنتم‏ # أبناء الآلهة وأحفاد القرود‏ # بين ليل وصباح‏ # المخدرات والمباضع‏ # السرجين المفضض‏ # رؤيا‏ # في ظلام الليل‏ # الأضراس المسوسة‏ # مساء العيد‏ # الجبابرة‏ # مات أهلي‏ # الأمم وذواتها‏ # فلسفة المنطق أو معرفة الذات‏ # العاصفة‏ # الشيطان‏ # الصلبان‏ # الشاعر البعلبكي‏ # السم في الدسم‏ # ما وراء الرداء‏ # البنفسجة الطموحة‏ # الشاعر‏ # الكلام وطوائف المتكلمين‏ # حفار القبور‏ # العبودية‏ # الملك السجين‏ # يسوع المصلوب‏ # على باب الهيكل‏ # أيها الليل‏ # الجنية الساحرة‏ # قبل الانتحار‏ # يا بني أمي‏ # نحن وأنتم‏ # أبناء الآلهة وأحفاد القرود‏ # بين ليل وصباح‏ # المخدرات والمباضع‏ # السرجين المفضض‏ # رؤيا‏ # في ظلام الليل‏ # الأضراس المسوسة‏ # مساء العيد‏ # الجبابرة‏ # مات أهلي‏ # الأمم وذواتها‏ # فلسفة المنطق أو معرفة الذات‏ # العاصفة‏ # الشيطان‏ # الصلبان‏ # الشاعر البعلبكي‏ # السم في الدسم‏ # ما وراء الرداء‏ # البنفسجة الطموحة‏ # الشاعر‏ # الكلام وطوائف المتكلمين‏ # | العواصف # | العواصف # تأليف # جبران خليل جبران # | حفار القبور # في وادي ظل الحياة، المرصوف بالعظام، والجماجم، سرت وحيدا في ليلة حجب الضباب نجومها، ~~وخامر الهول سكينتها. # هناك على ضفاف نهر الدماء والدموع المنساب كالحية الرقطاء، المتراكض كأحلام ~~المجرمين، وقفت مصغيا لهمس الأشباح، محدقا باللاشيء. # ولما انتصف الليل، وقد خرجت مواكب الأرواح من أوكارها، سمعت وقع أقدام ثقيلة تقترب مني، ~~فالتفت فإذا بشبح جبار مهيب منتصب أمامي، فصرخت مذعورا «ماذا تريد مني؟». # فنظر إلي بعينين مشعشعتين كالمسارج ثم أجاب بهدوء «لا أريد شيئا وأريد كل شيء». # قلت: «دعني وشأني وسر في سبيلك». # فقال مبتسما: «ما سبيلي سوى سبيلك؛ فأنا سائر حيث تسير، ورابض حيث تربض». # قلت: «جئت أطلب الوحدة فخلني ووحدتي». # فقال: «أنا الوحدة نفسها فلماذا تخافني؟». # قلت: «لست بخائف منك». # فقال: «إن لم تكن خائفا، فلماذا ترتجف مثل قصبة أمام الريح». # قلت: «إن الهواء يتلاعب بأثوابي فترتجف، أما أنا فلا أرتجف». # فضحك مقهقها بصوت يضارع ضجيج العاصفة، ثم قال: «أنت جبان تخافني، وتخاف أن تخافني ~~فخوفك مزدوج، ولكنك تحاول إخفاءه عني وراء خداع أوهى من خيوط العنكبوت ms01 فتضحكني ~~وتغيظني». # ثم جلس على الصخر فجلست قسر إرادتي محدقا بملامحه المهيبة. # وبعد هينهة خلتها ألف عام نظر إلي مستهزئا وسألني قائلا: «ما اسمك؟». # قلت: «اسمي عبد الله». # فقال: «ما أكثر عبيد الله وما أعظم متاعب الله بعبيده، فهلا دعوت نفسك سيد الشياطين، ~~وأضفت بذلك إلى مصائب الشياطين مصيبة جديدة». # قلت: «اسمي عبد الله وهو اسم عزيز أعطاني إياه والدي يوم ولادتي فلن أبدله باسم ~~آخر». # فقال: «إن بلية الأبناء في هبات الآباء، ومن لا يحرم نفسه من عطايا آبائه، وأجداده يظل ~~عبد الأموات حتى يصير من الأموات». # فحنيت رأسي مفكرا بكلماته، مسترجعا إلى حافظتي رسوم أحلام شبيهة بحقيقته. ثم عاد وسألني ~~قائلا: «وما صناعتك؟». # قلت: «أنظم الشعر وأنثره ولي في الحياة آراء أطرحها على الناس». # فقال: «هذه مهنة عتيقة مهجورة لا تنفع الناس ولا تضرهم». # قلت: «وماذا عسى أن أفعل بأيامي وليالي لأنفع الناس». # فقال: «اتخذ حفر القبور صناعة تريح الأحياء من جثث الأموات المكردسة حول منازلهم ~~ومحاكمهم، ومعابدهم». # قلت: «لم أر قط جثث الأموات متكردسة حول المنازل». # فقال: «أنت تنظر بعين الوهم فترى الناس يرتعشون أمام عاصفة الحياة؛ فتظنهم أحياء، وهم ~~أموات منذ الولادة، ولكنهم لم يجدوا من يدفنهم، فظلوا متطرحين فوق الثرى، ورائحة النتن ~~تنبعث منهم». # قلت: وقد ذهب عني بعض الوجل «وكيف أميز بين الحي والميت، وكلاهما يرتعش أمام ~~العاصفة؟». # فقال: «إن الميت يرتعش أمام العاصفة أما الحي فيسير معها راكضا ولا يقف إلا ~~بوقوفها». # واتكأ إذ ذاك على ساعده؛ فبانت عضلاته المحبوكة كأصول سنديانة مملوئة بالعزم، والحياة، ثم ~~سألني قائلا: «أمتزوج أنت؟». # قلت: «نعم وزوجتي امرأة حسناء وأنا كلف بها». # فقال: «ما أكثر ذنوبك ومساوئك - إنما الزواج عبودية الإنسان لقوة الاستمرار، فإن شئت أن ~~تتحرر؛ طلق امرأتك وعش خاليا». # قلت: «لي ثلاثة أولاد كبيرهم يلعب بالأكر، وصغيرهم يلوك الكلام ولا يلفظه، فماذا أفعل ~~بهم؟». # فقال: «علمهم حفر القبور، واعط كل واحد رفشا، ثم دعهم وشأنهم». # قلت: «ليس لي طاقة على الوحدة، والانفراد، فقد تعودت لذة ms02 العيش بين زوجتي، وصغاري فإن ~~تركتهم تركتني السعادة». # فقال: «ما حياة المرء بين زوجته، وأولاده سوى شقاء أسود مستتر وراء طلاء أبيض، ولكن إن ~~كان لا بد من الزواج؛ فاقترن بصبية من بنات الجن». # قلت: مستغربا «ليس للجن حقيقة، فلماذا تخدعني؟!». # فقال: «ما أغباك فتى! ليس لغير الجن حقيقة، ومن لم يكن من الجن كان في عالم الريب ~~والالتباس». # قلت: «وهل لصبايا الجن ظرف وجمال». # فقال: «لهن ظرف لا يزول، وجمال لا يذبل». # قلت: «أرني جنية؛ فأقنع». # فقال: «لو كان بإمكانك أن ترى الجنية، وتلمسها لما أشرت عليك بزواجها». # قلت: «وما النفع من زوجة لا ترى، ولا تمس؟». # فقال: «هو نفع بطيء ينتج عنه انقراض المخاليق، والأموات الذين يختلجون أمام العاصفة ولا ~~يسيرون معها». # وحول وجهه عني دقيقة، ثم عاد وسألني قائلا «وما دينك؟». # قلت: «أؤمن بالله، وأكرم أنبياءه، وأحب الفضيلة، ولي رجاء بالآخرة». # فقال: «هذه ألفاظ رتبتها الأجيال الغابرة، ثم وضعها الاقتباس بين شفتيك، أما الحقيقة ~~المجردة؛ فهي أنك لا تؤمن بغير نفسك، ولا تكرم سواها، ولا تهوى غير أميالها، ولا رجاء لك ~~إلا بخلودها، منذ البدء والإنسان يعبد نفسه؛ ولكنه يلقبها بأسماء مختلفة باختلاف أمياله، ~~وأمانيه فتارة يدعوها البعل، وطورا المشترى، وأخرى الله». # ثم ضحك فانفجرت ملامحه تحت نقاب من الهزء، والسخرية، وزاد قائلا: «ولكن ما أغرب الذين ~~يعبدون نفوسهم، ونفوسهم جيف منتنة!». ~~••• # ومرت دقيقة وأنا أفكر بأقواله؛ فأجد فيها معاني أغرب من الحياة، وأهول من الموت، وأعمق من ~~الحقيقة، حتى إذا ما تاهت فكرتي بين مظاهره ومزاياه، وهاجت أميالي؛ لاستعلان أسراره ~~وخفاياه، صرخت قائلا: «إن كان لك رب فبربك قل لي من أنت». # قال: «أنا رب نفسي». # فقلت: «وما اسمك؟». # قال: «الإله المجنون». # فقلت: «وأين ولدت؟». # قال: «في كل مكان». # فقلت: «وأي متى ولدت؟». # قال: «في كل زمان». # فقلت: «ممن تعلمت الحكمة، ومن ذا الذي باح لك بأسرار الحياة، وبواطن الوجود؟». # قال «لست بحكيم، فالحكمة صفة من صفات البشر الضعفاء، بل أنا مجنون قوي أسير فتميد ~~الأرض ms03 تحت قدمي، وأقف فتقف معي مواكب النجوم، وقد تعلمت الاستهزاء بالبشر من الأبالسة، ~~وفهمت أسرار الوجود، والعدم بعد أن عاشرت ملوك الجن، ورافقت جبابرة الليل». # فقلت: «وماذا تفعل في هذه الأودية الوعرة، وكيف تصرف أيامك ولياليك؟». # قال: «في الصباح أجدف على الشمس، وعند الظهيرة ألعن البشر، وفي المساء أسخر بالطبيعة، ~~وفي الليل أركع أمام نفسي وأعبدها». # فقلت: «وماذا تأكل، وماذا تشرب، وأين تنام؟». # قال: «أنا، والزمان، والبحر لا ننام؛ ولكننا نأكل أجساد البشر، ونشرب دمائهم، ونتحلى ~~بلهاتهم». # وانتصب إذ ذاك مكبلا ذراعيه على صدره، ثم أحدق بعيني، وقال بصوت عميق هادئ «إلى ~~اللقاء، فأنا ذاهب إلى حيث تلتئم الغيلان، والجبابرة». # فهتفت قائلا: «أمهلني دقيقة فلي سؤال آخر». # فأجاب، وقد انحجب بعض قامته بضباب الليل «إن الآلهة المجانين لا يمهلون أحدا، فإلى ~~اللقاء». # واختفى عن بصري وراء ستائر الدجى، وتركني خائفا، طائشا، محتارا به وبنفسي. # ولما حولت قدمي عن ذلك المكان سمعت صوته متموجا بين تلك الصخور الباسقة قائلا: «إلى ~~اللقاء إلى اللقاء». # وفي اليوم التالي طلقت امرأتي، وتزوجت صبية من بنات الجن، ثم أعطيت كل واحد من أطفالي ~~رفشا، ومحفرا، وقلت لهم: «اذهبوا وكلما رأيتم ميتا واروه في التراب». # ومن تلك الساعة - إلى الآن - وأنا أحفر القبور، وألحد الأموات، غير أن الأموات كثيرون، ~~وأنا وحدي وليس من يسعفني. # | العبودية # إنما الناس عبيد الحياة، وهي العبودية التي تجعل أيامهم مكتنفة بالذل، والهوان، ~~ولياليهم مغمورة بالدماء والدموع. # ها قد مر سبعة آلاف سنة على ولادتي الأولى - وللآن - لم أر غير العبيد المستسلمين ~~والسجناء المكبلين. # لقد جبت مشارق الأرض، ومغاربها، وطفت في ظل الحياة، ونورها، وشاهدت مواكب الأمم ~~والشعوب سائرة من الكهوف إلى الصروح، ولكنني لم أر - للآن - غير رقاب منحنية تحت الأثقال، ~~وسواعد موثوقة بالسلاسل، وركب جاثية أمام الأصنام. # وقد اتبعت الإنسان من بابل إلى باريس، ومن نينوى إلى نيويورك، ورأيت آثار قيوده مطبوعة ~~على الرمال بجانب آثار أقدامه، وسمعت الأودية، والغابات تردد صدى نواح الأجيال ~~والقرون. # دخلت القصور، والمعاهد، والهياكل، ووقفت ms04 حذاء العروش، والمذابح، والمنابر، فرأيت العامل ~~عبدا للتاجر، والتاجر عبدا للجندي، والجندي عبدا للحاكم، والحاكم عبدا للملك، والملك ~~عبدا للكاهن، والكاهن عبدا للصنم، والصنم تراب جبلته الشياطين، ونصبته فوق رابية من ~~جماجم الأموات. # دخلت منازل الأغنياء، الأقوياء، وأكواخ الفقراء الضعفاء، وقفت في المخادع الموشاة بقطع ~~العاج، وصفائح الذهب، وفي المأوى المفعمة بأشباح اليأس، وأنفاس المنايا، فرأيت الأطفال ~~يرضعون العبودية مع اللبن، والصبيان يتلقنون الخضوع مع حروف الهجاء، والصبايا يرتدين ~~الملابس مبطنة بالانقياد، والخنوع، والنساء يهجعن على أسرة الطاعة، ~~والامتثال. # اتبعت الأجيال من ضفاف الكنج، إلى شاطئ الفرات، إلى مصب النيل، إلى جبل سينا إلى ساحات ~~أثينا، إلى كنائس رومية، إلى أزقة القسطنطينية، إلى بنايات لندن، فرأيت العبودية تسير بكل ~~مكان في موكب العظمة، والجلال، والناس ينحرون الفتيان والعذارى على مذابحها، ويدعونها ~~إلها، ثم يسكبون الخمور والطيوب على قدميها، ويدعونها ملكا، ثم يحرقون البخور أمام ~~تماثيلها ويدعونها نبيا، ثم يخرون ساجدين لديها ويدعونها شريعة، ثم يتحاربون ويتقاتلون من ~~أجلها ويدعونها وطنية، ثم يستسلمون إلى مشيئتها ويدعونها ظل الله على الأرض، ثم يحرقون ~~منازلهم ويهدمون مبانيهم بإرادتها، ويدعونها إخاء ومساواة، ثم يجدون ويجاهدون في ~~سبيلها، ويدعونها مالا وتجارة ... فهي ذات أسماء عديدة، وحقيقة واحدة، ومظاهر كثيرة لجوهر ~~واحد، بل هي علة أزلية أبدية تجيء بأعراض متباينة، وقروح مختلفة يتوارثها الأبناء عن الآباء ~~مثلما يتوارثون نسمة الحياة، وتلقي بذورها العصور في تربة العصور، مثلما تستغل الفصول ما ~~تزرعه الفصول. ~~••• # وأغرب ما لقيت من أنواع العبوديات، وأشكالها: # العبودية العمياء: # وهي التي توثق حاضر الناس بماضي آبائهم، وتنيخ نفوسهم أمام ~~تقاليد حدودهم، وتجعلهم أجسادا جديدة لأرواح عتيقة، وقبورا مكلسة ~~لعظام بالية. # والعبودية الخرساء: # وهي التي تعلق أيام الرجل بأذيال الزوجة التي يمقتها، وتلصق جسد المرأة ~~بمضجع الزوج الذي تكرهه، وتجعلهما من الحياة بمنزلة النعل من القدم. # والعبودية الصماء: # وهي التي تكره الأفراد على اتباع مشارب محيطهم، والتلون بألوانه ~~والارتداء بأزيائه، فيصبحون من الأصوات كرجع الصدى، ومن الأجسام ~~كالخيالات. # والعبودية العرجاء: # وهي التي تضع رقاب الأشداء ms05 تحت سيطرة المحتالين، وتسلم عزم الأقوياء إلى ~~أهواء الطامحين بالمجد، والاشتهار؛ فيمسون مثل آلات تحركها الأصابع، ثم ~~توقفها، ثم تكسرها. # والعبودية الشمطاء: # وهي التي تهبط بأرواح الأطفال من الفضاء المتسع إلى منازل الشقاء حيث ~~تقيم الحاجة بجانب الغباوة، ويقطن الذل في جوار القنوط، فيشبون تعساء، ~~ويعيشون مجرمين ويموتون مرذولين. # والعبودية الرقطاء: # وهي التي تبتاع الأشياء بغير أثمانها، وتسمى الأمور بغير أسمائها، فتدعو ~~الاحتيال ذكاء، والثرثرة معرفة، والضعف لينا، والجبانة إباء. # والعبودية العوجاء: # وهي التي تحرك بالخوف ألسنة الضعفاء؛ فيتكلمون بما لا يضمرون، ويصبحون ~~بين أيدي المسكنة مثل ثوب تطويه، وتنشره. # والعبودية الحدباء: # وهي التي تقود قوما بشرائع قوم آخرين. # والعبودية الجرباء: # وهي التي تتوج أبناء الملوك ملوكا. # والعبودية السوداء: # وهي التي تسم بالعار أبناء المجرمين الأبرياء. # والعبودية للعبودية نفسها: # هي قوة الاستمرار. ~~••• # ولما تعبت من ملاحقة الأجيال، ومللت النظر إلى مواكب الشعوب والأمم، جلست وحيدا في وادي ~~الأشباح، حيث تختبئ خيالات الأزمنة الغابرة، وتربض أرواح الأزمنة الآتية: هناك رأيت ~~شبحا، هزيلا يسير منفردا محدقا بوجه الشمس فسألته: «من أنت وما اسمك؟». # قال: «اسمي الحرية». # قلت: «وأين أبناؤك؟». # قال «واحد مات مصلوبا، وواحد مات مجنونا، وواحد لم يولد بعد» ثم توارى عن عيني وراء ~~الضباب. # | الملك السجين # خفف عنك أيها المليك الأسير؛ فلست في سجنك أشد بلاء مني في جسدي، اربض، وكن متجلدا يا ~~أبا الأهوال، فالاضطراب أمام النوائب حري ببنات آوى، ولا يجمل بالملوك المسجونين ~~سوى الاستهزاء بالسجن والسجان. # سكن روعك يا فتى، العزم وانظر إلي، فأنا بين عبيد الحياة مثلك بين قضبان القفص، وما ~~الفرق بيننا سوى حلم مزعج يجاور روحي، ولكنه يخشى الاقتراب إليك. # كلانا منفي عن بلاده، بعيد عن أهله وأحبابه، فخفض عليك جأشك، وكن مثلي صابرا على ~~مضض الأيام والليالي، ساخرا بهؤلاء الضعفاء الذين يتغلبون علينا بعددهم، لا بعزم ~~أفرادهم. # وما عسى ينفع الزئير، والضجيج، والناس طرش لا يسمعون؟! # لقد صرخت قبلك في آذانهم، فلم أستوقف غير أشباح الدجى. وتفحصت مثلك طبقاتهم، فلم أجد ~~بينهم سوى ms06 جبان يستبسل متجبرا أمام المقيدين بالسلاسل، وضعيف يتوقح متصلبا أمام المسجونين ~~في الأقفاص. ~~••• # انظر أيها المليك الجبار، انظر إلى هؤلاء المحيطين بسجنك الآن، تفرس في وجوههم؛ تجد ~~في ملامحهم ما كنت تراه في سحنات أدنى رعاياك وأعوانك في مجاهل الصحراء، فمنهم من يشبه ~~الأرنب بضعف قلبه، ومنهم من يماثل الثعلب باحتياله، ومنهم من يضارع الأفعى بخبثه، ولكن ليس ~~بينهم من له سلامة الأرنب، وذكاء الثعلب، وحكمة الأفعى. # انظر، فهذا كالخنزير قذارة، أما لحمه فلا يؤكل، وهذا كالجاسوس خشونة، أما جلده فلا ~~ينفع، وذلك كالحمار غباوة ولكنه يمشي على الاثنتين، وذلك كالغراب شؤما ولكنه يبيع نعيبه ~~في الهياكل، وتلك كالطاووس تيها وإعجابا، أما ريشها فمستعار. # وانظر أيها السلطان المهيب، انظر إلى تلك القصور والمعاهد، فهي أوكار ضيقة يسكنها الإنسان ~~مفاخرا بزخارف سقوفها التي تحجبه عن النجوم، مغتبطا بصلابة جدرانها التي تفصله عن أشعة ~~الشمس. هي كهوف مظلمة تذبل في ظلالها أزاهر الشباب، وتترمد في زواياها جمرة الحب، وتتحول في ~~فضائها رسوم الأحلام إلى أعمدة من دخان، هي سرادب غريبة يتمايل فيها سرير الطفل بجانب ~~فراش المنازع، وينتصب فيها تخت العروس بقرب نعش الميت. # وانظر أيها الأسير الجليل، انظر إلى تلك الشوارع المنفرجة، والأزقة الضيقة فهي أودية خطرة ~~المعابر، يتربص اللصوص بين منعرجاتها، وتختبئ الخوارج بين جنباتها، هي ساحة قتال ~~مستتب بين الرغائب، والرغائب تتنازل فيها الأرواح متضاربة، ولكن بغير السيوف، وتتصارع ~~متناهشة، ولكن بغير الأنياب، بل هي غابة الأهوال تسكنها حيوانات داجنة المظاهر، معطرة ~~الأذناب، مصقولة القرون، لا تقضي شرائعها ببقاء الأنسب، بل بدوام الأروغ والأحيل، ولا تؤول ~~تقاليدها إلى الأفضل والأقوى، بل إلى الأخبث والأكذب. أما ملوكها فليست أسدا نظيرك، بل هم ~~مخاليق عجيبة لهم مناقد النسور، وبراثن الضبع، وألسنة العقارب، ونقيق الضفادع. ~~••• # فدتك روحي أيها المليك السجين، فقد أطلت الوقوف لديك، وأسهبت بالكلام أمامك، ولكن هو ~~القلب المخلوع عن عرشه يتعزى بالملوك المخلوعين، وهي النفس السجينة المستوحشة تستأنس ~~بالسجناء، والمستوحشين، فسامح فتى يلوك الكلام متسليا به عن الطعام، ويرتشف ms07 الأفكار ~~مستعيضا بها عن الشراب. # إلى اللقاء أيها الجبار، المهيب فإن لم يكن اللقاء في هذا العالم الغريب، فسيكون في عالم ~~الأشباح حيث تجتمع أرواح الملوك بأرواح الشعراء. # | يسوع المصلوب # كتبت يوم الجمعة الحزينة # اليوم، وفي مثل هذا اليوم من كل سنة، تستيقظ الإنسانية من رقادها العميق، وتقف أمام ~~أشباح الأجيال ناظرة بعيون مغلفة بالدموع نحو جبل الجلجلة؛ لترى يسوع الناصري معلقا على ~~خشبة الصليب ... وعندما تغيب الشمس عن مآتي النهار تعود الإنسانية وتركع مصلية أمام الأصنام ~~المنتصبة على قمة كل رابية وفي سفح كل جبل. # اليوم تقود الذكرى أرواح المسيحيين من جميع أقطار العالم إلى جوار أورشليم، فيقفون هناك ~~صفوفا قارعين صدورهم، محدقين بشبح مكلل بالأشواك باسط ذراعيه أمام اللانهاية، ناظر من وراء ~~حجاب الموت إلى أعماق الحياة ... ولكن لا تسدل ستائر الليل على مسارح هذا النهار حتى يعود ~~المسيحيون ويضطجعون جماعات جماعات في ظلال النسيان بين لحف الجهالة والخمول. # وفي مثل هذا اليوم من كل سنة يترك الفلاسفة كهوفهم المظلمة، والمفكرون صوامعهم الباردة، ~~والشعراء أوديتهم الخيالية، ويقفون جميعهم على جبل عال صامتين متهيبين مصغين إلى صوت فتى ~~يقول لقاتليه: «يا أبتاه، اغفر لهم، لأنهم لا يدرون ما يفعلون» ... ولكن لا تكتنف السكينة ~~أصوات النور حتى يعود الفلاسفة، والمفكرون، والشعراء، ويكفنون أرواحهم بصفحات الكتب ~~البالية. # إن النساء المشغولات ببهجة الحياة المشغوفات بالحلي، والحلل يخرجن اليوم من منازلهن ~~يشاهدن المرأة الحزينة الواقفة أمام الصليب، وقوف الشجرة اللينة أمام عواصف الشتاء، ويقتربن ~~منها؛ ليسمعن أنينها العميق، وغصاتها الأليمة. # أما الفتيان والصبايا الراكضون مع تيار الأيام إلى حيث لا يدرون، فيقفون اليوم هنيهة ~~ويلتفتون إلى الوراء؛ ليروا الصبية المجدلية تغسل بدموعها قطرات الدماء عن قدمي رجل ~~منتصب بين الأرض والسماء، ولكن عندما تمل عيونهم النظر إلى هذا المشهد، يتحولون مسرعين ~~ضاحكين. # في مثل هذا اليوم من كل سنة تستيقظ الإنسانية بيقظة الربيع، وتقف باكية لأوجاع النصارى، ~~ثم تطبق أجفانها، وتنام نوما عميقا، أما الربيع فيظل مستيقظا مبتسما سائرا حتى يصير ~~صيفا مذهب ms08 الملابس معطر الأذيال. # الإنسانية امرأة يلذ لها البكاء والنحيب على أبطال الأجيال، ولو كانت الإنسانية رجلا ~~لفرحت بمجدهم وعظمتهم. # الإنسانية طفلة تقف متأوهة بجانب الطائر الذبيح، ولكنها تخشى الوقوف أمام العاصفة ~~الهائلة التي تهصر بمسيرها الأغصان اليابسة، وتجرف بعزمها الأقذار المنتنة. # الإنسانية ترى يسوع الناصري مولودا كالفقراء، عائشا كالمساكين، مهانا كالضعفاء، ~~مصلوبا كالمجرمين، فتبكيه، وترثيه، وتندبه وهذا كل ما تفعله لتكريمه. # منذ تسعة عشر جيلا، والبشر يعبدون الضعف بشخص يسوع، ويسوع كان قويا، ولكنهم لا يفهمون ~~معنى القوة الحقيقية. # ما عاش يسوع مسكينا خائفا، ولم يمت شاكيا متوجعا، بل عاش ثائرا، وصلب متمردا، ومات ~~جبارا. # لم يكن يسوع طائرا مكسور الجناحين، بل كان عاصفة هوجاء تكسر بهبوبها جميع الأجنحة ~~المعوجة. # لم يجئ يسوع من وراء الشفق الأزرق، ليجعل الألم رمزا للحياة، بل جاء ليجعل الحياة رمزا ~~للحق والحرية. # لم يخف يسوع مضطهديه، ولم يخش أعدائه، ولم يتوجع أمام قاتليه، بل كان حرا على رؤوس ~~الأشهاد جريئا أمام الظلم والاستبداد، يرى البثور الكريهة فيبضعها، ويسمع الشر ~~متكلما فيخرسه، ويلتقي بالرياء فيصرعه. # لم يهبط يسوع من دائرة النور الأعلى، ليهدم المنازل ويبني من حجارتها الأديرة والصوامع ~~ويستهوي الرجال الأشداء ليقودهم قسوسا ورهبانا، بل جاء ليبث في فضاء هذا العالم روحا ~~جديدة قوية تقوض قوائم العروش المرفوعة على الجماجم، وتهدم القصور المتعالية فوق ~~القبور، وتسحق الأصنام المنصوبة على أجساد الضعفاء المساكين. # لم يجئ يسوع ليعلم الناس بناء الكنائس الشاهقة والمعابد الضخمة في جوار الأكواخ الحقيرة ~~والمنازل الباردة المظلمة، بل جاء ليجعل قلب الإنسان هيكلا، ونفسه مذبحا، وعقله ~~كاهنا. # هذا ما صنعه يسوع الناصري، وهذه هي المبادئ التي صلب لأجلها مختارا. ولو عقل البشر ~~لوقفوا اليوم فرحين متهللين، منشدين أهازيج الغلبة والانتصار. ~~••• # وأنت أيها الجبار، المصلوب، الناظر من أعالي الجلجلة إلى مواكب الأجيال، السامع ضجيج ~~الإثم، الفاهم أحلام الأبدية، أنت على خشبة الصليب المضرجة بالدماء أكثر جلالا ~~ومهابة من ألف ملك على ألف عرش في ألف مملكة، بل أنت بين النزع والموت أشد هولا ms09 وبطشا من ~~ألف قائد في ألف جيش في ألف معركة. # أنت بكآبتك أشد فرحا من الربيع بأزهاره، أنت بأوجاعك أهدأ بالا من الملائكة بسمائها، ~~وأنت بين الجلادين أكثر حرية من نور الشمس. # إن إكليل الشوك على رأسك هو أجل وأجمل من تاج بهرام، والمسمار في كفك أسمى وأفخم من ~~صولجان المشترى، وقطرات الدماء على قدميك أسنى لمعانا من قلائد عشتروت، فسامح هؤلاء ~~الضعفاء الذين ينوحون عليك لا يدرون كيف ينوحون على نفوسهم، واغفر لهم لأنهم لا يعلمون ~~بأنك صرعت الموت بالموت، ووهبت الحياة لمن في القبور. # | على باب الهيكل # قد طهرت شفتي بالنار المقدسة لأتكلم عن الحب، ولما فتحت شفتي للكلام وجدتني ~~أخرسا. # كنت أترنم بأغاني الحب قبل أن أعرفه، ولما عرفته تحولت الألفاظ في فهمي إلى لهاث ضئيل، ~~والأنغام في صدري إلى سكينة عميقة. # وكنتم أيها الناس، فيما مضى تسألوني عن غرائب الحب، وعجائبه، فكنت أحدثكم وأقنعكم، أما ~~الآن وقد غمرني الحب بوشاحه، فجئت بدوري أسألكم عن مسالكه ومزاياه، فهل بينكم من يجيبني؟ ~~جئت أسألكم عما بي، وأستخبركم عن نفسي، فهل بينكم من يستطيع أن يبين قلبي لقلبي ويوضح ذاتي ~~لذاتي؟ # ألا فأخبروني، ما هذه الشعلة التي تتقد في صدري، وتلتهم قواي وتذيب عواطفي ~~وأميالي؟ # وما هذه الأيدي الخفية، الناعمة، الخشنة التي تقبض على روحي في ساعات الوحدة والانفراد، ~~وتسكب في كبدي خمرة ممزوجة بمرارة اللذة وحلاوة الأوجاع؟ # وما هذه الأجنحة التي ترفرف حول مضجعي في سكينة الليل، فأسهر مترقبا ما لا أعرفه، ~~مصغيا إلى ما لا أسمعه، محدقا بما لا أراه، مفكرا بما لا أفهمه، شاعرا بما لا ~~أدركه، متأوها لأن في التأوه غصات أحب إلي من رنة الضحك والابتهاج، مستسلما إلى قوة ~~غير منظورة تميتني وتحييني، ثم تميتني وتحييني حتى يطلع الفجر ويملأ النور زوايا غرفتي، ~~فأنا إذ ذاك، وبين أجفاني الذابلة ترتعش أشباح اليقظة، وعلى فراشي الحجري تتمايل خيالات ~~الأحلام. ~~••• # وما هذا الذي ندعوه حبا؟ # أخبروني ما هذا السر الخفي الكامن خلف الدهور، المختبئ وراء المرئيات ms10 ، الساكن في ضمير ~~الوجود؟ # ما هذه الفكرة المطلقة التي تجيء سببا لجميع النتائج، وتأتي نتيجة لجميع الأسباب؟ # ما هذه اليقظة التي تتناول الموت، والحياة، وتبتدع منها حلما أغرب من الحياة وأعمق من ~~الموت؟ # أخبروني أيها الناس، أخبروني هل بينكم من لا يستيقظ من رقدة الحياة إذا ما لمس الحب روحه ~~بأطراف أصابعه؟ # هل بينكم من لا يترك أباه، وأمه، ومسقط رأسه عندما تناديه الصبية التي أحبها قلبه؟ # هل فيكم من لا يمخر البحر، ويقطع الصحارى، ويجتاز الجبال، والأودية، ليلتق بالمرأة ~~التي اختارتها روحه؟ # أي فتى لا يتبع قلبه إلى أقاصي الأرض إذا ما كان له في أقاصي الأرض حبيبة يستطيب نكهة ~~أنفاسها، ويستلطف ملامس يديها، ويستعذب رنة صوتها؟ # أي بشر لا يحرق نفسه بخورا أمام إله يسمع ابتهاله ويستجيب صلواته؟ ~~••• # وقفت بالأمس على باب الهيكل أسأل العابرين عن خفايا الحب ومزاياه، فمر أمامي كهل مهزول ~~القامة كاسف الوجه وقال متأوها «الحب ضعف فطري ورثناه عن الإنسان الأول». # ومر فتى قوي الجسم مفتول الساعدين وقال مترنما «الحب عزم يلازم كياننا، ويصل حاضرنا ~~بماضي الأجيال ومستقبلها». # ومرت امرأة كفيفة العينين وقالت متنهدة: «الحب سم قتال تتنفسه الأفاعي السوداء المتقلبة ~~في كهوف الجحيم، فيسيل منتشرا في الفضاء، ثم يهبط مغلفا بقطرات الندى، فترتشفه الأرواح ~~الظامئة، فتسكر دقيقة، ثم تصحوا عاما، ثم تموت دهرا». # ومرت صبية موردة الوجنتين وقالت مبتسمة: «الحب كوثر تسكبه عرائس الفجر في الأرواح القوية، ~~فيجعلها تتعالى متجمدة أمام كواكب الليل، وتسبح مترنمة أمام شمس النهار». # ومر رجل ذو ملابس سوداء ولحية مسترسلة وقال عابسا: «الحب جهالة عمياء تبتدئ ببدء الشباب ~~وتنتهي بنهايته». # ومر رجل ذو وجه صبوح وملامح منفرجة، وقال فرحا: «الحب معرفة علوية تنير بصائرنا ~~فنرى الأشياء كما تراها الآلهة». # ومر أعمى يجس الأرض بعكازه وقال منتحبا: «الحب ضباب كثيف يكتنف النفس من كل ناحية، ~~ويحجب عنها رسوم الوجود، أو يجعلها لا ترى سوى أشباح أميالها مرتعشة بين الصخور، ولا تسمع ~~غير صدى صراخها آتيا من خلايا الوادي». # ومر ms11 شاب يحمل قيثارة وقال منغما: «الحب شعاع سحري ينبثق من أعماق اللذات الحساسة، وينير ~~جنباتها، فترى العالم موكبا سائرا في مروج خضراء، والحياة حلما جميلا منتصبا بين ~~اليقظة واليقظة». # ومر هرم منحني الظهر يجر قدميه كأنهما خرقتان وقال مرتعشا «الحب راحة الجسم في سكينة ~~القبر، وسلامة النفس في أعماق الأبدية». # ومر طفل ابن خمس وهتف ضاحكا «الحب أبي، والحب أمي، ولا يعرف الحب سوى أبي وأمي». ~~••• # وانقضى النهار، والناس يمرون أمام الهيكل، وكل يصور نفسه متكلما عن الحب، ويبوح بأمانيه ~~معلنا سر الحياة. # ولما جاء المساء، وسكنت حركة العابرين سمعت صوتا آتيا من داخل الهيكل يقول: «الحياة ~~نصفان: نصف متجلد، ونصف ملتهب، فالحب هو النصف الملتهب». # فدخلت الهيكل إذ ذاك، وسجدت راكعا مبتهلا مصليا هاتفا «اجعلني يا رب طعاما للهيب، ~~اجعلني أيها الإله، مأكلا للنار المقدسة. آمين». # | أيها الليل # يا ليل العشاق، والشعراء، والمنشدين. # يا ليل الأشباح، والأرواح، والأخيلة. # يا ليل الشوق، والصبابة، والتذكار. # أيها الجبار، الواقف بين أقزام غيوم المغرب وعرائس الفجر، المتقلد سيف الرهبة، المتوج ~~بالقمر، المتشح بثوب السكوت، والناظر بألف عين إلى أعماق الحياة، المصغي بألف أذن إلى أنة ~~الموت والعدم. # أنت ظلام يرينا أنوار السماء، والنهار نور يغمرنا بظلمة الأرض. # أنت أمل يفتح بصائرنا أمام هيبة اللانهاية، والنهار غرور يوقفنا كالعميان في عالم ~~المقاييس والكمية. # أنت هدوء يبيح بصمته خفايا الأرواح المستيقظة السائرة في الفضاء العلوي، والنهار ضجيج ~~يثير بعوامله نفوس المنطرحين بين سنابك المقاصد والرغائب. # أنت عادل يجمع بين جنحي الكرم أحلام الضعفاء بأماني الأقوياء، وأنت شفوق يغمض بأصابعه ~~الخفية أجفان التعساء، ويحمل قلوبهم إلى عالم أقل قساوة من هذا العالم. # بين طيات أثوابك الزرقاء يسكب المحبون أنفسهم، وعلى قدميك المغلفتين بقطر الندى يهرق ~~المستوحشون قطرات دموعهم، وفي راحتيك المعطرتين بطيب الأودية يضيع الغرباء تنهدات شوقهم ~~وحنينهم، فأنت نديم المحبين، وأنيس المستوحدين، ورفيق الغرباء، والمستوحشين. # في ظلالك تدب عواطف الشعراء، وعلى منكبيك تستفيق قلوب الأنبياء، وبين ثنايا ضفائرك ترتعش ~~قرائح المفكرين، فأنت ملقن الشعراء، والموحي ms12 إلى الأنبياء، والموعز إلى المفكرين ~~والمتأملين. ~~••• # عندما ملت نفسي البشر، وتعبت أجفاني من النظر إلى وجه النار، سرت إلى تلك الحقول ~~البعيدة حيث تهجع أشباح الأزمنة الغابرة. # هناك وقفت أمام كائن أقتم، جامد، مرتعش، سائر بألف قدم فوق السهول، والجبال، ~~والأودية. # هنالك أحدقت شاخصا بعيون الدجى، مصغيا لحفيف الأجنحة غير المنظورة، وشاعرا بملامس ~~ملابس السكوت، مستبسلا أمام مخاوف الظلام. # هنالك رأيتك أيها الليل شبحا، هائلا، جميلا، منتصبا بين الأرض والسماء، متشحا ~~بالسحاب، ممنطقا بالضباب، ضاحكا من الشمس، ساخرا بالنهار، مستهزئا بالعبيد الساهرين ~~أمام الأصنام، غاضبا على الملوك الراقدين فوق الحرير والديباج، محملقا بوجوه اللصوص، ~~خافرا بقرب أسرة الأطفال، باكيا لابتسام الساقطات، مبتسما لبكاء العشاق، رافعا بيمينك ~~كبار القلوب، ساحقا بقدميك صغار النفوس. # هنالك رأيتك أيها الليل، ورأيتني، فكنت بهولك لي أبا، وكنت بأحلامي لك ابنا، فأزيحت من ~~بيننا ستائر الأشكال، وتمزق من وجهينا نقاب الظن والتخمين، فأبحت لي بأسرارك ونواياك، ~~وأبنت لك أماني وآمالي، حتى إذا تحولت أهوالك إلى أنغام أعذب من همس الأزهار، وتبدلت ~~مخاوفي بأنس أطيب من طمأنينة العصافير، رفعتني إليك، وأجلستني على منكبيك، وعلمت عيني ~~النظر، وعلمت أذني السمع، وعلمت شفتي الكلام، وعلمت قلبي محبة ما لا يحبه الناس، وكره ما ~~لا يكرهونه، ثم لمست بأناملك أفكاري، فتدفقت أفكاري نهرا راكضا مترنما يجرف الأعشاب ~~الذابلة، ثم قبلت بشفتيك روحي، فتمايلت روحي شعلة متقدة تلتهم الأنصاب اليابسة. ~~••• # لقد صحبتك أيها الليل، حتى صرت شبيها بك، وألفتك حتى تمازجت أميالي بأميالك، ~~وأحببتك حتى تحول وجداني إلى صورة مصغرة لوجودك، ففي نفسي المظلمة كواكب متلمعة ينثرها ~~الوجد عند المساء، وتلتقطها الهواجس في الصباح، وفي قلبي الرقيب قمر يسعى تارة في فضاء ~~متلبد بالغيوم، وطورا في خلاء مفعم بمواكب الأحلام، وفي روحي الساهرة سكينة تبيح بتفاعيلها ~~سرائر المحبين، وترجع خلاياها صدى صلوات المتعبدين، وحول رأسي غلاف من السحر تمزقه حشرجة ~~المنازعين، ثم تحيطه أغاني المتشببين. # أنا مثلك أيها الليل، وهل يحسبني الناس مفاخرا إذا ما تشبهت بك، وهم إذا تفاخروا يتشبهون ms13 ~~بالنهار! # أنا مثلك وكلانا متهم بما ليس فيه. # أنا مثلك بأميالي، وأحلامي، وخلقي، وأخلاقي. # أنا مثلك وإن لم يتوجني المساء بغيومه الذهبية. # أنا مثلك وإن لم يرصع الصباح أذيالي بأشعته الوردية. # أنا مثلك وإن لم أكن ممنطقا بالمجرة. # أنا ليل مسترسل منبسط هادئ مضطرب، وليس لظلمتي بدء، وليس لأعماقي نهاية، فإذا ما انتصبت ~~الأرواح متباهية بنور أفراحها، تتعالى روحي متجمدة بظلام كآبتها. # أنا مثلك أيها الليل ولن يأتي صباحي حتى ينتهي أجلي. # | الجنية الساحرة # إلى أين تسيرين بي أيتها الساحرة؟ # حتى ما أتبعك على هذه الطريق الوعرة، المنسابة بين الصخور، المفروشة بالأشواك، المتصاعدة ~~بأقدامنا نحو الأعالي، الهابطة بنفسينا إلى الأعماق؟ # قد تمسكت بأذيالك، وسرت ورائك كطفل يلاحق أمه، متناسيا ما بي من الأحلام، محدقا بما ~~فيك من الجمال، متعاميا عن مواكب الأشباح المتطايرة حول رأسي، مجذوبا بالقوة الخفية ~~الكامنة في جسدك. # قفي بي هنيهة، لأرى وجهك، انظري إلي دقيقة لعلي أرى في عينيك أسرار صدرك، وأفهم من ~~ملامحك مخبآت نفسك. # قفي قليلا أيتها الجنية، فقد مللت المسير، وارتعدت روحي من مخاوف الطريق قفي، فقد بلغنا ~~ملتقى السبل حيث يعانق الموت الحياة، ولن أسير خطوة أخرى حتى تستعلن روحي نيات روحك، ~~ويستوضح قلبي خزائن قلبك. ~~••• # اسمعي أيتها الجنية الساحرة: كنت بالأمس طائرا حرا، أتنقل بين السواق، وأسبح في الفضاء، ~~وأجلس على أطراف الغصون عند المساء متأملا بالقصور والهياكل في مدينة الغيوم المتلونة التي ~~تبقيها عند الأصيل وتهدمها قبل الغروب. # بلى، كنت كالفكر أسير منفردا في مشارق الأرض ومغاربها، فرحا بمحاسن الحياة وملذاتها، ~~مستقصيا خفايا الوجود وأسراره. # بل كنت كالحلم أسعى تحت جنح الليل، وأدخل من شقوق النوافذ إلى خدور العذارى النائمات، ~~وأتلاعب بعواطفهن، ثم أقف بجانب أسرة الفتيان، وأثير أميالهم، ثم أجلس بقرب مضاجع ~~االشيوخ، وأستجلي أفكارهم. # واليوم وقد لقيتك أيتها الساحرة، وتسممت بقبل يديك، فقد أصبحت مثل أسير أجر قيودي إلى ~~حيث لا أدري، بل إني صرت مثل نشوان أستزيد من الخمر التي سلبتني إرادتي، وألثم الكف التي ~~صفعت وجهي ms14 . # ولكن قفي قليلا أيتها الساحرة، فها قد استرجعت قواي، وكسرت القيود التي برت قدمي، وسحقت ~~الكأس التي شربت منها السم الذي استطيبته، فماذا تريدين أن نفعل، وعلى أي طريق تريدين أن ~~نسير؟ # قد استرديت حريتي، فهل ترضين بي رفيقا حرا «ويحدق بوجه الشمس بأجفان جامدة، ويقبض على ~~النار بأصابع غير مرتعشة؟». # قد فتحت جناحي ثانية، فهل تصحبين فتي يصرف الأيام متنقلا كالنسر بين الجبال، ويقضي ~~الليالي رابضا كالأسد في الصحراء؟ # هل تكتفين بحب رجل يتخذ الحب نديما ويأباه سيدا؟ # هل تقنعين بشغف قلب يهيم، ولا يستسلم، ويشتعل، ولكنه لا يذوب؟ # هل ترتاحين إلى أميال نفس ترتعش أمام العاصفة، ولكنها لا تنصهر، وتثور مع الزوابع ولكنها ~~لا تقتلع من مكانها؟ # هل ترضين بي صاحبا لا يستعبد ولا يستعبد؟ # إذا، هذه يدي فهزيها بيدك الجميلة، وهذا جسدي فضميه بذراعيك الناعمتين، وهذا فمي ~~فقبليه قبلة طويلة عميقة خرساء. # | قبل الانتحار # في هذه الغرفة المنفردة الهادئة قد جلست بالأمس المرأة التي أحبها قلبي. # إلى هذه المساند الوردية الناعمة قد ألقت رأسها الجميل، ومن هذه الكأس البلورية قد ~~شربت جرعة من الخمر، ممزوجة بقطرة من العطر. # كل ذلك قد كان بالأمس، والأمس حلم لا يعود، أما اليوم فقد ذهبت المرأة التي أحبها ~~قلبي إلى أرض بعيدة خالية مقفرة باردة تدعى بلاد الخلو والنسيان. # إن آثار أصابع المرأة التي أحبها قلبي، لم تزل ظاهرة على بلور مرآتي، وعطر أنفاسها ما برح ~~متضوعا بين طيات أثوابي، وصدى صوتها لم يضمحل بعد من زوايا منزلي - ولكن المرأة نفسها - ~~المرأة التي أحبها قلبي قد رحلت إلى مكان قصي يدعى وادي الهجر، والسلوان، أما آثار ~~أصابعها، وعطر لهاتها، وأشباح روحها، فستبقى في هذه الغرفة حتى صباح الغد، وعند ذلك أفتح ~~نوافذ منزلي؛ لتدخل أمواج الهواء، وتجرف بتيارها كل ما تركته لي تلك الساحرة ~~الحسناء. # إن رسم المرأة التي أحبها قلبي لم يزل معلقا بجانب مضجعي، ورسائل الحب التي بعثت بها ~~إلي ما برحت في العلبة الفضية المرصعة بالعقيق والمرجان، وذؤابة ms15 الشعر الذهبية التي ~~حبتني بها تذكارا لم تخرج قط من الغلاف الحريري المبطن بالمسك والبخور - جميع هذه الأشياء ~~ستبقى في أماكنها حتى الصبح - وعند مجيء الصباح أفتح نوافذ منزلي، ليدخل الهواء، ويحملها ~~إلى ظلمة العدم إلى حيث تقطن السكينة الخرساء. # إن المرأة التي أحبها قلبي شبيهة بالنساء اللواتي أحبتهن قلوبكم أيها الفتيان، هي مخلوقة ~~عجيبة صنعتها الآلهة من وداعة الحمامة، وتقلبات الأفعى، وتيه الطاووس، وشراسة الذئب، وجمال ~~الوردة البيضاء، وهول الليلة السوداء مع قبضة من الرماد، وغرفة من زبد ~~البحر. # وقد عرفت المرأة التي أحبها قلبي أيام الطفولة، فكنت أركض ورائها في الحقول، وأتمسك ~~بأذيالها في الشوارع. # وعرفتها أيام الصبا، فكنت أرى خيال وجهها في وجوه الكتب، والأسفار، وأشاهد خطوط قامتها ~~بين غيوم السماء، وأسمع نغمة صوتها متصاعدة مع خرير السواقي. # وعرفتها أيام الرجولة؛ فكنت أجالسها محدثا، وأسألها مستفتيا، وأقترب منها شاكيا ما في ~~قلبي من الأوجاع، باسطا ما في روحي من الأسرار. # كل ذلك كان بالأمس، والأمس حلم لا يعود، أما اليوم فقد ذهبت تلك المرأة إلى أرض بعيدة ~~خالية مقفرة باردة تدعى بلاد الخلو والنسيان. ~~••• # أما اسم المرأة التي أحبها قلبي فهو الحياة. # فالحياة امرأة ساحرة حسناء تستهوي قلوبنا، وتستغوي أرواحنا، وتغمر وجداننا بالوعود، فإن ~~أمطلت أماتت فينا الصبر، وإن أبرت أيقظت فينا الملل. # الحياة امرأة تستحم بدموع عشاقها، وتتعطر بدماء قتلاها. # الحياة امرأة ترتدي الأيام البيضاء المبطنة بالليالي السوداء. # الحياة امرأة ترضى بالقلب البشري خليلا، وتأباه حليلا. # الحياة امرأة عاهرة؛ ولكنها جميلة، ومن يرى عهرها يكره جمالها. # | يا بني أمي # ماذا تريدون مني يا بني أمي؟ # أتريدون أن أبني لكم من المواعيد الفارغة قصورا مزخرفة بالكلام، وهياكل مسقوفة بالأحلام ~~أم تريدون أن أهدم ما بناه الكاذبون، والجبناء، وأنقض ما رفعه المرائون، والخبثاء؟ # ماذا تريدون أن أفعل يا بني أمي؟ # أأهدل كالحمائم لأرضيكم، أو أزمجر كالأسد لأرضي نفسي؟ # قد غنيت لكم، فلم ترقصوا، ونحت أمامكم، فلم تبكوا، فهل تريدون أن أترنم، وأنوح في وقت ~~واحد؟ # نفوسكم تتلوى جوعا ms16 ، وخبز المعرفة أوفر من حجارة الأودية، ولكنكم لا تأكلون، وقلوبكم ~~تختلج عطشا، ومناهل الحياة تجري كالسواقي حول منازلكم، فلماذا لا تشربون؟ # للبحر مد وجزر، وللقمر نقص وكمال، وللزمن صيف وشتاء، أما الحق فلا يحول، ولا يزول ولا ~~يتغير فلماذا تحاولون تشويه وجه الحق؟ # ناديتكم في سكينة الليل؛ لأريكم جمال البدر، وهيبة الكواكب، فهببتم من مضاجعكم مذعورين، ~~وقبضتم على سيوفكم، ورماحكم صارخين «أين العدو لنصرعه؟» وعند الصباح وقد جاء العدو بخيله، ~~ورجله ناديتكم، فلم تهبوا من رقادكم، بل ظللتم تغالبون مواكب الأحلام. # قلت لكم: تعالوا نصعد إلى قمة الجبل، لأريكم ممالك العالم، فأجبتم قائلين «في أعماق هذا ~~الوادي عاش آباؤنا، وجدودنا، وفي ظلاله ماتوا، وفي كهوفه قبروا، فكيف نتركه ونذهب إلى حيث ~~لم يذهبوا؟». # قلت لكم: هلموا نذهب إلى السهول، لأريكم مناجم الذهب، وكنوز الأرض، فأجبتم قائلين: «في ~~السهول تربض اللصوص وقطاع الطرق». # قلت: تعالوا نذهب إلى الساحل حيث يعطي البحر خيراته، فأجبتم قائلين: «ضجيج اللجة يخيف ~~أرواحنا، وهوى الأعماق يميت أجسادنا». ~~••• # لقد كنت أحبكم يا بني أمي، وقد أضر بي الحب ولم ينفعكم، واليوم صرت أكرهكم، والكره سيل لا ~~يجرف غير القضبان اليابسة، ولا يهدم سوى المنازل المتداعية. # كنت أشفق على ضعفكم يابنى أمي، والشفقة تكثر الضعفاء، وتنمي عدد المتوانين، ولا تجدي ~~الحياة شيئا، واليوم صرت أرى ضعفكم؛ فترتعش نفسي اشمئزازا، وتنقبض ازدراء. # كنت أبكي على ذلكم وانكساركم، وكانت دموعي تجري صافية كالبلور، ولكنها لم تغسل ~~أدرانكم الكثيفة، بل أزالت الغشاء عن عيني، ولا بللت صدوركم المتحجرة، بل أذابت الجزع في ~~قلبي، واليوم صرت أضحك من أوجاعكم، والضحك رعود قاصفة تجيء قبل العاصفة، ولا تأتي ~~بعدها. # ماذا تريدون مني يا بني أمي؟ # أتريدون أن أريكم أشباح وجوهكم في أحواض المياه الهادئة؟ تعالوا إذن، وانظروا ما أقبح ~~ملامحكم. # هلموا وتأملوا فقد جعل الخوف شعور رؤوسكم كالرماد، وعرك السهر عيونكم؛ فأصبحت كالحفر ~~المظلمة، ولمست الجبانة خدودكم، فبانت كالخرق المتجعدة، وقبل الموت شفاهكم، فأمست ~~صفراء كأوراق الخريف. # ماذا تطلبون مني يا بني أمي ms17 ، بل ماذا تطلبون من الحياة، والحياة لم تعد تحسبكم من ~~أبنائها؟ # أرواحكم تنتفض في مقابض الكهان والمشعوذين، وأجسادكم ترتجف بين أنياب الطغاة والسفاحين، ~~وبلادكم ترتعش تحت أقدام الأعداء والفاتحين، فماذا ترجون من وقوفكم أمام وجه الشمس؟ # سيوفكم مغلفة بالصداء، ورماحكم مكسورة الحراب، وتروسكم مغمورة بالتراب، فلماذا تقفون في ~~ساحة الحرب والقتال؟ # دينكم رياء، ودنياكم ادعاء، وآخرتكم هباء، فلماذا تحيون والموت راحة الأشقياء؟ ~~••• # إنما الحياة عزم يرافق الشبيبة، وجد يلاحق الكهولة، وحكمة تتبع الشيخوخة، أما أنتم ~~يا بني أمي فقد ولدتم شيوخا عاجزين، ثم صغرت رؤوسكم، وتقلصت جلودكم، فصرتم أطفالا تنقلبون ~~على الأوحال، وتترامون بالحجارة. # إنما الإنسانية نهر بلوري يسير متدفقا، مترنما، حاملا أسرار الجبال إلى أعماق ~~البحر، أما أنتم يا بني أمي، فمستنقعات خبيثة تدب الحشرات في أعماقها، وتتلوى الأفاعي على ~~جنباتها. # إنما النفس شعلة زرقاء متقدة مقدسة تلتهم الهشيم، وتنمو بالأنواء، وتنير أوجه ~~الآلهة، أما نفوسكم يا بني أمي فرماد تذروه الرياح على الثلوج، وتبدده العواصف في ~~الأودية. # أنا أكرهكم يا بني أمي؛ لأنكم تكرهون المجد والعظمة. # أنا أحتقركم؛ لأنكم تحتقرون نفوسكم. # أنا عدوكم لأنكم أعداء الآلهة، ولكنكم لا تعلمون. # | نحن وأنتم # نحن أبناء الكآبة، وأنتم أبناء المسرات. # نحن أبناء الكآبة، والكآبة ظل إله لا يسكن في جوار القلوب الشريرة، نحن ذوو النفوس ~~الحزينة، والحزن كبير لا تسعه النفوس الصغيرة، نحن نبكي، وننتحب أيها الضاحكون، ومن ~~يغتسل بدموعه مرة يظل نقيا إلى نهاية الدهور. # أنتم لا تعرفوننا، أما نحن فنعرفكم، أنتم سائرون بسرعة مع تيار نهر الحياة، فلا تلتفتون ~~نحونا، أما نحن فجالسون على الشاطئ نراكم ونسمعكم، أنتم لا تعون صراخنا؛ لأن ضجيج الأيام ~~يملأ آذانكم، أما نحن فنسمع أغانيكم؛ لأن همس الليالي قد فتح مسامعنا، نحن نراكم؛ لأنكم ~~واقفون في النور المظلم، أما أنتم فلا تروننا؛ لأننا جالسون في الظلمة المنيرة. # نحن أبناء الكآبة، نحن الأنبياء، والشعراء، والموسيقيون، نحن نحوك من خيوط قلوبنا ~~ملابس الآلهة؛ فنملأ بحبات صدورنا حفنات الملائكة، وأنتم أنتم أبناء غفلات المسرات، ويقظات ~~الملاهي، أنتم ms18 تضعون قلوبكم بين أيدي الخلو؛ لأن أصابع الخلو لينة الملامس، وترتاحون بقرب ~~الجهالة؛ لأن بيت الجهالة خال من مرآة ترون فيها وجوهكم، نحن نتنهد، ومع تنهداتنا يتصاعد ~~همس الزهور، وحفيف الغصون، وخرير السواقي، أما أنتم تضحكون، وقهقهة ضحككم تمتزج بسحيق ~~الجماجم، وحرتقة القيود، وعويل الهاوية. # نحن نبكي ودموعنا تنسكب في قلوب الحياة، مثلما يتساقط الندى من أجفان الليل في كبد ~~الصباح، أما أنتم فتبتسمون، ومن جوانب أفواهكم المبتسمة تنهرق السخرية مثلما يسيل سم ~~الأفاعي على جرح الملسوع. # نحن نبكي؛ لأننا نرى تعاسة الأرملة، وشقاء اليتيم، وأنتم تضحكون؛ لأنكم لا ترون غير لمعان ~~الذهب، نحن نبكي لأننا نسمع أنة الفقير، وصراخ المظلوم، وأنتم تضحكون؛ لأنكم لا تسمعون ~~سوى رنة الأقداح، نحن نبكي؛ لأن أرواحنا منفصلة بالأجساد عن الله، وأنتم تضحكون لأن أجسادكم ~~تلتصق مرتاحة بالتراب. ~~••• # نحن أبناء الكآبة، وأنتم أبناء المسرات، فهلموا نضع مآتي كآبتنا، وأعمال مسراتكم أمام وجه ~~الشمس. # أنتم بنيتم الأهرام من جماجم العبيد، والأهرام جالسة الآن على الرمال تحدث الأجيال عن ~~خلودنا وفنائكم، ونحن هدمنا الباستيل بسواعد الأحرار، والباستيل لفظة ترددها الأمم؛ ~~فتباركنا وتلعنكم، أنتم رفعتم حدائق بابل فوق هياكل الضعفاء، وأقمتم قصور نينوى فوق مدافن ~~البؤساء، وها قد أصبحت بابل، ونينوي نظير آثار أخفاف الإبل على رمال الصحراء، أما نحن فقد ~~نحتنا تمثال عشتروت من الرخام، فجعلنا الرخام يرتعش جامدا، ويتكلم صامتا، وضربنا النهاوند ~~على الأوتار، فاستحضرت الأوتار أرواح المحبين الحائمة في الفضاء، ورسمنا مريم بالخطوط ~~والألوان، فغدت الخطوط كأفكار الآلهة، والألوان كعواطف الملائكة. # أنتم تتبعون الملاهي، وأظافر الملاهي مزقت ألف ألف من الشهداء في مراسح رومية وأنطاكية، ~~ونحن نلاحق السكينة، وأصابع السكينة؛ نسجت الإلياذة وسفر أيوب، والتائية الكبرى. أنتم ~~تضاجعون الشهوات، وعواصف الشهوات جرفت ألف موكب من أرواح النساء إلى هاوية العار والفجور، ~~ونحن نعانق الوحدة، وفي ظلال الوحدة؛ تجسمت المعلقات، ورواية هملت، وقصيدة دانتي، أنتم ~~تسامرون المطامع، وأسياف المطامع أجرت ألف نهر من الدماء، ونحن نرافق الخيال؛ وأيدي الخيال ~~أنزلت المعرفة من دائرة النور الأعلى ms19 . # نحن أبناء الكآبة، وأنتم أولاد المسرات، وبين كآبتنا، وسروركم عقبات صعبة لمسالك ضيقة ~~المعابر لا تجتازها خيولكم المهطمة، ولا تسير عليها مركباتكم الجميلة. # نحن نشفق على صغارتكم، وأنتم تكرهون عظمتنا، وبين شفقتنا، وكرهكم يقف الزمان محتارا بنا ~~وبكم. # نحن ندنو منكم كالأصدقاء، وأنتم تهاجموننا كالأعداء، وبين الصداقة، والعداوة هوة عميقة ~~مملوئة بالدموع، والدماء. # نحن نبني لكم القصور، وأنتم تحفرون لنا القبور، وبين جمال القصر، وظلمة القبر تسير ~~الإنسانية بأقدام من حديد. # نحن نفرش سبلكم بالورود، وأنتم تغمرون مضاجعنا بالأشواك، وبين أوراق الوردة وأشواكها تنام ~~الحقيقة نوما عميقا أبديا. # منذ البدء وأنتم تصارعون قوانا اللينة بضعفكم الخشن ... تغلبوننا ساعة، فتضجون فرحين ~~كالضفادع، ونغلبكم دهرا، ونظل صامتين كالجبابرة، قد صلبتم الناصري، ووقفتم حوله تسخرون به ~~وتجدفون عليه، ولكن لما انقضت تلك الساعة نزل من عن صليبه وسار كالجبال يتغلب على الأجيال ~~بالروح، والحق، ويملأ الأرض بمجده، وجماله. # قد سممتم سقراط، ورجمتم بولس، وقتلتم غليلو، وفتكتم بعلي بن أبي طالب، وخنقتم مدحت باشا، ~~وهؤلاء يحيون الآن كالأبطال الظافرين أمام وجه الأبدية، أما أنتم فتعيشون في ذاكرة ~~الإنسانية كجثث فوق التراب لا تجد من يدفنها في ظلمة النسيان والعدم. # نحن أبناء الكآبة، والكآبة غيوم تمطر العالم خيرا، ومعرفة، وأنتم أبناء المسرات، ومهما ~~تعالت مسراتكم فهي كأعمدة الدخان تهدمها الرياح، وتبددها العناصر. # | أبناء الآلهة وأحفاد القرود # ما أغرب الدهر، وما أغربنا! فقد تغير الدهر وغيرنا، وسار إلى الأمام وسيرنا، وأسفر عن ~~وجهه فأذهلنا وفرحنا. # كنا بالأمس نشكو الدهر ونخشاه، فأصبحنا اليوم نصحبه ونهواه، بل صرنا ندرك مقاصده وسجاياه، ~~ونفهم أسراره وخفاياه. # بالأمس كنا ندب متحذرين كالأشباح المرتعشة بين أهوال الليل، ومخاوف النهار، فأصبحنا اليوم ~~نسير متحمسين نحو أمم الجبال حيث تكمن العواصف، الشديدة، وتتولد البروق اللامعة والرعود ~~القاصفة. # كنا بالأمس نأكل الخبز معجونا بالدماء، ونشرب الماء ممزوجا بالدموع، فصرنا اليوم نتناول ~~المن من أيدي عرائس الصباح، ونرشف الخمر معطرة بأنفاس الربيع. # بالأمس كنا ألعوبة في يد القضاء، وكان القضاء جبارا ثملا يتلوى بنا إلى اليمين ms20 ، ~~وإلى اليسار، أما اليوم فقد صحا القضاء من سكره؛ فأصبحنا نلاعبه فيلعب، ونداعبه فيضحك، ثم ~~نقوده وراءنا فينقاد. # كنا بالأمس نحرق البخور أمام الأصنام، وننحر الضحايا أمام الآلهة الغضوبة، أما اليوم ~~فصرنا لا نحرق بخورا إلا لنفوسنا، ولا نقدم ذبيحة لغير ذواتنا؛ لأن أعظم الآلهة، وأبهاهم ~~جمالا قد جعل هيكله في صدورنا. # بالأمس كنا نخضع للملوك، ونلوي رقابنا أمام السلاطين، أما اليوم فصرنا لا ننحني إلا للحق، ~~ولا نتبع غير الجمال، ولا نطيع سوى المحبة. # كنا بالأمس نخشع أبصارنا أمام الكهان، ونتهيب رؤيا العرافين، أما اليوم وقد تغير الدهر ~~وغيرنا؛ فأصبحنا لا نحدق في غير وجه الشمس، ولا نصغى إلا لنغمة البحر، ولا نهتز إلا مع ~~الزوابع. # بالأمس كنا نهدم عروش نفوسنا؛ لنبني من قوائمها قبورا لأجدادنا، أما اليوم فقد تحولت ~~نفوسنا مذابح مقدسة لا تدنو منها أشباح القرون الغابرة، ولا تلامسها أصابع الأموات ~~البالية. # كنا فكرا، صامتا، مختبئا في زوايا النسيان، فأصبحنا صوتا صارخا ترتجف له أعماق ~~القضاة. # كنا شرارة ضئيلة مكتنفة بالرماد، فصرنا نارا متقدة فوق أكتاف الأودية. ~~••• # وكم سهرنا الليالي متوسدين التراب، ملتحفين بالثلوج باكين على إلف ورزق فقدناه، ~~وكم صرفنا الأيام رابضين كنعاج لا راعي لها، نقضم أفكارنا، ونلوك عواطفنا، ونظل جائعين ~~ظامئين. وكم وقفنا بين نهار زائل ومساءات نائحين على شباب ذابل، مشتاقين إلى من لا نعرفه، ~~مستوحشين لأسباب نجهلها، محدقين بفضاء خال مظلم، مصغين إلى أنة السكون ~~والعدم. # تلك أجيال مرت مرور الذئاب الخاطفة بين المدافن، أما اليوم، وقد صحا الفضاء وصحونا، فصرنا ~~نقضي الليالي البيضاء على أسرة علوية، مساهرين الخيال، مسامرين الفكر، معانقين ~~الأميال، تتمايل حولنا شعلات النار؛ فنقبض عليها بأصابع غير مرتعشة، وتتصاعد حولنا أرواح ~~الجن؛ فنخاطبها بلغة غير ملتبسة، وتمر بنا أجواق الملائكة فنستهويها بشوق قلوبنا ~~ونسكرها بنغمة أرواحنا. # كنا بالأمس وأصبحنا اليوم، وهذه مشيئة الآلهة بأبناء الآلهة، فما هي إرادتكم يا أبناء ~~القرود؟ # هل سرتم خطوة واحدة إلى الأمام منذ انبثقتم من شقوق الأرض؟ أم رفعتم أبصاركم نحو ~~الأعالي منذ ms21 فتحت الشياطين أبصاركم؟ أم تلفظتم بكلمة من سفر الحق منذ قبلت أفواه الأفاعي ~~أفواهكم؟ أم أصغيتم هنيهة لأغنية الحياة منذ أغلق الموت آذانكم؟ # منذ سبعين ألف سنة مررت بكم، فرأيتكم تتقلبون كالحشرات في زوايا الكهوف، ومنذ سبع دقائق ~~نظرت وراء بلور نافذتي، فوجدتكم تسيرون في الأزقة القذرة، وأبالسة الخمول تقودكم، وقيود ~~العبودية تتمسك بأقدامكم، وأجنحة الموت تصفق فوق رؤوسكم، فأنتم اليوم كما كنتم، وستظلون ~~غدا، وبعده مثلما رأيتكم في البدء. # كنا بالأمس فأصبحنا اليوم، وهذا ناموس الآلهة بأبناء الآلهة، فما هي سنة القرود بكم ~~يا أبناء القرود؟ # | بين ليل وصباح # اسكت يا قلبي فالفضاء لا يسمعك. # اسكت فالأثير المثقل بالنواح، والعويل لن يحمل أغانيك وأناشيدك. # اسكت فأشباح الليل لا تحفل بهمس أسرارك، ومواكب الظلام لا تقف أمام أحلامك. # اسكت يا قلبي، اسكت حتى الصباح، فمن يترقب الصباح صابرا يلاقي الصباح قويا. ومن يهوى ~~النور فالنور يهواه. # اسكت يا قلبي واسمعني متكلما. # في الحلم رأيت شحرورا يغرد فوق فوهة بركان ثائر. # ورأيت زنبقة ترفع رأسها فوق الثلوج. # ورأيت حورية عارية ترقص بين القبور. # ورأيت طفلا يلعب بالجماجم وهو يضحك. # رأيت جميع هذه الصور في الحلم، ولما استيقظت، ونظرت إلى حولي رأيت البركان هائجا، ولكني ~~لم أسمع الشحرور مغردا، ولا رأيته مرفرفا. # ورأيت الفضاء ينثر الثلوج على الحقول، والأودية، ساترا بأكفانه البيضاء أجسام الزنابق ~~الهامدة. # ورأيت القبور صفوفا منتصبة أمام سكينة الدهور، وليس بينها من يتمايل راقصا، ولا من ~~يجثو مصليا. # ورأيت رابية من الجماجم، وليس هناك من ضاحك سوى الريح. # في اليقظة رأيت الحزن، والأسى فأين ذهبت أفراح الحلم ومسراته؟ # أني توارت بهجة المنام، وكيف اضمحلت رسومه؟ وكيف تتجلد النفس حتى يعيد النوم أشباح ~~أمانيها وآمالها؟ # اصغ يا قلبي واسمعني متكلما. # كانت نفسي بالأمس شجرة قوية مسنة تمتد عروقها إلى أعماق الأرض، وتتعالى غصونها نحو ~~اللانهاية. # ولقد أزهرت نفسي في الربيع، وأثمرت في الصيف، ولما جاء الخريف جمعت أثمارها في أطباق من ~~الفضة، ووضعتها على قارعة الطريق، فكان العابرون يتناولون منها ms22 ، ويأكلون ثم يسيرون في ~~سبيلهم. # ولما انقضى الخريف، وتحولت تهاليله إلى الندب، والولولة نظرت فلم أر في أطباقي سوى ثمرة ~~واحدة أبقاها الناس لي، فتناولتها وأكلتها، فألفيتها كالعلقم، حامضة كالحصرم، فقلت ~~لنفسي: «ويحي لقد وضعت في أفواه الناس لعنة، وفي أجوافهم عداء، فماذا ترى فعلت يا نفسي ~~بالحلاوة التي امتصتها عروقك من أحشاء الأرض، وبالأريج الذي تشربته قضبانك من نور ~~الشمس؟». # بعد ذلك اقتلعت شجرة نفسي القوية المسنة. # اقتلعتها بعروقها من التربة التي نمت فيها وترعرعت، اقتلعتها من ماضيها، ونزعت عنها ذكرى ~~ألف ربيع، وألف خريف. # وعدت فزرعت شجرة نفسي في مكان آخر. # زرعتها في حقل بعيد عن سبل الزمن، وكنت أسهر بجانبها قائلا إن السهر يدنينا من النجوم، ~~وكنت أسقيها بدمي، ودموعي قائلا: إن في الدم نكهة، وفي الدموع حلاوة، ولما عاد الربيع ~~أزهرت نفسي ثانية. # وفي الصيف أثمرت نفسي، ولما جاء الخريف جمعت أثمارها الناضجة بأطباق من الذهب ووضعتها ~~على ملتقى السبل، فمر الناس أفرادا وجماعات، ولكن لم يمد أحد يده ليتناول منها. # فأخذت إذ ذاك ثمرة وأكلت، فوجدتها حلوة كالشهد، لذيذة كالكوثر، طيبة كالخمرة البابلية، ~~عطرة كأنفاس الياسمين، فصرخت قائلا: «إن الناس لا يريدون البركة في أفواههم ولا الحق ~~في أجوافهم، لأن البركة ابنة الدموع، والحق ابن الدماء». # ثم عدت وجلست في ظل شجرة نفسي المنفردة في حقل بعيد عن سبل الزمن. ~~••• # اسكت يا قلبي حتى بالصباح. # اسكت، فالقضاء قد أتخمته رائحة الأشلاء، فلن يتشرب أنفاسك، اصغ يا قلبي، واسمعني ~~متكلما. # كانت بالأمس فكرتي سفينة تتقلب بين أمواج البحار، وتتنقل مع الأهواء من شاطئ إلى ~~شاطئ. # ولقد كانت سفينة فكرتي خالية إلا من سبعة أكواب طافحة بألوان مختلفة تشابه ألوان قوس ~~القزح بنضارتها. # وجاء زمن مللت فيه التنقل على وجه البحار، فقلت سأعود بسفينة فكرتي الفارغة إلى ميناء ~~البلد الذي ولدت فيه. # ثم أخذت أطلي جوانب سفينتي بألوان صفراء كشمس المغيب، وخضراء كقلب الربيع، وزرقاء ككبد ~~السماء، وحمراء كذوب الشقيق، وأرسم على شراعها، ودفتها رسوما غريبة تجذب ms23 العين، ~~وتبهج البصيرة، ولما انتهيت من عملي، وقد ظهرت سفينة فكرتي كرؤيا نبي تطوف بين اللانهايتين، ~~البحر والسماء، دخلت ميناء بلدي؛ فخرج الناس لملاقاتي بالتهليل، والتعظيم، وأدخلوني المدينة ~~ضاربين الدفوف، نافخين الزمور. # فعلوا ذلك؛ لأن خارج سفينتي كان مزخرفا بهجا، ولم يدخل أحد جوف سفينة فكرتي. # ولم يسأل أحد ماذا جلبت فيها من وراء البحار؟ # ولم يدر أحد أني عدت بها فارغة إلى الميناء. # عند ذلك قلت في سري: «لقد ضللت الناس، وبسبعة أكواب من الألوان قد كذبت على باصرتهم ~~وبصائرهم». # وبعد عام ركبت سفينة فكرتي، وأبحرت ثانية. # سرت إلى جزر الشرق؛ فجمعت منها: المر، واللبان، والند، والصندل، وأدخلتها إلى ~~سفينتي. # وإلى جزر الجنوب؛ فجلبت منها: التبر، والعاج، والياقوت، والزمرد، وجميع الحجارة ~~الكريمة. # وإلى جزر الشمال فعدت منها: بالخز، والوشى، والبرقير. # وإلى جزر الجنوب؛ فحملت منها: الدروع المزردة، والسيوف المشرقية، والرماح ~~السمهرية وسائر أنواع الأسلحة. # ملأت سفينة فكرتي بنفائس الأرض، وغرائبها، وعدت إلى ميناء بلدي قائلا: سوف يمجدني قومي، ~~ولكن عن جدارة، وسيدخلوني المدينة منشدين مزمرين، ولكن عن استحقاق. # ولكن لما بلغت الميناء؛ لم يخرج أحد لملاقاتي، ودخلت شوارع بلدي؛ فلم يلتفت إلي ~~أحد. # ووقفت في ساحتها معلنا للناس ما جلبت لهم من ثمار الأرض، وطرائفها فكانوا ينظرون إلي، ~~والضحك ملء أفواههم، والسخرية على وجوههم، ثم يتحولون عني. # فعدت إلى الميناء كئيبا مستغربا، ولكنني ما لمحت سفينتي حتى فطنت لأمر كنت مشغولا عنه ~~بمنازع أسفاري، ورغائبها، فهتفت قائلا: «إن أمواج البحار قد محت الطلاء من جوانب سفينتي، ~~فبانت كهيكل من عظام، وعفت الأرياح، والأنواء، وحرارة الشمس الرسوم عن شرائعها فظهرت ~~كأثواب رمادية بالية. # لقد جمعت طرائف الأرض، ونفائسها في تابوت يعوم على وجه الماء، وعدت إلى قومي فنبذوني؛ ~~لأن عيونهم لا ترى سوى المظاهر الخارجية. # في تلك الساعة تركت سفينة فكرتي، وذهبت إلى مدينة الأموات، وجلست بين القبور المكلسة ~~مفكرا بأسرارها. # اسكت يا قلبي، حتى الصباح، اسكت فالعاصفة الهوجاء تسخر بهمس أعمالك، وكهوف الوادي لن ~~ترجع بصداها رنات أوتارك. # اسكت ms24 يا قلبي، حتى الصباح، فمن يترقب الصباح متجلدا؛ يعانقه الصباح مشتاقا. # ها قد طلع الفجر يا قلبي، فتكلم إن كنت تستطيع الكلام. # هو ذا موكب الصباح يا قلبي، فهل أبقى سكوت الليل في أعماقك أغنية تلاقي بها ~~الصباح؟ # هو ذا، أسراب الحمام والشحارير تتطاير في أطراف الوادي، فهل أبقى هول الليل في جنحيك ~~صلابة لتطير معها؟ # هو ذا، الرعيان يسيرون أمام قطعانهم من الحظائر، والمرابض فهل أبقت لك أشباح الليل عزما ~~لتسير ورائها إلى المروج الخضراء؟ # هو ذا، الفتيان والصبايا يمشون الهويناء نحو الكروم فهلا نهضت، ومشيت معهم؟ قم يا قلبي، ~~قم وسر مع الفجر فالليل قد مضى، ومخاوف الليل قد اضمحلت مع أحلامه السوداء. # قم يا قلبي، وارفع صوتك مترنما، فمن لا يشارك الصبح بأغانيه كان من أبناء الظلام. # | المخدرات والمباضع # «هو متطرف بمبادئه حتى الجنون». ~~«هو خيالي يكتب؛ ليفسد أخلاق الناشئة». ~~«لو اتبع الرجال، والنساء المتزوجون، وغير المتزوجين آراء جبران في الزواج؛ لتقوضت ~~أركان العائلة، وانهدمت مباني الجامعة البشرية، وأصبح هذا العالم جحيما، وسكانه ~~شياطين». ~~«قهرا عما في أسلوبه الكتابي من الجمال، فهو من أعداء الإنسانية». ~~«هو فوضوي كافر ملحد، ونحن ننصح لسكان هذا الجبل المبارك، بأن ينبذوا تعاليمه ويحرقوا ~~مؤلفاته؛ لئلا يعلق منها شيء على نفوسهم». ~~«قد قرأنا له الأجنحة المتكسرة فوجدناها السم في الدسم». ~~••• # هذا بعض ما يقوله الناس عني وهم مصيبون، فأنا متطرف حتى الجنون، أميل إلى الهدم ميلي إلى ~~البناء، وفي قلبي كره لما يقدسه الناس، وحب لما يأبونه، ولو كان بإمكاني استئصال عوائد ~~البشر وعقائدهم وتقاليدهم لما ترددت دقيقة، أما قول بعضهم: إن كتاباتي «سم في دسم» فكلام ~~يبين الحقيقة من وراء نقاب كثيف، فالحقيقة العارية هي أنني لا أمزج «السم» بالدسم؛ بل أسكبه ~~صرفا ... غير أنني أسكبه في كؤوس نظيفة شفافة. # أما الذين يعتذرون عني أمام نفوسهم قائلين «هو خيالي يسبح مرفرفا بين الغيوم» فهم الذين ~~يحدقون بلمعان تلك الكئوس الشفافة منصرفين عما في داخلها من الشراب الذي يدعونه «سما» لأن ~~معدهم ms25 الضعيفة لا تهضمه. # قد تدل هذه التوطئة على الوقاحة الخشنة، ولكن أليست الوقاحة بخشونتها أفضل من ~~الخيانة بنعومتها؟ إن الوقاحة تظهر نفسها بنفسها، أما الخيانة فترتدى بملابس فصلت ~~لغيرها. # يطلب الشرقيون من الكاتب أن يكون كالنحلة التي تطوف مرفرفة في الحقول جامعة حلاوة ~~الأزهار لتصنع أقراصا من العسل. # إن الشرقيين يحبون العسل، ولا يستطيعون سواه مأكلا، وقد أفرطوا بالتهامه حتى تحولت ~~نفوسهم إلى عسل تسيل أمام النار، ولا تتجمد إلا إذا وضعت على الثلج. # ويطلب الشرقيون من الشاعر أن يحرق نفسه بخورا أمام سلاطينهم، وحكامهم، وبطاركتهم. وقد ~~تلبد فضاء الشرق بغيوم البخور المتصاعدة من جوانب العروش، والمذابح، والمقابر، ولكنهم لا ~~يكتفون؛ ففي أيامنا هذه مداحون يضارعون المتنبي، وراثون يضاهون الخنساء، ومهنئون أكثر ~~طلاوة من صفي الدين الحلي. # ويطلب الشرقيون من العالم أن يبحث في تاريخ آبائهم، وجدودهم، متعمقا بدرس آثارهم ~~وعوائدهم، وتقاليدهم صارفا أيامه، ولياليه بين مطولات لغاتهم، واشتقاقات ألفاظهم، ومباني ~~معانيهم وبديعهم. # ويطلب الشرقيون من المفكر أن يعيد على مسامعهم ما قاله بيدبا، وابن رشد، وإفرام ~~السرياني، ويوحنا الدمشقي، وأن لا يتعدى بكتاباته حدود الوعظ البليد، والإرشاد السقيم، وما ~~يجيء بينهما من الحكم والآيات التي إذا ما تمشى عليها الفرد كانت حياته كالأعشاب الضئيلة ~~التي تنبت في الظل، ونفسه كالماء الفاتر الممزوج بقليل من الأفيون. # وبالاختصار فالشرقيون يعيشون في مسارح الماضي الغابر، ويميلون إلى الأمور السلبية المسلية ~~الفكهة، ويكرهون المبادئ، والتعاليم الإيجابية المجردة التي تلسعهم، وتنبههم من رقادهم ~~العميق المغمور بالأحلام الهادئة. ~~••• # إنما الشرق مريض قد تناوبته العلل، وتداولته الأوبئة حتى تعود السقم، وألف ~~الألم، وأصبح ينظر إلى أوصابه، وأوجاعه كصفات طبيعية؛ بل كخلال حسنة ترافق الأرواح النبيلة، ~~والأجساد الصحيحة، فمن كان خاليا منها عد ناقصا محروما من المواهب، والكمالات ~~العلوية. # وأطباء الشرق كثيرون يلازمون مضجعه، ويتآمرون في شأنه؛ ولكنهم لا يداونه بغير المخدرات ~~الوقتية التي تطيل زمن العلة ولا تبرئها. # أما تلك المخدرات المعنوية، فكثيرة الأنواع متعددة الأشكال متباينة الألوان، وقد تولد ~~بعضها عن بعض مثلما تناسخت الأمراض ms26 والعاهات عن بعضها بعضا، وكلما ظهر في الشرق مرض جديد ~~يكتشف له أطباء الشرق مخدرا جديدا. # وأما الأسباب التي آلت إلى وجود المخدرات، فعديدة أهمها: استسلام العليل إلى فلسفة القضاء ~~والقدر المشهورة، وجبانة الأطباء، وخوفهم من تهييج الألم الذي تحدثه الأدوية ~~الناجعة. # وإليك أمثلة من تلك المخدرات، والمسكنات التي يتخذها الأطباء الشرقيون؛ لمعالجة الأمراض ~~العائلية، والوطنية، والدينية. # ينفر الرجل من زوجته، والمرأة من بعلها؛ لأسباب وضعية حيوية، فيتخاصمان، ويتضاربان ~~ويتباعدان، ولكن لا يمر يوم وليلة حتى يجتمع أهل الرجل بأهل زوجته، فيتبادلوا الآراء ~~المزخرفة والأفكار المرصعة، ثم يتفقوا على إيجاد السلام بين الزوجين، فيأتون بالمرأة ~~ويستهون عواطفها بالمواعظ الملفقة التي تخجلها ولا تقنعها، ثم يستدعوا الرجل يغمروا رأسه ~~بالأقوال، والأمثال المزركشة التي تلين بأفكاره ولا تغيرها، وهكذا يتم الصلح - الصلح الوقتي ~~- بين الزوجين المتنافرين بالروح فيعودا قهرا عن إرادتهما إلى السكنى تحت سقف واحد حتى ~~«يبوخ» الطلاء ويزول تاثير المخدر الذي استخدمه الأهل، والأنسباء؛ فيعود الرجل إلى إظهار ~~نفوره، ومقته، والمرأة إلى إزالة النقاب عن تعاستها. غير إن الذين أوجدوا الصلح في المرأة ~~الأولى يوجدونه ثانية ومن يرتشف جرعة من المخدرات لا يأبى شرب كأس دهاق. # يتمرد قوم على حكومة جائرة، أو على نظام قديم، فيؤلفون «جمعية إصلاحية» ترمي إلى النهوض ~~والانعتاق، فيخطبون بشجاعة، ويكتبون بحماسة وينشرون «اللوائح والبرامج» ويبعثون «الوفود ~~والممثلين» ولكن لا يمر شهر، أو شهران حتى نسمع بأن الحكومة قد سجنت رئيس الجمعية، أو ~~عهدت إليه بوظيفة، أما الجمعية «الإصلاحية» فلا نعود نسمع عنها شيئا لأن أفرادها قد ~~تجرعوا قليلا من المخدرات المعهودة، وعادوا إلى السكينة والاستسلام. # تتمرد طائفة على رئيس دينها، لأمور أولية، فتنتقد شخصه، وتنكر أعماله، وتتبرم من مآتيه، ~~ثم تهدده باعتناقها مذهبا آخر أقرب إلى العقل، وأبعد عن الأوهام والخرافات، ولكن لا يمر ~~ردح من الزمن حتى نسمع بأن عقلاء البلاد قد أزالوا الخلاف بين الراعي ورعيته، وأرجعوا ~~بفضل المخدرات السحرية الهيبة إلى شخص الرئيس، والطاعة العمياء إلى نفوس المرؤسين ~~العقوقين. # يتظلم مغلوب ضعيف ms27 من ظالم قوي، فيقول له جاره: «اسكت فالعين التي تعاند السهم ~~تفقأ». # يشك القروي بتقى الرهبان وإخلاصهم، فيقول له زميله: «اصمت فقد جاء في الكتاب اسمعوا ~~أقوالهم ولا تفعلوا أفعالهم». # يعرض التلميذ عن استظهار مباحث البصريين، والكوفيين اللغوية، فيقول له أستاذه إن ~~الكسالى والمتوانين يختلقون لنفوسهم أعذارا أقبح من الذنوب». # تمتنع الصبية عن اتباع عوائد العجائز، فتقول لها والدتها «ليست الابنة أفضل من أمها، ~~فالطريق التي سلكتها تسلكينها أنت أيضا». # يسأل الشباب مستفسرا معاني الزوائد الدينية، فيقول له الكاهن «من لا ينظر بعين الإيمان، ~~لا يرى في هذا العالم سوى الضباب والدخان». # وهكذا تمر الأيام إثر الليالي، والشرقي مضطجع على فراشه الناعم، يستيقظ دقيقة عندما ~~تلسعه البراغيث، ثم يعود ويهجع جيلا بحكم المخدرات التي تمازج دمه وتسير في عروقه، فإذا ما ~~قام رجل، وصرخ بالنائمين، وملأ منازلهم ومعابدهم ومحاكمهم بالضجيج، يفتحون أجفانهم ~~المطبقة بالنعاس الأبدي، ثم يقولون متثائبين: «ما أخشنه فتى لا ينام، ولا يدع الناس ~~أن يناموا» ثم يغمضون عيونهم، ويهمسون في آذان أرواحهم «هو كافر ملحد يفسد أخلاق الناشئة، ~~ويهدم مباني الأجيال، ويرشق الإنسانية بالسهام السامة». # قد سألت نفسي مرات إذا كنت من المستيقظين المتمردين الذين يأبون شرب المخدرات، والمسكنات، ~~فكانت نفسي تجيبني بكلمات مبهمة ملتبسة، ولكنني لما سمعت الناس يجدفون على اسمي، ويتأففون ~~من مبادئي، أيقنت بحقيقة يقظتي، وعلمت أنني لست من المستسلمين إلى الأحلام اللذيذة، ~~والخيالات المستحبة، بل من أولئك المستوحدين الذين تسيرهم الحياة على سبل ضيقة مغروسة ~~بالأشواك، والأزهار محفوفة بالذئاب الخاطفة، والبلابل المترنمة. # ولو كانت اليقظة فضيلة لمنعني الاحتشام عن ادعائها، ولكنها ليست بفضيلة، بل حقيقة غريبة ~~تظهر على حين غفلة للأفراد المستوحدين، وتسير أمامها، فيتبعونها قسر إرادتهم، مجذوبين ~~بأسلاكها الخفية محدقين بمعانيها المهيبة. # وعندي أن الاحتشام في إظهار الحقائق الشخصية؛ هو نوع من الرياء الأبيض المعروف عند ~~الشرقيين باسم التهذيب. ~~••• # غدا يقرأ «الأدباء المفكرون» ما تقدم، فيقولون متضجرين «هو متطرف ينظر إلى الحياة من ~~الوجهة المظلمة، فلا يرى غير الظلام، وقد طالما وقف ms28 فينا نادبا، نائحا، باكيا، علينا، ~~متأوها لحالنا». # فلهؤلاء الأدباء المفكرين أقول - أنا أندب الشرق؛ لأن الرقص أمام نعش الميت جنون ~~مطبق. # أنا أبكي على الشرقيين؛ لأن الضحك على الأمراض جهل مركب. # أنا أنوح على تلك البلاد المحبوبة؛ لأن الغناء أمام المصيبة العمياء غباوة عمياء. # أنا متطرف؛ لأن من يعتدل بإظهار الحق يبين نصف الحق، ويبقى نصفه الآخر محجوبا وراء خوفه ~~ظنون الناس وتقولاتهم. # أنا أرى الجيفة المنتنة، فتشمئز نفسي، وتضطرب أحشائي، ولا أستطيع أن أجلس قبالتها وفي ~~يميني كأس من الشراب، وفي شمالي قطعة من الحلوى. # فإن كان هناك من يريد أن يبدل نوحي بالضحك، ويحول اشمئزازي إلى الانعطاف، وتطرفي إلى ~~الاعتدال، فعليه أن يريني بين الشرقيين حاكما، عادلا، ومتشرعا، مستقيما، ورئيس دين ~~يعمل بما يعلم، وزوجا ينظر إلى امرأته بالعين التي يرى بها نفسه. # إن كان هناك من يريد أن يشاهدني راقصا، ويسمعني متطبلا، ومزمرا فعليه أن يدعوني إلى ~~بيت العريس لا أن يوقفني بين المقابر. # | السرجين المفضض # (1) سلمان أفندي # هو رجل في الخامسة والثلاثين من عمره، حسن اللباس، رشيق القامة، ذو شاربين معكوفين، ~~وحذاء لامع، يلبس الأجربة الحريرية، ويدخن اللفائف الثمينة، ويحمل بيده الناعمة عصاة ~~جميلة ذات قبضة ذهبية مرصعة بالحجارة الكريمة، ويأكل في المطاعم الكبيرة حيث يلتئم سراة ~~القوم وأشرافهم، ويذهب إلى المتنزهات المشهورة في مركبة فاخرة يجرها فرسان ~~كريمان. # ولم يرث سليمان أفندي المال عن أبيه؛ لأن أباه - رحمه الله - كان رجلا، فقيرا، ~~مسكينا، ولا جد متاجرا فاكتسب ثروة؛ لأنه كسلان متوان يكره العمل ويظنه محطا ~~بمقامه، وقد سمعناه مرة يقول: «إن جسدي وأخلاقي لا تساعداني على الشغل؛ فالشغل قد ~~وجد لذوي الأخلاق الباردة والأجساد الخشنة». # إذا كيف حصل سلمان أفندي على المال، وأي ساحر حول التراب في كفيه إلى فضة ~~وذهب؟ # ذاك سر من أسرار السرجين المفضض، أعلنه لنا عزرائيل ونحن بدورنا نعلنه ~~لكم: # منذ خمسة أعوام تزوج سليمان أفندي من السيدة فهيمة أرملة المرحوم بطرس نعمان التاجر ~~الذي اشتهر بين أترابه بالجد، والمواظبة، والأمانة ms29 ، وقد كانت حينئذ السيدة فهيمة ~~في الخامسة والأربعين من عمرها، وفي السادسة عشر من سنى عواطفها وأميالها، وهي الآن ~~تصبغ شعرها وتكحل عينيها، وتطلي وجهها بالألوان، والمساحيق، ولكنها لا ترى سلمان ~~أفندي قبل نصف الليل، وقلما حظيت منه بغير النظرات الحادة، والألفاظ القاسية، فهو مشغول ~~عنها بتبذير الثروة التي جمعها زوجها الأول بكده، وعرق جبينه. ~~(2) أديب أفندي # فتى في السابعة والعشرين من عمره، ذو أنف كبير، وعينين صغيرتين، ووجه قذر، ويدين ~~ملطختين بالحبر، وأظافر محشوة بالأوساخ، أما ملابسه فممزقة الأطراف، وعلى حواشيها بقع ~~من الزيت والدهن والقهوة، وليست هذه المظاهرة القبيحة من نتائج العوز، والحاجة؛ بل من ~~مولدات إهماله، وانشغال باله بالأمور المعنوية، والمسائل العلوية، والمواضيع الإلهية ... ~~وقد سمعناه يقول: مستشهدا بأمين الجندي «إن القريحة لا تنصرف إلى شيئين» أي أن الأديب ~~لا يستطيع أن يميل إلى صناعة القلم وإلى النظافة في وقت واحد. # أديب أفندي يتكلم كثيرا، ويتكلم دائما، فهو منصرف عن كل شيء إلا الكلام، وقد علمنا ~~أنه صرف عامين في إحدى مدارس بيروت، ودرس علم البديع على يد أحد الأساتذة المشهورين ~~ونظم الشعر، وأنشأ الرسائل، والمقالات، ولكنه - للآن - لم ينشر منها شيئا، لأسباب ~~كثيرة أهمها انحطاط الصحافة العربية، وغباوة القراء. # وقد انصرف أديب أفندي في الآونة الأخيرة إلى خفايا الفلسفة القديمة والحديثة، فهو ~~معجب بسقراط، ونيتشية في وقت واحد، ويميل إلى أقوال القديس أغسطينس ميله إلى كتابات ~~فولتر وجان جاك روسو، وقد لقيناه مرة في عرس، والناس حوله ينشدون الأهازيج، ويشربون ~~الخمر، وهو يتكلم ببلاغته المشهورة عن مأساة هملت لشكسبير. ورأيناه مرة أخرى سائرا في ~~جنازة وجيه، والمشيعون يمشون إلى جانبه برءوس مخفضة، وملامح مكتئبة، وهو يتكلم ~~بفصاحته المعهودة عن خمريات أبي النواس، وغزليات الفارض. # لماذا يا ترى يعيش أديب أفندي، وما الغرض من صرفه الأيام، والليالي بين الكتب ~~القديمة والأوراق البالية؟ ولماذا لا يقتني له حمارا، ويصير من عداد المكارين، ~~الأقوياء، النافعين؟ # ذاك سر من أسرار السرجين المفضض أعلنه لنا بعلزبول، ونحن بدورنا نعلنه لكم: # منذ ms30 ثلاثة سنوات نظم أديب أفندي قصيدة خلق في مدح سيادة المطران يوحنا شمعون ~~وأنشدها أمامه في دار حبيب بك سلوان، ولما فرغ من تنغيمها دعاه سيادة المطران، ووضع يده ~~على كتفه وقال له مبتسما: «عفاك الله يا ابني فما أبلغك شاعرا، وما أذكاك أديبا، ~~فأنا أفتخر بأمثالك بأنك ستكون من رجال الشرق الكبار». # ومن تلك الساعة إلى الآن، ووالد أديب أفندي، وعمه، وخاله ينظرون إليه معجبين، ~~ويتحدثون عنه مفاخرين قائلين: «أو لم يقل المطران يوحنا شمعون إنه سيكون من رجال الشرق ~~العظام؟». ~~(3) فريد بك دعيبس # هو رجل يناهز الأربعين، طويل القامة، صغير الرأس، كبير الفم، ضيق الجبهة أصلعها، يمشي ~~متثاقلا بصدر منتفخ، وعنق مستطيل، ولخطواته وزن خاص يضارع بخترة جمل يقود هودجا، ~~وعندما يتكلم بصوته الجهوري، وأسلوبه الفخم تخاله - إن لم تكن تعرفه - أحد وزراء الدولة ~~المشغولين بتدبير شؤون الناس المهتمين بتكييف أمور العباد. # وليس لفريد بك من عمل سوى الجلوس في صدور المحافل، وتعداد مآتي أسرته المجيدة ومزايا ~~محتده الكريم، وهو مغرم بسير أخبار الرجال العظام، وأعمال الأبطال الكبار كنابليون ~~وعنترة العبسي، وله ولع خاص بالأسلحة النفيسة، ولديه منها مجموعة حسنة معلقة بترتيب على ~~جدران منزله، ولكنه لا يحسن استعمالهاز # ومن أقواله المأثورة: «إن الله خلق الناس طبقات متفاوتة، منها للرئاسات ومنها ~~للخدمة»، ومنها «إنما الشعب حمار حرون لا يسير إلأا إذا علوت ظهره» ومنها «القلم ~~للضعفاء أما السيف فللأشداء ...». # وما هي الأسباب التي تجعل فريد بك أن يتمجد متغطرسا، ويتجبر متعجرفا، ويزهو مختالا ~~متبذخا، متبجحا. # ذاك سر من أسرار السرجين المفضض أبانه لنا سطانائيل، ونحن بدورنا نبينه لكم: # في الثلث الأول من القرن التاسع عشر، بينما كان الأمير بشير الشهابي سائرا بكوكبة من ~~رجاله بين أودية لبنان، مر بقرب القرية التي كان يقطنها منصور دعيبس جد فريد بك دعيبس. ~~ولما كان النهار حارا والشمس تريش الأرض بسهامها الدقيقة، فتكاد تحرقها ترجل ~~الأمير قائلا لرجاله «تعالوا نرتاح في ظلال السنديانة». # وعلم منصور دعيبس بذلك، فنادى جيرانه الفلاحين، وأخبرهم بوجود ms31 الأمير الكبير على ~~مقربة من قريتهم، فساروا ورائه نحو تلك السنديانة حاملين أطباق التين، والعنب، وجرار ~~اللبن والخمر، والعسل، ولما بلغوا المكان تقدم منصور دعيبس، وقبل أطراف أذيال الأمير، ~~ثم نحر كبشا أمامه، وهتف قائلا «هذا من خير أميرنا وولي نعمتنا». # فسر الأمير بأريحيته، وخلع عليه قائلا: «ستكون منذ الآن، وصاعدا شيخا على هذه ~~القرية مشمولا بنظري الخصوصي، وقد أعفيت سكان قريتك من الأموال الأميرية في هذه ~~السنة». # في تلك الليلة بعد أن تابع الأمير سيره اجتمع في بيت «الشيخ» منصور دعيبس جميع سكان ~~القرية، ونادوا به رئيسا مطاعا في السراء والضراء. رحمهم الله جميعا. ~~••• # وللسرجين المفضض أسرار لا عداد لها تعلنها لنا الشياطين، والأبالسة في كل يوم ~~وليلة، وسوف نظهرها لكم قبل أن يسيرنا الدهر إلى ما وراء الشفق الأزرق، أما الآن ~~وقد انتصف الليل وملت أجفاننا السهر، فاسمحوا لنا أن ننام لعل عروس الأحلام تحمل ~~روحنا إلى عالم أنظف من هذا العالم. # | رؤيا # عندما جن الليل، وألقى الكرى ردائه على وجه الأرض، تركت مضجعي، وسرت نحو البحر ~~قائلا في نفسي: «البحر لا ينام، وفي يقظة الليل تعزية لروح لا تنام». # بلغت الشاطئ، وكان الضباب قد انحدر من أعالي الجبال، وغمر تلك النواحي مثلما يوشي النقاب ~~الرمادي وجه الصبية الحسناء، فوقفت محدقا بجيوش الأمواج مصغيا إلى تهاليلها، مفكرا ~~بالقوى السرمدية الكامنة وراءها، تلك القوى التي تركض مع العواصف، وتثور مع البراكين، ~~وتبتسم بثغور الورود، وتترنم مع الجداول. # وبعد هنيهة التفت، فإذا بثلاثة أشباح جالسين على صخر قريب، وأغشية الضباب تسترهم ولا ~~تسترهم، فمشيت نحوهم ببطء كأن في كيانهم جاذبا يستميلني قسر إرادتي. # ولما صرت على بعد بضع خطوات منهم وقفت شاخصا بهم كأن في المكان سحرا أجمد ما بي من ~~العزم، وأيقظ ما في روحي من الخيال. # في تلك الدقيقة وقف أحد الأشباح الثلاثة، وبصوت خلته آتيا من أعماق البحر قال: ~~«الحياة بغير الحب كشجرة بغير أزهار ولا أثمار، والحب بغير الجمال كأزهار بغير عطر وأثمار ~~بغير بذور ... الحياة ms32 ، والحب، والجمال ثلاثة أقانيم في ذات واحدة مستقلة، مطلقة لا تقبل ~~التغيير ولا الانفصال» قال هذا وجلس في مكانه. # ثم انتصب الشبح الثالث، وبصوت يماثل هدير مياه غزيرة قال: «الحياة بغير تمرد كالفصول بغير ~~ربيع، والتمرد بغير حق كالربيع في الصحراء القاحلة الجرداء ... الحياة والتمرد والحق؛ ثلاثة ~~أقانيم في ذات واحدة لا تقبل الانفصال ولا التغيير». # ثم انتصب الشبح الثالث، وبصوت كقصف الرعد قال: «الحياة بغير الحرية كجسم بغير روح، ~~والحرية بغير الفكر كالروح المشوشة ... الحياة والحرية والفكر، ثلاثة أقانيم في ذات واحدة ~~أزلية لا تزول ولا تضمحل». # ثم وقف الأشباح الثلاثة، وبأصوات هائلة قالوا معا: «الحب وما يولده، والتمرد وما يوجده، ~~والحرية وما تنميه ثلاثة مظاهر من مظاهر الله، والله ضمير العالم العاقل». # وحدث إذ ذاك سكوت مفعم بحفيف أجنحة غير منظورة، وارتعاش أجسام أثيرية، فأغمضت عيني ~~مصغيا إلى صدى الأقوال التي سمعتها، ولما فتحتها، ونظرت ثانية، لم أر غير البحر متشحا ~~بدثار الضباب، فاقتربت من الصخرة حيث كان الأشباح الثلاثة جالسين، فلم أر إلا عمودا من ~~البخور متصاعدا نحو السماء. # | في ظلام الليل # كتبت أيام المجاعة # في ظلام الليل ينادي بعضنا بعضا. # في ظلام الليل نصرخ، ونستغيث، وخيال الموت منتصب في وسطنا، وأجنحته السوداء تخيم علينا، ~~ويده الهائلة تجرف إلى الهاوية أرواحنا، أما عيناه الملتهبتان، فمحدقتان بالشفق ~~البعيد. # في ظلام الليل يسير الموت، ونحن نسير خلفه خائفين، منتحبين، وليس بيننا من يستطيع الوقوف، ~~وليس فينا من له أمل بالوقوف. # في ظلام الليل يسير الموت، ونحن نتبعه، وكلما التفت الموت إلى الوراء؛ يسقط منا ألف إلى ~~جانبي الطريق، ومن يسقط يرقد، ولا يستيقظ، ومن لا يسقط يسير قسر إرادته عالما، بأنه سيسقط، ~~ويرقد مع الذين رقدوا، أما الموت فيظل سائرا، محدقا بالشفق البعيد. # في ظلام الليل ينادي الأخ أخاه، والأب أبنائه، والأم أطفالها، وكلنا جائعون لاغبون ~~متضورون، أما الموت فلا يجوع، ولا يعطش فهو يلتهم أرواحنا، وأجسادنا، ويشرب دمائنا، ودموعنا ~~ولكنه لا يشبع ولا يرتوي. # في الهزيع الأول من ms33 الليل ينادي الطفل أمه قائلا: «يا أماه أنا جائع» فتجيبه الأم ~~قائلة: «اصبر قليلا يا ولداه». # وفي الهزيع الثاني ينادي الطفل أمه قائلا: «يا أماه أنا جائع فأعطيني خبزا» فتجيبه «ليس ~~لدي خبز يا ولداه». # في الهزيع الثالث يمر الموت بالأم وطفلها، ويصفعهما بجناحه؛ فيرقدان على جانب الطريق، أما ~~الموت، فيظل سائرا محدقا بالشفق البعيد. # في الصباح يذهب الرجل إلى الحقول طالبا القوت، فلا يجد فيها غير التراب، ~~والحجارة. # وعند الظهيرة يعود إلى زوجته، وصغاره خائر القوى فارغ اليدين. # ولما يجيء المساء يمر الموت بالرجل، وزوجته، وصغاره، فيجدهم راقدين، فيضحك ثم يسير محدقا ~~بالشفق البعيد. # في الصباح يترك الفلاح كوخه، ويذهب إلى المدينة، وفي جيبه حلي أمه، وأختيه ليبتاع بها ~~الدقيق، وعند العصر يعود إلى قريته بلا قوت، ولا حلي، فيجد أمه، وابنتيها راقدات، أما ~~عيونهن فلم تزل شاخصة باللا شيء، فيرفع ذراعيه نحو السماء، ثم يهبط إلى الحضيض كطائر رماه ~~الصياد، وفي المساء يمر الموت بقرب الفلاح، وأمه، وأختيه، فيجدهم راقدين، فيبتسم، ثم يسير ~~محدقا بالشفق البعيد. # في ظلام الليل، وليس لظلام الليل نهاية، نناديكم أيها السائرون في نور النهار، فهل أنتم ~~سامعون صراخنا؟ # قد بعثنا إليكم أرواح أمواتنا رسلا فهل وعيتم ما قاله الرسل؟ وحملنا الهواء الشرقي من ~~أنفاسنا حملا فهل بلغ الهواء شواطئكم البعيدة، وألقى بين يديكم أحماله الثقيلة؟ هل عرفتم ~~ما بنا فقمتم تسعون لإنقاذنا، أم وجدتم نفوسكم في سلامة وطمأنينة فقلتم «ماذا عسى يستطيع ~~الجالسون في النور أن يفعلوا لأبناء الظلام، فلندع الموتى أن يدفنوا أمواتهم ولتكن مشيئة ~~الله». # أي، لتكن مشيئة الله. # ولكن هلا تستطيعون أن ترفعوا رؤوسكم إلى ما فوق نفوسكم، ليصيركم الله مشيئة له وعونا ~~لنا؟ # في ظلام الليل ينادي بعضنا بعضا. # في ظلام الليل ينادي الأخ أخاه، والأم ابنها، والزوج زوجته، والمحب حبيبته، وعندما تتمازج ~~أصواتنا، وتتعالى إلى كبد الفضاء يقف الموت هنيهة ضاحكا منا، مستهزئا بنا، ثم يسير محدقا ~~بالشفق البعيد. # | الأضراس المسوسة # كان في فمي ضرس مسوس، وكان يحتال ms34 على تعذيبي؛ فيسكن متربصا ساعات النهار، ويستيقظ ~~مضطربا في هدوء الليل عندما يكون أطباء الأسنان نائمين، والصيدلية مقفلة. # ففي يوم، وقد نفد صبري، ذهبت إلى أحد الأطباء وقلت له: «ألا فانزعه ضرسا خبيثا يحرمني ~~لذة الرقاد ويحول سكينة ليالي إلى الأنين والضجيج». # فهز الطبيب رأسه قائلا: «من الغباوة أن نستأصل الضرس إذا كان بإمكاننا تطبيبه». # ثم أخذ يحفر جوانب الضرس، وينظف زواياه، ويتفنن بتطهيره من العلة، ولما وثق بأنه صار ~~خاليا من السوس حشا ثقوبه بالذهب الخالص، ثم قال مفاخرا: «لقد أصبح ضرسك العليل أشد وأصلب ~~من أضراسك الصحيحة» فصدقت كلامه، وملأت حفنته بالدنانير وذهبت فرحا. # ولكن لم يمر الأسبوع حتى عاد الضرس المشؤوم إلى تعذيبي، وإبدال أنغام روحي بحشرجة ~~الاحتضار، وعويل الهاوية. # فذهبت إلى طبيب آخر، وقلت به بصوت يعانقه الحزم: «ألا فاخلعه ضرسا مذهبا شريرا، ولا ~~تعترض «فمن يأكل العصى لا كمن يعدها». # فنزع الطبيب الضرس، وقد كانت ساعة هائلة بأوجاعها، ولكنها كانت ساعة مباركة. # وقد قال لي الطبيب بعد أن استأصل الضرس وتفحصه جيدا «لقد فعلت حسنا، فالعلة قد تحكمت ~~بأصول ضرسك هذا حتى لم يبق رجاء بشفائه». # وقد نمت مرتاحا في تلك الليلة، ولم أزل في راحة، والحمد للخلع، والاستئصال، في فم ~~الجامعة البشرية أضراس مسوسة، وقد نخرتها العلة حتى بلغت عظم الفك، غير أن الجامعة البشرية ~~لا تستأصلها؛ لترتاح من أوجاعها؛ بل تكتفي بتمريضها، وتنظيف خارجها، وملء ثقوبها بالذهب ~~اللماع. # وما أكثر الأطباء الذين يداون أضراس الإنسانية بالطلاء الجميل، والمواد البراقة، وما ~~أكثر المرضاء الذين يستسلمون إلى مشيئة أولئك الأطباء المصلحين، فيتوجعون، ثم يموتون بعلتهم ~~مخدوعين. # غير أن الأمة التي تعتل، ثم تموت لا تبعث ثانية لتظهر للملأ أسباب الأمراض ~~المعنوية وماهية الأدواء الاجتماعية التي تؤول بالأمم إلى الانقراض والعدم. ~~••• # وفي فم الأمة السورية أضراس بالية سوداء قذرة ذات رائحة كريهة، وقد حاول أطباؤنا تطهيرها، ~~وحشوها بالمينا، وإلباس خارجها رقوق الذهب، ولكنها لا تشفى، ولن تشفى بغير الاستئصال، ~~والأمة التي تكون أضراسها معتلة تكون معدتها ms35 ضعيفة، وكم أمة ذهبت شهيدة عسر الهضم. # ومن شاء أن يرى أضراس سورية المسوسة، فليذهب إلى المدرسة حيث يستظهر رجال الغد ما قاله ~~الأخفش نقلا عن سيبويه، وسيبويه عن سائق الأظعان. # أو فليذهب إلى المحكمة حيث يتلاعب الذكاء البهلواني بالقضايا الشرعية، مثلما تلعب القطة ~~بصيدها. # أو فليذهب إلى منازل الموسرين حيث التصنع، والكذب، والرياء. # أو فليذهب إلى بيوت الفقراء حيث الخوف، والجبانة، والجهالة. # وبعد ذلك فليذهب إلى أطباء الأسنان ذوي الأسنان، ذوي الأصابع الناعمة، والآلات الدقيقة، ~~والمساحيق المخدرة، الذين يصرفون الأيام بإملاء ثقوب الأضراس المسوسة، وتطهير زواياها ~~المعتلة، وإذا أراد محادثتهم والانتفاع بمواهبهم فهم النبهاء، الفصحاء، البلغاء الذين ~~يؤلفون الجمعيات، ويعقدون المؤتمرات، ويخطبون في النوادي والساحات، ففي حديثهم نغمة أسمى من ~~أناشيد حجر الرحى، وأنبل من أغاني الضفادع في ليالي تموز. # ولكن إذا قال لهم: «إن الأمة السورية تقضم قوت الحياة بأضراس مسوسة، وإن كل لقمة تلوكها ~~تمتزج بلعاب مسمم، وإنه قد نتج عن ذلك مرض في أمعائها» إذا قال هذا يجيبونه بقولهم: «نعم، ~~ونحن الآن منصرفون إلى درس أحدث المساحيق وأجد المخدرات». # وإذا قال لهم: «ما قولكم بالاستئصال؟» يضحكون منه؛ لأنه لم يدرس طب الأسنان ~~الشريف. # وإذا أعاد السؤال ثانية يبتعدون عنه متضجرين قائلين في نفوسهم: «ما أكثر الخياليين في هذا ~~العالم، وما أوهى أحلامهم». # | مساء العيد # جاء المساء، وغمر الظلام، فشعشعت الأنوار في القصور، والمنازل، وخرج الناس إلى الشوارع ~~بملابس العيد الجديدة، وعلى وجوههم سيماء البشر، والاستكفاء، ومن بين دقائق لهاثهم ~~تنبعث رائحة المآكل والخمور ... # أما أنا فسرت وحيدا، منفردا، مبتعدا عن الزحام، والضجيج أفكر بصاحب العيد. # أفكر بنابغة الأجيال الذي ولد فقيرا، وعاش متجردا، ومات مصلوبا ... # أفكر بالشعلة النارية التي أوقدها الروح الكلي في قرية حقيرة بسوريا، فطافت مرفرفة فوق ~~رؤوس العصور مخترقة مدنية بعد مدنية ... # ولما بلغت الحديقة العمومية، جلست على مقعد خشبي أنظر من خلال أغصان الأشجار العارية نحو ~~الشوارع المزدحمة، وأسمع عن بعد أناشيد المعيدين السائرين في موكب اللهو والخلو ... # وبعد ساعة مفعمة بالأفكار ms36 والأحلام التفت، وإذا برجل جالس بقربي على المقعد، وفي يده ~~عصاه يرسم بطرفها خطوطا ملتبسة على التراب ... فقلت في نفسي: «هو مستوحد مثلي» ثم تفرست إليه ~~متبصرا شكله؛ فألفيته رغم أثوابه القديمة، وشعره المسترسل المشوش ذا هيبة ووقار ... وكأنه قد ~~شعر بأنني أنظر إليه متفحصا شكله، وملامحه فالتفت نحوي، وقال بصوت عميق هادئ «مساء الخير» ~~فأرجعت التحية قائلا: «أسعد الله مساءك». # ثم عاد يرسم الخطوط بعكازه على أديم الأرض، وبعد هنيهة، وقد أعجبت بنغمة صوته خاطبته ~~ثانية قائلا: «هل أنت غريب في هذه المدينة؟». # فأجاب: «أنا غريب في هذه المدينة، وأنا غريب في كل مدينة أخرى». # قلت: «إن الغريب في مثل هذه المواسم يتناسى ما في الغربة من الضيم، والوحشة لما يجده ~~الإنسان من الأنس والانعطاف». # فأجاب «أنا غريب في مثل هذه الأيام أكثر مني في غيرها». # قال هذا ونظر إلى الفضاء الرمادي، فاتسعت عيناه، وارتعشت شفتاه كأنه رأى على صفحة الفضاء ~~رسوم وطن بعيد ... # قلت: «إن القوم في هذه المواسم يعطفون على بعضهم البعض، فالغني يذكر الفقير، والقوي يرحم ~~الضعيف». # فأجاب: «نعم، وما رحمة الغني بالفقير سوى نوع من حب الذات، وليس انعطاف القوي على الضعيف ~~إلا شكلا من التفوق والافتخار». # قلت: «قد تكون مصيبا، ولكن ماذا يهم الفقير الضعيف ما يجول في باطن الغني القوي من ~~الرغائب والأميال؟ إن الجائع المسكين يحلم بالخبز، ولكنه لا يفكر بالكيفية التي يعجن ~~بها الخبز». # فأجاب: «إن الموهوب لا يفتكر، أما الواهب فيجب عليه أن يفتكر، ويفتكر طويلا». # فأعجبت بكلامه وعدت، أتأمل منظره الغريب، وأثوابه القديمة. # وبعد سكينة نظرت إليه قائلا: «يلوح لي أنك في حاجة فهلا قبلت درهما أو درهمين؟». # فأجاب وقد ظهرت على شفتيه ابتسامة محزنة: «نعم أنا بحاجة ولكن إلى غير المال». # قلت: «وماذا تحتاج؟». # فقال: «أنا بحاجة إلى مأوى ... أنا بحاجة إلى مكان أسند إليه رأسي». # قلت: «خذ مني درهمين، واذهب إلى المنزل، واستأجر غرفة». # فأجاب: «قد ذهبت إلى كل نزل في هذه المدينة، فلم أجد لي مأوى ms37 ، وطرقت كل باب، فلم أر لي ~~صديقا، ودخلت كل مطعم، فلم أعط خبزا». # فقلت في نفسي: ما أغربه فتى يتكلم تارة كالفيلسوف، وطورا كالمجنون. # ولكن لم أهمس لفظة «مجنون» في أذن روحي حتى حدق بي شاخصا، ورفع صوته عن ذي قبل، ~~وقال: «نعم أنا مجنون، ومن كان مثلي يرى نفسه غريبا بلا مأوى، وجائعا بلا طعام». # قلت مستدركا مستغفرا: «سامح ظنوني فأنا لا أعرف من أنت، وقد استغربت كلامك، فهلا قبلت ~~دعوتي، وذهبت معي لتصرف الليلة في منزلي؟». # فأجاب: «قد طرقت بابك ألف مرة ولم يفتح لي». # قلت: وقد تحققت جنونه «تعال الآن واصرف الليلة في منزلي؟». # فرفع رأسه وقال: «لو عرفت من أنا لما دعوتني؟». # فقلت: «ومن أنت؟». # قال وفي صوته هدير مياه غزيرة: «أنا الثورة التي تقيم ما أقعدته الأمم، أنا العاصفة التي ~~تقتلع الأنصاب التي أنبتتها الأجيال، أنا الذي جاء ليلقي في الأرض سيفا لا سلاما». # ووقف منتصبا، وتعالت قامته، وسطع وجهه، وبسط ذراعيه، فظهر أثر المسامير في كفيه: فارتميت ~~راكعا أمامه، وصرخت قائلا: «يا يسوع الناصري ...». # وسمعته يقول إذ ذاك: «العالم يعيد لاسمي، وللتقاليد التي حاكتها الأيام حول اسمي، أما أنا ~~فغريب أطوف تائها في مغارب الأرض، ومشارقها، وليس بين الشعوب من يعرف حقيقتي». # للثعالب أوجرة، ولطيور السماء أوكار، وليس لابن الإنسان أن يسند رأسه. # ورفعت رأسي إذ ذاك، ونظرت، فلم أر أمامي سوى عمود من البخور، ولم أسمع سوى صوت الليل ~~آتيا من أعماق الأبدية. # | الجبابرة # ليس من يكتب بالحبر، كمن يكتب بدم القلب، وليس السكوت الذي يحدثه الملل، كالسكوت الذي ~~يوجده الألم. # أما أنا فقد سكت، لأن آذان العالم قد انصرفت عن همس الضعفاء، وأنينهم إلى عويل الهاوية ~~وضجتها، ومن الحكمة أن يسكت الضعيف عندما تتكلم القوى الكامنة في ضمير الوجود تلك القوى ~~التي لا ترضى بغير المدافع ألسنة، ولا تقنع بسوى القنابل ألفاظا. # نحن الآن في زمن أصغر صغائره أكبر من كبائر ما تقدمه، فالأمور التي كانت تشغل أفكارنا، ~~وأميالنا قد انزوت في ms38 الظل، والمسائل، والمشاكل التي كانت تتلاعب بآرائنا، ومبادئنا قد ~~توارت وراء نقاب من الإهمال، أما الأحلام المستحبة، والأشباح الجميلة التي كانت تميس ~~متنقلة على مسارح وجداننا، فقد تبددت كالضباب، وحل محلها جبابرة تسير كالعواصف، وتتمايل ~~كالبحار وتتنفس كالبراكين. # وما عسى أن يصير إليه العالم بعد أن تنتهي الجبابرة من صراعها؟ # هل يعود القروي إلى حقله فيلقي البذور حيث زرع الموت جماجم القتلى؟ # هل يقود الراعي مواشيه إلى مروج مزقت أديمها السيوف، ويوردها مناهل يمتزج ماؤها بنجيع ~~الدماء؟ # هل يركع العابد في هيكل رقصت فيه الشياطين، ويردد الشاعر قصائده أمام كواكب حجبت ~~بالدخان، وينغم المنشد أغانيه في ليل عانقت سكينته الأهوال؟ # هل تجلس الأم بجانب سرير رضيعها مرتلة بالهدوء أغاني النوم، وهي لا ترتجف وجلا مما ~~سيجلبه الغد؟ # هل يلتقي الحبيب بحبيبته ويتبادلان القبل حيث التقى العدو بعدوه وتبادلا القذائف؟ # وهل يعود نيسان إلى الأرض، ويستر بقميصه أعضائها المكلومة؟ # ليت شعري! هل يعود نيسان إلى الحقول؟ ~~••• # وماذا عسى تصير إليه بلادكم وبلادي؟ وأي من الجبابرة يضع يده على تلك التلال والهضبات ~~التي أنبتتنا، وصيرتنا رجالا، ونساء أمام وجه الشمس؟ # هل تبقى سورية مطروحة بين مغائر الذئاب، وحظائر الخنازير، أو يا ترى تنتقل مع العاصفة ~~إلى عرين الأسد، أو ذروات النسر؟ # وهل يطلع الفجر فوق قمم لبنان؟ # كلما خلوت بنفسي أطرح عليها هذه السؤالات، غير أن النفس كالقضاء تبصر، ولا تتكلم وتسير، ~~ولكنها لا تلتفت، فهي ذات عيون تتجلى، وأقدام تتسارع، أما لسانها فثقيل. # ومن منكم أيها الناس، لم يسأل نفسه في كل يوم وليلة عن مصير الأرض، وسكانها بعد أن تختمر ~~الجبابرة من دموع الأرامل والأيتام؟ # أنا من القائلين بسنة النشوء والارتقاء، وفي عرفي أن هذه السنة تتناول بمفاعيلها الكيانات ~~المعنوية بتناولها الكائنات المحسوسة، فتنتقل بالأديان، والحكومات من الحسن إلى الأحسن، ~~انتقالها بالمخلوقات كافة من المناسب إلى الأنسب، فلا رجوع إلى الوراء إلا في الظاهر، ولا ~~انحطاط إلا في السطحي. # ولسنة الارتقاء سبل متشعبة يتفرع بعضها من بعض، ولكنها متلازمة الأصول ms39 ، ومظاهر قاسية ~~ظالمة مظلمة تنكرها الأفكار المحدودة، وتتمرد عليها القلوب الضعيفة، أما خفاياها فعادلة ~~منيرة متمسكة بحق أسمى من حقوق الأفراد، محدقة بغرض أعلى من مرام الجماعة، مصغية إلى ~~صوت يغمر بهوله، وعذوبته تنهدات المنكوبين، وغصات المتوجعين. # حولي بكل مكان أقزام يرون عن بعد أشباح الجبابرة متناضلين، ويسمعون في المنام صدى ~~تهاليلهم، فيضجعون كالضفادع قائلين: قد رجع العالم في فطرية الوضيعه، فما بنته الأجيال ~~بالعلم والفن قد هدمه الإنسان الوحشي بالطمع والأنانية، فحالنا اليوم حال سكان الكهوف، ولا ~~يميزنا عنهم سوى آلات نبتدعها للدمار، وحين نستخدمها للهلاك؟ # هذا ما يقوله هؤلاء الذين يقيسون ضمير العالم بمقياس ضمائرهم، ويحللون مراد الوجود ~~بالفكرة القصيرة التي يستخدمونها؛ لحفظ وجودهم الفردي، فكأن الشمس لم تكن إلا لتدفئتهم، ~~وكأن البحر لم يوجد إلا لغسل أرجلهم. ~~••• # من أحشاء الحياة، من وراء المرئيات، من أعماق السكون المدبر حيث تصان أسرار الكون المدبر، ~~قد انبثق الجبابرة كالريح، وتصاعدوا كالغيوم، ثم تلاقوا كالجبال، وهم الآن يتصارعون ليحلوا ~~مشكلة في الأرض لا يحلها غير الصراع. # أما البشر وكل ما في رؤوسهم من المدارك، والمعارف، وما في قلوبهم من المحبة والبغضاء، وما ~~يعانق نفوسهم من الصبر، والجزع، والأوجاع، فآلات يتناولها الجبابرة، ويديرونها توصلا إلى ~~غاية علوية لابد من بلوغها. # أما الدماء التي أهرقت فسوف تجري أنهارا كوثرية، وأما الدموع التي نثرت، فستنبت ~~أزهارا زكية، وأما الأرواح التي فاضت فسوف تجتمع، وتأتلف، وتتطلع من وراء الأفق الجديد ~~صباحا جديدا، فيعلم الناس بأنهم قد ابتاعوا الحق في سوق البؤس، وأن من ينفق في سبيل الحق ~~لم يخسر. # | مات أهلي # كتبت أيام المجاعة # مات أهلي وأنا قيد الحياة أندب أهلي في وحدتي وانفرادي. # مات أحبائي وقد أصبحت حياتي بعدهم بعض مصابي بهم. # مات أهلي وأحبائي، وغمرت الدموع، والدماء هضبات بلادي، وأنا ههنا أعيش مثلما كنت عائشا ~~عندما كان أهلي، وأحبائي جالسين على منكبي الحياة، وهضبات بلادي مغمورة بنور ~~الشمس. # مات أهلي جائعين، ومن لم يمت جوعا قضى بحد السيف، وأنا في هذه البلاد القصية ms40 أسير بين ~~قوم فرحين مغبوطين يتناولون المآكل الشهية، والمشارب الطيبة، وينامون على الأسرة ~~الناعمة، ويضحكون للأيام، والأيام تضحك لهم. # مات أهلي أذل ميتة، وأنا ههنا أعيش في رغد وسلام، وهذه المأساة المستتبة على مسرح ~~نفسي. # لو كنت جائعا بين أهلي الجائعين مضطهدا بين قومي المضطهدين، لكانت الأيام أخف وطأة على ~~صدري، والليالي أقل سوادا أمام عيني، لأن من يشارك بالأسى، والشدة يشعر بتلك التعزية ~~العلوية لتي يولدها الاستشهاد، بل يفتخر بنفسه؛ لأنه يموت بريئا مع الأبرياء. # ولكنني لست مع قومي الجائعين، المضطهدين، السائرين في موكب الموت نحو مجد الاستشهاد، بل ~~أنا ههنا وراء البحار السبعة أعيش في ظل الطمأنينة، وخمول السلامة، أنا ههنا بعيد عن ~~النكبة، والمنكوبين، ولا أستطيع أن أفتخر بشيء حتى ولا بدموعي. # وماذا عسى يقدر المنفي البعيد أن يقول لأهله الجائعين. # ليت شعري، ماذا ينفع ندب الشاعر ونواحه؟ # لو كنت سنبلة من القمح نابتة في تربة بلادي، لكان الطفل الجائع يلتقطني، ويزيل بحباتي ~~يد الموت عن نفسه. # لو كنت ثمرة يانعة في بساتين بلادي، لكانت المرأة الجائعة تتناولني، وتقضمني ~~طعاما. # لو كنت طائرا في فضاء بلادي، لكان الرجل الجائع يصطادني، ويزيل بجسدي ظل القبر عن ~~جسده. # ولكن، واحر قلباه، لست بسنبلة من القمح في سهول سورية، ولا بثمرة يانعة في أودية ~~لبنان، وهذه هي نكبتي الصامتة التي تجعلني حقيرا أمام نفسي، وأمام أشباح الليل. # هذه هي المأساة الموجعة التي تعقد لساني، وتكبل يدي، ثم توقفني بلا عزم، ولا إرادة، ولا ~~عمل. ~~••• # يقولون لي: ما نكبة بلادك سوى جزء من نكبة العالم، وما الدموع والدماء التي هرقت في ~~بلادك سوى قطرات من نهر الدماء والدموع المتدفق ليلا ونهارا في أودية الأرض ~~وسهولها. # نعم، ولكن نكبة بلادي نكبة خرساء، نكبة بلادي جريمة حبلت بها رؤوس الأفاعي والثعابين، ~~نكبة بلادي مأساة بغير أناشيد ولا مشاهد. # لو ثار قومي على حكامهم الطغاة، وماتوا جميعا متمردين، لقلت إن الموت في سبيل الحرية ~~لأشرف من الحياة في ظلال الاستسلام، ومن يعتنق الأبدية، والسيف ms41 في يده كان خالدا بخلود ~~الحق. # لو اشتركت أمتي بحرب الأمم، وانقرضت عن بكرة أبيها في ساحة القتال، لقلت هي العاصفة ~~الهوجاء تهصر بعزمها الأغصان الخضراء، واليابسة معا، والموت تحت أغصان العواصف لأشرف ~~منه بين ذراعي الشيخوخة. # ولو زلزلت الأرض زلزالها، وقلبت ظهر بلادي صدرا، وغمر التراب أهلي، وأحبائي، لقلت هي ~~النواميس الخفية تتحرك بمشيئة قوة فوق قوى البشر، فمن الجهالة أن نحاول إدراك أسرارها ~~وخفاياها. # ولكن لم يمت أهلي متمردين، ولا هلكوا محاربين، ولا زعزع الزلزال بلادهم، فانقرضوا ~~مستسلمين. # مات أهلي على الصليب. # ماتوا وأكفهم ممدودة نحو الشرق والغرب، وعيونهم محدقة بسواد الفضاء. # ماتوا صامتين، لأن آذان البشرية قد أغلقت دون صراخهم. # ماتوا لأنهم لم يحبوا أعدائهم كالجبناء، ولم يكرهوا محبيهم كالجاحدين. # ماتوا لأنهم لم يكونوا مجرمين. # ماتوا لأنهم لم يظلموا الظالمين. # ماتوا لأنهم لم يكونوا مسالمين. # ماتوا جوعا في الأرض التي تدر لبنا وعسلا. # ماتوا لأن الثعبان الجهنمي قد التهم كل ما في حقولهم من المواشي، وما في أهرائهم من ~~الأقوات. # ماتوا لأن الأفاعي أبناء الأفاعي قد نفثوا السموم في الفضاء الذي كانت تملؤه أنفاس ~~الأرز وعطور الورود والياسمين ~~••• # مات أهلي وأهلكم أيها السوريون، فماذا نستطيع أن نفعل لمن لم يمت منهم؟ # إن نواحنا لا يسد رمقهم، ودموعنا لا تروي غليلهم إذن ماذا نفعل لننقذهم من الجوع ~~والشدة؟ # هل نبقى مرتابين، مترددين، متكاسلين، مشغولين عن المأساة العظمى بتوافه الحياة ~~وصغائرها؟ # إن العاطفة التي تجعلك، يا أخي السوري، أن تعطي شيئا من حياتك لمن يكاد أن يفقد حياته، ~~هي الأمر الوحيد الذي يجعلك حريا بنور النهار، وهدوء الليل. # وإن الدرهم الذي تضعه في اليد الفارغة الممدودة إليك هو هو الحلقة الذهبية التي تصل ما ~~فيك من البشرية بما فوق البشرية. # | الأمم وذواتها # الأمة: مجموع أفراد متبايني الأخلاق، والمشارب، والآراء تضمهم رابطة معنوية أقوى من ~~الأخلاق، وأعمق من المشارب، وأعم من الآراء. # وقد تكون الوحدة الدينية بعض خيوط هذه الرابطة، غير أن الخلاف في العقيدة لا يحل الروابط ~~الأممية، إلا ms42 إذا كانت ضعيفة واهية كما هي معنوية أقوى من الأخلاق في البلاد ~~الشرقية. # وقد تكون وحدة اللغة سببا أساسيا لإيجاد هذه الرابطة، ولكن هناك شعوب كثيرة تتكلم لغة ~~واحدة مع أنها في خلاف مستمر من حيث السياسة، والإدارة، والنظريات الاجتماعية. # وقد تكون الوحدة الدموية أساسا لهذه الرابطة، ولكن في التاريخ أمثلة عديدة نستدل منها ~~على أن أفخاذ عنصر واحد انشقت بعضها على بعض، وكان ذلك الانشقاق مجلبة للتطاحن والتباغض ثم ~~الاضمحلال. # وقد تكون المصلحة المادية نولا تحاك عليه تلك الرابطة، ولكن شعوب عديدة لم تحك ~~مصلحتهم المادية سوى المنافسة والمناقشة. # إذن ما هي تلك الرابطة الاجتماعية؟ وما هي التربة التي تنبت فيها أنصاب الأمم؟ # لي رأي في الرابطة الأممية قد يحسبه بعض المفكرين غريبا، لأن أصوله ونتائجه ليست من ~~الأمور المحسوسة. # أما رأيي فهو هذا: # لكل شعب ذات عامة تشابه بجوهرها، وطبيعتها ذات الفرد، ومع أن هذه الذات العامة تستمد ~~كيانها من أفراد الشعب، كما تستمد الشجرة حياتها من الماء، والتراب، والنور، والحرارة فهي ~~مستقلة عن الشعب، ولها حياة خاصة وإرادة منفردة، وكما يصعب علي تحديد وتعيين الزمن الذي ~~تتولد فيه ذات الفرد الواحد، هكذا يصعب على تعيين وتحديد الزمن الذي تتولد فيه الذات ~~العامة، غير أنني أشعر أن الذات المصرية - مثلا - قد تبلورت قبل ظهور الدولة الأولى على ~~ضفاف النيل بزمن لا يقل عن خمسمائة سنة، ومن تلك الذات العامة قد استمدت مصر مظاهرها ~~الفنية، والدينية، والاجتماعية، وما أقوله عن مصر يصح في آشور، وفارس، واليونان، ورومة ~~والعرب، وغيرها من الأمم الحديثةن أعني تلك التي ظهرت بعد انقضاء الأجيال المتوسطة. # قلت: إن للذات العامة حياة خاصة، نعم، ولما كان لكل حي عمر محدود كان لتلك الذات العامة ~~أجل محدود لا تتجاوزه، ومثلما يسير الكيان الفردي من الطفولة، إلى الشبيبة، إلى الكهولة، ~~إلى الشيخوخة هكذا يتدرج كيان الذات العامة من يقظة الفجر الموحشة بنقاب النوم، إلى يقظة ~~الظهر المتجلية بنور الشمس، إلى يقظة الليل المغمورة بالنعاس، إلى سبات عميق. # إن ms43 الذات اليونانية قد استيقظت في القرن العاشر قبل المسيح، ومشت بعزم وجلال في القرن ~~الخامس قبل المسيح، ولما بلغت عهد الناصري كانت قد ملت أحلام اليقظة، فنامت على مضجع ~~الأبدية، لتعانق أحلام الأبدية. # أما الذات العربية: فقد تجوهرت، وشعرت بكيانها الشخصي في القرن الثالث قبل الإسلام، ولم ~~تتمخض بالنبي محمد حتى انتصبت كالجبار، وثارت كالعاصفة متغلبة على كل ما يقف في سبيلها، ~~ولما بلغت العباسيين تربعت على عرش منتصب فوق قواعد لاعداد لها: أولها في الهند، وآخرها في ~~الأندلس، ولما بلغت عصارى نهارها، وكانت الذات المغولية قد أخذت تنمو وتمتد من الشرق ~~إلى الغرب، كرهت الذات العربية يقظتها فنامت، ولكن نوما خفيفا متقطعا، وقد تعود ~~وتفيق ثانية، لتبين ما بقي خفيا في نفسها، كما عادت الذات الرومانية في زمن النهضة ~~الإيطالية المعروفة بالرنسانس، وأكملت في البندقية، وفلورنسا، وميلان ما ابتدأت به قبل أن ~~تباغتها الشعوب التوتونية في بدء الأجيال المظلمة. # وأغرب الذوات العامة في التاريخ، هي الذات الفرنساوية، فها قد عاشت ألفي سنة أمام وجه ~~الشمس، ولم تزل في شبيبة النضرة، وهي اليوم أدق فكرا، وأحد نظرا وأوسع فنا وعلما ~~مما كانت في أي زمن من تاريخها المجيد. # فرودان، وكارير، وشيتان، وهوغو، ورينان، وساسه، وسيمون، وجميعهم من أبناء القرن التاسع ~~عشر كانوا أعظم رجال العالم فنا، وأكثرهم علما، وأبعدهم خيالا، الأمر الذي يدلنا على أن ~~لبعض الذوات العامة أعمارا أطول من الأخرى، فالذات المصرية عاشت ثلاثة آلاف سنة، أما الذات ~~اليونانية فلم تعش أكثر من ألف سنة، وقد تكون الأسباب في طول آجال الذوات العامة أو قصرها ~~شبيهة بأسباب قصر أعمار الأفراد أو طولها. # وماذا يا ترى يحل بالذات العامة بعد ن تلعب دورها على مسرح الوجود؟ # هل تموت وتفنى بدورها غير تاركة ورائها سوى الذكرى لمن يجيء بعدها؟ هل تضمحل أمام الأيام، ~~والليالي كأنها لم تكن مظهرا لليالي والأيام؟ # في عقيدتي أن الكيان المعنوي يتغير، ولكنه لا ولن يضمحل، فهو كالكيان المادي يتحول من شكل ~~إلى شكل، ومن صورة ms44 إلى صورة، أما دقائقه وذراته الوضعية فباقية ببقاء الزمن، فذات الأمة ~~العامة تنام، ولكن نوم الأزاهر بعد أن تلقي بذورها في تربة الأرض، أما عطرها فيتصاعد إلى ~~عالم الخلود، وعندي أن العطر في الأمة، أو في الزهرة، هو الحقيقة المجردة، هو الجوهر ~~المطلق، فعطر ثيب، وبابل، ونينوى، وأثينا، وبغداد موجود الآن في الغلاف الأثيري المحيط ~~بالأرض، بل هو موجود في أعماق أرواحنا، ونحن - أفرادا وجماعات - ورثة كل الذوات العامة ~~التي وجدت على سطح الأرض. # غير أن ذاك الإرث العلوي لا يتخذ له صورا محسوسة في الفرد، أو الجماعات حتى تتبلور الأمة ~~التي ينتسب الأفراد، والجماعات إليها، وتصير ذاتا لها حياة خاصة، وإرادة منفردة. # همسة في سر الوجود. # | فلسفة المنطق أو معرفة الذات # في ليلة من ليالي بيروت الممطرة جلس سليم أفندي دعيبس أمام منضدة فوقها أكداس من الكتب ~~العتيقة، والأوراق المنثورة يقلب الأسفار، ويرفع رأسه بين الآونة، والأخرى مخرجا من بين ~~شفتيه الغليظتين سحابة من دخان التبغ، وقد كان بين يديه إذ ذاك رسالة فلسفية أوحاها سقراط ~~لتلميذه أفلاطون في «معرفة الذات». # كان سليم أفندي يتبصر آيات تلك الرسالة النفيسة مستحضرا إلى حافظته ما قاله الفلاسفة ~~والمرشدون في موضوعها، حتى لم يبق شاردة لمفكر غربي إلا ولازمت فكرته، ولا واردة لمعلم شرقي ~~إلا ولاحمت ذاكرته، حتى إذا ما غرقت ذاته في موضوع معرفة الذات نهض فجأة، ومد ذراعيه، ~~وصرخ بأعلى صوته قائلا: «نعم، نعم إن معرفة الذات هي أم كل معرفة، أما أنا فعلي أن أعرف ~~ذاتي، وأعرفها تماما، وأعرفها بتفاصيلهان ومعالمها، ودقائقها، وذراتها، علي أن أزيل ~~النقاب عن أسرار نفسي، وأمحو الالتباس عن مكامن قلبي، بل علي أن أبين معاني كياني المعنوي ~~لكياني الهيولي، وخفايا وجودي الهيولي لوجودي المعنوي». # قال هذا بحماسة غريبة، وفي عينيه تتقد شعلة «محبة المعرفة» معرفة الذات، ثم دخل إلى غرفة ~~محاذية، وانتصب كالتمثال أمام مرآة كبيرة تصل أرض الغرفة بسقفها، ونظر محدقا بشبحه متفرسا ~~وجهه، متأملا بشكل رأسه، وخطوط قامته، وإجمال هيأته. # ظل واقفا ms45 جامدا على هذه الحالة نصف ساعة، كأن الفكرة الأزلية قد أنزلت عليه أفكارا ~~هائلة بسموها تجعله بواسطتها أن يكتشف بواطن روحه، ويملأ النور خلايا ذاته، ثم فتح شفتيه ~~بهدوء، وقال مخاطبا نفسه: أنا قصير القامة وهكذا كان نابليون وفكتور هوغو. # أنا ضيق الجبهة وهكذا كان سقراط وسبينوزا. # أنا أصلع، وهكذا كان شكسبير. # أنفي كبير ومنحن إلى جهة واحدة، وهكذا كان سفنزوولا، وڨولتير، وجورج واشنطون. # في عيني سقم، وهكذا كان بولس الرسول، ونيتشة. # فمي غليظ، وشفتي السفلى ناتئة، وهكذا كان شيشرون، ولويس الرابع عشر. # عنقي غليظ، وهكذا كان هنيبال، ومرقص أنطونيوس. # أذناي مستطيلتان بارزتان إلى الجهة الوحشية، وهكذا كان برونر وسرفانتي. # وجنتاي بارزتان، وخداي ضامرتان، وهكذا كان لافيات، ولنكلن. # ذقني متقاهر إلى الوراء، وهكذا كان غولد سمث، ووليم بت. # كتفاي متباينان؛ فالواحد يعلو على الآخر، وهكذا كان غمبتا، وأديب إسحق. # يداي ثخينتا الكفين، قصيرتا الأصابع، وهكذا كان بلبك، ودانتون. # وبالإجمال جسدي ضعيف نحيل، وهذا شأن أكثر المفكرين الذين تتعب أجسادهم في مرامي نفوسهم، ~~ومن الغريب أني لا أستطيع الجلوس كاتبا، أو مطالعا، إلا وبجانبي إبريق القهوة مثلما كان ~~يفعل بلزك. وفوق ذلك فلي ميل إلى معاشرة الرعاع والبسطاء كتولستوي، ومكسيم غوركي. وقد يمر ~~اليوم، واليومان دون أن أغسل وجهي ويدي، وهكذا كان بيتهوفن، وولت، وتمن. وللعجب أني أستريح ~~لسماع أخبار النساء، وما يفعلنه في غياب أزواجهن كبوكاشيو، وريبالي. أما عطشي إلى الخمرة ~~فيضارع عطش نوح، وأبي نواس، ودي موسه، ومارلو. وأما مجاعتي للمآكل الشهية، والموائد ~~المرصوفة بالألوان المتنوعة فتقارن نهم بطرس الأكبر، والأمير بشار الشهابي. # ووقف سليم أفندي دقيقة عن مخاطبة نفسه، ثم لمس جبهته بأطراف بنانه، وزاد قائلا: هذا أنا، ~~هذه هي حقيقتي، فأنا مجموع صفات كان حائزا عليها أعاظم الرجال من بدء التاريخ إلى يومنا ~~هذا، وفتى جامع لهذه المزايا لا بد أن يفعل شيئا عظيما في هذا العالم. ~~«رأس الحكمة معرفة الذات، وأنا قد عرفت نفسي في هذه الليلة، ومنذ الليلة سأبتدئ بالعمل ~~العظيم الذي انتدبتني إليه فكرة ms46 هذا العالم بوضعها في أعماق عناصر متعددة متباينة، رافقت ~~عظماء البشر من نوح، إلى سقراط، إلى بوكاشيو، إلى أحمد فارس الشدياق، أنا لا أدري ما هو ~~العمل العظيم الذي سأقوم به، ولكن رجلا جمع في شخصه الهيولي وذاته المعنوية ما أنا جامع له ~~من معجزات الأيام، ومبتكرات الليالي ... لقد عرفت نفسي نعم، والآلهة قد عرفت نفسي فلتحي ~~نفسي، ولتعيش ذاتي، وليبقى الكون كونا حتى تتم أعمالي». # ومشى سليم أفندي في تلك الغرفة ذهابا وإيابا، وسيماء البشر على سحنته القبيحة، وهو ~~يردد بصوت يأتلف بنبراته مواء القطط بقلقلة العظام بيت أبي العلاء القائل: # أنا وإن كنت الأخير زمانه # لآت بما لم تستطعه الأوائل # وبعد ساعة كان صاحبنا مضطجعا بملابسه المشوشة على سريره المشقلب، وغطيطه يملأ ~~فضاء ذلك الحي بنغمة أدنى إلى جعجعة الطاحون منها إلى صوت ابن آدم. # | العاصفة # 1 # كان يوسف الفخري في الثلاثين من عمره عندما ترك العالم، وما فيه وجاء ليعيش وحيدا ~~متزهدا، صامتا في تلك الصومعة المنفردة القائمة على كتف وادي قاديشا في شمال ~~لبنان. # وقد اختلف سكان القرى المجاورة في أمره، فمنهم من قال: «هو ابن أسرة شريفة مثرية، ~~وقد أحب امرأة فخانت عهده فهجر الديار، وطلب الخلوة توصلا إلى السلوان» ومنهم من ~~قال: «هو شاعر خيالي قد انصرف عن ضجة الاجتماع، ليدون أفكاره وينظم عواطفه»، ومنهم من ~~قال: «هو متصوف متعبد قد اقتنع بالدين دون الدنيا» ومنهم من اكتفى بقوله «هو ~~مجنون». # أما أنا فلم أكن من رأي هذا ولا ذاك؛ لعلمي أن في داخل الأرواح أسرارا غامضة لا ~~تكشفها الظنون، ولا يبوح بها التخمين، غير أني كنت أتمنى لقاء هذا الرجل الغريب، وأشتهي ~~محادثته. وقد حاولت مرتين التقرب إليه، لأستطلع حقيقته، وأستفسر مقاصده، وأمانيه، فلم ~~أظفر منه سوى بنظرات حادة، وبعض ألفاظ تدل على الجفاء، والبرودة والترفع. # ففي المرة الأولى، وقد لقيته سائرا بقرب غابة الأرز، حييته بأحسن ما حضرني من الكلام ~~فلم يرد التحية إلا بهز رأسه، ثم تحول عني مسرعا، وفي المرة ms47 الثانية وجدته واقفا في ~~وسط كرمة صغيرة بقرب صومعة، فدنوت منه قائلا: «قد سمعت بالأمس أن هذه الصومعة ~~بناها ناسك سرياني في القرن الرابع عشر، فهل لك علم بذلك يا سيدي؟». # فأجاب بلهجة خشنة «لا أعلم من بنى هذه الصومعة، ولا أريد أن أعلم»، ثم أدار لي ظهره ~~وزاده ساخرا: «لماذا لا تسأل جدتك فهي أقدم عهدا، وأكثر علما بتاريخ هذه الأودية؟»، ~~فتركته مكسوفا نادما على تطفلي. # وهكذا مر عامان، وحياة هذا الرجل المكتنفة بالأسرار تراود خيالي، وتتمايل مع ~~أفكاري، وأحلامي. # 2 # ففي يوم من أيام الخريف، وقد كنت متجولا بين تلك التلول، والمنحدرات المجاورة لمزرعة ~~يوسف الفخري، فاجأتني العاصفة بأهوائها، وأمطارها، وأخذت تتلاعب بي مثلما يتلاعب البحر ~~الهائج بمركب كسرت الأمواج دفته، ومزقت الريح شراعه، فتحولت نحو الصومعة قائلا في ~~نفسي: هذه فرصة موافقة لزيارة هذا المتنسك، وستكون العاصفة عذري، وأثوابي المبللة ~~شفيعي. # بلغت الصومعة، وأنا في حالة يرثى لها، ولم أطرق الباب حتى ظهر أمامي الرجل الذي ~~طالما تشوقت إلى لقائه حاملا بيده طائرا مهشم الرأس، منبوش الريش وهو يختلج كأنه ~~على آخر رمق من الحياة، فقلت بعد أن حييته «اعذرني يا سيدي على مجيئي إليك في هذه ~~الحالة، ولكن العاصفة شديدة وأنا بعيد عن المنازل». # فتفرس في عابسا، وأجاب بصوت يساوره الاستنكاف: «الكهوف كثيرة في هذه النواحي، وقد ~~كان بإمكانك الالتجاء إليها». # قال هذا وهو يلامس رأس الطائر بانعطاف لم أر مثله في حياتي، فعجبت لمرأي ~~الضدين: الرأفة، والخشونة في وقت واحد، وتحيرت في أمري، وكأنه قد علم بما يخالج ضميري، ~~فنظر إلي نظرة استيضاح، واستعلام ثم قال: «إن العاصفة لا تأكل اللحوم الغامضة، فلم ~~تخافها وتهرب منها؟». # فأجبته: «العاصفة لا تحب الحوامض، ولا الموالح، ولكنها تميل إلى الرطب البارد، ولا ~~أشك بأنها ستجدني لقمة لذيذة إذا قبضت علي ثانية». # فقال وقد انفرجت ملامحه قليلا: «لو مضغتك العاصفة لقمة، لحصلت على شرف رفيع لا ~~تستحقه». # فأجبته: «نعم يا سيدي، ولقد جئت إليك هاربا من العاصفة لكي لا ms48 أنال ذلك الشرف الذي ~~لا أستحقه». # فحول وجهه محاولا إخفاء ابتسامة ضئيلة، ثم أشار نحو مقعد خشبي بقرب موقد تتأجج ~~فيه النار، وقال: «اجلس وجفف أثوابك». # فجلست بقرب النار شاكرا، وجلس هو قبالتي على مقعد محفور في الصخر، وأخذ يغمس أطراف ~~أصابعه بمزيج زيتي في طاسة فخارية، ويدهن بها جانح الطائر، ورأسه، وقال: «هذا الشحرور ~~حملته الريح، فهبط على الصخور بين حي وميت». # فقلت: «والريح قد حملتني أيضا إلى بابك يا سيدي، وأنا للآن لا أدري ما إذا كانت قد ~~كسرت جانحي أو هشمت رأسي». # فنظر إلى وجهي بشيء من الاهتمام وقال: «حبذا لو كان للإنسان بعض أطباع الطيور. حبذا ~~لو كسرت العواصف أجنحة البشر، وهشمت رؤوسهم، ولكن الإنسان مطبوع على الخوف ~~والجبانة، فهو لا يرى العاصفة مستيقظة حتى يختبئ في شقوق الأرض ومغاورها». # فقلت وقصدي متابعة الحديث: «نعم إن للطير شرفا ليس للإنسان، فالإنسان يعيش في ظلال ~~شرائع، وتقاليد ابتدعها لنفسه، أما الطيور فتحيا بسبب الناموس الكلي المطلق الذي يسير ~~بالأرض حول الشمس». # فلمعت عيناه وانبسطت ملامحه كأنه وجد بي تلميذا سريع الفهم ثم قال: «أحسنت، أحسنت، ~~فإذا كنت تعتقد حقيقة بما تقول، فاترك الناس وتقاليدهم الفاسدة وشرائعهم التافهة، وعش ~~كالطيور في مكان بعيد خال إلا من ناموس الأرض والسماء». # فقلت: «إني اعتقد بما أقول يا سيدي». # فرفع يده وقال بصوت يمازجه التعنت، والتصلب: «الاعتقاد شيء والعمل به شيء آخر، كثيرون ~~هم الذين يتكلمون كالبحر، أما حياتهم فشبيهة بالمستنقعات، كثيرون هم الذين يرفعون ~~رؤوسهم فوق قمم الجبال، أما نفوسهم فتبقى هاجعة في ظلمة الكهوف». # قال هذا ولم يدع لي فرصة للكلام، بل قام من مكانه، ومدد الشحرور على جبة قديمة بقرب ~~النافذة، ثم تناول رزمة من القضبان اليابسة، وألقاها في الموقدة قائلا: «اخلع حذائك، ~~وجفف قدميك، فالرطوبة أضر بالإنسان من كل شيء آخر، جفف أثوابك جيدا ولا تكن ~~خجولا». # فاقتربت من النار، والبخار يتصاعد من أثوابي الرطبة، أما هو فوقف في باب الصومعة ~~محدقا بالفضاء الغضوب. # وبعد هنيهة سألته ms49 قائلا: «هل جئت إلى هذه الصومعة منذ زمن بعيد؟». # فأجاب دون أن يلتفت نحوي: «جئت إلى هذه الصومعة عندما كانت الأرض خربة وخالية وعلى ~~وجه الغمر ظلمة وروح الله يرف على وجه المياه». # فسكت قائلا في سري: «ما أغرب هذا الرجل، وما أصعب السبيل إلى حقيقته، ولكن لا بد من ~~محادثته، ومعرفة خفايا روحه، وسوف أصبر حتى يتحول شموخه إلى اللين والدعة». # 3 # وغمر الليل تلك البطاح بردائه الأسود، ونمت العاصفة، وغزرت الأمطار حتى خيل لي ~~أن الطوفان قد جاء ثانية ليبيد الحياة ويطهر الأرض من أدرانها، وكأن ثورة العناصر قد ~~ولدت في نفس يوسف الفخري تلك الطمأنينة التي تجيء في بعض الأحايين مظهرا لرد ~~الفعل، فتحول نفوره مني إلى الاستئناس بي، فقام وأشعل شمعتين، ثم وضع أمامي جرة طافحة ~~بالخمر، وطبقا عليه الخبز والزيتون والعسل وبعض الأثمار المجففة، ثم جلس قبالتي، وقال ~~بلطف: «هذا كل ما عندي من الزاد فتفضل يا أخي وشاركني به». # تناولنا العشاء صامتين صاغين إلى ولولة الريح وبكاء الأمطار، غير أنني كنت أتبصر وجهه ~~بين اللقمة والأخرى، مستفسرا ملامحه عن غوامضه، سائلا معانيه عن الميول، والمقاصد ~~المستحكمة بوجدانه. # وبعد أن رفع المائدة تناول من جانب الموقد إبريقا نحاسيا، وصب منه قهوة صافية ~~زكية الرائحة في فناجين، ثم فتح علبة مفعمة بلفائف التبغ، وقال بهدوء «تفضل يا ~~أخي». # فأخذت لفافة رافعا بيدي فنجان القهوة، وأنا لا أصدق ما تراه عيني، فنظر إلي، وكأنه ~~قد سمعني مفكرا، فابتسم هازا رأسه، ثم قال بعد أن أشعل لفافة، وشرب قليلا من القهوة: ~~أنت بالطبع تستغرب وجود الخمر، والتبغ، والقهوة في هذه الصومعة، وقد تستغرب وجود الطعام ~~والفراش، وأنا لا ألومك؛ فأنت واحد من الكثيرين الذين يتوهمون أن البعد عن البشر يستوجب ~~البعد عن الحياة من الملذات الطبيعية، والمسرات البسيطة. # فأجبته: «نعم يا سيدي لقد تعودنا الاعتقاد بأن من يتنحى عن العالم ليعبد الله يترك ~~ورائه كل ما في العالم من الملذات، والمسرات؛ ليعيش وحده متنسكا، متقشفا، مستكفيا ~~بالماء والأعشاب». ms50 # فقال: «لقد كان بإمكاني عبادة الله وأنا بين خلقه؛ لأن العبادة لا تستلزم الوحدة ~~والانفراد. وأنا لم أترك العالم لأجد الله؛ لأنني كنت أجده في بيت أبي، وفي كل مكان ~~آخر، ولكنني هجرت الناس؛ لأن أخلاقي لا تنطبق على أخلاقهم، وأحلامي لا تتفق مع أحلامهم، ~~تركت البشر؛ لأنني وجدت نفسي دولابا يدور يمنة بين دواليب تدور يسارا، تركت المدينة؛ ~~لأنني وجدتها شجرة مسنة فاسدة، قوية هائلة عروقها في ظلمة الأرض، وأغصانها تتعالى إلى ~~ما وراء الغيوم، أما أزاهرها فمطامع، وشرور، وجرائم، وأما أثمارها فويل، وشقاء، وهموم، ~~ولقد حاول بعض المصلحين تطعيمها، وتغيير طبيعتها، فلم يفلحوا بل ماتوا قانطين، مضطهدين، ~~مغلوبين على أمرهم». # واتكأ إذ ذاك إلى جانب الموقد، وكأنه قد وجد لذة في تأثير كلامه علي، فرفع صوته ~~أكثر من ذي قبل، وزاد قائلا: لا، لم أطلب الوحدة للصلاة، والتنسك؛ لأن الصلاة، وهي ~~أغنية القلب، تبلغ آذان الله وإن تصاعدت ممزوجة بصياح ألوف الألوف، وأما التنسك، وهو ~~قهر الجسد وإماتة رغائبه، فمسألة لا مكان لها في ديني؛ لأن الله بنى الأجسام هياكل ~~للأرواح، وعلينا أن نحافظ على هذه الهياكل؛ لتبقى قوية نظيفة لائقة بالألوهية التي تحل ~~فيها، لا يا أخي لم أطلب الوحدة للصلاة، والتقشف؛ بل طلبتها هاربا من الناس، وشرائعهم، ~~وتعاليمهم، وتقاليدهم، وأفكارهم وضجتهم، وعويلهم. طلبت الوحدة؛ لكي لا أرى أوجه الرجال ~~الذين يبيعون نفوسهم ليشتروا بأثمانها ما كان دون نفوسهم قدرا وشرفا. طلبت الانفراد؛ ~~لكي لا ألتقي بالنساء اللواتي يسرن ممدودات الأعناق، غامزات العيون على ثغورهن ألف ~~ابتسامة، وفي أعماق قلوبهن غرض واحد. # طلبت الانفراد لكي لا أجالس ذوي «النصف معرفة» الذين يبصرون في المنام خيال العلم ~~فيتخيلون أنهم أصبحوا من المدارك بمقام النقطة من الدائرة، ويرون في اليقظة أحد أشباح ~~الحقيقة فيتوهمون أنهم قد امتلكوا جوهرها الكامل المطلق. طلبت الخلوة؛ لأنني مللت ~~مجاملة الخشن الذي يظن اللطف ضربات من الضعف، والتساهل نوعا من الجبانة، والترفع شكلا ~~من الكبرياء. طلبت الخلوة؛ لأن نفسي تعبت من معاشرة المتمولين الذين ms51 يظنون أن الشموس، ~~والأقمار ، والكواكب لا تطلع إلا من خزائنهم، ولا تغيب إلا في جيوبهم، ومن الساسة الذين ~~يتلاعبون بأماني الأمم، وهم يذرون في عيونها الغبار الذهبي، يملئون آذانهم برنين ~~الألفاظ، ومن الكهان الذين يعظون الناس بما لا يتعظون به، ويطلبون منهم ما لا يطلبونه ~~من نفوسهم. طلبت الوحدة، والانفراد؛ لأنني لم أحصل على شيء من يد بشري؛ إلا بعد أن دفعت ~~ثمنه من قلبي. طلبت الوحدة، والانفراد؛ لأنني سئمت ذلك البناء العظيم الهائل المدعو ~~حضارة، ذلك البناء الدقيق الصنع والهندسة، القائم فوق رابية من الجماجم البشرية. طلبت ~~الوحدة؛ لأن في الوحدة حياة للروح، والفكر، والقلب، والجسد. طلبت البرية الخالية؛ لأن ~~فيها نور الشمس، ورائحة الأزهار، وأنغام السواقي. طلبت الجبال؛ لأن فيها يقظة الربيع، ~~وأشواق الصيف، وأغاني الخريف، وعزم الشتاء. جئت إلى هذه الصومعة المنفردة؛ لأنني أريد ~~معرفة أسرار الأرض، والدنو من عرش الله». # وسكت متنفسا الصعداء كأنه ألقى حملا ثقيلا عن عاتقه، وقد تلمعت عيناه بأشعة ~~غريبة سحرية. # وظهرت على وجهه أمارات الأنفة، والإرادة، والقوة. # ومرت بضع دقائق وأنا أنظر إليه مسرورا بظهور ما كان محجوبا عني، ثم خاطبته قائلا: ~~«أنت مصيب في كل ما قلته، ولكن ألا ترى يا سيدي أن بتشخيصك أمراض الاجتماع وأوصابه قد ~~أبنت لي أنك أحد الأطباء الماهرين، وأنه لا يجدر بالطبيب الإعراض عن العليل قبل أن ~~يشفى أو يموت؟ إن العالم بحاجة ماسة إلى أمثالك، وليس من العدل أن تعتزل عن الناس، وأنت ~~قادر على نفعهم». # فحدق بي هنيهة، ثم قال بلهجة ملئوها القنوط والمرارة: «منذ البدء والأطباء ~~يحاولون إنقاذ العليل من علته، فمنهم من جاء بالمباضع، ومنهم من جاء بالأدوية، ~~والمساحيق، ولكنهم ماتوا جميعا بدون رجاء ولا أمل، ويا ليت عليل الدهر يكتفي بملازمة ~~مضجعه القذر، ومؤانسة قروحه المزمنة، ولكنه يمد يده من بين اللحف، ويقبض على عنق كل ~~من يزوره ممرضا ويخنقه، والأمر الذي يغيظني ويحول الدم في عروقي إلى نار محرقة، هو أن ~~ذلك العليل الخبيث يقتل الطبيب، ثم يعود ms52 ويغمض عينيه قائلا لنفسه : «لقد كان بالحقيقة ~~طبيبا عظيما» ... لا يا أخي، ليس بين الناس من يستطيع أن ينفع الناس، فالحارث وإن كان ~~حكيما ماهرا لا يقدر على استنبات حقله في أيام الشتاء. # فأجبته قائلا: «قد يمر شتاء العالم يا سيدي، ويجيء بعده ربيع بهي جميل، فتظهر ~~الأزهار في الحقول، وتترنم الجداول في الأودية». # فقطب ما بين عينيه متنهدا، وبصوت تعانقه الكآبة قال: «ليت شعري هل قسم الله ~~حياة الإنسان - وهي الدهر بكامله - إلى فصول تشابه فصول السنة بمصيرها، وتتابعها؟ هل ~~يظهر على سطح الأرض بعد ألف ألف عام طائفة من البشر تحيى بالروح والحق، هل يأتي زمن ~~يتمجد فيه الإنسان، فيجلس عن يمين الحياة فرحا بنور النهار، وطمأنينة الليل؟ هل يتم ~~ذلك يا ترى، هل يتم بعد أن تشبع الأرض من لحوم البشر، وترتوي من دمائهم؟ # وانتصب إذ ذاك واقفا رافعا يمينه نحو العلاء، كأنه يشير إلى عالم غير هذا العالم: ~~«تلك أحلام بعيدة، وليست هذه الصومعة منزلا للأحلام؛ لأن ما أعلمه يقينا يشغل كل فسحة ~~وكل قرنة فيها، بل يشغل كل مكان في هذه الأودية وهذه الجبال، أما ما أعلمه يقينا ~~فهو هذا، أنا كائن موجود، وفي أعماق وجودي جوع وعطش، ولي الحق أن أتناول خبز الحياة ~~وخمرها من الآنية التي أصنعها بيدي. من أجل ذلك تركت موائد الناس، وولائمهم، وجئت هذا ~~المكان، وسأبقى فيه حتى النهاية». # وأخذ يمشي ذهابا، وإيابا في وسط تلك الغرفة، وأنا أتأمله، وأفكر بكلامه، وبالعوامل ~~والبواعث التي صورت له الجامعة البشرية بخطوط عوجاء، وألوان قاتمة، ثم استوقفته قائلا: ~~«إني احترم أفكارك، ومقاصدك يا سيدي، واحترم وحدتك، وانفرادك غير أنني أعلم، والعلم ~~مجلبة الأسف، أن هذه الأمة التعسة قد فقدت بتنحيك، وابتعادك رجلا، موهوبا، قادرا على ~~خدمتها وإيقاظها». # فأجاب هازا رأسه: «ليست هذه الأمة إلا كالأمم كافة، فالناس من جبلة واحدة، وهم ~~لا يختلفون بعضهم عن بعض إلا في الظواهر، والمظاهر الخارجية التي لا يعتد بها، فتعاسة ~~الأمم الشرقية هي تعاسة الأرض بكاملها، وليس ms53 ما تحسبه رقيا في الغرب سوى شبح آخر من ~~أشباح الغرور الفارغ، فالرياء يظل رياء وإن قلم أظافره، والغش يبقى غشا، وإن لانت ~~ملامسه، والكذب لا يصير صدقا إذا لبس الحرير، وسكن القصور، والخداع لا يتحول إلى أمانة ~~إذا ركب القطار، أو اعتلى المنطاد، والطمع لا ينقلب قناعة إذا قاس المسافات، أو وزن ~~العناصر، والجرائم لا تصبح فضائل وإن سارت بين المعامل والمعاهد، أما العبودية، ~~العبودية للحياة، العبودية للماضي، العبودية للتعاليم، والعوائد، والأزياء، العبودية ~~للأموات؛ فستبقى عبودية، وإن طلت وجهها، وغيرت ملابسها، العبودية تظل عبودية حتى، ~~وإن دعت نفسها حرية، لا يا أخي ليس الغربي أرقى من الشرقي، ولا الشرقي أحط من الغربي، ~~وما الفرق بينهما إلا كالفرق الكائن بين الذئب والضبع، ولقد نظرت فرأيت مظاهر الاجتماع ~~المتباينة ناموسا أوليا عادلا يفرق التعاسة، والعماوة، والجهالة على السواء، فلا ~~يميز شعبا على شعب، ولا يظلم طائفة على طائفة. # فقلت وقد بلغ بي الاستغراب حد الالتباس: «إذا فالمدنية باطلة، وكل ما فيها ~~باطل». # فأجاب متهيجا: «نعم باطلة هي المدنية، وباطل كل شيء فيها، فما الاختراعات ~~والاكتشافات سوى ألاعيب يتسلى بها العقل وهو في حالة الملل والتضجر، وما تقصير المسافات ~~وتمهيد الجبال والأودية والتغلب على البحار والفضاء غير أثمار غشاشة مملوئة بالدخان ~~لا ترضي العين ولا تغذي القلب ولا ترفع النفس، أما تلك الألغاز والأحاجي التي يدعونها ~~بالمعارف والفنون فهي قيود وسلاسل ذهبية يجرها الإنسان مبتهجا بلمعانها ورنين حلقاتها، ~~بل هي أقفاص ابتدأ الإنسان بتطويق أعمدتها وأسلاكها منذ القدم، غير عالم بأنه لا ينتهي ~~من صنعها إلا ويجد نفسه أسيرا مسجونا في داخلها، نعم، باطلة هي أعمال الإنسان، وباطلة ~~هي تلك المقاصد، والمرامي والمنازع والأماني، وباطل كل شيء على الأرض، وليس بين أباطيل ~~الحياة سوى أمر واحد خليق بحب النفس وشوقها، وهيامها، ليس هناك غير شيء ~~واحد». # فقلت: «وما ذلك يا سيدي؟». # فوقف دقيقة ساكتا، ثم أغمض أجفانه، واضعا يديه على صدره، وقد أشرق وجهه، وانبسطت ~~ملامحه، وبصوت عذب مرتعش قال: «هي يقظة ms54 في النفس، هي يقظة في عمق أعماق النفس، هي فكرة ~~تفاجئ وجدان الإنسان على حين غفلة، وتفتح بصيرته، فيرى الحياة مكتنفة بالأنغام، ~~محاطة بالهالات، منتصبة كبرج من النور بين الأرض واللانهاية، هي شعلة من شعلات ضمير ~~الوجود تتأجج فجأة في داخل الروح، فتحرق ما يحيط بها من الهشيم، وتصعد سابحة، مرفرفة ~~في الفضاء الوسيع، هي عاطفة تهبط على قلب الفرد فيقف مستغربا مستهجنا كل ما يخالفها، ~~كارها كل شيء لا يجاريها، متمردا على الذين لا يفهمون أسرارها، هي يد خفية قد أزالت ~~الغشاء عن عيني وأنا في وسط الاجتماع بين أهلي وأصحابي ومواطني، فوقفت منذهلا مدهوشا ~~قائلا في نفسي: ما هذه الوجوه، وما شأن هؤلاء الناظرين إلي، وكيف عرفتهم، وأين ~~لقيتهم، ولماذا أقيم بينهم، بل لماذا أجالسهم وأحادثهم؟ هل أنا غريب بينهم، أم هم ~~الغرباء في ديار بنتها الحياة لي وأسلمتني مفاتيحها ...؟». # وسكت فجأة كأن الذكرى رسمت على حافظته صورا وأشباحا لا يريد إظهارها، ثم بسط ~~ذراعيه وقال همسا: «هذا ما حل بي منذ أربع سنوات، فتركت العالم، وجئت هذه البرية ~~الخالية لأعيش في اليقظة، متمتعا بالفكر والعاطفة والسكينة». # ومشى إذ ذاك نحو باب الصومعة ناظرا إلى أعماق الليل، ثم هتف كأنه يخاطب العاصفة: «هي ~~يقظة في أعماق النفس، فمن يعرفها لا يستطيع إظهارها بالكلام، ومن لم يعرفها لا ولن يدرك ~~أسرارها». # 4 # ومرت ساعة طويلة ممنطقة بهمس الفكر ونداء العاصفة، ويوسف الفخري يمشي تارة في وسط تلك ~~الحجرة، ويقف طورا في بابها محدقا بالفضاء العابس، أما أنا فبقيت صامتا شاعرا ~~بتموجات روحه، مستظهرا أقواله، مفكرا بحياته وما وراء حياته من لذة الوحدة وآلامها، ~~وعند انقضاء الهزيع الثاني من الليل اقترب مني، ونظر طويلا إلى وجهي كأنه يريد أن يحفظ ~~في ذاكرته رسم الرجل الذي باح له بسر وحدته وانفراده، ثم قال ببطء: «أنا ذاهب الآن ~~للتجول في العاصفة، هي عادة أتمتع بلذتها في الخريف، وفي الشتاء ... هناك إبريق القهوة، ~~واللفائف، وإن طلبت نفسك الخمر تجدها في الجرة، وإذا شئت ms55 النوم تجد اللحف، والمساند ~~في تلك القرنة». # قال هذا والتف بجبة سوداء كثيفة، ثم زاد مبتسما: «أرجوك أن توصد باب الصومعة ~~عندما تذهب في الصباح، لأنني سأصرف الغد في غابة الأرز». # ثم سار نحو الباب، وتناول من جانبه عكازا طويلا، وقال: «إذا فاجأتك العاصفة ثانية ~~وأنت في هذه النواحي، فلا تتأخر عن الالتجاء إلى الصومعة هذه، ولكنني أرجو أن تعلم ~~نفسك حب العواصف لا الخوف منها ... مساء الخير يا أخي». # وخرج إلى الليل مسرعا. # ولما وقفت في باب الصومعة لأرى وجهته كان الظلام قد أخفاه، ولكنني بقيت بضع دقائق ~~أسمع وقع قدميه على حصباء الوادي. # 5 # جاء الصباح وقد مرت العاصفة، وانقشعت الغيوم، وظهرت تلك الصخور، والغابات متشحة ~~بنور الشمس، فتركت الصومعة بعد أن أقفلت بابها، وفي نفسي شيء من تلك اليقظة المعنوية ~~التي تكلم عنها يوسف الفخري. # ولكنني لم أبلغ منازل الناس، وأرى حركاتهم، وأسمع أصواتهم حتى وقفت قائلا في سري: ~~«نعم إن اليقظة الروحية هي أخلق شيء بالإنسان، بل هي الغرض من الوجود، ولكن أليست ~~المدنية بما فيها من التلبس والإشكال من دواعي اليقظة الروحية؟ وكيف يا ترى نستطيع ~~إنكار أمر موجود، ونفس وجوده على إثبات صلاحيته، قد تكون المدنية الحاضرة عرضا ~~زائلا، ولكن الناموس الأبدي قد جعل الأعراض سلما تنتهي درجاته بالجوهر ~~المطلق». # ولم اجتمع ثانية بيوسف الفخري؛ لأن الحياة أبعدتني عن شمال لبنان في أواخر ذلك ~~الخريف، فجئت منفيا إلى بلاد قصية عواصفها داجنة، أما التنسك فيها فضرب من ~~الجنون. # | الشيطان # كان الخوري سمعان عالما بدقائق الأمور الروحية، متبسطا بالمسائل اللاهوتية، متعمقا ~~بأسرار الخطايا العرضية والمميتة، متضلعا بخفايا الجحيم والمطهر والفردوس. # وكان يتنقل بين قرى شمال لبنان؛ ليعظ الناس، ويشفي أرواحهم من أمراض الإثم، وينقذهم من ~~حبائل الشيطان، فالشيطان كان عدو الخوري سمعان يحاربه ليلا، ونهارا بلا ملل، ولا ~~تعب. # وكان سكان القرى يكرمون الخوري سمعان، ويرتاحون إلى ابتياع عظاته، وصلواته بالفضة ~~والذهب، ويتسابقون إلى إهدائه أطيب ما تثمره أشجارهم، وأفضل ما تنبته حقولهم. # ففي عشية ms56 يوم من أيام الخريف، وقد كان الخوري سمعان سائرا إلى مكان خال نحو قرية منفردة ~~بين تلك الجبال، والأودية، سمع أنينا موجعا آتيا من جانب الطريق، فالتفت فإذا برجل عاري ~~الجسم منطرح على الحصباء، ونجيع الدم يتدفق من جراح بليغة في رأسه وصدره، وهو يقول ~~مستنجدا: أنقذني، أعني، أشفق علي فأنا مائت». # فوقف الخوري سمعان محتارا، ونظر إلى الرجل المتوجع، ثم قال في ذاته: «هذا أحد اللصوص ~~الأشقياء، وأظن أنه قد حاول سلب عابري الطريق، فغلب على أمره ... هو منازع فإذا مات وأنا ~~بقربه اتهمت بما أنا براء منه». # قال هذا وهم ليتابع السير، فأوقفه الجريح بقوله: «لا تتركني، أنت تعرفني، وأنا أعرفك، ~~أنا مائت لا محالة». # فقال الخوري في ذاته، وقد اصفر وجهه، وارتعشت شفتاه: «أظنه أحد المجانين الذين يتوهون في ~~البرية» ثم عاد، وقال لنفسه: «إن منظر جراحه يخيفني، فماذا عسى أفعل له ... إن طيب ~~النفوس لا يستطيع أن يداوي الأجساد». # ومشى الخوري بضع خطوات، فصاح الجريح بصوت يذيب الجماد قائلا: «اقترب مني، اقترب فنحن ~~أصدقاء منذ زمن بعيد، أنت الخوري سمعان الراعي الصالح وأنا، أنا لست بلص ولا بمجنون، اقترب ~~مني ولا تدعني أموت وحيدا في هذه البرية الخالية، اقترب فأقول لك من أنا». # فاقترب الخوري سمعان من المنازع، وانحنى فوقه متفرسا، فرأى وجها غريب الخطوط يأتلف بين ~~تقاطيعه الذكاء بالدهاء، والقباحة بالجمال، والخباثة بالدماثة، فتراجع إلى الوراء، وصرخ ~~قائلا: «من أنت؟». # فقال المنازع بصوت خافت: «لا تخف يا أبت فنحن أصدقاء منذ عهد بعيد، أعني علي النهوض، ~~وسر بي إلى الساقية القريبة، واغسل جراحي بمنديلك». # فصرخ الخوري: «قل لي من أنت، فأنا لا أعرفك، ولا أذكر بأنني رأيتك في حياتي». # فأجاب الجريح، وحشرجة الموت تعانق صوته: «أنت تعلم من أنا، فقد لقيتني ألف مرة وشاهدت ~~وجهي في كل مكان، أنا أقرب المخلوقات إليك، بل أنا أعز عليك من حياتك». # فصاح الخوري قائلا: «أنت كاذب محتال، وخليق بالمنازعين الصدق، فأنا لم أر وجهك في حياتي، ~~قل من ms57 أنت وإلا تركتك تموت مضرجا بدمائك ». # فتحرك الجريح قليلا، وشخص بعيني الخوري، وقد ظهرت على شفتيه ابتسامة معنوية، وبصوت هادئ ~~ناعم عميق قال: «أنا الشيطان». # فصرخ الكاهن صوتا هائلا ارتعشت له زوايا ذلك الوادي، ثم نظر إليه محدقا فرأى أن جسد ~~الجريح ينطبق بتفاصيله، ومعالمه على هيأة الأبالسة في صورة الدينونة المعلقة على جدار كنيسة ~~القرية، ثم صرخ مرتجفا: «لقد أراني الله صورتك الجهنمية؛ ليزيد بك كرهي، فلتكن ملعونا إلى ~~أبد الآبدين». # قال الشيطان: «لا تكن متسرعا يا أبتاه، ولا تضيع الوقت بالكلام الفارغ، بل اقترب، ~~وضمد جراحي قبل أن يسيل ما في جسدي من الحياة». # فقال الخوري: «إن أصابعي التي ترفع الذبيحة الربانية في كل يوم لن تلمس جسدك المصنوع من ~~مفرزات الجحيم، فمت ملعونا بألسنة الدهور، وشفاه الإنسانية؛ لأنك عدو الدهر والعامل على ~~إبادة الإنسانية». # فقال الشيطان متململا: «أنت لا تدري ما تقول، ولا تعلم أي ذنب تقترفه نحو نفسك، اسمع ~~فأخبرك حكايتي ... كنت اليوم سائرا وحدي في هذه الأودية المنفردة، ولما بلغت هذا المكان ~~التقيت بجماعة من أجلاف الملائكة، فهجموا علي وضربوني ضربا مبرحا، ولو لم يكن مع ~~أحدهم سيف ذو حدين لفتكت بهم جميعا، ولكن ماذا يفعل العزل مع المسلح؟». # وقف الشيطان عن الكلام هنيهة واضعا يده على جرح بليغ في جانبه، ثم زاد قائلا: «أما ~~الملاك المسلح، وأظنه ميخائيل، فداهية يحسن ضرب السيف، ولو لم أنطرح على الأرض، وأمثل دور ~~النزع والموت لما أبقى مني عضوا بجوار عضو آخر». # فقال الخوري بصوت تعانقه رنة النصر والتغلب: «ليكن اسم ميخائيل مباركا، فقد أنقذ ~~الإنسانية من عدوها الخبيث». # فقال الشيطان: ليست عداوتي للإنسانية أشد سوادا من عداوتك لنفسك، فأنت تبارك ميخائيل، ~~وهو لم يفدك بشيء، وتجدف على اسمي في ساعة انكساري، وتنكر معروفي، وأنت عائش في ~~ظلال كياني. أو لم تتخذ وجودي صناعة لك واسمي دستورا لأعمالك؟ هل أغناك ماضي عن حاضري ~~ومستقبلي؟ هل نمت ثروتك إلى حد لا تحتمل معه الزيادة؟ ألا تعلم أن زوجتك وبنيك، ms58 وهم كثيرون ~~يفقدون رزقهم بفقدي، بل يموتون جوعا بموتي؟ ماذا تفعل لو حكم القضاة باضمحلالي؟ وأية صناعة ~~تحسنها إذا أبادت الأرياح اسمي؟ منذ خمس وعشرين سنة وأنت تسير متجولا بين قرى هذا الجبل؛ ~~لتحذر الناس من حبائلي، وتبعدهم عن مصائبي، وهم يبتاعون مواعظك بأموالهم وغلة حقولهم، فأي ~~شيء يبتاعون منك غدا إذا علموا أن عدوهم الشيطان قد مات، وأنهم أصبحوا في مأمن من حبائله، ~~ومعاقله؟ وأية وظيفة يسندها القوم لك إذا ألغيت وظيفة محاربة الشيطان بموت الشيطان؟ ألا ~~تعلم وأنت اللاهوتي المدقق أن وجود الشيطان قد أوجد أعدائه الكهان، وأن تلك العداوة القديمة ~~هي اليد الخفية التي تنقل الفضة، والذهب من جيوب المؤمنين إلى جيوب الوعاظ، والمرشدين؟ ألا ~~تعلم وأنت العالم الخبير أنه بزوال السبب يزول المسبب؟ إذا كيف ترضى بموتي، وبموتي تفقد ~~منزلتك، وينقطع رزقك، ويكف الخبز عن أفواه زوجتك وبنيك؟ # وسكت الشيطان دقيقة، وقد تبدلت في وجهه دلائل الاستعطاف بأمارات الاستقلال، ثم عاد فقال: ~~«ألا فأسمع أيها الغبي المكابر فأريك الحقيقة التي تضم كياني بكيانك، وتربط وجودي بوجدانك. ~~في أول ساعة من الزمن وقف الإنسان أمام الشمس، وبسط ذراعيه، وصرخ للمرة الأولى قائلا: «ما ~~وراء الأفلاك إله عظيم يحب الخير»، ثم أدار ظهره للنور فرأى ظله منبسطا على أديم التراب ~~فهتف قائلا: «وفي أعماق الأرض شيطان رجيم يحب الشر»، ثم سار نحو كهفه هامسا في نفسه: «أنا ~~بين إلهين هائلين، إله أنتمي إليه، وإله أحاربه». ومرت العصور إثر العصور، والإنسان بين ~~قوتين مطلقتين، قوة تصعد بروحه إلى العلاء فيباركها، وقوة تهبط بجسده إلى الظلمة فيلعنها. ~~غير أنه لم يكن يدري معاني البركة، ولا مباني اللعنة، بل كان بينهما كشجرة بين صيف يكسوها ~~وشتاء يعريها، ولما بلغ الإنسان فجر المدينة، وهي الألفة البشرية ظهرت العائلة، ثم القبيلة، ~~فتفرقت الأعمال بتفرق الميول، وتباينت الصناعات بتباين المشارب، والمنازاع، فقام البعض من ~~تلك القبيلة بحراثة الأرض، وآخرون ببناء المآوي، وغيرهم بنسج الملابس، وغيرهم بصهر المعادن. ~~في ذلك العصر البعيد ظهرت الكهانة في ms59 الأرض، وهي الحرفة الأولى التي ابتدعها الإنسان دون ~~حاجة حيوية، أو داع طبيعي إليها. # وقف الشيطان دقيقة عن الكلام، ثم قهقه ضاحكا بصوت ارتعشت له تلك الأودية الخالية ... وكأن ~~الضحك قد أوسع فوهات كلومه فأسند خاصرته بيده متوجعا، ثم شخص بالخوري سمعان وزاد ~~قائلا: «في ذلك العهد ظهرت الكهانة في الأرض، وإليك يا أخي كيفية ظهورها، كان في القبيلة ~~الأولى رجل يدعى «لاويص» ولا أدري لماذا اتخذ له هذا الاسم الغريب، وكان لاويص هذا رجلا ~~ذكيا، ولكنه كان بطالا متوانيا كره حراثة الأرض وبناء المآوي بكرهه رعاية المواشي وصيد ~~الوحوش، بل كان يكره كل عمل يستلزم السواعد أو الحركة الجسدية، ولما كان الرزق في ذلك العهد ~~لا يأتي إلا بالعمل، كان لاويص يبيت أكثر لياليه خاوي الجوف فارغه. وفي ليلة من ليالي ~~الصيف، وأفراد تلك القبيلة ملتئمون حول كوخ زعيمهم يتحدثون بما آتى يومهم، ويترقبون النعاس، ~~انتصب أحدهم فجأة، وأشار نحو القمر، وصرخ بخوف قائلا: «انظروا نحو إله الليل فقد شحب وجهه، ~~واضمحل بهاؤه، وتحول إلى حجر أسود معلقا بقبة السماء»، فشخص القوم بالقمر، ثم ضجوا صارخين، ~~متهيبين، مرتعشين، خائفين، كأن أيدي الظلام قد قبضت على قلوبهم؛ لأنهم رأوا إله لياليهم ~~يتحول ببطء إلى كرة قاتمة، وقد تغير لذلك وجه الأرض، وانحجبت البطاح، والأودية وراء نقاب ~~أسود، فتقدم إذ ذاك لاويص وكان قد شهد الخسوف، والكسوف مرات عديدة في سابق حياته، فوقف في ~~وسط الجماعة رافعا ذراعيه، وبصوت أودعه كل ما في ذكائه من التصنع والاحتيال صاح قائلا: ~~«اسجدوا وصلوا مبتهلين، وعفروا وجوهكم بالتراب، فإله الشر المظلم يصارع إله الليل المنير، ~~فإذا غلبه متنا وإذا غلب بقينا عائشين، اسجدوا، وصلوا، وعفروا وجوهكم بالتراب، بل أغمضوا ~~أجفانكم، ولا ترفعوا رءوسكم نحو السماء؛ لأن من يشاهد صراع إله النور وإله الشر يفقد بصره ~~ورشده، ويظل مجنونا، وأعمى إلى نهاية أيامه، خروا راكعين، وساعدوا بقلوبكم إله النور على ~~عدوه». # وظل لاويص يتكلم بهذه اللهجة مبتدعا من خياله ألفاظا جديدة غريبة، مرددا كلمات ما ms60 ~~سمعوها قبل تلك الليلة، حتى إذا ما مر نصف ساعة، وقد عاد القمر إلى سابق كماله، وجلاله رفع ~~لاويص صوته عن ذي قبل، وقال بلهجة تعانقها رنة الغبطة والسرور: «قفوا الآن وانظروا، فقد ~~تغلب إله الليل على عدوه الشرير، وتابع سيره بين الكواكب والنجوم، واعلموا أنكم بركوعكم ~~وابتهالكم قد نصرتموه وسررتموه، ولذلك ترونه الآن أبهى نورا وأشد لمعانا». # فوقف القوم، وشخصوا بالقمر، فإذا به قد عاد ساطعا منيرا، فتحول خوفهم إلى طمأنينة ~~واضطرابهم إلى مسرة، وأخذوا يقفزون راقصين، ويصرخون مهللين، ويضربون بنبابيتهم صفائح ~~الحديد، والنحاس مفعمين خلايا ذلك الوادي بعويلهم، وضجيج لهجتهم. # في تلك الليلة استدعى زعيم القبيلة لاويص وقال له: «لقد أتيت في هذه الليلة بما لم يأته ~~بشري قبلك، وعلمت من أسرار الحياة ما لا يعلمه بيننا سواك، فافرح وابتهج؛ لأنك ستكون من ~~الآن وصاعدا صاحب المقام الأول من بعدي في هذه القبيلة، فأنا أشد الرجال بطشا، وأقواهم ~~ساعدا، وأنت أكثر الرجال معرفة، وأكثرهم حكمة، بل أنت الوسيط بيني وبين الآلهة تبلغني ~~مشيئتهم، وتبين لي أعمالهم وأسرارهم، وتعلمني ما يجب أن أفعله لأكون حاصلا على رضائهم ~~ومحبتهم». # فأجاب لاويص: «كل ما يقوله لي الآلهة في الحلم أقوله في اليقظة، وما أراه من مآتيهم أظهره ~~لك، فأنا الوسيط بينك وبين الآلهة». # فسر الزعيم، ووهب لاويص فرسين، وسبعة عجول، وسبعين كبشا، وسبعين شاة، وقال له: «سوف ~~يبني لك رجال القبيلة بيتا يماثل بيتي، وسيهدونك في نهاية كل موسم قسما من غلة الأرض، ~~وأثمارها، فتعيش سيدا مطاعا، مكرما». # وانتصب إذ ذاك لاويص للانصراف، فأوقفه الزعيم، وسأله قائلا: «ولكن من هو هذا الإله الذي ~~تدعوه بإله الشر؟ من هو هذا الإله الذي يجسر أن يصارع إله الليل البهي، إننا لم نسمع به قط ~~ولا علمنا بوجوده؟». # ففرك لاويص جبهته، وأجاب قائلا: «اعلم يا سيدي أنه في قديم الزمان، وذلك قبل ظهور ~~الإنسان، كان جميع الآلهة يعيشون بسلام ومودة في مكان قصي وراء المجرة، وكان إله الآلهة، ~~وهو والدهم، يعلم ما لا يعلمونه، ms61 ويفعل ما لا يستطيع أحدهم أن يفعله، ويحفظ لنفسه بعض ~~الأسرار الربانية الكائنة وراء النواميس الأزلية، ففي العصر السابع من الدهر الثاني عشر ~~تمردت روح «بعطار» وهو يكره الإله الأعظم فوقف أمام أبيه وقال: «لماذا تحفظ لنفسك السلطة ~~المطلقة على جميع المخلوقات حاجبا عنا أسرار الأكوان والنواميس والدهور؟ أو لسنا أبنائك ~~وبناتك ومشاركين لك بقوتك وخلودك؟». # فضغب إله الآلهة وأجاب: «سوف أحفظ لنفسي القوة الأزلية، والسلطة المطلقة، والأسرار ~~الأساسية إلى أبد الدهر، فأنا البدء وأنا النهاية». # فقال بعطار: «إن لم تقاسمني قوتك وجبروتك تمردت أنا وأبنائي وأحفادي على قوتك ~~وجبروتك». # فانتصب إذ ذاك إله الآلهة فوق عرشه، وقد امتشق المجرة سيفا، وقبض على الشمس ترسا، وبصوت ~~ارتعشت له جوانب العالم صرخ قائلا: «ألا فاهبط أيها المتمرد الشرير إلى العالم الأدنى حيث ~~الظلمة والشقاء، وابق هناك منفيا شريدا تائها حتى تنقلب الشمس رمادا، وتتحول الكواكب ~~هباء منثورا». # في تلك الساعة هبط بعطار من مقر الآلهة إلى العالم الأدنى حيث تقيم الأرواح الخبيثة، وقد ~~أقسم بسر خلوده أنه سيصرف الدهور محاربا والده وإخوته، واضعا الأشراك لكل محب لوالده أو ~~مريد لإخوانه. # فقال الزعيم وقد تقلصت جبهته واصفر وجهه: «إذن فاسم إله الشر بعطار؟». # فأجاب لاويص: «كان اسمه بعطار إذ كان في مقر الآلهة، ولكنه قد اتخذ له بعد هبوطه إلى ~~العالم الأدنى أسماء أخرى: «بعلزبول، وإبليس، وسنطائيل، وبليال، وزميال، وأهريمان، وماره ~~وأبدون والشيطان، وأشهرها الشيطان». # فردد الزعيم لفظة الشيطان مرات بصوت مرتعش يشابه خفيف الأغصان اليابسة لمرور الهواء، ثم ~~قال: «ولماذا يا ترى يكره الشيطان البشر بكرهه الآلهة؟». # فأجاب لاويص: «إن الشيطان يكره البشر ويعمل على إبادتهم؛ لأنهم من نسل إخوانه ~~وأخواته». # فقال الزعيم محتارا: «إذا فالشيطان هو عم البشر وخالهم». # فأجاب لاويص وقال بلهجة لا تخلو من التشويش والالتباس: «نعم يا سيدي، ولكنه عدوهم الأكبر، ~~ومناظرهم الحقود، يملأ أيامهم بالتعاسة ولياليهم بالأحلام المخيفة، فهو القوة التي تحول ~~العاصفة نحو أكواخهم، وتحرق بالقيظ مزارعهم، وتقرض بالأوبئة مواشيهم، وتلامس بالأمراض ~~أجسادهم، هو إله ms62 قوي، شرير، خبيث يضحك لشقائنا، ويكتئب لأفراحنا، فعلينا أن نتفحص أطباعه ~~لنتقي شره، وندرس أخلاقه، لنبتعد عن سبيل احتياله. # فأسند الزعيم رأسه إلى نبوته، وهمس قائلا: «قد عرفت الآن ما كان خافيا عني من أسرار تلك ~~القوة الغريبة التي تحول العاصفة نحو منازلنا، وتقرض بالأوبئة مواشينا، وسوف يعرف البشر ~~كافة ما أعرفه الآن، قيطوبونك يا لاويص؛ لأنك أبنت لهم خفايا عدوهم القوي، وعلمتهم كيف ~~يتقون حبائله». # وانصرف لاويص من أمام زعيم القبيلة، وذهب إلى مرقده فرحا بذكاء فكرته، نشوانا بخمرة ~~خياله، أما الزعيم، ورجاله فقد صرفوا تلك الليلة يتقلبون على مراقد محاطة بالأشباح المخيفة، ~~والأحلام المزعجة. # ووقف الشيطان الجريح دقيقة عن الكلام، والخوري سمعان يحدق فيه، وفي عينه جمود الحيرة ~~والاستغراب، وعلى شفتيه ابتسامة الموت. # ثم استأنف الشيطان الكلام قائلا: «كذا ظهرت الكهانة في الأرض، وهكذا كان وجودي سببا ~~لظهورها، وقد كان لاويص أول من اتخذ عداوتي صناعة، وقد راجت هذه الصناعة بعد موت لاويص ~~بواسطة أبنائه وأحفاده، فنمت، وتدرجت حتى صارت فنا دقيقا مقدسا لا يتخذه غير أصحاب ~~العقول المختمرة، والنفوس الشريفة، والقلوب الطاهرة، والخيال الواسع، ففي بابل كان ~~الناس يسجدون سبع مرات أمام الكاهن الذي يحاربني بتعازيمه، وفي نينوى كانوا ينظرون إلى ~~الرجل الذي يدعي معرفة أسراري وخفاياي كحلقة ذهبية بين الآلهة والبشر، وفي ثيب كانوا يلقبون ~~من يصارعني بابن الشمس والقمر، وفي بابلس، وأفسس، وأنطاكية كانوا يضحون بأبنائهم وبناتهم ~~إرضاء لخصمي، وفي أورشليم، ورمة كانوا يضعون أرواحهم في قبضة من يتفنن في كرهي وإبعادي في ~~كل مدينة ظهرت أمام وجه الشمس، كان اسمي محورا لدوائر الدين، والعلم، والفلسفة، فالهياكل ~~لم تقم إلا في ظلالي، والمعاهد، والمدارس لم تظهر بغير مظاهري، والقصور، والبروج لم ترتفع ~~إلا برفعة منزلتي، فأنا العزم الذي يولد العزم في البشر، وأنا الفكرة التي تستنبت الحيلة في ~~الأفكار، وأنا اليد التي حركت أيادي الناس. أنا الشيطان الأزلي الأبدي، أنا الشيطان الذي ~~يحاربه الناس؛ ليظلوا عائشين، فإذا كفوا عن منازلتي يوقف الخمول أفكارهم، ويميت الكسل ms63 ~~أرواحهم، وتفني الراحة أجسادهم. أنا الشيطان الأزلي الأبدي، أنا عاصفة هوجاء، خرساء أهب في ~~أدمغة الرجال، وصدور النساء، وأجرف أميالهم إلى الأديرة، والصوامع؛ ليمجدوني بخوفهم مني، أو ~~إلى منازل البغي والخلاعة؛ ليفرحوني باستسلامهم إلى مشيئتي، فالراهب الذي يصلي في سكينة ~~الليل لكي أبتعد عن مضجعه هو كالمسمومة التي تناديني لكي أقترب من مضجعها. أنا الشيطان ~~الأزلي الأبدي، أنا باني الأديرة، والصوامع على أسس الخوف، وأنا مقيم الخمارات، وبيوت الفحش ~~على أسس الشهوة واللذة، فإن زال كياني زال الخوف واللذة من العالم، وبزوالهما تضمحل الميول ~~والأماني في القلب البشري، فتصبح الحياة خالية مقفرة باردة كقيثارة الأوتار مكسرة الجوانب. ~~أنا الشيطان الأزلي الأبدي، أنا موحي الكذب، والنميمة، والاغتياب، والغش، والسخرية، فإذا ~~انقرضت ههذ العناصر في العالم، أصبحت الجامعة البشرية كبستان مهجور لا تنبت فيه سوى أشواك ~~الفضيلة. أنا الشيطان الأزلي الأبدي، أنا أبو الخطيئة وأمها، فإذا ما زالت الخطيئة زال ~~محاربها، وزلت أنت أيضا، وزال أبناؤك، وأحفادك، وزملاؤك، ورصفاؤك. أنا أبو الخطيئة وأمها، ~~فهل تريد أن تموت الخطيئة بموتي؟ هل تريد أن تقف الحركة البشرية بوقوف نبضات قلبي؟ هل تريد ~~أن تمحو السبب لتمحي المسببات؟ أنا هو السبب الوضعي، فهل تريد أن أموت في هذه البرية ~~الخالية؟ أجبني أيها اللاهوتي، هل تريد أن تنتهي العلاقة الأولية الكائنة بينك ~~وبيني؟». # وبسط الشيطان ذراعيه، وألوى عنقه إلى الأمام، وتنهد طويلا، فظهر بلونه الرمادي المائل ~~إلى الاخضرار كأحد تلك التماثيل المصرية التي أبقاها الدهر مطروحة على ضفاف النيل، ثم حدق ~~بوجه الخوري سمعان بعينين مشعشعتين كالمسارج وقال: «لقد أنهكني الكلام، وكان الأحرى بي وأنا ~~جريح منازع أن لا أطيل معك الحديث، ومن العجيب أني قد استرسلت بإظهار حقيقة أنت أدرى بها ~~مني، وبيان أمور هي أدنى إلى صالحك منها إلى صالحي، أما الآن فلك أن تفعل ما تشاء، لك أن ~~تحملني على ظهرك، وتذهب بي إلى منزلك لتداوي جراحي، أو أن تتركني في هذا المكان لأنازع ~~وأموت». # وكان الشيطان يتكلم، والخوري سمعان يرتعش، ويفرك يدا ms64 بيد، وبصوت تعانقه الحيرة والارتباك ~~قال : أنا أعرف الآن ما لم أكن أعرفه منذ ساعة، فسامح غباوتي، أنا أعلم بأنك موجود في ~~العالم؛ لكي تجرب، والتجربة هي مقياس يعرف الله بواسطته قدر النفوس البشرية، بل هي ميزان ~~يستخدمه الله عز وجل ليدرك ثقل الأرواح أو خفتها، أنا أعلم الآن إذا مت تموت التجربة، ~~وبموتها تزول تلك القوى المعنوية التي تجعل الإنسان أن يكون متحذرا، بل يزول السبب ~~الذي يقود الناس إلى الصلاة، والصوم، والعبادة، يجب أن تحيا؛ لأنك إن قضيت، وعرف الناس يزول ~~خوفهم من الجحيم، فيبطلون العبادة، ثم يتمرغون بالإثم، من أجل ذلك يجب أن تحيا؛ لأن بحياتك ~~خلاص الجنس البشري من الرذيلة، أما أنا فسوف أضحي بكرهي لك على مذبح محبتي للجنس ~~البشري. # فضحك الشيطان ضحكة تشابه انفجار بركان ثم قال: ما أذكاك وما أبرعك يا حضرة الأب، وما أعمق ~~معارفك بالأمور اللاهوتية، فها قد أوجدت بقوة إدراكك سببا لوجودي لم أكن أعرفه من قبل، ~~والآن وقد فهم كل منا الأسباب الوضعية واللاهوتية التي أوجدتنا في البدء، وتوجد الآن، يجب ~~أن نترك هذا المكان، اقترب يا أخي، تعال واحملني إلى بيتك، فأنا لست بثقيل الجسم، ها قد غمر ~~الليل البطاح بعد أن أهرقت نصف دمي على حصباء هذا الوادي. فاقترب الخوري سمعان من ~~الشيطان، وقد شمر عن ساعديه، وشكل أطراف عبائته بحزامه، ورفع الشيطان فوق ظهره ومشى نحو ~~الطريق. # بين تلك الأودية المغمورة بالسكون، الموشاة بنقاب الليل، سار الخوري سمعان نحو قريته ~~منحني الظهر تحت هيكل عار، وقد تلطخت ملابسه السوداء، ولحيته المسترسلة بقطرات الدم ~~السائلة من كلومه. # | الصلبان # المكان: # منزل يوسف مسرة في بيروت. # الزمان: # ليلة من ليالي الخريف سنة ~~1901م. # الأشخاص: # بولس الصلبان: # موسيقي، وأديب. # يوسف مسرة: # كاتب، وأديب. # الآنسة هيلانة مسرة: # شقيقة يوسف. # سليم معوض: # شاعر، وعواد. # خليل بك تامر: # موظف في الحكومة. ~~(يرفع الستار عن قاعة حسنة في منزل يوسف مسرة مفعمة بالكتب، والأوراق، ~~خليل بك تامر يدخن بالنارجيلة، الآنسة هيلانة تطرز، يوسف مسرة ms65 يدخن لفافة). # خليل بك ~~(مخاطبا يوسف مسرة ) ~~: # قد قرأت اليوم مقالتك في الفنون الجميلة وتأثيرها على الأخلاق، وقد أعجبتني ~~كثيرا، ولولا صبغتها الإفرنجية لكانت خير ما كتب في الموضوع، أنا يا مسرة أفندي من ~~الذين يرون أن تأثير الآداب الغربية على لغتنا من الأمور المضرة. # يوسف مسرة ~~(مبتسما) ~~: # قد يكون الحق معك يا صديقي، ولكن بارتدائك الملابس الإفرنجية، وبتناولك الطعام ~~بآنية إفرنجية، وبجلوسك على مقاعد إفرنجية، عارضت ذاتك بذاتك. وفوق كل ذلك أنت أكثر ~~ميلا إلى مطالعة الكتب الإفرنجية منك إلى مطالعة الكتب العربية. # خليل بك ~~: # ليس لهذه الأمور السطحية من علاقة بالآداب والفنون. # يوسف مسرة ~~: # نعم هناك علاقة حيوية وضعية، وإذا تعمقت قليلا في الموضوع تجد أن الفنون تلازم ~~العادات، والأزياء، والتقاليد الدينية، والاجتماعية، بل تلازم كل مظهر من مظاهر ~~حياتنا الاجتماعية. # خليل بك ~~: # أنا شرقي وسأبقى شرقيا إلى آخر حياتي، وقهرا عن بعض مظاهري الأوربية، فأنا أرجو ~~أن تبقى الآداب العربية طاهرة، ونقية من جميع التأثيرات الأجنبية. # يوسف مسرة ~~: # إذا أنت ترجو موت اللغة، والآداب العربية؟ # خليل بك ~~: # وكيف ذلك؟ # يوسف مسرة ~~: # إن الأمم المسنة، التي لا تكتسب مما تثمره الأمم الحديثة، تموت أدبيا وتنقرض ~~معنويا. # خليل بك ~~: # إن كلامك هذا يحتاج إلى برهان. # يوسف مسرة ~~: # لدي ألف برهان وبرهان. ~~(في هذه الدقيقة يدخل بولس الصلبان، وسليم معوض، فيقف الحاضرون لهما احتراما). # يوسف مسرة ~~: # أهلا وسهلا بالإخوان ~~(مخاطبا الصلبان) # أهلا وسهلا ببلبل سوريا. ~~(الآنسة هيلانة تنظر إلى الصلبان، وقد توردت وجنتاها قليلا، وظهرت على محياها أمارات ~~السرور). # سليم معوض ~~: # بالله عليك يا يوسف أن لا تقول كلمة حسنة لبولس. # يوسف مسرة ~~: # ولماذا؟ # سليم معوض ~~(بين الجد والمزاح) ~~: # لأنه لا يستحق التكريم ولا المديح ولا الإطراء؛ لأنه ذو أطوار وأخلاق غريبة؛ لأنه ~~مجنون. # بولس الصلبان ~~(مخاطبا معوض) ~~: # هل أحضرتك برفقتي إلى هذا المنزل لتبين عيوبي وتشرح أخلاقي؟ # الآنسة هيلانة ~~: # ماذا جرى يا ترى؟ هل كشفت يا سليم أفندي عيوبا جديدة في أخلاق بولس؟ # سليم معوض ~~: # إن عيوبه القديمة ستبقى ms66 جديدة حتى يموت، ويدفن، وتتحول عظامه إلى تراب. # يوسف مسرة ~~: # أخبرنا، ماذا جرى؟ أخبرونا بالحكاية من أولها إلى آخرها. # سليم معوض ~~(مخاطبا الصلبان) ~~: # هل تسمح لي أن أتكلم عن جرائمك يا بولس، أم تريد أن تعترف أنت بها؟ # بولس الصلبان ~~: # أريد أن تبقى صامتا كالمقبرة، هاجعا كقلب العجوز. # سليم معوض ~~: # إذا فسوف أتكلم. # الصلبان ~~: # يظهر لي أنك تريد أن تنغص عيشي في هذه السهرة. # سليم معوض ~~: # لا بل أريد أن أعرض قصتك أمام هؤلاء الأصحاب، لينظروا في أمرك. # الآنسة هيلانة ~~(مخاطبة معوض) ~~: # تكلم وأسمعنا ما جرى ~~(للصلبان) # قد تكون ~~الجريمة التي يريد سليم أن يظهرها إحدى فضائلك. # الصلبان ~~: # لم أقترف جريمة، كما أنني لم أفعل فضيلة، أما المسألة التي يشوق صاحبنا إلى ~~إظهارها، فهي لا تستحق الذكر، وفوق كل ذلك، فأنا لا أريدكم أن تصرفوا السهرة ~~بحديثي. # الآنسة هيلانة ~~: # حسنا إذا فلنسمع الخبر # سليم معوض ~~(يشعل لفافة، ويجلس بقرب يوسف مسرة) ~~: # قد سمعتم طبعا يا سادتي بزواج ابن جلال باشا، وقد عرفتم أن والد العريس قد أقام ~~ليلة أمس حفلة طرب دعا إليها وجهاء المدينة وكبارها ~~(مشيرا إلى بولس) # وقد دعا هذا الشرير، ودعيت أنا أيضا؛ والسبب في ~~ذلك أن الناس يحسبونني ظلا لبولس أسير حيث يسير، وأقوم حيث يقوم، ولأنه أدامه الله ~~وأبقاه، لا يحب الإنشاد إلا على نقرات عودي. بلغنا منزل جلال باشا متأخرين، وبولسنا ~~كالملوك لا يجيء إلا متأخرا فوجدنا هناك الوالي، والمطران، بل وجدنا هناك الحسناء ~~الفاضلة، والأديب، والشاعر، والمثري والزعيم، جلسنا بين مجامر البخور، وكئوس الخمر، ~~والقوم ينظرون إلى بولس كأنه ملاك هبط من السماء، أما السيدات فأخذن يقدمن إليه ~~كؤوس الخمر، وصحف النقل، وطاقات الأزهار مثلما كانت تفعل نساء أثينا عند رجوع أحد ~~الأبطال من ساحات الحرب - خلاصة الكلام - أن بولسنا كان في بدء السهرة موضوعا ~~للتكريم والاحتفاء، أخذت عودي، وضربت أولا، وثانيا، وثالثا ففتح بولس شفتيه ~~المقدستين، وأنشد بيتا ... بيتا واحدا من قصيدة ابن الفارض: # غيري على السلوان قادر # وسواي في العشاق غادر ms67 # فأصغى القوم، وتطاولت أعناقهم كأن الموصلي قد جاء من وراء حجب الأبدية؛ ليهمس في آذانهم ~~أنغاما سحرية علوية، وبعد ذلك سكت بولس؛ فظن الحاضرون أنه سيعود إلى الإنشاد بعد أن يشرب ~~كأسا أخرى من العرق، ولكن بولس ظل ساكتا. # بولس الصلبان ~~(بلهجة جدية) ~~: # أرجوك أن تقف عند هذا الحد، فأنا لا أقدر أن أسمع هذا الحديث البليد، وأنا لا أشك ~~بأن أصحابنا لا يجدون لذة بهذه الثرثرة الخالية من المعنى. # يوسف مسرة ~~: # بحقك دعنا أن نسمع البقية. # بولس الصلبان ~~(ينهض من مكانه قائما) ~~: # الظاهر أنكم تفضلون هذا الحديث البارد على وجودي بينكم - أودعكم # الآنسة هيلانة ~~(تنظر إلى بولس نظرة معنوية) ~~: # اجلس يا بولس، ومهما كان الخبر فنحن معك. ~~(يجلس بولس وعلى وجهه دلائل الصبر والتجلد). # سليم معوض ~~(متابعا حديثه) ~~: # قلت إن بولس المعطر المعظم قد أنشد بيتا، بيتا واحدا من قصيدة الفارض وسكت، ~~أعني أنه أذاق أولئك الجياع المساكين لقمة واحدة من طعام الآلهة، ثم رفس المائدة، ~~وكسر آنيتها وكؤوسها، ثم جلس ساكتا جلوس أبي الهول على رمال النيل. # وقامت السيدات الواحدة بعد الأخرى يستعطفنه بأرق الكلام؛ لينشد أغنية أخرى، فكان يعتذر ~~لهن بقوله: «أنا مرشح ... أشعر بألم في حنجرتي» ثم قام الوجهاء، والأغنياء يرجونه ويتذللون ~~أمامه، فلم يحن ولم يلن، بل بقي جامدا، قاسيا، متمعنا كأن الله قد أبدل قلبه بحجر من ~~الصوان، وحول الأنغام في نفسه إلى الغنج والدلال، وبعد نصف الليل وقد بلغ القنوط من ~~الحاضرين حد الألم ناداه جلال باشا إلى غرفة محاذية، ووضع في جيبه قبضة من الدنانير ~~قائلا: «أنت تستطيع يا بولس أفندي أن تختم حفلتنا بالسرور أو بالأكدار، لذلك أرجوك أن تقبل ~~مني هذه الهدية الصغيرة لا كمكافأة، بل كمظهر لشعوري نحوك فلا تخيب آمالي، وأمال الحاضرين ~~بك». # عند ذلك تعالت قامة بولس، وظهرت لوائح الكبرياء على وجهه، ورمى بالدنانير إلى مقعد بجانبه ~~قائلا بلهجة الملوك الفاتحين: «أنت تهينني يا جلال باشا بل أنت تحتقرني، فأنا لم أجئ إلى ~~منزلك لكي أنشد، وأغني، ms68 وأبيع أنفاسي بالمال، بل جئت كأحد المهنئين ». # بعد هذا فقد جلال باشا صبره وتجلده، وتلفظ ببعض كلمات خشنة جعلت بولس الحساس أن يخرج من ~~المنزل لاعنا مجدفا، أما أنا، أنا المسكين، فقد تناولت عودي، وتبعت بولس تاركا ورائي ~~الوجوه الجميلة، والقامات النحيلة، والخمور الطيبة، والمآكل الشهية، نعم قد ضحيت بكل ذلك؛ ~~لكي لا أفقد صداقة هذا المتصلب المتعنت، قد ضحيت بكل ذلك على مذبح هذا البعليم، وهو للآن لم ~~يشكرني، ولم يمدح بسالتي، ولم يعترف بمودتي وولائي. # يوسف مسرة ~~(ضاحكا) ~~: # هذه بالحقيقة حكاية لذيذة حرية أن تكتب بالإبر على آماق البصر. # سليم معوض ~~: # لم أصل للآن إلى نهاية الحكاية ... أما اللذة ففي النهاية، تلك النهاية الشيطانية ~~التي لا يحلم بمثلها أهريمان الفرس ولا سيفا الهنود. # الصلبان ~~(مخاطبا الآنسة هيلانة) ~~: # بقيت هنا إكراما لك، والآن أرجوك أن تطلبي من هذا الضفدع أن يقف عند هذا ~~الحد. # هيلانة ~~: # دعه يتكلم يا بولس، أو مهما كانت نهاية الخبر، فنحن معك قلبا وقالبا. # سليم معوض ~~(يشعل لفافة ثانية ويتابع الحديث) ~~: # قلت إننا خرجنا من منزل جلال باشا وبولس يجدف على اسم الأغنياء والوجهاء، وأنا ~~أجدف على اسمه في سري، وبعد ذلك هل تظنون أنه ذهب كل منا إلى منزله؟ هل تظنون أن ~~ليلة أمس قد انتهت على هذه الصورة؟ اسمعوا وتعجبوا، تعلمون أن بيت حبيب سعادة ~~محاذ لمنزل جلال باشا، ولا يفصلهما غير حديقة صغيرة، وأنتم تعلمون أن حبيب سعادة ~~من عشاق المدام، والأنغام، والأحلام، وممن يعبدون هذا البعليم ~~(مشيرا إلى بولس) # فلما خرجنا من منزل جلال باشا وقف ~~بولس دقيقة في منتصف الشارع فاركا جبهته كأنه قائد عظيم يفكر بفتح مملكة عاصية، ~~ثم مشى فجأة نحو منزل حبيب سعاة، وقرع الجرس بشدة، فظهر حبيب بملابس النوم، وهو ~~يفرك عينيه، ويتمتم ويتثائب، ولكنه عندما رأى وجه بولس، ورآني حاملا العود تحت ~~إبطي تغيرت سحنته، ولمعت عيناه كأن السماء قد انفتحت أمامه، وصرخ مسرورا مؤهلا ~~قائلا: «ما أتى بكم في هذه الساعة المقدسة؟» فأجاب بولس ms69 قد جئنا لنحتفل بعرس ابن ~~جلال باشا في دارك» فقال حبيب: «هل ضاقت عليكم دار جلال باشا، فجئتم إلى هذا المنزل ~~الحقير؟» فأجاب بولس: «ليس لجدران بيت الباشا آذان تسمع رنات العود والأناشيد، من ~~أجل ذلك جئنا إليك، فهات قنينة العرق وصحفة المازة ولا تطل الكلام». ~~الخلاصة، جلسنا حول مائدة الشراب التي تطل على حديقة الباشا، ثم ناولني العود، وقال ~~آمرا «هذه عصاك يا موسى فحولها إلى أفعى، ومرها أن تبتلع جميع أفاعي مصر، اضرب ~~النهوند، واضرب طويلا واضرب جميلا. فتناولت العود، وليس على العبد إلا الطاعة، ~~وضربت النهوند، فحول بولس وجهه نحو منزل جلال باشا، وأخذ ينشد بصوت عال. ~~(هنا يسكت سليم دقيقة، وتزول سيمياء المزاح عن وجهه، ويقول ~~بلهجة هادئة جدية). # أنا أعرف بولس منذ خمس عشرة سنة، أعرفه منذ كنا صبيين في المدرسة، ولقد سمعته ~~منشدا في حالتي الفرح والشقاء، سمعته ينوح كالثكلى، ويترنم كالعاشق، ويهلل ~~كالمنتصر، سمعته يهمس في سكينة الليل وقد نامت هذه المدينة وسكانها، وسمعته بين ~~أودية لبنان وأجراس الكنائس البعيدة تملأ الفضاء سحرا وهيبة، نعم لقد سمعته ألف ~~مرة ومرة، وكنت أتوهم أنني أعرف حركات روحه وسكناتها، ولكنني في ليلة أمس لما حول ~~وجهه نحو منزل جلال باشا، وأغمض عينيه وأنشد: # كلما أشكو من غرام قلبي # وكلما أشكوا يزيد الغرام # عندما أنشد هذا الدور متلاعبا بمقاطيعه مثلما يتلاعب الهواء بأوراق الخريف، قلت ~~في نفسي: لا ما عرفت في الماضي من روح بولس إلا القشور، أما الآن فقد بلغت اللباب، ~~لم أسمع في الماضي غير لسان بولس منشدا، أما الآن فإني أسمع قلبه وروحه، وظل بولس ~~يلاحق الدور بالدور، ويتدرج من نشيد إلى نشيد، حتى خيل لي أن في الفضاء طغمة ~~من أرواح العشاق تحوم مرفرفة هامسة منادية مرددة تذكارات الماضي البعيد، ناشرة ~~ما طوته الليالي من أماني البشر وأحلامهم، نعم يا سادتي ~~(مشيرا إلى بولس) # إن هذا الرجل قد صعد ليلة أمس على سلم الفن ~~حتى بلغ الكواكب، ومن العجائب أنه لم يهبط ms70 على الأرض حتى الفجر، لم يسكت حتى وضع ~~أعدائه تحت موطئ قدميه كما جاء في المزامير! أما ضيوف جلال باشا، فلم يسمعوا ~~صوته خارجا من منزل حبيب سعادة حتى تزاحموا في النوافذ، وجلسوا نساء، ورجالا ~~يتأوهون بعد كل مقطع وكل نبرة تخرج من فمه، وقد خرج بعضهم إلى الحديقة، ووقفوا تحت ~~الأشجار مغبوطين متعذبين مصغين محتارين في أمر هذا البلعيم الذي ينكيهم ويهينهم، ~~وفي الوقت نفسه يملأ قلوبهم بخمرة علوية، وقد كان يناديه البعض مستعطفا مترجيا، ~~والبعض متوعدا مجدفا، وقد علمت من أحد المدعوين أن جلال باشا كان يزأر كالأسد ~~متنقلا من غرفة إلى غرفة لاعنا الصلبان، غاضبا على ضيوفه - خصوصا - على أولئك ~~الذين خرجوا إلى الحديقة حاملين كؤوس العرق وصحف المازة بأيديهم، هذا ما جرى ~~ليلة أمس فما قولكم في هذه النابغة المجنون؟ ما رأيكم بأطوار هذا الرجل، وأخلاقه ~~الغريبة؟ # خليل بك ~~: # هذه حادثة عجيبة، أما رأيي فيها فهو هذا: أنا من المعجبين بمواهب بولس أفندي، ومع ~~كل احترامي له أقول: إنه أخطأ ليلة أمس، فقد كان بإمكانه أن ينشد في بيت جلال باشا ~~كما أنشد في بيت حبيب سعادة، ويقابل استعطاف القوم بشيء من فنه «مخاطبا يوسف مسرة» ~~ما رأيك يا يوسف أفندي؟ # يوسف مسرة ~~: # أنا لا ألوم الصلبان كما أنني لا أحاول فهم أسراره، وخفاياه؛ لعلمي أن المسألة ~~شخصية تتعلق به دون سواه، ولعلمي أن أخلاق الفنيين، خصوصا الموسيقيين منهم، تختلف ~~عن أخلاق الناس كافة، وليس من الصواب أو العدالة أن نقيس أعمالهم ومآتيهم على ~~المقاييس التي نستخدمها لإدراك أعمال غيرهم، إن الفني، وأعني بالفني ذلك المبدع ~~الذي يخلق لأفكاره، وعواطفه صورا جديدة، هو رجل غريب بين أهله وخلانه، وغريب ~~في وطنه، بل هو غريب عن هذا العالم. الفني يميل شرقا عندما يميل الناس غربا، ~~ويتأثر لعوامل باطنية لا يستطيع هو نفسه أن يبسطها، فهو تعس بين الفرحين، فرح ~~بين التعساء، ضعيف بين القادرين، قادر بين الضعفاء. الفني فوق الشريعة رضي الناس ~~أم غضبوا. # خليل بك ~~: # إن ms71 كلام هذا يا يوسف أفندي، لا يختلف بمعانيه، ومفاده عما جاء في مقالتك عن ~~الفنون الجميلة، واسمح لي أن أقول ثانية: إن الروح الغريبة، الروح الإفرنجية التي ~~تكرز بها ستكون سببا لزوالنا كشعب، واضمحلالنا كأمة. # يوسف مسرة ~~: # هل تحسب أن ما فعله بولس أفندي ليلة أمس مظهرا للروح الإفرنجية التي تنكرها ~~وتكرهها. # خليل بك ~~: # إني أستغرب ما فعله بولس أفندي، أقول ذلك مع الاحترام لشخصه. # يوسف مسرة ~~: # أو ليس للصلبان تمام الحرية أن يفعل بصوته وفنه ما يشاء ومتى يشاء؟ # خليل بك ~~: # نعم، له تمام الحرية أن يفعل ما يشاء، ولكنني أرى أن حياتنا الاجتماعية لا تتفق ~~مع هذا النوع من الحرية، إن ميولنا وعاداتنا وتقاليدنا لا تسمح للفرد الواحد أن ~~يفعل ما فعله بولس أفندي ليلة أمس دون أن يضع نفسه في موقف حرج. # الآنسة هيلانة ~~: # هذه مناظرة لذيذة ومفيدة، ولكن بما أن السبب في هذه المناظرة موجود بيننا فهو ~~بالطبع يستطيع أن يدافع عن نفسه بنفسه. # بولس الصلبان ~~(بعد سكوت طويل) ~~: # كنت أتمنى لو لم يفتح سليم هذا الحديث، بل كنت أود أن يزول ما جرى ليلة أمس مع ~~ليلة أمس، ولكن بما أنني في مركز حرج كما يقول حضرة البك، فأنا لا أرى بدا من ~~إظهار أفكاري في هذا الموضوع، أنتم تعلمون وأنا أعلم أيضا أن أكثر من يعرفني ~~ينتقدني، هذا يقول إنني مغنج، وذلك أنني أعوج، وهنالك فئة تقول إنني لئيم، وليس ~~للئيم كرامة، وما هو السبب يا ترى في هذه الانتقادات الجارحة؟ إن السبب في أخلاقي، ~~نعم في أخلاقي التي لا أقدر أن أغيرها، ولو قدرت لما أردت، ولماذا يا ترى يهتم ~~الناس بي وبأخلاقي؟ أليس بإمكانهم أن يتناسوا كياني؟ في هذه المدينة كثير من ~~المغنين، والمنشدين، والموسيقيين، وكثير من الشعراء والمقرظين، وكثير من ~~المبخرين، والشحاذين الذين يبيعون أصواتهم، وأفكارهم وعواطفهم، بل ويبيعون نفوسهم ~~بدينار، أو بعلفة، أو بقنينة من الخمر، وقد عرف أغنياؤنا ووجهاؤنا هذا السر، ~~لذلك تراهم يبتاعون أبناء الفن، والأدب بأبخس الأثمان، ms72 ويعرضونهم في منازلهم، ~~وقصورهم، كما يعرضون خيولهم ، ومركباتهم في الساحات، والطرق، نعم أيها السادة، إن ~~المغنين، والشعراء في الشرق هم حملة المباخر، بل هم العبيد، وقد فرض عليهم أن ~~ينشدوا في الأعراس، ويترنموا في الحفلات، ويندبوا في المآتم، ويرثوا في المقابر؛ هم ~~الآلات التي تدار في أيام الحزن، وليالي الأفراح، فإذا لم يكن من داع للحزن، أو ~~الفرح طرحوا جانبا كأنهم سلع لا قيمة لها، وأنا لا ألوم الوجهاء والأغنياء، بل ~~ألوم المغنين والشعراء والأدباء الذين لا يحترمون نفوسهم، ولا يضنون بماء وجوههم، ~~ألومهم لأنهم لا يترفعون عن الصغائر والتوافه، ألومهم لأنهم لا يفضلون الموت على ~~الخضوع والتذلل. # خليل بك ~~(متهيجا) ~~: # إن القوم كانوا يستعطفونك ليلة أمس، ويحاولون بكل وسيلة لديهم أن يسترضوك، لتتكرم ~~عليهم بأغنية أو نشيد، فهل تحسب إنشادك في بيت جلال باشا نوعا من الخضوع ~~والتذلل؟ # بولس الصلبان ~~: # لو استطعت الإنشاد في منزل جلال باشا لفعلت، ولكنني نظرت حولي فلم أجد بين ~~الحاضرين غير الموسرين الذين لا يسمعون من الأصوات إلا رنات الدنانير، والوجهاء ~~الذين لا يفهمون من الحياة إلا ما يرفعهم ويخفض سواهم، نظرت حولي فلم أجد من يميز ~~النهاوند عن الرصد، أو العشاق عن الأصفهان، لذلك لم أستطع أن أفتح صدري أمام ~~العميان، أو أعرض أسرار قلبي أمام الطرشان، إنما الموسيقى لغة الأرواح، هي سيال خفي ~~يتموج بين روح المنشد وأرواح السامعين، فإذا لم يكن هناك من أرواح تسمع وتفهم ما ~~تسمع، فالمنشد يفقد ذلك الميل إلى البيان، ويفقد ذلك الشوق إلى إظهار ما في أعماقه ~~من الحركات والسكنات. والموسيقى مثل قيثارة ذات أوتار مشدودة حساسة، فإذا تراخت تلك ~~الأوتار فقدت خاصتها وأصبحت كخيوط من الكتان «يقف ويسير بضع خطوات، ثم يقول ببطء». ~~لقد تراخت أوتار روحي في منزل جلال باشا عندما تفرست في الحاضرين نساء ورجالا، ولم ~~أر بينهم غير المتكلف والمتصنعة، والمتقلد، والبليدة، والعقيم، والمتعجرفة، أما ~~استعطافهم إياي فلم يكن ناتجا إلا عن تمنعي وسكوتي، ولو كنت كالكثيرين من ضفادع ~~المنشدين لما اهتم ms73 أحد بي. # خليل بك ~~(يقاطعه مداعبا) ~~: # وبعد ذلك ذهبت إلى منزل حبيب سعادة، وللنكاية - وللنكاية فقط - جلست منشدا حتى ~~الصباح! # بولس الصلبان ~~: # جلست منشدا حتى الصباح؛ لأني أردت أن أفرغ مكنونات قلبي؛ لأنني أردت أن ألقي ~~حملا ثقيلا عن عاتقي؛ لأني أردت أن أعاتب الليل، والحياة، والدهر؛ لأنني شعرت ~~بحاجة ماسة إلى شد تلك الأوتار التي تراخت في منزل الباشا. أما إذا كنت تظن يا خليل ~~بك أنني أردت النكاية فلك الحق أن تفتكر بما تريد، إن الفن طائر حر يسبح محلقا ~~عندما يشاء، ويهبط إلى الأرض عندما يشاء، وليس من قوة في هذا العالم تستطيع تقييده ~~أو تغييره، الفن روح سام لا يباع ولا يشترى، وعلى الشرقيين أن يعرفوا هذه الحقيقة ~~المطلقة، أما الفنيون بيننا، وهم أندر من الكبريت الأحمر، فعليهم أن يكرموا ~~نفوسهم؛ لأنهم الإناء الذي يملأه الله خمرة علوية. # يوسف مسرة ~~: # إني متفق معك يا بولس، ولقد أبنت أفكاري في هذا الموضوع بصورة لا أستطيع أنا ~~إظهارها، أنت ابن الفن أما أنا فباحث بالفنون، والفرق بيننا هو كالفرق الكائن بين ~~العنب الحامض، والخمرة المعتقة. # سليم معوض ~~: # الصلبان يتكلم مثلما ينشد، وليس على سامعه إلا الاقتناع والإذعان. # خليل بك ~~: # لم أقتنع بعد ولن أقتنع، وما فلسفتكم هذه إلا إحدى تلك العلل المتسربة إلينا من ~~بلاد الإفرنج. # يوسف مسرة ~~: # لو سمعت الصلبان منشدا يا حضرة البك لاقتنعت ونسيت الفلسفة ~~(في هذه الدقيقة تدخل الخادمة، وتخاطب الآنسة هيلانة قائلة: ~~يا معلمتي قد جاءت الكنافة من الفرن فوضعتها على المائدة) ~~. # يوسف مسرة ~~(ينتصب مخاطبا الجميع) ~~: # تفضلوا أيها الإخوان فقد هيأنا لكم أكلة لذيذة، لذيذة جدا وتكاد أن تكون صلبانية ~~بنكهتها وحلاوتها! ~~(يقف الجميع ثم يخرج يوسف مسرة، وخليل بك، وسليم معوض، أما الصلبان، ~~والآنسة هيلانة، فيظلان واقفين في وسط القاعة، وكل يحدق بوجه الآخر، وفي عينيهما أشعة ~~لا توصف). # هيلانة ~~(هامسة) ~~: # هل علمت أنني كنت مصغية إليك ليلة أمس؟ # الصلبان ~~(مستغربا) ~~: # ماذا تعنين يا هيلانة قلبي؟ # هيلانة ~~(بخجل ووجل) ~~: # كنت أمس ms74 في بيت شقيقتي مريم، ذهبت لأنام عندها ؛ لأن زوجها متغيب وهي تخاف ~~لوحدها. # الصلبان ~~: # أوبيت صهرك على طريق الحرج؟ # هيلانة ~~: # ولا يفصله عن بيت حبيب سعادة غير زقاق ضيق. # الصلبان ~~: # وهل سمعتيني منشدا؟ # هيلانة ~~: # سمعت نداء روحك من نصف الليل حتى الفجر، سمعتك حتى سمعت الله متكلما. ~~(يسمع صوت يوسف مسرة آتيا من الغرفة المحاذية قائلا: تفضل يا بولس ~~فقد بردت الكنافة). ~~(يخرج بولس وهيلانة الستار). # | الشاعر البعلبكي # 1 # في مدينة بعلبك سنة 112 قبل الميلاد. # جلس الأمير على عرشه الذهبي، المحاط بالمسارج المشتعلة، والمباخر المتقدة، فجلس ~~القواد، والكهان عن يمينه، وشماله، ووقف الجنود، والعبيد أمامه، وقوف الأنصاب أمام وجه ~~الشمس. # بعد هنيهة، وقد انتهى المرتلون من إنشادهم، وتوارت أنفاسهم من طيات أثواب الليل، وقف ~~كبير الوزراء أمام الأمير، وقال بصوت تهدجه ضآلة الشيخوخة: أيها الأمير العظيم، قد جاء ~~المدينة بالأمس حكيم من حكماء الهند ذو أطوار غريبة ومذاهب عديدة لم نسمع قط بمثلها، ~~فهو يدعو الناس إلى الاعتقاد بتقمص الأرواح من جسد إلى جسد، وانتقال النفوس من جيل إلى ~~جيل حتى تبلغ الكمال، وتصير إلى مصف الآلهة، وقد جاء الليلة طالبا الدخول عليك؛ ~~ليبسط تعاليمه أمامك. # فهز الأمير رأسه، وقال مبتسما: «من بلاد الهند تأتي الغرائب والعجائب، فأدخلوه لنسمع ~~حجته». # لم تمر دقيقة حتى دخل كهل أسمر اللون، مهيب المنظر، ذو عينين كبيرتين، وملامح منفرجة، ~~تتكلم بلا نطق عن أسرار عميقة، وأميال غريبة، وبعد أن انحنى مستأذنا رفع رأسه، وتلمعت ~~عيناه، وطفق يتكلم عن بدعته مظهرا كيف تنتقل الأرواح من هيكل إلى هيكل مرتقية بعوامل ~~الوسط الذي تختاره، متدرجة بتأثيرات الأمور التي تختبرها، متمايلة مع الأمجاد التي ~~ترفعها وتقويها، نامية مع الحب الذي يسعدها، ويشقيها ... ثم تطرق إلى كيفية انتقال النفوس ~~من مكان إلى مكان باحثة عما تحتاج إليه من الكماليات، مكفرة في حاضرها عن ذنوب ~~اقترفتها في ماضيها، مستغلة في بلد ما زرعته في بلد آخر. # ولما طال الكلام، وقد بدت على ملامح الأمير سماء الملل والضجر، اقترب ms75 كبير الوزراء من ~~الحكيم، وهمس في أذنه قائلا: «كفى الآن فدع البحث إلى فرصة ثانية». # فتراجع الحكيم إلى الوراء، وجلس بين الكهان مطبقا أجفانه، كأن عينيه قد تعبتا من ~~التحديق في خفايا الوجود وأسراره. # وبعد سكينة شبيهة بغيبوبة الأنبياء، تلفت الأمير إلى اليمين، وإلى اليسار، ثم سأل ~~قائلا: «أين شاعرنا فقد مر زمن ولم نره ... ماذا حل به، وقد كان يحضر مجلسنا كل ~~ليلة؟». # فقال أحد الكهان «قد رأيته منذ أسبوع جالسا في رواق الهيكل عشتروت، وهو ينظر بعينين ~~جامدتين كئيبتين نحو الشفق البعيد كأنه أضاع بين الغيوم قصيدة من قصائده». # وقال أحد القواد «قد رأيته بالأمس واقفا بين أشجار السرو، والصفصاف، فحييته ولم يرد ~~التحيةن بل ظل غارقا في بحر أفكاره وأحلامه». # وقال رئيس الخصيان: «قد رأيته اليوم في حديقة القصر، فدنوت منه، فوجدته أصفر اللون ~~شاحب الوجه، تراود الدموع أجفانه، وتتلاعب الغصات بأنفاسه». # فقال الأمير بصوت تلاحقه اللهفة: «اذهبوا وابحثوا عنه وعودوا به مسرعين، لقد شغل ~~بالنا أمره». # خرج العقيد، والجنود يبحثون عن الشاعر، وظل الأمير، وأعوانه صامتين حائرين مترقبين ~~كأن نفوسهم قد شعرت بوجود شبح غير منظور منتصب في وسط تلك القاعة. # وبعد هنيهة عاد رئيس الخصيان، وارتمى على قدمي الأمير كطائر رماه الصياد بسهم. فصرخ ~~به الأمير قائلا: «ما الخبر ... ماذا جرى؟». # فرفع الزنجي رأسه، وقال مرتعشا «قد وجدنا الشاعر ميتا في حديقة القصر». # فانتصب الأمير وقد علت سحنته سيماء الحزن والكمد، ثم خرج إلى الحديقة يتقدمه حاملو ~~المسارج، ويتبعه القواد، والكهان، ولما بلغوا أطراف الحديقة حيث أشجار اللوز والرمان، ~~جلت لهم أشعة السرج الصفراء جثة هامدة، مرتمية على الأعشاب كغصن ورد ذابل. # فقال أحد الأعوان: «انظروا كيف عانق قيثارته كأنها صبية حسناء أحبها وأحبته، فتعاهدا ~~على أن يموتا معا». # وقال أحد القواد: «لم يزل يحقد في أعماق الفضاء كعادته، كأنه يرى بين الكواكب خيال ~~إله غير معروف». # وقال رئيس الكهان مخاطبا الأمير «غدا نقبره في ظلال هيكل عشتروت المقدسة، فيسير ~~سكان المدينة وراء نعشه، وينشد ms76 الفتيان قصائده، وتنثر العذارى الأزهار على ضريحه، لقد ~~كان شاعرا عظيما فليكن احتفالنا بدفنه عظيما». # فهز الأمير رأسه دون أن يحول عينيه عن وجه الشاعر المتشح بنقاب الموت، ثم قال ~~ببطء: «لا، لا، لقد أهملناه إذ كان حيا يملأ جوانب البلاد من أشباح نفسه، ويعطر الفضاء ~~بأنفاسه، فإذا ما أكرمناه ميتا تسخر بنا الآهلة، وتضحك منا عرائس المروج والأودية، ~~ادفنوه ههنا حيث فاضت روحه، وأبقوا قيثارته بين ذراعيه، وإن كان بينكم من يريد أن ~~يكرمه، فليذهب إلى بيته ويخبر أبنائه بأن الأمير قد أهمل شاعره فمات كئيبا، وحيدا، ~~منفردا». # ثم التفت حوله، وزاد قائلا: «أين الفيلسوف الهندي؟». # فتقدم الفيلسوف، وقال: «ها أنذا أيها الأمير العظيم». # فقال الأمير «قل - أيها الحكيم - هل ترجعني الآلهة أميرا إلى هذا العالم، وتعيده ~~شاعرا، هل تلبس روحي جسد ابن ملك عظيم، وتتجسم روحه في جسد شاعر كبير، هل توقفه ~~النواميس ثانية أمام وجه الأبدية؛ لينظم الحياة شعرا، وتعيدني لأنعم عليه، وأفرح ~~قلبه بالهبات والعطايا؟». # فأجاب الفيلسوف قائلا: «كل ما تشتاقه الأرواح تبلغه الأرواح، فالناموس الذي يعيد ~~بهجة الربيع بعد انقضاء الشتاء سيعيدك أميرا عظيما، ويعيده شاعرا كبيرا». # فانفرجت ملامح الأمير، وانتعشت نفسه، ثم مشى نحو قصره مفكرا في أقوال الحكيم الهندي ~~محادثا ذاته بقوله: «كل ما تشتاقه الأرواح تبلغه الأرواح». # 2 ~~«في مصر القاهرة سنة 1912 للميلاد». # طلع القمر، وألقى وشاحه الفضي على المدينة، وأمير البلاد جالس في شرفة قصره ينظر ~~إلى الفضاء الصافي، مفكرا بمآتي الأجيال التي مرت متتابعة على ضفاف النيل، مستوضحا ~~أعمال الملوك والفاتحين الذين وقفوا أمام هيبة أبي الهول، مستعرضا مواكب الشعوب والأمم ~~التي سيرها الدهر من جوانب الأهرام إلى قصر عابدين. # ولما اتسعت دائرة أفكاره، وانبسطت مسارح أحلامه، التفت نحو نديمه الجالس بقربه، وقال: ~~«في نفسنا الليلة ميل إلى الشعر فأنشدنا شيئا منه». # فحنى النديم رأسه، وأخذ ينشد قصيدة لشاعر جاهلي، فقاطعه الأمير قائلا: «أنشدنا شعرا ~~أحدث عهدا». # فانحنى النديم ثانية، وابتدأ يردد أبياتا لأحد الشعراء المخضرمين. # فقاطعه الأمير أيضا ms77 وقال: «أحدث عهدا - أحدث عهدا». # فانحنى النديم للمرة الثالثة، وأخذ يترنم بمقاطيع موشح أندلسي. # فقال الأمير «أنشدنا قصيدة لشاعر معاصر». # فرفع النديم يده إلى جبهته كأنه يريد أن يستحضر إلى حافظته كل ما نظمه شعراء العصر، ~~ثم برقت عيناه، وتهلل وجهه، وطفق يرتل أبياتا خيالية ذات رنة سحرية، ومعان رقيقة ~~مبتكرة، وكنايات لطيفة نادرة تجاور النفس فتملؤوها شعاعا، وتحيط بالقلب فتذيبه ~~انعطافا. # فحدق الأمير بنديمه وقد استهوته نغمة الأبيات ومعانيها، وشعر بوجود أيد خفية ~~تجذبه من ذلك المكان إلى مكان قصي، ثم سأل قائلا: «لمن هذه الأبيات؟». # فأجاب النديم «للشاعر البعلبكي». # الشاعر البعلبكي! # الشاعر البعلبكي ... كلمتان غريبتان تموجتا في مسامع الأمير، وولدتا في داخل روحه ~~النبيلة أشباح أميال ملتبسة بوضوحها، قوية بدقتها. # الشاعر البعلبكي: اسم قديم جديد، أعاد إلى نفس الأمير رسوم أيام منسية، وأيقظ في ~~أعماق صدره خيالات تذكارات هاجعة، ورسم أمام عينيه بخطوط شبيهة بثنايا الضباب صورة فتى ~~ميت يعانق قيثارة، وقد وقف حوله القواد، والكهان والوزراء. # وامحت هذه الرؤيا أمام عيني الأمير مثلما تتوارى الأحلام بمجيء الصباح، فوقف ومشى ~~جامعا ذراعيه على صدره، مرددا آية النبي العربي # وكنتم ~~أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ~~ترجعون ~~. # ثم التفت نحو نديمه قائلا: «يسرنا وجود الشاعر البعلبكي في بلادنا، وسوف نقربه ~~ونكرمه» وبعد دقيقة زاد بصوت منخفض «إنما الشاعر طائر غريب المزايا، يفلت من مسارحه ~~العلوية يجيء هذا العالم مغردا، فإن لم نكرمه يفتح جناحيه، ويعد طائرا إلى ~~مواطنه». # وانقضى الليل ... فخلع الفضاء أثوابه المرصعة بالنجوم، ولبس قميصه المنسوجة من أشعة ~~الصباح، ونفس أمير البلاد تتمايل بين عجائب الوجود وغرائبه، وخفايا الحياة ~~وأسرارها. # | السم في الدسم # في صباح يوم من أيام الخريف الذهبية التي تظهر شمال لبنان بكل مظاهره العلوية، اجتمع ~~سكان قرية «تولا»، حول الكنيسة القائمة في وسط منازلهم يتساءلون، ويتبادلون الآراء في سفر ~~فارس الرحال الفجائي إلى مكان قصي لا يعلم به غير الله، تاركا عروسته الصبية التي تزوج بها ~~منذ ستة أشهر. # كان فارس الرحال ms78 شيخ القرية وزعيمها، وقد ورث هذه المنزلة عن أبيه وجده، ومع أنه لم ~~يتجاوز السابعة والعشرين من عمره، فقد كان في شخصيته ما يوعز الاحترام والوقار في قلوب ~~مواطنيه، وعندما اقترن في أواسط الربيع الغابر بسوسان بركات قال الناس: ما أسعده فتى، فهو ~~قد حصل قبل أن يبلغ الثلاثين على كل ما يتمناه الإنسان من السعادة في الحياة الدنيا. # ولكن في ذلك الصباح عندما استيقظ سكان تولا، قيل لهم إن الشيخ فارس قد جمع ما تيسر له من ~~المال، وركب فرسه وغادر القرية دون أن يودع نسيبا أو صديقا، تعاظمت ظنونهم، وأخذوا ~~يتساءلون عن الأسباب الخفية التي جعلته يتركهم، ويترك عروسته، ومنزله، وحقوله، ~~وكرومه. # إن الحياة في شمال لبنان أقرب إلى الاشتراكية منها إلى كل تعليم آخر؛ فالقوم هناك ~~يتساهمون أفراح الوجود وشدائده، مدفوعين بأميال فطرية وضعية، فإذا ما جاءت الأيام بحادث إلى ~~قرية ينصرف سكانها بكليتهم إلى استقصاء ذلك الحادث حتى تجيء الأيام إليهم بأمر آخر. # تلك هي العوامل التي صرفت سكان تولا عن أعمالهم اليومية، فاجتمعوا حول كنيسة مارتولا ~~يتحدثون ويتساءلون، ويتبادلون الآراء بسفر فارس الرحال. # وبينما هم على هذه الحالة، وإذا بالخوري إسطفان كاهن القرية يقترب منهم منحني الرأس منقبض ~~الملامح، فدنوا منه مستطلعين فظل ساكنا يفرك يدا بيد، وبعد هنيهة قال: لا تسألوني ... لا ~~تسألوني، كل ما أعرفه يا أبنائي هو هذا: قرع فارس باب منزلي قبل طلوع الفجر، ولما فتحت له ~~وجدته متمسكا بمقود فرسه، وعلى وجهه أمارات الحزن الشديد، فسألته مستغربا عما يريد ~~فقال: «جئت لأودعك يا أبتي، فأنا مسافر إلى ما وراء البحار، ولن أعود إلى هذه البلاد وأنا ~~حي»، ثم وضع في يدي رسالة مختومة باسم صديقه نجيب مالك، وطلب إلي أن أسلمها إليه يدا ~~بيد، فعل هذا واعتلى فرسه وراح مسرعا قبل أن أستوضح أمره، هذا كل ما أعرفه فلا تسألوني ~~الزيادة. فقال أحد الواقفين: لا شك أن في الرسالة ما ينبئنا عن سبب سفره؛ لأن نجيب مالك كان ~~أعز صديق ms79 له في القرية. # وقال آخر: وهل رأيت عروسته يا أبتاه؟ # فأجاب الكاهن: قد زرتها بعد صلاة الصباح، فوجدتها جالسة بقرب النافذة تنظر إلى البعيد ~~بعينين زجاجيتين كأنها فقدت إدراكها، ولما سألتها هزت رأسها وقالت: «لا أدري لا أدري» ثم ~~طفقت تبكي وتنتحب كالأطفال. # ولم ينته الكاهن من كلامه إلا وذعر القوم حولهن لطلق بندقية جاء من الوجهة الشرقية من ~~القرية، ثم تبعه صراخ امرأة جارح ارتعشت له دقائق الفضاء، فبهت القرويون دقيقة، ثم ~~تراكضوا نساء، ورجالا، وعلى وجه كل واحد منهم برقع من الخوف والتشاؤم، ولما بلغوا البستان ~~الذي يحيط بمنزل فارس الرحال شاهدوا هنالك منظرا أجمد الدم في عروقهم، والفكرة في رؤوسهم؛ ~~رأوا نجيب مالك منطرحا على التراب، والنجيع يتدفق من أمعائه، وعلى مقربة منه سوسان زوجة ~~فارس الرحال تنبش شعرها وتمزق أثوابها وتصرخ متوجعة: قد قتل نفسه، قد قتل نفسه، قد أطلق ~~البندقية في صدره. # فبهت القوم كأن أكف القضاء غير المنظورة قد قبضت على أرواحهم، ولما اقترب الكاهن من ~~الصريع وجد في يمينه الرسالة التي كان قد سلمه إياها في ذلك الصباح، وقد قبض عليها بشدة، ~~كأنه يريد أن يجعلها جزءا من أصابعه، فتناولها الكاهن، ووضعها في جيبه دون أن يراه أحد، ثم ~~تراجع إلى الوراء لاطما وجهه. # وحمل القوم جثة المنتحر إلى بيت والدته المسكينة التي لم تر جثة وحيدها حتى فقدت ~~عقلها. # واهتم بعض النساء بزوجة فارس الرحال فاقتادوها إلى منزلها بين حية وميتة. ~~••• # ولما بلغ الخوري إسطفان منزله، أوصد الباب، ووضع النظارات على عينيه منتشلا الرسالة ~~التي وجدها في يد نجيب مالك، وبصوت مرتعش أخذ يقرأ: # أخي نجيب: # أنا تارك هذه القرية؛ لأن وجودي فيها يجلب التعاسة لك ولزوجتي ولي أيضا، أنا ~~أعلم أنك شريف النفس تترفع عن خيانة صديقك وجارك، وأعلم أن زوجتي سوسان طاهرة ~~الذيل، ولكنني أعلم في الوقت نفسه أن الحب الذي يضم قلبك وقلبها هو أمر فوق ~~إرادتكما، فأنت لا تستطيع إزالته كما أنك لا تقدر أن توقف مجاري نهر ms80 قاديشا، لقد ~~كنت صديقا يا نجيب مذ كنا صبيين نلعب في الحقول وفي ساحة الكنيسة، وأنت لم تزل ~~صديقي أمام الله، وأرجوك أن تفتكر بي في المستقبل مثملا كنت تفتكر بي في الماضي، ~~وإذا التقيت بسوسان غدا، أو بعده فقل لها إني أحبها وأرحمها، وقل لها أيضا: إني ~~كنت أذوب شفقة عندما كنت أستيقظ في سكينة الليل، وأراها راكعة أمام صورة يسوع ~~تبكي وتنتحب وتجلد صدرها، ليس أصعب من حياة المرأة التي تجد نفسها واقفة بين رجل ~~يحبها ورجل تحبه، وسوسان المسكينة كانت في حرب دائم، كانت تريد أن تقوم بواجباتها ~~الزوجية، ولكنها لم تكن قادرة على قتل عواطفها، أما أنا فمسافر إلى مكان بعيد، ولن ~~أعود إلى هذه الديار؛ لأني لا أريد أن أكون حجر عثرة في سبيل سعادتكما، وفي الختام ~~أرجوك يا أخي أن تبقى مخلصا لسوسان، وأن تحافظ عليها حتى النهاية؛ لأنها قد ضحت ~~بكل شيء من أجلك، فهي تستحق كل ما يستطيع الرجل أن يقدم للمرأة، ابق يا نجيب كما ~~عهدتك شريف القلب كبير النفس، والله يحفظك لأخيك. # فارس الرحال # ولما انتهى الخوري إسطفان من قراءة الرسالة، طواها، وأعادها إلى جيبه، وجلس بقرب النافذة ~~ينظر إلى الوادي البعيد، وعلى وجهه المتجعد أمارات التفكر العميق. # ولكن لم تمر دقيقة حتى انتصب فجأة على قدميه كأنه وجد بين ثنايا أفكاره سرا، دقيقا ~~هائلا، محجوبا بالظواهر، ملتفا بالسطحيات؛ فهتف صارخا: ما أكثر دهائك يا فارس الرحال؛ ~~فقد عرفت كيف تقتل ابن مالك، وتبقى بريئا من دمه، قد بعثت إليه بالسم ممزوجا بالعسل، قد ~~بعثت إليه السيف ملتفا بالحرير، قد بعثت إليه الموت طي الرسالة، فعندما صوب بندقيته إلى ~~صدره كانت يدك قابضة على يده، وإرادتك محيطة بإرادته ... أواه ما أكثر دهائك يا فارس ~~الرحال. # وعاد الخوري إسطفان فجلس على المقعد، هازا رأسه، ممشطا لحيته بأصابعه، مبتسما ابتسامات ~~ذات معان أشد هولا من المأساة، وبعد هنيهة تناول كتابا من خزانة قريبة، وأخذ يتلو بعض ~~موشحات القديس أفرام السرياني، وهو يرفع ms81 عينيه بين الآونة، والأخرى؛ ليسمع صراخ النساء ~~آتيا من قلب القرية . # | ما وراء الرداء # عندما انتصف الليل فتحت راحيل عينيها، وحدقت هنيهة بسقف الغرفة، ثم أغمضتها وتنهدت تنهدة ~~عميقة متقطعة، وبصوت يكاد أن يكون لهاثا قالت: «ها قد بلغ الصباح أطراف الوادي، فلنذهب إلى ~~لقائه». # فاقترب إذ ذاك الكاهن من مضجعها، وجس يدها، فوجدها باردة كالثلج، ثم وضع أصابعه بلطف ~~فوق قلبها، فألفاه ساكنا كالدهور، فأحنى رأسه، وارتعشت شفتاه كأنه يريد أن يلفظ كلمة علوية ~~ترددها أشباح الليل في تلك الأودية القاصية الخالية، ثم صلب ذراعيها فوق صدرها، والتفت نحو ~~الرجل الجالس في قرنة مظلمة من تلك الغرفة، وقال بصوت ملؤه الشفقة والانعطاف: «قد ذهبت ~~زوجتك إلى لقاء ربها، فقم يا أخي اركع بجانبي لنصلي». # فرفع الرجل رأسه، وقد تغيرت ملامحه، وكبرت عيناه كأنه رأى في فضاء الغرفة ظل إله غير ~~معروف، ثم وقف بهدوء، وتقدم من مضجع زوجته، وركع بجانب الكاهن مصليا منتحبا، راسما بين ~~الآونة، والأخرى إشارة الصليب على وجهه وصدره. # وانتصب الكاهن واضعا يده على كتف الرجل قائلا: «قم يا أخي تعال إلى الغرفة الثانية، ~~فأنت بحاجة إلى النوم والراحة». # فلم يبد الرجل معارضة، بل وقف، وسار إلى الغرفة المحاذية، ورمى بنفسه على سرير ضيق ممددا ~~جسده شأن من ينهكه الهم، والسهر، والانتظار. # ولم تمر بضع دقائق حتى غلب النوم أجفانه؛ فرقد كالطفل بين ذراعي أمه. ~~••• # أما الكاهن فظل منتصبا كالتمثال وسط تلك الغرفة بعينين غارقتين بالدموع نحو جثة الصبية ~~الباردة، ويلتفت كل دقيقة نحو زوجها النائم في الغرفة المحاذية. # ومرت ساعة أطول من الدهر، وأشد هولا من الموت، والكاهن واقف بين رجل، وامرأة راقدين ... ~~رجل راقد رقود حقل يحلم بمجيء الربيع، وامرأة راقدة مع الأزمنة الغابرة تحلم أحلام ~~الأبدية. # حينئذ اقترب الكاهن من مضجع الصبية، وجثا أمامها كما يجثو أمام المذبح، ثم أخذ يدها ~~الباردة، ووضعها على شفتيه المرتجفتين، ونظر إلى وجهها المتشح بنقاب الموت، وبصوت هادئ ~~كالليل، عميق كالبحر، مرتعش كآمال البشر قال: «يا راحيل، ms82 يا راحيل، يا أخت روحي، اسمعيني يا ~~راحيل فأنا استطيع الآن الكلام، قد فتح الموت شفتي لأبوح لك بسر أعمق من الموت، وأطلق الألم ~~لساني؛ لأكشف لك أمرا أشد من الألم. اسمعي صراخ روحي أيتها الروح المرفرفة بين الأرض ~~واللانهاية، اسمعي الشاب الذي كان يراك راجعة من الحقل فيتنحى محتجبا بين الأشجار خائفا ~~من جمال وجهك، اسمعي الكاهن الذي يخدم الله فهو يناديك الآن بلا وجل؛ لأنك بلغت مدينة ~~الله. # همس هذه الألفاظ، ثم انحنى فوقها، وقبل جبهتها، وقبل عينيها، وقبل عنقها، قبلات طويلة ~~حارة، خرساء «علوية» تبين ما في نفسه من أسرار الحب والألم. # ثم تراجع فجأة إلى الوراء، وارتمى على الأرض مرتعشا كأوراق الخريف، كأن ملامسة وجه ~~المرأة المثلجة قد أيقظت في داخله عاطفة الندم، ثم انتصب جاثيا ساترا وجهه بيديه قائلا ~~في سره: «اغفر ذنبي يا رب، سامح ضعفي يا إلهي، فأنا لم أتجلد حتى النهاية، فالسر الذي أخفته ~~الحياة في قلبي سبعة أعوام قد أباحه الموت بدقيقة واحدة، اغفر لي يا رب سامح ضعفي يا ~~إلهي ...». # وظل على هذه الحالة ينتحب، ويتوجع، ويميل برأسه ذات اليمين، وذات اليسار، ولا ينظر إلى ~~جثة الصبية خائفا على نفسه من خفايا نفسه حتى جاء الصباح، وألقى وشاحه الوردي على تلك ~~الرسوم الهيولية التي تمثل الحب، والدين، والحياة، والموت. # | البنفسجة الطموحة # كانت في حديقة منفردة بنفسجة جميلة الثنايا، طيبة العرف تعيش مقتنعة بين أترابها وتتمايل ~~فرحا بين قامات الأعشاب. # ففي صباح، وقد تكللت بقطر الندى، رفعت رأسها، ونظرت حواليها فرأت وردة تتطاول نحو العلاء ~~بقامة هيفاء، ورأس يتسامى متشامخا كأنه شعلة من النار فوق مسرجة من الزمرد. # ففتحت البنفسجة ثغرها الأزرق، وقالت متنهدة «ما أقل حظي بين الرياحين، وما أوضع مقامي بين ~~الأزهار: فقد ابتدعتني الطبيعة صغيرة حقيرة، أعيش ملتصقة بأديم الأرض، ولا أستطيع أن أرفع ~~قامتي نحو ازرقاق السماء، أو أحول وجهي نحو الشمس مثلما تفعل الورود». # وسمعت الوردة ما قالته جارتها البنفسجة؛ فاهتزت ضاحكة ثم قالت: «ما أغباك ms83 بين الأزهار، ~~فأنت في نعمة تجهلين قيمتها، فقد وهبتك الطبيعة من الطيب، والظرف، والجمال ما لم تهبه لكثير ~~من الرياحين، فخل عنك هذه الميول العوجاء، والأماني الشريرة، وكوني قنوعة بما قسم ~~لك، واعلمي أن من خفض جناحه يرفع قدره، وأن من طلب المزيد وقع في النقصان». # فأجابت البنفسجة قائلة: أنت تعزيني أيتها الوردة؛ لأنك حاصلة على ما أتمناه، وتغمرين ~~حقارتي بالحكم؛ لأنك عظيمة، وما أمر مواعظ السعداء في قلوب التعساء، وما أقسى القوي إذا وقف ~~خطيبا بين الضعفاء». ~~••• # وسمعت الطبيعة ما دار بين الوردة، والبنفسجة، فاهتزت مستغربة، ثم رفعت صوتها قائلة: ~~ماذا جرى لك يا ابنتي البنفسجة؟ فقد عرفتك لطيفة بتواضعك، عذبة بصغرك، شريفة بمسكنتك، فهل ~~استهوتك المطامع القبيحة، أم سلبت عقلك العظمة الفارغة؟». # فأجابت البنفسجة بصوت ملؤه التوسل والاستعطاف: «أيتها الأم العظيمة بجبروتها الهائلة ~~بجنانها، أضرع إليك بكل ما في قلبي من التوسل، وما في روحي من الرجاء أن تجيبي ~~طلبي، وتجعليني وردة، ولو يوما واحدا». # فقالت الطبيعة: «أنت لا تدرين ما تطلبين، ولا تعلمين ما وراء العظمة الظاهرة من البلايا ~~الخفية، فإذا رفعت قامتك، وأبدلت صورتك، وجعلتك وردة تندمين حين لا ينفع الندم». # فقالت البنفسجة: «حولي كياني البنفسجي إلى وردة مديدة القامة، مرفوعة الرأس، ومهما يحل ~~بي بعد ذلك يكن صنع رغائبي ومطامعي». # فقالت الطبيعة: «لقد أجبت طلبك أيتها البنفسجة الجاهلة المتمردة، ولكن إذا داهمتك ~~المصائب، والمصاعب فلتكن شكواك من نفسك». # ومدت الطبيعة أصابعها الخفية السحرية، ولمست عروق البنفسجة؛ فتحولت بلحظة إلى وردة زاهية ~~متعالية فوق الأزهار والرياحين. # ولما جاء عصر ذلك النهار تلبد الفضاء بغيوم سوداء مبطنة بالإعصار، ثم هاجت سواكن الوجود؛ ~~فأبرقت، وأرعدت، وأخذت تحارب تلك الحدائق، والبساتين بجيش عرمرم من الأمطار والأهواء؛ ~~فكسرت الأغصان، ولوت الأنصاب، واقتلعت الأزهار المتشامخة، ولم تبق إلا على الرياحين الصغيرة ~~التي تلتصق بالأرض، أو تختبئ بين الصخور. # أما تلك الحديقة المنفردة، فقد قاست من هياج العواصف ما لم تقاسه حديقة أخرى. # فلم تمر العاصفة، وتنقشع الغيوم حتى أصبحت أزهارها هباء ms84 منثورا، ولم يسلم منها بعد تلك ~~المعمعة الهوجاء سوى طائفة البنفسج المختبئة بجدار الحديقة. ~~••• # ورفعت إحدى صبايا البنفسج رأسها؛ فرأت ما حل بأزهار الحديقة وأشجارها، فابتسمت فرحة ~~ثم نادت رفيقاتها قائلة: «ألا فانظرن ما فعلته العاصفة بالرياحين المتشامخة تيها ~~وإعجابا». # وقالت بنفسجة أخرى: «نحن نلتصق بالتراب، ولكننا نسلم من غضب العواصف والأنواء». # وقالت بنفسجة ثالثة: «نحن حقيرات الأجسام غير أن الزوابع لا تستطيع التغلب علينا». # ونظرت إذ ذاك مليكة طائفة البنفسج، فرأت على مقربة منها الوردة التي كانت بالأمس بنفسجة، ~~وقد اقتلعتها العاصفة، وبعثرت أوراقها الأرياح، وألقتها على الأعشاب المبللة؛ فبانت كقتيل ~~أرداه العدو بسهم. # فرفعت مليكة البنفسج قامتها، ومدت أوراقها، ونادت رفيقاتها قائلة: «تأملن وانظرن يا ~~بناتي، انظرن إلى البنفسجة التي غرتها المطامع، فتحولت إلى وردة لتتشامخ ساعة، ثم هبطت إلى ~~الحضيض، ليكن هذا المشهد أمثولة لكن». # عندئذ ارتعشت الوردة المحتضرة، واستجمعت قواها الخائرة، وبصوت متقطع قالت: «ألا فاسمعن ~~أيتها الجاهلات المقتنعات، الخائفات من العواصف، والإعصار، فقد كنت بالأمس مثلكن أجلس بين ~~أوراقي الخضراء مكتفية بما قسم لي، وقد كان الاكتفاء حاجزا منيعا يفصلني عن زوابع ~~الحياة، وأهوائها، ويجعل كياني محدودا بما فيه من السلامة، متناهيا بما يساوره من الراحة ~~والطمأنينة، ولقد كان بإمكاني أن أعيش نظيركن ملتصقة بالتراب حتى يغمرني الشتاء بثلوجه، ~~وأذهب كمن ذهب قبلي إلى سكينة الموت، والعدم قبل أن أعرف من أسرار الوجود ومخبآته غير ما ~~عرفته طائفة البنفسج منذ وجد البنفسج على سطح الأرض، لقد كان بإمكاني الانصراف عن ~~المطامع، والزهد في الأمور التي تعلو بطبيعتها عن طبيعتي، ولكني أصغيت في سكينة الليل فسمعت ~~العالم الأعلى يقول لهذا العالم «إنما القصد من الوجود الطموح إلى ما وراء الوجود» فتمردت ~~نفسي على نفسي، وهام وجداني بمقام يعلو عن وجداني، ومازلت أتمرد على ذاتي، وأشوق إلى ما ليس ~~لي حتى انقلب تمردي إلى قوة فعالة، واستحال شوقي إلى إ رادة مبدعة فطلبت إلى الطبيعة - وما ~~الطبيعة سوى مظاهر خارجية لأحلامنا الخفية - أن تحولني إلى وردة ففعلت، ms85 وطالما غيرت الطبيعة ~~صورها ورسومها بأصابع الميل والتشويق». # وسكتت الوردة هنيهة ، ثم زادت بلهجة مفعمة بالفخر والتفوق: «أي لقد عشت ساعة كوردة، لقد ~~عشت ساعة كملكة، لقد نظرت إلى الكون من وراء عيون الورود، وسمعت همس الأثير بآذان الورود ... ~~ولمست ثنايا النور بأوراق الورود، فهل بينكن من تستطيع أن تدعي شرفي؟». # ثم لوت عنقها، وبصوت يكاد أن يكون لهاثا قالت: «أنا أموت الآن، أموت وفي نفسي ما لم ~~تكنه نفس بنفسجة من قبلي، أموت وأنا عالمة بما وراء المحيط المحدود الذي ولدت فيه، ~~وهذا هو القصد من الحياة، هذا هو الجوهر الكائن وراء عرضيات الأيام والليالي». # وأطبقت الوردة أوراقها، وارتعشت قليلا، ثم ماتت، وعلى وجهها ابتسامة علوية، ابتسامة من ~~حققت الحياة أمانيه، ابتسامة النصر، والتغلب، ابتسامة الله. # | الشاعر # أنا غريب في هذا العالم. # أنا غريب، وفي الغربة وحدة قاسية، ووحشية موجعة، غير أنها تجعلني أن أفكر أبدا بوطن سحري ~~لا أعرفه، وتملأ أحلامي بأشباح أرض قصية ما رأتها عيني. # أنا غريب عن أهلي وخلاني، فإذا ما لقيت واحدا منهم أقول في ذاتي: «من هذا، وكيف عرفته، ~~وأي ناموس يجمعني به، ولماذا أقترب منه وأجالسه؟». # أنا غريب عن نفسي، فإذا ما سمعت لساني متكلما تستغرب أذني صوتي، وقد أرى ذاتي الخفية ~~ضاحكة باكية، مستبسلة، خائفة، فيعجب كياني بكياني، وتستفسر روحي، ولكنني أبقى مجهولا، ~~مستترا، مكتنفا بالضباب، محجوبا بالسكوت. # أنا غريب عن جسدي، وكلما وقفت أمام المرآة أرى في وجهي ما لا تشعر به نفسي، وأجد في عيني ~~ما لا تكنه أعماقي. # أسير في شوارع المدينة، فيتبعني الفتيان صارخين: «هو ذا الأعمى فلنعطه عكازا يتوكأ ~~عليها» فأهرب منهم مسرعا، ثم ألتقي بسرب من الصبايا، فيتشبثن بأذيالي قائلات: «هو أطرش ~~كالصخر، فلنملأ أذنيه بأنغام الصبابة والغزل» فأتركهن راكضا، ثم ألتقي بجماعة من الكهول ~~فيقفون حولي قائلين: «هو أخرس كالقبر فتعالوا نقوم اعوجاج لسانه» فأغادرهم خائفا، ثم ~~ألتقي برهط من الشيوخ، فيومئون نحوي بأصابع مرتعشة قائلين: «هو مجنون أضاع صوابه ~~في مسارح الجن والغيلان». ms86 ~~••• # أنا غريب في هذا العالم. # أنا غريب وقد جبت مشارق الأرض ومغاربها. # فلم أجد مسقط رأسي، ولا لقيت من يعرفني، ولا من يسمع بي. # أستيقظ في الصباح؛ فأجدني مسجونا في كهف مظلم تتدلى الأفاعي من سقفه، وتدب الحشرات في ~~جنباته، ثم أخرج إلى النور، فيتبعني خيال جسدي، أما خيالات نفسي، فتسير أمامي إلى حيث لا ~~أدري، باحثة عن أمور لا أفهمها، قابضة على أشياء لا حاجة لي بها، وعندما يجيء المساء ~~أعود، وأضطجع على فراشي المصنوع من ريش النعام، وشوك القتاد، فتراودني أفكار غريبة، ~~وتتناوبني أميال مزعجة، مفرحة، موجعة لذيذة، ولما ينتصف الليل تدخل علي من شقوق الكهف أشباح ~~الأزمنة الغابرة، وأرواح الأمم المنسية، فأحدق بها وتحدق بي، وأخاطبها مستفهما فتجيبني ~~مبتسمة، ثم أحاول القبض عليها؛ فتتوارى مضمحلة كالدخان. ~~••• # أنا غريب في هذا العالم. # أنا غريب وليس في الوجود من يعرف كلمة من لغة نفسي. # أسير في البرية الخالية، فأرى السواقي تتصاعد متراكمة من أعماق الوادي إلى قمة الجبل، ~~وأرى الأشجار العارية تكتسي، وتزهر، وتثمر، وتنثر أوراقها في دقيقة واحدة، ثم تهبط أغصانها ~~إلى الحضيض، وتتحول إلى حيات رقطاء مرتعشة، وأرى الأطيار تنتقل متصاعدة، هابطة، مغردة ~~مولولة، ثم تقف وتفتح أجنحتها، وتنقلب نساء عاريات، محلولات الشعر، ممدودات الأعناق ~~ينظرن إلي من وراء أجفان مكحولة بالعشق، ويبتسمن لي بشفاه وردية مغموسة بالعسل، ويمددن ~~نحوي أيادي بيضاء ناعمة، معطرة بالمن، واللبان، ثم ينتفضن، ويختفين عن ناظري، ويضمحللن ~~كالضباب تاركات في الفضاء صدى ضحكهن مني واستهزاءهن بي. # أنا غريب في هذا العالم. # أنا شاعر أنظم ما تنثره الحياة، وأنثر ما تنظمه، ولهذا أنا غريب، وسأبقى غريبا حتى ~~تخطفني المنايا، وتحملني إلى وطني. # | الكلام وطوائف المتكلمين # لقد مللت الكلام والمتكلمين. # لقد تعبت روحي من الكلام والمتكلمين. # لقد ضاعت فكرتي بين الكلام والمتكلمين. # أستيقظ في الصباح، فأرى الكلام جالسا بجانب مضجعي على صفحات الرسائل والجرائد والمجلات، ~~وهو ينظر إلي بعيون ملؤها الدهاء، والخبث، والرياء. # أغادر فراشي، وأجلس إلى جانب النافذة؛ لأزيح نقاب النوم عن بصيرتي ms87 بفنجان من ~~القهوة، فيتبعني الكلام، وينتصب أمامي راقصا صارخا معربدا، ثم يمد يده مع يدي إلى فنجان ~~القهوة ويرتشف منه بارتشافي، وإذا تناولت لفافة يتناولها معي، وإذا رميت بها رماها معي ~~أيضا. # أقوم للعمل فيلحق بي الكلام موسوسا في أذني، مهمهما حول رأسي، مقرقعا في خلايا ~~دماغي، فأحاول طرده، فيضحك مقهقها، ثم يعود إلى الوسوسة، والهمهمة، والقرقعة. # أخرج إلى الشارع فأرى الكلام واقفا في باب كل حانوت، منبسطا على جدران كل منزل، أراه في ~~أوجه الناس وهم صامتون وفي حركاتهم وسكناتهم، وهم لا يدرون. # إن جالست صديقي يكون الكلام ثالثنا، وإن التقيت بعدوي ينتفخ الكلام إذ ذاك، ويتمدد ثم ~~يتجزأ متحولا إلى جيش عرمرم أوله مشارق الأرض وآخره مغاربها، فإذا غادرته هاربا ظل صدى ~~كلامه يتمايل مختبطا في باطني اختباط طعام لا تهضمه المعدة. # أذهب إلى المحاكم، والمعاهد، والمدارس؛ فأرى الكلام وأبا الكلام وأخاه وهم يلبسون الكذب ~~رداء والاحتيال عمامة وحذاء. # ثم أسير إلى المعمل، وإلى المكتب، وإلى الإدارة، فأجد الكلام واقفا بين أمه وعمته وجدته ~~وهو يقلب لسانه بين شفتيه الغليظتين وهن يبتسمن له ويضحكن مني. # وإذا بقى لي شيء من العزم، والتجلد، وزرت المعابد والهياكل، رأيت هناك الكلام جالسا على ~~عرشه وهو متوج الرأس وفي يده الصولجان دقيق الصنع لطيف الجوانب ناعمها. # وعندما أعود في المساء إلى غرفتي أجد الكلام الذي سمعته سحابة نهاري متدليا كالأفاعي من ~~سقفها، منسلا كالعقارب في قرانيها. # الكلام في الفضاء، وما وراءه، وعلى الأرض وتحتها. # الكلام على أجنحة الأثير، وفي أمواج البحر، وفي الغايات، والكهوف، وفوق قمم ~~الجبال. # الكلام في كل مكان، فإلى أين يذهب من يريد الهدوء والسكينة؟ # أيوجد في هذا العالم طائفة من الخرسان لأنتمي إليها؟ # هل يرحمني الله، ويمنحني موهبة الطرش فأحيا سعيدا في جنة الكون الأبدي؟ # أليس على وجه البسيطة قرنة خالية من شقشقة اللسان وبلبلة الألسنة، حيث الكلام لا ~~يباع ولا يشترى، ولا يعطى ولا يؤخذ. # ليت شعري، أبين سكان الأرض من لا يعبد نفسه متكلما؟ هل يوجد ms88 بين طغمات الخلق من لم يكن ~~فمه مغارة للصوص الألفاظ ~~••• # ولو كان المتكلمون نوعا واحدا لرضينا وتجلدنا، ولكنهم أنواع وأشكال لا عداد لها. # فهناك طائفة «المستضعفين» الذين يعيشون في المستنقعات النهار وطوله، وعندما يجيء المساء ~~يقتربون من الشواطئ رافعين رؤوسهم فوق سطح الماء، مفعمين صدر الليل بضجيج قبيح تأباه ~~المسامع والأرواح. # وهناك طائفة «المستبعضين» والبعوض من مولدات المستنقعات أيضا، وهم الذين يرفرفون حول ~~أذنك بنغمة تافهة رفيعة شيطانية صداها النكاية، ولحمتها البغضاء. # وهناك طائفة «المستطحنين» وهي طائفة غريبة في داخل كل فرد من أفرادها حجر يدار بالكحول، ~~فيولد جعجعة جهنمية أخفها أثقل مما تحدثه حجارة الرحى. # وهناك طائفة «المستبقرين» وهم الذين يملؤون أجوافهم حشيشا، ثم يقفون على منعطفات ~~الشوارع، والأزقة مبطنين الهواء بخوار ألطفه أغلظ من خوار الجاموس. # وهناك طائفة «المستبومين» وهم الذين يصرفون الساعات بين مقابر الحياة، وأجداثها، ~~محولين سكينة الدجى إلى عويل أفراحه أحزن من نعيب البوم. # وهناك طائفة «المستنشرين» وهم الذين لا يرون من الحياة إلا أخشابها، فيصرفون ~~الأيام بتجزئتها، وتفصيلها محدثين بذلك خشخشة أعذبها أضنك مما تحدثه المناشير. # وهناك طائفة «المستبطلين» وهم الذين يقرعون نفوسهم بمطارق ضخمة، فيخرج من أفواهم الفاغرة ~~فرقعة ألطفها أغلط من قرقعة الطبول. # وهناك طائفة «المستعلكين» وهم الذين لا شغل لهم ولا عمل، فيجلسون حيثما يجدون ~~مقعدا ويمضغون الكلام، ولكنهم لا يلفظونه. # وهناك طائفة «المستهزين» وهم الذين يستغيبون الناس، ويستغيبون بعضهم بعضا ~~ويستغيبون نفوسهم على غير معرفة من نفوسهم، ولكنهم يدعون الاستغابة باسم المجون، والمجون ~~ضرب من الجد، ولكنهم لا يعلمون. # وهناك طائفة «الأنوال» التي تحرك الهواء بالهواء، ولكنها تظل هي بدون قمصان ولا ~~سراويل. # وهناك طائفة «الزرازير» التي قال عنها الشاعر: # لما حام حائمها توهمت # أنها صارت شواهينا # وهناك طائفة «الأجراس» وهي تدعو الناس إلى الهياكل، ولكنها لا تدخلها. # وهناك طائفة، وعشائر لا تعد، ولا تحصى، ولا توصف، أغربها في عقيدتي طائفة نائمة تملأ ~~الفضاء غطيطا، ولكنها لا تدري. ~~••• # والآن وقد أبنت بعض قرفي، واشمئزازي من الكلام، والمتكلمين، أراني كالطبيب المعتل، ms89 أو ~~كمجرم يقف واعظا بين المجرمين، فقد هجوت الكلام ولكن بالكلام ، وتطيرت من المتكلمين، وأنا ~~واحد من المتكلمين، فهل يغفر الله ذنبي قبيل أن يرحمني، وينقلني إلى غابة الفكر، والعاطفة، ~~وألحق حيث لا كلام ولا متكلمون. ms90