######OpenITI# #META# URI: 1349JibranKhalilJibran.MuhajatArwah.Hindawi46050302 #META# Tags: literature #META# ID: 46050302 #META# Title: مناجاة أرواح #META# AuthorID: 85274958 #META# Author: جبران خليل جبران #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مناجاة أرواح‏ # في خيبتي غلبتي‏ # الكآبة الخرساء‏ # العالم الكامل‏ # إنني عبدك يا ربي‏ # هل تأيدت العدالة؟‏ # أيتها الأرض‏ # العطاء‏ # الصداقة‏ # ابن الفارض‏ # مصرع البطل‏ # الكمال‏ # المعرفة ونصف المعرفة‏ # القديس‏ # الطمع‏ # الشعراء‏ # الخلافات‏ # الملك الناسك‏ # فلسفة الابتسامة‏ # شكوى القبور‏ # المدينة العظمى‏ # حكم وآراء‏ # الشيطان‏ # الكلام وطوائف المتكلمين‏ # مناجاة أرواح‏ # في خيبتي غلبتي‏ # الكآبة الخرساء‏ # العالم الكامل‏ # إنني عبدك يا ربي‏ # هل تأيدت العدالة؟‏ # أيتها الأرض‏ # العطاء‏ # الصداقة‏ # ابن الفارض‏ # مصرع البطل‏ # الكمال‏ # المعرفة ونصف المعرفة‏ # القديس‏ # الطمع‏ # الشعراء‏ # الخلافات‏ # الملك الناسك‏ # فلسفة الابتسامة‏ # شكوى القبور‏ # المدينة العظمى‏ # حكم وآراء‏ # الشيطان‏ # الكلام وطوائف المتكلمين‏ # | مناجاة أرواح # | مناجاة أرواح # تأليف # جبران خليل جبران # | مناجاة أرواح # - استيقظي يا حبيبتي! استيقظي؛ لأن روحي تناديك من وراء البحار الهائلة، ونفسي تمد ~~جناحيها نحوك فوق الأمواج المزبدة الغضوبة. استيقظي، فقد سكنت الحركة، وأوقف الهدوء ضجة ~~سنابك الخيل، ووقع أقدام العابرين، وعانق النوم أرواح البشر فبقيت وحدي مستيقظا؛ لأن ~~الشوق ينتشلني كلما أغرقني النعاس، والمحبة تدنيني إليك عندما تقصيني الهواجس، وقد تركت ~~مضجعي يا حبيبتي خوفا من خيالات السلو # 1 # المختبئة بين طيات اللحف، ورميت بالكتاب؛ لأن تأوهي # 2 # قد أباد السطور من صفحاته، فأصبحت خالية بيضاء أمام عيني. استيقظي! ~~استيقظي يا حبيبتي واسمعيني. ~~- ها أنا ذا يا حبيبي قد سمعت نداءك من وراء البحار، وشعرت بملامس جناحيك، فانتبهت # 3 # وتركت مخدعي، وسرت على الأعشاب فتبللت قدماي وأطراف ثوبي من ندى الليل، ها أنا ~~واقفة تحت أغصان اللوز المزهرة أسمع نداء نفسك يا حبيبي! ~~- تكلمي يا حبيبتي! ودعي أنفاسك تسيل مع الهواء القادم نحوي من أودية لبنان. تكلمي، ~~فلا سامع غيري؛ لأن الظلمة قد دحرت جميع المخلوقات إلى أوكارها، # 4 # والنعاس أسكر سكان المدينة وبقيت وحدي صاحيا. ~~- قد نسجت السماء نقابا من أشعة القمر، وألقته على جسد لبنان يا حبيبي! ~~- قد حاكت السماء من ظلمة الليل رداء كثيفا مبطنا بدخان المعامل وأنفاس الموت، وسترت ~~به أضلع المدينة يا حبيبتي! # قد رقد سكان القرى في أكواخهم القائمة بين أشجار ms01 الجوز والصفصاف، وتسابقت نفوسهم نحو ~~مسارح الأحلام يا حبيبتي! # قد أناخت # 5 # أحمال الذهب قامات البشر، وأوهنت # 6 # عقبات المطامع ركبهم، وأثقلت المتاعب أجفانهم، فارتموا على الفرش، وأشباح ~~الخوف والقنوط تعذب قلوبهم يا حبيبتي! # قد سرت في الأودية خيالات الأجيال الغابرة، # 7 # وحامت على الروابي أرواح الملوك والأنبياء، فانثنت فكرتي نحو مسارح الذكرى، ~~وأرتني عظائم الكلدانيين والآشوريين، وفخامة ونبالة العرب. # قد سرت في الأزقة أرواح اللصوص القاتمة، وظهرت من بين شقوق النوافذ رءوس أفاعي ~~الشهوات، وجرت في منعطفات الشوارع أنفاس الأمراض ممزوجة بلهاث # 8 # المنايا، فأزاحت الذكرى ستائر النسيان، وأرتني مكاره سادوم وآثار عامورة. # 9 # قد تمايلت الأغصان يا حبيبتي! ويحالف حفيفها مع خرير ساقية الوادي ورددت على مسامعي ~~نشيد سليمان ورنات قيثارة داود وأغاني الموصلي. # قد ارتعشت نفوس أطفال الحي، وأقلقهم الجوع، وتسارعت نهدات الأمهات المضطجعات على أسرة # 10 # الهم واليأس، وأراعت أحلام العوز # 11 # قلوب الرجال المقعدين، فسمعت نواحا مرا، وزفيرا متقطعا يملأ الضلوع ~~ندبا ورثاء. # قد فاحت روائح النرجس والزنبق، وعانقت عطر الياسمين والبيلسان، ثم تمازجت بأنفاس ~~الأرز الطيبة، وسرت مع تموجات النسيم فوق الطلول المتشعبة، والممرات الملتوية، فملأت ~~النفس انعطافا، ومنحتها حنينا إلى الطيران. # قد تصاعدت روائح الأزقة الكريهة، واختمرت بجراثيم العلل، ومثل أسهم دقيقة خافية قد خدشت ~~الحس وسممت الهواء. ~~- ها قد جاء الصباح يا حبيبي! وداعبت أصابع اليقظة أجفان النيام، وفاضت الأشعة البنفسجية ~~من وراء الجبل، وأزالت غشاء الليل عن عزم الحياة ومجدها، فاستفاقت القرى المتكئة بهدوء ~~وسكينة على كفتي الوادي، وترنمت أجراس الكنائس وملأت الأثير نداء مستحبا معلنة بدء ~~صلاة الصباح، فأرجعت الكهوف صدى رنينها كأن الطبيعة بأسرها قامت مصلية. قد غادرت العجول ~~مرابضها، وتركت قطعان الغنم والماعز حظائرها، وانثنت نحو الحقول ترتعي رءوس الأعشاب ~~المتلفعة بقطر الندى، ومشى أمامها الرعاة ينفخون الشبابات، ووراءها الصبايا المتأهلات مع ~~العصافير بقدوم الصباح. ~~- قد جاء الصباح يا حبيبتي! وانبسطت فوق ~~المنازل المكردسة # 12 # أكف النهار الثقيلة، فأزيحت الستائر عن النوافذ، وانفتحت مصاريع # 13 # الأبواب، فبانت الوجوه ms02 الكالحة، والعيون المعروكة، وذهب التعساء إلى المعامل، ~~وداخل أجسادهم يقطن الموت في جوار الحياة، وعلى ملامحهم المنقبضة قد بان ظل القنوط # 14 # والخوف، كأنهم منقادون قهرا إلى عراك هائل مهلك. # ها قد غصت الشوارع بالمسرعين الطامعين، وامتلأ الفضاء من قلقلة # 15 # الحديد، ودوي الدواليب، وعويل البخار، وأصبحت المدينة ساحة قتال يصرع فيها ~~القوي الضعيف، ويستأثر الغني الظلوم بأتعاب الفقير المسكين. ~~- ما أجمل الحياة ها هنا يا حبيبي! فهي مثل قلب الشاعر المملوء نورا ورقة! ~~- ما أقسى الحياة ها هنا يا حبيبتي! فهي مثل قلب المجرم المفعم # 16 # بالإثم والمخاوف. # | في خيبتي غلبتي # يا خيبتي، يا خيبة! يا وحدتي وانفرادي، إنك لأعز لدي من ألف انتصار، وأحلى على قلبي من كل ~~أمجاد الأقطار. # يا خيبتي، يا خيبة! # يا معرفتي لنفسي واحتقاري لذاتي، بك أعرف أنني لا أزال فتيا سريع الخطى، فلا تغريني ~~أكاليل الغار الذابلة الفانية، بك قد حظيت بوحدتي وانفرادي، وتذوقت لذة فراري ~~واحتقاري. # يا خيبتي، يا خيبة! # يا سيفي البتار # 1 # وترسي البراق، قد قرأت في عينيك: # إن الإنسان متى جلس على عرش الملك، فقد صار عبدا، # ومتى أدرك الناس أعماق روحه، فقد طوى كتاب حياته، # ومتى بلغ أوج # 2 # كماله، فقد قضى نحبه. # 3 # بل هو كالثمرة إذا نضجت سقطت واندثرت، يا خيبتي يا خيبة! يا رفيقي الباسل الودود، أنت ~~وحدك تسمعين إنشادي، وصراخي، وسكوتي، وليس غيرك بمحدثي عن خفقان الأجنحة، وهدير البحار، وعن ~~قذائف البراكين الثائرة في دوامس # 4 # الليالي. # أنت وحدك تتسلقين صخور نفسي الجلمودية # 5 # الشامخة. # يا خيبتي، يا خيبة! يا شجاعتي التي لا تموت، أنت تضحكين معي في العاصفة، وتحفرين معي ~~قبورا لما يموت مني ومنك، وتقفين معي أمام وجه الشمس بجلد # 6 # وثبات، فنكون معا هائلين مرعبين. # | الكآبة الخرساء # أنتم أيها الناس تذكرون فجر الشبيبة فرحين باسترجاع رسومه، متأسفين على انقضائه، أما أنا ~~فأذكره مثلما يذكر الحر المعتوق # 1 # جدران السجن وثقل قيوده، أنتم تدعون تلك السنين التي تجيء بين الطفولة والشباب: ~~عهدا ms03 ذهبيا، يهزأ بمتاعب الدهر وهواجسه، ويطير مرفرفا فوق رءوس المشاغل والهموم، مثلما ~~تجتاز النحلة فوق المستنقعات الخبيثة سائرة نحو البساتين المزهرة، أما أنا فلا أستطيع أن ~~أدعو سني الصبا سوى عهد آلام خفية خرساء، كانت تقطن قلبي، وتثور كالعواصف في جوانبه، ~~وتتكاثر نامية بنموه ولم تجد منفذا تتصرف منه إلى عالم المعرفة، حتى دخل إليه الحب، وفتح ~~أبوابه وأنار زواياه. # فالحب قد عتق لساني فتكلمت، ومزق أجفاني فبكيت، وفتح حنجرتي فتنهدت وشكوت. # أنتم أيها الناس تذكرون الحقول والبساتين والساحات وجوانب الشوارع التي رأت ألعابكم، ~~وسمعت همس طهركم، وأنا أيضا أذكر تلك البعثة الجميلة من شمال لبنان، فما أغمضت عيني عن هذا ~~المحيط إلا ورأيت تلك الأودية المملوءة سحرا وهيبة، وتلك الجبال المتعالية بالمجد والعظمة ~~نحو العلاء، ولا صممت أذني عن ضجة هذا الاجتماع، إلا وسمعت خرير تلك السواقي، وحفيف تلك ~~الغصون، ولكن هذه المحاسن التي أذكرها الآن، وأشوق إليها شوق الرضيع إلى ذراع أمه، هي هي ~~التي كانت تعذب روحي المسجونة في ظلمة الحداثة # 2 # مثلما يتعذب البازي بين قضبان قفصه عندما يرى أسراب البزاة تسبح حرة في ~~الخلاة الوسيعة ... وهي التي كانت تملأ صدري بأوجاع التأمل، ومرارة التفكير، وتنسج بأصابع ~~الحيرة والالتباس نقابا من اليأس والقنوط حول قلبي ... فلم أذهب إلى البرية إلا وعدت منها ~~كئيبا، جاهلا أسباب الكآبة، ولا نظرت مساء إلى الغيوم المتلونة بأشعة الشمس إلا وشعرت ~~بانقباض متلف ينمو لجهلي معاني الانقباض، ولا سمعت تغريدة الشحرور أو أغنية الغدير، إلا ~~ووقفت حزينا لجهلي موحيات الحزن. # يقولون: إن الغباوة مهد الخلود، والخلود مرقد الراحة ... وقد يكون صحيحا عند الذين يولدون ~~أمواتا، ويعيشون كالأجساد الهامدة الباردة فوق التراب، ولكن إذا كانت الغباوة أقصى من ~~الهاوية، وأمر من الموت، والصبي الحساس الذي يشعر كثيرا ويعرف قليلا، هو أتعس المخلوقات ~~أمام وجه الشمس؛ لأن نفسه تظل واقفة بين قوتين هائلتين متباينتين: # 3 # قوة خفية تحلق به إلى السحاب، وتريه محاسن الكائنات من وراء ضباب الأحلام، وقوة ~~ظاهرة تقيده بالأرض، وتغمر ms04 بصيرته بالغبار وتتركه ضائعا خائفا في ظلمة حالكة. # 4 # للكآبة أياد حريرية الملامس قوية الأعصاب تفيض على القلوب وتؤلمها بالوحدة، فالوحدة حليفة ~~الكآبة كما أنها أليفة كل حركة روحية، ونفس الصبي المنتصبة أمام عوامل الوحدة وتأثيرات ~~الكآبة، شبيهة بالزنبقة البيضاء عند خروجها من الكمامة # 5 # ترتعش أمام النسيم، وتفتح قلبها لأشعة الفجر، وتضم أوراقها بمرور خيالات ~~المساء، فإن لم يكن للصبي من الملاهي ما يشغل فكرته، ومن الرفاق من يشاركه في الأميال كانت ~~الحياة أمامه كحبس ضيق، لا يرى في جوانبه غير أقوال العناكب، ولا يسمع من زواياه سوى دبيب ~~الحشرات. # أما تلك الكآبة التي أتعبت أيام حداثتي فلم تكن ناتجة عن حاجتي إلى الملاهي؛ لأنها كانت ~~متوفرة لدي، ولا عن افتقاري إلى الرفاق؛ لأني كنت أجدهم أينما ذهبت، بل هي من أعراض # 6 # علة طبيعية في النفس، كانت تحبب إلي الوحدة والانفراد، وتميت في روحي الأميال ~~إلى الملاهي والألعاب، وتخلع عن كتفي أجنحة الصبا، وتجعلني أمام الوجود كحوض مياه بين ~~الجبال، يعكس بهدوئه المحزن رسوم الأشباح، وألوان الغيوم، وخطوط الأغصان، ولكنه لا يجد ~~ممرا يسير فيه جدولا مترنما إلى البحر. # هكذا كانت حياتي قبل أن أبلغ الثامنة عشرة، فتلك السنة هي من ماضي بمقام القمة من ~~الجبل؛ لأنها أوقفتني متأملا تجاه هذا العالم، وأرتني سبل البشر، ومروج أميالهم، وعقبات ~~عتابهم، وكهوف شرائعهم وتقاليدهم. # في تلك السنة ولدت ثانية، والمرء إن لم تخبل به الكآبة ويتمخض به اليأس، وتضعه المحبة في ~~مهد الأحلام، تظل حياته كصفحة خالية بيضاء في كتاب الكيان. # | العالم الكامل # يا إله النفوس الضائعة، أيها الضائع بين الآلهة، استمعني! أيها القدير الرحيم الساهر على ~~نفوسنا التائهة المجنونة، أصغ إلي! فإني وأنا ناقص أعيش بين الكاملين من البشر. أنا، ~~أنا البشرية المشوشة السديم، المضطرب العناصر، أتخطر بين عوالم تامة من شعوب قد كملت ~~شرائعهم، وتنزهت نظمهم، وتنسقت أفكارهم # 1 # وترتبت أحلامهم، وتسجلت رؤاهم، في الأسفار # 2 # والدواوين. # رباه! إن هؤلاء الناس يقيسون فضائلهم بالمقاييس، ويزنون خطاياهم بالموازين، ولديهم ms05 سجلات ~~وفهارس لما لا يحصى من التوافه والنقائص التي ليست بالخطايا فتعرف، ولا بالفضائل ~~فتنصف. # ويقسمون أيامهم ولياليهم إلى أقسام مقننة مرتبة، فيفعلون كل شيء في حينه على وفق ما يخطر ~~لهم، فالأكل والشرب والنوم وكساء العرية، ثم السآمة والضجر، في حينه. # والعمل واللعب والغناء والرقص، ثم الاستراحة عندما تحين ساعتها. # الافتكار بهذا، والشعور بذاك، ثم العدول عن الافتكار والشعور عندما يشرق نجم الأمل السعيد ~~فوق الأفق البعيد. # سلب الجار بثغر باسم، ومنح العطايا بيد تتوقع الثناء والشكر، ثم المديح بفطنة، ~~والملامة بترو، وقتل النفس بكلمة، وإحراق الجسد بقبلة، وغسل اليدين عند المساء كأن لم يكن ~~هنالك من شيء. # المحبة بتقليد مطروق، # 3 # والتسلية على منوال مسبوق، وعبادة الآلهة كما يحق ويليق، والاحتيال على ~~الشياطين والمكر بالزنديق، ثم نسيان كل ما جرى وصار كأن الذاكرة حلم من أحلام الأغرار، # 4 # التصور لغاية، التأمل بعناية، والمسرة بدراية، والتألم بوقاية، ثم إفراغ كأس ~~الآمال رجاء أن تملأها الأيام من المآل. # 5 # رباه، رباه! إن جميع هذه تسبق الفكر، فيحبل بها، والعزيمة فتلدها، والدقة فتربيها، ~~والنظام فيسودها، والعقل فيديرها؛ ثم تنحر وتلحد في زوايا سكينة النفوس، فتبقى قبورها الموسومة # 6 # بالعلامات والأرقام عظة لنا ولجميع الأنام. # أجل، هذا هو العالم الكامل الذي بلغ أوجه، عالم الغرائب والمعجزات، بل هو أنضج ثمرة في ~~جنان الله وأسمى عالم بين عوالمه، ولكن لم أنا ها هنا يا رب! لم أنا ها هنا، وأنا ثمرة عجراء # 7 # لم تنل بعد شهوتها من النماء، وعاصفة صماء هوجاء لا شرقا تبتغي ولا غربا، ~~وذرة هائمة تائهة من كوكب محترق ثائر؟ # لم أنا ها هنا؟ لم أنا ها هنا، يا إله النفوس الضائعة، أيها الضائع بين الآلهة؟ # | إنني عبدك يا ربي # عندما ارتعشت شفتاي بالنطق لأول مرة، صعدت إلى الجبل المقدس، وناديت الله قائلا: «إنني ~~عبدك يا ربي، مشيئتك الخفية شريعتي، وسأظل خاضعا لك سحابة الحياة.» # فلم يجبني الله بل مر كعاصفة واختفى عن ناظري. # وبعد ألف سنة صعدت ثانية ms06 إلى الجبل المقدس، وخاطبت الله قائلا: «أنا جبلة يديك يا خالقي، ~~من تراب الأرض صنعتني، وبنفحة من روحك العلوية أحييتني، فأنا مدين لك بكليتي.» # فلم يجبني الله! وكألف من الأجنحة الخاطفة اجتاز بي عابرا. # وبعد ألف سنة صعدت إلى الجبل المقدس أيضا، وناجيت الله ثالثة قائلا: «يا أبتاه القدوس، ~~أنا ابنك الحبيب، بالرأفة والمحبة ولدتني، وبالمحبة والعبادة سأرث ملكوتك.» # فلم يجبني الله في هذه المرة أيضا، وكالضباب الذي يغشى قصي التلال توارى عن عيني. # وبعد ألف سنة صعدت إلى الجبل المقدس، وخاطبت الله رابعة قائلا: «يا إلهي الحكيم العليم، ~~يا كمالي ومحجتي. # أنا أمسك، وأنت غدي، أنا عروق لك في ظلمات الأرض، وأنت أزاهر لي في أنوار السماوات، ~~ونحن ننمو معا أمام وجه الشمس.» # فعطف الله إذ ذاك علي وانحنى فوقي، وهمس في أذني كلمات تذوب رقة وحلاوة، وكما يطوي ~~البحر جدولا منحدرا إليه، توارى الله في أعماقه. # وعندما انحدرت إلى الأودية والسهول، كان الله هناك أيضا. # | هل تأيدت العدالة؟ # وكان عرس في قصر الأمير في إحدى الليالي، وكان المدعوون يدخلون ويخرجون، فدخل رجل مع ~~الداخلين، وحيى الأمير باحترام ووقار، فنظر إليه الجميع بدهشة؛ لأن إحدى عينيه كانت ~~مفقودة، والدم ينزف من نقرتها الفارغة. # فسأله الأمير قائلا: «ما دهاك يا صاح؟» فأجابه الرجل قائلا: «أنا لص أيها الأمير، وقد ~~اغتنمت فرصة في ظلمة هذه الليلة على جاري عادتي، وذهبت لأسرق أموال أحد الصيارفة. # وفيما أنا أتسلق الجدار لأدخل دكان الصيرفي ضللت سبيلي، ودخلت من نافذة جاره الحائك، ~~فعدوت طالبا الهرب وأنا لا أبصر شيئا لشدة الظلام، فلطم نول الحائك عيني وفقرها، ولذلك ~~أتيتك الآن ملتمسا أن تنصفني من الحائك.» # فأرسل الأمير واستدعى الحائك، فأحضر الحائك في الحال، فأمر الأمير أن تقلع عينه. # فقال له الحائك: «بالصواب حكمت أيها الأمير، فإن العدالة تقضي بقلع عيني، ولكنه غير خاف ~~على سموك أنني أحتاج في حرفتي إلى عينين لكي أرى حاشيتي الشقة التي أنسجها، غير أن لي جارا ~~إسكافيا له عينان مثلي، ولكنه ms07 لا يحتاج في مهنته إلا إلى عين واحدة، فاستدعه إن أردت ~~واقلع إحدى عينيه للمحافظة على الشريعة.» # فأرسل الأمير في الحال واستدعى الإسكافي، فحضر واقتلعت عينه. # وهكذا تأيدت العدالة! # | أيتها الأرض # ما أجملك أيتها الأرض وما أبهاك! # ما أتم امتثالك للنور، وأنبل خضوعك للشمس! # ما أظرفك متشحة بالظل، وما أملح وجهك مقنعا بالدجى! # ما أعذب أغاني فجرك، وما أهول تهاليل مسائك! # وما أكملك أيتها الأرض، وما أسناك! # 1 # لقد سرت في سهولك، وصعدت على جبالك، وهبطت إلى أوديتك، وتسلقت صخورك، ودخلت كهوفك، فعرفت ~~حلمك في السهل، وأنفتك # 2 # على الجبل، وهدوءك في الوادي، وعزمك على الصخر، وتكتمك في الكهف، فأنت أنت ~~المنبسطة بقوتها، المتعالية بتواضعها، المنخفضة بعلوها، اللينة بصلابتها، الواضحة بأسرارها ~~ومكنوناتها. # لقد ركبت بحارك، وخضت أنهارك، وتتبعت جداولك فسمعت الأبدية تتكلم بمدك وجزرك # 3 # والدهور تترنم بين هضابك وحزونك # 4 # والحياة تناجي الحياة في شعبك ومنحدراتك، فإنك إنك لسان الأبدية وشفاهها، ~~وأوتار الدهور وأصابعها، وفكرة الحياة وبيانها. # لقد أيقظني ربيعك، وسيرني إلى غاباتك حيث تتصاعد أنفاسك بخورا، وأجلسني صيفك في حقولك ~~حيث يتجوهر إجهادك أثمارا، وأوقفني خريفك في كرومك حيث يسيل دمك خمرا، وقادني شتاؤك إلى ~~مضجعك حيث يتناثر طهرك ثلجا، فأنت أنت العطرة بربيعها، الجوادة بصيفها، الفياضة بخريفها، ~~النقية بشتائها. # في الليلة الصافية قد فتحت نوافذ نفسي وأبوابها، وخرجت إليك مثقلا بمطامعي، مكبلا بقيود ~~أنانيتي، فألفيتك شاخصة بالكواكب، وهي تبتسم لك، فنزعت عني قيودي وأثقالي، وعلمت أن منزل ~~النفس فضاؤك، ورغائبها في رغائبك، وسلامتها في سلامتك، وسعادتها في الغبار الذهبي الذي ~~تنثره النجوم على جسدك. # في الليلة المبطنة بالغيوم، وقد مللت غفلتي وجمودي، خرجت إليك فوجدتك جبارة هائلة مسلحة ~~بالعاصفة، تحاربين ماضيك بحاضرك، وتصرعين قديمك بجديدك، وتبعثرين ضئيلك بضليعك، فعلمت أن ~~نظام البشر نظامك وناموسهم ناموسك # 5 # وسنتهم سنتك، وأن من لا يهصر # 6 # بأرياحه ما يبس من أغصانه، يموت مللا، ومن لا يمزق بثوراته ما يلي من أوراقه، ~~يفنى خمولا، # 7 # ومن لا يكفن بالنسيان ما مات ms08 من ماضيه كان هو كفنا لمآتي الماضي. # ما أكرمك أيتها الأرض وما أطول أناتك. # 8 # ما أشد حنانك على أبنائك المنصرفين عن حقيقتهم إلى أوهامهم، الضائعين بين ما بلغوا إليه ~~وما قصروا عنه. # نحن نضج وأنت تضحكين! # نحن نذنب وأنت تكفرين! # نحن نجذف وأنت تباركين! # نحن ننجس وأنت تقدسين! # نحن نهجع ولا نحلم، وأنت تحلمين في سهرك السرمدي. # نحن نكلم صدرك بالسيوف والرماح، وأنت تغمرين كلومنا # 9 # بالزيت والبلسم! # نحن نزرع راحاتك العظام والجماجم، وأنت تستنبتينها حورا وصفصافا! # نحن نستودعك الجيف، وأنت تملئين بيادرنا بالأغمار، ومعاصرنا بالعناقيد! # نحن نصبغ وجهك بالدم، وأنت تغسلين وجوهنا بالكوثر! # نحن نتناول عناصرك لنصنع منها المدافع والقذائف، وأنت تتناولين عناصرنا وتكونين منها ~~الورود والزنابق! # ما أوسع صبرك أيتها الأرض، وما أكثر انعطافك! # ما أنت أيتها الأرض، ومن أنت؟ # أذرة من الغبار تصاعدت من بين قدمي الله عندما سار من مشارق الأكوان إلى مغاربها، أم ~~شرارة قذفت من موقد اللانهاية؟ # أنواة طرحت في حقل الأثير، ليشق قشرتها بعزم لبابها، وتتعالى نصبة ربانية إلى ما فوق ~~الأثير؟ # أقطرة من الدم في عروق جبار الجبابرة، أم أنت قطرة من العرق على جبينه؟ # أثمرة تلوحها الشمس ببطء، أثمرت أنت في شجرة المعرفة الكلية التي تمد عروقها إلى أعماق ~~الأزل، وترفع غصونها إلى أعماق الأبد؟ أم جوهرة أنت وضعها إله الزمن في حفنة إلهة ~~المسافة؟ # أطفلة أنت في حضن الفضاء، أم عجوز ترقب الأيام والليالي، وقد شبعت من حكمة الليالي ~~والأيام؟ # ما أنت أيتها الأرض ومن أنت؟ # أنت أنا أيتها الأرض! أنت بصري وبصيرتي، أنت عاقلتي وخيالي وأحلامي، أنت جوعي وعطشي، أنت ~~ألمي وسروري، أنت غفلتي وانتباهي! # أنت الجمال في عيني، والشوق في قلبي، والخلود في روحي! # أنت أنا أيتها الأرض فلو لم أكن لما كنت! # | العطاء # إنك إذا أعطيت فإنما تعطي القليل من ثروتك، ولكن لا قيمة لما تعطيه ما لم يكن جزءا من ~~ذاتك؛ لأنه أي شيء هي ثروتك؟ أليست مادة فانية تخزنها في خزائنك، وتماقط # 1 # عليها ms09 جهدك خوفا من أن تحتاج إليها غدا. # والغد! ماذا يستطيع الغد أن يقدم للكلب البالغ الفطنة، الذي يطمر العظام في الرمال غير ~~المطروقة، وهو يتبع الحجاج في المدينة المقدسة. # أوليس الخوف من الحاجة، هو الحاجة بعينها؟ أم ليس الظمأ الشديد للماء، عندما تكون بئر ~~الظامي ملآنة، هو العطش الذي لا تروى غلته؟ # من الناس من يعطون قليلا من الكثير الذي عندهم، وهم يعطونه لأجل الشهرة، ورغبتهم الخفية ~~في الشهرة الباطلة تضيع الفائدة من عطاياهم، ومنهم من يملكون قليلا ويعطونه بأسره! # ومنهم المؤمنون بالحياة، ولسخاء الحياة هؤلاء لا تفرغ صناديقهم، وخزائنهم ممتلئة أبدا، ~~ومن الناس من يعطون بفرح، وفرحهم مكافأة لهم، ومنهم من يعطون بألم، وألمهم معمودية ~~لهم! # وهنالك الذين يعطون ولا يعرفون معنى للألم في عطائهم، ولا يتطلبون فرحا، ولا يرغبون في ~~إذاعة فضائلهم، هؤلاء يعطون مما عندهم كما يعطي الريحان عبير العطر في ذلك الوادي! # بمثل أيدي هؤلاء يتكلم الله، ومن خلال عيونهم يبتسم على الأرض! # جميل أن تعطي من يسألك ما هو في حاجة إليه، ولكن أجمل من ذلك أن تعطي من لا يسألك وأنت ~~تعرف حاجته به، فإن من يفتح يديه وقلبه للعطاء، يكون له فرح بسعيه إلى من يتقبل عطاياه، ~~والاهتداء إليه أعظم مما بالعطاء نفسه! # وهل في ثروتك شيء تقدر أن تبقيه لنفسك، فإن كل ما تملكه اليوم سيتفرق ولا شك يوما ما، ~~لذلك أعط منه الآن، ليكون فضل العطاء من فصول حياتك أنت دون ورثتك! # وقد طالما سمعتك تقول متبجحا: «إنني أحب أن أعطي، ولكن المستحقين فقط!» # فهل نسيت يا صاح، أن الأشجار في بستانك لا تقول قولك، ومثله القطعان في مراعيك؟ # فهي تعطي لكي تحيا؛ لأنها إذا لم تعطه عرضت حياتها للتهلكة. # الحق أقول لك: إن الرجل الذي استحق أن يتقبل عطية الحياة، ويتمتع بأيامه ولياليه، هو ~~مستحق لكل شيء منك. # والذي قد استحق أن يشرب من أوقيانوس الحياة، يستحق أن يملأ كأسه من جدولك الصغير ... لأنه ~~أي صحراء أعظم من الصحراء ذات ms10 الجرأة والجسارة على قبول العطية بما فيها من الفضل ~~والمنة؟ # وأنت من أنت! حتى إن الناس يجب أن يمزقوا صدورهم، ويحسروا القناع عن شهامتهم وعزة نفوسهم، ~~لكي ترى جدارتهم لعطائك عادية، وأنفسهم مجردة عن الحياة؟ # فانظر أولا هل أنت جدير بأن تكون معطاء وآلة العطاء ! # لأن الحياة هي التي تعطي للحياة، في حين أنك وأنت الفخور بأن قد صدر العطاء منك لست ~~بالحقيقة سوى شاهد بسيط على عطائك. # أما أنتم الذين يتناولون العطاء والإحسان وكلكم منهم فلا تتظاهروا بثقل واجب معرفة الجميل ~~لئلا تضعوا بأيديكم نيرا ثقيل الحمل على رقابكم ورقاب الذين أعطوكم. # بل فلتكن عطايا المعطي أجنحة ترتفعون بها معه؛ لأنكم إذا أكثرتم من الشعور بما أنتم عليه ~~من الدين، فإنكم بذلك تظهرون الشك والريبة في أريحية المحسن، الأرض السخية أمه، والرب ~~الكريم أبوه! # | الصداقة # إن صديقك هو كفاية حاجاتك، هو حقلك الذي تزرعه بالمحبة وتحصده بالشكر، مائدتك وموقدك؛ ~~لأنك تأتي إليه جائعا، وتسعى وراءه مستدفئا فإذا أوضح لك صديقك فكره فلا تخش أن تصرح بما ~~في فكرك من النفي أو تحتفظ بما في ذهنك من الإيجاب. # وإذا صمت صديقك ولم يتكلم، فلا ينقطع قلبك عن الإصغاء إلى صوت قلبه؛ لأن الصداقة لا ~~تحتاج إلى الألفاظ والعبارات في إنماء جميع الأفكار والرغبات والتمنيات التي يشترك الأصدقاء ~~بفرح عظيم في قطف ثمارها اليانعات، # 1 # وإن فارقت صديقك فلا تحزن على فراقه؛ لأن ما تتعشقه فيه أكثر من كل شيء سواه ~~ربما يكون في حين غيابه أوضح في عيني محبتك منه في حين حضوره؛ لأن الجبل يبدو للمتسلق له ~~أكثر وضوحا وكبرا من السهل البعيد، ولا يكن لكم في الصداقة من غاية ترجونها غير أن تزيدوا ~~في عمق نفوسكم؛ لأن المحبة التي لا رجاء لها سوى كشف الغطاء عن أسرارها، ليست محبة بل هي ~~شبكة تلقى في بحر الحياة، ولا تمسك إلا غير النافع. # وليكن أفضل ما عندك لصديقك، فإن كان يجدر به أن يعرف جزر حياتك فالأجدر بك أيضا أن ms11 تظهر ~~له مدها؛ لأنه ماذا ترتجي من الصديق الذي تسعى إليه لتقضي معه ساعاتك المعدودة في هذا ~~الوجود؟ # فاسع بالأحرى إلى الصديق الذي يحيي أيامك ولياليك؛ لأن له وحده قد أعطي أن يكمل حاجاتك ~~لا لفراغك ويبوستك، وليكن ملاك الأفراح واللذات المتبادلة مرفوعا فوق حلاوة الصداقة ، القلب ~~يجد صباحه في الندى العالق بالصغيرات، فينتعش ويستعيد قوته. # | ابن الفارض # كان عمر بن الفارض شاعرا ربانيا، وكانت روحه الظمآنة تشرب من خمرة الروح، فتسكر ثم ~~تهيم سابحة، مرفرفة في عالم المحسوسات، حيث تطوف أحلام الشعراء وأميال العشاق وأماني ~~المتصوفين، ثم يفاجئها الصحو فتعود إلى عالم المرئيات، لتدون ما رأته وسمعته بلغة جميلة ~~مؤثرة، لكنها غير خالية في بعض الأحايين من ذلك التعقيد اللفظي المعروف بالبديع # 1 # وهو في شرعي ليس بالبديع. # ولكن إذا وضعنا صناعة الفارض جانبا، ونظرنا إلى فنه المجرد، وما وراء ذلك الفن من ~~المظاهر النفسية، وجدناه كاهنا في هيكل الفكر المطلق، أميرا في دولة الخيال الوسيع، ~~قائدا في جيش المتصوفين العظيم - ذلك الجيش السائر بعزم بطيء نحو مدينة الحق ~~- المتغلب في طريقه على صغائر الحياة وتوافهها، المحدق ~~أبدا بهيبة الحياة وجلالها. # وقد عاش ابن الفارض في زمن خال من التوليد العقلي، والإحداث النفسي، بين قوم منصرفين إلى ~~التقليد والتقاليد، مشغولين باستفسار واستيضاح ما تركه الإسلام من الأمجاد الأدبية ~~والفلسفية، غير أن النبوغ - والنبوغ معجزة إلهية ~~- قد صار بشاعر الحموي فتنحى عن زمنه وعن محيطه، واختلى بذاته لينظم ما يتراءى لذاته شعرا ~~أبديا، يصل ما ظهر من الحياة بما خفي منها. # ولم يتناول ابن الفارض مواضيعه من مجريات يومه كما فعل المتنبي، ولم تشغله معميات الحياة ~~وأسرارها كما شغلت المعري، بل كان يغمض عينيه عن الدنيا ليرى ما وراء الدنيا، ويغلق أذنيه ~~عن ضجة الأرض ليسمع أغاني اللانهاية. # هذا هو ابن الفارض، روح نقية كأشعة الشمس، وقلب متقد بالنار، وفكرة صافية كبحيرة بين ~~الجبال، وهو إن كان دون الجاهليين عزما وأقل من المولدين ظرفا، ففي شعره ما لم يحلم به ms12 ~~الأولون ولم يبلغه المتأخرون. # | مصرع البطل # ما جاء الليل حتى انهزم الأعداء وفي ظهورهم طعن السيوف ووخز الرماح، فعاد الظافرون حاملين ~~ألوية الفخر منشدين أهازيج النصر على وقع حوافر خيولهم المتساقطة كالمطارق على حصباء # 1 # الوادي. # أشرفوا على جانبه وقد طلب القمر من ثنايا الجبل، فظهرت صخوره الباسقة شامخة كصفوف القوم، ~~وبانت غابة الأرز بين تلك البطاح كأنها وسام مجد أثيل، # 2 # علقته الأجيال الغابرة على صدر لبنان. # ظلوا سائرين، وأشعة القمر تلمع على أسلحتهم، والكهوف البعيدة تردد تهاليلهم، حتى إذا ~~بلغوا جبهة العقبة أوقفهم صهيل حصان واقف بين الصخور الرمادية كأنه جزء منها، فاقتربوا منه ~~مستطلعين وإذا بجثة هامدة ملقاة على أديم التراب # 3 # المختلط بنجيع الدماء، # 4 # فصرخ زعيم القوم قائلا: «أروني سيف الرجل لأعرف صاحبه.» فترجل بعض الفرسان، ~~وأحاطوا بالصريع مستفسرين، وبعد هنيهة التفت أحدهم إلى الزعيم وقال بصوت أجش: «لقد عانقت ~~أصابعه قبضة السيف فمن العار أن أنزعه.» وقال آخر: «لقد تجمدت الدماء على الكف والقبضة، ~~وأوثقت الشفرة بالزند فصيرتهما عضوا واحدا.» # فترجل الزعيم واقترب من القتيل قائلا: «أسندوا رأسه ودعوا أشعة القمر ترينا وجهه.» ~~ففعلوا مسرعين، وبان وجه المصروع من وراء نقاب الموت ظاهرة عليه ملامح البطش والتجلد، وجه ~~فارس قوي يتكلم صامتا، وجه متجهم فرح، وجه من لقي العدو عابسا، وقابل الموت باسما، وجه ~~بطل حضر معركة ذلك النهار، ورأى طلائع الاستظهار، ولكنه لم يبق لينشد مع رفاقه أناشيد ~~الظفر. # ولما أزاحوا «كوفيته» ومسحوا غبار المعمعة # 5 # عن وجهه المصفر، ذعر الزعيم وصرخ متوجعا: «هذا ابن الصعبي فيا ~~للخسارة!» # فردد القوم هذا الاسم متأوهين، وجمدوا في أماكنهم، وكأن عقولهم السكرى بخمرة النصر قد ~~فاجأها الصحو، فرأت أن خسارة هذا البطل هي أجسم # 6 # من مجد التغلب، وعز الانتصار، وبهتوا كالتماثيل، وقد أوقفهم هول المشهد، وأيبس ~~ألسنتهم فسكتوا، وهذا كل ما يفعله الموت في نفوس الأبطال، فالبكاء والنحيب حري # 7 # بالنساء، والصراخ والعويل خليق بالأطفال، ولا يجمل برجال السيف غير السكوت هيبة ~~ووقارا - ذلك السكوت ms13 الذي يقبض القلوب القوية، مثلما تقبض مخالب النسر على عنق الفريسة - ~~ذلك السكوت الذي يترفع عن الدموع فيزيد ترفعه البلية هولا وقساوة، ذلك السكوت الذي يهبط ~~بالنفوس الكبيرة من قمم الجبال إلى سفوحها، ذلك السكوت الذي يعلن مجيء العاصفة وإن لم تجئ ~~كان هو نفسه أشد فعلا منها. # خلعوا أثواب الفتى المصروع، ليروا ما فعل الموت به، فبانت كلوم الشفار في صدره وظهرت ~~أفواه مزبدة تتكلم في هدوء ذلك الليل عن همم الرجال، فاقترب الزعيم وجثا فاحصا، فوجد دون ~~سواه منديلا مطرزا مربوطا حول زنده، فتأمله سرا وكأنما عرف اليد التي غزلت حريره، ~~والأصابع التي حاكت خيوطه، فستره طي درعه، وتراجع قليلا إلى الوراء حاجبا وجهه بيده ~~المرتعشة، تلك اليد التي كانت تزيح بعزمها رءوس الأعداء قد ضعفت وارتجفت، وصارت تمسح ~~الدموع؛ لأنها لامست حواشي منديل عقدت أطرافه أصابع عذراء مستهامة حول زند فتى جاء ليشهد ~~يوم الكريهة مدفوعا ببسالته فصرع، وسوف يرجع إليها محمولا على أكف رفاقه. # وبينما نفس زعيم القوم كانت تتراوح بين مظالم الموت وخفايا الحب، قال أحد الواقفين: ~~«تعالوا نحفر له قبرا تحت تلك السنديانة فتشرب أصولها من دمه، وتتغذى فروعها من بقاياه، ~~فتزيد قوة، وتصير خالدة، وتكون له رمزا فتمثل لهذه الطلول # 8 # بطشه وبأسه.» # فقال آخر: «لنحمله إلى غابة الأرز، ونقبره على كثب # 9 # من الكنيسة، فتظل عظامه مخفورة # 10 # في ظل الصليب أبد الدهر.» # فقال آخر: «اقبروه هنا، حيث اختلط التراب بدمائه، واتركوا سيفه في يمينه، واغرسوا رمحه ~~بجانبه، واعقروا حصانه # 11 # على قبره، ودعوا أسلحته تؤنسه في هذه الوحدة.» # أجاب آخر: «لا تلحدوا سيفا مضرجا بدم الأعداء، ولا تعقروا حصانا خاض المنايا، ولا ~~تتركوا في الوعر سلاحا تعود هز الأكف وعزم السواعد، بل احملوها إلى ذويه؛ لأنها أفضل ~~ذخر وخير ميراث.» # أجاب آخر: «تعالوا نجثو حوله مصلين، لتغفر له السماء، وتبارك انتصارنا.» # أجاب آخر: «ولنرفعه على الأكتاف جاعلين له نعشا من الرماح والتروس، فنطوف به في هذا ~~الوادي ناشدين أهازيج النصر، فيشاهد ms14 أشلاء # 12 # الأعداء، وتبتسم جراحه قبل أن يخرسها التراب.» # أجاب آخر: «تعالوا نعليه سرج جواده، ونسنده بجماجم القتلى، ونقلده رمحه # 13 # وندخله الأحياء، ظافرا فهو لم يستسلم إلى المنية إلا بعد أن حملها من أرواح ~~الأعداء حملا ثقيلا.» # أجاب آخر: «تعالوا نودعه أصل هذا الجبل، # 14 # فيكون صدى الكهوف له نديما، وخرير السواقي مؤنسا فترتاح عظامه في مفازة # 15 # يكون وطء أقدام الليالي عليها خفيف الوقع.» # أجاب آخر: «لا تغادروه ها هنا في وحشة مملة، ووحدة قاسية، بل تعالوا ننقله إلى مقبرة ~~القرية، فيكون له من أرواح أجدادنا رفاق يناجونه في سكينة الليل، ويقصون عليه أخبار حروبهم، ~~وأحاديث وقائعهم.» # فتقدم الزعيم إذ ذاك إلى وسط رجاله، وأسكتهم بإشارة ثم قال متنهدا: «لا تزعجوه بذكرى ~~الحروب، ولا تعيدوا على مسامع روحه الحائمة حول رءوسنا أخبار السيوف والرماح، بل هلموا ~~نحمله ببطء وهدوء إلى مسقط رأسه، ففي ذلك الحي نفس ساهرة تترقب عودته، نفس حبيبته تنتظر ~~رجوعه من بين الأسنة لتزفه إليها كيلا تحرم نظرة من وجهه، وقبلة من جبينه.» # حملوه على المناكب مطأطئي الرءوس، خاشعي الأبصار، وساروا به الهوينا يتبعهم حصانه الكئيب، ~~يجر مقوده على الأرض ويصهل من حين إلى آخر، فتجيبه الكهوف بصداها كأن للكهوف أفئدة تشعر مع ~~الحيوان بشدة الضيم والأسى. # بين أضلع هذا الوادي، حيث أشعة القمر تسترق خطواتها، سار موكب النصر وراء موكب الموت، وقد ~~مشى أمامهما طيف الحب جارا أجنحته المكسورة. # | الكمال # تسألني يا أخي: متى يصير الإنسان كاملا؟ # فاسمع جوابي: يسير الإنسان نحو الكمال عندما يشعر بأنه هو الفضاء ولا حد له، وهو هو البحر ~~بدون شواطئ، وأنه النار المتأججة دائما، والنور الساطع أبدا، والأرياح إذا هبت أو إذا ~~سكنت، والسحب إذا أبرقت أو أرعدت وأمطرت، والجداول إذا ترنمت أو ناحت، والأشجار إذا أزهرت ~~في الربيع أو تجردت في الخريف، والجبال إذا تعالت، والأودية إذا انخفضت، والحقول إذا خصبت ~~أو أجدبت. # إذا شعر الإنسان بكل هذه الأمور، بلغ منتصف طريق الكمال، أما إذا شاء بلوغ ms15 محجة الكمال ~~فعليه إن شعر بكيانه، أن يشعر بأنه الطفل المتكل على أمه، والشيخ المسئول عن عياله، والشاب ~~الضائع بين أمانيه وغرامه، والكهل الذي يصارع ماضيه ومستقبله، والعابد في صومعته، والمجرم ~~في سجنه، والعالم بين كتبه وأوراقه، والجاهل بين ظلمة ليله وظلمة نهاره، والراهبة بين أزهار ~~إيمانها وأشواك وحشتها، والمومس بين أنياب ضعفها ومخالب حاجتها، والفقير بين مرارته ~~وامتثاله، والغني بين مطامعه وادعائه، والشاعر بين ضباب أمسائه وشعاع أسحاره. # إذا استطاع الإنسان أن يختبر ويعلم جميع هذه الأمور، يصل إلى الكمال، ويصير ظلا من ظلال ~~الله. # | المعرفة ونصف المعرفة # جلست أربع ضفادع على قرمة حطب عائمة على حافة نهر كبير، فجاءت موجة هوجاء، واختطفت ~~القرمة إلى وسط النهر، فحملتها المياه، وسارت بها ببطء مع مجرى النهر، فرقصت الضفادع فرحا ~~بهذه السياحة اللطيفة فوق المياه؛ لأنه لم يسبق لهن أن أبحرن من ذي قبل. # وبعد هنيهة، صرخت الضفدعة الأولى قائلة: «يا لها من قرمة عجيبة غريبة! تأملن أيتها ~~الرفيقات كيف تسير مثل سائر الأحياء، والله إنني لم أسمع قط بمثلها!» # فأجابتها الضفدعة الثانية وقالت: «إن هذه القرمة لا تمشي ولا تتحرك أيتها الصديقة، وهي ~~ليست عجيبة غريبة كما توهمت، ولكن مياه النهر المنحدرة بطبيعتها إلى البحر تحمل هذه القرمة ~~معها، وتحملنا نحن أيضا بانحدارها!» # فقالت الضفدعة الثالثة: «لا لعمري! لقد أخطأتما أيتها الرفيقتان في خيالكما الغريب، فإن ~~القرمة لا تتحرك والنهر أيضا لا يتحرك مثلها، وإنما الحقيقة أن فكرنا هو المتحرك فينا، وهو ~~الذي يقودنا إلى الاعتقاد بحركة الأجسام الجامدة.» # | القديس # زرت في حداثتي قديسا في صومعته الهادئة، القائمة بين التلال، وبينا كنا نبحث ماهية ~~الفضيلة، أطل علينا لص وهو يتعرج على الجانبين فوق الروابي، والتعب قد أعياه، وعندما وصل ~~إلى الصومعة جثا على ركبتيه أمام القديس، وقال له: «أيها القديس الشفيق، قد جئتك طالبا ~~تعزية، فإن آثامي قد تعالت فوق رأسي.» # فأجابه القديس قائلا: «يا بني، إن آثامي أنا أيضا قد تعالت فوق رأسي.» # فقال له اللص: «عفوك يا سيدي، ms16 فأنا سارق وقاطع طريق، ويستحيل أن تكون مثلي.» # فأجابه القديس: «إنك واهم يا بني، فإنني بالحقيقة مثلك سارق وقاطع طريق.» # فقال له اللص: «ماذا تقول يا سيدي؟ فأنا قاتل! ودماء الكثيرين من الناس تصرخ في ~~أذني.» # فأجابه القديس قائلا: «وأنا أيضا قاتل يا بني، وفي أذني تصرخ دماء الكثيرين.» # فقال له اللص: «يا سيدي أنا قد ارتكبت شرورا لا تحصى وجرائم لا عداد لها، فكيف تساوي ~~نفسك بي، وأنت رجل الله البار؟» # فأجابه القديس وقال: «إنك لو عرفت كثرة شروري لما ذكرت شرورك.» # فانتصب اللص إذ ذاك، وحدق بالقديس طويلا، وملأ عينيه دهشة وغرابة ومضى من غير أن ينبس ~~بشفة. # أما أنا فكنت صامتا إلى تلك الدقيقة، فالتفت آنئذ إلى القديس وسألته قائلا: «ما دعاك ~~إلى أن تنسب لنفسك شرورا لم ترتكبها قط يا سيدي؟ ألا ترى أن هذا الرجل قد مضى ولم يعد بعد ~~من المصدقين بدعوتك، والمؤمنين ببشارتك؟» # فأجاب القديس وقال: «أجل يا بني فإنك بالصواب حكمت بأنه لم يعد من المصدقين بدعوتي، ولكن ~~الحق أقول لك: إنه قد انصرف والعزاء يملأ فؤاده.» # وفي تلك اللحظة سمعنا اللص يغني من بعيد، وكانت الأودية تردد صدى صوته الممتلئ بالمسرة ~~والتعزية. # | الطمع # رأيت في جولاتي في الأرض وحشا على جزيرة جرداء له رأس بشري وحوافر من حديد. # وكان يأكل من الأرض، ويشرب من البحر بلا انقطاع ... فوقفت أراقبه ردحا # 1 # ثم دنوت منه وسألته قائلا: «ألم تبلغ كفافك بعد؟ أليس لجوعك من شبع، أو لظمئك ~~من ارتواء؟» # فأجابني وقال: «نعم، نعم، قد بلغت كفافي، # 2 # بل قد مللت الأكل والشرب، ولكنني أخاف ألا تبقى إلى غد أرض لآكل منها، وبحر ~~لأرتوي من مائه.» # | الشعراء # كان أربعة من الشعراء جالسين إلى خوان، # 1 # وكان على الخوان إناء من الخمر. # فقال الشاعر الأول: «يخيل إلي أني أرى عبير هذا الخمر مرفوعا في الفضاء كسحابة من ~~الطيور في غاب مسحور.» # فرفع الشاعر الثاني رأسه، وقال: «أما أنا، فإني أسمع بأذني الباطنة هذه الطيور ms17 تغرد، ~~فتأخذ ألحانها بمجامع قلبي # 2 # فتأسره الزنبقة والنحلة بين وريقاتها.» # فأغمض الشاعر الثالث عينيه، ورفع ذراعه، وقال: «أما فأنا فإني أكاد ألامسها بيدي، وأشعر ~~بحفيف أجنحتها يهب في وجهي، كأنه لهاث جنية نائمة.» # فنهض الشاعر الرابع إذ ذاك، ورفع الإناء بيديه وقال: «عفوكم أيها الإخوان، فإني شحيح ~~البصر، ثقيل السمع، كليل اللمس # 3 # فليس في طاقتي أن أراها، ولا أن أشعر برفرفة أجنحتها، أواه! إنني لا أشعر بغير ~~الخمرة ذاتها ولذلك يجب أن أشربها لتوقظ حواسي الخاملة، وتشعل روحي بنار بركتكم العلوية ~~ووحيكم الطهور.» # ثم وضع إناء الخمر على شفتيه، وأتى على آخر نقطة فيه. # أما الشعراء الثلاثة رفقاؤه فكانوا ينظرون إليه بدهشة فاتحين أشداقهم، وفي عيونهم غلة لا ~~تروى لهبتها، وبغضة لا تخمد حدتها. # | الخلافات # حدث عندما كانت ملكة عيشانا في فراش مخاضها والملك وعيون بلاطه يترقبون نجاتها من آلامها ~~الشديدة، وهم جالسون على أحر من الجمر في قاعة الثيران المجنحة # 1 # أنه دخل عليهم فجأة رسول مستعجل، وركع على قدمي الملك وقال: «أيها الملك ~~المعظم! إنني أحمل لكم بشائر الفرح وللمملكة ولعبيد الملك أجمعين، ذلك أن محراب # 2 # الجائر عدوك اللدود ملك البترون قد قضى نحبه.» # فلما سمع الملك وكبار رجال دولته هذه البشرى، نهضوا منتصبين على أقدامهم، وهللوا فرحين؛ ~~لأنه لو طال أجل محراب الجبار سنة واحدة، لغزا أرض عيشانا، وقاد سكانها عبيدا إلى ~~بلاده. # وفي تلك اللحظة دخل طبيب البلاط إلى قاعة الثيران المجنحة، ودخلت وراءه قابلة الملكة، ~~فانحنى الطبيب باحترام للملك، وقال له: «ليعش سيدي الملك إلى الأبد، فها قد رزقك الله ~~طفلا ذكرا سيخلفك على العرش، ويخلد حكمك على شعوب عيشانا عديد السنين.» # فتهلل الملك، وطارت روحه فرحا؛ لأنه في اللحظة الواحدة، هلك عدوه، وتأصلت الخلافة في ~~نسله. # وكان في مدينة عيشانا في ذلك العهد نبي حق، ولكنه كان فتى جريء القلب باسل الروح. # فأمر الملك أن يحضر النبي بين يديه في تلك الليلة، فأحضر في الحال. # فقال له الملك: «تنبأ أيها النبي، ms18 وقل لنا كيف سيكون مستقبل ابني الذي ولد الآن ~~للمملكة.» # فأجابه النبي على الفور قائلا: «أصغ أيها الملك! فأنبئك الصدق عن مستقبل ابنك الذي ~~ولد لك اليوم، فإن روح عدوك - عدوك اللدود: الملك محراب - الذي مات في مساء الأمس، لم تلبث ~~على متن # 3 # الأرياح سوى ليلة واحدة، وقد هبطت إلى الأرض ثانية تطلب جسدا تأوي إليه، فلم ~~تر أفضل من جسد ابنك هذا الذي ولد لك اليوم، فتقمصته.» # فاستشاط # 4 # الملك غيظا، واستل سيفه، وقطع رأس النبي بيده، والزبد يخرج من فمه ~~غضبا. # وها قد مرت الأيام، وتصرمت # 5 # حبال السنين على تلك الحادثة، وحكماء عيشانا يسرون # 6 # واحدهم للآخر قائلين: «أما قيل لنا في القدم وأثبتت الأيام ذلك المقول أن ~~عيشانا يحكمها عدوها؟!» # | الملك الناسك # خبرت أن فتى يعيش في غابة بين الجبال، وأنه كان فيما مضى ملكا على بلاد واسعة ~~الأرجاء في عبر النهرين، وقيل لي أيضا: إن هذا الفتى قد تخلى بملء اختياره عن عرشه، وعن ~~أرض أمجاده، وجاء ليستوطن القفار. # فقلت في نفسي: «لأسعين إلى ذلك الرجل سعيا، وأقف على ما في قلبه من الأسرار؛ لأن من ~~يتنازل عن الملك فهو بلا شك أعظم من الملك.» # فذهبت في ذلك النهار بعينه إلى الغاب حيثما كان قاطنا، فوجدته جالسا في ظلال سروة ~~بيضاء، وبيده قصبة كان ممسكا بها، كأنما هي صولجانه، فحييته كما يحيى الملوك، وبعد أن رد ~~التحية التفت إلي وقال بلطف: «ما عساك تبتغي في هذا الغاب الأعزل يا صاحبي، أجئت تنشد ~~ذاتا ضائعة في الأظلال الخضراء، أم هي عودة إلى مسقط رأسك عند انقضاء شغل النهار؟» # فأجبته قائلا: «إنني ما نشدت إلاك، ولا شافي إلا الوقوف على ما حدا بك إلى استبدال ~~مملكتك الكبيرة بهذه الغابة الحقيرة.» # فقال: «وجيزة قصتي، فقد انطفأت فقاقيع غروري فجأة وإليك حكايتي: # بينما كنت جالسا إلى نافذة في قصري، كان وزيري يتمشى مع سفير أجنبي في حديقتي، وعندما ~~صارا على مقربة من نافذتي، سمعت الوزير يتكلم عن نفسه ms19 قائلا: «أنا ~~مثل الملك أتعطش للخمرة المعتقة، وأعشق ~~جميع ضروب المقامرة، ويثور بي ثائر الغضب كسيدي ~~الملك.» ثم توارى الوزير والسفير بين الأشجار، ولكنهما ما لبثا أن عادا بعد برهة، وإذا ~~بالوزير يتكلم عني في هذه المرة قائلا: «إن سيدي الملك مثلي يستحم ثلاثا في ~~النهار».» # وسكت لحظة ثم زاد قائلا: «في عشية ذلك اليوم تركت بلاطي، ولا شيء معي سوى عباءتي؛ لأنني ~~لم أشأ بعد ذلك أن أكون ملكا على قوم يدعون نقائصي لأنفسهم، ويعزون فضائلهم إلي.» # فقلت له: «ما أغرب قصتك وما أعجب أمرك!» # فأجابني قائلا: «ليس هنالك من غرابة يا صاحبي، فقد قرعت أبواب سكينتي طامعا منها ~~بالكثير، فلم يكن لك منها سوى اليسير، بربك قل لي: من لا يستبدل مملكته بغاب تترنم فيه ~~الفصول، وترقص طروبة أبدا، كثيرون هم الذين تركوا ممالكهم ليستبدلوها بأدنى مراتب الوحدة ~~والتمتع بحياة العزلة السعيدة؟ وكم هنالك من نسور هبطت من جوها الأعلى لتعيش مع المناجذ # 1 # في أنفاقها الصامتة، فتتفهم أسرار الغبراء، # 2 # بل ما أكثر الذين يعتزلون مملكة الأحلام لكي لا يظهروا للناس أنهم بعيدون عمن ~~لا أحلام في نفوسهم، والذين يعتزلون مملكة العري ساترين عرية نفوسهم حتى لا يستحي الأحرار ~~من النظر إلى الحق عاريا، والتأمل في الجمال سافرا، وأعظم من هؤلاء جميعهم ذاك الذي يعتزل ~~مملكة الحزن، لكي لا يظهر للناس معجبا مفاخرا بكآبته.» # ثم نهض متوكئا على قصبته، وقال: «ارجع الآن إلى المدينة العظمى! وقف بأبوابها مراقبا ~~جميع الداخلين إليها والخارجين منها، واعن بأن تجد الرجل الذي زعم أنه ولد ملكا فهو ~~بدون مملكة، والرجل الذي زعم أنه مسود بجسده فهو سائد بروحه - ولكنه لا يدري بذلك ولا ~~رعاياه يدرون بسيادته - والرجل الذي يبدو للعيان حاكما، ولكنه في الحقيقة عبد لعبيد ~~عبيده.» # وبعد أن فرغ من كلامه، نظر إلي فلاحت لي منه ابتسامه خلتها ألف فجر وفجر. # ثم تحول عني متغلغلا في قلب الغاب. # أما أنا فرجعت إلى المدينة، ووقفت بأبوابها أراقب العابرين بي، على نحو ms20 ما قال لي، وما ~~أكثر الملوك الذين مرت أظلالهم فوقي، منذ ذلك اليوم حتى الساعة، وأقل الرعايا الذين مر ~~فوقهم ظلي. # | فلسفة الابتسامة # الامرأة كالغرفة، لا أقصد كل الغرف، بل تلك الغرفة الدافئة التي تستميل الإنسان حينما ~~يدخل فيشعر برفاهيتها وموافقتها له، حتى ينسى كونه غريبا، وأنه ضيف يسمع كلمات التأهيل ~~فيظن نفسه في بيته، هكذا الامرأة، إنها تبث ما حولها سحرا وبشاشة، فيسرع القوم في سكب ~~عواطفهم أمامها. # لم يكتب أحد حتى الآن تاريخ الابتسامة، والسبب في ذلك أن النساء اللواتي يقدرن على كتابته ~~لا يردن أن يكتبنه، بل يحافظن على كتمانه دفعا لإفشاء أسرار # 1 # جنسهم، أما الرجال فمن أين يستطيعون إدراك أسرار عميقة كهذه، فهم يجهلون تماما ~~أسباب الابتسامة وأهميتها، كما يجهلون الأشياء المتعلقة بالنساء وحياتهن الجنسية ~~الداخلية. # قد حادثت بنفسي كثيرا من مشاهير الأطباء الاختصاصيين في أمراض النساء والدارسين طبائع ~~الجنس اللطيف، فكنت أظهر لهم تعجبي مما يعرفونه عن أسرار النساء، ولكني كنت أضحك في سري على ~~جهلهم وقلة ما يعلمونه، إنهم يحسنون شق الجسوم للجراحة، كما يصنع الأطفال إذ يبترون # 2 # بطون لعيباتهم لينظروا ماذا في داخلها، ثم يخيطون تلك الجسوم بالإبرة ~~والخيط. # مهما يكن الطبيب النسائي ضليعا # 3 # وحاذقا، فلا يستطيع أن يكشف ما كتمته النساء فيما بينهن، قد يفهم هذا الأمر كل ~~من يعلم أن بين الجنسين اللطيف والنشيط عداوة داخلية، وقوة هائلة لا تغير؛ لأن الجنسين لم ~~يتفاهما حتى الآن. # لو أخذنا كل الكلمات من معاجم اللغات، واجتهدنا أن نعبر بها، لما استطعنا أن نجسم بها ~~ابتسامة واحدة، الابتسامة عند الامرأة كالعلامة السرية عند أبناء الماسونية # 4 # كل النساء تستطيع استعمالها بجرأة؛ لأنه ليس أحد سواهن يستطيع فهمها. # الابتسامة لغة لا يعرفها سوانا، الابتسامة كالمرآة، تعكس فضائل كثيرة وفراغا عظيما، ~~واللبيبات منا يستترن وراء الابتسامة المصطنعة. # الرجال عموما لا يتقنون فن الابتسام، بل لا يستطيعون أن يبتسموا، فهم ينظرون إما بانعطاف ~~قليل أو كثير، أو بوداعة قليلة أو كثيرة، أو بانشغاف قليل ms21 أو كثير، فليس عندهم من الدهاء ما ~~يمكنهم من أن يبتسموا ابتسامة حقيقية. # أما النساء اللاتي يتنكرن ببرقع # 5 # الابتسامة لا لرصانة وحسن تعقل، فأولئك يخن أنفسهن، ويبحن بأسرارهن، وقد رأيت ~~نساء كثيرات من هذا النوع، يكشفن كل ما في أنفسهن بابتسامة واحدة. # لا أحد منا يفكر بصوت عال، ولكن كثيرات يبتسمن بدون ارتباك، والبرهان الذي يشهد لنا بقوة تعاضد # 6 # وتكافل جنسنا، هو أننا نلقي ابتسامتنا يمنة ويسرة بدون أن نخشى انفضاح أمرنا أو ~~نفاذ دهائنا. # هل حدث أن امرأة فضحت سر جنسها؟ كلا، أما سبب هذه الأمانة فهو ليس في شرف العواطف، بل في ~~الخوف من أن تفضح الامرأة سرها بنفسها؛ لأن سر جنسها هو سرها. # ولنفرض أن امرأة أرادت أن تكشف كل نفسها، فماذا يصير حينئذ ... قد فكرت كثيرا قبل الآن في ~~هذا الأمر، ولم أزل جاهلا ماذا أقول، ولكنني أظن أن تلك الامرأة تضرب جنسها الضربة القاضية ~~وتسبب له ضررا لا يمحى. # قد اختلط فينا الخير والشر، والإخلاص والتدليس # 7 # حتى صعب جدا أن يفك أحد خيوطها المتعقدة، ويمسك بأطرافها، ولا يستطيع أحد صنع ~~ذلك إلا إذا كان ذا شعور أدق من الدقيق، وبديهي أن الرجل لا يصلح لأمر كهذا. # أذكر رجلا ذا نفس شريفة وميل إلى الخير، يعتقد بمقدرته كل الاعتقاد، خطر له أن يرد إلى ~~الطريق القويمة غاوية # 8 # قد توغلت في شرور السقوط، فأخذها إلى بيته وعاملها كأخت له، كان يحترمها ويكرس ~~لها كل أوقات فراغه، ويثق بها كل الوثوق، فتغيرت الفتاة في بادئ الأمر، وافتخر الرجل بذلك ~~التغيير الذي طرأ عليها، وصارت تلك التي كانت بالأمس غاوية، من أعف الفتيات، ملأ قلبها شكر ~~من أحسن إليها، أمينة خجولة، فعزم منقذها على أن يتزوجها، ولكنه عاد إلى منزله في أحد ~~الأيام فوجد الفتاة قد هربت وتركت له ورقة مكتوبا عليها: أشكرك جدا، ولكني ضجرت ~~منك! # وكان ذلك مسببا من أنه لم يدرك نفسها في كل تلك المدة التي كان عائشا فيها معها، ولم ms22 ~~يفهم أنه من الواجب عليه أن يعوض عليها ما انتزعه من حياتها بأشياء تقوم مقامها سوى اللطف ~~والمؤانسة. # | شكوى القبور # مر ملاك في المقبرة الساكنة، وكان حزينا حزن من يرى الموت قريبا، وكان على الأرض ~~ليل وربيع، وأريج أشجار الأزدرخت يتدفق منتشرا فوق المقبرة. # فبكت القبور، وتألمت نفس المسجونين فيها؛ لأنها لم تكن مستريحة، بل كانت تحلم في نومها ~~بآمال بعيدة. # فقال الملاك: ناموا، فإن القبور أولى لكم، ففيها سكون وراحة، لماذا تشكون؟ ألعل حياتكم ~~كانت بلا مصائب ومتاعب؟ ألم تمر كلها كالخيال ؟ هو ذا كثير من الأحياء يتنهدون ويقولون: آه ~~ما أحلى الموت! فناموا ولا تذكروا الماضي، ولا تأسفوا عليه. # فأجابت الأصوات من القبور باكية: على الأرض ربيع فلا نقدر أن ننام. # وقال واحد منها للملاك: لقد وصل إلي أرج الأزهار مخترقا الثرى، وأيقظني وأذكرني تلك ~~التي كنت أحبها، فاسمح لي أن أنهض وأفتش عنها تحت ظل شجرة الياسمين التي كنا نجلس تحتها ~~سعيدين، لعلي أرى شفتيها وعينيها التي كنت أقبلها سابقا. # قد كنت أظن أني سألتقي بها بعد الموت، ولكن قد خاب ظني، وها أنا وحيد كما تراني في قبري، ~~ولا أستطيع المكوث في هذه الوحدة، فاسمح لي بالقيام. # فأجاب الملاك: إن التي أحببتها قد ماتت، وشجرة الياسمين التي تحتها السعادة قد يبست من أمد، # 1 # وقد رأيت بعيني آخر زهرة منها تسقط إلى الأرض ذاوية، # 2 # فنم. # ثم وطأ القبر بقدمه، فخرج منه صوت شبيه بالأنين وصمت. # فبكى قبر آخر وقال: أسمع حفيف الأشجار وخرير المياه، فلا أستطيع النوم، قد أخذت حينما ~~كنت حيا في تأليف ترنيمة حب جميلة، ولكنني مت قبل أن أكملها، وها أنا الآن يخيل لي ~~أني أسمع حفيف الأوراق ألحانا خفية مختلطة منها، فاسمح لي أن أنهض لأكملها، ومتى أكملتها ~~سأقدمها للورى، فترنمها الأم الفتية على مهد # 3 # طفلها، وتنشدها الغادة العذراء في حضور خطيبها. # فقال له الملاك: إن ألحان ترنيمك قد ذهبت دون أن يرجع لها صدى، فنسيها الورى # 4 # وليست إلا ms23 الأشجار ذاكرة إياها، ولذلك تسمعها تعيدها فوق قبرك بحفيف لطيف لكي ~~تنام على ألحانها، وخطا الملاك ووطئ القبر بقدمه # 5 # فتنهد الصوت الباكي وصمت. # فبكى قبر ثالث وقال: إن القبر منير، فلا أستطيع النوم بسببه؛ لأني كنت عندما أرى النور في ~~حياتي أندفع بكليتي إليه لجماله، وقد سمى الناس هذا النور بأسماء عديدة، غير أني كنت أحبه ~~في كل هيئاته ومظاهره غير مكترث بأسمائه. # لما كنت طفلا كانت أمي تقول لي: إني بعد الموت سوف أعاين # 6 # ذلك النور إلى الأبد، وكنت أصدقها، ولكن هو ذا أنا في القبر تحيط بي ظلمة مدلهمة # 7 # ولست أرى النور، فاسمح لي بالنهوض لعلي أراه. # فصمت الملاك، ولم يجب ببنت شفة. # فقال الصوت: أجبني أيها الملاك، لعل النور قد انطفأ من على وجه الأرض، أجبني لعلي ~~أنام. # فلم يجب الملاك ولم يطأ الضريح بقدمه، ولم يعز الباكي في قبره، بل وقف حائرا وأطرق ~~حزينا؛ لأن كلمات الملحود الباكي وقع لها صدى في قلبه، فشعر كشعوره، ولكنه لم يكن قادرا ~~على إنهاضه من القبر. # | المدينة العظمى # السلم والهاوية لا نهاية لهما في الحياة؛ لأن الدرجة الأولى منهما في المهد، والدرجة ~~الأخيرة في القبر، أينما كان المرء إذن يرى كثيرين من الناس فوقه، وكثيرين تحته، وكلما ~~ارتقى درجة في معالم الفوز والفلاح، يسمع أصواتا بعيدة تدعوه إلى ما فوقها. # وكما في الناس كذلك في المدن، فلا يحق للوندرة، مثلا، أن تصعر خدها للقاهرة، ولا ~~للقاهرة أن تشمخ بأنفها # 1 # على بيروت؛ لأن حسنات المدينة العظمى قد تكثر في هذه وتقل في تلك. # المدينة العظمى هي التي لا تتداخل في شئونها سلطة أجنبية، هي التي يكون كل امرئ فيها ~~تمثالا للحرية والإخاء، وهي التي يتعلم الأولاد الاستقلال وعزة النفس في مدارسها قبل كل ~~العلوم، وهي التي تكون الصداقة فيها أمرا مقدسا، والإخلاص محترما كسر من الأسرار ~~الإلهية. # قيل لبعض العرب: من سيدكم؟ # قالوا: فلان. # قيل: بم سادكم؟ # قالوا: احتجنا إلى علمه واستغنى عن دنيانا. # وقال سيد ms24 العرب لقومه: اعلموا أني ما سدت عليكم حتى صرت عبدا لكم، أغدق # 2 # على سائلكم، وأصفح عن جاهلكم، وأحوط حريمكم، وأدفع عن غريمكم، فمن فعل مثل فعلي ~~فهو مثلي، ومن فعل فوق فعلي فهو فوقي، ومن فعل دون فعلي فهو دوني. # فهل يا ترى يوجد بين المتمدنين اليوم من تجتمع فيه هذه الخلال # 3 # الشريفة كلها؟! أفلا يحق لمدينة المستقبل أن تفاخر سائر المدن بمثل هذا ~~الأمير؟ # وبين العرب من كان أعظم منه، دخل ابن العباس على علي بن أبي طالب خارج الكوفة وهو يقطب ~~نعله، فقال له: ما قيمة هذا النعل؟ # فقال ابن العباس: لا قيمة له. # فقال له علي: لهي أحب إلي من إمرتكم، إلا أن أقيم حقا أو أدفع باطلا. # فالمدينة العظمى، هي التي يكثر فيها مثل هؤلاء الرجال العظام الصالحين. # | حكم وآراء # من نقب وبحث ثم كتب فهو ربع كاتب، ومن رأى ووصف فهو نصف كاتب، ومن شعر وأبلغ، ~~وأبلغ الناس شعوره فهو الكاتب كله. # عندما فهمت أسرار الحياة، تشوقت إلى الموت؛ لأنه أعمق أسرار الحياة. # من يشنفه صوت الماضي، لا يستطيع مخاطبة المستقبل. # ما أفصحني متكلما عن القشور، وما أعياني أمام اللباب. # من حسنات الناس أنهم لا يستطيعون إخفاء سيئاتهم طويلا. # إن شئت أن ترى المرأة حقيقة، فتأملها وعيناك مغمضتان. # يحب الرجل امرأتين: امرأة يراها بعين خياله، وامرأة لم تولد بعد. # الرجل: هو الذي لا يغتفر عيوب المرأة، لا ولن يعرف حسناتها. # ما الدموع تلك التي تظهر متلمعة بأجفاننا، بل تلك التي تختبئ مستترة ~~بقلوبنا. # رب جنازة في الناس، كانت عرسا عند الملائكة. # كان الأقدمون يقولون: ألا فاختر لنفسك الدنيا أو الآخرة، وأنا أقول: لقد اخترت ~~الاثنين الدنيا والآخرة؛ لأنهما من صنع الله، والله يحب كل ما صنعت يداه ~~القدسيتان. # | الشيطان # كان الخوري سمعان عالما بدقائق الأمور الروحية، متبسطا بالمسائل اللاهوتية، متعمقا ~~بأسرار الخطايا العرضية والمميتة، متضلعا بخفايا الجحيم والمطهر # 1 # والفردوس. # وكان يتنقل بين قرى شمال لبنان، ليعظ الناس ويشفي أرواحهم من أمراض الإثم، ms25 وينقذهم من ~~حبائل الشيطان، فالشيطان كان عدو الخوري سمعان، يحاربه ليلا ونهارا بلا ملل ولا ~~تعب. # وكان سكان القرى يكرمون الخوري سمعان، ويرتاحون إلى ابتياع عظاته وصلواته بالفضة والذهب، ~~ويتسابقون إلى إهدائه أطيب ما تثمره أشجارهم، وأفضل ما تنبته حقولهم. # ففي عشية يوم من أيام الخريف، وقد كان الخوري سمعان في مكان خال نحو قرية منفردة، بين تلك ~~الجبال والأدوية، سمع أنينا موجعا آتيا من جانب الطريق؛ فالتفت، فإذا برجل عاري الجسم ~~منطرح على الحصباء، ونجيع الدم يتدفق من جراح بليغة في رأسه وصدره، وهو يقول مستنجدا: ~~«أنقذني، أعني، أشفق علي، فأنا مائت!» # فوقف الخوري سمعان محتارا، ونظر إلى الرجل المتوجع ثم قال في ذاته: # 2 # هذا أحد اللصوص الأشقياء، وأظن أنه قد حاول سلب عابري الطريق، فغلب على أمره ... ~~فهو منازع، فإذا مات وأنا بقربه اتهمت بما أنا براء منه! # قال هذا وهم ليتابع السير، فأوقفه الجريح بقوله: «لا تتركني، لا تتركني، أنت تعرفني ~~وأنا أعرفك، أنا مائت لا محالة!» # فقال الخوري في ذاته، وقد اصفر وجهه، وارتعشت شفتاه: «أظنه أحد المجانين الذين يتوهون # 3 # في البرية.» ثم عاد وقال لنفسه: «إن منظر جراحه يخيفني، فماذا عسى أن أفعل له؟ ~~... إن طبيب النفوس لا يستطيع أن يداوي الأجساد.» # ومشى الخوري بضع خطوات، فصاح الجريح بصوت يذيب الجماد قائلا: «اقترب مني، اقترب، فنحن ~~أصدقاء منذ زمن بعيد، أنت الخوري سمعان الراعي الصالح، ~~وأنا - أنا - لست بلص ولا بمجنون، اقترب فأقول لك من ~~أنا.» # فاقترب الخوري سمعان من المنازع، وانحنى فوقه متفرسا، # 4 # فرأى وجها غريب الخطوط، يأتلف بين تقاطيعه الذكاء بالدهاء، والقباحة بالجمال، ~~والخباثة بالدماثة، # 5 # فتراجع إلى الوراء، وصرخ قائلا: من أنت؟ # فقال المنازع بصوت خافت: «لا تخف يا أبت، فنحن أصدقاء منذ عهد بعيد، أعني على النهوض وسر ~~بي إلى الساقية القريبة، واغسل جراحي بمنديلك.» # فصرخ الخوري: «قل لي من أنت، فأنا لا أعرفك، ولا أذكر أنني رأيتك في حياتي.» # فأجاب الجريح، وحشرجة الموت تعانق صوته: «أنت تعلم ms26 من أنا، فقد لقيتني ألف مرة، وشاهدت ~~وجهي في كل مكان، أنا أقرب المخلوقات إليك، بل أنا أعز عليك من حياتك.» # فصاح الخوري قائلا: «أنت كاذب محتال، وخليق بالمنازعين الصدق، فأنا لم أر وجهك في حياتي، ~~قل من أنت وإلا تركتك تموت مضرجا بدمائك.» # فتحرك الجريح قليلا وشخص # 6 # بعيني الخوري، وقد ظهرت على شفتيه ابتسامه معنوية، وبصوت هادئ ناعم عميق قال: ~~أنا الشيطان. # فصرخ الكاهن صوتا هائلا، ارتعشت له زوايا ذاك الوادي، ثم نظر إليه محدقا، فرأى أن جسد ~~الجريح ينطبق بتفاصيله ومعالمه على هيئة الأبالسة في صورة الدينونة المعلقة على جدار كنيسة ~~القرية ثم صرخ مرتجفا: «لقد أراني الله صورتك الجهنمية، ليزيد بك كرهي، فلتكن ملعونا إلى ~~أبد الآبدين!» # قال الشيطان: لا تكن متسرعا يا أبتاه، ولا تضيع الوقت بالكلام الفارغ، بل اقترب وضمد ~~جراحي قبل أن يسيل ما في جسدي من الحياة. # فقال الخوري: «إن أصابعي التي ترفع الذبيحة الربانية في كل يوم، لن تلمس جسدك المصنوع من ~~مفرزات الجحيم فمت ملعونا من ألسنة الدهور وشفاه الإنسانية؛ لأنك عدو الدهور والعامل على ~~إبادة الإنسانية!» # فقال الشيطان متململا: # 7 ~~«أنت لا تدري ما تقول، ولا تعلم أي ذنب تقترفه نحو نفسك، اسمع فأخبرك حكايتي؛ ~~كنت اليوم سائرا وحدي في هذه الأودية المنفردة ولما بلغت هذا المكان، التقيت بجماعة من أجلاف # 8 # الملائكة، فهجموا علي وضربوني ضربا مبرحا، ولو لم يكن مع أحدهم سيف ذو ~~حدين، لفتكت بهم جميعا، ولكن ماذا يفعل الأعزل مع المسلح؟» # وقف الشيطان عن الكلام هنيهة، واضعا يده على جرح بليغ في جانبه، ثم زاد قائلا: «أما ~~الملاك المسلح وأظنه ميخائيل، فداهية يحسن ضرب السيف، ولو لم أنطرح على الأرض وأمثل دور ~~النزع والموت، لما أبقى مني عضوا بجوار عضو آخر.» # فقال الخوري بصوت تعانقه رنة النصر والتغلب: «ليكن اسم ميخائيل مباركا فقد أنقذ ~~الإنسانية من عدوها الخبيث!» # فقال الشيطان: «ليست عداوتي للإنسانية أشد سوادا من عداوتك لنفسك، فأنت تبارك ميخائيل ~~وهو لم يفدك بشيء، ms27 وتجدف # 9 # على اسمي في ساعة انكساري، مع أنني كنت ولم أزل سببا لراحتك وسعادتك، أتجحد ~~نعمتي وتنكر معروفي، وأنت عائش في ظلال كياني؟ أولم تتخذ وجودي صناعة لك، واسمي دستورا ~~لأعمالك! هل أغناك ماضي عن حاضري ومستقبلي؟ هل نمت ثروتك إلى حد لا تحتمل معه الزيادة؟ ألم ~~تعلم أن زوجتك وبنيك وهم كثيرون، يفقدون رزقهم بفقدي، بل ويموتون جوعا بموتي؟ ماذا تفعل لو ~~حكم القضاء باضمحلالي، وأية صناعة تحسنها إذا أبادت الأرياح اسمي؟ منذ خمس وعشرين سنة وأنت ~~تسير متجولا بين قرى هذا الجبل لتحذر الناس من حبائلي، وتبعدهم عن مصائبي، وهم يبتاعون ~~مواعظك بأموالهم وغلة حقولهم، فأي شيء يبتاعون منك غدا إذا علموا أن عدوهم الشيطان قد مات؟ ~~وأنهم أصبحوا في مأمن من حبائله ومعاقله؟ وأية وطنية يسندها القوم إذا ألغيت وظيفة محاربة ~~الشيطان بموت الشيطان؟ ألا تعلم وأنت اللاهوتي المدقق: أن وجود الشيطان قد أوجد أعداءه ~~الكهان، وأن تلك العداوة القديمة هي اليد الخفية التي تنقل الفضة والذهب من جيوب المؤمنين ~~إلى جيوب الوعاظ والمرشدين؟ ألا تعلم - وأنت العالم الخبير - أنه بزوال السبب يزول المسبب؟ ~~إذن كيف ترضى بموتي، وبموتي تفقد منزلتك، وينقطع رزقك، ويكف الخبز عن أفواه زوجتك ~~وبنيك؟» # وسكت الشيطان دقيقة، وقد تبدلت في وجهه دلائل الاستعطاف بأمارات الاستقلال، ثم عاد فقال: ~~«ألا فاسمع أيها الغبي المكابر، فأريك الحقيقة التي تضم كياني بكيانك، وتربط وجودي بوجودك، ~~في أول ساعة من الزمن، وقف الإنسان أمام الشمس وبسط ذراعيه، وصرخ للمرة الأولى قائلا: «ما ~~وراء الأفلاك، إله عظيم يحب الخير!» ثم أدار ظهره للنور، فرأى ظله منبسطا على أديم التراب، ~~فهتف قائلا: «وفي أعماق الأرض شيطان رجيم يحب الشر!» ثم سار نحو كهفه هامسا في نفسه: «أنا ~~بين إلهين هائلين: إله أنتمي إليه، وإله أحاربه.» ومرت العصور إثر العصور، والإنسان بين ~~قوتين مطلقتين: قوة تصعد بروحه إلى العلاء فيباركها، وقوة تهبط بجسده إلى الظلمة فيلعنها، ~~غير أنه لم يكن يدري معاني البركة، ولا معاني اللعنة، بل كان ms28 بينهما كشجرة بين صيف يكسوها، ~~وشتاء يعريها، ولما بلغ الإنسان فجر المدينة، وهي الألفة البشرية، ظهرت العائلة، ثم ~~القبيلة، فتفرقت الأعمال بتفريق الميول وتباينت الصناعات بتباين المشارب والمنازع، فقام ~~البعض من تلك القبيلة بحراثة الأرض، وآخرون ببناء المآوي، وغيرهم بنسج الملابس، وغيرهم بصهر ~~المعادن، في ذلك العهد البعيد، ظهرت الكهانة في الأرض، وهي الحرفة الأولى التي ابتدعها ~~الإنسان بدون حاجة حيوية، أو داع طبيعي إليها.» # وقف الشيطان دقيقة عن الكلام، ثم قهقه ضاحكا بصوت ارتعشت له تلك الأودية الخالية، وكان ~~الضحك قد أوسع فوهات # 10 # كلومه، فأسند خاصرته بيده متوجعا، ثم شخص بالخوري سمعان وزاده قائلا: «في ذلك ~~العهد ظهرت الكهانة في الأرض ، وإليك يا أخي كيفية ظهورها: كان في القبيلة الأولى رجل يدعى ~~«لاويص» ولا أدري لماذا اتخذ له هذا الاسم الغريب، كان لاويص رجلا ذكيا ولكنه كان بطالا متوانيا # 11 # يكره حراثة الأرض، وبناء المآوي، ويكره رعاية المواشي وصيد الوحوش، بل كان يكره ~~كل عمل يستلزم السواعد والحركة الجسدية، ولما كان الرزق في ذلك العهد لا يأتي إلا بالعمل، ~~كان لاويص يبيت أكثر لياليه خاوي الجوف فارغه، ففي ليلة من ليالي الصيف وأفراد تلك القبيلة ملتئمون # 12 # حول كوخ زعيمهم، يتحدثون بمآتي يومهم ويترقبون النعاس، انتصب # 13 # أحدهم فجأة وأشار نحو القمر، وصرخ بخوف قائلا: «انظروا نحو إله الليل فقد شحب وجهه، # 14 # واضمحل بهاؤه، وتحول إلى حجر أسود معلق بقبة السماء.» فشخص القوم بالقمر، ثم ~~ضجوا صارخين، متهيبين، مرتعشين، خائفين، كأن أيدي الظلام قد قبضت على قلوبهم؛ لأنهم رأوا ~~إله لياليهم يتحول ببطء إلى كرة قاتمة، وقد تغير لذلك وجه الأرض، وانحجبت البطاح والأودية ~~وراء نقاب أسود، فتقدم إذ ذاك لاويص وكان قد شهد الخسوف والكسوف مرات عديدة في سابق حياته، ~~فوقف في وسط الجماعة رافعا ذراعيه إلى العلاء، وبصوت أودعه كل ما في ذكائه من التصنع ~~والاحتيال، صاح قائلا: «اسجدوا، اسجدوا وصلوا مبتهلين، وعفروا # 15 # وجوهكم في التراب، فإله الشر المظلم يصارع إله الليل المنير، فإذا ms29 غلبه متنا، ~~وإذا غلب بقينا عائشين، اسجدوا وصلوا وعفروا وجوهكم في التراب، بل أغمضوا أجفانكم، ولا ~~ترفعوا رءوسكم نحو السماء؛ لأن من يشاهد صراع إله النور وإله الشر، يفقد بصره ورشده، ويظل ~~مجنونا وأعمى إلى نهاية أيامه، خروا # 16 # راكعين، وساعدوا بقلوبكم إله النور على عدوه.» # وظل لاويص يتكلم بهذه اللهجة مبتدعا من خياله ألفاظا جديدة غريبة، مرددا كلمات ما ~~سمعوها قبل تلك الليلة، حتى إذا ما مر نصف ساعة، وقد عاد القمر إلى سابق كماله وجلاله، رفع ~~لاويص صوته عن ذي قبل، وقال بلهجة تعانقها رنة الغبطة والسرور: «قفوا الآن وانظروا، فقد ~~تغلب إله الليل على عدوه الشرير، وتابع سيره بين الكواكب والنجوم، واعلموا أنكم بركوعكم ~~وابتهالكم قد نصرتموه وسررتموه، ولذلك ترونه الآن أبهى نورا وأشد لمعانا.» # فوقف القوم وشخصوا بالقمر، فإذا به قد عاد ساطعا منيرا، فتحول خوفهم إلى طمأنينة ~~واضطرابهم إلى مسرة، وأخذوا يقفزون راقصين، ويصرخون مهللين، ويضربون بنبابيتهم # 17 # صفائح الحديد والنحاس، مفعمين خلايا ذلك الوادي بعويلهم وضجيج لهجتهم. # في تلك الليلة استدعى زعيم القبيلة لاويص وقال له: «لقد أتيت في هذه الليلة بما لم يأته ~~بشري قبلك، وعلمت من أسرار الحياة ما لا يعلمه بيننا سواك، فافرح وابتهج؛ لأنك ستكون من ~~الآن وصاعدا صاحب المقام الأول من بعدي في هذه القبيلة، فأنا أشد الرجال بطشا وأقواهم ~~ساعدا، وأنت أكثر الرجال معرفة وأكثرهم حكمة، بل أنت الوسيط بيني وبين الآلهة تبلغني ~~مشيئتهم، وتبين لي أعمالهم وأسرارهم، وتعلمني ما أحب أن أفعله لأكون خالصا حاصلا على ~~رضائهم ومحبتهم.» # فأجاب لاويص: «كل ما يقوله لي الآلهة في الحلم، أقوله لك في اليقظة، وما أراه من مآتيهم، ~~أظهره لك فأنا الوسيط بينك وبين الآلهة.» # فسر الزعيم، ووهب لاويص فرسين، وسبعة عجول، وسبعين كبشا، وسبعين شاة، وقال له: «سوف يبني ~~لك رجال القبيلة بيتا يماثل بيتي، وسيهدونك في نهاية كل موسم قسما من غلة الأرض وأثمارها، ~~فتعيش سيدا مطاعا مكرما.» # وانتصب إذ ذاك لاويص للانصراف، فأوقفه الزعيم وسأله قائلا: «ولكن ms30 من هو هذا الإله الذي ~~تدعوه بإله الشر؟ ومن هو هذا الإله الذي يجسر أن يصارع إله الليل البهي؟ إننا لم نسمع به ~~قط، ولا علمنا بوجوده!» # ففرك لاويص جبهته وأجاب قائلا: «اعلم يا سيدي أنه في قديم الزمان - وذلك قبل ظهور ~~الإنسان - كان جميع الآلهة يعيشون بسلام ومودة في مكان قصي وراء المجرة، وكان إله الآلهة - ~~وهو والدهم - يعلم ما لا يعلمونه، ويفعل ما لا يستطيع أحدهم أن يفعله، يحفظ لنفسه بعض ~~الأسرار الربانية الكائنة وراء النواميس الأزلية، ففي العصر السابع من الدهر الثاني عشر، ~~تمردت روح «بعطار» وهو يكره الإله الأعظم، فوقف أمام أبيه، وقال: «لماذا تحتفظ لنفسك ~~بالسلطة المطلقة على جميع المخلوقات حاجبا عنا أسرار الأكوان والنواميس والدهور، أولسنا ~~أبناءك وبناتك، ومشاركين لك بقوتك وخلودك؟» # فغضب إله الآلهة وأجاب: «سوف أحفظ لنفسي القوة الأولية، والسلطة المطلقة، والأسرار ~~الأساسية إلى أبد الدهر، فأنا البدء وأنا النهاية.» فقال بعطار: «إن لم تقاسمني قوتك ~~وجبروتك، تمردت أنا وأبنائي وأحفادي على قوتك وجبروتك.» فانتصب إذ ذاك إله الآلهة فوق عرشه، ~~وقد امتشق المجرة # 18 # سيفا وقبض على الشمس ترسا، وبصوت ارتعشت له جوانب العالم صرخ قائلا: «ألا ~~فاهبط أيها المتمرد الشرير إلى العالم الأدنى، حيث الظلمة والشقاء، وابق هناك منفيا ~~شريدا تائها حتى تنقلب الشمس رمادا وتتحول الكواكب إلى هباء منثور.» في تلك الساعة هبط ~~بعطار من مقر الآلهة إلى العالم الأدنى، حيث تقيم الأرواح الخبيثة، وقد أقسم بسر خلوده أنه ~~سيصرف الدهور محاربا والده وإخوانه واضعا الأشراك # 19 # لكل محب لوالده أو مريد لإخوانه.» فقال الزعيم وقد تقلصت جبهته، واصفر وجهه: ~~«إذن فاسم إله الشر بعطار؟» # فأجاب لاويص: «كان اسمه بعطار إذ كان في مقر الآلهة، ولكنه قد اتخذ له بعد هبوطه إلى ~~العالم الأدنى أسماء أخرى منها: بعلزبول وإبليس وسطنائيل وبليال وزميال وأهريمان وماره ~~وابدون والشيطان، وأشهرها الشيطان.» # فردد الزعيم لفظة الشيطان مرات بصوت مرتعش يشابه حفيف الأغصان اليابسة لمرور الهواء، ثم ~~قال: «ولماذا يا ترى يكره الشيطان البشر ms31 بكرهه الآلهة؟» # فأجاب لاويص: «إن الشيطان يكره البشر ويعمل على إبادتهم؛ لأنهم من نسل إخوانه ~~وأخواته.» # فقال الزعيم محتارا: «إذن فالشيطان هو عم البشر وخالهم؟» # فأجاب لاويص وقال بلهجة لا تخلو من التشويش والالتباس: # 20 ~~«نعم يا سيدي، ولكنه عدوهم الأكبر ومناظرهم الحقود، يملأ أيامهم بالتعاسة، ~~ولياليهم بالأحلام المخيفة، فهو القوة التي تحول العاصفة نحو أكواخهم، وتحرق بالغيظ ~~مزارعهم، وتقرض بالأوبئة مواشيهم، وتلامس بالأمراض أجسادهم، هو إله قوي شرير خبيث، يضحك ~~لشقائنا، ويكتئب لأفراحنا، فعلينا أن نتفحص أطباعه لنتقي شره، وندرس أخلاقه لنبتعد عن سبل ~~احتياله.» # فأسند الزعيم رأسه على نبوته، وهمس قائلا: «قد عرفت الآن ما كان خافيا عني من أسرار تلك ~~القوة الغريبة، التي تحول العاصفة نحو منازلنا، وتقرض بالأوبئة مواشينا ، وسوف يعرف البشر ~~كافة ما أعرفه الآن فيطوبونك يا لاويص؛ لأنك أبنت لهم خفايا عدوهم القوي، وعلمتهم كيف يتقون ~~حبائله.» # وانصرف لاويص من أمام زعيم القبيلة، وذهب إلى مرقده فرحا بذكاء فكرته، نشوانا بخمرة ~~خياله، أما الزعيم ورجاله فقد صرفوا تلك الليلة يتقلبون على مراقد محاطة بالأشباح المخيفة، ~~والأحلام المزعجة.» # وقف الشيطان الجريح دقيقة عن الكلام، والخوري سمعان يحدق فيه، وفي عينيه جمود الحيرة ~~والاستغراب، وعلى شفتيه ابتسامة الموت. # ثم استأنف الشيطان الكلام قائلا: «كذا ظهرت الكهانة في الأرض، وهكذا كان وجودي سببا ~~لظهورها، وقد كان لاويص أول من اتخذ عداوتي صناعة، وقد راجت هذه الصناعة بعد موت لاويص ~~بواسطة أبنائه وأحفاده، فنمت وتدرجت حتى صارت فنا دقيقا مقدسا لا يتخذه غير أصحاب ~~العقول المختمرة، والنفوس الشريفة، والقلوب الطاهرة، والخيال الواسع. # ففي «بابل» كان الناس يسجدون سبع مرات أمام الكاهن الذي يحاربني بتعاليمه، وفي «نينوى» ~~كانوا ينظرون إلى الرجل الذي يدعي معرفة أسراري وخفاياي كحلقة ذهبية بين الآلهة والبشر، وفي ~~«ثيب» كانوا يلقبون من يصارعني بابن الشمس والقمر، وفي «بابلس» و«افسس» و«أنطاكية» كانوا ~~يضحون أبناءهم وبناتهم إرضاء لخصمي، وفي «أورشليم» و«رومة» كانوا يضعون أرواحهم في قبضة من ~~يتفنن في كرهي وإبعادي. في كل مدينة ظهرت أمام وجه ms32 الشمس كان اسمي محورا لدوائر الدين ~~والعلم والفن والفلسفة، فالهياكل لم تقم إلا في ظلالي، والمعاهد والمدارس لم تظهر بغير ~~مظاهري، والقصور والبروج لم ترتفع إلا برفعة منزلتي، فأنا العزم الذي يولد العزم في البشر، ~~وأنا الفكرة التي تستنبت الحيلة في الأفكار، وأنا اليد التي حركت أيادي الناس، أنا الشيطان ~~الأزلي الأبدي! أنا الشيطان الذي يحاربه الناس ليظلوا عائشين، وإذا كفوا عن منازلتي يوقف ~~الخمول أفكارهم، ويميت الكسل أرواحهم، وتفني الراحة أجسادهم! أنا الشيطان الأزلي الأبدي! ~~أنا عاصفة هوجاء خرساء، أهب في أدمغة الرجال، وصدور النساء، وأجرف أميالهم إلى الأديرة ~~والصوامع، ليمجدوني بخوفهم مني، أو إلى منازل البغي والخلاعة، ليفرحوني باستسلامهم إلى ~~مشيئتي، فالراهب الذي يصلي في سكينة الليل، لكي أبتعد عن مضجعه، هو كالمومسة التي تناديني ~~لكي أقترب من مضجعها، أنا الشيطان الأبدي! ... أنا باني الأديرة والصوامع على أسس الخوف، وأنا ~~مقيم الخمارات وبيوت الفحش على أسس الشهوة واللذة! فإن زال كياني، زال الخوف واللذة من ~~العالم، وبزوالهما تضمحل الميول والأماني في القلب البشري فتصبح الحياة خالية مقفرة باردة ~~كقيثارة مقطعة الأوتار مكسرة الجوانب، أنا الشيطان الأزلي الأبدي، أنا موحي الكذب والنميمة ~~والاغتياب والغش والسخرية، فإذا انقرضت هذه العناصر في العالم أصبحت الجامعة البشرية كبستان ~~مهجور لا تنبت فيه سوى أشواك الفضيلة، أنا الشيطان الأزلي الأبدي! أنا أبو الخطيئة وأمها، ~~فإذا زالت الخطيئة زال محاربوها، وزلت أنت أيضا، وزال أبناؤك وأحفادك وزملاؤك ورصفاؤك، # 21 # أنا أبو الخطيئة وأمها، فهل تريد أن تموت الخطيئة بموتي؟ هل تريد أن تقف الحركة ~~البشرية بوقوف نبضات قلبي؟ هل تريد أن تمحو السبب لتمحى المسببات؟ أنا هو السبب الوضعي، فهل ~~تريد أن أموت في هذه البرية؟ أجبني أيها اللاهوتي؟ هل تريد أن تنتهي العلاقة الأولية ~~الكائنة بينك وبيني؟» # وبسط الشيطان ذراعيه، وألوى عنقه إلى الأمام، وتنهد طويلا فظهر بلونه الرمادي المائل إلى ~~الاخضرار، كأحد تلك التماثيل المصرية التي أبقاها الدهر مطروحة على ضفاف النيل، ثم حدق بوجه ~~الخوري سمعان بعينين مشعشعتين كالمسارج وقال: «لقد ms33 أنهكني الكلام، وكان الأحرى بي، وأنا ~~جريح منازع، ألا أطيل معك الحديث، ومن العجيب أني قد استرسلت بإظهار حقيقة أنت أدرى بها ~~مني؛ وبيان أمور هي أدنى إلى صالحك منها إلى صالحي. أما الآن، فلك أن تفعل ما تشاء، لك أن ~~تحملني على ظهرك وتذهب بي إلى منزلك لتداوي جراحي، أو أن تتركني في هذا المكان؛ لأنازع ~~وأموت.» # وكان الشيطان يتكلم، والخوري سمعان يرتعش، ويفرك يدا بيد، وبصوت تعانقه الحيرة ~~والارتباك، قال: «أنا أعرف الآن، ما لم أكن أعرفه منذ ساعة، فسامح غباوتي، أنا أعلم بأنك ~~موجود في العالم لكي تجرب، والتجربة هي مقياس يعرف الله بواسطته قدر النفوس البشرية، بل ~~هي ميزان يستخدمه الله عز وجل ليدرك ثقل الأرواح أو خفتها، أنا أعلم الآن بأنك إذا مت تموت ~~التجربة، وبموتها تزول تلك القوى المعنوية التي تجعل الإنسان أن يكون متحذرا، بل يزول ~~السبب الذي يقود الناس إلى الصلاة والصوم والعبادة، يجب أن تحيا؛ لأنك إن قضيت # 22 # وعرف الناس، يزول خوفهم من الجحيم، فيبطلون العبادة، ثم يتمرغون # 23 # بالإثم، ومن أجل ذلك يجب أن تحيا؛ لأن بحياتك خلاص الجنس البشري من الرذيلة، ~~أما أنا، فسوف أضحي كرهي لك على مذبح محبتي للجنس البشري.» # فضحك الشيطان ضحكة تشابه انفجار بركان؛ ثم قال: «ما أدهاك وما أبرعك يا حضرة الأب، بل وما ~~أعمق معارفك بالأمور اللاهوتية، فها قد أوجدت بقوة إدراكك سببا لوجودي لم أكن أعرفه من ~~قبل، والآن وقد فهم كل منا الأسباب الوضعية واللاهوتية التي أوجدتنا في البدء وتوجدنا الآن، ~~يجب أن نترك هذا المكان، اقترب يا أخي، تعال واحملني إلى بيتك، فأنا لست بثقيل الجسم، ها قد ~~غمر الليل البطاح بعد أن أهرقت نصف دمي على حصباء هذا الوادي.» # فاقترب الخوري سمعان من الشيطان، وقد شمر عن ساعديه، وشكل أطراف عباءته بحزامه، ورفع ~~الشيطان فوق ظهره، ومشى نحو الطريق. # بين تلك الأودية المغمورة بالسكون، الموشاة بنقاب الليل، سار الخوري سمعان نحو قريته، ~~منحني الظهر تحت هيكل عار، وقد ms34 تلطخت ملابسه السوداء ولحيته المسترسلة بقطرات الدم السائلة ~~من كلومه. # | الكلام وطوائف المتكلمين # لقد مللت الكلام والمتكلمين! # لقد تعبت روحي من الكلام والمتكلمين! # لقد ضاعت فكرتي بين الكلام والمتكلمين! # أستيقظ في الصباح، فأرى الكلام جالسا بجانب مضجعي على صفحات الرسائل والجرائد والمجلات ~~وهو ينظر إلي بعيون ملؤها الدهاء والخبث والرياء. # أغادر فراشي وأجلس إلى جانب النافذة لأزيح تقلب النوم عن بصيرتي بفنجان من القهوة، ~~فيتبعني الكلام وينتصب أمامي راقصا صارخا معربدا، ثم يمد يده مع يدي إلى فنجان القهوة، ~~ويرتشف منه بارتشافي وإذا تناولت لفافة يتناولها معي، وإذا رميت بها رماها معي ~~أيضا. # أقوم للعمل فيلحق بي الكلام موسوسا في أذني، مهمهما حول رأسي، مقرقعا في خلايا دماغي، ~~فأحاول طرده فيضحك مقهقها، ثم يعود إلى الوسوسة والهمهمة والقرقعة. # أخرج إلى الشوارع فأرى الكلام واقفا في باب كل حانوت، منبسطا على جدران كل منزل، أراه ~~في أوجه الناس وهم صامتون، وفي حركاتهم وسكناتهم وهم لا يدرون. # إن جالست صديقي يكون الكلام ثالثنا، وإن التقيت بعدوي ينتفخ الكلام إذ ذاك ويتمدد، ثم ~~يتجزأ متحولا إلى جيش عرمرم، أوله مشارق الأرض، وآخره مغاربها، فإذا غادرته هاربا ظل صدى ~~كلامه يتمايل مختبطا في باطني اختباط طعام لا تهضمه المعدة. # أذهب إلى المحاكم والمعاهد والمدارس، فأرى الكلام وأباه وأخاه، وهم يلبسون الكذب رداء، ~~والاحتيال عمامة والكلام حذاء. # ثم أسير إلى المعمل وإلى المكتب والإدارة، فأجد الكلام واقفا بين أمه وعمته وجدته، وهو ~~يقلب لسانه بين شفتيه الغليظتين، وهن يبتسمن له ويضحكن مني. # وإذا بقي لي شيء من العزم والتجلد، وزرت المعابد والهياكل، رأيت هناك الكلام جالسا على ~~عرشه، وهو متوج الرأس في صولجان دقيق الصنع، لطيف الجوانب ناعمها. # وعندما أعود في المساء إلى غرفتي أجد الكلام الذي سمعته سحابة نهاري، متدليا كالأفاعي من ~~سقفها، منسلا كالعقارب في قرانيها. # الكلام في الفضاء وما وراءه، وعلى الأرض وتحتها. # الكلام على أجنحة الأثير، وفي أمواج البحر، وفي الغابات والكهوف، وفوق قمم الجبال. # الكلام في كل مكان! فإلى أين ms35 يذهب من يريد الهدوء والسكينة؟ # أيوجد في هذا العالم طائفة من الخرسان؛ لأنتمي إليها؟ # هل يرحمني الله ويمنحني موهبة الطرش، فأحيا سعيدا في جنة السكون الأبدي؟ # أليس على وجه البسيطة قرنة خالية من شقشقة اللسان وبلبلة الألسنة، حيث الكلام لا يباع ~~ولا يشرى، ولا يعطى ولا يؤخذ؟ # ليت شعري أبين سكان الأرض من لا يعبد نفسه متكلما؟ هل يوجد بين طغمات # 1 # الخلق من لم يكن فمه مغارة للصوص الألفاظ؟ # ولو كان المتكلمون نوعا واحدا لرضينا وتجلدنا، ولكنهم أنواع وأشكال لا عداد لها. # فهناك طائفة «المستضعفين» الذين يعيشون في المستنقعات النهار بطوله، وعندما يجيء المساء، ~~يقتربون من الشواطئ رافعين رءوسهم فوق سطح الماء، مفعمين صدر الليل بضجيج قبيح تأباه ~~المسامع والأرواح. # وهناك طائفة «المستبعضين » والبعوض من مولدات المستنقعات أيضا، وهم الذين يرفرفون حول ~~أذنك بنغمة تافهة رفيعة شيطانية سداها النكاية ولحمتها البغضاء. # وهناك طائفة «المستطحنين» وهي طائفة غريبة، في داخل كل فرد من أفرادها حجر يدار ~~بالكحول، فيولد جعجعة جهنمية أخفها أثقل مما تحدثه حجارة الرحى. # وهناك طائفة «المستبقرين» وهم الذين يملئون أجوافهم حشيشا، ثم يقفون على منعطفات ~~الشوارع والأزقة، مبطنين الهواء بخوار ألطفه أغلظ من خوار الجاموس. # وهناك طائفة «المستبومين» وهم الذين يصرفون الساعات بين مقابر الحياة وأجداثها، ~~محولين سكينة الدجى إلى عويل أفرحه أحزن من نعيب البوم. # وهناك طائفة «المستنشرين» وهم الذين لا يرون من الحياة إلا أخشابها، فيصرفون الأيام ~~بتجزئتها وتفصيلها، محدثين بذلك خشخشة أعذبها أضنك مما تحدثها المناشير. # وهناك طائفة «المستطبلين» وهم الذين يقرعون نفوسهم بمطارق ضخمة، فيخرج من أفواههم ~~الفارغة قرقعة، ألطفها أغلظ من قرقعة الطبول. # وهناك طائفة «المستعلكين» وهم الذين لا شغل لهم ولا عمل، فيجلسون حيثما يجدون مقعدا، ~~ويمضغون الكلام ولكنهم لا يلفظونه. # وهناك طائفة «المستهرئين» وهم الذين يستغيبون الناس، ويستغيبون بعضهم بعضا، ~~ويستغيبون نفوسهم، ولكنهم يدعون الاستغاثة باسم المجون، والمجون ضرب من الجد، ولكنهم لا ~~يعلمون. # وهناك طائفة «الأنوال» التي تحوك الهواء بالهواء، ولكنها تظل هي بدون قمصان ولا ~~سراويل. # وهناك طائفة ms36 «الأجراس» وهي تدعو الناس إلى الهياكل، ولكنها لا تدخلها. # وهناك طوائف وعشائر، لا تعد ولا تحصى ولا توصف، أغربها في طائفة نائمة، ولكنها تملأ ~~الفضاء غطيطا، ولكنها لا تدري. # والآن، وقد أبنت بعض قرفي واشمئزازي من الكلام والمتكلمين، أراني كالطبيب المعتل، أو ~~كمجرم يقف واعظا بين المجرمين وقد هجوت الكلام ولكن بالكلام، وتطيرت من المتكلمين، وأنا ~~واحد من المتكلمين، فهل يغفر الله ذنبي قبيل أن يرحمني وينقلني إلى غابة الفكر والعاطفة ~~والحق، حيث لا كلام ولا متكلمون. ms37