######OpenITI# #META# bkid: 9763 #META# bk: الأدب النبوي #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: الأدب النبوي #META# المؤلف: محمد عبد العزيز بن علي الشاذلي الخولي (المتوفى: 1349ه) #META# الناشر: دار المعرفة - بيروت #META# الطبعة: الرابع، 1423 ه #META# عدد الأجزاء: 1 #META# digitization_comments: [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] #META# inf: #META# auth: محمد عبد العزيز الخولي #META# authinf: محمد عبد العزيز الخولي (1310 - 1349 ه = 1892 - 1931 م). محمد عبد العزيز بن علي الشاذلي الخولي : من علماء الشريعة بمصر. ولد في (الحامول) من أعمال المنوفية، وتخرج بمدرسة القضاء الشرعي بالقاهرة، وتوفي بها. له كتب، منها (مفتاح السنة أو تاريخ فنون الحديث - ط) و (الأدب النبوي - ط) و (إصلاح الوعظ الديني - ط). نقلا عن : الأعلام للزركلي. #META# tafseernam: None #META# islamshort: 0 #META# onum: 9763 #META# over: 1 #META# seal: F6894E99 #META# oauth: 1358 #META# bver: 1 #META# pdf: 0 #META# oauthver: 4 #META# vername: None #META# cat: شروح الحديث #META# lng: محمد عبد العزيز بن علي الشاذلي الخولي #META# higrid: 1349 #META# ad: 1349 #META# aseal: AF071523 #META# blnk: None #META# pdfcs: 0 #META# ScrapeDate: 2019-10-16 #META# ScrapeURL: http://shamela.ws/index.php/book/9763 #META#Header#End# # مقدمة المؤلف # الحمد لله الذي بعث في الأميين رسولا منهم، يتلو عليهم آياته؛ ويزكيهم؛ ~~ويعلمهم الكتاب والحكمة؛ ويهداهم إلى المحجة؛ ويبصرهم مواطن الحجة؛ أرسله ~~على حين فترة من الرسل؛ وحاجة من البشر؛ فأهاب بالعقول من سباتها وأخذ ~~بالنفوس عن غيها؛ وعرض على الأنظار خيالة- سينما- تمثلت فيها آي الكون ~~الصامتة؛ وشنف الآذان باي الله الناطقة؛ وأثلج الصدور بحكمه البالغة؛ وأفاض ~~على القلوب من عظاته المؤثرة؛ فكان مصدر خير ومبعث نور؛ وشمس هداية؛ أضاءت ~~للعالم سبل المصالح؛ وهدتهم خطط العمل الناجح؛ فكانوا بإرشاده أمة؛ وبنوا ~~من آدابه دولة؛ كان لها شأن في العصور السالفة؛ كما نرجو لها في الأيام ~~القابلة؛ فصلوات الله وسلامه عليه؛ ورحمته وبركاته إليه؛ وعلى آله الطيبين ~~وصحبه المخلصين ومن قفا أثرهم؛ واختط سبيلهم. # وبعد: فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أدبه العليم الحكيم، بما أنزل ~~عليه من آي الكتاب المبين؛ فكان تكوينه خير تكوين، وتثقيفه أول تثقيف؛ ~~فصدرت منه آيات بينات؛ وحكم خالدات؛ وعبارات في الأدب غاية؛ وفي البدع ~~نهاية؛ كان لها شأو بعيد؛ وأثر حميد؛ في تربية النفوس وإصلاحها؛ وتقويم ~~الأخلاق وتهذيبها؛ وقد تولى الفضلاء السابقون كلمه صلى الله عليه وسلم ~~بالشرح والبيان؛ والاستنباط والاستنتاج؛ ولكن أدخلوا في طي ذلك ضروبا من ~~الإعراب، وشتيتا من الروايات؛ وخليطا من الاستطراد؛ وكانوا يكتبون بلغة ~~عصرهم، وروح وقتهم؛ ويمثلون من مشهودهم؛ فكان في ذلك إملال على القارىء؛ ~~وإبعاد عن عصره الحاضر؛ خصوصا إذا لم يضرب في النحو بسهم غائر؛ ولم يكن له ~~من فن الرواية حظ وافر؛ فأردت- ألهمني الله وإياك سبيل السداد- PageV01P007 # إلى مئات من الأحاديث المنتقاة المتخيرة؛ التي تمت إلى العصر الحاضر ~~بكبير الصلة فجمعتها جمعا؛ صحيحة غير معتلة؛ وقيمة غير معوجة؛ وتوليتها ~~بالشرح والبيان شرحا يجاري الحياة؛ ويفصل شئونها؛ ويجلي غوامضها؛ ويحكم في ~~أمورها؛ ويضرب في صميمها؛ شرحا يلمحه الأديب فيروقه رصفه؛ ويقرأه المربي ~~فيسايره نهجه؛ وينظره القارىء الساذج فيسهل عليه فهمه؛ وتروى منه نفسه؛ ~~شرحا فيه لكل مدرس غنية؛ ولكل طالب بغية؛ ولكل راغب في الدين أو الخلق ms001 ~~منية؛ وقد ضمنته جميع الأحاديث المقررة بالمدارس المصرية على اختلاف ~~درجاتها كما ترى ذلك في الجدول الملحق بالفهرس، وأضفت إليها أضعافها مما ~~يملأ نفس الراغب، ويسد جوعة الناهم وقد جعلته قسمين؛ أسهبت في شرح أولهما ~~وأوجزت في آخرهما: إذ كان البيان السابق، داعية الإيجاز في اللاحق، والله ~~يهديناا إلى سواء السبيل، ويوفقنا لخدمة هذا الدين، هو مولانا فنعم المولى ~~ونعم النصير. # محمد عبد العزيز الخولي PageV01P008 # 1- باب: أثر النيات في الأعمال # عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرىء ما نوى، فمن كانت هجرته إلى دنيا ~~يصيبها أو إلى امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه» . [رواه البخاري ~~ومسلم وغيرهما] ، وفي رواية زيادة: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته ~~إلى الله ورسوله» ، ثم عقبها بالجملة الأخيرة «1» . # اللغة: # الأعمال: الشاملة لأعمال اللسان المسماة بالأقوال، ولأعمال الأعضاء ~~الآخرى من رأس ويد ورجل وغيرهما. والنيات: جمع نية، وهي: القصد، وبعبارة ~~أوسع هي: انبعاث القلب نحو ما يراه موافقا لغرض من جلب نفع أو دفع ضر. # وعرفت في الشرع: بأنها الإرادة المتوجهة نحو الفعل لابتغاء رضا الله ~~وامتثال حكمه، وكلمة «إنما» تفيد التأكيد والقصر كقصر الأعمال هنا على ~~نياتها من تحصيل غرض ديني أو دنيوي، والهجرة: ترك مكان إلى مكان آخر مأخوذة ~~من الهجر، وهو مفارقة الإنسان غيره ببدنه أو لسانه أو قلبه، واستعملت في ~~لسان الشارع في ترك دار الخوف إلى دار الأمن، كما فعل بعض الصحابة في تركهم ~~مكة إلى الحبشة أول الأمر، وفي ترك دار الكفر إلى دار الإسلام فرارا بالدين ~~كما فعل المسلمون في مغادرتهم مكة إلى المدينة لما انتشر الإسلام فيها، ~~وهاجر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي ترك ما نهى الله عنه، ~~والدنيا: مؤنث الأدنى مأخوذة من الدنو وهو القرب، وتطلق على الحياة الأولى ~~للإنسان، وعلى المخلوقات. PageV01P009 # الشرح: # قد يتصدق إنسان ليقال: إنه محسن، أو ليحظى بمكانه عند مليك أو وزيرا أو ms002 ~~مديرا؛ أو ليكسب خدمة ممن تصدق عليه؛ وقد تصدق آخر ليكف يدا عن السؤال؛ أو ~~ليحفظ على بائس عفته وحياءه؛ أو لمجرد الامتثال لأمر الله بالإنفاق؛ أو ~~لابتغاء ثوابه ورضوانه؛ فالعمل من الشخصين واحد وهو التصدق ولكن اختلفت ~~درجته باختلاف النية الباعثة عليه فهو من الأول في درجة دنيا لأنه قصد به ~~منفعة دنيوية شخصية لولاها لما تصدق فباعث الخير الحقيقي لم يتوطن نفسه؛ ~~ومن الثاني في درجة عليا للباعث الطيب الذي ملأ قلبه وهو محبة الخير للناس؛ ~~وحفظ الكرامة عليهم؛ والامتثال لأمر الله؛ وابتغاء مرضاته، مثل هذا يرجى ~~منه خير كبير؛ ويرجى منه متابعة المعروف فهو مورد دائم لذوي الحاجات؛ وفي ~~مثل هذا يقول الله: # ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة ~~بربوة بستان بمكان عال أصابها وابل مطر غزير فآتت أكلها ثمرها ضعفين فإن لم ~~يصبها وابل فطل مطر قليل والله بما تعملون بصير «1» . # أما الأول: فمثله كمثل صفوان «2» حجر أملس عليه تراب فأصابه وابل فتركه ~~صلدا أملس لا نبات عليه. فالثاني: عمله مثمر؛ والأول غير مثمر. شخص يصلي ~~ليرائي الناس فيسموه بالصلاح؛ أو يكلوا إليه عملا ماليا يطلق فيه يده ~~بالاختلاس؛ وآخر يصلي قياما بالواجب؛ وتطهيرا لنفسه؛ وإرضاء لربه؛ أصلاتهما ~~بدرجة واحدة؟ لا. # كاتب أو شاعر أو خطيب يدعو إلى مصلحة عامة؛ والباعث له وظيفة يرجوها أو ~~حظوة «3» عند ذي سلطان؛ أتكون درجته كاخر يدعو إلى ذلك لأن فيه خير الأمة؛ ~~ولأن هذا بوحي قلبه المخلص لبلده؟ لا يستويان. فإن الأول إذا لم يصل لبغيته ~~حطم قلمه؛ أما الثاني: فإنه دائب الدعوة، ولو لاقى في سبيل ذلك الصعاب؛ وقل ~~مثل ذلك في سائر الأعمال؛ وبهذا عرفت أن معنى الجملة الأولى: الأعمال تابعة ~~للنيات مقدرة بها؛ وموزونة بميزانها؛ فدرجة كل عمل من درجة النية الباعثة ~~عليه؛ فإن كانت PageV01P010 # خيرا فخير؛ وإن شرا فشر؛ وإن شريفة فشريفة؛ وإن وضيعة فوضيعة؛ ولا تبديل ~~لذلك، وهذا هو معنى الحصر أو القصر. # وذهب بعض الشراح إلى أن ms003 معنى العبارة: صحة الأعمال بالنية؛ أي إنها لا ~~تكون معتبرة في نظر الشارع؛ مترتبة عليها آثارها إلا بالنية. # فالوضوء أو التيمم مثلا لا يعتبران شرعا بحيث تؤدى بهما الصلاة أو يباح ~~بهما مس المصحف إلا إذا سبقتهما أو صاحبتهما النية؛ أما بدون النية فلا ~~عبرة بهما فالنية على هذا التقدير لا بد منها في المقاصد كالصلاة والحج، ~~والوسائل كالوضوء والتيمم. وقدر بعضهم: كمال الأعمال بالنية ولذلك لم ~~يشترطها في الوسائل وإن شرطها في المقاصد؛ وما قررناه أولا هو الظاهر وهو ~~الذي يلائم التفريع الآتي. # وإذا عرفت أن درجة الأعمال من درجات نياتها، وكان لكل عمل جزاء سعادة في ~~الدنيا؛ ونعيم في الآخرة؛ أو خلافهما: بين الرسول صلى الله عليه وسلم ~~بالجملة الثانية أن لكل إنسان جزاء ما نواه؛ فمن كانت نيته ثواب الله ~~ومرضاته فله ذلك؛ ومن كانت نيته شرا فله الويل؛ ومن نوى عرضا دنيويا محضا ~~فلاحظ له في الثواب، وقد أفاد الحصر في هذه الجملة أن ما لم ينوه المرء لا ~~شيء له أو عليه منه. # الهجرة: الإنتقال من مكة دار الكفر إلى يثرب دار الإسلام وكانت من أبر ~~الأعمال يوم كانت مكة في أيدي المشركين إذ بها يتمكن المسلم من إقامة شعائر ~~الدين كاملة؛ ويستمع الوحي الذي كان يترى «1» نزوله؛ ويتعلم من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ما هو نور له يسعى بين يديه؛ وينضم إلى فئة المسلمين ~~المجاهدين؛ فيزيدهم قوة إلى قوة؛ ولما فتح المسلمون مكة سنة ثمان؛ وأصبحت ~~دار إيمان لم تبق حاجة إلى الهجرة اللهم إلا هجرة من دار كفر وبغي إلى دار ~~إيمان وعدل للشرع فيها قيام، وللمسلمين عزة وسلطان؛ فتلك لا تزال باقية إلى ~~يوم القيامة وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث- تطبيقا على ~~القاعدتين السابقتين- أن الهجرة من الناس ليست بدرجة واحدة عند الله؛ فمن ~~كانت هجرته إلى الله ورسوله؛ أي يقصد بها خدمة الدين؛ وإعلاء كلمة الله ~~بتعلم كتابه وسنة رسوله؛ والعمل بهما؛ وإقامة سلطانهما، والتمكين لهما- ~~فهجرته ms004 إليهما أي هي الهجرة الحقة، التي تنبغي لكل مسلم مخلص؛ والتي PageV01P011 # يستحق عليها الثواب الجزيل والأجر العظيم؛ ومن كانت هجرته بقصد آخر: كمال ~~يبتغيه، أو مناخ طيب يريد الإقامة فيه، أو فرار من غريم، أو من شرير أثيم، ~~أو من حاكم ظلوم، أو ملك غشوم، أو امرأة يريد زواجها. وطيب العشرة معها- ~~إلى غير ذلك من الأغراض الدنيوية، والمصالح الشخصية- فهجرته إلى ما هاجر ~~إليه، أي ليس له إلا ما قصده فليس له ثواب المهاجر لخدمة الدين بل لا ثواب ~~له مطلقا مادام لم يكن في عمله قصد القربة إلى الله، وإنما له ما نواه لا ~~يعدوه إلى جزاء المقربين. # والحديث يحبب إلينا الرغبة في معالي الأمور، ويحثنا على الإخلاص في ~~الطاعات، ويحضنا على خدمة الدين ولو بمفارقة الوطن، والمال والولد، ويبين ~~أن الأعمال ليست بمظهرها. بل للباعث عليها أثر كبير في انحطاطها أو علوها، ~~وعقابها أو ثوابها. # 2- باب: دعائم الإسلام # عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «بني الإسلام على خمس: شهادة ألاإله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ~~وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج وصوم رمضان» [رواه البخاري ومسلم] «1» . # اللغة: # الإسلام في اللغة: الانقياد والخضوع، أو الدخول في السلم- ضد الحرب- ~~ويقال في الشرع على ضربين: أولهما الإعتراف اللساني بالله وبرسوله صلى الله ~~عليه وسلم و ... الخ وافق القلب اللسان أو خالف، وثانيهما التصديق بالقلب ~~إلى التصديق باللسان مع الوفاء بالفعل والاستسلام لله في جميع ما قضى وقدر، ~~وهذا أنسب معانيه بحديثنا، والشهادة: قول صادر عن علم حصل لمشاهدة بصر أو ~~بصيرة، وتقال لمطلق الإقرار والاعتراف، والإله: المعبود، والصلاة في الأصل: ~~الدعاء وتقال: # للعبادة المعروفة لما فيها من الدعاء والتوجه إلى الله. وإقامتها: ~~تقويمها بالخشوع فيها، والتفكر في معانيها، وتذكر من أقيمت له، فهي من أقام ~~العود إذا قومه، PageV01P012 # وفسرت الإقامة: بالمداومة عليها والقيام بها في أوقاتها، والزكاة في ~~الأصل: مصدر زكا الزرع يزكو إذا نما وأطلقت في عرف الشارع: على ما يخرجه ~~الإنسان ms005 من ماله حقا لله تعالى ليصرف لذوي الحاجات وفي المصالح العامة، ~~والصوم في اللغة: # الإمساك، والمراد به هنا ترك الطعام والشراب والجماع يوما كاملا من طلوع ~~الفجر إلى غروب الشمس. والحج في اللغة: القصد والمراد به في لسان الشارع: ~~قصد البيت الحرام- الكعبة- للطواف به والسعي بين الصفا والمروة- موضعين ~~بجوار المسجد الحرام- والوقوف بعرفة: واد واسع على نحو ألفي متر من المسجد ~~الحرام، إلى غير ذلك من باقي شعائره المعروفة. # الشرح: # يمثل الرسول صلى الله عليه وسلم أصول الإسلام وقواعده بالأشياء التي يقوم ~~بها بناء البيت من أحجار وأخشاب وجير أو طين، ورمل وإسمنت، وحديد وغيره، ~~فكما للبيت عناصر أولية كذلك للإسلام الذي هو تصديق وعمل وخضوع واستسلام ~~وأصول هي منه كعناصر البيت، وهي ما ذكرت في الحديث، وهناك أمور أخرى هي من ~~هذه كالفروع من الأصول، أو هي من آثار الإحسان في هذه الأمور كحسن المعاملة ~~للناس أثر من آثار الإحسان في الصلاة، والجهاد في سبيل الله لازم للعقيدة ~~الخالصة إذ هو دفاع عنها أو نشر لها، وما من مبدأ يملك النفس إلا سخرها ~~وسخر ما تملك في سبيل خدمته وصيانته، ونشره وإذاعته، وهاك بيان القواعد الخمس: # فأولاها: الاعتراف بأنه لا إله حقيقي تجوز عبادته ويصمد «1» إليه في قضاء ~~الحوائج الخارجة عن متناول البشر إلا الله # ، الذي خلق كل شيء وبيده وحده الأمر والتدبير، أما ما يعبده الجاهلون من ~~شمس وقمر، وحيوان وعجول، وأصنام وأوثان، وأنبياء وأولياء، فإنه الباطل ~~والشرك، والظلم بترك الشكر لصاحب النعمة إلى من لا يملك لنفسه ضرا ولا ~~نفعا، ولا حياة ولا موتا. # وكذلك الاعتراف بأن محمدا رسول الله أرسله على حين فترة من الرسل لهداية ~~البشر، وإرشادهم لمصالحهم الحقيقية، وإعانتهم على شؤون الحياة. والاعتراف ~~بالوحدة لله والرسالة لمحمد أساس الاعتراف بالحقائق ومبدأ الهداية الحقة ~~ولذلك بدأ به الرسول صلى الله عليه وسلم. PageV01P013 # وثانيتها: الصلاة # ، وهي دعاء وابتهال، وخشوع وامتثال، توثق صلة العبد بربه، فيفيض عليه من ~~خيره، وتطهر نفسه من التكالب على أعراض هذه الحياة وتعوده الإخلاص ms006 ~~والابتعاد من النفاق؛ تبعث في جسمه النشاط بما يقوم به من حركات؛ وتمرنه ~~على النظام؛ وأداء الأمور في مواعيدها المضروبة، يقرأ فيها القرآن وقلبه ~~خاشع، وذهنه حاضر، فيتعلم من علومه ويهتدي بهداه؛ وتصفو نفسه؛ ويستنير عقله ~~لهذا كانت عنصرا أساسيا في بناء الإسلام. # وثالثتها: الزكاة: # وهي قليل من مالك؛ الزائد عن حاجتك؛ تخرجه للفقراء والمساكين؛ وتحرر به ~~رقاب الأسرى العانين؛ وتعين به الغارمين «1» المدينين؛ وتقوي به صرح هذا ~~الدين؛ فتكون بذلك قد رفعت البؤس عن البائسين، فيحبونك؛ ويجلونك ويحافظون ~~على حياتك ومالك، محافظتهم على رأس المال، إذ كنت مصدر رزقهم، ومحط آمالهم، ~~وتكون بذلك خدمت دينك خدمة قيمة إذ جاهدت في سبيله بمالك، وخدمت نفسك ~~بتطهيرها من رذيلة البخل والشح، وتعويدها الخير، ورفع مقامها بين الخلق. # ورابعتها: صوم رمضان: # يطهر معدتك مما علق بها من بقايا الطعام؛ ويريحها من العمل عدة أيام، ~~وينمي في نفسك الشعور بحال الفقير والمسكين، إذ به تذوق ألم الجوع والظمأ، ~~فتذكر إخوانا لك بائسين؛ تذكرهم بمعونتك وبرك ويزكي فيك روح التفكير، إذ ~~البطنة تذهب بالفطنة؛ ويذكرك في كل لحظة بإله هو رب نعمتك؛ فترطب بذكره ~~لسانك؛ وتقرأ من القرآن ما بدا لك، إلى غير ذلك من حكمه وأسراره. # وخامستها: حج البيت: # فتذهب إلى مكة البلد الأمين؛ الذي نشأ فيه سيد العالمين، ونبت فيه هذا ~~الدين، وترى أول بيت وضع للناس؛ وتقوم بأعمال مختلفة كلها قربات؛ من طواف ~~وصلاة وسعي ووقوف بعرفات؛ وذكر وتهليل وتلبية وتكبير، وذبح قرابين وتصدق ~~على الفقراء والمساكين؛ فتهذب نفسك بالسفر؛ وتذكر النشأة الأولى للإسلام ~~الذكرى تنفع المؤمنين «2» ، وتجتمع بإخوانك المسلمين، الذين PageV01P014 # نسلوا «1» من كل حدب «2» ، وأتوا من كل فج «3» ، من مشارق الأرض ~~ومغاربها، فتفكر معهم فيما يعيد للإسلام مجده، أو ما يعلي سلطانه وشأنه، ~~وتقف على حال المسلمين في الأقطار المختلفة- والعلم أول خطوة إلى العمل- ~~إلى حكم أخرى، تنبهك هذه إليها. # تلك دعامات الإسلام، فاحرص عليها، ونمها بالأعمال الصالحة الآخرى والله ~~لا يضيع أجر المحسنين «4» . # 3- باب: بيان المسلم والمهاجر # عن عبد الله ms007 بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المسلم من سلم ~~المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه» . [رواه البخاري ~~وأبو داود والنسائي] «5» . # شرحت لك في الحديث الماضي كلمة الإسلام، وبينت المراد بالهجرة في الحديث الأول. # وهنا يبين الرسول صلى الله عليه وآله الجدير بلقب الإسلام والجدير بلقب ~~المهاجرة، فالأول: # من سلم الناس من شره مسلمين أو غير مسلمين ممن لهم ذمة أو عهد وإن كانت ~~حرمة المسلمين فوق حرمة غيرهم ومنع الأذى عنهم في المقدمة- وهذه حكمة ~~تخصيصهم بالذكر- أما المحاربون المعتدون على ديننا أو بلادنا فنحاربهم بكل ~~ما استطعنا، وخص اللسان واليد بالسلامة من شرهما دون باقي الأعضاء لأن أكثر ~~الإيذاء بهما وإن كان بغيرهما أيضا محرما: فالمسلم ليس بسباب ولا شتام، ولا ~~مغتاب ولا PageV01P015 # نمام، لا يأمر بمنكر ولا ينهي عن معروف، ولا يكذب على الناس، ولا يغرر ~~بهم، ولا يقول بغير علم، ولا يحرك لسانه سخرية بأحد، بل لسانه حلو، لا يصدر ~~منه للناس إلا الخير وكذلك المسلم لا يؤذي الناس بيده، فلا يقلع زرعهم أو ~~يسم حيوانهم أو يهدم بنيانهم أو يغير حدودهم، أو يضربهم، أو يقتلهم، أو ~~يستلب أموالهم، أو يكتب بيده في ثلم أعراضهم، والحط من كرامتهم، والتضليل ~~لهم، أو يعين عليهم عدوهم، أو يحرش الظلمة بهم، بل يده شريفة نزيهة، لا ~~تعمل إلا الخير، ولا تخط إلا الحق، ومن الخير والحق إيذاء الولد تربية له ~~وتأديبا، وإقامة الحدود من جلد أو قطع، أو قتل على من سعى في الأرض فسادا، ~~وهدد الناس في أموالهم ودمائهم وأعراضهم وكذلك لا يؤذي الناس ببصره أو ~~سمعه، أو صوته أو رجله أو غيرها من أعضائه بل كله للناس سلم، وهو لهم خير. # أما المهاجر بحق: فهو الذي لم يقف عند الهجرة الظاهرة من ترك دار الحرب ~~إلى دار الأمن، بل هجر كل ما نهى الله عنه، فلا يقتل ولا يسرق ولا يزني ولا ~~يفسق، ولا يشهد الزور، ولا يشرب الخمور، ولا يبخل أو ms008 يسرف أو يداهن أو ~~ينافق- إلى غير ذلك من الأمور المحرمة- بل ضرب بينه وبين المعاصي حجابا ~~وسورا، فكل عمله في دائرة الخير والواجب. والحديث يبين في جلاء أن الظواهر ~~لا يعبأ الله بها إذا لم يؤيدها الأعمال الدالة على صدقها. # 4- باب: علامة المؤمن # عن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يؤمن أحدكم ~~حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» . [رواه البخاري ومسلم وأحمد والنسائي] «1» . # اللغة: # المحبة: الميل إلى ما يوافق المحب من حسن وجمال، أو فضل PageV01P016 # وكمال، أو خير وإحسان، والمراد هنا الميل الإختياري دون الطبعي القسري «1» . # الشرح: # آية الإيمان الحق أن يرى الفرد نفسه عضوا في المجتمع، نفعه نفع لنفسه، ~~وضره إضرار بها، فإذا أحس هذا الإحساس الصادق، وانطبع في نفسه رأى غيره ~~كنفسه، بل رآه نفسه، فيحب له مثل ما يحب لنفسه، يحب لنفسه علما واسعا، ~~وخلقا طيبا، وعملا صالحا، ومكانا عاليا، وشرفا ساميا، يحب لها بيتا جميلا؛ ~~ومالا غزيرا، وضياعا واسعة، وزوجا صالحة، وبنين شهودا، وركوبا ذلولا «2» ، ~~وأقرباء مخلصين، وإخوانا صالحين، وخدما طائعين! فليحب لأخيه ابن أخيه- دنا ~~أو علا- كل ذلك، أما أن يحب لنفسه أمرا ولا يحبه لغيره، ويحسده أو يحقد ~~عليه إن ناله فذلك مناف للإيمان، بل ذلك بقية من آثار الكفران، وكما يحب ~~لغيره ما يحب لنفسه يبغض له ما يبغض لها، يبغض الفقر والذل، والاستعباد ~~والانحطاط، والبلاء في المال أو النفس أو الأولاد، وغير ذلك من الأمور ~~المكروهة، فليبغض لأخيه ما يبغض لنفسه وفاء بحق الإيمان. # 5- باب: علامات النفاق- 1- # عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أربع من كن ~~فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى ~~يدعها، إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر» . ~~[رواه الشيخان وأصحاب السنن الثلاثة أبو داود والترمذي والنسائي] «3» . # اللغة: # النفاق في اللغة: مخالفة الباطن للظاهر، وأصله من نافقاء PageV01P017 # اليربوع «1» وهي إحدى حجراته يكتمها ويظهر غيرها، والنفاق إن ms009 كان في ~~اعتقاد الإيمان فهو نفاق الكفر، وإلا فهو نفاق العمل، ووعد يستعمل في الخير ~~والشر إذا ذكر الفعل، يقال: وعدته خيرا ووعدته شرا، فإذا أسقط قالوا في ~~الخير: وعدته وفي الشر أوعدته، وحكى ابن الأعرابي في نوادره أو عدته خيرا، ~~فالمراد بالوعد في الحديث: الوعد بالخير، وأما الشر: فيستحب إخلافه وقد يحب ~~ما لم يترتب على ترك إنفاذه مفسدة. والغدر: ترك الوفاء بما عاهد عليه، ~~والمخاصمة: المنازعة أصلها من خصم الشيء أي جانبه وناحيته فكل من ~~المتخاصمين في جهة، والفجور: الميل عن الحق والاحتيال في رده وأصله من ~~الفجر وهو شق الشيء شقا واسعا والفجور فتق في الدين. # الشرح: # يبين الرسول صلى الله عليه وسلم أن من وجدت فيه أربع خصال كان منافقا ~~خالصا ومن وجد فيه بعضها كان لديه من النفاق بقدر ما وجد فيه، وتلك الخصال ~~هي خيانة الأمانة، والكذب في الحديث، والغدر في المعاهدة، والفجور في ~~المخاصمة وحقا إنها لكبائر موبقة وجرائم مردية، لا تصدر عن مؤمن ملأ ~~الإيمان قلبه. # فخيانة الأمانة ظلم لصاحبها ونزع للثقة من نفوس الناس بخائنها، وهي نوع ~~من السرقة، وقد فسروا الخيانة: بأنها التصرف في الأمانة بغير وجه شرعي ~~كبيعها أو جحدها أو انتقاصها أو التهاون في حفظها. # والأمانة تشمل كل ما ائتمن عليه الإنسان من مال أو عرض أو حق بل تشمل ~~الشرائع التي جعلها الله في يدنا أمانات نعلمها للناس، ونقوم على حفظها ~~بالعمل، ولذلك سمى الله تعالى مخالفة كتابه وسنة رسوله خيانة في قوله ~~تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم ~~تعلمون» . # أما الكذب في الحديث فإنه أس النفاق والقاضي على الأخلاق، وهو داع ~~لاحتقار صاحبه، وعدم الثقة في شأن من الشئون، وصاحبه لباس «3» على الناس ~~عاش لهم، والكذاب في الحقيقة ميت بين الأحياء. PageV01P018 # وخلف الوعود أو نقض العهود والغدر بها باب من أبواب الكذب، وقد رتب الله ~~عليه نفاق القلوب في قوله: فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما ~~أخلفوا الله ms010 ما وعدوه وبما كانوا يكذبون «1» وخلف الوعد تضييع للثقة، وسرقة ~~من وقت الموعود، وإخلال بنظام حياته وأعماله، وكل هذه يفقد بها الإنسان من ~~مكاسب الحياة ربحا عظيما، وكذلك نقض العهد، وخلف الوعد يكون جريمة كبرى إذا ~~كان العزم عليه مقارنا للوعد فإذا كان عازما على الوفاء ساعة وعد ولكن عرض ~~له ما حال دون الوفاء، لم يكن من أهل النفاق، فإن كان الوفاء في إمكانه ~~وتركه فعليه إثم الإخلاف وإن كان قبل عازما على الوفاء. # وأما الفجور في المخاصمة وعدم الوقوف عند الحق: فذلك وزر كبير يجر إلى ~~أوزار كثيرة، ومفاسد عظيمة. # فالفاجر في الخصومة ينكر حق صاحبه ويستحل ماله وعرضه، ولا يترك بابا من ~~أبواب الإضرار به إلا اقتحمه، ولو أضاع في سبيل ذلك المال الكثير، بل ولو ~~شغله ذلك عن القيام بواجباته وأنت جد عليم بما يكون بين أرباب القضايا وبين ~~الحزبين من بلد واحد، وبين الأحزاب السياسية وغيرها، فالفجور في الخصومة ~~داء وبيل، يقطع الأواصر «2» وينشر الجرائم، ويفتك بالأخلاق، فلا جرم إن كان ~~آية الآيات في النفاق. # هذا وقد ذكر النووي أن جماعة من العلماء عدوا هذا الحديث مشكلا من حيث إن ~~هذه الخصال قد توجد في المسلم المجمع على عدم الحكم بكفره، وقد أجيب عن ذلك ~~بأن المتصف بهذه الخصال كالمنافق في التخلق بأخلاقه لا أنه منافق حقيقة، ~~وهذا الجواب مبني على أن المراد بالنفاق في الحديث النفاق في الإيمان، وهذا ~~الجواب مردود بقوله في الحديث: «كان منافقا خالصا» ، وأجيب أيضا بأن الظاهر ~~غير مراد وإنما الغرض من ذلك المبالغة في التحذير، والتنفير من هذه الخصال ~~بأبشع الطرق. # وارتضى القرطبي أن المراد بالنفاق هنا نفاق العمل، ويرى آخرون أنه نفاق ~~في الإيمان، والمراد بمن وجدت فيه هذه الخصال: من تعودها وصارت له ديدنا ~~وخلقا، PageV01P019 # ويدل عليه التعبير بإذا فإنها تدل على تكرر الفعل، فالمتخلق بها منافق ~~حقيقة يستحق الدرك الأسفل من النار، فتلك أربعة أجوبة تخير منها ما شئت. # والحديث دعامة كبيرة من دعائم الأخلاق التي ms011 ترتكز عليها عزة الأمم ~~وسعادتها. # 6- باب: علامات النفاق- 2- # عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: «آية ~~المنافق ثلاث: # إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان» . [رواه مسلم والترمذي ~~والنسائي] «1» . # الآية: العلامة الظاهرة التي تدل على أمر خفي وراءها، وإخلاف الوعد ترك ~~الوفاء مأخوذة من أخلف الشجر إذا اخضر بعد سقوط ورقه، وليس الغرض من ذكر ~~هذه الثلاثة حصر آيات النفاق فيها فإنها كثيرة كالفجور في المخاصمة وإنما ~~الغرض التنبيه إلى أصولها إذ التدين ينحصر أصله في ثلاثة القول والعمل ~~والنية فنبه إلى فساد القول بالكذب، وإلى فساد الفعل بالخيانة، وإلى فساد ~~النية بالإخلاف لأن الإخلاف القادح «2» ما كان العزم عليه مقارنا للوعد، ~~وباقي الشرح للحديث في شرح ما قبله. # 7- باب: الدين النصيحة # عن تميم الداري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الدين النصيحة» ، ~~قالوا: لمن PageV01P020 # يا رسول الله؟ قال: «لله ولكتابه. ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم» . # [رواه البخاري ومسلم والترمذي] «1» . # اللغة: # قال صاحب النهاية «2» : النصيحة: كلمة تعبر عن جملة هي (إرادة الخير ~~للمنصوح له) وليست كلمة تعبر عن هذا المعنى سواها. # وأصل النصح في اللغة الخلوص، يقال: نصحته ونصحت له، وقال الخطابي: # النصيحة كلمة جامعة معناها حيازة الحظ للمنصوح له. # الشرح: # حصر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدين في النصيحة لعلو شأنها، ولأنها ~~بالتعميم الذي ذكره الرسول شملت الدين كله، فأخبر بها عنه بصيغة القصر، ~~والنصيحة وإن كان معناها العام ما ذكرناه فإنها تختلف باختلاف المنصوح له ~~فالنصيحة لله الإيمان به، ونفي الشرك عنه، وترك الإلحاد في صفاته، ووصفه ~~بأوصاف الكمال، وتنزيهه عن النقائص، وطاعة أمره، واجتناب نهيه، وموالاة من ~~أطاعه، ومعاداة من عصاه، وغير ذلك مما يجب له، وجميع هذه الأشياء في ~~الحقيقة ترجع مصلحتها إلى العبد، فهي نصيحة لنفسه وكسب خير لها. # والنصيحة لكتابه: الإيمان بأنه كلامه تعالى، وتحليل ما حلله، وتحريم ما ~~حرمه، والاهتداء بما فيه، والتدبر لمعانيه، والقيام بحقوق تلاوته، والاتعاظ ~~بمواعظه، والاعتبار بزواجره، والمعرفة له ... إلخ. ms012 # والنصيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: تصديقه فيما جاء به، واتباعه ~~فيما أمر به ونهى عنه، وتعظيم حقه، وتوقيره حيا وميتا ومعرفة سنته، ونشرها، ~~والعمل بها ... إلخ. # والنصيحة لأئمة المسلمين: إعانتهم على الحق، وطاعتهم فيه، وأمرهم به، ~~وتذكيرهم بحوائج العباد، ونصحهم في رفق وعدل ... إلخ، والمراد بأئمة ~~المسلمين: إعانتهم على الحق، وطاعتهم فيه، وأمرهم به، وتذكيرهم بحوائج ~~العباد، PageV01P021 # ونصحهم في رفق وعدل ... إلخ، والمراد بأئمة المسلمين قادتهم في تنظيم ~~شؤون الدنيا، وفي إقامة معالم الدين ونشره بين الناس، فتشمل الملوك ~~والأمراء والرؤساء والعلماء. # والنصيحة لعامة المسلمين: إرشادهم إلى مصالحهم في دنياهم وأخراهم، وكف ~~الأذى عنهم، وتعليمهم ما جهلوه وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر ونحو ذلك ~~واعلم أن نصيحة المسلمين فرض كفاية على من هو أهل لها وهي واجبة على قدر ~~الطاقة البشرية مادام هناك أمل في قبولها- والمسلم لا ييأس- ولم يخش في ~~سبيلها أذى لا يحتمل، فإن خشيه فهو في سعة. # 8- باب: أثر العلم في النفوس واختلافه باختلافها # عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا فكان ~~منها نقية قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكانت منها أجادب- في ~~رواية «إخاذات- أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا» - ~~في رواية «ورعوا- وأصابه منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا ~~تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه ما بعثني الله به، فعلمه ~~وعلمه، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به» . ~~[رواه البخاري ومسلم والنسائي] «1» . # اللغة: # المثل: المثيل والنظير، ويقال: للصفة العجيبة؛ والهدى: الدلالة الموصلة ~~للغاية، والغيث: المطر، والنقية: الطيبة المعدن، الخالصة من عوائق الإنبات، ~~والكلأ: النبات رطبا ويابسا، والعشب: النبات الرطب، والأجادب: جمع PageV01P022 # جدب على غير قياس وهي: الأرض الصلبة التي لا ينضب منها الماء، ~~والإخااذات: # جمع إخاذة وهي الأرض التي تمسك الماء. والرعي: تغذية الحيوان من المرعى، ~~والقيعان: واحدها قاع ms013 وهي الأرض المستوية الملساء التي لا تنبت، وفقه: فهم، ~~وفقه: صار فقيها. # الشرح: # بعث الله محمدا بالقرآن الذي يرشد الناس إلى طريق الخير، ويهداهم إلى ~~وجوه المصلحة، والذي يعرفهم الحقائق، ويبين لهم الأحكام، ويرفع عن قلوبهم ~~غشاء الجهالة، فهو هدى ورشاد، وهو علم ونور شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ~~هدى للناس «1» . وأنزلنا إليكم نورا مبينا «2» غير أن الناس لم يكونوا في ~~الانتفاع به بدرجة واحدة بل اختلفوا وتباينوا لاختلاف نفوسهم وتفاوت ~~استعدادهم. # ففريق طيب النفس، صافي الفطرة، لم يدنسها بالآثام، ولم يفسدها بالأوزار، ~~فهذا حينما يسمع الوحي يصغي إليه بأذنيه، ويتفهمه ويتدبره؛ ويفقهه ويحفظه، ~~وتتأثر به نفسه الطيبة، وقلبه السليم، فيوحي إلى الأعضاء بالعمل به، ويأخذ ~~في دعوة الناس إليه، فهو للقرآن سميع، وبأحكامه عليم، ولإرشاده مجيب، ~~وللناس به ناصح أمين. # وهذا قد مثله الرسول صلى الله عليه وسلم بالأرض الطيبة التربة، النقية ~~الخصبة، إذا نزل بها المطر الغزير نفذ إلى صميمها، فأثر فيها، فاهتزت «3» ~~وربت، وأنبتت بالماء العشب والكلأ، فرعاه الحيوان، وعاد خيره للإنسان، بل ~~أنبتت بالماء من كل زوج بهيج مما هو طعام للإنسان وغذاء أو فاكهة ومتاع، ~~فالأرض لجودتها قد حبست الماء في جوفها لمصلحتها، فأخصبت به بعد إجدابها، ~~وحييت به بعد موتها، ونفعت الإنسان والحيوان بما أخرجت من الكلأ والثمار، ~~كذلك القرآن إذا نزل صيب آية بالنفوس الطيبة حييت به القلوب الهامدة، فأوحت ~~للمرء بالأعمال الصالحة وأخذ يعلم الناس ما علم وينفعهم بما به انتفع، وهذا ~~الفريق هو الذي قال الله فيه: قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء «4» . # وفريق خبثت نفسه، وفسدت فطرته، ومات استعداده، فهذا إن قرعت أذنه آي PageV01P023 # الوحي ولى مستكبرا كأن لم يسمعها، كأن في أذنيه وقرا، لا يرفع به رأسا، ~~ولا يفتح له قلبا، ولا يقبل منه هدى. وهذا مثله الرسول صلى الله عليه وسلم ~~بالأرض المستوية؛ الرخوة السبخة «1» ؛ إذا نزل بها الماء أضلته في جوفها؛ ~~وأضاعته في مسامها؛ ولم تخرج به كلأ ولا عشبا؛ ولا نباتا ولا ثمرا، فلا هي ms014 ~~انتفعت بالماء ولا هي أمسكته على ظهرها، فانتفع به الحيوان والإنسان أو سقي ~~به أرض أخرى طيبة نقية فكذلك هذا الفريق لم ينتفع بالوحي ولم ينفع به فكان ~~مثله كمثل الأرض الخبيثة، وهذا الفريق الذي قال الله فيه: سواء عليهم ~~أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون. ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى ~~أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم «2» . # وفريق ثالث بين الفريقين لم يذكره الرسول صلى الله عليه وسلم؛ وذكر مثله ~~ومن عرف الفريقين عرفه: بل المثل وحده يرشد إليه؛ فهو ذلك الشخص الذي سمع ~~القرآن؛ فعقله وفهمه، ووقف على أحكامه، وحلاله وحرامه، ولكن لم يعمل به في ~~خاصة نفسه، ولكن دعا الناس إليه علمهم ما تعلم، فهو كالذين قال الله فيهم: ~~أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون «3» ~~فهذا قد نفع الله به العباد، وجعله معبر خير لهم ولم ينتفع هو بما علم ~~وعلم، وكان حريا «4» به أن يهذب نفسه بما هذب به غيره، فهذا مثله كالأرض ~~الصلبة التي تمسك الماء لا تشربه، فيشرب منه الناس والحيوان، وتسقي به ~~الأرض الطيبة الخصبة، ويلقي بها الحب والبذور، فينبت بالماء نباتا حسنا، ~~فيأكل الإنسان ويرعى الحيوان، فالأجادب نفعت ولم تنفع، كذلك العالم بالقرآن ~~يعلمه ولا يعمل به، أفترضى أن تكون أرضا مجدبة؟ أليست نفسك أولى ببرك ~~وعلمك، أتريد أن تكون ممن قال الله فيهم: لم تقولون ما لا تفعلون. # كبر مقتا «5» عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون «6» فاستمع للوحي وتدبره، ~~وهذب به نفسك؛ وكمل به خلقك؛ وادع الناس إليه بقولك، كما تدعوهم بعلمك ومن PageV01P024 # أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين «1» . # 9- باب: الهلع عند المصائب # عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«ليس منا من لطم الخدود. وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية» . [رواه البخاري ~~ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه] «2» . # اللغة: # جيب الثوب: فتحته التي يدخل منها الإنسان الرأس أي طوقه، والجاهلية: ~~الحال التي كان ms015 العرب عليها قبل الإسلام من الجهل بالله؛ وبالدين الحق، ~~والمفاخرة بالأنساب، والكبر، والتجبر، ووأد البنات، وغير ذلك. # الشرح: # من خلق المؤمن الصبر عند نزول المصائب، ومقابلتها بالرضا والتسليم إذ ~~يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون «3» ويقول: إن لله ما أخذ ولله ما أعطى، ~~والصبر يخفف المصيبة؛ ويحلل صلدها «4» ؛ ويقتل جرثومتها. # وأما الجزع والهلع والسخط على ما قضى الله وقدر، فليس من الإيمان في شيء ~~وليس الذي يقوم به من حزب محمد صلى الله عليه وسلم وصحبه. # فالذي ينخلع قلبه للمصيبة ولا يعرف الثبات والشجاعة في ملاقاة الإحن «5» ~~، PageV01P025 # وملاقاة المحن، بل يلطم الخدود، ويسخم «1» الوجوه، ويدق الصدور، ويشق ~~الجيوب، ويمزق الثياب ويقطع الهندام، ويدعو بدعوى الجاهلية فيقول: واأبتاه، ~~وا أماه، وا ولداه، وا زوجاه، وا قريباه، وا مصيبتاه، وا داهيتاه، وا ~~مالاه، وا بيتاه، ويقول كلما يعترض بها على القدر؛ وينقد قضاءه- من كان ~~كذلك فليس من المسلمين. # إنما المسلم الثابت الرزين الصابر المحتسب: الذي لا يدفعه الحزن إلى ~~التسخط، بل يكون كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حال وفاة إبراهيم ~~ولده، جعلت عيناه تذرفان الدمع، فقال له عبد الرحمن بن عوف: وأنت يا رسول ~~الله؟ فقال: «يا ابن عوف إنها رحمة» ، ثم أتبعها بأخرى، وقال: «إن العين ~~تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا بفراقك يا إبراهيم ~~لمحزونون» ، فليتق الله رجالنا ونساؤنا فيما يصنعون وقت المصائب، وليعلم ~~الأزواج الذين يسمحون لنسائهم بالنياحة والتعديد «2» ، ولطم الخدود، ودق ~~الطبول، أنهم شركاؤهن في الإثم يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ~~نارا وقودها الناس والحجارة «3» . # 10- باب: أنواع الصدقة # عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «على ~~كل مسلم صدقة» ، وفي رواية زيادة: «كل يوم» ، فقالوا: يا نبي الله فإن لم ~~يجد؟ قال: «يعمل بيده فينفع نفسه ويتصدق» . قالوا: فإن لم يجد؟ قال: # «يعين ذا الحاجة الملهوف» . قالوا: فإن لم يجد؟ قال: «فليعمل بالمعروف» - ~~وفي رواية- «فليأمر بالخير أو بالمعروف، وليمسك عن الشر» ، وفي ms016 رواية- ~~قالوا: فإن لم يفعل؟ قال: «فليمسك عن الشر فإنها له صدقة» . وفي رواية: ~~«فإنه» [رواه البخاري ومسلم والنسائي] «4» . PageV01P026 # اللغة: # الصدقة: ما يخرجه الإنسان من ماله على وجه القربة كالزكاة لكن الصدقة في ~~الأصل تقال للمتطوع به والزكاة للواجب. # وقد يسمي الواجب صدقة إذا تحرى مخرجه الصدق في فعله بأن يكون مخلصا فيه، ~~طيبة به نفسه. والملهوف: المظلوم يستغيث أو هو المستغيث مظلوما أو عاجزا، ~~والمعروف: اسم لكل فعل يعرف بالعقل أو الشرع حسنه، والمنكر ما ينكر بهما. # الشرح: # المسلم لا يعمل لخير نفسه فقط؛ بل لخيرها وخير غيره، وقد أكد عليه الرسول ~~صلى الله عليه وسلم كل يوم صدقة، يعود بها نفسه البذل ويثبت فيها خلق ~~الكرم، وينفع بها الفقراء والمساكين، فإن لم يجد ما يتصدق به جد في العمل، ~~وكدح في تحصيل الرزق من طريق التجارة أو الزراعة أو الصناعة أو غيرها من ~~طرق الكسب حتى يكون بيده مال ينفع نفسه بالطعام، والشراب، واللباس، والسكن ~~والركوب، وتخير المرأة الصالحة، والإنفاق عليها وعلى أولادها منه وينفع ~~غيره بالتصدق عليه، والإقراض له؛ وتحمل الدين عنه، فإن لم يجد العمل أو ~~وجده ولا يستطيعه أعان ذا الحاجة من مظلوم يستغيث، ومكروب يستجير، وعاجز ~~يستعين. فينصر المظلوم بمساعدته على نيل حقه، ومنع الحيف «1» عنه، ويجير ~~المكروب بتفريج كربته وتخفيف بليته، فإن كان مريضا رجا له طبيبا يداويه، أو ~~ساعده على دخول مستشفى يطببه ويراعيه، وإن كان له مال ضائع ساعده على ~~الوصول إليه، ويعين العاجز على قضاء ماربه، وتحقيق أمانيه، فإن لم يكن في ~~قدرته الإعانة وكشف الكرب أمر الناس بالمعروف من صلاة وصيام، وحج وزكاة، ~~وحسن أخلاق، وجميل معاشرة، وأدب في معاملة وتعلم علم، وإخلاص في عمل، ~~وابتغاء خير، ونهاهم عن المنكر من زني وشرب خمور، وشهادة زور، وتهتك وفجور، ~~وظلم وسرقة، ونفاق ومداهنة «2» ، وليعمل بما يأمر. PageV01P027 # وليترك ما نهي عنه فإن ذلك أساس الدعوة الحقة: أن يعمل أولا بما يدعو ~~إليه فإن لم يكن ذلك في المكنة «1» جنب الناس شره، ومنع ms017 ضره، كما يجنب نفسه ~~موارد الهلكة، ومزالق الفتنة، ومواقف التهمة. # ذلك ما ينبغي للمسلم نحو الناس: أن يكون نفاعا لهم بقدر ما يستطيع، لا ~~يدخر وسعا في جلب الخير لهم، ودفع الشر عنهم، فلو أمكنه أن يقوم بكل ذلك ~~فيتصدق ويعمل، ويعين وينفع، ويأمر بالخير، ويمسك عن الشر كان مطالبا ~~بالقيام به، بل لو أمكنه إلى ذلك غيره، فعل ما استطاع. # فالحديث يرغب في الصدقة إذ جعلها أول ما يبدأ به المسلم، ويحبب في العمل ~~والكسب، ويقدم حاجة النفس على حاجة الغير «ابدأ بنفسك ثم بمن تعول» ويحث ~~على الإعانة، ويدعو إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويأمر بمنع الأذى ~~عن الناس. # 11- باب: ترك المشتبهات # عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهة، فمن ترك ما شبه عليه من ~~الإثم كان لما استبان أترك، ومن اجترأ على ما يشك فيه من الإثم أوشك أن ~~يواقع ما استبان، والمعاصي حمى الله، من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه» . # وفي رواية أخرى عن النعمان: «الحلال بين، والحرام بين، وبينهما مشبهات لا ~~يعلمها كثير من الناس فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في ~~الشبهات كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن ~~حمى الله في أرضه محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا PageV01P028 # صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت الجسد كله ألا وهي القلب» . # [رواه البخاري ومسلم «1» وغيرهما] . # اللغة: # الحلال: المأذون فيه؛ والحرام: الممنوع منه، وبين: واضح، والمشتبه: أو ~~المشبه الخفي أمره، والإثم: الذنب، والاستبانة: الظهور، واجترأ: # تشجع، وأوشك: قرب، والرتع: رعي الماشية والإتساع في الخصب، والحمى: # المكان المحمي الممنوع على غير من حماه، واتقى: حذر واتخذ الوقاية مما ~~يضر، استبرأ: طلب البراءة، والدين: الطاعة وما يتدين به، والعرض: موضوع ~~المدح والذم من الإنسان؛ والمضغة: القطعة قدر ما يمضغ؛ والقلب: معروف، ~~ويقال للعقل: # أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها ms018 «2» . # الشرح: # يرشدنا الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ما هو خير لنا في ديننا وأعراضنا ~~وهو الابتعاد عن مواطن الريب فيسلم الدين من النقص، والعرض من الطعن؛ فذكر ~~أن الحلال بين واضح إذ هو ما أذن الشارع في فعله بنص في القرآن أو في كلام ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وكذلك الحرام واضح لأنه ما منع الشارع فعله بنص ~~قرآني أو حديث نبوي، وبعبارة أخرى الحلال هو الطيب النافع، والحرام هو ~~الخبيث الضار، وبين الحلال والحرام أمور خفية مشتبهة لا يدري كثير من الناس ~~أهي من الحلال أم من الحرام؟ كالأشياء التي تعارضت فيها الأدلة كلحوم الحمر ~~الإنسية وكل ذي ناب من السباع أو مخلب من الطير، فإن ظاهر الحصر في آية قل ~~لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما ~~مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به «3» يدل على حل ما ~~ذكرناه؛ وجاء في الحديث النهي عنها، ومن أجل ذلك اختلف العلماء في حلها، ~~ومن الشبيهات الأمور التي لا تطمئن إليها نفسك الطيبة. # فدعها إلى ما تطمئن إليه عملا بحديث: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» . ~~رواه الترمذي والنسائي «4» وغيرهما عن الحسن بن علي. PageV01P029 # ومن هذا القبيل أمر الرسول صلى الله عليه وسلم زوجة سودة بنت زمعة ~~بالاحتجاب من أخيها ابن جارية أبيها لما ادعى بنوته عتبة بن أبي وقاص. فقال ~~الرسول صلى الله عليه وسلم «الولد للفراش وللعاهر الحجر» «1» وحكم به ~~لزمعة، وأمر سودة بالاحتجاب منه لما رآه شبيها في الصورة بعتبة. ومن هذا ~~أيضا شخص أرسل كلبه للصيد وسمى عند الإرسال. فوجد عند الصيد مع كلبه كلبا ~~آخر لم يسم عليه ولا يدري أيهما الذي صاد، فإنه يترك الأكل منه، وكذلك مر ~~النبي صلى الله عليه وسلم بتمرة ساقطة فقال: «لولا أن تكون صدقة لأكلتها» - ~~ذكر هذه المسائل الثلاث البخاري في صحيحه- وعد بعض العلماء المكروه من ~~المشتبهات إذ تنازعه الإذن فيه والمنع منه، ms019 ومن المشتبهات مال شخص لا يتحرج ~~في كسبه عن الحرام، فترك معاملته والأكل من ماله الورع، كذلك من الشبهات ~~المكاسب الناتجة عن صلح لم تكن نفوس المتصالحين به طيبة لقسر شابه «2» . # وقد نفى الرسول صلى الله عليه وسلم العلم بالمشتبهات عن كثير من الناس ~~فأفاد أن بعضهم قد يعلم حقيقتها، وأنها من وادي الحلال أو الحرام، فلا تكون ~~إذ ذاك مشتبهة عنده، بل لها حكم الحلال البين أو الحرام البين، وقد بين ~~الرسول صلى الله عليه وسلم أن من تحامى المشتبه الذي قد يكون في الواقع ~~إثما حراما كان للحرام البين أشد تحاميا، ومن جرأ نفسه وشجعها على اقتحام ~~الشبهات والوقوع فيها مع قيام الشك ومخالطة الريب كاد يواقع الحرام البين. ~~فالشبهات وقاية دون الحرام، فمن انتهكها كاد يتردى في هاوية الحرام، ومن ~~تجنبها كان في مأمن منها، بعيدا عنها، فاجعل بينك وبين الحرام حصنا، واضرب ~~دونه سدا. # وما المعاصي إلا كالأرض التي يحميها الملوك، فيخصونها ببهمهم «3» ~~ويمنعونها من غيرهم، فمن ترك من الرعاة منطقة حولها، لا يرعى فيها بهمه أمن ~~الوقوع في الحمى، وسلم من سخط الملوك والتعرض لعقابهم، ومن رعى في المنطقة ~~المجاورة لا يأمن الوقوع فيه، كذلك المعاصي هي حمى الله في أرضه، والشبهات ~~منطقة حولها فمن ترك الشبهات كان للمعاصي أترك، ومن خالطها كان إلى PageV01P030 # الوقوع في المعاصي أقرب، وقد جاء في الرواية الثانية أن من اتقى الشبهات ~~استبرأ لدينه وعرضه أي من حذرها طلب البراءة والسلامة لدينه بالتحرز من ~~المعصية، وتحامى «1» المنطقة التي دونها، وكذلك طلب البراءة لعرضه، فلا ~~يتهمه الناس بمقارفة «2» المعاصي وانتهاك الحرمات، وكيف؟ ولم يقارب ~~الشبهات، فأنى يتهم بالمحرمات؟. # وفي الرواية الثانية: أن في الجسد مضغة صلاحها صلاح للجسد كله، وفسادها ~~فساد له، تلك المضغة هي القلب موزع الدم في عروق الجسم، ومصلحه بعد فساده ~~والمراد به هنا العقل الذي لا يعمل إلا بحرارة الحياة المنبعثة من الدورة ~~الدموية، ولا ريب في أن صلاح العقل، واستقامته في الإدراك والتفكير، ووزنه ~~الأشياء بميزان ms020 الحقيقة، وتحريه «3» الإنصاف في أحكامه يترتب عليه صلاح ~~الأعضاء كلها، فلا تصدر إلا خيرا، ولا تعمل إلا صالحا، ولا تقول إلا حسنا، ~~لأنه الحاكم عليها، والرئيس بينها، وإذا صلح الرئيس صلحت الرعية. # أما إذا فسد العقل، واختل نظام التفكير، وغلبه على ملكه باعث الشهوة، ~~وسلطان الهوى فسد سائر الأعضاء فلا يصدر غير الشر، إذ حكمة العقل مفقودة، ~~وحركته مشلولة، وهل إذا أصيب القلب تسلم الحياة، ويصح الجسد؟ كلا. كذلك ~~العقل في مرضه مرض القوى كلها، فربوا العقول، وعودوها التفكير المستقيم، ~~والحكم الصحيح، وحذار أن تهملوها، ولا تغذوها بالنظر والبحث، فتفقدوا ~~الانتفاع بقوى الجسم التي تستطيعون بها أن تسخروا العالم كله لخدمتكم. # فالحديث يحذرنا من الشبهات، والوقوف في مواقف الريب «4» ، ويدعونا إلى ~~الاحتراس وبعد النظر؛ ويحضنا على تخليص الدين من الشوائب. وإبعاد العرض من ~~المثالب «5» ؛ بتجنب أسبابها، ويدعونا إلى تنمية العقل؛ وترقية التفكير ~~لتكون الأعمال منظمة؛ طيبة العاقبة. PageV01P031 # 12- باب: فضل الكسب باليد # عن المقدام رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما أكل أحد ~~طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه السلام كان ~~يأكل من عمل يده» . [رواه البخاري وأبو داود والنسائي «1» وغيرهم] . # طرق المال كثيرة كالوراثة والهبة والصدقة؛ وكالاشتغال في عمل حكومي ~~يتقاضى في نظيره أجرا؛ وكالتجارة والزراعة والصناعة، وقد بين الرسول صلى ~~الله عليه وسلم أن خير طعام يأكله المرء ما كان من عمل يده، فالذي يشتغل ~~بيده، ويكدح ببدنه ويستجدي الرزق من عرق جبينه ويأكل من إنتاجه خير ممن ~~يأكل من تركة موروثة، أو هبة مبذولة، أو صدقة تعطى له عفوا أو إستجداء ذلك ~~أن ما كسبه الإنسان بكدحه وكده يفيد جسمه نشاطا ويكسبه صحة، ويزيده قوة ~~فإذا ما أكل أكل هنيئا؛ وهضم سريعا، فاستفاد وقويت النية، ولا كذلك الكسل ~~الخمول الذي يعتمد على مال وقع في يده عفوا، ويعطل أعضاءه عن العمل ~~والحركة، ويمكث طوال يومه على مقهى أو مسطبة، فيأكل من غير شهية إذا لم ~~يهضم ms021 الطعام السابق فيزداد خمولا إلى خمولاه وتعتل الصحة، فلا يجد حلاوة ~~لطعام أو شراب، أضف إلى ذلك أن المال الناتج من الكد أغلى قيمة عند صاحبه ~~مما جاءه عفوا، ولذلك تجده أحرص عليه مما سبق إليه، وإنه ليشعر بلذة كبيرة ~~ساعة ينتفع به، وهل ترى تناول الثمرة من يد البائع كتناولها بيدك من ~~الشجرة؟ وإلى ذلك أيضا أن الثروة المسوقة إن ضاعت قلما تجد لها عوضا، أما ~~الثروة الكسبية فقلما تضيع، وإن ضاعت فمنبعها قائم وهو اليد العاملة. # ولقد ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نبي الله داود عليه السلام كان ~~يأكل من عمل يده إذ كان يصنع الدروع الحربية، ولا أحدثك عن داود وملكه إذ ~~سخر الله له الجبال والطير والحديد وآتاه السلطان مكافأة له على شجاعته ~~الحربية لما قتل جالوت وفيه يقول الله: # يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض «2» فمع هذا الملك والسيطرة، وما ~~تبعهما من الغنى والثروة لم يستنكف من العمل بيده ليشجع العمال على المضي ~~في PageV01P032 # أعمالهم، وليفيد جسمه صحة وقوة، فليعتبر بهذا أولئك الأغنياء الوارث، ~~وأولئك الأمراء والوزراء، الذين يشمئزون من العمل، ويخالونه حطة وضعة، وما ~~دروا أن كثرة الأيدي المنتجة ثروة عظيمة للأمة، وعزة لها وسيادة، وإشادة ~~بذكرها بين الأمم. # فالحديث يرغبنا في العمل، ويدعونا إلى ما يزيدنا صحة، ويبغض إلينا ~~الاعتماد على الثروة المسوقة، وترك الأعمال المنتجة. # 13- باب: تفضيل الحرفة على السؤال # عن الزبير بن العوام رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«لأن يأخذ أحدكم حبله: فيأتي بحزمة حطب؛ فيبيعها فيكف الله بها وجهه، خير ~~له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه» . [رواه البخاري ومسلم «1» ] . # اللغة: # الحطب: ما يوقد به، والكف: المنع. # الشرح: # سؤال الناس مذلة وضعة، والمؤمن عزيز غير ذليل: ولله العزة ولرسوله ~~وللمؤمنين «2» فإن أعطي السائل فالمنة عليه ثقيلة، والجميل أسر له ~~واستعباد، وإن منع خزي وخجل وتأفف من المسؤول أو أبغضه، واضطغن عليه «3» ~~وإن كان السائل قادرا على الكسب فهو كافر بنعمة ms022 الله إذا لم يشكر له نعمة ~~الجوارح، فإن شكرها بالانتفاع بها فيما خلقت له، وما خلقت إلا للكدح بها في ~~سبيل الرزق فلما كان السؤال بكل ذلك، وهو ما لا يلائم أخلاق المؤمن بين ~~الرسول صلى الله عليه وسلم أن الاكتساب خير منه، بل الاكتساب هو الخير، ~~والسؤال هو الشر ولو كان الاكتساب من أدنى الحرف، فالذي يأخذ حبله ويخرج ~~إلى المراعي والمزارع، أو الأجران والغابات، فيجمع حزمة حطب مما رغب عنه ~~الناس، أو من كلأ مباح؛ ويحملها على ظهره ويبيعها بقرش أو مليمات يأكل به ~~ويشرب فيحفظ بذلك على نفسه كرامتها وعزتها؛ ويقي وجهه ذلة المسألة خير له ~~من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه. PageV01P033 # وبذلك عرفت أن أولئك الرجال أو النساء الذين يتجرون في الفجل أو الكراث ~~أو البصل أو في الخضروات أو البقول أو غيرها من الأشياء الرخيصة يحضرونها ~~من المزارع وعلى ظهورهم أو رؤوسهم خير من أولئك الذين يجوبون الشوارع ليلا ~~ونهارا يتكففون «1» الناس؛ وأكثرهم قادر على الكسب؛ صالح للعمل، بل أولئك ~~المتجرون هم الأخيار، وأولئك الشحاذون هم الأشرار، فلا تعنهم على الشر ~~ورغبهم في الخير، فالحديث يحضنا على اكتساب الرزق ولو من المهن الصغيرة، ~~ويبغضنا في السؤال، ويحفظ علينا العزة والكرامة، ويمنعنا الذلة والمهانة. # 14- باب: السماحة في المعاملة # عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: «رحم الله رجلا سمحا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى» ، وفي رواية ~~«وإذا قضى» . # [رواه البخاري والترمذي وابن ماجة «2» ] . # السمح: يطلق على السهل، وعلى الجواد، والأول هو المناسب هنا، والاقتضاء: ~~طلب قضاء الحق. # يدعو النبي صلى الله عليه وسلم بالرحمة وإسباغ النعمة للرجل السمح السهل، ~~ودعاؤه عند الله بمكانة عظيمة لأنه صادر من النفس الطاهرة المخلصة، من ~~اللسان الرطب بذكر الله، فتفتح له أبواب الإجابة إليه يصعد الكلم الطيب ~~والعمل الصالح يرفعه «3» . # وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم السماحة في أربعة أشياء: في البيع، ~~والشراء، والاقتضاء، والقضاء. # فالسماحة في البيع: ms023 # ألا يكون شحيحا بسلعته، مستقصيا في ثمنها، مغاليا PageV01P034 # في الربح منها، مكثرا من المساومة فيها، بل يكون كريم النفس، راضيا بيسير ~~الربح، مقلا من الكلام. # والسماحة في الشراء: # أن يكون سهلا في كياسة، فلا يدقق في الدانق والمليم، خصوصا إن كانت ~~السلعة شيئا هينا كفجلة أو بصلة، والمشتري غنيا، والبائع فقيرا معدما، ولا ~~يسأم «1» البائع بالأخذ والرد، وتعطيله عن المشترين الآخرين، أو مصالحة ~~الآخرى، ولا يكثر التقليب في البضاعة بعد أن سبر غورها «2» ، ووقف على ~~حقيقتها. # والسماحة في الاقتضاء: # أن يطلب حقه أو دينه في هوادة «3» بلا عنف وفي لين بلا شدة، ويراعي حال ~~المدين فإن كان معسرا أنظره وأخره، بل إن كانت حاله لا تسمح بالسداد تصدق ~~عليه بحقه أو من حقه وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم ~~إن كنتم تعلمون «4» . ومن السماحة في الاقتضاء: ألا يطالب المدين على مشهد ~~من الناس ومسمع، خصوصا إذا كانوا لا يعلمون بالدين. أو يتأذي المدين ~~بالجهر. وألا يلحف «5» في الطلب. أو يطالبه في أوقات راحته وهناءته؛ فينغص ~~عليه صفوه، وهو من أحرص الناس على قضاء الحقوق وألا يرفع أمره إلى القضاء ~~وهو مستعد للدفع في وقت قريب فيغرمه الرسوم وأجر المحاماة، ويشغل باله. ~~ويستنفذ من وقته من غير جدوى تعود عليه. - إلا الإضرار بأخيه- كل ذلك من ~~حسن الاقتضاء. # وأما السماحة في القضاء: # فأن يرد الحق لصاحبه في الموعد المضروب، ولا يكلفه عناء المطالبة أو ~~المقاضاة، ويشفع القضاء بالشكر والدعاء، أو الهدية إن كان لها مستطيعا إلى ~~غير ذلك مما ينطوي تحت المسامحة. # فالحديث يرغبنا في حسن المعاملة، وفي كرم النفس، وفي مراعاة المصلحة، وفي ~~حفظ الوقت. PageV01P035 # 15- باب: فضل الغرس والزرع # عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من ~~مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو بهيمة، إلا كان له به صدقة» ~~. [رواه البخاري بهذا اللفظ في كتاب المزارعة في (باب فضل الغرس والزرع) ~~ورواه مسلم أيضا ms024 والترمذي «1» ] . # الغرس للشجر، والزرع للنبات، والغرس: هو الرشق أو الدفن في الأرض وقريب ~~منه الزرع، والمراد بالغرس والزرع: المغروس والمزروع كالعقل «2» والحبوب، ~~والطير: جمع مفرده طائر كركب وراكب والمراد به هنا كل ذي جناح يسبح في ~~الهواء. والبهيمة: اسم لكل ما لا ينطق لما في صوته من الإبهام لكن خص في ~~العرف بما عدا السباع والطير، والصدقة: ما يخرجه الإنسان من ماله على وجه ~~القربة كالزكاة لكن الصدقة في الأصل تقال: للمتطوع به والزكاة: للواجب، وقد ~~يسمى الواجب صدقة إذا تحرى صاحبه الصدق في فعله. # والحديث يرغبنا في تعمير الأرض بالأشجار والزرع التي ينتفع بها الإنسان ~~أو الحيوان ويبين أن ما أكل من الشجر أو الزرع صدقات للإنسان يستحق الإثابة ~~عليها، وخص المسلم بذلك لأنه الذي ينتفع بثواب الصدقة في الدنيا والآخرة ~~وأما الكافر فيثاب على ما زرع أو غرس في الحياة الدنيا فقط، وقال بعضهم ~~يجوز أن يخفف عنه بذلك من عذاب الآخرة خصوصا إذا لم يرزق الغنى والعافية في ~~الدنيا. # وفي الحديث حث على السعي في مصالح الناس وعلى الرحمة بالحيوان، وقد أخرجه ~~البخاري أيضا في (باب) رحمة الناس والبهائم. # ومن الرحمة بالحيوان التخفيف عنه في الأحمال وعدم تكليفه مشاق الأعمال، PageV01P036 # وترك الإسراف في ضربه وإيذائه، ومداواة جراحه، والقيام بحاجاته. # 16- باب: الإخلاص والمساعدة # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ثلاثة ~~لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: رجل كان له ~~فضل ماء بالطريق فمنعه من ابن السبيل. ورجل بايع إمامه لا يبايعه إلا ~~لدنيا، فإن أعطاه منها رضي وإن لم يعطه منها سخط. ورجل أقام سلعته بعد ~~العصر فقال: والله الذي لا إله غيره لقد أعطيت بها كذا وكذا فصدقه رجل» ، ~~في رواية «فصدقه وأخذها ولم يعط بها» ، ثم قرأ: إن الذين يشترون بعهد الله ~~وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر ~~إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب ms025 أليم. «1» [رواه البخاري ومسلم ~~وأصحاب السنن «2» ] . # اللغة: # يزكيهم: يطهرهم من الأوزار وقيل: يثنى عليهم؛ وأليم: موجع؛ وفضل: زيادة؛ ~~وابن السبيل: سالك الطريق، والمبايعة: للإمام الرضا به والتعهد له ببذل ~~الطاعة والمراد بالدنيا: هنا عرضها، وسخط: غضب، والسلعة: المتاع والبضاعة ~~وأقامها عرضها أو روجها من قامت السوق إذا راجت، ويشترون: # يستبدلون، وعهد الله: ما عاهدوه عليه، والأيمان: جمع واحدها يمين وهي ~~الحلف، والثمن: العوض، والخلاق: النصيب والحظ. PageV01P037 # الشرح: # ثلاثة أشخاص يغضب الله عليهم يوم القيامة يوم تجزى كل نفس ما عملت فلا ~~ينظر إليهم نظر عطف ورحمة، بل نظر مقت وازدراء، أو لا يلتفت إليهم مطلقا ~~إعراضا عنهم، وزيادة سخط عليهم، ولا يطهر في الدنيا نفوسهم من الأوزار وكيف ~~يطهرها ولم يعدوها لقبول الهداية بل لوثوها بخبث طويتهم «1» ؟ وكذب أيمانهم ~~الذي هو ضرب من النفاق، ومنعهم المعونة من هم في حاجة إليها، أو معنى عدم ~~التزكية عدم الثناء عليهم والمدح لهم لأنهم مجرمون، ولهم إلى الغضب وعدم ~~التطهير عذاب شديد في الآخرة، يصلون سعيره، ويقاسمون لهيبه. # فأول الثلاثة رجل له ماء بالطريق [فيمنعه من السابلة المارين به] # كبئر: أو مصاصة «2» ، أو حوض، أو زير به ما يزيد عن حاجته من الماء فمنعه ~~من السابلة المارين به وهم في حاجة إليه، وإنه لذو نفس خبيثة إذ منع نعمة ~~ساقها الله إليه، بها حياة الإنسان والحيوان والنبات وجعلنا من الماء كل ~~شيء حي «3» - منعها من أشد الناس حاجة إليها وهو المسافر وربما كان في ذلك ~~هلكه، منعها في حين لم تكن به حاجة إليها، وإذا كان بفضل الماء بخيلا فهو ~~بغيره أبخل، فهو مناع للخير لا يسمح به لغيره. لو كان في ذلك حتفه. فلا جرم ~~«4» كان خليقا «5» بهذا العقاب. وقد استثنى الفقهاء من ذلك الحربي والمرتد ~~إذا أصرا على الكفر لا يجب علينا بذل الماء لهما. # وثاني الثلاثة رجل بايع إمامه: ورضي له بالسمع والطاعة. وهو غير مخلص في بيعته # إنما بايعه لمصلحة خاصة يرجوها كوظيفة يأملها أو ورطة يريد مساعدته على ms026 ~~الخلاص منها. أو مال يبتغيه لنفسه أو ولده. فإن أجيب إلى بغيته رضي واطمأن، ~~وإن لم يجب غضب وسخط. وشن الغارة على ذلك الذي بايعه وسمع به في الملأ فإن ~~أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون «6» فمثل هذا جدير بغضب ~~الله وعقابه. ومنعه التوفيق والهداية. إذ باع مصلحة المسلمين والعمل لخيرهم PageV01P038 # والنصح لهم في اختيار إمام عادل، ويقوم على دين الله بالحفظ، وعلى ملكه ~~بالعدل، يقيم حدود الله، ويقدس الحق، يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر. ~~ويتفقد المصالح العامة- مصلحتهم في تخير الإمام العادل- في سوق مصالحه ~~الخاصة. فطلب الحظ لنفسه في غش الرعية. وأراد الطعام الدسم، في سم زعاف ~~قدمه للبرية ومن هذا الوادي الأشخاص الذين ينتسبون لحزب خاص لا لنصرة ~~مبادئه. والعمل تحت لوائه وطلب الخير للأمة من طريقه، بل لمارب شخصية، إن ~~نالوها شكروا له، وإن منعوها انتقضوا عليه. وسلقوه بألسنة حداد ورموه بكل ~~منكر وزور. # أولئك لا خلاق لهم في الآخرة وأولئك الذين في قلوبهم مرض. # وثالث الثلاثة: رجل يغش المسلمين بامتهان اسم الله المقدس # ، والحلف به زورا. لينال عرضا زائلا، وربحا كاسدا، وما هو بنائله. فيعرض ~~سلعته وقت قيام السوق، والظاهر أنها كانت تقام إذ ذاك بعد العصر. أو خص هذا ~~الوقت بالذكر لقرب العهد بالصلاة فكان الظاهر أن يرعوي «1» بها عن الكذب ~~ولكن لم يرعوا. فكانت جريمته عند الله أشد وكأنه الرسول صلى الله عليه وسلم ~~قال: - بعد الصلاة- ويقيمها بالأيمان المغلظة، ويروجها بالعبارات الكاذبة، ~~فيقول لرواد التجارة: والله الذي لا إله غيره لقد قدرت هذه السلعة ودفع لي ~~خمسة وعشرون أو ستة وعشرون أو ... وما قبلت، يريد بذلك ترغيب المشتري في ~~الأخذ بأزيد مما قال، فصدقه رجل في يمينه التي أكدها أشد التأكيد، وأخذها ~~منه بما قال، أو بما زاد. والواقع أنها لم تقدر بذلك ولم يعط بها الثمن ~~الذي ذكر، بل كذب على أخيه وغشه في الثمن واستهزأ بالله إذ اتخذ اسمه وسيلة ~~للكذب، والتلبيس على الناس. # ثم قرأ صلى الله عليه ms027 وسلم قوله تعالى: إن الذين يشترون بعهد الله ~~وأيمانهم ثمنا قليلا «2» الآية ليؤكد قوله، ويزيد النفوس إيمانا به وتصديقا ~~له. وواضح دخول المبايعة في عهد الله. ودخول ترويج السلعة بالحلف الكذب في ~~الأيمان. بل هما داخلان تحت العهد والأيمان إذ الأكثر في العهد أن يقرن ~~باليمين. والأيمان تقال للعهود أيضا. وأما دخول من منع الماء وارديه فغير ~~واضح. فالظاهر أن الاستشهاد بالآية على الأخيرين. PageV01P039 # وجائز أن يقال: حقيقة الأيمان عهد بين الله والعبد أن يقوم بكل ما أمر به ~~ويجانب كل ما نهى عنه. وقد أمر بالتعاون على البر والتقوى. ومن البر بذل ~~الماء وحرم منع الخير بقوله في سياق الذم مناع للخير معتد أثيم «1» ومنه ~~منع الماء وعلى ذلك فالثلاثة داخلة تحت الآية. # ومعنى الآية أن من لم يوف بعهد الله، أو لم يصدق فيه ويخلص، وكذلك من لا ~~يصدق في يمينه واستبدل بذلك عوضا قليلا. وعوضا ضئيلا من نحو ما ذكرنا- وكل ~~ثمن نظير الحق والصدق فإنه قليل مهما كان في نظر الشهويين عظيما- لا نصيب ~~له في نعيم الآخرة ولا حظ. ولا يكلمه الله كلمة رضا وعطف ولا ينظرن إليه ~~نظرة محبة ورعاية يوم القيامة. ولا يشهد له بما ينجيه. أولا يطهره في ~~الدنيا من الأوزار ما دام عاكفا على ما يلوث نفسه. ويدنس فطرته ويعذبه في ~~الآخرة عذابا أليما- فإن تاب وعمل صالحا عاد عليه بالمغفرة والرحمة وإني ~~لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى «2» . # فالحديث يحتم الوفاء بالعهود، والإخلاص فيها، والنصيحة للرعية في تخير ~~الحكام العادلين، والموظفين المخلصين، ويحرم الأيمان الكاذبة، والغش في ~~المعاملة وبيع الحق بالشهوات والأعراض الزائلة، ويأمر ببذل المعونة ~~للمحتاجين. # وإنفاق العفو للبائسين ويسئلونك ماذا ينفقون قل العفو «3» يسئلونك ماذا ~~ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن ~~السبيل وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم «4» . # 17- باب: الرفق بالحيوان # عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بينا ~~رجل PageV01P040 # يمشي، فاشتد عليه العطش، فنزل ms028 بئرا، فشرب منها، ثم خرج فإذا هو بكلب يلهث ~~يأكل الثرى من العطش، فقال: لقد بلغ هذا مثل الذي بلغ بي، فملأ خفه، ثم ~~أمسكه بفيه، ثم رقي، فسقى الكلب، فشكر الله له، فغفر له» . قالوا: يا رسول ~~الله وإن لنا في البهائم أجرا؟ قال: «في كل كبد رطبة أجر» . [رواه البخاري ~~ومسلم «1» ] . # اللغة: # بينا: هي بين أشبعت فتحتها فصارت ألفا؛ وكذلك بينما هي بين زيدت عليها ~~ما. وهي ظرف بمعنى وسط. اللهث: ارتفاع النفس من الإعياء والتعب؛ وفي ~~الحيوان خاصة إخراجه اللسان من شدة العطش والحر. لهث الكلب وغيره يلهث ~~لهثا. والثرى: التراب الندي؛ والخف: ما يلبس في الرجل. ورقى يرقى: صعد. # والكبد: عضو في الجنب الأيمن يفرز الصفراء ويقال: للجوف كله. والمراد ~~برطوبة الكبد حياته. # الشرح: # يقص علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم قصة رجل مؤمن كان يمشي بطريق أو ~~بادية فعطش عطشا شديدا فنزل بئرا شرب منها حتى روي، ثم خرج منها فإذا به ~~يجد كلبا قد أخرج لسانه من شدة الظمأ يلحس به الأرض الندية لعل في رطوبتها ~~ما يقلل من حرارة العطش. # فقال في نفسه أو بلسانه: لقد بلغ هذا الحيوان الدرجة التي بلغتها في ~~العطش، وآلمه منه ما آلمني، فنزل إلي البئر ثانية وملأ خفه بالماء، وأمسكه ~~بفمه لتخلص له يداه ويمسك بهما في جدارن البئر عند الصعود ثم صعد فسقى ~~الكلب من خفه. # فشكر الله هذا الصنيع. وما شكره إلا عفوه عن ذنوبه السالفة. بل من شكره ~~المن بنعمه على المحسنين من عباده. # فسأل الحاضرون رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل لنا في البهائم إذا ~~دفعنا عنها الأذى. # وأحسنا إليها أجر وثواب؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «في كل كبد رطبة ~~أجر» ، وهذه الجملة تعم كل حيوان من كلب أو قط أو جمل أو بقرة أو شاة ... ~~إلخ، وتشمل دفع أنواع PageV01P041 # الأذى عنه من عطش، أو جوع أو مرض أو حر، أو برد، أو حمل ثقيل، أو عمل ~~شديد، أو ms029 غير ذلك مما يتأذى به الحيوان، وتشمل إيصال ضروب النفع له من ~~تقديم الطعام والشراب والسكن له وإزالة الدرن عن جسمه. بل الكبد الرطبة ~~تشمل الإنسان والحيوان. فكل عمل تعمله تزيل به ضرا. أو تجلب به نفعا لإنسان ~~أو حيوان لك أجر فيه. # ولا تستكثر الشكر من الله والمغفرة لهذا الذي أنقذ الكلب من ظمئه. فإنه ~~نزل البئر له خاصة ليسقيه. وملأ خفه بالماء. وذلك مما يضر بجلده. وأمسكه ~~بفمه وذلك مما يعافه المتكبرون. وعانى ما عنى من النزول والصعود مثل ما ~~عانى لنفسه. كل ذلك تجشمه «1» في سبيل رأفته بالحيوان الظمان. وهل ترى نفسا ~~تبلغ منها الرحمة يالحيوان هذا المبلغ لا تكون رحمتها بالناس أشد؟ إن هذا ~~العمل ليدل على شعور راق. ورحمة فياضة. سكنت تلك النفس العالية. فكانت لا ~~ريب خليقة بهذا الجزاء. والراحمون يرحمهم الرحمن، ولعلك عرفت من هذا الحديث ~~تربية الشدائد للنفوس. وأنها تدعوها للخير. وتلفتها إلى مثل ما حل بها. ~~فتعمل على دفعه كما عملت لنفسه. ومن ذاق الآلام المريرة شعر بالام الناس. ~~وتلك حكمة من حكم الصيام أنه يزكي في الناس الشعور بحال البائسين فيمدون ~~أيديهم بالإحسان إليهم. # فالحديث يحث على الرأفة بالحيوان ودفع الضر عنه. ويحبذ النصب في سبيله ~~ويعظم الأجر على ذلك. وهذا الحديث أصل في إنشاء جمعيات الرفق بالحيوان. # ويشكر للذين يقيمون حياضا في الطرق ليشرب منها الحيوان. # 18- باب: عقاب من آذى الحيوان # عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~«عذبت امرأة في هرة حبستها حتى ماتت جوعا فدخلت فيها النار» ، وفي رواية: # «دخلت امرأة النار في هرة ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش PageV01P042 # الأرض» . [رواه البخاري ومسلم «1» ] . # اللغة: # الهرة: القطة، وخشاش الأرض: هوامها وحشرتها. # الشرح: # يذكر الرسول صلى الله عليه وسلم أن امرأة حبست هرة في حجرة أو ربطتها حتى ~~ماتت جوعا، فلا هي قدمت لها طعاما وشرابا، ولا هي أطلقتها تأكل من هوام ~~الأرض وحشراتها كالفيران والصراصير ونحوها ms030 فعذبها الله لذلك. # وفي هذا دلالة واضحة على أن تعذيب الحيوان بلا سبب معصية تستوجب العقاب، ~~وكذلك قتله إذا لم يكن مؤذيا. وهذا يدخل في عموم قوله تعالى: فمن يعمل ~~مثقال ذرة خيرا يره. ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره «2» ، وفيه إشارة إلى جواز ~~اتخاذ الهرة وربطها إذا لم يهمل طعامها وشرابها. # ولا يدل الحديث على إحباط عمل صالح إن كان لهذه المرأة بإماتتها الهرة ~~جوعا، بل لكل حسنة ثوابها، ولكل جريمة عقابها، فإن كان لها من الحسنات ما ~~يغمر الجريمة شملها قوله تعالى: إن الحسنات يذهبن السيئات «3» ، وإذا كان ~~هذا جزاء من يعذب الحيوان الأعجم فما بالك بمن يصب على الناس وابلا من ~~شروره وآثامه، بل ما ظنك بمن يؤذي إخوانه الذين تربطه بهم رابطة الدين أو ~~القرابة أو المصاهرة أو الجوار أو الاتحاد في العمل أو غيرها من الروابط؟. # فالحديث يتوعد بالعذاب الشديد من يؤذي الحيوان ويوجب علينا الإنفاق عليه ~~أو تركه يسعى في رزقه. # 19- باب: أداء الحقوق # عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أخذ ~~أموال الناس PageV01P043 # يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله» . [رواه ~~البخاري وابن ماجه «1» وغيرهما] . # من الناس من يقترض الأموال لحاجة من حاجته. عازما على أدائها في الموعد ~~المضروب، أو حين يقع في يده مال، فهذا يؤدي الله عنه ديونه فيفتح له من ~~أبواب الرزق ما لم يكن يحتسبه مكافأة على نيته الصالحة، وعزمه المحمود، على ~~أن لتلك الإرادة أثرا في اكتساب الرزق فإنها لا تزال بصاحبها تدفعه إلى ~~تلمس أبواب المكاسب، والبحث عن طرق المال، حتى يهتدي إليها، ويؤدي ديونه ~~ومثل هذا من يشتري من التجار طعامه وشرابه وحاجياته الآخرى، أو بضاعة يتجر ~~فيها إلى أجل وليس بيده ما يدفعه نقدا. فإن عزم على الأداء والوفاء يسر ~~الله له المال حتى يوفي بما عاهد. # أما من استقرض أو اشترى شيئا دينا أو طلب إلى الناس أن يودعوه أموالهم، ~~أو استعار، أو ms031 استأجر عينا عازما على الجحود والإنكار. أو الإتلاف والإهلاك ~~فإن الله تعالى يتلفه؛ فيوقعه في خبث نيته وسوء طويته، ويفتح له من أبواب ~~النفقات ما يذهب بماله، طارفه وتليده «2» ، أو يسلط عليه من البلايا ~~والمصائب ما يستأصل ملكه، أو يرسل إليه جيشا من الأمراض الفتاكة يعمل في ~~نفسه وأهله وولده ما يحرمهم لذة الحياة ونعيمها إلى عذاب في الآخرة شديد. ~~وهل رأيت أكرمك الله من اغتنى وتنعم في مال غيره المغضوب؟ ولئن ضحكت له ~~الدنيا أياما أو سنين استهزاء به، واستدراجا له لهي كاشرة له عن أنيابها. ~~ثم تلتهمه التهاما. أو تستلب ما كنز من أولاده وأحفاده استلابا: فتلك ~~بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعلمون «3» ، ولا تحسبن الله ~~غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار «4» فالنية ~~الصالحة. والإرادة الصادقة لها أثرها في كسب المال. والهداية لسبله؛ والنية ~~الخبيثة جائحة المال. ومبددة الثروة. والقاضية علي صاحبها بالفقر PageV01P044 # والمتربة. بل بالهلاك والخسار؛ فلا تستدن إلا عند الحاجة؛ وإن استدنت ~~فاعزم على الوفاء. ومهد لتنفيذ العزم بتذليل الأسباب. والبحث عن مسالك المال. # وحذار أن تأخذ أموال الناس في صورة استدانة؛ وطوية نفسك غصب وسرقة؛ ~~وانتهاب وخيانة؛ فتكون غشاشا لمن أعانك؛ بل تكون منافقا تبدي للناس غير ما ~~تضمر؛ ولا تنس قوله تعالى: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها «1» . # فالحديث يحض على الإخلاص في النية؛ وعلى أداء الحقوق؛ ويتوعد من يضمر ~~الشر؛ ويستلب الأموال بالطرق الخفية. وإنه ليؤذن أولئك التجار الذين يملأون ~~مخازنهم بالبضاعات يشترونها لأجل. وفي نيتهم أن يعلنوا الإفلاس بعد أن ~~تمتلىء جيوبهم- يؤذنهم بالخسار والبوار. بل يؤذنهم بحرب من الله لا قبل لهم بها. # فليتقوا الله في أموال الناس ليرزقهم من حيث لم يحتسبوا ومن يتق الله ~~يجعل له من أمره يسرا «2» . # 20- باب: المماطلة في أداء الحق # عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مطل ~~الغني ظلم، وإذا أتبع أحدكم على ملىء، فليتبع» . [رواه البخاري ومسلم ms032 ~~والنسائي وابن ماجه «3» ] . # اللغة: # المطل: في الأصل: المد، يقال: مطلت الحديدة أمطلها مطلا إذا مددتها ~~لتطول. وقال الأزهري: المطل: المدافعة. والمراد به هنا تأخير ما استحق ~~اداؤه بغير عذر. والغني هنا: من قدر على الأداء ولو كان فقيرا. والمليء: ~~الغني المقتدر مأخوذة من ملؤ الرجل ملاء وملاءة إذا اغتني. PageV01P045 # وقال صاحب المختار: المليء الثقة ويقال: الملي بلا همز تسهيلا. والإضافة ~~في مطل الغني من إضافة المصدر لفاعله. وقيل من إضافته لمفعوله وهو بعيد. # الشرح: # مما يحقق الثقة بالمرء أداؤه لحقوق الناس ولو لم يكن من كبار المثرين. ~~ومما يزلزل الثقة أو يزيلها تلكؤه في أداء الحقوق ولو كان في مقدمة ~~الأغنياء الموسرين. # والثقة رأس مال كبير تسهل للمرء طرق أبواب التجارة وإن كان ماله قلا «1» . # وتقرب إليه جيوب الناس وخزائنهم وإن لم يكن مليا. فلا جرم حذرنا الرسول ~~صلى الله عليه وسلم مما ينزع الثقة بالمرء من نفوس الناس وهو المماطلة. ~~ولقد عرف علماء الأخلاق العدل بأنه إعطاء كل ذي حق حقه. ولما كانت مماطلة ~~الغني القادر على الدفع وتأخره في أداء الحقوق منعا للحق عن صاحبه عدها ~~الرسول صلى الله عليه وسلم ظلما فالمماطل ظلم غيره بتأخير حقه بدون عذر. بل ~~ظلم نفسه إذ حرمها الثقة، وعرضها للطعن والثلب في الحياة الدنيا، ولعقوبة ~~الله في الحياة الآخرى. فمن كان مدينا في تجارة، أو في متاع اشتراه، أو كان ~~قبله حقوق لرعيته أو لمن تحت يده إن كان ملكا أو أميرا أو رئيسا أو وزيرا ~~أو كان عليه نفقة لزوجه، أو والده أو ولده، أو قريبه أو عبده، أو كان عليه ~~زكاة أو ضريبة مشروعة، وحل موعد الدفع وتلكأ «2» والمال في جيبه أو تحت ~~يده- كان ظالما- بل قال بعض الفقهاء: لو أمكنه الاكتساب لسداد الدين فتركه ~~كان ظالما فاسقا. فالواجب على المستطيع بأي طريق كان أداء الحق متى حل ~~أجله. ولو لم يطالبه به أهله. بل لو أمكنه الدفع قبل الموعد بادر إليه ~~تبرئة لذمته. ورحمة لنفسه من ذل الدين وهمه. ms033 وربما عسر عليه غدا ما تيسر له ~~الساعة. والمال غاد ورائح. أما إن كان عاجزا عن الأداء فليس بظالم. بل لا ~~يعد مماطلا. والواجب على الدائن في هذه الحال- إن كان له دين- وفي قلبه رحمه. # أحد أمرين: إما مهلة وإما صدقة وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن ~~تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون «3» . PageV01P046 # وإذا قلنا: إن الإضافة في مطل الغني على معنى مطلك الغني فمعنى العبارة ~~أنه يجب وفاء الدين ولو كان مستحقة غنيا. فلا نتخذ من غناه ذريعة لمماطلته، ~~وإذا كان تأخير ديون الأغنياء ظلما فالفقراء من باب أولى. # ولقد أمر الرسول الله صلى الله عليه وسلم الدائن إذا أحاله المدين على ~~غني مليء موسر قادر- أن يقبل هذه الإحالة، وأن يتبع الذي أحيل عليه ~~بالمطالبة حتى يستوفي حقه، وإنما أمره بالإتباع إذا أتبع تنجية للمدين من ~~الظلم أو الإشراف عليه بالمماطلة، وتعجيلا لإستيفاء حقه بلا مساوفة «1» ، ~~ولقد قال أكثر الحنابلة وأبو ثور وابن جرير وأهل الظاهر. إنه يجب على ~~الدائن قبول الإحالة على الملىء عملا بهذا الأمر. # قال الجمهور: إن الأمر هنا للاستحباب وأي مانع يمنعك أيها المسلم الرحيم ~~من أن تلزم نفسك القبول، وفي ذلك خيرك وخير أخيك؟ إنه لا مانع إلا المعاكسة ~~والمشاكسة «2» وليست من أخلاق المؤمن. # وقد استدل بهذا الحديث على اعتبار رض المحيل والمحال دون المحال عليه ~~لعدم التعرض لذكره، وبذلك قال جمهور الفقهاء، وعن الحنفية والاصطخري من ~~الشافعية اشتراط رضاه أيضا. # وكذلك استدل به على أن المعسر لا يحبس، ولا يطالب حتى يوسر لأنه لو جازت ~~مؤاخذته لكان ذلك لظلمه والفرض أنه غير ظالم لعجزه، وقيل: يحبس وقيل: # يطالب وقد قدمنا لك حكم القرآن في ذلك، أما المماطل فنسلك معه كل سبيل ~~حتى يصل ذو الحق لحقه، ولو كان بالإيذاء له أو الحبس. # فأد الأمانات لأهلها، ولا تكن ظلوما، واعمل على تحقيق الثقة بك، وارحم ~~المدين العاجز وأمهله أو تصدق عليه، ولا ترفض ما ينفع غيرك وينفعك، أو ~~ينفعه ولا يضرك ودع النزاع ms034 والخصام وأحل محلهما الألفة والوئام إن الله لا ~~يضيع أجر المحسنين «3» . PageV01P047 # 21- باب: واجب الرؤساء نحو مرؤسيهم # عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: # «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع ~~في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن ~~رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته» . قال: # وحسبت أن قد قال: «والرجل راع في مال أبيه وهو مسؤول عن رعيته، وكلكم راع ~~ومسؤول عن رعيته» . [رواه البخاري ومسلم والترمذي «1» ] . # اللغة: # الراعي: الحافظ المؤتمن. وبعبارة أخرى من إليه تدبير الشيء وسياسته وحفظه ~~ورعايته مأخوذ من الرعي وهو الحفظ. والرعية: كل ما يشمله حفظ الراعي ونظره. ~~وحسبت: ظننت. # الشرح: # ما من إنسان إلا قد وكل إليه أمر يدبره ويرعاه. فكلنا راع وكلنا مطالب ~~بالإحسان فيما استرعيه ومسؤول عنه أمام من لا تخفى عليه خافية، فإن قام ~~بالواجب عليه لمن تحت يده كان أثر ذلك في الأمة عظيما. وحسابه عند الله ~~يسيرا وثوابه جزيلا. # وإن قصر في الرعاية. وخان الأمانة أضر بالأمة وعسر على نفسه الحساب. # وأوجب لها المقت والعذاب. فإن فر في الدنيا من يد الإدارة، أو النيابة، ~~أو برأه القضاء، أو لم يكن تقصيره داخل في حدود القوانين القائمة فإن حساب ~~الله آت، وعقابه بالمرصاد. وكل امرىء بما كسب رهين. # فإمام الناس من ملك أو أمير- راع كفيل. وحافظ أمين مسؤول عن أهل مملكته ~~أو إمارته. فعليه إقامة العدالة فيهم؛ ورد الحقوق لأربابها. واحترام ~~حرياتهم في دائرة PageV01P048 # الحق والأدب واستشارتهم في الأمور، والإستماع لنصائحهم والذود عن ~~كرامتهم، والحرص على مصالحهم، والدفاع عن حقوقهم، وفتح الأبواب لمعايشهم، ~~وتذليل السبل لتنمية ثروتهم. والضرب على أيدي المفسدين والتنكيل بالمجرمين ~~الخائنين، والعمل على قطع الفساد في الأرض، ومنع الجرائم منها- إلى غير ذلك ~~مما ترقي به الأمة. وتسلم من الأضرار. وإن الإمام المسؤول أمام الله عن ~~أمته وجماعته، يسأل عن كل فرد فيها. وعن كل ms035 عمل من أعمالها. يسأل عن ثروتها ~~موردا ومصرفا. وعما عمل لمصلحتها وسلك لسعادتها بل يسأل عن حيوانها: ماذا ~~صنع لراحته. وتخفيف مشقته. وبعبارة أوجز: بقدر ما في يده من الشؤون وما وكل ~~إليه من الأمور يكون الحساب. وتكون المسؤولية. فلا يله ذو منصب بمنصبه عن ~~القيام بواجبه. ولا يغترن الرؤساء بمظاهر الرياسة من الحيطة والكياسة. ~~وإعداد العدة لحساب أحكم الحاكمين. # كذلك الزوج أو رب الأسرة راع في أسرته. ومؤتمن على من تحت ولايته فعليه ~~التعليم لهم والتثقيف، والتربية والتهذيب، بنفسه أو بوساطة ماله حتى يكونوا ~~كملة في الأخلاق، أئمة في الآداب، سواء في ذلك بنوه وبناته وإخوته وأخواته ~~وزوجه وخدمه. وفي مقدمة التهذيب تعليمهم فرائض الدين. وتأديبهم بأدب العليم ~~الحكيم. # وتأديبهم له من طريق عمله. أجرى «1» عليهم من كلمة. وعليه الأخذ بهم عن ~~طريق الدنايا. والإبتعاد عن مواطن الريب. ومياآت الفتن. وعليه أن يقدم لهم ~~مسكنا مناسبا. وطعاما وشرابا موافقا. ولباسا في دائرة الأدب والحشمة وزينة ~~لا تدعو إلى الفتنة. كل ذلك في غير تقتير ولا إسراف. بل يسلك طريق الاقتصاد ~~ليدخر لهم ما يكون عدة للشدائد، وسعة في المضايق، وتركة تقيهم ذل المسألة ~~وتحفظ عليهم الكرامة. وليكن في بيته عينا راعية وأذنا واعية. يتفقد الأمور ~~ويتحرى المصالح ويقيم العدل في رعايا هذه المملكة الصغيرة. وليعلم أن الله ~~سائله عن زوجه: هل عاشرها بالمعروف. وقام لها بالحقوق ولم يخنها في غيبته؟ ~~وسائله عن ولده: ماذا صنع في نفسه. وما عمل في ماله. وعن أقربائه الذين هم ~~تحت كنفه: ماذا قدم لهم وكيف واساهم فليعد الجواب الحسن من عمله وخلقه وكرم ~~رعايته وحسن ولايته يا أيها PageV01P049 # الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة ~~غلاظ شداد «1» . # وكذلك المرأة في بيت زوجها راعية، ومؤتمنة موكلة وربة مملكة، رعيتها ~~البنات والبنون. والزوج الرؤوم. والبيت وما وعى. والمال والخدم. فلتكن ~~للأولاد خير مربية. ولزوجها خادما طائعة. وفي بيتها حكيمة مدبرة. وعلى ~~المال قائمة راعية حافظة له منمية ولخدمها قدوة صالحة، ترشدهم ms036 إلى الواجب. ~~وتهداهم إلي الصالح. # تهذب من أخلاقهم. وتقوم بواجبهم. تراقب سيرتهم وترعى نفوسهم ولا تهجر في ~~زجرهم «2» . وبعبارة أخرى: نريد من المرأة بيتا نظيفا منظما. وولدا صحيحا ~~مؤدبا ومالا مرعيا وطعاما شهيا وثمرا جنيا. وطاعة لزوج في معروف. وأدبا في ~~منطق وكمالا في نفس. ونظافة في بدن وزي. وفي ولد وخدم فإن فعلت ذلك فنعمت ~~الراعية. ونعمت من ترعى وإن المرأة مسؤوله أمام الله عن هذه الرعية: أقامت ~~بواجبها أم قصرت في حقها فإن كان القيام فروح وريحان وجنة نعيم. وإن كان ~~التقصير فنزل من حميم وتصلية جحيم فليتق الله نساؤنا ولا يكن كل همهن ~~الطعام والشراب، وزيارة الأحباب، والتفنن في الزينات، والمشي في الطرقات. # أما البيت وتدبيره، والولد وتقويمه؛ والزوج وشؤونه فلا عناية ولا رعاية. ~~ذلك شين في الدين. الخطر فيه كبير. والوزر عظيم والحساب عليه عسير. # كذلك الخادم راع في مال سيده، وحافظ مؤتمن، فليرعه كما يرعى ماله. ينميه ~~بما استطاع. ويحفظه من الضياع، يرحم حيوانه ويرأف به، ويتفقد صالحه وخيره، ~~أليس من هذا المال يطعم ويشرب ويلبس ويسكن؟ أليس منه يتخذ الأجر؟ فلم لا ~~يكون فيه أمينا، وعلى تثميره حريصا. وإذا كان مكلفا برعاية المال فما بالك ~~برعاية الأهل والولد. فلا يخن سيده في ماله، أو ولده أو أهله. وليبعد عنهم ~~الدنس والدنايا ولينصح لسيده في كل ماله صلة به والدين النصيحة وليعلم أن ~~الله سائله عن رعيته. # كذلك الولد راع في مال أبيه يستثمره وينميه، ويحفظه ويرعاه، فلا يبذره ~~تبذيرا، ويبدده تبديدا، ولا يخونه فيه بالسرقة أو الإغتصاب، أو الكذب عليه ~~في PageV01P050 # الحساب. وهل مال أبيه إلا ماله؟ فإن رعاه فإنما يرعى لنفسه، ويدبر ~~لمستقبله وسيسأل الله الأبناء عما صنعوا في مال الآباء فليتقوا الله فيه، ~~وليعملوا ما يحمدون عليه. # وكلنا راع، وكلنا مسؤول عن رعيته. فالعمدة راع في بلده. ومسؤول عن رعيته، ~~والمأمور راع في مركزه، ومسؤول عن رعيته، والنائب أو الشيخ راع في دائرته، ~~ومسؤول عن رعيته، ورئيس النواب أو الشيوخ راع في ms037 مجلسه، ومسؤول عن رعيته، ~~والناظر راع في مدرسته، ومسؤول عن رعيته، والمدرس راع في فصله، ومسؤول عن ~~رعيته، وكل رئيس راع في مصلحته، ومسؤول عن رعيته، والصانع راع في صنعته، ~~ومسؤول عن رعيته، والتاجر راع في تجارته، ومسؤول عن رعيته، والزارع راع في ~~مزرعته، ومسؤول عن رعيته. # فالحديث دعامة كبيرة في القيام بالواجبات والحقوق. والإحسان في الأعمال ~~والرعاية لما تحت اليد؛ وإنه ليقرر مسؤولية كل فرد فيما وكل إليه من نفوس ~~وأموال ومصالح وأعمال. # 22- باب: وجوب صلاة الجماعة # عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «والذي ~~نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب يحتطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر ~~رجلا فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده ~~لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقا سمينا أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء» . [رواه ~~البخاري ومسلم والنسائي «1» ] . # اللغة: # الهم: العزم أو ما دونه. ويحتطب: يكسر. ويؤم الناس: يصلي بهم PageV01P051 # إماما وأخالف: أتخلف أو آتي من الخلف. أو ذهب إلى من تخلف. والتحريق: # المبالغة في الحرق والعرق: العظم إذا أخذ عنه معظم اللحم، وجمعه عراق، ~~وهو جمع نادر. ويقال: عرقت العظم واعترقته وتعرقته إذا أخذت عنه اللحم ~~بأسنانك. # وقال الأصمعي: العرق قطعة لحم. والمرماة: ظلف الشاة وقيل ما بين ظلفيها ~~من اللحم. وتطلق المرماة على: سهم صغير غير محدد يتعلم به الرمي وهو أبخس ~~السهام وأدناها. # الشرح: # مما شرعه الإسلام أداء الصلوات جماعة في المساجد لحكم بالغة، ومزايا جمة. ~~ذلك أن القيام بها تأليف بين المسلمين وجمع لقلوبهم في أكبر عباده مهذبة ~~للنفوس، مرقية للشعور، مذكرة بالواجب، معلقة الآمال بالكبير المتعال. # وفيها يقف الأمير بجانب الصغير، والغني بجانب الفقير. فتتساوى الرؤوس كما ~~تساوت الأقدام في الصفوف. وإذ ذاك تنسى مظاهر الترف التي كثيرا ما فتنت الناس. # وفيها يتعلمون من الإمام الدين بطريق عملي أو نظري بما يزودهم به من ~~النصائح عقب الصلوات. وفيها معنى الوحدة. والتمرين على الأعمال المشتركة. ~~والتدريب على ms038 مواقف الحرب تحت إمرة قائد واحد. وفي صلاة الجماعة أيضا حركة ~~بالسعي إلى المساجد. فيزول الكسل ويحلو العمل. وفيها سهولة إعلام الناس ~~بالأمور العامة- والحوادث المهمة- إلى غير ذلك من مزاياها. # فلما كانت بهذه المثابة أكد الرسول صلى الله عليه وسلم طلبها، وحتم على ~~الرجال حضورها. # فالرسول صلى الله عليه وسلم يقسم بمن نفسه بيده، وروحه بقدرته، يتصرف ~~فيها كما يشاء أنه قد هم وعزم، وقدر وصمم أن يأمر بعض الناس بإحضار حطب ~~يحطم ويكسر ليسهل اشتعال النار فيه. ثم يؤمر بعض الناس بإحضار حطب يحطم ~~ويكسر ليسهل اشتعال النار فيه. ثم يأمر بالصلاة يؤذن بها المؤذن. ثم يتخير ~~من بين الحاضرين رجلا يؤم الناس في الصلاة نيابة عنه. ويتخلف هو إلى رجال ~~في منازلهم قعدوا عن صلاة الجماعة. وتركوها بلا عزر. فيحرق عليهم بيوتهم ~~بالحطب الذي يحطب. فيذهب الحريق بنفوسهم وأموالهم عقابا لهم على ترك هذه ~~الشعيرة. # ثم أعاد الرسول صلى الله عليه وسلم القسم تأكيدا وتثبيتا، وقال: لو يعلم ~~أحد هؤلاء المتخلفين أن في الذهاب إلى المسجد شيئا حقيرا من متاع هذه ~~الحياة يأكله أو ينتفع به لحضر PageV01P052 # صلاة العشاء التي هي من أثقل الصلوات على ضعفاء النفوس لظلام الطريق. ~~واقتراب موعد النوم. والميل فيه إلى الراحة من عناء الأعمال طوال النهار. ~~وقد مثل الشيء الحقير بظلف الشاة- نعلها الطبيعي- أو بعظم به بقايا لحم أو ~~بلحيمة. وبسهمين دقيقين حسنين، يتعلم بهما الصبيان الرماية. وقيمتها ضئيلة. ~~يعني بذلك الرسول أن هذا المتخلف لو وجد في الحضور إلى المساجد منفعة ~~دنيوية يسيرة لهرول «1» إليها، فهو ضعيف الإيمان. غافل عن مزايا الجماعة. ~~مؤثر لعرض هذه الحياة على ما عند الله. # والحديث كما ترى فيه وعيد شديد لتاركي صلاة الجماعة؛ وأنه هم بقتلهم، ~~وتحريق بيوتهم ولعله منعه من التنفيذ أن غرضه مجرد التهديد، أو نساء وصبيان ~~يسكنون بيوتهم لا ذنب لهم ولا جريرة. # ومن أجل هذا الوعيد ذهب عطاء والأوزاعي، وأحمد وجماعة من محدثي الشافعية، ~~كأبي ثور، وابن خزيمة، وابن المنذر، وابن حبان إلى أن ms039 صلاة الجماعة فرض عين. # بل بالغ داود بن علي وأتباعه من الظاهرية، فاشترطوا الجماعة لصحة الصلاة ~~بناء على أن ما وجب في العبادة كان شرطا فيها، وظاهر نص الشافعي أنها فرض ~~كفاية إذا قام بها جماعة سقطت عن الباقين، وعليه جمهور المتقدمين من أصحابه ~~وكثير من الحنفية والمالكية، والمشهور عند الباقين أنها سنة مؤكدة. # وأجابوا عن حديثنا بجملة أجوبة لا تسلم من قدح «2» ، وأمثلها أن المراد ~~بالصلاة الجمعة. واستدلوا لذلك بالتصريح بها في رواية لمسلم، ولكن جاء ~~التصريح بالعشاء في روايات كثيرة صحيحة، ومن الأجوبة الأحاديث المفصلة ~~لصلاة الجماعة على صلاة الفرد كحديث «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفرد بسبع ~~وعشرين درجة» ، وفي رواية: «بخمس وعشرين» - رواه البخاري «3» عن أبي هريرة. ~~فقالوا: إن الأفضلية PageV01P053 # تقتضي الإشتراك في أصل الفضل، ومن لازم ذلك الجواز. # والحديث يدل على جواز أخذ مقتر في الجرائم على غرة لأنه صلى الله عليه ~~وسلم هم بذلك في الوقت الذي عهد منه فيه الاشتغال بصلاة الجماعة، فأراد أن ~~يبغتهم «1» في الوقت الذي يتحققون أنه لا يطرقهم فيه أحد. # ويدل أيضا على تقديم الوعيد والتهديد على العقوبة، وسر ذلك أن المفسدة ~~إذا ارتفعت بالأهون من الزجر اكتفى به عن الأغلظ من العقوبة. # فاحرص أخي على صلاة الجماعة؛ ولا تدعها إلا لعذر قوي، ولا يشغلنك عنها ~~لعبة، أو أكلة، ولا تتساهل في حق الله كما لا تقصر في حق نفسك، وكن لبيت ~~الله معمرا، ولمصلحة إخوانك راعيا. كما راعى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مصلحة صحبه وحملهم على القيام بالواجب. ولو ناداك عظيم لبيت نداءه. وهرولت ~~نحوه لتنفذ إشاراته. فالله يناديك: حي على الصلاة: حي على الفلاح ويثني لك ~~النداء فلا تجيب نداءه؟ ألا تهرول إلى الجماعة؟ ألا تعدو إلى التشرف ~~بلقائه. والتلذذ بمناجاته في ذلك الجمع العظيم. من أولي النفوس الطاهرة؟ ~~أكبر ظني أنك مجيب وكيف؟ وأنت الفطن اللبيب. # 23- باب: معاونة الإخوان في الدين # عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله ms040 عليه وسلم: # «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله ~~في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ~~ستر مسلما ستره الله يوم القيامة» . [أخرجه البخاري؛ ومسلم، وأبو داود، ~~والنسائي، والترمذي «2» وقال: حسن صحيح] . PageV01P054 # اللغة: # يقال: أسلم فلان فلانا إذا ألقاه إلي الهلكة، ولم يحمه من عدوه. وهو عام ~~في كل من أسلمته إلى شيء لكن غلب على الإلقاء في الهلكة. والكربة: الغم ~~الذي يأخذ بالنفس. وتفريجها: كفها وإزالتها. # الشرح: # المراد بإخوة المسلم للمسلم توثق العلاقة بينهم كتوثقها بين إخوة النسب ~~توثقا يترتب عليه المحبة والمودة، والمواساة والنصر. وجلب كل خير ودفع كل ~~ضر، ومن مقتضى الأخوة أنه لا يظلمه ولا يسلمه، وظلمه انتقاص حقه في نفسه أو ~~ماله أو عرضه؛ طيبا أو فاسقا؛ فالظلم باطلاقه محرم؛ وقد نهى عنه القرآن في ~~مواضع كثيرة، وفيه يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «الظلم ظلمات يوم ~~القيامة» - رواه الشيخان «1» - وإسلامه خذلانه وتركه لعدوه ينكل به، أو ~~يقضي عليه؛ وإذا كان الإنسان يحمي أعضاءه مما يضرها فليحم أخاه المسلم الذي ~~اعتبره الشارع كعضو منه فلينصره ظالما أو مظلوما؛ ونصره ظالما منعه من ظلمه. # وقوله: ومن كان في حاجة أخيه إلخ حث على السعي في مصالح الناس سواء كانت ~~مصالح مالية؛ أو علمية، أو أدبية؛ وقد دلت هذه العبارة على أن الوقت الذي ~~ينفقه الإنسان في قضاء مصالح لغيره لا يضيع عليه؛ بل القدير العليم الذي ~~بيده خزائن السموات والأرض يسعى في قضاء حاجاته، فهو إن بذل للإنسان قليلا ~~نال به من الله خيرا كثيرا، فليستعن المرء على قضاء حاجته بقضاء حاجات ~~الناس، وهذا المعنى يدخل في عموم قوله تعالى: إن تنصروا الله ينصركم «2» ، ~~وكذلك ما بعده؛ وقوله: «ومن فرج عن مسلم كربة» إلخ، حض على السعي في دفع ~~البلايا التي تحل بالمسلمين في الحياة الدنيا؛ فمن أصابته مسغبة بذلت له من ~~مالك أو حثثت الأغنياء على معونته؛ ومن بلي ms041 بالعطلة سعيت له في عمل، ومن ~~حاق به ظلم ظالم رفعت عنه الظلم ما وجدت لذلك سبيلا، ومن انتابه مرض ~~داويته؛ أو أحضرت له طبيبا؛ وعلى PageV01P055 # الجملة تسعى لإخوانك في إزالة النوائب أو تخفيفها؛ وقد ضمن الله لفاعل ~~ذلك رفع الكرب عنه يوم القيامة؛ وكرب يوم القيامة شديدة لا تماثل كرب ~~الدنيا؛ فليس لدرئها يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا معونة تقدمها في الدنيا ~~لذوي الحاجة؛ وقوله: «من ستر مسلما» ، إلخ حث على ستر زلات أخيه المسلم إذا ~~اطلع عليها؛ وظاهر هذا الإطلاق يشمل كل زلة صغيرة أو كبيرة مما يوجب الحسد ~~كسرقة وزني وشرب خمر أو لا، فستر الجميع مطلوب، ولكن للعلماء في ذلك تفصيل ~~فقالوا، إذا رأى المجرم أثناء ارتكابه الجريمة تقدم إليه منكرا، ومنعه منها ~~ما استطاع، فإن تركه كان آثما لأنه لم يقم بواجب النهي عن المنكر، ويعتبر ~~كمساعد له على الجريمة، والله يقول: ولا تعاونوا على الإثم والعدوان «1» ، ~~وإن عرف الجريمة بعد ارتكابها فإن كان مرتكبها من المعروفين بالإجرام وجب ~~عليه تبليغ أولي الأمر «الإدارة أو النيابة» ما لم يخش من ذلك مفسدة راجحة ~~لأن الستر في هذه الحال يدعوه إلى التمادي في الإجرام، ويجرىء غيره من أهل ~~الفساد على الطغيان، وإن لم يعرف بالإجرام فالستر عليه مستحب، ويجوز له ~~تبليغ أولي الأمر، ولا يكون بذلك آثما ما لم يعرف أنه تاب وأقلع، فإن ~~التبليغ يحرم عليه وقد قالوا: إن جرح الشهود والرواة والأمناء على الأوقاف ~~والصدقات وغير ذلك من باب نصيحة المسلمين الواجبة على كل من اطلع عليها. ~~ولا يعتبر ذلك من باب الغيبة، ولا من قبيل هتك العورة. # ومدار البحث في هذا الموضوع أن النهي عن المنكر واجب قولا فلا تمكن شخصا ~~من ارتكاب جريمة أو إتمامها إن استطعنا، وأن العورة أو السيئة إذا كان في ~~الإخبار بها مصلحة للمسلمين أو دفع مضرة عنهم وجب التبليغ لمن يملك ~~التأديب، وإن كان في الإخبار مجرد الفضيحة ولا مصلحة من ورائه فينبغي الستر ~~خصوصا ms042 على الذين لم يعرفوا بالفساد. # واعلم أن هناك عيوبا خلقية، مستورة عن عيون الناس؛ ويؤلم الشخص أن تعرف ~~عنه، فالواجب على من اطلع عليها ألا يذيع أمرها فإن الإذاعة إيذاء والمسلم ~~من سلم المسلمون من لسانه ويده. # وقد وعد الله سائر العورات بالستر عليه يوم القيامة، فلا يفضحه على رؤوس PageV01P056 # الأشهاد، بل يتجاوز عن سيئاته بما قدم من حسناته؛ ولو فسرنا ستر المسلم ~~بسكوته لم نبعد، ولكن الأول أظهر. # 24- باب: نصر الظالم والمظلوم # عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«انصر أخاك ظالما أو مظلوما» . قالوا: يا رسول الله هذا ننصر مظلوما، فكيف ~~ننصره ظالما؟ فقال: «تأخذ فوق يديه» . [رواه البخاري ومسلم والترمذي «1» ] . # الشرح: # الإخوة في الدين رابطة متينة؛ وعلاقة وثيقة؛ توجب على المرء السعي في خير ~~أخيه؛ من طريق المساعدة على الخير، والمنع من الشر إن أراده أو سلك طريقه ~~وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على ~~الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء- ترجع- إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا ~~بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين. إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا ~~بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون «2» . # ولقد أمرنا الرسول صلى الله عليه وسلم بنصر الأخ ظالما أو مظلوما، ~~فالمظلوم في حقه أو ماله نمنع عنه الظلم، ونرفع الحيف، بكل ما نستطيع من ~~الوسائل، فإن كان الكلام مجديا في ارعواء «3» الظالم عن ظلمه آثرناه، وإن ~~كان القضاء هو السبيل لاسترداد الحق المسلوب ساعدناه بالمال رسما للقضايا ~~وأجرا للمحامين، ومكافأة للخبراء، وإن كان لا يرتدع عن بغيه إلا بشكايته ~~على صفائح الجرائد سننا له القلم، وسودنا له الصحائف؛ وإن كان غشوما «4» لا ~~تردعه إلا القوة سلكنا سبيلها، والمضطر يركب الصعاب؛ والقصد أن تكون يدنا ~~إلى يد المظلوم حتى يأخذ حقه، ويبرد غضبه وتطمئن نفسه. PageV01P057 # أما نصر الظالم فربما خلته مساعدته على ظلمه، أو مجاراته في عدوانه كما ~~كان العرب يصنعون في عهد الجاهلية. # إذا أنا لم أنصر أخي وهو ظالم ms043 ... على القوم لم أنصر أخي حين يظلم # وكما يصنع أولو العصبية والجهالة، المتهالكون في الحزبية؛ ينصرون شيعتهم ~~بالحق وبالباطل، وليس نصر الظالم ذلك؛ بل تمنعه من الظلم؛ فإن أراد استلاب ~~مال أخذت بيديه وإن أراد اغتصاب حق حلت بينه وبينه؛ وإن أراد البطش ببريء ~~ضربت على يده إن كانت يدك أقوى منها. وتراعي الحكمة في المنع لئلا ينقلب ~~ظالما لك؛ وقد يكون شديد النكاية. وأنت ضعيف الرماية فإن كانت النصيحة ~~رادعة سلك سبيلها؛ فإن لم تكن مجدية فاستعن عليه بمن هو أعلى منه. # ممن يخشى بأسه، أو يرهب سلطانه، أو يرجو مصلحة عنده، فلا يكن في ذلك رادع ~~فاستعمل معه القوة ما قدرت عليه حتى يعود إلى حظيرة الحق، ويستقيم على ~~النهج وإنما سمى الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك نصرا وإعانة مع معاكسة ~~وعداوة لأن ظلمه إضرار بنفسه في حياته الحاضرة، يعرضها للعقوبات القضائية ~~ويشين سمعتها بين البرية، ويدنسها بالعيش من الحرام واستمراء الحقوق ~~ويعرضها لعقوبة الله في الحياة الآخرة، بل في الحياة الدنيا ولنذيقنهم من ~~العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون «1» ، فمن أراد قتل نفس ~~عدوانا وظلما إذا أرخيت له العنان حتى ارتكب هذا الجرم الكبير عرض نفسه ~~للقصاص، واستلاب الحياة، فأعقب ذكرى سيئة وتاريخا أسود؛ ورمل زوجه، ويتم ~~ولده، وأساء إلى أسرته، وكان مثلا سيئا في الباقين، فإذا منعته من جرمه، ~~وضربت بسيفك على يده حفظت له الحياة، وأبقيت على ذكراه، وأنجيت أهله وولده ~~وحفظت الشرف على أسرته؛ فكان ذلك نصرا مؤزرا، بل كنت له الصديق في ثوب ~~العدو والحريص على خيره في لباس الراغب في شره. # فيا أيها المسلم لا تجعل للظلم بين المسلمين وجودا، ولا ترى فيهم ظالما ~~أو مظلوما بل اعمل على تمتع كل امرىء بحقوقه، وطمأنته على شؤونه، وآثر «2» ~~الحق PageV01P058 # والخير. وإن أغضبت الجهول، فإنه لك بعد نعم الشكور. والله في عون العبد ~~ما كان العبد في عون أخيه. # 25- باب: تعاون المؤمنين # عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى ms044 الله عليه وسلم قال: ~~«المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا، ثم شبك بين أصابعه» . [رواه ~~البخاري ومسلم والترمذي «1» ] . # البيت مكون من جدران اتصل بعضها ببعض، والجدار مكون من لبنات أو طوب أو ~~حجارة، وللقطعة منها في الجدار من القوة والمتانة ما ليس لها خارجة إذ شدت ~~إلى ما حولها بالشيد «2» ، وكان لها سند من جميع نواحيها، ولهذا يصعب ~~تحريكها في جدارها، بل يصعب تكسيرها، أما خارج الجدار فليس لها مناعة وقوة ~~فكسرها سهل، ونقلها أسهل، وكذلك الجدار إذا كان قائما وحده. وعمره قصير ~~تزلزله حوامل الأثقال إذا مرت بجانبه، وتهزه العواصف الشديدة، أو تطرحه ~~أرضا فإذا ما اتصل بغيره من طرفيه حتى كانت في الجدار حجرة. وكان من ~~الحجرات منزل أو عمارة؛ رسخ في مكانه وصلب في مقامه، ولا تؤثر فيه الحوادث ~~إلا بقدر، فالجدار وحده ضعيف، وبأمثاله قوي شديد. # ذلك مثل المؤمن للمؤمن، فهو معه كالبنيان يشد بعضه بعضا فالمؤمنون شأنهم ~~التعاون والتناصر، والتظاهر والتكاتف على مصالحهم الخاصة والمصالح العامة: # وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان «3» ، أما ~~التفرق والتخاذل فلا يعرفه الإيمان، وليس من الدين في شيء فإن كان التعاون ~~كانت القوة PageV01P059 # للمسلمين، والشوكة للموحدين؛ يستخدمونها في التنكيل بعدوهم، حتى يستردوا ~~حقوقا مغصوبة وأرضا منقوصة، أو يرهبون بها من يحدثهم جشعهم باستلاب ملكهم، ~~واستعمار بلادهم، فلا يقدمون على ما عزموا وبيتوا وقدروا، أو يسخرونها في ~~الانتفاع بخيرات هذا الكون، وتذليل عناصره، بعمل الجمعيات، وإنشاء الشركات، ~~وإقامة النقابات، وبقدر ما بين المسلمين في أنحاء الأرض من حسن الصلات، ~~ووثيق العلاقات تكون قوتهم، وثبات ملكهم؛ وقيامه خالدا. # وإن كثرت الزلازل، وتوالت العواصف، وأجمع الأعداء من أمرهم. وأجلبوا ~~علينا بخيلهم ورجلهم، وإن كان التخاذل والتدابر والتقاطع وتبديد عرا ~~الإخاء، وانصراف كل إلى نفسه وهواه وشهرته. كان الضعف والإنحطاط، والفشل ~~والخور. # فضيحة من عدونا، وإبراق وإرعاد، يزلزل ملكنا، ويذهب بمجدنا، ويجعلنا ~~أذلاء في ديارنا؛ بل ضعفاء في ديننا. فلا دنيا حصلنا ولا دينا أقمنا؛ ولا ~~ثوابا آجلا ضمنا فخسرنا الدنيا ms045 والآخرة، وذلك هو الخسران المبين؛ والذئب ~~إنما يأكل من الغنم القاصية التي تركت جماعتها واستقلت عن فصيلتها. # ولقد مثل الرسول صلى الله عليه وسلم اتحاد المسلمين ومعونة بعضهم لبعض ~~بالتشبيك بين أصابعه. وإدخال بعضها في خلال بعض، ولا شك أن ذلك يزيد في ~~متانة كل إصبع ويعطي كل يد قوة إلى قوتها؛ كذلك المسلمون إذا تضامت «1» ~~أيديهم، وتظاهرت «2» قواهم، وتحابت نفوسهم؛ وتساندت أممهم، زادوا قوة، ~~وخلقوا لهم عزة فدانت الأمم لسلطانهم وخضعت لأمرهم ولله العزة ولرسوله ~~وللمؤمنين «3» . # فيا أيها المسلمون ذلكم رسولكم، وأسوتكم وإمامكم، يرشدكم إلي سلاح ماض ~~وجيش غلاب، وعدة عتيدة. تنفعكم في البأساء والضراء، وتدفع عنكم الأعداء ~~وتزيل عنكم الاستعباد، وترد إليكم العزة الماضية، والكرامة الراحلة، ~~وتبوئكم المكانة العالية ذلكم هو سلاح الائتلاف، والاتحاد والوفاق، سلاح ضم ~~اليد إلى PageV01P060 # اليد. ومعونة الأخ للأخ، وترك النزاع جانبا، والعداء ظهريا. فاستمعوا ~~لإرشاده، واعملوا بنصحه فإنه من يطع الرسول أطاع الله، ومن يعصه عصاه ~~واذكروا قوله تعالى: واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت ~~الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا «1» ، ~~وقوله: ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين «2» . # 26- باب: دعوة المظلوم # عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث ~~معاذا إلى اليمن، فقال «اتق دعوة المظلوم، فإنها ليس بينها وبين الله حجاب» ~~. [رواه البخاري ومسلم «3» ] . # اللغة: # الحذر. وأصله اتخاذ الوقاية مما يضر. والحجاب: الحاجز المانع حسيا أو ~~معنويا. وهو في الأصل مصدر حجبه يحجبه حجبا وحجابا إذا منعه وستره. # الشرح: # هذا الحديث قطعة من وصية وصى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذ بن ~~جبل حين بعثه إلى اليمن سنة عشر قاضيا عليها. أو واليا قال له: «إنك ستأتي ~~قوما أهل كتاب فإذا جئتهم فادعهم إلي أن يشهدوا ألاإله إلا الله وأن محمدا ~~رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات ~~في كل يوم وليلة. فإن هم ms046 أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم صدقة، ~~تؤخذ من أغنيائهم، فترد على فقرائهم فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم ~~أموالهم. # نفائسها. واتق دعوة المظلوم ... » . إلخ. # دعوة المظلوم على ظالمه دعوة حقة، وإنها لانتصار من ظلمه: ولمن انتصر PageV01P061 # بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل «1» ، وهي دعوة حارة سخنت من نار الغضب ~~صادرة من أعمال النفس، فكانت في السماء متصعدة، شأن الهواء إذا سخن بعيدة ~~المدى، شأن القنبلة إذا أطلقت من مدفع بعيد الغور، فما تزال تشق أجواء ~~الفضاء لا يحجبها حاجب ولا يردها صادر حتى تصل إلى السماء، فتخترق طبقاتها، ~~وتنفذ من بنائها، فيتقبلها ربها بردا وسلاما لمن دعا، ونارا وجحيما لمن ~~ظلمه، وكأن الرسول صلى الله عليه وسلم استنبط هذا المعنى من قوله تعالى: لا ~~يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعا عليما «2» ، ~~فالدعوة مشروعة بقوله: إلا من ظلم، ومقبولة مسموعة بتعقيب الاستثناء بقوله: ~~وكان الله سميعا عليما، وقد جاء في حديث رواه أحمد بسند حسن: قبول دعوة ~~المظلوم وإن كان فاجرا، وأن فجوره على نفسه لا يقف دون دعوته. وجاء في ~~الحديث أن إجابة الدعاء على ثلاث مراتب إما أن يجاب الداعي إلى ما طلب، ~~وإما أن يدخر له أفضل منه، وإما أن يدفع عنه من السوء مثله، فلا تعجب إذا ~~لم تجب إلى عين ما طلبت وقد ظلمت، فإن الله عليم حكيم قد تقتضي حكمته عدم ~~الإجابة إلى ما سألت والله يعلم وأنتم لا تعلمون «3» . # وقد حذر الرسول صلى الله عليه وسلم واليه وعامله، وبعيثه وقاضيه من دعوة ~~المظلوم، وأمره أن يتخذ من دونها وقاية، وما اتقاؤها إلا بتجنب أسبابها، ~~فلا يظلم أحدا ممن تحت ولايته في نفسه إيذاء، أو في ماله بانتقاص كأن يأخذ ~~في الزكاة كرائم أمواله، ونجائب «4» حيوانه، دون الوسط من ذلك، فيوغر صدره ~~ويسن لسانه؛ ويبعث بدعوة المظلوم من قلبه، ولا يحابي في عمله الأغنياء، ~~ويعرض عن الفقراء، ولا يعفو عن ظالم لمكانة أو وجاهة، ms047 ولا يقبل رشوة أو ~~شفاعة أو باطل، وإن كان قاضيا تجنب المحاباة ووزع المساواة، وأخذ للضعيف من ~~القوي وتحرى الحق في قضائه، والعدل في أحكامه. إلى غير ذلك من آداب الولاة ~~والقضاة، فليكن قاضي الجنة، والإمام العادل الذي يظله الله في يوم لا ظل ~~إلا ظله. PageV01P062 # فيا أيها القضاة والولاة، ويا أيها الحكام والرعاة، خولكم الله رعية وجعل ~~تحت أيديكم حقوقا وأمانات، فاتقوا الله فيها؛ وأدوا الأمانات لأهلها، ولا ~~تنقصوا أحدا حقه، ولا تبخسوا عاملا عمله؛ ولا تسلبوا مجدا أمله إن الله ~~يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ~~إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا «1» واعلموا أن من ظلمتم أو ~~خذلتم فالله ناصره ومعينه؛ ووليه وكفيله؛ وإنه لمتقبل دعوته، ومستمع ~~شكايته؛ ومنتقم ممن ظلمه؛ وآخذ له منه حقه، فاتقوا الديان؛ واحذروا النكال: ~~ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون «2» . # 27- باب: جزاء من اغتصب أرضا # في اغتصاب الأراضي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين» . [رواه البخاري ومسلم ~~«3» ] . # اللغة: # القيد بكسر القاف: القدر كالقاد والقيس والقاس؛ فكلها بمعنى واحد؛ ~~والتطويق: وضع الطوق في العنق، ويقال: للتكليف والإلزام. # الشرح: # هذا الحديث روي عن عبد الله بن عمر أيضا بلفظ: «من أخذ شيئا من الأرض ~~بغير حقه خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين» «4» . # وكذلك روي عن سعيد بن زيد في قصة حكاها مسلم: قال سعيد: إن أروى خاصمته ~~في بعض داره، فقال: دعوها وإياها فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: «من أخذ شبرا من الأرض بغير حقه طوقه من سبع أرضين يوم القيامة اللهم ~~إن كانت كاذبة PageV01P063 # فأعم بصرها، واجعل قبرها في دارها» «1» ، قال: فرأيتها عمياء تلتمس الجدر تقول: # أصابتني دعوة سعيد بن زيد، فبينما هي تمشي في الدار مرت على بئر في ~~الدار، فوقعت فيها، فكانت قبرها. # الظلم حرام قليله وكثيره؛ وسرقة الأرض ms048 وغصبها باب من أبواب الظلم، شبرا ~~كان المأخوذ أو ذراعا، قصبة كان أو فدانا، ملكا للأفراد أو من المنافع ~~العامة لما رواه أبو يعلى بإسناد عن الحكم بن الحارث أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: «من أخذ من طريق المسلمين شبرا جاء يوم القيامة يحمله من ~~سبع أرضين» » # . فالذين يأكلون من الطرق الخاصة أو العامة في المباني أو المزارع أو ~~يأخذون من جسور السكك الحديدية أو من شواطىء الأنهار والترع كل أولئك ظلمة ~~غصبة، وكذلك الذين يغيرون معالم الضياع أو أراضي البناء، ويزحزحون حدودها ~~عن أماكنها ليضموا إلى ملكهم من أملاك غيرهم وقد بين الرسول صلى الله عليه ~~وسلم أن من ظلم مقدار شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين، أي ألزم إثم ذلك، ~~ولم يكن له مفر من عقابه فليس معنى التطويق أن يجعل ذلك طوقا بوم القيامة ~~يحيط بعنقه، أو أن يكلف نقل تراب ذلك الشبر من سبع أرضين تعذيبا له فإن ذلك ~~مر في ذوق اللغة في هذا الموطن وأشباهه، وإنما الغرض لزوم الإثم له لزوم ~~الطوق، وأخذ العذاب الشديد بخناقه، وليس العقاب على سطح ما أخذه ليزرع فيه ~~أو يا بني عليه فقط، بل العقاب على ما اغتصبه بالغة في جوف الأرض وطبقاتها ~~أقصاها، وهذا يفيد أن السفل تابع للسطح كما أن العلو تابع له، ولذلك استنبط ~~الفقهاء من هذا الحديث أن من ملك ظاهر الأرض ملك باطنها بما فيه من حجارة ~~ثابتة، وأبنية ومعادن. وعيون ومنابع. وغير ذلك وله أن ينزل بالحفر ما شاء ~~ما لم يضر بجيرانه. فإنه لا ضرر في هذا الدين ولا ضرار. وله أن يمنع من ~~يريد حفر PageV01P064 # بئر أو سرداب تحت أرضه ليسلكه أو ليسير فيه عربات أو قطارات. وكذلك له ~~منع الأنابيب وأسلاك البرق والكهرباء أن تمد تحت ملكه. والمراد بالأرضين ~~هنا: طبقات الأرض السبع التي نبه إليها القرآن الله الذي خلق سبع سماوات ~~ومن الأرض مثلهن «1» ، وليعلم القارىء أن الاعتداء على الحدود كثيرا ما سبب ~~مشاكل ms049 خطرة، وقضايا عدة. بل كثيرا ما أريقت فيه دماء. وأنفقت في سبيله ~~خزائن الأموال. فلو أن الناس عملوا بهذا الحديث ووقف كل عند حده. ما وقعنا ~~في هذه البلايا. بل لأرحنا الحكومة. وخففنا عن مصلحة المساحة ولم تثقل عبء ~~المالية بما تنفقه من مئات الآلاف في سبيل إقامة الأعلام الحديدية. بل كنا ~~نقتصد ذلك من هذا الباب. لينفق في أبواب أخرى كتعبيد الطرق، وشق الترع، ~~وإقامة السدود والقناطر، وغير ذلك مما يساعد على تنمية الثروة، ويخفف عن ~~الفلاح عبأه. # وبعد: فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، وفي الدنيا نزاع وعداوة، ومتلفة ~~وخسارة والطمع غبه الندم، فلا تدنس نفسك الطاهرة برجسه. ولا تفسد أرضك ~~بشبره فتنتابها الأمراض الزراعية، ويرسل الله عليها من جنوده الخفية. فإذا ~~بالثمر قليل وإذا بالقليل ذاهب البركة، وقليل في عفة، خير من كثير في نهمة. # 28- باب: لا يحل القضاء حراما ولا يحرم حلالا # عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمع خصومة بباب حجرته. فخرج ~~إليهم، فقال: «إنما أنا بشر، وإنه يأتيني الخصم، فلعل بعضكم أن يكون أبلغ ~~من بعض، فأحسب أنه صادق، فأقضي له بذلك، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي ~~قطعة من النار، فليأخذها أو ليتركها» . [رواه البخاري ومسلم وأبو داود «2» ~~] . PageV01P065 # اللغة: # الخصومة: المنازعة والمجادلة، وفي بعض الروايات جلبة، خصام، والجلبة: ~~اختلاط الأصوات، والبشر: الخلق يقال للجماعة والواحد، والخصم المنازع وهو ~~في الأصل اسم مصدر يستوي فيه الواحد والمثنى والجمع، والذكر والمؤنث ويجوز ~~تثنيته وجمعه، وأبلغ أكثر بلاغه. وللمتقدمين في بيان البلاغة عبارات ~~مختلفة. فقيل: هي أن يبلغ المرء بعبارة لسانه كنه ما في قلبه. وقيل: إيصال ~~المعنى إلى الغير بأحسن لفظ. وقيل: قليل لا يبهم وكثير لا يسأل. وقيل: ~~إجمال اللفظ واتساع المعنى وقيل: حسن الإيجاز مع إصابة المعنى. وقيل: ~~الإيجاز من غير عجز والإطناب من غير خطأ. وقيل: النطق في موضعه والسكوت في ~~موضعه وقيل: # غير ذلك وأنسب المعاني بحديثنا أولها. # أما المتأخرون فعرفوها بأنها مطابقة الكلام لمقتضى الحال مع ms050 فصاحته ~~وأحسب: أظن. هذا وقد جاء في رواية للشيخين: «ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته ~~من بعض» «1» . أي أعرف بالحجة وأفطن لها من غيره. وأصل اللحن الميل عن جهة ~~الاستقامة يقال: لحن فلان في كلامه إذا مال عن صحيح المنطق. وجاء في رواية ~~لأبي داود زيادة: فبكى الرجلان وقال كل منهما حقي لك. فقال لهما النبي صلى ~~الله عليه وسلم: «أما إذا فعلتما فاقتسما، وتوخيا الحق. ثم استهما ثم ~~تحاللا» «2» . # الشرح: # كان لأزواج الرسول صلى الله عليه وسلم حجرات بجوار مسجده المعروف. ومن ~~بينها حجرة أم سلمة. # فبينما النبي صلى الله عليه وسلم في حجرتها إذ سمع ببابها نزاعا ومحاورة، ~~وخصاما ومجادلة. # ارتفعت فيها الأصوات. واختلط بعضها ببعض، وكان ذلك على إرث قديم كما صرح ~~بذلك في رواية. # فخرج إلى الخصوم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقدم لهم هذه العظة ~~البالغة، قبل أن يقضي PageV01P066 # في الشجار، ويفصل في النزاع، فقال لهم: «إنما أنا بشر مثلكم» ، إمتثالا ~~لأمر ربه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا «1» فلا علم لي بالغيب ولا ~~ببواطن الأمور كما يزعم الجاهلون إلا ما يوحي إلي ربي من آي القرآن وأمور ~~التشريع، وأما الوقوف على دخائل النفوس وخفايا الأمور فأنا وسائر الناس فيه ~~سواء لنا ما ظهر وإلى الله ما بطن، فإذا حضر مجلسي الخصوم لأفصل بينهم في ~~نزاع قائم فربما كان بعضهم أشد بيانا من بعض، وأقوى تأثيرا، وأقوم قيلا، ~~وأقدر على صوغ الحجج. وتوضيح المشتبه. وجلاء الغامض. لذرابة «2» لسان وقوة ~~بيان. وطول مران. وحدة ذهن. # وسرعة بديهة والآخر دونه في ذلك، فلا يحسن البيان والخصام. والحوار ~~والدفاع. # وقد يكون الحق في جانبه والصدق في قوله ولكن عيه وضعفه ستر معالم حقه. ~~وبيان الأول وبلاغته جلى دعواه، وألبسها ثوب الحقيقة. وقد تكون دعوى باطلة، ~~وقضية مزورة، فيغلب على ظني، ويقع في نفسي صدق من علا بيانه وقوي حجاجه «3» ~~، وهو في الباطن كاذب، فأقضي له بما ادعى، فمن قضيت له بحق أخيه في ~~الإنسانية مسلما ms051 أو ذميا، معاهدا أو حربيا- فذكر المسلم من باب التهييج ~~لالتزام الحق فإنما أقضي له بقطعة من نار إذ كان في الواقع حق غيره لا حقه، ~~فهو معذب به لا محالة، فإن رآه الآن مالا ونفعا فسيراه في الآخرة نارا ~~ولهبا، فإن شاء فليأخذ ما حكمت به، وإن شاء فليترك، فإن أخذ فالنار موعده، ~~وإن ترك فلعل الله مسامحه فالأمر هنا للتهديد مثله في قوله تعالى: وقل الحق ~~من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر» «4» . # والحديث كما ترى أصل كبير في المحاماة والقضاء، وتبين لك المهم من ~~أحكامه: # 1- المحاماة عن الباطل إثم كبير. # وفي ذلك يقول القرآن: ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب ~~من كان خوانا أثيما. # ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم ~~القيامة أم من يكون عليهم وكيلا # «5» PageV01P067 # فإن انضم إلى ذلك استخدام القوة الخطابية، والمواهب النفسية في إظهار ~~الحق في معرض الباطل. ورسم الباطل في مظهر الحق كان الإثم أشد، والجرم أكبر ~~أما أن تستخدم البلاغة، وقوة العارضة في نصرة الحق وإزهاق الباطل، في عبارة ~~سياجها الأدب. منزهة عن التشهير بالخصم والثلم للعرض فذلك ما لا حرج عليك ~~فيه. بل لك من الله أجر الدفاع، وثواب الإقناع. # وإذا كان قضاء الحاكم بالباطل لا يحل حراما، ولا يحرم حلالا فبأي وجه ~~يستحل المحامون أجر الدفاع عن الباطل إذا وقفوا على الحقيقة قبل التوكيل أو ~~في أثناء المرافعة. ليعلموا أن الحياة الدنيا متاع، وأن ما عند الله خير ~~وأبقى، وأنه لا يبقى على الحرام ملك، ولا يضيع عند الله حريص على حق. # 2- من ادعى حقا أمام القاضي، وعجز عن إثباته # ، وطلب يمين المدعي عليه فحلف، فبرأه القاضي، وهو في الحقيقة مدين- لم ~~يبرأ عند الله ولم يحل له بذلك حق أخيه. فلو تمكن المدعي من إثبات دعواه ~~بعد وجب على القاضي الاستماع لبينته. ونقض الحكم الأول، فإن الحق قديم ~~والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، وكذلك لو ادعى ms052 إنسان على آخر ~~مالا، أو ادعى زوجية امرأة لم ترض به زوجا، أو ادعى على رجل تطليقه لزوجته؛ ~~وأقام البينة على ذلك، وكانت في الظاهر بينة عادلة، فحكم بها القاضي، وهي ~~في الواقع كاذبة مزورة؛ لم يحل له المال، ولم يكن له حقوق الأزواج، ولم ~~تحرم المدعي طلاقها على زوجها بل المدعي مؤاخذ بعلمه ومعاقب على كذبه، ولا ~~يرفع عنه حكم القاضي الذي أداه إليه اجتهاده. # 3- يدل الحديث على أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد يخالف قضاؤه الواقع # ، وليس ذلك بمناف لمقام النبوة، ومبدأ العصمة. فإن ذلك في المبادىء ~~التشريعية؛ والأحكام الدينية، التي هي قانون عام للناس يرجعون إليه في كل ~~العصور؛ فهذه لا يخطىء فيها؛ وإن أخطأ- بأبي هو وأمي- على رأي من يرى له ~~الاجتهاد في سن الأحكام الشرعية نزل عليه وحي الله بالصواب، إذ هو أسوة ~~للناس وقدوة، فلا يقر على الأخطاء، وإن كانت من غير قصد، أما الأحكام ~~القضائية فقد يكون فيها الخطأ، لا في مبادئها، ولكن في طرقها فقد يحكم ~~ببينة يراها عادلة والواقع أنها فاسقة؛ وقد PageV01P068 # يحكم بيمين خالها «1» صادقة وهي غموس «2» كاذبة وقد يحسن أحد الخصمين ~~الدفاع والبيان؛ فيحسب الحق في جانبه؛ فيحكم له والحق لصاحبه، فمثل هذا ~~القضاء يجوز من الرسول صلى الله عليه وسلم كما يجوز من غيره؛ والقضاء ينفذ ~~فيه ظاهرا لا باطنا فلا يحرم حلالا، ولا يحل حراما؛ فإن كان القضاء طبق ~~الواقع نفذ ظاهرا وباطنا. # فيا أيها المسلم لا تسلك إلى الباطل الحيل؛ ولا تأكل الإثم وإن قضت به لك ~~المحاكم؛ أو عجز صاحب الحق عن رفع دعواه لفقده الرسوم، أو لأنه يخشى بأسك ~~وسلطانك، أو لأنه تعوزه البينة والدليل، واجعل لعلمك قيمة فاعمل به وإن ~~خالفه القضاء، واعلم أن الله رقيب عليك، يعلم سرك وجهرك، وباطلك وحقك، وهو ~~أولى بالخشية؛ وأجدر بالرعاية وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه «3» . # وأما أنت أيها القاضي فليكن لك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة ~~حسنة، فإذا تقدم إليك الخصوم، وقد ms053 جد بينهم النزاع فتقدم إليهم بالموعظة ~~الحسنة. والمقالة المؤثرة، عسى أن يرجعوا عن خصامهم، ويعترفوا بالحق ~~فيعودوا من مجلسك إخوانا متصافين، ولنصحك شاكرين. # 29- باب: حق الطريق # عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«إياكم والجلوس على الطرقات» - في رواية بالطرقات- فقالوا: ما لنا بد إنما ~~هي مجالسنا نتحدث فيها. قال: «فإذا أبيتم إلا المجالس فأعطوا الطريق حقها» . # قالوا: وما حق الطريق؟ قال: «غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام؛ والأمر ~~بالمعروف، والنهي عن المنكر» . [رواه البخاري ومسلم وأبو داود «4» ] . PageV01P069 # اللغة: # إياكم: كلمة تستعمل للتحذير. والطرقات: جمع طرق. وهذه واحدها طريق. ~~فالطرقات: جمع الجمع. والبد: المناص والمهرب والعوض. والإباء: # الإمتناع. والغض: النقصان من الطرف والصوت وما في الإناء يقال: غض وأغض. # والكف: المنع. # هذا وقد جاء في روايات أخرى. حسن الكلام وهداية الضال، وتشميت العاطس إذا ~~حمد، وإغاثة الملهوف، وإعانة المظلوم، والمساعدة على الحمولة وذكر الله ~~كثيرا فتلك سبع إلى خمس. # الشرح: # نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم صحبه عن الجلوس على الطرقات على ~~المساطب أو الأرائك، أو الكراسي. أو على الأرض بجانب الحوائط مفروشة وغير ~~مفروشة. # فقالوا للرسول صلى الله عليه وسلم: ما لنا بد منها. ولا غنى لنا عنها. ~~لأنها مجتمعاتنا وأنديتنا. التي نتحدث فيها بشؤوننا. ونتذاكر في مصالحنا. ~~في دنيانا وديننا. ونروح عن نفوسنا. # ويسري بعضنا عن بعض مما ألم بنا، فتركها يشق علينا، وكأنهم فهموا أن ~~النهي للتنزيه «1» ، ولا يراد به التحريم. لأنهم لم يعهدوا من الرسول صلى ~~الله عليه وسلم تحريم نافع، ولا إباحة ضار، أو أن النهي لمعنى متصل ~~بالمجالس، لا لنفسها وذاتها، وقد يكون في إمكانهم مجانبة المعنى الذي من ~~أجله كان النهي ولذلك راجعوا الرسول صلى الله عليه وسلم ذاكرين أنها مجالس ~~محادثة ومذاكرة، ومؤانسة ومجاملة، فلم ينهون عنها؟ ولو علموا أن النهي عزمة ~~من العزمات ما راجعوه ولكانوا أول من يمتثل، كما عهدناهم في مواطن كثيرة؛ ~~ينفذون بمجرد الإشارة؛ فما بالك بصريح العبارة؟. # ولقد أجابهم الرسول ms054 صلى الله عليه وسلم بما يدل على أن النهي ليس لذات ~~المجالس وإنما هو من أجل حقوق الطريق التي يتعرض لها الجالس؛ وقد يقصر ~~فيها؛ فيبوء «2» بإثمها؛ فقال لهم: «إذا أبيتم إلا المجالس؛ ورغبتم عن ~~غيرها إليها؛ تجلسون فيها وتتسامرون فأعطوا الطريق حقها» . فسألوه عن حقها؛ ~~شأنهم في استبانة الغامض؛ واستفصال المجمل؛ فبين لهم حقوقها. PageV01P070 # فأولها: غض البصر: # فإن أرسلته لتعرف سائر، أو تمتع بمنظر فاتن؛ من خضرة ناضرة؛ ومياه جارية؛ ~~وسماء صافية؛ وصور متحركة- فلا ترسله إلى السيدات، والفتيات المارات، مشبعا ~~بجراثيم الشهوة، محملا ببواعث الفتنة فإن ذلك الذي حرم القرآن بقوله: قل ~~للمؤمنين يغضوا من أبصارهم «1» ، وإذا كان النظر إليهم محرما فما بالك بمن ~~يلفظ بالهنات، ويقول المفظعات ويرمي المحصنات الغافلات؟ إن وزره لكبير، ~~وإثمه عند الله عظيم، وكما تحرم عليك النظرة المسمومة للسائرات كذلك تحرم ~~للاتي يطللن من خدورهن ويبرزن من فتحات دورهن لقضاء مصلحة؛ ولترويح نفس ~~ضائقة؛ كذلك لا ترسل البصر ساخرا بالناس؛ أو حاسدا أو زاريا أو غاضبا؛ بل ~~كف منه، وأرسل منه؛ فكفه عن الحرام؛ وأرسله في الحلال. # وثانيها: كف الأذى: # فلا تؤذ سائرا بلسانك أو يدك؛ فتشتمه أو تسبه؛ أو تنهال عليه ضربا باليد ~~أو العصا من غير ما جرم اجترمه «2» ، ولا ذنب اقترفه، ومن الإيذاء سلبه ~~شيئا مما يحمله من غير أن تطيب به نفسه، أو إراقة الماء في طريقه حتى تزل ~~به الأقدام، أو وضع عقبات في الطريق يعثر فيها المشاة؛ أو إلقاء قاذورات، ~~أو أشواك تضر بالسابلة «3» ، أو تضييقه الطريق بمجلسه أو قعوده حيث يتأذى ~~الجيران فيكشف نساءهم، ويقيد عليهم حريتهم كل ذلك وأضرا به مما يجب كفه، ~~والعمل على إبعاد المارة منه. # وثالثها: رد السلام: # فإن ذلك فريضة محكمة «4» ، وسنة متبعة. وإنه رسول الألفة وداعية المحبة، ~~ولا تسأم كثرته من المارين. فإن كلا يتحبب به إليك ويحييك ويكرمك، أفلا ~~تجيب التحية بمثلها أو خير منها؟ أفلا تود من وادك، وتكرم من كرمك؟ ذلك خلق ~~الكريم أفلا تكونه؟. # ورابعها وخامسها: الأمر ms055 بالمعروف النهي عن المنكر: # وإن ذلك لواجب مقدس للمسلم على أخيه المسلم؛ فإذا رأيت عربة ذات حمل ~~ثقيل. ناء بجرها البهيم، أو رأيت حيوانا حمل فوق طاقته فانه عن هذا المنكر، ~~ومر السائق بالتخفيف، وإذا رأيت PageV01P071 # سائرين يتسابان أو يتقاتلان فمرهما بالكف وإذا رأيت شابا يعاكس فتاة ~~ويعترضها في طريقها فانصح له بالاستقامة، فإن أبى إلا بالصفع أو بالأخذ إلى ~~القسم فافعل ما استطعت في غير تهور ولا إضرار بك؛ وإن رأيت من يبخس الكيل، ~~ويطفف «1» الميزان فمره بالعدل أو سلمه إلى الشرطي، وإن رأيت من يعبث ~~بحديقة الجار أو ببعض حاجاته فحل بينه وبين العبث، وإن رأيت من يبيع طعاما ~~عفنا، أو شرابا أسنا «2» - فاضرب على يده- إلى غير ذلك مما يقترفه المارة ~~ويجترمه الباعة. # أما سبع الروايات الآخرى: # فأولها: حسن الكلام # ، فإن سألك طارق في بعض شؤونه فأرهف له أذنك؛ وأجبه بعبارة حشوها الأدب، ~~وأرشده بهوادة ولطف، ولا تتلقه بالخشونة وتجاوبه بالفظاظة، ولا ترفع من ~~صوتك مع جلسائك. ولا تهزأ. ولا تقل هجرا ولا فحشا، ولا تهوش على جيرانك ~~فتؤذيهم في بيوتهم، أو تقضهم في مضاجعهم. # وثانيها: هداية الضال # فمن استهداك الطريق فاهده. ومن رأيته ضل المحجة «3» فأقمه على صراطها. ~~وإن رأيت كفيفا فخذ بيده أو وصله إلى مقصده. # وثالثها: تشميت العاطس # فإذا حمد مولاه فقل له: يرحمك الله تدعو له بالرحمة والمغفرة. فتجلب من ~~وده. وتزيد في أنسه. فتشميته الدعاء له وكل داع بخير فهو مشمت. # ورابعها: إغاثة الملهوف # . وقد قدمنا القول فيه في الحديث العاشر. # وخامسها: إعانة المظلوم. # فتأخذ بيده حتى يصل إلى حقه. # وسادسها: إعانة الحمولة # فإن رأيت حيوانا زل بحمله. أو فرسا عثر في عدوه. # أو عربة إنقلبت. أو سيارة وقفت. أو فرغ منها الوقود فخذ بيد الكابي حتى ~~يرجع سيرته الأولى. فإن زل إنسان حاملا أو شاغرا «4» فهو أولى بالمعونة. PageV01P072 # وسابعها: ذكر الله كثيرا # حتى يكون لك منه باعث على الخيرات. ومبغض في السيئات. ومرغب على القيام ~~بحق الطرقات. # فتلك اثنتا عشرة خصلة هي ms056 حقوق الطريق التي يطالب بها كل جالس فيه، بل ~~يطالب بها من أطل من شرفات منزله. ومن جلس في طنوفه «1» ، ومن جثم في متجره ~~أو مصنعه بحيث يرى السابلة، والساكنون تجاهك في الطبقات العلوية أو السفلية ~~أولى بمراعاة الأدب. وتجنب الضرر. وللجار من الحقوق أضعاف ما للسالك. # وقد استدل بالحديث من قال: إن ما نهى عنه الشارع سدا للذريعة يجوز للمرء ~~فعله إذا أمن شره. وجانب ضره. وإن كان الأولى تركه ابتعادا عن بواعث ~~الفتنة. ونأيا عن المزلة وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم نهاهم عن ~~الجلوس أولا حسما للمادة فلما أبوا إلا الجلوس بين لهم مواضع الخطر. فإن ~~تجنبوها فلا عليهم إن جلسوا. واستدل به على أن دفع المفاسد مقدم على جلب ~~المصالح إذ نهاهم الرسول صلى الله عليه وسلم إتقاء للأخطار وإن كان في ~~الجلوس شتى المنافع. # فيا أيها الأخ إن آنست في نفسك القيام بالواجبات، فلا عليك أن تجلس في ~~الطرقات على المقهى أو أمام المسكن، أو دون المتجر، تستنشق الهواء وتستدفىء ~~بالشمس؛ أو ترتاد غير ذلك من المصالح، وإن خشيت عدوان نفسك عليك، ومغالبتها ~~لك. وطغيان شهوتك على عقلك. وشيطانك على ملكك فدعها إلى داخل منزلك: أو إلى ~~السير في الهواء الطلق. أو الجو الدافىء تسلم من المعاطب وتفز بطيب ~~الرغائب. # 30- باب: إكرام المماليك والخدم # عن المعرور بن سويد قال: «رأيت أبا ذر الغفاري رضي الله عنه وعليه حلة، ~~وعلى غلامه حلة، فسألته عن ذلك، فقال: إني ساببت رجلا فشكاني إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ ~~فيك جاهلية» . ثم PageV01P073 # قال: «إن إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده ~~فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم: فإن كلفتموهم ~~ما يغلبهم فأعينوهم» . [رواه البخاري ومسلم «1» ] . # اللغة: # الحلة: الكسوة ولا تسمى بذلك إلا إذا كانت ثوبين من جنس واحد. # وقد نقل بعض أهل اللغة: أن الحلة لا تكون إلا ثوبين جديدين ms057 يحملهما من ~~طيهما فأفاد أنها من الحل. والغلام: الطار «2» الشارب. وساببته: وقع بيني ~~وبينه سباب من السب وهو الشتم الوجيع. والتعيير النسبة إلى العار وهو ~~العيب. وفي بعض الروايات: وكانت أمه أعجمية فنلت منها والأعجمي من لا يفصح ~~باللسان العربي أعجميا كان أو عربيا. وفي رواية: قلت له. يا ابن السوداء. ~~والجاهلية: الحال التي كان عليها العرب قبل الإسلام وقد شرحناها قبل. ~~والخول: الخدم سموا بذلك لأنهم يتخولون الأمور أي يتعهدونها ويصلحونها. ~~ومنه الخولي: لمن يقوم بإصلاح البستان. ويقال: إن الخول جمع خائل وهو ~~الراعي. وقد يطلق الخول على الواحد. # والتكليف. تحميل النفس ما فيه كلفة ومشقة. # الشرح: # المعرور بن سويد لقي أبا ذر بالربذة- موضع بالبادية بينه وبين المدينة ~~ثلاث مراحل- وعليه حلة. وعلى خادمه مثلها. فسأله. كيف يلبس خادمه مثل ما ~~يلبس. وذلك غير معهود. فأجابه ببيان السبب. وأنه حصل بينه وبين شخص سباب ~~ومشاتمة. وأنه عايره بأمه وعابه بها وقال له. يا ابن الأعجمية أو يا ابن ~~السوداء. أو ما شاكل ذلك من الكلمات. فشكاه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم أعيرته بأمه؟ # منكرا عليه ذلك إذ الأم لا دخل لها في الخصام، ولا تزر وازرة وزر أخرى ~~«3» ، وقال له: إنك امرؤ فيك جاهلية أي خصلة من خصالها التي قضى عليها ~~الإسلام أن تعتدي في الخصام. فتجاوز الخصم إلى أبيه وأمه وما لها من ذنب ~~إليك، ثم أوصاه هذه الوصية القيامة التي رفعت من شأن الخدم إلى درجة ~~المخدومين والسادة. PageV01P074 # فبين الرسول صلى الله عليه وسلم أن الخدم والمماليك إخوان في الدين أو في ~~الإنسانية. # وكان الظاهر أن يقول: خولكم إخوانكم. ولكن قدم ما أصله التأخير اهتماما ~~بالأخوة. وأنه لا ينبغي أن تنسيها الخدمة. وهل الخدمة إلا إعانة. فكيف ~~تجعلها سبب تحقير وإهانة؟ إن الأخوة وحدها داعية التبجيل والإكرام. فكيف ~~إذا انضمت إليها الخدمة. والمعونة والمساعدة؟ كنت تحسب أنك تطعم الخادم ~~وتسقيه، وتكسوه وتؤويه أو تنقده أجرا على خدمته، فلا تنسى أنه ms058 يقوم لك ~~بأمور، أنت مضطر إليها في حياتك، وكثيرا ما تعجز عن معالجتها، والقيام بها، ~~فهو يكمل نقصك، ويوفر عليك وقتك، ويحقق غرضك، وتصور الوقت الذي تفقد فيه ~~الخادم كيف تعتل أمورك، ويقف دولابك، ويختل النظام وتتعسر الحاجات؟ فالذي ~~يكفيك شؤونك، ويحقق مصالحك جدير بمعونتك، خليق برعايتك، فهؤلاء الخدم ~~الإخوان جعلهم الله تحت يدك، ومكنك منهم بالملك أو الأجر، وصاروا مسخرين لك ~~طواعية وأخيارا، فالواجب عليك العناية بهم. والإحسان إليهم واعبدوا الله ~~ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى ... أو ما ملكت أيمانكم ~~«1» ، فتطعمهم من جنس ما تطعم فلا تعد لهم طعاما دون طعامك، ولا عيشا دون ~~عيشك، وكيف تستمرىء «2» طعاما يطهوه الخادم ويعده، وعينه إليه ناظرة، ويده ~~فيه عاملة فتأكله كله، ولا تبقي له بعضه، أما تخشى سم عينيه؟ فإن كان طبيخك ~~لحما وأرزا، وخضارة وحلوى فأبق له من كل، ولا تحرمه من بعض، وخل عنك الكبر ~~والتعاظم، فلولا هذا ما طعمت الشهي، ولا شربت الهني، وكذلك تلبسهم مما ~~تلبس، وإن لم يكن مثله من كل الوجوه، فإن المدار على المواساة. # وفي حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أتى أحدكم ~~خادمه بطعامه، فإن لم يجلسه معه فليناوله لقمة أو لقمتين، أو أكلة أو ~~أكلتين فإنه ولي علاجه» «3» - رواه البخاري. # فالغرض أن تكون نفوسهم قانعة؛ وبحالهم راضية؛ وقد نهانا الرسول صلى الله ~~عليه وسلم أن PageV01P075 # نكلفهم من الأعمال ما يشق عليهم، ويهد من قوتهم، أو يستفرغ جهدهم «1» ، ~~بل التكليف بالسهل المستطاع الذي لا يسأمه الخادم، فإن كلفناهم بالشاق وجب ~~علينا أن نعينهم بنفوسنا أو بخدم إلى خدمنا والحديث نصر للعمال، وأخذ بيد ~~الخادم والغلمان؛ ورفع لمستواهم وتنبيه لهم إلى حقوقهم قبل ساداتهم؛ وإرشاد ~~لأرباب البيوت أن يقفوا منهم موقف العدالة. ولا يتناسوا رابطة الأخوة. ولا ~~تبادل المنافع؛ وفيه النهي عن سباب للخدم وعدم التعرض لآبائهم وأمهاتهم بما ~~يسوؤهم. أو يحط من قدرهم. # وبعد: فهذه اشتراكية الإسلام وهذا موقفه نحو الأرقاء. وهذا حرصه على ms059 ~~مصلحة العمال. فهل بعد هذا رقي في دين؟ # 31- باب: أكبر الكبائر # عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا ~~أنبئكم بأكبر الكبائر- ثلاثا» - قالوا: بلى يا رسول الله قال: «الإشراك ~~بالله. وعقوق الوالدين» ، وجلس، وكان متكئا فقال: «ألا وقول الزور» ، قال: ~~فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت. [رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي ~~«2» ] . # اللغة: # نبأه وأنبأه: أخبره بمهم. وبلى: حرف تصديق مثل نعم؛ وأكثر ما تستعمل بعد ~~الاستفهام، والعقوق: الإيذاء والعصيان، أصله من العق: وهو الشق والقطع ~~والزور الباطل. وأصله تحسين الشيء ووصفه بخلاف صفته حتى يخيل لمن سمعه أنه ~~بخلاف ما هو به. # الشرح: # الذنوب درجات؛ فما فحش ضرره فكبيرة؛ وما زاد فحشه فأكبر PageV01P076 # الكبائر، وما قل ضرره فهو الصغيرة، وكل حرم الله، ومنع مقارفته، والرسول ~~صلى الله عليه وسلم وسلم يعرض على حاضريه تحديثهم بأكبر الكبائر؛ وفي هذا ~~العرض لفتهم إلى ما يحدث به؛ وصرف آذانهم لسماعه؛ وقلوبهم لوعيه وقد كرر ~~كلمة العرض ثلاث مرات حتى يزدادوا تنبهيا، ويتوجهوا إليه توجها، فقالوا: ~~نعم يا رسول الله حدثنا بأكبرها؛ فحدثهم الرسول صلى الله عليه وسلم بثلاث. # أولها: الشرك بالله: واتخاذ الأنداد والوسطاء، والأولياء والشفعاء، ~~ودعاؤهم في الملمات كما يدعي وعبادتهم كما يعبد. والتقرب إليهم بالقرابين ~~والنذور وضروب التقديس. وتلك أكبر جريمة أن تجعل لمن خلقك ندا. أن تشرك به ~~ما لا يملك ضرا ولا نفعا. ولا حياة ولا موتا. أن تشرك به أمواتا غير أحياء ~~عجزة غير أقوياء. أن تشكر من لا نعمة له عليك ولا يد له واصلة إليك؛ أن ~~تعبد وهما وخيالا. # وتدعو أسماء أن تنادي من لا يسمع ولا يبصر. وربك أقرب إليك من حبل ~~الوريد. # قد فتح أبوابه للسائلين. ووعد بالإجابة للداعين؛ فادع الله وحده مخلصا له الدين. # وصدق بعملك. قولك لربك إياك نعبد وإياك نستعين «1» ، واذكر قوله تعالى: # إن الله لا يغفر أن يشرك به. ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء «2» . ومن يشرك ~~بالله فقد افترى إثما عظيما «3» ، وقوله: ms060 ومن يشرك بالله فكأنما خر من ~~السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق «4» . # وثانيها- عقوق الوالدين: وإيذاؤهما بالقول أو العمل. فسبهما وشتمهما بل ~~قول أف لهما عقوق وقطيعة. وكذلك عصيان أمرهما. والتلكؤ في قضاء شؤونهما. # ومد اليد بالسوء إليهما. كل ذلك عقوق. ونكران للجميل. نعم إن دعواك إلى ~~الإشراك، أو عصيان الخلاق فلا تطعمهما. وإن وجب عليك البر بهما. وحسن ~~المصاحبة لهما وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما ~~وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي «5» ، واعلم أن الله ~~تعالى قرن PageV01P077 # الإحسان إليهما بالقضاء له بتوحيده في العبادة إذ يقول: وقضى ربك ألا ~~تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا «1» ، وأمرك بالقول الكريم، والصنع ~~الجميل. والدعاء لهما بالرحمة. فلا تضع الإساءة موضع الإحسان. ولا الكفران ~~مكان الشكران؛ واعلم أن الله لا ينظر يوم القيامة إلى ثلاثة: العاق ~~لوالديه، ومدمن الخمر؛ والمنان- روى ذلك النسائي والحاكم وصححه ابن حبان «2» . # وقد قرر العلماء وجوب طاعتهما في المباحات فعلا وتركا واستحبابها في ~~المندوبت وفروض الكفاية كذلك؛ ولقد استأذن امرؤ رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في الجهاد فأبى الإذن له إلا بعد استرضاء والديه؛ فإياك أن تهمل في حق ~~من ربياك صغيرا. # وثالثهما- قول الزور والباطل: وقد أكبر الرسول صلى الله عليه وسلم خطره؛ ~~وأعظم جرمه؛ إذ جلس له بعد اتكائه؛ اهتماما بشأنه، وصدر قوله بأداة ~~التنبيه؛ وكرر كلمته حتى شق على نفسه؛ وبدأ الغضب في وجهه؛ وتمنى أصحابه لو ~~سكت؛ شفقة عليه ورحمة به؛ كما كان بهم رؤوفا رحيما، وقول الزور قرنه القرآن ~~بالشرك في قوله: فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور «3» ، وجاء ~~في ضمن أوصاف عباده المخبتين «4» ، قوله: والذين لا يشهدون الزور «5» . # وقول الزور يشمل شهادة الباطل؛ والحكم الجائر؛ ورمي الأبرياء بما هم منه ~~براء؛ والقول على الله بغير علم؛ فكل ذلك داخل في قول الزور؛ هذا وإن شاهد ~~الزور يسيء إلى نفسه؛ إذ يبيع آخرته بدنيا غيره. ويسيء إلى من شهد له ~~بإعانته ms061 على ظلمه؛ وإلى من شهد عليه بإضاعة حقه؛ وإلى القاضي بإضلاله عن ~~المحجة «6» ، وإلى الأمة بزلزلة الحقوق فيها؛ وعدم الإطمئنان عليها. ومن ~~الخزي الفاضح أن يكثر بيننا من يشهدون زور لمجرد صداقة أو رجاء. أو نظير ~~مبلغ يسير يتقاضونه. أولئك الذين PageV01P078 # خربت ذممهم. وخبثت نفوسهم. ولم يخالط الإيمان قلوبهم. أولئك قرناء ~~المشركين وإخوان الشياطين. # 32- باب: اليمين الفاجرة # عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «من حلف على يمين صبر» ، وفي رواية «يمن كاذبة ليقتطع بها مال امرىء ~~مسلم لقي الله وهو عليه غضبان» ، وفي رواية «فليتبوأ مقعده من النار» ، ~~فأنزل الله تصديق ذلك: إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا «1» ~~إلى آخر الآية فدخل الأشعث بن قيس، فقال: ما حدثكم أبو عبد الرحمن، فقالوا: # كذا: قال في أنزلت: كان لي بئر في أرض ابن عم لي: فجحدني فقدمته إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال: «بينتك أو يمينه» ؛ وفي رواية: فقال لي: ~~«شهودك قلت: ما لي شهود» ، قال: «فيمينه» ؛ فقلت إذن يحلف ويذهب بمالي؛ ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من حلف على يمين صبر وهو فيها فاجر ~~... إلخ» [رواه البخاري ومسلم وأصحاب السنن «2» وغيرهما بعبارات متقاربة] . # اللغة: # يمين الصبر: هي التي ألزم بها صاحبها. وحبس عليها وكانت لازمة له من جهة ~~الحكم. والفجور: شق ستر الديانة مأخوذ من الفجر، وهو شق الشيء شقا PageV01P079 # واسعا. والإقتطاع: من القطع وهو الفصل. وذلك أن الحالف كذبا يقطع المال ~~عن صاحبه أو يأخذ قطعة من ماله. وتبوأ المكان: سكنه ونزل به مأخوذ من ~~البواء، وهو استواء المكان وعدم الإنخفاض فيه والإرتفاع، يقال بوأت لفلان ~~مكانا سويته له فتبوأه أي أقام فيه. والآية تقدم شرحها في الحديث (16) . ~~والجحود: الإنكار. # والبينة: الدلالة الواضحة عقلية كانت أو حسية. وتقال للشاهدين لأنهما ~~يبينان الحق. # الشرح: # عبد الله بن مسعود كان يحدث جماعة بحديث اليمين الكاذبة. ويذكر الآية ~~التي أنزلها الله من آل عمران تصديقا للرسول ms062 صلى الله عليه وسلم في حديثه. ~~فدخل عليهم الأشعث بن قيس، وسألهم عما يحدثهم به أبو عبد الرحمن عبد الله ~~بن مسعود فقالوا: # كذا وكذا يعنون حديث اليمين والآية المصدقة له. فقال: هذه الآية نزلت في. # وذلك أنه كان لي بئر ضمن أرض لابن عم لي فجحدني ملكي. ومنعني حقي. # فاختصمته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفعت أمره إليه. فقال: بينتك ~~أو يمينه. أي لك بينتك تقيمها على صدق دعواك. أو يمين خصمك إن لم تكن لك ~~بينه. فإن حلف لم يكن لك عليه طلب وإن نكل كان لك ما ادعيت. # فقال: إنه إذا وجهت إليه اليمين حلفها زورا. ويذهب بمالي. ويضيع علي ~~بئري. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من حلف على يمين صبر» ... إلخ ~~أي أنه إن كذب عليك في اليمين. واقتطع مالك فإن الله يتولى عقابه في ~~الآخرة. ولسوف يعوضك الله من حقك المال الكثير. أو الثواب الجزيل. ذلك ملخص القصة. # ومعنى الحديث أن من حلف على شيء حلفا كاذبا أجأته إليه الخصومة. # وحمله عليه الجحود والمكابرة في الحق. وهو بها محدث في دينه حدثا. وفاتق ~~فيه فتقا وخارج عن الحق خروجا- من حلف هذه اليمين ليسلب به مال إنسان أو حقه. # ويحول بينه وبينه لقي الله في القيامة وهو عليه غضبان. فينتقم منه على ~~كذبه واستيلائه على مال غيره، بهذه الطريقة الخاطئة، واليمين الفاجرة. ~~ويدخله ناره ليتخذ له فيها منزلا، يصلى سعيه، ويقاسي جحيمه، فإن كان الذي ~~اقتطع ماله أخا مسلما كان الجرم أكبر، والعقاب أعظم فإن واجب المسلم نحو ~~المسلم مساعدته على استرداد حقوقه، واسترجاع ماله؛ أما أن يقتطع قطعة من ~~ماله ظلما وعدوانا ويكذب في سبيلها PageV01P080 # ويمتهن «1» اسم الله لسلبها فذلك ما ينافي الإيمان؛ وبهذا التحليل عرفت ~~أن ذكر المسلم لا يراد به التخصيص؛ وقصر الحكم عليه؛ وإباحة أموال غيره ممن ~~لا يدين بدينه؛ بل ذكره لتفظيع الجريمة، وأن أخوة الإسلام تستدعي الصدق؛ ~~والتزام الحق؛ وكذلك كلمة «يمين» في قوله: من حلف ms063 على يمين صبر يراد بها ~~المحلوف عليه وسمي يمينا لتعلقه بها، أو تقول «على» زائدة والمعنى من حلف ~~يمين صبر.... # الكذب في نفسه جريمة لأنه قلب للحقائق، وتعمية على الناس؛ وإضلال لهم عن ~~الحقيقة؛ وداعية فقد الثقة في المعاملة والمحادثة، فإن انضم إليه تأكيده ~~بالأيمان الكاذبة الفاجرة؛ التي فيها امتهان أسماء الله المقدسة، وصفاته ~~العالية كانت الجريمة أكبر، فإذا أضيف إلى ذلك قطع الحقوق عن أربابها. ~~والحيلولة بينهم وبينها كان فحش الجريمة نهاية. فإن كان إلى ذلك وقوعها على ~~أخيك في الدين وتربك «2» في العقيدة كان الفحش نهاية النهاية؛ وأقصى ~~الغاية؛ فلا تعجب أن يكون العقاب غضب الجبار؛ وأن يكون المتبوأ النار؛ ~~فإياك واليمين الفاجرة؛ وإياك ومال أخيك؛ واحترم للقضاء مكانته، ولبارئك ~~أسماءه وصفاته؛ ولا تبتغ بها عرضا من الدنيا؛ غناؤه قليل؛ وعقباه جحيم؛ ~~واقرأ الآية المرة تلو المرة؛ وعد بأولها على آخرها وباخرها على أولها لترى ~~عظم الجريمة؛ وشدة العقوبة. # [الأحكام المستنبطة من حديث اليمين الفاجرة] # وقد استنبط الفقهاء من هذا الحديث أحكاما كثيرة نذكر لك منها ما صلته ~~بالحديث ظاهرة: # 1- الأحكام تبنى على الظاهر وإن كان المحكوم له مبطلا في نفس الأمر. # 2- حكم الحاكم لا يبيح للمرء ما ليس بحلال له؛ وقد خالف في ذلك أبو حنيفة ~~وأبو يوسف في مسائل الفروج دون الأموال. # 3- البينة على المدعي واليمين على من أنكر. # 4- صاحب اليد أولى بالمدعى فيه. # 5- يمين المدعى عليه تصرف عنه دعوى المدعي فقط، ولا تستوجب الحكم له ~~بالمدعي فيه، فلا يحكم له القاضي بملكيته أو حيازته، بل يقره على حكم ~~يمينه. PageV01P081 # 6- يمين الفاجر تسقط عنه الدعوى، ولا يؤثر في اعتبارها فجور. # 7- من أقام البينة قضي له بحقه من غير طلب يمين منه على صدق بينته. # 8- شرح طريقة القضاء، فالقاضي يسمع الدعوى أولا من الطالب؛ ثم يسأل عنها ~~المطلوب: هل يقر أو ينكر، فإن أنكر طلب من المدعي البينة، فإن لم يقمها وجه ~~اليمين إلى المدعى عليه. # 9- يعظ الحاكم المطلوب أذاهم بالحلف لعله يرجع إلى الحق إن كان ms064 مبطلا، ~~ويدع اليمين الغموس. # 33- باب: الوصية بالمال # عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: جاء النبي صلى الله عليه وسلم ~~يعودني وأنا بمكة، وهو يكره أن يموت بالأرض التي هاجر منها، قال: «يرحم ~~الله ابن عفراء» . قلت: يا رسول الله أوصي بمالي كله؟ قال: «لا» . قلت: ~~فالشطر؟: # قال: «لا، قلت: الثلث؟ قال: «فالثلث، والثلث كثير، إنك إن تدع ورثتك ~~أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس في أيديهم، وإنك مهما أنفقت من ~~نفقة فإنها صدقة حتى اللقمة ترفعها إلي في امرأتك، وعسى الله أن يرفعك، ~~فينتفع بك ناس، ويضر بك آخرون، ولم يكن له يومئذ إلا ابنة» . # [رواه البخاري ومسلم وأصحاب السنن «1» وغيرهم] . PageV01P082 # اللغة: # الشطر: النصف. والعالة: جمع عائل وهو الفقير يقال: عال الرجل يعيل عيلة ~~وعيولا إذا افتقر. وتكفف: واستكف بسط كفه للسؤال. أو سأل ما يكف عنه الجوع. ~~أو سأل كفافا من طعام. # الشرح: # لما كان النبي صلى الله عليه وسلم بمكة في حجة الوداع ذهب إلى سعد بن أبي ~~وقاص يعوده من مرض اشتد به. حتى أشفى على الموت «1» . وكان سعد يكره أن ~~يموت بالأرض التي هاجر منها. # ففي الحديث إلتفات من التكلم إلى الغيبة كما يدل لذلك رواية مسلم عن سعد ~~قال: يا رسول الله خشيت أن أموت بالأرض التي هاجرت منها كما مات سعد بن ~~خولة- لأنها كانت حصن المشركين الذين آذوا الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه وأخرجوهم من ديارهم وأموالهم بغير حق إلا أن يقولوا: ربنا الله. ~~ويود أن يموت بدار الهجرة التي أعز الله فيها الإسلام. وسكنها المهاجرون ~~المخلصون. الذين نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم بكل ما استطاعوا حتى ~~ظهر دين الله. وصارت كلمته هي العليا. وكلمة الذين كفروا هي السفلى. # فمن أجل ذلك رغب سعد عن مكة إلى طيبة. عن الأرض الملوثة بالشرك وأرجاس ~~«2» الأعداء. إلى الأرض المطهرة بالتوحيد وأعمال البررة الأتقياء. # ولما سمع الرسول صلى الله عليه وسلم اسم سعد بن خولة من سعد بن أبي ms065 وقاص ~~ترحم عليه. # وكان صلى الله عليه وسلم بالمؤمنين رؤوفا رحيما. فكان يواسيهم ويعطف ~~عليهم في حياتهم. ويدعو لهم بعد وفاتهم. وابن خولة هذا من المهاجرين ~~الأولين الذين شهدوا بدرا. وقد توفي بمكة في حجة الوداع. فخشي سعد أن يكون ~~نصيبه نصيب أخيه- فكلمة عفراء في الحديث وهم من الراوي صوابها خولة كما جاء ~~ذلك في رواية الزهري «3» - ولقد قال سعد للرسول صلى الله عليه وسلم لما ~~عاده: إنه قد بلغ بي الوجع ما ترى. وأنا ذو مال. أفأوصي بمالي كله؟ قال: ~~«لا» ، قال: أفأوصي بالثلثين- جاء ذلك في رواية. قال: «لا» : # قال: أفأوصي بالنصف؟ قال: «لا» : قال: أفأوصي بالثلث؟ قال: «فالثلث توصي ~~به. PageV01P083 # والثلث كثير» . إن الأولى النقصان عنه. ولا يزاد عليه، ذلك ما يتبادر إلى ~~الفهم من هذه العبارة. # ويجوز أن يكون معناها: الثلث كثير في الأجر فهو الأكمل. ثم ذكر الرسول ~~صلى الله عليه وسلم الحكمة في ترك الوصية بالكثير إلى الوصية بالقليل وهي ~~أن ترك الورثة أغنياء. بما يرثونه عن الآباء. خير من تركهم فقراء يمدون ~~أكفهم إلى الناس استجداء «1» . ليضعوا في أيديهم من صدقاتهم ما يدفعون به ~~الجوع. ويزيلون به مضض الحاجة «2» . # ثم بين الرسول صلى الله عليه وسلم له أن كل نفقة ينفقها على زوجه أو ~~ولده. أو أقاربه أو خدمة صدقة وله ثوابها. ما دام يبتغي بها وجه الله ويقصد ~~وقاية هذه النفوس من ذلة المسألة. وكرب الحاجة أو يقصد كف أيديهم عن ~~الحرام. وتوفيرها على العمل في سبيل الله. فكل ما أنفق صدقة. ولو كان ~~قليلا. حتى اللقمة يرفعها إلى فم امرأته- إذا كانت مريضة مثلا. أو كان ~~يداعبها بذلك. أو الغرض من رفعها إعدادها للأكل- وأما ذكر الرسول صلى الله ~~عليه وسلم ذلك لسعد ليبين له أن إنفاق المال على الأهل والأقرباء طريق إلى ~~تكثير الأجر، فإن استقل أجر الوصية بالثلث أو بما دونه فليستكثره بالإنفاق. # والأقربون أولى بالمعروف. فإن امتدت به الحياة فليسلك هذا الطريق ثم رجا ~~له الرسول ربه أن يرفعه من مرضه. ms066 ويطيل عمره. ويعلي من شأنه. حتى ينتفع به أناس. # ويضر به آخرون، وقد حقق الله رجاءه لسعد. فبرىء «3» من مرضه وأطال في عمره. # حتى عز به الإسلام. وذل به خصومه كما ترى بعد، ولم يكن لسعد ساعة مرضه ~~إلا ابنة واحدة وقد وهب الله له من الذرية بعد برئه بضعه عشر ابنا، أربعة ~~ذكور واثنتا عشر بنتا. # والحديث يدل على جواز الوصية بالثلث، وعلى أن الأولى أن ينقص عنه واستدل ~~به على منع الوصية بأزيد من الثلث. # قال في الفتح: وقد استقر الإجماع على ذلك لكن اختلف فيمن ليس له وارث PageV01P084 # خاص. فذهب الجمهور إلي منعه من الزيادة على الثلث. وجوزه الحنفية وإسحاق ~~وشريك وأحمد في رواية، وهو قول علي وابن مسعود، واحتجوا بأن الوصية في ~~القرآن مطلقة. فقيدتها السنة بمن له وارث. فبقي من لا وارث له على الإطلاق، ~~وفي الحديث زيارة الإمام للمرضى، فلا يستنكف «1» الملوك والوزراء والعظماء ~~من زيارتهم، وإن كانوا من الطبقة الدنيا، وفيه الفسح للمريض في طول الحياة، ~~وجواز تحدثه بشدة مرضه. وزيادة ألمه. إذا لم يقترن ذلك بالاعتراض على القدر ~~وأن ذلك لا ينافي الصبر على البلاء. خصوصا إذا كان في ذلك رجاء دعاء أو طلب ~~دواء، وفيه الحث على صلة الرحم. والإحسان إلى الأقارب؛ وأن ذلك أولى من صلة ~~الأباعد والإنفاق في وجوه البر الآخرى؛ وفيه التزام العدالة في الوصية. ~~ومنع حرمان الورثة، ولو كانوا بنات كما جرت به عادة الجهلاء. يكتبون ~~أموالهم لبنيهم، ويحرمون بناتهم خشية أن تنتقل الثروة لغير الأسرة. وما درى ~~هؤلاء أن المال يرفع من شأن الزوجة لدى زوجها ويعظم مكانتها. ويرغب ~~الخاطبين في الفتيات. وأن البنات قد ينكبن «2» في أزواجهن الذين يعولونهن. ~~وقد يدعون لهن ذرية ضعافا. فالمال عدة لهن إذا ترملن. بل عدة لهن إذا قل ~~مال الأزواج أو زال، فالعدالة في العمل على تنفيذ ما أوصانا الله به في ~~أولادنا، بل في سائر ورثتنا، وإنك لا تحسن التوزيع في حال الحياة. فدعه لله ~~بعد الوفاة. والله ms067 يعلم وأنتم لا تعلمون. # تتمة: سعد بن أبي وقاص هذا الذي رجا له رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~العلو، هو صحابي جليل هاجر إلي المدينة قبل أن يهاجر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وقد شهد بدرا والمشاهد كلها وبشره الرسول صلى الله عليه وسلم ~~بالجنة. وأول من رمى في سبيل الله؛ وأحد ستة الشورى الذين عينهم عمر ~~للخلافة. وفارس الإسلام. وقائد جيوشه في فتح العراق ومدائن كسرى. # وهو الذي خطط أرض الكوفة لقبائل العرب ومكث واليا عليها مدة عمر؛ وأقره ~~عثمان زمنا ثم عزله؛ فعاد إلى المدينة. وفقد بصره؛ وعاش قليلا ثم مات في ~~قصره بالعقيق على مقربة من المدينة سنة 55. PageV01P085 # 34- باب: الجرائم الموبقة والسبع المهلكة # عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اجتنبوا السبع الموبقات» ~~، قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: «الشرك بالله، والسحر وقتل النفس التي ~~حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي: يوم الزحف، ~~وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات» . [رواه البخاري ومسلم وأبو داود ~~والنسائي «1» ] . # اللغة: # الاجتناب: الابتعاد وأصله جعل الشيء على جنب. والموبق: المهلك، والسحر: ~~يطلق عند العرب على كل ما لطف مأخذه ودق وخفي؛ يقال سحرت فلانا وسحرته إذا ~~خدعته واستملته. وكل من استمال شيئا فقد سحره: ومنه سحر العيون وقول الرسول ~~صلى الله عليه وسلم: «إن من البيان لسحرا» «2» ، وأصل المادة السحر- بالفتح ~~والتحريك- بمعنى طرف الحلقوم أو الرئة لأنهما باطنان خفيان فأخذ من اسمهما ~~السحر لدقة مسلكه. وخفاء سببه على أكثر الناس. ويطلق على ضرب من التخييل لا ~~حقيقة له تخدع به العيون حتى ترى ما ليس واقعا واقعا. كالذي يفعله المشعوذ ~~«3» يصرف به الأبصار عما يعمله بخفة يده وسرعة حركته وإلى ذلك الإشارة بقوله: # يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى «4» ، وقد يستعان على ذلك باستخدام خواص ~~الأشياء وطبائعها التي لا يعرفها العامة، كخاصية جذب المغناطيس للحديد، ~~فهذا PageV01P086 # الضرب إما حيلة وشعوذة؛ وإما صناعة عليمة خفية. يجهلها أكثر الناس. ~~فيسمونها سحرا كالذي حكاه المؤرخون عن سحرة فرعون ms068 أنهم استعانوا بالزئبق ~~على إظهار الحبال والعصي بصورة الحيات والثعابين. حتى خيل إلى الناس أنها تسعى. # وقال بعض العلماء: إنه يطلق على ضرب ثالث يحصل بمعونة الشياطين. # والتقرب إليهم بالمعاصي؛ يؤثر في القلوب بنحو الحب والبغض. وفي الأجسام ~~بنحو الألم والسقم؛ وهذا الضرب يحتاج إلى برهان عملي. # قال القرطبي: السحر حيل صناعية يتوصل إليها باكتساب غير أنها لدقتها لا ~~يتوصل إليها إلا آحاد الناس، ومادته الوقوف على خواص الأشياء، والعلم بوجوه ~~تركيبها وأوقاته. وأكثرها تخييلات بغير حقيقة، وإبهامات «1» بغير ثبوت، ~~فيعظم عند من لا يعرف ذلك كما قال الله تعالى عن سحرة فرعون: وجاؤ بسحر ~~عظيم «2» مع أن حبالهم وعصيهم لم تخرج عن كونها حبالا وعصيا. ثم قال: والحق ~~أن لبعض أصناف السحر تأثيرا في القلوب كالحب والبغض وإلقاء الخير والشر. ~~وفي الأبدان بالألم والسقم. وإنما المنكور أن الجماد ينقلب حيوانا أو عكسه ~~بسحر الساحر ونحو ذلك. # والمراد به في الآية الضربان الأخيران أما الأول: فإنه السحر الحلال. ~~والربا في اللغة: الزيادة مطلقا يقال: ربا يربو ربوا إذا زاد ونما. # وفي اصطلاح الفقهاء: الزيادة على رأس المال من وجه خاص. والربا المعروف ~~في الجاهلية أن يقول الدائن لمدينه إذا حل الأجل: إما أن تعطي وإما أن ~~تربي. واليتيم من الإنسان: الذي فقد أباه. ومن الحيوان: ما فقد أمه. ~~والتولي: # الفرار والهرب وأصله إعطاؤك الغير وليك أي ظهرك. والزحف: المشي. وزحف ~~الجيش مشيه إلى عدوه في ثقل لكثرته. وأصل الزحف: الدب على المقعدة أو ~~الركبتين قليلا قليلا. والقذف: الرمي. والمراد به هنا الرمي بالزنى. ~~والمحصنات: # العفيفات اللاتي أحصن نفوسهن من الخنا «3» مأخوذ من الحصن وهو المكان ~~المنيع، PageV01P087 # إذ نفوسهن في حصن من العفاف، وتقال للحرائر «1» ، وللمتزوجات لأن الحرية ~~والزواج من دواعي العفة، والابتعاد عن الفاحشة. والغافلات: اللاتي لم تخطر ~~الفاحشة على بالهن لطهارة قلوبهن. فهن ساهيات عن المنكر. # والشرح: # الحسنات درجات. والسيئات درجات فما كان من الحسنات نفعه كبيرا كان ثوابه ~~عند الله عظيما. وما كان نفعه دون ذلك كان ثوابه ms069 أدنى وما كان من السيئات ~~ضرره بليغا فهو الكبيرة الموبقة «2» والفاحشة المهلكة. وما كان ضرره دون ~~ذلك فهو الصغيرة التي يكفرها مجانبة الكبيرة. # وفي هذا الحديث أمرنا الرسول صلى الله عليه وسلم باجتناب السبع الموبقات ~~وليس الغرض حصر الموبقات في هذه السبع. بل الغرض التنبيه بها إلى أمثالها. ~~أو ما زاد فحشه عن فحشها. كالزنى والسرقة والغلول- الخيانة في الغنيمة- ~~والعقوق. واليمين الغموس. # والإلحاد في الحرم «3» ، وشرب الخمر، وشهادة الزور والنميمة، ونكث البيعة ~~«4» ، وفراق الجماعة، وترك التنزه من البول، والأمن من مكر الله، والقنوط ~~«5» من رحمته، والاضرار في الوصية والجمع بين الصلاتين من غير عذر. فكل هذه ~~من الجرائم المهلكة. والموبقات المردية. التي جاء فيها الوعيد الشديد ~~بالعذاب الأليم. وهاك بيان السبع. # فأولاها الشرك: # وهو أكبر الذنوب. وفيه يقول الله: إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما ~~دون ذلك لمن يشاء «6» ، وقد فصلت ذلك في الحديث (31) . # ثانيتها السحر: # وهو حوب «7» كبير، ووزر عظيم، لأن فيه تلبيسا وتعمية وسترا للحقائق، ووضع ~~غشاء على الأبصار، وإضلالا للعامة وزلزالا لعقيدتهم في ترتب المسببات على ~~أسبابها. والنتائج على مقدماتها، فإن كان من سبله الإتصال PageV01P088 # بالشياطين، والتقرب إليهم بالعصيان كانت تلك أضرار أخرى. وإن كان منه ما ~~يؤثر في القلوب بالحب والبغض وفي الأجسام بالصحة والسقم كان أشد فحشا وأعظم ~~وقد اتفق العلماء على حرمة تعلم السحر وتعليمه وتعاطيه. # وقالوا: إن كان فيه قول أو فعل يقتضي الكفر كان كفرا. وقال مالك وأحمد ~~وجماعة من الصحابة والتابعين: تعاطي السحر كفر يوجب القتل، وكأن حرمة ~~التعلم والتعليم لأن ذلك وسيلة إلى العمل به. فإن كان ذلك لمجرد الإحاطة ~~به، والوقوف عليه وأمن العمل به، ولم يكن في سبيله إقتراف جريمة لم يتجه ~~التحريم كمن يتعرف الأديان الباطلة وطرق العبادة فيها لا يأثم بذلك، ولا ~~يخرج من حظيرة الملة، بل له ثواب إن أراد النهي عنه. والتحذير منه. # وثالثتها قتل النفس المحرمة: # وإزهاق «1» الروح الآمنة البريئة، وإراقة الدماء الطاهرة الزكية. فتلك ~~جريمة ترفع الأمن، وتنشر الخوف، وتفتك ms070 بالأمة وتضعفها. # وتقطع روابط الإخاء بينها تلك الجريمة المرملة للنساء، الميتمة للأطفال، ~~الزراعة للإحن والعداوات. تلك التي يقول الله فيها: من قتل نفسا بغير نفس ~~أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا «2» ، تلك التي يقول الله في ~~عذابها: ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ~~ولعنه وأعد له عذابا عظيما «3» تلك الجريمة التي لا تخطر على قلب مؤمن، أو ~~لا تطاوعه نفسه عليها وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ «4» ، وقتل ~~النفس يشمل قتل العدوان. وقتل الأولاد خشية الإملاق «5» ، ووأد «6» البنات ~~مخافة العار. فالنفس الإنسانية محترمة إلا إن كانت نفسا شريرة، مجرمة ~~مفسدة. فإن دواءها إراحة المجتمع منها، فالقاتل يقتل ولكم في القصاص حياة ~~يا أولي الألباب «7» ، والزاني الذي تحت يده امرأة تعفه إذا انتهك عرض ~~امرأة، واقترف الفاحشة يرجم. والتارك لدينه المفارق للجماعة، PageV01P089 # المحارب لله ورسوله يقتل. وبعبارة أخرى. لا نريد نقض المجتمع، والإعتداء ~~على حياته. ولكن ننقض من نقض بناءه، وأراق دماءه. # ورابعة الموبقات أكل الربا: # وهو ظلم للإنسان، وأكل لماله بالباطل. # ومحاربة لله ورسوله. وموجب للخلود في النار كما حكى القرآن. وكيف لا يكون ~~كذلك وأنت تنتهز فرصة الإعسار. وشدة الفقر. وخلو اليد. الذي يوجب عليك ~~الصدقة. فتخرج الجنيه بعشرة قروش أو عشرين؛ ثم تفعل ذلك كلما حل الأجل حتى ~~يكون الربا أضعافا مضاعفة. فتثقل ظهر أخيك وتذهب بما قد يكون في يده من مال ~~يتكىء عليه في الحياة، أو من بيت يؤويه، ويؤوي زوجه وبنيه؟ وإن الربا ~~لممحقة للمال «1» . ومذهبة للبركة. ونازع للرحمة. وموجب للعداء. وناشر ~~للبلشفية «2» التي تهدد أرباب الثراء يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله ~~لا يحب كل كفار أثيم «3» . ولقد كان من آثاره الوخيمة أن أصبحت ضياعنا ~~الواسعة، وعماراتنا الشاهقة ملكا للأجانب. أو نستغلها لحسابهم. ليس لنا ~~منها إلا الشقاء والنصب «4» ؛ ولهم منها الثمرة والربح أصبحت الأمم مستعمرة ~~لنا اقتصاديا وإن ذلك من أخطر الأنواع في الاستعمار. # من أجل هذا كله عده الرسول صلى الله عليه وسلم ms071 من الموبقات ولعن آكله ~~وموكله؛ وكاتبه وشاهده. # وخامستها أكل مال اليتيم: # وكان واجبا على الناس أن يكفلوه، وينموا ماله ويرعوه؛ ويساعدوه حتى يبلغ ~~أشده. ويدرك رشده. ولكن هناك نفوس خبيثة، نهمة «5» شرهة «6» . تنتهز فرصة ~~الصغر والضعف، فتأكل أموال اليتامي إسرافا وبدارا أن يكبروا؛ وفيهم يقول ~~الله: إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في PageV01P090 # بطونهم نارا وسيصلون سعيرا «1» ، وهل ترضى أخي أن تكون لك ذرية ضعاف ~~تتركهم صغارا، فيأتي ظالم يقص أجنحتهم، ويجتاح ثروتهم؟ إذا كنت تمقت ذلك ~~أشد المقت فلماذا لا تمقته من نفسك، لأولاد غيرك؟ «لا يؤمن أحدكم حتى يحب ~~لأخيه ما يحب لنفسه» «2» ، وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا ~~عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا «3» . # وسادستها التولي يوم الزحف: # والفرار من لقاء العدو، والهرب من وجه الجيش المهاجم. والعدو المناجز «4» ~~. فإن ذلك الجبن، وإن ذلك إضعاف الشوكة، والفت «5» في عضد المجاهدين، وإن ~~ذلك ضياع البلاد، وإضعاف الدين أو القضاء عليه؛ في ذلك تمكين الأعداء من ~~دمائنا ونسائنا، وأولادنا وأموالنا، في ذلك الاستعباد والاستذلال، والقضاء ~~على الحريات؛ فبع نفسك لربك واشتر بمالك ونفسك جنة عرضها السموات والأرض؛ ~~وما الشجاع إلا من يميت نفسه في سبيل حياة دينه، وإرضاء ربه، وإن الموت لا ~~محالة مدركك، فليكن في سبيل العزة والكرامة، ليكن في سبيل الحياة لقومك؛ ~~وفي التولي يوم الزحف يقول الله: يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين ~~كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار. ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو ~~متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير «6» . # وخاتمة السبع قذف المحصنات: # الغافلات المؤمنات، وكيف لا يكون جريمة PageV01P091 # منكرة؛ وإفكا إدا «1» أن تعمد إلى امرأة متمتعة بالحصانة، بعيدة عن ~~الريبة، لا تخطر بقلبها الفاحشة، ولا تتحدث بها نفسها الطيبة، تعمد إلى هذه ~~الحرة العفيفة، التي مليء قلبها بالإيمان، فلم يكن فيه موضع لنية خبيثة؛ ~~ورطب لسانها بذكر الرحمن؛ فلم ينطق بالزور؛ ولم يتحرك بالخنا، وصرفت كل ~~جوارحها في العمل الصالح ms072 وكل وقتها في تدبير بيتها؛ وتربية ولدها وتطهير ~~نفسها؟ من يرم هذه بالفاحشة ويقذف الطهارة بالقذارة؛ والعفة بالعهارة «2» ؛ ~~والطيب بالخبث فجزاؤه ما قال الله: والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا ~~بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم ~~الفاسقون «3» . إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب ~~أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون «4» ، إن الذين يرمون ~~المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم «5» ، ~~يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون «6» . # فيا أيها المسلم لا تدنس نفسك بهذه الموبقات؛ فتوجب لها مقت الله ومقت ~~الناس وتعرضها لشديد العذاب في الدنيا والآخرة بل اجعلها الطاهرة النقية ~~الطيبة المهذبة؛ التي لا ترضى بالخير بديلا. # 35- باب: أداء الصلاة لوقتها وبر الوالدين والجهاد # عن عبد الله بن مسعود قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي العمل أحب ~~إلى الله؟ # وفي رواية: أي العمل افضل؟ قال: «الصلاة على وقتها» . قال: ثم أي؟ قال: # «بر الوالدين» . قال: ثم أي؟ قال: «الجهاد في سبيل الله» . قال: حدثني ~~بهن PageV01P092 # رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو استزدته لزادني. [رواه البخاري ومسلم ~~والترمذي والنسائي «1» ] . # الشرح: # سأل عبد الله بن مسعود رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أحب الأعمال إلى ~~الله؛ وأفضلها عنده؛ ليكون حرصه عليه أشد؛ وعنايته به أكبر؛ فأجابه الرسول ~~صلى الله عليه وسلم بأن الأحب؛ والأفضل والأرفع درجة والأجزل ثوابا الصلاة ~~على وقتها؛ وفي رواية: # «الصلاة لوقتها» «2» . # وقد قال الشراح: إن على هنا بمعنى اللام؛ واللام هنا تحتمل الاستقبال؛ ~~مثلها في قوله تعالى: فطلقوهن لعدتهن «3» أي مستقبلات عدتهن؛ وتحتمل ~~الإبتداء مثلها في قوله تعالى: أقم الصلاة لدلوك الشمس «4» أي ابتداء ~~زوالها؛ وتحتمل الظرفية أي في وقتها؛ ويشهد للإبتداء رواية مرجوحة «5» ~~فيها: الصلاة في أول وقتها وقد سبق الكلام على الصلاة وآثارها في الحديث ~~الثاني. # وهنا يبين الرسول صلى الله عليه وسلم الصلاة في أوقاتها المحددة أفضل ~~الأعمال إذ في ذلك العمل ms073 بقوله تعالى: إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا ~~موقوتا «6» وتعود النظام واحترام المواعيد، وذكر الله، والقيام بين يديه ~~ومناجاته خمس مرات في اليوم والليلة؛ وتلبية داعي الحق كلما دعا: حي على ~~الفلاح والدأب «7» على رياضة النفس وتهذيبها، والمبادرة إلي الخيرات، وملك ~~النفس والشهوات. وعدم التمكين للشيطان في الفتنة، فإنه يتصيد النفوس ~~الغافلة عن ذكر الله، المنهمكة في شؤون الحياة؛ وأداء PageV01P093 # الصلاة في غير وقتها يعرضك للإثم والعذاب، بل يعرضك لعدم قبول الصلاة ~~منك، فإن كثيرا من المحققين على أن الصلاة لا تؤدي في غير وقتها، فإن فاتتك ~~بؤت «1» بإثمها، ولم يكن لك مخلص من عقابها، على أنه إذا كان القضاء جائزا ~~مع الحرمة فإن الصلاة تكون ثقيلة على النفس. إذ تضم إلى أخواتها التاليات، ~~فيثقل الحمل، فتنوء «2» به النفس، أو تؤديه على مضض؛ أو بسرعة تفوت الخشوع ~~الذي هو لب الصلاة وروحها. نعم لو نسي الإنسان صلاة. أو نام عنها. أو كان ~~هناك عذر شرعي يبيح تأخيرها لم يكن عليك إثم في التأخير. وكان وقتها وقت ~~الذكر. أو التيقظ. أو زوال العذر. وإذا قلنا: إن اللام للابتداء كان أفضل ~~الأعمال أداء الصلاة في أول وقتها. إذ ذلك مبادرة إلى الخيرات. ولحاق لأول ~~الجماعات. وتبرئة للذمة من دين الصلوات وأنك أول الملبين. المسرعين إلى ~~مرضاة الله. والحظوة بمناجاته. فأداء الصلاة كل يوم في أوقاتها أو في أول ~~الأوقات أفضل عند الله من سائر الأعمال الآخرى. # ثم سأله عبد الله عما يلي ذلك في المرتبة فقال له: بر الوالدين. وكأن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم استنبط ذلك الترتيب من قوله تعالى في وصية ~~الإنسان بوالديه أن اشكر لي ولوالديك «3» فشكر الله بالصلاة وشكر الوالدين ~~ببرهما. وبرهما بطاعة أمرهما. # وتفقد مصالحهما والإنفاق عليهما وحسن معاملتهما، وخفض الجناح لهما. وأن ~~تقول: رب ارحمهما كما ربياني صغيرا «4» وهل التربية. والعطف والرحمة. # والحب الطبعي. والكد «5» لراحتك. والسهر لنومك. والشقاء لسعادتك، تقابل ~~منك إلا بالبر إلا أن تكون جحودا كفورا؟ ولا إخالك. وحسبك بيانا لمنزلة ~~الوالدين وإشادة ms074 «6» بحقهما أن الله قرن الإحسان إليهما بالأمر بتوحيده في ~~كثير من الآيات. وأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأذن لراغب في الجهاد ~~إلا بعد استئذانه من أبويه. وأنه جعل السعي PageV01P094 # عليهما جهادا في سبيل الله «1» . # ثم سأله عبد الله عما يلي بر الوالدين. فأخبره الرسول صلى الله عليه وسلم ~~بأنه الجهاد في سبيل الله. وسبيله دينه الذي شرعه. والحق الذي رسمه. وما ~~الجهاد إلا بذل المستطاع من مال ونفس. ومركز وجاه. وقوى وتفكير. وقلم ~~ولسان، في سبيل إعلاء كلمته. وحفظ دينه. ونشره بين الناس وتعليمه وحفظ ~~البلاد التي يقطنها «2» الإسلام. وحفظ أهله ممن أرادهم بسوء من الأمم ~~الغاشمة «3» . والدول المستعمرة. # التي لا ترعى فينا إلا «4» ولا ذمة. فلنستخدم كل وسيلة في سبيل إقامة ~~الدين. ورفع لواء القرآن والتمكين للحق في الأرض. وفي نفوس الناس عامة ~~والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين «5» . # قال عبد الله: ولو طلبت من الرسول صلى الله عليه وسلم الزيادة على ذلك ~~مما هو بيان لدرجات الأعمال. أو مما يحتاج إليه المرء في دينه لزاد. لأنه ~~إمام الإرشاد. فكيف لا يجيب السائل. ولو تابع السؤال وكان عبد الله وقف عند ~~هذا الحد شفقة على الرسول صلى الله عليه وسلم وحرصا على راحته، ويؤيد ذلك ~~ما جاء في رواية لمسلم «6» عن عبد الله. فما تركت أن أستزيده إلا إرعاء ~~عليه. أي شفقة عليه لئلا يسأم «7» . # وفي هذا إرشاد للطلبة والمتعلمين ألا يكثروا من الأسئلة حتى يشقوا على ~~أساتيذهم المربين. وإرشاد للمربين أن يتقبلوا أسئلة الطلبة بصدور رحبة ولو ~~سألوا مرارا. ما دام لم يكن في ذلك مضيعة ولا مضرة. # وكان الظاهر أن يقدم فيه الجهاد على الصلاة لوقتها وبر الوالدين؛ لأن ~~المشقة فيه أكبر، إذ فيه بذل المال والنفس، ولكن الجهاد واجب وقتي، والصلاة ~~واجب دائم PageV01P095 # كالبر بالوالدين، فالصبر على مشقتهما وإن كان أدنى من الصبر في مواطن ~~الكفاح ولقاء الأعداء، لكن المداومة على ذلك طوال السنين مما أكبر المشقة ~~فيهما، ورفع درجتهما عن ms075 الجهاد قرينهما. # وأعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أجاب في مواطن أخرى عن سؤال «أفضل ~~الأعمال» بغير هذه الإجابة، وليس من تعارض بين ذلك وتضارب، لأنه كان يجيب ~~كل سائل بما يناسب حاله، أو يلتئم مع رغبته وميله. أو لاختلاف الأوقات ~~والأحوال؛ ففي أوقات الحرب والنزال، وهجوم الأعداء: الجهاد أحب، وفي أوقات ~~المجاعات: # الصدقة أفضل: وفي أوقات الهدوء والطمأنينة: الصلاة أهم، وهكذا لكل حال ما ~~يناسبها، فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يلبس لكل حال لبوسها، ويجيب بما ~~يسايرها، وهو البليغ الحكيم. # ولعن تاركي الصلاة، الذين يحسبون أنفسهم مؤمنين؛ ولم يركعوا لله ركعة أو ~~يسجدوا له سجدة؛ ولم يغشوا «1» بيوت الله؛ وإن غشوا بيوت الناس- لعلهم ~~يعتبرون بهذا الحديث؛ فيقلعوا عن جرمهم؛ ويتوبوا إلى ربهم؛ ولعل الكسالى ~~الذين يجمعون الصلوات؛ أو يؤدونها آخر الأوقات يكون لهم من ذلك موعظة، ~~والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. # 36- باب: طاعة الأئمة والرؤساء في المعروف # عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «السمع والطاعة على ~~المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ~~ولا طاعة» . [رواه البخاري «2» ] . # الشرح: # قال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي PageV01P096 # الأمر منكم «1» فأمر عباده المؤمنين بطاعته. وطاعة رسوله. وأولي الأمر ~~فأفاد أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. # لأنه إذا أمر بمعصية فأطعناه لم نحقق طاعة الله وطاعة الرسول. فكانت ~~الآية شاهد ما قال الرسول صلى الله عليه وسلم وأنه لا طاعة لأولياء الأمور. ~~فيما فيه مخالفة الله أو الرسول. # أولو الأمر: # هم الذين وكل إليهم القيام بالشؤون العامة. والمصالح المهمة. # فيدخل فيهم كل من ولي أمرا من أمور المسلمين: من ملك ووزير. ورئيس ومدير. # ومأمور وعمدة. وقاض ونائب وضابط وجندي وقد أوجب الرسول صلى الله عليه ~~وسلم على كل مسلم السمع لأوامر هؤلاء. والمبادرة إلى تنفيذها. سواآ كانت ~~محبوبة له. أم بغيضة إليه وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم «2» فإذا ms076 دعونا ~~إلى الحرب. وبذل المال في سبيلها لبينا الطلب. وإذا طالبونا بالضرائب ~~المشروعة دفعناها. وإن طلبوا منا المساعدة على حفظ الشواطىء والمزارع من ~~المياه الطاغية «3» أجبنا. وإن رغبوا في معونتنا لأهل بلد اجتاحهم حريق أو ~~نابتهم نائبة حققنا رغبتهم. وهكذا نسمع كل ما أمروا به وننفذه، سواء وافق ~~رغباتنا وميولنا أو خالفها، وسواء شق علينا أم سهل ما دام في المصلحة ~~العامة، وما دام في دائرة الحلال المشروع، أما إن أمرونا بمعصية كإتهام ~~بريء، أو حبسه. أو إيذائه، أو مصادرة ماله ظلما وعدوانا، أو رغبوا إلى ~~القضاء أن يحيد عن الحق ويحكم بالباطل، أو أرادوا مالنا وحيواننا ورجالنا ~~لمساعدة عدونا. أو أرادوا أن نخط بيدنا صك الاستعباد لنا ولأبنائنا ~~وأحفادنا، أو طلبوا أن نرخص لمن يرغبن في الإتجار بأعراضهن، أو من يتجرون ~~في الخمور، أو يفتحون ناديا للميسر- إن أمرونا بشيء من ذلك أطعنا الله ~~وعصيناهم وأرضيناه وإن أغضبناهم. فطاعتهم محرمة، ومخالفتهم واجبة. # هذا وقد جاءت أحاديث فيها إطلاق الأمر بطاعة الولاة، والصبر على مكارههم، ~~وعدم الخروج عليهم، كحديث أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: PageV01P097 # «اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة» «1» يريد ~~بذلك صغرها. # وكحديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من رأى من أميره شيئا ~~يكرهه فليصبر، فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبرا، فيموت إلا مات ميتة ~~جاهلية» «2» . # وكحديث عبادة بن الصامت قال: دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه، ~~فقال فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا- في ~~حال النشاط والكراهة- وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا- استئثار بحظ دنيوي- وألا ~~ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحا- جهارا- عندكم من الله فيه برهان ~~«3» . روى هذه الأحاديث الثلاثة البخاري، فيجب تقييد الإطلاق فيها بالآية ~~السابقة وبحديثنا الذي نشرحه، وبحديث معاذ الذي رواه أحمد: «لا طاعة لمن لم ~~يطع الله» «4» . وأحاديث أخرى تحرم علينا طاعتهم في المعصية، ويدل لتقييد ~~حديث أنس حديث أم الحصين عند مسلم: # «اسمعوا وأطيعوا ولو استعمل عليكم ms077 عبد يقودكم بكتاب الله» «5» ، والمكروه ~~الذي أمرنا بالصبر عليه في حديث ابن عباس ما شق على نفوسنا، ولم يكن معصية ~~الله والرسول، فإن كان معصية فالنهي عن المنكر واجب، ولكن بالحكمة والموعظة ~~الحسنة، فلا نثير الفتن ونبدد «6» شمل الأمة، ونعرض دماءها وأموالها ~~ومصالحها للضياع إذا أمكننا إزالة المنكر بالحسنى والمسالمة. وكذلك إذا كان ~~ضرر المنكر دون الضرر المترتب على الإنكار. # وأما حديث عبادة الذي فيه: ألا ننازع الأمر أهله إلا أن نرى كفرا بواحا ~~فالمراد بالكفر هنا المعصية، وكل معصية للخالق جحود بنعمته. PageV01P098 # يدل على ذلك رواية: إلا أن يكون معصية لله بواحا فلا ننازع ولاة الأمور ~~في ولايتهم، ولا نعترض عليهم في تدبيرهم إلا إن رأينا منهم منكرا محققا لا ~~شبهة فيه ولا تأويل. فإن رأينا ذلك أنكرنا عليهم إنكارا يقلعون به عن ~~المعصية مع إلتزام الحكمة في النصيحة. # فأطع من ولوا أمرك ما داموا لله مطيعين، واصبر على ما تبغض منهم ما لم ~~يكن معصية بينة، واحرص على اتحاد الكلمة، وبقاء الألفة. وسلامة الجماعة، ما ~~دامت على الحق قائمة. وبأمر الله عاملة. وإياك أن تداهن «1» الولاة في ~~معصية. أو تجاريهم على مظلمة ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما ~~لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون «2» . # 37- باب: من يضاعف الله لهم الأجر # عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «ثلاثة يئتون أجرهم مرتين: الرجل تكون له الأمة، فيعلمها. فيحسن ~~تعليمها. # ويؤدبها فيحسن تأديبها، ثم يعتقها، فيتزوجها فله أجران، ومؤمن أهل الكتاب ~~الذي كان مؤمنا، ثم آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم فله أجران، والعبد الذي ~~يؤدي حق الله، وينصح لسيده، له أجران» . [رواه البخاري ومسلم والترمذي ~~والنسائي وابن ماجه «3» ] . # الشرح: # لكل حسنة أجرها وثوابها. وعلى قدر الإخلاص فيها والنفع بها يكون مقدار ~~الأجر. وإذا كانت الحسنة واحدة. وكان لها جهات متعددة تعدد الأجر. كما PageV01P099 # يتعدد بتعدد الحسنات. وفي هذا الحديث يذكر الرسول صلى الله عليه وسلم ~~ثلاثة ms078 أشخاص يؤتون أجرهم مرتين. # أولهم [من يحسن إلى أمته] # : الرجل تكون له أمة تحت يده ملكا واستخداما. فيحسن إليها الإحسان كله. ~~فيعلمها فرائض الدين وسننه. وشؤون المنزل وأعماله من نظافة وطهي. وعجن ~~وخبز. وترتيب ونظام. وخدمة أولاد. سواء أكان ذلك التعليم بنفسه أم بوساطة ~~غيره، من زوج وخدم، أو بنات وحشم «1» ولا يقتصر على تعليم ناقص، بل يجد ~~فيه، حتى تبلغ نهايته، وتدرك غايته وتكون فيه الحاذقة «2» الماهرة، ~~والحكيمة المدبرة، وكذلك يؤدبها ويهذبها، ويروضها «3» على مكارم الأخلاق. ~~وأحاسن الآداب كالعفة والقناعة والصدق والأمانة. وحسن المعاشرة. والأدب في ~~المحادثة. ويبالغ في ذلك التأديب. حتى تكون الفتاة المهذبة. والأمة ~~المكملة؛ وبعد ذلك التعليم والتأديب، والبلوغ بهما الغاية يعتقها من رقها، ~~ويطلقها من قيدها، ويمن عليها بالحرية التي فطر الناس عليها، فتصبح ذات ~~شأنها، والمستقلة بأمرها لا سلطان لأحد عليها، تتصرف في مالها ونفسها كما ~~تريد في الدائرة المشروعة، والخطة المحمودة. # ثم يضيف إلى ذلك منة أخرى، وحسنة كبرى: أن يتخذها زوجا له فيسويها بزوجة ~~الحرة. ويلحقها بسيدتها، ويرفعها من درجة الخدمة إلى مرتبة القرينة «4» ، ~~فهذا الشخص له أجران في هذه الأمة، أجر التحرير بعد الاستعباد، وأجر الزواج ~~بعد الاستخدام. وله فوق ذلك أجر التعليم، وأجر التأديب، وكأنه لما كان ~~العتق من الحسنات في الدرجة العليا حتى عده الله في القرآن اقتحام العقبة ~~وكان زواج الأمة بعد تحريرها أكبر نعمة تسدى إليها اقتصر على أجريهما، ~~إشارة إلى علو شأنهما، وبعد مرتبتهما، ولم يذكر أجري التعليم والتهذيب؛ ~~وحكمة أخرى، وهي التنبيه إلى أن التعليم والتأديب لا يختص بالإماء والعبيد، ~~بل ذلك واجب السيد نحو البنات والبنين، أفترى بعد ذلك أن الإسلام لم يرفع ~~من شأن الرقيق، ولم يرق به إلى درجة PageV01P100 # الحر في تربيته وتهذيبه، ولم يأخذ بيده إلى الحرية المنشودة والحقوق ~~العامة؟ ثم أترى بعد ذلك أن الإسلام لم يحض على تعليم البنت وتأديبها، ~~وتهذيبها وتثقيفها، بما ينمي عقلها، ويحسن أخلاقها، ويرفع شأنها، ويعلمها ~~واجبات بيتها؟ إذا كان الشارع يشيد بذلك في الإماء، ms079 فما بالك بالحرائر ~~المحصنات؟ فعلم بنتك وأدبها يكن لها ولك المستقبل السعيد والعيشة الراضية، ~~والكرامة العالية. # وثانيهم: من آمن بديننا وكتابنا، وإمامنا ونبينا من أهل الكتب المقدسة # يهودا أو نصارى، فأولئك لهم أجران على الإيمان لتعدد جهته. # أجر على الإيمان بدينهم، والعمل بكتابهم. # وأجر على الإيمان بنبينا، والعمل بكتابنا، وفي هذا ترغيب عظيم لليهود أو ~~النصارى في المسارعة إلى اعتناق الإسلام. الذي هو خاتمة الأديان، وأن ما ~~أرادوه من الثواب في المحافظة على دينهم محفوظ لهم إلى ما ينالون من ثواب ~~الإيمان الجديد، والعمل بالقرآن المجيد، فالإسلام لا يغمط «1» لذي حق حقه، ~~ولا يحرم عاملا أجره. # وثالثهم: العبد الذي يقوم بواجب الرق لسيده وواجب العبودية لربه # ، فهو لسيده الخادم المطيع والحافظ الأمين، يخلص لسيده في سائر أعماله، ~~يحرص على ماله وينميه، ويحافظ على بناته وبنيه، يرشده إلى ما يراه الخير، ~~وينبهه إلي مواطن الشر، وهو لربه مؤد للحقوق، قائم بالواجبات فلا يلهيه ~~القيام بخدمة سيده، عن القيام بحق بارئه، فإذا ما نودي للصلاة هرول إليها، ~~وإذا ما دعي لمكرمة أجابها، وإذا ما رغب إليه سيده في اقتراف جريمة نصحه ~~وأطاع ربه، فهو بأوامر الدين قائم، ولنواهيه تارك، وللقرآن ذاكر، وللسوء ~~مخاصم، فهذا له أجران: أجر النصح لسيده، وأجر الطاعة لربه. # هذا والعدد لا مفهوم له. فهناك من يؤتى أجره مرتين غير أولئك. كنساء ~~الرسول صلى الله عليه وسلم فقد قال الله فيهن: ومن يقنت منكن لله ورسوله ~~وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين وأعتدنا لها رزقا كريما «2» ، وكمن يتصدق ~~على قريبه له أجران: أجر PageV01P101 # الصدقة، وأجر الصلة. # وكالحاكم إذا أصاب في حكمه فله أجران. وكالذي يسن سنة حسنة له أجرها وأجر ~~من عمل بها. وكالذي تيمم وصلى، ولما وجد الماء أعاد الصلاة، فقد قال الرسول ~~صلى الله عليه وسلم: «لك الأجر مرتين» ، وكالذي يقرأ القرآن وهو شاق عليه ~~له أجران. كل ذلك جاءت به الأحاديث الصحيحة، فدل على أن مضاعفة الأجر ليست ~~قاصرة على الثلاثة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع ms080 عليم «1» . # 38- باب: التيسير والتبشير # عن عامر بن أبي موسى عن أبيه قال: لما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ومعاذ بن جبل إلى اليمن قال لهما: «يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، ~~وتطاوعا ولا تختلفا» . [رواه البخاري «2» ] . # اللغة: # التيسير: التسهيل، وضده التعسير. والتبشير: الإخبار بما يسر ويبدو أثره ~~على البشرة، ويقابله الإنذار. والتنفير: إزعاج الشيء وإثارته من مكانه، ~~وضده التسكين. والتطاوع: إطاعة كل واحد منهما صاحبه، وضده التخالف. # كان من عادة الرسول صلى الله عليه وسلم إذا بعث ولاته وعماله إلى الأقطار ~~المختلفة أن يزودهم بالنصائح، حتى يكونوا للناس قدوة حسنة، ويجمعوا قلوبهم ~~على الإسلام، فلما بعث أبا موسى الأشعري ومعاذ بن جبل إلى اليمن كلا منهما ~~على مخلاف فيها- إقليم- زودهما بهذه النصيحة فأمرهما بثلاثة، ونهاهما عن ثلاثة. # 1- أمرهما بالتيسير، ونهاهما عن التعسير # ، فالتيسير التسهيل على الناس وقد ندب إليه القرآن في قوله: يريد الله ~~بكم اليسر ولا يريد بكم العسر «3» ، وقوله: PageV01P102 # وما جعل عليكم في الدين من حرج «1» ، فلا يجشمهم «2» صعبا، ولا يكلفهم ~~عسرا، يتأذون به، أو تتململ منه نفوسهم، فإذا صلى بهم إماما لا يطيل في ~~صلاته، بل يخفف كتخفيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن فيهم المريض ~~والضعيف وذا الحاجة. # وإذا خاطبه بعضهم بعبارات جافة، لكنها فطرية لا يتغير منها، وفي جباية ~~الزكاة يأخذ منهم ما يسهل على نفوسهم، دون ما يشق عليها، من غير تقصير في ~~حق، وإذا أراد نهيهم عن قبيح، وإقلاعهم عن باطل سلك بهم في الزجر سبيلا ~~سهلا، خاليا من الغلظة في القول، والقسوة في الموعظة، كالذي فعله رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لما بال أعرابي في المسجد، وثار إليه الناس ليوقعوا به ~~فقال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم: «دعوه وأهريقوا على بوله ذنوبا من ~~ماء، أو سجلا من ماء» - الذنوب والسجل الدلو- «فإنما بعثتم ميسرين، ولم ~~تبعثوا معسرين» «3» . # وكما تيسر على الناس في معاملتهم، ونهيهم وزجرهم؛ كذلك تيسر على النفس، ~~فلا تكثر عليها من الطاعات حتى تسأمها وتملها، ولا تشق ms081 عليها في أداء ~~الواجبات إذا أمكن القيام بها في يسر، فالذي يشق عليه القيام في الصلاة ~~يتركه إلى القعود. أو يشق عليه الصوم لمرضه أو سفره أو كبره يتركه إلى ~~الإفطار، أو يصعب عليه التوضؤ بالماء في البرد القارس ولم يتيسر له الماء ~~الساخن يستبدل به التيمم، وهكذا يرفق بنفسه ولا يعسر عليها حتى تخرج عن ~~أمره. ومن فهم التيسير عرف التعسير. # وإنما نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن التعسير بعد أمره بالتيسير مع أن ~~الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده تقوية وتأكيدا؛ حتى لا يبقى لمتنطع «4» ~~علة يعتل بها لتنطعه. على أنه لو اقتصر على «يسروا» لتحقق الإمتثال ~~بالتيسير مرة. وإن عسر مرارا. فلما قرنه بالنهي عن التعسير. والنهي يقتضي ~~الكف عن الفعل دائما فهمنا المداومة على التيسير. # وكذلك يقال في الأمر والنهي الآخيرين. # 2- وأمرهما بالتبشير؛ ونهاهما عن التنفير. # فتبدأ الناس بالأخبار السارة PageV01P103 # المروحة للنفوس، المزيلة للهموم، فتشحذ «1» منهم العزائم؛ وتعلو الهمم. ~~فيقبلون على الأعمال الطيبة، فإذا دعونا جماعة إلي هذا الدين بدأناهم بذكر ~~الثمرات التي يجنيها العبد من ورائه. فنذكر لهم العزة في الدنيا والملك ~~والغني ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين «2» . وعد الله الذين آمنوا منكم ~~وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم «3» . ومن ~~يتق الله يجعل له من أمره يسرا «4» ، ونذكر ما أعد الله للمؤمنين في الحياة ~~الآخرة. مما لا عين رأت ولا أذن سمعت. ولا خطر على قلب بشر، ونبين لهم ~~سهولة الدين، وأن شرائعه لا تثقل النفوس، ولا تحرجها، بل هي لها طهارة ~~وسعادة وبرد وراحة وإذا وعظنا شريرا ليرعوي عن غيه رغبناه في التوبة، ~~وعرفناه أنها تجب «5» السيئات وأن أبواب الله لها مفتحة، وأن الإستقامة ~~أجدى عليه من الإجرام، وإذا نصحنا طالبا ليجد في دروسه بينا له آثار الجد، ~~وثمراته في المجدين، وما كسبوا من كبير المناصب، وعلو الجاه، وسعة الثروة، ~~ذلك هو التبشير. # أما التنفير فجانب سبيله، فلا تبدأ من دخل الإسلام حديثا؛ ولم يتمكن من ~~نفسه بذكر أنواع المياه، ms082 وأحكام الاستنجاء، وفروض الوضوء وسننه وآدابه؛ ~~والغسل وأحكامه وأسبابه؛ والتيمم وأركانه ... وتستقصي في ذكر الأحكام له ~~استقصاء حتى يرى نفسه أمام تعليمات ثقيلة وأحكام كثيرة؛ وكل هذا للصلاة ~~وسيلة؛ فما الحال في المقاصد؟ إنها لكبيرة فينفر من الدين بعد أن رغب فيه؛ ~~ويهم بالنكوص «6» بعد أن خطا فيه خطوة. # وكذلك لا تنفر العاصي بأن ما أسلفه من السيئات لا توبة له منه ولا إنابة؛ ~~ولا بد من عقابه على ما أجرم فيرجع عن الإقلاع؛ ويستمر في الإجرام؛ وكذلك ~~لا تبدأ الطالب الكسلان بوخامة «7» العاقبة؛ وسوء النتيجة، فتفت في عضده؛ ~~وتذهب ببقية PageV01P104 # عزمه. فتضره ولا تنفعه. وإذا قابلت من تزوج حديثا فبشره بالحياة الطيبة؛ ~~والذرية المباركة؛ ولا تقل له: زوجك هذه من أسرة خلقها كيت وكيت. أو هي لا ~~تحسن إدارة منزل؛ ولا خدمة زوج؛ وقد خطبها فلان ورغب عنها؛ مما يدل على ~~حماقتك وقصر نظرك؛ وأنك لا تقدر المواقف قدرها. # وإنما ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم التنفير بجانب التبشير دون الإنذار ~~الذي هو قرينه لأن الإنذار غير منهي عنه، إذ كان الرسول صلى الله عليه وسلم ~~مبشرا ونذيرا لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون ~~الصالحات أن لهم أجرا حسنا. ماكثين فيه أبدا «1» ، والقرآن من سننه قرن ~~النعيم بالجحيم. وأن الأول: للمتقين، والثانية: للمجرمين؛ فكيف ينهى الرسول ~~صلى الله عليه وسلم عن سنته وطريقته، وعن سلوك منهج القرآن؟ لذلك نهى ~~الرسول صلى الله عليه وسلم عن التنفير دون الإنذار. وأن للتبشير مقاما. ~~وللإنذار مقاما. فالإنذار مقاما. فالإنذار لمن لا يقيمه على الصراط الإبراق ~~والإرعاد. والتبشير لمن يحركه إلى العمل بارق الأمل، وكلاهما محمود. أما ~~التنفير فإنه ممقوت ما دام يبعد عن الحق، ويرغب عن الخير، فإن كان مبعدا عن ~~الرذيلة فذلك الإنذار المحمود، وإذا كان للإنذار مقام، وللتبشير مقام، لم ~~يكن الأمر بالتبشير نهيا عن الإنذار لاختلاف الوجهة، ومن التنفير إذا كنت ~~مدرسا أن تحدث الطلبة بطول المقرر وصعوبته، وأنه لا أمل في الإحاطة به، أو ~~أن ms083 تبدأهم بالمسائل الصعبة والأبواب العسرة. بل تحدثهم بسهولة المقرر، وأن ~~الإرادة الماضية تحيط به في يسير من الوقت، وتأخذ بهم من الأسهل إلى السهل، ~~فالصعب ثم الأصعب وكذلك كل من تولى مع آخرين عملا مهما؛ يسهل عليهم أمره؛ ~~ويتدرج بهم فيه، حتى يبلغوا غايته، وكل هذا من الحكمة. # 3- وأمرهما بالتطاوع، ونهاهما عن التخالف. # لأن التطاوع قوة وألفة والتخالف ضعف ونفرة. فما دام الأمر في معروف ~~فليطعه. فإن رأى غير ما رأى تباحثا في وجوه الاختلاف، ومحصا «2» المسألة، ~~ثم أصدرا عن اتفاق تلك نصيحة الرسول صلى الله عليه وسلم لأبي موسى ومعاذ. ~~وجدير بكل من بعث واليا، وعين حاكما، على إقليم من الأقاليم أن يضع هذه ~~النصيحة نصب عينيه لينجح في إدارته، ويعلو في ولايته. PageV01P105 # هذا وللحديث بقية، فنذكر لك أصله- قال البخاري «1» : حدثنا مسلم، حدثنا ~~شعبة، حدثنا سعيد بن أبي بردة، عن أبيه قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم ~~جده أبا موسى ومعاذا إلى اليمن، فقال: «يسرا ولا تعسرا. وبشرا ولا تنفرا. ~~وتطاوعا ولا تختلفا» ، قال أبا موسى: يا نبي الله إن أرضنا بها شرب من ~~الشعير المزر «2» ، وشراب من العسل البتع «3» ... فقال: «كل مسكر حرام» ~~فانطلقا. فقال معاذ لأبي موسى كيف تقرأ القرآن؟ قال: قائما، وقاعدا، وعلى ~~راحلتي، وأتفوقه تفوقا- أي لا أقرأ وردي منه دفعة واحدة، ولكن أقرؤه شيئا ~~بعد شيء في ليلي ونهاري، مأخوذ من فواق الناقة لأنها تحلب، ثم تراح حتى ~~تدر، ثم تحلب- قال: أما أنا فأنام، فأقوم، وأنام فأحتسب نومتي كما أحتسب ~~قومتي، وضرب فسطاطا- بيتا من شعر- فجعلا يتواران فزار معاذ أبا موسى، فإذا ~~رجل موثق، فقال: ما هذا؟ فقال أبو موسى: يهودي أسلم، ثم ارتد، فقال معاذ: ~~لأضربن عنقه. # 39- باب: إطعام الجائع وعيادة المريض # عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # «أطعموا الجائع، وعودوا المريض، وفكوا العاني» . [رواه البخاري «4» ] . # اللغة: # العيادة: الزيارة، وكل من أتاك مرة بعد أخرى فهو عائد وقد اشتهرت العيادة ~~في زيارة المريض حتى صارت ms084 كأنها مختصة به. والعاني: الأسير. وكل من ذل ~~واستكان وخضع فقد عنا يعنو وهو عان. والمرأة عانية، والجمع عوان، ومنه ~~الحديث: «اتقوا الله في النساء فإنهن عوان عندكم» أي أسراء أو كالأسراء. # الشرح: # في هذا الحديث طلب أمور ثلاثة: PageV01P106 # أولها: إطعام الجائع. # وقد حث على ذلك القرآن في مواضع كثيرة مثل قوله تعالى: فلا اقتحم العقبة. ~~وما أدراك ما العقبة. فك رقبة. أو إطعام في يوم ذي مسغبة- مجاعة- يتيما ذا ~~مقربة- لله- أو مسكينا ذا متربة «1» ، فيجب علينا كفائيا إطعام الجائع ~~إنقاذا له من ألم الجوع. ومحافظة على صحته بل على حياته إن كان يودي بها ~~فقد الطعام، وليكن إطعامه من خير ما نطعم به عملا بقوله تعالى: # ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون «2» ، وقوله: ويطعمون الطعام على حبه ~~مسكينا ويتيما وأسيرا «3» ، ولم يبعد من عمم الجائع في الإنسان والحيوان. # وثانيهما: عيادة المريض # ؛ وقد أوجبها كفائيا بعض الفقهاء كإطعام الجائع وفك الأسير، وعضد ذلك ~~بحديث أبي هريرة عند البخاري «4» : حق المسلم على المسلم. # وبرواية مسلم «5» : خمس تجب للمسلم على المسلم، وذكر منها عيادة المريض، ~~ولكن الجمهور على أنها في الأصل مندوبة، وقد تصل إلى الوجوب في حق بعض ~~الناس دون بعض، وعيادة المريض تذكرة ومحبة ومنفعة، فهي تذكر الإنسان بناعي ~~الحياة، وتعرفه قيمة الصحة التي يتمتع بها، فينطق بشكر مسديها «6» ، وهي ~~تزرع المحبة بين المريض وعواده، بل بينهم وبين قرابته، وهي نافعة للمريض ~~تروح عنه وتسليه، وربما وصف العائد دواء ذهب بالداء؛ أو تبرع بإحضار نطاسي ~~«7» ، أو أرشد إلى طبيب ماهر، وينبغي أن تكون العيادة في الأوقات المعتادة، ~~وألا يطيل الجلوس حتى يضجر المريض، أو يشق على أهله، ما لم تدع ضرورة إلى ~~ذلك، وأن يلاحظ أوامر الأطباء في ترك اقتراب أو مكالمة، أو قلة الترداد. # وثالثها: فك العاني # ، وفكه تخليصه من أيدي العدو بمال أو غيره، والجمهور على وجوب ذلك كفائيا ~~حتى لا تكون ذلة لمؤمن كتب الله له العزة. وقال إسحق بن PageV01P107 # راهواه: يجب تخليص الأسرى من بيت المال، وهو رواية عن ms085 مالك، فتخليصهم ~~واجب حكومي لا فردي، ولو كان في يدنا أسارى للأعداء فادينا بهم أسارانا، ~~والغرض ألا ندع قوما جاهدوا لإعزازنا، في مذلة أعدائنا، بل علينا أن ~~نستردهم إلى ديارهم بكل ما استطعنا أفرادا وأمة. # 40- باب: إئتلاف الأرواح واختلافها # عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ~~«الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف» . [رواه ~~البخاري وكذلك مسلم «1» عن أبي هريرة] . # اللغة: # الروح: ما به الحياة والحركة، والجنود: جمع جند، وهم الأعوان والأنصار. ~~وبعبارة أخرى: الجيش والعسكر، وواحد الجند جندي، وأصله المادة الغلظ ~~والتجمع، يقال للأرض الغليظة ذات الحجارة: جند وتجنيد الجند جمعهم، فمعنى ~~مجندة: مجموعة، والتعارف: معرفة بعضها بعضا، والمعرفة: إدراك الشيء بتفكر ~~وتدبر لأثره، والتناكر: ضده، والائتلاف: الاجتماع مع التئام، وبعبارة أخرى: # الإئتناس والمحبة، وضده الاختلاف. # هذا والحديث قد رواه البخاري في صحيحه معلقا غير متصل عن الليث عن يحيى، ~~عن سعيد، عن عمرة، عن عائشة. ولكن وصله في كتابه (الأدب المفرد) فرواه فيه ~~عن عبد الله بن صالح عن يحيى ... وقد تكلم في عبد الله هذا بعض أئمة الجرح ~~والتعديل. # الشرح: # من الظواهر التي نراها في الاجتماعات العامة ميل كل امرىء إلى من يشاكله ~~«2» ويناسبه روحا وخلقا، أو دينا وأدبا، أو مبدأ ومذهبا، أو حرفة وعملا، ~~فترى المجتمعين بعد مدة وجيزة من بدء الاجتماع قد انقسموا جماعات تتحدث كل ~~جماعة في شؤونها الخاصة، وأمورها المشتركة وتتغير نفوسها إذا رأت دخيلا بين PageV01P108 # جماعتها، لا تربطه بهم صلة، ولا تجمعهم به جامعة، وتجلس في ركوب «1» عام ~~قطار أو سفينة أو ترام أو سيارة، أو في مجلس من المجالس فترى نفسك منجذبة ~~إلى بعض الحاضرين. نافرة من آخرين. وربما لم يكن قبل هذا اجتماع ولا تعارف، ~~ولا تعاد وتخاصم فما سر هذا التالف والتحابب، وما علة هذا الاختلاف ~~والتنافر؟ ذلك ما بينه الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث فهو يقول: ~~«إن أرواح العباد ونفوسهم جنود مجتمعة وجيوش مجيشة فالتي بينها ms086 تعارف ~~وتشاكل، وتوافق وتناسب، يألف بعضها بعضا، ويسر باجتماعه، ويفرح للقائه. ~~لاتفاق في المبدأ، وتقارب في الروح» . # روى أبو يعلى في مسنده عن عمرة بنت عبد الرحمن قالت: كانت امرأة بمكة ~~مزاحة، فنزلت على امرأة مثلها في المدينة، فبلغ ذلك عائشة فقالت: صدق حبي ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الأرواح جنود مجندة» ... إلخ. # أما التي بينها تناكر وتباين وتباعد وتغاير فإنها تختلف، وينفر بعضها من ~~بعض، ولا يود لقاءه، فالأخيار الأبرار، الأمجاد الأطهار إذا وجدوا في مجتمع ~~جذبهم أشباههم، أو انجذبوا إليهم، وسرى بينهم تيار من المحبة جمع قلوبهم، ~~ووثق فيها روابط الصلة، وعرى الإخاء والمودة اما من لا يشاكلهم فتنفر منه ~~قلوبهم. وكذلك الأشرار الفجار إذا حلوا بناد بادر إليهم أضرابهم. وجذبهم ~~قرناؤهم، ونفروا ممن لا يتخلق بخلقهم ولا يسير في سبيلهم. # فإذا عرفت رجالا بالبر والإستقامة. ونفرت منهم نفسك ونبا عنهم قلبك. # فاعلم أن فيك عيبا ونقصا، وأنت دونهم في الطهارة فداو نفسك من عيوبها، ~~وطهرها من أوزارها حتى تتقارب الأرواح، وتتشاكل النفوس، فتحل الألفة محل ~~النفرة. وإذا رأيتك ميالا من تعرفهم بالشر والفسق والخلاعة «2» والعهر «3» ~~، فاعلم أنك من طبقتهم، ونسبك من شجرتهم. فإذا كانت نفسك تحدثك بأنك البر ~~الأمين، أو الصوفي العظيم، أو التقي المخلص، أو الإنسان المهذب فكذب نفسك ~~في حديثها. # واعتقد أنك غر «4» مخدوع، وأبله مفتون، ففتش في زوايا قلبك تجد للباطل ~~ركنا، PageV01P109 # وللشيطان حظا؛ وللفساد جوا؛ وهذا ما جذب قلبك إلى الأشرار؛ وإذا رأيتك ~~تميل إلى الأخيار؛ وتحب مجالسهم وتنجذب نفسك إليهم؛ مع علمك بسوء سيرتك ~~واعوجاج طريقتك؛ فأدرك أن فيك بقية من الخير؛ ولا يزال فيك أمل. فرب هذه ~~البقية؛ وقو هذا الأمل؛ حتى يرحل عنك الشر؛ وتدخل بجملتك في حزب الخير. # وكذلك إذا كنت طاهرا برا نقيا؛ ورأيت في نفسك بعض الميل للمجرمين، أو ~~الركون إلى الظالمين فاعرف أن الشيطان قد نفث فيك نفثة، وثغر في قلبك ثغرة، ~~فتحضن منه، وقل: قل أعوذ برب الفلق- الصبح- من شر ما خلق. ومن ms087 شر غاسق إذا ~~وقب- ليل إذا دخل- ومن شر النفاثات في العقد. ومن شر حاسد إذا حسد «1» . ~~فالحديث يبين لنا طبيعة من طبائع النفوس؛ لننتفع بها، فنجنبها الشر، ~~ونغمرها بالخير. # 41- باب: بر الوالدين # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال: يا رسول الله من أحق بحسن صحابتي؟ قال: «أمك» ، قال: ثم من؟ قال: # «أمك» ، قال: ثم من؟ قال: «أمك» ، قال: ثم من؟ قال: «أبوك» . [رواه ~~البخاري ومسلم] «2» . # اللغة: # الصحبة والصحابة مصدران: بمعنى المصاحبة، وهي الملازمة، والأصل فيها أن ~~تكون بالبدن، وقد تكون بالعناية والاهتمام كما هنا. # الشرح: # هذا الحديث يدل على أن لكل من الأبوين حقا في المصاحبة الحسنة؛ والعناية ~~التامة بشؤونه وصاحبهما في الدنيا معروفا «3» ، ولكن حق الأم فوق حق الأب ~~بدرجات، إذ لم يذكر حقه إلا بعد أن أكد حق الأم تمام التأكيد، بذكرها ثلاث PageV01P110 # مرات، وإنما علت منزلتها منزلته مع أنهما شريكان في تربية الولد هذا ~~بماله ورعايته؛ وهذه بخدمته في طعامه وشرابه، ولباسه وفراشه و ... إلخ. # لأن الأم عانت في سبيله ما لم يعانه الأب، فحملته تسعة أشهر وهنا على ~~وهن، وضعفا إلى ضعف؛ ووضعته كرها؛ يكاد يخطفها الموت من هول ما تقاسي، ولكم ~~كان بدء الحياة لوليد نهايتها الأم رؤم «1» ، وكذلك أرضعته سنتين، ساهرة ~~على راحته، عاملة لمصلحته وإن برحت بها في سبيل ذلك الآلام وبذلك نطق الوحي: # ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ~~ثلاثون شهرا «2» ، فتراه وصى الإنسان بالإحسان إلي والديه؛ ولم يذكر من ~~الأسباب إلا ما تعانيه الأم إشارة إلى عظم حقها. # ومن حسن المصاحبة للأبوين الإنفاق عليهما طعاما وشرابا، ومسكنا ولباسا؛ ~~وما إلى ذلك من حاجات المعيشة، إن كانا محتاجين. بل إن كانا في عيشة دنيا ~~أو وسطى؛ وكنت في عيشة ناعمة راضية فارفعهما إلى درجتك أو زد. فإن ذلك من ~~الإحسان في الصحبة. واذكر ما صنع يوسف مع أبويه وقد أوتي الملك إذ رفعهما ~~على العرش بعد أن ms088 جاء بهما من البدو. ومن حسن الصحبة بل جماع أمورها ما ~~ذكره الله بقوله: وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما ~~يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما ~~قولا كريما. واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني ~~صغيرا «3» فامنع عنهما لسان البذاءة «4» ، ولو بالهنات «5» الصغيرة. ~~وجنبهما أنواع الأذى. وألن لهما قولك؛ واخفض لهما جناحك؛ وذلل لطاعتهما ~~نفسك؛ وأذك في روحك العطف عليهما؛ والرحمة بهما. ورطب لسانك بالدعاء لهما ~~من خالص قلبك وقرارة نفسك وقل: رب ارحمهما كما ربياني صغيرا، ولا تنس زيادة ~~العناية بالأم، عملا بإشارة الوحي؛ ومسايرة لمنطق الحديث. PageV01P111 # وقد استنبط جمهور الفقهاء من الحديث تقديم الأم على الأب في النفقة إذا ~~كان مال الولد لا يتسع إلا لواحد منهما. # وقيل: إنهما سواء. وهو مروي عن مالك والشافعي. # 42- باب: سب الرجل والديه # عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه» ، قيل: يا رسول الله وكيف ~~يلعن الرجل والديه؟ قال: «يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه» . ~~[رواه البخاري ومسلم «1» ] . # اللغة: # اللعن من الله: الطرد والإبعاد على سبيل السخط. ومن الناس: السب والدعاء. ~~والسب الشتم الوجيع. # الشرح: # من الذنوب ما ضرره عظيم. وسوء أثره في المجتمع كبير كالقتل والزنى وشرب ~~الخمر والسرقة وشهادة الزور وقطيعة الرحم وأكل مال اليتيم. وهذا النوع يسمى ~~بالكبائر لكبر المفسدة فيه، وللوعيد الشديد عليه ولهذا النوع درجات بحسب ~~الضرر الذي فيه، فكلما كانت دائرته أوسع كان في الكبر أدخل. # فكتمان الشهادة كبيرة؛ ولكن أكبر منه الكذب على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وما كان من الذنوب ضرره يسيرا يسمى بالصغائر. كعبوسة الوجه، وهز الرأس ~~احتقارا، والحديث يبين أن سب الرجل أبويه من أكبر الكبائر. وأعظم الذنوب. ~~لأنه الإساءة في موضع الإحسان، والإثم الكبير مكان البر العظيم، والشتم ~~الذميم عوض القول الكريم، وهل هو إلا ms089 كفر بنعمة التربية منهما، وغمط «2» ~~لحقوقهما، ودناءة نفس، وخسة «3» طبع، وهل يرجى من شخص يسيء إلى أبويه ~~اللذين ربياه صغيرا أن يحسن إلى أحد من PageV01P112 # الناس؟ كلا. فهو مصدر شر ومبعث فساد. فلا جرم أن كان ذنبه عظيما. ووزره ~~خطيرا ولذلك عجب الصحابة واستغربوا وقالوا: كيف يسب الرجل والديه؟ استبعاد ~~أن يكون في بني الإنسان من يقدم على هذا الجرم العظيم. # فبين لهم الرسول صلى الله عليه وسلم أنه سب غير مباشر، بأن يسب شخص أبا ~~شخص آخر، فيسب هذا أبويه، انتصارا لنفسه، وانتقاما مضاعفا لعرضه، فذلك سب ~~من الأول لأبويه. لأنه تسبب فيه. وإذا كان التسبب لذلك من أكبر الكبائر فما ~~بالك بمن يسبهما كفاحا «1» . بله من يؤذيهما ويضربهما؟ إن ذلك للوزر ~~الأكبر، لا يفوقه إلا الشرك والأصل في هذا الحديث قوله تعالى: ولا تسبوا ~~الذين يدعون من دون الله. فيسبوا الله عدوا- ظلما- بغير علم «2» ، فنهى ~~المسلمين عن سب الآلهة التي يعبدها المشركون مخافة أن يسبوا الله انتصارا ~~لآلهتهم. # 43- باب: ثمرات صلة الرحم # عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: «من سره أن يبسط له في رزقه، وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه» . ~~[رواه البخاري ومسلم، ورواه الترمذي «3» بلفظ] : إن صلة الرحم محبة في ~~الأهل، مثراة في المال منسأة في الأثر. # اللغة: # البسط: النشر والتوسعة، والرزق: يقال للعطاء الجاري كالمرتب. # وللنصيب، ولما يتغذى به. والإنساء: التأخير، وأثر الشيء: ما نشأ عنه ودل ~~عليه، فأثر المشي في الأرض صورة القدم فيها، والمراد به هنا: الأجل أي بقية ~~الحياة. قال زهير: PageV01P113 # والمرء ما عاش ممدود له أمل ... لا ينتهي الطرف حتى ينتهي الأثر # وسميت بقية العمر أثرا لأنها تتبعه في الذهاب كما يتبع الأثر صاحبه، ولأن ~~المرء ما عاش لحركاته آثار. فإذا مات فلا حركات، ولا آثار، أو المراد ~~بالأثر الذكر الحسن، والرحم القرابة لأنها داعية التراحم بين الأقرباء وصلة ~~الأقارب تكون بزيارتهم ومعونتهم بالنفس وبالمال، صدقة إن كانوا فقراء، ~~وهدية إن ms090 كانوا أغنياء. # وبعمل كل ما يستطيع من جر مغنم، أو دفع مغرم. فيعتبرهم كنفسه في جلب ~~الخير، واتقاء الشر. # الشرح: # رتب الرسول صلى الله عليه وسلم على صلة الرحم أمرين بسط الرزق والإنساء ~~في الأثر. أما ترتب السعة في الرزق على صلة الرحم فلأنه بالصلة يستجلب ~~محبتهم ومودتهم فيعاونونه على كسب الثروة فتزداد. وينفي بالصلة عداوتهم ~~التي إذ شغل بها استنفدت كثيرا من وقته. يتعطل فيه عن ابتغاء الرزق. ولأنه ~~بالصلة يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة وبالصلة يدخل في زمرة ~~المتقين ومن يتق الله يجعل له مخرجا. ويرزقه من حيث لا يحتسب «1» ، ومن يتق ~~الله يجعل له من أمره يسرا «2» وفي القرآن آيات كثيرة ترتب السعادة ~~الدنيوية على الأعمال الصالحة مثل ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا ~~عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون «3» ، ~~وأما ترتب الإنسان في الأثر على الصلة، فإن فسرنا الأثر بالذكرى الطيبة ~~للإنسان بعد وفاته فالإنساء فيها معناه التأخير والإطالة؛ فألسنة الناس ~~ثناء عليه ودعاء له. لقيامه بواجب القرابة؛ وربما استمرت هذه الذكرى أمدا ~~طويلا. فنفسه الرحيمة كأنها خالدة في عالم الأحياء. # وإن فسرنا الأثر ببقية العمر فظاهره أن الأجل يمتد بصلة الرحم؛ وذلك ~~يعارض قوله تعالى: ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها «4» ، فالجواب أن ~~الأجل محدد بالنسبة إلى كل سبب من أسبابه. فإذا فرضنا أن الشخص حدد له ستون ~~عاما إن وصل رحمه وأربعون إن قطعها؛ فإذا وصلها زاد الله في عمره الذي حدد ~~له إذا لم يصل. PageV01P114 # فالأجل لا يتأخر بالنسبة إلى سببه الخاص، ويتأخر بالنسبة إلى سبب آخر. ~~وأحسن من هذا أن تفسر مد الأجل بالبركة في العمر؛ فيهبه الله قوة في الجسم؛ ~~ورجاحة في العقل؛ ومضاء في العزيمة. فتكون حياته حافلة «1» بالأعمال ~~الطيبة. # فهي حياة طويلة وإن كانت في الحساب قصيرة وذلك لأن المقياس الحقيقي ~~للحياة المباركة ليس الشهور والأعوام ولكنه جلائل الأعمال؛ وكثرة الآثار. ~~فرب شخص عمر طويلا؛ وكأن لم يكن. ورب ms091 آخر عاش قليلا؛ وكأنه لبث فينا قرونا؛ ~~لكثرة ما عمل؛ وعظم ما خلف. # وإنما رتبت البركة في العمر علي صلة الرحم لأن المرء إذا وصل أقرباءه ~~أجلوه واحترموه؛ فامتلأت نفسه سرورا، وشعر بمكانة عالية من أجل صنيعه الذي ~~صنع، والسرور منشط كما أن الحزن مثبط، والشعور بالعظمة عن أعمال مجيدة داع ~~للإكثار منها وبذل الجهد في سبيلها. # والحديث يقرنا على حب البسطة في العيش ما آمنا وعملنا الصالحات ليس على ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا ~~الصالحات «2» ، ويقرنا أيضا على الرغبة في زيادة الحياة إن كانت في سبيل ~~الطيبات، كما يحثنا على بر الأقرباء وآت ذا القربى حقه «3» . # 44- باب: فضل كفالة اليتيم # عن سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أنا وكافل اليتيم في ~~الجنة» ، هكذا، وقال بإصبعيه السبابة والوسطى. [رواه البخاري ومسلم ومالك ~~وأبو داود والترمذي والنسائي «4» ] . PageV01P115 # اللغة: # اليتيم من الإنسان: من مات أبوه قبل بلوغه، ومن الحيوان: من فقد أمه؛ ~~وكافله: مربيه الذي يقوم بشؤونه؛ ويدير مصالحه، وقال: بإصبعيه أشار بهما، ~~والسبابة: الأصبع التي تلي الابهام. # الشرح: # اليتيم من فقد أباه الذي كان يرعاه بنفسه وماله، ويحبه من أعماق قلبه؛ ~~ويؤثر مصلحته على مصلحته. وإن مما يذرف الدمع ساخنا ساعة الموت صبية صغارا؛ ~~وذرية ضعافا، يخلفهم المحتضر وراءه؛ يخشى عليهم إحن الحياة؛ وصروف الدهر؛ ~~ويتمنى لهم وليا مرشدا؛ يرعاهم كرعايته؛ ويسوسهم كسياسته؛ يعزيهم بره وعطفه ~~عن نفسه الراحلة، ويجدون فيه من العناية بمصالحهم ما يخرجهم رجالا في ~~الحياة؛ يملأون العيون؛ ويشرحون الصدور. فالذي يكفل اليتيم ويتعهده؛ وينمي ~~ثروته ويهذب نفسه؛ ويطمئن والده في جدثه «1» ؛ ويعوضه عنه كافلا رحيما، ~~وراعيا حكيما؛ فلا جرم أن كان مكانه عند الله عظيما؛ وكان حريا أن يكون ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة صاحبا وقرينا؛ يتمتع بما فيها من ~~النعيم؛ كما متع برعايته اليتيم؛ وفي هذا ترغيب عظيم في كفالة الأيتام، ~~والعناية بأمورهم. أما كان الكافل، أو قريبا، أو أجنبيا أو صديقا. ms092 # وفي حديث عوف بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أنا وسفعاء ~~الخدين» - التي شحب لونها من قيامها على خدمة ولدها- «كهاتين يوم القيامة» ~~: امرأة ذات منصب وجمال حبست نفسها على يتاماها حتى ماتوا أو بانوا. رواه ~~أبو داود «2» . # 45- باب: السعي على الأرملة والمسكين # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الساعي ~~على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله» . [رواه البخاري «3» ومالك ~~وغيرهما] . PageV01P116 # اللغة: # الساعي: الذي يذهب ويجيء في قضاء المصالح. والأرملة: التي مات زوجها. ~~والمسكين: المحتاج الذي أسكنته الحاجة. وسبيل الله: دينه وشرعه. # الشرح: # المجاهد في سبيل الله الذي يخدم دينه بنفسه وماله، أو جاهه وسلطانه أو ~~علمه وفنه، ليس له جزاء إلا الجنة إلى الذكرى الطيبة في الحياة الدنيا ~~والمكانة العالية في النفوس. # وكذلك الجزاء للساعي على الأرملة والمسكين، فيكد ويتعب؛ ويجاهد وينصب، ~~ليكفي تلك الأرملة حاجاتها. بعد أن فقدت بعلها، الذي كان يرعاها وينفق ~~عليها، فهو بذلك يخفف عنها من ألم المصيبة؛ ويسليها على الفجيعة «1» ؛ ويكف ~~يدها عن المد؛ ويصون وجهها عن العرض. وكذلك يصنع للمسلم الذي فقد المال؛ ~~وعجز عن الكسب أو قدر ولكن لم يجد العمل، فهو يجمع المال بعرق جبينه. لا ~~ليمتع نفسه أو ولده؛ أو لينفقه في البذخ واللذة، ولكن ليسد به جوعة ~~المسكين، ويغنيه عن الإستجداء فيحفظ على وجهه ماء الحياء، وعلى نفسه خلق ~~العفاف، فكان خليقا بمرتبة المجاهدين، ومنزلة المقربين. فاخدم بمالك ووقتك ~~وقوتك وسعيك ذوي الحاجات، وأرباب العاهات تنل المنزلة العالية والجنة ~~الخالدة. # 46- باب: إيذاء الجار # عن أبي شريح قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «والله لا يؤمن، والله ~~لا يؤمن، والله لا يؤمن» ، قيل: ومن يا رسول الله؟ قال: «الذي لا يأمن جاره ~~بوائقه» . # [رواه البخاري ومسلم وأحمد «2» وغيرهما] . # اللغة: # البوائق: واحدتها بائقة وهي الداهية والشيء المهلك والأمر الشديد يوافي ~~المرء بغتة. # الشرح: # من سعادة المرء أن يكون في بيئة يشعر فيها بالعطف عليه. والمحبة PageV01P117 # له، ومن شقائه أن يكون بين ms093 جماعة يضمرون له الشر، ويدبرون له المكايد ~~فالشخص الذي بجانبه جيران سوء، يعملون للإضرار به في نفسه؛ أو ماله، أو ~~عرضه، ويحوكون «1» له العظائم والدواهي، منغص في عيشه؛ لا يهنأ له بال، ولا ~~ينعم بمال، تراه مقطب الوجه، محزون النفس مكلوم «2» الفؤاد، كل ذلك من سوء ~~الجوار، ولقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم أن من هذا خلقه، وتلك دخيلته ~~مع جاره- غير مؤمن، وأكد ذلك بالحلف والتكرار ثلاث مرات، وهل المؤمن إلا من ~~أمنه الناس على دمائهم؛ وأموالهم؛ وأعراضهم. وهل الإيمان إلا من الأمن. # فإذا كان الجار لجاره حربا؛ وعليه ضدا؛ فكيف يكون من المؤمنين الذي ~~أخلصوا دينهم لله، لقد كان الواجب عليه أن يتفقد أمور جاره؛ ويساعده بكل ما ~~استطاع؛ ويعمل على جلب الخير له؛ ودفع الشر عنه؛ حتى يكونا في عيشة راضية؛ ~~وحياة طيبة؛ أفما كفاه أن يترك كل ذلك حتى يقف منه موقف العداء؛ يدبر له ~~الموبقات المدمرات، والمفظعات المهلكات وليقف موقف الحياد إن لم يكن لصنع ~~المعروف أهلا لا يحسن إليه فلا يسيء؛ والحديث يؤكد حق الجار؛ وأنه من بين ~~الحقوق بالمكان العظيم؛ حتى أن من ينتهك حرماته يسلب عنه الإيمان الذي هو ~~معقد السعادة في الدنيا والآخرة ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في ~~الآخرة من الخاسرين «3» . # 47- باب: إكرام الضيف والإحسان إلى الجار # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ~~كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر ~~فليحسن إلى جاره؛ ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت» . # [أخرجه الشيخان وابن ماجه «4» ] . PageV01P118 # ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث أمورا ثلاثة، يقتضيها الإيمان ~~بالله واليوم الآخر؛ إكرام الضيف؛ والإحسان إلى الجار؛ والنطق بالخير أو ~~الصمت؛ وإنما خص بالذكر الإيمان بالله واليوم الآخر دون غيرهما مما يجب ~~الإيمان به كالرسل والكتب الإلهية لأن الله تعالى مبدأ كل شيء وبيده الخير ~~والشر، واليوم الآخر نهاية الحياة الدنيا، وهو ينتظم ms094 البعث والنشر؛ والحشر ~~والحساب؛ والجنة والنار؛ فهو يوم جامع لكثير مما يجب الإيمان به؛ وإنما كان ~~الإيمان بهما مقتضيا لهذه الأشياء الثلاثة لأن من صدق بالله؛ وعلم أنه خبير ~~بما يعمله، ومحاسبه عليه. وأن بيده الثواب والعقاب يجد في عمل الطيبات؛ ~~ويدع السيئات. ومن آمن بيوم يحيا فيه الناس جميعا، وتعرض عليهم فيه أعمالهم ~~من خير أو شر؛ ويلقون جزاءهم من جنة أو نار- من آمن بكل ذلك طمع في الثواب ~~بالمسارعة إلي الخيرات ونفر من العقاب باتقائه الشرور. # 1- إكرام الضيف: # الضيف يطلق على الواحد والجمع ومنه قوله تعالى: # ونبئهم عن ضيف إبراهيم. إذ دخلوا عليه «1» ، وإكرام الضيف يكون بحسن ~~استقباله، فيقابله بوجه باش، ويظهر له السرور بحضوره، ويقدم له خير ما عنده ~~من الطعام والشراب ووسائل الراحة؛ وإن كان ذا سعة والضيف فقير مد إليه يد ~~المعونة، ويودعه كما استقبله إلى غير ذلك، وقد قال العلماء: إن الضيافة ~~الشرعية ثلاثة أيام؛ وما زاد عليها فهو صدقة؛ فنحن مأمورون بإكرامه هذه ~~الثلاثة، وما زاد عليها فهو فضل من المضيف. # 2- الإحسان إلى الجار: # الجار يطلق على الداخل في الجوار، وعلى المجاور في الدار؛ والمراد به ~~الثاني؛ واسم الجار عام يشمل المسلم والكافر؛ والعابد والفاسق والصديق ~~والعدو. والقريب والأجنبي؛ والأقرب دارا والأبعد. # وله مراتب بعضها أعلى من بعض؛ فالمسلم القريب العابد الصديق أولى ممن لم ~~تتوفر فيه هذه الصفات. والإحسان إلى الجار يكون بعمل ما يستطيع معه من PageV01P119 # ضروب الخير فإن استقرضك أقرضته. وإن استعانك أعنته. وإن احتاج أعطيته. ~~وإن مرض عدته وإن أصابه خير هنأته. وإن انتابته نائبة «1» عزيته. وكن أمينا ~~على أسراره. # متوددا إليه بالهدايا حريصا على مصالحه كما تحرص على مصالحك. # وإذا كان الإحسان للجار مطلوبا فدفع الأذى عنه أمر محتم. # وفي حديث البخاري عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما زال ~~جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» «2» ، وفي القرآن آيات كثيرة تحث ~~على الإحسان إلى الجار من ذلك قوله تعالى: وبالوالدين إحسانا وبذي القربى ms095 ~~واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن ~~السبيل «3» . # 3- قول الخير أو الصمت: # سعادة المرء وشقائه في طرف لسانه فإن حبس لسانه في دائرة الخير- كأمر ~~بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس أو قراءة علم، أو منطق أدب: نال خيره، ~~وكفى شره. وإن خرج به عن دائرة الخير جلب عليه النوائب وأرداه «4» في هوة ~~«5» سحيقة، وقد أمرنا الرسول صلى الله عليه وسلم بأحد أمرين إما قول الخير ~~وإما الصمت؛ فمن لم يتيسر له الإحسان في القول والنفع به فليمسك عليه لسانه ~~فإن ذلك أسلم له؛ # وقد قال العلماء: إن هذه العبارة من جوامع كلمة صلى الله عليه وسلم لأن ~~القول كله إما خير؛ وإما شر، وإما آيل «6» إلى أحدهما، فدخل في الخير كل ~~مطلوب من الأقوال فرضها وندبها؛ فأذن فيه على اختلاف أنواعه؛ ودخل فيه ما ~~يؤول إليه؛ وما عدا ذلك مما هو شر أو يؤول إلى الشر فأمر عند إرادة الخوض ~~فيه بالصمت. PageV01P120 # 48- باب: وحدة المسلمين وتراحمهم # عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضو ~~تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى» . [أخرجه البخاري وكذلك مسلم «1» ~~بعبارات مختلفة] . # اللغة: # التراحم والتواد والتعاطف: كلها من باب التفاعل الذي يستدعي اشتراك ~~الجماعة في أصل الفعل، وهي وإن تقاربت في المعنى بينها فرق لطيف، فالتراحم: # رحمة بعضهم بعضا بأخوة الإيمان لا بسبب آخر، والتواد: التواصل الجالب ~~للمحبة كالتزاور والتهادي والتعاطف: إعانة بعضهم بعضا كما يعطف الثوب على ~~الثوب تقوية له، وتداعوا: دعا بعضهم بعضا، ومنه تداعت الحيطان أي تساقطت أو ~~كادت، وسائر: بمعنى باقي، والحمى: تلك الحرارة المرتفعة التي تضر بالأعمال ~~الطبيعية. # الشرح: # يمثل رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمنين في هذه الخلال «2» الثلاث ~~بالجسد الواحد، فكما أن الجسد إذا مرض منه عضو تألم له الباقي، فلم يذق ~~نوما وسارت إليه حرارة الحمى، فالمته، فكذلك المؤمنون حقيقة إذا ناب واحدا ~~منهم نائبة ms096 شعر بألمها الباقون، فسعوا بما فيهم من العواطف لدفع الألم عنه، ~~وجلب الخير إليه. # فالمسلمون في مجموعهم كشخص واحد وكل فرد منهم بالنسبة للمجموع كالعضو ~~بالنسبة للشخص، فالخير يصيب الواحد منهم كأنما أصاب كلهم؛ والشر ينوبه «3» ~~كأنما ناب جميعهم؛ فليعتبر بهذا الحديث بعض الأمم الإسلامية التي لا تألم ~~لما يصيب جارتها، بل ربما ساعدت عدوها على القضاء عليها وليعتبر به أولئك ~~الأفراد الذين جدوا في اصطياد مصالحهم الشخصية وإن أضرت باخرين؛ وإذا ما ~~طلب منهم مواساة إخوانهم ولوا على أدبارهم نفورا، أولئك لم يتوطن الإيمان ~~بعد نفوسهم. PageV01P121 # 49- باب: الرحمة وعقاب مجانبها # عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من لا يرحم ~~لا يرحم» . [أخرجه البخاري في باب- رحمة الولد وتقبيله ومعانقته- وأخرجه ~~مسلم وأبو داود والترمذي «1» بألفاظ متقاربة] . # للحديث سبب، ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل الحسن بن علي، وعنده ~~الأقرع بن حابس التميمي جالسا، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد، ما قبلت ~~منهم أحدا، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: «من لا يرحم لا ~~يرحم» . # الرحمة بالناس. بل بالحيوان. عاطفة شريفة وخليقة محمودة، ولقد مدح الله ~~بها رسوله في قوله: بالمؤمنين رؤف رحيم «2» ، وضدها القسوة التي عاقب الله ~~بها اليهود. لما نقضوا العهود؛ إذ يقول: فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا ~~قلوبهم قاسية «3» . # فالرحمة فضيلة. والقسوة رذيلة. والرحمة تكون بالأبناء، وأثرها تقبيل ~~ومعانقة كما صنع الرسول صلى الله عليه وسلم بالحسن. وتأديب وتربية وإجابة ~~رغائب- ما دامت في سبيل المصلحة- وإبعاد من الشر. # وتكون بالآباء والأمهات وأثرها قول كريم، وصنع جميل، وطاعة في غير معصية ~~وخدمة صادقة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا «4» ، وتكون بالأقرباء، ~~وأثرها بر وصلة، وزيارة ومودة، وسعي في مصلحة، ودفع لمضرة، وتكون بين PageV01P122 # الزوج وزوجة، وأثرها عشرة بالمعروف، وإخلاص متبادل، وألا ترهقه «1» ~~بالطلبات، ولا يكلفها بالمرهقات، بل يعاونها على شؤون المنزل وتربية ~~الأولاد بالخدم ما دام في المال سعة أو بنفسه إن كان في وقته فضل. # وتكون ms097 بأهل دينك، ترشدهم إلي الخير، وتعلمهم ما تعلمت. وتأخذ بهم عن ~~اللمم «2» إلي السبيل الأهم وتعمل لعزهم، ودفع المذلة عنهم، وتكون بالناس ~~جميعا، فتحب لهم ما تحب لنفسك، وتكره لهم ما تكره لها، وتكون بالحيوان ~~فتقدم له أكله وشربه، وتداوي جرحه، ولا تكلفه عسيرا، ولا تحمله ثقيلا. # فإن كانت الرحمة خليقتك رحمك الناس كما رحمتهم، وكانوا لك كما كنت لهم، ~~ورحمك الرحمن الرحيم: فأسبغ عليك نعمة ظاهرة وباطنة، وإن تركتها إلى ~~القساوة قست عليك الخليقة، فإن نابتك نائبة، أو حلت بك ضائقة «3» أغضوا عنك ~~وفروا منك، فتجرعت وحدك صابها «4» ، وصليت نارها، وكذلك يصنع الله بك يرفع ~~عنك رحمته، فإذا أنت في الدنيا في معيشة ضنك، لا تنعم بعزة أو هناءة، وفي ~~الآخرة لا ينظر الله إليك ولا يكلمك، ولك العذاب الهون جزاء بما اكتسبت، ~~فارحم ترحم، وكن للناس يكونوا لك وتخلق بخلق الله يرفع شأنك، ويعل نفسك ~~والله لا يضيع أجر المحسنين. # 50- باب: الصدقة بالمال وطيب الكلام # عن عدي بن حاتم قال: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم النار فتعوذ منها، ~~وأشاح بوجهه، ثم ذكر النار، فتعوذ منها، وأشاح بوجهه قال شعبة: أما مرتين ~~فلا أشك- ثم قال: «اتقوا النار ولو بشق تمرة فإن لم يكن فبكلمة طيبة» . ~~[رواه البخاري ومسلم «5» ] . PageV01P123 # اللغة: # تعوذ: قال: أعوذ بالله، أي ألجأ إليه، وأتحصن به، يقال: عذت به أعوذ عوذا ~~وعياذا ومعاذا أي ألجأ إليه. والمعاذ: المصدر والزمان والمكان. وأشاح: # يقال: بمعنى حذر وبمعنى جد في الأمر: ويقال: أشاح وجهه وبوجهه وأشاح عنه ~~وجهه إذا أعرض متكرها. والإتقاء: اتخاذ الوقاية مما يضر. وبعبارة أخصر: الحذر. # والشق: النصف أو الجانب. # الشرح: # ذكر النبي صلى الله عليه وسلم النار وسعيرها وشررها. وتمثلها أمامه كأنه ~~يراها رأي العين لو تعلمون علم اليقين. لترون الجحيم «1» ، فقال أعوذ بالله ~~منها. وأتحصن به من شرها وهولها «2» ، وأعرض بوجهه عنها متكرها لها كأن ~~لفحها يكاد يصل إليه، فيحول عنها وجهه، ثم ذكرها مرة أخرى فصنع مثل ما صنع ~~في الذكرى الأولى- وقد جزم ms098 شعبة أحد رواة الحديث ورجاله بهاتين المرتين، ~~إما أن الرسول صلى الله عليه وسلم زاد عليهما فهذا ما لم يتيقنه شعبة- ثم ~~قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «اتقوا النار ولو بشق تمرة» . إلخ. # النار عذابها أليم وسعيرها عظيم وهولها شديد. والرسول صلى الله عليه وسلم ~~بأمته رؤوف رحيم، حريص على سعادتها، ووقايتها مما يضرها، فكيف لا يرشدها ~~إلى ما تتقي به النار، وتنأى به عن هول الجحيم؟ لقد بين أن الصدقات وقاية ~~من النار فمن بذل المال في سبيل الله للفقراء والمساكين والغارمين ~~والمجاهدين، والمصالح العامة كان ما بذل سورا منيعا، وحاجزا حصينا، يقيه ~~لهيب الجحيم، وقليل المال- ممن لا يستطيع غيره إذا أعطاه بطيب نفس وإخلاص ~~قلب- كثير عند الله فهو يربي التمرة الصغيرة بل شقها. حتى تكون كالجبال ~~الشامخة، أثرها كبير وثوابها عظيم، فلا تحقر المعروف وإن قل، ولا تستقل ~~الصدقة وإن كانت بشق من تمرة، أو مليم من قرش، أو قطعة من رغيف، فربما سدت ~~حاجة من جائع، بل ربما أنقذت نفسا أشرفت على الهلاك، وقد ذم الله من عاب ~~جماعة بقلة ما بذلوا وهو منتهي جهدهم وغاية وسعهم، فقال: الذين يلمزون ~~يغتابون ويعيبون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا ~~جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب PageV01P124 # أليم «1» ، وعن عائشة رضي الله عنها أنها دخلت على امرأة، معها ابنتان ~~لها تسأل، فلم تجد عندي شيئا غير تمرة، فأعطيتها إياها فقسمتها بين ~~ابنتيها. ولم تأكل منها، ثم قامت فخرجت، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم ~~علينا فأخبرته فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من ابتلى من هذه البنات ~~بشيء كن له سترا من النار» ، رواه البخاري «2» ، فصدقة المال نافعة، ومن ~~النار واقية، جلت «3» أو قلت، ما دام ذلك الجهد، فإن لم يجد المرء ما يمد ~~به يده للسائل والمحروم؟ فليحرك لسانه وليتكلم بالكلم الطيب: قول معروف ~~ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم «4» ، فإذ رد السائل بالقول ~~الجميل، أو وعده العطاء عند اليسار كان ms099 له ذلك صدقة وإما تعرضن عنهم ابتغاء ~~رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا «5» وحض أهل اليسار على إطعام ~~المسكين، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والإصلاح بين الناس كل ذلك ~~صدقات فإن أعوزك المال فلن يعوزك اللسان لا خير في كثير من نجواهم إلا من ~~أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله ~~فسوف نؤتيه أجرا عظيما «6» . # 51- باب: حسن الخلق # عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «إن ~~خياركم أحسنكم أخلاقا» ، وفي رواية: «إن من خيركم أحسنكم خلقا» . [رواه ~~البخاري «7» ] . # الخلق: يطلق على كل صفة راسخة في النفس تصدر عنها الأفعال بسهولة من غير ~~تكلف كالكرم يصدر عنه الإعطاء بلا عناء، والحلم يستدعي مصابرة السفيه ~~والعفو PageV01P125 # عن المسيء، والحكمة تقتضي وزن كل عمل بميزان المصلحة. # وعرف بعضهم الخلق: بأنه العادة في الإرادة. فتعود العزم على منازلة العدو ~~كلما أوقد حربا يسمى خلق الشجاعة. والخلق يقال للمكارم وللمساوي. كالبخل ~~والسفه والجبن وغيرها من الرذائل. # وفي هذا الحديث بين الرسول صلى الله عليه وسلم أن خيار المسلمين من حسنت ~~أخلاقهم وكرمت صفاتهم، أما من ساءت منهم الأخلاق وقبحت الصفات فأولئك ~~الأشرار، وإن كانوا يصلون، ويصومون ويحجون، فإن صلاتهم ليست بصلاة ~~الخاشعين، وصيامهم مجاراة، وحجهم رياء، ولو كان ذلك منهم بإخلاص لأثمر بلا ~~مراء كرم الأخلاق فإن الصلاة الحقة تنهى عن الفحشاء والمنكر. والصيام ~~الخالص داعية الصبر والكرم. والحج المبرور ينمي خلق الصبر وحسن العشرة، ~~والمعونة فبرهان الصدق في العبارات والإخلاص فيها كرم الأخلاق. وآية ~~التقصير فيها سوءها ولأن حسن الخلق من العلو بمكان مدح الله به خير خلقه ~~فقال: وإنك لعلى خلق عظيم «1» ، وكان خلقه صلى الله عليه وسلم القرآن كما ~~قالت زوجه عائشة رضي الله عنها. فكان أدبه آدابه. وخلقه أخلاقه. من صبر ~~وحلم، وكرم وعفو، وإخلاص وشجاعة، وعدل وحكمة ... إلخ. # وأن مما يثمره حسن الخلق في هذه الحياة تيسر الأمور لصاحبه، وموافاة ~~الرغائب، وحب الخلق له، ms100 وثناءهم عليه، ومعونتهم له. والإبتعاد عن أذاه وقلة ~~مشاكله في الحياة. واطمئنان نفسه، وطيب عيشه، ورضاء ربه، أما الثمرة في ~~الحياة الآخرة فجنة نعيم، وقرب من رب العالمين. # روى الترمذي من حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن من أحبكم ~~إلي؛ وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحسنكم أخلاقا» «2» ، وقد وردت أحاديث ~~كثيرة في الحث على مكارم الأخلاق. منها حديث النواس بن سمعان: «البر حسن ~~الخلق» - رواه مسلم «3» . وحديث أبي الدرداء: ما شيء أثقل في الميزان من ~~حسن الخلق- رواه PageV01P126 # الترمذي وابن حبان وصححاه، ورواه أبو داود «1» ، وحديث أبي هريرة: «إنكم ~~لن تسعوا الناس بأموالكم ولكن يسعهم منكم بسط الوجه، وحسن الخلق» - رواه ~~البزار بسند حسن، وحديث أبي هريرة: «إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق» - رواه ~~أحمد، وكذلك البزار بلفظ: مكارم، بدل صالح. # ومن محاسن الأخلاق: # الصدق، والشهامة؛ والنجدة وعزة النفس والتواضع؛ والتثبت، وعلو الهمة، ~~والعفو، والبشر، والرحمة والحكمة، والشجاعة، والوقار «2» ، والصيانة، ~~والدماثة «3» ، والدعة، والصبر، والورع، والحياء، والسخاء، والنزاهة «4» ، ~~وحفظ السر، والقناعة والعفة، والإيثار. # ومن مساويها: # السفه، والرياء، والغيبة، والنميمة، والتبذل «5» ، والغدر، والخرق «6» ، ~~والحمق، والكذب، والجهل، والمكر، والخبث، والطيش، والحقد، والقحة «7» ، ~~والحسد، والشراسة، والعجب، والجبن، وضعف الهمة، والكبر، والعبوس «8» ، ~~والغضب، والذعر «9» ، والكسل، والهزء، والزهو، والحرص، والشماتة، والمجون ~~«10» ؛ وإفشاء السر، والشره والفجور. # فاحرص أخي على مكارم الأخلاق واتخذها حليتك؛ وتجنب سفسافها «11» . # لتكون من الخيار الذين يألفون ويؤلفون. PageV01P127 # 52- باب: مداراة الأشرار # عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن شر الناس عند الله منزلة ~~يوم القيامة من تركه أو ودعه الناس اتقاء شره» . [رواه البخاري ومسلم وأبو ~~داود والترمذي «1» ] . # اللغة: # ودعه: تركه، وقد ذكر بعض النحاة أن العرب أماتوا مصدر يدع وماضيه، وقد ~~جاء الماضي في هذا الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم ولكن شكلا لا جزما ~~وجاء المصدر في قوله صلى الله عليه وسلم: «لينتهين أقوام عن ودعهم ~~الجماعات» ، والصحيح أن ذلك جائز ولكنه استعمال نادر. # الشرح: # الناس في الآخرة منازل. كما كانت أعمالهم في الدنيا منازل ولكل ms101 درجات مما ~~عملوا «2» ، فأحسن الناس عملا أعلاهم درجة وأرفعهم منزلة. # وأسوؤهم عملا أدناهم درجة، وأحطهم «3» منزلة. # وبين هذين درجات متفاوتة ومنازل مختلفة بحسب اختلاف الأعمال وتفاوتها. # وفي هذا الحديث بين الرسول صلى الله عليه وسلم أن شر الناس منزلة يوم ~~القيامة من تركه الناس ووادعوه وفارقوه وسالموه لا لأنه لا خير فيه ولا ~~منفعة ترجى من ورائه. بل اتقاء شره وحذر ضره وبغيه، فهم لا يأمنون إذا ~~كاشفوه بحاله، أو نصحوه ليرعوي عن ظلمه أو جالسوه وخالطوه أو قابلوا سيئه ~~بالسيئة. لا يأمنون أن يرميهم بالمقذعات «4» ويدبر لهم المكيدات التي تضرهم ~~في نفوسهم أو أعراضهم وأموالهم أو مناصبهم ومراكزهم، فهو أفاك «5» أثيم، ~~مجرم شرير؛ لا يتحامى «6» منكرا، ولا يجافي مأثما، PageV01P128 # أو هو دن من القاذورات؛ إن اقتربت منه أو نبشته هبت عليك رائحته الخبيثة، ~~ولوثتك نجاسته الغليظة؛ فالسلامة منه في مجانبته؛ أو متاركته ومسالمته؛ هذا ~~أسوأ الناس منزلة يوم القيامة لأنه وباء على المجتمع؛ وهل منزلته السوأى ~~إلا جهنم؛ يصلى سعيرها ويعاني لهيبها؛ يستظل بيحمومها «1» ، ويشرب من ~~حميمها «2» ؛ ويطعم من زقومها «3» ويتسربل «4» من قطرانها؛ ومثل هذا ليس من ~~الإسلام في شيء؛ فإن المسلم من سلم الناس من لسانه ويده؛ وليس من الإيمان ~~في قليل ولا كثير؛ فإن المؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم؛ فإن كان ~~يحمل لقب الإسلام أو الإيمان فهو لقب مكذوب؛ ونعت مسروق. # [سبب الحديث] # هذا والحديث له سبب: روى البخاري عن عائشة أن رجلا استأذن النبي صلى الله ~~عليه وسلم فلما رآه قال: «بئس أخو العشيرة، وبئس ابن العشيرة» ، فلما جلس ~~تطلق النبي صلى الله عليه وسلم في وجهه. وانبسط إليه. فلما انطلق الرجل ~~قالت له عائشة: يا رسول الله حين رأيت الرجل قلت له: كذا وكذا. ثم تطلقت في ~~وجهه، وانبسطت إليه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عائشة متى ~~عهدتني فاحشا؟ إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء ~~شره» . أه. # العشيرة: # الجماعة أو القبيلة. أو هي الأدنى ms102 إلى الرجل من أهله، وهم ولد أبيه وجده. ~~وتطلق: أبدى له طلاقة وجهه. يقال: وجه طلق وطليق أي مسترسل منبسط، ليس ~~بعبوس. وللفحش يقال لكل ما خرج عن الحد حتى استقبح من قول أو فعل أو صفة. ~~لكن استعماله في القول أكثر. # وقد قيل: إن هذا الرجل المستأذن هو مخرمة بن نوفل. وقيل: عيينة بن حصن ~~الفزاري. وكان يسمى بالأحمق المطاع لأنه كان رئيس قومه: وكان الرسول صلى ~~الله عليه وسلم يتألفه ليسلم قومه. وقد أسلم في عهد الرسول صلى الله عليه ~~وسلم وارتد في خلافة أبي بكر وحارب. ثم رجع إلى الإسلام. وحضر بعض الفتوح ~~في عهد عمر. وهو الذي استأذن له ابن أخيه الحر بن قيس في الدخول على عمر. ~~فلما دخل قال: يا ابن الخطاب والله ما تعطينا PageV01P129 # الجزل «1» . وما تحكم بيننا بالعدل. فغضب عمر حتى هم بأن يقع به- يبالغ ~~في ضربه- فقال الحر: يا أمير المؤمنين إن الله قال لنبيه صلى الله عليه ~~وسلم: خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين «2» ، وإن هذا من الجاهلين. ~~وإن هذا من الجاهلين. فو الله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه وكان وقافا عند ~~كتاب الله- روى ذلك البخاري في كتاب الاعتصام «3» . وسواء كان المستأذن على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مخرمة أو عيينة فالقصة مشكلة من جهة المعنى ~~إذ كيف يذم الرسول صلى الله عليه وسلم شخصا رآه مقبلا، ويقول فيه: بئس أخو ~~العشيرة؛ وبئس ابن العشيرة ثم يهش في وجهه؛ وينبسط له حينما جلس معه؛ وهل ~~هذا إلا التظاهر بغير ما يضمر؟ فكيف يصدر هذا من الرسول الكريم؛ الذي شهد ~~له رب العالمين بأنه على خلق عظيم؟ لقد أجيب عن هذا الذم بأنه من باب ~~النصيحة للأمة والتحذير لها من أن تغتر بذوي المظاهر الجميلة؛ أرباب ~~الطوايا الخبيثة فتقع في شراكهم «4» ، ويصيبها شر من جهتهم. بل استدل بهذا ~~الذم على جواز غيبة من أعلن الفسق أو الفحش. أو جار في الحكم. أو دعا إلى ~~بدعة جهارا أو نحو ذلك. ms103 وهذا الاستدلال لا يتم إلا إذا كان من عابه الرسول ~~صلى الله عليه وسلم بهذه المثابة. # وأجيب عن التطلق في وجهه والتبسط إليه بعد ذلك الذم بأنه من باب ~~المداراة؛ إتقاء لشره. وليس من قبيل المداهنة في الدين التي هي من مساوىء ~~الأخلاق. # قال القرطبي: والفرق بين المداراة والمداهنة أن المداراة بذل الدنيا ~~لصلاح الدنيا أو الدين أو هما معا. وهي مباحة. وربما استحبت. والمداهنة ترك ~~الدين لصلاح الدنيا. والنبي صلى الله عليه وسلم إنما بذل له من دنياه حسن ~~عشرته؛ والرفق في مكالمته. # ومع ذلك فلم يمدحه بقوله. ولم يناقض قوله فيه فعله. فإن قوله فيه قول حق؛ ~~وفعله معه حسن عشرة. فيزول بهذا الإشكال. ذلك ما أجابوا به ولا زال في ~~النفس من هذا الذم والتطلق شيء. ولا زلنا نرى مقام الرسول صلى الله عليه ~~وسلم وكرم خلقه فوق ذلك الموقف. # وأن الذي نجده في نفوسنا كالذي وجدته عائشة، وإذا كان الغرض من ذلك ~~التبسط PageV01P130 # التألف له كان من تمامه ألا يذكره بسوء قد يصل خيره إليه. وإذا كان الغرض ~~المداراة كفى فيها مقابلته له بحال عادية ليس فيها تصنع؛ ثم كيف يظهر على ~~وجه الرسول صلى الله عليه وسلم خلاف ما في نفسه؛ ووجهه مرآة قلبه؛ ثم هل ~~كان عيينة بدرجة من القوة والشر بحيث يخشاه الرسول صلى الله عليه وسلم ~~ويداريه؟ أما جواب الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه الحق لا مرية فيه. # فإنه لم يكن فاحشا في حال من أحواله. وصدق فيما قال. أما أن يظهر للإنسان ~~خلاف ما في نفسه ويبدي له البشاشة وفي قلبه الكراهة، فذلك ما نجل عنه مقام ~~الرسالة. # وبعد: فالرجاء إليك أن تكون حبا للمسلمين لا ضدا. وسلما لهم لا حربا، وأن ~~تدع شر الأعمال لتجانب شر المنازل عند الديان، واعلم أن قوة الله فوق كل قوة. # وأن بطشه شديد، فلا تغتر بقوتك، ولا ترعب الناس بسطوتك «1» ، فيأخذك ~~القهار أخذ عزيز مقتدر، يوم يؤخذ بالنواصي والأقدام. # 53- باب: النميمة وعقابها # عن ms104 حذيفة قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يدخل الجنة قتات» ~~، وفي رواية: «نمام» . [رواه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي «2» ] . # اللغة: # القتات: النمام، يقال: وقت الحديث يقته قتا إذا زوره وهيأه وسواه، وقيل ~~النمام: الذي يحضر القصة فينقلها، والقتات: الذي يتسمع من حيث لا يعلم به ~~ثم ينقل ما سمعه. والنمام: الذي ينقل حديث الناس بعضهم في بعض على وجه ~~الوشاية «3» والسعاية والإفساد، والنميمة: الوشاية، وأصلها الهمس والحركة ~~الخفيفة. # ويقال: نم ينم وينم نما ونميما. النميمة: الإسم، والرجل نم، ونموم ونمام، ومنم. # وهي نمة. PageV01P131 # الشرح: # قال الله تعالى: ولا تطع كل حلاف مهين. هماز مشاء بنميم «1» ، فنهى تعالى ~~عن طاعة الهماز الطعان، العياب المغتاب، الذي يمشي بين الناس بالوشاية ~~والإفساد، لأنه باعث الفتن، وزارع الإحن، ومقطع الصلات، ومفرق الجماعات، ~~يجعل الصديقين عدوين، والأخوين أجنبيين، والزوجين متنافرين، والولد حربا ~~لأبيه، والأب ضد لبنيه، فهو غراب بين، ونذير شر، وحمال حطب، ومشعل لهب. ~~فكانت طاعته حراما. ونهيه لزاما. فإياك أن تأخذ قوله مسلما. وترتب عليه ~~عداء وتخاصما؛ فإنه فاسق. وقد أمرنا الله تعالى بالتثبت في خبره والتحري عن ~~صدقه: يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما ~~بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين «2» ، بل إن كنت مؤمنا كريما فلا تشغل ~~نفسك بحديث الأنماء، ولا تضيع من وقتك في تسمع أخبار السفهاء. وظن الخير ~~بإخوانك وأقربائك واتهم النمام الجهول؛ بل قبح له عمله وبغض إليه نمه وقل ~~له لا تفسد بيني وبين إخواني، ولا تبغض إلى أعواني، وخير لك أن تذكر ما ~~يزيد الصلة متانة. وعرا الإخاء وثاقة، وإن من ينقل عن غيرك إليك أحاديث ~~السوء، ينقل عنك إلى غيرك. فلا تجعله موضعا لثقتك، واجعل وشايته دبر أذنك. # واعلم أن نقل الأنباء قد تكون فيه مصلحة شرعية، ومنفعة عمومية. كمن ينقل ~~إلى شخص مكيدة «3» يدبرها له الخصوم من قتل أو سرقة؛ وكمن يعرف الأئمة ~~والملوك سيرة الحكام الظالمين، والموظفين الخائنين، فهذا لا حرج فيه بل ذلك ~~واجب، ms105 حقنا للدماء «4» ، والأموال، ونصحا للرعية والولاة. والدين النصيحة. # وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم أن الجنة لا يدخلها قتات، لأنها دار ~~المتقين، وهذا من المجرمين، ما لم يكن له من الحسنات ما يمحو أثر السيئات، ~~أو الغرض من العبارة التحذير من القت، والتنبيه إلى خطر النم؛ أو المراد: ~~لا يدخلها أول الأمر. حتى يطهر بالنار من خبث الوزر؛ ثم يدخلها طاهرا طيبا. PageV01P132 # 54- باب: ذو الوجهين # عن أبي هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تجد من شرار الناس يوم ~~القيامة عند الله ذا الوجهين، الذي يأتي هؤلاء بوجه، وهؤلاء بوجه» . [رواه ~~البخاري ومسلم وأبو داود «1» ] . # من الناس من يظهر لك إذا قابلك أنه صديقك الحكيم، والحريص على مصلحتك ~~الساعي في منفعتك، وأنه عدو لعدوك، وأنه حرب عليه مثلك ناصب له حياة الشر، ~~فتغتر بقوله، وتنخدع بوشيه، فتفضي إليه بسر نفسك وتبوح له بخبيئة أمرك، ~~وتحدثه عن عدوك؛ وبما تنقم منه؛ وتعيب عليه، وما تدبره له أو تتقي به شره ~~وضره وكيده ومكره. فإذا ما فارقك ذهب إلى عدوك وباح له بكل سرك؛ ودخيلة ~~نفسك؛ وطعن له في عرضك ونال من شرفك، وأظهر له أنه عدو لك وحرب عليك، وأنه ~~له الصديق الوفي فتطمئن نفسه إليه وينطق فيك بالذم وفي عرضك بالنهش ثم يحدث ~~هذا بما فكر فيه وقدر، وبيت له ودبر، فيذهب به إلى الأول، ويقصه عليه قصا، ~~حتى يوغر صدره «2» إيغارا، ويشعل في قلبه نارا، فيزداد العداء؛ وتربو ~~الشحناء؛ وهكذا دواليك بين الإثنين أو الحزبين؛ حتى تتأجج نيران العداوة ~~وترمي بشرر كالقصر؛ فمثل هذا منافق كذاب، مختال «3» خداع، غشاش نمام، فكان ~~لا ريب عند الله من الأشرار، حريا بصلي النار؛ وهذا هو ذو الوجهين المتلون ~~بلونين، اللابس لباسين؛ وليس منه من يسعى بالإصلاح بين خصمين أو حزبين ~~متعاديين، فيحكي لكل فريق أحسن ما قال الآخر فيه، ويسكت عما ذكر من مساويه، ~~ويعتذر لكل عما كان من الآخر من دواعي الخصام وأسباب العداء، حتى ينزع ~~الكراهة من نفسهما نزعا، ms106 ويزرع المحبة في قلوبهما زرعا؛ فإذا بالخصمين ~~صديقان، وبالعدوين PageV01P133 # اخوان، إنما هذا ناصح أمين ومخلص كريم فله من الناس الشكر الجزيل، ومن ~~الله الثواب العظيم ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما «1» . # 55- باب: الظن والتجسس والتحاسد # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا، ولا تحسسوا، ولا تحاسدوا، ~~ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا، كما أمركم الله تعالى، ~~المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله ولا يحقره، بحسب امرىء من الشر أن ~~يحقر أخاه المسلم: كل المسلم على المسلم حرام، ماله، ودمه، وعرضه، إن الله ~~لا ينظر إلي أجسادكم، ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم، ~~التقوى ههنا، التقوى ههنا، التقوى ههنا-» ويشير إلى صدره» . [رواه البخاري ~~ومسلم في كتاب الأدب من صحيحيهما من طرق مختلفة، وألفاظه فيهما مفرقة «2» ] . # اللغة: # أصل التجسس تعرض الشيء من طريق الجس أي الاختبار باليد، والتحسس تعرفه من ~~طريق الحواس، ثم استعملا في البحث عن عيوب الناس وقيل: # إن الأول البحث عن العورات؛ والثاني الاستماع لحديث القوم. وقيل: الأول ~~البحث في بواطن الأمور؛ وأكثر ما يقال في الشر. والثاني ما يدرك بحاسة ~~العين والأذن كما في قوله تعالى: يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه «3» ~~، وقيل التجسس تتبع العورات لأجل غيره، والتحسس تتبعها لنفسه؛ والحسد: تمني ~~زوال النعمة عن PageV01P134 # مستحقها، اقترن ذلك بسعي أم لا. والتدابر: فسر بالتهاجر؛ وبالتعادي؛ ~~وبالإعراض وهي معان متقاربة، وأصله إعطاء كل دبره للآخر إعراضا. والحقر: ~~الاحتقار أي الاستصغار والاستقلال. وبحسب امرىء: أي كفايته أو كافيه، ~~والباء زائدة. # والعرض: موضع المدح أو الذم من الإنسان سواء كان في نفسه، أو في سلفه، أو ~~من يلزمه أمره. وقيل: هو جانبه الذي يصونه من نفسه وحسبه، ويحامي عنه أن ~~ينتقص ويسلب. والتقوى: الوقاية والصيانة مما يضر وذلك بفعل الأوامر، وترك ~~النواهي. # الشرح: # في الحديث نهي عن ستة أشياء، وأمر بالأخوة، وبيان لما تقتضيه. ms107 # ولما حرم من المسلم على المسلم، ولما ينظر إليه الرب من المرء وهاك ~~البيان: # 1- إياكم والظن: # الظن هنا التهمة التي لا سبب لها، كمن يتهم رجلا بالفاحشة من غير أن يظهر ~~عليه أثرها. فهذا ظن سوء لا مبرر له. وهو الذي نهى الله عنه بقوله: يا أيها ~~الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم «1» ، ولا يدخل في الظن ~~المحرم الظن بمن أورد نفسه موارد الريب جهرة، ولا الظن في الأمور المعاشية، ~~ولا حسن الظن بالله تعالى، ويدخل فيه الظن في الإلهيات والنبوات فإنه محرم، ~~والواجب فيها اليقين. # وقد استدل بالحديث على منع العمل في الأعمال بالاجتهاد والرأى لأنه عمل ~~بالظن ولكن أجيب عن هذا بأن الظن المحرم ظن مجرد عن الدليل، ليس مبنيا على ~~أصل، ولا تحقيق نظر. # وقد وصف الرسول صلى الله عليه وسلم الظن بأنه أكذب الحديث. واستشكل ذلك ~~من جهتين: # الأولى: أن الظن ليس من قبيل الحديث حتى يكون أكذبه، بل هو عمل نفسي. # والثانية: أن تعمد الكذب الذي لا يستند إلي ظن أصلا أشد من الأمر الذي ~~يستند إلى الظن، فكيف يكون الظن أكذب الحديث؟ والجواب عن الأولى أن الظن ~~حديث نفسي. فيوصف بالكذب إذا لم يطابق الواقع أو أن المراد بالظن ما ينشأ ~~عنه من الكلام. # والجواب عن الثانية: أن وصفه بذلك للإشارة إلى أن المراد به ظن لا يعتمد PageV01P135 # على شيء. فهو لا يطابق الواقع؛ فكان لذلك كذبا؛ وكان أكذب الحديث لأن ~~الاعتداد به أكثر من الكذب المحض «1» لخفائه في الأكثر ووضح الكذب المحض، ~~أو أن وصفه بالأكذبية مبالغة في ذمه لأن الكذب معروف وصاحب الظن معتمد ~~بزعمه على شيء. فكأنه في نظره غير قبيح فقبحه بوصفه فذلك تنفيرا منه. # 2- 3- ولا تجسسوا، ولا تحسسوا: # تقدم الفرق بينهما؛ وقد نهى القرآن عن التجسس والمراد المنع عن تتبع ~~عورات الناس؛ والبحث عن مثالبهم بأي طريق. # فنكتفي منهم بالظاهر؛ ونكل إلى الله أمر الباطن. نعم لو تعين التجسس ~~طريقا لدرء مفسدة كبيرة. أو جلب ms108 مصلحة عظيمة لم يكن محرما. كما إذا علمنا ~~أن أشخاصا عزموا على ارتكاب جريمة قتل أو سرقة مثلا؛ فتجسسنا عليهم لنحول ~~دون وقوع الجريمة أو لنقبض عليهم أو تجسسنا لمعرفة جناة ارتكبوا جريمة ~~وفروا فإنه لا حرج في ذلك. # 4- ولا تحاسدوا: # أي لا يحسد بعضكم بعضا ويتمنى زوال ما لديه من النعم إليه أو إلى غيره، ~~مالية كانت أو غيرها. فإن هذا ينافي خلق المؤمنين الذين يحبون لغيرهم ما ~~يحبون لأنفسهم، وقد نهى الله تعالى عن ذلك التمني بقوله: ولا تتمنوا ما فضل ~~الله به بعضكم على بعض «2» ، وأمرنا بالتعوذ من شر الحاسد في قوله: قل أعوذ ~~برب الفلق. من شر ما خلق ... ومن شر حاسد إذا حسد «3» ، والحسد مذموم وإن ~~لم يقرن بسعي في سلب النعمة عن الغير. نعم لو خطر للإنسان فجاهده، ولم يمكن ~~له من نفسه يرجى له الصفح عنه إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان ~~تذكروا فإذا هم مبصرون # «4» . # 5- ولا تباغضوا: # المراد بذلك تجنب أسباب البغض لأن البغض لا يكسب ابتداء، فكل ما يسبب ~~الكراهة والعداوة محظور على الإنسان فعله. نعم البغض في الله محمود لأنه ~~كراهة للشر أن يقع، ومحبة للعبد أن يقلع ويتطهر. وهذا إحساس شريف لا يفارق ~~المؤمن. PageV01P136 # 6- ولا تدابروا: # بينا التدابر في اللغة، والمراد بالنهي ترك التقاطع والتهاجر. # قال مالك في الموطأ: لا أحسب التدابر إلا الإعراض عن السلام يدبر عنه ~~بوجهه، وهذا نوع منه. # 7- الأمر بالأخوة: # أمرنا الرسول صلى الله عليه وسلم بالأخوة في قوله: وكونوا عباد الله ~~إخوانا كما أمركم الله، أي كونوا كإخوان النسب في الشفقة، والرحمة، ~~والمواساة، والنصيحة كما أمر الله في قوله: إنما المؤمنون إخوة «1» ، فإنه ~~وإن كان خبرا فإنه في معنى الأمر، والغرض من هذا أن يكون الشعور بين أفراد ~~المسلمين كالشعور بين أفراد الأسرة الواحدة، يسعى كل فرد في مصلحة الآخر، ~~ودفع الضرر عنه، فإن رابطة الإيمان فوق رابطة النسب؛ حتى أنه لا طاعة ~~لمخلوق وإن كان أبا في معصية الخالق وإن جاهداك ms109 على أن تشرك بي ما ليس لك ~~به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا «2» . # 8- ما تقتضيه الأخوة: # المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله، ولا يحقره. بحسب امرىء من الشر ~~أن يحقر أخاه المسلم. المراد بأخوة المسلم للمسلم توثق العلاقة بينهما ~~توثقا يستدعي المحبة والمودة والرفق والشفقة، والملاطفة والمؤانسة. ~~والتعاون في الخير، مع صفاء القلوب، وبذل النصيحة وهذه الأخوة تستدعي نفي ~~الصفات التي بعدها. فلا ينتقص المسلم حقوق أخيه. ولا يخذله إذا دعاه لنصرته ~~في حق. ولا يستصغره ويحتقره. فإن ذلك قاطع للأخوة، باعث للعداوة. ويكفي ~~المسلم شرا ذلك الاحتقار الذي يقطع العلاقات، ويثير العداوات. # 9- حرمة المسلم: # كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه. # كلمة جامعة في محافظة المسلم على حقوق أخيه، وعدم تعديه عليها بغير حق ~~فلا يحل لمسلم أن يسفك لأخيه دما وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ «3» ~~، ولا يستلب له مالا، سرقة أو انتهابا، أو غشا في المعاملة، ولا يطعن في ~~أوصافه وأخلاقه، أو آبائه وأجداده، أو من يمتون إليه بسبب فهو يصون موضع ~~الكرامة منه، PageV01P137 # ويرعى جانب العزة فيه. # 10- موضع نظر الرب في الحديث: # إن الله لا ينظر إلى الصور والأجساد ولكن ينظر إلى القلوب والأعمال لأنها ~~موضع التقوى. حقيقة ليست قيمة المرء في زيه الحسن ولا في صورته الجميلة، ~~ولا في جسمه الضخم. ولكن قيمته في أعمال طيبة. # صادرة عن قلوب مخلصة، فمن صفا قلبه. وامتلأ بخشية الله وعظمته. ومحبة ~~الخير للناس، وصدرت منه أعمال صالحة، تصلح بها نفسه، وأسرته وأمته، ويرفع ~~بها دينه، فذلك الرجل يستحق نظر الله ورعايته، ورحمته ومثوبته؛ وإن كان رث ~~«1» الثياب، نحيف القوام، تقتحمه الأبصار، فلنعلن بتطهير الباطن ولنسارع في ~~الخيرات، وحذار أن تشغلنا العناية بالظاهر عن العناية بالباطن؛ فإن ذلك أخذ ~~القشور وترك اللباب. # 56- باب: المجاهرة بالمعاصي والمجون # عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كل أمتي ~~معافى إلا المجاهرين، وإن من المجانة أن يعمل الرجل بالليل عملا ثم يصبح ms110 ~~وقد ستره الله، فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه ~~ويصبح يكشف ستر الله عنه» . [رواه البخاري ومسلم «2» ] . # اللغة: # المعافاة: سلامتك من أذى الناس وسلامتهم منك. ويقال: عافى الله العبد ~~وأعفاه سلمه من البلايا والعلل، والمعافاة مفاعلة من العفو بأن تعفو ويعفى ~~عنك، والعفو: التجاوز عن الذنب وترك العقاب عليه، وأصله: المحو والطمس «3» . # والمعافى: اسم المفعول من عافاه عفاء ومعافاة وعافية. والمجاهرة: الإعلان ~~والإظهار. فهي بمعنى الجهر. يقال: جهر وأجهر وجاهر فالجهار والإجهار PageV01P138 # والمجاهرة بمعنى واحد. والمجانة: الإستهتار وعدم المبالاة بما يقول أو ~~يقال له. # وبما يفعل. يقال: مجن يمجن مجونا ومجانة ومجنا. وفي رواية، المجاهرة بدل ~~المجانة. وفي ثانية: الإجهار. وفي ثالثة: الجهار وفي رابعة: الإهجار. يقال: ~~أهجر في منطقه يهجر إهجار إذا أفحش أو أكثر الكلام فيما لا ينبغي. والإسم ~~الهجر، والبارحة: أقرب ليلة مضت من وقت القول. وهي من برح بمعنى زال. ~~والستر: # الستارة أي ما يستر به. # الشرح: # المعاصي حمى الله، محرم علينا غشيانها «1» ، بل أن نرتع «2» حولها. # لتسلم أجسام لنا وعقول، وأعراض ونفوس. والغشيان محظور ليلا ونهارا، سرا ~~وجهارا وإن كان الأثر مختلفا، والعقاب متفاوتا. ذلك أن المستترين في ~~عصيانهم؛ المختفين في فسقهم، عندهم بقية من الحياء، إن لم يكن من الله فإنه ~~من الناس. فلا زال لديهم ضمير يؤنبهم، وواعظ نفسي ينصحهم، وإن كان مغلوبا ~~على أمره، ومقهورا للشيطان، ولذلك استحوا من الإعلان، واختفوا عن الأنظار، ~~وإن كان الله بما يعملون محيطا. هذا إلى أنهم بأسرارهم، لم يلفتوا غيرهم ~~إلى جرمهم، ولم يحرضوا النفوس الغافلة بعملهم على الاقتداء بهم في فسقهم. ~~وإلى ذلك أن العفو عنهم من مأمول إذا تابوا وأنابوا، وأصلحوا ما أفسدوا ~~وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى «3» ، لأن الضرر لم ينتشر، ~~والأثر لم يكثر، والذنب عنهم لم يعرف. أما المعلنون لفسقهم، المجاهرون ~~بعصيانهم، المستهترون بدينهم؛ الذين يشربون الخمر على قارعة الطريق، ~~ويرتادون الفاحشة جهارا ويتعاملون بالربا علنا، ويلعبون الميسر في النوادي. ~~ويتجاهرون بترك الصلاة ms111 ومنع الزكاة. ويغشون «4» المطاعم والمقاهي في رمضان ~~على مرأى من الناس ومنظر؛ ويأخذون الرشا أمام العيون- أما أولئك فليسوا ~~بمعافين، وليسوا من الأذى بسالمين، ولا من الشر آمنين، ولا من العفو ~~نائلين. وكيف؛ وإعلانهم يدل على تمكن الشر من نفوسهم، وامتزاجه بلحومهم ~~ودمائهم، وأنهم فقدوا خلق الحياء، ومات عندهم الوازع «5» . فأولئك PageV01P139 # يزيدهم الله ضلالا إلى ضلالهم، وفسقا إلى فسقهم؛ عقابا لهم على مجاهرتهم ~~في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا «1» . فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله ~~لا يهدي القوم الفاسقين «2» ، فالتوبة منهم غير مأمولة، والنصيحة لهم غير ~~مقبولة، فكيف يرجى لهم من الله عفو، ويؤمل عنهم صفح. وسنته ونظامه أن عفوه ~~للتائبين، وصفحه عن النبيين «3» ، وأن التأثر بالنصائح لمن لم يمت فيهم ~~الاستعداد بالاستهتار في العصيان. أما من فقدوا الاستعداد فقرع الآيات ~~يزيدهم غيا إلى غيهم وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم ~~وماتوا وهم كافرون «4» ، فكيف يكون هؤلاء من المعافين، وإلى ذلك أن ~~مجاهرتهم بالمعصية دعوة عملية للإقتداء بهم في إجرامهم، وسلوك سبيلهم، ~~فيجيبهم ضعفاء الإيمان، واهنوا «5» الإرادة، فيحملون من وزرهم، ويكتب لهم ~~من فسقهم «ومن دعا إلى ضلالة كان عليه وزرها، ووزر من عمل بها إلى يوم ~~القيامة» «6» ، فإن أمكنهم التخلص من آثامهم بالتوبة النصوح- إن كان لها في ~~نفوسهم موضع- فكيف يتخلصون من أوزار من أضلوهم بغير علم؟ # وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم أن من المجاهرة والإعلان، أو من الفحش ~~والإهجار، أو من المجون والاستهتار، وعدم المبالاة بالدين، وبرقابة الخبير ~~العليم؛ وبشعور المسلمين- أن يقترف المرء جرما بالليل، ويغشى فاحشة تحت ~~سترة البهيم. حيث النفوس عنه غافلة، والأبصار إليه ناظرة؛ وإن كانت عين ~~الله راعية، وأقلام الكتبة الكرام مقيدة. ثم يصبح؛ ولم يقف على جرمه إلا ~~علام الغيوب، وستار الذنوب فيهتك الستر، ويبوح بالسر، ويعلن عن نفسه ~~بالإجرام، وعن سيرته بالسوء. ويلطخ عرضه بدنس الآثام، ورجس الشيطان فيقول ~~للناس إذا ما أصبح وجمعته المجالس PageV01P140 # بالندماء «1» ، وأرباب اللهو والخلاعة: لقد فعلت الليلة الماضية كذا ~~وكذا. فانتهكت عرضا، وشربت خمرا، ms112 ولعبت ميسرا. وكانت ليلة ساهرة وصيدة طيبة ~~... إلخ. # فينزع ستر الله عنه، ويكشف للناس عن نفسه المجرمة، وفعلته المنكرة، ويذيع ~~السوء عن شريكه أو شركته فيتأثر بروايته وقصته الذين في قلوبهم مرض، ويبغون ~~ليلة كليلته، وسهرة كسهرته. هذا هو الأحمق السفيه؛ وهذا هو الماجن «2» ~~الأفين «3» ؛ وهذا عدو نفسه؛ وهذا من شياطين الإنس؛ الذين يوحي بعضهم إلى ~~بعض زخرف القول غرورا؛ ويقص باطلا وزورا. فهذا لا ريب من المجاهرين؛ فليس ~~من المعافين أولئك الذين أبسلوا- حرموا الثواب- بما كسبوا لهم شراب من ~~حميم، وعذاب أليم بما كانوا يكفرون «4» . # فالتزم أخي سواء السبيل، وإياك والعصيان. وحذار حذار الإجهار والمجانة ~~والإهتار. فإن زللت فاستر على نفسك؛ عسى الله أن يعفو عنك. إن تبت وأنبت، ~~وعلى صراط الحق استقمت. # وفي حديث ابن عمر: اجتنبوا هذه القاذورات التي نهى الله عنها؛ فمن ألم ~~بشيء منها فليستتر بستر الله- أخرجه الحاكم «5» ورواه مالك في الموطأ من ~~مرسل زيد بن أسلم. والله يقينا وإياك الزلل ويهديناا إلى أحسن العمل. # 57- باب: التواضع والكبر # عن حارثة بن وهب الخزاعي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أخبركم ~~بأهل الجنة: كل ضعيف متضعف» ، وفي رواية: «متضاعف» ، وفي أخرى: # «مستضعف، لو أقسم على الله لأبره ألا أخبركم بأهل النار: كل عتل جواظ PageV01P141 # مستكبر» . [رواه الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجة «1» ] . # اللغة: # الضعف: خلاف القوة. ويكون في النفس. وفي البدن. وفي الحال والمتضعف ~~والمستضعف: من يستضعفه الناس. ويتجبرون عليه في الدنيا لفقره ورثاثة حاله. ~~أو لضعف جسمه وانحطاط قوته. والمتضعف والمتضاعف، المتواضع كأنه الذي يتكلف ~~الضعف. والإقسام: الحلف. وبر الله: قسمه وأبره صدقه فيه والعتل: الغليظ ~~الجافي خلقه. وكل شديد قوي تسميه العرب عتلا. مأخوذ من العتل وهو الأخذ ~~بمجامع الشيء وجره بقهره. ومنه العتال لمن يحمل الأشياء الثقيلة. وفسر ~~العتل: بالشديد الخصومة. وبالجافي عن الموعظة. وباللفظ الشديد. وبالفاحش ~~الآثم. وبغير ذلك، وكل معانيه تدور على الغلظ والقوة. والجواظ: فسر ~~بالجموع: # المنوع: وباللفظ الغليظ وبالفاجر. وبالسمين: المختال في مشيته وبالقصير البطن. # والمستكبر: الذي يرى نفسه ms113 أكبر من غيره بما ليس فيه. فهو مدع متكلف. # الشرح: # الرجال لا تقاس بالضخامة والمنة «2» ، ولا بالشكل والقوة ولا بالزي ~~والصورة، ولكن تقاس بالقلوب التي تحملها، والأعمال التي تصدرها، والأخلاق ~~التي تلبسها. فمن حمل قلبا سليما وأصدر عملا نبيلا، وتخلق خلقا جميلا فذلك ~~الرجل، يحمد الله صنيعه، ويجزل من الصواب نصيبه، وإن كان ضعيف البنية، واهن ~~القوة، رث الحال، قليل المال، مشوه الصورة، أشعث أغبر، أسود أفحم، ذا طمرين ~~«3» باليين، وثوبين خلقين، تقتحمه العيون وتزدريه النفوس، ويستضعفه الأحمق ~~الجهول، ويتجرأ عليه ذو البأس والسلطة، والجاه والقوة، ذلك هو الضعيف، ~~المتضعف، والمسكين المستضعف ذلك هو الذل المتواضع. والخنوع «4» المتطامن. ~~بل ذلك قوي النفس متين الخلق. صافي السريرة خالص العقيدة. لو أقسم على الله ~~أن يهبه مالا أو علما. أو زوجا. أو ولدا. أو قوة. أو جاها لأبره في قسمه، PageV01P142 # وصدقه في حلفه، وأجابه إلى رغبته، لعلو مكانته عند الله وقرب منزلته إليه ~~وكرامته عليه ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ~~ونجعلهم الوارثين «1» ، أولئك هم الوارثون. الذين يرثون الفردوس هم فيها ~~خالدون «2» ، أما من حمل قلبا لئيما، وأصدر ذميما، وتخلق رذيلا، فكان جافي ~~الطبع، غليظ القلب، نفورا من الموعظة، لدودا «3» في المخاصمة، فظا «4» ~~عنيدا، فاحشا أثيما، نهما شرها جواظا وقحا، جموعا منوعا، أكولا شروبا، ~~مختالا سمينا، قصيرا بطينا، متكبرا على الخلق، معرضا عن الحق، إذا سمع آيات ~~الله تتلى ولى مستكبر، كأن لم يسمعها، يستنكف أن يكون لله عبدا، وبوحدته ~~مقرا، ولرسوله متبعا، ويتعالى بما لا يعليه، ويستكبر بما ليس فيه- من كان ~~كذلك فهو إلى الله بغيض إنه لا يحب المستكبرين «5» مأواه الجحيم، ومسكنه ~~السعير، وإن كان ضخما بدينا، وجبارا عنيدا إن الذين كذبوا بآياتنا ~~واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل ~~في سم الخياط- ثقب الإبرة- وكذلك نجزي المجرمين. لهم من جهنم مهاد. ومن ~~فوقهم غواش وكذلك نجزي الظالمين «6» . # فلا تغتر أخي بقوتك. وتسخرها في التجبر على الضعفاء الذين يحملون نفوسا ~~عظيمة. وقلوبا ms114 رحيمة. فإنهم عباد الله المقربون. وجنده المخلصون لا يرد ~~عليهم دعاء، ولا يخيب لهم رجاء إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون «7» . # 58- باب: حرمة الخصام والهجر # عن أبي أيوب الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل لرجل ~~أن يجهر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان. فيعرض هذا، ويعرض هذا؛ وخيرهما PageV01P143 # الذي يبدأ بالسلام» ، [رواه البخاري ومسلم «1» ] . # اللغة: # الهجر: ضد الوصل، فالمراد به الترك قولا أو فعلا. وفسرها هنا بترك الشخص ~~مكالمة الآخر إذا تلاقيا. # الشرح: # المؤمن لأخيه المؤمن ودود متودد، آلف متألف، محب متحبب لا يعرف الهجر ~~والعداء، والنفور والخصام، لأن ذلك يضعف المنة، ويوجب الفرقة، ويمزق ~~الوحدة، من أجل هذا حرم الرسول صلى الله عليه وسلم على الإنسان أن يهجر ~~أخاه فوق ثلاث ليال، معها أيامها، يلقى أحدهما الآخر، فينأى عنه بجانبه، ~~ويلوي الآخر عنقه. لا ينبسان «2» بكلام، ولا يتبادلان السلام، وقد دل ~~الحديث بمفهومه على حل الهجر ثلاثا، رفقا بالناس، ورحمة بهم، ذلك أن الهجر ~~أثر غضب ونفور، وللغضب ثورة وسلطان وحدة، يصعب التغلب عليها أول الأمر، ~~فرخص للشخص في ثلاث، حتى تهدأ نار الغضب أو تخمد، ويضعف أثره أو يذهب. أما ~~ما زاد عليها فحرام ما لم يكن في الهجر مصلحة راجحة، فإذا خاف على دينه ~~الفساد أو خشي الضرر على نفسه أو دنياه من المكالمة جاز له الهجر، ورب هجر ~~جميل خير من مخالطة مؤذية، ولذلك أمرنا الله به في تأديب الزوجات في قوله: ~~واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن. واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم ~~فلا تبغوا عليهن سبيلا «3» ، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم بالصبر والهجر ~~الجميل في قوله: واصبر على ما يقولون. واهجرهم هجرا جميلا «4» ، وهجر صلى ~~الله عليه وسلم كعب بن مالك وصاحبيه خمسين يوما لما تخلفوا عن غزوة تبوك ~~بغير عذر، وأمر أصحابه بهجرانهم، حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت ~~عليهم أنفسهم، وظنوا ألاملجأ من الله إلا إليه، وهجر صلى الله عليه وسلم ~~نساءه شهرا، وتهاجر جماعة من ms115 الصحابة، ومدار البحث أنه إذا كان في الهجر ~~مصلحة تفوق ضرره جاز، وإن زاد على ثلاث. PageV01P144 # وقد أفاد الحديث أن إثم الهجر يزول بتبادل التحية، وأن خير المتهاجرين من ~~يبدأ بالسلام، فله ثواب السبق، وكبح «1» جماح «2» النفس، فإن لم يرد عليه ~~الآخر باء بالإثم. # وقال الإمام أحمد: لا يزول الهجر بمجرد التحية بل لا بد من رجوع الحال ~~إلى ما كانت عليه قبل الخصام. # وفي هذا الباب قصة لعائشة «مع ابن أختها عبد الله بن الزبير استشكلها ~~العلماء فنذكرها لما فيها من الأدب الجم، ونعقبها بالجواب عنها. # روى البخاري عن عائشة: أن عبد الله بن الزبير قال في بيع أو عطاء أعطته ~~عائشة: والله لتنتهين عائشة، أو لأحجرن عليها، فقالت: أهو قال هذا؟ قالوا ~~نعم، قالت: هو لله علي نذر ألا أكلم ابن الزبير أبدا. فاستشفع ابن الزبير ~~إليها حين طالت الهجرة فقالت: لا. والله لا أشفع فيه أبدا. ولا أحنث في ~~نذري. فلما طال ذاك على ابن الزبير كلم المسور بن مخرمة، وعبد الرحمن بن ~~الأسود بن عبد يغوث، وهما من بني زهرة، وقال لهما: أنشدكما بالله لما ~~أدخلتماني على عائشة فإنها لا يحل لها أن تنذر قطيعتي- هي خالته ومربيته- ~~فأقبل به المسور وعبد الرحمن وهما مشتملين بأرديتها، حتى استأذنا على ~~عائشة. فقالا: السلام عليك ورحمة الله وبركاته. أندخل؟ # قالت عائشة: ادخلوا، قالوا: كلنا؟ قالت: نعم ادخلوا كلكم، ولا تعلم أن ~~معهما ابن الزبير فلما دخلوا دخل ابن الزبير الحجاب، فاعتنق عائشة، وطفق ~~يناشدها ويبكي وطفق المسور وعبد الرحمن يناشدانها، إلا ما كلمته، وقبلت ~~منه. ويقولان إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عما قد علمت من الهجر. وإنه ~~لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، فلما أكثروا على عائشة من ~~التذكرة والتذكير بفضل صلة الرحم العفو وكظم الغيظ- والتحريج: التضييق- ~~طفقت تذكرهما. وتبكي. وتقول: إني نذرت، والنذر شديد، فلم يزالا بها حتى ~~كلمات ابن الزبير وأعتقت في نذرها ذلك أربعين رقبة، كانت تذكر نذرها بعد ~~ذلك. فتبكي حتى تبل ms116 دموعها خمارها» «3» . PageV01P145 # والاستشكال للقصة من جهتين: # الأولى: أن نذرها من قبيل نذر المعصية وهو لا ينعقد. # والثانية: أنه ما كان ينبغي لأم المؤمنين أن تهجر الهجر المحرم والجواب ~~عن ذلك أن عائشة رأت أن ابن الزبير ارتكب بما قال أمرا عظيما وهو قوله: ~~لأحجرن «1» عليها. فإن فيه انتقاصا لقدرها، ونسبة لها إلى ارتكاب ما لا ~~يجوز من التبذير الموجب لمنعها من التصرف فيما رزقها الله تعالى، مع ما ~~انضاف إلى ذلك من كونها أم المؤمنين، وخالته أخت أمه، ولم يكن أحد عندها في ~~منزلته. فكأنها رأت أن في ذلك الذي وقع منه نوع عقوق، والشخص يستعظم ممن ~~يلوذ به ما لا يستعظمه من الغريب، فرأت أن مجازاته على ذلك بترك مكالمته، ~~كما نهي صلى الله عليه وسلم عن كلام كعب بن مالك وصاحبيه، عقوبة لهم ~~لتخلفهم عن غزوة تبوك بغير عذر، ولم يمنع من كلام من تخلف عنها من ~~المنافقين مؤاخذة للثلاثة لعظيم منزلتهم وازدراء «2» بالمنافقين لحقارتهم. ~~فعلى هذا يحمل ما صدر من عائشة، وأنها رأت الهجر من النوع المأذون فيه، ~~فنذرته، وكفرت عنه لما لم تف به بمكالمتها ابن الزبير. # وانظر هذا الأدب العالي من الصحابة مع أم المؤمنين وكيف كان حرصهم على ~~مرضاتها، وانظر حرصها على الوفاء بنذرها، وكيف بكت لما فاتها وكيف سخت ~~نفسها بأربعين رقبة حررتها كفارة عن نذرها، ثم ما برحت تبكي بعد ذلك بكاء ~~شديدا على نذرها؛ أن لم تف به! هكذا يكون الحرص على شرائع الدين واحترام ~~أمهات المؤمنين. # 59- باب: الصدق والكذب وأثرهما # عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عليكم بالصدق، ~~فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق، ~~ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وإياكم والكذب، فإن الكذب PageV01P146 # يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب، ~~ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا» . [رواه البخاري ومسلم وأبو داود ~~والترمذي «1» ] . # اللغة: # قال الراغب في كتابه (مفردات ms117 القرآن) : أصل الصدق والكذب في القول، ماضيا ~~كان أو مستقبلا، وعدا كان أو غيره، ولا يكونان بالقصد الأول إلا في الخبر، ~~وقد يكونان في غيره كالإستفهام والطلب، والصدق: مطابقة القول الضمير ~~والمخبر عنه. فإن انخرم «2» شرط لم يكن صدقا. بل إما أن يكون كذبا، أو ~~مترددا بينهما على اعتبارين، كقول المنافق: محمد رسول الله فإنه يصح أن ~~يقال. صدق لكون المخبر عنه كذلك. ويصح أن يقال: كذب لمخالفة قوله لضميره. ~~والصديق: # من كثر منه الصدق. وقد يستعمل الصدق والكذب في كل ما يحق في الاعتقاد ~~ويحصل نحو: صدق ظني. وفي الفعل نحو صدق في القتال. ومنه: قد صدقت الرؤيا ~~«3» ، هذا ما قال الراغب. # وقال الجمهور: # الصدق: ما طابق الواقع. والكذب: ما خالفه وقال آخرون: # الصدق ما طابق الاعتقاد والكذب ما خالفه. والهداية: الدلالة الموصلة إلى ~~المطلوب. والبر: التوسع في فعل الخير، وهو اسم جامع للخيرات كلها. ويطلق ~~على العمل الخالص الدائم. والجنة في الأصل: المرة من جنه يجنه إذا ستره، ~~وتطلق على الحديقة ذات النخل والشجر لأنها تجن ما تحتها، وتستره بظلها، ~~وتحري الشيء: تعمده وقصده. والفجور: شق ستر الديانة ويطلق على الميل إلى ~~الفساد. # وعلى الإنبعاث في المعاصي وهو اسم جامع للشر. وأصل الفجر الشق الواسع. # الشرح: # الصدق فضيلة الفضائل. وأنس الخلائق يقوم عليه نظام الاجتماع PageV01P147 # وترتيب الأمور، وسيرها السير الحميد، وإنه ليعلي صاحبه عند الناس جميعا ~~فيجعله موضع ثقتهم، مرغوب الحديث عندهم، محبوبا إليهم، محترم الكلمة عند ~~حكامهم، مقبول الشهادة عند قضاتهم، لهذا أمرنا به الرسول صلى الله عليه ~~وسلم كما أمرنا القرآن في قوله: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع ~~الصادقين «1» ، وأشاد بمكانته في حديثه عن إبراهيم وإسحاق ويعقوب إذ يقول: ~~ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليا «2» ، ومدح به إسماعيل في ~~قوله: واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا «3» ، ~~وإدريس في قوله: واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا. ورفعناه مكانا ~~عليا «4» . # والصدق يكون في القول وفي ms118 العقيدة، وفي العمل. فالصدق في القول أن يكون ~~مطابقا لضميره، أو وفق الحقيقة، أو وفقهما معا، وهذا يدعوك إلى التثبت في ~~الحديث، والتحري قبله. وألا تقول بغير علم فإذا حدثت عن الماضي فقل الحق. # وإذا حدثت بما نويته فاجعل حديثك طبق نيتك. وإذا وعدت فاجعل نية الوفاء ~~قرينة العزم. ولا تستفهم عن أمر وأنت به عليم لتغرر بالسامعين لحاجة في ~~نفسك ولا تطلب من خادمك طلبا وقد أشرت إليه بعدم الإجابة؛ أو نبهته إلى ذلك ~~من قبل. # والصدق في العقيدة أن تكون طبق الأصل في الوجود. ففي الوجود إله واحد ~~فعال؛ يحكم ما يريد؛ ويبدىء ويعيد؛ فلا تعتقد له في ذلك ندا «5» وشريكا وفي ~~الوجود محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاعتقد رسالته، وفي الوجود ظلم ~~أمة أو عدالتها فاعتقد ما شهد به الوجود؛ وهكذا. والصدق في العقيدة يستدعي ~~أولا بحثها؛ وطلب الدليل عليها من الحسيات أو العقليات، ونفي الشبهات عنها. ~~والصدق في الفعل أن يكون مظهره في الخارج طبق صورته في النفس، فيكون خالصا ~~لله؛ تبغي به المصلحة؛ لا يشوبه نفاق ولا رياء، ولا تريد الوصول به إلى غرض ~~دنيء، كالذي يزور عظيما؛ مظهرا تودده إليه، ومحبته له، وهو يريد من وراء ~~ذلك منفعة شخصية. وكالذي يجاهد مداراة ومجاراة؛ أو طمعا في مركز أو جاه. ~~فكل ما تقدم يشمله عنوان PageV01P148 # الصدق، وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم أنه يهدي إلى البر، ويرشد إلى ~~التوسع في الخير، ذلك أنه منبت الفضائل، وجذع شجرتها، ومتفرع غصونها. وهل ~~الإيمان بالله. والتصديق برسله ووحيه. إلا شعبة من الصدق؛ فالصادق موفق ~~للخيرات، مقيم للمبرات «1» ، والبر طريق الجنة، بل مفتاحها الذي لا تفتح ~~بغيره: إن الأبرار لفي نعيم. على الأرائك- الأسرة- ينظرون. تعرف في وجوههم ~~نضرة النعيم- بهجه ورونقه- يسقون من رحيق- شراب خالص- مختوم. ختامه مسك وفي ~~ذلك فليتنافس المتنافسون «2» . # وقد بين لنا الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث مسألة من أهم مسائل ~~الأخلاق وهي طريقة تربية الخلق وتكوينه. وتقويته في النفس وتثبيته. وجعله ~~في صف الطبائع. ms119 ذلك أن يتحرى الإنسان القول الجميل. أو الصنع المجيد، ~~ويعمله المرة بعد المرة، والرابعة تلو الثالثة، والسادسة بعد الخامسة، حتى ~~يؤثر في نفسه أثرا، ويتخذ منها مجرى، يزداد تعمقا كلما تابع العمل. فإذا ~~بذلك الأثر الخلق والفضيلة، التي تصدر عنها الأعمال الطيبة بسهولة، فمن رغب ~~أن يكون الصدق شيمته «3» وخلقه، وديدنه وطبعه، فليتحر الصدق في أقواله ~~وأعماله. وليتابع ذلك، فإذا بالصدق خلقه، وإذا به الصديق. ومن رغب أن يكون ~~الشجاع المقدام، والبطل المغوار «4» ، فليخض غمار «5» الشدائد كلما دعته، ~~وليناضل الخطوب «6» كلما داهمته، فإذا بالشجاعة خلقه. ومن أراد نفسه على ~~الكرم فليبذل من ماله كلما أهاب به داعي الإحسان فإذا به الجواد الكريم. # ومعنى كتابة الله من تحري الصدق وتعوده صديقا ضبط ذلك في سجله وحسابه في ~~زمرة الصديقين. وإعلان ذلك في الملأ الأعلى. فرحا به. ورفعا لذكره والوحي ~~إلى قلوب العباد بذلك ليحترموه ويجلوه. ويوقروه ويكبروه. PageV01P149 # وكما أن الصدق أس الفضائل فإن الكذب أس الرذائل، به يتصدع «1» بنيان ~~المجتمع، ويختل سير الأمور، ويسقط خدنه «2» من العيون، لا يصدقونه في قول ~~ولا يثقون به في عمل. ولا يحبون له مجلسا. أحاديثه منبوذة، وشهادته مردودة ~~لذلك نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم. وفي القرآن كثير من الآيات. ~~المقبحة للكذب، المنفرة منه: # المتوعدة عليه بالعذاب الشديد ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال ~~وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا ~~يفلحون. متاع قليل ولهم عذاب أليم «3» . إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون ~~بآيات الله وأولئك هم الكاذبون «4» ، والكذب إنما يجري مجرى الصدق. فيكون ~~في القول، والعقيدة، والعمل فقول ما لا يطابق الضمير أو الواقع أو هما معا، ~~أو لا يوافق النية كذب. # وإعتقاد ما لا يساير الوجود كذب، والرياء في الأعمال وإلباسها لباسا غير ~~لباسها النفسي كذب. وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم أن الكذب يهدي إلى ~~الفجور، ويبعث إلى الشر. # ويهتك ستر الديانة، فإذا بصاحبه مرتطم «5» في المعاصي: متهالك عليها «6» ~~، وهل الشرك واتخاذ ms120 الند الذي هو أكبر جريمة إلا كذب، وهل النفاق الذي هو ~~شر من الكفر الصريح إلا كذب، وكذلك الغش في المعاملة، ونية الإخلاف في ~~المواعيد والمراآة في الأعمال كلها من ضروب الكذب، وبين صلى الله عليه وسلم ~~أن الفجور يهدي إلى النار، ويرمي بصاحبه إلى الدرك الأسفل وإن الفجار لفي ~~جحيم. يصلونها يوم الدين «7» ، وكما أن الأعمال الحميدة. بتحريها وتعودها ~~تتكون الأخلاق العالية، التي هي مصدر الخيرات، كذلك الأعمال السيئة إذا ~~تحراها الإنسان وتعودها. وضري بها كونت في نفسه الأخلاق السيئة. التي هي ~~مصدر الشرور والآثام. فمن سمح لنفسه بكذبة مرة. # وأتبعها بأخرى. وعززها بثالثة. فرابعة. وهكذا أصبح الكذب خلقا له، وصار ~~الكذاب المهين. فلتجنبها نفسك وإلا تصبح خلقك أو طبعك، دع المحارم، وإن PageV01P150 # وقعت في شيء منها فبادر إلى التوبة، وحذار العودة والتكرار، فتكون من ~~الهالكين، وكتابة الله- متعود الكذب كذابا تدوين ذلك في صحيفته السوداء، ~~وحسبانه من حزب الكاذبين المنافقين، والتشهير به في الملأ الأعلى، وإلهام ~~النفوس أن تمجه وتحتقره، وتزدريه «1» وتمقته «2» ، فإذا به بين الناس ~~الطريد المهين، الكريه البغيض. # فالتزم أخي نهج الصدق لتكون الصديق ذا المكانة العالية بين الناس، ~~والدرجة الرفيعة عند الله، ولا تغش الكذب حتى لا تكون الفاجر الأثيم، ~~والكذاب المهين واجعل صحيفتك بيضاء نقية، ومكانتك في المقربين علية. # 60- باب: ضبط النفس # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس ~~الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» . [رواه البخاري ~~ومسلم وأبو داود «3» ] . # اللغة: # الصرعة: المبالغ في الصراع الذي لا يغلب، فهو صيغة مبالغة من الصرع؛ وهو ~~الطرح على الأرض. # الشرح: # بين الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث أن الشديد ليس الذي يصرع الناس ~~ولا يصرعونه، ويطرحهم على الأرض ولا يطرحونه، وإنما الشديد حقا الذي يملك ~~نفسه عند ثوران الغضب، فيقهرها بحلمه، ويصرعها بثباته، ولا يمكنها من أن ~~تسترسل مع تيار الغضب، فتشتم وتسب، وتضرب وتقتل، وتخرج عن سنن الاعتدال في ~~أقوالها وأفعالها، تلبية لداعي الانتقام ms121 ممن أثار حفيظتها، وإنما كان ~~الشديد بحق من ملك نفسه عند الغضب لأن النفس الأمارة بالسوء شر خصوم ~~الإنسان، وأعدى أعدائه لأنها PageV01P151 # تدفع به إلى المعاطب «1» . فإذا ملك زمامها ولم تملكه: قهر أقوى خصومه. ~~فكان أشد بأسا من الصرعة. # واعلم أن الغضب غريزة في الإنسان كامنة يثيرها اعتداء على حق. أو انتهاك ~~لحرمة. وهو إذا ثار احمر منه الوجه والعينان، وانتفخت الأوداج «2» لثوران ~~الدم، والمرء إذا جاراه، فاندفع في الانتقام أراده. فالواجب مجاهدة النفس ~~في هذه الحال. # ومنعها مما أرادت فإن ظفر بها فذلك الجندي الباسل الذي صرع أشد أعدائه بأسا. # وضبط النفس هو الفضيلة التي علا بها العظماء. ومكن بها لمجدهم القادة ~~والزعماء. # وهي أس الإحسان في الفكرة، ووزن الأقوال بميزان الحكمة. وصدور الأعمال ~~وفق المصلحة، وهي تجعل صاحبها الثبت الرزين «3» . القرم «4» الرصين «5» ذا ~~النفس المطمئنة. والأخلاق الهادئة. وإنها لتحمي الإنسان من الطيش والنزق ~~والهلع «6» والفرق. وتدعو إلى احترامه وإجلاله. وتوقيره وإكباره فاملك زمام ~~نفسك عند الغضب تكن أشجع الناس. # 61- باب: الحياء وأثره # عن عمران بن حصين قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الحياء لا يأتي ~~إلا بخير» . # [رواه البخاري ومسلم «7» وأحمد] . # اللغة: # اختلفت العبارة في الإعراب عن معنى الحياء: فقيل: هو خلق يبعث على فعل ~~الحسن. وترك القبيح. وقيل: هو انقباض النفس خشية ارتكاب ما يكره، PageV01P152 # وقيل: خوف الذم بنسبة الشر إليه، وقال الزمخشري: هو تغير وانكسار يعتري ~~الإنسان من تخوف ما يعاب به ويذم، واشتقاقه من الحياة يقال حي الرجل كما يقال: # نسي وحشي وشظي الفرس إذا اعتلت هذه الأعضاء- النساء وهو عرق، والحشى وهو ~~ما دون الحجاب مما في البطن؛ والشظى وهو عظم مستدق لازق بالركبة أو بالذراع ~~أو عصب صغار فيه- جعل الحي لما يعتريه من الانكسار والتغير متنكس القوة، ~~منتقص الحياة كما يقال: هلك فلان حياء من كذا، ومات حياء، ورأيت الهلال في ~~وجهه من شدة الحياء، وذاب حياء وجمد في مكانه خجلا. # وقال الراغب: الحياء انقباض النفس عن القبيح وهو من خصائص الإنسان ليرتدع ms122 ~~عن ارتكاب كل ما يشتهي. فلا يكون كالبهيمة، وهو مركب من جبن وعفة فلذلك لا ~~يكون المستحيي فاسقا. وقلما يكون الشجاع مستحيا. وقد يكون لمطلق الانقباض ~~كما في بعض الصبيان. اه. # الشرح: # إذا كان الحياء تغيرا نفسيا، وخلقا باطنيا. يحول بين المرء والقبائح أو ~~يمنعه من عمل ما يعاب به ويذم. أو ينقد عليه ويعنف- كان لا شك خلقا محمودا. # لا ينتج إلا خيرا. فالذي يمر بخياله فعل الفاحشة. فيمنعه حياؤه من ~~اجتراحها «1» أو يسبه شخص فيمنعه الحياء من مقابلة السيئة بمثلها، أو يسأله ~~سائل، فيحول حياؤه دون حرمانه، أو تقابله فتاة جميلة فيغض الحياء بصره. أو ~~يستبرئه مدين معسر من دينه، فيأبى عليه حياؤه إلا الإبراء. أو يضمه مجلس، ~~فيمسك الحياء بلسانه عن الكلام فيما لا يعنيه، أو الخوض فيما لا يجيده ~~والذي يكون للحياء في نفسه هذه الآثار الحسنة. والأعمال الطيبة ذو خلق ~~محمود. وفي حديث عبد الله بن عمر عند البخاري: «أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم مر على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «دعه، فإن الحياء من الإيمان» «2» ، وأعلى درجات الحياء ما ~~كان ناشئا عن الشعور برقابة الله. وعظم حقه عليه. فإن هذا يقيم المرء على ~~صراط الحق. لا يلتوي عنه يمنة أو يسرة. # وفي حديث عبد الله بن مسعود عند الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «استحيوا من الله PageV01P153 # حق الحياء» ، قلنا: إنا نستحي من الله يا رسول الله، والحمد لله، قال: ~~«ليس ذلك. # ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى- كالسمع والبصر ~~واللسان- والبطن وما حوى، وتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة ~~الحياة الدنيا- لم يفتتن بها حتى تشغله عن الواجبات- وآثر الآخرة على ~~الأولى، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء» ، وعن بعض السلف. رأيت ~~المعاصي مذلة فتركتها مروءة. فصارت ديانة، وقد يتولد الحياء من الله تعالى ~~من التقلب في نعمه. # فيستحي العاقل أو يستعين بها على معصية. ms123 # وليس من أثر الحياء قعودك عن مواجهة من يرتكب إثما، ونهيه عن ذنبه، ولا ~~عدم مطالبتك بحق أنت في حاجة إليه. ولا تركك السؤال لأستاذك عن مسألة خفيت ~~عليك، أو ترى فيها غير ما يرى، خجلا منه أو من إخوانك أو خشية أن تكون ~~مخطئا في رأيك، ولا تركك القول في مجلس رفع الباطل فيه أو الخطأ رأسه. وأنت ~~بالحق والصواب عليم كل ذلك وأشباهه ليس من أثر الحياء المحمود؛ إنما ذلك ~~أثر العجز والمهانة، والجبن والحقارة، وإطلاق الحياء عليه للشبه بينه وبين ~~الحياء الحقيقي. # ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم أشد حياء من الكبر في خدرها «1» ، ~~وما ترك النهي عن المنكر، ولا أقر باطلا، ولا سكت على خطأ، وفي الصحيح عن ~~عائشة قالت: رحم الله نساء الأنصار، لم يمنعهن الحياء أن يسألن عن أمر ~~دينهن، وأن يتفقهن في الدين. وروى البخاري عن أم سلمة أنها قالت: جاءت أم ~~سليم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن الله لا ~~يستحي من الحق؛ فهل على المرأة غسل إذا احتلمت؟ فقال: «نعم إذا رأت الماء» «2» . # وروي أيضا عن أنس قال: «جاءت امرأة إلي النبي صلى الله عليه وسلم تعرض ~~عليه نفسها؛ فقالت: هل لك حاجة في؟ (تريد الزواج به) فقالت ابنته: ما أقل ~~حياءها فقال: «هي خير منك. عرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسها» ~~«3» . PageV01P154 # 62- باب: مفاسد من حرموا الحياء # عن أبي مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن مما أدرك الناس ~~من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت» . [رواه البخاري ومسلم ~~وأبو داود وابن ماجه «1» ] . # اللغة: # النبوة: سفارة بين الله وبين ذوي العقول من عباده لإزاحة علتهم في أمر ~~معادهم ومعاشهم. وحيي، واستحي واستحيا بمعنى واحد، والأخير أعلى وأكثر وقد ~~قدمنا في الحديث السابق شرح الحياء. # الشرح: # من يوم أن خلق الله الإنسان وجد النزاع «2» بين بنيه بعث الله النبيين ~~مبشرين ومنذرين، وأنزل معهم الكتاب بالحق، فكان ms124 فيه الحكم البالغة، ~~والنصائح القيمة، وكان منها ما سار في الناس مسير الأمثال، فبقي على ممر ~~الحقوب «3» والأجيال، ومن ذلك «إذا لم تستح فاصنع ما شئت» ، أي إذا لم يكن ~~لدى المرء حياء يحول بينه وبين الشرور، ويجنبه غشيان الزور، فليفعل ما بدا ~~له من خير أو شر، حق أو باطل، طيب أو خبيث، معروف أو منكر يجر إليه الذم ~~والملام، والعيب والعار، أم لا يجر، فإن الله تعالى محص عليه ما يصنع، مقيد ~~ما يعمل، وسيجزيه الجزاء العادل على ما كسبت يداه، فالأمر في العبارة ~~للتوبيخ والتهديد، وفيه إشعار بأن الحياء هو الذي يحول بين المرء ومواقعة ~~السوء «4» . وأن من حرمه هوى في بؤرة الفساد لا محالة، حتى كأنه مأمور ~~بارتكاب كل ضلالة، ومقارفة كل سيئة، وقيل: إن الأمر هنا للإباحة، وأن معنى ~~العبارة: إذا كنت في فعلك آمنا من أن تستحي منه لجريانك فيه على سنن الصواب ~~فاصنع ما بدا لك. لا حرج فيه عليك، والمعنى الأول هو المتبادر إلى الفهم. PageV01P155 # نرى في هذا العالم شرارا لئاما، وفسقة فجارا، يعتدون على الحرمات، ~~فيسفكون الدماء، ويسلبون الأموال، ويهتكون الأعراض لا يقدسون حقا، ولا ~~يحترمون رأيا، تقرع آذانهم قوارع الناصحين، وعظات المخلصين، وكأن لم تكن ~~قارعة، وكأن لم يسمعوا عظة. في سبيل المحافظة على جاههم، وبقاء سلطانهم ~~يجترحون «1» كل فاحشة، ويقترفون كل مظلمة، وتخنق الحريات وتصدع الجماعات، ~~ثم يعجب صوافي النفوس، وطهرة القلوب: كيف لا ترعوي هذه عن غيها؟ أليس لها ~~قلب؟ أليس فيها عاطفة؟ أليس فيها من الإنسانية بقية؟ ولو سمعوا هذه الكلمة ~~الخالدة. وفقهوا هذه الحكمة البالغة لعرفوا السبب، وبطل العجب. ذلك أنهم ~~فقدوا خلق الحياء، فصنعوا ما شاؤا. واقترفوا ما أرادوا وإن كان في ذلك هلاك ~~العباد وخراب البلاد ومن يضلل الله فما له من هاد «2» . # 63- باب: حذر المؤمن # عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يلدغ ~~المؤمن من جحر واحد مرتين» . [رواه الشيخان وأبو داود وابن ماجه «3» ] . # اللغة: # اللدغ: ms125 ما يكون من ذوات السموم. واللدغ: ما يكون من النار. # الشرح: # سبب الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أسر أبا عزة الشاعر يوم بدر، ~~فذكر له فقره وعياله، فمن عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأطلقه بغير فداء، ~~وعاهده ألا يحرض عليه ولا يهجوه، فلحق بقومه، ثم رجع إلى التحريض والهجاء ~~ثم أسر يوم أحد، فسأله المن. فقال: # لا. تمسح عارضيك بمكة تقول: «سخرت بمحمد مرتين» ؟ وأمر به فقتل وقال: «لا ~~يلدغ المؤمن من جحر مرتين» . PageV01P156 # والحديث ورد بصيغة الخبر (برفع يلدغ) وبصيغة النهي (بكسر يلدغ) ، فعلى ~~الأول هو إخبار في معنى الأمر أي ليكن المؤمن حازما حذرا. كيسا فطنا لا ~~يؤتى من ناحية الغافلة. فيلدغ مرة بعد أخرى في أمر الدين أو الدنيا. أو هو ~~إخبار عن شأن المؤمن الكامل الذي أوقفته تجاربه على غوامض الأمور. وأنه ~~دائما يعتبر في المستقبل بحوادث الماضي؛ وأما المؤمن المغافل «1» فقد يلدغ ~~مرارا؛ وعلى أنه نهي فمعناه ما قال شارح المشكاة: إنه صلى الله عليه وسلم ~~لما رأى من نفسه الزكية الكريمة الميل إلى الحلم والعفو عن أبي عزة جرد ~~منها مؤمنا كاملا؛ حازما ذا شهامة، ونهاه عن الانخداع، وكأنه قال له: ليس ~~من شيمة المؤمن الحازم الذي يغضب لله، ويذب عن دينه أن ينخدع من مثل هذا ~~الغادر المتمرد مرة بعد أخرى. فانته عن حديث الحلم؛ وامض لشأنك في الانتقام ~~منه والانتصار من عدو الله: فإن مقام الغضب لله يأبى الحلم والعفو؛ ومن ~~أوصافه صلى الله عليه وسلم أنه كان لا ينتقم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله؛ ~~فينتقم لها؛ وقد ظهر من هذا أن الحلم مطلقا غير محمود كما أن الحرد «2» كذلك. # فمقام التحلم مندوب إليه ولكن مع المؤمنين، وأما الأعداء فلهم الغلظة، ~~ألا ترى قوله تعالى في وصف الصحابة: أشداء على الكفار رحماء بينهم «3» . # ولعلك عرفت بهذا أن الإيمان لا يتفق والغافلة، بل يقتضي الحذر والحيطة «4» . # وأن أولئك الذين يضحك عليهم، ولا يتعظون بالماضي، ولا يستفيدون من ~~التجارب لم ms126 يكمل الإيمان بعد في نفوسهم. وإن كانوا قائمين برسوم العبادة. ~~فالمؤمن كيس حذر، من خلقه الاعتبار بكل بلاء. ولعل مستمد هذا الحديث من ~~القرآن قوله تعالى حكاية عن يعقوب هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه ~~من قبل «5» ، وقوله تعالى في وصف المنافقين أولا يرون أنهم يفتنون في كل ~~عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون «6» . PageV01P157 # 64- باب: التشهير بالغادر # عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الغادر يرفع له ~~لواء يوم القيامة، يقال: هذه غدرة فلان ابن فلان» . [رواه الشيخان «1» ] . # اللغة: # الغدر: الإخلال بالشيء وتركه. ويقال: لترك العهد وعدم الوفاء به. # واللواء: العلم والراية. ولا يمسكها إلا صاحب الجيش. # الشرح: # قال تعالى يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود «2» ، وقال: وأوفوا بالعهد ~~إن العهد كان مسؤلا «3» ، وقال: وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا ~~الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون «4» . # المؤمن صادق القول، وفي العهد، ليس الغدر من شيمته لأنه يخل بنظام ~~الحياة، ويفسد على المرء تدبيره لمصلحته؛ وهو ضرب «5» من الكذب. والكذب رأس ~~النفاق. وإضرار بمن عاهده. ولا ضرر ولا ضرار. # وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أن الغادر يشهر به على ~~رؤوس الأشهاد يوم القيامة حيث العالم كله مجتمع، فينصب له لواء، ويرفع له ~~علم في الموقف بحيث تراه العيون. ويقال: هذه غدرة فلان بن فلان؛ تشنيعا «6» ~~عليه وتقبيحا وتوبيخا له وتعذيبا؛ وتصور أنك في حفلة جامعة. وأنك بين يدي ~~مليك؛ ثم نادى مناد هذا فلان المجرم؛ هذا الذي غدر؛ هذا الذي كذب؛ ألا تكاد ~~تصعق «7» من هذه النسبة، فإن كانت كاذبة فما بالك بها وإن كانت صادقة؟ فإذا ~~كان هذا هو الأثر في مجتمعاتنا PageV01P158 # الخاصة فما بالك بالمحشر العام الذي لا تدع مخلوقا من يوم أن كان آدم ~~عليه السلام إلى أن ورث الله الأرض ومن عليها إلا ضمه ذلك الموقف الذي ~~يتجلى فيه رب العالمين ويحاسب ms127 كل إنسان على الصغير والكبير؛ لا شك أن ~~العذاب مبرح «1» ، والهول مفزع؛ إذ تقول: يا حسرتا على ما فرطت في جنب ~~الله؛ وهذا اللواء المرفوع قد يكون لواء حقيقيا؛ فيه رمز لصاحبه، وإشارة ~~إلى غدرته، وقد يكون الغرض إشهار الغدرة من غير ملاحظة أن يكون هناك لواء مرفوع. # والغرض من الحديث التنفير من الغدر، وبيان أنه جريمة كبيرة، وأن صاحبه ~~عند الله مهين وعذابه أليم. # 65- باب: السلام ومن يبدأ به # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يسلم ~~الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير» . [رواه ~~البخاري ومسلم «2» ] . # السلام: تحية مباركة سنها الله للمسلمين. قال تعالى: فإذا دخلتم بيوتا ~~فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة «3» . # وهذا الحديث بين لنا الأحق ببدء السلام. # فأولا: الراكب يسلم على الماشي # ، لأن الغرض من السلام استجلاب المودة، ودفع النفرة، وتالف القلوب، ~~والراكب أحسن حالا من الماشي، فالبدء من جهته دليل على تواضعه لأخيه المسلم ~~في حال رفعته، فكان ذلك أجلب لمحبته ومودته، وحكمة أخرى أن السلام تحية ~~الوارد على غيره. والراكب أسرع في السير من الماشي في الأكثر، فكان الوارد ~~عليه فندب له الإبتداء بالسلام. وإذا تلاقى راكبان أو ماشيان فأيهما أحسن ~~حالا بدأ أخاه. فإن تساويا بدأ أيهما شاء. وللبادىء فضل على غيره. PageV01P159 # ثانيا: الماشي يسلم على القاعد # لأن السلام تحية الوارد عرفا «1» ووضعا. # والوارد هنا هو الماشي. ثم إن القاعد قد يتوقع الشر من القادم عليه. فإذا ~~بدأه بالسلام أزال الخوف عنه. وحكمة ثالثة: أن القاعد قد يشق عليه مراعاة ~~المارين مع كثرتهم: فسقطت البداءة عنه دفعا للمشقة. # وثالثا: القليل يسلم على الكثير # . ولعل الحكمة في ذلك أنه إذا بدأ الكثير بالسلام على القليل خيف على هذا ~~أن يداخله شيء من الكبر لسلام الكثير عليه. ومن جهة أخرى العدد القليل أسرع ~~مشيا من الجمع الكثير في الغالب. فكان كالوارد عليه والسلام تحية الوارد. ~~ومن جهة ثالثة بدء القليل أيسر كلفة فكان ms128 أولى. # هذا وقد ذكر بعض العلماء أن من مشي في الشوارع المطروقة كالسوق لا يسلم ~~إلا على بعض من يلقاه. لأنه لو سلم على كلهم تشاغل على قضاء مهمته. التي ~~خرج لأجلها وخرج عن العرف المألوف. والمؤمن حكيم يلبس لكل حال لبوسها. # 66- باب: في استعمال الذهب والفضة والحرير، وإبرار القسم إلخ # عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «بسبع، ونهانا عن سبع، أمرنا باتباع الجنائز، وعيادة المريض، وإجابة ~~الداعي، ونصر المظلوم، وإبرار القسم أو المقسم، ورد السلام» . في رواية ~~«وإفشاء السلام بدل رده وتشميت العاطس؛ ونهانا عن آنية الفضة، وخاتم الذهب، ~~والحرير، والديباج، والقسي والإستبرق، والميثرة الحمراء» . [رواه البخاري ~~في جملة أبواب من صحيحه. ورواه مسلم في كتاب اللباس والزينة. ورواه أبو ~~داود والنسائي وابن ماجه «2» وغيرهم.] PageV01P160 # اللغة: # الجنائز: جمع جنازة بفتح الجيم وكسرها وهي النعش فيه الميت وقيل. # بالكسر النعش، وبالفتح الميت، والعيادة: الزيارة، وبر القسم وإبراره ~~تصديقه، والإفشاء: النشر والإكثار، والعطاس: اندفاع الهواء من الأنف بعزم ~~مع صوت يسمع، والتشميت: كالتسميت الدعاء بالخير والبركة يقال: شمت فلانا ~~وشمت عليه تشميتا، فهو مشمت، واشتقاقه من الشوامت وهي القوائم، كأنه دعا ~~للعاطس بالثبات على طاعة الله، وقيل: معناه أبعدك الله من الشماتة، وجنبك ~~ما يشمت به عليك؛ وقيل: # أصله التسميت. فمعنى سمته دعا له بالهدى، وقصد السمت أي الطريق. والآنية: # جمع إناء وهو الوعاء، والديباج: الثوب المتخذ من الإبريسم؛ وبعبارة أخرى: ~~الثوب الذي سداه ولحمته حرير؛ والقسي: ثياب من كتان مخلوط بحرير يؤتى بها ~~من مصر نسبت إلى قرية على شاطىء البحر يقال لها: القس قريبة من تنيس. وبعض ~~المحدثين يكسر قافها؛ وقيل: أصل القسي القزي منسوب إلى القز. وهو ضرب من ~~الإبريسم. # فأبدلت الزاي سينا، وقيل: إنه منسوب إلى القس وهو الصقيع لبياضه، ~~والإستبرق: # غليظ الديباج. والميثرة: وطاء كانت النساء تضعه على السروج لأزواجهن ~~ويكون من الحرير والصوف ونحوهما، وقيل: غطاء للسرج من الحرير خاصة. # قال أبو عبيد: المياثر من مراكب ms129 العجم تعمل من الديباج والحرير وقيل: ~~إنها سروج من الديباج وقيل: هي شيء كالفراش الصغير تتخذ من الحرير وتحشى ~~بالقطن أو الصوف يجعلها راكب البعير تحته على الرحل والميثرة مأخوذة من ~~الوثارة. وهي: # اللين والنعمة. # الشرح: # أمر النبي صلى الله عليه وسلم بسبعة أشياء. ونهى عن سبعة، ترجع إلى ~~ثلاثة؛ وهي استعمال آنية الفضة، ولبس خاتم الذهب، واستعمال الحرير بسائر ~~أنواعه، فجملة ما أمر به ونهى عنه في هذا الحديث عشرة؛ نفصلها لك فيما ~~يأتي: PageV01P161 # 1- اتباع الجنائز: # من الإكرام للمسلم. والوفاء له، والأداء لحقه، إذا ما فارق هذه الحياة أن ~~نتبع جنازته، ونواري سوأته «1» . فنسير مع الجنازة، أمامها أو خلفها، ~~يمينها أو شمالها، على مقربة منها ونصلي عليها ونواري جثته في قبرها ~~ومستقرها، فنحسن بذلك إلى الميت إذا صنعنا معه ما نستطيع من معروف، من صحبة وصلاة. # وحمل ومواراة، ودعاء واستغفار، ونحسن إلى أقربائه، إذ واسيناهم في ~~مصابهم، وشاركناهم في تشييع فقيدهم. ونحسن إلى أنفسنا بثواب المسير وأجر ~~الصلاة. # وتذكرنا عن الحياة وعالم البقاء. والذكر عند ذوي القلوب الحية باعثة إلى ~~الخيرات. # منفرة عن السيئات وفي حديث أبي هريرة عند البخاري «من اتبع جنازة مسلم ~~إيمانا واحتسابا وكان معها حتى يصلي عليها ويفرغ من دفنها فإنه يرجع ~~بقيراطين كل قيراط مثل أحد (أي يرجع بثواب عظيم) ، ومن صلى عليها ثم رجع ~~قبل أن تدفن فإنه يرجع بقيراط» «2» نصف أجر الأول. # وقد قال العلماء. اتباع الجنائز سنة لمن عرفنا ومن لم نعرف، الأقارب ~~والأجانب في ذلك سواء. وقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم النساء عن ~~اتباعها، ففي حديث أم عطية عند الشيخين «نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم ~~علينا» «3» . # 2- عيادة المريض: # وقد بسطنا القول في ذلك في الحديث (30) . # 3- إجابة الداعي: # في حديث عبد الله بن عمر عند الشيخين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: «إذا دعي أحدكم إلى وليمة فليأتها» «4» ، وفي رواية لمسلم: «إذا دعا ~~أحدكم أخاه فليجب عرسا كان أو نحوه» «5» . # الولائم تقام للنعم الحادثة من زواج ms130 أو رزق ولد، أو ختانة، أو نجاحه، أو ~~شفاء، أو ادراك غاية، وتقام إكراما للإخوان والأصدقاء، وبرا بهم، وقضية ~~الإيمان أن PageV01P162 # تحب لأخيك ما تحب لنفسك والحب معنى نفسي، وشعور داخلي، تظهره الأعمال فإن ~~أجبت أخاك إلى دعوته، وشاركته في مسرته، برهنت بعملك على حبك له، وأن ما حل ~~به من النعم كأنما حل بك. وفي ذلك تأكيد العلاقات، وتوثيق الصلات. وإن رفضت ~~الإجابة بلا عذر أحزنت نفسه وأوغرت صدره. وعرضت الصلة للقطع أو الضعف. بل ~~ربما سبب ذلك عداء وخصاما. فلتقوية الصلات ومنع الحزازات أمرنا الرسول صلى ~~الله عليه وسلم بإجابة الدعوة. فاجابتها واجبة. وبذلك قال الظاهرية. # قال ابن حزم. إنه قول جمهور الصحابة والتابعين. ومن الفقهاء من فرق بين ~~وليمة العرس وغيرها، فأوجبوا وليمة العرس دون غيرها بل صرح جمهور الشافعية ~~والحنابلة بأنها فرض عين، ونص عليه مالك، وقيل: إنها فرض كفاية. ويعجبني ما ~~قاله الشافعي: إتيان دعوة الوليمة حق والوليمة التي تعرف وليمة العرس. وكل ~~دعوة دعا إليها رجل وليمة. فلا أرخص لأحد في تركها ولو تركها لم يتبين أنه ~~عاص. كما تبين لي في وليمة العرس. والشيعة «1» لا يرون الوجوب في الولائم ~~كلها. وقد سوغ الفقهاء ترك الإجابة لأعذار. منها أن يكون في الطعام شبهة. ~~كأن يكون طعام حاكم ظالم لا يتورع عن أموال الناس، أو قيم على أيتام لا ~~يعرف بالعفة. أو تاجر غشاش أو نحو ذلك. ومنها أن يخص بها الأغنياء كما يصنع ~~أكثر الناس اليوم. أو أن يكون فيها من يتأذى بحضوره معه. أو يكون دعاه خوفا ~~من شره أو طمعا في جاهه، أو ليعينه على باطل، أو يكون فيها منكر كشرب خمر، ~~ورقص فتيات. وخلوة بالأجنبيات، أو تكون ذريعة إلى فساد، أو ما شاكل ذلك، ~~وفي حديث جابر عند النسائي «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقعد على ~~مائدة يدار عليها الخمر» . # 4- نصر المظلوم: # هو من فروض الكفاية، ومن جملة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو واجب ~~على من قدر عليه. ms131 ولم يخش ضررا؛ وقد بسطت الكلام فيه في الحديث (24) . # 5- إبرار القسم: # وهو من البر بالمؤمن. والإكرام له فإذا حلف لك شخص لتعطينه من مالك، أو ~~لتساعدنه في قضاء حاجة من حاجته، أو لتعلمنه مسألة، أو PageV01P163 # لتفتنيه في معضلة «1» ، أو لتعولن يتيما «2» ، فأبره في يمينه، وحقق رجاءه. # وقد قال العلماء إن إبرار القسم سنة إذا لم يكن في ذلك مفسدة، أو خوف ~~ضرر، فإن كل شيء من ذلك فلا إبرار، فمن حلف لتساعدنه على النكاية بفلان، أو ~~اغتصاب ماله، أو استلاب حقه، أو لتشربن معه الخمر؛ وتأتين المنكر حرم عليك ~~إبراره؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. # 6- إفشاء السلام ورده: # السلام داعية المحبة، وآية الإخاء والألفة؛ وقد أمر به القرآن في عدة ~~مواطن؛ وبين أنه تحية من عند الله مباركة طيبة فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على ~~أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة «3» ، وكان تحية إبراهيم وضيفه ~~المكرمين لما دخلوا عليه قالوا سلاما قال سلام «4» ، وهو شعار أهل الجنة ~~تحيتهم فيها سلام «5» ، والأمر بإفشائه ورده يدل على وجوبه ولكن حكى كثير ~~من العلماء أن الابتداء به سنة؛ والرد واجب وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن ~~منها أو ردوها «6» ، فإن كان المسلم جماعة فهو سنة كفاية في حقهم إذا سلم ~~بعضهم حصلت سنة السلام في حق جميعهم فإن كان المسلم عليه واحد تعين عليه ~~الرد، وإن كانوا جماعة كان الرد فرض كفاية في حقهم فإذا رد واحد منهم سقط ~~الحرج عن الباقين. # وفي حديث علي عند أحمد والبيهقي «يجزىء عن الجماعة إذا مروا أن يسلم ~~أحدهم، ويجزىء عن الجماعة أن يرد أحدهم» ، وعن أبي يوسف أن الرد من الجميع ~~واجب، وكما يسلم عند اللقاء يسلم عند الفراق، فليست الأولى بأحق من الآخرة، ~~ولا نبدأ اليهود والنصارى بالسلام لأنه شعار المسلمين، فإن بدؤنا به ~~أجبناهم، وفي حديث أبي هريرة عند مسلم «لا تبدؤا اليهود والنصارى بالسلام» ~~«7» ، وفي حديث PageV01P164 # أنس في الصحيحين «إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم» «1» . # وذهب طائفة إلى جواز بدئنا ms132 لهم بالسلام، وهو مروي عن ابن عباس وأبي أمامة ~~وغيرهما، وهو رأي لبعض الشافعية محتجين بعموم الأحاديث الآمرة به وبإفشائه، ~~وقال بعض الشافعية يكون ابتداؤهم بالسلام، ولا يحرم، وقد قال العلماء: # إن كلمة السلام في التحية اسم من أسماء الله تعالى، فمعنى السلام عليكم: ~~أنتم في حفظ الله ورعايته، كما يقال: الله معك، والله يصحبك، وقيل هي بمعنى ~~السلامة، أي سلامة الله ملازمة لك، وقدمنا لك في الحديث السابق بعض مباحث ~~السلام. # 7- تشميت العاطس: # تشميته الدعاء له كما قدمنا، وصيغته الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم «أن العاطس إذا ما قال: الحمد لله قال له المشمت: يرحمك الله، فيجيبه ~~العاطس: يهداكم الله ويصلح بالكم» «2» ، فإن لم يحمد الله فلا يشمت، روى ~~البخاري عن أنس أن رجلين عطسا عند النبي صلى الله عليه وسلم فشمت أحدهما، ~~ولم يشمت الآخر، فقال الرجل: يا رسول الله شمت هذا، ولم تشمتني، قال: «إن ~~هذا حمد الله، ولم تحمد الله» «3» ، وإنما يحمد العاطس شكرا لله على نعمة ~~العطاس، الذي أذهب عنه الضرر فإنه يخرج الأبخرة المحتقنة في الدماغ، التي ~~لو بقيت فيه أحدثت أدواء عسرة، وسلامة أعضائه والتئامها «4» بعد هذه الرجة ~~الشديدة نعمة أخرى تستدعي الحمد. # ولما كان الحمد طاعة لله كان من موجبات الرحمة، فدعا له بها المشمت. # والعاطس كافأه بطلب الهداية له وإصلاح الحال. # وقد قال العلماء: إن العاطس إذا لم يكن مسلما دعي له بالهداية دون الرحمة ~~لما رواه أبو داود والترمذي عن أبي موسى قال: كان اليهود يتعاطسون عند رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يرجون أن يقول لهم: يرحمكم الله. فيقول: «يهداكم ~~الله ويصلح بالكم» «5» ، PageV01P165 # وقالوا: إذا زاد العطاس على ثلاث فلا تشميت، وإن ذلك لزكام فمتابعة ~~التشميت فيه مشغلة للجليس. ورووا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك ~~روايات «1» لم تبلغ درجة الصحة. # ولا مانع من أن يدعو للمزكوم بالشفاء والعافية. فإن ذلك من التراحم بين ~~المسلمين، وإنه لحسن جميل. # هذا والأمر بالتشميت يدل على ms133 وجوبه. ويؤيد ذلك حديث: «حق على كل مسلم ~~سمعه أن يشمته» «2» . وحديث «خمس تجب للمسلم على المسلم: - وذكر منها ~~التشميت» «3» وحديث: «حق على المسلم ست» ، وذكر فيها، «وإذا عطس فحمد الله ~~فشمته» «4» . الأول في البخاري، والثالث في مسلم. والثاني فيهما. # وقد قال بالوجوب بعض المالكية وجمهور أهل الظاهر، وقوى ذلك ابن القيم ~~فقال: جاء بلفظ الوجوب الصريح، وبلفظ الحق الدال عليه، وبلفظ على الظاهرة ~~فيه، وبصيغة الأمر التي هي حقيقة فيه، وبقول الصحابي أمرنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، قال: # ولا ريب أن الفقهاء أثبتوا وجوب أشياء كثيرة بدون مجموع هذه الأشياء، ~~وذهب آخرون إلي أنه فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين، ورجحه أبو ~~الوليد بن رشيد وأبو بكر بن العربي وقال به الحنفية وجمهور الحنابلة، وذهب ~~جماعة من المالكية إلى أنه مستحب ويجزيء الواحد عن الجماعة، وهو قول ~~الشافعية، والراجح من حيث الدليل القول الثاني، والأحاديث الصحيحة الدالة ~~على الوجوب لا تنافي كونه على الكفاية، فإن الأمر بتشميت العاطس وإن ورد في ~~عموم المكلفين ففرض الكفاية يخاطب به الجميع على الأصح، ويسقط بفعل البعض. اه. # 8- آنية الفضة: # جاءت أحاديث صحيحة في النهي عن الشرب والأكل في آنية الذهب والفضة، ~~والتوعد على ذلك بالعذاب، منها حديث حذيفة قال: سمعت رسول PageV01P166 # الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا ~~تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافهما» . (واحدتها صحفة وهي ~~إناء يشبع الخمسة) ، «فإنها لهم في الدنيا. ولكم في الآخرة» ، رواه الشيخان ~~«1» وغيرهما؛ ومنها حديث أم سلمة عند الشيخين أيضا أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: «إن الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر- يصب- في بطنه نار جهنم» ~~«2» . وفي رواية لمسلم «إن الذي يأكل أو يشرب في إناء الذهب أو الفضة ... » ~~«3» إلخ. # من أجل ذلك ذهب الفقهاء إلى تحريم الأكل والشرب في أواني الذهب والفضة. ~~لا فرق في ذلك بين الرجال والنساء. إنما لهن التحلي بهما تزينا وتجملا، ~~وليس الشرب والأكل من ms134 واديه، وذهب داود إلى تحريم الشرب فقط. ولعله لم ~~يبلغه حديث تحريم الأكل أو لم يثبت ذلك عنده، وقال جماعة بالكراهة دون ~~التحريم، وقالوا: إن الأحاديث لمجرد التزهيد. ورد ذلك بالوعيد عليه في حديث ~~أم سلمة المذكور، وشذت طائفة، فقالت بالإباحة مطلقا. والنص حجة عليهم، ~~وألحق جماعة من الفقهاء أنواع الاستعمال الآخرى كالتطيب والتكحل بالأكل ~~والشرب ولم يسلم بذلك المحققون، وفي حديث رواه أحمد وأبو داود: «عليكم ~~بالفضة فالعبوا بها لعبا» «4» ، وجمهور الفقهاء على منع اتخاذ الأواني ~~منهما بدون استعمال؛ ورخصت فيه طائفة، والفقهاء على جواز اتخاذ الأواني من ~~الجواهر النفيسة وإن كانت أعلى قيمة من الذهب والفضة. ومنع ذلك بعضهم، ولا ~~تنس في هذا الباب قاعدة أن الأصل في الأشياء الحل لقوله تعالى: خلق لكم ما ~~في الأرض جميعا «5» ، فلا تحريم إلا بدليل، والذي نراه في حكمة التحريم أن ~~ذلك مظنة الإسراف والخيلاء، PageV01P167 # والإسراف محرم بنص القرآن يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا ~~واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين «1» ، ولهذا نرى أن اتخاذ الجواهر ~~النفيسة، بل تحلي النساء بالذهب والفضة إذا جاوز حد القصد حرام بهذه الآية، ~~كما يحرم الإسراف في الأكل والشرب. فإن لم يكن إسراف فلا حرمة قل من حرم ~~زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة ~~الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون «2» . # وخير لنا من اتخاذ الذهب والفضة أواني أن نستثمرها في الأعمال الصناعية ~~أو الزراعية، أو نتجر بهما! فننمي ثروتنا، ونعز أمتنا ونغنيها عن أموال ~~الأجانب التي استعبدونا بها، وجعلونا أجراء أو عمالا لهم في ضياغنا ~~وأملاكنا. # 9- التختم بالذهب: # النهي عن خاتم الذهب يدل على حرمته، وقد ورد التصريح بالحرمة في حديث أبي ~~موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أحل الذهب والحرير للإناث من أمتي. ~~وحرم على ذكورها» «3» ، رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه ولكن الحديث ~~معلول، إذ في سنده سعيد بن أبي هند، عن أبي موسى؛ وسعيد لم يلق ms135 أبا موسى ~~ولم يسمع منه؛ وبالحرمة على الرجال قال الجمهور. وقال جماعة: # بكراهة ذلك كراهة تنزيه. وقد لبسه جماعة من الصحابة، منهم سعد بن أبي وقاص. # وطلحة بن عبد الله. وصهيب. وحذيفة وجابر بن سمرة. والبراء راوي حديثنا. # وآخرون ولعلهم حسبوا أن النهي للتنزيه. وفي حديث عبد الله بن عمر: أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتما من ذهب أو فضة. وجعل فصه مما يلي كفه ~~ونقش فيه «محمد رسول الله» فاتخذ الناس مثله فلما رآهم قد اتخذوها رمى به ~~وقال: لا ألبسه أبدا؛ ثم اتخذ خاتما من فضة؛ فاتخذ الناس خواتيم الفضة، قال ~~ابن عمر: فلبس الخاتم بعد النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر، ثم عمر، ثم ~~عثمان، حتى وقع من عثمان في بئر أريس «4» - بئر في حديقة قرب مسجد قباء ~~بالمدينة- ومن هذا عرفت جواز التختم بالفضة. PageV01P168 # 10- استعمال الحرير: # حديثنا يدل على تحريم الحرير الخالص بأنواعه. بل على تحريم ما جمع في ~~نسيجه بين الحرير وغيره إذا فسرنا القسي بما كان مصنوعا من كتان وحرير. وقد ~~ورد في النهي عن لبس الحرير والجلوس عليه جملة أحاديث صحيحة. منها حديث عمر ~~عند الشيخين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تلبسوا الحرير؛ فإنه من ~~لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة» «1» ، ومنها حديث عبد الله بن عمر عند ~~الشيخين وأبي داود والنسائي وابن ماجة أن عمر رأى حلة من استبرق تباع. فأتى ~~بها النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ابتع هذه. فتجمل بها ~~للعيدين والوفود. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما هذه لباس من لا ~~خلاق له» ؛ ثم لبث عمر ما شاء الله أن يلبث؛ فأرسل صلى الله عليه وسلم إليه ~~بجبة ديباج. فأتى عمر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله قلت: ~~إنما هذه لباس من لا خلاق له. ثم أرسلت إلي بهذه. فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «إني لم أرسلها إليك لتلبسها. # ولكن لتبيعها وتصيب بها حاجتك» ms136 «2» ، ومنها حديث حذيفة عند البخاري قال: ~~نهانا النبي صلى الله عليه وسلم أن نشرب في آنية الذهب والفضة. وأن نأكل ~~فيها. وعن لبس الحرير والديباج وأن نجلس عليه «3» . # ووردت أحاديث أخرى تدل على جواز ذلك منها حديث عقبة قال: أهدي إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فروج حرير- قباء مفتوح من الخلف- فلبسه ثم صلى ~~فيه. ثم انصرف فنزعه نزعا عنيفا شديدا كالكاره له ثم قال: «لا ينبغي هذا ~~للمتقين» «4» ، ومنها حديث المسور بن مخرمة أنه قدمت للنبي صلى الله عليه ~~وسلم أقبية، فذهب هو وأبوه للنبي صلى الله عليه وسلم لشيء منها، PageV01P169 # فخرج النبي صلى الله عليه وسلم قباء من ديباج مزرور، فقال: «يا مخرمة ~~خبأنا لك هذا» ، وجعل يريه محاسنه، وقال: «أرضي مخرمة» ، رواهما الشيخان ~~«1» ، ومنها ما رواه أنس أنه صلى الله عليه وسلم لبس مستقة- فرو طويل ~~الكمين- من سندس- رفيع- أهداها له ملك الروم، ثم بعث بها إلى جعفر، فلبسها. ~~ثم جاءه. فقال: «إني لم أعطكها لتلبسها» ، قال: فما أصنع؟ # قال: «أرسل بها إلى أخيك النجاشي» - رواه أبو داود «2» ، ولبس الحرير ~~أكثر من عشرين صحابيا. منهم أنس والبراء بن عازب راوي حديثنا. # من أجل هذا التعارض في الأدلة كان تحريم لبس الحرير موضع نظر. # فحكى القاضي عياض عن جماعة إباحته، منهم ابن علية؛ ولكن جمهور الفقهاء ~~على التحريم للأحاديث التي سقناها أولا. # وقالوا إن حديث عقبة فيه «أنه لا ينبغي هذا للمتقين» ، فإذا كان لبسه لا ~~يلائم المتقين فهو بالتحريم أجدر، وقالوا في حديث المسور وحديث أنس: إنهما ~~من قبيل الأفعال، فلا تقاوم الأقوال الدالة على التحريم. على أنه لا نزاع ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلبس الحرير، ثم كان التحريم آخر الأمر ~~كما يشعر بذلك حديث جابر قال: لبس النبي صلى الله عليه وسلم قباء له من ~~ديباج أهدي إليه، ثم أوشك أن نزعه، وأرسل به إلى عمر بن الخطاب، فقيل: قد ~~أوشكت ما نزعته يا رسول الله، قال: «نهاني عنه جبريل عليه السلام» ، فجاءه ~~عمر يبكي، فقال ms137 يا رسول الله كرهت أمرا، وأعطيتنيه، فما لي؟ قال: «ما ~~أعطيتك لتلبسه، إنما أعطيتك تبيعه؛ فباعه بألفي درهم» ، رواه أحمد، وروى ~~مسلم نحوه «3» ، وقالوا أيضا: حديث أنس في سنده علي بن زيد بن جدعان لا ~~يحتج بحديثه؛ وقال الخطابي. يشبه أن تكون المستقة مكففة بالسندس، وقالوا إن ~~ما لبسه الصحابة كان خزا؛ وهو ما نسج من صوف وإبريسم. # هذا وقال محمد بن علي الشوكاني في كتابه «نيل الأوطار» يمكن أن يقال إن ~~لبسه صلى الله عليه وسلم لقباء الديباج وتقسيمه للأقبية بين أصحابه وليس ~~فيه ما يدل على أنه متقدم PageV01P170 # على أحاديث النهي، كما أنه ليس فيها ما يدل على أنها متأخرة عنه، فيكون ~~قرينة صارفة للنهي إلى الكراهة؛ ويكون ذلك جمعا بين الأدلة؛ ومن مقويات هذا ~~ما تقدم أنه لبسه عشرون صحابيا؛ ويبعد كل البعد أن يقدموا على ما هو محرم ~~في الشريعة؛ ويبعد أيضا أن يسكت عنهم سائر الصحابة وهم يعلمون تحريمه، فقد ~~كان ينكر بعضهم على بعض ما هو أخف من هذا. # ولا نعلم مخالفا في جواز لبس الحرير للنساء إلا ابن الزبير، فإنه حرمه ~~عليهن محتجا بعموم الأحاديث، ولكن تخطئه الأحاديث الكثيرة الدالة على حله ~~للنساء كحديث علي قال: أهديت للنبي صلى الله عليه وسلم حلة سيراء- التي ~~فيها خطوط كالميسور وهي برود من الحرير أو الغالب فيها الحرير؛ وفسرت بغير ~~ذلك- فبعث بها إلي فلبستها فعرفت الغضب في وجهه. فقال: «إني لم أبعث بها ~~إليك لتلبسها، إنما بعثت بها إليك لتشققها خمرا بين النساء» ، رواه الشيخان «1» . # وقد أبيح لبس الحرير للعذر كالجرب ونحوه، روي الشيخان وغيرهما عن أنس: أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم رخص لعبد الرحمن بن عوف والزبير في لبس الحرير ~~لحكة كانت بهما «2» . وجاء ما يدل على إباحة التطريز به والتسجيف والقليل ~~منه في الثوب كحديث عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس الحرير ~~إلا موضع أصبعين أو ثلاثة أو أربعة «3» - رواه مسلم وأصحاب السنن. # ونقول لك بعد هذا البيان الجامع ms138 انظر في الأدلة نظرة دقة وإنصاف، واستفت ~~قلبك يفتك. ولا عليك أن تستمع لوحي نفسك. PageV01P171 # 67- باب: إطعام الطعام وإقراء السلام # عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه ~~وسلم: أي الإسلام خيرا؟ قال: «تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت، ومن ~~لم تعرف» . [رواه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجه «1» ] . # اللغة: # الإسلام: الانقياد والخضوع أو الدخول في السلام، ويطلق: على مجموع ما ~~شرعه الله من الأحكام، وقرأ السلام، وأقرأه، قاله، يقال: أقرىء فلانا ~~السلام واقرأ عليه السلم كأنه حين يبلغه سلامه يحمله على أن يقرأ السلام ~~ويرده، والمعنى الأصلي لمادة «قرأ» الجمع. # الشرح: # سأل سائل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن خير خصال الإسلام. وأكثرها ~~نفعا، فأجابه «بأن خيرها إطعام الطعام. وإقراء السلام» ، وقد أجاب الرسول ~~صلى الله عليه وسلم في مواطن أخرى بغير هذا الجواب كالذي سأله: أي الإسلام ~~أفضل؟ قال: «من سلم المسلمون من لسانه ويده» «2» . # وسبب الإختلاف في الجواب اختلاف حال السائلين أو السامعين، فمن يخشى منه ~~الإيذاء باليد أو اللسان أرشده إلى الكف؛ ومن يرجى منه النفع العام بالقول ~~أو الفعل أرشده إلى ذلك. وإطعام الطعام يشمل بذله للمحتاج وتقديمه للضيف. ~~وإقامة الولائم، بل يشمل بإشارته معونة المسلم بماله، أيا كان نوع المعونة، ~~وأيا كان المال طعاما أو شرابا. أو مسكنا أو لباسا أو نقدا. وإقراء السلام ~~على من عرفنا ومن لم نعرف يزيد المحبة بين المتعارفين ويجلب الصلة والمودة ~~بين المتناكرين. فلا نخص PageV01P172 # به من نعرف ولا بعض من نعرف تكبرا وتصنعا. بل إقامة لشعائر الإسلام نبذله ~~لكل مسلم ليتالف الجميع وتزداد الصلة بينهم متانة. على أنك لو منعته من لم ~~تعرف ربما كان ممن تعرف، فاعراضك عنه يوحشه منك. وقد تمسك بالحديث من أجاز ~~ابتداء الكافر بالسلام. ولا حجة فيه؛ لأن السلام شعار الإسلام. فيحمل قوله: ~~من عرفت على المسلم، وأما من لم تعرف فلا دلالة فيه. بل إن عرف أنه مسلم ~~فذاك، وإن لم يعرف. ms139 فسلم احتياطا فلا حرج حتى يعرف أنه كافر وخص هاتين ~~الخصلتين بالذكر لمسيس الحاجة إليهما أول الأمر إذا كان المسلمون في حال ~~بؤس وفقر. فإن المهاجرين تركوا ديارهم وأموالهم فرارا بدينهم. والأنصار ~~قاسموهم أموالهم. وكانوا في حاجة إلى التعارف والتالف وإلى ذلك أن في ~~ذكرهما إيماء إلى الأعمال الخيرية كلها مالية كانت أو بدنية. من أجل هذا ~~خصنا بالذكر وفي الحديث (39) بسط القول في إطعام الجائع. وفي الحديثين (65 ~~و 66) مباحث السلام. # 68- باب: أدب المناجاة # عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا كانوا ~~ثلاثة- في رواية لمسلم: «إذا كان ثلاثة- فلا يتناجى اثنان دون الثالث» ، ~~وفي رواية أخرى: # «إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى رجلان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس، أجل أن ~~ذلك يحزنه» ، وفي رواية: «يتناج» . [رواه البخاري ومسلم «1» ] . # الشرح: # المناجاة: المسارة. وأصله أن تخلو به في نجوة من الأرض أي مكان مرتفع. ~~أصله من النجاء لأنك تعاونه على ما فيه خلاصه. وأجل: بمعنى من أجل. # يقال: فعلت كذا من أجل كذا. وأجل كذا أي بسببه ويجوز في همزته الفتح ~~والكسر. # وأصل الأجل: الجناية التي يخشى عاقبتها في الآجل. ثم استعمل في التعليل. # الشرح قال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا ~~بالإثم PageV01P173 # والعدوان ومعصية الرسول وتناجوا بالبر والتقوى واتقوا الله الذي إليه ~~تحشرون. إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئا إلا ~~بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون «1» ، نهانا الله جل شأنه عن التناجي ~~بما فيه ضرر أو إضرار. فلا نتناجى باثام يعود ضررها أولا إلى نفوسنا. ~~وتبعدنا من رحمة ربنا. كإسراف في طعام أو شراب أو لباس. ولا بجرائم يتطاير ~~شررها إلى الناس أولا. ويعود منه إلينا ثانيا. # كزنى وقتل. وسرقة ونهب. ولا بعصيان الرسول فيما أمر. أو الخروج على ما شرع. # وأباح لنا التناجي بالأعمال الخيرية، من نشر علم، وتقويم خلق، وبذل مال ~~وإصلاح خصم، وبالأمور التي تقينا الأضرار. وتحفظنا من الغوائل «2» . كإعداد ~~القوة للعدو، واتخاذ الحصون ms140 من دونه، وادخار المال للنوائب والحميه الواقية ~~من الأمراض وبين أن النجوى بالأوزار من وسوسة الشيطان ليحزن بها الذين ~~آمنوا. إذ يسرهم البر والتقوى، ويحزنهم اقتراف الآثام، والتحدث بها، ~~والائتمار عليها، وقد تكون كيدا لهم، وتامرا عليهم، فالنجوى بالسوء محرمة ~~مطلقا. بين اثنين انفرادا بها عن ثالث، أو عن ثالث ورابع، أو بين جماعة ~~انفردوا بها عن واحد أو أكثر، استأذنوا أم لم يستأذنوا. # أما النجوى بالخير فحلال للمتناجين. غير أن هناك أدبا يتعلق بها. تجب ~~رعايته بالنسبة للحاضرين. ذلك ما بينه الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا ~~الحديث. فإن كان المجلس مؤلفا من ثلاثة فلا يتسار اثنان بحديث دون الثالث ~~لأن هذا يوحشه ويحزنه. وقد يظن أنهما ينهشان «3» في عرضه. أو يحطان من ~~قدره، أو يكيدان له، فيقوم من المجلس موغر الصدر «4» ، تساوره الظنون، ~~وتخالجه «5» الريب، فللإبقاء على المودة، والمحافظة على الألفة منعا ~~المناجاة من دونه إلا أن يستأذناه فيأذن. فلا حرج إذا لأن المنع لحقه، ~~فيستباح بإذنه، وكذلك الحكم لو تناجى ثلاثة من دون رابع أو أربعة من دون ~~خامس، أو خمسة من دون سادس، أو ... إلخ، لتحقق علة النهي في كل PageV01P174 # ذلك. بل العلة هنا أشد تحققا. فإن انفراد جمع بالمناجاة من دون واحد أشد ~~إيغار لصدره. وبدل أن يكون النفور من شخصين يكون من أكثر. فالأثر أفحش. ~~فكان بالمنع أجدر وكأن الحكمة في تخصيص الثلاثة بالذكر أنها أول عدد يتصور ~~فيه المعنى. فما كان مثله في تحقيق العلة ألحق به، وإن كان المجلس مؤلفا من ~~أربعة فأكثر. وكان الباقي بعد من يتناجي اثنين فأزيد جازت النجوى. إذ يمكن ~~الباقين التانس والتناجي. ويدل على ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ~~«حتى تختلطوا بالناس» ، وعمل ابن عمر راوي الحديث. فإنه كان إذا أراد أن ~~يسار رجلا وكانوا ثلاثة دعا رابعا. وقال للاثنين. استريحا شيئا فإني سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا ... » إلخ. ويؤيده أيضا ما رواه ~~البخاري عن عبد الله قال: قسم النبي ms141 صلى الله عليه وسلم يوما قسمة. فقال ~~رجل من الأنصار. # إن هذه القسمة ما أريد بها وجه الله. قلت: أما والله لآتين النبي صلى ~~الله عليه وسلم فأتيته وهو في ملأ، فساررته، فغضب حتى احمر وجهه، ثم قال: ~~«رحمة الله على موسى أوذي بأكثر من هذا فصبر» «1» . نعم لو كان الباقون ~~تحزنهم المناجاة تركت لوقت آخر. ما لم تكن في أمر مهم لا خطر فيه، ولو ~~تسارا الحديث اثنان. فقدم عليهما ثالث. أو كان بحضرتهما ثالث لا يسمع ~~جهرهما لا يقرب منهما ليتسمع حديثهما إلا بإذنهما. # روى البخاري في (الأدب المفرد) عن سعيد المقبري قال: مررت على ابن عمر ~~ومعه رجل يتحدث. فقمت إليهما. فلطم صدري. وقال: إذا وجدت اثنين يتحدثان فلا ~~تقم معهما حتى تستأذنهما. وذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ~~ذلك، والنهي في رواية «يتناج» يدل على التحريم. ما لم يكن رضا من المنفرد، ~~وآية الرضا إذنه بالتناجي، والنفي في الرواية الآخرى بمعنى النهي. # 69- باب: الاحتراس من النار وتغطية الآنية # عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اطفئوا ~~المصابيح بالليل إذا رقدتم، وأغلقوا الأبواب وأوكئوا الأسقية، وخمروا ~~الطعام والشراب» ، وفي رواية زيادة: «واكفتوا صبيانكم عند المساء فإن للجن ~~انتشارا وخطفة» . PageV01P175 # [رواه البخاري ومسلم «1» وغيرهما واللفظ للبخاري] . # اللغة: # إغلاق الباب: إقفاله، وفي رواية، وغلقوا، وفي ثالثة: وأجيفوا أي أغلقوا، ~~والسقاء: القربة وجمعه أسقية، وأوكأ السقاء: ربطه وشده بالوكاء وهو اسم ~~للخيط الذي يشد به فم القربة والكيس ونحوهما، والتخمير: التغطية، ومنه ~~الخمر لتغطيتها العقل والخمار لستره الرأس، والكفت: الضم. والخطف: الأخذ بسرعة. # الشرح: في هذا الحديث أمرنا الرسول ص بخمسة أشياء. # وقد قال جماعة، إن الأمر هنا للإرشاد؛ إذا المقصود به تحقيق مصالح ~~دنيوية، ويحتمل أن يكون للندب. # ولماذا لا يكون للوجوب إذا خشي من المخالفة ضرر بالنفس أو المال؟ فإن أمن ~~الضرر فلا وجوب، # فأول الخمسة إطفاء المصابيح عند الرقاد ليلا. # وقد جاء تعليل ذلك في رواية «بأن ms142 الفويسقة- الفأرة- ربما جرت الفتيلة. ~~فأحرقت أهل البيت» «2» . # فالإنسان حينما ينام يفقد الشعور بما يجري والتيقظ لما يحدث، وما النوم ~~إلا وفاة غبها حياة الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها ~~فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى «3» ، فالإحتياط ~~والحكمة إطفاء السرج التي لا يؤمن وقوعها باحتكاك فأرة. أو صدمة قطة أو عبث ~~حيوان. أو حركة إنسان، أو عصفة ريح، أو يخشى التهاب ذبالتها واشتعال ~~فتيلتها، من هواء يلعب بها، أو ينحبس عنها. أو وسخ في زيتها أو خلل في ~~آلتها. فتتصل النار بما تجد. فإذا الحريق يلتهم الإنسان والحيوان، والبيت ~~والمتاع. على حين غفلة. فيصعب الإطفاء ويعظم الخسار، فإن كان انقلاب السراج ~~مأمونا؛ أو أحيط بما يمنع اتصاله بغيره لو وقع؛ أو كان نادر الخطر أو عديمه ~~كالمصابيح الكهربائية، فلا حرج في تركه إن كانت مصلحة؛ وكذلك الحكم في ~~المواقد لا ننام عنها متقدة نارها، وخاصة إذا كان الفحم وقودها، فربما وقع ~~منها على الفراش؛ وربما استنفدت أو كسجين الحجرة؛ فمات PageV01P176 # النيام مختنقين. وكم للمواقد والمصابيح من حوادث خطيرة نشأت من ترك ~~الاسترشاد بهدي الرسول صلى الله عليه وسلم. # وثانيها- إغلاق الأبواب ليلا: # فإنه يمنع الحيوان أن يتسرب إلى الخارج وأهله عنه غافلون. ويمنع السباع ~~أن تدخل المنازل. فتفتك بالطيور الداجنة أو الحيوان أو تعتدي على الإنسان ~~ويحول دون الشياطين من الإنس أو يكون عقبة في سبيلهم. فلا يسرقون وينهبون: ~~ولا يعتدون ويسفكون. وإذا كان النهي عن المنكر واجبا فالحيلولة بينه وبين ~~من رامه لازمة ومن الحيلولة أن تسد عليه الطريق، وتجيف دونه الباب. # وثالثها ورابعها- إيكاء الأسقية التي فيها الماء: # وتغطية الأوعية التي فيها الأطعمة والأشربة. فإن ذلك وقاية لها من ~~الجراثيم المنتشرة.. وصيانة لها من الأتربة والأشياء القذرة، ومنعا للهوام ~~والحشرات عنها وللطيور أن تلوثها، وللحيوان أن يلغ «1» فيها، فتبقى سليمة ~~مما يفسدها؛ فيطعمها المرء هنيئا ويشربها مريئا. # وخامسها: كفت «2» الصبيان إذا ما جن الليل «3» ، وإيواؤهم # إلى المنازل؛ والرجوع بهم إلى المضاجع. فإن ذلك يطمئن ms143 أهليهم. ويحول دون ~~ضلالهم في ظلام الليل، ويمنع غشيانهم لمجالس الفجار، التي تنفق بالليل؛ ~~تسترا بجلبابه الحالك، وارتيادا لأهل الريب والفساد، والليل كثير المخاطر، ~~والصبيان طائشة العقول لا يحسنون الاحتراس، ولا يأخذون الحذر فربما صدمتهم ~~عقبة أو سقطوا في حفرة. أو دهمتهم عربة، أو فجأتهم قاطرة، أو لسعتهم عقرب ~~أو آذاهم شيطان؛ فكانت الحكمة أن يأرزوا «4» إلى بيوتهم، ويمرحوا في رعاية ~~آبائهم وأمهاتهم، أو يناموا تحت أستارهم؛ وأما الجن أو الشياطين- كما جاء ~~في رواية- الذين ينتشرون بالليل، ويخشى منهم على الصبيان إذا بقوا في ~~الخلاء، فهم عالم يروننا ولا نراهم إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم «5» . # ومردة الجن هم الشياطين كما أن من الإنس شياطين كما صرح بذلك القرآن ولا PageV01P177 # مانع من أن تمتد يدهم بالإيذاء إلى الصبيان الذين لا تحوطهم رعاية الآباء ~~والأمهات، كما تمتد أيدي الشياطين منا إلى أبنائنا بالشتم والضرب. واللطم ~~والخطف والله من ورائهم محيط «1» ، وما أوتيتم من العلم إلا قليلا «2» . # ومن غريب الاستنباط أو عجيبه ما قال بعض الفقهاء: إن الحديث يدل على ~~مشروعية وضع اليد على الفم عند التثاؤب لدخوله في عموم الأبواب مجازا؟؟ # 70- باب: الغنى غنى النفس # عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس الغنى عن كثرة ~~العرض، ولكن الغنى غنى النفس» . [رواه البخاري ومسلم «3» وغيرهما] . # اللغة: # الغني: يقال لعدم الحاجة مطلقا، وليس ذلك إلا لله وحده، فهو الغني عن ~~عباده، وهم الفقراء إليه والله الغني وأنتم الفقراء «4» ، ويقال لقلة ~~الحاجات كما يقال لكثرة القنيات، والعرض: ما ينتفع به من متاع الدنيا ~~وحطامها، وأما العرض: # فهو ما كان من المال غير نقد، وجمعه عروض. # الشرح: # الغني في عرف الناس من كثر ماله، وعظمت ثروته، من ضياع واسعة. # وجنات ناضرة. وعمارات شاهقة. وقناطير مقنطرة من الذهب والفضة وخيل مسومة ~~«5» . وأنعام راعية، وعروض نامية، وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم أن ~~الغني ليس بسعة الثروة. ووفرة المال. وكثرة المتاع ولكن الغنى غني النفس، ~~فمن استغنى بما في يده عما ms144 في أيدي الناس، ولم تشرف نفسه عليه، ولم تتطلع ~~إليه، فهو الغني الجدير بلقب الغنى، وإن كان في المال قلا إذ رضاه بالقسم ~~وعفته، وزهده وقناعته، جعلته في درجة من الغنى دونها بطبقات أهل الثراء ~~الذين حرموا الرضاء والزهادة بل أولئك PageV01P178 # ليسوا من الغنى في شيء، وإن غني النفس مطمئن القلب. هادىء البال. لا يلحف ~~«1» في سؤال. ولا يحرص على مال. ولا تذهب نفسه حسرة إذا فاتته صفقة «2» أو ~~ضاعت عليه فرصة. بل ما جاءه رضي به وقنع. وأنفق منه على نفسه وأهله. وبر ~~الناس بعفوه وفضله. وهو من الناس ملك مبجل «3» . وأمير موقر. وعظيم معزز. ~~إذ لم ينزل بهم حاجته ولم يملك الحرص عليه منته، والحاجة مذلة، والحرص ~~معرة. فإن كان إلى غنى النفس غنى المال. فتلك الدرجة العلياء. والعزة ~~القعساء «4» . # أما من كثر ماله. وتشعبت أملاكه. وقلبه موزع بين ضيعته وعمارته. وذهبه ~~وفضته وفرسه وبقرته. ليس له هم إلا جمع المال. يحرص عليه أشد الحرص، ويتميز ~~«5» غيظا إذا فاته القرش، ويتمنى كل ما في أيدي الناس إلى ما في يده. بل ~~يحسدهم على ما رزقوا من نعمة. يخشى عدوى الفقر إن مدت يده إلى فقير بدرهم. # ويحسب الجائحة «6» أن يتبرع لعمل خيري بيسير من وفره. ولم يبق ما يمتع ~~فيه نفسه بثروته أو يقوم بواجبه لولده وزوجته. وقرابته وعشيرته ذلك هو ~~الفقير حقا، المحروم صدقا. # ومن ينفق الساعات في جمع ماله ... مخافة فقر فالذي فعل الفقر # وهل يكون غنيا من نفسه لما في أيدي الناس متطلعة. وليست بما في يدها ~~راضية قانعة؟ هل يكون غنيا من هذا الحرص من قوته. وأعل من صحته. ومنعه ~~التكالب «7» أن يروي نفسه من منهل العلم؛ ويغذيها بلبان الحكمة؟ # هل يكون غنيا من تبغي نفسه طعاما شهيا، أو ثمرا جنيا، أو لباسا رفيعا. ~~فيأبى عليه حبه للمال. وشغفه بكنزه. إجابتها إلى طلبتها وتحقيق رغبتها؟ هل ~~يكون غنيا من أولاده في بؤس؛ وأهله في ضنك يعيشون في أحضان الثروة ولكن من ~~التمتع بها PageV01P179 # محرومون؟ ms145 ذلك بلا ريب فقير؛ وإن عده الناس غنيا. وذلك المعدم وإن حسبه ~~الناس ثريا. وذلك الذميم البغيض، والبائس الفقير الذي جعل الله المال في ~~يده ألما له وعذابا، ونكالا وعقابا أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين. ~~نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون «1» ، ويل لكل همزة لمزة. الذي جمع مالا وعدده. # يحسب أن ماله أخلده. كلا لينبذن في الحطمة «2» ، ألهاكم التكاثر. حتى ~~زرتم المقابر. كلا سوف تعلمون «3» . # واعلم أن السبيل إلى غنى النفس الرضا بما قدر الله وأعطى والثقة بأن ما ~~عنده خير وأبقى، وأن المال في يد الشره البخيل فقر ومذلة. وفي يد القانع ~~الكريم غنى ومعزة وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من ~~آمن وعمل صالحا فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون «4» . # 71- باب: الاعتدال ومداومة الأعمال # عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # «سددوا، وقاربوا، وأبشروا، فإنه لم يدخل الجنة أحدا عمله» ، قالوا: ولا ~~أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله منه برحمة، واعلموا ~~أن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل» . [رواه البخاري ومسلم والنسائي «5» ] . # وفي الحديث أمر بثلاثة أشياء: التسديد، والمقاربة، والإبشار، وإخبار ~~بأمرين PageV01P180 # أولهما أن دخول الجنة ليس بالعمل. بل بفضل الله ورحمته. # الثاني: أن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل. # 1- التسديد في الأمور طلب السداد فيها: # وهو القصد والعدل. أي ما بين الإفراط والتفريط، وفسر السداد بالصواب وهو ~~مقارب للقصد، لأن التقصير في المطلوب أو المغالاة فيه تخرجه عن الصواب، ~~والقصد في الأمور ما كان عليه محمد صلى الله عليه وسلم، في تطهرهم، ~~وصلاتهم، وصيامهم، وصدقاتهم، وأخلاقهم ... إلخ. # 2- والمقاربة عدم الإفراط في العبادة: # لأن إجهاد النفس فيها يفضي إلى الملال فيؤدي إلى تركها، فيكون الإفراط ~~فيها من التفريط والتقصير، فالمطلوب منا في الأعمال المقاربة لا المبالغة. # وفي حديث جابر: «إن هذا الدين متين فأوغلوا «1» فيه برفق، ولا تبغضوا إلى ~~أنفسكم عبادة الله، فإن ms146 المنبت لا أرضا قطع، ولا ظهرا أبقى» . # 3- والإبشار كالتبشير: # الإخبار بما يسر ويظهر أثره على بشرة الإنسان (ظاهر جلده) فالرسول صلى ~~الله عليه وسلم يأمرنا بإدخال السرور على نفوسنا من فرط رحمة الله بنا نحن ~~المؤمنين، العالمين، فلا نيأس من روح الله ما دمنا عند حدوده التي رسمها، ~~لا نعصي له أمرا، ولا نخالف نهيا. # 4- تغمده بالرحمة: # عمه بها وألبسه إياها حتى كانت له كالغمد للسيف، يبين الرسول صلى الله ~~عليه وسلم أن العمل لا يدخل عامله الجنة، ولو كان الرسول نفسه، إلا إذا ~~شملته رحمة الله، وهذا ينافي آيات القرآن الكثيرة التي تدل على أن دخول ~~الجنة وإرثها إنما هو بالعمل الصالح- مع الإيمان كقوله وتلك الجنة التي ~~أورثتموها بما كنتم تعملون «2» ، وقوله: ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون «3» ~~، وقد أجاب العلماء عن هذا التعارض بأجوبة كثيرة منها أن التوفيق للعمل من ~~رحمة الله، ولولا رحمته ما كان إيمان ولا عمل صالح، فالسبب الأصلي لدخول ~~الجنة الرحمة. والعمل المترتب عليه الدخول أثرها. ومنها أن أعمال الطاعات ~~كانت في زمن يسير، والثواب لا ينفد، PageV01P181 # فالإنعام الذي لا ينفد في جزاء ما ينفد بالفضل لا بالأعمال، وأقول: إن ~~العمل في نفسه لا يتسبب عنه الدخول لولا أن الله جعله كذلك في حكمه وشرعه، ~~وجعله سببا إنما هو بفضله ورحمته، ولو شاء لم يجعله سببا ولكن جعله كذلك في ~~كتبه، وعلى السنة رسله، فلا سبيل إلى الجنة إلا من طريقه، فلا ندعه وتطمع ~~في رحمة الله، فإن رحمته كتبها للذين يتقون، ويؤتون الزكاة والذين هم ~~باياته يؤمنون، الذين يتبعون الرسول النبي الأمي، فإن راقتك «1» هذه ~~الأجوبة فخذها وإن وفقت لخير منها فهاته. # وإن لم تر سبيلا لدفع التعارض بين الآيات والحديث فالقرآن أولى بالتقدمة. # 5- الأعمال الطيبة كثيرة: # كالصلاة، والصدقات، والصيام، وقراءة القرآن والانتصار للمظلومين، ونشر ~~العلم بين الطالبين، والجد في خير الناس، والأعمال الطيبة من شأنها تغذية ~~الإيمان وتقويته. وإعلاء النفس وإكبارها والقصد في العمل سبيل إدامته ~~والمواظبة عليه. # فبين الرسول صلى الله عليه ms147 وسلم أن أحب الأعمال إلى الله وأولاها بالقبول ~~والثواب ما داوم عليه صاحبه وإن قل. لأن المداومة فيها تغذية الإيمان في كل ~~وقت. فلا تذبل شجرته وفيها ترقية دائمة للنفوس. فهي دائما صاعدة في درج ~~الكمال. ولا كذلك الإجهاد الذي يقعد بالإنسان عن العمل، فتذوي «2» شجرة ~~الإيمان، وتضعف نفسه عن مكافحة الشدائد، ويشطب اسمه من ديوان العاملين ~~المجاهدين، ويقيد في سجل الكسالى العاطلين، وقد أخبرت عائشة رضي الله عنها ~~بأن عمل الرسول صلى الله عليه وسلم كان ديمة أي دائما لأن الديمة في الأصل ~~المطر المستمر مع سكون، بلا رعد ولا برق، والمراد بالدوام الدوام العرفي ~~وهو الإتيان بما يطلق عليه اسم المداومة عرفا، لا شمول الأزمنة إذ هذا غير مقدور. # 72- باب: حق الله على العباد وحقهم عليه # عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: بينما أنا رديف النبي صلى الله عليه ~~وسلم ليس بيني PageV01P182 # وبينه إلا آخرة الرحل. فقال: «معاذ» : قلت: لبيك رسول الله وسعديك، ثم ~~سار ساعة، ثم قال: «يا معاذ» ، قلت: لبيك رسول الله وسعديك، ثم سار ساعة، ~~ثم قال: «يا معاذ بن جبل» ، قلت: لبيك رسول الله وسعديك، قال: # «هل تدري ما حق الله على عباده؟» ، قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «حق الله ~~على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا» ، ثم سار ساعة، ثم قال: «يا معاذ ~~بن جبل» ، قلت: لبيك رسول الله وسعديك، قال: «هل تدري ما حق العباد على ~~الله إذا فعلوه؟» قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «حق العباد على الله ألا ~~يعذبهم» . [رواه البخاري ومسلم «1» وأحمد وغيرهم] . # اللغة: # الرديف والردف: الذي يركب خلفك، ويقال الردف أيضا للكفل والعجز، وأردفه: ~~أركبه خلفه، وكل شيء يتبع شيئا فهو ردفه، والترادف: التتابع، والرحل: ما ~~يوضع على ظهر البعير كالسرج للفرس، وآخرته العود الذي يجعل خلف الراكب ~~يستند إليه، ولبيك: مأخوذ من اللب وهو الإجابة والتثنية فيه للتكرير ~~والتكثير أي إجابة لك بعد إجابة ولم يستعمل إلا على لفظ التثنية، وقيل: إنه ~~من التلبية وهي ms148 إجابة المنادي من لب بالمكان وألب إذا أقام به، وألب على ~~كذا إذا لم يفارقه، وهو منصوب على المصدر بعامل لا يظهر كأنك قلت: ألب ~~إلبابا بعد إلباب، وقيل: معناه اتجاهي وقصدي إليك، من قولهم: داري تلب دارك ~~أي تواجهها، وقيل: معناه إخلاصي لك من قولهم: حسب لباب، إذا كان خالصا ~~محضا. ومنه لب الطعام ولبابه، وسعديك: معناه ساعدت طاعتك مساعدة بعد ~~مساعدة، وإسعادا بعد إسعاد، والتثنية فيه والإعراب مثلهما في لبيك، والحق: ~~الشيء الثابت المتحقق، فما للإنسان على غيره إن كان لا تردد فيه يسمى حقا؛ ~~والله حق، والصدق حق، والعبادة: الطاعة مع خضوع أو هي غاية الخضوع. # الشرح: # كان معاذ بن جبل الشاب العابد، الأمة القانت، الشهم المجاهد الذي PageV01P183 # حضر الغزوات كلها- راكبا في سفر خلف الرسول صلى الله عليه وسلم دابته لا ~~يفصله منه إلا آخرة الرحل التي كان يسند إليها ظهره. وكان إردافه له تواضعا ~~منه صلى الله عليه وسلم وإكراما للشباب المجاهد، فقال: يا معاذ. قال إجابة ~~لك يا رسول الله بعد إجابة، وطاعة لك بعد طاعة. فتركه الرسول صلى الله عليه ~~وسلم دون أن يحدثه، وبعد أن سار ساعة قال: يا معاذ. قال: # إتجاها إليك يا رسول الله بعد اتجاه، وإسعادا بعد إسعاد، فتركه الرسول ~~صلى الله عليه وسلم أيضا بدون محادثة. وبعد أن سار فترة قال: يا معاذ بن ~~جبل. قال: إخلاصا لك يا رسول الله بعد إخلاص. ومساعدة غب «1» مساعدة، فتلك ~~نداآت ثلاث نبهت معاذا إلى العناية بما يلقى؛ وصرف الذهن إليه، وإرهاف «2» ~~الأذن له؛ وإيقاظ الحافظة «3» لضبطه ووعيه وعرفته أنه نبأ عظيم؛ وحديث ~~خطير، ثم قال له: هل تدري يا معاذ ما حق الله على عباده وما الذي يجب عليهم ~~أن يحققوه شكرا له؟ ولم يستفهم الرسول صلى الله عليه وسلم منه استجوابا له، ~~ولكن زيادة في تنبيهه إلى ما يلقى عليه، وتشويقا إليه. # وقد رد معاذ علم ذلك إلى الله الذي أحاط بكل شيء علما. وإلى الرسول صلى ~~الله عليه وسلم ms149 الذي يبلغ عن الله وحيه وهذا من معاذ كمال أدب: وقف عند ~~حده. ولم يقف ما ليس له به علم. وقد بين له الرسول صلى الله عليه وسلم أن ~~حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا: # كلمة جامعة لم تترك من الدين صغيرة ولا كبيرة. فعبادته الخضوع له ~~والتذلل. وذلك بطاعته فيما أمر ونهي فنؤمن برسوله ونصدق بكتابه، ونقيم ~~الصلاة ونؤتي الزكاة، ونهذب نفوسنا ونصح أجسامنا بالصيام، ونحج البيت ~~الحرام ما استطعنا إلى ذلك سبيلا، ونحسن عشرة الناس، ونصدق في معاملتهم، ~~ونخالقهم «4» بخلق حسن، ونقف عند ما شرع الله، لا نتعدى حدوده. ولا نتجاوز ~~رسومه. ونجانب كل ما نهى عنه من الخبائث مما هو اعتداء على النفس. أو المال ~~أو العرض أو إضرار بالخلق. # وأساس ذلك علم بكتاب الله، وبما احتواه، وهذا بتلاوته وتدبره ودراسته ~~وتفهمه. أما توحيده وعدم الإشراك به فأن نعتقد أنه وحده صاحب الخلق والأمر. ~~وأن من دونه لا يملك ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله. سواء أكان ملكا مقربا؛ ~~أو نبيا مرسلا، أو وليا عابدا؛ ومن توحيده أن تكون الأعمال خالصة لوجهه؛ لا ~~يشوبها خداع ولا رياء ولا PageV01P184 # تدليس ونفاق، وألا ندعوا معه غيره. أو نقدم إليه القرابين أو نسوق ~~النذور. أو نتخذه وسيلة إليه. فإن كل ذلك شرك ينافي مقام التوحيد ثم سأل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذا عن حق العباد على الله، وما وعدهم به؛ ~~وكتبه لهم على نفسه؛ إذا هم عبدوه حق عبادته وأخلصوا له الدين. وأسلموا ~~الوجوه، وعمروا القلوب بتوحيده، وطهروها من دنس الإشراك. فقال له مثل ~~مقالته الأولى: الله ورسوله أعلم. فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: حق ~~العباد على الله ألا يعذبهم. وكيف يعذب من توفر «1» على طاعته، وكان عبده ~~السميع، تقرع أذنه آي الوحي فإذا به قد مثلها في عمله، وأظهرها في خلقه، ~~ويسمع هدى الرسول صلى الله عليه وسلم فإذا به قد اتخذه إماما وقدوة: وهاديا ~~وأسوة؛ كيف يعذب ذا النفس ms150 العالية. # الطاهرة النقية، التي لا يرى فيها إلا بياض التوحيد ونوره، ليس بها نكتة ~~«2» من دنس أو شرك، بل كيف لا يسبغ نعمته، ويدخل جنته عباده المقربين، ~~وجنده المخلصين، وهو البر الرحيم؛ وأكرم الأكرمين وأما من خاف مقام ربه ~~ونهى النفس عن الهوى. فإن الجنة هي المأوى «3» . # 73- باب: نذر الطاعة ونذر المعصية # عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ~~ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه» . [رواه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي ~~وابن ماجه «4» ] . # النذر: # أن توجب على نفسك ما ليس بواجب لحدوث أمر، كأن تنذر صدقة أو اعتكافا، أو ~~تهجدا إذا رزقت ولدا، أو بلغت أملا. وفي هذا الحديث أمر الرسول صلى الله ~~عليه وسلم عن نذر طاعة الله أن يطيعه ونهى من نذر معصيته أن يعصيه. فنذر ~~الطاعة يجب الوفاء PageV01P185 # به. قال تعالى: وليوفوا نذورهم «1» ، ونذر المعصية يحرم الوفاء به، إذ لا ~~نذر في معصية الخالق. # فمن نذر إرشاد الجاهلين. وإنقاذ المظلومين أو مساعدة البائسين. أو زيارة ~~الأقربين، أو الجهاد في سبيل الله ونشر دينه ومطاردة أعدائه وجب عليه ~~الوفاء بما نذر، ومن نذر النكاية بعدوه، بإراقة دمه أو اغتصاب ماله أو نذر ~~الانضمام لحزب مبطل، أو انتخاب شخص مجرم، أو شرب خمر، أو لعب ميسر، أو ~~إقامة ليلة ساهرة، تنتهك فيها الحرمات. ويعصي الإله حرم عليه الوفاء. ~~والطاعة تشمل الواجبات كالصلاة المكتوبة، والزكاة المفروضة، وصيام رمضان، ~~والحج الواجب، والنفقة على الزوجة والولد، وتشمل المندوبات كصلاة النافلة، ~~والصدقة الجارية، والصيام المستحب وحج التطوع، فالواجبات إذا كانت عينية لا ~~ينعقد نذرها لأنها واجبة بدون إيجاب العبد. بل تدخل تحت عنوان النذر لأنه ~~إيجاب ما ليس بواجب وهذه واجبة. أما الواجب على الكفاية كالجهاد ورد ~~السلام. والمندوب فينعقد نذره. # ويجب الوفاء به. وأما نذر المباح كلبس الثوب وركوب الدابة والتروض فقد ~~استدل لصحته بحديث عائشة: «لا نذر في معصية. وكفارته كفارة يمين» ، رواه ~~أصحاب السنن «2» . وجمهرة المحدثين على تضعيفه فلما نفي نذر المعصية ms151 أفاد ~~صحة ما عداه. # وبحديث بريدة عند أحمد والترمذي: أن امرأة قالت: يا رسول الله إني نذرت ~~أن أضرب على رأسك بالدف، فقال لها: «أوف بنذرك» ، وكان ذلك وقت خروجه في ~~غزوة، فنذرت الضرب بالدف إن رده الله تعالى سالما. # وقال مالك والشافعي: لا ينعقد نذر المباح واستدلا بحديث ابن عباس قال: # بينا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب إذ هو برجل قائم؛ فسأل عنه؛ فقالوا: ~~أبو إسرائيل نذر أن يقوم في الشمس؛ ولا يقعد؛ ولا يستظل ولا يتكلم؛ وأن ~~يصوم؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مروه PageV01P186 # فليتكلم وليستظل وليقعد، وليتم صومه» ، رواه البخاري وأبو داود وابن ماجه ~~«1» ؛ فأمره بفعل الطاعة؛ وأسقط عنه المباح؛ وأصرح من هذا ما رواه أحمد ~~وأبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «لا نذر إلا فيما ابتغي به وجه الله» «2» ، في سند هذا الحديث عند ~~أحمد عبد الله بن نافع المدني وهو ضعيف، وأجابا عن حديث عائشة بضعفه؛ وعن ~~حديث بريدة بأنه لا مانع من أن يكون من قسم المباح ما يصير مندوبا إذا قصد ~~به القربة كالنوم في القائلة «3» للتقوي به على قيام الليل؛ والسحور للتقوي ~~على صيام النهار، فيجوز أن يكون إظهار الفرح بعود النبي صلى الله عليه وسلم ~~سالما معنى مقصودا يثاب عليه؛ فيكون مندوبا. # وقد اختلف الفقهاء في نذر المعصية هل تجب فيه كفارة أو لا تجب؟ فقال ~~بوجوبها الثوري وإسحاق وأبو حنيفة وأصحابه وأحمد وبعض الشافعية؛ وهو مروي ~~عن ابن مسعود وابن عباس وجابر وعمران بن حصين؛ وسمرة بن جندب؛ وقال بعدم ~~الوجوب مالك والشافعي والجمهور؛ وهو رواية عن أحمد؛ واستدل الأولون بحديث ~~عائشة السابق «لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين» ، وبحديث ابن عباس أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من نذر نذرا في معصية فكفارته كفارة يمين» ~~، رواه أبو داود «4» ؛ وبحديث عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «كفارة النذر كفارة يمين» ms152 ، رواه مسلم «5» وأحمد؛ فعمومه يشمل ~~نذر المعصية؛ وبأن النذر يمين؛ ومن حلف على فعل معصية لزمته الكفارة فكذلك ~~إذا نذرها، والدليل على أنه يمين حديث ابن عباس قال: جاءت امرأة إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن أختي نذرت أن تحج ماشية، PageV01P187 # فقال: «إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئا؛ لتخرج راكبة؛ ولتكفر عن يمينها» ~~، رواه أحمد وأبو داود «1» . # واستدل الجمهور بأنه نذر غير منعقد، فلا يوجب شيئا كاليمين غير المنعقدة، ~~بل لا يسمى نذرا لأن النذر التزام الطاعة، وهذا التزام معصية؛ وبالأحاديث ~~التي أبطلت نذر المعصية ولم تذكر فيه كفارة؛ كحديثنا؛ وحديث مسلم «لا نذر ~~في معصية الله، ولا فيما لا يملك العبد» «2» . وأجابوا عن أدلة الأولين ~~بضعف حديث عائشة، وبأن الأصح في حديث ابن عباس أنه موقوف عليه؛ وأما حديث ~~عقبة ففيه زيادة تمنع العموم. إذا رواه الترمذي بلفظ «كفارة النذر إذا لم ~~يسم كفارة يمين» ، ورواه ابن ماجه بلفظ «من نذر نذرا لم يسمه» «3» إلخ. ~~فكفارة اليمين في النذر المبهم. # كأن يقول: لله علي نذر. ولا يزيد. ولا يعلم خلاف في ذلك إلا عن الشافعي ~~فإنه قال: لا ينعقد النذر المبهم ولا كفارة فيه؛ والحديث حجة عليه. وبماذا ~~يجيب الجمهور عن كون النذر يمينا؟ أيقولون: نذر المعصية يمين غير منعقدة؟ # وبهذا عرفت حكم نذر الطاعة. ونذر الواجب. ونذر المعصية. ونذر المباح ~~والنذر المبهم. وبقي نوعان: هما نذر اللجاج والغضب. ونذر المستحيل فالأول ~~ما أخرج مخرج اليمين بأن يراد به الحث على فعل شيء. أو المنع منه من غير أن ~~يقصد به النذر والقربة. كالذي يقول في حال الغضب لخصمه إن لم أرفع عليك ~~قضية فداري صدقة. أو يقول: إن عاشرت فلانا فعلي مائة جنيه للجمعية الخيرية ~~الإسلامية. يريد الأول حث نفسه على رفع القضية وبالثاني الامتناع عن ~~معاشرته. # وهذا حكمه حكم اليمين. فإن رفع القضية أو ترك العشرة فلا شيء عليه وإن لم ~~يرفع أو عاشر لزمته كفارة يمين. وهو مخير بين الأمرين. ms153 وهذا رأي الجمهور. # وقال أبو حنيفة ومالك: يلزمه الوفاء بنذره، أما نذر المستحيل كصوم الأمس PageV01P188 # فلا ينعقد، لأنه لا يتصور الوفاء به، ولا يوجب شيئا. كما لو حلف على ~~فعله، فإنه لا تلزمه كفارة. فالنذر من باب أولى. # 74- باب: الأخذ بالأيسر وترك الانتقام للنفس # عن عائشة رضي الله عنها قالت: «ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين ~~أمرين قط إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس ~~منه، وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه في شيء قط إلا أن تنتهك ~~حرمة الله فينتقم بها لله» . [رواه البخاري ومسلم «1» ] . # اللغة: # الانتقام: المبالغة في العقوبة. مأخوذ من نقم ينقم- كضرب وعلم- إذا بلغت ~~به الكراهة حد السخط. والنقمة العقوبة. والحرمة ما وجب القيام به من حقوق ~~الله وحرم التفريط فيه، وتقال لما لا يحل فعله. وانتهاكها: تناولها بما لا يحل. # الشرح: # للرسول صلى الله عليه وسلم الأدب الكريم، والخلق العظيم، وفي هذا الحديث ~~تقص علينا عائشة الصديقة زوج الرسول صلى الله عليه وسلم وأكرم نسائه عليه. ~~ومن أعلمهن بادابه خلقين من أخلاقه العالية، هما اختيار الأسهل الأيسر. ما ~~لم يكن محرما، وعدم الانتقام لنفسه ما لم تغش «2» محارم الله. فينتقم لله. # فمثل خيره ربه بين الإفطار والصيام في السفر أو المرض. فاختار الأيسر، ~~وخيره بين مقابلة السيئة بمثلها والعفو فاختار العفو، وخيره فيمن تحاكموا ~~إليه غير مخلصين في الحكم بينهم أو الإعراض عنهم، فاختار ما رآه أسهل، ~~وخيره بين أن يقوم نصف الليل أو ثلثه، أو يزيد على النصف فكان يختار ما ~~يراه أيسر على نفسه، وخيره بين أن يفتح له كنوز الأرض أو يجعل رزقه الكفاف ~~فاختار الكفاف ليتفرغ PageV01P189 # لعبادة ربه، والدعوة إلى دينه، وكذلك إذا خيره أهل بيته بين أمرين اختار ~~أيسرهما، فإذا خيروه بين طعامين اختار أدناهما كلفة. وإذا استشار أصحابه في ~~أي الطرق يسلك في سفرة أو غزوة، وفي أي الأماكن ينزل، أو في أي البقاع تكون ~~المعركة، فأشاروا بأمرين ms154 اختار الأيسر منهما، وهكذا دأبه، ما لم يكن أحد ~~الأمرين معصية، فإنه يكون أبعد الناس منه، وكيف لا تنفر نفسه الطيبة ~~الطاهرة بما يخدش طاعته لربه، وحرصه على شرعه ولن يخيره بين طيب وخبيث. ~~كماء وخمر إلا جاهل بالدين، أو منافق. أو كافر لا يعلم أحكام الشريعة، ذلك ~~الخلق الأول. # أما الخلق الثاني فكان صلى الله عليه وسلم لا يناله أمر يمضه من جفاة ~~الأعراب أو من ضعفة الإيمان، أو من أعدائه فينتقم لنفسه. فالأعرابي الذي ~~جفا عليه في صوته، والآخر الذي جذبه من ردائه حتى أثر في كتفه، وذلك الذي ~~اتهمه بالظلم في القسمة، وذلك الذي أخذ منه سيفه على غرة وأراد الفتك به، ~~فسقط من يده، وتناوله الرسول صلى الله عليه وسلم. # كل أولئك وأمثالهم صفح عنهم الرسول صلى الله عليه وسلم وهذا ما لم يكن ~~الإيذاء له انتهاك لحرمة من حرمات الله، واعتداء على شرعه فإنه ينتقم لله، ~~انتصارا لدينه، وقياما بواجب النهي عن المنكر. # ولذلك أقام حد القذف ثمانين جلدة على من رمى زوجه البتول بالإفك، وآذاه ~~في أهل بيته وأهدر دماء جماعة من المشركين لما فتح مكة ممن كانوا يؤذونه ~~لأنهم كثيرا ما انتهكوا حرمات الله ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن ~~كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر «1» . # والحديث يحثنا على أخذ اليسر، والرغبة عن العسر، ويدعونا إلى الأخذ ~~بالرخص إن كانت على النفس أسهل. والعفو عن المسيئين إلا أن ينتهكوا حرمات ~~هذا الدين، ويندبنا إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وألا تأخذنا في ~~ذلك هوادة «2» . PageV01P190 # 75- باب: تقاتل المسلمين وعقابه # عن أبي بكرة نفيع بن الحارث الثقفي، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار» ، ~~فقلت: يا رسول الله هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: «إنه كان حريصا على ~~قتل صاحبه» . [رواه الشيخان وأبو داود والنسائي «1» ] . # اللغة: # البال: الحال الذي يهتم بها، يقال: ما باليت بكذا بالة أي ما اهتممت به ~~ويطلق على الخاطر، وعلى ms155 القلب، والحرص فرط الشره، وفرط الإرادة. # الشرح: # القتل العدوان إثم كبير، وجرم عظيم. توعد الله عليه بالعذاب الشديد في ~~قوله ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه ~~وأعد له عذابا عظيما «2» ، وما كانت يد المؤمن الذي ملأ الإيمان قلبه لتمتد ~~إلى أخيه بسفك دمه، وإزهاق حياته وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ «3» ~~، وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أنه إذا تلاقى مسلمان ~~بسيفيهما، أو بندقيتيهما، أو مسدسيهما، أو مديتيهما «4» ، أو نبوتيهما «5» ~~؛ أو غيرها من آلات القتل، فذكر السيف على سبيل التمثيل وأعمل كل منهما ما ~~في يده للقضاء على صاحبه، والإيذاء بحياته فالقاتل والمقتول في النار. فسأل ~~أبو بكرة رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلا: هذا القاتل الذي أودى بحياة ~~صاحبه يستحق النار كما نطق بذلك القرآن، ولكن ما شأن القتيل الذي أريق دمه ~~حتى يكون مع قاتله في النار؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «إنه كان حريصا على ~~قتل PageV01P191 # صاحبه» ، وشارعا فيه، ومتلبسا بأسبابه المباشرة، ولولا أن ضربة صاحبه ~~عجلت بحياته، وجدلته مضرجا «1» بدمائه لكان هو السافك، وقرينه القتيل. فكل ~~منهما باء بإثمه، واستوجب العقاب بجرمه. # فإن رفعت سيفك بحق على من رفعه عليك عدوانا وظلما. أو حسدا وبغيا، فلا ~~حرج عليك ولا ملامة، ولن تمسك النار، بل ربما كنت مأجورا إذا قضيت به على ~~المجرمين السفاكين. # فإذا قام نزاع بين طائفتين من المسلمين حتى اشتعلت نار الحرب بينهما ~~وعملنا ما نستطيع للقضاء على الخصومة. وإحلال السلم محل الحرب. فأبتا أو ~~أبت إحداهما وجب علينا الإنضمام للمحقة «2» وقتال الباغية. وإشهار سيوفنا ~~على سيوفها حتى نفلها. ونذهب بشوكتها وتفيء إلى أمر الله وإن طائفتان من ~~المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي ~~تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن ~~الله يحب المقسطين. إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله ~~لعلكم ترحمون «3» ، وإذا أرادك باغ على نفسك، أو ms156 مالك أو عرضك فدافعته ~~بسيفك فلست للنار بأهل. إذا كنت لا تستطيع دفعه إلا بالسيف، ولكن استعمله ~~بنية الدفاع لا بنية القتل. فإن قضت عليه ضربة الدفاع فعلى شر قضيت، وإن ~~أصابتك ضربة ففي سبيل الله قتلت، وفي سجل الشهداء كتبت. # وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أنه جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: يا رسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: «فلا تعطه» ، ~~قال: فإن قاتلني قال: # «فاقتله» ، قال: فإن قتلني، قال: «فأنت شهيد» ، قال: أرأيت إن قتلته؟ ~~قال: «فهو في النار» «4» ، وفي حديث عبد الله بن عمرو عند أبي داود ~~والترمذي وصححه «من قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن ~~قتل دون ماله فهو شهيد، PageV01P192 # ومن قتل دون أهله فهو شهيد» «1» . # وظاهر الحديث أن درجة القاتل والقتيل في العذاب بالنار سواء، لأن كلا ~~منهما بذل منتهى جهده لقتل صاحبه، غاية الأمر أن ضربة أحدهما نفذت قبل ~~الآخرى. # وقيل: بل درجتهما مختلفة، فالقاتل يعذب على القتال والقتل؛ والقتيل يعذب ~~على القتال فقط؛ فعذاب القاتل أطول أو أشد. # وقد اختلف العلماء سلفا وخلفا في القاتل إذا تاب أتنفع توبته، فتدرأ عنه ~~العذاب أم لا تنفع؟ قال جماعة بالثاني منهم ابن عباس وزيد بن ثابت؛ مستدلين ~~بقوله تعالى في سورة النساء ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم ... «2» ~~إلخ، وقال كثيرون بالنفع لقوله تعالى في صفة عباد الرحمن ولا يقتلون النفس ~~التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما. يضاعف له ~~العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا. إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا ~~فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما «3» ، وقالوا: إن ~~هذا الاستثناء مراعى في آية النساء، وكذلك اختلفوا في القصاص. فمن قائل: ~~إنه لا يدفع الإثم مستدلا بقوله تعالى: ولكم في القصاص حياة «4» ، فإنه ~~يفيد أن القصاص لمصلحة الناس فحسب، وذلك بردع «5» بعضهم عن بعض؛ أما القتيل ~~المظلوم فلا يزال حقه باقيا ms157 يأخذه يوم القيامة، ومن قائل: إنه يدفع الإثم ~~لأن جزاء السيئة سيئة مثلها، ولقوله صلى الله عليه وسلم في حديث عبادة بن ~~الصامت بعد ذكر القتل وجرائم أخرى «ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا ~~فهو كفارة له» . رواه البخاري. # وقد استدل بالحديث على أن قصد الجريمة، والعزم عليها والتصميم يعاقب به ~~المرء وإن لم تقع منه الجريمة. إذ علل عقاب القتيل في الحديث بأنه كان ~~حريصا على قتل صاحبه، والحرص فرط الإرادة كما بينت لك في اللغة. وفي رواية: ~~إنه أراد قتل PageV01P193 # صاحبه، وقد اعترض على هذا الاستنباط بما جاء في حديث ابن عباس عند ~~البخاري «ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة؛ فإن هو هم ~~بها، فعملها كتبها الله له سيئة واحدة» «1» . # ومثل ذلك ما جاء في حديث أبي هريرة عند البخاري أيضا «إذا أراد عبدي أن ~~يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها فإن عملها فاكتبوها له بمثلها. وإن ~~تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة» «2» ، فلم يجعل في الهم بالسيئة عقابا إذا ~~لم يقترن بعملها. # وجعل في تركها خشية الله ثوابا. إذ جاهد باعث الشر حتى غلبه. وأما من خاف ~~مقام ربه ونهى النفس عن الهوى. فإن الجنة هي المأوى «3» ، وقد دفع هذا ~~التعارض بعض العلماء بالتفرقة بين الهم والعزم. فالأول: مرور الفكرة بالنفس ~~من غير استقرار فيها. # والثاني: التصميم على المعصية وتوطين النفس عليها. فالعقاب على الثاني ~~دون الأول. وهو دفع مدفوع. وتفريق مردود. ولم يقم عليه دليل ثم إنه صرح ~~بالإرادة في حديثنا وفي حديث أبي هريرة المعارض. فالصواب من القول إنه لا ~~تعارض أصلا. فإن حديثنا لم يرتب العقاب فيه على مجرد الحرص أو الإرادة بل ~~هو مرتب على أمرين. الأخذ في تنفيذ الجريمة برفع السيف والتقاتل به. وسبق ~~الإصرار عليها. وبعبارة أخرى: الشروع في الجريمة والقصد الجنائي كما يقول ~~رجال القانون. # أما مجرد الشروع في الجريمة والقصد الجنائي كما يقول رجال القانون. أما ~~مجرد العزم بدون تنفيذ فلا يدل ms158 حديثنا على المؤاخذة به وظاهر حديث ابن عباس ~~وحديث أبي هريرة أنه لا عقوبة فيه. بل التعبير بصيغة الافتعال في جانب الشر ~~دون جانب الخير في قوله تعالى: لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت «4» ، يشعر ~~بأن الشر لا بد فيه من المعالجة والمخالطة ليحسب على المرء فلا يكفي فيه ~~مجرد النية. أما الخير فالنية فيه لها ثواب بقدرها: ويؤيد هذا حديث أبي ~~هريرة عند الشيخين «إن الله تجاوز PageV01P194 # لأمتي ما حدثت به أنفسها. ما لم تعمل به أو تتكلم» «1» . # وقد احتج بالحديث من لم ير القتال في الفتن. كسعد بن أبي وقاص. # وعبد الله بن عمر، ومحمد بن مسلمة، وأبي بكرة، وغيرهم، ممن لم يتدخلوا في ~~الشجار الذي كان بين علي وشيعته، وعائشة وأنصارها. # وقدمنا لك واجب المسلمين في الفتن، الذي أمر به القرآن في جلاء لا غموض ~~فيه. وهو الإصلاح بين الطائفتين المتقاتلتين فإن أبتا الصلح. أو أبته ~~إحداهما فواجب قتال التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله. # وبعد: فالحديث ينعى «2» على المسلمين ما بينهم من شجار. وما يقوم بين ~~أممهم من حروب. لا باعث عليها إلا الاستئثار بالملك. والتعصب للجنس. دون ~~الانتصار للحق. ولقد شربت هذه الحروب من دماء المسلمين عبا حتى أضعفت ~~شوكتهم وزلزلت سلطانهم، وطأطأت رؤوسهم لخصومهم، وأخضعت رقابهم لسيوفهم. ~~فانتقصوا بلادهم من أطرافها، بل جاسوا خلالها «3» وأصبحت لهم الكلمة في ~~أكثرها. فهل من مدكر؟ لقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر. # 76- باب: نعمة القرآن والمال # عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا حسد إلا في ~~اثنتين: رجل علمه الله القرآن، فهو يتلوه آناء الليل، وآناء النهار فسمعه ~~جار له، فقال: # ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان، فعملت مثل ما يعمل، ورجل آتاه الله مالا، ~~فهو يهلكه في الحق، فقال رجل ليتني أوتيت مثل ما أتي فلان فعملت مثل ما PageV01P195 # يعمل» ، [رواه البخاري والنسائي «1» ] ، وفي رواية للشيخين «2» : «لا حسد ~~إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق، ms159 ورجل آتاه ~~الله الحكمة، فهو يفضي بها ويعلمها» . # اللغة: # الحسد: أن يرى المرء نعمة على أخيه فيتمنى زوالها عنه إليه أو إلى غيره. ~~وقد يضيف إلى التمني السعي في زوالها. والغبطة: أن يتمنى مثلها ولا يتمنى ~~زوالها عن أخيه، والتلاوة: القراءة؛ ولا تكاد تستعمل إلا في قراءة كلام ~~الله تعالى. # والأصل لمعنى «ت ل و» اتبع؛ ولذلك قيل لولد الشاة والناقة «تلو» إذا فطم ~~وصار يتبع أمه، وكل ما يتبع غيره في شيء يقال هو تلوه، وسميت قراءة القرآن ~~تلاوة لأنه مثاني كلما قرىء منه شيء يتبع بقراءة غيره أو بإعادته؛ أو لأن ~~شأنه أن يقرأ ليتبع بالاهتداء والعمل به، بل فسرت تلاوة القرآن باتباعه ~~والعمل به، والآناء: الساعات، الواحد أنى مثلت الهمزة والتسليط التمكين من ~~القهر والإخضاع. والهلكة: الإهلاك. # والحكمة: إصابة الحق بالعلم والعمل. وبعبارة أخرى: وضع الأشياء مواضعها. # ولذلك قيل لمن يحسن دقائق الصناعات ويتقنها حكيم، والمراد بالحكمة هنا ~~القرآن بدليل الرواية الآخرى. والقرآن مبين للحق، مؤت للحكمة. # الشرح: # الحسد رذيلة ممقوتة. لأنه كراهية الخير للناس، وتمني زوال النعم عنهم، ~~ولا يتخلق به إلا ذوو النفوس الخبيثة، والقلوب الأثيمة. التي مات فيها داعي ~~الخير، وحي مكانه باعث الشر. فإن انضم إلى ذلك السعي في زوال النعم بوشاية ~~أو عمل تضاعف المقت. وتزايد الفحش. # وقد نهى الله عنه بقوله: ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض «3» ، ~~وأمر بالتعوذ منه في سورة الفلق ومن شر حاسد إذا حسد «4» . PageV01P196 # وإذا كان الحسد كله شرا كان قول الرسول صلى الله عليه وسلم لا حسد إلا في ~~اثنتين من قبيل الاستثناء المنقطع. فلا حسد محمود أو جائز مطلقا، لا في مال ~~أو علم، ولا في منصب أو جاه ولا في غير ذلك من أنواع النعم. سواء رجوت ~~النعمة الزائلة لك أو رجوتها لغيرك. ولكن هناك خصلتان محمودتان ليستا من ~~وادي الحسد. # أو نقول: إن الحسد هنا يراد به الغبطة مجازا. فمعنى العبارة لا غبطة إلا ~~في هاتين الخلتين. فحصر الغبطة فيهما ms160 مع أنها تكون في غيرهما بيانا لعلو ~~درجتهما وعظيم منزلتهما. وأنهما وحدهما الجديرتان بالغبطة دون غيرهما من ~~صنوف النعم. # فالخلة «1» [حفظ القرآن وفهمه] # الأولى الجديرة بالتمني، الحقيقة بالجد في إدراكها، والسعي في نوالها خلة ~~رجل من الله عليه بالقرآن، فوهبه حفظه، وعلم ما تضمنه. من حلال وحرام وحكم ~~وأحكام، وقصص وأخبار، وآداب وأخلاق. فذاق حلاوته وعرف مكانته، فحرص عليه ~~الحرص كله، وعض عليه بالنواجذ واتخذه سميره وجليسه وخليله وأنيسه، فهو ~~يتلوه آناء الليل. وآناء النهار. فلسانه به رطب، وقلبه حي، وعقله في نمو ~~وعلو، ونفسه مهتدية بهديه، ومقتفية لأثره، يفصل به في المشكلات ويحكم في ~~المنازعات، ويقضي على الشبهات، يفتي به المستفتين، ويفض شجار المتنازعين ~~يدعو الناس إليه. ويحثهم على أن يقرئهم آيه، ويعلمهم أحكامه، يعظهم بعظاته: ~~ويهداهم بكلماته. يبشرهم بما فيه من النعيم ويحذرهم عذاب الجحيم، فهو به ~~عليم، ولأمره سميع، ولآيه قارىء، وبأحكامه فاصل، ولما فيه ناشر. فأورثه ذلك ~~الحكمة التي يزن بها الأمور بميزان الحق. ويقول فيها القول الفصل: يؤتي ~~الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولوا ~~الألباب «2» . # نعم من أوتي القرآن أوتي خيرا كثيرا. أوتي صحة في جسم وطهارة في نفس، ~~وكمالا في عقل، وسعة في مال، وعزة في تواضع. وشدة في رحمة، ورسوخا في علم، ~~وصدقا في قول، وما يذكر بما يسمع إلا ذوو العقول الراجحة، والألباب ~~الناضجة، فأولئك إذا سعد جدهم بجار علمه الله القرآن، ووفقه لتلاوته ليله ~~ونهاره يتمنون أن يؤتوا مثل ما أوتي من الذكر الحكيم، وأن يوفقوا لتلاوته ~~كما وفق، PageV01P197 # ويعملوا به كما عمل، فهذا منهم رجاء مشروع، وتمن محمود، جدير بالمسابقة ~~إليه، والتنافس فيه. # والخلة الثانية: [الاعتدال في إنفاق المال] # الخليقة بالرغبة، الحرية «1» بالغبطة خلة رجل وهبه الله مالا، فلم يكن ~~فيه قتورا بخيلا، ولا مبذرا سفيها، يبدده بين الكأس والطاس، وينثره تحت ~~اقدام المائلات المميلات الفاتنات الراقصات، ويرمي بيده على مناضد الميسر، ~~ويهلكه في ولائم الرياء والشهرة، ولكن في سبيل الله ينفقه. ms161 وفي إقامة الحق ~~يهلكه، وفي سبيل العزة لقومه، والاستقلال لبلده ينثره، يهذب به نفسه ويرقى، ~~ويعلم أولاده ويثقف، يصل به أقرباءه، ويواسي أصحابه، يفتح به المدارس، ~~وينشىء المصحات والملاجىء، ويقيم المصانع، ويؤلف به الشركات النافعة، وينهض ~~بالمشروعات المثمرة، ويعطف به على الأرامل والأيتام، والمساكين والفقراء ~~يساعد به الغارمين، ويقضي به على الظالمين وينصر المظلومين، يفك به العانين ~~«2» ، ويحرر المستعبدين. # فيده في إنفاقه مطلقة، ولا لآفة مهلكة؛ ولكن في سبيل الله؛ لا في سبيل ~~الشيطان، وفي سبيل الحق والشرف. لا في سبيل الترف والسرف. # فمن تمنى مثل هذا المال، ورجا الله أن يوفقه لمثل هذه الأعمال: كان ذا ~~الخلة المحمودة. والغبطة المشكورة. # تانك هما الخلتان الخليقتان بالتمني، وإنهما لأس الفضائل. وجماع المكارم ~~ثروة في العلم وثروة في المال. وقفهما على الخير؛ وجد بهما في النفع، فأي ~~فضل بعد هذا في ذلك فليتنافس المتنافسون. ولمثل هذا فليعمل العاملون. # 77- باب: النصح للرعية وعقاب المقصرين فيه # عن معقل بن يسار قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من ~~عبد استرعاه الله رعية، فلم يحطها بنصحه إلا لم يجد رائحة الجنة» ، وفي لفظ ~~آخر عنه: «ما من وال يلي رعية من المسلمين، فيموت وهو غاش لهم إلا PageV01P198 # حرم الله عليه الجنة» . [روى ذلك البخاري ومسلم «1» ] . # اللغة: # الرعية: ما يرعاه المرء ويحفظه. ويسوسه ويدبره، واسترعاه الرعية طلب منه ~~رعايتها وحفظها؛ والنصح: تحري الأقوال والأفعال؛ التي فيها صلاح المنصوح؛ ~~وهذا أثر الإخلاص له. فالنصح: من ناصح العمل أي خالصه، وحاطه يحوطه كلأه ~~وصانه، والإسم الحياطة. وأحاط به مثله وغشه، أظهر له غير ما أضمره وزين له ~~غير المصلحة. # الشرح: # الرعية أمانة في يد الراعي، يجب عليه القيام بحفظها، وحسن التعهد لها، ~~والعمل لمصلحتها، فمن ولاه الله شؤون الخلق من ملك وأمير، ورئيس ووزير ~~ومدير ومأمور ... إلخ. يجب عليه أن يحوطهم بنصحه. ويخلص لهم في حكمه، فيكون ~~لهم كما يكون لنفسه، يحب العدل معه والصدق فليكن معهم عادلا. وفي معاملتهم ~~صادقا، يحب لنفسه السلامة والعافية، ms162 والعلم والثروة، فليعمل على سلامتهم من ~~الأمراض، ووقايتهم من الأضرار وليقم بينهم دور العلم، ويسهل السبل «2» ~~إليه، ولينم ثروتهم، بالجد في ترقية الصناعة، وإقامة التجارة، وتحسين ~~الزراعة، يجب الأمن على نفسه، وماله وعرضه، فليكن لنفوسهم واقيا. ولمالهم ~~راعيا ولعرضهم صائنا، فيضرب على أيدي المفسدين بيد من حديد. لا يحركها إلا ~~التربية والتأديب، يحب لنفسه مجدا وعلوا. # فليعمل لمجدهم وعزتهم. وشرفهم وكرامتهم. وبعبارة وجيزة: ليفرض نفسه واحد ~~منهم وليعاملهم بما يحب أن يعامل به، وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم أن ~~من لم يحط رعيته بنصحه، ولم يحفظها بقوله وفعله بل كان فيها الحاكم الخامل، ~~أو الوالي الظالم، أو الراعي الغاش. الذي يعطي من طرف اللسان حلاوة، وقلبه ~~مفعم بالعداوة، يتظاهر بالجد في المصلحة. وهو يضمر المفسدة، يبدو للناس ~~الشاب العابد، والورع القانت وبين جنبيه لئيم ماكر، وعدو غادر- من كان كذلك ~~إذا استمر على غشه ولم يرعو عن غيه؛ حتى بغتته المنية حرم الله عليه الجنة. ~~فلا يدخلها. PageV01P199 # بل لا يراح «1» رائحتها العبقة الذائعة المنتشرة؛ إنما مأواه النار: وما ~~للظالمين من أنصار. وإن هذا لوعيد شديد، وعذاب أليم. وإنه للحق. والإنصاف ~~والعدل فإن من غش الآلاف أو الملايين، وسامهم الهوان «2» والذل عشرات ~~السنين. وحرمهم لذة الحياة ليستحق النكال أضعافا مضاعفة وما ربك بظلام ~~للعبيد (انظر الحديث 21) . # 78- باب: اللدد في الخصومة # عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن ~~أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم» . [أخرجه البخاري ومسلم «3» ] . # اللغة: # الألد: الأكثر لددا. واللدد: الخصومة الشديدة. مأخوذ من لديدي الوادي أي ~~جانبيه، والخصم: الشديد المنازعة الذي يحج مخاصمه ويغلبه. # الشرح: # بين الرسول صلى الله عليه وسلم أن أبعد الناس من رحمة الله ومحبته ومودته ~~ومعونته. # بل أحقهم بغضبه ولعنته، وعذابه وعقوبته، الذي يشتد في خصومته. ويجادل حتى ~~يجدل خصمه. # والحديث بإطلاقه يشمل من يجادل لاستيفاء حق. ولكن ذلك لا يدخل فيه فإن ~~لصاحب الحق مقالا. كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما المراد به ms163 ~~من يخاصم في باطل. أو يجادل بغير علم. كالمحامين الذين لم يدرسو القضية أو ~~درسوها وعرفوا باطلها، ودافعوا فيها، وكالجدليين الذين يحامون عن الآراء ~~الباطلة، والعقائد الزائغة، حتى يضل بهم العامة، أو ذوو العقول الصغيرة، ~~سواء كان ذلك بالتأليف. أو بالحديث في المجالس. ويدخل في الذم من يخاصم في ~~الحق، ويتجاوز في الخصومة قدر الحاجة: فيسب ويكذب لإيذاء خصمه. أو يخاصمه ~~عنادا ليقهره ويذله. وفي الدفاع بالباطل جاء قوله تعالى: ولا تجادل عن ~~الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من PageV01P200 # كان خوانا أثيما # «1» . (انظر الحديث 5؛ والحديث 28) . # 79- باب: قارىء القرآن # عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مثل الذي يقرأ ~~القرآن كالأترجة، طعمها طيب، وريحها طيب، والذي لا يقرأ القرآن كالتمرة ~~طعمها طيب؛ ولا ريح لها، ومثل الفاجر» ، وفي رواية: «المنافق الذي يقرأ ~~القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب، وطعمها مر، ومثل الفاجر» - وفي رواية ~~«المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة، طعمها مر، ولا ريح لها» - وفي ~~رواية «المؤمن الذي يقرأ القرآن ويعمل به ... والمؤمن الذي لا يقرأ» ... ~~[رواه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي «2» ] . # اللغة: # الأترج: نوع من الفاكهة. متوسط الحجم. واحدته أترجة. وقد تخفف جيمه وتزاد ~~ساكنة قبلها. وقد تحذف همزته مع الوجهين. والأترج: مركب من أربعة أشياء قشر ~~ولحم وحمض وبزر. لكل منها مزايا خاصة بسطت في كتب المفردات الطبية. وهو حسن ~~المنظر. لين الملمس. لذيذ الأكل. يطيب نكهة «3» الفم، تصلح رائحته فساد ~~الهواء، ويذكر أن بعض الأكاسرة غضب على قوم من الأطباء فأمر بحبسهم، وخيرهم ~~أدما لا يزيد لهم عليه، فاختاروا الأترج فقيل لهم: لم اخترتموه على غيره؟ ~~فقالوا: لأنه في العاجل ريحان. ومنظره مفرح، وقشره طيب الرائحة، ولحمه ~~فاكهة وحمضه أدم، وحبه ترياق، وفيه دهن، والريحان: كل نبت طيب PageV01P201 # الرائحة، واحدته ريحانة، والمعروف منه عند العرب الأس ويقال. إن رائحته ~~تقتل الجراثيم الجوية. والحنظل: نبات يمتد على الأرض كالبطيخ وثمره يشبه ~~ثمر البطيخ. # ولكنه أصغر منه بكثير، ويضرب المثل بمرارته. # الشرح: # الإيمان ms164 طريق السعادة، والفجور أو النفاق وسيلة الشقاوة؛ والقرآن دوحة ~~«1» هذا الدين، منه تفرعت فنونه، وأخذت علومه، من فقه وتوحيد، وتصوف وحكمة، ~~وأصول وأخلاق، ووعظ وقصص، وبمقدار اتصال القلب به، وتفكير العقل فيه تكون ~~درجة الإنسان في الهدى والعلم ولقد مثل الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا ~~الحديث لأربعة أصناف من الناس لهم صلة بالقرآن. وباعتباره كتابا ينتمون ~~إليه. ويؤمنون به ولو إيمانا ظاهرا. # فأولهم شخص أو فريق ملأ الإيمان قلبه # ، وفاض على جوارحه، فهو بالله موقن وبرسوله مؤمن، وبكتابه مصدق، وبدينه ~~عامل. جعل لنفسه حظا من القرآن، يتلوه آناء الليل في تهجده، أو مضجعه، أو ~~جالسا على فراشه أو مكتبه، ويتلوه في ساعات النهار قائما وقاعدا، راكعا ~~وساجدا، كلما سنحت له فرصة لقراءته انتهزها حتى لا يغافل قلبه عن ذكر الله، ~~فتخطفه الشياطين وتضله عن سواء السبيل. # وليست قراءته من طرف لسانه وشفته، وشدقه وحنجرته، بل قلبه الذي يقرأه ~~ولبه الذي يردد. ولذلك أثمرات الخشية والهداية، وأنتجت العمل والاستقامة، ~~فهذا مثله الرسول صلى الله عليه وسلم بالأترجة ذات الطعم اللذيذ، والرائحة ~~الطيبة: فإن بلوته واختبرته وعاشرته وعاملته، لم تجد إلا امرآ وفيا، برا ~~تقيا، يقدس الحق تقديسا، ويشنأ «2» الباطل مشنا، وإن شممته فرائحة طيبة، ~~ذكية عبقة، تحي القلوب، وتنعش النفوس، وتذكي العقول، وكيف لا تكون كذلك وهي ~~نفحة القرآن ومسكه الذي انبعث من لسانه الرطب المعطر، وقلبه الحي المطهر. # وثانيهم: شخص أو فريق، بالقرآن مؤمن # ، وبأحكامه عامل، وبإرشاده مهتد، وبأخلاقه متخلق، ولكن لم يؤت القرآن ~~تلاوة وحفظا، وإن أوتيه تطبيقا وعملا، فهذا PageV01P202 # كالتمرة حلو الطعم لذيذه، وطيب الخلق جميله، صادق النية حسن الطوية، أما ~~الرائحة فمفقودة، إذا لم يطيب بمسك القرآن، وإن غسل قلبه بمائه السلسبيل ~~«1» ، ومثله في عمله الجليل. # وثالثهم- فاجر أو منافق: # ليس له من الإيمان إلا اسمه ولا من الدين إلا رسمه يقرأ القرآن، وقد يجيد ~~حفظه، ويتقن طرقه ويعرف قراءته وتوقيع ألفاظه ونغماته ولكن لا تجاوز ~~التلاوة حنجرته، ولا تعدو ترقوته «2» فإن بلوته تكشف لك عن ms165 قلب أسود، وفؤاد ~~مظلم، وخلاق مر، وعمل ضر، وهذا مثله الرسول صلى الله عليه وسلم بالريحانه، ~~وإن شممت فرائحة ذكية. وإن ذقت فمرارة لذعة، كذلك هذا يقرأ القرآن، فتستريح ~~له النفوس كما تستريح للروائح العطرة، ولكن قلبه ونفسه منطويان على السوء، ~~تذوق مرارته؛ وتحسن قذارته؛ إن عاشرته أو عاملته. # ومثل هذا لا أثر للقرآن في نفسه، لأن فجوره ونفاقه ختم على قلبه، فلا ~~تؤثر فيه نصيحة ولا تنجح معه موعظة. # ورابعهم- منافق أو فاجر: # لا صلة له بالقرآن، لا علما ولا عملا؛ ولا تلاوة ولا حفظا، وهذا شبهه ~~الرسول صلى الله عليه وسلم بالحنظلة، لا ريح لها وطعمها مر بشع، كذلك هذا، ~~يحمل نفسا خلقت من الفجور، ونبتت في النفاق، إن تذوقها الناس آذت ألسنتهم ~~ودنست نفوسهم؛ ولا يشم منه خير؛ إذ حرم من طيب الطيوب، وعطر العطور: # كتاب الله؛ جلاء العيون. وشرح الصدور. وحياة النفوس؛ وطب القلوب. وشنف ~~«3» الآذان وسراج الألباب. # تلك هي الأصناف الأربعة. التي تعرض لها الرسول صلى الله عليه وسلم ~~بالبيان والتمثيل. فيا ترى في أيها وضعت نفسك؟ ظني أن تكون المؤمن المخلص. ~~والقارىء المتدبر. # والعامل الورع. PageV01P203 # 80- باب: تسبيح الله وتقديسه # عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلمتان حبيبتان ~~إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، ~~سبحان الله العظيم» . [رواه الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجه «1» ] . # اللغة: # الرحمن: صيغة مبالغة تفيد الإمتلاء من الصفة كريان وعطشان، وقد عرفت ~~الرحمة بأنها رقة تقتضي الإحسان إلي المرحوم، وتطلق على مجرد الرقة، وعلى ~~مجرد الإحسان، ويقال إنها في جانب الباري بمعنى الإحسان فقط، وخير من هذا ~~ألا نؤول الصفات، بل نثبت لله ما أثبته لنفسه من غير تشبيه ولا تمثيل ونكل ~~العلم بالحقيقة إليه. # وما نعرفه من صفاتنا مقرب إلينا صفاته، وإن كان الفرق بين صفات الله ~~وصفاتنا كالفرق بين ذاته وذواتنا، وسبحان: في الأصل مصدر بمعنى التسبيح ~~كغفران، ومعناه التنزيه عن النقائص، وأصله الجد في عبادة الله تعالى مأخوذ ~~من السبح ms166 وهو المر السريع في الماء أو الهواء، ويقول النحاة: سبحان واقع ~~موقع المصدر منصوب بفعل محذوف، تقدير: سبحت الله سبحانا، أي تسبيحا وأكثر ~~ما يستعمل بالإضافة، والحمد لله الثناء عليه بصفاته العليا، وقد قالوا: إن ~~الواو في «سبحان الله وبحمده» للحال، والتقدير. أسبح الله متلبسا بحمده. أو ~~للعطف والتقدير: أسبح الله، وأقوم بحمده، والأول أظهر لاتفاقه مع أسلوب ~~القرآن كما سنذكر. # الشرح: # ذكر الله تعالى يحيى ميت القلوب، ويذكي «2» فاتر «3» الهمم، ويحوط PageV01P204 # المرء بسياج من العصمة، ويقيه نزعات الشيطان. ويباعد بينه وبين المعاصي ~~إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر «1» . # وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث صيغة من صيغ الذكر لا ~~مشقة في حفظها ولا صعوبة في استيعابها، وهي مع ذلك عظيمة الأثر كبيرة ~~الجدوى «2» ، تغدق على المؤمن من فيض الله الخير الكثير، والأجر الوفير، ~~تثقل من الطيبات حسناته، وتمحو من أوزاره وسيئاته، ولئن كانت سائر التكاليف ~~شاقة على النفس. فإن الذكر بها هين سهل لا يستعدي قوة ولا استعدادا وإنما ~~يوجب إخلاصا وتفريغا للنفس من شواغل الدنيا وهواجس «3» القلب. # وليس بكثير على الله الذي وسعت رحمته كل شيء أن يجزل الثواب العظيم على ~~العمل القليل. لما في هذه الصيغة من تنزيه الله عن الشريك والنظير، وتحميده ~~على سوابغ النعم وجزيل الفضل. وتعظيمه بما هو أهله. # وأنت خبير أن هذه الفضائل إنما هي لمن أخلصوا في دعائهم. وكملوا في ~~إيمانهم، وتجنبوا المعاصي والحرام، ونأوا عما يغضب الله من الآثام. ولا تظن ~~أن من أدمن «4» الذكر. وأصر على ما شاء من شهواته وانتهك حمى الله يلتحق ~~بالمقدسين الطاهرين ويبلغ منازلهم بكلمات يجريها على لسانه. لا يتجاوز ~~أثرها فمه. # يرشدك هذا الحديث إلى أن للأعمال والأقوال ثقلا وخفة يثقل منها ما كان ~~خالصا لله ويخف ما شابه الرياء والغافلة. ولم يكن في حضور القلب وانتباهه. ~~وإن الأعمال صور ماثلة وأرواحها وجود الإخلاص فيها ولقد قال الله تعالى: ~~فاذكروني أذكركم «5» ، وقال صلى الله عليه وسلم: «من قال ms167 سبحان الله وبحمده ~~في يوم مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر» «6» . PageV01P205 # 81- باب: ثمرة إفشاء السلام # عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده ~~لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنون حتى تحابوا: ألا أدلكم على شيء إن ~~فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم» . [هذا الحديث رواه مسلم في كتاب ~~الإيمان وكذلك رواه أبو داود والترمذي «1» ] . # الشرح: # يقسم الرسول صلى الله عليه وسلم بمن نفسه بيده وهو: الله سبحانه على ثلاث قضايا. # الأولى: دخول الجنة بالإيمان. # الثانية: الإيمان بالتحاب. # الثالثة: إفشاء السلام سبيل التحاب، وإيثار هذه الصيغة في القسم زيادة ~~تأكيد لصدقه صلى الله عليه وسلم فيما أقسم عليه وبيان لعظمة المقسم به ~~وسلطانه على المقسم. # أما القضية الأولى [: دخول الجنة بالإيمان] # فيدل عليها كثير من آي القرآن مثل قوله تعالى: إنه من يشرك بالله فقد حرم ~~الله عليه الجنة ومأواه النار «2» ، وقوله: ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات ~~فأولئك لهم الدرجات العلى. جنات عدن «3» ، والإيمان: هو التصديق القلبي ~~الذي يحرك الأعضاء بالأعمال الصالحة فالمؤمن حقا لا يمسه عقاب، أما من دنس ~~إيمانه بالأعمال السيئة فيدخل الجنة بعد أن يلقى جزاء ما اقترف. PageV01P206 # وأما القضية الثانية: [الإيمان بالتحاب.] # فلأن الله تعالى وصف المؤمنين بأنهم إخوة في قوله: إنما المؤمنون إخوة ~~«1» ، والمحبة شأن الإخوة. ثم المعروف أن الشخص إذا أمكنت العقيدة من نفسه ~~أحب من على شاكلته «2» ، فالمؤمن الذي جرت أعماله وأخلاقه على سنن الشريعة ~~يحب من ماثله في ذلك، وها نحن أولاء نرى التالف والتحاب بين من ينتمون لحزب ~~واحد أو يتفقون في المبدأ. # وأما القضية الثالثة: [إفشاء السلام سبيل التحاب] # فلأن إلقاء السلام يشعر بميل ملقيه إلى من سلم عليه فإذا تبادلا ذلك فقد ~~تبادلا الميل، وإذا تكرر السلام نما الميل فكان محبة وإذا عممه بين الناس ~~اكتسب محبتهم ولذلك حث الرسول صلى الله عليه وسلم على بذله لمن عرفت ومن لم ~~تعرف، والأمر بالسلام في الحديث يدل على وجوبه ولكن نقل ms168 ابن عبد البر وغيره ~~أن الإبتداء بالسلام سنة وأن رده فرض وأقله أن يقول: السلام عليكم، وأكمل ~~منه أن يزيد ورحمة الله وبركاته، فإن كان المسلم عليه واحدا وجب الرد عليه ~~عينا، وإن كانوا جماعة فالرد فرض كفاية في حقهم. # وفي الحديث «يجزىء من الجماعة أن يرد أحدهم» رواه أحمد والبيهقي، وكما ~~يكون السلام عند اللقاء يكون عند الفراق لحديث «إذا قعد أحدكم فليسلم وإذا ~~قام فليسلم وليست الأولى بأحق من الآخرة» . # وقد قالوا: إن السلام اسم من أسماء الله تعالى فمعنى السلام عليكم: أنتم ~~في حفظ الله كما يقال: الله معك والله يصحبك، وقيل السلام بمعنى السلام أي ~~سلامة الله ملازمة ذلك. # واعلم أن السلام شعار المسلمين فلا ينبغي لمسلم يعرف قيمة المحافظة على ~~شعائر دينه ومقومات أمته أن يستبدل به كلمة أخرى. مثل «نهارك سعيد» ، ~~«ليلتك سعيدة» ، «بنجور» ، «بنسوار» ، إلخ ... PageV01P207 # 82- باب: فضل ستر العورة # عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«من رأى عورة فسترها كان كمن أحيا موؤدة» ، [الحديث أخرجه أبو داود ~~والنسائي «1» ] . # اللغة: # العورة: كل ما يستحيا منه إذا ظهر، وكل عيب وخلل في شيء هو عورة، ~~والموءدة: التي تدفن في التراب حية، وإحياؤها: إنقاذها مما يراد بها. # الشرح: # ستر العورات والعيوب من الأمور المرغب فيها لأن كشفها وإفشاءها مما يورث ~~الضغينة «2» ويقطع الصلات. # والعورات التي تستر هي التي في سترها مصلحة فوق مصلحة كشفها أما إذا كان ~~في الستر مفسدة دينية كشخص رأى آخر يسفك دما وكان الستر عليه مما يجعله ~~يتمادى في الشر، فالواجب التبليغ عنه بل والكشف الذي يترتب عليه حفظ ~~الأموال وحقن الدماء أمر مطلوب. # وقد شبه الرسول صلى الله عليه وسلم ساتر العورة بمن أحيا موؤدة أي أنقذها ~~من الوأد الذي كان يحيق بها كما في قوله تعالى: ومن أحياها فكأنما أحيا ~~الناس جميعا «3» ، ووجه الشبه بينهما أن من ستر العورة أحيا صاحبها حياة ~~أدبية فلم يشع عنه السوء ولم يثلم شرفه بين ms169 صحبه وقومه. وإحياء الموؤدة ~~إحياء روحي وقد تهون الحياة الحقيقية في سبيل الشرف والكرامة فمن أجل ذلك ~~شبه الرسول صلى الله عليه وسلم ساتر العورة بمحيي الموؤدة لأن في كل إنقاذ حياة. # والغرض من الحديث الحث على ستر العورة إذا لم تترتب عليه مفسدة راجحة. PageV01P208 # 83- باب: القصد في الطعام والشراب # عن المقدام بن معد يكرب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما ملأ ~~آدمي وعاء شرا من بطنه بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه فإن كان لا محالة ~~فاعلا فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه» ، [أخرجه الترمذي وابن ماجه ~~وابن حبان في صحيحه «1» ] . # اللغة: # بحسبه: أي كافية أو يكفيه، الصلب: العمود الفقري. # الشرح: # يدعو الحديث إلى ذم الشبع والإسراف في تناول الطعام والشراب وقد نهى عن ~~ذلك القرآن بقوله: وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين «2» . # وإنما كان ملء البطن شرا لما فيه من المفاسد الدينية والدنيوية فالشبع ~~يورث البلادة «3» ويعوق الذهن عن التفكير الصحيح وهو مدعاة الكسل والنوم ~~الكثير ومن نام كثيرا قتل وقته الذي هو رأس ماله في الحياة العملية فيخسر ~~كثيرا من مصالحه الدينية والدنيوية وكم من أكلة كانت عاقبتها الكظة «4» . ~~وجلبت من الأضرار والأمراض ما لا قبل للإنسان به. # ومن وصايا لقمان لابنه: يا بني إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة وخرست ~~الحكمة وقعدت الأعضاء عن العبادة، ولا كذلك الحال في الإقلال من الطعام ~~والشراب فالقلب صاف والقريحة «5» متقدة والبصيرة نافذة والشهوة مغلوبة. ~~والنفس مقهورة، وقد أرشدنا الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المقدار المناسب ~~في الطعام وهو ما يقيم الحياة PageV01P209 # ويحفظ الصحة ويمكن الإنسان من القيام بواجبه وإن كان لا بد مكثرا جعل ~~للطعام والشراب ثلثي المعدة وترك ثلثها الباقي خاليا حتى يتمكن من التنفس ~~بسهولة. # وذلك أن البطن إذا امتلأت ضغطت على الحجاب الحاجز فضغط على الرئتين فضاقت ~~مجاري التنفس الذي هو ضروري لإصلاح الدم الفاسد وتحويله إلى دم صالح تقوم ~~به حياة الإنسان. # فمحور الحديث مدح الاقتصاد في الطعام والشراب وذم ms170 الإسراف فهما وهو ما ~~يطلبه الطب ويقوم به نظام العمل وتتوفر به للإنسان مصالحه الدينية ~~والدنيوية. # 84- باب: فضل الدعوة إلى الخير # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ~~دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه لا ينقص ذلك من أجورهم ~~شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه لا ينقص من ~~آثامهم شيئا» . [الحديث أخرجه مسلم ومالك وأبو داود والترمذي «1» ] . # اللغة: # الهدى: الدلالة والرشاد والضلالة ضده، والمراد بالهدي هنا: ما به يكون ~~المرء سالكا الطريق المستقيم من خير يعمله أو شر يتجنبه، والمراد بالضلالة: # ما به يتنكب الإنسان جادة الحق كصالح يدعه وسيء يعمله. # الشرح: # بين الرسول صلى الله عليه وسلم أن الداعي إلى الهدى له من الأجر والثواب ~~مثل من اتبعه مع استيفاء التابعين أجورهم كاملة وأن الداعي إلى الضلالة ~~كعقيدة فاسدة وجريمة منكرة وخلق مرذول عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه مع ~~استيفائهم آثامهم كاملة والسبب في ذلك أن المرشد إلى الخير كانت كلمته سببا ~~في وجود هذا الخير في PageV01P210 # المجتمع الإنساني من هؤلاء التابعين فما فعلوه من الطيبات كأنه هو الذي ~~فعله فله جزاؤه موفورا. وكذلك داعي الضلالة كأنه الذي ارتكب جرائم تابعيه ~~فعليه عقاب ما اجترموا. # والحديث فيه ترغيب عظيم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو ~~وظيفة الرسل والمصلحين كما فيه إنكار شديد وويل عظيم للذين يضلون الناس عن ~~طريق الحق ويزينون لهم اجتراح السيئات أولئك الذين يخرجون على إجماع ~~المسلمين ويلبسون الحق بالباطل ليضلوا عن سبيل الله ويفرقوا الكلمة ويشتتوا ~~الجمع زاعمين أنهم مجددون باحثون والله يعلم أنهم ما الخير قصدوا ولا الفهم ~~والحق طلبوا، فكن للخير داعيا، وعن الشر منفرا وفي كنف «1» الجماعة مستظلا. # 85- باب: وصف المؤمن # عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «ليس المؤمن بطعان ولا لعان ولا فاحش ولا بذيء» . [أخرجه الترمذي ms171 ~~وحسنه والحاكم وصححه «2» ] . # اللغة: # الطعان: الذي يقدح «3» في الأعراض، واللعان: السباب الشتام، واللعن من ~~الله الإبعاد من الرحمة. والفاحش: الذي ينطق بهجر الكلام وقبيحه، وكذلك ~~البذيء الذي يسف في القول ويخرج فيه عن دائرة الأدب وهو من البذاء بمعنى: # الكلام القبيح. # الشرح: # المؤمن طهر الإيمان قلبه ودفعه إلى الخير وسما به عن الدنيا، عف اللسان ~~فلا يقول إلا جميلا وطاهر السريرة «4» ولا يعمل إلا حسنا. PageV01P211 # فإن رأيت في المتسمين بالإسلام من ينطلق لسانه بالشتائم ويخوض في الأعراض ~~وينطق بالهجر فهذا ناقص الإيمان لم تملأ العقيدة قلبه بل لا زال فيه حظ ~~للشيطان فينطق على لسانه بالكلمات البذيئة والعبارات المستهجنة «1» . # والحديث يبين أن الأخلاق لها مكانة عالية في الإيمان وأن من لم يحسن خلقه ~~ويتأدب لسانه ضعيف الإيمان أو ناقصه وإن صام وصلى وحج وزكى فلا يتم للمرء ~~إيمان إلا إذا قام بكل ما أمر الله من عبادات وأخلاق وحسن معاملة للناس. ~~والله يقول في حق رسوله صلى الله عليه وسلم وإنك لعلى خلق عظيم «2» . # 86- باب: الكيس والعاجز # عن شداد بن أوس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى ~~على الله الأماني» . [رواه الترمذي وأحمد والحاكم وابن ماجه «3» ] . # اللغة: # الكيس: العاقل المتبصر في الأمور الناظر في العواقب وقد كأس يكيس كيسا، ~~والكيس: العقل. ودان نفسه: قهرها وأذلها، والهوى: ميل النفس إلى الشهوة. ~~قيل سمي بذلك لأنه يهوي بصاحبه في الدنيا إلى كل داهية وفي الآخرة إلى ~~الهاوية. والأماني: جمع أمنية وهي: ما يتخيله الإنسان فيقدر وقوعه من ~~لذائذه وشهواته وبعبارة أخرى ما يتمناه الإنسان. # الشرح: # ما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل وإن الدار الآخرة لهي الحيوان ~~لو كانوا يعلمون «4» . PageV01P212 # فالعاقل حقيقة من قهر نفسه وأخضعها لحكمة عقله وشريعة ربه فهو يحاسبها ~~على كل ما تأتي وما تذر. فإن خيرا ازداد منه وحمد الله وإن كان شرا أناب ~~إليه وعاد على نفسه ms172 بالقهر والإذلال حتى تسلك الإمام «1» المبين ولا تحيد ~~عنه يمنة أو يسرة. # وسلوكه بالقيام بالواجب عليه لربه ونفسه وأهله وقومه فذلك ما ينفع لما ~~بعد الموت من بعث وحشر وحساب ونعيم، وعقاب، والحازم من يستعد لهذه الرحلة ~~الطويلة ولذلك اليوم المشهود ولتلك الدار الباقية بنفس يطهرها وخلق طيب ~~يتجمل به وعمل صالح يقدمه يوم لا ينفع مال ولا بنون. إلا من أتى الله بقلب ~~سليم «2» ، ذلك الكيس الحاذق «3» . # أما العاجز المقصر في الواجب فهو ذلك الذي يأتم بهواه فنفسه أسيرة شهواته ~~كلما أهابت به «4» لاقتراف فاحشة لبى نداءها وكلما أخذت به عن سنن الحق سار ~~وراءها غير مبال بما هو صائر إليه ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله ~~«5» ، أما عقله ودينه فمقهوران لشهوته، فهي صاحبة الأمر تصرفه كما تريد ~~فبحق ذلك هو الأحمق وإنه ليزيده حمقا تمنيه على الله الأماني الكاذبة فهو ~~يعلل نفسه بعفو الله ومغفرته وسعة رحمته أو باستدراك ما فاته آخر حياته ولم ~~يدر هذا العاجز أن رحمة الله كتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين ~~يؤمنون بايات الله ويتبعون الرسول النبي الأمي. لم يدر هذا العاجز أن الموت ~~غائب لا يدري متى يقدم وأنه قد يباغت «6» الناس في ريعان الشباب حيث البنية ~~سليمة والقوة موفورة، فالعاقل يجعل هواه خاضعا لعقله ومن وراء إذن ربه وفي ~~الحديث «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به» . # والعاقل لا يتمنى من المكافات إلا ما يتناسب مع عمله الذي قدمه إن كان له ~~عمل والجنة ثمنها الإيمان والعمل الصالح ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات PageV01P213 # فأولئك لهم الدرجات العلى «1» ، فمن لاحظ له منها فلا نصيب له فيها ولكن ~~في جهنم إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى «2» وفي ~~الحكم (لا تتكلوا على الأماني فإنها بضائع النواكى) «3» . # إذا أنت لم تزرع وأبصرت حاصدا ... ندمت على التفريط في زمن البذر # 87- باب: الاستشارة # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ms173 صلى الله عليه وسلم: ~~«المستشار مؤتمن» . [رواه الترمذي وأبو داود «4» عن أبي هريرة] . # الشرح: # ومعنى الحديث أن المستشار أمين لمن استشاره فإن أفشى سره أو لم يمحض له ~~الرأي ولم يخلص له في النصيحة فقد خانه وإذا كان المستشار أمينا فلا تضع ~~سرك إلا عند من يرعاه ولا تستشر إلا من لهم خبرة بالأمور وفكر ناضج وقلب ~~مخلص فأولئك الذين يرجى خيرهم وينتفع برأيهم. # 88- باب: المؤمن القوي # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير، احرص على ما ~~ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا كان ~~كذا وكذا ولكن قل قدر الله وما شاء الله فعل فإن لو تفتح عمل PageV01P214 # الشيطان» . [أخرجه مسلم «1» ] . # الشرح: # في الحديث حث على أمور ثلاث: # 1- تقوية الإيمان. # 2- الحرص على النافع. # 3- الاستعانة بالله. # والنهي عن أمرين: # 1- العجز. # 2- وقولك إذا أصابك مكروه، أو فاتك محبوب، لو أني فعلت كذا كان خلاف ما حصل. # فإن هذا القول فتح بابا للشيطان ولكن تقول قدر الله وما شاء فعل فتلك ~~خمسة أمور نبينها فيما يأتي: # 1- الإيمان محور السعادة في الدنيا والآخرة # متى أتبع بالعمل الصالح من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه ~~حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون «2» ، والناس متفاوتون في ~~الإيمان فمنهم قوي تدفعه عزيمته إلى الأعمال الصالحة فتراه مقداما في ~~الجهاد أمارا بالمعروف: نهاء عن المنكر لا يبالي بالأذى يناله في سبيل ~~الدعوة إلى الخير، صبورا على القيام بحقوق الله من صلاة وصوم وزكاة وحج ~~وحسن معاملة للناس لا تفتر همته في ذلك ولا يدع للخور «3» إلى نفسه سبيلا. # ومنهم ضعيف الإيمان تراه يعكس سابقه، وقد ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم ~~أن الأول خير من الثاني لأنه دائب في طلب السعادة لنفسه كاملة، أراد الآخرة ~~وسعى لها سعيها وهو مؤمن فسعيه مشكور، والثاني آمن وقصر في السعي ms174 فهو لنفسه ~~عند تقصيره وكما أن الأول خير فهو أحب إلى الله من الثاني. لأنه أتي من ~~الأعمال بما يقربه إليه ويستدعي PageV01P215 # عطفه عليه ولا كذلك الثاني. # وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «وفي كل خير» لأن الإستعداد بالإيمان ~~عند كل منهما، ولكن الأول: نماه بالعمل الطيب فازداد رسوخا وثباتا، وأتي ~~أكله عند كل منهما، ولكن الأول: نماه بالعمل الطيب فازداد رسوخا وثباتا، ~~وأتي أكله كل حين بإذن ربه، وأما الثاني فإنه أهمله، وإن لم يتداركه ~~بالعناية وصالح العمل خشي عليه الذبول فالموت فعقد الخير. # فالغرض من هذه الجملة الحث على العناية بشجرة الإيمان بسقيها والقيام ~~عليها وإبعاد الحشرات منها حتى يثمر للعبد عزة في دنياه وسعادة في أخراه. # 2- أمرنا الرسول صلى الله عليه وسلم بالحرص على النافع # في الدنيا والآخرة، فالمؤمن لا يدع فرصة يستطيع فيها كسب مال أو جاه أو ~~علم نافع من علوم الحياة كرياضة أو هندسة أو طب أو تربية أو كسب خلق طيب أو ~~تنميته أو أداء عمل يقرب إلى الله وينفع في الآخرة كقراءة قرآن ومدارسة ~~ودين وصلاة أو صيام. لا يدع فرصة يستطيع فيها شيئا من ذلك إلا انتهزها. # 3- ولا ينسى ربه عند مباشرة الأسباب فإن العوائق جمة # «1» والحاجة إلى مدده في كل لحظة دائمة فإن لم يستعن به ربما وقف عن غايته. # إذا كان عون الله للمرء مسعفا ... تأى له من كل أمر مراده # وإن لم يكن عون من الله للفتى ... فأول ما يجني عليه اجتهاده # فليستعن بالله الذي بيده كل شيء ومنه التيسير وبه التوفيق إياك نعبد ~~وإياك نستعين «2» . # 4- ولا ييأس من الوصول إلى غرضه # وقد ملأت الثقة بالله نفسه بل ليطرح عنه الكسل جانبا والتقاعد والخمول ~~ظهريا وليقل كما كان يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «اللهم إني أعوذ بك ~~من العجز والكسل» «3» وفي هاتين الجملتين (2 و 3) إرشاد إلى ما به يقوى ~~الإيمان فإن قوة العزيمة والجد في مباشرة العمل بعد بحثه وتبين الصالح منه ~~مع الثقة PageV01P216 # بالله ms175 والإستنجاد به مما يزيد الإيمان قوة في النفس كما أن الجملة الآتية ~~إرشاد لترك التمنيات الباطلة وترك الكلام الذي لا يجدي بل يقول حسنا ويفعل طيبا. # 5- نشرح لك الأمر الخامس بما قاله ابن القيم # في زاد المعاد قال: قوله لو كنت فعلت كذا وكذا لم يفتني ما فاتني أو لم ~~أقع فيما وقعت فيه، كلام لا يجدي عليه فائدة البتة فإنه غير مستقبل لما ~~استدبر من أمره وغير مستقيل عثرته بلو وفي ضمن (لو) ادعاء أن الأمر لو كان ~~كما قدره في نفسه لكان غير ما قضاه الله وقدره ومشيئته. # فإذا قال: لو أني فعلت كذا لكان خلاف ما وقع فهو محال إذ خلاف المقدر ~~المقضي محال فقد تضمن كلامه كذبا ومحالا وإن سلم من التكذيب بالقدر لم يسلم ~~من معارضته بقوله: لو أني فعلت كذا لدفعت ما قدر علي. فإن قيل ليس في هذا ~~رد للقدر ولا جحد له إذ تلك الأسباب التي تمناها أيضا من القدر فهو يقول لو ~~وفقت لهذا القدر لا ندفع به عني ذلك القدر فإن القدر يدفع بعضه ببعض كما ~~يدفع قدر المرض بالدواء وقدر الذنوب بالتوبة وقدر العدو بالجهاد فكلاهما من ~~القدر، قيل: # هذا حق ولكن هذا ينفع قبل وقوع القدر المكروه، وأما إذا وقع فلا سبيل إلى ~~دفعه وإن كان له سبيل إلى دفعه بقدر آخر فهو أولى به من قوله لو كنت فعلته ~~بل وظيفته في هذه الحالة أن يستقبل فعله الذي يدفع به أو يخفف ولا يتمنى ما ~~لا مطمع في وقوعه فإنه عجز محض والله يلوم على العجز ويحب الكيس ويأمر به ~~والكيس: هو مباشرة الأسباب التي ربط الله بها مسبباتها النافعة للعبد في ~~معاشه ومعاده فهذه تفتح عمل الخير؛ وأما العجز فيفتح عمل الشيطان لأنه إذا ~~عجز عما ينفعه وصار إلى الأماني الباطلة بقوله: لو كان كذا وكذا فتح عليه ~~عمل الشيطان لأن بابه العجز والكسل. # وربما يشكل على هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ms176 «لو استقبلت ~~من أمري ما استدبرت ما أهديت ولولا أن معي الهدى لأحللت» ، رواه البخاري ~~ومسلم «1» . # والجواب أن كراهة استعمال «لو» في التلهف والتحسر على أمور الدنيا إما ~~طلبا وإما هربا لما في ذلك من عدم التوكل وأما إذا استعملت في تمني القربات ~~كما في PageV01P217 # هذا الحديث فلا كراهة. فما مضى نسلم الأمر فيه لله ونقول قدر الله وما ~~شاء فعل والمستقبل نعد له عدته معتبرين بالماضي متجنبين الأسباب التي أدت ~~إلى وقوع المكروه أو دفع المحبوب ولباب الحديث تقوية الإيمان والجد في ~~الأعمال والاعتماد على الله وترك الأماني الباطلة والكلمات غير المجدية ~~والأخذ فيما يفيد. # 89- باب: دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم # عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: «اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل والجبن والبخل وأعوذ بك من عذاب ~~القبر وفتنة المحيا والممات» . [رواه مسلم «1» ] . # الشرح: # تعوذ النبي صلى الله عليه وسلم بالله من أمور سبعة: # أولها وثانيها: العجز والكسل # والفرق بينهما: أن العجز عدم القدرة والكسل: عدم انبعاث النفس للخير وقلة ~~الرغبة فيه مع إمكانه وكلاهما داء يقعد الإنسان عن القيام بالواجبات ويفتح ~~عليه أبواب الشرور وكما أن العمل والجد فيه مناط «2» السعادة في العاجلة ~~«3» والقابلة «4» ، فكذلك العجز والتكاسل طريق الشقاوة وقد أمر القرآن ~~بالعمل في مثل قوله تعالى: وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ~~«5» ، والقيام بالعمل يستدعي القدرة عليه والإنتفاع وإذا كان العمل واجبا ~~كان الترك محرما والترك إما للعجز وإما للكسل ففي الآية ذم لهما فلذلك تعوذ ~~منهما النبي صلى الله عليه وسلم وإبعاد العجز عن المرء إما بإدامة القدرة ~~إن كانت موفرة أو بتيسير أسبابها إن كانت مفقودة. # وثالثها ورابعها: الجبن والبخل # والأول يتعلق بالنفس والثاني بالمال فمن فقد PageV01P218 # الشجاعة على مقاومة الشهوات النفسية والخواطر الشيطانية أو مكافحة العدو ~~أو مدافعة الخصم المجادل بالباطل فهو الجبان ومن لم يواس بماله الفقراء ~~والمساكين ويقدمه للغزاة والمجاهدين وينفقه في وجوه المصلحة فلذلك البخيل ~~الذي ms177 يقول الله فيه: والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله ~~فبشرهم بعذاب أليم «1» . # وأمر الله في آيات كثيرة بالجهاد بالنفوس والأموال. هو نهي عن الجبن ~~والبخل وليس برجل في الحياة من لا يقدم نفسه وماله في سبيل إعزاز دينه ~~وإسعاد أمته ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون «2» . # وخامسها: الهرم # والمراد به الرد إلى أرذل العمر كما صرح به في رواية أخرى وسبب الإستعاذة ~~منه ما فيه من الخرف واختلال العقل والحواس والضبط والفهم وتشويه بعض ~~المنظر والعجز عن كثير من الطاعات والتساهل في بعضها ويكفي للتعوذ منه أن ~~الله سماه أرذل العمر وأن المرء فيه لا يعلم من بعد علم شيئا. # وسادسها: عذاب القبر # وقد استدل لثبوته بمثل قوله تعالى: النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم ~~تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب «3» ، وقوله: # سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم «4» ، وقوله: ولو ترى إذ الظالمون ~~في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب ~~الهون «5» ، ولكن ليس في هذه الآيات ما هو نص في عذاب القبر وإنما العمدة ~~في إثباته ما ورد في السنة من مثل هذا الحديث وحديث عائشة عند البخاري: «أن ~~يهودية دخلت عليها فذكرت عذاب القبر فقالت لها أعاذك الله من عذاب القبر ~~فسألت عائشة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عذاب القبر فقال: «نعم عذاب ~~القبر» قالت عائشة فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد صلى صلاة إلا ~~تعوذ من عذاب القبر «6» ، وفي البخاري أيضا: أن النبي صلى الله عليه وسلم PageV01P219 # مر على قبرين فقال: «إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير» : ثم قال بلى أما ~~أحدهما فكان يسعى بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستتر من البول» «1» . # وإلى إثبات عذاب القبر ذهب جميع أهل السنة وأكثر المعتزلة «2» ونفاه بعض ~~الخوارج وبعض المعتزلة كضرار بن عمر وبشر المريسي ومن وافقهما، وحجة ~~النافين له أن عمدة ما ورد فيه أحاديث آحاد وهي إنما تفيد الظن دون القطع ~~الواجب في باب ms178 العقائد، وليس في القرآن ما هو نص فيها. # وسابعها: فتنة المحيا والممات # وأصل الفتنة الامتحان والاختبار ومنه: فتنت الذهب إذا اختبرته بالنار ~~لتنظر جودته والمحيا زمن الحياة والممات وقت الموت والمراد بفتنة المحيا ما ~~يعرض للإنسان في حياته من الافتتان بالدنيا والشهوات أو الابتلاء مع زوال ~~الصبر والمراد بفتنة الممات ما دل عليه مثل قوله تعالى: ولو ترى إذ يتوفى ~~الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم «3» ، وقوله: ولو ترى إذ ~~الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم «4» ، أي بالإيذاء، أو ~~المراد بها السؤال في القبر مع الحيرة. # فتلك الأمور السبعة التي تعوذ منها صلى الله عليه وسلم، فنعوذ بالله من ~~شرها وسوء أثرها. # 90- باب: النظر لمن هو أسفل # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أجدر ألا ~~تزدروا نعمة الله عليكم» . [رواه مسلم، ولفظ البخاري] «5» : «إذا نظر أحدكم ~~إلى من فضل عليه في PageV01P220 # المال والخلق فلينظر إلى من هو أسفل منه ممن فضل عليه» . # اللغة: # الإزدراء: الاحتقار والانتقاص يقال زريت عليه زراية وأزريت به إذا ~~انتقصته وعبته. وازدراء واستزراره: احتقاره واستخف به. # الشرح: # رضا المرء بما ناله من متاع هذه الحياة أساس السعادة فيها والرضا يدعو ~~إلى شكر الله على ما وهب قليلا كان أو كثيرا وفقد هذا الرضا مؤلم للنفس ~~موقع لها في الهم والحزن مذك «1» فيها نار الحسد. # فالنفس التي لا ترضى شقية في هذه الحياة ولن تكون يوما سعيدة مهما حصلت ~~من أعراض هذه الحياة فإنها كلما بلت درجة تعودتها فملتها وتطلعت إلى غيرها ~~فلم ترض بحالها فتألمت وقد أرشدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا ~~الحديث إلى الطريق الذي يورثنا القناعة ويملأ نفوسنا بالرضا ويعرفنا نعم ~~الله علينا لنقوم بشكرها الواجب فيزيدنا من نعمه، ذلك الطريق أن ننظر إلى ~~من هو دوننا في أعراض الحياة الدنيا دون من هو فوقنا فيها لأن ذلك يدعو ms179 إلى ~~الاعتراف بنعمة الله علينا وإكبارها والشكر عليها، لا احتقارها والإستهانة ~~بها، وما من حال للمرء إلا وفي الناس من هو دونه فيها كما فيهم من هو أعلى ~~منه فيها فالعاقل ينظر إلى المبتلى بالأسقام وينتقل إلى ما فضل به عليه من ~~العافية التي هي أساس التمتع بطيبات الحياة، وينظر إلى من في خلقه نقص من ~~عمي أو صمم «2» أو بكم «3» أو تشويه في الشكل ويزن ذلك بسلامته من هذه ~~العاهات وأشباهها، وينظر إلى من ابتلي بالدنيا وجمعها مع إهماله القيام بحق ~~الله فيها ويعلم أنه قد رجحه بالإقلال وبقلة التبعة في الأموال وبسلامة ~~دينه، وينظر إلى من بلي بالفقر المدقع «4» والدين المثقل وينتقل إلى سلامته ~~منهما وهكذا يوازن بين حاله وأحوال من دونه فيرى تفضيل الله له على كثير من ~~خلقه ويستعظم نعم الله عليه فيلهج «5» بشكره ويجد في عبادته ويرضى بمعيشته ~~فيسعد في أولاه وآخرته. PageV01P221 # أما إذا اقتصر نظره على من علاه فهنالك الحسد والغم وهناك ازدراء النعم ~~وهنالك التقصير في شكر الله والولوع بغاية الغايات من وسائل هذه الحياة ~~وستنفد حياته دونها. # أما النظر إلى من فوقه في العالم والخلق والأعمال الطيبة ووسائل الشرف ~~والعزة فهو نظر محمود يدعو إلى الترقي في مدارج الكمال وذلك خليق بكل إنسان ~~يبغي مجدا في دنياه ونعيما في أخراه. وفي هذا المعنى قول الشاعر: # من رام «1» عيشا رغيدا «2» يستفيد به ... في دينه ثم في دنياه إقبالا # فلينظرن إلى من فوقه أدبا ... ولينظرن إلى من تحت مالا # 91- باب: التعوذ من الهم والدين # عن أبي سعيد الجدري رضي الله عنه قال: «دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ذات يوم المسجد فإذا هو برجل من الأنصار يقال له أبو أمامة جالسا فيه» ، ~~فقال «يا أبا أمامة مالي أراك جالسا في غير وقت صلاة» ، قال: هموم لزمتني ~~وديون يا رسول الله. فقال: «ألا أعلمك كلاما إذا قلته أذهب الله عز وجل همك ~~وقضى دينك» . فقال: بلى يا رسول الله. قال: «قل إذا أصبحت وإذا ms180 أمسيت: ~~اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن. وأعوذ بك من العجز والكسل. وأعوذ بك من ~~البخل والجبن. وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال» . قال: فقلت ذلك فأذهب ~~الله همي وقضى عني ديني. [رواه أبو داود «3» ] . # الشرح: # الأنصار: هم أهل المدينة الذين هاجر إليهم الرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه فاووهم ونصروهم، رأى الرسول عليه السلام أحد صحابته في المسجد ~~في غير وقت PageV01P222 # صلاة، وشأن المسلم الجد والعمل لا الضعف والكسل، والمساجد ليست بيوتا ~~للسكنى ولكن للذكر والعبادة في أوقاتها. # فسأله عما أقعده في المسجد، فأجابه بأن ديونا لزمته، وهموما أحاطت به ~~جعلته يترك الناس ويأتي المسجد في غير وقت صلاة، فعرض عليه الرسول صلى الله ~~عليه وسلم أن يعلمه كلمات إذا قالها في الصباح وفي المساء زالت همومه ~~وأحزانه، وقضيت ديونه التي شغله التفكير فيها فنغص «1» عيشه وأقض «2» # مضجعه وأذهب عن نفسه انشراحها وسرورها فقال: يا رسول الله أحب أن تعلمني ~~هذه الكلمات فعلمه الرسول أن يتعوذ بالله من ثمانية أمور: # أولها وثانيها- الهم والحزن: # أما الهم والقلق فإنه يكون في الأمور المهمة المقبلة التي يرجو الإنسان ~~حصولها أو يخاف شر وقوعها كطالب في مدرسة شغل الهم قلبه وملك منافذه بسبب ~~إقباله على امتحان ينال به الإجازة، فتراه في شغل دائم وتفكير مستمر في ~~صعوبة الامتحان وأحوال الناجحين والراسبين. وما يؤول إليه أمره لو قدر له ~~الرسول، أو بماذا يشتغل لو كان من الفائزين، وهكذا يضيع وقته في غير فائدة ~~بدلا من أن يجد في دروسه ويحصل علومه ويستعد لما هو مقدم عليه ويدع النتائج ~~لله وحده وهو معتقد أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا. # وكصاحب خصومة مطروح أمرها أمام القضاء تراه مهموما من نتيجتها يخاف أن ~~يحكم عليه فيها لخصمه فيطلق للتفكير العنان، ولا يكتم اضطرابه وقلقه عن ~~الناس ويقصر فيما يجب عليه ويتقاعد عن العمل الذي يقيه شر القضاء، وكان ~~أولى به أن يفكر في توكيل من يحسن الدفاع عنه بالحق والمحافظة عليه وإعداد ms181 ~~البراهين والبينات التي تغلب حقه على باطل خصمه، كما يعد العدة حتى إذا حكم ~~عليه ما يخفف وقعه ويذيب ألمه، لا أن يترك لخصمه كل فرصة يتمكن بها منه ~~ويحوك له الحبائل «3» # والمكائد «4» # للإيقاع به لأن ذلك ليس من شأن المسلم، وقل مثل ذلك في سائر الناس الذين ~~لهم آمال شغلوا بالكلام فيها والتحدث عنها عن العمل لنيلها والجد في سبيلها PageV01P223 # أو يخشون قوارع «1» # تحل بهم أو نوائب تصيبهم فتطير قلوبهم هلعا ونفوسهم جزعا، وخليق بهم أن ~~يعدوا لكل أمر عدته، ولكل شدة وقايتها وأن يكون تفكيرهم في الوسائل المنجية ~~من البلاء أو المبعدة عنه أو المخففة من وقعه. # فمن أجل أن الهم مضيعة للوقت في غير جدوى، وأنه داع إلى التقصير في ~~الواجب وأنه تقاعد عن التدبير النافع لنيل الخير المرجو، أو تجنب الشر ~~المحذور، من أجل ذلك تعوذ الرسول صلى الله عليه وسلم منه كما تعوذ من الحزن ~~الذي يكون على أمر محبوب فات نيله. أو ضر نزل لا يقلع، فهذا أيضا مذموم. ~~وقد نهانا الله عنه بقوله: ولا تهنوا ولا تحزنوا «2» # ، وبقوله حكاية عن رسوله صلى الله عليه وسلم لا تحزن إن الله معنا «3» . # ولو كان الحزن يرد فائتا، أو يدفع واقعا لكنا فيه معذورين، ولكنه مضيعة ~~للوقت وسخط على القضاء، وتعلق بما لا سبيل له وتكاسل عن اتخاذ الأسباب لدفع ~~المصيبة أو تخفيف ألمها، فمن أجل ذلك أيضا تعوذ الرسول صلى الله عليه وسلم منه. # وعلى المؤمن أن يدرع بالصبر ويأخذ لنفسه من حوادثه وحوادث غيره عظات لما ~~يستقبل من أيامه حتى لا يقع فيما وقع فيه من قبل «لا يلدغ المؤمن من جحر ~~واحد مرتين» ، والله سبحانه يختبر بالمصائب عباده، ليميز الخبيث من الطيب ~~ويستبين من كان قوي العزيمة كثير الجلد والتصبر من الخائر «4» # الهلوع قال تعالى: ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال ~~والأنفس والثمرات وبشر الصابرين «5» . # وقال عز شأنه: أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون. ولقد ~~فتنا الذين ms182 من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين «6» . # الثالث والرابع: مما تعوذ منه الرسول صلى الله عليه وسلم العجز والكسل # والأول: عدم القدرة على الشيء، والثاني: التقاعد عنه مع استطاعته، وإذا ~~علمت أن بالعمل مكانة الإنسان في هذه الحياة وعلوه ورفعته، وأن به السعادة ~~في الآخرة والفوز بالنعيم المقيم، وأن PageV01P224 # العجز والكسل شر ما يبتلى بهما المؤمن أدركت أنهما داء وبيل «1» # من أصيب بهما خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين «2» # . هذا ومجانبة العجز تكون بمجانبة أسبابه فلا يعمل الإنسان عملا شاقا أو ~~يأتي أمرا خطيرا من شأنه أن يذهب ببعض أعضائه العاملة، أو يسلبه القدرة ~~ويجعله من العجزة الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا فالذي يجهد نفسه ~~ويحملها فوق طاقتها ولا يعطيها قسطها من الراحة وحظها من الطعام والشراب ~~الحلال الطيب، والذي لا يداوي علل جسمه ويترك الدواء لمرارته أو يبخل عن ~~نفسه بأجر طبيب أو بثمن دواء هو ساع نحو العجز جان على نفسه شر جناية ومن ~~يتعوذ بالله من العجز وهو سائر نحوه في أحد هذه الطرق فإنه يطلب ما لا يجد ~~ويقول ما لا يفعل كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون «3» # وأما الكسل فمجانبته تكون بتقوية الإرادة ومعاشرة المجدين العاملين ~~ومباشرة الأسباب واستشارة لذة العمل وحلاوة بلوغ الآمال وتمثل الخيبة ~~والفشل، ومعرفة أن المجد في العمل والمغامرة، والتعس في الكسل وملازمة ~~الراحة. # والخامس والسادس: الجبن والبخل. # والأول: شح بالنفس، والثاني: شح بالمال. # فالذي يبخل بنفسه عن بذلها في سبيل الدين، في سبيل إقامة معالم الحق، في ~~سبيل حفظ البلاد ورد عادية المعتدين عليها والمنتهكين حرمتها والسالبين ~~حقوقها، والقاسرين «4» # أهلها، على الذل والاستعباد، والمستبدين بهم شر الاستبداد؛ الذي يبخل ~~بنفسه عن بذلها في هذه السبل، المذللة طريق الكرامة والعزة، الموطدة «5» # للشرف والرفعة، الذي يبخل عن ذلك يميت نفسه، ويشتري نحسه «6» # ، لأنه إن حيي جسمه فقد ماتت روحه، ماتت نفسه العالية، وذهبت حياته ~~الطيبة، وكم من حي بين الناس هو في عداد الأموات وكم ms183 من ميت في عداد ~~الأحياء ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم ~~يرزقون. فرحين بما آتاهم الله من PageV01P225 # فضله «1» # ، إذ الحياة الحقة أن تعيش مرفوع الرأس موفور الكرامة في قولك وتصرفك ~~وقلمك ورأيك واعتقادك، أن تعيش في أمة لا سلطان لأحد عليها. ولا من يتحكم ~~في رقابها وحقوقها وأموالها رأيها المحترم وقولها النافذ، ومصلحتها ~~المقدسة، ولن يعيش في أمة هذا وصفها إلا من بذل نفسه في الذود «2» # عنها وكرس حياته في جلب الخير لها، ودفع الضرر عنها. هذا هو الكريم حقا، ~~هذا هو الشجاع صدقا، هذا هو الجواد بلا ريب. والجود بالنفس أقصى غاية الجود. # تأخرت استبقي الحياة فلم أجد ... لنفسي حياة مثل أن أتقدما # أما الذي يبخل بماله عن نفسه فلا ينفقه في سبيل ترفيهها وإسعادها ~~وتهذيبها وسد حاجتها وتقديم الطيبات لها، أو يبخل به عن الفقراء والمساكين، ~~والعجزة والمقعدين، والمنكوبين والملهوفين، أو يبخل به عن الجهاد، ومناجزة ~~الأعداء، ومصالح الأمة العامة، الذي يبخل بماله عن ذلك ويحبسه في خزائنه ~~إنما يسعى في هلاك نفسه والقضاء على أمته. # وما يبغي من يكنز أمواله عن حقوقها؟ أفيطمع أن يأخذه معه إلى جدثه «3» # ؟ أو ينفق منه في عالم الغربة والوحدة؟ أينفعه إذ ما وقف أسرع الحاسبين. ~~واشتد الكرب وهال «4» # الخطب؟ كلا لن ينفع الإنسان بعد وفاته ما له إذا لم يكن من عمله منقذ ~~وناصر، بل يكون شرا عليه ونكالا لا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من ~~فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة «5» # ، والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب ~~أليم. يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما ~~كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون «6» # والمؤمن الصادق من بذل في سبيل الدين نفسه وفي إعلاء شأن أمته ماله. PageV01P226 # السابع والثامن: غلبة الدين وقهر الرجال: والدين- أعاذك الله- إذا غلب ~~الإنسان ذهب بعزه، وأودى بنعيمه وأنسه وأتى على طارفه «1» # وتليده «2» # وقديمه ms184 وجديده. # إذا غلب الإنسان ملك عليه فكره وعقله، وصوابه ورشده فلا يذوق طعم الهناءة ~~ولا يحسن التفكير ولا يهتدي إلى الصواب. وإنما يغلب الدين إنسانا استدان ~~بلا بصيرة ولم يدبر أمره وينظم شأنه. ويجد في طلب وتلمس الطرق المشروعة ~~إليه ليقوم بالسداد، وإنما يغلب من استدان ولم يعزم على الوفاء بل كانت ~~نيته التقصير. إنما يغلب من استدان لغير حاجة ماسة بل لارواء شهوة أو ~~ابتغاء الشهرة والملق «3» # والرياء وحب الظهور الكاذب والمدح بالباطل. # أما من استدان لضرورة ملجئة عازما على الوفاء فهذا الله ضامنه، وموفقه ~~للسداد ورازقه من حيث لا يحتسب حتى يخلصه مما أهمه ومن يتق الله يجعل له ~~مخرجا. ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه «4» . # وغلبة الرجال إما بالإذلال والاستعباد لغيرهم: أو انتصارهم عليه في مواطن ~~النزاع والخصومة، أو في ميادين الحرب والطعان فنعوذ بالله من أن يستبد بنا ~~فرد فيستخدمنا لماربه، ويا بني على رؤوسنا عظمة كاذبة ومجدا موهوما، ويطمس ~~معالم مجدنا وسؤددنا «5» # ، كما نعوذ به من أن يغلبنا خصمنا فينصر باطله على حقنا وتكون له الكلمة ~~علينا، ويقتل رجالنا ويسلبنا أموالنا ويسبي نساءنا وذرارينا «6» # ويدوس عزتنا وكرامتنا، نعوذ بالله من كل ذلك ونسأله القوة والعدة حتى ~~يرهبن الأعداء وأن يهبنا أسباب السعادة والعزة حتى لا يستبد بنا فرد أو أمة. # تلك هي الأمور الثمانية التي علمها الرسول صلى الله عليه وسلم لأبي أمامة ~~فلنتخذ منها غذاء في الصباح وعشاء في المساء حتى نجمع إلى تغذية الجسم ~~تغذية الروح فلنضمن لنفوسنا PageV01P227 # اللذة الكاملة والسعادة الشاملة. # وإياك أن تعوذ بالله من هذه الثمانية وأنت لسبيلها سالك وفي التلوث بها ~~مقيم بل الواجب عليك أن تجتنبها أو تأخذ في التقصي عنها وإياك أن تلوكها «1» # بلسانك ولا تمرها بقلبك فإن الدعوة الطيبة ما صدرت عن القلوب قبل أن تلفظ ~~بها الأفواه. # 92- باب: أفضل الصدقات # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: يا ~~رسول الله، أي الصدقة أفضل؟ ms185 قال: «أن تصدق وأنت صحيح، حريص» . وفي رواية ~~«شحيح، تأمل الغنى، وتخشى الفقر، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم» ، قلت ~~لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان. [رواه البخاري «2» # ] . # اللغة: # الحرص: الجشع. والشح: منتهى البخل، تأمل الغني: تطمع فيه بلغت الحلقوم: ~~قاربت الروح الموت، إذ لو بلغت حقيقة الموت لم يصح شيء من تصرفه ولا ~~إقراراته. ولم يتقدم للروح ذكر اكتفاء بدلالة السياق، الحلقوم: مجرى النفس ~~لفلان: المراد منه في الأولى والثانية الموصي له أي أوصيت لفلان بكذا ~~ولفلان بكذا. وفي الأخيرة للوارث أي وقد صار المال للوارث. أو أنها في ~~الأوليين للموصى له وفي الثالثة للمقر له أي وكان علي لفلان كذا دينا. # الشرح: # كان أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم يتحرون أفضل أنواع الطاعات وأعظمها ~~عند الله أجرا؛ ولا يأبون أن يسألوا الرسول عنها ليتقربوا بها إلى الله، ~~وينالوا الدرجات العلا. # فسأله أحدهم عن أكثر الصدقات أجرا، فقال له عليه الصلاة والسلام: أن ~~تتصدق وأنت صحيح الجسم معافى في بدنك لم ينقطع أملك من الحياة، ولم تقف بك ~~القدم على حافة القبر، إذ المرض يقصر يد المالك عن ملكه، وسخاوته بالمال إذ ~~ذاك لا تمحو عنه سمة البخل ولا تدل على طيب نفسه بالعطاء لأنه يكون قد مل PageV01P228 # الحياة، وسئم العيش، ورأى ماله قد صار لغيره بخلاف ما إذا كان صحيحا يكون ~~للمال مكان في قلبه وحب من نفسه، لما يأمل من البقاء ويخشى من الفقر فالشح ~~به غالب والسماح به حينئذ أصدق في الإخلاص وأعظم في المثوبة. # وكذا إذا تصدق وهو حريص على جمع المال قد توافرت لديه أسباب إدخاره كان ~~ذلك دالا على الرغبة في الخير وابتغاء ما عند الله. # ولا يتأخر بالتصدق حتى يكون الموت منه قاب قوسين لأنه يكون مغلولا «1» # عن التصرف في كل ماله إذ أن المريض لا يجوز له أن يتبرع إلا بثلث ماله ~~فقط، وما زاد على ذلك يكون من حق الورثة إن شاؤا أجازوا تصرفه وإن شاؤا لم ~~يجيزوه. # ويدل ms186 الحديث على أن تنجيز وفاء الدين والصدقة في حال الصحة أفضل منه في ~~حال المرض لأنه في الأولى يصعب عليه إخراج المال غالبا لما يخوفه الشيطان ~~من الفقر، ويزين له من إمكان طول العمر والحاجة إلى المال، كما قال تعالى: # الشيطان يعدكم الفقر «2» # ، وقال: وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت «3» # الآية. وفي الحديث: «مثل الذي يعتق ويتصدق عند موته مثل الذي يهدي إذا شبع» . # 93- باب: ما تجوز الصدقة به في مرض الموت # عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: جاءني رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يعوذني من وجع اشتد بي، فقلت يا رسول الله: قد بلغ بي من الوجع ما ~~ترى، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: «لا» ، قلت ~~فالشطر يا رسول الله؟ قال: «لا» ، قلت فالثلث؟ قال: «الثلث والثلث كثير، PageV01P229 # إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس، وإنك لن ~~تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى ما تجعله في في امرأتك» . # [رواه البخاري «1» ] . # اللغة: # الوجع: اسم لكل مرض وجمعه أوجاع ووجاع، اشتد: قوى بلغ بي: # أثر في ووصل غايته، ذو مال: أي كثير فالتنوين للتكثير كما صرح بذلك في ~~رواية أخرى، (إلا ابنة) اسمها عائشة ولم يكن لسعد رضي الله عنه في ذلك ~~الوقت من الولد إلا هذه البنت، ثم عوفي بعد ورزق أولادا كثيرين منهم أربعة ~~ذكور واثنتا عشرة انثى، ومعنى لا يرثني أي من الذرية وإلا فقد كان له عصبة، ~~الشطر: النصف، الثلث بالنصب على الإغراء أو بفعل محذوف وبالرفع على ~~الابتداء والخبر محذوف أي كافيك. والثلث كثير، ويحتمل أن يكون مسوقا لبيان ~~الجواز بالثلث وأن الأولى أن ينقص عنه ولا يزيد عليه وهذا هو المتبادر. أو ~~يكون لبيان أن التصدق بالثلث هو الأكمل الكثير أجره، أو يكون معناه كثير ~~غير قليل في نفسه. تذر: تترك، عالة: فقراء جمع عائل من عال يعيل إذا افتقر، ~~يتكففون الناس: ms187 يسألون الناس بأكفهم، يقال تكفف واستكف إذا بسط كفه للسؤال ~~أو سأل ما يكف عنه الجوع أو سأل كفافا من طعاما. # الشرح: # يشير هذا الحديث إلى نوع مما كان المسلمون في عهد الرسول صلى الله عليه ~~وسلم يبتغون من تخير أفضل القربات إلى الله. فسعد رضى الله تعالى عنه لما ~~أحس بثقل المرض وخشي أن يكون قد دنا أجله ثم رأى أن ماله كثير لا يأمن إذا ~~تركه لابنته التي ليس له وارث سواها أن يطغيها أو لا تحسن تدبيره وربما جر ~~إلى ما لا يؤجر هو ولا هي عليه فسأل الرسول صلى الله عليه وسلم أن يأذن له ~~بالتصدق بالثلثين حيث يرى أن ثلثه الباقي يكفي ابنته سواء أبقيت من غير زوج ~~أم تزوجت وإن في ذلك القدر صلاحها وخيرها ويكون قد قدم لنفسه ما يجعل له ~~عند الله منزلة رفيعة، فلم يجز له النبي صلى الله عليه وسلم التصدق بذلك، ~~فاستأذنه في النصف فلم يأذن له به أيضا. فاستأذن في الثلث فأذن له. # ثم أبان له عليه الصلاة والسلام والحكمة السامية من ذلك تلك أن المسلم لا PageV01P230 # يقتصر ثوابه على ما يقدمه قبل وفاته من صدقته بل أنه يثاب أيضا على أن ~~يجعل أولاده في غنى عن سؤال الناس بما يقيهم عوز «1» الدهر ويدفع عنهم ~~غائلة «2» الأيام وبؤس الفقر وذله، بل ليس ذلك فقط هو الذي يؤجر عليه ~~المؤمن، فإن أقل الحظوظ الدنيوية إذا قصد به وجه الله كان طاعة يثاب عليها ~~كما يشير إلى ذلك قوله: «حتى ما تجعله في في امرأتك» . # فانظر كيف أن البر الرحيم ذا الفضل العظيم يرضى من المسلم ببعض ماله ~~ويجزيه عليه متى كان خالصا له وحده لا رياء فيه ولا نفاق، ويفيض عليه من ~~رحمته على أدنى الخيرات يأتيها. # وقد عبر الرسول بقوله: «ورثتك» ليكون الجواب كليا مطابقا لكل حال يموت ~~عليها سعد، سواء أورثه ابنته وحدها أم مع غيرها أم ورثه غيرها، ولم يخص ~~ابنته دون سواها ليشمل جميع الورثة ms188 وأنه مطالب بأن يغنيهم بما يقيهم ذل ~~السؤال. # وهناك لطيفة في نهاية الحديث. تلك هي قوله: «وإنك لن تنفق» ... إلخ، فإن ~~سؤال سعد رضي الله عنه يشعر بأنه رغب تكثير الأجر فلما منعه الرسول صلى ~~الله عليه وسلم من الزيادة عن الثلث قال له على سبيل التسلية والترضية إن ~~جميع ما تفعله في مالك من صدقة ناجزة ومن نفقة ولو كانت واجبة تؤجر عليها ~~ابتغيت بذلك وجه الله تعالى. # هذا ويؤخذ من الحديث سوى ما تقدم: # 1- أن الوصية لا تجوز بأزيد من الثلث إن كان هناك وارث. وقد اختلف فيمن ~~ليس له وارث، فذهب جمهور الأئمة إلى منعه من الزيادة عليه، وقال الحنفية ~~يجوز الزيادة إذ ذاك مستدلين بأن الوصية في الآية مطلقة من بعد وصية يوصي ~~بها أو دين «3» ، فقيدتها السنة بمن له وارث فبقي من لا وارث له على ~~اطلاقه. # وبهذا الحديث أيضا لأن من لا وارث له لا يترك من يخشى عليه الفقر. # 2- أن السنة تقيد القرآن كما تقدم. PageV01P231 # 3- أن خطاب الشرع للواحد يعم من كان على صفته من المكلفين لإجماع العلماء ~~على أن هذا الحكم عام وليس مختصا بسعد. # 4- إباحة جمع المال من طرقه المشروعة والحث على صلة الأقارب. # 94- باب: القصد في العبادة # عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ~~صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم فلما أخبروا ~~كأنهم تقالوها، فقالوا وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم، قد غفر الله ~~له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقال أحدهم: # أما أنا فأنا أصلي الليل أبدا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال ~~آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ~~فحمد الله وأثنى عليه. وقال: «ما بال أقوام قالوا كذا وكذا، أما والله إني ~~لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن ~~رغب عن سنتي فليس مني» . [رواه البخاري ms189 «1» وغيره] . # اللغة: # الرهط: الجماعة من ثلاثة إلى عشرة، وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه، ~~والنفر: من ثلاثة إلى تسعة. # والثلاثة الذين في الحديث هم: علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمرو، ~~وعثمان بن مظعون رضي الله عنهم تقالوها: رأى كل منهم أنها قليلة- أخشاكم ~~لله وأتقاكم: أكثرهم خشية لله وتقوى منه، ما بال أقوام: ما شأنهم وما ~~حالهم، الرغبة عن الشيء: كراهيته والإعراض عنه. والرغبة فيه: حبه والميل ~~إليه، السنة: الطريقة. # الشرح: # كان الصحابة رضوان الله تعالى عليهم يتحرون «2» عبادة النبي عليه الصلاة ~~والسلام ومقاديرها رجاء أن يكون لهم حظ مقاربته في الدرجة والمنزلة عند ~~الله PageV01P232 # تعالى فجاء ثلاثة منهم إلى أزواجه يسألون عن كيفية عبادته في السر ~~ومقاديرها، فلما علموا أنها لا تزيد على عبادتهم وجدوها قليلة بالنسبة ~~إليهم. لا تفي بما يبغون الحصول عليه من الزلفى ورأوا من وعد الله غفران ~~ذنوب الرسول صلى الله عليه وسلم ما تقدم منها وما تأخر ما يغنيه عن كثرة ~~العبادة، وأنهم دونه في ذلك بمراحل كبيرة، وفي حاجة إلى مداومة الطاعة ~~والإكثار منها. # فأخذ كل على نفسه أن يلازم نوعا من العبادة لا ينقطع عنه، فرأى أحدهم أن ~~يجافي جنبه عن المضاجع ليلا ويصرف جميع لياليه أبدا في العبادة فلا يعطي ~~نفسه حظها من النوم والراحة، لأن السهر في ذكر الله يصفي الفكر، ويرفق ~~الذهن، والنوم يدعو إلى الكسل والتراخي ويبلد النفس. ورأى آخر أن يصوم ~~الدهر ولا يفطر، لأن الصيام يكبح «1» جماح «2» شهواته ويكسر شره نفسه وينفي ~~ما خبث من طباعه ويغسل ما دنس من أخلاقه، ويجعله يستشعر الرحمة والرأفة ~~بالضعفاء والفقراء والمساكين. # ورأى آخر أن يعتزل النساء فلا يتزوج، لأن ذلك يبعده عن الاشتغال بالدنيا ~~وملاذها وينسيه عبادة الله حيث يشغله أمر معاشه والسعي على أولاده وتربيتهم ~~والنظر في أمورهم من التفرغ للطاعة. # فلما بلغ ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم خطب المسلمين منبها إلى خطأ ما ~~عزم عليه هذا النفر؛ وإلى أن التقرب إلى الله لا ms190 يكون بتحميل النفس فوق ~~طاقتها وإجهادها بالشاق من الطاعات بل إن خير الأعمال إلى الله أدومها وإن ~~قل، وأنهم يوشكون أن يوقعوا أنفسهم في عجز وضعف لا يقوون معهما على أدنى ~~أنواع العبادات فضلا عن أعلاها فيكونون كالمنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى. ~~وخير لهم أن يترفقوا بأنفسهم ليستديموا الطاعة ويتمتعوا بما أحله الله لهم ~~من الطيبات، إذ لا رهبانية «3» في الإسلام. # ولقد كان من آدابه صلى الله عليه وسلم إذا رأى شيئا يكرهه وخطب في شأنه ~~ألا يعين فاعله ولا يواجهه بما يكره ولا يسميه باسمه على رؤوس الملأ. بل ~~يقول: ما بال رجال أو ما بال أقوام لأن المقصود وهو الزجر عما اعتزموا عليه ~~يحصل لهم ولغيرهم ممن سمع PageV01P233 # الخطبة أو بلغه أمرها بدون الالتجاء إلى توبيخهم، وهذا من مكارم أخلاقه ~~عليه الصلاة والسلام وحسن آدابه وجميل عشرته، ولقد قال تعالى: وإنك لعلى ~~خلق عظيم «1» ، وقال عليه الصلاة والسلام «أدبني ربي فأحسن تأديبي» . # وفي الحديث إشارة إلى أن الحنيفية «2» السمحة لا تدعو إلى الرهبانية ~~وحرمان النفس مما أحله الله، ولكن ترغب في الإفطار ليقوى المؤمن على ~~الصيام، وفي النوم ليتقوى على القيام. وفي التزوج ليكسر شهوة نفسه ويعفها ~~ويكثر النسل. # ومن رغب عن ذلك، فإن كان لنوع من التأويل والفهم لا يعد ذلك خروجا عن ~~الملة ولا كفرا، ويكون معنى (فليس مني) أي ليس من طريقتي وإن كان إعراضا ~~وتنطعا «3» يفضي إلى اعتقاد صواب ما عمل ورجحانه كأن معنى (فليس مني) فليس ~~على ملتي لأن اعتقاد ذلك كفر، وإن كان تورعا لشبهة في ذلك لم يكن ممنوعا ~~ولا مكروها. # ويؤخذ من هذا الحديث سوى ما تقدم: # 1- التنبيه على فضل النكاح والترغيب فيه. # 2- وعدم الغلو في الإنقطاع عن الملاذ وما أحله الشرع. # 3- فيه رد على منع استعمال المباحات والحلال من الأطعمة الطيبة والملابس ~~اللينة وآثر عليها غليظ الطعام وخشن الثياب من الصوف وغيره قل من حرم زينة ~~الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق «4» ، لا تحرموا طيبات ما ms191 أحل ~~الله لكم ولا تعتدوا «5» . # والحق: العدل، والقصد في جميع الأمور، فإن ملازمة الطيبات تقضي إلى ~~الترفه والبطر «6» ، ولا يؤمن معها من الوقوع في الشبهات، كما أن منع النفس ~~من PageV01P234 # تناولها يؤدي إلى التنطع المنهي عنه، وملازمة الاقتصاد على الفرائض مثلا ~~وترك النفل يفضي إلى إيثار البطالة وعدم النشاط إلى العبادة، وربما يؤدي ~~إلى التكاسل عن الفرائض. # وقد أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بالأمرين وشارك في الوجهين، فلبس مرة ~~الصوف والشملة الخشنة، ومرة البردة والرداء الحضرمي، وتارة كان يأكل القثاء ~~بالرطب وطيب الطعام إذا وجده، ومرة كان يأكل الدجاج. # 4- يؤخذ من الحديث أيضا مشروعية التوصل إلى العلم لكل أحد حتى النساء إذا ~~تعذر أخذه من أصل محله. # 5- وعلى تقديم الحمد والثناء على الله عند إلقاء مسائل العلم، وإزالة ~~الشبهة عن المجتهدين. # 6- الحث على متابعة السنة والتحذير من مخالفتها، وهذا من أهم الأمور التي ~~تركت ونشأ عن تركها مفاسد عظيمة في الدين والدنيا. # 95- باب: جزاء العجب والخيلاء # عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «من جر ثوبه مخيلة لم ينظر الله إليه يوم القيامة» . [رواه البخاري ~~«1» ] . # اللغة: # جر ثوبه: أسبله وأطال، المخيلة، والخيلاء: العجب، والكبر عند فضيلة ~~يتراآها الإنسان في نفسه، لم ينظر الله إليه: لم يرحمه ولم يحسن إليه لأن ~~النظر وهو تقليب الحدقة محال على الله تعالى لما يلزمه من المماثلة ~~للحوادث. # الشرح: # أحل الله سبحانه وتعالى لنا الطيبات من الرزق من مأكل ومشرب وملبس لنتمتع ~~بها في غير معصية ولا طغيان. # ومن شر المعاصي الكبر والإعجاب لأن الكبر يسلب الفضائل، ويكسب الرذائل، ~~ويباعد بين المؤمن وبين التواضع وهو رأس أخلاق المتقين، ويورث الحقد PageV01P235 # والغضب والإزدراء بالناس واغتيابهم ويجافي بين المرء وبين الصدق وكظم ~~الغيظ وقبول النصح، والوقوف على ما يكون فيه من عيب. واستفادة العلم ~~والانقياد للحق، ومنشأ ذلك استحقاره واستصغاره ولذلك قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «الكبر بطر الحق وغمص الخلق» أي رد الحق والمماراة ms192 فيه ~~وازدراء الناس. # [أسباب الكبر] # وللكبر أسباب كثيرة: # منها العلم: # وما أسرع الكبر إلى العلماء، فلا يلبث أحدهم أن يستشعر في نفسه كمال ~~العلم فيستعظم نفسه ويستحقر الناس ويستجهلهم، وذلك بأن ما هو عليه ليس بعلم ~~حقيقي لأن العلم الحقيقي ما يعرف العبد ربه ونفسه وخطر أمره وهذا يورث ~~الخشية والتواضع قال تعالى: إنما يخشى الله من عباده العلماء «1» أو بأنه ~~سيء النحيزة «2» خبيث الدخلة «3» فلا يزيده العلم إلا خبثا وسوآ. # ومنها الحسب والنسب: # فيتكبر من يعرف له علو نسب على من دونه وربما يأنف «4» من مخالطة الناس ~~ومجالستهم، ويجري على لسانه التفاخر بنسبه، ولقد روي أن أبا ذر رضي الله ~~عنه قال: قاولت رجلا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقلت له: يا ابن السوداء ~~فغضب صلى الله عليه وسلم وقال: «يا أبا ذر ليس لإبن البيضاء على ابن ~~السوداء فضل» . # ومنها المال والقوة والاتباع والعشيرة: # ففي هذا الحديث يبين لنا الرسول صلى الله عليه وسلم سببا من أسباب ~~الخيلاء، والعجب وهو جر الثوب وإطالته تيها من الرجل أو المرأة ولو كان ~~اللبس مع التشمير لأنه يضر بالنفس في الدنيا حيث يكسب المقت من الناس ~~وإضاعة المال، وفي الآخرة حيث يكسب الإثم. # أما من قصد إظهار نعمة الله عليه شاكرا عليها غير محتقر لمن ليس مثله فلا ~~يضره ما لبس من المباحات قال عليه الصلاة والسلام: «كلوا واشربوا والبسوا ~~وتصدقوا في غير إسراف ولا مخيلة» «5» ، وقال ابن عباس: «كل ما شئت والبس ما PageV01P236 # شئت ما أخطأتك اثنتان: سرف ومخيلة» «1» . # ولا شك أن ما هو في حكم جر الثوب إطالة الأكمام وتوسيعها عن المعتاد وقدر ~~بعضهم المذموم بما نزل عن الكعبين إلا إذا كان المداراة عيب أو عاهة فلا ~~بأس بها وقيل بكراهتها لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبصر رجلا ~~قد أسبل إزاره فقال: «ارفع إزارك» ، فقال: إني أحنف «معوج الرجل إلى ~~الداخل» تصطك ركبتاي فقال: «ارفع إزارك فكل خلق الله حسن» ، ولأنها تدعو ~~إلى الخيلاء ms193 وتعلق النجاسات بالثواب. # فعليك أيها المؤمن بالتواضع تزدد رفعة وبالعمل باداب الدين تزدد من الله ~~قربا ومحبة، وتذكر مبدأك وهو نطفة مذرة، ومنتهاك وهو جيفة قذرة «2» ، فإنك ~~إن عرفت ذلك لم تأخذك العزة في غير الحق، ولم تتعاظم على إخوانك المؤمنين، ~~وإذا ذكرت لله عليك فضلا ونعمة فاذكر أن لذلك نهاية ومتحولا. # فإياك والبطر والخيلاء فإنها ممحقة للبركة، مذهبة للنعمة، تأكل الحسنات ~~كما تأكل النار الخطب. # 96- باب: بيع الرجل على بيع أخيه # عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيع ~~الرجل على بيع أخيه وأن يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى يترك الخاطب قبله أو ~~يأذن له الخاطب» . [رواه البخاري «3» ] . # اللغة: # الخطبة: بكسر الخاء: طلب الزواج بالمرأة. # الشرح: # اشتمل هذا الحديث على النهي عن أمرين: بيع الرجل على بيع أخيه، وخطبة ~~الرجل على خطبة أخيه حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له. PageV01P237 # أما الأول: فصورته أن يبيع شخص لآخر شيئا ويكون للمشتري الخيار فيأتي ~~ثالث ويقول للمشتري في مدة الخيار افسخ لأبيعك مثله بأنقص من الثمن. # وإنما نهي عن هذا النوع من البيع لأنه يجلب العداوة والبغضاء بين البائع ~~الأول والثاني وربما جر ذلك إلى أضرار لا تنتهي عند حد كما هو مشاهد معلوم. ~~فلعرض قليل من متاع الدنيا لا يليق بالمسلم أن يسبب من الشرور والإحن لأخيه ~~ولنفسه ما يغضب الله ورسوله ويزرع الحقد في القلوب. # وبناء على القاعدة القائلة: (إن النهي عن الشيء يقتضي فساده) يكون بيع ~~الرجل على بيع أخيه فاسدا وبذلك قال المالكية والحنابلة. # أما جمهور الفقهاء فيقولون بصحة هذا البيع مع الإثم لأن النهي هنا ليس ~~لذات المنهي عنه بل لأمر خارج. # وأما الثاني: فهو أن يطلب الرجل من امرأة أو من وليها التزوج بها فتقبل ~~هي أو الولي بزواجه فيجيء آخر ويخطبها لنفسه مع علمه بخطبة الأول وهو حرام ~~بالإجماع إذا قبلت المخطوبة أو وليها الزواج من الخاطب الأول أما لو رد ~~أحدهما فلا تحرم خطبة الثاني. ms194 # وهل الحرمة تفسد زواج الخاطب الثاني؟ قالت الظاهرية «1» يفسخ نكاحه سواء ~~قبل الدخول أم بعده. # وقال الجمهور لا يفسخ لأن النهي عن الخطبة، وهي ليست شرطا في صحة النكاح ~~فلا يفسخ لوقوعها غير صحيحة. # وهذا الحكم عام يشمل عدم جواز الخطبة على خطبة الأول ولو فاسقا أو كافرا ~~وهو رأي عامة العلماء. وقيل: لا تحرم الخطبة على خطبة الفاسق والكافر لأن ~~الحديث مقيد بعد خطبة الرجل عن خطبة أخيه. ولا أخوه بين المسلم والكافر ~~وبحديث: «المؤمن أخو المؤمن» «2» فيخرج بذلك الفاسق ورد ذلك بأن التعبير ~~بالأخ PageV01P238 # هنا خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له. # وقوله في الحديث: «حتى يأذن له الخاطب» يدل بنصه على جواز الخطبة له بعد ~~الإذن وبمفهومه على جواز ذلك لغيره لأن إذن الخاطب الأول قد دل على عدوله ~~«1» فتجوز خطبتها لكل من يريد نكاحها. # 97- باب: ما ينبغي اعتباره في اختيار الزوجة # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تنكح ~~المرأة لأربع لمالها ولحسبها وجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك» ~~. [رواه الجماعة إلا الترمذي «2» ] . # اللغة: # الحسب: الشرف بالآباء والأقارب مأخوذ من الحساب لأن العرب كانوا إذا ~~تفاخروا عدوا مناقبهم وماثر آبائهم وحسبوها، فيحكم لمن زاد عدده على غيره، ~~وقيل المراد به هنا الأفعال الحسنة. تربت يداك: لصقت بالتراب بسبب الفقر. ~~وهذه جملة خبرية بمعنى الدعاء لكن لا يراد بها حقيقته بل يراد بها الحث ~~والتحريض، وقيل إنها مثل على حد قولهم للشاعر: قاتله الله لقد أجاد. # الشرح: # الزواج سنة من سنن الهدى حث عليه الرسول صلى الله عليه وسلم ورغب فيه ~~بأنواع الترغيب، والناس في اختيارهم الزوجة وتفضيلهم بعض النساء على بعض ~~مختلفون. # منهم من يرغب في ذات الغنى الوافر والثروة الواسعة لكي تعينه على مطالب ~~الحياة ومشاق الزوجية ومرافق الأولاد، أو توفر عليه بعض مطالبها الخاصة أو ~~يتمتع في مالها وينعم به. PageV01P239 # ومنهم من يرغب في ذات الحسب العالي والعدد الكثير يتخذ منهم عصبة ويعتز ~~بهم عن قلة ويقوى ms195 عن ضعف. # ومنهم من يرغب في ذات الجمال البارع يمتع بمنظرها نفسه ويستروح بها «1» قلبه. # ومنهم من يرغب في ذات الدين الحصان، يأمن بدينها أن يثلم شرفه، أو تزل ~~قدمها في مهواة المعاصي والشرور، إن غاب حفظت غيبه، وإن حضر لم تقع عينه ~~منها على ما يكره وكل له وجهة، يدفعه إلى الاختيار ما يرى أنه الجدير ~~بالطلب أو يحقق رغباته ويسد نهماته «2» ؛ فلا يزال يسعى وراء بغيته ويدأب ~~للحصول على طلبته، لا يرضى بديلا عما رسمه لنفسه ولا يقنع بغير ما يرى أن ~~سعادته في العثور عليها وتحصيلها حتى ينال أمنيته ويقنع ما تيسر له؛ غير أن ~~الرسول عليه الصلاة والسلام اختار من بين هؤلاء الجديرة بالبحث والطلب ~~القمينة «3» بأن تقتني وتدخر وتكون شريكة الرجل في حياته، تلك هي ذات ~~الدين؛ إذا وجدت لا ينبغي العدول عنها، لأنها ضجيعة الرجل وأم أولاده، ~~وأمينته على ماله وسره وشرفه، فدينها يجعل الرجل مطمئنا يفضي إليها بذات ~~نفسه ويطلعها على مكنون أمره، وتكون الحفيظة على ماله ومنزله، المربية ~~أولاده على التقوى والصلاح فهو بها سعيد وهي به سعيدة. # أما ذات المال التي لم تعتصم بالدين ولم تتحل بالتقوى فقلما يدوم له ~~صفاؤها ويساس «4» قيادها وترعي حقوقه، وتكون له البارة المطيعة، وإنما تعتز ~~عليه بمالها وتفخر بثرائها، ترى أن لها من غناها ما يجعلها النافذة الكلمة ~~المطاعة الأمر، ذات الحرية المطلقة فيخرج من يده زمامها؛ ويفلت من حكمته ~~وطاعته قيادها وتكون البلية عظمى إذا كان دونها في الثروة أو كان هو معدما، ~~هنا تكون هي السيدة وهو المسود، هي الآمرة وهو المطيع، هي المالكة لأمره ~~وتسيره كما تحب وتهوى، فينقلب الأمر وتعظم المصيبة كما هو مشاهد بين ~~ظهرانينا مما تئن منه الحياة الزوجية ويهدم في PageV01P240 # كيان الأسر، وينشىء الأبناء على أسوأ المثل وأدنى الصفات ويجعل المنزل ~~مباءة «1» مقت وكره، ومثابة شرور وآلام، ونزاع وخصام. # وأما ذات الحسب فإنها تدل على زوجها بحسبها؛ وتفخر عليه بعديدها وبخاصة ~~إذا كان أقل منها عددا؛ فلا يشعر ms196 معها بهناءة ولا سعادة، أو يطأطىء لها ~~رأسه، ويذل نفسه. # وأما ذات الجمال فتكون مبعث ظنة، ومجلبة ريبة، ولقد استشار رجل حكيما في ~~الزواج فقال افعل وإياك والجمال البارع فقال فكيف ذلك؟ فأجابه: # ولن تصادف مرعى ممرعا أبدا ... إلا وجدت به آثار منتجع # ولقد قال الرسول عليه الصلاة والسلام في ذلك: «لا تزوجوا النساء لحسنهن ~~فلعل حسنهن أن يرديهن، ولا تزوجوهن لأموالهم فعسى أموالهن أن تطغيهن، ولكن ~~تزوجوهن على الدين، ولأمة سوداء ذات دين أفضل» . # وليس المراد من ذلك أن يعرض المرء عن ذات المال والحسب والجمال، ويقبل ~~على المعدمة الوضيعة الدميمة، بل المراد ألا يجعل الإنسان نصب عينه في ~~اختيار الزوجة وتفضيلها المال أو الحسب أو الجمال غير آبه بما عساه يكون ~~لها من صفات أخرى، ولا ينقب «2» عما تتحلى به من خلال قد تفضل ما نظر إليه ~~منها وليبدأ بذات الدين والتقوى فإذا ضمت إلى ذلك خلة من الخلال المرغوبة ~~كان خيرا وأفضل. # وإلا فلا يضيره «3» كثيرا أن تفقد مع دينها وصلاحها مالا ينفد وحسبا ~~يزول، وجمالا يذبل وتذوي نضرته بعد حين، أما الدين فلا يزيد مع الأيام إلا ~~جدة. ولا يأتي إلا بخير دائم وسعادة مستمرة. PageV01P241 # 98- باب: الحث على الزواج # عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن ~~للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» . [رواه الجماعة «1» ] . # اللغة: # المعشر: جماعة يشملهم وصف واحد. الشباب: جمع شباب (ولم يجمع فاعل على ~~فعال غيره) وهو اسم لمن بلغ ولم يجاوز الثلاثين وقيل الأربعين ثم يسمى كهلا ~~إلى الأربعين، ثم شيخا. الباءة والباء: الجماع. وأصله الموضع يتبوؤه ~~الإنسان ويأوى إليه، وقيل: معناه في الحديث مؤنة النكاح. # ويصح حمله على كلا المعنيين ويكون المعنى من قدر على الوطء ومؤن التزويج، ~~كما يشهد لذلك رواية «من استطاع منكم أن يتزوج فليتزوج» . ورواية «من كان ~~ذا طول» - قدرة- «فلينكح» ، أغض للبصر: أشد كفا ms197 له عن النظر إلى المحرم، ~~أحصن للفرج: أشد منعا له من الوقوع في الفاحشة. وجاء: أصله الغمز ومنه وجأ ~~في عنقه: إذا غمزه دافعا له، ووجأه بالسيف: إذا طعنه به، ووجأ أنثييه: ~~غمزهما حتى رضهما، وتسمية الصوم وجاء من باب الاستعارة لعلاقة المشابهة، ~~لأن الصوم لما كان مؤثرا في ضعف شهوة النكاح شبه بالوجاء. # الشرح: # يخاطب الرسول عليه الصلاة والسلام شباب أمته الذين هم غرسها النامي، ~~وعتادها «2» في مستقبل أيامهم أن يبادر الشباب منهم إلى التزوج متى كان PageV01P242 # قادرا على أمور الزواج من النفقة وما يتبعها، وكان به توقان «1» إلى ~~النساء حتى لا تزل به القدم في مهواة المعاصي وحمأة الشرور فإن للشباب فتوة ~~«2» ونزوة تدفع الشاب إلى إطاعة شهوته وتقهره على إرضائها بدون أن يبالي ~~سوء مغبة أو حسنها، وكم جر ذلك من ويلات وأعقب من أدواء استفحل فيما بعد ~~شرها، وعم ضررها وأصبحت ملافاتها عسيرة وتدارك أخطارها في غير الوسع ~~والطاقة، وكم من شاب أغرته شهوته واستبعدته لذته فاتى نفسه من المعاصي حظها ~~وأروى من الموبقات «3» غلتها فكان عاقبة ذلك أن افتقر بعد يسر ومال عريض، ~~وضعف بعد قوة وصحة شاملة، وانتابته الأمراض والعلل فصار حليف الهم والسهاد، ~~ينام على مثل شوك القتاد «4» ، قد أقض مضجعه، وذبلت نضرته وتنكرت له الحياة ~~بعد إقبالها، وكشرت له الأيام بعد ابتسامها، وكلبه الزمان «5» وقد كان له ~~مواتيا «6» مطيعا، ونفر منه الأصدقاء، وكان قرة أعينهم وموضع الغبطة ~~والسرور منهم. # ولقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم حكمة المبادرة إلى الزواج بعد القدرة ~~والاستطاعة بأنها تحصن الفرج عن الوقوع في المحرمات وملابسة ما يغضب الله ~~ويزري بالشرف» # والكرامة، وتدعو إلى العفة وغض البصر عما لا يجعل من محارم الله، أضف إلى ~~ذلك أن المبادرة إلى الزواج تمكن المرء إذا رزق أولادا من تربيتهم والقيام ~~بشؤونهم وإعدادهم لمستقبل حياتهم وجعلهم رجالا صالحين ينفعون أنفسهم ~~وأمتهم، ويجعل منهم عمادا لها وقوة، يرهب بهم جانبها، وتقوى شوكتها وتحفظ ~~هيبتها وكرامتها، ويدفع من يريد إذلالها واستعبادها. وأما ms198 إذا أبطأ في ~~الزواج حتى تقدم به العمر فقد لا يستطيع تربية أولاده لضعف قوته وعجزه عن ~~تحصيل ما به حياتهم وتوفير أسباب السعادة لهم، وربما أدركه الأجل فيتركهم ~~كزغب القطا «8» مهيضي PageV01P243 # الجناح «1» ضعيفي المنة. لا يقدرون على دفع عوادي الأيام وكلب «2» ~~الزمان. # زد على ذلك أيضا أن الإبطاء في الزواج يزيد في كثرة الفتيات العانسات «3» ~~ويفوت عليهن زمن نضرتهن، وجني ثمارهن في إبانه وليس لهن القوة على مدافعة ~~الشهوة كالرجال فتطغى عليهن وتجبرهن على سلوك طريق الغواية والفساد وهناك ~~الطامة الكبرى والمصيبة العظمى، من اختلاط الأنساب وانتهاك حرمة الأعراض ~~وتمزيق ثوب الحياء، والاستهتار بما يزيل الكرامة ويذل الشرف والعزة ويقضي ~~على الإباء والمروءة والنخوة «4» . # وقد وصف الرسول صلى الله عليه وسلم العلاج لغير القادر على الزواج وهو ~~الصوم فإنه يكسر الشهوة ويقتل الميل والرغبة في النساء لأنه يضعف البدن ~~وينقص من الدم الذي يبعث الحرارة والقوة فتقل دوافع الشهوة وتضمحل «5» شدتها. # 99- باب: استئذان المرأة في الزواج # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا ~~تنكح الأيم حتى تستأمر ولا البكر حتى تستأذن» ، قالوا يا رسول الله وكيف ~~إذنها؟ قال: # «أن تسكت» . [رواه الجماعة «6» ] . PageV01P244 # اللغة # - الأيم: كل مذكر لا أنثى معه، وكل أنثى لا مذكر معها بكرا أو ثيبا، يقال ~~آم الرجل، وآمت المرأة إذا لم يتزوجها، وقيل الأيم: التي لا زوج لها وأصله ~~التي كانت متزوجة ففقدت زوجها برزء «1» طرأ عليها، ثم قيل في البكر مجازا ~~لأنها لا زوج لها. والمراد بها هنا الثيب بدليل مقابلتها بالبكر تستأمر: ~~يطلب وليها أمرها قبل أن يزوجها. البكر: التي لم تزل بكارتها والمراد بها ~~هنا البالغة، تستأذن: يطلب إذنها بالزواج. # الشرح: # يستأثر بعض الأولياء بتزويج من يكون تحت كنفهم من النساء أبكارا كن أم ~~ثيبات صغيرات كن أم كبيرات بمن يشاؤن لا يرجعون إليهن برأي ولا يعتدون منهن بقول. # فيملكونهن ممن لا يرغبن ويسلمون قيادهن لمن لا يحببنه ولا يرضين عشرته ~~فيشجر الخلاف والشقاق، وتنمو ms199 البغضاء والحقد ويحل الكره محل الحب، والخصام ~~محل الوئام «2» ، وقد يكون الباعث الأولياء على ذلك رغبة في مال الزوج أو ~~اعتزاز بجاهه، فأرشدنا الرسول صلى الله عليه وسلم الناصح الأمين إلى أنه لا ~~يصح أن ينفرد الولي بتخير الزوج لموليته والعقد عليها بدون رضاها، لأنها ~~ستكون في مستقبل الأيام شريكة للزوج في حياته. وأما لأولاده ومدبرة لمنزله. ~~فينبغي أن يكون لها رأي في اختياره فإن كانت ثيبا فلا بد من تصريحها بالإذن ~~ولا يكفي السكوت منها وإن كانت بكرا اكتفي بسكوتها عن صريح الرضا، بدليل ~~التعبير بالإستئمار في جانب الأيم وهي الثيب، وبالإستئذان في البكر، والأول ~~يدل على تأكيد المشاورة، ذلك بأن الثيب قد قل حياؤها بممارستها الرجال فلا ~~تستحيي من التصريح بالرضا. # أما البكر فيغلب عليها الحياء فلا تصرح فيكتفي بالسكوت في الدلالة عليه، ~~ولو ردت واحدة منهما الزواج فلا يصح من وليها العقد عليها، والمراد من ~~البكر التي أمر الشارع باستئذانها هي البالغة إذ لا معنى لاستئذان الصغيرة ~~لأنها لا تدري ما الإذن. # هذا وقد ذهب الحنفية إلى أنه يشترط في صحة زواج الولي الكبيرة إذنها، فلو PageV01P245 # عقد عليها بدون استئذان لم يصح، سواء أكان الولي أبا أم جدا أو غيرهما ~~بكرا كانت، أو ثيبا إذ لا ولاية عندهم على البالغة لأن علة الولاية هي الصغر. # وقال الشافعي ومالك وأحمد: يجوز للأب أن يزوج البكر ولو كانت بالغا بغير ~~استئذانها. لقوله عليه الصلاة والسلام: «الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر ~~تستأمر وإذنها سكوتها» «1» ، فقد جعل الثيب أحق بنفسها من وليها ومفهومه أن ~~ولى البكر أحق بها منها. وبما روي أن ابن عمر والقاسم وسالما كانوا يزوجون ~~الأبكار لا يستأمرونهن. # واستدل الحنفية: # 1- بما رواه أحمد وأبو داود «2» : أن جارية بكرا أتت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة فخيرها النبي عليه الصلاة ~~والسلام. # 2- بأن الوالي ليس له أن يتصرف في مال البكر البالغة إلا بإذنها والمال ~~دون النفس، فكيف يملك أن يتصرف في نفسها ms200 ويخرجها إلى من قد يكون أبغض الناس إليها. # 3- أن جميع ما في السنة من الأحاديث الصحاح والحسان المصرحة باستئذان ~~البكر ومنع العقد عليها إلا بإذنها لا يعقل له فائدة إلا العمل على وقفه ~~لاستحالة أن يكون الغرض من استئذانها مخالفتها. فلو كان للولي إجبار عليها ~~لم يكن للأمر باستئذانها فائدة. # واختلف في المراد من البكر التي يعتبر سكوتها رضا فمذهب الحنفية أنها من PageV01P246 # لم يمسها إنسان ويكون مصيبها أول مصيب سواء بقيت عذرتها «1» أم زالت بسبب ~~غير الوقاع كمرض أو وثب أو لم يكن لها عذرة أصلا، ومن زالت بكارتها بوطء ~~حلال فهي ثيب، ومن رميت بزنا فإن تكرر منها ذلك أو أقيم عليها الحد فهي ~~ثيب، وإن لم يتكرر ولم تحد فهي في حكم البكر من حيث اعتبار سكوتها رضا عند ~~أبي حنيفة لأن الناس عرفوها بكرا ولم يشتهر أمرها فلا يزال لها حياء ~~الأبكار. # وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي إنها ثيب فلا يكتفي بسكوتها عند استئمارها ~~بل لا بد من الإفصاح منها لأنها ثيب لغة وشرعا ولا يعلم بقاء حيائها من ذكر ~~الزواج. # وفي هذا الحديث تقرير لمبدأ جليل ذلك هو اعتبار المرأة إنسانا كامل ~~الإرادة والاختيار لا حق لأحد عليها في إكراهها على ما لا تحب وترضى متى ~~كانت عاقلة فقد جعل لها اختيار الزواج الذي سيكون شريك حياتها تشاطره ~~الحياة الزوجية، وما تتطلبه من تكاليف ومهام، ولم يبح لأحد من ذوي قرابتها، ~~ولو كان أباها أن يكرهها على الزواج ممن لا ترغب. بل جعل تزويجه إياها من ~~أي شخص كان موقوفا على إذنها وإجازتها، فإن أجازته ورضيت عن فعله بعد علمها ~~بما يلزم العلم به انعقدت رابطة الزواج متينة غير منقوضة «2» ، وإلا فلا ~~سلطان لأحد عليها، ذلك بعد أن كانت المرأة في الجاهلية وضيعة الشأن قليلة ~~الخطر تكاد تكون من سقط المتاع، لا رأي لها ولا إرادة في أمر من أمورها، جل ~~أو هان، وكان لوليها أن يزوجها بمن يشاء وبما يشاء أو يعضلها «3» عن الزواج ms201 ~~لا راد لقوله ولا معقب لعمله. # فجاء الإسلام وفك عنها قيود العبودية والإذلال وأنالها قسطها «4» من ~~الحرية والاستقلال حسبما تقتضيه طبيعتها الخلقية ووظيفتها في المجتمع. # 100- باب: إحداد المتوفى عنها زوجها # عن زينب ابنة أبي سلمة عن أم حبيبة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم PageV01P247 # يقول: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ~~إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا» . [رواه البخاري «1» من حديث طويل] . # اللغة: # تحد: فعل مضارع إما بفتح التاء مع ضم الحاء أو كسرها، من حدت المرأة حدا ~~وحدادا، وإما بضم التاء وكسر الحاء من أحدت إحدادا إذا امتنعت عن الزينة من ~~طيب ولباس لموت زوج أو قريب. # وأصل الحد في اللغة: المنع ومنه سمي البواب والسبحان حدادا، وسميت ~~العقوبة حدا، والمراد هنا منع المتوفى قريبها أو زوجها نفسها من الزينة ~~والطيب، ومنع الخطاب خطبتها والطمع فيها، ثلاث ليال: أي مع أيامها، وقوله ~~وعشرا: أي ليال مع أيامها كذلك. # الشرح: # الحزن على القريب أو الزوج أو الصاحب غير محظور «2» وربما كان مشكورا بل ~~قد يكون إظهاره واجبا مراعاة لحق القرابة ووفاء لواجب الصحبة. ولكنه متى ~~خرج عن هذا القدر صار مذموما لأنه يبعث السأم «3» إلى القلب والغم إلى ~~النفس، ويدعو إلى تعطيل الأعمال وتحريم ما أحل الله وربما جر إلى السخط من ~~قضاء الله. # والحديث يدلنا على القدر الذي يباح للمرأة فيه أن تبدي الحزن على من يموت ~~من زوج أو غيره، وقد بين أن لها الإحداد على غير الزوج من أب أو ابن أو أخ ~~أو غيرهم إلى ثلاثة أيام، أما على الزوج فإلى نهاية العدة وهي أربعة أشهر ~~وعشرة أيام، فتمتنع من التزين والتطيب والظهور بمظهر الفرح أو السرور وكذا ~~تمنع خطبتها والتكلم في شأن زواجها حتى تنتهي عدتها. # وقد أشار بقوله: لا يحل إلى أن مجاوزة الإحداد من ثلاثة أيام على غير ~~الزوج حرام تغضب الله ورسوله. ولذا فإن كثيرا من زوجات الرسول صلى الله ~~عليه وسلم ونساء ms202 الصحابة كن PageV01P248 # يكففن عن الإحداد على من يموت من أقاربهن ويبدين أمارات التزين بعد ثلاثة ~~أيام امتثالا لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم وقياما عند تعاليمه. # واستدل الحنفية بكلمة (امرأة) على أنه لا يجب الإحداد على الصغيرة لأن ~~(المرأة) لا تطلق إلا على البالغة. # وقال غيرهم بوجوب الإحداد عليها إذا توفي زوجها كما تجب العدة. والتقييد ~~في الحديث بلفظ (امرأة) لأنه خرج مخرج الكثير الغالب ويطالب وليها بمنعها ~~مما تمنع منه البالغة- واستدلوا أيضا بتنكير امرأة على وجوب الإحداد سواء ~~دخل بها أم لا، حرة كانت أو أمة أو كتابية أو أم ولد إذا مات زوجها لا سيدها. # واستدلوا بقوله: «تؤمن بالله» إلخ على أنه لا إحداد على الذمية وبذلك قال ~~بعض المالكية. # وقال الجمهور: إن قيد الإيمان لا مفهوم له وإنما ذكر تأكيدا للمبالغة في ~~الزجر؛ ولأن الإحداد من حق الزوج وهو ملتحق بالعدة في حفظ النسب فتطالب به ~~الكافرة. # واستدل بقوله: «على ميت» على ألاإحداد على امرأة المفقود لأنه لم تتحقق ~~وفاته- وبقوله: «إلا على الزوج» على أنه لا يزاد على الثلاث في غير الزوج ~~أبا كان أو غيره وعلى أنه لا إحداد على المطلقة مطلقا وبه قالت الشافعية ~~والجمهور. أما الحنفية فقالوا بذلك في المطلقة رجعيا والمطلقة قبل الدخول ~~أما المبانة فعليها الإحداد قياسا على المتوفى عنها زوجها. هذا ولم تظهر ~~للتحديد بأربعة أشهر وعشر حكمة جلية فنكل ذلك إلى العليم الحكيم. # 101- باب: تخير الأوقات للمواعظ # عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم: «يتخولنا ~~بالموعظة في الأيام كراهة السامة علينا» . [رواه البخاري «1» ] . PageV01P249 # اللغة: # يتخولنا: يتعهدنا بتنويع المواعظ ولا يثقل علينا بمتابعتها، السامة: # الملل والشجر. # الشرح: # خير الواعظين وعظا وأجداهم نفعا وأكثرهم تأثرا من يتفقد أحوال الناس ~~وأنسب أوقاتهم فيلقي إليهم بمواعظة وينشر بينهم ماثره. # كما أن أحسن العلماء أثرا من اختار للناس مسائل العلم؛ وانتقى ما يفيدهم ~~في دنياهم وآخرتهم؛ وكان في كل ذلك حسن العبارة فصيح القول يخلط الجد ~~بالمزاح الطريف والحكمة ms203 بالفاكهة الشيقة «1» ، وينتهز تشوقهم إلى ما يبين ~~لهم وخلوهم من شواغل الدنيا، واستجمام «2» قواهم ورغبتهم في التفقه ~~والتعلم، فهناك يكون لوعظه وعلمه أبين الأثر وأنجح الفائدة. # وهذا قدوة المؤمنين صلى الله عليه وسلم كان يتفقد الأوقات المناسبة ~~للصحابة فيعظهم ويعلمهم؛ ويجعل من حوادثهم وأحوالهم عظات بالغات، ودروسا ~~جمة المنافع وما كان يداوم عليهم بذلك مخافة أن يلحقهم الملل والضجر ~~فيسأموا وينصرفوا عن سماعه وقبول قوله؛ ولكنه كان كالطبيب يعطي من الدواء ~~بالمقدار الملائم للمرض ويتمشى معه في طريق العلاج مترقيا في مقادير الدواء ~~حتى لا يمل المريض ويكره الدواء فيصعب علاجه ويستفحل «3» داؤه ويعز شفاؤه، ~~وفي الحق أن للنفوس أوقاتا تكون فيها راغبة في العلم تواقة «4» إلى سماع ~~الموعظة وذلك عند صفائها واستراحتها من العناء والمشقة؛ وحين ذاك ينبغي أن ~~تتبلغ «5» منهما بما يناسب مقدارا ومادة وأن لها أوقاتا تكون فيها مكدودة ~~ضجرة، قد أثقلتها متاعب الحياة وشغلتها صوارف «6» الأيام فلا تقبل علما ولا ~~تقبل على عالم، بل تنفر وتفر هاربة لا تلوي على نصح PageV01P250 # ناصح، ولا تصيخ «1» إلى وعظ مرشد، ومن الخطل «2» في الرأي أن يبتغي ~~الناصح لها في تلك الأوقات رشدا أو يرقب إصلاحا، فعلينا أن نقتدي بالرسول ~~صلى الله عليه وسلم في ذلك، ولا يكون الواعظ أو المرشد كخاطب ليل لا يدري ~~ما يلقي على الناس، ولا من يلقي عليه موعظته، ولجهل كثير بطرق الوعظ ~~والإرشاد اختيار مسائل العلم وتثقيف الناس وبخاصة العامة. منهم قلت الفائدة ~~منهم على كثرتهم؛ وانصرف الناس على الاستماع إليهم والركون إلى قولهم؛ ~~وفضلوا الجلوس في مجالس اللهو عن دروس العلماء والواعظين، اللهم إلا قليلا ~~أحسنوا الوعظ فأحسن القوم الاستماع والعمل، وأجادوا في القوم وتخيروا ~~أساليبه فكان لهم التأثير الحسن والسلطان على القلوب فألانوا قاسيها؛ ~~وأسلسوا «3» عصيها، وملكوا زمامها فكانوا من الصالحين المصلحين الذين عملوا ~~بقوله صلى الله عليه وسلم «يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا» «4» . # 102- باب: ما يكره من التمادح # عن أبي موسى رضي الله عنه قال: سمع النبي صلى الله عليه ms204 وسلم رجلا يثني ~~على رجل ويطريه في المدحة- (وفي رواية) : في المدح. وفي أخرى في مدحه- فقال: # «أهلكتم أو قطعتم ظهر الرجل» . [رواه البخاري ومسلم «5» ] . # اللغة: # يطريه: يبالغ في مدحه، المدحة: بكسر الميم: كيفية المدح وهيئته أهلكتم أو ~~قطعتم: كذا بأو، شك من الراوي. # الشرح: # المدح على الشيء قد يكون من إشارات الاستحسان ودواعي التشجيع والإجادة ~~واستحثاث «6» الهمم إلى جلائل الأعمال والإشادة بذكر المجد العامل، PageV01P251 # وحفز العزائم على الدأب والسعي لتحصيل المحامد وابتناء المكارم، كما أن ~~السكوت عنه غمط من شأن أولى الهمم وتثبيط لهم، وفت في عضدهم، وإماتة لما ~~عساه يكون عندهم من غرائز يدفعها التنشيط، ويعبرها الغمص والزراية كل هذا ~~خير ما دام القصد ما ذكر. # أما إذا كان المدح للتملق «1» وإسناد الأعمال إلى غير أربابها فإنه مجلبة ~~الطغيان وباعث النفاق والذلة، ومحيي المهانة والحقارة وموجب المقت والسحت ~~والكذب؛ لأن المادح يضطر إلى الإفراط وقوله غير الحق وإلى إظهار ما لا يضمر ~~للممدوح واعتقاده أنه كما يقول مادحه وقد يكون فاسقا أو ظالما وهذا غير جائز. # ففي حديث أنس «إذا مدح الفاسق غضب الرب» ، وقال الحسن رضي الله عنه. # من دعا لظلم بطول البقار فقد أحب أن يعصي الله في الأرض. # فإذا ما سلم المدح من تلك الآفات كما تقدم لم يكن به بأس ولقد كان سيدنا ~~علي رضي الله عنه إذا أثني عليه يقول: اللهم اغفر لي ما لا يعلمون، ولا ~~تؤاخذني بما يقولون، واجعلني خيرا مما يظنون. # 103- باب: جزاء النميمة وعدم الاستتار من البول # عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم بحائط من ~~حيطان المدينة أو مكة فسمع صوت إنسانين يعذبان في قبورهما فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # «يعذبان وما يعذبان في كبير» ، ثم قال: «بلى كان أحدهما لا يستتر» - وفي ~~رواية: «لا يستبرءى» . وفي أخرى «لا يستنزه من بوله وكان الآخر يمشي ~~بالنميمة» . [رواه البخاري «2» وغيره] . # اللغة: # الحائط: البستان، في كبير: في أمر يشق عليهما اجتنابه والابتعاد عنه، PageV01P252 # بلى: أي ms205 إنه لكبير خطره تحسبونه هينا وهو عند الله عظيم «1» يستتر: يجعل ~~بينه وبين بوله، سترة: أي لا يتحفظ منه ويستبرىء: يتطهر ويستنزه: يبعد عن ~~أن يصيبه البول أي لا يتوفى منه النميمة: هي نقل الكلام بين الناس لإيقاع ~~الأذى وإلحاق الضرر بهم. # الشرح: # ينبئنا الرسول صلى الله عليه وسلم أن من الذنوب ما يعده الإنسان صغيرا لا ~~يبالي أن يقترفه ولا يأبى ارتكابه ويظنه هين الشأن. وهو سيء المغبة «2» ~~مؤلم العاقبة وأن من ذلك عدم الاستتار وقت قضاء الحاجة فتبدو للناس عورته ~~كالحيوان البهيم. مع أن الله كرمه على سائر الخلق ولقد كرمنا بني آدم «3» ، ~~ويفقد حياءه وتضيع كرامته ويصبح حقيرا شأنه شأن الدواب. أو ألا يحترز من ~~البول فتصيبه النجاسة وتتناثر على جسمه وملابسه فتلوثها وتجعله مستقذرا في ~~أعين الناس وتفسد صلاته وعبادته- ومن ذلك أيضا. السعي بالنميمة ونقل الكلام ~~بين الأصدقاء والخلان بقصد الإضرار بهم وإفساد صداقتهم ومودتهم، وكشف ما ~~يكره كشفه من أمورهم سواء أكان ذلك بالقول أم بالكتابة، وسواء كان المنقول ~~من الأعمال أم من الأقوال ولذا كان خطبها «4» جسيما «5» وعاقبتها سيئة. # ولقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة نمام» . # وقال: «أحبكم إلى الله أحاسنكم أخلاقا المواطئون أكنابا الذين يألفون ~~ويؤلفون وإن أبغضكم على الله المشاؤن بالنميمة المفرقون بين الإخوان، ~~الملتمسون للبراء العثرات» . # وقال الحسن: من نم إليك نم عليك. # ومعنى هذا أن النمام ينبغي أن يبغض ولا يوثق بقوله ولا بصداقته. وكيف لا ~~وهو لا ينفك عن الغدر والخيانة والإفساد بين الناس وهذا من آفات اللسان ~~التي يجب PageV01P253 # على المسلم أن يحذر منها ويأخذ نفسه ولسانه على الحق ومحبة الناس والعمل ~~لخيرهم والبعد عما يضرهم ويسيء إليهم. # 104- باب: تعاهد القرآن # عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # «تعاهدوا القرآن. فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفصيا من الإبل في عقلها» . # [رواه البخاري ومسلم «1» ] . # اللغة: # تعاهدوا القرآن: حافظوا عليه وتقلدوه حينا بعد حين بملازمة تلاوته تفصيا: ~~تخلصا ms206 وتفلتا، يقال تفصيت من الشيء تفصيا إذا تخلصت وخرجت منه. # العقل: بضمتين جمع عقال بكسر العين وهو الحبل يشد في ركبه البعير. # الشرح: # القرآن هو قانون شريعتنا الإسلامية؛ وقاموس لغتنا العربية وقدوتنا ~~وإمامنا في حياتنا؛ به نهتدي وإليه نحتكم وبأوامره ونواهيه نقتدي، وعند ~~حدوده نقف، سعادتنا في سلوك سننه واتباع مناهجه. وشقوتنا في تنكب تعاليمه ~~والبعد عن شرعته، ومن الواجب أن نتعهده ونتفقده بالحفظ ومداومة التلاوة ~~والمدارسة حتى لا ينسى. # ولقد شبهه الرسول صلى الله عليه وسلم بالبعير الذي يخشى منه الشراد فما ~~دام تعاهده بالعقال أمن نفوره؛ أما إذا أهمل شرد وند وصار من الصعب إمساكه ~~ورياضته. # وكذلك القرآن فمتى كان المسلم شديد العناية به لا يترك تعاهده بالتلاوة ~~بل يجعله سميره في خلوته وجليسه في وحدته ومؤنسه في وحشته، لا يستبدله بلغو ~~القول فيما لا يفيد، دام حفظه وطال مقامه، أما إذا أهمل شأنه وشغلته ~~الصوارف عنه نسيه، وكلما طال العهد بتركه ازداد نسيانا؛ ووجد مشاقا جسيمة ~~في استعادة حفظه وثقل عليه استدراكه. PageV01P254 # وهذا الحديث يوافق قوله تعالى: إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا «1» . ويحض على ~~مداومة تلاوة القرآن ويفيد إباحة القسم عند الخبر المقطوع بصحته مبالغة في ~~تثبيته في صدر سامعيه. # 105- باب: التعوذ من الإثم والدين # عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو في ~~الصلاة ويقول: «اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم» ، فقال قائل: ما أكثر ~~ما تستعيذ يا رسول الله من المغرم؛ فقال: «إن الرجل إذا غرم حدث فكذب ووعد ~~فأخلف» . [رواه البخاري «2» ] . # اللغة: # أعوذ: ألجأ وأستجير. المأثم: الإثم والذنب. المغرم: بفتح الميم والراء ~~الغرم وهو: الدين، وفعله غرم كشرب. # الشرح: # المعاصي محارم الله التي نهى عباده المؤمنين عن اقترافها «3» وحذرهم من ~~انتهاكها وأن يحوموا حولها. والدين- وقاك الله ذله- مثقل الأعناق، وطريق ~~المنة والأذى وسبيل الفقر ومورث المهانة في أكثر أحواله؛ فلا غرو «4» أن ~~استعاذ الرسول صلى الله عليه وسلم منهما وأكثر من استعاذته في صلواته حتى ~~أدرك ذلك الصحابة ms207 فسأل أحدهم عن الباعث على كثرة تعوذه. من الدين. فقال: إن ~~الرجل إذا أدان اضطر إلى أن يخفي معسرته وبؤسه حتى لا يشمت فيه عدوه ولا ~~يلحف «5» في مطالبته غريمه، فيظل يملأ ما ضغيه بزخرف من القول، يموه به على ~~سامعيه، ويجافي بينهم وبين الإطلاع على حقيقة أمره، ودخيلة نفسه، ويظل يقول ~~إن لي عقارا بجهة كذا، وتجارة لن تبور في أصناف كذا وكذا، تدر علي من ~~الأرباح كل عام القناطير المقنطرة من PageV01P255 # الذهب والفضة، ولي ديون على فلان وفلان ولكم سخوت على الفقراء، وجدت على ~~المساكين، وأبرأت مدينين من ديون كانوا عن أدائها عاجزين، وهكذا لا يبرح ~~يقول إن لي ولي وهو في كل ذلك كاذب مائن ومنافق مخادع حتى ينكشف للناس أمره ~~ويبدو لهم عواره «1» فيطالبوه ويلازموه فيعدهم ويمنيهم ويضرب لهم الآجال ~~ويتملقهم رجاء أن يمهلوه حتى إذا جاءت مواعيده، وحلت النجوم، استمهلهم وطلب ~~منهم أن ينسئوه «2» مرة أخرى وهو في كل ذلك يماطل ويراوغ «3» . لأن الدين ~~بهظه «4» وضاقت عليه موارده وخانه حظه وعثر به جده، وألفى يديه صغرا بما ~~كان يؤمله. فالتمس الخلاص لنفسه من الناس وإذا بالسبل كسم الخياط «5» أو هي ~~أضيق، وبالأبواب قد أرتجت دون تنفيس كربته أو تفريج غمته فسقط في يده وأسلم ~~نفسه للمقادير تناوشه فتصرعه فلا يجد منها مفرا ولا ملتحدا «6» . # ذلك شأن الذي يستدين فيما يكرهه الله أو فيما لا يكون له حاجة للاستدانة ~~فكم من بيوت عامرة خربت، وثروات طائلة ذهبت وبادت، ونفوس كانت كريمة عزيزة ~~ذلت وهانت، وحرمات استطالت على الدهر خضعت وأنوف عزت على الإحن والحوادث ~~أرغمت بالدين ومهانته. # كل ذلك لدين لم تمس إليه الحاجة ولم تدع إليه ضرورة ملحة. بل لمظهر كاذب ~~ونفاق مزر، وابتغاء الزلفى لحاكم أو ولي والجري وراء عرض زائل أو إشباع ~~شهوة مرذولة «7» ، وإطفاء غلة ممقوتة. وهذا هو الذي يستعيذ منه الرسول ~~صلوات الله عليه. # أما الاستدانة لحاجة ماسة مع القدرة على الأداء فلا يستعاذ منه، ولا ~~يستغني عنه إلا القليل من ms208 الناس لأن بعضهم محتاج إلى بعض ولا غنى لأحدهم عن ~~الآخر- وما أحوجنا إلى الاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم في استعاذته ~~والبعد عما يوجب الذلة ويزري PageV01P256 # بالكرامة ويريق ماء الحياة ويضيع المروءة وما أحوجنا إلى ابتغاء العزة، ~~والمحافظة على الشمم «1» والإباء، ولا يكون ذلك إلا بتمسكنا باداب ديننا ~~والعمل بها وخاصة في هذه الأيام التي قل المعين والمناصر وكثر العدو وأحكم ~~فينا حبائله وأعمل في هدم كيان وحدتنا وديننا وكل عزيز علينا جهده ومكايده ~~ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. # 106- باب: الحلف بغير الله # عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع عمر ~~بن الخطاب وهو يحلف بأبيه فقال: «إن الله ينهاكم أن تحلفوا بابائكم من كان ~~حالفا فليحلف بالله أو ليصمت» . [رواه البخاري] «2» . # الشرح: # قد يلقي إنسان لآخر قولا أو يذكر له خبرا فلا يصدقه السامع، إما لمخالفته ~~لما يعلمه من موضوع الحديث، أو لغرابته عنده، أو لغيره، ذلك من البواعث ~~التي تحول دون وقوع ذلك الخبر موقع القبول، أو يصدقه، ولكن يحتاج من القائل ~~إلى ما يؤكده ويزيده ثبوتا وتحققا، فيضطر المتكلم إلى أن يؤكد قوله ويوثق ~~خبره بأنواع المؤكدات، ومنها اليمين. # فالحلف على الشيء يفيد توكيد المحلوف عليه باقترانه بما يعظم عند السامع ~~والمتكلم. وفي هذا الحديث يعلمنا الرسول صلى الله عليه وسلم بمن نحلف ونؤكد ~~أقوالنا إذا أردنا الحلف، ومن نعظم، ويبين لنا أن نحلف بالله ولا نحلف ~~بابائنا، لأن التعظيم الحقيقي لا يكون إلا له سبحانه وتعالى وهو الجدير ~~بالإجلال والإكبار. # ولما كان النهي يقتضي الحرمة. فقد أفاد الحديث حرمة الحلف بالآباء وبكل ~~ما سوى الله من نبي أو ولي وتخصيص الحلف بالله خاصة، ولكن اتفق العلماء على ~~أن اليمين تنعقد بالله وذاته وصفاته العلية. # والمشهور من مذهب المالكية أن النهي عن الحلف بالآباء للكراهة لا ~~للتحريم، PageV01P257 # وعند الحنابلة للتحريم لقوله عليه الصلاة والسلام: «من حلف بغير الله فقد ~~كفر أو أشرك» . # ويرى بعض الأئمة أنه ms209 لا إثم في الحلف بغير الله ما لم يسو بينه وبين الله ~~في التعظيم، أو كان الحلف متضمنا كفرا أو فسقا. # وأما ما ورد في القرآن من القسم بغير الله كالشمس والقمر والنجوم والطور، ~~ففيه جوابان: أحدهما أنه على حذف مضاف والتقدير ورب الشمس إلخ. والثاني أن ~~ذلك مختص بالله سبحانه وتعالى فإذا أراد تعظيم شيء من مخلوقاته أقسم به ~~وليس لغيره ذلك. # 107- باب: النية في الحلف # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«اليمين على نية المستحلف» . [رواه مسلم وابن ماجة «1» ] . # الشرح: # يتخاصم اثنان أمام القاضي في حق لأحدهما على الآخر وليس لصاحب الحق منهما ~~بينة فيطلب يمين خصمه فيحلف بأمر القاضي ناويا خلاف ما يحلف عليه. # ويكلف رجل آخر عملا من الأعمال فيزعم أنه قام به ويقسم على ذلك ناويا في ~~يمينه عملا آخر، أو معرضا بشيء سوى ما حلف عليه، فهل تعتبر في ذلك نية ~~الحالف أو نية المحلف؟ # يدلنا الحديث على أن المعتبر ما نواه المحلف لا الحالف، والحنث وعدمه على ~~ما نواه المستحلف، فمن حلف ناويا خلاف ما طلب منه الحلف عليه حنث في يمينه ~~وعليه كفارة اليمين. # وقد فصل العلماء في ذلك: وخلاصة التفصيل أن المحلف إن كان ظالما أو PageV01P258 # كاذبا في دعواه فالعبرة بنية الحالف وإلا فبنية المحلف، وكذا إذا كان ~~المحلف هو القاضي أو نائبه فعلى نية المحلف، أما إذا كان بغير طلب أو بطلب ~~غير القاضي أو في موضع لا تعلق لأحد بحق قبل الحالف فعلى نية الحالف. # والحاصل أن اليمين على نية الحالف في كل الأحوال إلا إذا استحلفه القاضي ~~أو نائبه في دعوى توجهت عليه فتكون على نية المستحلف. # وهذا مراد الحديث سواء كان اليمين بالله تعالى أم بالطلاق أم بالعتاق إلا ~~إذا حلفه القاضي بالطلاق أو العتاق فتنفعه التوراة ويكون الاعتبار بنية ~~الحالف لأن القاضي ليس له التحليف بهما وإنما يستحلف بالله تعالى. # 108- باب: كراهة الحلف في البيع # عن أبي هريرة ms210 رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # «الحلف منفقة للسلعة ممحقة للبركة» (وفي رواية للربح) . [رواه البخاري ~~ومسلم «1» ] . # اللغة: # الحلف: القسم والمراد اليمين الكاذبة كما صرح بذلك في رواية الإمام أحمد. ~~منفقة: مصدر ميمي من النفاق بفتح النون وهو: الرواج «2» ضد الكساد. # السلعة بكسر السين: واحدة السلع بكسر ففتح وهي: المتاع وما أعد للتجارة. # ممحقة: بوزن منفقة من المحق وهو: النقص والإبطال، والهاء فيهما للمبالغة، ~~البركة: الزيادة والنماء. # الشرح: # تساوم تاجرا في شراء شيء وتختلفان في الثمن فيقسم لك الأيمان المغلظة أنه ~~لا يربح فيها شيئا إذا باعها لك بما ذكر من الثمن أو أن غيرك قد عرض PageV01P259 # عليه فيها أكثر مما تعرض أنت وأن في بيعها لك بما رغبت غبنا «1» عليه ~~وخسارا كبيرا. أو تختلف معه في نوع السلعة أو جنسها فيلقاك باليمين أنها من ~~الصنف الفلاني أو من نوع كذا، ولا يزال ينمق «2» لك الكلام ويغريك ~~بالأيمان، حتى تغتر وتصدقه، فتشتريها كما قال بما طلب من الثمن، حتى إذا ~~فحصت عنها لم تجدها كما كنت ترغب أو وجدتها لا تساوي ما دفعت فيها، بينما ~~يكون البائع قد ظفر منك بالثمن الذي أراده. # وهكذا يصنع مع غيرك فتنفق بضاعته وتزداد ثروته، وكلما وجد الربح قد نما ~~بين يديه ولمع بريق الذهب والفضة أمام عينيه استمرأ «3» هذا السبيل الذي ~~يرى أنه يدر عليه الربح الوفير، من غير كبير مجهود ولا خسارة مادية، ويظن ~~أنه بذلك قد أمن البوار وسلم من الخسران، حتى إذا ظن أن الدنيا قد واتته ~~«4» ، وأن السعادة أقبلت عليه وسالمته الأيام: نزلت به مصيبة في جسمه أو ~~ماله أو ولده ذهبت بوافر ثرائه. # واجتاحته جائحة أودت «5» بما جمع واقتنى. من مرض ممض، أو فقد ولد، أو ~~سرقة، أو حريق، أو نحو ذلك من البلايا التي يصيب بها الله من لا يرعون ~~لدينه حقا، ولا يخشون لبطشه بأسا ولا عقابا، ومن يتخذون اسمه هزؤا ولعبا، ~~ويشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا، فيصبح صفر ms211 اليدين يندب حظه، ويلقي ~~على الدهر تبعة ما أصابه، وما درى أنه هو الذي خاط لنفسه ثوب الفقر وما نزل ~~به وهو الذي حفر لنفسه تلك الهوة «6» السحيقة التي تردى فيها لا إلى نجاة ~~أو قرار بما خفر من ذمته وكذب في قوله، ونقض من يمين الله واجب الوفاء بها، ~~لازم رعايتها وهكذا يصدق عليه قول الله تعالى: سنستدرجهم من حيث لا يعلمون. ~~وأملي لهم إن كيدي متين «7» . # فواجب المؤمن في تجارته أن يكون صادقا، أمينا لا خائنا ولا غاشا، وأن ~~يقنع بالربح القليل من حلال طيب عن ربح كثير من حرام خبيث، لأن الأول كثير ~~البركة PageV01P260 # مأمون الفائدة، بعيدة عنه الغوائل بمنجاة عما يذهبه من النوائب. أما ~~الثاني: فسبيل أن تأخذه النازلات «1» الفادحات «2» فتقل بركته وتمحق ~~زيادته، ولمال قليل في صحة وطمأنينة وراحة بال، خير من غنى كثير في مرض ~~واضطراب فكر ووساوس وهموم. # 109- باب: شراء المصراة # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ~~اشترى غنما مصراة فاحتلبها فإن رضيها أمسكها وإن سخطها ففي حلبتها صاع من تمر» . # [رواه البخاري وأبو داود «3» ] . # اللغة: # المصراة: الدابة التي ربط ضرعها ليجتمع اللبن، من قولك صريت الماء في ~~الحوض وصريته بالتخفيف والتشديد إذا جمعته. سخطها: كره شراءها ولم يرد ~~بقاءها عنده. الصاع: قد حان وثلث. # الشرح: # كان بعض الناس- ولا يزالون- إذا أراد بيع شاة أو بقرة ربط أثداءها يومين ~~أو أكثر حتى يجتمع اللبن فيها ثم يخرج بها إلى السوق ليبيعها فيظن من لا ~~يعرف حقيقة أمرها أنها غزيرة اللن حافلة الضرع وأن ذلك عادتها فيغتر بذلك ~~ويشتريها بثمن غال. حتى إذا ما عاد إلى بيته واحتواها منزله وحلب ذلك القدر ~~الذي كان قد اجتمع في ضرعها، وجدها قد صارت عجفاء «4» لا تدر أخلافها «5» ~~ولا تعطيه من اللبن إلا اليسير، فيعرف أنه قد خدع بظنه أن ورمها شحم، وأن ~~تصريتها «6» اكتناز باللبن، فيسقط في يده ويصبح في حيرة من أمره، وغم وبؤس ~~مما صار إليه. ms212 PageV01P261 # فبين الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أن من حدث له ذلك واشترى ~~دابة مصراة فهو بالخيار بعد أن احتلبها إن شاء أمسكها ورضي بها على ما فيها ~~من عيب وغرر، وإن شاء ردها على بائعها ورد معها قدحين وثلثا من التمر، لقاء ~~ما احتلبه من لبنها واسترداد الثمن الذي دفعه، لأن البائع غرر به وخدعه ~~واستغل طيب نفسه ونقاء سريرته من اتهام غيره بالغش وعدم احتياطه. # ومن هذا الحديث تستبين أمور: # 1- أن الخيار لا يثبت إلا بعد الحلب # ، والجمهور على أن المشتري إذا علم أنها مصراة ثبت له الخيار على الفور ~~ولو لم يحلب، ولكن لما كانت التصرية لا تعرف غالبا إلا بعد الحلب جعل الحلب ~~قيدا في ثبوت الخيار. # 2- أن المصراة يحل بيعها مع ثبوت الخيار # ولا مدة له بل يثبت عقب الحلب ثلاثة أيام بعد الحلب كما يدل على ذلك بعض ~~الروايات التي روي بها الحديث. # 3- أن هذا الحكم لا يختص بالغنم # بل يشمل الإبل والبقر من كل مأكول اللحم. أما غير مأكوله كالجارية ~~والأتان «1» فلا يرد للبن عوض، وإن ثبت له خيار ردها لفوات أمر مقصود منها. # وهل يثبت الخيار بمجرد الحلبة الأولى أو أن له الثانية والثالثة؟ # اتفق العلماء على أن له الحلبة الثانية ولا يسقط خيار بسكوته بعد الأولى. # واختلفوا في الثالثة، فقال الجمهور: إن له الثالثة لأن الحلبة الأولى لا ~~يتحقق معها معرفة التصرية. وكذا الثانية لجواز أن يكون نقصها عن الأولى ~~لاختلاف المرعى أو لأمر غير التصرية فإذا حلب الثالثة تحققت تصريتها فكان ~~له ردها. # 4- يفيد الحديث أن الصاع يرد مع الشاة. # ويلزم من ذلك عدم رد اللبن ولو كان باقيا أي لا يلزم البائع بقبوله لأن ~~نص الحديث أثبت له حقا هو صاع التمر وهل يتعين التمر أو يجوز غيره مما ~~يقتات به أهل البلد أو قيمته؟ مذاهب. # ويدل الحديث أيضا على وجوب الصاع قل اللبن أو كثر حسما للنزاع في قلته PageV01P262 # وكثرته، إذ قد يحصل البيع في صحراء، ms213 أو بادية حيث لا يوجد من يعتمد قوله ~~في المقدار والقيامة. # هذا وقد خالف الحنفية بالحديث ولم يعملوا به، فلم يثبتوا الرد بعيب ~~التصرية، ولم يوجبوا رد الصاع من التمر. وحجتهم على ذلك: أن حكم هذا الحديث ~~مخالف للأصول المعلومة، وما كان كذلك لا يلزم العمل به، أما المقدمة الأولى ~~فإن المعلوم من الأصول أن المثليات تضمن بمثلها والقيميات بقيمتها من ~~النقدين. وههنا إن كان اللبن مثليا فضمانه بمثله لبنا وإن كان قيميا فضمانه ~~بقيمته من النقدين، وهو في الحديث مضمون بالتمر فهو خارج عن الأصلين جميعا. # وأيضا أن القواعد الكلية تقتضي أن يكون الضمان بقدر التالف من المضمون ~~وهنا قدر الضمان بالصاع مطلقا قل اللبن أو كثر. # وأيضا أن الحديث يقضي برد الصاع ولو كان اللبن ناقيا، وفي ذلك ضمان ~~الأعيان «1» مع بقائها والأعيان لا تضمن بالبدل إلا إذا هلكت كالمغصوب ~~وسائر المضمونات. # وأما المقدمة الثانية فإن هذا الحديث خير آحاد فيفيد الظن، والأصول ~~المعلومة مقطوع بها من الشرع. والمظنون لا يعارض المقطوع. # وقد نوقشت هذه الحجج ورد عليها بما لا يتسع المقام لبسطه. # 110- باب: ثبوت خيار المجلس في البيع والشراء # عن حكيم بن حزام: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «البيعان بالخيار ما ~~لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كتما وكذبا محقت بركة ~~بيعهما» . # [رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وأحمد «2» ] . PageV01P263 # اللغة: # البيعان: البائع والمشترى، ويسمي المشتري، بيعا من باب التغليب لأن البيع ~~هو البائع. الخيار: اسم من الاختيار أو التخيير وهو: طلب خير الأمرين من ~~إمضاء البيع أو فسخه. والمراد به خيار المجلس في الفسخ لأن الإمضاء لا ~~يحتاج إلى شيء زائد على الإيجاب والقبول ويكفي فيه السكوت. يتفرقا: يفترقا ~~بأبدانهما، وقيل: يفترقا بالأقوال أي ما لم يتم البيع بالإيجاب والقبول. ~~وزعم بعضهم أنه يقال افترقا بالكلام وتفرقا بالأبدان ورد ذلك بقوله تعالى: ~~وما تفرق الذين أوتوا الكتاب «1» فإنه ظاهر في التفرق بالكلام لأنه ~~المخالفة في الاعتقاد. # ويرجح حمل التفرق في الحديث ms214 على تفرق الأبدان ما رواه البيهقي بلفظ «حتى ~~يتفرقا من مكانهما» وبأن ابن عمر رضي الله عنهما كان إذا باع أو اشترى شيئا ~~ولم يشأ الرجوع، قام من مجلسه ومشي هنيهة «2» ، صدقا وبينا، أي صدق البائع ~~المشتري في نوع المبيع وسلامته من العيوب وبين له ما فيه. وصدق المشتري ~~البائع في نوع الثمن وجنسه وبين له ما فيه من عيب أو نحوه كتما وكذبا. أي ~~أخفى كل منهما عن الآخر ما في البدل الذي يكون من جهته وغش كل الآخر فيما ~~عليه البدل. # محقت بركة بيعهما: أي قلت وضاعت الزيادة والفائدة التي كان يرجوها كل ~~منها البائع في الثمن والمشتري في المبيع بما يبتليهم الله به من الجوانح ~~«3» والمصاب التي تذهب بما في أيديهما. # الشرح: # قد يشتري الإنسان شيئا من آخر لحاجة له فيه ثم يندم على الشراء لطروء ما ~~يدعو للندم من رغبة عما اشتراه أو استكثار الثمن أو بدو أمر لم يكن باديا ~~من قبل، يقتضي رد المبيع، وقد يبيع شيئا من ماله لحاجة عرضت ثم يتبين له ~~أفضلية بقائه، إما لتبين خسارة في البيع، أو اهتدائه إلى مخلص سوى البيع من ~~الحاجة التي دعت إليه، فيود كل منهما أن لو أقاله «4» صاحبه وفسخ ما بينهما ~~من عقد أو وجد PageV01P264 # سبيلا يحله من هذا التعاقد. # لذا يبين الرسول صلى الله عليه وسلم أن كلا من البائع والمشتري بالخيار ~~بعد الإيجاب والقبول بين إمضاء البيع أو فسخه ما داما في مجلس البيع فلكل ~~منهما أن يفسخه بدون رضا الآخر، ويسمى هذا (خيار المجلس) . # أما إذا ترك أحدهما صاحبه فلا خيار لهما ولا لأحدهما لأن ما كان بينهما ~~من عقد قد تأكد بالمفارقة فلا سبيل إلى العدول عنه إلا برضا الطرفين ~~بالإقالة. # فالتفرق المذكور في الحديث هو التفرق بالأبدان لأنه المفهوم عند الإطلاق ~~إذا قيل تفرق الناس ولأن البيعين (بتشديد الياء) هما البائع والمشتري على ~~ما تقدم، ولا يسمى أحدهما بيعا حقيقة إلا بعد حصول العقد منهما، ومتى حصل ~~العقد ms215 لا يكون منهما تفرق بالأقوال لا بالأبدان. ولأن كل واحد يعلم بداهة ~~علما عاما أن المشتري بالخيار ما لم يوجد منه قبول المبيع، وأن البائع ~~خياره ثابت في ملكه قبل أن يعقد البيع. # فلو كان المراد من التفرق الإختلاف في الأقوال وهي الإيجاب والقبول- إذ ~~ليس بينهما أقوال سواهما- لخلا الحديث عن الفائدة ولم يكن له معنى- وبهذا ~~تمسك من أثبت لكل من المتبايعين خيار المجلس، وهم جماعة من الصحابة ~~والتابعين منهم: علي، وابن عمر، وابن عباس، وأبو هريرة، وشريح، والشعبي، ~~وعطاء- وذهب مالك وأبو حنيفة إلى عدم القول بخيار المجلس وإلى أن الصفقة ~~متى تمت بالإيجاب والقبول فلا خيار إلا بالشرط. # ولم يعملوا بهذا الحديث لمعارضته ما هو أقوى منه من نحو قوله تعالى: # وأشهدوا إذا تبايعتم «1» لأن الآية تدل على طلب الإشهاد عند البيع فإن ~~وقع قبل التفرق لم يكن له فائدة مع ثبوت خيار المجلس. # وإن وقع بعد التفرق، لم يصادف محله لأنه وقع بعد تمام البيع. # وقوله: أوفوا بالعقود «2» والراجع عن موجب العقد قبل التفرق لم يكن PageV01P265 # موفيا به. وقوله عليه السلام: «المسلمون عند شروطهم» ، الخيار بعد العقد ~~بدون شرط مفسد للشرط وهو العقد الذي بينهما- وفي بعض هذه الأقوال مقال يرجع ~~إليه من شاء في المطولات. # والمشهور أن حد التفرق بالأبدان موكول إلى العرف فما عده العرف تفرقا حكم ~~به وإلا فلا. # وفي الحديث دلالة على شؤم التدليس والكذب ويمن الصدق والإرشاد. # 111- باب: النهي عن بيع الثمر قبل بدو صلاحها # عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع ~~الثمار حتى تزهي، فقيل وما تزهي؟ قال: «حتى تحمر» ، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # «أرأيت إذا منع الله الثمرة بم يأخذ أحدكم مال أخيه» . [رواه البخاري ~~ومسلم] «1» . # اللغة: # تزهي في القاموس: زها النخل طال كأزهى، والبسر تلون كأزهى وزهى. # الشرح: # كان الناس في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم يبيعون ثمار نخلهم أو ~~بساتينهم قبل أن يظهر نضجها وأمانها من العاهات ms216 «2» بل قبل أن يبدو الثمر ~~من أكمامه فتجتاحه الجوائح وتذهب به العاهات والأمراض بأن يعفن الطلع أو ~~يفسد الثمر حتى إذا جاء الجداد «3» لم يجد المشتري ثمرا مما رغب فيه وقت ~~لشراء فيختصم مع البائع ويكثر بينهما اللجاج والشحناء، البائع يقول بعتك ~~وما ضمنت لك السلامة من الآفات، والمشتري يقول ما اشتريت إلا لكي أنتفع بما ~~دفعت ثمنه. وبم تستحل الثمن الذي أخذته إذا كنت لم أقبض شيئا مما اشتريته ~~وفي ذلك من العداوة والبغضاء ما فيه. PageV01P266 # فنهى الرسول صلى الله عليه وسلم البائعين والمشترين عن بيع الثمار قبل أن ~~تعقد ببدو صلاحها، وتظهر حمرتها وصفرتها، وتصير بمأمن من الآفات التي ~~تهلكها لكيلا يحصل بينهم الاختلاف إلا المخاصمة إذ قد عرف كل منهم ما هو ~~مقدم عليه وأمن على البدل الذي يأخذه من الآخر. # ولظاهر النهي قال بعض العلماء: ببطلان البيع قبل أن تزهي الثمار سواء قبل ~~وجودها أم بعده وقبل ازدهائها. وقيل: إن البيع جائز ... # هذا ونهاية الحديث تدل على العلة في النهي، وأنه مخاطب به البائع لئلا ~~يأكل مال أخيه بالباطل، والمشتري لئلا يضيع ماله، ويساعد البائع على ~~الباطل. وفيه أيضا قطع أسباب النزاع بين المسلمين. # وهل يكفي بدو الصلاح في جنس الثمار؟ حتى لو بدا الصلاح في بستان من البلد ~~جاز بيع ثمرة جميع البساتين، وإن لم يبد الصلاح فيها، أو لا بد من بدو ~~الصلاح في كل بستان على حدة. أو لا بد من صلاح كل جنس على حدة أو في كل ~~شجرة على حدة. # قال مالك: يكفي بدو الصلاح في جنس الثمار لجواز البيع في الجميع وإن لم ~~يبد صلاحها ولو كانت من أنواع مختلفة. # وقال الإمام أحمد: لا بد من بدو صلاح كل بستان على حدة. # وقال الشافعي: يشترط لصحة بيع كل جنس بدو الصلاح في ذلك الجنس بصلاح بعضه ~~ولا يشترط صلاح الجميع لأن الإزهاء متلاحق واشتراط الكل يؤدي إلى إفساد ~~أكثره، وقد من الله تعالى على عباده بكون الثمار لا تطيب دفعة ms217 واحدة ليطول ~~زمن التفكه والتلذذ بها فيشكروا الله على ما آتاهم. # 112- باب: فضل التجاوز عن المعسر # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «كان تاجر يداين الناس، فإذا رأى PageV01P267 # معسرا قال لفتيانه تجاوزوا عنه لعل الله أن يتجاوز عنا فتجاوز الله عنه» ~~. [رواه البخاري «1» ] . # الشرح: # التجاوز عن المعسرين وتفريج كرب المكروبين من أعظم الأعمال مثوبة، ~~وأكثرها عند الله أجرا، وعند الناس حمدا وشكرا. # ولقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «من سره أن ينجيه الله من كرب يوم ~~القيامة فلينفس عن معسر أو يضع عنه» «2» . # وقال صلى الله عليه وسلم: «من فرج عن مؤمن كربة من كرب الدنيا فرج الله ~~عنه كربة من كرب يوم القيامة» «3» ، وقد يأتي على المرء شدة ومسغبة «4» ~~يضيق بها واسع رحابه، وتمسك بتلابيبه وتصبح الدنيا أمامه كسم الخياط، يود ~~الخلاص منها بأي ثمن وإن غلا، ويود أن لو ابتلعته الأرض، لديون تراكمت، ~~وأزمات به حلت لم تبق على رطب ولا يابس، ولا صامت من ماله ولا ناطق. # فإذا ما أنقذه دائنه مما هو فيه وحط عنه بعض دينه أو تجاوز له عما شغلت ~~به ذمته. كان كمن ردت إليه الحياة وقد كادت تزهق «5» ، أو انتشل من براثن ~~«6» الهلاك وقد أوشك أن يغرق، وناهيك إذا كان المتجاوز تاجرا شأنه البيع ~~والشراء للربح والكسب، فهو جد حريص على زيادة ماله. وإنما ثروته، وتقليب ~~تجارته في الأسواق يبتغي المال الوفير، والربح الكثير، فإذا ما وضع عن ~~غريمه بعض ما عليه دل ذلك على إخلاصه وسلامة نفسه من الشح ورغبته في الخير ~~وابتغاء الأجر؛ فلا غرو أن يتجاوز الله عن سيئاته ويحط من أوزاره ويعفو ~~برحمته عن هفواته «7» وهو الغفور الرحيم. PageV01P268 # 113- باب: الاستقراض وحسن القضاء # عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم يتقاضاه ~~فأغلظ، فهم به أصحابه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دعوه فإن لصاحب ~~الحق مقالا» ، ثم قال «أعطوه سنا مثل سنة» قالوا يا رسول الله لا نجد إلا ms218 ~~أمثل من سنه، فقال: # «أعطوه، فإن خيركم أحسنكم قضاء» . [رواه البخاري ومسلم «1» بألفاظ ~~مختلفة] . # اللغة: # يتقاضاه: يطلب منه قضاء الدين. أغلظ: شدد في المطالبة. فهم به أصحابه: ~~أراد أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم أن يؤذوه مقالا: صولة في الطلب وقوة الحجة. # سنا مثل سنة: جملا سنه مثل الذي له. أمثل: أفضل وأحسن. # الشرح: # اقترض الرسول صلى الله عليه وسلم من أعرابي بعيرا، فلما حل أجل الأداء ~~جاء الأعرابي ليستوفي ماله، ولكنه لم يجمل في الطلب ولم يحسن، بل شدد في ~~المطالبة على عادة الأعراب من الجفوة؛ فأساء ذلك بعض الصحابة الذين حضروا ~~المطالبة وأرادوا أن يؤذو الأعرابي لسوء أدبه مع الرسول صلى الله عليه وسلم ~~ولكنهم لم يفعلوا أدبا مع النبي صلى الله عليه وسلم. # فقال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم: دعوه ولا تأخذوا عليه القول حتى ~~يبين حقه ويطلب ماله، فإن صاحب الحق ذو صولة «2» وقوة وبيان، فإذا حيل بينه ~~وبين المطالبة به ضاع حقه، وعد كاذبا أو محتالا، ولا شك أن هذا من حسن ~~أخلاق المصطفى عليه الصلاة والسلام، فكأنه يبدي عذر الأعرابي في تشديده في ~~الطلب، ويكف عنه عاديه الصحابة، ويكبح من غيظهم، الذي أثاره جفاء ذلك ~~الأعرابي وغلظته، ويسري عنه ما يعتريه من الخوف والفزع لإرادتهم الإيقاع به. # ثم أمر بأن يشتري له بعيرا يقضي به حقه فقالوا لم نجد إلا أفضل من الذي PageV01P269 # يستحقه فقال صلى الله عليه وسلم: اشتروه وأعطوه إياه يكن لكم فضل حسن ~~القضاء. # يدل هذا الحديث على أمور: # جواز المطالبة بالدين إذا حل أجله. # وحسن خلق النبي صلى الله عليه وسلم وعظم حلمه وتواضعه وإنصافه. # وقبح مجافاة صاحب الحق وإن أساء في الطلب. # وجواز استقراض الإبل ويلحق بها جميع أنواع الحيوان وعلى هذا أكثر ~~العلماء، أما الحنفية فلم يجوزوه، لأن فيه بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، وهو ~~منهي عنه في جملة أحاديث صحيحة رجالها ثقات فهي ناسخة لما في هذا الحديث، ~~ولأن الحيوان مما تختلف أفراده اختلافا كبيرا، ويقع بينها ms219 تفاوت كبير، يؤدي ~~إلى الخصومة والمنازعة. # ويدل على جواز الوفاء بما هو أفضل من المثل المقترض، إذا لم يكن ذلك ~~مشروطا في العقد، وإلا فهو حرام لأنه ربا، ويستوي في الزيادة القليل ~~والكثير والصفة والمقدار. # 114- باب: النهي عن القضاء حين الغضب # عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~«لا يقضين حكم» ، وفي رواية «لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان» . [رواه ~~الجماعة «1» ] . # اللغة: # الحكم: الحاكم. ويطلق على القيم بما يسند إليه وعلى ما يرتضيه PageV01P270 # الخصمان للفصل بينهما. # الشرح: # العدل دعامة العمران وباعث الطمأنينة إلى النفوس، به يحق الحق ويزهق ~~الباطل، يأمن في ظلاله الخائف، ويرتدع من جبروته وسطوته الظالم، ويقوي ~~الضعيف المحق، ويضعف القوي المبطل، وتستنير بضوئه مسالك الحياة الوادعة «1» ~~السعيدة، ويضمحل على صخرته صخب البطش والجور. # وأحرى بمن نصب للفصل بين الناس في الخصومات، واستجلاء الحق في ثنايا ~~الدعاوى والأباطيل، أن يكون جد حريص على وضع الأمر في نصابه وتفرس الصواب، ~~من بين عريض الأقوال والمزاعم، ولا يتحقق ذلك، إلا بأن يكون حاضر الذهن، ~~واعيا لكل ما يقال بين يديه، يزنه بميزان الصيرفي «2» الناقد «3» ، ~~والعبقري «4» الحاذق، مالكا زمام أمره، خالي الذهن من الصوارف، التي تحول ~~بينه وبين ما جعل له، رزينا لا تستفزه الأهواء، ولا يأسر لبه الملق «5» ~~والإطراء، حليما لا تحل حبوته المكدرات، ولا تهيج طائره «6» المفزعات، فارغ ~~النفس من الهموم والشواغل. هنالك يتحقق منه العدل، ويرتضي الحكم، وتخضع ~~الهامات العاصية، وتذل النفوس الطاغية ويمتد ظل الأمن على الناس، وتسكن ~~ثورة الأهواء، ويقضي على نزوات العبث والفساد. # أما إذا كان القاضي، أو الحكم على غير ذلك اختل نظره وربما تجاوز الحق ~~إلى الباطل في حكمه، كأن يكون حال غضب استولى على نفسه، وصعب عليه صرفه ~~ومقاومته. وكان سائر ما يتعلق به القلب تعلقا يشغله عن استيفاء النظر ودقة ~~البحث، لاستيضاح الصواب. # ولذا نهى الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أن يقضي القاضي بين ~~الناس وهو غضبان، وقاس العلماء ms220 على الغضب كل ما من شأنه أن يؤثر على العقل ~~ويغير الفكر PageV01P271 # من جوع أو مرض أو هم أو نحو ذلك. # 115- باب: التعريف باللقطة وحكمها # عن زيد بن خالد رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فسأله عن اللقطة فقال: «اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة فإن جاء ~~صاحبها وإلا شأنك بها» ، قال: فضالة الغنم، قال: «هي لك أو لأخيك أو للذئب» ~~، قال: فضالة الإبل؟ قال: «مالك ولها؟ معها سقاؤها وحذاؤها ترد الماء وتأكل ~~الشجر حتى يلقاها ربها» . [رواه البخاري «1» وغيره بألفاظ مختلفة] . # اللغة: # اللقطة: (بضم اللام وفتح القاف على المشهور) : كل مال معصوم معرض للضياع ~~لا يعرف مالكه، وأكثر ما تطلق: على ما سوى الحيوان، أما الحيوان فيقال له ~~ضالة. العفاص: الوعاء الذي يكون فيه الشيء من جلد أو نسيج أو خشب أو غيره، ~~أو مأخوذ من العفص وهو: الثني، لأن الوعاء يثني على ما فيه، وأصل العفاص: ~~الجلد الذي يكون على رأس القارورة، يقال عفصتها عفصا: إذا شددت العفاص ~~عليها وأعفصتها إذا جعلت لها عفاصا. الوكاء: (بكسر الواو) وهو ما يشد على ~~رأس الصرة والكيس من خيط ونحوه، وفعله أوكى كأعطى. والمراد من معرفة العفاص ~~والوكاء تمييزهما عن غيرهما حتى لا تختلط اللقطة بمال الملتقط، وحتى يستطيع ~~إذا جاءه صاحبها أن يستوصفه العلامات التي تميزها عن غيرها، ليتبين صدقه من ~~كذبه. عرفها سنة: انشر خبرها بين الناس بقدر استطاعتك، حتى يعلم صاحبها ~~أمرها. شأنك بها: تصرف فيها، لأخيك: المراد به صاحبها أو ملتقط آخر. الذئب: # المراد به كل حيوان مفترس. ما لك ولها: دعها وشأنها. سقاؤها: السقاء وعاء ~~الماء والمراد به هنا كرشها لأنها تخزن فيه الماء فتقوي على السير عدة أيام ~~دون أن تشرب. PageV01P272 # حذاؤها: المراد به أخفافها أي أنها تقوي على السير وقطع البلاد ورعي ~~الشجر والامتناع على السباع المفترسة. ربها: صاحبها. # الشرح: # اشتمل هذا الحديث على حكم ثلاثة أشياء سئل فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم. # 1- اللقطة: # وقد ms221 تقدم تعريفها وأنها أكثر ما تطلق على غير الحيوان. وقد بين الرسول ~~صلى الله عليه وسلم حكمها بأنه يجب على ملتقطها أن يتبين علاماتها التي ~~تميزها عما عداها من وعاء ورباط، وكذا كل ما اختصت به من نوع وجنس ومقدار ~~(كيل أو وزن أو ذرع) ويحتفظ عليها احتفاظه على ماله، ولا يعتدها غنيمة ~~ساقها الله إليه، فيعمل فيها يد الإتلاف والإنفاق، كأنما هي مال مملوك له ~~سواء في ذلك الحقير والجليل، ثم يعرفها وينشر نبأها بما يستطيع في مجتمع ~~الناس وعقب الصلوات في المساجد، وحيث يظن أن ربها هناك، وما يعتقد أنه يذيع ~~أمرها حتى يصل إلى صاحبها. ومدة التعريف سنة، وتلك في ذات القيامة غير ~~التافهة. # وقال جمهور العلماء إن التعريف سنة واجب، إذا أراد تملكها ولم يرد حفظها ~~على صاحبها أما إذا أراد حفظها لمالكها فالأصح أنه يلزمه التعريف أيضا لئلا ~~تضيع على صاحبها فإنه لا يدري أين هي حتى يطلبها. # أما القليل التافه الذي يعلم أن صاحبه لا يطلبه عادة فإنه لا يعرف أصلا ~~ويملك بأخذه وإن كان يتبعه صاحبه يعرف أياما، إلى أن يغلب على الظن أن ~~صاحبه لا يطلبه بعد ذلك. # وإن كانت اللقطة مما يتسارع إليه الفساد كالطعام فللملتقط أن ينتفع به ~~ويضمنه لصاحبه، وله أن يتصدق به ولا ضمان عليه هذا حكم تعريفها. # أما أخذها والتقاطها فهو مستحب، وقيل يجب، وقيل إن كانت في موضع يأمن ~~عليها إذا تركها استحب الأخذ؛ وإلا وجب، وإذا علم من نفسه الطمع فيها حرم ~~عليه أخذها. # وهذا كله في غير لقطة الحرم، أما لقطته فيحرم أخذها إلا لتعريفها لقوله ~~عليه الصلاة والسلام «لا يلتقط لقطتها- مكة- إلا من عرفها» «1» . PageV01P273 # ولما فقدت الأمانة، وغلب الطمع على الناس سنت الحكومات في قوانينها أن من ~~وجد شيئا وجب عليه تسليمه إلى رجال الحكومة وإلا عد سارقا يعاقب بما يستحق، ~~وهذا لا بأس به. # واللقطة في مدة التعريف: وديعة عند الملتقط لا يضمنها إذا هلكت إلا ~~بالتعدي، وعليه ردها لصاحبها متى بين من ms222 العلامات والأمارات ما كان خاصا ~~بها يميزها عما عداها ولا يشترط أن يقيم البينة. وإذا انقضت المدة ولم ~~يطلبها صاحبها كان للملتقط الانتفاع بها وعليه ضمانها إن عاد يطلبها. # 2- ضالة الغنم: # وقد ذكر النبي عليه الصلاة والسلام أنه يجوز أخذها بقوله: # «هي لك أو لأخيك» إلخ فكأنه قال هي ضعيفة معرضة للهلاك، مترددة بين أن ~~تأخذها أنت أو أخوك وهو صاحبها أو ملتقط آخر، أو أن تفترسها الوحوش وفي ذلك ~~حث على أخذها. # وهل يجب تعريفها أولا؟ # الجمهور على الوجوب. فإن لم يطلبها صاحبها كان للملتقط أن يأخذها وغرم ~~لصاحبها. وقال المالكية: إنه يملكها بمجرد الأخذ ولا ضمان عليه، ولو جاءها ~~لأنه سوى في الحديث بين الذئب والملتقط، والذئب لا غرامة عليه، فكذلك ~~الملتقط. # واجمعوا على أنه لو جاء صاحبها قبل أن يأكلها الملتقط ردت إليه. # 3- ضالة الإبل: # وقد ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها مستغنية عن الملتقط وحفظه بما ~~ركب في طباعها من الجلادة «1» على العطش والقدرة على تناول المأكول من ~~الشجر بغير تعب لطول عنقها فلا تحتاج إلى ملتقط وبخاصة أن بقاءها حيث ضلت ~~يسهل على صاحبها العثور عليها بدل أن يتفقدها في إبل الناس. PageV01P274 # 116- باب: النهي عن عقوق الأمهات وكثرة السؤال وإضاعة المال # عن المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله حرم ~~عليكم عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنع وهات، وكره لكم قيل وقال، وكثرة ~~السؤال، وإضاعة المال» . [رواه البخاري «1» ] . # اللغة: # عقوق الأمهات: إيذاؤهن وعدم القيام بحقوقهن- وأد البنات: دفنهن أحياء. ~~منع: مصدر منع يمنع. هات: اسم فعل بمعنى أعطني. والمراد بهما منع ما أمر ~~الله بإعطائه وطلب ما لا يستحق- قيل وقال: وفي رواية قيلا وقالا: وهما إما ~~اسمان. يقال كثر القيل والقال، وإما: مصدران لقال يقول والمراد كثرة الكلام ~~المفضي إلى الخطأ والزلل، وكرر للمبالغة في الزجر عنه؛ وإما فعلان محكيان ~~والمراد حكاية أقاويل الناس والبحث عنها ليحدث بها. فيقول: قال فلان كذا ~~وقيل كذا. # الشرح: # اشتمل هذا الحديث على ms223 ستة أشياء يجب على المسلم اجتنابها. # أولها: عقوق الأمهات # وعدم القيام بحقوقهن والوفاء لهن بما يجب من حسن الطاعة والإنفاق ~~والمعونة: وطيب القول والبعد عما يغضبهن أو يسبب سخطهن، فطالما شقيت الأم ~~بابنها حملا وفصالا «2» ورضاعا وتربية وحياطة من كل أذى وضرر. # تسهر لينام، وتتعب ليرتاح، وتشقى ليسعد، ابتسامته وهو صغير أشهى لديها من ~~الدنيا وما فيها، وصحته وسروره أغلى ما تبغي الحصول عليها، تفتديه بكل ~~مرتخص وغال، وتقيه بما تستطيع وتملك من كل غائلة وشر، إن بكى طارت نفسها ~~شعاعا، PageV01P275 # وإن مرض تقرحت جفونها التياعا «1» ، فليس من حسن الصنيع أن يقابل ذلك ~~بالجحود والكفران أو يجعله في مطارح النسيان. # وقد خص الأم في هذا الحديث لأن العقوق إليها أسرع لضغفها ولينبه على أن ~~بر الأم مقدم على بر الأب في التلطف والحنو. # وثانيها: دفن البنات وهن أحياء: # وكان أهل الجاهلية يفعلون ذلك مخافة الفقر أو العار، لأن البنت ضعيفة ~~المنة، عاجزة عن مزاحمة الرجال في كسب مادة الحياة فتكون عبئا على أبيها ~~وحملا ثقيلا، فكان بعضهم يقتل البنات لتخف عنه ثقل معيشتهن، وبعض آخر يئدهن ~~مخافة أن يجلبن عليه العار بزلة تجعل أهلها سبة الدهر. # وثالثها: منع وهات: # والمراد بهما البخل بالمال عن الواجبات الشرعية وما تقتضيه المروءة من ~~زكاة وبر وإعانة محتاج وغوث مستغيث، ونحو ذلك والطمع فيما ليس أهلا له، من ~~ابتغاء أجر بدون عمل، أو زيادة على استحقاق لما في ذلك من إضاعة المروءة ~~وإذلال النفس وأكل المال بالباطل. # ورابعها: قيل وقال: # والمراد تتبع أخبار الناس وأحوالهم للتحدث بها وإشاعتها وربما كان في شيء ~~منها ما يغضب المقول فيه، من أمور كان يود إخفاءها، وأسرار لا يحب إذاعتها، ~~فتنشأ العداوة وتنمو الضغينة ويعم الفساد والأذى. # أضف إلى ذلك ما يوصم «2» به من كانت هذه صفته من المذلة والصغار، وما ~~يلقاه من الناس من الإهانة والاحتقار. # وخامسها: كثرة السؤال: # والمراد بذلك إما سؤال المال والصدقة، وفي ذلك من إراقة ماء الوجه وإذلال ~~النفس ما يربأ أن يدنس ms224 به نفسه، وإما السؤال عن المشكلات والمعضلات وأخبار ~~الناس واختراع الأحاجي والألغاز للتعجيز والإرهاق، لما يترتب على ذلك من ~~إضاعة الوقت في غير المفيد. وربما كان في الجواب عن السؤال ما يؤلم السائل ~~ويسيء إليه أو إلى غيره على حد قوله تعالى: لا تسئلوا عن PageV01P276 # أشياء إن تبد لكم تسؤكم «1» . # وسادسها: إضاعة المال: # بالإسراف في إنفاقه أو إنفاقه فيما يغضب الله من المحرمات. # وعلى الجملة إنفاقه في غير وجهه المأذون فيه شرعا مما يجلب مصلحة دينية ~~أو دنيوية، أو يدفع مضرة كذلك. ذلك بأن المال قوام الحياة ومادة الدنيا ~~التي هي مزرعة الآخرة. وإضاعته تورث الندم والفقر والذل. # انظر إلى ما يصنع في الأفراح والماتم وجهاز العروس والمنازل، وما ينفق في ~~الملاذ والملاهي والرياء والملق للحكام، والظهور في المظاهر الكاذبة ~~الخادعة وما يجلب ذلك من الخراب العاجل وقانا الله شر هذه الآثام ووفقنا ~~للعمل بسنة خير الأنام. # 117- باب: قبض العلم بموت العلماء # عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض ~~العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخط الناس رؤوسا» . وفي رواية: «رؤساء جهالا ~~فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» . [رواه البخاري ومسلم «2» ] . # الشرح: # العلماء هم مصابيح الهداية. ورسل الرشاد، وأمناء الله في خلقه، يهدون ~~الضال، ويأخذون بيد المسترشد إلى حيث السداد والصواب، آتاهم الله من بسطة ~~الفهم، وسعة العقل ونفاذ البصيرة ما يكون عصمة لهم من الزلل في الرأي، ~~والخطل في الفهم، وعونا على استكناه الحقائق، وكشف غوامض العلوم، فصدورهم ~~أوعية المعارف، وعقولهم خزائن الحكم، يفيض منها على الناس ينبوع لا PageV01P277 # ينضب «1» ومعين لا يغيض «2» وعلى مقدار كثرتهم في الأمة واسترشاد الناس ~~بهم يكون رقيها وعزها. # كما أن في قلتهم وانقضاض الأفراد من حولهم أو ابتعادهم عن الناس يكون ~~انحطاطها وتأخيرها. وانغمارها في جهالة جهلاء، وفشوا الأكاذيب والأضاليل فيها. # وبموت العالم يخبو مصباح يضيء ظلمات الحياة، ويثلم سيف كان ms225 للحق ماضيا، ~~وينهدم ركن من أركان عظمة الأمة ومجدها، فإن لم يخلفه غيره بقي ذلك الجانب ~~مهيضا «3» . وظل ذلك الركن مظلما، واستولت من بعده على العقول الأوهام ~~والخرافات، وثارت من مكامنها هوام الفتنة والزيغ «4» ، وتصدر المجالس من ~~ليس لها بأهل، وأفتي من ليس بينه وبين العلم نسب ولا صهر فأذاع الأساطير، ~~وملأ الأفئدة والآذان بما ينبو عنه العلم الصحيح. ويجافي الحق والصواب ولا ~~يزال سادرا في ظلماء الزيغ حتى يضل من حوله بضلاله ويعمي البصائر عن سواء ~~السبيل. # فواجب على العلماء أن يذيعوا ما ائتمنهم الله عليه من مسائل العلوم ~~وأبكار الفنون وأن ينشروا بين الناس نور الهدى ولا يستأثرون به دونهم، وعلى ~~العامة أن يحرصوا على تفهم ما يحتاجون إليه في حياتهم حتى لا يصبحوا في ~~بيداء لا هدى فيها ولا رشاد. # 118- باب: مضار الاختلاف وكثرة السؤال # عن أي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «دعوني ما ~~تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا ~~نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم» . [رواه ~~البخاري ومسلم «5» ] . PageV01P278 # الشرح: # لهذا الحديث سبب. # روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس فقال: «أيها الناس قد فرض ~~الله عليكم الحج فحجوا» ، فقال رجل أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ~~ثلاثا؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو قلت نعم لوجبت ولما ~~استطعتم» ثم قال: «ذروني ما تركتكم» إلخ الحديث. # يعلم الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين الاقتصار في السؤال على ما لا ~~بد لهم منه، وعدم الإلحاح فيما لا فائدة فيه مخافة أن تقع الإجابة بأمر ~~يستثقل فيؤدي لترك الامتثال فتقع المخالفة والمعصية فيكون العذاب؛ وهذا إذا ~~لم يكن المقام مقام استفهام واسترشاد حيث يحمد السؤال ويذم السكوت، وربما ~~تفضي كثرة السؤال إلى مثل ما وقع فيه بنو إسرائيل، إذ أمروا أن يذبحوا ~~بقرة. فلو ذبحوا أي بقرة كانت لامتثلوا، ولكنهم شددوا فشدد عليهم. # ثم أرشدهم إلى ms226 أنه يجب عليهم أن يقفوا عند نواهي الرسول صلى الله عليه ~~وسلم ويجتنبوا كل ما حظر عليهم فعله فلا يسوغ لهم الإتيان بشيء منه. # وقد استدل بعض العلماء بعموم النهي في هذا الحديث على أن الإكراه أو ~~الضرورة لا تبيح فعل المنهي عنه كالتداوي بمحرم أو دفع العطش به. # وأن الشرع لم يكلفهم إلا بما يطيقونه، فلا يكلفهم بما فوق طاقتهم ولا بما ~~يستحيل عليهم فعله، ويدخل في ذلك كثير من الأحكام، كالصلاة لمن عجز عن ركن ~~منها أو شرط فيأتي بما في مقدوره، وكذا الوضوء وستر العورة وحفظ بعض ~~الفاتحة. # وقد استدل بهذا الحديث على أن اعتناء الشرع بالمنهيات فوق اعتنائه ~~بالمأمورات لأنه أطلق الاجتناب في المنهيات ولو مع مشقة الترك، وقيد في ~~المأمورات بقدر الطاقة، وقد يقال إن النهي يقتضي الكف عن الشيء، وهذا مقدور ~~لكل أحد ولا مشقة فيه، فلا يتصور عدم الاستطاعة، بخلاف الأمر فإنه يقتضي ~~الفعل، وقد يعجز عن مباشرته كما هو مشاهد فلذا قيد الأمر بالاستطاعة دون ~~النهي. PageV01P279 # واستدل به على ذم كثرة السؤال والتعمق في المسائل إذا كان على وجه التعنت ~~والتكلف، أما إذا كان على وجه التعلم والتعليم لما يحتاج إليه من أمر الدين ~~أو الدنيا فذلك جائز بل مأمور به لقوله تعالى: فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا ~~تعلمون «1» . # أضف إلى هذا أن كثرة السؤال عما لا يعني مضيعة للوقت واشتغال بما هو عبث ~~وداعية إلى الاختلاف والمجادلة بالباطل. # ومثل ذلك كثرة التفريع على مسائل لا أصل لها من الكتاب ولا السنة ولا ~~الإجماع فيصرف فيها زمان كان صرفه في غيرها أولى. # ومن ذلك البحث عن أمور مغيبة ورد الشرع بالإيمان بها مع ترك البحث عن ~~حقيقتها. وعما لم يثبت فيه دليل صحيح كالسؤال عن وقت الساعة وعن الروح، وعن ~~مدة هذه الأمة إلى غير ذلك مما لا يعرف إلا بالنقل ويوقع التعمق فيه في ~~الشك والحيرة؛ وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يزال الناس ~~يتسائلون حتى ms227 يقال هذا الله خلق الخلق فمن خلق الله» «2» . # وضابط القول في ذلك. # أن المذموم من البحث والسؤال هو الإكثار فيما لا يأتي بفائدة: وتفريع ~~المسائل وتوليدها لا سيما فيما يقل وقوعه أو يندر، وبخاصة إذا كان الحامل ~~على ذلك المباهاة والمبالغة. وكذا إغلاق باب البحث والمناقشة حتى يفوت ~~الإنسان كثير من الأحكام التي يحتاج إليها في حياته. # أما إمعان النظر والبحث في كتاب الله تعالى والمحافظة على ما جاء عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم والصحابة الذين شاهدوا التنزيل وعرفوا السنة وما ~~دلت عليه فإن ذلك محمود نافع مطلوب، وهو الذي كان عليه عمل الفقهاء من ~~التابعين، أما من جاء بعدهم، فقد كثر بينهم الجدال والمراء «3» وتولدت ~~الشحناء والبغضاء، وهم أهل دين واحد حتى PageV01P280 # صدق عليهم قول الرسول صلى الله عليه وسلم في آخر الحديث «فإنما أهلك من ~~كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم» . # 119- باب: فضل الصدقة والاستعفاف عن السؤال # عن حكيم بن حزام رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اليد ~~العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول» . [رواه البخاري ومسلم «1» ] . # اللغة: # اليد العليا: اليد المتصدقة المنفقة. اليد السفلى: اليد الآخذة تعول: # يكون في عيالك وتلزمك نفقته. # الشرح: # من أفضل نعم الله على عبده سعة الرزق وبسطة المال، وخير المال ما وقى به ~~المرء نفسه ذل السؤال، وحفظ به ماء وجهه؛ فمن عرف لنفسه حقها، وبغي لها ~~السعادة دأب وسعى في تحصيل ما يوفر كرامته ويغنيه عن سؤال الناس وجعل له ~~يدا عندهم، ولم يجعل لأحد عليه فضلا، وأما من رضي بالهوان وقنع بالدوان، ~~واستطاب الراحة والدعة لا يبالي أن يعرض أديم وجهه للامتهان ولا يؤلمه أن ~~تستباح كرامته، وتراق على ما في أيدي الناس عزته وإباؤه. # فالرسول صلى الله عليه وسلم يرغبنا في السعي لجلب الرزق من طرقه المشروعة ~~وليكون لنا فضل التصدق على البؤساء والمعوزين ولا نكون ممن يمدون أيديهم ~~لسؤال الناس ويقنعون بما يلقى إليهم من فتات الموائد، ويحثنا على ms228 الإنفاق ~~في سبيل الخير مما أفاء الله علينا: وأن نبدأ بذوي القربى منا ومن تلزمنا ~~نفقتهم حتى يكون ثواب الصدقة مضاعفا وأجرها عظيما. # 120- باب: التحلل من المظالم في الدنيا # عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من ~~كانت عنده PageV01P281 # مظلمة لأخيه فليتحلله منها فإنه ليس ثم دينار ولا درهم من قبل أن يؤخذ ~~لأخيه من حسناته، فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات أخيه فطرحت عليه» . # [رواه البخاري «1» ] . # اللغة: # مظلمة: بكسر اللام مصدر ظلم كضرب: وهو الجور والإيذاء يتحلله منها: ~~يستبرئه منها بإيفائه إياها أو إبرائه- ثم: في اليوم الآخر يؤخذ من حسناته: ~~من ثوابها. # الشرح: # ما أجمل العدل وإيتاء كل ذي حق حقه، وما أحسن الوئام يجمع شمل المسلمين، ~~ويقوي رابطتهم ويشد أواصر «2» وحدتهم، وما أجدرهم أن يصدروا في أعمالهم عن ~~حب يتبادلونه، وإخلاص يفيض عليهم هناءة وسعادة، وما أشقاهم إذا لبسوا ثياب ~~النمور، واضطغنوا «3» بالإحن والبغضاء واستشعروا الغل والضغن كل يبغي الشر ~~لأخيه ويود لو التهم ما في يده وأودى بطارفه وتالده واستأثر دون الآخر ~~بالخير ومرافق الحياة. # ماذا يرجو الظالم من ظلمه؟ وماذا يرتجي لعاقبته؟ وما الذي أعده يوم يقتص ~~منه ويؤخذ للمظلوم بحقه، لئن غره إقبال الأيام وابتسام الدهر له فليحذر ~~تقلباته فإنها شديدة قاسية؟ ولئن اعتز بقوة جسمه، وامتداد سلطانه فسيذوق ~~لطغيانه وتجبره مرارة الصاب والعلقم «4» . # يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه، يوم يعض الظالم على ~~يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا، هنالك تنجاب «5» عن العيون ~~الغشاوة «6» ويتفرق عن العاصي الأصحاب والأنصار، ولا يبقى إلا ما أسلف من ~~خير أو شر. PageV01P282 # ويؤخذ بيد العاصي فينصب على رؤوس الناس؛ وينادي مناد هذا فلان ابن فلان، ~~فمن كان له حق فليأت، فيأتون. # فيقول الرب: آت هؤلاء حقوقهم، فيقول يا رب فنيت الدنيا فمن أين أوتيهم؟ # فيقول للملائكة خذوا من أعماله الصالحة فأعطوا كل إنسان بقدر طلبته، وقد ~~روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ms229 قال: «أتدرون من المفلس؟» ، قالوا: ~~«المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع» ، فقال: «إن المفلس من يأتي يوم ~~القيامة بصلاة وصيام وزكاة وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل ما لهذا، وسفك دم ~~هذا، وضرب هذا؛ فيعطي هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل ~~أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار» . [رواه ~~الإمام مسلم «1» ] . # 121- باب: في بطانة الخير وبطانة الشر # عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما ~~بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان! بطانة تأمره ~~بالمعروف وتحضه عليه؛ وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه فالمعصوم من عصم الله ~~تعالى» . [رواه البخاري «2» ] . # اللغة: # البطانة: خاصة الرجل، الذين يبطنون أمره ويخصهم بمزيد التقريب يسمى به ~~الواحد والجمع. يقال: بطن فلان بفلان يبطن به بطونا وبطانة، إذا كان خاصا ~~به داخلا في أمره تحضه عليه: ترغبه فيه وتحببه إليه. # الشرح: # من ولي أمور الناس ومهامهم فقد تعرض لخطير العظائم، وحمل جسيمات الأمور، ~~وصار مرهوب البطش مأمول النوال «3» ، ومن شأن ذلك أن يترقب الناس أحواله. ~~ويطرقون أبوابه، كل يبغي عنده الزلفى. ولهم في ذلك مارب شتى وهم في ذلك ~~فريقان: فريق ناصح يبصره بمعايب الأمور ونقائص الأعمال، ويرشده PageV01P283 # إلى مزالق الأقدام ومطارح الهلكة فيجنبه إياها، ويهديه السبيل الأقوم ~~ويأخذ بيده إلى حيث السلامة والنجاة، فيكون الناصح الأمين، والصادق الوفي ~~وإن أصابه في ذلك مكروه احتمله. وفريق يزين له كل ما صدر منه، ويموه أمام ~~عينيه حقائق الأشياء فتبدو على صورة مستعارة، ويجعل كل ما يعمله أو يقوله ~~كأنه إلهام أو وحي متلو لا يتطرق إليه الخطأ من ناحية من نواحيه. # كما يهون له ما يكون من خطل في رأيه، أو فساد إدارة حكمه، ويخفي الضرر ~~الذي تبدو أعلامه في سبيله فلا يلبث حتى يرتطم في سوء عمله، وتشتبه عليه ~~مصادره وموارده، ويرتبك «1» في سيئات ما صنع، فلا هو بمستطيع أن يتقدم ~~فيزداد ms230 سوآ. ولا أن يتأخر إذا ضلت به السبل. ضم إلى ذلك تخلي الأوفياء ~~المخلصين عنه، وانقضاضهم من حوله، فيعيا عليه الأمر ويعز «2» الهدى ~~والسداد. # والشواهد على ذلك كثيرة في كل عصر وأمة، وما أخذ المسلمون من جميع ~~نواحيهم إلا بتقريبهم بطانة الشر ورجال السوء وتوليتهم شئونهم غير الأمناء ~~الصادقين، وتشريدهم أولي الرأي والحزم، وإقصائهم» # الصالحين الأكفاء، وتصديقهم ما يوسوس به إليهم شياطين الإنس، من زخرف ~~القول والغرور، حتى ظنوا في السراب، شرابا، وفي الجديب «4» نضرة وريا، ~~فهلكوا وأهلكوا من تبعهم وتخطفتهم الأمم من كل جانب، وسامهم كل مفلس. وتكلم ~~عنهم من لا يحسن لهم قولا، ولا يرعي لهم مصلحة ولا كرامة، وقديما كانت ~~بطانة السوء وبالا على الأمراء والخلفاء والأمم، ونكالا «5» على الصالحين ~~أولي القدرة على كفاء الأمور وتصريف الشؤون. # أجل: إنه ينبغي للحاكم أن يتخذ له من يكشف أحوال الناس في السر. # ولكن يجب ألايعتمد إلا من كان مأمونا ثقة فطنا «6» عاقلا، وأن يكون هو PageV01P284 # حازما ناقدا متدبرا في أحوال أعوانه، لأن المصيبة إنما تدخل على الحاكم ~~المأمون من قبوله قول من لا يوثق به، فمتى كان ذلك عصمة الله بمشيئته من ~~الزلل، وأمنه العثرات. # هذا وقد يقال إن هذا التقسيم لا يمكن انطباقه على النبي صلى الله عليه ~~وسلم لأنه وإن جاز عقلا أن يكون فيمن يتودد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ~~ويكون من بطانته من هو من أهل الشر فلا يتصور منه أن يصغي إليه ويعمل بقوله ~~لوجوب العصمة للرسول. # والجواب: أن في نهاية الحديث الإشارة إلى سلامة النبي صلى الله عليه وسلم ~~من ذلك وهي قوله: «فالمعصوم من عصمه الله تعالى» . # وفي معنى الحديث ما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم: «من ولي منكم عملا فأراد الله به خيرا جعل له وزيرا صالحا، إن ~~نسي ذكره، وإن ذكر أعانه» . # 122- باب: ثواب الخوف من الله وصدقة السر # عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ms231 قال: «سبعة يظلهم ~~الله يوم القيامة في ظله يوم لا ظل إلا ظله. إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة ~~الله، ورجل ذكر الله في خلوة ففاضت عيناه، ورجل قلبه معلق في المساجد، ~~ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب ~~وجمال إلى نفسها، فقال إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها، حتى لا ~~تعلم شماله ما صنعت يمينه» . [رواه البخاري ومسلم «1» بترتيب وألفاظ ~~مختلفة] . # الشرح: # يذكر الرسول عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث ما أعده الله سبحانه ~~وتعالى لسبعة من عباده المؤمنين الذين صفت عقيدتهم وزكت نفوسهم وراقبوا ~~الله في سرهم وعلانيتهم وصدروا في جميع أعمالهم عن رهبة منه وخوف وطمع، فهم ~~يوم PageV01P285 # القيامة في كنفه «1» وحياطته حيث لا ناصر لهم ولا معين. # أولهم: إمام نصب ليرعى مصالح المسلمين # وينظر فيما يرقيهم ويرفع شأنهم، فسار بينهم بالقسطاس «2» المستقيم، ~~وانتصف للمظلوم من الظالم، ولم يخش ضعيف من جوره، ولم يطمع قوي في جاهه ~~وسلطانه، قد أخذ الناس بالحزم على الجادة، ومهد لهم سبل إقامة الدين، ~~ومعرفة حدوده في غير إفراط ولا تفريط فأمن الناس في غدوهم ورواحهم على ~~أنفسهم وأموالهم. # وفي الحق أن العدل دعامة الملك، ووسيلة التقدم والعمران، وسير الأمم في ~~سبيل الرقي بخطوات واسعة في جميع مرافق حياتها ووسائل نهضتها وسعادتها. # ويدخل في ذلك أيضا كل من ولي شيئا من أمور المسلمين فعدل فيه. # وثانيهم: [شاب ملازم لعبادة الله عز وجل] # شاب امتلأ فتوة ونشاطا، واكتمل قوة ونموا، لازم عبادة الله وراقب في سره ~~وجهره مولاه، لم تغلبه الشهوة. ولم تخضعه لطاعتها دوافع الهوى والطيش «3» . # وثالثهم: رجل خلا إلى نفسه فذكر عظمة ربه # وقوة سلطانه، ورحمته على عباده وجزيل إحسانه، فاغرورقت عيناه بالدموع ~~وفاضتا طمعا في ثوابه وغفرانه، ورهبة من عذابه وأليم عقابه، لم يفعل ذلك ~~رياء وخديعة على ملأ من الناس ومشهد منهم، مما يدل على صدق تأثره وعمق رهبته. # ورابعهم: من حبب إليه المساجد # فيظل متعلقا بها يسرع إليها إذا حان وقت ms232 الصلاة ويحافظ على أوقاتها، وليس ~~المراد حب الجدران ولكن حب العبادة والتضرع إلى الله فيها وهذا يستلزم ~~تجافيه عن حب الدنيا واشتغاله بها وهي رأس كل خطيئة. # والمساجد بيوت الله ومجتمع المسلمين ومناط وحدتهم، والتأم كلمتهم، شرعت ~~فيها الجماعات في الجمع والأعياد لما في ذلك من حكم جمة وفوائد لا تحصى. PageV01P286 # وخامسهم: رجلان تمكنت بينهما أواصر المحبة الصادقة # . والصداقة المتينة، الخالصة لله من شوائب النفاق وابتغاء النفع، لا يؤثر ~~فيها غني ولا فقر ولا تزيدها الأيام إلا وثوقا وإحكاما. سرهما في طاعة ~~الله، وجهرهما في مرضاته لا يتناجيان في معصية ولا يسران منكرا. ولا تسعى ~~أقدامهما إلى فسق أو فجور، تجمعهما رابطة الدين وحبه. وتفرقهما الغيرة على ~~الدين والذياد «1» عن حرمته، لا لعرض زائل أو متاع من الدنيا قليل. # وسادسهم: [رجل دعته إلى منكر امرأة ذات مال وجمال فأعرض عنها من خشية ~~الله تعالى] # رجل دعته إلى منكر امرأة اجتمعت لديها كل دواعي الغي والعصيان من جمال ~~رائع، وحسب ومال يغري ذوي النفوس المريضة والإيمان الضعيف. # ويهيب بأولي السهوات «2» الجامحة «3» . # وقل من يجتمع فيها ذلك من النساء فسرعان ما تلبي النداء وترعى في خضراء ~~الدمن «4» ، ولكن هذا الرجل صدها عن غيها وزجرها عما تبغيه منه؛ وذكرها ~~بقوة الله وشدة بطشه وأنه منه جد خائف لا يقوى على عصيانه ولا يطيق عذاب ~~نيرانه. # وهذا إنما يصدر عن شدة خوف من الله تعالى ومتين تقوى وحياء. # وسابعهم: رجل ينفق في سبيل الله لا يبتغي من الناس جزاء ولا شكورا # فهو من المراآة بعيد، وعن الزلفى «5» والمخادعة للناس ناء «6» ، يكاد ~~لإخفائه الصدقة ألا تعلم شماله ما تنفق يمينه، فأين نحن من مثل هذا؟ # ترى الواحد إذا حدثته نفسه بعمل بر زفت أمامه البشائر ودقت حوله الطبول، ~~ويأبى إلا أن يقرن اسمه بألقاب التعظيم والتبجيل، وينعت بنعوت الإحسان ~~والبر ما ينوء بها عمله ولا يقوى على حملها ما اعتزمه؛ حتى إذا أتى وقت ~~العمل، وإبراز ما نواه إلى عالم الظهور، خارت تلك العزيمة وتضاءلت ms233 هذه ~~الهمة ونسي ما كان منه في PageV01P287 # سالف الزمان؛ حتى يصير في خبر كان. ولذا محقت البركة من الأموال وسلطت ~~عليها الأرزاء والأدواء وصارت منبع آلام وشقاء، بدل أن تكون سبيل سعادة ~~وهناءة. # فكل واحد من هؤلاء السبعة في الذروة من التقوى والصلاح والمنزلة العليا ~~من منازل الأبرار والمتقين؛ فلا غرو أن كلأهم الله بحفظه وحاطهم بحياطته؛ ~~ومن كان في كنف الله لم ترهقه النوائب ولم ترق إليه الخطوب والأهوال «1» . # 123- باب: جزاء الانتحار وقتل النفس # عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من تردى من ~~جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيه خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن تحسى ~~سما فقتل نفسه، فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن ~~قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا ~~فيها أبدا» . [رواه البخاري «2» ] . # اللغة: # تردى: سقط، والمراد أسقط نفسه- خالدا مخلدا: يطول مقامه ويدوم عذابه. ~~تحسى: تجرع وشرب. يجأ: يطعن. # الشرح: # إن الصبر على المكاره من علامات قوة العزيمة، والجزع واليأس من صفات أهل ~~الضعف والخور، فالعاقل من رضي بالعيش حلوه ومره وقابل الشدائد بعزيمة ثابتة ~~وجنان «3» قوي، علما بأن الأمور بيد الله، وأن العسر يعقبه اليسر، والضيق ~~يأتي بعده الفرج، والفقر يزول بالغنى؛ لا دوام لحال ولا استمرار. # فمن حدثته نفسه بالانتحار لضيق معيشته، أو مرض طالت مدته؛ أو إخفاق في ~~امتحان، أو ضياع مال، أو فقد حبيب فيسعى للتخلص من الحياة بأن يلقي نفسه من PageV01P288 # جبل، أو يتناول سما، أو يبقر بطنه بمدية «1» أو خنجر؛ أو يطلق على رأسه ~~الرصاص، أو يرمي بنفسه تحت قطار فلا يظن أنه بذلك قد نجا وتخلص من العذاب ~~بل تعرض لعذاب طويل الأمد، شديد الألم بما قتل به نفسه في الدنيا، فلا هو ~~أبقى على حياته ولا هو بالناجي يوم القيامة من عذاب الله. # فالحازم المفكر، والبصير المتدبر لا يستسلم لليأس؛ ولا يقنط من رحمة الله ms234 ~~ولا يلجأ إلى مثل هذه النقائص، بل يثابر ويصبر ويكل إلى الله تصريف الأمور ~~فالمريض يشفي. # ومن رسب في الامتحان هذا العام فقد ينجح في العام القابل، ومن نزلت به ~~كارثة في صحته أو ماله فإن الله قادر على أن يزيلها ويعوضه خيرا منها. # 124- باب: النهي عن سب الدهر # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال ~~الله تعالى: # يسب بنو آدم الدهر وأنا الدهر بيدي الليل والنهار» . [رواه البخاري] «2» . # الشرح: # تنزل بالمرء حوادث، وتحل به كوارث. وتجري تصاريف القدر على غير ما يرغب؛ ~~فيشتد همه؛ وتصبح الدنيا في وجهه أضيق من كفة الحابل «3» فيسخط ويتبرم ~~ويضطرب حتى يخرج عن جادة العقلاء، ويحيد عن سبيل الحازمين الحكماء، كأنما ~~أخذ على الأيام عهدا ألا تجري ريحها له إلا رخاء حيث أصاب، وعقد بينه ~~وبينها ميثاقا، أن تكون على ما يهوى في جميع الأوقات والأزمان. # فإذا لم تكن على ما يشتهي، وسب الزمان وتصاريفه. ولعن الأيام وما أحدثت ~~وما درى أن الأيام مسخرة ممن بيده تقليب الليل والنهار وأنها تسير بقدر ~~معلوم ليس له فيه اختيار. PageV01P289 # فالسخط عليها سخط على من بيمينه زمامها؛ وبقدرته تصريفها لحكمة يريدها، ~~ونظام وإيداع يجريه لا طاعة لمخلوق ولا وقوفا عند رغبة إنسان؛ فمن ألمت به ~~نازلة أو حلت بواديه فادحة «1» ، فلا يضيق بها صدره، ولا يكفر بجزيل نعم ~~الله عليه وليصبر، فإن الأيام لا تبقى على حال ولا يدوم بؤس ولا حزن، فإن ~~مع العسر يسرا؛ وبعد الضيق فرجا. # 125- باب: المبادرة إلى الإيمان والإقلاع عن المعاصي # عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «مثلي ومثل ما بعثني الله كمثل رجل أتى قوما فقال رأيت الجيش بعيني، ~~وإني أنا النذير العريان، فالنجاء النجاء فأطاعه طائفة فأدلجوا على مهلهم ~~فنجوا وكذبته طائفة فصبحهم الجيش فأجتاحهم» . [رواه البخاري «2» ] . # اللغة: # مثلي: صفتي وحالي العجيبة. النذير: المخبر فيه شر وسوء، العريان: # ضد المكسو؛ والنذير العريان: كان ms235 رجلا من خثعم «3» متزوجا في بني زبيد ~~فأراد بنو زبيد أن يغيروا «4» على قبيلته فخافوا أن ينذر قومه فجعلوا عليه ~~حراسا بعد أن خلعوا ثيابه، فصادف منهم غرة وفر إلى أهله فأنذرهم وكان مما ~~قاله لهم: # أنا المنذر العريان ينبذ ثوبه ... إذا الصدق لا ينبذ لك الثوب كاذب # فكان مثلا لكل أمر تخاف مفاجأته؛ ولكل رجل لا ريب في كلامه- النجاء: # الهرب وهو منصوب على الإغراء. أدلجوا: ساروا من أول الليل وساروا الليل كله. # صبحهم: أغار عليهم في الصباح، اجتاحهم: استأصلهم فلم يبق على أحد. # الشرح: # جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس بالهدي ودين الحق بشيرا ونذيرا، ~~وداعيا PageV01P290 # إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، وأمده ربه بالمعجزات الباهرة «1» ، والآيات ~~البينة التي تؤيد صدقه، ولم يقو أحد من معانديه على إبطال براهينه، ولائل ~~حججه مع كثرة المعاندين وتوافر الوسائل لديهم، وتمكنهم، من كل ما ينيلهم ما ~~يبتغون، فقامت له الكلمة عليهم ودحضت مفترياتهم، فمرة قالوا إنه ساحر، ومرة ~~قالوا إنه شاعر، وأخرى قالوا إنه يتلو أساطير الأولين اكتتبها فهي تملي ~~عليه بكرة وأصيلا. # وهم في كل ذلك كاذبون مجادلون بالباطل بعدما تبين لهم الحق، وقد هدى الله ~~به للإيمان قوما أخلصوا لله فنجوا وفازوا، وأضل آخرين بكفرهم وعنادهم فباؤا ~~بالخزي «2» والعذاب الأليم. # ولو أطاعوه لما أصابهم ما لحقهم من الذل والهوان بالفشل والهزيمة في ~~الحرب تارة؛ والقتل والأسر تارة أخرى، وبالعجز المبين عن أن يقفوا في سبيل ~~دعوته ويمنعوا انتشارها، في أقطار المعمورة؛ ويحولوا دون دخول الناس في دين ~~الله أفواجا؛ وما كان عنادهم ولا مجادلتهم عن يقين يعتقدونه ولا شبه، لم ~~يجل الشك عنها ولكن تكبرا وعتوا «3» . مخافة أن تزول عنهم مناصب توارثوها. ~~ومظاهر تخيلوا أن العز والمجد في المحافظة عليها. # فشبه الرسول صلى الله عليه وسلم حاله وحالهم بالمنذر المخوف الذي بدت ~~عليه جميع إمارات الصدق وجاء يحذر قومه غارة العدو المهلكة فأسرع إلى ~~تصديقه طائفة واستعدت للنجاة فنجت في سعة من الوقت وفازت؛ وتباطأت في ~~تصديقه طائفة غرتهم ms236 الأماني. # ولم يتخذوا لأنفسهم الحيطة من عدو قوي وجيش جرار حتى صبحهم العدو وأغار ~~عليهم فأهلكهم ولم يبق منهم أحدا. # 126- باب: محاسبة الوالي لعماله والتشديد عليهم # عن أبي حميد الساعدي قال: استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن ~~اللتبية على PageV01P291 # صدقات بني سليم، فلما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وحاسبه قال: هذا ~~الذي لكم وهذه هدية أهديت لي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فهلا ~~جلست في بيت أبيك وبيت أمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقا» ، ثم قام رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فخطب الناس وحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أما بعد ~~فإني أستعمل رجالا منكم على أمور مما ولاني الله فيأتي أحدكم فيقول هذا لكم ~~وهذه هدية أهديت لي، فهلا جلس في بيت أبيه وبيت أمه حتى تأتيه هديته إن كان ~~صادقا، فوالله لا يأخذ أحدكم منها شيئا بغير حقه إلا جاء الله يحمله يوم ~~القيامة، فلأعرفن أحدا منكم لقي الله يحمل بعيرا له رغاء، أو بقرة لها ~~خوار، أو شاة تيعر. ثم رفع يديه حتى رؤي بياض إبطيه- ألا هل بلغت» . [رواه ~~البخاري ومسلم «1» بروايات مختلفة] . # اللغة: # الرغاء: صوت البعير والخوار؛ صوت البقرة أو الثور- واليعار: صوت الشاة. # الشرح: # يضرب الرسول صلوات الله وسلامه عليه من نفسه مثلا للولاة والخلفاء في ~~محاسبة عمالهم ومرؤوسيهم، على ما ولوهم عليه، فلا يناموا عنهم ولا يتركوهم ~~يجمعون الثروات. ويبتزون «2» أموال الرعية. متخذين من سلطانهم أداة لذلك، ~~ويسلطون أذنابهم وأتباعهم يظلمون الناس في جباية الأموال منهم بغير حق ~~وإرهاقهم، ويتخذون منهم ومن بيوتهم وسطاء ومدخرات لجلب الإتاوات «3» لهم، ~~كما هو الشأن في بعض الحكام في جميع الأمم، ترى الواحد يتولى إمارة مقاطعة ~~«4» أو ولاية وهو رقيق الحال، يكاد يكون من المعدمين الذين يحل إعطاؤهم من ~~الزكاة، فلا يلبث عاما أو عامين حتى يعود أبجر «5» الحقيبة، مكتنز PageV01P292 # الجعبة» # متضخما ثراء ومالا وفيرا. # فالوظيفة تدر عليه أخلاف النعم من هدايا يتقى بها شره أو يجتلب نفعه ~~وبره، ورشاوى يشترى ms237 بها ظلمه وجوره، ويدفع بها عن المفسدين بأسه وحزمه. # فسرعان ما يدب الفساد في أمر ولايته ويتشبه به عملاؤه فيعيثون «2» عيث ~~الذناب «3» في الغنم ويذوق الناس منهم كل سوء وأذى. وينظرون إليهم نظر ~~الطائر إلى الصائد فزعين وجلين، وعلى أنفسهم وأموالهم خائفين مذعورين، ~~ويتمنون الخلاص من حكمهم ولو بذلوا في سبيل ذلك ما بذلوا فتكثر الثورات، ~~وتعصي الأوامر وتستأسد النفوس الشريرة، وتسري في القلوب روح الفوضي ~~والاضطراب والتمرد «4» ، وما شأن حكم يكون ذلك أساسه؟ لا شك أنه سريع ~~الانهيار قريب الزوال. # فمحاسبة الخلفاء والملوك لولاتهم ومؤاخذتهم على ما يرتكبون من المخالفات ~~تجعلهم حريصين على إقامة العدل والقسطاس بين من هم تحت رعايتهم، والعمل على ~~تأمينهم من كل مخوف والسهر على راحتهم وما فيه رقيهم وسعادتهم، وعدم ~~الاستكانة إلى الراحة والتواني «5» ؛ وكف أيديهم وألسنتهم عن تناول ما ليس ~~لهم بحق، فتسود الطمأنينة في القلوب وينصرف الناس إلى إتقان أعمالهم. ~~وإجادة مصنوعاتهم وترقية شؤونهم في ظل السكينة والأمن. # ولقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من سوء العاقبة من يأخذ ما ليس له بحق ~~من الحكام والولاة وبين له مصيره بأن يأتي يوم القيامة حاملا ما أخذه على ~~كتفيه مفتضحا أمره، ذائعا بين الخلائق ظلمه وجرمه. # أما بعد: فمن يرى هذا المال الوبيل «6» والمرتع الوخيم ويرضى لنفسه ذلك ~~الخزي والهوان، بسبب مال زائل، وعرض فان، ومتاع من الدنيا قليل؟ PageV01P293 # 127- باب: أخذ الزوجة نفقتها من زوجها بدون إذنه # عن عائشة رضي الله عنها أن هندا بنت عتبة قالت يا رسول الله: إن أبا ~~سفيان رجل شحيح وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذته منه وهو لا يعلم، ~~فقال: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» . [رواه البخاري ومسلم «1» ] . # اللغة: # الشح: البخل مع حرص وهو يعم منع المال وغيره. والبخل يختص بالمال وقيل: ~~إن البخل إذا صار طبيعة وخلقا سمي شحا. المعروف: ما جرى العرف بكفايته. # الشرح: # هند هي زوج أبي سفيان صخر بن حرب وأم معاوية. قتل أبوها عتبة وعمها شيبة ~~وأخوها الوليد يوم ms238 بدر، فشق ذلك عليها فلما كان يوم أحد وقتل حمزة بن عبد ~~المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم فرحت بذلك وعمدت إلى بطنه فشقته وأخذت ~~كبده فمضغتها ثم لفظتها «2» . # أسلمت بعد فتح مكة واستقرار النبي بها بعد إسلام زوجها وقيل قبله، وأبو ~~سفيان هو صخر بن حرب بن أمية، رأس قريشا بعد وقعة بدر وسار بهم في أحد وساق ~~الأحزاب يوم الخندق ثم أسلم ليلة الفتح بعد أن أسرته طلائع المسلمين وأجاره ~~العباس بن عبد المطلب. # جاءت هند إلى النبي صلى الله عليه وسلم تشكو إليه تقتير «3» أبي سفيان ~~عليها وعلى أولادها في الإنفاق مع يساره وغناه وأنها لا تستطيع أن تنال منه ~~ما يرفه عيشتها وأولادها إلا إذا أخذت من ماله سرا بدون علمه، واستفتت ~~الرسول صلى الله عليه وسلم هل يكون عليها من إثم في ذلك؟ فأفتاها عليه ~~الصلاة والسلام بأن تأخذ من ماله ما يكفيها وأولادها بما جرت به عادة ~~أمثاله. PageV01P294 # وفي هذا الحديث أحكام منها: # 1- القضاء على الغائب فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قضى لهند باستحقاقها ~~النفقة وأمرها بأن تأخذها من مال أبي سفيان بدون أن يسمع قول أبي سفيان، ~~وفيه خلاف للفقهاء. فالحنفية لا يجوزون القضاء على الغائب إلا بحضور وكيله ~~أو وليه ليسمع الدعوى وتقام البينة في مواجهته فعسى أن يكون له دافع أو ~~اعتراض يبطل دعوى خصمه. # ولما ورد من الآثار المفيدة عدم الحكم بقول أحد الخصمين حتى يسمع القاضي ~~كلام الآخر؛ ولم يفرق الحنفية في ذلك بين النفقات وغيرها ولكن الإمام زفر ~~أجاز القضاء على الغائب في النفقات عملا بهذا الحديث ولأنه من باب الإعانة ~~لوصول الزوجة إلى حقها على زوجها. # وهذا هو ما عليه العمل في مذهب الحنفية لأنهم عدوا القضاء في هذه الحال ~~من باب الفتوى كما يشعر به الحديث لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يطلب ~~منها إثبات ما به تستحق النفقة هي وأولادها من بقاء الزوجة ولزومها طاعة ~~زوجها وأن ما يعطيها زوجها لا يكفيها ms239 وأن أولادها الذين تطلب لهم النفقة ~~ليسوا أغنياء وقد قيل إن من أولادها الذين عنتهم معاوية وكان وقتذاك ابن ~~ثمان وعشرين سنة ومثله لا ولاية لها في طلب نفقته. كل ذلك يدل على أن عمل ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان من قبيل الفتوى لا الحكم القضائي؛ وإلا لوجب ~~ثبوت هذه الأمور كلها قبل القضاء. # 2- أن القول قول الزوجة إن الزوج لم يعجل لها النفقة وأن النفقة مقدرة ~~بالكفاية وإن كان الحنفية- على المفتى به عندهم- ضموا إلى هذا الحديث قوله ~~تعالى: لينفق ذو سعة من سعته «1» ، الآية وقالوا إن النفقة تقدر بحال ~~الزوجين معا. # 3- جواز ذكر الإنسان غيره بما لا يحب إذا كان على وجه الإستفتاء ~~والإشتكاء ولا يعد ذلك غيبة محرمة. # 4- وجوب نفقة الأولاد بشرط الحاجة والفقر. PageV01P295 # 5- أن لمن وجبت له النفقة شرعا على شخص أن يأخذ من ماله ما يكفيه إذا لم ~~يقع منه الامتثال وأصر على الامتناع. # 6- أن من له عند غيره حق وهو عاجز عن استيفائه جاز له أن يأخذ من ماله ~~قدر حقه بغير إذنه- وهذا قول الشافعي. وعند الحنفية عدم جواز ذلك. # 7- أن للأم ولاية قبض نفقة أولادها والإنفاق عليهم وحضانتهم. # 8- اعتماد العرف في الأمور التي لا تحديد فيها من الشرع. # 128- باب: الرشوة ومضارها # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لعنة ~~الله على الراشي والمرتشي» . [رواه الخمسة إلا النسائي «1» ] . # اللغة: # العنة: الطرد والبعد من رحمة الله. الراشي: من يعطي الرشوة وهي بتثليث ~~الراء، ما يعطى لذي نفوذ تزلفا أو لقضاء غرض. والمرتشى: آخذ الرشوة. # الشرح: # تبتلى الأمم في أيام محنتها وانتقاص أطرافها وضعف نفوس أبنائها بكثير من ~~الأمراض التي تضعف شأنها وتقضي على نظامها وتقوض دعائم الطمأنينة والأمن ~~فيها، وإن من شر ما تصاب به أمة من الأمم فشو الرشوة فيها وامتداد يد ~~الحكام ومن إليهم الأمر إلى تناول ما ليس من حقهم، فلا ترى صاحب حق ينال ~~حقه إلا إذا قدم جعلا «2» لمن عنده وسيلة الحصول عليه ms240 ولا ترى ذا ظلامة ~~يطمع في رفع ظلامته عنه إلا برشوة من يقدر على رفعها وقد يبلغ الأمر ~~بالمرتشي إلى مساومة الراشي في مقدار الرشوة. بل والجهر بذلك بدون حياء ولا ~~خجل، ولا تسل عما ينجم من الأضرار التي لا عداد لها في ذلك، فالكرامة ضائعة ~~والحقوق مهضومة، PageV01P296 # والنبوغ «1» مقبور، والجد في العمل مضمحل والغيرة على أداء الواجب والدأب ~~في سبيل مصلحة الأمة والأمانة في خدمتها وتقدير العاملين. كل ذلك يتلاشى ~~«2» ولا تجد له أثرا في حياتها ويحل مكانه الخمول والضعف وتصاب مصالح الأمة ~~بالشلل، وعقول النابغين بالعقم، ومواهب المفكرين بالجمود، وعزائم المجدين ~~بالخور والفتور. وأي خير يرجى من قوم يكون مقياس الكفاءة فيهم ما يتزلف به ~~المرؤس من قرابين؟ وأي إنتاج يترقب من هيئة حكومية لا يرقى فيها إلا من قدم ~~بين يدي رقيه أنواع الهدايا والرشا لرؤسائه؟ # وقد تلبس الرشوة ثوبا مستعارا ولكنه يشف عن حقيقتها بأن تكون على صورة ~~هدية أو محاباة في بيع أو شراء أو إبراء من دين أو نحو ذلك وهي في جميع ~~الصور رشوة بشعة المنظر سيئة المخبر، كريهة الرائحة، ملوثة للشرف والكرامة، ~~مضيعة للعفة والمهانة. # ولذا كان الراشي والمرتشي ملعونين من الله ومن الناس، لأن الراشي يساعد ~~المرتشي على تضييع الحقوق ويسهل له أكل أموال الناس بالباطل، وينمي فيه ~~الخلق السيء، وييسر له التحكم فيما هو حق لغيره، فيستمرىء هذا المرعى ~~الوبيل، والمرتشي قد أخذ مال غيره ومنع الحق عن صاحبه حتى يأخذ الرشوة منه، ~~وربما كان الراشي في حاجة ماسة إلى ما يقدم إليه. # والرشوة محرمة حتى ولو كانت في سبيل إيصال الحق إلى صاحبه لأنها مال بدون ~~عوض، فما بالك إذا كانت لأجل ظلم شخص، أو منع المستحق عن حقه؟ # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من استعملناه على عمل فرزقناه رزقا ~~فما أخذه بعد ذلك فهو غلول» . # ولقد قال العلماء: إن الهدايا التي تهدى للقضاة ونحوهم، هي نوع من ~~الرشوة، لأن المهدي إذا لم يكن معتادا للإهداء إلى ms241 القاضي قبل ولايته، لا ~~يهدي إليه إلا لغرض، وهو إما التقوى به على الباطل أو التوصل بالهدية إلى ~~حقه، وأقل الأحوال أن يكون طالبا الزلفى إليه وتعظيمه والاستطالة على خصومه ~~أو الأمن من PageV01P297 # مطالبتهم له فيحتشمه من كان له عليه حق، وهذه الأغراض كلها تؤول إلى ما ~~آلت إليه الرشوة فضلا عن أن للإحسان تأثيرا في طبع الإنسان، والقلوب مجبولة ~~على حب من أحسن إليها، فربما مالت نفس الحاكم أو القاضي إلى المهدي ميلا ~~يدفعه إلى إيثاره المهدي عند المخاصمة على خصمه وهو لا يشعر بذلك، ويظن أنه ~~لم يخرج عن الصواب والحق، بسبب ما غرسته الهدية في قلبه، والرشوة لا تفعل ~~أكثر من هذا. # أما بعد: فالرشوة فخ المروءة، ومصيدة الأمانة والشرف، لا يقدمها إلا مبطل ~~خائن وضيع «1» ، ولا يقبلها إلا دنيء النفس سافل المروءة مساوم في دينه ~~وكرامته، ولا أدري بأي شيء بعد ذلك يعيش الإنسان. # ولقد روى البخاري عن أبي حميد الساعدي قال: استعمل النبي صلى الله عليه ~~وسلم رجلا من بني أسد يقال له ابن الأتبية (وفي رواية اللتبية) على صدقة، ~~فلما قدم قال هذا لكم وهذا أهدي لي فقا النبي صلى الله عليه وسلم فصعد ~~المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «ما بال العامل نبعثه فيأتى فيقول هذا ~~أهدي لي فهلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى له أم لا. والذي نفسي بيده ~~لا يأتي بشيء إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته إن كان بعيرا له رغاء ~~أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر- اليعار صوت الشاة- ثم رفع يديه حتى رأينا ~~عفرتي إبطيه (بياضهما) - ألا هل بلغت» - ثلاثا «2» . # 129- باب: طلب الولاية # عن عبد الرحمن بن سمرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا عبد ~~الرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن ~~أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها» . [رواه البخاري «3» ] . # اللغة: # الإمارة: ولاية أمر المسلمين. مسألة: طلب وسعي في الحصول عليها. PageV01P298 # وكلت إليها: روي بتشديد ms242 الكاف مكسورة وبتخفيفها مع ضم الواو فيها ~~والمعنى: # أسلمك الله إلى مشاقها وأعبائها. أعنت عليها: هداك الله إلى الصواب ~~وأعانك على متاعبها. # الشرح: # من الناس قوم أغرموا بالمناصب والرياسات، يسلكون إليها كل سبيل، ويلجون ~~«1» كل فج، فلا يهنأ بالهم ولا يقر قرارهم، إلا إذا ظفروا بما يؤملون وما ~~يدرون، أن الولاية ثقيلة المحمل، كثيرة التبعات «2» ، تتطلب جهدا وعناء ~~وتقتضي يقظة وانتباها وتستدعي الوالي أن يسوي بين الأفراد في توزيع العدالة ~~والبر والقسط، وتيسير المطالب والأخذ بالرفق، لا فرق بين كبير وصغير، ولا ~~بين من ينتمي إلى فريق من الناس، ومن ينتمي إلى فريق آخر، وكل ذلك يحتاج ~~إلى مزيد حزم وفطنة. # حتى إذا نال طلبته نسي تكاليف الولاية واتخذ منها وسيلة لإشباع أطماعه ~~ونيل أمانيه وإغداق الخير على أشباعه وأنصاره، وصب جام غضبه وانتقامه على ~~خصومه وأعدائه، ينكل «3» بهم ويسومهم الخسف، ويشاركهم في أقواتهم وربما حال ~~بينهم وبين الانتفاع بأموالهم. ويفتري عليهم الجرائم والآثام. وما تلوثت ~~أيديهم بجريمة، ولا يزال يحكم فيهم حيله ويحوك لهم الشباك، حتى يشفي غلته. ~~فهؤلاء لا يلبثون أن تولي عنهم الدنيا وتزول عنهم المناصب، فينزلون إلى ~~حضيض الذل والمهانة. # وينصرف الناس عنهم. فلا يعودون يسمعون ألفاظ التملق وعبارات الرياء ~~والنفاق وينالهم من الإزدراء والتحقير ما هم أهل له لأنهم نسوا تلك العاقبة ~~المحتومة فلم يعملوا لها أيام ولايتهم ولم يصغوا إلى قول القائل: # واصنع من الفعل الجميل صنائعا ... فإذا عزلت فإنها لا تعزل # فهذا الحديث يشير إلى وجوب التباعد عن طلب الرياسات، ولو كان الطالب ~~قادرا على تحمل أعبائها، لأنها لا تخلو من عناء ومشقات. # ويفيد أن من أسندت إليه ولاية عمل بدون طلب منه، فإنه جدير بعناية الله ~~به، وإعانته عليها؛ ولا شك أن كل وال محتاج إلى معونة الله وإرشاده، فمن ~~سلب الإعانة PageV01P299 # وتورط ارتبك في أموره واختلط عليه وجه الصواب، وأفلت من يده زمام الحق، ~~وجانبه السداد فخسر دنياه وآخرته. # وقد يقال إذا كان طلب الولاية بهذا القدر من الخطورة ومجانبة الحق ms243 فكيف ~~طلبها يوسف عليه السلام بقوله: اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم «1» ، ~~وطلبها سليمان عليه السلام بقوله: وهب لي ملكا «2» ، والجواب أنه إنما حسن ~~ذلك من الأنبياء لأنهم معصومون لا يزلون ولا يخطئون ولا يظلمون. وعناية ~~الله معهم في كل لحظة فهم معانون منه تعالى. # ألا فليتق الله أولئك الذين يحرصون على تولي الأمور وهم يعلمون أنهم ~~ليسوا لها بأهل. # وليعدل بين الأفراد من ولي شيئا منها فإنما هو راع وهو مسؤول عن رعيته، ~~وحملها ثقيل والحساب عسير والمحاسب هو الحكم العدل اللطيف الخبير. # 130- باب: رضا الله وسخط المخلوق # عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أسخط ~~الله في رضا الناس سخط الله عليه واسخط عليه من أرضاه في سخطه ومن أرضى ~~الله في سخط الناس رضى الله عنه وأرضى عنه من أسخطه في رضاه حتى يزينه ~~ويزين قوله وعمله في عينه» . [رواه الطبراني] . # الشرح: # إن أحق من نعمل جاهدين لمرضاته، ونسعى لنيل ثوابه ومغفرته هو الله جل ~~وعلا، بيده أزمة قلوبنا، وتصريف أمورنا يعز من يشاء ويذل من يشاء. مالك ~~الملك، ذو الجلال والإكرام. # وما الناس مهما علا شأنهم وارتفع أمرهم إلا عبيد له أذلة، وضعفاء عجزة يد ~~الله آخذة بنواصيهم، وحكمه العدل ماض فيهم. PageV01P300 # فمن خذلان الله للعبد أن يعمي بصيرته فيتقرب إلى الرؤساء والعظماء بفعل ~~ما يحبون، وإن أغضب المولى واستوجب مقته وعقابه، ابتغاء وظيفة أو مال أو ~~جاه، ولا يدري أن الله يحرمه ما رغبه ويحول بينه وبين أمنيته، فلا دنيا ~~أصاب ولا دينا أقام، وقد يجلس إلى عظيم أو رئيس فيفيض في الحديث فإذا سمع ~~منادي الصلاة فضل الاستمرار في حديثه على إجابة دعاء الله، وربما تمادى في ~~السمر «1» حتى يؤذن الوقت بالخروج فيرضي المخلوق ويغضب الخالق والله ورسوله ~~أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين «2» وقد يجلس في حفل من الأصدقاء والخلان لا ~~ينطقون إلا بفاحش القول ولا يتناجون إلا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول، ~~وقد يلعبون الميسر ms244 أو يحتسون «3» الخمر فيغالي في ملاطفة إحساسهم، وإقرارهم ~~على سوء ما يفعلون، وقد يحبذ «4» لهم ما يصنعون، وكان الواجب أن ينكر عليهم ~~آثامهم، أو يفارق محلهم لعلهم يرعوون وإلى ربهم يتوبون؛ ولكنه يراعي جانب ~~العبد ويهمل جانب الرب. # وقد يدعوه رئيسه إلى عمل يتقرب به إلى رؤسائه وفيه إثارة فتنة، ومجلبة ~~محنة من انتقاص لحق، أو ظلم لخلق، فيسارع إلى تنفيذه ويبادر إلى إجابة ~~وحيه، وإن كان في ذلك إهلاك الحرث والنسل والشر المستطير «5» . # ألا وأن علامة الإيمان أن تفعل ما يرضي الله، وإن أسخط المخلوق وأن تكون ~~أوامره أول ما تسمع وتلبى، ونواهيه في مقدمة ما تجتنب، فإن من سعى في مرضاة ~~الله كان الله في عونه، وكفاه شر خلقه. ومن سعى في مرضاة خلقه باغضاب ربه ~~حجب عنه معونته، وأسلمه إلى نفسه، وقد قال تعالى: أتخشونهم فالله أحق أن ~~تخشوه إن كنتم مؤمنين «6» وصلى الله تعالى على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ~~وسلم. PageV01P301 # تم بحمد الله وحسن توفيقه # ملاحظة: وصل المؤلف في تأليفه إلى الحديث الثمانين وبينما هو في أثناء ~~شرحه: اختاره الله إلى جواره فتوفي إلى رحمة ربه يوم الثلاثاء 26 ذي القعدة ~~سنة 1349 الموافق 14 إبريل سنة 1931، وقد أكمل التأليف فضيلة الشيخ مصطفى ~~خفاجي أستاذ الشريعة بمدرسة دار العلوم. والحمد لله أولا وآخرا. PageV01P302 ms245