######OpenITI# #META# URI: 1349MuhammadMuwaylihi.HadithCisaIbnHisham.Hindawi063950852 #META# Tags: literature #META# ID: 63950852 #META# Title: حديث عيسى بن هشام #META# AuthorID: 19203514 #META# Author: محمد المويلحي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# ### | إهداء الكتاب # ألف المؤلفون والكتاب أن يبدأوا كتبهم عند نشرها بإهدائها إلى بعض ذوي ~~الشأن والفضل، والضعيف العاجز يهدي هذا الكتاب إلى كل من يقرؤه: من أديب ~~يجد فيه طرفا من الأدب، وحكيم يرى فيه لمحة من الحكمة، وعالم يبصر فيه شذرة ~~من العلم، ولغوي يصادف فيه أثرا من الفصاحة، وشاعر يشعر فيه بمثل طيف ~~الخيال من لطف الخيال. # وأهديه إلى أرواح المرحومين: الأديب الوالد، والحكيم جمال الدين، والعالم ~~محمد عبده، واللغوي الشنقيطي، والشاعر البارودي، أولئك الذين أنعم الله ~~عليهم، وأولئك الذين تأدبت بأدبهم وأخذت بهديهم. # ••• # وأهدي هذه الرسالة التي اختصني بها المرحوم الأستاذ جمال الدين الأفغاني ~~بخطه الكريم منذ خمس عشرة سنة إلى جماعة أهل الفضل والأدب؛ لما تضمنته من ~~الحث على طلب العلم وأدب النفس، ولحسن أسلوبها في كتب المودات، وهي لا تزال ~~عندي إماما يهديني ونورا أستضيء به فأردت أن أشاركهم في هذه الذخيرة التي ~~يحق الضن بها والحرص عليها، ونقلتها هنا بصورة خطه الشريف تخليدا لأثر تلك ~~اليد الكريمة، وإذا قدرنا أن الشرقيين يتنافسون تنافس الغربيين في اقتناء ~~الرسائل التي تكون قد صدرت عن بعض عظماء الرجال بخطوطهم، ويتسابقون إلى ~~الحصول على بعض أدوات كتابتهم، ويبذلون في سبيل ذلك من الأموال والمساعي ما ~~لا يقدر، فإني أكون قد أهديت إلى أهل الفضل هدية يعتدون بها ويتقبلونها ~~بالقبول الحسن إن شاء الله. # ![figure](../Images/figure1.png) # صورة من خطاب جمال الدين الأفغاني بخط يده. ### ||||||||| حبيبي الفاضل # تقلبك في شؤون الكمال يشرح الصدور الحرجة من حسرتها، وخوضك في فنون ~~الآداب يريح قلوبا علقت بك آمالها، وليس بعد الإرهاص إلا الإعجاز[1] ولك ~~يومئذ التحدي، ولقد تمثلت اللطيفة الموسوية في مصر كرة أخرى، وهذا توفيق من ~~الله تعالى، فاشدد أزرها وأبرم بما أوتيت من الكياسة والحذق أمرها، حتى ~~تكون كلمة الحق هي العليا، ولا تكن كالذين غرتهم أنفسهم بباطل أهوائها، ~~وساقتهم الظنون إلى مهواة شقائها، وحسبوا أنهم يحسنون صنعا، ويصلحون أمرا، ~~وكن عونا للحق ولو على نفسك، ولا تقف في سيرك إلى الفضائل عند ms001 عجبك، لا ~~نهاية للفضيلة، ولا حد للكمال، ولا موقف للعرفان، وأنت بغريزتك السامية ~~أولى بها من غيرك والسلام. # جمال الدين الحسيني الأفغاني ### | العبرة # حدثنا عيسى بن هشام، قال: رأيت في المنام كأني في صحراء «الإمام» أمشي ~~بين القبور والرجام،[1] في ليلة زهراء قمراء يستر بياضها نجوم الخضراء،[2] ~~فيكاد في سنا نورها ينظم الدر ثاقبه ويرقب الذر راقبه، وكنت أحدث نفسي بين ~~تلك القبور، وفوق هاتيك الصخور، بغرور الإنسان وكبره، وشموخه بمجده وفخره، ~~وإغراقه في دعواه، وإسرافه في هواه، واستعظامه لنفسه، ونسيانه لرمسه، فقد ~~شمخ المغرور بأنفه حتى رام أن يثقب به الفلك، استكبارا لما جمع واستعلاء ~~بما ملك، فأرغمه الموت فسد بذلك الأنف شقا في لحده، بعد أن وارى تحت صفائحه ~~صحائف عزه ومجده،[3] وما زلت أسير وأتفكر، وأجول وأتدبر، حتى تذكرت في خطاي ~~فوق رمال الصحراء، قول الشاعر الحكيم أبي العلاء: # خفف الوطء ما أظن أديم ال %~% أرض إلا من هذه الأجساد # وقبيح بنا وإن قدم العه %~% د هوان الآباء والأجداد # سر إن اسطعت في الهواء رويدا %~% لا اختيالا على رفات العباد # فقرعت سن الندم، وخففت وطء القدم، وإن في دهماء أولئك الأموات، وغمار تلك ~~الرمم والرفات، لمباسم طالما حول العاشق قبلته لقبلتها، وباع عذوبة الكوثر ~~بعذوبتها، قد امتزجت بغبار الغبراء، واختلطت ثناياها بالحصى والحصباء.[4] # وتذكرت أن تلك الخدود التي كان يغار منها الورد فيبكي بدموع الندى، ~~ويشتعل الفؤاد منها بنار الجوى، ويقف الخال منها موقف الخليل من النيران، ~~أو ابن ماء السماء في شقائق النعمان،[5] ويترقرق فيها ماء الحياء وماء ~~الشباب، قد طوى الدهر حسنها طي الكتاب، وصارت بحكم القضاء، أديما لوجه ~~الفضاء. # وأن تلك العيون التي صادت بأهدابها الملوك الصيد،[6] فكانوا رعاة الأمم ~~رعايا الغيد، وسحرت ببابل هاروت وماروت، ووقفت موقف الاستكانة رب الجلال ~~والجبروت، يلتمس - والتاج في يمينه، وعرق الحياء فوق جبينه - من خلال ~~لحظاتها قبولا، كسائل يمد لالتماس الإحسان كشكولا، قد أمست ترابا تحت ~~الرمس،[7] كأن لم تفتن بالأمس. # وأن ذلك الفاحم الأثيث من الشعر،[8] ms002 الخاطف ببريقه سواد القلب والبصر، قد ~~حصدته من منابته يد الزمن، فنسج الأجل منه ثوب الكفن. # وأن تلك النهود التي كأنها حقاق من لجين تزينت بحب من المرجان،[9] أو ~~كرات من جليد بثق فيها زهر من الرمان، قد أصبحت كالمخلاة على الصدر، تحمل ~~الزاد لدود القبر. # كم صائن عن قبلة خده %~% سلطت الأرض على خده # وحامل ثقل الثرى جيده %~% وكان يشكو الضعف من عقده # وأن تلك الرفات والعظام، من بقايا الملوك العظام، الذين كانوا يستصغرون ~~الأرض دارا، ويحاولون عند النجوم جوارا، وتلك الضلوع التي انحنت على البطش ~~والحلم، والشفاه التي طالما لفظت أمر الحرب والسلم، وتلك الأنامل التي كانت ~~تبري القلم للكتاب، وتبري بالسيوف الرقاب، وتلك الوجوه والرءوس التي ~~استعبدت الأبدان والنفوس، ووصفت تارة بالبدور وتارة بالشموس، قد تساوى ~~الرئيس فيها بالمرؤوس، فلا تفريق اليوم ولا تمييز، بين الذليل منها ~~والعزيز. # هو الموت مثر عنده مثل مقتر %~% وقاصد نهج مثل آخر ناكب # ودرع الفتى في حكمه درع غادة %~% وأبيات كسرى من بيوت العناكب # فرجل في غبراء والخطب فارس10 %~% وما زال في الأهلين أشرف راكب # وما النعش إلا كالسفينة راميا %~% بغرقاه في بحر الردى المتراكب # وبينا أنا في هذه المواعظ والعبر، وتلك الخواطر والفكر، أتأمل في عجائب ~~الحدثان، وأعجب من تقلب الأزمان، مستغرقا في بدائع المقدور، مستهديا للبحث ~~في أسرار البعث والنشور، إذا برجة عنيفة من خلفي، كادت تقضي بحتفي، فالتفت ~~التفاتة الخائف المذعور، فرأيت قبرا انشق من تلك القبور، وقد خرج منه رجل ~~طويل القامة، عظيم الهامة، عليه بهاء المهابة والجلالة، ورواء الشرف ~~والنبالة،[11] فصعقت من هول الوهل والوجل،[12] صعقة موسى يوم دك الجبل، ~~ولما أفقت من غشيتي، وانتبهت من دهشتي، أخذت أسرع في مشيتي، فسمعته ~~يناديني، وأبصرته يدانيني، فوقفت امتثالا لأمره، واتقاء لشره، ثم دار ~~الحديث بيننا وجرى، على نحو ما تسمع وترى، بالتركية تارة والعربية أخرى: # **الدفين****: **ما اسمك أيها الرجل، وما عملك، وما الذي جاء بك؟ # (فقلت في نفسي: حقا إن الرجل لقريب العهد بسؤال الملكين، فهو ms003 يسأل على ~~أسلوبهما، فاللهم أنقذني من الضيق، وأوسع لي في الطريق لأخلص من مناقشة ~~الحساب، وأكتفي شر هذا العذاب، ثم التفت إليه فأجبته): # **عيسى بن هشام****: **اسمي عيسى بن هشام، وعملي صناعة الأقلام، وجئت هنا ~~لأعتبر بزيارة المقابر، فهي عندي أوعظ من خطب المنابر.**الدفين****: **وأين ~~دواتك يا معلم عيسى ودفترك؟**عيسى بن هشام****: **أنا لست من كتاب الحساب ~~والديوان، ولكني من كتاب الإنشاء والبيان.**الدفين****: **لا بأس بك، فاذهب ~~أيها الكاتب المنشئ فاطلب لي ثيابي وليأتوني بفرسي «دحمان».**عيسى بن ~~هشام****: **وأين يا سيدي بيتكم فإني لا أعرفه؟**الدفين** (مشمئزا)**: **قل ~~لي بالله من أي الأقطار أنت، فإنه يظهر لي أنك لست من أهل مصر؛ إذ ليس في ~~القطر كله من أحد يجهل بيت أحمد باشا المنيكلي ناظر الجهادية ~~المصرية.**عيسى بن هشام****: **اعلم أيها الباشا أنني رجل من صميم أهل مصر، ~~ولم أجهل بيتك إلا لأن البيوت في مصر أصبحت لا تعرف بأسماء أصحابها، بل ~~بأسماء شوارعها وأزقتها وأرقامها، فإذا تفضلت وأوضحت لي شارع بيتكم وزقاقه ~~ورقمه انطلقت إليه وأتيتك بما تطلبه.**الباشا** (مغضبا)**: **ما أراك أيها ~~الكاتب إلا أن بعقلك دخلا، فمتى كان للبيوت أرقام تعرف بها! وهل هي «إفادات ~~أحكام» أو «عساكر نظام»؟ والأولى أن تناولني رداءك أستتر به وتصاحبني حتى ~~أصل إلى بيتي. # قال عيسى بن هشام: فنزلت له عن ردائي[13] وقد كان المعهود أن سلب المارة ~~لا يكون إلا من قطاع الطريق فإذا هو أيضا من سكان القبور، ثم ارتداه ~~مستنكفا مترددا وهو يقول: # **الباشا****: **للضرورة أحكام، وقد لبسنا أدنى من هذا الرداء في مصاحبتنا ~~لأفندينا المرحوم إبراهيم باشا على طريقة التنكر و«التبديل» في الليالي ~~التي كان يقضيها في البلد؛ ليستطلع بنفسه أحوال الرعية، ولكن كيف العمل ~~وكيف يتسنى الدخول؟**عيسى بن هشام****: **ماذا تريد؟**الباشا****: **أنسيت ~~أننا في الثلث الأخير من الليل، وليس من يعرفني بهذا الرداء على أبواب مصر، ~~ولم يكن معي كلمة «سر الليل» فكيف تفتح لنا الأبواب؟**عيسى بن هشام****: ~~**كما أنك يا سيدي لم تعرف أرقام البيوت، ولم تسمع ms004 بها في حياتك فأنا لا ~~أعرف «سر الليل» ولم أسمع به.**الباشا** (مستهزئا ضاحكا)**: **ألم أقل لك: ~~إنك غريب الديار، ألم تعلم أن «سر الليل» كلمة تصدر من القلعة في كل ليلة ~~إلى «الضابطة» وإلى جميع «القره قولات» والأبواب فلا يجيزون لأحد مشي الليل ~~إلا إذا كان حافظا لهذه الكلمة يلقيها في أذن البواب فيفتح له، وهي تعطى ~~لمن يطلبها من الحكومة سرا لقضاء أشغاله بالليل، وتتغير في كل ليلة، فليلة ~~تكون كلمة «عدس» وليلة تكون «خضار» وليلة تكون «حمام» وليلة تكون «فراخ» ~~وهلم جرا.**عيسى بن هشام****: **يظهر لي من كلامك هذا أنك لست أنت من أبناء ~~مصر؛ فما علمنا أن هذه الألفاظ تطلق فيها على غير الأطعمة، ولم نسمع أنها ~~تدل على الإجازة للناس بالسير في ليلهم، على أن الفجر قد دنا، ولم يبق بنا ~~من حاجة لهذه الكلمات ولا لغيرها.**الباشا****: **الأمر في ذلك موكول إليك. # قال عيسى بن هشام: فسرنا في طريقنا وأخذ الباشا يزيدني تعريفا بنفسه، ~~ويقص علي من أنباء الحروب وأخبار الوقائع التي شاهدها بعينه وسمعها بأذنه، ~~ويذكر لي ما شاء من مآثر «محمد علي» وشجاعة «إبراهيم». # وما زلنا على تلك الحال حتى وصلنا في ضوء النهار إلى ساحة القلعة، فوقف ~~وقفة المستكن الخاشع يقرأ سورة الفاتحة لضريح محمد علي، ويخاطب القلعة ~~بقوله في بلاغة تركيته: # إيه لك يا مصدر النعم ومصرع الجبابرة من عتاة المماليك، ويا بيت الملك ~~وحصن المملكة ومنبع العز ومهبط القوة ومرتفع المجد وموئل المستغيث وحمى ~~المحتمي وكنز الرغائب ومنتهى المطالب ومثوى البطل الشهم ومقبر الملك ~~الهمام، أيها الحصن كم فككت بالكرم عانيا. وقيدت بالإحسان عافيا، وكم أرغمت ~~أنوفا، وسللت سيوفا، وجمعت بين البأس والندى، وداورت بين الحياة والردى. # قال عيسى بن هشام: ثم التفت الباشا إلي وقال: أسرع بنا نحو البيت لألبس ~~ثيابي وأتقلد حسامي وأركب جوادي، ثم أعود إلى القلعة فألثم أذيال ولي النعم ~~الداوري الأعظم. ### | الشرطة أو البوليس # ولما غادرنا ساحة القلعة انحدرنا في الطريق، وبينا نحن نسير؛ إذ تعرض ms005 لنا ~~مكار يسوق حماره وقد راضه الخبيث على التعرض وسد الطريق على المارة، فكلما ~~سرنا وجدنا الحمار في وجهتنا والمكاري ينبح بصوت قد بح حتى أمسك بذيل صاحبي ~~يقول له: # **المكاري** (للباشا)**: **اركب يا أفندي فقد عطلتني وأنا أسير وراءك منذ ~~ساعتين.**الباشا** (للمكاري)**: **كيف تدعوني أيها الشقي إلى ركوب الحمار ~~وما رغبت فيه قط، وما دعوتك في طريقي! وكيف لمثلي أن يركب الحمار الناهق، ~~مكان الجواد السابق!**المكاري****: **وكيف تنكر إشارة يدك التي دعوتني بها، ~~وأنت تتكلم مع صاحبك في طريق «الإمام»، وقد دعيت مرارا من السائرين فلم ~~أقبل منهم، ولم ألتفت إليهم لارتباطي معك بتلك الإشارة، فاركب معي أو أعطني ~~أجرتي.**الباشا** (وهو يدفع المكاري بيده)**: **اذهب عنا أيها السفيه فلو ~~كان سلاحي معي لقتلتك.**المكاري** (متسافها في القول)**: **كيف تجسر على ~~هذا الكلام! فإما أن تعطيني أجرتي وإما أن تذهب معي إلى «القسم» وسترى هناك ~~ما يعاقبونك على تهديدك إياي بالقتل.**الباشا** (لعيسى بن هشام)**: **إني ~~لأعجب من صبرك على هذا الفلاح السفيه الذي استرسل معنا في سفاهته ووقاحته، ~~فهلم فاضربه بالنيابة عني حتى تريحه من عيشته وتريحنا منه.**(عيسى بن ~~هشام)****: **كيف يكون ذلك وأين القانون وأين الحكام؟**الباشا****: **ما لي ~~أراك قد شق الخوف قلبك وقطع الهلع أنفاسك، أيعتريك الخوف وأنت معي، إن هذا ~~لعجيب منك!**المكاري** (مستهينا)**: **العفو! العفو! من أنت ومن غيرك، ونحن ~~في زمن الحرية لا فرق بين الصغير والكبير، ولا تفاوت بين المكاري وبين ~~الأمير.**الباشا** (لعيسى بن هشام)**: **ويحك هلم فاضربه أو دعني ~~أقتله.**عيسى بن هشام****: **أنا لا أضرب أحدا وأنت لا تقتل أحدا ما دمت ~~معي، واعلم أنه لا تصدر منا «مخالفة» أو «جنحة» أو «جناية» إلا والعقاب من ~~ورائها، فلا تعجب من طول صبري واحتمالي، وأقول لك ما قاله الخضر لموسى عليه ~~السلام: @QUR@014 إنك لن تستطيع معي صبرا * وكيف تصبر على ما لم تحط به ~~خبرا ، والطريقة للتخلص من سفاهة هذا السفيه أن أعطيه شيئا من الدراهم ~~فيتحول عنا إلى سوانا، وأنا أسأل الله أن يبلغنا بيتك ms006 ~~بالسلامة.**الباشا****: **لا تعط هذا الكلب النابح درهما واحدا، وقد أمرتك ~~أن تضربه، فإن لم تفعل فأنا أتنزل إلى ضربه وتأديبه، والفلاح لا يصلح جلده ~~إلا بجلده. # قال عيسى بن هشام: ثم أمسك الباشا بعنق المكاري وأوسعه ضربا، وأخذ ~~المكاري يستغيث وينادي: يا «بوليس» يا «بوليس»، وأنا أجتهد في إنقاذه من ~~مخالبه وأستعيذ بالله من شر هذا اليوم، وأقول للباشا: ليس هذا مما يحمد ~~عقباه، فاتق الله أيها الأمير في عباد الله، فما أتممت هذا القول حتى رأيته ~~اشتد به الغضب وتغلبت عليه الحدة فتغير وجهه، وانقلبت حماليقه، وتقلصت شفته ~~واتسع منخره وضاقت جبهته، فخفت أن يحمله جنون الغضب على البطش بي مع ~~المكاري فتداركت أمري وقلت له: مثلك - أدام الله عزك - لا يتنزل لمثل هذا ~~الفعل، فأنت أرفع قدرا من أن تمس بيدك الشريفة مثل هذه الجيفة، فسكنت بذلك ~~من حدته، وعمدت إلى المكاري فوضعت في يده دريهمات على غير علم من الباشا ~~وطلبت إليه أن ينصرف عنا، فما ازداد اللئيم بذلك إلا استغاثة بالشرطة ~~واستنجادا بالبوليس. # **الباشا** (لعيسى بن هشام)**: **ألم أقل لك إن الفلاح لا يصلحه إلا الضرب! ~~ألم تعلم أن غاية ما ينتهي إليه أمره في رفع الألم عنه أن يعلو صياحه ~~استغاثة بالمشايخ والأولياء! ولكن قل لي بالله، هل «بوليس» هذا الذي يناديه ~~ويستغيث به ولي جديد؟**عيسى بن هشام****: **نعم إن هذا البوليس هو ولي ~~الأمر احتلت فيه القوة الحاكمة.**الباشا****: **لست أفقه هذا المعنى، فأوضح ~~لي حقيقة هذا البوليس.**عيسى بن هشام****: **هو «القواس» الذي ~~تعرفه.**الباشا****: **وأين هذا «القواس» الذي لا يسمع النداء، فإني أرغب ~~في حضوره ليتلقى أمري في هذا الشقي.**المكاري****: **يا بوليس! يا ~~بوليس!**الباشا** (لعيسى بن هشام)**: **«هلم إلى مساعدته في نداء القواس.» # قال عيسى بن هشام: فقلت في نفسي: كيف أنادي البوليس وأنا أحمد الله على ~~سكوته وسكونه، وهو بمقربة منا لا يكترث بنداء المستغيث، ثم التفت إلى ~~الباشا وقلت له: إن البوليس هو الذي تراه أمامنا وليس يفيد فيه الآن صياح ~~أو نداء ms007 فإنه مشتغل ببائع الفاكهة كما ترى، ولما لمح المكاري البوليس أمامه ~~أسرع إليه وتبعه من تجمع حولنا من النظارة، فوجدوه واقفا، وفي يده منديل ~~أحمر قد امتلأ بأصناف متنوعة مما جمعه في صباحه من باعة الأسواق في محافظته ~~على «النظام»، وهو لاه بصاحب الدكان يأمره أن يضع في داخلها ما عرضه في ~~خارجها من «عيدان القصب»، وفي يده عود منها يهدده به ويهزه في وجهه هزة ~~الرمح، ثم هو يضاحك من جهة أخرى طفلا على كتف امرأة ويناغيه، حتى إذا ~~أقبلنا نحوه أقبل علينا والمنديل في يد «وعود القصب في الأخرى». # **البوليس** (للجمع)**: **ما هذا الصياح في الصباح، وما هذا النداء وما هذا ~~العناء، كأن كل واحد من الأهالي يجب أن يكون له واحد من البوليس خاص ~~بخدمته!**المكاري****: **أغثني «يا سعادة الجاويش» فإن هذا الرجل ضربني ولم ~~يعطني أجرتي، وأنت تعرفني في هذا «الموقف» وتعرف أنني لست ممن يتشاجر أو ~~يتخاصم.**الباشا****: **خذ أيها القواس هذا السفيه وضعه في السجن حتى يأتيك ~~أمري فيه.**البوليس للمكاري****: **من أين ركب معك هذا الرجل «يا ~~مرسي»؟**المكاري****: **ركب معي من جهة «الإمام».**الباشا للبوليس****: ~~**ما هذا الإبطاء في تنفيذ أمري! أسرع به إلى السجن.**البوليس** (ضاحكا ~~هازئا)**: **أظنك أيها الرجل من «مجاذيب الحضرة» في «الإمام» هلم معي إلى ~~القسم، فإن هيئتك تنبئ عن إفلاسك وعجزك عن دفع الأجرة. # قال عيسى بن هشام: وجذب الشرطي صاحبي من ذراعه، فكاد يغمى عليه من الدهشة ~~فلم يدر ما يصنع، وأودع البوليس ما كان في يديه من الفاكهة وغيرها عند ~~الرجل الذي أودع المكاري حماره عنده، وسار صاحبي مسحوبا بذراع الشرطي، ~~والمكاري خلفهما، والجمع على أثرهم إلى «القسم»، فلما وصلوا إليه وصعدوا ~~السلم بدأ المكاري يصرخ ويصيح، فقابله أحد عساكر «المراسلة» فضربه ليسكته؛ ~~لأن «حضرة المعاون» غريق في نومه، فدخلنا جميعا في حجرة «الصول» لضبط ~~الواقعة فوجدناه يأكل والقلم في أذنه وقد نزع «طربوشه» وخلع نعليه وحل ~~أزرار ثيابه. وبجانبه اثنان من الفلاحين، أظنهما من أقربائه، يشاهدان ما ~~يتمتع به من ms008 لذة الأمر والنهي وسعة سلطانه على الكبير والصغير في عاصمة ~~القطر وقاعدة الملك، وما في قدرته من حبس أي شخص كائنا من كان وشهادته عليه ~~بما يجري في هواه، فطردنا جميعا من الحجرة حتى ينتهي من طعامه، فخرجنا ~~ننتظر، وأراد الباشا أن يستند على الجدار من شدة ما ألم به من الحزن فخانته ~~يده فسقط فوق جندي كان يكنس الأرض هناك، فأخذ الجندي في السب والشتم ودخل ~~إلى حجرة «الصول» هاجما فقال له: إن المتهم الذي يشتكي منه المكاري تعدى ~~علي «في أثناء تأدية وظيفتي» فضربني بكل جسمه، فأمر «الصول» بإحضاره ونادى ~~كاتبه العسكري، فطلب منه أن يحرر «محضرين» محضر مخالفة ومحضر جنحة، وأملى ~~عليه كلاما مصطلحا عليه لم أفهم منه حرفا، وبعد أن شهد «البوليس» الذي جئنا ~~معه في محضر المخالفة بما ينفع المكاري في تأييد دعواه، وشهد «الصول» نفسه ~~في محضر الجنحة بأنه شاهد المتهم يتعدى على أحد عساكر القسم في أثناء تأدية ~~وظيفته، ختم المحضرين وأمر بالمتهم أن يؤخذ إلى «خشبة المقاس» وتحرير «ورقة ~~التشبيه»، فجاء العسكري صاحب الدعوى وأخذ بيمين صاحبي وأجرى ذلك عليه بنفسه ~~وأذاقه أنواعا من الأذى في مقاسه، كل هذا والباشا كالمغشي عليه من الدهشة ~~والذهول، حتى إذا أفاق من غشيته التفت إلي يقول: # **الباشا****: **أنا لا أتصور في هذه الحالة التي أنا عليها إلا أن يكون ~~اليوم يوم حشر، أو أن أكون حالما في المنام، أو أن يكون الداوري الأعظم غضب ~~علي غضبا شديدا فأمر بإهانتي على هذه الصورة الشنيعة.**عيسى بن هشام****: ~~**لا بد لك من التسليم والاحتمال على كل حال حتى نخلص من هذه النازلة بسلام. # قال عيسى بن هشام: ولما وقفنا أمام الكاتب لتحرير «ورقة التشبيه» سأل ~~الباشا هل له من ضامن يضمنه، فقدمت نفسي لضمانته فلم يقبلوا مني إلا بتصديق ~~«شيخ الحارة» فحرت في أمري، ومن أين أجد «شيخ الحارة» في الحال؟ فألقى بعض ~~العساكر في أذني أن اخرج فإنك تجد «شيخ الحارة» بالباب فأعطه عشرة قروش ~~للتصديق على ms009 الضمانة، فخرجت ولحقني ذلك العسكري فدلني على شيخ الحارة وتوسط ~~بيننا في مناولة أجرة التصديق، ثم اشتغل عني بمشاركة العساكر في ضرب أرباب ~~القضايا الذين علا صياحهم وعويلهم ليخرسوهم خشية أن يوقظوا المعاون من ~~رقاده، ثم ما لبثوا أن رأيتهم قد امتنعوا عن الضرب في أقل من لمح البصر ~~وتفرقوا مهرولين كأن نازلا نزل عليهم من السماء، ووجدت من كان من بينهم أشد ~~إيذاء لعباد الله وأعظم حرصا على راحة المعاون في منامه قد هجم على باب ~~الحجرة، فدفعه بكل قواه ففتحه وأخذ يهز السرير هزا عنيفا، فاستيقظ المعاون ~~فزعا، وعلم أن «المفتش» قد شوهد داخلا من باب القسم، فأسرع إلى ثيابه ~~فلبسها في لحظة وهرول إلى استقباله، فلما رآه وقف «وقفة النظام»، ولكن كان ~~من نكد طالعه أنه ذهل عند لبس «الطربوش» فلم يجعل زره جهة اليمين بل تركه ~~فوق الجبهة، وكان الشعر قد تجدد في عارضيه؛ لأنه لم يتمكن من حلقه في يومه، ~~فأخذ المفتش عليه ذلك ودخل إلى الحجرة مغضبا فاشتغل بكتابة تقرير لمحاكمة ~~المعاون على مخالفته في الزي «للأوامر المستديمة». # ولما رأى الباشا سكون الضرب والصياح مرة واحدة، وما تولى العساكر من ~~الخوف والاضطراب، وما شاهده من حركات المعاون، سألني عن شأن هذا الداخل ~~الذي أورث ذلك الانقلاب، فأعلمته بأنه «المفتش» جاء إلى «القسم» للتفتيش ~~والتنقيب في «الأحوال» والنظر في شكوى الشاكين، وتطبيق أعمال العمال على ما ~~يقضي به القانون والنظام، فقال: إذا فلندخل إليه لنعرض عليه ما أصابنا من ~~الإهانة، فدخلنا فوقفنا أمامه فوجدناه يكتب في تقريره، فالتفت إلينا وسألنا ~~عن أمرنا، ولما بدأنا بذكر القصة أمر أحد العساكر بإخراجنا من حضرته، ثم ~~رأيناه قد وضع التقرير في جيبه بعد كتابته ونزل مسرعا لم يلتفت في التفتيش ~~والتنقيب لغير زي المعاون، ولما انصرف عاد الضرب والصياح والضجيج في أنحاء ~~القسم إلى أشد ما كان عليه قبل حضوره، وصاح أحد المضروبين في شدة ألمه بأنه ~~لا بد أن يشتكي عمال القسم إلى «النيابة»، فدخل أحد العساكر ms010 إلى المعاون ~~ليخبره بما يقول الرجل فوضعت أذني عند الباب فسمعت المعاون يحادث نفسه ~~بقوله: «ما هذه الخدمة وما هذا الذل؟ ولعنة الله على ضرورة الحاجة في ~~المعاش، ومع ذلك فالحمد لله؛ إذ كان هذا المفتش من الأجانب ولم يكن من ~~«أولاد العرب» فهو خير منهم؛ لأن عجزه في فهم اللغة وجهله بالعمل جعله ~~يقتصر في التفتيش على طربوشي ولحيتي، ولو كان من «أولاد العرب» لاطلع على ~~الاختلال الواقع في القضايا وما يرتكبه عمال القسم من مخالفة «الأصول»، ثم ~~التفت إلى العسكري وسمع منه ما ينقله إليه من قول ذلك الرجل الذي عزم على ~~الشكاية إلى «النيابة» فازداد همه واشتد غضبه، فأمر بحبس المتهمين جميعا ~~أربعا وعشرين ساعة، والباشا داخل فيهم فذهبت إلى المعاون وكلمته فيه ليطلقه ~~بعد ضمانتي له فأبى ذلك، وقال لي بوجه عبوس: الأولى أن يبقى في القسم إلى ~~الغد حتى يكشف على «السوابق» ثم يرسل من هنا إلى النيابة. فدخل الباشا ~~الحبس مع الداخلين. ### | النيابة # قال عيسى بن هشام: ولما تركت صاحبي في حبسه وذهبت إلى داري بت طول ليلتي ~~في هم وأرق، وقضيت رقادي في اضطراب وقلق، لما أصاب الرجل من ضربات الدهر ~~المتتالية وهو غريق في دهشته وحيرته لا يدرك مضي الزمن ولا يدري ما الحال، ~~ولا يعلم بتغيير الأمور وما أحدثه الدهر بعد عهده وزوال دولته من تبدل ~~الأحكام وانقلاب الدول، وكنت هممت أن أكاشفه بشرح الأحوال وتفصيل الأمور ~~عند أول مصاحبتي له لولا ما دهمنا به القضاء المحتوم فأوقعنا فيما ألم بنا، ~~ثم فكرت بعد ذلك فكان من حسن التدبير وسداد الرأي عندي أن يبقى الرجل جاهلا ~~بالأمر حتى ينتهي من خطبه ويكون جهله بتغيير الأحوال قائما بعذره في التخلص ~~من محاكمته، ثم عقدت العزيمة على أني لا أفارق صحبته بعد ذلك حتى أريه ما ~~لم ير، وأسمعه ما لم يسمع، وأشرح له ما خفي عليه وغمض من تاريخ العصر ~~الحاضر، لأطلع على ما يكون من رأيه فيه عند مقابلته بالعصر الماضي، ms011 ولأعلم ~~أي العهدين أجل قدرا وأعظم نفعا وما الفضل الذي يكون لأحدهما على الآخر، ~~فبكرت إلى القسم في اليوم الثاني وحملت معي ما يليق بصاحبي من الثياب ~~ليرتديها عند خروجه من حبسه، فوجدت العسكري يستعد به للذهاب إلى قلم ~~«السوابق» في دار المحافظة، فلما بصر بي ناداني بقوله: # **الباشا****: **ما هذه الخطوب والملمات، قد كنت أظن أن ما وقع لي أمس كان ~~لسخط ولي نعمتنا الداوري الأعظم وغضبه على عبده بمكيدة كادها لي أعدائي أو ~~فرية افتراها حسادي؛ فلذلك صبرت لحكم الضرورة، وامتثلت على تلك الصورة، حتى ~~أتمكن من التشرب بالأعتاب، والمثول بين يدي مالك الرقاب، فأزيل الشبهة ~~وأنفي الريبة مما رماني به الساعي والواشي، وأجلي له حقيقة عبودتي وإخلاصي، ~~فيضاعف علي رضاه لحسن ما قمت به من الطاعة في احتمال هذا الهوان. # طال مني تحمل خلت أني %~% قابض من أذاته فوق جمر ثم إني أعمد بعد ذلك إلى إفشاء العقاب، عقاب القتل والصلب في هؤلاء ~~الأدنياء السفهاء والأشقياء الأغبياء جزاء ما اجترؤوا عليه في معاملتي ~~واقترفوه من جهل منزلتي، ولكني سمعت في الحبس - ويا سوء ما سمعت - وعلمت - ~~ويا شر ما علمت - أن الدول دالت والأحوال حالت، وأنكم أصبحتم في زمان غير ~~ذلك الزمان، وفي حال من الفوضى يصح فيها قول ذلك المكاري: «إنه هو والباشا ~~في المنزلة سواء» وتلك التي: # تصم السميع وتعمي البصير %~% ويسأل من مثلها العافيه فاللهم عفوك وصفحك، هل قامت القيامة وحان الحشر فانطوت المراتب وانحلت ~~الرياسات، وتساوى العزيز بالذليل والكبير بالصغير والعظيم بالحقير والعبد ~~بالمولى، ولم يبق لقرشي على حبشي فضل ولا لأمير منا على مصري أمر، ذلك ما ~~لا يكون ولا تحتمله الظنون، ثم اعلم أيها الرجل أن ذنب أولئك السفهاء فيما ~~جنوه علي لا يعد في جانب ذنبك عندي إلا كالخردلة من الصخر، والقطرة من ~~البحر، لكتمانك علي الأمر حتى دخلت بي بلدا هذا حاله وذاك شأنه، وأعوذ ~~بالله منك ومن شياطين الجن.**عيسى بن هشام****: **إنما أقول لك أيها الأمير ~~أيضا ما ms012 قاله موسى للخضر عليهما السلام: @QUR@09 لا تؤاخذني بما نسيت ولا ~~ترهقني من أمري عسرا ولقد نزل بي من الخوف والذهول عند انتشارك من القبر ما ~~أورثني التبلد والتحير، ومنعني عن تبصرتك بالواقع وتنبيهك إلى ما تغيرت به ~~الحال من بعد عهدك، وما كدت أنتبه إلى تعريفك بها حتى دهينا بذلك المكاري ~~ودهمنا بتلك الحادثة فلا ذنب لي فيما أتيت، والعذر مقبول لديك، فاصبر على ~~ما تلاقيه، واحتمل ما أنت فيه، وتقبل القضاء بوجه الرضاء، ولا تأس على ما ~~فات، لتكفر عنك السيئات.**العسكري** (للباشا)**: **هلم إلى ~~«السوابق».**الباشا****: **سبحان العزيز القادر، أترى قد زال عني بؤسي ~~وانقشع نحسي ورجع إلي عزي فجاءوني بموكبي وخيلي.**عيسى بن هشام****: **ليس ~~المقصود «بالسوابق» تلك الجياد الصافنات، والعتاق الصاهلات، وإنما هو ديوان ~~تقيد فيه سحنة المتهم وسيماه، ويكشف فيه عما جنته يداه.**العسكري** (للباشا ~~وهو يسحبه)**: **لا تطل في الكلام وامش معي ساكتا ساكنا.**الباشا** (وهو ~~يمتنع)**: **ما الحيلة في القضاء، وما العمل في المقدور، وكيف الخلاص وأين ~~النجاة، ومن لي بالموت ثانية ليردني إلى راحة القبر؟**عيسى بن هشام** (وهو ~~يتضرع)**: **أقسمت عليك بدفين القلعة، ووقع سيوفك في المعمعة، إلا ما قبلت ~~نصيحتي وعملت بمشورتي؛ فلا تعارض ولا تعاند، فإن الامتناع لا يفيد ولا ~~يزيدنا في ملتنا إلا شدة، والعقل يرشدنا أن نسلم للأقدار حيث لا عمل، وأن ~~نلبس لكل حالة لبوسها. إما نعيمها وإما بوسها.**الباشا** (ممتثلا)**: ~~**اللهم لا رأي مع القضاء. # قال عيسى بن هشام: وسرنا مع العسكري فوصلنا إلى «قلم السوابق وتحقيق ~~الشخصية»، فرأى الباشا هناك من الشدة ما تنخلع له القلوب وتشيب منه ~~النواصي، فجردوه من ثيابه وفحصوا بدنه عضوا عضوا وقاسوا وجهه وجسده، وحدقوا ~~في عينيه، وصنعوا به ما صنعوا وهو يتنفس الصعداء، حتى انتهوا من عملهم، ثم ~~سألوا عن ضمانته فلم يجدوا له ضمانة؛ لأن المعاون - قاتله الله - رد شيخ ~~الحارة عن التصديق على ضمانتي ليجوز له الحبس، فأرسلونا مع العسكري إلى ~~النيابة، ولما دخلنا على النائب وجدنا أمامه قضايا جمة وأصحابها مزدحمون ~~ينتظرون ms013 نوبتهم، فانفردنا ناحية ننتظر نوبتنا أيضا، والتفت إلي صاحبي يسأل ~~ويستفهم. # **الباشا****: **أين نحن الآن ومن هذا الغلام وما هذا الزحام؟**عيسى بن ~~هشام****: **نحن أمام النيابة، وهذا عضو النيابة، وهؤلاء أرباب ~~الدعاوى.**الباشا****: **وما النيابة؟**عيسى بن هشام****: **النيابة في هذا ~~النظام الجديد هي سلطة قضائية مكلفة بإقامة الدعاوى الجنائية على المجرمين ~~بالنيابة عن الهيئة الاجتماعية، والغرض من إنشائها ألا تبقى جريمة بلا ~~عقوبة، ووظيفتها أن تدافع عن الحق، فتظهر ذنب المذنب وتكشف عن براءة ~~البريء.**الباشا****: **وما «الهيئة الاجتماعية» التي تنوب عنها؟**عيسى بن ~~هشام****: **هي مجموع الأمة.**الباشا****: **ومن هذا الأمير العظيم الذي ~~اتفقت الأمة عليه لينوب عنها؟**عيسى بن هشام****: **ليس هذا الذي تراه ~~بأمير ولا بعظيم من عظماء الأمة، وإنما هو أحد أبناء الفلاحين أرسله أبوه ~~إلى المدارس، فنال الشهادة فاستحق النيابة فتولى في الأمة ولاية الدماء ~~والأعراض والأموال.**الباشا****: **نعمت المنزلة عند الله منزلة الشهادة، ~~وللشهيد في الجنة أعلى الدرجات، ولكن كيف تتصور عقولكم - وأظنكم فقدتموها - ~~أن تجتمع الشهادة في سبيل الله والحياة في الدنيا لأحد من الناس، والذي ~~يفوق ذلك عجبا ويزيد العقل خبالا أن يحكم الناس فلاح وينوب عن الأمة حراث، ~~ويشهد الله أنني خرجت من شدة إلى شدة، وانتهيت من خطب إلى خطب فسلمت وصبرت، ~~ولكن لا صبر لي على هذه الخارقة، فما أعظم الفاجعة وأشق النازلة، لقد فني ~~مني الصبر، ومن لي بفناء القبر.**عيسى بن هشام****: **اعلم أن هذه الشهادة ~~ليست بشهادة الجهاد، بل هي ورقة يأخذها التلميذ في نهاية دروسه ليثبت بها ~~أنه تلقى العلوم وبرع فيها، وقيمتها لمن يريد الحصول عليها ألف وخمسمائة ~~فرنك في بعض الأحيان.**الباشا****: **مه مه كأنك تريد الإجازة التي يجيزها ~~علماء الأزهر لمن تلقى عليهم العلوم من الطلبة وفاق فيها، غير أننا ما ~~سمعنا في دهرنا بهذه الأثمان، وما عهدنا أن الأزهر الشريف يعرف ما الفرنكات ~~أو يفقه من العملة سوى الجرايات.**عيسى بن هشام****: **ما هذه العلوم بعلوم ~~الأزهر، ولكنها علوم إفرنجية يتلقونها في بلاد الإفرنج، والفرنك عملة تلك ~~البلاد، ويقال لتلك ms014 القيمة عندهم: رسم الشهادة، وهي قيمة لا تذكر بالنسبة ~~إلى كثرة فوائدها؛ لأن القاعدة في هذا النظام «أن الشهادة بلا علم خير من ~~العلم بلا شهادة»، وصاحب الشهادة إذا قدمها للحكومة يكون له الحق في ~~الاستيلاء على مرتب وظيفة يزيد على الدوام ويرقى.**الباشا****: **الآن كدت ~~أفهم، وأظن هذه الشهادة تعادل «أوراق الالتزام» و«سراكي الروزنامجه» في ~~أيام حكومتنا. # قال عيسى بن هشام: وبينا نحن في هذا الحديث إذا بشابين رشيقين رقيقين قد ~~أقبلا يخطران في مشيتهما والطيب ينتشر في الجو من أردانهما وهما يصعران ~~خديهما كبرا واختيالا،[1] ولا يلتفتان إلى من حولهما تيها وإعجابا، أحدهما ~~يشق الهواء بعصاه، والثاني تلعب «بالنظارة» يداه، فشخصت فيهما الأنظار، ~~وتحولت نحوهما الأبصار، والحاجب من أمامهما يدفع الناس من طريقهما حتى وصلا ~~إلى باب النائب، فقام لهما عن مجلسه وأمر بأرباب القضايا أن ينصرفوا من ~~حضرته، واشتغل الحاجب بسحبهم وجرهم وطردهم ونهرهم، واشتغل النائب بطي ~~المحاضر ورفع المحابر، حتى خلا لصاحبيه من كل شغل وعمل. # **الباشا** (لعيسى بن هشام)**: **يظهر لي أن هذين الشابين من أكبر أولاد ~~الأمراء أو أنهما مفتشان للنيابة كما رأينا المفتش للقسم.**عيسى بن ~~هشام****: **ما أظنهما إلا زائرين من قرناء النائب في المدرسة كما يظهر لي ~~من شمائلهما.**الباشا****: **وهذا أعجب وأعجب. # قال عيسى بن هشام: وأردت أن أخبر خبرهما وأكشف أمرهما، فانتهزت فرصة ~~التزاحم بين الناس واشتغال الحاجب بهم فانزويت عقب الباب من وراء الستار ~~بحيث أسمع وأرى، فسمعت هذه المحاورة بينهم: # **الزائر الأول** (بعد السلام والجلوس)**: **لماذا تركتنا أمس أيها الخبيث ~~من قبل أن ينتهي اللعب؟**النائب****: **لأنه كان قد مضى من الليل أكثره، ~~وعندي من القضايا ما يضطرني إلى التبكير.**الزائر الثاني****: **وهل سمع ~~أحد أن القضايا تعوق الإنسان عن مجالسة الإخوان، ومثل هذا العذر يعتذر به ~~لغير الواقفين على أعمال النيابة وقضاياها، أولم تعلم أن فلانا وفلانا ~~وسواهما من أقرانك لا تستغرق منه قضايا اليوم كله أكثر من ساعة واحدة، وأخص ~~بالذكر منهم فلانا فإنه يكتفي بأن يمر عليها بلحظة منه، ms015 ويستغني عن ~~مطالعتها ويرتكن على توقد ذهنه ونباهة قريحته وكثرة تمرنه للإحاطة بفهمها، ~~وما دام الشقاق والنزاع قد انتهى أمره بين النيابة والبوليس فالأولى ~~الاكتفاء بمحاضر البوليس أو إعادتها إليه لاستيفائها، ولا محل لتجديد ~~التحقيق بعده وتضييع الوقت سدى فيما عساه أن يولد الشقاق أو يعيد النزاع ~~مرة أخرى.**النائب****: **ذلك ما أفعله ولكن لا بد من التمسك «بالظواهر ~~والأصول» على قدر الإمكان.**الزائر الأول****: **أفما عندك الكاتب يقوم في ~~ذلك مقامك ويكفيكه.**النائب****: **صدقت إن الكاتب ليكفي، والقول الصحيح أن ~~السبب في مفارقتكم أمس وفي ترك اللعب هو أنني خسرت ما كان معي من مرتب ~~الشهر، ونحن لا نزال في أوائله.**الزائر الأول****: **تلك هي عادتك في ~~ادعاء الخسارة دائما مهما ربحت ومهما كسبت، وما سمعت منك في عمري إلا أنك ~~خسران، أفلم تربح مني في «اليد الأخيرة» التي كانت بيننا خمسة ~~جنيهات؟**النائب****: **وحق شرفي وذمتي ومستقبلي أني قمت من عندكم أمس ~~بالخسارة.**الزائر الثاني****: **ما علينا، ولكن قل لي هل أنت لا تزال على ~~وعدك معنا في التوجه إلى صاحبنا لمشاهدة الرقص البلدي من فلانة ~~المشهورة؟**النائب****: **أسألك المسامحة فإنه لا يمكنني ذلك، أولا: لأن ~~هذا الرقص الذي يعجب أولاد البلد والفلاحين لا يعجبني، وثانيا: لأني دعوت ~~«مادموازيل فلانة» المشخصة في «الأوبرا» مع فلان وفلان المشخصين لتناول ~~الغداء في الأزبكية عند «سانتي»، وسنذهب بعد ذلك إلى «خان الخليلي» و«قصبة ~~رضوان» و«مقابر الخلفاء» وبعض الأماكن القديمة من البلد للتفكه ~~والتسلي.**الزائر الأول****: **دعواك الآن أنه لم يبق معك من مرتب الشهر ~~شيء، فكيف لك بما يلزم لمثل هذا من النفقات.**النائب****: **فاتني أن أذكر ~~لكما أن معنا فلانا المحامي ومعه صاحبه العمدة.**الزائر الثاني****: **وكيف ~~يميل هذان الشخصان إلى مثل هذا المجلس الإفرنجي، أو يستريحان له وهما لا ~~يعرفان شيئا من اللغات والاصطلاحات الأوروبية.**النائب****: **ألم تعلم يا ~~أخي أن أمنية المحامي أن يكون مصاحبا لأهل القضاء، وأمنية الفلاح أن يتحكك ~~بنا، والرغبة عند أمثالهما عظيمة في حضور المجالس الإفرنجية وإن كلفهم ذلك ~~ما كلفهم، وخرجوا منها على غير ms016 فائدة لهم؟**الزائر الأول** (مقتضبا)**: ~~**من أين اشتريت هذا «الكرافات» «رباط الرقبة»؟**النائب****: **ما اشتريته ~~يا «مونشير» «عزيزي» وإنما جاءني مع ملابسي من عند الخياط في باريس وهو من ~~آخر طرز.**الزائر الثاني****: **هل بلغك زواج فلان بمعشوقته؟**الزائر ~~الأول****: **هل ركبت مع فلان في «الأوتوموبيل»؟**النائب****: **قد وقفت ~~لكما على سبب انتحار ابن فلان المتمول.**الزائر الأول****: **أنا أعرفه فهو ~~الغرام.**النائب****: **لا.**الزائر****: **المال؟**النائب****: ~~**لا.**الزائر****: **المرض؟**النائب****: **لا، وإنما هي سنة جديدة في ~~شبان باريس اقتدى المسكين بها.**الزائر الأول****: **وأنا وقفت لكما على ~~سبب استعفاء فلان من وظيفته.**النائب****: **سيرته؟**الزائر****: ~~**لا.**النائب****: **وطنيته؟**الزائر****: ** لا.**النائب****: ~~**فرنسويته؟**الزائر****: **لا، وإنما هي «إنكليزيته». ### | المحامي الأهلي # قال عيسى بن هشام: فسئمت من هذا الكلام الفارغ والحديث المقتضب وانتهزت ~~دخول الحاجب، فخرجت من مكمني وعدت إلى الباشا صاحبي فوجدت بجانبه أحد ~~سماسرة المحامين قد التصق به وهو يحاوره، فوقفت عن بعد أسمع ما يدور ~~بينهما: # **السمسار****: **اعلم أن المحامي يدير القضاء في يده بما يريد فيعاقب من ~~يشاء ويبرئ من يشاء، وما أعضاء النيابة وقضاة الجلسات إلا طوع إشارته ورهن ~~كلمته وكالخاتم في إصبعه فلا حكم إلا بقوله ولا قضاء إلا بأمره، وأنت على ~~ما أراك، رجل غريب حقيق بالرحمة والشفقة ولا يليق بالمروءة أن أدعك طعمة في ~~أيدي بعض المحامين من أهل الطبقة السفلى الذين اعتادوا سلب أموال الناس ~~بطرق الغش والاحتيال وكاذب الوعود والآمال، ولي صاحب معروف بين طائفة ~~المحامين بالصدق والأمانة وله مقام سام بين القضاة والحكام، فهو صديق ~~الناظر وجليس المستشار ونديم القاضي وخدين النائب ووكيل «البرنس»، ولو ~~شاهدته يا سيدي مرة واحدة في اجتماعه معهم؛ في السهر والسمر ورفع الكلفة ~~بينه وبينهم في ساعات الأنس وأوقات السرور يشار بهم، ويؤاكلهم ويمازحهم ~~ويفاكههم ويناظرهم ويقامرهم لأيقنت في الحال أن كل طلب له يجاب، وليس لأمره ~~من راد، فالمجرم بريء والبريء جان على حسب المراد، فقل لي حينئذ عن مقدار ~~ما تستطيع دفعه من «مقدم الأتعاب» في تبرئتك من تهمتك والانتقام لك من ~~عدوك.**الباشا****: **أنا لا أعرف المقدم ولا المؤخر ولم يخبرني ms017 صاحبي عن ~~هذا الحاكم القادر الذي تصفه لي فإذا استفهمت عنه ...**السمسار** ~~(مقاطعا)**: **لا لزوم للاستفهام من أحد فها هو ذا حضرة المحامي قد أقبل ~~لمقابلة «النائب العمومي»، فأنا أستوقفه لحظة للنظر في شأنك. # (ويسرع السمسار إلى مكالمة المحامي بعد أن يوسع له في الطريق، ويسلم عليه ~~بسلام الأمراء حتى يصل به إلى جانب الباشا.) # **المحامي** (بصوت عال)**: **أنا لا أستطيع قبول التوكيل عن أحد في هذه ~~الأيام لتراكم الأعمال وتزاحم القضايا، فلم يبق عندي وقت للطعام وللشراب؛ ~~فكيف تكلفني أن أقبل التوكيل عن صاحبك في هذه القضية الصغيرة، وقد رفضت في ~~صباحي هذا خمس قضايا لها شأن عظيم.**السمسار****: **سألتك بحق الإنسانية ~~وحرمة المروءة، وبما جبلت عليه من الحنو والشفقة على الضعفاء أن تأذن لأحد ~~عمال مكتبك بمباشرة هذه القضية إن لم تتنازل لمباشرتها بنفسك؛ فإن المقصود ~~هو تأثير اسمك وصيتك في المحكمة.**المحامي****: **لا أرى في ذلك بأسا ~~للعناية بك، والشفقة على صاحبك. # (وينصرف المحامي بعد مصافحته للباشا.) # **السمسار** (للباشا)**: **هلم فادفع عشرين جنيها.**الباشا****: **ليس عندي ~~الآن شيء من الدراهم.**السمسار****: **أعطني تحويلا.**الباشا****: **أنا لا ~~أفهم لك كلاما فاذهب عني فقد ضقت بك ذرعا.**السمسار****: **كيف أذهب عنك ~~وقد تم لك الاتفاق مع حضرة المحامي أمامي؟**الباشا****: **أنا لم أتفق مع ~~أحد فاتركني وانصرف.**السمسار****: **كيف تنكر اتفاقك مع المحامي بعد أن ~~وضعت يدك في يده.**الباشا****: **عفوك اللهم ولطفك! ومن يصبر على هذه ~~الحال، أشرت بيدي في حديثي مع صاحبي فوقعت في حادثة المكاري، وصافحت ~~المحامي فصرت مدينا بعشرين جنيها، ففي أي العوالم أنا وبين أي المخلوقات؟ # قال عيسى بن هشام: ولما رأيت لوائح الغضب بدت على وجه الباشا خشيت أن يقع ~~مع السمسار في حادثة أخرى، فأدركته ووبخت الرجل على احتياله وتوعدته بالشر ~~ورفع الأمر إلى النائب العمومي إن لم ينته عنا، فخلفنا وانصرف، ونادى ~~الحاجب أرباب القضايا فدخلنا فوجدنا النائب لا زال لاهيا في حديثه مع ~~زائريه، وأشار لنا بالتقدم إلى الكاتب فتقدمت مع صاحبي وشرعت في بسط ~~القضية، وبيان ما قاسيناه ms018 من سوء معاملة البوليس وقبح افترائه، فالتفت ~~النائب إلى الكاتب وقال له: لا تقبل كلاما في البوليس ولا تسمع فيه طعنا بل ~~خذ بأقواله واستمسك بتحقيقه، ثم نظر في الساعة فوجد الميعاد قد حل، فأخذ ~~عصاه ولبس طربوشه وخرج يهرول مع صاحبيه، فقلت لصاحبي: الآن وجب أن أذهب ~~للبحث عن أحد المحامين الصادقين من أصحابي للمدافعة عنك. # **الباشا****: **قل لي بالله ما هو المحامي عندكم؟**عيسى بن هشام****: **هو ~~وكيل الحكم والمخاصمة يتكلم مكانك بما تعجز عنه ويدافع عنك بما لم تعلمه ~~ويشهد لك بما لم يخطر ببالك، وصناعته هذه صناعة شريفة يمارسها كثير من ~~الفضلاء اليوم بيننا، ولكن قد دخل في الصناعة جماعة ليسوا من أهلها، ~~فاتخذوا الخداع والاحتيال بضاعة للتكسب مثل هذا المحامي وسمساره، وهؤلاء ~~بعينهم هم الذين يعنيهم علاء الدين الكندي بقوله: # ما وكلاء الحكم إن خاصموا %~% إلا شياطين أولو باس # قوم غدا شرهم فاضلا %~% عنهم فباعوه على الناس ### | المحكمة الأهلية # قال عيسى بن هشام: ولما حل يوم الجلسة رافقت الباشا إلى المحكمة فوجدنا ~~في ساحتها أقواما ذوي وجوه مكفهرة، وألوان مصفرة، وأنفاس مقطوعة، وأكف ~~مرفوعة، وشاهدنا باطلا يذكر، وحقا ينكر، وشاكيا يتوعد، وجانيا يتودد، ~~وشاهدا يتردد، وجنديا يتهدد، وحاجبا يستبد، ومحاميا يستعد، وأما تنوح، ~~وطفلا يصيح، وفتاة تتلهف، وشيخا يتأفف، وسمعنا ألفاظا متناقضة، وأقوالا ~~متعارضة، ورأينا المحاميين، عن الخصمين، يشحذ كل منهما لسانه، ويقدح جنانه، ~~استعدادا للنزال في ميادين المقال، وتأهبا للدفاع، في مواقف النزاع، ليخرج ~~كلاهما بغنيمة البراءة في الحكم، ورفع التهمة والجرم، فانزويت بصاحبي، ~~ومحامينا بجانبي، يذكر لنا «أصولا مرعية»، و«مسائل فرعية» وظروفا وأحوالا، ~~وشروحا وأقوالا، ومواد وفقرات، في الجنح والمخالفات، ثم يتصفح محاضره، ~~ويقلب دفاتره، ويقسم لنا بوكيد الأيمان، أن الباشا من تهمته في أمان، وأنا ~~أجيب صاحبي عن كل سؤال، بما تقتضيه الحال، ولما سألني عن هذه الملحمة قلت ~~له: هي المحكمة. # **الباشا****: **قد كان العهد بالمحكمة الشرعية وبيت القاضي على غير ما أرى ~~فهل أصابها الدهر فيما أصاب بالتغيير والانقلاب؟**عيسى بن هشام****: ms019 **هذه ~~هي المحكمة الأهلية لا المحكمة الشرعية.**الباشا****: **وهل للقضاء بين ~~الناس غير المحكمة الشرعية؟**عيسى بن هشام****: **للقضاء في هذه البلاد على ~~ما تشتهي محاكم متعددة ومجالس متنوعة؛ فمنها المحاكم الشرعية والمحاكم ~~الأهلية والمحاكم المختلطة والمجالس التأديبية والمجالس الإدارية والمجالس ~~العسكرية والمحاكم القنصلية، دع المحكمة المخصوصة.**الباشا****: **ما هذا ~~الخلط، وما هذا الخبط، وسبحان الله هل أصبح المصريون فرقا وأحزابا وقبائل ~~وأفخاذا، وأجناسا مختلفة، وفئات غير مؤتلفة، وطوائف متبددة، حتى جعلوا لكل ~~واحدة محاكم على حدة، ما عهدناهم كذلك في الأعصر الأول، مع دولات الدول، ~~وهل انطمست تلك الشريعة الغراء، واندرست بيوت الحكم والقضاء، اللهم لا ~~كفران ولعن الله الشيطان.**عيسى بن هشام****: **ليس الأمر على ما تتوهم ~~وتتخيل؛ فلم يتفرق المصريون فرقا ولم يتوزعوا شعوبا، بل هم أمة واحدة ولهم ~~حكومة واحدة يقضي نظام الأمور فيها بهذا النسق والترتيب في القضاء والحكم، ~~وأنا أشرح لك جملة الحال شيئا قليلا. أما المحاكم الشرعية فقد جردت من ~~النظر والحكم في عامة المخاصمات، واقتصر العمل فيها على الأحوال الشخصية؛ ~~أعني مسائل الزواج والطلاق وما يدخل في هذا الباب.**الباشا****: **تالله ~~لقد فسد الحال وانحل النظام، وكيف يعيش الناس ويستقر لهم حال بغير شرع الله ~~وسنة نبيه، وهل أصبحتم في الزمن الذي يعنيه القائل بقوله: # قد نسخ الشرع في زمانهم %~% فليتهم مثل شرعهم نسخوا **عيسى بن هشام****: **لم ينسخ الشرع ولم يرتفع حكمه، بل هو باق على الدهر ~~ما بقي في العالم إنصاف وفي الأمم عدل، ولكنه كنز أهمله أهله، ودرة أغفلها ~~تجارها، فلم يلتفتوا إلى وجوه تشييده وتمكينه وتمسكوا بالفروع دون الأصول، ~~واستغنوا عن اللب بالقشور، واختلفوا في الأحكام وعكفوا على الاشتغال بسفساف ~~الأمور، وتعلقوا من الدين بالأغراض الحقيرة والأقوال الضعيفة، وتركوا ~~الحقيقة إلى الخيال وتعدوا الممكن إلى المحال، فكان من أكبرهم العالم ~~العلامة فيهم والحبر الفهامة منهم أن يبدع في التفنن للإغماض في الحق ~~الأبلج والتعقيد في الحنيفية السمحة، ولم ينتبهوا يوما إلى ما تجري به ~~أحكام الزمن في دورته، ولم يفقهوا أن لكل زمن ms020 حكما يوجب عليهم تطبيق أحكام ~~الشرع على ما تستقيم به المصلحة بين الناس، بل ظلوا واقفين عند الحد الأدنى ~~لا يتزحزحون ولا يتحلحلون، معتقدين أن الدهر دار دورته ثم وقف، وأن الزمن ~~تحرك حركته ثم سكن فلا أمل فيه ولا عمل، فكانوا سببا في تهمة الشرع الشريف ~~بخلل الحكم ووهن العقد وقلة الغناء فيه؛ لإنصاف الناس في معايشهم ومرافقهم ~~على حسب ما تتجدد به حالات الزمن، وتتخالف عليه أشكال العصور، ومن هنا ~~تولدت الحاجة إلى إنشاء المحاكم الأهلية بجانب المحاكم ~~الشرعية.**الباشا****: **ما أظن إلا أن يكون لأهل الشرع وأصحاب التفقه في ~~الدين عذر واضح في النزول إلى هذه الحال السيئة؛ من معارضة معارض ومنازعة ~~منازع أو جور سلطان قاهر وعسف حاكم قاسر، فصدهم عن سواء السبيل، وأرعاهم ~~هذا المرعى الوبيل.**عيسى بن هشام****: **لم يكن من ذلك شيء على الإطلاق؛ ~~فالإرادات مختارة، والأفكار مطلقة، والنفوس مطمئنة، والأرواح آمنة، وليس ~~الفساد ناشئا عن طوارئ الزمان وطوارق الحدثان، ولكنه فساد في التربية عم ~~أمره وانتشر، وانحطاط في الأخلاق عظم بلاؤه واشتهر، سكنت إليه نفوسهم ~~وارتاحت به ضمائرهم، وقد تمكن منهم داء التحاسد والتباغض ودبت بينهم عقارب ~~التشاحن والتضاغن، واستولى على قلوبهم الجبن والخور، وعلى عقولهم الضعف ~~والخبل، وعلى نفوسهم الفتور والكسل؛ فوصلوا إلى الحال التي يرون بها السنة ~~بدعة والبدعة سنة، والفضيلة نقيصة والنقيصة فضيلة، وأقاموا يتعسفون في ~~الحكم ولا ينصفون، ويتفكهون في الدين ولا يتفقهون، وصرفهم حب المال، عن ~~صالح الأعمال، وألهاهم ما يدخرونه من زخرف الحياة الدنيا، عما يدخر لهم في ~~الدار الأخرى، فنحن الذين فعلنا كل هذا بأنفسنا، منا الإثم والوزر، وعلينا ~~الذنب والإصر. وأما المحاكم الأهلية فهي القضاء الذي يقضي على الرعية اليوم ~~في جميع الخصومات طبقا لنص القانون.**الباشا****: **القانون ~~«الهمايوني»؟**عيسى بن هشام****: **القانون «الإمبراطوري».**الباشا****: ~~**ما عهدت منك أن تعجم وتبهم.**عيسى بن هشام****: **لا إعجام ولا إبهام، ~~فهو قانون نابليون إمبراطور الفرنسيين.**الباشا****: **وهل عاد الفرنسيس ~~فأدخلوكم تحت حكمهم وسلطانهم مرة أخرى؟**عيسى بن هشام****: **لا، وإنما نحن ~~الذين أدخلنا أنفسنا ms021 في حكمهم فاخترنا قانونهم ليقوم عندنا مقام ~~شرعنا.**الباشا****: **وهل هذا القانون ينطبق حكمه على حكم الشرع الشريف ~~والسنة المطهرة، وإلا فإنهم يحكمون فيكم بغير ما أنزل الله؟**عيسى بن ~~هشام****: **المسألة فيها خلاف، فالإجماع تام عند علماء الشريعة في السر ~~والنجوى على أنه مخالف للشرع، وأن كل من يقضي به داخل تحت نص الآية ~~الشريفة: @QUR@09 ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ولكن يظهر ~~أنه مطابق عندهم للشرع في حالة الجهر والعلن؛ بدليل ما أعلنه أحد كبرائهم ~~عند نشر هذا القانون، وهو يومئذ مفتي نظارة الحقانية، فقد أقسم الأيمان ~~المغلظة على فتواه التي أفتاها بأن هذا القانون الفرنسي غير مخالف للشرع ~~الإسلامي، وإن كان لا عقاب في هذا القانون على الفسق واللواط مع رضا ~~المفسوق به إن تجاوز عمره الثانية عشرة بيوم واحد، ولا عقاب فيه على من ~~يزني بأمه إذا هي رضيت وكانت غير متزوجة، وهو الذي يعد الأخ مجرما جانيا ~~إذا تعرض لحماية عرض أخته والمدافعة عنه، وكذلك بقية أهلها ما عدا زوجها، ~~وهو الذي يقبل شهادة المرأة الواحدة على الرجل، وهو الذي لا يعاقب الزوج ~~إذا سرق من امرأته، ولا المرأة من زوجها، ولا الولد من أبيه ولا الأب من ~~ابنه. وأما المحاكم المختلطة - وقضاتها من الأجانب - فهي تختص بالنظر فيما ~~يقع من الخصومات بين الأهالي والأجانب وبين الأجانب وبعضهم في الحقوق ~~المدنية؛ أعني في قضايا المال، ولما كان الأجانب هم أحق وأولى بالغنى ~~لسعيهم وجدهم، وكان المصريون أخلق بالفقر وأجدر لإهمالهم وتوانيهم، كان ~~معظم القضايا التي تحكم فيها هذه المحاكم لا بد أن تنتهي بسلخ المصري من ~~ماله وعقاره. وأما المجالس التأديبية فهي تختص بالنظر في عقاب الموظف الذي ~~يخل بتأدية وظيفته - وهي تتألف في الغالب من نفس الرؤساء الذين يتهمونه - ~~وحدها في العقاب الرفت والحرمان من المعاش، وما بقي من درجات العقاب فالنظر ~~راجع فيه إلى المحاكم الأهلية. وأما الجالس الإدارية فهي تختص بعقاب من ~~يخالف اللوائح والأوامر والمنشورات، وشرح ذلك يطول. وأما المحاكم ms022 العسكرية ~~فهي تختص بالنظر في عقاب المتهمين من الضباط والجنود، وتحكم أيضا على ~~الأهالي في مسائل القرعة وما شاكلها. وأما المحاكم القنصلية فهي تختص ~~بالنظر في الجنح التي تقع من الأجنبي على المصري ومن الأجنبي على الأجنبي ~~من جنس واحد، فإذا وقعت جناية من أجنبي على مصري فليس لها في مصر من حكم أو ~~عقاب، ولا تختص أي محكمة من كل هذه المحاكم التي عددتها لك بالنظر فيها، بل ~~يرتد الجاني بالقضية إلى وطنه ومسقط رأسه وديار قومه، فينظر قضاته هناك في ~~أمره، والغالب في مثل هذه الحال عندهم أن ينتهوا بتبرئة المجرم بعلل معلومة ~~مثل: «عدم ثقتهم بتحقيق البوليس المصري، وضياع معالم القضية، وعدم توفر ~~الشهود». وأما المحكمة المخصوصة فهي تختص بمعاقبة الأهالي عند تعديهم على ~~الجنود الأجنبية.**الباشا****: **ما زلت تسمعني الغريب وتفهمني غير مفهوم، ~~ومن أعجب ما سمعت أن المصري يتعدى على الجندي. # قال عيسى بن هشام: وبينا نحن في هذا الحديث إذ ارتج المكان وتماوج ~~الزحام، وأقبل القاضي وهو في عنفوان شبابه وصبا أيامه؛ يتألق وجهه حسنا، ~~ويشاكل في القد غصنا، وكأنه طائر في مشيته، من نشاطه وخفته، ولما دخل ~~الجلسة ذهبت أسأل عن نوبة القضية ثم عدت إلى صاحبي، ومكثنا في الانتظار ~~زمنا طويلا إلى أن جاء وقتنا ونودي الباشا فدخل مع المحامي في الجلسة، وقام ~~النائب فطلب الحكم على المتهم بمقتضى مادتي 124 و126 عقوبات لتعديه بالضرب ~~على أحد رجال «الضبطية القضائية» في أثناء تأدية وظيفته، وبالمادة 346 ~~مخالفات لتعديه على المكاري بالإيذاء الخفيف. # **القاضي** (للمتهم)**: **هل فعلت هذه التهمة؟**المتهم****: **لم أفعل. # قال عيسى بن هشام: وجاؤوا بي شاهدا فسألني القاضي عما أعلمه في هذه ~~الواقعة فأجبته: # **عيسى بن هشام****: **إن لهذه الحادثة قصة عجيبة وحكاية غريبة وهي أنه ~~...**القاضي** (مقاطعا)**: **لا لزوم لتفصيل القصة والحكاية، قل لي ~~«معلوماتك» فيها.**عيسى بن هشام****: **«معلوماتي» هي أنني كنت أزور ~~المقابر ذات ليلة وقت الفجر أبغي الموعظة وأنشد الاعتبار ...**القاضي** ~~(مستثقلا)**: **لا لزوم لكثرة الكلام، أجبني عن النقطة ms023 التي سألتك عنها ~~فقط.**عيسى بن هشام****: **ذلك ما أفعله من حكاية الواقع وهو أني رأيت رجلا ~~خرج من ...**القاضي** (متململا)**: **قلت لك: إني لا أقبل التطويل ولا ~~الشرح في الواقعة، ولكن هل ضرب المتهم العسكري والحمار.**عيسى بن هشام****: ~~**ما ضرب المتهم الحمار وإنما دفعه عنه من شدة إلحاحه، وما ضرب العسكري ~~وإنما سقط عليه مما غشيه بغير عمد ولا قصد وهو يجهل ...**القاضي****: ~~**يكفي، يكفي، هلم «النيابة».**النائب****: **إن هذا الباشا متهم بتعديه ~~بالضرب على أحد رجال البوليس في أثناء تأدية وظيفته بالقسم ومتهم بالتعدي ~~بالإيذاء على مرسي الحمار، والتهمة ثابتة من شهادة الشهود التي في الأوراق، ~~واطلاع المحكمة عليها كاف وبناء عليه النيابة تطلب الحكم على المتهم ~~بالمادة 124 و126 عقوبات، وبالفقرة الثانية من المادة 346 مخالفات وتطلب من ~~عدالة المحكمة التشديد في العقوبة؛ لأن حالة المتهم تستدعي ذلك، فإنه يتخيل ~~أن رتبته تجعله خارجا عن سلطة القانون، وتخوله الحق في اعتباره بقية الناس ~~أصغر منه شأنا فيؤدبهم بنفسه مع عدم مراعاة حقوقهم وحرمة القانون، ولا شك ~~أن تشديد العقوبة عليه واجب لاعتبار أمثاله به وللمساواة في العدالة، وأفوض ~~الأمر إلى المحكمة.**القاضي** (للمحامي)**: **المحاماة، مع ~~الاختصار.**المحامي** (بعد أن يتنحنح ويقلب في أوراقه)**: **إننا نتعجب من ~~أن النيابة العمومية استحضرتنا اليوم بصفة متهمين، ونقول: إن أصل وقوع ~~الجرائم يا حضرة القاضي في وضع الشرائع والقوانين في هذا العالم منذ ~~البداوة وعصور الهمجية كان يقصد منه ...**القاضي** (مشمئزا)**: **اختصر يا ~~حضرة المحامي وادخل في الموضوع.**المحامي****: **... ومن المعلوم أن نظام ~~الترتيب يا حضرة القاضي في طبقات الهيئة الاجتماعية يقضي ... **القاضي** ~~(متضجرا)**: **اختصر يا بك.**المحامي****: **الموضوع يقتضي ذلك.**القاضي** ~~(متأففا)**: **لا لزوم له.**المحامي** (متحيرا)**: **قالت النيابة العمومية ~~(ويسرد شيئا من أقوالها) ونحن نقول: إننا لو سمحنا جدلا ...**القاضي** ~~(مغضبا)**: **يكفي يا بك، الموضوع.**المحامي** (متلعثما مضطربا)**: **إن ~~هذا المتهم يا حضرة المحكمة الواقف الآن بين يدي القضاء هو رجل عظيم وأمير ~~خطير من أهل العصر القديم، وله حديث منشور في الجرائد - وهذه أعداد جريدة ~~«مصباح الشرق» ms024 تطلعون عليها - وقد اعترضه في طريقه أحد المكارين، فدفعه عن ~~نفسه والناس يعلمون إلحاح الحمارة وسوء أدبهم، ومثل هذه الطبقات التي ليس ~~فيها تربية ... **القاضي** (نافدا صبره)**: **قلنا: اختصر يا ~~بك.**المحامي** (وهو يتصبب عرقا)**: **... ولما توجه المتهم إلى القسم أغمي ~~عليه فسقط بدون تعمد على عسكري كان يكنس أرض القسم بغير ملابسه الرسمية، ~~وعدالة المحكمة تقضي بعدم الالتفات إلى دعوى البوليس ولا عقاب على المتهم ~~البتة؛ لأنه كان في عصر غير عصرنا وفي نظام خلاف نظامنا، ولم تبلغه دعوة ~~القانون فهو يجهل أحكامه وحضرة القاضي الفاضل أدرى بالأحوال، وإن ... ~~**القاضي** (منفعلا ضاربا بيده على المكتبة)**: **المحكمة تنورت يا بك ولا ~~لزوم للكلام مطلقا فهلم طلباتك.**المحامي** (ساخطا في نفسه)**: **طلباتنا ~~هي «أننا نطلب من باب أصلي الحكم ببراءة المتهم، وإن رأت المحكمة غير ذلك ~~فنرجو استعمال الرأفة بالمادة 532 عقوبات. # قال عيسى بن هشام: وبعد ذلك نطق القاضي بالحكم فحكم على الباشا بالحبس ~~سنة ونصفا بمقتضى المادتين المذكورتين من قانون العقوبات، وبخمسة قروش ~~والمصاريف بالمادة المذكورة أيضا من المخالفات، فضاقت الأرض بي وأظلمت ~~الدنيا في عيني، وكدت أشترك مع صاحبي في الذهول والإغماء لولا أن المحامي ~~أكد لي كل التأكيد أنه لا بد من البراءة في محكمة الاستئناف لعدالة رجالها، ~~ولكن يجب مع ذلك أن نرفع عريضة شكوى إلى «لجنة المراقبة» لحسن التأثير في ~~القضية عند نظرها في الاستئناف، ثم قال لي: اعلم أن السبب في كل ما صدر عن ~~هذا القاضي من المقاطعة والمعاكسة والاستعجال هو؛ لأنه مدعو في وليمة بعض ~~رفاقه عند الظهر تماما، وأمامه في جدول القضايا ثلاثون قضية يريد أن يأتي ~~عليها كلها حكما قبل حلول الميعاد. # وأطعنا إشارة المحامي فقدمنا عريضة إلى «لجنة المراقبة»، ولما طلبنا منه ~~أن يتوجه معنا للسؤال عما تم في أمرها تنحى عن استصحابنا، وقال: إنه كان ~~يود مباشرة ذلك بنفسه، ولكنه يمنعه أن يعلم القاضي بسعيه في التظلم منه ~~فيتعمد في المستقبل أذاه، وينصرف همه إلى نكايته بسبب شكايته، والمحامي في ms025 ~~حاجة دائمة إلى اجتلاب رضاء القاضي واجتناب غضبه، فقبلت عذره، ودعوت الباشا ~~إلى التوجه والسؤال، فأعرض ونأى بجانبه وخاطبني وهو يشتد في الإباء ويلج في ~~الامتناع بقوله: # **الباشا****: **يكفيني ما قد وصلت إليه من الذل والهوان وما قاسيته من ~~نزول القدر، وحلول الضيم بحكم القضاء من رافع السماء، وأنا أربأ بنفسي أن ~~يجتمع عليها ذلان في سلك واحد؛ ذل المتحمل للظلم المستكن للجور، وذل ~~المشتكي الضارع والمتظلم الخاضع، فإليك عني لا تكن عونا للخطوب، ومفتاحا ~~للكروب، وصدق ابن يعقوب @QUR@07 رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه ، ويعلم ~~الله لولا عذاب النار، لفرجت عن همي بالانتحار، وبودي لو يبدل حكم الحبس ~~بالإعدام لأخلص من هذه الأوصاب والآلام، وقد عشت دهري ما علمت أن السجن ~~يكون في عقاب الكبراء والأمراء، وإنما هو يجري عندنا في عقاب الغوغاء من ~~الناس والسفلة من العامة، وللأمراء الامتياز على كل حال، فإن كان ثم لنا ~~عقاب، فضرب الرقاب، وعندنا أن لقاء المنون، أليق بنا من ظلمة السجون.**عيسى ~~بن هشام****: **ما كنت أعهد من مثلك هذا الجزع والفزع، ولا أتوقع منك مثل ~~هذا الخور والهلع، وأنت البطل الجريء والشجاع المقدم، وما الشجاعة إلا في ~~التصبر على المكروه والتجلد للخطوب تتلقاها بوجه طلق وصدر رحب، وتترقب ~~الفرج منها بعد الضيق. ربما تجزع النفوس من الأمر له فرجة كحل العقال. وأنت ~~عندي الحازم الأرشد، والعاقل المسدد، وما العقل إلا نفاذ الرأي في كشف ~~الملمة، وتسديد الحيلة في إزاحة الغمة، وأمامنا اليوم طرق مسنونة ووسائل ~~مشروعة لا غضاضة علينا في ولوجها ولا مضاضة في سلوكها، واعلم أن تبدل ~~الأزمان وتقلب الحدثان يغير من مباني الأمور ويكيف في اعتبار الأشياء فما ~~كان يعتبر بالأمس فضيلة يعتبر في الغد رذيلة، وما كان يعده الناس في الزمن ~~الماضي نقيصة يعدونه في الحاضر كمالا، وإن كان الشرف فيما مضى يستمد رونقه ~~من السطوة والمنعة ويقوم ركنه على البأس والبطش، فإن الشرف اليوم كل الشرف ~~في الاستكانة للأحكام والخضوع للقانون، فهلم نسلك سبيله ونأخذ طريقه ms026 عسانا ~~أن ننتهي بالخلوص والنجاة، ومن القواعد المقبولة لدى العقلاء والحكماء أن ~~يقبل الإنسان نظام الأحكام في البلد الذي اتخذه دارا واختاره ~~مقاما.**الباشا****: **لطعم الموت الزؤام[1] أهون من هذا الكلام، وللشرب من ~~حميم آن،[2] آثر من احتمال هذا الهوان. # قال عيسى بن هشام: فاعتلت علي وجوه الآراء، في صرف صاحبي عن الامتناع ~~والإباء، وكدت أيأس من بلوغ الغاية في باب النصيحة والهداية، لولا أن سمعنا ~~مناديا من باعة الجرائد ينادي في طريقنا بصوت نكير، دونه صوت الحمير: # المؤيد والمقطم! الأهرام ومصر الأربعة بقرش! # **الباشا****: **ماذا أسمع من الأعاجيب! أأصبحت المساجد والجبال والآثار ~~والبلاد تباع في الأسواق بالمزاد؟ # قد اختل الأنام بغير شك %~% فجدوا في الزمان أو العبوه **عيسى بن هشام****: **ما هي بالآثار ولا بالبلاد، ولكنها أسماء انتحلت ~~أعلاما لهذه الجرائد اليومية.**الباشا****: **لعلك تعني «جرائد الصيارفة ~~ويومياتهم» أو «جرائد الالتزام» ولكن ما وجه هذه التعمية في التسمية؟**عيسى ~~بن هشام****: **ليس الأمر كما ذهبت إليه، ولكن الجرائد هي أوراق تطبع كل ~~يوم أو كل أسبوع أو كل شهر تجمع وتسرد فيها الأخبار والروايات العامة؛ ~~ليطلع الناس على أحوال الناس، وهي أثر من آثار المدنية الغربية انتقل إلينا ~~منها فيما انتقل، والأصل في وضعها انتشار الحمد للفضيلة والذم للرذيلة، ~~والنقد على ما قبح من الأعمال، والحث على ما حسن من الأفعال، والتنبيه على ~~مواضع الخلل، والتحضيض على إصلاح الزلل، وتعريف الأمة بأعمال الحكومة ~~النائبة عنها حتى لا تجري بها إلى غير المصلحة، وتعريف الحكومة بحاجات ~~الأمة لتسعى في قضائها، وبالجملة فإن أصحابها هم في مقام الآمرين بالمعروف ~~والناهين عن المنكر الذين أشارت الشريعة الإسلامية إليهم.**الباشا****: ~~**قد كنا نسمع في زماننا بشيء من هذا القبيل يقال له: «غازيته» وكانت تصدر ~~عندنا واحدة منها بالتركية اسمها «روزنامه وقائع» وأخرى بالعربية اسمها ~~«الوقائع المصرية» تدون فيهما المدائح والتهاني ويذكر فيهما انتقال الركاب ~~العالي، ولكن إن كانت الجرائد قد ارتفعت اليوم إلى ما تزعم، فلا بد أن يكون ~~قد اشتغل بها واهتم بأمرها كبراء العلماء الأعلام ms027 وعظماء المشايخ الكرام، ~~ولنعمت الوسيلة وحسنت الطريقة في تبليغ الناس ما يصلحهم في معاشهم وينفعهم ~~في معادهم، فعلي بواحدة منها.**عيسى بن هشام****: **علماؤنا ومشايخنا، يغفر ~~الله لهم، هم أبعد الناس عن اجتياز هذه الطريق وممارسة هذه الصناعة، وهم ~~يرون الاشتغال بها بدعة من البدع ويعتبرونه فضولا تنهى عنه الشريعة وتداخلا ~~فيما لا يعني، فلا يأبهون بها، وربما اختلفوا في كراهة الاطلاع عليها أو ~~إباحته، وقد مارس هذه الصناعة قوم آخرون غيرهم فيهم الفاضل وغير الفاضل، ~~واتخذها بعضهم حرفة للتعيش بها والتكفف على أية حالة كانت، فلا تجد بينهم ~~وبين أهل الحرف وباعة الأسواق فرقا في الغش والخداع والكذب والنفاق والمكر ~~والاحتيال للاستلاب والاغتيال. # عمروا موضع التصنع فيهم %~% ومكان الإخلاص منهم خراب فذهب منها الغرض المقصود وسقط شأنها بين العامة بعد أن سفل قدرها عند ~~الخاصة، وأصبح ما كان يرجى فيها من النفع دون ما تجلبه من الضرر، ومن ~~العقلاء من لا يزال يرجو من الأيام أن تدور يوما بتهذيب هذه الحال ورفع هذه ~~الصناعة إلى الدرجة اللائقة بها من الشرف وعلو القدر، والحكم كله للقارئين ~~في الإقبال على ما ينفع والانصراف عما يضر @QUR@012 فأما الزبد فيذهب جفاء ~~وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ، ثم ناديت البائع فاشتريت منه أربعا، ~~وفتحت واحدة أقرأ على صاحبي نتفا من أخبارها فوقع نظري فيها على كلام طويل ~~عن الحكم على أحمد سيف الدين، فأسمعته ما جاء فيه من وصف ما يقاسيه هذا ~~الأمير من خشونة العيش في سجنه، واستدرار الدموع لما يلاقيه هذا الغلام من ~~ضيق السجن وهو من سلالة الولاة والأمراء، ثم قلت له بعد أن انتهيت من أقوال ~~الجريدة في استعطاف القلوب والتماس العفو. انظر أيها الباشا كيف وصلت بنا ~~الحال في المساواة وقد علمت ما أصاب «البرنس» أحمد سيف الدين من حكم ~~المحاكم عليه، فكيف تترفع نفسك بعد ذلك، وتأبى الخضوع للقانون والامتثال ~~لأحكامه والتوسل بطرقه للخلاص مما وقعت فيه.**الباشا****: **ما «البرنس» ~~ومن أحمد سيف الدين؟**عيسى بن هشام****: **أما «البرنس» ms028 فهو لقب أجنبي قديم ~~كان يتلقب به رؤساء الدولة الرومانية قبل أن يجترئوا على الأمة بانتحال لقب ~~«إمبراطور»، ثم صار يطلق بعدهم في أوروبا على أعضاء بيت الملك وعلى رؤساء ~~الحكومات الصغيرة، ويطلقه اليوم على أنفسهم أعضاء «العائلة الخديوية» ذكورا ~~وإناثا، وإن كان لا ذكر له بين الألقاب الرسمية في الدولة العلية، وأما ~~أحمد سيف الدين هذا فهو أحمد بن إبراهيم بن أحمد بن إبراهيم بن محمد علي جد ~~الأسرة الخديوية وعميدها، وقد ارتكب جناية فسحبوه إلى المحاكم، واستحق ~~العقاب الذي يقضي به القانون فحكمت عليه المحكمة الابتدائية بالسجن سبع ~~سنين، فاستأنف يلتمس الشفقة والرأفة من قضاة الاستئناف، فأنقصوا المدة إلى ~~خمس، ثم استغاث بمحكمة النقض والإبرام فلم تغثه، وقد انصرفت المساعي لاتفاق ~~أعضاء الأسرة الخديوية على التماس العفو عنه، وذهبت أمه يمينا وشمالا فلم ~~تبق وسيلة من وسائل الاسترحام إلا سلكتها، ولكن لا وسيلة مع القانون؛ فإن ~~سيفه ماض في كل الرقاب وسلطانه نافذ في كل الرءوس، فهل يليق بك حينئذ أن ~~تتكبر وتترفع عن التوسل والتظلم وتأنف نفسك من السعي وراء «لجنة المراقبة» ~~و«محكمة الاستئناف»، وقد علمت من تاريخ الأمراء وأولياء النعم ما ~~علمت؟**الباشا****: **نعم كيف لا تخر الجبال الشم، إذا استنزلوا منها ~~الأرواي العصم،[3] وكيف لا تنشق القبور، وينفخ في الصور، وقد انحط المقام ~~وسفل القدر، وحقت كلمة ربك على مصر: «فجعلنا عاليها سافلها»، وما دام حفيد ~~محمد علي في السجن على ما تروي يخضع لحكم القانون، ويتوسل بتلك الوسائل ~~وتتشفع أمه بتلك الشفاعات، فما علي من عار فيما تدعوني إليه، فاذهب بي إلى ~~حيث تريد، وليتهم كانوا يقبلون مني أن أكون فداء لابن سادتي وأولياء نعمتي ~~فتضاف عقوبته إلى عقوبتي. ### | لجنة المراقبة # قال عيسى بن هشام: فسرني من الباشا مطاوعته إياي وقبوله لنصيحتي ورضي ~~بالتوجه إلى نظارة الحقانية، فسار معي وهو مختنق بدمعه متعثر بقدمه، ولما ~~وصلنا إليها قصدنا مكان «لجنة المراقبة» وهممنا بالدخول في حجرة المفتشين ~~فمنعنا الحاجب وطلب منا «الكارت». # **الباشا** (مستفهما)**: **ما معنى ms029 هذا اللفظ الأعجمي؟**عيسى بن هشام****: ~~**«الكارت» بطاقة صغيرة يطبع عليها الاسم والعمل أو الحرفة والصنعة يقدمها ~~الزائر قبل الدخول؛ ليكون المزور بالخيار في قبول الزيارة أو التملص ~~منها.**الباشا****: **لقد كانت أبواب التظلم مفتوحة في أيامنا لكل من ~~يطرقها، وكيف ينطبق هذا التضييق على ما تصفه لي من المساواة في الحقوق ~~والإنصاف في الأحكام؟**عيسى بن هشام****: **لا يسلم الحال من زيارة زائر ~~بغير شغل أو من لجاجة صاحب حاجة، فوضعت هذه الطريقة ليتفرغ الحكام ~~لأعمالهم.**الباشا****: **ألم تكن هيبة الحكام وعزتهم بكافية لصد من ذكرت ~~عن الدنو منهم والتجرؤ عليهم؟ # قال عيسى بن هشام: وبادرت إلى القلم فكتبت وريقة باسم الباشا وسلمتها ~~للحاجب، فجاءنا بعد الانتظار بالإذن فدخلنا فوجدنا أمامنا فتى من أجمل ~~الفتيان، قد أرسل لحيته قبل الأوان، يتموج تحتها ماء الشباب، كما يتموج ~~الضوء وراء السحاب، ولما اقتربنا منه بعض الاقتراب، رأيت في يده جريدة ~~حساب، يجمع في أرقامها ويضرب في أعدادها، ثم يضع يده على جبهته، كمن يتذكر ~~رقما سقط من حسبته، وعن يمينه كتاب أعجمي، وعن شماله كتاب عربي، فكتاب ~~اليمين «لفولتير» الفرنسي الملحد، وكتاب الشمال لابن العربي المتصوف ~~الموحد، ولما تقدمنا نحوه سألنا عن حاجتنا، فذكرت له العريضة التي قدمناها ~~وقصصت عليه القصة وشرحت له ما عاملنا به القاضي من سوء المقاطعة في الشهادة ~~والمرافعة، وهنا انبرى الباشا يخاطبه بقوله: # **الباشا****: **وأدهى ما في القضية وأمر ما في الأمر أن الذي تسمونه ~~(النائب) اعتبر رتبتي سببا لإهانتي، وما كنت أتخيل في الأحلام أن الرتبة ~~التي نلتها باقتحام الأخطار واحتمال المشاق تكون جريمة لا تغتفر وبرهانا ~~قاطعا لديه في تشييد دعواه يطلب به تشديد العقوبة، فقولوا لي بالله متى ~~كانت هذه الرتبة الشريفة تستوجب العقاب والانتقام، ومن أي صنف أنتم بين ~~صنوف الأنام؟ # قال عيسى بن هشام: ودخل أحد الزائرين في هذه الأثناء، فحمدت الله على ~~انقطاع الكلام بسبب دخوله، وإلا فقد كان الباشا اندفع فيه، بما يتعذر ~~تلافيه، وبعد أن سلم الزائر سأل عما حدث من الأخبار ms030 في وجه النهار، فناوله ~~المفتش خطبة يتفكه بقراءتها، بعد أن بالغ له في بلاغتها، وما كاد يلتفت ~~إلينا ثانية حتى وافاه أحد المفتشين من الأجانب فأطلعه على رسم في ورقة زعم ~~أنه نقشه في أثناء مناقشة قانونية اشتد فيها الخصام واحتد الجدال، فنظر ~~الشاب فيه نظرة وضحك له، ثم تخلص منه للاشتغال بأمرنا، فخاطب الباشا بكلام ~~لطيف عذب ينبئ عن كرم نسبه وحسن أدبه وختم كلامه بقوله: # **المفتش** (للباشا)**: **قد اطلعت على ظروف القضية كلها في «مصباح الشرق»، ~~فأما القاضي فقد يكون له العذر في مقاطعة المحامي؛ لأن منهم من اعتاد أن ~~يأتي في مرافعاته بتاريخ نشأة الخليفة وتكوين الجمعية البشرية، وما يجري ~~هذا المجرى مما يطول شرحه ويمل سماعه، ولا يكون له أقل ارتباط بجوهر ~~القضية، وهم يستعملون ذلك في أيسر القضايا وأدناها؛ ليقتنع صاحب القضية أن ~~المحامي لم يدخر لديه كلاما يقال في الدفاع عنه بقطع النظر عن ربح القضية ~~أو خسرانها، فترى أرباب القضايا يعتقدون أن المحامي لا يستحق أجره من ~~المال، إلا بكثرة ما يقال، كالسلعة يكون تقدير ثمنها، على كمية وزنها، قد ~~توقف بعضهم مرة عن دفع المتأخر من الجعالة المحامية بعد أن ربح له القضية ~~بدعوى أنه لم يسمع منه كلاما مطولا في المرافعة يستحق عليه الأجر سواء أكان ~~مفيدا أم مضرا بها، وليس يخفى أن وقت القاضي قصير ثمين فلا يسعه إلا ~~المقاطعة على المحامي المكثر في كلامه، وكذلك تكون المقاطعة على الشاهد ~~لتوجيهه إلى وقائع الحادثة؛ لئلا يفوتها بالخروج عنها، وحاصل الأمر أن ~~القاضي لم يخالف القانون بشيء فيما أتاه معكم.**الباشا****: **ليت شعري إذا ~~اعتذرت عن القاضي في مقاطعته، فما العذر في وضعه لي في «قفص المتهمين» ~~وتقييده لي بالقيام عند كل سؤال، وأنا رجل شيخ معمر، وقد قضيت عمري في ~~المناصب العالية بالحكومة المصرية، وبذلت دمي في خدمة الأسرة الخديوية؟ ~~فهلا كان وقرني لسني واحترمني لقدري، وأي قانون في الدنيا يمنعه من ذلك، ~~وتوقير السن طبيعي واحترام المقامات أمر أصلي، والله ms031 تعالى يقول: @QUR@05 ~~ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات .**المفتش****: **ذلك ما يقضي به القانون أيضا؛ ~~فإنه قائم على المساواة بين الناس، ولا فرق عنده في المقامات والأعمار، ~~وهذا عين ما يأمر به الشرع الشريف وعين ما يجري على أعضاء الأسرة الخديوية، ~~وخاصة الحكام إذا ارتكب أحدهم ما يؤاخذه القانون عليه، ولا معرة عليك ولا ~~غضاضة في وقوفك أمام القاضي، فإنما تقف أمام النائب عن الحضرة الخديوية وهي ~~أكبر الدرجات.**الباشا****: **إن كان هذا حكمكم في القاضي، فما الحكم في ~~عضو النيابة الذي عيرني بشرف رتبتي؟**المفتش****: **أنا لم أطلع بعد على ~~أوراق القضية وتفصيل المرافعة، ولكن ما انتشر في «مصباح الشرق» من كلام ~~(النائب) لا يؤخذ منه معنى التعيير بالرتبة، بل كان غرضه أن يثبت أن الرتبة ~~مهما عظم شأنها لا يكون من حقها هضم حقوق الضعفاء والامتياز بها على الناس ~~أمام القانون، فإنها قاصرة على صاحبها لا تجعل له سبيلا على محروم منها، ~~ولا بأس عليكم من كلام النائب في هذا الباب، فإنه جرى بيننا مجرى العادة في ~~هذا العصر.**الباشا****: **إذا كان للقاضي العذر وللنائب الحق، فما فائدة ~~تظلمي لكم وحضوري أمامكم؟ أفما كان من اللائق أن تزجروا القاضي وتؤنبوا ~~النائب وتفحصوا القضية، وتتثبتوا من بطلان التهمة وتنقضوا ذلك الحكم ~~أمامهما؟**المفتش****: **ليس ذلك من اختصاصنا، وإذا وقع من أحد رجال ~~المحاكم ما يخالف واجب وظيفته، فالنظر في أمره موكول إلى «مجلس التأديب» ~~ولا سبيل لرئيس على مرءوس إلا بحكم من المحكمة، وأنا آسف غاية الأسف لعجزنا ~~عن التصرف في قضيتك، والحكم فيها راجع إلى محكمة الاستئناف وحدها. # قال عيسى بن هشام: وكنت أشاهد في أثناء هذه المحاورة شابا آخر بجانبنا من ~~المفتشين يسطع «طربوشه» احمرارا، ويقلب طرفه ازورارا، تلوح على وجهه مخايل ~~الإمارة، ولا تنفك يده في رفع وخفض «للنظارة» وتشهد عليه سيماه بالتفنن في ~~التدبير، وتدل على قوة الدهاء والتفكير، فلما وصلنا إلى حيث وقف بنا الكلام ~~رأيناه ينادي الحاجب ويقول له: # **المفتش الثاني****: **علي «بدللوز» و«وجارو».**الباشا** (لعيسى بن ~~هشام)**: **هل ms032 هذان الاسمان يطلقان على القاضي والنائب؟ وهل ترى هذا الشاب ~~هب للانتصاف لي منهما؟**عيسى بن هشام****: **هذان اسمان لكتابين في فقه ~~القانون بدل «ابن عابدين» و«الهداية» في فقه الشرع. # وحضر خازن الكتب بالكتابين فرد المفتش له أحدهما وقال له: ما طلبت ~~«بودري» بل طلبت «جارو»، ولما جاءه به أخذ يبحث في الكتابين طويلا ثم نظر ~~للخازن نظرة اليائس وقال: ائتني «بفوستن هيلي» فأتاه بكتاب آخر فخرج منه ~~بعد النظر الطويل إلى المناقشة مع زميله باللغة الفرنسية، وانتهى الأمر ~~بينهما أن قالا للباشا معا: لعل لك عذرا في القانون يمكنك أن تدلي به إلى ~~الاستئناف في قضيتك، وأما ما يختص بالقاضي والنائب فسنضع له «نوته» (مذكرة) ~~ونقدمها إلى اللجنة عند انعقادها، فإذا تبين لها أقل خلل في تصرفهما أصدرت ~~منشورا إلى جميع المحاكم بعدم اتباع ذلك في المستقبل. # ثم ودعانا بالاحترام والتعظيم وخرجنا والباشا يقول: # **الباشا****: **قد كتب علي أن لا أخرج من هم إلا إلى هم، ولا أنتهي من كدر ~~إلا إلى كدر حتى كاد يصفو بالي ويخلو خاطري لكثرة ما تراكم علي من الهموم ~~والأحزان: # فإني رأيت الحزن للحزن ماحيا %~% كما خط في القرطاس رسم على رسم ومن البديع الغريب في أمر هذه الحكومة الحاضرة أنني ما وضعت قدمي في دائرة ~~من دوائرها إلا رأيت أمامي غلمانا وفتيانا يتولون أمورها ويتصرفون في ~~أعمالها، فهل خلق المصريون خلقا جديدا أم صاروا في الجنة استوت فيها ~~الأعمار؟**عيسى بن هشام****: **لا تعجب من تقلد الشبان لمناصب الحكومة؛ فإن ~~نظام هذا العصر يقضي بذلك، وهم يزعمون أنه ليس في استطاعة الكهول والشيوخ ~~أن يقوموا بأعباء المناصب لخلوهم عن علومها الجديدة، وجهلهم بفنونها ~~الحديثة.**الباشا****: **كيف يدعون أن العلم ينحصر في الشبان دون الشيب، ~~وما عهدناه إلا في من أحنت السنون ظهورهم، وبيضت التجارب مفارقهم فابتسم ~~فيها بياض الرأي والأدب.**عيسى بن هشام****: **هم يقولون إن العلم والمعرفة ~~لا يختصان بسن دون سن ولا عمر دون عمر، وربما كان الشاب أنفذ سهما في حلبة ~~العلوم وأجمع ms033 لشتات الفنون لما يختص به من حدة الذهن وسرعة الإدراك، فإذا ~~انصرف بهمته إلى الدرس كان نصيبه منها أبلغ من نصيب الكهول والشيوخ، وأغناه ~~ذلك عن طول الممارسة وكثرة التجارب التي يمتاز بها ذوو الأسنان والأعمار. # ليس الحداثة عن علم بمانعة %~% قد يوجد العلم في الشبان والشيب **الباشا****: **ولنرجع إلى شأننا فقد اتبعت آراءك وامتثلت نصائحك، وعرضنا ~~أمرنا للجنة المراقبة فخرجنا منها بالخيبة كما ترى، فليس لنا بعد هذا التعب ~~إلا الركون إلى راحة اليأس، ولم يبق لك بعد اليوم وجه في أي احتجاج وجيه ~~توجهني به، وتسحبني معك للسعي والتظلم أمام الحكام.**عيسى بن هشام****: ~~**لا تيأس ولا تقنط فإن أمامنا محكمة الاستئناف ولي اعتماد عظيم على ~~إنصافها في الأحكام، ولو خاب فيها الأمل، على الفرض والتقدير، فلا يزال ~~عندنا باب العفو مفتوحا نلتمسه بوساطة ناظر الحقانية.**الباشا****: **لا ~~تذكر لي من الآن حاكما ولا ناظرا، فقد سئمت وقوفي أمام هؤلاء الغلمان ~~والشبان مهما بالغت لي في الوصف واستشهدت فيهم بالشعر.**عيسى بن هشام****: ~~**ليس ناظر الحقانية الذي أذكره لك من صف هؤلاء الشبان وطرازهم، بل هو رجل ~~كهل عاكف على العبادة منكب على الأوراد منصرف إلى الأذكار، يمسي ليله ~~قائما، ويصبح نهاره صائما، فبين السبحة وأصابعه عهد وميثاق، وبين السجادة ~~وجبهته ارتباط والتصاق.وبالجملة فهو يذكرنا في هذا العهد الجديد بعهدكم ~~القديم، وأبوه رجل من أكابر رجالكم اسمه حسن باشا المناسترلي.**الباشا****: ~~**حسن المناسترلي! ذاك خليلي وقريني، وصاحبي وخديني، ورفيقي في الخدمة وأخي ~~في الحكومة، ولماذا لم تخبرني عن ابن أخي هذا من أول الأمر فتكون قد حقنت ~~ماء وجهي، وأنقذتني من كل هذه الإهانة وذلك التحقير؟**عيسى بن هشام****: ~~**ما غاب عني أن أذكرك به؛ فإنه لم يكن له أقل نفع يدفع عنا ما تقلبنا فيه ~~من المصائب، وإنما نفعه يكون في آخر الدرجات ولا عمل نرجوه منه في مساعدتنا ~~إلا بعد صدور حكم الاستئناف والسعي في التماس العفو من ولي الأمر. ### | محكمة الاستئناف # وآن أوان الجلسة في الاستئناف، فسرنا في طلب العدل ms034 والإنصاف، وكل واحد ~~منا مشغول بحاجته، لاه بنازلته، فالباشا يفكر في مصيبته، ويتألم من بليته، ~~والمحامي يدبر في أمره، ويتطلع لأجره، وأنا أسأل الله لنا النجاة، من مكايد ~~الحياة، ولما وصلنا إلى حي «الإسماعيلية» ورأى الباشا دورها ومبانيها، ~~وشاهد قصورها ومغانيها، واستطاب رياضها وحدائقها، واستنشق رياحينها ~~وشقائقها، استوقفنا سائلا مبهوتا، واستنطقنا بعد أن كنا سكوتا، فقال: ألا ~~تخبراني عن موضع هذه الجنة الزاهرة، من مدينة القاهرة، فقلت له: هذه ~~«الإسماعيلية» اختطها إسماعيل، فيما اختطه لزينة وادي النيل، يسكنها اليوم ~~جماعة من العظماء، ذوي الغنى والإثراء، وقد كانت في أيامكم خرابا قفرا، لا ~~تحمل بيتا ولا ترفع قصرا، ولا ترى فيها من النبات غير الطلح والضال،[1] ولا ~~من الأزهار غير شوك القتاد أو شوك السيال،[2] ولا من الطير غير البوم ~~والغربان، أو الرخم والعقبان، ولا تجد فيها من الإنس إلا لصا سالبا، أو ~~مغتالا ناهبا، أو فاتكا متأهبا، أو كامنا مترقبا. # **الباشا****: **لله در المصريين لقد ابتسم لهم الدهر، فأبدلهم من الشوك ~~الزهر، وأسكنهم هذه القصور العالية، بعد تلك الأطلال ~~البالية.**المحامي****: **أيها الأمير لا تغبط المصري على نعمته، وتعال ~~فابك معنا من نقمته، فليس له في هذه الجنة من دار، يقر له فيها من قرار، ~~وكل ما تراه من هذا الجانب، فهو ملك للأجانب.**الباشا****: **لله أبوك كيف ~~يختص الأجنبي دون الوطني بهذه الجنان الناضرة، ويستأثر دونه بهذه المساكن ~~الفاخرة، ولعلك تلغز في قولك وتحاجي، وتعمي في تعبيرك ~~وتداجي.**المحامي****: **لا تحجية ولا تعمية، بل هكذا قدر المصري لنفسه، ~~وتبدل سعده بنحسه، واقتنع من دهره بالدون وبالطفيف، ورضي بالقسم الخسيس ~~الضعيف ... فبات محروما تحت ظل إهماله وخموله، وغدا بائسا في سباته وذهوله، ~~وما زال الأجنبي يسعى ويكد، ويعمل ويجد، وينال ثم يطمع، ويسلب ثم يجمع، ~~والمصري يبذر بجانبه ويسرف، ويبدد ويتلف، ويتحسر ثم يلهو، ويعجز ثم يزهو، ~~ويفتقر ثم يفتخر، فتساوى السيد والمسود، وتشابه الحاسد والمحسود، وتعادل ~~الرفيع والمنيع، بالحقير والوضيع، واشتركنا كلنا على السواء، في منازل ~~الشدة والبلاء، وأصبح نصيب القوي المكين، ms035 مثل نصيب الضعيف المستكين، وكذلك ~~تكون عاقبة من يلقي للأجنبي بيديه، ومن أعان ظالما سلط عليه. # ومن يجعل الضرغام بازا لصيده %~% تصيده الضرغام فيما تصيدا # قال عيسى بن هشام: وما كاد ينتهي رفيقاي من خطابهما، ويفرغان من سؤالهما ~~وجوابهما، حتى مر بنا راكب دراجة تنساب به كالصلال[3] في بطون الرمال، ~~ويتمايل بها تمايل النشوان مالت به نشوة الخمر، وينثني انثناء الأغصان، ~~هزها نسيم الفجر، فامتلأ الباشا، تعجبا واندهاشا، وسألنا الشرح والبيان، عن ~~أمر هذا «البهلوان»، فقلت: هذه عجلة حادثة يختارها بعض الناس، على المركبات ~~والأفراس، ومما يرغبهم فيها أنها لا تأكل ولا تشرب، ولا تهزل ولا تتعب، ~~وهذا الراكب رجل من أهل القضاء، يركبها لرياضة الأعضاء، فأتبعه الباشا نظره ~~فوجده قد سقط فجأة من فوق دراجته، فانفرط عقد الهيئة على سطح الأرض إلى ~~ثلاثة أقسام: الراكب والعجلة والطربوش، ثم رأيناه تماثل للقيام فلم شعثه، ~~وحاول أن يعلو الدراجة ثانية فلم يقدر عليها فسحبها بيده يجرها ويماشيها، ~~وأخذ الباشا يخاطبنا فيه وفيها. # **الباشا****: **يا حبذا لو عدنا من حيث أتينا، وكنا مطلقين لا لنا ولا ~~علينا، وكيف يكون شأن القاضي أو الحاكم إذا كان هذا منظره وذاك مركبه أمام ~~أعين العامة، وهل حكم الناس يوما بغير أبهة الحجاب وعظمة المناظر وفخامة ~~المواكب، وقد كان الحاكم أو القاضي لا يركب في عصرنا إلا في موكب تحف به ~~الحشم والأعوان، وتتقدمه الجنود والفرسان، فترتجف منه القلوب رعبا، وتخر له ~~الأعناق رهبا، وقل من يجترئ من الناس على ارتكاب ما يقفه أمامه يوما موقف ~~التهمة والارتياب.**عيسى بن هشام****: **ذاك عصر مضى وحكم انقضى، ولقد تفنن ~~أهل العصور الماضية في وصف ما تذكره من منظر الأبهة والجلال وهيئة العزة ~~والوقار؛ حتى أدخلها الشعراء في مخالصهم البديعة، كقول أبي الطيب في ممدوحه مثلا: # جمح الزمان فما لذيذ خالص %~% مما يشوب ولا سرور كامل # حتى أبو الفضل بن عبد الله رؤ %~% يته المنى وهي المقام الهائل **المحامي****: **قد آن أن نفرغ من هذا الحديث فقد اقتربنا من ms036 ~~المحكمة.**عيسى بن هشام****: **ولعلنا نجدها بإذن الله في مكانها، فقد ~~تعودت التنقل من مكان إلى مكان حتى أشبهت خيام العرب: # يوما بحزوى ويوما بالعقيق وبال %~% عذيب يوما ويوما بالخليصاء ثم اقتربنا فوجدناها، وأقمنا في ساحتها ننتظر نوبتنا بين أرباب القضايا حتى ~~نودي علينا، فتقدمنا للجلسة أمام ثلاثة من القضاة، فأخذ الأجنبي منهم يقرأ ~~«ملخص القضية» بلهجة أعجمية، وحروف لم تستوف مخارجها فقال: «إن هذا الرجل ~~متهم بالتعدي على فلان العسكري بالضرب في أثناء تأدية وظيفته في يوم كذا من ~~شهر كذا والمتهم أنكر، وشهد المجني عليه ودل الكشف الطبي على وجود علامات ~~فيه للضرب، والمحكمة الابتدائية حكمت عليه بالحبس سنة ونصفا بالتطبيق على ~~مادتي 124 و126، عقوبات فاستأنف المحكوم عليه.» ولما سألت المحامي عن هذا ~~التلخيص الغريب قال لي: هكذا تجري العادة هنا، فيأخذ مثل هذا القاضي ~~الأجنبي عبارة الديباجة المذكورة في الحكم الابتدائي، فيجعلها تلخيصا ~~للقضية، ثم يكتبها بعربيتها بحروف أجنبية ليقرأها أمام الجلسة على نحو ما رأيت. # ثم التفت رئيس الجلسة إلى الباشا وسأله عن اسمه وسنه وصناعته ومحل ~~إقامته، وأشار إلى النيابة بالكلام فشرع النائب في شرح القضية على ما يوافق ~~هواه، ولم نسمع من الرئيس مقاطعة له في كلامه كما يكون في المحاكم ~~الابتدائية «والسر في ذلك أن بعض القضاة الذين لم يكونوا اطلعوا على أوراق ~~القضية في الاستئناف هم في حاجة إلى العلم بها من أقوال النائب فيتركوه ~~وشأنه في التطويل والإسهاب»، ثم أذن الرئيس بالكلام للمحامي مع الإيجاز، ~~فابتدأ المحامي بسرد أقواله في أوجه الدفاع عن المتهم، وكلما وصل إلى ~~النقطة المهمة في دفاعه قال له الرئيس: «الموضوع» «طلباتك»، ولما تكرر منه ~~وقوع ذلك رأيت أحد القضاة ينبه الرئيس إلى أن كلام المحامي في عين ~~«الموضوع» «وللرئيس العذر؛ لأنه لم يطلع على تفصيل القضية ولم ينصت لأقوال ~~النيابة»، ثم نطق الرئيس بعد ذلك بقوله: «سمعت القضية والحكم بعد ~~المداولة»، فانتقلت الجلسة إلى حجرة المداولة، وخرجنا ننتظر، وسألت المحامي ~~عن المدة التي تنقضي في المداولة ms037 فأجابني: # **المحامي****: **لا تزيد مدة المداولة في الغالب عن ساعة واحدة.**عيسى بن ~~هشام****: **وما هو متوسط عدد القضايا في الجلسة؟**المحامي****: **متوسطها ~~عشر قضايا.**عيسى بن هشام****: **وهل تكفي هذه المدة للاطلاع على ما تحتويه ~~القضايا الجنائية من كثرة الأوراق؟**المحامي****: **نعم تكفي عندهم، وطالما ~~اطلعنا على القضايا التي تعود من عند القاضي «الملخص» إلى قلم الكتاب ~~لاطلاع المحامين، فنجد عليها رمزا بأحد هذه الأحرف: «ب» «ع» «ت»، فالباء ~~إشارة إلى البراءة، والعين إشارة إلى العقوبة، والتاء إشارة إلى تأييد ~~الحكم الابتدائي، وإنما يضع القاضي هذه الرموز حتى لا ينسى رأيه في القضية ~~عند عرضه على زملائه في المداولة، فإذا عرضه عليهم لم يضع الوقت بينهم سدى ~~في البحث والمناقشة، ولكن لما كان القاضي الجنائي له الاستقلال المطلق في ~~الحكم بما يرتاح إليه ضميره وتطمئن به نفسه كان من الواجب عليه أن يسلك غير ~~هذا الطريق، ويفحص أدلة الثبوت وأدلة البراءة بنفسه، فيعرضها على ضميره وهو ~~خال من كل اعتقاد خاص للبراءة وللتهمة، حتى إذا استقامت لديه الأدلة حكم ~~بما يغلب عليه منها، لا أنه يجري في طريق التسليم لرأي غيره، ولا أن يكون ~~الحكم مبتوتا في القضية بأحد هذه الأحرف الثلاثة التي عنت للقاضي الملخص ~~وهو يمر عليها في انفراده ببيته مر السحاب. # قال عيسى بن هشام: وبينا نحن في هذا الكلام؛ إذ عادت الجلسة إلى انعقادها ~~فدخلنا لسماع الحكم فنطق الرئيس ببراءة الباشا؛ لأن التهمة وإن كانت ثابتة ~~عليه إلا أنه قد حالت دونه ودون دعوة القانون قوة قاهرة، فخرجنا مسرورين ~~بهذه النعمة، وخرج الباشا وهو يقول: # **الباشا****: **لا أنكر اليوم أن العدل موجود ولكنه بطيء، لا يتحمل أعباء ~~بطئه البريء، وكان الأولى في هذه المحاكمات أن تكون النهاية في البداية، ~~فلا يلحق من كان مثلي هذا الهوان والصغار، ويقع به ما وقع من الحبس والعار، ~~بعد أن يقف موقف التهمة والإجرام، ويحل به ما يحل من التعذيب ~~والإيلام.**المحامي****: **إني أهنئك بهذه البراءة وأسأل لك دوام العافية ~~من مصائب الاتهام، ولا ms038 زلت تخرج من كل قضية خروج السهم من قوسه، والسيف من ~~غمده، وقد مضى مني الدفاع وبقي عليك الدفع. # قال عيسى بن هشام: وما زال المحامي عاكفا علينا يطالبنا بالأجر، والباشا ~~يعده لآخر الشهر، حتى يأتيه بعض خدمه وأتباعه، بمال من عقاره وضياعه، ~~والمحامي يأبى التسويف والإمهال، وإلا الدفع في الحال. # **المحامي** (للباشا)**: **أتظن أن هذه الوعود، تقوم لدينا مقام النقود، في ~~بلد كثر فيه الإنفاق وزادت الضرورات، وقل فيه الربح كما قلت المروءات، وصار ~~الدرهم أعز عند الأب من بنيه، وعند الابن من أبيه، ولقد تعبت في القضية ~~تعبين باللسان وبالجنان، ولا أستريح منهما إلا بنقد الأصفر الرنان، وإنك لا ~~تصرفني - وإن كنت محمود الخلق - بالوعد، ولكنك تصرفني - وأنا أحمد - ~~بالنقد، وإني لا أريد أن أسكن في بيت المتنبي: أنا الغني وأموالي المواعيد. ~~فلا تجعل الخلاص من قضية بقضية، والفكاك من بلية ببلية، فذلك ما لا يأتيه ~~العقلاء، ولا يرتضيه الأمراء. # قال عيسى بن هشام: ولما رأيت الباشا لم يقدر على التلفظ، من شدة الحنق ~~والتغيظ، وقفت بينهما وقفة الأريب، وتوسطت توسط اللبيب، فنلت بلطف الالتماس ~~والرجاء، رضاء المحامي بالمهلة والإرجاء، إلى أن ينتقل الباشا من العوز ~~والعسر، إلى الغنى واليسر، وقلت له ما يقال له في باب المروءة والهمة، من ~~وجوب الحنو على من يقع في مصيبة أو ملمة، وأن من تذكر الدهر وغيره، والزمان ~~وعبره؛ لانت عريكته، وطاوعت شكيمته، وليس بين صعود المرء ونزوله، وإشراق ~~سعده وأفوله، وبين غناه وفقره، وصفوه وكدره، إلا مسافة انقضاض القضاء، من ~~رب السماء، فنظر إلي الباشا نظرة الاحتقار والازدراء، وخاطبني بالأنفة ~~والكبرياء: # **الباشا****: **لبئس الخدين أنت والقرين، كيف تسمني بسمة الفقراء، وتستعطف ~~علي قلوب الضعفاء، وأنا الأمير السري والغني المثري، وأين ما ادخرته في ~~عمري، واكتنزته في عصري، من مال وعقار، وفضة ونضار، وقصور وضياع، وزخرف ~~ومتاع، ولقد كان يضرب بغناي المثل، فإن كنت جاهلا بي فسل، اذهب فأتني بخبر ~~ما خلفت وأبقيت، وأثر ما جمعت واقتنيت، وكيف يخفى عليك وعلى ms039 المحامي ما لي ~~من الأموال والعقار، وما قضيت فيه العمر من الجمع والادخار؟ فإني يشهد الله ~~ما تركت حيلة، ولا أغفلت وسيلة، في الحصول على الإثراء والغنى، حتى جمعت ~~منه كثيرا مما تفرق على الورى، فجعلته عدة لشد أزري، وأمانا لي من مصائب ~~دهري، وتركته ذخيرة لأبنائي وحفدتي، وميراثا لأعقابي وذريتي؛ ليكونوا من ذل ~~الحاجة في جنة،[4] ومن نعيم العيش في جنة، وتركتهم على ذلك مطمئن القلب ~~مستريح الفؤاد، رفيع الذكرى رفيع العماد.**المحامي****: **إنا لنعلم، يا ~~معشر الأمراء والحكام، أنكم قضيتم الأعمار في جمع الحطام واتخذتم الحكم ~~والسلطان تجارة من التجارات وبضاعة من البضاعات؛ تربحون منها الغنى ~~والثروة، ولم تكونوا تعلمون للحكم من مزية سوى اكتناز الأموال، واستلاب ~~الحقوق، وابتزاز الدراهم من دماء الأرامل والأيامى، وانتزاع الأقوات من ~~أفواه الأطفال واليتامى، وكنتم سواء عليكم أحزتم المال من حله أم غير حله ~~لم تبالوا بالضعيف المسكين، ولم ترثوا للعاجز المستكين، بل ظلمتم البريء ~~وبرأتم الظالم فجمعتم لديكم من أثر ذلك ما لا يقدر من الأموال، ورضيتم ~~بالوزر وطوقتم أعناقكم بالإصر، ثم حرمتم بعد ذلك على أنفسكم التمتع بما ~~جمعتموه وحرمتموها من كل ما حزتموه، ولم تكونوا من الذين في أموالهم حق ~~معلوم للسائل والمحروم، ولم تؤدوا ما فرضه الله عليكم فيها من الحقوق، ولم ~~تطهروها بزكاة، ولم تزكوها بإحسان، وأطربكم رنين الدرهم فوق الدرهم، وصمت ~~الدينار مع الدينار، وأبدعتم ما شئتم في وسائل وطرائق يأباها الله لعباده ~~ويمقتها، ويستبشعها الإنسان ويستفظعها، لسلب ما سلبتموه وكنز ما كنزتموه ~~بالإثم والعدوان ومعصية الرسول، واجترأتم على الله في أوامره ونواهيه، ~~وكلفتم العلماء بتأويلها على أهوائكم فأولوها لكم لانحصار الأرزاق في ~~أيديكم واحتياجهم إلى ما يقتاتون به من فضلات عيشكم، فالوزر عليكم وعليهم، ~~ولكنه عليكم أعظم وفوقكم أثقل، حتى إذ انقضى العمر وحل الأجل تركتم ما ~~خلفتموه لغلمة من أولادكم وصبايا من جواريكم نشأوا بينكم على الحرمان، ولم ~~تثقفوهم بالتعليم، ولم تتركوهم للزمن يؤدبهم، وللأيام والليالي تهذبهم، ~~فكنتم في أعينهم كالرصد الذي يكون على باب ms040 الكنز - كما يقال في الأقاصيص - ~~يحتالون لنقله بقتله، فإذا استراحوا منكم بالموت أو القتل مزقوا أموالكم ~~انتقاما منها ومنكم، وفرقوا شملها في أدنى من لمحة؛ جهلا منهم بوجوه التصرف ~~وأبواب التمتع، فما هو إلا أن يتسابق الدود والورثة في أحشائكم المدفونة، ~~وأحشائكم المخزونة، فيسبق الورثة الدود، في الصدور والورود، فتذهب البدرة ~~وراء البدرة، والضيعة بعد الضيعة، والدار عقب الدار، حتى إذا لم يبق إلا ~~بيت السكن أتوا على ما فيه من الأثاث بيعا وما في أعناق الجواري من الجواهر ~~والقلائد رهنا، ولا يزالون يخلون من البيت حجرة إثر حجرة، والدائنون يدخلون ~~فيه خطوة إثر خطوة، إلى أن يندك بناؤه ويعفو أثره ويزول اسم بانيه الذي ~~ارتكب ما ارتكب من الذنوب لتشييده ودوام بقائه، وهو يشيع منهم باللعنتين في ~~الحالتين حالة الخلاص منه بالتشييع إلى القبر، وحالة أسفهم على إهماله ~~إياهم من تثقيف العلم بما كان ينفعهم في خشونة الفقر. هذه أيها الأمراء ~~عاقبة ما صارت إليه أموالكم ومقتنياتكم من بعدكم، ويا ليت أولادكم وأحفادكم ~~خففوا عليكم من الإثم في جمعها من دماء المصريين بإنفاقها بينهم، وتبذيرها ~~فيهم، فيكون ذلك منهم كرد بعض الحق إلى أهله، ولكن البلاء كل البلاء أنها ~~ذهبت جميعا إلى أيدي الأجانب والغرباء، وكأن الدهر سلط المماليك على ~~المصريين ينهبون أموالهم، ويسلبون أقواتهم ثم سلطكم الله عليهم لسلب ما ~~جمعوه، ثم سلط عليكم أعقابكم، فسلموا مجامع ذلك للأجانب يتمتعون به على ~~أعين المصريين، والمصريون أولى بالقليل منه، وما دفع بأعقابكم إلى هذا ~~الليان والتسليم، إلا ما ورثوه عنكم من الاحترام لشأن الأجنبي والاحتقار ~~لجانب المصري، وأنكم لم تكتفوا بأن تكونوا أربابا للمصريين حتى شاركتم معكم ~~الأجنبي في تلك الربوبية، فغلبكم عليها وأشرككم مع المصريين في العبودية ~~وتشابهت الموالي بالعبيد، وقد آن أن تعلم أيها الأمير بأن جميع أقرانك ~~وإخوانك من ذوي الثروة واليسار في أيامكم قد أصبحت بيوتهم خاوية على ~~عروشها، وأبصار أعقابهم شاخصة إليها، فإن أردت أن تبحث عن أموالك وضياعك ~~اليوم فابحث عنها تحت ثفال ms041 تلك الرحى،[5] وقل معي ما يقوله الشاعر الحكيم: # يقول الفتى: ثمرت مالي وإنما %~% لوارثه ما ثمر المال كاسبه # يحاسب فيه نفسه في حياته %~% ويتركه نهبا لمن لا يحاسبه فيا عبث المدخر الجامع، ويا غبن المكتنز الطامع، ما كان أغناكم عن الجمع ~~والادخار، وعن الحرمان في الدنيا والخلود في النار.**الباشا****: **أراك قد ~~تجاوزت أيها المرشد الواعظ حدك في اللوم والتعنيف، وخرجت عن طورك في العذل ~~والتعزير، وكان بودي أن أعطيك أجرك مضاعفا، ولا أشاهد منك هذه الجرأة علينا ~~بسوء التقريع والتوبيخ، وربما قلت حقا في بعض ما تقول، والرجاء في غفران ~~الله عظيم وفي رحمته متسع، ولعل ما تخلل أعمالنا في أيامنا من الحسنات يشفع ~~لنا فيما اقترفناه من السيئات، ولكن كيف التدبير الآن في اكتساب المعيشة، ~~والاحتيال لالتماس الرزق، بعد أن ضاعت الأموال وذهبت من أيدينا الأحكام على ~~نحو ما تروي وتحكي، وما أرى لضيقي من الفرج إلا أن أورد نفسي حتفها، وأعيد ~~لها حمامها، فما أروح ما كنت فيه من ظلام الرمس،[6] وما أقبح ضياء هذه ~~الشمس.**عيسى بن هشام****: **ليس لمثل حالتكم غير الأسف منا والتوجع لكم؛ ~~فقد تمكن الاعتقاد في رءوس الحكام أن ما يقع بالاتفاق لهم أحيانا من ولاية ~~الأحكام هو قياس مطرد وصراط مستقيم لا ملجأ لكم سواه في وجوه المساعي ~~وممارسة مطالب الحياة، وقامت الولاية عندكم مقام بقية الآلات والصناعات ~~التي يجتني أهلها منها ثمر الارتزاق والتكسب، فإذا خلت أيديكم منها ~~واعتزلتم الأحكام تقطعت بكم الأسباب وضاقت بكم السبل في وجوه المعايش كما ~~تصاب يد الصانع بالشلل، فيتعطل عن العمل، ويصبح كلا على كاهل الجميع، يرجو ~~الموت كما رجوت، ويتمنى راحة العدم كما تمنيت، وكأنكم أيها الحكام صنف فوق ~~أصناف الخلقة، لكم نصيب من العيش دون سائر الخلق، فلا تكونون إلا فوق ذهب ~~العرش أو فوق خشب النعش، وقد قال مسكين من رؤساء صناعتكم هذه، وهو في ضيق ~~الحبس، وضيق النفس: # ونحن أناس لا توسط عندنا %~% لنا الصدر دون العالمين أو القبر ومعلوم لك ما ms042 في هذه الصناعة، صناعة الولاية والحكم، من قلة ما يرفعه ~~الصدر، وكثرة ما يضمه القبر، وكان الأولى بكم أن تكونوا كالناس في معايشهم ~~لكل إنسان آلة بينة من صناعة أو حرفة أو مهنة يحسن بها التعيش والارتزاق ~~حتى إذا أنتم نزلتم عن تلك العروش دخلتم في بقية الأحياء من أفراد الجمعية ~~تنفعون وتنتفعون.**الباشا****: **تالله إن ما قاسيته من الآلام أمام ~~البوليس والنيابة والمحكمتين واللجنة كان أقل هما، وأدنى شجنا من مرارة هذا ~~النصح والوعظ، وما الرأي عندكما وقد فات وقت التحصيل والطلب، ولم يبق وقت ~~للصناعة والعمل، والموعظة صالحة نافعة ولكنها لمن يجيء لا لمن يمضي. # قال عيسى بن هشام: فأحزنتني حالة الرجل وأشفقت عليه، فأخذت أتدبر له ~~وأتفكر في طريقة يتعيش بها، وكلما خطر لي في ذلك خاطر خاب رجائي فيه، حتى ~~كدت أيأس من الحيلة، والباشا ينظر إلي وأنا في تفكري تارة ويطرق للتفكير في ~~نفسه تارة أخرى، ثم رأيته قد انتفض من مكانه وأخذ بيدي يقول لي: # **الباشا****: **قد وجدت والحمد لله بابا لسد العوز وكفاف العيش.**عيسى بن ~~هشام****: **ماذا وجدت؟**الباشا****: **كان من عادة الحكام أمثالنا في ~~الأزمان السالفة أن يأتوا فيما يأتونه من أعمال الخير التي تقربهم من الله ~~وتعتق رقابهم من النار بعمل صالح اتفقوا عليه كافة، وهو إقامة بناء لجامع ~~أو كتاب أو «سبيل» وكانوا يخصصون له أرضا أو ضيعة وقفا عليه للإنفاق من ~~ريعها على طول الزمان، وقد سلكت مسلكهم واتبعت سنتهم وخلفت لذلك وقفا ~~عظيما؛ لا تناله أيدي الأعقاب بالإتلاف والتبذير، فهلم معي نبحث على ما ~~شيدته ووقفته. ### | الوقف # قال عيسى بن هشام: وظللت أنا والباشا نواصل الطواف بالطواف للوقوف على ~~تلك الأوقاف، ونسائل العابر وابن السبيل، عن المسجد «والسبيل»، ولا سؤال ~~المجدب عن الروض، والظمآن عن الحوض، فلم نجد من يرشد، إلى ما ننشد، وأخذ ~~الباشا يتذكر الطرق وأماكنها والأزقة ومساكنها، ويقول: كان هنا وكان هنا، ~~وجل ما يقضي به إلهنا، وما زال يقاصر في خطواته، ويطاول من آهاته، ويبكي ~~لرسوم ms043 الأطلال والديار، بكاء صاحب عزة[1] أو صاحب نوار.[2] # فاسألنها واجعل بكاك جوابا %~% تجد الدمع سائلا ومجيبا # حتى وصلنا بعد طول التجوال والتجواب، وترداد المجيء والذهاب، إلى منعطف ~~مضيق، في منتهى الطريق، فوقف الباشا هناك قبالة دور مهدمة، وجدران محطمة، ~~ومسجد في ناصية منه حانوت خمار، وفي زاوية منه دكان عطار، وبجانبهما حوانيت ~~متباينة الأوصاف، مختلفة الأصناف، فطفق الباشا يصعد نظره فيها ويصوبه، ~~ويخطئ حدسه تارة ويصوبه، فهداه طول النظر والتدقيق، وشدة الإمعان والتحقيق، ~~أن رأى شيخا فانيا متربعا في دكانه، متحيزا بمكانه، عليه علامات الانحلال ~~والسقوط، وشارات الخذلان والقنوط، وسيما الرضاء بالمقسوم، والتسليم للقضاء ~~المحتوم، له جبهة كأنها من ورق البردي العتيق، تتلو فيها ما دونه الدهر من ~~آيات الشدة والضيق، فخرج الباشا في الحال من حال المتحير المتردد، إلى حال ~~الواثق المتأكد، فنادى صاحب الدكان عن بعد، نداء السيد للعبد، فانتفض الرجل ~~انتفاضا عجيبا، وقصده ملبيا ومجيبا، فما شككت من هيبة النداء وأدب التلبية ~~إلا أن ملكا ينادي أحد الحاشية، ووقف الرجل أمامنا وقفة الممتثل الخاضع، ~~والمطيع الخاشع، فقال له الباشا، بعد أن حدد فيه نظره، واستجمع فكره: # **الباشا****: **ألست أنت أحمد أغا الركبدار المعدود من أهل حاشيتي، ألا ~~تعرفني من أنا؟**صاحب الحانوت****: **لولا أن الموت حجاب كثيف وحجاز منيع ~~بين ظهر الأرض وبطنها لقلت: إنك سيدي وأميري، ويشهد الله أنني كلما أمعنت ~~في وجهك وسمعت لصوتك كاد يطير عقلي ويندهش لبي لاستحكام الشبه بينك وبين ~~سيدي المرحوم.**الباشا****: **إني أنا سيدك وهذه هي العلامة التي تعلمها في ~~جسمي من أثر اللعب بالجريد على مشهد منك في يوم من أيام السباق والرهان. ~~(وكشف الباشا عن ساقه فأراه العلامة، فوقع الرجل منكبا على الأرض من شدة ~~الدهشة يقبل قدم الباشا، ويغسلها بمنحدر الدموع ويقول في بكائه ~~وشهيقه):**صاحب الحانوت****: **كيف بالحياة بعد الممات، لحق أنت إحدى ~~المعجزات، وليس ما أراه بغريب فقد شاهدت في هذا العمر الطويل ما لا تحيط ~~بوصفه الأقلام، ولا تتسع له بطون الدفاتر من عجائب الانتقال وغرائب ~~الانقلاب، ms044 فلا يبعد بعد ذلك أن تشرق الشمس من مغربها وتخرج الأرض أمواتها ~~من مقابرها. # قال عيسى بن هشام: فقلت للرجل: لا تكثر من الدهشة والحيرة ولا تغرب في ~~الاستغراب والتعجب: # على أنها الأيام قد صرن كلها %~% عجائب حتى ليس فيها عجائب # واعلم أن القدرة لا تعجز عن شيء في الوجود ولا تحيط بها العقول، ثم قصصت ~~عليه قصة الباشا منذ البداية، فصاح الرجل يبكي ويتضرع ويقول: # ليت أمي لم تلدني وليت القدرة التي بعثت الأمير من بعد موته نشرت معه ~~زمنه وأعادت عصره، وإلا فكيف له بالعيش في هذا الزمن، وما أولاه بالعودة ~~إلى أدراج الكفن. # ثم التفت إلي الباشا وشرع يقص عليه ما مر به من الحوادث والكوارث، وما ~~جرى لبيت الباشا ولأهل طبقته من النوازل والخطوب: # **صاحب الحانوت****: **ولم يبق لك أيها المولى من أثر يذكر في ثروتك ~~ومتاعك، وأموالك وضياعك، وقد عشت دهرا وأنا متمتع بريع ما وقفته أيها ~~الأمير على حاشيتك وأتباعك، وعلى هذا المسجد والسبيل والكتاب لتخليد ذكرك ~~وإحياء اسمك، فما لبث الوقف أن تهدم وتخرب بطول الترك والإهمال، فوقعنا ~~كلنا في الفاقة والاحتياج وانقلب الكتاب مخزنا والسبيل خمارة والمسجد مصبغة ~~كما تشاهد وترى، وأصبحت أنا بيطارا بعد أن كنت «ركبدارا»، وأخذت هذه ~~الحانوت من الوقف لممارسة صناعتي فيها والتعيش منها، وسبحان مقلب الأحوال، ~~ومبدل الأشكال.**الباشا****: **ألم يبق من ذريتي أحد يباشر هذا الوقف ~~بنظره؟**البيطار****: **آخر العهد عندي كان بواحد منهم ذهبت إليه لأجل هذه ~~الحانوت وأعلمته بمكاني من أهل الحاشية فانتهرني وطردني، وأبعدني وزجرني، ~~ولكن الحاجة دفعتني إلى الإلحاح، فترددت عليه مرارا فتخلص من ثقل إلحاحي ~~بإحالتي على رجل إفرنجي عنده يدبر له ما بقي لديه من ثروة نضبت عينها، ~~ونزحت بئرها، فأحالني الإفرنجي على صاحب الخمارة؛ لأنه أصبح صاحب الأمر في ~~أرض الوقف بوضع اليد عليها، وليس يجسر أحد أن يعمل فيها شيئا بغير إرادته؛ ~~خوفا من الخصومة في المحاكم، فقصدت الخمار واتفقت معه على أجرة معينة، ~~وأقمت في هذه الحانوت أصرع الدهر ms045 ويصرعني، وأطلب القوت ويعوزني، وأتعجل ~~الأجل ويمهلني، وتعالى الله المتفرد بعزته، المبدع في حكمته.**الباشا****: ~~**وأين هذا الولد العاق المخالف لإرادتي، وهو يعلم أن شرط الواقف كنص ~~الشارع.**البيطار****: **هو مقيم الآن في «الأوتيل».**الباشا****: **وما ~~الأوتيل؟**البيطار****: **«اللوكاندة».**الباشا****: **وما ~~«اللوكاندة»؟**عيسى بن هشام****: **الأوتيل» هو بيت معروف يعدونه لنزول من ~~لا بيت له من الغرباء على أجر معين، وهو في المعنى كالخان الذي تعرفونه في ~~زمانكم.**الباشا****: **هل وصل التدني بهذا الخائن إلى سكنى الخان، وسبحان ~~مصرف الأحوال ومغير الأزمان، وكيف يطيب للمسكين عيش على هذه الحال، بعد عز ~~النعمة ووفرة المال، أفكان رجوعي إلى الحياة على ما لا أرغبه ولا أرضاه، ~~تعذيبا لي على ما فرطت في جنب الله، أولم يكن عنده سبحانه في الآخرة من ~~عذاب النار، ما يغني عن التعذيب بالعار، في هذه الدار، رب إن الجحيم لأهون ~~علي في العذاب والنكال، مما ألاقيه من الرزية في المال والعيال: # فليت وليدا مات ساعة وضعه %~% ولم يرتضع من أمه النفساء **عيسى بن هشام****: **ليست السكنى في «الأوتيل» اليوم عن ذل وفقر، بل هي ~~عن عز ويسر، فإن النفقة فيه عن بضعة أيام تكفي لنفقة شهر، على أكبر قصر ~~بجواريه وخدمه، وأتباعه وحشمه، وقد دعا أولادكم إلى ذلك ولوعهم بأحكام ~~التقليد للأجانب وإتقان الاقتداء بهم، والسعيد المنعم من أولاد الأمراء ~~اليوم من يبيع عقاره ويرهن ضياعه لتتيسر له الإقامة في هذا الخان، ومنهم من ~~يتعذر عليه مفارقة أهله فيؤتى له بالطعام من «الأوتيل» إلى البيت، وعنده ~~الطباخ في أسفله والجواري الطاهيات في أعلاه.**الباشا** (للبيطار)**: ~~**أرجوك أن تصف لصاحبي مكان «الأوتيل» الذي يسكنه ذلك الغلام فإن بي حاجة ~~إلى لقائه.**البيطار****: **كيف تخاطبني أيها الأمير بلفظ الرجاء، وأنا ~~أنتظر في خدمتك أن تأمرني بما تشاء، وهل تظن أني أفارق ركابك أو أزايل ~~معيتك مهما تقلبت الأحوال وتبدلت الأزمان؟ فهلم منك الأمر والإشارة وعلي ~~السمع والطاعة. ### | أبناء الكبراء # قال عيسى بن هشام: ودعاني الباشا للسير معه، وهو يكفكف دمعه، وتبعنا ~~البيطار من خلفنا بخطاه الثقيلة، وعصاه الصقيلة، ms046 فقد صقلها طول التوكؤ ~~والاستعمال، وتعزى بها في السير والانتقال، عن ظهور الخيل ومتون البغال، ~~إلى أن وقفنا عند أحد القصور الكبيرة، من الفنادق الشهيرة فهال الباشا ما ~~رآه من ضخامة البناء، وفخامة المنظر والرواء، وما لقيه من أدب الخدم ~~والأعوان، ورشاقة الوصفاء والغلمان، فتخيل أننا أخطأنا الأبواب والمداخل، ~~فدخلنا بيتا من بيوت الوكلاء أو القناصل، وتقدمت للسؤال والاستخبار، وقد ~~خلفنا البيطار في الانتظار، فدلنا أحد الخدم على رقم المكان الذي يسكنه ~~الأمير، وبعد طول التردد والتفكير، فما وصلناه حتى دفع الباشا بيديه دفتي ~~الباب، لم يلتفت لطلب إذن ولا لرجع جواب، فوجدنا أمامنا جماعة من أولاد ~~الأمراء، وأعقاب الكبراء، مختلفين في الجلوس، حاسرين عن الرءوس، ففريق منهم ~~عاكفون على لعب القمار، وفريق ينظرون في صور خيل المضمار، ومنهم جماعة قد ~~استداروا بامرأة نصف لا عجوز شوهاء،[1] ولا فتاة حسناء، تجتلب الحسن بإفراط ~~التأنق والتفنن في وجوه التصنع والتزين، فيكاد يضيء وجهها بسنا العقود ~~والقلائد، ويتلألأ جبينها بلألاء الجواهر والفرائد، وفي وسط المكان مائدة ~~عليها صنوف الراح، في الأباريق والأقداح، وبجانبها منضدة،[2] عليها آنية ~~منضدة، وفوقها الدواة والقرطاس، وبراعة مرصعة بالماس، وكتب أعجمية موشاة ~~بالذهب، لا أدري إن كانت في اللهو أم في الأدب، وعلى الأرض أوراق أحكام ~~منشورة، وجرائد تحت الأقدام منثورة، لم يفضض عنها «ظرف»، ولم يقرأ منها ~~حرف، وسمعناهم يتراطنون جميعا بلغات أجنبية، دون اللغة التركية أو العربية، ~~إلا ما كان من أسماء الخيول العربية بعد أن يبدلوا القاف بالكاف، وينطقوا ~~بالحاء كالهاء، ولما رأونا ظهر منهم العبوس والقطوب، وبدا عليهم انقباض ~~الصدور والقلوب، وانبرى من جانب المرأة شاب فأسرع نحو الباب فخاطبنا بعبارة ~~فرنسية ولثغة باريسية: # **الشاب****: **كيف ساغ لكما الدخول بغير إذن؟**عيسى بن هشام****: **دعا ~~إلى ذلك شوق الوالد إلى رؤية ذريته.**الشاب****: **لست أفهم لك كلاما فصرح ~~لي وبين.**عيسى بن هشام****: **فلان يسأل عن فلان.**الشاب****: **إني أنا ~~فلان ولكن من فلان الذي يسأل عني؟**عيسى بن هشام****: **هو جدك الأكبر ~~أحياه الله بعد مماته وبعثه من ms047 رقاده، وكان من أمره أنني كنت أزور المقابر ~~ذات يوم من الأيام ...**الشاب** (مقاطعا مستهزئا)**: **اذهب عني فلست أسمع ~~لهذا الكذب والخرف وليس لي اليوم من جد ولا والد، ولا أنا ممن يصدق بحديث ~~البعث في الآخرة، فكيف برجوع الموتى إلى الدنيا، تعالوا أيها الإخوان ~~فاعجبوا معي واضحكوا مما أسمعه من هذا الرجل الذي يخاطبني وانظروا إلى هذا ~~«الباشبوزق» الغليظ الذي بجانبه، فهو يدعي أنه آبائي وأجدادي بعثه الله ~~ليطالبني فيما أظن بما ورثته من الأموال، وينازعني في نظارة الأوقاف، فهل ~~سمعتم بأعجب مما أصبحنا فيه اليوم؛ لم يكتف الدهر بتكدير عيشنا وتعكير ~~حياتنا بمطالبة أرباب الديون حتى بعث الأموات من قبورهم ليطالبونا ~~بمواريثهم وأموالهم، ألا ترونها أيها الخلان أنها أبدع نكتة في أواخر القرن؟ # قال عيسى بن هشام: فاستغرق الجميع عند ذلك في الضحك واستلقوا من القهقهة، ~~وكلما سألني الباشا عن مكان حفيده، واستفهم مني عما يجري معي من الكلام ~~استمهلته لتمام الحديث حتى لا يقف على شيء مما يقال، ولا يحس بوقع تلك ~~السهام والنبال، ولما انتهى الشبان من ضحكهم نادوا بالخادم ليأمروه بطردنا ~~وإخراجنا، وحانت في هذه الأثناء التفاتة من الحفيد بين دورانه وحركاته فلمح ~~أحد قرنائه وإخوانه قد انزوى بتلك الخليلة، التي هي عندهم كالحليلة، ~~يلاعبها وتلاعبه، ويغازلها وتداعبه، فانقض عليهما كالصقر الأجدل فاستعر ~~بينهم الجدال واشتد الخصام والتف حولهم الجمع، وسمعت الحفيد يعتب، والصاحب ~~يعتذر، والمرأة تبكت وتؤنب وتقول لعاشقها: «ليس لك مثل هذه الجرأة في ~~العتاب والملام، ولا يأتي ما تأتيه من الحدة والتهور في الغيرة إلا من كان ~~قائما بحاجتي مجيبا لرغبتي، وقد طلبت منك بالأمس أن تشتري لي ذلك العقد ~~الذي حضر لتاجر الحلي من أوروبا في البريد الأخير فسوفت وماطلت بعد أن أجبت ~~ووعدت، واعتذرت بالإعسار والضيق، ثم بلغني اليوم أنك اشتريت فرسا جوادا ~~بمقدار عظيم من المال، فكيف تقصر في حاجتي مثل هذا التقصير، وتبغي مني ~~الاقتصار عليك والاختصاص بك دون بقية من يبذل ماله وروحه في سبيل مرضاتي من ms048 ~~أصحابك وإخوانك؟» # ثم سمعت الحفيد يجاوبها والعرق يتساقط من جبينه والوجد يقطع أنفاسه: ~~«تالله ما اشتريت شيئا، ولكن بعت أشياء لأشتري لك العقد بثمنها، ولا يغرنك ~~ما يقال لك عن ثروة هذا الصاحب الدنيء الخائن وعن قلة أموالي ورهن أطياني، ~~فأنت تعلمين بمقدار الأموال التي ستأتيني من اكتساب القضايا المعلقة لي في ~~المحاكم كما ينبئك به المحامي في كل حين.» # وما سمع ذلك الصحاب سبه بهذين النعتين حتى اضطرم واضطرب، وثارت به سورة ~~الغضب، فتقدم فلعنه وشتمه، ودفعه ولطمه، فوعده الملعون الملطوم، بالمبارزة ~~في يوم معلوم. # ثم علا هنا صياح أيضا في مجلس القمار بين صديق وصديق، أحدهما في يسر ~~والآخر في ضيق، وأخ يبغي الاقتراض من أخيه، ومفلس يطالب ميسرا بدين لا ~~يؤديه، وانكشف الجدال كذلك عن الضرب واللكم. وانتهى النزاع بالصفح واللطم. # واشتبك خصام آخر في ركن المكان، بين أهل السبق والرهان؛ هذا يقول: فرسي ~~سابق، وفرسك لاحق، وذاك يقول: «ركبداري» حاذق وابن حاذق، وجوادك قصير ~~وجوادي شاهق، وأنت الآن مقر معترف، بأن الوزن بينهما مختلف، واشتدت ~~المنافسة والمنابزة، وجرى بينهم حديث للمبارزة، كل هذا والمرأة تتسحب من ~~حلقة إلى أخرى، تسحب الحية والأفعى، فتطفئ نار الجدال مرة على حسب بغيتها، ~~وتشعلها طورا لخبث نيتها. # ورأيت الأجدر بنا أن نتركهم على هذه الحال، فجذبت بضبع الباشا وخرجنا من ~~ذلك المكان، وأسرعت به منحدرا إلى الطريق، فسألني عن تفصيل ما كان وجرى، ~~فترجمت له شرح الحال والمآل، فاحتدم غيظه واضطرم حنقه فلم يطفئه إلا ما ~~قلته له في آخر الحديث من عزم القوم على المبارزة فيما بينهم بالسلاح، فقال ~~وهو يتابع زفراته: لعل القدرة تكشف عني هذا المصاب، وتريحني المبارزة من ~~الأبناء والأعقاب، فقلت في نفسي: إن أبناءكم لم يرثوا منكم أخلاقكم، كما ~~ورثوا عنكم أموالكم، وليس عندهم من الشهامة ما يدفعون به عن الأعراض ~~والأحساب، ولا من الشجاعة ما يؤنسهم بالطعان وبالضراب، ولا يأبهون لكشف ~~العار، وأخذ الثأر، والمبارزة عندهم كلمة تقال بالليل وتمحى بالنهار. # وتذكر الباشا في ms049 طريقه شدة حاجته إلى وفاء ما عليه من الأجر للمحامي، ~~فالتفت إلى البيطار يسأله: # **الباشا****: **هل بقي أحد مما كانوا حولي من الخلطاء والأقران أهل النجدة ~~والفتوة وأصحاب الهمة والمروة؟**البيطار****: **لم يبق منهم إلا فلان وفلان ~~وفلان.**الباشا****: **ابدأ بالذهاب معنا إلى بيت الأول منهم. # قال عيسى بن هشام: فسرنا إلى حيث أشار والهموم تفرسنا، والغموم تخرسنا، ~~والأكدار لا تفارقنا، والأقدار لا توافقنا. ### | كبراء العصر الماضي # قال عيسى بن هشام: ومضينا نقصد أحد الثلاثة من قرناء الباشا ورفقائه، ~~وبقية أخلائه وأصدقائه، فانتهى بنا طول المسير، إلى بيت ذلك الأمير، وكأنه ~~ميدان في اتساعه، وحصن في ارتفاعه، ووقف بنا البيطار، عند باب الدار، فسلم ~~على الخدم وحياهم، ثم سألهم عن سيدهم ومولاهم، فأجابوه بالتجهم والعبوس، ~~أنه في قاعة الجلوس، فخطونا في بحبوحة الميدان، فرأينا في وسطه شجرة كثيفة ~~الأغصان، حنى قوامها تقادم الأزمان، كأنها الثكلى حلت شعورها في مأتم ~~الأحزان، وفي ظلها فرس يجن من النشاط والمراح، وبجانبه كبش ضأن للنطاح، ~~وحولهما ديكة نزال وضراب، ظنابيبها مسنونة كالحراب: # فحمر وسود حالكات كأنها %~% سوام بني السيد ازدهته القوائم1 # يزان لديها الطعن في حومة الوغى %~% إذا زينت للعاجزين الهزائم # وفيها إذا ما ضيع النكس غيرة %~% تصان بها المستصحبات الكرائم2 # ثم وصلنا إلى قاعة مشيدة البنيان، فسيحة الأركان، في أحد جوانبها سلسبيل، ~~يسيل ماؤه من أفواه التماثيل، والأرض مفروشة بالبسط الفارسية، وبجلود ~~الضواري الوحشية، والحيطان مستورة بأنواع السلاح، من خناجر وسيوف ورماح، ~~وفوقها عدة صفوف، من الرفوف، تحمل الطرائف الكريمة، والأواني الصينية ~~القديمة، مع عيدان للتدخين، من أغصان الياسمين، فخلعنا نعالنا، وتقدمنا ~~أمامنا، فوجدنا الأمير ومن معه جلوسا متربعين، منصتين مستمعين، يضيء في ~~وجوههم نور الشيب والوقار، وتزدهيهم هيئة العزة والاستكبار، فانقطع الحديث ~~عند دخولنا، برد سلامنا، ولكن ما لبث أن اتصل ما انقطع من الكلام، بعد رجع ~~التحية ورد السلام. # ولما استقر بنا المكان همست في أذن البيطار أن ينبئ بأسماء الحاضرين، ~~فقال لي: هذا المتصدر فيهم هو الأمير فلان رب الدار وهو رفيق ms050 مولانا الباشا ~~في البيت الكريم الخديوي، وقد اعتزل الأعمال واعتكف في آخر عمره يتعبد ~~ويتهجد ويسلك طريق النسك والزهد ويتقرب إلى الله بدوام القيام والقعود، ~~وطول القنوت والسجود، وله أموال عريضة ينفق منها فيما ينفق على قعدة ~~المشايخ وقوام أهل الطريقة وطواف الآفاق من سكان الأماكن المقدسة؛ رجاء أن ~~يغفر الله له ما تقدم من الذنوب، وأن يلحقه بالصالحين من أوليائه، وأما ~~الذي عن يمينه فهو فلان باشا كان عضوا من الأعضاء الكرام، في «مجلس ~~الأحكام»، والذي عن جانبه عالم من جلة العلماء الأعلام، والمشايخ العظام، ~~وأما الجالس عن شماله فهو فلان الفريق الجهادي المشهور في الوقائع والفتوح، ~~والذي بعده هو فلان من كبار المديرين السابقين، وأما الذي تراه في أخريات ~~المجلس فهو فلان التاجر من تجار خان الخليلي. # قال عيسى بن هشام: ولما وقفت من البيطار على معرفة ما عرفنيه نظرت إلى ~~الباشا، فأدركت أنه لا يبغي المبادرة إلى كشف أمره قبل انتهاء الحاضرين من ~~حديثهم، فأنصت مع المنصتين فإذا الفريق الجهادي يقول في اتصال حكايته ~~وروايته: # **الفريق****: **وكان «جنتمكان» محمد علي باشا الكبير معجزة دهره وآية عصره ~~في الدهاء وعلو الهمة وبعد النظر، وإحكام عقدة التدبير واجتذاب القلوب، ~~وتربية النفوس على الوفاء والأمانة لخدمته، فكان له من الكفاة من خدموه ~~بالصدق وافتدوه بالأرواح، وأذكر منهم المرحوم «محمد بك لاظ أوغلي»، فهو ~~الذي دبر له قطع دابر المماليك في ساعة واحدة، وقد حكى لي المرحوم أخي، ~~وكان حاضرا في تلك الواقعة الهائلة، أن المماليك لما رأوا أن المكيدة في ~~استئصالهم قد استحكم عقدها واشتد رباطها، وأنهم أحيط بهم من كل مكان تقدموا ~~للبحث عن محمد علي في كل حجرة وزاوية من زوايا القصر للفتك به والتخلص منه، ~~فلم يقفوا له على أثر وأعياهم البحث والتنقيب؛ لأن «لاظ أوغلي» أخفاه عنهم ~~شديد الإخفاء، وقام له في ذلك الوقت - إن جاز التشبيه والتمثيل - قيام علي ~~بن أبي طالب مقام الرسول - عليه السلام - ليلة الهجرة.**عضو الأحكام****: ~~**نعم وكان المرحوم محمد علي فوق ms051 ما يقال وما يتصور في دقة سياسته لتربية ~~الرجال في خدمته، فكانوا كلهم طرازا واحدا في حسن الولاء وجميل الإخلاص، ~~وربما كان يجذب الرجل منهم بكلمة واحدة تطبعه له على الصدق في خدمته طول ~~حياته، ومن ذلك ما حكاه لي صديقنا المرحوم راغب باشا قال: «كنت أقرأ بين ~~يدي المغفور له أوراقا وأنا يومئذ كاتب من كتبة معيته، فدخل علينا سامي ~~باشا في أثناء القراءة، ووقف معنا، فسأله محمد علي عما يريده، فتلعثم تلعثم ~~المتطلع لخروجي حتى ينفرد به فيعرض عليه ما عنده، فقال له: «قل ما عندك في ~~الحال فإني لا أخفي عن «راغب» سرا من أسراري، ولا فرق عندي في المنزلة بين ~~نسلي وذريتي وبين كتبة معيتي.» فهل تعلمون يا قوم أنه يقوم مقام هذه الكلمة ~~في جلب النفوس وجذب القلوب إلى النصح، والولاء في الخدمة إنعام بضياع أو ~~إحسان بأموال أو تقليد لرتبة أو نشان، وانظروا إلى ذلك الرجل العظيم كيف ~~أتقن صناعة الألفة في تربية رجاله وما للمملوك صناعة غيرها، فإذا أتقنها ~~أحدهم فاز بالتسلط على النفوس، واحتكر مودات القلوب، فيصفوا له الملك ويطيب ~~له الحكم.**الشيخ العالم****: **أصبت وصدقت وقد اطلعت في التاريخ القديم ~~على واحدة في هذا الباب للمنصور العباسي، تدل على براعته ودقته في صناعة ~~الملك، وهي أنه كان يأكل ذات يوم وبجانبه ابناه مع شيخ من قواد جيشه ذهبت ~~أسنانه لكبر سنه، فكان يسقط من فمه بعض الفتات وهو يأكل والأميران يتغامزان ~~عليه، فالتفت إليهما الخليفة فرأى ما بينهما، فمد يده فجمع ما سقط من ذلك ~~الفتات فأكله، فقام القائد يقول له: «لم يبق إلا ديني أقدمه لك يا أمير ~~المؤمنين فأمرني بما تريد.»**المدير السابق****: **وأنا أقص عليكم واحدة ~~أخرى للمغفور له محمد علي تشهد بلطف سياسته وحسن عطفه على الأهالي وشفقته ~~على الرعية، وهي أن أحد المديرين أراد أن يفوق إخوانه في الخدمة لينال ~~مكانة عالية من أميره، فجد في تحصيل الأموال، وتغالى في طريقته، فأخذ ما ~~عند الأهالي من المال جملة ms052 واحدة، فضج ضجيجهم واشتد صياحهم حتى بلغ مسامع ~~ولي النعم، فأمر بإحضار المدير، فلما وقف في حضرته قال له: ادن مني، فلما ~~دنا منه أخذ بعنقه في قبضة يده وصار ينتزع من رأسه شعرة ومن قفاه شعرة ومن ~~عارضه شعرة ومن حاجبه شعرة؛ حتى جمع في قبضته خصلة من الشعر والمدير لا يجد ~~لذلك من الألم إلا أثرا خفيفا، ثم إن الأمير انتقل إلى لحية الرجل، فانتزع ~~منها خصلة دفعة واحدة من جهة واحدة بمقدار تلك الخصلة المتفرقة، فنبع من ~~تحتها الدم وصرخ المدير من شدة الألم، فقال له محمد علي: «هكذا تختلف ~~المعاملة مع الرعية في جباية الأموال، إذا أنت أخذت من هاهنا درهما ومن ~~هاهنا درهما آنا بعد آن خف الوقع على الأهالي ولم يدركوا الألم، وحصلت منهم ~~على مثل المقدار الذي تأخذه جملة واحدة في وقت واحد مع شدة الألم، كما رأيت ~~الفرق بين انتزاع الشعرات متفرقات وبين انتزاعها مجتمعات، والكمية واحدة ~~والألم بينهما مختلف، فإياك أن تعامل الناس بعد اليوم بما يلجئهم إلى ~~الشكوى ويبعثهم إلى الاستغاثة.»**الشيخ العالم** (منشدا)**: ** # فلا تكثروا ذكر الزمان الذي مضى %~% فذلك عصر قد تقضى وذا عصر ورحم الله الماضي وأعاذنا من الحاضر وأجارنا من المستقبل، وإني لأراكم أيها ~~الأمراء مهما أسهبتم في محاسن المغفور له وأفضاله، وأطنبتم في حميد أخلاقه ~~وخصاله، فلستم ببالغي حق الشكر، ولا موفين بجميل الذكر، ويكفيه من الحسنات ~~التي يغني ذكرها عن الإجمال والتفصيل، وتحكم له بالسبق في باب التمييز ~~والتفضيل، أنه كان يقرب العلماء ويعظمهم، ويدنيهم منه ويكرمهم، ثم يقضي ~~حاجاتهم، ويتبرك بدعواتهم، ولقد رأيت له رؤيا صالحة تحكم له في أخراه، بأن ~~له جانبا مع الله، وأنه نال جزاء الإحسان، بسكنى فراديس الجنان. # قال عيسى بن هشام: وأقبل في أثناء هذا الحديث رجل من أهل مكة المعروفين ~~بالمطوفين أو المزورين فتقدم إلى رب الدار فقبل يده، وإلى الشيخ العالم ~~فلثم ذيله، ثم وضع عن يده صرة فأخرج منها قطعة من الحرير الأخضر وجزءا من ~~التمر ms053 ومشطا ومكحلة وسبحة وشيئا من الحناء، ثم قرأ الفاتحة وخاطب الأمير بقوله: # **المكي****: **قد جئتك أيها الأمير بالقطعة التي أمرتني بإحضارها من ~~الكسوة الشريفة، وأتيتك بجزء من تمر النخلة المباركة التي غرستها الزهراء ~~البتول بيدها الكريمة.**الشيخ العالم** (بعد أن ذاق التمر واستطابه)**: ~~**إيه إيه صدقت أيها الرجل ومن كان صائما فأفطر على تمر المدينة كتبت له الجنة. # قال عيسى بن هشام: فرأيت الباشا يتأفف بجانبي ويزمجر، ويتململ ويتضجر، ~~ويهم بأن يتكلم، فالتفت صاحب الدار عند ذلك إلى البيطار يسأله عن شأن هذا ~~المتأفف المتضجر، فتقدمت له بشرح القصة على الحاضرين، وذكرت خروج الباشا من ~~القبر ورجوعه إلى الدنيا، فمنهم من صدق ومنهم من كذب، فتنحنح الشيخ العالم، ~~وأشار فيهم بإشارة الاستماع ثم اندفع يقول: # **الشيخ العالم****: **اعلموا أنه ليس للمعجزات حد ولا للخوارق حصر، ولا ~~تنكروا على الرجل حياته بعد موته، فليس من حسن اليقين، أن ننكر بعث الدفين، ~~والرجوع إلى الدنيا بعد الفناء أمر معلوم بلا امتراء، تخص القدرة به من ~~تشاء، ببركة الأصفياء والأولياء، وأقرب ما أستشهد لكم به على ذلك من كتاب ~~«مناقب تاج الأولياء وبرهان الأصفياء للقطب الرباني والغوث الصمداني السيد ~~عبد القادر الكيلاني» ما أرويه لكم بحرفه ونصه: # ذكر في «رسالة حقيقة الحقائق» أن امرأة غرق ولدها في اليم وجاءت إلى ~~الغوث الأعظم وقالت: إن ولدي غرق في البحر، واعتقادي جازم بأنك تقدر على رد ~~ولدي إلي حيا، فقال لها رضي الله عنه: ارجعي إلى بيتك تجدي ولدك في بيتك، ~~فراحت ولم تجده، فجاءت ثانية وتضرعت، فقال لها الغوث أيضا: ارجعي إلى بيتك ~~تجدي ولدك في بيتك، فراحت ولم تجده، فجاءت ثالثة بالبكاء والتضرع، فراقب ~~الغوث وانحنى برأسه ثم رفع رأسه فقال لها: ارجعي إلى بيتك تجدي ولدك في ~~البيت، فراحت ووجدت ولدها في البيت، فقال الغوث الأعظم بطريق المحبوبية: يا ~~رب لم أخجلتني مرتين عند تلك المرأة؟ فجاءه الخطاب من الملك الوهاب: إن ~~كلامك حين قلت لها كان صدقا، ففي المرة الأولى جمعت الملائكة ms054 أجزاءه ~~المتفرقة وفي المرة الثانية أحييته وفي الثالثة أخرجته من اليم وأوصلته إلى ~~دارها، فقال الغوث: يا رب خلقت الأكوان بأمر «كن» ولم يسبق زمان ولا آن وفي ~~وقت البعث تجمع أجزاءها المتفرقة التي لا نهاية لها وتحشرهم في طرفة عين، ~~وجمع أجزاء جسد واحد وإحياؤه وبعثه إلى دارها شيء جزئي، فما الحكمة في هذا ~~التأخير؟ فجاء الخطاب من الرب القدير: اطلب ما تطلب فقد أعطيناك عوضا من ~~انكسار قلبك، فتضرع الغوث ووضع وجهه في التراب، وقال: يا رب أنا مخلوق ~~فبقدر مخلوقيتي يليق بي الطلب، وأنت خالق فبقدر عظمتك وخالقيتك يليق بك ~~العطاء، فجاءه الخطاب: كل من يراك يوم الجمعة يكون وليا مقربا، وإذا نظرت ~~إلى التراب يكون ذهبا، فقال: يا رب ليس لي نفع من هذين أعطني شيئا أعظم ~~منهما ويبقى بعدي لينفع في الدارين، فجاء الخطاب من الله العزيز القدير: ~~جعلت أسماءك مثل أسمائي في الثواب والتأثير، ومن قرأ اسما من أسمائك فهو ~~كمن قرأ اسما من أسمائي. # وروي فيه أيضا عن السيد الشيخ الكبير أبي العباس أحمد الرفاعي - رضي الله ~~عنه - قال: «توفي أحد خدام الغوث الأعظم وجاءت زوجته إلى الغوث فتضرعت ~~والتجأت وطلبت حياة زوجها، فتوجه الغوث إلى المراقبة فرأى في عالم الباطن ~~أن ملك الموت - عليه السلام - يصعد إلى السماء ومعه الأرواح المقبوضة في ~~ذلك اليوم، فقال: يا ملك الموت قف وأعطني روح خادمي (وسماه باسمه) فقال ملك ~~الموت: إني أقبض الأرواح بأمر إلهي وأؤديها إلى باب عظمته، كيف يمكنني أن ~~أعطيك روح الذي قبضته بأمر ربي؟ فكرر الغوث عليه إعطاء روح خادمه إليه ~~فامتنع من إعطائه وفي يده ظرف معنوي كهيئة الزنبيل فيه الأرواح المقبوضة في ~~ذلك اليوم، فبقوة المحبوبية جر الزنبيل وأخذه من يده فترفقت الأرواح ورجعت ~~إلى أبدانها، فناجى ملك الموت - عليه السلام - ربه وقال: يا رب أنت أعلم ~~بما جرى بيني وبين محبوبك ووليك عبد القادر فبقوة السلطنة والصولة أخذ مني ~~ما قبضته من الأرواح في هذا اليوم، فخاطبه الحق ms055 جلا جلاله: يا ملك الموت إن ~~الغوث الأعظم محبوبي ومطلوبي لم لا أعطيته روح خادمه وقد راحت الأرواح ~~الكثيرة من قبضتك بسبب روح واحد، فتندم هذا الوقت.» # قال عيسى بن هشام: وما انتهى الشيخ من روايته حتى رأيت الباشا قد انتفض ~~قائما يقول لهم والغضب باد على وجهه والغيظ يتقد في صدره: # **الباشا****: **اعلموا أيها الإخوان أن مغفرة الرحمن وسكنى الجنان لا تنال ~~بكثرة الصوم، وأكل التمر أو التبرك بالآثار والتحصن بالأوراد، وما تكتسب ~~الدرجة الرفيعة عند الله إلا بالعدل والإحسان وفعل الخير، واجتناب الشر ~~والرحمة بالضعفاء والمساكين من عباد الله، وقد غرني في دنياي ما يغركم ~~الآن، فكنت أسمع قبل مماتي من مثل هذا الشيخ العالم ما يهون علي ارتكاب ~~المخزيات وفضائح الشرور في معاملة الناس ارتكانا على نهار أصومه، وليل ~~أقومه، وحرز أحمله، وأثر أقبله، فنمت عن عمل الخير وغفلت عن بذل المعروف، ~~فلما توفاني القدير العليم وسكنت في حفرة القبر علمت ما لم أكن أعلم، فلم ~~يغنني ذلك وحده من الله شيئا وما خفف علي أهوال القبر وهون علي سؤال الملك ~~إلا حسنة واحدة كنت أتيتها في إغاثة مظلوم استجارني فأجرته، وهو في يد ~~الجلاد بين السيف والنطع،[3] فعليكم بالعدل والإحسان وتقوى الله في عباده ~~وإفشاء البر والمعروف في خلقه، ولا تطيعوا النفس الأمارة بالسوء فتركنوا ~~إلى الاغترار بالأمل، وتطلبوا المغفرة بلا عمل، بل استكثروا من الخير قبل ~~حلول الأجل، وتذكروا قول الله الأجل: @QUR@06 فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ~~واعتبروا بقول علي رضي الله عنه: «كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع ~~والظمأ، وكم من قائم ليس له من قيامه إلا السهر والعناء.» واسمعوا لقول ~~حكيم الشعراء: # ما الخير صوم يذوب الصائمون له %~% ولا صلاة ولا صوف على الجسد # وإنما هو ترك الشر مطرحا %~% ونفضك الصدر من غل ومن حسد ولا يستقيم أمر المسلم إلا إذا جمع بين فرائض العبادات وحسن ~~المعاملات.**الشيخ العالم****: **إني لأخالك أيها الرجل شيطانا في زي إنسان ~~وزنديقا يتستر بدعوى ms056 النشور من القبور، تعسا لهذا الزمن ما أكثر أضاليله، ~~وبؤسا له ما أعظم أباطيله، ولم يبق علينا من مدخرات عجائبه إلا أن يخرج ~~الميت من قبره فيخبرنا بما رأى وبما سمع.**صاحب الدار** (للباشا)**: ~~**سألتك بالله أن تخبرني بأية لغة كان سؤال الملكين لك، أبالعربية أم ~~التركية أم السريانية، فإن هناك اختلافا وأقوالا بين العلماء.**الشيخ ~~العالم****: **ناشدتكم الله أن تقصروا عن هذا الرجل ولا تخاطبوه، فإنه فتنة ~~من فتن إبليس اللعين ونعوذ بالله من الشيطان الرجيم. # قال عيسى بن هشام: فلم يسع الباشا إلا الخروج من هذا المجلس وهو يهدر ~~ويغلي ويستعيذ ويستعدي، فانخرطت وراءه وأنا أذكر قول عمر - رضي الله عنه - ~~في مثل هذا الشيخ الغليظ البدين: «إن الله يكره الحبر السمين.» وأردد قول ~~أبي تراب كرم الله وجهه: «أشكو إلى الله من معشر يعيشون جهالا ويموتون ~~ضلالا، ليس فيهم سلعة أبور من كتاب الله إذا تلي حق تلاوته، ولا سلعة أنفق ~~بيعا وثمنا من الكتاب إذا حرف عن مواضعه، ولا عندهم أنكر من المعروف ولا ~~أعرف من المنكر.» # ولحق بنا البيطار في خروجنا ومعه التاجر الذي كان مقيما في المجلس ~~ينادياننا، فوقفنا لهما فتقدم التاجر إلى الباشا ومال على يده يقبلها ويقول له: # **التاجر****: **أشهد الله أيها المولى أنني مصدق بأمرك وليس بعد العيان من ~~برهان وما أخطئ نظري فيك، فأنت سيدي الباشا بعينه، وأنت صاحب اليد التي ~~أتذكرها طول عمري، وما بي من نعمة فمنك، وما أصبحت فيه من ثروة فبيمنك ~~وفضلك، ولست أنسى أن أصل شهرتي واتساع تجارتي هو أنك جلست في دكاني مرة ~~عندما عثرت بك رجلك وأنت تقصد زيارة الحسين، فارتفع بتلك الجلسة قدري ~~واشتهر ذكري وأقبل علي الناس من دون التجار لتوهمهم في أن لي برحابك صلة ~~وبجانبك نسبة، فأصبحت ولله الحمد في غنى ومال كثير، وقد بلغني من أحمد أغا ~~هذا ما أنت فيه من الحاجة إلى الدراهم لأجرة المحامي التي جاءت بك إلى هذا ~~المجلس، ولكنك أنفت من ذكرها عندما غضبت لله، ms057 وأنا أتضرع بخالق الخلق أن ~~تتنازل فتقبل مني ما تسد به حاجتك وتتخلص به من مطالبة المحامين. # (وأخرج التاجر كيسا مملوءا فقدمه إلى الباشا وهو يرتعد من خيفة الرد، ~~فأخذه الباشا وقال له): # **الباشا****: **إني أشكرك جميل الشكر لحسن صنيعك، وأسأل الله لك حسن ~~الجزاء فهلم أكتب لك صكا بالمال لأرده إليك عند استرداد ~~أوقافي.**التاجر****: **حاشا لله أن أكون من أهل هذا الزمن الذين أصبحوا لا ~~يثق بعضهم ببعض، فلا يأمن الأخ أخاه ولا الوالد ولده ولا الصاحب صاحبه ولا ~~الجار جاره على درهم واحد إلا بعقود وصكوك، بل أنا لا أزال من أهل ذلك ~~الزمن الذي لم يكن يتعامل التجار فيه بينهم بغير الثقة والائتمان دون ~~احتياج إلى تحرير الأوراق وتسطير الصكوك، وما يكون الاستيثاق إلا عند توهم ~~الخيانة والعياذ بالله. # قال عيسى بن هشام: فكرر الباشا شكره للتاجر مضاعفا، وقال لي: انصرف بنا ~~إلى المحامي نستنقذ رقابنا من أسره، ثم نذهب إلى المحكمة الشرعية للمطالبة ~~بالوقف، فقلت له: لا بد لنا من محام شرعي يطالب لنا بحقنا، فما نخرج من ~~قبضة محام، إلا إلى قبضة محام، ونسأل الله السلامة في الختام. ### | المحامي الشرعي # قال عيسى بن هشام: وأخذت طريقي، مع رفيقي، أنشد صاحبا أسترشده، في محام ~~شرعي أقصده، وبينا نحن نسير، ونسأل التيسير، إذا بصاحب لي عرفته، ~~فاستوقفته، قال: ما خطبك؟ قلت: قضية، في المحكمة الشرعية، فما طرق الخبر ~~سمعه، حتى أجرى دمعه، وهول الأمر وهولت، وحوقل وحوقلت، ثم قال: لقد وقعت ~~قبلك في هذا البلاء، ولما تتم لي النقاهة من الداء، وأنا أنصح لك إن كنت ~~مدعيا أن تترك دعواك، وتصبر على بلواك، أما إن كانت الدعوى عليك، فليس ~~الخيار إليك، ولا مرد لحكم القضاء، بتدبير الآراء، فقلت: للضرورة أحكام، ~~فأرشدني لانتخاب محام، يكون مشهودا بعدالته، مشهورا بطهارته، بعيدا عن خلف ~~الوعد، بريئا من خلق الوغد،[1] لا يتفق مع الخصم، ولا يسرق من «الرسم» قال: ~~اطلب من أنواع المحال، أن يحمل الذر الجبال، ولا تطلب في محام ms058 اجتماع هذه ~~الشروط، فينتهي بك الأمر إلى اليأس والقنوط، ولمحاولة الارتقاء فوق متن ~~العنقاء،[2] أيسر من ذلك مطلبا، وأوسع مذهبا. # وأقسم لك بخالص الود، أني لا أثق منهم بأحد، وكيف تكلفني أن أنتقي لك ~~ذئبا من الذئاب، وأحمل على كاهلي عبء اللوم والعتاب، فأعفني من هذا ~~الاختيار والانتقاء، عافاك الله من جميع الأسواء، ثم ما لبث أن خلفني ومضى، ~~وتركني على مثل جمر الغضى، فسرت كئيبا حزينا، أبغي سواه مرشدا ومعينا، ولما ~~لم أجد من أصحابي من يتكفل علي عهدته، باختيار محام يوثق بذمته، قصدت أحد ~~المعلومين عندي بكثرة الخصومات، وطول المحاكمات، فكاشفته بطلبتنا ليكشف من ~~مصيبتنا، فقال: اعلم أن المحامين الشرعيين أجناس وصنوف، فمنهم المبصر ومنهم ~~المكفوف، وفيهم - كتب الله لك السلامة - صاحب «الطربوش» وصاحب العمامة، ~~وأنا أدلك على أهونهم شرا، وأقلهم ضرا، وأخفهم رزية وبلية، وأكثرهم علما ~~بالحيل الشرعية، فعليك بفلان وبيته معلوم، في منتهى «حارة الروم»، فقصدنا ~~البيت نشق طرقا معوجة، ونخترق ثنيات مزدوجة إلى أن انتهينا إلى باب دار، ~~كأنها مطلية بالقار،[3] تسورت بأكوام من الأقذار، وتلفعت بتلال من الأوضار، ~~ورأينا عند مدخل الباب صبية يلعبون بالتراب، ومن بينهم طفلة تجمع على وجهها ~~من الذباب، مثل البرقع تنقبت به قبل أوان النقاب، ولما تخطيناهم غشيتنا ~~رائحة المرحاض، فاستندنا هناك على هضبة أنقاض، بجانبها مذود أتان، يزاحمها ~~عليه إوزتان وبطتان، ثم اهتدينا إلى حجرة في جهة اليمين، فرأينا أمامها ~~فرانا ينادي: «العجين» «والأجرة»، فسألناه عن رب الدار فأشار إلى الحجرة، ~~فدخلنا فوجدنا فيها حصيرا تغطى بالغبار والحصباء، ومتكئا تعرى من الفراش ~~والغطاء، وفي زاوية من زوايا المكان، سراج لا ينفذ نوره من تكاثف الدخان، ~~وفي أعلى رفوف الرواق، أحمال كتب وأوراق، قام لها نسيج العناكب مقام ~~الوقاية والتجليد، وألصقتها الرطوبة فحفظتها من التوزيع والتبديد، وفوق ~~الأرض زجاجات مطروحة من المداد، وفي بياض الحائط تسويد وتخطيط من لعب ~~الأولاد، وبصرنا برجل: # تغير حناؤه شيبه %~% فهل غير الظهر لما انحنى # ووجدناه جالسا على سجادة الصلاة، وعن يساره امرأة كأنها ms059 السعلاة،[4] ~~فسمعناه يقول لها في تسبيحه: «أتستكثرين - أدر الله عليك خيره، وأبدلك زوجا ~~غيره - ما أخذته منك لاستنباط الحيلة في التفريق، واستخراج الحكم بالتطليق، ~~فأبعدت عنك زوجا تكرهينه، لتتبدلي منه زوجا تحبينه؟» ثم إنه أحس بدخولنا من ~~ورائه، فارتد إلى اتصال تسبيحه ودعائه، وانتفضت المرأة فتنقبت بخمارها، ~~وتلفعت بإزارها، وخرجت وتركتنا مع رجل يخدع الأنام بطول صلواته، ويتلو سورة ~~الأنعام في ركعاته: # إذا رام كيدا بالصلاة مقيمها %~% فتاركها عمدا إلى الله أقرب # وجلسنا مدة ننتظر خلاصه من هذا الرياء، وخلاص الملكين من صحيفته السوداء، ~~وخلاصنا من هذا الكرب والعناء، وكنا نشاهد منه في خلال ذلك نظرات مختلسات ~~نحو الباب، كأنه هو أيضا في انتظار وارتقاب، إلى أن دخل علينا غلام يصيح ~~به: إلى متى هذه العبادة، فقد بليت السجادة، وحاجات الناس موكولة إليك، ~~وقضاء مصالحهم موقوف عليك، وهذا دولة «البرنس» ينتظرك في القصر، منذ العصر، ~~دع مدير الأوقاف، و«نقيب الأشراف» فلم يعبأ المصلي بهذا الكلام، بل جهر ~~بالآية من سورة الأنعام: @QUR@019 قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب ~~العالمين * لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ، فجلس غلام الشيخ ~~وهو يمسح العرق، واشتد بنا الضجر والقلق، فقلنا: من يضمن لهذه الصلاة ~~انتهاء، ولهذا التسبيح انقضاء، وهممنا بالقيام، فالتفت الشيخ للغلام، ~~وأشبعه من التأنيب والملام، ثم حيانا بألطف سلام، وقال: بارك الله فيكم ~~وعليكم، وأنا في الخدمة بين يديكم، فقلنا: علمنا أنك رجل عدل عف، فجئناك ~~لقضية في وقف، فقال الغلام: أتطلبون ريعه، أم تريدون بيعه، فقلت: سبحان ~~الله وهل تباع الأوقاف؟ قال: نعم ويباع جبل قاف، ثم تنحنح الشيخ وسعل، وبصق ~~وتفل، وتسعط ثم تمخط، واقترب منا ودنا، ثم قال لنا: # **المحامي****: **دعونا من هذا الغلام وقولا لي ما حقكم في الوقف، وما شروط ~~الواقف، وكم يقدر ثمن العين لتقدر «قيمة الأتعاب» بحسبه؟**عيسى بن ~~هشام****: **إن لصاحبي هذا وقفا عاقته عنه العوائق فوضع سواه عليه يده، ~~ونريد رفع الدعوى لرفع تلك اليد.**المحامي****: **سألتك ما قيمة ~~العين.**عيسى بن هشام****: ms060 **لست أدري على التحقيق، ولكنها تبلغ ~~الألوف.**المحامي****: **لا يمكن أن يقل مقدم الأتعاب حينئذ عن ~~المئات.**عيسى بن هشام****: **لا تشطط أيها الشيخ في قيمة الأتعاب وارفق ~~بنا، فإننا الآن في حالة عسر وضيق.**الغلام****: **وهل ينفع في رفع الدعاوى ~~اعتذار بإعسار، ألم تعلم أن هذا شغل له «اشتراكات» وللكتبة والمحضرين ~~«تطلعات»، وأنى لكما بمثل مولانا الشيخ يضمن ربح الدعوى وكسب القضية بما ~~يهون معه دفع كل ما يطلبه في قيمة أتعابه، وهل يوجد مثله أبدا في سعة العلم ~~بالحيل الشرعية ولطف الحيلة في استمالة محامي الخصم، واستجلاب عناية ~~القضاة؟ **عيسى بن هشام****: **دونك هذه الدراهم التي معنا فخذها الآن ~~ونكتب لك صكا بما يبقى لحين كسب القضية، وليس يفوتك شيء من ذلك ما دام ~~ربحها مضمونا لديك على كل حال.**المحامي** (بعد أن استلم الدراهم يعدها)**: ~~**أنا أقبل منك هذا العدد القليل الآن ابتغاء ما ادخره الله لعباده من ~~الأجر والثواب في خدمة المسلمين، وعليك بشاهدين للتوكيل.**عيسى بن ~~هشام****: **وبأية طريقة يكون التوكيل.**المحامي****: **يجب عليك أن تستحضر ~~شاهدين يشهدان أمام المحكمة بأن فلان بن فلان بن فلان وكل فلان بن فلان بن ~~فلان «في المرافعات والمدافعات والمخاصمات والمصالحات، والقبض والاستلام ~~والتسليم وفي المطالبة والدفع والإقرار، وفي كل ما يصح فيه التوكيل شرعا، ~~وفي أن يوكل عنه في الدعوى غيره، وأن يعزله وأن يفعل ذلك مرارا وتكرارا ~~كلما بدا له فعله المرة بعد المرة والكرة بعد الكرة»، وأنا أنتظر حضوركما ~~غدا مع الشاهدين ومستند الوقف.**عيسى بن هشام****: **ليس لدينا الآن إلا ~~شاهد واحد يعرف أصل الباشا ونسبه.**غلام المحامي****: **هذه أول خطوة في ~~تكاليف القضية ومشاقها ولعلك تعرف قيمتها، ونحن نجد لك بتيسير الله من يعرف ~~أصل الباشا ونسبه ويشهد به بين يدي الحق.**عيسى بن هشام****: **وليس في ~~يدنا أيضا مستند للوقف.**المحامي****: **أما من جهة المستند فينبغي استخراج ~~صورة من السجل «المصان» «كذا» وهذه خطوة ثانية في متاعب القضية. # قال عيسى بن هشام: وعند ذلك قطع الشيخ المحامي كلامه معنا، واستقبل ~~القبلة بوجهه يتنفل ms061 ويتبتل، فقمنا للانصراف وسرت مع صاحبي وأنا غريق في ~~الأفكار أتدبر وأعتبر، وأعجب مما رأيت من سكون الباشا وسكوته وحسن احتماله ~~وصبره بعد أن كان شديد الحدة سريع الغضب، يرى القتل واجبا لأدنى هفوة وأقل ~~سبب، فأصبح بفضل وقوعه في هذه الخطوب المتتالية والرزايا المتتابعة لين ~~العريكة واسع الصدر موطأ الكنف كثير الاحتمال، حتى إنه لم يأنف ولم يتأفف ~~من كل ما رأيناه في يومنا هذا، بل كانت حالته حالة الفيلسوف الحكيم الذي ~~يجعل دأبه البحث والتأمل في أخلاق الناس أثناء التعامل معهم، وازددت يقينا ~~بأنه لا شيء أسرع في تهذيب النفوس وتربيتها على التخلق بالأخلاق الفاضلة ~~مثل ممارسة الخطوب ومصارعة النواب، وأن أسوأ الناس أخلاقا وأنكدهم عيشا هم ~~هؤلاء الأغمار[5] المنعمون المترفون الذين لم يأخذوا العيش عن تجارب ~~الحدثان، ولم تهذبهم صروف الأزمان، ولم يزدني الباشا في كلامه أثناء الطريق ~~على أن قال: # **الباشا****: **قلت لي: إن المحامين الشرعيين فيهم صاحب «الطربوش» وصاحب ~~العمامة فهل تراهم جميعا على هذا النمط الذي شاهدناه أم بين الفريقين ~~فرق؟**عيسى بن هشام****: **اعلم أن الخيرة في الواقع، والحمد لله على كل ~~حال فإن فيهم تحت «الطربوش» من هو أشد فتكا من ضواري الوحوش، وأعرف طربوشا ~~منهم أقسم أمامي بالطلاق ثلاثا من زوجته، ومن كل زوجة يتزوج بها في حياته ~~على إنكار كلام نطق به في مجلس كنت حاضره؛ إرضاء لأحد أرباب القضايا، ~~وإغضابا لخالق البرايا، واستهانة بحكم الشارع، واعتمادا على قول الشاعر: # وإن أحلفوني بالطلاق أتيتها %~% على خير ما كنا ولم نتفرق # وإن أحلفوني بالعتاق فقد درى %~% عبيد غلامي أنه غير معتق # قال عيسى بن هشام: ومضت علينا الأيام ونحن نقصد الشيخ المحامي في كل يوم ~~فلا نتمكن من لقائه، فإن ذهبنا إليه في البيت قيل لنا: إنه في المحكمة، وإن ~~ذهبنا إلى المحكمة قيل لنا: إنه في القصر الفلاني أو القصر الفلاني من قصور ~~الأمراء والكبراء حتى حفيت الأقدام، ومللنا الاصطبار، فاخترنا أن نربط له ~~أمام بيته عند الثلث الأخير من الليل ms062 فنصطاده عند خروجه، وقعدنا بعيدا عن ~~الباب حتى خرج علينا راكبا أتانه، فتقدمت إليه فقال لي: أرجو المسامحة في ~~هذا التأخير، فالذنب فيه لكثرة مشاكل الأمراء ودعاويهم. فتقبلنا عذره ~~وتوجهنا معه إلى المحكمة، فذهب بنا إلى «كاتب الإشهادات» فوجدناه جالسا ~~يلمع في ثيابه: من حمرة الحذاء في رجله وزرقة الجبة على كتفه وصفرة الحزام ~~في خصره وبياض العمامة فوق رأسه: # تعددت ألوانه %~% كأنه قوس قزح # وكان الشيخ المحامي قد تركنا مع الغلام والشاهد الذي اختاره لنا، فنظر ~~الكاتب إلى الشاهد نظرة المتوقف، وقال: إنه شاب صغير السن وإنه وإنه ... ~~فمال عليه غلام المحامي، وألقى في أذنه بعض القول فقام معنا من فوره إلى ~~قاضي الجلسة لسماع الأشهاد بعد أن قال لنا الغلام: وهذه الخطوة الثالثة في ~~تكاليف القضية، ثم انتهى الأشهاد بحمد الله وحسن العناية بنا في أثناء يوم ~~واحد، وقال لنا الغلام عند الانصراف: يجب بعد هذا أن نقدم عريضة لحضرة ~~القاضي بطلب الكشف من الدفترخانة عن الوقفية في السجل، وأن نوضح فيها نمرة ~~الوقفية وتاريخها ومن «عملية» من هي «يعني اسم الكاتب الذي كتبها في ~~زمانها»، فخرجنا نبحث عن أحمد أغا البيطار لعله يعرف طريقة توصلنا إلى ~~مطلوبنا، فعثرنا عليه وأعلمناه بغرضنا، فقال: إن عندي ورقة فيها نمرة ~~الوقفية كنت تحصلت عليها بطرق مختلفة بعد الجهد الشديد والزمن المديد ~~لإثبات حقي في ريع الوقف، ثم ذهب إلى بيته وعاد إلينا بالورقة فوجدناها ~~قاصرة على ذكر النمرة والتاريخ، ولم يذكر فيها اسم الكاتب الذي عمل ~~«العملية»، فقصدنا غلام المحامي وتوجهنا معه إلى المحكمة، فكتبنا العريضة ~~وقدمناها لحضرة القاضي فوضع عليها إشارة لحضرة الباشكاتب ليتحرى عن مسألة ~~«الشأن» وطلبوا منا شهودا يشترط فيهم أن يكونوا من أهل جيل الباشا ليثبتوا ~~شخصيته، ويشهدوا بأنه صاحب الوقف وأن سواه وضع يده عليه، فأدركتنا الحيرة ~~في الأمر فتكفل لنا الغلام باستحضار أولئك الشهود أيضا بعد أن قال لنا: ~~وهذه الخطوة الرابعة في تكاليف القضية، ولما نظر الباشكاتب في العريضة ووجد ~~أننا لم نبين ms063 فيها اسم الكاتب صاحب «العملية» قال لنا: إنه لا يمكن ~~الاهتداء في الدفترخانة بدون ذلك، وإنه لا بد لنا من انتظار السنين ~~والأعوام حتى يمكن العثور على صورة الوقفية في السجل بالنمرة والتاريخ ~~وحدهما، فعاودتنا الحيرة فقال لنا الغلام: لا تحزنا فأنا أساعد على سرعة ~~الإنجاز، وأتوجه معكما إلى الدفترخانة إن شاء الله، وهذه هي الخطوة الخامسة ~~في تكاليف القضية، وما زال الخبيث يعد لنا الخطوات، ونعد له في كل خطوة ~~دريهمات، ونحن نسأل الله أن ينقذنا مما أصابنا من حكم الدهر، وأن يعجل ~~بانقضاء القضية قبل انقضاء العمر. ### | الدفترخانة الشرعية # قال عيسى بن هشام: وعكفنا زمنا نشتد في الطلب، والمحامي يشتد منا في ~~الهرب، فلما طال علينا الأمد في ارتياده، ويئسنا من لحاقه واصطياده، ~~انتقلنا للبحث عن غلامه، حتى قبضنا على زمامه، فرأينا الخبيث يصعب في ~~الأمور والأحوال، لنسترضيه بالعطاء والنوال، وقال لنا: أقول لكما الحق ~~والحق أقول، إنه ليس من المتصور المعقول، أن نهتدي في هذه القضية إلى صورة ~~الوقفية، بمجرد تاريخها أو اسم صاحبها، دون الوقوف على اسم محررها وكاتبها، ~~ولا يجول في الخواطر والأوهام أن يعثر عليها كاتب السجل بين تلك الآكام، من ~~غير وحي أو إلهام، إلا بعد كر السنين ومر الأعوام، وإن اعتراكما بعض الشك ~~أو الريب، ولم تصدقا بظهر الغيب، فهلما معي أطلعكما على ما يزول معه اللبس، ~~وتقتنع به النفس، فقيدناه بقيود الترغيب والتأميل، وأعطيناه ما يحضرنا من ~~كثير وقليل، فانطلق أمامنا يثب ويحجل، حتى دخلنا بيت السجل، فلما جاوزنا ~~الباب، حيث يجلس الكتاب، ألفينا خشبا مسندة، على خشب موطدة، وهياكل تفترش ~~الفراء، فوق الأقذار والأقذاء، لا تميز منهم وجه إنسان من إنسان، لعشوة ~~البصر من ظلمة المكان، فتذكر الباشا عند ذلك ظلام الرمس، وكر راجعا ينتظرنا ~~في ضوء الشمس، ثم مال الغلام إلى أذن أحدهم يكلمه، بما لا أعيه ولا أفهمه، ~~فبادر الرجل بالنهوض والقيام، وسار بالغلام وأنا في عقب الغلام، فما خطونا ~~بضع خطوات حتى حيل بيننا وبين ضوء النهار، ms064 وتجللنا من حندس الليل بحجب ~~وأستار،[1] فوقفت لا أبصر ولا أهتدي، فأخذ الغلام بيدي. # وقد عميت علي وجوه المسالك، في هذه المخاوف والمهالك، وسرت فوق أرض تهش ~~تحت القدم وتلين، كأنها مفروشة بالهشيم تلبد في الطين، وما زلنا نمشي في ~~أنحاء تلك المطمورة،[2] على هذه الصورة، حتى تخيلت أنني في قبور قدماء ~~المصريين، أو في هياكل الأسرار بمعابد الرومانيين، أو في طريق الامتحان عند ~~أحرار البنائين، فوجب القلب،[3] من شدة الرعب، خشية أحبولة نصبت، أو مكيدة ~~رتبت، ووجمت، ثم أحجمت، وقلت للغلام: ليس بيننا ما يوجب الاحتيال، أو يدعو ~~للاغتيال، وماذا تريد مني في هذا الغيهب،[4] وليس معي من فضة ولا ذهب، ولا ~~من شيء يستلب أو ينتهب، فقهقه الفاجر ثم أقسم بالله وثنى بالطلاق، أننا ~~نسير في أمان بين غرائر الدفاتر ولفائف الأوراق،[5] وقال: كن آمنا مطمئنا ~~على نفسك، وسترى الحقيقة بعيني رأسك، وما كاد الشقي يتم لي هذه العبارة، ~~حتى عثرت قدمي في لفافة فوقعت على غرارة، وإذا بصائح يصيح من تحتها متبرما ~~متأففا، ويقول لي متغطرسا متعجرفا: ما هذه الغشاوة يا عديم الإبصار، ونحن ~~لا نزال في أديم النهار؟ فقمت متثاقلا متساندا، وقلت في نفسي منشدا: # دجى تتشابه الأشياء فيه %~% فيجهل جنسها حتى يصيحا # ثم تأملت فإذا أنا بخيال ينفض الغبار عن رأسه ولحيته، بذيل مئزره أو ~~جبته، فتولاني الخوف والوجل، وقلت: من الرجل؟ فقال الغلام: كاتب من كتبة ~~«السجلات»، ينبش عن أوراق في «سجل الأيلولات»، فقلت: وكيف يهتدي لذلك، وسط ~~الظلام الحالك، فقال: أولئك قوم اعتادوا العمل مع احتجاب الضياء، فصاروا ~~كالخفاش يبصرون في سواد الظلماء: # ولو سار كل الورى هكذا %~% لما حسد العمى من يبصرون # ثم انعطفنا من ذات اليمين إلى شبه قاعة، يلوح فيها من الضوء مثل جناح ~~يراعة،[6] وإذا هو لعاب الشمس يسيل من ثقب،[7] في سقف الجب، وهو يتموج ~~بأنواع الجراثيم، تموج الماء بالهشيم،[8] فخلت أن عجوز الفلك الدوار - أريد ~~بها شمس النهار - خشيت أن تضل في ظلمة هذه المفازة، فاتخذت لها ms065 من لعابها ~~عكازة، تتوكأ عليها للاهتداء، وتدب بها في هذا العماء، فمسحت على بصري، ~~وأحدقت بنظري، فأبصرت وماذا أبصرت، ونظرت وماذا نظرت: # ما إن سمعت ولا أراني سامعا %~% أبدا بصحراء عليها باب # نعم رأيت فضاء متسعا تراكم فيه من الأوراق الرثيثة والدفاتر البالية، مثل ~~الربى الشاهقة والأكمات العالية، غير أن هذه تثمر وتجني، وتلك تعث وتبلى، ~~هذه تكون مخضرة مخصبة، إن جادها الحيا أينعت بالغض من النبات، وتلك سوداء ~~مجدية، إن بللتها الرطوبة اهتزت باليابس من الحشرات: # فالأرض تبسط في خد الثرى ورقا %~% كما تنشر في حافاتها البسط # والريح تبعث أنفاسا معطرة %~% مثل العبير بماء الورد مختلط # وهذه بسطت فوق الثرى ورقا %~% لكنه للبلى والعث منبسط # وريحها تورث الأسقام ناشقها %~% كأنه من تراب القبر يستعط9 # وما لبث أن استبان ليشخص الكاتب المرافق لنا، في لمحة ذلك السنا، فإذا هو ~~قصير القامة، كبير العمامة، ذو وجه مقنع بالاصفرار، وعين مكتحلة بالاحمرار، ~~وقد طوى من خلفه الجبة، ورفعها على ظهره كالجعبة، وفي حزامه دواة من نحاس ~~أصفر، وبين طيات العمامة أوراق بالتواريخ «والنمر»، فاستعذت بالله من ~~الشيطان الرجيم، وقلت لذلك الغلام اللئيم: # **عيسى بن هشام****: **هلم بنا أيها المراوغ إلى الباب لنعود إلى ضياء ~~الحياة فقد يئست من أمرنا، وأنى لهذا الكاتب أن يهتدي للبحث في هذا اللج ~~القامس،[10] والليل الدامس.[11]**غلام المحامي****: **لا تنكرن على مثله ~~الاهتداء في دياجي الظلماء، ولا يهولنك تشتت الدفاتر وتراكم الأوراق فهي ~~مرتبة في حافظته ترتيبا انطبع فيها من طريق الوراثة عن أبيه وعن جده، فلا ~~تخفى عليه مواقعها كما يتوارث رؤساء «البوغاز» في الإسكندرية هداية السفن ~~عند دخولها بما علموه عن آبائهم من مواقع الأرض في قاع البحر، ولو كان معنا ~~اسم الكاتب لسهل البحث ولوصلنا إلى الغرض.**الشيخ الكاتب****: **نعم لا ~~تنكر علينا بارك الله فيك اهتداءنا للبحث في هذه الأوراق، والله يعلم أن ~~هذه الدفترخانة مرسومة في ذهني منذ الصغر على أحسن ترتيب وتبويب، فهي مقسمة ~~إلى عدة سجلات منها «سجل الباب العالي»، تسجل فيه ms066 الأعيان المبيعة غير ~~الموروثة، ومنها «سجل القسمة العسكرية»، تسجل فيه الأعيان المبيعة ~~الموروثة، ومنها «سجل الأيلولات»، تسجل فيه الأعيان المحصورة من تركة تخصص ~~أو تباع بالمزاد، ومنها «سجل الإعلامات»، تسجل فيه المواد التي تصدر فيها ~~أحكام من المحاكم الشرعية من أي نوع كان، ومنها «سجل التقارير»، تسجل فيه ~~تقارير النظار وقفا وغيره، ومنها «سجل الوقفيات»، وتسجل فيه نفس الوقفيات، ~~ويدخل فيه التوكيلات والوصايا والتصادق.**عيسى بن هشام****: **سبحان الفاتح ~~الوهاب، ومن يهديني إلى طريق الباب!**الشيخ الكاتب****: **... ومنها «سجل ~~الديوان العالي»، تسجل فيه الفرمانات المتعلقة بتولية القناصل وعزلهم، ~~والإعلامات الصادرة من مجلس استئناف مصر في الهيئة التي يحضرها القاضي ~~الشرعي أو النائب عنه مع جملة من كبار العلماء من المذاهب، ومنها «سجل ~~القسمة العربية»، تسجل فيه الأعيان الموروثة المختصة بالذميين.**عيسى بن ~~هشام****: **اللهم ارفع عنا الأذى والمقت، وهلم فقد ضاق بنا الوقت.**الشيخ ~~الكاتب** (مسترسلا)**: **... ومنها «سجل إسقاط القرى» يسجل فيه ما يأخذه ~~الأمراء ويعطونه من الأطيان والقرى، وليس يخفى أنه كان في مدينة مصر محاكم ~~شرعية سياسية وكانت السيطرة عليها للقاضي من قبل السلطان، وكان لكل واحدة ~~سجل تسجل فيه جميع الأنواع «وقد حفظت تلك السجلات كلها بهذه الدفترخانة»، ~~وكانت مراكزها في جهات «باب الشعرية» «وقناطر السباع» و«جامع طولون» و«جامع ~~قيسون» ...**عيسى بن هشام****: **يكفي أيها الشيخ فقد وجب الرحيل، ولا حاجة ~~بنا إلى هذا التطويل والتفصيل.**الشيخ الكاتب** (معددا)**: **وفي جهات «درب ~~سعادة» و«باب الخلق» و«الصالحية» و«النجمية» و«أحمد الزاهد» و«البرشمية» ~~و«مصر القديمة» و«بولاق» و«جامع الصالح» و«جامع الحاكم» ...**عيسى بن ~~هشام****: **تبارك من له الأسماء الحسنى، ومن يعيدني إلى الحياة ~~الدنيا.**الشيخ الكاتب****: **... ثم «محكمة الباب العالي»، وهي المحكمة ~~الكبرى وقاضيها هو المسيطر على الجميع المولى من القسطنطينية، و«محكمة ~~القسمة العسكرية»، وقاضيها يعين كل سنة من دار السعادة كقاضي المحكمة ~~الكبرى، ويسمى «القسام» وشغله المواريث بأنواعها فقط، و... **عيسى بن ~~هشام** (للغلام)**: **لقد مل سمعي، وضاق ذرعي، فاخرج بنا وأنقذني من شر هذه ~~الدار، ومن ثرثرة هذا الشيخ المهذار.**الغلام****: **لا تضجر ولا تقنط ~~وأنظرني ms067 قليلا حتى أستنير برأي الشيخ لعلنا نجد عنده حلا للعقدة، وفرجا ~~للكربة. (ثم مال على الشيخ منفردا به فسمعته يقول له): مثلك لا يعجز عن ~~استخراج الوقفية بدون الوقوف على اسم كاتبها، وأنت لا تأبى الربح والكسب ~~لنا جميعا، وأصحاب القضية من كبراء الناس أهل السماحة والكرم.**الشيخ ~~الكاتب****: **مهلا فقد كدت أتذكر اسم كاتب الوقفية على ذكر السماحة ~~والبذل، فإن لكتابتها حكاية مشهورة في الجود والعطاء منذ ذلك العصر، ولا ~~يزال للخلع التي خلعت على كاتبها بقايا إلى اليوم عند أهله وذريته وهو ~~المرحوم الشيخ فلان، فدونك وأصحاب القضية فاتفق معهم لوضع هذا الاسم في ~~ورقة النمرة والتاريخ، وجئني بها نافعة تشفع لنا أجمعين، والله ينفعنا بنفع ~~المسلمين.**الغلام** (لعيسى بن هشام)**: **قد تيسرت الحال بإذن الله ووصلنا ~~إلى معرفة اسم الكاتب الذي تستخرج به الصورة، والرأي لك في هذه الخطوة ~~السادسة. # قال عيسى بن هشام: ثم انطلق الغلام أمامي يسحبني وراءه حتى خرجنا بحسن ~~صنع الله من الظلمات إلى النور فجهرت[12] عيني وسدرت[13] فلم أبصر في الشمس ~~عند الباب إلا بعد التردد مرارا بينها وبين الظلام، ولما التقيت بالباشا في ~~الموضع الذي كان ينتظرني به سألني عن طول هذا الغياب، فلم أرد أن أضيف إلى ~~مصائبه مصيبة أخرى بوصف ما كنت فيه، بل كتمته إياه وأخبرته بتيسير الحاجة، ~~ثم اتفقنا مع الغلام على أن يباشر وضع اسم الكاتب في الورقة، ويعود في ~~اليوم الثاني إلى الشيخ الكاتب ليأتينا بصورة الوقفية، بعد أن نقدناه ما ~~نقدناه. # ثم دارت بعد ذلك علينا الأيام ومضت الشهور، ونحن نتردد على الدفترخانة ~~تارة في صحبة الغلام، وتارة بدونه إلى أن حل الأجل وآن الأوان، فجاءنا ~~الغلام ذات يوم يبشرنا بالوقوف على الوقفية ففرحنا فرح الغواص بدرة التاج، ~~تحت تلاطم الأمواج، ونهضنا معه إلى الدفترخانة فرأينا الشيخ الكاتب عند ~~الباب يتيه إعجابا بمهارته في الاهتداء عليها مع قصر الوقت، ويحمد الله على ~~حسن الطالع وسعود الجد فحمدناه على همته العالية وصنعه الجميل، فأخرج من ~~تحت إبطه ms068 أوراقا بالية متخرقة متآكلة لا تستوي منها ورقة مع أختها فيها ~~سطور متقطعة وخطوط متوزعة لا يستطيع أن يحلها إلا من كان عريقا في كشف ~~الرموز وفك الطلاسم، فقلت له: إن الاهتداء إلى نقل صورة مفهومة من هذه ~~الأوراق لأعظم مشقة وأدهى بلية من الاهتداء على موضعها من تلك الصحراء ~~المظلمة، فقال لي: إن كثرة التعود تيسر العسير وتهون الصعب، وقد ورثت عن ~~المرحوم والدي أيضا قراءة هذه الخطوط وتلفيق مارث من أواخر السطور، ~~والعبارة واحدة لا تتغير تقريبا في كل باب من أبواب السجلات، ورأيته يستعد ~~ليسترسل في أبواب الشرح والوصف، وخفت أن تشتد به نوبة الهذر والإكثار ~~فودعناه وانصرفنا، وكلفنا غلام المحامي أن يأتي لنا بالصورة من عنده بعد ~~انتهائها، فطلب منا أن ندفع «رسمها» وأن نأتي بشاهدين يشهدان علينا ~~باستلامها، ووعدنا بأنه ينوب عنا في اجتلابهما بعد أن طالبنا بالمكافأة ~~الواسعة، على هذه الخطوة السابعة. ### | المحكمة الشرعية # قال عيسى بن هشام: ولما صارت في يدنا الصورة، بعد تلك المواقف المذكورة، ~~خطا غلامنا الثامنة من خطواته، في بعض روحاته إلى المحكمة وغدواته، فذهب ~~إلى كاتب «الطلبات» لتحديد إحدى الجلسات، ثم عاد فبشرنا بأن الكاتب اتفق مع ~~الرئيس، على أن تكون الجلسة في يوم الخميس، وأنه حرر «طلبا» لحضور الخصوم، ~~في الوقت المعلوم، فأقمنا أياما نعلل النفس بالأمل، حتى حل هذا الأجل، وسمح ~~لنا الطالع بطلعة الشيخ المحامي ولقائه، بعد طول احتجابه عنا واختفائه، ~~ورضي أن يتوجه معنا إلى المحكمة، ليكشف عنا بيمنه كل مظلمة، فسرنا جميعا ~~نقصد بيت القضاء الشرعي، والحكم المرضي، والعدل المقضي، بوحي الإله وسنة ~~النبي، حيث تقام منابر الهدى، وتشاد منائر التقى، وينبلج نور الحقيقة ~~والعدالة، وتنكشف ظلمة البدعة والضلالة، ويؤخذ من الظالم للمظلوم، وينتصف ~~من الحاكم للمحكوم، ويسار على الصراط السوي، في الحكم بين الضعيف والقوي، ~~حيث تتحد المواقف والأقدام، وتستقيم الأوامر والأحكام، وتغدو فيه الثكلى ~~ربة الأيتام، أعز من الفارس رب الرمح والحسام، ويصبح الأعزل الشاكي، أقوى ~~من المدجج الشاكي،[1] ويتساوى لديه رب ms069 الشويهة والبعير،[2] برب التاج ~~والسرير، نعم حيث يكون المقعد الموروث، عن النبي المبعوث، وحيث يعمل بالسنة ~~وآي الكتاب، فينتصر للذليل على العزيز، ويقتدى فيه تارة بسيرة عمر بن ~~الخطاب، وأخرى بسيرة عمر بن عبد العزيز، وحيث يكون مقر المهابة والجلال، ~~ومصدر الوقار والكمال، وموضوع الطهارة والأمان ومنبع العفة والصيانة، وقبلة ~~القنوت والخشوع، ومقام الطاعة والخضوع. # ولما وصلنا إلى هذه المحكمة وجدنا ساحتها مزدحمة بالمركبات، تجرها الجياد ~~الصاهلات، وبجانبها الراقصات من البغال والحمير، عليها سرج الفضة والحرير، ~~فحسبناها مراكب للعظماء والأمراء، في بعض مواكب الزينة والبهاء، وسألنا لمن ~~هذي الركاب، فقيل لنا: إنها لجماعة الكتاب، فقلنا: سبحان الملك الوهاب، ومن ~~يرزق بغير حساب، ونحونا نحو الباب، في تلك الرحاب، فوجدنا عليه شيخا حنت ~~ظهره السنون، فتخطته رسل المنون، قد اجتمع عليه العمش والصمم، ولج به الخرف ~~والسقم وعلمنا أنه حارس بيت القضاء، من نوازل القضاء، ثم صعدنا في السلم ~~فوجدناه مزدحما بأناس مختلفي الأشكال والأجناس، يتسابون ويتشاتمون، ~~ويتلاكمون ويتلاطمون، ويبرقون ويرعدون، ويتهددون ويتوعدون، وأكثرهم آخذ ~~بعضهم بتلابيب بعض، يتصادمون بالحيطان، ويتساقطون على الأرض، وما زلنا ~~نزاحم على الصعود في الدرج، والعمائم تتساقط فوقنا وتتدحرج، حتى من الله ~~علينا بالفرج، ويسر لنا المخرج، في وسط هذا الجمع المتلاصق، والمأزق ~~المتضايق، ووصلنا إلى القاعة السفلى، فوجدنا عندها امرأة حبلى، تتقلب على ~~الأرض كالثعبان، وتستشهد بالأهل والجيران، أن بعلها أنكر حملها، وحاولنا أن ~~نخطو خطوة إلى الأمام، فلم نستطع من شدة الزحام، وكيف بالتقدم في عباب موج ~~ملتطم، ومنحدر سيل مرتطم، من نساء صائحات مولولات، ونائحات معولات، ونادبات ~~باكيات، وصارخات شاكيات، كأنهن قائمات في مأتم على مدافن الأموات، تقرحت ~~فيه العيون، وبحت الأصوات، وفيهن المسفرة والمتقنعة، والمضطجعة والمتربعة، ~~والحاسرة عن الذراع والرأس، وأختها تفليها في وهج الشمس، ومنهن الكاشفة عن ~~ثدييها ترضع طفلا على يديها، وغيرها ترضع طفلين في حذاء، وزوجها يضرب رأسها ~~بالحذاء، وأخرى آخذة بضفيرة ضرتها، ورضيعها يتلهف على ضرتها. # ومن بينهن من يتقدمها طليقها، ويتبعها عشيقها تشيع الأول باللعن والسباب، ~~وتغمز ms070 الثاني بكف مزدانة بالخضاب، ورأينا العقيلة المخدرة مع «الأغا» لا ~~يستطيع أن يحميها في حرمة هذا الوغى، وشاهدنا في الجمع جماعة من فجار ~~الخلعاء، وتباع النساء، يغازلون كل غانية هيفاء، ويغامزون كل غادة ~~غيداء،[3] ويتعرضون لفض النزاع بين ذوات القناع، وفصل العناد والشقاق بين ~~الطاعنات بالأحداق، فتختلط غمزات الطرف بهمزات الكف، فيزول ما هنالك من ~~الجدال والخصام، ويصيرون جميعا إلى الحسنى والرقيق من الكلام، ورأينا فيما ~~رأينا من غرائب البشاعة، وعجائب الشناعة، رجلا وامرأة يتسابقان في ألفاظ ~~الفحش والهجر،[4] ويتباذان في أقوال البذاءة والنكر، وهما يتجاذبان في ~~أيديهما غلاما، كأنما يحاولان له اقتساما، ليأخذ كل منهما من أعضائه بنصيب، ~~والغلام يبكي من شدة الألم والتعذيب، فاستعذنا بالله السميع العليم، من ~~موقف هذا الجحيم، وسمعنا من أفظع ما سمعناه امرأة تنتحب وتقول، ونقابها ~~بماء العين مطلول: «لو كان للنساء قضاة من النساء لما وصلنا إلى هذه الحالة ~~التعساء، فإن الرجال يميلون لجنس الرجال، ويتناصرون لبعضهم على ذوات ~~الحجال»، فاستعنا برب المثاني،[5] وصعدنا في السلم الثاني، فإذا هو كالأول ~~يتموج بالناس كبيوت النمل، أو خلايا النحل، وانتهينا منه إلى قاعة ممتلئة ~~بصنوف الباعة، هذا يصيح: «الخبز والجبن»، وذاك ينادي «الدخان والبن»، وآخر ~~يقول: «الزبدة والعسل»، وبعضهم يردد: «الفول والبصل»، وبائع الضأن يفتت ~~بسكينه جماجم الرءوس، والثلاج يصفق بأكواز «العرقسوس»، وهناك «قهوة» يدب ~~فيها الشهود بالعشرات، كدبيب الحشرات فيعرضون أنفسهم على الخصوم للشهادة أو ~~التزكية بأجر معلوم، وغلمان المحامين يروحون بين الجموع ويغدون، فيمكرون ~~بهم ويكيدون، ويتقلبون بين الخصوم ويحتالون، فيخدعون ويغتالون، ودخلنا حجرة ~~صغيرة من حجرات الكتاب، فثار في وجهنا ما على أطباق الباعة من جيش الذباب، ~~فرجعنا على الأعقاب، ونجونا من الأوصاب، ثم انحدرنا مع غلام المحامي إلى ~~حجرة كبيرة الساحة، فقال: اجلسوا هنا للاستراحة، فأجلسنا في صدر المكان، ~~بين الكتبة والغلمان. # ولا بد لكل كاتب هناك من غلام، يقوم مقامه في تدوين الأحكام، فسمعت ~~الكاتب الجالس عن اليمين، يقسم على أقواله بكل يمين، بأنه لولا اعتراض ~~مركبات الكهرباء وضيق الميدان، ms071 لما تأخر حماره عن حمار فلان، وسمعت صاحبه ~~بجانبه، يحلف بجده وأعز أقاربه، أنه لولا حبسه للعنان، لسبق كل الحمير في ~~يوم الرهان، ويقول له وهو يتلفف في العباء: «قد بلغنا عن الأجداد والآباء، ~~أنه إذا صحت الشعرة الخضراء، لم يتعلق بذيل الحمار الهواء»، ثم التفت ذات ~~الشمال فوجدت كاتبا منهم غض الشباب، عظيم التأنق في لبس الثياب، فهو يتلألأ ~~ويتألق، في سندس وإستبرق، كأنما خاطوا له قباء من أزهار بستان، مختلفة ~~الأشكال والألوان، يفعم الأنوف بعطره، ويعبق الجو بنشره، وأمامه رجل في يده ~~صرة ثياب ينشرها ويطويها، فيأخذها «السيد» منه ويرميها، ويقول له في حدته، ~~وشدة سورته: # **السيد****: **هذه ثياب لا أرضاها ولا أقبلها، وبئس المفصل ~~مفصلها.**الخياط****: **كيف ترى ذلك أيها السيد، وأنا أقسم لك بالقرآن ~~المجيد، أنها أوسع من ثياب السيدين عبد العزيز وعبد الحميد.**السيد****: ~~**كذبت ورب الكعبة فإن استدارة الكم ضيقة والرقبة لا تنطبق على الزي ~~الحاضر.**الخياط****: **وماذا أصنع وذلك كل ما في عرض الحرير، ولو كنا على ~~الزي القديم لدخل مع السيد في طي ثيابه، اثنان أو ثلاثة من أصحابه.**أحد ~~أصحاب القضايا****: **صبح الله السيد بالخير والإنعام.**أحد الكتبة ~~الظرفاء** (منكتا)**: **لا، بل بالخيل والأنعام.**صاحب القضية****: **أرجو ~~سيدي أن يعطيني «الإعلام».**السيد****: **اذهب حتى يأتي الغلام.**الكاتب ~~الظريف** (موريا)**: **عليك به في شارع أم الغلام، تجده جالسا نصا تحت ~~الأعلام. # قال عيسى بن هشام: وعافت نفسي هذه النكت الباردة والمعاني الساقطة، ~~فأعرضت عن الإصغاء، وسرحت طرفي في بقية الأنحاء، فرأيت الكتبة كلهم ~~يتفاكهون ويتسامرون، هذا يلت في يده أفيونه، وذاك يكور بين أصابعه معجونه، ~~والغلمان يشتغلون تارة بأوراقهم، وطورا يتباحثون في أذواقهم، وأرباب ~~الحاجات بين أيديهم يقاسون سوء الرد، ومطل الوعد، وسمعت أحد الكتبة يخاطب ~~صاحب قضية، بألفاظ بذية، ويقول له: «كيف تعطي الغلام هذا المبلغ الزهيد؟ ~~أتظنه كان لك من العبيد؟ أتريد أن يكتب لك ويتعب، (وهو لا أجرة له في ~~المحكمة ولا مرتب) بغير ربح ولا مكسب؟ إن هذا لمن أعجب العجب!» وجاء رسول ~~القاضي يطلب أحد ms072 الكتبة الرؤساء فوجده راقدا كالنفساء، فبعضهم أشار بتنبيهه ~~من غفلته، وقال بعضهم: لا بل اتركوه في رقدته، أنسيتم حكم عادته، بأنه لا ~~يفيق من غفوته، قبل أن يسيل الأفيون مع الدم في دورته، ثم اتفق معهم ~~الرسول، على أن يرجع فيقول: «إنني لم أجد الشيخ مكانه، وعلمت أنه نزل إلى ~~الدفترخانه»، ثم استيقظ الراقد بعد مدة فتثاءب وتمطى، ثم تدثر وتغطى، ثم ~~عاد إلى ما كان فيه من السبات، وهو ينشد للمعري من أبيات: # وفضيلة النوم الخروج بأهله %~% عن عالم هو بالأذى مجبول # ثم جاءه بائع كتب وأوراق فصاح به حتى أفاق، وقام بعون الله وحوله، يخاطب ~~البائع بقوله: # **الكاتب****: **هل أحضرت ما طلبته من الكتب؟**البائع****: **نعم جئتك بكتب ~~قديمة، لا تقدر لها قيمة، منها كتاب «حل الرموز، لفتح الكنوز»، ومنها «أصول ~~المراسم، في فك الطلاسم»، ومنها «حسن إرشاد الناس في استخراج الذهب من ~~النحاس»، ومنها «القول المأثور في تأثير البخور»، ومنها ...**الكاتب****: ~~**ألم تعثر لي على كتاب في «الاستحضار»؟**البائع****: **نعم معي كتابان ~~أحدهما «قلائد اللؤلؤ والمرجان في استحضار الجان.» والآخر «خير المواقيت، ~~لرؤية العفاريت».**الكاتب****: **بارك الله فيك وجزاك خيرا، فإن عندي نسخة ~~محرقة من هذا الكتاب الأخير فاصحبني إلى البيت لنقابلها ونصححها. قال عيسى ~~بن هشام: وقام هذا الكتاب مع البائع، وأقمت أسخط على هذا الجهل الشائع، ~~والعمل الضائع، وبينا أنا كذلك إذ أشار علينا غلام المحامي بالقيام، فقد آن ~~نظر قضيتنا، فخرجنا فوقفنا عند باب الحجرة التي تنعقد فيها الجلسة، فرأينا ~~الزحام خارجها وداخلها على أشد حالاته، وسمعنا الحجاب ينادي تارة بصوت عال ~~وتارة بصوت منخفض، فسألت الغلام عن ذلك فقال: إنه يخفض الصوت حتى لا يسمع ~~أرباب الدعاوى النداء فتسقط القضية وهو من باب الشفقة والحنو بالمدعى عليه، ~~وفوق ذلك فإن للحجاب أن يدخلوا الجلسة من أرادوا، ويحجبوا عنها من أرادوا، ~~ثم نودي علينا فدخلنا مع شهود المعرفة الذين استحضرهم الغلام لنا، فوجدنا ~~الجلسة مؤلفة من ثلاثة أعضاء برئيسهم وهم جلوس كل واحد منهم بمعزل عن ~~الآخر، ms073 وقد تعسر علي أن أفهم كلام الباشا وهو بجانبي يخاطبني لشدة الضوضاء ~~وعلو الأصوات، ثم دخل كاتب الجلسة يرقص في مشيته، وكأنه الطاووس في هيئته ~~فجلس ووقفت عنده بحيث أبصر ما يسطره، فوجدته قد تناول القلم بأطراف بنانه ~~يضعه في الدواة تارة ويضعه في أذنه أخرى، ثم يلهو بتفقد ثيابه ويشتغل بلمس ~~الإبر التي تتشبك بها العمامة، ثم ابتدأوا في سماع القضية، وتقدم الباشا مع ~~الشهود فلم أسمع شيئا مما قالوه أو قيل لهم لكثرة الجلبة والصياح، وإنما ~~رأيت الكاتب يكتب في دفتر الضبط - وكأنما يكتب من عنده - ما أنقله بحرفه وهو: # استحضر أمام الجلسة المدعي والمحامي والشهود فتقدم المدعي، وعرف أنه فلان ~~بن فلان بن فلان وسمى شاهدي معرفته وهما فلان بن فلان بن فلان، وفلان بن ~~فلان بن فلان الساكنان بالجهة الفلانية شياخة فلان بن فلان بن فلان، وشهد ~~كل منهما على انفراده بأنه يعرف المدعي المذكور، وأشار إليه بيده وهو فلان ~~بن فلان بن فلان المذكور، ثم قال المدعي المذكور: إن لي قبل فلان بن فلان ~~بن فلان دعوى نظر على وقف ومعي مستند دعواي والمدعى عليه لم يحضر مع ~~استلامه علم الطلب المحدد له فيه الحضور في هذه الجلسة. # ثم أمرت المحكمة بانصرافنا للمداولة والنظر في المستند، فوقفنا ناحية من ~~الحجرة ننتظر مع من ينتظر، ثم نودي علينا بعد مدة فقالوا لنا: إن المحكمة ~~تعلمنا بمضمون المادة 72 من اللائحة وهي تقضي - على ما أخبرنا به المحامي - ~~بالإعذار إلى المدعى عليه، وقال: لا بد أن نطلب ذلك من المحكمة؛ لأنه لا ~~يسوغ لها أن تعذر إلا بناء على طلب المحامي، فقدمنا الطلب، فتقرر إصدار ~~الإعذار، والله يكفيك شر ما في هذه الدار، من الأقضية والأقدار، وكثرة ~~الهموم والأكدار. ### | قصر حفيد الباشا # قال عيسى بن هشام: ودخلنا - لا أدخل الله عليك طوارق النقم، ولا أخرجك من ~~طرائق النعم - في دور الإنذار يتبعه الإنذار، والإعذار يتلوه الإعذار، ~~ومندوب المحكمة يعود إلينا بالخيبة، في كل أوبة، زاعما أن خدم ms074 الخصم لا ~~يقابلونه إلا بالازدراء، كغيرهم من خول أبناء الأمراء، حتى وصلنا إلى حد ~~الإعذار الأخير، ورمينا المندوب بالإهمال والتقصير، فرأينا أن نخبر خبره، ~~ونقتفي أثره، ونتحقق بأنفسنا كيف يتسع الذرع، للاستخفاف برسول الشرع، فسرنا ~~وراء المندوب ومعه الشاهدان، يشهدان بأنه أعذر فلان بن فلان بن فلان، وقد ~~أمسك الواحد منهم بكتف الآخر، على هيئة تستفز كل هازئ وساخر، وكل منهم يخد ~~الأرض بحذائه، ثم يعفي الأثر بفضل ردائه. # وهم ينتقلون في المشي من الذميل إلى الرسيم إلى الوخيد،[1] كأنهم مسرعون ~~إلى جفنة ثريد، ونحن من خلفهم نخب ونهرول، ونحسبل ونحوقل، إلى أن كادوا ~~يغيبون عن البصر، وكدنا نفقد منهم الأثر لولا أن عثر أحدهم بقضبان مركبات ~~الكهرباء، فطاحت العمامة وانفلت الحذاء، فانفتل يلتمسها ويلتمسه، فلم يرعه ~~إلا السائق وجرسه، فما تحرك ولا انتقل، حتى أدركته العجل، وكاد يداس ويقضى ~~عليه، لولا أن جذبه رفيقه إليه، فحيل بين الرجل وبين عمامته ونعله، ووقف ~~مخبولا لا برأسه ولا برجله، وهو يستنجد لهما ويستغيث فلا يغاث، حتى مرت ~~عليهما المركبات الثلاث، فأدركناه وهو ممتقع اللون من اليأس والوجل، ~~فبشرناه بسلامتهما فاعتم بهما وانتعل، وحمد الله على هذا اللطف في القضاء، ~~وحمدناه على ما أتيح من التعويق والإبطاء؛ إذ تمكنا من اللحاق بهم، وقدرنا ~~على استئناف السير في عقبهم. # وقد انتهى السير بنا إلى قصر في سرة بستان، يزري في الحسن بقصور بغداد ~~وغمدان، وقد ترصع البستان بأنواع الأزاهر، كأنه محلى بصنوف اليواقيت ~~والجواهر، والقصر في وسطها كأنه الدرة البيضاء، أو البدر بين نجوم السماء: # كأنه جيد وبستانه %~% من حوله عقد بديع النظام # وما عساي أقول في وصف روض قد نسجته يد الأرض؛ لتزدان به يوم عيدها ويوم ~~زينتها، ونمنمته رداء لها تختال به في حسن رونقها وبهجتها: # مؤزرة من صنعة الوبل والندى %~% بوشي ولا وشي وعصب ولا عصب2 # قد أغنى الغواني نسيمه العليل، عن المسك الأذفر، وكفاها ريحه البليل، ~~تعطرها بالطيب والعنبر: # بغرس كأبكار الجواري وتربة %~% كأن ثراها ماء ورد على مسك ms075 # ومنى العرائس أن لو اتخذت من نوار الأزهار فصوصا للخواتم، ومن أكمام ~~الأشجار معاقد للتمائم، وودها أن لو تأزرت من سندس أرضه بأبهى إزار ~~ومرط،[3] وتحلت من جوهر نباته بأزهى شنف وقرط: # إذا ما الندى وافاه صبحا تمايلت %~% أعاليه من در نثير وجوهر # إذا قابلته الشمس رد ضياءها %~% عليها صقال الأقحوان المنور # وقامت فيه مثمرات الأغصان قيام الكواعب الأتراب، ساقيات بالأباريق ~~والأكواب، ساكبات سؤر الطل من تلك الأقداح، مائسات من رحيق الندى ومداعبة ~~الرياح: # شقائق يحملن الندى فكأنه %~% دموع التصابي في خدود الخرائد # فما تخيلنا في هذا الروض مذ رأيناه إلا أننا في حفلة عرس، جمعت أسباب ~~اللهو وأطراف الأنس، قد نصب الغيم عليها سرادقه، ومد ملتف النبات فيها ~~نمارقه،[4] وأشرقت الأغصان الأنوار، إشراق المصابيح بالأنوار، وقامت ~~الأطيار على الأعواد، تتسابق في الترنم والإنشاد، فهي تغرد بألحان يقطع ~~السامع لها حبل النفس، ويأنس إليها مستنفر الوحش المفترس: # رأت زهرا غضا فهاجت بمزهر5 %~% مثانيه أحشاء لطفن وأوصال # وللنسيم بين الشجر نغمات بالهفيف والحفيف، من ثقيل في الضرب أو خفيف، ~~تصفق لها أكف الأوراق، وتقوم الأفنان للرقص على ساق، مترنحة الأعطاف من خمر ~~الندى، مهتزة القدود بغمز الصبا، تبسم عن أقاح نضيد، يزري بثنايا الغيد، ثم ~~تميل برشيق القوام فتلتقط ما ينقطها به الغمام، والجدول يجري تحت أذيالها ~~ويتعثر، وينساب الماء في ظلالها ويتكسر، كأن حصباءه اللؤلؤ والمرجان، في ~~نحور الحسان، أو قلائد العقيان، في أجياد القيان: # تروع حصاه حالية العذارى %~% فتلمس جانب العقد النظيم # ولما ملئنا من هذه الجنة طربا، وقضينا عجبا، قلنا: ما شاء الله لا قوة ~~إلا بالله، ما أعجز الخلق عن شكر نعماه، وإذا بقوم عند باب القصر، كأنهم ~~أفراخ في مخلب صقر، تعلو وجوههم قترة، ترهقها غبرة، وهم بين باك ومنتحب، ~~وصارخ ومصطخب، فتفرست في هيئاتهم، وهم يذكرون حاجاتهم، فإذا هم جميعا في ~~يأس وقنوط، وخيبة وحبوط، وإذا الصيرفي يقول: بصوت المقهور المخذول: # **الصيرفي****: **تعسا لي لقد ضاع مالي، وذهبت آمالي.**التاجر****: **وبؤسا ~~لي لو كنت أعلم بهذه ms076 المآل، لم أقع في تلك الحبال.**البائع****: **يا ويح ~~نفسي اغتررت بالمقام العالي، فخسرت رزق عيالي.**الجوهري****: **ويل لمن ~~خدعته الظواهر، فضاعت عليه الجواهر.**الصيدلاني****: **أقسمت لا يضيع عنده ~~ثمن الدواء، ولو تعلق بأطراف السماء.**الخمار****: **تبا له من محتال مال ~~على دني، ثم اختفى عن عيني.**القصاب****: **أنا لا يضيع عنده حقي، ولو ~~وضعوا السكين على حلقي.**الخياط****: **وأنا لا أترك هذا الباب، حتى أمزق ~~ما عليه من الثياب.**الإسكاف****: **ورأس أبيه وجده، لآخذن ثمن الأحذية من ~~جلده.**الحلاق****: **أنا ابن جلا وطلاع الثنايا، وكم لصنعتي من منافع ~~ومزايا، وليتني كنت شوهت خلقته، ومسخت سحنته، فنتفت شاربه، وحلقت حاجبه، ~~تالله لآخذن بناصيتي هذا الثقيل البارد، ولأسدن عليه المصادر والموارد ~~ولألزمنه صباح مساء، ولو حلق في الهواء. # كل هذا والخدم يكتمون وجود صاحب الدار، ويقسمون أنه لم يبق لديه درهم ولا ~~دينار، وإذا هم أحد الغرماء بالدخول منعوه، أو دافعهم أحدهم دفعوه، وبينما ~~نحن نتأمل ونتعجب، ونتقلى على الجمر ونتقلب، ونقابل بين سعد المكان، ونحس ~~السكان، إذا برجل إفرنجي قد خرج من بيت الحرم، وهو يلتهب غيظا ويضطرم، ~~ويقول للبواب برطانته، وسوء عبارته: لقد طالبته فأبان الإفلاس والعجز، فلم ~~يبق إلا توقيع الحجز، وإليك قائمة البيان، وحذار من التلف والنقصان، وما ~~كاد «محضر المختلطة» ينتهي ويذهب، حتى حضر «محضر الأهلية» يلهث من التعب، ~~فسلم البواب ورقة إنذار، فأخذها وهو يدعو بالثبور والدمار، وبعقب ذلك انصرف ~~المحضر، وتبعه جميع من حضر لاشتداد حر الظهيرة وأوارها،[6] ولفح الشمس ~~للوجوه بنارها، فانتهزنا هذه الفرصة فتحرك مندوبنا وتقدم، وخاطب البواب وهو ~~يتلعثم، فقال له: أنا مندوب المحكمة الشرعية، فقال له: لم يكن ينقصنا إلا ~~هذه البلية، ثم دفعه في صدره، فرده إلينا بظهره، بعد أن أخرجنا من الجنان، ~~وأغلق باب البستان، فأخذ المندوب بيد الشاهدين وهو يتظلم ويتضرر، ووقف ~~بينهما ينادي في الهواء بالنداء المقرر: «يا فلان بن فلان بن فلان إن ~~مولانا قاضي مصر يأمرك بأن تحضر إلى المحكمة في يوم الخميس الآتي للنظر في ~~دعوى اغتصاب الوقف الموجهة عليك من ms077 قبل فلان بن فلان، وإن لم تحضر في اليوم ~~المذكور ينصب عنك وكيلا، ويسمع الدعوى في وجهه ويحكم عليك غيابيا.» # ثم ودعنا المندوب والشاهدين وانصرفوا إلى سبيلهم، وبقيت أنا والباشا في ~~دهشة وذهول وحزن وأسف مما رأينا وسمعنا، ثم استند الباشا إلى سور البستان، ~~وشرع يقول لي وهو في تأمله وتفكره: # **الباشا****: **ما زالت بواطن الأمور وحقائق الأشياء تتجلى لي على وجهها ~~منذ غمرني الدهر في هذه المشكلات والخطوب، حتى تحققت اليوم بأن أمور هذه ~~الدنيا إنما تجري كلها على التضليل والبهتان، وتدور على التمويه والبطلان، ~~وتنطوي على الغش والتدليس، فبالله عليك من ذا الذي يرى هذا القصر بزينته ~~وبهجته وخدمه وحشمه ولا يتولاه الحسد لساكنيه، والتطلع إلى حسن حظهم وسعادة ~~عيشهم، ثم يرجع إلى نفسه فيسخط على حظه من الدنيا ويندب نصيبه من الحياة ~~وسوء قسمته في العالم!**عيسى بن هشام****: **لا زلت ترى الحق وتقول الصدق ~~بما يتسع لك من سبيل الهداية والحكمة، نعم إن جل من نراهم من المنعمين ~~المترفين والأغنياء الموسرين لو كشفت عن باطن أمرهم وحقيقة أحوالهم وخبايا ~~معيشتهم من وراء الجداران لوقفت على ما يوجب الأسى والأسف، ويدعو إلى ~~الرحمة والشفقة لا ما يدفع إلى الحسد والغبطة، ولأيقنت أن الرجل الأجير ~~الذي يستخرج قوت يومه منغمسا بعرق جبينه هو أسعد منهم حالا وأنعم بالا، ~~والغالب أنه كلما كان مظهر العيش زاهيا زاهرا كان باطنه مقتما مظلما، وأشد ~~ما يكون من البلاء على أهل هذه الطبقة أنهم يقضون أوقات حياتهم في الظهور ~~بين الناس على أغرب حالات التصنع، فيكون الواحد منهم غريقا في بحور الهموم ~~والأكدار، وتراه يقسر نفسه بين الملأ على التظاهر بالسرور والانشراح، وأكثر ~~ما يكون في الضيق والإفلاس تراه يتعرض للتبذير والإنفاق، فهو على الدوام ~~يتقلب بين الضيقين ضيق العيش وضيق النفس، وإن كان عظيم الثروة كثير الغنى، ~~فإنه لا غنى مع ازدياد الحاجات، ولا مال يكفي مع تجدد ~~الرغبات.**الباشا****: **قد كانت الحال في أيامنا على العكس، إن كان لا ~~يسرك من الرجل ms078 ظاهر حاله فإنه يرضيك باطن أمره، وربما كان يجتهد في التظاهر ~~بلباس الفقر إذا بلغ حد الغنى، ويبدي الشكوى إذا أسر الرضى. # قال عيسى بن هشام: وقضينا مدة في مثل هذا الحديث وأنا متهلل مستبشر بما ~~أراه ينمو ويثمر في نفس الباشا من التعلق بالمباحث العقلية، والتعمق في ~~معرفة الأخلاق النفسانية حتى صار من ديدنه أن يستنبط من كل حادثة يشاهدها ~~ما يرتقي به إلى عالم الفضيلة والحكمة، وازددت يقينا بأن الرجل المرتفع ~~القدر لا يزال غرا بالأمور غافلا عن حقائق الأشياء، فإذا وقع في أشراك ~~الخطوب استنارت بصيرته واستضاءت قريحته، وعلم بطلان ما كان فيه بحقيقة ما ~~وصل إليه. # ثم حانت منا التفاتة إلى ما وراء السور، فرأينا خدم البيت وحشمه قد ~~اجتمعوا حلقة وهم يتحاورون ويتجادلون فسمعنا البواب يبتدئ فيقول: # **البواب****: **ليت أمي لم تلدني وليت أبي لم يعلمني رسم الخط، فقد كلت ~~يدي وحفي قلمي من طول التوقيع بالاستلام على الإنذارات والمحاضر، فقلما ~~يمضي يوم إلا ولي فيه من التوقيعات ما ليس لرئيس قلم في ديوان، فبئست ~~المعيشة معيشتي وبئس الحظ حظي، وليتني كنت قادرا على الانضمام إلى صف هؤلاء ~~المطالبين والغرماء، فأخلص بجزء من أجرة الشهور المتراكمة، ومن لي بالتباعد ~~عن هذا البيت الذي انتشر فيه جراد الحجز، وأزعجت من فيه أصوات الغرماء، ~~وأزعجني تردد المحضرين على صندوق ثيابي.**الكاتب****: **لست أدري والله ما ~~يصنع صاحب البيت، وماذا تحتال لحالته وكيف لنا بالمعيشة معه ولم يبق عنده ~~كثير ولا قليل، وإن صدق ظني كانت عاقبته من أقبح ما تتصورونه في سوء ~~العواقب، فقد أحسست من كثرة حركته واضطرابه في هذه الأيام أنه يدبر لنفسه ~~أسوأ تدبير للخلاص من ضيقه ليختتم أمره بأقبح الخواتم، ويعلم الله أنه لولا ~~ما ألتقطه في أشغاله من هنا ومن هناك لما تيسر لي القيام بقوت عيالي بعد أن ~~انقطعت عنا أجور الشهور، وقد دعاني هذا الأمير أمس وأعطاني خاتما من ~~الياقوت لأبيعه فذهبت به إلى الجوهري الذي كنا اشتريناه منه بأكثر من ms079 مائة ~~جنيه فلم يدفع لي فيه إلا خمسة وعشرين، فبعته إياه وعدت للأمير بالدراهم ~~فكأنما فككت الأسير من القيد وأنقذت الغريق من اللج.**الوصيف****: **الآن ~~انحل ما كان مشكلا وانكشف لي ما كان غامضا، فإني رأيت معه أمس ذهبا كثيرا ~~لم أهتد إلى مورده أعطاني منه عشرة جنيهات، وأمرني أن أبتاع من أخيه هذا ~~الكلب الذي ترونه مولعا بملاعبته منذ الصباح.**الفراش****: **وأنا اشتريت ~~له من صهره تلك الببغاء بخمسة جنيهات، وأخذت له غرفة في «تياترو الأوبرا» ~~بثلاثة، وزجاجة عطر باثنين.**الكاتب****: **فعلى هذا لم يبق معه إلا خمسة ~~جنيهات ولا بد أن أبادر في الحال لمطالبته بإنجاز الوعد الذي وعدته لصاحب ~~الجريدة المعلومة حتى يسكت عنه، ويكف عن التعرض له.**السائق****: **وأنا ~~أذهب إليه أيضا لآخذ منه ثمن الريش والإسفنج الذين وعدني به ما دام معه من ~~الدراهم بقية.**الخصي****: **إنكم لفي نعمة وغبطة بما تنالونه من وراء هذا ~~البيع، وهذا الشراء من الربح، ولكن غيركم من الخدم في الحرم قد اقتنعوا من ~~العيش بيسير الأكل والشرب من غير أجر، وصبرنا على هذه الحال وفاء بالعهد ~~لأهل البيت، ويا ليت هذه النعمة تدوم فقد سمعتم اليوم وعيد حضرة البك ~~الجزار، كما سمعتم أمس بإنذار البك الخباز.**السقاء****: **ما أظن أن لنا ~~حيلة نلجأ إليها في آخر الأمر إلا أن نطلب منه إحالة أرزاقنا على ريع الوقف ~~الذي سلم وحده من الحجز.**البواب****: **لقد خاب ظنك وضاع أملك، فإن هذا ~~الوقف الذي كنا نرتكن عليه قد دخل في دور القضايا والدعاوى، وجاء اليوم ~~مندوب المحكمة الشرعية بالإعذار الأخير، ومن يعلم ماذا يكون من أمره. # (وسمعنا الجرس يدق من جانب الحرم، فتشتت الجمع نحو المطبخ لحلول وقت ~~الغداء، فانصرفنا من موقفنا واكتفينا بما شهدنا.) # قال عيسى بن هشام: وحل اليوم الموعود لجلستنا في المحكمة الشرعية فتوجهنا ~~إليها ولم يحضر المدعى عليه كعادته، ولما فتحت الجلسة تقدمنا إليها وشهد ~~أمامها شهود المعرفة، ثم اطلع الأعضاء على الإعذارات الثلاثة، فوجدوها ~~جامعة للشروط المقررة، فأمروا بأن ينصب للمدعى عليه وكيل يكون ms080 موثوقا ~~بأمانته معروفا بالمحافظة على حقوق الغائبين، فاختاروا من اختاروه وكلفوه ~~شرح دعواه مكان المدعى عليه، ثم أخذ محامينا ينظر في صورة الوقفية التي ~~استخرجناها من الدفترخانة ليعدد الأعيان، فلم يجد فيها جميع ما عددناه له، ~~بل وجد منها جزءا قليلا لا يقوم بالتعب في إقامة القضية وخشي أن المحكمة لا ~~تحكم لنا بغير المبين في «الصورة» من العقار فتضيع علينا بقية الحقوق، فطلب ~~من الجلسة تأجيل سماع الدعوى زمنا يتمكن فيه من البحث عن بقية تلك الأعيان ~~الموقوفة، فوافقه الوكيل المنصوب للغائب، فتأجلت القضية إلى ما بعد الفسحة ~~القضائية من العام. # وخرجنا من الجلسة مع المحامي وقد فتح له ولغلامه باب احتيال جديد، ولما ~~سألناه عن المظان التي تنبئنا عن بقية أعيان الوقف تلكأ في الجواب، ثم ~~أحالنا على الغلام وتركنا معه وانصرف، فقال لنا الغلام: لا مظنة عندنا غير ~~ديوان الأوقاف؛ لأنه يوجد بهذا الديوان سجلات تسجل فيها مثل هذه الأعيان، ~~وطلب منا أن نتفق معه على أجر معلوم للسعي وراء هذا الغرض، فوافقنا على هذا ~~المطلب الجديد والله يفعل بنا ما يريد. ### | الطب والأطباء # قال عيسى بن هشام: ولما حال أمرنا من المحكمة إلى الأوقاف، وعلم الباشا ~~بما هنالك من قلة الإنصاف، وأنه لا بد لنا من أن نطيل الالتماس والرجاء، ~~ونكرر الدعاء والنداء، ونكثر من الغدو والرواح، في كل مساء وصباح، فنبلي في ~~هذا الديوان جدة الزمن، ونقف عليه وقوف العاشق على الدمن، ولما هو مستفيض ~~من اختلال أعماله، واعتلال عماله، وفساد إدارته، وسوء نظارته، نزل به من ~~الهم والغم، ما أورثه الضنى والسقم، وحل به من الحزن والكمد، ما أخل بنظام ~~الجسد، فغدا هزيلا نحيلا، ووقع مريضا عليلا، فأشرت عليه بالطبيب، قال: يخطئ ~~ولا يصيب، وماذا يجدي العلاج وما يفيد، وللآجال توقيت وتحديد؟! فأقنعته بأن ~~الاعتقاد بتحديد الأجل، لا يمنع من مداواة العلل، وسبحان من أرشدنا إلى ~~الدواء، عند حلول الداء، لالتماس الشفاء، فقبل إشارتي بعد طول الإباء، فجئت ~~له بأحد الأطباء، من ذوي الشهرة ms081 بالبراعة، في ممارسة الصناعة، فجلس بجانبه ~~يجس نبضه ويقرع صدره، ثم استلم قلمه وولاه ظهره. # وأخذ يرقم أصناف العلاج، بيد دائمة الاختلاج، ثم قال: دونكم هذا الدواء، ~~جرعة في الصباح وأخرى في المساء، ولا تأخذوه إلا من صيدلية فلان فإنه صادق ~~مؤتمن، لا يغش في التركيب ولا يغلي في الثمن، ثم وقف عند المرآة يسوي مفرق ~~شعره، ويصقل ما استطال من ظفره، ويرسل اللحظات تباعا نحو الباب، بنظر ~~مستراب، كأنه يريد أن يستشف ما وراء الحجاب، من آنسة في الخدر أو كعاب، ~~ولما أعوزه ما تفقده، طلب أن يغسل يده، وقال: إني أرى حالة المريض شديدة، ~~تقضي بعيادته أياما عديدة، حتى ينتهي المرض من شدته، ويتلطف من حدته. # ومضت مدة والطبيب يذهب ويعود، ودرجة الحرارة لا تفتأ في صعود، والمريض ~~يهذي في شدة حماه، وأنا أتضرع وا رحماه، حتى كدت أيأس من الشفاء، وأسلم ~~لحكم القضاء، ولكن زارني أحد الأصدقاء، ممن يولعون بالطب والأطباء، فقال لي ~~وهو يبصر حالته: من الطبيب الذي يعالج علته؟ فقلت: هو الشهير فلان، قال لي: ~~علمت السبب الآن، وأنا أنصحك أن لا تعتمد في الطب، إلا على أطباء الغرب، ~~أولئك قوم قد برعوا في معرفة الأمراض، وتشخيص الأعراض، وأحاطوا بكل جليل ~~وحقير، من البسائط والعقاقير، فالأدواء لا تستعصي في أيديهم، وليس بين ~~الوطنيين من يماثلهم أو يدانيهم، وأنا آتيك بمن هو فيهم أوسع معرفة وعلما، ~~وأشهر صيتا واسما، وقام فعاد بأجنبي يهد الأرض بخطواته، ويكثر من إشاراته ~~ولفتاته، فتقدم نحو المريض فجس ولمس، ثم قطب وعبس، ووضع طرف منديله على ~~أنفه، وقال لنا في صلفه وعنفه: إن هواء الغرفة فاسد قتال، وداء المريض داء ~~عضال، ولا رجاء إلا باتباع إشارته، في تواتر زيارته، ثم هزأ بما رآه من ~~دواء الطبيب الأول، بعد أن كتب علاجه بوصف مطول، وقال: لا يحسن تركيب هذه ~~الأجزاء إلا صاحب «صيدلية الشفاء»، وما زال هذا الطبيب أيضا يذهب ويحضر، ~~والعلاج يتجدد ويتكرر، والمريض يتألم ويتضجر، والمرض باق لا يتقدم ولا ms082 ~~يتأخر، حتى جاء في خاطري أن أجمع منهم جماعة للاستشارة والمداولة، فنخلص من ~~هذه المراوغة والمطاولة، فلما اجتمعوا وقعوا في الحجاج واللجاج، ولم ~~يتوافقوا على تشخيص الداء أو تقرير العلاج، وأقام كل واحد منهم منفردا ~~برأيه، لا يهتدي إلا بهديه، وسمعت بينهم من يقول لرفيقه، لا ينبغي أن نوافق ~~فلانا في تحقيقه، كما أنه لم يوافقنا على رأينا في الاستشارة الماضية، ~~وأنكر علينا جميع أدويتنا الشافية. # ثم خلفوني ونزلوا على الخلاف، وإن كانوا اتفقوا في تناول الأجرة عند ~~الانصراف، وكنت شاهدت بينهم طبيبا يظهر نفوره من طريقتهم، ويجري معهم على ~~غير حالتهم، فأرسلت في أثره من دعاه، وكاشفته بأنني اخترته على سواه، فقال ~~لي: إن علة المريض بسيطة فيما أراه، لا يجب فيها هذا الاختلاف والاشتباه، ~~ولعلها ناشئة عن انفعالات نفسانية، من هموم فجائية، فقلت له: نعم أصبت في ~~النظر، ثم أخبرته بجملة الخبر، فقال: الآن تبين أن معالجة الأطباء كانت ~~بغير اهتداء، ولا يلزم لعلاجه إلا الامتناع عن هذه المركبات، والاكتفاء ~~ببعض البسائط من النبات مع جودة الغذاء، وتبديل الهواء، فأيقنا حينئذ ~~بمهارته، وسلمنا لإشارته، فلم يمض إلا بضعة أيام حتى انتقلنا من دور السقم ~~والاعتلال، إلى دور النقاهة والإبلال، وجلس الباشا ذات يوم إلى الطبيب ~~يشكره على حذقه وبراعته، ويحاورنا في الحديث على حسب عادته: # **الباشا****: **كيف اهتديت أيها الطبيب إلى ما لم يهتد إليه سواك من ~~الأطباء فأدركت سبب علتي، وأحسنت تشخيص مرضي، وأصبت في اختيار العلاج فكان ~~الشفاء؟ لا شك عندي أنك نادرة عصرك ونابغة زمنك.**الطبيب****: **لا فضل لي ~~يستحق كل هذا المدح والثناء، والسبب في خطأ الأطباء أن العدد الأعظم منهم ~~يسيرون في ممارسة صناعتهم على طريقة معينة ودائرة محدودة قررتها العادة ~~فيهم، فهم لا يتخطونها ولا يتعدونها، فترى كل واحد منهم يحصر في ذهنه عدة ~~أمراض معلومة وعلل معروفة، فيطبق عليها كل ما يراه من الأعراض التي تظهر له ~~في عامة المرضى - والأعراض تختلف وتشتبه - فيحكم بمعرفة الداء ويأمر ~~بالدواء المعين لذلك المرض المعين ms083 بقطع النظر عن الفحص والتأمل في حال ~~المريض أو البحث، والتدقيق في معرفة الأسباب المادية والأدبية التي يرجع ~~منشأ المرض إليها، ولا يكلف ذهنه التبصر أو التصرف على حال من الأحوال، ~~فيعيش في أسر العادة وقيد الطريقة لا يعبأ بالبحث في اختلاف الأمزجة وتباين ~~الغرائز، وتفاوت المعايش وتغاير القوى في البني؛ فلذلك يكثر منهم الخطأ ~~ويقل الصواب.**عيسى بن هشام****: **كأنك تريد أنهم يكونون على مثل حال أهل ~~الصناعات الآلية الذين يحل فيهم مجرى العادة محل إعمال الفكرة؛ فتنطلق ~~أيديهم على وجه واحد وتنصرف أفكارهم عن التصرف أو التفنن في وجوه ~~شتى.**الطبيب****: **نعم لقد أصبت في التشبيه، وغير ذلك فإن بين هؤلاء ~~الأطباء من لا يرى في صناعته إلا آلة لاجتلاب الرزق واصطياد الربح، ~~واستدرار الدرهم والدينار حتى يصلوا إلى اكتناز الأموال، ويصبحوا في مصاف ~~أهل الغنى والثراء لا يبالي أحدهم أي باب طرق ولا أي سبيل قصد للتوصل إلى ~~هذا الغرض المطلوب، فكل الوسائط لديه مقبولة وكل الطرق عنده مسلوكة، فهو ~~يدخل على المريض طامعا في ماله لا طامعا في شفائه، فيحتال له أنواع الحيل ~~لتطول مدته في المرض فيتسع نصيبه من الأجرة، فيعطيه من أصناف الأدوية ما لا ~~ينفع ولا يضر، أستغفر الله بل ما يضر ولا ينفع ليبقى المريض في حاجة دائمة ~~إلى تجدد العيادة والزيارة، وفي كل مرة يصف له نوعا حديثا وصنفا جديدا من ~~المركبات التي يعظم ثمنها بمقدار ما يقل نفعها، وينفسح له بذلك طريق للكسب ~~والربح فوق أجر العيادات يرصده له الصيدلي في دفتر شركتهما؛ ليقاسمه أرباح ~~تلك الأثمان الفادحة لتلك الأدوية المتكررة، فيضرب الطبيب في صناعته ~~بقدحين، ويصيب في الكسب بسهمين، بعد أن يملأ جوف العليل من كل دواء ضار، ~~ويخلي كيسه من كل فضة ونضار. ومن أولئك الأطباء من يجعل همه منصرفا إلى ~~الإبداع والتفنن، في وجوه التزيي والتزين، ويسلك سبيل التصنع والتكلف، في ~~أبواب التظرف والتلطف، ثم يتفنن ما استطاع في حسن المحاضرة، ويتعمد رقة ~~الحديث والمسامرة، ويتقلب في أساليب المؤانسة ms084 والمجاملة، وأفانين المغامزة ~~والمغازلة، ليقيم له بين النساء بضاعة رائجة، وسوقا رابحة فيحل من أهل ~~الحرم محل الجليس المحبوب، والأنيس المطلوب، وينزل من ربات الخدور، بمنزلة ~~المحب المكرم، ويكون بين مقصورات القصور، أكرم زائر في أرحب منزل، والنساء ~~لا يعدمن العلات، على العلات، ولا تعوزهن العلل، في اختراع العلل، لا سيما ~~إن كانت دعوى المرض، تدني من نيل الغرض، فيكون للطبيب بينهن زيارات ~~وعيادات، وروحات وغدوات، والطبيب كما يعلم الناس مؤتمن الجانب، يؤتمن فوق ~~الأهل والأقارب، تفتح أمامه الأبواب، ويكشف من دونه الحجاب، فترى له زيارات ~~بين كل صباح ومساء، تكتب له بوافر الأجر وسوء الجزاء: بوافر الأجر في دفتر ~~حسابه، وبسوء الجزاء يوم عرضه وحسابه، ومنهم من يتطلع إلى ما فوق ذلك فيطمع ~~في ثروة البيت بأكملها وفي حيازة الأموال بأجمعها، فيديم التردد ويوالي ~~العشرة ويحكم الصلة ويلحم الخلطة، حتى إذا تأربت عقدة الحبل تم الاتفاق ~~بينه وبين ربة البيت وصاحبة المتاع على التأهل بها، لا التفات هناك إلى ~~تفاوت الأقدار ولا عناية بوجود الكفاءة، فتصبح له حليلة بعد أن كانت خليلة، ~~وينتهي ما كان من أمر الداء والعلاج، بما تم من أمر العقد والزواج.**عيسى ~~بن هشام****: **الآن تبين لي ما كان علي غامضا واتضح ما كان مبهما من أمر ~~الطبيبين اللذين كانا يعالجان الباشا في كثرة الزيارة وقلة نفع الدواء، ~~وشدة التدقيق في تعيين الصيدلية، وطول استراق النظر لما وراء ~~الحجاب.**الطبيب****: **أجل، هذا هو حال بعض الأطباء، مع الأعلاء وأشباه ~~الأعلاء، فأما حالهم مع الأصحاء وذوي السلامة من بعض الخلق فهو أعجب وأغرب، ~~وما يعزب عنك أن كثيرا من المولعين بسوء التقليد للغربيين والمتهالكين على ~~حب التظاهر بمظهر الرفه والترف، يتغالون في الاحتياط لأبدانهم ويبالغون في ~~التوقي لأجسامهم، فينمو فيهم وسواس المرض والسقم، فتراهم يتوجسون من كل ~~أكلة شرا، ويتوقعون من كل شربة ضرا، ويتخيلون أن في كل لقمة تخمة، وفي كل ~~جرعة غصة، فلا يتناولون قدحا من الماء، أو يستنشقون نفسا من الهواء، إلا ~~وفي اعتقادهم أنه ms085 لا يخلو من كل هامة سامة، أو جرثومة ضارة، ولا يزالون على ~~هذه الحال حتى يمتنعوا عما فيه صلاح أبدانهم من المأكل والمشرب، ويبعدوا ما ~~استطاعوا في طرق الحمية من غير علة ولا داء فيبدلوا الماء الزلال بالماء ~~المعدني، ويهجروا الأغذية المناسبة لتركيب الجسم، وقوام البدن إلى الأطعمة ~~الغريبة عن أذواقهم المنافرة لنسيج أبدانهم، فيضطرب نظام التركيب وتضعف ~~البنية، ويصبح كل واحد منهم جازما بأن به داء دفينا وما به من داء، وعلة ~~كامنة وما به من علة، فيشكو أمره إلى الطبيب فيكون الطبيب حينئذ أسرع من ~~وهمه وخياله في اختلاق علة له واختراع مرض دون أن يفحص أمره أو يبلو خبره، ~~فينزل به ما ينزل من بوائق الخوف والفزع، ويوالي عليه الطبيب ما يوالي من ~~صنوف الخلاصات المعدنية والجواهر السامة والمركبات الحادة، فيترصف على ~~مائدته من ألوان العلاج والدواء أضعاف ما يترصص عليها من ألوان الطعام ~~والغذاء، ويتقيد المسكين بمعيشة لا تناسب غريزة البنية ولا فطرة المولد ولا ~~طبيعة الإقليم، ولا توافق إلا من جمدت عروق آبائه تحت جليد لوندرة، لا من ~~ذابت مفاصل أجداده تحت هجير القاهرة، فلا يلبث أن يأتي على ما بقي في الجسم ~~من قوة، وما في البدن من صحة، ويعيش إن عاش في يد الطبيب حيا كميت، ويكون ~~بين الأموات والأحياء، لا من هؤلاء ولا من هؤلاء، إلى أن يلحد في لحده، ~~شهيد طبيبه وقتيل يده، وهناك يخلق بأهله أن يكتبوا بنجيع الدمع لا بسواد ~~المداد، ما كتب على قبر عظيم من قدماء القواد: «لم تمتني قوة الأعداء، ~~وإنما أهلكتني قوة الأطباء.» ولقد سرى هذا البلاء فينا مسرى العادة فأصبحنا ~~لا نرى في جمهور من نراهم من المترفين المقلدين إلا شاكيا من ألم أو متألما ~~من مرض، فراجت سوق الطب وعظم عدد الأطباء وغدت حوانيت الصيادلة في الأسواق ~~أكثر عددا من حوانيت الخبازين والقصابين، وصار من متاع البيت وجهاز العروس ~~صناديق الدواء وآنية العلاج، وقل أن تجد اليوم بيتا خاليا من مريض ولا ~~مجلسا ms086 ليس فيه من سقيم.**عيسى بن هشام****: **كأنك تحاول أيها الطبيب الآسي ~~أن تقنعنا بقوة البرهان، وجلي البيان أن لا فائدة من الطب ولا منفعة في ~~الأطباء.**الطبيب****: **حاشا لمثلك أن يشتبه عليه القصد أو أن يذهب بقولي ~~خلاف مذهبه، وما قصدت بكلامي هذا كله إلا أن أظهر عيب بعض الأطباء في ~~ممارسة صناعتهم دون التعرض لصناعة الطب في ذاتها، على أنه يمكنني أن أضيف ~~إلى ما قلته ما قد قيل من قبل، وهو أن العلم علمان: علم تستنير به البصائر ~~وتهتدي به العقول فهو جميل الأثر، محمود الورد والصدر، وعلم تصدأ منه ~~الأفهام، وتضل به الأحلام، فهو وبي المرعي، سيئ العقبى، وكذلك الطب طبان: ~~طب يصحح الأجسام، ويشفي الأسقام، فهو عظيم النفع جليل القدر، وطب يورث ~~الأمراض ويولد الأدواء فهو شديد الوطء عظيم الضر، ومدار الأمر كله على حسن ~~الاهتداء للتمييز بين النافع والضار والتفريق بين الطيب والخبيث، ولا ~~تتوهمن أيضا أنني أتناول بكلامي جماعة الأطباء قاطبة، فإن فيهم الصالح كما ~~أن فيهم الطالح، ولكنني أعني من بينهم أولئك الذين يطلبون مجرد الربح من ~~مباشرة الصناعة مع الجهل بها، أو يتعمدون الحيل وينصبون الأشراك حتى يعتل ~~جسم الصحيح ويزمن مرض المريض ليكون لهم من وراء ذلك ما يسد بعض شرههم في ~~الغنى واليسار، وما أولى سائر الناس بأن يثبتوا بينهم عادة أهل الصين في ~~معاملة مثل هؤلاء الأطباء، وذلك أنهم يجرون على أطبائهم العطاء ما داموا ~~أصحاء، فإذا نزل بأحدهم المرض انقطع العطاء عن الطبيب حتى يعود المريض إلى ~~سلامته، فيكون من مصلحة الأطباء على الدوام أن تطول مدة السلامة وتقصر مدة ~~العلة، على خلاف الحال بيننا. وما ينبغي أن ينصرف شيء مما قلته إلى بقية ~~أهل الصناعة من ذوي الحذق والأمانة الذين يوفون الصناعة حقها، ويؤدون ~~الواجب عليهم فيها حق أدائه، والذين يراعون في ممارستها ما يكون من تفاوت ~~الأحوال في العلل والأمراض، وما تقضي به أحكام البلاد والعادات واختلاف ~~الأمزجة والطبائع، والذين يجعلون لأنفسهم من حسن تبصرتهم وكثرة تجربتهم ms087 عدة ~~حاضرة لمقاومة الأمراض وصحة تشخيص الأدواء ولطف تناسب العلاج وحسن الإرشاد ~~لرفع الوسواس ودفع الخيال، وما يجري هذا المجرى من استعمال ما يليق بأهل ~~الإقليم الحار مما لا يليق إلا بأهل الإقليم البارد، واجتناب ما لا يوافق ~~أمزجة أهل البلاد الشرقية من المركبات المجهزة لطبائع أهل البلاد الغربية، ~~ولقد طالما سمعت عن أشياخي في الصناعة أنه يجب على الطبيب في مصر أن يختار ~~ما يكون من الأدوية وغيرها ألين قوة حتى لا يكون على طبيعة المصريين فيها ~~كلفة، ولا يلحق أبدانهم منها مضرة، وأن لا يقدم على كل الأدوية المسطرة في ~~كتب أهل الغرب، فإن أكثرها عملت لأبدان قوية البنية عظيمة الأخلاط على خلاف ~~المعهود في أهل مصر، فيتعين على الطيبب حينئذ أن يتوقف في إعطاء هذه ~~الأدوية للمرضى، ويختار ألينها وينقص من مقدار تركيبها، ويبدل كثيرا منها ~~بما يقوم مقامه ويكون ألين منه، وأن لا يهمل الاعتماد على الأدوية الطبيعية ~~وهي البسائط واللين والحمية والفصد والاستحمام والرياضة والهواء، وأن يكون ~~على الجملة مولعا بلذة الصناعة في ذاتها لا يعادلها لديه سواها من سائر ~~اللذات، ممتلئ النفس بجلال قدرها وشرف منزلتها من بين الصناعات والفنون، ~~فتعظم عنده نفسه ويشرف في عينه قدره، فيترفع عن سفالة الطمع وحطة الشره ~~ويزهد في نيل الغنى من طريق التحايل على اقتنائه من وراء هذه الصناعة ~~الجليلة، وكيف تزدهيه لذات العالم أجمع من مال وجاه أو زخرف ومتاع في جانب ~~لذة الإتقان في الصنعة والإحسان في العمل، وأية رتبة من مراتب الخلق تماثل ~~رتبة الطبيب العامل، وهو القيم على قوام الأبدان والكفيل بصحة الأجسام ~~والرقيب على اعتدال الأمزجة والمشرف على سلامة الجوارح، لا بل أية صناعة في ~~الوجود تفضل صناعته وهي أمس الصناعات بخلقة الصانع الفاطر وتكوين المبدع ~~القادر. وإذا كان قد بلغ عجب الصناعة بأحد النحاتين المصورين في الزمن ~~السابق لما ازدهاه جمال الإتقان والأحكام في صورة إنسان نحتها من المرمر أن ~~استخفه الطرب واستفزته لذة الصنعة، فعمي عليه فأنحى على التمثال بمنحاته، ms088 ~~يثيره على نطق اللسان بعد أن أحكمت فيه خلقة الإنسان، ويكلف الجماد، وقد ~~أتقنت فيه الصنعة، أن يخرج من الجمود إلى الحركة، حتى أطار عنه بعض أجزائه ~~وبقي التمثال قائما إلى اليوم يفصح بما فيه من التلف عن نهاية الكمال في ~~جمال الإتقان ومقدار لذة الإحسان في عمل الإنسان، فما بالك بلذة الطبيب ~~ومقدار طربه في صناعته إذا هو شاهد أجسام الأحياء أمامه، وقد استخلصها من ~~شوائب الأمراض واستنقذها من آفات العاهات، وردها إلى سواء التكوين، وأعاد ~~نظام الخلقة إلى أصله وانتساق التركيب إلى شكله، فهل يجوز في العقل لمن ~~يدرك كنه هذه الصناعة من الأطباء أن يرغب عن تلك الدرجة الرفيعة إلى الدرجة ~~الوضيعة، فينزل بصناعته إلى مصاف أهل التجارة والسلع لا يفقه فيها من معنى ~~سوى اصطياد الدرهم، ولا يعلم لها من مزية سوى الاحتيال على اكتساب الأموال، ~~لا جرم أن الطبيب المدرك يفضل لذة صناعته في ذاتها على كل لذة، ويسلو عندها ~~أعظم مزية في العالم وأعلى رتبة، وفصل الخطاب، في هذا الباب، أن يكون مبلغ ~~همته، ومجمع لذته، أن يرى المريض بعد شفائه، بوجه لامع كالدينار، لا أن ~~يراه في طول شقائه، بنظر طامع في درهم أو دينار. # قال عيسى بن هشام: فأعجبني من هذا الطبيب صدقه في مقالته، وحسن نظره في ~~صناعته، وسألت الله لجماعة الأطباء، أن يهتدوا مثل هذا الاهتداء، ثم إني ~~ودعته بعد أن عين لنا البقعة المناسبة لتبديل الهواء، وقرر ما يناسب حال ~~المريض من العلاج والغذاء، إلى أن يتدرج من النقاهة إلى تمام الشفاء. ### | الطاعون # قال عيسى بن هشام: فطاوعنا القدر، وعزمنا السفر، التماسا لبرء الداء، ~~بتبديل الهواء، ونزلنا من ضواحي الإسكندرية قصرا ذا روضة غناء في بقعة ~~فيحاء، لا تسمع فيها إلا هديل الورقاء، إيقاعا على هدير الماء، فإذا بلل ~~الموج جناح النسيم، فرفرف على ذلك الروض البسيم، نثر الماء درا على تيجان ~~الزهر، ورقرقه دموعا في أحداق العبهر،[1] هناك يتمنى العاشق لو استعار هذي ~~الدموع لمحاجره، فيستلين بها قلب ms089 شاجيه وهاجره، وتود الغانية لو نظمت من ~~ذلك الدر عقدا لنحرها، أو نطاقا لخصرها: # إن هذا المكان شيء عجيب %~% تضحك الأرض من بكاء السماء # ذهب حيث ما ذهبنا ودر %~% حيث درنا وفضة في الفضاء # أو قل: إنه المجرة قامت فيه زواهر الزهر، مقام الكواكب الزهر، وعناقيد ~~الكروم، مقام ثريا النجوم، وأنوار الأثمار، مقام الشموس والأقمار، فأقمنا ~~في ذلك الظل الوريف، مدة من أيام الخريف، ومكثنا نقطف القطوف الدانية، بين ~~تلك الأعين الجارية، في عيشة راضية، لا تسمع فيها لاغية، آخذين بمستن ~~النحيزة،[2] ومجتن الغريزة، فيما يوافق صحة البدن من طعام شهي، وغذاء مري، ~~ورياضة للأعضاء، دون تعب أو شقاء، وتطهير للنفس من أدران الكدر، بلطف البحث ~~وحسن النظر، وتجريد للصدر من عوامل الهواجس، وغوائل الوساوس، بالتبصر في ~~حقائق الوجود، والتمعن في صنعة الخالق المعبود، وأفضت بصاحبي طيب هذه ~~الإقامة، إلى المقصود من تمام العافية والسلامة، لولا أن راعنا شيطان من ~~الإنس بخبر الطاعون، فقلنا: إنا لله وإنا إليه راجعون، وسبحان الله والحمد ~~لله ما زلنا نعلل النفس، بزوال النحس والنكس، وما زالت تناوبنا النوائب ~~والأحزان، وتراوحنا النوازل في كل منزل ومكان، وانبرى الباشا يسألني عن هذا ~~الطاعون وأخباره، وما يتوقعه من هول أفعاله وآثاره، فأجبته بأنه لا يلبث أن ~~يصبح أثرا بعد عين، وما أصاب إلى اليوم إلا عدد أصابع اليدين، وقريبا يفر ~~من أمامنا هذا العدو المناجز، ونردد في أثره قول الراجز: # قد رفع الله رماح الجن %~% وأذهب التعذيب والتجني **الباشا****: **كيف تدعي ذلك وتزعمه، وما عهدت منك إخفاء للحقائق ولا ~~تمويها للوقائع، وللطاعون في مصر أفاعيل تذوب لها المآقي والأحداق وتتفطر ~~منها القلوب والأكباد، وهو عندنا من أمراض مصر الموضعية التي تحدث عند ~~اختلاف الفصول، والمصريون يتوقعونه لكل ربيع حتى أطلقوا عليه كلمة «الفصل»، ~~فيقولون: جاء «الفصل» عند ظهور الطاعون، فترتاع النفوس وتنخلع القلوب وتخور ~~القوى وتذهل العقول، ثم يصول صولته ويفتك فتكته فلا يقف سيله عند حاجز، ولا ~~يمنع اندفاعه مانع، ولا تغيض قرارته حتى يخرب القصور، ms090 ويعمر القبور، فتصبح ~~الأطفال يتامى، والنساء أيامى، ويمسي الخلق بين ثاكل ومثكول، وحامل ومحمول: ~~هذا يبكي أباه، وذاك يندب أخاه، وهذه تولول على أهلها، وتلك تنوح على ~~بعلها، وقد سمعت عنه في زماني عن أحد المعمرين يقول في وصفه عند وقوعه في ~~سنة 1205: # ابتدأ الطاعون في شهر رجب سنة 1205 وداخل الناس منه وهم عظيم، واشتد بطشه ~~وقوي بأسه في رجب وشعبان، ومات به من لا يحصى من الأطفال والشبان والجواري ~~والعبيد والمماليك والأجناد والكشاف والأمراء، ومات من الصناجق أمراء ~~الألوف اثنا عشر صنجقا منهم إسماعيل بك الكبير، وقد أفنى عسكر القليونجية ~~والأرنؤوط المقيمين بمصر القديمة وبولاق والجيزة، وكانوا لكثرة الموتى ~~يحفرون حفرا بالجيزة بالقرب من مسجد أبي هريرة ويلقونهم فيها، وكان يخرج من ~~بيت الأمير في الجنازة الواحدة الخمسة والستة والعشرة، وازدحم الناس على ~~الحوانيت يلتمسون ما يجهزون به موتاهم ويطلبون من يحملون النعوش فلا ~~يجدونهم، ويقف الناس يتشاحنون ويتضاربون على ذلك، ولم يبق للناس شغل إلا ~~الموت وأسبابه، فلا تجد إلا مريضا أو ميتا أو عائدا أو معزيا أو مشيعا أو ~~راجعا من صلاة جنازة أو دفن أو مشغولا بتجهيز ميت أو باكيا على نفسه ~~موهوما، ولا تنقطع صلاة الجنازة من المساجد والمصليات، ولا تقام الصلاة إلا ~~على أربعة أو خمسة، وندر من يصاب ولا يموت، وقل ظهور الطعن على الجسم فيكون ~~الإنسان جالسا فيرتعش من البرد فيتدثر، فلا يفيق إلا مخلطا أو يموت في غده ~~إن لم يمت في نهاره، واستمر فتكه إلى أوائل رمضان، فمات الأغا والوالي في ~~أثناء ذلك فولوا خلافهما فماتا بعد ثلاثة أيام فولوا خلافهما أيضا. واتفق ~~أن الميراث انتقل ثلاث مرات في سبعة أيام، وأغلق بالمفتاح بيت أمير كان فيه ~~مائة وعشرون نفسا فماتوا جميعا. # **عيسى بن هشام****: **إني لأظنك تصف لي موقفا شاهدته من مواقف الآخرة ~~وأهوال القيامة.**الباشا****: **وما كان الأمر ليقتصر في الطاعون بعد ذلك ~~على فتكه، بل كان يزيد عليه من البلاء ما دسه الإفرنج للولاة من وجوب إزعاج ms091 ~~الناس بأمور تشق على نفوسهم يزعمون أنها تدفع الطاعون، فيفصلون بين الناس ~~بعضهم عن بعض، ويفرقون بين الأب وابنه والأخ وأخيه والمرء وزوجه، ثم يهدمون ~~الدور ويحرقون الثياب وينشرون البخور كأنهم لجهلهم يظنون أن هذه الأعمال ~~التي تؤذي النفوس وتعطل مصالح العباد تشتت شمل الجن، وتكسر أسنة رماحهم، ~~فيزداد الناس ويلا على ويل وحزنا على حزن وخرابا فوق خراب، وقد شاهدت بعيني ~~ما تشيب له النواصي في سنة 1260، وقص علي أخي ما رآه منه في سنة 1228 وهو ~~في خدمة المرحوم محمد علي باشا الكبير، قال: # أمر جنتمكان محمد علي بعمل «كور نتيله» بالجيزة في اليوم العاشر من ربيع ~~الثاني وعزم على الإقامة بها؛ إذ اشتد عليه الوهم من الطاعون لوقوع القليل ~~من الإصابات بمصر، ومات به الطبيب الفرنسي وبعض من نصارى الأروام، وهم ~~يعتقدون صحة الكور نتيله وأنها تمنع الطاعون، وقاضي الشريعة الذي هو قاضي ~~العسكر يحقق قولهم ويسير على مذهبهم، واتفق أن مات بالطاعون شخص بالمحكمة ~~من أتباع القاضي، فأمر بحرق ثيابه وغسل المكان الذي فيه وتبخيره بالأبخرة ~~المتنوعة، وكذلك الأواني التي كان يمسها وأمروا أصحاب الشرطة أنهم يأمرون ~~الناس وأصحاب الأسواق بالكنس والرش والتنظيف ونشر الثياب في كل وقت، وإذا ~~وردت عليهم مكاتبات خرقوها بالسكاكين ودخنوها بالبخور قبل تسليمها إليهم، ~~ولما عزم الباشا على كور نتيله الجيزة أمر في ذلك اليوم أن ينادوا بها على ~~سكانها بأن من كان يملك قوته وقوت عياله ستين يوما، واختار الإقامة فليمكث ~~بالبلدة، وإلا فليخرج منها ويذهب فيسكن حيث أراد، وأعطوا مهلة أربع ساعات، ~~فانزعج سكان الجيزة وخرج من خرج، وأقام منهم من أقام، وكان ذلك في وقت ~~الحصاد وللناس مزارع ومرافق مع مجاوريهم من أهل القرى، ولا يخفى احتياج ~~الإنسان لبيته وأهله وعياله وأسباب رزقه، فيحرمونه من ذلك كله حتى لقد سدوا ~~خروق السور والأبواب، ومنعوا مراكب المعادي من السير، وأقام الباشا في بيت ~~الأزبكية لا يجتمع بأحد من الناس إلا يوم الجمعة، ثم قصد الجيزة وقت الفجر ~~من ذلك ms092 اليوم وصعد إلى قصره، ووقف مركبين الأولى ببر الجيزة والأخرى في ~~مقابلتها ببر مصر القديمة، فإذا أرسل الكتخدا أو المعلم غالي مراسلة ناولها ~~المرسل للمقيد بذلك في طرف مزراق بعد تبخير الورقة بالشيح واللبان ~~والكبريت، فيتناولها منه الآخر بمزراق آخر على بعد منهما ويعود راجعا، فإذا ~~قرب من البر تناولها المنتظر له أيضا بمزراق وغمسها في الخل وبخرها بالبخور ~~المذكور، ثم يوصلها إلى حضرة المشار إليه بكيفية أخرى، وأقام الباشا على ~~ذلك أياما، وسافر إلى الفيوم ثم عاد وأرسل مماليكه ومن يخاف عليه الموت إلى أسيوط. # **عيسى بن هشام****: **اعلم أن ما كان يعترض عليه عامة الناس في الأزمان ~~الغابرة - ولا يزال بيننا إلى اليوم بقية منهم - من الأخذ بأسباب التوقي ~~والاحتياط لدفع غائلة الطاعون لجهلهم بحقيقته وأسباب انتشاره هو الذي ~~يحمينا اليوم من فتكاته وسطواته التي قصصت علي طرفا منها، وقد كان جمهور ~~الناس في أزمانكم ينكرون هذه الوقاية ويسخرون منها.**الباشا****: **قل لي ~~بالله أية علاقة بين إحراق الثياب، وتلك الوخزة التي تأتي بالأجل، وأي ~~ارتباط بين هذا البخور وحمى الطاعون، اللهم إلا أن يراد به تلطيف أمزجة ~~الجن.**عيسى بن هشام****: **لا يفوتنك أن كثيرا من الحقائق كانت مكنونة في ~~خفاء الجهل عند عامة الناس لاختصاص بعض الأفراد بالعلم، ولبعد تناوله على ~~بقية الطبقات، فلما انتشر العلم وأضاء برهانه كشف للناس ما كان مكنونا ~~عنهم، وأظهر من العلل والأسباب ما كانت تقف دونه الأفكار حيرى، فإن كان ~~الناس في زمانكم يعتقدون أن الطاعون من وخزات الجن برماحها، وأن لا شيء ~~يقوى على رد تلك الرماح الخفية عن العيون، فإن البحث أوصلهم اليوم إلى ~~اليقين بأن للطاعون جنودا لا تدركها العيون المجردة، وأن لها وخزا خفيا ~~دونه وخز الأسنة وعوالي المران،[3] ولكنهم استعانوا بالعلم فصنعوا آلة تجسم ~~الأشياء الدقيقة وتعظمها، وتبرزها مرئية للعين فوقفوا بها على حقيقة تلك ~~الجنود، واستنبطوا طرق الوقاية منها فتدرعوا بها لدفع أذاها ورفع ~~غائلتها.**الباشا****: **وماذا تجدي الوقاية والحذر من القضاء ~~والقدر؟**عيسى بن هشام****: **حفظت شيئا ms093 وغابت عنك أشياء، إن الوقاية من ~~السنة الشريفة وأحكام الدين المبين فقد ظاهر - عليه الصلاة والسلام - في ~~الحرب بين درعين، وقال الله تعالى: @QUR@06 وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ، ~~ولطرق الوقاية اليوم أنواع مختلفة لدفع هذا العدو الخفي الذي يسمونه ~~«الميكروب» وهو دويبة دقيقة من عالم الذر ينطبق عليها أحد أوصاف الجن في ~~سرعة التولد وكثرة التعدد في أيسر مدة من الزمن، وهم يتخذون البخور في ~~الوقاية؛ لينحل تركيبه ويحرقون الثياب والأمتعة حتى لا ينتقل بها ~~عدواه.**الباشا****: **لقد كشفت لي معنى دقيقا في رماح الجن المسمومة ما ~~كنت إخال أن أحدا يدركه في عصرنا الماضي، وهل لك في أن تطلعني على تلك ~~الآلة العجيبة المجسمة للأشياء الدقيقة لأزداد تبصرة وهدى بالنظر في عجائب ~~المخلوقات؟ # قال عيسى بن هشام: فذهبت إلى معمل كيميائي وأريته نقطة من الماء تحت ~~«المكروسكوب»، فلما رآها كأنها غدير ورأى ألوف الألوف من الهوام سابحة فيها ~~سجد سجدة التقديس لقدرة الخالق والتمجيد لعظمة الصانع، وتلا قوله عز من ~~قائل: @QUR@06 وما يعلم جنود ربك إلا هو فحمدت الله؛ إذ آمن بالبرهان ~~الساطع، ولم يفعل ما فعله ذلك الهندي مع العالم الألماني حيث أراه مثل هذه ~~النقطة وما فيها من الحيوانات؛ ليقنعه بأن ماء الشرب مشحون بما يحرم أهل ~~الهند قتله وأكله من الحيوانات، فسخر الهندي منه وكسر الآلة إصرارا على ~~الباطل وعنادا للحق، ولما أيقن الباشا بصدق ما قلته وما رآه، وأن العلم هزم ~~جنود الطاعون وحطم رماحه ولولاه لمات به اليوم مئات الألوف مكان العشرات ~~سألني يقول: # **الباشا****: **ومن المخترع لهذه الآلة التي تدل بغير واسطة على عظمة ~~الخالق وقدرة الصانع من مشايخ الموحدين وعلماء الدين؟ وفي أية بقعة من بقاع ~~المسلمين كان مولده لنردد الثناء عليه ونذكر اسمه بالحمد؟**عيسى بن ~~هشام****: **أقسم لك بالله وملائكته وكتبه أن أكثر مشايخنا لا علم لهم بها، ~~وأنهم لا يزالون كالعهد بهم في معزل عن هذه العلوم النافعة والمخترعات ~~المفيدة، وما نشط لرؤيتها أحد منهم، وهم إلى اليوم ينفرون من ms094 الأخذ بوجوه ~~الوقاية ويفضلون التعرض لنيران البنادق في معارضتهم لأوامر الحكومة دون ~~الإذعان لوجوب الاحتياط من هذه الحيوانات الدقيقة، ولا يعرفون منها إلا ما ~~نخر كتبهم من الأرضة.**الباشا****: **ومع هذا كله فلا مقام لنا اليوم في ~~هذه البلدة التي أصيبت بالداء، وقد وجب علينا الفرار من قدر الله إلى قدر ~~الله، فعد بنا إلى مصر إن شاء الله آمنين. # قال عيسى بن هشام: فأجبته إلى سؤاله وقفلنا إلى القاهرة، بعد أن ودعنا ~~تلك المناظر الباهرة. ### | الوباء # قال عيسى بن هشام: وأقمنا في مصر مدة وقد أبل الباشا من علته وسقمه، وتمت ~~له العافية والسلامة في جسمه، فأخذت أهنئه ذات يوم بالشفاء والإبلال، من ~~المرض والاعتلال، وأذكر له أن صحة الأبدان، هي ملاك السعادة للإنسان، وأنك ~~لو جمعت نعم العالم كلها للمريض، من مال واسع وجاه عريض لانصرفت نفسه عنها ~~انصراف الضب عن الماء، والأرمد عن الضياء والممعود عن شهي الغذاء،[1] وأن ~~خاتم الياقوت في الإصبع التي أصيبت بدمل، لا يساوي عند صاحبه حبة من خردل، ~~وأن ما اجتمع في سرير الملك من العزة والبأس، ليهون عند مفقور الظهر أو ~~مصدوع الرأس: # ومن يك ذا فم مر مريض %~% يجد مرا به الماء الزلالا # وكنت كلما زدته من هذه الموعظة والحكمة، أراه قد زاد في الإعراض عن شكر ~~تلك النعمة، فتحققت أن المرء إنما يذكر النعيم في البؤس ولا يذكر البؤس في ~~النعيم، وينسى المرض في الصحة ولا يذكر الصحة إلا وهو سقيم، وقل من يحمد ~~النعماء في لبسها، ويدرك سعادة الحياة إلا في نحسها، فهذا معنى من معاني ~~الآية الشريفة: @QUR@021 وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو ~~قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه ، فسألته عما دهاه ~~وأذهله عن شكر الله، فأجابني يقول، في حال الخبل والذهول: # **الباشا****: **فيم الهناء بكشف البلاء والضرر، وما انتقلت من خطر إلا إلى خطر؟ # فإن أسلم فما أبقى ولكن %~% سلمت من الحمام إلى الحمام ألم تسمع معي بخبر ms095 انتشار الوباء في مصر بعد أن خلفنا الطاعون في ~~الإسكندرية، فما هذه الرزايا المتساقطة، وما هذه البلايا المتلاحقة، أوكلما ~~انتهينا من بلاء دخلنا في بلاء، وانصرفنا من شقاء إلى شقاء؟!**عيسى بن ~~هشام****: **أراك لا تزال كأمثالك من سائر الناس، يغلب عليك الفزع ~~والوسواس، وإن كنت جربت في هذه الحياة شدة الألم وذقت في القبر راحة العدم، ~~وأن ما كنت تتمناه على دهرك من الرجوع إلى قبرك، عند اشتداد الكروب، من وقع ~~الخطوب، لم يكن لشجاعة في النفس، تستهين بسكنى الرمس، بل كان لضعفك عن ~~احتمال الآلام، من نوازل الأيام، وأراك لا تزال مع صحة الدين، وقوة اليقين، ~~ترهب الموت وتخشاه، وتعتورك الأهوال من ذكراه، وهذا داء في الناس قديم، عز ~~شفاؤه على كل مرشد وحكيم: # وخوف الردى آوى إلى الكهف أهله %~% وعلم نوحا وابنه عمل السفن # وما استعذبته روح موسى وآدم %~% وقد وعدا من بعده جنتي عدن ولكنني لا أزيدك في الموعظة ولا أخفف عنك من ويلات الهواجس والوساوس بأحسن ~~من أن أقرأ عليك مقالة نافعة اطلعت عليها اليوم في بيان أحوال الناس، ~~وتقسيم طبقاتهم في أهوال هذا الوباء، فإن أردت تلوتها عليك، ثم ضع نفسك ~~بعدها حيث شئت.**الباشا****: **هات أسمعني لا زلت للحق راويا، وللهدى ~~داعيا.**عيسى بن هشام** (قارئا)**: **«إنما النوازل العظيمة والخطوب ~~الجسيمة محك الطباع ومسبار الأخلاق، فهي لشدتها وهولها تكشف عن الناس ما ~~يخفونه عن الناس، وتهتك سجوف التمويه والتزويق عن حقائق الصفات، فلا تتمالك ~~النفوس أن تبقى على التظاهر بما ليس فيها، ولا التطاول بما هو مفقود لديها، ~~بل تتجلى للناظر بما اشتملت عليه ضمائرها واحتوته سرائرها من قوة أو ضعف ~~ومن فضيلة أو نقيصة ومن علم أو جهل، وهنا يتمكن الباحث في الأخلاق من النظر ~~فيها نظرة التثبت والتحقق وهي مجردة أمامه من كل غشاء، عارية من كل غطاء». ~~«وليس في باب النوازل والخطوب ما يهول النفوس ويروع القلوب أعظم ولا أكبر ~~من مصيبة الموت وبلاء هذا الوباء؛ فلذلك لا نرى بأسا من الكلام بشيء ms096 عما ~~يجده المستقرئ لأحوال الناس من طبقات المصريين وهم بين أيدي هذه النازلة ~~العظمى والمحنة الكبرى». «فطبقة العامة أناس جبلوا في مثل هذه النوازل ~~العامة على التسليم لأحكام القضاء وتفويض الأمر لأقدار السماء، وهم لا ~~يعلمون من أمر الوباء، ما جراثيم الداء، ولا علة المرض والشفاء، ولا سبب ~~الهلاك والنجاء، وليس في قدرة قادر من البشر أن يزحزحهم عن اعتقادهم أو ~~يحولهم عن يقينهم، ولا في استطاعة أحد من أبلغ الوعاظ وأفصح الخطباء أن يضع ~~في رءوسهم أن الوقاية تمنع من المقدور، وأن الحذر ينجي من المكتوب، وأن طب ~~الأطباء يؤجل في الأجل المحدود، وأن صنوف الدواء تنفع في رد القضاء ~~المحتوم، وهم يرون كل ما يؤمرون به من وسائل الوقاية وأسباب الحيطة أمورا ~~تضر ولا تنفع فلا تزيد في عمرهم ساعة، ولا تكف عنهم غرب المنون، ولا تفيض ~~دونهم يد قابض الأرواح، فهم بمعزل عن الخوف والهلع، وفي أمان من الذعر ~~والفزع، وفي ضمان من الوسواس والهواجس، وإن كانوا مقيمين في غفلة عما يجب ~~عليهم لأنفسهم من المحافظة على صحة الأبدان، وتعهد الأجسام بما يدرأ عنها ~~الاستعداد لقبول الداء والوقوع في مخالب الوباء؛ لبعدهم عن فهم قوله عليه ~~الصلاة والسلام: «اعقلها وتوكل.» لكنهم لا يزالون على كل حال في صحة من ~~الأرواح وإن أعوزتهم صحة الأبدان». «وطبقة الخاصة ونعني بهم أهل الدين ~~واليقين، وهم الذين يعتمدون أيضا على التسليم لأحكام القضاء وحسن الاعتقاد ~~بتحديد الآجال، والإيمان بأنه لن ينالهم إلا ما قدره الله لهم، ولا تفتأ ~~تجري ألسنتهم في مثل هذه الأهوال بتلاوة الآيات البينات من كتاب الله: ~~و@QUR@03 لكل أجل كتاب ؛ @QUR@09 فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون ؛ @QUR@09 أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة ؛ ~~@QUR@08 قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم تعالى الله أحكم ~~القائلين، وهم الذين يعلمون علم اليقين أن الموت أمر واقع لا مرد منه، وأن ~~الإنسان عرضة له في كل وقت ولحظة، وأن طعمه واحد، سواء أكان بمرض الوباء أو ~~صواعق ms097 السماء، أو زلازل الأرض، أو كان بغصة شراب أو عثرة قدم أو لسعة حشرة، ~~وأن نفس المرء خطاه إلى أجله فعليه أن ينتظر ساعته في كل حركة وسكون، وعند ~~كل قيام وقعود: # وما نفس إلا يباعد مولدا %~% ويدني المنايا للنفوس فتقرب وهم يعتقدون حق الاعتقاد أن الحي حي للفناء، وأنه مقيم من دنياه أبدا في ~~أرض وباء، وإن لم يكن ثم وباء. # ما خص مصرا وباء وحدها %~% بل كائن في كل مصر وبأ وأن من فر من المقدور فعلى المقدور نزل، ومن هرب من القضاء فإلى القضاء رحل. # مهلا أمن وبأ فررت وهل ترى %~% في الدهر إلا منزلا موبوءا؟ وأن من حانت منيته، لم تنفعه تقيته، ومن حل أجله، لم يحمه وجله: # ومن هاب أسباب المنايا ينلنه %~% ولو رام أسباب السماء بسلم إلا أنهم مع ذلك كله لا يرون من مانع يمنعهم عن الأخذ بأسباب التقية ~~والحذر، ولا في العمل بمقتضى القوانين المندوب إليها في حفظ صحة الأبدان، ~~وما يقرره أهل صناعة الطب من سبل التوقي والتحرس اتقاء لما نهوا عنه من ~~الإلقاء بالأيدي إلى التهلكة واحتذاء لما ترسمه ظروف الأحوال وتقضي به ~~أحكام الزمان، ولا يجدون الطاعة لإشارة الأطباء في مثل هذه النوازل مما ~~يخالف لهم سنة أو يناقض لديهم شرعا، وإن لم يكن من ورائها فائدة فليس في ~~عقباها مضرة، فنراهم لذلك في أجل مقام من شجاعة القلب وقوة النفس وثبات ~~الجنان بفضل الدين واليقين، وعلى أحسن حال من سلامة الجسم وطهارة البدن ~~بفضل العلم، وحسن القيام بما يرشد إليه من وسائط الوقاية، لا سلطة للوساوس ~~والهواجس عليهم ولا محل للرعب والرهب فيهم، آمنين مطمئنين يتمتع كل واحد ~~منهم بالروح السليمة في الجسم السليم». «وهناك طبقة ثالثة حديثة النشأة ~~حديثة التربية لا من هؤلاء ولا من هؤلاء لم يرسخ الإيمان في قلوبهم، ولم ~~تتمكن التربية الدينية من نفوسهم، ولم يتأدبوا بأدب الدين، ولم يرتاحوا ~~لحسن اليقين، بل اقتصرت بضاعتهم على ما تلقوه في المدارس من العلوم الآلية ~~والفنون ms098 الصناعية دون علوم التربية النفسانية والفضائل الروحانية، وخلت ~~صدورهم من آيات الله والحكمة، قد أخذوا عن بعض الغربيين عادة التهاون ~~بالشرائع والازدراء بالإيمان، ولم يحيطوا بشيء من العلوم الموضوعة لتقويم ~~النفوس، وتطهير الطباع ومعرفة الحقائق ورياضة القلوب على التجلد والثبات ~~عند وقوع المكروه ونزول الملمات، فتجدهم قد ظهروا للناس في هذه النازلة ~~الوبائية، وانكشفوا لأهل البحث والنظر أصغر خلق الله نفوسا وأجبنهم قلوبا ~~وأكثرهم هوسا ووسواسا، وأشدهم قلقا واضطرابا وأعظمهم خوفا ورعبا وأكبرهم ~~بلاء وكربا، يتمثل لهم الموت في أعينهم على أفظع الصور وأشنع المناظر، ~~فيحاولون الفرار منه وهو ممسك بنواصيهم، ويهابون دنوه وهو آخذ بتلابيبهم، ~~حل الخوف مفاصلهم واستل الرعب نخاعهم؛ فهم يرون في كل عود نعشا لهم ويحسبون ~~كل صيحة عليهم، أولئك لا إيمان لهم يثبت أقدامهم، ولا علم لديهم يرجح ~~أحلامهم، بل هم على مثل حال المغشي عليه من الموت أو الممسوس من الشيطان ~~يتوهمون طعم الموت ومذاق الوباء في تنفس الهواء وتناول الغذاء وشرب الماء ~~وملامسة الأيدي ومخاطبة الناس، فإذا رأى المسكين منهم تلك الآلة الحدباء ~~تحمل أحد المصابين بالوباء جمد دمه وسال عرقه وخمدت أنفاسه والتوت أعصابه ~~وأمسك من بجانبه يستنجد به ويستغيث ليحميه من شر العدوى، ويدفع عنه نزول ~~البلوى، وما أشبههم في حالهم هذه من الخور والهلع والفزع والجزع إلا بمثل ~~أناس قضي عليهم بالإعدام لوقتهم فهم وقوف بين يدي الجلاد والسياف؛ إذا قدم ~~أحدهم للسيف والنطع مات الذي يليه من الخوف قبل القتل. ومنهم من اعتكف على ~~الخمر يشربها ليله ونهاره عساها تجهله كيف اطمأنت به الحال، ومنهم من يبالغ ~~ويغالي في تناول العقاقير السامة والجواهر القتالة مما وضعه الأطباء لقتل ~~الجراثيم، فهو يشربها ويستعطها ويدهن بها جسده ويغمس فيها ثيابه ويبلل بها ~~فراشه ويغسل بها آنية طعامه وشرابه، وكلما سمع بزيادة العدد في المصابين ~~زاد في مقدار ما يستعمله منها يوما بعد يوم حتى أصبحت أجسامهم مسمومة ~~وأبدانهم مهزولة وشفاههم متقلصة وعيونهم غائرة ووجوههم مغبرة وأناملهم ~~مصفرة ينطبق عليهم قوله جل ms099 وعلا: @QUR@08 ويأتيه الموت من كل مكان وما هو ~~بميت ، إذا رأيتهم حسبتهم في حال المصابين بالفعل لولا أن هؤلاء يفضلونهم ~~بالخلاص من ألم الداء براحة العدم والفناء، ولما كان الخوف والوسواس من ~~أكبر وجوه العذاب في الحياة، ومن أعظم الأسباب في رأي الأطباء لجلب الداء ~~كانوا هم أعداء أنفسهم بأنفسهم، وهم أصحاب الأرواح السقيمة، في الأجسام ~~السقيمة، لهم النكد في هذه الدنيا ولهم الخزي في الآخرة». فأين تضع نفسك ~~الشريفة أيها الباشا من هذه الطبقات؟**الباشا****: **ما أرى لي موضعا بعد - ~~إذ عاشرتني وأرشدتني - إلا في طبقة أهل الخاصة الذين يسلمون للقضاء والقدر، ~~ويعملون بالحيطة والحذر، لكنني مع ذلك أفضل الابتعاد عن ضوضاء الناس في هذا ~~الوباء وأرغب في التخلص من النظر إليهم وهم في مثل أهوال القيامة من الفزع ~~والهلع، وليس من الصواب أن نجمع بين أكدارنا وهمومنا، وبين التأثر لأكدار ~~الناس وهمومهم. # قال عيسى بن هشام: وخشيت على الباشا إن أنا تركته في هذه الحال غريق ~~أفكاره، وأسير همومه وأكداره، أن ينتويه الانتكاس ويعتريه الارتكاس،[2] ~~والنكسة بعد البلة شر أطوار العلة، فبادرت إلى طاعته، وامتثال إشارته ~~فاخترت له من ضواحي المدينة مكانا قصيا، ومسكنا مرضيا. ### | العزلة في العلم والأدب # قال عيسى بن هشام: واعتزلت بالباشا مدة من الدهر، نستملح العزلة ونستعذب ~~عليها الصبر، ونعيش فيها عيش الحكماء، من حسن الرضاء، بحسن الاكتفاء، ~~ونستروح راحة البعد عن هذا العالم وأذاه، وإغماض الجفون على قذاه، مؤتنسين ~~كل الائتناس، بالوحشة من الناس، بعد الذي شهدنا من أعمالهم ورأينا، وسمعنا ~~من أقوالهم ووعينا، وقاسينا من عشرتهم ما قاسينا: # عوى الذئب فاستأنست للذئب إذ عوى %~% وصوت إنسان فكدت أطير # إن سالمتهم حاربوك، وإن وادعتهم ناصبوك، وإن صادقتهم خانوك، وإن واثقتهم ~~كادوك، وإن خالطتهم لا تأمن الاعتداء، وإذا مازحتهم لا تعدم الافتراء، وإذا ~~طالبتهم بحق فإنك لا تسمع الصم الدعاء: # فلو خبرتهم الجوزاء خبري %~% لما طلعت مخافة أن تكادا # ولو أنك لم تخالطهم إلا في مجالس أنسهم وصفوهم، ومعاهد لعبهم ولهوهم، لم ~~تجن منها إلا ms100 كل ما يبعد وينفر، وينغص ويكدر، تدخلها إذا دخلتها مستروحا ~~مستبشرا، وتخرج عنها مستقبحا مستنكرا، فعيشتهم في كلتا الحالتين قرارة ~~معايب، ومجتمع نقائص ومثالب، ومنابت أكدار، وينابيع أضرار، ولا راحة في ~~الدنيا إلا لمن تنسك وتزهد، ولا سلامة من الخلق إلا لمن اعتزل وتوحد، وأبعد ~~الناس عن معاشرة البرايا، أقربهم إلى كرم السجايا: # بعدي عن الناس برء من سقامهم %~% وقربهم للحجى والدين أدواء # كالبيت أفرد لا إيطاء يدركه %~% ولا سناد ولا في اللفظ إقواء1 # وعكفت مع الباشا في عزلتنا أذهب به كل مذهب، وأنتقل به من مطلب إلى مطلب، ~~في مطالعة الأسفار والكتب، من تاريخ وأدب، ومن حكم متينة قويمة، وشتى علوم ~~حديثة وقديمة، أهديه من كل طرف بطرفة، وأتحفه من كل باب بتحفة، وأجتنب معه ~~ما يدعو إلى الضجر والملل، ويدني من الكد والكلل، فتارة أخوض معه عباب ~~البحار، وطورا أجتاز به سراب القفار، فنرى من يحرق في البحر مراكبه، ليحمل ~~على اقتحام المنايا كتائبه، ونسمع الشاعر في القفر يحدو بناقته، ويشبب ~~بمعشوقته، ثم لا يقعد به ذل الغرام، عن التفاخر بعز الكرام، ولا ينسيه ذكر ~~الهوى، مواقف الحتف والردى، فيخلط بالغزل الفخر، ويخاطب صاحبته من جوف القفر: # إنا محيوك يا سلمى فحيينا %~% وإن سقيت كرام الناس فاسقينا # وإن دعوت إلى جلى ومكرمة %~% يوما سراة كرام الناس فادعينا # إن تبتدر غاية يوما لمكرمة %~% تلق السوابق منا والمصلينا2 # وليس يهلك منا سيد أبدا %~% إلا افتلينا3 غلاما سيدا فينا # إنا لنرخص يوم الروع أنفسنا %~% ولو نسام بها في الأمن أغلينا # بيض مفارقنا تغلي مراجلنا %~% نأسو بأموالنا آثار أيدينا # إني لمن معشر أفنى أوائلهم %~% قيل الكماة4 ألا أين المحامونا # إذا الكماة تنحوا أن يصيبهم %~% حد الظبات5 وصلناها بأيدينا # ونرى الناقة تطرب تحته إلى مواطنها، وتشتاق إلى معاطنها، فتحن حنينه، ~~وتئن أنينه، وكلما رآها تشكو مثل شكواه، وتصغي بأذنها إلى نجواه، وتردد ~~برغائها صداه،[6] وتسعده بترجيعها في هواه، تأوه وتنهد، وترنم فأنشد: # لقد زارني طيف الخيال فهاجني %~% فهل زار هذي الإبل طيف خيال ms101 # لعل كراها قد أراها جدابها %~% ذوائب طلح بالعقيق وضال7 # ومسرحها في ظل أحوى8 كأنها %~% إذا أظهرت فيه ذوات حجال # تلون زبورا في الحنين منزلا %~% عليهن فيه الصبر غير حلال # وأنشدن من شعر المطايا قصيدة %~% وأودعنها في الشوق كل مقال # ثم ننتقل إلى مشاهدة المعامع المشهورة، والوقائع المذكورة، فترى الدماء ~~تجري أنهارا في الوديان، والمهج تسيل انحدارا من مسايل الأبدان، والموت ~~واقفا يحصد الرءوس، ويجني نفائس النفوس، والفارس يمشي في الصفوف مشية ~~الخيلاء، ويطعن برمحه كل طعنة نجلاء، ثم ينشد في وصف أثرها وبعد غورها: # طعنت ابن عبد القيس طعنة ثائر %~% لها نفذ لولا الشعاع أضاءها # ملكت بها كفي فأنهرت فتقها %~% يرى قائم من دونها ما وراءها # يهون علي أن ترد جراحها %~% عيون الأواسي إذ حمدت بلاءها # وتذكو شعلة الحرب فلا تنطفئ نارها، ولا يخمد أوارها، إلا وقد غادرت ~~النساء أيامى، والأطفال يتامى، والأموال نهبا منهوبا، والأعلاق سلبا ~~مسلوبا، والمدائن خالية خاوية، والقصور بائدة بالية، والحرب ينخذل فيها ~~القوي لأوهى سبب، وينتصر الضعيف من حيث لا يحتسب، فكم دالت بها الدول، ~~ودارت الدوائر، وانثلت العروش، وسقطت الممالك، بعد لواء العز المعقود، ~~وبساط المجد الممدود، وبعد ذلك التناهي في العظموت، والتمادي في الجبروت، ~~وبعد أن لم يكن يدور في الوهم سقوطها، ويخطر في الخيال هبوطها، كل ذلك يكون ~~أسرع من لمح البصر، إذا نزل القضاء وحم القدر، وكل ملك مهما امتد ظله زائل، ~~وعند التناهي يقصر المتطاول. # ثم أدخل به في مطالعتنا إلى حلقة حكيم واعظ يسلب الألباب بقوة بيانه، ~~ويخلب العقول بضوء برهانه، ويسترق النفوس بطلاقة لسانه، ويقول في حقارة ~~الغنى وهوانه: # «أيها الناس والله لدنياكم هذه أهون عندي من عراق[9] كلب في يد مجذوم». # «والمخير بين أن يستغني عن الدنيا وبين أن يستغني بالدنيا كالمخير بين أن ~~يكون مالكا أو مملوكا». # من سره أن لا يرى ما يسوءه %~% فلا يتخذ شيئا يخاف له فقدا # «والحياة الطيبة هي حياة الغنى، والغنى هو القنوع؛ لأنه إذا كان الغنى ~~عدم الحاجة إلى الناس ms102 فأغنى الناس أقلهم حاجة إلى الناس، ولذلك كان الله ~~تعالى أغنى الأغنياء: # غنى النفس ما يكفيك من سد خلة %~% فإن زاد شيئا عاد ذاك الغنى فقرا # ويقول في محاسن الأخلاق: «الجود حارس الأعراض، والحلم فدام السفيه،[10] ~~والعفو زكاة الظفر، والاستشارة عين الهداية، وأشرف الغنى ترك المنى، وكم من ~~عقل أسير عند هوى أمير، ومن التوفيق حفظ التجربة، ومن لان عوده كثفت ~~أغصانه، ومن لانت كلمته وجبت محبته». # ويقول في مساوئ الصفات: «الكاذب في نهاية البعد من الفضل، والمرائي أسوأ ~~حالا من الكاذب؛ لأنه يكذب فعلا وذلك يكذب قولا والفعل آكد من القول، فأما ~~المعجب بنفسه فأسوأ حالا منهما؛ لأنهما يريان نقص أنفسهما ويريدان إخفاءه ~~والمعجب بنفسه قد عمي عن عيوب نفسه، فيراها محاسن ويبديها، وإني لأعجب ~~للبخيل يستعجل الفقر الذي منه هرب ويفوته الذي إياه طلب، فيعيش في الدنيا ~~عيش الفقراء، ويحاسب في الآخرة حساب الأغنياء، وأعجب للمتكبر الذي كان ~~بالأمس نطفة وفي الغد جيفة، وأعجب لمن يغفل صبره ويشكو إلى الناس دهره، فإن ~~كان عدوا سره وإن كان صديقا أساءه، وليس مسرة العدو ولا مساءة الصديق ~~بمحمودة: # ولا تشك إلى خلق فتشمته %~% شكوى الجريح إلى العقبان والرخم # «والعجز عجزان: أحدهما عجز التقصير وقد أمكن الأمر، والثاني الجد في طلبه ~~وقد فات». # ويقول في ذكر الحياة والموت: «إنما المرء في الدنيا غرض تنتضل فيه ~~المنايا ونهب تبادره المصائب، ومع كل جرعة شرق وفي كل أكلة غصص، ولا ينال ~~العبد نعمة إلا بفراق أخرى، ولا يستقبل يوما من عمره إلا بفراق آخر من ~~أجله، فنحن أعوان المنون وأنفسنا نصب الحتوف، فمن أين نرجو البقاء وهذا ~~الليل والنهار لم يرفعا من شيء شرفا إلا أسرعا الكرة في هدم ما بنيا وتفريق ~~ما جمعا، وعجبت لمن نسي الموت وهو يرى من يموت.» # ويقول في وصف العلماء: «الخير من العلماء من يرى الجاهل بمنزلة الطفل ~~الذي هو بالرحمة أحق منه بالغلظة، ويعذره بنقصه فيما فرط منه، ولا يعذر ~~نفسه في التأخر عن هدايته». # ثم ms103 يختم وعظه بقوله: # الدين إنصافك الأقوام كلهم %~% وأي دين لآبي الحق إن وجبا # والمرء يعييه قود النفس مصحبة %~% للخير وهو يقود العسكر اللجبا11 # اللهم اكفني بوائق الثقات ومكايد الأصدقاء. # ثم أنتهي بصاحبي إلى مجلس محاضرات بين الأدباء، ومفاكهات بين الندماء، ~~فنقرأ من لطيف بوادرهم، ورقيق نوادرهم ما ينير ظلمة الفهوم ويجلو صدأ ~~الهموم: # لفظ كأن معاني السكر تسكنه %~% فمن تحفظ شيئا منه لم يفق # جزل يشجع من وافى له أذنا %~% فهو الدواء لداء الجبن والقلق # إذا ترنم شاد للجبان به %~% لاقى المنايا بلا خوف ولا فرق # وإن تمثل صاد للصخور به %~% جادت عليه بعذب غير ذي رنق # وهكذا قضيت مع الباشا زمنا ليس بقصير أستخرج له نفائس الأعلاق، من بطون ~~الأوراق، وأقتطف معه زهر الأدب العاطر، من حدائق الكتب والدفاتر، إلى أن ~~قال لي ذات يوم بين ندم ولوم: # **الباشا****: **إن أعظم ما آسف عليه اليوم تلك الأيام التي أضعتها من سالف ~~عمري فيما لا يجدي ولا يفيد من مشاغل الدهر وملاهي العيش، ويا ليتني كنت ~~قصرت همي منذ صباي على مثل هذه المعيشة مع هذا التفرغ لاجتناء فوائد العلوم ~~واقتناء فرائد الآداب مغتبطا سعيدا لا حاسدا ولا محسودا، أتنقل من مطالعة ~~الكتب إلى مذاكرة العلماء، ومن مذاكرة العلماء إلى مسامرة الفضلاء، ومن ~~مسامرة الفضلاء إلى مطارحة الأدباء، والله يعلم أن أسفي ليزيد شدة، وأن ~~ندمي ليعظم حدة كلما تذكرت ما كانوا يحدثونني به في أيام دولتي عن مجالس ~~العلم والأدب، فما كنت آبه ولا أنتبه إليها، وكنت أظن أهلها قوما من أهل ~~الكسل والفراغ يجلسون للدفاتر والكتب كما تجلس النساء للغزل والردن،[12] ~~والحمد لله الذي أرشدني إلى الهدى آخر الدهر، فعلمت مقدار هذه النعمة التي ~~حببت إلي الحياة ثانية، وهونت علي احتمال متاعبها، وما إخالك تبخل علي بعد ~~الآن وقد علمت نفع ذلك لي، بمداومة السير معي في هذا الطريق الحميد، وما ~~أرى من بأس في أن نترك هذه العزلة حينا بعد حين للاجتماع بالناس في مجالس ~~الأدب ومجامع ms104 الفضل وأندية العلم لنتذاكر معهم ما نطالعه ونأخذ عنهم ما ~~يحفظونه، وقد زالت المخاوف واطمأنت الخواطر بزوال الأوبئة والطواعين، ~~والحمد لله رب العالمين.**عيسى بن هشام****: **لا تطمعن أيها الأمير - دفع ~~الله عنك المكاره - في مثل هذه المجالس فقد طوتها الأيام ورمستها الليالي، ~~ولم يبق اليوم من يأنس إليها وينافس فيها.**الباشا****: **كيف يكون ذلك ~~وأنا لا أزال أسمع ما تزعمونه من كثرة المدارس الآن، وانتشار العلوم ~~والفنون وتعدد الطالبين، وسهولة الحصول على الكتب ووفرة المطابع وإطلاق ~~الأفكار من القيود، وأين هذا مما كنا عليه في الزمن الأول من تعسر الوصول ~~إلى الكتب وتعذر استنساخها لضن أربابها كأنها لديهم خفايا الكنوز، حتى لقد ~~كان الجهلاء الذين لا ينتفعون بها ولا يفقهون منها شيئا هم أول من يفاخر ~~باقتنائها، ويعتبرونها ضربا من ضروب الزينة والزخرف كأنها اليواقيت ~~والجواهر يعجز عنها من يروم الانتفاع بها إن لم يكن ذا ثروة واسعة تمكنه من ~~استنساخها أو ابتياعها، فلا بد اليوم أن يكون في يد كل مصري كتاب يطالعه، ~~وأن يكون كل واحد منهم قد أصبح في العلوم والفنون أليف محاضرة وحليف مذاكرة ~~تزدهى به مجالس الفضل وتزهو أندية الأدب، وكيف لا يكون ذلك وقد ذقت من ~~حلاوة المطالعة والمذاكرة ما أنساني حلاوة كل لذة في العالم؟**عيسى بن ~~هشام****: **نعم شاعت العلوم في هذا العصر، وترقت الفنون وكثرت المطابع ~~وسهل على الناس اقتناء الكتب ومطالعتها، ولكن قل بيننا عدد الراغبين فيها ~~والمطالعين لها، فكسدت سوقها وبارت تجارتها وأغفلها من ينتفع بها للاشتغال ~~بسواها من الأمور الباطلة والأشياء التافهة، ورغب عنها من كان يقتنيها ~~للزينة لكثرة الانتشار والتبذل، والناس اليوم في حركة لا شرقية ولا غربية ~~قد اشتغل بعضهم ببعض، واكتفوا من دهرهم بحوادث يومهم فتعطلت بينهم مجالس ~~العلم، واندرست مجامع الأدب، واقتصروا على مطالعة أخبارهم في الجرائد ~~والصحف دون الدفاتر والكتب، وأنى يكون لهم الاستقرار في المجالس وهم لا ~~يستقرون في مكان، ولا يهدأون من حركة ولا ينفكون عن غدو ورواح ولا ينتهون ~~عن نقلة وسفر، ms105 وأكثر ما يكون جلوسهم في المركبات، مركبات الخيول أو البخار ~~أو الكهرباء، وأهل اليسار منهم يقضون جزءا من شهور العام مترحلين في بلاد ~~الأجانب متنقلين في ديار الغربة للنزهة والتفكه، وقصارى العلم عندهم أن ~~يتلقى الطالب أشتاتا منه في المدرسة وأطرافا، وهو بالسن التي لم يصل فيها ~~بعد إلى تمام التعقل وكمال الإدراك، فيحفظها ويؤديها كالببغاء، فإن أسعده ~~الحظ في آخر الدراسة ونجح عند الامتحان تأبط صك الشهادة ونفض يده من تلك ~~العلوم، وطرحها عنه طرح الثوب الخلق، ونبذها نبذ القادم على أهله ما أسن من ~~ماء[13] وما جف من زاد انتقاما لنفسه مما عاناه من مشقة، وقاساه من تعب في ~~درسها وحفظها من غير أن يفقه لها مزية في ذاتها أو يذوق لها حلاوة في ~~طعمها، فإذا هو بلغ إربته ودخل في خدمة الحكومة أصبح كالعامل من العمال لا ~~العالم من العلماء، وقل فيهم بعد ذلك من يصبو إلى العلم وأهله أو يحن إلى ~~الأدب وكتبه، ولئن مال بعضهم للمطالعة، فإنها لا تتجاوز حد الكتب المتعلقة ~~بأصول وظيفته، ولذلك أصبحت كتب العلم والأدب مملولة منبوذة، وثقل على الناس ~~مطالعتها لما هم فيه من كثرة الحركة والتنقل، وطول الانهماك في الأشغال ~~المتجددة، فلا يقوى أحدهم على مطالعة صحيفة من كتاب إلا وقد بلله العرق ~~ودهمه الكلال والملال، ونزل به الضجر والسأم، وإنك لترى مثل هذا بينا في ~~حديثهم فهم لا ينصتون إلى قصة متصلة، ولا يتبعون في الكلام قضية مرتبة، ولا ~~يعجبهم منه إلا ما كان متقطعا مبتورا أو مقتضبا مجذوما.**الباشا****: **ما ~~أكاد أخليك أيها الصديق من غلو في وصف هذه الحال، وهل خلا أو يخلو زمان في ~~البداوة كان أو في الحضارة من مجالس للعلم، ومجامع للفضل وأسواق للأدب، وما ~~كان زماننا الذي كنت فيه ليخلو من آثارها حتى لقد رأينا فيها كثيرا من ~~الكبراء والأمراء ممن لا نصيب لهم من العلم والأدب لا يغفلون مجالسهم من ~~وجود شاعر مجيد أو فاضل أريب، أو نديم أديب أو محدث ظريف ms106 تتفكه به النفوس ~~وتستريح له القلوب، هذا والكتب بين الناس قليلة التداول والعلم بعيد ~~التناول، فما بالكم اليوم على هذه الحال التي تصف والصحف منشورة والكتب ~~مطبوعة وأسماء العلوم مذكورة.**عيسى بن هشام****: **قد استغنى كبراؤنا ~~وأمراؤنا اليوم عن تزيين مجالسهم بالعلم والأدب، وقصروا هممهم فيها على ~~التفاخر بالمقتنيات المزخرفة والأدوات المصنعة من عمل الغربيين، فترى ~~الكبير أو العظيم يقلب في يده العصا المضيئة بالكهرباء مثلا أو الساعة التي ~~ترن بعدد الثواني وهو يعتقد أنها أجل قيمة في العين، وأجمل أثرا في النفس ~~من جميع العلوم التي تستضيء العقول بممارستها، ومن جميع الكتب التي تصفو ~~ساعات الحياة بمطالعتها، ولا تتوهمن أنني أجزم لك بخلو هذا الزمن عن مجالس ~~للعلم ومحافل للأدب، وما كان كلامي إلا على الوجه الأعم، وقد آن أن أجيبك ~~إلى ما طلبت فأزور بك بعض المجالس والمحافل لينقطع ريبك، وليطمئن قلبك. ### | الأعيان والتجار # قال عيسى بن هشام: واستنهضت الباشا أزور به مجلسا من تلك المجالس ~~المعدودة، والأندية المعقودة، مجلس الوجهاء والتجار، أهل الصيت المرتفع في ~~الأمصار، فشهدت منه ازورارا وانقباضا، ووجدت فيه انحرافا وإعراضا، ثم التفت ~~إلي يعاتبني عتابا شديدا، ويوسعني عذلا وتفنيدا، ويقول لي: ما عهدت منك منذ ~~صاحبتك إلا الخير لي تريده، والنفع تبدؤه وتعيده، وما زلت أشكر لك تلك اليد ~~البيضاء في العزلة عن الناس والتخلص من مواقف القضاء، دفعا لما كنت تحذر ~~وتخشى من شر الخاتمة وسوء العقبى بتزاحم الأحزان، وتراكم الأشجان، وما ~~تعقبه من السقم والاعتلال، وسوء النكسة بعد النقه والإبلال،[1] فما بالك ~~تستنهضني إلى مثل هذه المجالس والمجامع. # وربما كان فيها ما يؤذي العيون وينفر المسامع، وقد شاهدتني يكاد يصيبني ~~التلف، من شدة الحزن والأسف، فقلت: أشهد الله ما أبغي لك إلا الخير ~~والتوفيق، في كل مذهب وطريق، وقد رأيت التجارب أوسعتك كرما وحلما، وصروف ~~الدهر أكسبتك معرفة وعلما، بعد قلة الاختيار، وكثرة الاغترار، وسوء ~~الابتدار، في الإيراد والإصدار، وما كان فيك من خشونة الملمس، وشموخ الأنف، ~~وضيق العطن، وصلف الرأي، وما ms107 أحب لك بعد ذلك أن ترى في أمور الناس إلا ~~مشهدا يسلي عن الكرب، وملعبا يفرج عن القلب، فلا يكن نظرك إلى أعمالهم في ~~غدوهم ورواحهم وفي أفراحهم وأتراحهم، ونعيمهم وبؤسهم، ورجائهم ويأسهم، مثل ~~نظر الحكيم «هيراقليط»، بل مثل نظر الحكيم «ديموقريط»، كان الأول يشاهد ~~أمور الناس فيبكي ويتحسر، وكان الثاني يراها فيضحك ويسخر، فإذا أنشد أحدهما ~~في نصرة مذهبه: # الناس من دنياهم في مأتم %~% فالسحب تبكي والرواعد تندب # أنشد الثاني في تأييد مشربه: # هذي الحياة رواية لمشخص %~% فالليل ستر والنهار الملعب # ومن صواب الرأي أن لا تذهب نفسك عليهم حسرات، ولا تذرف عينك من أجلهم ~~العبرات، وهلم معي أمتعك بزيارة مجلس يؤنس من وحشتك، ويكشف من غمتك، فأسلس ~~مطاوعا في القياد، ووافقني على ما تبين له من الرشد والسداد، فيممت به دارا ~~عالية الجدران، واسعة الأركان، شاهقة البنيان لأحد التجار والأعيان، ~~فزاحمنا عند الباب سائس يسحب فرسا مصحبا مطيعا، ويحمل على كتفه طفلا رضيعا، ~~يقول وقد أظهر الغيظ بواطنه الكامنة: «لست أدري والله أسائس أنا أم حاضنة؟» ~~ومن ورائه آخر يحمل صفحة متدفقة بالمخلل، يقول وقد تلوث بمائها وتبلل: ~~«علام أتعب في هذه الدار وأشقى؟ وإلام يدوم هذا الشقاء ويبقى؟ ولست أدري ~~والله أسائق أنا أم سقا؟» ولما ولجنا الباب إذا بالبواب يقول وفي يده صرة ~~ثياب: «لا مرد للمقدور والمقضي، ولا رجاء في العيش الرخي، والله ما أدري ~~أبواب أنا أم خصي؟» ولما جاوزنا دهليز المكان، إلى باب الإيوان، وجدنا عنده ~~غلاما فتي السن يتنهد ويئن، وبين يديه دخان وورق، وبجانبه كتاب مطبق، وهو ~~يقول: «عجبا والله للوالد يشغل ابنه بسجارات يحشوها فيلهيه بها عن دروس له ~~يتلوها، لا غرو إن فاضت العيون بسواكبها، واحترقت القلوب بلواهبها، فما ~~أدري والله أفراش الدار أنا أم ابن صاحبها؟» فما أحس بنا حتى انتفض قائما، ~~وتقدم مسلما، ثم ذهب أمامنا ليذكر قدومنا، وإذا بالوالد مقبلا علينا يتكفأ ~~في مشيته، ويتعثر في جبته، فسهل بنا ورحب، وبالغ في التحية وأسهب، ودخل بنا ms108 ~~على أهل مجلس مختلفي الأزياء والهيئات، متبايني الأشكال والسمات، فمن صاحب ~~عمامة يتعهد بيده رصفها وآخر يجدد لفها، ويحبك بالإبر طرفها، ومن صاحب ~~طربوش قد أماله على جبينه، فإذا تحرك أسنده بيمينه، فترى يده أبدا لا تسكن ~~ولا تستقر، كأنما هو في تأدية سلام مستمر، ووجدناهم جميعا قد كثر بينهم ~~اللغو اللغط، وسمعناهم يتحاورون على هذا النمط. # **أحدهم****: **نعم لا بد من ذلك إذا يسر الله وتم الاتفاق مع الخواجه ~~فلان، فإن إقامة عمارة أخرى بجانب تلك العمارة مما يأتي بأرباح لا يمكن أن ~~تأتي بها الأشغال التجارية، وأنا أنصحك يا أبا هاشم أن تترك التجارة جانبا، ~~فقد أصبحت الآن لا نفع يرجى منها، وتوكل على الله في الاشتغال معنا ~~بالأبنية فهي أنجح وأربح.**الثاني****: **ومن أين لي زادك الله من النعمة ~~والبركة ما يساعدني على هذا التوسع، والحال على ما تعلم ضعيفة، والحمد لله ~~على نعمة الستر، فهي الغنى الكامل؟**الأول****: **لا تقل هذا أيها السيد، ~~@QUR@04 وأما بنعمة ربك فحدث ودعواك ضعف الحال إن هي إلا تواضع منك، والله ~~يزيدك فضلا على فضل.**الثاني****: **أستغفر الله يا سعادة البك هذا حسن ظن ~~منك وإلا فالحقيقة غير ما ظننت، وقد قلت لك: إن الستر هو الغنى الكامل، ~~وعلى كل حال فالبركة في التجارة، فمنها كان رزق الآباء والأجداد، وربح ~~مستور، أبرك من ربح مشهور.**ثالث****: **تالله إنكم لفي ضلالكم القديم، وهل ~~بقي في التجارة التي زاحمكم عليها الأجانب ربح يذكر أو رزق يطلب، فاتركوا ~~هذا الخمول وعليكم بأشغال الأقطان في البورصة، فهي الربح المضاعف والرزق ~~الحاضر يأتيك رغدا بلا كد ولا تعب، وكم رأينا من فقير ولج البورصة فخرج ~~بفضل المضاربات غنيا كبيرا، وهذا صاحبنا الخواجة فلان اليهودي وفيكم من ~~أدرك والدته تبيع الخبز بالحارة، قد مارس تلك الأشغال، فأصبح أكثر الناس ~~مالا وأرفعهم حالا، ونحن لا نزال على ما تركه لنا الآباء والأعمام، رحمة ~~الله عليهم.**رابع****: **ولكن فاتك أيها السيد أن صاحبنا هذا الذي تعنيه ~~لم يصل إلى ذلك إلا بأشغال السمسرة، وفيها ms109 من الحطة ما لا يخفى عليكم، وهل ~~تريدون أن ينزل أحد منا بنفسه إلى هذه الأشغال بعد أن عشنا مثل هذا ~~العمل؟**الثالث****: **حاشا لله أيها السيد ليس هذا من قصدي، وإنما أردت أن ~~أبين لكم أن هذا اليهودي دخل البورصة سمسارا لا يمتلك مالا، فأصبح من كبار ~~الأغنياء، فما بالك بمن يدخلها وهو صاحب ثروة، لا شك أنه يخرج منها بعد مدة ~~قصيرة قارون زمانه.**خامس****: **ما وراء الربح الكثير إلا الخسران الكبير، ~~وقد شاهدنا بأعيننا ما أنتجته أشغال البورصة من تخريب البيوت العامرة، ~~وتبديد الغنى الواسع وانحطاط العماد الرفيع، وأرى أن الإقدام على هذه ~~المهالك من الجنون المحض «فالله خير حافظا».**سادس****: **أما أنا، ولا ~~يلدغ المؤمن من جحر مرتين، فقد كفاني تأديبا ما تكبدته من الخسائر في تلك ~~المضاربات على الأقطان، ولولا فضل الله وبركة دعاء الوالدين لما نجوت من ~~الخراب.**الثالث****: **لا حول ولا قوة إلا بالله @QUR@05 إنك لا تهدي من ~~أحببت كيف تخشون الخسارة في أشغال الأقطان، وتتوقعونها والربح فيها مضمون ~~مع بعض الانتباه لمجرى الأخبار وحسن التخمين في الإحصاء، وتقدير المحصول ~~والمطلوب للتسليم، ومع القليل من الممارسة والجراءة في العمل.**سابع****: ~~**كيف تدعي ذلك - حفظك الله - وهذا فلان المشهور قد انقطع لهذا العمل، ~~واجتمعت فيه معداته فما زال يهوي في بحر البورصة حتى وصل في الخسارة إلى ~~القرار، وإن كان لا يزال ظاهرا في أعيننا بمظهر الغنى الواسع والمال ~~الجم.**ثامن****: **سبحان الله ألا تعجبون معي من اتساع الشهرة بيننا ~~بالغنى والثروة، ثم لا نلبث أن تنكشف الحال عن القلة والضعف، فكم سمعنا بأن ~~فلانا صاحب ثروة تقدر بألوف الألوف ثم يظهر الخفي ويتضح الباطن، فلا تبلغ ~~الحقيقة معشار تلك الشهرة الكاذبة.**الخامس****: **نعم صدقت ألم تروا إلى ~~المرحوم فلان كيف كان يفاخرني في كل مجلس، عندما أخذت الرتبة بأنه أكثر مني ~~مالا وأعظم ثروة، وأن مقامه بذلك رفيع ومرتبته سامية، فلما توفاه الله ~~انكشفت الحال، ولم يرث عنه أولاده ما يكفي لبقاء بيته مفتوحا وبقاء اسمه ~~مذكورا، وقس على ذلك ms110 أمثاله من هذا القبيل فسبحان الغني ~~الدائم.**الرابع****: **دعونا بالله من ذكر الأولاد والمواريث، فإنني كلما ~~تذكرت أخلاق آبائنا في هذا الزمن، ورأيت ما وصلت إليه ثروة فلان وما انتهى ~~إليه حال أولاده من الفقر والضنك بعد أن بددوا تلك الأموال الطائلة، وأصبح ~~ذكر أبيهم بينهم نسيا منسيا فلا يزورون له قبرا ولا يطلبون له رحمة، هان ~~علي أن أنفق ما في حوزتي في حياتي، وأن أتمتع بأموالي في مدة ~~عمري.**الخامس****: **معاذ الله أن نفعل ذلك بأبنائنا، وما فائدتنا في هذه ~~الدنيا إذا لم نجمع الأموال وندخر الثروة لأعقابنا، ونترك لهم ما يغنيهم عن ~~سؤال اللئيم بعدنا، ولا تجعل الذنب كله على الأولاد في تبديد المواريث، بل ~~الذنب كل الذنب على الآباء الذين يتركون أموالهم هملا بعد موتهم، ويغفلون ~~عن تقييدها بالوقف فينتفع الأولاد بالريع، وتبقى العين قائمة والبيت مفتوحا ~~والاسم مذكورا، ولا يحتاج أحد من الذرية وذرية الذرية مع وجودها إلى ~~...**السادس****: **لا مؤاخذة يا سعادة البك في مقاطعة الحديث، ألم تسمع ~~بما حصل في وقف فلان وفلان وغيرهما، وكيف اغتال النظار حقوق المستحقين، ~~وذهب الوقف ضياعا بين القضايا والدعاوى والديون، حتى آل النظر والاستحقاق ~~فيها لليهود، واندثرت البيوت وعفت الآثار، وذهبت أسماء أصحابها كما ذهب أمس ~~قبل اليوم.**السابع****: **نعم ينفع الوقف ويبقى الميراث على شرط أن يكون ~~بمثل الشروط التي وقف بها المرحوم فلان، فإنه خصص جانبا من الريع لذريته، ~~واشترط أن يحفظ الباقي ويدخر، وكلما تكون منه نقد عظيم يشترى به عقار ثم ~~يوقف ويضاف إلى الوقف الأصلي ليكون في نمو متواصل على توالي الأيام وصروف ~~الحدثان، وبذلك يصير البيت في درجة عالية من الغنى بعد وفاة صاحبه فوق ما ~~كان عليه في أيام حياته، فأنعم بها من طريقة وأحسن بها من ~~وسيلة.**الثالث****: **ليس ذلك من الحزم في شيء، ولكنه الغلو في البخل ~~والشح ومحبة الادخار بعد مفارقة الحياة، ولقد حرم المرحوم نفسه من التمتع ~~بماله في حياته وحرم أولاده منه بعد موته بابتداع هذه الطريقة الغريبة في ms111 ~~شروط الوقف.**الأول****: **أطلب منك العفو والسماح وعدم المؤاخذة، فمن ~~يقول: إن المرحوم كان شحيحا مقترا، قد والله عاشرته الزمن الطويل فما رأيته ~~يحرم نفسه أو يقتر عليها، وما كانت مائدته لتخلو من الضأن أو الحمام أو ~~الدجاج، وحق جدك، وإنما كان الرجل حازما لا ينفق ماله إلا في الوجوه ~~النافعة.**الثاني****: **لا اعتماد عندي في هذا الباب على الوقف أو الملك، ~~وخير ما يدخر الوالد لأبنائه وأفضل ميراث لهم أن يحسن تعليمهم وتهذيبهم في ~~المدارس، وأن لا يعودهم في حياته الإنفاق والتبذير، بل يروضهم على التوفير ~~والتدبير ومعرفة قدر الدرهم والدينار.**الأول****: **وهل جاءتنا المصائب في ~~أولادنا إلا من هذه المدارس وتعليمها، وهل زادهم ذلك التهذيب إلا ما شئت من ~~الفظاظة والوقاحة والكبرياء والمكابرة، ولقد أدهشني فلان بالأمس، وأضحكني ~~في شكواه مر الشكوى من حال ابنه المتهذب المتعلم في المدارس والمجالس؛ إذ ~~قال لي في حديثه: «ما زال هذا الولد يزيد في تعذيبي وتكديري منذ خروجه من ~~المدرسة، فأصبح لا يكلم أهله إلا بالرطانة ولا يعرب عن غرضه إلا بالتعنيف ~~والتأنيب، ولا يرضى عن شيء في البيت، فإذا جاءوا له بالماء قال: فيه ~~الميكروب، وإذا أتوه بالخبز والجبن قال: علي بالميكروسكوب، ثم ترى الشقي ~~يقسم الأطعمة أقساما، فيقول: البيض واللبن غذاء كامل، والخضر غذاء ناقص، لا ~~ينفع ولا يمري، وأن الأرز وما شابهه من «المواد النشائية» لا فائدة منها ~~سوى أنها تحترق كالوقيد في الجسم، وما زاد منه عن الحاجة فهو شحم يغلظ به ~~الجسد وتتورم به الأعضاء، وأن الفواكه لا بد أن تؤكل من ساعتها إذا تشققت ~~خصوصا البطيخ؛ لأنه أسرعها قبولا لتولد الحيوانات السامة، وهلم جرا حتى حير ~~الخبيث أهل البيت في طعامه وشرابه فوق ما حيرني في اختلاف ملابسه وتعدد ~~أزيائه، وكلما عارضته في شيء شمخ بأنفه استكبارا ولوى عنقه استحقارا، وسخر ~~بي لجهلي وفخر علي بعلمه، هذا هو منتهى التأدب الذي يكتسبه أبناؤنا من علوم ~~المدارس، يتعالون على آبائهم ويعيرونهم بعد أن كان الولد كالبنت البكر في ~~الزمن ms112 الماضي لا يرفع طرفه في وجه والده حياء ووجلا، وكان لا يجرؤ على ~~مكالمته إلا مجيبا عن سؤال من صغره إلى كبره.**الثاني****: **ولكن فاتك أن ~~تعليم أبنائنا في المدارس يفيدنا فائدة عظيمة يغتفر لها كل ذنب، وهي دخولهم ~~في سلك الموظفين في الحكومة وارتقاؤهم المراتب والمناصب، ويا ليت آباءنا ~~كانوا التفتوا في أيامهم إلى تعليمنا في المدارس فكنا استغنينا عن ممارسة ~~التجارة وذل البيع والشراء، وكساد السوق وترويج السلعة بالأقسام والأيمان، ~~فما العيش إلا عيش الموظفين الذين يأخذون مرتبهم في آخر كل شهر نقدا عينا ~~وذهبا خالصا دفعة واحدة سالمة لأيديهم بلا مطل ولا تسويف، في مقابل جلوسهم ~~بالديوان ثلاث ساعات من كل يوم يقضون الجزء الأعظم منها في المسامرات ~~والمفاكهات، ثم ناهيك بما لهم بين الناس من التوقير والتعظيم، وما في ~~قدرتهم من مساعدة الأصحاب ونكاية الأعداء، ورأس المال في ذلك كله الإحاطة ~~ببضعة كتب في المدرسة، فأخبرني حينئذ أي ربح في التجارة وأي شأن لها يوازي ~~هذا الربح وهذا الشأن في خدمة الحكومة، وسبحان من قسم الحظوظ فلا عتاب ولا ~~ملامة.**الرابع****: **كل هذا معلوم ومسلم به، ولكن من أين لك أن ينال ابنك ~~الشهادة وأنت تعلم حال القابضين على زمام التعليم، فقد خرج أكثر أبنائنا من ~~المدارس بلا شهادة وخسرنا عليهم الأموال في نفقاتها، ومن صادفته العناية ~~منهم ونال الشهادة مثل ابني، فإنه لم يزل يتردد على أبواب الحكومة في تطلب ~~الخدمة، والوظائف مشحونة ونظار الحكومة لا يجددون سواها.**السادس****: ~~**عسى الله أن يبدل الأحوال وتسقط هذه النظارة ويمن علينا برجوع أولئك ~~النظار الذين يهتمون بمصالح أهل البلد وأبناء الوطن، فترى حينئذ كيف يكون ~~تقدم أبنائنا في المناصب.**الخامس****: **حقا إذا ذهب هؤلاء النظار وعاد ~~صاحبك إلى النظارة، فقد أقبل علينا السعد وانجلت الكروب وصفت الأوقات، وأنا ~~أرجو أن لا تنسى ابني عند السعي لأنجالك فقد كان معهم في مدرسة واحدة، وهو ~~دائما يطالع الجرائد، ويترقب الحوادث التي يكون من ورائها سقوط هذه ~~النظارة.**الثامن****: **أراكم تخبطون في أمر أولادكم على ms113 غير هدى، والأصوب ~~عندي أن نعلمهم العلوم ليكونوا أسوة أهل زمانهم معرفة واطلاعا، لا لأجل ~~التوظف في الحكومة والخروج عن طبقاتهم، وأما من جهة حفظ المواريث في أيديهم ~~بعد مماتنا فأحسن الطرق أن لا نقتر عليهم في النفقة أثناء حياتنا، وأن لا ~~نتركهم بمعزل عن أشغالنا، بل نخصص لهم قسما من المال يشتغلون به على حدتهم ~~تحت أعيننا ليتمرنوا على العمل، ويدركوا لذة المكسب بأنفسهم فتتربى لهم ~~ملكة الحرص على المنافع، وينتفعوا بعلومهم في اتساع تجارتهم والتفنن في ~~أبواب المرابحة، وقد جربت ذلك في أولادي وأنا أرجو فيهم الخلف الصالح إن ~~شاء الله.**السادس****: **هل جاءت جريدة اليوم؟**صاحب البيت** (مناديا ~~لابنه)**: **ائتنا بالجريدة واقرأها علينا. # (يحضر الغلام وفي يده الجريدة ناشرا لها.) # **الأول****: **اقرأ لنا من الأول.**الغلام** (قارئا)**: ~~**الحرب.**السادس****: **هل وقعت الحرب؟**الغلام****: **ليس يتبين ذلك من ~~أول المقالة.**السادس****: **اقرأها من آخرها.**الخامس****: **اتركها من ~~أولها إلى آخرها، واقرأ في «المحليات» فلا فائدة لنا في وقوع الحرب أو ~~اجتنابها.**الغلام** (قارئا)**: **تأليف الشركات.**الرابع** (للسادس)**: ~~**لا يذهب عن فكرك مشروع الشركة الوطنية التي كنا تكلمنا في تأليفها منا ~~لمشتري الأطيان المعلومة من الحكومة.**الخامس****: **إن شاء الله يكون لنا ~~نصيب معكم في هذه الشركة.**الثالث****: **من أعضاؤها، ومن ~~الرئيس؟**السادس****: **أعضاؤها فلان وفلان وفلان ورئيسها ~~فلان.**الثالث****: **معاذ الله أن أقبل الدخول مع فلان في شركة، وهل نسينا ~~ما وقع منه.**الثاني****: **وأنا لا أقبل الدخول في شركة بعد تلك الشركة ~~المشهورة بخيبة المسعى ما لم أكن أنا الواسطة في مقابلة الحكام والمداولة ~~معهم.**السابع****: **وأنا لا أقبل الدخول فيها إلا إذا كانت «أسهمي» في ~~التأسيس أكثر من فلان.**الأول****: **وأنا لا أقبل أن يكون فلان رئيسا علي ~~في شركة أبدا. # قال عيسى بن هشام: واشتد بينهم الجدال والخصام فحملقت العيون وعبست ~~الوجوه وتحركت الضغائن وثارت الأحقاد، ورأينا كل واحد منهم يضمر لأخيه من ~~الشر والأذى، ما لا يضمره القرن لقرنه في ساحة الوغى، فانصرفنا عنهم ~~وتركناهم يموج بعضهم في بعض، كأنهم في موقف الحشر ويوم العرض. ### | أرباب الوظائف # قال عيسى بن ms114 هشام: وسرنا إلى زيارة مجلس من أرباب الحكم والولاية، وذوي ~~السياسة والدراية، ممن بيدهم حل الأمور وعقدها، وبملكهم شقاء الأمة وسعدها، ~~الناشئين في مهد المعارف والعلوم، والنابغين في أشتات المنطوق والمفهوم، ~~والموصوفين بدقة النظر وبعد الهمم، والواقفين على أخلاق الخلق وعادات ~~الأمم، الذين تنكشف لضوء آرائهم غياهب الخطوب الداجية، وتنقاد للطف سياستهم ~~أزمة القلوب الآبية، فوصلنا إلى دار يزهر بياضها، ويبهر إيماضها، قد ضربت ~~عليها المحاسن أطنابها، وخلعت عليها الزخارف جلبابها، فسار بنا الخدم إلى ~~حجرة في جانب الساحة، أعدت للانتظار والاستراحة، وإذا برجل جالس فيها ~~يتمايل بين يقظان ووسنان، فرأسه كرة والكرى صولجان، فلما أحس بقدومنا ~~ودخولنا عليه، انتبه يزيح النعاس بإصبعه عن عينيه، فسلمنا فسلم، وهو يتثاءب ~~ويتلعثم، فتخيلناه من ظاهر جملته، وبذاذة هيئته، أنه صانع من الصناع أو تبع ~~من الأتباع، ولكن ما لبث أن ظهر لنا من مخاطبته للغلام، أنه ذو رحم في ~~البيت وذو مقام. # ثم التفت إلينا يخاطبنا ويقول، بعد أن ذهب الخادم مستأذنا في الدخول: ~~«قبح الله الخدم، فهم نقمة من النقم، شرهم حاضر، وخيرهم نادر، والعناء بهم ~~ليس له آخر، فكم أغضبوا حليما، وآذوا كريما، وكم كسروا الصحيح، وخلطوا ~~الصريح، وكم ارتكبوا جرما وإثما، وجاءوا إفكا وظلما وكم فتحوا الأغلاق، ~~واختلسوا الأعلاق، وكم أحدثوا الشقاق وأذهبوا الوفاق، وكم فرقوا بين المرء ~~وأهله، وحالوا بين الفرع وأصله، ولعنة الله عليهم في الدارين، فقد ذقت منهم ~~الأمرين، وكادت تصل بنا أفعالهم الشنيعة إلى ما لا يحمد من الجفاء ~~والقطيعة، وابني حرسه الله ينظر ويغضي، ويتحمل منهم ما لا يرضي، وهم يتجنون ~~علينا وينتصرون، وإذا أمرتهم بأمر لا يأتمرون، ويشهد الله أنني كلما رأيت ~~مال ابني في أيديهم يتبعثر ويتبدد، وثقته بهم تتضاعف وتتجدد، ذاب الفؤاد ~~فسال من العيون، مشوبا بماء الشؤون،[1] وأما وكيل البيت، وما أدراك ما ~~الوكيل، فحسبنا الله ونعم الوكيل، فتى لا تخطئ في النفاق مخيلته، ولا تطيش ~~في البيت حيلته، دأبه المكر والخداع، وديدنه الشقاق والنزاع، يرضى طفلا، ~~ليسخط كهلا، ويتملق ms115 للجارية في الحرم، وللوصيف من بين الخدم ...» # هذا، وما زال الرجل يشكو ويتضجر، ويتأفف ويتحسر، فلم ينقذنا من هذه ~~الشكوى التي تصم الآذان، إلا رجوع الغلام بجواب الاستئذان، فانتهينا من ~~شقشقة لسانه، وحمدنا الله على كرمه وإحسانه، ثم اقتفينا أثر الغلام إلى ~~حجرة بادية الرواء، مضيئة بالكهرباء، مفروشة بأثمن فراش، وأبدع رياش، على ~~اختلاف في الأجناس والأنواع، وتباين في الأشكال والأوضاع، فالتحفة الشرقية، ~~تقابلها الطرفة الغربية، وآنية الذهب يضارعها آنية الخشب، فوجدنا المجلس ~~حافلا بأهل الولاية والقضاء، من الرؤساء والوكلاء، فأخذنا مجلسنا نستمع ما ~~يدور من السمر، ونجني من أدبهم ما يحلو من الثمر، ودونك بعض ما اقتطفنا ~~وجنينا، وسمعنا ووعينا: # **أحدهم****: **نعم حبذا نصرة حزب الجيش على بقية الأحزاب في فرنسا، فإن في ~~ذلك لو تعلمون تحرير رقبتنا وانقضاء محنتنا.**ثانيهم****: **ما أبعد ما ~~ترمي وما أسرع ما تحكم، فهلا نبأتنا لله أبوك كيف ترتيبك لهذه القضية ~~واستقراؤك لهذه النتيجة، وما نحن وخذلان الأحزاب الفرنسية ونصرة حزب الجيش ~~عليها!**الأول****: **أراك لست بعويص الرأي في السياسة، ولا ببعيد الغور في ~~استخراج النتائج، ألا تعلم، لا زلت مسددا، أن في انتصار حزب الجيش قلبا ~~لهيئة الجمهورية ورجوعا بفرنسا إلى الملكية والإمبراطورية أو القنصلية، ~~فتأتينا بمثل أولئك الملوك والقواد الذين دوخوا الشرق والغرب، وقهروا ~~الممالك وأخضعوا الدول، وأصبحت لهم الكلمة العليا على أهل البسيطة، فلا ~~يمانعهم في أغراضهم ممانع، ولا يعارضهم في مطالبهم معارض، وإني لأعلم علم ~~اليقين ممن عاشرت من كبار الفرنسيين وصاحبت أنه لولا هذه الجمهورية لما ~~وصلنا نحن إلى هذه الحال.**ثالثهم****: **دعنا بالله من هذه الخيالات ~~واتركنا من هذا اللغو، ومثلك لا يحق له الشكوى من هذه الحال، فإنك متين ~~العلاقة بالمستشار، وما بينك وبين الوصول إلى المنصب الذي تتطلع إليه إلا ~~قيد شبر، وأنت مع ذلك في غنى عن خدمة الحكومة بما لك من الغنى واليسر، ولكن ~~ماذا تقول في من هو في حاجة دائمة إلى البقاء في أسر الحكومة وذل الخدمة، ~~ولولا الاحتياج إلى المرتب والاضطرار إلى الرزق ms116 لما أقمت في الخدمة يوما ~~واحدا.**رابعهم****: **وأنا والله لا أنتظر إلا أن يتم لي نصف معاش فأهجر ~~خدمة الحكومة، وأنجو بنفسي من أسر الرق وذل العبودية، ثم أعتمد بعد ذلك على ~~الاشتغال بالتجارة، فهي أهنأ عيشا وأعظم ربحا وأبعد بصاحبها عن مواقف الذل ~~والهوان.**خامسهم****: **ما أسخف الرأي وأضعف الفكر، ومن ينكر أن خدمة ~~الحكومة على كل حال هي أعلى قدرا وأرفع شأنا من بقية الحرف والصناعات، وكل ~~أسباب المعايش لا تخلو في هذه الدنيا من المتاعب والأكدار، ولكن خدمة ~~الحكومة أهونها حالا وأقلها عناء، ولا يفضل عليها الاشتغال بالتجارة إلا من ~~كان قليل التبصر في الأمور، ويكفيك برهانا على ما أقول أنك تستخدم التاجر ~~وتسخره ما دام درهمك في يدك، ولكن التاجر في حاجة أبدا إلى أصغر موظف في ~~الحكومة، وإن كان من أغنى الأغنياء، ولو تراهم إذ يفتخرون بينهم بزيارة ~~الكاتب ومجالسة المعاون وتحية القاضي ومخاطبة المدير، لعلمت أن خدمة ~~الحكومة بلغت في أعينهم وأعين بقية الطبقات مبلغا عظيما من الشرف والرفعة، ~~بحيث لو خيرت أحدهم بين الخروج عن ماله وعقاره وتجارته وأطيانه وبين الدخول ~~في صف الموظفين بالحكومة لخرج من كل ذلك خروج السهم من قوسه والأرقم من ~~جلده، ولحكم بأن السعادة كل السعادة فيما تعده أنت شقاء وبلاء وتعتبره ذلا ~~وهوانا.**سادسهم****: **على رسلك أيها القاضي لا تعكس القضية، ولا تقلب ~~الحقيقة، ولا تحمل ما تراه في أخلاق أهل التجارة والصناعة والزراعة من ~~الاستهانة بحرفتهم والاستعظام لأهل الحكومة على أن حرفتهم خسيسة في ذاتها، ~~بل ذلك حادث فيهم من جهلهم وضعف إدراكهم، وإلا فلو تخلى أحدهم عن طبقته، ~~ودخل في طبقتنا يوما لأدرك في الحال ما كان فيه من نعمة الاستقلال في العمل ~~والحرية في الرأي، ولعلم أن الموظف قد باع للحكومة حريته ووهب لها نفسه ~~تتصرف فيها تصرف المالك في ملكه مقابل مقدار من المال يعد لأجله ساعات ~~اليوم وأيام الشهر، ويربحه الواحد من أولئك الجاهلين بأحوالنا في يوم واحد ~~وهو أمير نفسه وسيد أهله، ويا ليت ms117 آباءنا كانوا انتبهوا إلى تعليمنا الصنعة ~~وتمريننا على التجارة، ولكن بئس ما صنعوا وبئس ما خلفونا له، ولو أنهم ~~كانوا أدركوا ما انتهت إليه حال الخدمة في الحكومة اليوم، ولم يغتروا بما ~~كان للحكام في الأزمان السالفة من الصول والطول والقوة والحول، واكتساب ~~المال من الجاه، ولو علموا أنه سيأتي زمان على هذه الحكومة التي كانوا في ~~أيديها كالأيتام في يد الوصي يكون أرباب المناصب فيه كالأطفال في حجر ~~المرضع؛ لعضوا الأنامل ندما ولأرسلوا بدل الدمع دما على ما فرطوا في أمرنا ~~وأهملوا في شأننا.**الخامس****: **إنك لتتكلم بكلام العجائز اللائي يقنعن ~~من دهرهن بالخسيس من الملبس والمطعم، وأين أنت هداك الله من طلب المعالي ~~وابتناء المفاخر، وتشييد المجد وخدمة الوطن وارتقاء المناصب للقدرة على ~~النفع والضرة، وأين أنت من قول الشاعر الحكيم: # ولو أن ما أسعى لأدنى معيشة %~% كفاني، ولم أطلب قليل من المال # ولكنما أسعى لمجد مؤثل %~% وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي وإلى الله المشتكى من زمن صغرت فيه النفوس، وضعفت الهمم وماتت العزائم، ~~ورضي الناس فيه بالخمول والسكون وبالعيش الدون.**السادس****: **إني لأعجب ~~منك أيها الفاضل كيف يغيب عنك الصواب إلى هذا الحد، فترى أن في خدمة ~~الحكومة سؤددا وعلاء ومجدا وسناء، وما هي إلا الذل والشقاء، والبلاء في أثر ~~البلاء، وأنا أفصل لك الحال تفصيلا لتعلم أن بقاء أمثالك في خدمة الحكومة ~~مع القدرة على التنحي عنها عجز وضعف، وجهل براحة الحياة وأي جهل فأقول: ~~تنقسم الرغبة في خدمة الحكومة إلى أربعة أقسام: * **القسم الأول: **الرغبة فيها للمال؛ أعني لسد العوز وكفاف العيش، وصاحب ~~هذا القسم يكون في حال المضطر الذي حكم عليه الدهر باحتمال الهوان لضرورة ~~الرزق، فهو مثلي يغبط حال كل صانع وتاجر وزارع، ويتمنى على الدوام أن يخرج ~~من خدمة الحكومة إلى صف أهل الصناعات الحرة. * **والقسم الثاني: **الرغبة فيها للجاه؛ أعني عزة المنصب ونفوذ الكلمة ~~ومضاء الحكم، وهو ميدان بعيد الشأو واسع الأطراف ليس لشوطه نهاية، ولا ~~لحدوده غاية، ولا بد فيه للجواد من ms118 كبوة، وللسيف من نبوة، وطالما كان ~~اعتلاء المناصب، وارتقاء المراتب، داعية للرزايا والمصائب، ومجلبة للبلايا ~~والنوائب. # والشر يجلبه العلاء وكم شكا %~% نبأ علي ما شكاه قنبر2 # ولو سلمنا أن صاحب المنصب سلم من المعاطب ونجا من الخطوب، فهو لا يزال ~~طول حياته في هم ونصب كلما ارتقى في المنصب درجة، وجد فوقها درجة أخرى يحسد ~~من يليها، ويحقد على من يعتليها، ولا يفتأ مستعظما لما فوقه طامعا فيه ~~مستصغرا لما في يده راغبا عنه، فهو في ذهول دائم عن التمتع بلذة الحياة ~~التي يجري وراءها غير راض عن نفسه، ولا الناس عنه راضون، وهذا هو منتهى ~~الشقاء والبلاء وملتقى الكمد والكدر. # ذلك الخائب الشقي وإن كا %~% ن يرى أنه من السعداء # يحسب الحظ كله في يديه %~% وهو منه على مدى الجوزاء # وأخلق بمن كان همه أبدا التطلع إلى غير ما في يده أن يكون أنحس البرية ~~حالا وأمضهم عيشا، ولذلك زهد الراسخون في العلم من الفلاسفة والحكماء في ~~اعتلاء المناصب، ورغبوا عن اغتراب غاربها، وحذروا العقلاء من السعي وراءها ~~وشغل النفس بها، هذا كله إذا كان المنصب عظيم الجاه نافذ الأمر، وكان ~~الوصول إليه من طريق الفضيلة والشرف، والحصول عليه من باب الجدارة ~~والاستحقاق، فأما والطريق إلى المناصب كما نراه اليوم قاصر على التوسل ~~والتوسط وإهراق ماء الحياء، والمنصب على ما تعلم لا أمر فيه ولا نهي، ولا ~~حل ولا عقد، فالفرار منه أجدر بطالب الجاه وأحرى، والتباعد عنه أشرف بذي ~~الفضل وأسنى، والنزول عنه نعم المنصب العالي، لطلاب المعالي. # * **والقسم الثالث: **الرغبة في المنصب لشغل النفس دون سواه دفعا للسأم ~~والملل وتضييعا لأوقات الحياة وساعات العمر في الاشتغال بحاجات الناس، ~~والتلهي بها عن تهذيب النفس، ولا يدخل في هذا القسم إلا من كان فارغ الفؤاد ~~خاوي الصدر خاليا من كل أدب وفضل مشغول الضمير بالوساوس والهواجس، فأكره ~~شيء لديه نفسه وأثقل حمل عليه حياته، ولا بد له من مشاغل متجددة ومسائل ~~متعددة تشغله عن الخلوة بنفسه التي صارت عنده ms119 إذا هو خلا بها لحظة كأنها ~~خلية من خلايا الزنابير أو وكر من وكور الأفاعي، وهيهات أن يبلغ المسكين ~~غرضه يوما؛ لأن من ضاقت عليه نفسه كان العالم عليه أضيق، ومن ثقلت عليه ~~أخلاقه فالخليقة عليه أثقل. * **والقسم الرابع: **الرغبة في خدمة الحكومة لخدمة الوطن ونفع الأمة، وهذا ~~مطلب عقيم النتيجة أيضا؛ لأنه لا يتفق لنا الجمع بين المحافظة على البقاء ~~في المنصب، وبين الاستقلال في الرأي الذي تقتضيه مصلحة الوطن، ومن أراد أن ~~يخدم وطنه فليتخلص من قيود الحكومة ويخدمه، وهو مطلق اليدين واسع التصرف. # ولا تنس فوق هذا كله ما يعقب حلاوة الولاية من مرارة العزل، خصوصا في بلد ~~ينسبون فيه إلى صاحب المنصب كل فضيلة وينزعونها عنه إذا سقط منه، فالرجال ~~عندنا بالمناصب لا المناصب بالرجال على عكس ما قد قيل: # إن الأمير هو الذي %~% يضحي أميرا يوم عزله # إن زال سلطان الولا %~% ية لم يزل سلطان فضله # فمن ذا الذي يقبل الدخول في خدمة الحكومة، وهو يجد عنها محيصا إلا من ~~أضله الله على علم، ولذلك فإني عاهدت نفسي أن أتخير لأولادي في تعلمهم ~~صناعة يتعيشون بها أحرارا، وتكون معهم أينما حلوا وساروا لا يسلبها منهم ~~تقلب السياسة وتغير الحوادث، ولا يؤثر فيهم غضب زيد أو رضى عمرو. # **سابعهم****: **لله أنت ما أحلى بيانك، وأجلى برهانك! وأنا معك في هذا ~~الحكم، وعلى هذا العزم.**الثاني****: **اتركوا هذه الخطب المكدرة والأفكار ~~المحزنة، وخذوا بنا في حديث غير هذا يفرج عنا ويروح، ولا تجمعوا علينا بين ~~ذل النهار وهم الليل، وهل لك يا فلان أن تقوم معي للمسابقة والرياضة ~~بالبسكليت؟**الأول****: **الأحسن من هذا أن تأتونا بالفونوغراف نستمع ~~إليه.**ثامنهم****: **أو قوموا بنا إلى عرس فلان فقد بلغني أن فيه «بوفيه» ~~لم يسمع بمثله حسنا ووضعا.**الأول****: **أنا معك.**الثامن****: **لكن على ~~شرط أن تقيم معي هناك نستمع الغناء.**الأول****: **لست معك في هذا، بل نخرج ~~من البوفية إلى الأزبكية لسماع الموسيقا الإنجليزية أو الأوبرا ~~التليانية.**الرابع****: **أنا لا أتوجه معكما؛ لأنني ذاهب إلى ~~«الكلوب».**السابع****: ms120 **انتظروا قليلا حتى نقرأ جرائد ~~المساء.**الخامس****: **علي بالجرائد الفرنسية منها فهي أصح من العربية ~~أخبارا وأغزر مادة.**الثالث****: **اقرءوا الجرائد العربية أولا واحدة بعد ~~أخرى أو بعضها مع بعض.**الثاني** (قارئا)**: **«آسيا في أوروبا وأمريكا في ~~أفريقيا».**الرابع****: **ماذا جرى لصوابك يا عزيزي؟ اقلب الصحيفة الأولى ~~فما لنا ولهذه المقالات الافتتاحية، وما لنا ولهذه الأفكار ~~الصبيانية؟**الثاني** (قارئا في الصحيفة الثانية)**: **«الإسكندرية ~~لمكاتبنا»؛ «الأمة برجالها والمناصب بأربابها والمعارف هي التي تخرج لنا ~~رجال المستقبل، ومن أين لنا بالرجال إذا كانت تبخل بالمال، فالمستقبل حينئذ ~~مظلم والوطن آسف ولا نهضة للأمة إن لم تنهض العواطف لإنشاء مدرسة كلية أو ~~معارف أهلية وبخلاف ذلك كان» ...**الرابع****: **حسبك أيها القارئ حسبك، ~~أما قلنا لك: لا تقرأ هذه المقالات المعلومة؟**السابع****: **اترك ~~«الإسكندرية» إلى غيرها.**القارئ** (الزقازيق لمكاتبنا)**: **يثني العموم ~~بلسان واحد على حضرة مأمور البندر لاهتمامه بالكنس والرش ...**الثامن****: ~~**أنعم به وأكرم وأكثر الله من أمثاله في خدمة الوطن عليك يا صاحبي ~~بالحوادث الداخلية.**القارئ****: **«يسافر سعادة العضو الوطني في السكة ~~الحديدية إلى الإسكندرية في هذا المساء، ويحضر سعادة مدير البوستة إلى ~~العاصمة على إكسبريس الصباح ...»**الثامن****: **اترك قراءة هذا ~~«المانيفستو» أيضا.**القارئ****: **«سبقنا فذكرنا أن مجلس النظار بحث في ~~الجبانات، والآن نذكر نص القرار ...»**الثامن****: **جعل الله الجنة قراره ~~ومثواه، فدعه واقرأ لنا سواه.**القارئ****: **«وصل سعادة السردار إلى أم ~~درمان، وقد بلغنا عن ثقة أن أهم ما يشتغل به الآن هو السؤال عن أحوال ~~السودان».**الثامن****: **سبحان الله كنت أظن أنه سيشتغل هناك بالسؤال عن ~~أخبار اليابان وحوادث اليونان.**القارئ****: **«يسم البوليس الكلاب الضارة ~~...»**الثامن****: **نسأل الله السلامة والهداية للجميع.**القارئ****: ~~**«كتب إلينا أحد أفاضل الأطباء بأنه اكتشف علاجا يشفي من كل داء مزمن ومرض ~~عضال، ويقول - حفظه الله - في آخر رسالته: إنه من غرامه بصدق لهجة جريدتنا ~~صار لا يفارقها حتى ولا في منامه على فراشه ...»**الثامن****: **لا نزاع في ~~هذه الكفاءة وسبحان الموفق.**القارئ****: **«رزء عظيم: قد فجع الإسلام ~~وانهدم ركن الدين وأظلم الكون؛ إذ قصفت المنون غصن نقيب الأشراف بالدير ~~الطويل ms121 عن ست وتسعين سنة قضاها في عمل البر والإحسان؛ فكان لنبأ موته أسف ~~وحزن في قلوب أهل بلده خصوصا والقطر المصري عموما».**الثامن****: **لا حول ~~ولا قوة إلا بالله، لا بد أن تكون أسعار البورصة هبطت لهذا النبأ هبوطا ~~فاحشا في القطر المصري، خصوصا وفي الولايات المتحدة عموما.**القارئ****: ~~**«نفيد حضرات القراء أنه لا يزال التحقيق جاريا في قضية التزييف، ولم يتم ~~فيها شيء للآن، ومتى تم نبادر إلى نشره إفادة لحضراتهم كما هي عادتنا في ~~نشر الأخبار بأوقاتها.»**الثامن****: **أفادكم الله ونفعنا بهذه ~~الأخبار.**القارئ****: **«فاتنا أن نذكر أن حضرة وكيل دائرة الهياتم كان في ~~مقدمة المشيعين لجنازة المأسوف عليها، وردة جعلان في الأسبوع الماضي، وكذلك ~~فاتنا أن نهنئ حضرة مكاتبنا الفاضل «بنزلة واكد»، حيث رزقه الله بولادة ~~مولود جعله الله من أولاد السعادة.»**الثامن****: **جل من لا يغفل ولا ~~ينسى، ولكن فاته أن يذكر أكان ذكرا أم أنثى.**القارئ****: **«لدغت عقرب ~~ابنة في قسم الوايلي.»**الثامن****: **نعوذ بالله هذا كله ناشئ من إهمال ~~الحكومة في «الاحتياطات الصحية»، ومن غفلة البوليس عن ضبط الوقائع ~~الجنائية.**القارئ** (للثامن)**: **يكفيك يا حضرة القاضي من السخرية ~~والاستهزاء واسمع لهذا النبأ العظيم.**الثامن****: **سمعا ~~وطاعة.**القارئ****: **«بلغنا اليوم أن الحكومة تبحث الآن في مشروع فتح ~~شارع المرور، ونحن بلسان العموم وبالنيابة عن الأمة المصرية الأسيفة نحذرها ~~من عواقب هذا المشروع الوخيمة، الذي يكون من ورائه رسوخ قدم الأجنبي في ~~البلاد، وسنشرح لحضرات القراء مضار هذا المشروع في مقالة ~~افتتاحية.»**الأول****: **إن هذا الخبر لا يعلم به أحد سواي، فكيف وصل إلى ~~الجرائد؟**الثامن****: **إني لأخشى إن دام إفشاء الأسرار على هذه الحال أن ~~يعمد أرباب الحل والعقد إلى استخدام الخرس في مجالس الحكومة رجوعا إلى ~~العادة القديمة في مجالس الوكلاء بالدولة العثمانية.**الرابع** (للثاني)**: ~~**اقرأ بقية الأخبار المحلية.**الثاني****: **لم يبق في الجرائد الثلاث إلا ~~التلغرافات والإعلانات.**الرابع****: **أراك لم تقرأ إلا جريدة واحدة فما ~~قولك: «الجرائد الثلاث»؟**الثاني****: **هي كما تعلم نسخة واحدة في ~~الأخبار، وإن كانت مختلفة في الأسماء.**الرابع****: **اقرأ لنا ~~التلغرافات.**الثاني** (قارئا)**: **«ديروط الساعة 8 والدقيقة ms122 37 كان ~~الاحتفال بتوديع حضرة النشيط معاون بوليس المركز هائلا، وتليت الخطب وأنشدت ~~القصائد والتفصيل بالبوستة.»**الرابع****: **ما هذه الصغائر؟**الثاني****: ~~**هي التلغرافات الخصوصية.**الرابع****: **علينا بالعمومية. # قال عيسى بن هشام: وما قرأ القارئ التلغرافات السياسية حتى استدار أهل ~~المجلس حلقة يكثرون اللغط في شرحها، ويرجمون الظنون في تأويلها. # وما فيهم إلا من هو على خلاف لرأي صاحبه، وإذا هم قد عادوا إلى مثل ما ~~كانوا فيه وقت دخولنا عليهم، ولما وجدنا الجدال يحتدم بينهم اشتعالا، خرجنا ~~من بينهم انسلالا، وتركناهم في سياستهم يتيهون، وفي ضلالهم يعمهون. ### | العرس # قال عيسى بن هشام: ولما فرغنا من زيارة تلك المحافل المشهودة، والمجالس ~~المعدودة، قلت للباشا: قد آن أن نعود إلى ما كنا فيه من الانفراد ~~والاعتزال، ونبتعد عن مثل هذا الاختلاط والابتذال، فأجابني وهو يظهر ~~التوقف، ويبدي التأفف: «ما بالك تقطع علي الطريق، في البحث والتحقيق؟ وما ~~لك تحرمني السعي والاجتماع، للاطلاع على العادات والطباع؟ ولم تختار أن ~~نقتصر على ما في الكتب والأوراق، لمعرفة الآداب والأخلاق؟ فنترك النظر ~~للخبر، واللمس للبس، والممارسة للمقايسة، وأي الطبيبين أدق صنعا، وأكثر ~~نفعا: الطبيب الذي يقتصر على الكتب في درس الأعضاء والأحشاء، أم الطبيب ~~الذي يدرسها في تشريح الجثث وهي تسيل بالدماء؟ على أنه قد زال عني في هذه ~~المدة، ما كان يعترضني من الغضب والحدة، وانقلب العسر من أمري يسرا، وغدا ~~التقطيب بحمد الله بشرا، وصرت لا أقابل عيوب الخلق، بغير الحلم والرفق، ~~وتعلمت أن أتحلم، ولا أتألم وأتبصر، ولا أتحسر، وأتدبر، ولا أتضجر، فأنا ~~اليوم أتفكه بمخالطتهم وأتروح بمباسطتهم، فلم يبق لك من عذر وجيه، ترتضيه ~~بعد ذلك وترتجيه». # وما زال الباشا يجري على هذا النمط في الشرح والبيان، ويأخذني بالبرهان ~~في أثر البرهان، حتى ملكني بسلطان حجته، وأنزلني على حكم رغبته، وكنت دعيت ~~فيمن دعي من الناس إلى وليمة عرس من أكبر الأعراس، فقلت له: عندي اليوم حد ~~الكفاية، في بلوغ الغاية، فهلم إلى المحفل الذي تحتشد فيه المحافل، والمنهل ~~الذي تتفرع عن المناهل، وسرت ms123 به منذ أرخى الظلام من سجوفه وأستاره، وبدأ في ~~الطور الأول من أطواره، فما قربنا من قصدنا حتى وجدنا الليل هناك نهارا ~~يتألق، وفحمة الدجى جمرة تتحرق، فدخلنا ساحة كأنها مدينة، تبرجت في يوم ~~الزينة، فوقفنا هنيهة في وسط المزدحم، لا نجد موضعا للقدم، حتى أخذ بيدنا ~~أحد المستقبلين بالباب، من ذوي العلامات في الثياب، فدسنا بين جماعة لم ~~نعرف منهم أحدا، ولم يحسنوا لتحيتنا ردا، فجزيناهم على ذلك بغض الطرف، ~~وأقمنا بينهم لا ننطق بحرف، ثم أخذنا نتلمس بأعيننا صاحب الدار، فلا نهتدي ~~له على قرار، كأنما صنعت الوليمة في غيبته، وأقيم الاحتفال انتظارا لأوبته، ~~أو أننا أخطأنا العرس إلى سواه، واشتبه علينا مقره ومثواه، فهممنا بالقيام ~~والمسير، لولا أن أشار لنا بالسلام مشير، فتبيناه صديقا لنا من الخلصاء، في ~~جمع من الفضلاء والأدباء، فقصدناهم فأفسحوا لنا بينهم مكانا رحبا، وجلسنا ~~معهم نجتني ثمر الحديث يانعا ورطبا، وعلمنا منهم أن رب الدار في ذهول لا ~~يدرك ما يذره وما يأتيه، وأن صاحب البيت لا يدري الليلة بالذي فيه، وأن لا ~~تثريب عليه ولا لوم، فهو مشغول بتحية كبار القوم، ممن لم يخالطهم قبل اليوم. # **الباشا****: **وهل يدعو الناس إلى أعراسهم من لم يعرفوه أو يخالطوه من ~~قبل؟**أحد الأصدقاء****: **نعم يدعو الناس إلى أعراسهم كل من علا له صيت، ~~واشتهر له اسم من الأمراء والكبراء والعلماء، فمنهم من يجيب الدعوة ومنهم ~~من لا يجيبها لعدم معرفته لصاحب العرس، وبين الكبراء جماعة اشتهروا بأنهم ~~لا يخيبون للداعي رجاء، ولا يتخلفون مرة عن إجابة الدعوة حتى صاروا من عمد ~~الزينة وأساطين الأعراس.**الباشا****: **وما الغرض لصاحب العرس من هذا ~~كله؟**الصديق****: **الغرض منه أن يذاع بين الناس تشريف هؤلاء الكبراء ~~والعلماء لبيته، وأكثر الذين نراهم يقيمون ولائم الأعراس ينفقون عليها ~~جانبا عظيما من ثروتهم لا غرض لهم منها سوى ذلك وحده، وفيهم من وصل به حب ~~الشهرة والفخفخة أن أنفق في إقامة العرس جميع ماله، ثم بقي عليه من الدين ~~ما أخل بنظام معاشه، ms124 وأعرف تاجرا من التجار أنفق الجانب الأعظم من رأس ماله ~~في إقامة عرس كبير، ثم قسم دفاتر تجارته إلى شطرين: شطر يحتوي على بيان ما ~~بقي لديه من أصناف التجارة وأجناسها، وشطر يتضمن أسماء من حضر العرس من ~~الأمراء والكبراء، وقل أن تشتري منه صنفا إلا ويذكر لك منهم اسما يقسم ~~بحياته ورأسه أن الصنف جيد والثمن في جنبه هين.**الباشا****: **ما كنت أعهد ~~أن الأعراس تكون على هذه الحال من استخدامها للشهرة والصيت، بل كنت أعهدها ~~أنها تقام لائتناس صاحب العرس بأصحابه وأصدقائه ومشاركتهم له في صفوه ~~وهنائه، ولإطعام المساكين ومساعدة الفقراء.**الصديق****: **ليس للفقراء ~~اليوم ولا للمساكين نصيب في طعام الأعراس، بل هو من نصيب مثل هذا الوفد ~~الخارج أمامك وأضرابهم.**الباشا****: **إني أعرف من هؤلاء الخارجين ثلاثة ~~أشخاص اجتمعت بهم في مجلس للعلماء.**الصديق****: **نعم هذا الوفد كله من ~~كبار العلماء وحملة الشريعة وأئمة الدين.**الباشا****: **وما لي أراهم ~~يسرعون ويهرولون في خروجهم، وما الذي وقع لهم حتى يتركوا العرس منذ أول ~~الليل، وليت شعري ما الذي أزعجهم وأخرجهم، أنزل بالدين مكروه؟ أحل بالإسلام ~~خطب؟ أحدث بين الناس حادث بدعة يستدعي قيامهم للأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر؟**الصديق****: **لم يحدث من كل ذلك شيء ولم يعرض لهم عارض، وإنما هي ~~عادة لهم ألفوها في الولائم والمآدب إذا انتهوا من غسل أيديهم بعد تناول ~~الطعام بادروا إلى الخروج من العرس، فتراهم عند قول أحد الظرفاء «يد في ~~الكباب، ورجل في الركاب.» والذين يعتذرون لهم يقولون: إنهم علماء عاملون ~~بقوله تعالى: @QUR@03 فإذا طعمتم فانتشروا وإنهم يرون سماع الغناء مكروها ~~في الدين فلا يجلسون في العرس بعد الطعام خشية أن يبتدئ الغناء فيحل بهم ~~المكروه.**الباشا****: **ومن هذا الشيخ المتخلف عنهم القادم ~~علينا؟**الصديق****: **هذا الشيخ المتخلف عالم من أفاضل العلماء ونبهائهم، ~~وهو قادم علينا للجلوس معنا، فإن فينا من يأتنس به ويصبو إلى ~~مجالسته.**الباشا** (للشيخ بعد جلوسه)**: **أرجوك أن تسامحني في فضول ~~القول، فلا صبر لي عن الاستعلام والاستفهام خصوصا إن كان في الأمر ما يخص ~~الدين، ms125 فقد قيل لي: إن السبب في مغادرة وفد العلماء للعرس في عقب الطعام هو ~~كراهتهم لحضور مجلس الغناء، فهل لك أن ترشدني إلى القول الأصح في هذا ~~الباب، وما الذي يجب أن يؤخذ به، وكيف انفردت أنت عنهم بالبقاء والجلوس ~~ورضيت سماع الغناء إن كان مكروها.**الشيخ المتخلف****: **الكلام في هذا ~~الباب طويل، وما أظن السبب الأعظم في المبادرة بالخروج إلا طلب الجسم ~~للراحة بعد الامتلاء.**الباشا****: **إني أريد أن أهتدي بهديك في باب سماع ~~الغناء وتقرير كراهته أو إباحته، فلا تبخل علينا بفضلك وعلمك، والوقت وقت ~~مسامرة، فإن أردت أن نقضي جانبا منه فيما ينفع ويفيد فقد أديت واجبا عليك ~~في الدين، وجعلتنا لك من الشاكرين.**الشيخ المتخلف****: **اعلم أن طرب ~~الغناء أمر غريزي راسخ في طبيعة الحيوان، ومن الحيوانات العجم وضواري ~~الوحوش ما تسمع الغناء فتحن إليه وتسكن به، فيضعف من قسوتها ويكسر من ~~حدتها، وربما ذلت به رقابها وأمكن قيادها، وهذه الفيلة وهي من أكبر الحيوان ~~أجساما وأشدها بطشا إذا سمعت صوتا مرنما أو كلاما منغما لم يلبث هذا الجسم ~~العظيم أن يتمايل ترنحا ويهتز طربا - ولو كان في مواقف النيران - اهتزاز ~~الحمامة المطوفة على فنن من الأفنان، وهذه الإبل المعروفة بأنها أغلظ ~~الحيوان أكبادا تراها إذا براها السرى وأضناها التعب وأهلكها الظمأ فتغنى ~~لها الحادي ذهلت في الحال عما أصابها، وتعللت بالغناء عن مناهل الماء، وهي ~~على الخمس في ظمئها أو العشر،[1] ونشطت به تستعيد القوى لاستئناف السرى، ~~وطالما شاهد المشاهدون هوام الأرض ودوابها تخرج من كهوف الجبال وبطون ~~الرمال، فتجتمع جيوشا تتبع جيوش الحرب في مسيرها، وقد ظهر لأحد الباحثين من ~~علماء الطبيعة عن علة ذلك الاتباع أن صوت الموسيقى أمام الجيوش هو الجاذب ~~لها، والدافع بها للخروج من أوكارها وأحجارها للمسير خلف الجيش، ومن ~~الروايات العتيقة أن أحد الموسيقيين من الفلاسفة كان عند شاطئ بحر يبغي ~~الشاطئ الآخر ولا يجد ما يحمله إليه فجلس يلهي نفسه بالغناء وإذا بدلفين[2] ~~قد شق أمواج البحر يتدنى من صاحب الصوت، ms126 فلم يزل في تدنيه والفيلسوف في ~~تغنيه حتى حاذى الشاطئ وسكن يستمع، فأيقن الفيلسوف أنه استهواه بتأثير ~~الغناء وذلله بقوة الطرب فامتطاه يسخره كيف شاء، فوق عباب الماء، كأنه مطية ~~وجناء،[3] تسير في عرض البيداء على توقيع الحداء، وحكاية إبراهيم بن المهدي ~~في اقتياده الوحوش الضارية بسحر غنائه مشهورة مذكورة. هذا بعض ما يقال في ~~تأثير الغناء في الحيوانات العجماء مع ضعف إدراكها وكثافة إحساسها ونقص ~~خلقها، فما بالك بتأثيره في الإنسان وهو أسمى الحيوان رتبة، وأكمله خلقة، ~~وأعظمه إدراكا، وأصفاه جوهرا، وألطفه روحا؟ # والغناء في تعريف قوم من الفلاسفة فن يقصد به تحريك النفس بتنسيق الصوت ~~وتأليفه على طريقة ترتاح لها الأذن، فتهتز له نفوس أرباب المدارك العالية ~~والأمزجة الصافية، وهو القوة المساعدة لقوة النطق في التأثير في السامع، ~~وكان القدماء يعتبرونه لغة عامة لسائر الناس يفهمونها على اختلاف لغاتهم ~~وألسنتهم، وكان لا بد لطالب الفلسفة عندهم من الإحاطة بفن الموسيقا مع ~~الرياضيات، وقد عبر عنه الحكيمان الكبيران «فيثاغورس» و«هرمز» أنه علم ~~التنسيق لكل شيء، ولذلك أطلقوا عليه لفظة «أرمونيا» ومعناها النظم والتنسيق ~~ومنه الترتيل، وكلهم مجمعون على أن لا شيء في العالم يعادل تأثير الغناء في ~~تهيئة النفوس وتوطئة القلوب لقبول الفضائل والكمالات، وعندهم أن الذي لا ~~يتأثر منه لا بد أن يكون به نقص في الخلقة، والغناء مغروس في طينة الإنسان ~~منذ نشأ في حجر الطبيعة، ومنذ استهل في المهد باكيا فلا يسكن إلا به، ولا ~~يراح عنه إلا بتطريبه، وفضل تأثير الغناء في النفوس على تأثير الكلام كفضل ~~الشعر البليغ في لغته على ترجمته كلاما غير موزون إلى لغة أخرى. # والوقائع كثيرة جمة في التاريخ تشهد بقوة تأثير الغناء، منها أن أهل ~~مدينة إسبرطة كانوا في فتنة اشتد لهيبها وعظم شرها، فعمد جماعة من ~~الموسيقيين إلى مكان الزعماء القائمين بأمرها، فما زالوا يغنونهم حتى طربوا ~~فصفت أرواحهم ورقت نفوسهم ولانت عريكتهم، فانتهوا من أنفسهم عن إشعال نار ~~الثورة فخمدت، وقام صياح الطرب، مقام صياح الشغب، ومنها ms127 أن أهل سويسرا ~~كانوا ينزلون عن رءوس الجبال للاحتشاد في الجند، فإذا انعقد جمعهم أغرى ~~العدو بهم من يغني فيهم بلحن لهم معروف يتغنى به الرعاة في قلل الجبال ~~فيشتغل في نفوسهم لهب الوجد، وتهيج فيهم ثائرة الحنين وينزع بهم الشوق إلى ~~منازلهم فيلقي أسلحتهم عن أيديهم، ويذهب بهم على وجوههم، وقد تكرر وقوع ذلك ~~فيهم حتى قرر رؤساؤهم الحكم بالإعدام على كل من تغنى بينهم بذلك الغناء، ~~ومنها حكاية الحكيم أبي نصر الفارابي مع سيف الدولة بن حمدان؛ إذ أضحك أهل ~~مجلسه وأبكاهم ثم أنامهم وتركهم، وقد كان خطباء الدولة الرومانية يتسابقون ~~إلى تنسيق أصواتهم في الخطابة وتتبع النغم لتأثير القول في النفوس، وربما ~~استصحب بعضهم مع أحد الموسيقيين بآلة من آلات الطرب، فيجعله بجانب المنبر ~~حتى إذا وجده خرج عن النغم أو شد نبهه بصوت الآلة فيرجع إلى الأصل، ولسنا ~~نجد بين الأمم أمة في بداوتها وحضارتها وماضيها وحاضرها إلا وعندها الغناء ~~في الجيش آلة من آلات الحرب تعين على ممارسة الأهوال، وتثير إلى منازلة ~~الحتوف، وكان القدماء منذ عهد داود - عليه السلام - يعتقدون أن الغناء يشفي ~~من الأمراض والأسقام، وكان «إيسمين» في مدينة «تيب» يزعم أنه يشفي من عرق ~~النسا بصوت الناي، وكان «هوميروس» و«جالينوس» و«بلوتارك» من بعدهما يؤكدون ~~أن الغناء يشفي من الطاعون ومن داء المفاصل ومن نهش الأفاعي، وقام اليوم ~~جماعة من كبراء الأطباء في أوروبا يقررون بعد كثرة التجارب أن الغناء دواء ~~نافع لكثير من الأمراض، وأطلقوا عليه لفظة «ملوترابيا» يعني العلاج بالطرب، ~~كما قرروا من قبل «الهيدروترابيا» وهي المعالجة بالماء «والاليكتروترابيا» ~~وهي المعالجة بالكهرباء، وقد جرب أطباء فرنسا تأثير الغناء في وظائف ~~الأعضاء بآلة حاسبة، فوجدوا أنه يزيد في دورة الدم وفي حركة التنفس سرعة ~~مقبولة، وذهب بعضهم أن للأخشاب التي تتخذ منها آلات الطرب تأثيرا آخر على ~~المريض مثل اتخاذ الناي من خشب الكينا فإن سماعه يشفي من الحمى، وبلغت ~~العناية بهذا الفن في ألمانيا أنهم جعلوه درسا من الدروس الأساسية يبتدئ ms128 به ~~التلامذة ابتداءهم بحروف الهجاء، وينتهون منه انتهاءهم من دروس الفلسفة. # وجماع القول في هذا الباب من جهة البحث والنظر أن الخالق جلت عظمته قد ~~جعل من فضله ونعمته على الإنسان لكل حاسة لذة؛ فلذة النظر في تناسق ~~المرئيات وترتيب أجزائها وذلك هو الجمال، ولذة الذوق في ائتلاف الطعوم وذلك ~~هو العذوبة، ولذة الشم في لطف الرائحة وذلك هو الطيب، ولذة اللمس في تناسب ~~أجزاء الملموس وذلك هو النعومة، ولذة السمع في اتساق الصوت وحركة توقيعه ~~وذلك هو الغناء. # وأما القول فيه من جهة الدين فقل أن تجد دينا من الأديان في أنحاء العالم ~~إلا ويستعان فيه على العبادات بالترتيل والترنيم والتنغيم، لما ينشأ عن ذلك ~~من صفاء النفوس وانتعاش الأرواح للتجرد والاتصال بالعالم الروحاني، وما كان ~~الدين الإسلامي وهو دين الأذان لينكر سماع الغناء ويحكم بكراهته، وشأنه في ~~فطرة الإنسان على ما بينته لك، وناهيك بما ورد في الخبر الصحيح أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم سمع نسوة يتغنين في وليمة عرس، فلم ينكر ذلك عليهن، وقد ~~استقبله - عليه السلام - نسوة من الأنصار عند مقدمه من إحدى الغزوات ~~بالدفوف والمزاهر وهن يتغنين على الإيقاع بقولهن: # طلع البدر علينا %~% من ثنيات الوداع # وجب الشكر علينا %~% ما دعا لله داع # فلم ينكر ذلك عليهن أيضا، وهذا عمر بن الخطاب، على المعروف من غلظته ~~وشدته في الدين، قد سمع الغناء فلم ينكره ولم يكرهه بل استعاد ومزح، روي عن ~~أسلم مولاه قال: مر بي عمر - رضي الله عنه - وأنا وعاصم نغني فوقف وقال: ~~أعيدا علي. فأعدنا عليه وقلنا: أينا أحسن صنعة يا أمير المؤمنين؟ فقال: ~~مثلكما كحماري العبادي قيل له: أي حماريك شر؟ قال: هذا ثم هذا، فقلت له: ~~أنا الأول من الحمارين؟ قال: أنت الثاني منهما، وكان عبد الله بن جعفر على ~~قرابته من رسول الله وصحبته له كثير الجلوس لسماع الغناء عظيم الاحتفال به. # وروي أن معاوية قال لعمرو بن العاص: امض بنا إلى هذا الذي قد تشاغل ~~باللهو وسعى ms129 في هدم مروءته حتى نعيب عليه فعله؛ يريد عبد الله بن جعفر بن ~~أبي طالب، فدخلا إليه وعنده من المغنين «سائب خائر» وهو يلقي الغناء على ~~جوار لعبد الله، فأمر عبد الله بتحية الجواري لدخول معاوية، وثبت سائب ~~مكانه وتنحى عبد الله عن سريره لمعاوية، فرفع معاوية عمرا فأجلسه إلى ~~جانبه، ثم قال لعبد الله: أعد ما كنت فيه، فأمر بالكراسي فألقيت، وأخرج ~~الجواري فتغنى سائب بقول قيس بن الخطيم: # ديار التي كادت ونحن على منى %~% تحل بنا لولا نجاء الركائب # ومثلك قد أصبيت ليست بكنة %~% ولا جارة ولا حليلة صاحب # وردده الجواري عليه فحرك معاوية يديه وتحرك في مجلسه، ثم مد رجليه فجعل ~~يضرب بهما وجه السرير، فقال له عمرو: اتئد يا أمير المؤمنين فإن الذي جئت ~~لتلحاه أحسن منك حالا وأقل حركة، فقال معاوية: اسكت لا أبا لك فإن كل كريم طروب. # ودخل المغنون منزل سكينة بنت الحسين سبط رسول الله، فأذنت للناس إذنا ~~عاما، فغصت الدار بهم وصعدوا فوق السطح، وأمرت لهم بالأطعمة فأكلوا منها، ~~ثم إنهم سألوا «حنينا» أن يغنيهم صوته الذي أوله: # فقال لهم: «ابدؤوا أنتم، فقالوا: ما كنا لنتقدمك ولا نغني قبلك حتى نسمع ~~هذا الصوت، فغناهم إياه، وكان من أحسن الناس صوتا فازدحم الناس على السطح ~~وكثروا ليسمعوه، فسقط الرواق على من تحته فسلموا جميعا وأخرجوا أصحاء، ومات ~~حنين تحت الهدم، فقالت سكينة عليها السلام: لقد كدر علينا حنين سرورنا.» # وذكر الدلال المغني عند عبد الله بن أبي عتيق بن عبد الرحمن بن أبي بكر ~~الصديق - رضي الله عنهم - فقال: إنه كان يحسن: # لمن ربع بذات الجي %~% ش أمسى دارسا خلقا # ثم استقبل ابن أبي عتيق القبلة يصلي، فلما كبر سلم، ثم التفت إلى أصحابه ~~فقال: اللهم إنه كان يحسن خفيفه فأما ثقيله فلا ... الله أكبر. # ولقي «ابن أبحر» عطاء بن أبي رباح وهو يطوف بالبيت الحرام، فقال: اسمع ~~صوتا للغريض، فقال له «عطاء»: يا خبيث أفي هذا الموضع؟ فقال ابن أبحر: ورب ms130 ~~هذه البنية لتسمعنه خفية أو لأشيدن به، فوقف له فتغنى: # عوجي علينا ربة الهودج %~% إنك إن لا تفعلي تحرجي # أني أتيحت لي يمانية %~% إحدى بني الحرث من مذحج # نلبث حولا كاملا كله %~% لا نلتقي إلا على منهج # في الحج إن حجت وماذا منى %~% وأهله إن هي لم تحجج؟ # فقال له «عطاء»: الكثير الطيب يا خبيث. # وولي قضاء مكة الأقوص المخزومي فما رأى الناس مثله في عفافه ونبله، فإنه ~~لنائم ليلة في جناح له؛ إذ مر به سكران يتغنى بصوت للغريض فأشرف عليه فقال: ~~يا هذا شربت حراما، وأيقظت نياما، وغنيت خطأ، خذه عني، فأصلحه له وانصرف. # وكان لأبي حنيفة - رحمه الله - جار بالكوفة يغني، فكان إذا انصرف وقد سكر ~~يغني في غرفته فيسمع أبو حنيفة غناءه فيعجبه، وكان كثيرا ما يغني: # أضاعوني وأي فتى أضاعوا %~% ليوم كريهة وسداد ثغر # فلقيه العسس ليلة فأخذوه وحبس، ففقد أبو حنيفة صوته تلك الليلة فسأل عنه ~~من غد فأخبر، فدعا بسواده وطويلته فلبسهما وركب إلى عيسى بن موسى فقال له: ~~إن لي جارا أخذه عسسك البارحة فحبس وما علمت منه إلا خيرا، فقال عيسى: ~~سلموا إلى أبي حنيفة كل من أخذه العسس البارحة: فأطلقوا جميعا، فلما خرج ~~الفتى دعا به أبو حنيفة وقال له سرا: ألست كنت تغني كل ليلة: # أضاعوني وأي فتى أضاعوا؟ فهل أضعناك؟ قال: لا والله ولكن أحسنت وتكرمت ~~أحسن الله جزاءك، قال: فعد إلى ما كنت تغنيه فإني آنس به ولم أر به بأسا، ~~قال: أفعل إن شاء الله. # هذا جملة ما يذكر في طرب الغناء طولت فيه وأسهبت ليتبين لك منه القول ~~الراجح والوجه الصالح. # **الباشا****: ** # تعالى الله ما شاء %~% وزاد الله إيماني ما هذا الذي أراه من بحر العلم المتدفق والفكر المتعمق؟ وما هذا الإبداع ~~والتفنن في أطراف المعقول والمنقول؟ وما هذا التضلع في علوم الأولين ~~والآخرين؟ وما عهدت قبل اليوم في العلماء من اجتمع له مثل ما اجتمع للشيخ ~~من دقة النظر وصحة القياس، وسعة الاطلاع في ms131 تواريخ الأمم على اختلاف ~~ألسنتها وأجناسها، يتنقل في تقرير البرهان وشواهد البيان تنقل النحل على ~~جنى الأزهار فيخرج بنا من التاريخ اليوناني إلى الروماني إلى الأوروبي إلى ~~الإسلامي فعجبا له، أأعجمي وعربي؟ وشرقي وغربي؟ وكيف انفردت أيها الشيخ عن ~~بقية إخوانك المشايخ ولم تأخذ بنهجهم في طريقهم، فتقف عند حد العلوم ~~الشرعية والأقوال الفقهية، ثم خالفتهم إلى التوسع في العلوم الدنيوية ~~والمباحث العقلية؟**الشيخ المتخلف****: **لم أخالفهم إلا لأن العلم حق شائع ~~في بني الإنسان، ونور ساطع يستضيء به جميع الأنام، فلا يختص به أهل إقليم ~~دون إقليم، ولا أهل ملة دون ملة، ولا يقف الإنسان منه عند حد، ومن طلب ~~العلم وارتاحت له نفسه لم يمنعه تخالف اللغات وتفرق الأجناس عن اجتناء ثمره ~~من أي لسان كان وفي أية أمة كانت وفي أي عصر من العصور، وما في الأديان دين ~~يبعث أهله ويحض بنيه على طلب العلم والتقاط الحكمة بأي وجه من الوجوه مثل ~~الدين الإسلامي، ولكن قد فشا في علمائه داء الكسل، فاقتصروا في طلبهم للعلم ~~على نيل رتبة العلماء دون العلم في ذاته، واعتقدوا أنهم على الهدى ومن ~~سواهم في ضلال.**الباشا****: **قل ما شئت في كسل علماء الدين الإسلامي ~~وسواء تراخيهم واشتغالهم عن العلم لا بالعلم، ولقد بلوت مجلسا من مجالسهم ~~ضاق منه صدري، وعيل صبري، ولا أزال كلما تذكرته جاش بي الهم والغم وتملكني ~~الأسف والحزن، وأراك أيها الشيخ الفاضل أحسنت كل الإحسان بتوسعك في الاطلاع ~~وتبحرك في طلب العلم، وتعلقك بأسباب العلوم الأوروبية، ولكنني مع ذلك لا ~~أتمنى لجميع علماء الدين مثل ما أنت فيه خشية أن تلهيهم هذه العلوم عن علوم ~~الشرع، وتستدرجهم إلى الخلط والخبط، وقل في الناس من يحكم نفسه للتوسط في ~~الأمور والاعتدال في المطالب، والوقوف عند الحد، ولست أدري إلى اليوم، يعلم ~~الله، أي العالمين أضل سبيلا وأسوأ مصيرا: العالم الذي يتخبط في ظلمات ~~الخرافات، ويضرب في تيه الترهات ويغوص في لجج الأباطيل بلباس الدين، أم ~~العالم الذي يوغل في علوم ms132 الأوروبيين، ويأتم بسنة المخالفين للدين ويغتر ~~بتمويه المموهين فيضله الله على علم.**الصديق****: **ليس هذا وقت الجدال في ~~تلك المباحث الدقيقة، والتفتوا بنا إلى سماع الغناء قليلا فقد احتشد له ~~المغنون.**الباشا** (ملتفتا)**: **نعم أصبت، وهل لك أن توفق لي بين حالة ~~المغنين التي أراهم عليها الآن في احتشادهم على منصة الغناء وبين ما سمعته ~~آنفا عن هذا الفن من الجلال والكمال، فانظر إليهم تجد أحدهم يمزح ويقهقه، ~~والآخر يتثاءب ويتمطى، وهذا يبصق يمينا ويمخط شمالا، وذاك يصيح بأعلى صوته ~~القهوة القهوة، وتأمل في هذا الواقف منهم فوق المنصة على رجل واحدة وبيده ~~الرجل الأخرى يخلع منها نعله في وجوه الحاضرين، وأين ما ينبغي أن يكون عليه ~~المغني من سكون النفس واجتماع الخاطر، وانشراح الصدر وصفاء الروح لحسن ~~تأدية الغناء، واستهواء النفوس إليه؟**الصديق****: **لا تؤاخذهم بما هم فيه ~~فإنهم نشأوا في أمة يرى السواد الأعظم فيها أن صناعة الغناء من سافل ~~الصناعات، وأن في ممارستها حطة ونقصا. فصغرت لذلك نفوس المغنين وهانت عليهم ~~صناعتهم، ولم يروا فيها سوى أنها أداة للكسب والارتزاق على مثال بقية ~~الصناعات، فهم والحدادون أو هم والبناؤون سواء بسواء، وذهلوا كل الذهول عن ~~جمال الصنعة وجلالها، وغفلوا كل الغفلة عن لذة الفن وأدبه وصاروا يؤدونه ~~كما يتفق لا كما ينبغي، وكما يجيء لا كما يرضي، ولا يغيب عن فطنتك أنه لا ~~بد للمغني من أن يثق في نفسه بتأثير غنائه في نفوس السامعين حتى تثور فيه ~~نشوة الطرب، ويتبادل معهم لطف الانفعال، فتتصل القلوب وتتجاذب الأرواح ~~وتصعد به نفسه في مراقي الفن وتسمو به في صناعته إلى مدارج الكمال، وإلا ~~كان المغني إذا غنى في غفلة السامع واشتغاله عنه كمن يقرأ للنائم كتابا، أو ~~يسرج للأعمى سراجا، فيحل به من التواني والفتور ويعتريه من الانقباض والضيق ~~ما يذهب برونق الصنعة ويمحو بهجة الفن، وإنك لتحقق صدق ما أقول إذا نظرت ~~معي نظرة إلى هيئة السامعين في هذا المكان، فعن يمينك جماعة من الأعيان ~~والتجار تراهم مشتغلين بمراقبة كل ms133 داخل وخارج عساهم يحظون بإشارة تحية أو ~~إيماءة تعطف، فهم لا ينفكون طول ليلهم في قيام وسلام للتزلف إلى الكبراء ~~والحكام، وحديثهم لا ينقطع عن التفاخر بمعرفتهم والتباهي بأقدارهم، وعن ~~شمالك خليط من القضاة والمحامين لا ينتهون أبدا من المناقشة في صنوف ~~الدعاوى والقضايا، ولا يستريحون لحظة من تفسير المواد وشرح البنود واستنتاج ~~الأحكام، ولا يترك المحامون القضاة إلا بعد أن يحتالوا على استنفاد ما ~~عندهم من الأفكار والآراء في الوقائع المختلفة والمسائل المشتبهة؛ لينتفعوا ~~بها ويستندوا عليها في مرافعتهم أمامهم ويتأكدوا بها ربح ما لديهم من ~~المشاكل والدعاوى، ومن قدامك طائفة من الأمراء والحكام لا هم لهم إلا أن ~~يجتلبوا توقير الحاضرين واحترامهم بالتأنق في الجلوس، والتكلف في الشمائل ~~والانتفاخ في الثياب والفتل في الشوارب، أجسامهم حاضرة وقلوبهم غائبة، ~~وأبصارهم شاخصة وألبابهم ذاهلة على هيئة التماثيل والأصنام؛ فاسألوهم إن ~~كانوا ينطقون، ولئن نطقوا بكلام فإنما يدور على أن اليوم كان شديد الحر، ~~وأن أوان الرحيل عن مصر قد حل، ومن خلفك ثلة من الأحداث، لم تهذبهم ~~الأحداث، وشبان لم يربهم الزمان، مرمى الغاية عندهم أن تكون ملابسهم على ~~الزي الجديد، وأن تفرغ أجسادهم منها في قالب من حديد، فهم لا يتحركون حركة ~~إلا بألف حساب، خشية أن ينفرط نظام الثياب، فإن قعدوا فكالقاعدين للمصور في ~~حفظ الأشكال والأوضاع، وإن هم وقفوا فكالمصلوبين على الأجذاع، ولئن تجاوز ~~حديثهم حديث الملابس والأزياء، اشتغلت ألسنتهم بذكر النساء، ورووا عن زوج ~~فلان أو بنت فلان، ما تنقبض منه النفوس وتقشعر الأبدان، ولم يبق غير هؤلاء ~~من طبقات الحاضرين من يلتفت إلى سماع الغناء ويتفرغ له إلا طبقة الغوغاء من ~~الخدم وغيرهم، فكيف يتيسر للمغنين في هذا المقام أن يتقنوا في عملهم، أو ~~يتفننوا في صناعتهم أو يحافظوا على أدب المجلس ويراعوا حرمة الفن؟ # قال عيسى بن هشام: وانقطع الحديث بمرور صاحب العرس أمامنا مر السحاب، ~~فانقض على الواقفين عند الباب، كأنه بارقة شهاب، أو نازلة عذاب، يدفع بيديه ~~عن الشمال وعن اليمين، في ms134 صدور القاعدين والقائمين، لا يشك من رآه أنه أسير ~~حل عنه الوثاق، أو عبد من العبيد يطلب الإباق، فالتفت الباشا يسأل الصديق: ~~أجدار هوى في البيت أم حريق؟ # **الصديق****: **لا هذا ولا ذاك وإنما جاء الخبر لصاحب البيت بقدوم جماعة ~~من رجال الإفرنج ونسائهم.**الباشا****: **أتراهم يريدون إقامة ألعاب ~~إفرنجية مع الأغاني العربية؟**الصديق****: **ولا هذا أيضا بل هم قوم من ~~السائحين الأوروبيين في البلاد الشرقية يتشوقون في مطالعتهم الآثار المصرية ~~إلى رؤية المحافل والأسواق، فإذا سمعوا بحفلة عرس هرعوا إليها بنسائهم ~~وأولادهم لتسلية الخاطر بدرس العادات والأخلاق.**الباشا****: **قد تبين لي ~~آنفا أن صاحب العرس من أهل الصعيد، فأية صلة بينه وبين سياح الإفرنج تدعوه ~~إلى دعوتهم في عرسه؟ أم من عاداتهم أن يهجموا على بيوت الناس بغير دعوة ولا ~~استئذان كالطفيليين.**الصديق****: **هم من المدعوين لا من المتطفلين، ولا ~~يلزم لدعوتهم أن يكون لصاحب العرس أدنى صلة بهم أو أن يعرف أشخاصهم ويفقه ~~لسانهم، ولكن حضورهم في حفلة العرس أمر مرغوب فيه عند صاحبه ينشرح به صدره، ~~ويزهو به عنده قدره، ويراه فخرا له يعلو به ذكره، ومجدا للبيت يرتفع به ~~عماده وهو في دعوتهم بالخيار إما أن يرسل إلى بعض تراجمة الفنادق فيعطيهم ~~عددا من تذاكر الدعوة بغير أسماء معينة ليوزعها على من يكونون في خدمتهم من ~~السياح، فيبيعها التراجمة إليهم بقيمة معلومة من الدراهم كأنها تذكار ~~الملاهي العامة، ويعتقد الأجانب أن تلك عادة من عادات الشرقيين أن يدخل ~~الناس إلى أعراسهم بأثمان معينة، وإما أن يترقى صاحب العرس، فيخاطب أصحاب ~~الفنادق الكبيرة بأن لديه حفلة عرس في الليلة الفلانية، ويرغب أن يحضرها ~~كذا عددا من السياح، فيتحف صاحب الفندق نزلاءه فيما يتحفهم به بالدعوة إلى ~~العرس، فإذا شرفوا صاحب العرس بحضورهم هرع إلى حسن استقبالهم، وبالغ في ~~التلطف والترحيب بهم، وأنزلهم فوق منازل الأمراء والكبراء ونسي كل من في ~~العرس سواهم، وتفرغ طول ليلته لخدمتهم كما تراه من صاحب هذا العرس، وانظر ~~إليه كيف يتيه عجبا ويشمخ كبرا وهو يتقدم ms135 نساءهم ليدخل بهن إلى بيت الحرم ~~لمشاهدة زفاف العروسين بعد أن أجلس رجالهن على رءوس العظماء والأمراء في ~~صدر المكان.**الباشا****: **وما هذا الذي أراه في أيدي النساء يحملنه معهن، ~~كأنه الأسفاط فيها الحلي لهدية العروس،[4] فهل بلغ بهن الكرم إلى تكليف ~~أنفسهم تقديم الهدايا لعروس لا يعرفنها ولا يعرفن أهلها من ~~قبل؟**الصديق****: **هذه آلات الرسم والتصوير يحملنها ليأخذن بها مناظر ~~الحرم وصور النساء في زينتهن وتبرجهن، وما تكون عليه هيئة الزفاف ليتهادين ~~بها إذا رجعن إلى ديارهن، وربما نسخت منها ألوف النسخ لتباع في الأسواق ~~الأوروبية وتنشر هناك للاستهزاء والسخرية. # قال عيسى بن هشام: ومنذ عاد صاحب العرس من تشييع السائحات إلى الحرم، ~~كالصاعدات إلى الهرم، تقدم إلى صدر المكان، ونظر في الوجوه بإمعان، ثم دنا ~~من طائفة الكبراء والأمراء، وقصد الأمير المقدم فيهم بلا مراء، فوقف أمامه ~~وقفة الإجلال والإعظام، ودعاه لافتتاح قاعة الشراب والطعام، فقام الأمير ~~يمشي أمام الصفوف في خيلائه، مشية القائد يوم بلائه، وفتح له الباب ففتح ~~المائدة، ولا فتح سعد للقادسية، والمعتصم لعمورية، ومحمد للقسطنطينية، نعم ~~ولا فتح جده الأعلى للأقطار الحجازية، ودخلت في أثره صفوف الجموع، وهم في ~~سكون وخشوع، دخول التقاة، للصلاة، والعفاة للصلات، ثم ما لبثوا أن هجموا ~~على المائدة هجوم الفوارس البواسل، على الحصون والمعاقل، لا بل هجوم الأسود ~~الضارية، على الأشلاء الدامية، والذئاب الخاوية، على الشياه الراعية، ~~والنسور على القبور، والذباب على الشراب، واشتد الزحام وزلت الأقدام، وضلت ~~المذاهب، واصطكت المناكب، وشخصت الأحداق وامتدت الأعناق، وتهدلت الشفاه، ~~وتحلبت الأفواه، وتحركت الأشداق، وتقارعت الأطباق، وتصاولت الأيدي بالمدى، ~~كالظبى في الوغى، والتفت الساق بالساق، واشتد الهول وضاق الخناق، ثم انجلت ~~المعمعة عن شهداء التخم، وأسراء البشم، وقتلى الطعام وصرعى المدام: # بأجسام يحر القتل فيها5 %~% وما أقرانها إلا الطعام # ولعبت الكئوس بالرءوس، والشمول بالعقول،[6] والراح بالأرواح، وذهبت ~~العقار بالوقار،[7] والبطنة بالفطنة، فاختلط الحابل بالنابل، والعالي ~~بالسافل، والرفيع بالوضيع، والأمير بالحقير، هذا يمزح، ويقهقه، وذاك يتمتم ~~ويتهته، والآخر يقيء طعاما، وسواه يقيء كلاما، ولم ms136 نسمع بينهم من قول يفهم ~~ويعقل، أو حديث يؤثر وينقل، إلا ما سمعناه يدور بين شاب متكلف متصنع، وكهل ~~مجرب متضلع. # **الكهل****: **أليس من أسوأ الأسواء وشر البلاء ما نراه من حال هذا ~~الصعيدي صاحب العرس كيف اعتزل سنة آبائه وأجداده، وانسلخ عن مألوف العادة ~~في قومه ودياره وطفر طفرة واحدة إلى العمل بعادات الغربيين والتقليد لبدع ~~الإفرنج، فجرى في الاحتفال بالعرس على نمطهم وأسلوبهم مع جهله بها، وعدم ~~ملاءمتها لطبعه، وكيف لا يرثى لحال هذا المسكين وقد أنفق جانبا عظيما من ~~أمواله لإقامة المهرجان على هذا الطراز الغريب عن ذوقه، فهو في حيرة وذهول ~~لا يدري ما صنع، ولا يعلم ما يفعل في وسط هذه السوق القائمة والزحام ~~الهائل، وانظر إلى مقدار السخط النازل فوقه والاعتراض المصبوب عليه من أكثر ~~الذين دعاهم ليرضيهم بعمله، ويكرمهم بحسن صنعه بعد أن تكلف لهم ما يفوق ~~الطاقة، وارتكب ما يخالف العادة، ثم اشهد معي بأنه أساء إلى نفسه وجنى على ~~أهله.**الشاب****: **ما أراه إلا أنه أحسن صنعا وأجاد عملا، وأخذ بالسنن ~~الأرشد في التحلي بشعار المدنية والتعلق بأسباب الترقي في الحضارة، وقد آن ~~أن يستوي أهل الأرياف بأهل المدن في السير على النهج الغربي لهوا كان ذلك ~~أو جدا، وأن يخلعوا عن رقابهم أغلال العادات العتيقة وربقة الأفكار ~~القديمة، فترتفع الأمة وتنتفع البلاد.**الكهل****: **أي نفع يرتجى لأهل ~~البلاد بخراب البيوت ودمار الدور، ولئن امتد الزمن قليلا على عمد الأرياف ~~وأعيانها وهم يرسلون بأبنائهم إلى البلاد الأوروبية، ثم يهجرون مساكنهم ~~ومساكن آبائهم، ويتركون مزارعهم ومرافقهم ليسكنوا معهم عاصمة البلاد بعد ~~عودتهم ويتخلقوا بأخلاق الغربيين ويتبرأوا من كل ما كانوا فيه من قديم ~~وعتيق؛ لم تلبث الأموال أن تذهب ضياعا، والدور أن تمسي خرابا، وأن تصبح ~~المزارع بأيدي الأجانب الذين يقلدونهم في امتلاك الأطيان وزراعة الأراضي، ~~كما يقلدونهم هم في باطل المدنية وزخرف معيشتها.**الشاب****: **أظنك كنت ~~تريد أن يقام الاحتفال بزواج هذا الشاب المتمدين بين الأحواض والمستنقعات ~~في قرية أبيه، وبين الأوباش والهمج من ms137 فلاحيه ومزارعيه، فيبدل المقاصير ~~بالخيام، والكهرباء بالمشاعل، و«البوفيه» بالسماط، والصحاف بالقصاع، ~~والأباريق بالجرار، و«الديند» بالدفين، و«المايونيز» بالعصيد والهليون ~~بالفول، وعش الغراب بالحلبة، و«الموستاردا» بالمش، و«المربى» بالرطب، ~~و«المانجو» بالدوم، و«التكريز» بالجميز، و«الشمبانيا» بالمزهر، و«الكاب» ~~بالحليب، و«الكنياك» بعرق البلح، والموسيقى بالمزمار، والأوتار بالأذكار، ~~و«البيانو» بالأرغول، و«الأوركستر» بالرباب، و«الباللو» بالسحجة، و«مس ~~أوستن» ببنت أم شنب، وموكب الزفاف بلعب الهوارة، ثم يدعو مشايخ العربان بدل ~~القناصل العظام، ونظار الزراعة بدل نظار الحكومة، وكتبة المراكز والصيارف، ~~بدل أمراء البورصة والمصارف، ويضع على رءوسهم سعف النخيل والعراجين، بدل ~~أكاليل الأزهار والرياحين.**الكهل****: **يكفيك فقد أسهبت في الشرح والوصف، ~~وأنا أقول لك: نعم يعجبني أن يكون الأمر على مثل ما تسخر منه ما دام من ~~عاقبته عمران البيوت وحفظ الأموال، وبقاء الأحساب وإطعام المساكين، وبر ~~الأقارب وإسداء الخير للأصحاب والجيران، وإدخال السرور على النفوس بما ~~يرضيها ويلائم أذواقها، بهذا ينتفع أهل البلاد ويرضى الناس بعضهم عن بعض، ~~ولا أرضى أبدا أن ينقلب الحال كما أراه ما دام من ورائه عواقب الخراب وسخط ~~الناس، وعقوق الأهل ولصوق العار، ووقوع الفضيحة وسوء المصير، ومن الذي ~~يعارض فيما أقول من أهل العقول الصائبة، وهو يرى هذا الرجل العريق النسب في ~~أهل الصعيد أهل الشهامة والحمية، وذوي الغيرة والأنفة، ومن حوله الخصيان ~~على ما نشاهده الآن يطالبون أن يأمر الخدم بحمل صناديق الخمر لشرب النساء ~~في الحرم، وهو يعرف حكاية الأعرابي الذي سقوه الخمر في أحد الأعراس، ولم ~~يكن ذاقها من قبل، فلما ثارت سورتها قال لمن حوله من أهل البيت: «إن كان ~~نساؤكم يشربنها فقد زنين ورب الكعبة.» ولست أدري على كل حال ما الغرض ~~الدافع لصاحب هذا العرس إلى احتمال كل هذه الفضائح والمعايب، فإن كان غرضه ~~إرضاء أهل العاصمة بإنفاق تلك الأموال الطائلة في إقامة الاحتفال، فقد ~~أغضبهم وأسخطهم جميعا على ما نسمعه ونراه، وليس فيهم إلا كل منتقد لعمله ~~معترض على فعله يرميه بعضهم بالتبذير ويرميه بعضهم بالتقصير، وإن كان الغرض ~~من هذا التوسع في الإنفاق إذاعة الشهرة ms138 بعظم الثروة والغنى بين الناس، ~~وانتشار ذكره بالكرم والجود، فلهذه الشهرة وجوه أخرى تفيده وتفيد الناس، ~~ولابتناء المحامد سبل شتى ترضي النفوس وتسر القلوب، ولو كان اقتصر في إقامة ~~الوليمة على نصف ما أنفقه فيها، وبذل النصف الآخر في باب من أبواب البر ~~والإحسان مثل مساعدة الفقراء وإنشاء الملاجئ، وإقامة المستشفيات وإعانة ذوي ~~الصناعات لخلد ذكره بين قومه بالعمل الصالح، ولأقاموا لمجده صروحا من طيب ~~الأحدوثة وجميل الثناء. # قال عيسى بن هشام: وما نشعر إلا وقد انقطع علينا سماع بقية الحديث بصياح ~~جماعة من خدم المائدة يدعون المدعوين للخروج من القاعة، حيث لم يبق على ~~المائدة من طعام ولا شراب، ويعدونهم بالعودة إليها بعد غسل الآنية وتجديد ~~الألوان، فلم يسمع لهم أحد ولم يلتفت إلى صياحهم، فأخذوا في التصفيق بالأكف ~~تنفيرا لهم كتنفير الدجاج، فلم ينتقلوا ولم يتحركوا، فعمد الخدم إلى آخر ~~حيلة يضطرونهم بها للخروج، فأطفأوا الأضواء، وتركوهم يتخبطون في الظلمات ~~ويتساندون على الجدران يطلبون الأبواب، فسبقناهم إلى الخروج، والتقينا في ~~خروجنا عند الباب بصاحبين يتنازعان في هذه الحال، ويتخاصمان في شدة السكر، ~~فلطم أحدهما صاحبه فسقط على الأرض يتخبط في قيئه، وينشد هذه الأبيات في ~~هذره وهزئه: # شربت الخمر حتى قال صحبي: %~% ألست عن السفاه بمستفيق؟ # وحتى ما أوسد في مبيت %~% أنام به سوى الترب السحيق # وحتى أغلق «البوفيه» دوني %~% وآنست الهوان من الصديق # وسمعنا الآخر ينشد وهو ينتفخ تيها وعجبا، ويصغر خده صلفا وكبرا: # شربت الخمر حتى خلت أني %~% أبو قابوس أو عبد المدان وسمعنا في الخارج عزف الموسيقى تتقدم العروس لزفافه عند دخوله الحرم، فسكت ~~المغنون وضج المكان واضطرب الحاضرون، ووقف الجالسون، وصعد بعضهم فوق ~~الكراسي يتطاولون لمشاهدة العروس وهو في زمرة من إخوانه وأترابه يخطر ~~بينهم، ويرفل حتى إذا توسطوا ساحة الدار وقفوا به وقفة، فقام أحد الحاضرين ~~فصعد على منصة المغنين صعود الخطيب على المنبر، فشخصت نحوه الأبصار ومالت ~~إليه الأسماع، وإذا هو يخطب بخطبة هذه نسختها: # أيها الحاضرون والغائبون، هذه ليلة قامت فيها ms139 أعواد السرور، على منابر ~~الحبور، وأشرقت فيها أهلة المسرة والبدور من سماء القلوب وأرض الصدور، ~~وطلعت فيها كواكب السعود من أفق العيون، فانجلت عن بصائرنا غمائم الأحزان ~~ووبل الشجون، ولو أني لست من فرسان هذا الميدان، الراكبين لحيازة قصب ~~الرهان، ولا من المجردين لسيوف الخطب وخطب السيوف، بحروف الرماح، ورماح ~~الحروف، ولا من الممتطين في شروح البلاغة متون الضوامر، ولا من السابحين في ~~بحور النظم والنثر على كل كامل ووافر، ولا من الساحبين في حلة سحبان، ولا ~~من المتدرعين في حصون المعاني والبيان، وقد حيل بين العير والنزوان، إلا أن ~~ما أعرفه في هذا العروس من العلم والإقدام، وما له في مستعمرات التربية من ~~وطأة الاحتلال ورسوخ الأقدام، وما أعتقده فيه من محبة الأوطان ومصادقة ~~الإخوان، كما أن ما أعلمه وأتحققه في العروس التي تزف إليه هذه الليلة، من ~~علمها بتدبير المنزل وفروض العيلة، وما هو مشهور عنها لدى كل قاص ودان، مما ~~يوجب حسن القبول والامتنان، وما شهد لها به معلمو المكاتب ومدرسو المدارس، ~~بأنها أنس المحافل وبهجة المجالس، وما أراه على وجوه الحاضرين من الكرم ~~والسماح، وأتوسمه في جباههم من الفرح والانشراح، كل ذلك هو الذي جرأني على ~~الوقوف في هذا الموقف الحرج، وسط بحر هذا العرس المتموج، وإني أتوجه إليكم ~~بوجهي لتضربوا عن تقصيري صفحا، وأتقدم لكم بنفسي لتطووا عن هفواتها كشحا، ~~وأطلب منكم أن تشربوا معي نخب الكئوس، في نخب العروس، وتقولوا معي: فليحي ~~هذا الشاب في هناء وسرور، ورخاء وحبور، ممتعا بنشأة الرفاء والبنين، وناشئة ~~الأولاد الناجحين، ما ناح القمري في رياض البساتين، وصاح الأخدري[8] بين ~~الأعشاب، آمين آمين. # ثم نزل الخطيب فقابلته الأكف بالتصفيق والأفواه بالتهليل، والصدور ~~بالتبجيل وصدحت له الموسيقى ثلاثا بالسلام، ثم أعقبه على المنبر شاعر من ~~المشهورين بين الخاص والعام، فأنشد هذه القصيدة النادرة والمدحة الباهرة: # بأوقات الهناء الصافيات %~% تجلى الأنس من كل الجهات # لقد قام البشير بها ينادي %~% على أهل العروسين الهداة # في تلك الصدور الفرح يجري %~% كما تجري خيول ms140 الصافنات # فبشرى أيها الشهم المفدى %~% بخير الغانيات الآنسات # ظفرت بدرة في عقل ماس %~% من المتأدبات الراقيات # وقد زفوا بهذا الأفق بدرا %~% إلى شمس الهدى والمكرمات # تغذت بالمعارف والمعالي %~% فحازت زينة المتعلمات # يرجى أن يكون كذا بنوها %~% لدى أيامنا المستقبلات # بهم تزهو الشبيبة في المرامي %~% وتغدو للحمى أقوى الحماة # بهم ترقى المواطن مرتقاها %~% وتصبح قدوة المتربيات # كجيش في البلاد عرمرمي %~% وجند في الحروب مبرزات # وتمشي التيه في أوج المراقي %~% وترفل منه في حلل الثبات # فتصبح أنت خير أب كريم %~% وتصبح تلك خير الأمهات # ودمتم بعد ذاك بألف خير %~% ونعمى بالبنين وبالبنات # ولولا الاختصار وضيق وقت %~% لجئت بألف بيت شاهقات # ثم انتهينا بحمد الله من الشاعر بعد الخطيب، وعاد المغنون إلى اللحن ~~والتطريب، فأخذت أجيل النظر وأقلب الطرف، من ركن إلى ركن ومن صف إلى صف، ~~فلم أجد في الحاضرين بلا استثناء من هو ملتفت إلى سماع الغناء، بل رأيتهم ~~يوجهون النظر إلى السماء، ويكثرون من الإشارة والإيماء، كمن يتضرع بالدعاء، ~~لكشف المحنة والبلاء، فرفعت مثلهم نحو السماء بصري، فدهيت من حيث أدري ولا ~~أدري؛ إذ رأيت نوافذ الدار، مهتوكة الأستار، وفي كل نافذة هيفاء مسفرة ~~النقاب، كالدمية في المحراب، أو كالصورة تتألق في إطارها كالشهاب، أو ~~كالبدر بدا مسفرا من خلل السحاب، تنفذ منها مثل خيوط الغزالة[9] للمغازلة، ~~وتجرد من اللحظات مثل سيوف الكماة للمنازلة، فتصيد طيور القلوب الحوائم، ~~وتفتك بمهج النفوس الروائم، ثم تراها تومئ بكأس الصهباء، إلى شفتها ~~الحمراء، وتلمس واسطة العقد، بزهرة من الورد، فيشتبه على الرائي وجه الأمر، ~~باختلاف اليواقيت كالجمر، ياقوتة الخمر، بياقوتة الثغر، وياقوتة الزهر، ~~بياقوتة النحر، ثم لا تفتأ ترسل الإشارة تلو الإشارة، تارة بالمروحة وأخرى ~~«بالسجارة»، مع ابتسامات توضح عن مكنون الصدور، وتفصح إفصاح المعاني في ~~السطور، والرجال من تحتهن يجاوبونهن على أعين النظار، طورا بإشارات الأيدي ~~وطورا بلغة الأزهار، وكل مغازل فيهم يعتقد أنه امتاز على سواه، وتغلب على ~~أهل النوافذ بهواه، وأضرم فيهن نار العشق وجواه، وخلع قلوبهن بدعواه، وما ~~بالنوافذ ms141 سوى أزواجهم وبناتهم، أو أخواتهم وبنات أخواتهم، والمغني يستقبل ~~وجوههن في هذه الأثناء، بوجه ليس فيه أدنى حياء، فيغنيهن من الأصوات ~~والألحان، ما يثير من الغرام ويهيج من الأشجان، والخصيان يصعدون إلى الحرم ~~بأوراق وينزلون منه بأوراق يتخيرن فيها الأدوار السائرة على ألسنة العشاق، ~~في وصف حرارة الأشواق، ومرارة البعد والفراق، وما زالت الحال تتزايد قحة ~~ووقاحة، وتتضاعف هتكا وفضاحة، حتى قام في وسط المكان جماعة من الأصحاب، ~~يتقاذفون بألفاظ القذف والسباب. # ثم إنهم انتقلوا من التلاعن والتشاتم إلى التضارب والتلاكم، فقام ~~الحاضرون على الأقدام، لمشاهدة ميدان النزال والخصام، ثم توسط رجال الشرطة ~~بينهم لفض المخاصمة، وسوقهم إلى المحاكمة، بعد أن تمزقت الثياب تمزق ~~الأوراق، وتخضبت الوجوه بالدم المهراق، فصارت الأفراح أتراحا، وانقلب ~~الغناء نواحا، وقلت لصاحبي: هلم بنا إلى الفرار، من مواقف التهمة والعار، ~~وخرجت به أسوقه أمامي، وأقول له في بعض كلامي: لقد حق لك بعد الذي رأينا ~~ونظرنا، وبلونا وخبرنا، أن تلتهب بالغضب والحنق التهابا، أو يذهلك الدهش ~~والعجب فلا تعي جوابا، وهل بقي بعد ذلك فرق بين سرور الدنيا وحزنها، أو فضل ~~لظهر الأرض على بطنها، فأجابني بلسان الحكيم المدرب، والحليم المهذب، وهو ~~يبتسم استهزاء، ويهز كتفيه ازدراء: لم يبق في بفضل الحكمة فضل للسخط ~~والغضب، وعجبي اليوم مما أرى يكون من العجب. ### | العمدة في الحديقة # قال عيسى بن هشام: وتمكن من الباشا حب الاستكشاف والاستطلاع، لدرس ~~الأخلاق وسبر الطباع، وتبدلت الوحشة عنده بالائتناس، في مخالطة الناس، فصار ~~يلح علي ويلج في الطلب، أن أذهب به في هذا السبيل كل مذهب، وأنا أداوره ~~وأحاوله، وأماطله وأطاوله، وهو لا ينفك يستنجزني ويستقضيني، وإذا استعفيته ~~لا يعفيني، فقلت له: لم يبق أمامنا من المجالس والمنتديات، إلا ما اشتملت ~~عليه الأزبكية من المخجلات المنديات،[1] وما تضمنته من صنوف الرجس والنكر، ~~وفنون الفسق والسكر، وأنا أجلك أن أسلك بك مسالك الظنة والتهمة، وأن أحلك ~~محال الريبة والشبهة، وأربأ بسنك وقدرك أن تختلط بتلك الزمر، وتدخل معهم في ~~تلك الغمر، وتقسر ms142 نفسك الشريفة على ما لم تألفه من مثل ما يعملون، وشروى ما ~~يفعلون،[2] فلا نأمن حينئذ نقد الناقدين، وطعن الطاعنين، وقاسمته إني لك ~~لمن الناصحين، فقال: ألي تقول ذلك وقد آتيتني من دروس الحكمة العالية، ~~وضروب الفلسفة السامية، ما أزدري معه عذل العاذلين، وأحتقر به لوم ~~الجاهلين؟! ولن يضير النفس الشريفة الطاهرة، أن تجاور النفس الخبيثة ~~الفاجرة، وقل أن يعدي المريض الطيبب، وتذهب رائحة الدفر،[3] برائحة الطيب ~~والإمعان في رؤية النقيصة والرذيلة، يزيد النفس الفاضلة تمسكا بالفضيلة، ~~ولا يعرف قدر الرشد والهداية، إلا من نظر في أعقاب الضلالة والغواية، ~~وبالظلمة يعرف فضل الضياء، وبضدها تتبين الأشياء، ذلك من فضل ما علمتني مما ~~علمت رشدا، ولقد كان من أدب الحكام في أيام دولتنا، وزمن صولتنا أن يغيروا ~~من هيئاتهم، ويستروا من سماتهم، ويبدلوا من أزيائهم المعروفة، بأزياء غير ~~مألوفة؛ ليتمكنوا من مخالطة الناس على اختلاف أشكالهم ويقفوا على جلية ~~أمرهم وحقيقة أحوالهم، فلم يكن ذلك مما يضر بسمعتهم، أو يحط من رتبتهم، عند ~~ظهور أمرهم، ووضوح سرهم، فلا عليك إذا أن تسلك بي ما شئت من المسالك، ولا ~~تخش علي شيئا من تلك المعاطب والمهالك. # قال عيسى بن هشام: ولما لم يبق لي بد من امتثال حكمه، وتنفيذ عزمه، قصدت ~~به من الأزبكية روضتها الغناء، وحديقتها الفيحاء، فلما وصلنا إلى بابها، ~~ووقفنا عند «دولابها»، وضعت فيه أجرة العبور، كما توضع النذور في صندوق ~~النذور، ودرت فيه دورتي ودار الباشا دورته، فقال لي وهو يدافع الغضب ~~وسورته: هل كتب على الداخلين في هذه الجنة الزاهية أن يدور الإنسان دورة ~~الثور في الساقية؟ فقلت له: نعم شاع التخوين بين الناس في جميع الأشياء، ~~فاخترعوا لهم مثل هذه الآلة الصماء؛ لتكون رقيبا عتيدا، لا يستطيعون معها ~~اختلاسا ولا تبديدا، فهي ترقم من الداخل عند كل دورة، ما ينقده الداخل فيها ~~من الأجرة فلا يضيع منه مثقال ذرة. ولما جاوزنا الباب أعجب الباشا حسن ~~المنظر وازدهاه، وراقه بهاء المكان واستهواه، وتملكه الابتهاج وتولاه، ~~فقال: ما ms143 شاء الله لا قوة إلا بالله! لمن هذه الجنة من كبراء البلد؟ قلت: ~~هي ملك كل واحد وليست بملك أحد، أنشأتها الحكومة من «المنافع العامة» لنزهة ~~الخاصة والعامة. ثم سرنا نطوف في أنحاء الحديقة، بين أشجارها الوريقة، ~~وأغصانها الرشيقة، وأزهارها الأنيقة، والباشا يهتز طربا ويميل عجبا، لحسن ~~هذا المنظر العجيب، والمنبت الخصيب، ثم وقف بنا وقفة بين برد الظلال وخرير ~~الماء، ورفع ببصره يقدس باسط الأرض ورافع السماء، ثم رأيته ينحني للركوع ~~انحناء القوس بعد أن أنشد قول حبيب بن أوس: # أرض إذا جردت في حسنها %~% فكرك دلتك على الصانع # وسمعته يتلو في الركوع والسجود، قول صانع الوجود: @QUR@011 ولله يسجد من ~~في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال ، وقوله أيضا عز من ~~قائل: @QUR@017 تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا ~~يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم . # ثم انثنيت به في طلب الراحة، فجلسنا على أريكة من أرائك تلك الساحة، ~~ودارت بيننا هذه المخاطبة، بما اقتضته المناسبة: # **الباشا****: **كيف لا يكون هذا المكان بالناس غاصا، وبالمرتاضين مزدحما، ~~يشاهدون جماله ويتفيأون ظلاله ما دامت الحكومة قد أباحته لكل رائح وغاد كما ~~تزعمه؟ وما لي لا أرى فيه غير هؤلاء الأجانب في أزيائهم، بأبنائهم ونسائهم، ~~فهل وقفته الحكوة على الغربيين وحرمته على المصريين، فإنني لم أجد فيه أحدا ~~منهم منذ دخولنا إلى هذه الساعة؟**عيسى بن هشام****: **لم تؤثر به الحكومة ~~قوما دون قوم، ولكن المصريين كأنهم ألفوا التهاون باللذات الروحانية ~~وتغافلوا عنها، وأخصها معرفة ما حسن في الأشياء، وتمييز الجمال والكمال ~~ومواضع الإحسان والإتقان في صنعة الوجود، ورياضة الفكر والنظر في مطالعة ~~كتاب الكائنات، ونظام المخلوقات التي تسبح بحمد خالقها؛ أي: تدل عليه ~~بصنعته فيها، وكأن الواحد منهم قد حبس نفسه وقيد فكره في الوجود على ~~الماديات، فلا يكاد ينظر في دهره نظرة المشاهدة والإمعان في خلق السماوات ~~وما يتألق فيها من الشموس والأقمار والنجوم والكواكب، ولا في خلق الأرض وما ~~ينبت فيها من النبات، ويدب من الحيوان ms144 ويجري من البحار ويرسو من الجبال، ~~وهي بجمال صنعها وكمال وضعها. # تصيح بمن يمر: ألا تراني %~% فتفهم حكمة الخلق العجيب؟ **الباشا****: **جل الخالق الصانع، ولكن لأي سبب ألف المصريون غفلتهم عن ~~التمتع بهذه النعمة؛ نعمة المشاهدة ولذة المطالعة وصار الأجانب يتعلقون بها ~~دونهم ويمتازون بها عنهم؟**عيسى بن هشام****: **لا سبب فيما أعلم إلا ~~التمادي في التهاون والتراخي عن إيقاظ هذا الشعور الغريزي الكامن في النفس، ~~وتنميته بالرياضة والتفكير ومعاودة الإمعان والتدقيق، وقد اعتنى الأجانب به ~~عناية خاصة فاجتهدوا في تنميته وترقيته، حتى صار لديهم ملكة من الملكات ~~وفنا جميلا من أرقى الفنون فدربوا عليه ومرنوا فيه وسرى في دمائهم يتوارثه ~~الأبناء عن الآباء، فترى الطفل فيهم إذا شب ودرج، وأراد أن يتحف أهله يوما ~~بادر إلى الأرض، فاقتطف منه أول زهرة من الربيع وتسابق بها إليهم، كأنما ~~عثر لهم على كنز لحسن الوقع عندهم، ولقد برعوا في الصناعة بفضل هذا الشعور ~~ودوام نموه، ولم يقتصر الحال فيه عندهم على المرئيات الطبيعية، بل تجاوزه ~~إلى المرئيات الصناعية، ففيهم من يبذل الألوف من الدنانير والملايين من ~~الدراهم لاقتناء صورة من الصور، ورسم من الرسوم يحسن تمثيل زهرة من الزهور ~~أو دائرة من الشفق أو راع من الرعاة أو حيوان من الحيوانات بما لا مناسبة ~~بين قيمته في الأصل الطبيعي، وبين قيمته في الشكل الصناعي، وقل أن تدخل دار ~~ميسور منهم إلا وتجد أنحاء الجدران مزدانة بألواح التصاوير والتهاويل مما ~~يحاكي المناظر الطبيعية، فلا يفوت صاحب الدار أن يتمتع بحسن المنظر في ~~داخلها إن حجبته عن مشاهدة جمال الطبيعة في خارجها، ولقد جرهم ذلك إلى شدة ~~الولوع بمشاهدة الآثار القديمة، والتنافس في اقتنائها والغلو في التحفظ ~~عليها والضن بها، فكم رأينا من قطعة من الحجر أو غيره تزدريها الأعين بيننا ~~ولا يعبأ بها المصري، فيطرحها في كناسة منزله فلا تزال كذلك حتى يلتقطها ~~الأجنبي في بحثه وتنقيبه، فتصير عنده في قيمة فريدة التاج أو يتيمة العقد، ~~وكم رأينا من السياح من يتكبدون مشاق ms145 الأسفار ويتحملون أهوال البحار وأخطار ~~القفار مع إنفاق الألوف المؤلفة من الذهب والفضة لمشاهدة آثار الدمن، وما ~~عفا من الرسوم في هذه الديار، وربما رأينا المصري ساكن القاهرة يشب ويشيب ~~ويكتهل، ويشيخ ويعمر ويهرم، ولم ير من الأهرام القائمة في جواره غير صورتها ~~المرسومة على ورق البريد، وربما لم يلتفت إلى رؤية ذلك أيضا حتى يدركه ~~الموت.**الباشا****: **تالله إن ذا لمن العجب، ولو كان الأمر يجري على ~~القياس لكان المصريون في مقدمة الأمم التي ينمو فيها الشعور بلذة التأمل في ~~بدائع الكائنات، ومحاسن الموجودات لرقة طباعهم، ولطافة شيمهم، وسرعة التأثر ~~والانفعال في نفوسهم، ولما ميزهم الله به من حسن الإقليم واعتدال الجو وفيض ~~الماء وخصب التربة، ولانحصار موارد أرزاقهم ومعاشهم في استنبات الأرض، وطول ~~ممارستهم للفلح والحرث والزرع والحصد، وكل من رأى الإقليم المصري كالزبرجدة ~~الخضراء في وسط رمال الصحراء، لا بد أن يحسد أهله على التحلي بهذه الفريدة ~~من عقد الطبيعة، ويغبطهم على دوام تمتعهم باجتلاء هذا المنظر الذي يجلو ~~البصر ويثلج الفؤاد وينعش القلب، ويلطف من هواجس النفس وبلابل الصدر فتصفو ~~الروح، فتخف من قيود العالم السفلي إلى الاتصال بمعارج العالم العلوي، ~~فترتاح هناك هنيهة مما تقاسيه في مصارعة العيش من ضروب الأكدار والآلام، ~~وتفر من وجهها إلى وجه ربك ذي الجلال والإكرام، واعلم - وهذه لفظة طالما ~~أفادني تكرارها على لسانك فاسمح لي بها مرة من لساني، وما أعلمك إلا عن ~~خبرة وتجريب - أن الفرق بين الإنسان والحيوان لا ينحصر في الخلقة، ففي ~~الخلقة ما يشبهه، ولا في النطق ففي الحيوان ما ينطق، ولا في الذكاء ففي ~~هوام الأرض ما يفوقه ذكاء، وإنما المزية التي تميزه عن سائر الحيوانات ~~والخصلة التي يفضلها بها هي إدراك حقيقة الوجود بالإمعان والمشاهدة وطول ~~الفكر والنظر في خلق السموات والأرض للاهتداء إلى معرفة خالقها، وعبادة ~~صانعها، قال - جل وعز - في محكم بيانه: @QUR@026 أفلا ينظرون إلى الإبل كيف ~~خلقت * وإلى السماء كيف رفعت * وإلى الجبال كيف نصبت * وإلى الأرض كيف سطحت ~~* فذكر إنما ms146 أنت مذكر ، هذه هي اللذة الروحانية التي أسعد الله بها الإنسان ~~دون سائر المخلوقات وهي أشرف اللذات، وأصفاها وأفضلها وأبقاها، وما يتقرب ~~العبد إلى الله زلفى في عبادته بأجل من النظر والتفكير في حسن صنعه وكمال ~~خلقه، قال وهو أحكم القائلين: @QUR@033 إن في خلق السماوات والأرض واختلاف ~~الليل والنهار لآيات لأولي الألباب * الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى ~~جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك ~~فقنا عذاب النار ، ولا يقف على مقدار هذه اللذة الروحانية تمام الوقوف إلا ~~من تجرد مثلي يوما من عالم الأجسام والفناء، إلى عالم الأرواح والبقاء، ولا ~~ينبئك مثل خبير. ولو كانت الأمور تجري على القياس أيضا لاشتغل المصريون ~~بلذة هذه المشاهدة، وسعوا في نموها فيهم؛ إن لم يكن من جهة لطف الإحساس ~~والشعور فمن جهة انصرافهم إلى تقليد الغربيين، والعمل على نمطهم في مختلف ~~أحوالهم كما شاهدته منهم عيانا في جميع حركاتهم وسكناتهم، ولكن لعل هناك من ~~خفي الأسباب ما حرمهم اطراد التقليد في هذا الباب.**عيسى بن هشام****: **لم ~~يكن هناك من سبب يمنعهم غير ميلهم إلى الفتور والانقباض، سواء أكان في ~~الماديات أم الأدبيات، وهم على شدة ولعلهم بتقليد الأجانب لا يقلدونهم إلا ~~فيما خف وهان من الزخرف المموه والبهرج الكاذب والملاذ الشهوانية مما لا ~~ينتج عنه إلا سقم الأجسام ونفاد الأموال، وما عدا ذلك من أمور المدنية ~~النافعة فمجهول عندهم بل مرذول لديهم، وإجمال القول في هذا الباب أن مثل ~~المصري في أخذه بالمدنية الغربية كمثل المنخل يحفظ الغث التافه ويفرط في ~~الثمين النافع.**الباشا****: **يا أسفا عليهم كأنهم تخلوا عن فضائل مدنيتهم ~~القديمة، ولو يتحلوا بفضائل المدنية الحديثة، فأصبحوا كالتي نقضت غزلها من ~~بعد قوة أنكاثا. # قال عيسى بن هشام: وما زال الحديث يجري بنا على هذا النحو حتى وصلنا إلى ~~المغارة المصنوعة في بعض أنحاء الحديقة، فرأينا صنعا جميلا وشكلا بديعا، ~~وأعجبنا تدفق الماء من ثنايا الأحجار، فجلسنا على سرر هناك أعدت للزائرين، ~~وإذا بجانبنا ثلاثة أشخاص ms147 من المصريين شغلهم اتصال الحديث بينهم عن ~~الالتفات إلينا، فأقمنا نسترق السمع ونلتقط اللفظ، فتبين لنا من سياق ~~كلامهم أن أحدهم عمدة من عمد الأرياف، وثانيهم تاجر من تجار الثغور، ~~وثالثهم فتى من أهل البطالة والخلاعة، ومما التقطناه من قول العمدة للخليع ~~في مجرى حديثه: # **العمدة****: **وأين الآن ما دخلنا الحديقة من أجله، فقد طال بنا الجلوس ~~ولم نر شيئا؟ وهل كان جل القصد ومنتهى الجهد أن نجلس هنا في وخامة الأشجار ~~ورطوبة الهواء وعفونة الماء؟ وتالله ما أجد فرقا بين هذا المنظر وبين منظر ~~ذلك المستنقع الذي خلفته خلف بلدتنا، ولعمري إن الأوز الذي يسبح فيه هناك ~~أكثر عددا وأعظم سمنا من الأوز الذي يسبح أمامنا، وما الفائدة في طول ~~جلوسنا أمام هذه الأشجار العقيمة التي لا تثمر ولا تغني من جوع؟ وأين نحن ~~من ذلك الثمر الشهي والصيد الطري الذي وعدتنا به وأطمعتنا ~~فيه!**الخليع****: **مهلا فلن يفوتك من هذا شيء وإن كنا أخطانا الغرض هنا؛ ~~لأنني كنت أظن الحديقة على عهدي القديم بها، وما كنت أتخيل أن الأمر وصل ~~بها إلى مثل هذا الخراب من الظباء والغزلان، إلا منذ أخبرني أحد الأصحاب ~~بعد دخولنا بأن الحكومة اشتغلت بأمر هذه الحديقة لخلو يدها من الأشغال، ~~فباشرت الإصلاح فيها بمنع ذوات البراقع والمآزر من دخولها والتجول في ~~أنحائها، ولا أقول في هذه النازلة إلا قول الجرائد في التأفف من أعمال ~~الحكومة: «حسبنا الله ونعم الوكيل».**التاجر****: **وعلى هذا فقد ذهبت تلك ~~الليالي والأيام التي كانت فيها الحديقة مرتعا للحسان، وملعبا للقيان، ~~ولطالما دخلت هنا وحيدا فريدا فما أكاد أنصب الحبالة، وأضع الحب حتى أقتنص ~~من آرامها مثنى وثلاث ورباع.**العمدة****: **يعلم الله أن العاصمة أصبحت ~~على حال لا تصح معها الإقامة إلا مدة قضاء الحاجة والرجوع إلى البلد فورا، ~~وإلا فقد عرض الواحد منا دراهمه للضياع وصدره للانقباض، وإلى الآن تراني في ~~غاية الأسف والحزن على ما جرى لي أمس في سهرتي مع فلان الموظف؛ إذ جرني ~~للنزهة معه فطاوعته على هواه ms148 أملا في إنجاز حاجتي عنده فسحبني من مكان إلى ~~مكان، ومن حان إلى حان يشرب هو وأصحابه على حسابي، وكأنما أجوافهم دنان ~~متخرقة فلا تمتلئ أبدا من الخمر، وكأنما كيسي كنز لا يفنى بالإنفاق، وما ~~كدنا ننتهي من حانات الخمر حتى اندفعوا إلى بيوت القمار، فأصبحت مصدع الرأس ~~من الخمر، فارغ الكيس من القمر.**التاجر****: **ولم تطاوعه على أغراضه ~~وتنقاد مع أصحابه، وتنفق مثل هذا الإنفاق من غير حظ ولا لذة؟ وإن كانت لك ~~حاجة ترجو قضاءها منه كما تزعم فيكفي في ذلك أن تضع «المبلغ المناسب» في ~~يده، وتتخلص منه ومن أصحابه فلا تسايرهم، ولا تعرض نفسك للتورط معهم كما ~~فعلت.**العمدة****: **يحق لك أن تعترض وتلوم فقد أراحكم الله معاشر التجار ~~في المدن من متاعبنا ومصائبنا مع الحكام؛ فإن أشغالكم لا تتعلق بهم كما ~~تتعلق أشغال الفلاحة في الأرياف، فنحن في اضطرار دائم إلى استرضائهم ~~«والمبلغ المناسب»، الذي تقول عنه لا يكفي وحده في قضاء الحاجة، بل يلزم ~~الإنفاق عليهم في كل زمان ومكان علاوة على تلك المبالغ، وإن لم يكن لك ~~عندهم حاجة في الحال، وكم من كلمة واحدة من موظف صغير كانت سببا في تعطيل ~~عمل كبير، وما يدريك أن الذي تغضي عنه الليلة ولا تلتفت بنظرك إليه في ~~حانات الأزبكية يصبح غدا قاضيا في المحكمة أو حاكما في المديرية؟**الخليع** ~~(مقاطعا)**: **إذا كانت الليلة الماضية قد انقضت على غير هواك، فلنا عنها ~~عوض من ليلتنا هذه إن شاء الله.**العمدة****: **أنصدقك في وجود العوض وقد ~~أخلفت وعدك معنا في هذه الحديقة، وآذن الليل بالدخول وليس في اليد شيء من ~~الصيد؟**الخليع****: **صدقني بالله، فإني ما كنت أعلم بما أصاب الحديقة من ~~أمر الحكومة؛ لأنني كنت مقيما بحلوان مدة طويلة، وجئت وأنا أحسبها على ~~حالها الأول، ولكنني قد رتبت لك الآن سهرة في فكري تفوق في حسنها كل سهرة ~~مضت، فإني أعرف صاحبا لي أخبرني عن بيضة خدر من بيت فلان باشا، فقوموا بنا ~~وأنا أذهب للحصول عليها هذه الليلة بما ms149 يمكن من الحيل، وسأكتم عنها أمركما ~~إلى أن تصير معي في الموضع الذي أختاره، ثم أرسل إليكما من هناك بمن يأتيني ~~بكما، فيكون دخولكما على حين غفلة، فلا تستطيع الاختفاء ثم تضطر إلى البقاء ~~في مكانها، وحينئذ يدور بنا المجلس معها دورة الأنس والسرور، ولكن لا أخفي ~~عنكما أن مقدار ما معي من الدراهم الآن لا يكفي لإعداد معدات هذا المجلس، ~~وأخشى إن أنا ذهبت إلى البيت لآخذ دراهم أخرى أن يمنعني أهلي من الخروج ~~ثانية، كما هي العادة عند النساء في التضييق على الرجال.**العمدة****: **لا ~~عليك فعندي من الدراهم ما يكفي وزيادة. # قال عيسى بن هشام: وقاموا في الحال للسعي وراء اللهو والمجون، وقام ~~الباشا يسحبني وراءهم للعلم بما سيكون. ### | العمدة في المجمع # قال عيسى بن هشام: وخرجنا في أثر الخليع والعمدة والتاجر، وقد ألقت ذكاء ~~يمينها في كافر،[1] ثم أضيئت بعد ذلك شموع الكهرباء، فعادت الشمس متوزعة في ~~مصابيح الضياء، كالنجوم تتلألأ في أفق السماء، وتقشع دياجي الظلماء، ولما ~~توسطنا ساحة «الأوپرا» و«الأوپرا بار»، وقف الباشا وقفة الإعظام والإكبار، ~~يكفكف غرب الدمع والاستعبار، ويقول: سلام على إبراهيم، أإبراهيم في النار، ~~كيف لا يضطرم القلب استعارا، ويجري الدمع مدرارا، فلا أستطيع أواري،[2] ولا ~~أستطيع أواري، وقد تمثل أمامي في هذه البقعة، وهي موسومة بسوء السمعة، بطل ~~مصر، ورافع بنود النصر، وقائد جيوش الحرب وهاديها، في مفاوز الأرض ~~وبواديها، وموقد نيران الوقائع وصاليها، وخائض غمرات المعامع وجاليها: # في كل منبت شعرة من جسمه %~% أسد يمد إلى الفريسة مخلبا # وكيف جاز لهم أن يضعوا عنوان البأس والجد، في مواضع الهزل والدد،[3] ~~ويقيموا لإبراهيم صنما على صورته، في وسط سوق الفسوق وسرته، مشيرا بيمناه ~~إلى مواطن اللهو والفجور، وأماكن الفحش والعهور، ودينه ينهاهم عن تشييد ~~الأصنام وإقامتها، ويأمرهم بكسرها وإبادتها، ويا بؤس قوم جعلوا اليد التي ~~كانت تشير للكماة والفرسان، في ميدان الضرب والطعان، بمصافحة المنايا، ~~ومقارعة الأفران، تشير اليوم وسط هذا الميدان، بمغازلة البغايا، ومعاقرة ~~الدنان، فسبحان محول الأحوال ومبدل الأزمان، ms150 فقلت له: ما هذه الأفكار ~~المحزنة، أحنينا إلى تلك الأزمنة، وقد انقضت بخيرها وشرها، وذهبت بحلوها ~~ومرها، وأين أنت من طريقك في الحكمة والسداد، ومن سبيلك في الهداية ~~والرشاد؟ فخفض عليك من حزنك وهمك واترك تلك الهواجس فأنت ابن يومك، ولا ~~تجعل لهواك القديم عليك سلطانا مطاعا، فذهب ما استفدناه من العلم ربحا ~~مضاعا، أما إقامة التماثيل في الميادين، ومخالفتها للشرع والدين، فقد ~~أقامها حكامنا تقليدا للغربيين، ولمن ينكرها أحد من طلبة العلم وعلماء ~~المسلمين، فاستنامت إليها الأفكار، ولم يوقظها التحريم والإنكار. # وأما وضع التمثال في هذا المكان دون سواه، وإشارته فوق الحصان بيمناه، ~~فلعل الآمر بوضعه أراد أن يذكر هؤلاء الغافلين الذاهبين بما كان لآبائهم ~~الأولين، من الشأن الرفيع، والركن المنيع، أيام إمارته، وينبههم على ما ~~انتشر ذكره في الآفاق، وخلدته لهم بطون الأوراق، من اقتحام المهالك، ~~وافتتاح الممالك، تحت قيادته، وهو يشير اليوم بتلك اليد؛ ليستفزهم إلى ~~مواقف العز والمجد، ويستنفرهم عن مواطن الخلاعة والبطالة إلى مواطن الشجاعة ~~والبسالة، فتبسم الباشا من قولي ضاحكا، وقال: ما عهدتك في الجواب محاولا ~~مماحكا، فقلت له: دع هذا وانظر إلى هذه البنية الإيوانية، ذات الأرائك ~~الخسروانية، فقال: أعظم به من بناء، بين بيوت الكبراء! قلت: هو بيت لهو رفع ~~إسماعيل قواعده، وبوأ الناس مقاعده، يشاهدون فيه صنوف الألاعيب، وضروب ~~الأعاجيب، مما يؤخذ عن أساطير الأولين، وأقاصيص الراوين، وما تفتن فيه كل ~~غادة حسناء، من جمال الزينة وحسن الرواء، وتفتن به كل قينة هيفاء، من فنون ~~الرقص والغناء، اقتداء بالغربيين في ديارهم، واحتذاء لآثارهم، وقد بقي من ~~بعده تنفق عليه الحكومة من عيش الصانع والفلاح، لتفكهة النزلاء والسياح، ثم ~~انظر أمامك إلى هذا المجتمع الملتحم، والموقف المزدحم، فالتفت فقال: ما هذه ~~الضوضاء العظيمة؟ أمأتم ما أرى أم وليمة؟ قلت له: لا بل هو مجتمع عام ~~تتزاحم فيه المناكب والأقدام، لمسامرة الأصحاب، ومعاقرة الشراب، وبينا نحن ~~كذلك؛ إذ وقف بأصحابنا المسير، عند باب هذا الحان الشهير، فسرنا في عقبهم، ~~ولحقنا بهم، فسمعنا الخليع ms151 يقول لصاحبيه: كونا هنا في الانتظار، حتى أعود ~~إليكما بالأخبار، إنجازا لوعدي، وإيفاء بعهدي، فأجاباه بالقبول، وتقدما ~~للدخول، فقال العمدة للتاجر: ما أحوجني إلى تضييع الزمن، ورياضة البدن، ~~بشرب كأس من العقار، ولعب دور من «البليار» وقال التاجر: وما أحوج يدي إلى ~~ملامسة ورق القمار، وأذني إلى رنين الدرهم والدينار! ثم صعدنا وراءهما إلى ~~قاعدة بأعلى المكان، أعدت للعب والرهان، فتقدم العمدة وهو يهز أعطافه ~~وأردانه، فتسلم كرة «البليار» وصولجانه، وقعد التاجر وهو يرتعد من الفرق، ~~في مجلس اللاعبين بالورق، وجلسنا نحن للنظر والسمع، في غمار ذلك الجمع، ~~فسمعت عن يميني أحد السماسرة المعروفين بالدهاء، يقول في مناقشة لأحد أرباب ~~الثروة والغناء: # **السمسار****: **لا نزاع ولا جدال في أن ينابيع الثروة قد نضبت بذهاب تلك ~~الأيام الماضية، التي يغتني الرجل فيها بكلمة ويثري بإشارة فيصبح بها أغنى ~~الأغنياء بعد أن كان معدودا من الفقراء، ولقد وصل المصريون الآن إلى زمن ~~كله ضيق وعسر ولم يبق من حكامهم من يقطع الأقطاع ويهب الضياع، وبقي الغني ~~الحازم فيهم على الحال الخمول والانكماش لا يستثمر أمواله، ولا يستربح ~~ثروته، وقد زادت الحاجات وتعددت وجوه المطالب يوما بعد يوم، فأصبح مضطرا ~~إلى الإنفاق من تليده فسرى النقصان إلى رأس المال حتى إذا مضى لسبيله لم ~~يترك لأهله وذريته، إلا ما يقوم بالكفاف وحده بعد توزعه بينهم، وكن على ~~يقين أنه لا يمضي جيل واحد على هذه الحال إلا ويندثر بين المصريين ما بقي ~~من بيوت المجد والغنى، واعلم أنه لم يبق أمامنا اليوم سوى بيت واحد هو منبع ~~المنابع في الثروة والمال، وكنز الكنوز في الغنى واليسار؛ يقوم للمصريين ~~مقام أعظم بيت من بيوت الحكام الذين كانوا ينعمون عليهم بالسيب والعطاء، ~~ويدفعون عنهم الضراء بالسراء، وما يخفى عليك أنه بيت البورصة.**الغني****: ~~**اسكت ولا تذكر لي اسم البورصة، فقد سمعنا في هذه الأيام عن فعلها بفلان ~~وفلان ما فيه عبرة للمعتبر وموعظة للمتدبر.**السمسار****: **ألتمس من ~~سعادتكم غض النظر عن الاستشهاد بفلان وفلان، فإن الخسارة لحقتهما ms152 من سوء ~~رأيهما وشدة جهلهما، أما أحدهما فإنه كان يعتمد في المضاربة بأمواله على ~~التفاؤل والتطير، وكان لا يأخذ إلا بكلام إحدى العرافتين: العرافة ~~السودانية أو العرافة الإفرنجية، تلك بودعها، وهذه بورقها، ومن نوادره في ~~الأخذ بالتفاؤل أنه سمع رجلا مجذوبا يصيح في الطريق بقوله: «اذهب يا يزيد» ~~وكان لا يزال مترددا بين البيع والشراء لا يرجح بين الهبوط والصعود، فتفاءل ~~بالكلمة واعتمد عليها وسار من توه إلى سمسار، فأمره أن يشتري له عشرين ألف ~~قنطار، فنصحه وحاول أن يحوله عن رأيه فلم ينتصح ولم يتحول، وهبطت الأسعار ~~في اليوم الثاني وتوالى هبوطها فكان ما كان من خسارته، وأما الثاني فكان جل ~~اعتماده على الأخذ بأفكار أرباب الجرائد والثقة بالأخبار الكاذبة من ~~الموظفين، ولم يعمل برأي السماسرة الذين هم أدرى الناس بوجوه المضاربة، ~~وأعلمهم بطرق الصواب فيها.**الغني****: **لن تزيدني والله براعتك في البيان ~~والبرهان إلا ابتعادا عن مضاربة البورصة وعن أهوالها، ولا أعتبرها في نظري ~~إلا أكبر باب من أبواب المقامرة، والمقامرة هي عين المخاطرة.**السمسار****: ~~**أما المخاطرة فهي لاصقة بالإنسان في كل حركة وسكون وملازمة لعمله في كل ~~زمان ومكان، ومن أراد أن يتوقى الأخطار ويسلم من المخاوف، فلا يباشر عملا ~~من الأعمال، والأولى له أن يترك هذا العالم إلى سواه، واسمح لي بآخر قول ~~أقوله لك في هذا الباب وهو أنك أخبرتني بمقدار محصولك في هذا العام، وهو ~~ثلاثة آلاف قنطار مخزونة عندك إلى اليوم، لم تبعها تربصا لصعود الأسعار، ~~ولم تبال بما يلحق القطن في طول خزنه من نقص الوزن وما يتهدده من بقية ~~الأخطار كالسرقة والحريق، فإذا كنت فضلت الانتظار لصعود الأسعار على هذه ~~الحال في ثلاثة آلاف قنطار، فما الذي يمنعك عن مثل هذا العمل في ثلاثين ألف ~~من «الكونتراتات» دون كلفة ولا مشقة، كالتي احتملتها في استخراج المحصول؟ ~~فإنك لا تدفع هنا ثمن أرض ولا تنفق على حرث ولا تؤدي ضريبة، ولا تبذل ماء ~~وجهك لري الأطيان، ولا تحني ظهرك لأصاغر الحكام، وما دخلت في ms153 قضية ولا وقعت ~~في منازعة ولا تخوفت شيئا من الآفات، سماوية كانت أم أرضية، بل هو ربح ~~يأتيك عفوا صفوا ولا رأس مال له سوى أربعة حروف أو خمسة تخطها بيمينك في ~~التوقيع.**الغني****: **يجوز أن يكون في قولك هذا بعض ما يقنع، ولكني لا ~~أجد نفسي تطمئن يوما إلى ولوج هذا الباب.**السمسار****: **أنا لا أكلفك ~~أمرا عظيما ولا أدعوك إلى أدنى خسارة، وما عليك إلا أن تجرب صدق نصيحتي، ~~فتشتري ألفين من «الكونتراتات» فتنتظر بها صعود الأسعار مع أقطانك ~~المخزونة، وأنا أضمن لك الربح ما دمت آخذا برأيي، ولا تستمر في هذا ~~الانكماش والحذر اللذين هما علة تأخر المصريين، وخذ في النشاط والإقدام ~~اللذين هما سبب تقدم الغربيين، واعلم أن الفرق في سرعة الربح بين ما يشتغل ~~به الناس من التجارة والصناعة والزراعة، وبين أشغال البورصة و«الكونتراتات» ~~كالفرق ما بين السفر على ظهور الجمال والطيران على أجنحة البخار، أو ما بين ~~نسخ الكتب بالخط ونسخها بالطبع، ولكل زمان ما يقتضيه من العمل ويحكم به من ~~السير، وأنت المخير مع ذلك فيما ترضاه لنفسك.**الغني****: **وكيف حال ~~الأسعار اليوم؟**السمسار****: **كما كانت أمس وهي فرصة ثمينة ~~للشراء.**الغني****: **خذ لي اليوم خمسمائة قنطار للتجربة. # قال عيسى بن هشام: وتركنا هذا العصفور قد وقع في يد الصائد المحتال، ~~والتفتنا إلى ذات الشمال، لسماع ما يدور من الجدال، بين رجل فرغ كيسه من ~~المال، وامتلأت رأسه من الآمال، وبين تبيع محام من الأجانب، يتلقط القضايا ~~من كل جانب: # **التبيع****: **لا أشير عليك أبدا برفع هذه القضية أمام المحاكم الأهلية، ~~وهي معروفة بجبنها وخوفها من الحكم على الحكومة في مثل هذه القضايا، ولئن ~~حكمت مرة فقلما تبادر إلى التنفيذ، أما المحاكم المختلطة فإنها لا تحسب ~~لغير الحق حسابا، وسواء لديها الحكومة والأهالي، والتنفيذ فيها أسرع من ~~نفاذ السهم عن القوس، كما أن المحاكم الأهلية لا تعرف قدر هذه القضية ~~ومنزلتها من التاريخ، ولا تقدر لك الفائدة من عهد وضع اليد عليها إلى الآن، ~~فلا مندوحة لك عن ms154 المحاكم المختلطة، ولكن أخبرني قبل كل شيء عن تلك الشجرة ~~هل لها ذكر في الحجة باسمها التاريخي المعلوم، وهل يمكنك إثبات نسبك متصلا ~~إلى الواقف؟**صاحب القضية****: **أما الشجرة فمذكورة في حجة الوقفية أنها ~~«شجرة العذراء»، وهي قائمة على أرض سواد، وأما نسبي فهو متصل بأحد عتقاء ~~الواقف السلطان الغوري، ولكن من لي بدخول القضية في المحاكم المختلطة وأنا ~~رجل من رعايا الحكومة؟ ومن لي بمحام أجنبي وأنت تعلم ما يلزم لمثله من ~~المبلغ الجسيم في «مقدم الأتعاب» الجعالة؟**التبيع****: **هون عليك الأمر، ~~أما رفع القضية إلى المحاكم المختلطة، فإنه سهل هين يكون بالتنازل عن ~~القضية لأحد الأجانب، وأما المحامي الأجنبي فأنا أتكفل لك بإقناع المحامي ~~الذي أشتغل معه ليقبل القضية غير أن يلتفت إلى «مقدم الأتعاب»، وإنما يتفق ~~معك على مناصفتك فيما تأتي به القضية من الأموال، وأما الأجنبي الذي تتنازل ~~له عن القضية فهو حاضر في مكتبنا تحت يدنا لتسخيره في مثل هذه القضايا، وما ~~عليك الآن سوى النفقات والرسوم القضائية.**صاحب القضية****: **لا بأس بما ~~تقول ولكن ليس عندي ما أستغني عنه اليوم لتلك النفقات، ولو كنت واثقا بعض ~~الوثوق بكسب القضية لبادرت إلى بيع الحصة، التي بقيت لي من العقار، ولكنني ~~أخشى أن تذهب الحصة وأخسر القضية فأصبح بلا مال ولا أمل.**التبيع****: **لو ~~كنت تعلم بمهارة معلمي وما له من علو الشأن في المحاكم المختلطة، ومن ~~الاتصال بقناصل الدول لاستخرت الله في بيع الحصة ورفع القضية.**صاحب ~~القضية****: **استخرت الله واعتمدت على هذا الرأي.**التبيع****: **فقد ~~أذنتني حينئذ بالكلام مع المعلم، ولك أن تحضر غدا لعقد الشروط.**صاحب ~~القضية****: **أمهلني أياما حتى أجد من يشتري الحصة بالثمن ~~المناسب.**التبيع****: **أنت في سعة من الوقت لبيع الحصة، إنما يجب أن ~~تبادر بإحضار الأوراق والمستندات من الغد للاطلاع عليها ودرسها.**صاحب ~~القضية****: **بيني وبينك مساء الغد في هذا المكان. # قال عيسى بن هشام: وتركنا أيضا هذه السمكة، تتخبط في الشبكة، ثم حولنا ~~النظر إلى العمدة في لعبة البليار، فما راعنا منه إلا أن ضرب الكرة ~~بصولجانه ms155 ضربة أفقية فأطارها إلى وجه أحد الجالسين من الأجانب، فاستشاط ~~غضبا واحتدم غيظا، وقام هاجما على العمدة يريد به شرا وهو يدمدم ويطمطم ~~والعمدة يجمجم ويغمغم، وكاد يقع ما تسوء عقباه لولا أن أسرع التاجر، فحال ~~بينهما وأخذ بيد الأجنبي يستعطفه، ويبالغ في الاعتذار إليه حتى لانت شكيمته ~~بافتتاح زجاجتين من «الشمبانيا» لعقد الصلح على حساب العمدة، ثم عمد العمدة ~~إلى الجلوس فلم يمهله الذي كان يلاعبه وطلب منه استكمال اللعب، فقام إليه ~~مكرها وقلبه يرتجف ويده ترتعش، فما هي إلا الضربة الثانية حتى أخطأ الكرة ~~بصولجانه، فأصاب غشاء البليار فخرقه وشقه، فذهب الخادم مسرعا وعاد بصاحب ~~«البار» ومن ورائه بقية الخدم وهو يقول لهم بصوت عال: كيف تسلمون عصا ~~البليار لهذا الفلاح الأخرق فيخرقه ويتلفه؟ ثم وقف للعمدة يطالبه بثمن ما ~~أتلف وتعويض ما عطل وقدره له بخمسة عشر جنيها لا يتجاوز عن درهم واحد منها، ~~فأخرج العمدة كيسه، فأحصى ما فيه عدا فإذا هو لا يزيد عن ثلاثة عشر جنيها ~~فلم يقبل منه، فتوسط إليه بعض الحاضرين، فقبلها متكرها وجلس العمدة متكدرا، ~~ولقد كان اللعب بالأفعوان، أقرب إلى السلامة من هذا الصولجان، ثم استمر ~~جالسا ينتظر انتهاء التاجر من لعبه حتى قام عنه زاعما أنه خسر فيه ثلاثة ~~جنيهات، وقعد بجانبه يظهر التأسف والتندم فقال له العمدة: دع عنك الأسف ~~والكدر فالضائع ضائع ومصيبتك على كل حال أخف وقعا من مصيبتي، وبينما هما ~~على هذه الحال إذا بالخليع قد حضر من غيبته يقول لهما هاشا باشا وفرحا مرحا: # **الخليع****: **أشرق أنسنا وسعدت ليلتنا وطاب وقتنا وانقضت حاجتنا، وأسأل ~~الله أن يطيل لنا ليلنا ويبعد عنا نهارنا فقد تم مرادنا وهلم ~~بنا.**العمدة****: **ونحن نسأل الله أن يقصر ليلنا ويدني منا نهارنا، فاقعد ~~معنا نقصص عليك ما دهانا في غيابك.**الخليع** (بعد سماع القصة)**: **ويلي ~~ثم ويلي فأنا الملوم؛ إذ تركتكما فوقع لكما ما وقع، ولكن قدر الله لكما ~~ولطف بكما، أما مصيبتي الآن فهي أعظم من مصيبتكما وأبلغ، فماذا أقول ms156 وماذا ~~أفعل؟ وكيف أدفع وبأي عذر أعتذر، وقد أخرجت البيضة من خدرها والظبية من ~~كناسها، واستعد المجلس لحضورنا وأنسنا؟**التاجر****: **الأمر أيسر مما ~~تخشاه فما يفوتنا الليلة ندركه غدا.**الخليع****: **ذاك شيء لا يدرك في كل ~~وقت وحين، وهذه المرة هي بيضة الديك لبيضة الخدر، وكيف يمكن فض هذا المجلس ~~وتأجيله وقد مضى قطع من الليل وتعذرت سبل الرجوع. # كيف الرجوع بها وحول قبابها %~% سمر الرماح يملن للإصغاء؟ فخلصاني ناشدتكما الله مما وقعت فيه وأنقذاني من هذا البلاء ~~العظيم.**التاجر****: **وما وجه الخلوص وقد علمت بتفصيل ~~الحال؟**العمدة****: **تالله إن الحرمان من هذا المجلس النادر لأعظم مصابا ~~من كل ما نابنا، ولو كان الوقت نهارا لأسرعت إلى «البنك»، فأخذت ما يلزم ~~لنا من الدراهم.**التاجر****: **إذا كانت الرغبة انتهت بك إلى هذا الحد، ~~فالأمر يسير ومعي الآن ما يكفي وأنا أقوم لك مقام «البنك» فكم تطلب، ولأي ~~ميعاد تكتب؟**الخليع****: **هكذا يكون الصديق، في وقت العسر والضيق، فحياك ~~الله وأبقاك.**العمدة** (للتاجر)**: **أعطني عشرين جنيها تكون معي على سبيل ~~الاحتياط.**التاجر****: **ولك الفضل، هاك سبعة عشرا جنيها تبلغ العشرين ~~المطلوب بالثلاثة التي خسرتها هنا أمامك، وألتمس منك كتابة ورقة على سبيل ~~التقييد. # قال عيسى بن هشام: فما كان أسرع من الخليع في استحضار الدواة والقرطاس، ~~لإجابة هذا الالتماس، فطلب العمدة منه أن يكتب الصك عنه، ثم خرجوا والعمدة ~~يجرر أذياله، ويحك قذاله،[4] وخرجنا خلفهم في الحال، نتبعهم متابعة الظلال. ### | العمدة في المطعم # قال عيسى بن هشام: ولما صرنا في الطريق أخذ الباشا يطيل من فكرته، ويقصر ~~من مشيته ويقول: ما هذا الذي أرى من فساد هذا الورى؟ كأن ناقعا نقعهم في ~~خابية،[1] جمعت أخلاط الكبائر، أو غامسا غمسهم في جابية،[2] وعت أمشاج ~~الجرائر،[3] أوكلما خطونا خطوة رأينا من الغش والمكر أصنافا وأضرابا، أو ~~حضرنا ندوة شهدنا من الخداع والنفاق فصولا وأبوابا؟ فما أتعس من يعاشرهم! ~~وما أنحس من يحيا فيهم! وما أشقى من يجاورهم! وما أسعد من يجافيهم! وا ~~غوثاه من الإنسان، في هذا الزمان، فقلت له: قدك[4] ms157 بل في كل زمان: # لن تستقيم أمور الناس في عصر %~% ولا استقامت فذا أمنا وذا رعبا # ولا يقوم على حق بنو زمن %~% من عهد آدم كانوا في الهوى شعبا # هكذا كان بنو آدم، تأخر عهدهم أو تقادم، فهم على ما هم فيه أبدا، أمس ~~واليوم وغدا، وما عساك تقول في ذرية الشيخ آدم وزوجه حواء، وقد قالت من قبل ~~فيهم ملائكة السماء: @QUR@07 أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ، وما ~~عساك تقول في قوم ترى الصغير منهم قبل الكبير، والمولى قبل الأمير، يهون ~~عليه أن يفتدي ما أسف من الدنايا وسفل من المطالب بمنطقة البروج، ومجرة ~~الكواكب؟ وما عساك تصف خلقا أفضل ما في أعضائه، أكبر سبب لشقاء الخلق ~~وشقائه؟ # أفضل ما في النفس يغتالها %~% فنستعيذ الله من جنده # هذه المضغة التي بفيه، ويقال: إنها أفضل ما فيه، لو نسجت مضغة على قدرها، ~~حمات العقارب[5] - حماك الله - لحمتها، ولعاب الأفاعي - عافاك الله - ~~صبغتها، لكانت في جانب هذا اللسان أخف ضرا، وأهون شرا، وما عساك تنعت نوعا ~~نعت الله واحدا منهم في آية من الآيات بتسع صفات: @QUR@016 حلاف مهين * ~~هماز مشاء بنميم * مناع للخير معتد أثيم * عتل بعد ذلك زنيم . # فأف لعصريهم نهار وحندس %~% وجنسي رجال منهم ونساء # وليت وليدا مات ساعة وضعه %~% ولم يرتضع من أمه النفساء # وما يدريك أن ما رأيته من أخلاق هذا النفر، أفضل من أخلاق من علاهم من ~~سادة البشر؟ ولعل ما أدركته من طمع الغني ومكر السمسار وخداع التبيع، وما ~~تبينته من غش التاجر وغفلة العمدة واحتيال الخليع، هو دون ما تكنه صدور ~~الكبراء، وتجنه قلوب الأمراء، تحت حجاب التكلف والتطبع، ويسترونه عن أعين ~~الناس بستار التمويه والتصنع، وكلما اعتلى الإنسان درجة في المقام، وخطا ~~فيها خطوة إلى الأمام، تقنع لها بقناع وتلثم بلثام، فتجد حقائق الخلائق ~~مرموسة تحت صفائح الدهاء، مضروحة بين جنادل الرياء، بل ربما كان أخلاهم ~~أخلاقا حسانا، أبلغهم في التظاهر بها زورا وبهتانا، كان لي صاحب تراه من ~~لسانه غضنفرا رئبالا،[6] ms158 يحمي عرينا ويحرس أشبالا، تتقيه القياصرة، وتخشاه ~~الأكاسرة، فإذا كشفت عن قلبه، وحسرت عن لبه، وجدته شاة تعطف على سخلها،[7] ~~وظئرا تحنو على طفلها،[8] وأعرف آخر قد ضجت أحرف الفضيلة من ذكرها بقلمه ~~ولوكها في فمه، وهو مع ذلك يخمش وجهه ويدمي جفونه إن سمع أن مختلسا اختلس ~~دانقا دونه، وفيهم من يملك من وجهه التغير بالانفعالات المتناقضة، والتلون ~~بالألوان المتعارضة، فتكون دموعه طوع إرادته، وابتساماته عند حاجته، قال ~~حكيم لآخر: ما أكثر ما تتحول رقعة الشطرنج وتتقلب! قال له: تقلب وجه ~~الإنسان أعجب وأغرب، وقد تبقى الأخلاق الذميمة، والصفات اللئيمة مطوية عن ~~النظر، محجوبة عن البصر، حتى يتاح لها كاشف من الحوادث فينزع عنها ~~الفدام،[9] ويحسر اللثام، فيظهر الطبع السقيم، ويبدو الخلق الذميم، ومن ~~عوامل التبيين والبيان في أخلاق الإنسان الغضب والجبن، أو السكر والحزن، ~~ونحن الآن في ساحة السكر فهلم بنا، نلحق بأصحابنا، فأدركناهم وهم وقوف ~~يتشاورون وسمعناهم وهم يتحاورون. # **العمدة****: **دعوني من هذا كله فقد صاحت عصافير بطني ولم يدخل جوفي ~~اليوم شيء من الطعام سوى لقمة الصباح التي أكلتها مستعجلا، فهيا بنا إلى ~~«السكة الجديدة» نعطف على «العطفي» فإن طعامه دسم وسمنه زبدة ولحمه ~~سمين.**التاجر****: **ما هذا «العطفي» الذي تذكره وأين أنت من كباب ~~«الحاتي» وحمام «لوكه» أو طواجن «الفار» وأرز «العجمي»؟**الخليع****: **ما ~~هذا الخلط ونحن في وسط الأزبكية بين «النيوبار» و«سان جمس بار» و«اسبلندد ~~بار» وفيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين؟ وناهيك بهذه الأماكن ونظافتها ~~وحسن خدمتها وعلو قدر الواردين عليها.**العمدة****: **دعنا من هذه الأماكن ~~فإن طعامها لا يسمن ولا يغني من جوع، خصوصا وأنا على هذا الخلو من ~~بطني.**الخليع****: **وأنا لا يمكنني على كل حال أن أترك هذه الأماكن، ~~وأذهب معكما إلى الحوانيت التي تشيران بها، وأخشى أن يراني بها أحد ممن ~~يعرفني فأصغر في عينه.**التاجر****: **إذا كان الأمر كذلك فأنا على ~~رأيك.**الخليع** (للعمدة)**: **لا مناص لك حينئذ فضعيفان يغلبان قويا فادخل ~~بنا «النيوبار». # قال عيسى بن هشام: فدخلوا ودخلنا معهم، وجلسوا وجلسنا على ms159 مقربة منهم، ~~وما خلع الخليع طربوشه حتى نزع العمدة عمامته، وما ضرب الخليع بيده على ~~المائدة حتى صفق العمدة بيديه، فحضر الخادم ومعه قائمة الألوان، فتناولها ~~العمدة ونظر فيها نظر المريض إلى وجود العود، ثم ناولها للخليع ليقرأها ~~فأخذها وتأمل فيها وشرع يسرد الألوان حتى انتهى منها، والعمدة لاه عنه ~~والتاجر منصت إليه. # **الخليع** (للعمدة)**: **ماذا تحب وتختار؟**العمدة****: **أختار المرق ومن ~~بعده لحم الفرن أو الكبما.**التاجر****: **وأنا أطلب كبابا وقرعا ~~وأرزا.**الخليع****: **وأنا أختار «فاتحة الطعام» أولا، ثم خلاصة اللحم ~~بالبيض وأرزا بفاكهة البحر ودجاجة بعش الغراب وسمانا بالكمأة، وهليونا ~~بالزبدة.**العمدة****: **ما هذه الأسماء الغريبة؟**الخليع****: **هي أطعمة ~~خفيفة لا تقوى معدتي على هضم غيرها.**التاجر****: **«كل ما يعجبك والبس ما ~~يعجب الناس.» # قال عيسى بن هشام: فيذهب الخادم ويجيء للخليع بفاتحة الطعام من زيتون ~~وفجل وسمك مملح وزبدة، فيتأمل العمدة فيها ثم يميل على قطعة الزبدة ~~فيبتلعها وهو يقول: أزبدة وسمك؟ فيطلب الخليع سواها، ثم يأتي الخادم بصحن ~~المرق للعمدة، فيجده قد أكل ما كان وضعه أمامه من الخبز وعطف على خبز ~~الخليع يأكل منه، فيأتيه الخادم بنصيب آخر فيتناوله العمدة ويفته في صحن ~~المرق حتى يمتلئ ويفيض على المائدة، ثم إنه انحنى فأنحى عليه وصفق يطلب ~~صحنا آخر وخبزا آخر، وهو يميل في هذه الأثناء على طعام الخليع، فيأخذ قطعة ~~من الدجاجة ويضعها أمامه، ويحاول قطعها بالشوكة والسكين فتفلت منه إلى ~~الأرض فيقوم فيلتقطها ويأكلها باليد، ثم يأخذ جزءا من عش الغراب فيقضم منه ~~فلا يألفه فيمجه ثم يرده إلى صحن الخليع ثانية ويقول: ما هذه القشور التي ~~يطبخونها هنا وهي عندنا شائعة على الجسور تفحص عنها الخنازير في الأرض ~~بأرجلها فتستخرجها ولا تأكلها، فتبقى ملقاة على ظهر الطريق لا يمسها إنسان ~~ولا حيوان، ثم يأتي الخادم بالمرق فيطلب منه خبزا آخر فلا يكفي لامتلاء ~~الصحن، فيعاود الطلب فيمل الخادم ويقول له: إنما أنت هنا يا سيدي في مطعم ~~لا في مخبز. # **الخليع** (للخادم)**: **ما هذا الكلام البارد «يا جورج»؛ أليس ms160 لكل شيء ~~ثمن هنا؟ ونحن نأكل بدراهمنا ما نشتهي ونطلب ما نريد.**الخادم** ~~(للخليع)**: **لا مؤاخذة فإن كلامي ليس موجها إليك.**الخليع****: **إن لم ~~يكن الكلام لي فهو لصاحبي، وصاحبي هذا أعز علي من نفسي.**العمدة****: **دعه ~~يأت لنا بخبز ولو بالثمن ولا تشغل نفسك بما يقول مع أنه يقال: إن هذه ~~المطاعم العالية تبذل الخبز للآكلين مجانا.**التاجر** (للخادم)**: **أعطني ~~أيضا لونا من الخضر.**العمدة** (للخليع)**: **قل للخادم يحضر لي مع لحم ~~الفرن فحل بصل.**الخليع****: **كل شيء يجوز إلا أكل البصل في هذه ~~الليلة.**العمدة****: **لا مؤاخذة فإن النفس الملعونة ذهبت إليه من غير ~~ترو.**التاجر** (للخادم)**: **ائت لي بشيء من الحلوى أو ~~الفاكهة.**العمدة****: **إذا كان في الفاكهة برتقال أو بلح فأعطني ~~منه.**الخليع****: **ولا تنس «يا جورج» أن يكون في نصيبي من الفاكهة ~~«مانجو» و«قشطة خضراء» و«موز» و«أناناس».**العمدة** (للخليع ممازحا)**: ~~**ومن قال: إنك لست من الناس؟**الخليع** (للخادم)**: **هات زجاجة نبيذ أخرى ~~بغبارها. # قال عيسى بن هشام: ولما حضر الخادم بالفاكهة وانصرف أسرع العمدة بيده ~~إليها، فانتقى من كل فاكهة زوجين ودسها في جيبه وهو يقول: هذه تنفعنا ~~للتنقل بها على الشراب فيما بعد، ثم حضر الخادم بآنية من البلور الملون ~~فيها ماء وقشر ليمون، فوضع أمام كل واحد منهم إناء، فهم العمدة بشرب إنائه ~~في الحال، فبادره الخليع ونزعه بيده عن فمه. # **العمدة****: **لماذا تمنعني عن شرب هذا «الخشاف»، وقد أنعشتني منه رائحة ~~الزهر؟**الخليع****: **هذا يا سيدي ماء لغسل أطراف الأصابع بعد ~~الأكل.**التاجر****: **من عاش رأى!**العمدة** (للخادم)**: **الحساب «يا ~~خواجا».**التاجر****: **القهوة.**الخليع****: **الخلال مع كأس من ~~«الكونياك» بجانب القهوة، ويأتي الخادم بجميع هذا فيتناول العمدة ريش ~~الخلال فيتخلل بريشة، ثم يعيدها إلى مكانها، ويأخذ أخرى فينكش بها أذنه ثم ~~يمسح ما علق بها في غطاء المائدة، ثم يلتفت إلى الخليع ويطلب منه أن يقرأ ~~قائمة الحساب ويخبره بكميته.**الخليع****: **أربعون فرنكا.**العمدة****: ~~**اقرأ جيدا فإن هذا غلط فاحش.**الخليع****: **قد قرأت وحسبت وأعرف أنهم لا ~~يغالطون هنا.**العمدة****: **ما هذا النهب والسلب، وما هذا الإسراف ~~والتبذير؟ لو كنا ذهبنا إلى مكان ms161 من الأماكن التي عددناها قبل دخولنا هنا ~~لكنا ملأنا البطون، وتمتعنا بالطعام الكثير مع الثمن القليل، ولو كنا ~~توجهنا إلى المحل الذي أبيت فيه لكنا وجدنا من الأكل ما يكفينا بغير ثمن؛ ~~لأن في غرفتي برمة أرز بحمام مما أحضرته معي من البلد، ولا شك في أن الخادم ~~يريد أن يستغفلنا فزاد في الحساب ما أراد، وأنا رجل لا أقبل الغفلة على ~~نفسي ولا أدفع هذا الحساب، وسأكشف لكما هذا الغش بكل طريقة، فإنه يهون علي ~~أن أبدد عشرة جنيهات في الهباء ولا يهون علي أن أدفع قرشا واحدا بطريق الغش ~~والاختلاس. # (ثم إنه رفع كأس النبيذ وهو في حدته فصك به قدحا آخر ممتلئا لاستدعاء ~~الخادم، فانقلب الكأس وأهرق النبيذ على غطاء المائدة، فحضر الخادم فعز عليه ~~ما رأى.) # **الخادم****: **ما هذه الليلة السوداء؟**العمدة****: **هذا ما أقوله أنا ~~أيضا، فقل لي ما هذا الغلط في الحساب؟ وهل تريدون أن لا يدخل محلكم بعد ~~اليوم أحد؟**الخليع****: **هل في الحساب غلط «يا جورج»؟**الخادم****: **وأي ~~غلط يكون في الحساب بعد الذي حصل، وهذا هو بيان الثمن أمام كل ~~صنف؟**العمدة****: **أي حساب وأي بيان! ولكنك أنت الكاتب له.**الخادم****: ~~**نعم أنا الكاتب له ولكنك أنت الآكل له.**العمدة****: **وهل أكلنا أربعين ~~صحنا حتى ندفع أربعين فرنكا؟**الخادم** (للخليع)**: **أرجوك أن ~~تقنعه.**العمدة****: **وهل أنا جاهل حتى يقنعني؟**الخليع** (وهو قائم)**: ~~**حاشا لله يا سيدي.**التاجر** (للخليع)**: **إلى أين؟**الخليع****: ~~**أراهم وضعوا في لوح التلغرافات السياسية تلغرافا جديدا أريد أن ~~أقرأه.**الخادم** (للعمدة)**: **أعطني الحساب ولا تعطلني عن ~~الشغل.**العمدة****: **هاك عشرين فرنكا لا أدفع سواها.**الخادم****: **ليس ~~هنا محل المساومة في ثمن الطعام بعد أكله.**التاجر****: **زده ~~فرنكين.**الخادم****: **لقد كان الأولى بكم أن تأكلوا في غير هذا المكان ما ~~دمتم بهذه الصفة.**التاجر****: **لا تغلط «يا خواجا»، فإن حضرته يأكل في ~~مثل هذا المكان، وفي أعظم منه، ولكنه يحب الأمانة ويكره ~~الاستغفال.**الخادم****: **وهل أنا خائن؟ وأنا صاحب شرف مثلك ومثل أعظم ~~منك.**التاجر** (للعمدة)**: **حقيقة إنه لقليل الحياء.**العمدة****: ~~**وحياتك لا أخاف منه ولا يأخذ مني غير ms162 هذا المبلغ.**صاحب المحل** (وقد حضر ~~مع الخليع)**: **ماذا جرى؟**العمدة****: **خادمك يسرقنا ويشتمنا.**صاحب ~~المحل****: **هذا كلام لا يقال عن محلنا.**التاجر****: **وذاك كلام لا يقال ~~لنا.**صاحب المحل** (للخليع)**: **عهدي بك لا تصاحب إلا الكبراء والظرفاء، ~~فما هذا الشيخ الذي جئتنا به هذه الليلة، وقد شاهدته من مكاني يفعل أفاعيل ~~انتقدها جميع الحاضرين، فإنه كان يبلع الزبدة، ويطوي الخبز، ويمد يده إلى ~~صحن سواه، ويعيد إليه فضلة ما يأكله، ويتناول قطعة الدجاجة من الأرض ~~فيلتهمها، ويلوث المائدة بالمرق والنبيذ، ويمسح يده في الغطاء، ويكسر الكأس ~~ويختلس الفاكهة فيضعها في جيبه، ويهم بشرب ماء الغسل، وينكش أذنه بريشة ~~الخلال، ولم يكتف بهذا كله حتى أخذ يغازل السيدات ويغامزهن، فقمن مستقبحات ~~مستنكرات، وقام كثير من المترددين على المحل اشمئزازا من هذه الأفاعيل، ولا ~~أشك في أنه إذا حضر عندنا شيخ آخر مثل هذا أن يبتعد الناس ويتعطل ~~المحل.**الخليع****: **لا تلقبه بلقب شيخ فإنه سعادته من الحائزين للرتبة ~~الثانية، وله سعي في رتبة التمايز، ولا تستصغر قدره فهو من كبار الأغنياء ~~في الأرياف.**صاحب المحل** (للعمدة)**: **لا تؤاخذ الخادم يا سعادة البك ~~فهو على كل حال خادمك والمحل محلك.**العمدة** (للخادم)**: **يجب عليك أن ~~تعرف الناس وتتعلم حسن المعاملة من حضرة الخواجا صاحب المحل، ووالله لولا ~~حسن ذوقه ولطفه لما زدت عن العشرين فرنكا، ولكني أعطي الآن ما تطلبه مراعاة ~~لخاطره عن طيب خاطر وحسن رضاء.**صاحب المحل** (للخادم)**: **اسأل حضراتهم ~~ماذا يشربون على حساب المحل لتأكيد المعرفة والمسامحة فيما حصل. # قال عيسى بن هشام: ثم مال الخليع على العمدة يشير عليه بأن يطلب دورين من ~~الشرب لإكرام صاحب المحل في مقابلة إكرامه لهم، فطلب العمدة ثم طلب، وشرب ~~ثم شرب، وقام بعد الدفع يتمايل ويتثنى، ويتثاءب ويتمطى ويشكو للخليع فعل ~~الكأس، وهجوم النعاس، فيقول له: هذه عادة تكون عند الامتلاء، ولا يصرفها ~~إلا كئوس الصهباء، فهيا بنا الآن، نذهب إلى الحان، فخرجوا وخرجنا من ورائهم ~~نستقصي بقية أنبائهم. ### | العمدة في الحان # قال عيسى بن هشام: وأخذوا طريقهم إلى ms163 الحان المقصود، والحوض المورود، ~~وفيما نحن نسير، بين تقدير وتفكير؛ إذ التفت الباشا إلى ذلك الفندق الكبير، ~~بل الخورنق والسدير،[1] فرأى فيه شموس الكهرباء مشرقة، وينابيع الضياء ~~متدفقة، يلوح فيها زنجي الليل بقميص أبيض، ويبدو فيها أديمه كالآبنوس ~~المفضض، وعمد المصابيح كأنها أغصان الأشجار، أزهرت بالأنوار مكان الأنوار، ~~فصار كل عمود منها عمود فجر، يفجر ثغرة الدجنة أي فجر، وكأن منثور الشموع ~~في ظلمة الحلك، منثور النجوم في قبة الفلك، ورأى تحتها صفوفا من الرجال، ~~بين صفوف من ذوات الحجال، على سرر متقابلين، وأرائك متكئين، يسعدهم الجد ~~المقيم، ويرفرف عليهم الرفه والنعيم، فطفق يسألني: أتراه محفلا ليوم أنس؟ ~~أم زفافا في بيت عرس، أم تراها ليلة مهرجان، لقبيل من الجان، نسوا تفاوت ~~الجنس، فأنسوا إلى الأنس، وهجروا جوف الأرض لظهرها ودرجوا من بطنها إلى ~~حجرها؟ فقلت له: نعم هؤلاء شياطين الإنس يطوون البر والبحر، ويقطعون الحزن ~~والوعر، ويطيرون في السماء، ويمشون على الماء، ويخرقون الجبال، وينسفون ~~القلال، ويقلبون الآكام وهادا، ويبسطون الربى مهادا، ويجعلون القفار بحارا، ~~ويحيلون البحار بخارا، ويسمعون من بالمشرقين، أصوات من بالمغربين، ~~ويستنزلون لبصرك أنأى الكواكب، ويعظمون في عينك أوهى العناكب، ويجمدون ~~الهواء، ويذيبون الحصباء، ويستحدثون الأنواء، ويزنون الضياء، ويستشفون ~~خبايا الأحشاء، ويكشفون خفايا الأعضاء، فقال لي: أئنك لتحدث عن جن سليمان، ~~في هذا الزمان، قلت له: هؤلاء سياح الغربيين أهل المدنية والحضارة، ~~الناظرون إلى الشرقيين بعين المهانة والحقارة، فإن نظروا إليهم من جهة ~~العزة فنظرة العقاب من شماريخ رضوى وثبير[2] إلى جنادب الرمل وضفادع ~~الغدير،[3] وإن نظروا إليهم من طريق العلم، فنظرة معلم الإسكندر عالم ~~العلماء إلى صبي يتهجى في العين والياء، وإن نظروا إليهم من باب الصناعة، ~~فنظرة «فيدياس» صانع التماثيل والدمى[4] إلى بناء يقيم أكواخ القرى، وإن ~~نظروا إليهم من جهة الغنى، فنظرة صاحب المفاتيح التي تنوء بالعصبة إلى أجير ~~ينضح عرقا تحت القربة، وإن نظروا إليهم من جهة الفضائل النفسانية، فنظرة ~~الحكيم «سقراط»، شارب السم غراما بالفضيلة، إلى الشرير «أرسطراط» حارق ~~المعبد ولعا ms164 بالرذيلة، تلك دعواهم في نفوسهم، وقولهم بأفواههم. # وهم في رحلتهم إلى الشرق على ضربين: أهل الفراغ والجدة الذين أبطرهم ~~الغنى وألهاهم الاستمتاع ببدع المدنية ولم يبق في أعينهم جديد، فانتقمت ~~منهم الطبيعة في خروجهم عن سننها فسلطت عليهم داء الملل والسأم، فأصبحوا ~~هائمين على وجوههم في الأقطار والبلدان، وحطتهم القدرة إلى الاستشفاء من ~~ذلك الداء بالتنقل في البلاد المنحطة عنهم في درجات المدنية والإقامة في ~~الأقطار الباقية دونهم على الفطرة الغريزية، والضرب الثاني منهم أرباب ~~العلم والسياسة وأهل الاستعمار والاستنفاض[5] يستعملون علومهم، ويعملون ~~أفكارهم في احتلال البلدان وامتلاك البقاع، ومنازعة الناس في موارد أرزاقهم ~~ومزاحمة الخلق في أرضهم وديارهم، فهم طلائع الخراب أدهى على الناس في السلم ~~من طلائع الجيوش في الحرب. # قال عيسى بن هشام: وانقطع الحديث بدخول أصحابنا في الحان، واصطفافهم حول ~~الدنان، فأخذنا مجلسنا بقربهم، ننظر ما يصنع بهم، وإذا الخليع يلتفت عن ~~اليمين والشمال، ويبادر الخادم بالسؤال: # **الخليع** (للخادم)**: **ألم يشرف دولة «البرنس» هنا في هذه ~~الليلة؟**الخادم****: **هو في داخل المكان وسيعود إلى مجلسه في ~~الحال.**العمدة** (مدهوشا)**: **هل يجيء هنا البرنسات، وهل يليق بنا أن ~~نجلس للشرب في مكان يحضروننا فيه، فلم اخترت هذا المحل ولم لا نذهب إلى محل ~~سواه؟**الخليع****: **لا بأس علينا هنا وسترى كيف أفعل حتى لا تخرج من هنا ~~إلا والبرنس مصافحك ومجالسك.**العمدة****: **لا تهزأ بي ولا تمزح، فأين نحن ~~من البرنسات؟**التاجر** (للعمدة)**: **لا تستبعد ذلك، فإن لبعض البرنسات ~~أخلاقا واسعة ونفوسا ترابية، ومن رأيهم الاختلاط بالناس والتساوي بهم في ~~مجتمعاتهم ومعاملاتهم.**العمدة** (للخليع)**: **وهل لك معرفة سابقة ~~به؟**الخليع****: **كيف لا أعرفه ولي معه جلسة في كل ليلة؟ وكثيرا ما ~~أوصلته آخر الليل إلى قصره.**العمدة****: **إنك لتبالغ؟**الخليع****: **لا ~~مبالغة ودونك البرهان. # قال عيسى بن هشام: ويقوم الخليع واقفا عند عودة البرنس إلى مجلسه، فيومئ ~~البرنس إليه بالسلام فيتبعه إلى مائدة عليها صنوف وألوان من الخمر والنقل ~~فيجلس بجانبه مع الجالسين حوله يخاطبه بصوت يسمعه العمدة من مكانه: # **الخليع****: **لا زال أفندينا في أسعد ms165 حال وأنعم بال.**البرنس****: ~~**وأين أنت؟ فقد سألت عنك مرارا.**الخليع****: **أنا في الخدمة تحت أمر ~~أفندينا وعند طلبه، وما منعني عن المبادرة إلى مجلسكم العالي إلا اصطحابي ~~بصاحبين أحدهما من عمد الأرياف والآخر من تجار الثغور، لصقا بي للبقاء ~~معهما وألحا علي أن أصحبهما.**أحد الجلساء** (ممازحا)**: **لا بل ~~تسحبهما.**البرنس** (منكتا)**: **وهل هنا «زريبة» يا بك؟**جميع الجلساء** ~~(ضاحكين)**: **لله در أفندينا في هذه النكتة فما ألطفها ~~وأرقها!**البرنس****: **أنا لم أتعلم التنكيت ولكن يصادفني منه بعض كلمات ~~في بعض الأوقات.**أحد الجلساء** (لآخر)**: **انظر بالله يا أخي حدة البرنس ~~في لطافته، وشدته في رقته، وقوة إدماجه في ألفاظه.**الجليس****: **وأنت ما ~~شاء الله ما أفصحك الليلة في تعبيرك! وما أبلغك في كلامك! أأنت تأخذ هذه ~~الجمل عن الجرائد؟**البرنس** (للخليع)**: **ماذا تشرب؟**الخليع****: ~~**العفو يا مولاي فلا بد من الرجوع إلى صاحبي أولا حتى أتخلص ~~منهما.**البرنس****: **وهل هما من الأغنياء المعتبرين؟**الخليع****: **أما ~~العمدة فإنه يمتلك ألف فدان، وللتاجر في بلده أعظم خان، وللعمدة عشرة ~~وابورات للري وعنده الرتبة الثانية، وللتاجر وابور للحليج وعنده وعد ~~بالثالثة.**البرنس****: **لا تحرمنا من وجودك ولا بأس من استدعائهما للجلوس ~~معنا.**أحد الجلساء** (لآخر)**: **قم بنا نفسح لهما.**الجليس****: **انتظر ~~قليلا حتى يأتي «الدور» المطلوب مع صحن بلح البحر الذي أوصى عليه البرنس آنفا. # (قال عيسى بن هشام: وينصرف الخليع إلى صاحبيه لإحضارهما، فينهض له العمدة ~~وافقا لتبجيله وتعظيمه، فيسقط من يده «فم السجارة» على الرخام فينكسر ~~فينحني إلى الأرض يجمع شظاياه، ويظهر عليه من الأسف والكدر ما لا يقدر، ~~فيجره الخليع إليه ويقول له): # **الخليع****: **لا يليق بنا أن نكون على هذه الحال من الأسف لأجل هذا ~~«الفم»، فإن البرنس ينظر إلينا، وقد جئت لك بدعوة منه للجلوس ~~معه.**العمدة****: **ليس أسفي على «الفم» في ذاته؛ بل لأنه تذكار عندي من ~~حضرة مأمور المركز، كنت أهديته فرسا فأهداني إياه؛ فهو ثمين عندي من هذه ~~الجهة، ولكن قل لي كيف يدعوني دولة البرنس إليه، وكيف ذكرتني ~~له؟**التاجر****: **أي نعم قل لنا كيف كان ذلك وهل جرى ms166 لي ذكر عنده ~~أيضا؟**الخليع****: **قد قلت ما قلت وذكرت ما ذكرت، ويقال في المثل: «أرسل ~~حكيما ولا توصه».**العمدة****: **أحب أن أسمع تفصيل ما دار من الكلام ~~بشأني، فإني رأيته يضحك كثيرا وأنت تكلمه.**الخليع****: **أخبرته بقصتك مع ~~سمسار القطن ولطف حيلتك معه حتى حرمته أجره.**التاجر****: **وعلى ذكر ~~السمسار هل تعلم أن دولة البرنس باع قطنه في هذا العام؟ # قال عيسى بن هشام: فكان جواب الخليع أن أخذ بيد العمدة وتبعهما التاجر ~~حتى صاروا أمام مائدة البرنس، فطأطأ العمدة إلى ركبة دولته، فدفعه بيده ~~فاستلمها العمدة وقبلها مرارا بطنا وظهرا، فتبسم له البرنس وأشار إليه ~~بالجلوس، فامتنع واستمر واقفا ويداه إلى صدره حتى أقعده الخليع مع التاجر ~~بجانبه بعد شدة الإلحاح. # **البرنس** (لأحد جلسائه)**: **لا تنس أن تذكرني غدا بتصوير الفرس «سيرين»، ~~فإن «الدوك أوف بروك» أرسل إلى صاحبنا المستشار يطلب مني صورتها ليعرضها في ~~معرض السباق بلوندره.**الجليس****: **الأوفق أن يكون ذلك بحضور المستشار في ~~اليوم الذي عينه أفندينا له للغداء مع مفتش الري.**البرنس** (للعمدة)**: ~~**ماذا تشرب يا حضرة الشيخ ... يا بك؟**العمدة** (واقفا على قدم التاجر)**: ~~**ألتمس السماح يا مولاي فإني لا أشرب شيئا.**التاجر** (متململا من ~~الألم)**: **العفو يا أفندينا أستغفر الله فإن ذلك لا يليق في ~~حضوركم.**البرنس****: **لماذا جئتما هنا إن لم تشربا؟**الخليع****: ~~**يشربان حسب أمر دولتكم فالامتثال فوق الأدب. # قال عيسى بن هشام: ويتناول الخليع «علبة السجارات» من أمام البرنس، فيعطي ~~للعمدة واحدة وللتاجر واحدة فيتحاشى العمدة إشعالها في حضرة البرنس ظاهرا - ~~وربما كان غرضه الباطن إبقاءها لديه أثرا من البرنس يفتخر به عند أقرانه - ~~ثم يأتي أحد باعة الزهور، فيهمس في أذن البرنس بكلام يقهقه له، ويأمر ~~الخادم أن يعطيه كأسا فيشربه وينصرف، ثم يلتمس الخليع من البرنس أن يسمح ~~للعمدة بطلب زجاجة من «الشمبانيا»، فيسمح له ويلتفت إلى العمدة يخاطبه بقوله: # **البرنس** (للعمدة)**: **كيف حال المحصول عندكم، وكم رمى الفدان من ~~القطن؟**العمدة****: **رمى الفدان عندي سبعة بأنفاس دولتكم.**التاجر****: ~~**المحصول جيد ولكن الأثمان في هبوط، وهل باع دولة أفندينا ms167 أقطانه أم هي ~~باقية؟**البرنس** (لأحد جلسائه)**: **أنا لا أدفع في ثمن الخنجر الذي ~~رأيناه اليوم أكثر من عشرين جنيها، ولو كان عليه تاريخ صنعه لدفعت ما يطلبه ~~صاحبك فيه.**الجليس****: **لا بأس به إلى الثلاثين.**البرنس****: **ما الذي ~~تراه في مسابقة الخيل غدا؟**الجليس****: **أرى فرس البرنس سابقا بغير شك. # قال عيسى بن هشام: ولما جاءت الزجاجة المطلوبة بادر العمدة إلى جيبه، ~~فأخرج منه ذلك الموز فمسح واحدة منه وقدمها إلى البرنس، ووزع البقية على ~~الحاضرين، فيجد أحدهم صوفا متلبدا في الموز فيعافه ويتركه على المائدة. # **أحد الجلساء** (للعمدة)**: **هل هذا الموز من زراعتكم، وهل تنضجونه في ~~الصوف عندكم؟**العمدة****: **كلا يا سيدي بل هو موز «النيوبار»، ولم يمكث ~~في جيبي غير مسافة الطريق، ومعي أيضا برتقال أحمر وبلح أصفر وقشطة ~~خضراء.**أحد الجلساء****: **أظن أن لكم شركة مع حسن بك عيد في تجارة ~~الفاكهة؟**التاجر****: **حضرته لا يشتغل بالتجارة، وليس كل الناس من يقدم ~~عليها فهي ربح محفوف بالخطر.**العمدة** (للخادم)**: **أحضر لنا أيضا زجاجة ~~شمبانيا إنكليزي.**أحد الجلساء** (لآخر)**: **يظهر أن الفدان رمى ~~بعشرة.**الجليس****: **في البنك العقاري.**البرنس****: **وما معني ~~إنكليزي؟**الجليس****: **يعني أنها من جنس الجنيه. # قال عيسى بن هشام: وفي هذه الأثناء يعود بائع الزهور فيلقي في أذن البرنس ~~كلاما، فيقوم البرنس في الحال ويخرج والبائع في أثره، ثم يتسلل الجلساء من ~~بعده واحدا واحدا فلا يبقي منهم أحد، وتخلو المائدة للعمدة فيشرب سؤر الكأس ~~التي تركها البرنس، ويميل على ما بقي في آنية النقل فيأتي عليه أكلا. # **التاجر** (للعمدة)**: **ينبغي أن تطلب من الخادم غيرها قبل حضور دولة ~~البرنس.**العمدة****: **أنا لا أطلب شيئا إلا في حضور دولته.**الخليع****: ~~**أظن أن دولته لا يعود في هذه الليلة، وهذه عادته إذا هو قام مع أحد ~~الباعة عند تمام نشوته.**العمدة****: **ولكنني لم أره دفع شيئا من ~~الحساب.**التاجر****: **لعل له هنا حسابا جاريا.**الخليع****: **نسأل ~~الخادم.**العمدة** (للخادم)**: **ألم يدفع دولة البرنس شيئا؟**الخادم****: ~~**لم يدفع شيئا قبل خروجه.**الخليع****: **وكم الحساب؟**الخادم****: **مائة ~~وواحد وعشرون فرنكا.**العمدة****: **أنا لا أصدق أن أفندينا يخرج من غير ms168 أن ~~يدفع ما عليه من الحساب، ومع ذلك فلننتظر عودته.**الخادم****: **إذا قام ~~البرنس على هذه الصورة فإنه لا يعود، وإن أردت أن لا تدفع ثمن ما شربه ~~البرنس فأنا أقيده في حسابه.**العمدة****: **وأنا إذا كنت أدفع شيئا، فلا ~~أدفع إلا ثمن ما شربه دولة البرنس وحده. # (وفيما هم على هذا النزاع؛ إذ دخل أحد وكلاء المديريات، فينهض العمدة ~~لمقابلته ويلح عليه في الجلوس معه، ثم يلتفت إلى الخادم بصوت عال): # **العمدة****: **علي بتفصيل الحساب وبين لي فيه ما شربه دولة البرنس، وما ~~أكله دولة البرنس، وبكم شرب أصحاب البرنس، وكم شربنا مع البرنس، وكم شرب ~~قبلنا البرنس، واسأل سعادة البك الوكيل ماذا يشرب وعد لأدفع لك كل الثمن ~~المطلوب.**الوكيل****: **أنا لا أشرب شيئا.**العمدة****: **كيف لا تتفضل ~~علينا بالشرب معنا كما تفضل دولة البرنس إرضاء لخاطرنا؟**الوكيل****: **لا ~~بأس أن أشرب كأسا واحدا من «الكنياك».**العمدة****: **لا والله لا تشرب إلا ~~«شمبانيا» كما شرب معنا دولة البرنس.**الخليع** (للعمدة)**: **لماذا لم ~~تقدمنا للتعارف بسعادة البك؟**العمدة****: **سعادته وكيل مديريتنا، وحضرته ~~(مشيرا إلى التاجر) من أكابر التجار، وحضرته (مشيرا إلى الخليع) من ظرفاء ~~مصر.**الخليع** (للوكيل)**: **تشرفنا بهذه المعرفة، وكيف حال سعادة المدير، ~~فهو من أعز أصحابي وطالما قضينا معه أوقات أنس وسرور؟**العمدة** ~~(للوكيل)**: **أظن أن سعادتكم حضرتم إلى مصر في عقب كشف الرتب المقدم إلى ~~الداخلية.**الوكيل****: **نعم كنت اليوم في الداخلية، وسينتهي الأمر إن شاء ~~الله على ما نحب.**العمدة** (للخادم)**: **زجاجة شمبانيا ~~أخرى.**الوكيل****: **يكفي فإني أريد أن أنتقل إلى داخل المكان في مجلس ~~إخواننا القضاة ووكلاء النيابة.**الخليع****: **لا لزوم؛ لانتقال سعادتكم، ~~فأنا أدعوهم للجلوس معنا وفيهم فلان وفلان من أعز أصدقائي.**الوكيل****: ~~**لا تكلف خاطرك بذلك، فإن الأليق أن أذهب للجلوس معهم.**العمدة** ~~(للوكيل)**: **إذا كان الأمر كذلك، فكلنا نقوم مع سعادتكم ويأتينا الخادم ~~بزجاجة الشمبانيا هناك.**الوكيل****: **إن أردت ذلك فلا بأس. # قال عيسى بن هشام: فيقومون فيجلسون مع أهل ذلك المجلس، ويحضر الخادم ~~بزجاجة الشمبانيا فيرجوهم العمدة الشرب منها فيمتنعون، فيشدد فيمتنعون؛ ~~فيقسم عليهم بالطلاق وهو يتلعثم ms169 سكرا إلا شربوا معه، ثم يتناول الكأس ويقوم ~~متساندا على الخليع ليشرب معهم فما يكاد يضع الكأس في فيه حتى تأخذه غصة ~~فلا يملك نفسه عن رد الفعل فتتلوث ثيابه، ويبادر الخليع مع الخادم إلى سحبه ~~داخل المكان ليصلح ما فسد من أمره. # ثم لبثنا مدة ننتظر العمدة، ونترقب له الرجعة والعودة، حتى أقبل يتهادى ~~في مشيته، بعد أن أفاق من غشيته، وعمد إلى الخروج والخليع عن يمينه يناجيه، ~~والتاجر عن شماله يرائيه ويداجيه. ### | العمدة في المرقص # قال عيسى بن هشام: ولما خرجوا من ذلك المحفل، ونحن أتبع لهم من الظل، ~~سمعنا العمدة يشكو للخليع في طريقه، ما يجده من انقباض الصدر وضيقه، ويسأل ~~التفريج لكربه، والترويح عن قلبه، ويذكره بما كان من الوعود، ويطالبه ~~بزيارة ذلك المجلس المعدود، ويقول له: تالله لقد أنصبتنا وأجهدتنا، فهلم ~~بنا الآن إلى ما وعدتنا، لنربأ عنا الهم بربيئات الخدود. # ونكشف عن الغم بكاسفات البدور، ونجلو أعيننا بنجل العيون، وننعش أنفسنا ~~بناعسات الجفون، ونستصبح ليلتنا بالوجوه الصباح، قبل أن يصبحنا جيش الصباح، ~~فيقطع عليه الخليع كلامه، ويدفع عن نفسه ملامه، بأن طول الانتظار، يذهب ~~بحسن الاصطبار، ولا صبر لذوات الدلال، على خلف الوعود من الرجال، وقد جاءني ~~رسولها في غفوتك برسالة، تشكو فيها ما لحقها من السآمة والملامة، وتنحي علي ~~بالعتاب المر، وأن ما فعلته معها ليس بفعل الحر؛ إذ اخترقت من أجلنا ما ~~اخترقته من السجوف والكلل،[1] وتحملت في مجيئها ما تحملته من الخوف والوجل، ~~حذر الوشاة والرقباء، وخشية الأهل والقرباء، ثم إنها أقامت طويلا في انتظار ~~اللقاء، وهي على مثل حر الرمضاء، فإذا الوعد بلا وفاء، وإذا الدين بلا ~~قضاء، وكأنما كانت تنتظر غائبا لا يؤوب، وتستمطر سحابا لا يسح ولا يصوب، ~~فذهبت بحسرتها، ومضت لطيتها،[2] وفاتنا ما كنا نبتغيه، وأيأسنا ما كنا ~~نرتجيه، وتلك فرصة أضعناها، لنزغة شيطان أطعناها، فيقول التاجر: إذا ما ~~الذي اكتسبناه، بعد الذي احتسبناه؟ وماذا أفدناه، بعد الذي فقدناه؟ وأين ~~منا ما نجم به شملنا، ونبدد به ms170 ليلنا؟ فيقول له الخليع: لم يبق أمامنا في ~~هذه الساعة سوى ملاعب الرقص والخلاعة، عسانا نجد فيها بديلا، مما لم نجد ~~إليه سبيلا، فيخرج العمدة دراهمه فيعدها، ثم يخشخش بها ويردها فيقول له ~~التاجر: لا تهتم فدرهم الأنس ميسر، ويقول للخليع: تقدم، فما من شيء عليك ~~معسر، فيعطف بهما الخليع من غير إبطاء، إلى حان للرقص والغناء، فدخلوه ~~ودخلنا من خلفهم، وجلسوا وجلسنا في صفهم، فرأينا المكان حومة وغى احتدم ~~وطيسه، وميدان حرب اصطدم خميسه،[3] عجاجته الدخان، ومتارسه الدنان، وسلاحه ~~الأباريق والأقداح، ودروعه الغلالة والوشاح، ونباله أصمة القوارير،[4] ~~وطبوله توقيع العيدان والمزامير، ومغافره العصائب والأكاليل،[5] وأعلامه ~~المآزر والمناديل، وقواده وشجعانه، قواده وغلمانه، وكأن منصة الرقص هي حصنه ~~الحصين، وصاحب الحان هو قائد الكمين، وكأن المغنين هم الكماة والأقران ~~والراقصات الحماة والفرسان. # أولات الظلم6 جئن بشر ظلم %~% وقد واجهننا متظلمات # فوارس فتنة أعلام غي %~% لقينك بالأساور معلمات # وترى كل ذات ثدي حاسر بارز تنادي: هل من منازل أو مبارز؟ ثم تتبختر ~~وتجول، وتخطر وتصول، فترمي كل طامع في وصالها، بسهام اللحاظ ونصالها، ثم ~~ترشق بها الدنان تارة فتسيل بدم العقار، وتشق بها الجيوب أخرى فتسيل بدم ~~النضار: # وقد أغمدن في أزر ولكن %~% سيوف لحاظهن مجردات # قد حن زناد شوق من زنود %~% بنار حليها متوقدات # وترى في وسط تلك المعركة، من كل هلوك مهلكة،[7] تنساب في حلة رقصها ~~وتسعى، كأنها حية في قميصها أو أفعى، لعاب الأفاعي القاتلات لعابها، وأنياب ~~الأسود الضاريات أنيابها، تنفث السم رائحة وتنتهش غادية، وإن رأيتها شادنة ~~وسمعتها شادية، فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية. # قال عيسى بن هشام: ولما طال جلوسنا، وضاقت أنفاسنا، وكاد يغمى علينا من ~~كريه الروائح المنبعثة من أرجاء المكان المتصاعدة من أكنافه: رائحة عكر ~~الخمور، ورائحة عرق الأبدان، ورائحة زيت المصابيح، ورائحة الدخان والحشيش، ~~ورائحة أنفاس المخمورين، ورائحة تلك المراحيض التي لم يدخلها ماء، ورائحة ~~الأرض التي تسقى بالأقذار ولم تسطع فيها شمس ولم يتغير عليها هواء، فإذا ~~امتزجت هذه الروائح ms171 بعضها ببعض، انعقدت منها في جو المكان سحابة سوداء تمطر ~~الأدواء، وتساقط الأوباء، فتستنشقها الأنوف وتمتصها الرئات وتضوى بها ~~الأجسام وتتضاءل منها ذبالات المصابيح تضاؤلها في أجواف المناجم وبطون ~~الكهوف، وكاد الباشا يختنق وهم به الغثيان فهم بالقيام فأمسكت به وقلت له: # **عيسى بن هشام****: **أيصير مثلي على هذا المقام، ولم أشهد في عمري معركة ~~ولم أحضر معمعمة، ثم يجزع منه مثلك وقد مارست الحروب وشاهدت الوقائع تحت ~~سحب العجاج وفوق جثث القتلى، وأشلاء الجرحى لا تبالي برائحة الجيفة، ولا ~~برائحة الدم ممزوجا بصدأ الحديد؟**الباشا****: **لقد كان ذلك ولكن في ~~الخلوات والفلوات، حيث تسطع الشمس وتجري الرياح، ولم أستنشق تلك الروائح ~~منحصرة كانحصارها في هذا المكان، ومع ذلك أتجلد مثلك للبقاء به كيلا يفوتنا ~~شيء مما نحن بصدده من بداية الأمر إلى نهايته. # وبينا نحن كذلك إذا بصديق لي دنا مني فسلم علي، وأظهر لي تعجبه من دخولي ~~هذا المحل، فأظهرت له تعجبي من دخوله أيضا فأجابني بقوله: # **الصديق****: **إن السبب في دخولي هنا هو البحث عن رجل احتال علي في بعض ~~الشئون ثم غاب عن نظري، وأنا أعلم أنه يأوي إلى مثل هذا المكان فدخلته على ~~كره مني بعد أن حرمت على نفسي التردد عليه منذ زمان بعيد، وحكم الضرورة ~~مطاع، ولكن قل أنت ما الذي جاء بك إلى هذا الوكر وكر الأفاعي، وأدخلك في ~~هذا العش عش الشيطان؟**عيسى بن هشام****: **أدخلنا فيه حب الاستطلاع ~~والاستكشاف عن الأخلاق والعادات، ولكنني فيه غريب لا أفقه كثيرا مما أرى، ~~والحمد لله الذي سخرك لنا في هذه الساعة؛ لتبين لنا ما غمض وتبدي لنا ما ~~يخفى.**الصديق****: **لك ذلك مني وفوق ما تريد. # قال عيسى بن هشام: وجلس الصديق معنا يحدثنا ويرشدنا، ويسرد علينا من ~~غرائب الوقائع وعجائب النوادر في هذا الباب ما أدهشنا به، ثم انقطع الحديث ~~بيننا بدخول رجل يتمايل سكرا، فاخترق صفوف الجالسين وقد سكنت ضوضاؤهم، ~~وهدأت حركاتهم لسماع الغناء من إحدى القيان البارعات فيه، فأعناقهم نحوها ~~مشرئبة وأبصارهم إليها ms172 شاخصة كأنهم جالسون تحت المنبر يستمعون أحسن الحديث ~~من وعظ الخطيب، واستمر السكران في سيره يقع بينهم مرة ويقوم أخرى، حتى وصل ~~إلى منصة الرقص والغناء، فضرب عليها مرارا بعصا في يده ونادى على من فيها ~~بأعلى صوته يطلب العدول عن الغناء إلى الرقص، فلم يسمعوا لندائه، فالتفت ~~إلى زمرة من الجالسين وطلب منهم مساعدته على غرضه فنادوا معه: الرقص الرقص، ~~ونادى الراغبون في السماع: الغناء الغناء، فانبرى لهم السكران يهزأ بذوقهم ~~ويسفههم في سوء اختيارهم، فأجابه سفيه منهم على سفاهته، فهجم عليه السكران ~~بعصاه فقفز صاحب الحان من مكمنه إلى السكران فأخذ بتلابيبه، ويقوم طالب ~~الغناء حينئذ من مكانه فيشبع السكران ضربا وصفعا فيتعلق السكران بخناقه ~~وينادي: البوليس البوليس، فيجتمع غلمان الحان يجرونه إلى الخارج وهو ممسك ~~بعنق الضارب له لا يخليه، حتى إذا صاروا إلى الباب أدركهم جندي البوليس، ~~وقبض على المتضاربين فيتعرض له صاحب الحان، ويمنعه من القبض على الضارب ~~ويقول له: ليس لك إلا أن تأخذ هذا السكران وحده فقد جاءنا بعد أن امتلأ ~~سكرا من الخارج يعربد في محلنا، وكأنه مأجور من أرباب الحانات الأخرى ~~للإضرار بنا وإحداث الفشل في محلنا، فيأبى الجندي إلا أن يسوق المتضاربين ~~معا، فيغمزه صاحب الحان ليلين له فيبتدره أحد غلمانه قائلا له: لا لزوم لما ~~تأتيه مع هذا الجندي من المصانعة، وغرضنا يقضى بدونه فإن حضرة معاون القسم ~~جالس عندنا داخل «البار» مع صاحبته. # **صاحب الحان** (للجندي)**: **لم يبق لك من وجه لسحبهما إلى القسم، وتعالوا ~~ندخل جميعا عند حضرة المعاون في «البار».**الجندي****: **هذه حيلة غير ~~خافية تريد بها تهريب صاحبك، وكيف يكون حضرة المعاون موجودا الآن في ~~«البار» والنوبة عليه الليلة في القسم!**صاحب الحان****: **ما عليك إلا أن ~~تدخل وهما في قبضتك لتراه بعينك، فيجيب الجندي صاحب الحان إلى ذلك، فيدخل ~~فيرى المعاون جالسا بجانب صاحبته خالعا رداءه على كتفها، وطربوشه على رأسها ~~وهو يسقيها من كأسه وتعاطيه من كأسها.**صاحب الحان** (للمعاون)**: **لقد ~~تعطل المحل يا حضرة الأفندي ms173 في هذه الليلة وتعطيله لا يرضيك، فإن هذا الرجل ~~دخل علينا سكران ولم يشرب من محلي شيئا فعربد بين الجالسين، وأخل بنظام ~~الاجتماع، ثم تعدى على هذا البك بالشتم والضرب وهو من أجل المترددين على ~~المحل، والغريب أن جندي البوليس هذا لم يسمع لقولي فيه، بل صمم على سحبه مع ~~ذلك المتعدي إلى القسم وهو من أبناء الكرام، ولا يليق بكرامته أن يساق مع ~~هذا السكران إلى المحاكمة.**المعاون** (للجندي بعد أن يلبس طربوشه)**: **ما ~~هذا الذي أسمعه؟**الجندي** (رافعا يده بسلام التعظيم)**: **لم أعلم بوجود ~~حضرتكم هنا، والأمر إليكم.**المعاون** (للجندي)**: **إذا كان الرجل السكران ~~في حالة سكر بين فخذه وحده إلى القسم، وما دام حضرة البك لم يحصل منه ~~اعتداء بشهادة حضرة الخواجة، فلا لزوم لذهابه معك، ويكفي أن حضرته يعطينا ~~وعدا بالحضور غدا إلى القسم لأخذ شهادته على هذا السكران. # (وعند ذلك يدفع صاحب الحان بالسكران إلى الخارج مع الجندي.) # **الجندي****: **إذا كنت تطاوع غلامك كل مرة فيما يشير به عليك يا حضرة ~~الخواجة، فليس يكون حضرة المعاون عندك في كل ليلة والأيام بيننا.**صاحب ~~الحان****: **أوصيك بهذا السكران شرا، ولا يكن عندك شك في دوام الرعاية بك. # قال عيسى بن هشام: وخرج السكران أمام الجندي مدفوعا في ظهره، يقع ويقوم ~~ويستعدي ويستنجد، وعدنا إلى داخل الحان ننظر ما يجري فيه، فإذا صاحب الحان ~~ومعه البك خصيم السكران قد جلسا مع حضرة المعاون والكئوس تغدو عليهم وتروح، ~~فجلسنا ناحية نستمع لهم ونؤثر ما يجري من حديثهم على نحو ما ترى: # **صاحب الحان** (للمعاون)**: **لماذا أوعزت إلى صاحبتك بالقيام عند جلوسنا ~~معك؟**المعاون****: **أنا لم أوعز إليها بشيء ولكنها هي التي قامت ~~مغضبة.**صاحب الحان****: **ولأي سبب أغضبتها؟**المعاون****: **لم آت سببا ~~يغضبها، بل هي التي انتحلت سببا كدرتني به وكدرت نفسها أيضا.**صاحب ~~الحان****: **لا شك أن ما حصل هو من باب الدلال دون سواه، وسأدعوها في ~~الحال لعقد الصلح بينكما.**المعاون****: **لا دخل للدلال هنا، ولكن جرى في ~~أمر حضرة البك والسكران ما هو على ms174 خلاف هواها، فإنها كانت ترغب في التضييق ~~على الأول والتفريج عن الثاني؛ لأن حضرة البك هو من أكبر أصحاب المغنية، ~~والمغنية من ألد أعدائها.**صاحب الحان****: **لقد حرت في أمر هذه الفتاة، ~~فإن ضروب حماقتها لا حد لها وفي كل ليلة تأتيني بنوع من المشاكل جديد ينتج ~~عنه ما لا يعوض من خسارتي، ولولا منزلتك عندي ومنزلتها عندك لما أبقيتها في ~~المحل يوما واحدا، ولا كابدت إعطاءها في كل شهر مقدار ما يأخذه وكيل ~~المديرية مرتبا من الحكومة، ولو شاهدت منها ما أشاهده كل ليلة من تسافهها ~~على الرجال، وتخاصمها مع النساء اعتمادا على سلطتك واتكالا على مساعدتك ~~لعلمت مقدار حماقتها وجنونها.**المعاون****: **نعم إن حماقتها عظيمة وطالما ~~شددت عليها؛ لتجنب المنازعات والمشاجرات حتى لا يقال: إن علاقتها بي هي ~~التي تجرئها على ارتكاب ذلك، ولكنها على كل حال سليمة القلب خفيفة ~~الروح.**صاحب الحان****: **صدقت وهي مع ذلك تحبك حبا صادقا. # (وهنا تدخل المغنية في البار بعد انتهائها من الغناء، فتتقدم نحو هذا ~~المجلس لتسأل من حضرة البك صاحبها عما تم عليه أمر المخاصمة مع السكران ~~فيقول لها.) # **البك****: **أنا في غاية التشكر لحضرة المعاون الذي أنصفني، وفي غاية ~~التكدر لما وقع له من فلانة بسببي، فإنها اهتاجت غضبا لما علمت بمساعدته لي ~~وهي تبغضني لعلاقتي بك، فبحياتي عليك إلا ما قبلت التوسط في الصلح بينكما، ~~وإزالة ما في النفوس فتعود راضية على حضرة المعاون ويتم الصفو لنا ~~جميعا.**صاحب الحان****: **أنا أوافق على هذا الرأي.**المعاون****: **وأنا ~~لا أرفضه.**البك****: **وأنا أرسل في طلبها. # قال عيسى بن هشام: وتحضر الفتاة فيقع نظرها على المغنية جالسة مع المعاون ~~وأصحابه، فتشتعل جذوة نار من الغضب وتنقلب لبؤة هاجت لفقد أشبالها، فتشتم ~~وتسب وتقذف وتلعن وتنفل وتبصق وتنقض على المغنية فتأخذ ببرقعها فتزيلها من ~~مكانها، وتلتفت إلى المعاون فتتوعده بالشكاية والطعن فيه لدى رؤسائه، ثم ~~إلى صاحب الحان فتتهدده بأنها لا ترقص في ليلتها، فلا يسع صاحب الحان إلا ~~أن يتلافى الفضيحة، فيجرها إلى خارج البار بالقوة ms175 ليتمكن المعاون أن يتسلل ~~هاربا، ثم أخذ ينصحها ويحذرها ويقول لها: إن المعاون قد ذهب إلى القسم الآن ~~وقلبه مملوء منك حقدا وغيظا، فإذا أنت لم ترجعي عن حماقتك وتصعدي إلى ~~المنصة للرقص أوعزت إلى المغنية أن تمسك بك وتذهب معك إلى القسم، والحاضرون ~~يشهدون أنك تعديت عليها بالضرب، والمعاون هناك ينتظرك للتشفي منك. # قال عيسى بن هشام: فوقع هذا القول منها وقع الماء في النار، وإنذار الحجز ~~على أهل الدار، فهدأ جأشها، وسكن طيشها، وصعدت للرقص على منصتها، تتأوه من ~~حسرتها وغصتها، وعدنا للجلوس أمام الميدان. ننظر ما يكون من الغلبة ~~والخسران. # قال عيسى بن هشام: وجاء دور الرقص فضجت الغوغاء، واشتدت الضوضاء، وامتدت ~~الأعناق بالصفير والنعيق، واشتغلت الأكف بالتصفيق، ترحيبا وتأهيلا، وتكبيرا ~~وتهليلا؛ إذ قامت على المنصة هلوك ورهاء،[8] عمشاء مرهاء،[9] فطساء فوهاء، ~~عجفاء شوهاء[10] مزججة الحاجبين، محمرة الخدين، مبيضة الساعدين، مخضبة ~~اليدين، قد ألبست وجهها من الطلاء نقابا، وأسدلت على أطرافها من الدهان ~~ثيابا بأصباغ شتى وألوان، بين أبيض ناصع وأسود فاحم وأحمر قان، تتلون تلون ~~الحرباء، في هجير البيداء، وقد وارت ما تعرض من جسمها، وتعرى من لحمها، ~~بأنواع العقود والقلائد والأساور والمعاضد، والدمالج والجلاجل، والمناطق ~~والخلاخل، فأخذت في الرقص والحجلان، على توقيع الضروب والألحان، وبجانبها ~~خادم ما شككنا من قبح هيئته، أنه إبليس اللعين في طلعته، ركبت منه أقبح ~~هامة، على أسوأ قامة، بوجه قد من الصخر، وعين كعين الصقر، وأنف كمنسر ~~النسر، وفم يرمي بالزبد كالبحر، وشفة مهدولة، وعمامة مجدولة، وفي يمينه قدح ~~وإبريق، يسقيها منه بكأس من حريق، لا بكأس من رحيق، ويعاطيها من غسلين أو ~~قطران،[11] ويجرعها من حميم آن، وكلما أترع لها كأسا، همست في أذنه همسا، ~~ثم تشير بطرف الكف، إلى بعض الجلوس في أول صف، فيصيح اللعين صيحة الأسد في ~~عريسته،[12] وقع بصره على فريسته، فيجيبه غلام الحان جذلا وابتهاجا، ويأتيه ~~بالزجاجات أزواجا، فيفض عنها الفدام، ويصففها أمامها تحت الأقدام، ولا يزال ~~خادمها يملأ لها ويسكب، وهي تشرب وتطلب ms176 لا تكتفي ولا تقتنع، ولا تروى ولا ~~تنقع، كأنما يمتح لها من قليب،[13] ويصب في واد جديب، أو يملأ من ماء ~~منبثق، ويفرغ في دن منخرق، فإذا دبت في عروقها نمال الخمر، واشتعلت في ~~جوفها اشتعال الجمر، جدت في لعبها ودورانها، واشتدت في قفزها وجولانها، ~~وتلوت كالحية في طرقها، ولعبت كالسلحفاة بعنقها، والخادم أمامها ينازلها ~~وتنازله، ويغازلها وتغازله، ويراقصها وتراقصه، ويقارصها وتقارصه، وهي ترسل ~~على الحاضرين أقوالا بذيئة، وتخاطبهم بألفاظ قبيحة رديئة، فتفتر لها ~~الثغور، وتنشرح الصدور، ليس فيهم إلا كل مستحسن مستزيد، ومستملح مستعيد، ~~إلى أن تخور قواها، وتغور عيناها، وتتقلص شفتاها ويكلح شدقاها، وينضح العرق ~~من أطرافها وتراقيها، وينعقد الزبد بنحرها وفيها، فتضطر إلى إزالته، وتعمد ~~لإزاحته، فتتناول المنديل تمسح به من وجهها وذراعها فيتلون بأشكال الصبغة ~~وأنواعها، فيغدو المنديل كأنه قوس قزح، بما تصبب من أديمها وارتشح، وينكشف ~~التمويه والتلبيس، ويفتضح التلفيق والتدليس، فيظهر ما بطن ويبرز ما كمن، ~~وتنقلب إلى صورة سعلاة، تتراءى في سراب فلاة، أو غول تكشر وتصول، أو دب ~~يهتز ويدب، فحولنا عنها الوجوه استنكافا واستنكارا، ولوينا الأناق استقباحا ~~واستقذارا، ومال الباشا على الصديق يسائله في دهشته، ويقول له في نفرته: ~~أعلى مثل هذه تذوب القلوب، وتنشق المرائر والجيوب؟ وهل وصل العمى بالناس ~~إلى هذا الحد، ولم يبق فيهم تمييز للغزال من القرد؟ # **الصديق****: **نعم إن هذه التي تهرب منها الوحوش لفظاعتها، ويتعوذ منها ~~الشيطان لدمامتها، هي عند هؤلاء الحاضرين دمية القصر، وفريدة العصر، كم ~~ذهبت بأموال وأودت بأرواح، وكم أضاعت شرفا وأزالت مجدا، وأذلت رقابا وأفسدت ~~حكاما، وكم فرقت بين المرء وزوجه، وولدت العقوق بين الوالد وولده، وألهبت ~~العداوة بين الأخ وأخيه، وكم خربت بيوتا عامرة، ودنست أنسابا طاهرة، وكم ~~بذرت للشر أسبابا، وفتحت للسجون أبوابا، وهؤلاء الذين تراهم جلوسا في هذا ~~المستنقع الوبيء والمرعى الوبيل يقضون فيه ليالي الشهر تباعا، وشهور العام ~~ردافا لا تتوهمنهم من أسافل القوم ولا من أدنياء الناس، بل فيهم الكبير ~~والأمير والسري والوجيه، وانظر عن يمينك ms177 إلى هذا الجالس بين إخوانه جلسة ~~الكبرياء، فهو أحد أبناء الأمراء، مات أبوه وترك له أموالا جمة فالتف حوله ~~قرناء السوء من أهل البطالة والفراغ، فبدأ في تبديد تلك الأموال باقتناء ~~الخيول المسومة، والمركبات المطهمة، ثم ثنى بالإسراف الفاحش في مهرجان ~~زواجه، ثم ثلث بتسليم ما بقي منها لأيدي العواهر والفواجر، وأخصهن هذه ~~اللخناء التي لم يبق له منها إلا التمتع بالنظر، وهي لا تنظر إليه، ولا ~~تسأل عنه بعد أن استفرغت أمواله، وانظر عن شمالك إلى هذا الجالس الذي يفتل ~~شاربيه، ويحملق بعينيه، ويغمز بحاجبيه، فهو من أبناء الكبراء أيضا ماتت أمه ~~فورث عنها أموالا طائلة، ولم يمض على موتها بعضة أيام حتى أوقعه سوء طالعه ~~في مخالب هذه الخداعة الغرارة، فهو لا يصبر عنها، ولا يقطع المجيء إليها في ~~كل ليلة، وهي تسلبه كل ما تصل إليه يده من خفيف وثقيل، وما كان لأمه من حلي ~~وجواهر غير ما ينثره من الذهب والفضة في أرض هذا المكان، وانظر أمامك إلى ~~هذا الجالس معظما بين جلسائه مبجلا، فهو من كبار الحكام في الأرياف وقع في ~~أشراك هذه المرأة فكادت لفظاعة أعمالها معه أن تسلخه من شرفه، وتسقطه عن ~~منصبه وهو مع ذلك لا يسلوها، ولا يلهو عنها، وليس له في مدة إقامته ~~بالقاهرة غير بيتها مأوى، ومرقصها ملهى، فإذا هو عاد إلى مقر وظيفته عاد ~~بغير لبه، فيسعى في استغواء العمد والأعيان لإقامة الولائم والحفلات، ~~واستئجار هذه الراقصة لإحياء لياليها، وانظر إلى هذا الشيخ الجالس منفردا ~~منزويا ويده مرتشقة بين صدغه وعمامته، فهو من أعيان البلد لم يمنعه وقار ~~السن وهيبة المشيب من الوقوع في أسر هذه الغاوية؛ فأخذ يبدد عندها في ~~شيخوخته ما كان جمعه في شبيبته.**الباشا****: **لو أنه كان لهذه المرأة ~~مزية ظاهرة من مزايا النساء لقلنا: الهوى في الناس داء قديم، والولوع ~~بالحسان أمر بديه والعذر غير معدوم، ولكن ما بالهم والمرأة في القبح ~~والدمامة بمنزلة الشيطان، والهروب منها مندوب إليه، فهل تعلم لذلك من سبب ms178 ~~خفي؟**الصديق****: **السبب فيه حب التباهي والتفاخر والأثرة، والاختصاص، ~~وقد اشتهرت هذه البغي بإتقان الرقص والتفرد فيه، وأنفس الجهلاء مولعة ~~بالشهرة الباطلة والصيت الكاذب يتشبثون به عمي النواظر، عمه البصائر، فهم ~~يرون أن الاختصاص بمثل هذه الشهيرة في فنها وإن قبح منظرها، وساء مخبرها هو ~~الفخر كل الفخر والسبق كل السبق، وهم مجبولون على الحكاية والتقليد؛ فلذلك ~~نفذ فيهم سهمها وسرى في عروقهم سمها.**الباشا****: **إن كان لا يوجد في ~~هؤلاء الناس عقول تردعهم، ولا يوجد بينهم واعظ يرشدهم، أفلا كان هناك من ~~سلطان يزعهم، وحكم يكف الأذى عنهم؟**الصديق****: **لا واعظ ولا ناصح ولا ~~سلطان ولا وازع، وقل بيننا من يشتغل للناس في نفع الناس. # قال عيسى بن هشام: وانتهت الراقصة من رقصها، فدخلت حجرة لتغيير لباسها ~~وإصلاح ما فسد من حالها، ثم نزلت منها وقد جددت ألوانها وأدهانها وسارت ~~تتكسر في مشيتها بين الجموع وهم يرمقونها رمق الشهوة، ويتطلعون إليها تطلع ~~البهيمية فتزحزحت لها المجالس وحلت لها الحبى، وأعد لها كل فريق كرسيا ~~بجانبه وتناثرت عليها الإشارات بالتفضل بالجلوس، فلم تعبأ بشيء من ذلك ولم ~~تلتفت إليه، واستمرت في تكسرها وتهاديها حتى وصلت إلى مقام صاحب الحان، ~~فوقفت معه ملاعبة مداعبة وممازحة مضاحكة، وجاء خادمها في عقبها فاستوقفه ~~إليه ذلك الحاكم من حكام الأرياف، فوقف بجانبه يهزل معه ويمزح، ثم شاهدنا ~~الحاكم يخرج من جيبه بعض الدراهم فوضعها في يده، فانصرف الخادم إلى الراقصة ~~فكلمها وأشار بيده إلى الحاكم يستعطفها له، ويستدعيها إلى الجلوس معه، ~~فأبانت عن أمارات الإباء والرفض في أول الأمر، ثم انتهت بها لجاجة الخادم ~~إلى الرضاء والقبول، فقصدت مجلس الحاكم وقصد الخادم غلام الحان، فما جلست ~~حتى كان الغلام بجانبها يحمل في يده أربع زجاجات من الشمبانيا فبزلها كلها ~~بمبزله،[14] ففارت وفاضت وانتشرت كلها حببا والغلام متلاه عنها لا يسرع ~~الإملاء منها، حتى إذا لم يبق بها إلا مقدار صبابه[15] صبها الخبيث في ~~الأقداح وقدمها للفاجرة، فبادرت إلى لمس كل كأس لمسة بيدها وفيها، ثم يعود ~~الغلام ms179 بعد هنيهة لأخذ الزجاجات الفارغة فتأمره بإحضار سواها، وهكذا يتوالى ~~الحال في طلب الأدوار حتى يبلغ إلى الدور الخامس في مدة يسيرة، وجميع ~~الجالسين لا يتحولون بنظرهم عنها يراقبون حركاتها وسكناتها، كأنما يرصدون ~~نجما أو يرقبون هلالا، ولما انقطع ورود الزجاجات التفتت العاهرة إلى خادمها ~~وهو على بعد منها، فرأته يشير إليها بحاجبيه تارة وبطرف لسانه أخرى فهمت ~~بالقيام، فأمسك الحاكم بأذيالها فصفعته صفعة مزاح على قفاه، بعد أن لعنت ~~أمه وأباه، استرضاء له عن تركها إياه، فهش وبش اعتقادا منه أنها لا تعامله ~~بهذه المعاملة إلا لسقوط الكلفة وتمكن الألفة، وتنسل من حضرته إلى حيث أشار ~~الخادم، فتهبط على الفئة التي عن يميننا وفيها ذلك الشاب الذي أفنى في حبها ~~ماله وأضاع في هواها شرفه، فخاطبته بلسان اللوم والعذل تسأله لأي سبب ~~دعاها، ولأجل أية علة أقلقها من مكانها، فيتلعثم المسكين ثم يجيبها بأنه ~~دعاها لمصلحتها وقضاء حاجتها، فإن المحامي أخبره بنجاح قضيتها، فتتبسم له ~~قليلا ثم تلتفت عنه إلى سواه، فيستحلفها بالود القديم والعهد العتيق أن ~~تجلس معه لمحة ليقص عليها تفصيل الخبر، فتنفر منه فيرميها بسوء الوفاء ~~وخيانة العشرة، ويبكتها مذكرا لها بما كان بينهما من الصفاء والهناء، وما ~~أتلفه في معاشرتها من نضار وعقار، فتلطمه على وجهه لطمة المعلم المؤدب ~~وتجلس إلى جانبه، وتسأله أن يدع عنه ذكر تلك الليالي والأيام الخوالي، وأن ~~يحفظ عنها «قصة الأضراس» في باب الاعتبار. # وروت له هذه القصة التي هي عندهن عماد الصنعة وأساس الفن: زعموا أن فتى ~~كان يهوى فتاة وتهواه، فعاشا تحت جناح الحب زمنا سعيدا، ثم طرأ على الفتى ~~سفر يبعده عنها في طلب المال وجاءت ساعة الوداع، فانهملت العبرات وتوالت ~~الزفرات، وأقسمت له بأن العيش لا يطيب لها من بعده، وأن الموت أهون عليها ~~من بعده، وسألته أن يبقي عندها أثرا منه تتعلل به في غيابه ساعة الحنين، ~~وتشم منه ريحه وقت هيام الذكرى، فقال لها: سأترك لك بضعة مني وأنتزع لك ~~أثرا من بين لحمي ms180 ودمي، ثم عمد بيده إلى فيه، فاقتلع لها ضرسا من أضراسه ~~غير مبال بألم الانتزاع ووجع الاقتلاع، وناولها إياه يقطر بالدم فأخذته منه ~~وأشبعته لثما وتقبيلا ووضعته في حقة نفيسة، وسافر سفره ومضت عليه الأيام ~~والليالي، ثم آب من سفره خائبا لم يظفر بحاجته ولم يفز بطلبته رقيق الحال ~~ضعيف الركن، فذهب إلى دار صاحبته وقد أضناه الشوق وبراه النوى فلما طرق ~~الباب ولمحته من النافذة تنكرت له وأنكرته، فناداها أنا فلان فاسمحي لي ~~بالدخول، قالت له: ومن فلان فإني لا أعرفه؟ قال لها: خليلك وحبيبك صاحب ~~العهد الوثيق والعشرة الطويلة، قالت له: كل الناس عاشر وفارق فأيهم أنت؟ ~~قال لها: أنا صاحب الضرس، قالت: أولك ضرس عندي؟ قال: نعم، قالت: فادخل فدخل ~~فأجلسته وأحضرت أمامه حقة كبيرة وأمرته بفتحها ففتحها فوجدها مملوءة بكمية ~~عظيمة من الضروس، وقالت له: دونك إن كنت تعرف ضرسك من بين هذه الأضراس فأنا ~~أعرفك اليوم من بين الناس. ولما أتمت الواعظة وعظها انصرفت عن هذا المجلس ~~إلى مجلس ذاك الشيخ الوجيه، فيقوم لتحيتها واقفا ويبدي لها نواجذه متهللا، ~~فتجلس معه وغلام الحان فوق رأسها ينتظر طلب الزجاجات، فلا تلتفت إليه فيديم ~~الوقوف فتأمره بالانصراف فيعود خائبا، وتقول للشيخ: إنها لا تريد أن تحمله ~~في حبها مغرما ولا تقيسه عندها ببقية الحاضرين الذين تسلبهم لصاحب الحان، ~~فيخرج الوجيه من حزامه عقدا يتلألأ فيضعه بين يديها، فتبسم له وتنعطف إليه ~~وتقيم عنده مدة في مضاحكة ومغازلة، ثم تقوم لتنصب على سواه شباكها، وترمي ~~لصيد القلوب أشراكها. # تحيي وجوه الشرب فعل مسالم16 %~% يضاحكه والكيد كيد محارب # قال عيسى بن هشام: وأقمنا نتأمل في أفعال هذه البغي الفاجرة، ونفكر في ~~أعمال هذه الخداعة الماكرة، ونعجب كيف يقتدر مثلها على ختل الرجال، فترميهم ~~في مهاوي الغواية والضلال، وهي عارية من ثوب الجمال، مجردة عن جميع المزايا ~~والخصال، مفرعة في قالب الوقاحة، معجونة من حمأة الدمامة والقباحة، وما ~~زالت الفاجرة تتقلب بين الجالسين وتتنقل، وتتجول بين الصفوف وتتحول، وتروح ~~إلى ms181 صاحب الحان وتغدو، وتخفى آونة ثم تبدو، منطلقة اللسان بالسب والثلب، ~~منبسطة اليد بالنهب والسلب، ممتدة الكف باللطم والضرب، دائبة في السكب ~~والشرب، وهي في تنقلها تقطب تارة وتتجهم، وتفتر تارة وتتبسم، وتنبسط حينا ~~وتنقبض، وترضى ساعة ثم تمتعض، وتعامل كل إنسان بما يلائمه، وتجري معه على ~~ما يوائمه، فتضل الألباب والنهى، ويقع الجميع في أسر الهوى، وآية حبها ~~وميلها، أن تصفع الصب بنعلها، فإذا أضافت إلى الضرب بالنعال، شق القباء ~~ونتف السبال[17] كان في ذلك بلوغ الآمال، بدنو ساعة الوصال، واستوى المضروب ~~يفاخر أصحابه وخلانه، ويباهي أنداده وأقرانه، كالظافر في ساحة الطعان ~~والضراب، والفائز بالغنائم والأسلاب، فيغالي في إظهار الابتهاج والائتناس، ~~وتنبسط يده في الكيس ويدها في الكاس، والغلام على رأسه بالآنية، يصب لها ~~زجاجة كل ثانية، وهي تصب الكئوس في الهاوية، كأن حلقها قناة وكأن الساقي ~~ساقية، وحانت منها التفاتة إلى الخليع وصاحبيه فإذا العمدة يشير بيديه، ~~ويغمز بحاجبيه، ويقول للخليع في اشتعاله والتهابه ويخاطبه في ارتباكه ~~واضطرابه: # **العمدة** (للخليع)**: **لقد أسعدنا الجد وحلت لدينا عاقبة الصبر ولئن ~~فاتنا الأنس بالغائب فما أكمل أنسنا بالحاضر، وهذه الراقصة التي اجتمعت على ~~محبتها القلوب وافتتنت بها العقول هي عندي الضالة المنشودة والأمنية ~~المطلوبة، ومن يبلغنا إياها سواك ويمن علينا بها غيرك؟**الخليع****: **هذه ~~هي الفتانة المشهورة بكثرة العشاق والطلاب ولا عيب فيها غير المزاحمة ~~عليها، والمورد العذب كثير الزحام، والوصول إليها من دونه أهوال. # وإنك إن أرسلت طرفك رائدا %~% لقلبك يوما أتعبتك المناظر # رأيت الذي لا كله أنت قادر %~% عليه ولا عن بعضه أنت صابر **التاجر****: **نعم هذه هي البضاعة الثمينة والسلعة الرائجة؛ فاز من حازها ~~وخسر من فاتها، ولو كانت الأيام أيام ربح ورخاء لصبا إليها القلب وولعت بها ~~النفس، ولكن لرب العيال ما يشغله عنها ويبعده منها.**العمدة****: **ليس ~~يفوتنا على كل حال أن نتمتع بها الليلة بالمجالسة والمغازلة، ونروي ~~بمحادثتها الغليل ونشفي بكلامها الهيام.**الخليع****: **حبذا لو جلست معنا ~~ساعة، ولكنك ترى من المزاحمة فيها والمنافسة بين الحاضرين في الغرام ms182 بها، ~~والغرم عليها ما يجعل نيل الغرض متعسرا، ودرك الطلب متعذرا.**العمدة****: ~~**أما المزاحمة عليها فإن لنا من مهارتك ونباهتك ما يقرب الأمل بالوصول ~~إليها، وأما المنافسة في الغرم عليها فالأمر مستدرك والدراهم ~~موجودة.**التاجر****: **ما أشك بعد هذا في نيل الغرض وقضاء الوطر، وستنتهي ~~ليلتنا بمسك الختام. # قال عيسى بن هشام: ويدعو الخليع خادم المرأة، ويهم بإعطائه شيئا من ~~الدراهم فيسابقه التاجر فيمنعهما العمدة ويقوم مقامهما، فيلقي الخليع في ~~أذن الخادم قولا، ويطول الخطاب بينهما همسا، ثم يذهب الخادم فيعود بمولاته ~~تتيه دلالا، وتتثنى اختيالا، وتبدي الرضى من خلال التمنع فتسلم على أهل ~~المجلس، وتخص الخليع بابتسامة وتجلس بجانبه، وتسأله عما جرى في المجلس بعد ~~انصرافها عنه بالأمس فيقطع عليها هذا الحديث بالقهقهة، ثم يبدأ بعقد ~~التعارف بينها وبين العمدة، ويطنب لها في علو شأنه ورفعة مقامه فترحب به ~~فيرفع العمدة يده إلى رأسه مرارا تشكرا لها، فتلمح فص الخاتم يتألق في ~~إصبعه ويتوهج فتضع يمينها في يمينه وتجرها إليها ترصد الحجر، فيسيل الرجل ~~طربا وابتهاجا ويعتقد أنها كلفت به حبا وغراما، فلا يروعه إلا أصوات الأصمة ~~ينزعها الغلام عن الزجاجات تباعا، وكلما أفرغ أربعا عاد بأربع حتى هال ~~التاجر من ذلك ما هاله فمال إلى الخليع يناجيه، فسكن الخليع من روعه، وأزال ~~الهواجس عنه، فيميل التاجر إلى الأقداح يسكب ويشرب، وإلى المرأة يهازل ~~ويغازل، ويعاطي ويناول، والعمدة على حاله باهت شاخص ومولع موله، والخليع ~~مسرور مبتهج، لا يرسل الكأس عن فيه، إلا ممسكا بأخيه، والمرأة تخدع وتكيد، ~~وتقول للغلام: هل من مزيد؟ ثم يخرج العمدة ساعته من جيبه ويتشاغل عن النظر ~~إليها بالحديث، فتقبض المرأة عليها تتمعن فيها وتقول له: قد آن أوان ~~الانصراف وحانت ساعة الختام، وتقوم مودعة فيتلهف العمدة ويتحسر، ويسألها أن ~~تتم جميلها بالبقاء معه بعد الانصراف في مجلس آخر، فتضحك له ضحكة القبول ~~وتلطم الخليع بالمروحة على خده وتغادرهم إلى صاحب الحان فتجلس معه، ويأخذ ~~الناس في الانصراف والخدم في رفع الكراسي وإغلاق بعض الأبواب، ولا ms183 يبقى في ~~المكان غير أصحاب الوعد من العاهرة: ذلك الحاكم الوامق، وذلك الغلام ~~الوارث، وذلك الشيخ المتصابي، وهذا العمدة المغرور بتاجره وخليعه، فإذا طال ~~عليهم الانتظار ويئس الواحد بعد الآخر من صدق الوعد عمدوا إلى الانصراف ~~يصحبهم الهم، ويرافقهم الكدر إلا العمدة، فإنه يلح في الانتظار لشدة ما به ~~من سكر الهوى وسكر الخمر. # سكران سكر هوى وسكر مدامة %~% ومتى يفيق فتى به سكران! # ويقصد المرأة في مكانها عند صاحب الحان وهو يتعثر في مشيته، ويجرر في ~~عباءته فيقف بين يديها يستنجزها الوعد، فتغضي عنه، فيلح عليها، فتلج في ~~الإعراض، فيخرج من جيبه كيس الدراهم ويبسط به راحته راجيا متضرعا، فتظهر له ~~الجفوة، فتشتد به الصبوة، فيترامى عليها فتدفعه برجلها عنها فيقع على الأرض ~~فينتثر ما في الكيس، فيعمد الخليع لالتقاطه فيسبقه إليه صاحب الحان، ~~ويتماثل العمدة واقفا فيمد يده إلى المرأة فيأخذ بضفيرتيها يجذبها نحوه، ~~فتسبه وتلعنه وتمسك بصاحب الحان، ويستمر العمدة في الشد والجذب فتخونه ~~الصفيرتان فيرتمي على ظهره طريحا، وهما في يده والمرأة باقية في مكانها ~~تصيح وتستغيث، فينقض من أقصى المكان رجل رث الهيئة قبيح الطلعة وسخ العمامة ~~يرفع في يمينه هراوة ويتأبط في شماله صرة ثياب، فيقع على العمدة ضربا ~~بالهراوة، ويدفع العمدة عن نفسه ضربا بالضفيرتين، ويتوسط بينهما التاجر ~~فيسأل الرجل عما يعنيه في الأمر فيقول له: إنه زوج المرأة وإنه يدافع عن ~~حريمه، ولا يرجع عن غريمه، فيتعرض له التاجر يمنعه عن الفتك بصاحبه، فينصحه ~~الخليع بالرجوع عنه؛ لأنه الرجل من أهل «الحماية» وفي التعرض له إلقاء ~~باليد إلى التهلكة، فإنه فوق القانون يجني ولا عقوبة عليه، فما يسمع العمدة ~~هذا القول حتى يستنجد بالخليع لينقذه من بلائه، فيتقدم الخليع فيكلم الزوج ~~طورا والحليلة تارة وصاحب الحان أخرى، فينتهي النزاع بينهم على أن يترك ~~العمدة ما التقطه صاحب الحان من دراهمه مرضاة للمرأة عن إهانتها وعوضا لها ~~عن خسارة الضفيرتين، ثم يقوم صاحب الحان وينادي غلامه وهو مشتغل بإطفاء ~~الأنوار، فيسأل عن حساب ms184 العمدة فيكونه له فيلتفت إلى العمدة قائلا: # **صاحب الحان** (للعمدة)**: **والآن فادفع لنا ثلاثة عشر جنيها ثمن ~~المشروب، وانظر ماذا تعطينا من العوض في تعطيل المحل بهذه الأفعال ~~الصبيانية.**العمدة****: **ما هذه الحسبة وما هذا الكلام؟**صاحب الحان****: ~~**أما الحسبة فصحيحة، وأما ما أتيته فإنه لا يليق بمقامك وأنت رجل من أهل ~~الوجاهة والرفعة، ولكنها الخمر أم الشرور، وإن خالها الشارب أم السرور، وما ~~كان لك أن تتعلق بهذه المرأة المشهورة بتمنعها عن أهل التنافس فيها، ~~والنساء غيرها كثيرات في المحل، وإن كان لا بد لك منها فأنا أسعى في الصلح ~~بينكما عند تشريفك المحل في الليلة الآتية، وأرجو أن لا تتوقف في دفع هذه ~~الحسبة الصغيرة، فإني لا أرضى لك الإهانة ولا ترضى لنفسك ~~الفضيحة.**العمدة** (للتاجر)**: **هل عندك ما نسدد به هذا ~~المبلغ؟**التاجر****: **لا وحق العشرة وحرمة الصحبة، فلم يبق معي من ~~الدراهم لا قليل ولا كثير.**العمدة** (للخليع)**: **دبرني يا صديقي في أمري ~~وانظر لي طريقة الخلاص.**الخليع****: **يعز علي والله ما نحن فيه ولكن عزت ~~الحيلة، ولو كان صاحب الحان يقبل مني ساعتي هذه رهنا على هذا المبلغ ~~لرهنتها عنده، ولكنه ربما استضعف قيمتها عن قيمة المطلوب، ولو كان في الوقت ~~سعة لذهبت لاستحضار النقود بأية طريقة كانت.**العمدة****: **إن كان الأمر ~~ينقضي بالرهن، فهذه ساعتي أثمن من ساعتك وهي عندي أعز علي من روحي؛ لأني ~~أخذتها هدية من دائرة «البرنسيس» يوم بعت لها أطيانها، وعليها حروف اسمها ~~منقوشة، وقد قدرها لي الجوهري بخمسين جنيها.**الخليع****: **إن كان الأمر ~~كذلك فلا يليق رهنها، وعندك الخاتم ترهنه مكانها.**العمدة****: **هذا هو ~~الأصوب وإن كان الخاتم أغلى من الساعة قيمة، فخذه يا حضرة الخواجة رهنا ~~عندك حتى أسدد لك المطلوب في الغد.**صاحب الحان****: **أنا لا آمن لهذه ~~الفصوص اللماعة، فقد غشوني فيها مرارا بإحكام التقليد في صناعتها، وليس هنا ~~الآن من أثق به من أهل الصناعة ليكشف لي عن حقيقة هذا الفص.**التاجر** (بعد ~~أن يمعن في الفص)**: **كيف تقول ذلك وهو من الماس القديم وقيمته لا ms185 تنقص عن ~~مائة جنيه، وأنا مستعد لرهنه عندي على خمسين جنيها، فانتظروني ريثما أذهب ~~إلى محل مبيتي وأرجع إليكم بالمبلغ.**صاحب الحان** (مكفهرا)**: **ليس عندي ~~وقت للانتظار فقد مضى الميعاد المقرر لإغلاق المحل، وهذا جندي البوليس واقف ~~أمامنا يتعجلني في مطاوعة أوامر الحكومة.**الجندي****: **نعم مضى الميعاد ~~ولا بد من الإغلاق حالا، فانظروا معكم شيئا آخر للرهن يفض به هذا ~~المشكل.**الخليع** (للعمدة)**: **أعطه الساعة، فلا حول ولا، وليس هناك ما ~~تخشاه عليها فإننا نستخلصها غدا بعد أن تقابلني في الصباح بقهوة ~~الموسكي.**صاحب الحان** (بعد التأمل في الساعة)**: **هذه الساعة لا توفي ~~قيمة المطلوب وحدها، فاترك الخاتم معها أيضا.**العمدة****: **هذا لا يصح ~~مطلقا، فإن المبلغ المطلوب لا يزيد عن ثلاثة عشر جنيها على فرض ~~صحته.**الخليع****: **ما دام العزم أكيدا على فك الرهن غدا، فسيان رهن قطعة ~~أو قطعتين، وأنا أرجو الخواجة أن يتجاوز لنا عما يطلبه من العوض في تعطيل ~~المحل.**صاحب الحان****: **إني أتجاوز عنه لأجلك. # قال عيسى بن هشام: ويشدد جندي البوليس في طلب الإغلاق في الحال فلا يسع ~~العمدة إلا التسليم في الخاتم والساعة، وبينا الجميع يتأهبون للخروج ~~والمرأة واقفة تهزأ وتسخر؛ إذ دخل رجل قبيح الخلقة جهم الوجه عريض القفا ~~جاحظ العينين واسع المنخرين أهرت الشدفين، فأخذ يجيل في الحاضرين نظره ~~يمينا وشمالا، ثم تقدم إلى المرأة فسبها ولعنها ولطمها ولكمها وقال لها: قد ~~فات الوقت ومضى الميعاد وأغلقت الحانات، وأنا قاعد في انتظارك بالبيت وأنت ~~واقفة هنا تلعبين وتسخرين، فأين هذا الصيد الذي ألهاك عني وأنساك أمري يا ~~عاهرة، فتجيبه مع الذل والانكسار بأنها أخطأت، ولكن لها العذر فقد وقعت ~~حادثة مع بعض العمد يشهد بها الحاضرون، وتذكر له ما كان من هجوم العمدة ~~عليها ونزع ضفيرتها، فيشهد زوجها مع خادمها بتفصيل الواقعة، فيزمجر الرجل ~~ويتوعد ويعمد للحاق بالعمدة وهو يعدو نحو الباب، فتستعطفه الفاجرة وتطلب ~~منه أن لا يكدر على نفسه صفاء الليلة بالوقوع في مخاصمة أخرى، وتطلب منه ~~الإسراع إلى البيت في صحبتها. # وخرجنا مع الباشا نتعوذ ms186 من كيد النساء، ونتأسف على وقوع الرجال في أشراك ~~المكر والدهاء، وكيف نزل العمى بهم والجهل، حتى يستسلموا لهذا الخدع ~~والختل، ويخرجوا عن مثل هذا المكان الدنيء والموطن الرديء، وقد خرجوا من ~~الثروة والشرف، ودخلوا في البؤس والتلف، ونزلت بهم أنواع المرض والسقم، وصب ~~عليهم سوط الأحزان والنقم، ثم التفت الباشا إلى الصديق، يسائله في أثناء ~~الطريق: # **الباشا****: **ألا تخبرني أيها الناقد الخبير كيف يصبر مثل هؤلاء الناس ~~على الإقامة في هذا المكان، وكيف يترددون عليه ليالي متتابعات، ولا يدركون ~~ما يدركهم فيه من الهلاك والوبال، وقد كاد يقضى علي للإقامة فيه بضع ساعات، ~~فما وجار الضبع وما وكر الظربان[18] وما قبر الميت، يرحمنا الله وإياك، ~~بأنتن رائحة ولا أقذر مكانا ولا أسوأ مقاما من هذا الذي كنا ~~فيه.**الصديق****: **يصبر الناس على الإقامة في هذا المكان ويكثرون من ~~التردد عليه بحكم التدرج، وإلف العادة وقوة التمادي، وكأنما أبدانهم تتلقح ~~شيئا فشيئا بسمه فلا تحس بضرره وألمه، كالمريض يذهله المرقد عن ألم الداء ~~وبتر الأعضاء، وإن شئت فكالهندي يتدرج ويرتقي في تناول الأفيون وهو سم قاتل ~~حتى ينتهي بجسمه إلى حال لو لسعته معها عقرب أو لسبته حية لم يؤثر سمها ~~فيه.[19]**الباشا****: **أفدت بما شرحت، وقد بقي عليك أن تفسر لي ما أشكل ~~علي من أمر الرجلين مع العاهرة، أحدهما الذي يقول: إنه زوجها، والثاني الذي ~~أخذت بيده أمامه إلى بيتها.**الصديق****: **أما الزوج فإنه رجل من سفلة ~~المغاربة المنتمين إلى دولة أجنبية تحميه من سلطة القوانين المصرية أن ~~تناله عند مخالفتها، وهذه المزية هي التي تؤهله عند العاهرة للتأهل به، ~~فتدخل حينئذ في حمايته وتخرج ببركته عن دائرة المحاكمة والعقوبة إذا أتت في ~~فسقها وفجورها ما يخالف أوامر الحكومة، ويعيش الرجل معها زوجا بالاسم ~~وديوثا بالفعل، وذلك في مقابلة شيء من الدراهم يتناوله منها في كل ليلة، ~~وهذه الطريقة قد تألفها الناس ولم تقتصر على العواهر، بل تعدتهن إلى أرباب ~~القضايا وأصحاب الجرائد، فترى صاحب القضية يتنازل في الظاهر عن قضيته ms187 إلى ~~أحد أولئك المسخرين من رعايا الدول الأجنبية؛ ليخرج بها من نظام المحاكم ~~الأهلية إلى نظام المحاكم المختلطة إن ترجح لديه نجاح قضيته فيها، وترى ~~صاحب الجريدة الذي يزعم أنه الواعظ المرشد بين الناس إلى محاسن الأخلاق ~~وغرر الفضائل يضع على جريدته اسم الواحد منهم بأنه هو المسئول عما ينشر ~~فيها ويطبع، يملؤها بما تسول له نفسه من الطعن على أولياء الأمور وأرباب ~~الحكومة وأشراف الناس، ويسود صحيفته بكل فاحش من القول وبذيء من الكلام، ~~فإذا عول أحد الناس على محاكمته يوما من الأيام وارى وجهه على المحاكم بوجه ~~الأجنبي وقال لك: ما ذم الأمراء ولا هجا الأشراف ولا طعن في الناس إلا صاحب ~~الاسم المسئول فعليك به، فإذا التمسته وجدته بائع نعال يصفق بها في عرض ~~الطريق، وينتسب إلى دولة من أكبر الدول الأجنبية يمتنع بحمايتها من سلطة ~~المحاكم والقوانين المصرية، ولا سبيل إلى محاكمته إلا في بيت القنصل. وأما ~~الرجل الذي سحبته العاهرة بيدها إلى بيتها فهو صاحب ودها وحبيب قلبها تفضله ~~في آخر ليلها على كل رجل يتعلق بهواها، ويبذل نفسه في سبيل رضاها، ولا تعجب ~~من سوء معاملته لها وسوء غطرسته عليها، فذلك مما يزيدها فيه حبا ويولعها به ~~شغفا، والنفس الدنيئة الحقيرة لا تميل إلا لمن يبادرها بالإهانة والتحقير ~~ولا تنقاد إلا لمن يتناولها بالضر والأذى، فهو يضربها ويؤذيها على ما شهدت ~~ورأيت، ثم يتمتع بها دون المتهالكين عليها وينتفع بما تجمعه له من أموالهم ~~لفضل هذا الوحش الضاري عندها على تلك الدواجن التي تدب حولها.**الباشا****: ~~**لا شك أن في هذا نوعا من الجزاء لهذه البغي على بغيها في الناس وسلبها ~~للأموال وفتكها بالأرواح، وقل لمثل هذا الجزاء المعجل في الدنيا قبل العذاب ~~المؤجل لها في الآخرة.**الصديق****: **لا تستهينن أيها الأمير الجليل بما ~~ينال مثل هذه العاهرة في دنياها من الجزاء، فإنهن جميعا في معيشة كلها هموم ~~وأدواء، ومن تأمل في حقيقة أحوالهن خفف من سخطه عليهن ووجدهن أحق بالشفقة ~~من القسوة، فإن هذه الأموال ms188 التي ينهبنها والأسلاب التي يسلبنها لا تلبث في ~~أيديهن إلا ريثما ينفقنها في الحلي والحلل، والعاهرة لا تنتهي حاجتها من ~~الزينة ولا تخلو من حبيب تكفله وخليل تقوم عليه، فهي على الدوام في عسر ~~شديد ودين ثقيل، وإن جميع ما عليها من الحلي والجواهر وما يتألف في عنقها ~~من القلائد وفي معصمها من الأساور وفي رجليها من الخلاخل إنما هي كلها في ~~الحقيقة أغلال وقيود يسحبها بها الصائغ والجوهري في أسر لا فكاك لها منه ~~طول الحياة، وهي كما رأيت تقضي ليلها إلى الصباح في شرب السموم من الخمور ~~وفي تحريك الأعضاء والأحشاء بتلك الحركات المنهكة لقوى الأبدان، وفي اشتغال ~~الفكر بمراقبة الناس وتكلف التحبب إليهم، وفي التفنن للتحايل عليهم، ثم ~~التعرض لسوء المنازعات والمخاصمات مع دوام التذلل والخضوع لصاحب الحان، ~~فإذا انتهت من ذلك كله وصلت إلى بيتها منحلة الأعضاء مفككة المفاصل فترتمي ~~على فراشها كالرمة في مكان هو أقذر من ذلك الحان وأفسد منه هواء، وربما لم ~~تذق في يومها طعاما ولم تتناول في ليلها غذاء، فإذا قامت من نومها بعد نصف ~~النهار كالذي يتخبطه الشيطان مصدعة مخمورة لا تشتهي طعاما ولا تسيغ شرابا ~~حتى إذا تماسكت قليلا بادرت إلى إصلاح الفاسد منها ومداراة القبيح فيها ~~بأنواع الزينة واللباس، وقعدت لمقابلة زائريها إلى أن يدخل عليها المساء ~~فتعود لما كانت عليه، لا تزال المسكينة هكذا دائرة في حلقة من التعب والوصب ~~ولا خلاص لها منها إلا بحلول الأمراض والأوجاع، ثم يقضى عليها وهي في ~~المعصية بعيدة عن ذوي الحنو والإشفاق من الأهل والأقارب، وذلك هو البلاء ~~العظيم والعذاب الأليم. # قال عيسى بن هشام: وما راعنا في طريقنا إلا صوت الديك يؤذن بالصباح وصوت ~~المؤذن يؤذن حي على الفلاح، فأسرعنا نطلب مأوانا، وندرك أم مثوانا، ونحن ~~نسأل رب الأرض والسموات، أن يغفر من ذنوب المسلمين والمسلمات. ### | العمدة في الرهن # قال عيسى بن هشام: ولما ارتفع وجه النهار أو كاد، ومسحنا عن النواظر كحل ~~الرقاد، بادرنا كل الإبدار، بالخروج من ms189 الدار، لنلحق بأولئك الرفقاء، في ~~المكان المعين للقاء، فقصدنا «قهوة القزاز بالموسكي» فوجدناها تتموج ~~بالداخلين، وتضطرب اضطرابا بالواقفين والقاعدين، فوقفنا هنيهة نرسل النظر ~~إرسالا، ونتصفح الوجوه يمينا وشمالا، حتى اهتدينا إلى «الصديق» جالسا ~~فجلسنا عن جانبيه، ورأينا العمدة جالسا بجانبنا مع صاحبيه، فإذا العمدة يئن ~~تحت الهموم المتقاطرة، من سواد ليلته الغابرة، حيث ناله فيها من الهون ما ~~ناله، وأضاع تحت أقدام الراقصات شرفه وماله، ورهن ما رهن من حلية ومتاع، من ~~غير لذة ولا استمتاع، فهو متخاذل متضائل: «له شق مائل، ولون حائل، ولعاب ~~سائل»، وسحنة مغبرة، وأنامل مصفرة، وجفون محمرة وأحداق جامدة، وأعضاء ~~هامدة، ورأس متصدع، ونفس متقطع، يفتح تارة فاه، ويحك طورا في قفاه، فيخاله ~~كل من يراه، نضو سفر[1] أضناه السرى وبراه، أو حلف تسخير أدمته العصا ~~وألهبه السوط؛ ليبلغ من جهد «السخرة» منتهى الشوط، وإذا التاجر بجانبه يقلب ~~حدقتيه ويتحلب بشفتيه، ويصعد أنفاسا كالحريق، في ميزاب من الريق[2] كأنه ~~ذئب يهم بالعثيان، ويخشى صولة الرعيان، أو صائد يخاف أن يخونه كيده، ويفلت ~~منه صيده، والخليع بينهما يطرق برأسه، ويكتم ما في نفسه، متفكرا ينكت الأرض ~~بعصاه، ويحاول أن يبلغ من الغرض أقصاه، دائبا يبرم الخديعة ويهيئ العدة؛ ~~ليسقطها على رأس التاجر ودماغ العمدة، ورأينا هنالك من دونهم نفرا لا ~~يحولون عنهم نظرا، كأنهم الطيور الجارحة تترقب حمامة سانحة، فاستخبرنا من ~~الصديق، عن شأن هذا الفريق، فقال: هم جماعة من الفئة الباغية الماكرة، ~~والطائفة الرابحة الخاسرة، طائفة الوسطاء والسماسرة، وشاهدنا الخليع يوحي ~~إليهم باللحظ والنظر، كأنه يعاهدهم على النجح والظفر، ثم سمعناه يقول ~~للعمدة تهوينا لأمره، وتيسيرا عليه من عسره: # **الخليع****: **لا تهتم يا مولاي ولا تغتم، فالخطب أهون مما تظن والأمور ~~بأمر الله ميسرة والحاجات بإذنه مقضية.**التاجر****: **إن كان التيسير من ~~جهة الاقتراض، فأنا لا أتصور أن أرباب الأموال يقرضون اليوم أحدا بدون ~~التوثق من الرهن لزوال الثقة بين الناس في هذا العهد عهد المماكسة ~~والمضاربة، وفي هذه الحالة أراني أولى الناس بتأدية هذه الخدمة ms190 لصاحبي، ~~فإني له أرجح جانبا وأربح معاملة وأنقص في قدر «الفائدة» من ~~سواي.**العمدة****: **لا أرى في ذلك من بأس لو كان في الوقت سعة وفي الحالة ~~مهلة تسمح بما يقتضيه إجراء الرهن من الكشف والمعاينة، والتحديد والتقويم ~~والتقدير والتحرير، والتقييد والتسجيل إلى غير ذلك.**الخليع****: **ولا تنس ~~ما يكون وراء ذلك من سوء السمعة وقبح الشنعة بين الأهل والجيران، وصدق من ~~قال: «بيع الشيء خير من رهنه، والرهن بيع وغبن.» وأنت بحمد الله لك صيت ~~بالغنى وشهرة بالثروة، وأنا أضمن أن توقيعك وحده يكفيك مؤونة الرهن عند ~~الاقتراض.**التاجر** (للخليع)**: **ما أحسن هذا لو أنه يتم، ولكن لا تنس ~~أنت أيضا ما قيل: «إن الذي يقرضك على الشهرة والسمعة، لا بد أن يأخذ فائدة ~~شهر في جمعة»، ولن يخاطر أحد من أرباب الأموال بماله من غير رهن إلا من ضمن ~~الفائدة الجسيمة والربح الطائل.**الخليع** (للتاجر)**: **ما بالك تعسر ~~علينا في الأمور مع إمكان تيسيرها، ولا يأخذك شك فيما أقول فأنا أضمن ~~الحصول على القرض في هذه الساعة في هذه القهوة في هذه الجلسة، ولا محل ~~للتخوف من جسامة الفائدة ما دام وقت الحصاد قريبا والتسديد ~~عتيدا.**العمدة** (للخليع)**: **هكذا يكون التسهيل والتيسير بين الأصحاب ~~والأصدقاء، وهكذا تكون محاسن الشيم، يا أبا المكارم والهمم.**التاجر****: ~~**قد قلت ما عندي، وكل إنسان حر في عمله.**الخليع** (للعمدة)**: **قل لي كم ~~تريد أن يكون مبلغ القرض؟**العمدة****: **يكفيني على ما أظن مقدار مائة ~~جنيه لسداد الحاجة في الحالة الراهنة.**الخليع****: **هذا التقدير ضعيف، ~~وماذا ينفع مثل هذا القدر القليل وبماذا يفيد؟ وعليك قبل كل شيء تسديد ما ~~لصاحبنا هذا في ذمتك من الدين، ثم يتبعه ما لصاحب الحان لفك رهن الساعة ~~والخاتم، وأضف إلى ذلك ما يلزم لك من المال لتأجير البيت الذي تريد سكناه ~~في حلوان وما يتبعه من أثمان الفرش والأثاث، هذا غير ما يجب أن يكون في يدك ~~للبذل والإنفاق في أوقات الأنس والطرب، وأنت بلا شك في حاجة عظيمة إليها ~~بعد كل هذا التعب والكدر، فلا ms191 بد لك حينئذ من اقتراض مبلغ خمسمائة جنيه على ~~الأقل، ولا سيما أن أرباب الأموال الذين أعرفهم لا يقرضون أقل من هذا ~~المقدار إن كانت مدته قصيرة. # (وهنا يومئ الخليع إلى جماعة السماسرة بالحضور فيتقاطرون عليه، فيهمس في ~~أذن أحدهم كلاما ثم يجهر بالخطاب فيقول): # **الخليع****: **اعلموا أن سعادة البك هو العمدة فلان الفلاني من كبار ~~المزارعين، الذين يمتلكون من الأطيان والعقار ما هو معروف مشهور، ولم يسبق ~~له اقتراض مال قط، وليس عليه دين مطلقا وأطيانه وأملاكه خالصة له بلا منازع ~~ولا مشارك، وقد حلت به ظروف استنفدت جميع ما كان يحمله معه للإنفاق في مدة ~~وجوده بالقاهرة، وهو الآن في حاجة إلى اقتراض خمسمائة جنيه يقوم بتسديدها ~~في أوان الحصاد الآتي، ولست أرضى له أن يقترض مثل هذا المبلغ الزهيد بالرهن ~~من أرباب المصارف الكبيرة لما يجري عندهم من طول التحري والتنقيب، وتضييع ~~الوقت جهلا منهم بحالة أعيان البلاد.**أحد السماسرة****: **مرحبا بسعادته ~~مرحبا، وما هو بالمجهول عندنا فإننا نعرفه كلنا وبما وصفته من شرف البيت ~~وسعة المال زاده الله منه، كان للمرحوم والدي مع المرحوم والده معاملة ~~قديمة وصحبة أكيدة، وطالما سمعت من والدي وأنا صغير السن أنه لا يوجد بين ~~أعيان القطر مثل المرحوم في الصدق والأمانة وكرم الخلق وسماحة النفس، ولكنك ~~تعلم أن الدراهم عزيزة المنال في هذه الأيام وقل من يخاطر بقرض هذا المبلغ ~~من غير رهن يوازيه أضعافا مضاعفة، ولو كان الأمر لي وحدي لما تأخرت عن ~~إجابة الطلب بدون ميثاق أو رهن أو فائدة إكراما للصحبة القديمة بين والدينا ~~وتوثيقا لعرى المحبة بيننا، ولكن شريكي في الأشغال رجل متفرنج من أبناء هذا ~~العصر لا يعرف حقوق المودة القديمة، ولا يرضى بقرض المال إلا إذا كان ~~مستجمعا للشروط القانونية، ومع ذلك فأنا أعمل معه جهدي وأترضاه بضمانتي ~~أولا و«بتشريف» مقدار «الفائدة» ثانيا، فإن اتفقتم معي على أن تكون ~~الخمسمائة بثمانمئة إلى وقت الحصاد باشرت معه الأمر وقمت بالخدمة الواجبة ~~علي لسعادة البك.**التاجر****: **سلام قولا ms192 من رب رحيم، أيكون مقدار الربا ~~فوق مقدار نصف القرض ... ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين؟**السمسار** ~~(للتاجر)**: **لعل مولانا من المجاورين بالأزهر الشريف، فإنه لا يستعظم مثل ~~هذه «الفائدة» في الأحوال الحاضرة إلا من يعتقد بتحريمها، على أن الربا ~~محرم عندنا أيضا كما هو محرم عندكم، ولكن «الضرورات تبيح ~~المحظورات».**العمدة****: **حضرته ليس من المجاورين بل هو من التجار ~~المشهورين.**السمسار****: **إذا كان حضرته من التجار، فلا بد أن يكون واقفا ~~على ضيق الحال وقلة المال وكساد السوق وعالما بمقدار «الفائدة» في قرض من ~~غير رهن، ثم إنه لا يجهل في الأشغال تكاليف المشاركة ... والمساهمة ... ~~والمقاسمة ... إن شاء الله.**التاجر****: **نعم نعم ولكن يجب إنقاص مقدار ~~«الفائدة» على كل حال، فإن أنت رضيت بأن يكون مبلغ الخمسمائة بسبعمائة ~~وخمسين رضيت أنا لسعادة العمدة بالاقتراض منك وحكمت بذلك ~~عليه.**السمسار****: **ما أصعب المعاملة مع التجار! وما دمت حكمت حكمك فلا ~~مرد له عندنا وما علينا إلا الطاعة والقبول إكراما لسعادة البك، فتفضلوا ~~بالذهاب معي إلى المحل على بركة الله لإتمام الأمر مع شريكي.**الخليع****: ~~**لا حاجة إلى ذهابنا جميعا ويكفي أن يذهب معك سعادة البك وحده، فإن ~~المسألة صارت بسيطة ونحن نمكث هنا في الانتظار. # قال عيسى بن هشام: وقام العمدة مع السمسار وأقمنا جالسين في مكاننا ~~نتشاغل بالحديث مع الصديق، ونستفيد من واسع علمه أمورا شتى مدة من الزمن، ~~وإذا بالعمدة عائدا وحده مقطب الوجه منقبض النفس، فأسرع الخليع والتاجر إلى ~~لقائه واستخباره عما جرى له. # **العمدة****: **لعن الله الحاجة والاضطرار، وما كان أغنانا عن هذا الخراب ~~والدمار.**الخليع****: **وماذا وقع بك ودهمك، هل خاب الأمل في عقد القرض أم ~~عقدته وسرقت منك الدراهم؟**العمدة****: **لم تسرق كلها بل نصفها.**التاجر** ~~(شاهقا والخليع محملقا)**: **وكيف كان ذلك؟**العمدة****: **ركبت مع الرجل ~~وذهبنا إلى محل شريكه، فأجلسني هناك ناحية وكتب الصك وختمته، ثم إنه انفرد ~~بشريكه يناقشه ويجادله، ثم عاد إلي عابس الوجه يقول لي: إن الأمر متعذر ~~متعسر وإنه بذل كل ما في وسعه من طرق الإقناع والرجاء؛ ليقبل ms193 شريكه بقرض ~~المبلغ، فلم يقبل ولم يتحول عن رأيه، ثم أخذ يظهر لي أنواع التأسف والتوجع ~~لخيبة مسعاه ويشير علي بالصبر أياما حتى تنفرج الشدة وتنقضي الأزمة، فأريته ~~شدة ما بي من الحاجة إلى الدراهم في هذا الوقت، وليس في الاستطاعة تأجيل ~~الاقتراض وهممت بالرجوع إليكما لترشداني إلى باب آخر يأتي بالتيسير ~~المطلوب، فدنا مني شريكه عند ذلك، وقال لي يعز علي والله أن أردك خائبا ~~وأرفض رجاء شريكي، ولكنك تعلم مقدار العسر والضيق الذي لحق بهذا القطر في ~~هذا العام من كساد الموسم، وانخفاض النيل وانتشار الدودة وكثرة المضاربات، ~~وظهور الأوبئة والطواعين، وأنا أقسم لك بشرفي وذمتي وأولادي أنه لا يوجد في ~~محلنا من الدراهم الآن سوى أربعمائة جنيه هي أمانة عندي لطفل يتيم من ~~أقاربنا نشتغل له في استثمارها بكل احتراس واحتياط، وأنا أضن بها وأحرص ~~عليها أشد من حرصي على أموالي، ومع ذلك فقد فكرت طويلا وعولت على أن أضعها ~~بين يديك لشرف مكانتك عندنا وحسن سيرتك، وجعلتها أول خدمة جليلة نقدمها ~~إليك، فأسرعت إلى قبولها مع الشكر والامتنان، فأخرج صرة ووزن ما فيها من ~~الذهب ثم سلمه إلي فعددته فوجدته أربعمائة تماما، ثم وضعتها في جيبي وطلبت ~~منه تغيير الصك؛ لأن المبلغ المسمى فيه يزيد مائة جنيه عما قبضته من الذهب، ~~فتلكأ في الإجابة واعتذر إلي بأن فرق ما بين المبلغين يبقى عنده بعضه لربح ~~اليتيم وبعضه لنفقات القضية من رسوم وأتعاب محاماة إن وقع مني تقصير في ~~التسديد عند الميعاد - لا سمح الله - كما هي العادة السائرة اليوم، فهالني ~~الأمر ونبذت الدراهم وطلبت منه أن يرد لي الصك في الحال، فلم يلتفت لقولي ~~واشتغل عني بالكلام مع بعض الوافدين إليه وأنا مقيم على مثل الجمر، وكلما ~~أشرت إليه بإشارة من بعيد ليكلمني لوى وجهه عني وأظهر الاشمئزاز مني، ~~فتفقدت السمسار الشريك داخل المكان وخارجه فلم أجد له أثرا، فاشتد بي الكرب ~~وحرقني الغيظ فلم أتمالك نفسي وهجمت على صاحب المحل، فأمسكت بتلابيبه ~~أطالبه برد الصك، ms194 فأظهر لي حينئذ من الملاينة والملاطفة ما حل خناقه من ~~يدي، وقال لي: إنه لا يمنعه عن إجابة طلبي إلا غياب الشريك فإن الصك كتب ~~بحضوره، ولا يجوز أن يسلمه إلي بدون علمه، فعلي أن أنتظر أوبته، وبينما نحن ~~على هذه الحال وإذا بسعادة عمر بك صهر مديرنا قد دخل علينا فما وقع بصري ~~عليه حتى تراخت مفاصلي خجلا منه، وحياء أن يسمع ما يجري بيننا ويراني في ~~مثل هذا الموقف فتسقط منزلتي في عينه وعين صهره، فتقدمت إليه وسلمت فرد علي ~~التحية بالتكريم والتعظيم، فلحظ اللئيم صاحب المحل ما أنا فيه فانتهز ~~الفرصة وقص على سعادة البك قصتنا على حسب هواه، وطلب حكمه في الأمر، فقال ~~له سعادة البك: لا يليق بك أن تتنازع مع حضرة العمدة فأنا أعرفه رجلا من ~~عيون المديرية التي يديرها صهري وله شهرة عظيمة بحسن السيرة وسعة الثروة، ~~ثم التفت إلي وقال: وأنت لا يجدر بك أن تخالف حضرة الخواجة وهو رجل مشهور ~~بالأمانة وحسن المعاملة، وإذا كانت نقطة الخلاف في مائة الجنيه التي حجزها ~~عنده لنفقات القضية، فأنا لا أشك في أنه سيردها إليك بتمامها عند إيفاء ~~الدين في ميعاده، وأنت بحمد الله في ثروة لا يتصور معها التأخر عن التسديد، ~~وإن كنت لم تتعامل مع الخواجة إلا في هذه الدفعة ولم تجرب مقدار أمانته ~~وحسن عهده فإني أكفل لك صدقه ووفاءه، فاضطررت من كل الوجوه إلى التسليم ~~والإذعان، وأخذت الدراهم وسلمت على سعادة البك وقلت له عند خروجه: لا يظنن ~~سيدي أنني اقترضت هذه الدراهم للضرورة والعسر فإن الأمور ميسرة بفضل الله، ~~ونعمة الله وافرة علي كما يعلمه سعادة صهركم المدير، ولكنني وجدت فرصة لا ~~تعوض في أثناء إقامتي بالعاصمة وهي مشترى أطيان من أحد أولاد الذوات، وهو ~~في حاجة الليلة إلى استلام العربون، ولا يمكنه أن يمهلني ريثما أستحضر له ~~المبلغ من البلد، فاضطررت للاقتراض على هذه الصورة، فقال لي: نعم ما تفعل ~~وبارك الله لك في البيع والشراء، ثم إنه ms195 حملني سلاما وكلاما لسعادة المدير، ~~وانصرفت وخلفته مقيما مع الخواجة، وحضرت إليكما ولم يدخل في يدي من مبلغ ~~الدين المسمى بسبعمائة وخمسين جنيها إلا أربعمائة جنيها فقط، فهذا معنى ~~قولي لكما لم تسرق مني الدراهم كلها، ولكن سرق نصفها. # قال عيسى بن هشام: وكنا نشاهد في أثناء هذا الحديث رجلا واقفا على رأس ~~العمدة ينتظر انتهاءه من الكلام، وهو يمد إليه يديه ويحرك شفتيه، فتبينا من ~~هيئته أنه سائق المركبة يطالب العمدة بالزيادة في قيمة الأجرة، ولما فرغ ~~العمدة من كلامه بادره السائق بقوله: # **السائق****: **خلصنا من فضلك يا سيدنا فقد طال وقوفي وعطلتني عن ~~شغلي.**العمدة****: **أنا لا أعطيك شيئا زيادة عما دفعته إليك ففيه ~~الكفاية.**السائق****: **من يقول يا حضرة الشيخ: إن خمسة قروش، تكفي في ~~أجرة المركبة مدة ساعتين تنقلت في أثنائها من مكان إلى مكان، ثم عدت بك إلى ~~هذه القهوة، وأنا لا أبرح مكاني حتى تعطيني الأجرة اللائقة بهذه المدة، وإن ~~كان الذنب من جهتي؛ لأنني قبلت أن تركب معي ورفضت ركوب الخواجة الذي ~~استوقفني قبل ركوبك ظنا مني أنك من كبار العمد الذين لهم تردد كثير على ~~العاصمة، ويعرفون مقدار أجرة المركبات، ولكن ظهر لي الآن أن هذه أول مرة لك ~~في زيارة العاصمة، وفي ركوب المركبات وجعلتني أفضل «برنيطة» الخواجة على ~~عمامة السيادة، فلا حول ولا قوة إلا بالله، خلصنا يا سيدي.**الخليع** ~~(للسائق)**: **اسكت عن هذا الكلام البارد، وهاك قرشا سادسا خذه ~~وانصرف.**السائق****: **كن محضر خير يا حضرة الأفندي، واعلم أنني لا أقبل ~~زيادة قرش أو قرشين مطلقا، فإما الأجرة اللائقة وإما الذهاب معي إلى صاحب ~~المركبة؟**العمدة****: **دونك قرشا آخر فاتركنا واذهب لحالك.**السائق****: ~~**كيف أذهب وكيف أقبل سبعة قروش في أجرة هذه المسافات الطويلة مع طول ~~الانتظار، فهل تحسبها أجرة ركوبك من هنا إلى محل الخواجة أو أجرة انتظاري ~~هناك زيادة عن الساعة، أو أجرة ركوبك من محل الخواجة إلى دكان الكوارع، ~~وانتظارك مدة الأكل، أو أجرة رجوعك إلى هنا ووقوفك في الطريق عند بائع ms196 ~~الفاكهة؟**التاجر****: **دكان الكوارع ...! وبائع الفاكهة ...! «واحر قلباه ~~ممن قلبه شبم».[3] أهكذا يكون شرط الصحبة والوفاء تتركنا على الجوع، وتنفرد ~~دوننا بالأكل ونحن معك لم نذق منذ أمس طعاما؟**العمدة****: **ما ألجأني إلى ~~ذلك وحق الصحبة إلا الجوع المفرط، واحتياج الجسم إلى ما يقيمه، فإني أحسست ~~بالنور ظلاما في عيني من خلو البطن، وأشهد أن الجوع كافر.**السائق****: ~~**أدركوني برحمتكم فهذا جندي البوليس يأخذ نمرة المركبة؛ ليكتبها في ~~المخالفات حيث خلفتها واشتغلت عنها بكم.**الخليع****: **لقد صدعتنا وشغلتنا ~~فخذ هذا القرش أيضا، وأنا أخلصك من جندي البوليس، وإلا فإني أقوم إلى ~~«القسم» وأرفع الشكوى لاجترائك علينا، ولا تجد في «القسم» من ~~يرحمك.**السائق****: **ما باليد حيلة، أعطني ما تريد وقم اشهد عند جندي ~~البوليس بأنني في انتظاركم حتى أخلص من المخالفات، والله يعوضني خيرا ولا ~~يحكم علي بركوب أمثالكم مرة ثانية.**الخليع** (للعمدة عائدا)**: **قد ~~انتهينا والحمد لله من جميع العقبات، فلننظر الآن في تدبير شئوننا، وهلم ~~فادفع أولا مبلغ الصك المطلوب منك لصاحبنا هذا، ثم نثني بصاحب الحان لفك ~~الرهن، ثم نثلث بمشتري المقتنيات اللازمة لك.**العمدة****: **نعم لك ذلك ~~وهذا هو المبلغ المطلوب لصاحبنا جزاه الله خيرا.**التاجر** (بعد استلام ~~المبلغ)**: **أستغفر الله فالفضل والشكر لك على كل حال، ولكن يتعذر علي أن ~~أرد إليك الصك في الحال؛ لأنني تركته بالمنزل فالأليق أن تبقي المبلغ حتى ~~آتيك به غدا.**الخليع****: **سبحان الله ما هذه المعاملة التجارية بين ~~الأصدقاء الأوفياء، وهل يجوز بينهم ذكر الصكوك والخطوط في معاملتهم؟ فتقديم ~~الصك وبقاؤه عندك سيان ما دام المبلغ تسدد لك ودخل في جيبك.**العمدة****: ~~**صدقت صدقت فليس بين الإخوان ما يدعو للتوقي والتحرس في مثل هذه الأمور، ~~وقوموا بنا إلى صاحب الحان.**الخليع** (للتاجر ضاحكا)**: **انظر إليه فلا ~~يزال قلبه يحن وهواه يميل إلى سكان تلك المعاهد والديار.**العمدة****: ~~**أقول لك الحق، إن غيظي من معاملة تلك المرأة القاسية شديد وحنقي عظيم، ~~ولست أنسى ضروب تفننها في التدلل علي والتمنع مني، ولا أغفل عن تلك النظرات ~~التي كانت ترسلها إلي بالتعطف والتلطف وأنا ms197 أسحبها من شعرها، وبودي لو ~~أراها مرة ثانية فأوسعها عتابا وأشبعها تأنيبا.**الخليع** (مبتسما)**: ~~**أنا فهمت غرضك وعرفت نيتك، تريد من العتاب أن ينتهي بك إلى العتبى وتخرج ~~بها من التعنيف إلى التلطيف، وما ألذ الرضى بعد الغضب! وما أمتن الصداقة ~~بعد العداوة! لكني أقول لك قول المشفق الناصح: إنك مهما حاولت مع هذه ~~المرأة، فلا يمكن أن يخلو لك وجهها بالليل مطلقا لكثرة شغلها وازدحام ~~الحائمين عليها، وإنما الرأي لك أن تلتمسها نهارا وتدعوها للغداء معك في ~~بعض جهات النزهة، وأنا أفضل نزهة الأهرام على سواها، فإنها تكون هناك خالصة ~~لك من دون الناس بمعزل عن العذال والرقباء.**التاجر****: **ما أدق الحيلة ~~وما ألطف الرأي!**العمدة** (للخليع)**: **لله درك فما حار من أنت حاديه، ~~ولا ضل من أنت هاديه، وهيا بنا إلى الحان أولا لفك الرهن.**الخليع****: ~~**ولعلنا نصيب خادم المرأة هناك فنرسله إليها بعرض التماسنا، ولا شك عندي ~~في إجابة سؤالنا.**العمدة****: **نعم نعم وليكن الاجتماع بها غدا فخير البر ~~عاجله.**الخليع****: **لك ذلك بكل تأكيد إن شاء الله. # قال عيسى بن هشام: وقاموا ونحن نعجب من كيد الإنسان للإنسان بما لا يأتيه ~~حيوان مع حيوان، ثم بادرنا نحن أيضا إلى القيام، على أن يكون الاجتماع غدا ~~في الأهرام. ### | العمدة في الأهرام # قال عيسى بن هشام: ولما وقفت بنا الركاب في ساحة الأهرام، وقفنا هناك ~~موقف الإجلال والإعظام، قبالة ذلك العلم الذي يطاول الروابي والأعلام، ~~والهضبة التي تعلو الهضاب والآكام، والبنية التي تشرف على رضوى وشمام،[1] ~~وتبلي ببقائها جدة الليالي والأيام، وتطوي تحت ظلالها أقواما بعد أقوام، ~~وتفني بدوامها أعمار السنين والأعوام، خلقت ثياب الدهر وهي لا تزال في ~~ثوبها القشيب، وشابت القرون وأخطأ قرنها وخط المشيب، ما برحت ثابتة تناطح ~~مواقع النجوم، وتسخر بثواقب الشهب والرجوم، وتحدث حديث المشاهدة والعيان، ~~ما تعاقب الفتيان،[2] وتناوب الملوان عن قدرة هذا الإنسان، في بدائع الصنع ~~والإتقان، وتنبئ عن قوة هذا الضعيف الضئيل، في إقامة هذا الأثر الجليل، ~~وكيف جاز لهذا الفاني البائد، أن يصدر عنه مثل ms198 هذا الباقي الخالد، وجل صنع ~~القدير الخالق، في تصوير هذا الحيوان الناطق، حيث جعله مصدرا للأعمال ~~المتناقضة، والأفعال المتغايرة المتعارضة، فبينا تراه يصعد إلى أجرام ~~السماء وعوالمها، ويبحث بفكره في رسومها ومعالمها، ويسير بعلمه في أنحائها ~~ومناكبها، ويهتدي لحساب أقمارها وكواكبها؛ إذ تراه يعثر عثرة برجله، فيكون ~~فيها منتهى أجله، أو يكبو في طريقه، فيغص بريقه، ويهوي بإذن الله إلى مكامن ~~الخلد،[3] وهو طامع في شجرة الخلد، فهو ذاك الذي كبر وصغر وعظم وحقر، وعز ~~وذل، وكثر وقل، وصعد وهبط، وعلا وسقط، وصلح وفسد، وعرف وجحد، وسعد وشقي، ~~وفني وبقي، وسبحان القاهر فوق عباده. # ثم انتقلنا من التفكير إلى التفسير، وانبرى الباشا يكشف عن ضميره ويقول ~~لنا في تعبيره: # **الباشا****: **كنت أعتقد وأنا في سالف الأوان، أن هذه البنية لمصر تاجها ~~الذي تفاخر به التيجان، وأعجوبتها التي تباهي بها الأقطار والبلدان، ~~وشاهدها الذي يشهد لها بالمدنية والعمران، ولكني أراها اليوم بعد أن ~~استضاءت بنور العلم واهتديت بهدى العقل، وبحثت في حقائق الأمور، أن لا مزية ~~فيها ولا خير منها، سوى أنها أحجار مرصوفة، وجنادل مصفوفة، لا تمتاز عن جبل ~~من الجبال، أو تل من التلال، فهل تعلمان لها من معنى غامض التوى علي فهمه، ~~أو سر خفي عز علي علمه؟**الصديق****: **ليس لها على الحقيقة من سر خفي ولا ~~من فائدة بادية سوى أن بعض القدماء من أغبياء الملوك وطغاة الولاة كانوا ~~يعتقدون بالرجعة في هذه الدنيا بعد الممات، وأن أرواحهم تعود ثانية إلى ~~أجسادهم بعد أن تتنقل مدة من الدهر في أجسام أخرى، فكان همهم في حياتهم ~~مصروفا إلى حفظ أجسادهم من البلى بعد موتهم في قبور مشيدة قائمة على الدهر؛ ~~لتعود إليها الأرواح بعد طول التنقل والتطور مثل هذه الأهرام وخلافها، ~~والناظر في الآثار المصرية يحكم حكما قاطعا أن التقدم والتفنن في البنيان ~~والتصوير عند المصريين ينتهي أغلبه إلى المعابد والمقابر، وكانت قصورهم ~~وبيوت ملكهم مبنية بلبن الطين كأدنى الأكواخ، قانعين بذلك في جانب تسخير ~~الأمة بأسرها في نقل ms199 الصخور ورفع الأثقال لابتناء مثل هذا البنيان، واتخاذه ~~قبرا لهم تحفظ في جوفه أجسادهم بعد تحنيطها سالمة من البلى إلى الرجعة - ~~ولكن إلى المتحف متحف الجيزة - فتسخير الأمة المصرية وتعطيل أعمالها وتمزيق ~~أبدانها وإهراق دمائها وإزهاق أرواحها في بناء هذه الصخور إنما كان لفكر ~~ساقط، واعتقاد سخيف من ملك جاهل لفائدة له موهومة، أو من عمل كاهن ماكر ~~لمنفعة له معلومة، ومثل هذا لا يكون فيه من فخر لمفتخر، ولا من عزة لمعتز، ~~وما هو إلا الظلم والغشم والضلال والجهل، وما لهذين الهرمين من معنى اليوم ~~غير أنهما قائمان على الدهر شاهدي عدل على سابق الشقاء في الأمة المصرية، ~~وما كانت تقاسيه من فظاعة الظلم والهوان ومرارة الاسترقاق والاستعباد، ولو ~~كان لأولئك الملوك أدنى لمحة في ارتقاء المدنية والعمران لكانت هذه الأحجار ~~والصخور مرتفعة في بناء القناطر والجسور، وتالله لباني القناطر الخيرية ~~مثلا في نظر الباحث المدقق أحق بالعزة والفخر من أولئك الملوك عباد ~~الأوهام، ومستعبدي الأنام، وما أعلم لهذا الهرم من معني آخر يذكر سوى أنه ~~صار يوما من الأيام منبرا من المنابر اعتلاه جبار آخر فرنسي اسمه نابليون، ~~فخطب من فوقه على جنوده بكلام يهز فيهم أريحية التفاخر والتباهي، ويخدعهم ~~به ليظلوا على العمى في طاعته يمارسون الحروب ويعانون أهوال الوقائع، ~~ويصبرون على الموت والقتل في هواه، وما لهذا البنيان اليوم من فائدة حاضرة ~~إلا كونه صار مورد رزق لجماعة من العربان التهوا به عن ابتغاء الرزق من قطع ~~الطريق على السابلة، ومما يحضرني الآن من كلام بعض المؤرخين في شأنه: أن ~~الملك الذي شيده أمر أن يكتب على جدرانه عقب الفراغ منه هذه العبارة عن ~~لسانه على جهة التحدي: «إني ابتنيت هذا البناء في ثلاثين عاما، فإن جاء ~~بعدي من الملوك من يدعي القوة والقدرة فليهدمه في ثلاثمائة عام.» ولو عقل ~~المسكين أنه سيأتي عصر من العصور يمكن فيه لأحقر صعلوك أن ينسف هذا البناء ~~في لمحة واحدة، فيجعله كالعهن المنفوش والهباء المنثور بمقدار قبضة اليد من ms200 ~~بعض الأجزاء الكيميائية لما اغتر بسعة القوة والسلطان، ولما تحدى بشيء سلمه ~~ليد الحدثان، وليس للحدثان من أمان، اللهم إنك تعلم أنه عمل ضائع، من جهل ~~شائع، لا ينبغي للمصري أن يراه إلا بدمع منهمر، وقلب منفطر؛ لأنه الشاهد ~~الأكبر على كبرياء كبرائه، وهوان أجداده وآبائه. # قال عيسى بن هشام: وهنا رأينا أصحابنا قد أقبلوا وبينهم تلك العاهرة ~~الفاجرة، فأشارت عليهم بالجلوس، فاتخذوا لهم مجلسا في ظل من ظلال الأهرام، ~~وانبسطوا على بساط الشرب والنقل، فقطعنا من بيننا حديثنا وانتهينا إلى ~~جوارهم لنسمع ونرى من أخبارهم وأحوالهم، فإذا العمدة يقول للتاجر متظاهرا ~~أمام المرأة بمظهر الباحث المدقق والعالم المحقق: # **العمدة****: **هل لك علم أيها الصاحب بشيء عن أصل الأهرام، وسبب وضعها ~~وتاريخ تشييدها؟**التاجر****: **كيف لا يكون لي علم بذلك، وقد وقفت على ~~قصتها تماما، وقرأتها مرارا في كتاب «قصص الأنبياء» عند الكلام عن سيدنا ~~نوح - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - بحيث يمكنني أن أقصها عليك حرفا ~~بحرف: «ذلك أن الملك «سودون» كان ملكا على مصر قبل الطوفان، فرأى في منامه ~~رؤيا أفزعته فاستدعى السحرة والكهنة والمنجمين، وقص عليهم أنه رأى النجوم ~~تناثرت والقمر هاويا إلى الأرض، فقالوا له: إن هذه الرؤيا تدل على حدوث ~~طوفان عظيم يغمر الأرض قريبا، ولا يبقي على شيء فيها، فارتاع الملك ~~واستشارهم ماذا يفعل للنجاة من هذا الحادث العظيم، فأشاروا عليه بابتناء ~~هذه الأهرام حتى إذا حل الخطب انتقل إليها، واستعصم بها مع أهله وحاشيته ~~وذخائره وكنوزه، فحشد الملك الألوف المؤلفة من الخلق وسخرهم لهذا العمل، ~~فأتموا له هذا البناء في مائتين وخمسين عاما، ثم كساها بالديباج وفرشها ~~بالحرير، ونقل إليها من نفائس الجواهر وذخائر الكنوز ما تعب الناس في حمله ~~ونقله شهورا كثيرة، ثم إنه جمع السحرة فحصنوها له بالأرصاد والطلاسم، ولما ~~قرب وقت الطوفان لجأ إليها بأهله وحاشيته وطغى الطوفان فلم ينج منه إلا أهل ~~السفينة وعوج بن عنق وهذه الأهرام، وعوج بن عنق هذا هو حفيد آدم - عليه ~~السلام - ولد في زمن ms201 جده وأدرك موسى - صلوات الله عليه - وذكروا أن ذلك ~~الطوفان الذي علا الهضاب والجبال لم يبلغ حد ركبتيه، فكان يخوض فيه مع ~~السفينة فإذا أحس بالجوع مد يده إلى قاع البحر، فأخذ الواحدة من السمك ~~فيدنيها من عين الشمس ويأكلها مشوية، ولما انقضى الطوفان وعاد العمران إلى ~~الدنيا أخذ يعيث في الأرض فسادا دهرا طويلا، حتى بعث الله موسى - عليه ~~الصلاة - فشكا الناس إليه ما يفعله عوج بن عنق، فدعا الله أن يكفيهم شره، ~~وكان عوج بن عنق قد حمل صخرة فوق رأسه؛ ليلقيها على أهل بلدة حل بهم غضبه، ~~فأرسل الله تعالى طيرا له منقار من الفولاذ فما زال ينقر الصخرة من وسطها ~~حتى ثقبها فسقطت في رقبة حاملها، وصارت غلا له يمنعه عن الحركة والانتقال، ~~فجاء موسى بعصاه وكان طوله - عليه السلام - أربعين ذراعا وطول العصا أربعين ~~ذراعا، ثم إنه وثب في الهواء أربعين ذراعا، وضرب عوج بن عنق ضربة فلم ~~تتجاوز كعبيه، ولكن قوة سيدنا موسى ألقته إلى الأرض؛ لأنه من أولي العزم، ~~فوقع عوج بن عنق في النيل فحسره عن أرض مصر سنة كاملة ووقعت الوحوش الضارية ~~تنهش من رجليه، فكان إذا مر عليه مار عند رأسه قال له: «إذا وصلت بسلامة ~~الله إلى قدمي فامنع عني ما يؤلمني من هذا الذباب.» يعني الوحوش المفترسة، ~~وبقي على هذه الحال إلى أن مات فاتخذوا من أضلاعه قناطر للنيل، واتخذت ~~الوحوش من عينيه وأذنيه ومنخريه كهوفا ومغائر تسكنها، وكفى الله العباد شره ~~وفساده».**العمدة****: **سبحان الخلاق العظيم، أرجوك بالله يا أخي أن تشتري ~~لي نسخة من هذا الكتاب أحملها معي إلى البلد؛ ليقرأها لنا إمام المسجد أو ~~مأذون الناحية عند خلونا من الأشغال. # قال عيسى بن هشام: وكان الخليع في هذه الأثناء مشتغلا بمحادثة المرأة ~~متفرغا لها، يضاحكها وتضاحكه ويشاربها وتشاربه، فلما انتهى التاجر من قصته ~~أقبل الخليع على العمدة يلاطفه ويؤانسه ويقول له: # **الخليع****: **هل رأيت بالله عليك يوما أعظم أنسا وأتم سرورا، وأجمع ~~لأسباب الهناء والصفاء من ms202 يومنا هذا؟**العمدة****: **حقا إنه يوم سعد وأنس ~~غير أني كنت أود أن يكون هذا المجلس في البيت لا في الخلاء، وتحت السقف لا ~~تحت السماء، فإنك ترى كثرة السياح والعربان من حولنا، وفي ذلك من التضييق ~~على حريتنا ما لا يخفى عليك.**الخليع****: **لا تخش الناس ولا تشغل نفسك ~~بالخلق، واغتنم اللذات بكل جسارة وإقدام، وليس للإنسان سوى ساعة الصفو إن ~~لم يغتنمها ترك الدنيا بصفقة المغبون، وأنا أقترح عليك الآن أن نعمل مثل ~~عمل السياح في الصعود إلى الأهرام حتى لا يفوتنا شيء من أسباب ~~التنزه.**التاجر****: **دعنا من هذا الاقتراح فليس هو من شأننا، وأية لذة ~~بالله عندك في صعود الجبل، واحتمال المشقة والتعب مع التعرض للخطر في كل ~~خطوة؟**الخليع****: **هذا أمر سهل جدا وقل من يزور الأهرام إلا ويصعد فيها ~~مسافة على قدر جهده، وانظر إلى هذه النسوة الأمريكيات الصاعدات النازلات في ~~أيدي العربان أمام عينك، هل تراها تخشى خطرا أو ترهب تعبا، وهل يليق بنا ~~معشر الفحول من الرجال أن نكون أدنى من النساء جرأة وإقداما، وعلى كل حال ~~فلا بد لنا من الصعود قليلا ليعلم من حولنا أننا جئنا مثلهم لزيارة الآثار ~~لا للهو والخلاعة، والسيدة توافقني على هذا الرأي.**العمدة****: **وأنا ~~أوافق عليه أيضا، أرجو الله أن نعثر في صعودنا على فص من الفصوص العتيقة ~~التي طالما عثرت على مثلها في التل الكفري بناحية بلدتنا، ولكن كيف نترك ~~سيدتنا وحدها؟**التاجر****: **أنا أنتظركما معها.**الخليع****: **لا بل ~~تصعد هي معنا أيضا اقتداء بهذه السيدات. # قال عيسى بن هشام: ويقومون للصعود ويتلكأ التاجر في أخرياتهم ويحاول ~~التخلف عنهم فيدفعه العمدة بكل قواه ممازحا له وساخرا منه لشدة تخوفه ~~وحذره، والخليع والمرأة يغريانه به ويضحكان لضحكه وما كادوا يصعدون قليلا ~~حتى حانت من العمدة التفاتة إلى الأرض، فهاله ما بينه وبينها من الفضاء ~~فامتقع لونه وارتعدت فرائصه، ومال على الدليل البدوي مستغيثا به أن ينزله ~~إلى الأرض معتذرا أن الصفراء لعبت برأسه فلا يقوى على متابعة الصعود، ~~فيدركه الخليع فيسنده مع ms203 البدوي فيسقط من أيديهما فيحمله البدوي على ظهره ~~وينزل به، فما يبلغ الأرض إلا ونسمع من المرأة صياحا وعويلا من فوق الهرم ~~وهي تناديهم جميعا أن يبحثوا لها عن فص الخاتم الذي وقع من إصبعها، فيلحق ~~بها الخليع فيبحث فلا يجد شيئا فينزل معها فيتلقاها العمدة بالتخفيض ~~والتهوين عندما تتلقاه بالبكاء والعويل، ويغلب على ظن التاجر أن الفص ربما ~~لم يسقط في حال الصعود بل في حال الجلوس، ويطلب من العربان أن يدركوه ~~بغربال يغربل به الرمل عساه يجده فيه، هذا والمرأة لا ينخفض لها صوت، ولا ~~يرقأ لها دمع ولا تنتهي لها شكوى، والخليع يطيب من خاطرها تارة، ويميل على ~~العمدة طورا يظهر له الأسف من الحادث الذي كدر عليهم الصفو وأبدلهم بالأنس ~~حزنا، وأن هذه شيمة الدهر قلما يتم فيه صفاء أو يكمل فيه سرور، وما من لذة ~~إلا وهي مشوبة بالألم: # فسد الزمان فما لذيذ خالص %~% مما يشوب ولا سرور كامل # على أن المصيبة هينة ما دامت في المال دون النفس، ومن ذا الذي يدري بما ~~هو مخبأ له في الغيب، والحمد لله على اللطف في القضاء، ولا يزال الخليع ~~بالعمدة حتى يتقدم إلى المرأة، ويقسم لها أنها لا تبيت الليلة إلا ولديها ~~فص مثل الفص الضائع، فتشكره وتقول له: أنى لها بمثل ذلك الفص وهو من ~~الياقوت النادر المثال في لونه وصفائه، فيعيد عليها القسم بأنه سيأتيها في ~~الغد بفص أثمن منه وأجمل، ثم إنه يشد على يدها توثيقا للوعد فتشد على يده ~~للتقبيل فيعز عليه حينئذ أن يرى إصبعها بخاتم من غير فص، فيخلع خاتمه الذي ~~استخلصه من الرهن ويلبسها إياه حتى يأتيها بغيره، ويعودون إلى مجالسهم ~~ويأخذون فيما كانوا عليه من المسامرة والأنس، ويقول العمدة بعد استقرار ~~المجلس بهم: # **العمدة****: **ما أحسن المجلس وما أضيق الوقت وحبذا لو واصلنا الليل ~~بالنهار!**التاجر****: **لعلك تريد أن نقضي ليلتنا مثل تلك الليلة الماضية ~~في ذلك الحان المنحوس.**الخليع****: **وهل تظن أنه يمكن لنا التمتع ~~بصاحبتنا في الحان مثل ms204 ما نتمتع بها الآن، وقد شاهدنا بأعيننا ما حولها ~~هناك من المزاحمة والمخاصمة؟**العمدة****: **وما العمل حينئذ.**الخليع****: ~~**العمل أنني أكلفها أن تتمارض هذه الليلة، وترسل إلى صاحب الحان بتعذر ~~حضورها عنده.**العمدة****: **نعم الرأي ما ترى. # قال عيسى بن هشام: ويأخذ الخليع في استعطاف المرأة لقبول هذا الطلب، ~~فتمتنع أولا معتذرة بما بينها وبين صاحب الحان من الشروط التي تقضي عليها ~~بدفع عشرة جنيهات إليه تعويضا عن كل ليلة تتأخر عن الحضور فيها، فيلتفت ~~الخليع إلى العمدة ينتظر رأيه، فيميل العمدة على المرأة متعهدا لها بدفع ~~هذا التعويض، ثم يتساءلون فيما بينهم كيف يقضون ليلتهم في الأنس والسرور، ~~فيرى العمدة قضاءها في البيت، ويرى التاجر قضاءها في التنقل بالمرأة في ~~«البارات» ويرى الخليع قضاء جانب منها أولا في مشاهدة الرواية البديعة ~~الجديدة التي تمثل في «التياترو» العربي، فيقع اتفاقهم على هذا الرأي ~~الأخير فيسرعون بالقيام ليدركوا فسحة الجزيرة أولا، وينصرفون على هذا العزم ~~المؤكد، والميعاد المحدد، ويعن «للصديق» أن نتخلف عنهم، ريثما تنقضي فسحة ~~الجزيرة بهم، وأن نقضي هذه المدة الوجيزة، في زيارة قصر الجيزة، ثم نلحق ~~بهم عند المساء في دار التمثيل والتشخيص، وديوان الروايات والأقاصيص. ### | قصر الجيزة والمتحف # قال عيسى بن هشام: ووصلنا إلى قصر الجيزة ومتحف الآثار، وملتقى السيارة ~~من سائر الأقطار،[1] فدخلنا روضة تجري الأنهار من بينها، كأنها الجنة ~~بعينها، ولما رأى الباشا مسالك الروض منضدة وطرقه مرصعة مزردة، حسبها أرضا ~~مفروشة، ببسط منقوشة، وأشكل الأمر عليه، فهم بخلع نعليه، فقلت: طريق ~~معبد[2] لا فرش منجد، وحصباء ومرو[3] لا بساط وفرو، ثم شاهدنا قصرا يكل عنه ~~الطرف، ويقصر دونه الوصف، فسرنا نرتاد خلاله، ونتفيأ ظلاله، فإذا الأسود ~~مقصورات في المقاصير، والأساود مكفوفات في القوارير،[4] ورأينا النمور في ~~الخدور، والرئال في الحجال،[5] والذئاب في القباب، والظباء في الخباء، فقال ~~الباشا: لمن هذه الجنان؟ وكيف يسكنها الحيوان؟ وما علمت من قبل أن الليوث ~~الضواري، تسكن مغاني الجواري، وأن أوابد[6] البيد[7] تتحجب في خدور الغيد. ~~فقلت له: سبحان القادر العظيم، هذا ms205 بيت إسماعيل بن إبراهيم، طالما كانت ~~حجراته مطالع للأقمار، ودرجاته منازل للأقدار، كان إذا نادى صاحبه فيه «يا ~~غلام» شقيت أقوام وسعدت أقوام، ولبى نداءه البؤس والندى، بأسرع من رجع ~~الصدى، وكان من احتمى بظل هذا الجدار، تحامته غوائل الأزمان والأدهار، هنا ~~كان يفصل الأمر ويحكم، وينقض الحكم ويبرم، هنا كانت تنفرط فرائد القلائد، ~~من أجياد الخرائد، فتختلط بمنثور أزهاره، وترصع لحين أنهاره، هنا كانت ~~تتناثر الحلي من قدود الحسان، فتشتبه بأثمار الأغصان، هنا كانت تصدح القيان ~~على المزاهر والأعواد، فتجيبها ذوات الأطواق فوق الأفنان والأعواد، فأصبح ~~اليوم حديقة مبتذلة عامة، وموطئا لأقدام الخاصة والعامة، وأصبحت أرضه ~~تكترى، وجنى أشجاره يباع ويشترى، ودوى فيه صياح النسور وزئير الأسود، ~~وامتلأت أرجاؤه بعواء الذئاب وهمهمة الفهود، وزال ما كان فيه من عز وطول، ~~ومجد وصول وأيد وحول،[8] وصدق الكتاب فحق عليه القول: # في هذا الدار، في هذا المكان، على %~% هذا السرير، رأيت الملك قد سقطا # وذكرت للباشا ما كان لصاحب هذا القصر، ومليك ذلك العصر، من الجد الصاعد، ~~والبخت المساعد، وما صار إليه بعد ذلك من أفول السعد، وما دهاه في الغربة ~~إلى أن سكن اللحد. # نالوا قليلا من اللذات وارتحلوا %~% برغمهم فإذا النعماء بأساء # ثم وقف الباشا هنيهة فكر فيها واعتبر، وتلا: @QUR@014 ولقد جاءهم من ~~الأنباء ما فيه مزدجر * حكمة بالغة فما تغن النذر . # ثم إننا سرنا في وسط الحديقة حتى انتهينا إلى دار التحف العتيقة، فدخلنا ~~نشاهد ما أبرزته يد البحث من الخفاء إلى الظهور، وما أعادته قوة التنقيب من ~~البلى إلى النشور، وما صانته ألحاد القبور من يد الفناء والدثور، وجمعته ~~أحشاء الرموس من العفاء والدروس، وما أجنته أرحام المعابد والهياكل من ~~بقايا المواضي وخفايا الأوائل، وما انسدلت عليه سجوف الأحقاب من ودائع ~~الأسلاف للأعقاب، وما انشقت عنه الأرض من مكنون الدفائن، ومكنوز الخزائن، ~~وعجائب الفن الدقيق، وبدائع الصنع الأنيق، بليت في اصطحابها جدة الأيام ~~والليالي، وانحنت على احتضانها ظهور العصور الخوالي، ومضت دول بعد دول، ~~وذهبت أول في ms206 إثر أول، واندثرت مدائن ونشأت مدائن، وبادت مواطن وقامت ~~مواطن، وانقلبت الأغوار أنجادا، والأبحار أطوادا، وغدا العمار خرابا، ~~والغمار سرابا،[9] والسراب غمارا، والخراب عمارا، وهي هي مصون شكلها كما ~~تركها أهلها، لسان صادق وخبر ناطق، تنطق بالعبر، وتحدث عمن غبر: # مضت غبرات العيش وهي غوابر10 %~% على الدهر مكتوب عليها حبائس # وأقمنا هناك نتنقل بين الأصنام والتماثيل، ونتأمل في التصاوير ~~والتهاويل،[11] ونتفكر في هذه العظام المنشرة، والرفات المنظرة، بما عليها ~~من الحلي والزينة، وتلك الأحجار الثمينة، كيف كانت ملوكا للأمم. # ثم بقيت على بلى الرمم، وتوالي القدم، في حال الوجود مع العدم. # ورأينا بجانبنا رجلا من ذوي العمائم، مع فتى من الطرز المتحاذق المتعالم، ~~ظهر لنا من أمرهما، وتبين من شكلهما أن الرجل عين من أعيان المدينة، وأن ~~الفتى ابن له وزينة، وإذا هما يتناظران ويتحاوران، فيما يريان ويبصران، ~~فدنونا منهما وأنصتنا إليهما: # **الابن****: **أشهدت مشاهد عزنا ورأيت معاهد فخرنا، وعلمت كيف كان مقدار ~~مجدنا، وإلى أية رتبة بلغت بنا صناعة أجدادنا؟ فلله درهم ما كان أرقاهم في ~~الفكر وأبدعهم في العمل! ولو أن نوابغ الأمم اجتمعوا اليوم اجتماع مفاخرة، ~~ونزلوا إلى ميدان المناضلة والمناظرة، لما سبق المصري منهم سابق، ولا تعلق ~~بأثره لاحق، ولكان له من بينهم الكعب الأعلى، والقدح المعلى، وهذه الآثار ~~في يده يفاضل بها ويفاخر، وينشد عليهم قول الشاعر: # هذه آثارنا تدل علينا %~% فانظروا بعدنا إلى الآثار **الوالد****: **ما أرى شيئا في هذه الآثار التي تماجد بها، وتفاخر يفوق ما ~~يكون في السوق من البضاعة الكاسدة والسلع البائرة، وما يتخرج عن بيوت الناس ~~من الأعراض الواهية والأمتعة البالية.**الابن****: **كيف يكون منك هذا ~~القول وهي بشهادة العالم أجمع أثمن من كل ثمين، وأنفس من كل نفيس، لا تقويم ~~لها ولا تقدير إلا بالقناطير المقنطرة من الذهب والفضة، وكيف غاب عنك تهافت ~~هؤلاء الغربيين أهل المدنية الحاضرة على اقتناء شيء منها بالمال الجم ~~تنافسهم في التمتع بمشاهدتها يتحملون لذلك الأسفار البعيدة، والمتاعب ~~الشديدة، ولا يعقل وهم هم، أهل الهدى ms207 والعلم، أن يشتغلوا بباطل، أو يجهدوا ~~أنفسهم على غير طائل.**الوالد****: **لكم دينكم ولي دين، وما أزال أكرر ~~القول لك بأنني لا أجد في نفسي شيئا مما تشعرون به في هذا الباب، وما أراه ~~من هذه الأحجار والتماثيل لا يساوي في نظري إلا أنقاض بيوت عفت، أو طلول ~~درست، وإن صح ما يقال عن هذه التماثيل إنها أشخاص قديمة نزل بها السخط ~~والمسخ، كان التعلق بها والتمجيد لها مما يغضب الخالق ولا يرضي المخلوق، ~~وأما قولك: إن فيها منتهى فخرنا ومجدنا؛ لأنها من صنع آبائنا وأجدادنا، وإن ~~آباءنا وأجدادنا هم من نسل هذه الرمم الفرعونية، فإنه إثم ونكر أستعيد ~~بالله منه @QUR@09 كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا ما كان ~~أجدادنا وآباؤنا إلا أولئك العرب الكرام، أهل الدين والإسلام، لا نفاخر إلا ~~بمفاخرهم، ولا ننتسب لغير أصلهم، وأما من جهة الصنعة في كل ما أراه هنا، ~~فإن صبيان الفلاحين اليوم يشتغلون بصنع مثل هذه الآثار والأحجار، ويتفننون ~~في تقليدها فتخرج من أيديهم وهم بين الروث والطين أتقن صنعا من هذه المحجبة ~~في القصور المصونة في البلور.**الابن****: **علم الله لو كان في لغتنا ~~العربية من الكتب المؤلفة في مزايا هذه الآثار مثل ما في اللغات الأجنبية ~~لعلمت منها ما لم تكن تعلم، على أن مجرد النظر يكفي وحده لإثبات هذه الآيات ~~والمعجزات في حسن الصنعة والدقة، أفلا تنظر إلى هذا التمثال البديع تمثال ~~شيخ البلد وهو قطعة واحدة من خشب الجميز، فما أدق الصنع، وأتقن العمل وما ~~أكمل الشبه وأجمل الصورة!**الوالد****: **نحن في كل يوم نشاهد مائة شيخ بلد ~~من لحم ودم لا من خشب وحجر، فدعني على غباوتي وجهلي وبارك الله لك في علمك ~~وعقلك.**الابن** (بصوت خفي)**: **@QUR@06 واغفر لأبي إنه كان من الضالين ، ~~(ثم يجهر بالقول) - لا لزوم حينئذ لطول إقامتنا هنا وهلم بنا فقد حل ~~الميعاد المضروب بيني وبين ذلك السائح الذي زارنا بالأمس؛ لتناول العشاء ~~معه في «أوتيل شبرد».**الباشا** (للصديق بعد انصرافهما)**: **ماذا تقول في ~~هذه المناقشة ms208 وما دار من الكلام بين الولد والوالد؟**الصديق****: **ما عساي ~~أن أقول غير ما قاله الله عز وجل: @QUR@011 فخلف من بعدهم خلف أضاعوا ~~الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا ، وماذا نرى هنا غير الذي رآه هذا ~~الوالد الساذج، قبور مقلوبة، ورموس معكوسة وأجداث منبوشة، فإن كان الغرض من ~~عرضها العبرة أو الموعظة فإن فيما هو أمامنا كل يوم من هبوط الملوك عن ذهب ~~العرش، إلى خشب النعش، ومن وسائد الحبر، إلى مساند الحجر، ومن ظهور ~~الصافنات الجياد، إلى بطون الديدان في الأكفان والألحاد، لنعم الموعظة ~~الحاضرة للنظر والحس، والحكمة البالغة للعقل والنفس.**الباشا****: **هذه هي ~~الحقيقة بعينها في نظري الآن، وقد كنت أحسب أن لهذه الآثار شأنا عظيما فيما ~~مضى من دهري، عندما كنت أرى تهافت الغربيين عليها في زمن الولاة السابقين، ~~ولكن لعل شأنها عندهم وعلو قيمتها لديهم هو لأجل توغلها في البلى والقدم ~~ومحلها من التاريخ، وما تحمله منقوشا عليها من أساطير ~~الأولين.**الصديق****: **نعم إن كان من وراء هذه الآثار والأشلاء قيمة عند ~~الغربيين، فإنما هي كما تقول لتعلقها بمباحثهم في أخبار الأوائل وفلسفة ~~التاريخ، وزد على ذلك حبهم للاقتناء وولوعهم بالاختصاص بالنادر، ولذلك علت ~~قيمتها عندهم وارتفع قدرها بينهم، وليس للمصريين منها أقل فائدة سوى الشهرة ~~بأن في مصر آثارا تفوق في القدم مثلها من بقية المتاحف، ولو أنك عرضت أهل ~~مصر على هذه الآثار واحدا واحدا لما استفادوا منها شيئا، ولا أفادوك عنها ~~شيئا، ولما وجدوا لها قيمة تذكر سوى النزر اليسير من المقلدين للغربيين، ~~ولم تجد بين عشرة الملايين اليوم سوى شخص واحد يفقه لغة «الهيروغليف» أعني ~~لغة آبائهم وأجدادهم كما يزعم الزاعمون مع كثرة الخبيرين بها من الأمم ~~الغربية، والله أعلم بمقدار علمه بها، ولو تمنيت الأماني لقلت: عسى الله أن ~~يخفف بقيمتها العالية بعض ما على الحكومة المصرية من أثقال الديون، وما على ~~المصريين من أعباء الضرائب والمكوس، ويا ليت المصريين يخرجون عنها لا عليهم ~~ولا لهم، فإنها تكلف الأمة المصرية نفقات على البحث عنها ms209 في خبايا الأرض ~~وجمعها والتحفظ عليها، ونقلها من أماكنها إلى المتحف، وناهيك بنفقات المتحف ~~التي أنفقتها الحكومة أولا على متحف بولاق، وثانيا على متحف الجيزة، وما ~~تنفقه ثالثا على المتحف الجديد بقصر النيل، فإنها تعد ~~بالملايين.**الباشا****: **كنت أرى رأيك هذا وأتمنى أمنيتك لولا أن يقال: ~~إن المحافظة على هذه الآثار والحرص على بقائها بمصر مزية أدبية لها قدر ~~عظيم يعرفه من عرف مقدار حرص أهل الممالك الأخرى على الآثار والتحف، وشدة ~~ضنهم بها، فلا يرغبون البتة في بيعها والتخلي عنها ويرون فيها فخرهم ~~ومجدهم، فلا يليق بمصر أن تشذ عن هذا السبيل.**الصديق****: **إن حرص أهل ~~الممالك على ما في متاحفهم من الآثار وتفاخرهم بها هو؛ لأنها عندهم علامة ~~من علامات التغلب والانتصار، وإشارة إلى المجد القديم والعز التليد، ولكن ~~أين علامة التغلب والانتصار عند المصريين، وما هي إشارة المجد والشرف في ~~هذه الرمم البالية، رمم أهل الجهل والظلم من أغبياء الملوك الأقدمين، ولأن ~~الغربيين في غير حاجة إلى قيمة أثمانها فهي عندهم من الكماليات، أما عندنا ~~فالأمر بالعكس، ولم تأتنا هذه الآثار من جهة الفتح والنصر، وإنما جاءتنا من ~~طريق النبش والحفر، والمصريون في حاجة إلى المال لإنفاقه في ضروريات ~~المعايش، وقلما يمر عام إلا ويكشف المكشفون في مصر من هذه الآثار الشيء ~~الكثير، بحيث يوجد لكل نوع منها أشباه كثيرة، فما ضر المصريين لو تخلوا عن ~~بعض هذا الكثير الزائد، وعن تلك الأشباه المتعددة، وانتفعوا بقيمة أثمانها ~~في بعض شئونهم العامة، ويبقى في المتحف مع ذلك من الآثار ما يكفي للفخفخة ~~والمباهاة ومباراة الأمم في تشييد المتاحف، وإن كان قد جاز لحكام مصر ~~السابقين أن يهادوا ملوك أوروبا وأميركا بالجانب العظيم والقدر الجليل من ~~هذه الآثار القائمة اليوم في الأنحاء المختلفة من أقطارهم، وأن يغضوا النظر ~~عن الوافدين على الديار المصرية لسببها أو ابتياعها من أيدي الفلاحين بدرهم ~~أو دينار، فلم لا يجوز التخلي عن بعضها للانتفاع بأثمانها وهي على ما تراه ~~- ما لا يباع فإنه يتقسم - وجملة القول: ms210 إن الانتفاع بها اليوم قاصر على ~~الأجانب وحدهم إما بمشاهدتهم لها في ديارنا أو بانتقالها مسلوبة إلى ~~ديارهم، وأي عار على الأمة المصرية أن تتصرف في بعض الآثار المتشابهة التي ~~تنبتها لها الكهوف والتلال في كل يوم؛ لتنتفع بأثمانها في ترقية شأن ~~المعارف وبث الأدب بطبع تلك الكتب المخزونة للأرضة بدار الكتب المصرية في ~~المطبعة الأميرية، التي طالما أفادت الناس بطبع الكتب النافعة في أيام ~~الحكومة السابقة حكومة الجهل والظلم، وخبروني - ناشدتكم الله - أي نفع ~~وفائدة للأمة المصرية الإسلامية في أن تنشر بين يديها رمم الفراعنة في ~~الانتكخانة، وتقبر أرواح العلماء والحكماء في الكتبخانة؟ وأي الأمرين أعظم ~~نفعا وأكثر ربحا، أن يعرض على أعيننا تمثال «إيبيس» وصورة «إيزيس» وذراع ~~«رعمسيس» وفخذ «امينوفيس» أو أن تتداول الأيدي كتابا للرازي ومقالة ~~للفارابي وفصلا لابن رشد ورسالة للجاحظ وقصيدة لابن الرومي؟ وما تجري ~~الأمور عندنا شهد الله إلا على التناقض، وما تسير إلا على خلاف المصلحة. # قال عيسى بن هشام: وجاء أوان الخروج، فقمنا نسعى لنلحق بأصحابنا في ~~الملهى، ونشاهد ما يتم عليه حالهم، وينتهي إليه مآلهم. ### | العمدة في الملهى # قال عيسى بن هشام: وعدنا إلى المدينة وقد مد الغروب حبالته؛ ليقتنص من ~~الأصيل غزالته، فطارت نفسها شعاعا،[1] واضمحل قرصها شعاعا، وجدت نافرة إلى ~~كناسها، وهي تصعد الشفق من أنفاسها، ثم اختفت شقائق الشفق، تحت أكمام ~~الأفق، ولما أن اخضر من الليل جانبه، وطر شاربه، وتوقدت مصابيح السماء، في ~~قباب الظلماء، قصدنا دار التشخيص والتمثيل، وبيت التصوير والتخييل، فدخلنا ~~مع الداخلين نساء ورجالا، أجناسا وأشكالا، واخترنا لجلوسنا الكراسي دون ~~الغرف لتتيسر لنا المشاهدة من كل طرف، ثم جلسنا نحدد النظر، في من حضر، ~~وإذا نحن بين أخلاط من الطبقات اختلفت أزياؤهم، واتفقت أذواقهم وأهواؤهم، ~~وعلا ضجيجهم وصياحهم، وكثر لعبهم ومزاحهم، سبا وشتما، ولكزا ولكما، ثم ~~يتمايل بعضهم على بعض، ويضربون بعصيهم وأرجلهم ظهر الأرض، رجالا وغلمانا، ~~شيبا وولدانا، متظاهرين بملل الاصطبار، ومطالبين برفع الستار، ثم حولنا ~~النظر إلى أعالي الشرف، وجوانب الغرف، فرأينا ms211 من بينها مقاصير عليها رقائق ~~الستائر، تشف عن لوامع اللآلئ والجواهر، في نحور الحور، من مكنونات القصور، ~~وبيضات الخدور، ولولا التأدب لتخيلناها من بنات الفجور، فهن يزحزحن من ~~الوشي والحبر، ويكشفن عن الطرر، تضيء بالغرر، ضوء الليل تحت القمر، ~~ويتراءين ترائي الكواكب والنجوم، من خلل السحب والغيوم: # وتنقبت بخفيف غيم أبيض %~% هي فيه بين تخفر وتبرج # كتنفس الحسناء في مرآتها %~% كملت محاسنها ولم تتزوج # والرجال من تحتها ينظرون ويتشوفون، ويتشوقون ويتلهفون لا تنثني أبصارهم ~~عن وجهتها، ولا يحولون الوجوه عن قبلتها فهم قائمون على عبادتها عاكفون، لا ~~ينفكون عنها ولا هم يستنكفون، وهن يوالين الضحكات، ويتالين الحركات، ~~ويتبادلن معهم الغمز، ويتبادلون معهن الرمز، ويتراسلون بمراوح تثير مكنون ~~الهوى والغرام، ويشيرون بمناديل تغني عن فصيح اللفظ والكلام، وقد خرقت ~~الأصابع نسيج الأستار؛ لتنفذ منها رسل الأزهار، وتقابلت بينهم المناظير ~~بالمناظير، تدني البعيد وتكبر الصغير، وكل فتى يرى أنه المرمي دون سواه ~~بالنظرات، وأنه المعني بتلك الإشارات، فيتصنع التجمل والتظرف، ويتكلف ~~التأنق والتلطف، وفوق أعلى الشرفات أقوام وأي أقوام متزاحمين أكواما على ~~أكوام، كأنهم في سوق من أسواق الأنعام، لا ينتهون فيه عن الشجار والخصام، ~~وتفقدنا أصحابنا في أنحاء الملهى، فوجدناهم في غرفة والعاهرة في أخرى، وقد ~~تزيت بزي الأجنبيات فنبذت الخمار والإزار، وتبدت في القبعة والزنار، وهي ~~تغامز العمدة بعينيها، وتشير إليه بيديها، والخليع يكون تارة في الغرفة ~~عندها وأخرى يظهر في غرفة بعدها، إلى أن دق الجرس بالدخول، وارتفع عن ~~الملعب ستره المسدول، وظهر فيه أمامنا طائفة من الممثلات والممثلين، ما بين ~~ملحنين ومرتلين، على طريقة يمجها السمع، ويعافها الطبع، وبكلام مبهم، ~~وألفاظ لا تفهم، كأنهم حداة في مفازة،[2] أو سعاة في جنازة، وهم في أزياء ~~متعاكسة، وأشكال غير متجانسة وثياب تنافرت ألوانها، على أشخاص تباينت ~~أوطانها، وظلوا يعبثون بالأناشيد والتلاحين، ثم انصرفوا عنا بعد حين ثم ظهر ~~من بعدهم رجل مكتهل، مزجج الحواجب مكتحل، مصبغ الخد والجبين، بأحمر كالورد ~~وأبيض كالياسمين، فأخذ يخطر ويتثنى ويهتف ويتغنى، وبجانبه امرأة نصف، ms212 ~~تتمايل وتنعطف، لا تقل عنه شيئا في باب التصبغ والتدهين، والتصنع والتلون، ~~يقول لها في شكوى الغرام، وشرح الوجد بها والهيام: «يا حبيبة الفؤاد، وغاية ~~المراد، ما ألطف هذا الشكل! فهيا بنا نغتنم الوصل». # فتجيبه: «قد يكون ذلك أيها الخل الوسيم، إذا ساعدتنا أمي نسيم، فدبر أنت ~~ما عليك، وها أنا ذاهبة لأرسلها إليك». # ثم تنصرف الفتاة ويبقى الفتى في انتظار حضور الأم فتدخل عليه، وإذا هي ~~عجوز شوهاء، وجلبانة ورهاء،[3] فيتصل بينهما الكلام وينتهي بالقبول ~~والاتفاق، ويضع الفتى في يدها كيسا من الدراهم عند مفارقتها إياه، ثم ينفرد ~~متجولا ينشد ويغنى مدة من الزمن، ثم يذهب لسبيله، وتأتي الأم ومعها زوجها ~~وإذا هو رجل قد أثقلت ظهره السنون ولم تفده التجارب شيئا، فتحتال عليه ~~ليقبل زيارة الفتى وتردده على ابنته في بيته فيمتنع ويتعلل بقوله: «حقا إن ~~ذلك الشاب، هو ألح من الذباب، وهو عندي أفسق من الشياطين، وأخبث من ~~البراذين، لا يترك من النساء الدون، ولا العجوز الحيزبون». # فتجيبه بقولها: «لا تخف أيها الزوج الأفضل، فما كل الطيور تؤكل، وابنتنا ~~العاقلة الحلوة لا يخشى عليها منه في الاجتماع ولا الخلوة»، ثم يطول الكلام ~~بينهما وينتهي بقبول الوالد ما دبره له كيد الوالدة، ثم يذهبان ويجتمع ~~العاشق بالفتاة فيتعانقان ويتلاثمان وتقول له في حديثها: «الحمد لله أيها ~~الشاب الأنيق، على التيسير والتوفيق، فقد سهلت أمي لنا الطريق، ولم يبق ~~أمامنا إلا استرضاء الخادمة، حتى تكون لأسرارنا كاتمة» فيجيبها: «نعم وإن ~~لم تطاوعنا فإنها تصبح حزينة نادمة؛ لأني أقسم يا بنت الكرام بما بيننا من ~~الحب والغرام أنني أذيقها كأس الحمام بحد هذا الصمصام، إن امتنعت عن تسهيل ~~الأرب بقبول ما في هذا الكيس من الذهب». # فتقول له: «آه حبيبي ما أطرب الجلوة، وما أطيب الخلوة، حيث نصبح في بحر ~~النشوة، وهيا بنا أيها الهمام، فإني أسمع صوت أقدام، وعندي الآن أن أحسن ~~طريقة، أن نتنشق نسيم الصبا في زوايا الحديقة، فيقول لها: «حفظت يا سيدتي ~~ومولاتي، ومنبع حياتي ومماتي، ms213 فالآن قد بزغت شمس سعودي، وعطر الأكوان عرف ~~ندي وعودي». # ثم يذهبان ويحضر بعدهما غيرهما فيتداول الكلام بينهم مرة عن سرقة ~~واحتيال، وخيانة واغتيال، وأخرى عن اجترام واقتراف، واختلاس واختطاف، ثم ~~يعلو بينهم الضجيج ويصيحون بغناء كأنه ندب وعويل. # وعلى هذا ينتهي الفصل الأول ويرخى عليه الستار ويجد الحاضرون حينئذ في ~~الصفير والتصفيق، والتأوه والشهيق، كأنهم جميعا في نوبة من الصرع أو المس، ~~ثم إنهم يتناثلون إلى الخروج لشرب الخمر والتدخين ونقيم نحن جلوسا في ~~مكاننا فيلتفت إلي الباشا ويقول: # **الباشا****: **لقد سئمت - علم الله - ومللت من منظر هذه المراقص ~~والملاعب، فما أشبه بعضها ببعض وما أجمعها لأشتات النقائص والرذائل على ~~اختلاف أوضاعها!**عيسى بن هشام****: **ليس هذا المكان في أصل وضعه بمرقص ~~ولا بملعب، هذا هو «التياترو» المعروف عند الغربيين بأنه أصل التثقيف ~~والتأديب ومنبع الفضائل ومحاسن الأخلاق يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وهو ~~عندهم توأم الجرائد، هذه تعظ بالخبر، وهذا يعظ بالنظر؛ فيغرس في النفوس ~~صورة الفضيلة مجسمة للأبصار بما يعرضه على الناظرين والسامعين من تاريخ أهل ~~الفضائل في الأزمان الغابرة أو الحاضرة، ويفعل في النفوس ما لا تفعله ~~الرواية والخبر، وهي في بطون القصص والسير، فيمثل لك محاسن الفعال، ومحامد ~~الخصال، وما تأتي به عواقبها من الظفر بالمرغوب والحصول على المقصود، وإن ~~اعترضتك معها المصاعب، ونالتك المتاعب، ويشرح لك شناعة الرذيلة ويصور فظاعة ~~النقيصة وما يكون في عاقبتها من السوء، وفي أثرها من المكروه وإن خلبتك ~~بمنظرها ساعة وخدعتك ببهرجها لحظة، فيجتمع لديك من الموعظة والعبرة ما عساه ~~يردعك عن القبيح إن هممت به، ويردك إلى الحسن إن تقاعدت عنه، ويهديك إلى ~~الطريقة المثلى ويخرجها لك من الغيبة إلى الشهود، ومن القول إلى الفعل، ~~فتنجذب نفسك إلى أنواع الفضيلة من شجاعة وشهامة، وكرم ومروءة، وأمانة ~~ووفاء، وسماحة وسجاحة، وصبر وحلم. وينفر طبعك عما تجمعه الرذيلة من دناءة ~~وجبن، وخيانة وغدر، وجهل وحمق، وفحش وفسق.**الباشا****: **إن كان الأمر كما ~~تقول فكيف تسنى للمصريين أن يقبلوا وضعه ويشينوا شكله، ويجعلوا ms214 هذا المكان ~~على مثل حال الحان؟ فلا فرق عندي فيما أنظره هنا الآن، وما رأيته في ~~الحانات الأخرى من الرقص والعزف ومعاقرة الخمر ومغازلة النساء، وتمثيل ~~أحوال العشق بأعظم شكل يغري به ويهيج من شهوات النفوس إليه، فإذا كان ~~التشخيص على هذا النمط معدودا بينهم بابا من أبواب الآداب، وهم يحضرونه ~~ويشاهدونه على هذا الاعتقاد فإن شره عندي أعظم من شر الملاعب والمراقص ~~الأخرى؛ لأن الداخل إليه لا يرى على نفسه من لائمة يتقيها في دخوله، ولا ~~ينكر على أدبه منكر فيه، ولا يخشى انتقادا عنده فتسترسل النفس في غيها، ولا ~~تجد منها لها رادعا ولا وازعا، بخلاف الحال في الداخل إلى تلك الحانات، ~~فإنه يدخلها وهو واثق بأنه قادم على ما يلام عليه ويعاب، فيأتيه وفي نفسه ~~من الخجل والحياء ما عساه يصرفه يوما عن غيه وجهله، والإقدام على المحرم ~~الصراح فيه من تأنيب النفس ما يزجر وينهى، لكن الإقدام على تحليل الحرام ~~وإباحة المنكر هو الداهية الدهياء، والمصيبة العامة فلا وازع من الخجل ~~والحياء، ولا زاجر من خوف الهلاك والعقاب.**عيسى بن هشام****: **لا تأخذن ~~ما تراه هنا من التقصير دليلا على أن هذا الفن غير مفيد للآداب، فقد قدمت ~~لك أنه فن غربي، ووصفته لك بمقدار ما وصل إليه من الإتقان لدى الغربيين، ~~وهو لا يزال هنا على حال القصور والانحطاط لم يلتفت المصريون إلى إتقانه ~~وحسن وضعه، وجهل الناس أصل الغرض المقصود منه، فحسبوه نوعا من أنواع اللهو ~~والخلاعة على ما ترى، وعذر الذين يشتغلون بهذا الفن في تقصيرهم أنه لا بد ~~من مساعدة أهله بالمال؛ ليتمكنوا من السعي في ارتقائه وإتقانه، وهم يلومون ~~الحكومة المصرية في كل يوم حيث تبذل المال لمعاونة الممارسين له من جماعة ~~الغربيين أسوة ببقية الحكومات الغربية، ثم إنها تحرم أهل بلادها كل مساعدة ~~من هذا القبيل.**الصديق****: **قد سمعت مقالك وعندي أنه يجب على الباحث في ~~الأمور المتعلقة بتربية الأخلاق، وتهذيب الطباع أن ينظر أولا إلى تأثير ~~التربية، والإقليم وإلى تركيب الغرائز ms215 والفطر وإلى العادة والعرف، ولا ~~يتحتم أن ما يكون ذا نفع عند الغربيين يكون له نفع عند الشرقيين؛ لاختلاف ~~ذلك كله فيهم وتفاوته بينهم، والشواهد كثيرة جمة على أن ما يكون في باريس ~~حسنا يكون في برلين قبيحا، وأن ما يكون في لوندرة حميدا يكون في الخرطوم ~~ذميما، وما يكون في رومية حقا يكون في مكة باطلا، وما يكون عند الغربيين ~~جدا يكون عند الشرقيين هزلا، ولست أرى أن هذا الفن لو تم لأصحابه ما يبغونه ~~من وفرة المال ومعاونة الحكومة أن يصلوا به إلى حد الإتقان المطلوب، ولا أن ~~يكون له النفع المقصود في تربية الأخلاق وحسن الآداب لما فيه من المنافرة ~~البينة لطبائع أهل المشرق، وأخص بالذكر منهم أهل الإسلام لا بل ربما كان ~~منه الضرر البحت، ولا يغيب عنك أن هذا التشخيص والتمثيل قائم على أساس ~~العشق يدور فيه بكل أدوار، ولا تخلو قصة من قصصهم التي يمثلونها عن ذكر ~~العشق والغرام، وما من رواية لهم إلا والعاشقان يكونان فيها كالفاتحة ~~والخاتمة لها، هو إن كان مقبولا عند الغربيين مسموحا به لموافقة العادة ~~عندهم، ولكونه شيئا لا عيب فيه يجهر به فتيانهم وفتياتهم، بل هو أصل من ~~أصول التزاوج بينهم لكنه غير مقبول عند الشرقيين، ولا مسموح به في عاداتهم ~~ولا يدخلونه في أبواب الفضيلة ومحاسن الآداب، ولذلك كان شأنه الكتمان ~~والتستر لا التجاهر به والتظاهر، ولقد جرى العشق في بعض البلاد الشرقية ~~مجرى العيب المحض والعار الفاضح، وكان عند بعض قبائل العرب إذا اشتهر أحد ~~فتيانهم بعشق فتاة منهم منعوه عن التزوج بها لهذا السبب، وربما رفعوا أمره ~~إلى السلطان إن شهر بها في شعره فيهدر دمه، فهذا العشق الذي هو الركن ~~الأكبر والسبب الأعظم في حصول التزاوج عند الغربيين هو من أكبر الموانع في ~~التزاوج لدى الشرقيين. ثم إن تهذيب الأخلاق بهذا الفن لا يأتي إلا من ~~الطريق المألوف والمسلك المعروف عند أهل كل بلد، فتشخيص هذه الأقاصيص ~~والروايات الغربية الموضوعة على أخلاق أمة بذاتها ms216 لا يؤثر في أمة أخرى، ولا ~~بد أن يكون التشخيص والتمثيل بين الشرقيين مطابقا لأحوالهم وظروفهم جاريا ~~على مقتضى عرفهم وتاريخهم، وليس من المقبول عندهم حصول هذا التشهير ~~والتمثيل في معيشة الأهل والولد، وما تنسدل عليه الحجب والستور في البيوت ~~والدور، وليس في الدين الإسلامي ما يسمح باشتراك النساء مع الرجال في تأدية ~~هذا الفن؛ لأنه ينهى النساء عن التبرج بالزينة فضلا عن الاختلاط بالرجال، ~~ويأمرهن بغض البصر فضلا عن طموحه، ولا من أدب المسلمين أن يمثل بينهم تاريخ ~~الإسلام وتاريخ خلفائه وصلحائه على أسلوب يبتدئ بالعشق والغناء، وماذا ترى ~~في أبي جعفر عاشقا، وأبي مسلم مغنيا، وأبي الفوارس راقصا، كما يجترئ عليه ~~الآن أهل هذا الفن، وذلك أكبر إهانة للأسلاف وأعظم خرف في التاريخ، وإن ~~أردت أن أكاشفك بكل ما يجول في خاطري قلت لك: إن هذا الفن الذي تغالى ~~الغربيون في إتقانه وارتقائه لم يفدهم أدنى فائدة في باب الآداب، وضرره ~~بينهم اليوم ظاهر ونفعه غير باد؛ لأن المعول عليه عندهم في هذا الفن أن ~~يظهروا الفضيلة من خلال تمثيل الرذيلة، ويبينوا عن العفاف بتصوير الشهوات ~~إلى حد المبالغة التي يذهب إليها خيال الشاعر، فتوضيح الرذائل وتبيين ~~الشهوات وعرضها على أصحاب الرذائل في القوالب المختلفة بما تنطوي عليه من ~~وجوه الحيل والمكر والخداع والختل مدرجة إلى تعمق صاحب الرذيلة في رذيلته، ~~واقتناعه فيها بتلك الوجوه المنوعة فلا يسبقه إليها سابق، وكم تدرب اللصوص ~~ومهرة الأشقياء وبرز أهل الفسق والفجور بحضورهم تمثيل الروايات فاكتسبوا ~~منها ما كان ينقصهم، وأخذوا عنها ما كان يعجزهم، ومن تأمل قليلا وجد أن ~~الشرح والإسهاب في خفايا الرذائل التي يندر حدوثها ويقل وقوعها كان من ~~الأسباب في انتشارها، ولذلك قالوا: إن توضيح الجرائم التي من هذا القبيل في ~~القوانين مما لا يؤمن معه تيقظ المجرم إليها، وقد سئل الشارع الحكيم ~~اليوناني عن سبب إغفاله عقوبة القاتل لأبيه في شريعته فقال: ما كنت لأتصور ~~أن يونانيا في الوجود يقدم على قتل أبيه، فكان قوله هذا ms217 أنفى لوقوع هذه ~~الجريمة من تدوينه شدة العقوبة عليها، واكتساب صاحب الفضيلة من كشف الرذيلة ~~لا يقوم بمقدار الضرر الذي يلحق بأهل الشر منها. # قال عيسى بن هشام: ودق الجرس وعاد الناس إلى مقاعدهم واشتدت بينهم الجلبة ~~وعلا الصياح، وزين السكر لأحدهم أن يقوم فيهم واعظا خطيبا، فما زال يهذي في ~~القول حتى سقط على الأرض يتخبط في قيئه ورجيعه، لا في دمه ونجيعه، ثم ارتفع ~~الستار عن منظر غابة يدور فيها ذلك الفتى ويتغنى بغناء يشبه أذان المؤذن ~~ومن ورائه عشيقته تتلفت وتتعثر، ثم رأيناه قد ترك الغناء مرة واحد وتقدم ~~نحو الحاضرين يخاطبهم بالزجر والتأنيب على جلبتهم وصياحهم، ويشكو مر الشكوى ~~من الانصراف عنه في غنائه. # ثم إنه يعود إلى ما كان فيه من الغناء، ويأخذ بيد خليلته للهروب فيدخل ~~والدها عليه في تلك الحال فيحول بينها وبين عشيقها، فينبري له الفتى بضربة ~~حسام تلقيه على الأرض صريعا، ويدركه قومه فيصوب الفتى عليهم أسهمه ونصاله، ~~فيلجأون إلى الفرار، وتقع المرأة مغشيا عليها ويقع العاشق باكيا تحت ~~أقدامها، وعلى هذا يسدل الستار وينتهي الفصل ويعود الناس إلى مكان الشرب ~~والتدخين، فنتبع أثرهم ونجلس ناحية في بعض زوايا الحان، وإذا بالعمدة ~~وصاحبيه وعاهرته جالسون جانبا أمام إحدى المنافذ وأمامهم الراح والكئوس ~~مترعة، وإذا برجل عابس الوجه بين الغلظة قد وقف أمامهم يقول للمرأة في ~~كلامه: «أتظنين أن الهرب وخلف الميعاد يمنعك مني ويؤجل وفاء القسط المطلوب ~~لي منك، وأنا لا أزال أقتفي أثرك منذ الصباح إلى الساعة، وتحملت في البحث ~~عنك تعبا عظيما، والحمد لله؛ إذ عثرت عليك في هذا المكان ولست أبرح من هنا ~~حتى تعطيني مبلغ القسط أو تردي إلي هذه الحلي التي يتزين بها صدرك أمام ~~عشاقك وخلانك، ويمد يده ينتزع الحلي من صدرها فيمنعه الخليع متوسطا بينهما، ~~ويقول له: ليس هذا وقته وليس هنا محل المطالبة وأمامك المحاكم، فلا يرجع ~~الرجل عن عزمه بل يقول: «أنا لا أطالب بحقي أمام المحاكم وأمامي مالي في ~~صدرها.»، ثم ms218 يمد يده ثانية فتقبض العاهرة على حليها وتميل على العمدة ~~تستغيث به وتستجير، فتأخذه الحمية والنخوة فيدفع عنها الصائغ بيده فيقول ~~له: «إن كان قد عز عليك يا حضرة العمدة مطالبة صاحبتك، فالشهامة تقضي عليك ~~بأن تدفع لي المبلغ من عندك لا أن تدفعني عن حقي بيدك.» فيسأله العمدة عن ~~مقدار المطلوب له فتقول له المرأة: إنه لا يزيد عن عشرين جنيها، فينقد ~~الصائغ الدراهم في الحال ويطلب منه ورقة الاستلام، ثم يقدمها إلى المرأة ~~بيد والكأس بيد أخرى فتقبل حافة الكأس شكرا له وحمدا، وينصرف الصائغ ضاحك ~~السن قرير العين، ويعودون إلى شربهم وحديثهم، فيقترح العمدة عليهم أن ~~يغادروا هذا المكان إلى سواه، وأنه يفضل الذهاب إلى منزل صاحبته، ويطلب من ~~الخليع أن ينظم له مجلسا هناك فوق سطح المنزل في ضوء القمر. # وبينما هم في أخذ ورد إذا بصاحب الحان الذي تشتغل فيه المرأة واقف على ~~رأسها واضع يديه في خاصرتيه يبكتها بقوله: «أهذا هو المرض الذي تعتذرين به ~~عن تأخيرك في هذه الليلة عن الشغل، وهذا هو المستشفى الذي تتعالجين فيه؟ ~~وأظن أن حضرة العمدة هو الطبيب الماهر في هذا العصر الحاضر.» ثم يجرها بيده ~~لتذهب معه إلى مباشرة الشغل في الحان، فيمسكها العمدة من أذيالها ويقول له: ~~«ما هذه الوقاحة، وما هذا التهجم بعد أن أخذت منها عشرة جنيهات في نظير ~~تأخرها عن الشغل في الحان، ورضيت بهذا العوض لتكون على حريتها في هذه ~~الليلة؟» فيقول له: «إن كانت أخذت منك هذا المبلغ لدفعه إلي فقد كذبت في ~~دعواها وادخرت الدراهم لنفسها، فإما أن ترد إلي المبلغ وتتعهد لي بأنك لا ~~تجتمع بهذه المرأة في غير محلي، وإما أن تستعد للقضية التي أقيمها عليك ~~بطلب التعويض الذي لا يكفيني فيه دخل أطيانك.» ويشتد بينهم اللجاج والخصام ~~فتنبري إحدى الممثلات الجالسات في الحان ممن انتهى دورهن، فتستصرخ البوليس ~~لإخراجهم، فيأتي البوليس ويصمم أن يسوقهم إلى «القسم» جميعا، ونخرج وراءهم ~~لاتباعهم، فيأبى الباشا ذلك كل الإباء وينفر عنه ms219 كل النفور، ويقول: أنا لا ~~أتوجه إلى «القسم» لا شاكيا ولا شاهدا ولا مراقبا ولا مستخبرا، فقد جربت ما ~~يقع فيه، وكفاني ما علمته من ظواهره وخوافيه، وقد شعرت بسأم في النفس، ~~وصداع في الرأس، فلنذهب إلى البيت لنتمتع بشيء من الراحة، ونخلص من رؤية ~~هذه الحرمات المباحة، فأجيبه بالطاعة والانقياد، ونترك الصديق على ميعاد. ### | المدنية الغربية # قال عيسى بن هشام: وما وصلنا إلى البيت حتى عمد الباشا إلى غرفة نومه، ~~يحاول أن يشتفي بالرقاد من غمه وهمه، فتركته في غرفته، ورغبت في النوم ~~كرغبته، وبينا أنا غريق في المنام، أسبح في بحر الأحلام؛ إذ سمعت الباشا ~~يناديني نداء متتاليا، فقمت إليه مسرعا وملبيا، فأخبرني أن طول التفكر نفى ~~عنه الرقاد، وأورثه الأرق والسهاد، وطلب مني أن نحيي الليلة بالسمر، وأن ~~أقتلها معه بالسهر، فجلسنا نتجاذب أطراف الحديث، من قديم في الزمن وحديث، ~~إلى أن صارت الليلة في أخريات الشباب فاستهانت بالإزار والنقاب، ثم دب ~~المشيب في فودها[1] وبان أثر الوضح في جلدها،[2] فعبثت بالعقود والقلائد، ~~من الجواهر والفرائد، ونزعت من صدرها كل منثور ومنظوم، من درر الكواكب ~~ولآلئ النجوم، وألقت بالفرقدين من أذنيها، وخلعت خواتيم الثريا من يديها. # ثم إنها مزقت جلبابها، وهتكت حجابها، وبرزت للناظرين عجوزا شمطاء، ترتعد ~~متوكئة على عصا الجوزاء، وتردد آخر أنفاس البقاء، فسترها الفجر بملاءته ~~الزرقاء، ودرجها الصبح في أرديته البيضاء، ثم قبرها في جوف الفضاء، وقامت ~~عليها بنات هديل،[3] نائحة بالتسجيع والترتيل، ثم انقلب المأتم في الحال ~~عرس اجتلاء، وتغير النحيب بالغناء، لإشراق عروس النهار، وإسفار مليكة ~~البدور والأقمار، وما نشعر إلا وقد طلع الصديق علينا مع الشمس للموعد الذي ~~كان بيننا من أمس، فسألنا كيف أصبحنا، وهل نعمنا واسترحنا، فأخبرته بما كان ~~من اتصال السهر إلى الآن، وما كانت تجري عليه المسامرة، وتدور به المذاكرة، ~~وجملتها أن الباشا لا يزال يدهش مما يراه في رحلته، ولم يكن له أثر في أيام ~~دولته، ويستخبرني عن سرعة هذا الانتقال من حال إلى حال، وما ms220 الأسباب والعلل ~~في انتشار هذا الفساد والخلل، فذكرت له بعض ما حضرني منها، وما علمته عنها، ~~وإنك لخليق أيها الصديق أن تكشف لنا عن وجه الحق الصريح، وتخبرنا بما عندك ~~من السبب الصحيح. # **الصديق****: **السبب الصحيح في ذلك هو دخول المدنية الغربية بغتة في ~~البلاد الشرقية، وتقليد الشرقيين للغربيين في جميع أحوال معايشهم كالعميان ~~لا يستنيرون ببحث ولا يأخذون بقياس، ولا يتبصرون بحسن نظر ولا يلتفتون إلى ~~ما هنالك من تنافر الطباع وتباين الأذواق، واختلاف الأقاليم والعادات، ولم ~~ينتقوا منها الصحيح من الزائف، والحسن من القبيح، بل أخذوها قضية مسلمة، ~~وظنوا أن فيها السعادة والهناء، وتوهموا أن يكون لهم بها القوة والغلبة، ~~وتركوا لذلك جميع ما كان لديهم من الأصول القويمة، والعادات السليمة، ~~والآداب الطاهرة، ونبذوا ما كان عليه أسلافهم من الحق ظهريا، فانهدم ~~الأساس، ووهت الأركان، وانقض البنيان، وتقطعت بهم الأسباب، فأصبحوا في ~~الضلال يعمهون، وفي البهتان يتسكعون،[4] واكتفوا بهذا الطلاء الزائل من ~~المدنية الغربية، واستسلموا لحكم الأجانب يرونه أمرا مقضيا وقضاء مرضيا، ~~وخربنا بيوتنا بأيدينا، وصرنا في الشرق كأننا من أهل الغرب، وإن بيننا ~~وبينهم في المعايش لبعد المشرق من المغرب.**الباشا****: **قد يكون ذلك، ~~ولكن لست أدري لأية علة أخذ الشرقيون بباطل المدنية الغربية وارتدوا ~~بلباسها، ولم يلتفتوا يوما للرجوع إلى سابق مدنيتهم الصحيحة وعمرانهم ~~القويم، فهم أهل السبق في ذلك كله، وعنهم أخذ الآخذون وقلد المقلدون في كل ~~زمان ومكان.**الصديق****: **لا أعلم لذلك من علة إلا ما أعقب العزة السابقة ~~من البطر والأشر، وما يتولد عنهما من طول التواني والتواكل، وسوء التراخي ~~والتخاذل، فغفلوا عن ماضيهم، وذهلوا عن حاضرهم، ولم يكترثوا لمستقبلهم، ~~وقعدت بهم هماتهم عن مشقة التكاليف التي كان يتباهى أسلافهم باحتمالها، ~~ويتفاخرون بممارستها، وراقهم أن يأخذوا بهذا الطلاء الحاضر من مدنية ~~الغربيين بلا مشقة ولا تعب ولا جد ولا كد، فعظم مقدار أهل الغرب في أنظارهم ~~وتوهموا أنهم من طبقة عالية فوقهم، فخضعوا وذلوا، وقهر الغربيون ~~وغلبوا.**الباشا****: **ألا ليت شعري كيف يمكنني الوصول إلى البحث ms221 والنظر ~~في أصول المدنية الغربية ظاهرها وباطنها، وأن أقف على خافيها وباديها في ~~أرضها وديارها، ولكن بعدت الشقة وعز المطلب.**عيسى بن هشام****: **لا ~~تستبعد أيها الأمير حصول الغرض ونيل المطلب في يوم من الأيام، فإنه لا يزال ~~يدور في خاطري أن أرحل معك رحلة إلى البلاد الغربية تجتني منها ثمرات العلم ~~والبحث، فإن كان هذا العزم من غرضك أيضا فأنا أجهز له أمرنا.**الصديق****: ~~**وأنا إن شاء الله معكما. # قال عيسى بن هشام: ثم قمنا وعقدنا النية على تحقيق هذه الأمنية، ونسأل ~~الله أن يسلك بنا سبيل الهداية في المبدأ والنهاية. ### | باريس # قال عيسى بن هشام: سبحان من لا تجري الأمور إلا بتقديره، ولا تنفذ ~~العزمات إلا بتيسيره، فقد يسر الله لنا الرحلة إلى الديار الأوروبية، لنشهد ~~مظاهر المدنية الغربية، وبلغنا من سفرنا المدى، فألقينا بباريس العصا، ~~وشرعنا نجوب منها الطرقات الجامعة، والساحات الواسعة، فلا القبائل تدعى ~~وتهرع، ولا الجيوش تحشد وتجمع، ولا الموتى وهم ينشرون، ولا الخلق وهم ~~يحشرون، يضاهئ ما القوم فيه من ازدحام واقتحام، واصطدام والتحام، متدفقين ~~في سيرهم تدفق السيل تحت أضواء محت آية الليل فلا ليل، يخشى فيها على ~~الأبصار أن تعشو من شدة الأنوار، وربما انخدعت بها الديكة فأخذت في الصياح، ~~إيذانا بانبلاج الصباح. # فإذا نظرت إلى الشارع من العلو، لم تبال بالغلو، إن قلت: بحر مسجور[1] ~~قام عليه شاطئان من نور، وإذا أبصرته من أسفله عند أوله، قلت: أسراب ~~الدو[2] تصعد إلى الجو، بين الكواكب الزهراء، من كرات الكهرباء، والبيوت عن ~~حافتيه تشارف جو السحاب، وتحاول أن تعلق من السماء بأسباب؛ فارعة باسقة، ~~متلاصقة متناسقة كأنها في انتساقها سطور الخط، والأزهار على جدرانها شكل ~~ونقط، فأين منه ما بناه لفرعون هامان، وشاده جن سليمان لسليمان، ورفعه ~~سنمار للنعمان؟ وأين شماريخ ثبير[3] من سنام البعير، ومعارج الجبال، من ~~مدارج النمال؟ لا بل أين البحر العباب، من لامع السراب، وأجرام الكواكب، من ~~بيوت العناكب؟ # وشاهدنا المارة يتسابقون في هذا الموقف المتلاطم، والمأزق المتزاحم من كل ~~شيخ ms222 وكهل، وصبي وطفل، وفتى وفتاة، بين ركبان ومشاة، والألوف من صنوف العجل ~~تخترق صنوف الناس، وتنفذ بينهم نفاذ السهام عن الأقواس، طائرة بقوة ~~الكهرباء أو البخار أو الأفراس. # ولما لم يسابقهن شيء %~% من الحيوان سابقن الظلالا # وكل سائر منهم في اضطراب العصفور، وتلفت القطا المذعور، إن خانته لفتته، ~~أدركته منيته، وإن عثرت قدمه، هريق دمه، وإن شمخ شامخ بأنفه، وقع في حتفه، ~~فهم يتلمسون شاكلتي الطريق[4] كما يتلمس الشاطئ الغريق، والحوانيت على ~~الجانبين متبرجة ببدائع البضائع، ونفائس الصنائع تغوي الزاهد فيشتهيها، ~~وتغري الشحيح فيشتريها، والحانات من بينها ممتلئة بالنفوس، مشحونة بالجلوس، ~~في يد كل واحد منهم كأس الصهباء، وفي الأخرى جريدة المساء، ونحن في هذا ~~الموقف تكاد تطيش منا العقول، من هول الدهش والذهول، وتطير منا الألباب، من ~~شدة الوجل والاضطراب. # في ساحة لو أن لقمانا بها %~% وهو الحكيم لكان غير حكيم # ومال بنا طلب الراحة، إلى حان في تلك الساحة، فلم نجد به مكانا خاليا من ~~الزحام، فعكفنا مدة واقفين على الأقدام، وكدنا نذهب عنه آيسين، لولا أن ~~تحرك بعض الجالسين، فذهبوا لشأنهم، وخلفناهم في مكانهم، وجلسنا في هذا ~~المأمن نتصفح وجوه الحاضرين، وأجناس المارين، فإذا عدد ربات الحجال، يربو ~~على عدد الرجال، من كل ذات حسن وجمال، وتيه ودلال، وقد متأود، وخد متورد. # تختال في مفوف الألوان %~% من فاقع وناصع وقان # وهن يرفلن في الوشي، ويسرعن في المشي، ويتبارين في رفع الفضول من الأطراف ~~والذيول ويضربن الأرض بأرجلهن، ويزحزحن ما استطعن من حللهن. # ويبسمن عن در تقلدن مثله %~% كأن التراقي وشحت بالمباسم # وينشرن من الأرج والطيب، مثل نشر الزهر في الغصن الرطيب، ويرسلن سهام ~~العيون، فيحركن سواكن الشجون، ويسلطن من اللحاظ القواتل، ما يدمي حبات ~~القلوب الغوافل. # إشارة أفواه وغمز حواجب %~% وتكسير أجفان وكف تسلم # وأصناف الباعة يكثرون من الغدو والرواح، ويهيجون في النداء والصياح، بمثل ~~العواء والنباح، دائبين في الإلحاف والإلحاح. # ولما أفقنا هنيهة أخذ الباشا كعاده في السؤال[5] يستجلي منا واقعة الحال، ~~ويقول: ما أشك في ms223 أن هذا اليوم يوم عيد، عند أهل هذا العالم الجديد، أو هم ~~في نظري سكان مهاجرون، أو جند قافلون، انتهوا من حومة المنايا، بالغنائم ~~والسبايا. فأقول له: لا بل هي كما يصفها الواصفون، ويعرفها العارفون، تلك ~~المدينة الفاضلة، أم المدنية الكاملة، مهبط العمران والحضارة، ومظهر الزينة ~~والنضارة، وموطن العز والمجد، ومصدر النحس والسعد، بل هي تلك عندهم إرم ذات ~~العماد، التي لم يخلق مثلها في البلاد، لو رآها صاحب الإيوان، كسرى أنو ~~شروان، لم يفخر على الدهر، بإيوان ولا قصر، ولحكم بأن «المدائن» لديها سبسب ~~قفر،[6] ولو نظرها قيصر الرومان لأقسم أن رومية وهي عنده عاصمة الدنيا، ~~قرية لديها من الطبقة الدنيا، مثل التي ذكرها في كشفه عن طماعيته، قبل ~~ولايته؛ إذ قال: أفضل أن أكون الأول في أدنى قرية، ولا أكون الثاني في ~~مدينة رومية، ولو شاهدها أفلاطون حكيم اليونان، لم يقل فيما دبر من الزمان: ~~أحمد الله على نعم ثلاث يعجز عن حمدها اللسان، ولا يقوم بحقها شكران: أن ~~خلقني من نوع الإنسان، لا من نوع الحيوان، ومن جنس الرجال، لا من جنس ~~النساء، ثم جعل نسبتي إلى «أثينا» عاصمة اليونان، دون سائر البلدان، ولو ~~اطلع عليها هاروت وماروت، لم يماريا في أن بابل عندها فلاة سبروت.[7] # كجنة الخلد تسر من رأى %~% فتزدري «الخلد» و«سر من رأى»8 # هذه هي اليوم بيت العلم والفضل، ودار السلام والعدل، ومعهد الحق ~~والإنصاف، ومهد الاتحاد والائتلاف، هذه هي المدرسة التي يشرق منها على ~~العالم شمس الهدى والعرفان، ويتلقى الإنسان عنها حقوق الإنسان، ويعرف منها ~~وجوه الخير والإحسان، ولكل إنسان وطن وهي لكل وطني وطن ثان، لولاها لم يدرك ~~الإنسان لنفسه من قدر، ولم يأمن في دياره من اغتيال أو غدر، فقد كفت عن ~~الناس عاديات المظالم، وكفتهم بائقات المغارم،[9] وعلمتهم كيف تؤتى ~~المكارم، وتجتنب الأوزار والمحارم، وكيف يعيش البشر في دار الشقاء عيش ~~السعادة والهناء، تحت ظل «الحرية» و«المساواة» و«الإخاء»، إذا نادها ~~المظلوم من أي جنس وأي قوم، أجابته: لبيك مات الظلم ms224 فلا ظلم اليوم. # وهؤلاء أهلها كما تراهم يهجرون الرقاد، ويواصلون السهاد، ويصرفون الحياة ~~في الجد والعمل، ولا ينتهي بهم أمل إلا إلى أمل، فليس على هممهم شيء بمحال، ~~في كل حال، يذيبون بعزائمهم صلب الحديد، وتلين لإشارتهم صم الجلاميد، ~~ويذيبون الهواء، ويكتبون على الماء، ويفتلون الحبال من الرمال، ويزلون ~~راسيات الجبال، برائشات النبال، وينضبون الدأماء[10] بمتح الدلاء ويمحون ~~آية الليل فلا تبلغ فيهم أمدا، ويجعلون النهار دائما عليهم سرمدا. # أولئك الناس إن عدوا بأجمعهم %~% ومن سواهم فلغو غير معدود # والفرق بين الورى جمعا وبينهم %~% كالفرق ما بين معدوم وموجود # أقول قولي هذا والباشا ينصت ويتأمل، و«الصديق» يتبرم ويتململ، فالتفت ~~إليه أستخبره الخبر، عن سبب هذا الضجر، فما أتممت عليه أحرف السؤال، حتى ~~انهال علينا في المقال، انهيال السيل من مشرف عال: # **الصديق****: **تالله لقد سئمنا ومللنا من سماع مثل هذه المبالغات ~~وتردادها على آذاننا في وصف هذه الديار، ونحن في ديارنا السنين والأعوام، ~~وأولى ما يوصف هذا الوصف للغائب عنها لا للحاضر فيها، وأنت رجل بحاث ~~نباث[11] من دأبك استنباط الغوامض واستجلاء الدخائل، وألزم ما يكون لنا ~~الآن أن نجعل فكرنا مجردا عن مثل هذه الأوصاف والأخبار التي شحنت خيالنا ~~زمنا طويلا، فننساها ولا نذكرها ليكون حكمنا على المشاهدة والعيان خاليا من ~~مقدمات سبقت على الغيب ورسخت في أذهاننا بالخبر، وقد علمت أن ذهن الإنسان ~~يغلب عليه الانقباض عن الفحص والتمحيص، ولا يباشرهما في الغالب إلا مضطرا ~~مقسورا لما في التسليم المطلق والتصديق المعجل من راحة الفكر وسكون البال، ~~وربما ارتسم في خياله أمر استحسنه بالخبر، فيركن إليه ويرد كل ما يرد عليه ~~من قبيله إلى صحيفة الاستحسان والقبول في نفسه؛ والأذن تعشق قبل العين ~~أحيانا، كما أنه إذا هو استقبح أمرا كان الأمر على هذا القياس، ولذلك ترى ~~العاشق يرد كل ما يصدر عن معشوقه إلى الحسن، وإن كان غير حسن في الواقع عند ~~الفحص والتأمل، للميل الأول والاستحسان السالف، واستعداد لوح الرضا والقبول ~~في نفسه لانتقاشه فيه، ومن ms225 هنا جاء قولهم: # وعين الرضى عن كل عيب كليلة %~% كما أن عين السخط تبدي المساويا ولقد ترى الرجل الشاعر الأديب إذا أنت أنشدته بيتا من الشعر لم يكن يعرفه ~~ولم تسم له قائله ربما استهجنه ولم يستملحه، فإذا سميت له أبا تمام مثلا أو ~~أبا الطيب، ارتد إلى الاستحسان وأخذ يتمحل لقائل البيت عذرا إن كان في ~~البيت ما يستهجن حقيقة، وما كان ذلك إلا لما اطمأنت عليه نفسه وتعودته من ~~القبول والاستحسان لكل ما يصدر عن هذين الشاعرين. ويمكن من هذا كله أن ~~نستخرج معنى الحظ والسعد والإقبال الذي يناله الإنسان في دنياه إن صادف ~~عمله في النفوس صحيفة الاستحسان بين الناس، ومعنى النحس والتعس والإدبار إن ~~صادف ما يأتيه عندهم لوح الاستقباح، والشاعر يقول: # إذا أقبل الإنسان في الدهر صدقت %~% أحاديثه عن نفسه وهو كاذب فما بالك بأحاديث الرواة عنه وحسن القالة فيه، وقد عهدنا الغربيين عموما ~~وهؤلاء الفرنسيين خصوصا لا نتصفح لهم كتابا ولا نسمع منهم حديثا إلا بتمجيد ~~مدنيتهم، ومباهاة الناس طرا بنظام معيشتهم، وأنهم هم أرباب الخلق وسادة ~~البشر، وأن الهدى هداهم، والضلال فيمن عداهم، وأنه أوحي إليهم من سماء ~~مدنيتهم أن يخرجوا الناس من الظلمات إلى النور، فإما الإيمان بها وإما ~~الحسام، وقد ذاعت فينا دعوتهم، وأعانهم منا على نشرها من أعانهم، فقبلنا ~~مبالغاتهم بالتصديق والتسليم من غير بحث ولا نظر، وصرفنا كل ما يأتونه إلى ~~وجوه الحكمة والصواب، وبسطنا لهم صحيفة الاستحسان من النفس يرتسم فيها كل ~~ما يتخيلونه لنا ويموهون به علينا. فالرأي لنا حينئذ أن نطرح عنا ما قالوا ~~وما وصفوا، وننظر اليوم إلى الأمور في حقائقها، ونحكم عليها بحسب قيمتها في ~~ذاتها لا على حسب ما رسمه الوهم، وسوله الخيال في نفوسنا، ومعنا الباشا ~~يمتاز علينا والحمد لله بأنه كان بعيدا عن هذا العالم محتجبا عن هذه الدنيا ~~الدهر الطويل، فبقي خالي الذهن مما شحن رءوسنا من هذه المدنية، فحكمه اليوم ~~على ما يشاهده بالعيان دون الخبر والرواية، يكون أصح ms226 حكم ونظره أصدق نظر، ~~وما علينا إلا أن نشاركه في صحة النظر مجردين عن الهوى حتى نقف على كنه ~~الحق والباطل في نظام هذه المدنية وقوفا تاما.**عيسى بن هشام****: **لك ~~الله فيما تبدئ وتعيد! كأنك تريد أن نخالف الإجماع، ونقابل الناس بغير ما ~~ألفوه فننتقد لهم ما هو خال عندهم من كل انتقاد بعيد من الذام والعار ~~فيرمونا بغلظة الطبع وجفاء الفهم وسخف الرأي! ولا يفوتنك أن كثيرا من ذوي ~~الرأي يرون أنه ليس من أدب الدنيا أن كل حقيقة تقال وكل صحيح يروى. أوليس ~~من صواب الرأي حينئذ أن نسير على أسلوب الذين سبقونا إلى زيارة هذه البلاد، ~~فنرجع على أهل الشرق باللائمة عليهم في انخفاضهم وارتفاع أهل الغرب فوقهم، ~~وأن نصف ما القوم فيه من القوة والمنعة ومظاهر العز والعظمة في النعيم ~~المقيم، وأننا لا نزال راقدين رقادنا الطويل في كهوف التراخي والخمول، ~~يقولون فنسمع ويأمرون فنصدع، ويقتسمون أرزاقنا فنشكر، وينقصون من أرضنا ~~فنحمد، ويحتلون ديارنا فنقبل؟ أفلا أقل من أن نسهب في بيان الأسباب التي ~~ارتقت بهم إلى مرتبتهم في الوجود، ونطنب في شرح القواعد والأصول التي أسسوا ~~عليها بنيانهم لنحذو حذوهم ونعمل على شاكلتهم؟ أوليس الأليق بنا أن نحض ~~قومنا لينفضوا عنهم غبار الكسل، ويخلعوا عنهم لباس الخمول، ويهبوا إلى ~~تقليد هؤلاء المجتهدين في أنواع الكمالات؟ أولست ترى من أفضل الأبواب في ~~الحث والتحريض أن نفخم ما استطعنا في وصف هذه المدنية، ونعظمها في أعينهم ~~ونكبرها في صدرهم، ونبكتهم بأحاديثها ونرفع من قدرها بقدر ما نحط من قدرنا، ~~ونعيرهم بالمقارنة ليكون الحث والتحريض على المباراة أشد، والإثارة إلى ~~اللحاق بهم أبلغ؟ ولو سكت الأستاذ عن تلميذه ولم يعيره بسبق غيره عليه، ~~أكنت تراه يجد في الأخذ ويجتهد في التحصيل؟**الصديق****: **لا يعزب عن ~~فطنتك بادئ الأمر أن جل هؤلاء الذين تحكي عن طريقتهم ممن زار هذه البلاد من ~~أقوامنا، وعادوا إلى بلادهم فحدثوا عنها وكتبوا وقرروا وحكموا، ينقسمون إلى أقسام: * **القسم الأول منهم: **الطلبة الذين تلقوا في ms227 هذه البلاد دروسهم، وهؤلاء ~~لما هم فيه من غلواء الشباب والافتتان بكل رائع يغلب عليهم الأخذ بالظواهر، ~~ولا متسع ثمت عندهم للبحث والفحص ودقة التمييز فيما هو داخل تحت حكم ~~الفضيلة وداخل تحت حكم الرذيلة عند النظر في معيشة أهل هذه المدنية ~~الغربية، بل هي تتجلى لهم في صورة معظمة فيأخذونها على الجملة زاهية زاهرة ~~حتى إذا انقلبوا إلى أهليهم رووا لنا عنها مثل حديث المغرم عن معشوقه في ~~أوقات نشوته، وكان همهم أن يظهر عليهم أثر من آثار تلك المدنية العظيمة مما ~~تخف مؤونته وتهون تكاليفه؛ ليلحقوا بأنفسهم شيئا من تلك العظمة التي بهرت ~~خيالهم، وبهروا بها أعين الناس، ولسنا من أهل هذه الطبقة. * **والقسم الثاني: **جماعة منا قصدوا هذه البلاد للنزهة والاسترواح لا ~~سواهما، فهم لا ينظرون إلى هذه المدنية إلا من وجه تطبيق العيان على الخبر، ~~ومن بحث منهم فانكشف له فيها عيب، كره تغيير الرأي ومخالفة المعهود لما فيه ~~من المشقة والكلفة، ثم أضف إلى ذلك ما يكون للاختصاص بمشاهدة المحاسن دون ~~المعايب والتبسط في الحكاية عنه من الفضل عن السامعين والمستخبرين، ولسنا ~~من هذا الصنف. * **والقسم الثالث: **طائفة من أرباب الوظائف في الحكومة يفرون إلى هذه ~~البلاد من أسر الخدمة مسافة الشهر أو الشهرين فرار الأسير من القد، ومنهم ~~من تلقى دروسه فيها، وحكمه حكم الذين ذكرناهم في القسم الأول، وفيهم من لم ~~يتعلم في أوروبا فهم يسيرون على نهج المباراة للمتعلمين فيها سائرين على ~~نمطهم؛ ليلتحقوا بهم ويحشروا في زمرتهم ويرتفع عنهم بعض امتيازهم عليهم، ~~وحكمهم حكم واحد أيضا، على أنهم ليس عندهم جميعا من سعة الوقت ما يفسح لهم ~~مجال البحث والتدقيق فيما يرونه، فإن كل موظف منهم لا ينفك مدة زيارته ~~مشتغل الفكر، مقسم النظر، بين أمرين: عين تنظر إلى ما بقي في صحيفة إجازته ~~من الأيام، وعين ترمق ما بقي في كيسه من الدراهم، ولسنا من هذه الرتبة أيضا. # وجميع هذه الأقسام كما تراهم مولعون بالمبالغة في الوصف والغلو في القول، ms228 ~~ولا غرو فالناس لا يرون لهم فضلا في الرواية والنقل ما لم يضيفوا إليهما ~~الكثير المفترى من عندهم، ولحكاية الغريب ورواية العجيب لذة في نفس الراوي ~~وحلاوة في أذن السامع، على هذا درج الخلق منذ خلق الله آدم إلى اليوم، ومنذ ~~جرت أساطير الأولين عن الجن والعفاريت والأغوال والسعالي إلى قصة «ألف ليلة ~~وليلة» و«سيرة عنترة» و«خريدة العجائب»، وهناك قسم رابع ربما فحص ودقق ووقف ~~وعلم، ولكن له هوى خاصا به يمنعه من كشف الحقائق، ويدفعه إلى المبالغة على ~~القصد والغلو على العمد فلا يروي ما يرويه عن هذه المدنية إلا بالتشييد ~~والتمجيد باطلا كان أم حقا؛ لينصر مذهبا له معينا وغرضا مضمرا، فيدأب بيننا ~~كالأجير للأجنبي يرفع لنا من شأن مدنيته وقوة حضارته؛ ليرتفع معه بارتفاعه، ~~ويتسلط علينا بسلطانه وينتفع منه بتمكين جاهه فينا وقدرته علينا، وفي هذا ~~القسم من يرى أن في استيلاء المدنية الغربية على الشرق وتغييرها لقديم ~~عاداته وأخلاقه انتصارا لمذهب بعينه، فهم في إشادتهم بأمرها وتشيعهم لها ~~وتبشيرهم بها كالمتشيعين لمذهب والمبشرين بدين. فقد تبين لك إذن أننا لسنا ~~بمعدودين في قسم من هذه الأقسام، وقد خرجنا من ديارنا واصطحبنا في سفرنا ~~على شريطة الفحص والتنقيب والاعتراض والانتقاد، وأن نتحدث عن هذه المدنية ~~بما فيها من ضار ونافع ومعوج ومستقيم على المشاهدة في منبت أرضها وتربة ~~نشأتها، وأنا رجل أميل إلى أن كل حقيقة تقال وكل صحيح يروى، فدعنا حينئذ من ~~الغلو والإغراق واتركنا من التخيل في النعت وتعمل الشعر في الوصف، وخد بنا ~~فيما عهدناه على أنفسنا، وقد آن أن نسأل الباشا، وهو ينظر إلى الأمور بنظر ~~صادق مجرد عن الهوى، عما وقع عليه من التأثير في نظرته الأولى عن هذا ~~العالم الحديث عنده، وعن جملة ما حصل منه في نفسه.**الباشا****: **ما أراني ~~أميز شيئا فيما رأيته من هذا الخلق المزدحم، وهذه الحركة المشابهة لحركة ~~الأسواق في هذا الدوي المماثل لدوي الخلايا، وهذه الأضواء التي يتأذى منها ~~البصر، وجملة ما أنا فيه الدهشة والحيرة، ms229 ولعل هذا هو الذي يمنعني من ~~التمييز، وكنت أود أن يقع اختيارنا على ناحية ساكنة من المدينة خالية من ~~مثل هذا الزحام حتى نألف الديار وساكنيها.**عيسى بن هشام****: **ليس ما ~~توده من هذا القبيل بميسور؛ لأن الزحام منتشر في جميع أرجاء المدينة، وهذه ~~الحركة لا تنتهي الليل والنهار، ولا جرم فإن عدد سكانها يقدر ببضعة ملايين، ~~ولك أن تقول فيها: إنها جملة بلاد متجمعة متشابكة يعدونها مدينة ~~واحدة.**الصديق****: **وفي هذا من عظمة الملك ما لا يخفى على ~~أحد!**الباشا****: **إن كان الأمر كذلك فلا بد لنا من مرشد يرشدنا وهاد ~~يهدينا، فنقف منه على ما يخفى علينا فيها، وما يغمض من حقائق ~~الأمور.**الصديق****: **ما إخالك واجدا لطلبتك، فقل أن تجد في أهلها من لا ~~يسلك السبيل المعروف في تشييد مجد قومه، ونشر مفاخرهم بما نحن في غنى عنه، ~~ولسنا نستفيد منه إلا كثرة اللغو وقلة المحصول. # قال عيسى بن هشام: وجاء وقت الطعام، فقمنا إلى المطعم، ولما أخذنا ~~مقاعدنا على المائدة تبصرنا أمامنا ثلاثة أشخاص من أهل المدينة يتجادلون ~~بينهم، فأنصتنا إليهم نتلقف من أفواههم ما يخوضون فيه؛ أحدهم: شاب ضئيل ~~الجسم، حسن الشارة محلوق اللحية والشارب، ظاهر التكلف في زيه، ينم شكله ~~وحديثه على أنه أديب من كتاب العصر. وثانيهم: رجل بدين، منتفخ البطن، أحمر ~~اللون، ينبئك وجهه وقوله أنه من طائفة التجار. وثالثهم: شيخ جميل المنظر في ~~وقار السن ورزانة العلم، ما يشك رائيه والسامع له في أنه رجل من أهل ~~الفلسفة والحكمة. ولذ لنا أن نجعل التفرغ لاستماع كلامهم سمر المائدة، ~~فوجدناهم ينتقلون فيه من باب إلى باب ومن شأن إلى شأن، حتى انتهى القول بهم ~~في الأحوال الحاضرة إلى حرب الصين، فسمعنا «الكاتب» يقول وهو يضرب المائدة ~~بيديه والأرض برجليه: # **الكاتب****: **لقد آن للمدنية أن تزيل الهمجية وتمحو الوحشية من الوجود، ~~وأن نقوم بنشر الرسالة التي سخرنا أنفسنا لتبليغها إلى الناس، فتصلح من شأن ~~الإنسان في أي مكان كان، وتغرس فيه أصول المدنية، ونأخذه بتعاليمها لنصل ~~بالعالم ms230 الإنساني إلى الراحة الدائمة والسعادة المطلقة في هذه الحياة، وإلا ~~فما مزية جهادنا في فنون الترقي والتقدم والتسابق في العلوم والفنون؟ وما ~~فائدة هذا الاختراع والابتداع في أبواب الصناعات والآلات؟ فإن كان المقصود ~~من المدنية أن نتقن هذه الآلات الحربية، ونعد هذه القوى العسكرية ليقتل بها ~~بعضنا بعضا ونخرب بيوتنا بأيدينا، فبئست العلوم والفنون، وبئس ما سخرنا له ~~أنفسنا وأضعنا فيه أعمارنا؛ إذ تنقلب الغاية من تهذيب المدنية إلى فظاعة ~~الوحشية. ولقد كان الواجب على دول الغرب وأممه أن يتحد بعضها ببعض فتنصرف ~~بكليتها، وتندفع بجميع قواها التي شيدتها لها أفكار العلماء وذوي المعارف ~~منا إلى تهذيب بقية أهل هذا العالم المقيمين على الجهالة إلى اليوم؛ ~~لتنتزعها من حضيض الهمجية إلى مقام الرفعة الإنسانية، فيحق لكل واحد منا ~~بعد ذلك أن يفتخر على الطبيعة بأنه أصلح فسادها وسد نقصانها.**التاجر****: ~~**نعم هكذا يجب أن تكون سيرتنا، وإلا فكيف يتسنى لنا تصريف بضاعتنا وترويج ~~صناعتنا التي تقوم عليها معايشنا وتضيق بها أرضنا إذا اجترأ أهل الصين على ~~أن يقوموا في وجوهنا ويعطلوا مصالحنا؟ وكيف نجهد أفهامنا في العلوم ونشقى ~~ونتعب، وفي العالم أقوام نيام على أرض من الذهب كالأرصاد فوق الكنوز لا ~~ينتفعون بها، ولا يتركون الانتفاع بخيرات الطبيعة وطيباتها للذين استحقوها ~~بكشف أسرارها ورفع أستارها؟**الحكيم****: **إن كان الكلام بينكما عن ~~المدنية الصحيحة التي تقوم على الحرية والمساواة والإخاء حقيقة، وتعم الخلق ~~من غير استثناء بالعدل والإحسان، وتوفر لهم أسباب السلم والأمن في السعة ~~والرخاء؛ فلسنا منها في شيء إن كنا نظنها مقصورة على إتقان الآلات وحشد ~~الجنود والتفنن في تشييد قوى الحرب، وإنفاق ثروة الأمة في سبيل ذلك حتى ~~تضيق بنا الأرزاق في أرضنا، فنعمل على طلبها في أنحاء المسكونة، ونسلط على ~~أهلها هذه القوى الحربية، ولسنا من المدنية في شيء أيضا إذا كنا نعتبر ~~أنفسنا ملائكة الأرض وصفوة البشر وأرباب الخلق فنحتقر بقية العالم، ولا ~~نرضى منهم إلا بتغيير أخلاقهم ونسخ عاداتهم، وأن يفوضوا إلينا أمورهم، ~~ويسلموا إلينا مقاليدهم ونكون ms231 فوقهم كالأوصياء، نصرفهم إلى ما نحب ونسوقهم ~~إلى ما نهوى، وليست المدنية أن نذهب إلى الصيني في أقصى الأرض، وهو آمن ~~مطمئن بين أهله وولده في عيش يرتضيه ونظام يألفه فنقول له: قم فقد جئناك ~~بالهدى والحق، فهلم فكسر أصنامك واهدم مناسكك واحرق كتابك وغير ثيابك وبدل ~~طعامك وارفع حجابك، وكن أوروبيا في الصين القديم، وغربيا في الشرق الأقصى، ~~فإذا قال لنا: لست أفقه شيئا مما تدعونني إليه، ولا أدري ما هذا الدين الذي ~~تبلغونني رسالته، قلنا له: ليس هذا بدين ولا بمذهب، وإنما هو دعوة المدنية ~~الغربية ندعوك إليها لتقرها وتتلبس بها، فيقول لنا: إن كانت لكم مدنية ~~غربية فلنا مدنية شرقية أسستها فينا تجارب القرون المتراكمة، وبقيت فينا ~~نقية خالصة هذبتها الدهور وأخلصتها يد الزمان، وليس يبقى على الزمن من ~~الأخلاق والعادات إلا ما كان له أصل ثابت وجوهر نقي، وأنتم إن كنتم تؤرخون ~~وجودكم في العالم بسبعة آلاف من السنين فنحن نؤرخ وجودنا بمئات الألوف، وإن ~~كانت مدنيتكم بنت قرن أو اثنين فإن مدنيتنا بنت عشرات القرون اصطلحنا عليها ~~وألفناها، وطاب لنا العيش بها طول هاتيك الدهور، ومن دلائل المدنية الصحيحة ~~أن تعيش فيها بأمن وسلام، لا يطمع أحد فيما ليس له ولا يغير على حق لغيره، ~~وقد علمتم أننا عشنا دهرنا الطويل لم نطمع في أرضكم ولم نثر حربا لفتح، ومن ~~دلائلها أنها لا تنتهي بأصحابها إلى مفاسد الترف والنعيم فتضعف الأجسام ~~ويقل النسل، وقد علمتم أن بلادنا هي أكثر البقاع سكانا وأعظمها عمرانا، ~~فنقول له: ما أضل أحلامكم يا معشر الصينيين! ألم تعلموا بأن مدنيتنا هي ~~مدنية العالم كله لا سواها؛ قامت على العلوم والمعارف، واستوت على أساس ~~متين كان ينشده الخلق منذ القدم، فما زالوا يتخبطون دون الوصول إليها حتى ~~سمحت الطبيعة آخر الدهر، فأنجبتنا لها فأخرجناها للناس هدى ورحمة، وعهدنا ~~على أنفسنا دعوة الخلق إليها ليسعدوا بها مدى الحياة؟ بهذا وصانا أئمة ~~المدنية فينا ورجال الدعوة منا. إن كانت هذه هي المدنية التي ms232 نفاخر بها ~~ونساجل، فلا بدع أن يعتقد أهل الشرق أنها ليست إلا وسيلة من وسائل الفتوحات ~~لنيل المطامع وبلوغ المآرب. # قال عيسى بن هشام: وتأتي غادة هيفاء تتثنى بقوامها وتتكسر في مشيئتها، ~~فتخاطب «الكاتب» بالعتاب؛ لأنه أهملها في الانتظار وجلس للكلام والجدال، ~~وتسوقه أمامها بعصا المظلة، ويتبعها التاجر، ويبقى الحكيم يرمي ثلاثتهم ~~بالنظر الشرر، وينعي عليهم سوء رأيهم وفساد نظرهم. # ويلتفت إلي «الصديق» فيقول لي: ما أغرب ما نرى من هذا الشيخ الفرنسي فما ~~أصلبه في قول الحق، وما أجرأه على الجهر بالصدق، وما أولانا بمعاشرة مثله ~~نستبصر به ونسترشد! فأرفع ببصري إلى الشيخ، فإذا هو يرمي بنظره إلينا، ~~ويستمع لحديثنا بالعربية ويظهر نحونا البشر، فقابلته بابتسامة أخطب بها ~~وده، فبادرنا بالحديث واتصل بيننا حبل الكلام، فسألنا عن أمرنا، وسألناه عن ~~أمره، فتبين لنا أنه رجل من أساتذة الفلسفة والحكمة ومن المستشرقين الذين ~~يشتغلون بالشرق وأهله، وكشفنا له حقيقة أمرنا والغرض الذي رمينا إليه، ~~فاتفق معنا على المخالطة والمصاحبة نحكي له عن الشرق ويحكي لنا عن الغرب، ~~ودعانا لزيارة المعرض العام معه في الغد، فقابلناه على ذلك بالشكر والحمد. ### | المعرض # قال عيسى بن هشام: وانطلقنا نقصد عكاظ الممالك والأمم، وسوق الأقدار ~~والهمم، ومشهد النفائس والعظائم، ومظهر القوى والعزائم، وحلبة الابتكار ~~والابتداع، وميدان الإنشاء والاختراع، ومعروض التبصر والاهتداء، في حسن ~~التقليد والاقتداء، ولهذا المعرض خمسون بابا، تختلف ابتعادا واقترابا، ~~فبلغناه من ناحية الباب المعظم، والمدخل المقدم، فإذا الباب قبة تقوم على ~~ثلاث قوائم، تلامس بعلوها الغمائم، كأنها اليفاع[1] في الاتساع والارتفاع، ~~ينحدر من تحتها الجيش المتراكب، فلا تتماس فيه المناكب، وعلى كلا الجانبين ~~سارية[2] تقارن السحب غادية وسارية يدور في رأس كل واحدة منهما نبراس وأي ~~نبراس، إذا اشتعل جعل فحمة الليل قبسا من الأقباس، فكلتاهما علم في رأسه ~~نار، يستوي عندهما الليل والنهار، ومن لصخر الخنساء أن يأتم بهما في ظلمة ~~البيداء، وهو المؤتم به في أبيات الرثاء: # وإن صخرا لتأتم الهداة به %~% كأنه علم في رأسه نار # فهما عمودا ms233 فجر، لا عمودا صخر، يكتنفان تمثال غانية غيداء، قائمة على رأس ~~تلك القبة الشماء، رشيقة القد، بارزة النهد، ممكورة لفاء[3] مجدولة عجزاء، ~~قد خلعت الإزار والوشاح، وتبدت في «قميص الصباح»، وهي تضمه بيديها إلى ~~صدرها، خشية أن يحاول النسيم هتك سترها، إذا عارض وجهها القمر، علا وجهه ~~الكدر، ثم بان فيه الكلف والنمش، فاحتجب بالغمام وانكمش، وغارت منها ~~الزهرة، غيرة الضرة من الضرة، فغارت في الدجون، وغابت عن العيون، لو قام ~~نابغة بني ذبيان من قبره، لشهد أنها الدمية التي وصف بها المتجردة في شعره: # أو دمية من مرمر مرفوعة %~% بنيت بآجر يشاد وقرمد4 # أو درة صدفية غواصها %~% بهج متى يرها يهل ويسجد # لو أنها عرضت لأشمط5 راهب %~% عبد الإله صرورة متعبد6 # لرنا لرؤيتها وحسن قوامها %~% ولخاله رشدا وإن لم يرشد # فقد أقامها الصناع آية الفن في التصوير والتشكيل، وشاردة الشوارد في ~~الرسم والتمثيل، يخيلون بها «فرنسا» في ترحيبها بالزائرين والقاصدين، ~~تحيتها للواردين على المعرض والوافدين، والباب كله مرصع بحقاق من ~~البلور،[7] إذا تلألأ فيها شعاع النور، خلتها أنوار الأزهار في أغصانها، أو ~~أذيال الطواويس في اختلاف ألوانها، بل قلائد منظومة من در وجوهر، وعقود ~~ياقوت من أحمر وأزرق وأصفر، لا بل فصوصا منضدة من الماس، يتراءى فيها طيف ~~الشمس بالانعكاس. # ولما تجاوزنا الباب انتهينا إلى سهل رحيب، وواد عشيب، نبتت أرضه بالقصور ~~المنيفة، كما ينبت الروض بالأغصان الوريفة، تضل فيه الحداة، وتحار الهداة، ~~ولا بدع فالمدينة في اتساعها قطر من الأقطار، وهذا المعرض في سرتها مصر من ~~الأمصار، وما زلنا سائرين على أرض تزهو فيها أغراس الجنان والبساتين، ~~وأزهار الأغصان والرياحين، يتخللها من الدمى والتماثيل، ما يعرب عن الدقيق ~~من المعاني والجليل، فتكاد تبادرك بالخطاب، أو ترد رجع الجواب، ولما امتلأت ~~العين من هذه المحاسن الشائعة، وجن اللب من هاتيك المناظر الرائعة، التفت ~~إلى أصحابي أتلمس ما يجري في خواطرهم، وأتحسس ما يدور في ضمائرهم، فرأيت ~~الباشا يتأمل ويحدق، ويمعن ثم يطرق، وإذا هو يقول في همسه، وحديثه لنفسه: ms234 ~~لله أبوهم ما أبعد شأوهم في التشييد، وأجل شأنهم في الإنشاء والتجديد، وما ~~أسبقهم في الجد والاجتهاد، إلى التوسع وحب الازدياد، وما أشغلهم بما يكفي ~~الإنسان أقله وأدونه، ويكفل راحته أصغره وأهونه، ولو تيقن ابن آدم أن القبر ~~غايته، لم تخفق على القصور رايته، ولكان همه بحفر القبر أعظم من همه بتشييد ~~القصر، فمقامه هناك طويل، وبقاؤه هنا قليل، ولو علم أن هذه الأحجار المذهبة ~~في الشرفات العالية لا تلبث أن تنتقل صفائح في القبور البالية، لم يعمل عمل ~~المخلدين، وهو بين أظفار المنايا رهين. # تبني المنازل أعمار مهدمة %~% من الزمان بأنفاس وساعات # ووجدت «الصديق» في هذا الموقف على حال لا تتغير، وهيئة لا تتأثر، ينظر ~~إلى ما نستعظمه نظرة الفلاح إلى قريته، والبدوي إلى دمنته، لا يعجبه شيء ~~ولا يزدهيه، مما تحار أحلام الورى فيه. # لا معنى بكل شيء ولا %~% كل عجيب عنده بعجيب # إلا أنه مع ذلك غير هادئ البال، ولا ساكن البلبال، كأنما هو يغوص على ~~معنى يدق في الفهم، ويبحث في أمر يجل عن الوهم، ويستجمع لديه حواشي ~~التفكير، ويلم أشتات التذكير، فاستخبرته عما يشغله، وسألته عما يذهله، فلم ~~يسعف بالجواب ولم يسعد غير أني سمعته يترنم وينشد: # ما أقل اعتبارنا بالزمان %~% وأشد اغترارنا بالأماني! # وقفات على غرور وإقدا %~% م على مزلق من الحدثان # التفاتا إلى القرون الخوالي %~% هل ترى اليوم غير قرن فان؟ # أين رب السدير فالحيرة البي %~% ضاء أم أين صاحب الإيوان؟8 # والسيوف الحداد من آل بدر %~% والقنا الصم من بني الريان # يكرعون العقار في فلق الإب %~% ريز كرع الظماء في الغدران9 # من أباة اللعن الذين يحيو %~% ن بها في معاقد التيجان10 # تتراءاهم الوفود بعيدا %~% ضاربين الصدور للأذقان # في رياض من السماح حوال %~% وجبال من الحلوم رزان # وهم الماء لذ للعطشا %~% ن بردا والنار للحيران # ما ثنت عنهم المنون يد شو %~% كاء أطرافها من المران11 # عطف الدهر فرعهم فرآه %~% بعد بعد الذرا قريب المجاني # وثنتهم بعد الجماح المنايا %~% في عنان التسليم والإذعان # ليس يبقى ms235 على الزمان جريء %~% في إباء أو عاجز في هوان # ورأيت الشيخ «الحكيم» يهز كتفيه، وينظر في عطفيه، ويقول في التفاته ~~إلينا، وانعطافه علينا: ما أشبه الأواخر بالأوائل، في التفاخر بالباطل ~~الزائل! لا يظن ظان أن كل ما يراه من هذا المشهد الفخم، ويستعظمه من البناء ~~الضخم، بما أنفق عليه من الأموال الطائلة، وما اقتضاه من المشاق الهائلة، ~~سيدوم السنين والأعوام على الدهر، وإنما يعد بقاؤه باليوم والشهر، وليس ~~يمكث من كل هذا البناء والعمران، إلا هذان القصران، وأشار بيده إلى قصرين ~~متقابلين كأنهما في ارتفاعهما ذروتا جبلين، وهنا أخذ الباشا يستفهم منه ~~ويستعلم وأنا أنقل له وأترجم: # **الباشا****: **وما مقدار الأموال التي أنفقت في تشييد هذا ~~المعرض؟**الحكيم****: **اشتركت الحكومة في الإنفاق عليه بعشرين مليونا من ~~الفرنكات، وبلدية باريس بعشرين مليونا، وتألفت جمعية اشتركت فيه بستين ~~مليونا؛ أصدرت بها خمسة وستين مليونا من التذاكر لأيدي الناس تحت ضمانة ~~البنك العقاري.**الباشا****: **وما الغرض منه؟**الحكيم****: **الأصل فيه ~~الكسب والربح، والغرض منه عرض الأعمال والصناعات بما يظهر مقدار المسافة ~~التي تقطعها الأمة من حين لآخر في باب الإجادة والإتقان؛ ليتضاعف الجد ~~والاجتهاد وتتسابق الهمم في أسباب التقدم والارتقاء في مدارج ~~المدنية.**الباشا****: **وهل تظنه يأتي بربح عظيم؟**الحكيم****: **كان أمل ~~الربح منه عظيما، ولكن خاب الظن فيه؛ فإن الشركة قدرت عدد الزائرين ~~والمترددين عليه بخمسة وستين مليونا في مدة وجوده وهي مائتان وأربعة أيام، ~~ولكن لم يتردد عليه إلى الآن سوى عشرة ملايين وقد مضى من المدة نصفها، وقد ~~بلغ عدد الشركات التي اشتهر إفلاسها فيه سبعين شركة إلى اليوم، وآخر شركة ~~شاهدت إفلاسها أمس شركة «شارع القاهرة» ورأيتهم يبيعون «معروضاتها» وأثاثها ~~بحكم المحكمة في ناحية من نواحي المعرض كانت الشركة أقامت لها فيه مكانا ~~فسيحا، جمعت فيه ما يكون في شوارع مدينتكم من لعب القرود، والتواء ~~الثعابين، ورقص الزنوج، وتسريح الجمال، وسوق الحمير، فرأيت الجمال وهي ~~ثلاثة تباع بمائتين وخمسين فرنكا، وبيع الحمار من الأربعين حمارا بتسعة عشر ~~فرنكا، وكان من ينظر إلى هذه الدواب ms236 وهي تعرض للبيع بهذه الأثمان في غير ~~بلادها يتخيل من أعينها كأنها تندب نحس طالعهما وبخس قيمتها في غربتها، ولا ~~تسل عن سوء الحال التي كان عليها النساء والرجال المصاحبون لهذه الحيوانات، ~~وقد تداركهم «مأمور التفليسة» فخصص لهم مقدارا من الدراهم ينفق عليهم ~~لإعادتهم إلى وطنهم، وعلى الجملة فالخسارة في هذا المعرض عظيمة، وأرى أنهم ~~أخطأوا كل الخطأ بالتوسع فيه وتكبير ساحته حتى لا تكاد تدرك الدورة الواحدة ~~فيه إلا بقطع مسافة لا تقل عن عشرة كيلومترات، فوزعوه وشتتوه مع قلة ~~الزائرين والواردين، ولو أنهم اختصروا فيه لكان خيرا لهم.**الصديق****: ~~**أهذه الشركة التي تذكرها في كلامك هي «شركة المعرض المصري» الذي سمعنا ~~به؟**الحكيم****: **لا ولكنها شركة أخرى فرنسية، وليس من الضروري أن يكون ~~أصحاب الشركة من أبناء مصر.**الباشا****: **ولماذا لم تقدروا في هذا المعرض ~~حسابكم بما لكم في مختلف الأمور من الدقة وصحة النظر؟**الحكيم****: **كانوا ~~يحسبون أن أمم العالم ستهرع إليه من كل فج، وكانوا يعتقدون أن أكثر ملوكها ~~يغدون على المعرض، فينفقون فيه خزائن أموالهم ودفائن كنوزهم؛ فلم يحضره إلا ~~ملك السويد من ملوك الغرب، ولم يزره إلا شاه العجم من ملوك الشرق، وكانوا ~~قد دعوا إليه ستا وخمسين مملكة للاشتراك فيه فلم يجبهم سوى ثلاثين منها. # قال عيسى بن هشام: وكنا وصلنا في هذه الأثناء إلى باب أحد القصرين المشار ~~إليهما بالبنان المعدودين لعرض ما يسمونه بالفنون الجميلة، وهو المعروف ~~بالقصر الصغير، فعولنا على البدء بزيارته فدخلنا فإذا هو ببنائه وتشييده ~~وزينته وزخرفه ونقشه ورسمه يفوق كثيرا من قصور الملوك والقياصرة، وناهيك ~~أنهم أنفقوا في إقامته اثني عشر مليونا من الفرنكات، وقد عرضوا فيه نفائس ~~المصنوعات مما حفظ عن الأوائل منذ العصر الروماني إلى القرن الثامن عشر؛ من ~~قطعة المعدن المضروبة إلى نقوش أبواب الكنائس، ومن أواني الفخار إلى الحلي ~~والجواهر، ومن النعل المطرزة إلى التاج المرصع، وهنا يعجز القلم عن الوصف ~~والنعت، والإحاطة بمثل هذه النفائس لا تأتي من طريق الخبر والنقل بل من جهة ~~المشاهدة والعيان، ms237 ولا يمكن أن يتجلى أثرها في نفس القارئ مثل أثرها في نفس ~~الرائي، ولما فرغنا من دورتنا الأولى في القصر استوقف الصديق الباشا يسأله ~~عما شاهد من التحف، ورأى من الطرف: # **الباشا****: **ما أرى إلا كثيرا مما كان يوجد عندنا بعضه في الأسواق ~~القديمة وبعضه في البيوت العظيمة.**الحكيم****: **اعلموا أن ما ترونه هنا ~~هو أنفس الأشياء وأغلاها قيمة في العالم لا تتناول كنهها الظنون، مثال ذلك ~~أن هذه الساعة التي بجانبنا، ولم تلتفتوا إليها في وقوفكم عندها، قد رغب في ~~شرائها بعض الأغنياء فساومها بثلاثة ملايين فرنك، فلم يسمح صاحبها بالبيع ~~لقلة الثمن، وما هي إلا كرة محمولة على أيدي ثلاثة هياكل من الرخام، ولكن ~~دقة الصنعة وقدم العهد أورثاها هذه القيمة العجيبة في الثمن.**الصديق****: ~~**حقا إن التحفظ على التحف القديمة والآثار العتيقة حسنة من حسنات أهل ~~الغرب يغبطون عليها، فإن النظر إليها يورث إحساسا جليلا في النفس، وذكرا ~~جميلا بمجد الأمم الغابرة ودرسا مفيدا في التاريخ، كما أن في ذلك من حفظ ~~السلسلة في الصناعات ما يفيد الفكر، ويساعد على الترقي في العمل، وقد أهمل ~~أهل الشرق هذا الباب إهمالا لا يغتفر لهم حتى اندثرت المآثر واندرست، ولم ~~نعد نعلم من كيفيات المعايش عند المتقدمين إلا الأسماء التي غابت عنا ~~مسمياتها، وقل لي بالله: أي شيء يكون اليوم أجمل في العين نظرا وأجل في ~~القلب وقعا لو حفظنا ما ضيعه التفريط مثلا من «درة عمر» و«صمصامة معدي كرب» ~~و«قميص عثمان» و«درع علي» و«تاج الرشيد» و«راية المعز»؟ ولكنني أرى مع ذلك ~~أن الغربيين تجاوزوا الحد، وتغالوا في هذا الباب غلوا كبيرا، وذهب بهم حب ~~التنافس في اقتناء العتيق مذهبا يلامون عليه لحبسهم الأموال الطائلة على ~~أثمان هذه المقتنيات التي لولاها لكانت من قسمة الأرزاق بين العباد، وكم في ~~هذا العالم المتمدين من الألوف الذين لا يجد أحدهم فرنكا واحدا لقوت يومه، ~~بينا نرى أحد المولعين بالمقتنيات يعرض ثلاثة ملايين لاقتناء مثل هذه ~~القطعة من الرخام.**الحكيم****: **نعم لك الحق فيما تعتب ms238 به علينا من هذه ~~المغالاة لمجرد التباهي والتفاخر، مع حرمان الناس من أرزاقهم، ولكن ليس ~~عندنا من الوقت الآن ما يكفينا لبسط القول في نصرة المذهب الاشتراكي. # قال عيسى بن هشام: وأدركنا التعب والكلال، وإن لم يكن يدركنا السأم ~~والملال، واحتاج الجسم إلى الراحة والسكون، فغادرنا القصر وفي النفس منه ~~بلابل وشجون. ### | القصر الكبير # قال عيسى بن هشام: وزرنا القصر الكبير، بعد القصر الصغير، أعني الآية ~~الكبرى، بعد المعجزة الصغرى، ناطقة بما لا يتصور من جمال الوضع، وحسن ~~الصنع، فيما احتواه هذان البناءان من الكنوز التي لم تجتمع لأحد من قبل، ~~ولم يظفر بمثلها ملك في الدهر، ولا قيل ما كنوز قارون عندها إلا من الترب ~~والحصى، ولا قرط «مارية» إلا من الخرز أو النوى، وما طوق «عمرو» إلا طوق ~~أسر، وما أسلاب الإسكندر لديها إلا من أطمار «المجاذيب» و«الأولياء»، ولا ~~وشي «دارا» إلا من فراء «العرفاء» والفقهاء، وما أقلام البلغاء إلا مغازل ~~النساء، إذا هي حاولت في وصفها تسطيرا، ورامت لنعتها تحبيرا. # وماذا تقول في خزائن المسكونة تسكن في دارين، وأفلاذ البسيطة مبسوطة بين ~~جدارين، لو توزع بعض ما اختزناه على الخلق، لم يكد أحد بعدها في طلب الرزق، ~~ولم يشك شاك من عيش الحرمان، ولم يبك باك من بؤس الزمان، ولأصبح المحروم ~~بين الورى غنيا، وغدا اسم الفقر في الدنيا خبرا مطويا، ولتساوى الناس في ~~الرتبة والقدر، ولم يسلكوا فيما بينهم سبل الختل والغدر، نعم ولم يغر سالب ~~على مسلوب، ولم يفتك غالب بمغلوب، ولم تقترف في العيش المآثم والذنوب، ولم ~~يبق للنفوس في الدنيا من مشتهى ولا مطلوب، فالقصران قائمان يفخران على ~~الدهر، لما ليس له به عهد من الثراء والوفر، وسرنا في أنحاء الغرف، نتأمل ~~التحف والطرف، ومن أبدع ما اجتلاه النظر بين تلك الدرر والغرر، معرض ~~التماثيل والصور، فكم هناك من صور براها الإتقان والإحكام، تمثل للعقول ~~والأفهام، ما لا يمثله تأليف الكلام، وتشخص لك حوادث التاريخ ومناظره، كأنك ~~كنت حاضره وناظره، ويوضح لك قلم ms239 الرسم والتصوير، ما يعجز عنه قلم الخط ~~والتحرير، من مكنون الأهواء والأشجان بلفظ مبين من النقوش والألوان: # أراك المنى فتمنيتها %~% وصاغ لك الطيف حتى انبرى # فما شئت فيها من أثر يجلو صدأ الحس، ويرقق حواشي النفس، فتتولاك هزة ~~الطرب لرؤيتها، وتعتريك نفخة السحر من هيئتها، فتكاد تئن للفارس المقتول ~~وتعطف على الواله المتبول، فتترحم على قتيل الرمح والحسام كما تستغفر لشهيد ~~الهوى والغرام، وتستبيك الفتاة الحسناء، والكاعب العذراء، فتصبو إلى ~~محبتها، وتطمع في مودتها، لولا عيون الرقباء من أهلها، وهم ضاربون من حولها. # وترى هناك صورة غادة باهرة الخلق، عريقة الحسن والعتق[1] يتألق على وجهها ~~نور العفاف والصيانة، ويبدو على محياها خصال الرزانة والركانة[2] مع قوة ~~الشكيمة، وثبات العزيمة، قد وطئت تحت أقدامها غولا من الأغوال، لها مائة فم ~~للنهش والاغتيال وطعنتها بالرمح في أحشائها فأوردتها مورد فنائها، وعلى رأس ~~الغادة فوج من ملائكة النصر، يتوجونها تاج العز والفخر، وتلك هي صورة ~~«الفضيلة»، في مصارعتها «للرذيلة»، وعن يمينها حرة بارعة الجمال، بادية ~~المهابة والجلال، ترمقها بعين المستبشر بظفر حزبه، والمغتبط بنيل سؤله ~~وإربه، وتلك هي «الحكمة» التي لا تنال الفضيلة إلا بها، ولا تدرك إلا ~~بخالصها ولبابها، وعن شمالها حرة أخرى يتلألأ في غرتها نور المعرفة ~~واليقين، وقوة الإدراك والتمكين، تحمل على كتفها طفلا في سن الرضاع، وتمسكه ~~في يده شبه القلم أو اليراع، وهي تنظر إلى «الفضيلة» نظر التوقير والتعظيم، ~~في موقف التبجيل والتكريم، وتلك صورة «العلم» وفضله، وذلك الطفل صورة ~~الإنسان في جهله. # وترى امرأة نصفا وضعت على كل ثدي لها طفلا ترضعه وتضمه، وكأنها تقبله ~~وتشمه، ومن حولها أطفال عراة تجذبهم إلى حجرها، وتسترها بفضل إزارها، وعلى ~~محياها سمات الغبطة والارتياح، وعلامات الرضا والانشراح، فيكاد يلوح فيها ~~ما طوته يد الزمان، من براعة الحسن والافتتان، وتلك صورة «الخير والإحسان». # ثم ترى صورة وليدة من حسان الولائد، وخريدة من أبهى الخرائد، كأنها ~~المهاة في المخائل، والظبية في الشمائل، يطول شعرها فضل الإزار، ويريك ~~الليل في وضح النهار. # بفرع ms240 يعيد الليل والصبح نير %~% ووجه يعيد الصبح والليل مظلم # تبدت في ملتف غابة أغصانها من العود والند، وأغراسها من البنفسج والورد، ~~فالأرض مفروشة بمنثور الأزهار، والسقف معروشة من أغصان الأشجار. # فهي تختال في زبر جدة خض %~% راء تغذى بلؤلؤ منثور # وغدت كل ربوة تشتهي الرق %~% ص بثوب من النبات قصير # وقد نثرت الشمس عليها مثل نثار العرائس، بدنانير تعيي أيدي اللوامس، كما ~~عيي المتنبي بمثلها من قبلها، وهو يجتاز شعب بوان، ويصف فيه التفاف ~~الأغصان: # فسرت وقد حجبن الحر عني %~% وجئن من الضياء بما كفاني # وألقى الشرق منها في ثيابي %~% دنانيرا تفر من البنان # والأطيار واقفة من حولها على هيئة التغريد، وترديد النشيد، كأنها تجاوب ~~الفتاة في سؤالها، عن أوبة خلها، بأن لكل حمامة منا شوقا ينازعها، إلى إلف ~~يضيعها، فيشتد بالفتاة الولع والهيام، وتشترك في الهديل مع الحمام، وتلك هي ~~«الطبيعة» في جمال الفطرة، وجلال القدرة. # وترى «هوميروس» آدم الشعر اليوناني وهو أعمى البصر، ملتفعا بالوشي ~~والحبر، تضيء لحيته بنور المشيب، ويملأ العين بالمنظر المهيب، متربعا على ~~سرير الملك، ملك الأشعار، لا ملك الأقطار، وسلطان الأوزان، لا سلطان ~~البلدان، وشعراء الجن يكللونه بأكاليل الانتصار، وشعراء الإنس بين يديه في ~~موقف الإعظام والإكبار، من «هبرنون» و«إسكيل» و«هوراس» و«فيرجيل»، وعن ~~يمينه أبطال الشجعان وفرسان الزمان، ممن روى الشعر أنباءهم وخلد النظم ~~أسماءهم، وهم على سمة الخضوع وهيئة الخشوع، من «أشيل» و«إسكندر»، و«إينيه» ~~و«قيصر» وعند رأسه كاعبان، كأنهما اللؤلؤ والمرجان، متفقتان في جمال الوجه ~~والجسم، وإن اختلفتا في الشكل والرسم، هما الفنان اللذان ابتكرهما في ~~الشعر، منذ شبيبة الدهر، والشعراء في وقوفهم كأنهم يتأدبون بأدبهما، ~~وينعمون بقربهما، والقيان من حولهما صفوف، يضربن بالمزاهر والدفوف، ويوقعن ~~النغم واللحن، على ذلك النظم والوزن. # ومن لنا بهذا الشاعر وأمثاله من الأولين الأقدمين، والسابقين المقدمين، ~~يصورون بأشعارهم ما بين أيدينا من صور هذه الألواح المهارق، فالتصوير شعر ~~صامت والشعر تصوير ناطق. # ولما أفقنا قليلا من نشوة الإعجاب والازدهاء، واقتربت زيارتنا من ~~الانتهاء؛ إذ نحن برجل أمامنا ms241 رث الثياب، خلق الجلباب، كأنه المعني بقول ~~القائل من شعراء الأوائل: # أخو سفر، جواب أرض، تقاذفت %~% به فلوات، فهو أشعث أغبر # وقد اختلط شعر جبهته بشعر لحيته، فاختفت بينهما مقاطعه وملامحه، وغمضت ~~أساريره ولوائحه، ونحل جسمه نحول الشاة بالأجادب،[3] وطالت أظافره فتقوست ~~كالمخالب، واختزن فيها الوسخ فصارت كالمكاحل علقت بها المراود، أو كخطوط ~~الحداد على صفحات الجرائد، وهو يلحظ الداخلين والخارجين لحظة المزدري ~~المحتقر، ويذهب بنفسه ذهاب المبتدع المبتكر، والناس يقابلونه مع ذلك ~~بالاحترام، ويواجهونه بالإكرام، فالتفت الباشا إلى صاحبنا «الحكيم» يستخبره ~~عن هذه الكتلة من الدمامة، والكومة من القمامة، وكيف راق لهم الجمع بين هذه ~~المناظر الحسان، وبين منظر هذا الشيطان، فاشتبك بينهما الخطاب، وأخذت أترجم ~~لهما في السؤال والجواب: # **الباشا****: **أفما كان ينبغي منع هذا الرجل وأمثاله عن هذه الأماكن ~~النفيسة؛ ليحفظوا لها رونقها، ولئلا يضيعوا بهجتها في نفوس الزائرين؟ ولكن ~~لعلهم أرادوا بذلك صرف عين الكمال.**الحكيم****: **هذا الرجل هو من كبار ~~المصورين الذين نفتخر على العالم بصنع أيديهم، مما ابتهج به نظرك في هذا ~~القصر الذي أقيم لتفخيم هذه الصناعة، وأنفق على تشييده أربعة وعشرون مليونا ~~من الفرنكات، ولا تعجب من تفاوت المنظرين؛ فالذهب من التراب والماس من ~~الفحم.**الباشا****: **وكيف جاز لكم أن تتركوهم على مثل هذه الحالة من ~~الفاقة وشظف العيش، وتضنوا عليهم بما يصلح أحوالهم وينقذهم من هذه الرثاثة ~~التي يرثي لها الناظر؟ وإن كانت هذه الصناعة لا تدر الرزق على أربابها فلم ~~هذا التشييد لها وشدة العناية بها؟**الحكيم****: **إن هؤلاء الذين تعطف ~~عليهم هم بيننا أوسع الناس رزقا، وأكثرهم بضاعة رائجة، واللوح الواحد من ~~صنعتهم يقدر بالمئات من الألوف وبالملايين، وليست هيئتهم هذه عن حاجة أو ~~فاقة، وإنما هي ناشئة عن إهمال أنفسهم وذهول عقولهم، وعذرهم فيها أن أرباب ~~الأعمال الدقيقة التي يغوص فيها الفكر، وتجهد القريحة ويتوزع لها الذهن في ~~عالم الخيال قل أن تتوازن فيهم قوى الدماغ، فما تنمو قوة إلا بضعف أخرى، ~~فيصيبهم من الفتور والذهول ما يقصر بهم عن النظر ms242 في نظام الملبس والمطعم، ~~ولا يميزون في المعيشة الطيب من الخبيث، فتختل أجسامهم وتسوء أخلاقهم إلى ~~أن ينتهوا إلى حال من الطيش والحماقة، لا تطاق معها المعاشرة مع الأقارب ~~والأجانب، ومنهم من يتصنع ذلك كما يتصنع بعض أهل الدين التقشف والزهد، وقد ~~ألف الناس ذلك منهم فإذا قيل لك: هذا فلان الشاعر أو فلان الصانع أو فلان ~~المتفنن، غفرت له ما ساءك من منظره لما يسرك من مخبره، وربما لم يكن عند ~~بعضهم من حسن الصناعة سوى قبح الهيئة ورثاثة المرأى.**الصديق****: **إني ~~لأعجب لقوم يعتمدون في أعمالهم على رءوسهم ثم يذهلون عن أبدانهم، وقد علموا ~~أن القريحة السليمة لا تسكن إلا الجسم السليم، وكيف يصح البدن إذا لم ~~تتعهده النظافة وطيب الغذاء وحسن الرياضة وقضاء الفروض الطبيعية له، ولقد ~~يعرض للرجل المتفكر وهو في تجلي قريحته أن يشم رائحة كريهة أو يبصر منظرا ~~رثيثا، فيضيق في الحال صدره وينقبض فكره، فكيف بمن يجد ذلك في نفسه ويحس به ~~في جسمه، وأحر بمن ينقطع في عمله للفنون النفيسة أن يكون نفيسا في ذاته، ~~فلا يعرف عجرفة الطبع ولا شراسة الخلق بما تولده فيه من صفاء الحس ولطف ~~الشعور، وبما تورثه من حلاوة الشيم ورقة الطبع، وعلى الوجه الأعم، لست أدري ~~ما فائدة العلوم والمعارف والفنون إذا لم تكسب صاحبها بادئ الأمر محاسن ~~الأخلاق ومكارم الصفات، فيكون القدوة الحسنة لمن يقتدي بعلمه ويتأدب بأدبه، ~~وإلا فكيف تنبت الزهرة من السبخة، ويسطع النور من مهجور ~~القبور؟**الحكيم****: **صدقت وأجدت، ومن قصر في تربية نفسه فكيف يطمع في ~~تربية غيره!**الباشا****: **وماذا يصنع هؤلاء الصناع بهذا الرزق الواسع ~~والثراء الوافر، وحالهم في سوء المعيشة على ما أسمع وأرى؟**الحكيم****: ~~**يصنعون به ما يصنعه أهل الطيش والنزق من أرباب المواريث في الإسراف ~~والتبذير، وهم لشغفهم بالجمال الذي تستمد صناعتهم منه حسنها ورونقها لا ~~يفترون عن التولع بالنساء والافتتان بمحاسنهن، فترى ثمن اللوح الثمين يخرج ~~من خزانة الغني المتباهي إلى يد الصانع المفتون، إلى كيس الفاجرة الهلوك، ~~إلى صندوق ms243 التاجر والصائغ، وعندهم أيضا باب إنفاق عظيم على طائفة من النساء ~~التي يطلقون عليها اسم «المثال».**الباشا****: **وما ~~«المثال»؟**الحكيم****: **«المثال» هو المرأة التي يتخيرها المصور؛ ليأخذ ~~في التصوير على مثالها لجمال وجهها أو لحسن تركيبها وتناسب أعضائها، فهذه ~~لزندها، وهذه لنهدها، وتلك لقوامها، والأخرى لشكل ابتسامها، وهلم جرا، فترى ~~غرف المصورين ممتلئة بهاته «الأمثلة» التي تختلف أجورها باختلاف أقدارها، ~~وقلما تدخل على مصور في مصنعه إلا ترى أمامه امرأة مكشوفة البدن، عارية ~~الجسم، يقلبها كيف شاء ذات اليمين وذات الشمال حتى تصير على الشكل الذي ~~يريد أن يملأ عينه منه، ويحصره في ذهنه ليخرج الصورة على ~~مثاله.**الباشا****: **ما هذا الذي تحكيه من التبذل والتفضح؟**الحكيم****: ~~**ليس هذا عندنا بعيب ولا نقص، ولا غضاضة على النساء منه؛ فالأمر معدود ~~بينهن كأنه صنعة من الصناعات الجليلة، لا عار في مزاولتها، ولا بأس على ~~السمعة منها، وعندنا اليوم خلاف قائم: هل يجوز للمصور أن يمارس صناعته على ~~هذا الشكل في طريق الناس، وفي مسالك السابلة كما يفعل ذلك في داخل مصنعه؟ ~~فإن أحد المصورين عن له بالأمس أن يصور صورة انبعاث القبور، فقصد إحدى ~~المقابر وجلس هناك بأدوات صناعته وفيها امرأتان للمثال، وأقامهما أمامه ~~وهما عاريتا الجسد، وكان يقيم هناك في كل يوم الساعة والساعتين على هذه ~~الحال يمعن بنظره في الفتاتين، ثم يخطط ويصور، وكان بجانب المقبرة دار تبنى ~~قام على حائطها البناءون فاشمأزوا من هذا المنظر، ودفعهم دافع الحياء إلى ~~مخاطبة المصور ليعدل عن قبح ما هو فيه، فلم يعبأ بهم ولم يبال بتأنيبهم ~~واستمر على ذلك أياما، فرفعوا الأمر إلى رجال الشرطة ثم إلى قضاة المحاكم ~~لمنع الرجل عن هذا الفعل السيئ، ولا تزال الجرائد تتجادل في المسألة أيجوز ~~المنع أم لا يجوز، فبعضها يذهب إلى وجوبه ارتكانا على نص القانون الذي ~~يعاقب من ينتهك حرمة الآداب العامة في الطرق، وبعضها يرى الإباحة؛ لأن كل ~~إنسان حر في صناعته، ولا يجوز لأحد أن يحول بينه وبين ما فيه إتقان صناعته ~~وإجادة فنه.**الباشا****: ms244 **نعوذ بالله من هذه البدع. # قال عيسى بن هشام: وانتهينا بالخروج من القصر بعد أن كدنا نضل فيه لاتساع ~~أطرافه ونواحيه، وتعدد غرفاته وحجراته، وهي كلها غاصة بالصور والتماثيل، ثم ~~وقفنا في الخارج وقفة الإجلال والإعظام أمام هذين القصرين اللذين هما تاجا ~~المعرض وإكليلا الصناعة، وعاد الباشا إلى «الحكيم» يسأله: # **الباشا****: **وماذا يكون شأن هذين القصرين بعد انتهاء ~~المعرض؟**الحكيم****: **يبقيان على حالهما دون أبنية المعرض لعرض أعمال أهل ~~الصناعة والتصوير في كل عام.**الصديق****: **إنني كلما نظرت إلى هذه ~~العناية الكبرى عندكم بفن التصوير والغلو فيه إلى هذا الحد، ثم نظرت إلى ~~قلة العناية به عندنا حرت في معرفة السبب، فإن كان ذلك ناشئا عن الترقي في ~~المدنية، فإنني أراه فيكم قديما منذ جاهليتكم الأولى كما أراه والمدنية ~~مسفرة بينكم، وربما كان القديم أبدع من الحديث، مع أن أهل الشرق على ما ~~تعلمون أوسع مجالا في الخيال وأبعد شأوا في التصور، فكيف نما هذا الفن فيكم ~~دون أن ينمو فينا؟**الحكيم****: **إن أهل الغرب كانوا قبل الدين المسيحي ~~أهل عبادة للأوثان والأصنام، فقضى الاعتقاد الديني بإتقان الرسم والتصوير، ~~واتسع نطاقه على الأخص في الدولة اليونانية والدولة الرومانية حتى تعدى ~~التصوير تماثيل الآلهة إلى تماثيل الخلق، فأقيمت التماثيل لكبراء الرجال ~~وعظماء الأبطال، ووصل الغلو في ذلك أيام الدولة اليونانية أنهم أحصوا ~~ثلثمائة تمثال لشخص واحد في شوارع «أثينا» في حال حياته، فلم تمكث بعد ~~وفاته ثلثمائة يوم؛ لأنه كان ممن نال الشهرة بالباطل، وعلو الصيت على غير ~~استحقاق، ومن ملح ما يروى في هذا الباب أن بعض الناس قال لعظيم من عظمائهم ~~جليل القدر كبير الخطر: إني لأعجب لأهل «أثينا» يقيمون لمثل هذا الرجل ~~ثلثمائة تمثال بغير حق ولا يقيمون لك تمثالا واحدا، وأنت المقدم المفضل ~~فيهم؟ فقال له: لأن يتعجب الناس مثلك من أنهم لم يقيموا لي تمثالا واحدا ~~أفضل عندي من أن يتعجبوا لماذا أقيمت لي التماثيل، ولما دخل الدين المسيحي ~~على هذه الحال لم يحظرها ولم يحرمها، فاستمر الناس على ms245 ما ألفوه، وتناولوا ~~الدين المسيحي نفسه بفن النقش والتصوير وصوروا المسيح وأمه في كثير من ~~أطوار حياتهما، ودونوا به ما شاءوا من روايات التاريخ المقدس، فبقيت ~~العناية بذلك متصلة قائمة إلى اليوم بخلاف الدين الإسلامي عندكم فإنه حظر ~~التصوير؛ فكان هذا سبب تقلص هذا الفن بين الأمم الإسلامية، وإلا فهو منتشر ~~في الشرق انتشاره في الغرب بين الأمم الوثنية كالصينيين واليابانيين ~~والمجوس من أهل الهند. # قال عيسى بن هشام: وسرنا عن هذين القصرين نقصد سواهما من المعاهد، ونقف ~~على ما اشتهر في المعرض من المرائي والمشاهد. ### | الأشجار والأزهار # قال عيسى بن هشام: ودخلنا معرض الأشجار، وبستان الأزهار، في قصر لم يبن ~~بناء القصور والديار، ولم تشد أركانه بالشيد فوق الأحجار،[1] ولم ترتفع ~~بالآجر حجره وغرفه، ولم تتخذ من الخشب أبوابه وسقفه، بل عقدت له القباب ~~والأبراج، من صقيل البلور وسبيك الزجاج، فهو صرح ممرد من قوارير،[2] كأنه ~~لجة يم أو صفحة غدير، لو دخلته «بلقيس» صاحبة العرش في الأيام الخالية، ~~لكشفت عن ساقيها مرة ثانية، جمعوا فيه أشتات النبات الغض، من كل بقعة ~~وناحية في الأرض، مما ينبت بين ثنيات الجليد، وتنشق عنه صم الجلاميد، وما ~~اخضر في ربا الصحراء، وأورق في وهاد البيداء، وأزهر في الجمد، وأينع في ~~الومد،[3] ومن حيث تجري الأنهار والجداول، إلى حيث تعتصم الأراوي ~~والأجادل،[4] ومن حيث تشدو الحمامة الورقاء، تحت الظلال والأفناء، إلى حيث ~~تدور الحرباء، حول الغزالة في كبد السماء،[5] ومن أدنى الشرق إلى أقصى ~~الغرب، ومن طرف القطب إلى طرف القطب، فما أردت هناك من جميع الأنواع، في ~~متفرق البقاع، ما بين ملتف ومنتشب،[6] ومتسلق منه ومتشعب، يفتر بكل محمر ~~ومبيض ومذهب ومفضض، ومشرق ومومض، وأين ابن الرومي يتأملها فيخلع عنه رداء ~~الفخر والتيه، ويقر بعجزه في الوصف والتشبيه، ويحرق ديوانه بكبريته ~~المذكور، في تشبيهه المشهور: # ولازرودية تزهو بزرقتها %~% بين الرياض على حمر اليواقيت7 # كأنها وضعاف القضب تحملها %~% أوائل النار في أطراف كبريت # هنالك تستبيك ألوان الأزاهر، بما يزري بلمعان الجواهر، فما ms246 الياقوت عندها ~~والزبرجد، وما الفيروز والزمرد، وما العقيق والجمان وما الدر والمرجان! ~~وكيف يقاس الحجر بالشجر، وتستوي الحصباء اليابسة بأكمام الأغصان المائسة، ~~وكيف يقدم الجامد الثابت على النامي النابت، وأين الحركة من السكون، ~~والمنشور من المدفون، وأين المنثور على ظهر الروضة الزهراء من الملحود في ~~بطن الغبراء! ولئن انتظمت القلائد، بجواهر تلك الفرائد، في لبات الخرائد، ~~وكان مكانها من الحور في المعاصم والنحور، لكانت هذه الزهور، بيت الرئات ~~والصدور، وكم أنعشت خامد النفوس والأرواح بطيب الأنفاس وشذى الأرواح، ~~فوقفنا نستنشق الأريج والنشر، من أصناف ذلك الطيب والعطر، لو كان معنا ضرير ~~المعرة رهن المحبسين لانقلب منشرح الصدر قرير العين، ولأنس من وحشته، وذهل ~~عن فاقته وخلته،[8] وعلم أن من المسكر ما هو طلق حلال، ولم يتلهف على شرب ~~المعتقة حيث قال: # تمنيت أن الخمر حلت لنشوة %~% تجهلني كيف اطمأنت بي الحال # فأجهل أني بالعراق على شفا %~% رزي الأماني لا أنيس ولا مال # وما زلنا في هذه الروضة الغناء، والجنة الفيحاء، نردد قول العبد الصالح ~~الأواه: @QUR@012 ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله . # ونكرر النشيد، لبيت التوحيد: # ففي كل شيء له آية %~% تدل على أنه واحد # حتى إذا آن أوان الانصراف، خرجنا من بين هذه الجنة الألفاف[9] خروج أبينا ~~من دار الخلود والبقاء، إلى دار الهموم والشقاء، ولما تركناها إلى نواحي ~~المعروض ضؤل في أعيننا، ما كان يروقنا ويزدهينا، وصغر في أنفسنا، ما كان ~~يخلبنا ويشجينا، وذبل أمامنا ما كان من المناظر ناضرا، وذال ما كان فخما ~~نادرا،[10] وغلب ذلك المنظر على كل بديع رائع، من مختلف الفنون والصنائع، ~~وأين قدرة الحيوان الناطق، من قدرة المبدع الخالق، وما تسويه آلات المصانع، ~~مما تصوره يد البارئ الصانع، وكاد الباشا يهم بالرجوع من حيث أتينا، ويقتصر ~~في يومه على ما رأينا، لولا أن استوقفنا قول «الحكيم» للصديق في عرض كلامه، ~~عن ترتيب المعرض ونظامه: # **الحكيم****: **نعم تنقسم أماكن المعرض إلى قسمين: هذا القسم الذي شاهدناه ~~من نفائس الصناعة ms247 والطبيعة، وهو مباح للزائرين بغير أجر، وقسم آخر أقاموه ~~لترويح النفس، واستجلاب الأنس بالمشاهدات الغريبة والمناظر البديعة يدخله ~~الداخلون بأجر معين.**الصديق****: **لقد قرأت في الجرائد عن هذا القسم ~~الأخير ما يعجب ويدهش، وأشد ما تشتاق نفسي لزيارته تلك «النظارة المعظمة» ~~الهائلة، التي اخترعوها لمشاهدة القمر على بعد متر واحد، فتحيط به العين في ~~زعمهم كما يحيط الجالس في الغرفة بأجزاء جدرانها، فأين ذلك المكان منا ~~الآن؟**الحكيم****: **ليس هو ببعيد، وهم يسمونه «قصر الأضواء والمرايا» ~~ولطالما أسهبت الجرائد كما قلت في وصفه بما يهيج الرغبة إلى زيارته، ولم ~~أزره بعد، فهلم بنا نقصد قصده.**الباشا****: **البدار! البدار إلى زيارته، ~~فلو كان ما يقولونه عنه صحيحا لكان إحدى المعجزات. # قال عيسى بن هشام: وسرنا جميعا نلتمس هذا المكان حتى وصلنا إلى قصر مشيد ~~قل أن يكون مثله لكبار الأمراء والملوك في فخامته وضخامته، ووجدنا مكتوبا ~~على بابه بين صور الكواكب والنجوم هذه العبارة باللغة اللاتينية: «من هنا ~~يصعد الإنسان إلى أجرام الكواكب ويتصل باللا نهائية»، ولما دخلناه رأيناه ~~مزدحما بالجموع، فبدأنا معهم بالدخول في حجرة واسعة تبلغ خمسة عشر مترا في ~~الطول وعشرة في العرض، وهي مقسمة بالمثلثات والأضلاع من زجاج المرايا ~~القائمة يبلغ علو الواحدة منها مترين ونصفا في عرض متر ونصف، وقد تخللتها ~~مصابيح الكهرباء، فإذا نظر الإنسان بين تلك الأضلاع والمثلثات رأى صورته ~~تتعدد بالمئين، وإذا مشى بضع خطوات ضل الطريق ولم يهتد السبيل، وكلما ظن ~~أنه وجد منفذا للخروج منه اندفع إليه، فيصطدم وجهه بزجاج المرايا فتعلو ~~أصوات الضاحكين وهم في حيرتهم وضلالهم، ولا يزال على هذه الحال مدة من ~~الزمن حتى يصل إلى نهج الطريق من طريق الاتفاق، وما أوسع مجال الخيال هنا ~~للشعراء في وصف أشكال الزائرات، وانطباع صورة الواحدة منهن على صفحات ~~المرايا ألف مرة كما تنطبع محبتها، وهي واحدة، على صفحات قلوب الرجال وهم ألوف. # ولما اهتدينا للخروج من هذه الغرفة التي يضل الداخل فيها كما يضل الراكب ~~في الفيافي والقفار، سرنا نقصد غيرها، و«الحكيم» ms248 يقول «للصديق» في حديثه: # **الحكيم****: **إن الفكرة في إقامة الأماكن والأبنية على أوضاع وأشكال، ~~يضل الداخل فيها ولا يهتدي للخروج سبيلا شيء قديم في الوجود، وقد علمنا أن ~~قدماء المصريين هم أول من شيد الأبنية للضلال والتيه، منها الهيكل الذي رآه ~~«هيرودوتس» في زمانه ووصفه في تاريخه، وكان يحتوي على ثلاثة آلاف حجرة ~~بعضها متداخل في بعض، فمن دخل هذا المعبد ولم يكن معه دليله ضل فيه حتى ~~يهلك جوعا، ولا يزال أثره باقيا عندكم إلى اليوم بقرب بحيرة «موريس» أمام ~~المدينة القديمة المعروفة بمدينة «التمساح»، وقد حذا قدماء اليونانيين حذو ~~المصريين، فأقاموا في مدينة «كريد» معبدا يماثله، ومما يذكر عنه في ~~أساطيرهم أن غولا من الغيلان كانت تفسد في الأرض وتعبث ثم تلجأ إليه فلا ~~يدركها أحد، وصمم أحد المشهورين من شجعانهم على اتباع أثرها والفتك بها، ~~فلم يتوصل إلى ذلك إلا بالحصول على خيط معلوم دلته عليه عشيقته، فربط طرفه ~~عند الباب قبل دخوله وسار به في طريقه فأدرك غايته وفتك بالغول واهتدى به ~~في رجوعه، والفرق بين ما صنع القدماء في السالف وما صنعه المحدثون في ~~الحاضر كما ترى أن بناء المتقدمين من الحجر وبناء المتأخرين من الزجاج. # قال عيسى بن هشام: ودخلنا بعد ذلك غرفة في إثر أخرى، وكلها على هذا النمط ~~من انعكاس الأضواء في المرايا وتعدد الصور، فتتخيل هنا بئرا وهناك بحرا إلى ~~غير ذلك من وجوه التخييل، ثم انتهينا إلى تلك الغرفة المنشودة التي يرصد ~~فيها القمر على بعد متر واحد، فما جاوزنا بابها حتى أطفئت في وجوهنا ~~المصابيح وتخبطنا الظلام الدامس، ثم سلطوا أشعة الكهرباء على قسم من الحائط ~~فأضاءت عليها خريطة القمر مصنوعة بكيفية تتبين فيها مرتفعات كرة القمر ~~ومنخفضاته، فتتراءى لك الأولى بمقدار قلامة الظفر والأخرى بمقدار خروق ~~الغربال، ووقف هناك رجل كالمرشد يشرح للناس ما يشرحه عن هذا الرسم، ويزعم ~~أنه صورة القمر بعينه على بعد سبعين كيلومترا كما يرى في «النظارة» التي ~~انتشر الإعلان عنها بأنها تريكه على ms249 بعد متر واحد، وأسهبت فيها مقالات ~~الجرائد العلمية والسياسية مدة من الزمن قبل افتتاح المعرض، ثم خرجنا ~~و«الصديق» يقلب كفا على كف من شدة الدهش والعجب، ويسأل صاحبنا «الحكيم» عن ~~كنه هذا الغش والكذب: # **الحكيم****: **خفض عليك، فإن أكثر ما تقرأ من التفخيم والتهويل لمثل هذه ~~المسائل في الجرائد لا يعول عليه، فإنها تتعمد ذلك لمصلحتها الخاصة لما ~~تتناوله عليها من الأجور، ولمصلحة أبناء البلاد في ترغيب الناس إلى زيارة ~~المعرض، وهي تستحل الغش والكذب في سبيلهما، ولا تعجب إن قلت لك: إن الذي ~~باشر هذا المشروع هو أحد مشاهير المستعمرين من النواب عندنا؛ فقد قام في ~~المجلس خطيبا وطلب منه الموافقة على إقامة المعرض العام، وأعلن أنه وجد ~~عنقاء المعرض والآية الكبرى في ارتقاء الصناعة بإنشاء «نظارة معظمة» يرى ~~الناظر فيها القمر عن بعد متر، وما زال يحكي والجرائد تكتب حتى أنشأ شركة ~~من بعض الفلكيين لعمل هذه «النظارة»، التي يقولون عنها: إنها تري القمر على ~~بعد سبعين كيلومترا، وأقاموا هذا القصر بمناظره لاجتناء الربح من تهافت ~~الزائرين وإقبالهم عليه لرؤية المعجزة الكبرى، وعلى هذا تدور أكثر الأمور ~~بين الناس في العالم من التهويل الباطل في أقوالهم، والغلو الفاضح في وصف ~~أعمالهم بمقدار الفرق ما بين المتر الواحد والسبعين كيلومترا، والرابح فيهم ~~من كان ماهرا في الغش والخداع، والفائز فيهم من كان سباقا في المكر ~~والاحتيال. # قال عيسى بن هشام: وانصرفنا ونحن نعجب من هذا النائب الذي لم يكفه الغش ~~من طريق السياسة والاستعمار، حتى ترقى فيه إلى طريق الكواكب والأقمار. ### | المرائي والمشاهد # قال عيسى بن هشام: وسرنا في قسم المرائي والمشاهد، ندخل واحدا منها في ~~إثر واحد، فلا نجد فيه، عندما نوافيه، مصداق ما سمعنا من وصف واصفيه، بل ~~ربما وجدنا ما يخالفه وينافيه، إلى أن وصلنا إلى قصر مشرف منيف، يزهو على ~~القصور بحسن الترصيص والتصنيف، أعدوه هناك لأنواع الرقص والعزف، وفنون ~~القفز والقصف، منذ عهد البداوة الغابرة، إلى عهد الحضارة الحاضرة، ومن عيش ~~الخشونة والشظف إلى ms250 عصر النعومة والترف، فما شئت من رقص الحماسة والشجاعة ~~إلى رقص الخلابة والخلاعة، فترى رجال البداوة يرقصون بالسيوف في مواقف ~~الحتوف، وترى العذارى من ورائهم يضربن بالدفوف ويصفقن بالكفوف، تحريضا لهم ~~على الحرب وإلهابا، وإثارة لهم على العدو وإغضابا، فتحلو لهم مضاضة الإقدام ~~كما تحلو لشاربها غضاضة المدام، ويرتشفون كئوس المنايا، كما يرتشف سواهم ~~رضاب الثنايا. # ثم ترى رقص الآيبين من السفر، والقافلين بالنصر والظفر، بين عذارى الحي ~~وجواريه، وسبايا العدو ومأسوريه، بإشارات تبين أيما بيان، عن مكنون الهوى ~~والأشجان، في صدور ملؤها الغيرة والشمم، وقلوب حشوها الشهامة والكرم، ونفوس ~~تفزع لصولتها الوحوش الكواسر، وتفرق من هيبتها الأسود الكواشر، لكنها تخضع ~~لربات القدود والنهود، خضوع العابد للمعبود، فتتفرق لديها أوزاعا، وتطير ~~أمامها شعاعا،[1] إن خشيت منها بادرة صد وجفاء، أو حركة نفور وإباء، وهن ~~يقابلن حركات التذلل والتزلف بحركات التدلل والتعفف، ويجزين على التولع ~~بالترفع والتمنع، ويبدين لطيف التجني ببديع التثني، ويغضضن من أبصارهن في ~~جلائهن وإسفارهن، ثم يسرعن إلى الالتفاف، ويسترن ما انحسر من الأطراف؛ ~~فيرتد طرف الواله حسيرا، وقلب الهائم كسيرا، وما أبدع الحياء في الوجه ~~الجميل، كماء الفرند في السيف الصقيل، إذا عارض حياء الشجاعة في الفارس ~~المغوار، فل غربه عن ربة الحجل والسوار، وكأنما الشجاع منهم في يد الغادة ~~لا يفتأ ينشد قول أبي عبادة: # نحن قوم تذيبنا الأعين النج %~% ل على أننا نذيب الحديدا # طوع أيدي الغرام تقتادنا البي %~% ض ونقتاد بالطعان الأسودا # ثم رأينا أشكالا متفرعة من الرقص والحجلان، وأنواعا متعددة من الدوران ~~والخطران، مما هو شائع عند عبدة الأوثان، وسائغ مباح في بعض الأديان، حتى ~~يجد المشاهد لحركة تلك الأبدان، ما يجده راكب السفينة من الهيضة والغثيان، ~~وكأن الأصل في ذلك إنهاك القوى الجسمانية لإضعاف الجواذب الشهوانية. # ثم شاهدنا بعد ذلك ما في رقص المدنية والحضارة، من الفضاحة والدعارة فترى ~~أفواج النساء، كأسراب الظباء، لا يستر أجسامهن إلا غلالة كالقشرة، في لون ~~البشرة، تنطبق على أعضائهن انطباق الغرقئ على ترائك الرئال،[2] وتلتصق ~~التصاق ms251 القميص بأجساد الصلال،[3] فهن عاريات للناظر، كاسيات في الخاطر، ~~فيأتين في رقصهن أشكالا تشرح في ساطع الضياء مذاهب الأعصاب ومفاصل الأعضاء؛ ~~فتارة ينثنين، وطورا ينحنين، وآونة يدرن على أطراف أصابعهن، غير متنقلات من ~~مواضعهن، وفيهن من ترفع ساقها حتى تلطم في الخد سواد الخال بذهب الخلخال، ~~وتلمس الجبين الوضاء بطرف الحذاء، والنظارة من أنحاء المكان يستعذبون ~~ويستجيدون، ويصفقون ويستعيدون، ثم ما لبثن أن عدن بنوع آخر من أحدث الأنواع ~~في ضروب التفنن والإبداع، فتوشحت كل واحدة منهن بملاءة بيضاء، متسعة ~~الأطراف والأنحاء، إذا استدارت فيها خلتها قطعة غمام أطل منها بدر التمام، ~~أو زفة حمائم بيضاء[4] ترفرف ظمأ حول الماء، وفي قبالتهن مصباح الكهرباء ~~يرسل أشعته من أعلى المكان بمختلف الأضواء والألوان، فتبدو الراقصة ~~بانعكاسها فيها كأنها طاقة أزاهر، أو قلائد جواهر، وكأنها في سرعة تلونها ~~واهتزازها زبد اللج هاجته السفينة في اجتيازها، فانعكست فيها أشعة الشمس ~~المشرقة، بألوانها السبعة المتفرقة، وفي يد كل راقصة منهن عصا جرداء؛ إذا ~~هزتها في الهواء، وقابلت بها شعاع الكهرباء، أزهرت بأزهار من نور، وأينعت ~~بأثمار من البلور، يخالها كل من يرى «كعنقود ملاحية حين نورا»[5] لو رآها ~~سحرة فرعون وهامان لأقروا بفضل العصا في كل زمان ومكان. # ولما توارت عن أعيننا هذه الأدوار، وانسدل عليها الستار، خرجنا ونحن في ~~دهش وذهول، والتفت الباشا إلى «الحكيم» يخاطبه ويقول: # **الباشا****: **أرى أن للرقص عندكم معشر الغربيين شأنا فخما كأنه من نفائس ~~الفنون وطرائف الآداب، وأنه لا بأس لديكم بهذه المناظر والأشكال التي يأبى ~~الأدب انتشارها، واشتهارها على أعين الناس بهذه الكيفية ~~الفاضحة.**الحكيم****: **إن شأنه عندكم أعظم وشكله فيكم أفضح، ولا يزال ~~كتابنا وأهل النقد منا يعيرونكم به، ويستفظعون ذلك الشكل الذي يسمونه «رقص ~~البطن»، وهذا المعرض المصري هنا كل من دخل فيه وشاهد النساء المصريات ~~حاسرات النهود عاريات البطون يحركن طياتها خرج يقطر وجهه خجلا، وتكاد تجيش ~~نفسه غثيانا من شناعة هذا المنظر في عينه، فيحكم عليكم بخسة الآداب وقلة ~~الاحتشام، ومن شاهد مواضع اللهو ms252 في بلادكم لم يجدها حافلة بسواه، فإذا ~~عرضتم علينا آثاركم في ديارنا كانت هذه الراقصات في أوائل ما تعرضونه، ~~لنفاسة قدرها بينكم وجمال موضعها فيكم.**الصديق****: **إن الأمر على غير ما ~~تتوهمه أيها الحكيم، فإن هذا الرقص ليس بمنتشر في عاداتنا ولا معروف في ~~بيوتنا، وإنما هو من عمل المواخير وبيوت الفاحشة يباشره العواهر فيما ~~يباشرنه من أبواب الإثم والفجور في بيوتهن، ولم يظهرن به على الملأ في ~~الملاهي العامة إلا بفضل أصحاب الحانات من الأجانب الذين يرون وجوه الربح ~~متساوية لا حطة فيها ولا نقيصة، والجمهور عندنا على استقباحه والنفور منه ~~كما تنفرون، ولا يشهده عندنا سوى أهل البطالة والخلاعة، ولا يأتيه من ~~النساء إلا الفواجر العواهر، وكلما حاولت الحكومة، في محافظتها على الآداب، ~~حظره ومنعه اعترضتها امتيازات الأجانب وحريتهم الطلقة فيما يأتون ويذرون، ~~أما الرقص عندكم فهو متأصل في عاداتكم وسنة متبعة بينكم لا يقتصر على ~~الملاهي والأماكن العامة، ولا ينفرد به النساء دون الرجال، ولا يخلو منه ~~بيت من بيوت السوقة ولا قصر من قصور الملوك، ولا تقام عندكم وليمة من ~~الولائم ولا يتم لكم احتفال في المواسم إلا والرقص ركن من أكبر أركانه ~~ومظهر من أفخر مظاهره، والرقص عندكم من الفنون النفيسة يدرسه الرجال كما ~~يدرسون العلوم، ويتعلمه النساء كما يتعلمن الغزل والتطريز.**الحكيم****: ~~**ليس الرقص في أصله من المنكرات ولا مما يعاب شأنه كما تذهب إليه، وهو ~~حركة طبيعية في الإنسان يقتضيها تركيب الجسد لرد الأعصاب إلى ميزانها ~~ونظامها عندما تلحقها خفة الطرب وهزة التأثر، وهو قديم في الفطرة، وربما ~~تجاوز نوع الإنسان إلى بعض الحيوانات والطيور، وقلما خلت أمة من أنواعه منذ ~~البداوة إلى اليوم، وهو ينقسم إلى أربعة أنواع: نوع يستعمل في الحرب، ونوع ~~يستعمل في الصيد، ونوع يستعمل في حكاية الهوى من طريق الإشارة والإيماء، ~~والنوع الرابع في الشعائر الدينية، وقد اعتنى بأمره كثير من أمم الحضارة ~~الغابرة، وبلغ عند قدماء اليونانيين مرتبة عالية، وكان كبراؤهم وأمراؤهم ~~يمتازون بإتقانه ويتباهون بالتبريز فيه، وفيهم من ms253 انقطع له واشتهر به، ولقد ~~كان السفير بين أهل «أثينا» وبين الملك «فيلبس» والد الإسكندر المكدوني ~~رجلا اسمه «توستديموس» من أكبر الأساتذة في هذا الفن، ثم إن هذا الملك نفسه ~~تزوج براقصة معروفة اسمها «لاريسا» وكان سقراط أبو الحكماء يهوى الرقص ولا ~~يستنكره، وكان «إيبامينونداس» وهو أشهر الفلاسفة راقصا مبرزا في الفن، ~~والأمر على ذلك أيضا من جهة الرقص الديني في الدولة الرومانية عند نشأتها، ~~ثم انتشرت فيها أنواعه انتشارا عاما، إلى أن دخل الدين المسيحي على الوثنية ~~الرومانية، فلم يستنكره في بادئ الأمر بأشكاله التي تفنن فيها الرومانيون ~~على ما هو معهود فيهم من التناهي في الملاذ الفاضحة في أواخر دولتهم، ثم ~~دخل في عادات الأمم الغربية فتمسكت به ولم يصدها عنه بعد ذلك استنكار ~~الرؤساء الدينيين له تارة بعد أخرى؛ إذ كانت النفوس ألفته واعتادت أن لا ~~ترى فيه عيبا أو شينا، وإنما الذي شانه في نظركم اجتماع الرجال والنساء ~~عليه في حفلاتهم، وذلك ناشئ عن ارتفاع الحجاب عندنا ووجوده فيكم. # قال عيسى بن هشام: وقطع الحديث بيننا أن رأينا في طريقنا مكانا يتزاحم ~~عليه الناس، وعلمنا أنه أحد المرائي الشهيرة الذي قرأنا عنه فصولا متعددة ~~في الجرائد العالية مثل «الديبا» و«الفيجارو»، ووصفته بأن الداخل يركب فيه ~~سفينة عظيمة تسير به في مياه البحر المتوسط، فتمر به على الثغور فيرى ما ~~فيها من البنيان ويشاهد حركة السكان، فدخلناه بعد أن دفعنا الأجرة وصعدنا ~~السلم حيث انتهينا إلى هيئة سفينة كبيرة فركبناها، فإذا هي تميل بجانبيها ~~كما تميل كفة الميزان بالصعود والهبوط في حركة مثل حركة السفينة عند اضطراب ~~الأمواج، ويحف بها من الجانبين حائط من قماش نقشت فيه أمواج البحر وأشكال ~~الثغور الكبيرة مثل «نابولي» و«فينسيا» وغيرهما، فتخيل للراكب عند ذلك أن ~~السفينة تسير به في عرض الأمواج المرسومة والرسم متصل بآلة السفينة تديره ~~بسرعة كبيرة، والسفينة في تمايلها كالأرجوحة لا تتحول عن مكانها، فلم نر في ~~الأمر ما يستغرب له. # ثم زرنا بعد ذلك العدد الكثير من ms254 قسم المرائي، فرأيناها كلها على هذا ~~النسق من التمويه، وما برح «الصديق» يظهر التذمر لشدة الفرق بين ما رآه من ~~هذه المناظر التافهة وبين ما انتشر عنها في أنحاء العالم من المبالغة في ~~الوصف والغلو في البيان، ولم يخالفه «الحكيم» في ذلك، وإنما أشار علينا بأن ~~نزور المنظر الوحيد الذي أعجبه حسنه من قسم المرائي كله، وهو منظر القرية ~~التي أقامها أهل سويسرا في المعرض يمثلون بها جبالهم وأنهارهم ومعيشة ~~الأهالي فيها على حالة الفطرة، ولما دخلناها تملكنا الطرب وتولانا الابتهاج ~~من جلاء المنظر وبهاء الهيئة، وشاهدنا الجبال شامخة تسيل من قممها السيول ~~إلى قرار الوادي، فتتشعب منها الجداول والأنهار وتتخلل البيوت والجدران، ~~وشاهدنا هناك الأبقار المشهورة في تلك البلاد واقفة على مذاودها ومن حولها ~~الولائد والجواري تتألق فيهن نضرة الشباب، وتبرق أسرتهن سن البداوة. # حسن الحضارة مجلوب بتطرية %~% وفي البداوة حسن غير مجلوب # وهن يحتلبن ألبانها في قعوب من البلور، ويقدمنها برغوتها لمن يرغب في ~~استقائها من الزائرين، ورأينا الرجال في حوانيتهم يملئون العين حسنا وبهاء ~~واقفين وقفة التأدب يعرضون ما طاب وحلا من أثمار بلادهم وأزهار جبالهم، ~~ولقد علمنا أنهم أقاموا في تشييدها ثلاث سنوات، وأنفقوا عليها ثلاثين ~~مليونا من الفرنكات، فأعجبنا المقام وقضينا هناك زمنا نتناقل ونتفاكه، ~~ونتذاكر في حديثنا فضل المعيشة الطبيعية في سذاجتها، على المعيشة المدنية ~~في تصنعها وكلفتها. ### | الافتراء على الوطن # قال عيسى بن هشام: وفيما نحن ندور بين أقسام المعروض ونجول؛ إذ سمعنا صوت ~~مزمار وطبول، فهاج منا الذكرى والشجن، وأذكى فينا الحنين إلى الوطن، حنين ~~أنضاء النوق[1] بلامعات البروق، تنبعث من أفق بلادها، وتنازعها الأشواق في ~~أغوارها وأنجادها. فشخصت إليه الأحداق، ومالت نحوه الأعناق، فقصدنا منبعه، ~~وأممنا مطلعه، عسانا نجد عنده من آثار مصر فضلا، ومن أشكال بلادنا شكلا، ~~يملأ العين جمالا، والصدر جلالا، ويؤنسنا في وحشة الفراق، بما يخفف من ~~لواعج الأشواق، ويكون لنا في المعرض موضعا للفخر والمباهاة، في باب ~~المسابقة والمباراة، فوجدنا أخلاطا من الزمر والجماهير، حول الطبول ~~والمزامير. ms255 # ورأينا في وسطهم رجلا يعلوهم فظا في هيئته، كظا في طلعته.[2] لو استزاد ~~من الغلاظة لم يجد له من مزيد، كأنه جلمود صخر أو قطعة جليد، بوجه تثور منه ~~السماجة ثوران العجاجة، «وطربوش» عليه طوق مثل الدهن من العرق والوضر، لو ~~لج فيه شعاع الشمس لاحتدم واستعر، وهو يعج مثل عجيج الإبل في الفلوات، ~~ويصيح بصوت من أنكر الأصوات، دونه صوت الحمر الناهقة، أو الرعد بالصاعقة، ~~وفي يده مروحة يتزود بها هواء للتنفس، خشية الاختناق من التهيج والتحمس، ~~وهو يتمايل عجبا واختيالا، ويذهب في الحلقة يمينا وشمالا، مناديا في الجمع ~~بألفاظ مكروهة في السمع، ترغيبا للرائح والغادي في دخول ذلك النادي؛ ليروا ~~من أسباب الأنس، ومستمتع الحواس الخمس، ما ينفي بلابل الصدور، ويجلي بواعث ~~السرور، من كل منظر ليس له نظير، لا يحيط به التخمين والتقدير، مما بذت به ~~مصر سائر الأمم، وحلت به في الفخر محل الذرا والقمم، ولا غرو فهي لا تزال ~~في مضمارها منذ القدم، عالية الكعب راسخة القدم، وأن هذه فرصة سانحة لا بد ~~أن تلتمس، وخلسة من الدهر يعقبها الندم إن لم تختلس، فمن لم يبادر إليها ~~فقد أساء الاختيار، وأوقع نفسه في الخسار، ولم يقف من المعرض على موضع حسنه ~~وجماله، بعد أن يفقد النفيسين من وقته وماله، ومن لم يشاهد صنعة «زهرة» ~~و«معتوقة»، لم يشاهد في الدهر معشوقة ولا موموقة، ولم يحصل إلا على الخيبة، ~~في السفر والأوبة، فدخلنا نستكشف الأثر، ونستشف الخبر، فتلقانا بالباب رجل ~~حسن الثوب والعمامة، في زي أهل التشيخ والإمامة، مشغول اللسان بالترحيب ~~واليد بالتسبيح كأنه إمام مصلى أو سادن ضريح، لولا أن تأملته فعرفته رجلا ~~من ذوي الرتب بين التجار، مشهورا بتجارة الطيب والأعطار. # ذئب تراه مصليا %~% فإذا مررت به ركع # يدعو وجل دعائه %~% ما للفريسة لا تقع # فهنأنا بالسلامة، وبالغ في الحفاوة والكرامة، وتقدم بنا إلى ساحة من ~~ساحات اللهو واللعب، و«مرسح» من مراسح الرقص والطرب، وانكشف لأعيننا الستر ~~عن بنات الفجور والعهر، فأخذن في «رقص البطن» ms256 بتلك الحركات الشنيعة، ~~والأشكال الفظيعة، حتى تخيلنا أننا عدنا إلى أدوار تلك المدة، في مصاحبة ~~«الخليع» و«العمدة»، فلوينا أعناقنا نحو الباب، ونحن في حزن واكتئاب، ~~وخرجنا نستر وجوهنا بأيدينا خجلا، وتمنينا أن لا ننسب إلى بلادنا أصلا، ~~لنخلص من وصمة هذا العار، وما يجره علينا من الازدراء والاحتقار، ورجعنا ~~مهرولين ابتعادا عن هذا «المعرض المصري» وما يحويه، من مثل هذا المشهد ~~المعيب والمنظر الكريه، وأقسمنا على أن لا نمر من هذه الناحية مرة ثانية، ~~فأخذ «الحكيم» يهون علينا من وقع المصاب، ويخاطبنا في معرض العتاب: # **الحكيم****: **لم هذا التسرع والتعجل؟ أما علمتم أن المعرض ينقسم إلى ~~قسمين: قسم الصناعات والآثار، وقسم المشاهد والمرائي، وقد رأيتم من «المعرض ~~المصري» القسم الثاني فدعوه إلى سوء أدبه وقبح أثره، ولا يمنعنا ذلك من ~~زيارة القسم الأول منه الذي هو قسم الجد والعمل، ولعلنا نجد فيه من محاسن ~~الأعمال والآثار ما يصرف عنكم هذا الذي اعتراكم من الهم ~~والكدر.**الباشا****: **ما أظن هذا القسم إلا عنوانا للقسم الآخر، ومن أساء ~~الاختيار في قسم المشاهدات، فجدير به أن لا يحسن الاختيار في قسم الصناعات، ~~ومن بلغ به الانحطاط في انتخاب مشاهد بلاده ومرائيها إلى عرض بطون النساء ~~وفحش العاهرات للرائح والغادي من أطراف المسكونة في هذا المعرض، فلا يرجى ~~منه حسن الاختيار في آثار البلاد وأعمال صناعها.**الصديق****: **لقد أعمى ~~الطمع في الربح مثل هؤلاء التجار عن قبح هذه المشاهد، وغرهم ولع السفهاء ~~بها في مصر فحسدوا عليها أصحاب الحانات، ولم يكن من اللائق بهم أن يزاحموهم ~~فيها ببلادهم فانتهزوا هذه الفرصة للتفرد بها في بلاد الغربة، وظنوا أن ~~الغربيين يقبلون عليها إقبال الشبان في بلادهم، فيفوزون بالربح، وليس من ~~يعير بقبيح وجهه في بلاد لا يعرفهم بها أحد، فإن فيهم مثل هذا التاجر ~~الوجيه ذي الرتبة الثانية الذي لو دعوته لرؤية الرقص في مصر لغطى وجهه ~~بجبته، ولوى عنقه يستعيذ ويستغفر من الإثم الذي ينهاه عنه دينه وأدبه، ولكن ~~جاء الأمر على خلاف ما قدروه فلم ms257 ينالوا ربحا ولم يستروا قبحا، فإن أدب ~~زوار المعرض على اختلاف أجناسهم ينهاهم عن مشاهدة هذه الفضائح، فلم يقبل ~~عليها أحد، ولم يبق لأصحابها إلا سخط المصريين عليهم جزاء تعيير الأمم لنا ~~بسوء رأيهم وقبح اختيارهم. # قال عيسى بن هشام: ولما جاوزنا باب الملهى قليلا انثنينا إلى القسم الأول ~~من هذا المعرض المصري مطاوعة لرأي صاحبنا، فوجدنا بناء مشيدا مثل أبنية ~~الجوامع والمساجد يفاجئك مدخله بحانة للخمر ذات اليمين تتخطر فيها شمطاء من ~~عجائز باريس ومن حولها بناتها وحفدتها، وعن ذات الشمال رجل معمم قد جلس ~~متربعا، عريق في القبح والدمامة تنطبق عليه القبعة دون العمامة، وأمامه ~~منضدة عليها دواة وقرطاس، وقد التف عليه جماعة من أجناس الناس، يتقدم إليه ~~الواحد بعد الآخر فينقده بعض الدراهم فيسأله عن اسمه واسم أبيه وأمه، ثم ~~يخط له بالعربية في ورقة معصفرة مزعفرة بعض الدعوات الصالحات، وسمعنا بعض ~~النظارة من الغربيين يقولون في انكبابهم عليه: هلم إلى شيخ المسلمين ليكتب ~~لنا شيئا من «قرآن محمد»، فحزبنا الأمر وانتظرنا قليلا حتى انفض الجمع عنه، ~~وأقبلنا عليه نسائله فانفضح لنا أمره عن لهجة سورية، فزجرناه قياما بواجب ~~الدين الإسلامي الذي ينكر مثل هذه البدع السافلة على أبنائه، فأخبرنا أنه ~~استأجر هذا المكان من «شركة المعرض المصري» للارتزاق بهذه الوسيلة التي ~~دفعته إليها ضرورة العيش، فتركناه وتوغلنا في داخل المكان، وإذا برجل آخر ~~معمم ومن حوله صبيان في أزياء المصريين التفوا حلقة على الأرض كحلقة أولاد ~~الكتاب حول الفقيه، وهو يقرئهم آيات الكتاب بصوت عال، ويروضهم على اهتزاز ~~الجسم في أثناء التلاوة، وفي يده قطعة من جريد النخل يهددهم بها ويؤدبهم، ~~والجمع من حولهم يسخرون ويضحكون من شكل التدريس في مصر، وتعليم الدين بين ~~المسلمين، ولما سألنا هذا الفقيه عن أمره أيضا وما فيه من المنكر تبين لنا ~~أنه رجل مسلم من عامة المصريين اجتلبه أعضاء الشركة مع صبيانه؛ ليمثلوا به ~~هذا المنظر، ولم يستنكروه وفيهم بضعة من صلحاء المسلمين، وأن طمع الربح سهل ~~عليهم هذا ms258 الموقف، فكان إنكارنا لأمر هذا المسلم المتعبد، أعظم من إنكارنا ~~لحال ذلك المسيحي المتصيد. # ولما توسطنا ساحة البناء وجدنا بها سوقا تشبه أسواق الموالد وحوانيتها، ~~فعن اليمين بائع «لب وحمص» و«فول وترمس»، وعن الشمال بائع «عرقسوس وسحلب»، ~~وفي هذا الجانب بائع «حراير شامية»، وفي الجانب الآخر بائع «حلوى ~~استامبولية» ومن دونهما بائع «أحذية صفراء وطرابيش حمراء»، ولما استخبرنا: ~~أهذه كلها آثار مصر والمصريين؟ قالوا: نعم ويزيد عليها «معروضات المصنوعات ~~والمزروعات» في داخل هذا المكان، وأشاروا إليه، فدخلناه فإذا هو مكان متسع ~~على شكل معابد القدماء من المصريين، ووجدنا حوانيته أشبه شيء بحوانيت ~~العطارين انتقلوا منها إلى سواها، وتركوا في أنحائها وزواياها بقايا من ~~صنوف تجارتهم، فهنا صرة فيها بذرة قطن، وهناك قطعة بها حبوب حلبة وذرة، وفي ~~صدر المكان صوان[3] من زجاجة به كسوة مطرزة بالذهب مما يلبسه العداءون ~~«القمشجية» أمام الخيول بمصر، فانقلبنا خارجين من «قسم المزروعات ~~والمصنوعات» على حال من الغم والحزن أشد وأدهى من الحال التي خرجنا عليها ~~من ملعب المغنيات والراقصات. # وفزعنا إلى الهرب من هذا المعرض المصري وسيئاته، فعارضنا أحد المروجين ~~له، واستحلفنا ألا نتركه من غير أن نشاهد أعجوبة العجائب فيه، فطاوعناه ~~فدخل بنا غرفة محجبة وانكشف لنا الستار عن فتاة مقطوعة الذراعين تغزل ~~برجليها، وتستعملها استعمال اليدين في كثير من الشئون، فخرجنا لا نلتفت ~~وراءنا وقد حان وقت الغروب حتى صرنا في الشارع، فرأينا مثل القطيع من ~~النساء المصريات وبأيديهن الدفوف والشموع وفي وسطهن امرأة عليها زينة ~~العرائس، وهن ينشدن حولها أناشيد الأعراس في زفاف المصريات، فعجبنا من ~~تركهن لمكان اللعب والرقص إلى خارجه في وسط الشارع، وبينا نحن كذلك؛ إذ بصر ~~«الصديق» بأحد المصريين من أصحابه، فاستوقفه يطارحه الحديث عن خبث ما رأى ~~وسمع، وينعى على المصريين سوء سمعتهم بين الأمم بهذا «المعرض المصري»: # **الصديق****: **ألا تخبرني عن سر هذا التفضح، فإنهم لم يكفهم ما يدور في ~~داخل المعرض من كل مخجل معيب حتى انتشروا به في الشوارع على نحو ما تراه، ms259 ~~لو قلنا: إن جماعة من أعداء المصريين تألبوا على النكاية بهم؛ ليظهروهم ~~بأسوأ المظاهر بين الأمم فانتهزوا هذه الفرصة لتنفيذ مكيدتهم لما أخطأنا ~~الصواب.**المصري****: **ليس الأمر كما ذهبت إليه، وإنما دفع أهل الشركة ~~الشره والطمع، واستجلاب الربح بكل سبيل كما تراه في تسيير موكب الزفاف في ~~أنحاء الشوارع للإعلان والترغيب في زيارة المعرض بقطع النظر عما يجلبه من ~~العار على أهل مصر جميعا، ولكن الذي يقف على حقيقة هذا المعرض وتأليف شركته ~~لا يلبث أن يهون عليه الأمر شيئا ما؛ لأنه لا ينتسب للمصريين بنسبة رسمية، ~~فقد امتنعت الحكومة المصرية عن إجابة الدعوة التي أرسلتها الحكومة الفرنسية ~~إليها، ولم تشترك فيه رسميا، كما أعلنته الجرائد، وليست شركة المعرض ~~بالشركة المصرية؛ لأن الجانب الأعظم فيها من الشرقيين المقيمين بمصر مع بعض ~~من لا خلاق لهم من المصريين.**الصديق****: **وهل تظن أنهم يربحون الشيء ~~الكثير من هذا المعرض، وهو على ما تراه من حال الكساد ~~والبوار؟**المصري****: **ما أظن الربح على هذه الحال بميسور، ولكن الشركة ~~لا تخسر شيئا وإنما الخسارة على الذين اكتتبوا فيها، وهم يقدرون الخسارة ~~إلى اليوم بثمانين ألف فرنك، وعسى أن يستمروا على هذه الخسارة عبرة لهم ~~وتأديبا؛ حتى لا يقدموا مرة أخرى على مثل هذه المشروعات التي لا يسلمون ~~فيها من الخسارة، ولا يسلم المصري فيها من وصمة العار. # قال عيسى بن هشام: وزودنا الرجل بالتحية والسلام، بعد أن خفف علينا بعض ~~ما بنا من الآلام. ### | خبز المدنية # قال عيسى بن هشام: وانتهى بنا التجوال في المعرض إلى «أقسام الدول»، ~~فرأينا فيها من مفاخر الأواخر ومآثر الأول، ما يشهد لهن بالعلو والارتقاء ~~في أبواب الإبداع والإنشاء، وقد تبارين في ميدان المناضلة، وتسامين في ~~مضمار المفاضلة، بما لا يشق لهن فيه غبار، وتقصر دونه الأنباء والأخبار، ~~وكانت الدولة الألمانية من بينهن أسبقهن قدما، وأرفعن علما وأعز مكانا، ~~وأعظم شأنا، كأنها لم تقنع بالسبق عليهن في ميادين الحرب والطعان، فأرادت ~~أن تسبقهن أيضا في حلبة العلوم والعرفان، وأن تبذهن في حالتي ms260 الحرب والسلم، ~~بشدة البأس وقوة العلم. # وبينا نحن نمتع النظر بحسن الصنع، وجمال الوضع؛ إذ شعرنا بضجة والناس ~~يتقاذفون بعضهم على بعض كالبحر اللجي، في الليل الدجوجي[1] قد ركبوا رءوسهم ~~من شدة الفزع، وطارت عقولهم من الهلع والجزع، وانتشر بينهم الصراخ والصياح، ~~واشتد فيهم العويل والنواح. # فسألنا عن الخبر فقيل لنا: إن القنطرة القائمة على رأس المعرض هوت بمن ~~فوقها على من تحتها، فتوجهنا ناحيتها، فوجدنا من المنظر الشنيع ما تنقبض له ~~النفوس وتذرف العيون، فمن جثث هامدة وأجساد دامية؛ ما بين فتاة وصبي وشاب ~~وكهل من زوار المعرض يزيدون على المائة، والدماء تجري كالسيل والناس ~~يترامون على الأرض؛ ليتعرفوا بمن عسى أن يكون بين المصابين من أقربائهم ~~وأصدقائهم، وما فيهم إلا كل متوقع للمصيبة ومترقب للمكروه، فالبكاء شامل ~~والأنين عام، والأطباء يضمدون ورجال الصحة يحملون. # واشتد علينا الحال باشتداد الهول، وتكاثر الزحام فضاق علينا التنفس كما ~~ضاقت النفس عن احتمال هذا المشهد الفظيع، فجذبني «الباشا» إليه لنخرج من ~~هذا المأزق، فأسرعنا إلى مطاوعته وسار بنا وهو يقول: # **الباشا****: **تالله ما يفي كل ما رأيناه في هذا المعرض من بهجة وسناء في ~~ترويح النفس بمقدار ما اعترانا من الضيق والكرب أمام هذا الموقف الهائل، ~~حتى لقد تخيلت أنني أشاهد يوما من أيام الحرب تتمزق فيها الأعضاء وتتناثر ~~الأشلاء.**الصديق****: **صدقت ويزيد على ذلك أن هول الوقائع الحربية قد ~~يكون أقل في النفس وقعا؛ لأن للحروب رجالا استعدوا لها واستأنسوا بها وغلظت ~~أكبادهم، ولست ترى من حولهم مثل هؤلاء الصبية والأطفال وهاته النسوة ~~اللواتي رقق النعيم أديمهن، ورفه الرغد أجسادهن، يفزعن من مس الإبرة، ~~ويذعرن من لمس الوبرة، فأصبحت الأوصال ممزقة تحت الردم والأعضاء، مدكوكة في ~~الأنقاض، وهكذا صارت وقائع المدنية في سلمها أشد من الوقائع في ~~حربها.**الباشا****: **لقد آن لنا أن نغادر هذا المعرض ولا نعود إليه مرة ~~أخرى، فقد قطعناه طولا وعرضا واستوفيناه بحثا وتدقيقا، وبدأ فينا الملل من ~~طول التردد عليه.**الحكيم****: **إن كنتم عقدتم العزم على الانتهاء من ~~زيارات ms261 المعرض بعد اليوم، فلا يفوتنكم أن تختموها فيه برؤية العجيبة التي ~~هي في الحقيقة أم العجائب، ومصدر هذه الطرائف والغرائب، والأصل الذي تتفرع ~~منه الفنون والصنائع، والمنبع الذي تسيل منه مظاهر المدنية، والمطلع الذي ~~تشرق منه شمس الرفاهة والحضارة. # قال عيسى بن هشام: فشوقنا بكلامه إلى متابعته، وسرنا وراءه إلى حيث يريد، ~~فانتهى بنا إلى بناء فخم من أبنية المعرض لم يكن وصلنا إليه من قبل، ولما ~~دخلناه وقف بنا عند فوهة هاوية عميقة مظلمة يضطرب البصر عند رؤيتها، وتختلج ~~النفس من هيئتها، فدعانا للنزول فيها ودفعنا لركوب آلة هناك للهبوط والصعود ~~كأعظم ما يكون من الدلاء، فهوت بنا إلى قرار بئر عميق، وجب سحيق، فتولاني ~~من الهلع والذهول ما أنساني كل شيء في ذاكرتي مما يحفظه أهل الدنيا إلا ~~ثلاثة أبيات، لم يبق لي سواها ما أنا فيه من هذا الانحدار والهوي في ظلمات ~~بعضها فوق بعض، قالها الفرزدق لما تعلق بحبال الغواني من أعلى الجدران، ~~فرارا من صولة الثائر والغيران: # فلما استوت رجلاي في الأرض نادتا %~% أحي يرجى أم قتيل نحاذره # فقلت: ارفعوا الأسباب لا يشعروا بنا %~% ووليت في أعجاز ليل أبادره # هما دلتاني من ثمانين قامة %~% كما انقض باز أقتم الريش كاسره # ولولا أن حسن العشرة وطول الخلطة مكن الثقة من نفوسنا بالحكيم الفرنسي، ~~لقلنا: إنه كاد لنا وأراد أن يجدد في عصرنا الحاضر ما فعله أبناء يعقوب ~~بأخيهم في عصرهم الغابر، ولما أفقنا من الإغماء في بطن الأرض سألناه أين ~~نحن من الآخرة، أو في أي طبقة من الطباق السبع، فعلمنا أننا في مكان صوروه ~~على نمط معادن الفحم الحجري تحت الأرض، وكيف يستخرجه العمال في غياهب الجب، ~~فأخذنا نحدق العيون في حنادس الظلماء عسانا نبصر شيئا، فتمثل أمامنا العمال ~~يدأبون في عملهم على ضوء سراج معقود بناحية كل عامل، كأنه نار الحباحب ~~تنقدح بين الأشجار في ظلمات الليل البهيم، وأنى لأضواء السرج الكهربائية أن ~~تشق عباب هذا الظلام الدامس، وهو يكاد من تكاثفه يمسك باليد ms262 ويقبض بالراحة، ~~وحسبك أنها لا تفيد في كشف الظلام وإضاءته، وإنما تزيد في بيانه وإراءته، ~~ثم خطونا قليلا وعثرنا كثيرا، فرأينا من السرادب والكهوف ومن الأخاديد[2] ~~ما تضل فيه الصلال بالتوائها وتنكمش دون انسيابها، ونظرنا في كل فجوة ~~أشباحا يتشكلون بأجسامهم على كل أشكال الصراع الذي يتفنن فيها المصارعون ~~للتمكن من العمل في ثنايا الفجوات والمنعطفات، وفي أيديهم ما ثقل ودق من ~~أدوات القطع والحفر وأخشاب الإسناد يقيمون بها ما يريد أن ينقض من جدران ~~المغائر والكهوف، فمنهم الواقف في عمله على أصابعه والمضطجع على جنبه ~~والجاثي على ركبتيه والمنكب على وجهه، والمياه تسيل عليهم من الثنايا ~~والشقوق، هذا بعض ما تقاسيه الأجسام من المتاعب والمشاق، والله العليم بما ~~يدور في القلوب والرءوس من توقع الخطر، وترقب الهلاك بما شئت من أنواعه ~~المتعددة انهيالا واندفاقا، وانفجارا وانبثاقا، وغرقا واحتراقا، وارتداما ~~واختناقا، وهمهم الأكبر أن يراقبوا ما على نواصيهم من السرج خشية أن تصاب ~~برضة تنثلم فيها ثلمة، فتتصل بغاز الفحم المتسرب في المعدن تسرب الهواء، ~~فتميد الجدران وتندك الأحجار وتخسف بهم الأرض. # واهتدينا آخر الأمر إلى منفذ فخرجنا منه، وتركناهم يعملون في ظلمات ثلاث ~~بعضها فوق بعض: # فالفحم ظلام جامد، والظلام فحم سائل، وعيشهم أسود حالك، وكفانا الله شر ~~المهالك. # ثم درنا قليلا في «معدن الذهب» بعد أن انتهينا إليه من «معدن الفحم»، فلم ~~نجد أرباب العمل فيه أسعد حالا، ولا متاعبه أهون احتمالا، لا نصيب لهم من ~~الأصفر الرنان، مما يجلو عنهم صدأ الكروب والأحزان، سوى أنهم صفر الأيدي من ~~الفضة والذهب، صفر الوجوه من النصب والتعب. # والعيس أقتل ما يكون لها الصدى %~% والماء فوق ظهورها محمول # وكادت الرطوبة في المعدن تعقد دماءنا في مجاريها، فأسرعنا إلى مكان ~~الصعود فانتشرنا من بطن الأرض إلى ظهرها، وأقمنا هنيهة نعالج بأيدينا غشاوة ~~الظلماء عن الأبصار، عند مفاجأة ضوء النهار، وسرنا نتمتع بفضاء الأرض لا ~~ننطق حرفا ولا نحسن خطابا، وإذا بصاحبنا «الحكيم» يستوقف أنظارنا إلى «مسبك ~~المدافع» الذي يمثل أعظم المسابك ms263 في فرنسا تطل منه أعظم أسطوانة للمدفع في ~~العالم، ويخاطبنا بقوله: # **الحكيم****: **وهذا هو الثالث من أمهات المدنية وأقانيم الحضارة، فقد ~~رأيتم الأقنوم الأول وهو الفحم،[3] والأقنوم الثاني وهو الذهب، وهذا ~~الأقنوم الثالث وهو الحديد.**الصديق****: **@QUR@07 وأنزلنا الحديد فيه بأس ~~شديد ومنافع للناس .**الحكيم****: **نعم إنهم يستخرجون الذهب ليشتروا به ~~الفحم؛ ليصهروا به الحديد، فيصنعوا منه ما شاءوا من آلات السلاح وأدوات ~~الصناعة، فيخرجوا للناس ما تشاهدونه من عجائب الصنع، وإن كل ما ترونه مما ~~يبهر الأنظار ويستهوي القلوب راجع في الأصل إلى ذلك الفحم الأسود الذي هو ~~اليوم الخبز الثاني للإنسان في عالم المدنية، منه نعيمها ورفاهتها، وبه ~~بأسها وقوتها، تبا للإنسان فما أعق عمله وأقبح صنعه! يهوي بالملايين من ~~العمال إلى أسفل طبقات الأرض، فيخربون باطنها ليستخرجوا منه ما يخربون به ~~ظاهرها، وتعسا له يزعم أنه يعمل لسعادة الحياة وراحة العيش، وهو يقضي عمره ~~في الشقاء والبلاء حتى يأتيه حمامه، فيخرج من الدنيا باكيا كما دخلها ~~باكيا، بعد أن قضى فيها لحظة العمر على حال تفضلها حال الحيوانات والحشرات، ~~وهو بزعمه أفضل المخلوقات!**الباشا****: **كم يكون عدد العمال الذين ~~يستخرجون الفحم في فرنسا، وما مقدار أجرة العامل في اليوم؟**الحكيم****: ~~**يشتغل في معادن الفحم مائة ألف عامل، ويبلغ ما يستخرجونه منه سبعة وعشرين ~~مليونا من الأطنان تباع بمائتين وستين مليونا من الفرنكات، ويعمل العامل ~~منهم في جوف الأرض على عمق المئات من الأمتار، وفي وسط الأخطار التي لا تقل ~~حوادثها في العام عن ألف وخمسمائة حادثة، فتذهب بالعدد الجم من القتلى ~~والجرحى، هذا غير ما يصيب العمال من الأدواء الصدرية والأمراض الرئوية ~~لاستنشاق «الكربون» وفاسد الهواء، ومنهم من يشتغل بالليل ومنهم من يشتغل ~~بالنهار، ومعهم أولادهم ونساؤهم، كل هذا بأجرة تختلف من اثنين إلى خمسة ~~فرنكات في اليوم!**الباشا****: **وأين تذهب هذه المئات من الملايين من ~~أثمان الفحم التي هي ثمرة كدهم ونتيجة تعبهم؟**الحكيم****: **تذهب إلى فئة ~~معينة من أرباب الشركات والامتيازات، فينفقونها على شهواتهم أو يدخرونها في ~~صناديقهم، ولا تظنن أن ms264 هذه الفرنكات التي يأخذها العامل أجرا له في اليوم ~~تصل إلى يده، فإن أكثر الشركات تبتني بيوت السكنى للعمال في أحياء بجوار ~~المعدن، وتقيم بجانبها الأسواق، فيشتغل العامل في معدن الشركة، ويسكن في ~~بيت الشركة، ويشتري طعامه ولباسه من سوق الشركة، والشركة تحسبه عليه من ~~أجرته، فإذا خرج آخر الشهر لا عليه ولا له كان رضي الحال، رخي ~~البال!**الصديق****: **من هنا نشأت المذاهب الاشتراكية ونحوها، فإنه كيف ~~يصبر الإنسان على هذه الحال يعمل عمل الحشرات في باطن الغبراء؛ ليغني ~~المقعدين في قصور العز والهناء. # قال عيسى بن هشام: ووصلنا في مسيرنا إلى البرج الشهير، برج «إيفل» ~~المهندس القدير، فأسندنا إليه ظهورنا نتفكر في أعمال الإنسان، وما يأتيه من ~~فنون الجنون في كل زمان، وهو يدعي أنه المخلوق الكامل، والحكيم العاقل. ### | المعجزة الثامنة # قال عيسى بن هشام: ووقفنا نشاهد ذلك البرج المنيع، والعماد الرفيع، ~~فهالتنا رفعته، وأدهشتنا صنعته، فهو في باب المشاهدة الفريدة العصماء، ~~والغرة الشهباء، والهضبة العلياء، والقلة الشماء، أعجوبة الصنائع وضعا ~~وإتقانا، وبكر هذا المعرض وإن كان فيه عوانا،[1] تنحني أمامه الآطام ~~والآكام،[2] وتخر له الربا والأعلام، فأين من ارتفاعه الهرمان، ومن علوه ~~صرح هامان، لما أمره فرعون بقوله في كفره وعناده، وجحوده وإلحاده: @QUR@018 ~~يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب * أسباب السماوات فأطلع إلى إله ~~موسى وإني لأظنه كاذبا . # ولو رآه فرعون لهدم ما شاد وأعلى، ولم يقل: أنا ربكم الأعلى، ولأنحى على ~~هامانه فجلده ألفا، وعلقه على الجذع شنفا،[3] وأين «برج بابل» من برج يشافه ~~بروج السماء، ويشارف الشعرى الغميصاء، إذا حوم عليه نسر الجو صار ثالث ~~النسرين، واتخذ وكره في منازل الفرقدين، وأنى لخيال الشاعر أن يعلو في وصفه ~~علوه، ويسمو سموه، لا جرم أنه يضيق عليه نطاق الوصف، فيلجأ إلى تشبيه ~~الأكبر بالأصغر، والأعظم بالأحقر، كما شبهوا شمس النهار بكأس العقار، ~~والثريا بعنقود، والجوزاء بعود، ودراري النجوم بالودع المنظوم، والليل ~~الدجوجي بالعبد الزنجي، والأشفاق بالدم المهراق، فلعله يقول إذا: إنه ألف ~~الهجاء، في كتاب ms265 التقدم والارتقاء، همزته رايته التي تخفق في صفحة الأفق، ~~أو أول العدد المرقوم، في جدول الفنون والعلوم، أو الإبرة التي تغرز في ~~خريطة الكرة الأرضية، لتعيين مواضع المدنية، أو هو القلم الذي يخط في أديم ~~البدر، ما بلغته أمم الغرب من علو الشأن والقدر، أو هو قرن الثور في زعم ~~البعض، نفذ إلى ظهر الأرض. # ولما فرغنا من الطواف حوله مرارا، وامتلأت له نفوسنا إعظاما وإكبارا، ~~سمعنا «الصديق» يتنهد ويصعد، ويعيد في قوله ويردد: # **الصديق****: **هذه سنة الدهر منذ القدم وعادة الزمن في أبنائه، كلما ترقت ~~أمة من الأمم في معارج المدنية شيدت لها أثرا يفوق سواه من بديع الصنعة، ~~يقوم لها شاهدا بين الورى على ما بلغته من السمو والقدرة في زمنها، ثم لا ~~يلبث أن يمحوه الدهر من صحيفته ليقوم مقامه آخر ينتهي إلى مثل نهايته، لا ~~يزال الدهر هكذا في محو وإثبات، ولا يزال ابن آدم عن العبر في غفلة وسبات، ~~اللهم إنه عمل باطل، وظل زائل.**الحكيم****: **لا تعل بنا في أفكارك علو ~~البرج قبل أن نصعد فيه، ولا تشغلنا بأقوال الحكمة عن مشاهدته، وهلم بنا إلى ~~الارتقاء. # قال عيسى بن هشام: ودخلنا من أحد جوانبه في غرفة للصعود، فارتفعت بنا من ~~سطح الأرض إلى عنان السماء في لحظة كلمح بالبصر، فرست بنا في الدور الثاني ~~منه وإذا هو سوق من أكبر الأسواق اصفطت فيه حوانيت التجار بأنواع البضائع، ~~والحانات بأصناف الخمور، وفي وسطه مطعم فخم يزري بمطاعم الأرض، فأخذنا ~~مجلسنا في بعض حافاته، وجعل «الباشا» يسأل «الحكيم» إجمالا وتفصيلا: # **الحكيم****: **يرتفع هذا البرج عن سطح الأرض بثلثمائة متر، وهو من الحديد ~~الخالص، ويبلغ وزنه تسعة ملايين كيلوجرام، وعدد قطعه التي يتركب منها اثنا ~~عشر ألف قطعة، والخطاطيف فيه مليونان ونصف، وله من العمر عدة سنوات، وبلغ ~~دخله من الصاعدين فيه في أثناء المعرض الماضي سبعة ملايين فرنك، ولو تم ~~لأهل العصور الماضية بناء مثله لكان الثامن للآيات السبع.**الباشا****: ~~**وما الآيات السبع؟**الحكيم****: **إن ذكرها ليطول.**الصديق****: **نحن في ms266 ~~مجلسنا هذا، وفي علونا عن الأرض، وتفرغنا عن العالم ما يبعثنا على جولان ~~الفكر في تاريخ البشر للمطابقة بين أعمال الإنسان في ماضيه وحاضره، وإن ~~اختلاف العصور ومرور الدهور لم يغير شيئا من جبلته، فهو هو على عهده في ~~غرامه بالمعجب المدهش، يبيع نعيم الدنيا بشقائها في سبيل ذلك، ويشتغل بما ~~لا تقضي به الحاجة لمجرد الزهو والعجب والتباهي والتفاخر.**الحكيم****: ~~**نعم يحق لك هنا أن تذهب مذاهبك الحكيمة في تعليل أعمال البشر وطباع ~~الخلق، وأنت تنظر إلى أهل العالم السفلي من هذا العالم العلوي، كأنهم جموع ~~النمل تغدو وتروح في سبل أرزاقها، ولكن الفرق بين الجنسين أن النمل في تآزر ~~وتعاون، والناس في تضارب وتقاتل، والمصير واحد والفناء شامل، وعمل النمل حق ~~وعمل الإنسان باطل. وإن أبيتم إلا أن أحدثكم حديث المعجزات من أعمال البشر ~~فهي: الأهرام، والحدائق المعلقة، وسور بابل، وتمثال جوبيتير، وصنم رودس، ~~وهيكل إيفيز، ومدفن الملك موزول. أما أهرام مصر فأمره مشاهد معلوم. وأما ~~«الحدائق المعلقة» في أرض العراق فقد أقامها «بختنصر» فوق الربوة التي تعرف ~~الآن بربوة «عمران بن علي»، وهي في اتساع أربعين فدانا شيدت بالبناء على ~~أشكال الجبال، وعقدت فيها القباب على عمد وأساطين أفرغوها وملأوها بالطين ~~وغرسوا فيها الأشجار تنساق جذورها في أصولها، وتورق في رءوسها، ووضعوا فيها ~~الدرج يصعد منها الصاعد إلى مثل رءوس الجبال؛ حيث تثمر الأثمار، وتزهر ~~الأزهار، وتعشب الأعشاب، وتدور الدواليب لرفع الماء من مجرى الفرات إلى ~~أعلى القباب، ويقال: إن السبب في إقامتها على هذا الشكل أن امرأة الملك ~~كانت تحن دائما إلى مناظر بلادها التي نشأت فيها، فأنشأ لها الملك بالصناعة ~~ما يعوضها به عن الطبيعة. وأما «سور بابل» فهو عدة أسوار متداخلة بعضها في ~~بعض يتسع محيطها للإحاطة بسبع مدائن مثل مدينة باريس، وكان ارتفاعه ثمانية ~~وأربعين مترا، وعرضه سبعة وعشرين مترا، ومن حوله خندق عميق، وعليه أبراج ~~متعددة، وله مائة باب من حديد. وأما «تمثال جوبيتير» الإله الأكبر عند ~~اليونانيين، فقد صنعه لهم «فيدياس» النحات ms267 الشهير، وطول قامته أربعة عشر ~~مترا وهو جالس على العرش، مكلل بورق الغار وفي يمناه تمثال «إله النصر» ~~مصنوع من الذهب الخالص وسن الفيل، وفي يسراه الصولجان منضد بكرائم الأحجار، ~~وفي طرفه نسر من الذهب، والطيلسان والحذاء من الذهب أيضا، أما العرش فكان ~~من الرخام وسن الفيل والأبنوس، وكان موطئ قدميه من العرش أسدين من الذهب، ~~وقد أجاد صانعه وأتقن في تناسب الأعضاء في هذا الحجم العظيم حتى عده ~~القدماء أنفس ما في الوجود من الصنع، وكان كل يوناني يعد نفسه ناقص الإيمان ~~إن مات ولم يحجج إليه. وأما «صنم رودس» فهو تمثال «أبو لون» إله الفنون عند ~~اليونانيين أيضا أقاموه تجاه المرفأ، وكان ارتفاعه اثنين وثلاثين مترا وهو ~~أكبر ارتفاع بلغته تماثيل القدماء، وانتهى بأن أسقطته الزلازل وهشمته، ~~ونقلت العرب كثيرا من بقاياه في القرن السابع. وأما «هيكل إيفيز» (وهي ~~مدينة من مدن اليونان)، فهو معبد «ديان» إلهة الصيد والقنص، ولم يكن له ~~مثيل في البناء والنقش والزخرف والتصوير بين معابد القدماء على الإطلاق، ~~ومما يذكر للدلالة على أنه أعظم أثر عندهم أن أحد أهل الشقاوة من المولعين ~~بحب الشهرة، على كل حال، واسمه «إيروسطراط» بحث عن أكبر عمل يمتاز به في ~~الوجود، ويخلد ذكره على مدى الدهور، فاحتال لإحراق المعبد، فأكله النار، ~~وأعلن الجاني عن نفسه أنه هو الفاعل لتلك الفعلة الشنعاء، فحكم عليه القضاة ~~بالتعذيب حتى يموت، وأدركوا غرضه من إحراقه، فأمروا أن يلحق به كل من ذكر ~~اسمه، فكان ذلك داعية انتشاره؛ لأن الناس أخذوا يهمسون به بينهم حتى اشتهر ~~وخلد ذكره بسوء فعلته إلى اليوم، وكان حرقه في الليلة التي ولد فيها ~~الإسكندر، فلما بلغ من الملك ما بلغه، عرض على أهل «إيفيز» أن يعيد لهم ~~بناءه من ماله بشرط أن ينقشوا عليه اسمه، فأبوا ذلك حتى لا يكون لأجنبي ~~عنهم فضل عليهم في معبدهم، وباشروا هم أنفسهم تجديد بنائه وزخرفته حتى تم ~~لهم في مائتين وعشرين عاما، وما زال قائما حتى جاء «نيرون» القيصر ms268 ~~الروماني، فنهب ما فيه من الذخائر والكنوز، ونقل الفسيفساء من أرضه فوضعها ~~في قصوره بمدينة «رومية»، ثم انتهى الأمر بأن خربه «الجرمانيون» في حروبهم. ~~وأما «مدفن الملك موزول» فهو مدفن أقامته له امرأته (كانت أخته) بعد موته ~~جمعت له مهرة الصناع من سائر البقاع، وخصت كل طائفة منهم بجانب من العمل، ~~وكان ارتفاعه اثنين وأربعين مترا وأساطينه من المرمر النقي، نقشت عليها صور ~~الحوادث التاريخية، وكان غطاؤه صخرة من المرمر صورت فيه وقائعه الحربية، ~~وبقي هذا المدفن سليما إلى القرن الرابع عشر، ثم اندثر أثره في القرون ~~الوسطى، ونقل جانب من أجزائه قريبا منه لبناء قلعة «بودرون» بالأناضول في ~~القرن السادس عشر، وبقي منه قطع من الرخام المنقوش لاصقة بأرضه إلى أواسط ~~هذا القرن، فاشترتها إنكلترا ووضعتها في متحف لوندره.**الصديق****: **ما ~~أشبه الليلة بالبارحة! وما أبعد ابن آدم من العبرة والتذكرة! تراكمت القرون ~~وشاب فود الدهر، وتغيرت الأرض واندثرت المعالم في كل زمان ومكان، والإنسان ~~هو هو لا يزال على غيه يعتقد لأعماله البقاء ولآثاره الخلود، لا فرق في هذا ~~الاعتقاد بين الآشوري عند برج بابل، والفرنسي اليوم تحت «برج إيفيل»، ~~كلاهما يتعب ويشقى، وكلا العملين لا يدوم ولا يبقى، وما تبقى إلا الأحاديث ~~والذكر. # كل بيت إلى الهدم ما تبتني ال %~% ورقاء والسيد الرفيع العماد # والفتى ظاعن ويكفيه ظل السد %~% ر ضرب الأطناب والأوتاد **الحكيم****: **نعم صدقت ويحضرني في هذا الباب محاورة ابتكرها أحد قدماء ~~العلماء، وأجراها في عالم الأموات على لسان «ديوجين» الفيلسوف الزاهد ~~القديم والملك «موزول» صاحب ذلك المدفن الشهير، وأذكر منها:**دوجين****: ~~**ما لي أراك أيها الرجل الآسيوي مختالا تياها في أكفانك! كأنك تريد أن ~~تنزل هنا أيضا بين الأموات منزلة أشرف منزلتهم، وتحل تحت طبقات الأرض فوقهم ~~مكانا عليا.**الملك****: **وهل من شك في ذلك أو ارتياب! ومتى تساوت الملوك ~~بالسوقة! وأنا أكبر الملوك ملكا وسلطانا، وأحسن الخلق بهاء وجمالا، وأعظم ~~الفاتحين نصرة وجلالا، وقد كنت في الحياة أرفع ذوي التيجان عرشا وقدرا، ~~وأنا اليوم في الممات ms269 أعظمهم مدفنا وقبرا، وإن افترى مفتر منهم أنه كان ~~يساويني في فخامة الملك، فقد انقطعت ألسنتهم أن يكون لهم مثل هذا القبر، ~~فهو معجزة البشر في النقش والحفر، وآية الدهر في المجد والفخر، فما ترى بعد ~~ذلك أيها المتقشف في الدنيا والمندثر في الآخرة أن ليس من حقي التخايل ~~والترفع!**ديوجين****: **ولكني أراك أيها الملك العظيم الجليل لم يبق لك من ~~سلطانك وجلالك أكثر مما بقي لي، وهذه جمجمتك لا تمتاز عن جمجمتي بشيء، ~~فكلتاهما مثقوبتا العينين، مفحورتا الأنف، بارزة الأسنان، وأما ذلك المدفن ~~الفخم والصخور المزخرفة فوق رأسك، فلا فائدة لك اليوم منها بعد أن تساويت ~~فيه بمن دفن في بلقع من الأرض، وإنما أصبحت فائدته للأحياء من أهل بلدكم ~~يتباهون به على الوافدين إليه من الأقطار حينا من الدهر، ثم لا يلبث أن ~~تندك أحجاره، وتزول آثاره.**الملك****: **ما هذا الذي أسمعه، يا رب الصواعق ~~والرواعد! أيذهب كل ما أوتيته من أسباب العز والمجد متاعا باطلا، وأصبح ~~مساويا لديوجين فيوسعني تأنيبا وتبكيتا؟**ديوجين****: **لا تقل أيها ~~المخلوق: إنك أصبحت مساويا لي، فشتان ما بيني وبينك، فإنك لا تنفك تتحسر ~~على ما كان لك في الدنيا من الملك والسلطان وزخرف الحياة، وأما أنا فلا ~~يحزنني شيء ولا يكدرني الآن مكدر، ولم أترك في الحياة شيئا آسف عليه ~~ويوجعني فراقه، ولئن خطر الزنبيل الذي كنت أسكنه في الدنيا على بالي يوما ~~لكان للاغتباط بأن مسكني الآن في بطن الأرض أوسع لي مجالا وأحسن منزلا، ~~ولكن لي في قلوب أهل الدنيا ذكرا حسنا، وأثرا من الفضائل خالدا لا تمحوه ~~الأيام ولا يبلى ببلاء الزمن، فأين مكانك أيها المغرور من مكاني، وأين ذكرك ~~أيها المفتون من ذكري؟**الباشا****: **ما أحكم الموعظة وأجل ~~العبرة!**الحكيم****: **ولو علمتم أن «المسيو إيفيل» صاحب هذا البرج العظيم ~~قد انتهى أمره بتهمة السرقة والاختلاس وسجن في قضية «بناما» الشهيرة لاشتد ~~بكم العجب في نتيجة هذه الآثار، وذهاب أصحابها بسوء السمعة والأخبار. والآن ~~فقد أحطتم بمشاهد المدينة ومناظرها في صنائعها بآلاتها وأدواتها، من ms270 بطن ~~الأرض إلى سطح البرج، متجلية لكم في هذا المعرض بأجلى مظاهرها وأسنى ~~مراتبها، فإن كان من عزمكم العودة متعجلين إلى بلادكم، فقد كفاكم ما ~~شاهدتموه مما يملأ الصدر مهابة والعيون حسنا، وأودعكم مع الأسف الشديد ~~لفراقكم، فقد رأيت فيكم من حسن العشرة ولطف الخلطة وذكاء القريحة، ودقة ~~الفكر ما لم أكن أتوسمه من قبل في كثير من أهل الشرق، وإن كان في نيتكم ~~الإقامة زمنا بيننا، وكان الميل فيكم شديدا لاستطلاع العالم الأدبي بعد ~~العالم المادي في هذه الحضارة الغربية، وأحببتم الوقوف على ما تجري عليه ~~أحوال الجمعية البشرية، وما تدور به المعاملات في المعايش والمرافق، وما ~~تنطوي عليه من الأخلاق والصفات، ويتسلط عليها من الطباع والعادات، فأنا ~~حاضر بين أيديكم لمصاحبتكم ومرافقتكم، والفضل كل الفضل لكم فيما أجده من ~~الأنس بكم ولذة النفس في مباحثتكم ومناقشتكم. # قال عيسى بن هشام: فحبب إلينا البقاء بكلامه، وحمدناه على حسن صنعه ~~وإكرامه، وصادف رأيه لدينا حسن القبول، ففضلنا الإقامة على القفول، وبهذا ~~انتهينا من زيارة معرض النفائس والأعلاق، لنبدأ بالنظر في معرض الأطوار ~~والأخلاق. ### | من الغرب إلى الشرق # قال عيسى بن هشام: وأقمنا مع صاحبنا «الحكيم» نهتدي في سيرنا بهديه، ~~ونستضيء بنور فكره ورأيه، ونتبعه اتباع الإبل لحاديها، والرفقة لهاديها، ~~ونحمد القدر الذي ساقه لمرافقتنا، وأنزله على موافقتنا، وقضينا معه الليالي ~~والأيام، منذ انتهينا من المعرض العام وكأنها حلم من الأحلام، يتنقل بنا في ~~الأندية الحافلة، والمجالس الآهلة، ويدور بنا في اختبار الأخلاق والصفات، ~~بين مختلف أهل الطبقات، فيعلو بنا تارة إلى مراتب الخاصة والحامة،[1] ونسفل ~~معه أخرى إلى أدنى منازل السوقة والعامة، فاليوم مع كبار الرجال والأمراء، ~~وغدا بين شراذم الصناع والأجراء، ثم نتحول من محادثة أرباب القصور العالية، ~~إلى محاورة أصحاب الأكواخ البالية، ومن منابر الوعظ والخطابة، إلى مجامع ~~ذوي الدعارة والدعابة، ومن أروقة العلماء والفضلاء، إلى أزقة الأوباش ~~والسفهاء، ومن جمعيات العلوم والمعارف، إلى حانات المراقص والمعازف، حتى لم ~~يبق مجتمع تختبر فيه الفضائل والرذائل، وتسبر فيه الطباع ms271 بين الأعالي ~~والأسافل، إلا لدينا طرف من خبره، وعلم من أثره، باحثين في العلل والأسباب، ~~مستشفين لما وراء الحجاب، إلى أن أدركنا الشتاء بخيله ورجله، وجليده ووحله، ~~ورعوده وبوارقه، وعواصفه وصواعقه، وتوارت الشمس عنا الأيام بعد الأيام، ~~وانسدل على العالم ستر الظلام، وأصبحنا نستضيء بمصابيح الكهرباء، من الصباح ~~إلى المساء، وانطلقت في الجو مداخن المعامل ومداخن الاصطلاء، فعقدت سحبا ~~أخرى تحت سحب السماء. # وتدفقت السيول والأمطار، طول كل ليلة وكل نهار، حتى أغرقت الغدران ~~والأنهار، فطغى الماء بمثل الطوفان وسال في الأودية والبلدان، وامتد نهر ~~المدينة فوصل إلى أرض المنازل والمساكن، وقد يعلو إلى الأدوار والأماكن، ~~فانزوينا في الغرف والحجرات، نقضي بها جميع الأوقات، وكأنما نحن في العذاب ~~نعذب تارة بنار الاستدفاء، وتارة بزمهرير الشتاء، وأقمنا عاكفين على الحديث ~~والسمر، بما وعيناه عن هذه المدنية من كل خبر وأثر، وكان «الصديق» بيننا ~~كعهده يرسل علينا القول إرسالا، ويذهب في حدة انتقاده يمينا وشمالا. # ويذكر من أسواء المدنية الغربية ما يهول السمع، ويذرف الدمع، حتى استفز ~~«الحكيم» للرد عليه، وتهوين ما ذهب إليه: # **الحكيم** (للصديق)**: **لقد أسرفت أيها «الصديق» في القول، وغاليت في ~~الوصف وإن كان في بعضه الجانب الصحيح والحق الصريح، ولكن لهذه المدنية ~~الكثير من المحاسن كما أن لها الكثير من المساوئ، فلا تغمطوها حقها ولا ~~تبخسوها قدرها، وخذوا منها معشر الشرقيين ما ينفعكم ويلتئم بكم، واتركوا ما ~~يضركم وينافي طباعكم، واعملوا على الاستفادة من جيل صناعاتها، وعظيم ~~آلاتها، واتخذوا منها قوة تصد عنكم أذى الطامعين، وشره المستعمرين، وانقلوا ~~محاسن الغرب إلى الشرق، وتمسكوا بفضائل أخلاقكم وجميل عاداتكم، فأنتم بها ~~في غنى عن التخلق بأخلاق غيركم، وتمتعوا في رخاء بلادكم، وسعة أرزاقكم، ~~واحمدوا الله على ما آتاكم. # قال عيسى بن هشام: ولم يبق لنا بد في هذه الحال، من السفر والانتقال، ~~فاستخرنا الله في العودة إلى ديارنا، والأوبة إلى أوطاننا، والحمد لله ~~باطنا وظاهرا، أولا وآخرا. ### | خاتمة # بدأت هذا الكتاب بخير ما يبدأ به كتاب بعد اسم الله وذكر ms272 رسوله: رسالة ~~الحكيم جمال الدين. # لم أرم في ذلك - علم الله - إلى التنبيه من ذكري والتنويه بقدري، ~~وأستغفره ثم أتوب إليه أن يكون الدافع إلى نشرها هذا الغرض دون سواه، وأنا ~~أعلم أن مثل هذه الرسائل من كبار العلماء إلى تلاميذهم إنما يكون مصدرها حث ~~المتعلم على العلم، والإغراء بالتعمق فيه، كالطفل توضع في يده قطعة العاج ~~المنقشة علالة يتعلل بها لتنبت أسنانه، بل كان نشرها لأنها أثر من الآثار ~~يجب عرضه على النظار، ونفاسة بما يخطه ذلك القلم الجليل في أي قصد من ~~المقاصد، ومطلب من المطالب أن يبقى مطويا في أدراج الأوراق وحقه أن ينشر ~~على سائر الآفاق. # وأختتمه على مثل هذه النية بخير ما يختم به القول بعد حمد الله رب ~~العالمين والصلاة والسلام على خاتم النبيين: هذه الرسالة التي شرفني بها ~~مولانا الأستاذ الشيخ سالم بوحاجب شيخ العلماء وصحاب الإفتاء بالمملكة ~~التونسية بعد أن قرأ هذا الكتاب في طبعته الأولى، وناهيك بقدر هذه الرسالة ~~بركة ويمنا وشرفا وجلالا ممن يمثل لك بالفعل، ما يروى عن السلف الصالح ~~بالقول، ويشهد لك بسيرته في هذه الأيام، كيف كان العالم العامل في صدر ~~الإسلام، ويعيد لنا ذكرى البصري في الزهد والتقى، والكوفي في الرأي والحجى، ~~والمكي في الفقه والدين، والمدني في العلم علم اليقين، هذا إلى سعة في ~~الاطلاع وتصرف في الأفكار، ودقة في البحث واستنباط للأمور، يؤلف الغابر ~~بالحاضر ويطابق بين أحكام ما قضت به الحكمة في سالف الأوان وما تقضي به ~~قواعد هذا الزمان. # أنفق العمر ناسكا يطلب العل %~% م بكشف عن أصله وانتقاد # فهو المثال التام الذي ينشده الإسلام، منذ السنين والأعوام، من بين ~~العلماء الأعلام؛ ليعود إليه مجده ويرتد إليه حقه ويعرف بهم قدره، ولو من ~~الله بمن يأخذ بقدوته في سائر الأقطار، ولو جرى العلماء على مثاله في كل ~~مصر من الأمصار، لاستوى الأواخر بالأوائل في العلم والدين، ولعاد الإسلام ~~إلى ذلك العز القديم والنصر المبين. # وهذا نص الرسالة الكريمة: ### ||||||||| الحمد لله والصلاة والسلام ms273 على رسول الله # أيها الجهبذ النحرير، المتصرف في أحرار الألباب، ورقيق الآداب بالاسترقاق ~~والتحرير، البالغ من رتب التهذيب أقاصيها، المالك من بدائع التربية ~~نواصيها، أما بعد: تقديم التحية اللائقة بعزة تلك الحضرة المحمدية ~~المويلحية، فقد وصل إلي - واصل الله في مدارج الإجادة ارتقاءكم، وأدام لحسن ~~الإفادة إتقانكم وانتقاءكم - كتابكم الجليل الذي يقوم به على تقدمكم في ~~حلبة العرفان، وبراعة البيان، وكمال تربية الإنسان، أوضح دليل، فوالذي علم ~~بالقلم، ومنح خير خلقه جوامع الكلم، إن لقلمكم من السحر المبين ما تخر له ~~سحرة البيان ساجدين، وإنه ليحقق اللطيفة الموسوية التي لمح لتأهلكم لها ~~كتاب الأستاذ جمال الدين، كما يتحقق ما يتفاءل به عن إسناد مروياتكم لاسم ~~عيسى، وإحياء موتى الأفكار المؤسسة على حياة من كان في اللحد رميسا، فيا له ~~من معلم قد علم منه كل أناس مشربهم، ووجد فيه الباحثون عن وسائل الاستقامة ~~مأربهم، فرجال الحكم مثلا سواء أكانوا من الأمة الإسلامية أم غيرها، ~~يتعرفون منه ملاك عز الأمة ونمو خيرها، بإسناد الوظائف إلى أهل المعرفة ~~والفضل، والضن بها عن غير الأهل، وإقامة منار العلم والعدل؛ لتدارك ما تخرب ~~بيد الجور والجهل، والعلماء يدركون به طرق النصح في التعليم، وعدم النفرة ~~من الحديث لمجرد كونه لم يعهد في القديم، ومع ما يلزم لهم في اقتياد ذوي ~~الجهالة والعناد من الملاطفات، والتحذير مما يدنس الشريعة المصونة من مختلق ~~الخرافات، والحاكم الغاشم ينتهي بمطالعته بالكف والإعراض عن كل ما يمس ~~المروءة ويدنس الأعراض، والمنشئ يتعلم منه كيف يسحر العقول بهيمنة لفظه، ~~ويستلب القلوب بحسن إرشاده ووعظه، وكيف ينتحل الأديب مهارة الطبيب، فيشرح ~~النصائح بأسلوب عجيب، لا يتطرقه إنكار أو تكذيب، وقد يجد المريض من حذق ~~الطبيب عذوبة التعذيب، ثم يسترشد به الوالد في تربية أبنائه، ويدعوهم إلى ~~حفظ مجد البيت والثروة بعد فنائه، ويعينهم على استثمار دوحة البذور، ~~وينقذهم مما يفضي إليه سوء السيرة من الأسواء والشرور. # ملأ الله أوقات الجميع بالسرور، ولا زال يرينا من أعمالكم كل أثر مشكور، ~~وإذا كان ms274 لا يتيسر لغيركم رعاكم الله أن يصل بقلمه إلى منتهى آماله، فحسبنا ~~أن نقنع في أداء الواجب بإجماله. # هذا ما حملت عليه محاولة القيام ببعض الواجب، من متيم ودكم وأدبكم. # سالم بو حاجب ms275