######OpenITI# #META# URI: 1350AhmadAffandiHasan.LubbTarikhCamm.Hindawi80605046 #META# Tags: history #META# ID: 80605046 #META# Title: لب التاريخ العام فيما صدر من غابر الأعوام #META# AuthorID: 60683847 #META# Author: أحمد حسن #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تاريخ مصر القديم‏ # الباحثون عن آثار مصر‏ # تاريخ الإسرائيليين‏ # تاريخ اليونان‏ # الكلام على المملكة الرومانية وولاياتها‏ # تاريخ القرون الوسطى‏ # تاريخ الإسلام‏ # تقريظ‏ # تاريخ مصر القديم‏ # الباحثون عن آثار مصر‏ # تاريخ الإسرائيليين‏ # تاريخ اليونان‏ # الكلام على المملكة الرومانية وولاياتها‏ # تاريخ القرون الوسطى‏ # تاريخ الإسلام‏ # تقريظ‏ # | لب التاريخ العام فيما صدر من غابر الأعوام # | لب التاريخ العام فيما صدر من غابر الأعوام # تعريب # أحمد حسن # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي جعل التاريخ نبراسا تستضيء به الأمم، ومعيارا تزن به الأفكار السليمة بضائع ~~الحكم. والصلاة والسلام على أشرف مرسل بكتاب كشف عن مخدرات الغابرين نقابها، وألبس الوقائع التي ~~أخبر عنها من الخبر اليقين جلبابها، وعلى آله البدور الطوالع، وأصحابه البازغين في أسعد ~~المطالع. # أما بعد، فإن التاريخ مرشد الصواب، ومرآة تجلو مخبآت الأمم في أجلى صورة. وهاد لمن ضل عن ~~منهاج الرشد إلى بحبوحة الحق، وأحسنه ما كان باحثا عن الأحوال العامة، التي لا تخلو من فوائد ~~يتحلى بها المرء، وينتشل من غواية الضلال؛ حيث يكون محيطا بأحوال سكان الكرة بما كانوا عليه حين ~~جمعتهم جامعة الطبيعة. هذا وقد ظفرت يدي بكتاب في هذا الموضوع، واف بالمقصود، بيد أنه باللغة ~~الفرنساوية، فكان قاصر الفائدة عن أهل الوطن الذين لا يفقه منهم هذه اللغة إلا القليل، فهزتني ~~أريحية الغيرة، وحرضني حب الوطن وأهليه على أن أبرزه من خدر اللغة الفرنساوية إلى مدارج اللغة ~~الشريفة العربية؛ ليسهل تناوله على من رامه، وسميته «لب التاريخ العام، فيما صدر من غابر ~~الأعوام»، والمرجو منه تعالى خير توفيق لأقوم شرعة وأحسن طريق. # | تاريخ مصر القديم # الشعب المصري: وقتما كانت الأوروباويون منذ خمسة آلاف سنة في الحضيض الأسفل من الهمجية والتوحش؛ ~~لا يعرفون للتمدن لفظا ولا للإنسانية اسما، يسكنون الوهاد والمغارات والأكواخ، ويكتسون من جلود ~~الحيوانات، ويعيشون من الصيد، لا يدرون ما هي الزراعة ولا الصناعة؛ كانت - إذ ذاك - سكان مصر متمدنة، ~~تشيد المدن، وتسكن أعالي القصور، وتبني القناطر والجسور، وتتحلى بالحلي، وتفلح الأراضي، مذعنة ~~لشرائع مسنونة ms01 ، وقوانين مخصوصة، ومجتمعة تحت جامعية الوطن. # مصر: هي بلد طيب هواؤها، معتدلة منطقتها، لا يرون فيها المطر إلا قليلا، ونيلها السعيد الذي ~~يخترقها يفيض عليها بفيضه العميم، فيهديها خصوبته، ويسدل عليها بساط الخضرة، ويصيرها نضرة كجنات ~~النعيم، ومزدهرة بما فيها من القطوف الدانية والمناظر الزاهية. # وفيضان النيل آت من ذوبان الثلوج التي على قمم الجبال، فيبتدئ النيل زيادة في شهر أبيب، ثم ~~يعم على الأراضي من بعد هذا الشهر، فيمكث عليها مدة ثلاثة شهور، حتى إن بعض القرى المرتفعة تصير ~~في هذا الحين كجزائر محاطة بالمياه من جميع الجهات. # الفراعنة: كانت الملوك التي تحكم على مصر قديما تسمى فراعنة، وكان الفرعون منهم يعيش في قصره ~~جالسا على أريكة ملكه، وكان يسمى ولد الشمس؛ ولذا كانوا يعبدونه كإله، وحين يموت الواحد منهم ~~يشيدون له معابد، ويقدمون له قربانا، وكانت الفراعنة منقسمة إلى ست وعشرين عائلة، وكانت مدة ~~حكمهم تزيد عن ألفين وخمسمائة سنة، وكان مركز ملوك الاثنتي عشرة عائلة الأول مدينة «منفيس» ~~القريبة من المكان الذي فيه القاهرة الآن، وأما بقية العائلات فكان مركزهم في طيبة بالوجه ~~القبلي، وآثارهم لم تزل موجودة تدل عليهم في هاتيك المحلات، والناس يأتون إليها الآن أفواجا ~~أفواجا؛ ليروا من بديع صنعهم ما تندهش له العقول. # الحروب: كانت الفراعنة تحكم على جنود، سلاحها الرماح والقسي، وكانوا يقاتلون وهم على عربات ~~حربية، وكانوا يشنون الغارة دائما على عبيد أفريقيا والسوريين، ومن كان يقع في أيديهم أسيرا ~~كانوا يأتون به، والأغلال في عنقه، مكبا على وجهه، ويشغلونه في أبنيتهم وآثارهم. وأشهر هذه ~~الملوك هو «رعمسيس» الثاني الذي كان من العائلة الثانية عشرة المسمى «سيزوستزيس»، وكانت مدة ~~حياته قبل المسيح بألف وأربعمائة سنة. # قبور الفراعنة: كان يزعم قدماء المصريين أنه حين يموت الشخص منهم تطير روحه، وتحوم حوله، ولكن ~~لا بد في يوم ما أن ترجع إلى جسده، وتدخل فيه؛ ولذلك أوجدوا طريقة لحفظ الجسد، فكانوا يصبرونه ~~ويضعونه في قماش ويربطونه بعصابات، ويودعونه في تابوت على شكل الإنسان تقريبا ms02 ، وهذا ما يعبر عنه ~~«بالموميا»، ثم يشيدون له قبرا شبيها بمنزل تحت الأرض، مهيأ للميت بأن يضعوا فيه سريرا ~~وموائد وملابس وحليا وأطعمة؛ ظنا أنه سيجيء ويستعمل هذه الأشياء. وكثيرا ما عثروا على قبور ~~مثل هذه - ولم يزالوا يعثرون عليها - ويجدون فيها «موميات» مختلفة أنواعها. # الأهرام: إن أهرام الجيزة الثلاثة التي لم تزل واقفة على قدم الدوام ولم يؤثر فيها صرف الزمان ~~وتوالي الحدثان، كانت ملوك قدماء المصريين تبنيها مقابر لهم، وكان كل واحد منها قبر ملك. وأعظم ~~أهرام الجيزة الهرم المسمى بالهرم الأكبر الذي يبلغ ارتفاعه نحو المائة والستين مترا، وهذا الهرم ~~من أعظم آثار العالم، وأرفع قبر شيد في الدنيا، على أن الذين بنوه ما كانوا يعرفون الآلات، فكان ~~لأجل ما يرفعون الحجارة إلى أعلى؛ كانوا يشيدون أولا منحدرا يسحبون الحجارة عليه، ثم يهدمونه ~~بعد. وبنت الملوك هذه الأهرام بواسطة رعاياها وأسراها. وهذه الأهرام موجودة في الجيزة بالقرب ~~من القاهرة، وأغلب الأجانب - وعلى الأخص سكان أوروبا - يأتون إليها زمرا زمرا، ويصرفون المبالغ ~~الباهظة لرؤية هذه الآثار التي هي من أعجب آثار العالم. # فنون قدماء المصريين وحيواناتها: كانت قدماء المصريين تشيد معابد عظيمة وكانوا يرفعون على باب ~~كل واحد منها مسلتين عظيمتين، ومن هذه المسلات: المسلة التي كانت بالأقصر التي أخذها الفرنساويون ~~ووضعوها في عاصمة بلادهم «باريس»، في ميدان يقال له «كونكورد»، وقد كانت أخذتها من أطلال معبد ~~طيبة. وكانت المصريون تنقش من الحجر هياكل، يقال للواحد منها أبو الهول «إسفنكس»، ويضعونه على ~~صفين في دهليز المعبد. وكان عندهم محاريث كالموجودة الآن في ديار مصر وجنوب فرنسا، وكانوا ~~يحرثون ويزرعون، ووجد في مقابرهم حب من القمح كالموجود الآن. وكانوا ينسجون أقمشة من الكتان، ~~ويشتغلون الذهب والفضة، ويستخرجون منهما حليا يلبسونها، ويصنعون الزجاج والصيني، ويصنعون من ~~نبات ينبت في مصر على شاطئ الماء نوعا من الورق، ويكتبون عليه بأقلام من القصب مبرية، وهذا ~~النبات كان يسمى بابيروس «البردي»، ومن هنا أخذت الإفرنج لفظة «بابييه» التي معناها الورق. وكان ~~عندهم من ms03 الحيوانات: الثيران والعنز والخنازير وأسراب من الأوز. # كتابة قدماء المصريين: كانت المصريون اخترعت كتابة رموزها تسمى ب «الهيروغليفي»، وهذه الرموز ~~كانت في مبدأ الأمر كثيرة العدد، عسيرة جدا، فكان لكل كلمة علامة مختلفة، وبما أن الكلمات لا ~~تدخل تحت حصر، كان الوصول إلى تعلم هذه الكتابة صعب المنال جدا، وفي آخر الأمر صارت هذه ~~الكتابة سهلة بعد ما حسن فيها؛ إذ إنه كانت توجد أمة صغيرة بالقرب من الشام، يقال لها ~~«الفينيقيون»، وهذه الأمة كانت تسكن جملة مدن، أشهرها مدينة «ثير»، وكانت سكانها تجارا مفتقرة ~~لكتابة سهلة؛ ليكتبوا بها في دفاترهم التجارية لحفظ تجارتهم، فلأجل الوصول إلى هذه المآرب أخذوا ~~نحو العشرين حرفا من الأحرف المصرية، وأوجدوا طريقة بحيث إنه بهذه الأحرف يمكنهم أن يكتبوا ~~كل ما أرادوه. والحرفان الأولان من هذه الأحرف هما «ألفا بيتا» باليوناني، ومن هنا أتى اسم ~~«ألفابيه» أعني حروف الهجاء، وجميع الحروف المستعملة الآن في بلاد أوروبا هي آتية من الكتابة ~~المصرية التي أصلحتها «الفينيقيون». # | الباحثون عن آثار مصر # كانت العلماء منذ مائة سنة جاهلة حقيقة قدماء المصريين، ففي زمن الثورة الفرنسوية المشهورة ~~أتى جيش عرمرم فرنساوي فتح مصر في سنة 1798م، وكان مع هذا الجيش جم غفير من أعظم علماء ~~الفرنساويين، فنبش هؤلاء العلماء المقابر وأخذوا منها جملة أشياء. وفي ذاك الزمن ما كان أحد ~~يعرف رموز «الهيروغليفي» المنقوشة على الأحجار، أو المكتوبة على «البردي»، ولكن في سنة 1821م ~~اهتدى أحد المعلمين الفرنساويين المسمى «شامبيليون» إلى طريقة بها يمكن الوصول إلى حل رموز ~~الكتابة المصرية القديمة. # ومن ذاك الوقت يوجد ب «فرنسا» و«إنكلترا» و«ألمانيا» علماء يمضون جميع أوقاتهم في الدراسة؛ للوقوف ~~على حقيقة مصر وعلى خباياها، وهذه العلماء هم الباحثون عن آثار مصر. # أهمية مصر: إن الأمة المصرية هي التي لها اليد الطولى والفضل الأوفر على الجنس الإنساني؛ إذ ~~قدمت له جميلا ما سبقتها أمة به من قبلها؛ حيث إن المصريين قد عرفوا قبل جميع الأمم الأخر ~~الزراعة، ونسيج الأقمشة والنقش، ومعرفة طرق الحديد ms04 ، وطرق سبك المعادن، والكتابة. وجميع هذه ~~الأشياء الضرورية جدا التي لا يستغني عنها الجنس الإنساني ما وجدت من قبلها، بل هي التي ~~أخرجتها من حيز العدم إلى عالم الوجود، وأخذتها الأوروباويون منها وأصبحوا بها أمما متمدنة؛ ~~وبسبب ذلك طارت شهرة مصر إلى السبع الطباق على جميع ممالك الشرق التي كانت متمدنة، وكان موجودا ~~في الشرق في هاتيك الأزمنة ممالك عظيمة؛ مثل: مملكة الآشوريين التي عاصمتها «نينوى»، ومملكة ~~البابليين التي تحتها «بابل»، ومملكة الأعاجم، ولا نتكلم على هذه الممالك؛ حيث إنها ليست على عظيم ~~من التمدن كالمصريين القدماء، وغاية ما سترى في هذا السفر الصغير أن مصر كانت فتحتها الفرس ~~واليونان. # الملخص # أولا: # إن المصريين هم أقدم أمة تمدنا في العالم، وكانوا يعرفون منذ خمسة آلاف سنة ~~تشييد المدن وحرث الأراضي. # ثانيا: # كانوا يسكنون بلدا معتدلة منطقتها، يخترقها نيلها السعيد، وبسبب فيضانه عليها ~~يخصب أرضها. # ثالثا: # كانوا مذعنين لملوك يقال لها: فراعنة، وكانوا يعبدونهم كآلهة، وكان يوجد ست ~~وعشرون عائلة من الفراعنة. # رابعا: # إن الفراعنة شنت جملة غارات على عبيد أفريقيا والسوريين. # خامسا: # إن قدماء المصريين كانت تصبر موتاها، وتصنع «الموميات» التي كانت تضعها في ~~المقابر الكبيرة. # سادسا: # إن أهرام الجيزة الثلاثة ليست شيئا آخر إلا مقابر للملوك. # سابعا: # كانت المصريون تشيد معابد مزينة بمسلات وهياكل «إسفنكس»، وكان عندهم محاريث ~~وحنطة وأنواع من الحيوانات، وكانوا يعرفون النسيج، ومهنة طرق الحديد، ويصنعون ~~ورق الكتابة «بابيروس». # ثامنا: # إنهم اخترعوا الهيروغليفي الذي استخرجت منه الفينيقيون حروف الهجاء. # تاسعا: # ما عرفت حقيقة مصر إلا من سنة 1798م؛ إذ إن «شامبيليون» الفرنساوي وصل إلى ~~معرفة حل رموز الهيروغليفي، ومن هذا الوقت وجد جم غفير من الباحثين عن آثار ~~مصر القديمة. # عاشرا: # إن مصر اشتهرت؛ حيث إنها هي التي نقلت التمدن إلى الشعوب الأخرى وعلمتها، ~~وبسببها تمدنت وتعلمت. # | تاريخ الإسرائيليين # الآباء: يوجد بين نهر الفرات وسلسلة جبال «لبنان» بلد شاسع، حار طقسها، كثير رملها خاوية ~~على عروشها بلقع، كان يسكن هاتيك البلد قبل الميلاد بألفي سنة أمم ms05 رحالة ، ليس لها مستقر ولا ~~بيوت، بل كانت ترحل من مكان إلى آخر بحيواناتها وثيرانها وإبلها وحبالها وعصيها، وكانت تسكن ~~خياما من الجلد مطنبة بعمدان تذهب بها حيثما شاءت وأينما أرادت، وكانت منقسمة إلى عدة قبائل، ~~وكل قبيلة كعائلة كثير نفرها، وكان يقال للكبراء العشائر الذين يديرون أمرها ويرأسونها ~~«الآباء». # أمة بني إسرائيل: كان أشهر الآباء سيدنا إبراهيم الذي أتى إلى أرض فلسطين القريبة من نهر ~~الأردن وأقام بها، وكانت رجال قبيلته تقول: إن الله سبحانه وتعالى وعد سيدنا إبراهيم بأن يرزقه ~~ذرية، كثير عددها كعدد نجوم السماء أو أكثر، كما أنه قال لربه: إني مطيع لما يوحى إلي من عندك. ~~وقد ظهر من قبيلة سيدنا إبراهيم أمتان عظيمتان شهيرتان ارتفع صيتهما إلى السبع الطباق، وهما: ~~أمة العرب وأمة بني إسرائيل. وحينما كان سيدنا يعقوب أبا الإسرائيليين حصل جدب عظيم في أرض ~~فلسطين، وإذ ذاك رحل سيدنا يعقوب إلى أرض مصر بقبيلته، وبها أقامت الإسرائيليون زمنا طويلا حتى ~~إنه كثر عددها فيها وانتشر. # سيدنا موسى: كان يوجد بأرض مصر ملك يضطهد الإسرائيليين، ويستخدمهم في تشييد آثاره ويستعبدهم في ~~أعماله، وكان جاعلهم كآلات صماء طوع يمينه، فسيدنا موسى ساقته أريحية الشفقة وحرض أمته على ~~المهاجرة من أرض مصر وأن يرجعوا إلى حيث خرج سيدنا يعقوب، وقد صادف كلامه عند الإسرائيليين ~~محلا، وصار له وقع في قلوبهم، وسافروا وهم تحت إمرته، وكان هو المشرع لهم بكتاب أنزله الله عليه، ~~يطيعون أوامره ويجتنبون نواهيه، وكان يأمرهم بألا يشركوا بربهم أحدا، وأن يعبدوا الله مخلصين ~~له، وكانت حياة سيدنا موسى قبل المسيح بألف وخمسمائة سنة. # الكلام على أرض فلسطين: قد مكثت الإسرائيليون زمنا طويلا في البادية، ثم أتوا إلى أرض ~~فلسطين، وشنوا الغارة على الأمم التي كانت تسكنها، وما زالت الحرب واقفة على ساق وقدم إلى أن ~~أبادوا هاتيك الأمم عن آخرهم وتوطنوا في البلد، وكانت الإسرائيليون إذ ذاك منقسمة إلى اثنتي عشرة ~~قبيلة، كل واحدة لها سير مخصوص. # الملوك: لما أراد الإسرائيليون أن ms06 يكون لهم ملك يقاتل في سبيل الله معهم، ويرشدهم في أمورهم، ~~ويرأس جيشهم، ذهبوا إلى نبيهم المسمى «أشمويل» لأجل أن يختار لهم ملكا، فاختار لهم «طالوت»، ~~المسمى بالسريانية «شاول»، وسلمه زمام الملك، ودهن رأسه بدهن القدس، وقال له: أمرني ربي أن أملكك ~~عليهم، فأبى - وذلك كان قبل المسيح بألف ومائة سنة تقريبا - ولكن لما رأى أشمويل أن شاول أبى ~~وتنجى أن يكون ملكا، فرأى أيضا أمة بني إسرائيل يحاولون في عدم إقامته عليهم ملكا، فاختار أن ~~يسلم زمام ملكهم إلى سيدنا داود. فلما استولى على الملك قمع أعداء بني إسرائيل، وأقام على جبل ~~«سيئون» في مدينة بيت المقدس، ثم خلفه ولده سيدنا سليمان، وشيد قصرا من الخشب وأقام بيت المقدس، ~~وذلك قبل المسيح بألف سنة. # أنبياء بني إسرائيل: بعد حكم سيدنا سليمان انشقت عصا الإسرائيليين ثانيا، وانحلت عراهم. ~~فالعشر قبائل الشمالية كونوا مملكة فذة، وصاروا يعبدون الأوثان، واتخذوا من دون الله أربابا. ~~وأما القبيلتان الجنوبيتان اللتان كانتا في ضواحي بيت المقدس، فقد اتخذتا اليهودية دينا لهم، ~~وعبدتا الله غير مشركين به أحدا، وقد أطلق على سكان هذه المملكة اسم اليهود، ثم إنه وقعت حرب بين ~~هاتين المملكتين، وما زالت واقفة على ساق وقدم إلى أن أتت ملوك «نينوى» و«بابل» بجيوش جرارة، ~~فأثاروا النار في محصولاتهم، وأبادوا مدنهم، وأخربوا ديارهم، وسبوا نساءهم، وذبحوا أولادهم ورجالهم، ~~واستولوا على «سيمبريا» عاصمة مملكة الإسرائيليين في سنة 711 قبل المسيح، وعلى «بيت المقدس» ~~عاصمة مملكة اليهود في سنة 589 قبل المسيح. وفي هذا الزمن أرسلت إلى بني إسرائيل الرسل؛ ليهدوهم ~~إلى الصراط المستقيم والدين القويم الذي ضلوا عنه، وأساءوا عملا؛ حيث عظمت فيهم الأحداث، وظهر ~~فيهم الفساد، ونسوا عهد الله حتى نصبوا الأوثان وعبدوها من دون الله عز وجل. وأشهر الرسل التي ~~بعثت لبني إسرائيل هم: «حزقيل» الملقب بابن العجوز، و«إلياس» و«اليسع» عليهم السلام. وكانت الملوك ~~طورا يتبعونهم، ومرة يضلون ويطغون. # المسيح: كانت اليهود الشهيرة أخذت أسرى إلى بابل، وأقاموا بها سبعين سنة، غير أن ms07 في هذا الزمن ~~كانت ابتدأت الفرس (التي كانت أمة صغيرة بآسيا) أن تؤسس مملكة عظيمة مشيدة أركانها، فاستولى ~~ملكها «كرش» على بابل، وأذن لليهود بأن تعود إلى بيت المقدس، ويبنوا ثانيا المعبد. وإذ ذاك ما ~~كانت اليهود إلا شعبا صغيرا لا يملكون قطميرا، ولكنهم عللوا أنفسهم وقالوا: إننا ما عصينا ~~الله وكنا مخلصين له، وإذا عاقبنا المولى الآن فلا بد أن يعفو عنا يوما، ويغفر لنا سيئاتنا، ~~ويعيدنا في قوة وعزم متين كعهد سيدنا سليمان. وقد كانت الرسل أنبأت بأن الله سيبعث رسولا من ~~ذرية داود ليرفع اليهود، وكانت منتظرة هذا الرسول الذي تسميه المسيح. # هدم بيت المقدس: انتظرت اليهود مدة خمسمائة سنة ظهور المسيح، ولكنه لما ظهر أبوا عن أن ~~يعترفوا بأنه المسيح، ولما أتى إلى بيت المقدس حكمت عليه الكهنة بأن يصلب (وما صلب ولكن شبه ~~لهم) وذلك بعد مضي ثلاث وثلاثين سنة من عمره. وكانت إذ ذاك حكمت الرومانيون بلاد اليهود. وفي ~~سنة سبعين بعد المسيح قامت اليهود ضدهم، ولكن ضلت مساعيهم وحبط عملهم، إذ إن جيشا جرارا من ~~الرومان حاصر «أورشليم» واستولى عليها وحرق المعبد، وأخذت اليهود أسرى، والأغلال في أعناقهم ~~وأيديهم وهم مقمحون، وبيعوا بثمن بخس كعبيد. ومنذ هذا الوقت لم توجد مملكة مخصوصة لليهود، بل ~~تبددوا وتفرقوا في جميع البلاد، نجد منهم في «ألمانيا، وبولونيا، وفرنسا، وبلاد الجزائر، ~~وآسيا، ومصر» ولم يزالوا محافظين على ديانتهم. # أهمية أمة اليهود: إن أمة اليهود صغيرة، ولكنها عظيمة الأهمية في تاريخ العالم؛ إذ إنها كانت ~~تقر بأن الله واحد في مدة أن كانت جميع الأمم الأخرى تعبد الأوثان، وأن ديانة النصرانية تفرعت ~~منها. # خلاصة ما تقدم من تاريخ الإسرائيليين # أولا: إن الآباء كانت تعيش في الصحاري بين نهر «الفرات» وجبل لبنان؛ مرتحلين من مكان إلى آخر ~~بعائلاتهم ودوابهم. ثانيا: إنه خرج من سيدنا إبراهيم أمة العرب وبنو إسرائيل الذين هم من نسل ~~سيدنا يعقوب. ثالثا: إن الإسرائيليين الذين كانوا مقيمين بأرض مصر خرجوا منها وهم مؤتمرون بأمر ~~سيدنا ms08 موسى الذي أظهر دين اليهودية، وأمر اليهود أن يعبدوا الله وحده. رابعا: إن الإسرائيليين ~~كانت تسكن أرض «فلسطين» التي كانت فيها منقسمة إلى اثنتي عشرة قبيلة. خامسا: إنهم كانوا تحت حكم ~~ملوك، أشهرهم سيدنا سليمان. سادسا: إنهم انقسموا إلى مملكتين، وقد أبادوا العمالقة (أي ~~السوريين)، وإذ ذاك ظهرت الأنبياء، ودعتهم إلى الدين القويم. سابعا: إن اليهود رجعوا إلى بابل، ~~وأنشئوا مملكة صغيرة منتظرين المسيح. ثامنا: إن المسيح لما ظهر أنكروا عليه، وحكمت الكهنة ~~بصلبه، وفي سنة سبعين بددت الرومانيون شمل الإسرائيليين. تاسعا: إن أمة اليهود لها أهمية ~~بالنسبة لديانتها. # | تاريخ اليونان # الشعب اليوناني: إن بلد اليونان التي ارتفع صيتها، وعلا قدرها، وكان لها دور عظيم من التمدن، لم ~~تكن إلا بلدا صغيرة، لكن أهليها أذكياء، لهم فكر وقادة، وبصائر نقادة، تردوا بأردية الهمة ~~والنشاط، فإنهم كانوا قبل الميلاد بثمانمائة سنة لا يفقهون شيئا غير تفليح الأراضي، وتربية ~~الحيوانات، وما مضى قليل من الزمن إلا وسطع نور تمدنهم، وأضاء جميع الآفاق، وهب نسيم تقدمهم، ~~فصنعوا السفن، وبنوا المدن، ونقشوا الحجارة، وصوروا التصاوير، وشادوا وسادوا. # مستعمرات اليونان: لما كثر عدد اليونان تفرق عدد عظيم منهم في البلاد، وسعوا في مناكبها ~~ليأكلوا من خيراتها، ويتمولوا من أرزاقها، ويعمروا فيها مدنا يسكنونها، وهذه ما تسمى ~~ب «المستعمرات»، فكانت توجد مستعمرات يونانية عديدة على سواحل «البحر الأبيض المتوسط»، وفي «آسيا، ~~وأفريقيا، وإيطاليا، وفرنسا، وبلاد الأندلس»، وعلى شاطئ «البحر الأسود»، وفي «قبرص»، وكانت ~~«مرسيل، ونيس، وأنتيب، واجد» مستعمرات لها في بلاد الفرنسيس. # مدن اليونان: اليونان أمة واحدة، بل كان كل ناحية بخلائها مكونة، لم تكن لأمة صغيرة منفردة ~~بحكومتها وجيشها وعمارتها البحرية، وكانت نار الحرب مشتعلة بين هذه الأمم على الدوام، وكانت توجد ~~مئات من تلك النواحي، كانت تسمى «مدن اليونان»، وأغلب هذه المدن كان صغيرا وأعظمها وأهمها ~~مدينتا «أسبرطة» و«أثينا». # الكلام على مدينة أسبرطة: كانت أسبرطة مدينة جبليين وجنود، وكانوا يربون الأطفال فيها بكثرة، ~~فكانوا يعلمونهم المكافحة والرماية، وكانوا يعودونهم على الوثوب والجري، ويعلمونهم تثقيف ms09 ~~الأسلحة والرماح، وكان أهلوها متربين على الخشونة وشظف العيش، فكانوا ينامون على القصب، ويتوسدون ~~الحجارة، ويضربون بعضهم؛ لأجل أن تصير أجسادهم جامدة. # وكانوا لا ينظرون إلى الترف، ولا يهتمون بزخرف الدنيا، ولا يوجهون آمالهم إلى نعومة الجسد، ولا ~~يكترثون بالملابس الفاخرة، وكانوا يربون بناتهم كما يربون صبيانهم، وكانت الرجال تأكل معا على ~~حدتهم، وبعد الأكل يقومون للتدرب على المصارعة، وكانوا لا يقرءون ولا يكتبون، غير أنهم بلغوا ~~الدرجة القصوى في فن المصارعة؛ ولذا كان يشار إليهم بأطراف البنان، ويقال: إن سكان هذه المدينة ~~صناديد بلاد اليونان، وكانوا يذهبون إلى القتال فرقا يقودهم صوت المزمار، وكل واحد منهم متسلح ~~برمح ومعه بيضة ودرقة، وأغلب جسده عار. وكان لسكان «أسبرطة» نواميس استغربها معاصروهم ومن بعدهم، ~~يعزونها إلى «ليكورغه» الذي كانت مدة حياته قبل المسيح بثمانمائة سنة تقريبا. # الكلام على أثينا # كانت أثينا بعكس ما كانت عليه أسبرطة؛ إذ كان للأثينيين بالقرب من مدينتهم ~~مينا عظيمة تدعى «ببريه»، ترد إليها التجارة من آسيا ومصر، وكانوا موسرين ولهم ميل شديد إلى ~~الأبنية الجليلة والزينة الفاخرة والتماثيل الجميلة والتشبب بالشعر، وكان أهل هذه المدينة أعظم ~~مشخصي بلاد اليونان. # وبأثينا كانت المحافل تعقد للنظر في مصالح العامة في ميدان يقال له: «آجورا»، وفيها كانت تتلى ~~الخطب الرائقة والمقالات الشائقة على الحاضرين، وكانوا متبعين قوانين صادرة عن حكمة وعقل، سنها ~~لهم «سولون» الذي كانت حياته قبل المسيح بستمائة سنة. # حرب الفرس مع اليونان # كانت بلاد آسيا ومصر خاضعة للفرس الذين كانوا سادوا أغلب الأمم، وأخذوا البلاد، وامتدت سلطتهم ~~من بلاد الهند إلى ديار مصر في ثلاثين سنة، فكانوا قادوا جزءا عظيما من آسيا، واستولوا على ~~مصر، وكان الملك الذي يحكم الفرس هو أعظم ملك في زمانه، وأقوى شوكة، وأرفع قدرا وشأنا، وأعظم ~~سلطانا من غيره؛ ولذا كانوا يسمونه الملك الأكبر. ولما أراد أحد ملوك العجم المسمى «دارا» أن ~~تذعن لسلطانه وقدرته بلاد اليونان، وبعث لأهليها رسلا ليدعوهم إلى الطاعة، فمنهم من نزل الرعب ~~في قلوبهم وامتثلوا لأوامره، ms10 ومنهم من فجر وعصى وتكبر وأبى الإذعان، وهم أهل «أسبرطة وأثينا». ~~فلما بلغ هذا الفعل «دارا» اشتد غيظه، وأرسل عمارة بحرية بالقرب من أثينا في «مرتبان»؛ لإبادة ~~أهليها، فعشرة آلاف جندي من الأثينيين نصبوا خيامهم تلقاء مراكب الفرس، وانقضوا عليهم انقضاض ~~النسور، وقلبوا سفنهم في البحر وأغرقوا من كان فيها، وذلك كان قبل المسيح بأربعمائة وتسعين ~~سنة. # وبعد مضي عشر سنين انتشبت نار الحرب ثانيا؛ إذ إن «اكزرسيس» الملك الذي خلف «دارا» أتى بنفسه ~~مع جيش عرمرم، مركب من مليون جندي أشداء، وعمارة بحرية مؤلفة من خمسمائة سفينة حربية، فلما شاهد ~~أهل أثينا وأسبرطة ذلك، ضموا قلوبهم معا، وشدوا أزر بعضهم، واتحدوا بقالبهم وقلبهم، وذهبوا إلى ~~القتال، فأبادوا عمارة الفرس البحرية في «سلامين» في سنة أربعمائة وثمانين قبل المسيح، وأهلكوا ~~الجيش البري عن آخره في «بلاتيه» في سنة أربعمائة وتسعة وسبعين قبل الميلاد. # عصر بركليس: بعد أن انتصر أهل أسبرطة وأثينا على الفرس، وسقوهم كأس الغلب، وهزموهم شر هزيمة، ~~رجع أهل أسبرطة إلى ديارهم، مطمئني الفكر ثابتي الجأش، واستمر أهل أثينا على القتال بأن ساروا ~~راكبين سفنهم لطرد جنود الفرس من جميع مدن اليونان وجزائرها وجميع مستعمراتها، ونجحوا في ~~مساعيهم، وضربوا الضرائب على اليونانيين الأخر الذين كانوا أذعنوا للفرس وقتما بعثوا لهم الرسل، ~~وبنوا بدراهم الضرائب معبدا فاخرا لآلهتهم، وشيدوا أبنية أخرى كثيرا عددها. # وأول من أوجد التياترات بأنواعها ك «الكوميديا»؛ أي التشخيص المضحك، «والتراجيديا»؛ أي التشخيص ~~المحزن المبكي، هم اليونانيون. وكانت المهندسون والنقاشون والمصورون والفلاسفة والشعراء تجتمع ~~بأثينا. # وكانت الأثينيون في ذلك الوقت تبجل وتعظم بركليس ابن وطنهم، وتصغي لكلمته، وتمتثل لكل ما يشير ~~به؛ إذ إنه كان رجلا جليل القدر، عظيم الشأن، مدبرا عاملا، وفي عصره قد تفننت الفنون، وتقدمت ~~الصنائع والعلوم، وطارت شهرة أثينا إلى السبع الطباق وانتشرت في جميع الآفاق، ولهذا السبب سمي ~~العصر الذي كان فيه باسمه فيقال عصر بركليس. # الكلام على مقدونيا: إن أثينا لم تقم زمنا طويلا، وهي قوية الشوكة علية المقدار والشأن، ms11 إذ ~~إن أسبرطة في سنة أربعمائة وإحدى وثلاثين قبل المسيح أعلنتها بالحرب، فقامت بينهما على قدم ~~وساق، واشتعلت نارها في جميع الأنحاء، وطارت شرارتها إلى (آسيا وسيسيليا). وفي هذه الحرب دارت ~~الدائرات على أثينا، ولحقها النكال، وانكسرت شوكتها، وهزمت شر هزيمة، وذلك كان في سنة أربع ~~وأربعمائة قبل الميلاد. ولكن بعدما انتصرت أسبرطة أبت اليونانيون الأخر أن يذعنوا لسلطانها، ~~فأضرمت الحرب ثانيا، وأذكى ضرامها وفدح أمرها، فكانوا يقطعون الأشجار، ويقتلون الرجال، ويسبون ~~النساء، ويذبحون الأولاد. وفي هذا الزمن في كل مدينة كانت الأغنياء والفقراء يقاتلون بعضهم ~~بعضا، ويوم ذاك كان يوجد في شمال اليونان بمقدونيا أمة صغيرة كانت خامدة الذكر ومعدومة الشهرة، ~~ولكنها كانت أمة منتظمة قوية؛ إذ إن «فيليبش» ملكها نظم جيشا جرارا واستمال باقي اليونان إلى ~~أن يصيروا حلفاء لقمع ملك الفرس، فأبى الأثينيون ذلك، وحصل قتال عظيم، وكان الفوز لفيليبش في ~~«قيرونيه» في سنة ثمان وثلاثين وثلثمائة قبل الميلاد. # فتوحات إسكندر: جلس إسكندر ولد فيليبش على أريكة الملك في سنة ثلاثمائة وست وثلاثين قبل ~~الميلاد، وبعد أن مكث سنتين على عرش ملكه ظعن بخمسة وعشرين ألف مقاتل لفتوح بلاد الفرس، فقابله ~~ملكهم بجيش عرمرم أكبر من جيش إسكندر بعشرين مرة، لكن جنوده كانوا ضعفاء متسلحين بأسلحة عاطلة، ~~وأغلبهم كان مجبورا على القتال، يطاعن بعزيمة فاترة، وهمة خامدة، مع كونه ليس متدربا على النزال، ~~وأما جنود إسكندر فكانوا متسلحين بأسلحة باترة، وسيوف صارمة، ينزلون في ميدان الهيجاء وهم له ~~راغبون؛ ولذلك ظفروا بالفرس ثلاث مرات، وقهروا جميع البلاد التي كانت خاضعة لملك الفرس. وقد شيد ~~إسكندر عدة مدن لم تزل واقفة على قدم الوجود، وأشهرها إسكندرية التي بمصر. ثم ذهب إسكندر إلى ~~بلاد الهند ووضع يده عليها، وعاد إلى ديار بابل، وقضى نحبه فيها بالحمى في سنة ثلاثمائة وثلاث ~~وعشرين قبل الميلاد، وهو لم يبلغ من العمر إلا ثلاثا وثلاثين عاما. # تقسيم مملكة إسكندر: لما لم يترك إسكندر خلفا له يخلفه في ملكه، تنازع الملك قواد جيشه ، فكان ms12 ~~كل واحد منهم يريد أن يكون ملكا، فحصل من ذلك شقاق أفضى بهم إلى القتال، وسفك الدماء، فمات منهم ~~كثير، ومن بقي تقاسم الملك، واستولى كل واحد على نصيبه، وأصبح ملكا بعد ما كان قائدا. فكان يوجد ~~يومئذ ثلاث ممالك عظام، وهي: مملكة مقدونيا، وسوريا، ومصر، وممالك أخرى صغيرة، ليست كهاتيك ~~الممالك، وقد أقامت هاته الدول نحو قرنين تقريبا. # ممالك اليونان: إن رعايا هذه الممالك كانت آسيين، ولكن ملكهم كان يوناني الأصل، فكانت جنوده ~~ومتوظفوه من جنسه، وكان يأتي بالعلماء والكتاب وأرباب الصنائع والفنون إلى دار خلافته من بلاد ~~اليونان في هاته الممالك؛ فتعودوا بعوائد أهل اليونان على التدريج، وتخلقوا بأخلاقهم، وتطبعوا ~~بطبائعهم، وانبثت في أرواحهم اعتقاداتهم، وتدينوا بدياناتهم، وآل أمرهم إلى أن أصبحوا لا يتكلمون ~~إلا بلغة اليونان. # إسكندرية ومدرسة علومها وفنونها: كان بعض ملوك ممالك اليونان يصبو إلى العلوم، فأقيال مصر ~~كونوا بإسكندرية في تخت ملكهم مكتبة عظيمة، ويومئذ كانت الأوراق والمطابع في عالم الخفاء، ~~فكانوا يسطرون الكتب جميعها بأيديهم على «البردي» ثم يطوونه، وكان عزيزا إذ ذاك وجود الكتب، ~~ولقلتها كانت غالية الثمن؛ ولشدة حرصهم على التآليف، وخوفهم عليها من أن تغتالها يد الضياع، إذ ~~إنه ما كان يوجد من مؤلف إلا بعض نسخ قليلة؛ اعتنوا بجمع نحو ثلاثمائة ألف نسخة، ووضعوها في ~~هاتيك المكتبة، ونظموا بستانا لدراسة علم النباتات، ومعملا للعلوم الطبيعية، وكانوا يطلقون على ~~هذه المحلات اسم: مدرسة العلوم والفنون، وكانت الناس تهرع إليها من كل فج؛ ليتعلموا فيها، وما ~~جادت الدنيا بمثلها ولا رأت العين غيرها في عالم الوجود. # فنون وعلوم اليونان: لا يتوقف تقدم أمة على كثرة عدد أهلها؛ إذ إن المصريين واليونانيين ~~واليهود ما كانت إلا أمما صغيرة مع أنهم وصلوا إلى الدرجة الرفيعة، ووطئوا السماكين بأقدامهم، ~~وسطع صيتهم، وعلت كلمتهم، انظر كيف فتح اليونانيون ديار مصر ومملكة الآسوريين وبابل وبلاد العجم، ~~وتعلموا كل ما كانت تعلمه هذه الأمم، وزادوا عنهم بأشياء كثيرة، أخرجوها من حيز العدم إلى الوجود. ~~فإن الأثينيين كانوا ms13 ينظمون الشعر وينشدون القصائد، ويتلون الخطب والمقالات في المحافل، ويؤرخون ~~التواريخ، ويصنعون التآليف، وقد ترجمت تصانيفهم وأشعارهم من بعدهم، فكل من قرأها تقع عنده موقع ~~الاستحسان، ويكاد يطير فرحا بها، وتشهد لهم بجودة أفكارهم وسمو ملكاتهم أشعار أشهر شعرائهم ~~«مريوس، وهزيودوس، وأشيل، وسوفاكل»، وتدلنا على فطنتهم، وحدة ذكائهم؛ كتب «هيردوت» المؤرخ الشهير ~~و«توسيديد»، وتنبئنا بشدة فصاحتهم خطب ديموستين، ومن قلدهم وحذا حذوهم أصبح خطيبا وأضحى ~~كاتبا. # وقد شيدت اليونانيون معابد عظيمة، ورفعت تماثيل منقوشة بأحسن نقش وأبدع إتقان، وحفظوا بأوفر ~~اعتناء كل ما أمكنهم وجوده من آثار القدماء. # واليونانيون هم أول من أوجد مبادئ العلوم وأوضح حجمها، فبقراط ابتدأ الطب، وكتب فيه عدة فصول ~~مفيدة، وظهر بعده جالينوس وروفس وغيرهما، ووسعوا نطاق دائرته، وأرسطاطاليس أنشأ التاريخ الطبيعي، ~~وأوكليدس أظهر الهندسة إلى عالم الوجود، وأرشميدس ابتدع علم «الميكانيكا» أي علم رفع الأثقال، ~~وأرالوستينس ابتدع الجغرافيا، وهيباركس أوجد الفلك. وهذه المبادئ التي ولدتها اليونانيون من ~~أفكارهم بدون معلم ولا موقف نمضي في تعلمها الأيام العديدة والليالي الطويلة، ونؤرق عيوننا ~~وننضي جسومنا، وندخل المدرسة صبيانا ونخرج كبارا، وبالجملة نصل إلى معرفتها مع المشقة ~~والعناء. أليس الفضل أن يكون لليونانيين؛ إذ منهم تعلمت الرومانيون أولا، ومن الرومانيين تعلمت ~~الغربيون، وعلى الأخص أهل إيطاليا وفرنسا. # ملخص تاريخ اليونان: أولا: إن اليونانيين أمة صغيرة في غاية الذكاء والنشاط، وأسست مستعمرات عديدة على ساحل البحر ~~الأبيض المتوسط. ثانيا: إن بلاد اليونان كانت منقسمة إلى عدة مدن صغيرة، وكانت الحروب منتشبة ~~بينهما على الدوام، وأشهر هذه المدن مدينتا أسبرطة وأثينا. ثالثا: إن أسبرطة مدينة جبليين ~~وجنود، وكانت أعظم بلاد اليونان جيوشا. رابعا: أن أثينا كانت مدينة بحريين، وكانت أشهر بلاد ~~اليونان في التشخيص. خامسا: إن أثينا وأسبرطة اتحدا مع بعضهما، وشنا جملة غارات مع ملك الفرس من ~~سنة أربعمائة وتسعين إلى سنة أربعمائة وثمانين قبل المسيح. سادسا: إنهما شنا الغارة مع ~~بعضهما، وأضرما نار الحرب، وهزمت أثينا في هذه الحرب سنة أربعمائة وأربع قبل المسيح. # سابعا : إن مقدونيا ms14 كانت أقوى بلد في بلاد اليونان، وفتح ملكها إسكندر جميع مملكة الفرس من ~~سنة ثلاثمائة وثلاث وثلاثين إلى سنة ثلاثمائة وثلاث وعشرين قبل الميلاد. ثامنا: إنه بعد ما ~~مات إسكندر تقاسمت قواده مملكته. تاسعا: قد أسست جملة ممالك يونانية في الشرق، واشتهرت ~~إسكندرية تخت مملكة مصر بمكتبتها ومدرسة علومها وفنونها. # عاشرا: إن اليونانيين اشتهروا في العالم؛ لأنه كان موجودا فيهم شعراء فصحاء وكتاب نبلاء، ~~وصنعوا ونقشوا تماثيل جملوها بالإتقان، وأوجدوا جميع مبادئ العلوم وعلموا جميع الأمم ~~الأخرى. # تاريخ الرومانيين القدماء # الكلام على تأسيس رومة: إن رومة كانت في الأعصر الخالية والسنين الماضية من أشهر ممالك الأرض، ~~وأعظمها رفعة وشأنا، وأجلها قدرا، على أنها لم تكن في مبدأ الأمر إلا مدينة صغيرة مربعة مؤسسة ~~على ربوة بالقرب من نهر «التبر» في وسط إيطاليا تقريبا، وأسست في سنة أربع وخمسين وسبعمائة ~~قبل الميلاد. وإنما سميت رومة نسبة إلى بانيها «رومولوس»، ولم تقف المؤرخون على حقيقة تاريخه، ~~وكذلك لم تعلم حقيقة خبر الملوك الذين حكموها في الأصل. # الكلام على جمهورية رومة: كان الملك الذي يحكم رومة لا ينفذ حكما ولا يقضي بأمر إلا باتفاق ~~كبراء الأمة، ومشاوراتهم في الأمر، وفي سنة عشر وخمسمائة قبل الميلاد تجمعت كبار الأمة وحكموا ~~بطرد «تركوين» الذي كان ملكا يوم ذاك، واستولى على زمام الملك اثنان من القضاة، وتلقب كل واحد ~~منهم بلقب قنصل؛ أي منفذ الأحكام، وكانت الأمة تنتخب هاته القناصل في كل سنة، وكانت رؤساء ~~العائلات تجتمع في جمعية لتعطي آراءها فيما يعود بالصالح والمنفعة على الأمة، وهذه الجمعية كانت ~~تلقب بجمعية «السناتو»؛ أي ديوان أعيان المملكة. # شقاق الأشراف والعامة: كانت سكان رومة منقسمة إلى حزبين؛ الأول يقال له حزب الأشراف، والثاني ~~يدعى بحزب العامة. فكانت الرومانيون الذين من نسل العائلات القديمة تدعى «بالأشراف»، وأما من ~~أتوا دخلاء في ديار رومة، واستوطنوا فيها، وليسوا من نسل الرومانيين القدماء، فكانوا يلقبون ~~«بالعامة»، وكان عدد هؤلاء يزيد عن عدد أولئك بكثير؛ إذ إن أغلب سكان المدن المجاورة هرعوا ms15 من ~~ديارهم، ودخلوا رومة، وانتظموا في عقد الأمة الرومانية، ولما أرادت الأشراف الاستقلال بالحكم، ~~وطلبت العامة أن تشاركهم في الحكومة، وأبت الأشراف ذلك الطلب؛ نشأت من ذلك فتن أفضت إلى الشقاق ~~والمشاجرات بين الطرفين. ومن ذلك ذهب العامة من رومة، وتخلوا عنها، فمجلس «السناتو» لأجل أن ~~يرجعهم قرر بأن يكون منهم رؤساء يحامون عن حقوق الشعب، ويكون لهم الحق بأن يمنعوا القناصل عن عمل ~~أي شيء سوى المحاماة، ثم حصل نزاع ثانيا بين الفريقين، مكث أكثر من مائة سنة، وفي آخر الأمر قرر ~~الأشراف بأن تعين قناصل من العامة، وذلك كان في سنة ست وستين وثلثمائة قبل الميلاد، وعندئذ ~~استتبت الراحة، وحصل هدوء من الفريقين. # الجيش الروماني: كانت الرومانيون موجهة جل عنايتها إلى فن الزراعة؛ حيث كانوا يعتبرون أمهر ~~الحراثين كأفضل الناس، وكانوا مشتغلين أيضا بالتجارة، وكانوا قاطبة جنودا. وكانت العساكر ~~تتدرع بالدروع وتتقلد بالصوارم، وتحمل الرمح والترس، وتلبس ثيابا حمرا تصل إلى ركبهم، وتضع ~~على رءوسهم خوذا من نحاس بأهداب من شعر الخيل، وكانت تشيد معسكرات مشطورة يحتمون فيها، وكانوا ~~بلغوا الدرجة القصوى في فن القتال حتى إنه كان يمكنهم المحاربة بمائة أو مائة وعشرين جنديا، ~~وهذا منال لم تصل إليه أية أمة. وكانت قوانين العسكرية قسرية جدا؛ فكان الجندي الذي يترك ~~موضعه يضرب بالسياط حتى يموت. وكان الواحد منهم يدخل في العسكرية وهو في السابعة عشرة من عمره ~~ويمكث فيها مدة حياته. وقصارى الأمر كان الجيش الروماني في أحسن انتظام ومعتنى به كثيرا؛ ولذا ~~فتح المعمورة بأسرها قليلا قليلا. # فتوح إيطاليا: لما تطلعت رغبة الرومانيين، واتجهت عزائمها إلى قهر أمم إيطاليا، أعلنتها بالحرب، ~~ولكن ذلك كان عليهم أمرا عسيرا؛ إذ إن القتال قام بينهم عدة أجيال، وفي آخر الأمر فتحت بحيث ~~جزيرة إيطاليا بأكملها في سنة اثنتين وعشرين ومائتين قبل الميلاد. # حروب قرطاجنة الثلاثة: كان يوجد بأفريقيا - قريبا من المكان الذي فيه تونس الآن - مدينة تجارية ~~حصينة مبنية على شاطئ البحر تدعى «قرطاجنة»، أسسها جماعة من البحريين كانوا ms16 أتوا من «فينيقية»، ~~وكانت هذه المدينة متمولة غنية من التجارة ومن استخراج معادن الفضة من بلاد الأندلس، وكانت سكان ~~قرطاجنة لا تقاتل بنفسها، بل كانت تؤجر عساكر من الأمم المتوحشة التي تميل إلى القتال، وبهذه ~~الجنود فتحت «بلاد الأندلس، وشمال أفريقيا، وسيسيليا»، ولما أرادت الرومانيون أن تستولي على ~~سيسيليا، وقابلوا جنود قرطاجنة هناك، حصل نزاع وشقاق، وحينئذ ابتدأت الحروب بين رومية وقرطاجنة، ~~وهذه الحروب تعرف بالحروب «البونيكية» وهي كانت ثلاثة؛ ففي أول واحدة منها من سنة أربع وستين ~~ومائتين إلى سنة إحدى وأربعين ومائتين ق.م. طردت الرومانيون القرطاجيين من «سيسيليا». وفي الحرب ~~الثانية التي كانت من سنة ثماني عشرة ومائتين إلى سنة أربع ومائتين قبل الميلاد سافر قائد ~~قرطاجيني يدعى «أنيبال» من بلاد الأندلس واخترق بلاد الجول الجنوبية (أي: فرنسا) وجاز جبال ~~«الألب» ونزل في إيطاليا، وفي مدة ثلاث سنين انتصر على الرومانيين في ثلاث وقعات، وبعد واقعة ~~«كنس» أشهر هاتيك الوقعات أقام في «نابلي»، ولكن رومة ما فترت همتها و«أنيبال» لم يتجرأ على ~~الإغارة عليها، ولأجل أن يجبر «أنيبال» على المبارحة من إيطاليا أرسلت إلى أفريقيا قائدا يدعى ~~«سيبيون» بجيش عرمرم نزل قريبا من قرطاجنة، فلما رأى ذلك «أنيبال» اتبعه، ولكن هزم في «زاما» في ~~سنة اثنتين ومائتين قبل الميلاد، وعند ذاك طلبت قرطاجنة الصلح، واستولت الرومانيون على الأندلس. ~~وفي الحرب الثالثة التي من سنة تسع وأربعين ومائة إلى سنة ست وأربعين ومائة أرادت الرومانيون ~~أن تتخلص من قرطاجنة، فذهبوا وحاصروا المدينة، وبعد ما وضعوا أيديهم عليها هدموها وفتكوا بأهلها ~~فتكا عظيما، ورجعوا إلى رومة بالغنائم والأموال. # فتوح الشرق: كان يوجد في الشرق أثناء تقسيم مملكة إسكندر جملة ممالك يونانية فتحها الرومانيون ~~واحدة بعد الأخرى، منها ممالك فتحتها بدون تكلف وبدون أدنى نزاع، ومنها ممالك فتحتها قسرا ~~بالقتال وشن الغارات بأن هزموا شر هزيمة ملكين من ملوك مقدونيا وهما «فيلبش» في سنة سبع وتسعين ~~ومائة و«برسية» في سنة ثمان وستين ومائة قبل الميلاد، وكسروا ملك «سوريا» المدعو «أنتيكوس» في ms17 ~~سنة تسعين ومائة قبل المسيح، ثم أثاروا الحرب مع «متردات» ملك «بون» من سنة سبع وثمانين إلى ~~سنة أربع وتسعين قبل المسيح، وكان لهم الظفر، وانتهت بهم الحال إلى أن أصبحوا ملوكا على ~~«مقدونية، وبلاد اليونان، وآسيا الصغرى، وسوريا، ومصر». # فتوح الغرب: بعد ما فتحت الرومانيون الشرق التفتت إلى الغرب، وقد عرفنا قبل ذلك أنها استولت ~~على الأندلس، وملكت زمامها من القرطاجينين، وكانت إذ ذاك فرنسا معمورة بالغاليين، وكان هؤلاء ~~مهابين عند الرومانيين؛ إذ إنهم كانوا فتحوا إيطاليا قديما واستولوا على رومة، وبعد ما خضعت ~~الغاليون (سكان إيطاليا) للرومانيين فتكت الرومانيون بالغاليين (سكان الجول) أي غالة «فرنسا» ~~وظفروا بهم، وفتحوا ما بين جبال «الألب» وجبال «بدنيبة» في سنة مائة وعشرين قبل المسيح، وأسسوا ~~فيه مدينتي «اكس وتاربون»، ثم فتح القيصر في ثماني سنين ما بقي من «غالة» إلى نهر «الران» من سنة ~~ثمان وخمسين إلى سنة إحدى وخمسين قبل الميلاد. # الحروب المدنية: في أثناء هذا الزمن كانت رومة تحت حكم السناتو، وكانت جمعية الأمة تحتشد في ~~محلات معلومة، فكانت تارة تجتمع في «الغوروم»؛ أي ساحة السوق، وتارة كانت تجتمع في ميدان الفعلة ~~لتنظر في مصالح العموم، ومع هذا كانت لا تخرج عن طاعة السناتو، وكانت القناصل لا تفعل شيئا، ~~ولا تقضي بأمر بدون ما تشاور هذا المجلس. وفي هذه الحروب قتل جم غفير من رجال الرومانيين حتى ~~إنه كاد لا يوجد إلا القليل من الرومانيين الأصليين، فدخل حينئذ في الجيوش الرومانية أغراب ~~وجماعات لا مستقر لهم، متنقلين على الدوام، ولم ينتظموا في سلك العسكرية إلا لاكتساب الدراهم، ~~وسلب الأموال من الأمم المنهزمة. # وهاته الجنود التي كانت تحارب لاتخاذهم الحرب حرفة لهم يكتسبون منها، لا لأداء واجب، ولا لتقديم ~~خدمة نحو وطنهم، كانوا لا يطيعون الحكومة ولا يعرفون لهم حكاما يذعنون لهم إلا قوادهم، فلما ~~رأت ذلك القواد أرادت أن تحكم على السناتو، وتجعل لهم إمرة عليهم، ولكن بما أنه يوجد جملة قواد، ~~وكل واحد منهم يريد أن يكون سيدا مستقلا ms18 بنفسه، حصل من ذلك شقاق ونزاع، أفضى بهم إلى قتال ~~أهلي مكث ثمانين سنة، وهذا القتال كان في رومة وفي إيطاليا وفي جميع البلاد الخاضعة ~~للرومانيين، فكانت حرب بين (ماريوس وسيلا) من سنة ثمان وثمانين إلى سنة اثنتين وثمانين، وبين ~~«سيتوريوس» و«بوبيه» و«سيزار» من سنة تسع وأربعين إلى سنة خمس وأربعين، وبين «أنتوان» ~~و«أوكتاف» من سنة ثلاث وأربعين إلى سنة ثلاثين قبل المسيح، وكان كل قائد ينتصر يصير حاكما مدة ~~بعض سنين. ولكن هذا الحال لم يستمر على ذلك زمنا طويلا؛ إذ إنه لما ضجرت الناس وكلت، وأعيتها ~~الحرب، سلمت جميع السلطة إلى «أوكتاف» آخر منتصر، ولقب باسم أغسطوس وإمبراطور في سنة ثمان وعشرين ~~قبل المسيح، وما ألغى مجلس السناتو، ولكن لم يكن له أدنى سلطة، بل كانت السلطة والأحكام ~~للإمبراطور، وفي حكم أغسطوس ولد المسيح. # الملخص # أولا: # إن رومة أسست في سنة أربع وخمسين وسبعمائة قبل الميلاد. # ثانيا: # إنها كانت أولا محكومة بملوك، ثم من سنة خمسمائة وعشر كانت تحت حكم القناصل ~~ومجلس السناتو. # ثالثا: # إنه حصل شقاق بين الأشراف والعامة، مكث زمنا طويلا، وانتهى الأمر بأن الأشراف ~~أطاعوا، وصارت المساواة بين الاثنين في درجة واحدة. # رابعا: # كانت الرومانيون من أعظم عساكر القرون الخالية، ولذلك خضعت لهم الدنيا ~~بأسرها. # خامسا: # إنهم ابتدءوا في قهر إيطاليا من سنة عشر وخمسمائة إلى سنة اثنتين وعشرين ~~ومائتين قبل الميلاد. # سادسا: # خضعت لهم قرطاجنة في ثلاث حروب، تدعى بالحروب «البونيكية» من سنة أربع وستين ~~ومائتين إلى سنة ست وأربعين ومائة قبل الميلاد. # سابعا: # إنهم فتحوا بلاد الشرق بدون مشقة وعناء. # ثامنا: # إنهم قهروا الغاليين وأخضعوا بلاد الغرب. # تاسعا: # لما كانت الجيوش خاضعة لقوادها، وأرادت القواد أن تكون حكاما، حصل من ذلك ~~حروب أهلية مكثت زمنا طويلا، وانتهى الحال بأن صار أحد القواد حاكما تحت لقب ~~الإمبراطور في سنة ثمان وعشرين قبل المسيح. # | الكلام على المملكة الرومانية وولاياتها # قد عرفنا قبل ذلك أن اليونانيين فتحوا بلادا عديدة خلال ما كانوا تحت حكم الجمهورية، وكذلك ms19 ~~إمبراطرة الرومانيين استمروا على فتح البلاد وإخضاع العباد مدة مائة سنة تقريبا، ففتحوا البلاد ~~التي تسمى الآن «إنكلترا، وإسبانيا، وفرنسا، وسويسه، وبافييروا، وأوتريش (أي بلاد النمسا)، ~~وتركيا، وآسيا الصغرى، وسورية»، وفتحوا جميع شمال أفريقيا، وجميع هذه الفتوحات كانت منقسمة إلى ~~ست وأربعين ولاية، وفي كل ولاية كان يرسل وال ليحكم عليها، ويبعث وكيل ليجمع الضريبة، وهاته ~~الولاة كانت مشتغلة بنهب الرعايا عوضا عن أن يعاملوهم بالعدل والإحسان، ولكن لما رأى ذلك ~~الإمبراطرة منهم صاروا يراقبونهم في أعمالهم، وأمروهم بأن يحسنوا الاستعمال معهم، ويعاملوهم ~~بالرفق واللين، فسر من ذلك الرعايا سرورا زائدا، وفضلوا حكم الإمبراطرة على حكم ~~الجمهورية. # الكلام على الاثني عشر قيصرا: كانوا يسمون الإمبراطرة الذين حكموا رومة من سنة ثمان وعشرين ~~قبل المسيح إلى سنة ست وتسعين بعد المسيح قياصرة، وكان عددهم اثني عشر قيصرا، وكان لهذه ~~القياصرة القدرة العامة والسلطة التامة، فكانت الناس تذعن لكل ما يأمرون به، ويشيرون بفعله، حتى ~~إنهم كانوا يقولون: إن الإمبراطور هو «القانون الحي»، وكان بعض هذه القياصرة عادلا منصفا ~~موجها جل عنايته إلى ما يعود بالمنفعة، ويأتي بالخير، ويجلب التقدم والشرف لحكومته، مثل: «أغسطوس ~~فسيازيان» و«تيتوس»، وأغلبهم كان متبعا هوى نفسه مسحوبا بأحبال شهواته، سائرا وراء أغراضه ~~الشخصية، منقادا لأوامر تلذذاته الجسدية، لا يلتفت إلا للدنيا وزخرفها، تاركا مصالح العباد، ~~ومنهم من كان بخيلا ضنينا وجبارا عنيدا ظالما فاجرا، مثل: «تيبير» و«نيرون» و«دوميسيان»، ~~فإنهم كانوا يقتلون كل من لم يعجبهم ويغتصبون أموال الأغنياء، ومنهم من كان يجبر الخلق على ~~عبادته كإله، مثل: «كاتيجلا»، فإنه كان مجنونا، ومنهم من كان لا يكلف نفسه أدنى عناء في الالتفات ~~نحو الأحكام، مثل: «كلودد» و«نيرون»، فإنهما كانا تاركين الحكومة في أيدي عبيدهم وعتقاهم يديرونها ~~كيفما شاءوا، ويوجهون عنانها أينما أرادوا. # ثم خلف هاته القياصرة خمسة إمبراطرة عادلون منصفون، أشهروا الحق، وأوضحوا الطريق المستقيم، ~~وحادوا عن طرق الفسق والعتو والفساد، واتبعوا خطة الرشاد، وسنوا قوانين صادرة عن عدل وإنصاف؛ إذ ~~إنه كان كل قاض يسن قانونا بنفسه؛ ms20 ليحكم على مقتضاه، فمنعوا ذلك كلية، وحرروا نواميس عمومية ~~لتحكم بنصها جميع القضاة، وكان قبل حكمهم السيد يقتل عبده إذا أراد، فمنعوا هذا الظلم الجائر ~~والعتو الفظيع، وقد أخذت الأوروباويون بعض قوانين من نواميسهم، أدخلوها في شرائعهم، لم تزل موجودة ~~إلى الآن، وهذه الإمبراطرة الخمسة كانوا صناديد ينزلون إلى الهيجاء بأنفسهم، ويحامون عن رعاياهم ~~بقدم راسخ وقلب ثابت، فإنهم ردوا الأمم البربرية قاطبة الذين كانوا أغاروا على الحدود ~~الرومانية من جهة نهر «الدانوب». # التمدن الروماني # إن الرومانيين كانوا أولا ناسا همجا متوحشين، لا يعرفون غير الزراعة والتضارب، ولكنهم لما ~~اختلطوا بأهل آسيا واليونان تعلموا منهم القراءة والكتابة، وألفوا الكتب الجليلة، وألقوا الخطب ~~الرائقة، وشيدوا الأبنية الفاخرة، ونصبوا التماثيل الجميلة، وبسببهم تمدنت أهالي «إيطاليا، ~~وفرنسا، وأسبانيا، وإنكلترا»؛ إذ إنهم كانوا قبلهم أمما بربرية لا يدرون شيئا كالأنعام يرعون ~~في الخلاء، وينامون في المغارات، وكان ليس لهم مدن يسكنونها، وكانت بقعتهم مملوءة بالأجمات ~~والحشائش، فلما فتح الرومانيون هذه البلاد هيئوا فيها الطرقات، وشيدوا المدن، ورفعوا فيها المعابد ~~والتياترات والحمامات، وعلموا الأهالي جميع الفنون التي تعلموها من اليونانيين، وتكلم يومئذ ~~جميع سكان المملكة باللغة اللاتينية، وتعودوا بعوائد الرومانيين، وتخلقوا بأخلاقهم، وعاشوا ~~كعيشتهم، وفي فرنسا موجود نحو مائة مدينة تقريبا كانت رومانية الأصل، وكثيرا ما وجد فيها ~~أطلال وتماثيل من عصر الرومانيين، وأقوى دليل على أن هذه المدن كانت رومانية الأصل هو لغة ~~الفرنساويين، فإن أصلها لغة لاتينية. # الكلام على حكم الجنود: إن القياصرة الذين تولوا الملك بعد الخمسة إمبراطرة من سنة اثنتين ~~وتسعين ومائة إلى سنة أربع وثمانين ومائتين لم يكونوا مطلقي الحرية في أحكامهم؛ إذ إن الجنود ~~كانوا عتوا عتوا عظيما، وتمردوا حتى إنهم صاروا كسلاطين، فكان الملك الذي لا يعطيهم نقودا ~~كثيرة لا يطيعون لحاكمه، ولا يذعنون لسلطانه، ويقتلونه ثم يقيمون بعده ملكا سواه على حسب ~~إرادتهم. وكان يوجد يومئذ جملة جيوش رومانية متفرقة؛ فمنها جيش كان في إنكلترا ، وآخر كان على ~~شواطئ نهر «الران»، وسواه على سواحل نهر «الدانوب»، وغيره ms21 في الشام، وكانت عصا هاته الجيوش ~~غالبا منشقة، وعراهم منفصمة، لا يتحدون في كلمة، ولا يتفقون على رأي، فمن ذلك كان لكل جيش ~~ملك، وكانت نار الحروب مضرمة بينهم على الدوام، وقد أقاموا نحو عشر سنين من سنة تسع وخمسين ~~ومائتين إلى سنة سبعين ومائتين، وهم تحت إمرة عشرين إمبراطورا في آن واحد، ومن هذه الإمبراطرة ~~ما كان غريبا مثل «إيليوجبل»، فإنه كان كاهنا من الشام وكانت عادة هذا الإمبراطور أن يتزيا بزي ~~النساء. # تأسيس القسطنطينية: ثم أتى بعد ذلك جملة إمبراطرة قرروا لمنع الحروب الأهلية أن يحكم دائما ~~إمبراطوران معا؛ أحدهما في الغرب، والآخر في الشرق. # ولما استولى الحكم «قسطنطين» شيد في سنة ست وعشرين وثلاثمائة القسطنطينية في أربع سنين، ~~وأحضر فيها بالقهر سكان جميع المدن المجاورة لها، ونقل كرسي سلطنته إليها. ومن ابتداء هذا الوقت ~~كان يحكم إمبراطوران معا؛ أحدهما بالقسطنطينية، والآخر بإيطاليا. وكانت عيشة هذه الإمبراطرة ~~مباينة لعيشة من ولي الأحكام قبلهم؛ إذ كان الواحد منهم يتتوج بتاج مرصع بالجواهر واللؤلؤ، ~~ويجلس في قصره على كرسي من الذهب لابسا ثوبا طويلا مزركشا بالذهب، وكان كل من يقترب منه ~~يسجد أمامه على الأرض، وكان يجعل حوله دائما خدما وحشما يعبدونه كإله، وبالجملة كانت حاشيته ~~تشابه لحاشية قدماء ملوك الفرس. # سقوط مملكة الرومانيين: لما احتاجت الإمبراطرة إلى نقود كثيرة لتصرفها على خدمهم وحشمهم ~~وجنودهم، قررت على الأهالي فريضة من المال تدفعها سنويا، وإذا تأخر سكان مدينة عن الدفع كانوا ~~يجبرون أصحاب الأملاك على قضائها عوضا عن جميع أهالي المدينة، فمن ذلك في مدة مائة سنة اندثرت ~~حالة أصحاب الأملاك، وأصبحوا لابسين ثياب الإملاق، يشيرون ببنان الفاقة على ما لحقهم من الانحطاط، ~~وأمست الإمبراطرة لا تجد رجالا لتلقيح الأراضي ولا للمدافعة عن بلادهم، ودخلت في مملكتهم أقوام ~~من البرابرة من كل فج. وفي سنة أربعمائة وست وسبعين خلع «أدواكر» أحد رؤساء هذه الجماعات ~~آخر إمبراطور من أرض الملك ، وما بقي إلا إمبراطور القسطنطينية. # الملخص # أولا: # إن البلاد التي أخضعتها رومة ms22 وفتحتها كانت تسمى بالمملكة الرومانية، وهي كانت ~~منقسمة إلى إيالات، كل واحدة محكومة بحاكم. # ثانيا: # إن الإمبراطرة الأول كانت اثني عشر قيصرا، وكان حكمهم من سنة ثمان وعشرين ~~قبل المسيح إلى سنة ست وتسعين بعد المسيح، وأغلبهم كان قاسيا ~~ومجنونا. # ثالثا: # ثم أتى بعد هذه القياصرة إمبراطرة كان حكمهم من سنة ست وتسعين إلى سنة ~~مائة واثنين وتسعين بعد المسيح، وهاته الإمبراطرة كانت اشتهرت بالعدل والإنصاف ~~والعقل، وأتموا القانون الروماني بعد ما أصلحوا فيه. # رابعا: # إن المملكة الرومانية كانت إذ ذاك متمدنة مشيدة فيها المدن ومعبورة بالسبل، ~~ولم يزل الأثر موجودا يدل على ذلك. # خامسا: # إن الجيوش الرومانية تسببت في دمار المملكة؛ إذ إنها كانت تشن الغارات مع ~~بعضها على الدوام. # سادسا: # إن الإمبراطرة الذين أوجدوا النظام قسموا المملكة إلى قسمين؛ أحدهما شرقي ~~والآخر غربي، وأسسوا القسطنطينية في سنة ست وعشرين وثلاثمائة. # سابعا: # من هذا الوقت كانت الإمبراطرة تعيش كملوك الفرس محاطين بخدم وحشم. # ثامنا: # إن هذه الإمبراطرة تسببوا في دمار المملكة من الضرائب التي كانوا يأخذونها من ~~أصحاب الأملاك، ولما وجدت الأمم البربرية أن أهالي البلاد لبسوا ثياب الاحتياج، ~~وتركوا ديارهم، دخلوا فيها، ودمروا المملكة الغربية في سنة ست وسبعين ~~وأربعمائة. # | تاريخ القرون الوسطى # إغارة أمم الجرمان # كانت أمم الجرمان تسكن جرمانيا (البلد الذي يسمى في أيامنا هذه ألمانيا)، وكانت أناس هاتيك ~~الأمم همجا أميين لا يقرءون ولا يكتبون، ولا يعرفون التصوير ولا النقش، ولا يدرون كيفية تشييد ~~المدن، لكنهم كانوا يحرثون الأرض، ويعتنون بتربية الأنعام، وكانوا يسكنون بيوتا من الخشب في ~~الخلاء، وكانوا يصبون دائما إلى المضاربة، وكثيرا ما كانوا ينصبون لبعضهم أشراك المكافحة؛ حيث ~~إنهم كانوا منقسمين إلى أمم صغيرة بينها البغضاء دائما. # وكثير منهم كان يذهب فرقا؛ ليبحثوا عن ثروة ينالونها، ولما ذهب أولئك الأقوام إلى مملكة ~~الرومانيين، وأرادوا أن يسلبوا مدنها، قامت جيوشها ضدهم، ومنعوهم عن الذهاب بعيدا. # إغارة أمم الجوت # إن هذه الأمم كانت منقسمة إلى قسمين؛ قسم يقال له «ويزيجوت»، وآخر يسمى «أوستروجوت»، ms23 وكانت هاته ~~الأقوام من أمم الجرمان. ففي سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة كانوا هاجروا من ديارهم يبغون النجاة ~~من أقوام يقال لهم «الهون» الذين هم أناس همج متوحشون، كانوا أتوا من آسيا، ودمروا كل ما لاقوه ~~أمامهم، ثم دخلوا مملكة الرومانيين، فلما رأى ذلك الإمبراطرة أقاموا الحرب ضدهم، وأذلوهم وقادوهم ~~بزمام الاحتقار، وقيدوهم بقيد الذل، وجعلوهم خدما لهم، ولكن «آلارك» ملك «الويزيجوت» ثار، فأخذ ~~رومة وسلب ما فيها، والملك الذي خلفه ذهب مع أمته، وأقام في جنوب «فرنسا» وشمائل ~~«أسبانيا». # إغارة أمتي البورجوند والفندال # لما أرادت الإمبراطرة أن تحامي عن إيطاليا وتدفع عنها العدو، أحضرت عساكر الرومانيين من الجول ~~(أي غالة «فرنسا»)، وعند ذاك أصبح نهر «الران» خاليا من العساكر يمكن العبور فيه بسهولة، فلما ~~رأت ذلك أمتان من الجرمان انتهزتا الفرصة في الدخول في بلاد «الجول»، فإحداهما وهي المدعوة بأمة ~~«البورجوند» أقامت في وادي نهر السون وفي إقليم سلسلة جبال «الجورا». # والأخرى وهي المدعوة «بالفندال» عبرت جميع بلاد «الجول»، ثم جميع «أسبانيا»، وفتحت البلاد التي ~~تسمى في أيامنا هذه «تونس والجزائر»، وكانت تدمر الأبنية التي تمر عليها، وتذبح القسس، ولكن ~~دولتهم لم تقم زمنا طويلا؛ إذ إن «جيستنيان» إمبراطور القسطنطينية نزع من أيديهم البلاد التي ~~كانوا استولوا عليها من أفريقيا في سنة أربع وثلاثين وخمسمائة. # إغارة الإفرنج # كانت الإفرنج في بادئ بدء قاطنة ب «بلجيكا» منقسمة إلى جماعات؛ لأن إمبراطرة الرومانيين أذنوا ~~لهم بالدخول في هذا البلد التي كانت في ذاك الوقت قاعا صفصفا ما بها أحد، واستخدمتهم ~~الإمبراطرة، ثم قام رئيس إحدى الجماعات المدعو «كلوفيس» وبذل ما في وسعه حتى صار الإمبراطرة ~~ملكا على جميع الإفرنج، وفتح جميع «الجول» التي أصبحت من ذلك الحين تدعى بمملكة الإفرنج. # إغارة الأنجلوساكسون # كانت إنكلترا تسمى يوم ذاك بريطانيا، وهي كانت تابعة الإمبراطرة الرومانيين، ولكن لما سحبت ~~الإمبراطرة جنودها منها، وأصبحت سكانها لا تدري كيف تدافع عن نفسها من أهل «ائكوس »، ولحقها ~~الخبال، استعانت «بالساكسون» الذين كانوا من «الجرمان»، فهؤلاء أتوا من جرمانيا ms24 راكبين سفنهم مع ~~عائلاتهم، وأقاموا في جنوب إنكلترا، وبعدما توطنوا فيها ذبحوا السكان الذين دعوهم من بلادهم في ~~سنة خمس وأربعمائة. # ثم أتى قوم من بلاد «دانيمركا» يقال لهم «إنجل» من أقوام الجرمان أيضا، وفعلوا مثل ما فعل ~~أوائلهم. وفي القرن السادس وجد في البلد أربع ممالك من «الساكسون» في الجنوب، وثلاث ممالك من ~~«الإنجل» في الشمال، ومن ذاك الوقت سميت البلد بإنكلترا أي (أرض الإنجل). # إغارة الأوستروجوت واللومبار # كانت أمة الأوستروجوت توطنت بإيطاليا في سنة تسع وثمانين وأربعمائة، وأسست فيها مملكة سمتها ~~باسمها، و«تيودوريك» ملكهم الذي حكم من سنة تسع وثمانين وأربعمائة إلى سنة ست وعشرين ~~وخمسمائة كان مسالما للرومانيين، وحكم إيطاليا مثل ما حكمتها الإمبراطرة القدماء تقريبا، ثم ~~«جسيتنيان» إمبراطور القسطنطينية بعث جيشا استولى على إيطاليا في سنة أربع وخمسين وخمسمائة، ~~ولكن بعد قليل عبرت «اللومبار» (الذين هم من أمم الجرمان أيضا) سلسلة جبال الألب في سنة ثمان ~~وستين وخمسمائة، وأقامت في وادي نهر «البو»، وكونت مملكة سمتها باسمها، ويطلقون لفظ لومباردي ~~أيضا على جزء من وادي نهر «البو». # نتائج الإغارات # إن الإغارات مكثت هكذا نحو مائتي سنة تقريبا وحصل منها انقلاب عظيم؛ إذ قبل الإغارات كان ~~يوجد مملكة واحدة رومانية، ولكن بعدها وجدت جملة ممالك بربرية. # وفي هذه الممالك كان يوجد نوعان من السكان: النوع الأول «أمم الجرمان» الآتية مع الملك، ~~والنوع الثاني رعايا الإمبراطرة المقيمة في البلدة التي كانت تدعى بالرومانيين. وعاش كل من ~~النوعين مع الآخر، وصارت الجرمان متمدنة نوعا، وقل توحشها عن الأول، وشمت عرف التمدن، وأما ~~الرومانيون فإنهم ضلوا عن سبيل التمدن فأصبحوا لا يهيئون الطرق، ولا يقيمون الآثار، وقطعوا أسباب ~~التعلم، وفصموا عرى التقدم، وظلت البلدة لا يكترث بأمر زراعتها، حتى إن الأجمات والعواسج غطت جزأ ~~عظيما منها. # الملخص # أولا: # كانت الجرمان أمما وحشية تسكن ألمانيا، وكثير منهم كان يرحل إلى مملكة ~~الرومانيين؛ ليبحث عن ثروة ينالها. # ثانيا: # هربت أمة «الجوت» من أمة «الهون»، ودخلت في المملكة من سنة خمس وسبعين ~~وثلاثمائة، ms25 وخدمت الإمبراطرة أولا، ثم استولت على رومة وأسست مملكة الويزيجوت في ~~«أسبانيا». # ثالثا: # لما وجدت أمة «البورجوند» و«الفندال» أن وادي نهر «الران» ليس محميا ~~بالجنود، دخلتا في بلاد «الجول» في سنة ست وأربعمائة، وأسست أمة البورجوند ~~مملكة في «برجونيا»، وأقامت «الفندال» مملكة بأفريقيا. # رابعا: # إن الإفرنج المقيمين ببلجيكا صاروا أكابر «الجول» وهم تحت سلطة الملك ~~«كلوفيس»، ومن ذاك اليوم سميت «الجول» بمملكة الإفرنج. # خامسا: # إن أمتي «الساكسون» و«الإنجل» دخلتا في بريطانيا العظمى بعدما تركها ~~الإمبراطرة، وأسستا فيها ست ممالك، وعندئذ سميت بإنكلترا إلى وقتنا هذا. # سادسا: # إن الأوستروجوت كانوا أسسوا مملكة في إيطاليا، وصاروا أقوياء أشداء وهم تحت ~~سلطة «تيودوريك»، ثم خلفهم أمة اللومبار في سنة ثمان وستين وخمسمائة. # سابعا: # مكثت إغارات البرابرة نحو القرنين، وبسببها تكونت جملة ممالك نصفها روماني ~~ونصفها بربري، وأقل تمدنا من مملكة الرومانيين القديمة. # | تاريخ الإسلام # بينما كانت الجرمان مشتغلة بفتح المملكة الغربية، كانت العرب موجهة عظيم عنايتها إلى فتوحات ~~المملكة الشرقية، وكان النصر دائما معقودا بأعراف خيولهم، والظفر معلقا في سنان رماحهم، ومتى ~~اتجهت عزائمهم إلى فتح أي بلدة وطئت سنابك خيلهم أرضها، وأذعن أهلها لهم وهم صاغرون، فكأن النصر ~~ما خلق إلا ليكون طوع سيوفهم. وما أذعنت العرب أصلا للرومان، ولا دخلوا في الدين المسيحي؛ إذ كل ~~قبيلة من قبائل العرب كان لها معبود مخصوص تعبده، إلى أن أنار بدر الحق وأضاء نور سيدنا أبي ~~القاسم محمد بن عبد الله الهاشمي # صلى الله عليه وسلم # من مكة. وفي سنة عشر وستمائة، في ليلة القدر، ~~أتى سيدنا محمد بالرسالة، ثم أنزل عليه القرآن منجما على حسب الوقائع؛ ليأمر الناس باتباع الدين ~~القويم، وبعد ذلك بثنتي عشرة سنة ثار أهل مكة فأمره الله بالمهاجرة، فهاجر إلى يثرب في سنة ~~اثنتين وعشرين وستمائة، وهي السنة الثانية والخمسون من عمره تاريخا للهجرة. وفي السنة نفسها حصل ~~خلاف عظيم أفضى إلى النزال والقتال فصارت أصحابه # صلى الله عليه وسلم # تقاتل كل من خالفه، إلى أن ~~دخل في مكة ms26 والنصر يقدمه في سنة ثلاثين وستمائة، وخضعت له أغلب قبائل العرب وأتوا له ~~مذعنين. # الخلفاء # لما انتقل النبي # صلى الله عليه وسلم # من دار الفناء إلى دار البقاء في سنة اثنتين وثلاثين ~~وستمائة، تولى الخلافة سيدنا أبو بكر ثم سيدنا عمر ثم سيدنا عثمان ثم سيدنا علي، وكانت العرب ~~تطيع كل خليفة كما كانت تطيع النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وكان الخليفة إماما وقائدا، وكانت مدة ~~الأربعة الخلفاء من سنة اثنتين وثلاثين وستمائة إلى سنة إحدى وستين وستمائة، وفي مدة خلافتهم ~~فتحوا بلادا عديدة في مدة قليلة تدهش اللب، ووسعوا دائرة الإسلام ورفعوا أعلامه ووطدوا ~~دعائمه. # فتوحات الإسلام # كان يوجد جملة كتائب إسلامية، فكل كتيبة متى وصلت أية جهة خضعت لها أهلها وأتوا لها مذعنين؛ ~~إذ إن كل مسلم كان يذهب إلى القتال وهو منشرح الصدر، يدافع بقلبه وقالبه راغبا في ذلك؛ لأنه ~~متيقن أن كل من جاهد في سبيل الله ومات مات شهيدا، فكان ينزل إلى الهيجاء كأسد ضار لا يرهب ~~الموت ولا يخشى بوادره؛ فلذلك فتحت المجاهدون جملة بلاد، ففتحوا بلاد الشام في سنة ثمان ~~وثلاثين وستمائة، وديار مصر في سنة أربعين وستمائة التي كانت تابعة لإمبراطور القسطنطينية، ~~وفتحوا مملكة الفرس في سنة اثنتين وأربعين وستمائة، وأقامت الخلفاء إذ ذاك في دمشق ببلاد الشام ~~في سنة إحدى وستين وستمائة. # ثم إنهم استمروا في الحرب، ففتحت جيوشهم من جهة الشرق بلاد «التركستان» وشمال الهند في سنة ~~سبع وسبعمائة، ومن جهة الغرب فتحت تونس والجزائر ومراكش، ثم مرت من بوغاز جبل طارق، وفي واقعة ~~واحدة فتحت جميع الأندلس في سنة إحدى عشرة وسبعمائة، وامتدت مملكة الخلفاء من البحر المحيط إلى ~~نهر «الإندوس»، فما رأت عين ولا سمعت أذن بمملكة أكبر من هذه. # وكان يوجد أيضا مسلمون، تركب سفنهم وتخترق البحر الأبيض المتوسط، وكلما تقابل نصرانيا تأخذه ~~أسيرا، وكثيرا ما كانت تنزل من سفنهم على سواحل إيطاليا وفرنسا؛ لتنهب القرى وتسلب الأولاد ~~والنساء، وقد استولت على جميع «سيسيليا» وجزء من جنوب ms27 إيطاليا، وكان لها قلعة بالقرب من «نيس»، ~~وبالجملة قد علت كلمة العرب، وقويت شوكتها، وخضعت لها أغلب سكان المعمورة، واستولت على الغبراء ~~والخضراء. # الكلام على انشقاق مملكة العرب # إن مملكة الخلفاء لم تقم زمنا طويلا؛ إذ إنها انقسمت بين خليفتين؛ أحدهما كان ببغداد بالقرب ~~من نهر الفرات، والآخر كان «بكوردو» في بلاد الأندلس، ثم تكونت جملة ممالك أخرى إسلامية بمصر ~~والشام والجزائر ومراكش والفرس. ثم في سنة ثمان وخمسين ومائتين وألف خربت أقوام المونجول بغداد ~~وانحطت دولة الخلفاء، ولكن البلاد التي دخلها الإسلام لم ينفصم حبل دينها، ولم يتغير، ولم يزل إلى ~~الآن شديدا، رغما عن حوادث الزمان، وانقلاب الأيام، وهذا مما يدل على وثوق عرى الإسلام وصحة ~~أساس مبناه، ويبرهن على أنه موطد بدعائم الحق اليقين، ويوجد في المعمورة ما يربو على مائتي ~~مليون من المسلمين تقريبا. # تمدن العرب # إن العرب كانت صناديد ورجال حرب، وكانت تصبو إلى القريض والعلم متحلين بحلي الفصاحة والنباهة، ~~أصحاب عفة ومنعة وعزة، لا يعرف الكرم إلا ديارهم، ولا يصبو فؤاد المجد إلا لهم، ولا يتحلى الفضل ~~إلا بهم، ولا ينزل العدل والإحسان إلا في بيوتهم. وقد أسسوا ديار العلوم ببغداد ودمشق وكوردو، ~~ولا يخفى شهرة مدرسة «سالرن» التي كانت أقدم مدرسة في الطب بأوروبا، واشتغلت العرب كثيرا بعلم ~~الكيمياء، وهم الذين أوجدوا الكئول، وشيدوا القصور والجوامع العجيبة، وكان الخلاء حول مدنهم ~~مفروشا بالخضرة كحديقة أخذت زخرفها وازينت، تروق الناظر وتدهش الخاطر. وبالجملة فإن تمدن العرب ~~كان بلغ الدرجة القصوى والنهاية العظمى. # الملخص # أولا: # إن سيدنا محمدا # صلى الله عليه وسلم # أظهر دين الإسلام في سنة عشر وستمائة، ~~وفي سنة ثلاثين وستمائة خضع لأوامره أغلب الأعراب وأتوا له مسلمين. # ثانيا: # إن المولى سبحانه وتعالى أنزل على نبيه # صلى الله عليه وسلم # القرآن يأمر الناس ~~بالمعروف، وينهاهم عن المنكر. # ثالثا: # إن الخلفاء الذين خلفوا النبي # صلى الله عليه وسلم # من سنة اثنين وثلاثين ~~وستمائة إلى سنة إحدى وستين وستمائة فتحوا بلادا عديدة ووسعوا دائرة ~~الإسلام. ms28 # رابعا: # إن جيوش الإسلام كانت دائما منتصرة، ففتحوا الشام ومصر ومملكة الأعاجم وجميع ~~شمال أفريقيا وبلاد الأندلس. # خامسا: # إن مملكة الخلفاء انقسمت في القرن العاشر إلى جملة ممالك ولم يتغير ~~دينهم. # سادسا: # إن العرب بلغت درجة رفيعة في التمدن، وأسست جملة مدارس، واشتغلت بعلم الطب ~~والكيميا، وأقامت آثارا عجيبة، وعملت أعمالا غريبة، تشهد لها على ممر الأيام ~~ومر الأعوام، وتخلد لها ذكرا جميلا ومجدا رفيعا؛ حتى كان صنعها أحمد الصنع، ~~حسن الذكر إلى تمام الدهر، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ~~وسلم. # بحمد الله والصلاة على رسوله الأعظم قد نجز طبع هذا الكتاب الموسوم ب «لب التاريخ العام فيما ~~صدر من غابر الأعوام» فجاء يسر المطالع، ووافق تمام طبعه أواخر شهر صفر الذي هو من شهور عام خمسة ~~وثلاثمائة وألف من الهجرة النبوية، على صاحبها أزكى التحية. # | تقريظ # ورد لنا هذا التقريظ من المجيد البارع والأديب بلا منازع، شاعر العصر ومنشئ أبناء الدهر، ~~المتحلي بفرائد الأدب، المنتقى من أطيب الحسب، من لا تزال غيوث مكارمه تهمي عزتلو سليم بك رحمي، ~~قال حفظه الله: # علم التواريخ للألباب مقباس # وكشف أسراره ~~للعقل مقياس # وحسبه شرفا إيداع مجمله # كتب الإله؛ لهذا ~~اشتاقه الناس # فمنه للمرتقي آفاقه سطعت # شمس النهى، ~~وتسامى منه نبراس # فانعش بأرواحه أرواحنا طربا # ففيه ما لم ~~تحزه الراح والكاس # التاريخ هو العماد الأقوى لارتقاء الأمم وتقدم الممالك، به تدرك الألباب مزايا الفضائل ~~فتتنافس في السبق إليها، وبهداه تعتصم من غي الخطأ فترقى ذرى الكمالات، وبنور كواكبه تستضيء ~~الأكوان فيهتدي كل إلى السبل الواضحة، وتحفظ الأجيال لأبنائها والأبناء لآبائها جميل الذكر ~~ورفيع القدر، ويمهد بما استكنت صدوره، وطوت سطوره، لمن استمد بأنوار عرفانه، وشموس حقايقه أسباب ~~الفوز بما تحن النفوس الشريفة لإحرازه، وتهيم الألباب المطهرة لإدراكه، فهو بهذا السر الجليل ~~مرآة يرى فيها الناظرون صور الأعمال وحقائق الأحوال، فيتهيمون بمحاسن ما تبديه، ويتباعدون عما ~~يشين مجد الفتى ويزريه؛ ولذا كان المجدون في كشف غوامضه أحرص الناس على إعلاء منار ms29 المعارف، ~~وأقومهم عزما في تعميم مزايا التهذيب، وتقريب ما عساه أن تحيد عنه الألباب القاصرة والهمم ~~الفاترة. # نعم، إن رجال هذا الفن الشريف قد تدفعهم الغايات لما تنطمس دونه أقماره النيرة، فيحبط مسعاهم ~~ولا تحسن عقباهم. ولكن يقظة المتأخرين وفطنة الخبيرين لم تجعل لتلك الأغراض على مصنفاتهم سرادق، ~~فكانت بين هاتيك التآليف كالبدر بين الكواكب، والضياء الوهاج يمحو الغياهب، فأزالت ما كان اعترى ~~وجه التاريخ من الغمم، وأزاحت عن رياضه الزاهرة جنح الظلم، وبذا ارتقى نيره الأعلى، وعم الوجود ~~نفعه الأجلى، فتسابقت الأمم لاجتناء ثماره، واستنشاق عبير أزهاره. ولم تكتف أمة بالاطلاع على ~~أنبائها، وسير أمرائها، بل صار الكل حريصا على سعة الاطلاع، وازدياد الثمرة، وتعميم الانتفاع، ~~فعلمت آل المشارق شئون من بالمغارب، ولاح للمستبصرين في أعمال الجميع كل ساطع وغارب، وحينئذ ~~أصبح العلم بتلك المكنونات لجميع المخلوقات من آكد المندوبات، وأوجب الضروريات. # وليس بين أولئك المطلوب من يمنعه عن إظهار الحقائق حجاب؛ رغبة في تبرئتهم مما نسب لسابقيهم، ~~وليكون فضل تصنيفهم قدوة للاحقيهم؛ إذ كان من سلفوا يجعلون المصنفات وصلة للغايات؛ فمنهم من ~~كان يسلك الخرافات؛ لجهل قومه، أو لسوء فهمه، فضل وأضل، واستضعف واعتل؛ ومنهم من خشي السطوة، وحاذر ~~من المعاملة بالقسوة، فنوه ولم يتفوه، وأوهم وأيهم، وورى ووارى، وأضمر وتطير، فجاءت خطوط يراعهم ~~ناطقة بانعكاس طباعهم؛ ومنهم من سلك بين ذلك قواما، ونال بالاحتيال للتخلص من الأذى مراما، ~~فتداولت الأيدي ما سطره، ووعت الأسماع ما أظهره، وقدمه وأخره، ونمقه وحبره. ولكل في هذه الأحوال ~~منهاج ومنوال. # أما مؤرخو هذا العصر، فقد برأتهم التجارب من هذا الوزر، وأيقنوا أن التواريخ ليست إلا بمثابة ~~شاهد عدل بأعمال من قبل، وأن للمطلعين حق الحكم والاحتكام في صدق ما تسطره الأقلام، وتجول في ~~ميادينه الأفهام، فإن طابقت المقدمة النتيجة، وتضوعت بشذاها رياضهم الأريجة، ساغ لديهم جناها، ~~وحمدت سرائره سراها. # وقد رأيت من أجل المصنفات الوسيمة والكتب التاريخية ذات المنافع العميمة، المصنف الرائق ~~الذي تدفق من ينابيع بيانه الحقائق، الكتاب المسمى «لب ms30 التاريخ العام» الذي أتى - بفضل منشئه - ~~شاهدا، ويعلو مكانته في دولة العرفان مؤيدا. كيف لا، وقد حاز من براعة العبارة ولطف الإشارة ~~وانتساق الأوضاع ما تألفه الأسماع، وتصبو الأرواح لاجتنائه، وتهيم ألباب العارفين لحسن تنميقه ~~وازدهائه؛ لاشتمال أساليبه البينة المفعمة بالإجادة، والإبداع في صحة الترجمة. # فلله تصنيف لناسج بردة # مدى الدهر يسمو ~~ذكره الأحمد الحسن # تقريظ آخر # ورد إلي هذا التقريظ والتأريخ من صديقي الفاضل، الأديب الشاعر المنطبق حضرة الشيخ أحمد ~~مفتاح، فتلقيته بيد الشكر، وها هو يتلو بين يديكم سورة البلاغة، قال رعاه الله: # أدرت طرفي في رياض هذا المؤلف البديع، فألفيته روضا تلونت أزهاره، وتنوعت بدائعه المزدهرة، ~~واحتوى على نبذة من التاريخ وهي في الحقيقة مجموعة، كيف لا، ومؤلفه الشاب النجيب والجهبذ المهذب ~~المتضلع من فنون الأدب: «أحمد أفندي حسن» ما زال يهدينا من حدائق فكره ما تبتهج له نفوسنا، وتسكن ~~إليه أفئدتنا، وتروي به غلل الظمأ، كما عهدناه من قريحته المجيدة، وشمائله الحميدة. فلله هذا ~~السفر من كتاب يحق أن تتناوله أيدي الفكر، قابضة عليه بأصابع الاجتهاد، وعاضة عليه بنواجذ ~~الطلب. # كتاب حين أشرق لي سناه # بغير الحسن منه لم ~~أعذه # وقلت لمن يروم العلم: أقدم # فهذا السفر ~~للتاريخ خذه # سنة 1305ه # أحمد مفتاح ms31