######OpenITI# #META# URI: 1350AhmadRiyad.AhzanWerther.Hindawi68483920 #META# Tags: novels #META# ID: 68483920 #META# Title: أحزان فرتر #META# AuthorID: 41795037 #META# Author: يوهان فولفجانج جوته #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 64695391 #META# Translator: أحمد رياض #META# Related_books: 1247JohannWolfgangGoethe.LeidenJungenWerthers (TRANSL) #META#Header#End# # إهداء الكتاب‏ # كلمة في الترجمة‏ # مقدمة عن حياة المؤلف‏ # الرسالة الأولى‏ # الرسالة الثانية‏ # الرسالة الثالثة‏ # الرسالة الرابعة‏ # الرسالة الخامسة‏ # الرسالة السادسة‏ # الرسالة السابعة‏ # الرسالة الثامنة‏ # الرسالة التاسعة‏ # الرسالة العاشرة‏ # الرسالة الحادية عشرة‏ # الرسالة الثانية عشرة‏ # الرسالة الثالثة عشرة‏ # الرسالة الرابعة عشرة‏ # الرسالة الخامسة عشرة‏ # الرسالة السادسة عشرة‏ # الرسالة السابعة عشرة‏ # الرسالة الثامنة عشرة‏ # الرسالة التاسعة عشرة‏ # الرسالة العشرون‏ # الرسالة الحادية والعشرون‏ # الرسالة الثانية والعشرون‏ # الرسالة الثالثة والعشرون‏ # الرسالة الرابعة والعشرون‏ # الرسالة الخامسة والعشرون‏ # الرسالة السادسة والعشرون‏ # الرسالة السابعة والعشرون‏ # الرسالة الثامنة والعشرون‏ # الرسالة التاسعة والعشرون‏ # الرسالة الثلاثون‏ # الرسالة الحادية والثلاثون‏ # الرسالة الثانية والثلاثون‏ # الرسالة الثالثة والثلاثون‏ # الرسالة الرابعة والثلاثون‏ # الرسالة الخامسة والثلاثون‏ # الرسالة السادسة والثلاثون‏ # الرسالة السابعة والثلاثون‏ # الرسالة الثامنة والثلاثون‏ # الرسالة التاسعة والثلاثون‏ # الرسالة الأربعون‏ # الرسالة الحادية والأربعون‏ # الرسالة الثانية والأربعون‏ # الرسالة الثالثة والأربعون‏ # الرسالة الرابعة والأربعون‏ # الرسالة الخامسة والأربعون‏ # الرسالة السادسة والأربعون‏ # الرسالة السابعة والأربعون‏ # الرسالة الثامنة والأربعون‏ # الرسالة التاسعة والأربعون‏ # الرسالة الخمسون‏ # الرسالة الحادية والخمسون‏ # الرسالة الثانية والخمسون‏ # الرسالة الثالثة والخمسون‏ # الرسالة الرابعة والخمسون‏ # الرسالة الخامسة والخمسون‏ # الرسالة السادسة والخمسون‏ # الرسالة السابعة والخمسون‏ # الرسالة الثامنة والخمسون‏ # الرسالة التاسعة والخمسون‏ # الرسالة الستون‏ # الرسالة الحادية والستون‏ # الرسالة الثانية والستون‏ # الرسالة الثالثة والستون‏ # الرسالة الرابعة والستون‏ # الرسالة الخامسة والستون‏ # الرسالة السادسة والستون‏ # الرسالة السابعة والستون‏ # الرسالة الثامنة والستون‏ # الرسالة التاسعة والستون‏ # الرسالة السبعون‏ # الرسالة الحادية والسبعون‏ # الرسالة الثانية والسبعون‏ # الرسالة الثالثة والسبعون‏ # الرسالة الرابعة والسبعون‏ # الرسالة الخامسة والسبعون‏ # الرسالة السادسة والسبعون‏ # الرسالة السابعة والسبعون‏ # الرسالة الثامنة والسبعون‏ # الرسالة التاسعة والسبعون‏ # الرسالة الثمانون‏ # الرسالة الحادية والثمانون‏ # الرسالة الثانية والثمانون‏ # الرسالة الثالثة والثمانون‏ # الرسالة الرابعة والثمانون‏ # من المؤلف إلى القارئ‏ # الرسالة الخامسة والثمانون‏ # الرسالة السادسة والثمانون‏ # الرسالة السابعة والثمانون‏ # الرسالة الثامنة والثمانون‏ # الرسالة التاسعة والثمانون‏ # الرسالة التسعون‏ # الرسالة الحادية والتسعون‏ # الرسالة التسعون: تتمة‏ # الرسالة الثانية والتسعون‏ # الرسالة الثالثة والتسعون‏ # الرسالة الرابعة والتسعون‏ # إهداء الكتاب‏ # كلمة في الترجمة‏ # مقدمة عن حياة المؤلف‏ # الرسالة الأولى‏ # الرسالة الثانية‏ # الرسالة الثالثة‏ # الرسالة الرابعة‏ # الرسالة الخامسة‏ # الرسالة ms01 السادسة‏ # الرسالة السابعة‏ # الرسالة الثامنة‏ # الرسالة التاسعة‏ # الرسالة العاشرة‏ # الرسالة الحادية عشرة‏ # الرسالة الثانية عشرة‏ # الرسالة الثالثة عشرة‏ # الرسالة الرابعة عشرة‏ # الرسالة الخامسة عشرة‏ # الرسالة السادسة عشرة‏ # الرسالة السابعة عشرة‏ # الرسالة الثامنة عشرة‏ # الرسالة التاسعة عشرة‏ # الرسالة العشرون‏ # الرسالة الحادية والعشرون‏ # الرسالة الثانية والعشرون‏ # الرسالة الثالثة والعشرون‏ # الرسالة الرابعة والعشرون‏ # الرسالة الخامسة والعشرون‏ # الرسالة السادسة والعشرون‏ # الرسالة السابعة والعشرون‏ # الرسالة الثامنة والعشرون‏ # الرسالة التاسعة والعشرون‏ # الرسالة الثلاثون‏ # الرسالة الحادية والثلاثون‏ # الرسالة الثانية والثلاثون‏ # الرسالة الثالثة والثلاثون‏ # الرسالة الرابعة والثلاثون‏ # الرسالة الخامسة والثلاثون‏ # الرسالة السادسة والثلاثون‏ # الرسالة السابعة والثلاثون‏ # الرسالة الثامنة والثلاثون‏ # الرسالة التاسعة والثلاثون‏ # الرسالة الأربعون‏ # الرسالة الحادية والأربعون‏ # الرسالة الثانية والأربعون‏ # الرسالة الثالثة والأربعون‏ # الرسالة الرابعة والأربعون‏ # الرسالة الخامسة والأربعون‏ # الرسالة السادسة والأربعون‏ # الرسالة السابعة والأربعون‏ # الرسالة الثامنة والأربعون‏ # الرسالة التاسعة والأربعون‏ # الرسالة الخمسون‏ # الرسالة الحادية والخمسون‏ # الرسالة الثانية والخمسون‏ # الرسالة الثالثة والخمسون‏ # الرسالة الرابعة والخمسون‏ # الرسالة الخامسة والخمسون‏ # الرسالة السادسة والخمسون‏ # الرسالة السابعة والخمسون‏ # الرسالة الثامنة والخمسون‏ # الرسالة التاسعة والخمسون‏ # الرسالة الستون‏ # الرسالة الحادية والستون‏ # الرسالة الثانية والستون‏ # الرسالة الثالثة والستون‏ # الرسالة الرابعة والستون‏ # الرسالة الخامسة والستون‏ # الرسالة السادسة والستون‏ # الرسالة السابعة والستون‏ # الرسالة الثامنة والستون‏ # الرسالة التاسعة والستون‏ # الرسالة السبعون‏ # الرسالة الحادية والسبعون‏ # الرسالة الثانية والسبعون‏ # الرسالة الثالثة والسبعون‏ # الرسالة الرابعة والسبعون‏ # الرسالة الخامسة والسبعون‏ # الرسالة السادسة والسبعون‏ # الرسالة السابعة والسبعون‏ # الرسالة الثامنة والسبعون‏ # الرسالة التاسعة والسبعون‏ # الرسالة الثمانون‏ # الرسالة الحادية والثمانون‏ # الرسالة الثانية والثمانون‏ # الرسالة الثالثة والثمانون‏ # الرسالة الرابعة والثمانون‏ # من المؤلف إلى القارئ‏ # الرسالة الخامسة والثمانون‏ # الرسالة السادسة والثمانون‏ # الرسالة السابعة والثمانون‏ # الرسالة الثامنة والثمانون‏ # الرسالة التاسعة والثمانون‏ # الرسالة التسعون‏ # الرسالة الحادية والتسعون‏ # الرسالة التسعون: تتمة‏ # الرسالة الثانية والتسعون‏ # الرسالة الثالثة والتسعون‏ # الرسالة الرابعة والتسعون‏ # | أحزان فرتر # | أحزان فرتر # تأليف # يوهان فولفجانج جوته # ترجمة # أحمد رياض # جيته # Goethe ~~. # | إهداء الكتاب # إلى التي ربتني صغيرا وعبدتني كبيرا، إلى التي زرعت في حب العمل وأنبتت ~~بنفسي الإقدام، إلى التي فتحت فؤادي للشجى، وعلمتني الآلام. إلى مهبط شقائي ms02 ~~ومستقر عذابي، إلى الزهرة الزكية الذابلة، إلى الآمال الكبيرة الذاوية، إلى اليد ~~التي قادتني في طريق النجاح، إلى الضحية على مذبح الحب الأخوي، إلى القلب الذهبي، ~~إلى الروح السموي. # إلى «روح أختي المقدس» أقدم كتاب «الأحزان». # 10 مايو سنة 1919 # أحمد رياض # | كلمة في الترجمة # الترجمة نقل كتابة أو كلام من لغة إلى أخرى، وشعارها الأول «الأمانة»، وهي إما عادية ~~أو أدبية؛ ففي الأول يطلب فهم الأصل جيدا، ثم نقل معناه بدقة وعناية، وفي الثانية ~~يزاد على هذا حفظ الأسلوب بملازمة الأصل. # وعلى ذلك، ففي الترجمة الصحيحة القيمة يجب أن يظهر الناقل روح المؤلف، وشكل ~~كتابته وأسلوبه ومعناه جهد المستطاع؛ حتى تشبه ترجمته الأصل من كل الوجوه. # ولذا، فليس للمترجم أن يزيد من عنده قولا أو ينقص معنى، مما يبيحه لنفسه بعضهم ~~ويسميه بالتصرف، ولا نجد له اسما في عرفنا إلا التقصير وخيانة المؤلف، كما في ترجمة ~~بوب لهومر، وكما في ترجمة أكثر الكتب التي بين أيدينا في مصر، وهي جناية يجب الضرب من ~~أجلها على يد المترجمين، وقد ضج منها كثير من الكتاب مثل دكتور صامويل جونسون، وغيره ~~من رجال اللغات المفكرين. # تلك كلمة صغيرة في الترجمة، نرجو أن يتفهمها القارئ جيدا، ويتبين معناها قبل أن يطالع ~~الكتاب ويحكم عليه. # المعرب # | مقدمة عن حياة المؤلف # جوهان وولفجانج جيته، نابغة الألمان وشاعرهم الكبير، فحل عصره وعبقري زمانه. تمخضت ~~به ألمانيا، فأهدت للعالم رجلا هو الفلسفة والشعر، هو العلم والفن، أو الحقيقة ~~والخيال، بل هو العظمة والجمال. جاد به الدهر بعد أخيه شاكسبير، ومضى بين أفول النجم ~~الأول وسطوع الثاني قرنان، هما من حياة أوروبا كالفترة ما بين غروب وشروق، أو بين مساء ~~وصباح، وهو القائل فيه كارليل: «لا يذكرني رجل في العالم كله بشاكسبير إلا جيته، فهما ~~فرسا رهان في النظر إلى الحقائق واكتناه البواطن.» حياته كحياة الزهرة كلها معان وجمال، ~~أفاد العالم ردحا من الزمن، كما تعطر الزهرة النسائم وتبهج العيون، ثم عصفت ~~به ريح الموت، فهوت زهرته الفياحة، ms03 وانهصر عوده اللدن ، خالد العمل ممجد ~~الذكر. # ولد جيته بمدينة فرنكفورت، في الثامن والعشرين من شهر أغسطس عام 1749، من والد مثر ~~عشاق للمال، عباد للسلطة، ظفر بوظيفة مستشار في حكومة بلاده، خشن الطبع جاف ~~الفؤاد؛ وأم هي والأب على طرفي نقيض، موسيقية الطبع سامية الروح، فولد لها جيته صورة ~~من نفسها، شاعرا بالفطرة، تواقا للفنون، فسعى إليها حتى ظفر ببغيته، ونبغ على أساتذته ~~من مهرة الإسرائيليين بمسقط رأسه. ثم انتظم في سلك جامعة ليبزيج، وهناك شعر وفكر ~~وأحب، ثلاثة هي الحياة. وتعلم الحفر ووقعت له - ولم يتم الحلقة الثانية - عشرون ~~أغنية من نظمه بليبزيج. وفي عام 1770 يمم شطر ستراسبورج ليدرس الحقوق، وفي السنة ~~التالية نال درجة «الدكتوراه»، ودرس العلوم الطبيعية، ورافق هردر # 1 # الذي كان له على أخلاقه تأثير جليل، ونثر درره الغالية في جريدة فرنكفرتر جلرتن أنزيجبن # Frankfurter Gleherten Anzeigen # فأتحف ~~بها ألمانيا كلها زمنا ليس بالقليل. وفي عام 1772 أتم رواية جوتز فون برلشنجن # Gottz Von Berlichingen # اتبع فيها أسلوب ~~شاكسبير وروحه الحرة، نابذا تقيدات أدباء الفرنسيس حينذاك، فتلقتها الأمة بالترحيب، وهي ~~في ذلك الوقت ناقمة على المبدأ القديم # Classique ~~، ثائرة ~~ضد السلطة التي أخذت تنحدر في مهاوي السقوط، وفي الرواية من الغمز والطعن في تقاليد ~~وعادات ذلك العصر ما فيها. وفي نفس هذه السنة ألقى عصاه بمدينة وتزلار ليتدرب على ~~الأعمال القانونية، وهناك أحب شارلوت ~~رف # Charlotte Ruff ~~، صبية حسناء، يتيمة الأم، ناهد في ميعة الشباب، خلبت فؤاد الشاعر - ~~دون أن تدري - عيناها الجميلتان، وكانت خطيبة هركاستنر كاتم أسرار إحدى السفارات ~~بهانوفر، فيئس جيته من حبه العقيم، وفر هاربا إلى بلده دامي الفؤاد، قريح الجفن، ~~مسلوب اللب، ينثر من عينه الدمع، ومن قلمه الشعر، فألف هذه القصة التي بين أيدينا ~~اليوم، وأسماها «أحزان ~~فرتر» # Die Leiden des Jungen Werthers ~~. وما أتمها حتى كانت شارلوت في شهر العسل مع كاستنر، فأهدى ~~كلا منهما نسخة منها، طالبا أن يكتبا إليه برأيهما منفردين، وفي أكتوبر عام 1774 ~~طبعت «أحزان ms04 فرتر»، فتلقاها الشعب الألماني وأوروبا كلها بالإكبار، وبلغ بها جيته ذروة ~~مجده، وصافحت شهرته شهرة أبطال العالم العظماء، وعنه قال كارليل بعد قراءة الرواية: «لقد ~~شعر تماما في قلبه الحساس بما يخفق له كل فؤاد، ثم أبرزت عبقريته كشاعر هذا الشعور ~~في صورة ملموسة وبيان جلي، وكذا صار خطيب جيله المفوه، وما فرتر إلا صرخة الألم العميق ~~الذي انحنى تحته كثير من المفكرين والعظماء في عصر ما، بل هو صورة الشقاء، وأنة ~~الشكوى المرة التي تجاوبها الأصوات، ويرن صداها في القلوب من جميع أنحاء ~~أوروبا.» # وله غير فرتر رواية «فوست # Faust # عام 1775»، ~~و«أجمونت # Egmont # عام 1778»، و«أفيجيني # Iphigenie # عام 1778»، و«تركاتو تاسو # Torquato Tasso # عام 1790»، و«داي ناتورليش توشتر # Die naturliche Tochter # عام 1804» وهي ~~تمثيلية، و«زرمورفولوجي # Zur Morphologie # عام 1817-24»، ~~وغيرها من الكتب والروايات الممتعة. # وفي الثاني والعشرين من مارس عام 1832 ببلدة ويمار # Weimar # مات الرجل العظيم، فسكت ذلك المقول الذرب، ووقف القلم ~~الفياض، وأطلقت الروح الكبيرة من قفصها الهيولي، فطارت إلى أشباهها في السماء، تنشد ~~الملائك وتصدع بالسحر الحلال. # | الرسالة الأولى # 4 مايو عام 1770 # أنا مسرور لافتراقنا، على أنني أعجب جدا من جلدي أمام فراق الرجل الذي كان رفيق صباي ~~المحبوب، ولم يزل شطرا من نفسي، والذي تلائمني أخلاقه وميوله كل الملاءمة. أواه! ما أشد ~~عجزنا عن تفهم القلب البشري! إنه يبحث عن الراحة حيث لا راحة ولا نعيم! أنا واثق من ~~عفوك يا صديقي، إن كل ما ظننته سعادة وهناء، وبنيت عليه الأماني والآمال قد أراده ~~القدر أن يكون أصل الشقاء، ومنبع العذاب. # مسكينة ليونورا! بيد أنني بريء مما أصاب فؤادها الحساس، من أجل إعجابي بمحاسن أختها، ~~ولكن هل أنا حقيقة بريء؟ أليس من الجائز أنني كنت أزيد في نيرانها حين أظهرت سروري ~~المتناهي بكل مظاهر شغفها؟ إيه أيها الإنسان، ما أشد دأبك في تعذيب نفسك بالآثام ~~والشرور الخيالية! ولكن لا تفزع أيها الصديق، سأفرغ مجهودي في التغلب على هذه الكآبة، ~~وبدلا من تذكري الآلام الماضية، وابتئاسي بتلك الأحزان ms05 المرافقة للحياة، سأدع الكل ~~للنسيان، يفعل به كيف شاء، ثم أغتبط أنا بحاضري. تلك نصيحة صديقي وإنها لقيمة؛ فإن ~~المرء يتعذب عذابين بتذكره الماضي المؤلم الذي احتمل غصصه فيما فات. # أعلم أمي أنني سأوافيها قريبا بما يتم في المهمة التي أسندتها إلي، والتي سأنهض ~~بها جهدي. أما خالتي فقد حادثتها، فلم أر فيها تلك المرأة الغشوم التي كانوا يصفونها ~~لي، نعم إن طباعها جافة، ولكنها طيبة القلب، وقد نكصت عن خطتها، ورضيت بشروط ~~بينتها؛ أن ترد لأمي أكثر مما أطلبنا من الممتلكات التي منعناها زمنا طويلا، ~~فأكد لأمي أن هذه المهمة ستنتهي كما تبغي وتريد. وإنني - أيها الصديق - لأستخلص من هذه ~~الحادثة التافهة أن سوء التفاهم والإهمال يخلقان قلقا ومشاكل بين الناس، أكثر مما ~~تسبب المماذقة والخداع، أو على الأقل تكون عواقبهما أعم وأكبر. # مسكني هنا رائع لطيف، وإنني لأجد في هذه الجنة الأرضية بلسم النفوس الحائرة، الوحدة ~~الحلوة - أيها الصديق - التي طالما كانت مسرة البائس المسكين. إن الربيع الجميل ليطرب ~~فؤادي وينعش جسمي، والطبيعة تظهر فرحة في كل حقل، في كل شجرة، والهواء معطر شذي، ~~والطيور تغرد مرحبة بالصباح، وفيلوميل # 1 # يترنم في المساء مودعا النهار المتراجع. # ما أعظم الفرق بين المدينة والخلاء! في هذه البلدة لا أجد ما يشوقني، أما فيما يحيط بها ~~فهناك أعظم الجمال، جمال الطبيعة وبهاؤها الجليل. وعلى قمة أحد التلال التي تزيد في رونق ~~هذه المناظر الخلوية تقوم حديقة أنيقة بسيطة للمرحوم مركيز موبرلي، وإن نظرة واحدة إليها ~~لتحملنا على الاعتقاد بأن الذوق الطبعي قد حل هنا محل المهارة الصناعية، وأن هذه ~~الحديقة لم تنمقها فقط يد بستاني، بل يد رجل شاعر ذي عواطف. وهناك على قبر تحت مظلة ~~مهجورة منذ قريب كادت تذهب بها يد الأيام، أطلقت الدمع في ذكرى صاحبها الراحل، وقد علمت ~~أن هذا المكان كان معتزله المحبوب، كما أنه مجلسي الآن، وأنا واثق أنني سأخلفه؛ فقد ~~اكتسبت وداد البستاني الذي سأحفظ له بعناية خدماته لي. # | الرسالة الثانية # 10 مايو # ما ms06 أهدأ عقلي الآن! فهو ساكن سكون الفجر الذي يزيد في حلاوة هذه العزلة. إنني أبدأ ~~حياتي وحيدا في هذا الفضاء الذي خلق لقلوب مثل قلبي، وإن هذه الوحدة لتروح عن نفسي ~~كثيرا حتى أرى الحياة الآن ألذ وأشهى من العمل؛ فقد أهملت الدرس، وطرحت كل أسباب ~~مسراتي السابقة، وكذلك نبذت ريشتي، ومع ذلك فإنني أجيد التصوير أكثر من ذي قبل. وحين ~~تنفح الغمامة أغصان وادي الصغير برذاذها اللؤلئي، وحين تحجبني الأشجار المحيطة بي عن ~~شمس الظهيرة، التي ترسل قبسا من أشعتها ينير محرابي المحبوب؛ أتمشى أحيانا تحت القباب ~~المظلة مفكرا، ثم أتمدد على الحشائش الطويلة بقرب الهدير الهامس، معجبا بمختلف الأنواع ~~من أبناء الطبيعة، فهنا آلاف من النباتات الصغيرة، وثم آلاف من الحشرات الضئيلة التي ~~تعيش عليها. # إن هذه الكائنات التي كانت يوما ما أدنى من أن تلفت نظري، صارت الآن مسرح عنايتي، ~~فأومن بتلك القوة الإلهية التي خلقتنا، والتي ترعانا عنايتها الأبدية. وإذا ما خيم ~~الظلام ساحبا أذياله على هذه المناظر، استعدت كل ما مر بي من عجائب الكون، حتى ~~ليفعل بي التأثير ما يفعله مرأى صورة عشيقة محببة، فيملؤني بفرح خفي، كثيرا ما ينقلب ~~فجأة إلى تعبد وصلاة. # آه أيها الصديق! إنني لأود أن يطاوعني البيان، فأشرح تماما ما يجول بخاطري، وأعبر ~~عما أشعر به وأحس، ولكن عبثا ما أحاول، إن الكلمات الحقيرة لتعجز عن التعالي إلى ~~هذه الأفكار، فإن سموها يدهش ويلجم. # | الرسالة الثالثة # 12 مايو # كل ما حوالي يشعر بقداسة سماوية، والعامل في ذلك أحد اثنين: إما قوة سحرية فتانة ~~خفية، أو تأثير شعور حي دقيق. وإن حسنا لا يقاوم يجرني جرا إلى لزوم ينبوع ~~ماء صاف، يتفجر من صخر في مغار يهبط إليه بنحو العشرين درجة من أسفل تل؛ فإن ~~جدار الماء المتداعي، وأشجار الصنوبر التي تحنو عليه فتظله، والنسيم المنعش، ~~وخرير الماء، وتداعب الأغصان الموسيقي الحلو؛ كل هذا يحرك في فؤادي أسمى وأرقى ~~العواطف، فأقضي هناك ساعة من كل يوم. وإلى هذه العين تفد ms07 الفتيات من البلدة ليحملن ~~الماء - عمل قد اشترك فيه قدما بنات العامة وبنات الملوك، فما أطهر وما أنفع! وأنا ~~أتصور الآن كل عادات العصور المنقرضة، فيخيل إلي أنني أشهد أسلافنا يبرمون ~~المعاهدات والمحالفات بجانب النوافير، بدافع حب الخير المزعوم، ويخيل إلي أنني أرى ~~الحاج الفقير، وقد نال منه قيظ الصيف وملكه الجهد، يستريح على ضفة الجدول، أو يغتسل ~~بمائه البلوري، فينعش جسمه ويسترد قواه. # أعلم أيها الصديق أن الرجل قد أنهكته رحلة صيف سحيقة ركب فيها قدميه، ثم أطفأ جذوة ظمئه ~~بشربة باردة من الينبوع، لا يختلف عني في شيء من شعوري وأفكاري. # | الرسالة الرابعة # 13 مايو # تبعث إلي بكتب! كلا يا صديقي العزيز، إنني أشكر لك جد الشكر عنايتك بي، ولكنني ~~ألح عليك في الإقلاع عن عزمك. لقد قيدت كثيرا، وهيجت وحمست طويلا؛ ولذا أريد ~~الآن أن أكون حرا، وأن أتمتع بأفكاري، وليس ينقصني إلا أغان مهدئة، وهذه أجدها في ~~شعر هومر. # طالما اجتهدت أن أسكن دمي الثائر، وأن أصد فؤادي عن رغباته ومشتهياته، ولكن أأنا في ~~حاجة لإخبار صديقي بكل هذا؟ لقد شهدت في انقلابات فجائية جمة، فرأيتني حينا مفكرا ~~حزينا، وحينا مجنون فرح وطرب، خامل الروح هادئا، ثم ثائرا لا يقر لي ~~قرار. # إن هذا القلب كطفل معتل، يجب أن أترك له العنان، بيد أنني لا أجهر بذلك؛ فإن العالم ~~يأخذ علي هذا الضعف، ويعنف الرجل الذي يضحي عقله في سبيل أهوائه. # | الرسالة الخامسة # 15 مايو # لقد عرفني وأحبني عامة الناس هنا، وخصوصا الأطفال، مع أنهم عند بدء تكلمي معهم ~~وتعرفي بهم شكوا في إخلاصي، وعاملوني بجفاء، ولكنني لم أتعال عن التقرب إليهم ~~وخطب مودتهم. من هذا تحققت شيئا طالما لاحظته، وهو أن الطبقة العالية تميل كثيرا لأن ~~تجعل بينها وبين من هم أقل منها مسافة وبينا، كما لو كان تواصل الطرفين مفسدا لعظمة ~~الأولين هادما لأبهتهم. ولكن ما أكبر صلف، بل جهل، ذلك السيد النبيل، يتنازل من ~~عليائه في وقت ما، فيتواضع مع الرجل العامي البسيط، ms08 ثم يهمله ويحتقره في أوقات أخرى! إن ~~هذه الحياة لن تعرف المساواة، بل إن الرجل الذي يظن أنه يحرز ميزة خاصة ومركزا ~~واحتراما بتجنبه غيره، لهو أحط شأوا من الجبان، يتفادى العدو خوف وثوبه عليه. # في ذات يوم كنت عند الينبوع، فرأيت فتاة على الدرج الأسفل ودلوها بجانبها، تنتظر ~~إحدى رفيقاتها لتعاونها في رفعه إلى رأسها، فابتدرتها بالتحية قائلا: «اسمحي لي ~~يا عزيزتي أن أعاونك في رفعه.» فاحمرت خجلا وأجابت متأدبة: «كلا يا سيدي.» ولكنني نبذت ~~التقاليد والعادات وساعدتها، فشكرتني بابتسامة كانت لي خير جزاء. # | الرسالة السادسة # 17 مايو # لي هنا الآن معارف كثيرون، بيد أنني لا أزال في حاجة إلى الاجتماع، ولست أدري سببا في ~~التفاف الأهلين حولي وسرورهم بمرافقتي في رياضتي، وأسفي عند اضطراري لمفارقتهم. أنت ~~تسألني أي نوع من الناس هم، إذا فاسمع الجواب، إنهم أناس كالذين تجدهم في كل مكان، إن ~~عمل الطبيعة واحد أبدا، ولكن الحظوظ هي التي تخلق الفروق والاختلافات. إن السواد ~~الأعظم من الناس ملزم بوقف الجزء الأكبر من حياته على العمل، ليحصل على حاجاته ~~الضرورية، بينا تجد الشطر الباقي من وقته يظهر مجهدا مملا، حتى إنه يعمل للخلاص منه، ~~كذلك خلق الإنسان. # على أنني مسرور بمعارفي الجديدين، ماذا؟ إن المتعجرف يقول: «إنني أنسى نفسي.» ولكنني ~~أؤكد له أنني «أمتع نفسي» بجلوسي إلى مائدة تجمع بين الكرم وطيب الأخلاق، وسروري ~~بالموافقة على ما يقترح رفاقي من سير أو رقص أو أضرابهما من أنواع اللهو، ولكن ما يجبه ~~سروري حقيقة هو اضطراري أحيانا للاستخفاء عنهم، لئلا يكون وجودي سببا في خجلهم متى ~~شعروا بضعتهم. # ثم أذكر بعد هذا صديقتي الراحلة، صديقة صباي التي لم يقدر لي أن أعرفها إلا لأبكيها، ~~إيه يا للذكرى المؤلمة! لقد ذهبت وتوارت أمامي في القبر، والعالم الآن موحش قفر، ~~ولكن يكفي، يكفي. # لقيت منذ أيام المهذب هرب؛ شاب طلق المحيا، بارق الثغر، ترك منذ عهد قريب ~~جامعة أبسالا # Upsala ~~، ولكنه لا يختال بما أوتي من علم ~~مع شعوره بتفوقه ms09 على جل البيئة التي هو فيها، على أن اجتهاده وجده يظهر أنهما يفوقان ~~مداركه ومواهبه العقلية، زارني إذ علم بمعرفتي اليونانية وولعي بالتصوير - شيئان ~~يعتبران أعجوبة في هذه الأرجاء - فأفرغ أمامي في أثناء الحديث جعبته مما وعى من ~~العلوم، ومن سيرة المؤلفين الذين درسهم، وقال إنه قرأ كل القسم الأول من نظرية ~~سالتزر # Sultzer # وإنه يملك نسخة خطية من ~~«دراسة الآثار لهينز # Heynes ~~»، وعلى العموم فقد كان ~~لطيف المجلس، طيب الإيناس. تعارفت أيضا مع شخص جليل، هو نائب أعمال الأمير، ترفعه ميوله ~~الراقية الكريمة ونفسه الشريفة إلى مستوى سام عند الجميع، له من الأطفال تسعة، وما ~~أجمل منظرهم حين يلتفون به ويحيطون! والقوم هناك يثنون على ابنته الكبرى كثيرا، وقد ~~دعاني لزيارته، وسأتحين أول فرصة أقدم له فيها احتراماتي الشخصية. أما منزله الذي يبعد ~~عن مسكني نحو فرسخ ونصف؛ فقد كان منزل صيد للأمير، وقد منحه إياه عند وفاة زوجته ~~المحبوبة؛ لأنه لم يتحمل البقاء فيه بعدها. # عرفت أيضا أشخاصا آخرين، كان استيائي بمعرفتهم معادلا لسروري بمعرفة سابقيهم، حشروا ~~أنفسهم في رفعتي حشرا، وارتدوا ثوبا من الفظاظة بتأدب جاوز الحد، وثوبا من السخرية ~~بادعائهم المراتب والأعمال. # | الرسالة السابعة # 22 مايو # يقولون إن هذه الحياة كحلم النائم، وإنني أيضا لأقول بذلك حين أفكر في القيود ~~والأغلال التي تضيق على الروح العاملة النشيطة في الإنسان، وأرى أن كل قواه تتحرك ~~وترمي إلى غاية واحدة، هي نشد القوت لإطالة حياة مرة تاعسة، وأن اهتمامه الظاهر ~~بمسائل خاصة ما هو إلا انقياد ورضوخ أعمى، وأن كل همه وسروره هو أن ينقش على جدران ~~سجنه أوهاما خادعة، وآمالا كاذبة، مع أن الحدود التي تحبس عنه حريته ما زالت قائمة ~~أمام عينيه. آه أيها الصديق! حين أفكر في كل ذلك أفحم وأسكت، ثم أفكر ثانية أكثر من ~~ذي قبل، باحثا في خفايا القلب، ولكن إلى أي نتيجة أصل؟ أشباح خيالية، وخزعبلات كاذبة، ~~ووهم فارغ أكثر من اعتقاد ثابت أو حقيقة أو صدق. أن الأمر كله مشوش ms10 مختلط، وزيادة على ~~ذلك فإن التيار الذي يدفع بغيري في هذه الجهالات يجترفني أيضا، وكذلك يزيد عدد الجهلة ~~الحالمين. # اتفق الباحثون في أن الطفل يعمل بلا محرك ولا دافع، ولكنهم لم يتمكنوا من الاتفاق في ~~الحقيقة الجلية الواضحة، كما أرى، وهي أن الأطفال «الكبار» يعمهون في بيداء هذه الحياة، ~~كما كانوا «صغارا» جاهلين أصولهم ومميزاتهم بلا قانون مشروع أو سنة موضوعة يسيرون ~~عليها، اللهم إلا التشويق إلى الجزاء والإنذار بالعقاب، كما يرغب الأطفال بالحلوى ~~ويرهبون بالعصا. إنني أحزر جواب صديقي على هذا، وإنني لأقر أيضا بأن أسعد السعداء ~~هم الذين لا يفكرون في الغد، بل يلهون بحاضرهم كالأطفال يتمتعون بالألاعيب ويصيحون ~~طالبين ما يشتهون، فإذا أعطتهم إياه أمهم الحنون صاحوا وطلبوا المزيد. هؤلاء هم ~~الناعمون، يقنعهم القليل ويرضون باليسير، بل إن هناك أناسا يحسدون حقيقة! كل مرادهم ~~وغايتهم في الحصول على الرتب الساقطة والألقاب الفارغة، يحسبون أنفسهم آلهة الناس، ~~وأرباب العالم أجمع! # إن الرجل الذي يشعر بلا شيئيته، ويرقب سخف هذا كله، بتؤدة المفكر وعقل الحكيم، يستخلص ~~أن الأغنياء الذين لا يألون جهدا ليجعلوا هذه الأرض جنتهم، والفقراء الذين يعملون ~~بنصب وانكباب وذل لتحصيل عيش ضئيل، سواء في حب إطالة هذه الرواية التي يعاملون ~~تحت تأثيرها بلا عدل أو مساواة. ربما كان المرء راضيا سعيدا يحمل لقب «الإنسان»، ويعلم ~~أن مسرحه محدودة نواحيه، ولكن عقله متشبع بتلك الفكرة المعزية؛ فكرة الحرية التي تؤكد له ~~أنه متى أصبح التقييد لا يطاق، وجد مفتاح السجن في جيبه. # | الرسالة الثامنة # 26 مايو # أنت تعرف تعلقي بأماكن خاصة، وحبي للمعتزلات المنفردة، وولعي بتنظيم هذه المناظر ~~وجعلها موافقة لطباعي وأميالي. وجدت هنا بمقاطعة والهيم، على بعد فرسخ من المدينة، ~~مسكنا صغيرا هو طبق مشتهاي، يقوم على جانب تل جميل يشرف على كل الخلاء المجاور؛ أما ~~ربة الدار فعجوز طيبة غريبة الأطوار، تقدم لي النبيذ والجعة والقهوة والشاي، ولكن ما ~~يأخذ بمجامع قلبي هنا شجرتا زيزفون أمام الكنيسة، تظللان بفروعهما المنتشرة الممشى ~~الصغير الذي يحيط به ms11 جم مناظر خلوية رائعة، بل إنك لا تستطيع أن تتصور مكانا أشد عزلة ~~وأكثر جمالا، وإنني لأرسل لصاحبة الدار في طلب مقعد ومنضدة، وهنا في هذه الوحدة الحلوة ~~أشرب قهوتي وأقرأ هومر. # إلى هذا المكان المهجور قادتني الصدفة أثناء تجولي بعد ظهر يوم ما، وكان يوما ~~جميلا، والفلاحون منتشرون يعملون في حقولهم، وكان هناك صبي صغير في حوالي الرابعة من ~~سنيه، جلس على الأرض يحمل طفلا لم يجاوز شهره السادس، وقد احتضنه إلى صدره، وجعل له من ~~ساعديه مقعدا، وكان يجيل عينيه السوداوين البراقتين فيما حوله من خضرة ونضرة، محتفظا ~~بجلسته كي لا يقلق وديعته الصغيرة، أخذ مني هذا المشهد الجامع بين الطهر والحب، ~~فاقتعدت محراثا قبالته، وأخذت - يملؤني السرور - أصور بقلمي الرصاص هذه الصورة ~~الجميلة، صورة الحنان الأخوي. ثم أضفت إليها ما عرض لي هناك من سياج، وباب مخزن للحبوب، ~~وبعض أدوات للفلاحة غير منتظمة، فوجدت أنني قد أخرجت في ساعة صورة ناطقة كاملة الحسن، ~~دون أن أستعين بتفنن أو ابتكار، وهذا ما يقوي في عزيمتي السابقة، وهي الالتجاء إلى ~~الطبيعة؛ فهي مع بساطتها لا يفنى كنزها، ولا يفرغ بهاؤها، بل إنها لقادرة أبدا على أن ~~تمنح المصور، وتلهم الشاعر موضوعات جديدة، وأن تعلي وتزيد من قدر ما يخرجان. إن ~~أسباب التقيد بالقواعد ضعيفة ضعف أسباب التمسك بقوانين الاجتماع، دعني أسلم أن الفني ~~الذي يتمشى على القاعدة لا ينتج قط شيئا رديئا جدا أو قبيحا، كما أن الرجل ~~المقيد بالقانون وقواعد التربية لا يقترف ذنبا ضد المجموع أو ضد جاره. ولكن ليقل ~~الناس ما يشاءون في الدفاع عن القواعد والقوانين، إنهم يحاولون أن يفسدوا ويحجبوا وجه ~~الطبيعة الحقيقي ومظاهرها الصحيحة، ربما تقول إنهم يقلمون الأفرع الزائدة عن الحاجة، ~~فيمنعون تشوه الشكل، فاعلم أنني يجب أن أصر على القول بأنهم يحبسون النبوغ، وأن خسارة ~~هذا الجمال الذي يفسدونه لا يعدله بوجه من الوجوه الخطأ الذي يصلحونه. # لنقارن العقل بالحب، ولنفرض أيها الصديق أن شابا أحب فتاة وأخلص لها، فجعل أفكاره ms12 ~~وقفا عليها، ووهبها كل عنايته، وبذل غاية المجهود وكل الوسائل ليبرهن لها على أنها ~~متمناه الوحيد، ومركز ولهه وشغفه، ثم جاءه فيلسوف ربما ناطحت شهرته الجوزاء، فنصح له ~~قائلا: «يا صديقي الصغير، الحب عاطفة تطفر من الطبيعة، ولكنها يجب أن تحد وتقيد ، ~~وإن وقتك جله يجب أن يستنفد في أمور الحياة، أما ساعات فراغك فتلهبها لحبيبتك، ولتكن ~~هداياك متناسبة مع دخلك وفي أوقات معينة.» فإذا قبل الشاب هذه النصيحة الحكيمة حبذ ~~رأيه، وصوب عمله، ولكن لم يبق لحبه إلا ظل ضئيل، وهكذا حال المصور المحفوف بالقواعد، ~~وقد يكون عمله صحيحا ولكنه لا يكون ممتلئا بالروح والحياة. # والعبقرية تيار جارف، تنحدر أمواجه المتدافعة إلى أمام فتذهل الناس، ولكن رجالا ذوي ~~حيلة ومكر يمتلكون الشواطئ، فيرابطون عليها، ويعترضون الأمواج بما لهم من قوة المقاومة، ~~وهم هنا قد شيدوا المباني وزرعوا الحدائق، ولكنهم خافوا تفوق الغير، فاضطروا أن ~~يدافعوا عن عملهم المنظم بالخنادق والسدود، وأن يصدوا كل جدير مستحق، وبذلك يقون ~~أنفسهم الخراب والسقوط. # | الرسالة التاسعة # 27 مايو # أضلتني حالتي الخيالية التي كنت فيها بالمجازات والفلسفة الكلامية، فنسيت كل النسيان ~~أن أتمم الحديث الذي أردت أن أدلي به إليك في رسالتي الماضية. جلست ساعتين كاملتين ~~على المحراث، مأخوذا بتلك الأفكار والتصورات التي فاضت بها رسالتي، وجاءت قبيل ~~المساء امرأة في مقتبل العمر تعتضد سلة، تبحث عن الطفلين اللذين لم يبرحا مكانهما، فنادت ~~من بعيد: «فيليب! إنك لصبي وديع.» ولحظتني، فتقدمت إليها متسائلا عما إذا كان ~~الطفلان المحبوبان ولديها، فأجابت: نعم. ثم نفحت أكبرهما بكعكة، وأخذت الأصغر بين ~~ذراعيها، فقبلته بحب أموي صادق، والتفتت إلي قائلة: «قد استودعت فيليب هذا ~~الصغير يا سيدي، ريثما أذهب إلى البلدة مع ولدي الآخر لأبتاع خبزا وسكرا وهذا الإناء ~~الفخار، لأصنع فيه حساء لعشاء الطفل الصغير، فإن أخاه الشقي الأكبر قد كسر الإناء ~~القديم أمس بينما كان يتخاصم مع فيليب على قطعة من الفطير كانت فيه.» فسألتها عن ولدها ~~الآخر، وبينا كانت تخبرني أنه يجتاز المراعي ببعض الإوز ms13 إلى البيت، ظهر الولد يثب فرحا ~~حاملا لأخيه غصنا من شجرة بندق، وقد فهمت أثناء حديثها أنها كانت ابنة ناظر مدرسة ~~القرية، وأن زوجها سافر إلى هولندا بعد وفاة عمه، ليضع يده على ممتلكات له هناك قائلة: ~~«لأنه لم يصله رد قط على ما كان يرسل من الكتب بخصوص هذا الأمر، فخاف ضياع ماله بلعبة ~~أو حيلة، ورأى لزوم وجوده هناك، فرحل ولم أتلق منه للآن خبرا.» وفارقت هذه المرأة ~~الصالحة آسفا، وأعطيتها كروتزر # 1 # لتبتاع به كعكة للصغير، وأعطيت آخر للولدين. # حقا أيها الصديق، ليس ثمة شيء يهدئ الفكر المضطرب كرؤية مثل هذه الأم السعيدة، ~~التي مع ضيق دائرة حياتها تعيش بهدوء حلو لا تعنى بالماضي أو المستقبل، بل توجه كل ~~همها إلى الحاضر. تتوالى عليها الأيام دون أن تترك أثرا، والأوراق المتساقطة لا توحي ~~إليها إلا فكرا واحدا هو اقتراب الشتاء. # ترددت منذ ذلك الحين على هذا المكان، وعرفت الأولاد وعرفوني جيدا، فإذا ما تناولت ~~قهوتي أعطيتهم قطعة من السكر، وفي المساء أشركهم في اللبن والخبز والزبدة، وأنفحهم في كل ~~يوم أحد بكروتزر، وإذا كنت منصرفا إلى الصلاة، أعطتهم إياه ربة الدار بناء على أمري، ~~وقد حزت ثقتهم، فهم يسرون إلي كل أمورهم ومطالبهم، ويدهشونني بصفائهم، خصوصا ~~إذا كان معهم رفاق لهوهم الصغار. وخشيت أمهم في بداءة الأمر أن يكونوا علي متطفلين، ~~ولكنني أقنعتها بعكس ما تظن، وجعلتها بعد عناء قليل تمنحهم ملء حريتهم، فتتركهم يسرون ما ~~يشاءون. # | الرسالة العاشرة # 30 مايو # رأيي في الشعر كرأيي السابق في التصوير، فدعامتهما القدرة على فهم الجمال، وطريقة حسنة ~~للتعبير. كان أمامي اليوم منظر يمكن أن يكون موضوعا بديعا لشعر بدوي، ولكن ما الحاجة ~~إلى الأوصاف الشعرية والأناشيد؟ أيجب أن يقص كل معجز في الطبيعة في بيت أو ~~وزن؟ # أنت مخطئ في ظنك، إذا كنت تنتظر من وراء هذه المقدمة شيئا فخما. إن موحي هذه العواطف ~~الحية فلاح ... # سأقصها على غير وجه كامل، كما هي عادتي، ولو أنك ستقول، كما هي ms14 عادتك، إن الصورة ملونة ~~فوق اللازم، إن هي إلا قصة والهيم. # اتفق جماعة من تلك القرية على الاجتماع لتناول القهوة تحت أشجار الزيزفون، ولم تسرني ~~رفقتهم، فاعتذرت عن الحضور، وكان المحراث الذي اقتعدته يوم التصوير قد كسر، فجاء شاب من ~~الجهات المجاورة ليقوم بإصلاحه، وسرني شكله فجاذبته الحديث، حتى وثق بي بعد وقت قصير، ~~فسألته عن شئونه، فقال إن حبيبته أرملة وأثنى عليها كثيرا. ولاحظت أن حبه لم يكن ~~«عبودية»، وقال من طرف خفي إنها متقدمة في السن، وإنها آلت على نفسها ألا تتزوج؛ لما ~~نالها من إهانة وسوء معاملة من زوجها القديم، وكان كلامه جله تعبيرات حلوة كثيرة، صورت ~~آماله ورغباته الشديدة في غسل الشقاء الذي جلبه عليها زواجها، وقال إنه ليطيل كثيرا إذا ~~أراد أن يصور تماما شغفه وحبه، بل إنني يجب أن أستعين بنيران الشعر لأصف تلكم النظرات ~~المتلألئة في عينيه وهو يتكلم، عبثا أصف أن صديقي ليستطيع أن يتصور ما أجد روايته ~~محالا. # ورأى في أثناء اعترافه بحبه أن يتفادى ذكر أي عسر مالي طفيف قد يؤثر في سمعة السيدة، ~~وخشي أن أرتاب في استقامتها، فأفاض يتكلم - بلهجة حب صحيح لا تزال تسرني ذكراه - عن ~~كمالها ومناقبها، وأنها وإن كانت قد قطعت مرحلة الشباب إلا أنه قد بقي لها كل جمالها ~~القديم. لم أشهد قط من قبل حبا صادقا كهذا، تلك عاطفة قلب مخلص، فلا تهزأ مني أيها ~~الصديق إذا صرحت بأنني قد افتتنت بهذا الحب والثبات اللامثيل لهما، وقد نال مني حديثه ~~الخالص وأثر في، حتى لأحسب نفسي في بعض الأوقات ثملا بنشوة هذا الغرام الذي صرح ~~به. # سأنتهز فرصة قريبة أرى فيها هذه السيدة المحبوبة، على أن تجنب ذلك ربما كان أكثر ~~تعقلا وحزما؛ فإن هذه السجايا الجميلة الوصف قد تختفي إذا رأيتها، قد لا تكون لي عين ~~الحبيب، ولو أن بي آراؤه؛ وعلى ذلك فسأضيع جمال التصور، وأفقد السرور الذي أتمتع به ~~الآن. # | الرسالة الحادية عشرة # 30 مايو # لماذا لا أكتب إليك؟ أنت ms15 حازم مفكر، وتسأل مثل هذا السؤال البسيط! قد تكون حسبتني ~~سعيدا، وإنني بالاختصار قد وجدت شخصا آخر، صديقا أعز منك، وإنني لقيت، لست أدري من ~~... # من الصعب جدا أن أخبرك بالتفصيل كيف عرفت أقدس بنات جنسها، إنني سعيد، سعيد فوق ~~الوصف؛ فلذا لا أستطيع أن أحدثك بكل شيء. # هي ملك، بل معبودة، ولكن ... هذه ألقاب ستقول إن كل محب يهبها جزافا لحبيبته، إنها ~~الكمال كله، ولكنني لا أستطيع وصف هذا الكمال، ولا أقدر أن أصف مبلغ افتتاني به. # هذه البساطة مع فهم يبز صفاؤه كل صفاء! هذا اللطف وهذه الرشاقة! هذه الدعة وهذه ~~العواطف. كلا كلا، إن هذه إلا تعبيرات واهية لا تظهر في ثناياها حقيقة طبيعتها في ~~المستقبل، ولكن لا الآن، فربما لن تسنح لي فرصة أخرى. # بل اسمع الحقيقة، إنني منذ بدأت أكتب هممت مرارا بإلقاء القلم والإسراع إلى إلقائها، ~~عقدت نيتي هذا الصباح على إمضاء سحابة اليوم بمنزلي، على أنني بالرغم من هذا طالما نظرت ~~من النافذة لأرى إذا كانت الشمس لا تزال طالعة. # عبثا أحاول العمل بالعكس، ذهبت لزيارتها، نعم يا صديقي وعدت الآن، والآن سأتتبع ~~كتابتي وأنا أتناول طعام الإفطار. آه ما أجمل رؤيتها مع إخوتها وأخواتها الصغار، رؤيتها ~~... ولكنني إذا استمررت على هذا الحال فسوف لا تعلم شيئا، بل ستكون في النهاية كما كنت في ~~البداءة، سأحاول أن أصلح هذا التخبط، وأن أخبرك الخبر بنظام، فأعرني التفاتك: # ذكرت لك في كتاب ماض تعرفي إلى نائب الأمير ودعوته إياي لزيارة مملكته الصغيرة، كما ~~أسمي بحق مسكنه الحالي، ولقد تأخرت زيارتي طويلا، حتى إنني لم أكن لأقوم بها لولا ~~الصدفة التي كشفت لي عن الكنز الذي يخبؤه هذا المكان. وافقت على الاشتراك في حفلة ~~قروية إجابة لطلب بعض شبان البلدة، واتفقت مع فتاة على أن تكون رفيقتي، وهي لطيفة ~~المحضر ذات حسن عادي، ولو أنها تفخر به كثيرا. واتفقنا على أن أصحب رفيقتي وإحدى ~~قريباتها في مركبة، ونمر بشارلوت التي وعدت بحضور المرقص. وفي الطريق إلى ms16 بيت النائب ~~أخبرتني صاحبتي أن علي الآن انتهاز الفرصة لرؤية فتاة جميلة جدا، قائلة: «سأقدمك إليها ~~يا سيدي.» فقالت قريبتها: «ولكن حذار من الافتتان بها!» فسألتها: «ولم؟» فأجابت ~~صاحبتي: «لأنها مخطوبة إلى شاب هو في الحقيقة جدير بها، وقد توفي والده فجأة، فذهب ينظم ~~شئونه ويسعى وراء مركز في البلاط.» فلم أعبأ بكل هذا؛ لأنني أيها الصديق لم أمل لامرأة ~~قط منذ فقدت ليونورا، ولما وصلنا المنزل كانت الشمس تتوارى وراء قمم الجبال، واشتدت ~~الحرارة واحتبس النسيم، وتجمع في الأفق غمام ينذر بدنو العاصفة، وأدركت السيدتان ~~الخطر وخافتا أن تشوب صفوهما المنتظر شائبة، وكان علي أن أقشع مخاوفهما، فتظاهرت ~~بالسكون وعدم المبالاة، وهدأتهما قائلا إنني أدرى بتقلبات الجواء، وإنه لن يقع شيء ~~مما يرهبان. وتركت المركبة، وجاءت وصيفة ترجونا انتظار مولاتها قليلا، ولما تخطيت ~~الساحة المؤدية إلى الدار المنفردة، وصعدت بعض درجات قادتني إلى الردهة، شهدت بها ستة ~~أطفال لا يتجاوز أكبرهم الحادية عشرة، ويبلغ أصغرهم عامين، يلعبون ويتواثبون حول فتاة ~~متوسطة القامة، رشيقة الهندام، ترتدي ثوبا بسيطا أبيض ذا أشرطة قرنفلية يضرب لونها إلى ~~الصفرة، وكان بيدها رغيف من الخبز تقسمه مع قطعة من الزبدة بين الصغار أقساما متناسبة ~~بطريقة حلوة شيقة، وكان كل منهم يبسط يده ينتظر نصيبه فيأخذه ويصيح: «شكرا لك، شكرا ~~لك.» ثم يسرع إلى الباب ليرى الجماعة والمركبة التي ستحمل عنهم شارلوت، ورأتني فاعتذرت ~~بأدب لتأخرها قائلة: «إنني آسفة جدا يا سيدي لأنني حملتك مشقة النزول من المركبة، ~~وحملت السيدتين عبء الانتظار، ولكن تأهبي السريع لارتداء ملابسي قد أنساني بعض شئون ~~منزلية، والأطفال لا يرضون بالعشاء إلا إذا تناولوه من يدي.» فتمتمت مجيبا ببضع كلمات ~~لا أذكر منها شيئا؛ فقد أخذت بحديثها ورنات صوتها وتناسق شكلها، ولم أفق عن دهشتي حتى ~~أسرعت إلى غرفة أخرى تطلب المهواة والكفوف. وكان الأطفال أثناء غيابها يسترقون النظر ~~إلي ويتهامسون، فاقتربت من أصغرهم، وكانت تلوح عليه علائم الذكاء، فتجنبني، وكانت ~~شارلوت إذ ذاك عائدة، فقالت له: «تعال يا لويس. ms17 اقترب ولا تخف من ابن عمك.» فمد ~~يده إلي وقبلته بانعطاف، وفي طريقنا إلى المركبة التفت إليها قائلا: «ابن عم! وهل ~~تعدينني إذا جديرا بشرف الانتساب إليك؟» فابتسمت ابتسامة ذات معنى قائلة: «لي ~~أولاد عم عديدون، وإنه ليسوءني إذا كنت أقلهم جدارة واستحقاقا.» ولما هممنا بالرحيل ~~طلبت إلى صوفيا - وهي البنت الكبرى - أن تعنى بالأطفال، وأن تجلس إلى والدها، بمجرد ~~وصوله إلى المنزل. ثم أمرت الصغار أن يطيعوا صوفيا كما يطيعونها هي، فأذعنوا ووعدوا ~~بالطاعة، إلا فتاة صغيرة ذكية الفؤاد، لم تتجاوز السادسة، فإنها قالت عابسة: «ولكن الأخت ~~صوفيا ليست بالأخت شارلوت، ونحن يجب أن نحب الثانية أكثر من الأولى.» ووثب الصبيان ~~الكبيران فتمسكا بمؤخر المركبة، وأذنت لهم شارلوت إجابة لرغبتي بمرافقتنا إلى آخر ~~الغابة، على شريطة ألا يزايلا مكانهما، وأن يبقيا متأدبين، ولكنا لم نكد نأخذ مقاعدنا ~~ويحيي السيدات بعضهن بعضا، حتى استوقفت شارلوت المركبة، وطلبت بلطف إلى أخويها أن ~~يتركاها، ورجواها أن يقبلا يدها قبل الرواح فأذنت لهما، وكانت قبلة الأكبر ملأى بحب ~~ابن الخامسة عشرة، وقبلة الأصغر بحنو وانعطاف يليقان بسنيه، ثم سألتهما أن يذكراها ~~لدى الباقين. # وسارت المركبة، واستفسرت قريبة صاحبتي من شارلوت عن رأيها في الكتاب الذي بعثت به إليها ~~أخيرا، فأجابتها قائلة: «لم ينل من استحساني أكثر مما نال أخوه الذي تفضلت به علي من ~~قبل؛ وعلى ذلك فسأرده سريعا.» فتساءلت عن اسمه، ودهشت إذ قالت: «قصر أترانتو.» وكان ~~يتجلى في كل ما تقول وفرة الحجا وسداد الرأي، بل إن كل كلمة كانت ذكاء يتوقد، وكل ~~نظرة بيانا ساحرا، وكان يزداد بريق محياها من الرضى بموافقتي إياها على رأي أو قول. ~~وبعد يسير قالت: «كنت أسر كثيرا فيما مضى بقراءة الروايات، وكانت كل لذتي بعد ظهر ~~أيام الآحاد أن أخلو بنفسي في غرفة منفردة، فأقرأ إحدى تلك السير العجيبة، ولكن سرعان ~~ما قل حبي ل «الغير المحتمل»، وحل محله حب الحياة البيتية. وكنت أتتبع بشغف واهتمام نجاح ~~بطلة الرواية أو خيبتها، ولا أزال أحب ms18 من السير أمثال جرانديسون # Grandison # وكلاريسا ~~هارلو # Clarissa Harlowe ~~، وليس لدي الآن من الوقت ما يسمح لي بالمطالعة. وعلى ذلك فإن ~~القليل الذي أطالع عادة هو مجموعة فصول من تلك الحياة التي تعودتها، وإنني لأفضل ~~المؤلفين الذين يضعون الطبيعة نصب أعينهم، ويذكرونني بهذه المسرات المنزلية، هذه ~~المناظر المحبوبة التي أراها وأحتك بها في أسرتي.» # وأذهلتني دقة ملاحظاتها، وصواب أحكامها، فلم أستطع إخفاء عواطفي؛ لقد اشتعلت الجذوة في ~~فؤادي، وأخاف أن يذهب بها لهبها قريبا. ثم أخذت تبدي آراءها في مؤلفات أخرى، خصوصا ~~«كاهن واكفيلد» بسداد وحصافة أظهرت بلا ريب تحمسي في الموافقة على أقوالها وتحيزي لذلك، ~~ولكنها وحدها قد امتلكت لبي حتى لم أعد أشعر بوجود غيرها في المركبة، ومع ذلك فإن شارلوت ~~كانت توجه الحديث إلى السيدتين. ونظرت إلي قريبة صاحبتي نظرات معنوية، أفصحت عن ~~ريبها وشكوكها، بيد أنني لم أبال بها. ثم انتقل الحديث إلى الرقص، فقالت شارلوت إنه وإن ~~كان نوعا من اللهو يندد به الكثيرون، ولكنها شخصيا تميل إليه، فإذا ما انتابها قلق أو ~~هم عارض أسرعت إلى آلتها العازفة، فدقت عليها بعض رقصات ريفية تسترجع بها الصفاء ~~والنشاط. يا لله! لقد سحرني جمالها، فلم تتحول عيناي عنها، بل إن نغمات صوتها العذب قد ~~أسكرتني فلم أفقه شيئا، وطاش بلبي إعجابي بعينيها المتلألئتين وقدها الرشيق، ولما ~~وقفت المركبة نزلت منها فاقد الحس ضائع العقل، ولم أفق إلا في غرفة الاجتماع؛ حيث ~~وجدت نفسي في وسط المدعوين، ورافق شارلوت والسيدة الأخرى صاحباهما اللذان كانا ينتظرانهما ~~بالباب، وصحبت كذلك رفيقتي، ثم بدأ المرقص بعد دقائق، وتناوب السيدات الرقص معي، ولاحظت ~~أن الدميمة والعادية كانتا أشدهن كلفا بالإطالة، وبدأت شارلوت ترقص مع صاحبها رقصة ~~ريفية، ثم أتت لترقصها معي. آه! إنه ليستحيل عليك أن تتصور مقدار السرور الذي فاض علي، ~~بل آه لو رأيتها راقصة! فشهدت الخفة والسهولة اللازمتين لكل راقص، ورأيت ذلك القوام ~~البديع، والحركات الرشيقة المنتظمة! # ورغبت أن تتكرم فتعيد الكرة معي، ولكنها اعتذرت متلطفة، مؤكدة لي ms19 أنها على موعد من آخر، ~~ثم تفضلت واعدة بتقديم يدها إلي في الدور الثالث، قائلة بصراحة حلوة إنها تحب نوع ~~الألليماند # Allemandes ~~، # 1 # ومن الشائع هنا أن يرقصها كل رفيقين، ولكن صاحبي لم يتعودها، ويرجو أن يعفى ~~منها، وأنا أدري أيضا أن صاحبتك كارهة لها، وقد أقنعتني مظاهر رقصك أنك قادر على إجادة ~~هذا الضرب، فإذا تفضلت فاسأل رفيقتي السماح كما أسأل رفيقتك. وهكذا سويت المسألة، واتفقت ~~مع صاحب شارلوت أن يلزم صاحبتي في تلك الأثناء، وبدأنا رقصنا باشتباك الأذرع، وصاحبتي ~~تظهر في كل حركة حياة وبهاء. ولما غيرت الفترة # 2 # اختل نظام الجماعة، وقد كان عليهم أن يلتف كل منهم حول الآخر كالأكر، ولكننا ~~مع ذلك تجنبناهم بحذق حتى انسحب من ارتبك، فأخذنا مكانينا السابقين مع اثنين آخرين، ~~ورفيق شارلوت الأول مع صاحبتي القديمة، وأذكر أنني لم أرقص قط في حياتي بسرور ورضى كما ~~فعلت هذه المرة؛ فقد حسبت نفسي أسمى من البشر؛ إذ ملأت ذراعي بأجمل مخلوقة تحت السماء، ~~ذرعت معها الغرفة مسرعا كالبرق لا أرى شيئا سواها. هل أعترف لك أيها الصديق؟ لقد عقدت ~~النية حينذاك - حتى في ذلك الوقت - أن المرأة التي أحبها وأعتزم زواجها لن ترقص تلك ~~الرقصة مع رجل غيري وما عشت، ولكن أنت بلا ريب تفهم ما أعني ... # وسرنا في الغرفة جيئة وذهابا مرتين أو ثلاثا لنروح عن نفسينا، ثم جلست شارلوت، وكنت ~~قد أتيتها بآخر ما تبقى من البرتقال في خزانة المائدة؛ حيث كانوا يصنعون شرابا من خمر ~~إسبانية، فكان لها ذلك مرطبا نافعا، ودفعها أدبها لتقديم ما أوتيت إلى سيدة بجانبها، ~~فأخذت منه أكثره، ومع أنها امرأة فقد حسدتها لنوالها منحة من تلك اليد الجميلة. وعدنا ~~إلى الرقص، وكنا الرفيقين الثانيين في الرقصة الريفية الثالثة، وبينا كنت أدير صاحبتي ~~حولي، متأملا بملء الابتهاج تكلم النظرات الحلوة، والحركات الساحرة الرائقة التي توحي ~~السرور وتبعث على الجذل، ابتسمت لشارلوت سيدة مسلف # 3 # قد لفتني من قبل لطفها ورقتها، رافعة إصبعها إذ مررنا بها ms20 مرتين، قائلة ~~بصوت جلي مؤثر: «ألبرت!» ~~«ألبرت؟ وهل أجرؤ فأسألك من هو ألبرت؟» وكادت شارلوت تجيبني فتشفي غلتي، لولا أن ~~اضطررنا أن نفترق بحكم نظام الرقصة، ولاحظت عند التقائنا ثانية غما طارئا يظلل ~~محياها، ولما تناولت يدها لأصحبها إلى الخارج أعدت السؤال فأجابت: «ليس ثمة داع ~~لكتمان الحقيقة، إن ألبرت سيد نبيل قد عقد لي عليه.» فذكرت الآن ما خبرتني عنه ~~السيدتان في المركبة، على أنه لم يؤثر في حينذاك؛ لأنني لم أكن رأيت شارلوت بعد، ولم ~~تمر ببالي تلك الفكرة التي طعنت فؤادي، وتملكتني الحيرة، وعلتني كآبة أنستني ما أنا ~~فيه، فأحدثت ارتباكا كبيرا في نظام جماعة الراقصين بأغلاط كثيرة كانت تستدركها شارلوت ~~بحذق ومهارة، فتعيدنا إلى الصواب. # واعترض رقصنا بعد ذلك برق يأخذ بالأبصار، هو ما قرأناه من قبل في جبين السماء، وما ~~حاولت أن أصوره للسيدتين نتيجة الحر الشديد، وعلا هزيم الرعد صوت الموسيقى فأخفاه، وهلعت ~~سيدات ثلاث فتركن المرقص هاربات وتبعهن رفاقهن، ثم عم المكان الذعر وساد الهرج فصمتت ~~الموسيقى. ومن المعلوم أننا ننظر إلى الخوف بأكثر من حقيقته إذا فاجأنا في ساعة سرور؛ ~~لأن الذهن الذي كان منصرفا إلى الحبور واللهو يصبح سريع التأثر بالمزعج المفاجئ، ~~متهيئا للانفعالات؛ ولذا فإن الانقلاب من الفرح إلى الحزن يكون هائل الأثر فيه؛ فلا ~~بدع إذا إن ازدادت مخاوف السيدات باشتداد العاصفة وتقدمها، وجلست أثبتهن جنانا ~~مولية ظهرها إلى النافذة، وجعلت أصابعها في أذنيها، تتقي قعقعة الرعد وخطف البرق كأنما ~~ذلك مجديها نفعا، وركعت ثانية أمام الأولى، وتمتمت صلاة قصيرة، ثم أخفت وجهها في ~~حجرها، وأسرعت ثالثة فتوسطتهما ممسكة بهما، والدموع تهطل من عينيها، وكان بعضهن يتوق ~~إلى الروح لبيوتهن، واستطير لبهن روعا، حتى صمت آذانهن عن سماع نصائح رفاقهن ~~الذين كانوا يسترقون من بين شفاههن تلك التنهدات الواهية الرقيقة الصاعدة إلى السماء، ~~وانسحب رجال أنذال ليدخنوا غير عابثين بشيء، وتمالك باقي الجماعة روعهم أخيرا، فتلوا ~~تلو ربة الدار، وتبعوها إلى مخدع قد أحكم إغلاق نوافذه فلا يسمع فيه ms21 الدوي الهائل إلا ~~ضئيلا. ولما دخلناه صفت شارلوت المقاعد في دائرة ودعتنا للجلوس، مقترحة دعابات صغيرة، ~~يكون لنا فيها تسلية ولهو، وكان تكلف بعض السيدات في إجابة الاقتراح ظاهرا، كما كان ~~البعض يتوق إلى البدء فيه، واتفقنا على لعبة العد التي بينتها شارلوت قائلة: «سأسير من ~~اليمين إلى اليسار وأنتم جلوس، فتعدون متواترين مسرعين، وجزاء من يقف أو يخطئ لطمة ~~على أذنه.» وبدأت تدور منبسطة الذراعين، فكان عملها مسريا الهم، مروحا عن البال، ~~فصاح الأول: «واحد»، وتلاه الثاني: «اثنان»، فالثالث: «ثلاثة» وهكذا، حتى انتظم خطاها، ~~ثم أوضعت في سيرها، ففرطت من أحدنا غلطة كان جزاؤها لطمة، وضحك آخر فأصابه ما أصاب أخاه، ~~وهكذا ظلت شارلوت ترسل اللطمة إثر اللطمة، وهي تزيد في سرعتها تدريجا، فكان من نصيبي ~~لطمتان سررت بهما كثيرا؛ لأنني تصورتهما «أشد» من غيرهما. ثم فاض الضحك على الجميع ~~فغلبهم، واختلط عليهم العد، وبذلك انتهت الدعابة دون أن ندرك الألف. # وكانت العاصفة قد هدأت كثيرا، وبدأ المدعوون يكونون شراذم عدة، وكانت أفكاري لا تزال ~~منصرفة إلى منحى واحد، فتبعت شارلوت إلى غرفة الاجتماع، وحدثتني في الطريق قائلة إن ~~اللطمات التي جادت بها على اللاعبين نتيجة هفوة أو إغفال لم يقصد بها إلا تبديد ~~مخاوفهم، وتسكين روعهم، وإنها وإن كانت من قبل أيضا فزعة منزعجة، إلا أنها بتشجيعهم قد ~~شجعت نفسها. # وذهبنا إلى النافذة، وكان الرعد لا يزال يدوي دويا هائلا، مع أن المطر أخذ يتساقط ~~رذاذا على بعد منا، يروي المراعي الخضراء، ويعطر النسيم البليل. وأسندت شارلوت رأسها ~~على ذراعها الجميل، ثم أرسلت عينيها الممتلئتين بالمعاني في الفضاء المحيط بنا، ورفعتهما ~~إلى السماء، ثم هبطت بهما علي فرأيتهما مغرورقتين بالدموع، ووضعت يدها برفق على يدي، ~~ثم صاحت بصوت قوي: «آه يا كلوبستوك!» # 4 # وخفق فؤادي لهذا الاسم، وشعرت بألف عاطفة، وفاض علي شعره السموي، واضطرمت ~~شعلة حبي لتلك المخلوقة التي تتفق عواطفها وعواطفي أيما اتفاق، وخارت قواي، فلم أتمالك ~~أن صحت مرددا: «آه يا كلوبستوك!» ثم انحنيت، فطبعت ms22 على يدها الجميلة قبلة شغف وانعطاف، ~~وحدقت بوجهها الحلو، فرأيت دموعها تنهمل عليه، فقلت: «يا كلوبستوك المجيد! لم لا تشهد ~~تألهك في وجه هذا الملك؟ لم لا تسمع اسمك الذي طالما دنس ينطق به هذا الصوت ~~السحري؟ وهل يجرؤ غيره على النطق به؟» # | الرسالة الثانية عشرة # 19 يونيو # إلى أين انتهيت في رسالتي الماضية؟ آه يا صديقي، لقد نسيت كل ما قلت، ومبلغ ما أذكر ~~أنني وصلت إلى منزلي وانطرحت على فراشي في الساعة الرابعة صباحا، ولو كنت قادرا على ~~تحديثك بدل الكتابة إليك، لظللت أفعل طول الصباح. هل خبرتك بما حدث في أوبتنا من ~~المرقص؟ ليكن، فليس في التكرار بأس، ولكن عفوك الآن وغفرانك أيها الصديق! إنني سأقف ~~وقتا آخر على خدمتك، فإن الحب لم يمح الصداقة. # كان الصباح باسما بهيجا، وقد بددت العاصفة رطوبة الليل، وظهرت الطبيعة فرحة منتعشة، ~~وكان الندى يتساقط كاللؤلؤ من أغصان الأشجار، وأطبق النعاس عيون السيدتين اللتين ~~رافقتانا، وسألتني شارلوت عما إذا كنت أرغب في الراحة، قائلة إنها ترجو ألا يكون وجودها ~~مضيقا علي، فأجبتها محدقا بمحياها المحبوب: «إن وجودك يحتم علي اليقظة، بل إنه ~~ليستحيل علي أن أغمض جفني وعيناك مفتوحتان.» فصبغت وجنتيها حمرة الخجل، وسرعان ما ~~عاودهما إشراقهما المعتاد، وتجاذبنا الحديث حتى وقفت المركبة ببيتها، وفتح الباب بهدوء ~~خادم أجاب على أسئلة شارلوت المتوالية بأن الأسرة كلها بخير، ولم تهب بعد من ~~فراشها، ولما استأذنت بالانصراف، وعدتها بزيارتها قريبا، وإنني موف بوعدي. # منذ ذلك اليوم لم أعبأ بالكواكب ولم أحفل بالساعات، والزمن يمر دون أن أدري. إن العالم ~~كله لا شيء إذا لم تكن شارلوت أمامي، ولكنه ينقلب جنة ونعيما متى حضرت. # إلى الملتقى يا صديقي فيجب أن أراها الآن. # | الرسالة الثالثة عشرة # 21 يونيو # حقا إن أيامي الآن سعيدة ممتعة، تشبه الآخرة التي يوعدها المتقون، خل المستقبل ~~يأتي كما يشاء، ولكن علي الآن أن أعترف بأني قد نعمت في حاضري بأكمل هدوء وأتم سلام. ~~أنت تعرف قرية والهيم، فاعلم أنني أسكن ms23 بها الآن، على بعد ثلاثة أميال تقريبا من ~~شارلوت، وإنني في عزلتي هذه لأفخر بسعادة لم يظفر بأكثر منها إنسان، ولم يكن يخطر ببالي ~~من قبل حين اخترت هذا المكان ليكون معتزلي ومأواي، أنه يحوي هذه الجوهرة العظيمة، وطالما ~~رأيت في جولاتي هذا المقعد الخلوي، الذي أرتاح له وأغتبط به الآن، لقد تطلعت إليه ~~أحيانا من قمة الجبل، ورقبته من الحقول على ضفة النهر المقابلة، ولشد ما فكرت ~~كثيرا في دأب الإنسان وسعيه دون فائدة أو جدوى، يعمى عن كنوز بلاده وجمالها؛ فيشرئب إلى ~~البعيد، ويضرب في الأرض منقبا عن كل مكتشف جديد، ولكن هذه البدع سرعان ما تفقد ~~بهاءها، فينقلب راكضا إلى السعادة التي غادرها وراءه، فإذا ما عاد قنع بحياته الأولى لا ~~يهمه بقية العالم فتيلا. # أحببت هذه البقعة الرائعة لأول مرة رأيتها، ممتلئة بمحاسن الطبيعة من مناظر بهيجة ~~للغابات والجبال والصخور، آه! من لك بأن تراها أيها الصديق! # بيد أنني مع ذلك لم أقنع بما وجدت، بل تركته، وأنا كما كنت من قبل. وا حسرتاه! إن ~~المستقبل أيها الصديق كطريق غامض لم نطرقه بعد، أمامنا ظلمات حالكة مخيفة، لا يستطيع ~~الفكر سبر غورها، إننا نغتبط بالصور التي يدبجها خيالنا، فنجد وراءها بلهف وشوق، ~~ولكن إذا حسرت الحقيقة عنها القناع، غاض ذلك السرور وتلاشى، وهكذا يتوق الغائب إلى وطنه، ~~فيجد بين جدران كوخه، مع زوجه وأطفاله، سعادة بيتية، وهناء لم يذقهما في أسفاره ~~السحيقة. # أنا سعيد في عزلتي هذه، أصحو مع الشمس فأجمع البسلة بيدي، وأجلس لأنزع قشرها، وأقرأ ~~هومر، ثم أضعها في القدر وأغطيها، وأحركها متى غلى ماؤها. ثم أتصور أمامي عشاق بنيلوب # 1 # ينحرون ماشيتهم، ويطهون الطعام. # ما ألذ هذه الإحساسات التي تفيض علي حين أفكر في حياة البطارقة! وإنني لأقول دون ~~فخر أو غرور إنني أحيا هذه الحياة، إنني أشعر بكل تلك السعادة البسيطة الحقيقية المتمثلة ~~في حياة الفلاح، يرى على مائدته الكرنب الذي أنبتته يداه، وبينا هو يلذ بطعامه إذا هو ~~يتمتع بذكرى ذلك ms24 الصباح الجميل الذي زرعه فيه، والمساء الذي فيه رواه ورضاه في الأيام ~~المتوالية، وهو يراه يزكو وينتعش. # | الرسالة الرابعة عشرة # 29 يونيو # جاء طبيب البلدة أمس الأول ليزور نائب الأمير، فوجدني والأطفال في فناء الدار صاخبين ~~صائحين، ألعب معهم وأمازحهم، وكان الطبيب معروفا بالجمود والرصانة المتناهية، وقد وقف ~~طول الوقت يتحدث ويصلح طيات ثيابه، ساحبا أهدابها في ختام الحديث، حتى ذقنه، معتبرا ~~سلوكي غير لائق بمقام الرجال. # وقد ترجمت نظرته عن استهجانه بوضوح تام، ولكن لم يثنني ~~جبينه المقطب، ولا حديثه الوقور عما أنا فيه، فأخذت ثانية أقيم بيوت الورق التي هدمها ~~الأطفال، وقد أخبر هذا السيد كل إنسان أن أطفال النائب كانوا من قبل غير مهذبين، والآن ~~سيفسدهم فرتر كل الإفساد. بلى أيها الصديق إنني أحب الأطفال، أحبهم جهدي، ولكن بعد ~~شارلوت. # إنني حين أشهد في هذه المخلوقات الصغيرة بذور الفضائل والقوى العقلية تنمو وتترعرع، ~~وأراها ستصبح موطدة الدعائم أصيلة في نفوسهم، حين أتبين في الشجاع منهم الثبات في ~~المستقبل، والجلد على الشدائد، وفي اللعوب الضحوك ذلك النشاط وخفة الروح التي ستقاوم ~~عبوسة الطالع، فتسلك طريقها في الحياة سهلا مرضيا، بل حين أراهم طهرا مجسما ورقة ~~تسيل؛ أذكر كلمات معلمنا # 1 # السموية: «إلا أن تكونوا كواحد من هؤلاء الأطفال.» # على أننا أيها الصديق نميل إلى امتهان الأطفال وقد يكونون أعظم منا، نحن نعاملهم ~~كالأرقاء إذا عهد بهم إلينا، وننكر عليهم ما يحبون ويشتهون! أليست لنا نحن رغائب ~~ومشتهيات؟ إذا فأنى لنا حق المنع والحرمان؟ أمن طول السنين وحنكة الأيام؟ إن لهذه ~~حسابا كما تنص الشرائع في السماء، ولكنها لا تعتبر فوق الغبراء! إنهم الآن ما كنا نحن، ~~ولكن الوداع أيها الصديق، سوف لا أفرغ صبرك ولا أوهن قواي. # | الرسالة الخامسة عشرة # أول يوليو # أصيبت سيدة مسنة محبوبة في البلدة بمرض عضال، اشتد حتى قطع الطبيب من شفائها الرجاء، ~~ورغبت السيدة إلى شارلوت أن تقضي معها دقائقها الأخيرة؛ وعلى ذلك ذهبت إليها، وإنني ~~لواثق كل الوثوق بقدرتها على أن تمنح ms25 السلوى والعزاء للمريضة، وقد جربت هذا بنفسي حين ~~كنت منحرف المزاج. # صحبت شارلوت في الأسبوع الفائت إلى قسيس كنسية القديس، في قرية بين الجبال تبعد عن هنا ~~نحو ثلاثة أميال، وكانت أخته صوفيا معنا، فوصلنا هناك حوالي الساعة الرابعة، ودخلنا ~~الفناء الذي تظلله شجرتا جوز، فرأينا الشيخ النبيل جالسا على مقعد أمام الباب، ولم يكد ~~يرى شارلوت حتى نسي شيخوخته وهراوته، فخف مسرعا للقائها، ولكنها كانت أسرع منه ~~فأقعدته ثانية، وجلست إلى جانبه، ثم قدمت له احترامات أبيها، وأخذت تقبل صبيا صغيرا ~~بادنا يحبه الشيخ كل الحب. آه أيها الصديق، لو رأيتها وشهدت عنايتها بذلك الشيخ الواهي، ~~وهي ترفع من صوتها لتسمعه على صممه؛ إذ تقص عليه نبأ كثير من الهانئين قضوا في شرخ ~~شبابهم، ثم تمتدح له حمامات كولستادت، وتحبذ عزمه على تجربة مياهها في الصيف القابل، ~~وتؤكد له في نفس الوقت أن صحته تحسنت كثيرا مذ رأته لآخر مرة. وقضيت تلك الفترة في ~~تحديث السيدة زوجته، وهي تقل عنه بضع سنوات، وكانت تلوح على أسارير الشيخ علامات ~~السرور، وبينا كنت أعجب بجمال شجرتي الجوز اللتين نتفيأ ظلهما الظليل، بدأ يشرح لنا ~~بتطويل تاريخهما، فقال: «أما الأولى فلست على علم تام بأصلها، فالبعض يقول إن قسيسا ما ~~زرعها، ويقول البعض الآخر إن خليفة ذلك القسيس هو الزارع. وأما الثانية التي في هذا ~~الركن فعمرها يساوي تماما عمر زوجتي؛ أي إنها ستبلغ الخمسين في أكتوبر القادم؛ فقد ~~غرسها أبوها في الصباح، وولدت له زوجتي في المساء، وهو سلفي مباشرة في هذا المكان. أما ~~شغفه بالشجرة فلا يوصف، وإنني وايم الحق لأحبها أيضا، فتحتها وجدت امرأتي لأول مرة ~~وطئت قدماي هذا المكان، جالسة على كتلة من الخشب تخيط بعض الثياب، وكنت في ذلك الحين - ~~أي منذ سبع وعشرين سنة - معلما فقيرا.» وهنا سألته شارلوت عن فتاته فردريكا، فقال إنها ~~ذهبت إلى المراعي مع هرسمث؛ لتشهد عملية تجفيف البرسيم، ثم عاد يكمل حديثه، فقص علينا ~~استمالته سلفه وتحببه إلى ابنته، وكيف أنه ms26 عين نائبا له ثم خليفة بعد موته، ولم يتم ~~قصته حتى دخلت فتاته يصحبها هرسمث الذي حيا شارلوت تحية مشتاق ودود. أما الفتاة ~~فسمراء اللون، دمثة الأخلاق، رشيقة الحركات، ترضي الزوج الريفي كل الرضى. أما هرسمث فلم ~~يخف تقربه منها وإعجابه بها، سيد حسن البزة، حلو المنظر، قليل الكلام، يقرب طبعه ~~من الجمود. وحاولت شارلوت مرارا اجتذابه إلى حلبة الحديث فلم تنجح، وساءني منه ذلك؛ ~~لأنني شعرت أن صمته لم يكن عن عجز أو خمول في الذهن، بل عن جمود في الحس وجفاف في الطبع، ~~وقد برهنت الحوادث سريعا على صحة رأيي، فبينا كنا نتمشى جاذبت الحديث فردريكا، فتغيرت ~~سريعا سحنته العابسة بطبيعتها وتجهم وجهه، حتى إن شارلوت جذبت ردني تلفتني بلطف إلى ~~ذلك. إنما يؤلمني في أعماق قلبي أن أرى الرجال يناوئ بعضهم بعضا، خصوصا في زهرة ~~الشباب، وصدر السعادة، فينهبون هذه الأيام القصيرة العمر، أيام الشمس والنور، في منافسات ~~باطلة، ولا يشعرون بخطئهم إلا وقد سبق السيف العذل. # وأثر في هذا تأثيرا كبيرا، حتى لم أعد أتحمل السكون، فانتهزت فرصة الحديث على طعام ~~المساء عن هناء الحياة وشقائها، لأذم الخلق السيئ والطبع النكد، فقلت: «من القضايا ~~الشائعة أن أيام السعادة أقل من أيام الشقاء، على أنه يخيل إلي أن هذه الشكوى لا ~~أساس لها؛ فإننا إذا تمتعنا بما أسبغ الله علينا من نعم، سالكين في ذلك سبيل الرضى ~~والقناعة، كانت هذه الرقة في الطبع، والجلد على المشاق، خير ممهد لطريق الحياة ~~الوعر، وأكبر باعث على احتمال آلامها التي لا مناص منها ولا مهرب.» فقالت زوجة ~~القسيس: «ولكننا لا نستطيع دائما أن نسيطر على طباعنا، وجل السبب يرجع إلى فطرة الإنسان ~~نفسه، وإذا اعتل الجسم تبعه العقل.» فأجبتها: «حسن يا سيدتي، فلنعتبر هذا الطبع أو ~~المزاج نوعا من المرض، ولننقب عن علاجه.» فقالت شارلوت: «هذا هو عين الصواب، وإنني لأرى ~~القسم الأكبر من العلاج متوقفا علينا أنفسنا، وعن نفسي فإنه إذا طرأ علي ما يعكر ~~مزاجي، اندفعت أتمشى في ms27 الحديقة، فأغني طرفا من الأناشيد المنعشة، وبهذه الوسائل ~~الفعالة يعاودني هدوئي وسكينتي.» فقلت: «هذا ما أعني تماما، إن الجهومة تقارن بالكسل ~~والقعود؛ فهي دون ريب ضرب من الخمول، والإنسان بطبيعته خامل متوان. ولكنا إذا انتصرنا ~~على هذه العادة السيئة، تقدمنا بسرور، شاعرين برضى خفي عن جهادنا هذا.» # وكانت فردريكا كلها آذان صاغية، وقال هرسمث معترضا: «ولكن سيطرتنا على أنفسنا ~~ضعيفة، وأضعف منها كبحنا لعواطفنا وأميالنا.» فأجبت: «بأن تلك العادة السيئة موضوع بحثنا ~~الآن، شيء يرغب كل امرئ في التملص منه، وإننا لا نقدر قوانا إلا بعد تجربتها، فإن ~~المريض يستشير الأطباء ويصدع، دون اعتراض، بتناول التافه من القوت، والكريه من الدواء ~~ليسترد قوته وصحته.» # ورأيت أن الشيخ يحني رأسه ليسمع حديثنا، فرفعت من صوتي موجها إليه الحديث: «إنه وإن ~~كان نقد الواعظين على المنبر، وذمهم لكل رذيلة عظيما، إلا أنني واثق كل الوثوق أنه ~~لم يقم قائم فيندد بالحقد والضغينة.» فأجاب: «هذا موضوع يعنى به من يعظ في المدن فقط، ~~فإن بيئة القرى لا تفهمه، على أننا لا نهمل إدخاله إلى هنا حينا بعد حين، ولو من أجل ~~امرأتي ونائب الأمير.» وأضحكنا تهكمه هذا ضحكا طويلا شاركنا فيه، ففاجأته نوبة سعال ~~دام زمنا ما. # ثم جدد هرسمث الموضوع ثانية، فقال: «أراك يا سيدي تبالغ في اعتبار الجهومة رذيلة.» ~~فأجبت: «كلا، فإن ما يضر بنا وبالغير يستحق اسم الرذيلة، ألا يكفينا شقاء أن نعجز عن ~~إسعاد بعضنا بعضا دون أن يحاول كل منا أن يحرم الآخر من ذلك السرور الضئيل، الذي إذا ~~ترك لنا فقد نستطيع التمتع به؟ أرني الرجل الذي يستمرئ العبوسة ثم يخفيها عن الناس، ~~الذي يحمل عبأها كله على كاهله وحده، دون أن يعكر سلام من حوله، إن هذه العبوسة تنشأ ~~عن شعور بالقصور والنقص، وطمع يترادف مع الحسد، يغذوها غرور باطل وأبهة كاذبة؛ فإننا لا ~~نحتمل أن نرى غيرنا سعيدا دون أن يكون لنا في تلك السعادة نصيب.» وألفت شارلوت الحماس ~~الذي كان يلهب كلماتي، فنظرت إلي ms28 باسمة، وسقطت دمعة كبيرة من عين فردريكا شجعتني على ~~الاستمرار، «بل إنني لأدعو لهم بالحرمان من السرور، أولئك القساة يستبدون بالقلوب ~~الرقيقة فيسلبونها سعادتها وهناءها الذي خلق لها وخلقت له، فليس ثمة من هدية مهما عظمت ~~أو عطف مهما كبر يستطيع أن يعوض الهناء والراحة اللذين أفسدهما الحسد والظلم.» # وهاجت عواطفي، وتمثلت أمامي ذكريات الماضي المؤلمة، وامتلأت عيناي بالدموع : «في كل ~~يوم يجب أن نسأل أنفسنا: ماذا نصنع لننفع أصدقاءنا؟ فلا نحاول فقط ألا نقلق من راحتهم، ~~بل نجتهد أن نزيد في هنائهم باشتراكنا معهم فيه؛ لأنه إذا ما عصفت بالنفس العواصف ~~الشديدة، أو أحرق الفؤاد الحزن المر، فليس في مقدرنا أن نمنحهم مسحة من السلوى، ~~وحين ينشب المرض القتال مخالبه في البائس المسكين، الذي فتح له القبر دون الأوان، ~~حين يتمدد متهالكا ضنى، يرفع عينيه المظلمتين إلى السماء، وعرق الموت البارد ~~يرفض من جبينه؛ هناك تقف أمامه كمجرم قد اتهم نفسه وحكم عليها، فيتجلى لك جرمك، ~~ولكن ... سبق السيف العذل، فأنت تعلم أن قد فات الوقت، وعجزت عن العون، بل أنت تحس من ~~أعماق نفسك أن كل عطاياك وحسناتك لا تجدي الآن، فلا هي برادة الحياة، ولا واهبة بعض ~~العزاء الوقتي للنفس الراحلة.» وذكرت وأنا أنطق بالكلمات الأخيرة مشهدا كهذا كنت حاضره، ~~فأثر في نفسي بكل قواه، فتناولت المنديل أكفكف العبرات، وانسحبت فجأة، فلم أفق إلا ~~على صوت شارلوت يستحثني للرواح. # آه ما أعذب لومها لي في الطريق! فقد أخذت تبين لي أن ذلك الحماس، والتأثر العميق ~~الذي يهزني حين أدخل في جدال لا يلائمني، بل يضر بي. ثم طلبت إلي برفق أن أخفف من ~~تلك الحدة التي تأكل جسمي وتقصر أيامي. # لبيك يا شارلوت الحبيبة! إنني سأعنى بنفسي، وسأعيش من أجلك. # | الرسالة السادسة عشرة # 6 يوليو # لم تزل شارلوت مع صاحبتها المريضة؛ فهي اللطيفة المحبوبة أبدا، تخفف الألم أين حلت، ~~وتمنح الهناء. خرجت بعد ظهر الأمس تتمشى مع أخواتها الصغيرات، وأخبرت الخبر فتبعتها ~~حالا، ورافقتها نحو أربعة أميال، ms29 وفي عودتنا وقفنا بذلك الينبوع القريب من البلدة، الذي ~~أحببته فيما مضى، وقد تضاعف حبي له الآن بلا مراء، واقتعدت شارلوت حائطه، ووقفنا أمامها، ~~فأخذت أفكر، ممتعا نفسي بما أمامي، وذكرت تلك الساعات الطويلة التي كنت أقضيها هنا ~~وحيدا؛ إذ كان قلبي حرا طليقا، ثم فكرت قائلا: «أيها الينبوع العزيز، منذ ذلك ~~العهد لم أر أمواهك المنعشة الصافية التي طالما أشعرتني السرور.» وبينما كنت تائها في ~~أفكاري وأنا أحدق بالينبوع، لمحت إحدى الصغيرات تصعد الدرج مسرعة، تحمل كوبة من ~~الماء، فنظرت إلى شارلوت، وهناك أفعم قلبي حياة وشعورا، واقتربت الصغيرة بالماء، ودنت ~~منها أختها ماريان لتأخذه منها، فصاحت الصغيرة قائلة بلهجة حب كبير: «كلا! لتشربن الأخت ~~شارلوت أولا.» فلم أتمالك أن حملتها بين ذراعي، وقبلتها قبلة حب جزاء حنوها الجلي، ~~فأخذت تبكي، وأخبرتني شارلوت أنني تسرعت فيما فعلت، فأسفت لذلك، ثم أمسكت الصغيرة ~~بيدها، وهبطت معها الدرج قائلة: «والآن يا إمليا، اغسلي وجهك يا حبيبتي فيزول كل شيء.» ~~وخفت إلى ذلك مطيعة، فغمست يديها الصغيرتين في الماء، وأخذت تمسح خديها بشدة معتقدة ~~أنها تزيل بذلك أثر القبلة، فلا يصبح ثمة خطر من لحية تنبت لها، وأكدت لها شارلوت ~~أنها قد فعلت ما فيه الكفاية، ولكنها ظلت تمسح متصورة أنها كلما فعلت كلما أمنت ~~الخطر. # آه أيها الصديق! إنني لم أعر قط طقوس المعمودية التفاتا أو احتراما كما أعرت هذا ~~المنظر. ولما صعدا كدت انطرح على قدمي شارلوت، فأقدسها كما يقدس ولي قد طهر الأمة ~~جمعاء. # وحدثت بالخبر في المساء سيدا اشتهر بشدة الذكاء، ولكنني رأيت من النادر اجتماع ~~الفهم وسلامة الذوق؛ فقد طاش رأيي في الرجل؛ إذ أنحى باللوم على شارلوت لسلوكها مسلك ~~غير ذي حزم، قائلا: «لقد أخطأت بتشجيعها الطفلة على التمادي في الضعف والأوهام؛ أباطيل ~~لا يمكن استئصالها في الأيام الأولى.» وقد علمت أن الرجل صار أبا منذ بضعة أيام، وربما ~~كان يبتدع طرقا جديدة في التربية. # وعلى هذا لم أحفل بسفسطته؛ لاعتقادي أننا أنفسنا نسر بملاهينا الصغيرة ms30 ولو تاخمت ~~الجهل والحمق؛ فعلينا إذا أن نطلق للأطفال العنان ليسروا بسخافاتهم كما ~~يشاءون. # | الرسالة السابعة عشرة # 8 يوليو # ما أبلهني! لم أجد هذا الوجد وأتحرق شوقا إلى نظرة واحدة منها؟! ما أخرق هذا! كنا ~~في والهيم، وقد ذهبت السيدات في مركبة تركنها بعد ليسرن في الحديقة، ولما ظننت أن عيني ~~شارلوت المتلألئتين ... ولكنني أشط بعيدا، وعلي أن أقتضب القول لأنني نصف نائم. لما ~~عدن إلى المركبة وقفت مع الصغار ويليست وسلفسترادت وأندران نكلمهن من النافذة، وكان ~~الرجال كلهم جذلا مغتبطا، ورقبت عيني شارلوت، وخيل إلي أنهما ترمقان الكل، ~~الواحد بعد الآخر، إلا أنا. نعم إلا أنا الذي وقفت كالتمثال - رغم جولانهما المتواصل - ~~لا أرى غيرها، وكان قلبي يمطرها حبا وتوديعا، وهي لا تلقي إلي بنظرة واحدة. # وسارت المركبة، وتبعتها عيناي مغرورقتين بالدموع، ثم أخرجت شارلوت رأسها من النافذة ~~والتفتت إلى وراء، وا حسرتاه! لمن كانت تلك النظرة؟ أهي لي أنا؟ ما أشد حيرتي! ولكن الشك ~~قد يكون بردا وعزاء، إن هناك ما يبعث على الأمل بأن النظرة كانت لي. # عم مساء، إنني أشعر بضعفي. # | الرسالة الثامنة عشرة # 10 يوليو # أنت لا تستطيع أن تتصور يا صديقي بأي مظهر سخري أظهر حين يذكر أمامي اسم شارلوت، ~~وخصوصا حين أسأل عن ميلي إليها. ميلي إليها! لست أحتمل هذا التعبير الثلجي، فمن يكون ~~الرجل يميل إلى شارلوت ولا يجن بمحاسنها الساحرة؟ «أميل» إليها! هكذا سألني بعضهم منذ ~~أيام عن «ميلي» لشعر أوسيان # 1 ~~... # | الرسالة التاسعة عشرة # 11 يوليو # لم تزل المريضة التي تعودها شارلوت بالبلدة في حالة سيئة، ولا أفتأ أصلي لأجلها ~~باستمرار أرجو الله شفاءها؛ فإن مرضها يسلبني صحبة شارلوت. وقد حظيت برؤية المريضة ~~اليوم؛ إذ كانت تكشف عن سر غريب، فبعلها بخيل صالت الزند، ولم يعط امرأته قط ما يكفي ~~حاجاتها، وقد أحزنها ذلك وأمضها، رغم محاولتها جهدها أن تقنع بحالتها، ولما يئس ~~الطبيب من شفائها، طلبت أن ترى زوجها، فأجيبت إلى رغبتها، ودنا الرجل من فراشها، وكانت ~~شارلوت حاضرة، ms31 فخاطبته الزوجة قائلة: «إنني أريد أن أكشف الستار عن أمر قد يجلب كتمانه ~~بعد موتي ارتباكا كبيرا؛ لقد بذلت أقصى جهدي لأكون مقتصدة بقدر الإمكان، ولكنني كنت ~~مسوقة إلى خديعتك مدى هذه الثلاثين عاما. في أول عهد زواجنا كان المرتب الأسبوعي ضئيلا ~~جدا، وزادت الأسرة ولم تفكر في زيادته، بل بقي كما هو حتى في أحرج الأوقات، واحتملت كل ~~ذلك صابرة، وعشت غير متذمرة ، ولكنني كنت مضطرة إلى أخذ ما زاد من الدخل الأسبوعي لمعمل ~~اللبن، فلا تظنن بي الظنون، ولا يقال إنني أنفقت مالا كان مدخرا موفورا، فلم يكن ما ~~صنعت إلا لحاجة لازمة، لا لإسراف وتبذير، ولو دفن معي هذا السر في قبري، لعالجت سيدة ~~بيتك الآتية مصاعب شتى، وخصوصا إذا تمسكت بأن زوجتك الراحلة كان يكفيها المرتب الذي ~~كنت تنفحها به.» # وكانت تعليقات شارلوت على هذا السلوك الذي اضطر المسكينة أن «تسرق بطرس لتعطي بول» ~~صائبة مؤثرة؛ فقد قالت: ربما كان يظن أن فضائل زوجته تزيد من المرتب الضئيل، وتمده ~~بحسنات جديدة. # | الرسالة العشرون # 13 يوليو # لست مخطئا؛ إنني أقرأ في عينيها ما يسكن قلبها من العناية بي، ذلك واضح جلي، وإن فؤادي ~~ليؤيد تلك الفكرة المشجعة، هامسا في أذني: هل أجرؤ على التلفظ بالأمل المحبوب؟ إنها ~~«تحبني!» «تحبني!» إنني لأشعر بنفسي جليلا ساميا حين تخطر لي الفكرة، ما - نعم إنني سأقدم، ~~فأخبر صديقي لأنه يفهم ما أعني - ما أشد إكباري لنفسي منذ شرفني عطفها وودادها، وهل يعد ~~هذا تيها وكبرا؟ كلا بل هو شعور بالحقيقة. من ذا الذي ينازعني حبها؟ آه! ومع هذا ~~فإنها حين تذكر اسم ألبرت، تذكره باحترام وانعطاف. وا حسرتاه! هناك أشعر كأنني ضابط ~~طماح جم الآمال، قد جرد من رتبته، وانتزع منه شرفه، ففقد حوله وطوله واضطر أن يسلم ~~سيفه. # | الرسالة الحادية والعشرون # 16 يوليو # إذا لمست يدها عفوا خفق فؤادي، وغلى الدم في عروقي، وإذا التقت قدمي بقدمها تحت ~~المائدة أسرعت كل الإسراع فسحبتها، ثم دفعني شيء خفي فأعدتها مكانها الأول، ms32 وشعرت بأغرب ~~الإحساس. أنا أمينها وصديقها، ولكن يا للنفس الطاهرة! إنها لا تدري ما تسومني من عذاب ~~وألم، حين تسر إلي أنباء زواجها المزمع! وحين تضع يدها في يدي، ثم يملؤها الحديث ~~حماسا فتدني مقعدها مني، حتى لأحس بأنفاسها العطرة، آه يا للسماء! إن كهرباء البرق ~~ليست بأشد من هذه في شيء. # وا أسفاه أيها الصديق! هل أجرؤ يوما ما على احتقار هذه الثقة؟ بيد أنك تعرف فؤادي، إنه ~~ليس بالفاسد المخادع ولكنه ضعيف، نعم ضعيف واه، والضعف بذرة الفساد. إنني أقدسها، إن ~~قربها كل أملي، إنني أراها فأشعر بأعظم الابتهاج. # وهي مولعة بأغنية بسيطة، ملأى بالعواطف والبيان، توقعها على آلتها الموسيقية بتفنن ~~وقوة وإبداع، فإذا ما بدأتها بدد الحزن وأبعد الأسى، فبرز أمامي برهان ناطق على ما ~~يقال من تأثير الموسيقى وسحرها وقدرتها على تشتيت الكآبة والهموم، وفي الوقت الذي تحمل ~~فيه الأفكار السوداء مشيرة إلى الموت والانتحار، تأتي هذه الأغنية الحلوة الرقيقة، فتحيي ~~الميت من الوجدان، وتشتت سحب الخوف والفزع، وتحول عبوسة اليأس إلى ابتسام الفرح ~~والسرور. # | الرسالة الثانية والعشرون # 18 يوليو # ماذا يفيد امتلاك العالم قلبا خاليا من الحب؟ مثل هذا القلب كمثل المصباح السري ~~لا نور فيه، حتى إذا ما أضاء ظهرت الصور العديدة علعلمت ألاى اللوحة البيضاء، وما آثار الحب وإن ~~كانت كهذه الخيالات الزائلة! ومع ذلك فإنها تشعرنا بالسعادة، إذا كنا نسر بالتصورات ~~اللذيذة كما تسر الأطفال. # لن أرى شارلوت اليوم، فثم بعض رفاق لم أكن أنتظرهم ولا يمكنني التخلي عنهم الآن؛ وعلى ~~ذلك فقد فكرت في إشخاص خادمي إليها، حتى يكون في جوابها بديلا عن شخصها أمام عيني، ~~وانتظرت ذلك الجواب بصبر فارغ، حتى إذا ما جاء تناولته بفرح كبير، ولشد ما كابدت في ~~إخفاء عواطفي عن الخادم! # يقال أيها الصديق إن حجارة بولونا # 1 # إذا عرضت لضوء الشمس اجتذبت أشعتها فحفظتها، حتى إذا ما وضعت في الظلام، ~~أخذت تشع ما اكتسبته من الضوء لمدة طويلة، وما أشبه هذا بجوابها! فقد عكس إلي ms33 بريق ~~تلكم العينين اللتين استخدمتا في كتابته، وبياض تلك اليد التي أسلمته إلى الرسول؛ فهو ~~عندي الأعز المحبوب، ولست أبدل به الكنوز. # أمسك عن ابتسامك أيها الصديق، فليس ثمة شيء يزيد من سعادتنا ويصح أن يدعى وهما ~~وغرورا. # | الرسالة الثالثة والعشرون # 19 يوليو # استيقظت هذا الصباح، وفتحت النافذة بكل هدوء لأشهد بزوغ الشمس، قائلا: «سأراها.» أجل ~~سأرى شارلوت، ليس لي من أمنية غير هذه أقطع بها اليوم، إن تحت هذا الأمل العذب ينطوي كل ~~شيء. # | الرسالة الرابعة والعشرون # 20 يوليو # لست أحبذ بحال من الأحوال نصحك لي في قبول اقتراح السفير لمصاحبته إلى فينا، إنني ~~أحتقر أن أكون مرءوسا وأحتقر المظاهر، والكل يعرف هذا الرجل عبوسا متعجرفا، تقول إن ~~أمي تريد أن أشغل وظيفة ما، فاعلم أنني أبسم من هذا الرأي، ألا أعمل وأدأب ~~دائما؟ ألا يعد تقشير البسلة كتقشير الفول؟ إن هذا العالم مطوي على الشقاء، وإن ~~من يطلب أن يرضي الدنيا أكثر مما يرضي نفسه فيسعى إلى المال والجاه بطريق لا يلتئم ~~وميوله، لهو في عرفي غر أبله. # | الرسالة الخامسة والعشرون # 24 يوليو # استمع جوابي الصريح على أسئلتك المتوالية عن تقدمي في التصوير؛ إنني لم أعن به في ~~الأيام الأخيرة إلا قليلا. # كان أمامي منذ أيام قطعة تاريخية، فلم أتقدم فيها مطلقا، أو فعلت يسيرا، والحقيقة ~~أنني الآن أميل إلى الطبيعة، فلا أستطيع أن أحيد عنها، إنني أفهمها أكثر من غيرها، وهي ~~قدوتي في مختلف ما تخرج، ولكن الثابت أن حالتي العقلية الآن تسلبني قوة المثابرة ~~والعناية اللازمتين لتصوير دقائق جمالها حق التصوير، كل محاولة يعوزها ~~الإنجاز، وكل بداية تحتاج إلى إتمام، والأصباغ تختلط أمام ناظري، وربما أنجح أكثر ~~من الآن إذا استعنت بشيء ما، ولو دام هذا المزاج لكان مقالي التالي طينا وشمعا. # بدأت صورة شارلوت ثلاث مرات، لم تفلح ريشتي في إحداها؛ فإن ما أرسم الآن ليس في شيء من ~~حسن سابقه، ولست أفهم سبب هذا الانحطاط الغريب الذي يقلقني كثيرا، على أنني قد صورت ~~منظرها ms34 الجانبي، فلأقنع به الآن. # | الرسالة السادسة والعشرون # 26 يوليو # كل ما تطلب حبيبتي شارلوت مقضي كما تريد، وإن أوامرها المقبلة لتزيدني سعادة وهناء. ~~مري بما تهوين سيكون آخر أوامرك أحبها إلي. ولكن لي طلبة أزجيها إليك، ~~هي ألا تستعملي الرمل لتجفيف مداد رسائلك؛ فقد كنت أقبل بشغف كتابا منك اليوم ~~فدخل الرمل بين أسناني. # | الرسالة السابعة والعشرون # 27 يوليو # طالما عقدت العزم على الإقلال من رؤيتها، ولكن ما أوهى عزم المحب! وا حسرتاه أيها ~~الصديق، إن القول لأسهل بكثير من العمل. كل يوم أخضع للإغواء، ولو أنني أقول كل ليلة: ~~«لن أراها غدا.» على أنه متى جاء الغد ساقني إليها شيء لا يقاوم. ولا تحسبن هذه ~~«الأشياء» فارغة من البواعث، هبها قالت عند الافتراق: «آمل أن تزورني غدا.» فهل ~~أستطيع القعود عن الذهاب؟ أو إذا عهدت إلي القيام بمهمة فقد أجد من الضروري أن ~~أعود بنفسي حاملا النتيجة، وقد يطلع اليوم شيقا جميلا، فأسير متريضا إلى والهيم، ~~وإذا ما صرت هناك وجدت نفسي على ميلين فقط من بيتها، وعلي أن أتقدم في طريقي، فهل ~~أنكص وأنا منها قريب؟ هذا مستحيل. # أذكر قصة عتيقة كانت تحدثنا بها جدتي عن جبل من المغناطيس، وكانت جاذبيته هائلة، حتى ~~إذا ما دانته سفينة انجذبت روابطها الحديدية إلى الجبل، وراح بحارتها المساكين بين ~~ألواحها المشتتة. إن صديقي يفهم دون ريب ما أشير إليه، إن عالما كاملا من هذه ~~الجبال لا يباري شارلوت في قوة الجذب. # | الرسالة الثامنة والعشرون # 30 يوليو # جاء ألبرت فوجب على فرتر الرحيل، ولو كان أشرف وأفضل بني الإنسان وكنت دونه في كل ~~شيء، لما احتملت أن أراه يمتلك كل هذا الجمال النسائي والكمال. # يمتلك! أجل؛ فهو زوجها في المستقبل. # وهو رجل مهذب كامل الأخلاق، يجب أن يقدره الجميع ويحترموه. لم أشهد لقاءهما الأول ~~لحسن حظي، ولو فعلت لمزق فؤادي، أما هو فقد استنفد وسعه كي لا يظهر أمامي شغفه ~~بشارلوت، فليسبغ الله عليه بركاته، وعلي أيضا أن أحترمه وأكبره؛ لأنه يجل ms35 ~~فتاتنا السموية، وهو يعطف علي كل العطف، على أنني واثق أن عنايته هذه ناشئة من تحدث ~~شارلوت عني، وما أمهر النساء في التوفيق بين المزاحمين، وهن قد يفشلن أحيانا، ولكن ~~التجربة لازمة؛ لأنها إذا نجحت كان جل الخير في مصلحتهن. # وإنني رغم كل شيء لا أغمط ألبرت قدره؛ فإن هدوء طبعه يناقض تماما حدة خلقي، التي ~~أحاول عبثا إخفاءها، هذا إلى عظيم إحساسه وشعوره الحق بالكنز الثمين الذي يحرزه في ~~شارلوت، ولم أر منه قط ما يؤخذ عليه من فظاظة أو سوء خلق، وهما - كما تعلم - أشد ما ~~أمقت. ويظهر أنه يعدني حسن الذوق، ذكي الفؤاد، كما أرى أن تعلقي ~~بشارلوت واغتباطي بمصاحبتها يسره ظاهرا، ويزيد من شغفه بها، ولا يمكنني الجزم بأن ~~شوائب الغيرة لا تعكر صفو الدقائق التي يقضيانها منفردين، على أنني واثق أنني لو ~~كنت مكانه لما أظهرت هذا السكون والراحة. # آه أيها الحب! ما أقسى عذاب من يدينون بك! # وكيفما كان مركز ألبرت، فإن تلك السعادة التي أذاقنيها وجود شارلوت بجانبي يجب أن ~~تتلاشى الآن. أضعف هذا أم حب وافتنان؟ ادعه كما تريد. وا حزناه! إنني أعلم أنني ~~أشعر بالحقيقة؛ لقد علمت قبل مجيء ألبرت ما أعلم الآن، علمت أن لا حق لي فيها، ولم أزعم ~~لي ملكا؛ لأن كل سلوكي - اللاحق لي فيه - كان أثرا من آثار محاسنها القاهرة. والآن ~~ما أشد دهشتي، بل ما أشد حمقي حين ظهر صاحب الكنز الحقيقي، واضطررت أن أنفض يدي مما ~~لم يكن لي قط في يوم ما. إنني أندب حظي وأحتقر ضعفي، ولكنني أمقت كل المقت هؤلاء ~~الناس الذين قد بردت طباعهم، يلحون وهم جادون هادئون بوجوب التسليم والصبر، متى لم نجد ~~لدائنا دواء. إنني لا أحتمل هؤلاء الفلاسفة المدعين، هؤلاء الوعاظ المضحكين. # أذهب هائما في الغابات، ثم أعود متعبا إلى شارلوت فأجدها مع ألبرت، تحت خميلة من ~~الزهر داخل الحديقة، فأذهل وآتي فعال الأطفال، وألعب من المضحكات ألف دور، وقد قالت ~~لي شارلوت اليوم: «بالله عليك! ألا ms36 هدأت من نفسك، إن عواطفك الهائجة مزعجة مثيرة.» بل ~~أنا أعترف لك أيها الصديق أنني أرقب في الأيام الأخيرة حركات ألبرت، فإذا ما دعاه داعي ~~العمل، انسللت إلى شارلوت، وهناك حين أجدها منفردة أشعر بسعادة لم أعرفها قط. # | الرسالة التاسعة والعشرون # 8 أغسطس # ثق أيها الصديق أنني حين أنحيت على هؤلاء الذين قد يقدمون نصيحتهم الباردة، وقلت ~~إنني لا أطيق هؤلاء الوعاظ المضحكين، لم أكن أحسبك واحدا منهم، ولكن هناك بعض الحق فيما ~~تقول. وعلى أية حال، فلدي اعتراض واحد: إذا اقترح طريقان متضادان ندر أن يسلك ~~أحدهما. إن أعمالنا وآراءنا تختلف اختلافا بينا، اختلاف أشكالنا وملامحنا، فلا يسوءنك ~~أن أعترف بصحة استنتاجاتك، ثم أسلك طريقا وسطا لأتجنب العمل بها. أنت تقول إنه إما أن ~~يكون لي أمل في الوصول إلى شارلوت أو لا، إذا فما هي النتيجة؟ في الحالة الأولى علي ~~أن أواصل السعي، فلا أترك فرصة تفوتني للحصول على طلبتي، وفي الحالة الثانية، تقول إن ~~علي أن أكون رجلا فأنسى ارتباطا منكودا كهذا، خاتمته هلاك مؤكد. كل هذا أيها ~~الصديق حق لا ريب فيه، ولكن اسمح لي أن أقول لك ما أسهل القول بالتنازل والتسليم، ~~وما أصعب العمل به! وهل تطلب من شقي فان، قد أضنته السقام تحت في كيانه على مر ~~الأيام، أن يختم شقاءه دفعة واحدة بجرعة سم أو طعنة خنجر؟ أليس المرض الذي يحرمه القوة ~~الجسمية هو نفسه الذي يحرمه أيضا ذلك الثبات العقلي الذي يعوز العمل الجريء؟ قد تقابل هذه ~~المقارنة بتشبيه جديد، فتقول ومن يحجم عن بتر عضو منه في سبيل سلامة حياته؟ قد يكون ~~ذلك، فلست أدري بماذا أجيب. بل اعلم أيها الصديق أنني صممت مرارا على الابتعاد عن ~~الخطر، ولكنني لم أجد ما ألجأ إليه. # بقية # رأيت من مذكراتي التي أهملتها منذ وقت ما ثم فتحتها صدفة، أنني كنت ألاحظ كل ~~حادث صغير وأعنى بدقائقه، وإنني لتدهشني تلك الحدة في الذهن، لاحظت بها كل شيء، وتلك ~~الطفولة في أعمالي، إن آرائي ms37 باقية كما هي، ولكنني لا أرى لي في الشفاء أملا. # | الرسالة الثلاثون # 10 أغسطس # ما أجمل المنظر الذي أمامي الآن، في استطاعتي الآن، إذا كنت قادرا على التمتع به! ~~من النادر جدا أن تجتمع ظروف حسنة في حياة امرئ ما لتهيئ من سعادته، ولكن وا أسفاه! ~~إنني أشعر شعورا عميقا بأن السعادة والهناء يتوقفان على حالة الإنسان الفكرية، وليس ~~على المنافع والمصالح. يرونني هنا جامعا لأسرة من خير الأسر المجيدة؛ فالنائب يعدني ~~كولده، والأطفال كأخ لهم ، وكذا شارلوت وألبرت أيضا، هذا الشاب اللطيف، الذي يلقاني ~~بوجه الصديق المخلص الباسم، ويقدرني بعد خطيبته مباشرة، ولو سمعت حديثنا إذ نترافق ~~السير، وامتداحنا المتبادل لشارلوت لجذلت واغتبطت، ولست أرى أغرب من هذه الصلة بيننا، ~~على أن بها ما يسيلني دموعا في كثير من الأحايين. ويحدثني عن أم شارلوت، تلك السيدة ~~الفاضلة، ويصف لي دقائقها الأخيرة، وذلك المنظر المؤثر جد التأثير؛ إذ عهدت إلى فتاتها ~~المحبوبة بمستقبل أطفالها وأسرتها، ويصور لي عناية شارلوت واقتصادها مذ حلت محل ~~أمها، وإدارتها شئون البيت، وحنوها على إخوتها وأخواتها حنو الأم، وهي مع قيامها بهذه ~~الواجبات الشاقة كل يوم، لا تزال حافظة لبهائها ونشاطها. # وأسير بجانبه فأجمع الأزهار طول الطريق، وأصنع منها باقة أبذل فيها عنايتي، ثم ألقي بها ~~في أول جدول نلقاه، وأنظر إليها تنزلق على الماء، ثم تغرق وأنا لا أدري ما ~~أصنع. # لا أذكر إن كنت أنبأتك أن ألبرت قد نال مركزا هنا؛ فقد وظف في البلاط، والكل ~~يحترمه ويحبه، وأرى أن قليلا ممن عرفت من الرجال يعنى عنايته بعمله، ويقوم به حق ~~القيام. # | الرسالة الحادية والثلاثون # 12 أغسطس # ليس في العالم شخص ألطف من ألبرت، كان حديثنا أمس مفيدا متفردا في موضوعه، وكنت ~~زرته لأستأذنه في السفر إلى الجبال؛ إذ عزمت على قضاء بضعة أيام بها، وها أنا أكتب إليك ~~منها الآن، فبينما كنت أتمشى في مخدعه لمحت مسدساته، فسألته إعارتي إياها في سفرتي، ~~فأجاب: «لك ما تريد، بملء السرور، إذا تفضلت فحشوتها؛ لأنني ms38 أعلقها هنا لمجرد الزينة ~~فقط.» فأخذت أتأمل أحدها. واستتبع هو حديثه فقال: «كدت ذات مرة أدفع ثمنا غاليا لتيقظي ~~وحذري، ومن ذلك الحين لم أبق عندي سلاحا ناريا محشوا.» فسألته بيان الحادثة، فقال: ~~«أقمت عند صديق لي يسكن الخلاء نحو ثلاثة شهور، ولم يعكر صفو راحتي فيها شيء، ولو أن ~~أسلحتي لم تكن محشوة، فبعد ظهر يوم ممطر لم يكن لدي ما أعمل، وخطرت لي فكرة أن البيت ~~قد يهاجم في الليل ويسطى على ما فيه، وأن هذه الأسلحة قد تفيد، وأن وبالإجمال، فأنت ~~تعلم ما يفعل الإنسان حين ينزل به الخمول؛ وعلى ذلك ناولتها إلى خادمي لينظفها ثم ~~يحشوها، فأخذ هذا بلا تفكير يخيف الخادمة مداعبا إياها، فانطلقت رصاصة من أحدها بطريقة ~~لا يعلمها إلا الله دون أن يرفع الضاغط، فأصابت المسكينة في يدها اليمنى وأطارت ~~إبهامها، ويسهل عليك الآن أن تتصور تأثير تلك الحادثة، وما كلفته من نفقات الجراح الذي ~~عهد إليه بالعلاج، ومنذ ذلك الحين لم أبق في غرفتي مسدسا محشوا، وفي الحقيقة أن ~~حذر الإنسان وتيقظه تعلل لا فائدة منه؛ فهو لا يتنبأ بالمستقبل، ولا يمكنه اجتناب الخطر ~~المداهم.» محبب لدي كل شيء في ألبرت إلا «في الحقيقة»، وعلى أية حال، فأنت تدري ألا ~~قاعدة بدون شواذ، وهو كامل الخلق بلا مراء، وإذا ما أراد أن يدفع عن قضية عامة معروفة، ~~أو مسألة لا تزال قابلة للريب، جاء بكل رقيق اللفظ والتعبير، تسوقه إلى ذلك صراحة في ~~الرأي مع خشية من إساءة أحد ما، حتى إذا ما قارب الختام نسي أصل قضيته وضاع. وكان في ~~حديثنا، حسب عادته، مكبا على الموضوع مهتما به، وعلى هذا صارت المناقشة مملة، ~~فحولت عنها التفاتي وحصرته كله في أفكاري، وبينا كنت كذلك أمسكت بالمسدس فسددته إلى ~~جبهتي، وما كدت أفعل حتى اختطفه ألبرت من يدي صارخا: «ماذا أنت فاعل؟» فأجبت: «إنه ليس ~~محشوا»، فاحتدم محتجا: «وبعد؟ ولم تقدم على هذا العمل، ولو أنه ليس محشوا؟ إنني ~~لأعجب كيف ينقلب امرؤ ms39 ما إلى مجنون فيقتل نفسه، بل إنني لأرتعد لمجرد تصور ذلك.» ~~فأجبت: «كيف يمكن رجلا وهو يتكلم عن عمل ما أن يجزم بجنون فاعله أو حزمه، باعتداله أو ~~عدمه؟ وما معنى هذه التصريحات الطائشة؟ فهل اعتبرت ودرست الحوادث الخفية على هذه ~~الأعمال؟ أنى تنشأ؟ ولم يستحيل الخلاص منها؟ ولو فكرت في ذلك ونقبت لما أصدرت حكمك ~~بهذه السرعة.» فقال ألبرت: «ولكنا لا نستطيع أن ننكر أن بعض الأعمال - دون نظر إلى ~~منشئها وبواعثها - تعد جرائم بطبيعتها.» فوافقته على ذلك دون اهتمام، ثم أكملت ~~حديثي: «على كل حال يجب أن يكون هناك شواذ؛ فالسرقة تعتبر جريمة، ولكن هل يستحق العقاب ~~أم الرحمة ذلك البائس الشقي، يسوقه فقره المدقع، فيأخذ القليل من الغني المكثر؛ لينجو ~~بنفسه وأسرته المحتضرة جوعا؟ بل من يدعو الزوج الذي يذهب بنفس زوجته الخائنة وخليلها ~~الغادر، في اللحظة الأولى تلحقه فيها الإهانة الحقة، قاتلا راغبا في القتل؟ من يدعو ~~تلك المرأة الساذجة، أغرتها الأماني والوعود، فأسلمت نفسها لإغواء النذل المخادع، خليعة ~~فاجرة؟ إن قوانيننا نفسها على ما بها من قسوة وصرامة، تتمسك بالرحمة في هذه المواقف، ~~فتتنازل عن العقاب.» فقال ألبرت: «ولكن هذه الأمثلة لا تنطبق تماما على الحقيقة، إن ~~الرجل الذي يندفع فجأة وراء العواطف الهائجة لا يستطيع أن يفكر في شيء، وعلى هذا وجب ~~اعتباره سكرانا أو مجنونا.» فصحت وعلى شفتي ابتسامة استياء: «إيه! أيها الأخلاقيون، ~~بأية سكينة، بل بأي جمود تحكمون وتتكلمون عن الاندفاع والسكر والجنون! ولكنكم عقلاء ~~رصينون، تحتقرون السكران، وتتجنبون المجنون، فتنتقلون إلى الجانب الآخر كالرهبان، ثم ~~تحمدون الله كالفريسيين # 1 # إذ لم تكونوا مثلهم! لقد ذقت أكثر من مرة تأثير الخمر، فارتكبت في تلك ~~الأويقات أشد الحمق وأكبره، ولست أخجل من التصريح؛ فقد كان لي في ذلك درسا أن كل من ~~يظهر مواهب عالية، أو أعمالا تتعدى العرف المألوف يعد سكرانا أو مجنونا، وأن ~~هذه الخواطر الخاملة الهامدة لتسود حتى في حياتنا الخاصة. وماذا يقول العالم عن شاب ~~كبير الشجاعة واسع الكرم، ms40 إلا أنه سكران أو معتوه؟ ألا فاخسئوا أيها الفلاسفة، أيها ~~الأخلاقيون! واخجلوا، اخجلوا!» فقال ألبرت: «هذا مثل من خواطرك الروائية، إنك أبدا ~~تخرج عن الحد، وإنك لشاط كثيرا عن موضوعنا الآن؛ إذ تشبه الانتحار بأعمال البطولة، ~~ذلك الضعف البين؛ لأن الموت رغم ما به من أهوال أهون بكثير من الحياة المنكودة ~~التاعسة، نلقى فيها المصائب بجلد وصبر جميل.» # وكدت هنا أترك الموضوع لأنه لا يفرغ صبري شيء أكثر من هذه الآراء التافهة العادية ~~الخالية من المعنى، تحشر دون حاجة؛ لمناضلة العواطف المتدفقة من الفؤاد، ولكنني كظمت ~~استيائي حالا؛ فقد تعودت كثيرا في الأيام الأخيرة هذه القياسات الفاسدة، حتى كادت تصبح ~~ضئيلة التأثير أو عديمته علي، على أنني استتبعت ببعض الحدة «على أية حال أنت تسمي ~~الانتحار ضعفا، ولكنني أحذرك وأرجوك، فلا تندفع وراء الأصوات الفارغة، هب أمة قد ~~أرهقها نير الظلم والاستبداد، فقام قائمها، وثارت تفك قيودها، فهل تدعو ذلك التمرد ~~ضعفا؟ وشخصا يبذل قواه إبان حريق ليخلص بيته من داهم النيران، فيجد الأحمال التي كان ~~ينوء بها فلا يزحزحها، سهلة الحمل الآن، ورجلا يحمل في ساعة استياء حق على الفئة من ~~الأعداء، فيهزمهم ويولون الأدبار، فهل تتهم هؤلاء بالضعف؟ وإذا كانت المقاومة يا سيدي ~~العزيز دليلا على الجلد والصبر، فلم تدعون تلك المقاومة السامية ضعفا؟» # فسكت هنيهة ثم أجاب: «كل هذه الأمثلة - وأرجوك عفوا - لا تزال، كما أرى، خارجة عن ~~الموضوع.» فأجبته: «هذا جائز، فطالما لوحظ أن في طريقة جمعي للأشياء ضربا من الإسراف، ~~فلنحاول إذا أن نفكر في المسألة من طريق آخر، لنتساءل عن مركز ذلك الرجل الذي يصمم ~~على إلقاء حمل الحياة من على كاهله، ذلك الحمل المحبوب عامة، ولننسل إلى أعماق مشاعره؛ ~~فإننا بغير هذا يستحيل علينا درس الموضوع.» # ثم استمررت قائلا: «إن الطبيعة البشرية ذات حدود مخصوصة؛ فهي تحتمل درجة محدودة من ~~السرور والحزن والألم، فإذا زادت الحال عن تلك الدرجة وهنت الطبيعة. لسنا نبحث عن بأس ~~الإنسان أو ضعفه، ولكن عن مقدرته على احتمال ms41 تلك المصائب العقلية أو الجسمية التي تنزل ~~به. ومن رأيي أنه إذا كان من السخف أن ندعو فريسة الحمى القتالة جبانا، فمنه أيضا ~~أن نتهم الرجل الذي يضع حدا لوجوده بهذه التهمة.» فقاطعني ألبرت قائلا: «تناقض! تناقض ~~بين!» فقلت: «ليس بالقدر الذي تظن. يجب أن تعترف أن الداء قتال إذا ما انقض على ~~الطبيعة بعنف، فأوهن قواها، حتى صارت البقية الباقية منها عاجزة عن حفظ الحياة، وإدارة ~~حركتها العادية، فلنطبق الآن هذا على العقل، ولنفحص قوة التأثيرات والدورة التي تأخذها ~~الأفكار به، حتى تتسلط هناك عاطفة شديدة، وتتملك عليه كل التملك، فتخضع قواه ثم ~~تلاشيها، وعبثا يتأمل امرؤ سريع الإدراك، حاد الذكاء رزين الطباع، ذلك المركز ~~المنحوس يقع فيه شقي قد جرد من قواه، بل أية فائدة من النصيحة يزجيها إليه، وهو ~~كالرجل الصحيح يجلس بجانب فراش صديقه الراحل، عاجزا عن مده بالنزر اليسير من صحته ~~وقواه.» # وكان هذا النوع من التعليل مطلقا شائعا في عرف ألبرت، فضربت له مثلا بحديث سمعه ~~من قبل عن فتاة انتحرت غرقا، وأردت أن أعيد القصة الآن: «فتاة طاهرة الذيل، اعتادت ~~الانزواء في دارها والرضى بعملها الأسبوعي الذي تؤجر عليه، فكان هناؤها كله في جولة ~~بالحقول على قدميها يوم أحد، ورقصة أو اثنتين أيام العطلة، قاطعة بقية أوقات فراغها ~~بالحديث مع جيرانها عن شئون القرية واضطراباتها الصغيرة، وبدأ قلبها أخيرا يشتعل بآمال ~~فتية، يذكيها تملق الإنسان ومداهنته، حتى فقدت طعم مسراتها السالفة تدريجا. والتقت ~~صدفة بفتى ارتبطت معه دون أن تدري برباط القلوب، فانحصرت فيه آمالها، ولم تر من العالم ~~غيره؛ إذ هو قبلة عنايتها وأفكارها، وأرادت وهي ساذجة القلب، تجهل الملذات المهلكة ~~ربيبة الخيلاء الباطلة، أن تكون له. فأخذت تحلم أنها زوجته، ورغبت شغفة في تحقيق تلك ~~الأحلام المغرية الخلابة، وعززت أمانيها وعوده الجمة وأقسامه الحارة، وزاد من افتتانها ~~به شغفه الظاهر، فملأتها السعادة المنتظرة جذلا واغتباطا، ولم تعرف لعواطفها حدا. ~~ثم فتحت ذراعيها لتضم تمثال حبها العزيز. ولكن يا للغواية القاتلة! لقد ms42 كذب حبيبها ~~فهجرها ومضى! # وجمدت ضائعة الرشد، مسلوبة الحس أمام هوة الشقاء التي تجتذبها إليها: كل ما حواليها ~~مظلم حالك، وليس ثمة شعاع من الأمل؛ فقد مضى خلفها إلى الأبد، وهو الذي من أجله ~~عاشت؛ فالعالم أمامها الآن قفر فارغ، تشعر بوحدتها وهجرانها الأبدي وحولها من المعجبين ~~بها الألوف! وهكذا عميت وساقها الحزن الممزق لفؤادها، فألقت بنفسها في قبر من الماء ... ~~هذا يا ألبرت تاريخ كثير من الناس. أفلا تعده بربك مماثلا لحالة المرض؟ لم تجد ~~الطبيعة طريقا آخر للنجاة وقد أنهكت قواها، وعجزت عن مناضلة الداء المتفاقم، فكانت ~~النتيجة الموت. فليخسأ ذلك الرجل الذي يسمع هذه القصة المؤثرة، ثم يصيح: «يا للضعيفة! لم لم ~~تصبر حتى يذهب الزمن بهذا التأثير؟ لقد كان من الممكن أن يتوارى ذلك اليأس تدريجا. ثم ~~تجد محبا آخر يجعلها سعيدة هانئة.» كما يقول: «يا للأبله! يموت من الحمى؟ لم لم يصبر ~~حتى يبرد دمه ويسترد قواه، فيصبح كل شيء حسنا، وينقلب هو حيا؟»» # ولم يقتنع ألبرت بصحة هذه المقارنة، فاعترض اعتراضات جمة، فقال إنني ضربت مثلا بفتاة ~~غرة طائشة، وأنه لا يتصور كيف يقترف جريمة الانتحار امرؤ عاقل مهذب بعيد النظر، ~~يستطيع به أن يجد وسائل عدة للسلوى والعزاء، فأجبته: «يا سيدي العزيز، مهما يكن من تهذيب ~~الإنسان وعقله، فهو «إنسان»، وإن ما له من عقل وحزم لا يجدي نفعا أو يفعل قليلا متى ~~اندفعت عواطفه تطلب مخرجا، أو ببيان أجلى، متى أطبقت عليه حدود الطبيعة البشرية، وزيادة ~~على ذلك، ولكن حسبنا هذا الآن، فلنا عودة إلى الموضوع.» واستأذنت مسرعا. وا حسرتاه! لقد ~~كان قلبي مفعما، وافترقنا دون أن يفهم كل منا أخاه، وما أقل التفاهم بين بني ~~الإنسان! # | الرسالة الثانية والثلاثون # 15 أغسطس # ليس ثمة من ريب في أن تشابه الأذواق واتفاق العواطف رابطة قوية بين بني الإنسان، ~~وإنني لواثق بأن شارلوت ستشعر ببعض الأسف لفراقي، أما الأطفال فهم يطلبون إلي بشوق كل ~~يوم أن أعود إليهم في الغد. زرتهم بعد ظهر اليوم ms43 لأصلح أوتار آلة شارلوت الموسيقية، فما ~~كدت أدخل حتى التفوا حولي، ورجوني بإلحاح أن أقص عليهم بعض القصص، ورغبت إلي شارلوت في ~~إجابتهم إلى ما يطلبون، فبدأت بإعطائهم أنصبتهم من خبز المساء، وتلقوه من يدي بالسرور ~~الذي يلقونه به من يد شارلوت. ثم أخذت أقص عليهم أحسن قصصي، وهي «هنري وبتر» أو «عواقب ~~العجرفة وقلة الاختبار»، وقد أفادني هذا الضرب من التمرين كثيرا، ويدهشني تأثير تلك ~~القصص الصغيرة على أذهان الأطفال، فإذا نسيت عند إعادة حكاية قديمة حادثة مهما صغرت، أو ~~أضعت أخرى، لم يفت ذلك هؤلاء الخبثاء، بل سرعان ما يعترضونني، قائلين إنها لم تكن كذلك ~~في المرة الأولى؛ ولذا فإني أتمشى معهم بنظام ودقة، وأحاول بقدر الإمكان أن أجعل لصوتي ~~نفس النغمة الأولى. # وبذا أعتقد أن المؤلف قد يتلف من عمله بمراجعة الطبعة التالية، ولو استبدل شيئا بخير منه؛ ~~فإن التأثير الأول تتشربه النفس بسرعة، وسواء كان العامل فيه سرعة الحكم أو صدقه، فإنه ~~يبقى أثبت الجميع. وعلى هذا، فمن حاول اجتياح أثر قديم لم يلق إلا نجاحا ~~ضئيلا. # | الرسالة الثالثة والثلاثون # 18 أغسطس # أمن الممكن أن نفس الظروف التي اجتمعت يوما فشادت سعادة امرئ تصبح سبب شقائه وبؤسه، ~~لقد أصبح حبي الملتهب للطبيعة، ذلك الحب الذي انتعش به صدري، والذي منحني من الهناءة ما ~~يقصر دونه الوصف، وجعل حولي جنة خيالية، لقد أصبح ألما لا قدرة لي على دفعه، وشيطانا ~~مريدا يتتبعني، ولا يفتأ يسومني العذاب! # ما أشد ذلك السرور الذي شعرت به فيما مضى، حين وقفت بقمة الصخرة الشماء، أرقب النهر ~~الفياض العظيم، يجري على مدى النظر، فيروي السهل الخصيب، ثم أثمر كل شيء وترعرع وانتشر. ~~وخيل إلي أن كل ما أرى يتحرك، وكانت الجبال مكسوة حتى قممها بالأشجار العالية ~~المزهرة، والوديان بمنعرجاتها المختلفة تحميها الغابات البهيجة، والغدير الهادئ ينسل بين ~~الصخور المرتجفة، وقد انعكس على صفحته الساكنة ظل السحائب الخفيفة المعلقة في الفضاء ~~يحملها النسيم الرقيق، وسمعت تغريد الأطيار التي كانت تنعش الغاب، ورأيت ما ms44 لا عدد له من ~~الحيوانات الدنيئة، يرقص في أشعة الشمس الأرجوانية، واسترعى أذني طنين الجنادب دعاها ~~داعي الليل. وقد انتصبت الصخرة الجرداء، ترمق الطحلب الأخضر، وفرش ما تحتها من الرمال ~~بنبات المكانس. # 1 # وتوهجت حولي تلك الحرارة التي تحيي الطبيعة كلها، فملأت قلبي وأدفأته، ~~وشعرت بسرور خفي لا يوصف، ثم غرقت في فكرة الأبدية؛ الجبال الهائلة شامخة برأسها فوق ~~رأسي، والوهاد الوعرة مترامية عند قدمي، والأمواه تجري مسرعة بجانبي، والأنهار المتدفقة ~~تذرع السهل، والصخور والتلال تردد صدى الأصوات النائية، وفي أعماق الأرض تعمل قوات عديدة ~~وتتكاثر بلا انتهاء؛ كل المخلوقات بفصائلها المتباينة وأشكالها المختلفة تتحرك على ~~الأرض وفي الهواء، بينا ينزوي الإنسان في كوخه الحقير، ثم يطل برأسه، ويتبجح هاتفا: ~~«أنا رب هذا العالم العظيم!» أيها البشري الضعيف! إن كل ما حواليك يبدو لك حقيرا؛ لأنك ~~أنت حقير! فالجبال الوعرة والصحاري التي لم يطأها الإنسان، وحدود المحيط المترامي ~~الغامضة، كلها تحيا بنفس من الخالد الأزلي. وكل ذرة استمدت منه وجودها وحياتها، تتلقى ~~من رؤيته النعيم. آه! طالما أشعرني غراب الماء في تلك الساعات التي أفكر فيها، وهو يهرب ~~مارا فوق رأسي، برغبة عظيمة في ارتياد السحيق من المسافات، والرحيل إلى بقاع قاصية. ~~وهناك أنهل من منبع النعيم الأبدي، وأذوق ولو هنيهة واحدة، وأنا البشري الفاني، من سعادة ~~الأبدي الباقي «الذي فيه نحيا ونتحرك ونوجد». # آه أيها الصديق! إن مجرد ذكري تلك الأوقات لا يزال به بعض العزاء، ولكن متى عادت لذهني ~~الملتهب تلك الإحساسات التي منها أستمد قوة البيان سموت عن نفسي، وأحسست بشقائي الحاضر ~~مضاعفا. يسدل الستار ويغير المنظر، فلا أعود أبصر شيئا بعد بهجة الحياة الخالدة ~~سوى هاوية عميقة لا قرار لها. فهل نقول عن شيء إنه «كائن» والكل يمضي ويفوت؟ والزمن يركض ~~مسرعا يسوق معه كل شيء، وحياتنا الفانية يجترفها التيار، فإما أن تبتلعها الأمواج ~~الهائجة، أو تصطدم بالصخور فتتحطم قطعا، كل لحظة تسرع بي وبما حولي إلى الهلاك، وكل ~~لحظة أكون فيها أنا مهلكا! كل مشية ms45 طاهرة تقتل الآلاف من الحشرات البريئة، وفي خطوة ~~واحدة يهدم كل ما شادته النملة العاملة من البناء العجيب، وكذلك يخرب عالم صغير. آه ~~أيها الصديق! ليس ما ينال من عواطفي ويؤثر في بالخطوب الجليلة النادرة، ولا الفيضانات ~~تغرق القرى بما وعت، ولا الزلازل تبتلع المدن بما حوت، كلا! ولكن هي تلك القوة الغامضة ~~المدمرة السائدة في كل أعمال الطبيعة التي تنهك من نفسي؛ فإن معجزاتها (الطبيعة) تضم في ~~جوفها عوامل انحلالها ودمارها! وإنها لم تخلق شيئا لا يبيد نفسه وكل ما جاوره؛ ولذا ~~فإنني أدهش كثيرا، ويفعم قلبي حزنا وأنا محوط بالأرض والهواء بقواهما العديدة ~~العاملة إذ لا أبصر السعادة، بل أرى العالم كله وحشا مريعا، لا يفتأ يبتلع ثم يقيء ما ~~ابتلع. # | الرسالة الرابعة والثلاثون # 21 أغسطس # عبثا أفتح ذراعي لأضمها، حين أصحو في الصباح بعد أحلام الليل الكاذبة، عبثا أبحث عنها ~~حين تخدعني الرؤيا المغرية؛ إذ أرى نفسي بجانبها في المراعي ممسكا بيدها، أطبع عليها ~~ألف قبلة. وا حزناه! قد تأخذني شبه سنة من النوم، فأتصور مشغوفا أنني ألمسها، حتى إذا ~~ما صحوت تماما انهمرت الدموع من عيني تفيض كالأنهار، وجاش قلبي مفعما بالهموم ~~والأحزان. # لقد فقدت كل أمل، وأطلقت ليأسي العنان أتوقع كل شر وسوء. # | الرسالة الخامسة والثلاثون # 22 أغسطس # حال يرثى لها ويبكى عليها! فقد اضمحلت قواي العاملة، وانقلبت خمولا جامدا. لست ~~أحتمل الكسل، على أنني لا أصلح لعمل ما، ولا أستطيع التفكير؛ لأنه يزيد في دائي، لم أعد ~~أشعر بجمال الطبيعة أو تروح عني الكتب، ولكن هناك شيئا واحدا يتملك على عقلي، ولا ~~يقربني سواه. وأود في بعض الأحايين لو كنت ميكانيكيا، إذا لقمت في الصباح، وقد أشغل ~~بعمل أقطع به النهار الممل، وأبدد ظلمات أفكاري، وطالما حسدت ألبرت وهو مكب على أوراقه، ~~وودت نفسي في مكانه، فكنت سعيدا، ها! «في مكانه!» إذا لكنت حقا سعيدا، وحينئذ ~~شارلوت! ولكن دعنا من هذا. # تناولت القلم مرارا؛ لألتمس من الوزير الوظيفة التي يراها لي صديقي متى رغبت، ms46 وإنني لا ~~أكاد أثق بنجاح مطلبي؛ فالرجل يكلؤني برعايته، ويظهر لي كثيرا رغبته في خدمتي، وتحت ~~إمرته كما أعلم وظائف عدة؛ فهي لا تحتاج إلى كبير سعي أو عناء، ولكنني متى فكرت في ~~الأمر، ذكرت خرافة الجواد الذي رضي بالسرج واللجام، وسرعان ما ندم على حريته التي ~~ضحاها. # لست أدري أي طريق أسلك، وأعرف تقلب مزاجي، ولو أنني بطبيعتي لا أميل إلى التبديل، ~~فأنا موقن بأنني في حالتي الحاضرة لا أستطيع التفكير في شيء سوى الحب. # | الرسالة السادسة والثلاثون # 28 أغسطس # لو أن هناك أي علاج لتوعكي هذا لأعطانيه هؤلاء القوم الأمجاد. هذا أيها الصديق يوم ~~مولدي المنحوس، وصلتني في صباحه عقب مغادرة الفراش ربطة صغيرة من ألبرت معنونة بيد ~~شارلوت، وفتحتها فوجدت نفس الشريط القرنفلي الضارب إلى الصفرة، الذي كان على ملابسها ~~لأول مرة رأيتها فيها، والذي ألححت في طلبه منها مرارا؛ ليكون دليل ثقة وتقدير، أما ~~ألبرت فكان منه مجلدا جيب من هومر، طالما سألته إياهما؛ لأن حمل المجلد الذي ~~عندي أثناء السير يتعبني كثيرا. ما أشد دأبهم في إرضائي! وما أسمى هذه التذكارات ~~الصغيرة، دلائل الصداقة، إذا قورنت بعطايا العظيم المشفوعة أبدا بمعاني ~~الإذلال! # وأدنيت الشريط من شفتي الملتهبتين؛ فقد أذكرني تلك الأيام الهنيئة التي لا تعود. يا ~~لنفسي! ما أعظم الفرق منذ ذلك الحين! على أنني لا أشكو ولا أتذمر. إن أجمل أزهار الحياة ~~تذبل وما كادت تبتسم، وقد يهلك بعضها قبل نضجه، ولا يترك وراءه أثرا، وما أقل الأزهار ~~التي تثمر، وإذا فعلت فما أندر نضج تلك الأثمار! بل كثيرا ما يهمل ذلك النادر ~~وا أسفاه! فيترك للعطب والدمار، وعلينا أيضا أن نعتبر باختلاف الفصول؛ فهي تتغير كما ~~نتغير. الوداع. # الطقس بديع صائف، وكثيرا ما أزور بستان شارلوت، فأتسلق شجرة كمثرى، وأرمي إلى شارلوت ~~بالأثمار وهي واقفة تحتي، فتتلقاها في إتبها. # | الرسالة السابعة والثلاثون # 30 أغسطس # يا لي من شقي! فقد خادعت نفسي كثيرا، وارتكبت فعال الجهلاء! ما هذا الهيام الذي لا ~~حد له؟ إنني ms47 لا أوجه صلاتي إلا إليها؛ فهي كل ما تصوره لي مخيلتي، وكل ما حوالي ~~مهمل إلا ما كان ذا علاقة بها. إذا حضرت فما أسعد ساعاتي! ولكن إذا أرغمت على ~~مفارقتها - كما يحصل كثيرا - وأنا أتأمل شكلها الجميل، مصغيا إلى صوتها الرخيم، آه يا ~~صديقي! يغلبني السرور، فيخفق فؤادي ويضيع رشادي، وقد تنجدني الدموع، ثم، ثم أضطر متألما ~~إلى مفارقتها، فأهيم على وجهي في المروج، أصعد الصخور الناتئة، واندفع بين الأدغال، ~~ويقطع جسمي العوسج والشوك، وهكذا أخفض من عذابي بتغيير المنظر، وقد يضنيني الظمأ وينهكني ~~العناء، فأنطرح على الأرض، وطالما استندت إلى شجرة معوجة، بقلب غاب مقفر ناء، في جوف ~~الليل، وتحت أشعة القمر الفضية، فأخذني الكرى لشدة حاجتي إليه، حتى أيقظتني أشعة الشمس ~~الذهبية. # أيتها السماء، إن أقبية السجن وأغلاله وملابسه الخشنة لا تعدل شيئا مما أحتمل الآن. ~~الوداع! إن القبر وحده هو الذي يستطيع أن يضع حدا لويلاتي. القبر! ذلك المنزل الأمين ~~ينتهي عنده كل بؤس وشقاء. # | الرسالة الثامنة والثلاثون # 3 سبتمبر # بلى، سأبرح المكان؛ لقد كنت مترددا، ولكنني مصمم الآن، والفضل لنصيحة صديقي القيمة. ~~لقد قررت في الأسبوعين الماضيين مفارقتها، ولكنني الآن مصمم كل التصميم، لقد ذهبت منذ ~~قليل إلى المدينة لزيارة صديقة ما، وألبرت ... وألبرت معها، وسأغادر هذا المكان في ~~الحال. # | الرسالة التاسعة والثلاثون # 10 سبتمبر # وا لوعتاه أيها الصديق! ما كان أوحشها من ليلة تحملتها، ولكنها مرت، وأنا في انتظار ~~الأشد والأسوأ. لن أراها قط قط، آه لو كان صديقي هنا، فارتميت بين ذراعيه الأمينين، ~~وأطلقت العنان لفؤادي المفعم، ولتناولت من عطفه الشافي! إنني أبذل جهدي في حفظ نشاطي، ~~وأحاول استعادة هدوئي وسكينتي، أنتظر بنافد الصبر ضوء الصباح؛ لتحملني جياد البريد التي ~~طلبت إعدادها بعيدا عن هذا المكان، وشارلوت الآن نائمة مستريحة، ليت شعري أتدري أنها لن ~~تراني أبدا، أبدا بعد الآن! # فارقتها فجأة، وكان لي من الثبات ما استطعت به كتمان ما اعتزمت عنها، مع أننا قطعنا ~~بالحديث معا زهاء الساعتين، آه ما كان ms48 أبهى وأرق حديثها! وكان ألبرت قد وعد أن يلقاني ~~في الحديقة مع شارلوت بعد تناول العشاء توا، وكنت واقفا على الشرفة تحت شجر الأبي ~~فروة المظل، أعجب بالشمس الراحلة، فلم أرفع عنها عيني حتى غابت. في هذا المكان طالما ~~اجتمعت بشارلوت - وكنت به ولوعا قبل تعارفنا - فكان استحسانها له جميل الوقع لدي عند ~~بدء صداقتنا، وكما كانت رغباتنا متماثلة كان ودادنا متبادلا. والمسرح الذي يراه الإنسان ~~من هذه الأشجار كبير واسع، ولكنني أذكر أنني وصفتها لك قريبا، وخصوصا تلك الشجيرات ~~الباسقة التي تسد المنتهى، وكيف يظلم الطريق تدريجا بين أكتاف الغابة المجاورة، حتى ~~ينتهي في مخبأ من الأشجار المظلة فيكون معتزلا جميلا. بل إنني لأذكر تلك الكآبة ~~الحلوة، أحسست بها لأول مرة انتحيت فيها هذه الخلوة الهادئة، وكان ذلك في منتصف النهار، ~~وربما كان إنذارا خفيا بأنها قد تكون في المستقبل مشهدا للألم والهناء. # وقضيت نحو نصف الساعة أفكر حزينا في رحلتي وأوبتي، ثم سمعتهما يقتربان فأسرعت ~~ألقاهما، وتناولت مرتجفا يد شارلوت فقبلتها، وبلغنا طرف الشرفة، فرأينا القمر بنقابه ~~الفضي يعلو وراء الشجيرات التي تزين ذرى الجبل، وتناول حديثنا مواضيع عامة، حتى بلغنا ~~المنتهى المظلم من الطريق، فدخلت أولا شارلوت إلى هذا المكان الذي أحبه وجلست، ثم جلس ~~ألبرت إلى جانبها، واخترت مجلسي إلى جانبها الآخر، ولكن عقلي كان منزعجا مضطربا حتى لم ~~أطق القعود، فنهضت واقفا أمامها، ثم تمشيت روحة وجيئة، ثم عدت فجلست على أشد ما يكون ~~من الانفعال، وأشارت شارلوت إلى آثار نور القمر الظاهرة بآخر الغاب، وقد زاد في بهائه ~~الظلام المحيط به، وترجم سكون المكان ووحشته عن أحزان نفسي، أواه يا صديقي! لقد كان ذلك ~~هائلا مخيفا. # ثم تكلمت شارلوت أخيرا قائلة: «كلما سرت في ضوء القمر ذكرت من كانوا أعزاء لدي وهم ~~الآن لا شيء، ثم تحوم برأسي أفكار الموت، وما بعد الموت.» وأكملت حديثها بصوت ينبئ عن ~~رقة ذلك الفؤاد: «بلى سنحيا بلا ريب فيما بعد، ولكن كيف يا فرتر؟ هل يرى كل ms49 منا الآخر؟ ~~وهل يذكره؟ ماذا ترى؟» فأجبت مادا إليها يدي، والدموع تطفر من عيني: «شارلوت، سنلتقي ~~ثانية، وأؤكد لك هنا وفيما بعد.» ولم أستطع أن أزيد. آه يا صديقي! لقد كان سؤالا ~~قاسيا في الوقت الذي كانت تلتهم فيه نفسي أفكار فراق طويل، وعادت شارلوت تقول: «آه! ~~ليت شعري أيشعر هؤلاء الأعزاء الذين أحببناهم، والذين لا نفتأ نجل ذكراهم في حالتهم ~~السعيدة الآن؛ باهتمامنا بهم، وباللحظات الهانئة التي قضيناها معهم! ويخيل لي أنني أرى ~~شبح أمي الحبيبة يحوم حولي حين أجلس في مساء هادئ مع هؤلاء الأطفال الأطهار، الذين ~~خلفتهم وراءها رمزا حلوا لها، حين يلتفون حولي بشغف كما كانوا يفعلون معها، هناك أرفع ~~عيني إلى السماء، ثم أصلي متوسلة أن تشرف من مأواها السموي، فترى أنني قد قمت وفية ~~بالوعد الذي وعدتها في دقائقها الأخيرة بأن أكون لهم أما. وطالما هتفت: يا أعز الأمهات ~~عفوك إذا لم أكن لهم كل ما كنت أنت، وا حزناه! ليس في استطاعتي أن أكون لهم كل ما ~~كانت، ولكنني أبذل ما في وسعي، إنني أطعمهم وألبسهم، ثم أنا أحبهم وأحنو عليهم وأعنى ~~بتهذيبهم. آه لو استطاعت أمي الحبيبة أن تشهد هذه الألفة الخالدة بيننا، إذا لأسدت ~~الحمد خالصا لذلك الإله السموي، الذي صلت إليه على فراش الموت صلاتها الحارة كي ~~يمنحنا السعادة.» واستمرت في كلامها هذا، ولكن عبثا أحاول أن أعيد كل تلك العواطف ~~الشريفة. إن اندفاق العبقرية الممتلئ حياة لا يعبر عنه المتشدقون الجامدون. # وهنا قاطعها ألبرت ممتلئا عواطف ورقة: «يا حبيبتي شارلوت، إنك تكبدين نفسك تأثرا ~~شديدا، إن هذه التذكارات حلوة رقيقة، ولكنني أناشدك الله ألا تفكري فيها طويلا.» ~~فأجابت: «آه يا ألبرت! أنت تذكر بملء الشعور تلكم الليالي الهادئة حين كنا نجلس ثلاثتنا ~~إلى مائدتنا الصغيرة، وقد نام الأطفال، ولم يعد أبي بعد. وكنت في أكثر الأحايين تمسك ~~بيدك كتابا، ولكن قل ما تهبه من عنايتك، فمن ذا الذي لا يفضل حديث تلك المرأة ~~الذكية الفؤاد، ذلك الحديث المثقف على ms50 أكبر المجلدات تسلية، وكانت رقيقة رءوفة، هاشة ~~الوجه، سعيدة بواجباتها المنزلية، بل إن السماء لتشهد كم مرة جثوت فيها، وتوسلت طالبة من ~~القوى السموية أن تمنحني ولو بعض طيبتها وصلاحها.» # فارتميت على قدميها، وأمسكت بيديها فغسلتهما بالدموع قائلا: «آه! شارلوت، شارلوت! ~~إن بركات الله وأمك لا تزال مسبغة عليك.» فأجابت وهي تضغط على يدي المبللة كيدها ~~بالدموع: «آه يا فرتر! ليتك عرفتها؛ فقد كانت جديرة حتى بصداقتك.» فجمدت في مكاني؛ إذ ~~لم أتلق أبدا من قبل مديحا شعرت به بهذه القوة، وأكملت حديثها: «وقد اختطف الموت ~~هذه المرأة الفاضلة في صدر حياتها، ولما يبلغ أصغر أطفالها الستة الشهور، وفي أثناء مرضها ~~القصير كانت رابطة الجأش مستسلمة، وكان همها الوحيد أسرتها، وخصوصا أصغر أطفالها، ولما ~~أحست بدنو ساعتها الأخيرة، طلبت إلي أن آتي بهم إليها فأطعت، والتف الصغار الأطهار ~~حول فراشها، لا يعرف أصاغرهم الخسارة الواقعة بهم؛ أما الكبار فقد ملأ قلوبهم الحزن، ~~فغلبهم على أمرهم، ثم رفعت يديها الواهيتين إلى السماء، تبتهل بحرارة إلى الله القدير ~~أن يكون أبا لهم، وقبلتهم بالتوالي، ثم صرفتهم والتفتت إلي قائلة: «شارلوت! كوني ~~لهم أما.» فأعطيتها يدي أؤكد لها صامتة طاعتي لها «إنك تعدين بالجلل العظيم يا بنيتي ~~- بحنو الأم، بعناية الأم - ولكن حبك البنوي يحملني على الاعتقاد بأنك ستكونين كفؤا ~~للشعور الأموي، كوني بهم رفيقة محبة كما كنت بي أنا، قومي بالواجب نحو أبيك، وكوني له ~~في موضع الزوجة الأمينة، بل كوني مسرة أيامه المدبرة.» ثم استفسرت عن زوجها، ولكنه - ~~وقد شعر بالكنز الذي يكاد يفقده - كان قد خلا إلى نفسه يبكي في الخفاء مطلقا العنان ~~للألم الذي يفت في فؤاده، وكنت يا ألبرت في مخدع أمي حينذاك، وسمعتك تتحرك، فلما علمت ~~بوجودك، ألحت عليك في الدنو منها، ثم نظرت إلى كلينا بسكون تام، ورضى ظاهر قائلة: ~~«ستكونان معا سعيدين، إنني لأرى ذلك».» وقاطعها ألبرت وقد ضمها إليه بإخلاص قائلا: ~~«بلى يا حبيبتي شارلوت، إننا سعيدان وسنكون كذلك.» حتى ألبرت الهادئ المفكر حركه ms51 ~~وصفها المؤثر؛ أما أنا فقد فقدت حواسي تقريبا. ثم استمرت: «آه يا فرتر، لقد اختطفت ~~هذه المرأة الفاضلة المحبوبة من بين أسرتها. يا للسماء! أهكذا نفترق عمن نحب ونعز كل ~~الإعزاز، ويخيل إلي الآن أنني أسمع نحيب الأطفال المفجع الذين حزنوا مدة لفقد أمهم ~~المحبة، قائلين إن «الرجل الأسود» اختطف منهم أمهم العزيزة.» # وتركت شارلوت مقعدها، وكنت ثائر العواطف، ولكنني بقيت جالسا ممسكا بيدها، فصاحت: «يجب ~~أن نذهب؛ فقد تأخر الوقت.» وحاولت أن تنسحب، ولكنني بقيت قابضا على يدها، وقلت: «سيرى ~~كل منا الآخر ثانية، وسنلتقي فيما بعد. بلى ومهما كانت مراكزنا، فسيرى ويعرف كل منا ~~الآخر فيما بعد. إنني ذاهب وبما أنه علي أن أذهب فسأذهب راضيا، ولكنني لا أقول «إلى ~~الأبد» إن ذلك يكسر قلبي. الوداع يا شارلوت. وأنت يا ألبرت! سنلتقي ثانية.» فأكملت ~~شارلوت وهي تبتسم: «نعم، وغدا كما أظن.» # أواه يا صديقي! إن «غدا» كان خنجرا في فؤادي. # يا لنفسي! إنها لم تكن تدري متى تسحب يدها، وانطلقا في الطريق، وقمت مسرعا فأتبعتهما ~~عيني في ضوء القمر، ثم انطرحت على الأرض وأطلقت لعواطفي الهائجة العنان، وأخيرا نهضت ~~فجأة، فركضت إلى الشرفة، ووقفت تحت ظل أشجار الزيزفون، فلمحت ثوبها الأبيض يتموج قرب باب ~~الحديقة، فمددت ذراعي ولكن عبثا، لقد ذهبت واختفت الساحرة في لحظة. # | الرسالة الأربعون # 20 أكتوبر # وصلت إلى هنا الليلة الماضية، وها أنا منجز وعدي في الكتابة إلى صديقي بأسرع ما أستطيع. ~~السفير مصاب بالنقرس، وهذا المرض لا يزيد من «الحلاوة الطبيعية» في خلقه؛ فهو أبدا شكس ~~الخلق، منكود الطلعة، وقد زادت عبوسته في الأيام الأخيرة كثيرا، وأرى بكل جلاء أن حظي ~~سيحفظ لي تجاريب قاسية، بيد أنني لن أجبن أو أخاف، بل سأتعلم النشاط قليلا. لا أتمالك ~~نفسي من الابتسام للكلمة الأخيرة التي سقطت من قلمي؛ فإن قليلا من ذلك النشاط الذي ~~أحتاج إليه جد الحاجة الآن يجعلني أسعد الناس. ولكن أأيأس من كفاءتي وما منحتنيه ~~الطبيعة وأمامي من هم أقل مني مواهب وقوة، ms52 يسيرون ينفخهم تيه الطاووس الفارغ، وليس ~~لهم ما يدلون به اللهم إلا ريشهم المموه؟ أيها الإله القدير لم لم تقرن تلك الصفات ~~التي أعطيتنيها بالثقة بالنفس والرضى بها؟ ولكن يخيل إلي أن صديقي يهتف بي: صبرا ~~صبرا يا فرتر، إن الزمان يلد المعجزات، وقد تتغير الأشياء. حقا إنني أعترف بصحة ما ~~يقول صديقي؛ لأنني منذ اضطررت للاختلاط بالبيئة التي هنا، منذ سنحت لي فرصة التطلع في ~~أفكارها وسيرها وأحاديثها بدأ الاطمئنان والراحة يعودان إلي، وبما أننا بالطبيعة نقارن ~~أنفسنا بمختلف الكائنات التي نجدها في هذه الحياة، فإن سرورنا أو حزننا ينشأ عن الحاضر ~~أمامنا. الوحدة مربية الأفكار المحزنة المظلمة، التي فيها يميل الخيال دائما إلى ~~التحليق في الفضاء بأجنحته الجبارة الجريئة، ويتغذى بمثل هذه الأفكار الوهمية، فيخلق ~~كائنات لا وجود لها، حتى نرى أنفسنا بالمقارنة معها منحطين خاملين. وتظهر كل الأشياء ~~بأكثر من أهميتها الحقيقية، ويظهر بعض الناس خيرا منا وهو ليس كذلك، وهذه العملية ~~العقلية طبيعية؛ فإننا دائما نجد في أنفسنا نقائص جمة، كما نجد للغير صفات ليست فيه، ~~وكذلك نصور لأنفسنا بطلا ما وهو في الحقيقة ليس إلا شخصا وهميا، ابن خيالنا ووليد ~~تصورنا. # ومن جهة أخرى، إذا صوبنا أفكارنا إلى نقطة واحدة وثابرنا بحماس في السبيل الذي ~~ارتأيناه، فكثيرا ما نجد، رغم الحنق والغيظ، أننا - ولو غيرنا دائما في دفتنا - قد ~~تقدمنا عن الغير مسافات شاسعة بمعاونة التيار والريح. وإن الحكم الذي نصدره على أنفسنا ~~بالنسبة إلى هذا الغير، سواء أكنا معه متساويين أم وراءه أم أمامه؛ يكون عادلا. # | الرسالة الحادية والأربعون # 10 نوفمبر # كل يوم أرى مركزي هنا يزداد عناء؛ فإنني دائما مشغول، وإن ما حولي من الأشخاص ~~والأدوار المتباينة التي يلعبونها، والمناظر المختلفة التي يقدمونها، لتستنفد على ~~التعاقب كل اهتمامي. وقد تعرفت إلى الكونت الذي يزداد قدره عندي كل يوم؛ فإنه رجل ~~عظيم حاد الإدراك، وهو على مواهبه وكفاءته العالية ليس بالمتكتم الصامت، ولا بالفاتر ~~الطبع، صبوح الوجه، لطيف المعشر، وفوق ذلك كله ذو شعور ms53 دقيق، وقد رأيت عنايته بي لأول ~~مرة لقيته فيها؛ حيث كنت أتم معه عملا ما، ولما وجد أن كلا منا يفهم الآخر نبذ ~~الرسميات والتقاليد، فصار صريحا لطيفا، وسرني منه جدا سرعة خاطره وظرفه الذي لا ~~يوصف، وإن الثقة الصريحة من ذهن عظيم كذهنه لتميل أبدا إلى تخفيف حدة شعور قلب كقلبي. ~~لقد خبرت ذلك القلب طويلا أيها الصديق، وإنني لواثق بأن ستتغاضى كثيرا عن ~~خطيئاته. # | الرسالة الثانية والأربعون # 24 ديسمبر # لقد صح ظني، فمن المحال اتفاقي والسفير، هو دون ريب أسرع من عرفت غضبا، أحمق الرأي، ~~غريب الشكل، جامد كالعانس، # 1 # وكيف يرضى بالناس وهو لا ترضيه نفسه قط؟ أريد إتمام الأعمال بنظام وسرعة، ~~حتى بإنجازها أنتهي منها، ولكن هذا لا يلائم طريقته، إذا قدمت له مسودة أعادها وعليها: ~~«واثق أنها تقوم بالغرض، ولكني أفضل أن تراجعها؛ فقد تجد بها ما يستحق الإصلاح، أو ~~تفكر في استبدال عبارة بأنسب منها، أو كلمة بما هو أشد وقعا.» ويفرغ ذلك صبري، فألعنه ~~وألعن ملاحظاته، ويجب ألا تغفل نقطة واحدة، أو حرف عطف واحد، أما تغيير الوضع في ~~الكلمات - أسلوبي الكتابي المحبوب - فلا يحتمله، كل رأي يجب أن يكون طبق الأسلوب الرسمي ~~القاطع، فإن خالف ذلك رفض بلا إمهال، وأنت يا صديقي، يا من تعرف مقتي لهذه القواعد ~~القاسية، تستطيع إذا أن تتصور العذاب الذي أحتمله مع رجل كهذا، ولولا معرفة الكونت ~~المحبوبة لما وجدت لي عزاء. وقد أكد لي بإخلاص منذ أيام بغضه لبطء هذا «الرجل ~~العظيم» وحرصه، قائلا لي: «إن هؤلاء الناس لا يجعلون كل شيء مملا لهم فقط، بل لكل من ~~احتك بهم، ولكننا يجب أن نذعن لهم، كالرحالة الذي يضطر لصعود الجبل، ولو لم يعترضه ~~لكان طريقه أقصر وأسهل، أما والحال كما هي فعليه أن يجتازه صابرا.» وقد رأى الأبله ~~تعلق الكونت بي فزاد غمه وضجره، وهو يتحين كل فرصة لتحقيره أمامي، ولكنني أدفع عنه ~~بالطبع، فأزيد في استيائه. ورأيت أمس أنه وجه إحدى طعناته إلى الكونت، كما ms54 قصدني بها؛ ~~فقد قال: «إن الكونت يصلح جدا للأعمال العامة في الدنيا، فأسلوبه جيد، وكتابته سهلة، ~~ولكن تعلمه - كبعض «عظماء النابغين» - سطحي.» وكانت لصوته رنة خاصة، شفعها بنظرة ذات ~~معنى كأنه يقول: «آمل أن تشعر بما أقول.» ولم يقرصني تهكمه لأنني أحترم نفسي. إنني ~~أحتقر الرجل الذي يفكر مثله ويعمل عمله، ومن يجادل هؤلاء الأشقياء؟ وعلى أية حال فقد ~~أجبته ببعض الحدة قائلا: إن الكونت رجل فاضل، جدير بكل احترام لسيرته وفطنته، وإنه هو ~~الشخص الوحيد ممن عرفت الذي يسمو بنبوغه الواسع عن الناس العاديين، مع امتلاكه النشاط ~~الضروري للعمل والجد ، فكان هذا في رأيه مما لا يفهم. وخفت أن يستمر في قدحه لرجل أفضل ~~منه بكثير، فيزيد من استيائي؛ ولذا انسحبت في الحال. # أنا أحمد لك، لك أيها الصديق عبوديتي هذه؛ فقد رضيت لإلحاحك المتواصل، ونصحك الشديد لي ~~بالنشاط، أن أحني عنقي لهذا النير الممقوت. النشاط! إنني لأرضى بعشر سنوات أقضيها في هذه السفينة # 2 # الملعونة المقيد بها الآن، إذا لم يكن الرجل الذي يزرع البطاطس ويحملها ~~إلى السوق أشد مني نفعا وأكثر نشاطا. وما أعظم الحنق! ما أعظم الخمول الكريه ~~المنتشر في الجماعات المهذبة! فشد ما يدأبون متطلعين إلى التقدم عن الغير! وما أحقر ~~وأجشع هذه العاطفة تتجلى في كل ما يعلمون! وهنا الآن سيدة وقد أصمت الناس بتحدثها عن ~~أسرتها وما تملك من واسع الضياع، ولو شهدها غريب وسمع تفاخرها لحسبها مجنونا قد اختلط ~~عقله بحيازة رتبة أو لقب غير منتظر. ومما يزيد في السخرية منها أنها مع ذلك كله ليست إلا ~~كاتبة لنائب أعمال في الجهات المجاورة. وليت شعري كيف يتعلم الإنسان أن يكون محتقرا ~~بهذه الدرجة! # كل يوم أيها الصديق أرى أكثر من ذي قبل سخف الحكم على الناس بقياسهم بنا؛ إذ إنه من ~~الصعب أن أخفض من نيران تخيلاتي والعواصف الثائرة بفؤادي. إنني أدع الناس راضيا، يسلكون ~~ما يختارون لأنفسهم من السبل، وأرغب في الوقت عينه أن أعمل طبق أميالي، وأن ما يسوءني جد ms55 ~~الإساءة هو ذلك التميز المضحك بين أبناء البلد الواحد، أنا أعلم كل العلم أن عدم التساوي ~~في الصفات ضرورة لازمة، كما أعلم النفع الذي يجره ذلك على نفسي، ولكنني لا أرضى بصد اليسير ~~من السرور، تهبه هذه الدنيا المملوءة بالآلام. # تعرفت في إحدى جولاتي الأخيرة إلى فتاة تدعى الآنسة بوير، لطيفة، أنيسة المعشر، ~~بسيطة اللباس، وديعة الأخلاق، رغم تكلف جيرانها وتمسكهم بالتقاليد المرسومة، وقد ~~سر كل منا بمعرفة صاحبه لأول مرة التقينا فيها، ورغبت إليها قبل الافتراق أن تسمح ~~لي بزيارتها في منزلها، فأجابتني إلى ذلك بأدب صادق، حتى أخذت أتحين الفرص الملائمة ~~بفارغ الصبر، وهي ليست بابنة هذه البقاع، ولكنها نزيلتها منذ زمن قريب مع عمتها التي ~~خلا وجهها من أي أثر للطف، حتى نفرت منها لأول ما رأيتها، ولكنني عاملتها بكل عناية ~~مرضاة لابنة أخيها، وطالما وجهت إليها الحديث، وقد حزرت في أقل من نصف ساعة ما حدثتني ~~عنه الآنسة من أن عمتها الكهلة ذات ثروة قليلة وعقل أقل، لا يسرها شيء غير رضاها الخفي ~~بتعديد أسلافها وذكر مناقبهم، وأن مولدها الشريف واق لها، وهذا ما تحيط به نفسها من ~~السياج، وأن لهوها الوحيد هو أن تقف في شرفتها، تطل باحتقار ملكي على كل الرءوس الوضيعة، ~~في زعمها، التي تمر من تحتها. وكان لها في أيامها الغابرة بعض الحسن، ولكن عز حياتها قد ~~بدد على مهل، وطالما لعب هواها بأفئدة الشبان، وكذلك كان عصرها الذهبي، فلما طاح ~~جمالها اضطرت أن تقبل ضابطا طاعنا في السن، وترضخ لطبعه الكئيب، وكذلك كان «عصرها ~~النحاسي»، وهي الآن أرمل مهملة، ولولا لطف ابنة أخيها لهجرت كل الهجر، وهذا ما قد يسمى ~~ب «عصرها الحديدي»! # | الرسالة الثالثة والأربعون # 8 يناير عام 1772 # ما أغرب هؤلاء الناس هنا؛ فهم يدرسون بلا انقطاع علم الأشكال، وقد يشغل كل وقتهم ~~فكرهم عاما كاملا في مسألة لا تتعدى في الأهمية كيف يتقدمون نحو طرف المنضدة الأعلى ~~مقعدا واحدا! وليس هذا الضرب من الناس بالخامل؛ لأنه يزيد دائما ms56 في عمله بأن يصرف إلى ~~الضئيل التافه تلك العناية التي يجب توجيهها إلى الأجل من الأمور. اجتمع في يوم من ~~الأسبوع الفائت فريق عظيم للنزهة على الثلوج بالزحافات، وما لبثوا حتى تفرق جمعهم فجأة ~~بمشاحنة تافهة عن الأسبقية! ألا يعلم الحمقى أن المركز لا يخلق السعادة الحقة، وأن من ~~يشغل أكبر المناصب لا يظهر في أغلب الأحايين عاملا واضحا؟ فكم من ملك يحكمه وزيره، ~~وكم من وزير يقوده كاتم سره! ومن يعد العامل الرئيسي في مثل هذه الأحوال إنما هو ~~الذي يستطيع بكفاءته السامية أن يجعل قوى الغير وأميالهم خاضعة لإرادته. # | الرسالة الرابعة والأربعون # 20 يناير # من هذا الكوخ الحقير الذي أسكنه، والذي كان لي خير ملجأ أحتمي به من عاصفة ثائرة جائرة، ~~أخاطب الآن عزيزتي شارلوت. # لم أتمكن قط من الكتابة إليك أثناء إقامتي في مدينة «د...» المكتئبة المحزنة، بين أناس ~~أغراب؛ أغراب لأنهم يجهلون ميولي وعواطفي، ولكنني في اللحظة التي دخلت فيها هذا المكان ~~المنفرد، والبرد والثلوج تصطدم بنافذتي الصغيرة، عدت إليك وإلى نفسي، فما وطئت المكان ~~حتى اندفعت صورتك أمام عيني، وملأت فؤادي ذكرى شارلوت، إيه أيتها الذكرى المقدسة الحلوة! ~~أيتها القوى الرحيمة! ألا من عود لتلك اللحظة الأولى التي رأيتك فيها! # إيه شارلوت! لو قيض لك أن تريني وسط هذا الدردور # 1 # الذي أحاط بي، وقد اختلط كل شيء واضطرب دون أن يمسني، لقد استولى علي جمود ~~مطلق؛ فلم أعد أشعر بذلك الرضى الخفي يبعثه السرور الحق، ولم أذرف قط دمعة شعور أو عطف؛ ~~فقد همد ذلك الثوران. أقف دون حراك كالمصعوق أمام صندوق # 2 # الصور، وتتحرك أمام ناظري ألاعيب كبيرة وصغيرة. وكثيرا ما أسائل نفسي ~~عما إذا لم يكن الكل خدعة خيالية، وتصبح هذه الألاعيب أسباب لهوي، أو بالأحرى أصبح ~~أنا ملهاة لها، وآخذ بيد جاري فأجدها جامدة كالخشب، فأسحب يدي وقد ملئت رعبا. وأعتزم ~~في المساء شهود بزوغ الشمس في الصباح، ولكن عبثا؛ فإنني لا أملك مفارقة فراشي، وفي ~~الصباح أفكر في السير على ms57 ضوء القمر متى ظهر، ولكنني لا أقوى على مغادرة غرفتي، ولست ~~أدري لم أصحو من نومي ولم أذهب إليه، والخواطر التي تبهجني في الليل وتوقظني في الصباح ~~تتلاشى سريعا. # ولم أجد من تطبق عليه صفاتك خلا واحدة «الآنسة بوير»، بلى يا شارلوت، إنها تشبهك ~~تماما إذا كان ثمة من يشبهك. قد تقولين: «إيه لقد تعلم المديح الباهر.» وهذا حق؛ ~~فقد صرت مؤدبا إلى النهاية في الأيام الأخيرة؛ إذ عجزت عما يفضل ذلك، والسيدات يقلن ~~إنني أضرب في الذكاء بسهم وافر، وإنني منعدم النظير في المداهنة، وستضيفين إلى ذلك ~~«والكذب أيضا»؛ لأن الاثنين مترافقان، على أنني أردت أن أقول بعض الشيء عن الآنسة بوير؛ ~~ذلك أنها رقيقة الشعور سامية الذكاء؛ صفتان تظهران في عينيها الزرقاوين اللطيفتين، ~~ومركزها عبء ثقيل عليها؛ فهو لا يرضى قط ميولها. تحتقر فراغ الحياة الزاهية، وكثيرا ما ~~نقضي الساعات معا نتحدث عن السرور والسعادة اللذين تبعثهما المناظر الخلوية، ونفكر فيك ~~أثناء حديثنا؛ لأن الآنسة بوير لا تعرفك فقط بل تجلك إجلالا خالصا، لم يبعثه بنفسها ~~مؤثر ما، وهي تعجب بك وتسر دائما متى ذكر اسمك. # آه لو كنت معك الآن في ذلك المخدع الصغير المحبوب؛ حيث يلعب حولنا أخواتك وإخوتك ~~الصغار الأعزاء! وإذا ما أتعبوك أخذت ألقي عليهم بعض القصص، فيلتفون حولي وكلهم إصغاء ~~وشوق. # آذنت الشمس بالمغيب، وأشعتها الرائحة تتألق على الثلوج التي تغطي الفضاء الفسيح، وقد ~~هدأت العاصفة، فعلي أن أعود إلى سجني المظلم. الوداع! هل ألبرت معك؟ ومن هو لك ~~الآن؟ ما أحمقني! فلم أسأل هذا السؤال؟! # | الرسالة الخامسة والأربعون # 17 فبراير # يلوح أنه ليس من المستطاع أن أبقى مع السفير طويلا؛ فهو لا يحتمل البتة، أما طريقته ~~في إنجاز الأعمال فليست ثمة أسخف منها حتى لا أستطيع الكف عن معارضته، واتباع ~~أميالي رغم كل تعليماته، وهذا ما يسوءه دون ريب، وقد لمح بشيء من هذا للوزير الذي أرسل ~~يعنفني، ولو أنه كتب بلهجة لطيفة إلا أنه تعنيف على أية حال. وعزمت على تقديم ms58 استقالتي، ~~فوصلني كتاب خاص منه، أعترف بأنه قد أخضعني، وملأني إعجابا بالذكاء العميق السامي الذي ~~أملاه؛ فقد حوى أشرف العواطف لتهدئة إحساسي المتألم، وبين بكل إخلاص وتواضع تحبيذه ~~الكبير لآرائي، ومدح ثبات الشباب وحميته مدحا ليس بالقليل، وقد نصح لي بعدم الضغط على ~~هذه الحمية والغيرة، ولكن بعدم الذهاب بها بعد حدود مناسبة؛ حتى يعاون هذا كفاءتي ~~ومقدرتي، وهكذا هدأت نفسي، وأوصيت بالصبر بضعة أيام على الأقل. إن هدوء العقل وسكونه، ~~أيها الصديق، نعمة ثمينة ولكنها قصيرة الأجل. # | الرسالة السادسة والأربعون # 20 فبراير # فلتحفظ السماء أصدقائي الأعزاء، ولتغمرهم بنعم الحياة التي حرمت منها، ألبرت إنني أشكر ~~لك بإخلاص ذلك الخداع الكريم؛ لقد انتظرت أن أنبأ بحفلة العرس، وعزمت أن آخذ في ذلك ~~اليوم «السعيد لك» رسم شارلوت الجانبي من الحائط فأواريه مع أوراق أخرى. لقد ارتبطتما ~~الآن وصورتها لا تزال باقية هناك، وكذلك فلتبق. ولم لا! ألا تجد شارلوت الآن في قلبها ~~متسعا لي؟ بلى يا ألبرت؛ فأنت تسمح أن تكون لي المنزلة الثانية هناك، بل «يجب» أن يكون ~~لي ذلك، ولو نسيتني لأصابني الخبل والجنون. إيه أيها الزوج السعيد! بل أنا الآن مختبل ~~مجنون. # ولكن كن سعيدا يا ألبرت، وأنت يا شارلوت، أيتها المخلوقة الملائكية، لتكوني أسعد ~~بنات جنسك. # | الرسالة السابعة والأربعون # 15 مارس # حدث منذ قليل حادث غريب يمنع، دون شك بقائي هنا. لقد نفد صبري، وأصبح الاحتمال لا ~~يطاق، وليس ثمة من علاج، وصديقي السبب في ذلك كله؛ فأنت الذي لججت علي وألححت ~~لأقبل هذا المنصب الذي لا أليق له بوجه ما، أنا واثق من هذا الآن، وكذلك يجب أن تكون، ~~ولكن كيلا ينسب فشلي إلى حدة طبعي، فسيشفع هذا ببيان مفصل عن الأمر. # | الرسالة الثامنة والأربعون # ذكرت لك وكررت تقدير الكونت ومشايعته لي، تناولت طعام الغداء معه أمس، وهو اليوم الذي ~~يلتقي فيه بمنزله كل ذوي المراكز العالية، ولم أفطن قط إلى الجماعة وإبعادهم أتباعهم ~~في ذلك الوقت. وذهبنا بعد الطعام إلى البهو نتحدث ونتمشى، وكان ms59 الكولونيل «ب» يزور ~~الكونت أيضا، فدخل معنا في حلبة الحديث، وكذلك قضينا الوقت حتى أقبل النبلاء، ويعلم ~~الله أنني لم أكن مستعدا البتة حين دخلت لادي «س» - أشرف السيدات وأنبلهن - مصحوبة ~~بزوجها وابنتها - فتاة خرقاء ذات خصر قصير وصدر منبسط - فمرت بي ناظرة إلي باحتقار ~~وصلف شديد، وعزمت على مغادرة المكان لاحتقاري أمثال هؤلاء، ولم يبق علي إلا البقاء ~~لاستئذان الكونت الذي كان مشغولا بالتحيات الواهنة العقيمة. ودخلت في هذه اللحظة الآنسة ~~بوير، فتأخرت قليلا لأحادثها؛ لأن وجودها يسرني دائما، وكنت مستندا على مؤخر مقعدها، ~~فلحظت أخيرا أن هناك هرجا لم أره في أول الأمر قلل من لطفها ورقتها، وأدهشني هذا ~~التغير الفجائي، ففكرت قائلا: «أمن الممكن أن تكون هي أيضا كباقي الجماعة؟» وساءني ~~ذلك، وكدت أنسحب لولا شوقي إلى تعرف السبب. # ووصل الآن باقي الجماعة، وكان بينهم بارون معروف بسترته القديمة المحبوبة وكونت آخر، ~~يظهر اختلاف ملابسه العتيقة عن أزياء اليوم أيما ظهور. وحادثت كل من أعرف منهم، ~~فلاحظت أنهم يتباعدون، وأدهشني جدا سلوك الآنسة بوير، وشغل هذا كل التفاتي؛ فلم ~~ألاحظ - كما أخبرت منذ ذلك الوقت - أن السيدات يتهامسن فيما بينهن، وأن هذا الهمس قد ~~انقلب طنينا بين السادة الرجال، ويظهر أنه كان بين السيدة «س» والكونت مناقشة حارة في ~~الموضوع، وأخيرا أخذ بيدي الكونت إلى جانب من الغرفة، وقال لي بمنتهى الرقة: «أنت تدري خرق ~~التقاليد، وهنا بعض ممن لا يرضيهم وجودك، وأنه ليحزنني جدا ...» فقلت: «أرجوك عفوا؛ فقد ~~كان من الواجب أن أفطن إلى ذلك، ولكنني واثق أن كرم نفسك سيتجاوز عن هذا السهو، ولقد كان ~~في عزمي الانصراف منذ حين طويل، ولكن شيطاني اعترضني.» وابتسمت منحنيا، وانصرفت بعد أن ~~صافحني بإخلاص نم عن صفاء قلبه، وانحنيت أيضا للسادة «النبلاء»، وأسرعت إلى مركبتي ~~الخفيفة، ميمما قرية مجاورة؛ حيث شهدت غروب الشمس من قمة تل هناك، وتلهيت قليلا ~~بمطالعة هومر، وكان ما قرأت بالصدفة ذلك الوصف الجميل لمقابلة ملك إثاكا الكريمة للرعاة ~~المخلصين. وبعد أن متعت نفسي ms60 بذلك عدت أدراجي، ودخلت قاعة العشاء في المساء، فلم أجد ~~إلا بضعة أنفار يتلهون بالنرد، فحياني ألديهيم «الرقيق»، وهمس في أذني قائلا: «لقد كانت ~~حادثة سيئة، وهكذا اضطرك الكونت إلى مغادرة الجماعة!» فأجبت: «الجماعة! لقد سررت جدا ~~بمفارقتهم.» وهكذا كان. # والشيء الوحيد الذي يغضبني هو الخبر الوقح الذي انتشر، ثم أخذت أفكر في المسألة بجد، ~~وخيل إلي أن الكل ينظرون إلي وأنا جالس إلى المائدة بشأن الحادثة، فآلمني هذا في ~~أعماق فؤادي، وحيثما ذهبت الآن أسمع الناس يرثون لي، ويقول أعدائي الظافرون: «هكذا يقع ~~أبدا لهؤلاء الناس الوضيعين المتظاهرين باحتقار المراكز، وهم مع ذلك يسعون للظهور ~~والشهرة.» # أواه! إنني لأمزق فؤادي! إن الجلد يجب أن يكون عنصرا جوهريا في الفلسفة؛ فلو أننا ~~لا نلقى السفاسف، على العموم، إلا بالسخرية، ولكنها إذا أنتجت عواقب سيئة كانت خطيرة، ~~وإذا استخدمتها الدناءة المنقبة لأغراضها كانت أصلا للغم والحزن. # | الرسالة التاسعة والأربعون # 15 مارس # كل ما يحدث يزيد في غيظي وكدري، لقيت اليوم الآنسة بوير، فاستفسرت منها عن سبب سلوكها ~~الأخير، فقالت متهيجة: «آه يا فرتر! أنت يا من تعرف قلبي، يجب أن تشعر بما تحملته من ~~أجلك لأول ما دخلت القاعة؛ فقد تنبأت بنتائج وجودك هناك، ورغبت في فرصة أكشف لك فيها عن ~~مخاوفي؛ إذ كنت واثقة تمام الوثوق بأنه كان هناك من يغادر الجماعة حالا إذا بقيت، وقد ~~جرح الكونت كثيرا، ولكنه لم يكن في مقدوره أن يغضبهم، ثم حدث اللغط حينذاك.» وحاولت أن ~~أخفي عواطفي الثائرة، فقلت: «أي لغط؟» فأجابت والدموع في عينيها: «آه لشد ما سبب لي ~~ذلك من القلق!» وكان هذا الدليل الإرادي على عطفها وودادها مهدئا لاستيائي، ومعزيا ~~لقلبي، فكدت أقع على قدمي محاميتي الجميلة، وصحت قائلا: «كوني صريحة.» فتزايدت دموعها ~~وقالت: «آه يا سيدي! لقد كانت عمتي - وأنت تعرف طباعها - حاضرة. يا للسماء! ما أشد غموض ~~خواطرها! ومع ذلك فهي تفخر بمعرفتها للحياة وحنكتها، وحبها للعدل والتهذيب. فرتر، ~~فرتر، آه لو عرفت كيف عنفتني في الليلة الماضية ms61 وهذا الصباح لتعارفنا! وكيف حاولت الحط ~~من قدرك، بينا لم أستطع أن أفوه بكلمة واحدة دفاعا عنك!» وكانت كل كلمة خنجرا في صدري، ~~ولكن يا للنفس المحبوبة! إنها لم تكن تشعر أن من الإشفاق علي كتمان كل ما أخبرتني به. ~~وكذلك حدثتني عن الأحاديث الباطلة التي أذاعتها الوقاحة النشطة، ونقحها الحقد والافتراء، ~~وازداد ألمي منذ ذلك الوقت، حتى أمسكت بالسيف أكثر من مرة لأريح به قلبي. لقد قرأت عن بعض ~~الخيل الحارة الروح أنها إذا ما أرادت التخلص من شوط ثقيل، فتحت بالغريزة وريدا بواسطة ~~أسنانها، وطالما رغبت في فتح أحد أوردتي، وكذلك أستريح راحة أبدية. # | الرسالة الخمسون # 24 مارس # كتبت إلى البلاط أستأذن في الاستقالة، وأعتقد أنها لا تنكر علي، وأرى واجبا عليك أن ~~تعفو عني؛ إذ لم أسألك رأيك؛ فإن مبارحتي هنا محتمة لازمة. أنا أعلم أنك تسر بإقناعي ~~بالعدول عن عزمي، ولكن عبثا تذهب كل محاولة، وأرجو أن تفضي بهذا إلى أمي بتحفظ ورفق، ~~وبما أنني عاجز عن عمل شيء لنفسي، فلا ينتظر مني خدمة للغير. أنا أدري أنها ستحزن لذلك، ~~ستحزن كثيرا حين تسمع بأن ولدها قد وقف في هذا الميدان الذي كان سيرفعه تدريجا إلى ~~رتبة مستشار خاص أو سفير. قد تجادل كما تريد، وتقدم أقوى الأسباب لبقائي. # ولكن عبثا ما تريد؛ فقد صممت على الرحيل، ولكي تعلم محطي الذي سأذهب إليه، فاعلم أن ~~أميرا هنا وقد سمع بعزمي على الاستقالة، فدعاني متلطفا أن أقضي معه شهر الربيع في بيته ~~الخلوي، وقد وعدني بتركي أتبع كل ما يروق لي، ويمكنني القول - ما دمنا قد اتفقنا في كل ~~شيء عدا واحدا - إنني سأصحبه، على أنني إذا غيرت عزمي، أطلعت صديقي على ذلك في ~~حينه. # | الرسالة الحادية والخمسون # 16 أبريل # أشكر لصديقي رسالتيه الممتلئتين بالعزاء. انتظرت رجع كتابي من البلاط قبل أن أكتب إليك، ~~وقد أشفقت كثيرا أن تكون أمي قد تداخلت في الأمر، فأحبطت أملي في الخروج، ولكن قد تم كل ~~شيء واستلمت الجواب الآن، ولست ms62 أخبرك بأي اشمئزاز منحنيه السفير، ولا بما حواه كتابه عن ~~الموضوع؛ إذ يزيد ذلك في شكاواك. # أهدى إلي الأمير الوراثي خمسا وعشرين دوكات # 1 # أصحبها بعبارات ملؤها الحنو، كادت تسيلني دموعا، وعلى هذا فلست بحاجة إلى ~~المال الذي طلبته أخيرا من أمي. # | الرسالة الثانية والخمسون # 5 مايو # غدا أرحل، وبما أن موطني الأصلي لا يبعد عن طريقي غير ستة أميال، فمن المحتمل أن أزوره ~~لأعيد إلى الذاكرة ساعات طفولتي السعيدة، وسأدخل من نفس الباب الكبير الذي مررت منه مع ~~أمي حين غادرت بعد موت أبي ذلك المسكن البهيج إلى المدينة الممقوتة. # الوداع يا صديقي العزيز، وسيكون برسالتي التالية تفصيل واف عن سياحتي. # | الرسالة الثالثة والخمسون # أنجزت رحلتي إلى موطني الأصلي بكل إخلاص الحاج؛ حيث كان استعراضي لمناظر أذكرها جيدا ~~يملؤني بشعور وعواطف لا توصف، وما دنوت من شجرة الزيزفون الكبيرة التي تبعد عن القرية ~~نحو ربع فرسخ، حتى تركت مركبتي وأمرت السائق أن يسبقني ليزيد تمتعي بحلاوة الذكرى، وأنا ~~وحيد على قدمي، ووقفت تحت الشجرة التي كانت دائما المنتهى الذي أتمشى إليه في أيامي ~~الأولى، وما أشد التبدل منذ ذلك الحين! في تلك الأيام السعيدة الساذجة كنت أحن شوقا إلى ~~عالم لم أعرفه، ولكنني عللت به نفسي مزينا بأجمل الأزهار، ضاما لكل متع الشباب ~~ورغائبه، والآن وقد زرت العالم فماذا رأيت يا صديقي العزيز؟ ماذا رأيت سوى أضداد كل ~~المناظر الخلابة التي صورها خيالي الفتي؟! إنني أشهد الآن قبالتي هذه الجبال التي - كما ~~أذكر جيدا - طالما أثارت حب التغرب والأسفار؛ فقد كنت أجلس الساعات ناظرا إليها ~~وأنا أتحرق شوقا لأكون بين تلك الغابات الكثيفة والوديان التي تجعل المنظر مديحا ~~رائعا، وإذا ما انتهت تلكم الساعات الممتعة واضطررت للعودة، فما أشد أسفي حين أبرح هذه ~~البقعة المحبوبة! ودنوت من القرية، فعرفت تلك الحدائق الصغيرة الجمة، وبيوت الصيف التي ~~كنت معروفا بها جيدا في أيامي الأولى، على أنني لم أستحسن الجديد منها أو أي تغيير ~~عمل بها. ودخلت القرية من الباب الكبير، ms63 فشعرت ثانية أنني في بيتي، ومن المستحيل يا ~~صديقي العزيز أن أذكر بدقة كل ظروف هذه الرحلة المؤثرة، وليست بممتعة لديك تفاصيلها، ولو ~~أنها عندي من أجمل الأشياء؛ لما تجلبه من الذكريات المسرة. وكان في نيتي أن أنزل بالسوق ~~قرب بيتنا القديم، ولكنني إذ انتحيت تلك الجهة وجدت غرفة المدرسة التي كانت من قبل ~~مستأجرة لسيدة عجوز فاضلة، قد انقلبت إلى حانوت بائع، وذكرت الهواجس العديدة، والدموع ~~الكثيرة التي ذرفتها في ذلك المحبس. وكان لكل خطوة تالية تأثير خاص بها، وليس ثمة من ~~حاج في الأرض المقدسة جذبته آثار عدة كهذه، أو أظهر ولاء كولائي، ولا أستطيع الكف عن ~~ذكر واحد من آلاف الإحساسات التي شعرت بها. # وسرت أتبع مجرى صغيرا إلى تلك المزرعة التي كانت محل جولتي المحبوبة؛ حيث كنت أستحم ~~مع أولاد آخرين، ونلعب «البط وذكر البط» في الماء، فأثرت في بشدة ذكرى ما كنت فيه. ~~يا للذكرى المؤلمة! وأذكر جيدا أنني طالما نظرت إلى الماء وهو يجري، وطالما كونت ~~خواطر خيالية عن البلاد الكثيرة المختلفة التي سيمر بها حتى يتعب خيالي، وفي جريان الماء ~~المستمر يظل عقلي متأملا المسافات غير المعروفة، وهذا أيها الصديق مثل تام لعواطف ~~أسلافنا العظماء، ومن المؤكد أن لغة يوليسيس # 1 # وهو يتكلم عن المحيط اللامتناهي والأرض التي لا حد لها، تلائم فهم الرجل ~~الضئيل كما تلائم فهم الشاب المدعي الذي يتظاهر بوقار الفيلسوف؛ لأنه تعلم من المدرسة ~~أن الأرض كرية. ووجدت خيالي لا يزال هائما، وأن أفكاري في اضطرابها هذا لن تقف عند حد، ~~فتهيأت فجأة للعودة، ودخلت مركبتي وبدأت سفري وقد أثرت على مشاعري المسرات الماضية ~~والأحزان الآتية. # وأنا الآن يا صديقي العزيز مع الأمير في أحد بيوته، وهو رجل غاية في الإخلاص والكرم، ~~وأشعر في رفقتي له أنني في بيتي، والسوءة الوحيدة في طباعه أنه سريع الاعتقاد؛ فهو يميل ~~جدا إلى تصديق الأقاويل، كما أنه يخرج أمامك تأكيداته دون تجربة أو بحث، ويسوءني ~~القول بأنه يقدر كفاءتي وتهذبي الخارجي أكثر ms64 من أميالي ومواهبي العقلية، وهي في ~~الحقيقة كل ما أفخر به؛ إذ هي منبع كدي وسعادتي وشقائي وكل شيء، وهي كل ما أملك لنفسي ~~وما يكون كل صفة حميدة أختال بها، مع أنني لا أتظاهر قط بالعلم والمعرفة ~~الكبيرة. # | الرسالة الرابعة والخمسون # 25 مايو # دبرت خطة آليت لا أدلي بها إلى صديقي حتى تتم، بيد أن المشروع قد أحبط؛ ولذا ألقيها ~~إليك الآن، صممت منذ حين على الانخراط في سلك الجيش، وهذا في الحقيقة ما ساقني رئيسيا ~~إلى قبول دعوة الأمير؛ فهو جنرال في خدمة منتخب ... وقد أخبرته منذ قريب إذ كنا نتمشى معا ~~بميلي، فلم يحبذه، ونجاحه موقوف على رغبته؛ ولذا رأيت من الحكمة ألا أعارضه . # | الرسالة الخامسة والخمسون # 11 يونيو # شقي عاثر الجد، فلا أستطيع العيش هنا طويلا، وماذا أعمل هنا؟ لقد سئمت المكان. آه! أنا ~~بائس دون ريب أيها الصديق! حقا إن الأمير يعاملني كمساو له في كل شيء، ولكنني لا ~~أستطيع أن أثق به؛ فعقلانا لا يتشابهان بحال من الأحوال، ولو أن تمييزه حسن فهو لا يخرج ~~عن المألوف في شيء؛ ولذا فمحادثته لا توليني لذة أكثر من متابعتي لكتاب جيد اللغة. ~~سأقضي هنا أسبوعا آخر فقط، أبدأ بعده حياة متجولة كذي قبل، وكان خير ما عملت منذ مجيئي ~~إلى هنا بعض صور رسمتها، وللأمير ذوق في الفنون لولا تقيده بالاصطلاحات الفنية ~~الفارغة، والقواعد السفسطائية لكان عظيما. وكثيرا ما ينفد صبري؛ إذ يعترض تقدم ذلك ~~المظهر الحي الذي ينفحه خيالي الملتهب للفن وللطبيعة، بانتقاد مزخرف لا يقدر به نفسه ~~قليلا. # | الرسالة السادسة والخمسون # 16 يوليو # لست في الحقيقة أيها الصديق إلا رحالة حاجا في هذه الحياة، ومن هناك غير ذلك في ~~العالم؟ # | الرسالة السابعة والخمسون # 18 يوليو # ما غايتي الحالية؟ ستسمع. أنا مرغم على البقاء هنا أسبوعين، ثم أزور مناجم ... كما أنوي، ~~ولكن هذا مستحيل. حقا إن عزمي يتغير كل ساعة، وأنا أخدع نفسي؛ فرغبتي الوحيدة أن أكون ~~بجانب شارلوت، تلك هي الحقيقة. وا حزناه! إنني ms65 أرى ضعف فؤادي، على أنني لست بالغر، ~~ولكنني عبد راض، سرعان ما أذعن لأوامره. # | الرسالة الثامنة والخمسون # 29 يوليو # كلا كلا! هذا خير! بل هو أحسن شيء لي، أنا زوجها، لو كانت القوة الإلهية التي منحتني ~~الحياة قد قدرت لي هذه السعادة أيضا، لوقفت بقية حياتي السعيدة على شكر لا ينقطع، بيد ~~أنني لا أتذمر أمام إرادة الله، ولتغفر لي هذه الدموع وهذه المشتهيات العديمة الثمر. ~~آه لو كانت لي! إذا لطوقت بذراعي أجمل بنات جنسها بأي سرور، بل ما أشد تهيجي حين ~~أرى ألبرت يضم هيكلها السموي! # لقد كنت على وشك القول - ولم لا؟ - بأنها تكون أسعد بكثير لو كانت معي عما هي مع ألبرت، ~~إنه لم يخلق لها قط ؛ تنقصه تلك الحساسة الرقيقة التي فيها، التي بها تسر، وينقصه ... ~~وبالإيجاز فإن قلبيهما لا يضربان معا. إيه يا صديقي طالما رأيت، وأنا أقرأ لها قطعة ما ~~ممتعة، أن شعورنا متبادل، وأننا نفكر ونحس معا، وأن كلا منا ينقل إلى الآخر ما يعني ~~بنظرات أفصح من الكلمات، على أن ألبرت يحبها، وهو يتعلم كيف يسرها، أفلا يستحق حبه ~~جزاء؟! # قوطعت بزيارة في غير وقتها؛ وعلى ذلك فقد حاولت تسكين نفسي، وعقلي الآن أهدأ، فالوداع ~~يا أعز الأصدقاء. # | الرسالة التاسعة والخمسون # لست وحدي بالتاعس أحبطت آمال سعادته، وإن هذه الحياة هدف للأكدار. كنت أزور المرأة ~~الطيبة التي تسكن الحقول على مقربة من أشجار الزيزفون، فهرع ولدها الأكبر لمقابلتي، ~~وجاءت أمه على صيحات فرحه، يظهر على محياها الحزن، فاستفسرت عن سبب غمها، فأجابت ~~والدموع المنهمرة على وجهها الشاحب تقطع حديثها: «وا حزناه يا سيدي العزيز! إن جوهان ~~الصغير الذي كان سرور قلبي وعزاءه قد مات.» وكان هذا أصغر أطفالها. فوجمت صامتا، ~~واستمرت تقول: «وقد عاد زوجي من هولاندا بلا مال، وأخذته حمى وقشعريرة، ولولا إحسان بعض ~~الناس وهباتهم لتسول في الطريق.» وأحزنتني قصتها، فنفحت الصغير ببعض المال، وقدمت إلي ~~تفاحا فقبلته، وعدت مثقل الفؤاد. # | الرسالة الستون # 21 أغسطس # ينتقل فكري بسرعة البرق، ms66 ويضيء الآن فجأة شعاع من الأمل على روحي الخاملة، فينبثق علي ~~فرح لا يدوم إلا هنيهة، ولكن وا أسفاه! إن ذلك الشعاع فان، وفي مدة بقائه القصيرة آخذ ~~في التفكير: إذا مات ألبرت، فشارلوت تكون إذا ... ثم أظل ذاهبا مع هذا الوهم، حتى أجد نفسي ~~على قمة صخر شاهق، فأتراجع فجأة مرتاعا، حتى لو كانت الصخرة حقيقية، لكنت هالكا لا ~~محالة. وإذا خرجت من نفس الباب، أو سلكت الطريق الذي قادني لأول مرة إلى مسكن شارلوت، ~~وهن فؤادي، وأخذت، بألم عميق، أقارن ما كنت، بما «أنا الآن». # لقد انتهت كل سعادة، وتغيرت الدنيا، وقلبي يدق لا كدقاته في الزمن الماضي، ولست أشعر ~~بنفس بهجة ذلك الحين. # إذا استطاع، أيها الصديق، شبح أمير راحل أن يعود فيتفقد الأماكن الفخمة التي شادها في ~~أيامه الهانئة، وتركها لولد حبيب، فوجدها قد تهدمت بأيدي الأعداء، وصارت أطلالا؛ فماذا ~~يكون شعوره؟ ذلك حالي، وا أسفاه! # | الرسالة الحادية والستون # 3 سبتمبر # طالما حرت في أمري؛ فلم أفهم كيف تستطيع أن تحب غيري، كيف يحق لها أن تحب غيري، بينا ~~تحكم وحدها في هذا القلب، بينا يحتكر خيالها الجميل كل فكر، ويطرد كل ما عداه من ~~الخواطر. # | الرسالة الثانية والستون # الوقت وقت الحصاد، والطبيعة زاهية، ولكن كل ما في معتم كالشتاء، ومتى اصفرت أوراق ~~الأشجار، وسقطت في الخريف، فسيبيض شعر رأسي، ويتساقط ملء اليد. بصري آخذ في الضعف، وكدت ~~أفقد سمعي وكل حواسي، إلا «الشعور»؛ فهو باق متضاعف الحدة. # ذكرت لك في رسالة # 1 # سابقة شابا قرويا لقيته صدفة في أول مجيئي إلى هنا، وقد علمت بسؤالي ~~عنه أنه عزل من عمله، ولم أتمكن من معرفة أكثر من ذلك عنه، واتفق أمس أن لقيته في ~~الطريق المؤدي إلى القرية المجاورة، فحييته بسرور وشوق، حتى أخذ حالا يحدثني بقصته ~~المحزنة، محزنة حقا كما سيرى صديقي حين يقرؤها، ولكن لم أقلق صديقي بكل حادث ~~يؤلمني؟ لم أولمه؟ لم أجلب شفقته واستياءه؟ ولكن قدر لي أن أجر الشقاء لكل من ms67 ~~يعرفني. # وكان في بادئ الأمر متكتما، ولكن صراحته العادية عاودته كما لو تذكرني فجأة، فأخذ ~~بملء الصدق يعترف بخطيئاته ويسرد مصائبه، وإنني لأود لو أنقل إليك كلماته بنغماتها، ~~والكيفية التي نطقت بها، بالانفعال الثائر، والحب الهائج الحار الذي منعه من الزاد ~~والشراب والرقاد، والذي جعله عاجزا عن العمل، فإذا أراد عمل شيء نسيه حالا، وقد يأتي ~~ضده تماما، وكانت عشيقته تعذله أبدا وتلومه، ولكنه تخيل ذلك الصوت الذي يعنفه ~~عذبا فكان سعيدا. وحدثني أن روحا شيطانية قد أخذت بتلابيبه، وأغرته أخيرا على إتيان ~~ما كان من الواجب عليه تجنبه؛ ففي ذات يوم تبع، أو بالأحرى دفع ليتبع عشيقته إلى ~~مخدعها، ولما رفضت رجاءه واستعطافه أغوي - بطريقة لا يعلمها - أن ينال رضاها بالقوة ~~اللينة، وقد أقسم لي أن أغراضه كانت دائما شريفة، وأن الزواج كان ما أمل، وأن في هذا ~~الأمل قد انحصرت كل أمانيه في السعادة، واعترف بعد بعض التردد بما منحته له من ~~الامتيازات، ثم خاف أن يكون قد صرح بالكثير، فأخذ يدافع عن سلوكها قائلا إن حبه كان ~~جائرا ملتهبا، وكانت حالته مؤثرة جدا حتى لتعجز الكلمات عن تصويرها، ولو أن خياله لا ~~يزال ماثلا أمام عيني، ولو رأيته لأشفقت عليه وغفرت له ذنبه، وإنني لأرى نفسي مهتما ~~بأمره، ولكن لم أثير رحمتك به وأنت تعرف شخصا يشبهه في جده؟ # أعدت الرسالة فرأيت أنني قد أغفلت خاتمة قصة ذلك الشاب: # وفي أثناء نضال السيدة دخل أخوها الذي طالما دفعه مقته الشديد للمحب إلى الرغبة في طرده ~~من خدمة أخته؛ فقد كان يخاف أن تتزوج ثانية وقد ترزق أطفالا؛ وعلى ذلك يحرم أولاده من ~~وراثة ثروتها. فانتهز الأخ هذه الفرصة لطرده، وانتشر الخبر بالأمر كله، فلم يكن في وسع ~~السيدة قبوله ثانية دون التزوج به أو تلطيخ سمعتها. وأخبرني الشاب المسكين أنها قد ~~أدخلت شابا آخر في خدمتها، وأن ذلك قد زاد في قلق أخيها؛ فقد أشيع أنها تريد الزواج ~~منه، ويقول الشاب إنه لو صح هذا لأصبحت حياته ms68 حملا عليه. # إن هذه العاطفة المسيطرة - هذا الحب - ليس ابتداعا شعريا؛ فقد يوجد حتى بين الطبقة ~~الأمية والوضيعة بكل نقائه الأصلي. اقرأ هذه القصة أيها الصديق باهتمام خاص. لقد هدأت ~~قليلا منذ بدأت الكتابة إليك، وأنت سترى من رسالتي الطويلة خلافا للعادة أنني لست ~~عجولا؛ فأنا أستحلفك أن تقرأها بعناية، وانظر أنك فيها تقرأ قصة فرتر المنحوس، بلى ~~إنها لكذلك، وستكون أبدا كذلك، بيد أنه يحزنني القول إن ذلك الشاب المحب يفوقني في ~~جلده حتى لأستحي عند مقارنة نفسي به. # | الرسالة الثالثة والستون # 5 سبتمبر # يغيب زوج شارلوت هذه البضعة الأيام في الريف، وقد بدأت رسالة إليه بقولها: «أيها ~~العزيز المحبوب إلى الأبد، عد بأسرع ما تستطيع؛ إنني أطلب لك في انتظاري أطيب الرغبات.» ~~وما كادت تنتهي منه حتى ألقى إليها صديق أن أعمالا هامة جدا قد اعترضت ألبرت، وستؤخره ~~أكثر مما ظن. وعلى هذا لم تبعث طبعا بالرسالة، واتفق في المساء أن تناولتها فقرأتها ~~وعلى شفتي بسمة سرور، وقبلتها منفعلا، واستفسرت عن السبب فصحت قائلا: «ما أهنأ ~~الخيال!» وقرأت بسرعة في محياي قوة ذلك التصور؛ فقد خيل إلي أن الرسالة لي، ~~فصمتت وظهرت عليها علامات الاستياء، وأسكتتني تلك النظرة. # | الرسالة الرابعة والستون # 6 سبتمبر # ألست تستطيع أن تتصور استيائي حين ألقيت بسترتي المرسلة الزرقاء التي كنت أرتديها لأول ~~رقصة لي مع شارلوت؛ فقد استحال علي أن ألبسها بعد الآن؛ إذ ظهر عليها القدم الكثير، ~~ولكنني صنعت أخرى تشبهها تماما بسراويل وصدرة من جلد البقر، بيد أنني لا أعجب بالجديدة ~~إعجابي بزي الأصلية. وا أسفاه! إنها لا تماثلها، ولكنها بمرور الزمن قد تصبح مثلها ~~جذابة. # | الرسالة الخامسة والستون # 12 سبتمبر # ذهبت شارلوت إلى زوجها فغابت زمنا ما، وقد زرتها اليوم وحظيت بسعادة لا توصف؛ إذ ~~قبلت يدها وطار عصفور «كناري» من المرآة إلى كتفها، فقالت: «هذا صديق جديد.» ثم أخذت ~~تحرضه على الوقوف بيدها قائلة: «انظر كيف يحبني كثيرا، وكيف يحرك جناحيه الصغيرين، ~~ويلتقط بمنقاره كلما أعطيه طعاما. بالله انظر ms69 يا فرتر إنه يقبلني تماما!» وقدمت له ~~شفتيها، فظهر مبتهجا بأنفاسها العطرة، ثم قالت مادة يدها بالعصفور إلي: «والآن ~~سيقبلك أيضا.» وعلى ذلك حول منقاره الصغير إلى شفتي، فما أجمل الشعور الذي أحسست به ~~حينذاك! وقلت: «شارلوت! إن هذا الطائر الصغير لا تشبعه قبلاتنا تماما؛ فهو يطلب مكافأة ~~مادية، إنه بحاجة إلى الطعام.» وأخذت بعض الخبز تطعمه إياه من فيها، فأرغمت على تحويل ~~وجهي. # وا حزناه! إن عليها ألا تثير من عواطفي بمثل هذه المناظر، وإذا هجع فؤادي وجب أن تمنحه ~~الراحة، فلا توقظه من النسيان إلى الذكرى، ومع ذلك أليس لها حق؟ ولكنها تثق بي كثيرا؛ ~~فهي تعلم أنني أحبها. # | الرسالة السادسة والستون # 15 سبتمبر # ما أقتل هذه الكائنات الحقيرة لأي رجل ذي تفكير! فهي لتجردها عن الشعور لا تعبأ ~~بالأشياء الهامة الخليقة بالالتفات. أنت تذكر ذكري لشجرتي الجوز في س... اللتين جلست ~~تحتهما مع شارلوت عند القسيس الفاضل الشيخ، وكيف زينت تلك الشجرتان الجميلتان المحبوبتان ~~مسكن رئيس الكنيسة، وأن ظل أفرعهما الموقرة كان يوحي أبهج الأفكار، ويحمل إلى الذاكرة ~~ذكرى القسيس الفاضل الذي غرسهما، وكثيرا ما ذكر ناظر المدرسة اسم غارس الأولى، وقد عرفه ~~من جده، فيقول: «لقد كان ذلك القسيس فاضلا عظيما، وطالما ذكر اسمه بسرور تحت هاتين ~~الشجرتين.» وأخبرني هذا الناظر نفسه أمس والدموع في عينيه أنهما قد قطعتا، فصحت: ~~«قطعتا! آه لو كنت حاضرا لقتلت بالتأكيد في سورة غضبي ذلك اللص الجريء الذي سدد إليهما ~~الضربة الأولى، إن هذا لا يحتمل، ولو كنت صاحب شجرتين مثلهما، وهلكت إحداهما هرما ~~للبست عليها الحداد.» ويظهر أن القرية جميعها مهتمة بالأمر، فالكل يتذمر، وآمل ألا يبعث ~~الفلاحون الأمناء بعد الآن بهداياهم إلى زوجة القسيس، بل يذرونها تندم على ما اقترفت من ~~إثم؛ فهي زوجة القسيس الحالي، الآمرة بقطعهما، وربما قد سقط الشيخ قبل شجرتيه، وليس ~~ثمة من يجرؤ على قطع شجرتي الجوز سوى مخلوقة طويلة مخيفة هزيلة، نزلت بها الأسقام ~~الدائمة، حتى لم تعد تسرها الحياة؛ فهي تحتقر ms70 العالم لأن العالم يحتقرها، سوى خرقاء ~~بالية عتيقة تتظاهر بالعلم، وبمعرفة الكتب الشرعية، وبالمعاونة في كتابة «إصلاح أدبي ~~انتقادي حديث للدين المسيحي» يفصح عن أمر الاحتقار للافاتر! # 1 # لن أنساهما أيها الصديق، ولن أغفر لها فعلتها أبدا، بل إن السبب السخيف ~~الذي تبني عليه حمقها هذا يزيد في حنقي. فحقا إن الأوراق التي تسقط منها تجعل الفناء ~~رطبا قذرا، والأفرع الباسقة تعترض الضوء، وصغار الصبية يرمون الجوز بالحجارة فيقلقون ~~من أعصابها الحساسة، ويقطعون عليها تفكيرها العميق وهي تزن فضائل كنيكوت # 2 # وسملر # 3 # وميخائيليس. # 4 # ولما رأيت مسلكها قد ساء كل سكان القرية، وعلى الخصوص الشيوخ المحنكين، ~~وسألتهم كيف أجازوا هذه الفعلة، فأجابوا: «إيه يا سيدي العزيز، إذا أصدر الحاكم أوامره ~~فماذا يفعل الفلاحون المساكين؟» وعلى أية حال فقد سرني حادث وقع ، وهو أن الحاكم والقسيس ~~كانا قد اتفقا فيما بينهما على جني بعض الربح من تقلب هذه المرأة، وذلك باقتسام ~~الفوائد الناتجة من هاتين الشجرتين، ولكن الخبر نما إلى الضابط الموكل بالإيراد، فوضع ~~يده على الشجرتين وباعهما لمن قدم الثمن الأكبر، وفوق هذا فهما لا تزالان باقيتين على ~~الأرض. # آه لو كنت أميرا ذا بطش، لعاقبت القسيس وامرأته والحاكم وضابط الإيراد أي عقاب! ولكن ~~لا أيها الصديق، لا، فلو ولدت أميرا لما تمتعت بالهناءة في رفقة شارلوت تحت هاتين ~~الشجرتين المظلتين اللتين أندب حظهما الآن أيما ندب! # | الرسالة السابعة والستون # 10 أكتوبر # عندي السعادة العظمى في أن أرى عينيها القاتمتين البراقتين، ويحزنني حقا أن أرى ألبرت ~~غير سعيد كما كان ينتظر، أو كما كنت لو ... أمقت الجمل المتقطعة، ومع ذلك فلا أستطيع ~~بدونها على التعبير عما بنفسي. يا لله! أولست جليا بينا؟ # | الرسالة الثامنة والستون # 12 أكتوبر # أقصى أوسيان كلية هومر عن قلبي وأفكاري. إلى أي عالم يقودني هذا الشاعر السموي هناك؛ ~~لأهيم في المروج والفيافي، تحوطني العواطف الجبارة لأشهد على ضوء القمر الضئيل أرواح ~~أسلافنا المحبوبين، لأسمع من قمم الجبال بين زمجرة الأمواج أصوات شكاتهم صاعدة من الوهاد ms71 ~~السحيقة، ونحيب العذراء المحزن أسقمها الغرام، وهي تصعد زفرتها الأخيرة فوق قبر مغطى ~~بالطحلب، هو مثوى البطل الذي كان يعبدها. ألقى هذا الشاعر بشعره الفضي هائما في الوادي، ~~يبحث عن مواطئ أقدام آبائه، فلا يجد - وا لوعتاه! - إلا قبورهم، ثم يطالع القمر الشاحب وهو ~~يتوارى خلف أمواج الأعماق المزبدة، وتعود ذكرى الأزمان الخالية إلى عقل البطل، تلك ~~الأزمان التي كان يسر قلبه فيها وينعش جثمانه اقتراب الأخطار، والتي سطع فيها القمر على ~~سفينته المحملة حينذاك بأسلاب أعدائه، وأضاء بانتصاره. وحين أقرأ في محياه أعمق الحزن، ~~حين أرى مجده الذي أذهل يوما غارقا في اللحد، حين يرمي بنظرة إلى الطين البارد الذي ~~سيغطيه قائلا: «سيأتي الرحالة الذي عرف قدري باحثا عن الشاعر الذي ينعش القلوب، ابن ~~فنجال # Finjal # المجيد، وسيمشي على قبري، ولكن عبثا ~~يبحث عني .» هناك، إيه هناك يا صديقي العزيز، أكاد أمسك بسيف فارس باسل نبيل، ومتى أنقذت ~~أميري من الآلام المتعبة لحياة طويلة، أغمده في صدري، لألحق بشبيه الإله الذي فككت ~~إساره. # | الرسالة التاسعة والستون # 19 أكتوبر # آه! يا لهذا الفراغ الهائل الذي لا يوصف، يملأ صدري! في بعض الأحايين، بين خطرات الخيال، ~~أتصور بشغف لو قدر لي مرة واحدة، واحدة فقط، أن أضمها إلى قلبي! إذا لتم لي ~~الهناء. # | الرسالة السبعون # 26 أكتوبر # أنا مقتنع كل الاقتناع الآن أيها الصديق العزيز بأن وجود أي فرد لا يهم الهيئة ~~الاجتماعية. قدمت إلى شارلوت صاحبة لها تزورها، فذهبت إلى الغرفة المجاورة وتناولت ~~كتابا، ولكنني لم أجد ميلا إلى المطالعة، فألقيت به جانبا، وتناولت القلم أكتب إلى ~~صديقي، وكذلك أصرح لك بإخلاص أنك لا تدين لي لكتابتي هذه الرسالة إلا بالقليل. حتى ~~الآن أسمع حديثهما: يتحدثان عن أخبار البلدة العادية؛ فواحد سيتزوج، وآخر مريض جدا ~~بسل هائل، سعال وإغماء متكرر ولا أمل في الشفاء. تقول شارلوت: «هرس أيضا في حالة ~~مخطرة.» وتجيبها الأخرى: «آه أظنني الآن قرب فراشهم، ويخيل إلي أنهم يناضلون الردى ~~الظالم، ويودون لو يعيشون قليلا بين أتعابهم ms72 وعذابهم.» ومع ذلك يا صديقي فإن هاتين ~~الشابتين الفاضلتين تتكلمان بكل هدوء وثبات عن أصدقائهما المائتين، كأنهما لا تعرفانهم. ~~آه يا للسماء! حين أتلفت في هذه الغرفة التي أنا بها الآن، وأرى ثياب شارلوت وحليها، ~~وأوراق ألبرت مبعثرة هنا وهناك، وهذه الأشياء التي أعرفها جيدا، حتى الدواة التي ~~أستخدمها الآن، أفكر حالا في علاقتي بهذه الأسرة؛ أنني كل شيء، وهم يقدرونني ويسعدون ~~بصحبتي، وأنا واثق أنني شقي بدونهم، ومع ذلك إذا فارقتهم فجأة فهل يشعرون طويلا بالفراغ ~~الذي يحدثه غيابي؟ طويلا! وا لوعتاه! هكذا يضعف الإنسان، حتى إنه حيث ينعم بنفسه، وحيث ~~تتعلق بوجوده هناءة قوم آخرين، وحيث يعيش في قلوب أحب أصدقائه إليه؛ هناك يجب أن يموت ~~وينسى اسمه سريعا. # | الرسالة الحادية والسبعون # 27 أكتوبر # إيه! إنني لأكاد أمزق صدري وأحطم رأسي بالحائط حين أرى خيبتي؛ إذ أفتح قلبي لامرئ ~~غير كفؤ لتقدير شعوره، لا أستطيع أن أتلقى من غيري الحب والجذل والسرور والسعادة التي لا ~~تلتئم وشعوري، كما لا أستطيع بقلب يشتعل بأحر الإحساس أن أبين لغيري تلك السعادة ~~التي جعلته الطبيعة غير قادر على الشعور بها. # | الرسالة الثانية والسبعون # مساء # الخيال يهبني أكثر من كفايتي، وتفكري في ذات شارلوت المحبوبة يمحو كل فكر سواه، ويجعل ~~ما حولي فردوسا حقا، فلولاها لما كان العالم شيئا. # | الرسالة الثالثة والسبعون # 30 أكتوبر # أغويت ألف مرة أن أطوق خصرها الملائكي بذراعي، وأضمها إلى صدري الخافق. أيتها السماء ~~إن من العذاب أن يكون أمامي دائما كل هذا الجمال ولا أجرؤ على لمسه، اللمس من أول غرائز ~~الطبيعة، أفلا يحاول الأطفال إمساك كل ما يدور بخلدهم؟ وأنا - أجل أجل - أنا في ~~الحقيقة طفل. # | الرسالة الرابعة والسبعون # 3 نوفمبر # طالما ضرعت بحرارة، حين هممت بإغماض عيني في الفراش، ألا أفتحهما ثانية أبدا، بيد ~~أنني فتحتهما في الصباح، فرأيت الشمس ثانية، وأحسست ببؤسي السابق. وا حسرتاه! لم لا ~~تصيبني السوداء أو الجنون؟ ولم لا يصلح لي أن أعزو هذا الشقاء القارس إلى تأثير إقليم ~~غير ms73 ملائم، إلى أطماع لم تنل، إلى إحن عدو مضطهد؟ إن عبث الحزن هذا يكون أكثر ~~احتمالا حينذاك، ولكن الآن، وا أسفاه! إنني أحس به تمام الإحساس؛ لأنه يقع بكليته علي ~~وأنا وحدي أصل كل شيء. إن هذا الصدر نفسه الذي كان مقر الفرح والسلام قد أصبح الآن ~~منبعا كئيبا لأحزان لا تحصى، لقد تغيرت عن ذي قبل، فلم يكن يسود على أفكاري سابقا ~~غير أسعد الإحساسات، وحيثما سرت ظهر لي الفضاء المحيط بي كالجنان، واشتعل حب الإنسانية ~~بفؤادي، ولكن أواه! إن الجمود البارد يجمد ذلك القلب، بل هو ميت أمام كل سرور، وقد جفت ~~عيناي، فلم تعد تبللهما دموع الشعور المنعشة، وحواسي تخونني فلا تعاون عقلي، ~~وآلامي لا يتناولها الوصف؛ فقد أضعت جمال الحياة الفذ، تلك القوة النبيلة العاملة التي ~~خلفت حولي العوالم، لقد انتهت، ومن نافذتي أرى التلال البعيدة والشمس البازغة تشتت السحب ~~المتكسرة، وتصبغ المنظر بذهب من أشعتها الساطعة، والغدير الهادئ ينحدر بلطف بين أشجار ~~الصفصاف العارية، والطبيعة لا تزال تظهر كل جمالها العجيب، وتعرض أبدع المناظر، بيد أن ~~قلبي لا يشعر الآن وأنا أعمى لا أتأثر، ميت لا أتحرك، وكثيرا ما تمددت على الثرى، ~~ضارعا إلى السماء كي تحبوني بالدموع كما يضرع المزارع من أجل المطر ليرطب أرضه الجافة، ~~ولكنني أرى السماء لا تمنح المطر ولا ضوء الشمس بالإلحاحات المفرطة. إن أوقاتي العافية، ~~التي تمزق ذكراها صميم قلبي، كانت ملأى بالسعادة؛ لأنني انتظرت بصبر إرادة السماء، ~~وكنت شاكرا كل نعمها. # | الرسالة الخامسة والسبعون # 8 نوفمبر # عذلتني شارلوت برفق لإفراطي في الأيام الأخيرة؛ لأنني، والحق يقال يا صديقي العزيز، قد ~~زدت المقدار العادي لي من النبيذ منذ زمن ما؛ لأغرق به الألم، قالت: «أرجوك ألا تفعل، ~~فكر في شارلوت.» «وا حسرتاه! ما أقل الحاجة إلى تلك النصيحة! إنني أفكر فيك، وأكثر ~~من أن «أفكر»، أنت دائما نصب عيني، أنت أبدا في فؤادي. لقد كنت جالسا هذا الصباح في ~~المكان الذي جلست فيه اليوم الغابر ...» وهنا غيرت الموضوع. # حقا ms74 أيها الصديق إنني ألعوبة وحسب، تستطيع هذه المخلوقة العزيزة المقدسة أن تحركها، ~~وأن تجعلها تفعل ما تريد. # | الرسالة السادسة والسبعون # 15 نوفمبر # أشكر بإخلاص لصديقي نصيحته الرقيقة، وخصوصا لمحاولاته الكريمة كي يصلح من مركزي، ولكن ~~لم هذا العناء الذي لا يجدي؟ اتركني لنفسي، أنا تاعس، ولكنني لا أزال أستطيع تحمل آلامي. # 1 # | الرسالة السابعة والسبعون # 21 نوفمبر # لا تكاد تدري شارلوت أنها تحضر لي سما أرى من المحتمل جدا أن يهلك كلينا؛ فهي ~~تقدم لي الشربة القاتلة، وأنا أبتلعها في جرع كبيرة. ما معنى تلكم النظرات الرقيقة ~~تلقي إلي في بعض الأحايين - تلك الوداعة تصفى إلى كل عاطفة تفلت اتفاقا مني، ذلك ~~الحنو أقرؤه أحيانا في وجهها الملائكي؟ كنت أستأذنها أمس في الانصراف، فمدت إلي يدها ~~قائلة: «الوداع أيها العزيز فرتر.» العزيز فرتر، لقد أصابت صميم فؤادي، إنها المرة ~~الأولى التي أسمعها تدعوني بالعزيز ، لن أنسى أبدا أبدا هذا الصوت الحنون، لقد كررت قولها ~~ألف مرة حتى الآن! وحين ذهبت إلى فراشي الليلة الماضية صحت قهرا عني: «عم مساء أيها ~~العزيز فرتر.» ثم عدت إلى رشدي وابتسمت لهذه التحية أزجيها لنفسي. # | الرسالة الثامنة والسبعون # 22 نوفمبر # لا أستطيع التوسل إلى السماء لتكون لي شارلوت «قريبا»، على أنني كثيرا ما أتصورها لي ~~من قبل، ولا أستطيع التوسل لتكون لي الآن؛ لأنها من قبل لآخر. # إن أحزاني لا تثمر، وشكاواي لا تجدي، آه! هلا فارقني هذا الفؤاد! # | الرسالة التاسعة والسبعون # 24 نوفمبر # شارلوت تشعر الآن بآلامي، وجدتها اليوم وحيدة، وغلبتني نظراتها فسكت، ثم حدقت بي ~~عيناها، فاختفت شعلة العبقرية، وتلاشى سحر الجمال، بيد أنه كان في محياها شيء يتكلم بقوة ~~يحدث عن أجمل الرحمة وأرق العناية. لم تمنعني التقاليد الباطلة من الركوع لدى قدميها، ~~من ضمها ومقابلة جميلها وشفقتها بآلاف من القبل، وفي أثناء حيرتي ذهبت إلى آلتها ~~الموسيقية، فأصحبت النغمات الحزينة بصوتها العذب الرقيق، ولم أر من قبل في شفتيها هذه ~~الحلاوة، فكأنهما لا تنفتحان إلا لتلقي نغمات الآلة، ولتعاونا اهتزازها ms75 بتوازن مزدوج. ~~ولا أستطيع وصف شعوري؛ فقد خارت قواي، فانحنيت إلى أسفل وأنا أتلفظ بهذا الاحتجاج ~~الهادئ: «أيتها الشفتان الجميلتان، وكأن الملائكة تحرسكما، لن أفكر في تدنيسكما قط.» على ~~أنني كيف أتمنى أن أذوق هذه السعادة، ولكن لا، مستحيل! إن بيننا حاجزا أبديا، ولكن ~~إذا أتيح لي أن أعيش لحظة واحدة على هاتين الشفتين، لرضيت الموت في اللحظة التالية ~~بسرور. # | الرسالة الثمانون # 26 نوفمبر # أحسب في بعض الأحايين أن حظي فذ وحيد، وأن سائر الناس ناعمون وأنا وحدي الملعون، ثم ~~أتصفح قول شاعر قديم، فأقرأ ما يأتي كأنه يعبر عما بنفسي: «متى تنتهي هذه الأحزان؟ أهناك ~~شقي مثلي؟» # | الرسالة الحادية والثمانون # 30 نوفمبر # أرى أن مصيري قد قرر، وكل شيء يأتمر ليزيد من غمي ويومئ إلى حظي القابل. # لم تكن لي شهية للطعام في وقت الغداء اليوم، فسرت وحدي بجانب شاطئ النهر، وظهر الخلاء ~~أمامي مهجورا، وكان اليوم معتما، وهبت ريح شرقية باردة من التلال، وحامت فوق السهل ~~سحب سوداء مثقلة، ورأيت عن بعد رجلا يرتدي معطفا باليا يتجول بين الصخور، باحثا ~~كما يظهر عن نباتات، وما دنوت منه حتى التفت إلي، فرأيت وجها قد ارتسمت عليه بوضوح ~~علامات الكآبة الطويلة، وكان شعره الأسود الجميل منسدلا بلا انتظام على كتفيه، فتساءلت ~~عما يبحث عنه، فأجاب وهو يتنهد تنهيدة بعيدة: «أبحث عن الأزهار يا سيدي، ولكنني لم ~~أجد بعد ولا واحدة.» فخبرته أن الفصل ليس بفصل الأزهار، فقال: «ولكن هناك أزهارا ~~كثيرة مع ذلك، وعندي ورود وزنبق كثير من صديقتي، وقد أعطاني أبي نوعا واحدا، وهي تنمو ~~بكل مكان. لقد مضيت هذين اليومين في البحث، ولكنني لا أجد واحدة، إن هناك دائما أزهارا ~~صفراء وزرقاء وحمراء في الحقول هنا، خصوصا القنطورس الذي ينمو في لمم جميلة، ومع ذلك لا ~~أجد ولا واحدة من أي نوع.» فسألته لم يريد هذه الأزهار، فابتسم وقال رافعا إصبعه ~~مرتابا: «ولكن لا تخبر أحدا، لقد وعدت فتاتي العزيزة باقة منها.» فقلت: «هذا حسن.» ~~فقال: «أوه، إن ms76 عندها كل شيء؛ فهي غنية جدا جدا.» فقاطعته: «ولكنها تخص بالحب ~~باقاتك.» فقال: «أوه، عندها مجوهرات وتاج.» فسألته عن اسمها، ولكنه استمر يقول: «وإذا ~~نقدتني الهيئة # 1 # الممثلة لكنت رجلا آخر، يا لنفسي! لقد مضى علي وقت كنت فيه سعيدا، ~~سعيدا جدا جدا، ولكن لقد مر ذلك الزمن، لقد فات، لقد فات.» وهنا رفع عينيه ~~الدامعتين إلى السماء، فقلت: «إذا لقد «مضى عليك وقت «كنت» فيه سعيدا».» فأجاب: «آه! ~~إنني لأود من السماء أن أعود كما كنت، نعم، لقد كنت سعيدا فرحا راضيا مسرورا، كنت ~~كالسمكة في الماء.» # واقتربت امرأة عجوز وهي تصيح: «هنري، هنري! أين كنت؟ لقد بحثت عنك في كل مكان، تعال ~~فقد جهز الغداء.» وسألتها عما إذا كان ولدها، فأجابت: «بلى، ولدي التاعس المسكين؛ لقد ~~أراد الله أن يرمينا بهذا البلاء.» فتساءلت عما إذا كان مضى عليه وقت طويل في هذه ~~الحالة، فأجابت: «لقد مضت ستة شهور على وجه التقريب وهو ساكن كما هو، الحمد لله، وكان ~~قضى عاما كاملا، وهو هائج مقيد بالسلاسل في مستشفى للمجانين، أما الآن فهو لا يتعب ~~ولا يضر أحدا، على أن حديثه كله عن الملوك والإمبراطرة. لقد كان شخصا فاضلا، وعضدني ~~فيما مضى، وكان يكتب بخط جميل، ولكنه انقلب فجأة كئيبا منقبضا، وأصيب بحمى محرقة، ثم ~~صار مجنونا هائجا، وهو الآن كما ترى.» فقاطعتها بالاستفسار عن الزمن السعيد الذي أشار ~~إليه، فأجابت وعلى شفتيها ابتسامة رحمة: «آه! يا لولدي المسكين! لقد كان ذلك يا سيدي حين ~~كان هائجا مقيدا، وهو لا يفتأ ينعى ذلك الزمن.» فدهشت وألقيت في يدها بعض المال، ثم ~~افترقنا. # وحين أسرعت عائدا في طريقي كنت أقول لنفسي: «لقد كنت سعيدا، لقد كنت حينذاك كالسمكة ~~في الماء، أهذا مصير الإنسان؟ أيكون سعيدا فقط قبل أن يبلغ العقل وبعد أن يفقده؟ يا ~~للشقي المسكين! ومع ذلك فإنني أحسدك على حالك، أنت مليء بالآمال، تذهب لتجمع الأزهار ~~لمليكتك في الشتاء، ثم لا تجد أزهارا فتستاء، ولا تستطيع أن تفسر استياءك. ms77 أما أنا ~~فأسير بلا أمل ولا غاية، ثم أعود كما كنت، ويظهر لخيالك المختلط أنه إذا نقدتك الهيئة ~~الممثلة لكنت رجلا ذا قيمة، ومن حسن حظك أنك لا تستطيع أن تعزو آلامك إلى أي قوة غريبة، ~~أنت لا تعلم، أنت لا تشعر أن كل ألمك يخرج من عقل هائج ومخ مختبل، وأن كل ملوك العالم ~~ليس في مكنتهم أن يساعدوك. # فليموتوا بلا أمل أولئك الذين يستطيعون أن يضحكوا من المريض يسافر إلى الينابيع البعيدة ~~ليزيد فقط من شكواه، وليجعل الموت أشد إيلاما! أو من ينتصرون على النفس اليائسة التي ~~تحج إلى الأرض المقدسة لتخفف من وخز الضمير ولتهدئ الفكر. إن كل خطوة من الطريق الوعر ~~الذي يمزق قدميه بلسم لفؤاده، وكل ليلة من رحلته تدنو به من الأمل والعزاء. أفتجرءون أن ~~تسموا هذا إسرافا، أنتم يا من ترفعون أنفسكم على أرجل من خشب لتلقوا خطبا زاهرة؟ ~~إسراف! يا للسماء ! ألا يكفي حظنا المقسوم من الشقاء دون أن تزيده حماقة جيراننا المزعجة؟ ~~إن الكرم المقوي النافع، والنبات الشافي، والعون والصحة المنجية؛ كلها ترتيبات إلهية، يا ~~أبانا القادر على كل شيء، والذي لا أعرفه، أنت يا من كنت تبدل وحشة روحي انتعاشا، ~~لم نبذتني؟ استدع عبدك الهائم، وألق على فؤاده العزاء؛ إن روحي ظمأى وراءك، ولا ~~تستطيع تحمل صمتك، وهل يغضب والد من ولده الذي يدخل فجأة إلى حضرته، فيتعلق بعنقه ~~صارخا: اغفر لي يا أبي العزيز؛ لأنني اقتضبت رحلتي وعدت قبل وقتي المحدد، لقد وجدت ~~العالم في كل مكان سواء، العمل والعناء والسرور والجزاء، كلها لم أعبأ بها، في حضرتك فقط ~~توجد الهناءة، وأنا أبحث عن حضرتك، ولتكن العاقبة كما تكون.» # | الرسالة الثانية والثمانون # أول ديسمبر # آه يا صديقي! لقد كان ذلك المجنون المسكين البائس - الذي ذكرت لك في رسالتي السابقة، ~~والذي يحسد شقاؤه كثيرا - كاتبا لأبي شارلوت، ثم علق بها لسوء الحظ، وحفظ وجده ~~وأخفاه، ولكنه باح به أخيرا؛ وعلى ذلك فصل، وصار إلى الجنون الذي وصفت. # تصور - إذا استطعت ms78 - التأثير الذي تحدثه في تلك القصة المقتضبة التي حدثني بها ألبرت ~~بلا مبالاة وهدوء كالذي يحتمل جدا أن تقابلها به الآن. # | الرسالة الثالثة والثمانون # 4 ديسمبر # حقا أيها الصديق ليس في استطاعتي البقاء على حالتي هذه، كنت اليوم مع شارلوت، وكانت ~~تعزف على آلتها الموسيقية بشكل يقصر دونه كل وصف، وكانت أختها الصغيرة تلبس عروسها على ~~حجري، وانحدرت الدموع على خدي، ورأيت بانحناءة مني خاتم الزواج، فزادت دموعي حتى فاضت ~~كالسيل، ثم بدأت حالا في نغم محبب طالما سرني وهدأ مني، فأتى بالعزاء المطلوب للحظة ~~ما، ولكنه سرعان ما أعاد لي ذكرى أوقاتنا السعيدة الداثرة، الشقاء واليأس! فذعرت، وتمشيت ~~في الغرفة بخطوات مسرعة، ثم ذهبت إليها أخيرا، وصرخت بحدة: «بحق السماء، أمسكي عن هذه ~~النغمة.» فأمسكت وحدجتني بنظرة، ثم قالت وهي تبسم ابتسامة أصابت من فؤادي الصميم: ~~«حقا يا فرتر، إنني أخاف أن تكون مريضا؛ فإنك لتنفر نفورا غريبا من غدائك الذي تحبه ~~كل الحب، أرجو أن تذهب فتحاول تسكين نفسك.» ففارقتها. أيتها السماء! أنت ترين آلامي، ~~وإنني لواثق أنك ستضعين لها حدا. # | الرسالة الرابعة والثمانون # 6 ديسمبر # يلازمني خيال شارلوت، فيراها فكري المعذب، صاحيا كنت أو نائما، وإذا بحثت عن الراحة ~~وجدت عينيها القائمتين المجبورتين مطبوعتين على ذهني، وهنا لا أستطيع أن أعبر عما ~~بنفسي، ولا أكاد أطبق جفني المتعبين حتى أرى صورتها الحلوة تمر أمام خيالي، ويخمد ~~طيفها الوهمي كل قواي. # وما الإنسان؟ هذا النصف الإله الفخور؟ إذا ما أراد العمل هجرته قواه، وسواء أسبح في ~~تيار السرور، أو اعترض في عباب الشقاء، وجب عليه أن يقف يوما، ولو كان الخلود أمله؛ فهو ~~واثق أنه سيعود سريعا إلى كيانه البارد الأصلي. # | من المؤلف إلى القارئ # كي نضع للقارئ بيانا أكثر ارتباطا عن أيام فرتر الأخيرة، لزم علينا أن نعترض سير ~~رسائله برواية قصيرة، جمعت معلوماتها من النائب الشيخ، وألبرت وشارلوت وخادمه، ~~والقوم الذين ساكنهم. # أما الوجد المنكود الذي نزل بفرتر من شارلوت، فقد قلل على مهل من الوفاق ms79 الذي كان ~~في البداءة بينها وبين ألبرت، وكان حب الزوج خالصا، بيد أنه معتدل، وقد ذهب به ~~تدريجا غرامه بالعمل، ولكنه لم يشعر، ولم يفكر قط أن هناك بونا كبيرا بين أيام ~~الخطبة وأيام الزواج. على أن تعلق فرتر الظاهر بزوجه سبب له قلقا خفيا؛ فإن ~~ذلك التعلق لم يكن تعديا على حقوقه وحسب، بل تأنيبا مضمرا لإهماله إياها، ~~وزادته قلقا وانزعاجا المصاعب المتزايدة في وظيفته وكسبه المتضائل. # أما الحزن المخيم على فكر فرتر فقد أخمد نار عبقريته، وحرمه من نشاطه وسرعة ~~خاطره، فجعله بطيئا خاملا في الجماعة، وكانت شارلوت تراه كل يوم، وأثر فيها ~~بالطبع تغيره السريع، فصارت بدورها خاملة مفكرة، وحسب ألبرت تلك الكآبة تأثير ~~شغفها المتزايد بمحبها، بينا عزاه فرتر إلى إهمال زوجها الظاهر لها، وجعل فقدان ~~الثقة التي كانت دائما بين هذين الصديقين اجتماعهما معكرا، فلا يدخل ألبرت إلى ~~غرف زوجه قط حين يعلم أن فرتر هناك . ولحظ فرتر استياءه فسعى جهده عبثا ليوقف ~~زوراته كلية، وصار لا يرى شارلوت إلا إذا علم أن زوجها مشغول، وزادت هذه الزيارات ~~السرية في قلق ألبرت وغيرته، فانتهز فرصة أخبر فيها زوجه أنه إذا كان محتما ~~عليها لقاء فرتر بحكم المجاملة، وجب عليها أن تغير من معاملتها له، وألا تقبل ~~زياراته بهذه الكثرة، وفكر المنحوس فرتر حوالي هذا الوقت في الانتحار، وكان هذا ~~موضوع تفكيره منذ عهد بعيد، خصوصا بعد عودته من جوار شارلوت، وكانت الفكرة محببة ~~إليه أبدا، ولكنه لم يرد أن يقترف هذا العمل الجدي بتسرع وطيش؛ فقد صمم أن يكون ~~رجلا بعزم، ولكن بهدوء. # وفي الثاني من ديسمبر زار شارلوت كالعادة، فوجد بأسرتها اضطرابا كبيرا، وأخبره ~~أكبر إخوتها أن السبب في هذا الارتباك العام كارثة محزنة حلت في الليلة الماضية؛ ~~فقد قتل فلاح، ولم يهتم فرتر في بادئ الأمر بالخبر كثيرا، فدخل إلى الغرفة التي ~~كانت بها شارلوت، ورآها تلح بجد على أبيها، الذي كان مهتما بالبحث في ظروف هذا ~~القتل، ألا يحاول الخروج محتجة بمرض ms80 الأخير القاسي، وأسفر البحث عن أن الجثة ~~وجدت في الفجر أمام باب منزل، أما الجاني فلم يعرف بعد، ولكن هناك شكوكا ~~كبيرة؛ فقد كان المقتول خادما لأرملة كان لها في السابق خادم ترك خدمتها باستياء ~~ظاهر، وذعر فرتر لهذا الخبر، فقام مسرعا وهو يقول: «أممكن هذا؟! يجب أن أذهب إلى ~~والهيم.» وازدادت وساوسه، وبدأ يوقن أن ذلك الشاب الفلاح الذي لقيه مرارا، والذي ~~مال إليه كثيرا هو الجاني التاعس. # وما وصل إلى الفندق الذي كان محوطا بسكان البلدة، حتى سمع ضجيجا عاما، ورأى ~~على مسافة قوما مدججين بالسلاح، بينا ارتفعت الأصوات بأن الجاني قد قبض عليه، ~~وتحققت الآن ريب فرتر؛ فقد كان هو الشاب الذي يهوى الأرملة، والذي لقيه منذ غير ~~بعيد هائما، وعلى وجهه نظرات الغضب المنكتم واليأس الخفي. واقترب من السجين ~~قائلا: «أيها الشقي المسكين! ماذا صنعت؟» فنظر إليه الشاب نظرة عادية هادئة، وظل ~~ساكتا بضع دقائق، ثم صاح أخيرا: «لن ينالها أحد، لن يملكها غيري قط.» واقتادوا ~~السجين إلى الفندق، ورحل فرتر على عجل. # وهاجه هذا المنظر المحزن فاشتد غمه إلى حد لا يوصف، وصحبت عطفه الذي أثاره ~~الغم رغبة لتنجية المحب المسكين، ورآه عاثر الحظ حتى حسبه بريئا وهو جان. ~~وأثرت فيه هذه الفكرة حتى خال في مكنته إظهار براءته، فعاد بأقصى ما استطاع من ~~سرعة، ودخل غرفة النائب خائر القوى لا يكاد يقوى على التنفس؛ ليحادثه في صالح ~~السجين. ولقي ألبرت هناك فجأة، فزاده هذا اللقاء غير المنتظر انزعاجا، على أنه ~~حاول أن يجمع قواه، وبدأ يدافع بحماس عن الدافع للشاب إلى جنايته، وفي أثناء شفاعته ~~الحارة القصيرة، هز النائب رأسه كثيرا، ثم قاطعه أخيرا بتعنيف حاد لدفاعه عن ~~قاتل، قائلا: «إذا فلا فائدة من القانون، ليس ثمة أمن إذا وقعت مثل هذه ~~الرحمة المخطئة. وفوق هذا، فعلي القيام بواجبات المحقق، وسيأخذ القانون مجراه ~~الرسمي.» # واستمر فرتر في دفاعه رغم هذا التثبيط، حتى لمح إلى أنه في المستطاع إعطاء الشاب ~~فرصة للفرار، وأن يقدم هو ms81 يد المساعدة في ذلك، وهنا أظهر ألبرت الذي كان صامتا ~~مصغيا كل هذه الأثناء آراءه المطابقة لرأي النائب، والتي خيبت فرتر حتى ترك الغرفة ~~في أشد التهيج، والشيخ يقول: «ذلك محال، يجب ألا ينجى.» # ويظهر من خلال رسالته الآتية عظيم الأثر الذي ألقته على ذهنه هذه الكلمات، وقد ~~كتبت هذه الرسالة دون شك في اليوم نفسه، ووجدت بين أوراقه بعد. # | الرسالة الخامسة والثمانون # أيها الشاب الشقي! إن هلاكك محقق، ولن تنجو. أواه! إن الفناء البين ينتظر ~~كلينا. # ويظهر أن فرتر قد أثر فيه كثيرا ما قال ألبرت؛ فقد ظن ملاحظاته موجهة إليه، ولو أنه ~~إذا أمعن في النظر لاقتنع بعدل آراء هذين السيدين، على أن التهكم الذي تخيله وطد ~~عزيمته على الانتحار. ومن جزء رسالته الآتية إلى صديقه، والتي وجدت أيضا بين أوراقه، ترى ~~شكوكه ومحاولاته العديدة. # | الرسالة السادسة والثمانون # إن وجودها الجليل، وابتساماتها الحلوة، والاهتمام الذي تظهره بمصيري، ليكاد يسيل دموعي من ~~مخي المختل المتعب. # لم يستطع الفلاح المسكين أن يفقد عشيقته، لم يتحمل مزاحما في حبه. وا حسرتاه! لم كان ~~النائب عنيدا هكذا؟ لقد كان من الممكن أن ينجو. إسدال الستار، والمرور إلى الجهة ~~الأخرى، وينقضي الأمر. لم إذا هذه الشكوك، هذه المخاوف؟ لأننا نجهل ما يأتي بعد، ~~وليست العودة من المستطاع، فحيثما كان الشك، ارتبك العقل بطبيعته وروع. # ولم ينس فرتر قط الإهانات التي لحقته أيام كان كاتم سر للسفير، بل على العكس لذعته في ~~أعماق فؤاده، وشعر بنفسه مهانا مجروح الكبرياء؛ ولذا كره كل الأعمال العامة والشئون ~~السياسية. ومنذ ذلك الحين سخط على الدنيا، فعكف على تلك الأفكار المتطرفة، تلك العواصف ~~الغريبة التي تضمها رسائله، وهذا الحب المنكود اللامحدود، الذي يبتلع قوته الباقية، وقد ~~اجتمع عليه جمود الحال، والحزن المتصل بزوراته لألطف وأجمل بنات جنسها التي عكر عليها ~~صفاء ذهنها ومنازعاته وعراكه، واعتقاده أنه يعيش للا شيء، ليوطد عزيمته على ترك عالم ~~نكد. # وفي الرسائل التالية وغيرها التي تركها شهادة كافية على اضطراب باله. # | الرسالة السابعة ms82 والثمانون # 12 ديسمبر # حقا أيها الصديق، إنني متأثر كهؤلاء الأشقياء المساكين الذين كانوا يظنونهم مصابين ~~بمس من الجن؛ فأنا عرضة للفزع الفجائي والانفعالات الغريبة، ليس هذا بألم وليس بوله، ~~ولكنه غضب خفي يسيطر على عقلي، ويكاد يخنقني. # وبينا أكون في هذه الحالة المنحوسة إذ أنهض فجأة، وكثيرا ما أهيم في منتصف الليل بين ~~تلك المسارح المظلمة التي تكثر في هذا الفصل غير المحبوب. هكذا استملت لأجول في الليلة ~~الغابرة؛ فقد سمعت أن النهر والجداول المجاورة قد فاضت، فغمرت الأرض من والهيم إلى ~~وادي المحبوب، وهناك عدوت بعد الساعة الحادية عشرة، وكان المنظر حالكا رهيبا، والقمر ~~وراء غمامة، ولكن قبسا من أشعته المنتشرة كان يكشف الأمواج المزبدة الفائضة في الحقول ~~والمصطدمة بالأحراش، وكأن الوادي جميعا بحر متلاطم تثيره الرياح العاتية، وبزغ القمر من ~~غمامة مظلمة فزاد بجلاله اضطراب الطبيعة، ولم تكن الأصداء تردد وحسب عجيج الأمواج ~~وهزيز الرياح، بل كانت تردها مزدوجة، وأشرفت على الهاوية. لقد أردت ولكني ارتعدت ومددت ~~ذراعي وانحنيت وتأوهت ثم نسيت نفسي، أفكر مسرورا في دفن كل مصائبي وعذابي في تلك الهوة ~~وهياج الأمواج. # لم تثبت قدماي على الأرض؟ ولم لم تضع نهاية لأحزاني؟ بيد أنني أشعر بالحقيقة أيها ~~الصديق؛ فلم تأت ساعتي بعد. إيه! وباي سرور كنت أغير من طبيعتي، فأتصل بالإعصار ~~وأمزق الغمام وأثير الأعماق. # ورأيت على أسف مني بقعة صغيرة جلست فيها بجانب شارلوت بعد جولة صيف تحت شجرة صفصاف، ~~وكانت هذه أيضا غارقة في الماء، وبالجهد ميزت الشجرة. آه أيها الصديق! لقد فكرت حينذاك ~~في بيت النائب والحقول المحيطة به، ونزهنا المحبوبة والمخابئ الخضراء، كل هذا ربما ~~أفسده السيل. ومزقت فؤادي ذكرى هذه الدقائق الغالية، وهكذا يذكر الأسير النائم بأحلامه ~~تلك النعم التي حرم منها، وتقهقرت على أنني لا ألوم نفسي؛ فأنا لا أزال شجاعا ~~لأموت، وهكذا يجب علي. # وأنا الآن كامرأة عجوز خائرة القوى، تلتقط جاف العصي بجانب السياج، وتلتمس الخبز من ~~بيت إلى بيت لتطيل حياة بائسة. # | الرسالة الثامنة والثمانون # 14 ms83 ديسمبر # لا يزال فكري مضطربا أيها الصديق، ولو أنني لا أستطيع لذلك شرحا. أليس حبي لشارلوت ~~أنقى الحب وأقدسه؟ أليس حب الأخ لأخته؟ وهل فكرت في رغبة دنسة قط؟ ليس ثمة ضرورة ~~للأقسام التي تثبت طهارتي. والآن هذه الأحلام، يا للسماء! لقد صدق حقا من عزى العواطف ~~المناضلة لقوى غريبة. # حتى الليلة الماضية - إنني لأرتجف وأنا أخط هذا - الليلة الماضية، أمسكتها بين ذراعي، ~~وضممتها إلى صدري، وعلى شفتيها المرتجفتين طبعت قبلات حارة ناعمة، وكانت عيناها تفيضان ~~رقة سائلة، وعيناي تسطعان بالفرح والسعادة، أيكون السرور الذي أشعر به الآن لذكرى هذه ~~السعادة الوهمية جريمة؟ آه! شارلوت، شارلوت، إن هلاكي محقق، وليس في استطاعتي تحمل ~~هذه الحال المزعجة المختلة. أنا مضطرب، ولم أكن نفسي طول هذا الأسبوع، وعيناي غارقتان ~~بالدموع، وسواء لدي أينما كنت؛ لأنني لا أجد الراحة في أي مكان. لا أبغي شيئا، بيد أنني ~~أرغب كل شيء، يا لنفسي! خير لي أن أترك هذا العالم بلا إبطاء. # | الرسالة التاسعة والثمانون # 20 ديسمبر # أحمد لصديقي مشورته الخالصة الكيسة عما يجب أن أفعل، نعم. لقد ألححت علي بصدق أن ~~أغادر مكاني توا، ولكن نصحك لي بالعودة مباشرة إلى جواركم لا أستحسنه بوجه ما، وأرى ~~أن جولة في طريقي الخيالي ذات تأثير أفضل على أفكاري المشتتة، خصوصا ونحن ننتظر الآن ~~الجليد، وبالتالي طرقا حسنة. وإن صداقتك لتسحرني حين تقترح مجيئك إلى هنا للبحث عني. ~~على أنني أرجوك أن تؤخر عزمك نحو عشرة أيام أو أسبوعين، وألا تبدأ في سفرتك حتى تصلك ~~رسالة أخرى مني، يجب ألا تتعجل في قطف الثمار قبل نضجها، وأسبوعان كما تعلم سواء قبل أو ~~بعد لهما تأثير مادي. اطلب إلى أمي أن تذكرني في صلواتها، وأكد لها أنني آسف للأسى الذي ~~جلبته لها دون قصد مني. وا حسرتاه يا صديقي! لقد قدر لي أن أرسل الشقاء حيث أرغب كل ~~الرغبة في منح السعادة. # الوداع يا أعز الأصدقاء، ولتغدق عليك أبدا كل النعم التي أنت بها جدير، ولست أرغب لك ms84 ~~في أكثر من ذلك. الوداع. # وفي اليوم الذي خط فيه فرتر هذه الرسالة الأخيرة - يوم الأحد السابق للميلاد - زار ~~شارلوت في ظلمة المساء، فوجدها منفردة منهمكة كعادتها السنوية في تهييء هدايا الميلاد ~~لأخواتها وإخوتها، فبدأ حديثه بملاحظات عن تحولات الفصل البسيطة، وعن السرور والرضى الذي ~~توحيه لنفوس الأطفال. وقالت شارلوت: «حسن، لك هدية أنت أيضا إذا سلكت مسلكا حسنا.» ~~قالت ذلك وهي تخفي بابتسامة رصينة اهتمامها العميق بأمره. فأجاب فرتر على الفور: «ماذا ~~تعنين بالمسلك الحسن يا عزيزتي شارلوت؟» فقالت: «الخميس القابل سيكون ليلة عيد الميلاد، ~~وسيكون أبي والأطفال هنا جميعا. فتعال أنت أيضا، وسيعطى كل هديته. ولكن لا تأت ~~قبل ليلة عيد الميلاد.» فظللت محيا فرتر دهشة فجائية وكاد يجيب، ولكن شارلوت منعته ~~بقولها: «حقا، يجب أن تكون كذلك. أريد أن يكون، كلا بل أطلب ذلك منك منة خاصة؛ لأن ~~هناك أسبابا قوية، قوية جدا.» ثم أضافت بصوت أرفق ونظرة ملؤها الفتنة، قائلة برفق: ~~«صدقني إنني أطلب هذه المنة لراحة كلينا وهدوئنا. آه يا فرتر! يجب ألا نستمر في حالنا ~~هذه، تعال إذا فاستعد حياتك الأولى، وتغلب على هذا الارتباط المنكود، هذه العاطفة ~~التي لا أجرؤ إلا على العطف عليها.» فأحنى فرتر رأسه وتأوه، ورأت شارلوت غمه، فأخذته ~~بيدها: «صبرا يا فرتر، كن مذعنا ولا تستسلم إلى هذا الضلال الذي لا ينتهي إلا بهلاكك. ~~ألست متزوجة؟ فلم تفكر بي إذا؛ حقا إنني أخشى أن ينهمك فرتر في هيام لا يجدي ~~لأنني متزوجة.» فنظر إليها نظرة استياء عميق وخوف قائلا: «حقا، أيكون هذا فكر شارلوت ~~الخاص؟» وانطلق يتمشى مسرعا جيئة وذهابا في الغرفة، ثم وقف فجأة وصاح: «كلا، لا يمكن ~~ذلك، بل هي الأفكار العقيمة، أفكار «ألبرت» الحانق.» فأكدت له شارلوت بكل ما استطاعت من ~~لطف في ذلك الموقف أن حبه الجامح قد أعماه عن الحقيقة، وأن هذه هي أفكارها، أفكار شخص ~~يحترم فضائله المحبوبة، أفكار من يعنى بصالحه، ويتأثر جد التأثر أن يراه مستسلما ~~لعاطفة قتالة. ثم قالت: «تعال ms85 استجمع نفسك، وفكر في كصديقة ودودة وحسب. تأمل كيف ~~يتألم العالم حين يحتجب عنه رجل بعبقريتك ومواهبك. عد إلى الدوائر الزاهية، وابحث عن ~~مهبط آخر لحبك، شخص يستحق هذا الحب، حر يستطيع أن يقابلك بمثله، وأنا الكفيلة لك بأنك ~~ستجد هذا الشخص، والتجربة جديرة على الأقل بعنايتك، والسفرة دون ريب ستهدئ من ذهنك ~~المضطرب. ولست بآيسة من التقائك بامرأة جديرة بك. ثم عد ثانية نقتسم هذا السكون البيتي، ~~فتخرج السعادة من الصداقة الاجتماعية.» فقال فرتر بابتسامة معنوية: «يا عزيزتي شارلوت، ~~يجب أن يطبع هذا الخطاب لفائدة المتحذلقين والأخلاقيين، أسألك رفقا لمدة وجيزة، وثقي ~~بعد ذلك أنه سينتهي كل شيء.» فقالت: «ولكن لا تدعني أراك يا فرتر قبل ليل الخميس.» وكان ~~على وشك أن يجيب، ولكن ألبرت دخل فجأة، فلقي فرتر بتحية باردة، وتمشى هذا جيئة ~~وذهابا في الغرفة بارتباك ظاهر، وتحدثوا عن موضوعات مختلفة ولكنها نسيت سريعا. ~~واستفسر ألبرت من شارلوت عن بعض طلبات طفيفة كان قد سألها إنفاذها ولقيها مهملة، فنطق ~~بلوم شديد جرح فرتر في أعماق قلبه، وأراد الانصراف، فلم يدر كيف يفعل، وبقي في حالته ~~المشوشة حتى زهاء الساعة الثامنة، وفي كل هذا الوقت كان هياجه وحدته يتزايدان، وأخيرا ~~هيأ ألبرت المائدة فاستأذن فرتر في الانصراف، ولم يدعه ألبرت إلى العشاء إلا بدعوة ~~باردة. # وعاد فرتر إلى منزله بغم عميق يمشي على مهل، فتناول الشمعة من الخادم، وصعد إلى غرفته ~~صامتا وحيدا، وسمع بعدئذ يبكي مر البكاء ويتكلم بجد، ويسير في غرفته. وأخيرا ارتمى ~~على فراشه دون أن يخلع ملابسه، واجترأ الخادم في الدخول إليه الساعة الحادية عشرة فسمح ~~له بمساعدته في خلع حذائه، ولكنه طلب منه ألا يدخل حتى يقرع الجرس. # ووجدت الرسالة الآتية مختومة في مكتبه بعد موته، وقد كتبت صباح الاثنين 21 ديسمبر، ~~فسلمت إلى شارلوت حسب العنوان الذي عليها، وها هي في حالتها المختلفة التي يظهر أنها ~~كتبت بها. # | الرسالة التسعون # شارلوت العزيزة # لقد قضي الأمر، وصممت على الموت، وها أنا أخبرك بذلك ms86 بملء الهدوء والتروي دون أي ~~تهيج فجائي، أي غضب مشتعل. # يا أعز النساء وأجملهن! قبل أن تقرئي هذه السطور، ستوارى رفات البائس المسكين ~~الهامدة في قبر بارد، البائس الذي كانت سعادته الكبرى في دقائقه الأخيرة أن يناجيك. ~~آه! يا لها من ليلة هائلة قضيتها، ليلة قلق وانزعاج متواصل! على أنني أسميتها ليلة ~~مباركة؛ لأنها أبعدت كل مخاوفي، ووطدت عقلي المذبذب؛ بلى فأنا مصمم على ~~الموت. # أمس حين تركتك كانت حواسي كالعناصر معقودة بالغيوم مضطربة، وكان قلبي حزينا بلا ~~أمل، بلا شعاع واحد من السرور، وكان كل جثماني باردا كالثلج. ووصلت مأواي بالجهد، ~~فدخلت غرفتي وارتميت على ركبتي، وساعدتني السماء للمرة الأخيرة بمخلص لي من الدموع ~~الغزيرة. وهز نفسي المعذبة ألف رأي وألف اقتراح، وأخيرا تأصلت في تلك الفكرة ~~التي طالما خطرت لي؛ فكرة الموت. # ليس هذا باليأس، ولكنه اعتقاد بأن الحياة لا تستحق الحياة؛ لقد أتممت آلامي دون ~~ريب؛ لأن كأس الحزن قد طفح، وقد وصلت الآن إلى الغرض، ويجب أن تحصل التضحية في سبيل ~~السعادة. بلى يا شارلوت العزيزة، سعادتك أنت. أحد ثلاثتنا يجب أن يموت، فهل يتردد ~~فرتر في أن يكون ذلك الواحد؟ آه أيها الملك المحبوب، لقد خامر هذا العقل الشارد ~~المسيطر عليه الغضب والجنون أكثر من مرة فكرة هائلة شيطانية؛ فكرة قتل زوجك! فمن ~~العدل إذا أن أموت. # وفي الساعة العاشرة من الصباح نادى فرتر خادمه، فأمره أن يرتب ملابسه، وأن يطلب بيان ~~معاملاته، وأن يعيد بعض كتب قد أعيرت في الخارج، وأن يوزع مرتب شهرين على الفقراء ~~الذين تعودوا منه عطاء أسبوعيا؛ لأنه بعد بضعة أيام سيرحل رحلة طويلة. # وتناول طعام الإفطار في غرفته، ثم امتطى جوادا إلى دار النائب ولم يجده، فتمشى وحده ~~في الحديقة، وعكف يستعيد ذكريات مؤلمة، وكان الأطفال في شوق إليه، فعبثوا بوحدته راقصين ~~لاعبين حوله، وهم يقولون إنهم بعد غد، وغدا، ويوما آخر، سيتناولون هدايا الميلاد من ~~أختهم. ثم بدءوا كما توحي إليهم خيالاتهم المحببة يصورون له ما ينتظرون من ms87 الأشياء ~~المدهشة. فصاح: «غدا، ويوما آخر!» ثم تهيأ للرواح، وضمهم واحدا بعد الآخر بحنو ~~كبير، واستوقفه أصغرهم، قائلا إن أخاه الأكبر قد كتب أبيات تهنئة لطيفة جدا بالعام ~~الجديد إلى جميع الأصدقاء، وإنها ستقدم في يوم رأس السنة إلى الوالد، وإلى ألبرت، وإلى ~~شارلوت، وإلى فرتر. وأثر فيه هذا كثيرا، وخانته شجاعته فأعطى كلا منهم هدية، وسألهم ~~أن يقدموا إلى والدهم كثير احتراماته، وفارقهم منفعلا جد الانفعال. # وعاد إلى منزله، فطلب من الخادم أن يبقي النار مشتعلة، وأن يضع الكتب والتيل في قاع ~~الحقيبة وفوقها ملابسه. ويظهر أن الرسالة التالية إلى شارلوت كتبت في ذلك الوقت. # | الرسالة الحادية والتسعون # أي حبيبتي # أنت لا تنتظرينني! وتظنين أني سأطيعك، وأنني لا أراك قبل ليلة يوم الميلاد. آه ~~أيها الملك العزيز، اليوم أو أبدا! ليلة يوم الميلاد ستمسكين هذه الورقة بيدك ~~المرتجفة، وتبللينها بدموع الرحمة. # أجل يا شارلوت! لقد حتم ذلك، وأنا راض كل الرضى بأنه قد قرر أخيرا. # وزار شارلوت في الساعة السادسة من مساء ذلك اليوم، ولم تكن ثم فرصة لإنكار نفسها؛ فقد ~~اندفع داخلا ووجدها جالسة وحدها، واضطربت حين رأته أيما اضطراب؛ فقد أكدت لألبرت في ~~محادثة أخيرة معه أن فرتر لا ينوي أن يعود حتى ليلة يوم الميلاد، وعلى هذا ركب لإنجاز ~~بعض المهام مع رطوبة اليوم، وساءتها جدا هذه المفاجأة القاسية، ولكنها كانت شاعرة ~~ببراءتها؛ فهي تحب زوجها وتعطف على فرتر، وما كاد يظهر حتى بادرته والدموع في عينيها: ~~«فرتر لم تف بوعدك.» فأجاب: «لم أعد.» فقالت: «ولكن كان عليك أن تذعن لرغبتي لفائدة ~~كلينا.» ثم أرسلت في الحال تطلب بعض أصدقائها، وسألتهم البقاء معها هذا المساء، لا ~~ليكونوا شهودا على حديثهما وحسب، ولكن ليسرع فرتر في الانصراف متى وصلوا، وأحضر إليها ~~بعض الكتب، فكانت مع أخرى قد أعارها إياها موضوع حديثهما، ثم فتحت هي موضوعات أخرى في ~~الوقت الذي انتظرت فيه وصول أصدقائها. ولكن الخادم عاد يحمل اعتذارات من الجميع، ~~وحيرها هذا قليلا، على أن شعورها ببراءتها ms88 أعاد إليها هدوءها، وشعرت بنفسها ملهمة ~~بثقة ممدوحة تحمي عقلها من شكوك ألبرت الدنيئة، وفكرت في بادئ الأمر في إبقاء الخادمة ~~معهما في الغرفة، ولكن اقتناعها بطهر فؤادها رد هذا العزم؛ فذهبت إلى آلتها الموسيقية، ~~ووقعت بعض أنغامها المحبوبة حتى هدأت تماما، ثم جلست إلى جانب فرتر على الأريكة، ~~وسألته عما إذا كان لديه شيء يقرؤه لها، فأجاب برزانة: «كلا.» فصاحت: «إذا فافتح هذا ~~الدرج تجد ترجمتك «لأغاني أوسيان» التي لم أقرأها بعد، وأنا أعلم أنها تكون أفضل بكثير ~~إذا خرجت من بين شفتيك، ولكنك كنت كسلان في العهد الأخير فلم أرد أن أسألك.» # فابتسم وبحث عن الكتاب المخطوط، ولما تناوله ظهر عليه انفعال فجائي، ثم جلس وقد دمعت ~~عيناه، وأخد يقرأ بصوت مرتجف حتى وصل بعد وقت ما إلى هذه الأبيات المؤثرة؛ حيث يندب ~~أرمن فقد طفلته المحبوبة: # هناك على صخرة يلطمها البحر، # سمعت ابنتي الوحيدة تنتحب، # وا حسرتاه! لقد كانت أناتها كثيرة عالية . # فعبثا كان عون الوالد. ~~••• # وقفت على الشاطئ كل الليل، # ورأيتها جليا على أشعة القمر الشاحب، # وسمعت طول الليل صرخاتها المفتتة للفؤاد، # رغم دوي الرياح ووابل المطر. ~~••• # وقبل وضوح النهار المنير، # خفت صوتها الضعيف المرتجف، وا حزناه! # كما يسكت نسيم المساء العليل، # الذي يمر على حشيش الصخرة الأهيف. ~~••• # لقد أضناها الحزن فماتت. # وخلفتك وحيدا يا أرمن المسكين. # لقد ضاع بأسك في الحرب، # وتلاشى فخرك بين النسا. ~~••• # وإذا ما قصفت العاصفة من الجبال، # وارتفعت اللجج عالية، # جلست على الشاطئ المتجاوب الحزين، # على الصخرة، الصخرة القاتلة، ثم حدقت. ~~••• # وكلما غاب القمر، # رأيت أشباح أطفالي الأعزاء تتمشى، # وتظهر نصف محتجبة عن نظري، # وهي تتكلم معا حزينة. ~~••• # ألا يتكلم أحدكم رحمة بي؟ # ولكنهم لا يرون أباهم فيذهبون. # أنا حزين، حزين جدا حقيقة؛ # لأن مصيبتي هائلة! # وهنا طفح سيل الدموع من عيني شارلوت، فخفف من الضغط الشديد على فؤادها، فرمى فرتر ~~بالورقة وأمسك يدها فبللها بدموعه، واستندت شارلوت على ذراعها الثانية، ووضعت منديلها على ~~عينيها؛ فقد كان كلاهما في شدة التأثر؛ ms89 إذ أحيت هذه القصة المحزنة مصائبهما، وأثارت ~~عواطفهما المتبادلة. وألصق فرتر عينيه وشفتيه الملتهبتين بذراعها المرمرية، فارتعدت ~~وحاولت أن تترك الغرفة، ولكن الحزن والرحمة الناعمة منعاها من التحرك، ثم خففت على نفسها ~~بالتأوه والدموع المستشفعة، ورجته أن يستمر، فتناول الورقة خائر القوى، وقرأ بصوت ~~يرتجف: # لم توقظني أيها النوء؟ # يقول إنني مغطى بقطرات الندى، # ولكن قد آن وقت فنائي. # وستهب الريح التي تذبل أوراقي. ~~••• # سيأتي الرحالة غدا، # الذي رآني يوما لطيفا شجاعا، # وستبحث عيناه في المزرعة، # ولكن لن يراني أبدا. # ونفذت هذه الكلمات الموافقة لموقف بطلنا كالبرق إلى نفسه، فارتمى هائجا يائسا على ~~قدمي شارلوت، وأمسك بيديها فأدناهما إلى عينيه ثم إلى جبينه، ورأت شارلوت لأول مرة عزمه ~~المشئوم، فأفقدها هذا الخوف الخفي حواسها، فضغطت على يديه بحنو ثم ضمتهما إلى صدرها، ~~وأحنت رأسها بلطف نحوه متأثرة بعاطفة وشعور حلو، فلمس خدها الملتهب خده صدفة، وفي ~~تلك الدقائق المهيجة لم يحسا بشيء سوى ميلهما المتبادل ، فأمسكها فرتر بين ذراعيه، وضمها ~~إلى فؤاده الخافق، وطبع على شفتيها المرتجفتين ألف قبلة ملتهبة، فصاحت بصوت ضعيف مرتعش ~~وهي تحول وجهها عنه: «فرتر! فرتر!» ثم أزاحته عنها بيدها الضعيفة، وتأخرت بضع خطوات، ~~وحدجته بعينين يسطع منهما الجلال والفضيلة، وكررت لثالث مرة: «فرتر!» وغشيته هيبة ~~فجائية، فتباعد باحترام وسقط على ركبتيه، وعادت هي ترتعد نحو الباب، وبصوت ملؤه الشفقة ~~الممتزجة بالاستياء خاطبته قائلة: «هذه هي المرة الأخيرة يا فرتر، لن تراني بعد الآن.» ~~ثم ألقت على المحب المسكين نظرة أخرى هي الحنان مجسما، وأسرعت إلى غرفتها وأقفلت الباب. ~~ومد فرتر ذراعيه إليها، ولكنه لم يحاول منعها، وبقي على الأرض في حالته المحزنة زمنا ~~ما، ورأسه منحن على الأريكة، وأخيرا أيقظه من غفلته صوت الخادم الذي جاء يجهز المائدة، ~~فسار جيئة وذهابا في الغرفة، وعندما خرج الخادم اقترب من باب شارلوت وصاح بصوت ضعيف: ~~«شارلوت شارلوت! كلمة أخرى، وداعا أخيرا.» وأنصت فلم يسمع رجعا، فتوسل ثانية ولكن ~~عبثا، فانطلق خارجا يصيح بصوت مرتعد: «يا شارلوت العزيزة ms90 وداعا، وداعا إلى ~~الأبد.» # ووصل فرتر خائر القوى إلى باب البلدة وعرفه الحارس فتركه يمر، وكان الليل حالكا عاصفا ~~كثير المطر والثلج، فوصل إلى منزله في نحو الساعة الحادية عشرة، ولاحظ خادمه أنه كان بلا ~~قبعة، ورأى من الحكمة ألا يعلمه بذلك، ووجد وهو يساعده في خلع ملابسه أنها مبتلة قذرة، ~~ووجدت القبعة بعدئذ على قمة صخر عند منحنى جبل، ومن المدهش أنه تسلق في تلك الليلة ~~المظلمة العاصفة دون أن يسقط في الهوة فيتهشم. وذهب إلى فراشه ونام حتى الصباح، ولما ~~أحضر له الخادم طعام الإفطار وجده يكتب، وكان ذلك تتمة رسالته السابقة إلى ~~شارلوت. # | الرسالة التسعون: تتمة # أفتح عيني الآن للمرة الأخيرة ولن تريا الشمس الطالعة ثانية؛ فثم غمامة ~~تحجبها، لن تريا جسمك الملائكي قط، يجب أن يمنع ذلك الموت. الموت! وما الموت! نوم ~~أبدي، نحن نحلم حين نتكلم عنه، ألم أر الكثيرين يموتون؟ ولكن هذه حدود أفهامنا ~~المحصورة؛ فإننا نجهل كل الجهل بداءة ونهاية وجودنا. # لقد عدت الآن إلى نفسي أو بالأحرى «إليك» يا عزيزتي شارلوت، ولكن وا حسرتاه! ~~سنفترق سريعا وربما للأبد، ولكن لا، لا يا شارلوت، بما أننا نشعر بوجودنا الحالي، ~~فالفناء مستحيل، الفناء صوت فارغ آخر. الموت! آه يا شارلوت، أوأرى في قبر ~~ضيق بارد مظلم؟! # كانت لي صديقة هي بهجة أيامي الأولى، فماتت وشيعت جنازتها، ووقفت على مقربة من ~~القبر، وسمعت صوت الحبال التي أدلي بها النعش، ولما سقط عليه أول معول من التراب، ~~ردد صوتا فارغا، وخفتت هذه الأصوات تدريجا حتى امتلأ القبر ترابا، فانطرحت على ~~الثرى وقد اختنق قلبي وطعن ومزق، ولم أشعر بما حدث لي بعد ذلك، كما أجهل ما كان ~~سيحدث. الموت، القبر، كلمات لا معنى لها. # أي شارلوت العزيزة! اصفحي عني. أمس، أمس، آه تلك الدقيقة الهائلة! كان عليها أن ~~تنهي حياتي، إذا لمت سعيدا لأنك تحبينني، إنني لأتهيج لمجرد التفكير في ذلك، ~~وإن هاتين الشفتين لتلتهبان بالحرارة المقدسة التي استمدتها من شفتيك، وإن هذا ~~الفؤاد لا يفتأ ms91 يحس بالسعادة التي سالت، ولكن أأغضبك عفوا يا شارلوت العزيزة، آه ~~عفوا! # بلى لقد ظننت نفسي عزيزا لديك، لقد رأيت ذلك في النظرة الأولى المنعشة التي ~~وجهتها إلي؛ لقد شعرت بذلك حين شددت في البداءة على يدي بلطف، بيد أنني كنت ~~إذا غبت عنك أو رأيت ألبرت بجانبك عادت إلي شكوكي ومخاوفي. أتذكرين الأزهار ~~التي بعثت بها إلي يوم كنا في اجتماع مزدحم فلم تستطيعي أن تكلميني أو أن تعطيني ~~يدك؟ لقد قضيت نصف الليل في عبادتها دلائل الحب، ولكن أين هذا من سعادة الأمس، إن ~~أبدية كاملة لتقصر عن أن تمحو أثر شفتيك العذبتين. # أنت تحبينني؛ لقد ضمتك هاتان الذراعان، وهاتان الشفتان قد اتصلتا بملء السعادة مع ~~شفتيك، أنت لي، بلى يا شارلوت لي إلى الأبد. # أعرف أن ألبرت زوجك، وبعد؟ وهو زوجك في الحياة؛ وعلى ذلك ففي هذه الحياة يعتبر ~~جرما أن أحبك على أنني سأعاقب نفسي. لقد رشفت من السعادة التي أحيت ذابل عواطفي، ~~وليس لي أن أشرب كثيرا لأنني أخاف، ولكنك لي، أنا أسبقك إلى أبي، # 1 # إلى أبيك، وسأحمل أحزاني إلى قاعدة عرشه السموي، وآمل أن أتعزى حتى ~~تأتي، وعند ذلك أطير على جناحي سيرافيم # 2 # لألقاك ثم أطلبك فنبقى معا إلى الأبد. # ليس هذا بحلم ولا بمتعة خيال، اذكري «سنحيا هنا فيما بعد، وسيعرف ويرى كل ~~منا الآخر ثانية». # وفي نحو الساعة الحادية عشرة سأل فرتر خادمه عما إذا كان ألبرت قد عاد، فأجاب بالإيجاب؛ ~~لأنه مر عليه ممتطيا جواده، فناوله فرتر الرسالة الآتية غير مختومة ليحملها إليه بداره: # أنا مزمع سفرة فأعرني مسدساتك وإلى الملتقى. # فرتر # أما الجميلة شارلوت فقد قضت الليلة في أقصى حالات الحزن والاضطراب، وازدحمت برأسها آلاف ~~من الإحساسات المؤلمة؛ فإن حرارة ضمات فرتر الحادة قد وجدت إلى قلبها سبيلا رغم كل ~~تظاهر مبرقش، وذكرت كل الأيام الماضية؛ أيام الطهر والهدوء التي يظهر لها - بالمقارنة مع ~~الحاضر - حسن جديد، وخافت عبوسة ألبرت وتعنيفه الحاد متى علم بزورة فرتر، وهي لم ms92 تكذب ~~في حياتها قط، ولم تخادع أبدا، بيد أنها وجدت من المحتم إخفاء الحقيقة لأول مرة، وقد ~~كبرت خطيئتها في نظرها رقتها المتناهية واشمئزازها الذي شعرت به، على أنها لم تكره ~~مسببها ولم تعزم على منعه عنها، ولقت ألبرت متعبة حزينة، ولم تكد تتم ارتداء ملابسها، ~~وكانت هذه هي المرة الأولى التي لقته فيها غير راضية، وارتعدت خشية أن يلحظ بكاءها وأن يكتشف ~~ذبولها لقلة النوم، فزادت هذه المخاوف اضطرابها، وقابلته بشوق أظهر خوفا وارتباكا أكثر ~~من سرور حقيقي، ولم يفت هذا عين ألبرت اليقظة، فجلس وفض بعض الرسائل، ثم سأل بوقار ~~عما إذا كانت هناك أخبار جديدة، وعما إذا كان قد زارهم أحد في غيبته، فأجابت بعد ~~تلعثم قليل أن فرتر قد جاء أمس وبقي نحو ساعة، فقال ألبرت: «إنه ليتخير الفرص جيدا.» ثم ~~قام إلى غرفته. # وبقيت شارلوت وحيدة تفكر زهاء ربع الساعة؛ فإن حضور رجل تحبه وتقدره قد غير مجرى ~~أفكارها، وعادت لذهنها رقته الماضية وحبه للخير وكماله وهيامه بها وحدها، فأنبت ~~نفسها على سوء مقابلتها له، وألهمت إلهاما خفيا أن تتبعه، فدخلت إلى حيث كان وسألته ~~عما إذا كان يريد شيئا، فأجابها سلبا ببرود، وبدأ يكتب وجلست تشتغل، وكان يترك مكتبه ~~بين آن وآخر ليتمشى في الغرفة، فكانت شارلوت تنتهز هذه الفرصة لتحدثه، ولكنه كان يتجنب ~~ذلك بأن يكاد لا يجيبها، ثم يعود إلى مجلسه، وكانت هذه المعاملة القاسية أشد إيلاما ~~لاجتهادها في إخفاء الهم الذي سببته، ولإمساك الدموع التي تكاد تسيل كل لحظة. وانقضت ~~ساعة على هذه الحال، ثم وصل خادم فرتر فزاد في حزنها، وما قرأ ألبرت الرسالة حتى التفت ~~بهدوء إلى زوجته قائلا: «أعطيه المسدسات، وإنني لأرجو له سفرا طيبا.» ووقع هذا الأمر ~~كالصاعقة على شارلوت، فقامت مذعورة من مقعدها، وتقدمت بخطى بطيئة مرتجة إلى الحائط حيث ~~تعلق المسدسات، وتناولتها بيد مرتجفة، ثم أخذت تنفض عنها الغبار على مهل، ولولا ~~نظرة معنوية من ألبرت اضطرتها للطاعة لأطالت الإبطاء، فسلمت الأسلحة المشئومة إلى ~~الخادم ms93 دون أن تستطيع النطق بكلمة واحدة، ثم طوت ما كانت تعمل فيه، وانصرفت توا إلى ~~غرفتها، وقد غلبها حزن لاذع وتقريع مريع، ومر بفكرها خاطر خفي في بعض الأحايين كي تعود ~~إلى زوجها، فتنطرح على قدميه وتفصح له عما وقع في الليلة الماضية، معترفة بخطئها وما ~~تخشاه، ولكنها تأكدت عاجلا سوء المغبة من مثل هذه الأساليب، وأيقنت أن ألبرت لا يمكن ~~أبدا أن يغرى على الذهاب إلى فرتر. وأخيرا جهزت المائدة، ولولا سيدة من صاحباتها كانت ~~مدعوة لساد على المائدة السكون. # ولما علم فرتر من خادمه أن شارلوت هي التي سلمته المسدسات تناولها بملء السرور، ثم ~~جلس إلى بعض الخبز والنبيذ، وصرف الخادم لعشائه وبدأ يكتب. # | الرسالة الثانية والتسعون # أي شارلوت العزيزة # كانت هذه المسدسات في يديك، وقد نفضت عنها الغبار، لقد جلوتها من أجلي، فالسماء ~~تحبذ مشروعي. # أجل، على يديك اللتين أنفذتا إلي هذه، كنت دائما أرجو أن ينتهي أجلي. آه يا ~~شارلوت! إن الأجيال لن تمحو الأثر، وأنا واثق أنك لا تستطيعين كره الرجل الذي يعبدك ~~بهيام حتى في دقائقه الأخيرة. # وبعد أن تناول طعام العشاء، طلب فرتر إلى خادمه أن يحزم الحقيبة، ثم أتلف بعض الأوراق، ~~وخرج يوفي ديونا صغيرة عليه في الجهة المجاورة، ثم عاد سريعا ولم يأبه بالمطر، فخرج ~~إلى حديقة الكونت ثم إلى البرية، وانقلب إلى داره ليلا وتناول قلمه ثانية. # | الرسالة الثالثة والتسعون # عزيزي ولهلم # رأيت الآن الحدائق لآخر مرة، وكذا الحقول والجبال والسماء، الوداع! عز أمي العجوز ~~الحبيبة بقدر ما تستطيع ولتكافئك السماء. لقد رتبت كل شئوني، وسنلتقي في عالم ~~آخر أكثر سعادة وسرورا. # ألبرت! عفوك واصفح عني؛ فقد عكرت هناءك البيتي، لقد أزعجت هدوء أسرتك، وأفسدت ~~الثقة التي كانت بينك وبين شارلوت، على أنني أثق أن موتي سيزيح من طريق سعادتك كل ~~عثرة. # آه ألبرت! أحب شارلوت، ولتبارككما السماء! # ثم التفت إلى أوراقه فأتلف كثيرا منها، وختم البعض وكتب عليه عنوان صديقه، وكانت هذه ~~عبارة عن آراء غير متصلة، وانسكاب عقل ms94 مضطرب، وفي الساعة العاشرة طلب نارا ونصف لتر من ~~النبيذ، ثم صرف خادمه. # | الرسالة الرابعة والتسعون # بعد الساعة الحادية عشرة # السكون شامل وفكري هادئ، أحمد الله الذي قواني ووطد عزيمتي في دقائقي الأخيرة ~~هذه. # إيه شارلوت! إن خيالك المقدس ماثل أمامي الآن، وأراك في كل مكان. لقد جمعت كل ~~صغيرة لمستها يدك فقدستها بشغف صبياني، وها أنا أعيد إليك رسم منظرك الجانبي، ~~وأستحلفك أن تحفظيه لأنني طبعت عليه ألف قبلة، وقد كتبت إلى أبيك أرجوه أن يعنى ~~برفاتي، في زاوية من فناء الكنيسة شجرتا زيزفون، وهناك أريد أن أدفن فعززي ~~رجائي، وقد يبدي بعض المسيحيين الصالحين رغبته في أن يدفن بجانبي، فإذا عارضوا ~~فلأوار قرب الطريق العام حتى يمر بي الراهب واللاوي # 1 # فيرفعان من عينيهما المطهرتين ويصليان بينا يقف السماري # 2 # ليذرف دمعة حنو علي. # وأريد يا شارلوت أن أدفن بالملابس التي علي؛ لأنني كنت بها في حضرتك؛ ولذا فهي ~~عزيزة لدي، وقد طلبت هذه المنة أيضا إلى أبيك. إن روحي لتحلق فوق القبر، فلا ~~تدعي أحدا يفتش جيوبي؛ ففيها الشريط القرنفلي الذي وضعته على صدرك حين رأيتك لأول ~~مرة محوطة بالأطفال. يا للنفوس الحلوة! وإخال أنني أراهم الآن يلعبون حواليك. ~~قبليهم عني كثيرا. # إيه شارلوت! كيف أحببتك في تلك اللحظة الأولى، ولم أستطع أن أنتزعك من فؤادي ~~بعد! # المسدس محشو والساعة تدق منتصف الليل. # شارلوت إنني ثابت، وعقلي لا يتردد. الوداع. # وفي نحو الساعة السادسة صباحا دخل خادم فرتر إلى الغرفة يحمل شمعة، فوجد سيده ممددا ~~على الأرض غارقا في الدماء، فأسرع توا إلى بيت ألبرت، وعرت شارلوت رجفة حين سمعت ~~جرس الباب يدق، فأيقظت زوجها وقام كلاهما، فأدلى إليهما الخادم بالحادثة المفجعة والدموع ~~في عينيه، فوقعت شارلوت فاقدة الحس عند قدمي زوجها، وارتدى ألبرت ملابسه مسرعا، وخرج ~~ليرى إذا كان هناك أمل ما. # ولكن وا حسرتاه! عبثا يذهب كل عون؛ فقد مات الشاب المسكين! # وكان قد سبقه الطبيب إلى هناك وفحص الجثة، فوجدها حارة ولكن لا حياة ms95 فيها، وعلى مكتبه ~~كان كتاب «إميليا جالوتي» مفتوحا. # وخير لنا أن نترك للقارئ تصور ألم ألبرت، وكآبة شارلوت، من أن نصفهما. وشيعت الجنازة ~~بمهابة واحتفال بسيط، وكان حزن ألبرت خالصا، وأسى شارلوت مفجعا. ووريت الجثة بحضور ~~النائب وأولاده، والكل محزون لفقد هذا الرجل العظيم. ms96