######OpenITI# #META# URI: 1350HasanHusayn.CadlIlahi.Hindawi59517361 #META# Tags: philosophy #META# ID: 59517361 #META# Title: العدل الإلهي وأين أثره في المخلوقات #META# AuthorID: 75020649 #META# Author: حسن حسين #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # العدل الإلهي وأين أثره في المخلوقات؟‏ # العدل الإلهي وأين أثره في المخلوقات‏ # اعتراضات وتأملات‏ # أين السعادة؟‏ # في الروح‏ # الخير والشر‏ # حقائق الأشياء‏ # الأرض بالنسبة للوجود الكلي‏ # حول الكون‏ # عظمة الكون (1)‏ # في السدم‏ # في المجرة‏ # النجوم‏ # مسألة الأرواح‏ # في العالم‏ # عظمة الكون (2)‏ # فضل العرب على الغرب‏ # فيما بعد الطبيعة (1)‏ # فيما بعد الطبيعة (2)‏ # في الأرواح‏ # المذهب الروحاني (1)‏ # المذهب الروحاني (2)‏ # من العالم غير المنظور‏ # خاتمة‏ # مقدمة‏ # العدل الإلهي وأين أثره في المخلوقات؟‏ # العدل الإلهي وأين أثره في المخلوقات‏ # اعتراضات وتأملات‏ # أين السعادة؟‏ # في الروح‏ # الخير والشر‏ # حقائق الأشياء‏ # الأرض بالنسبة للوجود الكلي‏ # حول الكون‏ # عظمة الكون (1)‏ # في السدم‏ # في المجرة‏ # النجوم‏ # مسألة الأرواح‏ # في العالم‏ # عظمة الكون (2)‏ # فضل العرب على الغرب‏ # فيما بعد الطبيعة (1)‏ # فيما بعد الطبيعة (2)‏ # في الأرواح‏ # المذهب الروحاني (1)‏ # المذهب الروحاني (2)‏ # من العالم غير المنظور‏ # خاتمة‏ # | العدل الإلهي وأين أثره في المخلوقات # | العدل الإلهي وأين أثره في المخلوقات # تأليف # حسن حسين # | مقدمة # ما كل ما يعرف يقال، ولا كل ما يقال جاء أوانه، ولا كل ما جاء أوانه ~~حضر أهله. # الإمام علي # ليس في العالم شيء هو خير بذاته، ولا شيء هو شر بذاته، بل بالوضع، وقد ينقلب ~~الخير شرا والشر خيرا، فلا تكون هنالك حقيقته. # أرسطو ~~) # فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع ~~الناس فيمكث في الأرض ~~( ~~(قرآن كريم) # مثل هذا الوجود - كما يتصوره الملاحدة والماديون - أصحاب الرأي القائل: «إن هي إلا ~~أرحام تدفع وأرض تبلع.» كمثل كتاب نفيس لمؤلف عبقري جليل، قدم له بمقدمة غاية في ~~الإبداع والإمتاع، فإذا ما قرأتها وفرغت منها، ثم حاولت الاستئناس بما في الكتاب من قيم ~~الفكر وصائب الآراء؛ لم تجد شيئا، أجل لو كانت الحياة تنتهي بإبدال ظلمة الرمس، بنور ~~الشمس، وتنقضي بانقضاء مرحلة الشقاء التي يقضيها المخلوق على هذه الأرض جبرا، فلا رأي ~~له ولا اختيار في وجوده وحياته وأجله ورزقه، لو كانت هذه هي كل ما من أجله نظم هذا ~~الكون بهذا النظام البديع، حتى أصبح وليس في الإمكان أبدع ms01 مما كان، إذن لكان هذا الوجود ~~- على ما يتصوره هؤلاء القوم - ليس مساغا ولا معقولا، وإذن لاستعصى على الأفهام أن ~~تسيغه، وعلى العقول أن تستمرئه، فكان هباء في هباء. # البله - بله العلماء - لا يقدمون على إذاعة مصنف، ونشر مؤلف، في الناس، كله مقدمة بلا ~~نتيجة، إذن فالمفهوم والمعقول أن تكون النتيجة لا على قدر المقدمة فحسب، بل أهم وأعظم، ~~وإذن فما نراه، وما نسمع به، وما يقع عليه نظرنا في هذا الوجود العجيب المدهش - إذن فكل ~~ذلك - ليس شيئا مذكورا إلى جانب النتيجة وهي كل ما في الموضوع، وإذن فالذي يصح في ~~الأفهام أن تكون هناك حياة أرقى وأعظم وأهم وأبقى من هذه الحياة الدنيا. # وإذا كانت العلل لوغارتمات المعلولات، وكان كل ما في المصنوع من إقناع، وإبداع، وإتقان ~~وتفوق - إنما يدل على ما في الصانع من حكمة وتفوق ومقدرة وعلم - كان لا بد لهذا الوجود ~~العظيم، المنظم المتقن، من صانع حكيم عليم يفوق عقول البشر ومقدراتهم فئوقا لا حد ~~له. # إثبات وجود الله # وما نحن بقادرين على أن نبلغ غاية نشداننا في هذا الموضوع - وإنما نحن نحاول ~~محاولة أن نقرب إلى أفهام بعض الراغبين - صورة قد يأنسون لها، وينتفعون بها، في ~~جدلهم وردهم على المبطلين، نقول: وإنه ليستحيل على المرء إدراك «الذات» الإلهية ~~بعقله الضعيف الكليل الذي غره، فصار يزعم أنه يهيمن به على كل ما في الوجود، ~~وعتا عتوا كبيرا. # والحق: أننا بحاجة إلى حاسة أخرى ليست لنا الآن، ولا نبلغها إلا بعد أن يبلغ ~~روحنا درجة النقاء من غواشي المادة، وما علق بها من خلق وصفات مكتسبة. # نقول: وإنما نحن نستطيع أن نستدل على صفات ضرورية في الله - جل شأنه - من مقدمة ~~برهان وجود - الواجب الوجود - مطلقا، ويجب أن تكون هذه الصفات القدسية أو الكمالات ~~محور الدائرة في كل دين من الأديان. # اعرف نفسك بنفسك. # جملة سطرت على هيكل دلفيس، فلاكتها ألسنة حكماء اليونان قديما، فهل عرفنا ~~أنفسنا؟ ومن عرف نفسه فقد عرف كل شيء. # وماذا ينفع ms02 الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟ # هذا ما يقوله الإنجيل، ونحن نقبل على كل شيء، ونلهو بذلك عن أنفسنا، فنضيع ~~كل شيء. ~~) # وفي أنفسكم أفلا تبصرون ~~( # الآية القرآنية الشريفة، ولكننا لم نفكر في أنفسنا، ولا نزعنا إلى تعرف ما في ~~خلقنا من غرائب وعجائب، أنا لا أريد تدليلا، ولا أبغي برهنة على وجود «الواجب ~~الوجود» ولكني أدل الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر على طريقة سهلة نافعة قد ~~تؤدي بهم إلى الإيمان من غير عناء ولا كد. # اندمج في حسك، وأنس إلى نفسك، بعيدا عن كل ضوضاء أو خيلاء، في وحدة وسكون، ~~هناك وأنت منسجم مستسلم تشعر بميل غريزي يجتذبك نحو الحق، وتحس بأنه يحقق لك وجوده ~~دون حاجة إلى تدليل أو برهنة. # أمثال نضربها ~~(1) هبك سائرا في صحراء قحلاء، فصادفت ساعة منمقة مضبوطة تعينك على ~~معرفة الوقت وضبط مواعيدك، ألا تستدل من وجود الساعة على أنه لا بد ~~أن يكون قد مر بهذه الصحراء إنسان من غير سكانها وأنه متمدين؟ ~~ألا تحكم على التو بأن هذه الساعة من صنع صانع لم تره ولم تعرفه، ~~وأن هذا الصانع عاقل ومدبر وذو دراية بصنعته؟! ~~(2) إذا رأيت طائرا يحلق في الجو أصابته رمية فجندلته وألقته صريعا ~~وهو على حاله هذه، ألا تحكم للحال بأنه لا بد أن يكون هناك صياد ~~ماهر عاقل ذو قدرة وعلم، ألا تحكم بكل هذا ولو لم تر ذلك ~~الصياد؟! ~~(3) إذا رأيت آلة بديعة الصنع، متقنة محكمة غاية في الإبداع، هل يقع ~~بخاطرك وأنت تراها على هذه الصورة أنها إنما صنعت مصادفة، وأبدعتها ~~الظروف الطارئة؟! ~~(4) إذا آنست طرفة صناعية بديعة الصنع متقنة الوضع، ألا تحكم على ~~التو بأنها لم تكن هكذا إلا بصنع صانع، وأن هذا الصانع عالم وحكيم ~~وماهر في صنعته؟! # إنهم يستدلون على وجود الإنسان من وجود أعماله، ولقد استدل العلماء ~~أصحاب التاريخ البشري على وجود الإنسان الغابر - السابق للطوفان ~~العام - من وجود مصنوعات غليظة استكشفوها في طبقات الأرض الخاصة ~~بذلك العهد؛ كحطمة من إناء ms03 خزفي، أو حجارة منحوتة، أو سلاح من ~~حجر. # وما بنا من حاجة إلى الاستزادة من ضرب الأمثال، وهذه الطبيعة حولنا ناطقة بوجود ~~القدير الحكيم المتعال. انظر إلى ما في هذه الطبيعة من إتقان وإبداع، وحسن وإحكام، ~~ونظام وتدبير، ثم احكم بعد ذلك مجردا عن هوى الشيطان وزيغ القلب. # على حين أننا لا نزال خاضعين لناموس النمو والارتقاء، ولا نزال في حالة انحطاط ~~عقلي وأدبي، إذن فليس يمكننا ونحن في هذه الحالة أن ندرك عدم تناهي المولى جل ~~وعلا، ولقد تصوروه كائنا محدودا، وتمثلوه بأشباه تعالى الله عما يصفون علوا ~~كبيرا. # ومن الناس من يجادل بالباطل في عدل المولى ~~) # وكان ~~الإنسان أكثر شيء جدلا ~~( # قالوا: إذا كان الله عادلا ~~فلماذا هذا التناحر القائم ليل نهار بين الوحوش في الفيافي؟ # نقول: والرأي السائد أن هذا الناموس الطبيعي يظهر بادي الرأي أنه مناف لجوده وعدله ~~سبحانه وتعالى، وإنما يعتقد الإتلاف المذكور نقصا أولئك الذين يعيشون في جلودهم، ~~فلا ترتفع أبصارهم إلى ما فوقهم، ولا تقوى شاعرياتهم على الوصول إلى الحقائق، ولا ~~عقولهم على إدراك الحقيقة، أولئك الذين يقيسون كمالات الله - جل وعلا - على قدود ~~أفهامهم ومستوى مداركهم، وما فيهم من ماهية إدراكية، وكان فوت أفهامهم أنهم إنما ~~يزعمون الخلل والنقص في عين الحكمة، وما دروا كيف يمكن لخير حقيقي أن ينتج من شر ~~ظاهر، ولو أنهم ولوا وجوههم شطر المظهر الروحي، ووحدة نظام الكون؛ لزال من ~~أنفسهم هذا الوهم، أو انتفى الشك، وتحققوا أنه الصواب في ما ظنوه نقصا وشذوذا، ~~وأن الحياة الجسدية إن هي إلا كساء وقتي، أما الحياة الحقة الصحيحة - في الحيوان ~~والإنسان - فهي في العنصر الروحي. # بين مذهبين # لا نبالغ إذا قلنا إننا نعيش في عصر المادة، وقد ملك المذهب المادي على الناس جماع ~~حواسهم ومشاعرهم، فصاروا ماديين في كل شيء، في كل مظهر من مظاهر حياتهم، لا ~~يهتمون إلا بالمادة، ولا يأنسون إلا لها، ولا يفكرون إلا فيها، فانتصر المذهب ~~المادي على المذهب الأدبي، ولكن إلى حين، أما المذهب ms04 الروحاني فالرأي عندنا أنه ~~مذهب المستقبل، ولقد مل الناس هذه المادية بعد أن قطعوا فيها من عامة عمرهم شطرا ~~كبيرا، وما في هذا المذهب (المادي) من فضل إلا في تكييف وتسهيل سبل الحياة ~~الدنيا، وحسبنا أن نعلم أن النهليست والفوضويين والشيوعيين، حسبنا أن نعلم أن هؤلاء ~~- وهم أخطر ما يكونون على المجتمع الإنساني وأضر ما ظهر على الإنسانية - من الذين ~~ارتشفوا المادية البحتة، هنالك يحق لنا أن نمقت الاندماج في المادة بكل حواسنا، ~~وهنالك يحق لنا أن نعمل على إحياء المذهب الروحاني وقد أذن مؤذن البشرى، ودقت ~~ساعة الانتعاش، وبدأ نجم هذا المذهب في الظهور، بعد أن اعتنقه كثيرون، وأقبل عليه ~~عظماء جليلون من عمد العلم وزعماء الفلسفة، وأقطاب المذهب المادي، وحسبك أن تعلم أن ~~أمثال: إديسون المخترع الأمريكي الأشهر، وأولفر لودج رئيس المجمع العلمي البريطاني ~~وأكبر مظهر في جو العلم وزعيم في حلبة المادة، ووليم جيمس ومكانته مكانته في العلم ~~الحديث، وكونان دويل، وستيد، وأمثال هؤلاء النوابغ؛ قد هجروا المادية بعد أن عافوها ~~واعتنقوا «المذهب الروحاني» وعالجوا كثيرا من موضوعاته عمليا. ~~••• # من منا يستطيع أن يقف حركة تفكيره والناس مفطورون على التفكير، شغفون بتعرف ما ~~خفي وعمي عليهم، كلفون بالنظر في ماضيهم ومستقبلهم، فأول ما يهم الإنسان التفكير ~~فيه هو أن يعرف ويسأل نفسه في: من هو؟ من أين أتى؟ إلى أين هو ذاهب؟ وما هي الغاية ~~من وجوده في هذا العالم؟ # ولما لم يأنس الإنسان في نفسه قدرة على تعرف الصواب من هذه الأمور ولى وجهه ~~شطر العالم غير المنظور، فعالج مسائل المذهب الروحاني وانتفع بها: انظر كيف قصد ~~شاوول الملك إلى عرافة عين دور، ثم طلب إليها أن تستحضر له روح صموئيل، فحضر روح ~~صموئيل، واستطلع منه نتائج الحرب كما جاء في التوراة. # إن كثيرا من اليهود كانوا يتناقلون تعليما سريا يدعى القبالة، موضوعه مناجاة ~~الأرواح، ولم يكونوا يقبلون في شركتهم إلا من قيد نفسه بالأيمان المغلظة على ~~الأمانة وحفظ السر، وهاك ما جاء في التلمود بهذا ms05 المعنى: كل من تعلم هذا السر ~~«استنباء الأرواح» وحرص على كتمانه في قلب نقي؛ يحظى بمحبة الله، ومودة البشر، ~~ويكون اسمه مبجلا، وعلمه لا يشوبه النسيان، ويكون وريثا للعالمين رأي الحاضر ~~والعتيد. # وأنت تعلم من تتبع سير الأقدمين أن الشعوب جميعها كانت تؤمن قديما بإمكان ~~مخاطبة الأرواح، وإنما كانت طائفة معينة في كل أمة، وبين كل جيل من الخلق تحتكر ~~هذا الموضوع، وتجعله سرا مكتوما، وتخفيه على الكافة من الشعب. # ولقد يحدثنا التاريخ أن كهنة الهنود كانوا يعالجون تعويد بعض أناس على استحضار ~~الأرواح، وعلى معالجة حوادث أخرى مدهشة بالمغناطيسية الحيوية، على أن هذا السر ~~- سر استحضار الأرواح - لم يكن يعلمه إلا من قضى أربعين سنة في التجربة والطاعة ~~العمياء، أما المتمرنون فكانوا على ثلاث طبقات: ~~(1) البراهمة: ووظيفتهم العناية بالطقوس الخارجية، وخدمة هياكل ~~الأصنام، وإرشاد الشعب وتعليمه. ~~(2) هم المقسمون والعرافون، ومستحضرو الأرواح: ووظيفتهم الإبهام على ~~عقول الشعب بحوادث خارقة، وكانوا يقرءون ويفسرون كتاب «الإطار ~~فافيدا». ~~(3) هم البراهمة المتقدمون المعتزلون عن الشعب: وكانوا يعالجون دراسة ~~قوى الكون والعلل الطبيعية، ولم يكونوا يظهرون خارج الصوامع إلا ~~نادرا وبهيئة مخوفة. # وكذا أجمع المؤرخون على أن كهنة المصريين كانوا يأتون أعمالا خارقة للعادة، منها ~~تلك الأشياء التي تحدثنا عنها التوراة في سحرة فرعون. # أما سيدنا موسى - عليه السلام - فقد نهى قومه عن ممارسة استحضار الأرواح؛ حيث جاء ~~في سفر التثنية: # لا يستعملن أحد منكم السحر والرفاء، ولا يستحضرن الأموات لاستطلاع ~~الحقيقة. # ولا يزال النزاع قائما بين الروحيين والماديين في مسألة وجود نفس مدركة عاقلة في ~~الإنسان، فأصحاب الدين يقولون بالروح، وهي مصدر الذات العاقلة، والماديون يكفرون ~~بذلك، ويقولون بأن الدماغ مصدر القوى العاقلة في الإنسان، وأن نسبة الدماغ للفكر ~~كنسبة البول للكلى، أو الصفراء للكبد، فهم يجحدون كل ما هو غير «هيولاني»؛ أي ~~كل ما هو غير مادي، ويقولون بأن الإنسان إن هو إلا آلة مادية، تتلاعب به ~~التأثيرات الخارجية، حتى إذا جاء أجله انطفأ نور الفكر، وانعدم كل شيء. # نقول: «فإذا نظرنا إلى ms06 ما جاءنا به العلم سيما علم الفزيولجية على لسان علمائه ~~الطبيعيين؛ نجد أنهم يقولون بأن كل حركة تصدر من إنسان أو حيوان إنما يصحبها ~~احتراق جزء من المادة العضلية، وكل فعل من الحس أو الإرادة ينشأ عنه فناء في ~~الأعصاب، وكذا كل تفكير ينشأ عنه إتلاف في الدماغ، ومعنى هذا أنه ليس يمكن أبدا ~~لذرة واحدة من المادة أن تصلح مرتين للحياة، فإذا ما بدأ عمل عقلي أو عضلي فالجزء ~~من المادة الحية الذي يصرف لصدور هذا إنما ينعدم تماما، فإذا عاد العمل وتكرر ~~فمادة جديدة تصلح لصدوره ثانية، وكذلك دواليك، والقاعدة أن النسبة محفوظة في ~~الإتلاف، أي إنه كلما اشتد ظهور الحياة ازداد تلف المادة الحية، وإنما المادة ~~المستجدة الداخلة في الدم بواسطة الهواء والمواد الغذائية تعوض من هذا التلف ~~باستمرار، وإنما يرتبط هذان العاملان الواحد بالآخر، فعامل الإتلاف وعامل التجديد ~~يتصل الواحد بالآخر في الكائن الحي، وعامل التجديد سري خفي، أما عامل الإتلاف ~~فيبدو للعيان، والحاصل من هذا عند العقل أن جسمنا يتجدد مرات كثيرة في مرحلة ~~الحياة. # يقول الماديون: إن الذاكرة عبارة عن اهتزازات فسفورية، تتخزن في القلية العصبية من ~~الدماغ بعد أن تصل إليها التأثيرات الخارجية، فإن صح ذلك، وإذا تقرر أن كل ما ~~فينا من قلالي عصبية، وأنسجة عضلية، وعظام تنعدم وتتجدد في فترة معلومة لا تزيد على ~~السبع السنين؛ لاقتضى لقوة الذاكرة أن تنقص فينا بالتدريج إلى أن تتلاشى في سبع ~~سنين، وأن نضطر في كل سبع سنين إلى تجديد كل ما تعلمناه سابقا، على أنا ~~نشعر بأن الأمر على العكس؛ ذلك بأن تيار المادة المتجددة فينا لم يحدث أقل تغيير في ~~ذاكرتنا، وأنا في إبان الهرم نذكر أمورا وقعت في حداثتنا، وعليه فالواقع ينطق ~~بأنه برغم استبدال ذرات كياننا، فإن كل ما فينا يؤيد ثبات شخصيتنا، وهو ما يدل ~~على أن هناك غير «الهيولي» نفسا أو روحا، يقيها جوهرها اللطيف من كل ما يطرأ من ~~تحول أو تقلب ينتاب المادة، على حين أن ms07 هذا لا يمنع من انطباع صور الحوادث ~~والذكريات فيها وكذا المعارف والعلوم انطباعا يدوم زمانا طويلا، وهو عمل القدرة ~~الإلهية.» # أولم يروا إلى التنويم المغنطيسي، ويشاهدوا كيف يكون اتصال النفس بالجسد؟ وكيف ~~تقوم بأعمال غريبة مدهشة؟ وكيف تظهر في النفس قدرات تخفى في غير هذا الموقف؟ إنهم ~~إن لم يؤمنوا بما أظهرتهم عليه الطبيعة أمهم كانوا من الضالين المتعنتين، ومعلوم أن ~~مرجع الانفعالات والتأثيرات الدماغ، ومعلوم أن الانفعالات والتأثيرات الخارجية تهتز ~~الألياف الدقيقة التي تحمل هذه التأثيرات إلى المجموع العصبي؛ لينقذها ويجري حكمه ~~فيها، ومعلوم أن الأعصاب قد اختصت كل منها بوظيفة خاصة تقوم بها، فلا أعصاب السمع ~~تؤثر في أعصاب البصر، ولا هذه تؤثر في غيرها، وإنما يقوم كل عصب بما خلق له. ~~ونحن إذا بحثنا مثلا حاسة البصر نجد أن الحركة التموجية في الأثير - بتأثيرها في ~~شبكة العين - تحدث في العصب البصري اهتزازا، ونجد أن هذا الاهتزاز يمتد إلى ~~الطبقة البصرية المستقرة في وسط الدماغ، قال: ومن هنا يندفع إلى مركز الحواس، حيث ~~ينتشر في القلالي الدقيقة، ويوقظ العناصر التي وظيفتها نقل التأثيرات البصرية. إذن ~~فكل هذه التأثيرات الحسية تتفرق ثم تجتمع في مكان خاص من الدماغ، وقد أثبت ~~التشريح وجود أماكن معينة في الدماغ لتجمع وتكييف هذه التأثيرات، ولقد أثبت ~~العلماء الفزيولوجيون بالتجربة أنهم إذا قطعوا من المادة المخية قطعة أصولية؛ يفقد ~~الحيوان قوة إدراك التأثيرات السمعية أو البصرية. # فإذا سألت أحد الماديين: كيف تتحول هذه الحركات الاهتزازية بعد وصولها إلى مراكزها ~~النسبية من الدماغ إلى أفكار فهمية؟ قال: إنها حينما تبلغ القلالي الحسية يحدث فيها ~~من رد الفعل ما يحدث في قلالي النخاع الشوكي. # قال: وهذا يحدث في ضفدعة قطع رأسها، ومع ذلك تتشنج رجلها لدى مسيسها بحامض مهيج، ~~قال: فالأمر نفسه يحدث في مؤثرات القلالي الحسية من الدماغ؛ أي إن القلية القشرية ~~عندما يبلغها الاهتزاز الخارجي تنتبه، وتفزع القوة الكامنة فيها، وتمتد الحركة حتى ~~تبلغ القلالي الغليظة، وهذه تنقلها إلى المادة الرمادية ذات الأخاديد فيها ms08 من ~~الدماغ التي تقوي الاهتزازات، وتدفعها إلى الأعضاء على شكل تأثير أو أمر أو ~~محرك. # إنا نسلم مع ناكري النفس بكيفية مجرى الحس المعبر عنه بالاهتزاز العصبي، بيد أن ~~هؤلاء فاتهم أمر خطير بين بلوغ الحادثات إلى الدماغ ورد الفعل، هو حادث الإدراك، أي ~~دراية الشخصية الإنسانية بما حدث من الأمور الخارجية، ذلك أن الاهتزازات والتهيجات ~~العصبية إن هي إلا حركات مادية، تولد حركاتها مثلها ولكنها لا تحدث إدراكا، وما ~~نتيجتها سوى تنبيه القوة العاقلة لإدراك مصدر هذا التنبيه وعلته وغايته. # قال: إن القلية العصبية المركبة من كميات متناسبة من الكوليسترين والماء والفوسفور ~~وحامض الأوميك إلخ ... ليست بذاتها قوة مدركة، والحركة الاهتزازية هي بذاتها حركة ~~مادية محضة، فكيف يعقل أن اهتزاز هذه القلية العصبية وانتصابها يولد إدراكا؟ ~~وهنا ما يعجز الماديون عن تبيانه، أما الروحيون فيعلموننا وجود شخصية عاقلة فينا ~~تسمى نفسا، تنتبه بهذا الاهتزاز إلى ما طرأ من الحوادث الخارجية، وعندما يتم ~~انتباهها هذا يحدث الإدراك. # قال: ويؤيد هذا بأجلى بيان حادث الذهول ... مثلا عندما نكون مستغرقين داخل حجرتنا ~~في أي عمل من الأعمال، إنا نغفل عن تكتكة الساعة، بل عن طرق ناقوسها أيضا، مع أن ~~اهتزازات الصوت أثرت في عصب سمعنا، وبلغت حتى الدماغ دون أن ننتبه لها، وما ذلك ~~إلا لأن نفسنا المشتغلة بأفكار أخرى لم تنتبه، ولا أثرت فيها اهتزازات القلالي ~~الدماغية، فلم يحصل الإدراك السمعي، والحاصل أن المادة ذاتها عديمة الاختيار لا ~~تولد شيئا من نفسها، والمادة الدماغية آلة لتبيان إحساسات النفس العاقلة ~~وأفكارها، فلا تعقل لما تصدر بواسطتها من التعبيرات الفكرية، كما أن آلة الساعة ~~مثلا لا تدرك حركة الأوقات التي تشير إليها، ولا قراطيس الكتاب الأفكار المسطرة ~~عليها، ومن زعم أن الدماغ يدرك الفكر كمن يزعم أن الساعة تدرك حركة الوقت، والقرطاس ~~معاني الكتابة. # وما لنا نعنت أنفسنا ونكد عقولنا في نقد المذهب المادي، ونقض ما قام عليه من ~~أسس، ولدينا من آراء فحول المادية، ومشهوري الطبيعيين ما يغنينا عن ذلك، ويبين ~~للملأ ms09 أن قدرة الخالق ظاهرة في كل الموجودات، وينطق بعظمتها وحكمتها حتى أصحاب ~~الجحود ممن عاشوا في جلودهم، وعبروا عامة عمرهم بين معامل الكيمياء لا يخنعون إلا ~~للظاهر المحسوس، ولا هم يؤمنون إلا بما هو طبيعي ذو أثر بين. # وإنا موردون طائفة من هذه الآراء يستعرضها القارئ الكريم؛ ليجري من بعد ذلك ~~حكمه غير خاضع لمؤثر، أو متنكب سبيل الصواب، وهاك هي: # الأستاذ ميلن: # في جامعة السربون يقول إن الحيوان المسمى إكسيلوكوب من ~~المحيرات للفكر، قال: إن هذا الحيوان يرى طائرا في الربيع، ~~ويعيش منفردا، ويموت بعد أن يبيض مباشرة، فلا يرى صغاره، ~~ويعيش في مكان محكم، حتى إذا حان وقت البيض عمدت الأنثى إلى ~~قطعة من الخشب فحفرت فيها سردابا طويلا، ثم عمرته بذخيرة ~~تكفي صغارها سنة كاملة، وهي طلع الأزهار، وبعض الأوراق ~~السكرية، وتأتي بنشارة الخشب تجعلها سقفا على تلك البيضة، ثم ~~تجيء بذخيرة جديدة تضعها فوق ذلك السقف، ثم تضع بيضة أخرى، ~~وهكذا فتبني بيتها مكونا من جملة أدوار، فإذا تم لها ذلك، ~~ودعته وهلكت، قال الأستاذ: إن الإنسان ليدهش إذ يرى هذه ~~العجائب، ويرى من الناس من لا يزال يقول: إنها كلها نتيجة ~~المصادفة. # باستور: # صاحب التجاريب في الاختمار، سأله سائل: كيف يا دكتور نستطيع ~~أن نوفق بين استكشافاتك العلمية والتعاليم الدينية؟ فأجابه ~~قائلا: اعلم بأن دروسي بدلا من أن تزعزع اعتقادي جعلتني في ~~إيماني كالفلاح البريطاني (وهو مثل فرنسي يضرب لشدة ~~الاستمساك). # هارفي: # مستكشف دوران الدم في البدن قال ما شرحت حيوانا إلا رأيت ~~فيه شيئا جديدا يدل على العناية الإلهية. # الأستاذ جولييه: # يقول إن مذهب لامارك ومذهب دروين يستويان في القصور؛ فإنهما ~~لا يفسران إلا التحول من الحياة المائية إلى الحياة الأرضية، ~~ولا التحول من هذه إلى الهوائية، قال: فكيف استطاع الحيوان ~~الزاحف - وهو سلف العصفور - أن يناسب البيئة التي ليست ولا ~~يمكن أن تكون له إلا بعد أن يتحول من صورة حيوان زاحف إلى ~~صورة عصفور؟ وكيف يستطيع أن تكون له حياة هوائية قبل ms10 أن تكون ~~له أجنحة نافعة؟ أما مسألة الحشرة فإنها أشد استحالة من ذلك، ~~فهل هناك أية علاقة من جهة علم الحياة بين الدودة وبين الحشرة ~~الكاملة التي تنقلب إليها؟ لأن الحشرة التي اعتادت الحياة ~~الدودية تحت الأرض وفي الماء، فكيف تصل شيئا فشيئا إلى إيجاد ~~أجنحة لجسمها تصلح لحياة هوائية بعيدة عنها بل مجهولة ~~لها؟! # نيوتن: # دحض آراء الماديين في أربع رسائل كتبها، ثم بعث بها إلى ~~الدكتور «تنبلي». # فون باير: # من أقطاب الفيزيولوجية ومؤسس علم الأجنة قال: إن الرأي القائل ~~بأن النوع الإنساني متولد من القردة السيمائية هو - بلا شك - ~~أدخل رأي في الجنون قاله رجل على تاريخ الإنسان. # دوفري: # يقول إن التحولات الفجائية هي القاعدة في عالمي الحيوان ~~والنبات، وقد أعلن هذه الحقيقة «جوفر» و«سان هيلر» و«كوب» وثبت ~~أن الظهور الفجائي للأنواع الكبيرة الرئيسية كالزواحف والطيور، ~~وذوات الثدي؛ كان في الأرض الجيولوجية، ومتى ظهرت حصلت على ~~صفاتها. # هكسلي: # يعترف في كتابه «داروينا» بأنه يستحيل نقض الألوهية بحسب مذهب ~~الارتقاء، ويقول في مقال آخر: إن من ينكر وجود الإله كما تصوره ~~«سبينوزا» لأحمق، وهو يعترف أخيرا بالقوة الفاعلة ~~القادرة. # دكتور جوستاف جوليه: # يقول يكفي لإبطال النظريات الدروينية أن يتأمل الإنسان ~~الحشرة؛ فإنها ظهرت في أقدم عصور الحياة الأرضية، وثبتت ~~أنواعها في جميع الأحوال، فهي تناقض ما ذهبوا إليه من التحولات ~~المستمرة البطيئة، وتناقض التطور بفعل الفواعل الخارجية، فإنها ~~تنقلب داخل الشرنقة من حال الدودية إلى حشرة طائرة، ولا تأثير ~~عليها من الخارج، كما أن الهوة عميقة بين الحال الأولى - وهي ~~الدودية - والحال الثانية وهي حال الحشرة، وهي هوة تضيع فيها - ~~ولا كرامة - جميع النظريات الدارونية واللامركية، فالحشرة أدت ~~شهادة حسية لبطلان مذهب دروين، كما أثبت عجزه في تفسير غرائزها ~~الأولية العجيبة المحيرة للعقل. # ولاس: # شيخ علماء الطبيعة، وشريك دروين في كتابه عالم الأحياء يقول: ~~إن وجود هذه الأحياء يستلزم وجود قوة مرشدة مدبرة، فيستلزم ~~وجود قوة خالقة، أوجدت المادة على أسلوب يجعل حصول هذه ~~التنوعات من الممكنات ، وثانيا وجود ms11 عقل مرشد؛ لأنه لا بد من ~~الإرشاد في كل درجة من درجات النشوء، وثالثا لا بد لهذه ~~القوة الخالقة من غاية ترمي إليها فيما خلقته ودبرته في هذا ~~الكون الوسيع، طوال هذه العصور الجيولوجية الغابرة والحاضرة، ~~وعندي أن هذه الغاية هي الإنسان، هو المخلوق الذي يفهم شيئا ~~من نواميس الطبيعة، ويستقصي أفعالها، ويدرك قيمة القوى التي ~~فيها، ويستنتج منها وجود العقل المتسلط عليها. # دوكلتر فاج: # يقول إن القرابة في التاريخ الطبيعي للإنسان من القردة ~~طبيعية، أن الإنسان في العهد الحفري الرابع وجد مشابها لنا ~~في الصورة (مع أنه كان يجب أن يكون أقرب إلى أسلافه القردة) ثم ~~قال: إننا لا نستطيع أن نعتبر ولادة الإنسان من القرد - أو من ~~أي حيوان آخر - من الأمور العلمية. # جسندي: # سنة 1592 قال: ليس عندي شك في أن الله خلق العالم، إلا أنه ~~لا بأس من معرفة كيف كان يمكن العالم أن يتكون من نفسه. # لامارك: # يسلم بوجود الله، وينسب إليه وجود الهيولي المركب منها الكون، ~~ولكنه يقول: إنه تعالى بعد أن خلق الهيولي بخصائصها لم يفعل ~~شيئا، وإن الحياة والأجسام الإلهية والعقل كلها نتائج ~~الهيولي، ونتائج قواها، فهذا الرجل لا يخالف أهل الدين في وجود ~~الخالق، بل يخالفهم في كيفية الخلق، والرأي عندي أن مذهبه هذا ~~يتفق مع بعض المتكلمين من أهل المذاهب، ويسير مع القدرية أو ~~المعتزلة الذين يقولون: إن الخالق وضع للكون نظاما تنطبق ~~أصوله على مصالح المخلوقين في أفعالهم، قوى وقدرا، تصدر عنها ~~آثارها بطريق التوليد والسببية، أو بطريق الإرادة والاختيار، ~~وهم من هذه الناحية لا يخالفون الفلاسفة في قولهم بلزوم الآثار ~~لمصادرها، أو تأثير قدرة المخلوقين في أفعالهم، باق منهم إلى ~~اليوم طائفة الشيعة الإمامية الزيدية. # سبنسر: # سائلا نفسه: ما هي القوة التي يتحتم بقاؤها؟ أهي القوة التي ~~تؤثر في عضلاتنا، والتي تشعر بها حواسنا؟ كلا بل هي تلك ~~القوة المطلقة المجهولة المستقرة وراء الصور والمشاهدات، ونحن ~~مع عدم إمكاننا أن ندركها فإننا نتأكد من أنها أبدية، لم تتغير ms12 ~~ولن تتغير، كل شيء زائل أما هي فباقية أبد الآبدين، وهي علة ~~العلل. # ولقد سئل عالم فيلسوف مؤمن: # ما قولك في مذهب دروين، وماذا نصنع معه؟ فقال: إذا كان من ~~يصنع ساعة يعد عظيما، فالذي يصنع ساعة تصنع ساعة يعد ~~أعظم. # تمحل الأستاذ الزرقاوي لموضوع «العدل الإلهي» فنشر في «جريدة الأهرام» سؤالا ~~عاما وجهه إلى كل من يهمه هذا الأمر، ولما كان هذا السؤال كالزلاقة التي ~~ينحدر عليها كل متورط، وكان أخطر الخطر أن يلقي في روع الناس مثل هذه الريب ~~والشكوك؛ لذلك آثرت الرد على الأستاذ في تريث وهوادة، عسى أن أصل إلى ما ينقع ~~غلة، أو يشفي علة، فنشرت رسائل في «الأهرام» ردا على هذا السؤال، هي بعض هذا ~~الكتاب، وهي جماع آراء وعنعنة أفكار، أكثرها لغيري، وأقلها لي، وفقنا الله وهدانا ~~إلى ما فيه الخير والبر. # وهاك سؤال الأستاذ ... # | العدل الإلهي وأين أثره في المخلوقات؟ # | صورة السؤال الذي نشره الأستاذ الزرقاوي # ألا يرى الباحثون من العلماء والمفكرين أن العدل الإلهي يقضي بأن يكون الناس سواء ~~في السعادة والشقاء؛ أي لا يوجد فارق بين المخلوقات العاقلة بأن تكون المماثلة بين ~~أفراد هذه الأحياء العاقلة على أتمها في التغييرات التي تتعاقب عليها من صحة وسقم، ~~وعلم وجهل، وغنى وفقر، وما أشبه ذلك مما يسمونه سعادة أو شقاء؟ # إن الله قادر عادل، ظهرت قدرته في صنعته الباهرة، وتجلى عدله في نظام الكون ~~البديع، وإن العدل الإلهي لمن أبين صفات الله تعالى القدسية، التي ثبتت بالأدلة ~~التفصيلية اليقينية، وإن آثار تلك الصفات لواضحة في جميع الكائنات. فأين هو أثر ~~تلك الصفة العظيمة - صفة العدل - في المخلوقات العاقلة؟ أين أثرها في هذه المخلوقات ~~وقد جعلها الله فريقين؛ فريقا شقيا وآخر سعيدا، جعل الله زيدا ملكا ولم يجعل ~~عمرا كذلك، وأعطى بكرا سعة وحرم خالدا منها، وجعل خالدا أهنأ بالا من هذا ~~الفلاح الذي يكد ويشقى في حرثه وزرعه، ولا ينتج ما يقوم بحاجته من سداد أو عوز، وهو ~~- أي الفلاح - مع ذلك ms13 أرغد عيشا من المتسول الذي يمد يده للسؤال، وإن هذا المتسول ~~الصحيح الجسم لأحسن حالا من الأعمى المقعد الذي يستجدي الناس في قارعة الطريق ~~وحر الهجير وبرد الزمهرير، ولم ينل من نصيبه إلا الإيذاء والاستهزاء؟ لماذا سلب ~~نعمة العقل من البعض وأنعم بها على الكثيرين ممن اصطفاهم؟ ولماذا جعل هذا عالما ~~يملأ طباق الأرض علما، أو فيلسوفا يرد الأشياء إلى حقائقها، وجعل الآخر جاهلا لا ~~يعرف الأرض وما طحاها، أو أحمق يزج بنفسه إلى حيث الموارد المهلكة؟ لماذا كل هذا ~~التفاوت في المخلوقات العاقلة وهي صنعة واحدة والصانع واحد، ومن صفاته القدسية ~~الحكمة والعقل؟ # ستقولون إنه سبحانه وتعالى - جل اسمه وتقدست ذاته - مقسم الحظوظ، مطلق ~~التصرف في ملكه، يعطي من يشاء، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، فأقول: نعم، وأنا ~~مؤمن بذلك كل الإيمان، ولهذا فإني لا أسأل عن شيء فعله لماذا فعله؛ اعتقادا بأنه ~~سبحانه فعله عن حكمة، كما لا أسأله عن تصرفه المطلق سبحانه وتعالى لماذا كان هكذا؛ ~~فإني موقن بأنه صادر عن حكمة أيضا، وإنما أنا أسأل العلماء والحكماء والفلاسفة عن ~~الحكمة نفسها؛ ما هي تلك الحكمة؟ أي لماذا اختص الله سبحانه فريقا بالسعادة ~~وفريقا بالشقاء، هذا هو سؤالي، وهو ما أطلب الإجابة عليه من الفلاسفة والحكماء ~~عامة ومن علماء الإسلام خاصة. لا تقولوا إن نظام الكون يقضي بأن يكون هذا غنيا ~~وهذا فقيرا، وهذا عالما وهذا جاهلا، وهذا مبصرا وهذا أعمى ... إلى آخره؛ فإني ~~أقول وما ذنب الفقير؟ وما ذنب الجاهل؟ وما ذنب الأعمى؟ ولماذا كان هؤلاء الضعفاء هم ~~الذين يبنى عليهم نظام الكون، ويحملون عبأه وهو ثقيل جدا؟ الحق أن ما تجيبون به ~~عن هذا السؤال لا يشفي غليلا، ولا يهدي حائرا، فهل من إجابة تشفي الصدور وتهدي ~~الحائرين؟ # الزرقاوي الفلكي # | العدل الإلهي وأين أثره في المخلوقات # ما كل ما يعرف يقال، ولا كل ما يقال جاء أوانه، ولا كل ما جاء أوانه ~~حضر أهله. # الإمام علي # الشك أول خطوة من خطوات اليقين، وليس من ms14 يقين ثابت صحيح إلا بعد أن يخطو صاحبه ~~هذه الخطوة الأولى، ويقطع مرحلة صعبة مدرجة، عامرة بالريب والشكوك، وما من مخلوق ~~إلا ساوره الشك، وانتابته الريب؛ في تفكيراته، وتأملاته، ومناجاة نفسه، بيد أن ~~هناك فرقا بينا بين شك وشك، وعمى وعور، ذلك بأن بعض الذين ضلوا والذين في ~~قلوبهم مرض يعميهم الشيطان، فيحول بينهم وبين نور الحق. # على حين أن طائفة من أهل التفكير تقطع مرحلة الشك هاته سراعا، وتمر بها على عجل، ~~ثم تعود إلى الطمأنينة الأبدية والسعادة التامة، ولقد نعت المولى - جل وعلا - في ~~القرآن الكريم النفس بنعوت ثلاثة: (1) فوصفها بأنها أمارة بالسوء. (2) ثم بالنفس ~~اللوامة. (3) ثم: ~~) # يا أيتها النفس المطمئنة ~~* ارجعي إلى ربك راضية مرضية * فادخلي في عبادي * وادخلي ~~جنتي ~~( ~~. وهو دليل ما تقطعه النفس في سبيل تدرجها من حال إلى حال، ~~حتى تبلغ الكمال، هنالك الولاية لله. # أنا أفهم أن إنسانا من مخلوقات الله عبر عامة عمره بين جدران المعامل، يحلل ويركب ~~في المادة، فيستظهر قواها، ويتعرف أشكالها وحالاتها، ويهتك مساتير الطبيعة، فيكثر ~~علمه، ويزيد على عقله، ويضعف عقله، ويصبح لا يقوى على تحمل هذا العبء الثقيل، فيضل ~~ويتخبط خبط عشواء، فيكون له من ذلك شبه عذر، ويقال: معذور لأن عضل عقله لم يستحمل ~~ثقل مسائله العلمية. # وأفهم أيضا أن فيلسوفا كبيرا عكف على تعرف حقائق الأشياء على ما هي عليه، فأطلق ~~لنفسه العنان في تأملاته فشك أولا، ووقف ملاوة من الدهر بين الحالتين، حالة الشك ~~وحالة اليقين، ثم عاودته الهداية فاهتدى وكان من المخلصين، وهذا معذور أيضا؛ لأن ~~الشك أول خطوة من خطوات اليقين، ولأن الإيمان بالوراثة أو باللقاح غيره بعد شك ~~وتأمل وتفكير. # ولكني لا أفهم معنى لهذه النغمة النكراء، ترسلها أقلام بعض المتبجحين، ~~وتلوكها أفواه بعض المارقين المتشائمين؛ لمرض في أنفسهم أو ضعف في أعصابهم، أو ~~غرض يسعون إليه، على أني أستنكر على هؤلاء أن أسميهم ملاحدة أو ماديين، والماديون ~~ناس لهم تفكير، ولهم عقل، ولهم من بعد ذلك مذهب له قيمته من ms15 الخطأ أو الصواب، أما ~~أصحابنا فمقلدون، عمي في تقليدهم، سمعوا أن جيلا من الخلق أو طائفة من الناس ~~يقولون بكذا، فساقهم ذلك إلى أن يخالفوا فيعرفوا، وكان البلاء عاما وشاملا، ~~أولئك يعيشون في جلودهم، فلا ترتفع أبصارهم إلى ما فوق الحس، ولا تتعرف بصائرهم غير ~~المحسوس. # الله عظيم، وهو صانع حكيم، فإذا كنا لا ندرك عظمته المتجلية في مخلوقاته، وإذا ~~كانت حكمته فوق عقولنا الهيولانية، فليس هذا يمنع من وجود هذه الحكمة، تريد أنت ~~أيها المخلوق الضعيف أن تهيمن على كل شيء، وتتعرف حكمة كل شيء، ولكنك لو أدركت ~~حكمة خالقك في كل شيء لما كان بينك وبين الخلاق من فارق. الله أكبر، فإذا كان ~~المكتب الذي تجلس خلفه يدرك حكمة صانعه النجار، وهندسته، وما في عقل هذا الصانع من ~~صور وأشكال، إذن لكان هذا المكتب والنجار سواسية، فنسبة المكتب للنجار كنسبتك ~~للخلاق جلت قدرته (وهذه نسبة تقريبية؛ قياس مع الفارق). # قالوا: إن اللذة والألم خطان طويلان، ولم يعرف للآن الحد الفاصل بينهما، فاللذة ~~نسبية والألم نسبي، والسعادة من بعد ذلك نسبية أيضا، وأنت ترى الغني وعلى مائدته ~~ألوان الطعام والشراب، وترى داره عامرة بالأموال فتظنه سعيدا، على أنه قد يكون ~~أتعس من متسول يتسكع في الطريق، تعلوه أثواب رثة خلقة، يملأ بطنه بفتات العيش ~~وفضلات الآكلين، ثم يفترش الغبراء، ويلتحف الهواء والزرقاء، هادئ البال مطمئن ~~الخاطر، غير مشغول بهبوط أسعار القطن، ولا هو مهموم من كدر الحياة، ومتاعب ~~الدنيا. # تعب كلها الحياة فما أع # جب إلا من راغب في ازدياد # ولقد بحث الحكماء والفهماء والعلماء عن السعادة فلم يهتدوا إليها، وليست هي في ~~المال ولا في الجاه، ولا في شأن من شئون هذه الحياة، أو عرض من أعراض هذه الدنيا، ~~وإنما هي في الطمأنينة، هي مع النفس المطمئنة. # على أن عقولنا - على قدر ما تستطيع أن تدرك - لها أن تعلل الشقاء في هذا العالم - ~~وهو نسبي أيضا - بعلل كثيرة، منها: أنهم قالوا إن المصائب في هذا العالم ترقي ~~النفس ms16 وتصهرها، وإنه لا ارتقاء من غير ألم أو كدر ونكد. # ومنها باب تناسخ الأرواح، وقد لا يقره البعض، على أنه يفسر هذا الموضوع تفسيرا لا ~~ريبة معه، ولا شك فيه، ذلك بأن النفس إنما تتدرج من مرتبة إلى مرتبة أرقى من ~~الأولى، كما يتدرج الطفل من آلي الفصول الدراسية إلى عاليها، فإذا لم ينجح في ~~امتحان عاد الكرة، وبقي في تعذيب وكروب، حتى يبلغ شأوه، ولمسألة التناسخ أقاويل ~~كثيرة لا يتسع لها المقام، ومن له أذنان للسمع فليسمع! # ألا إن هذه النغمة النكراء لبدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. # | اعتراضات وتأملات # لكل إنسان وجهة هو موليها، لا يحيد عنها يمنة ولا يسرة، وما نحن بقادرين على أن ~~نغير أو نبدل من مبادئ الناس، ومعتقدات خلق الله، ولو طالت الأيام، وحفت ~~الأقلام، بيد أنا مع ذلك نحاول أن نخفف ونلطف من وقع المصيبة التي قذف بها الزمن في ~~وجوهنا، وفي هذا العصر، عصر الضلالة والبدع، عصر التبجح والاستهتار بالدين الحنيف، ~~فلا كنا ولا كان وجودنا، ألا بئس ما يقرءون. # أما وقد ألمعنا إلماعا في ما أسلفنا من الكلام عن العدل الإلهي، وأثره في ~~المخلوقات، فإنا نريد أن نتبسط في الحديث، ونسترسل في الكلام عن العدل الإلهي، ~~فنجيء بلمعة من معترضات منكري الأديان، ثم نعقب عليها بما يعن لنا، أو بما يقع ~~بخاطرنا، وما يصل إليه تأملنا فنقول: سيقول الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~والذين يقولون: «إن هي إلا أرحام تدفع وأرض تبلع.» نعم سيقول هؤلاء قول الفرية ~~والبهتان: إن أعمال الطبيعة صادرة كلها عن قوى مادية تفعل فعلها، آليا ~~(ميكانيكيا) ومن غير عقل ولا تدبر، تحت حكم وهيمنة ناموس التجاذب والتدافع، ~~فتتجمع ذرات الجسم، وتنحل وتنشأ النباتات وتنمو وتتوالد، ويحدث نموها وأزهارها ~~وأثمارها وتلوينها، كل ذلك يكون ويحدث بأثر مؤثرات فعالة، هي الحرارة والرطوبة، ~~والنور والكهرباء، وهكذا قل عن أجسام الحيوانات وبني آدم. وأما الأجرام الفلكية ~~فتتكون بفعل تجمع دقائق الأثير، وتنتقل في سيرها بقوة الجاذبية. # قالوا : فنظام ms17 كهذا لا يدل على علة عاقلة حرة؛ لأن الإنسان يحرك يده متى شاء ~~وكيفما شاء، وأما من يحركها في ناحية واحدة من يوم أن يولد إلى أن يموت فإنما يكون ~~آلة لا عقل لها ولا إرادة، ذلك هو شأن القوى الطبيعية، فإنها آلية محضة لا تتغير، ~~تعمل على سنن واحدة ونسق واحد، عام شامل منذ الأزل. # نقول: هبك وجدت ساعة في صحراء أو بيداء، فإنك على التو تحكم بأنها ليست من عمل ~~الصحراء، ولكنك تحكم بأنها مصنوعة، وأن صانعها مفكر، وله إلمام بالفن والصناعة، ~~يريد ويعمل ... إلخ. ذلك بأنه لا يمكن عقلا أن توجد ساعة بدون «ساعاتي» فوجود الساعة ~~وصناعتها بإحكام وحذق وتعقل إنما يدل على ما لصناعتها من هذه الصفات، وعلى مهارة ~~وقدرة وإرادة الصانع، لقد دل الأثر على وجود المؤثر. # فكرة وجود الله # إنما يستدل على كل شيء بأثره، ولقد فصل الطوفان بيننا وبين الإنسان ~~الغابر، ولم نعرف من أعماله وشئونه إلا ما حفظته لنا الكتب المقدسة، ولا تهيأ ~~لنا أن نتعرف مدنيات تلك الأجيال إلا بعد أن استكشف العلماء مصنوعات غليظة، ~~ألفوها في الطبقات المتعلقة بتلك العصور. # هنالك عرفنا مقدار ما وصل إليه عقل إنسان هذه العصور، وهنالك أمكننا أن نقدر ~~مقدار ما بلغت إليه مدينة من الكمال النسبي، وهو ما نذهب إليه من القول بأن ~~الصنعة دليل على الصانع، والأثر على المؤثر. # نقول: إن المقبول عقلا، والمألوف المعروف أنه لا بد لكل معلول من علة، ~~ولكل مسبب من سبب، إنما عظمة العلة وقوتها وأهميتها تكون بمقدار عظمة وقوة ~~وأهمية المعلول، ولو كانت العلة خفية غير ظاهرة، فما كان عدم ظهور العلة بمانع ~~لوجودها، ولا حائل دون فعلها وأثرها، ولنضرب لذلك مثلا: إنك وأنت واقف تتطلع ~~إلى الجو، آنست طيرا يحلق في الفضاء، فاستلفت نظرك واسترعى بصرك، وبينا أنت ~~على هذه الحال إذ بالطير هذا يسقط من شاهق برمية رام لم تره. # هنالك لا بد وأنك تحكم بأن إنسانا يحمل «بندقية» أو مسدسا قد صوب هذا ~~الطير، ms18 وأن هذا المصوب ماهر حاذق مبصر ذو دربة، والواقع أنك حكمت هذا الحكم ~~عقلا وحسا، ولو لم تر الضارب؛ لأن حالة رأيتها لا بد أن تشغل حيزا في ~~ذهنك، ولأن هذا الحكم هو المقبول عقلا. # وأنت حكمت على أن هناك فاعلا، وأنه ماهر أو مبصر؛ لأنك رأيت أثر ذلك في ~~فعله، ولو لم تره، ذلك شأن العاقل الذي يريد أن يستدل على وجود الله - جل ~~شأنه - بآثاره في مخلوقاته. # | أين السعادة؟ # كل من في هذا الوجود ينزع إلى غاية، ويسعى بكل ما فيه من حول وطول لتحقيق هذه ~~الغاية، ولو أنك سألت الطفل في مهده، واليافع، والرجل الكامل، والكهل والشيخ: ماذا ~~يحب؟ لقال لك على التو إنه يريد أن يكون سعيدا، فالناس في هذا الباب سواسية، ~~ينتهون عند غرض واحد يتناضلون عليه، ومسعى واحد يسعون إليه. # ولئن كانت غايتهم واحدة، ومقصدهم واحدا فإنهم يختلفون في تحقيق هذه الغاية، وفي ~~سلوك السبيل الموصلة إليها، تنوعت الوسائل والغاية واحدة، ألا وهي السعادة، واختلف ~~سبيل الوصول إليها باختلاف ما في الناس من مزاج واستعداد ونظر. # فالمالي يجد سعادته في جمع المال، والسكير في كأس خمره، والمتدين في نسكه وصلواته، ~~وهي كلها لذائذ نسبية، تختلف باختلاف الميول، وإن اتفقت الغاية. # ولقد عبر العلماء والحكماء عامة عمرهم يبحثون عن السعادة، فلم يلقها إلا القليل؛ ~~إذ ليست السعادة في المال، ولا في الجاه، ولا في القوة، ولا في النفوذ، ولا في عرض ~~من أعراض هذه الدنيا، وإنما هي في راحة الضمير، وطمأنينة القلب. # أجل، لقد ضل من يحاول البحث عن السعادة في كل مكان حوله، ولئن كان هذا عجبا ~~فأعجب منه من يتطلبها في مظهر من مظاهر هذه الحياة، ويظن أنها بعيدة عنه. # وما هي إلا فيه، ولكنها نسبية، والسعادة الحقيقية ليست فيما تطلبه ولا خارجة ~~عنه، وإنما هي فيما يرضي الله من عمل الخير، وقول الصدق، ونحن نسأل عنها في كل ~~مكان، ونتفقدها كضالة منشودة هنا وهناك، وهي بمقدرتنا ومعنا، ولكن لا نراها ولا نحس ms19 ~~بها، كم من سعيد بماله أو جاهه أو مكانته وهو شقي بنفسه! وماذا ينفع الإنسان لو ربح ~~العالم كله وخسر نفسه؟! وأنت تستطيع أن تكون سعيدا وما ينقصك شيء مما يلزم لذلك ~~إلا أن تكون فيك نفس طيبة، تسعى للبر والخير، وتعمل لإدراك كمالاتها. # وإنما توارت هذه السعادة، وفاتت هذه اللذة كثيرا من خلائق الله، وما أدركها إلا ~~الذين أخلصوا، وولوا وجوههم شطر الحقيقة، هنالك يتبين الوجدان الطاهر، وهنالك تكون ~~النفس آمنة مطمئنة، قد رجعت إلى ربها راضية مرضية. # نجتزئ بما أسلفنا من قول في هذا الموضوع، ولعلنا نعذر إذا انتقلنا إلى اعتراض ~~آخر من اعتراضات اللادينيين فنقول: ربما قال بعضهم: إذا كان الله موجودا فينا وفي ~~كل مكان، فلم لا نراه ولا نحس به، وهل نراه بعد الموت؟ والجواب ... # | في الروح # إنا نقول: والوجه في ذلك أننا بما فينا من حواس مألوفة معروفة، ليس يمكننا أن ندرك ~~الخالق جل شأنه، ولكن حاسة أخرى نحن بحاجة لها لندرك ذلك، وهذه الحاسة لن تخلق ~~فينا إلا بجهد وجهاد، وعناء وكدح؛ ولذلك سبل متعددة، فالعالم أو الفيلسوف يتبعها ~~من طريق توسيع دائرة معارفه، فيعكف على البحث والتحصيل وإدراك خواص الطبيعة ~~وماهياتها وكيفياتها، ثم هو من بعد ذلك يخلو بنفسه؛ ليطلق لها عنان البحث والتفكير ~~والتأمل وهذه سبيله للوصول؛ أي إنه يريد أن يصل إلى الحقيقة من طريق العقل. وأما ~~المتدين فإنه يريد أن يصل إلى ذلك من طريق الصلاة والصيام والاعتكاف على التنسك ~~والتعبد. وهناك من يسعى إلى ذلك من طريق إدراك الوجدان، وهو عندي أقرب طريق موصلة ~~إلى هذه الغاية، وأصحاب هؤلاء هم المتصوفة. # ومهما يكن من الأمر فإن حالة كهذه لا يدركها المرء إلا بعد أن يلقى صعوبات لا بد ~~من تذليلها؛ حتى يصل إلى نشدانه، هنالك لا يبلغ هذه الدرجة مريد إلا بعد أن تبلغ ~~روحه درجة النقاء. # إذن فلا يمكن لمخلوق - مهما كان - أن يصل إلا بعد بذل جهد شديد، وإنما من مقدمة ~~برهان وجوده تعالى نستطيع أن ms20 نستدل على صفات ضرورية فيه لا يمكن بغيرها أن يكون ~~إلها، وهذه مسألة من أعظم المسائل الدينية، نقول: وأهم هذه الصفات وألزمها أنه ~~سبحانه وتعالى أحد أزلي، غير مادي، ممتنع التغير، ضابط الكل، غير متناه في الوجود ~~والعدل وسائر الكمالات. # وإنما يقصر عقل الإنسان ويكون فوق قدرته أن يدرك عدم تناهي الله، وليس لذلك من سبب ~~إلا تأخره العقلي والأدبي، فيتصور المولى - جلت قدرته - محدودا، ويتصور له ~~صورا متشابهة له، ويتصوره جالسا على عرش رفيع في أعلى السماوات لا يليق به التدخل ~~في أمور صغيرة حقيرة. # قالوا: فلنتصور سيالا في منتهى الدقة واللطافة ينفذ إلى الأجسام والكائنات بأسرها ~~كما ينفذ الجسم الروحاني في الجسد الهيولاني في كل أجزائه، على أن الجسم الروحاني ~~ليس في ذاته عاقلا، بل هو موصل لأفكار الروح والعامل الناقل لإحساسها وإدراكها، ~~فمادته السيالة تتشرب على نوع القول فكر الروح، فتصير معه واحدا كما يصير الهواء ~~مع الصوت واحدا، قالوا: فكما نقول مجازا: دوي الهواء، وهزيج الريح، هكذا يسوغ لنا ~~بطريق المجاز أن ننسب للمعلول ما للعلة، فنقول عن السيال الروحاني: إنه عاقل، ~~والسيال الروحاني هذا بذاته لا يعقل، وإنما يعقل بسبب وعلة أخرى. # قالوا: إن أعيننا الجسدية محدودة في شعورها وكثير من العوامل المادية تفوتها، وإنا ~~مثلا نرى مفاعيل الوباء، ولا يمكن لنا أن نبصر العامل الذي ينقله، مع أننا نؤمن ~~بوجوده ونحس بفعله، ونشاهد الأجرام الفلكية تسير بقوة الجاذبية ولا نرى بأعيننا ولا ~~بنظاراتنا المكبرة هذه القوة، أما الأشياء الروحية فلا يمكن أن نراها إلا بأعين ~~النفس، هنالك الرقي الكمالي، وهنالك نرى الحقيقة. قالوا: مثل ذلك كإنسان مستقر في ~~واد عميق، يكتنفه ضباب من كل جانب، فلا يرى الشمس، وإنما يتحقق وجودها من انتشار ~~بعض النور حوله، فإذا طفق يصعد في الجبل ازداد النور حوله وضوحا على قدر ارتقائه، ~~ومتى تعالى فوق الضباب الكثيف، وبلغ الهواء النقي أبصر الشمس في كل جلائها، هكذا ~~فإن النفس كساؤها الروحاني ولئن كان خفيا عن نظرنا لتناهي لطافته إلا ms21 أنه في ~~نظر النفس مادة غليظة، تعوقها عن شعور كثير، فهذا الكساء يزداد دقة ولطافة على قدر ~~ترقي الروح الأدبي؛ لأن نقائص النفس كطبقات ضبابية تحجب نظرها عن رؤية النور. أما ~~الأرواح الناقصة فلا تشاهد الله؛ لأنها محجوبة عن رؤيته بنقص الاستعداد فيها ~~لذلك. # | الخير والشر # يقول فيلسوف اليونان الكبير أرسطو: «ليس في العالم شيء هو خير بذاته، ولا شيء هو ~~شر بذاته، بل بالوضع، وقد ينقلب الخير شرا، والشر خيرا، فلا تكون هنالك ~~حقيقة.» # نقول: فالرأي عنده أن الخير والشر نسبيان، وأن كل واحد منهما إنما يعتبر خيرا ~~أو شرا بالنسبة للمكان وللزمان والأحوال التي تحوطه، وليس هذا ببالغ بنا إلى ما ~~نصبو إليه، وإنما نحن نريد أن نتمشى مع أصحاب المذهب المادي في القول بالخير ~~والشر والثواب والعقاب، وفي الكلام على المسئولية وتوقيع العقوبة، فنقول إنهم ~~يتساءلون: إذا كان الشر نتيجة نقائص في الإنسان، فلماذا خلقه الله ناقصا؟ أما كان ~~في وسعه - جلت قدرته - أن يبدعه كاملا، فينتفي بذلك الشر، وينمحي وجوده من على ~~الأرض؟ # ونقول: ليس بغريب ولا بعيد أن نسمي الشر عدم الخير، فنقول إن عدم وجود الخير إنما ~~هو وجود للشر، وامتناع الخير من مكان إنما هو إطلاق لدواعي الشر، كما نطلق مثلا ~~البرد على عدم وجود الحرارة، فإذا وجدت الحرارة انعدمت البرودة. # والله هو الخير المحض، فهو لا يريد إلا الخير، أما الشر فمصدره الإنسان، قالوا: ~~ولماذا لا يكون الشر أثرا من آثار الطبيعة، ونتيجة لازمة لها؟ قلنا: وهذا بعيد غير ~~معقول ولا مقبول؛ لأنه لو كان الشر من نتائج الطبيعة لما أمكن الإنسان - مهما حاول ~~- أن يتجنبه ونحن نعلم - علم اليقين - أن الإنسان بما فيه من مواهب واستعدادات ~~يستطيع أن يحول الشر ويتفاداه ويقاومه، ويجد له مخرجا ومفازة للنجاة من ~~هلكته. # وإنما الوجه في ذلك والصواب المعقول أن الإنسان هو الذي يخلق الشر، وأنه مبعث ~~المفاسد، وموئل الرذائل، ومصدر الظلم بحسب اتصافه به وظهوره منه. # أما أن يخلق الله - جلت حكمته - الناس كاملين ms22 خيرين بعيدين عن كل نقيصة، فإنما ~~هذا لا يكون مع الحكمة الإلهية العالية، وليس ما يساكن وجداننا، ويلازم أفكارنا من ~~فكرات «وشطحات» ليس هذا من الحكمة في قليل ولا كثير، وإنما أراد الله بحكمته وعظمته ~~وتدبيره أن لا يعطي المخلوق الكمال مجانا وجزافا، ولو فعل سبحانه وتعالى لما ~~استطاع الإنسان أن يقدر هذه النعمة حق قدرها، ولا وجد فيها لذة صحيحة ~~ممتعة. # فكما أنك لا تستطيع أن تقدر الصحة حق قدرها، وتعرف لها قيمتها - والصحة تاج على ~~رءوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى - فكذلك أيضا أنت غير قادر على تقدير قدر هذه ~~النعمة - نعمة الكمال - إلا بالكد والجد والنشاط للعمل. # بل لو كان المولى - جل شأنه - قد وهبنا الكمال بادئ بدء، وتركنا في كمالنا على ~~هذه الحال، إذن لتعطلت الحياة، ووقفت الحركة العامة الناتجة عن ترقي العوالم ~~والكائنات، وأصبح هذا الكون خاثرا بائرا، لا حركة فيه ولا حياة. # وإنما أراد الله تعالى - بحكمته ولطفه - أن تكتسب النفس كمالها بجدها وعملها، ~~وأطلق لها حرية مخيرة تميز بين الخير والشر، وتدرك غايتها بسعيها وجدها ~~وكدها. # هذه حكمة المولى، ونحن ما زلنا في هذه الحياة نتلمس الحقيقة من منابع العلم ~~ومناهله. # | حقائق الأشياء # انتهى بنا الحديث في الكلمة السابقة عند حد القول بأن لله حكمة في خلق المخلوقات ~~ناقصة أنفسهم، محتاجة أرواحهم إلى الكمال بالجد والعمل والكد، وقلنا: إن الله - ~~جلت قدرته - لو كان قد خلق المخلوقات كاملة تامة لا يعوزها الجد والنشاط والعمل ~~لإدراك كمالاتها؛ لما كنا نشعر بلذة الحياة الأبدية والسعادة الحقيقية. انظر كيف ~~تعيش طوال حياتك والصحة تلابسك والعافية تحدوك، ولكنك لا تقدر هذه الصحة قدرها، ولا ~~تحس بلذة هذه العافية إلا بعد أن تذوق ألم المرض. # ولقد يخامر بعض الناس الشك في حكمة الخالق - جل وعلا - إذ يولون وجوههم شطر ~~عالم الحيوان، وما ينتابه من وحشية وفوضى، وتسلط القوي على الضعيف، واجتياح الشديد ~~كل ما يقع عليه نظره من هزيل مسكين، هنالك حيث يقع ما يسمونه تنازع البقاء وبقاء ms23 ~~الأنسب. # على أنا قد أسلفنا القول بأننا ننظر في حكمة المولى بعيوننا، ونريدها أن تكون على ~~أقيسة أدمغتنا، ولكن عقولنا الهيولانية هذه ضئيلة ضعيفة، لا تقوى على إدراك كنه ~~حكمة الخالق، وإننا بحاجة إلى حاسة أخرى غير الحواس التي ألفناها واعتدناها، حاسة ~~روحانية عالية تساعدنا على الوصول إلى إدراك ذلك. فإذا نظر الإنسان بعقله الضعيف ~~الضئيل هذا إلى ما في عالم الحيوان من تناحر للبقاء، وتنازع على العيش، وقتل القوي ~~كل ضعيف تقذف به الظروف أمامه؛ ليقتات به، وليحفظ كيانه هو من فريسته هذه، قال في ~~نفسه: وأين الحكمة الإلهية إذن في هذه الفوضى؟ وأين العدالة التي يدعونها ويترنمون ~~بها؟ نقول: والرأي عندنا أننا نعيش مع الوهم في كل ما يعتورنا في هذه الحياة ~~وفي أنظمتنا وأقيستنا ومعلوماتنا ومعارفنا، نقول: إننا في كل ذلك نعيش مع الوهم ~~والوجدان أكثر مما نعيش بالتحقيق والعقل؛ فإن القوة الواهمة غالبة علينا، وإن تيار ~~الوجدان متحكم فينا، يقع نظرنا على إنسان يذبح طيرا أو كبشا فيجسم لنا الخيال ما ~~يكون لهذا الحيوان من شديد الألم، وبالغ الشقاء، والرأي عند بعض الفلاسفة أن الذبح ~~لا يؤلم أبدا؛ لأن الذبيح يؤخذ فينسى نفسه. # يقول ولس في حالة الذبح وفي حالة شعور الذبيح: إنه إحساس بالدفء، نوم عميق، نسيان ~~أبدي. # يقول بعضهم: كيف يمكن لخير حقيقي أن ينشأ من شر ظاهر؟ نقول: وإنما مدار اللائمة ~~ومستقر الذمة، أننا مع ما نحسه من نقص فينا نريد أن نحاول معالجة كل ما يقع ~~بخاطرنا من فكر وتخيلات. إننا نفكر. فنحن أحياء بالروح والجسد، وما هي الروح وما هو ~~الجسد؟ نسبة الروح للجسد كنسبة الجسد للثوب الذي يعلوه، وإنما هذا الجسد كثياب أو ~~كدثار، ندثره أو نلبسه من وقت إلى وقت، فإذا انقضت هذه الفترة خلعنا هذا الجسد ~~كما نخلع الثوب إذا رث وخلق. ليست ثمت قيمة لهذا الجسد أبدا، وإنما القيمة ~~الحقيقية والماهية الشخصية إنما تقوم بالروح، وهو الجوهر الحقيقي للحياة، تلك الروح ~~السابقة واللاحقة للجسد، فماذا تكون أهمية ms24 ثوب تلبسه ثم تخلعه بعد حين؟ إلا أننا في ~~حياتنا المادية نغلو في التعلق بالماديات، ونعيش مع الخيال والوهم، ونخشى الموت، ~~والموت إن هو إلا خلع هذا الرداء المادي وخروج الروح من حبسها، وانطلاقها في ~~العالم الروحاني الذي استعدت له، وسرورها بهذا الفراق وهذا الانطلاق كسرور الطير ~~حبسته في قفص ردحا من الزمن ثم فتحت له باب القفص، فتنفس الصعداء، وخرج يحلق ~~في الفضاء، فلا خوف من الموت ولا جزع من الفراق، وإنما من وراء ذلك، الحياة الحقة ~~والسعادة الأبدية. # | الأرض بالنسبة للوجود الكلي # العلم: هو الصورة الماثلة من الشيء عند العقل. وهو قسمان: (1) تصديقي. ~~(2) وتصوري. ~~(1) فإن كان إدراكا للنسبة التقريبية على سبيل الإذعان فتصديق. (2) وغير ذلك ~~تصور. والعامة من الخلق، والكافة من أهل كل جيل يأتيهم العلم من تلك الناحية أو ~~عن طريق النوع الأول، أي من طريق الإذعان والتصديق، وأما الخاصة من الناس فيأتيهم ~~ذلك عن طريق التصور والتأمل والتفكر، ولنتبسط في الحديث قليلا، ونلمع بالكلام ~~إلماعا؛ لنطلع القارئ على شيء من عظمة الكون، وندله على أن عالمنا هذا الذي نعيش ~~عليه إن هو إلا كحبة طافية في محيط الوجود المطلق فنقول: إذا سألت صبيا أو ~~جاهلا عن الدنيا ما هي؟ أجابك على التو: إنها مصر، هذ البلد الذي نعيش فيه، ولو ~~أنك وجهت السؤال هذا إلى رجل عادي ممن له إلمام بشيء من أخبار العالم لصور لك ~~الدنيا بأنها مصر ولندن وباريس وأوروبا، وهكذا كلما ساءلت إنسانا أرقى زادك علما ~~بشيء أكثر، وتوسع في تعريف العالم، فالعالم عندنا والدنيا عند الخلق صورة تقريبية ~~تتسع مع ماهيتنا الإدراكية، وتتناسب مع مبلغ علمنا، وما حصلناه من معرفة، وكلما ~~كان الموجود عظيما كان الموجد أعظم، وموجد هذا الوجود لا بد له من أربعة أمور، ~~وهي: (1) الوجود؛ إذ لا بد أن يكون موجودا. (2) والقدرة؛ إذ لا بد أن يكون قادرا ~~على إيجاد هذ الوجود. (3) والعلم؛ إذ لا بد أن يكون عالما بما يصنع. (4) والإرادة؛ ~~إذ لا بد أن يكون قد صنع ms25 هذا بإرادة وإحكام وتدبر، هذا هو الواجب الوجود ~~مطلقا. # ولقد يؤمن المؤمن بقدرة الله التي لا حد لها، ويعلم أن من حق إيمانه أنه يؤمن ~~بالقدرة اللانهائية لواجب الوجود مطلقا، وإنما يكون ذلك من طريق الوجدان، ولقد ~~يتأمل المتأمل، ويفكر العالم، فيضل بعقله، ويشذ بعلمه، فالأول آمن مطمئن النفس ~~مرتاح البال، طيب الحال، أما الآخر فقد يشقى بعقله، وقد يضل بعلمه. # نقول: ولقد كانت أبحاث الفلسفة قديما مقسمة إلى قسمين اثنين: نظري وعملي، ~~والنظري ينقسم إلى طبيعيات ورياضيات وإلهيات. # والعملي إما أن يتناول أعمال الإنسان وأحواله، ويسمى علم الأخلاق، وإما أن ~~يتناول الإنسان، هو وأهل بيته، ويسمى تدبير المنزل، وإما أن يتناول الإنسان مع أهل ~~مدينته، ويسمى علم السياسة. # فالذين يريدون أن يصلوا إلى الحقيقة من طريق العلم والعقل لا بد لهم من دراسة هذه ~~العلوم، ثم إتباعها بالعلوم المحدثة والفروع الكثيرة، والعلم خاضع لناموس التطور ~~والارتقاء - كغيره من الأشياء - وكل يوم يتدرج صوب الكمال النسبي خطوة، وهو مع ذلك ~~ومع ما قطعه وعبره من عمره الطويل لا يزال في مهده. # سيقولون لقد اخترع المخترعون، واستكشف المستكشفون، فأشرقت الأرض بنور ربها، وزها ~~العلم وترعرع، فغاص الإنسان عباب الماء، وحلق في الفضاء، وسخر الهواء، فما بعد ~~ذلك من علم، وما وراء ذلك من مدنية. سيقولون إن إنسان الزمن الغابر لو أنه أتيح ~~له أن يبعث فوقع نظره على ما وصلت إليه حضارة اليوم، ومدنية العصر الحاضر؛ لظن أن ~~هذه الأرض قد صارت جنة النعيم، فصارت أحرى بالملائكة تسكنها لا بالإنسان الذي لا ~~يزال يظلم ويعيث في الأرض فسادا. # أما نحن فلا نزال نعتقد أننا ما زلنا نعيش في حجرة مظلمة، ملأى بما نرتطم فيه من ~~أشياء نظنها حقائق، وهي بعد خاضعة لناموس التطور والتحول، بين تغيير وتبديل، انظر ~~إلى ما أحدثه استكشاف الراديوم من تغيير وتبديل في جو المعارف، ثم انظر إلى ما ~~أحدثته نظرية النسبية للعلامة «أينشتين» وما كان متغلغلا في أدمغة الناس، مرتكزا ~~في فطرهم قبل أن ينادي غاليلي ms26 بما نادى به، واحكم على قيمة الحقائق العلمية ومقدار ~~ثباتها. # لقد كانت المعرفة محصورة في دائرة ضيقة، وكان العلم في نطاق محدود، ثم انفرجت ~~زاوية العلم شيئا فشيئا حتى بلغت مبلغها من السعة، وسنعالج البحث في مكانة الأرض ~~من الوجود، وما فيه من عوالم في المقال التالي. # | حول الكون # قلنا في غير هذه الكلمة إنه كلما كان المصنوع أتم وأتقن وأهم وأعظم كان الصانع ~~أعظم وأقدر على الصنع والإبداع، والآن نريد أن نعاود الكتابة ونعالج الموضوع من هذه ~~الناحية، ناحية عظمة الكون؛ لنكون على شيء من العلم بهذه العظمة، فنقول: إن المعلوم ~~لنا أن الأرض كبيرة جدا، وأنها هائلة عظيمة، بيد أنها حيال عظمة الكون لا تذكر ~~في مقدمة ولا ساقة، ولدى التحقيق العلمي - على قول بعضهم - ليست بالشيء الذي يذكر ~~إلى جانب العوالم التي لا يقع عليها حد ولا حصر، تلك العوالم التي لا أول لها ~~يعرف، ولا آخر يوصف. # نقول إن محيط الكرة الأرضية يبلغ 23700 ميل، وإنها تبعد عن الشمس بمقدار 92000000 ~~ميل تقريبا، وإن النور يقطع مسافة البعد بين الاثنين في 8 دقائق. # نقول: ولعلك آنست في الجو، وفي ليلة صافية خالية من السحاب؛ شيئا كأنه سائل لبني ~~أو كأنه تبن، إذا كنت رأيت ذلك في ليلة صافية فإنه المجرة، ويسمونها طريق التبانة، ~~ويطلق عليها الإنكليز اسم: «الطريق اللبني»، أما أصحاب الدين فيسمونها أبواب ~~السماء، وشمسنا واحدة من شموسها، وأنت تراها رأي العين، تعترض الجو من الشمال ~~الشرقي إلى الجنوب الغربي. # نقول: ولقد تطورت العلوم، واتسعت دائرة المعارف، وانفرجت زاوية الفكر، فزاد ذلك ~~البصيص الضئيل من النور العلمي الذي يضيء جوا نعيش فيه، ونحضر مواقفه. ذلك بأن ~~علم الفلك قد تقدم تقدما حثيثا بفضل المخترعات والاستكشافات، وبفضل ما أيده به ~~العلم من المعدات التي تساعده على نيل حظه في المعرفة والبحث. # ولقد كان المعلوم المعروف، الذي يلقنه الأساتذة لطلاب العلم في معاهد العلم من ~~أربعين سنة خلت أن الشموس التي وصل العلم إلى معرفتها في تلك ms27 المجرة لا تزيد على 18 ~~مليون شمس، أما الآن - وفي هذا العصر - فقد عرف العلم من الشموس ما يبلغ 242 مليون ~~شمس. # هذا عدد ما وصلت إليه المعرفة، وما بلغه العلم من حيث الشموس، وقد يزداد الاختراع، ~~وتزداد معرفة الإنسان، فتظهر الشموس وشموس أخرى غيرها، كما ظهرت في الماضي، وقد ~~يكون لكل شمس من هذه الشموس سيارات وتوابع. # يقول الدكتور «هيل»: إنه رأى في ألواح التصوير المتصلة بالتلسكوب الأكبر - البالغ ~~قطر مرآته 100 بوصة - نحو ألف ألف سديم، يبلغ بعدها عنا (140) مليون سنة، ولقد ~~أسلفنا القول بأن نور الشمس يصل إلى أرضنا أو يقطع المسافة الواقعة بين الشمس ~~والأرض في 8 دقائق و18 ثانية، وهذه المسافة يقطعها قطار السكة الحديدية في نحو 365 ~~سنة، وتقطعها قلة المدفع في نحو 12 سنة. # على أن هذه السدم منثورة في الفضاء الشاسع، منتشرة على أبعاد بعيدة جدا، يبلغ ~~البعد بين الواحد والآخر منها نحو 1800000 سنة نورية، وفي كل سديم منها مادة تكفي ~~لتكوين مليون شمس مثل شمسنا، ومعلوم أن الشمس واحدة من شموس المجرة، وأن المجرة ~~نفسها سديم من السدم. # فهل لنا آذان نسمع بها، وهل لنا قلوب نفقه بها ونقدر هذه العظمة؟! # هذه لمعة مما نرغب في سرده من عظمة الكون، وسنردفها بغيرها من الكلمات التي نتبسط ~~فيها ونستزيد من هذا الموضوع؛ حتى يعلم الذين في قلوبهم مرض وعليها غلف أن عظمة ~~الخالق - جل شأنه - أجل وأعظم من أن تحد أو تعلم، وإنما نحن نحاول أن نقرب ~~إلى الأفهام ما عساه يقع لنا بهذه العقول الهيولانية الضعيفة، والله ولي ~~التوفيق. # | عظمة الكون (1) # مما أسلفنا القول فيه يتبين للقارئ أن للكون عظمة لا يقدرها ذلك العقل الهيولاني ~~الضعيف مهما حاول، ومهما أوتي من قوة وتفوق، على أنا نعاود الكلام في عظمة الكون ~~فنقول: إننا نعلم أن محيط الأرض 24000 ميل، فإذا أتيح لإنسان أن يقطع هذه المسافة ~~برا بالسكة الحديد، وبحرا بالسفن البخارية، وكان متوسط سفره 800 ميل في كل ~~يوم، فإنه ms28 لا يستطيع أن يدور حول الأرض في أقل من شهر كامل. # وهذه عظمة لا ينكرها إلا جاحد، أو مكابر، أو مهاتر، ولكنها عظمة ضئيلة حقيرة صغيرة ~~إلى جانب عظمة الكون؛ ذلك بأنها أصغر من الشمس، التي ترمقها في السماء كأنها قرص ~~قطره شبر؛ فإن قطر الشمس الحقيقي يبلغ 866000 ميل، إذن فحجمها على هذا القياس أكبر ~~من حجم الأرض بنحو 1231000 مرة، وإذن فجرمها أكبر من جرم الأرض بنحو 333430 ~~مرة. # على حين أن هذه الشمس - على ما هي عليه من عظمة كبرى - أصغر بما لا يقاس من أكثر ~~النجوم التي نلمحها في السماء متلألئة، وإن من هذه النجوم ما نسبته إلى شمسنا كنسبة ~~شمسنا إلى أرضنا التي نعيش عليها أو أكثر. # وطالما كنا نسمع أن عدد النجوم التي نراها بأبصارنا في السماء كعدد الحصى أو ~~الرمل؛ مبالغة في القول، ودليلا على أنها لا يقع عليها حصر، ولكننا نعلم أن هذه ~~النجوم التي نراها بالعين المجردة قد بلغ 6000، أما عدد النجوم التي نراها بالمجاهر ~~والمقربات والمكبرات، والتي تظهر بالتصوير الشمسي فقد بلغ نحو 224 مليون نجم، وكلها ~~تابعة للنظام الذي يطلق عليه المجرة. # وأنت ترى هذه النجوم كأنها منضدة بعضها إلى جانب بعض، متقاربة سيما في المجرة، على ~~حين أنها بعيدة بعضها عن بعض بعدا شاسعا، فإذا كنا نراها يتقارب بعضها من بعض ~~فإنما يكون ذلك لأننا لا نبصر الصفوف الأمامية منها فقط بل ما بعده وبعده ... ~~إلخ. ~~••• # والآن لنتخذ الشمس مركزا، ولنرسم حولها كرة قطرها ألفا سنة نورية، فإذا اتسق لنا ~~ذلك كانت هذه الكرة شاملة جميع الكواكب التي نراها بالعين المجردة، أما إذا وسعنا ~~هذه الكرة حتى يصير قطرها 25000 سنة نورية فإن ذلك النطاق يشمل كل الكواكب ~~الواقعة في نظام المجرة، والمجرة هذه تشبه حبة عدس قطرها ألف سنة نورية، أما ~~المسافة التي بين وجهيها عند مركزها فهي عشرة آلاف سنة نورية، وخارج هذه المجرة ~~عالمان آخران في غيوم «مجلان» يبعدان نحو 200 ألف سنة نورية، ثم ms29 على مائة ألف سنة ~~نورية تجد السد يمين الكوكبين في المرأة المسلسلة وكوكبة المثلث، وكل منهما طوله ~~الأطول نحو 50 ألف سنة نورية، وهو طول قطر المجرة. # على حين أن هذه المجرة وما فيها من أبعاد شاسعة واسعة عالم ضيق جدا من عوالم ~~كثيرة جدا، لا يقع عليها حد ولا حصر، وما يعلم ما فيها إلا عالم الغيب والشهادة ~~الكبير المتعال. # إن هناك مجاميع من النجوم متسقة منظمة مترامية، وكل مجموعة منها فيها نجوم كنجوم ~~المجرة، وكلها منثورة في الفضاء الواسع. # أما المرأة المسلسلة هذه - التي أسلفنا القول فيها - فقد وجدها العلماء تبعد مليون ~~سنة نورية، وقطرها نحو خمسين ألف سنة، وفيها ألوف الملايين من النجوم، أكثرها لا ~~يمكن رؤيته، أما الكواكب التي نراها فيها فتزيد آلاف الأضعاف على شمسنا من حيث ~~النور واللمعان، آية ذلك أننا لو أقصينا الشمس مسافة مليون سنة نورية لما أمكن ~~رسمها بالمصور الشمسي، أما هذه البعيدة عنا هذا البعد الشاسع فإنها ترسم. فإذا كانت ~~شمسنا بالنسبة للكواكب التي عرفت صغيرة ضئيلة، وإذا كان ضوءها ضئيلا، وإذا كانت ~~المجرة تشمل الملايين من الشموس، وإذا كانت هنالك مجرات بعضها بعد بعض لا يقع عليها ~~حد ولا يحصرها حصر، وإذا كانت تلك المجرات فيها كواكب مثلها أو أكثر منها، وهي ~~أضوأ ثم أضوأ ثم أضوأ فهل بعد هذا قول لقائل أو اعتراض لمعترض على عظمة الكون؟ ~~) # وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ~~( # فعلمنا قليل كقلة أرضنا، ومعرفتنا ضئيلة كضئولة أرضنا بالنسبة لشمسنا، وشمسنا ~~بالنسبة لمجرتنا، ومجرتنا بالنسبة لغيرها من المجرات، ولقد يئس جبابرة العقول أن ~~يعرفوا لهذه العوالم نهاية. # | في السدم # انتهى بنا الكلام - في ما أسلفنا من قول - عند حد المجرات، ونظامها، وكثرة عددها ~~أنها كثيرة، لا تقع تحت حصر، ولقد تبين للدكتور «هيل» من رصد السدم أنها تتدرج ~~نظاما تدرجا عجيبا، يدل على أنها جارية مع ناموس النشوء والتدرج، وهو يرى أن ~~السدم متساوية تساويا تقريبيا، من حيث مادتها، ومن حيث الأبعاد التي تقع بين ms30 ~~سديم وسديم، ويرى أيضا أن البعد بين كل سديم والذي يليه 1800000 سنة نورية، من ~~أجل ذلك نشأت عند العلماء فكرة مؤداها أن الراجح أن تكون السدم جميعها تولدت من ~~سديم واحد في غاية اللطف. # يقول الدكتور «هيل»: إنه وجد حسابيا أنه إذا انتشرت مادة السدام كلها في الفضاء، ~~صار ثقلها النوعي بالنسبة للماء جزءا من ألف وخمسمائة مليون مليون مليون مليون ~~مليون جزء. # يقول أحد العلماء: إنه إذا ثبت من رصد السدام أن السديم الذي نظامنا الشمسي جزء ~~منه - وهو سديم المجرة - أرقى من غيره من أنظمة شموس المجرة، وأن الأرض أرقى من ~~غيرها من سيارات الشمس فتكون أرضنا أرقى جرم من أجرام الكون، وأن كل ما حدث من ~~الارتقاء في ملايين ملايين السنين التي قطعتها الأرض من تاريخ حياتها إنما كان ~~تمهيدا لوجود إنسان عاقل، ذلك الإنسان الذي ارتقى وسما بعضه هذا الرقي ~~العجيب. # على حين أننا إذا رمنا أن نقيس الأبعاد الشاسعة الواقعة بين الأجرام بعضها والبعض ~~الآخر، فإننا لا نستطيع أن نقوم بذلك بواسطة مقاييسنا التي ألفناها واعتدنا ~~استعمالها في المساحات والمسافات؛ لبعدها وعدم إمكاننا العمل بتلك الأقيسة التي بين ~~أيدينا؛ ذلك لأن هذه المسافات أكبر وأطول من المسافة الواقعة بين شمسنا وأرضنا؛ فإن ~~«ألفا قنطوروس» وهو أقرب كوكب إلى النظام الشمسي يبعد عن الأرض ثلاثمائة ألف ضعف ~~بعد الأرض عن الشمس؛ لذلك كان شأنهم في ذلك وفي قياس المسافات الشاسعة هذه أن ~~اصطلحوا على السنة النورية لقياس ما بين الكواكب بعضها والبعض الآخر من مسافة هي ~~عبارة عما يقطعه النور في سنة كاملة، أما النور كما يقول بذلك الأستاذ المحقق ~~«ميكلصن» فإنه يسير بسرعة 186173 ميلا في الثانية الواحدة، وهاك بعد الكواكب عن ~~الأرض بالنسبة النورية السنوية: # ألفا قنطوروس # ثلاث سنين نورية # الشعري # عشر سنين نورية # نجم القطب # مائتي سنة سنين نورية # سديم الجبار # خمسمائة سنة نورية ... إلخ # والسنة النورية هذه التي نراها مقياسا هائلا كبيرا لا تكفي إذا أردنا أن نقيس ~~المسافات الواقعة بين ms31 جماع الأكوان التي تشبه الجزر في بحر الفضاء بعضها والبعض ~~الآخر، حيال ذلك لا تجد مندوحة من استعمال «ألف سنة نورية » لقصر السنة النورية؛ ~~ولأنها لا تسد الحاجة المطلوبة، وحتى ألف السنة النورية في بعض المقاييس وعند بعض ~~المسافات تقصر، فنضطر إلى اتخاذ المليون السنة «النورية» وحدة مقياس المسافات ~~الواقعة بين الكواكب، أو جماع النجوم بعضها والبعض الآخر؛ ذلك بأن القنوان الكروية ~~في غيوم مجلان تبعد عنا مائة ألف سنة نورية، وجماع النجوم المعروفة علميا ب # N.G.C. # يبعد سبعمائة ألف سنة نورية، والسديم ~~اللولبي في المرأة المسلسلة يبعد عنا مليون سنة نورية، وقطره خمسون ألف سنة نورية، ~~وفيه ملايين بل آلاف الملايين من النجوم. # الأرصاد: ولقد دلت الأرصاد التي عالجها الأستاذ «بول» في مرصد جبل «ولسن» معتمدا ~~فيها على «السبكترسكوب» على أن سديم المرأة المسلسلة يقترب منا بسرعة مائتي ميل في ~~الثانية، وأن غيوم ماجلان تبتعد عنا بسرعة 170 ميلا في الثانية، وأن أكثر السدم ~~اللولبية الأخرى تبتعد عنا بسرعة مئات الأميال في الثانية، أسرعها سديم لولبي يبتعد ~~عنا بسرعة 1100 ميل في الثانية. # | في المجرة # الرأي عند علماء الهيئة أن الوحدة الأولى في هذا النظام الكوني النجم، وما هو هذا ~~الشيء الذي سميناه نجما؟ إن هو إلا كرة من الغاز المتقد متغاير الحجم، فقد لا ~~يفوق الأرض حجما، وقد يفوق الشمس بأكثر من ألف ضعف. # والكون، ما هو؟ إن الوحدة الأولى للنظام الكوني هي النجم، ومن النجوم ما يقل حجمه ~~عن حجم الأرض، ومنها ما يزيد حجمه على حجم الشمس بمقدار ألف ضعف أو يزيد كثيرا، ~~أما كثافة مادة النجوم فتختلف باختلاف هذه النجوم، فمنها ما تكون الكثافة فيه ~~بمقدار كثافة الهواء، ومنها ما تكون الكثافة فيه زائدة على كثافة الماء مقدار خمسين ~~ألف ضعف، أما الوحدة الثانية فهي الكون، يقولون إن الكون فراغ، وهو قول لا بأس به، ~~ذلك بأن ذلك النظام العجيب - نظام المجرة - يشمل فضاء واسعا شاسعا، منتثرا فيه ~~ما يعد بخمسين ألف مليون نجم، ونظامنا ms32 الشمسي جزء من هذا النظام، وهذا النظام يطلق ~~عليه العلماء اسم الكون. # أما شكل المجرة فعدسي (كحبة العدس) طول قطرها خمسون ألف سنة نورية ، وعرضها - أي ~~المسافة الواقعة بين جهتيها عند مركزها - يساوي عشرة آلاف سنة نورية، وخرج من هذا ~~الكون كونان آخران في غيوم ماجلان، على بعد مائتي سنة نورية، ثم إن هناك كونا آخر ~~يبعد مليون سنة نورية «السد بين اللولبين» في المرأة المسلسلة وكوكبة المثلث، وكل ~~منهما طوله الأطول 50 ألف سنة نورية، أي طول قطر المجرة. # ويرى العلماء أن الأكوان منتثرة منتشرة في الفضاء انتشار الجزر في البحار، مثلها ~~مثل الأرخبيل، هذا رأي بعض العلماء الآن، وبعدما وصل إليه الإنسان من استكشافات ~~ومخترعات، ولا يبعد أن يكشف لنا المستقبل عن أكوان أخرى لها نظام أعجب وأغرب من ~~نظام الأكوان المعروفة لنا، على أن غاليلي المعروف يرى رأيا آخر في ذلك نحن ~~موردوه لك فيما بعد. # نقول: وقد نشط العقل البشري في العهد الأخير نشاطا كبيرا، وعمد الفكر الإنساني ~~إلى الأبحاث القيمة الناضجة، فكان من أثر ذلك أن زادت الثروة العلمية، واتسع نطاق ~~البحث، انظر كيف تهيأ للإنسان أن يقوي التلسكوب في أواخر القرن التاسع عشر، ففي ~~سنة 1884 نصب تليسكوب المرصد الإمبراطوري في بلكوفا بروسيا، وقطر عدسيته 30 ~~بوصة. # وفي سنة 1888 نصب تليسكوب مرصد «لك» وقطر عدسيته 36 بوصة. # وفي سنة 1897 نصب تليسكوب مرصد بريكيس، وقطر عدسيته أربعون بوصة. # انظر كيف أدخل الإنسان تحسينات كثيرة على السكترسكوب، واستعيض عن الموشور بالزجاجة ~~المسطرة، فعمت الفائدة، وزاد النفع في قياس حركة النجوم الشعاعية، وفي سرعة هذه ~~عند خط النظر. # ثم ابتداع الأساليب الفوتوغرافية، وكيفية استعمالها في تصوير الأجرام السماوية، ~~وما إلى ذلك من الاستكشافات والمخترعات التي عاونت وساعدت في ظهور هذه الأكوان ~~الدالة على ما للقادر الحكيم من حكمة وقدرة وعلم وإرادة تفوق الحد والحصر. # | النجوم # أسلفنا الكلام في عظمة الكون، فوصلنا إلى حد الكلام على النجوم والكون، وها نحن ~~أولاء نستطرد الحديث ونتابع القول، فنقول: ms33 ولقد تهيأ للفلكي الشهير والعلامة ~~الكبير «هجنس» أن يستعمل السبكترسكوب عام 1863، ونجح في تحليل النور المنبعث من ~~النجوم، حتى إذا تهيأت له المعرفة المبتغاة وتحقق من تحليل هذا النوع التحقيقي ~~أمكنه أن يعرف بعد هذه النجوم، ودرجة حرارتها الناشئة من سطحها، ذلك بأنه إذا ~~تأكدنا من معرفة حرارة نجم من النجوم تم لنا أن نعرف مقدار ما ينبعث من الحرارة ~~من كل بوصة مربعة من سطح النجم. # ذلك شأنهم في هذه السبيل، وهم يقولون مثلا: إن كل بوصة مربعة من سطح الشمس تعطي ~~من الحرارة في الدقيقة الواحدة ما يسخن 360 ألف كيلو جرام من الماء - درجة من درجات ~~سنتجراد - وهذا المقدار يحرك آلة بخارية قوتها خمسون حصانا، على حين أن الفلكيين ~~يقولون بأن ما وصل إليه علمهم، وما أنتجته بحوثهم وتجاريبهم؛ يدلهم على أن الشمس ~~هذه ليست هي أشد النجوم أو الكواكب حرارة، وهناك ما تكون حرارته أكثر من الشمس ~~بمقدار ألف مرة، ومعنى ذلك أن ما ينبعث من الحرارة، ومن كل بوصة من سطح هاته ~~النجوم الهائلة الشديدة الحرارة - في الدقيقة الواحدة - حرارة تسخن 3600 مليون كيلو ~~جرام من الماء وقس على ذلك! فإذا تهيأ لنا أن نعرف مقدار الحرارة التي تحدثها ~~كل بوصة مربعة من سطح نجم من النجوم؛ ساقنا ذلك إلى معرفة درجة إشراقه ومسافة ~~بعده، وقطر النجم وحجمه. آية ذلك أن قطر النجم المعروف باسم منكب الجوزاء 300 قطر ~~مثل قطر شمسنا، فحجمه يسع 9 ملايين شمس مثل شمسنا، وأن قطر النجم الصغير التابع ~~للشعرى نحو 26 ألف ميل، ولقد تحقق ذلك من قانون النسبية، ومن القياس بآلة ~~ميكلسن. # قالوا: وإنما يلزم مما يحدثنا به العلم أن تكون النجوم كلما اشتدت حرارتها كان هذا ~~يدل على ما فيها من كهارب وقوى، وأن حركتها سريعة سرعة دقائق الغاز، ويكون غلبة ~~حركتها السريعة هذه على ما تكون به الجواهر الفردة من قوة الجذب الكهربائي، وإن ~~كانت حركتها أقل سرعة مما هي عليه، فتجمع الجواهر وتصبح دقائق. وفي ms34 سنة 1644 قال ~~ديكارت: إن الشمس والنجوم الثوابت إنما تتألف من مادة متحركة حركة سريعة، تجعلها من ~~الشدة والسرعة تتجزأ أجزاء صغيرة إلى أصغر ما يمكن. # وفي سنة 1907 قال الأستاذ «آمون»: إن الشمس والنجوم غازات في حالة توازن مثلها مثل ~~الطبقات السفلى؛ لأنا نجد في الهواء مجاري كافية لحفظ غازاته في حالة امتزاج ~~وتماسك. # ولقد رأى العلماء أنهم إذا رتبوا النجوم على حسب ما تعطي من الأشعة ونسبته إلى ~~مادتها؛ فإنهم يجدون أن ترتيبها لا ينطبق على حرارتها، ولا على كثافتها، بل قد ~~ينطبق على عمرها، فأحدثها عمرا أشدها إضاءة بصرف النظر عن حرارة باطنها، مثلها مثل ~~الإنسان إذا شاخ وتقدم في السن، وهاك بيانا ببعضها: # النجوم بلاسكرت: # درجة القوة 1000، ودرجة الحرارة في الباطن 500000، وكثافة ~~البطن شديدة جدا، والعمر بالمليون أقل من 100000. # النجوم بوس: # درجة القوة 640، ودرجة الحرارة في الباطن 300000000، وكثافة ~~الباطن أكثر من مائة، والعمر بالمليون أقل من 100000. # النجم قلب العقرب: # درجة القوة 320، ودرجة الحرارة في الباطن 1000000، وكثافة ~~الباطن 5، والعمر بالمليون أقل من 100000. # النجم العبوق: # درجة القوة 50، ودرجة الحرارة في الباطن 8000000، وكثافة ~~الباطن 500، والعمر بالمليون أقل من 100000. # النجم الشعري: # درجة القوة 21، ودرجة الحرارة في الباطن 150000000، وكثافة ~~الباطن 1، والعمر بالمليون أقل من 100000. # الشمس: # درجة القوة 1,88، ودرجة الحرارة في الباطن 70000000، وكثافة ~~الباطن 7000000، والعمر بالمليون أقل من 10000. # تابع الشعري: # درجة القوة 3، ودرجة الحرارة في الباطن مجهولة، وكثافة الباطن ~~30000000، والعمر بالمليون قليل جدا. # وأنت تجد أن كثافة باطن الشعري ألف وتابع الشعري 30 ألفا، وهو ما يدل على صدق ما ~~ذهبوا إليه من القول بأن العمر هو العامل الوحيد في درجة الحرارة. # | مسألة الأرواح # انتهينا من سرد بعض ما عن لنا سرده من فكر العلماء من أصحاب الرأي وذوي المكانة ~~وأهل الفضل، وجئنا بلمع من كثير مما يدل على عظمة الكون وضئولة ماهيتنا الإدراكية ~~وكوننا هذا إلى جانب حكمة الخالق (الواجب الوجود) مطلقا. # والآن - وقد وعدنا أن نأتي برأي العلامة غاليلي في عظمة الكون - نريد أن نعالج ذلك ~~مقدمين له مقدمة ms35 يتبين منها القارئ رأيا صحيحا حيال المذهب الروحاني، وحيال ما ~~تبديه الأرواح وتحدثه في هذا العالم، وهي في ما وراء المادة، وإنما يكون هذا شأننا؛ ~~لأن غاليلي هذا أبدى رأيه بعد أن قبر، فقد استحضر روحه جماعة من علماء أوروبا ~~الذين إذا قالوا أذعنا لقولهم، وسلمنا برأيهم، وسألوا الروح عن الوجود، فكانت ~~الإجابة مدهشة نحن ذاكروها بعد هذه المقدمة. # فنقول: إنا نحاول إقناع أولئك الذين يرتابون في مسألة الأرواح، ولا يزالون في شك ~~من تحضيرها وأعمالها، أو هم ينكرون ويجحدون كل ما لا يقع تحت حس، نأتي بذكر حادثة ~~تذهب بمزاعم هؤلاء، وبكل شك في الأرواح وأعمالها ووجودها. تلك حادثة شرلس دكنز، ~~وهي أعجب وأغرب ما صادفه الماديون في حياتهم من الأدلة على بطلان معتقداتهم ~~والبراهين القاطعة الناطقة بوجود الأرواح، وهاك هي: في سنة 1873 نشرت الصحف في ~~أوروبا وأمريكا حكاية هذا الحادث، وهو أول حادث من نوعه في عالم المذاهب؛ ذلك أن ~~العلامة المؤلف الإنكليزي الشهير «شارلس دكنز» مات في مدينة لندن سنة 1870 قبل أن ~~يكمل آخر رواية له «أسرار إدوين درود» وقد اتفق أنه وهو في عالم الأرواح بعد موته ~~أتمها على يد وسيط أمريكي يدعى «جيمس» في مدينة بوسطن، والحادث يتلخص في أن ~~«جيمس» هذا كان غلاما من الصناع، قليل العلم، كل همه ينحصر في إتقان حرفته ~~والتبريز في صناعته، وكانت له نزعة خيرة يمت بها إلى المذهب الروحاني اقتادته ~~إلى حضور جلسة روحانية جمعت ثلة من جهابذة العلم وفحول التفكير سنة 1872. # هنالك في تلك الجلسة التاريخية المشهورة تجلى روح «دكنز» وأبدى رغبته في إكمال ~~الرواية المذكورة على يد الوسيط جيمس، فكانت يد الوسيط تتحرك حركة غير عادية، وبغير ~~إرادة الوسيط تخط واضح هذه العبارة: أنا شارلس دكنز، أنا أريد أن أتمم روايتي ~~«أسرار إدوين درود»، أما العلماء الذين كانوا في هذه الجلسة فقد طلبوا من الغلام أن ~~يستسلم للروح ويطاوعها في كل ما تطلب، فصدع هذا بالأمر، واستسلم للروح المتجلي، ~~وأخذت يده تكتب بإرادة «دكنز» ms36 ووحيه سبعة أشهر كاملة، كان الوسيط في خلالها يجلس ~~كل ليلة إلى المائدة نحو الساعة السابعة، حسب أمر «دكنز» فيرى شبحه قد تجلى ~~ووضع يده السيالة على يده، فتتخدر هذه اليد - يد الوسيط - وتأخذ في تسطير ما يريده ~~الروح تملأ الصفحات أقوالا لا علم للصبي بها. # ولقد استغرقت هذه العملية سبعة شهور، وملأت نحو ألف ومائتي صحيفة. # وكان يحضر هذه الجلسات رجال من العلماء والصحفيين، الذين أجمع رأيهم على أنه ~~يستحيل على قارئ ما يسطره الوسيط بإرادة دكنز أن يميز بين ما كتبه المؤلف ~~الإنكليزي قبل موته وبين ما خطته يد الوسيط «جيمس» بعد موته، أو أن يجد أقل اختلاف ~~في الإنشاء أو في الخط، أو في الأسلوب والديباجة، حتى ولا في بعض غلطات كان يقع ~~فيها المؤلف الإنكليزي الشهير هذا. # نترك القارئ الكريم عند هذا الحد من الكلام في الأرواح، على أن نعود للكتابة في ~~المقال التالي على رأي غاليلي في الوجود. # | في العالم # حيال هذا وحيال ما تمحلنا له من رأي «غاليلي» في عظمة الكون - بعد أن فارق هذا ~~العالم - وحيال ما جاءنا به هذا العلامة من القول بالفضاء واللانهاية، وتمحله ~~لآراء بعض العلماء في هذا السبيل، حيال كل ذلك وقبل أن نتعرض لما جاء به غاليلي ~~وهو في عالم البقاء، لا نرى ندحة من عرض بعض الفكر والآراء لتبيان الموضوع هذا، ~~ولنظهر القراء على ما حدا غاليلي أن يقول هذا القول بعد أن ودع عالم الفناء، وصار ~~في عالم البقاء، وظهر له ما عمي علينا فنقول: إن أمثال الفلاسفة القدماء كالفارابي، ~~وابن سينا، وابن رشد، وابن الطفيل، والرازي، وأمثال هؤلاء ممن ضربوا في الفلسفة ~~بسهم، ومن الذين درسوا الفلسفة اليونانية ثم صبغوها بصبغة إسلامية، إن الفلاسفة ~~القدماء هؤلاء قد أجمعوا أمرهم على أن هذا العالم محدود محصور، ولهم في ذلك كلام ~~طويل سنشرحه، وأدلة وهمية عرضوا لذكرها، فأثبتوا بها أن الأفلاك تسعة، منها سبع ~~سماوات، فيها السيارات الخمس والشمس والقمر، وفوقها فلك الكوكب، ثم الفلك الأطلسي ~~الذي ms37 لا علائم فيه، وهو محرك الأفلاك كلها، أما ما وراء هذا الفلك فيسمونه: «لا خلا ~~ولا ملا» ولهم برهنة في ذلك وتدليل، وإنما يسمون برهانهم في ذلك البرهان السلمي أ ~~ب. # فيقولون: لو أننا مددنا خطين وهما ساقا مثلث - مثل أ وب - امتدا إلى غير نهاية، ~~فهذا يستحيل؛ لأنهما إذا امتدا إلى غير نهاية كان الخط الواصل بين هذين الساقين ~~ممتدا أيضا إلى غير نهاية، فكيف يكون محصورا بين خطين، وهو لا نهاية له؟ إذن ~~امتداد الساقين إلى غير نهاية مستحيل؛ لأن هذا الامتداد لزم منه أمر مستحيل، وهو ~~وجود خط محصور بين حاصرين وهو بلا نهاية، وهو تهافت ... فإذن الخط له نهاية، وإذن ~~يكون هذا العالم له نهاية، وما الفراغ والخلاء إلا ما كان مثل الذي بين بلدتين، أو ~~حائطين، أو كوكبين، فأما ما هو فوق العالم فليس يطلق عليه خلاء، بل هو عدم صرف، هذا ~~ما كان يذهب إليه القدماء، وهذا هو الذي تعلمه غاليلي في حياته الدنيا، ثم هو من ~~بعد موته وانتقاله إلى عالم الخلود أصبح يحتقر هذا الرأي. # إذن فالرأي الذي يلح به في سياق حديثه مذهب الفلسفة القديمة، التي نقلها العلماء ~~عن فلسفة ابن رشد كما سنبينه بعد. # وإذن فروح غاليلي تقول لنا: إن التعاريف التي جاءتكم بها مذاهب هؤلاء الفلاسفة ~~مغالطة؛ لأنها تنكبت محجة الصواب؛ ذلك لأن الفراغ الذي بعد العوالم المادية من ~~الكرات السماوية كالفراغ الذي بين الكواكب، فإخراجه من اسم الخلاء أو الفراغ ~~مغالطة. # هذا، وسنذكر من أين نقلت هذه العلوم إلى أوروبا، ومن نقلها حتى وصلت إلى غاليلي ~~وهو في حياته الدنيا، وحتى هو من بعد مفارقة هذه الحياة الدنيا - وبعد أن آنس ما ~~آنس في الحياة الأخرى - صار يحتقر ما كان يجله ويعتقده. # انتقال علوم العرب إلى أوروبا # نقول: ولقد هاجر اليهود من الأندلس إلى بروفنسيا والأقاليم المتاخمة لجبال ~~البيرينية؛ فرارا من الاضطهاد، وخالطوا الفرنجة، وكتبوا بالعبرية وتركوا ~~العربية، وذهبوا إلى «لونل» في فرنسا، وهم «أسرة طيبون» أصلها من ms38 الأندلس، ~~وترجم اثنان منهم (موسى بن طيبون وصموئيل بن طيبون) تلاخيص ابن رشد في فلسفة ~~أرسطو، فهذان هما أول من ترجم مؤلفات ابن رشد لأوروبا. # نقول: ولقد كان الإمبراطور «فردريك الثاني إمبراطور ألمانيا» من محبي نشر ~~الفلسفة، ومن مخالفي الإسلام والمسلمين على الإكليروس المسيحي، فعهد إلى بعض ~~اليهود في ترجمة فلسفة العرب إلى العبرية واللاتينية، فألف يهوذا بن سليمان ~~كوهين الثلياني سنة 1247م كتابا سماه «طلب الحكمة» واعتمد فيه على ابن رشد، ~~فهو أول كتاب لابن رشد ظهر بالعبرية، وقد ترجم له يهودي من بروفنسيا كان ~~مقيما في تانيس هو يعقوب ابن أبي مريم بن أبي شمشوم أنتوني حوالي سنة 1232م ~~بعض مؤلفات ابن رشد، ثم إن «كالونيم» بن «كالونيم» بن «مير» الذي ولد سنة ~~1287م ترجم كتب ابن رشد إلى العبرية، وترجم كتاب تهافت التهافت سنة ~~1328م. # | عظمة الكون (2) # لقد جئنا في المقال السابق بحكاية «تشارلس ديكنز» وما كان معه من أمر هذه الرواية، ~~رواية # The Mystery of Edwin Drood # وكيف أتمها ~~«ديكنز» وهو في العالم الآخر، وكيف طلبت روح الكاتب الإنكليزي الشهير من الصبي ~~«جيمس» الوسيط أن يساعده بيده على إنهاء هذه الرواية، وكيف أمره جماعة العلماء في ~~أمريكا أن يطيع أمر الروح، ويستمر على الكتابة بوحيها وعملها وإرادتها ما تريد، ~~وكيف أنه أتمها فكانت طبق الأصل؛ حيث بدأ «ديكنز» إتمام روايته من حيث انتهى وهو في ~~هذه الحياة الدنيا، فكان الخط خطه، والخطأ في هجاء بعض الألفاظ، وفي الإنشاء ~~وفي التراكيب هو هو بعينه، وبمضاهاته ومقابلته بخط «ديكنز» وكتابته وأسلوبه لم ~~يجدوا من فرق. # أما الرواية، فقد طبعت بعد أن أكملها «ديكنز» على يد الوسيط «جيمس»، وهي قسمان: ~~قسم كتبه الرجل في حياته، وقسم آخر أتمه روح «ديكنز» على يد هذا الوسيط بعد ~~مماته، وهي معروفة مقروءة، تدحض حجة الذين يجحدون ما بعد الطبيعة، وتذهب بمزاعم ~~منكري الأرواح وأعمالها، أفبعد هذا دليل يقوم أو برهان ينهض؟ وهل بعد الذي علمناه ~~من أمر هذا الحادث التاريخي العظيم ينكر ms39 المفكرون عالم الأرواح؟ اللهم إن هذا دليل ~~على صدق المذهب الروحاني، وحقيقته ومتانته وتأسيسه على قواعد قوية، ودعائم هي غاية ~~في المتانة، وعلى الذين يجحدون أو يشيحون بوجوههم عن ذلك أن يأتوا بما ينقض ذلك ~~نقضا علميا خالصا لوجه العلم. # وما حدانا إلى كتابة ما كتبناه من هذه الحكاية إلا تقدمة للقارئ، نمهد بها لما ~~سنظهره عليه من رأي غاليلي في عظمة الكون، وقد أدلى به من العالم الآخر، ولقد ~~مهدنا لرأيه بهذا التمهيد؛ كي يذهب الشك من نفوس المشككين، وتنزع الريبة من ~~قلوب المعطلين، وحتى لا ترمي بسنة غفلة أو جهالة معرفة في تدليلنا على عظمة الكون ~~تدليلا علميا صحيحا. # وفي سنة 1862 و1863 ميلادية وقع حادث تاريخي عظيم اهتم به الناس جميعا وأصحاب ~~المذهب الروحاني خاصة، وذلك أن جمعية الوسطاء الروحانية الباريسية بينما كانت تجري ~~أبحاثها وتجاريبها هناك، ظهر روح غاليلوس على يد وسيط منهم، فانتهزت الجماعة هذه ~~الفرصة، وسألته عن الكون وعظمته، فأخذ يدلي برأيه على يد هؤلاء الوسطاء بالتناوب ~~حتى جاء بالعجب العجاب، نقتطف منه ما يهم القارئ، قال: «أفضل تحديد أطلق على الفضاء ~~أنه مسافة تفصل ما بين جرمين، فاستنتج بعض المعطلين من هذا التحديد أن لا وجود ~~للفضاء حينما انتفى وجود الأجرام، وإلى هذا المبدأ أسند بعضهم رأيهم في ضرورة تناهي ~~الفضاء، وعدم إمكان تسلسل أجرام محدودة إلى ما لا نهاية له، على حين أن الفضاء لفظة ~~تدل على معنى مفهوم في ذاته لا يحتاج إلى تعريف، وما قصدي بهذه المقالة إلا أن ~~أبين لكم عدم حده وتناهيه.» # أقول: إن الفضاء لا حد له بدليل أن من المستحيل تصور حدود تحده، فأسهل لنا - مع ~~ما نجد من الصعوبة في استيعاب اللانهاية - أن نسير بالفكر أبديا في الفلاة من أن ~~نتصور موقفا لا مساحة بعده نجول فيها، وإن شئنا أن نمثل في ذهننا المحدود عدم ~~تناهي الفضاء فلنتصور أنفسنا طائرين من الأرض نحو إحدى جهات الكون بسرعة الشرارة ~~الكهربائية التي تقطع في الثانية ألوفا عديدة ms40 من الفراسخ، فبعد طيراننا بثوان ~~قليلة لا تعود الأرض تتراءى لنا إلا ككوكب حقير ضعيف النور جدا، وبعد قليل تتوارى ~~عن نظرنا بالكلية، والشمس ذاتها لا تلوح لنا إلا كنجم حقير متوغل في أقاصي الفلا، ~~وعوضها تتجلى لأعيننا نجوم عديدة لا نكاد نميزها من المحطة الأرضية، وإذا لبثنا ~~طائرين بالسرعة ذاتها، فنقطع في كل هنيهة عوالم متجمعة، وسيارات ساطعة، وبقاعا ~~زاهية، نثر فيها الله العوالم كما نثر الزهور في المروج الأرضية. # على أنه لم يمض على سفرنا إلا دقائق قليلة، ومع هذا فقد نأينا عن الأرض ملايين في ~~ملايين من الفراسخ، وشاهدنا ألوفا في ألوف من العوالم، أما لدى التحقيق فإننا لم ~~نخط بعد ولا خطوة واحدة في الكون، وإذا استقام سفرنا البرقي لا دقائق ولا ساعات ~~بل سنين وأجيالا وألوف أجيال وملايين في ملايين في ملايين من العصور والدهور، فلا ~~نكون مع هذا قد خطونا ولا خطوة واحدة في طريقنا، وذلك إلى أي صوب اتجهنا، وأية نقطة ~~انتحينا من تلك الذرة الحقيرة التي بارحناها وأنتم تدعونها أرضا، هذا ما عندي من ~~تعريف الفضاء. # 1 # الزمان: وأما الزمان فهو كالفضاء لفظة معبرة بنفسها غنية عن التحديد، وقد يسوغ أن ~~ندعوه تعاقب الأشياء، وهو مرتبط بالأبدية ارتباط الأشياء باللانهاية، فلنتصور ~~أنفسنا في بدء عالمنا؛ أي في عصر بدأت فيه الأرض تتبختر تحت النفحة الإلهية، وبرز ~~الزمان من مهد الطبيعة السري فقبلها كانت الأبدية سائدة ساكنة، والزمان يجري مجراه ~~في عوالم أخرى، ولما برزت الأرض إلى حيز الوجود استبدلت فيها الزمان بالأبدية، ~~وأخذت السنون والقرون تتعاقب على سطحها حتى اليوم الأخير؛ أي ساعة تبلى الأرض من ~~العتق وتنمحي من سفر الحياة. ففي ذلك اليوم يبطل تعاقب الأشياء، وتزول الحركات ~~الأرضية التي كانت مقياسا للزمن، وبزوالها يزول الزمان أيضا، فينتج من هذا أن ~~الزمان يتولد من تولد الأشياء، وينقضي بانقضائها، وهو بقياس الأبدية كنقطة سقطت من ~~عباب الجو في أبحر الدأماء، فتختلف الأزمنة على اختلاف العوالم وخارج هذه التعاقبات ~~الفانية تسود الأبدية وحدها، ms41 تملأ بضيائها فلوات الفضاء غير المحدودة، ففضاء لا ~~حد له، وأبدية لا قرار لها هما الخاصيتان العظيمتان للطبيعة العامة. # ولما كان الزمان تعاقب الأشياء الفانية ومقياسها، فإذا جمعنا ألوفا من ألوف من ~~القرون والأحقاب فلا يكون هذا العدد إلا نقطة زهيدة في الأبدية، كما أن الألوف في ~~الألوف من الفراسخ تعد نقطة حقيرة في الفضاء، وإذا مضى على حياتنا الروحية عدد ~~من القرون يوازي قدر ما يكتب على طول خط الاستواء فينقضي هذا العدد الجسيم والنفس ~~كأنها اليوم ولدت، وإذا أضفنا إلى العدد المذكور سلسلة أخرى من الأعداد ممتدة من ~~الأرض إلى الشمس، وأكثر من ذلك فلينقض هذا العدد غير المدرك قياسه من القرون، ~~والنفس لا تتقدم يوما واحدا في الأبدية؛ ذلك لأن الأبدية لا حد لها ولا قياس، ~~ولا يعرف لها بدء ولا نهاية، فإن كانت القرون المذكورة لا تعد ثابتة بقياس ~~الأبدية فما أهمية عمر الإنسان على الأرض؟ # قال: إذا ألقينا النظر إلى ما حولنا ألفينا اختلافا جسيما وتمييزا جوهريا في ~~كل المواد المؤلف منها العالم، فانظر إلى كافة الأشياء الطبيعية - كانت أو ~~صناعية - وانظر ما أعظم التغاير في صلابتها وضغطها ووزنها وسواها من الخصائص التي ~~يتميز بها الهواء مثلا عن عرق الذهب، والنقطة المائية من الحجارة المعدنية، ~~والأنسجة النباتية المتنوعة من الأنسجة الحيوانية على اختلاف طبقاتها، ومع هذا ~~فنستطيع أن نثبت بوجه الإطلاق أن كل المواد المعروفة والمجهولة - مهما عظم ~~تباينها وكثر تنوعها - إن هي إلا أشكال وأنماط متقنة تظهر فيها مادة أصلية ~~واحدة تحت فعل القوى الطبيعية المتعددة. # قال: إن الكيمياء التي بلغت اليوم عندكم درجة رفيعة من التقدم، وقد كانت تعد في ~~أيامي من متعلقات العلوم السحرية، قد قوضت مسألة العناصر الأربعة التي أجمع ~~الأقدمون على تركب الطبيعة منها، وأثبت أن العنصر الترابي إن هو إلا تركب مواد ~~متنوعة في تفنناتها إلى ما لا انتهاء له، وأن الهواء والماء قابلا التحليل، وهما ~~متركبان من بعض الغازات، وأن النار ذاتها ليست بعنصر أصلي، بل حالة من ms42 المادة ناتجة ~~عن نوع من الحركة العامة يصحبها احتراق حسي أو كامن. # وبمقابلة ذلك اكتشفت الكيمياء عددا وافرا من العناصر المجهولة، منها تتألف كل ~~الأجرام المعروفة، وسمتها عناصر بسيطة؛ إشارة إلى أنها أولية غير قابلة التحليل ~~إلى ما هو أبسط، ولكن فعل الطبيعة لا يقف حيثما وصلت تقديرات الإنسان، وحكم أدواته، ~~بل المتتبع بنظره إلى ما تجاوز حد المعرفة البشرية لا يرى في كافة العناصر ~~المركبة والبسيطة إلا مادة واحدة أصلية، تتجمع في بعض النواحي لتنشأ منها ~~العوالم، وتتفنن أشكالا وأنواعا في مدار حياتها، وتعود إلى مأوى الفضاء بعد ~~انقراضها. # قال: ومن المسائل ما نعجز نحن الأرواح المغرمين بالعلوم عن التعمق فيها، فلا نأتي ~~بحلها إلا بآراء شخصية مبني أكثرها على أقيسة افتراضية، أما مسألة وحدة المادة فلا ~~شبهة فيها ولا تخمين، ومن يأخذ قولي على محمل الافتراض أقول له: استوعب - إن أمكن - ~~بنظرك تفننات أعمال الطبيعة كلها، فتتحقق يقينا أن بدون وحدة المادة يتعذر عليك ~~شرح نبات أصغر بذرة ونتاج أحقر دويبة، وأما الباعث لتنوع ما تراه في المادة فهو ~~تباين القوى التي تولت أمر تحولاتها، والظروف التي كانت عليها وقت نشأتها، إنما هو ~~جوهرها في الأصل واحد، وكل ما يقع أو لا يقع تحت نظرك من الأجرام والسوائل فهو صادر ~~من مادة أصلية واحدة مالئة الكون غير المحدود. ~~... إذن إحدى الدويبات الحقيرة التي تقضي حياتها الوجيزة في قعر البحار، ولا تعرف من ~~الطبيعة إلا الأسماك وغابات المياه، نالت فجاءة من العقل ما مكنها من درس عالمها، ~~وأخذت عليه تقيس أفكارها في الكائنات، فما عسى أن يكون تصدرها للعالم الأرضي غير ~~الواقع تحت نظرها؟ # وإذا بمعجزة أخرى انتقلت هذه الدويبة من القعر إلى ما فوق المياه بالقرب من جزيرة ~~غناء اكتست بمروج زاهية، فأي تغيير يطرأ على أفكارها السابقة؟ وكم تتسع دائرة ~~تصوراتها ولئن ما زالت هذه دون الحقيقة؟ # هذا بين حال علومكم في الحاضر يا بني البشر. # قال: إن سيالا عاما يملأ الفضاء غير المحدود، وينفذ الأجرام بأسرها ms43 يدعى ~~الأثير أو المادة الأصلية، ومنه تتولد كافة العوالم والكائنات، فهذا السيال ~~تلازمه أبدا القوى أو النواميس الطبيعية المتولية تقلبات المادة ومسرى العوالم، ~~وهذه النواميس المختلفة - على اختلاف تركبات المادة والتعننة في أنواع فعلها على ~~مقتضى الظروف والمراكز - تعرف في أرضكم بالثقل والتلاصق والمناسبة والتجاذب ~~والمغنطيسية والكهربائية، ثم حركات العامل الاهتزازية تدعى عندكم صوتا وحرارة ~~ونورا ... إلخ، وأما في العوالم الأخرى فتظهر هذه النواميس تحت أوجه أخرى، وبخاصيات ~~مجهولة عندكم، وإن في سعة السماوات غير المحدودة تفننات من القوى نعجز عن إحصائها ~~وتقدير عظمتها، كما تعجز الدويبة في قاع البحار عن استيعاب كافة الحوادث ~~الأرضية. # وكما أن لا وجود في الأصل إلا لمادة واحدة بسيطة تتولد منها كافة الأجرام ~~والتركبات الهوائية، هكذا كل القوى الطبيعية صادرة عن ناموس أصلي واحد متفنن في ~~مفاعيله إلى ما لا انتهاء له، فرضه الخالق منذ الأزل؛ ليقوم به نظام الخلقة وبهاء ~~الكائنات، إن الطبيعة لا تضار ذاتها، وشعار الكون هو هذا: الوحدة في التفنن، فإن ~~صعدت في سلم العوالم وجدت وحدة النظام والخلقة مع تفنن لا يعرف حده في تلك ~~الأجرام الفلكية، وإن أجلت بنظرك في مراتب الحياة من أحقر الكائنات إلى أعلاها ~~وجدت وحدة التناسب والتسلسل، كذلك القوى الطبيعية كلها صادرة بالتسلسل عن قوة أصلية ~~واحدة تدعى بالناموس العام. # قال: يتعذر عليكم في الحاضر استيعاب هذا الناموس في شمول اتساعه؛ لأن القوى ~~الصادرة عنه والداخلة في دائرة أبحاثكم محدودة مقيدة، إنما قوة التجاذب والكهربائية ~~تفصحان لكم نوعا عن الناموس العام الأصلي الشامل السماوات والكائنات، فكل هذه ~~القوى الثانوية أزلية عامة كالخلقة، بملازمتها للسيال العام تعمل ضرورة في كل شيء ~~وفي كل مكان، ويتنوع عملها بالمقارنة والتعاقب، فتتغلب في مكان وتمحي من آخر، ~~يظهر فعلها ههنا وتكمن هناك، عاملة أبدا في تجهيز العوالم وإدارتها وحفظها ~~وملاشاتها، متولية أعمال الطبيعة ومعجزاتها حيثما قامت ضامنة على هذه الصورة بهاء ~~الخلقة الأزلية ونظامها الأبدي. # قال: ... بعد أن تأملنا بوجه عام في تركيب الكون ونواميسه وخصائصه، بقي علينا ms44 أن ~~نشرح كيفية تكوين العوالم والبرايا، ثم ننتقل بعدها إلى تكوين الأرض ومركزها الحالي ~~في الموجودات. # قال: ولقد أبنا سابقا ما الزمان وما نسبته إلى الأبدية، وأن هذه واحدة ثابتة ~~عديمة الغيار، وبالتالي لا بدء لها ولا نهاية، ثم إذا لاحظنا من جهة أخرى عدم تناهي ~~القدرة الإلهية، حكمنا ضرورة بوجوب أزلية الكون ؛ لأن الله قد تكملت كمالاته ~~القدسية، وبما أن الله أزلي سرمدي فاقتضى أن يكون عمله سرمديا، أي لا بدء له ولا ~~نهاية، فإذا تصورنا لعمل الله بدءا - ومهما كان هذا البدء في مخيلتنا بعيدا ~~قاصيا - فتسبقه دائما أزلية، زنوا جيدا ذلك بعقلكم، أزلية لا قرار لها لبثت ~~فيها إرادة القدوس بلا عمل، إن الله شمس الكائنات، ونور العالم، فكما أن ظهور الشمس ~~يصحبها انتشار النور هكذا وجود الله يصحبه ضرورة فعل الخلقة وظهور البرايا. # أي لسان يستطيع أن يصف تلك العظائم الباهرة المستترة في دجى الدهور، التي تلألأ ~~سناؤها في عهد لم يكن قد ظهر بعد فيه شيء من عجائب الكون الحالي، تلك الدهور ~~القاصية التي أسمع الله فيها صوت كلمته، فاندفعت تيارات الأهباء والذرات؛ لتشيد ~~بتجمعها المهندم هيكل الطبيعة غير المحدود، ذلك الصوت السري الكريم الذي تجله ~~وتهواه كل خليقة، وبرنته المرموقة ارتجت الأفلاك، وسبحت عجائب الله؟! # قال: إذا انتقلنا بالفكر إلى بضعة ملايين من الأجيال قبل العصر الحاضر لوجدنا أن ~~الأرض لم تبرز بعد إلى حيز الوجود، والكواكب لم تتولد من النظام الشمسي، في حين ~~أن شموسا أخرى لا عدد لها كانت تسطع في أقاصي السماوات، وترسل أشعتها إلى كواكب لا ~~يقع عليها حصر، ثوى بها من سبقنا من الأحياء في مضمار الإنسانية، وأنظار أخرى ~~تمتعت بعجائب طبيعية وغرائب سماوية لم يبق لها اليوم من أثر، وقلوب وعقول أخرى لا ~~عدد لها كانت تسجد وتعظم لقدرة الباري غير المتناهية. نحن الحقيرين الذين برزنا إلى ~~الوجود بعد أزلية من الحياة، نريد أن ندعي بمعاصرتنا للخلقة! لندركن أمر الطبيعة ~~جيدا يا أحبائي، ولنعلمن أن الأبدية وراءنا كما ms45 هي قبالتنا، وأن الفضاء بمسرح ~~تعاقبت وتتعاقب عليه خلقات لا عدد لها ولا انتهاء، فتلك المجرات - التي لا تكادون ~~تميزونها في أقاصي السماوات - إن هي إلا تجمعات شموس منها في بدء تكوينها ومنها ~~آهلة بالأحياء، ومنها ما بلغت دور الانحطاط، وعلى الجملة، كما أننا قائمون في وسط ~~عدد غير متناه من عوالم هكذا ، نحن عائشون في وسط دوام أزلي أبدي لاحق لوجودنا ~~الحاضر، وإن فعل الخلقة ليس بمقصور عليكم ولا على كريتكم الحقيرة. # قال: إن المادة الأصلية تحوي في ذاتها العناصر الهيولانية والسيالة والحيوية التي ~~تألفت وتتألف منها كل العوالم المنتشرة في مساحات الفضاء، فهي أم نثور لكل ~~الكائنات، والوالدة الأزلية لكل الأشياء، فلا يمكن أن يعتريها نقص أو تلاش، أو تعطي ~~الوجود من دون انقطاع لعوالم جديدة، وتستقي بلا فتور من الأصول التكوينية المنحلة ~~من العوالم التي بدأت تمحى من سفر الحياة، وهي المادة الأثيرية، أو السيال ~~العام المالئ الأجرام وما بين الأجرام، وفيه مستقر العنصر الحيوي، الذي به تحيا ~~كل خليقة، عند ظهورها على سطح سيارة، فما من خليقة معدنية أو نباتية أو حيوانية ~~أو غيرها؛ إذ توجد موالد أخرى، ليس في وسعكم أن تتصوروها، إلا وتأخذ عند نشأتها ~~نصيبها من هذا العنصر الحيوي، وبنفاده ينقضي أجلها. فالسيال العام إذن لا يحوي في ~~ذاته فقط النواميس القائم بها حفظ العوالم، بل يشتمل أيضا على العنصر الحيوي العام ~~الذي به تنشأ في كل عالم المواليد الغريزية الأولية التي تنبت من غير زرع، وذلك عند ~~سنوح الظروف الملائمة للحياة على سطح الكرة. # قال: ولقد ضربنا الآن صفحا عن ذكر العالم الروحي الذي هو أيضا قسم من الخلقة ~~العامة، ويتمم ما رسمه عليه الخالق المبدع العظيم من التقادير الأزلية. على أني لا ~~أستطيع أن أتوسع في كيفية خلقة الأرواح؛ نظرا إلى جهلي للمسألة، وعدم إجازتي بأن ~~أبوح بأمور تيسر لي التعمق فيها، فقط أقول لمن تطلب الحق بخلوص نية وتواضع القلب إن ~~الروح لا يشرق عليه النور الإلهي لينال به مع ms46 الاختيار المعتوق معرفة ذاته ونصيبه ~~من الاستقبال إلا بعد أن يكون قد جاز بقضاء محتوم في مسبحة النسمات السفلية من ~~البرايا، وفيها أنجز ببطء ما أنجز من فروض شخصيته، ففي ذلك اليوم ينخرط الروح في ~~سلك الإنسانية، وحذار أن تبنوا على مقالي استدلالاتكم النظرية؛ إذ أحب إلي ألف ~~مرة أن أطوي كشحا عن مسائل تفوق حد نظري من أن أعرضكم لإفساد تعليمي، واستنتاج ~~أقيسة وقواعد لا أس لها ... # قال: حدث مرة أن نقطة من الفضاء - وفي وسط مليارات من العوالم - تكاثفت المادة ~~الأصلية، فتولد عنها مجرة - أي سحابة نيرة - لا يكاد يدرك قياسها، وبقوة ~~النواميس العامة المستقرة فيها - وخصوصا التجاذب الدقائقي - أصابت الشكل الكروي، ~~وهو الشكل الذي تصيبه في البدء كل مادة تجمعت في الفضاء، ثم تغير شكلها الكروي بقوة ~~الحركة الدورية الناتجة من التجاذب المتساوي من كل المناطق الدقائقية نحو المركز، ~~وأصابت الشكل العدسي، وتولد عن حركتها هذه الدورية قوات أخرى أخصها قوة الجاذبة ~~والدافعة، فالأولى تميل بالأجزاء إلى المركز والثانية تبعدها عنه، وتعاظمت سرعة ~~حركة المجرة على قدر تكاثفها، وتوسع نصف قطرها على قدر تقربها من الشكل العدسي، إلى ~~أن تغلبت القوة الدافعة على الجاذبة، واقتلعت من المجرة الدائرة المحيطة بخط ~~الاستواء، كما تقطع حركة المقلاع الحبل بتزايد سرعتها وتدفع القذيفة إلى بعد، ثم ~~انقلبت تلك الدائرة المنقطعة عن المجرة إلى كتلة قائمة بنفسها، ولكنها خاضعة لولاية ~~المجرة الأولى، وبقي لها حركتها الاستوائية، فتغيرت إلى حركة انتقالية حول الجرم ~~الأصلي، وأكسبتها حالتها الجديدة هذه حركة أخرى دورية حول مركزها الذاتي. # ثم عادت المجرة الأصلية إلى شكلها الكروي بعد أن أولدت عالما جديدا، ولما كانت ~~الحرارة الأصلية المتولدة عن حركاتها المختلفة لا تضعف إلا ببطء كلي، فالحادث الذي ~~أتينا على ذكره سيتكرر مرارا متعددة وفي مدة مديدة إلى أن تبلغ المجرة درجة من ~~الكثافة، تحول بمتانتها دون التغيرات الشكلية الصادرة عن حركة دورانها حول مركزها، ~~فليس جرم واحد بل مئات من الأجرام ستقتلع على النسق المذكور من المجرة الأصلية. ms47 ~~وكل من هذه العوالم - لاحتوائه القوى الطبيعية ذاتها المستقرة في الجرم الأصلي - ~~سينتج أجراما ثانوية تدور حوله، كما يدور هو حول المجرة الأصلية بصحبة سائر ~~الأجرام المتفرعة منها. وكل من هذه الأجرام الثانوية سيكون أيضا شمسا - أي مركزا ~~لكواكب جديدة - تتفرع منه بالطريقة التكوينية ذاتها، وما الأرض إلا إحدى هذه ~~السيارات كتبت في حينها في سفر الحياة، وأصبحت مهدا لخلائق ضعيفة يكلؤها عين ~~العناية الربانية، وجاءت وترا جديدا تعزف في عود الطبيعة العامة المسبحة لعجائب ~~الخالق. # وقد تفرع من السيارات قبل تجمدها أجرام أخرى صغيرة انقطعت من دائرة خط الاستواء، ~~وأخذت تدور على محورها وحول الجرم الأصلي بقوة النواميس العامة ذاتها، فتولد من ~~الأرض القمر، وجمد قبلها لصغر حجمه، إنما القوى التي تولت اقتلاعه من خط الاستواء ~~الأرضي وحركته الانتقالية في هذا الخط فعلت فيه ما جعلته أن يصيب الشكل البيضي ~~بدلا من الكروي، فأصبح على شكل بيضة، مركز ثقلها في أسفلها لا في وسطها؛ لهذا لستم ~~ترون من هذا الجرم إلا جهة واحدة، وهو أشبه بكرة من الفلين قاعدتها من رصاص، وهي ~~الناحية المتجهة دائما إلى الأرض، فينتج من ذلك أن على سطح العالم القمري طبيعتين ~~في غاية التباين والاختلاف؛ الأولى: وهي الناحية المتجهة دائما نحو الأرض، لا ماء ~~فيها ولا هواء، وفيها تجمعت كل الأجرام الجامدة الغليظة؛ لوجود مركز الثقل فيها. ~~والثانية: التي لا يقع عليها قط نظر أرضي، حاوية كل السوائل والمواد الخفيفة، وهي ~~متجهة أبدا إلى الناحية المخالفة لعالمكم. # قال: ولقد اختلفت الأجرام المتفرعة من السيارات عددا وأحوالا، فمن السيارات ما ~~لم يتفرع منها شيء، كعطارد والزهرة، ومنها ما أولدت قمرا وأكثر كالأرض والمشتري ~~وزحل ... إلخ، وهذا الكوكب - أي زحل - أولد عدا الأقمار حلقة نيرة، تحيط بخطه ~~الاستوائي، وهذه الحلقة عبارة عن منطقة انفصلت في البدء عن خط الاستواء في زحل ~~كالمنطقة الاستوائية التي انفصلت عن الأرض فصارت قمرا، إنما الفرق أن منطقة زحل ~~كانت متكونة عند انفصالها من دقائق متجاذبة الجوهر، وربما متجمدة بعض التجمد، ms48 فلهذا ~~بقيت تدور حول الجرم الأصلي بسرعة تكاد تعادل سرعة الجرم ذاته، فلو كانت المنطقة ~~متكاثفة في إحدى جهاتها أكثر من سواها لتجمعت حالا كتلة واحدة، أو كتلات متعددة ~~تصبح أقمارا جديدة تضاف إلى ما كان لزحل من الأقمار الأخرى. # قال: وأما النجوم ذوات الأذناب فقد توهمها البعض عوالم في بدعة نشأتها تجهز فيها ~~بواعث الوجود والحياة كما في السيارات، وافترضها غيرهم عوالم آخذة في الدروس ~~والتلاشي، حتى المنجمون أنفسهم كانوا يتشاءمون لها كدلالة على النحس والبلايا، على ~~أن المطلع على تفننات وأعمال الطبيعة يعتوره العجب لأقيسة افتراضية بناها ~~الطبيعيون والفلكيون والفلاسفة؛ ليؤيدوا بها المذنبات سيارات حديثة أو عتيقة، في ~~حين أنها ليست إلا كواكب متنقلة كرواد في المملكة الشمسية، وما أعدت لتكون ~~كالسيارات مساكن آهلة بالسكان من البشر، إنما اختصاصها أن تنتقل من شموس إلى شموس؛ ~~لتستقي منها الأصول الحيوية المنعشة فتفيضها فيما بعد على العوالم الأرضية. # قال: فلنتبعن بالفكر أحد النجوم المذنبات عند بلوغه البعد الأقصى من الشمس، ~~ولنقطعن تلك السعة المديدة الفاصلة ما بين الشمس وأقرب النجوم، ولنتأملن في ~~سير هذا المذنب المتنقل، فنجد فعل النواميس الطبيعية ممتدا إلى بعد لا تكاد ~~المخيلة أن تصيبه، فهناك يبطؤ سيره إلى حد أن لا يتجاوز بعض الأذرع في الثانية، بعد ~~أن كان يسير الألوف من الفراسخ في كل لحظة عند قرب دنوه من الشمس، ولا يبعد أن ~~تتغلب عليه عند هذا الحد شمس أخرى أشد قوة ونفوذا من التي بارحها، فتجذبه إلى ~~دائرة فلكها، وتحصيه في عداد تباعها، وعبثا ينتظر بعدها بنو أرضكم رجوعه في ~~وقت عينته أرصادهم الناقصة، أما نحن فنجوز معه بالفكر إلى تلك الأقطار المجهولة، ~~فنجد فيها من العجائب ما لا يصل إليه حد التصور ... قل منكم من لم يلحظ في ~~الليالي الصافية الخالية من القمر سحابة نيرة منتشرة في أقصى السماء إلى أقصاها، ~~تدعونها درب التبانة أو المجرة، وقد كشف لكم عنها مؤخرا المرصاد، فرأيتم فيها ~~ملايين من الشموس، معظمها أبهى نورا وأعظم حجما وأهمية ms49 من شمسكم، إن المجرة في ~~الحقيقة حقل فسيح، زرعت فيه زهور شموس وكواكب تتلألأ في أرجائها الرحبة، فالشمس ~~وكافة السيارات والأجرام التابعة لها زهرة واحدة من تلك الزهور المنثورة في حقل ~~المجرة، وعدد هذه الزهور، أي الشموس، لا يقل عن الثلاثين مليونا، تبعد كل منها ~~عن الأخرى أكثر من ثلاثة آلاف ألف ألف ألف فرسخ، فمن هذا يستدل على سعة تلك ~~المجرة الممتنع تصورها، وصغارة شمسكم بالنسبة إلى باقي الشموس، ثم حقارة بل عدم ~~أرضكم ليس فقط بالنسبة إلى حجمها وسعتها المادية، بل أيضا وبالأخص إلى أحوال ~~سكانها، الأدبية والعقلية. # ثم إن المجرة ذاتها مع ملايين شموسها ليست بشيء بالنسبة إلى الألوف من المجرات ~~المنتشرة في أقاصي الفضاء، إنما تظهر أوفر سعة وسناء من غيرها؛ لاحتياطها بكم، ~~ووقوعها تحت دائرة نظركم، في حين أن المجرات الأخرى متوغلة في أقاصي السماوات، فلا ~~يكاد يستشفها مرصادكم، فإذا علمتم أن الأرض ليست بشيء في النظام الشمسي، وأن النظام ~~الشمسي ذاته ليس بشيء في دائرة المجرة، وأن المجرة ذاتها ليست بشيء في عامة ~~المجرات، وأن عامة المجرات أيضا ليست بشيء في سعة الفضاء غير المتناهية؛ كان سهلا ~~عليكم إدراك حقارة الأرض، وعدم أهمية الحياة الجسدية. # إن الملايين من الشموس المؤلفة منها مجرتكم يحتاط بأكثرها سيارات وعوالم تستمد ~~منها النور والحياة، فمنها نجم «سيريوس» مثلا ما يربو حجمه وبهاؤه على شمسكم ~~ألوفا من المرات، والسيارات المحتاطة به تفوق سيارات الشمس كبرا وسناء، ومنها ~~شموس مثناة، أي نجوم قوائم تختلف وظائفها الفلكية عن وظائف شمسكم، ففي السيارات ~~المحتاطة بتلك الشموس المثناة لا تعد السنون والأيام كما في أرضكم، وأحوال الحياة ~~فيها يتعذر عليكم تصورها، ومن الشموس أيضا ما لا سيارات لها، إنما أحوال سكناها ~~خير الأحوال، وعلى الجملة إن تفننات هذه النجوم واختلاف أحوالها ووظائفها مما يقصر ~~الإدراك البشري عن تخيلها. # إن كل ما ترون من النجوم والأجرام في القبة الزرقاء يختص بمجرة واحدة تدعى - ~~كما قلنا - درب التبانة، ولكل منها سير مخصوص، مصدره قوة الجاذبية، ms50 فتسير ليس على ~~سبيل العرض والمصادفة، وإنما في طريق معينة، مركزها الجرم الأصلي، فقد تحقق لكم ~~مؤخرا أن الشمس ليست بنقطة مركزية ثابتة، بل تسير في الفضاء سابحة معها موكبها ~~الحافل من السيارات والأقمار والمذنبات، وليس سيرها بعرضي، بل طريقها محدود، تسير ~~فيه بصحبة شموس أخرى من طبقتها حول جرم آخر عظيم تولدت منه، إنما حركة سيرها وسير ~~باقي الشموس رفيقاتها لا تصيبها أرصادكم السنوية؛ إذ يقتضي عددا عظيما من الأجيال ~~لإنجاز إحدى هذه السنوات الشمسية. # ثم إن هذا الجرم العظيم - الذي تدور حوله الشمس مع سائر الشموس رفيقاتها - ليس ~~أصليا، بل يدور هو أيضا بصحبة أجرام أخرى من طبقته حول نجم آخر أعظم منه، وهكذا ~~قل عن هذا النجم الثاني إلى أن يحل العجز بمخيلتنا عن تصور هذه السلسلة المرتبة ~~القائمة ما بين شموس مجرتكم، التي لا يقل عددها عن الثلاثين مليونا، وكل هذه ~~الشموس مع سياراتها مرتبطة بعضها ببعض في نظام واحد كمجموع دواليب آلة واحدة، فتظهر ~~لعين الحكيم الناظر إليها عن بعد كحفنة من اللآلئ الذهبية، نثرتها النفحة الإلهية ~~في الفضاء، كما نثر الريح الرمال في بقع الصحاري. # إن فلاة يكاد ألا يحدها قرار تمتد إلى كل جهة حول المجرة التي أتينا على ذكرها؛ ~~لأن تجمعات المادة الأصلية - أي المجرات - منثورة في الفضاء كجزر عزيزة الوجود في ~~بحر لا حد لسعته، فالمسافة التي تفصل ما بين كل مجرة وأخرى تفوق فئوقا لا يقدر ~~مسافة قطر المجرة ذاتها، فمعلوم أن قياس مجرتنا يقدر بمئات ألف ألف ألف ألف ألف ~~فرسخ، أما قياس بعدها عن باقي المجرات فلا يمكن لعقل أن يدركه، بل المخيلة وحدها ~~تستطيع أن تقطع تلك الفيافي السماوية الخالية من مظاهر الحياة. # وتتجلى ما وراء هذه الفلوات عوالم أخرى تتبختر في بحر الأثير، وتظهر الحياة فيها ~~تحت مجالي غريبة يستحيل عليكم تصورها، فالمنتقل من مجرتكم إلى تلك المجرات يعاين ~~ضروبا وقوى طبيعية لم تكن قط لتخطر بباله، هنالك يدرك قدرة الخالق، ويسبح عجائب ~~أعماله. # قال: رأينا ms51 أن ناموسا أصليا واحدا يتولى تكوين العوالم وخلود الكون، وأن هذا ~~الناموس العام يظهر لحواسنا تحت ضروب مختلفة ندعوها قوى طبيعية، وبفعلها تتجمع ~~المادة الأصلية، وتنجز تقلباتها الدورية، أي تكون في البدء مركزا سيالا للحركة ثم ~~تتفرغ فيها العوالم، وتصبح بعدها جرما كثيفا يدور حوله ما تولد منه من ~~الأجرام. # قال: والآن أريد أن أبين أن هذه النواميس ذاتها - التي تولت نشأة العوالم - ~~ستتولى أيضا أمر دثارها؛ لأن منجل الموت لا يحصد ذرات النسمة فقط، بل المادة ~~الجمادية أيضا بانحلال تراكيبها، فلما يقضي العالم سني حياته، وتخمد منه نار ~~الوجود، وتفقد عناصره قواها الأصلية، وتزول منه الحوادث الطبيعية بزوال القوى، هل ~~تظنون أن سيلبث دائرا في الفضاء كجرم ميت لا حياة فيه، ويبقى مكتوبا في سفر ~~الحياة بعد أن أصبح حرفا ميتا لا معنى له؟ كلا، إن النواميس ذاتها التي انتشلته ~~من ظلمة الخواء، وجملته بمظاهر الحياة، ودرجته من أجيال الصبوة إلى الهرم، ستتولى ~~أمر دثاره، وإرجاع عناصره الجوهرية إلى معمل الطبيعة العام؛ ليتكون منها فيما بعد ~~عوالم جديدة، إلى ما لا انتهاء له. # قال: فأبدية الكون تقوم بالنواميس ذاتها المتولية أعمال الزمان، أي تعقب الشموس ~~الشموس، والعوالم العوالم، دون أن يصيب قوى الكون أدنى كلل أو خمود، فما ترون في ~~أقاصي السماوات من نجوم نيرة قد محتها - ربما - من أمد مديد أصبع الموت، وعقبها ~~الخواء أو خلقة جديدة تجهلونها بعد إنما البعد الشاسع القائم بينكم وبين تلك ~~الأجرام القاصية، والذي لا يقطعه النور إلا في ألوف ألوف من السنين يجعل أشعتها ~~أن تصل إليكم اليوم، مع أنها ربما انبعثت قبل خلقة الأرض بأمد مديد، ففي هذه كما في ~~غيرها تظهر حقارة الإنسان وعدم دنياه، إنما سيأتي يوم فيه يبقى ذكر الأرض في ذهننا ~~كظل بخاري، بعد أن نكون قد تدرجنا أجيالا لا عدد لها إلى العوالم العليا، ولما ~~نتأمل في المستقبل - عند بلوغنا هذا الحد - فلا نرى نصب أعيننا إلا تعاقبا ~~سرمديا من العوالم، أو أبدية ثابتة لا انقضاء ms52 لها. # | فضل العرب على الغرب # نقول: ولقد بلغت فلسفة ابن رشد - عند اليهود في القرن الرابع عشر - أرقى وأبقى ~~منزلة، حتى لقد تعهد «لاون» الإفريقي اليهودي شرح فلسفة ابن رشد كلها، وتوضيح ما ~~نقله هذا الفيلسوف عن أرسطو وما لخصه منها. # يقول «سديو» العلامة الفرنسي الشهير في هذا المقام: «ولا يخفى أن الكشف السالف ~~يفيد علم الفلك الشرقي مزية الأصالة والأولية التي لا يستطيع الإمساك عن الإقرار ~~بها أحد من الفرنجة، الذين كان كشفهم بمعلومات الكتب العربية شاهدا على تقدم ~~العلوم الرياضية عند العرب، الذين استفاد منهم اللاتينيون المعلومات؛ فإن «جوستر» ~~الذي كان بابا روما الملقب بسلوستر الثاني أدخل من سنة 970 إلى سنة 980 عند ~~الفرنج العلوم الرياضية التي كسبها عن عرب إسبانيا، و«أهلاد» الإنجليزي ساح من سنة ~~1100 إلى سنة 1120م في كل من إسبانيا ووادي مصر، ثم عاد فترجم مبادئ إقليدس من ~~العربية بعد أن ترجمها العرب من اليونانية، وترجم أفلاطون من العربية الرياضيات ~~الكروية المنسوبة إلى «تيودور» كما أن الخواجة «رودلف» أحد أهالي «بروجس» البلجيكية ~~ترجم مسائل بطليموس المتعلقة بالكرة الأرضية والسماوية المصورة مبسوطة على خريطة، ~~وهكذا «ليونارد» ألف سنة 1200م رسالة في الجبر الذي نقله من بلاد العرب، ~~و«قميانوس» الإسباني ترجم في القرن الثالث عشر كتاب إقليدس ترجمة جديدة وشرحه، وقد ~~كان الملك «زوجير» الأول ملك «السيصليين» مساعدا لعلماء «بسيسيليا» لا سيما ~~«الأوريسي» ثم جاء العاهل فردريك الثاني بعد «زوجير» بمائة سنة فلم يأل جهدا في ~~المساعدة والحث على كسب العلوم والمعارف الأدبية الشرقية، وكانت أتباع ابن رشد تعمل ~~في ديوانه، وتعلم التاريخ الطبيعي، وعلم النبات، وعلم الحيوان.» # يقول «سديو»: إن القوانين وهي خمسة كتب لابن سينا قد ترجمت وطبعت مرارا، وكانت ~~مؤلفاته ومؤلفات الرازي تدرس في مدارس أوروبا نحو ستة قرون، ولقد طبعت مؤلفات ~~الفخر الرازي في الطب في مدينة البنادقة سنة 1510م، وكتب علي بن عباس الفارسي وهي ~~عشرون كتابا في الطب ترجمت إلى اللاتينية سنة 1127، وطبعها مخائيل كابلا سنة 1523 ~~في مدينة ms53 ليون بفرنسا. # هذا ما عن لنا أن نلخصه من كلام سديو العلامة الأشهر؛ لنظهر القراء على شيء ~~من فضل العرب على الغرب في السبق في مضمار العلم وحلبة الفن، وليعلم الذين لا ~~يزالون على جهل من أمر العرب وتاريخ العرب وفضل العرب أن الحق لا يعدم نصيرا ولو ~~من الأعجام وأهل الغرب، فهذا فضل أنطق لسان سديو الفرنسي على حين أننا مازلنا نسمع ~~أصوات كثيرين من المصريين والمتكلمين بالعربية ترتفع من كل جانب بالاستنكار، وغمط ~~شأن العربية، فهم ينعون العرب وآثار العرب وفضل العرب في حين أن الأجانب من ~~الفرنسيين والألمانيين والغربيين جميعا لا يزالون ينطقون بالحق، ويرفعون لواءه من ~~غير غضاضة ولا توان، والأمر لله من قبل ومن بعد. # قالوا: (1) ولقد أخبر رسول الله # صلى الله عليه وسلم # أنه رأى أرواح الأنبياء - عليهم السلام - ~~ليلة أسري به في السماوات سماء سماء؛ آدم في سماء الدنيا، وعيسى ويحيى في ~~الثانية، ويوسف في الثالثة، وإدريس في الرابعة، وهارون في الخامسة، وموسى وإبراهيم ~~في السادسة والسابعة. يقول ابن حزم: فصح ضرورة أن السماوات هي جنات. ~~(2) عن صفوان بن يعلى، عن أبيه، عن النبي # صلى الله عليه وسلم # قال: «البحر من جهنم أحاط به ~~سرادقها.» وقال تعالى: ~~) # والبحر المسجور ~~( # أي ~~الموقد، روي أن الله تعالى يجعل يوم القيامة البحر نارا، فيسجر بها نار جهنم، وهو ~~أعلم. # | فيما بعد الطبيعة (1) # نقول: ولقد راهنت مجلة # Sciéntific American # بألف ~~جنيه أودعتها في خزانتها، وتحدت كل من يؤمن بالأرواح، قائلة: إنها تراهن بهذا ~~المبلغ كل من يستطيع أن يثبت لها عمليا وجود الأرواح، وأنها فوق ذلك تدفع ~~للمراهن هذا مصاريف انتقاله من بلده إلى نيويورك، على أن شخصا من أشياخ العلم ~~عندنا طلب إلي إذ ذاك أن أدلي برأيي، فقلت: إن هذه المجلة لن تستطيع أن توفق ~~إلى مراهن صادق أو روحاني مخلص؛ ذلك لأن الأرواح نوعان: علوية وسفلية، والثانية ~~كاذبة مخاتلة مخادعة ميالة للمزاح واللهو والعبث بعقول المخلوقات، دائبة اللعب، ~~دائمة السخرية، لا يهدأ لها حال ms54 إلا بالضحك من عقول الناس تضلل بهم، وتعبث بأعمالهم ~~وأقوالهم كما يعبث الماجن بصاحبه. أما الأولى «الأرواح العلوية» فصادقة، أبية، شأن ~~الكمل، وهذه تمقت المادة وأحوالها وأعمالها، وتحتقر الألعاب سيما منها المحرم أو ~~المكروه، والرهان هذا عمل يستحبه البعض منا ويلهو به، ويلعب على أن الأرواح الطاهرة ~~العلوية تترفع عن مثل هذه الأعمال، وتربأ أن تتدخل في مراهنات، وماذا يضيرها لو آمن ~~الكل أو جحد الأرواح ناس من مخاليق الله، ما دامت لا تهدي من تحب ولكن الله يهدي ~~من يشاء. # إذن فالذي يتصدى للمراهنة من أصحاب المذهب الروحاني ليس يعقل أن يكون إلا ~~ممن يألفون ويتفهمون مع الأرواح السفلية، إما أن يكون هذا أو أن يكون من «البلافين» ~~الملاعبين المشعوذين «كالحواة» وما أشبه ذلك. وقد وقع ما قلت به، فلبثت المجلة في ~~انتظار من يكسب الرهان ردحا طويلا من الزمن، ولكنها لم تظفر ببغيتها، ولم يسع ~~إليها إلا المشعوذون والدجالون، هذه حكاية وقعت من عهد قريب نرويها لمناسبة. وقد ~~كان في وسع أمثال إديسون وأولفر لودج وكونان دويل ووليم جيمس، كان في وسع واحد من ~~هؤلاء أن يثبت علميا وعمليا لجماعة الساينتفك أميركان ما يؤمن به، وما رأى وما ~~سمع، لولا أن هذا لا ترضاه الأرواح. # وهاك ملخص ما نشرته جريدة الهرالد سنة 1921 خاصا باختراع إديسون قالت: «كان ~~إديسون في مكتبه (مساء يوم من الأيام) وكانت أمامه الآلة التي اخترعها لمخاطبة ~~الأرواح، وإذا به يراها تتحرك، فجعل يرقبها ويلحظ حركاتها، وإذا حركاتها على حسب ~~الحروف الأبجدية التي اصطلح عليها إديسون، واتفق هو ومن معه في المعمل على أن تكون ~~رموزا وأداة للتفهم إذا فارق أحدهم هذه الحياة الدنيا وانتقل إلى عالم الأرواح، ~~وعلم أن الذي يخاطبه إنما هو روح مساعده بيترسون، فدهش لذلك؛ لأن بيترسون هذا كان ~~غائبا، ولأن إديسون كان على اعتقاد أنه لا يزال حيا، بيد أنه علم من بعد ذلك ~~بواسطة روحه هذا أن عصابة من الأشرار تربصوا له، وطلبوا منه أن يبوح لهم بما ms55 في ~~معمل إديسون من أسرار، وأن يساعدهم بما لديه من أدوات كهربائية على تنفيذ أغراض ~~سافلة سيئة، ولما أبى أن يطيع أمرهم قتلوه. وكان أبعد ما يعتقده إديسون في شأن ~~مساعده أنه ضل الطريق أو غاب عن الحضور لعذر ما، وما أشد حزنه الممزوج بالفرح لنجاح ~~اختراعه! ثم أخذت الآلة تتحرك، وظل إديسون يرقبها، حتى أخبره الروح أنه يحس بأسف ~~شديد ؛ لأنه فارق هذه الدنيا وترك كناريا محبوسا في قفص موضوع فوق سطح منزله دون ~~أن تعلم بذلك زوجته حتى ترعاه بعنايتها، وأنها لا تعلم بوجوده؛ لأنه اشتراه يوم ~~وفاته؛ ليهديه لابنه من غير أن يكون لها بذلك علم، أنبأ روح مساعد إديسون بذلك، ~~وأعلمه أن لديه في مكتب منزله تصميم اختراع محدث، وطلب إليه أن يجرب هذا الاختراع، ~~فإذا نجح كان من حق ورثته من عائلته. أما إديسون والذين معه فقد علموا بعد ذلك أن ~~الكناري مات جوعا.» # ولما قرأ هذا الخبر الدكتور ليمان أبوت أخذته دهشة، وكاد لا يصدق ما فيه من رواية، ~~وفيما هو على هذه الحال دق جرس التلفون، وإذا بالمستر هيوز يخاطب: هل ~~قرأت؟ ~~- قرأت العجب العجاب، هل حقيقي هذا؟ العالم كله في لغط شديد؛ لأن جريدة نيويورك ~~جورنال تقول إن إديسون ما زال حتى هذا الصبح يخاطب روح مساعده بيترسون، وقد علم منه ~~أمورا عن عالم الأرواح. ~~- ماذا علم؟ ~~- علم أن أرواح كثيرين من أعلام الخلق - سيما منهم أقطاب السياسة - تحلق في جو ~~وشنطون الآن. ~~- والله يا هيوز لقد اختلط علي الأمر، فلم أعد أميز بين المزاح والجد، ولا بين ~~الحقيقة والوهم. ~~- لا لا، إن ما تقرؤه وتسمعه لحقائق ثابتة، حقائق كالكذب، لقد اتصلنا بعالم ~~الأرواح من غير ما جدل أو شك، ولم يعد الموت إلا سفرا عاديا بسيطا. ~~- ترى هل ثبت مقتل ويلسون؟ ~~- لقد أصبح في دائرة البوليس مرجحا، وإنما جثته لم يهتد إليها بعد. ~~- ما رأيك في أن نكلف إديسون أن يسأل مساعده بيترسون عن روح ويلسون؟ ~~- أجل، لقد وقع بخاطري أن ms56 نذهب إلى إديسون ونسأله بعض الأسئلة، بيد أنه قد أحاط به ~~الصحفيون إحاطة السوار بالمعصم، وقد أمه الناس أفواجا أفواجا من كل صوب وحدب، ~~وقد استنجد الحكومة فبعثت إليه بفرقة من الجيش لرد الخلق عنه. ~~- حسنا إن إديسون صديق من أعز أصدقائي، فلنسع إليه، وسأقترح عليه أن أنشئ لديه ~~مكتبا خاصا لجمع معلومات المخاطبات الروحانية وتوزيعها على الصحفيين، وبهذا ~~يستريح من تكأكؤ الخلق عليه وحول معلمه. # | فيما بعد الطبيعة (2) # وكان في ذلك العهد الدكتور ليمان أبوت هو وصديقه مستر هيوز، عند إديسون في غرفته ~~الخاصة، وكان الرجل عظيم السرور شديد الابتهاج بنجاح اختراعه، وهو لا يني ولا يكل ~~ولا يمل مخاطبة روح مساعده بيترسون، وما نحن بقادرين أن نتبسط في الحديث، ونستزيد ~~من الكلام فيما حدث من حوار ومخاطبة في هذه الجلسات التاريخية العظيمة، وإنما نحن ~~موردون ما يهم القراء منها فنقول: إن الدكتور ليمان أبوت استحلف مستر إديسون أن ~~يسأل روح مساعده بيترسون في استحضار روح ولسون. # ولما ألقى السؤال على روح بيترسون بحثت عن روح ولسون ردحا من الزمن، وقالت إنها ~~لم تجد ولسون ولا أخبرها أحد بوجوده في عالم الأرواح، بل هي تزعم بعد هذا البحث أن ~~ولسون لا يزال حيا. ~~- دعها تبحث عنه حيا، ألا يمكنها ذلك؟ ~~- تقول: إن البحث عن الأحياء صعب جدا، على أنها لا تزال تبحث، وتجد في ~~البحث. ~~- أما أخبرتك عن الذين قتلوه؟ ~~- نعم، تقول: إنهم من جمعية كوكلا كس كلان السرية، أو من جمعية أخرى مخالفة لها، ~~وهي على اعتقاد أن ولسون لا يزال أسير هذه الجمعية. # وبينما كان إديسون مقبلا على صاحبه يحادثه إذا بالآلة تنقر، فقال للحال: لقد حضرت ~~روح بيترسون. فسمعا لما تقول، ثم حرك أصابعه على الآلة أخذا وردا، وما لبث أن ~~صاح متعجبا قائلا: إن روح بيترسون قد اهتدت مصادفة إلى الكابتن ماركسون، وهو في ~~قبضة يد جماعة كوكلاكس كلان. ~~- الله ماذا تقول؟! إن البوليس لا يزال يبحث عن قاتل الكابتن ماركسون. ~~- البوليس غبي جدا؛ لأن ms57 الجثة المشوهة الموجودة في دائرة البوليس هي جثة مساعدي ~~بيترسون لا جثة ماركسون، هو ذا بترسون يتكلم إنه اهتدى إلى ولسون، على أن ولسون هو ~~الآخر أسير هذه الجمعية. ~~- أين؟ ~~- في مكان ليس في وسعه أن يصفه؛ لأن الأرواح لا تستطيع أن تميز الأوضاع المادية ~~والأحياز المكانية، وهو يرى ويتعرف روح ولسون لا جسمه. # وهو يعرف من مثال زوجه المشابهة لمثال جسده، فإن فراسة الروح تشابه فراسة الجسد، ~~ولقد تحقق وتأكد من هويته، من أفكاره. ~~- هل يستطيع أن يلقي عليه بعض الأسئلة؟ # أما إديسون فالتفت إلى صديقه الدكتور وقال له: لو أن الأرواح تستطيع أن تؤثر في ~~الأحياء أو تخاطبهم متى شاءت، لما كانت ثمت داعية لهذه الآلة، إن تأثير الروح على ~~الروح التي لا تزال تحجبها الأحياز المادية ضعيف، على أن روح بيترسون ستجتهد في ~~التأثير على روح ولسون حتى توجه أفكاره إلى أي موضوع، وحتى تستطيع أن تفهم أفكاره ~~بعض الفهم من غير أن يشعر بذلك. ~~- أما قال لك بيترسون عمن صادف من أرواح المشهورين؟ ~~- صادف روح روزفلت فعرفته بروح فرنكلن ووشنطون وكثيرين، ورأى كتشنر، والقيصر ~~نيقولا، والإمبراطور فرنسوا جوزيف، وتعرف بروح نابليون، فتهلل أبوت وسر وابتهج، ~~وهو لا يكاد يصدق هذا، وطلب إلى إديسون أن يسأل بيترسون في استحضار روح صديقي ~~روزفلت، ويقوم بالترجمة بيني وبينه. ~~- لك ذلك. # ثم أخذ ولسون يحرك أصابعه على الآلة وهو يقول: لقد أوعزت إلى بيترسن أن يعلم ~~هؤلاء الحروف الأبجدية التي اصطلحنا عليها للتفهم مع الأرواح؛ حتى يستطيعوا أن ~~يخاطبونا من غير واسطة، والروح التي طال عهدها في عالم الأرواح أقدر على التأثير، ~~هه، هو ذا بيترسون قد دعا روزفلت. # قال روزفلت: مرحبا ليمان، إننا نشكر إديسون الذي اخترع آلة التفهم بيننا وبين ~~الذين لا يزالون على هذه الأرض. # فقال ليمان: كيف أثق أن روزفلت يخاطبني؟ ~~- أوه بيننا سر قديم لا يعرفه أحد، هل تذكر المقالة التي كتبتها أنا؟ ~~- في أي موضوع؟ ~~- موضوع الإمبراطور غليوم. ~~- كفى، كفى صدقت وآمنت بروحك أيها ms58 الحبيب العزيز، إني أتوق إلى السفر العاجل إليك، ~~أأنت سعيد؟ ~~- أنا من غير شك سعيد، ولكن لا تعجل بنفسك في المجيء، فإن أمريكا لا تزال بحاجة ~~إلى مثلك إلى أن يظهر نوابغ آخرون. # فتهلل ليمان، وأخذ يصيح قائلا: ... تدي ... تدي ... مصغر اسم تيدور روزفلت. ~~- أين تقيمون؟ ~~- الأقيانوس الأثيري الواسع يحوينا. ~~- ولماذا أنتم هنا؟ ومن معك؟ ~~- معي ألوف من فحول السياسة، بعضهم تعرفهم وبعضهم قرأت عنهم، إلى جانبي فرنكلن ~~ووشنطون وغيرهما، وما حدانا إلى الهبوط هنا إلا ما أحسسناه من أن بعض الأمم تتباحث ~~في مسألة نزع السلاح فحدانا ذلك إلى المجيء؛ حتى نشهد الرواية الجديدة التي يمثلها ~~قادم الأمم. # | في الأرواح # ونفس الإنسان قبل الولادة وبعد الموت # ليس من سبيل إلى إنكار ما للمذهب الروحاني من فائدة ونفع، بعد الذي ظهر من ~~انتشاره في العهد الأخير، وبعد أن آمن به واطمأن إليه عمد المذهب المادي، وأعلام ~~العلم الحديث، وأقطاب المفكرين من أهل الغرب والعالم الجديد، أمثال إديسون، ووليم ~~جيمس، والسر وليم كروكس، والسر أولفر لودج، وستيد وكونان دويل، ولمبروزو ... إلخ. ~~وليس هذا بالشيء الجديد، ولكنه قديم عرفه تاريخ أسلافنا من شعوب هذا العالم، أمثال ~~المصريين القدماء، وكانت كهنتهم تزاول المذهب الروحاني عمليا، وتشفي به بعض ~~المرضى. واليونانيون وكانت هياكلهم ملأى بالعرافات يناط بهن أمر استشارة الآلهة ~~ونقل الوحي، آية ذلك ما نقرأ من أن هوميروس الشاعر النابغة الأشهر قد وصف في شعره ~~كيف استطاع عوليس الملك أن يخاطب روح تيز رباس العراف. وكذا الهنود وكانوا قديما ~~يعالجون هذه المسائل وآية ذلك ما كتبه «مانو» المشترع الهندي في أحد أسفار ~~«الفيدا»، وهو أقدم الكتب الدينية المعروفة، وهذا نصه: # إن أرواح الأسلاف ترافق بهيئة غير منظورة بعضا من البراهمة، وتتبعهم ~~تحت شكل هوائي، وتكون قريبة منهم عندما يجلسون. # ولقد فصل الجهل بين الإنسان وهذا المذهب ردحا من الزمن، وطاف عليه طائف النسيان، ~~حتى توثب بعض الذين أشرق عليهم نور الحق من علماء هذا العصر لمعالجة ما في المذهب ~~الروحاني من شئون ومسائل ms59 لها كل الأهمية في حياة المخلوقات ومستقبل ~~الإنسان. # ولا بدع؛ فإنما أهم ما يهتم به الإنسان أن يكون سعيدا موفقا مطمئنا على ~~مستقبله، وأن يعرف ويتعلم من أين أتى، وأين هو، وإلى أين هو ذاهب. # أما السعادة فلا تعرف ولا يحسبها المخلوق إلا إذا عرف من أين وإلى أين، وأما ~~الطمأنينة فلا تكون إلا مع العقيدة، والعقيدة لا تكون إلا بالعلم الروحاني، ~~وهنالك تعرف أهمية هذا المذهب واتصاله بهذه النواحي؛ ناحية العقيدة وناحية ماضي ~~المخلوق ومستقبله. # ولعل أول ما عرفه العلم الحديث من حوادث الأرواح تلك الحادثة التي وقعت في سنة ~~1846؛ إذ سمعت لأول مرة طرقات متوالية في بيت رجل اسمه «فيكان» من قرية «هيدسفيل» ~~من أعمال «نيويورك»، ففي إحدى الليالي أخذت «مدام فوكس» مرقدها مع ابنتها في غرفة ~~واحدة؛ لعلها تتخلص من الأصوات المزعجة التي كانت تسمعها كل ليلة؛ إذ هي تسمع ~~طرقات متوالية، فوقع بخاطر كاتي ابنة فوكس أن تصفق بيديها فقلدها الطارق، فقالت ~~«مدام فكس»: عد لنا عشرة، فعد عشر طرقات. # س: # كم عمر ابنتي كاتريا؟ # ج: # أجابت الطرقات تماما. # س: # هل أنت إنسان حي؟ # ج: # لم يجب. # هذه أول محادثة تمت بين عالم الغيب وعالم الشهادة في عصرنا الحاضر عرفها العلم، ~~وفي سنة 1892 روى الأستاذ العلامة لمبروزو، وهو واضع حجر الزاوية في علم الاجتماع ~~الجنائي، قال: بعد أن أطفأت النور تضاعفت الطرقات في داخل المائدة، ثم رأينا جرسا ~~كان موضوعا على المائدة الصغيرة ارتفع في الهواء، وطفق يدور حول رءوسنا يقرع من ~~نفسه، ثم انحط على المائدة التي كنا حولها، وانتقل من بعد ذلك إلى سرير يبعد عن ~~مكان الوسيط نحو ثلاث أذرع. # 1 # | المذهب الروحاني (1) # أو جمعيات المباحث النفسية # الحين بعد الحين، والفينة بعد الفينة نسمع بأن جمعيات المباحث النفسية قد وقفت إلى ~~ما يشفي العلة، وينقع الغلة، في مسألة عالم الأرواح، وأنت تأنس اهتماما عظيما من ~~طبقات كل شعب وطوائف كل جيل من الناس على اختلاف نزعاتهم، وتباين محلهم ~~واستعدادهم، ولعل الباعث لهم ms60 في هذه السبيل وفي الاهتمام «بالمذهب الروحاني» ~~ومعالجة مسائله نظريا أو عمليا، لعل السبب في ذلك أهمية الموضوع واتصاله ~~بالدين، وسلطانه سلطانه ونفوذه نفوذه، وبالعقيدة وهي الرابط القوي في الإنسان ~~بمستقبل المخلوق وصيرورته، هنالك إذا اطمأن المخلوق على هذه المسائل، وحل ألغازها ~~حلا مقبولا معقولا توفرت له السعادة، ودخل جنة الخلد آمنا مطمئنا. # ولقد يتعصب المتعصبون، ويجحد الجاحدون، ويتبرم المتبرمون، ولكن هذا كله ليس يغني ~~عن الحق فتيلا، حسب المذهب الروحاني فخرا أن يندمج في عداد رجاله الباحثين ~~وأفذاذه المؤمنين أقطاب المادية وعمد الدهرية، وفحول العلم الحديث، أمثال: سير ~~وليم كروكس، وسير أوليفر لودج رئيس المجمع العلمي البريطاني، وإديسون شيخ ~~المخترعين، ووليم جيمس، وكونان دويل، وغيرهم. # ولقد بلغ من اهتمام الغربيين بهذا الموضوع أن أنشئوا جمعيات في كل عاصمة من ~~عواصم أوروبا وأمريكا، أطلقوا على كل منها اسم «جمعية المباحث النفسية» ينحصر ~~عملها في البحث العلمي العملي في ظواهر الأرواح وما بعد الطبيعة، وغير ذلك مما لا ~~تقوى على هضمه معد الماديين، مثل العقل الباطن، السبرتزم والأكتوبلازم، التلنتي ~~والتخاطب العقلي، قراءة الأفكار، التنويم والاستهواء، الشفاء بالإيمان، الإنباء ~~بالمستقبل، تعدد الشخصية، المتكلم من بطنه، السحر والشعبذة، صدق الرؤيا، مناجاة ~~الأرواح ... إلخ. # ولجمعيات المباحث النفسية أنباء مدهشة في هذا الموضوع تدون أكثرها في تقارير ~~سنوية قل أن نسمع بها، وهي غاية في الأهمية لاتصالها بالحياة الباقية ومستقبل ~~المخلوقات، ولقد وفق إديسون إلى اختراع آلة تثبت بالحس وجود العالم الروحاني، ~~بيد أنه منع من استعمالها حتى لا يختل نظام الكون بمعرفة كل إنسان ما يضمره له ~~المستقبل. # والغريب أني قرأت أخيرا رأيين متفقين في مسألة الأرواح؛ أما الأول فلإديسون، وأما ~~الآخر فللدكتور صروف، وكلاهما - بعد كل ما رأياه وعالجاه - لا يجزمان بنفي أو ~~إثبات، على أني وإن كنت أخالف دكتور صروف في بعض ما جاء بكتابه الجديد «رسائل ~~الأرواح» إلا أني أرى أنه ألم بالمسائل التي ذكرتها وغيرها من المذهب الروحاني ~~إلماما تاما كاملا نافعا مفيدا، وإن أعجب لشيء فعجبي لاتفاق رأي إديسون ms61 مع ~~دكتور صروف في هذا الموضوع، وقد عالجاه عمليا، وشاهدا فيه ما شاهدا. # إلا أن أمد المدرسة المادية قد صار إلى زوال، ونجمها إلى أفول، إلا أن المذهب ~~الروحاني هو مدرسة المستقبل. # 1 # | المذهب الروحاني (2) # مدرسة القرن العشرين # مجلة المقتطف مدرسة جامعة يتتلمذ عليها كثيرون من المفكرين، وينتفع بها أكثر ~~قراء العربية انتفاع أهل الغرب بما لديهم من أمهات المجلات، ولعل هذا ما حداني أن ~~أتمحل لموضوع المذهب الروحاني بعد أن قرأت ما نشرته مجلة المقتطف من المساجلة التي ~~دارت بين السر أرثر كونن دويل والمستر مكايب، ومما أسلفت نشره في ما مضى من السنين ~~وفي العهد الأخير للسر أولفر لودج وغيره من فحول العلم وعمد الفلسفة في هذا العصر، ~~ومما عن لها هي أن تعقب به على كل هذه الآراء المتضاربة المختلفة الأشكال ~~والألوان. # وما نبغي الإسهاب في موضوع نحن نميل كثيرا إلى الاعتقاد بأنه سيكون مدرسة القرن ~~العشرين، وإنما نحن نريد أن نلمع إلماعا بما وفقنا إليه في هذا الباب، وعسى ~~أن يهيئ لنا القدر موقفا آخر نستطرد البحث فيه نظهر القراء على أسباب الخلاف ~~القائم بين أنصار المادية وأشياع الروحانية، هنالك تطمئن نفوسنا، وتستريح ضمائرنا، ~~وهنالك نكون قد أدينا ما نحسه من واجب، وما نشعر به من حق. # نقول: لقد نضجت المادية في القرن التاسع عشر، وقويت مدرستها، واتسع نطاق نفوذها، ~~فهيمنت على المشاعر والمعتقدات، وملكت على الناس مفاوز حساسيتهم، وتولت طرائق ~~تفكيرهم، فحالت بينهم وبين كل ما دونها بما كان من هيمنة وسلطان على الماهية ~~الإدراكية من جهة والقوة الوحدانية من جهة أخرى، على حين أنا نرى أن هؤلاء قد عاشوا ~~في جلودهم أكثر من عيشتهم بوجدانهم وتفكيراتهم، وعلى أن «ما بعد الطبيعة» لم ~~يعدم من بين المفكرين وأهل العلم من كان يؤمن به، ويأبه له في كل مكان ~~وفي كل زمان، وإن اختلف ذلك باختلاف العصور والأدوار التي مر بها ~~التاريخ. # ولقد يخيل إلينا أن ظل المدرسة المادية قد أخذ يتزاول، وبدأ يروغ، وأن مدرسة ms62 ~~المذهب الروحاني تقوى كل يوم وتشتد بمن يدخلونها أفواجا أفواجا من وقت وبعد حين ~~من أقطاب المدرسة المادية، وفحول العلم، وعمد التفكير من المعاصرين المشهورين، ~~أولئك الذين لا ينطقون عن الهوى، ولقد يخيل إلينا أن السبب في انتشار المذهب ~~الروحاني في بعض بلاد العالم دون البعض الآخر، وعلة رواجه في الشرق، هو أنه لا ~~يتعارض مع الأديان، ولأنه يصادف هوى في نفوس المتدينين بما يدخله عليهم من ~~الانتعاش والعزاء، وبما يقوي فيهم من الإيمان بالعالم الدائم، وما أتعس هذه ~~الحياة التي هي أشبه الأشياء بمقدمة طويلة عريضة لا نتيجة لها! إذا كانت حياتنا ~~تنتهي عند تمثيلنا هذا الدور المحزن المحوط بكل أنواع الشقاء، ونختم بالموت ~~الذي ما بعده حياة، فتسدل الستارة على مقدمة من غير نتيجة! # ولقد سمعت بعضهم يقول: دعني أعيش مع الوهم، وأمتع بما يصوره لي خيالي من النعيم ~~المقيم جنة الفردوس أدخلها وأعيش فيها أبد الآبدين، دعني في خيالي أكفكف به ألم هذه ~~الحياة، وأرفه عن نفسي وطأة هذه الحياة الدنيا، وأسري عنها ما يصيبها من الشقاء ~~والبأساء، فإذا كنت خرفا - ولم يكن لهذا كله من وجود في مخي - فإني إذن لم أخسر ~~شيئا، ولكني مع هذا أكون قد هونت على نفسي مصائب نصادفها، وخففت عنها مصاعب ~~تعترضها في سبيل تدرجها. على أننا لا نجري مع هؤلاء حتى في شوطهم هذا، وإنما نحن ~~نريد أن نندمج في حسنا، ونعمل على الوصول إلى الحقيقة النسبية من طريق الرقي ~~الوجداني بتهذيب النفس وترقية الوجدان، وتقوية الماهية الإدراكية. # نقول: وإذا كان العقل المجرد لا يمكن أن يسلم به أصحاب المذهب المادي، دعواهم في ~~ذلك أنه لا عقل من غير مادة، وأن المادة الحسية الظاهرة هي التي تعرف بها أعمال ~~العقل والروح والنفس وأشباه ذلك؛ فإنا نؤمن أن احتياج العقل إلى النفس أو المادة ~~ضروري لنا؛ لأننا نعيش مندمجين فيها، منكرين كل ما عداها، والاندماج هذا يوجه ~~كل قوانا إلى المادة فلا نرى إلا بها، ولا نفهم إلا من طريقها. وما ms63 نريد أن ~~نستدل بأهل الكشف وأصحاب مذهب التصوف والواصلين من المتوجهين، أولئك الذين يرون ~~بعيونهم سكان بعض العوالم الأخرى، ويشاهدون حقائق لا تقوى أبصارنا المادية الصرفة ~~على مواجهتها، ولا تستطيع بصائرنا الحسية على الإحاطة بها لما يقف قبالها من ~~مساتير الطبيعة ومغاليق هذا الوجود، ولكن ما نذهب إليه وما نريده من المفكرين أن ~~يتمشوا معنا في طريق العقل، ويعللوا الظواهر البينة التي تظهر في العالم، والتي ~~ينحصر عمل العقل في تعليلها وإدراك كنهها، واستكشاف بواعثها ومسبباتها. # يريدون أن تصبح مسألة الأرواح مسألة آلية صرفة، ويريدون تعليلها بعقول منفعلة ~~مستفادة، وهم يعلمون حق العلم أن الأثير، وهو الوساطة الوحيدة التي توصل بين ~~أطراف العوالم جميعها والذي يرجع إليه وجود التماسك والانسجام والمغناطيسية والنور ~~والكهربائية والجاذبية أيضا على رأي أينشتين، يعلمون أن الأثير هذا يقف العلم ~~أمامه مكتوف اليدين، وهو الذي لا بد من دراسته دراسة تامة لمن يريد أن يدرس العوالم ~~الروحانية الأخرى، ولأنه لا بد لنا أن نعبر هذا البوغاز لنصل إلى المحجوب الذي كثرت ~~في وجوده الشكوك والريب. # يلوح لنا أن العلم لا يزال يحبو في مهده، والعقل الذي بهره ما وصل إلى استكشافه من ~~تسخير الهواء والماء والكهربائية والانتفاع بقوى الطبيعية، يلوح لنا أنه لا يزال ~~يتخبط في دياجير الدجى الحالكة، ومعميات الوجود، فكلما وفق إلى ظاهرة أنسها ~~حقيقة وقف منتعشا متباهيا شامخا، ولكنه لا يلبث هنيهة أن يرتطم في صخرة تضيع ~~عليه جهوده، وتنبهه إلى غروره وتوقفه عند حده. # يقول الفيلسوف الإنكليزي المعروف هربرت سبنسر: إن العقل الإنساني لم يصل إلى كشف ~~أسرار الطبيعة، وإننا ما وصلنا إلا إلى إدراك وتعليل الكليات، وأما الجزئيات فلا ~~يزال سرها غامضا. قول حق، واعتراف صريح، ولكن العقول العاتية الجبارة ترغب في ~~المزيد، ولا تقنع إلا بالموجود المحسوس، ثم هي من بعد ذلك لا يرضيها كل تعليل، ~~ولا تقبل ما يجيئها عن طريق السماع أو التواتر. # الشك أول خطوة يخطوها المخلوق صوب اليقين، ولا يكون اليقين يقينا حقا قائما ~~على دعامات ms64 قويمة متينة إلا بعد الشك، والتفكير والتأمل الطويل، والبحث ~~والاستقراء، كلها شئون أباحتها الأديان بل أوصت بها، هذا هو الكتاب المقدس يقول: ~~«فتشوا الكتب؛ لأنكم تعتقدون أن لكم فيها حياة أبدية.» وهذا هو القرآن الكريم يقول: ~~) # وفي أنفسكم أفلا تبصرون ~~( ~~؛ لذلك ~~نحن لا نستهجن من غير المؤمنين بالعالم الروحاني طرائق أبحاثهم وامتحاناتهم ~~بتحقيقاتهم، ولا نريدهم أن يميلوا معنا من غير بحث ولا إقناع، وإنما نحن ننكر عليهم ~~حججهم التي يتمسكون بها حيال هدم هذا المذهب، وكلها قائمة على أنهم امتحنوا إنسانا ~~يدعي الانتماء إلى الروحانية، فما آنسوا إلا مهاترة وتلاعبا وشعوذة، وليس هذا ~~يقوم دليلا صحيحا عند العقل، والفرق كبير بين المذهب والمتمذهب به، وليس من ~~الصواب في قليل ولا كثير أن أرمي مذهبا بالعطل وأتهمه بالبطلان لمجرد وجود بعض ~~الناس ممن يدعون زورا انتماءهم له، ولمجرد أن يخفقوا أمامي في عمل يقومون ~~به. # والمذهب شيء والمدعي الانتماء إليه شيء آخر، فكم من متدين أساء إلى دينه ~~بادعائه أنه من مظاهر هذا الدين! وكم من مواطن أساء إلى وطنه لتصرف يبدو منه فيحكم ~~الحاضر على المواطنين جميعا على هذه الشاكلة! والمذهب الروحاني مدخول بكثير من ~~اللاعبين والأدعياء الذين يعيشون بالشعوذة والتحضير وجلب المحبة، وما كان هذا ليؤثر ~~في جوهره؛ لأنه قائم بجوهره، يدل على وجوده بالامتحان والاستعداد. # إن خطأ كبيرا أن يعتقد البعض بأن كل إنسان يجب أن تظهر له الأرواح عيانا ~~بيانا في بهرة الشمس، والناس يختلفون أمزجة، ويتباينون في استعدادهم، وليس المائع ~~الحيوي فيهم على نسب متساوية، وكذلك كانت الفروق بين إنسان وإنسان كثيرة متباينة، ~~فقد يرى الإنسان ما لا يراه الآخر؛ لما فيه من الاستعداد الطبيعي، وقد يكون غيره ~~بحاجة إلى تفوق ومران؛ ليصل ما يصل إليه غيره فجأة ومن غير عناء ولا نصب. وخطأ كبير ~~أن نتصور أن المزاج الواحد يكون بحالة واحدة أبدية دائمة دائبة، وما كان أمزاج حتى ~~الأنبياء سواسية في كل حين؛ لذلك لا يمكن أن نصيب مرمى الحقيقة إذا نحن حكمنا على ms65 ~~الروحاني بمجرد جلسة واحدة؛ فقد يختلف المزاج فيه، وقد تختلف الروحية عنده، فكان ~~أولى لنا أن نتريث في الحكم، ونجري على قاعدة «كانت» الفيلسوف في الامتحان وفي ~~إصدار الأحكام. # لقد قرأت بعض ما وفقت إليه جماعة المباحث النفسية في بلاد الإنكليز، وقرأت ~~اعتراض المعترضين على مذهب الأرواح، فعلمت أن جوهر الاعتراضات ومحورها يدور حول ~~نقطة واحدة هي أهم ما يوجه نحو ظواهر الأفعال الروحانية وأثر ما تظهر به، نعم، ~~تسائل الذين يحضرون الجلسات ويرون بأعينهم فعل الطاولة أو التنويم أو استحضار ~~الأرواح فيجيبونك أن هذا إنما ينشأ من انتقال الأفكار، وتوافق الشعور، وأن ما يقع ~~من النائم أو من فعل الطاولة إنما هو من أخلاط الأمزجة لأناس اجتمعوا في جماعة ~~واحدة، وخضعوا لتأثير واحد، فأصبح الكل خاضعا لمؤثر واحد، وصار سهلا جدا أن ~~ينتقل فكر الواحد إلى الآخر بتيار عصبي أو مائع حيوي يصل الأمزجة بعضها ببعض، ويكون ~~وساطة لذلك. # ولقد حضرت جلسات كثيرة من أنواع مختلفة لهذه الشئون، أنا ذاكر هنا نوعين لجلستين ~~اثنتين تفندان هذا الزعم: حضرت جلسة تحريك الطاولة في دار أحد أصدقائي، وقد صحبت ~~معي أحد الأفاضل وكان شغوفا جدا بهذه المسائل، وطلبت إليه أن يحضر أسئلة يعرضها ~~وقت الجلسة، وأشرت إليه أن يصرف دينارا قطعا صغيرة من القروش، ويتركه في مكان ~~داره، حتى إذ حان وقت اتجاهنا إلى مكان هذه الجلسة كبش كبشة من هذه القروش دون أن ~~يحيط بعدها علما وجعلها في جيبه، وفعلا كان ذلك، فلما أن سأل الطاولة: كم معي ~~من القروش، وكنا جميعا نجهل ذلك وهو أيضا لا يعرف عدد ما في جيبه؟ أجابت بالنقر ~~عدها تماما، فأخرج ما في جيبه وعده فإذا بها صادقة، وهو ما يفند دعوى انتقال ~~الأفكار. # أما الحادثة الثانية فقد وقعت أمامي في دار أحد الوجهاء (لا أذكر اسمه لأني لم ~~أستأذنه في ذلك) وكان يستعمل الوساطة اليدوية، وكنا نجتمع عنده كل ليلة، ولقد ~~برز ونجح كل نجاح في ذلك، وأدهشنا بأمور سنذكرها بعد أن نستأذنه؛ ms66 ذلك أن كان ~~معنا الأستاذ الجليل الشيخ طنطاوي جوهري، وقد ألقى على اليد سؤالا فقال للحاضر، ~~وكان من أهل فرنسا، إن كتابا له قرظته إحدى صحف باريس يريد أن يعرف اسم هذه ~~الصحيفة، ويريد أن يستجلبها، فأجابته الروح أنه قرظ في صحيفة كذا، وأنه إذا أرسل ~~إلى فلان العالم الفرنسي العضو بالأكاديمية الفرنسوية فإنه يبحث له عنه، ويبعث له ~~به، فأجابه الأستاذ: ولكنني لا أعرف الرجل، فكيف أخاطبه في ذلك؟ فأجابته: بالكتابة ~~عن اسم الرجل الفرنسوي وعنوانه وعلاقته بالباشا، فأخذ يكتب الاسم بالضبط، ونمرة ~~المنزل، واسم الشارع، والوظيفة، وكل ما قالت به الروح، وهرول في اليوم الثاني إلى ~~دار الباشا، وسأله عما إذا كان يعرف إنسانا من علماء فرنسا؟ فأجابه بما انطبق تمام ~~الانطباق مع ما في يده. # إن هذا لدليل ظاهر على هدم نظرية انتقال الأفكار واتحاد الأمزجة؛ لأننا جميعا ما ~~كنا نعلم ولا كانت خواطرنا وضمائرنا تحوي شيئا من هذا، فمن أين إذن كل ~~ذلك؟! # لعلنا أطلنا الحديث على القارئ الكريم فنستميحه عذرا في ذلك، على أن تكون لنا ~~عودة في الحديث بما يكون أكثر وضوحا - إن شاء الله - ولكل إنسان وجهة هو ~~موليها. # | من العالم غير المنظور # روح مسز سنيدر يتكلم # لا يخلو بلد من بلاد العالم من طائفة تهتم بالأرواح، وتبذل في هذه السبيل جهدا ~~جهيدا، ولا يخلو جو من الأجواء من هواة هذا الموضوع، والصحف في بلاد الغرب وفي ~~العالم الجديد على الأخص تعنى عناية خاصة بمسائل الأرواح، وتتسقط أخبارها من حين ~~إلى حين؛ لاهتمام القراء بالموضوع، وشغفهم بأنباء الأرواح، وتهافتهم على كل أثر ~~من آثارها. # ولقد نشط المذهب الروحاني في هذا العصر نشاطا ظاهرا موفقا، وكتب له القدر في ~~لوحه آية النجاح، فآمن به من آمن، واعتنقه من اعتنقه من أصحاب الرأي، وذوي المكانة ~~في حلبة الأدب، وميدان العلم والاختراع، فكان هذا دليلا لا ينقض على صحة المذهب، ~~وبرهانا قويا لا يزعزعه مزعزع، ولا يؤثر فيه مؤثر، كان دليلا وكان برهانا على ~~أن «المذهب ms67 الروحاني» مدرسة المستقبل، وأن المدرسة المادية لا يقوم أساسها إلا ~~على وعث من الحجج والبراهين، لا تلبث أن تنهار إذا سال عليها سيل الدليل. # ولقد قرأنا في صحيفة من الصحف الأمريكية أخيرا أن المسز «سنيدر» الأمريكية ~~الجميلة، كان قد حكم عليها وعلى شريكها مستر «غراي» بالإعدام، وأن هذا الحكم قد ~~نفذ فيهما بالفعل، وأن ثلة من العلماء الأمريكيين، الذين كرسوا حياتهم لهذه ~~البحوث القيمة النافعة، قد عقدوا اجتماعا علميا، بعد أن نفذ حكم الإعدام في ~~مسز «سنيدر» بأربع وعشرين ساعة لمخاطبة روحها وسؤلها عن حالتها، فجاءوا بوسيط، ~~واستحضروا الروح عن طريقه، فقال الروح - روح «مسز سنيد»: إن ما ينتابني من الأسى ~~والحزن والأسف في أواخر أيامي التي قضيتها على الأرض هو أني اتهمت «غراي» بما ~~قذفته به من تهمة؛ لأن تباعة الجريمة إنما تقع علي أنا لا عليه؛ ذلك لأنه لم ~~يفعل إلا ما أمرته به، فكان لي مطيعا وكان منفذا، ولو أني كنت مخلصة لزوجي ~~أحبه كما يجب لما وقعت الجريمة التي ارتكبها، وإنه ليحزنني جد الحزن أن تعاني ابنتي ~~في العالم ما تعاني من المصائب، وأن الناس سينظرون إليها بعين الاحتقار والذراية، ~~على اعتبار أنها ابنة مجرمة سفكت الدماء. # وإني لأضرع إلى الله أن تغير اسمها الذي تحمله، وتنسى أني كنت لها ~~أما. # إنني أسعد حالا الآن عما كنت قبلا، وإن ثقتي في الله قوية عظيمة؛ من أجل ذلك أنا ~~أطمع في رحمته، وأعتقد أنه سيغفر لي عما وقع مني؛ لأني عندما ارتكبت الجريمة كنت ~~بلا شك مجنونة. # | خاتمة # وكما أن الرأي الشائع عند بعض العلماء أن كمية القوة المنتشرة في العالم لا تتغير، ~~ولكنها تظهر في صور مختلفة، فتراها تارة على شكل حرارة، وتارة على شكل كهرباء، ومرة ~~في شكل حركة، وأخرى في شكل تركيب أو تحليل، فكذلك أيضا شأن الأمم، وحال ظهورها ~~ودروسها، فما من أمة فتية محدثة قامت إلا على أنقاض أمة أدركتها الشيخوخة، ~~وتولاها الضعف، وانتابتها النوائب ملاوة من الدهر، وليس من الحق ولا ms68 من الوجاهة - ~~في قليل ولا كثير - أن نقيم حدا فاصلا بين القديم التالد والجديد المحدث، أو ~~نتخيل أن حضارة أمة، أو ثقافة شعب من الشعوب، تقوم بمظهرها التجديدي من غير ما ~~تمت بسبب، أو تتصل بنسب إلى عوامل القديم، أوفواعل ذلك الزمن الغابر. # الحق: أن كل جديد لا يقوم على أساس من القديم البائد غير مهضوم، لا تستمرئه ~~العقول ولا تسيغه الأفهام، ولا تقوى على تصوره العقول السليمة، وكأي من أمة فتية ~~قامت على أنقاض أمة أو أمم وليتها يد القدر بالزوال! وكأي من حضارة خلابة جذابة، ~~وثقافة نافعة، قامت على دعائم وأسس غيرها من سالف الحضارات، وغابر ~~الثقافات! # فالعقل البشري واحد في مظاهره، وفي تفكيره وفي منتجاته، وحقائق الأشياء ثابتة كما ~~تقول فلاسفة العرب، وإنما ناموس النمو والارتقاء، أو قانون التطور والتحول يدرك ~~الأشياء جميعها، فتظهر في صور مختلفة وأشكال متباينة. # وكما أن أعضاء الجسم وإن كانت بينها مفارقة ومخالفة بين عضو وعضو، ووظيفة ووظيفة، ~~إلا أنها جميعها تعمل بالتعاون والمساعدة المتبادلة على تحقيق غاية واحدة، فكذلك ~~أيضا حال الأمم والشعوب في العمل على تحقيق غايتها من الحياة القومية بالمساعدة ~~والمعاضدة والمعاونة، تقوم كل أمة بقسطها من العمل، وحظها من الحياة، وهي سائرة ~~في طريقها بين حق تطلبه، وتسعى لتحصل عليه، وواجب تقوم بأدائه. # وأنت يقع نظرك على أمة مستضعفة ينكرها تاريخ العمل والتبريز، فتحسبها غفلا من ~~الروابط التي تربط مظاهر حياتها بثقافة أو حضارة قديمة أو محدثة، وتظنها عالة ~~على غيرها، وتزعم أنها تتنفس بأنفاس غيرها، وتعيش على حساب سواها، وهي من بعد ذلك ~~ليست شيئا مذكورا، على حين أن سنة التحول، وقانون التطور، وناموس النمو والارتقاء ~~كلها أشياء لها قيمتها، ولها مكانتها، ولها حظها في حياة الأمم والأفراد، ومن ليس ~~له حاضر فله ماض، ومن ليس له ماض فله مستقبل، إلا أن من يقطع الصلة بين القديم ~~والجديد كمن يقطع الصلة بين الوالد والمولود. # الاختراع والإبداع # يقول أرسطو: كل شيء في كل شيء؛ أي إن كل موجود ms69 فيه كل شيء، وإنما ~~يظهر هذا الشيء بالظروف والمناسبات والاستعداد. ويقول شكسبير: لا جديد تحت ~~الشمس، وظاهر من هذا كله أن حياة الأفراد والجماعات إن هي إلا تكرار ~~للماضي، وإعادة للسابق، وأن خطأ كبيرا أن يظن ظان في محدث أو مظهر ~~جديد أنه شيء أكثر من أنه مظهر متجدد لكائن سابق. # ولقد استكمل الناسوت، ونضج العقل، وظهرت آثار العبقرية، في بعض المخلوقات، ~~فكتب لهم القدر في لوحه آية التوفيق، ورفعوا من شأن الإنسانية، وخففوا من آلام ~~الحياة في هذا العالم بما وفقوا إليه من استكشافات، بيد أني أخالف الذين ~~يسمون هذه مخترعات أو مبتدعات، فلم يكن إسحاق نيوتن حين وفق إلى قانون ~~الجاذبية مبدعا ولا مخترعا؛ لأن الجاذبية ليست شيئا معدوما أوجده نيوتن، ~~وإنما هي موجودة قبل أن يظهرنا عليها العلامة نيوتن، كما أنها موجودة بعد أن ~~نادى بها، ولم يكن إديسون مخترعا للكهرباء ولا مبدعا لشيء من الأشياء التي ~~وفق إليها، وإنما هي قوى للطبيعة كانت مجهولة استكشفها النابغة إديسون، ~~وتمكن من تسخيرها لمنفعة المجموع، ولا كانت النسبية معدومة قبل ظهور ~~«أينشتين» وإنما كان فيه من الاستعداد، وتوفر له من الحظ والتوفيق ما أسعده ~~على ظهوره في جو العلم بنظريته التي خلبت الألباب وحيرت العقول، وأحدثت ~~تغييرا محسا في الأجواء العلمية. # هؤلاء ناس كان لهم حظ التوفيق في حياتهم التفكيرية العملية، وفي استعداداتهم ~~ومؤهلاتهم الفطرية والمكتسبة، وفقوا إلى هتك مساتير الطبيعة، فكشفوا لنا ~~بعض قواها، وتمكنوا من بعد ذلك من استخدام هذه القوى الطبيعية لمنفعة الإنسان، ~~وتخفيف آلامه في الحياة، فما خلقوا خلقا، ولا أبدعوا إبداعا، وإنما هم ~~وفقوا إلى تعرف قوى الطبيعة وبعض ما فيها من أسرار، فكان لهم حظ الذيوع ~~والشهرة الواسعة. # العقل والوجدان # ولو أن إنسان هذا العصر عني بترقية وجدانه عنايته بترقية عقله، لكانت الحال ~~غير الحال، وإذن لوجد «السوبرمان» أو المثل الأعلى للإنسانية. # ولكنه عمد إلى ترقية عقله المكتسب، وهو ضعيف لا يقوى على احتمال ما في هذا ~~الكون من أسرار وعجائب، وأغفل شأن ms70 نفسه فلم يزكها، ولا هو عني بوجدانه ~~عنايته باستظهار المعقولات، فأصبح لا يعيش إلا مع العقل، والعقل ليس هو كل ~~شيء في هذا الوجود، والعقل كثير الخطأ، وأهمل ما فيه من استعدادات ومقدرات، ~~فعاش مع الوهم، وتأخر تأخرا أدبيا بينا. # من الذي يعالج السائمة إذا مرض أحدها؟ إننا نعلم أن الحيوان إذا انتابه مرض ~~امتنع عن الأكل أولا، ثم عمد إلى نوع من الحشائش فأكلها، وتم له الشفاء من ~~غير حاجة إلى علاج أو طبيب، وإنما يعيش الحيوان بغريزته فيعتمد على إلهامها، ~~وهي ترشده إلى ما فيه المنفعة غالبا، ولنضرب لذلك مثلا نزكي به هذه ~~النظرية فنقول: إن نهر «الأمازون» في العالم الجديد «أميركا» له فيضانات ~~فجائية، وهناك على شاطئ النهر يعيش بعض القبائل الرحل، وإنما تعرف هذه ~~القبائل ساعة الفيضان، وإنما دليلها في ذلك نوع من الطير يعيش في ذلك الجو، ~~ويحس بالفيضان قبل وقوعه بساعة أو نصف ساعة، فيرحل ويهجر البقاع، هنالك يسارع ~~سكان ذلك الوادي من الرحل إلى الهجرة؛ حيث ينذرهم نذير الخطر. # ولولا هذا الطير ما استطاع أولئك الناس أن يعيشوا في ذلك الصقع، أو لهلكوا ~~جميعا. # فهذا النوع من الإلهام - في هذا النوع من الطير - كان في الإنسان، فذهب به ~~العقل المنفعل، وتلهى بشئون الحياة عن هذه الظاهرة النافعة، ولو أنه نماها ~~وزكاها لانتفع بها وقواها. # ألا إن الرقي من جهة العقل ليس هو كل شيء يطلبه الإنسان في حياته ~~الدنيا، ولكن الرقي الصحيح هو الرقي الوجداني الذي يقتاد صاحبه إلى الفضائل ~~والكمالات، وإنما قامت الديانات على الفضائل والكمالات، وكمال الآداب. # قال الله تعالى وهو أصدق القائلين لرسوله الكريم محمد # صلى الله عليه وسلم ~~: ~~) # وإنك لعلى خلق عظيم ~~( ~~، ~~) # ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من ~~حولك ~~( ~~. # وقال الرسول الكريم: «أدبني ربي فأحسن تأديبي.» وقال أيضا: «إنما ~~بعثت لأتمم مكارم الأخلاق.» # وقال السيد المسيح (عيسى عليه السلام): «الله روح الذين يسجدون له، فبالروح ~~والحق ينبغي أن يسجدوا.» # وما نحن بقادرين على أن نوفي الموضوع حقه من ms71 الاستزادة والبحث، وليس يتسع ~~المقام لذلك، وإنما سبيلنا هنا أن ندل على أن الغرض من وجودنا على هذه الأرض ~~هو الرقي الأدبي الخلقي، والترفع عن الرذائل؛ استعدادا للحياة الصحيحة ~~الراقية، حياة السعادة الأبدية والهناء الدائم، فالعلم في تبديل وتغيير، ~~والعقل يخطئ ويشط ويشرد، أما الكمال الخلقي فرقي صحيح، وسعادة واتجاه إلى ~~الحقيقة. # انظر كيف قلبت نظرية أينيشتين العلم رأسا على عقب، وانظر كيف بدل ~~وغير ظهور «الراديوم» في جو العلم، أما الكمال الخلقي فثابت لا يعتوره ~~التغير، وإنما هو صوب السعادة والحياة الحقة أبدا. # ليس في الإمكان أبدع مما كان # لو اطلعنا على ما في عالم الغيب لاخترنا الواقع، وعلمنا أن حكمة المولى فوق ~~كل حكمة، وأن العدل الإلهي موجود، وأن عقولنا التي نعتمد عليها في كل شيء ~~ليست شيئا مذكورا إلى جانب ما في هذا الوجود من أسرار وعجائب، وإنما نعقب ~~على هذه الكلمة بما وقف سبنسر يناجي ويسائل نفسه به حيث كان يقول: «ما هي ~~القوة التي يتحتم بقاؤها؟ أهي تلك القوة التي تؤثر في عضلاتنا، والتي تشعر ~~بها حواسنا؟ كلا، بل هي تلك القوة المطلقة المجهولة المستقرة وراء الصور ~~والمشاهدات، ونحن مع عدم إمكاننا أن ندركها فإننا نتأكد من أنها أبدية، لم ~~تتغير ولن تتغير، كل شيء زائل، أما هي فباقية إلى أبد الآبدين، وهي علة ~~العلل.» # وليس من ينكر آثار المستكشفات الحديثة، وأعمالها في حياة الأفراد والجماعات، ~~ولا من يجحد فضل المادية على بني الإنسان بعد أن استطاع بهذه المستكشفات أن ~~يسخر الماء والهواء، فجاب عباب الماء، وحلق في الفضاء، وانتفع بالكهرباء، ~~وألان جماع هذا للإنسان السعد فتلقاه مصافحة وعناقا، وسهلت لديه الحياة ~~فأصبح في العصر الحاضر يتنعم بنعماء المادة، ويتمتع في رغد عيشها. # ليس من ينكر كل هذا، ولكنا ننكر على المادية ما جلبته من ضر وشر على ~~الإنسانية، إلى جانب كل هذه المظاهر الخلابة، وحسبك أن ترى أن المادة قد ~~شغلت الناس عن الرقي الأدبي والخلقي، وألهتهم عن الفضائل، فاعتنقوها وشغفوا ~~بها حبا، وصاروا ms72 ماديين في كل مظهر من مظاهر حياتهم، لا يرون إلا بأعين ~~مادية، ولا يسمعون إلا بآذان مادية، ولا يعملون إلا بأيد مادية، ولا يتحركون ~~حركة واحدة إلا للمادة ومن أجل المادة، ذلك بأنهم قد اندمجوا في المادة ~~اندماجا كليا، فأصبحوا ماديين في كل شيء، وكان من أثر ذلك أن أقفرت ~~قلوبهم من الرحمة، ونضب معين الحياء فيهم، وضجت الأرض من ظلم الإنسان لأخيه ~~الإنسان ، وهلعت الأفئدة وتململت النفوس، وانعكست آية الهناءة والسعادة على ~~الأرض، وفسد الأمر كله؛ ذلك لأن تقدم العلوم والصنائع والاستكشافات الحديثة، ~~كل هذا لم ينتفع، ولا تنعم به إلا العدد القليل من الأغنياء ~~والمترفين، انظر وقابل بين حياة الموسرين والمعوزين، واحكم من بعد ذلك على ~~مدى انتفاع الفقير من أثر هذا التقدم، ثم قابل بين هذ الرقي وأثره في حياة بني ~~الإنسان وبين الرقي الأدبي؛ لتعلم من بعد ذلك أن المادية قد عصفت ريحها بكل ~~فضيلة وخير وبر، فتلاشت عاطفة الإخاء من قلوب الناس، وزادت الشرور على ~~الأرض، بعد أن نفثت المادية سمومها في الضمائر، وحسبك أن تعرف أن ~~الفوضوية والنيهلستية من آثار التعاليم المادية الضارة. # وليس لذلك من سبب إلا أن الرقي المادي ليس هو كل شيء في حياة الإنسان ~~وسعادته، ولا هو الغاية من الوجود على هذه الأرض، وإنما الرقي الأدبي والخلقي ~~هو الغاية الغائية، وهو السعادة الحقة، آية ذلك أن الرقي من ناحية الذكاء ~~أو العلم أو الفن أو أي شيء غير الخلق، لا يدرك الحياة من كل نواحيها، ولا ~~الطبقات في أية أمة بكل من فيها من كبير وصغير وغني وفقير، وإنما الرقي ~~الخلقي هو المدار الحق في حياة الأفراد والجماعات، وهو المثال الوسط الذي ~~يشترك فيه كل عنصر من عناصر الأمة. # أين الشاعرية الحية؟ أين العقل الفياض؟ أين الوجدان المتأجج؟ أين الولاء؟ ~~أين الإخاء؟ كلها أشياء لا وجود لها في العصر الحاضر، بفضل المذهب المادي ~~وطغيانه على موائل الاستعدادات، ومواطن الخير والنفع، وينابيع الرحمة في ~~الإنسان، واستيلائه على مشاعر الناس وملكاتهم. # ولئن ms73 كان الإنسان الغابر قد ضل فكفرت طائفة من الخلق، وتنكبت سبيل ~~الهداية، بفضل هذا المذهب وذيوعه بين طبقات الناس، فإن كفر المحدثين أشد، ~~وتبجحهم قد فاق كل تبجح؛ لشدة تأثرهم بهذا المذهب وخنوعهم له، وخضوعهم ~~لمؤثراته الفعالة الأخاذة، فتراهم يجادلون في الحق بغير علم، ويناقشون ~~مسائله وهم يعيشون في ظلمة المادية مع الجهل، وكل ما على هذه الأرض من عقول ~~فعالة، وعلوم محدثة نافعة ، وفلسفات ناضجة لا تنفع فتيلا إلى جانب رقي ~~الوجدان والخلق، والأخذ بالفضائل والكمالات. هم يريدون أن يعرفوا الحق بعقولهم ~~المادية الضئيلة، وكيف يدرك العقل الحق وهو ليس كذلك؟ ألا إنه لا يعرف ~~الحق إلا الحق، ولا يرى النور إلا من كان في النور، أما الذين يعيشون في ~~الظلمة فإنهم في ضلالتهم يعمهون. # ولو شاء الإنسان أن يصل إلى الحقيقة، ويعرف هويته، ومآله، لاندمج في حسه، ~~ودرس نفسه فعرفها، ومن عرف نفسه فقد عرف كل شيء. # يقول الإمام الغزالي: لولا ما في الإنسان من صدق الرؤى، واستعداد للتنبؤ لما ~~كان يصدق بنبوة الأنبياء وذوي الوحي، وأنت تعجب العجب كله؛ إذ ترى ما يكون ~~من صدق الرؤى، وتسمع أو توفق إلى إنسان لا يحلم حلما إلا وقع كما رآه في ~~نومه، فما هي العلاقة بين عقل الإنسان في نومه وبين هذه الحالة المدهشة، حالة ~~تحقق ما رآه النائم في نومه؛ إلا ما في الإنسان من أسرار واستعدادات نحن ~~نجهلها كل الجهل، ونحاول مع هذا أن نتغلغل في كل شيء، ونتعرف كل مجهول! ~~ألا إنه لا حياة إلا حياة الآخرة، ولا سعادة إلا مع الفضائل وكمالات ~~النفس. # يقول راجا يوجا: «إن الإنسان بذرة تزرع هنا، ثم تنقل إلى المكان المناسب ~~لما استعدت له.» # ويقول الفارابي: «الناس في الآخرة أشبههم في الدنيا، ورقيهم هناك كتحسين ~~الخط.» # ويقول الغزالي: «الذي يقول ليس هناك إله أعمى، والذي يقول إن هناك عبدا ~~وربا فهو أعور، والذي يقول ليس هناك إلا الله وصفاته وأفعاله فهو المؤمن ~~حقا.» ليس هناك إلا الله وشئونه. # ويقول ديكارت: ms74 «أنا أفكر فأنا إذن حي. ما أنا إلا شيء مفكر. أعلم يقينا ~~أني أفكر. إن الموجودات كلها شيئية موضوعية، ولكن تفكري فيها أكثر شيئية ~~موضوعية منها، فقد أشك في وجودها، ولكني لا أشك في أني أفكر.» # وإنما سبيلنا في هذا أن نلمع إلماعا بما عن لنا، وما وفقنا إليه من ~~آراء بعض المتقدمين والمتأخرين من المبرزين في حلبة العلم وميدان الفلسفة، ~~نعرض هذه الآراء أمام المفكرين من المحدثين، ولكل وجهة هو موليها، ~~والله الموفق، وله الأمر كله من قبل ومن بعد، يقبل من يشاء فتدركه رحمته، ~~ويخرج من يشاء من جنته وهو العزيز الحكيم. # يقول الشيرازي: «لو كنت حاكما لأدخلت العالم كله الجنة، فكيف ~~بالله؟!» ms75