######OpenITI# #META# URI: 1350MuhammadSibaci.Dumuc.Hindawi36246180 #META# Tags: novels #META# ID: 36246180 #META# Title: الدموع #META# AuthorID: 28537947 #META# Author: محمد السباعي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # كلمة للمعرب في الدموع‏ # الدموع‏ # كلمة للمعرب في الدموع‏ # الدموع‏ # | الدموع # | الدموع # تعريب # محمد السباعي # صحف مقتضبة من كتاب الإنسانية المعذبة، وأوراق مقتطفة من شجرة الحياة المرة، نزفها إلى ~~ذوي القلوب الرقيقة، والنفوس الحساسة الذين يرتاحون إلى مشاركة المحزونين في أحزانهم، ~~ومشاطرة البائسين أعباء همومهم وأشجانهم، والذين يرون في العظات والعبر المبكية طهورا يطهر ~~الروح من أرجاس الخطايا، وأدناس المآثم، ويجدون في بلاغة كتاب المأساة وحرارة كلماتهم ~~لهيبا مقدسا يجلو صدأ القلوب، ونارا سماوية تنفي خبث النفوس، وتسكبها في بوتقة السحر ~~الحلال فتخرج مهذبة مصقولة كالذهب النضار، وقد عاهدنا أنفسنا أن لا ننشر من هذه الصحف إلا ~~كل ما يستذيب الشئون ويستذرف الدموع؛ إذ كانت الدموع قدما مضرحة الآثام والذنوب ومنفاة ~~الآلام والكروب. # | كلمة للمعرب في الدموع # مطافئ الحزن، كلما أسرع لهيبه أسرعت بوادرها، وكلما عاد عادت، فسبحان من جعلها عيونا ~~ثرة، وهيأ لكل آفة ضدها ليستقيم ملكه ويتم أمره. # بكى أحد الحكماء على قبر ولده، فقيل له: «كيف تبكي مع علمك أن الحزن لا يفيد؟» قال: ذلك ~~الذي يبكيني، كفى حزنا أن الحزن لا ينفع. # من المغالطة أن تحاول بالتمويه تحريم البكاء، وتأمر الناس أن يسدوا من ينابيع الدمع ما ~~فجره الله في قلوبهم. # لم يخلق الدمع لامرئ عبثا # الله أدرى بلوعة الحزن # إن البعض ليرحب بالدمع ترحاب المجدب بالغمام؛ فإن الحزن العديم الدموع كالصحراء العديمة ~~الماء. والحزن الذي يبخل بالعبرات كالمحروق الذي تذهله النار أن يذهب إلى الحوض؛ لذلك كان ~~أفضل الحزن وأرشده، ما فتح أقفال الدمع فتواصلت سجامه. # الدمعة تذهب اللوعة. قال سليمان بن عبد الملك عند موت ابنه لعمر بن عبد العزيز ورجاء بن ~~حيوة: «إني لأجد في كبدي جمرة لا تطفئها إلا عبرة.» فقال عمر: «اذكر الله يا أمير المؤمنين ~~وعليك بالصبر»، فنظر إلى رجاء بن حيوة كالمستريح إلى مشورته، فقال له رجاء: «أفضها يا أمير ~~المؤمنين، فما بذاك من بأس، فقد دمعت عين رسول الله على ابنه إبراهيم.» وقال: «العين تدمع ~~والقلب يوجع.» فأرسل ms01 سليمان عينه فبكى حتى قضى أربا، ثم أقبل عليهما فقال: «والله لو لم ~~أنزف هذه العبرة لانصدعت كبدي.» # وربما كان لطليعة الدموع من شدة الوقع ما لطليعة السيل والخيل، ولكنها على كل حال برد على ~~الغليل وسلام، وفيها منجاة من جفاف الحزن، والأسى اليابس الذي يترك المرء عرضة للذبول في ~~قفار الشقاء، والدمع مهما اشتد انطلاقه فمآله إلى السير الرقيق والانسجام اللين، ثم يستقر، ~~ولكل ثائرة قرار. # والدمع يغسل الأشجان كما يغسل السحاب الجدب، وتذيب أملاح الهم، وتذهب بمرارة الأسى كأنها ~~المصارف في التربة الخبيثة. وهي التي تغلب الحزن، وتقهر الموت نفسه، وتسلب من أفاعي الذكرى ~~إبرها، وتترك في صابها عسلا. # والدمع ليس بقاصر على الأسى، فقد يكون من الرقة، والحنان، والرحمة، والشكر، والخوف، ~~والرجاء، والندم، والتوبة، والطرب، والفرح. سل الأم التي تضم رضيعها، لماذا تبكي؟ والأب ~~الذي يستقبل ابنه العائد، لماذا يبكي؟ والرجل الذي يسمع الغناء، لماذا يبكي؟ والعاشق الذي ~~يبصر القمر، لماذا يبكي؟ سل الشاعر الذي ينظم القصيد، أو ينشده، لماذا يبكي؟ والعروس التي ~~تزف إلى قرينها، لماذا تبكي؟ والكريم الذي يئوي البائس تحت سقفه، ويشاطره طعامه، لماذا ~~يبكي؟ والعدو الذي يصالح عدوه، لماذا يبكي؟ والسائح الذي يسمع تسبيح العابد، لماذا يبكي؟ ~~الدمع عنوان الشعور، ودليل الإحساس. # ولا أحسب عبرات السرور إلا شكرا محسوسا لنعمة الله، وحمدا ملموسا. والدموع في خدود ~~الحسان من أملح المناظر؛ إذا كانت للفرح فبرقت في لألاء الوجه المشرق، رأيت الورد يجلو ~~الندى في بهجة الصباح، وإذا كانت في الشجن، خلت النرجس يبكي في ظلال المساء. # ليس في الكون ما هو أفعل في القلوب من منظر العبرات، والرجل الذي لا تحركه العبرات مظلم ~~الذهن راكد النفس، لا يصلح إلا للفساد والخيانة. # وقد أظن أن الرحمة لو تمثلت لما كانت إلا دمعة، قال الشاعر «توماس مور»: # بكت الفتاة على قبر حبيبها ونور القمر يتوسد فرش الثلج # فانطلقت دمعة حارة جمدها الهواء القارس # ولبثت طول الليل حتى برق الصباح فبرقت في شعاعه # وكان أحد الملائكة قد ms02 فارق فلكه يرفرف على عظام الموتى # فأبصر تلك الدمعة الجامدة # فحملها إلى «الرحمة» ذات العين الندية # وجعلها حلية لتاجها وزينة سنية. # أما دمع التوبة فطهور النفس يغسلها من شوائب الإثم، ويضرح عنها أقذاء المنكر، ويتقدم ~~التوبة، فهو لها كالضوء للصلاة. ولعل هذا النوع من الدموع أجلها وأشرفها، وإذا كانت العبرات ~~المسكوبة لغرض دنيء تذهب في الأرض هدرا، فإن دموع التوبة تتصاعد إلى عرش الله بخارا ~~طاهرا. # الدمع على كل حال جلاء العين، يجلو صدأها ويصقلها. والعين بعد البكاء أصفى رؤية وأثقب ~~بصرا وأهدى إلى مواطن الحق، وأنفذ إلى مكان الحكمة، وأعود على صاحبها بالإيمان ~~والتقوى. # محمد السباعي # | الدموع # كان السكون سائدا في الغرفة الفسيحة، ونار الموقد المتضائلة تطرح على الجدران، وبين أرجل ~~الموائد المذهبة، ظلالا مضطربة تتتابع وتستبق بعضها أثر بعض. # ووراء النوافذ كانت السدفة # 1 # تتراكم، وتتكاثف في جو الطريق الخفاق بالرياح تحت سماء مكفهرة، ومن لوح الزجاج ~~الأقرب إلى الموقد كان ينعكس شعاع على شخص رجل مستند إلى زاوية صفة الموقد، ومن الموقد ذاته ~~كان ينبعث وهج متألق على إزار فتاة متكئة على كرسي لدى الزاوية الأخرى. # وكان وجه الفتاة خافيا في ظل الموقد. # أما الفتى فكان جميلا مليح الطلعة، تستدير ياقته البيضاء العالية حول رقبة تلعاء غلباء، ~~وتضم بردته الزرقاء على قامة معتدلة هيفاء. # تنظر الفتاة إلى هذه المحاسن، فتجد لأثرها في نفسها لذة وسرورا مشوبا بكمد واكتئاب، ثم ~~تستقر عينها على وجه الفتى فتتشبث به كأن بها أحر الظمأ إلى غدير حسنه الرقراق. # وكان لا يزال بالغرفة من بقايا الضوء المنصرم ما أراها مستدار وجهه البديع، وما كان قد ~~عراه آنفا من هزال في وجنتيه ونحول، وذواء في وردتيهما وذبول، وتغضن في الجبين، وشيء من ~~الورم في الجفون. # هنا يتحول الفتى عن موضعه قليلا، فينظر من النافذة، وعينه مفعمة بالكرب والضيق، وإنها ~~لتعلم ذلك، وإن كان وجهه محولا عنها، فترسل ضحكة مكتومة خرساء، وكانت وقفته الآن تنم لها ~~عن معنى السخط، والقلق البادي على شفتيه، ودلائل ms03 العزم والإصرار البادية على ذقنه. # قال الفتى بصوت جاف فاتر فيه شيء من المناوأة والمنابذة، ولكن لهجته تنم عن حسن أدب ~~ورقة، وهو مولي الفتاة ظهره، وكأنما يخاطب زجاج النافذة: «أتظنين أن رجلا وامرأة يستطيعان ~~أن يعيشا بلا مال ولا إيراد؟» فلم تدر الفتاة أي الإحساسين كان يتغلب في نفسها على الآخر؛ ~~اللذة أو الألم. # فقالت بصوت خافت مختنق: «ولكنني أقول: إذا كان إيراد أحديهما أو مجموع إيراد الاثنين ~~كافيا، فليس من المهم أيهما الموسر وأيهما المعدم، أو أيهما الأغنى وأيهما الأفقر.» # ويعقب هذا فترة سكوت، ثم تقول بصوت لجلج: «هيات، أترى ذلك في شيء من الأهمية؟» # فأجاب: «أجل، إنه لمن أهم الأشياء عندي، ينبغي أن يكون للرجل من الثروة ما يكفي الاثنين، ~~وإلا فلا حق له في الزواج مطلقا.» # هنا تشتبك يداها خلف خصرها النحيل بشدة، دليل التأثر العظيم وتطرق حزينة مكتئبة. # لقد آنست في لهجة الفتى أمارات الإصرار القوي، الدال على أن كلامه كان يشمل شيئا أكثر ~~من مجرد التعبير عن نظرية اجتماعية - كان يشمل ثقته التامة، واعتقاده الشديد بصحة ما يقول؛ ~~مما ألقى على قوله صبغة المبدأ الراسخ المتأصل. # فيعتري الفتاة شبه دوار من فرط التأثر، فتغمض جفنيها الملتهبتين بسرعة لتحجب عن بصرها ما ~~يبدو على ذقن الفتى من ذلك الخط الحاد الدال على منتهى الإصرار والعناد. # وتقول الفتاة: «إن الناس ليذهبون مذاهب شتى في تقدير المبلغ الكافي لنفقة معاش الزوجين.» ~~قالت ذلك بأدب وتلطف، وقلبها يخفق ارتقاب جوابه على مقالها هذا. # قال الفتى بجمود بعد فترة قصيرة، وتحول نحو الغادة قليلا: «وما مذهبك أنت في ذلك؟ كم ~~ترين يكفي الزوجين؟» # في هذه اللحظة كان لهيب النار الأحمر يلقي شعاعه الوهاج على ذيل مئزرها، ووقع بصر الفتى ~~على ساقها المستدير، وعلى إحدى قدميها اللطيفتين مستقرة على أسفل قائمة الموقد، وكانت بقية ~~شخصها مستورة في الظل الأسود إلا جانبا من كتفها المكتنز البديع الاستدارة، ووبيصا لماعا ~~فوقه من شعرها الذهبي. # فرنا إليها الفتى طويلا، وعرته هزة فجائية، وأحس ms04 بدنه ينمو، ويتمدد لفرط اهتياج أعصابه، ~~ولكن لقوة إرادته لم يبد على ظاهره أدنى حركة تدل على القلق والاضطراب، وجعل الفتى ينتظر ~~جوابها على سؤاله في أتم سكينة وهدوء. فترددت الفتاة في فكرها وهي تنظر إليه. # لقد بدا سؤاله هذا في غاية السخافة والسخرية إزاء فرط حبها له، وغرامها الذي لا يعرف ~~حدا ولا غاية. # كيف تقدر لعيشها معه مبلغا من المال، وهي التي يكفيها معه أي شيء ولا شيء! # في هذه اللحظة كان تيار شعورها الباطن الخفي المنساب تحت الطبقة الظاهرة من أفكارها، ~~والذي كان يشوش هذه الأفكار، ويصعب عليها طريق التعبير والإبانة - كان ذلك التيار الوجداني ~~الخفي هو بالنص الآتي: «أشهى لي وأحب إلي أن أموت جوعا بين ذراعيك، من أن أعيش يوما ~~واحدا بعيدة عنك.» # هذا شعورها الباطن، فبماذا تجيب؟ إن تحديدها مبلغا قليلا في نظره خطأ كبير كتحديدها ~~مبلغا عظيما؛ فسيراها على أية حال سخيفة غبية منقادة للعواطف الخيالية المتطرفة، لا ~~للحقيقة العادلة، جاهلة بما تتعرض له من هذا الموضوع الخطير؛ جاهلة بمسئولية الحياة ~~العظمى. # وكانت تعلم فوق ذلك أن تحديدها مبلغا ضئيلا كان يثير أمام عينه صورة عيشة حقيرة ضنكة ~~تجرح شعوره، وتؤذي إحساسه، وتملؤه اشمئزازا وسخطا. # أليس الفتى فقيرا قليل ذات اليد؟ بلى، لقد خبرها أنه فقير وإنها لتصدق ذلك، ولكنها ~~تعلم أنه يقترض ويستدين؛ ليستطيع أن يعيش ويلبس كما يلبس ويعيش الرجل المحترم. # وهنا كرت بصرهاعلى شخصه، فاستوعبت في نظرة واحدة حسن هندامه، وجمال شارته، وقالت في ~~نفسها: هذه الحلة البديعة، وهذا الحذاء الرقيق، وهذه السجائر الغالية، هذه المناعم والمتارف ~~لا تصلح إلا له، ولا يصلح إلا لها، فهكذا يعيش ويلبس وإلا فلا، هكذا ينبغي أن تكون عيشته، ~~وإلا فكل عيشة غيرها تكون خلوا من اللذة، قفرة من المتاع، عاطلة من البهجة والسرور ~~والسعادة. # ومع ذلك فلقد كانت مضطرة إلى تعيين مبلغ لا يئوده ولا يبهظه، فتذكرت المائتي الجنيهات - ~~إيرادها في العام - ثم قالت في نفسها: وما أظن أن ربحه السنوي يقل عن ms05 مائة . # فأجابت أخيرا بصوت ضعيف خافت: «إن الجواب على هذا لمن أصعب الأمور؛ لأن اعتقادي الشخصي ~~أن الإنسان يستطيع العيش بأقل مبلغ من المال، ولكني أظن أن معظم الناس في مركزي هذا يحددون ~~مبلغ ثلاثمائة جنيه في العام.» # فمد يده لقدح الشاي الموضوع على مائدة صغيرة إلى جانبه، وكان الشاي قد برد أثناء المناقشة ~~في هذه الأغراض النظرية، فتناول القدح، وهو يقول بلهجة الهازئ: «ثلاثمائة جنيه في العام!» ~~ثم جلس بالقدح في زاوية من الأريكة المقابلة للفتاة، وأقبل يقلب الشاي ببطء، وقال بتمهل ~~وتريث: «كم يكون ذلك في الأسبوع؟ خمسة جنيهات وخمسة عشر شلنا، أليس كذلك؟ خبريني ماذا ~~تصنعين بهذا؟ منزل من بابه، أصغر منزل، ثم الخدام ...» # فقاطعته الفتاة قائلة: «وما لزوم منزل كامل، وأي ضرورة للخدام؟» # فقال بجفاء: «لا أدري، ولكن شيمة الفتيات أنهن ينتظرن كل هذا عند أزواجهن.» # قالت: «ليس كل الفتيات سواء.» وكان يخيل للسامع أنه يسمع في صوتها الابتسامة التي كانت ~~تضيء وجهها أثناء نطقها بهذه العبارة. # فقال بسرعة: «تريدين دورا في منزل.» ولاح على صحيفة وجهه بارق سرور خاطف ثم زال، واستمر ~~في قوله: «نفرض دورا في منزل، أنت تريدين لذلك ثلاثين شلنا في الأسبوع على الأقل، ثم ~~ثلاثين أخرى للخوان، فيبقى بعد ذلك جنيهان وخمسة عشر شلنا لسائر مطالب الحياة.» ~~- «هذا بلا شك مبلغ يفي بأجمعها ويفضل.» # قال الفتى: «أنا لا أرى ذلك، اذكري الملابس.» وأقبل بوجهه على النار مطرقا يفكر ويتدبر، ~~وقد ثارت في أعماق نفسه ذكرى أليمة وخازة بشأن خمسة جنيهات ثمن «بدلة» يطالبه به ~~الخياط. # وأحس أن في كلمته الأخيرة، ما يدل على شيء من الإسراف والتبذير والأنانية، فأراد أن يمحو ~~عنه الريبة فقال: «ولا تنسي ما ينبغي للزوج أن يقدم إلى الزوجة من صنوف الملاهي، وضروب ~~المطارب، ومبلغ ثلاثمائة في العام لا يترك شيئا لذلك.» # فوثبت الفتاة من مجلسها، ووقفت منتصبة أحد مرفقيها يلامس صفة الموقد، وشعاع النار يفيض ~~على شخصها، ويغمره من خصرها النحيل إلى ذيلها، وصاحت: «ملاهي ومطارب! ms06 أي ملهاة تريد المرأة ~~إذا كانت تحب الرجل الذي تعاشره وتعايشه؟ الرجل نفسه لذتها، وملهاتها، ومطربتها! فحسبها ~~انتظاره غائبا، وتمريضه عليلا، ومراقبته والنظر إليه منشغلا بواجباته وأعماله، أي لذة ~~وملهاة تبتغي بعد ذلك؟» # فيرنو «إصطفيان» إلى ذلك القوام اللين الناعم، ويصغي إلى تلك الكلمات التي كان يود لو ~~تكون صادرة عن عقيدة راسخة. ولكن ريبته بالنساء عامة، حملته على الظن بأن الفتاة توارب، ~~وتداهن جريا على عادة النساء من الشغف بإرسال الكلام الطنان المزخرف تأثيرا في نفس ~~المخاطب. وكان رأيه في النساء أنهن جميعا كاذبات منافقات، وغادرات خائنات، متجرات في سوق ~~الحياة بمحاسنهن، يبعن فيها ويشترين كأي سلعة، ولكنه مع كل ذلك كان يشعر في أعماق قلبه - ~~وكان له قلب وإن كان قد انكمش، وضمر وتقبض من قلة الاستعمال - بشره شديد ونهم حاد إلى ~~فتاة تحبه لذاته، وإن فرط حدة هذا النهم قللت نفاذ بصيرته، وأعمته عن غرائز الفتاة ~~وطباعها. # فضحك ضحكة خفيفة ثم قال: «إنك لتنظرين إلى هذا الأمر الخطير نظرة خيالية روائية؟» ~~- «ماذا تريد بذلك؟» ~~- «أنت تحسبين أن الزوجة تمحض زوجها الحب والمودة، وتلازمه في الشدة والبلاء، فيقتحمان ~~الأهوال والأخطار جنبا إلى جنب ... إلى غير ذلك.» وهنا يتثاءب ثم يقول: «ولكني رأيت الحب ~~يذهب بذهاب المال، والحب لا يكون حيث الفقر والفاقة.» # قالت الفتاة ولم تشأ أن تفند رأيه، وتنقض مذهبه خشية أن يعود إلى اتهامها بالآراء ~~الخيالية الروائية: «ولكن ثلاثمائة جنيه في العام لا تعد فاقة وفقرا.» ~~- «حقا، إنها لتكفي ما دام هنالك اثنان فقط، ولكن متى جاء الأطفال كثرت المطالب وازدادت ~~الحاجات.» ~~- «أترى كثرة الأولاد من ضروريات الحياة؟» ~~- «كلا! لا أرى ذلك البتة.» ~~- «ألا ترى أن أجل نعم الزواج هي قلة الذرية؟» ~~- «بلا شك.» وهنا ينهض من مجلسه، ويدخل يديه في جيبيه: «هي أكبر مناعم الحياة الزوجية بلا ~~ريب.» # يعقب ذلك سكوت، ويلبث الفتى أثناءه قلقا مترددا دقيقة أو اثنتين، ثم يضحك ضحكة مرة ~~قاسية، ويقول: «لو رزقت الأولاد لكرهتها، وأي شيء أسوأ من أن يدخل ms07 المرء داره فيفاجئه ~~الأطفال بالصراخ والعويل؟» # لم تجب الفتاة على ذلك، وأطرق الفتى مليا ثم ألان لهجته وقال: «ولا تنسي أن حب الزوجة ~~لبعلها لا يلبث أن يتحول إلى أولادها. أجل، إن الحياة أهنأ بغير الأولاد والعيش ~~أرغد.» # وأعقب ذلك فترة سكون أحس كل منهما في خلالها بشيء من الراحة، والطمأنينة لاتفاقهما أخيرا ~~في تلك النقطة. # ثم تحفز الفتى للذهاب، وقال: «سأذهب الآن لأني أخشى أن يفوتني موعد الغداء.» # هنا تقبل الفتاة على النار فتحركها، فيسطع لها لهب متألق وهاج يملأ الغرفة ضياء، ويكشف عن ~~شخص كل منهما للآخر. # ولا تحاول الفتاة حجزه وإبقاءه، ثم ينظر كل إلى صاحبه نظرة الوداع. # ما أشد كتمانهما لعواطفهما! وما أعجب قوة ضبطهما لنفسيهما! # وقف الفتى ينظر إليها بعينيه النجلاوين نظرة بث ولوعة، فكان فيما نطقت به عيناه من كربة ~~الوجد الأليم، والغليل المحرق، وحسرة اليأس المضاض، والقنوط المبرح، ما قدح في قلب ~~الفتاة، وحز في أحشائها، حتى أحست أن مهجتها قد ذابت وأنها تسيل بين جوانحها نهرا ~~فياضا من الحنان والعطف، وطوفانا دافقا من الشوق والصبابة. # هل به كمد ولوعة؟ أجل لشد ما يبدو عليه البث واللوعة والكرب والشقاء. أما إنها لتتلهف ~~لهفا أحر من الضرام، وأحز من الحسام، على أن تعبر له عما يخالج ضميرها من فرط رثائها له، ~~وحزنها عليه. # فهي تناجي نفسها بهذه الكلمة: «يا أحب الناس إلي وأعزهم علي، بودي لو أطلعك ... ولو ~~على أقل ما ...». # ويرنو إصطفيان إلى ذلك الوجه الذي يقطر منه ماء الملاحة والحسن، وتترقرق في مرآته عواطف ~~الحب والحنان والرحمة وإلى تينك الشفتين الحارتين، وبه كالجنون توقا إلى لثمهما ... أي لذة ~~في قبلة يطبعها على تينك الشفتين! وما عسى يكون طعم هذه القبلة؟ وإذا جادت عليه هاتان ~~الشفتان ب ... وهنا تمر فترة سكوت قصير مفعمة بسيل جياش من الوجد الأليم المبرح، ولكن كلاهما ~~يكتمه بين أحناء ضلوعه وفي سويداء لبه، فلا تنتثر منه قطرة، ثم يضحك الفتى ضحكة فجائية ~~سوداء. # ويقول بصوت متكلف مصطنع: «لقد ms08 تباحثنا في مسألة معضلة، ومشكلة عويصة.» # قالت الفتاة همسا، وصوتها لا يكاد يسمع من شدة جفاف حلقها وفرط يبسه: «يظهر لي أن ~~الموضوع غاية في البساطة.» # يسمع الفتى قولها هذا، ولكن لا يرد عليه بأكثر من ضحكة سوداء أخرى، ثم يمد يده لسلام ~~الوداع، فتضع فيها الغادة كفها، ويتبادلان ضغطة خفيفة، ثم يخرج ويغلق الباب تاركا الفتاة ~~واقفة مسلوبة الحركة، وقد جمدت ضحكته السوداء الأخيرة كل ما كان يتدفق في قلبها من ~~ينابيع الحب والحنان الحارة. # يهبط إصطفيان السلم ويسلم نفسه إلى جو أكتوبر القار القارس. # ثم ينحدر في الطريق، وهو يشعر أنه قد سبب آلاما وأوجاعا، وخلف هموما وأحزانا وراءه. ~~ولكن هذا الشعور كان يتغلب عليه، ويكاد يمحوه شعور أشد منه وأعظم؛ شعور سخطه على حظه التعس ~~وطالعه النحس، وحنقه على الدهر الظالم، والقدر المجحف. # فيسير برهة مطرق الرأس منغمس الذهن في لجة من الكرب واليأس، ولسان حاله يقول: «مائة ~~جنيه في العام كل أرباحي! خمسة وعشرون من العمر، ولا أكسب أكثر من مائة في العام!» # لم يكن إصطفيان بالهادئ المزاج الساكن الطبع، لقد كان جهازه العصبي مشدود الأوتار إلى ~~الغاية القصوى، وكانت أوتاره - نظرا لظروف وأسباب خاصة - مختلة النغمة شيئا ما، أو على ~~الأقل كان يشعر أنها كذلك. # فكانت دورته الدموية في ذلك الوقت مفرطة السرعة، وكل نبض يضرب بمنتهى الشدة، والدم يتدفق ~~مستعرا في عروقه. # ونحو ذلك كانت حالته النفسية؛ فكان ناري المزاج سريع التأثر والانفعال، قريب اهتياج ~~العواطف والشهوات، قليل الصبر كثير القلق. ولكنه كان لا يزال يقدح نفسه، ويقمعها بأصعب ~~شكيمة من قوة الإرادة، وأمتن لجام من صرامة العزم. # فبفضل هذه الإرادة استطاع إصطفيان بعد برهة يسيرة أن يهدئ ثائرة نفسه، ويربط نافر جأشه، ~~وينظم ما تشوش واضطرب من حركة ذهنه. ثم جعل في أثناء مسيره يحاول أن يتذكر هل كان قد صرح ~~للفتاة في مقاله المتقدم بكل ما ينوي ويقصد؟ # فيقتنع بعد التذكر والتدبر، بأنه قد فعل ذلك؛ فيطمئن قلبه، ويهدأ باله. # ويقول في ms09 نفسه : «لقد بينت لها مبادئي وآرائي، فهي الآن لا تستنكر منى إمساكي عن مفاتحتها ~~في شأن اقتراني بها، فعلي الآن أن أبحث عن وظيفة ذات مرتب أكبر مما أتقاضاه اليوم، وبعد ~~ذلك ...» # كان إصطفيان راجح السهم، وافر النصيب من المحامد والمناقب، يمتاز بقوة الحزم، وصرامة ~~العزم، وضبط النفس، وقمع الشهوات والأهواء، وشدة التمسك بأسباب الشرف والنزاهة، وفرط ~~الاحتفاط بما يراه الفرض والواجب، وله قوة إرادة لا تردها قوة في السماء والأرض، ولا يقف في ~~وجهها حائل. ولكنه كان يفقد شيئا أعظم من كل ذلك وأخفى وأدق؛ وذلك هو حلاوة الروح وعذوبة ~~النفس. # وكذلك لم يكن في طبعه مثقال ذرة من تلك الخلة السماوية، والخصلة الملائكية التي هي إكسير ~~الحياة وترياق الهموم؛ أعني «المؤاساة»، أي مشاركة الغير في آلامه وأحزانه، ومشاطرته جملة ~~أوجاعه وأشجانه. هذه الشيمة الإلهية «المؤاساة» لم تكن في طبعه، ولا كان يفقه لها أدنى ~~معنى. أما الرحمة والرأفة التي هي صدى «المؤاساة» وظلها، فكان نصيبه منها طفيفا جدا، ~~ومعناها في ذهنه ضعيفا مبهما غامضا. # كان الفتى يلتزم ما يظنه منهج الحق وسبيل الواجب أشد التزام، أما عواطف الغير وإحساساتهم ~~فلا لوم عليه إذا لم يحفل بها ولم يكترث؛ لأنه لم يستقر في علمه قط أن للغير إحساسات ~~وعواطف. # ولقد وضع لظروفه الخاصة التي حاولنا شرحها آنفا شيئا من القوانين الحجرية والقواعد ~~الحديدية، أحكم نحتها وصقلها وأجاد تهذيبها وتنقيحها، وقضى على نفسه باتباعها والتزامها ~~مهما كانت العاقبة. ولم يحفل البتة بماذا يكون من شعور الفتاة وعواطفها وإحساساتها تحت ~~تأثير تلك القوانين الحجرية القاسية، والقواعد الحديدية العاتية، إلا كما تحفل أنت - أيها ~~القارئ - بشعور حزمة من الأمتعة تعالج حبكها وحزمها بحبل من الليف أو المسد، تعتقد أنه غاية ~~في المتانة والإحكام والحصافة. # لقد كان يرى أن من الخسة والنذالة أن يعد الرجل فتاة بالاقتران بها إذا كان لا يوقن أنه ~~قادر، ومصمم على تنفيذ ذلك الوعد في القريب العاجل. # ويرى أيضا أن من لؤم النحيزة، وسقوط الكرامة أن يخطب الرجل ms10 الفتاة إذا كانت ذات مال وكان ~~معدوما. ويرى كذلك أن من الأنانية الممقوتة أن يعمد الرجل إلى فتاة في عيشة رغد فسيحة، ~~فيحولها إلى ما هو أضيق وأنكد مهما حلفت له أنها تفضل الثانية على الأولى. ويرى أيضا أنه ~~ليس من الصواب والحكمة لأسباب شتى أن يبالغ في تحبيب نفسه إلى الفتاة، أو أن يجعل لها إلى ~~خفايا إحساساته، وخبايا عواطفه من الأدلة إلا أخفاها وأغمضها. # لا يسمح مطلقا أن تعطى الفتاة أدنى وعد؛ فإن شعورك نحوها رهن التغير وعرضة للتقلب - إذا ~~طالت مدة الانتظار - فخير للفتاة والحالة هذه أن لا تربطها بك أدنى رابطة. # وبناء على ذلك قرر في نفسه أن يسلك مع الفتاة الخطة الآتية: أن يكثر من زيارتها، ويطيل ~~ملازمتها تسلية للناظرين وتعجيبا للمشاهدين، وأن يذكي لهيب غرامها باللحظات والتلمحيات، ~~وأن يهيج وجدها وصبابتها بالتودد والازدلاف والمغازلة كلما آنس في نفسه ميلا إلى ذلك، ~~ولكنه يردها ويصدها إذا حاولت هي أن تصنع معه مثل هذا، وأن يعاملها كما لو كان خطيبها، ولكن ~~يحتج عليها بشدة إذا زعمت أن منزلته منها أكثر من منزلة الصاحب المعتاد. هذه مبادئه ~~وخطته. # مر أسبوع كان الفتى يكثر أثناءه من التردد إلى الفتاة، فكان يزورها ثلاث مرات أو أربعا ~~في الأسبوع أو أكثر، ومع أن العلائق الظاهرية بينهما كانت على حالها، فقد كانت ثائرة الوجد ~~تشتد في أحشائهما، وكربة الكمد تتلظى وتلتهب. # وكان لفرط سخطه على سوء حظه، ولشدة ألمه من نكد طالعه، ربما تسرب إلى صوته أثناء تحدثه ~~إليها شيء من الغلظة والقسوة، وتطرق إلى لهجته نوع من العنف والفظاظة. وكانت بصيرة الفتاة ~~النقاذة تتغلغل إلى سر ذلك، كما أنه كان يفهم بحدة ذكائه علة ما كان يبدو أحيانا على وجه ~~الفتاة من دلائل الوهن والفتور والخور، ويفيض به قلبها المضنى وجوانحها الملتهبة من زفرات ~~البث والأسى، ولكن الأمر بينهما كان مقصورا على ذلك. # لم يدر بينهما شيء من أحاديث الغزل الرقيق والنسيب الحلو، ولم يتجاوبا كحمامتي الأيكة ~~الناضرة بشهي ألحان ms11 الغرام ، وشجي أنغام الصبابة، ولم يتساقيا كئوس المؤانسة، والمطايبة، ~~والمعابثة، والمداعبة، والمشاكاة، والمعاتبة؛ شأن الأحباب والعشاق في كل آن ومكان، ولم ~~ينطبق عليهما قول الشاعر: # إذ جانب العيش طلق من تآلفنا # ومورد اللهو صاف من تصافينا # وإذ هصرنا غصون الأنس دانية # قطوفها فجنينا منه ما شينا # لقد كان الأمر بينهما أجل وأخطر من أن يسمح بمثل هذا، وكانت نفس كل منهما أشد ثورانا ~~وفورانا من أن يكون بها مجال لمثل ذلك. فكانت زياراته الطويلة يقضي معظمها في محاورات مرة ~~أليمة عدائية عن أتفه الموضوعات وأقلها أهمية. وكانا يقضيان جانبا عظيما من الوقت في ~~الاشتغال بالموسيقى، يتغنى هو صوتا أثر صوت، وهي تعزف على البيانو، ولكنهما لشدة الملل ~~والضيق لم يكونا يستطيعان إكمال دور واحد، فكان لا يكاد يأتي على نصف الدور حتى تعتريه نوبة ~~من الكرب والقلق، فيقذف بصحيفة الألحان على البيانو، ومع ذلك فقد كانا يديمان الاشتغال ~~بالموسيقى - لعله فرار من التحدث في موضوعهما المؤلم، وهرب من الاستهداف للذعات الهواجس ~~ولفحات الوساوس، أو لعله للسبب الآتي بيانه. # كانا يجلسان على البيانو متلاصقين تختلط منهما الأنفاس، وتمتزج حرارة الجسمين، واتفق مرة ~~أن صحيفة الألحان سقطت منه فبينما كان يتناولها لمست كفه يدها، وسقطت مرة أخرى، وأراد حسب ~~الظاهر أن يتناولها، فارتكز بيده وذراعه على فخذها لحظة - ثانية من الوقت لا غير - ولكن ~~أحشاء الفتاة ذابت من تلك اللمسة الخفيفة، وأحست أن كيانها ينهدم انهداما، وجثمانها ينحطم ~~انحطاما، وأن قوة عزمها المتماسك تتمزق وتتصدع كالمكينة، حينما تدار إدارة عنيفة ~~معكوسة. # أعيدت صحيفة الألحان إلى مكانها، ولكن ذراعي الفتاة كانتا قد سقطتا عن معازف البيانو ~~كالمشلولتين إلى جانبيها. # ثم قالت: «الحر شديد، ولا أطيق الاستمرار على العزف، تفضل علي بفتح النافذة.» # فذهب إصطفيان إلى النافذة ففتحها، وأرسل ابتسامة في ظلمات الليل. # في تلك الليلة أحس إصطفيان أنه لا يستطيع مفارقة الفتاة، فأطال الاشتغال بالموسيقى حتى ~~جاوز حد اللياقة. وقد كان مستمرا إلى الصباح لولا أن جاءت أخت «إيزابلا» (اسم الفتاة) ~~فأذكرته، وهي ms12 تبتسم أنه يجب مراعاة حرمة الجيران الذين يشاطرونهم المنزل، فألقى إصطفيان ~~الصحيفة كارها. ونهض واقفا وإلى جانبه شخص إيزابلا الحسن الجميل، ووجهها المليح باديا ~~للحظات مؤخر عينه، وهو متجه إلى أختها يحادثها. # أطال التحدث إلى أختها متعللا بكل غرض تافه، وموضوع سخيف، فلما فرغت جعبة تلك الأحاديث ~~الفارغة جاءت فترة سكوت عجز فيها عن اختراع موضوع للحديث، فاستجمع قواه وتجلد ثم مد يده ~~وقال: «إلى الملتقى!» # وكان بالفتاة إيزابلا أضعاف ما بالفتى من كراهية الفراق، فتبعته إلى خارج الغرفة ثم ~~تواقفا برهة على رأس السلم، وكان قد استجم إذ ذاك في ذهن الفتى طائفة جديدة من المعاني ~~الضئيلة، والخواطر التافهة، فأخذ يستخدمها إطالة لأمد البقاء مع الفتاة، ودفعا وتأجيلا ~~لوقت الفراق، وكان لا يمتنع من استخدام أي شيء، وكل شيء في سبيل إطالة مدة اللبث معها دقيقة ~~أخرى. ومع كل ذلك فقد كان لا يبدو عليه أدنى أثر من فرط وجده عليها، وشدة هيامه بها. # فكان كل ما ختم به حديثهما هو لفظة: «ليلة سعيدة»، ولم ترجع الفتاة إلى غرفة الاستقبال ~~حيث كانا، ولكن أصعدت في السلم إلى حجرتها الخاصة. # وجعلت تتمشى في أنحاء الحجرة إقبالا وإدبارا، فهي تسائل نفسها: «تراه يحفل بي ويكترث؟ ~~بودي لو أعرف حقيقة شعوره نحوي؟ من لي بمن يقنعني أنه يهتم بي ويأبه لي؟ إن هذا الشك والريب ~~قاتلي لا محالة! وهب بعد كل ذلك أنه لا يبالي بي ولا يعنى!» # إلا أنها لتميد وتترنح من نشوة الحزن والأسى، ثم تلقي ذراعيها ممدوتين على صفة الموقد، ~~وتركز عليهما رأسها المتعب المدنف. # وتناجي نفسها وهي على هذه الحال، وتلوح على شفتيها ابتسامة ضعيفة ساخرة: «وهذا إذن هو ~~الحب! هذا الكرب والوجد، وهذا الألم واللوعة، وهذا السقام والضنى! ما هو والله إلا السم ~~الزعاف يصب في الأحشاء!» # لبثت إيزابلا طوال اليوم التالي طريحة الفراش صغراء صامتة، وبها من شدة الجهد والنصب ما ~~منعها حتى الإجابة على تهكمات أختها وتنديداتها. # فلما كان وقت الغداء وإيزابلا وأختها وزوجها جالسين ms13 على الخوان، أخبر الزوج امرأته أنه قد ~~مل سكنى الساحل، وكانوا يسكنون دارا على شاطئ البحر للمصيف والنزهة، وأنه قد عزم على ~~مهاجرة المكان في ظرف أسبوع، فلما سمعت ذلك إيزابلا لاحت على وجنتيها بقعة حمراء قانية، ~~وانداحت حدقة عينها جزعا وذعرا. # ثم غضت جفنيها، وزالت البقعة الحمراء من وجنتيها، وبقيت صامته لم تنبس ببنت شفة، ولما ~~انتهى الغداء استأذنت في الذهاب، وانصرفت وحدها إلى غرفتها. # فلما صارت هنالك نزعت ثياب الخوان وخلعت حذاءيها، ولبست حلة الخروج. وكان بيديها من ~~الرعشة والارتجاف، ما صعب عليها عقد إزرة قميصها فوق صدرها المفعم الخفاق. # ولكن عزمها قد أبرم، لقد علمت أنهم راحلون في ظرف أسبوع، وكانت تعرف من قبل ذلك أن ~~إصطفيان راحل غدا ثم لن يعود إلا بعد أسبوعين، فلا بد من لقائها إياه الليلة. # فلما أكملت لبس ثيابها، وقفت لحظة لتسيغ ما شرق به حلقها إذ ذاك من غصة الكرب الحازب، ~~وشجا الوجد الأليم. # ثم هبطت السلم في سكون وخرجت. # كان الليل لا يزال هادئا باردا مظلما. # طوت إيزابلا الطرقات القليلة التي كانت تفصل بين دارها وداره. # وجعل الأفراد القلائل الذين صادفوها في الطريق يلتفتون وراءهم بدافع إجباري ليشيعوا ~~بالنظرات تلك القامة الأملود الرائعة الجمال، ومن مشيتها الجادة المعتزمة، وعينيها ~~الشاخصتين المنصرفتين عنهم، وعن كل ما سواهم - استنتجوا أنها لا بد أن تكون في رق إنسان آخر ~~قد امتلك شخصها امتلاكا ذهنيا أو فعليا. # تصل الفتاة إلى منزل إصطفيان، فتعلم أنه هنالك فيعتريها نوع من الخوف والذعر من مقابلته، ~~ولكنها تكلف الخادمة أن تخبره بمجيئها، وأنها تريد لقاءه. # وتدخل في غرفة الاستقبال، وتصعد الخادمة بالرسالة، ثم تستند إيزابلا إلى جدار الغرفة، ~~ويعتريها بغتة وهن وخور فظيع متسبب من شدة انفعالها، واهتياج أعصابها. # وفي الحجرة كرسي، ولكنها لا تراه لظلمة عينيها، فكل ما تستطيعه إذ ذاك هو أن تتعلق ~~بأكرة الباب، وتسند رأسها إلى الحائط. # في ذلك الحين يكون إصطفيان جالسا في الدور الأعلى مع أخيه واثنين من أصحابه، لقد كانوا ms14 ~~يلعبون الورق، وقد فرغوا من الدور الأخير، ووقفوا ليلينوا أعضاءهم، واتكأ إصطفيان على صفة ~~الموقد كعادته وأخذ يتثاءب، وكان قد قام عن مائدة الورق مغلوبا، وهو الرجل الذي لا يطيق في ~~اللعب غلبا ولا خسارا. # في هذه اللحظة تنقر الخادمة على الباب، ثم تدخل وتقول وعلى ثغرها ابتسامة خفيفة معنوية: ~~«سيدي، إن بأسفل الدار سيدة تريد أن تراك، وقد قالت: إنها لن تصعد إلى هنا، وهي تنتظر بحجرة ~~الاستقبال.» يسود السكوت في الغرفة، ويصفر وجه إصطفيان، ويرتفع حاجباه دلالة على السخط ~~والاستياء. # يتردد إصطفيان لحظة ثم يعبر الغرفة نحو الباب دون أن ينطق بأدنى كلمة، وترجع الخادمة ~~بسرعة. # ويتبادل الرجال الثلاثة النظرات، وبودهم أن يتبادلوا الابتسامات، ولكن يمنعهم من ذلك ما ~~يعلمون من سرعة غضب إصطفيان وسورة جهله، فيكتمون ضحكهم حتى يخرج، ويهبط إصطفيان السلم، وقد ~~هيأ في خاطره جملة واحدة يقولها للفتاة وهي: «كيف تجرئين على المجيء إلى منزلي، وتهزئيني ~~عند إخواني، وتجعلينني ضحكة في أعينهم؟» # والواقع أن قدوم الفتاة كدر صفوه ونغص عيشه، وهذا الشعور؛ شعور الاستياء والغضب، قد أفعم ~~قلبه وطرد كل شعور آخر. # في هذه اللحظة كانت إيزابلا واقفة وسط غرفة الاستقبال تحت مصباحها المرتج تراقب إصطفيان ~~وهو يهبط السلم إليها في سرعة وخفة، والدنيا تميد بها وتترجح، وهي من نشوة الهيام تدور ~~وتترنح. # ماذا في شخص هذا الفتى قد تيم قلبها ولاع مهجتها؟ وجهه المليح! وأفتن من ذلك لروحها، ~~وأسحر للبها جيده الأغيد واستدارة كتفيه ورشاقة قده، وكأن كل ما قسمه الله لها في هذه ~~الحياة من اللذة والنعيم والسعادة منحصر في هذا القد الأهيف، والقوام المرهف. # تندفع إيزابلا لاستقباله خطوة واحدة، لكنها كوثبة الليث الضيغم، وطمحة السيل المفعم، ~~وكأنما بها مس أو خبال من غلواء الوجد وحميا الصبابة، وتمد نحوه يدا مضطربة ملتهبة، فيرى ~~إصطفيان أنه ليس من آداب اللياقة أن تبقى الفتاة في غرفة الاستقبال، فيقبض على يدها بيمينه، ~~ويتلمس علبة الثقاب بيساره. # وقال لها بلهجة الأنفة والكبرياء التي كانت منه عنوان السخط ms15 المكتوم ، ودليل الارتباك ~~والحيرة: «هلم معي إلى غرفة الخوان من فضلك؟» # ثم يدير أكرة الباب وقلبه يخفق اهتياجا؛ إذ يرى نفسه في حضرة الفتاة بالفعل فيفتح ~~الباب. # ثم يقدح عودا من الثقاب ويرفعه في يده، ويستند بظهره إلى الباب ليدعها تمر قبله. # وبينما تلج الباب يكاد شخصاهما يتماسان ثانية من الزمن، فإذا عروقه تلتهب وتحتدم، ولكنه ~~يستجمع جأشه ويتماسك ويستعصم، وهذا عنده رأس الحكمة، ومبدأ الحياة الأقوم، وأساس كل ~~شيء. # بعد ذلك يتبعها إلى داخل حجرة الخوان فيشعل مصباحها، ثم يعود إلى الباب فيغلقه ويتقدم ~~إليها. # وإذ ذاك تكون عقدة عزمه قد استحصفت، وأسباب عزمه قد استحصدت، واستكملت قوة إرادته، وتناهى ~~سلطانه على هواه وشهواته، وأصبح الحاكم المستبد على نفسه؛ فوجهه جامد صلب كأنما قد من ~~صخر، وعيناه النجلاوان المحمرتان من كثرة التدخين في هذا المساء، ومن طول الأرق والسهاد في ~~الليلة السالفة تستقران على شخص الفتاة، وفيهما نظرة استفهام جافة جامدة. # لقد كانت هاتان العينان تنظران إليها مرة نظرة وله وصبابة وهيام، فها هي الآن تبحث ~~في أعماقهما عن شعاع من ذلك الضوء الذائب المذيب، فما إن له من أثر! # لقد أسدل فوقهما، وفوق سائر وجهه أكثف قناع من القسوة والإعراض، وأغلظ لثام من الجفوة ~~والانقباض، فوهى جلدها وخارت قواها. # وكاد يطير من قفص ضلوعها قلبها الخفاق، واكتظ صدرها حتى آذن باختناق، ثم قالت ردا على ~~استفهام نظراته: «نحن ... نحن راحلون.» # فخيل إلى إصطفيان أن قلبه ينكمش، ويتقلص لدى سماع هذه الكلمات التي طالما أوجس خيفة أن ~~يسمعها، وقد سمعها الآن. # فيزداد يأسا على يأسه. # ولكنه لا يجيب بأكثر من قوله: «أحقا ما تقولين؟ أرجو أن لا يكون رحيلكم فورا.» # لم يكن في الوجود شيء هو أمض وأوجع وأذل لعزة الفتاة، وأرغم لشممها وأسحق لآمالها وأمحق ~~لمطامعها، من وقع كلماته الفاترة الباردة على كبدها الحرى، وأحشائها المتسعرة. # أهذا ما يسمونه الحشمة واللياقة وآداب الجماعة وقواعد السلوك؟ فيالله ما أشنع وما أبشع ~~وما أقصى وما أطغى! ويا بعدا ويا سحقا ms16 لهذه الآداب الثلجية القاتلة بشدة بردها وجمودها! ~~لأفضل من هذه الآداب المتمدينة قلة آداب الهمج والمتوحشين، وخير من هذه الرقة المتحضرة غلظة ~~سكان الفيافي والقفار والأحراش والأدغال. # لقد أقام إصطفيان من هذه الآداب العرفية بينه وبين الفتاة حاجزا رقيقا دقيقا، فكان ~~أثره السيئ أبلغ مما لو كان قد شق بفنون السحر بينه وبينها أبعد هاوية وأسحقها! # فقالت متلجلجة: «كلا. ليس ليس فورا، ولكن عن قريب، ويلوح لي أني لا أستطيع البقاء في ~~هذه الدنيا إذا حرمت رؤيتك إلى الأبد.» # ويعقب ذلك فترة سكوت يعتريهما خلالها كرب وضيق، ويبقى هو جامد الحركة، إحدى يديه في جيبه، ~~والثانية مسلوبة القوة مدلاة إلى جنبه. # ويرنو أحدهما إلى الآخر، وكل منهما يصور لنفسه فرط اللذة والسعادة التي كان يجدها الآن في ~~العناق لو تعانقا لحظة، ولكن كلا يرى دون ذلك زاجرا في نفسه مخالفا لما يراه الآخر؛ ~~فزاجر الفتى هو «ليس هذا من الصواب والحكمة»، وزاجر الفتاة هو «لقد كنت أعانقه لو يرضى، ~~ولكنه لا يقبل.» # أخيرا يقول لها: «لا بأس علينا من هذا الفراق ما دمنا نستطيع تبادل الرسائل.» # فتجيبه الفتاة بوجد وحرارة: «ولكن ماذا تجدي الكتب، وماذا تغني الرسائل؟!» # ثم يدفعها فرط شغفها به، وشعورها بحبه إياها، وعلمها أن من الحماقة تضييع مثل هذه الفرصة ~~التي عليها تتوقف سعادتها، أو شقاؤها وحياتها، أو هلاكها - لسبب حقير تافه كالمحافظة ~~العمياء على الكرامة والعزة والإباء - فتقول له: «أنت تعلم - وما إخالك إلا تعلم - أنك أحب ~~ما في الوجود إلى نفسي، وإني لا أحفل في الحياة بشيء غيرك.» # وكان في صوتها حدة من حرارة وجدها، وقد مدت ذراعيها قليلا نحوه كالمبتهلة ~~المتضرعة. # يرى إصطفيان ذراعيها ترتجفان، ووجهها يصفر، وتلتهب في عينيها لوعة الجزع والكرب، فلا ~~يتزعزع ولا يتضعضع، ولا يلين ولا يرق، بل يثبت كالطود الراسخ مع ما يجيش بقلبه من الحب ~~والهوى، ويغلي في جوفه من الوجد والجوى (لقد تعجب من ذلك إصطفيان نفسه من وقت آخر بعد مرور ~~هذه الحوادث وانقضاء هذه المأساة). ms17 # لقد أدهش إصطفيان هذا الموقف وحير لبه، حتى أوشك أن يرتاب في صدق عواطف الفتاة، وهتف به ~~هاتف شك من أعماق نفسه يناجيه: «أحق ما تقول الغادة أم دعوى زور وبهتان، ومظهر من مظاهر ~~التصنع والرياء؟» # وهنا يضاعف حذره واحتياطه، ويزيد قلبه منعة وحصانة، فيقوم كالبرج المشيد والقلعة العصماء ~~في وجه الفتاة، ويزيده إغراء بذلك شدة استيائه من مفاجأة الفتاة إياه ومهاجمته على غرة، ~~ومحاولتها أن تستخرج منه بطريق المباغتة والتوريط ذلك الوعد الذي أفهمها أنه يكره أن يفوه ~~به إليها. # فيقول لنفسه: «إن الفتاة تحاول توريطي، والتغرير بي.» وهذه الفكرة تستثير كل ما يكمن في ~~نفسه من غرائز العناد والإصرار والمحارنة. # ويقول لنفسه: «ألا إنه لا يرغمني على إعطاء الوعود مرغم، إني أعد الوعد متى شئت، فأما قبل ~~ذلك فلا.» # ثم يقول لها بسكون ورباطة جأش، وبلهجة جافية عرفية: «أشكرك على قول هذا.» ~~••• ~~(الآن بعد مرور هذه الحوادث وانقضاء هذه المأساة، يقضي إصطفيان الليل الموحش البطيء ~~بالأرق والسهاد، فتتمثل له الفتاة ماثلة أمامه كما كانت في تلك الليلة، وتتراءى لعينه صفرة ~~ذلك الوجه الحزين، تتراءى لعينه صفرة ذلك المحيا الكاسف الحزين في كل آن ولحظة - الآن - ~~بعد فوات الفرصة وضياع الأمل، أما في تلك الليلة فلقد أعماه العناد عن صفرة ذلك الوجه ~~الحزين، فأعماه عن منهج السداد، وعن سبيل السعادة والنعيم!) # هذا الرجل الذي قضى من عمره خمسا وعشرين حجة يتلمس الحب الصادق، والوداد المحض ولا ~~يناله، لما هداه الحظ إلى بغيته، وساقه القدر إلى أمنيته؛ داسها بقدمه الأثيمة، وهو لا يكاد ~~يشعر بما يجني ويقترف! ~~••• # لقد أصاب جوابه الأخير كبدها بجرح يعجز الأساة، وبطعنة حرام رأبها حتى الممات. # 2 # فوجمت، وخيل إليها أنه يستحيل البتة عليها أن تفوه إليه بكلمة أخرى، ولكن ما يجيش بصدرها ~~من سعير الهيام والوله، يحفز عزمها إلى ركوب الخطة العوصاء، والمسلك الخشن العسير كرة ~~أخرى. # فتقول: «أهذا كل ما تستطيع أن تقوله لي؟ ألا تحفل بي مطلقا.» # فينظر إليها ويتردد، وتناجيه نفسه قائلة: ms18 «لله ما أحلى وما أجمل! وما كل هذه الرقة ~~والتلطف والتودد والتزلف والحياة والخفر، وهي مع كل ذلك تفيض حبا وغراما وشغفا وهياما، ~~هذا وأيم الله الهوى العذري، والحب الصادق! فما لي أرده ردا وأرفضه رفضا؟» # وكأني به الآن وهو ساه ساهر نهب الهواجس والوساوس، يعض بنانة الندم أسفا، ويقطع نفسه ~~حسرة ولهفا، يشبه نفسه بالغواص الذي قضى حينا يكابد الموج ويكافح اللج ويدافع التيار ~~ويصارع الغمار، ويرسب إلى القرار، حتى إذا صعد بالدرة العذراء، واللؤلؤة الغراء، داخله الشك ~~في حقيقتها، وارتاب في مبلغ خطرها وقيمتها، ثم عراه مع ذلك شيء من اللوثة والخبال، فقذف بها ~~في حومة الماء، ثم أفاق فأدرك عظم نكبته، وهول محنته، أقول: كأني به يشبه نفسه بذلك وبأمثال ~~ذلك، وتناجيه نفسه بما يشبه قول القائل: # ودعته وبودي لو يودعني # صفو الحياة وأني لا أودعه # وكم تشفع بي أن لا أفارقه # وللضرورات حال لا تشفعه # وكم تشبث بي يوم الرحيل ضحى # وأدمعي مستهلات وأدمعه # أستغفر الله ثوب العذر منخرق # مني بفرقته لكن أرقعه # أعطيت ملكا فلم أحسن سياسته # وكل من لا يسوس الملك يخلعه # يقول إصطفيان لنفسه: «هذا وايم الله الهوى العذري والحب الصادق! فما لي أرده ردا، وأصده ~~صدا.» ولكن الفكرة تعاوده: إن الفتاة تحاول توريطي والتغرير بي، وما كنت لأسلس لها ~~مقادتي، وألين شكيمتي، ثم عراه ارتباك وحيرة، إذ قامت بنفسه غريزة تدفعه إلى تأجيل موقف ~~يطالب أن يبدي فيه من التصريحات والوعود ما قد لا يستطيع الوفاء به، ويظهر من الإحساسات ~~والعواطف ما ربما يعجز عن تأييده بالحجة والبرهان على مدى الأوقات وتوالي الأزمان. # فابتسم ابتسامة خفيفة وقال: «تسألينني: أأحفل بك وأكترث؟ نعم بطبيعة الحال، إني أستطرفك ~~كثيرا.» # وكان في لهجة جوابه هذا من دلائل الاستخفاف والازدراء، ما يؤدي معنى التحذير الآتي؛ وهو: ~~لا تتجاوزي حدك، فتضطريني أن أغلظ لك القول، وأخشن الخطاب. # إن إصرار الفتى على ضبط شهوته البدنية أعماه عن لوعة الفتاة وكربها، وما كان يلذع حشاها ~~من الكمد والحرقة. # فلو ms19 أن إيزابلا كانت أكثر خبرة بالرجل وأوسع تجربة، وكان سهمها من الجلد والصلابة أرجح من ~~نصيبها من الحياء والحشمة، لو أنها استطاعت أن تدنو من إصطفيان في تلك اللحظة فتمسك يديه ~~وتضمها إلى صدرها، لو أنها اجترأت على أن تسلط عليه تلك القوة الخفية المجهولة، قوة سحر ~~التلامس الجسماني. # إذن لاضمحلت إرادة الفتى إزاء تلك القوة الهائلة. # إذن لذابت عزيمته في نار شهوته المحتدمة. # إن الألفاظ تحرك الذهن، وهذا يحرك الحواس، ولكن هذه سبيل مطولة بعيدة مع بعض ~~الناس. # أما التلامس فيحرك الأعصاب مباشرة، فينساب لهبه في أنحاء البدن كالألم المستطير. # ولقد كانت أعصاب إصطفيان أحد إحساسا من ذهنه، فلو أن الفتاة كانت من النسوة المحنكات ~~المدربات لفازت بغرضها وأدركت غايتها، ولكنها كانت صبية ساذجة، فكان حياؤها وحشمتها وسلامة ~~نيتها وعفافها النفساني والجثماني، كل هذه الخلال تقيدها كالأغلال والأصفاد في حومة تلك ~~المعركة. # إن كلماته وصوته ولهجته أصابتها بشل حقيقي لا مجازي، فلم تقو على الدنو منه إذ كانت لا ~~تستطيع حراكا، واعتقل لسانها، ونضب الكلام من شفتيها كما يمسح عنهما الريق بمنديل. # فترنو إليه خرساء متشنجة الأعصاب بما قد تملكها من الرغبة في الانطراح تحت قدميه، وما كان ~~يحجزها عن ذلك من تلك القوة الخفية التي لم تكن تدرك من سرها إلا كما تدرك من سر ما يبهر ~~النائم، ويأخذ بكظمه عند غشيان ما يسمونه «الكابوس». # هذه الحال التي عرتها إذ ذاك لم تكن إلا النتيجة الطبيعية لغرائزها وشيمها وأخلاقها ~~وأسلوب تربيتها وعيشتها، وسجية حيائها وحشمتها وضبطها لنفسها، لقد كانت أشد حياء وحشمة من ~~أن تطرح نفسها على قدمي رجل زاهد فيها غير حافل بها، وكانت عاصفة شهوتها الثائرة تحاول أن ~~تنسف حصن هيبتها الحصين فتعجز، وطوفان ولوعها الطامي يريد أن يحطم صخرة جبنها الصلدة فلا ~~يقوى. # فهي ترنو إليه ونفسها مغمورة في لجة أجاج من الألم المر، وكأن جملة قواها الحيوية تسحق في ~~رحى العذاب والألم. ففي غمرة هذا العذاب الأليم حيث كانت تحس أن كل عصب من ms20 أعصابها يرض ~~ويحطم، لاحت على شفتيها الراجفتين ابتسامة ضعيفة، ثم قالت: «ما أمهرك بتشريح الأجسام الحية! ~~أي مشرح حاذق كنت تكون لو اتخذت الطب مهنة!» # يتمشى إصطفيان في الحجرة إقبالا وإدبارا، وصدى جملة الفتاة الأخيرة يرن في أذنيه، ولا ~~يكاد يفهم له معنى من شدة الهياج والانفعال، ثم يناجي نفسه سرا: «ما أعجب شأن هذه الفتاة ~~المدهشة! ماذا تريد مني؟ وماذا أستطيع أن أصنع لها؟ إنها لتعلم أني لا أستطيع الآن أن أعدها ~~شيئا؟ ولكن ما أطمح خيالها وما أبعد مرمى أمانيها! على أني لا أحفل ولا أبالي، فسأنالها ~~يوما ما، ولكن لا ثمرة في إطالة الكلام عن هذا الشأن الآن.» # انطلقت إيزابلا من دار إصطفيان، وما هي بتلك المخلوقة العاقلة المسئولة عن أعمالها؛ فإن ~~جهازها العصبي الذي أوهنه طول محاربة الشهوات ومكافحة الأميال والنزعات الشهور العديدة، ~~وإدمان الأرق والسهاد الليالي المتوالية الطوال، تحطم الآن وتهدم حتى لا يرجى صلاحه. # وإن عبء غرامها الفداح لما ارتد الآن مقذوفا به على روح الفتاة صدم عقلها صدمة أخلت ~~ميزانه وقوضت أركانه، لقد كان ذهنها وقادا وإن رقة شعوره وحدة إحساسه التي هي مصدر ذلك ~~التوقد قد عادت الآن شر آفة له ومصيبة عليه. # لقد كان مبهم الظن وملتبس الحدس والتخمين عن نية الفتى وقصده نحوها يقطع نفسها حسرة ~~ولهفا، فما بالك باليقين وقد بدا لها الآن ساطعا مشرقا! لقد أيقنت الآن أنه يرفضها ~~رفضا، فجعلت تقول لنفسها وتردد: «إنه لا يعني بي ولا يحفل.» وفي أذنيها يرن صدى ضحكاته ~~القاسية الأليمة. # لقد مات غرامه بها، إن إيزابلا لا تشك في أن ذلك الغرام قد كان مرة - كما دلها على ذلك ما ~~كان يرشقها به من تلك النظرات الحارة، وضغطات يده على يدها كلما وجد السبيل إلى التلامس، ~~وأصيبت الفرصة - أم كان ذلك كله حلم حالم؟ # وعلى أية حال فسواء كان يحبها أو لا يحبها قبل اليوم، فلقد علمت أنه الآن لا يحفل بها ولا ~~يعنى، إنها لا تجد غير ذلك تأويلا لكلماته ms21 القاسية ونظراته النابية. # فجعلت تقول في نفسها: «إن مثل هذا الجفاء والقسوة لا يصدر قط من الرجل إلى المرأة التي ~~يهوى بلا سبب ولا موجب.» # لم تكن إيزابلا بالحمقاء ولا بالمتطرفة ولا بالأنانية، ولو أن إصطفيان أخبرها أنه يحبها، ~~ولكنه لا بد لهما من كتمان عواطفهما، وأن الواجب عليها أن تنتظر؛ لأطاعته ورضخت لحكمه وصبرت ~~الشهور بل السنين، بل لرضيت أن تنزل إلى قبرها صابرة منتظرة وافية بعهده. ولا غرو، فلقد كان ~~لها من الحزم وقوة الإرادة مثلما له، ولقد كانت تبذل له من الإخلاص والحفاظ ما لا تبذله ~~امرأة لإنسان، ولكن إصطفيان تنكب المنهج القويم، وسلك سبيلا عوجاء، وخطة عقيمة كانت ~~نتيجتها اعتقاد الفتاة أنه لا يحبها ولا يحفل بها. # فلما رسخت فيها هذه العقيدة أظلمت في وجهها الدنيا، وضاقت عليها الأرض بما رحبت، وبدت لها ~~روضة الحياة الزاهرة، وجنة العيش الناضرة قفرا يبابا وبلقعا خرابا لا تستطيع البقاء فيه ~~ولا تطيق أن تبصره. # لا تزال حالة الجسم هي الباعث الأكبر للإنسان على إتيان ما يأتي من الأعمال، وفي هذا ~~الوقت كان جسم الفتاة قد نهكه الكد وأوهنه النصب والإعياء، فتلهف على الراحة ... الراحة التي ~~لم يكن في قدرة العقل أن يهبها، كانت الراحة هي أقصى أمنية الجسم المنهوك والأعصاب ~~المتهدمة، ومن هاتين الفكرتين: الراحة والنسيان، تولدت فكرة الموت. # فقالت في نفسها: «ما ألذ النوم والنسيان! ولكني لا أستطيعه! وهبني حصلت على ذلك بالرقاد ~~في فراشي فإني لا أزال مهددة بمصيبة الاستيقاظ.» # سارت إيزابلا من دار إصطفيان إلى دارها فمرت في طريقها بمكتب البريد، فوقفت ونظرت نظرة ~~ذاهلة من خلال زجاج النوافذ. # وقالت في نفسها: «أرسل إليه كتابا، إذ كنت من فرط العي والبلادة بحيث أعجزني أن ألقي على ~~مسمعه القدر اللازم من القول، وبعد إرسال الرسالة إليه ...» # لم تتم الجملة، ولكن وراء هذه الجملة كان ينفسح جناب الراحة والأمن والطمأنينة. # فدخلت مكتب البريد، فاشترت ظرفا وقرطاسا، وكتبت الرسالة الآتية: # لقد كنت أمحضك الحب، وأخلص لك الوفاء لو أنك ms22 أردت ذلك ، ولكنك بينت لي الليلة أنك ~~لا تبتغي الحب، أو على الأقل لا تبتغي حبي، ولقد أدركت الآن أني قد أستطيع لقاء ~~الموت، ولكني لا أستطيع العيش من دونك، فأنا من التو واللحظة ذاهبة إلى البحر، وبعد ~~ساعة من الزمن أفارقك إلى الأبد، فسأجهل كل شيء وستتناسى أنت كل شيء، وهذا تعادل ~~مرض، فإليك تتوجه خواطري وفيك تنحصر عواطفي، واسمك آخر أنفاسي! # ثم ختمته بيد ثابتة رصينة وخرجت من مكتب البريد، وألقت الكتاب في صندوق التوزيع وانطلقت ~~في أحد الأزقة. # وكان الليل هادئا قارسا، والقرة تتزايد وتشتد، والجو مرتكم الظلمات حالك الأديم تلتمع ~~فيه نجوم الشتاء، وكان السكوت من ورائها وأمامها ويمينها ويسارها لا يكدر صفاءه أدنى ركز أو ~~جرس من عالم الإنسان، والبحر عن يسارها ينداح وينفسح راكد اللج جامد الموج كأنه جني هائل ~~الجثة رائع الجسامة. # فدلفت إلى الساحل عجلى. # سعت إلى الخضرم الخضم تلك الفتاة اللدنة الغضة الصبا، الممتلئة ميعة وقوة وحياة، الراجحة ~~النصيب من ذلك النشاط الذهني العظيم الثمرات عند توجيهه في سبيله، الوبيل العاقبة إذا انعكس ~~على ذاته وارتد على نفسه. # إن روحها لتصرخ من كل ذرات كيانها هاتفة: «ماذا كان يكون حبي وإخلاصي له وعبادتي إياه لو ~~أنه شاء ذلك!» # انحدرت إيزابلا عن السهل المنفسح المشرق إلى حافة الماء الرطبة المظلمة، وكان دافعها ~~الوحيد المستولي على ذهنها وروحها، هو التسلل من عالم الشعور إلى عالم النسيان، والفرار من ~~هذا الإحساس الأليم الذاهب بالعقل والصواب، هو اطراح ذلك الشعور الموجع المضاض وخلعه ~~وإلقاؤه في لجة الماء كما يخلع الرداء! # فهي ترنو إلى بريق الماء ولألائه مرتاحة مطمئنة لا يعروها خوف ولا وجل. وإن وميض البحر ~~وبصيصه أقر لجفنها القريح، وأروح لقلبها الجريح من فراشها في غرفتها الموحشة، حيث طالما قضت ~~الليل الطويل بالأرق والسهاد والحسرة والجوى، أما ها هنا فليس إلا الراحة والسكون والنوم ~~الهادئ الطويل الذي لا تستيقظ العين من رقدته على صياح كريه موحش، وكأنما قد فقد الموت في ~~ذهنها معناه وتجرد ms23 من صفاته ، أو كأنما قد سقطت فكرة الموت البتة من عقد أفكارها، وسلسلة ~~خواطرها. ولا يخفى أن الرغبة في حسم الألم عند إفراطه أشد وأقوى من الرغبة في الحياة ~~ذاتها. # تتعثر قدماها على الشاطئ الأسود المبلول حتى تنتهي إلى البقعة اللزجة اللثقة، والزحلوقة ~~الزل الزلقة، كأنما قد غمر الرملة زيت يتحير على وجهها ويتربع. # ثم تمضي قدما فيرتفع الماء إلى كعبيها ثم إلى ركبتيها ثم إلى خصرها، وحينذاك تنطرح على ~~الماء ملاقية ذوائب الموج بذوائب شعرها المتموج، ولاثمة ثغر الحباب بثغرها المضاهية رونقا ~~وغرة، وشبما وقرة. وكذلك رمت بنفسها في أحضان الموج كما حدثتها النفس مرة أن تلقي نفسها ~~على صدر حبيبها. # ثم تمد ذراعيها على الماء وبها كالنشوة من السرور، وتبدأ في السباحة تؤم الأفق، وتناجي ~~نفسها والماء يطوق خصرها: «هذا كذراعيه!» ويمس ثغرها فتقول: «هذا كشفتيه! ويشبه برودة ~~عواطفه!» ~~••• # كان اليوم التالي مشرق الجو صافي الأديم من أجمل أيام الشتاء، وقد لاحت قطرات الندى على ~~خضرة الروض كحلة من السندس رصعت بالدر واللؤلؤ. # وكان بالهواء قرة خفيفة، وقد سادت السكينة على صدر البحر اللين الخفقان. # وفي أرجاء الجو المستنير فاضت أشعة النهار من خلال النافذة على فراش إصطفيان، وأضاءت وجهه ~~المبتسم في نومه، وكانت ذراعه منطرحة على الغطاء، وهو يحلم أنه يلفها حول جيدها الحسان، ذلك ~~الجيد الذي طالما رآه في أحلامه. # استيقظ إصطفيان بعد برهة وتثاءب، وحول رأسه في ثقل وبطء تلقاء النافذة، وقال: «لم يبق ~~إلا يوم واحد.» # ثم قام إلى الباب ففتحه، وتناول حذاءيه من وراء استعدادا للبس ثياب الخروج، فوجد رسالة ~~في جوف كل حذاء، فخفق قلبه لدى رؤية إحدى الرسالتين، ولم تكن هذه هي الواردة من الفتاة ~~إيزابلا، ولكنها آتية من مصدر آخر، أما الأخرى فكان باديا على ظرفها خط الفتاة، وبهذه لم ~~يحفل ولم يكترث، ولكنه وضعها جانبا على المائدة، وهو يخاطب نفسه: «أظنها تسألني الخروج ~~للقائها، ما أقل صبرها وأكثر لجاجها!» ولكنه يتناول الرسالة الأخرى بتلهف شديد. # هذه هي الرسالة الخاصة ms24 بتلك الوظيفة التي كان إصطفيان يسعى إليها ليتذرع بها إلى الاقتران ~~بالفتاة. # فيفض ختامها فيرى لأول وهلة أن مسعاه قد نجح، وأنه قد أحرز الوظيفة. # فيصعد الدم إلى وجهه، ويستطير في سائر جسده وفي عروقه لهيب نشوة الطرب والمرح، وتهزه ~~أريحية الزهو والتيه. # ويرد الرسالة في غلافها، ثم ينهض ويقف وسط الغرفة، وينظر من خلال ألواح الزجاج ~~الوهاج. # ويقول لنفسه: «لقد فزت بالفتاة! أجل وايم الله لقد فزت بها أخيرا.» # لقد لاح النهار لعينه الطربة الجذلى متألقا بنور باهر وهاج سماوي الرونق مقدس الشعاع ~~خلاف نوره المعتاد، وبدت له الحياة في أجمل صورة وآنق هيئة وأبدع زينة وأروع زخرف، وكأنما ~~قد مسها سحر ساحر حول ترابها تبرا، وحصباءها درا. # وقال لنفسه: «الآن يمكنني أن أشافهها، الآن يمكنني أن أعدها وأخطبها وأنا آمن ما أكون من ~~ارتياب الناس بي، وسوء ظنهم بنيتي، واتهامهم إياي بأني إنما عنيت من الفتاة بثروتها وطمحت ~~إلى مالها، أما الآن فقد نلت وطري وبلغت أمنيتي على حين لم أرقب ولم أنتظر! فسرعان ما ~~أسعدني الدهر، وأسعفني الحظ، وأجنت الآمال، وأينعت ثمار المنى! لقد أحسنت صنعا بتمهلي ~~وانتظاري، وللصبر على كل حال أولى وأليق وخير عاقبة وأحسن مآلا، لقد كدت والله أن أطيش ~~وأتهور ليلة الأمس، وكاد يخونني جلدي ويخذلني تماسكي، وأوشك لساني أن يبوح بما لم أزل ~~أخفي وأضمر، ولكن الله سلم!» # وهنا يقع بصره على رسالة الفتاة، فيتناولها مختومة ويقول لنفسه قبل أن يفضها مناجيا ~~حبيبته: «أي حبيبة القلب ومنية الروح، سأفهمك الآن حقيقة الحال، وأوضح لك من أمري ما طالما ~~أخفيته عنك وكتمته.» # على مسافة أميال من الساحل في أعماق الزاخر الرجراج تعبث أكف الموج بجثة الفتاة، قد سلبها ~~الموت، ما كان يجيش في ذهنها الوقاد من ملايين المنى والآمال، وتغص به روحها الفياضة ~~الحافلة من ملايين الشهوات والرغبات، في هذه اللحظة يتناول إصطفيان كتابها الوداعي، وعلى ~~وجهه ابتسامة الجذل والسرور وهو يقول لنفسه: «أجل، لقد أحسنت صنعا بتمهلي وانتظاري، ~~وللصبر على كل حال ms25 أولى وأليق .» ثم فض الرسالة وأخذ يتلوها. ~~••• # فلما أتى إصطفيان على هذه الرسالة مادت به الأرض، وماجت الأشخاص في عينيه، واختلطت ~~الأشباح وصدمته سورة الحزن، وطاحت بلبه خمرة الأسى، فاستلقى على مقعده لا يدري أين هو ولا ~~أيان يسار به، وبقي كذلك برهة كأنه في غمرة، ثم أخذ يستفيق من سكرة هذا المصاب شيئا ~~فشيئا، وأخذت صورة مصابه العظيم تتكشف له وتتجلى كأنها تبدو من وراء سحابة أو ضبابة، ~~فهنالك أيقن أنه قد خسر الدنيا برمتها، وفقد طعم الحياة ولذتها، والتفت حواليه فإذا الكون ~~كله قفر خراب، وإذا كل ما يراه من منظر كان من قبل قر عينه، ومن منظر كان متعة ناظره، ~~ومن مسمع كان حلية أذنه، إذا كل ذلك قد عاد قذى لعينيه وأذى في أذنيه، فضرب بيده على ~~جبينه وزفر زفرة كادت تصدع أحشاءه، ثم أظلمت الدنيا في ناظريه فأغمضهما، وهنا تراءى له خيال ~~حبيبته الذاهبة في غمار اللج الثائر، تتقاذفه أمواج مجنونة هوجاء، وتترامى به ذوائب العباب ~~كأنها شياطين مردة، فكان لهول هذه الصورة في قلبه ألم كحز الخناجر، ووخز السهام، فضج ~~إصطفيان من فرط الجوى، وأقبل يتوجع ويتأفف، ويتحرق ويتلهف، وحاول أن يطرح من هذا العبء ~~الفداح بالشكوى ومناجاة روح تلك الحبيبة، فاستعصى عليه المنطق ثم أسعفته الدموع بوابل ~~مدرار. ~~••• # أيها الثاكل الحزين، ما جنى عليك الحظ والقضاء، وإنما على نفسك جنيت، ولم تطعنك بسنانها ~~النافذ يد القدر، وإنما يدك التي طعنتك بسنان أنت صنعته من فولاذ قسوتك وجمودك، ولم تشكل لك ~~لجنة المقادير محكمة أصدرت عليك حكم الإعدام؛ إعدام الراحة والقرار، ولكنك أنت الذي شكلت من ~~آرائك الجائرة ومذاهبك الباطلة تلك اللجنة الظالمة، التي كنت أنت أول ضحية لظلمها، وفريسة ~~لجورها وغشمها. فنفسك فلتلم إن كنت لائما، وعلى نفسك بالعسف والطغيان فاحكم إن كنت ~~حاكما، واجن من غرس يدك الأثيمة شوك الثأر والعقاب، ومرارة الألم والعذاب، وكان الله لك ~~على كل حال مسعفا ومعينا. ms26