######OpenITI# #META# URI: 1350NacumMukarzil.TarikhHanibal.Hindawi69491491 #META# Tags: history :: biographies #META# ID: 69491491 #META# Title: تاريخ هنيبال #META# AuthorID: 39083702 #META# Author: نعوم مكرزل #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # إلى القارئ‏ # 1 - الحرب القرطجنية الأولى‏ # 2 - هنيبال في ساغونتوم‏ # 3 - افتتاح الحرب القرطجنية الثانية‏ # 4 - عبور نهر الرون‏ # 5 - هنيبال يجتاز جبال الألب‏ # 6 - هنيبال في شمالي إيطاليا‏ # 7 - جبال أبنين‏ # 8 - المتسلط المطلق فابيوس‏ # 9 - معركة كانيه‏ # 10 - سيبيو‏ # 11 - هنيبال شريد طريد ومنفي‏ # 12 - تدمير قرطجنة‏ # إلى القارئ‏ # 1 - الحرب القرطجنية الأولى‏ # 2 - هنيبال في ساغونتوم‏ # 3 - افتتاح الحرب القرطجنية الثانية‏ # 4 - عبور نهر الرون‏ # 5 - هنيبال يجتاز جبال الألب‏ # 6 - هنيبال في شمالي إيطاليا‏ # 7 - جبال أبنين‏ # 8 - المتسلط المطلق فابيوس‏ # 9 - معركة كانيه‏ # 10 - سيبيو‏ # 11 - هنيبال شريد طريد ومنفي‏ # 12 - تدمير قرطجنة‏ # | تاريخ هنيبال # | تاريخ هنيبال # تعريب # نعوم مكرزل # | إلى القارئ # لا أكون مهديا إلا لأكون هاديا إلى ما أعتقد أن فيه شيئا من ~~الخدمة النصوح العائدة، ولو بالتافه من الفائدة، على أبناء وطني، ~~وفي نشري تاريخ هنيبال على علاته دليل على الغاية التي أرمي ~~إليها. # أصل التاريخ هو لجاكوب أبوت، كتبه بالروح الغربية «القائمة» على ~~الأثرة والتفوق، وقد بذلت بعض المال والعناية لترجمته، ثم أعدت ~~النظر فيه غير متعرض للروايات والآراء التاريخية التي أعلم كما يعلم ~~العالمون أن في الكثير منها شططا وتزييفا، فعلى علماء التاريخ ~~وغواته من أبناء الوطن أن ينشطوا لسد الخلل وإصلاح الخطل، ~~ويجمعوا تواريخ بلادهم وتراجم أبطالهم وغزاتهم ونوابغهم ودهاتهم، كما ~~توجب الحقيقة لا كما يكيفها المكيفون. # أنا مستعيض بالتاريخ عن الأقاصيص والروايات في الهدى، ثم أجمع ما ~~أنشره في كتب مستقلة، أرجو أن يستعين بها قارئوها على حفظ وصون الدروس ~~التي يلقيها الأقدمون عليهم من أصدقاء وأضداد، وليس كالتاريخ أستاذا ~~مهذبا ومرشدا مدربا. # إلى أحفاد أكبر قائد فينيقي، بل أكبر قائد في التاريخ عند المجردين، ~~أهدي هذا السفر الذي أرجو أن يقوم من أبناء أمتي من يقوم منآده، ~~ويزيل فساده، عادلا عن الشكوى وهو قاعد، وناظرا إلى لهب الأفكار ~~وهو جامد. # نعوم مكرزل # الفصل الأول # | الحرب القرطجنية الأولى # كان هنيبال قائدا قرطجنيا أحرز شهرته الطائرة كأعظم الكماة ~~بتهالكه ms001 في محاربة الرومانيين، ومن المعلوم أن رومية وقرطجنة ~~نشأتا معا على جانبين متقابلين من بحر الروم، وظلت الحروب ~~الطاحنة مستعرة الضرام بينهما مدة مائة سنة. وعدد الحروب التي ~~نشبت بينهما ثلاث، خرجت رومية من ساحاتها ظافرة منتصرة في آخر ~~الأمر، ودكت قرطجنة إلى أساساتها. # ولم يكن ثم من باعث حقيقي على اقتتال تينك الأمتين، فالنزاع ~~بينهما قد تأتى باختيارهما عن المزاحمة والشحناء، فاختلافهما ~~الأصلي نشأ عن تباين في اللغة والأصل، وعن استيطانهما جهتين ~~متقابلتين من البحر الواحد، وبهذا كرهت إحداهما الأخرى وعملت على ~~سحقها وإبادتها. # والذين قرءوا تاريخ الإسكندر الكبير يذكرون دون ريب الصعوبة ~~الكلية التي عاناها في محاصرة مدينة صور والتغلب عليها، وهي مدينة ~~بحرية يبعد موقعها عن الشاطئ نحو الميلين، قائمة على الجانب الشرقي من ~~بحر الروم، وابتنى قرطجنة جماعة من ماهدي المستعمرين نزحوا عن ~~صور، وبنوا المدينة الجديدة فأصبحت قوة بحرية وتجارية عظيمة كأمها، ~~وابتنى القرطجنيون المراكب العديدة التي مكنتهم من اكتشاف مجاهل ~~بحر الروم، وزاروا على متونها كل الأمم الساكنة على شواطئه، ~~واشتروا منهم كل الحاجيات المختلفة التي كانوا يتجرون بها، ~~ويحملونها إلى الشعوب الأخرى ويبيعونها منها بأرباح وافرة، وبهذا ~~أحرزوا غنى وقوة في مدى قصير. # وكانوا يستأجرون الجنود ليحاربوا حروبهم وليمكنوهم من الاستيلاء ~~على جزائر بحر الروم وعلى بعض الأماكن الداخلية في بعض الأحيان، مثال ~~ذلك: أنهم في إسبانيا التي مخرت إليها مراكبهم وجدوا المقادير ~~الكبيرة من ركاز الفضة والذهب، استخرجوها من معادن بادية على وجه ~~الأرض تقريبا، وقد كان القرطجنيون في بادئ الأمر يحصلون على الذهب ~~والفضة بالمقايضة، فيعطون الوطنيين حاجيات متنوعة كانوا اشتروها من ~~بلادهم بثمن بخس جدا، بالنسبة إلى ما كانوا يتقاضونه الإسبانيين ~~ثمنا عنها. # واستولوا أخيرا على ذلك القسم من إسبانيا الذي توجد فيه تلك ~~المعادن، وصاروا يستخرجون كنوزها بأنفسهم متعمقين في الحفر كثيرا، ~~واستخدموا لذلك الغرض جماعة من المهندسين ابتدعوا المضخات؛ لكي ينظفوا ~~المعادن مما يتسرب إليها من الماء، ولكي تتوفر لهم الوسائل العلمية ~~والآلية التي تمكنهم من التغلب على ms002 سائر العوائق، وهناك ابتنوا ~~مدينة أطلقوا عليها اسم قرطجنة الجديدة - نوڨا كرثاجو - وحصنوا هذه ~~المدينة وأقاموا فيها حامية عسكرية، واتخذوها مركزا لأعمالهم في ~~إسبانيا، ولا يزال اسم تلك المدينة قرطجنة إلى هذا اليوم. # وهكذا كان القرطجنيون يتمون العظائم بقوة المال، فتوسعوا بأعمالهم ~~في سائر أنحاء البلاد، وكانت كل ناحية تدر عليهم كنوزا جديدة، ~~فتوفر لهم الوسائل المساعدة على زيادة التوسع، وكانت لهم، عدا السفن ~~التجارية التي هي ملك أفراد الشعب، بوارج حربية للحكومة، كانت في ~~تلك الأيام تعرف بالسفن الواطئة، وتسير بمئات المجذفين يقيمون فيها ~~صفوفا الواحد بعد الآخر، حتى إنك لتجد في السفينة الواحدة من هؤلاء ~~أربعة أو خمسة صفوف يتناوبون التجذيف. # وكانت لهم جيوش جرارة مجندة بالأجرة من بلدان مختلفة ومنظمة ~~بحسب براعة رجالها في فن معلوم من فنون القتال والتوماديان؛ مثلا: ~~الذين كانوا يقطنون أقطارا متدانية من قرطجنة على الشاطئ الأفريقي ~~كانوا مشهورين بالفروسية؛ لأن بلادهم ذات سهول واسعة خصيبة التربة ~~كثيرة الكلأ، وفي مثل هذه البلاد يكثر كما لا يخفى عدد الذين يربون ~~الخيول الصافنات، ويجيدون ركوبها ويتلقنون فنون الفروسية. # ثم إن سكان جزائر بلياريك - المعروفة اليوم باسم ماجوركا ومينوركا ~~وإيفاكا - اشتهروا بحذقهم في رمي الحجار بالمقلاع، وعلى هذا النمط ~~كان القرطجنيون يجرون في ترتيب جيوشهم، فيأتون بالفرسان من نوميديا ~~وبرماة المقلاع من جزائر بلياريك، وللأسباب نفسها كانوا يستأجرون ~~المشاة المشهورين بالإقدام من إسبانيا. # وكان اتجاه الشعوب المتنوعة إلى استنباط طرق حربية مختلفة وتقليد ~~غيرهم فيها والقيام عليها في الأزمنة الذاهبة أعظم منه في هذا الزمان، ~~فجزائر بلياريك في الواقع قد اتخذت اسمها هذا من الكلمة اليونانية ~~«بليان» التي معناها الرمي بالمقلاع؛ لأن الأحداث فيها كانوا ~~يتمرنون إلى حد الإجادة على إتقان هذا النوع من السلاح من أول ~~عمرهم، حتى قيل: إن الأمهات كن يضعن الخبز لإفطار أولادهن على أغصان ~~الأشجار العالية، ولا يسمحن لهم بتناوله للأكل إلا بعد أن ينزلوه ~~بحجر يرمى بمقلاع. # وعلى هذا النسق من الاختبار والتنظيم امتدت صولة القرطجنيين ~~واتسع مجال سيطرتهم، ms003 على أن حكومتهم بجملتها كانت منحصرة بجماعة ~~قليلة العدد من سراة الأسر الغنية «الأرستقراطية» في الوطن، فكانت ~~مماثلة من هذا الوجه للحكومة الإنكليزية في هذا الزمان، إلا أن سراوة ~~«أرستقراطية» إنكلترا مبنية على السلالة العريقة في النسب وعلى ~~ملكية العقار، أما في قرطجنة فقد كانت مستندة إلى العظمة التجارية، ~~متحدة في الواقع مع ميزة الأسر الوراثية. # وكانت سراوة «أرستقراطية» قرطجنة مسيطرة ومسلطة على كل شيء، فلم ~~تكن وظائف القوة تعطى لغير أبنائها إلا فيما ندر؛ ولهذا أصبحت بقية ~~العامة من الأهلين في حالة الاسترقاق والعبودية. جرت قرطجنة على هذا ~~النمط كما جرت عليه إنكلترا في هذا الحين، وهو أمر بعيد عن العدل ومؤلم ~~للمنبوذين، على أن النتيجة كانت يومئذ - كما هي كائنة في إنكلترا ~~اليوم - حسنة جدا، وصالحة من وجه أنها عملت على إيجاد حكومة نشيطة ~~منزهة عن الدنايا ولوثات التلاعب، ومن المعلوم أن حكومة الأعيان ~~تساعد في بعض الأحيان على إيجاد دولة غنية وقوية، ولكنها في الوقت ~~نفسه تجعل بقية الشعب شقيا، وغير قانع بما هو فيه. # فليتحول القارئ الآن إلى الخارطة، ويجد فيها المكان الذي كانت فيه ~~قرطجنة، وليتصور مدينة عظيمة وافرة الثروة هناك بأرصفتها العظيمة ~~ومرافئها، ومخازنها الكبرى الخاصة بالمتاجر الواسعة، وهياكلها وأبنيتها ~~العمومية الجميلة المشيدة لدوائر الحكومة وللمعابد، والقصور الفخمة ~~والدور الشائقة التي كان يسكنها أرباب المال والحسب والنسب، وكذلك ~~الأسوار والأبراج المرتفعة في الجو لأجل الدفاع عن الكل. # وليتصور بعد ذلك بلادا خلفية تمتد مئات الأميال إلى داخلية ~~أفريقيا المشهورة بخصبها ووفرة خيراتها، وما تنتجه من مقادير الذرة ~~والخمر والثمار اللذيذة المتعددة الأنواع، ولينظر بعد هذا إلى جزائر ~~سيسيليا وكورسيكا وسردينيا والبلياريك، ويدرك بالتصور أنها كانت جميعا ~~بلدانا كبيرة الثروة كثيرة الخصب، وكلها تابع للسيادة ~~القرطجنية. # وانظر أيضا إلى الشاطئ الإسباني - انظر بعين التصور - مدينة قرطجنة ~~هناك بحصونها وجيوشها، ومعادنها الذهبية والفضية التي يشتغل فيها ~~عشرات الألوف من الأرقاء، وتصور أساطيل السفن تمخر على الدوام، من ~~بلاد إلى أخرى على شواطئ بحر الروم ذهابا وإيابا ms004 إلى صور فقبرص فمصر ~~فجزيرة سيسيليا فإسبانيا، تحمل الذرة والكتان والصباغ الأرجواني ~~والبهارات والعطورات والأحجار الكريمة والحبال والشرع للمراكب، ~~والذهب والفضة في أشكال مختلفة، وبعد هذا ترجع بالدور إلى قرطجنة؛ ~~لتفرغ في الخزائن ما احتملته من أنواع الثروة، فتزيد الموجود منه عند ~~القرطجنيين أضعافا. ليتصور القارئ كل هذا والخارطة مفتوحة أمامه؛ لكي ~~يرى جليا العلائق الجغرافية التي تربط تلك الأماكن بعضها ببعض، ~~فترتسم في ذهنه من ذلك صورة إجمالية صحيحة تمثل له القوة القرطجنية، ~~حينما بدأت في حروبها الهائلة مع رومية. # أما رومية فتختلف في موقعها وحالتها عن ذلك، فقد ابتنى رومية أناس ~~من تروادة هاموا على وجوههم في هاتيك الأنحاء، فنمت زمانا طويلا ~~بهدوء وبطء متمشية على مبدأ الحياة والنشاط الداخليين، وكانت الأقاليم ~~المختلفة في شبه الجزيرة الإيطالية تنضم إلى رومية واحدها بعد الآخر، ~~فتألف من عشائرهم شعب كان على الغالب فطريا زراعيا، فحرثوا ~~الحقول واقتنصوا الوحوش الضارية وربوا المواشي على تنوعها، وقد بدا ~~منهم ما دل على أنهم جنس - خليط من الأجناس البشرية - حائز على نظام ~~بديع متفوق، سعى بالتدريج لإيجاد صفات الثبات والنشاط والقوة فيه ~~جسديا وعقليا؛ الأمر الذي استوجب إعجاب الجنس البشري كله ~~به. # خص القرطجنيون بالذكاء - والرومانيون سموه دهاء - وبالنشاط ~~والإقدام على الأعمال الكبرى وبالثروة الطائلة، وكان مزاحموهم من الجهة ~~الأخرى موصوفين بالنبوغ والشجاعة والقوة، يصحبها جميعا تصميم أكيد ~~هادئ راسخ ونشاط غريب أصبح بعد ذلك، في كل جيل وفي أذهان الشعوب، ~~ملازما لكلمة «الرومانيين» عينها، وكان رقي الأمم بطيئا في الأزمنة ~~القديمة أكثر منه الآن، وبقيت هاتان الدولتان المتزاحمتان مثابرتين على ~~النمو المتتابع والتوسع في الملك، كل منهما على جانبها الخاص من ذلك ~~البحر العظيم الذي فصلهما عن بعضهما مدة خمسمائة عام قبل أن تدانتا من ~~الاصطدام. أخيرا حدث التطاحن المنتظر وكان ابتداؤه كما يأتي: # يرى الناظر إلى الخارطة أن جزيرة سيسيليا منفصلة عن جسم البر ~~ببوغاز ضيق يسمى بوغاز مسينا، واسم هذا البوغاز متخذ من بلدة مسينا على ~~الجانب السيسيلي، وقبالة مسينا على ms005 الجانب الإيطالي قامت في ذلك الزمن ~~بلدة اسمها راجيوم، وحدث أن جماعات من الجيوش غير المنظمة استولت على ~~كلتا البلدتين، فأتى الرومانيون وأنقذوا بلدة راجيوم ، وأنزلوا بالجنود ~~التي احتلوها عقابا أليما، وأقبلت حكومة سيسيليا لإنقاذ بلدة مسينا، ~~فلما رأت الجنود التي كانت فيها أنها مهددة على تلك الصورة أرسلت إلى ~~الرومانيين، تقول لهم إنهم إذا أتوا لنجدتهم وحمايتهم يسلمونهم ~~مسينا. # فالجواب على هذا السؤال استلزم رفع القضية إلى مجلس الشيوخ الروماني، ~~وسبب لذلك المجلس إشكالا وارتباكا عظيمين؛ إذ بدا لأعضائه أن ~~التحيز لخوارج مسينا ليس من الأمور الملائمة، في حين أنهم هم ~~الرومانيون قد عاقبوا خوارج راجيوم بصرامة، ومع ذلك فإن الرومانيين ~~كانوا مدة الأعوام الطوال ينظرون بعين الغيرة والحسد إلى تعاظم صولة ~~قرطجنة وامتدادها، ورأوا أن الفرصة قد سنحت لهم لملاقاتها ~~ومقاومتها، وكانت حكومة سيسيليا إذ ذاك تراسل قرطجنة طالبة منها ~~النجدة لاسترجاع المدينة. # وكان في تلبية قرطجنة ما طلبته حكومة سيسيليا منها ما يؤدي إلى إقامة ~~جيش قرطجني قبالة الشاطئ الإيطالي؛ وعلى مرأى منه وفي نقطة يسهل ~~عندها على ذلك الجيش أمر القيام بحركات عدائية والاعتداء على البلاد ~~الرومانية، وبالجملة فإن المسألة كانت مما يسمى في لغة السياسة ~~ضرورة سياسة. وبعبارة أخرى: إنها مسألة متعلقة بمصالح أحد الجانبين ~~التي وجد فيها حقها قويا إلى حد يحمل على تضحية كل اعتبارات ~~العدالة واللياقة والشرف في سبيل الاحتفاظ بها، ومن المعلوم أن قضايا ~~عديدة من نوع الضرورة السياسية، كثيرا ما تحدث في إدارة شئون الشعوب ~~في كل أدوار العالم. # فالنزاع من أجل مسينا كان في آخر الأمر معتبرا في نظر الرومانيين ~~مجرد علة أو عذر، أو بالحرى فرصة سانحة للابتداء بالكفاح الذي كانوا ~~منذ زمن طويل راغبين في الإقدام عليه، وقد برهنوا على عظمتهم ~~ونشاطهم الموصوفين بالخطة التي اتخذوها في بدء العراك، فهم كانوا ~~يعرفون جيدا أن قوة قرطجنة قائمة بالأكثر على سيادتها البحرية، وأنه ~~لا رجاء لهم في خوض غمرات الحرب معها على شيء من الأمل بالنجاح، إلا ~~إذا ms006 حاربوها وقهروها في ذلك الميدان. # ولم يكن عندهم في ذلك الحين سفينة واحدة أو بحار واحد، في حين أن بحر ~~الروم كان غاصا بسفن القرطجنيين وبحارتهم، على أن ذلك لم يثبط من ~~عزائمهم ولا خاموا لما علموه من الميزة العظمى التي لعدوهم عليهم، فشرع ~~الرومانيون في الحال يبنون قوة بحرية عظيمة تجعل كفتهم البحرية ~~مساوية لكفة قرطجنة. # واستغرق الاستعداد وقتا غير يسير؛ لأنه لم يتعين على الرومانيين أن ~~يبتنوا السفن فقط، بل كان عليهم أن يتعلموا كيف يبنونها، فتلقنوا ~~أمثولتهم الأولى من سفينة قرطجنية كانت قد دفعتها العواصف إلى الشاطئ ~~الإيطالي، فاستولوا عليها وجاءوا بالنجارين لكي يدرسوها وبقطاعي ~~الأشجار ليوجدوا منها خشبا للشروع في بناء مثلها على سبيل التقليد، ~~فدرس النجارون تلك السفينة بتدقيق وقاسوا كل قسم منها، ولاحظوا كيفية ~~بناء الأقسام المختلفة وطريقة ربطها معا جسما واحدا. # ومن المعلوم أن الصدمات التي تصيب السفن في البحار من الأمواج ~~والتيارات تجعل أمر العناية في بنائها ضروريا لإبلاغها من القوة ~~الدرجة القصوى، ومع أن سفن الأزمنة الماضية كانت صغيرة جدا، وليست ~~على شيء من الإتقان بالمقابلة مع دوارع الوقت الحاضر، فمن المدهش أن ~~ينجح الرومانيون فورا وبسرعة في محاولة ابتنائها على غير سابق ~~استعداد أو عهد لذلك الفن. # وكل ما يقال في هذا الشأن أنهم نجحوا، وبينما كانت السفن تبنى كان ~~الضباط الذين عهد إليهم في تمرين رجال للقيام عليها يدربونهم عند ~~الشاطئ على كيفية تسيير تلك السفن بالتجذيف، فأقاموا مقاعد كالتي يجلس ~~عليها المجذفون في المركب على الأرض، وعلى هذه أجلسوا الرجال المراد ~~تمرينهم وجعلوا في أيديهم أخشابا كالمجاذيف؛ ليتقنوا تحريكها كما لو ~~كانوا في السفن. # وكانت النتيجة الحاصلة مما بذله الرومانيون من الجهد في شهور قليلة: ~~أنهم أكملوا بناء مائة سفينة، في كل واحدة منها خمسة صفوف لرجال ~~التجذيف بمجاذيفها وسائر ما يتعلق بها، وأبقوا هذه السفن في الميناء ~~زمانا معلوما؛ لكي يروا ما إذا كان المجذفون يحسنون القيام على ~~التجذيف في البحر كما أجادوا فيه برا، ولما استيقنوا ms007 من ذلك ساروا ~~بتلك السفن في البحر للقاء القرطجنيين. # وكان في جملة تدابير الرومانيين لإعداد أسطولهم قسم واحد دل على ~~غريزتهم التي انفردوا بها عن سائر الناس، من حيث التصميم على الإجادة ~~وبلوغ حد الكمال في سائر أعمالهم، ذلك أنهم ابتنوا آلات محتوية على ~~كلاليب من الحديد نصبوها على مقدم السفينة، فكان من أمر هذه الكلاليب ~~عند التقاء السفينة الرومانية بالسفينة القرطجنية أنها تترامى على ظهر ~~سفينة العدو، فتمسكها بحيث لا تقوى على الإفلات، وتربط السفينتين معا ~~كأنهما واحدة. # وبهذه الطريقة ينزعون كل فكر يخطر للعدو أنهم راغبون في الفرار من ~~المعركة، على أن خوفهم الوطيد كان منحصرا في الاحتساب من أن بحارة ~~القرطجنيين يستخدمون حذقهم ودربتهم البحرية للفرار من المعركة، ولقد ~~عد الناس طرا عمل الرومانيين هذا من أدل البراهين على شجاعتهم ~~البحرية، وتصميمهم النهائي على مجالدة أعدائهم بتلك الصورة التي لا ~~مثيل لها في التاريخ، ذلك بأن يحتاطوا للعدو فلا يفر من بين أيديهم، ~~وينجوا من القضاء المحتوم الذي قرروا في نفوسهم أنه سيكون من نصيبه، ~~إذا هو بقي مقيدا في مكافحتهم، وعلى شجاعة يندر وجود ضريع لها في غير ~~الرومانيين. # وفي الواقع أن إقدام الرومانيين هذا غريب في بابه؛ فليس بالسهل أن ~~ينزل جيشهم البري إلى شاطئ البحر، ومن غير أن يكون قد رأى مركبا في ~~زمانه يبتني أسطولا كبيرا من السفن الحربية، وينازل به دولة ملأت ~~أساطيلها البحار، وتفرد رجالها في خوض غمراتها بحيث أصبحت سيدة ~~البحر بلا منازع. # فهم قد توفقوا إلى إمساك سفينة محطمة من سفن أعدائهم، واتخذوها ~~قالبا يبنون عليه فابتنوا مائة سفينة مثلها، وتمرنوا على حركات ~~الأساطيل الحربية وقتا يسيرا في مينائهم، ثم ذهبوا للقاء أساطيل ~~عدوهم البطاش، ومعهم تلك الكلاليب التي مر وصفها؛ ليقيدوهم بها غير ~~خائفين من شيء سوى إفلات الأعداء من قبضتهم. # وكانت النتيجة حسب المنتظر، فإن الرومانيين أسروا وأغرقوا وحطموا ~~أو مزقوا شمل الأسطول القرطجني الذي أقبل على مساجلتهم، فأخذوا مقدم ~~كل سفينة أسروها وأرسلوها كلها إلى رومية، ms008 وهناك شيدوا بها عمودا ~~«منقاريا» كتذكار لانتصارهم، وقد حطمت الصواعق ذلك العمود تقريبا ~~بعد خمسين سنة من نصبه، ولكنهم أصلحوه وأعادوا بناء ما تهدم منه ، فظل ~~قائما في مكانه أجيالا عديدة شاهدا عادلا على انتصارهم البحري ~~الباهر. # وكان القائد البحري في تلك الموقعة القنصل دويليوس وقد شيد العمود ~~المنقاري إكراما له، وعندما احتفروا خربات رومية من مضي ثلاثمائة ~~وخمسين سنة عثروا فيما يقال على بقايا ذلك العمود، وعول الرومانيون ~~بعد ذلك على التوسع في الحرب إلى قلب أفريقيا بالذات، وكان ذلك ~~سهلا عليهم بعد أن حطموا الأسطول القرطجني؛ لأنهم استطاعوا نقل جنودهم ~~إلى الشاطئ القرطجني بلا أقل خوف عليه من سفن الأعداء. # وكانت رومية مسودة بمجلس شيوخ «سناه» ليسن الشرائع، وفوق هذا ~~المجلس مسيطران للتنفيذ باسم قناصل، فهم قد فكروا في أن وجود رئيسين ~~للحكومة أسلم عاقبة من رئيس واحد؛ وذلك لأن كل واحد منهما يكون رقيبا ~~على الآخر وكابحا لجماحه عند الاقتضاء، ولكن النتيجة جاءت على خلاف ما ~~أملوا فتفاقم التحاسد بين الرئيسين، وكان كثيرا ما يؤدي إلى مجادلات ~~عنيفة ونقار كثير، فآل ذلك في العصور الحديثة إلى الاقتصار على رئيس ~~واحد للحكومة، وسن قوانين يتقيد بها وتكون بمثابة رادع له إذا هو أساء ~~استعمال سلطته. # وكان القناصل الرومانيون يتولون قيادة الجيوش في الحروب، وكان اسم ~~القنصل الذي وقع عليه الاختيار لمتابعة الحرب ضد القرطجنين بعد ~~الانتصار الأول الباهر روغولوس، وقد خلد لاسمه ذكرا في كل جيل ~~بفعاله المجيدة وتدابيره الحكيمة وإقدامه المنقطع النظير في تلك ~~الغارات، وانقطاع حبل حياته قبل أوان الأجل العادي، وحكاية ذلك وما ~~فيها من الصحة هو من الأمور التي يستحيل تحقيقها، ولكن القصة حسبما ~~رواها مؤرخو الرومانيين هي كما يأتي: # كان روغولوس أيام انتخب قنصلا من أواسط الناس يعيش بغاية البساطة، ~~في مزرعة محصلا أوده بعمل يديه وآكلا خبزه بعرق جبينه، وليس في ~~سجاياه للطموح والكبرياء أثر، على أن مواطنيه قد لاحظوا هاته الخلال ~~الكريمة المنطبعة في ذهنه، وقدروها قدرها مجمعين على إجلال الرجل، ms009 ~~وقد آل إعجابهم به إلى إقامته قنصلا، فترك المدينة وتولى قيادة ~~الجيش، وجد في تكبير الأسطول، فأصبح عدد سفنه أكثر من ثلاثمائة ~~سفينة، وجند فيها مائة وأربعين ألف رجل ركب البحر قاصدا ~~أفريقيا. # استغرق في التأهب لذلك عامين، كان القرطجنيون فيهما قد توفروا ~~على الوقت لابتناء سفن جديدة، فكان أنه عندما خاض الرومانيون عباب ~~البحر، وهم على شواطئ سيسيليا، إذا بهم يرون الأسطول القرطجني محتشدا ~~للقائهم، فتقدم روغولوس للكفاح وقهر الأسطول القرطجني ودمره كالأول، ~~فالسفن التي لم تؤسر أو تدمر أركنت إلى الفرار في كل ناحية فاتحة ~~السبيل للقائد روغولوس الذي سار بدون معارضة، وأنزل رجاله على الشاطئ ~~القرطجني. # وهناك ضرب خيامه حال نزوله إلى البر، وبعث يستشير مجلس الشيوخ ~~الروماني فيما الذي يجب القيام به بعد هذا. ولما أدرك مجلس الشيوخ أن ~~الصعوبة العظمى والخطر المهدد - ألا وهما دحر الأسطول القرطجني - قد ~~زالا، أمر روغولوس بإرجاع كل السفن تقريبا وقسم كبير من الجيش إلى ~~رومية، والتقدم على قرطجنة بمن يبقى معه من الجند، فأطاع روغولوس ذلك ~~الأمر وأرجع إلى رومية الجنود الذين طلبتهم، وزحف بمن بقي على ~~قرطجنة. # في ذلك الحين وصلته أنباء من الوطن تفيد أن الفلاح الذي عهد إليه في ~~العناية بأملاكه قد مات، وأن المزرعة التي كان عليها معول إعالة عائلته ~~متدانية من الخراب، فطلب إلى مجلس الشيوخ إقالته من القيادة وإرسال من ~~يتولى اقتياد الجيش مكانه؛ لأن في نيته الرجوع إلى حيث يهتم بأمر زوجته ~~وأولاده، فورد عليه الأمر من مجلس الشيوخ بالبقاء حيث هو، وملاحقة ~~حملته واعدا إياه بالاهتمام بعائلته من كل وجه، واستخدام شخص يعتني ~~بأملاكه. # أوردنا هذه القصة لنري ما كان عليه الرومانيون من عيشة البساطة ~~المتناهية والابتعاد عن الفخفخة في العادات، وسائر شئون الحياة في تلك ~~الأيام، وهي في الواقع كذلك بل هي غريبة في بابها؛ ذلك أن يكون هذا ~~الرجل الذي عهد إليه في الذود عن حياض مملكة عظيمة، وولي قيادة ~~أسطول مؤلف من مائة وثلاثين سفينة، وجيش يزيد عدده ms010 على مائة وأربعين ~~ألف رجل ذي عائلة معتمد في أمر قوتها على حراثة سبعة أفدنة من الأرض، ~~يقوم بها رجل مأجور؛ ولكن تلك هي القصة رويناها على حقيقتها. # تقدم روغولوس على قرطجنة غازيا منتصرا في زحفه، وكان القرطجنيون ~~يندحرون من أمامه ويخسرون المعركة بعد الأخرى، وقد نقص جيشهم بما ~~قتل وأسر منه، إلى أن كادوا يصلون إلى طرف الجبل لولا انقلاب فجائي ~~طرأ، فعكس ميزان الحرب ورجح كفتهم، وكان ذلك الانقلاب وصول قطعة من ~~الجنود آتية من اليونان يقودهم قائد يوناني، أولئك جنود كان ~~القرطجنيون قد استأجروهم؛ ليحاربوا معهم كما كانت عادتهم في كل ~~حروبهم. # ولكن أولئك الجنود كانوا يونانيين، ومعلوم أن اليونانيين هم من الجنس ~~الروماني حائزون على مثل سجايا الرومانيين، فبحال وصول القائد ~~اليوناني الجديد قلده القرطجنيون زمام القيادة العليا؛ لما أبداه ~~من المهارة الحربية والتفوق في الإدارة، فشرع في تنظيم الجيش وإعداده ~~للعراك، وكان معه مائة فيل ممرنة على النزال، وعلى الهجوم دفعة ~~واحدة، ودوس الأعداء تحت أقدامها، وقد أوقفها في الطليعة. # وكان المشاة الشاكو السلاح من رجاله في القلب، وعددهم بضعة آلاف ~~رجل متماسكين معا وفي أيديهم رماح طويلة مصوبة إلى الأمام، فكانوا في ~~زحفهم دفعة واحدة يجرفون كل ما يعترضهم كما يجرف السيل العرم ~~ما يلقى في مجراه، أما روغولوس فكان على استعداد للقاء القرطجنيين إلا ~~أنه لم يكن متأهبا لمجالدة اليونانيين، ففي المعركة الأولى فر جيشه ~~هاربا ووقع هو أسيرا، وكان ابتهاج القرطجنيين وتهليلهم عظيما جدا، ~~حينما رأوا روغولوس القائد الروماني ونحو خمسمائة من نخبة رجاله أسرى ~~في المدينة، بعد أن كانت قلوبهم تخفق رعبا واحتسابا، قبل ذلك بأيام ~~من دخول ذلك القائد مدينتهم فاتحا منتصرا ومنتقما. # على أن مجلس الشيوخ الروماني لم ييئس من هذه النكبة التي أصيب بها ~~الجيش الروماني، بل كان ذلك مشددا عزيمته ومضاعفا تصميمه على متابعة ~~الجهاد، فحشد جيوشا جديدة ووجهها إلى ميدان الكفاح، أما روغولوس فبقي ~~أسيرا محجورا عليه في قرطجنة، أخيرا فوض القرطجنيون إليه أمر السعي ~~في ms011 عرض الصلح على الرومانيين والمفاوضة في مبادلة الأسرى، وأخذوا منه ~~عهدا مؤيدا بيمين غموس، مفادها أنه إن لم ينجح في ذلك يرجع ~~إليهم. # وكان الرومانيون قد أسروا عددا كبيرا من القرطجنيين في الوقعات ~~البحرية واحتملوهم إلى رومية واعتقلوهم هناك، وقد جرت العادة عند أهل ~~ذلك الزمن أن يتبادلوا الأسرى ويعيدوا المعتقلين في الحرب من الجانبين ~~إلى أهلهم وذويهم في وطنهم؛ تلك كانت مبادلة الأسرى إلى أن عهد ~~القرطجنيون إلى روغولوس في إتمامها، فلما وصل روغولوس إلى رومية أبى ~~دخول المدينة، ولكنه مثل أمام مجلس الشيوخ خارج الأسوار بأثواب بالية ~~وبحالة المسكنة والذل. # فهو قال إنه لم يعد جنديا رومانيا أو وطنيا رومانيا بل ~~أسيرا قرطجنيا، وإنه يأبى ادعاء الحق في إبداء رأي أو مشورة للحكومة ~~الرومانية في شأن الخطة التي يجدر بها اتباعها في تلك الحرب، وإنما له ~~كلمة واحدة يقولها للرومانيين، وهي أن يرفضوا عقد صلح واستبدال الأسرى. ~~وكان هو ورفاقه الأسرى الرومانيون قد بلغوا من العمر عتيا وتملكهم ~~الوهن؛ ولهذا فإنهم لا يستحقون الاستبدال، وفضلا عن ذلك فإنهم ينكرون ~~كل حق وكل دعوى وكل فضل لهم على بلادهم؛ ذلك لأنهم وقعوا أسرى، ولأنه ~~لم تكن لهم شجاعة ووطنية صحيحة تحملانهم على الموت في الدفاع عن ~~بلادهم. # وقال إن القرطجنيين قد تعبوا من الحرب، وملوا طول الجهاد وإن معداتهم ~~قد نفدت، وإن على الرومانيين أن يتابعوا الجهاد بنشاط جديد وهمة قعساء، ~~وأن يتركوه هو ورفاقه الأسرى رهن القضاء والقدر. # فمال مجلس الشيوخ إلى العمل بنصيحته بتؤدة وشيء من التردد، على أنهم ~~بذلوا منتهى جهودهم في إقناع روغولوس بعدم الرجوع إلى قرطجنة، قائلين ~~له إنه ليس ببقائه في بلاده وصمة عار على اسمه؛ ذلك لأن الوعد الذي ~~أعطاه بالرجوع إليها قد أخذ منه بظروف الحالة التي هو فيها مرغما غير ~~مختار، ولهذا فهو غير مرتهن به. # ولكن روغولوس أصر على البر بوعده لأعدائه وأبى أن يرى عائلته، وهكذا ~~ودع مجلس الشيوخ ورجع إلى قرطجنة، ودرى القرطجنيون بأنه هو الذي عمل ms012 ~~على فشل إرساليته، وعدم نجاحه في الذي عهدوا إليه في القيام به، ~~فأنزلوا به أشد أنواع التعذيب وأخيرا قتلوه. وقد يقول قائل إنه كان من ~~الواجب عليه أن يشير على قومه بالصلح وبمبادلة الأسرى، وألا يأبى ~~مقابلة زوجته التاعسة وأولاده المساكين، ولكن الحقيقة يجب أن تقال؛ إنه ~~قد تصرف بشرف ونبالة في أنه أبى إخلاف وعده. # واستمرت الحرب زمانا بعد هذا إلى أن أصبح الفريقان في حالة الوهن، ~~وتعبا من الجهاد فرضيا بعقد صلح، وهذه هي معاهدة الصلح التي عقداها، ~~فهي تظهر لنا أن الميزة في الحرب القرطجنية الأولى كانت على جانب ~~الرومانيين: # يجب أن يعقد صلح بين رومية وقرطجنة، وعلى القرطجنيين أن ~~ينجلوا عن سيسيليا، وألا يشهروا حربا على حلفاء الرومانيين، ~~وأن يعيدوا إلى الرومانيين بدون فدية جميع الأسرى الذين ~~اعتقلوهم، ويدفعوا إليهم في غضون عشر سنوات ثلاثة آلاف ومائتي ~~وزنة من الفضة. # ودامت هذه الحرب التي انتهت على تلك الصورة أربعا وعشرين ~~سنة. # الفصل الثاني # | هنيبال في ساغونتوم # كان اسم والد هنيبال هميلقار وهو من مشاهير قواد القرطجنيين، وكان ~~وجيها فيهم لمقامه وثروته، ولما لأسرته من العلائق النسبية في قرطجنة، ~~وما اشتهر به من الدربة الحربية الفائقة التي أبداها في اقتياد الجيوش ~~إلى ساحات الظفر في البلدان الأجنبية، فهو شهر حروب قرطجنة في ~~أفريقيا وإسبانيا، وقام بالأمر خير قيام، وذلك بعد انتهاء حروبها في ~~رومية، وكان تائقا إلى إعادة الكرة على الرومانيين أيضا. # وقد ورد في دائرة المعارف الإنكليزية أن الاسم هنيبال، أو «حني بعل» ~~كان من الأسماء القرطجنية الكثيرة الاستعمال، وهو مأخوذ فيما يقال من ~~اسم البعل، فالقسم الأخير منه «بال» أو «بعل» هو اسم الإله «البعل» ~~الذي كان القرطجنيون يعبدونه، وما قبله يماثل قولنا «عبد» الله؛ فهو ~~إذن يفيد أن حني بعل هو «عبد» البعل، والذي يرضى عنه البعل. # وكان هنيبال المشهور وبطل الحرب القرطجنية الثانية ابن هميلقار برقا ~~ولد في عام 247 قبل المسيح، وهو وأخواه هسدوربال وماغو كانوا معروفين ~~بلقب أعطاهم إياه والدهم، وهو ms013 «أشبال الأسد». وعندما بلغ هنيبال ~~التاسعة من عمره كان أبوه يتأهب للحملة على إسبانيا، فتوسل إليه أن ~~يصحبه معه فوعده بذلك، وشرع في إقامة الحفلات الدينية وغيرها إيذانا ~~بدنو سفره؛ إذ كانت العادة في ذلك الزمن أن الشعوب التي تؤذن بعضها ~~بحرب تقيم الاحتفالات؛ لاسترضاء الآلهة وطلب معونة السماء. # والأمم المسيحية في هذا الزمان تفعل الشيء ذاته بإقامة الصلوات ~~في كل بلاد لنجاح جيوشها في المعترك، أما الوثنيون فكانوا يفعلون ذلك ~~بتقديم الضحايا والخمور والتقدمات المختلفة، وكان هميلقار يعد تلك ~~الضحايا المراد تقديمها بواسطة الكهنة وفي حضرة الجيش بكامله، وكان ~~هنيبال حاضرا يومئذ وهو ابن تسع سنين كما تقدم القول، وقد عرف في ~~حداثة سنه بالنشاط والإقدام والروح العالية، فشارك المحتفلين ~~باحتفالاتهم، وصرح بعزمه على الذهاب إلى إسبانيا مع الجيش، وهكذا ألح ~~على والده ليتيح له ذلك. # فلم يشأ والده السماح له بالذهاب؛ لأنه كان حديث السن بحيث لا يقوى ~~على تحمل متاعب تلك السفرة، وما يلقى فيها الجندي من المشاق ~~المتنوعة، على أنه في آخر الأمر أتى به إلى أمام المذبح، وأمره أن يضع ~~يده على الضحية، ويقسم اليمين المعظمة متعهدا بأنه متى بلغ الرشد ~~وتوفرت له المقدرة يتابع محاربة الرومانيين، فأقسم اليمين التي قررت ~~مستقبل حياته، والتي إنما أرغمه عليها والده لتكبير نفسه وتحقيق آماله ~~من حيث الذهاب مع الجيش، وقد هيأ له بذلك عدوا كبيرا يحاربه في ~~مقبل الأيام. # فاحتفظ هنيبال باليمين، وقد كان شديد الشوق للوصول إلى الوقت الذي ~~يتاح له فيه الزحف بجيش لهام لمحاربة الرومانيين. وهكذا فإن هميلقار ~~قضى سنة الوداع وركب البحر يريد إسبانيا، وأطلقت له الحرية أن يتوسع في ~~فتوحاته، ويغزو كل الأنحاء الواقعة غربي نهر إيباروس، وهو نهر يجده ~~القارئ على الخارطة منسابا جنوبا بشرق إلى بحر الروم، وقد تبدل اسمه ~~مع الأيام فأصبح في هذا الحين إبرو. # وكان من جملة مواد المعاهدة التي عقدها أهل قرطجنة مع الرومانيين: ~~أنه لا يحق للقرطجنيين عبور نهر إيباروس، وكانوا أيضا مرتبطين بتعهد ~~في ms014 تلك المعاهدة بألا يعتدوا على سكان ساغونتوم، وهي مدينة واقعة بين ~~نهر إيباروس وأملاك قرطجنة، وكانت ساغونتوم حليفة للرومانيين وتحت ~~حمايتهم. # وكان هميلقار قلقا شديد الانزعاج لاضطراره إلى تحاشي مناهضة دولة ~~الرومانيين، فبدأ حال وصوله إلى إسبانيا يرسم الخطط الحربية لتجديد ~~الحرب، وكان معه تحت إمرته شاب بوظيفة ملازم أول في جيشه قد تزوج ~~بابنته اسمه هسدروبال، فاستعان به على التوسع في اجتياح إسبانيا، ~~وتقوية موقفه هناك، واستكمال خططه تدريجا مع الأيام لتجديد الحرب مع ~~الرومانيين، ولكنه قبل أن يبلغ مشتهاه من ذلك أدركته المنية، فخلفه ~~هسدروبال على القيادة. # وكان هنيبال يومئذ، وهو في الحادية والعشرين من عمره أو أكبر من ذلك ~~بسنتين، باقيا في قرطجنة، فبعث أسدروبال إلى حكومة قرطجنة بطلب ~~هنيبال؛ ليكون معه في إسبانيا بوظيفة معلومة في الجيش، ذلك ما ورد عنه ~~في مؤلفات أبوت عن «صانعي التاريخ»، أما دائرة المعارف البريطانية ~~فتقول: إن هنيبال ذهب إلى إسبانيا قبل ذلك، وتمرن على الحركات العسكرية ~~تحت مناظرة والده، وإنه حضر المعركة التي سقط أبوه فيها قتيلا في عام ~~228 قبل المسيح، وعمره يومئذ تسع عشرة سنة. # وكانت مسألة إرسال هنيبال إلى إسبانيا موضوع جدال عنيف في مجلس ~~الشيوخ القرطجني، وتلك هي الحال في كل الحكومات الانتخابات من أقدم ~~الأزمان إلى الآن، يحتدم الجدال على أمر من الأمور بين حزبين يعارض ~~واحدهما الآخر وتكون الأكثرية هي الفاصلة، كذلك جرى في مسألة إرسالية ~~هنيبال؛ إذ عارض حزب والده في قرطجنة حزب آخر يضارعه في القوة، ~~وزعم الحزب المعارض في مجلس الشيوخ اسمه هنو؛ وكان شديد العارضة في ~~المعارضة قوي الحجة فصيح اللسان، فألقى خطابا في ذلك المجلس يعارض ~~به إرسال هنيبال إلى إسبانيا. # فقال عنه: إنه لا يزال حديث السن بحيث لا يتوقع منه كبير أمر، فضلا ~~عن أن اختلاطه بالجند قد يفسد منه الأخلاق، ويؤدي إلى خرابه «أدبيا»، ~~وفوق هذا وذاك فإن مسألة قيادة الجيش القرطجني في إسبانيا قد أصبحت من ~~نوع الحق الوراثي فيما يظهر، ولم يكن هميلقار ms015 ملكا لكي يرث سلطته ~~صهره أولا، ثم ابنه الذي متى وجد في الجيش يكون وجوده كمقدمة ~~لاستيلائه على أزمة القيادة، عندما يموت هسدروبال أو يستعفي. # ويقول المؤرخ الروماني الذي ننقل عنه تفاصيل هذا الجدال: إن القوة قد ~~انتصرت في آخر الأمر على الحكمة كالمعتاد، وجاءت نتيجة التصويت مؤيدة ~~لمريدي إرسال هنيبال إلى إسبانيا، وهكذا ركب ذلك الفتى البحر بقلب ~~مفعم بالجذل والمسرة، ولما وصل إلى إسبانيا حدثت ضوضاء ابتهاج في ~~الجيش الذي كان تائقا إلى رؤية ذلك الابن؛ لأن الجنود كانوا يحبون ~~والده حبا يقرب من العبادة، وقد صمموا على تحويل تلك المحبة إلى ~~الابن إذا كان جديرا بذلك. # فلم تطأ قدماه المعسكر حتى برهن على أن هذا الشبل من ذلك الأسد، ~~وحال وصوله قصر همه على واجبات وظيفته، وعمد إلى القيام بها بنشاط ~~وصبر وتجرد، مما لفت الأبصار إليه وحمل الجند على التعلق به، فأصبح ~~الرجل الفرد الذي أحرز محبة كل فرق الجيش. كان لباسه بسيطا ~~وسلوكه شريفا بلا صلف ولا عجرفة ولا كبرياء، يأكل أبسط الأطعمة ولا ~~يتطلب رفاهة، ولا يميل إلى البطالة واللذة، ولا يكلف أحد الأنفار ما ~~ليس في طاقته، ولا يميز نفسه عنهم في شيء، ولا يحاول التملص مما يلحق ~~بالجندي من العناء وشظف العيش. # ينام على الثرى بين الجنود ويؤاكلهم ويشاربهم، ويسير عند الهجوم في ~~طليعتهم، ويكون آخر من يغادر أرض المعركة منهم عند الرجوع ~~للاستراحة. # ويقول الرومانيون عنه: إنه فضلا عن هذه الصفات التي كان متحليا ~~بها، قد عرف بالخشونة وغلاظة الكبد وقلة الرحمة في المعارك، وكان في ~~معاملة الأعداء داهية وفي معالجتهم باقعة، وقد يكون الأمر كذلك؛ فمثل ~~هذه الخلال كانت مما يرغب فيه جدا في ذلك الزمان، كما أنها مستحسنة ~~كثيرا في هذا الزمان، على أنها في نظر الأعداء تعد من القبائح. # وكيفما كان الحال؛ فإن هنيبال أصبح محبوبا من الجيش الذي أحله محل ~~الإجلال القريب من العبادة، فثابر على الاستزادة من الاختبار العسكري ~~في السنوات الأولى من وجوده في الجيش، ms016 وعلى التوسع في التأثير والنفوذ، ~~إلى أن اغتال أحد الوطنيين هسدروبال بغتة، وقتله انتقاما لوطنه، ~~وحالما سكنت ضجة الحادثة ذهب قواد الجيش في طلب هنيبال، وأتوا به ~~بالإكرام والتهليل إلى خيمة هسدروبال، وسلموا إليه مقاليد القيادة ~~العامة بإجماع الآراء مبتهجين مهللين مستبشرين. # ولما بلغ النبأ قرطجنة أسرعت الحكومة فوافقت على عمل الجيش، وهكذا ~~وجد هنيبال نفسه في أرفع درجات الرتب العسكرية، وبصيرورته قائدا ~~عاما يفعل ما يريد ازدادت رغبته في محاربة الرومانيين، وتعاظم شوقه ~~إلى امتحان قوته ودربته معهم في المعترك، إلا أن البلادين كانتا في ~~سلام، وهما مرتبطتان بمعاهدات رسمية للمحافظة عليه. # وكان النهر إيباروس الحد الفاصل بين أملاك الأمتين في إسبانيا، ~~فكان القسم الواقع شرقيه تحت سيطرة الدولة الرومانية، والقسم الكائن ~~في الغرب منه تابعا لقرطجنة، ما عدا سوغانتوم التي كان موقعها في ~~الغرب وهي حليفة الرومانيين، والقرطجنيون مقيدون بالمعاهدة مع ~~الرومانيين للمحافظة عليها وتركها حرة مستقلة. # ولهذا لم يكن هنيبال قادرا على عبور نهر إيباروس ومهاجمة ساغونتوم ~~من غير أن يعبث بالمعاهدة، وعلى هذا عقد النية على التحرك نحو ~~ساغونتوم والزحف على الأمم القريبة منها ذلك؛ لأنه أدرك أن أفضل ~~الوسائل المؤدية إلى الحرب مع الرومانيين هي الاقتراب من عاصمة ~~محالفيهم، علما منه بأن دنو جيشه منها يبعث على الاحتجاج واللجاج، ~~فيئول ذلك إلى اتقاد لظى الحرب التي يريدها. # ويقول الرومانيون: إن هنيبال كان داهية مكارا وذا دربة فائقة في ~~إصلاء نيران الحروب، وفي الواقع أنه قد أبدى دراية متناهية في حركاته ~~العسكرية، وانتصر بجيش قليل على جيش أكبر منه عددا بطريقة مدهشة وذلك ~~في أول حروبه، فهو إذ كان عائدا من معركة انتصر فيها مثقلا بالغنائم ~~والأسلاب، علم بزحف جيش على مؤخره يبلغ في العدد نحو المائة ألف ~~رجل. # وكان قدامه نهر على مسافة قريبة من جيشه، فأجهد هنيبال نفسه ~~وجيشه في المسير، وعبر ذلك النهر من مكان ضحضاح لا يزيد عمق الماء ~~فيه على الثلاث أقدام، وأرصد قسما من فرسانه مستترين على محاذاة ضفة ~~النهر، ms017 وتقدم ببقية الجيش إلى مسافة معلومة بعيدا عن النهر؛ قصدا منه ~~في خدع الذين يلاحقونه بأنه يسرع الخطى؛ لينجو بجيشه القليل ~~العدد. # وأبصره الأعداء على تلك الحال فاندفعوا بلا إمهال إلى اللحاق به، ~~وخاضوا مياه النهر جماعات جماعات من أنحاء مختلفة، فلما وصلوا إلى ~~منتصف النهر، وهم يجهدون القوى لمغالبة المجرى والماء بالغ من ~~أوساطهم، وقد رفعوا أسلحتهم فوق رءوسهم؛ لكيلا تعيقهم عن الخوض في ~~المياه وتعرقل سرعتهم، أسرع فرسان هنيبال إلى لقائهم ومهاجمتهم، وهم في ~~ذلك المأزق الحرج. # ومعلوم أن الميزة في النهر كانت على جانب الفرسان؛ لأن جيادهم كانت ~~مغمورة بالماء، وأما هم فكانوا فوقه وأيديهم حرة مطلقة، بينما كان ~~أعداؤهم مغمورين إلى مناكبهم مثقلين بما كان معهم من الأسلحة وتماسكهم ~~واحدهم بالآخر بحيث يعجزون عن الدفاع عن أنفسهم فضلا عن القتال، وهكذا ~~وقعوا في ارتباك متناه ففروا من أمام الفرسان وتولاهم الذعر، فلم ~~يهتدوا إلى النجاة واحتمل الماء منهم عددا غفيرا. # ففاز بعضهم في الخروج من النهر على أبعاد مختلفة، ولكن على الجانب ~~الذي كان فيه هنيبال، وقد انقلب هو وجيشه يريدهم فداستهم الفيلة ~~بأرجلها، وهي طريقة عسكرية كانت كثيرا ما تستخدم في حروب تلك ~~الأيام، ولما خلا النهر من العدو عبره هنيبال بجيشه، وأعمل السيف في ~~رقاب من بقي من الأعداء على الجانب الذي كانوا فيه، فانتصر انتصارا ~~مبينا بدد به شمل ذلك الجيش، واستولى على كل البلاد الواقعة ~~غربي نهر إيباروس، ما عدا ساغونتوم التي بدأت تشعر بقلق ورعدة ~~لقدومه. # وأرسل أهل ساغونتوم رسلا إلى رومية؛ لينبئوا الرومانيين بالخطر ~~الذي يهددهم وليطلبوا من رومية حمايتهم من غوائله، فبذل أولئك ~~الرسل جهدهم في الوصول إلى رومية بالأسرع الممكن، ولكنهم بالرغم من ~~جدهم في ذلك بلغوها متأخرين؛ لأن هنيبال كان قد خلق أسبابا ~~أدت إلى خلاف بين ساغونتوم وإحدى القبائل المجاورة لها، ثم انتصر ~~للقبيلة وتقدم زاحفا لمهاجمة المدينة، فتأهب سكان ساغونتوم للدفاع ~~عن أنفسهم، وكانوا في الوقت نفسه معتمدين على وصول النجدات من ~~رومية. # فضاعفوا أسوارهم ms018 قوة وزادوها تحصينا، وكان هنيبال إذ ذاك يأتي ~~بأدوات القتال العسكرية الكبرى لتهديم تلك الحصون، وأدرك هنيبال ~~جيدا أنه بإصلائه ساغونتوم نيران القتال كان يكاشف رومية نفسها ~~بالعدوان، وأن رومية لا بد لها من مناصرة ساغونتوم حليفتها، فهو كان ~~في الواقع يدبر لإيقاد جذوة الحروب بين الأمتين من جديد، وقد ~~ابتدأ بساغونتوم لسببين: # الأول: # لأنه لا يكون أمينا على نفسه، إذا هو عبر نهر ~~إيباروس، وتقدم إلى الأرض الرومانية تاركا مثل تلك ~~المدينة الغنية القوية وراء ظهره. # والثاني: # لأنه وجد من السهولة الكلية التذرع بواسطة سواه ~~إلى إيجاد خلاف يؤدي إلى مناهضة ساغونتوم، ملقيا ~~مسئولية إعلان الحرب رسميا على عاتق رومية، بدلا من ~~أن يحاول إقناع القرطجنيين بنقض تعهدهم السلمي ~~والشروع في محاربة الرومانيين، وكان في قرطجنة كما ~~تقدم القول حزب كبير معاكس لهنيبال، وهذا الحزب ~~يعارض كل حركة يقصد بها شهر الحرب على رومية؛ لأن ~~في تلك الحرب حسبما يدركون ما يشبع مطامع هنيبال ~~كقائد. # فلم يجد هنيبال سوى طريقة واحدة يتذرع بها إلى إيقاد جذوة الشر، ~~ألا وهي التهجم على حلفاء الرومانيين، وهي أفضل الطرق التي عرضت ~~له وعمل بها، وكانت ساغونتوم مدينة غنية وقوية جدا، وهي قائمة على ~~مسافة ميل من شاطئ البحر، وهكذا استمر الهجوم على المدينة ودفاع ~~سكانها عنها وقتا طويلا، بلغ فيه الجهاد منتهى ما في مقدرة البشر، ~~وقد عرض هنيبال نفسه للخطر في ذلك الهجوم مرارا عديدة، فتدانى مرة ~~وهو يدير شئون القتال ويلاحظ أمر تقريب آلات الرماية من السور، ~~فأصابته حربة رمي بها من نوافذ السور في فخذه، فخرقت اللحم وجرحته ~~جرحا بليغا فوقع على الأرض لساعته، واحتمله جنوده إلى مكان بعيد عن ~~ساحة القتال. # وبقي أياما طويلة طريح الفراش يعاني ألم الجرح، وقد انحلت قواه ~~لما فقده من الدم، وكان جنوده في غضون ذلك على أحر من الجمر خوفا ~~عليه، وبلغ منهم انشغال البال والاحتساب حدا حملهم على إبطال ~~الحركات الحربية. على أنهم حالما علموا أن هنيبال قد تعافى، جددوا ~~الهجوم ms019 بأوفر شجاعة وبإقدام أعظم مما عرف عنهم قبل ذلك. # وكان سلاح الحروب في تلك الأيام مختلفا عما نعرفه اليوم، ومنه نوع ~~من السلاح يصفه مؤرخ قديم، وقد رأى أهل ساغونتوم يستخدمونه في هذا ~~الحصار بما يجعله أشبه بأسلحة هذه الأيام النارية، اسمه «فالاريكا»، ~~وهو أشبه بالمزارق مؤلف من عمود خشبي في رأسه حربة حديدية، ~~«ولعله الرمح المعروف عند العرب». وكان طول حربته ثلاث أقدام، فهذا ~~المزراق كان يرمى من يد أحد الجنود، أو بواسطة آلة تدفعه شديدة نحو ~~العدو. # وأهم ما فيه مما يختلف عن الرماح: أنهم يضعون قريبا من رأسه ~~الحديدي حزمة من القنب ملفوفة عليه مشربة بالزفت وغيره من الأشياء ~~القابلة للالتهاب، وكانوا يشعلونها قبل رمي المزراق، فعندما ينطلق نحو ~~العدو تزداد ناره اشتعالا بفعل الريح، فتندلع منه ألسنة اللهيب، ~~فإذا أصاب ترس الجندي المتصدي له انغرز فيه بحيث لا يمكن انتزاعه ~~منه، فيضطر الجندي إلى نزع الترس وتركه على الأرض. # وبينما كان سكان ساغونتوم يدافعون عن أنفسهم جهد إمكانهم، ~~ويتفانون في الذود عن مدينتهم ضد عدوهم القوي المخيف، كان ~~الرسل الذين وجهوهم إلى رومية قد وصلوا، وعرضوا على مجلس الشيوخ ~~الروماني ما يخشونه من هجوم الأعداء على مدينتهم - إذ كانوا غير ~~عالمين بأنها هوجمت - وتضرعوا إليه لاتخاذ أقوى التدابير لمنع ما ~~يتوقعونه من الهجوم. # فقر رأي المجلس الروماني على إرسال سفراء إلى هانيبال؛ ليسألوه ~~عما ينوي القيام به ويحذروه من عواقب مهاجمة ساغونتوم، فلما وصل ~~أولئك السفراء إلى الشاطئ القريب من ساغونتوم، وجدوا الحرب قائمة على ~~ساق وقدم والمدينة في حصار شديد، فحاروا في أمرهم وتشاوروا بينهم في ~~الذي يفعلونه. # ومن المعلوم أن الأفضل للخارجي أو للذي يرتكب مخالفة ألا يسمع ~~أمرا قد صمم قبل سماعه على عدم العمل به، وهكذا أبى هنيبال ~~ببراعته التي يسميها القرطجنيون دهاء، ويسميها الرومانيون خداعا ~~ومكرا أن يقابل سفراء رومية، فوجه إليهم من حذرهم من الدنو إلى ~~معسكره قائلا إن البلاد في حالة اضطراب، بحيث لا تكون سلامتهم مضمونة ~~إذا هم ms020 نزلوا إلى البر، فضلا عن أنه لا يستطيع مقابلتهم أو الإصغاء ~~لما يريدون عرضه عليه؛ لأنه في شغل شاغل بالحركات الحربية عن كل ~~مفاوضة أو جدال في أي أمر كان. # وأدرك هنيبال في الوقت نفسه أن السفراء الذين خيب آمالهم ~~وقابلهم بمثل تلك المقابلة الفظة، والذين رأوا أن الحرب قد استعرت ~~وأن ساغونتوم محصورة وفي أشد ما يكون من الضيق، لا بد أن يسرعوا ~~المسير إلى قرطجنة؛ ليطالبوا الحكومة هناك بما قدموا لأجله، وعرف ~~أيضا أن هانو وحزبه المعادي له سوف ينتصرون للرومانيين، ويحاولون ~~إفساد خطته عليه. # فسارع إلى إرسال سفرائه إلى قرطجنة؛ لكي يستميلوا الحكومة إليه في ~~مجلس الشيوخ، ويحرضوهم على رفض مطاليب الرومانيين، ويتيحوا للحرب بين ~~رومية وقرطجنة العود إلى ما كانت عليه، فصح ما خمنه ووصل سفراء ~~رومية إلى قرطجنة، وهناك حظوا بالمثول أمام مجلس الشيوخ، وعرضوا عليه ~~دعواهم قائلين: إن هانيبال قد شهر حربا على ساغونتوم، مخالفا بذلك ~~المعاهدة المنعقدة بين رومية وقرطجنة، وأنه قد أبى مقابلتهم أو ~~الإصغاء لما أراد إبلاغه إياه مجلس الشيوخ الروماني بواسطتهم. # وطلبوا من الحكومة القرطجنية التبرؤ من عمله وتسليمه إليهم؛ لكي ~~ينال الجزاء العادل على مخالفته المعاهدة واعتدائه على حليفة ~~الرومانيين، ومن المعلوم أن ممالئي هنيبال في المجلس كانوا يبذلون ~~جهودهم في حمل الحكومة على رفض طلب الرومانيين باحتقار واستنكاف. أما ~~حزب هانو من أعداء هنيبال، فكانوا يقولون: إن مطالب الرومانيين معقولة ~~وعادلة. # ووقف هانو الزعيم المعادي لهنيبال وخطب في المجلس بلهجة بليغة ~~شديدة، وذكره بأنه هو قد حذرهم من إرسال هنيبال إلى إسبانيا، علما ~~منه بأن مزاج ذلك القائد الناري يورطهم في متاعب مع الرومانيين لا ~~آخر لها، وقال في خطابه: إن هنيبال قد خالف المعاهدة فهاجم ساغونتوم، ~~وحاصرها وهي المدينة التي تعهدوا هم بشرفهم بألا يمسوها بأذى، فلا ~~يتوقعون مقابلة لهذا الاعتداء سوى مجيء مواكب الرومانيين لمهاجمة ~~قرطجنة ومحاصرتها، وأن البادئ بالشر أظلم. # وقال أيضا: إن الرومانيين كانوا متساهلين صبورين، فلم يتهموا ~~قرطجنة بالأمر، بل وجهوا التهمة إلى ms021 هانيبال المذنب الحقيقي الوحيد، ~~فبالتبرؤ من أعمال هنيبال يتخلص القرطجنيون من المسئولية، وأشار على ~~المجلس بوجوب إرسال وفد يعتذر لرومية، وبعزل هنيبال وتسليمه ~~للرومانيين والتعويض على ساغونتوم عما لحقها من الأضرار ~~والخسائر. # وقام أنصار هنيبال في المجلس فدافعوا عنه بكل قواهم، وأوردوا له ~~تاريخ الحوادث المتتالية التي أدت إلى الحرب، وأظهروا أو إنهم حاولوا ~~إظهار ساغونتوم بأنها البادئة بالعدوان، وأنها هي التي أصلت جيش ~~هنيبال حربا لم يجد بعدها بدا من مقاتلة الشر بمثله، وقالوا: إنهم ~~هم - وليس هنيبال - المسئولون عما تلا ذلك من الشر المستطير، وتطرقوا ~~من هذا إلى أنه ليس للرومانيين تحت هذه الظروف أن ينتصروا لساغونتوم، ~~فإذا فعلوا يبرهنون عن كونهم قد فضلوا صداقة ساغونتوم على موالاة ~~قرطجنة، وعلى هذا يكون من الجبن والعار على القرطجنيين أن يسلموا ~~قائدهم الذي قلدوه زمام القيادة، والذي أبدى عظيم استحقاقه للثقة ~~التي وضعها فيه القرطجنيون بشجاعته ودربته إلى أيدي ألد أعدائهم ~~الشديدي الحقد. # ومما ورد في دائرة المعارف الإنكليزية عن ساغونتوم: أنها كانت ~~مستعمرة يونانية مأهولة بأناس أتوها من «زانتي»، فعظمت ونمت وأثرت ~~أيما إثراء وكانت على ولاء مع رومية، وأن هنيبال لم يشأ مهاجمتها ~~فورا؛ لأنه بذلك يكون يبادئ مجلس الشيوخ والشعب الروماني بالعداء؛ ~~ولهذا كتب إلى حكومته في قرطجنة أن ساغونتوم تعتدي على رعايا قرطجنة ~~المجاورين لتخومها، وتسيء معاملتهم، على أنه شرع في محاصرتها قبل ~~انتظار الجواب. # وهكذا كان هنيبال شاهرا حربين في وقت واحد؛ الواحدة في مجلس الشيوخ ~~القرطجني حيث كان السلاح مجادلات وبلاغة، والأخرى تحت أسوار ساغونتوم ~~وسلاحها المنجنيق والسهام النارية، وقد فاز في الحربين إذ قر رأي ~~المجلس في قرطجنة على إعادة سفراء رومية إلى أوطانهم دون أن يقضي لهم ~~وطرا، وفي الوقت نفسه كانت أسوار ساغونتوم قد تداعت أمام آلات ~~هنيبال الحربية المدمرة. # وأبى سكان ساغونتوم كل ما عرض عليهم من آراء التسوية وثابروا على ~~الجهاد إلى النهاية، فدخل جيش هنيبال الظافر المدينة زاحفا فوق أشلاء ~~القتلى، وأعمل السلب والنهب وتهديم كل ما اعترضه ms022 في سيره، والإجهاز ~~على من بقي فيها حيا، وعاد السفراء إلى رومية وأخبروا مجلسهم بأن ~~ساغونتوم قد خربت ووقعت في قبضة هنيبال، وأن أهل قرطجنة لم يجيبوا ~~سؤالهم ولا عرضوا تعويضا عن الأذى، بل تحملوا كل مسئولية من هذا ~~الوجه وهم يتأهبون للحرب. # وهكذا أتم هنيبال مقصده في تمهيد السبيل لتجديد الحرب مع الدولة ~~الرومانية، واستعد للنزول إلى ميدانها بنشاط وإقدام عظيمين، ودامت ~~الحرب الضروس التي تلت ذلك سبع عشرة سنة، وهي معروفة في التاريخ ~~بالحرب القرطجنية الثانية، فكانت عراكا مخيفا إلى الغاية بين ~~أمتين متزاحمتين تأصل فيهما العداء، وغلت في صدورهما مراجل ~~الشحناء بما لا يضارعه شيء في تاريخ الإنسان المظلم، والحوادث التي ~~جرتها هذه الحرب سوف نجيء على بيانها في الفصول التالية. # الفصل الثالث # | افتتاح الحرب القرطجنية الثانية # عندما تتجه الأميال في أية أمة إلى جهة الحرب؛ فإنها تقدم عليها ~~في الغالب بقوة وإجماع رأي، بحيث لا يقف في وجهها شيء، فتكون كالريح ~~الهوجاء أو السيل الجارف لا يبقي ولا يذر، كذلك كانت الحال في قرطجنة ~~عندما جنح الناس فيها إلى الحرب، فحزب هانو الذي كان يعارض محاربة ~~الرومانيين ألقي في زاوية النسيان وأسكت، وفاز أصدقاء هنيبال ~~وأنصاره بحمل الحكومة على العمل برأيهم، وبإثارة الشعب برمته على ~~التهليل للحرب والمناداة بها، وكان هذا الإجماع متأتيا من بعض الوجوه ~~عن عدوى الروح العسكرية التي هي أشبه بالوباء، تتصل من واحد إلى آخر ~~إلى أن تعم الجميع. # بل هي كالنار في الهشيم إذا علقت بمكان، وصادفت رياحا امتدت ~~ألسنة لهيبها إلى مكان والتهمت الأخضر واليابس، وفضلا عن ذلك فإنه ~~عندما استولى هنيبال على ساغونتوم وجد هناك أموالا كثيرة لم يأخذها ~~لنفسه، بل وقفها على تقوية جيشه وتأييد قوته العسكرية والمدنية، وقد ~~تهالك أهل ساغونتوم في سبيل منع هنيبال من الوصول إلى هاتيك الكنوز، ~~وقاتلوا قتال المستميتين إلى النهاية وأبوا كل رأي عرض عليهم ~~للتسليم. # ويقول عنهم المؤرخ ليفي: إنهم كانوا في الجلاد كالمجانين، حتى إنهم ~~عندما شاهدوا الأسوار تنهار منقلبة ms023 إلى الداخل، وأدركوا أن رجاءهم ~~بالدفاع عن حياضهم قد انقطع أوقدوا نيرانا كبيرة في الشوارع العمومية، ~~وألقوا فيها كل الكنوز والأشياء الثمينة التي وصلت إليها أيديهم، ~~وليس ذلك فقط بل إن العدد الكبير منهم ألقوا بأنفسهم في تلك النيران؛ ~~لكيلا يقعوا أسرى في قبضة المنتصرين فيخسر هؤلاء الكنوز وأصحابها ~~معا. # ولكن هنيبال بالرغم من ذلك استولى على مقادير غير يسيرة من الذهب ~~والفضة، منها نقود ومنها سبائك وآنية، فضلا عن الأبضعة الثمينة ~~المختلفة التي اختزنها تجار ساغونتوم في قصورهم ومخازنهم، فاستخدمها ~~جميعا في تعزيز مركزه السياسي والعسكري كما تقدم القول، فدفع للجند ~~أرزاقهم المتأخرة بكاملها وقسم بينهم أسلابا كثيرة كانت بمثابة ~~حصتهم من الغنائم، وبعث إلى قرطجنة أسلابا كثيرة وهدايا، بينها ~~نقود وجواهر وأحجار كريمة إلى أصدقائه وإلى غيرهم ممن أراد اكتساب ~~صداقتهم. # فكانت نتيجة هذا السخاء وما اشتهر في الأنحاء عن انتصاراته في ~~إسبانيا أن هنيبال بلغ ذروة المجد والنفوذ والشرف الذي لم يبلغه ~~قائد قبله، وانتخبه القرطجنيون واحدا من السفطاء، وكان السفطاء أسمى ~~موظفي الحكومة القرطجنية المنفذين وأهل الأمر والنهي فيها، فقد ~~كانت الحكومة على نوع ما جمهورية أرستقراطية، والجمهوريات تحذر دائما ~~من إلقاء مقاليد القوة حتى القوة التنفيذية إلى شخص واحد. # وكما كان لرومية قنصلان يملكان معا، ولفرنسا بعد ثورتها الأولى مجلس ~~إداري مؤلف من خمسة مديرين، كذلك كان القرطجنيون ينتخبون اثنين من ~~السفطاء كل سنة، وهكذا كانوا يسمونهم في قرطجنة. على أن كتبة ~~الرومانيين قد أطلقوا عليهم أسماء متعددة كالسفطاء والقناصل ~~والملوك، وعلى هذا فقد أحرز هنيبال هذا المنصب السامي، بالاشتراك مع ~~زميله قابضا على السلطة المدنية العليا في قرطجنة فضلا عن أنه كان ~~قائد الجيش اللهام الظافر في إسبانيا. # وعندما اتصلت أنباء هذه الحوادث برومية، وبلغها خبر حصار ساغونتوم ~~وتدميرها، وما أقدم عليه أهل قرطجنة من رفض مطاليب سفراء الرومانيين، ~~وما هم شارعون فيه من الاستعداد الكبير للحرب تولاها الاستياء والرعب، ~~فعقد مجلس الشيوخ والشعب اجتماعات ساد فيها الهياج والتشويش، ودار ~~فيها البحث عن أعمال ms024 القرطجنيين وعن وجوب استعداد الرومانيين للحرب، ~~وطال الجدال في ذلك وسط ضوضاء وحدة عظيمتين، وكان الرومانيون في ~~الواقع متخوفين من القرطجنيين؛ ذلك لأن حملات هنيبال في إسبانيا وما ~~أبداه في جميعها من الدربة والشدة والبطش قد أوقعت الرعب في قلوبهم ~~من مآتي هذا القائد، وأدركوا من ذلك أنه مصمم على تكييف خطته ~~الحربية في صورة تمكنه من الزحف على إيطاليا، وأنه لا يبعد أن يتابع ~~التقدم إلى أبواب المدينة، فينزل بها وبهم ما أنزله بساغونتوم ~~وسكانها، وقد دلت الحوادث التي تلت على إصابة ما حسبوه من هذا ~~القبيل، وعلى إدراكهم مقدرة هذا الرجل. # دام السلم بين الرومانيين والقرطجنيين بعد الحرب القرطجنية الأولى ~~نحو ربع جيل، وفي غضون هذه المدة أدركت الأمتان تقدما عظيما في ~~الثروة والقوة والرقي، على أن القرطجنيين قد فاقوا الرومانيين من هذا ~~الوجه، «ومن المعلوم أن الرومانيين كانوا أوفر نجاحا من أعدائهم في ~~الحرب الأولى، ولكن القرطجنيين قد برهنوا على أنهم أنداد لهم في كل ~~أمر، مما دل على سهرهم واجتهادهم؛ لكيلا تكون للرومانيين عليهم ميزة، ~~ومن أجل هذا بدت على الرومانيين أدلة الخوف من النزول مع عدوهم ~~القوي في ميدان حرب جديدة، يقودهم إلى معاركها مثل ذلك القائد ~~هنيبال.» # فقر رأيهم على توجيه وفد ثان إلى قرطجنة، وبذل الجهد في المحافظة ~~على السلام بين الشعبين قبل الإقدام على العراك، وانتخبوا لذلك الوفد ~~خمسة من أعاظم رجالهم ومن أكبر أهل الوجاهة بينهم سنا، وأمروهم ~~بالسفر إلى قرطجنة، وأوصوهم أن يسألوا مجلس قرطجنة عما إذا كان أقر ~~نهائيا على الرضا عن أعمال هنيبال وتحمل مسئوليتها، فركب الوفد ~~البحر ووصل إلى قرطجنة، ومثل أمام مجلسها، وهناك أوضحوا الغاية التي ~~قدموا لأجلها، ولكنهم كانوا يخاطبون آذانا صماء. # وأجابهم خطباء قرطجنة على كلامهم ورد عليهم أولئك، بحيث كان كل ~~جانب يتبرأ من اللوم في خرق المعاهدة ويلقيه على الآخر، وكانت ساعة ~~هائلة يتوقف على نتيجتها سلام العالم، وحقن دماء مئات الألوف من ~~الرجال وسعادة الشعبين أو تعاستهما وخرابهما، وتدمير عمران البلادين ms025 في ~~حرب ضروس، لا يعلم نهايتها إلا الله، فكانت نتيجة الجدال اتساع الخرق ~~لسوء الحظ، وعندها قال رجال الوفد الروماني: «إننا نعرض عليكم السلم أو ~~الحرب فأيهما تختارون؟» فأجاب القرطجنيون قائلين: «اختاروا أنتم»، قال ~~الرومانيون: «نختار الحرب إذن، ما دام لا مفر لنا منها»، وانفض المجلس ~~وعاد الوفد إلى رومية. # على أنهم رجعوا بطريق إسبانيا، وكان غرضهم من اتخاذ تلك الطريق ~~المرور بالممالك والقبائل المختلفة في إسبانيا وفرنسا التي يمر فيها ~~هنيبال، عندما يزحف مريدا اجتياح إيطاليا، ومحاولة حملها على نصرة ~~رومية، على أنهم وصلوا متأخرين؛ لأن هنيبال كان قد أجهد نفسه في مد ~~نفوذه وتأصيل تأثيره في هاتيك الأنحاء، بحيث لا يقوى أحد على أن يفسد ~~ذلك عليه، ومن أجل هذا كانت البلدان التي يجيئها الوفد الروماني ~~طالبا محالفتها ترفضه متعللة معتذرة بمختلف الأعذار. # من ذلك أن قبيلة ذات صولة وقوة معروفة باسم «فولسياني» قصدها الوفد ~~الروماني، وأعلن لمجلسها العالي احتساب رومية لحرب أصبحت على الأبواب، ~~ودعا الناس إلى محالفة الرومانيين، فقالوا له: «إننا نرى مما حل ~~بساغونتوم، ماذا تكون نتيجة محالفتنا للرومانيين، فأنتم بعد ترككم ~~تلك المدينة، وهي بلا وسائل دفاع، وحيدة في عراكها المر ضد العدو ~~الذي أحدق بها من كل جانب. لا يجوز أن تتوقعوا من الأمم الأخرى الثقة ~~بحمايتكم، فإذا أردتم اكتساب حلفاء جدد ينصرونكم على أعدائكم، ~~فاذهبوا إلى أناس لم تتصل بهم نكبة ساغونتوم.» # فكان لهذا الجواب رنة استحسان في كل ناحية سمع أهلها به، وهكذا ~~يئس الوفد الروماني من إدراك مبتغاه في إسبانيا، وغادرها ذاهبا إلى ~~«غال»، وهو الاسم الذي عرفت به البلاد المعروفة اليوم باسم فرنسا، ولما ~~وصلوا إلى مكان معلوم كان نقطة دائرة النفوذ والقوة في بلاد الغال، ~~عقدوا مجلسا حربيا هناك، وكانت مظاهر المجتمعين فيه وملابسهم باعثة ~~على الحماسة؛ لأن الذين حضروها أتوا بسلاحهم الكامل، حتى كأنهم زاحفون ~~إلى قتال لا إلى عقد مجلس شوروي ومباحثات. # وأمام ذلك المجلس عرض الوفد الروماني الغاية التي قدم لأجلها، ~~وأسهب في إطراء عظمة ms026 الرومانيين وما لهم من الحول والطول، وأكد ~~للمجتمعين أن رومية ستكون الظافرة في العراك المقبل، وحث الغاليين على ~~الانحياز إلى جانبها، وإنجادها وعلى امتشاق الحسام والحئول دون مرور ~~هنيبال في وسط بلادهم، هذا إذا خطر له جعل طريقه من تلك ~~الناحية. # وتعذر على الوفد إقناع ذلك المجلس بالتريث إلى أن يفرغ ~~متكلموهم من إيضاح مهمتهم، فكانوا كثيرا ما يقاطعون من تكلم ~~منهم بالاعتراض والصياح، وفي آخر الأمر حدثت في ذلك المجلس ضوضاء وجلبة ~~كلها اشمئزاز واستياء يتخللها أصوات استهزاء، أخيرا استعيد النظام ~~ونجح كبار القوم في إسكات المتذمرين، وعندها أخذ النائبون عن ذلك ~~المجلس يجيبون الرومانيين على ما طلبوه، فقالوا لهم: إن بلاد الغال لم ~~تلق من رومية سوى الاعتداء والأذى، في حين أنها قد لقيت كل عناية ~~ورعاية وموالاة من قرطجنة. # ولهذا فهم لا يريدون ارتكاب مثل هذه الحماقة، باستجلاب عواصف غضب ~~هنيبال على رءوسهم؛ لمجرد طلب أعدائهم الألداء إليهم بالانتصار لهم ~~عليه وإنقاذهم من بطشه، وعلى هذه الصورة فشل الوفد الروماني في ~~مساعيه في كل مكان، ولم يعثروا على روح مسالمة لهم عاطفة عليهم إلا ~~بعد أن عبروا نهر الرون. # وشرع هنيبال عندئذ في رسم خططه الحربية بطريقة مبنية على التأني ~~والحذر والتبصر؛ وذلك للزحف على إيطاليا، فهو قد أدرك أن القتال سيكون ~~سجالا، وأن الحملة ستبلغ درجة من التوسع عظيمة وتستغرق وقتا طويلا؛ ~~ولذلك فهي تدعو إلى التدبير المدقق المبني على مزيد التأني والتؤدة، ~~بحيث يتناول القوات التي تزحف وغيرها التي يجب استبقاؤها خلف ~~الجيش. # وكان فصل الشتاء مقبلا، وأول شيء فعله هو أنه أطلق سراح جانب عظيم ~~من رجاله؛ لكي يزوروا أوطانهم، وقال لهم إن في نيته الإقدام على أمور ~~جسيمة في الربيع المقبل، قد تبعث بهم إلى مسافات بعيدة وتبقيهم وقتا ~~طويلا متغيبين عن إسبانيا؛ ولهذا فقد رأى أن يعطيهم الفرصة ~~المعترضة بين ذلك الوقت وفصل الربيع؛ لكي يزوروا أوطانهم وعيالهم ~~ويدبروا شئونهم حسبما ينبغي. # فلطف هنيبال ورعايته وثقته التي أبداها لجنوده جددت تعلقهم به، ms027 ~~فذهبوا وعادوا إلى معسكره في الربيع، وهم متجددو النشاط والقوة ~~والإخلاص لقائدهم، وبشوق متضاعف للقيام بواجباتهم نحوه في العمل العظيم ~~الذي صمم على القيام به، وبعد أن صرف هنيبال جنوده إلى أوطانهم ذهب ~~هو إلى قرطجنة الجديدة الواقعة، كما يفهم من الخارطة إلى الغرب، بعيدا ~~عن ساغونتوم حيث أراد قضاء فصل الشتاء والاشتغال بإكمال الخطط التي ~~رسمها. # وكان عليه، فضلا عن إعداد ما يلزم لزحفه، أن ينظم حكومات صالحة ~~للبلدان التي يغادرها وراءه، وعلى هذا أخذ في إعداد كل ما يكفل له ~~إبقاء تلك البلدان في هدوء، بعيدة عن خطر الخروج والعصيان عليه بعد ~~ارتحاله، فكان في جملة ما دبره تنظيم جيش لإسبانيا من الجنود الذين ~~أخذهم من أفريقيا، وأخذ الجنود التي كان عليها المحافظة على قرطجنة، ~~وحماية حكومتها من إسبانيا. # فهو باستبدال الجنود على تلك الصورة في البلادين، قد ألقى مقاليد ~~السيطرة العسكرية في كل بلاد إلى عهدة جنود أجانب عنها، يكونون أطوع ~~لقوادهم وأعظم إخلاصا وأقل خطرا من الاندغام، والجنوح إلى ~~الأهلين الذين يسيطرون عليهم، مما لو اختارهم من أهل البلاد عينها، ~~وعرف هنيبال جيدا أن البلدان والمقاطعات الإسبانية المختلفة التي ~~أبت محالفة الرومانيين وتركه، قد أرغمت على ذلك بتأثير هداياه أو ~~بالخوف من بطشه، وأنه إذا لقي اندحارا في إيطاليا بعد التوغل فيها، ~~فذلك الفشل يقلل رجاءهم من الانتفاع بهباته أو خوفهم من صولته، ~~فيئول أمرهم إلى شق عصا الطاعة له أو الانتفاض عليه. # ولكي يكون أمينا إلى الحد المتناهي من هذا القبيل ابتدع هذه الخطة ~~البديعة، وهي أنه جند جيشا من سائر الأمم التي في إسبانيا والموالية ~~له، منتخبا الشبان المتطوعين من أسر ذات وجاهة ونفوذ، وعندما ~~اكتمل عدد هذا الجيش وتنظم بقواده وضباطه وجهه إلى قرطجنة، وغرضه ~~من ذلك أن يفهم تلك الشعوب التي انتخب ذلك الجيش من أبنائها أنه لا ~~يعد تلك الجنود عساكر منخرطة في سلك جيشه فقط، بل يعدها أسرى أو ~~رهائن يمسكها كضمان يكفل له إخلاص هاتين البلدان وطاعتها، وكان عدد ms028 ~~ذلك الجيش أربعة آلاف رجل. # وكان لهنيبال أخ اسمه مثل اسم صهره أسدروبال من قبيل التصادف، ~~فعهد إليه في القبض على زمام الحكومة في إسبانيا مدة غيابه عنها، ~~وكانت الجنود التي وضعها تحت إمرته في إسبانيا مأخوذة من أفريقيا كما ~~تقدم القول، ونظم له قطعة من الفرسان زيادة على هذا الجيش، وترك معه ~~أربعة عشر فيلا، وإذ كان على احتساب من إمكان هبوط الرومانيين على ~~شاطئ إسبانيا في غضون غيابه من جانب البحر منتهزين فرصة انشغاله في ~~إيطاليا؛ ابتنى لأخيه نحو ستين سفينة وجهزها بالعدة الكاملة منها ~~خمسون سفينة من الطراز الأول. # ومعلوم أن أهمية البوارج والمستزريات الحربية العصرية تتوقف على ~~عدد المدافع التي تحملها، أما أهمية سفن تلك الأيام الحربية فكانت ~~متوقفة على عدد صفوف المجدفين فيها، ومن أجل هذا ابتنى لأخيه خمسين ~~بارجة خماسية (كونكواريوم كما كانوا يسمونها)، وهي التي كانت ذات خمسة ~~صفوف من المجذفين، ولم يكن الرومانيون متهاملين في أمر الاستعداد، فهم ~~مع كونهم قد ترددوا في أمر الحرب إلا أنهم وجدوا من الضرورة ~~الماسة التأهب لها؛ لكي - إذا فوجئوا بها - يكونوا على أتم ~~الاستعداد لخوض غمراتها بهمة تامة وعدة كاملة، عندما يرون ألا مناص ~~لهم منها. # فقر رأيهم على حشد جيشين عظيمين، كل جيش لقنصل من قنصليهما، ~~ووضعوا لهما خطة حربية مآلها أن أحد الجيشين يتقدم لملاقاة هنيبال ~~بينما الآخر يقصد سيسيليا، ومنها يعبر إلى الشاطئ الأفريقي بقصد أن ~~يهدد عاصمة القرطجنيين، فإذا نجحت هذه الخطة فإنها ترغم القرطجنيين ~~على استدعاء قسم من جيش هنيبال أو الجيش كله من الساحة الإيطالية؛ لكي ~~يدافع عن أوطانهم. # وكان عدد الجيوش التي حشدها الرومانيون نحو سبعين ألف مقاتل؛ ثلثهم ~~جنود رومانيون والبقية مجندة من أجناس الأمم المختلفة القاطنة في ~~إيطاليا، وفي جزائر بحر الروم الموالية للرومانيين. وكان من هذا الجيش ~~نحو ستة آلاف فرسانا، وكان على الرومانيين أن يعدوا أسطولا إذا هم ~~فكروا في اجتياز البحر إلى أفريقيا، فابتنوا أسطولا وجهزوه بكل ~~معدات القتال، وكان عدده مائتين وعشرين ms029 سفينة من الطراز الكبير، أي ~~الخماسي، وكان لديهم عدد من السفن الصغيرة للأعمال التي تتطلب سرعة في ~~السير. # وكان لدى أهل تلك الأيام سفن أكبر من السفن الخماسية، فقد ذكر ~~المؤرخون شيئا كثيرا عن سفن ذات ستة وسبعة صفوف أيضا من المجذفين، ~~على أن مثل هذه السفن الضخمة كانت تستخدم بمثابة بوارج لأمراء البحر ~~ولغير ذلك من الاحتفالات والاستعراضات؛ ذلك لأنها كانت ضخمة ثقيلة بحيث ~~لا تصلح للعراك. # وكانت عادة الرومانيين في مثل هذه الظروف إلقاء قرعة لتقليد زمام ~~الجيشين إلى كل واحد من القنصلين، فالجيش الذي كان عليه أن يلقى ~~هنيبال على طريقه من إسبانيا ألقيت مقاليده بحسب القرعة إلى القنصل ~~كرنيليوس سيبيو، واسم القنصل الآخر سمبرونيوس فهذا عهد إليه في اقتياد ~~الجيش الذي يسير إلى سيسيليا ومنها إلى أفريقيا، ولما فرغوا من كل هذا ~~طرحت المسألة نهائيا أمام الشعب الروماني للتصويت والموافقة ~~النهائية عليها بهذه العبارة: «هل يقر رأي الشعب الروماني على شهر ~~الحرب ضد القرطجنيين؟» # فكان الجواب بالإيجاب، وعند ذلك أعلنت الحرب باحتفال رسمي على جاري ~~العادة، وتلت ذلك طقوس وحفلات دينية وتقديم ضحايا لاستجلاب رضا الآلهة ~~والاستعانة بها، ولتحريض الجنود وبث روح البسالة في صدورهم وإيجاد ~~الثقة في نفوسهم بالتقاليد التي تحمل كل واحد منهم مهما كان شريرا على ~~الإقدام، عندما يتصور أنه أصبح تحت حماية السماء، ومتى تمت كل هذه ~~الحفلات والطقوس يكون كل استعداد قد أكمل. # وكان هنيبال في الوقت نفسه يزحف متقدما مع إقبال فصل الربيع نحو ~~ضفاف نهر إيباروس، ذلك المجرى الذي يفصل التخوم، والذي مكنه ~~عبوره في الماضي من اجتياح الأرض التي كانت معدودة أرضا رومانية، ~~فاجتاز النهر بإقدامه المعروف، وزحف إلى جبال البيرنيه التي منها ~~يتألف الحد الفاصل بين فرنسا وإسبانيا. # ولم يكن جنوده عندئذ يعرفون شيئا عن مراميه، فإن القادة في تلك ~~الأيام كانوا - كما هم اليوم - يكتمون مقاصدهم وخططهم الحربية عن ~~الجيوش، ذلك فضلا عن أن جنود تلك الأيام لم تتوفر لهم الوسائل ~~المتوفرة لجنود هذا الزمن، من ms030 حيث كثرة الجرائد التي لا تترك خبرا ~~إلا وتنشره أو سرا إلا وتفضحه للناس. وهكذا فإنه إذا كان ضباط ~~الجيش ووجهاء القوم في رومية وقرطجنة عالمين بمقاصد هنيبال وما يرمي ~~إليه، فإن جنوده الجهلاء المستعبدين لم يعرفوا شيئا سوى أنهم مسيرون ~~إلى عمل بعيد كثير المشقة. # ولهذا كانوا يجهلون ما هي إيطاليا أو رومية وعظمة المملكة الواسعة ~~التي كانوا يسيرون لاجتياحها، وهكذا فإنهم عندما وصلوا إلى جبال ~~البيرنيه، وأدركوا أنهم سوف يرغمون على تسلقها وقطع قممها والهبوط ~~منها بمثل ذلك العناء، قطبوا وجوههم وتولاهم الخور وصار كثيرون ~~منهم يتذمرون علنا، وبلغ منهم التذمر حدا حمل قسما منهم يبلغ عدده ~~ثلاثة آلاف رجل على الانفلات من بقية الجيش، وساروا راجعين نحو ~~أوطانهم. # ولدى البحث علم هنيبال أن عشرة آلاف آخرين من جنوده قد تولاهم ~~الشعور نفسه فصمموا على اللحاق بأولئك، فالآن ما الذي يتصوره القارئ ~~بالذي يفعله هنيبال في مثل ذلك الموقف الحرج؟ هل يلحق الفارين من ~~الجيش الذي لا يزيد عدده على مائة ألف ويبطش بهم تأديبا لهم وعبرة ~~لغيرهم، أو أنه يتركهم وشأنهم ويحاول بالكلام اللطيف والتشجيع إقناع ~~من معه بالبقاء؛ لكي يبقى لديه جيش يحارب به العدو؟ # إن هنيبال لم يفعل هذا ولا ذاك، بل دعا العشرة آلاف جندي الذين كانوا ~~لا يزالون في المعسكر وهم على أهبة الرجوع وقال لهم بصريح اللفظ: إنهم ~~ما داموا خائفين من مرافقة جيشه أو غير ميالين إلى اتباعه ~~فليرجعوا؛ فهو لا يريد أن يكون بين رجاله من ليست له الشجاعة الكافية ~~والصبر على الجهاد، واللحاق به حيثما أراد اقتياده؛ فالجبان أو الخائر ~~القوى ليس له محل في جيشه؛ لأنه يكون حملا ثقيلا يهد به قوى بقية ~~الجيش ويفت من صلابتهم. # وإذ قال هذا أمرهم بالرجوع في الحال، واستأنف المسير ببقية الجيش ~~متسلقا الجبال، وقد تصلبت قلوب رجاله مما قد سمعوه، وتضاعفت ~~شجاعتهم من كلمات التوبيخ التي قالها للرجال الذين تولاهم الجبن ~~والخوف. ومن المعلوم أن عمل هنيبال هذا بالسماح لجنوده المتذمرين ms031 ~~ليرجعوا كان من الشهامة بمكان، وقد أثر على جنوده الباقين، ونفخ في ~~صدورهم روح الشجاعة والإقدام، على أنه ليس من أصالة الرأي أن يحسب عمله ~~نبالة مقصودة ، بل هي من النوع الذي تجيء به الضرورة عندما يصبح ~~الإنسان بين أمرين شديدين لا بد له من أحدهما، فيختار الأخف. # وهذا ما يقال له سياسة، فهنيبال كما قد عرف عنه كان شديد الوطأة لا ~~يعرف قلبه الرحمة، ولا يلين لأمر إذا كان في اللين ضرر أو خطر؛ ولهذا ~~فالقائد الأريب ذو الحزم يجب أن يعرف متى يعاقب ومتى يغضي ويتسامح. ~~فهنيبال كان كالإسكندر ونابليون توفرت له الحكمة، وهي التي حملته ~~في هذه الحادثة على ما فعل، وهكذا اجتاز هنيبال جبال البيرنيه، وكانت ~~الصعوبة التي اعترضته بعدها في عبور نهر الرون. # الفصل الرابع # | عبور نهر الرون # لم يلق هنيبال بعد اجتياز جبال البيرنيه عوائق جديدة حتى انتهى إلى ~~نهر الرون، فهو قد عرف أن النهر عريض وسريع الجري وأن عليه أن يعبره ~~عند مصبه حيث الماء عميق والضفتان منخفضتان، وفضلا عن هذا كله فقد ~~يكون الجيش الروماني الزاحف لملاقاته، بقيادة القنصل كرنيليوس سيبيو، ~~قد بلغ النهر ورصد هناك؛ لكي يمنع جيش هنيبال من العبور. # فأرسل هنيبال كتيبة تتقدمه إلى حيث تستكشف البلاد وتستهدي إلى أفضل ~~الطرق الموصلة إلى ذلك النهر، وبعد الوصول إليه تستمر على المصير إلى ~~جبال الألب؛ لكي تكون على علم بالدروب والمضايق التي سيمر فيها جيشه ~~عندما يقدم على اجتياز تلك الجبال المغطاة بالثلوج، وحدث أنه إذ كان ~~يسير لاجتياز جبال البيرنيه، وهو بعد في أرض إسبانيا على الجانب الآخر ~~منها، أن بعض القبائل التي اضطر إلى المرور في أراضيها تصدت له ~~وأرادت مناوأته. # فتعين عليه أن يهاجمها ويبطش بها، فلما انتهى منها وسار أبقى وراءه ~~قسما من رجاله في تلك الأرض التي قهر أهلها لإرغامهم على السكون، ~~فبلغت أخبار هذه المواقع أرض الغاليين وحملتهم على الاحتساب والتأهب ~~للذود عن سلامتهم، وكانوا قبل وقوفهم على ما أصاب غيرهم يظنون أن ms032 ~~هنيبال يبغي المرور ببلادهم للوصول إلى إيطاليا؛ ولهذا لم يفكروا في ~~التعرض له، أما الآن فقد رأوا ما حل بأهل البلدان التي مرت فيها، ~~وأيقنوا أن هنيبال مصمم على تدويخ كل أرض تطؤها أقدام رجاله، ~~فولد لهم ذلك قلقا عظيما. # ولهذا عمدوا إلى أسلحتهم واجتمعوا في روسينو على عجل، وأخذوا ~~يفكرون في وسائل الدفاع؛ وروسينو هذه هي البلدة التي لقي فيها سفراء ~~رومية مجلس بلاد الغال العالي عند رجوعهم من قرطجنة إلى رومية، وفيما ~~كان المجلس الغالي (أو بالحرى الجيوش المتألبة) تفد إلى روسينو ~~ملتهبة الصدور غيظا وحماسة، كان هنيبال في إيليباريس، وهي بلدة في سفح ~~جبال البيرنيه، ولم يكن هنيبال يتوقع مقاومة من الغاليين ولا يحسب لهم ~~إن قاوموه حسابا، على أنه كان يخشى من أن يعيقوه. # ولم يشأ هنيبال أن ينفق شهور أوائل الصيف الثمينة في مجالدة مثل ~~هؤلاء الأعداء، والطريق إلى إيطاليا مفتوحة أمامه وهي، لا هم، ضالته ~~المنشودة، ذلك فضلا عن أن معابر جبال الألب المشهورة بكونها صعبة ~~الاجتياز إلا في شهري تموز وآب، وهي في كل فصول السنة الباقية تكون، أو ~~إنها كانت، في ذلك الزمن مملوءة بالثلوج التي يتعذر السير فوقها، ~~وفي الأزمنة المتأخرة قد مهدت فيها السبل واحتفرت في صخورها ~~الأروقة والدهاليز وأشباهها، التي تقي السائرين العواصف الثلجية ~~وركامات الجليد التي تنحط عليهم من شواهق القمم؛ بحيث أصبح السفر بين ~~فرنسا وإيطاليا بين تلك الجبال ممكنا في كل فصول السنة إلى درجة ~~معلومة. # أما في أيام هنيبال فلم يكن اجتيازها ممكنا في غير شهور الصيف، ولو ~~لم يكن الإقدام على قطعها ضروريا لعد القيام به من نوع المخاطرة ~~الكلية بل الحماقة المتناهية، ولا سيما مع جيش لهام؛ ولهذا لم يستطع ~~هنيبال إضاعة الوقت، فرأى من الحكمة العمل بالتؤدة والمجاملة ومكارم ~~الأخلاق بدلا من استخدام النكاية والقوة، ومن أجل هذا أنفذ الرسل ~~إلى مجلس روسينو ليقولوا لرجاله بغاية اللطف والملاينة: إن هنيبال يريد ~~الاجتماع بأمرائهم وزعمائهم شخصيا والمفاوضة معهم، وهو إن شاءوا ~~يتقدم إلى ms033 روسينو لهذه الغاية، أو يقدمون هم عليه في إيليباريس إن ~~أرادوا حيث يكون في انتظارهم. # ثم دعاهم إلى معسكره مخيرا إياهم بالقدوم، وقال لهم إنه مستعد إذا ~~رغبوا في مقابلته للذهاب إليهم كصديق وحليف، وإنه لا يطمع في شيء سوى ~~المرور ببلادهم، وزاد على هذا قوله إنه قد قطع عهدا على نفسه إذا ~~أتاح له الغاليون إتمامه، لا ينتضى في كل جيشه سيف إلا بعد أن يصل ~~إلى إيطاليا، فانتفى بهذه الرسالة كل ما كان في صدر الغاليين من ~~المخاوف وشعور العداء، وسري عنهم كثيرا، فأعدوا العدد في معسكرهم ~~وساروا قاصدين إيليباريس، ولما وصلوا قصد أمراؤهم وقواد جيشهم معسكر ~~هنيبال، فقوبلوا هناك بمزيد الحفاوة والإكرام على الصورة لم يكونوا ~~يتوقعونها، ورجعوا من عنده مثقلين بالهدايا والتحف، وهم يلهجون ~~بلطفه وكرم أخلاقه وسخائه النادر المثال. وهكذا فبدلا من أن يعملوا ~~على عرقلة مسيره كانوا هم أدلاء الجيش وهداته، فأخذوه أول كل شيء ~~إلى روسينو عاصمتهم، ومن هناك بعد إبطاء يسير زحف الجيش قاصدا نهر ~~الرون. # وكان القنصل الروماني سيبيو في الوقت نفسه قد أعد مراكبه لملاقاة ~~هنيبال، وهي ستون مركبا عبأها بالجنود عند مصب نهر التيبر وأقلع ~~يريد مصب نهر الرون، وكان الجنود في تلك المراكب مكردسين بعضهم فوق ~~بعض، كما تكون الحال على الغالب في الجيش الذي يركب البحار، ولم ~~يستطيعوا التوغل في البحر لعدم وجود الحك (الإبرة المغناطيسية) في ~~تلك الأيام، بحيث يصعب عليهم معرفة الوجهة التي يسيرون فيها إذا كان ~~الجو غائما، أو كانت العواصف تهب إلا بما يرونه من البر. # ومن أجل هذا أقلعت مراكبهم ماخرة ببطء على محاذاة الشاطئ فكانوا ~~يدفعونها أحيانا بالشراع وتارة بالمجاذيف، وبعد معاناة المضني من ~~مشقة السفر والجوع القتال من قلة الزاد والدوار، وما يتسبب من ~~تحرج الصدور عن انحشار ألوف الناس في فسحات ضيقة، الأمر الذي يفرغ ~~معه الصبر وتزهق الأرواح، وصلت المراكب الرومانية إلى مصب نهر ~~الرون، ولم يكن قواد الجيش الروماني يعلمون أن هنيبال قريب من تلك ~~النقطة، بل ms034 كل ما اتصل بهم عنه أنه قد اجتاز نهر إيباروس. # ولهذا ظنوا أنه لا يزال خلف جبال البيرنيه، وهكذا دخلوا نهر الرون في ~~أول فرع وصلوا إليه منه - ذلك لأن نهر الرون كنهر النيل يتفرع عند ~~مصبه، وينصب في البحر بمجار عديدة - وثابروا على المسير فيه إلى أن ~~بلغوا مرسيليا؛ ظانين أن عدوهم لا يزال بعيدا عنهم مئات الأميال، ~~وربما كان قد تلبك جيشه في دروب البيرنيه ومضايقه، ومعلوم أن ~~هنيبال على العكس من ذلك كان عندئذ معسكرا على ضفاف نهر الرون فوق ~~المكان الذي وصلوا إليه بمسافة قصيرة، وهو يفكر في إعداد الوسائل ~~لعبوره بصبر وهدوء. # ولما أنزل القنصل كرنيليوس جيشه إلى البر كان جنوده في حالة من ~~التعب والدواخ الكثير، لا يقوون معها على ملاقاة هنيبال إلا بعد أن ~~يأخذوا نصيبا من الاستراحة أياما معدودة، على أن كرنيليوس انتخب من ~~جيشه ثلاثمائة فارس، علم بمقدرتهم على الحركة ووجههم إلى أعالي النهر ~~للاستكشاف، ولكي يعلموا مقر هنيبال ويعودوا ويطلعوه على ذلك في الأسرع ~~الممكن، وبعد إرسالهم عمد إلى تنظيم جيشه والقيام على إتمام صفوفه؛ لكي ~~يكون على أتم الاستعداد حال رجوعهم. # ومع أن هنيبال لم يلق مقاومة شديدة في مسيره ببلاد الغال، فلا يجوز ~~أن نظن أن الناس الذين اجتاز في وسطهم كانوا موالين له أو مسرورين من ~~وجوده بينهم، فالجيش عبء ثقيل على الدوام ولعنة على كل بلاد يدخلها، ~~حتى ولو كان مارا بها غير محارب. # فالغاليون أبدوا كل صداقة لهذا الفاتح الرهيب وجموعه، على اعتقاد ~~منهم أنه سيمر بسرعة ويرتحل عنهم، ولا سيما أنهم كانوا غير متأهبين ولا ~~قوة لهم على محاولة الوقوف في وجهه؛ ولهذا اختاروا أهون الشرين، ~~وقرروا بذل كل خدمة ممكنة له ليسرع في الابتعاد عنهم. # وظلت تلك خطة القبائل التي اجتاز في وسطها إلى أن بلغ النهر، على أن ~~الناس المقيمين على الجانب الآخر من النهر قد وجدوا أن الأفضل لهم أن ~~يقاوموه، فهم كانوا على مقربة من البلاد الرومانية، ومن المعدودين على ms035 ~~نوع ما تحت النفوذ الروماني؛ هؤلاء كانوا يخافون من استياء الرومانيين ~~إذا هم ساعدوا - ولو بالوقوف على الحياد - تقدم هنيبال ووصوله إلى ~~حيث يقصد بدون أقل معارضة . ولما كان النهر عريضا في ناحيتهم معترضا ~~بينهم وبين أعدائهم، فكروا في مركز يمكنهم أنهم بالنظر إلى النهر في ~~مأمن من بطش هنيبال، وفي مركز يمكنهم من صده عن التقدم. # ولما شرع هنيبال في عبور النهر كان السكان من الجانب الواحد ميالين ~~إلى مساعدته، وتسهيل كل صعوبة تقف في سبيله، وكان سكان الضفة الأخرى ~~يبذلون أقصى جهودهم في عرقلة مساعيه ومنعه عن العبور، وكلاهما مدفوع ~~إلى ذلك بالرغبة نفسها، وهي إبعاد العدو المجتاح عن أرضه، والتخلص من ~~ذلك الجيش الماحق الذي يبلغ عدده التسعين ألفا. وهكذا وقف هنيبال بين ~~أمرين متناقضين؛ أناس على جانبه يسهلون له سبيل العبور مقدمين له ~~السفن والقوارب التي يملكونها، وباذلين منتهى الجهد في إبلاغه غايته من ~~العبور، وأناس على الضفة الأخرى واقفين له صفوفا كالجيش الراصد للكفاح ~~بأسلحته البراقة يهددونه بالويل والثبور، إذا هو أقدم على ~~العبور. # ورآهم هنيبال ألوفا مصفوفة بالسيوف والرماح وخيامهم وراءهم تخفق ~~فوقها راياتهم، وكل حركة من حركاتهم تدل على أنهم يبغون به وبجيشه ~~شرا، وفي غضون تلك الفترة كان الثلاثمائة فارس الذين أرسلهم كرنيليوس ~~للاستكشاف يسيرون على مهل قاصدين أعالي النهر ليستطلعوا طلع العدو. ~~وبعد أن تأمل هنيبال مليا في هذه الحالة وهو ساكت شرع في إعداد ما ~~يلزم لعبور النهر، فجمع كل القوارب التي أمكن الحصول عليها من ~~الغاليين القاطنين على ذلك الجانب للقيام بذلك، على أن هذه القوارب لم ~~تكن سوى مقدمة لذلك العمل الكبير، وبما أنها لاتكفي أخذ في جمع ~~الأخشاب والأدوات لابتناء غيرها، وكانت عادة الغاليين في ذلك الإقليم ~~أن يصنعوا القوارب من جذوع الشجر الضخمة، ويحفرونها كقارب فيقطعون ~~الشجرة حسب طول القارب، وينقرون جوفها بالفأس والقدوم، ويصقلون كعبها ~~الخارجي وجوانبها؛ لكي تجري على الماء بسهولة، وهي طريقة سهلة جدا ما ~~برح الناس يعملون بها إلى هذه الأيام في ms036 الأماكن التي يوجد فيها شجر ~~كبير. # وكانت في تلك الناحية أشجار ضخمة كثيرة وهي قريبة من ضفة النهر، ~~وكان جنود هنيبال يراقبون الغاليين في اشتغالهم بحفر القوارب فتعلموا ~~منهم ذلك الفن وأتقنوه، وكان الكثيرون منهم يساعدونهم في قطع الشجر ~~والحفر إلى أن صاروا هم أنفسهم يقطعون الشجر ويحتفرون القوارب وحدهم. ~~ومن الجنود من رأوا في ذلك بعض البطء فصاروا يقطعون الأشجار بقياس ~~معلوم، ويرمونها في الماء، ثم يضعونها القطعة بإزاء الأخرى ويربطونها ~~معا على شكل أرماث طافية، قائلين: إن الأمر لا يحتاج إلى قوارب رسمية ~~فكل ما يطوف على الماء يصلح لعبور الجيش؛ لأن العبور وقتي، ويجب أن ~~تكون وسائله وقتية ما دامت تفي بالحاجة من حمل الجنود ومتاعهم. # وكان الأعداء الراصدون على الجانب الآخر ينظرون، ولا يستطيعون حراكا ~~لمنع تأهب هنيبال، فهم لو كانت لهم مدافع زماننا لأطلقوها عبر النهر، ~~وحطموا ما هنالك من القوارب والأرماث بالقنابل بأسرع ما يقوى على ~~بنائها القرطجنيون والغاليون، فضلا عن أن العمال عنذئذ لا يستطيعون ~~بناءها وهم هدف لضرب المدافع، ولكن الأعداء يومئذ لم يكن لهم سوى ~~الحراب والسهام والأحجار ترمى إما باليد أم بالمجانيق، بحيث لا تصل ~~إلى المكان المقصود، وإن وصلت بعد اجتياز مسافة النهر لا تأتي بالفعل ~~المطلوب. # ومن أجل هذا أرغموا على النظر إلى جماعة هنيبال بسكون وصبر، ~~وأتاحوا لهم على غير رضا منهم المثابرة على إعداد تلك التأهبات ~~العظيمة لمهاجمتهم، بدون أن يكون لهم ما يساعدهم على إيقافها. وكان ~~رجاؤهم الوحيد في الانتظار ريثما يسير العدو في القوارب والأرماث على ~~النهر، ويريد النزول إلى البر وعندئذ يضربونه بما عندهم من سهام وحراب ~~وأحجار؛ لكي يمنعوه من الوصول إلى البر. # ولو أراد جيش عبور النهر، ولم يكن ثم جيش آخر على الضفة الأخرى ~~يعارض عبوره، لكفته قوارب قليلة في العدد؛ وذلك لأنه إذ ذاك ينقل ~~من الجانب الواحد إلى الآخر جماعات جماعات على التوالي، فيعيد القوارب ~~نفسها التي حملت فريقا واحدا إلى حيث تجيء بالفريق الآخر، ولكن ~~عندما يرصد ms037 له على الجانب الثاني عدو يريد صده، يكون من الضروري ~~عندئذ أن يعد الوسائل التي تمكنه من نقل قوة كبيرة من رجاله كل ~~مرة؛ لأنه لو أرسل قوة صغيرة إلى حيث العدو واقف، فإنه إنما يرسلها إلى ~~الهلاك المحتم، ويوقعها في أيدي الأعداء الذين يتربصون به ريب ~~المنون. # ومن أجل ذلك صبر هنيبال ريثما تتوفر له القوارب والأرماث والدكات ~~الطافية؛ لكي يحمل عليها قطعة كبيرة من الجيش تكون قوية بعددها ~~ومعداتها فتعارك العدو الراصد ولها أمل بالنجاح، والرومانيون، كما قد ~~سبقنا فقلنا، كانوا يقولون إن هنيبال داهية مكار. فهو لم يكن يميل ~~كالإسكندر إلى الاعتماد في معاركه على التفوق في الشجاعة والقوة، بل ~~كان يبتدع الوسائل المختلفة على الدوام، ويعد التدابير التي ترجح ~~كفة ميزان النصر في جانبه، وذلك ما أتاه في هذه المرة. # فثابر أياما عديدة يتأهب ويبني القوارب ويستعرض الجيش ويصف ~~الأرماث بإزاء الشاطئ على مرأى من أعدائه، مظهرا لهم أن جل اعتماده ~~هو على ما لديه من جموع الرجال الذين يقذف بهم عبر النهر دفعة واحدة، ~~وهكذا عمل على حصر اهتمام العدو بتلك الاستعدادات، وكان في غضون ذلك ~~يدير خطة أخرى، وهي أنه وجه قطعة من الجيش خفية إلى أعالي النهر، ~~وأمرهم بالتسلل خفية في الغاب وعبور النهر من مكان يبعد عنه، حيث ~~كان أميالا معدودة. # وكان التدبير أن هذه القطعة المرسلة، لتعبر النهر من مكان آخر، تنقض ~~بعد التمكن من ذلك على الأعداء ملتفة حولهم ومهاجمة إياهم من ~~الوراء، وذلك لكي تعمل فيهم القتل حينما يكون هنيبال عابرا النهر ~~بأهم كتائب جيشه، فإذا نجحت تلك القطعة من الجيش بعبور النهر يجب ~~أن تعلن ذلك بإشعال نار في الغابة على الجانب الآخر، فيعلم هنيبال من ~~دخان النار المتصاعد في الجو أنها قد اجتازت النهر. # وكان قائد هذه الفرقة ضابط اسمه هنو - وهو غير هنو عدو هنيبال الكبير ~~الباقي في قرطجنة - فسار هنو ليلا مبتعدا عن النهر في بدء مسيره؛ ~~لكيلا يراه العدو من الجانب الآخر يتقدمه الأدلاء ms038 من أهل البلاد ~~الذين وعدوه بهدايته إلى مكان يسهل منه عبور النهر، فسارت تلك الفرقة ~~على محاذاة النهر مسافة خمسة وعشرين ميلا، وهناك وجدوا النهر متسعا ~~منبسطا والماء ضحضاحا والمجرى غير سريع. # فقصدوا ذلك المكان بسكوت وبمزيد التستر، بحيث لم يشعر بهم الأعداء ~~الذين تحتهم على الضفة الأخرى، وكان عبورهم النهر من هناك سهلا ~~جدا؛ إذ لا يوجد من يصدهم فابتنوا عددا من الأرماث، واحتملوا من ~~لا يحسن السباحة من الرجال، وغير ذلك من المعدات الحربية التي يفسدها ~~التبلل بالماء، وأما القسم الآخر منهم فعبر سباحة، وكانوا قد وضعوا ~~الأتراس على بطونهم ليستعينوا بها على العبور. # وعلى هذه الصورة عبروا النهر وبلغوا الضفة الأخرى سالمين، وتربصوا ~~هناك يوما كاملا لكي تجف ثيابهم وليأخذوا نصيبا من الاستراحة، ومن ~~ثم ساروا بتمهل نزولا على جانب النهر إلى أن صاروا على مقربة من ~~هنيبال بحيث يرى إشارتهم، وعندئذ أوقدوا النار وصاروا يتأملون في ~~كثيف الدخان المتصاعد منها في الجو. # ورأى هنيبال النار، فأخذ من فوره يتأهب لعبور النهر بجيشه، فنزل ~~الفرسان في القوارب ممسكين بأرسان خيولهم؛ لكي يقتادوها إلى الماء ~~بحيث تتبعهم سباحة وراء القوارب، وحملت خيول أخرى في قوارب ذات قعر ~~مسطح؛ لكي تبلغ الجانب الآخر غير مبللة، فيسهل استخدامها في الحال ~~عند النزول إلى البر، وانتقى هنيبال أفضل رجال جيشه وعبر بهم النهر ~~أولا، وأبقى الضعفاء والذين أصيبوا بتعطيل مع معدات الحرب؛ لكي ~~يجلبهم جميعا بعد أن يكون القسم الأول من الجيش قد وصل إلى الجانب ~~الآخر. # وكان الأعداء على الجانب الآخر من النهر يرتبون جموعهم، ويتأهبون ~~لمهاجمة جيش هنيبال حالما يقترب من البر. وكان السكوت سائدا في ~~معسكر هنيبال عندما كان جيشه يركب القوارب والأرماث ويبعد عن البر، ~~ولكنهم عندما اقتربوا من تيار النهر علت صيحاتهم، وتتالت أوامر ~~القادة للرجال بالجد في التجذيف، فأحدث اختلاط الأصوات وتدافع القوارب ~~في مجرى النهر ضجة كبرى ومنظرا هائلا، وكاد الأمر يؤدي بهم إلى ~~تشويش كبير لولا براعة المجذفين وصبرهم. # وحالما وصلت القوارب الأولى ms039 إلى البر تأهب الغاليون لمقاومة من ~~فيها، ورموهم بكل ما لديهم من أدوات القتال وصاحوا فيهم صيحات دوت ~~لها هاتيك الأنحاء، وكانت عادة أولئك الأقوام الإكثار من الصراخ عند ~~الإقدام على القتال؛ لتحميس بعضهم بعضا وتحريك روح الشجاعة الهامدة، ~~ولإرهاب العدو بتهديدهم ووعيدهم. أما ضباط هنيبال؛ فقد حثوا مسيري ~~القوارب على التقدم، وحاولوا بكل صبر وترو الوصول برجالهم إلى ~~اليابسة. # وفي الواقع أنه لو لم ينجدهم هنو برجاله من وراء الغاليين، لكانت ~~نتيجة عبور النهر من الأمور التي يشك في نجاحها، فإنه بينما الغاليون ~~يحاولون صد القرطجنيين إلى الوراء، ومنعهم من النزول إلى البر بتصميم ~~ومجالدة عظيمين، ذعروا فجأة عند سماعهم صيحات أعداء قامت من وراء ~~ظهورهم، فكانوا كمن انقضت عليهم الصاعقة، ولما التفتوا إلى الوراء ~~أبصروا جنود هنو تنسل إليهم من بين الغياض والأدغال بحماسة شديدة ~~واندفاع، كاندفاع السيل الجارف. # ومن الصعب، كما لا يخفى، على جيش أن يحارب من الأمام ومن الوراء في ~~وقت واحد. فصبر الغاليون للعدو، وثبتوا لهذه المقاومة وقتا يسيرا، ~~إلا أنهم في آخر الأمر انكفوا عن مقاومة نزول رجال هنيبال إلى البر، ~~وولوا الأدبار على محاذاة النهر مسافة يسيرة، توغلوا بعدها في داخل ~~هاتيك المجاهل تاركين هنو سيد تلك الضفة من النهر، فكانت هذه الحركة ~~مما ساعد رجال هنيبال على الوصول إلى البر بدون عراك أو انزعاج، وحينما ~~وصلوه استقبلهم هناك الأصدقاء بدلا من الأعداء. # ثم شرعوا في استجلاب بقية الجيش والمعدات الحربية من الضفة الأخرى، ~~فأتموا ذلك بسهولة؛ لأنه لم يبق من الأعداء من يزعجهم أو يصدهم عن ~~ذلك. على أن قسما من قوتهم الحربية قد سبب لهم عناء وإبطاء عظيمين؛ ~~وذلك القسم هو الفيلة التي كانت تؤلف جانبا من الجيش، فإن نقل تلك ~~الحيوانات الضخمة فوق نهر عريض سريع المجرى لم يكن من الهنات ~~الهينات، وقد ذكر المؤرخون روايات مختلفة عن الطريقة التي تمكن بها ~~هنيبال من إتمام ذلك، مما دل على أنه استخدم وسائل متنوعة كانت ~~إحداها كما يأتي: أن القيم ms040 على الفيلة انتخب واحدا منها يختلف عن ~~البقية بنشاطه وحدته، وشرع في إزعاجه وإيلامه لكي يستشيط غيظا، ~~عندئذ هجم الفيل الهائج على سائقه رافعا خرطومه ليثأر لنفسه منه، ~~فهرب السائق وتبعه الفيل وتبعته بقية الفيلة جريا على عادة هذا ~~النوع من الحيوان في مثل هذه الظروف. # فهرب السائق إلى الماء متظاهرا بالفرار من الفيل، ولحق به الفيل ~~الثائر ورفاقه. وسبح السائق هاربا إلى أن وصل إلى منتصف النهر، فلم ~~تشعر الفيلة إلا وقد أصبحت في العمق فاضطرت إلى السباحة للنجاة، ~~وكان بعضها ملاحقا للسائق جادا في طلبه إلى أن عبر النهر ووصل إلى ~~الشاطئ الآخر، على أن قسما من الفيلة استولى عليه الخوف، فلم يجاهد ~~واحتمله تيار الماء معه إلى مكان بعيد، وأصاب من اندفاعه مع التيار ~~أماكن غير عميقة تجسسها، ونجا منها بعضهم إلى الشاطئ الواحد والبعض ~~إلى الشاطئ الآخر. # وكانت هذه الطريقة غير تامة النجاح، فابتدع هنيبال وسيلة أفعل من ~~هذه؛ لاستجلاب ما بقي من الفيلة، وذلك أنه ابتنى رمثا عظيما جدا، ~~وجلبه على الماء عند الشاطئ وغطاه بالتراب وجذور الشجر، ثم ابتنى رمثا ~~آخر بحجم هذا وأتى به على الماء، فوصله بالرمث الأول الواحد قدام ~~الآخر، ومكنهما معا بحبال وستر الأخير بالتراب والأعشاب كما فعل ~~بالأول. # وكان الأول من هذين الرمثين ممتدا مائتي قدم من الشاطئ فوق الماء، ~~وعرضه خمسون قدما، وأما الثاني فكان أصغر منه قليلا. # وعندئذ طارد الجنود الفيلة نحو الرمثين؛ بحيث أصبحت على الرمث ~~الأمامي، وهي تحسب لما تراه حولها أنها باقية على البر، ولما وقفت ~~الفيلة على الرمث الأمامي أفلتت الحبال التي تربط الرمث، وراح الرمث ~~الأمامي طافيا في النهر والفيلة عليه تجره القوارب العديدة التي ~~كانت قد ربطت إلى طرفه الخارجي. # فحالما شعرت الفيلة بالحركة غير العادية ارتعدت وخافت وصارت تنظر ~~إلى ما حولها، ثم احتشدت عند أحد أطراف الرمث فوجدت أنها محاطة ~~بالمياه من كل جانب، فراع ذلك بعضها وتدافع حيث هوى في النهر فقذفه ~~التيار إلى حيث أنقذه الجنود، على ms041 أن بقية الفيلة التي لم تر لها ~~مهربا من ذلك استكانت، ولم تعد تبدي حراكا إلى أن بلغت الشاطئ، ~~علما منها بأن المقاومة لا تجدي نفعا. # في ذلك الحين إذ كانت هذه الحوادث تشغل الجيش القرطجني عن كل أمر ~~آخر، كان الثلاثمائة جندي التي أرسلها سيبيو إلى أعالي النهر لاستطلاع ~~طلع القرطجنيين، قد تدانت من النقطة التي عندها عبر هنيبال النهر، ~~وفي الوقت نفسه كان هنيبال لدى وصوله إلى النهر قد وجه خمسمائة جندي ~~لاستطلاع أنباء الرومانيين، ولم يكن أحد الفريقين على علم بمقدار ~~اقترابه من الآخر، وهكذا تقابلت الطليعتان على غير انتظار في بعض ~~الطريق، وكلا الفريقين أرسلا للاستكشاف وليس للعراك، وكان كل منهما ~~تائقا إلى إحراز المجد من أسر الفريق الآخر واقتياد رجاله إلى ~~معسكره. # فتعاركا عراكا دمويا طويلا وقتل منهما عدد كبير متماثل على ~~الجانبين تقريبا، فقال الرومانيون إنهم أحرزوا النصر على أننا لا نعلم ~~ما قاله القرطجنيون، ولكن بما أن الفريقين انسحبا من المعركة ~~متراجعين نحو معسكرهما، فمن الراجح ألا يكون أحدهما قد أحرز نصرا ~~حاسما على الآخر. # الفصل الخامس # | هنيبال يجتاز جبال الألب # إنه يصعب على كل واحد لم ير جبال الألب بأم العين أن يتصور في ~~ذهنه حقيقة جمالها وعظمتها، ولم يكن هنيبال قد رأى الألب؛ على أن ~~العالم كان يومئذ كما هو اليوم عالما بشهرتها وجلالها، ومن جملة ~~مظاهرها الدالة على التسامي والعظمة البرد الدائم على قمم هذه الجبال، ~~وهذا ناتج بالطبع من علوها الشاهق؛ ففي أي مكان من الكرة الأرضية ~~نرى أننا كلما علونا إلى الجو يصير الهواء لما لا نعلم من الأسباب ~~باردا على التوالي مشتدا كلما تابعنا الصعود، بحيث تصير فوق رءوسنا ~~مسافة ميلين أو ثلاثة من البرد المستمر القارس، ويصح هذا ليس فقط في ~~المناطق الباردة والمعتدلة من الكرة الأرضية، بل في الأقاليم الشديدة ~~الحرارة أيضا، حتى إننا إذا حلقنا بمنطاد في بلاد بورنيو عند منتصف ~~النهار، حيث تكون حرارة الشمس المحرقة فوق رءوسنا تماما إلى علو خمسة ~~أو ms042 ستة أميال، نجد حرارة الشمس مع اقترابنا على الدوام منها تقل، ~~وأشعتها تفقد حرها الشديد بالتدريج، نعم إنها مصوبة إلينا على التوالي ~~مشرقة حوالينا وعلينا بلمعانها المعروف إلا أن حرارتها مفقودة، إنها ~~عندئذ تصير كأشعة القمر ونصير نحن في وسط محيط بارد كما لو كنا في ~~المنطقة المتجمدة. # ومن هذا الإقليم العالي ذي البرد الأزلي يهبط علينا الثلج ومن هناك ~~يسقط، ولكنه إذا كان كالقطن المندوف قبل الوصول إلى الأرض، وهكذا فبما ~~أن البرد صلب المادة سريع السقوط لثقله وملاسته، فهو يندفع سريعا ويصل ~~إلينا بشكله، وأما الثلج فينحل وينزل علينا كمطر مرطب بارد، فالمطر ~~يبرد الهواء حولنا وعلى الأرض؛ لأنه يأتي من مناطق باردة كائنة في ~~الهواء المتعالي فوقنا. # ومن أجل هذا تظل أعالي جبال الألب ومنحدراتها حوالي القمم في شتاء ~~دائم يخف نوعا ولكنه لا ينقضي، فذروة جبل بلانك مغطاة ببساط من الثلج ~~عظيم السمك يماثل ببقائه على حاله ما هنالك من الصخور الصماء ~~الكائنة تحته، ومن المعلوم أن جبال الألب بجملتها أوديتها وتلالها تظل ~~مغطاة في فصل الشتاء، أما في الربيع فالثلوج تأخذ في الذوبان في ~~أوديتها وما فيها من السهول. # وكثيرا ما تنقد منها جلاميد جليدية في وقت ذوبانها، فتنحط من عل ~~بشدة متناهية تجرف معها الصخور والأشجار وتفتك بما يعترضها في ~~طريقها فتكا ذريعا، وفي منحدرات الجبال الشاهقة العلو وحوالي الذرى ~~السامية يبقى الثلج عالقا في مكانه السنة بطولها، فلا يذوب منه إلا ~~اليسير بفعل حرارة أشعة الشمس حتى في شهر تموز، وفي شقوق جبال الألب ~~العليا وأوديته حيث يتجمع الثلج مندفعا إليها بالرياح والعواصف ~~الدائمة الهبوب في فصل الشتاء، تجد ركام الثلوج راسخة كالأطواد لا ~~يزحزحها شيء من حيث هي مقيمة. # وهي في قلبها تصير على توالي الأيام جليدا صلبا تحت سطحها؛ لأن ~~القسم الأعلى منها أو السطح يأخذ في الذوبان شيئا فشيئا، على أن ~~المنحل منه ماء يجمد بعد انفصاله قليلا بفعل الرياح الباردة، ويصير ~~جلاميد من الجليد الصلب بعد انحداره في الأودية، ms043 والأخاديد التي كثيرا ~~ما تكون مساحتها بالطول عشرة أو خمسة عشر ميلا وعرضها بين الميلين أو ~~الثلاثة، وهي كتلة واحدة من الجليد الشفاف الصلب الأزرق اللون الذي ~~يبلغ من العمق مئات الأقدام، وتسمى هذه الأجسام الجليدية جبال ~~الجليد. # وهي في حركة دائمة ولكنها بطيئة جدا، وذلك من تفاعيل ما في قلبها ~~من حرارة الأرض المتصلة إليه، فيقال إنها تنزاح قدما واحدة في كل 24 ~~ساعة بالرغم مما يبدو من صلابتها وجمودها، والواقف بإزائها يسمع ~~ارتجاج حركتها جليا من وقت إلى آخر، وقد تحقق الذين رأوها من هذا ~~الأمر بأن وضعوا علامة على الجليد، وعلامة مقابلة على الصخر على جانبي ~~الوادي، فعرفوا بذلك حقيقة تحركها ومقدار تلك الحركة. # وهاتيك الأودية هي في الواقع أنهار من الجليد قائمة بين قمم الجبال، ~~وجارية بكل بطء ولكن باستمرار إلى حيث تجد لها مخرجا في واد كائن في ~~سفح الجبال، فترى المياه هناك خليطا من الجليد تارة تجري تحت طبقاته، ~~وطورا فوقها فتؤلف منظرا يرتعد له المسافر، وإلى الجانبين أسوار من ~~الجليد هائلة كثيرا ما تتصدع منها جلاميد عظيمة فتهوي إلى المجرى ~~فيسمع لها دوي شديد، فإذا أقبل صيف شديد الحرارة يذوب معظمها ويحدث ~~طوفانا في السهول المجاورة يجرف في طغيانه الأشجار والمزروعات ~~والمنازل. # وجبال الألب واقعة بين فرنسا وإيطاليا وأوديتها العظيمة، وسلاسل ~~الجبال مكونة على صورة تجعل عبورها متحتما على مريد المرور من بلاد ~~أخرى، ولكن تلك السلاسل الجبلية ليست على شيء من الانتظام بل تتخللها ~~الوهاد والمهاوي الكثيرة والأخاديد العظيمة، وفي تلك السلاسل ما يرتفع ~~قمما لها في الجو رواعف، ومنها ما يكون بشكل قباب، ومنها ما هو ~~كالمسلات المصقولة لا يعلق بها ثلج، ولا تستطيع الوعول اجتيازها ~~والتوغل فيها. # فحول هذه القمم وبين تلك المضايق تمتد الدروب متعرجة صعدا على ~~الدوام، فيكون السائر فيها حينا على شفا جرف هار، وحينا تحته ~~وقلبه يدق وجلا من شيء يدفعه إلى أعماق الهوة السفلى الفاغرة فاها ~~لالتهام كل من يهبط به نكد الطالع إلى أعماقها ms044 التي لا يدرك لها غور. ~~ومن تلك الأعالي المخيفة يطل السائر على سهول منبسطة سندسية الحلة، ~~فيها الأشجار والمزروعات المختلفة التي تجعلها من أجمل ما تقع عليه ~~العيون تتخللها البيوت الجميلة الهندسية، وتسير في طرقاتها وبين حقولها ~~الماشية على اختلاف أجناسها تقتات مما هنالك من الأعشاب ~~والكلأ. # فتصميم هنيبال على اقتياد جيش إلى إيطاليا عبر جبال الألب بدلا من ~~نقل الجنود على الجواري في البحر، كان ولا يزال معدودا من أعظم ~~الأعمال في الأزمنة الذاهبة، فهو قد تروى قليلا مترددا فيما إذا ~~كان يسير نازلا في نهر الرون، ويلاقي سيبيو ويعاركه أو أنه يترك الجيش ~~الروماني ذاهبا في سبيله، ويقصد هو إيطاليا من طريق جبال الألب. وكان ~~ضباط هنيبال وجنوده الذين أدركوا شيئا من مقاصد قائدهم، وعلموا إلى ~~أين هم ذاهبون تائقين لملاقاة الرومانيين. # ولكنهم كانوا خائفين من جبال الألب كارهين لما يتوقعونه من معاناة ~~اجتيازها. أما العدو فإنهم يرغبون في الاقتتال معه أينما وجد؛ لأن ~~الحرب مهنتهم وقد اعتادوا فلا يحسبون لها حسابا؛ لأنهم يفهمونها ولذلك ~~لا يهولهم أمرها كما يهولهم أمر الصعود في جبال شاهقة تغطيها الثلوج ~~وركام الجليد، فلا يدرون في أية ساعة تزل بهم القدم من فوق الجرف ~~والمنحدرات المخيفة، فيهوون إلى حيث يتعذر عليهم الخلاص، ويموتون بردا ~~وجوعا في تلك الثلوج الأزلية. # ولما أدرك هنيبال أن جنوده في خوف من تسلق تلك الجبال دعا إليه ~~قوادهم، وألقى عليهم خطابا لامهم فيه وعنفهم على استسلامهم للجزع ~~الذي لا موجب له، بعد أن لاقوا صعوبات قاصمة للظهور فقهروها وتغلبوا ~~على أعظم الأخطار، فقال لهم: «إنكم اعتليتم قمم جبال البيرنيه وعبرتم ~~نهر الرون، وأنتم الآن مواجهون لجبال الألب التي هي مفتاح بلاد العدو، ~~فماذا تحسبون جبال الألب؟ إنها ليست سوى تلال عالية، وليس فيها ما يخيف ~~أو يوجب كل هذا الذعر. # ولنفرض أنها أعلى من جبال البيرنيه، فهي غير بالغة عنان السماء في ~~السمو، وبما أنها ليست في شيء من ذلك فتسلقها غير مستحيل، بل إن الناس ~~يجتازونها ms045 كل يوم وهي في الواقع مأهولة بالناس الذين يحرثون بطاحها، ~~والسياح يجتازونها ذهابا وإيابا في كل حين، والذي يقوى عليه الفرد ~~يقوى عليه الجيش؛ إذ ما الجيش إلا عدد غفير مؤلف من أفراد، فضلا عن ~~أن الجندي الذي لا يحمل معه إلا عدة حربه لا يجد صعوبة في تسلق ~~الجبال، مهما كانت شاهقة هذا إذا كان ذا شجاعة ونشاط.» # وبعد الانتهاء من الكلام شعر هنيبال بأن رجاله قد تشجعوا بما ألقاه ~~عليهم، وهكذا أمرهم بالانصراف إلى خيامهم ليرتاحوا ويتأهبوا للسير في ~~اليوم التالي، فانصاعوا له ولم يبدوا أقل مقاومة بعد ذلك، على أن ~~هنيبال لم يقصد جهة جبال الألب رأسا على أثر ذلك، فهو لم يكن يعرف ~~شيئا عن تدابير سيبيو الذي كان تحته كما يذكر القارئ عند القسم الأسفل ~~من نهر الرون مع جيشه الروماني، ولم يرد هنيبال أن ينفق وقته وقوته ~~ضياعا بمعاركة سيبيو في بلاد الغال، بل فضل متابعة الزحف، واجتياز ~~جبال الألب إلى إيطاليا بالأسرع الممكن. # وهكذا فإنه لخوفه من مسير سيبيو في وسط البلد ليعترضه إذا هو حاول ~~الزحف في طريق مستقيمة، صمم النية على الجنوح شمالا صاعدا على ضفاف ~~نهر الرون، ثم إلى أن يتوغل مسافة معلومة في الداخلية، بقصد أن يصل ~~جبال الألب في آخر الأمر بدوره. وفي الواقع إن الخطة التي دبرها سيبيو ~~هي أن يلتقي هنيبال ويهاجمه على عجل، وعلى هذا فإنه حالما عادت ~~فرسانه أو الذين نجوا منهم من عراكهم مع القرطجنيين على مقربة من ~~معسكرهم جمع قواته، وسار يريده صعدا على ضفاف النهر. # ووصل إلى المكان الذي عبر هنيبال عنده النهر بجيشه، فوجد تلك البقعة ~~في حالة الخراب والتشويش قد ديس فيها العشب والبقول على استدارة ميل ~~واحد، وآثار القرطجنيين مبعثرة في كل مكان، ولا سيما آثار النيران التي ~~أوقدوها في معسكرهم هنالك، ووجد أغصان الأشجار ملقاة على الأرض هنا ~~وهناك وجذوعها مقطوعة، فعلم أنها استخدمت في عبور النهر ورأى بقايا ~~الأرماث والأطواف والقوارب، وما لا يحصى من الأسلحة ms046 التي تركت أو ~~أضاعها أصحابها، وعددا كبيرا من جثث الغرقى أو القتلى وبعضهم من ~~رجاله. كل هذه الآثار رآها، ولكن الجيش قد غادر المكان إلى جهة غير ~~معروفة . # على أنه لقي هنالك جماعات من أبناء تلك الناحية، وغيرهم من الذين ~~قصدوا ذلك المكان للتفرج على ما تركه الجيش القرطجني في تلك النقطة ~~التي قدر لها أن تصير مذكورة في تاريخ العالم على توالي الأجيال، فمن ~~هؤلاء عرف القائد الروماني سيبيو إلى أين ذهب هنيبال، وفي أي وقت برح ~~المكان، وقرر في فكره أن اللحاق به لا يأتي بفائدة، فحار فيما يقدم ~~عليه وهو قد عهد إليه في الدفاع عن إسبانيا بالقرعة، ولكن بما أن العدو ~~الكبير الذي تعين عليه البطش به قد ترك إسبانيا بالكلية، فلم يبق له ~~أمل بالوقوف في وجهه وصده عما يبغيه إلا بالرجوع إلى إيطاليا، ~~وملاقاته حالما يهبط من جبال الألب إلى وادي «بو» الكبير، ومع هذا ~~فإنه ما دام أمر إسبانيا قد وكل إلى عهدته لا يرى من الحكمة التخلي ~~عنها بتاتا، وبناء على هذا الزعم وجه قسما من جيشه إلى إسبانيا ~~لكي يبطش بالجيوش التي أبقاها هنيبال، وسار هو مع القسم الأكبر من جيشه ~~إلى شاطئ البحر، وأقلع من هناك عائدا إلى إيطاليا. # وتوقع سيبيو أن يجد جنودا رومانية في وادي «بو» يتقوى بها على ~~ملاقاة هنيبال حال هبوطه من الجبال، هذا إذا تسنى له اجتيازها ~~سالما، وكان هنيبال في الوقت ذاته جادا في قطع الجبال وهو يقترب ~~شيئا فشيئا من قممها المتوجة بالثلوج التي رآها جنوده من قبل ~~ملاصقة للأفق وهابوها كثيرا. وكانت تلك القمم البيضاء من أجمل ما ~~وقعت عليه العيون عندما أرسلت عليها الشمس المتدانية من الغروب باهر ~~أشعتها، فلما اقترب منها الجيش خفيت عن أبصاره لما اعترض بينه ~~وبينها من الهضبات التي هي أقل منها علوا، ولكنها أقرب ~~إليه. # فلما تدانى الجنود من تلك المنحدرات الهائلة، وما تشرف عليه من ~~الأعماق التي ترتعد لهولها فرائص الناظر إليها من ذلك العلو ms047 ~~الشاهق والدروب المغطاة بالجليد، عادت إليهم مخاوفهم وتولاهم الرعب ~~والاحتساب، ولكن الرجوع من هنا كان متعذرا عليهم فلم يعد أمامهم ~~إلا التقدم، فتقدموا مرغمين ذاهبين صعدا على الدوام ، إلى أن صارت ~~الطرق التي يسيرون فيها كجدران الهاوية يصعب المشي فيها، يرون تحتهم ~~أعماقا لا نهاية لها وفوقهم قمما وجلاميد من الجليد تكاد تنقض عليهم ~~وتسحقهم، وركام الثلوج تواجههم وتحيط بهم من كل صوب. # أخيرا وصلوا إلى معبر ضيق، وكانوا مضطرين إلى المسير فيه، ~~وأبصروا فوقه رجالا يحرسونه قائمين فوق شواهق الصخور ومتأهبين ~~لرجمهم بالأحجار، وبكل ما تصل إليه أيديهم ليحولوا دون مرورهم. ~~عندئذ وقف الجيش إذ أمر هنيبال رجاله أن يعسكروا حيث هم، إلى أن ~~يفكر فيما الذي يجب عليه القيام به، وعلم بعدئذ أن أولئك الجبليين ~~لا يبقون في تلك الأماكن الشاهقة في غضون الليل، وذلك بالنظر إلى ~~البرد الشديد وتعرضهم لأذاه. وعلما منهم بأنه يتعذر كثيرا على أي جيش ~~المرور من هنالك بغير أن يهتدي بنور النهار؛ نظرا لضيق المعبر ولما ~~يشرف عليه من المنحدرات الهائلة التي يتوقف السقوط في أعماقها على ~~زلة قدم. # ولما كان الجبليون لا يرون من لزوم لحراسة ذلك المعبر الضيق في ~~الليل - لأن خطره المخيف كاف لحراسته - فقد اعتادوا تركه عند المساء ~~طلبا لمأوى يستريحون فيه في بعض أهزعة الليل؛ ليعودوا إلى عملهم ~~الشاق عند الصباح، فلما علم هنيبال هذا قر رأيه على مسابقتهم إلى ~~تسلق الصخر الذي اتخذوه مخفرا في اليوم التالي، ولكي ينفي كل شك عندهم ~~في أمر حركاته وما عزم عليه، أخذ يتظاهر بأنه يدبر الوسائل ليخيم حيث ~~هو الليل بطوله. # ولكي يزيدهم اطمئنانا ضرب خياما أخرى، وأمر بإيقاد النيران عند ~~المساء، وقام بحركات أراد بها إيهام أولئك الجبليين أنه يتأهب للمرور ~~في ذلك المعبر في اليوم التالي، ونقل لساعته فيلقا كبيرا من جيشه إلى ~~نقطة قريبة من مدخل المعبر، وأقامه هناك في موقف حصين؛ وذلك لكي ~~يكونوا على أهبة التقدم عندما يأزف الوقت في اليوم التالي، فلما ~~رأى الجبليون ms048 هذه الحركات والاستعدادات التي قام بها جيش هنيبال، ~~توقعوا منها حدوث عراك في الغد، وعلى هذا انصرفوا لكي يرتاحوا مدة ~~ذلك الليل في الأماكن التي اتخذوها مقرا. # وفي اليوم التالي عندما نهضوا باكرا وشرعوا في الصعود إلى مواقفهم، ~~وجدوا لمزيد اندهاشهم أن هاتيك القمم والمرتفعات المحيطة بالمعبر ~~مغطاة بالقرطجنيين، إذ كان هنيبال قد أيقظ قسما كبيرا من جيشه قبل ~~انبثاق الفجر، واقتادهم إلى حيث قاسوا العناء المر في تسلق هاتيك ~~القنن التي تركها الجبليون، وذلك لكي يكونوا هنالك قبلهم فلا يجرءون ~~على مقاومته. فوقف الجبليون وقد تولتهم الحيرة من هذا المشهد الذي ~~رأوه وازدادوا اندهاشا عندما ترامت أبصارهم إلى الوادي تحتهم، فرأوا ~~مجموع الجيش ينسل على مهل مارا في ذلك المعبر في صف واحد على ~~الترتيب، وهو في مأمن من الطوارئ؛ لأن أماكن الحراسة قد أصبحت الآن في ~~أيدي الأصدقاء بدلا من الأعداء. # فلم يطق الجبليون صبرا على ذلك ولا استطاعوا كظم غيظهم، بل ~~اندفعوا بعامل الغضب من هذه الحيلة منحدرين من حيث كانوا، وهاجموا ~~الجيش السائر في أسفل الوادي، وعندئذ قام بين الفريقين عراك مخيف ~~فقتل البعض بالسلاح أو بالصخور المنقضة عليهم من فوق، وانقلب كثيرون ~~من جراء الهرج والمرج، وتماسك واحدهم بالآخر من ذلك الممر الضيق إلى ~~الهوة العميقة الكائنة تحتهم، وتدهورت الجياد بأحمالها لما نالها من ~~الذعر، وأفلتت من ماسكي أزمتها أو جرتهم معها إلى تلك المهاوي ~~المخيفة، وكان ذلك المشهد من المشاهد الراعبة إلى الدرجة القصوى؛ لما ~~قتل فيه وهوى من الناس في تلك المنحدرات العميقة. # ونظر هنيبال الذي كان واقفا فوق صخرة عالية إلى هذا المشهد المخيف، ~~وهو مربد الوجه يرتعد جزعا وتأثرا، ولم يجرؤ على النزول بنفسه ~~والاشتراك بذلك المعترك مخافة أن يزداد بوجوده الارتباك ويتفاقم ~~الخطب. على أنه بعد التأمل قليلا وجد من الضرورة الكلية التدخل في ~~الأمر، فهبط بأسرع ما يمكنه تصحبه فرقته، ونزلوا جميعا بسير مائل ~~متعرج وطرق مستديرة حيثما وجدوا لهم موطئ قدم بين تلك الصخور، وهاجموا ~~الجبليين بأشد ما ms049 استطاعته عزائمهم. # وكانت النتيجة كما خشي هنيبال أن تكون، فاشتد الارتباك أولا وكثر ~~القتل والتدهور، وأجفلت الخيل من ذلك ومن الصياح المتتابع الذي ملأ ~~هاتيك الأودية، وبصداه المتردد من كل ناحية مما زاد ضجته أضعافا ~~مضاعفة، فارتعدت له فرائص الخيل واستطارت في الإجفال والجموح، وعلى ~~أثر ذلك تماسك الناس بعضهم ببعض وبينهم الأفراس المثقلة بأعبائها، ~~وهووا جميعا إلى تلك الهوة متدافعين على الصخور منقضين بشدة ~~الاندفاع، وبما كانوا يصدمون به من الأماكن الناتئة إلى قعر تلك ~~الهاوية، حيث يقع بعضهم فوق بعض، فكانت أناس منهم يصلون موتى ومنهم ~~يتألمون مائتين، أو محاولين بقواهم المنحلة الزحف على الجليد ~~طلبا للنجاة. # وفي آخر الأمر اندحر الجبليون وانهزموا وخلا المعبر للقرطجنيين ~~واستعيد نظام الجيش، والخيول التي لم تجمح ولم تسقط في المهواة أخذت ~~بالملاطفة لتهدأ وتستكن، والأحمال التي سقطت في المنحدرات جمعت ~~واستعيدت، والجرحى وضعوا على محامل خشبية بنيت لساعتها هنالك، وذلك ~~لكي ينقلوا عليها إلى حيث يداوون، وأصبح الجيش بمهماته في وقت قصير ~~على قدم المسير فتقدم زاحفا، وإذ كانت المصاعب قد أزيلت من أمامه ~~أسرع الخطى سائرا بانتظام وهدوء إلى أن اجتازوا ذلك المضيق. # ولما بلغوا نهايته وصلوا إلى قلعة عظيمة تخص أبناء تلك الأنحاء، ~~فاستولى هنيبال عليها وألقى عصا الترحال هنالك طلبا للجمام ~~والراحة له ولرجاله، ومن أعظم الصعوبات التي تعترض القائد الزاحف ~~بجيش لهام في مثل تلك الدروب الشاقة الكثيرة الأخطار هي عول ~~الجيش؛ فالجيوش تحمل معها ما يقيتها مسافة يسيرة لا سوى. والناس ~~المسافرون على طرق ممهدة لا يقوون على استصحاب زاد يزيد على ~~عيالتهم أياما قلائل، فمتى كان مسيرهم في مثل جبال الألب حيث الدروب ~~عسيرة كثيرة الخطر، فإنهم بالكد يقوون على حمل شيء، فعلى القائد في ~~مثل هذه الحالة أن يجد ما يقيت به جنوده في البلاد التي يمر بها، وهكذا ~~كان على هنيبال أن يحافظ ليس فقط على سلامة جيشه، بل أن يتخذ كل وسيلة ~~فعالة لإيجاد القوت الذي أوشك الآن أن ينفد. ومن المعلوم ms050 أن الأراضي ~~المنبسطة الكائنة في أعالي الجبال تحتوي على علف للماشية والحيوانات ~~المختلفة؛ لأن الأمطار التي يكثر تهطالها هنالك، والرطوبة الناجمة عن ~~ذوبان الثلوج من على جوانب الجبال تنعش الزرع فتجعل الأرض دائمة ~~الاخضرار، والغنم والماعز وغيرها ترتاد هذه الأماكن لتتقوت بما فيها؛ ~~ولذلك فالماشية تدرك أنها كلما تصاعدت في التسلق كان المرعى أخصب ~~والعشب أوفر. # ويمكن إنماء الحبوب في الأودية والمنحدرات، ولكن قمم الجبال مع أنها ~~تنبت عشبا كثيرا فحراثتها من الأمور المستحيلة لانصبابها، وهكذا ~~فإنه حالما استولى هنيبال على تلك القلعة، أرسل رجاله جماعات شتى ~~لمطاردة الماشية التي يعثرون عليها هنالك، وبالطبع كان أولئك الرجال ~~مسلحين لكي يتمكنوا من مقاومة كل عدو يتصدى لهم. على أن ~~الجبليين لم يتصدوا في هذه المرة لمقاومتهم فهم قد أقروا بانغلابهم، ~~وتولاهم الرعب والخوف مما لقوه قبل ذلك فخافوا، وهكذا فإنهم وجدوا أن ~~أفضل الطرائق لإنقاذ ماشيتهم أن يطاردوها، ويخفوها في الغياض والأماكن ~~التي يتعذر على ملاحقيها الوصول إليها فيها. # وبينما كان رجال هنيبال يتوغلون في الأودية والهضبات الكائنة ~~حولهم، ويفحصون كل مكان وكل حظيرة في تلك السفوح كان الأهلون يفرون ~~من أمامهم متفرقين في جهات مختلفة سائقين ماشيتهم قدامهم إلى حيث ~~تصير من العدو في حرز حريز؛ إذ عليها تتوقف حياتهم ومعاشهم، ~~فطاردوها إلى أن صارت في أعالي الهضبات أو في أسفل المنحدرات أو في غير ~~ذلك من المنعطفات والغياض؛ لكي يبعدوها عن طالبي إمساكها من رجال ~~العدو. # على أن جهادهم من هذا القبيل لم يصادف إلا القليل من النجاح، إذ ~~عاد رجال هنيبال إلى المعسكر وكل واحد منهم يسوق أمامه ثلة من ~~الماشية منها ما هو قطيع كبير، ومنها ما هو أقل منه عددا ولكن ~~المجموع كان عظيما، فاقتات الجيش على هذه الماشية ثلاثة أيام، ومن ~~المعلوم أن إطعام جيش مؤلف من تسعين ألفا أو مائة ألف رجل يتطلب ~~كميات كبيرة، حتى ولو أن ذلك لمدة ثلاثة أيام، ذلك فضلا عن أن الجيش ~~يبدد ويبذر من طعامه أكثر مما يأكل. ms051 # وفي غضون الأيام الثلاثة هذه لم يكن الجيش معسكرا، بل متحركا ~~ببطء على الدوام، والطريق وإن كانت لا تزال كثيرة العقبات والأخطار ~~أصبحت الآن مفتوحة أمامه؛ لأنه لم يبق فيها عدو يناوئه أو يتصدى ~~لمقاومته، فساروا على تلك الصخور وهم يلتهمون ما معهم من القوت ~~فرحين بانتصارهم على الأعداء المتعرضين لهم، وعلى صعوبات الطريق ~~وما فيها من الأخطار والمهالك. أما الجبليون فإنهم عادوا إلى ملاجئهم ~~وقد خسروا ماشيتهم وقهروا في القتال؛ لأن أمثالهم إذا خسروا الغنم ~~والبقر والماعز فقد أضاعوا كل شيء. # ومن المعلوم أن جبال الألب ليست كلها في سويسرا، بل إن منها في جوار ~~مقاطعة سافوى ما هو مشهور بعلوه الشاهق وانحداره المخيف، والبلاد ~~منقسمة إلى مقاطعات صغيرة تسمى اليوم «كانتون» وقد كانت كذلك في ~~أيام الرومانيين، وعلى هذا فإن هنيبال في تسياره بعد اجتياز المضيق ~~الذي تقدم وصفه تدانى من حدود مقاطعة أخرى، وبينما هو يتقدم ببطء نحو ~~تلك المقاطعة ومن ورائه جيشه الجرار يتسلل من الأودية كالأفعى ~~لقيه وفد أرسلته حكومة المقاطعة المذكورة، وجلب ذلك الوفد معه ~~أقواتا مختلفة من الأدلاء، وقال رجال الوفد له: إنه قد اتصل بهم ما ~~نزل بالمقاطعة الأولى من الدمار لمحاولة أهلها مقاومة مرور الجيش ~~القرطجني فيها، وأنهم هم لا يريدون تجديد مثل ذلك العمل الدال على ~~الحماقة، ومن أجل هذا جاءوا ليعرضوا على هنيبال صداقتهم ومناصرتهم، ~~وأنهم قد جلبوا معهم عددا من الأدلاء؛ لكي يرشدوا الجيش إلى أفضل ~~الدروب في الجبال وكميات من الأقوات، ولكي يبرهنوا على إخلاصهم ~~عرضوا على هنيبال رهائن. # وكانت هذه الرهائن شبانا وأولادا هم أبناء أعيان البلاد عرضوهم؛ ~~ليكونوا تحت مطلق تصرف هنيبال يحتفظ بهم إلى أن يستيقن من إخلاصهم ~~فيما أقدموا عليه، وأن عملهم هذا بريء من الخديعة. ولما كان هنيبال ~~معتادا الدهاء والخداع حار في أمره بادئ ذي بدء؛ لأنه لم يدر ما ~~إذا كان الذي عرضه القوم من دلائل الإخلاص حقيقيا أم لا، وما إذا ~~كانوا يحاولون بذلك حمله على الطمأنينة؛ لكيلا يحتاط ms052 لشر ولا يحتسب ~~لمكر. # وجال في فكره للحال أن عمل الوفد هذا قد يكون من قبيل الخدعة، ~~فيقتادون جيشه بعد أن يستسلم لهم إلى مهواة عميقة أو إلى مضيق بين ~~شواهق الصخور، وهناك ينقضون عليه ويفتكون به. على أنه قرر أن يعطيهم ~~جوابا حسنا وأن يكون على حذر منهم، ويسير بإرشادهم مع البقاء ~~متيقظا ما أمكن، وأخذ ما عرضوه عليه من الرهائن والأقوات. # وسلم الرهن من الشبان والأولاد إلى قطعة أخرى من جيشه فساروا ~~بمعية الجيش، ثم أشار إلى الأدلاء بالمسير أمام الجيش الذي اقتفى ~~خطواتهم. # وسارت الفيلة في الطليعة يتقدمها ويحيط بها بعض الجنود ~~لحمايتها، وتلتها الخيل والبغال المثقلة بأحمالها العسكرية ~~والمئونة، وتلا هذه الجنود المشاة يمشون على غير انتظام صفا طويلا، ~~وكان طول ذلك الصف الذي تقدم وصفه أميالا عديدة، وقد كان منظره من ~~شرفات الجبال كمنظر حية كبيرة بين الأدغال، وملتفة حوالي الدروب ~~المستديرة الموحشة. # وكان هنيبال مصيبا في احتسابه من أن الوفد الذي لاقاه كان لخدعه، ~~فالذين أرسلوا الوفد أرصدوا كمينا في معبر ضيق استتر رجاله بين ~~الصخور والغياض والمخابئ المختلفة، وهكذا فإنه عندما اقتاد الأدلاء ~~الجيش إلى نقطة الخطر المتفق عليها بدت منهم إشارة معلومة، فخرج ~~الكامنون من مخابئهم وانقضوا على الجيش من كل مكان انقضاض النسور، ~~وشوشوا نظام صفوفه وجددوا ما لقيه في المعركة الأولى وتعالى الصياح، ~~وملأت زمجرة الرجال هاتيك القلل، فرددت صداها الأغوار. # وقد يظن غير الخبير أن الهجوم يصوب أول كل شيء على الفيلة ~~لتخويفها، وحملها على الجموح والطغيان، ولكن الأمر كان على العكس من ~~ذلك، فإن الجبليين كانوا يخافونها لأنهم لم يروا مثلها من قبل ولهذا ~~كانوا يرتعدون عند النظر إليها؛ لأنهم لا علم لهم بما لها من القوة ~~وشدة البطش؛ ولهذا تحاشوها وابتعدوا عنها وعن الفرسان، وصبوا كل ~~قوتهم على جيش المشاة الذي كان يسير في المؤخرة. # وأدركوا في أول الهجوم نجاحا عظيما فشقوا صف الجيش، وهزموا ~~القسم المتأخر منه إلى الوراء، وكانت الجياد والفيلة مثابرة على ~~المسير وعليها ms053 أحمالها، فأصبح الجيش قسمين منفصلين واحدهما عن الآخر، ~~وكان هنيبال مع الجنود إلى الوراء، وظل الجبليون فائزين حتى خيم ~~الغسق فتوقف الفريقان عن القتال؛ لأن العراك في مثل تلك الوعور لا ~~يتأتى لأحد إلا على نور النهار. # وبقي الجبليون في موقفهم بين قسمي الجيش يحولون دون اتصالهما، ~~وكان هنيبال في غضون الليل على مثل الجمر لا يدري ما الذي ~~يفعله وجيشه ممزق على تلك الصورة، والفيلة والخيل بعيدة عنه وقد ~~أصبحت تحت رحمة الأعداء، ولم ينم تلك الليلة بل كان يفكر ويتأهب ~~للهجوم على الجبليين في اليوم التالي، وحالما انبثق الفجر هاجمهم ~~وتغلب عليهم فدحرهم إلى مسافة تمكن بعدها من جمع شمل جيشه، ثم تابع ~~المسير. # على أن الجبليين لم ينفكوا عن مناوأته، بل أجهدوا نفوسهم في ~~التضييق عليه والاعتداء على جيشه من أبعاد مختلفة، فاستتروا في ~~المكامن وكانوا يهاجمون القرطجنيين عند مرورهم من حيث كمنوا لهم ~~ويقلبون الصخور عليهم، ويرمونهم بالنبال والسهام من مواقفهم الشاهقة ~~القائمة فوق الجيش العابر، حتى إذا تأخرت فرقة من جيش هنيبال عن مجموع ~~الجيش كانوا يحيطون بها ويأسرونها أو يسحقونها، وهكذا فإنهم سببوا ~~لهنيبال تعبا وعناء عظيمين، فأعاقوه عن المسير وضيقوا عليه المضايق ~~وذلك من غير أن يهاجموه بفريق منهم بحيث تسنح له فرصة ~~مناهضتهم. # ومن المعلوم أن هنيبال لم يعد واثقا بمن معه من الأدلاء، فاعتمد ~~في الاستهداء على نفسه بين هاتيك المجاهل المخيفة، فكان يصيب مرة ~~ويخطئ مرارا معرضا نفسه وجيشه لألوف الأخطار، وعظيم النكبات ~~التي كان بإمكان الخبير في تلك الدروب الصعبة تحاشيها، وكان ~~الجبليون مثابرين على مضايقته؛ عصابات كعصابات قطاع الطرق يهاجمون ~~جيشه مرة في الطليعة، وحينا في المؤخرة، وحيثما سنحت لهم فرصة ~~للإيقاع به. على أن هنيبال ثابر على المسير صابرا على كل هذه ~~المثبطات محافظا على رجاله جهد الاستطاعة، جادا في قطع الوهاد ~~إلى أن بلغ إحدى القمم بعد تسعة أيام. # وفي ذكرنا إحدى القمم لا نعني قمة تلك الجبال، بل قمة ذلك ~~المضيق، أي: أعلى ذروة منه ms054 وصل إليها بعد اجتيازه، ولكن بقيت أمامه ~~هنالك قمم كثيرة شاهقة محلقة فوقه بالغة عنان الجو في الارتفاع، ~~فعسكر هنا يومين لكي يريح رجاله ويعيد إليهم ما فقدوه من الهمة ~~والنشاط وكان الأعداء قد تركوه، وفيما هو مقيم هنالك كانت بعض فرق ~~الجيش التي تاهت أو انهزمت من أمام الجبليين تنسل مقبلة نحو المعسكر ~~من كل صوب ومعها الخيول، ومن الرجال الجريح والمنهوك تعبا أو الذي ~~أوهن قواه المرض. # وكانت الخيل في بعض الأحيان تأتي إلى المعسكر لذاتها، وهي الخيل ~~التي انفصلت عن الجيش فرارا من المهاجمين أو التي سقطت عياء أو ~~تدهورت، فلما استعادت نشاطها سارت تريد المعسكر تسوقها السليقة أو ~~رائحة رفاقها أو متأثرة خطوات الجنود إلى أن وصلت إليهم سالمة، وفي ~~الواقع أن بقاء هنيبال مدة يومين هنالك كان المقصود منه إعطاء فرصة ~~كافية للتائهين من جيشه؛ لكي ينضموا إليه هذا إذا كانت لهم مقدرة على ~~اللحاق، ولولا ذلك لكان تابع المسير إلى أن يبلغ مكانا يتوفر له فيه ~~الدفء، أو يكون ملائما للاستراحة. # وفي الواقع أن أردأ مكان للاستراحة هو في ذرى تلك الجبال بل لا يمكن ~~أن يكون أردأ منه، فالصخور جرداء والأرض خالية من العشب وكل ما هنالك ~~يضيق الصدر ويحمل على الاستيحاش، ذلك فضلا عن العواصف التي يكثر ~~هبوبها هنالك والأمطار التي تجعل المقام متوعرا والغيوم التي ~~تتلبد عند ذلك العلو الشاهق فتهدد من هناك بالثلوج أو الأمطار، وفي ~~الجملة إن المكان الذي عسكر فيه هنيبال كان مخيفا موحشا إلى الحد ~~المتناهي. # وداخل الجيش الخوف والجزع من ذلك المكان الذي عسكر فيه خصوصا، ~~وأن الدروب هنالك غير واضحة، فإذا تساقطت الثلوج بغزارة ازداد الموقف ~~هولا وأصبح الجنود في مأزق متجهم لا يدرون منه كيف وفي أية جهة ~~يتوجهون، حتى إن مثل هذه الحالة تخيف الجبليين أنفسهم الذين كثيرا ~~ما يؤدي بهم الأمر إلى التدهور في المنحدرات العميقة لعدم معرفتهم ~~الطريق التي تكون الثلوج المتراكمة قد سترتها عن الأبصار. # ولا يمكن في هذه الحالة ms055 الاهتداء بنور النجوم؛ لأن النجوم تستتر وراء ~~الغيوم أو وراء الثلوج المتساقطة التي تحول نور النهار إلى ظلام يحيط ~~من كل الجهات بالمسافر الغريب الذي يضل طريقه، فلا يعود يدري كيف ~~يتجه، وذلك ما جرى لهنيبال وهو على تلك القمة داهمته عاصفة ثلجية ~~أوقعت الرعب في قلوب رجاله. كان ذلك في شهر تشرين الثاني؛ لأن العراقيل ~~الكثيرة والصعوبات الطبيعية المتعددة التي لقيها الجيش في تسلق تلك ~~الجبال، فضلا عن مناوأة العدو له في زحفه قد عاقته من المجازفة إذا ~~هو صبر إلى أن تذوب هذه الثلوج؛ ولهذا فإنه حالما انقطع تهطال الثلج ~~وصفا الجو من الغيوم بحيث أصبح الجنود يبصرون ما هو أمامهم اقتلع ~~الجيش خيامه وتابع المسير، فكانت الجنود تسير خائضة في ركام الثلج ~~بملء الخوف والاحتساب، على أن هنيبال أرسل فرقة للاستكشاف والتعرف ~~على الأماكن الصالحة للسير، وقد حملت الأعلام ليهتدي بها ~~الجيش. # فكان السائرون أمام الجيش يمهدون له السبل وذلك بدوسهم الثلج مرارا ~~بحيث يصير صالحا للمشي عليه، ولكن بالرغم من كل ذلك فإن العناء الذي ~~لقيه الجيش من ذلك كان شديدا، فضلا عن مخاوفه المستمرة وإبطائه ~~في الزحف. وبعد أن ساروا مسافة معلومة ونزلوا من تلك القمة أدرك ~~هنيبال أنهم سيطلون بعد اليسير من السير على أودية إيطاليا وسهولها ~~الكائنة فيما وراء الألب، فتقدم مسرعا إلى أن صار بين رجال الطليعة ~~الذين يحملون الأعلام التي يهتدي بها الجيش، وحالما بدت البلاد ~~بجملتها للناظر من هناك اختار مكانا تظهر منه السهول المنبسطة ~~بأبهى مناظرها، وأوقف جيشه لكي يتأمل رجاله في تلك البلاد الجميلة ~~الممتدة أمامهم. # ومعلوم أن جبال الألب على الجانب الإيطالي شامخة وهائلة الانحدار، ~~والنزول منها يكاد يكون فجائيا من الذرى المتجمدة الباردة إلى ~~السهول الدافئة الخصيبة التي تبهر النواظر بما ألقي عليها من أشعة ~~الشمس، من هنالك نظر هنيبال ورجاله تلك السهول المنبسطة تحت أقدامهم، ~~وقد لبست رداء من الخصب جميلا يروق العيون ويشرح الصدور فسروا ~~كثيرا وابتهجوا، وأبصروا في تلك البطاح المترامية الأطراف بحيرات ms056 ~~عديدة تخللتها جزر كثيرة، كان شعاع الشمس يترامى عليها فيزيدها وما ~~حولها بهاء ورواء. # وهناك الحقول التي لم يروا لها نهاية مزدانة بألوان الخريف الدالة ~~على الذبول، قامت عليها أكواخ العمال والفلاحين وعلت عندها أكداس ~~القمح كالقباب، وتجري في جنباتها الأنهار فتزيدها رونقا وجمالا يروق ~~العيون ويأسر الألباب. في تلك الساعة وقف هنيبال في قواد جيشه خطيبا ~~وهنأهم على وصولهم والجنود سالمين إلى حيث ينتهي تعبهم وينتفي ~~عناؤهم ونصبهم، وقال لهم: «إن مشاق الطريق قد انتهت في آخر الأمر، ~~وهذه القمم التي قطعناها بشق النفس هي أسوار إيطاليا بل هي أسوار ~~رومية بالذات، وما دمنا قد اجتزنا جبال الألب فإنه لم يبق ~~للرومانيين ما يحميهم من بأسنا. وإنني أؤكد لكم أن معركة واحدة على تلك ~~السهول أو على الكثير معركتين نجالد فيهما الأعداء تكفيان لإحراز ~~النصر والاستيلاء على تلك المدينة العظيمة.» # فأثر كلام هنيبال على الجيش التأثير المطلوب وأثار فيه روح الشجاعة، ~~وزاده استبشارا ما رآه من خصب الأرض وجودة هوائها. واستعد الجنود ~~للهبوط إلى هاتيك الجنان حاسبين أن الصعوبات قد زالت، على أنهم ما ~~كادوا يتحركون للمسير حتى علموا أن متاعبهم وضيقاتهم لم تنته، ~~فالجبال على جانب إيطاليا أكثر علوا وانحدارا منها على الجانب ~~الآخر؛ ولهذا عانوا أشد الصعوبات في إيجاد دروب يسيرون عليها ~~بسلامة. # وساروا على هذا وقتا غير يسير يعانون الشدائد والتعب المضني في ~~قطع المسافات القليلة. أخيرا وقعت طلائع الجيش فجأة فأرغمت الجيش ~~برمته على الوقوف، ورأى ذلك هنيبال فخاف أن يتفاقم شر الازدحام وتسوء ~~العقبى، فأرسل إلى الطلائع رسولا ليأتيه بالخبر اليقين فعاد إليه، ~~وأعلمه بأن الطليعة قد وصلت إلى هاوية يستحيل على أحد النزول فيها، ~~ووجدت من الضروري الانحراف عن ذلك المكان بسير مستدير لعلهم يجدون ~~طريقا يكون النزول منه أقل خطرا. # فوافق هنيبال على ذلك وسار الذين يتقدمون الجيش وهم الكشافة، ~~فعثروا على جبل من الثلج ملقى أمامهم ووجدوا أن الثلج المتساقط قبل ~~ذلك بأيام يسير الجليد الذي تحته، ويغطي ما هنالك من ms057 الأودية والمهاوي ~~العميقة، فساروا فوقه ومهدوا بأقدامهم طريقا للجيش. على أن الجليد ما ~~لبث أن تحلل وأخذ الثلج في الانضغاط والذوبان إلى أن أصبح المسير ~~فوقهما متعذرا عظيم المشقة كثير الخطر، ذلك فضلا عن أن المسير فوق ~~الثلج الذي يستر الجليد هو من الصعوبة بمكان بالنظر إلى ما يتسبب عنه ~~من الزلق. # وهكذا كنت ترى الرجال والحيوانات تنقلب متدهورة في تلك المنحدرات، ~~فكان البعض منهم ينهضون وقد أصيبوا برضوض، والبعض الآخر الذي هوى في ~~الأعماق المملوءة ثلجا اندفن هناك بحيث لا ينهض بعد ذلك، على أنهم ~~جهدوا النفوس وابتعدوا بعض المسافة، ولكن بمجازفة عظيمة ومخاطرة أودت ~~بعدد غير يسير منهم. ولما اجتازوا هذه الثلوج في انحدارهم المتواصل ~~وصلوا إلى ما يشبه السد المكين الذي يحول دون تقدمهم خطوة واحدة، ~~ألا وهو جبل من الصخر الذي اعترضهم وضيق عليهم المسالك. # وبعد التروي في الأمر رأوا من الضروري إزالة الصخر أو تحطيمه لكي ~~ينفسح لهم مجال المرور، وقد جاء في رواية أحد مؤرخي الرومانيين أن ~~هنيبال أزال قسما من تلك الصخور الهائلة بأن أشعل نارا عظيمة ~~فوقها، ثم صب عليها خلا فتشققت، ثم قطعها بالأمخال والأسافين، ولكن ~~قارئ ما رواه المؤرخ الروماني لا بد أن يتوقف هنيهة قبل تصديقه، فهم ~~إذ لم يكن البارود معروفا عندهم في تلك الأيام قد اضطروا إلى استخدام ~~مثل تلك الطريقة التي تقدم بيانها لتصديع الصخور. # ومن المعلوم أن من الصخور نوعا يمكن تحطيمه بحرارة النار التي ~~تشققه بسهولة ولكن منه ما لا تؤثر النار فيه، على أننا لا نرى ما ~~يؤيد قول المؤرخ المذكور في تأثير الخل على الصخر المحمى بالنار، ذلك ~~فضلا عن أننا لا نظن أن هنيبال قد حمل معه مقدارا من الخل يكفي لمثل ~~هذا العمل الجسيم. وعلى الجملة نقول إنه إذا كان ذلك صحيحا فيكون ما ~~تم منه دون اليسير، وتكون النتيجة غير جديرة بالذكر بالرغم من أن هذا ~~العمل قد عده التاريخ من أجل الأعمال التاريخية المنسوبة إلى ~~هنيبال بحقيقة مقررة. ms058 # هذا وفي المسير فوق الثلوج والانحدار على الصخور التي تحته قد قاسى ~~الجيش، وخصوصا الحيوانات التي معه، الأهوال الجسام والجوع الذي ~~أضنى القوى، ولا سيما ما لقوه من الصعوبة في إيجاد علف للخيل ~~والفيلة في تلك الأماكن التي لا يرى فيها غير الثلج المتراكم، أو ~~الجليد الذي أمات كل شيء أخضر. أخيرا وصلوا في تسيارهم إلى غياض ~~وغابات غضة، ومن هناك أقبلوا على وهاد فيها الحقول الملأى بالعشب ~~والأودية الخصيبة ذات الأشجار المثمرة. # وهناك وقفت الحيوانات لتنال نصيبا من الراحة وتقتات بما يعيد إليها ~~نشاطها، وشمل الفرح الجيش برمته إذ أدرك عندئذ أن عناءه قد انتهى وأن ~~الأخطار قد زالت وأصبحت وراء ظهره، فسار مسرعا وضرب خيامه في سهول ~~إيطاليا الكثيرة الخيرات المملوءة بكل نوع من الثمار والبقول والأعشاب، ~~وغير ذلك من ضروب الأقوات العديدة. # الفصل السادس # | هنيبال في شمالي إيطاليا # عندما أصبح جنود هنيبال في سهول إيطاليا، وأقاموا هنالك طلبا ~~للراحة شعروا بتأثير تعبهم وعنائهم بما يزيد كثيرا على شعورهم بمثل ~~ذلك عندما كانوا يعانون المشقات المضنية في قمم الجبال، فقد كانوا في ~~أشد حالات التعاسة والشقاء، وقال القائد هنيبال لضابط روماني أسره ~~بعدئذ: إن أكثر من ثلاثين ألفا من جنوده قد هلكوا في اجتياز جبال ~~الألب؛ بعضهم لقي حتفه في المعارك التي نشبت، وأكثر من ذلك البعض ~~هلكوا من البرد والتعب والسقوط في المهاوي العميقة، ومن الأمراض ~~وغير ذلك من ضروب العناء والشقاء المتعددة. # وكانت بقية من سلم من الجيش القرطجني التي وصلت إيطاليا مبددة ~~مريضة عريانة إلا قليلا، ومعدومة النشاط جانحة بالأكثر إلى الاستسلام ~~للموت من الزحف إلى ملاقاة الجيش الروماني والجهاد لافتتاح إيطاليا ~~ورومية، على أنه بعد أيام معدودة عمدوا إلى سد فراغ صفوف الجيش ولم ~~شعثه، ومع أنهم ذاقوا الأمرين من الجوع في الجبال فقد توفر لهم ~~الآن كل نوع من القوت، وهكذا نشطوا لترقيع ملابسهم الممزقة وإصلاح ~~أسلحتهم المكسرة. # وكانوا في غضون ذلك يرددون على مسامع بعضهم البعض ذكرى الأهوال ~~التي تعرضوا لها والمشقات ms059 التي عانوها وشوامخ الراسيات التي اجتازوها، ~~ويعجبون من صبرهم واحتمالهم وما أقدموا عليه مما لم يقدم عليه رجال ~~حرب قبلهم، وبهذا كانوا يعملون على تنشيط بعضهم بعضا وإثارة روح ~~البسالة في صدور محلولي العزائم من رفاقهم، وحضهم على السير معا ~~لإتمام العمل الجسيم الذي أتوا لأجله وإدراك الأمجاد المعدة لهم، ~~والتي ستكون ثمرة جهادهم وشجاعتهم في المعارك التي سيقدمون ~~عليها. # تركنا القائد سيبيو وجيشه عند مصب نهر الرون يتأهب لركوب البحر ~~عائدا إلى إيطاليا بقسم من جيشه بعد أن وجه القسم الآخر إلى ~~إسبانيا، فمخر سيبيو البحر على محاذاة الشاطئ القريب من جنوى ومنها ~~سار يريد بيزا حيث نزل إلى البر، وهناك استراح قليلا لينظم جيشه بعد ~~تلك السفرة، وبعث يستدعي الجنود الرومانية في شمال إيطاليا لتنضوي ~~تحت لوائه، وقد أمل من ذلك حشد جيش لهام يمكنه من معاركة ~~هنيبال. # وبعد أن تم له من ذلك ما أراد سار نحو الشمال مسرعا جهد ~~الإمكان، فهو قد أدرك ما تكون عليه حالة جنود هنيبال بعد هبوطهم من ~~جبال الألب، وأراد مهاجمتهم قبل أن يتمكنوا من الاستراحة وإصلاح ما ~~أحدثته في نظامهم مشقات اجتياز جبال الألب الشاهقة، وهكذا واصل ~~السير إلى نهر «بو» قبل أن يرى شيئا من آثار الجيش القرطجني، أو يسمع ~~ما يدله على المكان الموجود فيه. # ولم يكن هنيبال في الوقت نفسه متكاسلا، فهو حالما نال جيشه قسطا ~~من الراحة وأصبح في حالة تمكنه من الزحف بدأ بمعالجة القبائل التي عثر ~~عليها حوالي هاتيك الجبال، فوالى بعضها وهاجم البعض الآخر، فتغلب على ~~كل قبيلة حاولت مقاومته زاحفا على الدوام بلا توقف في سير مستمر ~~نحو الجنوب يريد نهر «بو». ولهذا النهر عدة فروع منها فرع اسمه تيسينوس ~~وعلى ضفافه تلاقى الجيشان في آخر الأمر. # وكان كل واحد من القائدين دون ريب يمني نفسه بإحراز الغلبة على ~~عدوه في العراك الذي أصبح الآن أمرا لا بد منه، وكان سيبيو على ~~علم ببسالة هنيبال وعظم دربته كمحارب، كما أن سيبيو كان ms060 قائدا ~~عظيما ومن أبطال الرومانيين، بحيث إن هنيبال لم يكن يتوقع فوزا ~~هينا، وكان القواد يخفون ما اختلجت به صدورهم من الشكوك أو ~~المخاوف في اليوم الذي سبق نشوب القتال، ويشجعون رجالهم بإبداء الثقة ~~التي لا يعتورها ريب بأنهم سيكونون الظافرين بالأعداء. # وعلى هذا خطب هنيبال وسيبيو في رجالهما - وذلك ما رواه مؤرخو تلك ~~الأيام - فقال كل منهما لجنوده: إنه على يقين من الظفر بالعدو ~~بمنتهى السهولة، وكان الخطاب الذي نسب إلى سيبيو كما يأتي: ~~«أريد أن ألقي على مسامعكم بعض كلمات أيها الجنود قبل النزول إلى ~~المعركة، فإني لست أرى حاجة إلى كل الجنود الذين كانوا تحت قيادتي ~~عند مصب نهر الرون، فهم قد عرفوا القرطجنيين هناك وأؤكد لكم ما كانوا ~~ليخافوهم، إن فصيلة من فرساننا قد لاقت وهاجمت جيشا كبيرا من أولئك ~~الأعداء وبددت شملهم، ومن ثم زحفنا متقدمين بكل قوتنا نحو معسكر ~~الأعداء على نية معاركتهم. # أما هم فغادروا المكان وتراجعوا إلى الوراء قبل وصولنا إلى حيث ~~كانوا، فكان هربهم اعترافا منهم بخوفهم منا ومن تفوقنا عليهم، فلو ~~أنكم كنتم معي يومئذ وشهدتم هذه الحقائق كلها لما كان ثم من حاجة بي ~~إلى مخاطبتكم بهذه الكلمات؛ لأقنعكم بالسهولة الكلية التي سوف تقهرون ~~بها هذا العدو القرطجني، لقد سبق لنا معارك عديدة مع هذه الأمة قبل ~~الآن فسحقناهم يومئذ برا وبحرا، وعندما عقد الصلح بعدئذ طلبنا ~~منهم الجزية وبقينا نتقاضاها منهم عشرين عاما. # ومن هذا تدركون أنهم أمة مغلوبة، والآن قد أقدم هذا الجيش المنكود ~~الطالع على اجتياز جبال الألب محمولا بجنونه ليلقي بنفسه بين ~~أيدينا، فهم سيلاقوننا وقد قل عديدهم وتناقصت معداتهم وانحلت ~~قواهم من مشقات السفر وعناء اجتياز الجبال، فإن أكثر من نصف الجيش ~~القرطجني قد هلك في الجبال والذين سلموا منه قد صاروا إلى حالة من ~~الضعف والخور والعري والمرض لا يقوون معها على قتالنا، ومع ذلك فإنهم ~~مضطرون إلى منازلتنا، ولو وجدوا مهربا منا أو لو تسنى لهم التقهقر ~~إلى حيث لا يواجهوننا لفعلوا ms061 ذلك بلا تردد. # ولكن لا مفر لهم ولا ملجأ، فهم محاطون بالجبال التي هي السد ~~الشاهق الذي يعجزون عن اجتيازه ثانية بما أصابهم من قممه وثلوجه من ~~العناء الذي يهد العزائم ويسحق القوى، فهم ليسوا أعداء حقيقيين، ~~بل هم بقية جيش أعداء أشبه بالظل الذي لا يلبث أن يزول، إذ إن ~~عزائمهم قد خارت وقواهم قد انحطت وشجاعتهم قد ذهبت ونشاطهم قد زال؛ ~~بما قد أصابهم من الجوع والتعب والعناء المر نفسا وجسدا في قطعهم هذه ~~الجبال الشاهقة. # فقد يبست أمعاؤهم وجفت دماؤهم وتصلبت مفاصلهم، وأصبحوا كالأصنام ~~المنحوتة بعد الذي ذاقوه من مر عذاب المسير وقطع الوهاد ومناوأة ~~القبائل، فضلا عن الجوع والبرد وغير ذلك من أنواع البلاء الذي ~~أنزلته بهم الطبيعة، ثم إن سلاحهم متحطم وخيولهم عرج وكل أدوات ~~قتالهم معطلة بحيث لا تصلح بعد لشيء، وغاية ما أخشاه الآن هو أن ~~العالم ينكر علينا مجد الانتصار عليهم، ويقول لنا إن جبال الألب هي ~~التي قهرت هنيبال لا الجيش الروماني. # ومهما يكن الظفر بهم سهلا يجب علينا أن نتذكر فوق كل شيء أن ~~أمورا جسيمة تتوقف على هذا العراك، فنحن في ملاقاتهم لا نسعى وراء ~~الأمجاد فقط؛ لأنه إذا انتصر هنيبال يزحف على رومية دون ريب، وتصبح ~~نساؤنا وأولادنا وكل ما نملكه تحت مطلق رحمته، فتذكروا هذا وانزلوا ~~إلى ميادين الوغى شاعرين أن رومية نفسها متوقفة على النتيجة.» # وقد نسب إلى هنيبال أيضا خطاب بليغ ألقاه على جنوده بمناسبة هذه ~~المعركة، فأبدى فيه براعته ودهاءه وما له من موهبة الاختراع ~~والإبداع، وأجاد إلى الغاية في لفت الأنظار كلها؛ لتنحصر فيما كان ~~مزمعا أن يقوله بالطريقة التي هيأ بها الجيش لسماع خطابه، فأوقف ~~جيشه في شكل دائرة كان أرادها أن تشهد منظرا غريبا خارقا، وأتى بعدد ~~من الأسرى الذين وقعوا في قبضته عندما اجتاز جبال الألب وجعلهم في ~~وسط تلك الدائرة، ولعلهم كانوا الرهائن الذين سلموا إليه كما تقدم ~~القول عن ذلك في الفصل السابق. # وسواء كانوا أسرى أم رهائن ms062 فإن هنيبال استقدمهم مع جيشه إلى إيطاليا، ~~وأتى بهم إلى وسط تلك الدائرة وألقى أمامهم مثل الأسلحة التي اعتادوا ~~استعمالها في أوطانهم الجبلية، ثم سألهم عما إذا كانوا يريدون استخدام ~~هذه الأسلحة في محاربة واحدهم الآخر، على شرط أن الذي يقتل خصمه منهم ~~يطلق سراحه ويعطى جوادا وسلاحا؛ ليرجع بهما إلى وطنه بالفخر ~~والشرف. # فقال أولئك البرابرة إنهم يفعلون، وامتشقوا تلك الأسلحة من فورهم ~~ليقتلوا بها، فأجاز هنيبال لزوجين أو لثلاثة أزواج فقط منهم العراك ~~لوحدهم، فقتل واحد من كل زوج وأطلق سراح الآخر ومنحه حريته التامة كما ~~وعدهم هنيبال، فكان هذا العراك عاملا على إثارة شجاعة جنود هنيبال ~~ومهيجا لنشاطهم ومجددا الميل إلى الحرب فيهم، وعندما تم لهنيبال ~~من تلك الرواية ما أراده من التأثير على الجيش أطلق سراح الباقين من ~~الأسرى، وعندها خاطب هنيبال جيشه المحيط به من كل جانب بما يأتي: «أيها ~~الجنود، لم أقصد بما شهدتموه الآن مجرد إيجاد لهو وتسلية لكم، بل أردت ~~به إبداء صورة لحالتكم الخصوصية، فأنتم محصورون من اليمين واليسار بين ~~بحرين، وليس لكم في مياه أحدهما مركب واحد، وهناك نهر «بو» وجبال ~~الألب من الوراء، ونهر «بو» أعمق وأسرع جريا وأوفر اضطرابا من نهر ~~الرون. أما جبال الألب فيكفي أن أقول لكم إنكم لم تجتازوها إلا بشق ~~النفس والعناء الكبير أيام كنتم على جمام وفي منتهى القوة والنشاط، فهي ~~لكم الآن سور يستحيل تسلقه، وعلى هذا تكونون محصورين كالسجناء من كل ~~جانب، ولا رجاء لكم بالحياة ولا أمل بالحرية إلا إذا حاربتم ~~وانتصرتم. # على أن الانتصار والحالة هذه لن يكون صعب المنال، وأنا حيثما وجهت ~~نظري بينكم أرى على وجوهكم سيمياء التصميم والشجاعة التي أؤكد أنها ~~ستجعلكم الفائزين، فالجنود التي ستواجهكم هي على الغالب حديثة العهد ~~بالحروب، أي إنها تجندت مؤخرا بحيث لا تعرف شيئا عن النظام وعيشة ~~المعسكر، ولا تستطيع الثبات أمام أبطال حروب عديدة مثلكم حنكتهم ~~المعارك، وجعلهم التمرن على خوض المعامع من أصلب المحاربين عودا ~~وأشدهم ثباتا في ms063 حومة الوغى، إنكم تعرفون بعضكم بعضا وتعرفونني حق ~~المعرفة، وأنا في الواقع كنت تلميذا معكم أعواما عديدة قبل استلامي ~~زمام القيادة. # وأما جنود سيبيو فغرباء واحدهم عن الآخر وغرباء عن قائدهم أيضا؛ ~~ولهذا فليس بينهم رابطة شعور مشتركة، أما سيبيو نفسه فهو لم يتول ~~القيادة إلا من مضي ستة شهور فقط، وإني ألفت أنظاركم إلى الحياة ~~الهنيئة المفعمة باللذات التي يهيئها لكم النصر، إنه يقودكم إلى ~~رومية ويجعلكم سادة مدينة من أعظم مدن العالم صولة وثروة، ولقد كنتم ~~لحد هذا الوقت تحاربون لإحراز المجد أو للسيطرة على الأعداء فقط، أما ~~الآن فإن جهادكم سيمنحكم ما هو أعظم فائدة وأجمل عائدة إذا ~~ظفرتم. # فإن هنالك كنوزا عظيمة تقتسمونها بينكم إذا انتصرنا، وأما إذا ~~انكسرنا فإننا نهلك عن آخرنا، وبما أننا محصورون من كل جانب فلا يوجد ~~لنا ملاذ يمكننا الوصول إليه بالفرار، ولكن كونوا على يقين من أن ~~الفرار متعذر علينا ولهذا يجب أن ننتصر.» # ومن الصعب جدا أن نعتقد أن هنيبال كان يشعر حقيقة، وعن إخلاص، ~~بالثقة التي أوضحها لجنوده في خطابه، فقد كان بدون شك شعر بشيء من ~~المخاوف يومئذ، وفي الواقع أن كل المشاريع التي يقوم بها الإنسان ~~وأدلة النجاح التي تبدو له فيها والآمال المبنية عليها تتبدل مترددة ~~بين اليأس والرجاء من حين إلى آخر، بحيث يكون ما يشعر به من الحصول على ~~الفوز ممزوجا بشيء من الاحتساب والوجل وانقطاع الرجاء. # وهذه الحالة يشعر بها كل الناس شجاعهم وجبانهم نشيطهم وضعيفهم، على ~~أن الشجاع منهم لا يسمح لتذبذب الرجاء واليأس بالتأثير على عمله، ولا ~~يجيز للمخاوف التسلط على تدابيره وإزالة ما في صدره من الثقة، فهو ~~يعتبر أول كل شيء الأمور الجوهرية التي تمنيه بالنجاح، وذلك قبل ~~الابتداء بعمله، ومن ثم يتقدم إلى الأمام شيئا فشيئا تحت كل ~~الظروف، وبالرغم من كل حالة جوية سواء كانت مطرا أو صحوا إلى أن ~~يبلغ الغاية وينال ما هو ساع إليه. # أما غير القدير وغير الخبير والمتردد فلا يجاهد إلا ms064 عندما تبدو له ~~تباشير الرجاء، فالغاية التي يسعى إليها يجب أن تبقى ظاهرة أمام عينيه ~~في كل وقت، فإذا اختفت في ساعة غير منتظرة تذهب ريحه ويرتبك في ~~تدابيره، ولا يعود قادرا على الإتيان بحركة إلا إذا أعادتها التقادير ~~مرة أخرى فمثلتها أمامه. وغني عن البيان أن هنيبال كان من أهل النشاط ~~والتصميم فإن الوقت الذي فكر فيما إذا كان يحرك سواكن غضب ~~الإمبراطورية الرومانية، ويقدم على محاربتها قد بلغ أعظم الدرجات في ~~نظره عندما انتظمت صفوف جيشه على ضفاف نهر إيباروس وقبل أن يعبره، ~~فنهر إيباروس كان في نظره حد الفصلين، فإذا اجتازه لا يعود أمامه إلا ~~الإقدام؛ لأن وقت التردد يكون قد مضى. فالصعوبات التي عاناها من وقت ~~إلى آخر كانت تلقي سحابا قاتما على أنوار آماله، لم تكن إلا ~~لتستزيده تصميما وتجدد فيه روح النشاط والإقدام، ومثل ذلك شعر عند ~~جبال البيرنيه وعند نهر الرون، وبمثله أحس في جبال الألب حيث الأخطار ~~الهائلة والضيقات التي تضعضع القوى البشرية كانت كافية لحمل أي قائد ~~آخر على الرجوع، وقد أصابه الآن مثل ذلك، حيث وجد نفسه مع جيشه محصورا ~~من كل جانب بجبال إيطاليا التي لا يتوقع اجتيازها مرة أخرى، وبما هو ~~عتيد أن يواجهه من جيوش الإمبراطورية الرومانية الراصدة على مقربة منه ~~بقيادة أحد قنصلي رومية. # على أن الخطر المحدق به لم يحمله على الجزع ولا زين له التردد ~~ولا صور له هول الموقف، ولم يكن الجيشان على مرأى الواحد من الآخر، على ~~أنهما كانا في الحقيقة متقابلين على جانبي نهر «بو» وقد خطر للقائد ~~الروماني أن يعبر النهر بجنوده، ويتقدم لملاقاة هنيبال الذي كان ~~بعيدا عن ضفاف النهر أميالا معلومة، ولدى التفكير في كيفية عبور ~~النهر والتدقيق في الوسائل المختلفة قر رأيه أخيرا على ابتناء ~~جسر. # وقد اعتاد القواد إلقاء جسر من أي شكل كان فوق النهر المراد اجتيازه ~~إذا كان عميقا، بحيث يصعب السير فيه إلا إذا كان عريضا وسريع المجرى ~~مما يتعذر معه ابتناء الجسر، ms065 فإذا صادف جيش من الجيوش الصعوبة ~~الأخيرة، فإنه يعبر النهر الذي يعترضه ركوبا في القوارب والأرماث ~~والسباحة، وكان نهر بو في تلك النقطة متقارب الضفتين إلا أنه كان ~~عميقا؛ ولهذا ابتنى سيبيو جسرا. # فقطع الجنود الأشجار القريبة من النهر ونجروها وألقوها في النهر على ~~شكل متعارض أو متصالب، وأنيط بعضها ببعض فأصبحت أرماثا بإزاء بعضها ~~بعضا بين الضفتين، وربطت بالبر من الجانبين فكانت على تلك الصورة ~~أساسا لجسر، ثم وضعوا فوقها الأخشاب وغيرها بحيث صارت طريقا يصلح ~~للمسير، وهكذا سار الجيش على ذلك الجسر بعد أن أوقفت فصيلة من الجند ~~عند طرفيه لتحرسه. # ومثل هذا الجسر يصلح لوقت الحاجة وفي الأنهر ذات المياه الهادئة، ~~كما لو أقيم على بحيرات ضيقة أو مجار بطيئة الجري حيث لا يوجد تيار، ~~وكثيرا ما يبنى مثل هذه الجسر الموقت على مثل هذه المجاري بصورة ~~دائمة، إلا أن أمثال هذا الجسر لا تصلح ولا تثبت فوق الأنهار التي ~~تطغى؛ ذلك لأن شدة ضغط الماء عند طغيانه تحل روابط الجسر، وفضلا عن ~~ذلك فإن النهر يحمل في طغيانه الشيء الكثير من الخشب أو الجليد فيصدم ~~به الجسر لتعذر مرور هذه تحته، ويتكاثر ذلك إلى أن يميل الجسر من ~~صدمته وينقلب بما عليه فيجرفه النهر إلى مصبه. # أما الجسر الذي ابتناه سيبيو فقد سد الحاجة فعبر جيشه عليه إلى ~~الجانب الآخر سالما، ولما درى هنيبال بذلك أدرك أن المعركة قد دنت، ~~وكان هنيبال وجيشه على مسافة خمسة أميال من ذلك المكان، وبينما كان ~~سيبيو يشتغل في بناء الجسر كان هنيبال كعادته من يوم هبط من الجبال ~~مشتغلا في إخضاع القبائل والأمم الصغيرة الموجودة إلى الشمال من نهر ~~«بو». على أن بعضا من هاتيك القبائل قد والته ومالت إلى الانضواء تحت ~~لوائه، والبعض الآخر كانوا حلفاء الرومانيين وأحبوا البقاء ~~كذلك. # فعقد مع الذين والوه المعاهدات وأرسل إليهم النجدات، ووجه جنوده ~~للتنكيل بحلفاء الرومانيين وإخضاعهم، على أنه عندما علم بأن سيبيو قد ~~عبر النهر أصدر أمره بجمع كل فرق ms066 جيشه في مكان واحد تأهبا للعراك ~~المقبل، ثم دعا رؤساء الجيش وأعلن لهم اقتراب ساعة المعركة، وردد على ~~مسامع الجنود جميعا كلمات التشجيع التي تلفظ بها سابقا، وزاد على ~~ذلك بأن وعد الجنود بإعطائهم إقطاعات من الأرض إذا رافق النصر أعلامه، ~~فقال لهم: «إني أعطي كل واحد منكم حقلا حيثما أراد إما في أفريقيا أو ~~في إيطاليا أو في إسبانيا، وإذا فضل أحد منكم المال على الأرض فله ~~ذلك، وعنذئذ يعود كل جندي منكم إلى أهله أو أصدقائه، ويعيش بهناء كما ~~كان قبل الحرب، ويكون محسودا من أولئك الذين بقوا في الوطن، وإذا أراد ~~أحد منكم الإقامة في قرطجنة أجعله وطنيا حرا، بحيث يقدر أن يعيش ~~مستقلا وبشرف.» # ولكن ما هو الضمان الذي يحقق للجنود هذه المواعيد؟ ففي هذا الزمان ~~يكون الضمان بمثابة رهائن أو بمال نقدي، أو بجعل حجج الأرض الموعود بها ~~مع أناس مأمونين، أما في الزمن القديم فإن مثل هذه المعاملات كانت تتم ~~على صورة مختلفة، فصاحب الوعد كان يقيد نفسه بالأيمان المغلظة يصحبها ~~بطقوس دينية معلومة، يراد بها تثبيت ما وعد به وحصر المسئولية في ~~شخصيته. # وهكذا استجلب هنيبال خروفا وأمسكه بيده اليسرى أمام كل الجيش ~~واحتمل باليد اليمنى حجرا ثقيلا، ثم دعا الآلهة بصوت جهوري طالبا ~~إليها إهلاكه كما سيهلك هو ذلك الخروف، إذا أخلف بوعده ولم يتمم ~~تعهداته لرجاله، وعند ذلك ضرب الخروف ضربة شديدة بذلك الحجر فسقط ~~الخروف ميتا عند قدمي هنيبال، وبذلك أصبح هنيبال مقيدا بوعده ~~مرتبطا رسميا بكل ما تعهد به بتلك الحفلة وبذلك الدعاء. # فتضاعفت حماسة الجنود وشجاعتهم بهذه الوعود، وأصبحوا يتوقعون دنو ~~يوم العراك بفارغ الصبر، أما جنود الرومانيين فكانوا فيما أظن في حالة ~~فكرية تختلف عن هذه؛ فقد جرت جوار عدوها من طوالع النحس وتطيروا ~~منها فحملتهم على اليأس والتشاؤم وضيقت منهم الصدور، ومن مدهشات ~~الأمور أن يستسلم الناس لأمثال هذه الحوادث التي تقع بالصدفة ويتأثروا ~~بها، وكانت إحدى تلك الحوادث أن ذئبا أتى إلى المعسكر من غابة ms067 هناك، ~~وبعد أن جرح عددا من الجند أفلت ونجا بنفسه. # والحادثة الأخرى كانت أقل أهمية من هذه، فإن سربا من النحل طار إلى ~~المعسكر، وتعلق في شجرة قائمة فوق مضرب سيبيو، فعد الجند هذا علامة ~~لنكبة تصيبهم قريبا ولهذا خارت قواهم وتولاهم الهلع، ومن أجل هذا ~~كانوا ينتظرون المعركة بخوف واحتساب، بينما كان جنود هنيبال ~~يتوقعونها بشوق وابتهاج وهم شديدو الرغبة في ملاقاة العدو. # أخيرا دنا وقت المعركة واحتدمت نارها بغتة وعلى غير انتظار أحد ~~الجانبين؛ ذلك أن فرقة من جنود كل جيش كانت تزحف متقدمة نحو معسكر ~~الجيش الآخر قريبا من نهر تيسينوس للاستكشاف، والتقيا بالصدفة فبدأت ~~المعركة من تلك الدقيقة، فزحف هنيبال بكل قوته كالسيل الجارف وأرسل ~~فرقة من جيشه في ذات الوقت؛ لكي تهاجم عدوه من الوراء. # عندئذ أخذ الرومانيون في التراجع إلى الوراء بدون انتظام، وأدى ~~بهم التشويش إلى اشتباك الفرسان والرجالة معا فداست خيل الفرسان ~~المشاة وجمحت الخيل لخوفها من الرجال وضوضائهم، وفي خلال ذلك ~~الارتباك أصيب القائد الروماني بجرح، ومن المعلوم أن سيبيو كان ~~قنصلا وهو من رجال البلاد الجديرين بالحرمة والإكرام والرعاية ~~ومقامه أشبه بمقام نصف ملك، فلما علم الضباط والجنود بأن القنصل قد ~~جرح ارتعدوا واضطربوا، وشرعوا في التقهقر إلى الوراء لا يلوون على ~~شيء. # وكان لسيبيو ابن لا يزال في ريعان الشباب اسمه سيبيو أيضا، وكان ~~يحارب بجانب والده عندما جرح، فأسرع إلى حماية والده واحتمله إلى ~~وسط فرقة من الفرسان التي كانت تقيه ضربات العدو، وهي في الوقت نفسه ~~تتراجع شيئا فشيئا، والعدو يلاحقها بضرب يقد الدروع إلى أن وصلت ~~بقائدها الجريح إلى المعسكر، حيث ارتاح الجيش الليل بطوله، وهناك شرع ~~الرومانيون في تحصين موقفهم، أما هنيبال فلم ير من الحكمة اللحاق ~~بهم ومهاجمتهم هناك. # وصبر هنيبال إلى الصباح، أما سيبيو فلما رأى أنه قد جرح وأن جيشه قد ~~خام وتضعضع لم يشأ الصبر إلى الصباح، بل سار وجيشه عند منتصف الليل ~~متراجعا إلى الوراء تحت ستار الظلام، وأبقى نيران ms068 المعسكر مضطرمة ~~وبذل كل عناية؛ لكيلا يدري القرطجنيون بتراجعه ويلاحقوه، فسار الجيش ~~الروماني خفية وبغاية الهدوء إلى أن بلغ النهر، وعبروه على نفس ~~الجسر الذي ابتنوه هناك. # ولما أصبحوا على الجانب الآخر منه قطعوا قيود الجسر في الحال ~~واحتملته المياه إلى نهر «بو»، ومن هناك إلى بحر أدريا حيث طاردته ~~الأرياح إلى الشاطئ في آخر الأمر، واستيقن الرومانيون من أنه لم يعد ~~لهنيبال وسيلة تساعده على عبور النهر واللحاق بهم. # الفصل السابع # | جبال أبنين # عندما أحس هنيبال في صباح اليوم التالي أن سيبيو وجيشه قد تركوا ~~مواقفهم جد على الفور في اللحاق بهم؛ لكي يوقفهم قبل أن يصلوا إلى ~~النهر إلا أنه وصل متأخرا؛ لأن معظم الجيش الروماني كان قد عبر إلى ~~الضفة الأخرى، ولم يبق منه سوى فصيلة عددها بضع مئات من الرجال كانت ~~قد بقيت على جانب هنيبال من النهر لحراسة الجسر إلى أن يعبر كل ~~الجيش؛ لكي يساعد في قطع أوصال الجسر. # فأتمت تلك الجنود مهمتها هذه قبل وصول هنيبال، ولكنها لم تتوفر ~~على الوقت للنجاة إلى الجانب الآخر من النهر، فلما وصل هنيبال وقعوا ~~أسرى في يديه، وبهذه المعركة وبتقهقر سيبيو إلى ما وراء نهر «بو» ~~تغيرت أحوال الرومانيين والقرطجنيين فيما يرمون إليه؛ لأن كل الشعوب ~~القاطنة في شمال إيطاليا التي كانت إما خاضعة للرومانيين أو موالية ~~لهم قد مالت إلى هنيبال، فأرسلوا بعوثا إلى معسكره يعرضون عليه ~~ولاءهم ومناصرتهم. # وفي الواقع أن فريقا كبيرا من الغاليين في المعسكر الروماني وهم ~~مناصرون للرومانيين، وكانوا يحاربون تحت راية سيبيو في معركة تيسينيون ~~تركوه بعد ذلك، واجتمعوا تحت لواء هنيبال بجملتهم وقاموا بهذه الفتنة ~~ليلا، وبدلا من أن يذهبوا إلى معسكر هنيبال سرا متسللين أحدثوا ~~لغطا كثيرا وقتلوا الحراس، وملئوا المعسكر صياحا وتهديدا، وأوقعوا ~~الرعب في قلوب بقية الجنود. # فرحب بهم هنيبال ولكنه كان كثير الحذر وأوفر الدهاء، فلم يجازف في ~~مزج هذه الطائفة الخائنة في جيشه، على أنه بالغ في إكرامهم والحفاوة ~~بهم وعاملهم بمنتهى الملاطفة، وأتاح ms069 لهم الرجوع إلى أوطانهم مثقلين ~~بالهدايا وأوصاهم بالسعي لما يؤيد مصلحته بين القبائل التي أتوا ~~منها، وكان جيش هنيبال قد ازداد شجاعة وكبرت آماله بما جرى في بدء ~~هذه الحرب، وهكذا أخذ في الاستعداد الضروري لعبور النهر. # فمن الجنود من ابتنوا أرماثا ومنهم من سار إلى أعالي النهر بقصد ~~العثور على رقراق يعبرون منه، ومنهم من قطع النهر سباحة، وكانوا في ~~قطعهم النهر على تلك الصورة مطمئنين غير مبالين؛ لأن الرومانيين لم ~~يرصدوا لهم ولا وقفوا ليصدوهم عن ذلك، بل ولوا الأدبار ممعنين في ~~الهزيمة بأسرع ما استطاعوه وهم حاملون سيبيو الذي أخذت جراحه في ~~التورم والفساد، وسببت له الآلام الشديدة. # وفي الواقع أن الرومانيين كانوا قد خاموا ويئسوا لما رأوه من الخطر ~~المحدق بهم، وحالما وصل الخبر إلى المدينة أسرعت الحكومة بإرسال سعاة ~~إلى سيسيليا؛ لاسترجاع القنصل الآخر وكان اسمه سمبرونيوس، ويذكر القراء ~~أنه عندما ألقيت القرعة بينه وبين سيبيو قضت على هذا الأخير بالذهاب ~~إلى إسبانيا؛ ليوقف زحف هنيبال وتعين على سمبرونيوس الذهاب إلى ~~سيسيليا؛ لكي يمخر من هنالك إلى أفريقيا. # وكان الغرض من هذه الخطة مهاجمة قرطجنة وتهديد القرطجنيين في ~~أوطانهم؛ لكي يشغلوهم هناك ويمنعونهم من إرسال النجدات إلى هنيبال، ~~ويلجئوهم إن أمكن إلى استدعائه من إيطاليا؛ لكي يذود عن حياضهم ويدافع ~~عن عاصمتهم. # أما الآن وقد اجتاز هنيبال جبال الألب وتجاوزها إلى ما وراء نهر ~~«بو»، وهو زاحف على رومية وسيبيو مثخن بالجراح وجيشه منهزم أمامه لا ~~يلوي على شيء، فقد اضطر الرومانيون إلى العدول عن تهديد قرطجنة، ~~وأنفذوا الرسل إلى سمبرنيوس يأمرونه بالرجوع إلى رومية؛ ليساعد في ~~الدفاع عنها، وكان سمبرونيوس معروفا بحدة المزاج لخوض ~~الغمرات. # فرجع في الحال إلى إيطاليا وجند عساكر جديدة لجيشه واقتاده ~~زاحفا نحو الشمال؛ للاجتماع بالقائد سيبيو على نهر «بو»، وكان سيبيو ~~يتألم من جراحه الخطرة بحيث لا يقوى على إدارة أمور جيشه، وقد تقهقر ~~ببطء أمام هنيبال فزاد المسير في آلامه التي نفرت وجاشت بسبب حركات ~~السفر الدائم، فوصل ms070 على تلك الحالة إلى ثرابيا وهو نهر صغير يجري ~~شمالا ويصب في نهر «بو» وعبره، على أنه رأى نفسه عاجزا عن متابعة ~~المسير بالنظر إلى اشتداد الآلام، فأوقف الجيش وأمره بأن يعسكر هناك ~~وأقام التحصينات حول معسكره وتأهب للوقوف في وجه العدو. # ولحسن طالعه انكشفت غمته بوصول سمبرونيوس وجيشه إليه وهو هناك ~~فاتحد الجيشان، وهكذا التقى هناك قائدان، وكان نابوليون يقول: إن ~~قائدا جاهلا خير من قائدين خبيرين؛ ذلك لأن من الأمور الجوهرية للفوز ~~في كل الحركات العسكرية حصول السرعة والثقة والتصميم بدون أقل تردد، ~~وهو لا يتم إلا إذا توحدت القيادة وصدر الرأي عن فكر واحد ~~مستقل. # وقد صح قول نابوليون هنا؛ فإن سمبرونيوس وسيبيو اختلفا على الخطة ~~التي يجب العمل بها؛ إذ إن سمبرونيوس أراد مهاجمة هنيبال مباشرة أما ~~سيبيو فأشار بالتأني، وعزا سمبرونيوس تردد سيبيو عن الابتداء بالعراك ~~إلى الذعر الذي استولى عليه وانحلال عزيمته بما ناله من جراحه، أو ~~أنه مدفوع بالحسد من أن يحرز سمبونيوس شرف البطش بالقرطجنيين وحده، ~~بينما سيبيو طريح الفراش في مضربه، وكان سيبيو من الجهة الأخرى يظن أن ~~سمبرونيوس غير مترو أو أنه مغامر في تصميمه على خوض المعمعة لمجالدة ~~عدو لا يعرف عن قوته وبطشه شيئا. # وفيما كان القائدان مختلفين في الرأي بشأن العراك المقبل حدثت ~~مناوشات غير ذات بال بين طرفي الجيش، ظن سمبرونيوس عندها أن الميزة ~~حاصلة بجانبه، فزاد ذلك في تهوسه وعول على استجلاب عراك عمومي، ~~وأصبح كارها لتردد سيبيو وحذره، وقال لسيبيو: «إن الجنود تائقة إلى ~~الكفاح وهي قوية وعلى جمام، فمن الحماقة أن نمسكها عن ذلك بسبب تراخي ~~رجل واحد مريض، وفضلا عن ذلك ما الفائدة من التأجيل؛ فنحن على أتم ~~أهبة لمنازلة القرطجنيين أكثر من أي وقت آخر. # ثم إنه لا يوجد قنصل ثالث نتوقع مجيئه لمناصرتنا، وأي عار يلتحق ~~بنا نحن الرومانيين الذين اقتدنا جيوشنا في الحروب الماضية إلى أبواب ~~قرطجنة بالذات، إذا سمحنا لهنيبال بالسيطرة على كل شمالي إيطاليا بينما ~~نحن نتراجع ms071 أمامه بالتدريج خائفين من منازلة جيشه طالما أنزلنا به ~~العبر في الماضي.» ولم يخف على هنيبال ما كان بين القائدين الرومانيين ~~من الخلاف؛ فجواسيسه أنبئوه بكل ما جرى ، وقالوا له إن سمبرونيوس ~~متهوس للقتال أكثر من سيبيو، ففكر هنيبال في استدراج سمبرونيوس ~~للعراك في وقت ومكان، يكونان مناسبين لهنيبال وغير ملائمين ~~لسمبرونيوس. # فرسم لذلك خطة نجحت أيما نجاح، وجاءت نتيجتها مماثلة للخطط الكثيرة ~~التي سطرها التاريخ للقائد القرطجني معترفا له بالدربة والدهاء في ~~التدبير، وهي مع غيرها من تدابيره التي حملت الرومانيين على اتهامه ~~بالخدع والمكر في حروبه. وكانت خطة هنيبال عبارة عن سحب الرومانيين من ~~معسكرهم في إحدى ليالي شهر كانون الأول المظلمة الشديدة البرد وحشرهم ~~في النهر، وذلك النهر كان نهر ثرابيا الذي يجري شمالا، ويصب في نهر ~~«بو» بين معسكر الرومانيين ومعسكر القرطجنيين. # وكان من تدبيره في ذلك أن يرسل قسما من جيشه عبر النهر؛ ليهاجم ~~الرومانيين في الليل أو عند انبثاق الفجر مؤملا من ذلك إرغام ~~سمبرونيوس على الخروج من معسكره ليهاجم القرطجنيين، فإذا فعل تعين على ~~القرطجنيين أن يسرعوا الرجعة، فيعبروا النهر على رجاء أن يلاحقهم ~~سمبرونيوس مدفوعا إلى ذلك بحماسة القتال وما يراه من انهزامهم، ~~عندئذ يكون لدى هنيبال جيش احتياطي قوي بقي مستريحا وفي دفء، فيخرج ~~ويهاجم الرومانيين بنشاط وبسالة لا يعتورهما ضعف، بينما يكون ~~الرومانيون قد تعرضوا للبرد والبلل، وتشوش نظامهم من جراء ~~ارتباكهم في عبور النهر. # وكان من تدابير هنيبال أيضا أن يجعل قسما من جيشه في كمين وراء ~~أشجار غضة، يتخللها الشيء الكثير من الأعشاب العالية وهي كائنة ~~قرب الماء، وذهب هنيبال بنفسه لفحص ذلك المكان فوجد العشب فيه ناميا ~~إلى حد يستر معه الفارس بحيث لا يرى منه شيء، فقر رأيه على إرصاد ~~ألف راجل وألف فارس هناك، وانتخبهم من أبرع وأشجع رجاله وكان اختياره ~~إياهم على الصورة التالية: # استدعى أحد أركان حربه إلى تلك البقعة وأوضح له بعض مقاصده، ثم أمره ~~بأن يذهب وينتخب مائة من الفرسان ومائة ms072 من المشاة من أفضل أبطال ~~الجيش، فلما أحضرهم تأمل فيهم هنيبال برضا وارتياح، ثم قال: «نعم، ~~أنتم الرجال الذين أحتاجهم لهذا الموقف ولكن بدلا من مائتين أحتاج ~~إلى ألفين، فارجعوا كلكم إلى الجيش، ولينتخب كل واحد منكم تسعة رجال ~~مثله في النشاط والقوة.» ولا حاجة إلى القول إن أولئك قد سروا ~~كثيرا بما طلبه منهم القائد، وأنموا رغائبه من هذا الوجه. # وهكذا اجتمع ذلك الجيش هناك مختبئا في خلال ذلك الضراء الذي ~~تقدم ذكره حيث رصد للرومانيين؛ ليوقع بهم بعد أن يعبروا النهر، ~~وترك هنيبال أيضا قسما كبيرا من جيشه في معسكره بالذات متأهبا ~~للقتال، وأوصاهم بتناول الأكل والاستراحة والاستدفاء إلى أن يصدر إليهم ~~الأمر بالذي ينتظر منهم القيام به، ولما أتم هذه التدابير على ما ~~تقدم البيان أرسل فرقة من الفرسان لتعبر النهر، وتحاول بعد ذلك ~~إزعاج الرومانيين وإرغامهم على الخروج من معسكرهم واللحاق بها. # قال لهم هنيبال: «اذهبوا واعبروا النهر وازحفوا على معسكر ~~الرومانيين وناهضوا الحراس هنالك، وعندما يهب الجيش إلى مهاجمتكم ~~تقهقروا بتمهل أمامهم إلى أن تعبروا النهر.» # ففعلت تلك الفرقة العسكرية كما أمرها هنيبال تماما؛ وصلت إلى ~~معسكر الرومانيين عند انبثاق الفجر - لأن هنيبال أراد إخراج ~~الرومانيين من معسكرهم قبل أن يتناولوا طعام الفطور - فهب سمبرونيوس ~~عندما أحس بها، وأمر جنوده بالإسراع إلى أسلحتهم متوهما أن الجيش ~~القرطجني بجملته يهاجمه، وكان صباح ذلك اليوم باردا وكانت الرياح تهب ~~بشدة والجو قاتما يتخلله المطر والثلج، بحيث لا يرى الإنسان ما ~~حوله. # وهكذا خرج الرومانيون فرسانهم ومشاتهم صفا صفا من معسكرهم، ~~وهجموا على القرطجنيين الذين تراجعوا إلى الوراء على مهل، فتحمس ~~سمبرونيوس كثيرا عندما بانت له سهولة اندحار مهاجميه، وظن أن النصر ~~قد تم له عليهم فلاحقهم، وثابر على اللحاق بهم إلى أن بلغ النهر - ~~وكما توقع هنيبال لم يقف عند ذلك الحد من تأثرهم، ولا اكتفى بالوقوف ~~عند ضفة النهر، فعندما اندفع فرسان القرطجنيين في الماء طالبين الجانب ~~الآخر، تبعهم الرومانيون فرسانا ومشاة. # وكان ذلك النهر صغيرا ms073 إلا أنه في ذلك اليوم طما ماؤه بسبب تهطال ~~الأمطار في الليل الذي مضى، وكان الماء بالطبع باردا جدا، فالفرسان ~~اجتازوه من غير أن يلحقهم أذى، وأما المشاة فقاسوا البلاء المر من ~~البلل والبرد القارس، ذلك فضلا عن الجوع الذي هد قواهم؛ إذ إنهم ~~لم يكونوا أكلوا شيئا في ذلك الصباح لاستعجالهم في مهاجمة الأعداء، ~~فنالتهم النهكة وأثر عليهم التعب إلى الحد النهائي. # على أنهم بالرغم من ذلك جدوا في ملاحقة أعدائهم، وصعدوا على ~~ضفة النهر بعد أن خاضوا متدفقات مياهه، وهناك التأم شملهم واستجمعوا ~~صفوفهم وأمعنوا في اللحاق بالقرطجنيين المتراجعين أمامهم، وعندئذ ~~فاجأهم جيش هنيبال الراصد على مقربة من النهر، وهو على أتم استعداد ~~وعلى جمام ودفء وفتك بهم فتكا ذريعا، فهالهم الأمر الذي لم يكن في ~~حسبانهم وتولاهم الذعر من المباغتة التي انقضت عليهم من الوراء بين ~~صيحات كالرعد القاصف، فانخلعت قلوبهم وسقطوا تحت ضربات أعدائهم من ~~الأمام والوراء. # وجاءت هذه الحركات بصورة سريعة جدا، بحيث تولى الرومانيين الذهول ~~والجزع لما لقوه من هول الموقف بعيدين عن معسكرهم، وقد خارت منهم ~~القوى في الركض وفي اجتياز مياه النهر، وأطبق عليهم رجال هنيبال من كل ~~جانب فأبلوا فيهم بلاء حسنا، فحاروا في أمرهم ولم يدروا بأية طريقة ~~يتخلصون من تلك الورطة المشئومة، وعندها تراجعوا بكل صعوبة إلى النهر ~~فوصلوه من أماكن مختلفة مشتتين متفرقين، فوجدوه طاميا وقد غطت ~~المياه التي طغت كل مكان على ضفتيه، فلم يعرفوا من أين ينزلون إليه ~~ولا كيف يعبرونه وهالهم طغيان المياه كثيرا. # ولما تمزق شمل الجيش الروماني على تلك الصورة المخيفة توقف ~~القرطجنيون عن متابعة القتال، فهم كانوا مثل أعدائهم قد تبللوا ~~وتعبوا فلم يروا من أنفسهم مقدرة على متابعة العدو الهارب، وحاول ~~عدد كبير من الجيش الروماني عبور النهر فنزلوه هربا من الأعداء، ~~فاحتملتهم مياهه الطاغية في مجراها وأغرقتهم ولم يقو أحد منهم على ~~مقاومة التيار؛ لما كانوا عليه من الخوف والتعب، وبعضهم اختبئوا في ~~الأماكن المستورة عن القرطجنيين، ومن ثم اصطنعوا ms074 أرماثا عبروا عليها ~~إلى الجانب الثاني من النهر. # وكانت جنود هنيبال قد تبللت إلى حد الأجسام وبردت، ونالها من التعب ~~ما بلغت به حد الإعياء فلم تشأ ملاحقة الرومانيين، فاجتاز هؤلاء النهر ~~على مهل، على أن الكثيرين منهم بالرغم من ذلك غرقوا وجرتهم المياه ~~في تيارها إلى أبعاد مختلفة وأهلكت منهم العدد الكبير، وكان إذ ذاك ~~شهر كانون الأول كما تقدم القول، فرأى هنيبال أن الطقس لا يساعد على ~~ملاحقة الأعداء، ولكنه وجد الطريق إلى جبال أبنين مفتوحة أمامه بعد ~~انكسار سمبرونيوس؛ لأن لا هذا ولا سيبيو يستطيعان الآن الوقوف في وجهه ~~إلا بعد أن تصلهم نجدات جديدة قوية من رومية. # وفي مدة فصل الشتاء اشتبك هنيبال وجيشه في معارك جديدة مع بقايا ~~الجيش الروماني المنهزم، ومع بعض القبائل الوطنية المجاورة لهاتيك ~~الأنحاء، وقاسى مشقات كثيرة لا سيما في توفير القوت لرجاله إلا أنه ~~تمكن بعدئذ من إرشاء حاكم إحدى القلاع الرومانية؛ حيث كانت تحتوي على ~~أقوات كثيرة فدفعها الحاكم إلى هنيبال فأصبح بعدها موفور القوت، على ~~أن سكان هاتيك الأماكن لم تكن ميالة إليه ولا راضية عنه وقد حاولت في ~~غضون الشتاء عرقلة مساعيه، والتهجم على رجاله بكل ما لديها من ~~قوة. # فلما رأى تحرج موقفه هناك سار جنوبا، وصمم في آخر الأمر، بالرغم من ~~رداءة الطقس، على اجتياز جبال أبنين. وعندما يلقي القارئ نظرة على ~~خارطة إيطاليا يجد أن نهر «بو» الكبير يمتد عبر شمالي إيطاليا كله، ~~وأن وادي أرنو ووادي أمبرو واقعان إلى الجنوب منه منفصلان عنه بسلسلة ~~من جبال أبنين، وهذا الوادي الجنوبي هو وادي أتروريا في الجنوب، فقر ~~رأي هنيبال على اجتياز الجبال للوصول إلى أتروريا على نية أن يجد ~~هنالك طقسا دافئا وسكانا أميل إليه، ويكون بذلك أقرب إلى ~~رومية. # وإذا كان هنيبال قد قهر جبال الألب فجبال أبنين قهرته؛ فإنه عندما ~~بلغ أرفع ذراها هبت عليه عاصفة هوجاء، وكان البرد قارسا إلى الغاية ~~والهواء يهب بشدة، فيحمل الثلج وحب الغمام ويدفعها على وجوه ms075 الجنود ~~فيسدل على عيونهم نقابا كثيفا يجعل متابعة السير عليهم مستحيلة، ولما ~~أعيوا عن مقاومة العناصر وقفوا وأداروا ظهورهم للرياح، ولكن العواصف ~~تضاعفت في الشدة وجاء معها رعود وبروق أزعجت الجنود وأوقعت الرعب في ~~قلوبهم؛ لأنهم كانوا في قمم الجبال ملتحفين بالغيوم التي كان البرق ~~والرعد ينبعثان منها. # ولم يشأ هنيبال النكوص إلى الوراء، فأصدر أوامره إلى الجيش بالنزول ~~في تلك البقعة، وفي أفضل ملجأ منها استطاعوا العثور عليه فضربوا ~~الخيام؛ ولكنها لم تثبت في وجه العواصف؛ إذ كانت قد اشتدت في الهياج ~~فقلبت عمد الخيام واقتلعت الجنفيص من معالقه، فكان بعضه يتمزق قطعا ~~وتحمله الأرياح، وكان ذلك على الأفيال أو ما بقي حيا منها أشد منه ~~على الناس، فخارت قواها من البرد الشديد وماتت فلم يبق منها حيا إلا ~~فيل واحد. # إذ ذاك أمر هنيبال الجيش بالتراجع من ذلك المكان فعادوا إلى وادي ~~«بو»، ولكن هنيبال كان قلقا هناك؛ لأن السكان كانوا منزعجين من وجوده ~~بينهم، ذلك لأن جيشه قد التهم أقواتهم وخرب بلادهم وعكر كأس ~~سلامتهم وهنائهم، فشعر هنيبال بأنهم سيكيدون له ليقتلوه إما بالسم أو ~~بغيره؛ ولهذا كان كثير الحذر والاحتياط لاتقاء شرهم، وكانت له ملابس ~~عديدة مختلفة وشعور عارية يلبسها عند التنكر، فيظهر كل يوم بحلة ~~تختلف هي وشعر الرأس عن غيرها باللون والزي. # عمد إلى هذه الطريقة لكيلا يعرفه القتلة من وصف منظره ويغتالوه؛ إما ~~في مضربه أو في مكان آخر، ولكنه بالرغم من ذلك كان كثير القلق عظيم ~~المخاوف على حياته، بحيث إنه لم يصدق أن أقبل الربيع حتى رحل وجيشه ~~لاجتياز تلك الجبال ففاز بذلك هذه المرة، ولما هبط من الجبل على ~~الجانب الجنوبي علم أن جيشا رومانيا جديدا بقيادة قنصل جديد يزحف ~~من ناحية الجنوب للقائه، فتاق إلى مواجهة هذه القوة الجديدة، وأسرع ~~المسير في أقرب الطرق لملاقاتها. # على أنه وجد أن هذه الطريق تؤدي به إلى القسم الأدنى من وادي أرنو ~~وهو واد عريض جدا، ولكن مع أن عبوره سهل على ms076 الغالب؛ فقد كان ~~يومئذ طاغيا لتدفق المياه عليه من الثلوج التي كانت تذوب في رءوس ~~الجبال، وفي الواقع أن هاتيك البلاد كانت عبارة عن مستنقعات وآجام لا ~~حد لها يصعب المسير فيها، ومع ذلك فقد صمم هنيبال على اجتيازها فعرض ~~جيشه لصعوبات ومخاطر كثيرة زادت في هولها على ما لقيه في جبال ~~الألب. # فالمياه كانت قد بلغت الربى في طغيانها، وهي تزداد طغيانا على ~~الدوام حتى غصت بها المجاري ومنخفضات الأرض، وطمت بعد ذلك على ~~السهول كلها، وكان الماء عكرا كثير الكدورة بحيث تصعب رؤية أعماقه ~~وما تحته، فكانت الجنود في خوضها إياه تغرق في الحفائر والوحول، فلا ~~تعود تتمكن من الخلاص، وقد غرق عدد كبير منها على هذه الصورة. # وكانت الجنود تعبة خائرة القوى من البلل والبرد الشديد، ومن تعرضها ~~لذلك على الدوام، وقد انقضى عليها أربعة أيام بلياليها في هذا المأزق ~~الحرج، ولم تتجاوز في جهودها مسافة كبيرة؛ لأن السير كان بطيئا ~~جدا، ولم يذق الجنود في تلك المدة طعم النوم، بل كان الكثيرون منهم ~~يستندون على أسلحتهم يركزونها في الماء ليغفوا قليلا، حتى إن هنيبال ~~نفسه كان مريضا فأصيب بتورم في عينيه أضر بإحداهما في آخر الأمر ~~فلم يعد يبصر بها. # على أنه لم يكن متعرضا للعناصر مثل ضباطه؛ ذلك لأنه كان قد بقي معه ~~فيل واحد من كل الأفيال التي جلبها معه، فكان في غضون الأربعة أيام ~~راكبا ذلك الفيل بحيث لم يمسه الماء، وقد سير أمامه رجالا ~~يتجسسون للفيل أفضل الطرق، فاستعان بهم وبالفيل على قطع الوحول ~~والمياه سالما. # الفصل الثامن # | المتسلط المطلق فابيوس # وعندما كان هنيبال يجد في سيره متجها نحو أبواب رومية كان ~~سكانها في خوف وقلق عظيمين إلى أن تفاقم أمر الرعب بينهم وشمل سائر ~~الطبقات ولا سيما العليا منها، وأصبح العامة والجنود معا في رعدة ~~متناهية، وكانت الحكومة قد جندت جيشا جديدا بقيادة قنصل جديد؛ لأن ~~مدة القنصلين الحاليين كانت قد انتهت. # واسم هذا القنصل الجديد فلامينيوس، فتولى قيادة الجيش الجديد ms077 وزحف به ~~شمالا، وهنيبال إذ ذاك يعاني البلاء والعناء في قطع هاتيك المستنقعات ~~والآجام والسباخ حوالي نهر أرنو، ولم يكن حظ هذا الجيش أفضل من حظوظ ~~من سبقه من الجيوش، فإن هنيبال فكر حال سماعه به في جره إلى أحبال ~~ينصبها له كما فعل بجيش القنصل سمبرونيوس قبله، وكان ذلك في القسم ~~الشرقي من أتروريا على مقربة من الجبال، وعند بحيرة اسمها ~~تراسمين. # وقد صدف أن هذه البحيرة تمتد إلى قاعدة الجبال، فلا يبقى بين مائها ~~وبين الجبل إلا ممر ضيق لا يزيد في اتساعه على عرض طريق متوسطة، ~~فعقد هنيبال النية على إرصاد فصيلة من الجند في كمين عند سفح الجبل ~~وفرق أخرى من الجيش في سفوح الجبل وشقوقه وأغواره، وأن يستجر ~~القائد فلامينيوس مثل سمبرونيوس ناري المزاج عظيم الثقة بنفسه وكثير ~~التهوس إلى حد الحماقة والاندفاع بدون ترو. # فكان يحتقر قوة هنيبال ويهزأ به ويظن أن فوزه في المعارك الماضية ~~قد تأتى عن تهاون القواد الآخرين وترددهم، وهو لذلك كان يتوق إلى ~~الالتقاء به في الحال؛ لاستيقانه من أن الانتصار عليه من الأمور ~~الهينة، وعلى هذا الزعم زحف متقدما بإقدام وقلة مبالاة إلى مضيق ~~تراسمين، وهناك علم أن هنيبال معسكر وراء ذلك المضيق. # وكان هنيبال قد عسكر في مكان مرتفع مفتوح من كل الجوانب عبر المضيق، ~~فلما وصل فلامينوس وجيشه إلى أضيق مكان في المضيق رأوا معسكر هنيبال ~~على مسافة قريبة بينهم وبين معسكره وآخر المضيق سهل واسع، وتوهموا أن ~~جيش العدو بجملته مرابط هنالك، فلم يخطر لهم ببال أن هنالك أقساما من ~~جيش العدو راصدة في أخاديد الجبال فوقهم، وهي تطل عليهم من مكامنها ~~بين الآجام والصخور وتتربص بهم ريب المنون. # فلما اجتاز الرومانيون المضيق انتشروا فوق السهل المنبسط بعده ~~وزحفوا نحو خيام العدو، عندئذ باغتتهم الجنود الكامنة منقضة كالسيل ~~من سفوح الجبال واستولت على المضيق، وفي الوقت نفسه هجمت على مؤخر ~~الجيش الروماني، بينما كان هنيبال وبقية جيشه يهاجمونهم من الأمام، ~~ودارت إذ ذاك معركة دموية ms078 هائلة بين الجيشين كان الخذلان في كل جهة ~~منها نصيب الرومانيين الذين انحصروا عندئذ بين البحيرة والجبل ~~والمضيق، بحيث تعذر عليهم التراجع والفرار، وأعمل الجيش القرطجني ~~فيهم القتل الذريع فأفناهم كلهم تقريبا؛ حتى إن فلامينيوس نفسه وقع ~~قتيلا. # فانتشرت أنباء هذه المعركة في كل مكان وأحدثت ضجة في البلاد وشغبا ~~في الشعب، وأرسل هنيبال رسلا إلى قرطجنة يعلن لها أمر انتصاره ~~النهائي على عدوه القوي فتلقت قرطجنة هذه البشائر بالابتهاج العظيم. ~~على أن خبر تلك الكسرة المشئومة من الجهة الأخرى وقع على أهل رومية ~~وقوع الصواعق، فارتاع الناس لهول النكبة وهال الحكومة ما بدا لها من ~~خيبة الآمال وانسحاق جيوشها، وتولاها الرعب من غوائل انتصار ~~هنيبال. # وبان لحكومة رومية أن الرجاء الأخير من مقاومة ذلك العدو القاهر قد ~~انقطع، وأنه لم يبق أمامها سوى الاستسلام لليأس وانتظار تدفق صفوف ~~جيشه في بوابات رومية مكتسحة سالبة، وكان سكان رومية في الواقع حاسبين ~~لحدوث الاضطراب والرعب في المدينة؛ لأن مخاوفهم قد تفاقمت وتضاعفت على ~~مرور الأيام، وقد تم الذي توقعوه وحذروه. ومن المعلوم أنه في مثل هذه ~~الأوقات الحرجة يكثر اللغط ويحسب الناس حسابا لأقل شيء يبدو لهم مما ~~لا يعبئون به في غير ذلك الوقت، وتتعدد الروايات وتتجسم الأخبار ~~ويبالغ معيدوها فيها إلى حد تستولي على الأذهان، وتولد في العقول ~~رعبا وفي القلوب انسحاقا وفي الأذهان وقرا. # وبلغ الرعب والهول من القوم مبلغا أصبحوا معه يتشاءمون من كل حركة ~~وكل علامة؛ جريا على تسليم أهل ذلك الزمن بالخرافات المختلفة، فكانت ~~الحكومة تبذل الوسع في إزالة مخاوف الناس وتحاول نفي ما يعلق في ~~أذهانهم من غضب الآلهة عليهم، ثم أشارت بتقديم الضحايا لاسترضاء ~~الآلهة، وهي ترمي بذلك على حمل الناس على الهدوء والطمأنينة والثبات ~~في وجه الخطر المقبل. # ومن جملة هذه الأوهام وآيات التشاؤم التي استولت على أهل رومية ~~عندما كان هنيبال يزحف عليها من كل صوب في غضون الشتاء وأوائل الربيع ~~ما نورده بالإيجاز. من ذلك: أن ثورا فلت من حظائر ms079 الماشية ودخل أحد ~~البيوت وضاع رشده فهام في المنزل وصعد في درجه إلى الطبق الثالث، ~~ولما أزعجه القوم الذين يطاردونه بصياحهم الشديد ذعر ورمى بنفسه من ~~إحدى النوافذ ، فسقط على الأرض. # ومنها: أنه ظهر في جلد السماء نور بشكل سفن كثيرة. # ومن ذلك: أن أحد الهياكل أصيب بصاعقة، واهتزت الحربة الموجودة في ~~قبضة تمثال جونو، وهي إحدى آلهتهم بدون أن تمسها يد، وحمل خوف الناس ~~بعضهم على رؤية أشباح أناس بثياب بيض في مكان معلوم، وسطا ذئب على ~~معسكر الجند واختطف سيفا من يد أحد الجنود وفر هاربا به، وبدت ~~الشمس للقوم في ذات يوم أصغر من حجمها العادي، وأبصر القوم أيضا في ~~ذات يوم قمرين معا في السماء وذلك في النهار، وكان أحد القمرين هالة ~~من الغيم الأبيض دون ريب، وسقطت أحجار من السماء في مكان يسمى ~~بيسانوم، وهذا أمر خارق العادة ولهذا كان مخيفا وموجبا للرعب ~~الشديد. مثل هذه الحوادث التي قد يكون بعضها صحيحا، كانت دون ريب ~~موجبة للدهشة والجزع إلا أنها بالرغم من ذلك لم تكن من الدلائل على ~~النكبات التي لا بد من حدوثها، وكل هذه الأمور وغيرها من التي ~~توهم الناس أنهم شاهدوها رفعت إلى مجلس الشيوخ ليرى رأيه في الأمر، ~~ورأى الناس أمورا غريبة غيرها، ومنها درعان شوهدتا في معسكر للجنود ~~تقطران دما. # قيل إن بعض الناس كانوا يحصدون فسقطت في سلالهم سنابل دموية اللون ~~من القمح، وهذا قد كان وهما دون ريب إلا إذا كان أحد الحصادين أصيب ~~بجرح في أصبعه من المنجل فصبغ بدمه السنابل. وقالوا إن بعض السواقي ~~والينابيع جرت دما، وأن المعزى في بعض الأماكن تحولت إلى خراف، وأن ~~دجاجة صارت ديكا، وديكا تحول إلى دجاجة وغير هذا شيء كثير. # فأمثال هذه الخرافات المضحكة ما كانت لتلاقي أقل اهتمام، لولا ~~درجة الأهمية المتعلقة بها من حيث اقتراب الخطر العام، على أنها رفعت ~~إلى مجلس الشيوخ وهذا استدعى الناس الذين رأوها واستنطقهم في شأنها، ~~وخاض القوم في مجادلات طويلة بشأن ms080 الطريقة الواجب العمل بها لاتقاء ~~الشر الذي سينجم عن هذا التشاؤم. # فقر رأي المجلس على إفراز ثلاثة أيام للتوبة وتقديم الضحايا يقوم ~~فيها الناس بالصلوات، ومراعاة الطقوس الدينية على اختلافها توسلا بذلك ~~إلى تلطيف غضب السماء، فقدمت ضحايا كثيرة متنوعة لآلهة متنوعة بينها ~~حجر صاعقة من الذهب ثقله خمسون بوندا صنع خصيصا لجوبتير ~~«المشتري» الذي كانوا يلقبونه بالرعاد. وكل هذه الأعمال أجريت قبل ~~معركة تراسمين؛ ولهذا كان الناس قبل سماع أخبارها بين اليأس والرجاء ~~والتحمس الشديد يتوقعون بفارغ الصبر وصول أنباء القائد فلامينيوس ~~عنها ليعلموا ما الذي جرى. # فلما جاءت أنباء ذلك القائد اضطربت المدينة من أقصاها إلى أقصاها، ~~وضج الناس ضجة الاحتساب من غوائل انتصار العدو وانكسار الجيش ~~الروماني. ومعلوم أن الرسول ذهب توا إلى مجلس الشيوخ ليبلغ ما معه من ~~الأخبار المحزنة إلى الحكومة رأسا، ولكن حكاية ما يحمله من الأخبار عن ~~الانكسار المشئوم كانت قد انتشرت في المدينة كلها، وتسارع الناس إلى ~~الشوارع للوقوف على الحقيقة، حتى غصت بهم ساحاتها على رحبها. # وذهب جم غفير إلى مجلس الشيوخ وهناك طلبوا من الحكومة إطلاعهم على ما ~~تم بالجيش، فأطل أحد الموظفين عليهم من إحدى الشرفات، وخاطبهم بصوت ~~عال قائلا: «لقد انكسرنا في معركة هائلة.» ولم يزد على هذا شيئا آخر، ~~وأخيرا تسربت الأخبار من المجلس إلى الناس، فعلموا منها أن هنيبال قد ~~انتصر على الجيش الروماني وقهره في معركة عظيمة، وأن عددا كبيرا من ~~الجنود الرومانيين قد صرعوا أو أسروا وأن القائد نفسه قد ~~ذبح. # وانقضى ذلك الليل على قلق ورعب عظيمين، وفي اليوم التالي والأيام ~~العديدة التي تلت كان الناس يتجمهرون حول أبواب قاعة المجلس سائلين ~~بلهفة وفروغ صبر عن الأنباء الجديدة التي جاء بها القادمون من داخلية ~~البلاد، وبعد ذلك بقليل أخذت فلول الجنود أفرادا وجماعات تتوارد إلى ~~المدينة حاملة معها أخبارا ومعلومات كثيرة عن المعركة، وكل واحد من ~~أولئك الجنود يروي حكاية تختلف عن غيرها بناء على اختباراته الخصوصية ~~في المعركة. # وكان عندما يصل أمثال ms081 أولئك الجنود يتألب عليهم الناس، ولا سيما ~~النساء اللواتي لهن أزواج أو أولاد في الجيش ويلقين عليهم الأسئلة ~~العديدة، ويرغمنهم على إعادة قصصهم المرة بعد المرة، حتى كأن قلق ~~الناس وتحرج صدورهم لم يكونا ليكتفيا بالرواية الواحدة. وكانت الروايات ~~المختلفة التي قصها أولئك الجنود متفقة في خلاصتها من حيث إثبات ما ~~كان الناس السامعون يخشونه، على أنه كان يصدف في بعض الأحيان أن ~~يتلفظ أحد الجنود باسم زوج أو ابن نجا، فيحدث ذلك ارتياحا وفرحا ~~عند البعض، كما يحدث عكسه حزنا وقنوطا عند الآخرين. # وقد كانت المحبة الوالدية أو حنان الأم في تلك الأيام مثله أو أشد ~~منه في يومنا هذا، يدل ذلك على أن اثنتين من الأمهات كانتا قد أخبرتا ~~أن ابنيهما قد قتلا في المعترك، وفي ذات يوم وصل الابنان إلى المدينة ~~وهما في أحسن صحة وسلامة جسم، فلما وقع نظر الأمين على ولديهما سقطتا ~~ميتتين في الحال، كأنهما أصيبتا بضربة شديدة وذلك لفرط فرحهما ~~وانفعالهما. # وكانت عادة الرومانيين أوقات اقتراب الخطر العظيم من البلاد أن ~~يقيموا مسيطرا مطلق السلطة فعالا لما يريد، ويكون مطالبا بالذود ~~عن حياض الوطن ووقايته من النكبات بإجراء ما يراه كفيلا بسلامة ~~البلاد، وقد أوجبت الضرورة في هذا الحين الالتجاء إلى اتخاذ مثل ذلك ~~التدبير، ولم يكن الوقت منفرجا حينذاك للبحث والمجادلات؛ لأن التردد ~~والجدال في أوقات الشدة والحدة والخطر المحدق بالبلاد يؤديان إلى ~~الخلاف، وينتهيان بالشقاق والضوضاء والفوضى. # ومن المعلوم أن هنيبال كان زاحفا في طليعة جيش منتصر يعيث في ~~البلاد التي اجتاحها فسادا، ويعمل فيها النهب والتخريب، وهو يسرع ~~الخطا نحو العاصمة التي لم يكن بينه وبينها ما يرد عنها هجماته. ومن ~~أجل هذا دعت الضرورة الكلية إلى إقامة مسيطر مطلق التصرف من كل وجه، ~~فوقع اختيار الشعب على رجل له شهرة عظيمة بالاختبار والحنكة والحكمة ~~اسمه فابيوس، فسلموه زمام الحكومة، ومنحوه كل قوة وأطلقوا له الحرية ~~في إجراء ما يراه ويرتئيه. # وهكذا بطلت بعد تعيينه كل سلطة، فأصبح كل شيء ms082 رهن إرادته وتحت ~~مطلق تصرفه، ووضعت المدينة بجملتها وبما فيها من النفوس والأملاك تحت ~~رعايته المطلقة يتصرف بها كيف شاء، فتقلد زمام الأمور وتولى إدارة ~~الجيش والأسطول، حتى إن القناصل أصبحوا رهن إشارته وطوع أوامره ~~ونواهيه، فرضي فابيوس بتحمل تلك المسئولية العظمى التي ألقاها الشعب ~~على عاتقه، وشرع للحال في اتخاذ التدابير الضرورية. # وأول ما أمر به كانت إقامة الحفلات الدينية والصلوات؛ للتكفير عما ~~تشاءم الشعب منه ولاسترضاء الآلهة، وأخرج كل الشعب في اجتماع عظيم، ~~وأرغمهم على القسم بصورة مهيبة رسمية، والوعد بتقديم ذبائح وقرابين ~~إكراما للآلهة على اختلافها في وقت مستقبل، هذا إذا أرادت الآلهة ~~وقايتهم من الخطر الذي يهددهم. أما ما إذا كان فابيوس يعتقد عن يقين ~~بتلك التقاليد التي أمر الشعب بالقيام بها، وأن للآلهة تأثيرا فعليا ~~على ما سيكون؛ فذلك من الأمور المشكوك فيها، بل يظن أنه أراد بهذا حمل ~~الشعب على الطمأنينة، وإيجاد الثقة في قلوب الناس وإحياء موات الشجاعة ~~في صدورهم، وذلك لا يتم له كما لا يخفى إلا عن طريق السماء، فإذا كان ~~ذلك ما أراده فلا ريب أن تصرفه كان مبنيا على الحكمة. # وأصدر فابيوس الأوامر بجمع الرجال للانخراط في سلك جيش جديد ينظمه، ~~وأمر ثانيه في الإمرة ولقبه رئيس الخيالة بإتمام ذلك، وبأن يحشد ~~الجنود كلهم في مكان اسمه تيبور على مسافة بضعة أميال إلى الشرق من ~~المدينة. وكانت العادة أن يكون لكل مسيطر مطلق رئيس خيالة، وكان اسم ~~رئيس خيالة فابيوس مينوسيوس، وهو من المتصفين بالحدة والسرعة والعنف ~~والغضب، كما أن فابيوس كان معروفا بالتأني والتؤدة والحذر ~~والاحتساب. # فجند رئيس الخيالة العساكر وجمعهم في المكان المعين وذهب فابيوس ~~ليتولى القيادة، وكان أحد القناصل قد جاء إلى هناك ومعه طائفة من الجند ~~يقودها، فلما اقترب من المكان وعلم فابيوس بقدومه أرسل إليه يأمره ~~بالمجيء بعد أن ينتزع عنه كل سمات سلطته؛ لأن سلطته التي يخوله ~~إياها منصبه في الأوقات العادية قد ألغيت، وأصبحت الآن منحصرة في شخص ~~المسيطر الجديد. # وكانت عادة ms083 القنصل الروماني أن يركب في موكب حافل حيثما ذهب وفي ~~الاحتفالات الرسمية، فكان يمشي أمامه اثنا عشر رجلا بالملابس الرسمية ~~والأوسمة وغير ذلك من شارات الأبهة، وذلك للتأثير على الجيش وعموم ~~الشعب بما للقنصل من العظمة والجلال، وعلى هذا فإن تجرد القنصل من ~~كل دلائل القوة والعظمة ومجيئه إلى حضرة المسيطر كبقية الموظفين؛ ~~اعترافا بأنه أرفع منه منزلة، قد جعل الجيش ينظر إلى فابيوس قائده ~~الجديد نظرة الاحترام الكلي الناجم عن الشعور بالعظمة الفائقة، ~~والصولة والجلال التي له. # وأذاع فابيوس عندئذ منشورا وجهه مع رسل خصوصيين إلى كل ~~الأقاليم الكائنة حوالي رومية، ولا سيما إلى تلك الناحية من المقاطعة ~~التي أصبحت في قبضة هنيبال، وأمر الناس في هذا المنشور بأن يتركوا ~~البلاد والمدن والقرى غير المحصنة، وأن يلجئوا إلى القلاع والحصون ~~والمدن المتوفرة فيها أسباب الدفاع، وأمرهم أيضا بتخريب البلاد التي ~~يغادرونها وبتعطيل كل الأملاك، والأقوات التي لا يستطيعون حملها معهم ~~إلى حيث يهربون. # فلما تم لفابيوس من ذلك ما أراد استلم قيادة الجيش الذي حشده، ~~وزحف بمزيد الحذر والتأني طالبا عدوه، وكان هنيبال في نفس الوقت قد ~~عبر إلى الجانب الشرقي من إيطاليا، وتوغل هناك يجتاح البلاد ويدمر ما ~~فيها بطريقه إلى أن أصبح إلى الجنوب من رومية، ولم يشأ مهاجمة ~~المدينة مباشرة بعد وقعة بحيرة تراسمين؛ لعلمه بأن سكان المدينة ~~الكثار العدد إذا أحرجهم بالتهديد، ورأوا أن المدينة ستقع في قبضته ~~يتألبون للدفاع مستميتين، ويضايقون جيشه أشد مضايقة. # ولهذا سار منحرفا إلى الشرق وانحاز إلى ذلك الجانب إلى أن اجتاز ~~أرباض المدينة، وهكذا اضطر فابيوس إلى المسير جنوبا وشرقا لملاقاته، ~~وتقابل الجيشان على الجانب الشرقي من إيطاليا قريبا من بحر أدريا، ~~وكانت الخطة التي اتخذها القائد فابيوس مبنية على عدم النزول مع ~~هنيبال في معركة، بل يماطله ويحاجزه، ويهدده من بعيد إلى أن ينال ~~الوهن من جيشه بالتعب والتأجيل. # وهكذا بقي على مقربة منه، ولكنه على الدوام يجمع جيشه في مكان متفوق ~~من حيث الموقف الذي يجعل الميزة ms084 في جانبه عند العراك. ولم يكن هنيبال ~~يستطيع حمله على ترك مثل ذلك الموقف، وجره إلى غيره بالرغم من كل ~~الحركات التي يجريها لإغضابه وإبعاده عن النقطة التي عسكر فيها، ~~وعندما يتحرك هنيبال منتقلا بجيشه إلى مكان آخر يحصل فيه على أقوات ~~للجيش، كما كانت الظروف تضطره أن يفعل كان فابيوس يتحرك زاحفا، ولكن ~~على حذر ولا يقف إلا في الأماكن التي تضمن له السلامة وعدم التعرض ~~للخطر. # وحاول هنيبال استجرار فابيوس إلى العراك بكل وسيلة لديه، فخابت ~~آماله ولم ينل المراد من ذلك، وفي الواقع أن هنيبال كان هو نفسه ~~متعرضا للخطر الكبير في بعض الأحيان، وذلك أن براعة فابيوس جرته إلى ~~نقطة كان فيها محاطا بالجبال من كل جانب، وكانت جنود فابيوس قائمة ~~عليها ولم يكن هنالك سوى مخرج واحد للفرار، حتى إن ذلك المخرج نفسه ~~كان في حوزة جنود فابيوس. # فعمد هنيبال وهو في هذا المأزق إلى استخدام الحيلة والدهاء في ~~تدابيره الحربية، كعادته في مثل هذه الحال توسلا بذلك إلى فتح سبيل ~~للخلاص، فجمع قطيعا من الثيران ووضع على قرونها حزما من الحطب وصب ~~على الحطب الزفت؛ وذلك لكي يصير الحطب قابلا للالتهاب، وفي الليلة ~~التي عول في غضونها على عبور ذلك المضيق أمر جيشه بالتأهب للمسير، ~~ومن ثم استاق الثيران تحت جنح الظلام نحو التلال والآكام المقابلة ~~للمضيق الذي يحرسه جنود الرومانيين، وهناك أشعل الحطب المزفت الذي ~~على قرونها بالنار. # فاشتعل الحطب على قرون الثيران، فاضطربت وارتعدت وهاجت من تأثير ~~حرارة النار، وهامت على وجوهها في هاتيك الجبال وتراكضت بين الأشجار ~~وقد عميت منها الأبصار بشرار النار ودخانها، ثم علقت النيران بأطراف ~~الأشجار، وعندئذ حدث اختلاط عظيم بين الثيران وضجة كبرى من ~~الرومانيين الذين شاهدوا ما جرى، فظن الذين يحرسون المضيق منهم أن ~~الجيش القرطجني قد صعد إلى أعالي الجبل وهو يتسلل نازلا ~~لمهاجمتهم. # فتركوا مواقفهم على عجل وبمزيد الارتباك، وساروا يريدون ملاقاة ~~العدو الذي تصوروه مقبلا عليهم تاركين المضيق بلا حراس، وفيما هم ~~يلاحقون ms085 النيران المتحركة على قرون الثيران في ذلك الليل المدلهم ~~متدافعين يمينا وشمالا، وساقطين في أودية يتعذر عليهم النهوض منها، ~~وهم لا يهتدون إلى عدوهم انسل هنيبال بكل سكينة مع جيشه، وفروا من ~~ذلك المضيق إلى حيث أصبحوا في مأمن من بطش عدوهم. # ومع أن فابيوس لبك هنيبال وحال دون وصوله إلى رومية، فإن الناس ~~ضجروا من هذه الطريقة في المماطلة وعدم القيام بشيء جازم يزيل ~~مخاوفهم ويبعد الخطر عنهم، وكان مينوسيوس رئيس خيالته يحرض فابيوس ~~دائما على منازلة هنيبال، فلما يئس من حمله على ذلك أصبح هو نفسه ~~ناقما متضجرا وغير راض عن هذه الخطة، ومال الجيش الروماني إلى ~~مينوسيوس، فكتب هذا إلى رومية يشكو بمرارة من تهاون المسيطر فابيوس، ~~وتردده المستمر في أمر منازلة العدو. # وكان هنيبال عالما بكل هذا من جواسيسه ومن مصادر أخرى جديرة ~~بالثقة، استخدمها ذلك القائد الداهية وبرع في كيفية التوصل إليها، ~~وقد انشرح صدر هنيبال - كما لا يخفى - بما عرفه من الشقاق الحاصل في ~~معسكر الرومانيين وعن استياء القوم من فابيوس، وكان يعد مثل هذا ~~العدو الذي يحاكيه في التأني والحذر والمراقبة أعظم خطرا عليه وعلى ~~جيشه من أمثال القواد الآخرين كفلامينيوس ومينوسيوس المعروفين بالطيش ~~والحدة والتسرع والذي يستطيع هو جرهم بسهولة إلى مأزق متجهم ويبطش ~~بهم. # وخطر لهنيبال أن يقوم بمساعدة مينوسيوس من حيث السعي لجعل فابيوس غير ~~محبوب من الشعب، وفي بحثه للتوصل إلى طريقة تسهل له القيام بذلك ~~استخبر من بعض الجنود الذين فروا من معسكر فابيوس أن لهذا المسيطر ~~حقلا عظيم القيمة في تلك الناحية، فأرسل طائفة من الجند إلى ذلك الحقل ~~وأمرها بتخريب كل الأملاك المحيطة به وتعطيلها وقطع أشجارها، وبعدم ~~مس حقل فابيوس بأقل ضرر. # وكان قصد هنيبال من هذا أن يحمل الشعب في رومية على الاعتقاد بوجود ~~تفاهم سري بين فابيوس وهنيبال، وأن فابيوس قد تأخر عن منازلة ~~أعداء البلاد والذود عنها بمحاربتهم في الحال باتفاق معلوم تم بينه ~~وبين القرطجنيين، فكان بذلك خائنا لبلاده، فنجح هذا ms086 التدبير أيما ~~نجاح؛ لأن النفور من فابيوس وانتقاد تهامله، والصراحة في تقريعه ملأت ~~البلاد من أقصاها إلى أقصاها وتخللت المعسكر بالذات، ففي رومية ضج ~~الناس طالبين إرجاع فابيوس بلا إبطاء متظاهرين برغبتهم في وجوده بينهم ~~للقيام بالاشتراك معهم في حفلات دينية عظيمة، وهم في الحقيقة يبغون ~~إبعاده عن المعسكر، وإيجاد فرصة لمينوسيوس يهاجم فيها هنيبال. # وفكروا أيضا في تدبير طريقة تساعدهم على تجريده من سلطته وما ~~منحوه من القوة، فهم قد عينوه مسيطرا مطلقا لمدة ستة أشهر ولم تكن ~~تلك المدة قد انتهت فأرادوا تقصيرها، فإذا عجزوا عن ذلك يحددون سلطته ~~ويقللون من نفوذه، فذهب فابيوس إلى رومية تاركا قيادة الجيش ~~لمينوسيوس، ولكنه أوصاه بألا ينازل هنيبال مطلقا، ولا يعرض الجيش ~~الروماني لأي خطر، بل يسير على نفس الخطة التي سار هو نفسه ~~عليها. # ولكنه لم يمض على وجوده في رومية إلا القليل من الوقت، حتى سمع أن ~~مينوسيوس قد حارب هنيبال وانتصر، ووصلت إلى رومية أنباء ورسائل مملوءة ~~بالفيش والمباهاة، وكتب رسمية إلى مجلس الشيوخ الروماني حافلة بامتداح ~~مينوسيوس، وما أقدم عليه وما أبداه من الحزم والدربة، أما فابيوس فإنه ~~شرع في فحص وقائع المعركة وتفاصيلها وقابل الشيء بآخر فوجد ما ظهر ~~بعدئذ أنه الحق الذي لا ريب فيه من أن مينوسيوس لم يحرز نصرا. # واتضح له من ذلك أن مينوسيوس قد خسر نحو خمسة أو ستة آلاف رجل، وأن ~~هنيبال لم يخسر أكثر من ذلك، وأظهر فابيوس للمجلس أن البلاد لم تحرز ~~ميزة ولا ربحت شيئا، وألح فابيوس على المجلس بوجوب اتباع الخطة التي ~~رسمها هو من بدء تعيينه، وأبان له الخطر الكبير الذي ينجم عن ~~المجازفة والمفاداة بكل شيء في معركة واحدة كما قد فعل مينوسيوس، ذلك ~~فضلا عن أن مينوسيوس قد عصى أوامره التي كانت واضحة، ولا تأويل فيها ~~وأنه مستحق للعزل والرجوع إلى رومية. # فأغضب كلام فابيوس أعداءه وسل سخائمهم، وأثار نيران غضبهم عليه، ~~فقالوا: «دونكم رجلا لا يقاتل الأعداء الذين أرسل ليبطش بهم ولا ms087 يدع ~~غيره يقاتلهم؛ حتى إنه في هذا الحين وهو بعيد عن الجيش، وعندما انتصر ~~وكيله في القيادة على الأعداء ما برح ينكر حقيقة ذلك الانتصار، ويحاول ~~الغض من مقدرة مينوسيوس وإنكار كل ميزة حصلت من ذلك النصر الذي ~~أحرزه، فهو يريد إلقاء العثرات في سبيل الحرب؛ وذلك لكي يتمتع ~~بالقيادة العليا والسيطرة على البلاد التي منحناه إياها إلى وقت ~~طويل.» # وبلغ النفور من فابيوس حدا حمل الناس على عقد اجتماع طلبوا فيه ~~بإجماع الرأي جعل مينوسيوس مساويا له في القيادة. على أن فابيوس لم ~~يتريث في رومية لحضور البحث في هذا الأمر بل غادرها حالما انتهى الأمر ~~الذي حضر لأجله، وسار يريد المعسكر فلحقه رسول وهو على الطريق يحمل ~~إليه كتابا يتضمن قرار الشعب الذي يقضي عليه باعتبار مينوسيوس زميلا ~~له ومساويا له في كل أمر، وسر مينوسيوس مما قر عليه رأي الأمة ~~دون ريب، وقال عند سماعه ذلك: «الآن سنرى ما الذي نستطيع القيام ~~به.» # والمشكل الأول الذي بدا له في شأن ذلك القرار هو مسألة اقتسام ~~السلطة، وكيفية تحديدها لكل منهما، فقال مينوسيوس لفابيوس: «إننا لا ~~نستطيع كلانا تولي القيادة، بل يمكننا تبادلها بالتعاقب فيتولاها كل ~~منا يوما أو أسبوعا أو شهرا، أو المدة التي تفضلها أنت.» فأجاب ~~فابيوس وقال: «لا، لا، إننا لا نقتسم الوقت بل نقتسم الرجال، فالجيش ~~مؤلف من أربع كتائب تأخذ أنت اثنتين منها، وأنا أتولى قيادة الكتيبتين ~~الباقيتين، فلعلي بذلك أتوفق إلى إنقاذ نصف الجيش من الأخطار التي ~~أخشى أن تندفع أنت والجيش الذي بقيادتك في غمراتها.» # فاتفق الاثنان على هذا، وقسم الجيش نصفين، وراح كل قسم بقائده إلى ~~معسكر منفرد، وكانت النتيجة من أعجب وأغرب الحوادث الحربية وأندرها ~~وقوعا في تواريخ الشعوب؛ فقد شعر هنيبال الذي كان وقف على كل ما جرى ~~بأن مينوسيوس قد أصبح تحت رحمته؛ إذ عرف أن هذا القائد تائق إلى خوض ~~معركة وأنه من السهل على هنيبال أن يجره إليها تحت الظروف الملائمة ~~له، والتي يجعلها غير ms088 ملائمة لمينوسيوس، وهكذا أخذ يتحين الفرص حتى ~~سنحت ووجد مكانا يصلح لكمين على مقربة من معسكر مينوسيوس، فأقام في ~~ذلك المكان خمسة آلاف رجل تسترهم هنالك الصخور والأشجار عن ~~الأنظار. # وقامت بين هذا المكان وبين معسكر مينوسيوس رابية عظيمة، فلما أعد ~~هنيبال الكمين أرسل نفرا من جنده ليستولي على أعالي الرابية متوقعا ~~من مينوسيوس إرسال قوة أعظم منها لتطاردها، فصح ما توقعه هنيبال من ~~هذا القبيل، وعندها أرسل هنيبال مددا لرجاله فقابله مينوسيوس بمثل ذلك ~~وأرسل مددا لجنوده مدفوعا إلى ذلك بالغيظ والكبرياء، وبهذه الطريقة ~~استدرج هنيبال عدوه إلى إرسال كل جيشه، وعندها أصدر أمره إلى رجاله ~~بالانسحاب من أمام جيش مينوسيوس، فلحقهم جيش مينوسيوس حتى نزل الرابية ~~من الجانب الثاني؛ بحيث أصبح أمام الكمين ومحاطا به من كل ناحية، ~~فهب الخمسة آلاف رجل الكامنون دفعة واحدة وأعملوا السيف في رقاب ~~الرومانيين الذين اختل نظامهم ووقعوا في ارتباك عظيم، فطلبوا النجاة ~~من كل ناحية فارين من أمام أعدائهم الذين سدوا عليهم مسالك الخلاص، ~~ولولا تدخل فابيوس وإغاثته إياهم لما بقي منهم أحد، فقد اتصلت به ~~أخبار المعركة وهو في معسكره، فجرد الرجال وسار بجموعه ووصل ساحة ~~القتال في وقته، وتصرف تصرف القائد المدرب فبدل الحالة بالكلية، ~~ونجا مينوسيوس ونصف جيشه من الهلاك المحتم. # وتراجع القرطجنيون بدورهم واستاء هنيبال كثيرا وتولته الحفيظة ~~والغيظ؛ لأنهم حرموه فريسته، ويقول التاريخ: إن مينوسيوس قد تصرف بعقل ~~ورزانة بعد هذا؛ إذ اعترف بأخطائه وانصاع منذ تلك الوقعة لإرشاد فابيوس ~~وعمل بآرائه. ولما وصل إلى حيث كان معسكرا جمع قسمه من الجيش وقال ~~لهم: «أيها الجنود، لقد كنت أسمع على الدوام أن أوفر الناس حكمة هم ~~أولئك الذين أحرزوا الحكمة والفطنة بذاتهم، ويتلوهم في ذلك أولئك ~~الذين يدركون ذلك فيهم، ويميلون إلى الاسترشاد بحكمة الآخرين وفراستهم، ~~أما الذين لا يعرفون كيف يسترشدون ولا يميلون إلى العمل بما يشير عليهم ~~أهل الفطنة، فأولئك هم الحمقى ونحن لسنا من هذه الطبقة الأخيرة، وما ~~دمنا لم نبرهن عن أنفسنا ms089 أننا من المرتبة الأولى التي ذكرتها فلنكن ~~من الثانية، والآن فلنسر إلى معسكر فابيوس ونضم معسكرنا إلى معسكره، ~~كما كنا قبلا فنحن مدينون له ولجيشه بالمنة الأبدية؛ لما أبداه من ~~نبالة الروح بإسراعه لنجدتنا وإنقاذنا من الهلاك المحتم، في حين أنه ~~كان قادرا على غض الطرف عنا وتركنا لقمة سائغة للعدو.» # فسارت الكتيبتان إلى معسكر فابيوس، وهناك تم الاتفاق بين قسمي ~~الجيش الروماني وتوحدا، فأحرز فابيوس منتهى الكرامة والإجلال ~~العمومي، على أن مدة سيطرته انتهت بعد ذلك بقليل، وكان الخوف من ~~هنيبال قد تلاشى إلا قليلا، فلم يعد ثم من حاجة إلى تجديد ~~السيطرة المطلقة، فعاد الشعب إلى انتخاب القناصل كالأول. # وقد أحرزت سجايا فابيوس أعظم إعجاب وتقدير من الجنس البشري بأسره، ~~فهو قد برهن في كل ما أقدم عليه عن روح نبيلة وشرف صميم، وكان آخر ~~أعماله من أعظم الأدلة على ذلك، وهو أنه كان قد اتفق مع هنيبال على أن ~~يدفع إليه مبلغا معلوما من المال كفدية لعدد من الأسرى الذين وقعوا ~~في أسر هنيبال، فأطلقهم هنيبال بناء على وعد فابيوس بأداء المال، وكان ~~فابيوس على يقين من أن الرومانيين يوافقون على المعاهدة ويدفعون المال ~~في الحال، إلا أنهم استنكروا ذلك وترددوا في العمل بما تعهد به ~~فابيوس، أو أنهم تظاهروا بعدم رضاهم عن ذلك؛ لأن فابيوس لم يشاورهم في ~~الأمر قبل عقد المعاهدة. # فلما رأى فابيوس منهم ذلك باع حقله؛ لكي يتوفر له المال اللازم ~~فيصون شرفه وشرف بلاده من وصمة كسر العهود، وهو بعمله هذا الدال على ~~روح العدل والأنفة التي عرفت عنه قد صان شرفه وبر بوعده، على أننا ~~نشك فيما إذا كان ذلك العمل قد صان شرف الشعب الروماني. # الفصل التاسع # | معركة كانيه # كانت معركة كانيه آخر المعارك الكبرى التي خاض هنيبال غمراتها في ~~إيطاليا، وشغل هذا العراك فسحة غير يسيرة من التاريخ، ليس فقط لطول ~~مدته وهوله والتفاني الذي بدا من الجانبين في وقعاته؛ بل لما رافقه من ~~الحوادث المتناهية في اللذة والباعثة ms090 على الإعجاب، إلا أن اللذة فيما ~~نظن متأتية على الغالب من براعة المؤرخ في تنظيم تلك الرواية ~~الحربية، وكيفية سردها أكثر منها عن الحوادث الحربية بالذات. # نشبت هذه المعركة قبل ختام مدة سيطرة فابيوس بنحو سنة، وقد قضى ~~قناصل رومية المدة المعترضة بين انتهاء سيطرة فابيوس، وشبوب نيران ~~المعركة في القيام بحركات عسكرية متعددة لم تكن ذات نتائج جديرة ~~بالذكر، وكان القلق والضجر والتذمر وغير ذلك من دلائل الاستياء شاملة ~~لرومية؛ ذلك لأن وجود مثل هذا القائد القاهر في ضواحي رومية مع ~~أربعين ألفا من رجاله يعتدي على مقاطعات حلفاء رومية، ويهدد المدينة ~~نفسها بالهجوم قد كانت من دواعي القلق الدائم والخوف المستمر. # وتلك الأهوال المروعة التي أحدثها قد عملت على الغض من كرامة رومية ~~وخفض كبرياء الرومانيين، ولا سيما أنهم كانوا مهما حشدوا من الجيوش، ~~وأقاموا من القواد المعروفين بالدربة والحنكة غير قادرين على كبح جماح ~~ذلك العدو ومقاومة هجماته، حتى إن أعظم وأقدر قوادهم في الواقع قد شعر ~~بضرورة اعتزال منصب القيادة، والإصرار على عدم منازلة هنيبال في معركة ~~ما بالكلية. # فأحدثت هذه الحالة استياء شديدا في المدينة، وهب الأحزاب إلى الطعن ~~والانتقاد يوجهه واحدهم إلى الآخر، وقام الناس بعقد اجتماعات عديدة ~~كان معظمها مسرحا للهياج الكثير والضوضاء والمجادلات واللوم ~~والتعنيف، وكل يتهم الآخر بالعجز والإهمال والتراخي، وعلى أثر ذلك ~~قام في الشعب حزبان تألف أحدهما من العامة على الجانب الواحد، والآخر ~~من الخاصة على الجانب الثاني، وأطلق على الحزب الأول حزب العوام وعلى ~~الثاني النبلاء. # وكان بين الحزبين تباعد عظيم في الآراء أقصاهما عن الاتفاق، وأوجد ~~صعوبة كلية في انتخاب القناصل، أخيرا انتخب القناصل واحدا من كل ~~حزب، فكان اسم القنصل المنتخب من النبلاء بولس أميليوس واسم قنصل ~~العوام فارو، استلما زمام الحكومة ومنحا قوة لا حد لها لو تم لها ~~الاتحاد والعمل بقلب وفكر واحد لأتت بالعجائب، ولكن القنصليين لسوء ~~الحظ كانا عدوين سياسيين لدودين، وكان هذا الخلاف كثير الحدوث في ~~الحكومة الرومانية، فالقنصلية كانت حيوانا ms091 ذا رأسين ينفق نصف قوته في ~~المقاومة بين شطريه على الدوام. # وصمم الرومانيون على إجهاد نفوسهم في سبيل التخلص من عدوهم، فحشدوا ~~جيشا جرارا مؤلفا من ثماني كتائب ، والكتيبة الرومانية لذلك العهد ~~كانت جيشا قائما بنفسه تحتوي على أربعة آلاف جندي من المشاة ~~وثلاثمائة فارس، ولم يكن من عادتهم إنزال أكثر من كتيبتين أو ثلاث ~~كتائب إلى المعمعة في وقت واحد، على أن الرومانيين في هذه المرة قد ~~خالفوا القاعدة المتبعة بأن أنزلوا إلى ساحة الوغى كتائب أكثر مما ~~كانوا يفعلون في الماضي، وزادوا عدد كل كتيبة خمسة آلاف من المشاة ~~وأربعمائة من الفرسان. # فهم قد أرادوا القيام بما ضمن لهم سلامة مدينتهم ووقاية بلادهم من ~~الدمار والعبودية، ولو مهما كلفهم ذلك، وتأهب القنصلان أميلوس وفارو ~~لاقتياد هذا الجيش اللهام مصممين على جعله من كل وجه واسطة للبطش ~~النهائي بهنيبال، وكان القنصلان مختلفين في السجايا والخلال كما اختلفا ~~في مراميهما السياسية يبدي كل منهما روحا معاكسة لروح الآخر، فإن ~~أميليوس كان صديقا لفابيوس مستحسنا لخطته وسياسته، أما فارو فكان ~~عجولا حاد المزاج بعيدا عن كل ترو. # فهو قد قام بوعود كثيرة مآلها أنه سوف يبطش بهنيبال ويقضي على قوته ~~بضربة واحدة، وقبح خطة فابيوس الذي حاول إنهاك قوى العدو بالإبطاء ~~والتأجيل، وصرح فوق هذا بأن الطبقة النبيلة من الرومانيين تعمل بخطة ~~يراد بها إطالة مدة الحرب بقصد الحصول على الوظائف السامية، والطموح ~~إلى إبداء الأهمية والنفوذ، وأنه لولا ذلك لانتهت الحرب من زمان طويل؛ ~~ولهذا فهو يعد الشعب بإنهائها الآن على عجل وبلا تأخير، وفي نفس ~~اليوم الذي تقع عينه فيه على هنيبال. # أما أميليوس فأبدى نغمة أخرى تدل على التروي والاعتدال، وقال إنه ~~معجب من سماع أي إنسان يدعي الاقتدار على أمر قبل أن يترك المدينة، وهو ~~في الوقت نفسه يجهل كفاءة جيشه وكفاءة جيش العدو وتدابيره، ولا يدري ~~متى وتحت أية الظروف يكون النزول معه في معركة ملائما؛ ولهذا فيقول ~~أميليوس إن الخطط يجب أن تبنى على الظروف؛ ms092 لأنه ليس في الإمكان جعل ~~الظروف موافقة للخطط. # ومع هذا يعتقد بإمكان تفوقهم، بل بوجوب تفوقهم على هنيبال في حومة ~~القتال، ولكن أملهم في ذلك وبنجاح تدابيرهم يجب أن يكون مبنيا على ~~التأني والحذر والفطنة؛ لأنه موقن بأن التهيج والاندفاع والطيش تؤدي ~~بهم في مقبل الأيام إلى الفشل والخيبة، كما كانت الحال في ~~الماضي. # ويقال إن فابيوس المسيطر السابق قد تحدث مع أميليوس قبل ذهاب هذا ~~الأخير إلى الجيش، وأبدى له من النصائح ما أوحت به إليه سنه وحنكته ~~وتجاربه، وما يعلمه من سجايا هنيبال وتدابيره، وقال له: «لو كان لك ~~زميل مثلك لما كنت أقدم لك النصيحة؛ لأنك لا تكون إذ ذاك في حاجة ~~إليها، ولو كنت أنت مثل زميلك طائشا ومنخدعا بالذات وكثير الدعوى؛ ~~لكنت أسكت عن النصح والإرشاد لاعتقادي بأنهما يروحان ضياعا، ولكن إذا ~~كانت الحالة على ما أرى وأنت حاذق فطن ولك من درايتك ما يرشدك، فإنك ~~من الجهة الأخرى ستكون في مراكز محفوفة بالخطر والصعوبات ~~العظيمة. # والذي أراه - إن لم أكن مخطئا - هو الصعوبة الكبرى التي ستواجهها ~~ليست هي العدو الذي ستنازله في ساحة القتال، بل ستجد أن زميلك فارو ~~سيتعبك كما يتعبك هنيبال نفسه؛ إذ يكون كثير الصلف والخيلاء عنيدا ~~ومتطرفا في المخاطرة، وهو سيبعث في صدور الشبان الذين في الجيش روح ~~التهجم بجهله وتطرفه، فيحمله على ما لا يجوز، ويكون حظنا عظيما إذا ~~كانت مشاهد عراك بحيرة تراسمين الدموية لا تعاد مرة أخرى بسببه. # وأنا على يقين من أن السياسة الحكيمة التي يتعين علينا العمل بها هي ~~تلك التي رسمتها أنا، فهي الطريقة الوحيدة التي يجب أن يجري عليها ~~الذين يحاربون في عقر دارهم تجاه مهاجميهم، إذا كان هناك أقل شك في ~~نجاح العراك، فنحن بالإبطاء نزداد قوة بينما هنيبال يزداد ضعفا، فهو ~~يبقى مغتبطا ما دام معاركا وقائما بخوارق الحركات الحربية، فإذا ~~حرمناه هذه القوة تنحل صولته مع الأيام وتضعف شجاعة رجاله وينفد ~~نشاطهم، ولا يوجد معه الآن سوى ثلث الجيش الذي ms093 كان معه يوم عبر نهر ~~إيباروس، ولا يوجد شيء في العالم ينقذ هذه البقية الباقية من جيشه من ~~الهلاك إذا كنا حكماء.» # فأجاب أميليوس على هذا بقوله أنه رضي بالدخول تحت أعباء هذه ~~المسئولية بشجاعة قليلة واليسير من الرجاء؛ لأنه إذا كان فابيوس قد ~~وجد صعوبة كلية في احتمال تصلف رئيس فرسانه الذي كان دونه في ~~الوظيفة وتحت إمرته، فكيف يأمل هو التمكن من كبح جماح زميله الذي ~~تخوله الوظيفة حق المساواة به من كل وجه؟ ولكنه بالرغم من هذه ~~المصاعب والمثبطات التي يراها أمام عينيه؛ فإنه سيقوم بالواجب عليه ~~ويرضى بالنتيجة، فإذا جاءت النتيجة على خلاف ما يتمنى؛ فإنه سوف ~~يحاول الموت في المعترك لأن موته بحراب جنود قرطجنة أخف شرا في ~~عرفه من غضب مواطنيه وتعنيفهم. # فغادر القنصلان رومية للانضمام إلى الجيش، وكانت حاشية أميليوس مؤلفة ~~من عدد معتدل من الرجال من أرباب المقامات والرتب، أما فارو فقد ~~استصحب من هؤلاء جمعا غفيرا، ولكنهم من أسافل القوم وغوغائهم، فتنظم ~~الجيش وأكملت التدابير لمعسكراته وعندئذ أقيمت حفلة تحليف الجنود ~~اليمين؛ جريا على عادة الرومانيين عند مباشرتهم حربا. # فكان الجنود يحلفون اليمين متعهدين بأنهم لا يفرون من الجيش، ولا ~~يبارحون المراكز التي يعهد إليهم في حراستها من خوف أو هزيمة، وألا ~~يتركوا الصفوف إلا لجلب السلاح أو لاسترجاعه أو لضرب عدو أو لحماية ~~صديق، وعند الفراغ من هذه التدابير وغيرها أصبح الجيش على قدم الزحف، ~~واتفق القنصلان على اقتسام السلطة بطريقة تختلف عن التي عمل بها ~~فابيوس وفلامينيوس؛ فكان اتفاقهما على أن يتولى كل واحد منهما السلطة ~~يوما واحدا بالتعاقب. # وفي غضون ذلك كان هنيبال يعاني البلاء المر في إيجاد أقوات لرجاله، ~~فإن سياسة فابيوس ضيقت عليه المسالك التي كانت تزداد ضيقا يوما عن ~~يوم وتعرقل مساعيه، فلم يكن يستطيع الحصول على القوت إلا إذا طلبه ~~بالسلب والنهب، حتى إن ذلك كان متعذرا عليه في هذا الحين؛ لأن ~~الأهليين كانوا قد جمعوا كل الحنطة واختزنوها في بلدان قوية التحصين، ~~ومع ms094 اقتدار هنيبال وثقته بنفسه على منازلة الجيش الروماني في معركة ~~نظامية وفي ساحة مفتوحة والتفوق عليه؛ فهو قد كان عاجزا عن خرق الحصون ~~وتدمير المعاقل. # وكان القوت الحاضر لديه قريبا من النفاد، حتى إنه لا يكفي جيشه ~~لأكثر من عشرة أيام، ولم ير وسيلة للاستزادة منه، ومن أجل هذا كان ~~تائقا إلى جر العدو للعراك، فالقنصل فارو كان ميالا شديد الرغبة ~~في إجابته إلى ما يريد، ولكن بولس أميليوس كان ميالا إلى اتباع ~~الخطة التي سلكها فابيوس إلى أن تنتهي العشرة أيام؛ لعلمه أن هنيبال ~~يصبح عندئذ في أشد الضيق وقد يضطر إلى التسليم لينقذ جيشه من غائلة ~~الجوع. # وفي الواقع أن أرزاق الجند أصبحت قليلة إلى حد كثرت عنده الشكوى ~~والتذمر، وهم كثيرون من الجنود الإسبانيين بمغادرة جيش هنيبال ~~والفرار إلى معسكر الرومانيين، وظلت الحال كذلك إلى ذات يوم أرسل فيه ~~هنيبال جماعة من رجاله في طلب القوت، وكان أميليوس ذلك اليوم متوليا ~~القيادة فوجه قوة من جيشه لتمنعهم من ذلك، فأدرك بهذا ما أمله من ~~النجاح، ولقيت جماعة هنيبال اندحارا مشئوما. # فقتل منها نحو ألفي رجل وهرب الباقون في كل سبيل وجدوه عائدين إلى ~~معسكر هنيبال، وكان فارو شديد الرغبة في ملاحقتهم إلى هناك، ولكن ~~أميليوس أمر رجاله بالكف عن ذلك؛ لأنه كان خائفا من مكيدة أو حيلة ~~مدبرة من هنيبال للفتك بهم، فاكتفى بما أحرزه من الفوز في تلك الوقعة، ~~وكان هذا الفوز عاملا على إلهاب صدر فارو بالشوق إلى العراك وإثارة ~~روح الإقدام في الجيش كله، وقد حدث بعد يوم أو يومين ما أوصل تلك ~~الحدة إلى أرفع الدرجات. # فإن بعض الكشافة من الجيش الروماني الذين كانوا قائمين مقابل معسكر ~~هنيبال؛ لملاحظة ما يدور فيه أبلغوا القنصلين أن حراس الجيش ~~القرطجني القائمين حول المعسكر قد اختفوا فجأة، وأن قد ساد سكوت عظيم ~~في المعسكر القرطجني بجملته الأمر الذي كان من خوارق العادة في ~~المعسكرات. # فتقدمت جماعات من الجيش الروماني بكل تؤدة وحذر إلى أن تدانت من ms095 ~~صفوف القرطجنيين، فعرفوا لفورهم أن المعسكر قد خلا من الجنود مع أن ~~الخيام كانت لا تزال باقية والنيران مضطرمة، فكان ذلك باعثا على هياج ~~الجيش الروماني برمته واضطرابه ، فتألب الجنود حول مضارب القنصلين ~~وهناك طلبوا بإلحاح السماح لهم بالزحف على معسكر الأعداء والاستيلاء ~~عليه، وملاحقة الجيش القرطجني قائلين: إن القرطجنيين قد لاذوا بالفرار، ~~وما دام هنيبال قد ترك خيامه ونيرانه مضطرمة فهو يريد مخادعتنا؛ لكيلا ~~نتبعه فلنسرع في اللحاق به في الحال. # وكانت حدة القنصل فارو مماثلة لحدة الجنود وهو يدعو إلى القتال ~~متهوسا، أما أميليوس فكان مترددا وألقى على الجنود أسئلة عديدة ~~مستفهما، وأخيرا دعا إليه ضابطا اسمه ستاتليوس معروفا بالدراية ~~والفطنة، وأمره باقتياد طائفة من الفرسان والذهاب إلى المعسكر ~~القرطجني والوقوف على الحقيقة والرجوع إليه بالخبر اليقين، ففعل ~~ستاتليوس كما أمره أميليوس، فلما تدانى من معسكر هنيبال أمر جنوده ~~بالوقوف، واستصحب فارسين يعتمد على شجاعتهما وقوتهما وتقدم. # فاقترب الفرسان الثلاثة من المعسكر القرطجني، وفحصوا كل شيء ~~للاستيقان مما إذا كان هنيبال وجيشه قد غادروا المكان أو أن في الأمر ~~مكيدة مقصودة. ولما عاد الضابط إلى رئيسه قال إنه يعتقد بأن إخلاء ~~المعسكر لم يكن حقيقيا؛ بل حيلة مدبرة لإيقاع الرومانيين في حباله، ~~فإن أعظم النيران المشتعلة كانت على الجانب المقابل لمعسكر الرومانيين ~~مما دل على أن إيقادها على تلك الصورة كان مقصودا به ~~الخديعة. # وقال أيضا إنه رأى نقودا وأشياء أخرى ذات قيمة مبعثرة في أرض ~~المعسكر، مما أقنعه بأنها ألقيت كذلك بمثابة شرك، وليست مما قد ترك ~~بعد فرار أصحابه للتخفيف عنهم، فلم يقتنع فارو بذلك، وعندما سمع الجيش ~~بالمال المتروك في المعسكر زاد تحمسه، واشتدت رغبته في النهب إلى ~~حد العصيان، حتى أصبح أمر رده عن ذلك من الصعوبة بمكان. # وفي غضون ذلك أقبل على معسكر الرومانيين عبدان رقيقان كانا قد وقعا ~~أسيرين في قبضة القرطجنيين قبل ذلك، فأخبرا القنصلين بأن الجيش ~~القرطجني مختبئ بجملته في مرصاد قريب من هناك، وهو يتوقع دخول الجيش ~~الروماني في ms096 معسكره الذي غادره، وعندئذ يحيط به من كل جانب ويفتك ~~برجاله، وقالا إنهما قد تمكنا من الفرار في وسط الضجة التي حصلت ~~من انتقال القرطجنيين إلى حيث اختبئوا . # فاقتنع الرومانيون بما سمعوه ورجعوا عن قصدهم مستائين وقد خابت ~~منهم الآمال، وكذلك هنيبال الذي خاب مسعاه واغتاظ كثيرا عاد إلى ~~معسكره، ووجد بعد ذلك بقليل أنه غير قادر على البقاء طويلا هناك؛ فإن ~~الأقوات التي معه قد نفدت وهو غير قادر على جلب غيرها، وأن ~~الرومانيين لا يخرجون من معسكرهم لينازلوه في ساحة منفرجة، وهم ~~متحصنون في ذلك المكان بحيث يعجز عن مهاجمتهم في مواقفهم، فقر رأيه ~~على مغادرة تلك الجهة من البلاد والانتقال بسرعة إلى ناحية ~~أكويلا. # وأكويلا هذه واقعة على الجانب الشرقي من إيطاليا يجري في وسطها نهر ~~اسمه أفيدوس، وعلى مقربة من مصبه بلدة اسمها كانيه، وكان إقليم نهر ~~أوفيدوس عبارة عن واد دافئ معرض للشمس وفيه الشيء الكثير من مزارع ~~الحنطة التي اقترب وقت حصادها، فأعجبه توجهه إلى ناحية الجنوب حيث ~~تكون المحصولات أقرب إلى النضج بتأثير الشمس من أي مكان، فيتسنى له ~~إذ ذاك أن يمأن جيشه ويوفر له ما يحتاجه. # وعلى هذا صمم على ترك المكان الذي عسكر فيه والانتقال إلى أكويلا، ~~وجرى على نفس طريقته التي عمل بها من قبل لمخادعة الرومانيين، فترك ~~خياما منصوبة ونيرانا مشتعلة وسير جيشه ليلا تحت جنح الظلام بكل ~~هدوء وسكينة؛ بحيث لم يشعر الرومانيون بتركه ذلك المكان، وفي اليوم ~~التالي عندما بدت لهم مظاهر خلو المعسكر القرطجني من الرجال، ظنوها ~~خدعة أخرى فلم يأتوا بحركة. # أخيرا اتصلت بهم أخبار تفيد أن جيشا كبيرا هو جيش هنيبال - دون ~~ريب - يسير على عجل مثقلا بأحماله إلى الشرق بعيدا منهم، فبعد ~~الجدال الطويل والتردد الكثير عول الرومانيون على اللحاق به، وهكذا ~~كانت نسور جبال أبنين تنظر من العلاء جماهير غفيرة من الجنود تزحف بين ~~الغابات سائرة إلى حيث تلحق بجماهير أخرى سبقتها، فإذا سارت تلك ~~سارت هذه، وإذا وقفت وقفت. # وتدانى ms097 جيش الرومانيين من جيش هنيبال إلى أن واجهه على نهر أوفيدوس ~~قريبا من كانيه، فعسكر الجيشان هناك استعدادا للقتال، وكانت لهما ضجة ~~وجلبة شأن سائر الجيوش التي تكون آخذة في الاستعداد للقتال في ثاني ~~الأيام وهي قريبة بعضها من بعض. على أن الضجة الكبرى كانت في المعسكر ~~الروماني التي تفاقمت هناك؛ لاختلاف حصل في الرأي بين القنصليين ~~وأشياعهما على أفضل خطة يعمل بها الجيش الروماني في محاربة الجيش ~~القرطجني. # فالقنصل فارو أصر على منازلة القرطجنيين في الحال ولكن أميليوس أبى ~~ذلك، فقال له فارو إنه يحتج بكل قوته على ذلك الإهمال الذي لا عذر ~~لهما في العمل به ويصر على مكافحة الأعداء، وإنه لا يوافق قطعيا ~~على أن يكون بعد ذلك مسئولا عن إبقاء إيطاليا منطرحة أمام ذلك العدو ~~الفاتح، فأجابه أميليوس قائلا إنه إذا أصر على القيام بمعركة فهو ~~أيضا يتبرأ من كل تبعة تتأتى عن نتيجة تلك المعركة. # واشترك رجال المعية في الجدال؛ فمنهم من كان على رأي هذا القنصل ~~ومنهم من أيد ذاك، ولكن الأكثرية ناصرت فارو، ومن أجل هذا امتلأ ~~المعسكر صياحا وحدة متناهية أدت إلى الشحناء، وكان سكان هاتيك ~~الأنحاء في الوقت نفسه يفرون هاربين من أوطانهم بعد مشاهدة هذه ~~الجموع الغفيرة ذات الهيئات الشرسة الواقفة متقابلة استعدادا للعراك ~~الذي توقعوه، وأنه سيكون هائلا للغاية، وقد أخذوا معهم ما استطاعوا ~~حمله من ممتلكاتهم، وساروا بنسائهم وأولادهم إلى مسافات مختلفة ~~إنقاذا لهم من شر المعركة التي أوشكت رحاها أن تدور، فوضعوهم في ~~الجبال والكهوف. # وكان أولئك الهاربون من وجه الجيشين يحملون أخبار العراك القادم إلى ~~حيث يصلون، فدرت إيطاليا بجملتها بقرب اقتتال الجيشين، وأصبح الناس ~~يتوقعون بفارغ الصبر نتيجة المعركة المنتظرة، وتمرنت الجيوش مدة يوم أو ~~يومين استعدادا للنزال، فكان فارو في يوم قيادته يعد كل شيء ويحث ~~الجنود على بذل منتهى الجهد في القتال، وأميليوس في يوم قيادته يعاكسه ~~عاملا بكل قوته على التأجيل والإبطاء. # ولكن القنصل فارو فاز عليه وأقنع الجيش بأفضلية تعجيل المعركة، ms098 ~~فهيأ الصفوف تأهبا للشروع في العراك، أما القنصل أميليوس فكان لا ~~يزال معارضا لفارو في الابتداء بالقتال، ولكنه لما غلب على أمره في ~~ذلك أخذ في إعداد ما يساعد على الفوز، ويقلل بواعث الانخذال علما ~~منه بأن الحرب واقعة لا محالة، وابتدأت المعركة على صورة نترك للقارئ ~~تصورها؛ لأن القلم يعجز عن وصفها. # فهناك جيش عدده خمسون ألفا واقف مقابل جيش عدده ستة وثمانون ألفا؛ ~~الأول جيش هنيبال والثاني الجيش الروماني. وقد اشتبكا معا في تقتيل ~~بعضهما بعضا مدة ست ساعات، وفي رواية دائرة المعارف ثماني ساعات ضربا ~~بالسيوف وطعنا بالخناجر وغير ذلك من أدوات قتال ذلك الزمان، بين ضجيج ~~وصياح وعداء وألم وأنين كلها ممتزج معا في ساحة واحدة اهتزت لما يجري ~~فيها جوانب تلك الأرض التي دارت فيها المجزرة على مسافة أميال عديدة، ~~فهيأت مشهدا مرعبا لا يدركه إلا الذي رأى مثل هذه المعارك العظيمة، ~~وما يجري فيها من الهول والويل والتقتيل. # وكأننا بهنيبال لا يستطيع إتيان أمر من الأمور بدون خدعة حربية، فهو ~~قد أرسل في بدء المعركة قطعة من جنوده إلى صفوف الرومانيين تظاهرا ~~بأنهم قد هجروه وفروا من جيشه؛ ليلتحقوا بالأعداء، وعند وصولهم إلى ~~صفوف الرومانيين ألقوا حرابهم وتروسهم على الأرض إشارة إلى تسليمهم، ~~فرحب الرومانيون بهم وفتحوا لهم سبيلا اجتازوه إلى ما وراء الجيش ~~الروماني، وأمروهم بالبقاء هناك. # وبما أنهم كانوا بلا سلاح لم يتركوا عندهم من الحراس سوى عدد قليل، ~~على أن أولئك المخادعين كانوا مسلحين تحت الثياب بخناجر، فقعدوا ~~ينتهزون الفرصة الملائمة حتى إذا حمي وطيس المعركة على أشده هبوا من ~~مجاثمهم وأفلتوا من حراسهم، وهاجموا الرومانيين من الوراء عندما بدا ~~لهم أن الجيش القرطجني قد شد على الجيش الروماني، وأبلى فيه البلاء ~~الحسن من الأمام حتى إنه لم يستطع الثبات في وجه صدماته. # واتضح بعد ذلك أن الجيش الروماني قد أخذ يتضعضع في كل مكان ويتراجع، ~~وكان تراجعه في أول الأمر بطيئا وبشيء من التأني فأصبح بعدئذ أشبه ~~بالهزيمة، وفي فرار ms099 الجنود كان الجرحى والضعفاء من الجنود يداسون تحت ~~أقدام المنهزمين خلفهم، أو كانوا يصرعون بضربات شديدة تنقض عليهم من ~~رجال العدو الذين كانوا يجدون في اللحاق بالجند المنهزم ، وفيما كان ~~أحد الضباط الرومانيين منهزما في غضون ذلك المشهد الهائل أبصر عن بعد ~~ضابطا آخر جالسا على حجر، والدم يتدفق منه وهو على وشك ~~الإغماء. # فلما وصل إليه وقف وتأمله فوجد أنه القنصل أميليوس، فعرض الضابط ~~واسمه لنتولوس جواده على القنصل ليمتطيه وينجو بنفسه، فأبى القنصل ~~أميليوس ذلك قائلا إن وقت إنقاذ حياته قد فات، ذلك فضلا عن أنه لا ~~يريد البقاء حيا، ثم قال «اذهب أنت ذاتك بأسرع ما تستطيع وما يجري بك ~~الجواد إلى رومية، وأخبر الحكومة هناك عن لساني أننا قد خسرنا كل ~~شيء، وقل لهم أن يتأهبوا ويعدوا ما أمكن من الوسائل للدفاع عن ~~المدينة، أسرع يا ولدي جهد إمكانك؛ وإلا سبقك هنيبال إلى بوابات ~~المدينة.» # وأوصى أميليوس ذلك الضابط ليقول لفابيوس: إن الذنب ليس ذنبه في ~~المخاطرة بمحاربة هنيبال؛ لأنه قد بذل الجهد في الحئول دون ذلك ~~عاملا في المقاومة بإرشاد فابيوس الذي بقي يرن في أذنيه إلى آخر ~~دقيقة، فاحتمل لنتولس الرسالتين وسار مسرعا، وكان القرطجنيون جادين ~~في أثره وقد ترك القنصل يموت في مكانه، ووصل القرطجنيون فرأوا أميليوس ~~على وشك الاحتضار فشكوا حرابهم في جسمه الواحد بعد الآخر، وهم يمرون من ~~أمامه إلى أن لم يبق فيه حراك. # أما القنصل الآخر فارو فنجا بحياته هاربا مع حرس من سبعين فارسا ~~إلى بلدة محصنة لا تبعد كثيرا عن ساحة المعركة، وأعمل الفكرة هناك في ~~لم شعث جيشه المتبدد، وإعادة تنظيمه في تلك البلدة، وأما القرطجنيون ~~فإنهم عندما رأوا النصر كاملا لم يلاحقوا أعداءهم بل عادوا إلى ~~معسكرهم، وصرفوا عدة ساعات في تبادل المسرات والتهانئ، ثم اتكئوا ~~وناموا؛ لأنهم كانوا منهوكي القوى من التعب الناجم عن شدة جهادهم في ~~المعركة ذلك اليوم. # وكانت ساحة المعركة عندئذ ملأى بالقتلى والجرحى الذين بقوا الليل ~~بطوله منطرحين مع الذين ms100 صرعوا، وهم يئنون من الآلام ويبكون مما أصابهم ~~من الروع والجراح، وفي ثاني الأيام ذهب القرطجنيون إلى ساحة القتال ~~بقصد نهب أجساد الرومانيين الذين صرعوا هنالك، وكان منظر تلك الساحة ~~مما تعافه النفوس وتقشعر لهوله الأبدان. هناك كنت ترى جثث الخيل ~~والناس مترامية بعضها فوق بعض، ومن المنطرحين هناك من فارق الحياة ~~ومنهم من بقي فيه رمق يصيح ويستغيث متألما يطلب أن يعطى جرعة ماء ~~ينقع بها الغليل، فلا يجيبه أحد أو يجذب جسمه شيئا فشيئا للانسحاب من ~~تحت أثقال الجثث الملقاة فوقه. # وكأن القرطجنيين الذين أصبح بغضهم للرومانيين مرا شديدا، لم ~~يكتفوا بما أحدثوه من القتل وسفك الدماء بذبح أربعين ألفا من أعدائهم ~~في عراك واحد؛ ولهذا زادوا عليه شيئا من نقمتهم فكانوا يطعنون أولئك ~~الجرحى المنطرحين في تلك الساحة بحرابهم، ويعذبونهم بطرق مختلفة ~~متخذين ذلك وسيلة للتسلية، على أن عملهم هذا لم يحسب قسوة لأولئك ~~الضحايا الأشقياء؛ لأن كثيرين منهم كانوا يتمنون الخلاص من عذابهم؛ ~~ولهذا كان العدد الكبير من الجرحى يكشفون عن صدورهم لمريدي تعذيبهم ~~ويتضرعون إليهم؛ لكي يضربوهم الضربة القاضية التي تنقذهم من ~~آلامهم. # وفيما كان القرطجنيون يتجولون بين القتلى والجرحى عثروا على جندي ~~قرطجني لا يزال حيا، ولكنه مقيد في مكانه بجسم جندي روماني ملقى ~~فوقه، وكان وجه الجندي القرطجني وأذناه في تشويه مخيف ذلك؛ لأن الجندي ~~الروماني عندما سقط فوقه بعد أن وقع كلاهما جريحين تابع الكفاح معه ~~مستخدما أسنانه، عندما صار عاجزا عن استخدام سلاحه، ومات في آخر ~~الأمر على صورة بقي فيها جسده ملقى فوق عدوه القرطجني المنحل ~~القوى. # وأحرز القرطجنيون أسلابا كثيرة؛ إذ كان الجيش الروماني يحوي العدد ~~الكبير من ضباط وجنود من النبلاء وأبناء الطبقات العليا، وكانت أسلحة ~~هؤلاء وثيابهم ثمينة إلى الغاية، وجمع القرطجنيون أيضا كميات وافرة ~~من الخواتم الذهبية التي انتزعوها من أصابع جرحى وقتلى الرومانيين ~~وقتلاهم، فبعث بها هنيبال إلى قرطجنة علامة لانتصاره المبين. # الفصل العاشر # | سيبيو # إن السبب الحقيقي في عدم التمكن من إيقاف هنيبال عند ms101 حد معلوم من ~~انتصاراته الباهرة لم يكن حسبما ظهر متأتيا عن عدم اتباع ~~الرومانيين سياسة حكيمة في مقاومته؛ بل هو ناجم عن عدم وجود قائد معادل ~~له في الكفاءة إلى ذلك الحين، فإن كل قائد أرسل لمحاربته وجد بعد ~~القليل من الوقت أنه غير كفء له، فقد كان هنيبال متفوقا عليهم جميعا ~~بالتدريب العسكري، وقادرا على الظفر بهم بسهولة في حومة ~~القتال. # ولقد كان من تصاريف القدر أن يظهر في رومية رجل مساو لهنيبال في ~~المقدرة والدراية، وهو الشاب سيبيو الذي أنقذ حياة والده في معركة ~~تسينيوس، وسيبيو هذا مع أنه ابن قائد بهذا الاسم هو من أعظم القواد ~~الذين وقفوا في وجه هنيبال، إلا أنه لقب بسيبيو الأكبر؛ وذلك لظهور ~~واحد بهذا الاسم بعده اشتهر بحروبه الهائلة التي شهرها على القرطجنيين ~~في أفريقيا. # ولقد نال هذان الأخيران من الشعب الروماني لقب أفريقانوس؛ إكراما ~~لما أدركاه من الانتصارات في أفريقيا، والقائد الذي نحن بصدده الآن قد ~~سمي سيبيو الأكبر فقط، وأعمال سيبيو الباهرة عندما حاول صد هنيبال ~~عند نهر الرون ونهر «بو» قد فاقتهما أعمال ابنه، وأعمال سيبيو الآخر ~~الذي تلاه بحيث تناسى الناس سيبيو السابق بعد الذي رأوه من أعمال ~~الاثنين الذين خلفاه؛ ولهذا أهملوه لكي يحتفظوا باسم هذين الأخيرين، ~~فلا يكون ثمة التباس في تعريفهما في التاريخ. # ظهر سيبيو الذي نذكره الآن على مسرح الحروب الحالية كقائد إحدى ~~الفرق بعد معركة كانيه فهو كان ضابطا وضيعا، وفي اليوم الذي تلا ~~المعركة وجد نفسه في مكان اسمه كانوسيوم يبعد مسافة قصيرة عن كانيه ~~على الطريق المؤدي إلى رومية، ومعه ضباط آخرون في مثل رتبته، وتحيط ~~بهما فرق ممزقة من الجيش الروماني تجيء بعضها وراء بعض من ناحية ~~المعركة تعبة محلولة القوى وفي أشد حالات اليأس. # وشاع في الناس أن القنصلين قد قتلا؛ ولهذا لم يكن هناك من يقود تلك ~~الفلول من الجيش الروماني، فعقد أولئك الضباط اجتماعا للنظر في ذلك، ~~وأجمع رأيهم على جعل سيبيو قائدا لهم في ذلك ms102 الوقت الحرج إلى أن يصل ~~من هو أرفع منه في القيادة أو يأتيهم نبأ من رومية، وقد حدثت عندئذ ~~حادثة دلت بما لا ريب فيه على ما اتصف به سيبيو الشاب من الشجاعة ~~والإقدام. # ففي الاجتماع نفسه الذي عقد لجعله قائدا كان الكل متحيرين وقد ~~شملهم الهم والارتباك، جاءهم أحد الضباط وأخبرهم أن قد عقد اجتماع في ~~ناحية أخرى من المعسكر مؤلف من ضباط وجنود ذوي رتب عالية يرأسهم ~~الضابط ماتيلوس، وقد قر رأيهم جميعا على ترك أمر الذود عن بلادهم ~~يائسين وعلى القيام بما يوصلهم إلى الشاطئ، ويساعدهم على إيجاد عدة سفن ~~يمخرون فيها البحر إلى وطن جديد يتخذونه في بلاد أجنبية؛ اعتقادا ~~منهم بأن الأقدار قد قضت على بلادهم بالخراب المحتم. # وقال لهم ذلك الضابط: إني قد جئتكم بخبر ما جرى؛ لتجتمعوا معهم ~~وتتفاوضوا معهم فيما الذي يجب علينا القيام به من هذا القبيل، فهب ~~سيبيو من مجلسه وقال: «نجتمع للمفاوضة! إن الحالة لا تدعو إلى المفاوضة ~~بل إلى العمل - إلى الفعل - فجردوا سيوفكم واتبعوني.» وإذ قال هذا سار ~~يتبعه الكل إلى الاجتماع الذي يرأسه ماتيليوس، ودخلوا لفورهم إلى ~~المكان الذي كان القوم مجتمعين فيه يتفاوضون، وهناك أمسك سيبيو مقبض ~~سيفه، ولفظ بكل وقار يمينا معظمة قيد بها نفسه بألا يترك ~~بلاده ولا يتخلى عنها في ساعة شدتها، ولا يسمح لأي روماني بالتخلي ~~عنها. # وقال إنه إذا ارتكب ذنب الخيانة هذا؛ فإنه يسأل المشتري بأشد ~~اللعنات أن يمحقه ويهلكه بالكلية هو وبيته وعائلته وأملاكه وجسده، ثم ~~خاطب ماتيليوس قائلا: «والآن أطلب إليك وإلى من معك من الرفاق أن ~~تقسموا اليمين التي أقسمتها أنا، ويجب عليكم أن تقسموا هذه اليمين في ~~الحال وإلا كنتم مضطرين إلى الدفاع عن أنفسكم من شفار سيوفنا، ومن سيوف ~~القرطجنيين أيضا.» # فانصاع ماتيليوس وجماعته وأطاعوا في الحال، ولم يكن انصياعهم ناتجا ~~عن الخوف فقط، بل بقدر ذلك عن الرجاء، فإن شجاعة سيبيو والطريقة ~~المهيبة التي خاطبهم بها بعد أن حلف اليمين قد أثارت فيهم ms103 روحا جديدة ~~من الشجاعة، وبعثت في صدورهم الآمال بالتمكن من الدفاع عن بلادهم، ~~وإنقاذها من صولة الأعداء الذين اجتاحوها. # وكانت أخبار الكسرة المشئومة التي أصابت الرومانيين قد بلغت رومية ~~بسرعة، فأحدثت حزنا شاملا، وضجت المدينة من أقصاها إلى أقصاها؛ لأن ~~الجيش كان مؤلفا من كل عائلة، فكل امرأة وكل والد قد نالهم من أخبار ~~انسحاق الجيش الروماني المقعد المقيم، والمحزن على الأزواج والآباء ~~والأبناء الذين قد صرعوا في المعترك، وزاد في طنبور الحزن نغمة قبيحة ~~خوف شديد من أن هنيبال وجيشه الفاتح قد يدخل أبواب المدينة في كل ~~ساعة فيبطش بهم جميعا. # وغصت شوارع المدينة ولا سيما ساحتها الكبرى بجماهير الناس من رجال ~~ونساء وأولاد، وضج الفضاء بأصوات صراخهم ونحيبهم الناجم عن الذعر ~~والاحتساب لنازلة جديدة تنقض عليهم، وعجز القضاة عن إعادة الطمأنينة ~~إلى الصدور وإرجاع النظام والسكينة إلى نصابهما. أما مجلس الشيوخ فإنه ~~انفض وأجل انعقاده؛ وذلك لكي يتوفر الوقت لأعضائه، فيتجولوا في ~~المدينة ويبذلوا ما لهم من السلطة والنفوذ في إسكات الشعب عن الصياح، ~~هذا إذا هم عجزوا عن إعادة الطمأنينة. # أخيرا خلت الشوارع من الناس وأصدرت الأوامر إلى النساء والأولاد ~~بالبقاء في البيوت، فأرسلت طوائف من الجلاوزة في أنحاء المدينة؛ لكي ~~يمنعوا تجمهر الناس وهياجهم، وبعد هذا عاد مجلس الشيوخ إلى عقد جلساته ~~محاولا التؤدة والتروي الممكنين البحث فيما الذي يجب عليهم القيام به ~~تحت الظروف الحاضرة. # وكان الرعب الذي استولى على رومية من بعض الوجوه بلا موجب؛ لأن ~~هنيبال بخلاف ما توقعته إيطاليا كلها لم يزحف على رومية مع أن قواده ~~قد ألحوا عليه كثيرا في وجوب القيام بذلك قائلين إنه لا يوجد ما يقف ~~في وجهه أو يحول دون استيلائه على المدينة بسهولة، أما هنيبال فقد أبى ~~عليهم ذلك؛ فإن رومية كانت ذات تحصينات منيعة وفيها خلق كثير، ثم إن ~~جيشه من الجهة الأخرى كان منهوك القوى ضعيفا بعد معركة كانيه، ففضل ~~عدم محاولة ضرب رومية والتريث إلى أن تصله نجدات جديدة من ~~الوطن. # وكان ms104 الوقت في أواخر الصيف بحيث إنه لم يتوقع وصول النجدات إليه في ~~الحال؛ ولهذا السبب صمم هنيبال على اختيار مكان أسهل حصولا من رومية ~~ليقضي فيه فصل الشتاء ، فمال إلى اختيار كابوي؛ وهي مدينة كبيرة وقوية ~~تبعد عن رومية نحو مائة ميل إلى الجنوب الشرقي، وفي الواقع أن هنيبال ~~قد استنبط فكرة الاحتفاظ بإيطاليا وجعل كابوي عاصمته تاركا رومية ~~لوحدها؛ لكي تصير بطبيعة الظروف التي أوجدها في مصاف المدن الثانوية ~~القليلة الأهمية. # ولعله كان تعبا من أهوال الحروب وأخطارها، وبما أنه قد نجا من ~~الدمار المحتم قبل معركة كانيه العظيمة فقد قر رأيه على عدم ~~الاندفاع والتعرض لأخطار جديدة، وشغلت هذه المسألة باله وقتا طويلا ~~تردد فيه بين أن يسير إلى رومية، أو يحاول ابتناء عاصمة جديدة خاصة ~~به في كابوي، وكانت هذه المسألة موضوع جدال كثير في أيامه وبحث لا ~~آخر له بين رجال الحربية في كل عصر بعد تلك الأيام، ولا تزال كذلك إلى ~~يومنا هذا. # وسواء كان هنييال مخطئا أو مصيبا فقد صمم النية على اتخاذ كابوي ~~عاصمة له، وترك رومية مؤقتا مطمئنة، وأرسل من فوره إلى قرطجنة في طلب ~~النجدات، وكان رسوله إليها أحد قواده، واسمه ماغو، فأسرع هذا المسير ~~قاصدا قرطجنة يحمل معه بشائر النصر، وأحمالا من الخواتم التي انتزعها ~~القرطجنيون من أيدي قتلى الرومانيين في ساحة كانيه كما تقدم البيان، ~~فكان لبشرى النصر في قرطجنة ضجة فرح عظيمة، وسر أصدقاء هنيبال ~~ومريدوه كثيرا مما أوتيه من الظفر بالأعداء ووبخوا أعداءه، ~~وطعنوا على الذين قاوموا تعيينه قائدا في بادئ الأمر للجيش في ~~إسبانيا. # فاجتمع ماغو بمجلس الشيوخ القرطجني، وألقى عليه خطابا بليغا ~~أخبرهم فيه عن المعارك العديدة التي خاض هنيبال غمراتها وعن ~~الانتصارات التي أحرزها، وأنه قد لقي أعظم القواد عند الرومانيين ~~وقهرهم جميعا وقتل في معاركه أكثر من مائتي ألف رجل، وأن إيطاليا ~~أصبحت تحت رحمته ورهن إشارته، فجعل كابوي عاصمة له بعد أن سقطت ~~رومية، ثم قال لهم: إن هنيبال في حاجة ماسة ms105 إلى الرجال والأموال ~~والأقوات، وإنه لا يشك بأن القرطجنيين يوافونه من ذلك بما يعوزه ~~بدون أقل تردد. # وبعد الفراغ من خطابه أتى بأكياس الخواتم إلى المجلس، وأفرغها على ~~أرض القاعة دليلا على الانتصارات التي أعلن للمجلس أن هنيبال قد ~~أحرزها، وكان ما فعله ماغو رسول هنيبال وافيا بالمراد من مهمته، ~~لو أن أصدقاء هنيبال وقفوا عند هذا الحد الذي وصل إليه ماغو، لكنهم ~~لم يرعووا ولا اتأدوا بل تطرفوا في سب أعدائه وشتمهم ~~وتعييرهم، وخصوصا هانو الذي كما يذكر القراء كان في مقدمة مقاومي ~~إرسال هنيبال إلى إسبانيا. # فالتفتوا إليه وسألوه عما يعتقده الآن في أمر مقاومته المصنعة لذلك ~~البطل المقدام، فوقف هانو والتفت إليه كل أعضاء المجلس رغبة منهم في ~~سماع ما يريد أن يقوله جوابا لسائليه، فتكلم بكل هدوء ورزانة كما ~~يأتي: ~~«كان في نيتي ألا أقول شيئا، بل أترك للمجلس حرية العمل بما طلبه ~~منه ماغو لو لم أخاطب في ذلك شخصيا، فأنا الآن تحت هذه الظروف أقول: ~~إني أعتقد اليوم بمثل ما اعتقدت في الماضي، وهو أننا قد اندفعنا في ~~تيار حرب باهظة النفقات ولا فائدة ترجى منها، وأننا حسبما أرى لسنا ~~أقرب إلى آخرها منا في الماضي بالرغم من الانتصارات التي نهلل ~~لها ونطبل. يؤيد قولي بفساد هذه المزاعم ما أراه من غرائب التناقض فيما ~~يدعيه هنيبال، وعدم ثباته على قول في مطالبه وادعاءاته. # يقول إنه قد قهر أعداءه جميعا ومع ذلك فهو يسألنا أن نمده ~~بالجنود، وأنه قد ذلل إيطاليا - أخصب بلدان العالم - وأخضعها وسيطر ~~عليها من عاصمته كابوي، ومع ذلك فهو يطلب منا أن نرسل إليه الحنطة، ~~وأرسل إلينا أكياسا عديدة من الخواتم الذهبية دليلا على الغنى الذي ~~أحرزه بالسلب والنهب، وقد أتبع ذلك بطلبه منا إرسال مقادير جديدة ~~من الأموال. # ففي رأيي أن انتصاراته وهم وخداع، وأنه لا يوجد شيء حقيقي في ~~الظروف الحاضرة إلا احتياجاته، والأعباء الثقيلة التي ستلقى على عاتق ~~البلاد من جراء تلك الحاجيات.» # ولكن بالرغم من تهكم هانو ms106 صمم القرطجنيون على مؤازرة هنيبال ~~وإمداده بالمئونة التي يحتاج إليها، على أنهم أبطئوا في الوصول لما ~~حال دون ذلك من الصعوبات والعوائق، فالرومانيون مع عجزهم عن طرد ~~هنيبال من بلادهم حشدوا جيوشا جديدة في بلدان مختلفة، وشهروا حروبا ~~عديدة على القرطجنيين وحلفائهم في أنحاء مختلفة من العالم بالبر ~~والبحر في وقت واحد. # فكانت نتيجة ذلك أن هنيبال أقام في إيطاليا خمس عشرة أو ست عشرة سنة ~~بدون جدوى، مشتبكا في غضون ذلك بحروب ومناوشات مملة مع القوى ~~الرومانية، وبدون أن يتمكن من القيام بمعركة فاصلة، فكان يظفر أحيانا ~~ويضايق أحيانا لحد الانحصار لكثرة أعدائه، ويقال إن جيشه قد تولاه ~~الضعف والوهن لتماديه في التمتع باللذات في كابوي؛ فهي كانت مدينة غنية ~~وجميلة للغاية وقد فتح سكانها أبوابها لهنيبال من تلقاء أنفسهم ~~مفضلين، حسبما قالوا، محالفته على محالفة الرومانيين. # فضباط الجيش - كما هي عادة ضباط الجيوش أن يفعلوا دائما - وجدوا ~~أنهم قد استقروا في مدينة ذات ثروة وجمال وما لا يحصى من أسباب اللهو، ~~وبعد أن ذاقوا البلاء المر في حروبهم الماضية انصرفوا إلى الاحتفالات ~~والولائم وتمادوا في كل نوع منها إلى حد التطرف، فكان هذا دأبهم كل ~~يوم، والنفس إن تمادت لا ترعوي فضلا عن أن القعود والراحة يدعوان إلى ~~الفرح والمرح والتمتع بسائر ضروب التسلية. # ومهما تكن البواعث؛ فإنه لم يبق في الأذهان أقل ريب بأنه من يوم ~~استولى هنيبال وجيشه على كابوي، وحصلوا فيها على ما لم يكن تيسر لهم من ~~زمان طويل من الراحة والرفاهية أخذت القوة القرطجنية في الانحطاط، وإذ ~~كان هنيبال قد صمم النية على جعل تلك المدينة عاصمة لإيطاليا بدلا ~~من رومية شعر عندما ألقى عصا الترحال هناك كأنه في وطنه، فقل ~~اهتمامه بابتداع الخطط والتدابير الحربية لمهاجمة العاصمة القديمة ~~والاستيلاء عليها. # ومع ذلك كانت الحرب لا تزال قائمة على ساق وقدم، فشبت نيران معارك ~~عديدة وحوصرت مدن كثيرة، وكان الظفر على الدوام مرافقا للدولة ~~الرومانية، ولكنه لم ينل أحد الفريقين في إحدى المعارك ms107 ظفرا ~~نهائيا أو انتصارا فاصلا، وقد نبغ في هذه المعارك قائد روماني جديد ~~اسمه مارسيلوس، وهو إما لأنه أوفر دربة من غيره أو أكثر إقداما وأصلب ~~عودا، أو لما طرأ من التغيير المهم على قوى العدوين المتحاربين، ~~قد اتبع خطة الهجوم مخالفا بذلك خطة فابيوس المبنية على ~~الإبطاء. # على أن مارسيليوس كان متأنيا كثير الحذر في تدابيره وحملاته، وقد ~~رسم خططه بذكاء وفطنة كفلا له النجاح المستمر تقريبا، فأعجب به ~~الرومانيون وهللوا لنشاطه وما كان يبديه من الحماسة، على أنهم لم ينسوا ~~بذلك ما لفابيوس من الفضل في تأنيه وتحفظه للدفاع، وقالوا إن مارسيليوس ~~سيف الحكومة القاطع، كما أن فابيوس درعها الواقية. # وثابر الرومانيون على هذا الشكل من الحروب، وكان التفوق على أعدائهم ~~مصاحبا لهم كلما طال عهدها، إلى أن أدى بهم الأمر إلى الدنو من أسوار ~~كابوي وهددوها بالحصار، على أن وسائل الدفاع والتحصينات التي أنشأها ~~هنيبال كانت أقوى من هجماتهم ليأخذوا المدينة عنوة، ولم يكن لديهم ~~رجال يتمكنون بكثرتهم من الإحاطة بالمدينة من سائر جهاتها؛ ليحصروا من ~~فيها بالكلية فلا يكون لهم مخرج يستمدون منه حاجياتهم. # فاضطروا بعد ذلك إلى الكف عن الحصار، وعسكروا بجيشهم الجرار على ~~مقربة منها، وتظاهروا باستعدادهم الدائم لمهاجمتها بحيث حملوا رجال ~~هنيبال على السهر والتأهب الدائم ليلا ونهارا وأقلقوا راحتهم، وفضلا ~~عن القلق الدائم الذي أوجدوه لهم؛ فإن القرطجنيين قد أزعجهم ما رأوه من ~~إقدام أعدائهم على عاصمتهم بجرأة وقحة لم تعهدا من قبل في جيش ~~إيطاليا الذي طالما قهروه وبطشوا به قبل ذلك بوقت قصير، فأثر ذلك فيهم ~~وقمع من نخوتهم إلى حد الشعور بالذل. # ولم يكن هنيبال موجودا في كابوي عندما تألب الرومانيون لمهاجمتها، ~~على أنه سار لإنجادها في الحال وهاجم الرومانيين بدوره محاولا بذلك ~~إرغامهم على رفع الحصار عنها والابتعاد عن أرباضها، ولكنهم إذ كانوا ~~قد خندقوا على أنفسهم وتحصنوا لم تؤثر هجماته فيهم ولا أنالته منهم ~~مأربا كالعادة، فكانت حملاته عليهم تذهب ضياعا، فلم يتمكن من ~~زحزحتهم عن مواقفهم، ms108 فلما بدا له أنهم ممتنعون غادرهم، وزحف بجيشه ~~متجها نحو رومية. # وقد عسكر في أرباض المدينة مهددا إياها بالهجوم، ولكن أسوارها ~~وقلاعها ووسائل الدفاع فيها كانت منيعة كحصون كابوي فلم يقو على ~~مهاجمتها، أو أنه تظاهر بالهجوم عليها؛ لكي يحمل الرومانيين الملتفين ~~حول كابوي على الإقلاع عما صمموا عليه والمسارعة للدفاع عن عاصمتهم، ~~وفي الواقع أنه بعمله هذا قد أحدث بعض القلق في رومية، فبحث رجال ~~حكومتها طويلا في الأمر وقر رأيهم أخيرا على استدعاء جيشهم من أمام ~~كابوي، على أن هذا القرار لم ينفذ لما لقيه من المقاومة؛ حتى إن ~~فابيوس نفسه كان من أشد معارضيه. # ذلك لأن هنيبال لم يعد في نظرهم هائلا مرهوب الجانب؛ ولهذا ~~استدعوا قسما صغيرا من الجيش الروماني المعسكر عند كابوي، فلما وصل ~~أضافوا إليه قوات أخرى جندوها ممن في داخل المدينة وخرجوا منها بذلك ~~الجيش لمنازلة هنيبال، وكان الاستعداد للمعركة تاما من كل وجه، إلا ~~أن عاصفة شديدة هبت فدحرتهما عن مواقفهما، وأرغمتهما على الرجوع إلى ~~المعسكرات. # ويقول المؤرخ الروماني الكبير: إن ذلك حدث مرات متوالية، وفي كل مرة ~~كانت العاصفة تهدأ والجو يعود إلى إشراقه بعد أن يكون القواد قد أمروا ~~جيوشهم بالكف عن القتال، وقد يكون شيء من مثل هذا قد حدث صدفة إلا ~~أن الحقيقة الأكيدة هي أن كل جيش كان يرتعد خوفا من الآخر، ويتمنى ~~طروء أقل عائق ليتذرع به لتأجيل القتال، فقد حدث أن هنيبال لم يكن ~~ليرتد عن منازلة أعدائه في وجه أشد العواصف هبوبا. # وهكذا مع أن هنيبال قد وصل في آخر الأمر إلى أسوار رومية على أنه لم ~~يأت هناك أمرا سوى ما يمكننا التعبير عنه بكلمة تخويف، ووجوده هناك ~~لم يسبب انزعاجا عظيما أو خوفا للسكان، ذلك لأن الرومانيين كانوا ~~قبل ذلك بكثير قد استخفوا بصولة الجيش القرطجني، فلم يعد يرهبهم ~~كالأول، ولكي يظهروا استخفافهم بهنيبال كانوا يبيعون بالمزاد العمومي ~~الأراضي التي كان جيشه معسكرا عليها، بينما كان هو يتظاهر بمحاصرة ~~المدينة وقد بيعت ms109 بأثمان عادية. # وقد كان إقدام المشترين على شراء الأرض ناجما من بعض الوجوه عن ~~حميتهم الوطنية، وعن رغبتهم في إبداء الاحتقار لهنيبال، وأن وجوده هناك ~~في رأيهم ليس إلا لوقت محدود يضطر بعده إلى الانصراف، وأراد هنيبال ~~عندما بلغه ذلك أن يثأر لنفسه منهم من وجه المقابلة، فباع بالمزاد ~~العمومي - وهو في معسكره - دكاكين أحد شوارع رومية، فاشتراها كثيرون من ~~ضباط جيشه بابتهاج ومسرة. # فظهر من هذا أن تغييرا مدهشا قد طرأ على العراك القائم بين قرطجنة ~~ورومية؛ وهو أن تينك الدولتين العظيمتين اللتين كانت إلى ما قبل ذلك ~~بوقت قصير تتطاحنان في معارك دموية هائلة على نهر بو وفي ناحية كانيه؛ ~~تكتفيان الآن من ذلك العراك بمثل هذه الألاعيب الصبيانية على مثل ما ~~يفعل صغار الأولاد. # وعندما خابت آمال هنيبال من الحصول على نجدات عسكرية بعد استفراغ ~~كل الوسائل التي فكر فيها، حاول استجلاب جيش ثان إلى إيطاليا يجتاز ~~جبال الألب بقيادة أخيه أسدروبال، وكان ذلك الجيش لجبا وقد عانى صنوف ~~الأهوال التي صادفها هنيبال تقريبا، إلا أن الطريق التي سار فيها ~~هنيبال ووصفها لأخيه قد خففت عنه وعن جيشه الشيء الكثير من المتاعب. ~~ولكن بالرغم من كل هذا لم يصل من ذلك الجيش العرمرم الذي بدأ المسير من ~~إسبانيا إلى هنيبال سوى رأس أخيه، وكانت الحوادث التي انتهت بها سيرة ~~محاولة أسدروبال إنجاد أخيه كما يأتي: # عندما هبط أسدروبال من جبال الألب مسرورا منشرح الصدر لفوزه في ~~التغلب على ما اعترضه في اجتيازها من العراقيل والأهوال؛ تصور أن كل ~~متاعبه قد انقضت فوجه إلى أخيه رسلا يعلمه باجتيازه جبال الألب وأنه ~~زاحف لنصرته بأسرع ما يمكنه، وكان القنصلان في رومية يومئذ نيرو ~~وليفيوس، وقد عهد إلى كل واحد منهما جريا على عادة الرومان في حماية ~~مقاطعة معلومة، وأعطي جيشا معلوما للذود عن حياضها، وحتم عليهما ~~ألا يترك أحدهما مقاطعته تحت كل الظروف، ما لم تصدر إليهما الأوامر ~~بذلك من المجلس الاشتراعي الروماني. # وكان في هذا الحين أن القسم ms110 الشمالي من إيطاليا وضع تحت رعاية ~~ليفيوس والقسم الجنوبي تحت رعاية نيرو، فتعين على ليفيوس إذ ذاك أن ~~يلاقي أسدروبال عند هبوطه من جبال الألب ويكافحه، وأمر نيرو بالبقاء ~~على مقربة من هنيبال؛ لكي يفسد عليه تدابيره ويقف في وجهه أو يبطش به ~~إذا تسنى له ذلك، ويكون القنصل الثاني في نفس الوقت عاملا جهد إمكانه ~~على منع وصول النجدات التي ينتظرها هنيبال من إسبانيا. # وإذ كانت الأحوال على ما ذكرنا كان على رسل أسدروبال الحاملين كتبه ~~إلى أخيه أن يكونوا على حذر كلي من الوقوع في قبضة أحد القنصلين ~~قبل الوصول إلى هنيبال، فنجحوا في التخلص من ليفيوس إلا أنهم وقعوا ~~في أسر نيرو فاستولى على الكتب وفتحها وقرأ ما فيها، فإذا بها تحتوي ~~على كل الخطط والتدابير التي أقر أسدروبال على العمل بها، فأدرك من ~~ذلك أنه إذا زحف شمالا للاتحاد مع القنصل ليفيوس جريا على ما علمه من ~~كتب أسدروبال؛ فإنهما يتمكنان من البطش به، ولكنه إذا ترك ليفيوس وهو ~~جاهل ما عزم عليه أسدروبال فإن هذا يسطو عليه ويفوز باختراق جيشه، ~~والإسراع إلى نجدة هنيبال وبذلك يتم اتحاد القرطجنيين. # وعلى ذلك رغب نيرو كثيرا في الاتجاه شمالا ليساعد ليفيوس؛ لأنه وجد ~~الضرورة تدعو لمناصرته، إلا أن القانون كان يحرم ذلك عليه ويحول دون ~~تركه المقاطعة التي عهد إليه في حمايتها، والذهاب إلى حيث زميله ~~بدون إذن خاص من رومية، وقصر الوقت لا يساعد على استجلاب مثل ذلك ~~الإذن، ومعلوم أن قوانين الطاعة العسكرية شديدة الصرامة، وهي القوانين ~~الوحيدة التي يعمل بموجبها حرفيا. # فالضباط والجنود من كل الرتب والمقامات يجب أن يتلقوا الأوامر من ~~رؤسائهم، ويطيعوها بدون نظر إلى العواقب التي تنجم عنها، وإبداء أي ~~عذر لانحرافهم عن الخطة المرسومة لهم مهما كانت، وفي الواقع أن هذه ~~القاعدة هي أساس القيادة العسكرية وركنها المكين الذي تستند إليه، ~~فهي توجب الطاعة والعمل بلا أقل تردد، فإذا صدر أمر من القيادة ~~العليا؛ فإنه يبطل كل رأي أو حكم أو ms111 فكر في شخصية الذي وجه إليه ذلك ~~الأمر. # وأعظم القواد وأفضل الحكومات يفضلون حصول الضرر من طاعة أوامرهم ~~على النفع الذي يجيء من عدم الطاعة لتلك الأوامر، وهو مبدأ حسن ليس ~~فقط في الحرب، بل في سائر الأحوال الاجتماعية حين يعمل الناس متحدين، ~~ويرغبون في أن يكون العمل جيدا والاتفاق على القيام به تاما، ولكن ~~بالرغم من كل ذلك فقد تختلف الحالة باختلاف الظروف، فالمسائل التي ~~يتساهل فيها بالعدول عن هذه القاعدة هي التي يبدو فيها ضرورة ماسة، ~~أو تكون النتائج المنتظر حصولها عنها عظيمة إلى الغاية، وتكون المخاطرة ~~عندها مهمة جدا، ويكون الفوز من الأمور اليقينية الخالية من شوائب ~~الريب، عندئذ يعقد القائد النية على عصيان الأوامر ويأخذ كل ~~المسئولية على عاتقه. # والمسئولية كما لا يخفى جسيمة والخطر من حملها عظيم للغاية، فالذي ~~يقدم على هذا الأمر يعرض نفسه لأشد العقوبات صرامة، ولا ينجيه من ~~العقاب الأليم إلا الضرورة الكلية وزيادة عليها النجاح الباهر. وفي ~~التاريخ الإنكليزي قصة عن أمير كان في خدمة ملكة إنكليزية عصى أوامر ~~رؤسائه في أحد الأوقات لما بدا له من ضرورة ذلك وهو في البحر، ولكنه ~~تمكن من إحراز نصر باهر كان منه على يقين. # وبعد أن أدرك ذلك الانتصار المهم طلب أن يقبض عليه كمجرم ويؤخذ إلى ~~الميناء سجينا ذليلا، بدلا من قائد أحرز نصرا مبينا، وهناك سلم ~~نفسه لرجال القضاء ليحاكم على مخالفته الأوامر، وبعث من فوره فأخبر ~~الملكة بأنه قد عرف أنه يستحق الإعدام جزاء لما أقدم عليه، ولكنه ~~كيفما كان الحال يرغب في تضحية حياته بأية طريقة لخدمة جلالتها، ~~فأصدرت أمرها بالعفو عنه. # فالقنصل نيرو - بعد التروي الطويل واضطراب الفكر الموجب للقلق في ~~مثل هذه الحالة - رأى أن الظروف التي عرضت له تتطلب منه تحمل ~~المسئولية بكل جيشه والتعرض لعقاب العصيان، على أنه لم يجسر على ~~الذهاب شمالا بكل جيشه؛ لأن انسحاب جيشه بكامله من حيث هو يجعل ~~جنوبي إيطاليا بجملته تحت رحمة هنيبال؛ ولهذا انتخب من جيشه الذي ~~كان ms112 عدده أربعين ألف رجل سبعة أو ثمانية آلاف من الأبطال المجربين ~~المعروفين بالحمية والإخلاص، والذين يمكنه الاعتماد عليهم ليس فقط من ~~حيث المقدرة على تجشم الأخطار والأهوال، بل من حيث شجاعتهم ونشاطهم ~~وما عرفوا به من الإقدام الذي يحملهم على الثبات في معاركة رجال ~~أسدروبال إلى النهاية. # وكان نيرو عند حصوله على كتب أسدروبال إلى أخيه معسكرا في مكان ~~حصين متسع الجوانب، فزاده تحسينا وتحصينا ووسعه على صورة لا يدري ~~بعدها هنيبال بأن نيرو قد أنقص جيشه، كل هذا أتمه بسرعة كلية وفي مدة ~~ساعات معدودة بعد وقوفه على الكتب المذكورة التي حملته على الإسراع ~~لنجدة زميله، وانسل بجيشه من هناك ليلا ولم يدر رجاله إلى أين هو ~~يسير بهم ولا ما الذي عقد النية على القيام به، وسار بأسرع ما في ~~الإمكان نحو الشمال، ولما وصل إلى المقاطعة الشمالية أراد أن يدخل ~~معسكر ليفيوس خفية كما خرج من معسكره، وبهذا حصل أحد الجيشين ~~الرومانيين على الزيادة التي كان في أشد الحاجة إليها من غير أن يشعر ~~بذلك القائدان القرطجنيان، فانشرح صدر القنصل ليفيوس لهذه النجدة ~~التي أتته ساعة الحاجة إليها، وأمر بأن يخلد كل الجيش إلى الهدوء ~~والسكينة؛ لكي يحصل الجنود الذين أقبلوا لنجدته على الراحة الضرورية ~~بعد الذي عانوه من مشاق السير السريع. # إلا أن نيرو خالفه في ذلك وأشار بوجوب الابتداء في المعركة حالا، ~~فهو قد عرف مقدرة الرجال الذين أتى بهم وعظم احتمالهم، وكان في الوقت ~~نفسه غير راغب في أن يوجد خطرا في نفس معسكره في جنوبي إيطاليا بغياب ~~طويل عنه، وهكذا اتفق القائدان على مهاجمة أسدروبال بالأسرع الممكن، ~~وصدرت الأوامر إلى الجيش ليبدأ بالمعركة في الحال. # وليس ببعيد أن يكون القنصل ليفيوس وحده قادرا على قهر أسدروبال، إلا ~~أن النجدة التي أتاه بها نيرو قد جعلت الجيش الروماني قويا عزيز ~~الجانب وأقوى من جيش أسدروبال كثيرا، وفضلا عن ذلك فإن أسدروبال قد ~~رأى وهو في طليعة جيشه أن بعض الجنود في صفوف أعدائه كانت ms113 من أهل ~~الجنوب مما دل على صحة فراسته وتوقد ذكائه، واستنتج من ذلك أن أخاه ~~هنيبال قد لقي انكسارا مشئوما، وأن الجيش الروماني برمته قد احتشد ~~ضد جيشه . # ففت ذلك من عضده وخاف كثيرا، فأصدر أمره بالانسحاب وتبعه الجيش ~~الروماني جادا في أثره وأعمل في مؤخرته السيف فأوقع في صفوف الجيش ~~القرطجني المتراجعة التشويش والاختلاط والفوضى، وأصبح القرطجنيون ~~كالسائر على غير هدى بين الأنهر والبحيرات لا يعرفون سبيلا إلى ~~النجاة، وكان أدلاء الجيش قد فروا طالبين النجاة بعد الذي رأوه من ~~تضعضع أحواله، وعندئذ انحصر الجيش القرطجني في مكان غير حصين لا يقوى ~~فيه على الدفاع، ولا يستطيع الإفلات من ذلك المأزق. # واقتتل الفريقان أشد قتال فلم يشفق الرومانيون على أعدائهم ولا ~~أروهم أقل رحمة، بل أعملوا في رقابهم السيوف ذات اليمين وذات الشمال ~~إلى أن أهلكوا الجيش عن آخره تقريبا، وقطعوا رأس أسدروبال فأخذه ~~القنصل نيرو وسار ليلا عائدا إلى معسكره، ورأس أسدروبال معه وهو فرح ~~مفاخر بما أقدم عليه، وحال وصوله أرسل طائفة من الفرسان؛ لكي يلقوا رأس ~~أسدروبال في معسكر هنيبال، كعلامة من أشنع العلامات على أنه قد انتصر ~~عليه. # فلما رأى هنيبال رأس أخيه أصبح كمن أصيب بجنة وانحلت قواه وغلب ~~عليه اليأس والحزن؛ لما علمه من خسارة جيشه - تلك الخسارة التي أنذرته ~~بالفشل وخيبة كل أمل - فصاح عندئذ قائلا: «لقد دنت ساعتي وقضي الأمر ~~وخسرت كل شيء، فلست بمرسل أنباء نصر إلى قرطجنة بعد الآن، فبفقد ~~أسدروبال قد انقطع كل رجاء.» # وفيما كان هنيبال على ما رأيناه في إيطاليا حليف هم وحزن عظيمين، ~~كانت جيوش الرومانيين التي أعدها حلفاء رومية تتفوق على القرطجنيين ~~في كل مكان من العالم بقيادة قواد عهد إليهم مجلس الشيوخ الروماني ~~في محاربة القرطجنيين حيثما وجدت، وكانت أنباء الانتصارات تجيء متتابعة ~~إلى رومية فتزيد الرومانيين شجاعة وتدفعهم إلى الإقدام، وتؤثر عكس ذلك ~~على هنيبال وجيشه وحلفائه الذين أصبحوا مستسلمين لليأس محلولي ~~العزائم. # وكان سيبيو واحدا من أولئك القواد الذين اقتادوا جيوش ms114 الرومانيين في ~~البلدان الأجنبية، وقد تولى قتال القرطجنيين في إسبانيا، وكانت الأنباء ~~الواردة من جيشه باعثة على الاستبشار والحماسة المتناهيين في رومية، ~~فهو قد كان ينتقل من نصر إلى نصر، ومن اجتياح مقاطعة إلى التغلب على ~~أخرى حتى أوشكت البلاد الإسبانية بجملتها أن تصير تحت مطلق سيطرته، ~~فقهر جميع القرطجنيين الواحد بعد الآخر وثابر على الزحف إلى أن وصل ~~إلى قرطجنة الجديدة، فحاصرها وافتتحها وبسط سلطة رومية على البلاد ~~كلها. # وعاد سيبيو بعد ذلك إلى رومية فائزا منصورا فتلقاه الأهلون ~~بالتهليل والتبجيل، وفي الانتخابات التي تلت انتخبوه قنصلا، وفي ~~توزيع المقاطعات وقعت سيسيليا تحت قيادته ومنح مطلق الحرية في العبور ~~من هنالك إلى أفريقيا إن أراد، وتعين على القنصل الآخر أن يلاحق العراك ~~في إيطاليا ضد هنيبال، وهكذا حشد سيبيو جيشا جرارا وهيأ أسطوله ~~وأقلع قاصدا سيسيليا. # وكان أول عمل قام به بعد وصوله إلى مقاطعته تدبير حملة عسكرية يسير ~~بها إلى أفريقيا بالذات، فهو لم يتم له ما أراده من مواجهة هنيبال ~~رأسا بأن يزحف بجيشه لمعاركته في جنوب إيطاليا؛ لأن ذلك كان من حق ~~زميله المطالب بتلك الناحية، ولكنه يستطيع شن الغارة على أفريقيا ويهدد ~~قرطجنة نفسها، وهكذا صمم النية على هذا الأمر بكل ما اشتهر عنه من ~~الإقدام والحمية وحسن التدبير. # فنجح أيما نجاح وكان جيشه الممتلئ غيرة والمتشرب روح قائده ~~وحماسته، والذي كان واثقا بالفوز يزحف من معركة إلى أخرى كما فعل في ~~إسبانيا منتقلا من نصر إلى نصر، فقهر مدنا كثيرة واجتاح مقاطعات، ~~وعارك كل الجيوش التي استطاع القرطجنيون توجيهها ضده، ونكل بها أو ~~دحرها بخسائر فادحة، وفي آخر الأمر أحدث في شوارع قرطجنة ومنازلها مثل ~~الخوف والرعب والاضطراب التي أحدثها هنيبال في رومية عندما كان ~~منتصرا. # وهال القرطجنيين ما رأوه من بطش سيبيو وتولاهم اليأس والقنوط، ~~فأرسلو إليه السفراء يلتمسون منه الصلح وإبداء الشروط التي يريدها ~~مقابل ذلك للانسحاب من البلاد، فأجابهم سيبيو بأنه غير قادر على عقد ~~صلح؛ لأن ذلك من شأن مجلس ms115 الشيوخ الروماني الذي هو مأموره. # على أنه ذكر لهم بعض الشروط التي يميل إلى رفعها لمجلس الشيوخ في ~~رومية؛ فإذا قبلوا بها منحهم هدنة أو توقفا وقتيا عن القتال إلى ~~أن يرجع جواب المجلس من رومية، فوافقه القرطجنيون على الشروط التي ~~عرضها، وقد كانت ثقيلة جائرة ولكن الرومانيين يدعون أن القرطجنيين لم ~~يرضوا بتلك الشروط في الباطن، وإنما تظاهروا بذلك؛ لكي يتوفر لهم الوقت ~~الكافي لاستدعاء هنيبال الذي كانوا واثقين بأنه لو كان في أفريقيا ~~لأنقذهم من بطش الأعداء. # وهكذا كان فإنهم عندما وجهوا سفراءهم إلى رومية بعثوا رسلا إلى ~~هنيبال أيضا يطلبون منه إنزال جنوده في البحر بالإسراع الممكن، وأن ~~يترك إيطاليا عائدا إلى الوطن؛ ليخلصه وينقذ مدينته التي هي مسقط رأسه ~~من الدمار المحتم، هذا إن لم يفت الوقت على ذلك، فلما وصل الرسل إلى ~~هنيبال وعلم ما جرى تولاه الذهول والحزن الشديد والأسف لانقلاب الحالة ~~على تلك الصورة، فقضى بعد ذلك ساعات طويلة في التألم لما جرى، فكان ~~تارة يئن متوجعا وطورا يسكت كأنه في غيبوبة، وحينا يصيح بأعلى ~~صوته ويقذف من فيه اللعنات محمولا على ذلك كله بعظيم ~~انفعاله. # ولكنه بعد هذا لم يستطع المقاومة وتخييب آمال مواطنيه، فبذل جهده في ~~الرجوع إلى قرطجنة، وكان مجلس الشيوخ الروماني في الوقت نفسه قد رد ~~المسألة التي عرضت عليه إلى سيبيو؛ ليرى رأيه فيها يحملها رسل مع ~~التفويض المطلق لحكمته، فإن رأى أن يتابع الحرب تابعها وإن رأى الصلح ~~عقده، ولكنهم أرادوا العلم بالشروط التي يعقد عليها ذلك الصلح، وكان ~~هنيبال قد وصل إلى قرطجنة، وهناك جند جيشا كبيرا وجمع إليه من كان ~~قد سلم من الجيوش التي قهرها سيبيو، وزحف في طليعة ذلك الجيش لملاقاة ~~العدو. # فسار خمسة أيام وابتعد عن قرطجنة بين الخمسة وسبعين ميلا والمائة ~~ميل، فتدانى من معسكر سيبيو، وعندئذ وجه الجواسيس لاستطلاع طلع عدوه، ~~فأمسك حراس جيش سيبيو أولئك الجواسيس، وساقوهم إلى مضرب القائد ~~لإعدامهم كما توقعوا، ولكن سيبيو بدلا من أن ينزل ms116 بهم العقاب الأليم ~~أمر بأخذهم للتجول في معسكره ورؤية كل شيء هناك، ومن ثم أطلق سراحهم ~~ليرجعوا إلى هنيبال، ويطلعوه على كل ما اختبروه. # وكانت المعلومات التي نقلها الجواسيس إلى هنيبال دالة على قوة جيش ~~سيبيو وعظم معداته، فدهش هنيبال مما سمعه عن عدوه وفضل المفاوضة ~~لعقد صلح بدلا من المخاطرة في معاركته، وبناء على ذلك بعث إلى سيبيو ~~يطلب منه ضرب موعد لمقابلة شخصية، فأجابه سيبيو إلى ذلك، وتعين مكان ~~اللقاء بين المعسكرين، وإلى هذا المكان جاء القائدان في الأجل المضروب ~~باحتفال مهيب وعدد كبير من الحاشية والأتباع. # وكان هنيبال وسيبيو أعظم قواد ذلك الزمان الذي عاشا فيه؛ لأنهما قضيا ~~خمس عشرة سنة أو عشرين سنة في ساحات القتال، وأتيا من معجزات الحروب ما ~~ملأ العالم بشهرتهما، وكانت ساحات حروبهما متباعدة كثيرا بحيث لم ير ~~واحدهما الآخر، أما الآن فقد اجتمعا معا للمرة الأولى، ولما تعارفا ~~وقف كلاهما وقتا طويلا محدقين كل منهما بالآخر بتأمل يدل على أن ~~كل واحد منهما يريد اختبار شخصية الآخر بدون كلام. # أخيرا بدأت المفاوضة؛ وعرض هنيبال على سيبيو أمورا أراد عقد الصلح ~~عليها، وكانت موافقة للرومانيين إلى الدرجة القصوى، على أن سيبيو لم ~~يقتنع بذلك بل طلب الزيادة من التضحيات التي أراد هنيبال التساهل بها، ~~وكانت النتيجة بعد مفاوضات طويلة عديمة الثمرة أن كل واحد منهما رجع ~~إلى معسكره وتأهب للعراك، ومعلوم أن المنتصر في المعارك يسهل عليه ~~متابعة انتصاراته، والنتائج تتوقف في الغالب على ما يتوقعه كل جيش ~~عند نزوله إلى المعترك. # فسيبيو وجنوده كانوا يتوقعون الانتصار، والقرطجنيون كانوا يتوقعون ~~الانكسار، وكانت النتيجة للفريقين حسبما توقعا، ففي ختام اليوم الذي ~~دارت فيه رحى معركة زاما سقط من الجيش القرطجني أربعون ألفا في ساحة ~~الوغى، بعضهم قتلى وبعضهم على وشك الموت، ومثل هذا العدد أو أكثر منه ~~سيقوا أسرى إلى المعسكر الروماني، وما بقي من الجيش أصبح فلولا ~~هائمين على وجوههم في كل صوب، يسوقهم الرعب في كل طريق مؤدية إلى ~~قرطجنة. # ورجع ms117 هنيبال إلى قرطجنة، وهناك مثل أمام مجلس الشيوخ، وأعلن انكساره ~~قائلا إنه لم يعد قادرا على القيام بأكثر مما قام به، ثم قال: «إن ~~حسن الطالع الذي كان مصاحبا لي في الماضي قد هجرني إلى الأبد، ولم ~~يبق أمامنا سوى عقد الصلح مع أعدائنا على الشروط التي يطلبونها مهما ~~كانت قاسية.» # الفصل الحادي عشر # | هنيبال شريد طريد ومنفي # كانت حياة هنيبال أشبه بأحد أيام شهر نيسان أبهاها وأجملها عند ~~الصباح، فغروب شمسه قد رافقه ظلام الغيوم والأمطار، ومع أن الرومانيين ~~لم يستطيعوا في غضون خمس عشرة سنة العثور على قائد يتمكن من الثبات في ~~وجه هنيبال، فإن سيبيو قهره في آخر الأمر فكان بانتصاره عليه ختام ~~فتوحاته كما تنبأ هانو، وقد انتهت تلك الفتوحات بجعل بلاده في حالة ~~أردأ كثيرا مما كانت عليه قبل ذلك. # وفي الواقع أن القرطجنيين عندما كانوا منصبين بكل قواهم على ~~العمل النافع، ساعين وراء الاتجار والسلام والطمأنينة كانوا في نعيم ~~مقيم، وكانت ثروتهم تتعاظم سنة عن سنة ويتعاظم معها نفوذهم ومجدهم من ~~كل وجه، وقد اتجهت سفنهم في كل صوب وقوبلت بالترحيب حيثما رست، ~~فسعدوا وأثروا وأدركوا أرفع درجات العظمة، وكانوا في الوقت نفسه ~~عاملين بإخلاص على ترقية وإسعاد شعوب أخرى كثيرة. # ولقد كان ذلك الحظ دون ريب يرافقهم أجيالا طوالا، وهم في بحبوحة ~~من العيش ورفاهية واطمئنان لو لم يقم فيهم أبطال حروب يسعون لإدراك ~~العلا، ويتسابقون لنيل الأمجاد العسكرية الباطلة. وكان والد هنيبال من ~~كبار أولئك الأبطال، فبدأ بتدويخ إسبانيا والاعتداء على السلطة ~~الرومانية، وقد أوجد مثل روحه الحربية في صدر ابنه هنيبال، وزرع الطموح ~~إلى المعالي وأضرم في صدره كرها مضطرما للرومانيين. # وقد رافقهما الجد وصاحبهما الفوز في سائر التدابير التي اقتادا ~~أبناء وطنهما لإتمامها أعواما عديدة، فكان نجاحهما في ذلك باهرا، ~~وهكذا فبعد أن كانوا من القوم الذين يرحب بهم العالم؛ لما يتأتى لهم ~~منهم من الفوائد الجمة أصبحوا السادة لقسم منه واللعنة الكبرى عليه، ~~فكان هنيبال طيلة الأيام التي كان ms118 فيها متفوقا على كل قائد روماني ~~يؤتى به لمعاركته مثابرا على الفتح والتدويخ. # ولكن قام بعدئذ سيبيو الذي كان أعظم من هنيبال، وعندئذ انقلبت ~~الحالة بطنا لظهر، وكل الفتوحات التي قضى القرطجنيون في إدراكها نحو ~~نصف جيل استرجعت منهم بنفس الاعتساف والشدة، وسفك الدماء والتعاسة ~~التي أخذت بها. # وقد وصفنا أعمال هنيبال الشهيرة في فتوحاته هذه، وما أتاه من الدهاء ~~والدربة والإقدام على جلائل الأمور، أما مآتي سيبيو في استرجاع ما غنمه ~~هنيبال فلم نأت على ذكرها إلا عرضا وبكل اختصار؛ وذلك لأن الغرض من ~~هذا الكتاب هو إيراد سيرة حياة هنيبال لا سيرة حياة سيبيو، ومع هذا فإن ~~فتوحات سيبيو قد تمت ببطء وبالتدريج، فاستغرقت زمنا طويلا. # فهو كان في سن الثامنة عشرة في معركة كانيه وذلك عندما اقتاد ~~الجيش، وعندما أقيم قنصلا كان في الثلاثين من عمره، وذلك قبل ذهابه ~~إلى أفريقيا بزمن يسير، وعلى هذا يكون قد قضى خمس عشرة سنة أو ثماني ~~عشرة سنة في هدم بناء المجد المشمخر الذرى الذي شيده هنيبال ~~محاربا في أقاليم بعيدة عن قرطجنة وبطلها كل هذا الوقت، كأنه قد أبقى ~~القائد العظيم والمدينة العظيمة إلى النهاية. # ولكنه قد كان ناجحا في كل الذي أجراه، حتى إنه عندما تقدم لمهاجمة ~~قرطجنة كان كل شيء قد اضمحل، فكانت قوة قرطجنة كالصدفة المجوفة فارغة ~~وعديمة النوى، فلم تتطلب سوى ضربة واحدة شديدة لتسحق سحقا، وفي الواقع ~~أن قوة قرطجنة كانت متلاشية وفي حالة الانحلال النهائي، وأسباب دفاعها ~~قد نفدت بحيث إن تلك المدينة العظيمة المرهوبة الجانب اضطرت إلى ~~استدعاء، قائدها العظيم لإغاثتها حال دنو الخطر منها فسحق سيبيو ~~الاثنين. # ومع ذلك فإن سيبيو لم يتطوح مثلهم ليسحقهم إلى النهاية، فقد أبقى على ~~حياة هنيبال ولم يؤذ المدينة، إلا أن شروط الصلح التي تقاضاها كانت ~~ثقيلة بهذا المقدار حتى قضت على سيطرة قرطجنة بالزوال إلى الأبد، ~~فبهذه الشروط أتيح للقرطجنيين أن يظلو أحرارا مستقلين، وأن تستمر ~~سيادتهم على مالهم من المقاطعات في أفريقيا التي ms119 كانت لهم قبل الحرب، ~~وإنما انتزع سيبيو منهم أملاكهم الأجنبية، حتى إن ملكهم في أفريقيا كان ~~محدودا وسيطرتهم مقيدة. # وأخذ الرومانيون منهم الأسطول بجملته ما عدا عشرة مراكب صغيرة ذات ~~ثلاثة صفوف من المجاذيف؛ ذلك لأن سيبيو وجدها ضرورية لحكومة قرطجنة لكي ~~تستعين بها على الإدارة المدنية، فهذه المراكب فقط بقيت لهم، ولم يقل ~~سيبيو ما الذي سيفعله بالأسطول بل كل ما صرح به هو أن يسلم إليه بلا ~~شروط، ثم إنه أخذ الأفيال التي عند القرطجنيين جملة، واشترط عليهم ألا ~~يمرنوا غيرها فيما بعد في أية ناحية من العالم خلا أفريقيا. # حتى إنه إذا اضطرتها الظروف إلى شهر حرب في أفريقيا، فلا يجوز لها ~~الإقدام على ذلك قبل إشعار الشعب الروماني مقدما والحصول على إذن منه ~~بذلك، وكان على قرطجنة أن تدفع جزية سنوية باهظة لمدة خمسين سنة، ~~فأحدثت هذه الشروط القاسية ضوضاء عظيمة واستياء شديدا في مجالس قرطجنة ~~وطال الجدال في أمرها أياما، وكان هنيبال ميالا إلى القبول بها ~~فعارضه في ذلك آخرون مفضلين المثابرة على الحرب، ولو كان الخذلان فيها ~~من نصيبهم على الرضوخ لمثل هذه الشروط المهينة المؤدية إلى الخراب ~~والشقاء والذل. # وكان هنيبال حاضرا في مفاوضات المجلس كلها، ولكنه وجد نفسه هذه ~~المرة في موقف يختلف كثيرا عن المواقف التي كانت له في غضون ثلاثين ~~سنة انقضت أيام كان قائدا منتصرا يركب في جيش عرمرم، وله إذ ذاك ~~القول الفصل يشير ويسيطر ويدبر كل أمر، ففي مجالسه الحربية الماضية لم ~~يكن أحد يجرؤ على الكلام بدون إذنه، ولا يوضح أحد عن رأيه في أمر إذا ~~أبى هنيبال سماعه. # على أنه في مجلس الشيوخ القرطجني قد كان الأمر بالعكس، فآراء الشيوخ ~~كانت تلفظ بكل وضوح كما يحدث بين الأكفاء، ويكون هنيبال في جملتهم له ~~رأي واحد لا سوى؛ فإما يقبل أو يرفض كغيره من الآراء، إلا أن روح ~~السلطة التي كانت لا تزال تتردد في صدره وما اعتاد في الأيام الماضية ~~من النهي والأمر قد جعله ms120 عديم الاحتمال قليل الصبر عندما يعارضه أحد، ~~حتى إنه إذ كان أحد الشيوخ يخطب مرة مفندا آراء هنيبال مقاوما ما ~~أشار به لم يصبر هنيبال عليه، بل أمسكه بتلابيبه وأجلسه في مكانه ~~بالقوة. # فحمل عمله هذه أعضاء المجلس على الاستنكاف من أثرته وتصلبه ~~وعتوه، وصرحوا له باستيائهم من هذا السلوك القبيح قائلين إن أيام ~~سيطرته قد ذهبت، فكان هو والحالة هذه يرجع عن غيه في الحال ويندم ~~على عمله متأسفا؛ لأنه قد نسي واجبات وظيفته الجديدة ويعتذر ~~لتطرفه الذي لا داعي له، أخيرا أقر رأي القرطجنيين على القبول ~~بشروط السلم التي طلبها سيبيو، وهكذا دفعوا إليه أول قسط من الجزية، ~~وسلموا إليه السفن والأفيال بأجمعها مستسلمين على الكره منهم. # ولكن سيبيو أعلن بعد أيام قلائل أنه غير فكره عن أخذ السفن معه، ~~وقال بوجوب تحطيمها هناك، وقد يكون تصميمه على هذا ناتجا عن حسبانه ~~إياها عديمة الفائدة للرومانيين بالنظر إلى صعوبة تجهيزها بالرجال، ~~ومن المعلوم أن السفن بدون رجال لا فائدة منها، وتوجد دول كثيرة في ~~هذا العصر قادرة على ابتناء أساطيل كبيرة، لولا ما يحول دون قيامها ~~بذلك من قلة الرجال الذين يتجردون لهذه الخدمة. # فلعل هذا هو أحد الأسباب الذي حمل سيبيو على عدم أخذ السفن القرطجنية ~~إلى بلاده، وربما أراد أيضا بذلك أن يظهر لقرطجنة وللعالم بأسره أن ~~تصميمه على أن أخذ سفن العدو لم يكن الغرض منه تقوية دولته بما سلبه ~~من قوى العدو المغلوب؛ بل إنه أراد به حرمان المحاربين الطامحين إلى ~~نيل القوة والمجد والوسيلة التي تساعدهم على تعكير مياه السلام، ~~وإقلاق راحة الجنس البشري ببعثات فتوحاتهم وعوامل صولتهم من حين إلى ~~آخر. # وكيفما كان الحال فإن سيبيو صمم النية على تحطيم السفن وعدم ~~تسييرها معه إلى بلاده، ففي ذات يوم ضربه موعدا لذلك أصدر أمره بجمع ~~السفن في البوغاز قبالة قرطجنة وأحرقها هناك، وكان عددها خمسمائة ~~سفينة وعلى هذا ألفت أسطولا ضخما وغطت من البحر مسافة غير يسيرة، ~~وفي اليوم المعين احتشدت جماهير ms121 الناس على الشاطئ؛ ليشاهدوا ذاك ~~اللهيب الهائل. # وكان التأثير المحزن الذي سببه ذلك المشهد المؤلم قد تفاقم كثيرا ~~بما كان يغلي في صدور أهل قرطجنة من مراجل البغضاء والحقد على ~~أعدائهم، حتى إن الرومانيين أنفسهم الذين شاهدوا ذلك المنظر المهيب من ~~معسكراتهم على الشاطئ شعروا بتأثير حرك فيهم العواطف، ولكن على صورة ~~تختلف كثيرا عما كان القرطجنيون يشعرون به؛ فإن وجوههم كانت مشرقة ~~بالجذل والابتهاج الناجمين عن فوزهم على أعدائهم، عندما أبصروا ألسنة ~~اللهيب المخيف مندلعة من هاتيك السفن العديدة وأعمدة الدخان تستر صفحات ~~الجو، وتغطي مياه البحر مذيعة للعالم تدمير قرطجنة وتذليل كبريائها ~~بحيث لا تقوم لها بعده قائمة، وبعد أن أنجز سيبيو عمله هذا كما أراد ~~أقلع قاصدا رومية، وكانت إيطاليا بأسرها قد امتلأت بأخبار مآتيه ~~وأنباء انتصاراته وتمكنه من سحق قوة هنيبال؛ لأن رومية لم تعد بعد ~~الآن تخشى صولة ذلك القائد العظيم وترتعد لذكر حروبه، ذلك لأنه قد ترك ~~في وطنه مغلول الأيدي معدوم القوة ذليلا بحيث إن الخوف من وجوده مرة ~~أخرى في إيطاليا يهددها بفتوحاته قد انتفى إلى الأبد، وعلى هذا كان ~~الشعب الروماني الذي ذاق البلاء المر من هنيبال وصولته والذي عادت ~~إليه الآن ذكرى الدواهي الكبار التي رماه بها القائد القرطجني أيام ~~وجوده في إيطاليا يهلل لسيبيو ويلقبه بمنقذ البلاد العظيم، وهكذا كان ~~الرومانيون ينتظرون وصول سيبيو بفارغ الصبر؛ لكي يرحبوا به ويحتفلوا ~~بمقدمه، فلما دنا الوقت واقترب من رومية خرجت جماهير غفيرة للقائه، ~~ونظم رجال الحكومة مواكب مهيبة للترحيب به، وجلبوا معهم تيجان وأكاليل ~~من غار وأزهار مختلفة، وقابلوه بالتهليل وهتاف الفرح والانتصار الباهر، ~~ومنحوه لقب أفريقانوس كذكرى شرف لانتصاراته - وكان هذا شرف جديد - ~~بإعطاء الفاتح اسم البلاد التي دوخها، وقد ابتدع ذلك اللقب خصيصا ~~ليكون جزاء لسيبيو المخلص الكبير الذي أنقذ المملكة من أعظم الأخطار ~~وأروعها، وأراحها من أكبر الأعداء الذي كانت ترتعد فرقا لذكر اسمه. ~~أما هنيبال فمع أنه سقط فهو لم يعدم نصيبا ولو يسيرا مما كان له ms122 من ~~القوة والمهابة في قرطجنة، فإن أمجاد مآتيه الحربية ما برحت تزين ~~سجاياه بهالة من الشرف جعلته موضوع الإجلال والاحترام وأبقت له عددا ~~كبيرا من الأصدقاء والمريدين، وأعطي وظيفة سامية في البلاد فبذل جهده ~~في تنظيم الشئون الداخلية وتحسين الإدارة من كل وجه، على أنه لم يبلغ ~~من ذلك المراد الذي رامه. # ويقول المؤرخون إن المقاصد التي رام إتمامها حسنة، والطرق التي ~~اتخذها لبلوغ الغاية منها حكيمة في ذاتها، إلا أنه لما كان لا يزال ~~متعودا الأمر المطلق والسيطرة التي لا تعرف قيدا ولا حدا، شأن ~~القائد العسكري وجد من الصعب عليه كثيرا استعمال الرفق والتؤدة ~~والتساهل واحترام السوى، الأمور التي لا يستغنى عنها في التأثير على ~~الناس واكتساب مناصرتهم في إدارة القضايا المدنية. # فهنيبال الذي جرى على طبيعته العسكرية المتصلبة لم يجار القوم كما ~~تقضي بذلك الضرورة؛ ولهذا أوجد لنفسه عددا كبيرا من الأعداء الذين ~~بذلوا ما وسعهم بالمكائد والدسائس وبالمقاومة الظاهرة أيضا لإسقاطه ~~وإذلاله، فخفضوا من كبريائه وحقروه، فآلمه ذلك كثيرا وكان هذا دأبهم ~~معه في كل حادثة توقعت لهم معه رجوع سيبيو إلى رومية، وفي غضون ذلك ~~طرأت أسباب حملت قرطجنة على محاربة قبيلة أفريقية مجاورة لها، فاقتاد ~~هنيبال حملة عسكرية جندها من سكان المدينة لمحاربة تلك القبيلة. # واتصل ذلك بالرومانيين الذين أقامو الجواسيس في قرطجنة؛ ليطلعوهم على ~~كل ما يجري فيها، فحذروا أهل قرطجنة من الإقدام على الحرب، قائلين إن ~~ذلك مخالف للمعاهدة المسطرة بين البلادين؛ ولهذا فإن رومية لا تسمح ~~لهم بذلك، ولما كانت حكومة قرطجنة تكره المخاطرة في إغاظة رومية ~~وتتحاشى جهد الإمكان الدخول معها في حرب يقتاد فيها سيبيو جيوش ~~الرومانيين، أرسلت من فورها الأوامر إلى هنيبال بالعدول عن الحرب ~~والرجوع إلى المدينة. # فأرغم هنيبال على الإذعان والطاعة، ولكنه إذ كان متعودا عدم ~~المبالاة بجيوش رومية وأساطيلها مهما بلغ من عددها وعدتها، فلا نرتاب ~~في أن روحه العالية قد استكبرت الأمر وتألمت كثيرا إذ رأت أنها قد ~~قهرت وقمع من نخوتها بكلمة واحدة؛ ms123 فإن كل ما كان الرومانيون يستطيعون ~~حشده من القوات ضده حتى عندما كان على أبواب رومية لم يكن ليعبأ به، ~~والآن بكلمة تهديد واحدة آتية من عبر البحار ومرسلة إليه وهو في جوف ~~صحارى أفريقيا القاصية تجرده في دقيقة واحدة من كل قوته. # ومرت السنون وهنيبال قلق منزعج لا يهدأ له روع بالنظر إلى اضطراره ~~لاحتمال الذل والاستكانة والقهر الذي حكم عليه به القضاء والقدر، ~~فكانت نفسه العالية التي لم تصبر على ضيم من قبل عاملة على التفكير ~~الدائم وتدبير الخطط التي تمكنه من اكتشاف وسيلة يتوصل بها إلى تجديد ~~العراك مع عدوته القديمة، والنيل منها مدفوعا إلى ذلك بعامل الغيظ ~~والطموح واستعادة المجد القديم. # يذكر دارسو التاريخ أن قرطجنة كانت في الأصل مستعمرة تجارية تابعة ~~لصور، وهي مدينة على الشاطئ الشرقي من بحر الروم، وكانت سوريا وفينيقية ~~مجاورتين لصور، وكانت هذه البلدان على درجة عظيمة من المقدرة التجارية ~~وعلائقها مع قرطجنة ولائية إلى الغاية، بحيث إن سفنهما التجارية جميعا ~~كانت تمخر البحر ذهابا وإيابا بينهما، فإذا ما نابت إحداها نائبة أو ~~حلت بها نكبة كانت بالطبع تتوقع من البلدان الأخرى المساعدة والحماية، ~~فإن قرطجنة كانت تعد فينيقية بمثابة أم لها، وفينيقية تحسب قرطجنة ~~بنتها. # وكان في هذا الحين ملك قدير على عرش سوريا وفينيقية اسمه أنتيوخوس، ~~وكانت عاصمة ملكه دمشق، وقد عرف بالصولة والغنى الوفير، وصدف في ذلك ~~الوقت اشتباكه بمشاكل كثيرة مع الدولة الرومانية التي توسعت في ~~فتوحاتها حتى بلغت تخوم مملكته من ناحية الشرق، وكاد الأمر بينهما ~~يؤدي إلى حرب طاحنة بسبب ذلك، فاهتبل أعداء هنيبال في قرطجنة فرصة وجود ~~هذه المشاكل بينهما، وأخبروا المجلس الروماني بأن هنيبال يدبر المكائد ~~مع أنتيوخوس بقصد توحيد جيوش سوريا وقرطجنة ضد الجيش الروماني، وإضرام ~~نيران تندلع ألسنة لهيبها في العالم مرة أخرى. # فعول مجلس رومية عندما اتصلت به هذه الأنباء على إرسال بعثة إلى ~~الحكومة القرطجنية تطالبها باسم رومية بوجوب عزل هنيبال من وظيفته، ~~وتسليمه أسيرا للرومانيين؛ لكي يحاكموه على ms124 هذه التهمة، ووصلت تلك ~~البعثة إلى قرطجنة، ولكنها كتمت الأمر الذي قدمت من أجله احتسابا لما ~~يقدم عليه هنيبال من ترك المدينة، والفرار إلى حيث يكون في مأمن من ~~شرهم إذا هو درى بما هم آتون لأجله، فينجو بنفسه قبل أن يقر رأي ~~المجلس القرطجني على تسليم هنيبال إلى الرومانيين. # على أن هنيبال كان أوفر منهم فطنة وأكثر حذرا واحتسابا، فهو قد ~~سعى بكل وسيلة لديه للاطلاع على غرضهم من المجيء إلى قرطجنة، وعزم في ~~الحال على النجاة بنفسه علما منه بأن أعداءه في قرطجنة كثار العدد، ~~وأن كرههم له يتفاقم يوما عن يوم؛ ولهذا لم يجسر على ترك المسألة ~~للأقدار، وانتظار نتيجة قرار مجلس وطنه في شأنه، بل صمم على الفرار ~~بلا أقل تردد. # وكانت له قلعة أو برج صغير على الشاطئ يبعد عن قرطجنة مائة وخمسين ~~ميلا إلى الجنوب، فوجه على الفور رسولا أمينا إلى هناك؛ لكي يهيئ ~~له سفينة تكون على استعداد لركوبه البحر، ودبر جماعة من الفرسان تقف ~~على بوابات المدينة عند حلول الظلام، وفي سحابة ذلك اليوم ظهر هنيبال ~~في الشوارع العمومية بكل حرية وبقلة مبالاة؛ كأنه غير عالم بشيء يزعجه ~~قاصدا بذلك إقناع سفراء رومية الذين كانوا يراقبونه بأنه غير مفكر في ~~الهرب. # وعند المساء اتجه متمهلا في سيره نحو منزله، وهناك شرع في إعداد كل ~~ما يلزم لسفره، ولما خيم الظلام ذهب إلى بوابة المدينة راكبا ~~الجواد الذي أعد له، وأسرع في الفرار قاطعا الوهاد والبطاح يريد ~~قلعته، وهناك وجد السفينة التي أمر بإعدادها له، فركبها في الحال ~~وأطلق شراعها للريح فأبعدته عن الشاطئ مسافة غير يسيرة. # ويوجد على مسافة من الشاطئ جزيرة صغيرة اسمها سرسينيا، فوصلها هنيبال ~~في ذات اليوم الذي غادر فيه قلعته، وكان لتلك الجزيرة مرفأ تأوي إليه ~~السفن التجارية، فبحث بين السفن ووجد عددا بينها من السفن الفينيقية، ~~وكان البعض منها ذاهبا إلى قرطجنة، فأحدث وصول هنيبال إلى تلك الجزيرة ~~ضجة كبرى واستغرب القوم أمر مجيئه إلى هناك؛ فلكي ms125 يزيل انذهالهم قال ~~لهم إنه موفد من الحكومة القرطجنية إلى حكومة صور. # وخشي هنيبال أن بعض تلك السفن التي كانت موشكة أن تمخر البحر إلى ~~قرطجنة تحمل إلى حكومتها خبر وجوده في جزيرة سرسينيا؛ فلكي يحول دون ~~ذلك دبر بدهائه الخارق الخطة التالية؛ وهي أنه أرسل إلى ربابنة تلك ~~السفن دعوة رسمية إلى حفلة يريد القيام بها، وسألهم في الوقت نفسه أن ~~يعيره كل واحد منهم شراع سفينته الأكبر؛ لكي يؤلف منها جميعها خيمة ~~تسع الضيوف، وتقيهم البلل من ندى الليل. # فقبل الربابنة دعوة هنيبال فرحين تائقين إلى رؤية ما أعده لهم ~~وأمروا رجالهم بإنزال الشرع الكبرى، ومعلوم أن نزع تلك الشرع عن السفن ~~جعلها غير قادرة على الحراك، وهكذا اجتمع جمهور المدعوين تحت تلك ~~الخيمة العظيمة المركبة من شرع السفن والمضروبة على شاطئ البحر، فلقيهم ~~هنيبال مرحبا وبقي معهم ردحا من الوقت، ثم انسل في غضون الليل عندما ~~كان المدعوين متمتعين بما أعده لهم لاهين بمعاقرة الخمرة، وركب سفينته ~~وأقلع مبحرا. # ولم يستيقظ ربابنة السفن من نومهم الثقيل المتسبب عن تماديهم في ~~شرب الخمور، ولا تمكنوا من إعادة شرع سفنهم إلى الأدقال إلا بعد أن كان ~~هنيبال على بعد شاسع عنهم على طريقه إلى سوريا، وفي ذلك اليوم نفسه ~~اضطربت أرجاء قرطجنة واشتد تحمس الناس فيها واستغرابهم عندما انتشرت ~~الأخبار في سائر أنحائها عن اختفاء هنيبال، وازدحم الناس أمام منزله ~~سائلين مستفهمين، ولكن بدون جدوى، وتواترت الإشاعات وتعددت الأقاويل ~~وتضاربت الآراء في أمر اختفائه، ولكنها كانت متناقضة ومما لا يقبله ~~العقل، فزادت في تعجب الناس واستنكارهم الأمر. # واستمرت هذه الضجة في قرطجنة إلى يوم وصلتها السفن من جزيرة سرسينيا، ~~فوقف الأهلون منها على الحقيقة، ولكن هنيبال كان عندئذ قد بعد كثيرا ~~وأصبح في حرز حريز عن أن تصل إليه أيدي أعدائه، ومع أنه كان فرحا ~~بخلاصه وفوزه على الكائدين فإن قلبه كان غاصا بالغصات الناجمة عن ~~الحالة التي وصلته إليها صروف الزمن، ووصل صور فنزل إلى البر سالما ~~وقوبل ms126 بمزيد التجلة، وبعد أيام معدودة أخذ يتجول في الداخلية ذاهبا ~~في وهادها وبطاحها على غير هدى إلى أن وصل إلى أفسس، حيث وجد أنتيوخوس ~~ملك سوريا. # وحالما عرف أهل قرطجنة بفرار هنيبال أخذوا يحسبون الحساب الكبير ~~لنتيجته، وأن الرومانيين سوف يجعلونهم مسئولين عنه، فيؤدي الأمر إلى ~~تجديد حرب بين البلادين، ولكي يتقوا هذا الخطر بادروا في الحال إلى ~~إرسال وفد إلى رومية؛ لكي يطلع الحكومة فيها على فرار هنيبال ويبدي ~~أسف قرطجنة الشديد واستياء أهلها من هذا الحادث الذي لم يخطر لهم ببال، ~~وهم يتوقعون من وراء ذلك تلطيف غضب أعدائهم مما جرى. # ويلوح للقارئ عند تأمله هذه الحادثة أن أهل قرطجنة قد تصرفوا بلؤم ~~وخساسة، وأنكروا جميل قائدهم بهذه الصورة الشائنة فخذلوه وانحازوا إلى ~~الأعداء؛ ليناصروهم عليه وهو الذي أغضب أولئك الأعداء وألهب صدورهم ~~غيظا منه في خدمة قومه ووطنه، وأن قلبهم له ظهر المجن في ساعة ضيقه ~~وشدته ليس من الشهامة والشرف في شيء، وفي الواقع أن تصرف القرطجنيين ~~كان يعد لؤما فظيعا للغاية، ولا يتفق مع مبادئ الوطنية الصادقة، ~~لو كان الأشخاص الذي لقي منهم هذه المعاملة السيئة هم ذاتهم في ~~الحالتين. # ولكنهم لم يكونوا كذلك، فالأشخاص وأهل النفوذ من القرطجنيين الذين ~~يقاومون هنيبال ومساعيه في هذا الحين كانوا يقاومونه على الدوام من ~~أول عهده بالقيادة، إلا أنهم في وقت انتصاراته وعندما كان الجد ~~خادما له كانوا يخلدون إلى السكينة ويقل عديدهم، ويكون أصدقاء هنيبال ~~ومريدوه مسيطرين على كل أعمال المدينة، ولهم القول الفصل في كل ~~أمر. # أما الآن وقد شعر الناس بمرارة ثمرات مساعيه وطموحه ونتائج اعتدائه ~~الذي لا موجب له على أملاك الرومانيين وحقوقهم؛ فإنهم أسقطوا أصدقاءه ~~من وظائفهم وأحلوا أعداءه محلهم، فتولى مقاوموه زمام الأمور وبذلوا ~~كل ما في وسعهم لإبقاء هنيبال ذليلا مهانا وشريدا طريدا ما دام قد ~~سقط، وعملهم هذا سواء كان من الوجه السياسي خطأ أو صوابا، فهو مناسب ~~في ذاته ولا يجوز حسبانه من الأعمال التي تجعلهم جديرين بتهمة نكران ms127 ~~الجميل أو الخيانة. # وقد يحمل المرء على الظن أن كل آمال هنيبال وما يصبو إليه من العودة ~~إلى مكافحة عدوه الروماني العظيم قد خابت، والآن أصبح يائسا من ذلك ~~منقطع الرجاء، وأنه قد عول على ترك الخلاف والإعراض عن كل ما يجدد ~~الحروب واستسلم للأقدار، مكتفيا باتخاذ مقر يلتجئ إليه ويقضي فيه بقية ~~أيامه بسلام، قانعا بإنقاذ نفسه من شفار السيوف بعد تلك الأخطار التي ~~تعرض لها، وأفلت منها وحماية شخصه من انتقام أعدائه. # ولكن من الصعب قمع تلك النفس الكبيرة وإخضاع تلك الشخصية التي لا ~~تحتمل الضيم، ولا تصبر على الأذى، وإخماد جمرة ذلك النشاط العجيب ~~والهمة التي لا تثبطها الأهوال، فهو كان غير ميال إلى السكون والرضا ~~بما قسم له، وهكذا فإنه حالما وجد نفسه في دار الملك أنتيوخوس بدأ ~~بإعداد خطط جديدة ليشهر الحرب على رومية، وعرض على الملك السوري ~~إنشاء قوة بحرية، وتقليده زمام قيادتها. # وقال للملك أنتيوخوس: إنه إذا أعطاه مائة سفينة وعشرة آلاف أو اثني ~~عشر ألف رجل، فإنه يقود تلك الحملة بنفسه، ولا يشك مطلقا في اقتداره ~~على استعادة المكانة التي خسرها وعلى إذلال عدوه القوي القديم مرة ~~أخرى، وقال إنه يذهب بذلك الجيش والأسطول إلى قرطجنة أولا؛ لكي يحصل ~~على مناصرة بني قومه في مسعاه الجديد، ثم يزحف على إيطاليا حيث يسترجع ~~فيها دون أقل ريب ما كان له من التفوق في الماضي. # وكانت غاية هنيبال هذه من الذهاب إلى قرطجنة بجيشه السوري أولا ~~مقصودا بها البطش بأعدائه هناك، وإعادة مريديه إلى تسلم أزمة الحكومة، ~~ولكي يمهد السبيل لذلك مقدما ويكون على يقين من الفوز بما صمم عليه، ~~وجه إلى قرطجنة رسولا في السر، بينما كان يفاوض أنتيوخوس في أمر ~~الحملة على رومية؛ لكي يطلع أنصاره على الخطة الجديدة التي يفكر ~~فيها، وعلى عظيم رجائه بحصوله على ما يريده من هذا القبيل. # وأدرك هنيبال أن خصومه في قرطجنة سوف يتوقعون مثل هذه الحركة الجديدة ~~منه ويعدون له الأرصاد؛ ولهذا لم يكتب رسائل ms128 ولا سطر شيئا مما أراد ~~إبلاغه على الورق لعلمه أن ذلك يفضح سره، ويعلن تدابيره للملأ فيفسد ~~أمره عليه وتروح مساعيه ضياعا، وعلى هذا أوضح للرسول كل شيء وأطلعه ~~على مراميه وخطته بالتفصيل الوافي، وأفهمه بكل دقة كيف يبلغ ذلك إلى ~~الأنصار. # ولا يخفى أن حكومة قرطجنة كانت تراقب ساهرة لتقف على حركات هنيبال، ~~وقد بثت الجواسيس في كل مكان؛ لكي يستطلعوا طلع أخباره وما يعول عليه، ~~وكان أن أولئك أعلموا الحكومة بوصول ذلك الشخص الغريب فسارعت لفورها ~~إلى اتخاذ الوسائل الفعالة للقبض عليه، وكان هو أوفر منها حيطة وأكثر ~~حذرا فدرى من تجواله في المدينة بما تعده له من المهالك، وصمم ~~النية على إطلاق ساقيه للريح. # وقبل الإقدام على ذلك أعد إعلانات مختلفة ألصقها خفية في الساحات ~~العمومية، قال فيها إن هنيبال بعيد عن التسليم بأنه قد غلب على أمره ~~وقهر نهائيا، وهو على العكس من ذلك يعد الخطط الجديدة للبطش ~~بأعدائه في قرطجنة واستعادة ما كان له من المكانة فيها، والزحف بعد ذلك ~~على بلاد الرومانيين بالسيف والنار، وختم هاتيك الإعلانات بحث ~~أصدقاء هنيبال في قرطجنة على الثبات معه والإخلاص له ومناصرة ~~مساعيه. # وبعد أن ألصق الرسول هذه الإعلانات فر من المدينة تحت جنح الظلام ~~ورجع إلى هنيبال، وفي ثاني الأيام ضج الأهلون كما لا يخفى لما ~~قرءوه، وثار ثائر أعداء هنيبال عليه وهالهم أمره، كما أن هذه الأخبار ~~شجعت أصدقاءه وأحيت في قلوبهم ميت الرجاء، وعند هذا الحد من ~~الحدة والضجة وقفت الحالة هناك إلى أجل معلوم، وكانت قوة الحزب ~~المقاوم لهنيبال قد رسخت في قرطجنة إلى حد يصعب معه التغلب عليها ~~بسهولة، وفي ذلك الحين أرسل أعداء هنيبال بالخبر اليقين إلى رومية، ~~فأطلعوا الحكومة فيها على حكاية مجيء رسول هنيبال إلى قرطجنة وما كان ~~من نتائج قدومه، وانتهى الأمر عند هذا الحد وعادت الأمور إلى ما كانت ~~عليه. # وعندما علمت حكومة رومية بمكان هنيبال أرسلت وفدا من قبلها لمفاوضة ~~الحكومة السورية في شأن نياتها وخططها؛ ولكي ms129 تراقب حركات هنيبال أيضا، ~~وقيل إن سيبيو نفسه كان من جملة أعضاء ذلك الوفد وأنه التقى هنيبال ~~بالفعل في أفسس وتحدث معه هناك مليا مرات عديدة، وقد أورد أحد قدماء ~~المؤرخين تفصيلا خاصا لحديث واحد دار بينهما، تكلما فيه - كما يحدث ~~طبعا بين قائدين عظيمين - عن الأمجاد العسكرية وعظمتها. # فسأل سيبيو هنيبال عمن يظنه أعظم أبطال الحروب في التاريخ كله، فأجاب ~~هنيبال مانحا إكليل الغار لإسكندر المكدوني؛ وذلك لأنه قد توغل بجيش ~~صغير من المكدونيين في أقاليم سحيقة، وقهر جيوشا جرارة وأنشأ مملكة ~~لا مثيل لها كانت تأتمر بأمره من أقصاها إلى أقصاها، فسأله سيبيو ~~عندئذ عن الثاني للإسكندر في العظمة الحربية - فقال بيرهوس. # وكان بيرهوس إغريقيا اجتاز بحر أدريا وشهر حربا على الرومانيين، ~~كان النصر فيها مرافقا لأعلامه، وقال هنيبال إنه منح بيرهوس المحل ~~الثاني بعد الإسكندر؛ لأنه نظم فن الحرب وأبلغه درجة الإتقان الكامل، ~~ولأنه كان ذا قوة على إيقاظ شعور قوي في جنوده يحملهم على التعلق به، ~~ويحمل مثل ذلك سكان البلدان التي يجتاحها ويقهرها، الأمر الذي لم ~~يستطعه قائد آخر سواه في التاريخ. # وسأل سيبيو هنيبال أيضا عن ثالث ذينك القائدين، فأجاب هنيبال قائلا ~~إنه يحل نفسه في المحل الثالث، ثم زاد على هذا قوله: «لو أني تمكنت من ~~قهر سيبيو؛ لكنت أعد نفسي فوق الإسكندر وبيرهوس وسائر القواد الذين ~~نبغوا في العالم بأسره.» وهناك طرائف لأخبار متنوعة متعلقة بهنيبال في ~~غضون أول ظهوره في سوريا تدل على واسع شهرته، وعلى إعجاب الناس الشديد ~~به، وما يحدثه وجوده في صدورهم حيثما اتجه من المهابة والخشية، وترك ~~كل عمل للتفرج عليه. # ومما يذكر من هذا القبيل أن خطيبا كثير الدعوى والعجب لم يكن يعرف ~~عن فنون الحرب شيئا إلا ما توهم أنه يحسنه فكريا، كان يخطب في حفل ~~من الناس وجد بينهم هنيبال بالصدفة، ولما درى بوجود هنيبال بين سامعيه ~~ازدادت رغبته في إبداء مواهبه، وما يعتقد أنه يعرفه من شئون الحروب على ~~مسمع من هذا الضيف ms130 الطائر الشهرة، وبعد انتهائه من الخطابة سأل القوم ~~هنيبال رأيه في الذي أورده الخطيب، فأجابهم هنيبال: «إني قد سمعت من ~~قبل كثيرين من أهل الهذر والهذيان، ولكني بالحق أقول لكم: إن هذا ~~المهذار أعظمهم جميعا.» # وفشل هنيبال فيما سعى إليه للحصول على حملة عسكرية يهاجم بها ~~الرومانيين، بالرغم من بذل أقصى جهوده في سبيل ذلك، وكان لا يمل من ~~الطلب ولا يكل عن محاولة إقناع ملك سوريا بما هو قادر على إتمامه، ~~ومع أن الملك كان يعده بإجابة ملتمسة حينا بعد آخر فإنه لم يبر ~~بوعده، وبقي هنيبال في ذلك الجانب من العالم عشر سنوات محاولا جهد ~~إمكانه التوصل إلى ما يريده، ولكنه كان في كل سنة يرى نفسه أبعد عن ~~غرضه منه في السنة التي قبلها. # فكأن ساعة حسن طالعه ومجده قد ذهبت حسب الظاهر؛ لأن كل تدابيره أدت ~~إلى فشل وخيبة وتلاشي نفوذه، وماتت شهرته تدريجا مع الأيام فلم يعد ~~يذكره أحد، أما الملك أنتيوخوس فإنه بعد عراك عديم الثمرة مع ~~الرومانيين عقد معهم صلحا، وكان من جملة شروط ذلك الصلح أن يسلم ~~إليهم هنيبال، فصمم على الفرار ووقع اختياره على الالتجاء إلى جزيرة ~~كريت. # ولما وصل إلى تلك الجزيرة وجد أنه غير قادر على البقاء فيها، وكان ~~قد احتمل معه شيئا كثيرا من الذهب، فعندما عزم على مغادرة كريت قلق ~~قلقا شديدا على الذهب الذي معه؛ إذ خشي أن يغتصبه الكريتيون منه؛ ~~ولهذا رأى أن يبتدع طريقة أو حيلة تمكنه من نقل الكنوز معه، فكان ما ~~فكر فيه كما يأتي: # ملأ عددا من الأوعية الفخارية بالرصاص وستر أعاليها فوق الرصاص ~~بقليل من الذهب والفضة، وحمل هذه الأوعية متظاهرا بالخوف والخشية ~~عليها إلى هيكل ديانا، وهو أقدس معابدهم قائلا إنه يأتمنهم عليها ~~وأنها كل ثروته التي لا يملك من حطام الدنيا سواها، فوعدوه خيرا ~~وأكدوا له أنهم سيحتفظون بها بحيث لا تمتد إليها يد، وعندئذ غادرهم ~~هنيبال ومعظم ما كان لديه من الذهب الحقيقي موجود معه، وقد صبه ms131 في ~~أجواف عدة تماثيل من النحاس كان يحملها معه متظاهرا بأنها تحف لا ~~قيمة لها. # وفر هنيبال من مملكة إلى مملكة ومن مقاطعة إلى أخرى، إلى أن صارت ~~حياته شقاء ومرارة ووجوده عبئا ثقيلا، وكان الرومانيون يلاحقونه ~~حيثما ذهب ويزعجونه ويعملون بكل الوسائل الممكنة على إقلاق راحته، وقطع ~~كل رجاء له من العود إلى سابق عزه، فكان فكره معذبا بذكرى الماضي ~~والخوف من المستقبل، وبالتأسف على أمور كان من حقه القيام بها وتهامل ~~في ذلك. # فهو قد قضى فجر حياته مجاهدا ضد قوم لم يمسوه بأذى باذلا قواه ~~في إنزال أشد الضربات على عدو لم يبادئه بعدوان ولا تعرض له في ~~أمر، والآن في مساء ذلك العمر قد أصبح هو نفسه معرضا لما رام إلحاقه ~~بأعدائه من الذل والشقاء والحياة المرة، وكأن أعداءه قد صمموا النية ~~على الانتقام منه مضاعفا؛ لما صبه عليهم من الويلات، وأن يجعلوا ختام ~~حياته ذلا وعذابا لا نهاية لهما إلا بالموت. # ولما رأى هنيبال أن أعداءه يضيقون عليه المسالك ويسدون في وجهه ~~السبل، وأن الخطر يزداد دنوا منه كل يوم؛ استحضر شيئا من السم كان ~~أعده لحين الحاجة؛ إذ رأى الأفضل له أن ينتحر بتلك الطريقة من أن يقع ~~في قبضة الأعداء، فيذيقوه العذاب والذل أشكالا وألوانا. وفي ذات يوم ~~وجد أن ساعة تناول ذلك السم قد جاءت، وكان يومئذ شريدا منفردا في ~~بثيسينيا؛ وهي مملكة في آسيا الصغرى قبله ملكها وحماه إلى حين، ~~ولكنه ارتأى بعد ذلك أن يسلمه إلى الرومانيين. # ولما درى هنيبال بما عول الملك عليه تأهب للفرار؛ إلا أنه وجد ~~السبل مسدودة، فلما أراد الانسلال من القصر لم يجد منفذا من المنافذ ~~التي فكر في الفرار منها مفتوحا، ورأى أن كل مخرج من القصر الذي هو ~~فيه محاط بالحراس، فلم يعد الفرار ممكنا بعد هذا، وهكذا ذهب هنيبال ~~إلى غرفته وأتى بالسم، وكان قد صار شيخا هرما بالغا من العمر ~~السبعين سنة، وقد هدت قواه الحروب وأنهكه الفرار من مكان إلى ms132 آخر، ~~وأتعبه الخوف من أعدائه وقلق الليالي المتسبب عنه؛ ولهذا سر أن يموت، ~~وبعد ساعات قلائل كان جثة هامدة. # الفصل الثاني عشر # | تدمير قرطجنة # إن نتائج طموح هنيبال المتناهي في التهور واعتدائه بلا موجب على حقوق ~~الرومانيين؛ لإشباع مطامعه لم ينته بانسحاقه شخصيا فقط، فإن اللهيب ~~الذي أشعله قد استمر على الاندلاع تدريجا مع الأيام إلى أن تناول ~~قرطجنة بالذات، فأحرقها ودمرها إلى الحد الذي لم تقم لها بعده ~~قائمة. # تم هذا في حرب ثالثة نهائية بين القرطجنيين والرومانيين معروفة في ~~التاريخ بالحرب القرطجنية الثالثة، ونحن نختم سيرة هنيبال بتفصيل حوادث ~~هذه الحرب التي أدت إلى خراب تلك المدينة الزاهرة النهائي ومحوها من ~~الوجود، ويذكر القراء أن الحرب التي شهرها هنيبال نفسه على رومية كانت ~~ثانية الحروب بين الأمتين، وأن العراك الذي حارب فيه روغلوس نفسه كان ~~أول المعارك، والعراك الذي سنتكلم عنه الآن هو ثالثهما، وسندرج لهذه ~~الحروب جدولا فيما يلي يسهل على القارئ معرفة العلاقة التاريخية ~~الكائنة بين هاتيك الحروب. # فهذه الحروب القرطجنية الثلاث كما يرى القارئ في الجدول التالي قد ~~شملت مدة من الزمن تزيد على المائة سنة، وكانت كل حرب منها أقصر من ~~التي تقدمتها، ولكنها أكثر هولا وأعظم ويلا منها، أما فترة ~~السلام والمهادنة فقد كانت أطول بين كل حرب وأخرى، وهكذا فإن الحرب ~~القرطجنية الأولى قد استمرت أربعا وعشرين، والحرب الثانية دامت نحو ~~سبع عشرة سنة، والثالثة نحوا من أربع سنوات. # وكانت فترة السلام بين الحرب الأولى والثانية أربعة وعشرين عاما، ~~وبين الثانية والثالثة كانت مدة المهادنة نحو خمسين عاما، وهذه ~~الفروقات في مدة السلم قد تسببت إلى درجة معلومة عن الظروف العرضية ~~التي نشأت عنها عوامل الخلاف المتتالية، فكلما طالت مدة عراكهما طال ~~بسببها زمان تحاجزهما؛ وذلك بالنظر إلى نتائجهما الساحقة للقوى وعظيم ~~خسائرها اللاحقة بالجانبين. وبعبارة أوضح إن كل حرب طال أمدها كثرت ~~بالطبع خسائرها وعظمت ويلاتها، وكان ذلك حاملا للفريقين على ترك ~~القتال وتطلب الراحة مدة طويلة بعدها. ثم إن طول ms133 زمان الراحة والسلام ~~كان كما لا يخفى مساعدا لكليهما على استجماع القوى، والتأهب لحرب أخرى ~~طاحنة تتفاقم فيها الشحناء وتقوى البغضاء، وهكذا كانت تلك الحروب تتلو ~~الواحدة منها الأخرى بعد فترات طويلة، وكان العراك عند احتدام نيرانه ~~قصير المدة عظيم الهول وشديد الوطأة من كل وجه. # الجدول. # التاريخ ق.م. # الحوادث # الحرب الأولى: 24 سنة # 264 # ابتداء الحرب في سييليا # 262 # معارك بحرية في بحر الروم # 249 # روغولوس يرسل أسيرا إلى رومية # 241 # عقد الصلح # سلام لمدة 24 سنة # الحرب الثانية: 17 سنة # 219 # هنيبال يهاجم ساغونتوم # 218 # يجتاز جبال الألب # 216 # معركة كانيه # 205 # سيبيو يتغلب على هنيبال # 202 # عقد الصلح # سلام لمدة 52 سنة # الحرب الثالثة: 3 سنين # 148 # إعلان الحرب # 145 # تدمير قرطجنة # قلنا إنه بعد انتهاء الحرب القرطجنية الثانية عقد نوع من الصلح بين ~~البلادين دام نحو خمسين عاما، ومن المعلوم أنه في غضون هذا الزمن قام ~~في رومية وفي قرطجنة نوابغ من الرجال كانوا منذ الصغر قد تشربوا الكره ~~الشديد الذي شعر به أهل كل بلاد نحو الأخرى متوارثينه خلفا عن سلف، ~~وغني عن البيان أن هنيبال طيلة عمره وفي كل ما كان يدبره من المكايد ~~في سوريا ضد رومية كان العامل الأكبر على إبقاء نار الحقد مستعرة في ~~رومية على الاسم القرطجني. # أجل، إن حكومة قرطجنة قد تبرأت من أعماله وتدابيره، وأعلنت مقاومتها ~~لكل مؤامراته، إلا أن رومية كانت تدرك أن عمل قرطجنة هذا ناتج عن عدم ~~اعتقادها بمقدرة هنيبال على إبراز تلك المكايد والمؤامرات من حيز ~~الفكر إلى دائرة الفعل؛ ولهذا لم تكن للرومانيين ثقة بإخلاص ~~القرطجنيين وأمانتهم، ومن أجل هذا لم يكن بين الشعبين وفاق حقيقي أو ~~صلح ثابت أكيد. # زد على هذا ما كان يبدو بين الفريقين من حين إلى آخر من الخلاف ~~المؤدي إلى زيادة النزاع والشقاق، فإذا ألقى القارئ نظرة على الخارطة ~~يرى بلادا غربي قرطجنة اسمها نوميديا، ومساحة هذه البلاد مائة ميل ~~عرضا ويمتد طولها في الداخلية بضع مئات ms134 من الأميال، وهي إقليم كثير ~~الخصب والثروة وفيها مدن عرفت بغناها المفرط وقوتها، وكان سكانها ~~ميالين إلى الحروب ومشهورين بما عندهم من الفرسان البارعين. # وقد قال عنهم المؤرخون إنهم كانوا يمتطون صهوات جيادهم إلى حومة ~~الوغى بلا سروج، وأحيانا بدون لجم فيديرونها بأصواتهم فقط، فإذا جرت ~~بهم ثبتوا على متونها كأنهم ولدوا هناك بالنظر إلى ما كانوا عليه من ~~الدربة والتمرن، وقد ورد ذكر هؤلاء النوماديين في روايات هنيبال عن ~~حملاته، وفي كتب المؤرخين الحربيين من سائر العصور. # وكان في جملة ملوك نوميديا ملك انحاز إلى جانب الرومانيين في الحرب ~~القرطجنية الثانية، وكان اسمه مسانيا، جرت بينه وبين ملك المقاطعة ~~المجاورة لنوميديا منازعات وحروب، واسم الملك هذا سيفاكس، ومع أن ~~الملك مسانيا كان مواليا للرومانيين؛ فإن سيفاكس كان مناصرا ~~للقرطجنيين، وكل واحد من الملكين كان في انحيازه إلى أحد الفريقين ~~يتوقع من فريقه مناصرته على قهر الملك الآخر. # وظهر أن حلفاء مسانيا قد برهنوا على أنهم الحزب الأقوى، ففي نهاية ~~الحرب القرطجنية الثانية عندما عقد الصلح وسطرت شروطه، نتج عن تلك ~~الشروط اتساع مملكة مسانيا، وأيد الرومانيون ما زيد على أملاكه، ~~واشترطوا على أهل قرطجنة ألا يمسوه بسوء بوجه من الوجوه، ومن المعلوم ~~أن الحكومات التي على شكل حكومتي رومية وقرطجنة كثيرا ما يكون فيها ~~حزبان قويان يجاهد واحدهما ضد الآخر لإحراز القوة والسيادة، وكان في ~~رومية حزبان فاختلفا في شأن الخطة التي يجب الجري عليها فيما يتعلق ~~بقرطجنة - أحدهما كان ميالا إلى السلم كيفما حصل، والآخر يدعو إلى ~~الحرب على الدوام، وعلى مثل ذلك كانت الحال في قرطجنة، فإن أحد حزبيها ~~كان يشير بمسالمة رومية وإرضائها في كل أمر وتحاشي إغضابها، والحزب ~~الآخر الذي كان يشعر بثقل وطأة الرومانيين يدعو دائما أبدا إلى خلق ~~الأسباب المؤدية إلى النزاع، ومقاومة عدوتهم اللدودة كأنهم يتمنون ~~شبوب نار الحرب بين المدينتين مرة أخرى. # وانقضت خمسون سنة - كما تقدم البيان - على ختام حرب هنيبال، ففي غضون ~~هذه المدة كان سيبيو - وهو الذي قهر ms135 هنيبال - قد اختفى من مسرح ~~السياسة، وكان مسانيا ملك نوميديا نفسه قد شاخ وتقدم في الأيام ~~فأصبح عمره فوق الثمانين سنة، إلا أنه احتفظ بالقوة والنشاط اللتين ~~اتصف بهما في ريعان شبابه، فجمع هذا جيشا جرارا وامتطى جواده - كما ~~كان يفعل جنوده - بدون سرج، وجال من مكان إلى آخر بين الصفوف يأمر ~~وينهى ويتم تدابير المعركة. # وكان اسم القائد القرطجني في هذه الحروب أسدروبال، والاسم هذا كان ~~كثير الاستعمال في قرطجنة ولا سيما عند أصدقاء هنيبال وأسرته وأقاربه، ~~وقد يكون الذي سمي به قد ناله من والديه لإحياء ذكر شقيق هنيبال الذي ~~قتل بعد اجتيازه جبال الألب؛ لأنه في غضون الخمسين سنة التي ساد فيها ~~السلام بين الشعبين قد توفر الوقت لمولود جديد لكي يبلغ سن المراهقة، ~~وفي كل حال فقد علمنا أن أسدروبال الجديد قد ورث كل ما عرف عن سميه ~~من الكره الشديد لرومية. # وعلى هذا كان هو وحزبه يتحينون الفرص؛ لكي يتفوقوا على خصومهم في ~~قرطجنة، فأدركوا ذلك، وفي الحال استغنموا وقت انتقال السلطة إليهم؛ ~~ليجددوا ولو عرضا وباستتار العراك مع رومية، فنفوا الزعماء المعارضين ~~وحشدوا جيشا اقتاده أسدروبال بالذات وزحفوا به لمحاربة الملك مسانيا. ~~ومن غرائب المفارقات أن هنيبال نفسه أوقد نيران الحرب مع رومية بمثل ~~هذه الطريقة وذلك بالسعي إلى محاربة حليف رومية. # نعم إن هنيبال بدأ هجماته في ساغونتوم من إسبانيا وأسدروبال في ~~نوميديا بأفريقيا، ولكن الظروف متماثلة بقطع النظر عن التحديات ~~الجغرافية، وقد ظن أسدروبال أنه سوف يوجد لنفسه تاريخ حرب مجيدا يماثل ~~ذلك الذي خلد ذكر سميه العظيم، وقد وجدت بين حالتي الاثنين مشابهة ~~أخرى؛ وهي أن هنيبال وأسدروبال قد تصدت لهما أحزاب مقاومة في قرطجنة ~~في بدء ما صمما على الشروع فيه. # ولكن مقاومي أسدروبال هذا قد أرسلوا إلى المنفى، وتشتت شمل حزبهم ~~وجرى على الميالين إليهم تضييق شديد، إلا أن العناصر بقيت والأذناب ~~المختلفة استكانت، فأقامت تتحين الفرص حتى إذا نابت جيش أسدروبال ~~نائبة هبوا من مكانهم، وأنزلوا به الويلات ms136 وأسقطوه من شاهق مجده؛ ~~ولهذا كان لأسدروبال عدو مزدوج؛ أحدهما أمامه في حومة الوغى، والآخر ~~وهو أعظم قوة باق وراءه في المدينة. # والمقابلة بينهما والحالة هذه تنتهي هنا، فإن هنيبال قد انتصر في ~~ساغونتوم، وأما أسدروبال فاندحر اندحارا مشئوما في نوميديا، فكان ~~العراك هنا طويلا تهالك فيه الجانبان، ولكن القرطجنيين أرغموا في ~~النهاية على ترك مواقفهم، وتراجعوا بغير انتظام ملتجئين إلى معسكرهم، ~~وشاهد المعركة ضابط روماني كان واقفا على رابية مجاورة وهو ينظر إلى ~~ذلك العراك الهائل النهار بطوله، وكان ذلك الضابط سيبيو - سيبيو الفتى ~~الذي صار بعدئذ الممثل الأكبر في أدوار الحرب الهائلة التي ~~تلت. # كان هذا يومئذ من رجال الجيش الروماني المعروفين، وقد أرسل إلى ~~إسبانيا عاملا في الجيش، فأرسله قائده فيها إلى أفريقيا؛ لكي يجلب له ~~عددا من الأفيال من الملك مسانيا ليستخدمها في الجيش الروماني، فأتى ~~نوميديا لهذه الغاية، وإذ وجد نار القتال مشبوبة هناك بين مسانيا ~~وأسدروبال بقي ليشاهدها، ولم يكن لسيبيو الثاني علاقة نسب بسيبيو ~~الآخر، ولكن تبناه ابن سيبيو الأكبر، وهكذا حصل على هذا الاسم بحيث ~~أصبح حفيدا بالتبني. # وكان هو في ذلك الحين رجلا جليل القدر محترما من كل الذين عرفوه؛ ~~لما اتصف به من الإقدام والنشاط والصفات الطيبة والرأي والتدبير، وكان ~~موقفه بإزاء هذه المعركة من المواقف الخصوصية التي لم يوجد غيره من ~~القواد العظام في مثلها؛ لأنه كان رسولا عسكريا إلى نوميديا، ووجب ~~عليه أن يكون متحايدا فلا ينحاز إلى جانب ضد الآخر؛ ولهذا اتخذ له ~~موقفا على الرابية ونظر من هناك ذلك المشهد المخيف الذي كان كأنه قد ~~أقيم خصوصا؛ لكي يمتع النفس بالتفرج عليه. # وقد تكلم عن المعركة وعن ظهور الملك مسانيا فيها شيخا في الرابعة ~~والثمانين من عمره قد حنكته المعارك التي خاض غمراتها فيما سلف من ~~زمانه، وهو ممتط جواده يجول به من صف إلى صف بدون سرج يأمر وينهى ~~ويحرض رجاله على القتال، ويشجعهم بنشاطه وأقواله مثابرا على ذلك من ~~أول المعركة إلى آخرها لا ms137 تكل له عزيمة ولا تبرد همة. # وتراجع أسدروبال إلى معسكره حال انتهاء المعركة وتحصن هناك وخندق ~~على نفسه، أما مسانيا فلم يقعد عن اللحاق به، بل تبعه إلى هناك وأحاط ~~به من كل جانب، بحيث أصبح القائد القرطجني وجيشه المحلول العزائم ~~كالأسرى محصورين لا يستطيعون حراكا، عندئذ راسل أسدروبال الملك ~~مسانيا بشأن الصلح؛ إذ رأى ألا مناص له من ذلك المركز الحرج، واقترح ~~عليه إقامة سيبيو حكما بين الفريقين يرتئي الشروط ويسطرها حسب وحي ~~ضميره. # وكان أسدروبال عالما بأن سيبيو لا يمكن أن يكون خالي الغرض في الذي ~~يحكم به، إلا أنه باقتراحه أن يكون سيبيو حكما قد اختار أهون الشرين، ~~ظنا منه أن سيبيو يكون أقرب إلى الرفق به وأميل إلى التساهل من ~~عدوه المنتصر، على أن هذا التدبير لم ينجح، حتى إن الشروط التي أشار ~~بها سيبيو كانت في نظر أسدروبال غير محتملة، فهو قد قضى على القرطجنيين ~~بالتخلي عن مقاطعة معلومة من بلادهم للملك مسانيا. # وكان أسدروبال ميالا إلى القبول بهذه الشروط، وكان على القرطجنيين ~~أن يدفعوا إلى مسانيا مبلغا من المال، ورضي أسدروبال بهذه الشروط ~~أيضا، ومن الشروط التي ارتأوها على أسدروبال أن يعيد إلى قرطجنة كل ~~مقاوميه الذين نفاهم منها. ولما كان هذا الشرط يفيد إرجاع أعداء ~~أسدروبال إلى منصة القوة وتولي زمام الأحكام فيجلب عليه الوبال أبى ~~القبول به، وهكذا بقي محصورا في معسكره، ولما رأى سيبيو أن توسطه ~~لم يقبل أخذ الأفيال التي جاء لأجلها، وركب البحر عائدا إلى ~~إسبانيا. # ولم يطل الوقت على جيش أسدروبال كثيرا حتى مل البقاء محصورا، ولا ~~سيما أن الجوع كان قد أنهك قوى الجنود وزاد بلة في طين شقائهم، ~~فاضطرته هذه الحال إلى التسليم للملك مسانيا على الشروط التي يريدها، ~~فأطلق مسانيا سراح الرجال جميعا، ولكن كثيرين منهم هلكوا في طريقهم ~~إلى قرطجنة، وتمكن أسدروبال من الوصول إلى مكان اتخذ لنفسه فيه أسباب ~~الحيطة؛ لاتقاء شر أعدائه الذين كانوا قد عادوا إلى قرطجنة من منفاهم ~~عملا بشروط ms138 الصلح، وكان حزب أسدروبال قد خسر كل نفوذ، وطرد من ~~الوظائف بسبب الفشل الذي لقيه ذلك القائد في حروبه. # ولما تقلد هنيبال زمام الأمور فكر القرطجنيون أول كل شيء في محاكمة ~~القائد بتهمة خيانة الوطن؛ لأنه قد أوقع بلاده في هذه المتاعب، وأجمع ~~رأيهم أيضا على إرسال وفد إلى رومية لكي يعترف لحكومتها شفاها بالذنب ~~الي ارتكبته الأمة القرطجنية، وليعرض عليها تسليم القائد أسدروبال ~~إليها بكونه مرتكب الذنب الأكبر، وليسأل الرومانيين أيضا عما يريدونه ~~بعد هذا للتكفير عن ذلك الذنب. # وكان الرومانيون في ذلك الوقت، وقبل وصول الوفد القرطجني يفكرون فيما ~~يفعلونه مع قرطجنة، فكان الحزب الأقوى في البلاد يشير بالخلاف مع ~~قرطجنة، وإعلان الحرب في الحال، ولم يصلوا إلى نتيجة من أبحاثهم إلا ~~أنهم استقبلوا وفد قرطجنة ببرودة متناهية، ولم يعطوهم جوابا نهائيا ~~شافيا، أما الترضية التي يجب على أهل قرطجنة القيام بها تكفيرا عما ~~أتوه من مخالفة شروط الصلح بشهرهم الحرب على حليفة رومية، فقال ~~الرومانيون إن تعيينها من واجبات قرطجنة، وأما هم فلا قول لهم في ~~المسألة في الوقت الحاضر. # فعاد الوفد إلى قرطجنة بهذا الجواب المبهم الذي أقلق القرطجنيين، ~~وحملهم على الاحتساب وزادهم رغبة في القيام بكل ما في وسعهم؛ لاتقاء ~~غضب الرومانيين وتحاشي الانغماس معهم في حرب، فأرسلوا وفدا جديدا إلى ~~رومية يحمل إليها استعداد قرطجنة للقيام بكل ما يطلبه الرومانيون ~~كائنا ما كان، على أن هذا الوفد لم يكن واثقا من مقدرته على إتمام ~~ما أرسل لأجله بالرغم من أنه قد عوض بعرض ترضيات غير محدودة، والإذعان ~~لأعظم الشروط جورا تحاشيا لنكبة حربية أخرى. # ولكن الرومانيين الذين توفر لهم العذر الواضح بما جرى لتجديد الحرب ~~مع القرطجنيين قد وجدوا الفرصة سانحة لضرب قرطجنة الضربة القاضية ~~والتخلص من متاعبها، ولا سيما أن أكبر أحزابهم كان لا يمل من ~~التحريض على الحرب والدعوة إلى سحق الدولة القرطجنية. وهكذا شهر مجلس ~~الشيوخ الروماني الحرب على قرطجنة بعد رجوع الوفد القرطجني الأول ~~بقليل، فحشد الرومانيون جيشا كثيفا وأركبوه ms139 أسطولا ضخما، وسيروهما ~~إلى حيث يبطشان بالعدوة القديمة. # وهكذا فإنه حين وصول الوفد الثاني إلى رومية وجد أن الحرب التي جاء ~~ليتقيها قد أعلنت، على أن الرومانيين استقبلوه وسمعوا ما أراد عرضه ~~عليهم، فأبدى رجال الوفد استعداد قرطجنة للقبول بكل ما تطلبه رومية ~~منها، والإذعان لكل شرط للتخلص من شرور الحروب، فأجاب مجلس الشيوخ بأنه ~~ميال لتسطير معاهدة مع القرطجنيين يوجب عليهم أن يسلموا أنفسهم ~~نهائيا، ومن كل وجه للدولة الرومانية، وأن يتعهدوا بموجبها بالإذعان ~~لأوامر القنصلين الرومانيين حال وصولهما بالجيش الروماني إلى أفريقيا ~~مهما كانت تلك الأوامر، وأن الرومانيين بدورهم يضمنون لأهل قرطجنة ~~حريتهم وأملاكهم وشرائعهم. # ولكي يكون الرومانيون على ثقة من أن أهل قرطجنة مخلصون في تسطير تلك ~~المعاهدة، وأنهم يسيرون بحسب بنودها في مقبل الأيام، طلبوا منهم ~~ثلاثمائة فتى يأخذونهم رهائن من أبناء أشرف الأسر القرطجنية، فيكون ~~احتباسهم في رومية ذا تأثير على القرطجنيين، وإرغامهم على التقيد بشروط ~~المعاهدة. # فوجد الوفد القرطجني هذه الشروط جائرة للغاية، وهو في الوقت نفسه لم ~~يكن عالما بماهية الأوامر التي يصدرها قنصلا الرومانيين عند وصولهما ~~إلى أفريقيا، ذلك فضلا عن أن رومية تطلب جعل قرطجنة بجملتها رهن ~~إشارتها، وأنها تضمن لها حريتها وأملاكها وشرائعها، إلا أن الرومانيين ~~لم يذكروا شيئا عن مدن القرطجنيين وسفنهم وأسلحتهم وذخائرهم الحربية، ~~ورأى الوفد القرطجني أن رضاه بهذه الشروط يضع قرطجنة تحت قدمي رومية، ~~ويجعل قوام تجارتها وعوامل قوتها رهن إشارة الرومانيين. # على أنه كان مأمورا بقبول كل شرط لاتقاء الوقوع في حرب، وأن يعقد ~~صلحا مع الرومانيين كيفما اتفق، فلم ير له بدا من الإذعان لمطاليب ~~الرومانيين، ولكنه فعل ذلك مرغما وبشيء من التردد، وأعظم ما كرهه من ~~تلك الشروط ضمان الفتيان الذين طلبت رومية ارتاهنهم، فهذه الطريقة التي ~~جرت عليها حكومات الأزمنة الماضية من رهان أبناء أشرف أسر الأمة ~~المغلوبة كضمان لقيامها بما اشترط عليها في معاهدة الصلح، كان من ~~القساوة على جانب عظيم ومن موجبات الألم للمنفصلين عن أبنائهم، ولكن ~~عدم وجود رابطة ms140 غير هذه تتقيد بها الحكومة المغلوبة بما اشترط عليها؛ ~~حتى لا تخلف وعودها قد حمل حكومات تلك الأيام العرفية على اتخاذ هذه ~~الطريقة. # ومع أن رجال هاتيك الأزمنة كانوا على جانب كبير من القساوة والخشونة ~~وتصلب القلوب، فإن نساءهم لم يكن يختلفن عن نساء هذا الزمن الذي نحن ~~فيه؛ ولهذا كن يقاسين الآلام الشديدة عندما يساق أولادهن أسارى إلى ~~بلاد العدو يحبسون فيها السنين الطوال، ويكونون معرضين لصنوف الذل ~~والمهانة ولخطر الإعدام أيضا، إذا ما ظن العدو أن حكومة بلادهم قد ~~خالفت شرطا أو ارتكبت ذنبا. # وأدرك الوفد عند رجوعه إلى قرطجنة حاملا هذه الشروط أنه يجلب لقومه ~~أخبارا محزنة، وفي الواقع أنه عندما أطلع أهل قرطجنة على الشروط ~~تولاهم اليأس، وتملكهم القنوط وامتلأت المدينة صياحا ونواحا، وقرعت ~~الأمهات اللواتي شعرن بقرب مفارقة أولادهن الصدور، وقصصن شعورهن وأكثرن ~~من البكاء والنحيب صائحات مولولات متضرعات إلى أزواجهن وآبائهم بألا ~~يسلموا بتلك الشروط الجائرة، وقائلات إنهن يرفضن تسليم أبنائهن ~~للأعداء. # على أن الأزواج والآباء قد شعروا بوجوب مقاومة تلك التضرعات؛ لأنهم ~~وجدوا أنفسهم في حالة لا تساعدهم على مقاومة مشيئة الرومانيين، فجيشهم ~~قد تبدد في عراكه مع الملك مسانيا، ومدينتهم قد أصبحت مجردة من وسائل ~~الدفاع، وقد تدانى الأسطول الروماني من مينائهم، وأخذت الجنود ~~الرومانية في النزول إلى البر؛ ولهذا فإنهم لم يجدوا لهم مناصا من ~~القبول بكل الشروط القاسية التي قضى بها عليهم عدوهم القاهر، إذا هم ~~أرادوا إنقاذ أنفسهم ومدينتهم من الهلاك الذي لا بد منه. # وطلب الرومانيون إرسال الفتيان القرطجنيين كرهائن في غضون ثلاثين ~~يوما إلى جزيرة سيسيليا إلى ميناء في غربيها اسمه لليبوم، وكان ذلك ~~الميناء في سيسيليا قريبا من قرطجنة يبعد عنها عبر بحر الروم نحو مئة ~~ميل، وعند وصولهم إلى هناك يستقبلهم حرس روماني ويقتادهم إلى رومية. ~~ومع أن الرومانيين قد أمهلوا القرطجنيين ثلاثين يوما في إرسال ~~أولادهم؛ فإن أهل قرطجنة صمموا على القيام بذلك في الحال ليبرهنوا ~~لرومية بهذه السرعة على إخلاصهم، ورغبتهم الشديدة في ms141 الحصول على ~~مرضاتهم من كل وجه. # وهكذا انتخب الأولاد واحدا واحدا من كل أسرة شريفة في المدينة، إلى ~~أن اكتمل عدد الثلاثمائة، وهنا يجب أن يتصور القارئ لذاته ما حصل من ~~المشاهد التي يرق لها الجلمود في منازل الثلاثمائة أسرة عندما أدركت ~~كل واحدة منها أن القضاء قد حل، وأنها مرغمة على تسليم ابنها ووحيدها ~~للرومانيين، وعندما تم الاختيار واصطف أولئك الفتيان على الرصيف بقصد ~~ركوب السفن إلى المنفى حدث هناك ما يفتت الأكباد. # فوقف أولئك الفتيان منذهلين مذعورين وقد تولاهم الخوف والحزن أنهم ~~سيفارقون أعز ما لديهم في الوجود - آبائهم وأخواتهم ووطنهم - ويذهبون ~~إلى حيث لا يعلمون بحراسة جنود حديدية القلوب، لا تشعر بأقل تأثر ~~لحالتهم وحالة ذويهم، وبكت الأمهات وأكثرن من العويل وضممن أولئك ~~الأولاد إلى صدورهن للمرة الأخيرة، وقد علت صيحاتهم حتى امتلأ بها ~~الفضاء. # وكان الأخوة والأخوات وقوفا هناك - بعضهم قد أبكمه هول المشهد ~~والبعض الآخر يصيح كالجريح المتألم، ومنهم من أصيب بالوجوم، فأجرى ~~الدموع مدرارا بدون بكاء، وفي هذا منتهى الألم للمتأمل في مشهد لا ~~قوة له على الإغاثة فيه، وكان الوالدون سكوتا يروحون ويجيئون كمن ~~أصيب بجنة من هول الموقف، يكلم أحدهم الآخر همسا ويتلفظ بكلمات غير ~~مفهومة، وأخيرا أخذوا الأولاد من أحضان أمهاتهم بطريقة اختلط فيها ~~اللطف والعنف، وساروا بهم إلى السفن لركوبهم. # وشقت تلك السفن عباب البحر مبتعدة عن الشاطئ شيئا فشيئا، فرافقتها ~~عيون الأمهات إلى أن غابت عن الأبصار، ومن ثم رجعن إلى بيوتهن يبكين ~~ويأبين العزاء، وتلا هذا المشهد المحزن احتساب لما سيجد على المدينة ~~وأهلها من جانب الجيش الروماني الذي كان زاحفا بخيله ورجله عليها، وما ~~يفرضه من الشروط الجائرة المهينة على سكانها. فهو قد نزل إلى البر في ~~يوتيكا وهي مدينة عظيمة شمالي قرطجنة، لا تبعد عنها كثيرا وعلى ذات ~~الخليج. # ولما رأى أهل يوتيكا الجيش الروماني مقبلا أدركوا أن العراك واقع ~~لا محالة، واستيقنوا من أن النتيجة ستكون وبالا على قرطجنة ودمارا لا ~~نهوض لها بعده، فلكي ms142 ينجوا هم من هذا القضاء المبرم فكروا في الخلاص ~~ورأوا أن أفضل وسيلة لذلك هي أن يعقدوا محالفة مع الرومانيين ويتخلوا ~~عن قرطجنة بالكلية، وكانوا قد سبقوا فأرسلوا وفدا إلى رومية يعرضون ~~عليها تسليم يوتيكا، فلم يتردد الرومانيون في إجابة سؤلهم، وهكذا جعلوا ~~هذه المدينة ميناء لنزول جيشهم هناك للمسير إلى قرطجنة. # وحالما درى القرطجنيون بوصول جيش رومية إلى يوتيكا، أرسلوا يستفهمون ~~عما يطلبه القنصلان منهم، ذلك لما علموه من أنهم مقيدون بشروط المعاهدة ~~بالإذعان لكل إشارة تصدر من القنصلين، فلما وصل وفد قرطجنة إلى يوتيكا ~~وجد مياهها غاصة بسفن الرومانيين؛ فكان هناك خمسون سفينة حربية لكل ~~منها ثلاثة أجواق من المجذفين، وحولها عدد كبير من النقالات، ورأوا ~~على البر معسكرا رومانيا فيه ثمانون ألفا من المشاة، وأربعة آلاف ~~من الفرسان بالعدة التامة والسلاح الكامل. # فلما رأى الوفد ذلك أدرك لفوره أن القرطجنيين يعجزون عن مقاومة مثل ~~تلك القوة الطامة، وهكذا سألوا والرعب يرجف منهم الأجسام ما هي أوامر ~~القنصلين، فقال القنصلان إن مجلس الشيوخ الروماني يطلب من قرطجنة ~~تقديم مقدار من الذرة لإطعام الجيش الروماني أول كل شيء، فعاد الوفد ~~إلى قرطجنة يحمل إلى أهلها هذا الطلب، فلم ير القرطجنيون بدا من ~~تلبية طلب الرومانيين؛ لأنهم مقيدون بمعاهدة وبأولادهم المرتهنين، وبما ~~رأوه من حول الجيش القريب منهم وطوله، فأرسلوا الذرة في الحال. # وعلى أثر ذلك وجه القنصلان إلى القرطجنيين طلبا آخر، وهو أن يسلم ~~أهل قرطجنة إلى الرومانيين كل سفنهم الحربية، فصعب هذا الطلب على ~~القرطجنيين أكثر من الذي سبقه، وترددوا في الأمر كثيرا إلا أنهم لم ~~يجدوا محيصا عنه فرضوا به بعدئذ مرغمين، وقد أملوا أن يكون ذلك آخر ~~ما يطلبه الرومانيون، وأنهم عندما يرون أنهم قد أضعفوهم إلى هذا الحد ~~يتركونهم ويعودون إلى بلادهم، حتى إذا ساعدت الأيام قرطجنة تعود وتبني ~~أسطولا جديدا. # ولكن الرومانيين لم يقنعوا بذلك بل أرسلوا أمرا ثالثا طلبوا به من ~~القرطجنيين أن يعطوهم كل ما لديهم من الأسلحة والمعدات الحربية ~~المختلفة والمجانيق، ms143 ويرسلوها جميعا إلى المعسكر الروماني، فوقع هذا ~~الطلب عند القرطجنيين وقوع الصاعقة، وصمم كثيرون على رفضه والمقاومة ~~حتى الموت ولو مهما كانت النتيجة، وحالفهم آخرون في ذلك علما منهم ~~باستحالة المقاومة مع ذلك الضعف الذي وصلوا إليه وأنهم خسروا كل ~~شيء، فضلا عن أن أمهات الثلاثمائة ولد الذين أخذهم الرومانيون رهائن ~~كن مشددات في إجابة مطاليب الرومانيين؛ محافظة على حياة ~~أولادهن. # وفي النهاية غلب المقاومون على أمرهم، واضطروا إلى التسليم مع ~~القائلين بإجابة الطلب، فجمعت الأسلحة وحملت على مركبات كبيرة إلى ~~المعسكر الروماني، وكان في جملتها مائتا لباس مدرع وما لا يحصى من ~~الدروع والمزاريق وألفا آلة حربية أو هي المنجنيق ترمي الأحجار ~~والأخشاب الثقيلة على الأعداء - وهكذا جردوا قرطجنة من سلاحها. # إلا أن كل هذه المطاليب على ما فيها من الجور والحيف الذي ليس بعده، ~~والتي استكبرها أهل قرطجنة كثيرا لم تكن سوى تمهيدة لما سيجيء بعدها ~~من المطاليب التي أبقاها القنصلان كخاتمة لهذه المأساة، إذ عندما صارت ~~الأسلحة والمعدات الحربية في معسكر الرومانيين، وأصبح القرطجنيون ~~عزلا من أدوات القتال، أعلن القنصلان لهم أن إدارة مجلس الشيوخ ~~الروماني تقضي بتدمير قرطجنة، وهكذا صدرت الأوامر إلى السكان بمغادرة ~~المدينة التي حالما تصبح خالية من أهلها تضرم فيها النيران ~~لإحراقها. # وأتاح الرومانيون للقرطجنيين احتمال ما يستطيعون أخذه معهم من ~~الأثاث والريش والأمتعة، وسمحوا لهم أيضا بابتناء مدينة جديدة بدلا ~~من مدينتهم هذه المحصنة القريبة من الشاطئ في داخلية البلاد، بحيث لا ~~تكون أقل من عشرة أميال بعدا عن البحر، وألا تكون محصنة ولا يبنى ~~حولها سور أو وسائل دفاع من أي نوع، وقال القنصلان إنه حالما تخلو ~~المدينة من سكانها يجب أن تدمر بحيث لا يبقى فيها حجر على ~~حجر. # فهال القرطجنيين هذا الطلب الذي لم يخطر لهم ببال، وأصبحت المدينة ~~بمن فيها من الناس الذين تولتهم الحيرة واليأس والرعب كمأوى المجانين، ~~ووجد القوم أنهم بإزاء هذا الطلب الجائر المتناهي في العتو وفقدان ~~الشعور الإنساني غير قادرين على الانصياع والسكوت، فأسكتوا ms144 صيحات ~~الأسر التي أخذ أبناؤها وشتموا كل من أشار بالإذعان، وثار ثائر الغضب ~~في صدور السكان من أقصى المدينة إلى أقصاها. # وأغلقت البوابات واقتلع بلاط الشوارع وهدمت بعض المنازل، واحتملت ~~الأحجار التي توفرت من ذلك التخريب إلى شرفات الأسوار؛ لتستعمل بدلا ~~من السلاح ، وأطلق الأرقاء وأوقفوا على الأسوار ليساعدوا في الدفاع، ~~وأرغم كل شخص ممن لهم إلمام بصنع السلاح على صنع السيوف والخناجر، ~~وغير ذلك من أنواع الأسلحة التي يسهل اصطناعها بسرعة، فاستعملوا كل ~~الحديد والنحاس الذي وجدوه، ولم يكتفوا بذلك، بل أذابوا كل الأواني ~~والأنصاب والتماثيل الذهبية والفضية وحلوا بذائبها رءوس ~~حرابهم. # ولما نفدت خيطان القنب التي كانوا يصنعون منها أوتارا لقسيهم، ~~أقدمت الأمهات والزوجات والأخوات الحسان على جز شعورهن وبرمه ~~أوتارا؛ ليقوم مقام الخيطان في إكمال الأقواس التي اصطنعها القوم ~~لرمي السهام. وجملة القول أن القرطجنيين قد استفرغوا كل قواهم، وبلغوا ~~من ذلك أقصى ما يستطيعه الاحتمال البشري، وعولوا بكل ما لديهم من ~~قوة وعدة على مقاومة لا أمل لهم ببلوغ المآرب فيها مدفوعين إلى ذلك ~~بجنون تولد عن جور أعدائهم المنقطع النظير. # ويذكر القارئ أن القائد أسدروبال بعد انكساره في محاربة مسانيا قد ~~أضاع ما بقي له من النفوذ في قرطجنة، وأصبح حسب الظاهر مقهورا مهانا ~~لا يجرؤ على الحراك، ولكن الأمر مع هذا الرجل كان على العكس من ذلك؛ ~~فهو لم يكن خائر القوى ولا من المستسلمين الخانعين، بل جمع جيشه على ~~مقربة من قرطجنة، وكان عدد جيشه يزداد على التوالي في غضون هاتيك ~~الحوادث المؤلمة بمن ينضم إليه من مقاومي المسلطين في قرطجنة. # وكان يومئذ في معسكره غير البعيد عن المدينة يقود عشرين ألف رجل، ~~فلما وجد القرطجنيون أنهم في ضيق شديد وفي حاجة ماسة إلى من يناصرهم ~~أرسلوا إليه يستنجدونه، فلبى صوت الاستغاثة وبعث من فوره فجند رجال ~~كل الأنحاء الخاضعة لقرطجنة، وجمع الأقوات والأسلحة من كل مكان وزحف ~~بذلك الجيش لإنقاذ قرطجنة، وعندئذ اضطر الرومانيون بما لقوه من شدة ~~مقاومة المعتصمين داخل الأسوار، ms145 وبطش المدافعين عنها من الخارج على ~~التراجع مسافة قصيرة عن المدينة، واحتفار الخنادق والتحصن في معسكرهم ~~محافظة على سلامتهم. # وأرسل أسدروبال الأقوات إلى المدينة وبعث سرا من ألقى في الميناء ~~سفنا صغيرة مدهونة بالزيت، وأشعلها وسيرها طافية على وجه الماء بين ~~سفن الرومانيين الطافية هنالك، فنجحت تدابيره إلى حد أن سفن ~~الرومانيين أوشكت أن تحترق عن آخرها، وهكذا انقلبت الحالة بطنا لظهر ~~ووجد الرومانيون أن آمالهم بفريستهم قد خابت في الوقت الحاضر، ~~فانحصروا في معسكرهم وبعثوا الرسل إلى رومية يطلبون من مجلس الشيوخ ~~النجدات والأقوات والمعدات. # واتضح للرومانيين أنهم بدلا من اقتدارهم على تدمير قرطجنة بسهولة ~~وبدون مقاومة، قد أصبحوا الآن في مأزق حرج، وأن عهد الحرب سيطول وأن ~~الخطر بعد أن كان محيقا بأعدائهم قد أحاط بهم الآن، وقد صدق حدسهم ~~فإن هذه الحرب التي أوقدوها بجورهم وتصلفهم قد طالت نحو السنتين أو ~~الثلاث سنوات، وكانت حربا ضروسا كثيرة الهول عظيمة الويل على ~~الجانبين، وأقبل بعدئذ سيبيو بجيش روماني جديد فكان بادئ ذي بدء ~~قائدا من الدرجة الثانية، ولكن شجاعته وإقدامه وتدابيره المنقطعة ~~النظير والأعمال الباهرة التي قام بها قد جعلته طائر الشهرة، محبوبا ~~من الجنود والشعب الروماني. # ويقال إنه ذات يوم تمكن بشجاعته ودربته من إنقاذ فرقة علقت بأشراك ~~العدو؛ بحيث تعذر عليها الإفلات، فلما نجت حملها عظيم امتنانه له على ~~صنع إكليل من العشب وتتويج رأس سيبيو به، بين أصوات التهليل التي ضج ~~بها الفضاء، وقام القرطجنيون في هذا العراك بأكثر مما تستطيعه قوات ~~البشر للذود عن حياضهم، ولكن قلة عددهم ومعداتهم وحذق سيبيو وعظيم ~~تأنيه والخطط التي رسمها للقتال بالتروي الذي عرف به قد ضيقت ~~عليهم واسعات المذاهب تدريجا مع الأيام، وحصرتهم في مكان معلوم يضيق ~~بضغط الرومانيين يوما عن يوم إلى أن أصبح الإفلات متعذرا عليهم ~~بالكلية. # وكان سيبيو قد ابتنى رصيفا على الماء قريبا من المدينة، وأقام عليه ~~المجانيق الهائلة لكي يضرب بها الأسوار، ففي ذات ليلة انسلت جماعة من ~~القرطجنيين ومعهم مشاعل بأيديهم ms146 غير مشتعلة وأدوات لقدح النار عند ~~الحاجة إلى ذلك، وقد وصلوا إلى الرصيف بالسباحة تارة وبالخوض طورا، ~~وهكذا تمكنوا من الصعود إلى تلك الآلات أو المجانيق، فلما تدانوا ~~منها على مسافة معلومة، قدحوا الزناد وأشعلوا ما كان معهم من ~~المشاعل. # فهال ذلك جنود الرومانيين الذين كانوا يحرسون المجانيق، وفروا ~~مذعورين لا يلوون على شيء عندما أبصروا تموجات النيران متدافعة على وجه ~~الماء، وتركوا المجانيق، فأتاها القرطجنيون وألهبوا فيها النيران ~~وتركوا مشاعلهم، وانقلبوا إلى البحر سابحين إلى حيث أتوا بدون أن يمسهم ~~أذى، ولكن كل هذه الشجاعة التي أبدوها لم تفدهم شيئا؛ لأن سيبيو عاد ~~فأصلح المجانيق في الحال، وثابر على الحصار كالأول. # على أننا نعجز عن وصف هذا العراك الطويل الهائل بتفاصيله كلها؛ ~~ولهذا ننتقل دفعة واحدة إلى الدور النهائي الذي كان حسبما قال عنه ~~المؤرخون فصولا من الرعب، لا يمكن وصفها كما هي في الحقيقة ولا ~~تصديقها، فبعد أن قتل عدد كبير من المحاربين في الهجمات التي قاموا بها ~~لدخول المدينة فضلا عن الألوف العديدة التي هلكت جوعا، والذين شربوا ~~كئوس الردى من التعرض للبرد وغيره من الأخطار الملازمة لمثل ذلك ~~الحصار - بعد كل هذه الغوائل والضربات المتلاحقة، تمكن جيش سيبيو من شق ~~صفوف المدافعين والدخول إلى المدينة. # وكان بعض السكان عندئذ قد خاموا وعدلوا عن متابعة الجهاد، وأقروا ~~على التسليم لرحمة الفاتح، وبعضهم كانوا كمن أصيب بجنون فثابروا على ~~القتال مصممين إلى آخر دقيقة من حياتهم على عدم التسليم، وعلى الفتك ~~بمن قدروا على قتله من أعدائهم المكروهين، وهكذا كانوا يحاربون ~~متراجعين من شارع إلى شارع ومن زقاق إلى آخر أمام الرومانيين ~~الهاجمين، إلى أن وصلوا إلى صرح المدينة وتهيئوا للحصار فيه. # وصعدت فرقة من جيش سيبيو إلى سطوح البيوت التي كانت مستوية كما هي ~~اليوم في الشرق، وقاتلوا من وجدوه من رجال قرطجنة الذين كانوا يرمون ~~الرومانيين بما اقتلعوه من الأحجار، وقسم من الجيش الروماني كان يسير ~~في الشوارع مقابل من كان منه فوق السطوح، ويعجز كل ms147 تصور عن إدراك ~~الصياح الشديد وضجة السلاح، وقرعة أدوات القتال الأخرى التي كانت ~~تتصاعد من سائر أنحاء المدينة المأهولة بالناس، تتخلل ذلك أوامر الضباط ~~الصادرة إلى جنودهم تحثهم وتستزيدهم إقداما، وأصوات الظفر المرتفعة من ~~جماهير الفاتحين، فضلا عن صيحات الذعر والرعب الخارجة من أفواه النساء ~~والأولاد وأنات الرجال المشرفين على الموت، وقد غاظهم دنوهم من المنية ~~قبل إرواء الغليل من أعدائهم، فكانوا يعضون التراب من الألم وغيظ النفس ~~التي لم تشتف بإدراك الثأر. # وبلغ المكان المعروف بحصن المدينة أشد المجاهدين شجاعة وإقداما، وفي ~~طليعتهم القائد أسدروبال فاستولوا عليه، وقد كان ذلك الصرح قسما من ~~المدينة على رابية وفي غاية التحصين، فزحف سيبيو إلى أن وقف أمام أسوار ~~ذلك المكان، وأوقد النيران في منازل المدينة القريبة منه، فظلت النار ~~تشتعل ستة أيام متوالية، ففتحت من الأسوار مكانا رحيبا دخلت منه ~~عساكر الرومانيين لمكافحة القرطجنيين الذين في داخل الأسوار. # فلما رأى القرطجنيون ذلك علت صيحتهم؛ مما دل على أنهم يستثيرون شجاعة ~~بعضهم بعضا للقيام بهجمة شديدة على الأعداء، وهكذا جرت معركة هائلة ~~بين الفريقين وراء الأسوار تهالك فيها المتطاحنون إلى حد ما تستطيعه ~~القوى البشرية، وكان هناك نحو ستة آلاف نفس من النساء والأولاد قد ~~صمموا على الذهاب إلى سيبيو واسترحامه عنهم، فلما رأتهم زوجة ~~أسدروبال سألته السماح لها بالذهاب معهم، فأنكر ذلك عليها. # وكان في ذلك الحصن جماعة من الرومانيين الذين أبقوا من المعسكر ~~الروماني قبل ذلك بأيام، وقد أدركوا مما رأوه أنهم هالكون لا محالة ~~إلا إذا جاهدوا مستميتين، فإلى هؤلاء الرومانيين الهاربين من جيشهم عهد ~~أسدروبال في المحافظة على زوجته وأولاده، فاتخذوا لهم ملجأ في الهيكل ~~الكبير الذي كان في وسط دائرة الحصن، وأخذوا معهم زوجة أسدروبال ~~لينالها ما ينالهم. # أما أسدروبال الذي صمم على مقاومة الرومانيين إلى النهاية، فإنه خام ~~في آخر الأمر، وأشرف على النهك لطول الجهاد ومال إلى التسليم، وقد اتهم ~~بأقبح أنواع الخداع والمكر في سبيل استحياء نفسه، وذلك بعد أن وضع ~~زوجته وأولاده في ms148 مأزق يستحيل عليهم منه النجاة من الهلاك، ولكن ~~المباغتات التي ترافق مثل هذه المعارك الشديدة، والسرعة المدهشة التي ~~بها تتغير الحوادث متعاقبة في مثل هذه الظروف، وما ينشأ عن ذلك من ~~الاضطرابات العقلية؛ كل هذه الأمور الهائلة تجرد الشخص المدعو إلى ~~العمل فيها من كل تعقل وتؤدة وروية، وتبرره من كل مسئولية أدبية عما ~~يقدم عليه كما لو كان مجنونا. # وكيفما كان الحال فإن أسدروبال بعد أن حصر زوجته وأولاده مع جماعة ~~من المتهورين الذين لا يخشون المنية، والذين لا يعبئون بالتسليم ~~توسلا به إلى الخلاص، ذهب نفسه وسلم ذاته، قد يكون فعل ذلك على أمل ~~أن يتاح له بعدئذ إنقاذهم جميعا، وحذا الجنود القرطجنيون حذو أسدروبال ~~ففتحوا بوابات الحصن وأدخلوا الفاتح، وكان من أمر الجماعة الفارين من ~~جيش الرومانيين والذين جعلت معهم زوجة أسدروبال وأولاده، أنهم عندما ~~وجدوا الخطر متدانيا منهم، فضلوا الموت بأيديهم على أن يمنحوا ~~أعداءهم المسرة بقتلهم، فأشعلوا النيران في تلك البناية. # فلما اندلعت ألسنة اللهيب وتصاعد الدخان في جوانب البناء، تراكض ~~المحصورون هناك في كل الجهات، وهم لا يدرون إلى أين يفرون، وقد خنقهم ~~الدخان المتلبد ولسعتهم ألسنة النيران، وكان البعض منهم قد وصلوا إلى ~~السطح في فرارهم، وكانت زوجة أسدروبال وأولاده في جملتهم، فنظرت من ~~ذلك العلو الشاهق وهي محاطة بالدخان واللهيب من كل جانب، وأبصرت زوجها ~~واقفا قريبا من القائد الروماني في الدار، وربما كان أسدروبال عندئذ ~~مفكرا في حالة زوجته وأولاده، وكيف يتمكن من إنقاذهم، وهم في ذلك ~~المكان الشاهق تحتاطهم النيران الآكلة، فوجود زوجها ووالد أولادها في ~~مكان بعيد عن الخطر جعل الزوجة والأم كالمجنونة من شدة الغضب، فصاحت ~~بأعلى صوتها من حيث هي واقفة وحولها أولادها، وقالت مخاطبة زوجها: ~~«هكذا قضيت بهلاكنا يا دنيء، يا خائن لكي تخلص نفسك، إني غير قادرة على ~~الوصول إليك شخصيا؛ لأنتقم منك ولهذا أقتلك في شخصية أولادك.» قالت ~~هذا وطعنت أولادها بخنجر كان معها، ودهورتهم من هناك إلى أسفل، فسقطوا ~~في وسط اللهيب، ورمت ms149 هي بنفسها فوقهم لتشاركهم في هلاكهم المخيف، ولما ~~استولى الرومانيون على المدينة اتخذوا أفعل التدابير لجعل تدميرها ~~تاما من كل وجه، وكان الأهلون قد فروا منها وتفرقوا بددا في البلاد ~~المجاورة لها، وهكذا أصبحت كل تلك المقاطعة تحت سيطرة ~~الرومانيين. # وقد حاول الناس بعدئذ إعادة بناء قرطجنة؛ إلا أنهم لم يخرجوا فكرتهم ~~إلى دائرة العمل، فصار مكانها على ممر الأيام أشبه بمتنزه على نوع ما ~~وكان بين خرباتها أكواخ معدودة لأناس أحبوا السكنى في وسط تذكارات ~~المجد الزائل والعظمة الهاوية إلى الحضيض، ولكنها على تمادي الأيام ~~اندثرت بالكلية فهجرها سكان الأكواخ، ونما العشب فوقها وغطتها سوافي ~~الرمال، بحيث أصبحت معرفة مكانها الآن من الأمور المتعذرة؛ إذ لا توجد ~~علامة أو نصب يدل على موقعها. # ومعلوم أن الحرب والتجارة هما المبدآن العظيمان المتضادان اللذان ~~يجاهدان في سبيل إحراز السيطرة على الجنس البشري، ووظيفة أحدهما ~~البنيان كما أن وظيفة الآخر الهدم، فالتجارة تعمل على ابتناء المدن ~~وحراثة الحقول وإتقان الزراعة، فتتولد عنها الخيرات والرفاهية وكل ~~بركات العمل والسلام والطمأنينة، فهي تحمل التنظيم والترتيب إلى كل ~~مكان وتحتفظ بالأملاك والأرواح، وتجرد الأوبئة من عواملها القتالة، ~~وتقطع دابر المجاعات. # والحرب من الجهة الأخرى تدمر وتخرب أنظمة الحياة الاجتماعية وتفسدها، ~~وتهدم المدن وتعطل المزارع وتصير بالناس إلى حالة الفاقة والعوز ~~والبطالة والكسل الوبيل، والعلاج الوحيد الذي تعرفه لمداواة ما تنزله ~~ببني الإنسان من الشرور هو أن تقصر زمن تعاسة ضحاياها بإفلات الأوبئة ~~والمجاعات عليهم؛ لتقصف منهم الأعمار. # وعلى هذا تكون الحرب العدو الأكبر للجنس البشري، والتجارة الصديق ~~الأكبر له، فهما مبدآن متضادان يتعاركان على الدوام للسيطرة على كل ~~أنظمة الناس، ولما ظهر هنيبال على المسرح وجد بلاده عاملة بسلام وهناء ~~على استبدال ما يوفر الرفاهية والغبطة للجنس البشري، فآلى على نفسه ~~أن يحول كل ذلك النشاط وتلك العوامل إلى المجرى الجديد المؤدي إلى ~~الاعتداء والحروب والفتوحات، فنجح في هذا المسعى أيما نجاح. # وإن لنا في الواقع من شخصيته وسيرة حياته ما يثبت لنا دون أقل ms150 ~~ارتياب سمات وسجايا البطل الحربي العظيم، فهو قد انتصر في معارك عديدة ~~هائلة، ودمر بلدانا كثيرة وعرقل مجرى التجارة وأوقفها في آخر الأمر ~~بالكلية، وهي التي كانت سبب إسعاد العدد الكبير من الناس، ومصدر هناء ~~الألوف من البيوت في سائر البلدان، وأوجد بدلا منها في كل مكان أشد ~~أنواع الحاجة والمتربة والرعب والهول المستمر الذي كان يجر وراءه ~~الأوبئة والمجاعات. # وعمل على إبقاء بلاد أعدائه في أردأ حالات القلق والبلبال الدائم ~~والألم والرعب والاحتساب أعواما طوالا، وأفلت على بلاده في النهاية ~~تيار الخراب الذي دكها دكا، وصيرها أطلالا بالية وعمرانها يبابا ~~ينعق فوقه بوم الخراب إلى هذا اليوم. # وجملة القول أن هنيبال كان أعظم أبطال الحروب التي عرفها العالم في ~~كل تاريخه. ms151