######OpenITI# #META# URI: 1350ZakiFahmi.SafwatCasr.Hindawi52483961 #META# Tags: history #META# ID: 52483961 #META# Title: صفوة العصر في تاريخ ورسوم مشاهير رجال مصر #META# AuthorID: 90570681 #META# Author: زكي فهمي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # إهداء الكتاب‏ # الملك فؤاد الأول‏ # ترجمة السلطان حسين كامل‏ # ترجمة ساكن الجنان المغفور له محمد علي باشا الكبير‏ # ترجمة إبراهيم باشا‏ # عباس باشا الأول‏ # ترجمة سعيد باشا‏ # ترجمة حياة إسماعيل باشا‏ # ترجمة ساكن الجنان محمد توفيق باشا‏ # ترجمة سمو عباس حلمي الثاني خديوي مصر السابق‏ # أمراء العائلة الملكية‏ # مدفن توت عنخ آمون والتابوت العجيب الذي اكتشف بالأقصر‏ # البرلمان المصري والحكم النيابي في التاريخ‏ # خطبة العرش لافتتاح الدور الثاني للبرلمان المصري‏ # ترجمة حضرة صاحب الدولة الرئيس الجليل والزعيم المحبوب سعد زغلول باشا‏ # حديث ذو شأن خطير لصاحب السمو الأمير الجليل عمر طوسون للتوفيق بين الأحزاب‏ # ترجمة حضرة صاحب الدولة الجليل عدلي باشا يكن‏ # ترجمة حضرة صاحب الدولة الجليل السير حسين رشدي باشا‏ # ترجمة حضرة صاحب الدولة الجليل السير يحيي باشا إبراهيم‏ # ترجمة حضرة صاحب الدولة الوزير الجليل محمد سعيد باشا‏ # ترجمة حضرة صاحب المعالي الوزير الجليل يوسف سليمان باشا‏ # ترجمة حضرة صاحب المعالي القانوني النزيه أحمد ذو الفقار باشا وزير الحقانية‏ # ترجمة صاحب المعالي الوزير الجليل محمد توفيق رفعت باشا‏ # ترجمة حضرة صاحب المعالي الوزير الجليل محمد فتح الله بركات باشا‏ # ترجمة صاحب المعالي الوزير الجليل الأستاذ مرقص حنا باشا‏ # ترجمة حضرة صاحب المعالي الشهم الجليل محمود فخري باشا‏ # ترجمة ساكن الجنان المغفور له حسين فخري باشا‏ # تاريخ إجمالي وجيز لبطل الحروب والمعارك المغفور له جعفر صادق باشا‏ # ترجمة حضرة صاحب المعالي الوزير الجليل عزيز عزت باشا‏ # ترجمة حضرة صاحب المعالي الجليل سعيد باشا ذو الفقار‏ # تاريخ حياة المغفور له المرحوم الفريق راشد حسني باشا‏ # ترجمة حضرة صاحب العزة أحمد إحسان بك‏ # ترجمة حضرة صاحب العزة المفضال أحمد بك حسنين‏ # ترجمة حضرة صاحب العزة النزيه المفضال أتربي بك أبو العز‏ # ترجمة حضرة صاحب السعادة الشهم الجليل رشوان باشا محفوظ‏ # ترجمة حضرة صاحب السعادة المفضال صالح باشا عنان‏ # ترجمة فقيد الطب والعلم المغفور له الدكتور محمد طلعت باشا‏ # ترجمة فقيد المروءة والهمة والإقدام السري المشهور المرحوم محمد باشا الشواربي‏ # ترجمة حضرة صاحب ms001 السعادة السري الجليل حامد باشا الشواربي‏ # ترجمة حضرة صاحب السعادة السري الجليل قليني فهمي باشا‏ # ترجمة حياة فقيد الشهامة والشبيبة والمروءة والإحسان المغفور له عمر سلطان باشا‏ # ترجمة العالم الأثري الجليل نابغة مصر المغفور له أحمد باشا كمال‏ # ترجمة فقيد القضاء والقانون المغفور له المرحوم علي مظلوم باشا‏ # ترجمة المرحوم خليل باشا إبراهيم المحامي الضليع والعصامي الكبير‏ # ترجمة حياة فقيد الجد والإقدام المغفور له حسين باشا واصف‏ # ترجمة حضرة صاحب العزة حسن بك واصف مدير مديرية جرجا سابقا‏ # ترجمة حضرة صاحب العزة المفضال والعالم الكبير محمود بك شاكر‏ # ترجمة حضرة صاحب العزة المهندس العالم الكبير السيد محمود بك صبري محبوب‏ # ترجمة حضرة صاحب العزة الإداري الحازم أحمد بك صديق‏ # ترجمة حضرة صاحب العزة الشهم الإداري سيد بك فؤاد الخولي‏ # ترجمة حضرة صاحب العزة الشهم المفضال الأميرالاي عبد الفتاح بك رفعت‏ # ترجمة حضرة صاحب العزة الشهم الإداري حسين بك وهبي‏ # ترجمة حضرة صاحب العزة الأستاذ الجليل أحمد بك لطفي السيد‏ # ترجمة حضرة صاحب العزة العالم الجليل الدكتور عبد الحميد بك أبو هيف‏ # ترجمة حضرة صاحب العزة الشهم المهذب عمر بك الشواربي‏ # ترجمة حضرة صاحب العزة توفيق بك خليل‏ # ترجمة حضرة صاحب العزة نقولا بك خليل‏ # ترجمة حضرة صاحب العزة الإداري المفضال إسكندر بك مسيحه‏ # ترجمة حضرة صاحب العزة المفضال حنا بك عياد‏ # ترجمة حضرة الشهم الوطني الغيور عفيفي بك حسين البربري‏ # ترجمة حضرة صاحب العزة السري الشهير إبراهيم بك فرج أبو الجدايل‏ # ترجمة نيافة الأب الجليل والراعي الكريم الكلي الطوبى والاحترام الأنبا لوكاس‏ # ترجمة حضرة صاحب العزة السري الوجيه سمعان بك غبريال القمص‏ # ترجمة حضرة صاحب الفضيلة الحسيب النسيب السيد محمد علي الببلاوي‏ # ترجمة حضرة صاحب العزة السري الجليل والمالي الشهير يوسف دي بيشوتو بك‏ # ترجمة رجل الشهامة والفضل صاحب السعادة أحمد باشا جاد الرب‏ # حضرة صاحب العزة الوطني الصميم الدكتور البارع حسن بك كامل‏ # ترجمة حضرة صاحب العزة السري المفضال إبراهيم بك الزهيري‏ # ترجمة حضرة صاحب العزة السري الوجيه بشرى ms002 بك حنا ميخائيل‏ # ترجمة حضرة صاحب العزة السري الجليل والنائب الحر الجريء سينوت بك حنا‏ # ترجمة أحد أبطال النهضة الوطنية الأستاذ القانوني البارع راغب إسكندر بك‏ # ترجمة حضرة الوطني الصميم النطاسي البارع الدكتور نجيب بك إسكندر‏ # ترجمة حضرة الوطني الغيور الحسيب النسيب والرياضي الشهير السيد محمد بك تهامي ~~خشبه‏ # ترجمة حضرة صاحب العزة السري إبراهيم بك بهجت‏ # ترجمة حضرة صاحب العزة محمد سعيد بك‏ # ترجمة حضرة السري الوجيه محمود بك حسن جازيه‏ # ترجمة حضرة صاحب العزة الوجيه الأمثل والنائب المحترم عمر بك مراد‏ # ترجمة حضرة الأستاذ القدير عبد المجيد بك إبراهيم من وجهاء مديرية أسيوط‏ # ترجمة حضرة صاحب الفضيلة الإمام العلامة الأستاذ الجليل الشيخ محمد أبو الفضل‏ # ترجمة حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الإمام الشيخ محمد بخيت‏ # ترجمة حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ عبد المجيد اللبان‏ # ترجمة فضيلة الأستاذ العالم الجليل السيد أحمد رافع الطهطاوي‏ # ترجمة فضيلة الأستاذ المرحوم الشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية سابقا‏ # ترجمة حضرة صاحب الفضيلة الحسيب النسيب السيد حسين القصبي‏ # ترجمة حضرة صاحب الفضيلة العالم الكبير والوطني الصميم «الأستاذ الشيخ مصطفى ~~القاياتي»‏ # صاحب الفضيلة الشيخ إبراهيم الجبالي‏ # ترجمة صاحب الغبطة البابا المعظم الأنبا كيرلس الخامس بطريرك الأقباط الأرثوذكس‏ # ترجمة فقيد الأمة الأرثوذكسية جلالة الإمبراطور منليك الثاني‏ # ترجمة سمو الرأي تفري ولي عهد المملكة الحبشية‏ # ترجمة نيافة الحبر الجليل جزيل الطوبى والاحترام الأنبا متاؤس‏ # ترجمة نيافة الشيخ الوقور الأب الكلي الطوبى والجزيل الاحترام الأنبا يؤنس‏ # ترجمة صاحب النيافة الحبر الجليل الورع الأنبا توماس‏ # ترجمة نيافة الحبر الجليل والراعي الصالح الأنبا أثناثيوس‏ # ترجمة حضرة صاحب النيافة الحبر الجليل الورع الأنبا مرقس‏ # ترجمة جناب الأب الفاضل المحترم القمص باسليوس إبراهيم‏ # ترجمة جناب الأب الفاضل القمص يوحنا جرجس‏ # ترجمة فقيد الجد والإقدام الإيغومانس تادرس مينا‏ # ترجمة جناب الأب الفاضل القمص مينا يعقوب‏ # ترجمة جناب الأب المحترم والوطني الغيور القمص بولس غبريال‏ # فقيد الأمة والهمة والإقدام المغفور له بطرس باشا غالي‏ # ترجمة حضرة صاحب السعادة السري الجليل أمين باشا غالي‏ # ترجمة ms003 حضرة صاحب العزة الإداري الكبير محمد بك أمين واصف‏ # ترجمة فقيد العلم والتاريخ البحاثة الكبير المرحوم ميخائيل بك شاروبيم‏ # ترجمة الشهم الأديب شفيق بك ميخائيل شاروبيم‏ # ترجمة حضرة الشهم الوجيه الفاضل فوزي بك خليل‏ # ترجمة صاحب العزة السري الوجيه محمد بك رفاعة‏ # ترجمة حضرة صاحب العزة السري الجليل أمين بك الملواني‏ # ترجمة حضرة صاحب العزة السري الجليل والشهم الهمام محمد بك عبد الحميد إسماعيل‏ # ترجمة فقيد الهمة والنشاط والإقدام والوطن صاحب السعادة الجليل المرحوم محمد الشناوي ~~باشا‏ # ترجمة حضرة صاحب العزة الشهم الجليل والسري الكبير نصيف بك حنا ويصا‏ # ترجمة فقيد الشهامة والمروءة السري المشهور المرحوم بسطورس بك خياط‏ # ترجمة حضرة صاحب العزة السري الوجيه أمين بك خياط‏ # ترجمة أمير الشعراء أحمد شوقي بك‏ # ترجمة شاعر القطرين النابغ الفذ والعالم الكبير الأستاذ خليل مطران بك‏ # ترجمة حضرة صاحب العزة شاعر مصر الكبير حافظ بك إبراهيم‏ # ترجمة حضرة الأستاذ الوطني الغيور عبد القادر حمزة‏ # ترجمة الأستاذ البليغ والكاتب النحرير داود بركاته‏ # ترجمة فقيد التاريخ والعلم والأدب ومنشئ مجلة الهلال والروائي الشهير المرحوم جرجي بك ~~زيدان‏ # ترجمة حضرة الشاب الأديب الأستاذ أميل أفندي زيدان‏ # حضرة الشاب الأديب النشيط شكري أفندي زيدان‏ # ترجمة حضرة الأستاذ القدير والكاتب النحرير عباس أفندي محمود العقاد‏ # ترجمة حضرة الأستاذ الأديب والزجال المشهور محمود أفندي رمزي نظيم‏ # ترجمة حضرة صاحب العزة القانوني المتضلع الأستاذ صالح بك جودت‏ # ترجمة حضرة الشاب النبيل والأستاذ الضليع محمد بك جمال الدين الأيوبي‏ # ترجمة الكاتب المجيد الفكه والأستاذ القانوني الضليع فكري أباظة‏ # ترجمة الأستاذ القدير والمحامي الشهير الدكتور مرقص صادق‏ # ترجمة حضرة العالم الأديب والأستاذ القدير الشيخ محمد إبراهيم الجزيري‏ # ترجمة حضرة صاحب العزة الدكتور محمود بك عزت‏ # ترجمة حضرة النطاسي البارع الدكتور زكريا كمال‏ # ترجمة الطبيب الماهر الدكتور حامد أفندي عليش‏ # ترجمة صاحب العزة الدكتور إبراهيم بك فهمي سالم‏ # ترجمة حضرة الأستاذ الأثري المصري الجليل محمد بك شعبان‏ # ترجمة حضرة صاحب العزة العامل المجد والوطني الغيور محمد بك هلال‏ # ترجمة حضرة صاحب ms004 العزة وجيه قومه جرجس بك عبد الشهيد‏ # ترجمة حضرة صاحب العزة السري أسعد بك عبد الشهيد‏ # ترجمة صاحب العزة مصطفى بك سيف النصر‏ # ترجمة حضرة الوجيه المفضال الشيخ محمد عبد الله الشلتاوي‏ # ترجمة حضرة الوجيه الفاضل زكي أفندي وهبي‏ # ترجمة العصامي السري المرحوم سليم صيدناوي بك‏ # ترجمة حضرة الفاضل الأستاذ الفني السيد أفندي فرج‏ # ترجمة فقيد المروءة والإخلاص المرحوم عبد الملك أفندي نخله‏ # إهداء الكتاب‏ # الملك فؤاد الأول‏ # ترجمة السلطان حسين كامل‏ # ترجمة ساكن الجنان المغفور له محمد علي باشا الكبير‏ # ترجمة إبراهيم باشا‏ # عباس باشا الأول‏ # ترجمة سعيد باشا‏ # ترجمة حياة إسماعيل باشا‏ # ترجمة ساكن الجنان محمد توفيق باشا‏ # ترجمة سمو عباس حلمي الثاني خديوي مصر السابق‏ # أمراء العائلة الملكية‏ # مدفن توت عنخ آمون والتابوت العجيب الذي اكتشف بالأقصر‏ # البرلمان المصري والحكم النيابي في التاريخ‏ # خطبة العرش لافتتاح الدور الثاني للبرلمان المصري‏ # ترجمة حضرة صاحب الدولة الرئيس الجليل والزعيم المحبوب سعد زغلول باشا‏ # حديث ذو شأن خطير لصاحب السمو الأمير الجليل عمر طوسون للتوفيق بين الأحزاب‏ # ترجمة حضرة صاحب الدولة الجليل عدلي باشا يكن‏ # ترجمة حضرة صاحب الدولة الجليل السير حسين رشدي باشا‏ # ترجمة حضرة صاحب الدولة الجليل السير يحيي باشا إبراهيم‏ # ترجمة حضرة صاحب الدولة الوزير الجليل محمد سعيد باشا‏ # ترجمة حضرة صاحب المعالي الوزير الجليل يوسف سليمان باشا‏ # ترجمة حضرة صاحب المعالي القانوني النزيه أحمد ذو الفقار باشا وزير الحقانية‏ # ترجمة صاحب المعالي الوزير الجليل محمد توفيق رفعت باشا‏ # ترجمة حضرة صاحب المعالي الوزير الجليل محمد فتح الله بركات باشا‏ # ترجمة صاحب المعالي الوزير الجليل الأستاذ مرقص حنا باشا‏ # ترجمة حضرة صاحب المعالي الشهم الجليل محمود فخري باشا‏ # ترجمة ساكن الجنان المغفور له حسين فخري باشا‏ # تاريخ إجمالي وجيز لبطل الحروب والمعارك المغفور له جعفر صادق باشا‏ # ترجمة حضرة صاحب المعالي الوزير الجليل عزيز عزت باشا‏ # ترجمة حضرة صاحب المعالي الجليل سعيد باشا ذو الفقار‏ # تاريخ حياة المغفور له المرحوم الفريق راشد حسني باشا‏ # ترجمة حضرة صاحب ms005 العزة أحمد إحسان بك‏ # ترجمة حضرة صاحب العزة المفضال أحمد بك حسنين‏ # ترجمة حضرة صاحب العزة النزيه المفضال أتربي بك أبو العز‏ # ترجمة حضرة صاحب السعادة الشهم الجليل رشوان باشا محفوظ‏ # ترجمة حضرة صاحب السعادة المفضال صالح باشا عنان‏ # ترجمة فقيد الطب والعلم المغفور له الدكتور محمد طلعت باشا‏ # ترجمة فقيد المروءة والهمة والإقدام السري المشهور المرحوم محمد باشا الشواربي‏ # ترجمة حضرة صاحب السعادة السري الجليل حامد باشا الشواربي‏ # ترجمة حضرة صاحب السعادة السري الجليل قليني فهمي باشا‏ # ترجمة حياة فقيد الشهامة والشبيبة والمروءة والإحسان المغفور له عمر سلطان باشا‏ # ترجمة العالم الأثري الجليل نابغة مصر المغفور له أحمد باشا كمال‏ # ترجمة فقيد القضاء والقانون المغفور له المرحوم علي مظلوم باشا‏ # ترجمة المرحوم خليل باشا إبراهيم المحامي الضليع والعصامي الكبير‏ # ترجمة حياة فقيد الجد والإقدام المغفور له حسين باشا واصف‏ # ترجمة حضرة صاحب العزة حسن بك واصف مدير مديرية جرجا سابقا‏ # ترجمة حضرة صاحب العزة المفضال والعالم الكبير محمود بك شاكر‏ # ترجمة حضرة صاحب العزة المهندس العالم الكبير السيد محمود بك صبري محبوب‏ # ترجمة حضرة صاحب العزة الإداري الحازم أحمد بك صديق‏ # ترجمة حضرة صاحب العزة الشهم الإداري سيد بك فؤاد الخولي‏ # ترجمة حضرة صاحب العزة الشهم المفضال الأميرالاي عبد الفتاح بك رفعت‏ # ترجمة حضرة صاحب العزة الشهم الإداري حسين بك وهبي‏ # ترجمة حضرة صاحب العزة الأستاذ الجليل أحمد بك لطفي السيد‏ # ترجمة حضرة صاحب العزة العالم الجليل الدكتور عبد الحميد بك أبو هيف‏ # ترجمة حضرة صاحب العزة الشهم المهذب عمر بك الشواربي‏ # ترجمة حضرة صاحب العزة توفيق بك خليل‏ # ترجمة حضرة صاحب العزة نقولا بك خليل‏ # ترجمة حضرة صاحب العزة الإداري المفضال إسكندر بك مسيحه‏ # ترجمة حضرة صاحب العزة المفضال حنا بك عياد‏ # ترجمة حضرة الشهم الوطني الغيور عفيفي بك حسين البربري‏ # ترجمة حضرة صاحب العزة السري الشهير إبراهيم بك فرج أبو الجدايل‏ # ترجمة نيافة الأب الجليل والراعي الكريم الكلي الطوبى والاحترام الأنبا لوكاس‏ # ترجمة حضرة صاحب العزة السري ms006 الوجيه سمعان بك غبريال القمص‏ # ترجمة حضرة صاحب الفضيلة الحسيب النسيب السيد محمد علي الببلاوي‏ # ترجمة حضرة صاحب العزة السري الجليل والمالي الشهير يوسف دي بيشوتو بك‏ # ترجمة رجل الشهامة والفضل صاحب السعادة أحمد باشا جاد الرب‏ # حضرة صاحب العزة الوطني الصميم الدكتور البارع حسن بك كامل‏ # ترجمة حضرة صاحب العزة السري المفضال إبراهيم بك الزهيري‏ # ترجمة حضرة صاحب العزة السري الوجيه بشرى بك حنا ميخائيل‏ # ترجمة حضرة صاحب العزة السري الجليل والنائب الحر الجريء سينوت بك حنا‏ # ترجمة أحد أبطال النهضة الوطنية الأستاذ القانوني البارع راغب إسكندر بك‏ # ترجمة حضرة الوطني الصميم النطاسي البارع الدكتور نجيب بك إسكندر‏ # ترجمة حضرة الوطني الغيور الحسيب النسيب والرياضي الشهير السيد محمد بك تهامي ~~خشبه‏ # ترجمة حضرة صاحب العزة السري إبراهيم بك بهجت‏ # ترجمة حضرة صاحب العزة محمد سعيد بك‏ # ترجمة حضرة السري الوجيه محمود بك حسن جازيه‏ # ترجمة حضرة صاحب العزة الوجيه الأمثل والنائب المحترم عمر بك مراد‏ # ترجمة حضرة الأستاذ القدير عبد المجيد بك إبراهيم من وجهاء مديرية أسيوط‏ # ترجمة حضرة صاحب الفضيلة الإمام العلامة الأستاذ الجليل الشيخ محمد أبو الفضل‏ # ترجمة حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الإمام الشيخ محمد بخيت‏ # ترجمة حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ عبد المجيد اللبان‏ # ترجمة فضيلة الأستاذ العالم الجليل السيد أحمد رافع الطهطاوي‏ # ترجمة فضيلة الأستاذ المرحوم الشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية سابقا‏ # ترجمة حضرة صاحب الفضيلة الحسيب النسيب السيد حسين القصبي‏ # ترجمة حضرة صاحب الفضيلة العالم الكبير والوطني الصميم «الأستاذ الشيخ مصطفى ~~القاياتي»‏ # صاحب الفضيلة الشيخ إبراهيم الجبالي‏ # ترجمة صاحب الغبطة البابا المعظم الأنبا كيرلس الخامس بطريرك الأقباط الأرثوذكس‏ # ترجمة فقيد الأمة الأرثوذكسية جلالة الإمبراطور منليك الثاني‏ # ترجمة سمو الرأي تفري ولي عهد المملكة الحبشية‏ # ترجمة نيافة الحبر الجليل جزيل الطوبى والاحترام الأنبا متاؤس‏ # ترجمة نيافة الشيخ الوقور الأب الكلي الطوبى والجزيل الاحترام الأنبا يؤنس‏ # ترجمة صاحب النيافة الحبر الجليل الورع الأنبا توماس‏ # ترجمة نيافة الحبر الجليل والراعي الصالح الأنبا أثناثيوس‏ # ترجمة حضرة صاحب ms007 النيافة الحبر الجليل الورع الأنبا مرقس‏ # ترجمة جناب الأب الفاضل المحترم القمص باسليوس إبراهيم‏ # ترجمة جناب الأب الفاضل القمص يوحنا جرجس‏ # ترجمة فقيد الجد والإقدام الإيغومانس تادرس مينا‏ # ترجمة جناب الأب الفاضل القمص مينا يعقوب‏ # ترجمة جناب الأب المحترم والوطني الغيور القمص بولس غبريال‏ # فقيد الأمة والهمة والإقدام المغفور له بطرس باشا غالي‏ # ترجمة حضرة صاحب السعادة السري الجليل أمين باشا غالي‏ # ترجمة حضرة صاحب العزة الإداري الكبير محمد بك أمين واصف‏ # ترجمة فقيد العلم والتاريخ البحاثة الكبير المرحوم ميخائيل بك شاروبيم‏ # ترجمة الشهم الأديب شفيق بك ميخائيل شاروبيم‏ # ترجمة حضرة الشهم الوجيه الفاضل فوزي بك خليل‏ # ترجمة صاحب العزة السري الوجيه محمد بك رفاعة‏ # ترجمة حضرة صاحب العزة السري الجليل أمين بك الملواني‏ # ترجمة حضرة صاحب العزة السري الجليل والشهم الهمام محمد بك عبد الحميد إسماعيل‏ # ترجمة فقيد الهمة والنشاط والإقدام والوطن صاحب السعادة الجليل المرحوم محمد الشناوي ~~باشا‏ # ترجمة حضرة صاحب العزة الشهم الجليل والسري الكبير نصيف بك حنا ويصا‏ # ترجمة فقيد الشهامة والمروءة السري المشهور المرحوم بسطورس بك خياط‏ # ترجمة حضرة صاحب العزة السري الوجيه أمين بك خياط‏ # ترجمة أمير الشعراء أحمد شوقي بك‏ # ترجمة شاعر القطرين النابغ الفذ والعالم الكبير الأستاذ خليل مطران بك‏ # ترجمة حضرة صاحب العزة شاعر مصر الكبير حافظ بك إبراهيم‏ # ترجمة حضرة الأستاذ الوطني الغيور عبد القادر حمزة‏ # ترجمة الأستاذ البليغ والكاتب النحرير داود بركاته‏ # ترجمة فقيد التاريخ والعلم والأدب ومنشئ مجلة الهلال والروائي الشهير المرحوم جرجي بك ~~زيدان‏ # ترجمة حضرة الشاب الأديب الأستاذ أميل أفندي زيدان‏ # حضرة الشاب الأديب النشيط شكري أفندي زيدان‏ # ترجمة حضرة الأستاذ القدير والكاتب النحرير عباس أفندي محمود العقاد‏ # ترجمة حضرة الأستاذ الأديب والزجال المشهور محمود أفندي رمزي نظيم‏ # ترجمة حضرة صاحب العزة القانوني المتضلع الأستاذ صالح بك جودت‏ # ترجمة حضرة الشاب النبيل والأستاذ الضليع محمد بك جمال الدين الأيوبي‏ # ترجمة الكاتب المجيد الفكه والأستاذ القانوني الضليع فكري أباظة‏ # ترجمة الأستاذ القدير والمحامي الشهير الدكتور مرقص صادق ms008 ‏ # ترجمة حضرة العالم الأديب والأستاذ القدير الشيخ محمد إبراهيم الجزيري‏ # ترجمة حضرة صاحب العزة الدكتور محمود بك عزت‏ # ترجمة حضرة النطاسي البارع الدكتور زكريا كمال‏ # ترجمة الطبيب الماهر الدكتور حامد أفندي عليش‏ # ترجمة صاحب العزة الدكتور إبراهيم بك فهمي سالم‏ # ترجمة حضرة الأستاذ الأثري المصري الجليل محمد بك شعبان‏ # ترجمة حضرة صاحب العزة العامل المجد والوطني الغيور محمد بك هلال‏ # ترجمة حضرة صاحب العزة وجيه قومه جرجس بك عبد الشهيد‏ # ترجمة حضرة صاحب العزة السري أسعد بك عبد الشهيد‏ # ترجمة صاحب العزة مصطفى بك سيف النصر‏ # ترجمة حضرة الوجيه المفضال الشيخ محمد عبد الله الشلتاوي‏ # ترجمة حضرة الوجيه الفاضل زكي أفندي وهبي‏ # ترجمة العصامي السري المرحوم سليم صيدناوي بك‏ # ترجمة حضرة الفاضل الأستاذ الفني السيد أفندي فرج‏ # ترجمة فقيد المروءة والإخلاص المرحوم عبد الملك أفندي نخله‏ # | صفوة العصر في تاريخ ورسوم مشاهير رجال مصر # | صفوة العصر في تاريخ ورسوم مشاهير رجال مصر # تأليف # زكي فهمي # | مقدمة الكتاب # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي جعل لنا من سير الماضين عبرة وتبصرة، وقص علينا من أخبار السالفين ~~موعظة وتذكرة، والصلاة والسلام على جميع أنبيائه الذين جملوا صفحات التاريخ بعظائم ~~أخبارهم، وجميل آثارهم. # أما بعد فإن علم التاريخ من أجل العلوم نفعا، وأرفعها شأنا، وأصفاها موردا فهو ~~المرآة لحوادث الزمان، والمشكاة لاستنارة الأذهان، والمنهاج لاهتداء الخلف، بهدي ~~السلف. # إذا عرف الإنسان أخبار من مضى # فتحسبه قد عاش من أول الدهر # وتحسبه قد عاش دوما مخلدا # إلى الحشر إن أبقى الجميل من الذكر # وحسب التاريخ من عظيم الأهمية؛ أن عنيت به الكتب السماوية؛ فكم نقلت إلينا من سير ~~وقصص، بدليل # نحن نقص عليك أحسن القصص ~~، ~~وكم قصت علينا بدء العالم، وبعثة الأنبياء، وأعمال الرسل، ونشأة الشعوب، والطوائف، ~~وأخبار الملوك، وحوادث الأمم، والأفراد، وتطورات الأحوال وتقلبات الحدثان. # شارة جلالة الملك. # ولا تزال كتب التاريخ لها المقام الأرفع بين العالم يستضيئون بنورها ويهتدون بها إلى ~~سبيل الفضائل؛ ولذلك عني رجال العلم وأساطين العرفان في كل ms009 زمان ومكان بتأليفها ~~وتصنيفها وتنميقها وترتيبها، وبذلوا جهد الاستطاعة في جمعها والتفنن في وضعها وقسموها ~~إلى خصوصية وعمومية على اختلاف مشاربهم وتنوع مقاصدهم. # وقد اهتم المؤرخون بتاريخ مصر قديما وحديثا وتصدى كثير منهم لوصف ملوكها، ~~وأمرائها، وعلمائها، وعظمائها، ودونوا أخبارهم وآثارهم وأحوالهم وأطوارهم، وما امتازت ~~به من طيب تربتها ونجابة أبنائها فكم: # شارة جلالة الملك. # شهد الخلائق أن مصر نجيبة # بدليل من ولدت من النجباء # وقد أوجد الله فيها من سلافة هذا العصر من جميع الطبقات رجالا يجب أن تكون سيرتهم ~~حلية في أجياد الأجيال المقبلة، فلا بد من ظهور آثارهم في بطون الأسفار لتكون كالكواكب ~~النيرة؛ لأنهم أنفقوا ذخائر الأعمار، في جلائل الأعمال، ولكل زمان رجال، ولكل ميدان ~~مجال، ولا بد لكل حين، من بنين، تظهر بهم فضائله، ويتحلى بهم عاطله. # تجمل بأعمالك الصالحات # ولا تعجبن لحسن بديع # فحسن النساء جمال الوجوه # وحسن الرجال جميل الصنيع # فكم رأينا من هلال مجد أشرق فصار بدرا، وينبوع فضل زخر حتى صار بحرا، وشبل ترعرع في ~~عرينه حتى أصبح ليثا، وقطرا انسكب، حتى انقلب غيثا وغوثا. # وقد رأينا كثيرا من مؤلفات المتقدمين والمتأخرين ذكرت المئات والألوف من العائلات ~~والأسر المصرية، واستوعبت أخبار جم غفير من الأفراد الذين هم كالكواكب الساطعة في أفق ~~المجد والرفعة. والحصون الحصينة في حمى العز والمنعة فكانت هذه المؤلفات عنوانا لمحاسن ~~الشمائل وديوانا للمآثر والفضائل، فزهت بها رياض المسامرة وابتهجت مجالس المحاضرة ~~والمذاكرة، ولم تزل كالشهاب الثاقب لاكتساب المفاخر والمناقب. # حضرة صاحب الجلالة الملك أحمد فؤاد الأول بالملابس الملكية. # ولكن رأينا في الكثير من لفق السطور بزخارف الأساطير فضلا عن أن كتبهم خلت من ذكر ~~غالب أكابر الفضلاء، وأماثل النبلاء، وأهملتهم وهم أجل قدرا من أن لا يعرفوا، وحاشاهم ~~أن يكونوا نكرة فيعرفوا، وكم انبعثت في النفوس لواعج الشوق للوقوف على أسماء هؤلاء ~~السادة الأعلام ورؤية رسومهم ومحاسنهم، ومعرفة أحوالهم وطرف أنسابهم وتدرجهم في مدارج ~~الكمال فلم تصل إلى بغيتها بعد الكد والعناء. # وقد عن لي أن أستدرك ms010 هذا التقصير بوضع كتاب يشمل على محاسن أهل هذا العصر: يزري ~~بيتيمة الدهر وسلافة العصر؛ لتدوين هذه المفاخر وجمع شوارد هذه المآثر، والغرر الزاهية ~~التي تستنير بها حنادس الليل، والدرر الساطعة التي تجسد بهجتها الثريا وسهيل؛ لتكون ~~رسائل تسفر لمن يأتي بعد عن أخبار بدور المجد، وكواكب السعد، ويحق له أن يتمثل: # فاتني أن أرى الكرام بعيني # فلعلي أرى الكرام بسمعي # وقد اعتمدت على العناية الصمدانية، مستنيرا بنور الهداية الربانية، وسامرت ~~الليل # إحدى قاعات الاستقبال بقصر عابدين العامر. # مكتب جلالة الملك بقصر عابدين العامر. ~~، وشمرت الذيل، ووجهت الهمة نحو هذه المهمة، وعاهدت اليراع، أن يتمسك ~~بالحقائق فيما يكتب لتكون منه شهادة النطق بصحة الواقع؛ لأن الصدق والأمانة، من لوازم ~~صفات المؤرخ، كما أن من شروطه إمعان النظر والتثبت، وأن يتجرد عن الغرض، حتى لا يبيع ~~الجواهر بالعرض، وسميت مؤلفي هذا: «صفوة العصر في تاريخ ورسوم مشاهير رجال مصر». # فجاء بمعونة الله تعالى مملوءا بالفضل دون الفضول لترتاح إليه النفوس، وتشحذ به ~~العقول، وتتلقاه الخواطر بالترحاب والقبول، وقد توخينا كل سيرة، طاهرة السريرة تزيد ~~للناشئة نشاطها، وتجدد لها اغتباطها، وتكون لتلك المأثرة تذكرة ولأولي الألباب في ~~المستقبل تبصرة. # ومن درى أخبار من قبله # أضاف أعمارا إلى عمره # واسأل الله أن يعصمنا من الزلل، وأن يوفقنا للإخلاص في هذا العمل، إنه على ما يشاء ~~قدير. # زكي فهمي # | إهداء الكتاب # إلى حضرة صاحب الجلالة مولانا الملك المعظم فؤاد الأول ملك مصر ~~والسودان وطد الله عرشه وحرس ملكه وأدام ولي عهده. # لك التاج في مصر والصولجان # ومجد الفراعنة الأولين # وعرش توطد أركانه # بمصر محبة شعب أمين # وأنت فؤاد مليك البلاد # وحامي حماها من الطامعين # أبوك ممدين مصر الفتاة # وجاعلها بهجة الناظرين # وبيتك بيت رفيع العماد # عظيم بأبنائه الفاتحين ~~(محمد) انهض بمصر وأنت # صعدت بها للمكان الأمين # وشيدتها دولة حرة # برأي حصيف وعقل رزين # وبالعلم والعدل جددتها # فقامت وأدهشت العالمين # وكانت لها نهضة بالمليك # كنهضة آبائه الأولين # وأسعدت مصر بدستورها # لتحيا بنوابها العاملين # وعصرك رد ms011 شباب الفنون # بخصب العقول وخصب السنين # وساد الأمان وفاض الرخاء # وأنت الكفيل وأنت الضمين # إليك كتابي مليك البلاد # ولا زلت تزداد دنيا ودين # ومثلك يسعدني بالقبول # وأنت العزيز القوي المتين ~~«فصفوة عصرك» فيه تجلت # على القارئين كصبح مبين # وجودك فاض فعم البلاد # وكل البلاد به تستعين # وكعبة مصر وآمالها # ستبقى مدى الدهر في عابدين # عبدكم الخاضع # زكي فهمي # | الملك فؤاد الأول # ولد سنة 1868 وتولى عرش مصر في أكتوبر 1917 عقب وفاة أخيه السلطان حسين كامل ~~الأول. # هو صاحب الجلالة أحمد فؤاد الأول ابن الخديوي الجليل إسماعيل بن القائد العظيم إبراهيم ~~باشا بن محمد علي باشا الكبير رأس العائلة المحمدية العلوية. # ولد هذا الملك الدستوري في قصر والده الخديوي إسماعيل باشا بالجيزة في الثاني من شهر ذي ~~الحجة سنة 1284ه، الموافق 26 مارس سنة 1868، وهو أصغر أنجال المغفور له إسماعيل باشا، وكان ~~والده قد أنشأ مدرسة خاصة في رحبة عابدين لتعليم أنجاله الأمراء الفخام فأدخله فيها، وكان ~~قد بلغ السابعة من عمره السعيد فاستمر فيها ثلاث سنوات بملاحظة سعادة يعقوب باشا أرتين الذي ~~كان ناظرا للمدرسة وقتئذ. # وفي سنة 1878 كان قد بلغ العاشرة من عمره، وأتقن كثيرا من مبادئ العلوم والتربية ~~العالية، وظهرت عليه مظاهر الفطرة الذكية ودلائل الفطنة الغريزية، فرأى والده أن يرسله إلى ~~«مدرسة توديكم»، وهي من المدارس الكلية الكبرى بمدينة جنيف من أعمال سويسرا، وكانت هذه ~~عادته مع أولاده كلهم، فإنه كان قد أرسل كل واحد منهم إلى عاصمة من عواصم أوربا. # ثم اختار كلا من حسن جلال باشا وحمد الله أمين باشا؛ ليكونا في معية الأمير في السفر ~~والإقامة هناك، وكان كلاهما من صفوة رجال العلم وكبار المدرسين بالمدارس الأميرية، وأمر دور ~~بك الفرنساوي الذي كان مفتشا بنظارة المعارف العمومية المصرية أن يسافر مع الأمير؛ ليدخله ~~المدرسة المذكورة ويمهد له أسباب الراحة ومعدات الإقامة، ويعرفه بأعاظم الرجال فسافر معه ~~دور بك وبعد أن أتم مأموريته عاد إلى مصر، ثم استمر في معية الأمير حسن جلال ms012 باشا لتدريس ~~اللغة العربية وحمد الله أمين باشا لتدريس اللغة التركية. وجد الأمير واجتهد في دراسة ~~العلوم العالية حتى نجح نجاحا باهرا وفاق معظم رفقائه، وكان مثالا للذكاء النادر ~~وعنوانا للنشاط والاجتهاد. وفي سنة 1879 أقيل والده الخديوي إسماعيل من خديوية مصر وسافر ~~إلى إيطاليا فقابل الأمير والده بمدينة نابولي، ثم أتى مصر ليزور أخاه المرحوم محمد توفيق ~~باشا الذي كان قد جلس على عرش مصر. وعاد فأقام مع والده ثلاثة أشهر في قصر فلورينا الملكي ~~الشهير في ضواحي نابولي، وفي سنة 1880، أشار الملك إمبرتو الأول ملك إيطاليا السابق على ~~صديقه الخديوي إسماعيل أن يدخل الأمير في المدرسة الإعدادية الملكية في مدينة تورينو، ~~فاستمر بها حتى أتم دروسه. ثم انتقل منها إلى مدرسة تورينو الحربية وتخرج منها في سلاح ~~الطوبجية برتبة ملازم ثاني، ثم دخل المدرسة الحربية العالية بمدينة تورينو أيضا وهي إحدى ~~المدارس الحربية الثلاث المعروفة بالشهرة الفائقة في جميع العالم، فأتم دروسه الفنية بها، ~~وخرج منها سنة 1888 وانضم إلى آلاي الطوبجية الثالث عشر المعسكر في مدينة روما عاصمة ~~إيطاليا، ومكث ضابطا في الجيش العامل سنتين كاملتين، وقد أظهر هناك من المزايا الباهرة ~~والأخلاق العاطرة ما جذب إليه قلوب الجند، واستمال قلوب الضباط والقواد حتى ألحق بالبلاط ~~الملكي، فاختص بمنصب هام يليق بمقامه الرفيع وسمو مداركه وسعة معارفه التي أعجب بها ملك ~~إيطاليا وقتئذ. # وفي سنة 1890م كان والده قد انتقل إلى الأستانة فسافر إليها لزيارته، وهناك زار السلطان ~~عبد الحميد فرأى جلالته عليه من مخائل الشجاعة والذكاء ما دعاه لأن يعينه ياورا فخريا ~~لجلالته بالبلاط الملكي، ثم انتدبه بعدئذ ليكون ملحقا حربيا لسفارة الدولة العلية في ~~مدينة فينا عاصمة النمسا، فاستمر في هذه الوظيفة سنتين وفي أثنائهما كان قد توفي المرحوم ~~والده. # وفي سنة 1892 استدعاه الخديوي عباس الثاني من فينا، ورغب أن يوليه منصب كبير الياوران في ~~المعية ويجعله من أركان حربه فاستأذن من جلالة السلطان عبد الحميد، فأتاه الإذن من المابين ~~الهامايوني بذلك فلبى داعي ms013 الوطنية وعاد إلى مصر، ونال رتبة الفريق الرفيعة ثم صدر الأمر ~~العالي بتعيينه ياورا للحضرة الفخمية الخديوية ولازم الخديوي ولقي منه ومن حكومته كل إجلال ~~وإعظام، وظل في هذا المنصب السامي ثلاثة أعوام متوالية جعل فيها الحرس الخديوي يضارع أعظم ~~حرس في العواصم الأوربية في حسن النظام وجمال الهندام، ولا يزال جميع الضباط الذين انتظموا ~~في الخدمة العسكرية تحت أمرته، يذكرون له تلك السنين الثلاث بمزيد الفخار ومنتهى ~~الإعجاب. # مناقبه ومفاخره # أما أخلاقه فهي من علو الهمة وشرف العواطف وجميل السجايا على جانب يوازي طيب محتده ~~وعنصره، فقد جمع إلى مكارم الأخلاق وبشاشة الوجه شجاعة نادرة وثباتا غريبا، برهن ~~عليهما في حادثة الاعتداء الشهيرة التي نجاه الله منها لسعادة مصر وحسن حظها، وهو معروف ~~بالنظر الثاقب وحب الخير لبلاده، وقد وقف حياته على خدمة وطنه بنشر ألوية العلم ~~والعرفان، ولا تزال البلاد تذكر له همته العالية وعنايته الفائقة في مشروع الجامعة ~~المصرية، فإنها لم تكن إلى سنة 1908م إلا مجرد أمنية من الأماني الوطنية الكبرى، وهو ~~الذي أخرجها إلى حيز الوجود واحتفل بافتتاحها في 21 ديسمبر سنة 1908م، وقد ألقى خطبة ~~ضافية في حفلة الافتتاح الرسمية في الساحة الكبرى لمجلس شورى القوانين، رن صداها في ~~أنحاء القطر المصري، فبعثت في الشبيبة المصرية روح الشجاعة والإقدام على ورود مناهل ~~العلوم العالية والتربية الصحيحة. ثم استمر يعضد الجامعة بثاقب أفكاره ويساعدها بنفوذه، ~~حتى سعى لدى الدول الأوربية فجذب كبار العلماء المستشرقين من أوربا؛ للتدريس فيها ~~وإلقاء المحاضرات التي كانت تطبع وتنشر وقتئذ في جميع أنحاء البلاد، ووضع العلماء ~~كثيرا من المؤلفات في العلوم العالية، وبفضل مساعيه لدى الدول قبلت حكومات بريطانيا ~~وفرنسا وإيطاليا أن يتعلم بعض الطلبة المصريين مجانا في جامعات لندن وباريس ~~وروما. # وهو الذي أنشأ المكتبة العظيمة للجامعة، واهتم بها حتى أصبحت تحتوي على ما ينيف على ~~اثني عشر ألف مجلد، وأهدت إليها الحكومات الأجنبية والمعاهد العلمية الأوربية مجموعات ~~عديدة من ذخائر الكتب النفيسة، ونالت الجامعة خمسة آلاف جنيه إعانة ms014 سنوية من ديوان ~~الأوقاف وألفي جنيه إعانة لها من مالية الحكومة. # أما رغبته في الأعمال والمصالح الخيرية العامة وحبه في تشجيعها والأخذ بناصرها، فذلك ~~أشهر من أن يذكر فإليه يرجع الفضل في تأسيس الجمعية السلطانية للاقتصاد والإحصاء ~~والتشريع، وقد افتتحها باحتفال شائق في 8 أبريل سنة 1909م، وقامت هذه الجمعية بمحاضرات ~~عديدة ومباحثات مفيدة خصص لها مجلة سميت مجلة «مصر الحاضرة»، فكانت تنشر تلك المحاضرات ~~حتى أصبحت من أنفس المجلات، وفي سنة 1909 أيضا أسس جمعية لترغيب السياح في زيارة ~~البلاد المصرية، ومشاهدة آثارها العظيمة، ولا يخفى ما في هذا من توثيق عرى الألفة ~~والمودة بين الأمم الأجنبية والأمة المصرية، وتمهيد أسباب الارتزاق لكثير من ~~المصريين. # وفي 5 يناير سنة 1910م انتخبه مجلس إدارة جمعية الإسعاف بمدينة القاهرة رئيسا لتلك ~~الجمعية بإجماع الآراء، فقام برئاستها خير قيام واقترح إنشاء صيدلية كبرى في مركز ~~الجمعية؛ لتوفير الإسعافات اللازمة وفعلا أنشئت بمساعدته تلك الصيدلية الفائقة. # وفي 6 فبراير سنة 1915 خلف أخاه السلطان في رئاسة شركة السكة الحديدية البلجيكية ~~بالوجه البحري، فنالت بهمته أكبر، نجاح ثم في 30 أكتوبر من تلك السنة أسند إليه أخوه ~~المرحوم السلطان حسين أيضا رئاسة الجمعية الجغرافية السلطانية، وهي التي كان قد وضع ~~أساسها والدهما المرحوم الخديوي إسماعيل في سنة 1875م، فتداركها الأمير بحسن عنايته ~~وبعث فيها روح الحياة بعد أن كادت تكون في خبر كان، وهو الذي وضع لهذه الجمعية اللائحة ~~الداخلية الجديدة، التي صدر بها الأمر العالي في 11 أغسطس 1917، واعتنى بتنسيق مكتبتها ~~ومتحفها المحتوي على نفائس الآثار. # وفي 2 مارس 1916 رأس جمعية الهلال الأحمر في مصر فلقيت منه العناية التامة والهمة ~~العالية، التي رفعت شأنها وأجزلت فوائدها ومنافعها. # وانتخب عضو شرف في المجمع العلمي المصري، فكان من أعماله المبرورة أنه وضع جائزة ~~مالية لمن يؤلف أحسن تاريخ لحياة والده الخديوي إسماعيل وأعماله الباهرة، وقصد بذلك ~~إيجاد المنافسة في إحياء العلم والتاريخ. # وهو يحسن التكلم بلغات عديدة وله شهرة واسعة في جميع أنحاء المعمورة، ms015 وله المقام ~~الرفيع في أوربا التي زار معظم عواصمها، وطاف أقطارها وتعرف بكثير من ملوكها وأمرائها، ~~حتى نال عندهم المنزلة السامية والمودة والصداقة مع الملك جورج الخامس ملك بريطانيا ~~العظمى، والملك فيكتور عمانوئيل الثالث ملك إيطاليا، وجناب رئيس الجمهورية الفرنساوية ~~وملوك إسبانيا ورومانيا واليونان وأسوج والبلجيك وسربيا، وغيرهم من العلماء والعظماء في ~~أوربا وأقطاب السياسة المشهورين، حتى رشحته الدول الأوربية لأن يكون ملكا لألبانيا عند ~~خروجها من حكم تركيا سنة 1912، كما فكروا أن يسندوا إليه إمارة طرابلس الغرب. # وقد أثنت عليه الصحافة الأوربية وقتئذ حتى قالت جريدة الطان: إنه الرجل الذي عرف أن ~~يصون علاقته السياسية، ويحافظ على صداقته مجردة من كل شائبة مع الدولتين المحاربتين ~~يومئذ وخلاصة القول: إنه محب للعلم والعلماء وحريص على المصالح الخيرية والأعمال ~~النافعة، وله اليد الطولي في عمل البر والخير حتى إنه كان يرأس أكثر من اثنتي عشرة ~~جمعية بين علمية وخيرية واقتصادية، فكان له من غرر أياديه ما وطد دعائمها وضمن لها ~~بقاءها، وهو الذي وقف حياته على تعضيد مصالح الأمة المصرية وإحياء مرافقها الحيوية ~~ومعاهدها العلمية، وترقية الزراعة والصناعة والتجارة، وتعضيد موارد الثروة والسعادة في ~~البلاد. # جلوسه على عرش مصر # فلا عجب إذا ابتهجت الأمة المصرية جميعها بجلوسه سلطانا على عرش أجداده الفخام، في ~~يوم الخميس المبارك 24 ذي الحجة 1335ه الموافق 11 من شهر أكتوبر 1917م، وابتهجت الثغور، ~~وانشرحت الصدور وعم الهناء والسرور، وأقبلت الوفود من جميع الجهات ساعية إلى سلطانها ~~الجديد مقدمة له فروض الإخلاص والولاء، وكان جلالته وقتئذ يناهز الخمسين من عمره، وهو ~~سن الكمال الذي يجمع بين عزيمة الشباب وحزم الشيوخ. # ما نالته مصر في عهد جلالته من الحكم النيابي # علم مما تقدم أن جلالة الملك فؤاد الأول الجالس على عشر مصر ملك حاد الذهن، ذكي ~~الفؤاد وأنه تربى في وسط له شأن عظيم من الرقي والرفعة، وأنه اختلط بطبقات مختلفة من ~~ذوي الأفكار السامية والمدارك الواسعة، وعاشر كثيرا من أهل العلم ورجال السياسة وأصحاب ~~الرأي فاستفاد خبرة ms016 بالحياة ومعلومات واسعة بشؤون عصره؛ لأنه أتيح له من التجارب ~~والخبرة ما لم يتح لسواه من أصحاب التيجان، فإنه قد تتبع الحركة الفكرية والسياسية في ~~العالم، فأدرك أن الأفكار العصرية والمبادئ الجديدة قد بلغت منتهاها، وتشرب بالروح ~~الدستورية من نفسه الشريفة، واستمد من تلك الروح أعظم باعث له على الأخذ بناصر أمته ~~ونجاح شؤونها، ووجد من نزعته الوطنية أعظم عاصم له من الزلل، فوضع لها أصلح نظام وحقق ~~لها أمانيها، ولم يرض أن تكون بلاده متأخرة عن اللحاق بغيرها من الأمم الراقية؛ لأن ما ~~فطر عليه من حب لبلاده، وإسعاد أمته، ونهوض شعبه جعل من أكبر أمانيه أن تنال مصر في ~~عصره السعيد حظا وافرا من التقدم والارتقاء، فتوج أعماله الجليلة بأثر جميل سجله ~~التاريخ، وأبقى ذكره خالدا على ممر الأجيال، وتوالي العصور بعد أن ارتقى نظام الحكومة ~~المصرية، وصارت دولة مستقلة ذات سيادة عظمى وصار السلطان أحمد فؤاد الأول ملكا على مصر ~~يلقب بصاحب الجلالة. # فإنه في أول مارس سنة 1922 أصدر لحكومته أمرا كريما بإعداد مشروع لوضع نظام دستوري، ~~يحقق للبلاد أمانيها بالتعاون بين الأمة والحكومة في إدارة شؤون البلاد، ويقرر مبدأ ~~المسئولية الوزارية جاعلا نصب عينيه أن يكون الدستور محققا لرغبات الأمة وأمانيها ~~الحقة، وأن تراعى فيه تقاليد البلاد وعاداتها القومية. # وفعلا وضع الدستور بمعرفة لجنة كبيرة من ذوي الخبرة، والصفة النيابية تحت رئاسة حضرة ~~صاحب الدولة (حسين رشدي باشا الذي كان له العناية الكبرى والمساعي المشكور في هذه ~~النعمة العظمى)، فجاء مطابقا لأحدث النظامات الدستورية وموافقا لرغبة جلالة ~~الملك. # وقبل صدور الأمر بالدستور رأى من الحكمة أن يضع جلالته قانونا خاصا بتوارث العرش، ~~وقانونا خاصا أيضا بأمراء الأسرة المحمدية العلوية وفعلا وضعهما على مبدأ العدل ~~والحرية. ثم رأى من مفاخر حكمه ومظاهر مجده أن يشيد لأمته ذلك البناء الفخم، وهو بناء ~~الشورى فأصدر الأمر بالدستور والحكم النيابي. ونحن نثبت هنا المقدمة التي صدر بها ~~جلالته أمره الكريم بإصدار الدستور برهانا على ما ذكرناه من أوصافه ومزاياه. ms017 # أمر ملكي رقم 43 سنة 1923 # وضع نظام دستوري للدولة المصرية # نحن ملك مصر # بما أننا ما زلنا منذ تبوأنا عرش أجدادنا وأخذنا على أنفسنا أن نحتفظ ~~بالأمانة التي عهد الله تعالى بها إلينا، نتطلب الخير دائما لأمتنا بكل ما في ~~وسعنا، ونتوخى أن نسلك بها السبيل الذي نعلم أنه يوصل إلى سعادتها، وارتقائها، ~~وتمتعها بما تتمتع به الأمم الحرة المتمدينة. ولما كان ذلك لا يتم على الوجه ~~الصحيح إلا إذا كان لها نظام دستوري كأحدث الأنظمة الدستورية في العالم ~~وأرقاها؛ لتعيش في ظله عيشا سعيدا مرضيا، وتتمكن به من السير في طريق ~~الحياة الحرة المطلقة، ويكفل لها الاشتراك العملي في إدارة شؤون البلاد، ~~والإشراف على وضع قوانينها ومراقبة تنفيذها، ويترك في نفوس الأمة شعورا ~~بالراحة والطمأنينة على حاضرها ومستقبلها، مع الاحتفاظ بروحها القومية والبقاء ~~على صفاتها ومميزاتها التي هي تراثها التاريخي العظيم. # وبما أن تحقيق ذلك كان دائما من أجل رغباتنا، ومن أعظم ما تتجه إليه عزائمنا ~~حرصا على النهوض بشعبنا إلى المنزلة العليا، التي يؤهله لها ذكاؤه واستعداده ~~الفطري وتتفق مع عظمته التاريخية القديمة، وتسمح له بتبوء المكان اللائق به بين ~~شعوب العالم المتمدين وأممه. # أمرنا بما هو آت. # ويتبع ذلك مواد الدستور ونصه. # وبإصدار هذا الدستور حقق جلالته ظن الأمة في أمياله الشريفة وأعراضه المنيفة، فلبى ~~نداءها وأقر حقوقها، فنحن نبتهل إلى الله تعالى جلت قدرته أن يحفظ جلالة الملك فؤاد ~~الأول زخرا للبلاد؛ حتى تجني الأمة في رعايته ثمرات غرسه، وأن يجعل الحرية في ظله ~~مصونة والحقوق مقدسة ومضمونة. # الله يبقيه ويعلي شأنه # في الخافقين على السهى والأنجم # ويديمه حصنا حصينا ما شدا # طير على غصن بحسن ترنم # ونسأله تعالى أن يحرس بعين عنايته لمستقبل مصر حضرة صاحب السمو الملكي الأمير فاروق، ~~ولي عهد الأريكة المصرية ممتعا في ظل جلالة والده العظيم. # أبقاه ربي بخير # وبهجة وسيادة # وزاده الله مجدا # ورفعة وسعادة # ونبسط أكف الدعاء والابتهال إلى الله جل شأنه أن يجعل عهد هذا الدستور عهدا ms018 سعيدا ~~حافلا بالخير والبركات، وأن يوفق الأمة في حياتها الدستورية إلى سلوك سبيل الحكمة ~~والرشاد آمين. # ساكن الجنان صاحب العظمة السلطان حسين كامل بالملابس الرسمية. # ساكن الجنان صاحب العظمة السلطان حسين كامل بالملابس الملكية. # رثاء المغفور له صاحب العظمة السلطان حسين كامل # تقوض ركن المجد وانهار جانبه # فوا أسفا للعرش قد مات صاحبه # رحلت فما يبكي على غيرك الندى # وباسمك تهمي في البلاد سحائبه # وقالوا: قضى السلطان قلت: فيا له # زمان توالى همه ومصائبه ~~«حسين» لقد فارقت مصر أسيفة # على ملك كانت كبارا رغائبه # وقد سار بالمجد المكفن جيشها # تنوح على سلطان مصر كنائبه # فواها لوادي النيل ريعت قلوبه # وواها لهذا العرش مادت جوانبه # فيا محصب الوادي وزارع أرضه # كما تشتهي زراعه وكواسبه # ويا باذل المعروف والخير محسنا # لقد عطل المعروف مذ راح واهبه # ويا ناشر التعليم أنت الذي به # صفت لبني مصر بمصر مشاربه # وكم بائس بل كم يتيم أعلته # ورحت تواسيه فخفت متاعبه # بكتك بلاد كنت تحمي ذمارها # تدافع عنها خصمها فتغالبه # ولما نعى الناعي حياتك للورى # سرى الحزن تمشي في القلوب مواكبه # ولو عشت للوادي لكانت تحققت # لشعبك يا سلطان مصر مآربه # رحلت لرب عنده كل محسن # إذا جاءه يلقي جزاء يناسبه # فلا برح القبر الذي قد نزلته # تطوف به زواره وحبائبه # وفي ذمة الله الرحيم مملك # إلى الخلد شدت في الغداة ركائبه # ولا زال بيت الملك في مصر عامرا # تلوح بها أقماره وكواكبه # العبد الخاضع # زكي فهمي # | ترجمة السلطان حسين كامل # ولد المرحوم السلطان حسين كامل بمدينة القاهرة في 19 صفر سنة 1270ه، الموافق 21 نوفمبر ~~1853 وهو ابن المرحوم إسماعيل باشا خديوي مصر الأول ابن البطل المغوار إبراهيم باشا والي ~~مصر، ابن ساكن الجنان محمد علي باشا رأس هذه الأسرة المالكة. # كان مولد السلطان حسين في مدة ولاية عباس باشا الأول في سنة 1861م، وكان والده إسماعيل ~~باشا رئيسا لمجلس الأحكام الأعلى في ولاية المرحوم سعيد باشا، فأنشأ مدرسة بسراي المنيل ~~لأنجاله الثلاثة وهم صاحب ms019 الترجمة (الذي كان قد بلغ السنة الثامنة من العمر)، وأخواه ~~المرحوم توفيق باشا والمرحوم حسن باشا، واختار من أبناء أعيان مصر وسراتها سبعين تلميذا ~~أدخلوا هذه المدرسة مع الأنجال الكرام، فتعلموا القراءة والكتابة ومبادئ اللغات الحية ~~والعلوم النافعة، وفي سنة 1963 آلت ولاية مصر إلى والده إسماعيل باشا فجلس على أريكتها، ~~فاهتم بتلك المدرسة ونقلها إلى القلعة فاستمروا في الدراسة فيها، حتى فتحت المدارس ~~الأميرية، فنقلوا إليها وصحبهم في الدراسة البرنس طوسن باشا والبرنس إبراهيم أحمد باشا، ~~وظهرت على صاحب الترجمة مخايل النجابة، وبوادر النبوغ، فأمر الخديوي إسماعيل أن ينقلوا إلى ~~سراي نمرة 3 بإسكندرية، وعين لهم «الميرالاي جابر»، الذي كان من ضباط أركان حرب فرنسا ~~لتهذيبهم وتثقيف عقولهم ونمو أفكارهم ومداركهم، وفي سنة 1827 كان الخديوي إسماعيل قد ذهب ~~إلى الأستانة للمفاوضة في الشؤون المصرية، فسافر إليها صاحب الترجمة مع أخيه حسين باشا ~~لمقابلة والدهما هناك، واستمرا فيها شهرا ثم رغب والدهما أن يسافرا معا إلى باريس، وأمر ~~المرحومين مراد باشا غالب ومحمد زكي باشا التشريفاتي أن يكونا بمعيتهما، ثم سافر البرنس ~~حسين لطلب العلم بجامعة أكسفورد، واستمر السلطان حسين بباريس ومعه الميرالاي أركان الحرب ~~كاستكس للقيام بشؤونه وإرشاده، وكان ذلك في عهد نابليون الثالث إمبراطور فرنسا الذي كان ~~صديقا حميما للمرحوم إسماعيل باشا، فاهتم الإمبراطور بنجل صديقه، وأنزله في قصره مع ~~الإعزاز والإكرام حتى جعله عشيرا لنجله وولي عهده مدة سنتين، وفي سنة 1869 حضرت ~~الإمبراطورة أوجيني إلى مصر إجابة لدعوة إسماعيل باشا؛ للاحتفال بفتح قناة السويس، فعاد ~~السلطان حسين إلى مصر، وجعله والده مهمندارا في معيتها، ومعه المرحوم رياض باشا، وبعد ~~انتهاء الاحتفال سافر بمعيتها إلى الوجه القبلي حتى بلغت كروسكو. # ثم عاد إلى باريس وفي أثناء عودته كلفه والده بقضاء مهمة في فلورنسا عاصمة إيطاليا حينئذ، ~~فنزل ضيفا على ملكها عمانوئيل جد ملكها الحالي، وكان بمعيته في تلك المهمة مصطفى باشا فهمي ~~وتونينو بك وغيرهما من رجال المعية السنية، ثم وصل إلى باريس لإتمام دروسه وأقام ms020 بها إلى أن ~~قامت الحرب السبعينية بين فرنسا وألمانيا، فخرج من باريس قبل حصارها بعشرة أيام، وعاد إلى ~~مصر فعينه والده مفتشا للأقاليم بالوجهين البحري والقبلي، فاتخذ المرحوم حسن باشا راسم ~~وكيلا له على الوجه البحري، والمرحوم محمد سلطان باشا وكيلا في الوجه القبلي، وجعل إقامته ~~في مدينة طنطا فأقام بها مدة عشرين شهرا مهتما بجميع أعمال الحكومة خصوصا العمليات التي ~~كانت جارية على قدم وساق؛ لإنشاء الترع الجديدة وتطهير الترع القديمة، وإقامة الجسور وما ~~أشبه ذلك من المنافع العمومية، ثم تعين بعد ذلك ناظرا لثلاثة دواوين وهي الأوقاف والمعارف ~~والأشغال العمومية، وعين المرحوم عبد الله باشا فكري وكيلا له في نظارة المعارف وعلي باشا ~~مبارك مستشارا له فيها وحسن باشا المعمار وكيلا له في نظارة الأوقاف، وكانت نظارة الأشغال ~~وقتئذ مكلفة بأعمال جسيمة، منها إنشاء الترعة الإسماعيلية وليمانات السويس والإسكندرية ~~وغيرها من الأعمال العظيمة، التي قام بها خير قيام، وفي عهده أنشأت نظارة المعارف مدرسة دار ~~العلوم التي كان عليها المعول في نشر العلوم والمعارف وتخريج الأساتذة الجهابذة، الذين عم ~~فضلهم سائر البلاد المصرية، وفي عهده أيضا تأسست أول مدرسة للبنات بالسيوفية، وأقبل ~~التلامذة على التعليم وطلب العلوم خير إقبال بفضل ما بثه في النفوس من روح الجد والاجتهاد ~~والحمية والغيرة، حتى إنه جعل جوائز عظيمة تعطي للناجحين والمجتهدين، وتقلب في إدارة تلك ~~النظارات مدة، ثم تعين ناظرا للداخلية، وكان المرحوم أحمد باشا رشيد مستشارا لها، ثم تعين ~~ناظرا للحربية والبحرية والأشغال العمومية، وعين المرحوم علي باشا غالب وكيلا له في ~~الجهادية، وفي ذلك العهد دخلت الجهادية في النظام الجديد، وتشكلت الفرق الجديدة من العساكر ~~السودانية، وعم الإصلاح جميع جزئياتها وكلياتها حتى صار للعسكرية شأن عظيم ومجد رفيع، وغير ~~القوانين العسكرية القديمة، ووضع لائحة معاشات الجهادية، ووجه عنايته إلى جميع طرق الإصلاح ~~وأحكام نظام الجندية نظرا إلى الفتوحات الواسعة التي كانت الحكومة المصرية تفتحها في ذلك ~~الوقت في جهات بحيرة فكتوريانينزا، وبلاد النيام نيام بالسودان، وجهات دارفور وهرر وما ms021 ~~يليها وغير ذلك من الفتوحات التي اتسع بها ملك مصر؛ حتى عم بلاد الصومال، وامتد الحكم على ~~شرق أفريقيا وغربها؛ لأن والده المرحوم إسماعيل باشا كان قد رسم خطة لفتح جميع بلاد ~~السودان، قبل أن تسبقه دولة أخرى إليها، وكان عازما على فتح بلاد وداى كما فتح دارفور، وأن ~~يصل إلى حدود طرابلس الغرب؛ لتصير مصر دولة عظيمة السلطان باتساع أراضيها وكثرة سكانها في ~~أفريقيا. # فضلا عن أن نظارة الجهادية المصرية أرسلت فرقا من جيوشها لمساعدة الدولة العلية في ~~حربها مع السرب سنة 1875، وأرسلت مددا عظيما للدولة أيضا في حربها مع الروسيا تحت لواء ~~البرنس حسن باشا أخيه. # ومن الأعمال النافعة التي تمت في عهده إنشاء سكة حديد حلوان من ميدان محمد علي إلى مدينة ~~حلوان، وتأسيس مدارس الأحداث العسكرية التي دخلها أكثر من أربعة الآلاف تلميذ من أولاد ~~الضباط، وأنشأ أيضا طابور الخطرية من أبناء الذوات والأعيان. # وفي سنة 1873م أقام المرحوم إسماعيل باشا الخديوي لأنجاله الأفراح، التي سارت الركبان ~~بأوصاف بهائها وفخامتها إلى أقاصي البلدان احتفالا بقران الأمراء الثلاثة، وهم صاحب ~~الترجمة وأخواه الأميران توفيق وحسن، ولا عجب فإن أفراح الملوك ملوك الأفراح، وسمي بعض ~~الشوارع باسم شارع أفراح الأنجال، ولا يزال بهذا الاسم إلى الآن، ومما زاد الاحتفال بهجة أن ~~الأنجال الثلاثة نالوا رتبة الوزارة في هذه الأثناء. # ومما اتفق في سنة 1874م أنه علا فيضان النيل حتى زاد عن 26 ذراعا بمقياس الروضة، فكان ~~سمو الأمير حسين في ذلك الوقت يتجافى عن المضاجع؛ حرصا على وقاية البلاد من الغرق ووضع ~~آلات التلغراف في غرفته الخصوصية، فكان يصدر الأوامر تترى إلى الجهات، وكانت جهات مصر ~~القديمة والقصر العيني والقصر العالي وغيرها على وشك الخطر، لولا عناية الأمير بإقامة ~~الجسور وتقويتها على ضفاف النيل في كل جهة. # وفي سنة 1875م لاحت بشائر مولد الأمير كمال الدين حسين، وفي هذه السنة تعين سموه ناظرا ~~للمالية المصرية، وتعين على نظارة الداخلية أخوه المرحوم توفيق باشا، ثم خرج كلاهما من ~~الوزارة ms022 بسقوط وزارة شريف باشا، وفي 25 يونية سنة 1879 أقيل الخديوي إسماعيل من خديوية مصر، ~~فسافر معه نجلاه الأميران حسين وحسن إلى نابولي بإيطاليا، وأقام معه صاحب الترجمة أكثر من ~~ثلاث سنوات، ثم عاد إلى مصر بعد انتهاء الثورة العرابية واجتهد في تسوية الخلاف، الذي كان ~~قائما بين الحكومة وأفراد العائلة الخديوية والمشاكل بشأن استبدال مرتباتهم بأطيان من ~~أراضي الدومين، وأدار حركة هذه الأطيان كلها وبذل عنايته في صلاحها وتوسيع نطاق الزراعة ~~فيها؛ ولكفاءته المعهودة ولشغفه بالزراعة وجه اهتمامه إلى استئجار الأطيان الواسعة من مصلحة ~~الدومين وغيرها، وتولى زرعها وضمها، وفي سنة 1889م انتدبه أخوه الخديوي توفيق لمقابلة الملك ~~أدوارد السابع لحين حضر إلى مصر وهو ولي عهد بريطانيا العظمى، كما انتدبه سنة 1890 لمقابلة ~~القيصر نيقولا الثاني عند قدومه إلى مصر وهو ولي عهد دولة الروسيا، وكان له رحمه الله اليد ~~الطولى في إدارة حركة الزراعة، وبث الرغبة فيها وإنمائها، ورأس جملة جمعيات أجنبية ومصرية ~~منها شركة سكة حديد الدلتا والشركة البلجيكية وغيرها، وأفرغ الجهد في تأسيس الجمعية ~~الزراعية، ومنها تولدت فكرة إنشاء وزارة الزراعة، وهو الذي أنشأ المعارض الزراعية في القطر ~~المصري، ففتح أول معرض للأزهار بحديقة الأزبكية بمصر وحديقة طوسن بإسكندرية سنة 1896، ثم ~~وسع نطاقه فعمم الأزهار في جميع المزروعات والمحصولات، ثم في معرض سنة 1898 أضاف إليه ~~الحيوانات من مواش ودواب وطيور، وخصص له مكانا في الزمالك فصار معرضا زراعيا عموميا، ~~وبجليل مساعيه بنى له المكان الخاص به في الجزيرة، وفتح هناك معرض سنة 1900 شاملا لجميع ~~المحصولات على اختلاف أنواعها والمواشي والآلات الزراعية، وأضيفت إليه المصنوعات الوطنية ~~المرتبطة بالزراعة، فصار بذلك معرضا زراعيا صناعيا معا، وكان يرسل في كل معرض أزهارا ~~وأشجارا وغيرها من أجمل وأكمل ما يعرض فيها. # ويستثنيها من المعروضات الطالبة للجوائز ترغيبا للناس في اتقان زراعتهم ومباراتهم له في ~~العناية والإتقان، وله الفضل الأكبر في إنشاء المدرسة الصناعية بدمنهور بالاكتتاب الذي تم ~~تحت رياسته. # وبالجملة فقد حصر همته في ترقية الشؤون الزراعية ms023 والاقتصادية، فزاد عدد أعضاء الجمعية من ~~كبار المزارعين زيادة عظيمة، وصار يتنقل في البلاد الأوربية كإيطاليا وفرنسا وبلجيكا باحثا ~~عن كل ما يعود على الفلاح المصري بالخير والإسعاد، ثم وجه عنايته إلى إنشاء النقابات ~~الزراعية للتعاون والتعاضد بين جميع طبقات المزارعين؛ لإصلاح شؤون زراعتهم حتى لقبه جميع ~~الناس بأبي الفلاح ونصير الخير والفلاح، ثم عينه الخديوي في سنة 1909 رئيسا لمجلس شورى ~~القوانين والجمعية العمومية، وظل في رياستهما إلى أن عرضت مسألة إطالة امتياز قناة السويس، ~~وإشراك مصر في أرباحها، فأبت أكثرية الأعضاء الموافقة على هذا الاقتراح، واشتد النزاع ~~فاستعفى وقتئذ من الرياسة، ولكنه لم يفتر عن خدمة وطنه فالتفت إلى الجمعية الخيرية ~~الإسلامية، وكان قد تقلد رياستها منذ أعوام فبذل عنايته في ترقية شؤونها، وكذلك جمعية ~~الإسعاف لتخفيف آلام المصابين، وكان لا يكاد يوجد عمل خيري أو مشروع اجتماعي إلا وله فيه ~~اليد البيضاء والهمة الشماء. وفي 19 ديسمبر 1914 جلس على أريكة السلطنة المصرية، ودعي ~~بالسلطان حسين كامل الأول خلفا لابن أخيه عباس حلمي الثاني خديوي مصر؛ لتخلفه في الأستانة ~~العلية لأمور سياسية تختص بالحرب الأوربية العامة، فقبض السلطان حسين على زمام السلطنة ~~المصرية التي هي تراث جده الأكبر، وأزال الارتباكات المعلومة التي كادت تعود على البلاد ~~بالوبال والخذلان، ونظر في أمور الرعية بعين الحكمة والسداد، واستبشر الناس فرحا ومسرة ~~بهذا الجلوس السعيد، وصار الشعراء والبلغاء يتبارون في صوغ قلائد التهاني ودرر المدائح، ~~وتوافد على سراي عابدين وفود المهنئين أفواجا وزمرا من كل صواب، وأقسم بين يديه الوزراء ~~ورجال الحكومة يمين الإخلاص والطاعة والولاء لذاته الكريمة، ثم أخذ ينظر في شؤون البلاد بكل ~~روية وخبرة ودراية رغما عن حوادث الحرب الأوربية الكبرى، التي عمت مصائبها واشتعلت نيرانها ~~في أرجاء المعمورة، فأصلح شأن التعليم واهتم بتعليم البنات، وأكثر من إنشاء المدارس ~~لتربيتهن وتهذيبهن؛ لأنهن أمهات رجال المستقبل، واعتنى بالأحوال الإدارية المالية ~~والزراعية، وكل ما يعود على المصريين بالخير في هذه الأوقات العصيبة خصوصا ما يتعلق بتوطيد ~~الأمن العام، فرفرفت ms024 رايات الطمأنينة على البلاد، ورفل أهلها في حلل الهناء ورتعوا في ~~ميادين السعادة والمنى. # ومن عجيب ما اتفق للسلطان حسين كامل رحمه الله رحمة واسعة أنه في سنة 1333ه، رماه بعض ~~الأشقياء بقنبلة فأخطأته، وحكم على هذا الشقي المغرور بالإعدام، فقال السيد محمد نور الدين ~~عبد الرحيم الطهطاوي: «سلطاننا عاش ومات المجرم»، فوافق حساب هذه الجملة تاريخا لتلك السنة ~~بحساب الجمل المعروف، ثم نظم على هذا التاريخ قصيدة عجيبة، ضمنها معظم الحوادث التاريخية ~~المهمة، التي حصلت في سلطنة السلطان حسين وهذه هي القصيدة: # سلطاننا عاش ومات المجرم # فلتبتهج مصر فنعم المغنم # وعناية الله وقت سلطاننا ~~(واستبطأت ذاك الخبيث جهنم) # قد أخطأ المرمى ولا عجب إذا # خاب الذي يرمي السماء ويرجم # مولاي يا سلطان مصر ومن له # منن على تلك البلاد وأنعم # ملك تقادم إرثه في بيتكم # لولاك كاد بناؤه يتهدم # 1 # صنت البلاد من الخطوب فأصبحت # بعد الشقاء ثغورها تتبسم # محن ألمت بالبلاد فلم يكن # إلا علاك بها أبر وأرحم # طاشت عقول يوم صلصل رعدها # فحمى حماها منك رأي أحزم # مولاي مصر قد غدت بك جنة # وسع العباد نعيمها فتنعموا # قد أظهروا (شكرا لنعمة ربهم) # تلك المظاهر والعدا تتبرم # أحييت مصرا بعدما احتضرت فهل # ولدتك مع عيسى قديما مريم # قد سولت نفس الخبيث وساوسا # لو نالها لغدا لمصر مأتم ~~(وإذا العناية لاحظتك عيونها # نم فالمخاوف كلها لك مغنم) # فاسلم وفز مولاي واحي لأمة # تحيا بخير ما حييت وتسلم # صعب عليها أن ترى يا سيدي # أحدا سواك بأرضها يتحكم # ولذاك قال السعد في تاريخه: # سلطاننا عاش ومات المجرم # سنة 1333 # 201-371-447-314 # وفي 10 أكتوبر سنة 1917م حدث مصاب الأمة الجلل وخطبها الجسيم، ففوجئت بوفاة هذا السلطان ~~العظيم، فكان لمنعاه ضجة خطيرة ارتجت لها أرجاء القطر المصري بعد أن حكم مصر ثلاث سنوات ~~متواليات، ظهرت في خلالها جلائل الأعمال، وفاضت مبراته وخيراته على جميع البلاد، وسادت فيها ~~الطمأنينة فجزاه الله الجزاء الأوفى وتغمده برحمته ورضوانه آمين. # | ترجمة ساكن الجنان المغفور له محمد ms025 علي باشا الكبير # والي مصر ورأس الأسرة المالكة المصرية # مولده ونشأته # انظر إلى خارطة بلاد الروملي في سواحلها الجنوبية على مسافة 320 كيلومترا من ~~الأستانة غربا تر قرية اسمها «قواله»، لا يزيد عدد سكانها على ثمانية آلاف نفس. وكان ~~في تلك القرية في أواسط القرن الثامن عشر رجل اسمه إبراهيم أغا كان متوليا خفارة ~~الطرق، ولد له سبعة عشر ولدا لم يعش منهم إلا واحد، وفي سنة 1773 توفي هذا الرجل ~~وامرأته عن ذلك الولد وسنه أربع سنوات واسمه محمد علي. # فأصبح الغلام يتيما ليس له من يعوله إلا عمه طوسون أغا، وكان متسلما على قواله فجاء ~~به إلى بيته شفقة عليه، غير أن المنية عاجلت طوسون فقتل بأمر الباب العالي، بعد ذلك ~~بيسير فأصبح الغلام يتيما قاصرا وليس من ينظر إليه. # وكان لوالده صديق يعرف بجربجي براوسطة فشفق على الغلام، وجاء به إليه وعني بتربيته مع ~~أولاده. غير أن ذلك لم ينسه حاله من اليتم فكان يشعر بالذل وضعف النفس. ويروى عنه بعد ~~أن ارتقى ذروة المجد واعتلى منصة الأحكام أنه كان يحدث أخصاءه عما قاساه في طفولته من الذل. # ساكن الجنات المغفور له محمد علي باشا الكبير منشئ مصر الحديثة ومؤسس ~~العائلة المالكة. # قلنا: إنه ربي في طفولته ببيت جربجي براوسطة، وتعلم في صغره ما يتعلمه أبناء تلك ~~البلاد من ألعاب السيف والجريد والحكم وما شاكل، فنبغ فيها حتى إذا بلغ أشده انتظم في ~~سلك الجهادية تحت إدارة مربيه، فأظهر في جباية الضرائب مهارة وبسالة عجيبتين، فرقاه إلى ~~رتبة بلوك باشي وزوجه إحدى ذوات قرابته وكانت مطلقة ولها مال وعقار فترك الجهادية ~~وتعاطى التجارة وعلى الخصوص في صنف التبغ؛ لأنه أكثر أصناف التجارة في بلاده. # ساكن الجنات المغفور له محمد علي باشا الكبير. # وقد برع في تلك التجارة حتى اكتسب شهرة واسعة وثقة عظمى لدى عملائه، وكان قد ذاق لذة ~~التجارة وأحبها منذ كان يتردد على شخص اسمه «ليون» أحد صغار التجار «ويقال: إنه كان ~~وكيلا لإحدى المحال ms026 التجارية بمرسيلية مسقط رأسه»؛ ولذلك رأيناه بعد أن تولى مصر يوجه ~~انتباهه بنوع خاص لتنشيط التجارة. # نابليون بونابرت إمبراطور فرنسا. # وما زال يتعاطى التجارة إلى سنة 1801 حينما عزم الباب العالي على إخراج الفرنساويين ~~من مصر بمساعدة إنجلترا. وكان الفرنساويون قد جاءوا مصر تحت قيادة نابليون بونابرت سنة ~~1798، فحاربوا الأمراء المماليك ودخلوها عنوة، وأقاموا فيها ثلاث سنوات والحكومة ~~العثمانية تبعث إليهم الجنود ، وتحاربهم تارة وحدها وطورا بمساعدة إنجلترا، وهم قائمون ~~بين إقدام وإحجام إلى سنة 1801م، فبعثت الحكومة العثمانية إليهم عمارة قوية تحت قيادة ~~قبطان باشا وفيها قوات إنجليزية، وبعثت الصدر الأعظم في حملة من جهة البر. # ارتقاؤه منصة الأحكام # وكان محمد علي في جملة القوة البحرية، وقد تجند فيها في جملة من تجند في برواسطة بصفة ~~معاون لعلي أغا ابن مربيه على ثلاثمائة جندي ألباني «أرناءوط». # فجاءت العمارة إلى أبي قير وكانت الغلبة هناك للفرنساويين، ثم عاد علي أغا إلى بلاده ~~تاركا رجاله تحت قيادة محمد علي، وكان هذا قد ترقى إلى رتبة بيكباشي. # ثم تغلب العثمانيون بمساعدة العمارة الإنجليزية، وحملة الصدر الأعظم، ودخلوا البلاد ~~وأخرجوا الفرنساويين منسحبين انسحابا قانونيا، وجعلوا يهتمون بتأييد سلطة الباب ~~العالي فيها. # وبعد جلاء الحملة الفرنسية من البلاد المصرية ورجوعها إلى فرنسا، ابتدأت جماعة ~~المماليك تشرئب أعناقها لأن تقبض على زمام إدارة شؤون البلاد، كما أن الباب العالي كان ~~يطمح ببصره إلى طرد المماليك من الديار المصرية، واستئصال شأفتهم، واسترجاعها بعد أن ~~اغتصبت منه مدة من الزمان، فبدأ النزاع بين الباب العالي والمماليك عندما أراد الباب ~~العالي أن يستقل بالسيادة في الديار المصرية، فاستعمل للتغلب عليهم طريقة غير مقبولة ~~فأوعز سرا للقبطان حسين باشا بإبادة جماعة المماليك واستئصالهم عن آخرهم، فاحتال ~~عليهم القبطان حسين باشا، ودعا البكوات العظام من حزب مراد بك إلى معسكر أبو قير بعلة ~~التفاوض معهم في إدارة شؤون حكومة مصر، فكان معظمهم غير مرتاح البال وأوجس خيفة من هذه ~~الدعوة، إلا أنهم تخوفوا إذا تأخروا أن تنزع السلطة من أيديهم، ms027 وهذا الأمر الذي حملهم ~~على تلبية الدعوة، وسكن روعهم لقرب معسكر القائد «هتشنسون الإنجليزي»، فقابلهم الباشا ~~المشار إليه آنفا بوجه باش وبكل حفاوة وإكرام، ثم دعاهم إلى ركوب زورق لزيارة القائد ~~الإنجليزي بعلة أنه يريد أن يتفاوض معهم في صيرورة حكومة مصر، ولما بعد عن الشاطئ ~~قليلا لحقه زورق آخر يحمل بعض الأوراق، فاستأذنهم لقراءتها على انفراد، وترك الزورق ~~بمن فيه من المماليك ، فظهر لهم عند ذلك أنه يريد بهم سوءا فأمروا النوتية بالرجوع ~~فامتنعوا وأطلقوا عليهم الرصاص فقتلوا ثلاثة، وجرح عثمان بك البرديسي واثنان آخران، ~~فلما وصل خبرهم للقائد الإنجليزي استشاط غيظا فاعتذر له القبطان باشا بأسباب واهية. ~~وفي الوقت نفسه مثلت الرواية في باقي المماليك الموجودين بالقاهرة، وقد احتمى معظم ~~البكوات «المماليك» بالمعسكر الإنجليزي فيها، فأسعفهم القائد «رمزي» رغم إلحاح الصدر ~~الأعظم في تسليمهم إليه، فكانت هذه الحادثة سببا في إشعال نار الحقد في صدور المماليك، ~~وقد زادها لهيبا تولية «محمد خسرو» مملوك القبطان باشا واليا على مصر في ربيع الأول، ~~سنة 1216ه «يوليو سنة 1801ميلادية» بتوسط القبطان باشا لدى الصدر الأعظم يوسف باشا، ~~بصدور أمر همايوني بتولية المذكور على مصر. # مراد بك أحد أمراء المماليك (توفي بالطاعون بالوجه القبلي سنة 1250ه ~~ودفن بسوهاج بجوار الشيخ العارف). # ويعتبر خسرو باشا الوالي الجديد على الديار المصرية من أشهر رجال الترك في القرن ~~الثالث عشر، وكان ذا حظوة عظيمة لدى السلطان، وقد استحكم الخلاف بينه وبين محمد علي ~~ونال على أثره رتبة «قبي بلوك» فرتبة «سرجشمه»، وأصبح قائدا لأربعة آلاف، ساعيا جهده ~~وراء استمالة رجاله إليه، حتى أجمعت القلوب على محبته وألسنتهم على شكره. فلما أراد ~~خسروا مطاردة المماليك ونزع البلاد من أيديهم وقاوموه مقاومات عنيفة، بعث لهم حملة ~~عسكرية لكبح جماحهم فلم يفلح، فاضطر إلى إمداد جنوده بفرقة محمد علي، ولكن قبل أن تصل ~~هذه الفرقة إلى ميدان القتال تقهقرت الحملة وفشلت، فتوهم قائدها أن أسباب هذا الفشل ~~ورجوعهم القهقرى تأخر محمد علي وفرقته ورفع تقريرا مسهبا لخسرو باشا، ms028 فأضمر له الشر ~~وبعث يطلب محمد علي ليلا، فأقبل وأتى إلى مصر موجسا شرا من هذه الدعوة، ودخل إلى ~~القلعة وعلى أثر مجيئه تمرد الجند لتأخير صرف رواتبهم وثاروا وحاصروا الخزانة، ونهبوا ~~وسلبوا القاهرة فاعتصم خسرو باشا بالقلعة، وأصلى العصاة منها نارا حامية، فأراد إذ ذاك ~~طاهر باشا قائد فرقة البانية وعددها (5000) أن يتوسط بين خسروا والعصاة، فأبى خسرو ورفض ~~وساطته فانضم العصاة عليه، ولما لم يجد خسرو لديه حينئذ جندا تحميه ولى هاربا إلى ~~دمياط، وبقى بها ينتظر فرصة يسترد فيها ما فقده. # ولما علم طاهر باشا بذلك جمع رؤساء العلماء وأشراف العاصمة وشاورهم في الأمر، فرضوا ~~أن يكون نائبا عن الوالي عليهم، فأعلن أنه هو الحاكم على مصر حتى يولي الباب العالي ~~خلفا لخسرو باشا، وذلك في صفر سنة 1218ه/مايو سنة 1893م، وكان من سوء طالع طاهر باشا ~~أنه وقع في نفس الحيرة، التي وقع فيها خسرو إذ لم يمكنه دفع مؤخر رواتب الجند. وبعد ~~اثنين وعشرين يوما من قبضه على زمام الأحكام تألب عليه الجند، واغتاله ضابطان هما ~~«موسى أغا وإسماعيل أغا» بعد أن تظلما من تأخير رواتب الجند. # فأصبح محمد علي بعد هرب خسرو وقتل طاهر باشا رئيس الجند غير المماليك من الأرناءوط ~~وغيرهم؛ لأن رتبته في الجيش تلي رتبة طاهر باشا، وقد طمحت نفس أحمد باشا قومندان ~~الضبطية إلى الاستيلاء على مصر، فلم يتوصل إلى أمنيته؛ لأن محمد علي كان اتفق مع عثمان ~~البرديسي وإبراهيم وكلاهما من أمراء مماليك الصعيد على إخراجه من القاهرة، ولما نفذ هذا ~~الاتفاق توجه البرديسي إلى دمياط في 14 ربيع أول سنة 1218ه وأسر خسرو باشا، ولما علمت ~~الدولة العلية ذلك عينت علي باشا الجزائري واليا على مصر، ونزل هذا الوالي الجديد ~~بالإسكندرية في ربيع الأول سنة 1218ه/8 مايو سنة 1803م، فرأى أنه لا يمكنه مقاومة ~~البرديسي ومحمد علي بحد السيف فاتفق معهما ظاهرا، على حين أنه كان يعمل في الخفاء على ~~هدم قوتهما وتكوين حزب وطني مصري يناهض المماليك. ms029 ولكن من سوء حظه أن بعض مراسلاته مع ~~السيد «السادات وقعت في يد البرديسي وكان هذا ضيفا عنده»، فاحتال البرديسي في قتله وتم ~~له في شوال سنة 1218ه/يناير سنة 1804م، وكان للمماليك رئيس آخر مع البرديسي يدعى محمد ~~بك الألفي، الذي كان سافر إلى إنجلترا؛ ليطلب منها المساعدة التي تنيله الاستئثار بحكم ~~مصر، فلما عاد منها ووصل إلى ساحل مصر علم أنه لا يمكنه الوصول إلى ضالته إلا بتوحيد ~~قوى المماليك، وجعلهم تحت حماية الإنجليز، وكان ذلك لا يتم له إلا باتحاد مع البرديسي ~~عدوه العنيد وإبراهيم بك الكبير، فلما نزل عند أبو قير قابله أعوانه بكل حفاوة وإكرام. ~~وإذ كان في ريبة من أمر البرديسي اتخذ مسكنه في دمياط، وأصدر الأوامر إلى أتباعه ~~بالاجتماع في ضيعة بالجيزة، ومعهم كل ما يمكن جمعه من العدة والعدد على أن يلحق بهم ~~فيما بعد، إلا أن وصوله إلى الديار المصرية لم يرق في نظر كل من البرديسي ومحمد علي؛ ~~لأن الأول رأى أن من الخطل أن تكون نتيجة خلعه واليين وقتله ثالثا أن يشاركه في السلطة ~~مناظر كان بعيدا عن الديارة المصرية أثناء حربه معهم، وفاته أنه لو اتحد مع الألفي ومع ~~إبراهيم بك لاستعادوا سلطة المماليك في مصر؛ لأن محمد علي غريب عن البلاد وهو وحده لا ~~يقوى على مقاومتهم، ولكن تدبير محمد علي ودهاؤه وسعوده كلها حالت دون اتفاقهم، فاتفق ~~الاثنان على أن يتخلصا من محمد الألفي. وفعلا حاصر محمد علي ومن كان معه من الألبانيين ~~قصره في الجيزة وأخذ أتباعه على حين غرة، وقتل منهم خلقا كثيرا وفر الباقون، أما ~~عثمان البرديسي فصار بجيشه؛ ليفتك بالألفي في طريقه إلى القاهرة فقابله بالمنوفية هو ~~وحاشيته، فأفلت الألفي من يده وهرب إلى سوريا، وأما من كان معه فقتل معظمهم وسلب كل ما ~~معهم من المتاع والمال، وظل البرديسي في القاهرة يتصرف في شؤونها كيف يشاء وضرب على ~~الأهالي الضرائب الفادحة حتى أثقل كواهلهم؛ لكي يصرف رواتب الجند فلم يكن للأهالي طاقة ms030 ~~لقبول هذه الضرائب فثاروا ضده، وحملوه على الهرب في عام 1804م إلى سوريا، ولما صفا جو ~~مصر لمحمد علي، ولم يبق فيها سواه أرسل خسرو باشا إلى الأستانة إبعادا، وجمع لديه ~~علماء مصر ومشايخها واستشارهم بتعيين خورشيد باشا حاكم الإسكندرية واليا على مصر، ~~فوافقوه على شرط أن يعينه حاكما للقاهرة، ورفعوا القرار للباب العالي فصدق عليه في 23 ~~محرم سنة 1218ه. # وفي 21 صفر سنة 1229ه عين محمد علي بإرادة سنية حاكما «لجدة»، ولكن أهالي مصر وجنوده ~~أبوا إلا عدم مبارحته لبلادهم، فعينوه واليا على مصر فقام إليه الشيخ الشرقاوي والسيد ~~عمر مكرم نقيب الأشراف وألبساه «الكرك» والقفطان إيذانا بولايته، وكان في يد السيد عمر ~~مكرم أمر العامة في جميع أنحاء مصر لا يعارضون له أمرا، فأيد أمر محمد علي باشا بنفوذه ~~وجاهه أكثر من أربع سنوات تأييدا لم يقم به أحد مثله. وأرسل العلماء رسولا إلى الباب ~~العالي يلتمس العفو عما فرط منهم في حقه، ويرجو اعتماد تنصيب محمد علي واليا لمصر، ~~فعلم السلطان من ذلك مقدار ميل الأهلين لمحمد علي، وأيقن أنه أصبح صاحب الكلمة العالية ~~في مصر، فوافق على تنصيبه واليا عليها في ربيع الثاني سنة 1220ه/يوليو سنة 1805م، ~~ولما علم خورشيد باشا بهذا النبأ سلم له القلعة وتخلى عنها، ولم يمض إلا زمن يسير على ~~تولية محمد علي حتى أقبلت العمارات العثمانية إلى ميناء الإسكندرية في يوم 15 من ربيع ~~آخر سنة 1221ه تقل أمير البحر التركي، يصاحبه «موسى باشا» والي سلونيك يحمل فرمانا ~~ساميا؛ ليكون واليا على مصر؛ لينتقل منها محمد علي ليتولى منصب موسى باشا في سلونيك. ~~فتظاهر محمد علي بإظهار الطاعة لأوامر الباب العالي، ثم ادعى أنه يغادر مصر توا ثم ~~جمع كبار المشايخ والعلماء وبلغهم الأمر. فكتبوا عريضة إلى الباب العالي يلتمسون بها ~~بقاء محمد علي واليا على مصر ورفعوها على يد إبراهيم بك نجله، الذي سافر بها خصيصا ~~إلى الأستانة وقدمها إلى المرجع الإيجابي بمساعدة سفير فرنسا في دار السعادة، فصدرت ms031 ~~الأوامر السامية في 24 شعبان سنة 1221ه/نوفمبر سنة 1806م بتأييد محمد علي في منصب والي ~~مصر، وبعد ورود هذه الأوامر بثلاثين يوما أخذ كل من عثمان البرديسي ومحمد الألفي يناوش ~~محمد علي، فقضى على البرديسي في 19 ذي الحجة سنة 1221ه/ديسمبر سنة 1808م، ومات الألفي ~~في ذي القعدة سنة 1221ه/يناير سنة 1807م وبموتهما تفرق أتباعهما أيدي سبا ولم يبق في ~~البلاد المصرية مناظر لمحمد علي ولا معارض البتة، غير أن إنجلترا قد ارتأت بتأييد ولاية ~~محمد علي إجحافا بمصلحتها ومساسا بنفوذها في القطر المصري. فجردت ضده حملة بدد بعضها ~~الأرناءوط عند ثغر رشيد، وحمل بعضها الآخر على الجلاء بعد أن عقدت إنجلترا ومصر معاهدة ~~الصلح في 13 رجب سنة 1222ه/سبتمبر سنة 1807م وذلك بمدينة دمنهور، وكان من نتائج هذه ~~الحملة رضاء الباب العالي عن محمد علي. فمنحه السلطان خلعة وسيف شرف. وأمر بإرجاع ابنه ~~إبراهيم إليه «وكان معتقلا في القسطنطينية»، وقد صار لهذه الإنعامات السلطانية أثر ~~عظيم في توطيد سلطته، إذ كان في هذا الوقت في وجل شديد من جنده حتى إنه استعد للاعتصام ~~بالقلعة إذا تألبوا عليه. # السلطان محمود الثاني (ولد سنة 1785م، وتولى سنة 1808م، وتوفي سنة ~~1839م). # وفي 5 جمادى الثاني تبوأ السلطان محمود الثاني عرش الخلافة على أثر تنازل السلطان ~~مصطفى، فاستمد محمد علي رضاء الخلف عنه وضم الإسكندرية لولايته، ثم أمره في السنة ~~التالية حيث استفحل أمر الوهابيين في شبه جزيرة العرب، حتى امتدت شوكتهم من الشمال إلى ~~صحراء سوريا، ومن الجنوب إلى بحر العرب، ومن الشرق إلى خليج العجم، ومن الغرب إلى البحر ~~الأحمر، بأن يجمع الجنود ويذهب بهم إلى حيث يشتت عملهم قوة واقتدارا، فصدع محمد علي ~~بالأمر وأرسل ثمانية آلاف مقاتل مع ولده طوسون باشا، ولكن أوجس من المماليك شرا بعد ~~سفر هذه القوة فدعاهم لوداع ولده الذي عين للاحتفال أجلا محدودا، وهو اليوم الخامس ~~وفي شهر صفر سنة 1226ه، فتوافدت وفود المماليك يومئذ إلى القلعة يتقدمهم زعيمهم شاهين ~~بك، ولبثوا حتى ms032 إذا سار الموكب والمماليك وراءه محتاطين بالمشاة والفرسان ووصلوا إلى ~~باب القلعة. أمر محمد علي بوصد أبوابها فوصدت، وأشار إلى جماعة من أخصائه الأرناءوط ~~فهجموا على المماليك وحكموا سيوفهم في رقابهم حتى قتلوهم جميعا وعددهم 400، ولم ينجح ~~منهم إلا أحمد بك وأمين بك وبعد وصول حملة طوسون إلى حيث كانت قاصدة قابلها الوهابيون، ~~ثم جمعوا قواهم وعادوا فبددوا شمل الوهابيين، وقد أمدهم محمد علي بكثير من الجند فهجمت ~~على الوهابيين وقهرتهم، واحتلت مكة المكرمة، وفي سنة 1228ه عاود الوهابيون الكرة على ~~حملة طوسون في ترابيا «تراباة» وكانت خسائر هذه الهزيمة عظيمة جدا، حتى إن سعودا ~~زعيم الوهابيين زحف بجيشه على المدينة ثانية وهددها بالأخذ عنوة. # ولما وصل خبر هذه النكبة إلى محمد علي عزم على أن يتولى قيادة الجيش بنفسه فأخذ ~~العدة، وتوجه إلى الأقطار الحجازية. ولما وصل هناك أدى فريضة الحج، ثم علم من بعض ~~الأفراد أن الشريف غالبا مذبذب في ولايته فاحتال في القبض عليه بواسطة طوسون ابنه، ~~وأرسله إلى القسطنطينية حيث قتل هناك بعد مدة وجيزة، وفي أوائل سنة 1229ه/سنة 1814م مات ~~سعود الثاني، وبموته فقد الوهابيون أعظم ساعد وأكبر بطل، وخلفه ولده عبد الله، فعهد هذا ~~بمحاربة المصريين «لأخيه فيصل»، فحاربهم في كثير من الأرجاء ولم يفز من عواقب هذه الحرب ~~إلا بالفشل والخجل. ولما اطمأن محمد علي على ولده من قوة الوهابيين عاد إلى مصر وترك ~~ابنه هناك لإبادة أعدائه وخصومه، فوصل القاهرة في 4 رجب سنة 1230ه/سنة 1815م، وخصوصا ~~أنه اتصل به هرب نابليون من منفاه في «ألبا»، فرجع عن طريق الأقصر، فقنا، فالقاهرة، ~~وعلم له أيضا بتدبير مؤامرات على عزله وقتله، فظن أن ذلك بإيعاز من رجال الباب العالي. ~~أما رئيس المؤامرة فهو «لطيف باشا» أحد المماليك، وكشف سر هذه المؤامرة الفظيعة «الكخيا ~~لاظ أوغلي باشا»، فقتل لطيفا ومن معه بعد أن حاول الهرب والاختفاء، وكان غرضه أن يكون ~~واليا على مصر إذا نجح في قتل محمد علي، وعند عودة محمد علي هم ms033 بتنظيم جيشه على الطراز ~~الغربي، وفي خلال ذلك رجع ولده طوسون ناجحا، ولكنه لم يصل ثغر الإسكندرية حتى توفاه ~~الله عقب مرض لم يمهله أكثر من عشر ساعات. # ولما رأى محمد علي أن الوهابيين لم ينفذوا شروط الصلح جهز حملة أخرى، وأرسلها إلى ~~بلاد العرب بقيادة ابنه إبراهيم باشا، ورافقه في هذه الحملة القائد العظيم سليمان باشا ~~في شوال سنة 1231ه/سبتمبر سنة 1916م، وقد أعمل الفكر ذلك البطل العظيم في استنباط الخطط ~~الحربية التي أوقفته بين صميم عظماء الرجال ومشاهير القواد، فأول موقعة التحم فيها جيشه ~~مع الوهابيين كان عند «البريس» سنة 1232ه/سنة 1817م، وفي هذه المقتلة انهزم جيشه هزيمة ~~لم تثن من عزمه ولم تفت في ساعده، بل استمر سنة كاملة في كفاح وجدال حتى ذلل كل ~~الصعوبات؛ ولذلك أخضع قرى كثيرة وصار قاب قوسين أو أدنى من الدارعية حاضرة الوهابيين، ~~وهي على بعد 400 ميل من المدينة المنورة التي اتخذها قاعدة لأعماله الحربية، وحاصر ~~إبراهيم باشا الدارعية في جمادى الثانية سنة 1233ه/وأول شهر أبريل سنة 1818م، وفي هذه ~~الأثناء انفجر مخزن ذخيرته فلم تفتر همته ولم يساوره اليأس؛ لأنه كان على يقين من ~~استياء العالم الإسلامي أجمع من فظاعة الوهابيين، وعند ذلك اضطر عبد الله إلى الخضوع ~~والاستسلام لسيطرته وسلطانه، فسلم نفسه في ذي القعدة سنة 1233ه/سنة 1818م ولم يعامله ~~إبراهيم باشا إلا بكل كرامة وإحسان، ثم أرسله إلى أبيه بالقاهرة فبالغ في إكرامه أيضا، ~~وأرسله إلى الباب العالي وبعد وصوله بزمن قليل أمر به فقتل وقد ضرب إبراهيم باشا مدينة ~~الدارعية، وتركها أثرا بعد عين، وهكذا انتهت الحروب في بلاد العرب بعد القضاء على سلطة الوهابيين. # سليمان باشا الفرنساوي، منظم الجند المصري. # فتح السودان # فكر محمد علي باشا في فتح السودان، فأرسل خمسة آلاف مقاتل بقيادة إسماعيل باشا ابنه ~~الثالث فتوجه في شعبان سنة 1235ه، ففتح شندي والمتمة وسنار فالخرطوم، وأخضع قبيلة ~~الشائفية وكردوفان وتقدم إلى فذقل وتفشى المرض في جيش إسماعيل، فمات كثير من جنوده في ms034 ~~هاتيك البقاع المقفرة، فأمده والده بثلاثة آلاف مقاتل تحت قيادة صهره أحمد بك ~~الدفتردار، فأقامه على كردوفان. وصار هو إلى المتمة فقتله نمر ملك شندي بحيلة غريبة، ~~وهو أنه أقام مأدبة فاخرة دعا إسماعيل لحضورها، فلبى طلبه فأمر «نمر» أتباعه وأشياعه أن ~~يجعل حول منزله حطبا ومواد ملتهبة ثم يضرمون فيها النار، ففعلوا. فشبت النار في المنزل ~~فدمرته وحرقت جميع من فيه، وكان من بين المحروقين إسماعيل باشا، فلما بلغ أحمد بك ~~الدفتردار صهره زحف بما لديه من الجند وحارب الملك النمر مستقتلا حتى تمكن من النصر ~~والظفر. وقتل عشرين ألف نفس انتقاما لإسماعيل وأخذا بثأره. # جامع محمد علي بالقلعة. # ثم أخذ محمد علي بعدئذ في العناية بأحوال الجهادية فأسس لها مدرستين حربيتين الأولى ~~للمشاة في الخانكا، والثانية للطوبجية وعين لها نظارا فرنساويا يدعى الكولونيل ~~«ساف»، وهو الذي اعتنق الإسلام، وسمي سليمان باشا الفرنساوي ثم أنشأ في القاهرة معامل ~~لسبك المدافع والرصاص كما شاد في الإسكندرية حصنا حصينا، ثم التفت بعين عنايته إلى ~~داخلية البلاد فأصلح شؤونها وعني بزراعتها وتجارتها، فأتى ببذور القطن الأمريكي من ~~الهند، وأكثر من زراعة الأشجار في البنادر والثغور والعواصم والأباعد والجفالك؛ تلطيفا ~~للهواء وهبوب الزوابع في الصيف ثم أنشأ ميناء الإسكندرية، وحفر ترعة المحمودية، وبني ~~معامل للقطن، والنيلة، والطرابيش، وشيد مدرسة طبية وصيدليات ومستشفيات بنظارة الدكتور ~~كلوت بك. # وألف مجلسا للمعارف وأرسل كثيرا من طلبة العلم إلى أوربا لاقتباس نور المعارف ~~والفنون، وأمر بغرس حديقة الأزبكية، وتقسيم القطر المصري إلى مديريات ومراكز، وشيد ~~القناطر الخيرية ومطبعة بولاق الأميرية، كما أنه شيد المسجد الشهير باسمه الكائن ~~بالقلعة بمصر، وأمد الدولة العلية عام 1239ه بحملة مصرية في حرب المورة، وأخضع حكام ~~سورية وفي مقدمتهم عبد الله باشا حينما جاهروا بالعدول ضد الدولة العلية، وقد فتح كل ~~البلاد السورية، واستولى على حلب على يد ابنه إبراهيم، فأوجس الباب العالي خيفة فأرسل ~~جيشا لإرجاع العساكر المصرية، فلم يستطع إلى ذلك سبيلا؛ لأن إبراهيم باشا كان قد تقدم ~~في آسيا ms035 الصغرى تقدما سريعا كاد يتهدد به الأستانة، ثم عقدت على أثر ذلك معاهدة لندن ~~سنة 1255ه، التي قضت بأن يبقى محمد علي تابعا لدار الخلافة العثمانية. ثم أرسل إليه ~~الباب العالي فرمانا همايونيا مؤرخا في 21 ذي الحجة سنة 1256ه يخوله حق وراثة ~~الأريكة المصرية لأعقابه، ويؤيد ولايته على نوبيا ودارفور وكردوفان فضلا عن القطر المصري. # الدكتور كلوب بك ناظر مدرسة الطب والصيدليات. # وفي عام 1262ه توجه إلى دار السعادة فأكرم جلالة السلطان الأعظم وفادته، ثم عاد إلى ~~مصر شاكرا داعيا وفي أثناء رجوعه مر على «قوله» وطنه الأول، وبني فيها كثيرا من ~~الأبنية الخيرية لفقرائها، وظل في مصر بين آيات التعظيم وتحت رايات التبجيل لغاية سنة ~~1264ه، إذ مرض مرض الشيخوخة وخلفه ابنه إبراهيم باشا، ونقل هو للإسكندرية تبديلا ~~للهواء، ولكن لم يستقر به المقام حتى توفاه الله في 18 رمضان سنة 1266ه الموافق 2 أغسطس ~~سنة 1850م، وكان عمره إذ ذاك 84 سنة قمرية، ثم نقلت جثته إلى القاهرة بمزيد الاحتفاء ~~والاحتفال، ودفنت بجامع القلعة بملء الإكرام. تغمده الله برحمته ورضوانه وأسكنه فسيح ~~جناته. # | ترجمة إبراهيم باشا # في آخر أيامه # ولد جنتمكان إبراهيم باشا بن محمد علي في مدينة «قوله» سنة 1204ه، وكان منذ حداثته ذكي ~~الفؤاد عالي الهمة دمث الأخلاق، وعندما بلغ الثامنة عشرة عينه والده في الجندية المصرية، ~~وفي زمن يسير ارتقى رتبها. وتولى قيادة فرقة فبرهن على مقدرة فائقة، ثم عين مديرا في إحدى ~~المديريات فقام بعبء وظيفته خير قيام. # ولد سنة 1204ه، وتولى سنة 1848، وتوفي في السنة نفسها. # وكان يعرف الفارسية والتركية والعربية، وله اطلاع واسع في تاريخ البلاد الشرقية، وقد تولى ~~الإمارة المصرية بعد تنازل أبيه عام 1265 فسار على خطواته سيرا حسنا، وإن كان في الحقيقة ~~يختلف عنه بمواهبه الأصلية، فقد كان إبراهيم باشا صارم المعاملة صعب المراس شديد الوطأة كما ~~يغلب أن يكون رجال العسكرية. وكان أبوه لين العريكة حسن السياسة ذا دهاء وحكمة، ولم يطل حكم ~~إبراهيم إلا 11 شهرا، ms036 وتوفي قبل والده. # وكان ربع القامة ممتلئ الجسم قوي البنية مستطيل الوجه والأنف أشقر الشعر، في وجهه أثر ~~الجدري، كثير اليقظة قليل النوم، وكان نقش خاتمه «سلام على إبراهيم». # | عباس باشا الأول # هو عباس باشا بن طوسن بن محمد علي باشا، ولد عام 1228ه أو 1813 وربي أحسن تربية، وكان # عباس باشا الأول. # السيد خليل البكري. # الشيخ عبد الله الشرقاوي. # الشيخ المهدي الكبير. # الشيخ سليمان الفيومي. # بعض أعضاء المجلس النيابي في ذاك العهد. # محبا لركوب الخيل فرافق عمه إبراهيم باشا في حملته إلى الديار الشامية، ~~وشهد أكثر الوقائع الحربية. وفي سنة 1265ه تولى زمام الأحكام على الديار المصرية بعد وفاة ~~عمه إبراهيم، وكان على جانب من العلم والمعرفة؛ لأن المرحوم جده كان يحبه كثيرا، فاعتنى ~~بتعليمه في مدرسة الخانكا. # ومن مشروعاته المهمة الشروع في إنشاء الخط الحديدي بين مصر وإسكندرية، وتأسيس المدارس ~~الحربية في العباسية، ومد الخطوط التلغرافية لتسهيل سبيل التجارة وغير ذلك. # وكان له ولد يدعى الأمير إبراهيم الهامي على جانب عظيم من الجمال والذكاء واللطف والمعرفة ~~والعلم، زار الأستانة سنة 1270ه، وتشرف بمقابلة جلالة السلطان عبد المجيد، فأحبه وزوجه من ~~ابنته وغمره بنعمه فرجع إلى مصر شاكرا حامدا، والمرحوم الهامي باشا هو والد ذات العفاف ~~والعصمة حرم المغفور له توفيق باشا الخديوي السابق، ووالدة الخديوي عباس حلمي ~~الثاني. # وعباس باشا الأول هو الذي وضع الحجر الأول لمسجد السيدة زينب بيده، وقد كان لذلك احتفال ~~عظيم حضره كثير من الأعيان ورجال الدولة، وذبحت فيه الذبائح، وفرقت الصدقات الكثيرة على ~~الفقراء والمساكين. # وفي أيامه كانت بين الدولة العلية والروسيين حروب، فبعث حملة كبيرة لنجدة الدولة سارت عن ~~طريق بولاق في البحر وسار هو بنفسه لوداعها هناك، وقبل ركوبها النيل نهض لوداعها فألقي في ~~الجنود خطابا بليغا منشطا. # وتوفي عباس باشا الأول في شوال سنة 1270 أو يوليو 1854م في قصره في مدينة بنها العسل، ثم ~~نقل ودفن في مدفن العائلة الخديوية في القاهرة. # | ترجمة سعيد باشا # هو ابن محمد علي ms037 باشا، ولد في الإسكندرية عام 1237ه/1822م، وكان محبا للعلم بارعا فيه، ~~وعلى الخصوص في اللغات الشرقية والعلوم الرياضية والرسم، وكان يتكلم الفرنساوية جيدا. تولى ~~زمام الأحكام عام 1270ه أو 1854م بعد وفاة عباس باشا ابن أخيه، وكان محبا للعدل والفضيلة ~~وكان مهتما بالإصلاح الإداري، ومن أعماله إتمام الخطوط الحديدية والتلغرافية بين إسكندرية ~~ومصر، والشروع في مد غيرها، وتنظيم لوائح الأطيان، واسترجاعها من المتعهدين إلى أربابها، ~~وقد عدل الضرائب فجعلها عادلة ورفع كثيرا من الضرائب التي كان يتظلم منها الرعايا، ونزح ~~ترعة المحمودية، وفي أيامه تمت معاهدة ترعة السويس، وقد نشطها تنشيطا كبيرا، وأقام في ~~طرفها الشمالي مدينة حديثة دعيت باسمه، وهي بورت سعيد، وغرس الأشجار في طريق المنشية. # ساكن الجنات سعيد باشا (ولد سنة 1237ه، وتولى سنة 1270ه، وتوفي ~~1279ه). # وفي السنة الثانية من توليه على مصر وضع الحجر الأول لأساس القلعة السعدية، عند رأس ~~الدلتا فيما بين القناطر الخيرية، تداعت أركانها الآن. # وفي أيامه ثارت مدينة الفيوم على الحكومة فبعث إليها وأخمد الثورة فهدأت الأحوال. ولما ~~اختتن نجله طوسون أطلق كل من كان في السجون من المجرمين حتى القاتلين. وفي أيامه أعطيت بلاد ~~السودان بعض الامتيازات وتولى عليها البرنس حليم باشا حكمدارا. وفي عام 1276ه أو 1859م ~~توجه لزيارة سوريا فمكث في بيروت ثلاثة أيام، ونزل ضيفا كريما على وجهاء المدينة، وكان في ~~أثناء مروره في الطرقات ينثر الذهب على الناس. # وفي عام 1278ه أو 1861م توفي المغفور له السلطان عبد المجيد، وتولى السلطان عبد العزيز. ~~وفي يوم السبت 26 رجب عام 1279ه أو 17 يناير 1863م توفي سعيد باشا في الإسكندرية ودفن ~~فيها. # | ترجمة حياة إسماعيل باشا # هو إسماعيل باشا بن إبراهيم باشا بن محمد علي باشا الكبير، وكان لوالده ثلاثة أولاد ذكور ~~أكبرهم البرنس أحمد «ولد عام 1825»، ثم البرنس إسماعيل «ولد عام 1830»، ثم البرنس مصطفى ~~«ولد عام 1832»، وكان البرنس أحمد نابغة من نوابغ الزمان ذكاء وفطنة كثير الشبه بوالده ~~شكلا وأخلاقا، ولكنه توفي في أثمن سني حياته ms038 بين الشباب والكهولة، فأصبح صاحب الترجمة ~~كبير أبناء إبراهيم. # وربي إسماعيل باشا في حجر والده وتعلم وتثقف بحياطة جده؛ لأن جده رحمه الله كان قد أنشأ ~~لأولاده الصغار وأولاد أولاده الكبار مدرسة خصوصية في القصر العالي فيها نخبة من مهرة ~~الأساتذة، فتلقى صاحب الترجمة فيها مبادئ العلوم واللغات العربية والتركية والفارسية، ~~ونذرا يسيرا من الرياضيات والطبيعيات، فلما بلغ السادسة عشرة من عمره بعث به جده مع ولديه ~~المرحومين البرنسين حليم باشا وحسين باشا، والمرحوم البرنس أحمد باشا مع إرسالية فيها نخبة ~~من شبان مصر الأذكياء إلى مدرسة باريس، يتولى رئاستهم وجيه أرمني اسمه اسطفان بك، فقضوا في ~~تلك المدرسة بضع سنوات تلقوا بها العلوم العالية، ثم عادوا إلى مصر إلا حسين بك، فإن المنية ~~أدركته هناك. ومن العلوم التي تلقاها إسماعيل باشا اللغة الفرنساوية والطبيعيات والرياضيات ~~وخصوصا الهندسة، وعلى الأخص فني التخطيط والرسم، وهذا هو سبب شغفه بعد ذلك بتنظيم الشوارع ~~وزخرفة البناء. # ولما عادت الإرسالية كان عباس باشا الأول واليا على مصر، فمكث إسماعيل معه على صفاء ~~ومودة حتى وقع بين عباس وسعيد باشا نفور مبني على اختلاف في اقتسام التركة، وانحاز سائر ~~أفراد العائلة الخديوية إلى سعيد، وفي جملتهم إسماعيل فساروا كافة إلى الأستانة، ورفعوا ~~شكواهم إلى جلالة السلطان فصدرت الإرادة السنية الشاهانية بإنفاذ المرحوم فؤاد باشا الصدر ~~الأعظم، وكان يومئذ فؤاد أفندي، وجودت أفندي وهو جودت باشا الوزير والمؤلف الشهير إلى مصر، ~~فأتيا وسويا الخلاف وتصالح أفراد هذه العائلة الكريمة، فعادوا إلى مصر إلا إسماعيل، فإنه ~~بقي في الأستانة وتعين عضوا في مجلس أحكام الدولة العلية. # وفي سنة 1854 توفي عباس باشا الأول، وتولى عمه سعيد باشا فعاد صاحب الترجمة إلى مصر فولاه ~~عمه المشار إليه رئاسة مجلس الأحكام، فاهتم بشأنه أعظم اهتمام ونظمه على مثال مجلس أحكام ~~الدولة العلية. # وفي عام 1863 توفي المغفور له سعيد باشا فأفضت ولاية مصر إلى إسماعيل باشا، وهو خامس ~~ولاتها من السلالة المحمدية العلوية، فأخذ منذ تبوئه الأحكام في رفع ms039 شأن هذه الديار وإعادة ~~رونقها الذي كان لها في عهد محمد علي باشا، فأطلق يده في النفقة لتنظيم الشوارع، وتشييد ~~الأبنية وإنشاء المشروعات النافعة على أنواعها، مما سيأتي تفصيله غير مبال بما قد يجر إليه ~~ذلك من الضيق. # ساكن الجنات إسماعيل باشا بملابسه الرسمية (ولد سنة 1830م، وتولى سنة ~~1863م، وخلع سنة 1879م، وتوفي سنة 1885م). # ساكن الجنات إسماعيل باشا بملابسه الملكية. # وكانت ولاية مصر تنتقل من العائلة الخديوية إلى من يختاره جلالته بقطع النظر عن علاقته ~~بالوالي السابق، وكان ولاة مصر يلقبون بالعزيز أو الوالي أو الباشا، وإذا لقبوا أحيانا ~~بالخديوي فإنما يكون ذلك على سبيل التجمل والتفخيم. أما إسماعيل باشا فهو أول من نال رتبة ~~الخديوية ولقب الخديوية، فأصبحت ولاية مصر إرثا صريحا في نسله ينتقل منه إلى أكبر أولاده، ~~ومنه إلى أكبر أولاده وهكذا على التعاقب. وذلك بناء على نص الفرمان الصادر في 12 جمادى ~~الأولى سنة 1290ه أو 8 يوليو سنة 1873م، وقد امتاز سمو إسماعيل باشا عن سائر ولاة مصر قبله. ~~بأنه حبب سكنى الديار المصرية إلى الأجانب من جالية أوربا وأميركا وغيرهما بما مهده من ~~وسائل الراحة والطمأنينة، مع الأخذ بناصرهم وتأييد مشروعاتهم وتنشيطهم وتوسيع نطاق التجارة، ~~فتقاطروا إليها أفواجا وأقاموا فيها على الرحب والسعة لما آنسوه من الكسب الحسن والعيش ~~السهل. # وفي عام 1869م احتفل إسماعيل باشا بافتتاح قناة السويس، وكان قد بوشر بحفرها على عهد سعيد ~~باشا. فحضر ذلك الاحتفال جميع ملوك أوربا أو من يقوم مقامهم، وكان له رنة بلغ صداها أربعة ~~أقطار المسكونة لما أعده إسماعيل باشا من وسائل الزينة، مما قد تقصر عنه همم الملوك العظام. ~~وفي هذه الأثناء بنى الأوبرا الخديوية بالقاهرة؛ لتكون مسرحا يشاهد فيه ضيوفه صنوف ~~التمثيل. وكانت المدة غير كافية لتشييد ذلك البناء، فبذل الدراهم والدنانير فلم يمض خمسة ~~أشهر حتى تم البناء وسائر معدات التمثيل على ما نشاهد الآن. وهو من المراسح التي لا مثيل ~~لها إلا في عواصم أوربا العظمى. # ومما اختص به ms040 سموه من الشرف العظيم دون سواه من الولاة، أن ساكن الجنان السلطان عبد ~~العزيز حلت ركابه في القطر المصري في السنة الأولى من ولاية إسماعيل فلاقى ترحابا ~~عظيما. # وفي سنة 1872م تعدى الأحباش على حدود مصر مما يلي بلادهم وأسروا بعضا من رعايا مصر، فبعثت ~~الحكومة المصرية بطلب ردهم فجرت المخابرات فآل ذلك إلى حرب جرد فيها إسماعيل باشا حملة نال ~~على أثرها الصلح، وفي سنة 1873م شخص رحمه الله إلى دار السعادة فاحتفل بقدومه فعاد وقد حاز ~~رضى الحضرة الشاهانية ورجال المابين الهمايوني. وفي تلك السنة احتفل بزواج أنجاله الثلاثة ~~وهم المرحوم توفيق باشا الخديوي والبرنس حسن باشا والمرحوم السلطان حسين الأول احتفالا ~~واحدا تحدث به الناس زمنا طويلا، ومما زاد ذلك الاحتفال بهجة أنهم نالوا عندئذ رتبة ~~الوزارة الرفيعة معا. # ولنأت الآن إلى أمر هو أهم الأمور المتعلقة بالخديوي إسماعيل، وعليه مدار ما آل إليه أمره ~~نريد به أمر الديون التي تعاظمت على مصر في أيامه. وإيضاحا لذلك نذكر ملخص تاريخ الدين ~~المصري. فأول من وضع جرثومته المرحوم سعيد باشا سنة 1892م، وقدره الاسمي «3292890» جنيه ~~بفائدة 7 في المائة. وفي السنة التالية تولى إسماعيل باشا الأريكة الخديوية، فأخذ في البذل ~~والنفقات في التشييد والبناء وتوسيع الشوارع وإقامة الحدائق وغير ذلك، حتى زادت النفقات على ~~دخل البلاد، فبلغت الديون نحو مائة مليون جنيه حتى آل الأمر إلى مداخلة الدول الأجنبية ~~للمحافظة على أموال رعاياها أصحاب الديون، فتخابرت الدول وتشاورت في أحسن الوسائل لضمان تلك ~~الأموال واستهلاكها، فألفت لجنة دولية مشتركة سموها لجنة صندوق الدين العمومي صدر الأمر ~~العالي بتشكيلها في 2 مايو سنة 1876م، وورد في ذلك الأمر أن هذا الصندوق قد أنشئ لتأمين ~~أرباب الديون على ديونهم، واستلام ما يستحق لهم من الفوائد وغيرها. وأن الحكومة لا يجوز لها ~~تجديد قرض إلا بالاتفاق مع صندوق الدين. وأن الدعاوى التي يتراءى لصندوق الدين رفعها على ~~الحكومة تنظر في المجالس المختلطة. # وكانت الديون المصرية قسمين: دين الحكومة ودين الدائرة السنية، ms041 فضموها في 7 مايو من تلك ~~السنة إلى دين واحد فبلغ قدره 91 مليون جنيه، وسموه الدين الموحد بفائدة 7 بالمائة ويتم ~~استهلاكه في 95 عاما، ثم رأى إسماعيل باشا أن توحيده على هذه الصورة لا يتيسر له إتمامه، ~~فأصدر في 18 نوفمبر منها أمرا يقول فيه: أن تصدر الحكومة المصرية عليها سندات بمبلغ 17 ~~مليون جنيه تكون ممتازة برهن خصوصي هو السكة الحديدة المصرية، وميناء الإسكندرية وفائدته 5 ~~بالمائة وسماه الدين الممتاز. # على أن كل هذه الوسائل لم تكن كافية لإقناع الدول؛ لأن الحكومة لم تكن تقوم باستهلاك ~~الدين حسب الشروط، فعينت الدول عام 1878 لجنة مالية مختلطة لمراقبة حسابات الحكومة المصرية، ~~فرأت فيها عجزا مقداره مليون ومائتا ألف جنيه، فتنازل إسماعيل باشا عن أملاكه الخاصة، ~~وأملاك عائلته للحكومة، وهي التي تعرف بأملاك الدومين، وتقرر في تلك السنة استقراض ثمانية ~~ملايين ونصف، وجعلوا أملاك الدومين رهنا لها، وهذا الدين هو المعروف بدين روتشيلد. # وكانت أعمال الحكومة المصرية تجري بمقتضى إرادة الخديوي رأسا، أما بعد تداخل الأجانب في ~~أحوال المالية، فلم ير إسماعيل بدا من جعل حكومته شورية، فشكل مجلس النظار برئاسة نوبار ~~باشا، وصادق على تعيين ناظرين أحدهما إنجليزي، وهو المستر ولسن للمالية والآخر فرنساوي وهو ~~المسيو بلينير للأشغال العمومية، فرأى مجلس النظار أن يقتصد شيئا من نفقات الجند فرفت ~~جانبا منهم، فثار المرفوتون وجاء جماعة منهم، وفيهم 400 ضابط إلى نظارة المالية وأمسكوا ~~بنوبار باشا والمستر ولسن وطلبوا إليهما دفع ما تأخر لهم من رواتبهم، وخاطبوهم بعنف وشدة ~~حتى علت الضوضاء، وكادت تئول إلى ثورة لولا أن أقبل إسماعيل باشا وخاطب الجند ووعدهم وأمر ~~بانصرافهم. أما هم فحالما رأوه ذعروا، وكأنه جاءهم برقية أو سحر فانكفئوا راجعين، والمظنون ~~أن ذلك حصل بالتواطؤ من قبل. # نوبار باشا. # ثم استقال الوزيران نوبار ورياض تخلصا من عبء التبعة لما آنسوه في أعمال الخديوي من ~~الخطر، فشكل مجلسا آخر برئاسة ابنه توفيق باشا على أن ذلك لم يقلل من القلاقل؛ لأن الداء ms042 ~~لم يكن في المجلس ولكنه كان في مقاصد إسماعيل؛ لأنه استعظم أغلال يديه بمجلس فيه ناظران ~~فقلب هيئة ذلك المجلس في 7 أبريل عام 1879، وأخرج الناظرين الأجنبيين وعهد برئاسة المجلس ~~إلى المرحوم شريف باشا، فعظم ذلك على دولتي إنكلترا وفرنسا؛ لأنهما اعتبرتا تلك المعاملة ~~إهانة لهما، فعمدتا إلى الانتقام فسعتا في ذلك لدى الباب العالي سرا وجهرا وفي 25 يونيو ~~سنة 1879 صدر الأمر الشاهاني بإقالته، وتولية المغفور له توفيق باشا، وفي 30 منه، وقيل: في ~~29 سافر إسماعيل باشا من القاهرة إلى الإسكندرية، ومنها إلى أوربا وما زال بعد سفره مقيما ~~في أوربا حتى أفضت به الحال إلى الإقامة في الأستانة العلية، فأقام فيها إلى أن توفاه الله ~~في 6 مارس عام 1895م، وله من العمر 65 عاما فحملت جثته إلى مصر، ودفنت فيها باحتفال لم ~~يسبق له مثيل. # أعماله وآثاره # قلنا: إن إسماعيل باشا كان شغفا بتنظيم المدن حتى قيل: إنه يريد أن يجعل القاهرة ~~تضاهي باريس في النظام والترتيب، فنظم طرقها ووسعها وأكثر من فتح الشوارع الجديدة، ~~وبناء الأبنية الفاخرة كالأوبرا الخديوية والقصور الباذخة في القاهرة والإسكندرية، ~~وأعظم تلك الأبنية سراي الجيزة وهي مما تقصر عنه همم الملوك حتى ضربت بها الأمثال، ~~وأنشأ المتحف المصري في بولاق والمكتبة الخديوية بالقاهرة وهما من أجل الآثار وأنفعها، ~~وأما المتحف فقد أنشأه بأمره ماريت باشا وقبره فيه وكان المتحف أولا في بولاق، ثم نقل ~~على عهد الخديوي توفيق إلى سراي الجيزة، وهو اليوم في بناية فخمة شيدت له خاصة بجوار ~~قصر النيل. أما المكتبة فقد كانت أولا في درب الجماميز، ثم أقيم لها بناء خاص في ميدان ~~باب الخلق نقلوها إليه، والمكتبة نفيسة تفتخر بها مصر على سائر الأمصار الشرقية؛ لما ~~حوته من الآثار العلمية وبينها جانب كبير من الكتب الخطية التي يعز وجودها. # ومن أعماله أنه جر الماء بالأنابيب إلى بيوت العاصمة، وكان الناس يستقون قبلا بالقرب ~~والصهاريج، وعمم زرع الأشجار في المدن وضواحيها، وأنار القاهرة بالغاز، وتدارك ما ms043 ينجم ~~عن الحريق فاستجلب آلات الإطفاء. # وهو الذي نظم معظم فروع الإدارة على ما هي عليه الآن فقسم القطر المصري إلى 14 ~~مديرية، وعين لها المراكز، وأسس مجلس النواب ونظمه ونظم مجلس القضاء الأهلي والقضاء ~~الشرعي، وجعل لكل روابط وحدودا، ووضع نظام المجالس الحسبية، وأنشأ مجلس حسبي القاهرة. ~~وعلى عهده أنشئت المجالس المختلطة بمساعي نوبار باشا، وقد أراد بها تقليل نفوذ القناصل ~~وحصر النفوذ الأجنبي، ولكنها كانت سببا لزيادة النفوذ واتساع دائرة المداخلة. وكانت ~~مصلحة البريد قبلا شركات أجنبية، فأنشأ مصلحة البوسطة المصرية، وجعلها من المصالح ~~الأميرية كما هي الآن وحسن مطبعة بولاق وزاد فيها، وأمر بترجمة الكتب المفيدة وطبعها ~~ونشرها، وأسس معملا للورق ونشط المطبوعات فلم يكن في القاهرة قبله إلا جريدة الوقائع ~~المصرية، ولم تكن تصدر على نظام فجعل لها إدارة خاصة بها. وتكاثرت على عهده المطابع ~~والجرائد العربية كجريدة التجارة ومصر والوطن والأهرام والكوكب الإسكندري وغيرها، ~~وبالجملة فقد كان للعلم في أيامه نهضة مرجع الفضل فيها إليه؛ لأنه كان يقرب العلماء ~~ويجيز المجيدين منهم، ويأخذ بناصرهم ماديا وأدبيا، وكان يشهد الاحتفال بامتحان ~~التلامذة بنفسه، ويسلم الجوائز لمستحقيها بيده وقد يقف عند تقديمها تنشيطا لهم. # ولم يكن في القطر المصري يوم توليه إلا خط حديدي ممتد بين القاهرة والإسكندرية، فأنشأ ~~كثيرا من الخطوط الأخرى الممتدة إلى سائر أنحاء القطر شمالا وجنوبا وشرقا وغربا، ~~ومد أسلاك التلغراف حتى وصلها إلى السودان، وقد بلغت نفقات الخطوط الحديدية والآلات ~~التجارية والعربات والآلات التلغرافية، التي أحدثها بين عام 1281ه و1290ه 9658327 ~~جنيها على تقدير المرحوم صالح مجدي بك. # ومن آثاره مدينة الإسماعيلية بناها على قنال السويس وسماها باسمه، وجعل فيها الحدائق ~~والقصور. وأنشأ المنارات في البحرين الأبيض والأحمر وزين حديقة الأزبكية بغرس أشجارها، ~~وتسويرها وغيرها من الأعمال الهامة. # ومما تم على يده من الأعمال العظيمة إبطال تجارة الرقيق، وإتمام فتح السودان وإخضاعها ~~فافتتح مملكة دارفور عام 1291ه، وما بعدها حتى بلغت جنوده الدرجة الرابعة من العرض ~~الجنوبي وراء خط الاستواء. وعني بتحسين ms044 أحوال السودان فمهد شلال عبكة، وفتح سدا ~~كبيرا جنوبي مديرية فشودة طوله ستون ميلا كان يعيق مسير السفن في النيل الأبيض، ~~فتسهلت طرق التجارة كثيرا. ومن مآثره تسهيل اكتشاف ما غمض من قارة أفريقيا بمد أصحاب ~~الخبرة. # وخلاصة القول: إن مصر كانت في أيامه زاهية زاهرة والناس في رغد ورخاء، وخصوصا بعد ~~ارتفاع أثمان الأقطان أثناء حرب أميركا، فإن ثمن القنطار الواحد بلغ 16 جنيها، فكان ~~سكان هذا القطر السعيد، وفيهم الكاتب والشاعر والتاجر والصانع يتحدثون بمآثره وأنعامه ~~وتنشيطه. # صفاته # كان إسماعيل باشا ربعة ممتلئ الجسم قوي البنية عريض الجبهة كث اللحية مع ميل إلى ~~الشقرة، أما عيناه فكانتا تتقدان حدة وذكاء مع ميل قليل نحو الحول أو أن إحداهما أكبر ~~من الأخرى قليلا. # وكان جريئا مقداما ذا قوة غريبة على إقامة المشروعات، كثير العمل لا يعرف التعب ولا ~~الملل ولا مستحيل عنده. وكان ساهرا على مجريات حكومته لا تفوته فائتة، وأما أعمال ~~الدائرة السنية فقد كان يطلع على جزئيات أعمالها وكلياتها، فلا يباع قنطار من القطن إلا ~~بمصادقته. # وكان عظيم الهيبة جليل المقام لا يستطيع مخاطبه إلا الانقياد إلى رأيه، حتى قيل على ~~سبيل المبالغة: إن الذين يخاطبونه يندفعون إلى طاعته بالاستهواء أو النوم ~~المغنطيسي. # وكان حسن الفراسة قل أن ينظر في أمر إلا استطلع كنهه، فإذا نظر إلى رجل عرف نواياه أو ~~تنبأ بمستقبل أمره. ومما يتناقلونه عنه أنه أدرك مستقبل أحمد عرابي وهو لا يزال ضابطا ~~صغيرا، فأوصى المغفور له الخديوي توفيق باشا أن لا يرقيه؛ لئلا يتمكن من بث نواياه ~~الثورية فتقود إلى ما لا تحمد عقباه. # وكان يتكلم الفرنسوية جيدا وهي اللغة التي يخاطب بها الأجانب، ويحسن العربية ~~والتركية والفارسية ويحب الفخر والبذخ. # أما وصيته فإنه كان قد أضاف 4700 أو 4800 من أطيانه في أيام ولايته إلى الأطيان ~~الموقوفة على أهل قوالة وقدرها 10 آلاف فدان في كفر الشيخ، وجعل لنفسه الشروط العشرة في ~~هذا الوقف بما فيها من حق التغيير والإبدال. ثم آلت ms045 نظارة هذا الوقف إليه ففصل 4700 ~~فدان التي أضافها إليه عملا بحقه، ووقفها على حاشيته كلها، ولم يستثن منها أحدا حتى ~~من كان فرنسيا كسكرتيره أو إنكليزيا كطبيبه، أو غيرهما من الأتباع والجواري اللواتي ~~يبلغ عددهن 450 جارية، عدا 400 بيضاء كان قد زوجهن بأعيان مصر قبل مفارقته هذه ~~البلاد. # وقد أقام صديقه الحميم راتب باشا وكيلا لحرمه، وأوصى أن يعطى 150 جنيها شهريا، ~~وأن تعطى حرمه 50 جنيها شهريا، وأن يضاف راتبها إلى راتبه إذا توفيت في حياته. ويؤخذ ~~راتبهما كليهما من تفتيش إيتاي البارود. وتئول نظارة وقف قواله بعده إلى حضرة صاحبة ~~العصمة الأميرة زبيدة هانم بنت محمد علي باشا الصغير بن محمد علي باشا الكبير، وتئول ~~نظارة وقف القصر العالي إلى الأمير عثمان باشا فاضل؛ ولهذا الوقف بيوت ونحو 1200 فدان ~~من الأطيان، ويبلغ دخله نحو 5 آلاف جنيه سنويا. # وقد ترك سراي الزعفران لحرمه الثلاث، وكذلك كل منقولاته وقيمتها غير معلومة. # | ترجمة ساكن الجنان محمد توفيق باشا # هو أكبر أنجال المرحوم إسماعيل باشا الخديوي الأسبق، ولد سنة 1852 وأدخله والده مدرسة ~~المنيل وسنه تسع سنوات، فدرس فيها اللغة والجغرافية والتاريخ والطبيعيات والرياضيات واللغات ~~العربية والتركية والفرنساوية والإنكليزية، وكان ميالا للعلم من صغر سنه، فأحرز منه جانبا ~~أهله لرئاسة المجلس الخصوصي في حياة والده، وسنه 19 سنة، ثم تقلد نظارة الداخلية ونظارة ~~الأشغال ورئاسة مجلس النظار. # محمد توفيق باشا (ولد سنة 1852 وتوفي سنة 1892). # ولما بلغ الحادية والعشرين من عمره تزوج بكريمة المرحوم إلهامي باشا، وهي مشهورة بالجمال ~~والتعقل والكمال. وفي السنة التالية «1874» ولد ولده البكر فسماه عباس حلمي، ثم ولد الأمير ~~محمد علي سنة 1877 والأميرة خديجة هانم سنة 1877 والأميرة نعمت هانم سنة 1881. # وما زال يتقلد المناصب في عهد المرحوم أبيه حتى قضت الأحوال بإقالته كما تقدم في ترجمته، ~~فاستلم رحمه الله أزمة الأحكام في 26 مايو 1879، وجاء الفرمان الشاهاني المؤذن بذلك. ~~وكان مشهورا بحبه للوطن المصري، وقد شعر باحتياجه إلى الحرية والرفق بالرعية، فخفف ms046 الضرائب ~~ونظر في تأمين أصحاب الديون، وفي أيامه تشكلت لجنة التصفية، وأنشأت قانونها فصادق هو عليه ~~ثم طاف القطر المصري لتفقد الرعية واستطلاع أحوالهم، فدرس في أثناء تلك الرحلة ما يحتاج ~~إليه القطر من الإصلاح، ولما عاد عمد على إصلاح حال الفلاح من ناحية ما عليه من الضرائب، ~~فأمر بتقسيط الأموال والعشور على أشهر معلومة، وأن تقتضى من الكبير والصغير على السواء، مع ~~اتخاذ الرفق في تحصيلها، ومن تأخر عن السداد تباع أرضه. فانتظمت الأحوال أحسن ~~انتظام. # ثم وجه عنايته إلى إصلاح شؤون المعارف فأمر بإنشاء المدارس العالية والابتدائية، ووسع ~~دوائر المدارس التي أنشأها آباؤه، ونظم شؤونها وجعل للبلاد نظامات شورية، وشكل مجالس ~~المديريات ومجلس شورى القوانين والجمعية العمومية. # وفي أيامه أنشئت المحاكم الأهلية وتحسنت حال الري بإنشاء الترع وبناء القناطر الخيرية ~~ورفع العونة والسخرة، وأنشأ لائحة المستخدمين الملكية والعسكرية ومعاشاتهم. # وكان مع سهره على مصالح رعاياه تقيا ورعا بنى المساجد ونظر في الأوقاف الخيرية، وأصلح ~~فيها وكان شفوقا على رعاياه كثير الرفق بهم، فأكثر من تنشيط أهل العمل بالرتب والنياشين، ~~وكانت الرتب على عهد أبيه تستلزم زيادة الرواتب، فلما كثرت في أيامه جعلها لا تستلزم ~~الرواتب، بل هي علامة شرف من أمير البلاد. # وكأنه بالغ في إكرام الناس وزاد في إطلاق الحرية قبل استعداد البلاد لها، فانقلب النفع ~~المنتظر منها إلى ضرر، فحدثت الثورة الوطنية المعروفة بالثورة العرابية مما سنأتي على ذكره بعد. # المرحوم رياض باشا رئيس مجلس النظار. # وعندما كانت الإصلاحات التي ذكرناها سائرة في طريق تقدم البلاد، كانت روح الأشياء تتمشى ~~في الجيش يوما بعد يوم؛ ذلك لأن معظم الترقي بين الضباط كان قاصرا على الأتراك والشراكسة، ~~وقلما وجد وطني متقلدا إحدى الرتب والألقاب السامية، وكان الضباط المصريون يتوقعون أن ينال ~~الجيش شيئا من الإصلاح العام، الذي دخل البلاد فلم يحظوا بأمنيتهم، فحقدوا على الحكومة ~~وازداد سخطهم، حينما أصدر «عثمان رفقي باشا» الشركسي ناظر الحربية قانون القرعة القاضي بمنع ~~الترقي من تحت السلاح، إذ جعلت فيه مدة ms047 الخدمة العسكرية في الجيش العامل أربع سنوات فقط، ~~يذهب الجندي بعدها إلى بلده «رديفا» خمس سنوات، واحتياطيا ست سنوات والمدة الأولى غير ~~كافية للحصول على معلومات عسكرية تؤهل الجندي للرقي. عند ذلك تضجر بعض الضباط المصريين ~~بزعامة علي فهمي وأحمد عرابي وعبد العال حلمي من أمراء الآلايات، وقرروا الاحتجاج على ذلك ~~بإرسال معروض إلى رياض باشا رئيس النظار يطلبون فيها: # أولا: # عزل «رفقي باشا» من وزارة الحربية. # ثانيا: # إجراء تحقيق في كفاءة من فازوا بالترقي حديثا بدون استحقاق. # أحمد عرابي باشا زعيم الثورة العرابية. # وكان المعروض شديد اللهجة، فأدى إلى سلوك الحكومة مسلكا جعل هذه الحادثة فاتحة «للثورة ~~العرابية». # ولم يكن أحمد عرابي المحرك الأول لهذه الثورة، وإنما كان المحرك لها «علي فهمي بك»؛ لأنه ~~أمير الألاي المعهود إليه حراسة القصر الخديوي، وكان قد أوقع به رفقي باشا عند الخديوي لأمر ~~في نفسه، فحقد عليه علي فهمي وعمل على النكاية به، أما إطلاق لفظ «العرابية» على هذه ~~الحوادث؛ فلأن أحمد عرابي هو الذي بعد انضمامه إلى أصحاب الحركة الأولين، ظهر عليهم حتى صار ~~هو المحرك لكل شيء فيما بعد، والسبب في ظهوره على غيره أنه كان قبل الانضمام إلى الجيش يطلب ~~العلم بالأزهر الشريف، فكانت له مقدرة متوسطة في الخطابة لم تكن عند غيره من الضباط، فضلا ~~عن انتمائه للبيت النبوي الشريف يرشحه لأكبر زعامة إسلامية، فأصبح بكل هذا صاحب المقام ~~الأكبر في الثورة، واعتقد الناس في إخلاصه؛ لأنهم لم يروا له غرضا خاصا مما كان في غيره ~~من أصحاب هذه الحركة. # أما المعروض الآنف الذكر فقدمه إلى رياض باشا أحمد عرابي وعلي فهمي بأنفسهما في 13 صفر ~~سنة 1298ه الموافق 15 يناير سنة 1881م، فألح عليهما أن يسترجعاه، وهو في نظير ذلك يبذل غاية ~~وسعه في تلبية مطالبهما، فلما لم يذعن الضابطان وسمع الخديوي بالأمر استشاط غضبا وأمر ~~بتأديب هؤلاء العصاة، وقمع روح الفتنة من الجيش. وفي يوم 28 صفر سنة 1298ه/30 يناير سنة ~~1881، عقد مجلس برئاسة الخديوي، وقرر ms048 القبض أولا على الضابطين المشار إليهما ومحاكمتهما ~~أمام مجلس حربي، ثم النظر في مظالمهما. # وفي غرة ربيع الأول استدعي الضابطان إلى نظارة الحربية دون أن يخبرا بأن ذلك لمحاكمتهما. ~~ولكن قرار مجلس النظار كان قد بلغهما سرا فاتفقا مع ضباط فرقهما ورجالهما على أن هؤلاء إن ~~وجدوا أن رئيسيهما لم يعودا بعد ساعتين يذهبوا لإنقاذهما بالقوة. ولما بلغ الضابطان نظارة ~~الحربية (قصر النيل) قبض عليهما، وأحيلا في الحال على مجلس عسكري لمحاكمتهما. # فبينما هذا المجلس مجتمع إذ هجم ضباط الآلايين ورجالهما، وأخرجوا رئيسيهما من حجرة اجتماع ~~المجلس بعد أن عبثوا بأثاثها وأهانوا ناظر الحربية. ثم سار أحمد عرابي وعلي فهمي بجندهما ~~إلى قصر عابدين وطلبا من الخديوي عزل ناظر الحربية. # وبعد أن نظر الخديوي في حرج الأمر لم ير بدا من إجابة طلبهما، فاستبدل عثمان رفقي باشا ~~بمحمود باشا سامي، ففرح الثوار وطلب فهمي بك وعرابي بك العفو من الخديوي، بعد أن أعربا له ~~عن رغبتهما في الولاء لسموه فصفح عنهما. # وبعد أن عزل الخديوي ناظر الحربية أمر بتشكيل لجنة للنظر في مظالم رجال الجيش، ورفع رواتب ~~الضباط والجند المصريين، وأعلن أنهم سيكونون في مستوى واحد مع غيرهم من الأتراك والشراكسة. ~~وبالاختصار هدأت الأحوال قليلا وكان يظن أن الخطب انتهى عند هذا الحد. # على أن رجال الجيش لم يهدأ روعهم وعاشوا في خوف من الخديوي، خشية أن يعاقبهم على ثوراتهم، ~~وكانوا يرون كل يوم من الشبهات ما زاد اضطرابهم، خصوصا أن ناظر الحربية الجديد (محمود سامي ~~باشا) عزل ونصب مكانه «داود باشا ابن أخي الخديوي». # وفي مساء 13 شوال/8 سبتمبر ذهب إلى بيت عرابي رجل غير معروف، فلم يسمح له بالدخول فراب ~~عرابي أمره وذهب في الحال؛ ليقص ذلك على زملائه من الضباط، وإذا بهم قد حدث لهم هذا الأمر ~~بعينه فأيقنوا أن هناك مكيدة مدبرة لاغتيالهم. # مظاهرة عابدين # وازداد اعتقادهم يقينا عندما أصبحوا فرأوا أن الأوامر صدرت «للآلاي الثالث» من ~~المشاة بالسفر إلى الإسكندرية. فهاجوا وماجوا وسار عرابي بقسم ms049 من الجيش يبلغ 2500 جندي ~~معهم 18 مدفعا إلى ميدان عابدين، واصطفوا أمام قصر الخديوي في 15 شوال/9 سبتمبر يريدون ~~مطالب جديدة - فهال الخديوي الأمر، وطلب (السير أوكلند كلفن) المراقب الإنجليزي «وكان ~~هذا قد نصب مكان السير بارنج، الذي نقل إلى منصب آخر في الهند، ودعي بعد ذلك باللورد ~~كرومر»؛ ليستشيره فيما يجب عمله فحضر وسار مع الخديوي إلى قصر عابدين ونصح له بالظهور ~~بالثبات، وأن لا ينسى أنه مليك البلاد وأن له هيبة تصغر أمامها كل شجاعة لعرابي ~~ورجاله. # فنزل الخديوي إلى الميدان فتقدم إليه عرابي ليعرض مطالبه وكان ممتطيا جواده وبيده ~~حسامه، فناداه الخديوي أن «ترجل واغمد سيفك»، ففعل ذلك بالامتثال الواجب للملوك. ثم ~~سأله الخديوي عما يقصد من عمله هذا «فقال: يا مولاي للأمة ثلاثة مطالب قد أتى الجيش إلى ~~هنا للحصول عليها بالنيابة عن الأمة ولن ينصرف حتى يحظى بها.» # عند ذلك أشار «السير أوكلند كلفن» على الخديوي أن لا يناقش الجند في هذه الأمور حفظا ~~لكرامته، وأن يدخل القصر ويترك له المفاوضة معهم فيما يريدون، فخاطب السير أولكند كلفن ~~الجيش وشرح لهم حرج الحالة، ونصح لهم بالانصراف قبل أن يتفاقم الخطب، فتمسك الثائرون ~~بمطالبهم وهي: ~~(1) # عزل جميع النظار وتشكيل نظارة جديدة. ~~(2) # تشكيل مجلس نيابي للأمة. ~~(3) # زيادة عدد الجيش إلى 18000 ألف. # وبعد المداولة رضي الخديوي بعزل النظار مع إرجاء الفصل في المطلبين الآخرين إلى أن ~~يأخذ رأي الباب العالي. # فقبل عرابي ذلك وانصرف الجيش داعيا للخديوي بطول البقاء، وطلب عرابي من الخديوي أن ~~يصفح عنه فكان له ذلك. # غير أن عرابي داخل نفسه الغرور فبالغ في ادعاء ما ليس من حقه، فأصدر في 9 سبتمبر ~~منشورا لقناصل الدول يطمئنهم فيه على رعايا دولهم، ويخبرهم أنه المؤاخذ على حفظ ~~النظام، وهو حق غريب استباحه لنفسه، وكان الأجدر تركه لأمير البلاد أو لأحد وزرائه. ~~فشكلت النظارة الجديدة برئاسة شريف باشا بعد أن أخذ تعهدا من رؤساء الحزب العسكري ~~بالامتثال لأوامره، فتهدئة للأفكار أرسل عرابي مع «ألايه» إلى ms050 رأس الوادي، وعبد العال ~~مع ألايه إلى دمياط، فامتثلا، وأثناء غيابهما عن القاهرة حضر وفد من قبل الباب العالي ~~للنظر فيما سمعته الدولة من المشاكل الجارية في مصر، فوجد ظاهر الأمور هادئا فأعلم ~~الدولة بذلك. وبعد سفر الوفد أصدر الخديوي أمرا في 26 محرم سنة 1299ه/18 ديسمبر سنة ~~1881م بتنصيب محمد سلطان باشا رئيسا لمجلس شورى النواب. # فاجتمع الأعضاء وشكلت منهم لجنة لمراجعة قانون المجلس. فأقرت اللجنة أكثر المواد إلا ~~ما تعلق منها بميزانية الحكومة. إذ رأت اللجنة أن للمجلس الحق في مراجعتها مع أن شريف ~~باشا قد تذرع بالقانون إلى عدم جواز ذلك للمجلس؛ عملا برغبة المراقبين والدول الأوربية ~~خوفا من تطرق الاضطراب ثانية إلى الشؤون المالية. # وكانت عرى الاتفاق بين الأعيان ورجال الجيش قد وثقت، فعين الخديوي عرابي وكيلا ~~لنظارة الحربية سنة 1299ه/يناير سنة 1882، وأنعم عليه برتبة باشا إرضاء لذلك الحزب، ~~فتمسكت اللجنة برأيها ولم ير شريف باشا وسيلة لإجابة طلبها لعلمه أن الدول لا تسمح ~~بذلك. # وكانت الحكومة الفرنساوية منذ مظاهرة 9 سبتمبر سنة 1881م، ترى وجوب بسط إنجلترا ~~وفرنسا شيئا من الإشراف على الديار المصرية. # محمد سلطان باشا رئيس مجلس شورى النواب المصري. # فأرسلتا مذكرتين إلى شريف باشا عن يد معتمديهما في مساعدة الخديوي، ومساعدة حكومته ~~للتغلب على المصاعب المتنوعة، التي تزيد الارتباك والقلق في القطر المصري، فراب الأمر ~~أعضاء مجلس الشورى وتمسكوا برأيهم في أمر الميزانية. ولما رأوا أن شريف باشا يعارضهم ~~طلبوا إلى الخديوي إقالته فاستقال، ثم شكل الخديوي وزارة جديدة في 26 ربيع الأول سنة ~~1295ه/فبراير سنة 1882 برئاسة «محمود باشا سامي البارودي»، طبقا لرغبة أعضاء المجلس، ~~وجعل أيضا عرابي باشا ناظرا للحربية فيها. على أن إذعان الخديوي لرغبة الأعيان بهذه ~~الصفة كان يقصد به حلا عاجلا للمشكلة، ريثما يتم الاتفاق على من يوكل إليه قمع هؤلاء ~~الثوار بالقوة، وبمجرد تشكيل الوزارة الجديدة أخذ نفوذ الحزب العسكري في الازدياد يوما ~~بعد يوم؛ لأن رئيسها من المنتمين للحزب العسكري وتعيين عرابي ناظرا للحربية وهو ms051 أكبر ~~عامل في الثورة. # وفي يوم 20 فبراير كتب السير إدوارد ملت المعتمد البريطاني بمصر إلى حكومته، يخبرها ~~بأن المراقبة الثنائية أصبحت اسمية فقط، ثم زادت الوزارة الجديدة عدد الجيش ورفعت رواتب ~~رجاله بلا اكتراث بما يصيب الميزانية. فجر كل ذلك إلى اشتداد الخلاف بين الخديوي ~~ونظاره، وتفاقم الخطب حتى كان يظن أن العرابيين يرمون إلى عزل الخديوي، وتنصيب محمود ~~باشا سامي مكانه، كل هذه الأعمال حركت همة الدول الأوربية من جديد. # المرحوم محمود باشا سامي البارودي «رئيس مجلس النظار» # ورأت الحكومة الإنجليزية أن يطلب إلى الباب العالي أن يصدر أمرا إلى مصر يعضد به ~~الخديوي، ويستدعي زعماء الثورة إلى الأستانة للإجابة عن عملهم. فوافقت على ذلك الحكومة ~~الفرنساوية بعد تردد وفي 8 رجب/26 مايو قدم معتمدا إنجلترا وفرنسا مذكرة إلى رئيس مجلس ~~النظار طلبا فيها استقالته من الوزارة، وإبعاد عرابي باشا عن القطر المصري مؤقتا مع ~~حفظ راتبه وألقابه. وأن يقيم عبد العال باشا وعلي فهمي باشا في الأرياف. ولهما أيضا ~~رواتبهما وأوسمتهما. فاستقالت الوزارة ولكن لم يسافر أحد ممن ذكروا في المذكرة. # أما الأسطول الإنجليزي والفرنسي فقد وصلا إلى مياه الإسكندرية حسب الاتفاق، وكان قائد ~~السفن الإنجليزية «السير بوشمب سيمور»، فلما وصل وجد النفوذ كله في المدينة بيد الحزب ~~العسكري، وأن الأحوال في هياج واضطراب، فأخبر دولته بذلك وكانت الوفود من الأعيان ~~والعلماء وغيرهم، تذهب إلى الخديوي يرجونه إرجاع عرابي إلى منصبه فلم يقبل منهم. # المرحوم محمود باشا سامي البارودي رئيس مجلس النظار. # أما الباب العالي فإنه لما بلغه رجاء إنجلترا وفرنسا أراد أن يظهر بمظهر صاحب السيادة ~~في البلاد، وقال: إنه سيرسل سفيرا من قبله لفحص المسألة، وأنه لا داعي لبقاء أساطيلها ~~بالإسكندرية، فلم توافق الدولتان على ذلك ورأت أن مجرد بقائها بالمياه المصرية يكفي ~~لإرهاب الثائرين وإلقاء الرعب في قلوبهم، ودعت إنجلترا وفرنسا الدول الأوربية إلى مؤتمر ~~الأستانة؛ للنظر في المسألة المصرية، ودعي الباب العالي، فلم يرض بإرسال مندوب من قبله ~~اعتقادا أن حل المسألة المصرية ms052 من شأنه هو لا من شأن مؤتمر يعقده غيره من الدول. ثم ~~أسرع إلى إرسال المشير مصطفى درويش باشا مبعوثا من قبله إلى مصر؛ لتفقد أحوال ~~العسكرية. ومن الغريب أن الباشا المذكور قال في تقريره إلى الحضرة السلطانية: أن ~~العساكر محافظة على الطاعة، وطلب لضباط الجيش نحو 200 وسام منها الوسام المجيدي من ~~الطبقة الأولى لعرابي نفسه. # ثم اشتد غلو الحزب العسكري وأخذ يجمع الجيوش ويعد العدة، فزاد خوف الأوربيين المقيمين ~~بالبلاد، حتى إن سكان الإسكندرية منهم تأهبوا للدفاع عن أرواحهم عند الحاجة، وبقيت ~~الأحوال نزداد صعوبة واضطرابا حتى جاءت تلك الحادثة المشئومة الشهيرة بحادثة 11 يونيو ~~أو «واقعة الأحد». # وأصل هذه الحادثة أنه في 24 رجب سنة 1299ه/11 يونيو 1882، تشاجر رجل مالطي مع مكاري ~~مصري في الإسكندرية لامتناع المالطي عن إعطاء الأجر الكافي نظير ركوب حمار المكاري. ~~وكان المالطي ثملا بالخمر. فطعن المكاري بمدية فانتصر لكل منهما قوم من أبناء جلدته، ~~فتذمر بعض الرعاع من الوطنيين وأرادوا أن يثأروا من الأوربيين، ولا سيما أن حوادث ~~الحركة العرابية كانت قد أوغرت صدور بعض الفريقين من بعض، وابتدأ الأوربيون يطلقون ~~النيران من نوافذ بيوتهم على كل مار من الوطنيين. فازداد غضب المتجمهرين، وتضاعف الخطأ، ~~ولم يوجد من يزجر الرعاع أو يشرح لهم ضرر فعلتهم مع تمادي الأوربيين المتحصنين في ~~بيوتهم في إطلاق النار، حتى عظم القتال بين الفريقين ونهب كثير من مخازن المدينة. ثم ~~صدرت الأوامر للجند بتفريق المتجمهرين ، فلم يأت الغروب إلا وقد هدأت الأحوال وسكن ~~الاضطراب، وقبضت الحكومة على كثير ممن وقعت عليهم شبهة القيام بهذه الثورة. # وقد لاحظ قائد الأسطول الإنجليزي بمياه الإسكندرية أن عرابي باشا مهتم بزيادة تحصين ~~قلاع الثغر ليضرب منها أسطوله. فطلب القائد الإنجليزي إبطال هذا التحصين فأخبره عرابي ~~أنه ليس بالقلاع أدنى حركة تحصين جديدة، ولكن «سيمور» أبصر بعد ذلك أن الاستعداد في ~~القلاع قائم على قدم وساق، فأعلن قناصل الدول بالإسكندرية بأنه إن لم تسلم له قلاع ~~المدينة في ظرف 24 ساعة، اضطر ms053 إلى إطلاق نيران أسطوله عليها، وكان ذاك البلاغ في فجر 10 ~~يوليو فلم يجبه عرابي إلى طلبه، فضربت العمارات الإنجليزية المدينة الساعة السابعة من ~~صباح 22 شعبان/11 يوليو سنة 1882م، وعددها أربع عشرة سفينة بين مدرعة ومدفعية، فجاوبتها ~~قلاع الإسكندرية بعد خمس عشرة طلقة، واستمر تبادل النيران بين الفريقين عشر ساعات انتهى ~~بدك تلك القلاع الضعيفة دكا من غير أن يصيب السفن الإنجليزية أذى يذكر. وفي اليوم ~~التالي تراجعت حامية المدينة إلى الداخل، وعند خروجها من الإسكندرية أمر أحد أمراء ~~الآلايات المدعو سليمان داود بغير علم «عرابي» أن تحرق المدينة، فاشتعلت فيها النيران ~~ونهبها الرعاع، وفي يوم 24 و25 شعبان أنزل الأسطول الإنجليزي بعض الجنود تحتل المدينة، ~~فعاد إليها الأمن، وأخذ الأهلون يرجعون إليها بعد أيام قلائل. # ثم أخذت الجيوش الإنجليزية والهندية تفد إلى الإسكندرية لمحاربة عرابي بقيادة «جراند ~~ولسلي»، وكان عرابي قد عسكر بجهة كفر الدوار على بعد بضعة أميال من الإسكندرية، فلما ~~وجد الإنجليز أن موقعه هناك حصين رأوا أن يدخلوا البلاد من الشرق من جهة قنال السويس، ~~وعلم بذلك عرابي فعزم على ردم القناة؛ كي لا تمر منها السفن الإنجليزية، ولكن المسيو ~~ديلسبس حمله على الكف عن هدم هذا العمل الخطير، وقال: إنه يمنع بحق حياد القناة مرور أي ~~سفن حربية منها. فخدع عرابي بأقواله، ولم يقدر ديلسبس طبعا على إنجاز وعده، ونزلت ~~الجنود الإنجليزية من طريق القناة، فاستعد العرابيون للقائهم بجهة «التل الكبير» وكانت ~~أهالي القطر تمد جيش عرابي بحاجاته طوعا أو كرها، حتى اجتمع له من الخيل والبغال شيء ~~كثير. أما موقعة التل الكبير فكانت في السحر الساعة الرابعة من صباح 29 شعبان سنة ~~1299ه/13 ديسمبر سنة 1882م، وكان عدد الجيش الإنجليزي فيها 17400 مقاتل، وجيش عرابي نحو ~~27 ألف جندي، فلتدريب الجنود الإنجليزية وحسن نظامهم انهزم عرابي أمامهم شر هزيمة، ولم ~~تدم الواقعة أكثر من عشرين دقيقة، وفر عرابي نفسه إلى القاهرة وأراد الوقوف للإنجليز في ~~طريق القاهرة، فخذله الناس وانكسرت نفس مساعديه فسار ms054 الإنجليز إلى القاهرة فدخلوها بلا ~~مقاومة، وتسلموا القلاع وباقي الثكنات العسكرية في 22 ذي القعدة سنة 1299ه/15 سبتمبر ~~سنة 1882م، وبذلك ابتدأ احتلالهم للقطر المصري فأيدوا العرش الخديوي، وعادت الطمأنينة ~~إلى الأهلين، وقبض على زعماء الثورة وحوكموا بعقوبات صارمة، ولكن أدركهم عفو خديوي كريم ~~باستبدال عقوبة الإعدام بالنفي، فقابلت الأمة هذه المنة بالشكر العظيم. # هذا وقد ظل رحمه الله 13 عاما بين أسرته الكريمة أميرا محبوبا، وبين رعاياه مليكا ~~مهيبا حتى أدركته منيته ظهر يوم الخميس 7 يناير سنة 1892م، فبكى عليه الرفيع والوضيع، ~~وفي اليوم الثاني احتفل بتشييع جنازته من حلوان إلى مصر، ودفن بمدفن العائلة الكريمة، ~~تغمده الله بالرحمة والرضوان. # | ترجمة سمو عباس حلمي الثاني خديوي مصر السابق # ولد سنة 1874م وتولى عرش مصر في 18 يناير سنة 1892م وخلع في أغسطس سنة 1914. # ولد عباس حلمي باشا ابن المرحوم توفيق باشا بالقاهرة سنة 1874م، فتربى على بساط العز ~~والسؤدد. ولما بلغ أشده أدخله المرحوم والده مع سمو شقيقه الأمير محمد علي مدرسة عابدين ~~التي شادها. فتثقفا بالعلوم والمعارف وظهر عليهما النبوغ، فلما أتما دروسهما فيها أرسلهما ~~والدهما إلى ڨينا، وانتظما في مدرستها الملوكية العليا. وفي أثناء إقامتهما في تلك المدرسة ~~استأذنا والدهما بالتجول في أنحاء أوربا لاستطلاع أحوال تلك المدينة من مصادرها فزارا ~~ألمانيا، وإنجلترا، وروسيا، وإيطاليا، وفرنسا، ولقيا من ملوك هذه الممالك ترحابا حسنا، ~~وزارا الممالك الأخرى. # وفي سنة 1889م، عادا إلى مصر واستأذناه في زيارة معرض باريس لذلك العام فأجابهما إلى ذلك ~~فلقيا هناك ترحابا جميلا، وعادا إلى المدرسة وفي سنة 1891م عادا إلى مصر في أثناء الراحة ~~المدرسية، ثم رجعا إلى المدرسة في ڨينا. # وفي 8 يناير سنة 1892م، جاءهما النبأ البرقي بوفاة الخديوي الأسبق، فأصبح أكبرهما سمو ~~عباس باشا حلمي خديويا على مصر من ذلك اليوم. ثم جاءته رسالة الصدر الأعظم بتثبيته على ~~ذلك العرش فأسرع إلى مقر حكومته، فوصل الإسكندرية في 16 يناير المذكور، فاحتفل القطر المصري ~~بقدومه احتفالا يليق بمقامه. # ويمتاز عصره ms055 في مصر بنهضة الأقلام واتساع نطاق الصحافة، وتكاثر المطابع والجرائد والمجلات ~~والمكاتب وسائر عوامل النهضة العلمية. # وفي هذا العصر أيضا تم فتح السودان وانقضت دولة الدراويش بتعاضد الجيشين الإنجليزي ~~والمصري، وذلك بفضل القائد العظيم المرحوم الارل كتشنر ومعالي إبراهيم فتحي باشا أحد وزراء ~~مصر السابقين، وغيرهما من الضباط البريطانيين والمصريين، الذين توجوا تاريخ حياتهم بتاج ~~الشهامة والإقدام. # وفي شتاء سنة 1901م، رحل سموه إلى السودان؛ لتفقد أحواله فاحتفلوا بوطء أقدامه هناك ~~احتفالا عظيما. وكانت عرى الاتحاد بين سموه ودولة بريطانيا على أتم وفاق. غير أن بطانة ~~سموه أثرت عليه بتغيير هذه السياسة واتخاذه طريقا آخر. وربما كان هذا بدء الضرر، فأخذ في ~~انتقاد الجيش المصري السوداني فعد ذلك القائد «المرحوم كتشنر» إهانة له فخابر المعتمد ~~البريطاني بالقاهرة بذلك، فأخذ الإجراءات الشديدة فقام الخديوي السابق بعمل الترضية اللازمة ~~لجناب القائد وهي تعرف بحادثة الحدود. # وفي صيف سنة 1914 سافر سمو الخديوي السابق إلى أوربا فالأستانة للاصطياف حسب عادته. ~~فاعتدى عليه مصري مفتون تعرض له في الأستانة يوم 24 يوليو من السنة عينها بأن أطلق عليه ~~مسدسه وجرحه، ولكن الجرح لم يكن بالغا: وما كاد الجاني يرتكب فعلته الشنعاء، حتى أطلق ~~الحرس العثماني النار عليه، وأمعنوا فيه ضربا وطعنا حتى أخمدوا أنفاسه تماما. وبقتل ~~الجاني أمن شركاؤه ولم يعلم لهم أمر. # وظل سموه بالأستانة حتى أعلنت الحرب الأوربية المشهورة في أول أغسطس سنة 1914، فطلبت دولة ~~بريطانيا من الخديوي السابق أن يبرح الأستانة إلى إيطاليا فلم يذعن لأوامرها. فبسطت حمايتها ~~على مصر وأمرت بخلعه، وهذا ما كان من أمره. وقد تولى عرش مصر من بعده المغفور له السلطان ~~حسين كامل الأول. # | أمراء العائلة الملكية # (1) ترجمة الأمير عمر طوسون باشا # حضرة صاحب السمو الأمير عمر طوسون. # ولد الأمير عمر بن طوسون بن سعيد بن محمد علي الكبير بمدينة الإسكندرية في 8 سبتمبر ~~سنة 1872م، وفي السنة الرابعة من عمره توفي والده فكفلته جدته لأبيه خير كفالة، وعنيت ~~بتربيته هو وإخوته وأخواته أجل عناية فنبت ms056 نباتا حسنا، وشب على الكمال خلقا ~~وخلقا. ودرس مبادئ العلوم على أساتذة قصر والده إلى أن بلغ الحلم فنزح إلى سويسرا ~~ودرس فيها دراسة مستفيضة. ولما تخرج تاقت نفسه إلى السياحة، فرحل إلى إنجلترا وفرنسا ~~باحثا مدققا معتبرا بما هنالك من تقدم اجتماعي وعلمي وصناعي وزراعي، ثم قفل إلى ~~الديار المصرية حاملا بين جنبيه همة علية ونفسا زكية وقلبا ألمعيا وأدبا ~~عبقريا. وهو يجيد اللغات التركية والعربية والفرنسية والإنجليزية قراءة وكتابة، ~~ويشارك في مختلف العلوم مشاركة تدل على سمو مداركه. وسعة معارفه وقد نال من الرتب ~~والوسامات المصرية أسماها وأعلاها. واقترن بإحدى كريمات الأمير حسن باشا بن الخديوي ~~إسماعيل، فرزقه الله منها النجباء والنجيبات من البنين والبنات، وسعادتهم بتثقيفه ~~وتعليمه لهم تتفق مع سعادة طالعهم. وتبشر بأنهم سيطلعون نجوم سماء ويسطعون كواكب ~~علاء. # وللأمير ولع بالفروسية وكل ما يؤدي إليها؛ فلذلك كانت دائما جميع أندية الرياضة في ~~البلاد ملحوظة بجميل رعايته. كمضامير السباق في الديار المصرية فهو رئيسها منذ آن بعيد. ~~ومن أكبر المنشطين لها. كما له ولع قديم بالصيد والقنص جعله من أمهر الرماة. واكتسب ~~الأمير من وراء هذا الميل الغريزي فيه صحة ونشاطا ينطلقان بفوائد الرياضة بأفصح لسان. # رسم وتاريخ حضرة صاحب السمو الأمير الجليل عمر طوسون باشا أمير ~~الإحسان والمحسنين. # ومنذ بلغ أشده جعل نصب عينيه أن يقبض يوما على زمام دائرته ويدير شؤونها بنفسه. ~~فانكب على التمرن وكان من وقت لآخر يطوف بمزارعه الواسعة وينعم النظر في كتب الفلاحة، ~~ويعنى بالوقوف على أسرارها وأصولها العملية. كما يعنى إذا رجع إلى ديوان دائرته بالشؤون ~~الإدارية والمالية. ولما كملت أهليته تولى أمره بنفسه وقد أصبح الآن ممن يشار إليهم ~~بالبنان في سعة الإطلاع على المعارف الزراعية والمعاملات المالية. وعهدت إلى إدارته بعد ~~دائرتين من أكبر الدوائر وهما دائرة الأمير حسن باشا وزوجه الأميرة خديجة هانم، ودائرة ~~الأمير محمد إبراهيم فتبرع بإدارة شؤونهما غيرة منه على مصالح المستحقين فيها من أبناء ~~أسرته الكريمة، وأبي أن يأخذ على ذلك أجرا، ms057 وطالما كلفه الطواف على مزارع الدائرتين ~~ورعاية مصالحهما مالا. فتأبى نفسه الكريمة إلا أن يكون على حسابه الخاص. فهو يضحي ~~بالكثير من وقته وماله في سبيل منافع بعض أعضاء أسرته شأنه في محبة الخير، وإسداء ~~النصيحة إلى القريب والبعيد. وقد بلغت الدوائر الثلاث بحسن إدارته أعلى مكانة. وغدا ~~مركزها المالي ثابتا على أقوى الدعائم، ونهضت بها عزيمته نهضة جعلتها في مقام ~~رفيع. # ومن وقف على حياة الأمير عجب أشد العجب من انكبابه على العمل دون سآمة أو ملل، فهو مع ~~أعمال الدوائر العظيمة لا ينقطع عن القراءة والدرس في مكتبته الحافلة بالنفائس. وله ~~غرام باقتناء كتب التاريخ والوقوف على آثار الأقدمين، ولا يخلو الكثير من أيامه من ~~النظر في شأن هام، أو دعوة لاكتتاب، أو رئاسة جمعية كما لا يخلو شهر من سفره إلى ضياعه ~~مرة أو أكثر. وقد يبقى في الأرياف أسبوعا لمشارفة الأعمال الجارية في أراضيه وأراضي ~~الدائرتين الموكولتين إليه. # والأمير بعيد بفطرته السليمة وتربيته القديمة عما يغضب الله وهو يكره الخمر، ويكره ~~شاربيها ويعاقب من يعلم أنه يشربها من موظفيه أشد العقاب. ويجل الإسلام وأوامره. ~~وإيمانه بالله عظيم، واعتقاده فيه راسخ. يعجبه من الناس الصدق والإخلاص ويقربهم إليه ~~أكثر مما يقربهم جاههم ومناصبهم. ومحبته للمصريين تعدل محبتهم له وهم في نظره سواء لا ~~فرق بين مسلمهم ومسيحيهم. وكثير من موظفي دوائره من الأقباط وبينهم من بلغوا مراكز ~~سامية. وتولوا المناصب العالية عنده، وفيهم سوريون وأجانب، وهو شرقي في ميوله، ويعتبر ~~أن أكبر جزاء له من الأمة المصرية على التفاته السامي نحوها، وعنايته التي يظهرها في ~~ظروف مختلفة لصالحها، هو ذلك الحب الخالص الذي يتجلى لسموه في غدوه ورواحه ، وعند كل ~~فرصة تمكنها من إظهار ما تكنه لشخصه المحبوب. وفي أيام المظاهرات الوطنية الكبرى كان ~~يقف الجمع المحتشد تحت شرفات دائرته هاتفا له داعيا. ولا ينصرف حتى يطل سموه عليهم ~~ويحييهم. وكذلك حالهم معه في كل مشهد واحتفال. # بعض مآثر الأمير وميراثه # لا ينتظر القارئ أننا نحصي له ms058 مبرات الأمير وأعماله العظيمة في هذه العجالة وإنما ~~سبيلنا في ذلك أن نلمع إلى بعضها إلماعا، ونذكر ما حضرنا منها؛ ليقاس عليه ما غاب ~~عنا فكرمه الواسع لا تحضرنا عبارة تفي بالإفصاح عنه خصوصا إذا أهابت بجدواه دواعي ~~البذل، ونزلت بالناس سنو الشدائد فهناك تتجلى أريحيته للعطاء، ويكون بأياديه الجسام ~~أندى كفا من الغمام وأسخى راحة من السحاب الماطر، والبحر الزاخر، فالحرب ~~الطرابلسية إنما كانت مادتها ماله، ولو لم يسعفها بمعونته وجاهه ومبرته لما أمكن ~~أهلها الدفاع عن حوزتهم بضعة أشهر، وكذلك حرب البلقان التي شبت نارها على أثر حرب ~~طرابلس فقد أقر فيها عين الدولة والملة، ورأس لجنة الإعانة في مصر فلبته الأمة ~~والتفت حوله، وألف اللجان في المديريات والبلدان وكان يستندي الأكف بنفسه، ويخطب ~~الخطب الرنانة في المشاهد الحافلة بالأمراء والأعيان، فيجري النضار بين يديه سيلا ~~متدفقا وهو يبعث به إلى الدولة تباعا. # ولقد عرفت الدولة العثمانية مواقفه العظيمة لها في مواطن كثيرة خصوصا في هاتين ~~النازلتين، وفي جمعية الهلال الأحمر، وأرادت أن تكافئه بالوسامات والرتب بل ~~والولايات فأبى شاكرا، وقال: إني لم أفعل غير الواجب وليس على الواجب جزاء. # وغرضه الأقصى من أعماله هذه إحياء عاطفة التعاون والتعاضد بين الشرقيين، وإحكام ~~روابط الألفة والاتحاد التي تقويهم لعلمه أنهم إذا لم يتمسكوا بهذه العروة الوثقى ~~فقد ذهبت ريحهم. # والأيام تبين عن كثب صدق ما يرى وليس أصدق من عبر الدهر وحوادثه، وهذا هو مذهبه ~~السياسي للشرقيين عامة، ورأيه أنهم لو عملوا بهذا المبدأ، مبدأ التضامن، ما تخطفتهم ~~ذئاب الغرب، ولا التهمت بلدانهم واحدة تلو الأخرى، وطالما مد يد المساعدة للدولة في ~~ظروف مختلفة فقد حدث حريق هائل في الأستانة وحدث مثله في الشام ومصر في وقت واحد، ~~فأعمل همته وجمع للمصابين في البلدان الثلاثة مبالغ ذات بال نفست من خناقهم، وأزالت ~~بعض كربتهم، ولم ننس تبرعه للأسطول العثماني والطيارين العثمانيين، واحتفاله بهم في ~~مضمار الإبراهيمية من رمل الإسكندرية في يوم مشهود. # ومن مآثره الغراء عوله لجماعة البخاريين الذين ms059 سدت عليهم الحرب الأوربية الكبرى ~~طريق الوصول إلى بلادهم، بعد أدائهم فريضة الحج، فقد كفاهم ببره معرة السؤال ~~والتكفف أكثر مدة هذه الحرب المشئومة، وحاطهم بمعروفه في ستر وكفاية، حتى تمول منهم ~~المعدم واشتغل العاطل وفتحت في وجوههم الطريق إلى غير ذلك من المكارم، التي تعفر في ~~وجه حاتم وتنسينا ذكر الغيث الركام، وتعيد لنا ذكرى الأجواد في سالف الأيام. ولما ~~تمخضت الحرب الكبرى عن انتصار الحلفاء، واقتطاعهم أكثر الولايات العثمانية، ~~واحتلالهم عاصمة الخلافة وانحازت فلول الجيش التركي، وعلى رأسها مصطفى كمال باشا ~~إلى داخل الأناضول، يدافعون عن البقية الباقية من بلادهم وهم خلو من المال والسلاح، ~~أهاب هذا الأمير الكبير بالمصريين فلبوه مسرعين إلى معاضدة هؤلاء الأبطال ومساعدتهم ~~بالمال، ونهجت الأمم الإسلامية وخصوصا الهنود هذا السبيل مقتفين أثره في هذا العمل ~~الإنساني، الذي بيض وجه مصر وعطر الخافقين بذكرها. # وقد دامت هذه المعونة ثلاث سنوات متواليات، وهي تتدفق على الأناضوليين من غيث ~~جوده سيلا منهمرا حتى فازوا على اليونان وأخرجوهم مدحورين من بلادهم، ثم استمرت ~~وما زالت لإعالة أيتام الأناضول إلى أن توارى شبح الموت والجوع عن أعينهم. # ولكن بعد أن تم الفوز للكماليين ثملوا بخمر الانتصار، وقلبوا السلطة العثمانية ~~جمهورية على رأسها مصطفي كمال، ثم تمادى بهم السير في هذا الطريق، فألفوا الخلافة ~~وأخرجوا الخليفة عبد المجيد وسائر أسرة آل عثمان مشردين في الممالك الأجنبية، ~~مجردين مما يقوم بأود معيشتهم فظهر بطل الإسلام مرة أخرى في ميدان العمل، وأثارت ~~هذه الكوارث نخوته المعروفة فقام يدافع عن مقام الخلافة المقدس، ويذود يد الدهر عن ~~هذه الأسر الكريمة، وألف جمعية لإمداد الخليفة عبد المجيد، وأمراء البيت العثماني ~~وأميراته كان أول مدد لها أرسل إليهم أربعة آلاف جنيه. # أما أعماله لمصر والمصريين فهي أجل وأعظم فبابه مجمع العفاة، ومزدحم الواردين ~~والصادرين عن ذلك المنهل العظيم، وسدته قبلة عرائض أولي الحوائج وكعبة آمال ذوي ~~الخلة من الفقراء والمستورين، وهو يسعهم بفضله، ويعمهم بثيبه، وموظفو الدوائر من ~~أياديه في بحر خضم، فهو الذي ms060 يواسيهم في مرضهم وفي موتاهم، ويعينهم في زواجهم وفي ~~ولادة أولادهم وختان ذكورهم، وقد رتب لهم نطس الأطباء وتبرع لهم بما يحتاجون إليه ~~من الدواء، وهو الذي يمون بيوتهم بالغلال منذ بداية الحرب ومدارسه لأبناء الفلاحين ~~في ضياعه العامرة، وأبناء الموظفين فيها تعلمهم بدون أجر مبادئ العلوم، وتصرف لهم ~~أدوات الدراسة كلها بغير مقابل. # وذلك غير إقامته للمساجد فيها وتعليم موظفيه عامة على نفقاته علوم اللغة العربية ~~في دروس يومية تعطى لهم عقب فراغهم من أعمالهم، وإعطائه الجوائز السنية للناجحين في ~~امتحانها كل عام، وقد يرى في بعض هؤلاء نجابة فيعينه على تتميم دراسته، ومن أبناء ~~الموظفين وغيرهم من بعث بهم إلى مدارس أوربا العالية على مصاريفه لامتيازهم ~~بالنبوغ، ولا يزال بعضهم فيها إلى الآن. # وأعطياته لمعاهد العلوم، والجمعيات الخيرية، لا تدخل تحت حصر نذكر منها تلك الهبة ~~الجليلة التي نفح بها جمعية العروة الوثقى، وجمعية المواساة على أثر رجوعه الأخير ~~من أوربا، فقد وهبهما من أجود أطيانه ما جعل الألسنة تنطق بشكره عليه، وكم وهب ~~هاتين الجمعيتين والملجأ العباسي هبات أخرى جزيلة سابقة ولاحقة في ظروف متعددة، وله ~~في مشيخة العلماء بالإسكندرية كل مأثرة جميلة، فمنها عطاياه لترقية المتعلمين بها، ~~وهباته لمكتبتها وأننا نثبت أبياتا من قصيدة لفضيلة الشيخ إبراهيم سليمان أحد ~~شيوخهم تلاها بين يدي سموه على أثر عطية من تلك العطايا، وقد جاءه منهم وفد شكر تحت ~~رئاسة شيخهم إذ ذاك وهو الأستاذ الأكبر الشيخ محمد أبو الفضل شيخ الجامع الأزهر ~~الآن وهي. # أكلما ناب خطب قيل: (يا عمر) # كأنما (عمر) من جنده القدر # وكل خطب دجا يبدو له (عمر) # كأنه الشمس للآفاق والقمر # البدو يسأله والمدن تأمله # كأنما من ذويه البدو والحضر # لو كان في زمن القرآن إذ نزلت # آياته أنزلت في مدحه السور # فلا عدمنا هبات منه واكفة # لم يسقنا مثلها من كفه المطر # حنا على العلم واستسقت معاهدنا # منه فظل عليها الخير ينهمر # ومن شكر العروة الوثقى لسموه أنها سمت مدرستين من مدارسها إحداهما ms061 للبنات والأخرى ~~للبنين باسمه الكريم، والدار التي فيها مدرسة البنين موهوبة لها من سموه، ومن أفضل ~~أياديه المشكورة إيعازه لجمعية المؤاساة التي يرأسها سموه رئاسة شرف بتوزيع مقدار ~~كبير من الدقيق على فقراء الإسكندرية، عندما اشتدت الضائقة بهم، وخلت الأسواق أو ~~كادت من هذه المادة الضرورية للحياة. # وقد أخذ يعضد مشروع الكشافة الآن لعلمه بما فيه من الفوائد الجلية للبلاد، فلقب ~~عن جدارة من جمعية الكشافة بالإسكندرية بلقب «الكشاف الأعظم»، بعد أن جعلها تحت ~~رعايته العالية. # وإذا لم تقم في وجه هذا المشروع الجليل عقبات، فسيبلغ بجميل رعايته مبلغا ~~عظيما، ويجني شبان مصر منه نفعا عميما. # أما أعماله العامة فلا تكاد تجد مشروعا نافعا ظهر تحت سماء مصر إلا وله فيه يد ~~بيضاء، ومن ذلك تعضيده للمعارض الزراعية، واشتراكه في الاكتتابات لإحياء العلم، ~~وتشجيع المشروعات الأهلية، وبلغ به هذا التعضيد أن تنازل واشترك مع الإسكندريين ~~بخمسمائة سهم في جمعية المشروعات الأهلية، وكان غرضها تجاريا محضا ولما كان ~~الكثير من أعماله العظيمة واقعا تحت أعيننا، وهو كل يوم يتجدد فلا حاجة بنا إلى ~~عده، وإنما نذكر هنا إعانته «الوفد المصري» إلى مؤتمر فرساي بعشرة آلاف جنيه، وبهذه ~~المناسبة نذكر أن سموه هو أول من ألقى في أذن رئيس الوفد «سعد زغلول باشا» هذه ~~الفكرة، عندما وضعت الحرب أوزارها، وأول من أراد جمع المصريين عليها بدعوة صدرت منه ~~فعلا في يوم معين، ونشرت في الجرائد ولكن الظروف حالت دون هذا الاجتماع. # ومما لا يفوتنا ذكره اكتتابه في لجنة الأمراء التي صرفت جل مالها في تخفيف ~~الويلات، التي نتجت عن ضحايا المظاهرات، ولم يكتف حفظه الله بذلك بل دعا الإسكندرية ~~إلى مثل هذا العمل ؛ ليكون خاصا بضحايا المظاهرات في الإسكندرية وحدها وكان لهم ~~نعم القدوة الحسنة، وشأنه في انضمام الأمراء إلى بقية الأمة في نهضتها الوطنية ~~الأخيرة والمطالبة بالاستقلال التام مشهور معلوم. # ومما نذكره لسموه مقرونا بالشكر والإعجاب دعوته في الصحف للمصريين عامة إلى مد ~~يد المساعدة للجمعية الخيرية الإسلامية، وتقدمهم إلى الاكتتاب ms062 لها بمبلغ خمسة آلاف ~~جنيه، بمجرد ما علم سموه بحاجة الجمعية إلى المال، واستصراخها لذوي البر والإحسان، ~~فكان أول الملبين وإمام المحسنين. # وعلى أثر هذه الدعوة لفت نظره العالي بعضهم إلى الجمعية الخيرية القبطية، وأنها ~~أيضا في حاجة إلى تعضيد سموه، فنفحها بألف جنيه ودعا الأقباط إلى الاكتتاب لها كما ~~دعا المسلمين إلى الاكتتاب لجمعيتهم في نشرة مذيلة باسمه الكريم جاء في آخرها، ما نصه: # والغرض الأقصى لي من ذلك أن أشرف على مضمار للخير في مصر بين الأخوين ~~الشقيقين «المسلم والقبطي» تتسابق فيه العزائم، وتتبارى الهمم، لأنظر إلى ~~أية غاية يجري الأخوان المتباريان، وأيهما يحرز قصبات السبق في هذه الحلبة ~~الخيرية، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون. # تلك سجية فيه عرفتها له مصر فهي ما هزت مواضع الأريحية من أنفس كرمائها إلا رأت ~~ذلك الأمير المحبوب يرتجل الندى ارتجالا، ويرسل مكارمه أمثالا. # وكثيرا ما تقدمت أريحية سموه دعوة الداعين، فأحالت دعوتهم دعاء وثنتهم عن الطلب ~~إلى الثناء. # فإنا لم نكد نسجل للأمير الجليل تلك النفحة التي شمل بها الجمعية الخيرية ~~الإسلامية، حتى ارتجل مبرة أخرى فشمل الجمعية الخيرية القبطية بنفحة ترفع القواعد ~~من بنائها، ولم نكد نفرغ من شكر هاتين المبرتين حتى بدهنا بثالثة لا ينقطع برها، ~~ولا ينقضي شكرها: فإنه لم يكد تمثال «نهضة مصر» يتصل حديثه بسموه، حتى تفضل فتبرع ~~بخمسمائة جنيه مصري من ثمن ذلك التمثال. # ومن مبراته الخالدة التي زادت أواصر الاتحاد متانة، ما تبرع به أخيرا لمدرستي ~~البطركخانة والمشغل البطرسي على أثر زيارته غبطة الأنبا كيرلس بطريرك الأقباط ~~الأرثوذكس، فمنح المدرستين سندات من الدين الموحد لتعطى أرباحها السنوية جوائز ~~لأوائل الناجحين والناجحات منهما، وهكذا غرس يديه الكريمتين يبقى نفعه ما توالى ~~الجديدان. # مكارم يتلو بعضها بعضا، ومبرات يسطع في العصر شذاها، إلا أن مصر التي تقدر كل ~~عامل لها من أبنائها لتحمد للأمير أياديه البيضاء، وتذكر له أنه لم يدع فرصة سانحة ~~للبر بها إلا انتهزها مشكورا، وأن حياته المباركة نجح لكل عمل عميم النفع. ~~وبالجملة ms063 فالأمير الذي يزدان به صدر هذا الجزء من كتابنا بإجماع الأمة المصرية أكرم ~~عظماء مصر يدا، وأعمهم ندا، وأرفعهم ذكرا وأجلهم قدرا، وهو بعد صاحب الأيادي ~~العديدة، والأعمال المجيدة والشيم الحميدة، والآثار الخالدة، والسيرة الطاهرة ~~والمناقب الفاخرة، سمو صفات، وجمال ذات، ورأي صائب، ونظر ثاقب وبعد عن الشهوات، ~~وترفع عن الغايات وثبات عند الملمات. واجتهاد وجد، ويمن طائر وسعادة جد، وحياء ~~وكمال، وعلاء وجلال، يشبه سميه سيد المسلمين عمر بن الخطاب في الصلابة في الحق، ~~والثبات على العهد، والميل إلى الجد، ثابت على مبادئه ثبوت الجبال حتى ليس في ~~مقدوره أن يقول ما لا يعتقد أو يعمل ما لا يريد أو يعد فيخلف، أو يحكم فيجحف، صبور ~~وقور، ذو أناة وحلم، لا تنال الملمات من نفسه الكبيرة، ولا يظهر لها أثر عليه، وذلك ~~من عجيب ما أودعه الله فيه من الخلائق فهو نسيج وحده، ووحيد هذا العصر في كرم ~~الخلال، وشرف الفعال فما أجدره بقول القائل: # ولو صورت نفسك لم تزدها # على ما فيك من كرم الطباع # أما العلم والتأليف وهما مما تنبو عنه عادة طباع أهل النعمة والسراء فضلا عن ~~الأمراء، فقد بلغ الأمير فيهما الشأو البعيد والغاية التي ليس بعدها غاية. # وما ظهر إلى الآن لهذا الأمير النابغة من آثار قلمه البليغ باللغتين العربية ~~والفرنسية ودبجته براعته من المباحث الممتعة، وكلها من الطريق الذي لم يكن معروفا ~~قبل يجعل له القدح المعلى في هذا المضمار. # وذلك مثل مقالاته التي نشرتها الصحف والمجلات العلمية عن الجيش المصري أيام محمد ~~علي وعن المدارس، والصنائع، والإرساليات، في ذلك العهد. ومحاضراته القيمة التي ~~ألقاها في المجمع العلمي المصري، وتلقتها أندية العلم في الشرق والغرب بمزيد ~~الاهتمام، وكتابه النفيس عن أفرع النيل القديمة الذي ظهر منذ عهد قريب مطبوعا ~~باللغة الفرنسية، وسيظهر عن قريب باللغة العربية، ورسائله التاريخية عن منارة ~~الإسكندرية، وسد أبو قير، وترعة المحمودية، إلى غير ذلك مما شارك الأمير فيه أكابر ~~العلماء المحققين وسلكه في سلك جهابذة المؤرخين المتميزين. # وقد ms064 تغنى الشعراء بمدحه وأكثروا من القول فيه مما لو جمع لكان ديوانا كبيرا، ~~وإننا نختم هذه السيرة المتضوعة بقصيدة في الأمير لشيخ الشعراء إسماعيل صبري باشا، ~~بعث بها إلى سموه أيام حرب البلقان والهلال الأحمر، وهي: # لك الإمارة والأقوام ما برحت # بكل عالي الذرى في الكون تأتمر # لو لم تنلها لما ألقت أعنتها # إلا إليك خلال كلها غرر # يا ابن الألي لو أطلوا من مضاجعهم # يوما عليك لقالوا: إيه يا (عمر) # أعدت أيامهم في مصر ثانية # حتى توهم قوم أنهم نشروا # وسرت سيرتهم حتى كأنهمو # إذا خطرت بأرض مرة خطروا # لله درك كم نبهت من همم # تثني على أهلها الآصال والبكر # وكم تعهدت جرحى من أسود وغى # إن يكشر الدهر عن أحداثه كشروا # مستنجدا من بني مصر أولي شمم # إذا رأوا ثلمة في خوضهم جبروا # مستهميا هاميا والنيل في وجل # من أن تجود به أيمانكم حذر # حتى تفاهمت الأرحام وادكرت # ما بينها الأهل والخلان والأسر # وآذن البر بالسقيا وما فتئت # منهم ومنك صنوف البر تنتظر # وحركت كل كف بالندى مقة # حتى تعجبت الأنهار والغدر # والناس إن قام يستسقي الكريم لهم # سحائب الفضل بشرهم فقد مطروا # أبى علاء سعيد أن يشابهه # إلا ابن دوحته إن قام يفتخر # ما زال يحمده رائيك مدكرا # والأصل بالفرع إن حاكاه يدكر # ومما اطلعنا عليه أخيرا في مدحه قصيدة لحضرة الأديب محمد محمد عبد الرازق أفندي ~~وهي: # رويدا فما الجود إلا عمر # سليل العلا والمقام الأغر # ونسل الأماجد فيمن غبر # وعون اليتيم على يتمه # وذخر الفقير إذا ما ادخر # وملجأ من كان في بسطة # من العيش ثم هوى وافتقر # وحصنا تخذناه في الحادثات # ليدفع عنا الأذى والضرر # وتاجا نباهي به غيرنا # إذا ما تصدى لنا وافتخر # وبرهان صدق على أننا # جديرون بالملك بين البشر # وشمسا تطرز ثوب النهار # وإن أظلم الليل فهو القمر # وعزما إذا سل من غمده # على عاديات الزمان انتصر # وصوتا هو الحق يعلو فلا # يرى المبطلون لهم من مفر # إليك أزف بنات القريض ms065 # وأنظم فيك عقود الدرر ~~••• # عذولي دعني - ولو كان يدري # عذولي ما بين قلبي عذر # فهل أنت أبصرت أسخى يدا # وهل أنت أبصرت منه أبر # وهل ولدت مصر أزكى فتى # تلبيه مصر إذا ما أمر # وإن غاب حيته عنا القلوب # وتحنى الرءوس إذا ما حضر # وهل خلق الله أشرف أصلا # وإن شرف الأصل طاب الثمر # فقل للفقير: أتاك الغنى # وقل لليتيم: أبوك نشر # وقل للذي مل من فقره: # هنيئا لك العيش زال الضجر # وقل للذي نال منه الزما # ن ففرط في عمره وانتحر: # أهلا انتظرت فنلت الغنى # ويغنى الفقير إذا ما انتظر # وداع أهاب بوادي الحمى # فأحيا لوادي الحمى ما اندثر # وما أوشك الجمر يخمد حتى # أتاح الوقود له فاستعر ~~(بألف) ومن قبله (خمسة) # وفي الغد منه ندى مستمر # كذلك يا قوم جود الملوك # فلا يسمحون بغير البدر # ولا تعجبوا لسخاء الأم # ير فما يقذف البحر إلا الدرر # وقد يملك الجود عرش القلوب # وكم من فتى بالجميل أسر # وإن السؤال مرير المذا # ق ولكنما الفقر منه أمر # وكم من فقير إذا علمو # ه تحلت بمسعاه بيض السير # فيا من يكفكف دمع اليتي # م وفي عبرات اليتيم العبر # لجوزيت عن (مصر) خير الجزا # ء فما أنت إلا ندى منهمر # إذا قيل: للجود (حاتم) قلنا: # رويدا فما الجود إلا (عمر) ~~(2) ترجمة ساكن الجنان طوسون باشا سعيد # هو طوسون بن سعيد بن محمد علي الكبير، ولد في يناير سنة 1854م، ولم يرزق والده ~~المرحوم سعيد باشا من الذرية غيره، لا قبله ولا بعده؛ ولذا كان شغفه به عظيما، فرباه ~~أحسن تربية، ونزل من عنايته في أكرم منزلة، ولما بلغ سن التعليم أسلمه إلى أبرع أساتذة ~~عصره ، فتخرج على أيديهم ثم التحق بالمدرسة الخاصة التي أنشئت لأبناء الأسرة المحمدية ~~العلوية وأبناء المقربين إليها من كبار الحكماء، وسراة الأمة، فنبغ بين أقرانه، وبعد أن ~~استكمل حظه من العلم في مصر قصد أوربا متنقلا بين ربوعها مدة، ثم عاد إلى الديار ~~المصرية مرجوا لكل عظيمة لما امتاز ms066 به من دماثة الأخلاق، وكرم الخلال مع الصلاح ~~والتقوى والتمسك بالدين والبر بالمساكين. # وفي عهد الخديوي إسماعيل عين ناظرا للأوقاف فالمعارف فالبحرية، وكان محظيا لديه ~~فاختاره زوجا لابنته الأميرة «فاطمة هانم». # ساكن الجنان طوسون باشا سعيد. # ولقد يحسن بنا هنا ذكر تلك القصيدة العصماء، التي نظمها كبير شعراء عصره السيد علي ~~أبو النصر مضمنا إياها تاريخ الزفاف وهي: # تهنئة الأمير طوسون باشا بزفافه على كريمة الخديوي إسماعيل باشا # أحيا النفوس مسامري بخطابه # وأدار كأسا زانه ~~بخضابه # وجلا علينا الراح صرفا ليتها # جليت لنا ~~ممزوجة برضابه # رشأ له في كل جارحة هوى # تستعذب الأرواح مر ~~عذابه # ومن استهام بحبه لغرامة # وشجونه قاضي الهوى ~~أوصى به # يشكو لواعج وجده مستعطفا # قمرا يعز عليه ~~كشف حجابه # لو كانت الدنيا بما فيها له # ما سره إلا لقا ~~أحبابه # فإليك عنى عاذلي واعذر فكم # أضمرت لي ما ~~احتلت في أعرابه # وانظر لهاتفة الحمام وألفها # مهما نأى حنت ~~إلى استجلابه # وإذا دنا منها على عود شدت # بسؤاله ليريحها ~~بجوابه # والروض يصبو للحيا ظمأ فإن # وافاه أرواه بوبل ~~سحابه # والغصن يهواه النسيم فينثني # متمايلا بذهابه ~~وإيابه # وأنا الولوع بمن أحب فكيف لا # يرضى أيخشى ~~الأسد من حجابه # ويميل عني والوفا عاداته # ومحاسن الأخلاق في ~~آدابه # ولم التواني والبشائر أقبلت # وأتى السرور ~~الملك من أبوابه # وبدت بمصر بدائع الفرح الذي # كادت تطير ~~قلوبنا برحابه # فرح بإسعاد الخديوي تزدهي # أنواره فيتيه في ~~أعجابه # شرفت مباديه بتوفيق وقد # أهدى إلى «طسن» بديع ~~عجابه # في محفل العقد ارتقى أوج العلا # بسعود طالعه ~~وعز جنابه # غدا علينا فاز بالزهرا فما # أولاه بالبشرى ~~لدى أحبابه # شهم أحبته المعالي فارتضا # ه مليكنا حرصا ~~على أنسابه # واختار للأصهار نعمة قربه # ليكون مقصورا على ~~أربابه # لا زالت الأيام خادمة له # والسعد والإقبال ~~حول ركابه # ما دامت الدنيا ليعظم شأنها # بورود من فيها ~~على أعتابه # حيث المعالي عنه قالت: أرخوا ~~«طسن» اقتنى ~~مجد العلا بكتابه # وازدادت الأفراح إشراقا بما # أولاه مولاه من ~~استحبابه # وهو الأحق بما حباه ms067 وخصه # في مظهر صعب على ~~طلابه # نعم التأهل بالمخدرة التي # زادته أحسابا على ~~أحسابه # فروى الفخار لدى الزفاف مؤرخا ~~«طسن» أتى ~~الشرف البهي من بابه # سنة 1289ه # وقد أنجب من الذرية الأمير سعيدا، فالأمير عمر، فالأميرة أمينة، فالأمير جميلا، فالأميرة عصمت، والأخيران من ابنة إسماعيل. # ومما يروى عن الجلة من الأكابر الذين كانوا في عصره، أنه اطلع وهو في أوربا على كتاب ~~عربي في إحدى مكتباتها في سيرة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب اسمه نعم السمر في مناقب ~~عمر - فأشرب من هذا الوقت حب الفاروق، وكان لهجا بذكره معجبا بمناقبه ولما رزقه الله ~~بالذرية سمى ثاني أبنائه «عمر» راجيا أن يكون له نصيب من هذا الاسم المبارك، فحقق الله ~~في صاحب السمو الأمير «عمر طوسون»، هذا الرجاء العظيم رحم الله المترجم رحمة واسعة ~~وأطال حياة ولديه الباقيين الأميرين «عمر» و«جميل». # ولقد كان كريم الأخلاق لطيف المعاشرة محبا للخير يسعى جهده في تفريج هم المكروبين، ~~وكان أكبر نصير للإنسانية بارا بالأدباء معضدا للعلم عاملا على إسعاد وطنه، لا يرد ~~سائلا قصده إلا أن المنية عاجلته، فراح مبكيا عليه في يوليو سنة 1876م، وهو في شرخ ~~الشباب، ومقتبل العمر، قصف الموت غصنه الرطيب، فحرمت البلاد والأمة من أمير عظيم كانت ~~مخايل الخير فيه موجودة، وحزنت الأمة المصرية لفقده على بكرة أبيها، فما كنت ترى في ~~ربوع البلاد في ذلك اليوم إلا مأتما عاما لا فرق بين القصر الرفيع والكوخ الوضيع، إذ ~~إن الكل في الأسف على فقده سواء، ولقد رثاه الشعراء والكتاب، ونذكر من بين تلك المراثي ~~مرثية ذلك الشاعر العبقري السيد علي أبي النصر شاعر الحضرة الفخيمة الخديوية مضمنا ~~إياه تاريخ وفاته حيث قال : # رثاء المرحوم طوسون باشا # أيرد سائل مرسل العبرات # صبرا وقد وصل الأسى للذات # لا والذي جعل الحمام محجة # فيها العبيد تقاس بالسادات # إني أرى دعوى التثبت قد خلت # ممن يحاولها عن الإثبات # حيث الحياة كما علمت عزيزة # وتشبث الآمال وصف ذاتي # لكنما الدنيا كظل زائل # والنفس واثقة ms068 بما هو آتي # كم أودعت أيدي المنون أعزة # تحت الثرى من بعد طيب حياة # حنت لطول بقائهم ولطالما # كانت تجود إليهم بهبات # ماتوا فأصبحت المآثر للندى # تشكو دوام تخلف العادات # سكنوا اللحود وغادروا ما شيدوا # أو ليس من ذا أعظم الآيات # وتحجبوا خلف الجنادل بعد ما # كانوا كتيجان على الهامات # فلنبكهم ما دام في أجفاننا # دمع أتبكي العين غير سراة # ولنحتسب مهجا جرت من مدمع # أسفا فمازجها دم الحدقات # يا صاح ولنبك المعالي بعدهم # إذ أصبحت في حيز الأموات # واعجب لدهر كلما استعطفته # أغرى علي حوادث الأوقات # واجتاز حد الاعتدا فعدمت من # سمع الأصم لفقده أناتي ~~(طسن) الفريد بن (السعيد) أخو العلا # خدن الوقار أبو الكمال الذاتي # أخلاقه ما كان أشرفها فما # أحلى الشمائل في بديع صفات # من كان يؤثر بالجزيل نزيله # ويقيل من يهفو من العثرات # والآن أمسك عن جميل حديثه # أرأيت ما عانيت يوم وفاة # جرت الدموع دما وما أغنى البكا # وحشاشتي ذابت لصوت نعاة # حانت منيته فمن لأجله # قاسي القلوب وجد في اللهفات # والناس عزى بعضهم بعضا لما # نظروه من حي بغير حماة # أسفي على ذات يروق شبابها # أمست رهينة موحش الأبيات # يا أيها الليث المنيع حجابه # من أين جاءك هازم اللذات # كنت الشجاع وكان بطشك يتقى # وجنود عزمك هم بنو العلات # وأراك طوعا قد أجبت مسلما # لقضاء ربك لا لأمر عداة # ساروا بنعشك والمهابة حوله # للقبر تحمله كرام ذوات # يبكون فقد حلى شبابك بينهم # وخلو بدر سناك عن هالات # في مشهد أعيا مشاهده الأسى # وبدت عليه لواعج الحسرات # ولأنت عن هذا وذاك بمعزل # تسعى لتدرك أرفع الدرجات # فانعم بروضة قبرك الفيحا وطب # وأنس بما قدمت من حسنات # ولسوف تمنح ما يسر من الرضا # ما بين حور ثم مقصورات # بشراك في دار النعيم بمشتهى # ما تشتهي من يانع الثمرات # وبك الحدائق تزدهي أنوارها # وإليك يهدى عاطر النفحات # وبجنة المأوى تفوز بما تشا # من فضل ربك واسع الرحمات # ماذا أقول إذا رثيتك والتقى # أهدى ضريحك أبلغ الأبيات # وأشار ms069 للبشري وقال مؤرخا: ~~«طسن» ثوى بمساكن الجنات # سنة 1293 119 # 516 173 485 # ولشعراء عصره كثير من القصائد في مدحه ورثائه، ومن بينهم شاعر الوقت المرحوم الشيخ ~~علي الليثي ولولا ضيق المجال لأثبتناها هنا. # رسم وتاريخ حضرة صاحب السمو الأمير الجليل محمد علي باشا بملابسه ~~الرسمية. # حضرة صاحب السمو كلي الاحترام الأمير الجليل محمد علي باشا رئيس ~~المحفل الأكبر الوطني المصري بزيه الماسوني. ~~(3) ترجمة حضرة صاحب السمو الأمير الجليل محمد علي باشا الأفخم # مولده ونشأته # هو صاحب السمو الأمير الجليل محمد علي باشا، شقيق صاحب السمو عباس باشا حلمي ~~الثاني خديوي مصر السابق، والنجل الثاني للمغفور له محمد توفيق باشا ابن المغفور له ~~إسماعيل باشا ابن المغفور له إبراهيم باشا ابن المغفور له محمد علي باشا الكبير، ~~مؤسس الأسرة المالكة ومنشئ مصر الحديثة. # ولد صاحب السمو الأمير في 11 شوال سنة 1292ه بمدينة القاهرة، ولما بلغ أشده دخل ~~المدرسة العليا بعابدين «مدرسة الأنجال»، وتلقى بها مبادئ العلوم والمعارف مع شقيقه ~~صاحب السمو عباس باشا حلمي الثاني الخديوي السابق، ثم برح مصر ميمما الغرب؛ لينهل ~~من بحر علومه الفياضة فدخل كلية هكسوس بسويسرا، فتعلم فيها من العلوم ما شاء وشاءت ~~له مقدرته الفائقة وذكاؤه النادر، ولقد كان موضع إعجاب العالم الغربي، فضرب للعالم ~~المثل على ذكاء المصريين بما كان يبهر به العالم بين حين وآخر من آيات النبوغ وعلو ~~الهمة وعزة النفس والشجاعة والإقدام، وقد نال أسمى الشهادات العالية، وقد كان في ~~إبان دراسته يصرف إجازاته السنوية في الرحلات العلمية المفيدة، ولا يترك صغيرة ولا ~~كبيرة مما يقع تحت حسه إلا ويحرر به المذكرات، ويقابل بينها وبين ما يراه بمصر ~~ويستنتج الاستنتاجات التي تدل على مبلغ إصابة رأيه، وقد زار كل عواصم أوربا مع ~~شقيقه الخديوي السابق، فكان يقابل أينما نزل بما يليق بمقامه الرفيع من الاحتفاء من ~~ملوك أوربا، الذين أهدوا إليه من الأوسمة والنياشين العدد الكثير اعترافا بقدره ~~وتقديرا لذكائه وأصالة رأيه وسمو مكانته. # وكان حفظه الله مع صغر ms070 سنه يجمع بين ذكاء الشباب وحكمة الشيوخ، وكان شديد الميل ~~للأعمال الخيرية عظيم العطف على المعوزين، كبير الرغبة في الإقدام على تنفيذ كل ما ~~يعود بالخير العميم على منفعة العباد والبلاد خاصة والشرق والإنسانية عامة. # ولقد تجلى عطفه الشديد وكرمه الفائق إبان الحرب الطرابلسية، وكذلك حرب البلقان ~~فكان له في إعانة المنكوبين، وسد عوز المحتاجين اليد الطولي، التي بدلت بؤسهم ~~وتعاستهم مسرة وهناء، مما لهجت بذكره الألسن، وكان سموه رئيسا لجمعية الهلال ~~الأحمر التي أدت إلى الإنسانية أجل المساعدات، مما يدونه التاريخ لسموه بمداد الشكر ~~والثناء وتنطق به آيات الفخر والإعجاب. # رحلاته # ليس في العالم طرا من يجهل ما لسمو الأمير الجليل من الأيادي البيضاء على العلم ~~والتاريخ، وتعضيد المشروعات المفيدة والأعمال النافعة، التي تنهض بالمجتمع إلى ذروة ~~الكمال، وترفع من شأن الأمة التي شرفها حظها بانتساب ذلك الأمير الجليل لها، فلكم ~~تجشم من الصعاب والأخطار في الأسفار طلبا لرفعة شأنها بما يدونه من مشاهداته في ~~أسفاره مما يفيدها ويعلي شأنها، ولقد قام بالسياحات العظيمة وحرر بها المذكرات التي ~~تشهد بمقدرته العلمية التي أوقفها على خدمة بلاده فمن ذلك رحلاته في أوربا وأمريكا ~~واستنتاجه أن الهنود الأمريكيين قد رجع جنسهم إلى جنس سكان آسيا، واستنتج أن سفرهم ~~إلى أمريكا كان عن طريق كمتشكا، كما جاء في رحلته المباركة «صفحة 185 حيث قال حرسه الله»: # لما رأيت في منشوريا اليورجوت وقارنتهم بصور الهنود الأمريكيين، التي ~~رأيتها في بطاقات البريد (الكارت بوستال)، التي اشتريتها في مكدن علمت ~~وقتئذ أنه لا بد أن تكون هنود أمريكانيين هؤلاء اليورجوت ومن سكان شمال ~~آسيا، وليس ببعيد أنهم هاجروا إلى هذه البلاد في الزمن القديم من طريق ~~كامتشكا، وعلى ذلك الرأي يكون الآسيويون هم البادئون في اكتشاف أمريكا قبل ~~كريستوف كولمب، ولكن لما كانت حالتهم وحشية ومعارفهم قاصرة، واختلاطهم ~~بباقي العالم معدوما ولا توجد بينهم وبين الأوربيين مواصلات ولا مكاتبات، ~~فإن اكتشافهم لم يعلم به أحد ومع ذلك لا يمكن تأييد هذا الرأي بإقامة برهان ~~عليه ms071 من معلومات هؤلاء الهنود أنفسهم؛ لأنهم لا يعرفون أصل أنفسهم، ولا ~~يدرون تاريخهم فإذا لا يمكن الإتيان ببراهين قاطعة على حجة هذا الرأي، إلا ~~مثل هذا الاستنتاج الذي وصلت إليه أثناء زياراتي منشوريا ومقارنتي سكانها ~~بهؤلاء «الهنود الأمريكيين»، فهذا مثل بسيط نزفه إلى القراء والتاريخ من ~~الأمثلة الكثيرة التي يقدمها سمو الأمير الجليل لخدمة العلم. # صفاته وأخلاقه # إن صفاء وجدانات سمو الأمير الجليل وحلاوة أخلاقه وعذوبة حديثه وتواضعه، حتى ~~يستأنس بحديثه محدثه لدلائل كافية على عظمته، وإنك لا ترى عظيم الذهن إلا وهو عظيم ~~النفس عظيم الخلق عظيم بالنظر إلى قلبه ونفسه، وإلا فكيف يعرف النظر إلى قلوب ~~الناس، واستقراء ضمائرهم ووجداناتهم من تكدرت نفسه واحتجبت وراء سحاب من الأكدار ~~والأقذاء، وهو عظيم الإخلاص لوطنه المحبوب محب للخير، وفوق ذلك يعشق الطبيعة ~~وجمالها ومناظرها، ويحسن وصفها بأبلغ ما يمكن أن يتصوره أي إنسان، وإنه يميل إلى ~~الهدوء والسكينة وأكبر دليل على ذلك اختياره لتلك النقطة الجميلة الهادئة ذات ~~المناظر الطبيعية الخلابة، التي بنى عليها قصره الفخم بجزيرة الروضة، وما حواه ذلك ~~القصر العامر من كل ما يبهر العقول، وإلى القارئ الكريم وصف بسيط لذلك ~~القصر: # قصر سمو الأمير الأثري ومنتزهه الفخم # يقع القصر بجزيرة الروضة وهذه النقطة من أهم الضواحي التي تحوي المناظر الطبيعية، ~~يشرف على النيل وبه حديقة غناء من أبدع حدائق العالم مساحتها نحو الخمسة والثلاثين ~~فدانا، خط في وسطها منتزه بديع يحوي الزهور بأنواعها، وهي التي أحضرها خصيصا من ~~جميع أنحاء العالم، ولا غرو فسمو الأمير الجليل مغرم بالأزهار وترتيبها، وقد أمر ~~سموه فترجم كتاب الزهور الذي يقع في نيف ومائتين وخمسين صفحة من القطع الكبير على ~~ورق مصقول بطبع جميل، وقد حوى من البحث في أنواع الزهور ما يفيد مصر فائدة عظمى في ~~هذا العلم الجميل، وقد قام برحلته الميمونة في جنوب أفريقيا باحثا ومنقبا عن ~~النباتات، التي يصح نقلها وتربيتها بالديار المصرية، وكتب هذه الرحلة المباركة في ~~ست وتسعين صفحة حوت حالة تلك البلاد النائية، ms072 وأخلاق وعادات أهلها، وتربة أرضها ~~وجوها - إلخ، مما يجعل المطلع يظن أنه ذهب إلى تلك الجهات وسبر غورها، وذلك من ~~عادات سموه في كل رحلة من رحلاته، فإنه لا يألوا جهدا حرسه الله في إبداء الآراء ~~والأفكار الصائبة في كل صغيرة وكبيرة من الآراء التي تعود بأعظم الفوائد على العلم ~~وطلابه. # وعند مدخل سراي سمو الأمير يجد الداخل ديوانا خاصا لمكتب سموه من الجهة ~~اليمنى، وكذا مكتبا خاصا لحضرة سكرتيره الخصوصي والكتبة، وقد كتب بأعلا مكتب ~~سموه هذه الآيات الشريفة # إن الله على كل شيء ~~قدير # وكذلك توجد آيات قرآنية شريفة عديدة بأعلا الأبواب والحوائط ~~والشبابيك؛ حتى يخيل للرائي أنه بداخل أعظم متحف أثري مصري في عموم الشرق، ويوجد ~~أيضا بجميع الأسقف نقوش بألوان براقة جميلة محلاة بماء الذهب الوهاج، الذي يأخذ ~~بريقه بالأبصار، فسبحان الخالق جلت قدرته حيث جعل في بني الإنسان هذه المقدرة ~~الفنية الفائقة، خصوصا وأننا نعلم أنها من صنع إخواننا المصريين والشرقيين، وقد ~~أنفق عليها سموه أموالا طائلة، أما سراي سموه الخصوصية الواقعة في وسط الحديقة، ~~فمما يبهر العقول ويدهش الألباب، حيث جميع الأسقفة والأبواب والشبابيك، بل وكل ~~الأثاثات منقوشة بالآثار العربية العظيمة القيمة، وذلك غرامه الوحيد وشغفه الفريد، ~~ولسموه ولع أيضا باقتناء جياد الخيل العربية ولديه منها عدد وافر في إسطبلاته ~~العامرة، أبقاه الله قرة عين البلاد ولا أحرم الكنانة من علمه الغزير وأياديه ~~البيضاء. # حضرة صاحب السمو الأمير الجليل يوسف كمال باشا. ~~(4) ترجمة حضرة صاحب السمو الأمير الجليل يوسف كمال باشا # نجل ساكن الجنان المغفور له البرنس أحمد باشا # في مقدمة حضرات أصحاب السمو أمراء العائلة العلوية المالكة، الذين اشتهروا بالرحلات ~~النائية والصيد والقنص والشغف العظيم بالفنون الجميلة حضرة صاحب السمو الأمير الجليل ~~يوسف كمال باشا، فمن رحلاته الشيقة قيامه وحضرة صاحب السمو السلطاني الأمير كمال الدين ~~حسين، نجل ساكن الجنان المغفور له السلطان حسين كامل الأول في يوم الأحد الموافق 12 ~~يناير سنة 1924 برحلة بصحراء ليبيا، وقد استعد لهذه الرحلة الاستعداد كله، ms073 حيث استحضرا ~~من فرنسا السيارات التي تتسلق الجبال والتلول، واستحضرا المهندسين الفرنسيين الأكفاء ~~الذين رافقوا البعثة الفرنسية، التي اخترقت الصحراء الكبرى من طنجة إلى تمبوكتو، وقطعت ~~هذه الرحلة في سبعة أيام متتالية وقد كان الغرض من هذه الرحلة العظيمة التوصل إلى ~~اكتشاف جهات لم يصل إليها المكتشفون بعد، والاهتداء ضمنا على رسالة الرحالة «رولنس»، ~~تلك التي وضعها داخل زجاجة، وأودعها مكانا وصفه في إحدى رسائله، ولقد كان النجاح في ~~هذه الرحلة الشاقة الخطيرة عظيما جدا، فالحمد لله على تلك النهضة العالية التي تمشت ~~روحها في أمرائنا الفخام، حيث إنهم يبذلون جهودهم الفائقة، وذكاءهم النادر في خدمة ~~مصرهم العزيزة بخدمتهم للعلم حتى لقد أصبحنا ولله الحمد بفضل جهودهم نفاخر أعاظم ممالك ~~العالم المتمدين، ونتصور أنا نقترب شيئا فشيئا من الوصول إلى أوج الكمال بفضلهم، ذلك ~~الكمال الذي كانت عليه مصر القديمة أيام كانت مهد الحضارة والمدنية ومنار العرفان الذي ~~يهتدي به كل ضال، وبحر العلوم الفياضة الذي ينهل منه كل ظمآن، ولسموه في رحلاته العديدة ~~مجلدات ضخمة منها: ~~(1) # سياحته في بلاد الهند الإنجليزية وكشمير سنة 1915 وقد طبع الجزء الأول ~~بمطبعة المعارف سنة 1920. ~~(2) # سياحته في بلاد «التيبت» الغربية وكشمير أيضا عام 1915م طبع بمطبعة ~~المعارف أيضا، وكل من هذين الجزأين محلى بالصور والرسوم من المناظر التي ~~وقع عليها نظره الكريم في هاتين الرحلتين، ومن الكتب القيمة التي أشار ~~بتعريبها وطبعها على نفقته الخاصة كتاب الرحلة الأولى للبحث عن ينابيع ~~البحر الأبيض «النيل الأبيض»، الصادر به أمر ساكن الجنان محمد علي والي مصر ~~بقيادة ربان الفرقاطة البكباشي سليم قبودان، وهي ملخصة من المجموعة الرسمية ~~للجمعية الجغرافية في عددها الصادر في شهر يوليو سنة 1842، ونقلها إلى ~~اللغة العربية حضرة محمد مسعود بك المحرر الفني بوزارة الداخلية، طبعت سنة ~~1920م. ~~«ولمحة عامة إلى مصر» تأليف أ. ب. كلوت بك، ومعربها حضرة محمد مسعود بك أيضا، وكتاب ~~«مصر في القرن التاسع عشر»، وهي سيرة جامعة لحوادث ساكن الجنان محمد علي باشا وإبراهيم ~~باشا، والمغفور له ms074 سليمان باشا الفرنسي من الوجوه الحربية والسياسية والقصصية تأليف ~~إدوار جوان وتعريب محمد بك مسعود أيضا طبع سنة 1921م. # ولسمو الأمير الجليل يوسف كمال باشا ولع عظيم بالصيد والقنص، وطالما قصد الأقطار ~~السودانية وتوغل في غاباتها وأحراشها بغية صيد الوحوش الكاسرة كالأسد والدب وغيرهما، ~~وقد تفضل حفظه الله وأبقاه فأهدى كثيرا منها لحديقة الحيوان بالقاهرة، وسموه أيضا ~~حصن منيع لكل مشروع خيري كملجأ الحرية والجمعيات الخيرية، ومؤسس مدرسة الفنون الجميلة، ~~ومستشفى المطرية فهو والحق يقال أمير الخير وأمير البر وأمير الشجاعة والبأس. # ولسمو الأمير تفاتيش عديدة واسعة وأطيان شاسعة في الوجهين البحري والقبلي، ويعد سموه ~~من أكبر المحسنين والمعضدين لكل مشروع مفيد، وله باع طويل في مساعدة الفنون الجميلة على ~~اختلاف أنواعها، كما اشتهر سموه باللطف ودماثة الأخلاق وعلو النفس والكرم الحاتمي، ~~وهو محبوب جدا من عموم طبقات الأمة المصرية بوجه خاص لما آنسوا في شخص سموه الكريم من ~~العواطف السامية والخصال النبيلة، أدامه الله وأبقاه ومتعه بنعيم الحياة وجعل الجنة ~~في الآخرة مثواه. ~~(5) ترجمة حضرة صاحب السمو السلطاني الأمير الجليل كمال الدين حسين # إنا وإن كنا لم نتمكن من الحصول على ترجمة وافية لحضرة صاحب السمو السلطاني ~~الأمير كمال الدين حسين، لتغيبه في رحلة نائية عن مصر، ومع ما بذلناه من المجهودات ~~الشاقة للعثور على ما يشفي غليل القارئ الكريم عن حياة هذا الأمير الجليل، فلم نعثر إلا ~~على فذلكة صغيرة لسموه، واعدين حضرات القراء الكرام أن نأتي بترجمة وافية ~~لسموه في الجزء الثاني إن شاء الله تعالى. # هو الأمير كمال الدين حسين نجل المغفور له صاحب العظمة السلطان حسين الأول وحفيد ~~الخديوي إسماعيل باشا. # ولد حفظه الله بالقاهرة، فاعتنى المغفور له والده بتربيته التربية السامية التي تليق ~~بمثله، فشب ملحوظا بعناية الله وكان خير مثال للذكاء والنبوغ والهمة العالية، وإن ميله ~~إلى الزراعة لعظيم جدا لعلمه أنها مصدر حياة البلاد، وله اليد الطولى في الأعمال ~~الخيرية ومساعدة العلم، وإخلاصه لبلاده يفوق حد الحصر، كما وأنه في ميله إلى ms075 خدمة العلم ~~ليسهل كل صعب، وكم تجشم من الأخطار في سبيل اكتشافات عظيمة تخلد لمصر عظيم الفخر ~~بين أعاظم الأمم المتحضرة، التي تفخر بالمخترعين والمكتشفين من أبنائها، وإن رحلته ~~المشهورة في الصحراء لمن أجل الرحلات وأشقها، وقد قام بها باحثا عن رسالة الرحالة ~~رولنس الشهير، الذي كان قد جمع من المعلومات الجغرافية، ووصف شعوب أفريقيا الشيء الكثير ~~أودعها مذكرات قيمة، وضعها داخل زجاجة وأخفاها في مكان وصفه ضمن رسالة أرسلها عندما ~~أحدقت به العرب وقتلته، فقد قام صاحب السمو برحلته هذه العظيمة للتوسع في الاستكشاف ~~والحصول على هذه الرسالة، وقد كانت من الغرابة بمكان فإنه ألقى محاضرة عظيمة بالمجمع ~~العلمي الجغرافي تضمنت ما حصل عليه من المعلومات القيمة، والغرائب الكثيرة، وما لقيه من ~~المشاق العظيمة، فجاءت تلك المحاضرة شاهدا آخر على ما لسموه من سمو المدارك وعلو ~~الهمة، وعلى مقدار شغفه بالعلم وحبه العظيم له، وتضحياته الكثير من الأعمال الخيرية، ~~وتخفيف ويلات المنكوبين والمكروبين، وسد عوز المحتاجين، فهو رجل الإحسان بالمعني ~~الصحيح، وهو محسن في أعماله محسن في أقواله محسن في آرائه محسن في كل شيء. # وإن في تاريخ سموه الأمثلة العديدة التي يحسن سياقها للتدليل على ذلك، فقد أظهر من ~~الكياسة وأصالة الرأي وبعد النظر والجدارة، وأنه هو الرجل الحقيقي «والرجال قليل». تولى ~~رئاسة الجمعية الخيرية الإسلامية عقب أن سعدت البلاد بتبوء صاحب العظمة والده عرش مصر، ~~وكانت رياسة الجمعية مسندة إليه، فأسندت رياستها إلى صاحب الترجمة فقام بما عهد إليه ~~خير قيام، وبرهن على أنه الوحيد الذي صدق رأي الجمعية في اختياره، وأنه فوق ذلك مثال ~~المروءة والشهامة والوفاء، وأننا لا يسعنا وصف وفائه ولو أتينا من البسطة في التعبير ~~والقوة في الكتابة ما شئنا وشاءت لنا الأقدار، وإننا لنسجل لسموه بمداد الإعجاب تنازله ~~عن ملك مصر بعد أبيه، وإيثاره عمه حضرة صاحب الجلالة فؤاد الأول على نفسه، فبرهن بذلك ~~على مقدار وفائه ومحبته لمصره العزيزة، وفضل التفرغ لخدمة العلم، وخدمة بلاده لشدة ~~محبته لهما بعيدا عن مشاغل ms076 السياسة والملك، مقدما لها من يحسن سياستها وهكذا تكون ~~الرجال وإلا فلا. # وإننا طالما التمسنا من سمو الأمير أن يتفضل علينا برسمه الكريم؛ ليزدان سفرنا بنور ~~محياه الباهر فأبى معتذرا بعدم وجود صورة لسموه في هذا الوقت، ولنا من حضرة القارئ ~~الكريم مغفرة ومعذرة ونرجو أن لا يتسرب إلى ذهنه أننا أغفلنا ذلك سهوا أو عمدا، إنما ~~هو الواقع وليس لنا أن نؤثر على إرادة سموه بحال. # صفاته وأخلاقه # وقد منحه المولى أجل الصفات الحميدة والخصال العالية مع جمال الخلق، فسموه على ~~جانب عظيم من الدعة واللطف مع الشهامة والحزم، يميل بفطرته السامية إلى رفع لواء ~~العلم لمجد وسعادة وطنه المفدى، وله في كل عمل علمي أو أدبي أو خيري مآثر غراء تنطق ~~عن روح سامية ومروءة فائقة. # أبقاه الله متمتعا بالصحة والعافية، رافلا في حلل السعادة والهناء، ولا أحرم ~~مصر المحبوبة من جليل خدماته إنه نعم المولى ونعم النصير. # تمثال توت عنخ أمون مع الملك فؤاد الأول. # تمثل هذه الصورة الملك توت عنخ أمون «في المتحف البريطاني» صاحب المدافن العظيمة، ~~التي اكتشفت أخيرا في طيبة على ضفة النيل الغربية من الأقصر، فوجدنا في نشر صورته ~~مع نشر صورة جلالة مولانا الملك فؤاد الأول أحسن تفاؤل بمستقبل مملكة وادي النيل المستقلة. # رسم تحليلي يبين الأجزاء وعددها «23»، التي كان يتألف منها ناووس ~~توت عنخ أمون. # كانت مصر منذ 3000 سنة في عهد توت عنخ أمون مستقلة، بل صاحبة سيادة عظيمة على ما ~~حولها من البلدان كالسودان والحبشة وسورية، هذا من جهة سطوتها السياسية ومنعتها ~~الحربية، أما عن غناها وثروتها ومجدها وعمرانها ورقيها في الفنون والصناعات وتقدمها ~~في العلوم والمعارف والآداب، فإن الكنوز التي وجدت في طيبة والكنوز المحفوظة في ~~المتاحف لخير شاهد على المكان الرفيع، الذي بلغته والقسط الوافر الذي أحرزته في عصر ~~كانت فيه دياجير ظلمات الجهل، مخيمة على العالم، فسلام على عصر توت عنخ آمون ~~الزاهر، ومرحى بعصر جلالة الملك فؤاد الذي يبشرنا بذلك المجد الباذخ والعز التالد، ~~نسأل ms077 الله دوام ملكه. # | مدفن توت عنخ آمون والتابوت العجيب الذي اكتشف بالأقصر # تفنن الأقدمون في حفظ موتاهم من البلى وفي وضعهم في مكان حريز، حتى لا يعبث بهم أحد، ~~فحفروا لهم القبور في الصخور ووضعوهم في قواديس كبيرة من الخزف أو المرمر، وأبدعوا في ~~التعمية على من يقصد نبشها فأوهموه أنهم أخفوها في مكان يصعب الوصول إليه، ثم وضعوها في ~~مكان آخر لا يخطر له أنها فيه؛ لأنهم اعتقدوا أن الجسد يبقى مقرا للنفس بعد الموت فتعود ~~إليه مرة بعد أخرى، كما تعود نفس النائم إلى جسمه بعد أن تفارقه على ظنهم، وكل ما اكتشف في ~~هذا القطر وغيره من الوسائل لحفظ جسد الميت لا يقابل بالأسلوب، الذي ابتدعه توت عنخ آمون أو ~~خلفاؤه لحفظ جسده إذا ثبت أن جسده حفظ فيه، ولم يكن هذا الأسلوب لمجرد التعمية، فإن ما ~~تضمنه قبر هذا الملك من التحف والأثاث والرياش يكاد يكون قصرا ملكيا ومخزنا من مخازنه، ~~ومتحفا حفظت فيه بدائع الفن المصري من ذلك العهد السحيق في قدمه العجيب في مهارة صناعه، ~~وكان في هذا القبر غرفة مقفلة ثبت من النقوش والأختام التي عليها أنها تحوي تابوت الملك وقد ~~تحوي جثمانه أيضا، ثم اتضح أن هذا التابوت تحيط به ثلاثة توابيت أو صناديق كبيرة من الخشب ~~البديع النقش، والطلاء الذهبي الذي يغشى الصندوقين الثاني والثالث أجمل منظرا من الطلاء ~~الذي على الصندوق الأول الخارجي، وعليها كلها كثير من الكتابات والصور. # مدفن توت عنخ آمون. # وكان لا بد من تفكيك هذه الصناديق والاعتناء بما عليها من النقوش حتى لا يتلف شيء منها، ~~وهو عمل صعب جدا لثقل هذه القطعة، وضيق المكان الذي هي فيه، وقد وجد في هذه الصناديق كثير ~~من العصي والقسي من الذهب والفضة ملفوفا بإحكام بلفائف من الكتان، ومن هذه العصي واحدة من ~~الذهب وواحدة من الفضة، وعليهما نقوش بارزة تمثل الملك على غاية الإتقان، والتي من الذهب ~~أكثر إتقانا وأبدع منظرا من التي من الفضة، وتظهر صورة الملك ms078 فيها بوجهه ويديه ورجليه وهو ~~واقف كشاب في ريعان الصبا. ومن العصي عصا من القصب ملبسة بالذهب البديع النقش، وقد كتب ~~عليها بالهيروغليف ما معناه «عصا قطعها الملك بيده»، وعلى إحدى الأقواس نقوش دقيقة تمثل ~~زوارق وهذه النقوش صغيرة وسائر الأقواس كبيرة، وعليها رسوم وزخارف من الذهب ومن العصي عصا ~~من الأبنوس المطعم بالعاج والذهب، مقبضها أعقف كالمحجن، وعليه رسوم بديعة الصنع وفي أعلاها ~~ختم الملك، وفيها حلقة من الذهب عليها صورة أسيرين، وهناك قضيب من الذهب ملفوف لفا محكما ~~له قمة من الزجاج وحلقة من الفضة عليها كتابة معناها «خذ قضيب الذهب حتى تتبع بعد ذلك أباك ~~الشريف المحبوب آمون أحب الآلهة.» # ويقال: إن هذه العصي والقسي من أنفس ما وجد من الآثار، ولما تم تفكيك الصندوق الثاني في ~~31 يناير سنة 1924، ورفعت جوانبه وجد في الفراغ الضيق بينه وبين الصندوق الثالث مروحتان من ~~المراوح التي كان يحملها العبيد على جانبي الملك، وهما من الذهب وريش النعام الأبيض، ~~ويداهما منقوشتان نقشا جميلا بمناظر الصيد، وعلى إحداهما صورة الملك راجعا بمركبته من ~~الصيد، ومعه عبيده يحملون ما اصطاده، لكن السوس لحس ريش النعام. # وكل ما تقدم كشفه ووضعه لا يوازي ما كشف أخيرا في تركيب التابوت نفسه، فإنه يملأ الناووس ~~الذي وضع فيه، فلما فتح بابه، وكان مختوما بخاتم الملك، إذا حول التابوت صندوق كبير من ~~الخشب الجافي الثقيل، يدهش منظره البصر بما عليه من الذهب الوهاج والصيني البراق، وكان ~~الغطاء الذي عليه ثقيلا جدا يبلغ ثقله طنا وربعا أي: نحو 34 قنطارا مصريا فرفعه ~~المستر كارتر بان أدخل قطعا من الحديد تحته وربطه بحبال تدور حول بكر، فكادت الحبال تنقطع ~~لثقله فلما رفع إذا تحته جسم يمثل الملك محنطا وملفوفا بكفن من الكتان، ولكنه ليس الملك ~~بل تابوت يمثله بوجهه وأنفه وعينيه ويديه ورجليه، وتحته نعش في شكل أسد تغشاه صفائح الذهب، ~~وهذا التابوت آية من آيات الصناعة كأنه بدن إنسان يمثل الملك، وعلى صدغه الأيسر تمثال الصل ~~شعار ms079 الوجه البحري، وعلى صدغه الأيمن تمثال النسر شعار الوجه القبلي ورأس الملك متجهة إلى ~~الغرب، فكل من هذين الشعارين متجه إلى الجهة التي هو شعارها، ويدا الملك على صدره وقد قبض ~~باليسري منهما على سوط من الذهب، وباليمنى على صولجان من الذهب المرصع، والسوط والصولجان ~~شعار الإله أوسيرس ملك العالم السفلي، وعينا الملك من البللور الأبيض والأسود، وصدره مغشى ~~بصفائح من الذهب وسائر الجسم بورق من الذهب. # وهذا التابوت وحيد في بابه لم يكشف في مصر تابوت مثله حتى الآن، فإنه تمثال يمثل الملك ~~بحلته الملكية، وعليه جناحا آلهة النسر، وهو يملأ الناووس فإن طوله ثلاثة أمتار وعمقه نحو ~~75 سنتيمترا؛ ولذلك يظن أنه يحوي مع جثة الملك كثيرا من حلاه. # غير أنه حدث أن المستر كارتر الذي اكتشف هذا المدفن وعني عناية تفوق الوصف في استخراج ما ~~وجد فيه سالما، أراد في اليوم الأخير أن يدخل بعض السيدات لمشاهدة التابوت مخالفا بذلك ما ~~تعهد به للحكومة المصرية من أنه لا يدخل سيدات ولا أحدا غير عدد محدود من عمال الآثار، ~~ورجال الصحافة، فاعترض عليه وكيل وزارة الأشغال، ومنعه عما أراد فأقفل المدفن وحدث بعد ~~القفل أن احتج المستر كارتر على ذلك، وأعقب هذا الاحتجاج برفع دعواه للقضاء المختلط، يطلب ~~فيها تخصيص جانبا من هذه الآثار نظير اكتشافه لهذا القبر، فقضى القضاء برفضها، وظل القبر ~~مقفولا حتى شهر فبراير سنة 1925، حيث اتفقت وزارة الأشغال العمومية المصرية معه على ~~استئناف العمل تحت إشرافها في نظير مكافأة مالية، تعطى له بعد نهاية نقل جميع الآثار ~~الموجودة بالقبر، وقد أوفدت الحكومة المصرية قوة عظيمة من جنودها؛ لملاحظة ما يجري أثناء ~~النقل؛ كي لا يتسرب شيء من هذه الآثارات النفيسة ليد الغير. # وفي 6 مارس سنة 1924 أقيم في وادي الملوك - بل ملك الأودية - في الأقصر احتفال فخم ~~لافتتاح ناووس الملك توت عنخ آمون الذائع الشهرة. # ناووس توت عنخ آمون كما كان شكله يوم افتتاحه. # فقد دعت وزارة الأشغال العمومية إلى هذا الاحتفال أصحاب ms080 المقامات الرسمية من وطنيين ~~وأجانب على قطارات خاصة تقلهم إلى الأقصر، وفي الساعة العاشرة صباحا من ذلك اليوم فتح ~~المدفن، وفي الساعة الرابعة بعد الظهر دخله ممثلو الدول الأجنبية ومن معهم من السيدات، ~~ورجال الصحافة والشركات الإخبارية. # جلالة الملك فؤاد الأول وهو خارج من قبر توت عنخ آمون وإلى يمينه المسيو ~~لاكو مدير مصلحة الآثار المصرية. # وكان المدعوون يدخلون المدفن جماعات مؤلفة من نحو 8 أشخاص لضيق المكان. # | البرلمان المصري والحكم النيابي في التاريخ # ذكر الفيلسوف أرسطو فيما كتبه عن السياسة أن الحكم في الأمة يتولاه إما فرد أو جماعة أو ~~الشعب كله، فإذا تولاه الفرد كانت الحكومة ملكية، وإذا تولته جماعة قليلة كانت الحكومة ~~أرستقراطية، وإذا تولاه الشعب كله كانت الحكومة دستورية أو شعبية، ولا تفاضل بين هذه ~~الأنواع من الحكومات إذا قامت بما يطلب منها؛ لأن الغاية من كل حكومة إقامة العدل وتوطيد ~~الأمن، والسهر على مصالح الرعية، فإذا بطلت هذه الغاية وانقلب الحكم وسيلة لتحقيق مآرب ~~الحاكم، سواء كان فردا أو جماعة فسدت الحكومة وضاعت الغاية من وجودها. # ولعل أقرب الأنظمة السياسية القديمة إلى الحكومة الدستورية الحديثة النظام، الذي جرت عليه ~~أثينا ورومية حوالي القرن الخامس قبل المسيح، فكانت الحكومة في كلتيهما شعبية جمهورية بأوسع ~~المعاني، ومما ساعد على ذلك أن الدولة كانت صغيرة تشمل المدينة وحدها ولا تتعداها إلا إلى ~~ما حولها من القرى والدساكر، وكان عدد السكان قليلا لا يزيد على عشرة آلاف نفس، ما عدا ~~أثينا فإنها بلغت نحو عشرين ألفا، فسهل عليهم أن يقوموا بأعمال الحكومة بنفوسهم، فكانوا ~~يؤمون المجتمعات السياسية العامة «كالاكليزيا في أثينا»؛ لينتخبوا الحكام ويفصلوا فيما ~~يهمهم من الشؤون؛ لذلك لم يكونوا في حاجة إلى انتخاب من ينوب عنهم في تلك المجتمعات. # على أن الحكم في أثينا ورومية لم يبق جمهوريا بحتا حينما خرجا عن حدودهما الضيقة ~~وازدادت فتوحاتهما، ولا سيما فتوحات رومية واتسع نفوذهما وصار من اللازم استنباط نظام سياسي ~~يشمل جميع الولايات، بمعنى أنهم يشتركون مع العاصمة في ms081 إدارة شؤون البلاد ومستعمراتها ~~الواسعة، لكن فلاسفة الرومان وواضعي القوانين منهم مع ما اتصفوا به من الحذق السياسي وبعد ~~النظر في وضع القوانين، لم يهتدوا إلى نظام التمثيل السياسي، فبقيت العاصمة مسيطرة على شؤون ~~البلاد، وانتقلت السلطة فيها رويدا رويدا إلى يد رجل واحد، فكان النظام الإمبراطوري ~~المعروف، ثم انهارت الإمبراطورية الرومانية الغربية أمام هجمات القبائل الشمالية المتكررة، ~~وانتشر في أوربا نظام الإقطاع، وهذا النظام يستدعي شيئا من «النيابة» أو «التمثيل»، فأمير ~~الإقطاع كان يدعو في أوقات المحن والحروب رجالا يمثلون المقاطعات المختلفة في إمارته للبحث ~~فيما يجب فعله؛ لدرء هجمات العدو وما يجب على كل منهم تقديمه من رجال وذخائر ومؤن، فكان في ~~هذا العمل جرثومة التمثيل السياسي أو النظام النيابي كما هو معروف في عصرنا. # وخرجت أوربا من ظلمات القرون الوسطى، وقد تعزز في أنحائها الروح القومي فسما بالطبقات ~~الوضعية عن مصاف العبيد، وصارت تشعر بوجوب الاشتراك مع الملك والأمراء ورجال الدين في تدبير ~~أمورها إلى أن كانت الثورة الفرنسوية، فألقيت فيها مقاليد الأمور إلى الشعب. # لكن النظام النيابي بمعناه السياسي الحديث نشأ في إنكلترا منشورا تدريجيا، وذلك أن ~~الملك إدورد الأول نشر دعوة سنة 1295 جاء فيها ما ملخصه: ~~«إننا ندعو الآمراء وكبار رجال الدولة للبحث في الأدواء التي تنتاب البلاد وكيف يجب أن ~~نعالجها؛ ولذلك ندعو اثنين من كل مقاطعة ومدينة ودائرة «بورد» ممن عرفوا بالحكمة والإخلاص ~~والكفاءة، ويجب أن تعطى لهم السلطة الكافية لإقرار ما يحسب صالحا للبلاد بالاتفاق العام؛ ~~لكي لا يبقى العمل ناقصا» هذه هي الجرثومة التي نشأ منها البرلمان الإنكليزي أقدم المجالس ~~النيابية في التاريخ وأكثرها مرونة، وهو مع ذلك لا يقوم على دستور مكتتب كالدستور الأميركي ~~أو الفرنسوي أو المصري، بل على تقاليد جرى عليها قرونا فصارت بمثابة القانون ~~المكتتب. # ولا يخفى أن البرلمان الإنكليزي مؤلف من مجلس أعلى، ويسمى مجلس اللوردات وأوطأ، وهو مجلس ~~العوام أو النواب، وعدد الأعضاء في المجلس الأعلى نحو 726، وفي مجلس النواب نحو 707 ولا ~~يعتبر ms082 المجلس الأعلى أي: مجلس اللوردات غير نيابي؛ لأنه وراثي بل هو نيابي بمعنى أن أعضاءه ~~يمثلون طبقتين من طبقات الشعب الإنكليزي، هما رجال الدين وأصحاب الأملاك الواسعة؛ وسبب تفوق ~~مجلس النواب عليه أنه يمثل الطبقة الثالثة، وهي أوفر عددا وأكثر قوة، وفي يدها زمام الأمور ~~السياسية والمالية. # ويتلو البرلمان الإنكليزي في القدم البرلمان الأميركي ويدعى الكنفرس، وهو أقدم برلمان ألف ~~حسب نظام مكتتب، وذلك سنة 1780 وهو مجلسان أيضا مجلس الشيوخ أو السنا، وفيه 96 عضوا أي ~~نائبان من كل ولاية من الولايات المتحدة سواء كانت الولاية صغيرة أم كبيرة، ومجلس النواب ~~وعدد أعضائه نحو 433. # دار مجلس النواب الأميركي. # ومما يحسن ذكره في هذا الصدد أن الحكومة الإنكليزية «حكومة برلمانية» في عرف علماء ~~السياسة أي: أن الوزارة فيها من مجلس نوابها وهي مسئولة له عن أعمالها، فإذا فقد المجلس ~~ثقته فيها وجب عليها الاستقالة، أما الحكومة الأميركية فليست حكومة «برلمانية» من هذا ~~القبيل أي: أن وزراءها ليسوا من مجلس نوابها، ولاهم مسئولون له عن أعمالهم بل لرئيسهم الذي ~~يعينهم، وهو المسئول للكنفرس عن السياسة التي يتبعها؛ وذلك لكي يتم الفصل التام بين فروع ~~الحكومة الثلاثة أي: بين القوة التنفيذية والقوة التشريعية والقوة القضائية وهو في رأي بعض ~~علماء السياسة كمنتسيكو أرقى مراتب الحكومة، لكن الأمر الذي يبدو لأكثر الباحثين في السياسة ~~والعمران أن النظام الإنكليزي أكثر من النظام الأميركي مرونة، ومماشاة مع مقتضى الأحوال وقد ~~جرت عليه معظم الدول الديمقراطية، سواء أكانت ملكية كإيطاليا واليابان ومصر أم جمهورية ~~كفرنسا وسويسرا، ويقال: أن النظام الملكي المقيد بمجلس نيابي مؤلف من مجلسين، كما في ~~إنكلترا وإيطاليا ومصر واليابان خير الأنظمة السياسية في هذا العصر، وأثبتها على تقلبات ~~العمران، وأضمنها للمحافظة على الغاية من وجود الحكومة، فالملك في الحكومة الملكية المقيدة ~~يمثل تاريخ البلاد وتقليدها وعزها، وكل ما يلتف من آمال الشعب ورغائبه حول شخصه المعنوي، ~~كذلك تكفل الوزارة النيابية القيام بأعمال الحكومة كما في كل الجمهوريات. # والظاهر أن الدستور المصري من خير ms083 الدساتير من هذا القبيل فقد جمع مزايا أكثر الأنظمة ~~السياسة القديمة والحديثة، ومداره على ملك وبرلمان ووزارة برلمانية والبرلمان المصري مؤلف ~~من مجلسين: أعلى وهو مجلس الشيوخ، وأوطأ وهو مجلس النواب، وأعضاء مجلس الشيوخ عددهم 119 ~~ينتخب منهم 71 عضوا، ويعين جلالة والملك الباقين، ويجب أن تكون سن العضو في مجلس الشيوخ 40 ~~سنة على الأقل، وينتخب أو يعين ليقيم عشر سنوات، أما مجلس النواب فأعضاؤه 214 وينتخبون ~~جميعهم لخمس سنوات، ويجب أن تكون سن الواحد منهم ثلاثين سنة على الأقل. # وكان يوم 15 مارس سنة 1924 يوما تاريخيا عظيما، ففيه افتتح جلالة الملك فؤاد أول ~~برلمان مصري مؤلف على المبادئ الدستورية الحديثة، وقد تم هذا الاحتفال في أجلى مظاهر الأبهة ~~والجلال، وقضى أهل مصر ذلك اليوم فرحين متهللين، شاعرين أنه ابتداء عهد جديد في تاريخ هذا ~~القطر، عهد اشتراك الأمة في تولي زمام السلطة. # فلما انتصفت الساعة التاسعة أخذ النواب والشيوخ يفدون على دار البرلمان، وجعلوا يأخذون ~~أمكنتهم كيف شاءوا، وكذلك أقبل المدعوون فجلسوا في الشرفات المعدة لهم، وهم من أصناف ~~مختلفة، فمنهم كبار الأجانب كسفراء الدول المفوضين، ومنهم كبار الموظفين والرؤساء الروحيين، ~~وغير هؤلاء ممن دعوا إلى الحضور. # وفي الساعة التاسعة والدقيقة الأربعين أطلقت المدافع إيذانا بأن الموكب الملكي تحرك من ~~قصر عابدين، فخرجت المركبة الملكية تجرها ستة من الجياد، وكان فيها إلى يسار جلالة الملك ~~دولة رئيس الوزراء سعد زغلول باشا، وكانت تتقدمها مركبة تجرها أربعة جياد، وفيها معالي كبير ~~الأمناء وسعادة كبير الياوران، وقد وصل الموكب إلى دار البرلمان في الساعة العاشرة، وكان في ~~استقبال جلالة الملك أصحاب السمو الأمراء، وحضرات أصحاب المعالي الوزراء والوفد البرلماني، ~~فلما أقبل عليهم جلالته تقدموا فقبلوا يده الكريمة، ثم سار وهم خلفه إلى قاعة البرلمان حيث ~~قابله النواب وقوفا، وبعد أن حياهم جلالته وردوا عليه التحية بالهتاف له، وقف أمام المقعد ~~الملكي ووقف الوزراء إلى يمينه والأمراء إلى يساره، ورأس الجلسة أكبر الأعضاء سنا، وهو ~~سعادة المصري باشا السعدي، وحينئذ ms084 أقسم جلالة الملك اليمين الآتية: # أحلف بالله العظيم أني أحترم الدستور وقوانين الأمة المصرية، وأحافظ على استقلال ~~الوطن وسلامة أراضيه. # دولة سعد باشا زغلول يقرأ خطبة العرش أمام الملك ونواب الأمة (تصوير ~~المسيو أنطون أنتيبا شارع كامل نمرة 8). # فلما أتم جلالته القسم صفق الأعضاء وهتفوا بلسان واحد «ليحيا جلالة الملك»، وبعد تأدية ~~اليمين قدم معالي كبير الأمناء إلى جلالته خطاب العرش، فأخذه جلالته وناوله إلى دولة سعد ~~باشا وأذن له أن يلقيه فألقاه بنصه الآتي: # حضرة الشيوخ - حضرة النواب # أهديكم أطيب سلامي، وأحيي فيكم ممثلي شعبي الكريم، وأهنئكم منتخبين ومعينين ~~بالثقة العظمى التي أحرزتموها؛ لتؤلفوا أول برلمان مصري تأسس على المبادئ العصرية، ~~وأحمد الله أن تحققت بتأسيسه أمنية من أعز أماني وأول رغبة من رغبات أمتي ~~الشريفة. # اليوم تدخل في دور التنفيذ النظامات النيابية التي قررها الدستور، ولا ريب في ~~أنها تبشر بإقبال عصر جديد من القوة والسعادة على بلادنا المحبوبة. # لقد وضعت البلاد فيكم ثقة عظمى، وألقت بها عليكم مسئولية كبرى، فأمامكم مهمة من ~~أدق المهمات وأخطرها، إذ يتعلق بها مستقبل البلاد، وهي مهمة تحقيق استقلالها التام ~~بمعناه الصحيح، ولا شك أنكم ستعالجونها بروح من الحزم والحكمة والروية، وأنكم ~~ستجدون من أهم مسهلاتها الاتحاد المقدس الذي لا انفصام له بين العرش والأمة، والذي ~~توثقت اليوم عراه بالقسم العظيم الذي أقسمناه وستؤدونه أنتم عما قليل. # لهذا يحق لي أن أصرح علنا باسمي وباسمكم أن حكومتي مستعدة للدخول مع الحكومة ~~البريطانية في مفاوضات حرة من كل قيد؛ لتحقيق الآمال القوية بالنسبة لمصر والسودان ~~مملوءة من الرجاء في الوصول إليها بقوة حقنا، وعناية الله القدير. # ومن أهم وظائفكم أن تساعدوا الحكومة، وتشتركوا معها في إدارة البلاد على الطريقة ~~التي رسمها الدستور، وهي الطريقة المؤسسة على القانون بين سلطات الدولة، وعلى مبدأ ~~المسئولية الوزارية، ولقد وضعت هذه الطريقة على الحكومة وعلى البرلمان واجبات، ~~فعليها تنفيذ مبادئ الدستور وتطبيق أحكامه بروح تامة من الحرية والديمقراطية، وعليه ~~أن يتمم التشريع بوضع القوانين الناقصة التي أشار ms085 الدستور إليها، وأن يعيد النظر في ~~القوانين المعمول بها خصوصا ما لم يعرض منها على الجمعية التشريعية بسبب إيقاف ~~أعمالها، وأن ينظر في قانون ا لانتخاب بما تمليه عليه نتيجة الاختبار. # وستعرض عاجلا على مجلس النواب ميزانية الحكومة للسنة القادمة، وسبق منها أن ~~الإيرادات والمصروفات متعادلة، وأن المال الاحتياطي زاد زيادة عظيمة سيكون لها أحسن ~~أثر في سمعة البلاد المالية، غير أن هذا لا يعفي من التزام الحزم في السياسة ~~المالية، بل يجب اجتناب كل ما من شأنه تكليف الخزينة بنفقات لا ضرورة لها ولا يكون ~~من وراء إنفاقها تحسين في الإدارة، ورعاية الاقتصاد في الوظائف حتى لا يكون منها ما ~~هو فوق الحاجة، وفي المرتبات حتى لا تزيد على قيمة العمل المقررة لها. # ويجب إصلاح الإدارة بتقسيم المصالح المختلفة، وتوزيع الوظائف المتنوعة وتحديد ~~اختصاصها على وجه يضمن سهولة العمل وسرعته وانتظامه، ويبعث في نفوس الموظفين روح ~~الجد والنشاط، والشعور بالمسئولية والحرص على النظام كما يضمن لهم حقوقهم، ويكفل ~~السير على طريقة عادلة في التعيينات والترقيات. # أما الضرائب الحالية فيجب تجنب الزيادة فيها، غير أنه يبقى النظر في مراجعتها ~~وتكميل نظامها، لا لمجرد دخلها وتوزيعه توزيعا أعدل، بل أيضا لتقرير رسوم على ~~الإيرادات المعفاة بغير حق من الضرائب في الوقت الحاضر، وغير خاف أن مراقبة ~~المصروفات العامة بالدقة وحسن الانتباه، وتقوية نظام الضرائب بضمان انتظام ~~الميزانية وثباتها يسمحان باستئناف مشاريع الأعمال العامة التي أهملت من ~~سنوات. # ومن اللازم حماية ثروة البلاد الزراعية وتنميتها بنسبة زيادة السكان، وهذا يستلزم ~~المبادرة إلى حل المسائل الخاصة بتحسين طرق الري والصرف وتوسيع نطاقها، ومن الواجب ~~تحسين طرق المواصلات وتنمية التجارة على اختلاف أنواعها، واستثمار المناجم وتشجيع ~~الصناعات المصرية الحديثة العهد، والاستفادة من مركز البلاد الجغرافي وإصلاح حالة ~~الأمن والصحة العمومية، وترقية المرأة أدبيا واجتماعيا، وحماية الأمومة ~~والعناية بالأطفال، واتخاذ التدابير الاجتماعية اللازمة لحماية العمال ونشر التعليم ~~بنوعيه الأولي والراقي. # وعلى مصر أن تتبوأ مكانها بين الدول بإيجاد علاقات الوداد، وتوكيدها مع جميع ~~الدول من ms086 غير تفضيل، ولا امتياز يخالف مبدأ استقلالنا التام. # والأمل وطيد في أن تتوج حريتنا السياسية بدخول مصر في جمعية الأمم كدولة تامة ~~الاستقلال. # أيها الشيوخ والنواب # إن مهمة الحكومة والبرلمان كبيرة خطيرة شاقة، منها ما أشرت إليه ومنها ما هو ~~معروف لكم من كل ما فيه خير البلاد وتقدمها، ولكني عظيم الثقة في أن هذه المهمة تتم ~~تدريجيا بفضل الروح القومية التي بعثت في شعبي الكريم قوة جديدة، وملأته حمية ~~للعمل وغيرة على خير الوطن. # ويملأ قلبي سرورا أن أفتتح الدور الأول للبرلمان، وأدعوكم للبدء في أعمالكم ~~داعيا الله تعالى أن يسدد خطواتكم، وأن يوفقني وإياكم لما فيه خير البلاد. # ولما فرغ دولة الرئيس من إلقاء الخطبة أعادها إلى جلالة الملك، فتناولها جلالته ~~وأعطاها إلى كبير الأمناء الذي سلمها إلى رئيس المؤتمر الوقتي، وهنا هتف رئيس ~~المؤتمر «يعيش الملك» ثلاث مرات فردد الأعضاء هتافه، وعقب الهتاف وقف جلالة الملك ~~وسار إلى المركبة الملكية، فأقلته إلى قصر عابدين وكانت الساعة حينئذ العاشرة ~~والدقيقة 25 وأطلقت في أثناء حفلة الافتتاح مائة مدفع ومدفع. # هذا وقد وردت التهاني على حضرة صاحب الجلالة الملك فؤاد الأول، وعلى حكومته من ملك ~~إنكلترا وملك إيطاليا، ورئيس جمهورية فرنسا، ورئيس وزراء بريطانيا، ورئيس وزارة إيطاليا ~~وبرلمان نروج. # جلالة الملك في عربته عند مغادرته دار البرلمان المصري عقب ~~افتتاحه. # | خطبة العرش لافتتاح الدور الثاني للبرلمان المصري # ونثبت هنا خطبة العرش التي ألقيت في الدور الثاني من انعقاد البرلمان المصري في يوم ~~الأربعاء 12 نوفمبر سنة 1924، بعد ثمانية شهور من افتتاحه الأول أقفلت فيها أبوابه نظرا ~~للعطلة الرسمية، فلم يكد يتنفس صباح ذاك اليوم حتى ازدحم الطريق الممتد من ميدان عابدين إلى ~~شارع دار النيابة بجماهير متلاصقة الأجساد صفت على جانبي الطريق على امتداده، ولم تكن شرفات ~~الدور وسطوحها بأقل منه ازدحاما، فقد احتشدت في هذا وفي تلك عشرات الألوف من ~~النظارة. # وقد اصطفت الحامية المصرية على الجانبين تحمل كل أورطة علمها، ومع كل منها ضباطها بملابس ~~التشريفة، وبين ms087 كل جندي وجندي منها نحو متر واحد ومن ورائهم جنود البوليس المصري تحت إمرة ~~ضباطهم، وقد قامت خلف هذين الصفين ربا من الخلق، كان بعضهم جالسين على مقاعد أعدت لمثل هذا ~~اليوم بأجر مرتفع. # ووقف فرسان الجيش في ميدان الإسماعيلية بقيادة قائدهم، واصطف وراء أبواب دار النيابة قره ~~قول شرف من الجنود المصرية لتأدية التحية العسكرية أثناء تشريف حضرة صاحب الجلالة الملك، ~~وكان قد توافد إلى هذه الدار في الموعد المحدد؛ لتشريف جلالته المدعوون من حضرات أصحاب ~~السمو الأمراء والنبلاء، وأصحاب الدولة والمعالي الوزراء، وحضرات أصحاب الفضيلة العلماء ~~ورجال الدين، وحضرات سفراء الدول ووكلاء وكبار موظفي الحكومة من المحافظين والمديرين ~~وغيرهم. # وفي الساعة العاشرة إلا ثلث أطلق من ميدان الإسماعيلية واحد وعشرون مدفعا، إيذانا بتحرك ~~ركاب حضرة صاحب الجلالة الملك من القصر الملكي، وعزفت موسيقي الحرس التي كانت مصطفة في ~~ميدان عابدين بالسلام الملكي، ودوى الفضاء بالنداء العسكري والتصفيق والهتاف. # وخرجت المركبة الملكية تقل حضرة صاحب الجلالة المعظم وإلى يساره حضرة صاحب الدولة الرئيس ~~الجليل سعد باشا زغلول، ويجرها ستة من جياد الخيل، وقد ركب أولها سائس وركب مؤخر المركبة ~~ثلاث سواس بملابسهم الحمراء المزركشة وتقدم المركبة الملكية مركبة حضرة صاحب المعالي كبير ~~الأمناء، ورئيس الياوران وتأخر عنها مركبتان ملكيتان أخريان، تقلان كبار موظفي ~~القصر. # وكان الموكب كلما اجتاز نقطة هتفت تلك الجماهير هتافا يشق عنان السماء، ودوى التصفيق ~~وصدحت الموسيقات، وكان حضرة صاحب الجلالة يحيي الشعب مبتسما حتى وصل الموكب إلى شارع دار ~~النيابة. واجتازت المركبة الباب المخصص لدخول جلالة الملك، وكان يقوم على حراسته معاون ~~بوليس البرلمان وثلة من عساكر البوليس. # ولما نزل جلالته من المركبة بدئ بإطلاق مائة مدفع ومدفع، ورفع العلم الكبير على الدار، ~~وتقدم حضرات أصحاب السمو الأمراء والنبلاء وحضرات أصحاب الدولة والمعالي الوزراء، ورئيس ~~المؤتمر واللجنة البرلمانية المنتدبة للاستقبال، فحيوا جلالته وساروا بين يديه إلى الغرفة ~~الملكية الخاصة، فاستراح فيها هنيهة ثم سار منها إلى قاعة المؤتمر، وأعلن كبير الأمناء قدوم ~~جلالته فوقف الجميع ms088 إجلالا وتعظيما، ووقف جلالته أمام العرش، وعن يمينه الأمراء وعن شماله ~~الوزراء، ثم جلس وتفضل فأذن للواقفين جميعا بالجلوس فجلسوا. # وبعد أن جلس حضراتهم جميعا تسلم حضرة صاحب الدولة الرئيس الجليل سعد زغلول باشا خطبة ~~العرش من حضرة صاحب الجلالة الملك، فألقاها على الحاضرين الذين كانوا يقاطعونها بالتصفيق، ~~وكانت المدافع لا تزال تطلق وهذا نصها: # خطبة العرش # حضرات الشيوخ حضرات النواب # أحييكم أحسن تحية وأهديكم أجل احترام وأذكر بالسرور وبالفخار يوم حضرت بينكم منذ ~~أقل من ثمانية شهور لافتتاح اجتماعكم، وأداء القسم العظيم بالإخلاص للدستور، الذي ~~وفقني ربي لإنشائه وتدبير الأمور طبق أحكامه. # الثناء على البرلمان # واليوم أهنئكم على نتيجة أول اختبار للعمل بنظامه في الدور الأول، ووقوع أكثره في ~~أقسى فصول السنة، جاءت نتيجة حسنة مشجعة وباعثة على الرجاء في التقدم ~~والارتقاء. # ذلك بفضل ما انطويتم عليه من الحب لخير البلاد، وما أبديتموه من حكمة واعتدال، ~~وما امتازت به مكاتبكم ولجانكم من النشاط المستمر، والإدارة الحسنة والبحث ~~الدقيق. # قد وضعتم لوائحكم الداخلية ونظمتم مكاتبكم وانتخبتم لجانكم ووضعتم من الأسئلة ~~والاستجوابات والاقتراحات، ما كان له أثر عظيم في مراقبة الشؤون، ومعرفة حاجات ~~الجمهور، والاطلاع على سياسة الحكومة، وتبين الحكمة في ما عملت والسر في ما ~~تركت. # ولقد تناقشتم في ميزانيات الدولة وصدقتم عليها بعد درس جاء بحكم الضرورة موجزا ~~محددا ولكنه دقيق ومفيد. وقد أعدتم النظر في قوانين مهمة كقانون الانتخابات، ~~وأدخلتم عليه تعديلات سيكون لها أثر عظيم في الأعمال المقبلة، وأيدتم بقراراتكم ~~الإجماعية وتصريحاتكم الواحدة وحدة الأمة في جهادها للحصول على استقلالها التام. ~~(تصفيق) # بذلك أثبتم بالبرهان المحسوس الواضح أن البرلمان المصري جدير بالسلطة التي خولها ~~له الدستور. # استقلال مصر والسودان # إن حكومتي صرفت كما وعدت أكبر همها في السعي لاستقلال البلاد بجزأيها مصر ~~والسودان (تصفيق)، وبناء على دعوة رئيس الوزارة الإنكليزية توجه رئيس حكومتي إلى ~~لندن في شهر سبتمبر الماضي للدخول في محادثات قد تؤدي إلى مفاوضات رسمية، وذلك بعد ~~ما حصل على التأكيد بأن هذا السعي لا ms089 يمس بأية صورة حقوق مصر. # لم تؤد هذه المحادثات إلى مفاوضات، ولكننا لا نزال واثقين تمام الوثوق من الوصول ~~إلى غايتنا المنشودة بفضل وضاحة حقنا، واتحاد شعبنا وتعلقه بالعرش، وتضامن الكل في ~~المحافظة على حقوقنا المقدسة في وادي النيل بقسميه من غير أن نتخلى عن شيء منها، أو ~~أن نقبل أو أن نعترف بأي عمل أو أمر من شأنه المساس بها. (تصفيق حاد) # وستستمرون في مساعدة الحكومة بكل جهد على حسن إدارة البلاد، وتوجيه الأمة في طريق ~~الرقي؛ لتستزيد من احترام الأمم المتمدينة لها ومن عطفها عليها. # التوسع في الأعمال البرلمانية # ويسرني أن أرى البلاد اليوم على حالة تسمح بالتوسع في الأعمال البرلمانية توسعا ~~طبيعيا فعالا، فالطمأنينة العامة تملأ جميع أنحاء القطر، نعم وقعت في الأشهر ~~الأخيرة حوادث إضراب، ولكنها لم تكن سوى حوادث عادية ناشئة عن منازعات اقتصادية ~~ومادية، لم يترتب عليها تكدير للراحة العمومية ومرت بسلام وانتهت على صورة مرضية ~~بوجه عام. # حادثة الاعتداء والمؤامرة # أما حادثة الاعتداء التي وقعت على رئيس حكومتي، ونجاه الله من شرها واستاءت الأمة ~~لوقوعها فلم تكن جناية اجتماعية ولا عملا ثوريا، إذ كشف التحقيق أنها جناية ~~فردية ناشئة عن جنون شخصي. # الأحوال الاقتصادية والداخلية # والأحوال الاقتصادية جارية على منوال حسن، ولكنها قابلة للتحسين والإصلاح والحالة ~~المالية على ما يرام، إذ الحساب العمومي الذي سيعرض عليكم يدل على تعادل تام في ~~الميزانية وعلى وفرة المال الاحتياطي. # وقد اتخذت الحكومة التدابير لتخفيض النفقات إلى المقدار، الذي تقضي به الحاجة ~~فعلا وعلى الأخص لمراقبة النفقات مراقبة شديدة وهذا يكفل بقاء الميزانية على ما هي ~~عليه من الثبات؛ ولهذا الغرض تشتغل الحكومة بدرس مشروع لائحة لإنشاء نظام مستقل، ~~يختص بمراجعة الإيرادات والمصروفات. # انتظام المصالح العامة # وجميع المصالح العامة سائرة بانتظام، وفي هذا السير المنتظم أكبر دليل على عدم ~~صحة ما تنبأ به بعض ذوي الأغراض من أن النظام الجديد، وخروج الموظفين الأجانب من ~~خدمة الحكومة سيفضيان حتما إلى اختلال عام في النظام، على أن التغيرات التي ms090 حدثت ~~في خلال السنة في موظفي الحكومة، لم يكن الغرض منها إلا تقوية تلك المصالح العامة ~~بمعاونة عناصر من الشبان الأكفاء المخلصين لخير البلاد. # لائحة للموظفين # ولما كان تطبيق نظام الدرجات الجديدة وهو عبء ثقيل خلفه الماضي، قد تم الآن بعد ~~أن حمل الحكومة تكاليف طائلة وعناء شديدا، فقد شرعت في وضع لائحة للموظفين، ~~والمأمول أن تساعد هذه اللائحة بما تخوله لهم من الحقوق وتفرضه عليهم من الواجبات ~~بطريقة عادلة، على زيادة ضمان سير العمل وانتظامه. # المواصلات البرية والبحرية # ومن المصالح العامة مصلحة تستدعي من جانب الحكومة عناية تامة، وهي مصلحة السكك ~~الحديدية التي تركت للإدارة الجديدة في حالة صعبة، خصوصا بسبب عدم تجديد مهماتها ~~بطريقة مستقلة؛ ولهذا سيقترح عليكم اتخاذ تدابير مهمة لتحسين حالتها وتوسيع نطاقها، ~~وضمان سيرها في التحسين والارتقاء. # وستعرض عليكم أيضا مشروعات مهمة تتعلق بالتجارة البحرية والملاحة ~~النيلية. # الإصلاح الزراعي # إن ما أشرنا إليه في خطابنا يوم افتتاح البرلمان من حاجات البلاد يستلزم على ~~الدوام عناية شديدة، فالزراعة عموما وزراعة القطن خصوصا الذي هو أساس ثروتنا، يجب ~~أن نبذل لها وسائل المساعدة والتشجيع والحماية؛ ولهذا تنوي وزارة الأشغال العمومية ~~القيام بأعمال مهمة من شأنها تحسين طرق الصرف والري في الوجه البحري، وتوفير وسائل ~~الري في الوجه القبلي، كما وأن وزارة الزراعة تدرس الآن وتنفذ تدريجيا ما يلزم من ~~الوسائل لمنع انحطاط نوع القطن المصري، ومقاومة الأمراض التي تفتك به وتعميم نظام ~~التعاون، وإنشاء مراكز للتجارب الزراعية وتشجيع زراعة أصناف جديدة، وحماية المواشي ~~والتوسع في تربيتها وتحسين نتائجها، وكذلك مساعدة صغار الزراع خصوصا فيما يتعلق ~~بشراء البذور والأسمدة. # وزارة الأوقاف # وتشترك وزارة الأوقاف في هذه الجهود بالنسبة للأراضي التي تديرها، كما أنها تعنى ~~بتحسين نظامها الداخلي، رغبة منها أيضا في تحسين حال المستحقين والإكثار من ~~المنشآت الخيرية. # الحالة الصحية # والحالة الصحية العامة عادية بوجه الإجمال، بل هي سائرة في طريق التحسن سيرا ~~بطيئا ، غير أنها ما زالت بعيدة عن الدرجة التي نود أن تكون عليها، ومما لا ms091 مندوحة ~~عنه زيادة عدد مستشفياتنا ومستوصفاتنا، وإننا لنعلق أملا كبيرا على ما يبذله ~~الأفراد من الجود، فقد شاركوا الحكومة قبل الآن في سبيل القيام بهذا الواجب المفروض ~~على الجميع لوجه الله تعالى وللوطن العزيز. # وتبذل مصلحة الصحة كل جهدها في أداء مهمتها بالقدر الذي يسمح به ما لديها من ~~الوسائل، وسيجد البرلمان البرهان على ذلك، عندما ينظر في مشاريع القوانين المهمة ~~التي ستعرض عليه في هذا الشأن. # القضاء # وإن الحالة التي عليها إدارة القضاء قد لفتت نظر البرلمان من قبل، ولا يسع أحد أن ~~ينكر الحاجة إلى تحسين حالة هذه الإدارة التي هي من أهم شؤون الدولة، وتقضي تلك ~~الحاجة بزيادة عدد رجال القضاء زيادة معتدلة، وبإدخال إصلاحات توفق بين سرعة إنجاز ~~القضايا، وتوافر جميع الضمانات اللازمة لسير القضاء سيرا سديدا عادلا. # التعليم # وإن مساعي شعبنا في تعليم الناشئة تعليما أوليا أو راقيا تزداد يوما فيوما، ~~ويجب على الحكومة أن تقابل هذه النهضة التي تملأ جوانحي الأبوية سرورا بما تستحقه، ~~كما أنه ينبغي عليها أن تعتني بتنظيم هذه الحركة المباركة وتوجيهها في أقوم طريق، ~~وإن تطبيق مبدأ التعليم الإجباري الذي فرضه علينا الدستور يجب أن يقترن بإصلاح ~~التعليم الراقي والعالي إصلاحا يصل ما انقطع من عهد النهضة العلمية العظيمة في ~~مصر، وستعرض عليكم مشاريع مهمة تتعلق بهذا الموضوع. # الدفاع # ومن أهم واجبات الدولة توفير وسائل الدفاع عنها على أن مسألة الدفاع المسلح هي من ~~أعظم المسائل خطورة وأكثرها تعقيدا، فالحكومة تبذل جهدها في درسها وحلها تدريجا ~~بحذر وتؤدة واحتياط، فستزيد وحدات الجيش، وتشتغل بإنشاء ما لا وجود له الآن من ~~الأسلحة. # مسألة السودان # إني أتأسف لأن مدة العطلة البرلمانية الماضية كانت ظرفا لحدوث صعوبات خارجية ~~وداخلية خصوصا بالنسبة للسودان، تلك الصعوبات التي أقلقت خاطر شعبي وشغلت بال ~~الحكومة، ولكني أحمد الله على أن خطة الحكمة والروية، التي عالجت بها حكومتي هذه ~~الصعاب ساعدت مساعدة قيمة على حفظ حقوق مصر سالمة، وعلى استبقاء العلاقات الودية مع ~~الدول الأجنبية. # مصر والأجانب # ولقد ms092 ظلت الجاليات الأجنبية آمنة مطمئنة في ضيافة البلاد، وهنالك بعض مسائل تجري ~~فيها المخابرات الآن وهي مسألة الرعايا الألمان وحدود مصر الغربية والجنسيات، وأملي ~~وطيد بأن تحل حلا مرضيا بفضل ما يسود هذه المخابرات من الود والصفاء. # وجوه الإصلاح # حضرات الشيوخ والنواب. # إن وجوه الإصلاح في بلادنا متعددة ومتنوعة ولا تنحصر فيما ذكرناه، وكلها لحياة ~~البلاد ورفاهيتها وحسن تقدمها. والقيام بها في دور الانتقال من نظام إلى نظام حديث ~~- وهو الدور الذي نجتازه الآن - من أشق الأمور وأصعبها، ولكن حكومتي مملوءة من ~~الرغبة في مباشرتها، ومن العزم الصادق على تذليل ما في طريقها من العقبات، وعلى ~~توفير ما يلزمها من الوسائل مقدمة الأهم منها على المهم معتمدة بعد الله على حكمتكم ~~وحسن معونتكم؛ ولهذا افتتح الدور الثاني للبرلمان وأدعوكم وأنا عظيم الثقة في حسن ~~المآل للبدء في أعمالكم، حقق الله رجائي ووفقني وإياكم لما فيه الخير العام. # وبعدئذ وقف حضرة صاحب الجلالة الملك فوقف المجتمعون جميعا فحيوا جلالته، وخرج مشيعا ~~بالهتاف والتصفيق. # وعاد الموكب باليمن والإقبال من حيث أتى، وقد قوبل في عودته بمثل ما استقبل به أولا من ~~مظاهر التكريم والحب والإجلال، وأطلق عند مبارحة جلالته لدار البرلمان واحد وعشرون ~~مدفعا. # وبعد وصول جلالته إلى القصر ركب حضرات أصحاب الدولة والمعالي الوزراء، ومعالي رئيس ~~المؤتمر وأعضاء اللجنة المنتخبة؛ لتقديم الشكر لجلالته وسارت المركبات إلى القصر الملكي، ~~وهناك رفعوا فروض الشكر إلى جلالته على تفضله بافتتاح البرلمان. # وعادت الجنود بهيئتها وموسيقاتها وأعلامها إلى ثكناتها، وتفرقت الجموع بعد ذلك، وكان ~~النظام تاما بهمة سكرتيري المؤتمر وموظفي مجلسيه ورجال البوليس. # جعل الله هذا الدور فاتحة خير وإسعاد للأمة والبلاد. # | ترجمة حضرة صاحب الدولة الرئيس الجليل والزعيم المحبوب سعد زغلول باشا # مقدمة للمؤرخ # الحياة في هذا العالم المحفوف بالمكاره، الحافل بأنواع المسرات قسمان: قسم تبقى فيه ~~شهرة الإنسان إلى الأبد، وهذه هي الحياة الدائمة، والثاني تندثر فيه أعمال الإنسان ~~وكأنه لم يكن. # والعاقل في هذه الدنيا من يتطلب الحياة الخالدة، أما الجاهل فما ms093 أشد شغفه بالمظاهر ~~الدنيوية الفانية من ملاذ واستمتاع، وليس من السهل وجود الشهرة لفرد من الأفراد، وما ~~كانت الحياة الخالدة في العالم بمقدورة لكل الجماعات والأفراد؛ لأنها لا توجد عفوا ولا ~~تطلب من غير تعب، وإننا ما سمعنا ولا رأينا في كتب الأولين وأخبار المتأخرين أن بطلا ~~من مشاهير الأمم نال شهرته عفوا واستحق إعجاب أمته من غير نصب وجهاد. # وها هو صاحب الدولة سعد باشا زغلول زعيم الأمة المصرية، وموضع أملها، وروح نهضتها ~~ووثوبها ما نال شهرته التي طبقت أقطار الأرض، وسارت مسير الشمس من غير عناء، وإنما ~~بإقدامه في ساعة الإحجام وبكفاءته وهمته، وصدق إخلاصه نال البطولة، واستحق الحياة ~~الخالدة وتولى زعامة قومه بعزيمته الماضية، وجهاده المتواصل في سبيل استقلال بلاده ~~وأصبح لسان أمته الناطق، وفؤادها الخافق، وترجمانها المترجم عن عواطفها وأغراضها، وما ~~زال يجاهد في تحرير وطنه، واستقلال شعبه حتى تلاشت شخصيته بين عوامل وطنيته، وعلت روحه ~~عن هذا العالم المتقيد بقيود العبودية إلى سماء الحرية العالية. # رسم وتاريخ حياة صاحب الدولة الجليل سعد باشا زغلول رئيس وزراء ~~الحكومة المصرية سابقا ورئيس الوفد المصري (تصوير هنزلمان). # هذا ولا يختلف اثنان أن سعد باشا أبلغ من كتب، وأقدر من خطب، وأعلم الناس بدخائل ~~السياسة وضروبها، وأساليبها وألاعيبها، حلوها، ومرها، خيرها وشرها، وإننا مهما دونا ~~فلا يمكننا أن نوفيه حقه بل لاحتجنا إلى عدة مجلدات، وإننا الآن نكتفي بتاريخ حياته ~~العظيمة، وأعماله الناصعة البيضاء، وموعدنا بذكر باقي أعماله الجليلة، ومجهوداته ~~العظيمة، الجزء الثاني إن شاء الله. # مولده ونشأته # ولد سعد باشا في بلدة إبيانه مركز فوه غربية سنة 1860م، ولما بلغ من العمر السادسة من ~~عمره دخل مكتب البلد، وظل فيه خمس سنوات تلقى فيها القراءة والكتابة، ثم ذهب إلى دسوق ~~لتجويد القرآن، ثم جاء إلى القاهرة ودخل الأزهر الشريف، ومكث فيه خمس سنوات تلقى فيها ~~جميع العلوم على أفاضل علمائه كالمرحوم الشيخ حسن الطويل، وكان السيد جمال الدين ~~الأفغاني العالم الكبير العظيم بالقاهرة وقتها، فسرعان ما تعرف به ms094 وبتلاميذه كالمرحوم ~~الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده، الذي حضر عليه «القطب على الشمسية» في المنطق، كما حضر ~~عليه درسا في التوحيد فلم ير في حداثة عمره كما لم ير في كبر سنه بابا للعلم إلا ~~وقصده ولا سبيلا للمعرفة إلا وطلبه. # ولما علم لذوي الشأن سبقه كما عرف للناس من قبل علمه وفضله بما كان يكتبه باسمه يومئذ ~~في الصحف، كجريدة مصر والمحروسة والبرهان والتجارة من المقالات البليغة عين محررا ~~بالوقائع المصرية سنة 1881م مع المرحوم الشيخ محمد عبده، الذي كان رئيس تحريرها سنة ~~وبضعة أشهر. # ولقد كان ينشر الرسائل الواردة بنصها، ثم ينبه على الخطأ منها، وينتقد أحكام المحاكم ~~الملغاة، ويلخصها حيث عهد إليه ذلك كما كان يكتب بتوقيعه مقالات في الاستعباد والشورى ~~والأخلاق؛ لأنها كانت غير قاصرة على القسم الرسمي كما هو الحال الآن، ولم تقيد حريته من ~~الصغر وظيفته كما لم يستهوه منصب ولا مال، ثم عين بعد ذلك سنة 1883م معاونا في ~~الداخلية فناظرا لقلم قضايا الجيزة، الذي لم يمكث فيه إلا أسابيع، وقامت الثورة ~~العرابية فاتهم بأنه من أتباع المرحوم الشيخ محمد عبده ففصل من وظيفته، واتهم بالاشتراك ~~في جمعية سرية باسم جمعية الانتقام، ولكن إدانته لم تثبت بعد التحقيق، وفي سنة 1884م ~~قيد اسمه في محكمة مصر محاميا، فنهض بالمحاماة ورفع من قيمتها والناس إلى الجهل أقرب ~~منهم إلى العلم بها، فكان فيها نصير الحق والمظلومين، ونبراس القضاء والمحامين، وحجتهم ~~في القول ومرجعهم في المشكلات. # وهو أول محام تعين قاضيا؛ ولهذا أقيمت له حفلة تكريم كبرى حضرها رئيس محكمة ~~الاستئناف أحمد بليغ باشا، ووكيلها إسماعيل صبري باشا والأفوكاتو العمومي أحمد حشمت ~~باشا، وغيرهم من أفاضل الأمة وأدبائها وكبرائها، ومما يذكر عنه أنه مكث ساعات يدافع عن ~~متهم، فقال له أحد القضاة: إن الوقت ثمين فأجابه على البداهة «ولكن حياة المتهم ~~أثمن». # ولقد تعلم في هذه المدة الفرنسية حتى كاد يعد من أبنائها، وصار من أدبائها ونبغائها، ~~وفي سنة 1892م اختارته محكمة الاستئناف مستشارا من ms095 أول الأمر؛ لأن أصحاب المواهب ~~العالية تخطبهم العلياء. # ولما كانت مسألة الكفاءة بغير الشهادات أمرا من الأمور، التي لا يزال مشكوكا فيها ~~عند البعض كذبها الواقع أو صدقها دخل سعد باشا الامتحان في القوانين باللغة الفرنسية، ~~ونال شهادة «الليسانس» وهو قاض في الاستئناف بعد أن جلس مجلس الطالب؛ لأن علو النفس ~~يتطلب دائما الكمال والعلا، وفي سنة 1907م عين وزيرا للمعارف. # تولى سعد باشا وزارة المعارف فأقام فيها صرحا من الإصلاح إذا كانت تعلم العلوم في ~~المدارس بغير لغة البلاد، ولما كان حفظ الأمة بحفظ لغتها وتعليم العلوم بغير لغة ~~الإنسان لا يمكنه من الوقوف على حقائقها جعل تعليم العلوم بلغة الشعب، وأوجد قلما ~~للترجمة والنشر من خير المترجمين. # ولقد كتبت جريدة التيمس الإنجليزية في عام 1906م عن صاحب الترجمة ما ملخصه: # هو من شيعة المرحوم محمد عبده الذين امتازوا بالارتقاء والتهذيب، وهم الذين ~~سماهم اللورد كرومر فريق «الجيروند» في النهضة الوطنية المصرية، وهو مصري عريق ~~في وطنيته أجمع الناس على إكرامه والإعجاب به؛ لما اشتهر عنه من الاستقامة ~~والاستقلال «والجيروند» ويقولون: بالملكية الدستورية. # ثم تولى بعد ذلك وزارة الحقانية والبلاد مسممة بجريمة تسميم الحيوانات، وإتلاف ~~المزروعات فضرب على أيدي هؤلاء العابثين بالأرواح والمال، بجعل هذه الجرائم جنايات، بعد ~~أن كانت جنحا ليس لها من قوة الردع والزجر ما فيه الاعتبار والإقلاع عن ارتكاب ~~الإثم. # فكان في كل أعماله مثالا للحكمة والهمة والجد في الأعمال، ومما هو جدير بالذكر ما ~~تنبأ به لورد كرومر، إذ قال في خطبة وداعه: # وأذكر أخيرا أيها السادة اسم رجل لم أشتغل معه إلا من عهد قريب، لكن معاشرتي ~~القصيرة له قد علمتني أن أحترمه احتراما عظيما، وإن أصاب ظني أو لم يخطئ ~~كثيرا، فسيكون أمام ناظر المعارف الجديد سعادة سعد باشا زغلول مستقبل عظيم ~~للمنفعة العمومية؛ لأنه حائز لجميع الصفات اللازمة لخدمة بلاده، فهو صادق ~~مستقيم كفء مقتدر شجاع فيما هو مقتنع به، وقد احتمل الطعن والذم من كثيرين دونه ~~فضلا بمراحل من أبناء ms096 وطنه، فهذه صفات سامية، فالواجب أن صاحبها يتقدم ~~كثيرا. # ولما اعتزل الحكومة لسقوط وزارة محمد باشا سعيد عام 1913م، انتخب وكيلا للجمعية ~~التشريعية عن الأمة مع وكيل ثان عن الحكومة، فكانت حياته النيابية مبدأ عصر جديد، فكم ~~له من مواقف مشهورة، وأعمال مذكورة فقد كان لسان الجمعية وروحها وعلمها الفرد، ورجلها ~~الفذ، ولقد كانت تهتم الصحف العربية والإفرنجية بنشر أعماله وأحاديثه بوجه خاص. # ومن كلماته في الجمعية التشريعية والإصلاح: # إذا كانت الحكومة تريد أن تكون الجمعية التشريعية مكتب تسجيل لقوانين الحكومة ~~وأوامرها، فأنا بصفتي مصريا محبا لبلادي أفضل ألا يكون لمثل هذه الجمعية ~~أثر في الوجود، نعم إن حق الجمعية في التشريع حق ضعيف جدا كما يقولون؛ ولهذا ~~نستصرخكم يا حضرات النظار ألا يزيدوه بقوتكم ضعفا على ضعف. # لو كنتم مسئولين أمامنا كما تسأل الحكومات في أوربا أمام برلمانها لحاسبناكم ~~على أعمالكم، ولكننا قوم ضعاف لم يقسم لنا الحظ ما قسم للأقوام الأقوياء، فكل ~~ما نستطيع أن نقوم به أمامكم هو أن نسألكم لا أن نحاسبكم، كل تقييد للحرية لا ~~بد أن يكون له مبرر من قواعد الحرية نفسها، وإذا كان الشيء واضحا كان البحث ~~فيه موجبا لغموضه، وإذا أردنا أن نحدد معنى الضوء والظلام انتهى بنا الأمر إلى ~~ألا نعرف معناهما، لا يفوتكم أن تحتجوا على كل أمر ترون أن فيه مخالفة للقوانين ~~مهما كان صغيرا في نظركم، فربما كان لهذا الأمر الصغير علاقة في المستقبل بأمر ~~كبير فيتخذ سكوتكم في هذا حجة عليكم في ذلك. # لم يطل عهد انعقاد الجمعية التشريعية؛ لتعطيلها إثر نشوب الحرب الكبرى وإعلان الأحكام ~~العرفية في البلاد، فأراد سعد باشا أن يشغل نفسه بتعلم اللغة الألمانية، وهو في العقد ~~السادس من حياته، ولم تكد تعقد الهدنة على شروط ولسن التي جاء فيها «لكل شعب حق تقرير ~~مصيره»، حتى ذهب إلى دار الحماية في 13 نوفمبر سنة 1918، ومعه علي باشا شعراوي وعبد ~~العزيز بك فهمي بصفتهم وفدا عن الأمة يرؤسه ؛ لتبليغ الحكومة الإنجليزية أماني الشعب ms097 ~~المصري، واستصدار أمر بالسفر إلى أوربا لحل المسألة المصرية في وقت لم يتقدم فيه فرد ~~ولا حزب ولا جماعة أخرى، فرفضت الحكومة الإنجليزية الإذن بالسفر، فتوالت الاحتجاجات ~~وكثرت الاجتماعات، فصدر أمر في 8 مارس من السنة المذكورة بنفي سعد باشا وأتباعه إلى ~~مالطة، فحدثت المظاهرات والثورة المعرفة في البلاد إلى أن أفرج عنهم في 7 أبريل سنة ~~1919، فسافر سعد هو وأتباعه إلى باريس باسم الوفد المصري للعمل على تخليص البلاد من يد ~~الأجنبي في مؤتمر الصلح، فماذا رأى فيها؟ # رأي سياسة الجفاء، ووجوه الإنكار والإغضاء، وهكذا تحابي الدول الدول كما تحابي ~~الأفراد الأفراد، لكن هذا لم يفت في عزمه الحديدي ولا إرادته الصادقة على شيخوخته وكبر ~~سنه علما بأن الحق لا بد أن يصرع الباطل يوما ما، ولما سافر الوفد ونشر الدعوة في ~~أوربا وأمريكا في كبريات الصحف الإفرنجية، وبين أحرار الأمم أزعج ذلك إنجلترا وأقلقها ~~فمدت يدها إليه تصافحه، وأرسلت إليه تدعوه للحضور بلندن للاتفاق معه. # شيء لم يسبق له نظير من قبل، فكان ذلك أول فاتحة لقضيتنا، واعتراف من القوة بالحق، بل ~~أول مرة من نوعها بين إنجلترا العظيمة ومصر الضعيفة، ولما دخل الوفد لندن استقبل ~~استقبالا عظيما من المصريين النازلين بها، وكانت عظمة سعد باشا النفسية أكبر من أن ~~تؤثر عليها مظاهر الاحتفال والاحتفاء به، ومن ثم أخذ يواصل السعي والعمل لحل المسألة ~~المصرية على وجه يكفل سلامة البلاد، ويحقق لها حقيقة الاستقلال حتى كان لا يعرف للراحة ~~وقتا، ولا لليأس من قلبه مكانا، ولما كانت القوة في جانب الحق، والحق في جانب آخر لم ~~يكن هناك أمل في اتفاق صحيح، فانقطعت المفاوضات، ورجع الوفد إلى باريس لتجديد دعوته ~~ونشر مطالبه، وفي أثناء ذلك تشكلت الوزارة العدلية، ونشرت برنامجها للأمة ووعدت بأنها ~~تتمشى مع الوفد ورغبات الأمة، فحضر سعد الصادق العزيمة المخلص والمحب لبلاده قبل كل شيء ~~فاستقبل استقبالا عظيما جدا من جميع الطبقات، حتى الجاليات الأجنبية بما لم يسبق ~~لأحد من قبله؛ اعترافا بإخلاصه، وتقديرا لمجهوداته، ms098 وأصبح محل إعجاب الشيوخ والرجال، ~~وأنشودة الشباب والأمهات في جميع أناشيدهم وأغانيهم، وصارت صورته الكريمة مطبوعة في ~~القلوب كما طبعت على البطاقات والخطابات والكتب والمجلات والصحف والأواني، وزينت بها ~~الدور، وكل ما يتناول تقريبا في أيدي الناس حتى اندمجت الأمة في سعد وسعد في الأمة، ~~ولم يكن سعد باشا ممن يملكون ألوف الأطيان ولا رءوس الأموال مما ساعد على تكوينه ~~وظهوره، ولكن فطرته الصحيحة هي أصله، ومادته، وقوته، وشرف حياته العظيمة، ولقد رأت ~~السلطة في البلاد نفيه ثانيا إلى عدن، ومنها إلى جزيرة سيشل. # ولقد كتبت جريدة الديلي نيوز الإنجليزية تحت عنوان «بطل مصر المنفي» ما يلي: # كان سعد زغلول باشا دائما في طليعة الحركات الوطنية المصرية، فقد اشترك وهو ~~شاب في حركة عام 1882م الوطنية، ولاقى نصيبه من الاضطهاد في سبيل تحرير وطنه، ~~إذ سجن مدة في ثكنة قصر النيل التي سجن فيها وهو زعيم الأمة قبل نفيه إلى ~~مالطة، وبينما كان استقلال مصر يعلن إذ بسعد باشا منفي في جزيرة منعزلة بالمحيط ~~الهندي، ولعل هذا هو الذي قضى على التأثير الذي كان ينتظر من إعلان ~~الاستقلال. # والظاهر أن السلطات الإنجليزية التي ظلت أربعين عاما تعلن اهتمامها ~~بالفلاحين المصريين، هذه الطبقة المجدة المفتونة بالسلام؛ لا تزال تثقل كاهل ~~الشعب المصري بنير الحكم البروقراطي الذي يعتبره زغلول باشا «رجل الشعب»، وبطل ~~قضيته؛ من ألد أعدائه، ولعل هذا هو السر في الموقف الذي وقفته الأمة يوم إعلان ~~الاستقلال المصري! # إن الحركة المعروفة الآن «بالزغلولية» هي الحركة الوطنية التي أصبح سعد زغلول رمزها، ~~وقد حققت الأيام تكهن اللورد كرومر، حينما أطراه في خطبة الوداع السالف ذكرها في هذه ~~الترجمة. # وقد كان لانتصار الزغلولية التي لا تزال منتصرة في مصر الفضل في اعتراف بريطانيا ~~العظمى باستقلال مصر، ولو أن بعض السحب قد عكرت مؤقتا هذا النصر، فالحقيقة التي لا ~~مراء فيها هي أن الفضل راجع إلى آراء سعد باشا. # ولم نكد نأتي على هذه الكلمة حتى ظهرت نتيجة الانتخابات الساحقة، فكان نجاح السعديين ms099 ~~زهاء 95٪ في المئة فأثر هذا الفوز في سياسة البلاد تأثيرا كبيرا، وقد صرح دولة سعد ~~باشا أن من الواجب على رئيس الوزارة يحيي باشا، الذي لم يفز في الانتخابات أن يستقيل، ~~وما كاد هذا التصريح ينشر في الصحف، حتى اجتمعت الوزارة الإبراهيمية، وقررت أن ترفع ~~استقالتها لحضرة صاحب الجلالة، مولانا الملك فأرجأ جلالته البت فيها حتى يعود بسلامة ~~الله من زيارته للقنال، ولما عاد قبل الاستقالة واستدعى إليه دولة سعد باشا زغلول ~~لتأليف الوزارة مع إسناد الرئاسة العظمى إليه؛ ولأن نواب الأمة بالإجماع قد قرروا في ~~حفلتهم لتكريم الزعيم دعوته لقبول الوزارة، وقد صرح بذلك دولة محمد سعيد باشا في خطبته، ~~فلم ير الرئيس بدا من القبول مع زهده في مناصب الحكومة إذعانا لمشيئة الأمة الممثلة ~~في نواب برلمانها، وقد لبث سعد باشا أياما يستطلع رأي زواره من كبار الأمة من جميع ~~الطبقات ليبني عليها قبوله أو رفضه، حتى أسفرت النتيجة عن القبول، فقصد قصر عابدين وعرض ~~على جلالته قبول رئاسة الوزارة، ووزارة الداخلية مع أسماء حضرات أصحاب الدولة والمعالي ~~زملائه الوزراء، الذين اختارهم للعمل معه، وجلهم من أعضاء الوفد المصري وأعضاء ~~البرلمان، الذين عرفوا بصدق وطنيتهم وبتضحيتهم الغالية، وهم حضرات أصحاب الدولة ~~والمعالي محمد سعيد باشا وزير المعارف ومحمد توفيق نسيم باشا وزير المالية وأحمد مظلوم ~~باشا وزير الأوقاف، وفتح الله بركات باشا وزير الزراعة، وحسن حسيب باشا وزير الحربية ~~والبحرية، ومرقص حنا باشا، وزير الأشغال ومصطفى النحاس باشا وزير المواصلات، وواصف غالي ~~باشا وزير الخارجية، ومحمد نجيب الغرابلي باشا وزير الحقانية، وكان ذلك في 28 يناير سنة 1924م. # دولة سعد باشا زغلول بالملابس الرسمية (تصوير المسيو شارل). # وما كاد يذاع النبأ في طول البلاد وعرضها وينشر البيان التاريخي الذي بني عليه قبول ~~دولته للوزارة مع احتفاظه برئاسة الوفد، حتى سرت روح الحياة والاستبشار في القطر وتألفت ~~الوفود من الأقاليم، وأقبلت للتهنئة رغم إعلان دولته رسميا للمديرين والمحافظين بأن ~~لا يكلفوا أحدا بالحضور للتهنئة، وأن يكتفى بإرسال البرقيات أو ms100 التهنئات البريدية، ~~وكأنما كان هذا داعيا لزيادة ثقة الأمة وحبها لزعيمها فأقبلت الوفود تترى وتألفت ~~المظاهرات الكبرى، ورفعت الأعلام في كل مكان، وأصبح ما بين عابدين وبيت الأمة تيار لا ~~ينقطع من المواكب والوفود والأعلام زهاء الأسبوع. # ولقد بدأت الوزارة السعدية أعمالها بحفظ كرامة البلاد، وافتتحت عهدها بإطلاق سراح ~~المسجونين السياسيين الذين ذهبوا ضحية السلطة العسكرية، وكان في مقدمتهم البطل عبد ~~الرحمن بك فهمي، بعد أن تعب رؤساء الحكومة السابقون في إطلاق سراحهم فلم يفلحوا. # ومن مآثرها أيضا حفظ كرامة مصر في آثار الملك توت عنخ آمون، والحرص على آثار أجدادنا ~~التي كان يتصرف فيها المستر كارتر الإنجليزي، كما يشاء، ذلك الموقف الذي ستخلده الأمة ~~في بطون التاريخ لسعد وصحبه بالشكر والثناء. # سفر دولته إلى لندن والاعتداء عليه بمحطة القاهرة # وقد دعي دولة الرئيس الجليل إلى الذهاب للندن للمباحثات مع المستر مكدونلد رئيس وزارة ~~الحكومة الإنجليزية، بناء على دعوة منه فيما يختص بالمسألة المصرية؛ ولتحقيق مطالب ~~الأمة في استقلالها التام لمصر والسودان، وهذا ما أخذه على عاتقه من قبوله رئاسة ~~الوزارة، وفعلا حدد لسفره يوم السبت 12 يوليو سنة 1924؛ ليتشرف أولا بمقابلة جلالة ~~الملك المعظم بالإسكندرية، وتقديم واجب التهنئة والتبريك بعيد الأضحى المبارك، وكانت ~~محطة العاصمة قبيل هذا الميعاد مزدحمة بجمهور كبير من حضرات العلماء وأعضاء مجلسي ~~الشيوخ والنواب والوزراء وكبار الموظفين، وغيرهم ممن اعتزموا السفر بهذا القطار إلى ~~الإسكندرية لهذا الغرض نفسه عدا الذين كانوا فيها من المودعين، والذين جاءوا خصوصا ~~لتوديع حضرة صاحب الدولة الرئيس الجليل، وحضرات أصحاب المعالي الوزراء، وكان رجال ~~البوليس مصطفين في جوانبها من الباب الخارجي إلى آخر الرصيف، الذي يسافر منه القطار إلى ~~الإسكندرية وفي نحو الساعة 7 والدقيقة الثامنة صباحا أقبل حضرة صاحب الدولة الرئيس ~~الجليل، ومعه حضرات أصحاب الدولة والمعالي والوزراء، فحياه المجتمعون بالهتاف والتصفيق ~~المتواليين، ودخل دولته بين هذه المظاهر إلى الرصيف الذي يسافر منه القطار إلى ~~الإسكندرية، وكان الصالون الملحق بهذا القطار لدولته والذين معه في مقدمته، فلم يكد ~~دولته ms101 يتجاوز في الرصيف مركبات الدرجتين الثالثة والثانية، ويحاذي أول مركبة من مركبات ~~الدرجة الأولى حتى برز له من بين الجماهير من الجهة اليمنى شاب بدين الجسم ببدلة كحلية ~~اللون، وأطلق على دولته رصاصة من مسدس معه، وهم أن يثني بأخرى، ولكن أيدي الذين حوله ~~كانت أسبق إليه من فكره، فغلت يده وأخذوا بتلابيبه وأوشكوا أن يقضوا عليه، لولا إسراع ~~رجال الحفظ الذين خلصوه منهم، وأدخلوه إلى مركبة من مركبات القطار وحافظوا عليه ~~فيها. # وقد لوحظ أن الرصاصة التي أطلقت على دولة الرئيس الجليل أصابته في الساعد الأيمن ~~وجرحته، ولكنه كان رابط الجأش وقد خاطب الذين حوله قائلا: «نموت ويحيى الوطن، ولكن ما ~~كنت أتوقع أيها الإخوان أن تقع هذه الجريمة علي من وطني وفي أرض الوطن». # ثم قدم له الحاضرون كرسيا فجلس عليه في الرصيف، وجاء فريق من السيدات الأجنبيات ~~فروحن عليه بمراوحهن، ودولته يبتسم ويشكر لهن هذا الصنيع، ثم أدخلوه إلى غرفة الضابط ~~القضائي فوق الرصيف نفسه، وجاء الممرضان اللذان بالقسم الطبي التابع لمصلحة السكة ~~الحديد الأميرية، فنزعا ملابسه وعملا له الإسعافات الوقتية بحضور حضرات أصحاب الدولة، ~~والمعالي الوزراء وغيرهم من كبار الموظفين، وقد ظهر لهم أن الرصاصة التي أطلقت على ~~دولته مرت بالذراع الأيمن فيما يلي الأبط، ومست الثدي الأيمن، ومن ثم استحضرت سيارته ~~الخصوصية، وأقلته إلى مستشفى الدكتور بابايوانو، وقبل أن ينقل دولته إلى سيارته في محطة ~~القاهرة التفت إلى الجماهير المحتشدة حوله، وقال لهم بصوت جمهوري وهو يتبسم: «أشكركم ~~أشكركم إن حالتي والحمد لله بسيطة لا تستدعي القلق»؛ ولعدم استيفاء راحته التامة في هذا ~~المستشفى اكتفى بالاستراحة بضع دقائق، ووافته إليه حضرة صاحبة العصمة السيدة الجليلة ~~حرمه المصون، وقابلته متجلدة فابتسم وخاطبها بما معناه: «لا تجزعي فالحالة بسيطة لا ~~تستدعي الجزع»، ثم انتقل بسيارته إلى مستشفي الدكتور علي إبراهيم رامز بك في منيل ~~الروضة، وتولى فحصه والعناية به فيه حضرة الدكتور المشار إليه، ومعه الدكتور مادن ~~والدكتور حسن كامل مجتمعين، ثم أذاعوا في الساعة التاسعة صباحا ms102 التقرير الطبي ؛ ليطمئن ~~الشعب المصري الساخط على هذا العمل الدنيء، أما الجاني الأثيم فاتضح أن اسمه عبد الخالق ~~عبد اللطيف وهو من طلبة الطب في برلين، وأصله من فارسكور بمديرية الدقهلية، ويبلغ من ~~العمر الحادية والعشرين في ربعة القامة غليظ مؤخرة العنق بشكل يدل على العتو والغلظة، ~~وقد حضر من برلين إلى مصر يوم 2 يوليو سنة 1924، وسعى ثلاث مرات لدى مدير مكتب دولته في ~~مقابلته فلم يمكنه من ذلك، فلما أخفق من تحقيق أمنيته اغتنم فرصة سفره إلى الإسكندرية ~~وارتكب جريمته هذه. # سعد باشا زغلول بالمستشفى (تصوير رياض أفندي شحاته). # وما كاد يذاع نبأ هذا الاعتداء الفظيع الوحشي على دولته، ويتصل خبره بمسامع جلالة ~~مولانا الملك المعظم فؤاد الأول، حتى أمر جلالته بإلغاء تشريفات عيد الأضحى وأوفد في ~~الحال كبير أمنائه حضرة صاحب المعالي سعيد باشا ذو الفقار وطبيبه الخاص سعادة محمد ~~شاهين باشا للاستفسار عن صحة دولته، وإبلاغه أسف جلالته على هذا الحادث مع عطف جلالته ~~السامي، وتعطفت صاحبة الجلالة الملكة فأوفدت حضرة صاحب السعادة باشا أغا السراي الملكية ~~إلى حضرة صاحبة العصمة حرم الرئيس للاستفسار عن صحة دولته وإبلاغها تمنيات جلالتها ~~بعاجل الشفاء، وقد انهالت الرسائل البرقية من عموم رؤساء الوزارات الأوربية على القطر ~~المصري، وجميعها يعرب عن شديد استيائها من وقوع هذا الحادث السيئ. # سعد زغلول باشا بعد خروجه من المستشفى. # وبعد أن أبل دولة الرئيس من مرضه وقصد الخروج من المستشفى إلى بيت الأمة، بعد أن مكث ~~فيه ستة أيام بكر الشعب المصري الكريم إلى السرادق الكبير المقام في جوار بيت الأمة، ~~وأتت الوفود من عظماء الأمة من النواب والشيوخ ورجال القضاء والنيابة، وتقدمت الوفود ~~بين يدي الرئيس الجليل وخطب خطباؤها، وأنشد الشعر الجيد شعراؤها فكان لأقوالهم موقع ~~استحسان عظيم من جانب دولته، وجميع الحاضرين ومن خير ما تفرد بالإجادة في البيان تلك ~~الخريدة الشوقية، التي جادت بها قريحة حضرة صاحب السعادة أمير الشعراء أحمد بك شوقي، بل ~~هي معجزة من معجزات شعره، تلتقي فيها ms103 الروعة والإبداع المرة بعد المرة في البيت تلو ~~البيت، وهي كما يراها القارئ ديباجة صافية؛ لأنها من سريرته؛ ومعان علوية لأنها من ~~خاطره وحكمة ملهمة؛ لأنها من شاعريته، قال حفظه الله: # نجا وتماثل ربانها # ودق البشائر ركبانها # وهلل في الجو قيدومها # وسير في الماء سكانها # 1 # تحول عنها الأذى وانثنى # عباب الخطوب وطوفانها # نجا (نوحها) من يد المعتدي # وضل المقاتل عدوانها # يد للعناية لا ينقضي # وإن نفد العمر شكرانها # وفي الأرض شر مقاديره # لطيف السماء ورحمانها # ونجى الكنانة من فتنة # تهددت النيل نيرانها # يسل على قرن شيطانها # عقيق الدماء وعقيانها # فيا سعد جرحك ساء الرجا # ل فلا جرحت فيك أوطانها # وقتك العناية بالراحتي # ن، وطوق جيدك إحسانها # منايا أبى الله إذ ساورت # ك فلم يلق بابنيه ثعبانها # حوت دمك الأرض في أنفها # زكيا كأنك (عثمانها) # ورقت لآثاره في القمي # ص، كأن قميصك قرآنها # وريعت كما ريعت الأرض في # ك نواحي السماء وأعنانها # ولو زلت غيب (عمرو) الأمو # ر، وأخلى المنابر (سحبانها) ~~••• # رماك على غرة يافع # مثار السريرة غضبانها # وقدما أحاطت بأهل الأمو # ر ميول النفوس وأضغانها # تلمس نفسك بين الصفو # ف ومن دون نفسك إيمانها # يريد الأمور كما شاءها # وتأتي الأمور وسلطانها # وعند الذي قهر القيصري # ن مصير الأمور وأجانها # ولو لم يسابق دروس الحيا # ة لصار إلى الرشد لقمانها # فإن الليالي عليها يحو # ل شعور النفوس ووجدانها # ويختلف الدهر حتى يبي # ن رعاة العهود وخوانها ~~••• # أرى مصر يلهو بحد السلا # ح ويلعب بالنار ولدانها # وراح بغير مجالي العقو # ل يجيل السياسة غلمانها # وما القتل تحيا عليه البلا # د ولا همة القول عمرانها # ولا الحكم أن تنقضي دولة # وتقبل أخرى وأعوانها # ولكن على الجيش تقوى البلا # د وبالعلم تشتد أركانها # فأين النبوغ؛ وأين العلو # م وأين الفنون وإتقانها # وأين من الخلق حظ البلا # د إذا قتل الشيب شبانها # وأين من الربح قسط الرجا # ل إذا كان في الخلق خسرانها # وأين المعلم؟ ما خطبه؟ # وأين المدارس؟ ما شأنها؟ # لقد عبثت بالنياق ms104 الحدا # ة ونام عن الإبل رعيانها # إلى الخلق أنظر فيما أقو # ل وتأخذ نفسي أشجانها # ويا (سعد) أنت أمين البلا # د قد امتلأت منك أيمانها # فإن شئت فاوض، وإن شئت دع # فأنت الحقوق وميزانها # ولن ترتضي أن تقد القنا # ة ويبتر من مصر سودانها # وحجتنا فيهما كالصبا # ح وليس بمعييك تبيانها # فمصر الرياض وسودانها # عيون الرياض وخلجانها # وما هو ماء ولكنه # وريد الحياة وشريانها # تتمم مصر ينابيعه # كما تمم العين إنسانها # وأهلوه منذ جرى عذبه # عشيرة مصر وجيرانها # وأما الشريك فعلاته # هي الشركات وأقطانها # وحرب مضت نحن أوزارها # 2 # وخيل خلت نحن فرسانها # وكم من أتاك بمجموعة # من الباطل، الحق عنوانها # فأين من (المنش) (بحر الغزا # ل) وفيض (نيانزا) وتهتانها # وأين التماسيح من لجة # يموت من البرد حيتانها # ولكن رءوس لأموالهم # يحرك قرنيه شيطانها # ودعوى القوي كدعوى الس # باع من الناب والظفر برهانها # وقال أيضا حضرة الشاعر البليغ المجيد حافظ بك إبراهيم قصيدته العامرة في الحفلة، ~~التي أقامها نواب مصر وشيوخها لرجل الكنانة ومعقد رجائها: # الشعب يدعو الله يا زغلول # أن يستقل على يديك النيل # إن الذي اندس الأثيم لقتله # قد كان يحرسه لنا جبريل # أيموت سعد قبل أن نحيا به # خطب على أبناء مصر جليل # يا سعد إنك أنت أعظم عدة # ذخرت لنا نسطو بها ونصول # فاوض ولا تخفض جناحك ذلة # إن العدو سلاحه مفلول # فاوض وأنت على المجرة جالس # لمقامك الإعظام والتبجيل # فاوض فخلفك أمة قد أقسمت # ألا تنام وفي البلاد دخيل # عزل ولكن في الجهاد ضراغم # لا الجيش يفزعها ولا الأسطول # ومنها أيضا: # يا سعد أنت زعيمنا ووكيلنا # وعليك بعد مليكنا التعويل # فادفع وناضل عن مطالب أمة # يا سعد أنت إمامها المسئول # النيل منبعه لها ومصبه # ما إن له عن أرضها تحويل # وثقت بك الثقة التي لم ينفرد # للريب منها والشكوك سبيل # جعلت مكانك في القلوب محبة # هل بعد ذاك على الولاء دليل # كادت تجن وقد جرحت وخانها # صبر على حمل الخطوب جميل # لم يبق فيها ناطق ms105 إلا دعا # لك ربه ودعاؤه مقبول # يا سعد كاد العيد يصبح مأتما # الدمع فيه أسى عليك يسيل # لولا دفاع الله لانطوت المنى # عند انطوائك وانقضى التأميل # شلت أنامل من رمى فلكفه # حز المدى ولكفك التقبيل # هذا وسامك فوق صدرك ما له # من بين أوسمة الفخار مثيل # حليته بدم زكي طاهر # في حب مصر مصونة مبذول ~~••• # يا أيها النشء الكرام تحية # كالروض قد خطرت عليه قبول # يا زهر مصر وزينها وحماتها # مدحي لكم بعد الرئيس فضول # جدتم لها بالنفس في ورد الصبا # والورد لم ينظر إليه ذبول # كم من سجين دونها ومجاهد # دمه على عرصاتها مطلول # سيروا على سنن الرئيس وحققوا # أمل البلاد فكلكم مأمول # أنتم رجال غد وقد أوفى غد # فاستقبلوه وحجلوه وطولوا # وكأن أهل القاهرة ومن لم يزل فيها من أعضاء الوفود، التي قدمت من المحافظات ~~والأقاليم؛ لتهنئة دولة الرئيس الجليل بنجاته وشفائه على بينة من أن دولته اعتزم السفر ~~صبيحة يوم الثلاثاء 21 يوليو سنة 1924م إلى الإسكندرية؛ ليقوم بواجب الشكر للسيدة ~~الملكية، كما كانوا على بينة من أن دولته سيستأنف السفر من الإسكندرية مباشرة إلى ~~الأقطار الأوربية للاستشفاء، حتى بكر الجميع إلى الشوارع التي تقرر أن يسير فيها دولته ~~إلى محطة العاصمة، فاصطفوا على جوانبها صفوفا متلاحمة، وقد بدت على كل فرد منهم علامات ~~الاهتمام واليقظة، كأنما كل فرد من هذه الألوف العديدة كان يعتقد أنه مسئول شخصيا عن ~~سلامة الزعيم، وأنه مكلف بالمحافظة على الأمن وحسن النظام، وفي الساعة 7 و40 دقيقة برح ~~دولة الرئيس بيت الأمة في مركبته الخاصة، وعلى يساره صاحب المعالي محمد نجيب الغرابلي ~~باشا وزير الأوقاف وقتئذ، فتقدمت مركبته وأحاطت بها، وتبعتها كوكبات من جنود البوليس ~~الراكبة بقيادة ضباطها، وتبعتها كذلك ثلاث سيارات تنقل بعض الكبراء ~~والسكرتيريين. # ولم يكد دولته يظهر للجماهير بباب بيت الأمة، ويركب مركبته حتى دوى شارع سعد باشا ~~زغلول بهتاف حاد وتصفيق شديد، وارتفعت الأصوات بصالح الدعوات، فكان لذلك تأثير بليغ ~~ظهرت أمارته السارة على محياه الوضاء، وفي ms106 الساعة 8 و10 دقائق تحرك الطائر الميمون وسط ~~دعاء حاد، وهتاف عال امتزجت فيه أصوات الرجال القوية بأصوات السيدات الرخيمة، وما كاد ~~القطار يصل إلى محطة الإسكندرية حتى كانت المدينة في حالة غير عادية، حيث قامت مظاهرات ~~لا يحصى عددها، وكانت تتدفق كلها إلى محطة سيدي جابر، وفي كل حي من أحياء المدينة حفلات ~~خاصة لا تحصى أقامها الناس للاجتماع، وتهنئة بعضهم بعضا بشفاء دولة الزعيم الأكبر، ~~ولقد يطول بنا المقال إذا خطر لنا أن نصف طرفا من الحفاوة، التي لقيها دولته من ~~الجماهير العديدة أثناء مسيره إلى أن بلغ كازينو سان استفانو، وبعد أن أخذ راحته فيه من ~~وعثاء السفر توجه، وحضرات أصحاب الدولة والمعالي الوزراء إلى قصر المنتزة، حيث قدم ~~لجلالة المليك المعظم واجب الشكر على ما أبداه من العطف بمناسبة الاعتداء الذي وقع ~~عليه، فلاقى من جلالته كل عطف، مما أطلق لسانه بالشكر والثناء والدعاء بحفظ جلالته من ~~كل سوء، وعاد إلى الكازينو ممتلئا بشرا وارتياحا. # ومما يستحق تدوينه هنا بمداد الإعجاب لجلالة المليك المعظم ما قاله للوفد البرلماني، ~~الذي تشرف بمقابلة جلالته لرفع واجب الشكر على عطفه نحو الرئيس، حيث قال حفظه الله وهو يبتسم: # إن خطباءكم سيخطبون غدا، ولا شك أن سعد باشا سيخطب كذلك والكلام يتعبه ~~فسأوفد كبير أمنائي لأن يرجو منه ألا يطيل؛ لأن الكلام يتعبه وصحته أثمن شيء في ~~الدولة. # ولا شك أن هذه العاطفة السامية والحنان الأبوي الصادران من جلالة مليك البلاد لأكبر ~~دليل على ما لحضرة صاحب الدولة الزعيم الجليل من المنزلة العالية لدى جلالته. # هذا ولما تقرر سفر الرئيس الجليل على الباخرة لوتوس كان في انتظاره إلى دار الترسخانة ~~جمهور عظيم، وكانت تحف به كوكبة من جنود البوليس الراكبة يبلغ عددها 40 راكبا، فلما مر ~~أخذ الجمهور يصفق له ويهتف حتى وصل، وقد أعدت لجنة الوفد سرادقا كبيرا لاستقبال ~~المدعوين، ومكانا آخر لدولته وصحبه وزملائه، فدعي الرئيس إلى الجلوس في ذلك المكان ~~وجلس المدعوون في السرادق المقابل له، وأخذ ms107 الخطباء يلقون خطبهم والشعراء قصائدهم مما ~~سر قلب الرئيس الجليل، وفي منتصف الساعة الثانية عشرة خرج دولته من الكشك رافعا يده ~~اليمنى إلى عنقه بمنديل من حرير أبيض، كما خرج معه جميع زملائه فسار الزورق يقلهم بين ~~الهتاف والتصفيق، وركب محافظ المدينة ومن كان معه من كبار الموظفين. # وقد أوفد حضرة صاحب الجلالة الملك كبير أمنائه إلى الباخرة لوتوس، فودع دولته ~~بالنيابة عن جلالته كما أن حضرة صاحبة الجلالة الملكة أوفدت إحدى وصيفاتها لتوديع حرم ~~الرئيس الجليل، وقدمت إليها باسم جلالتها باقتين كبيرتين من مختلف الورد والأزهار. وقد ~~أبحر مع حضرة صاحب الدولة الرئيس الجليل والسيدة الجليلة حرمه المصون على نفس هذه ~~الباخرة لمرافقتهما في مدة إقامتهما في أوربا؛ حضرات أصحاب المعالي واصف غالي باشا وزير ~~الخارجية وقتئذ والسيدة قرينته، والدكتور حسن كامل بك كبير أطباء بندر طنطا وعضو مجلس ~~النواب عنها، وأحمد حمدي سيف النصر بك، والأستاذ حامد جودة المحامي، وعبد الرحمن عزام ~~بك، والأستاذ حبيب فهمي المحامي، والأستاذ كامل سليم. وأوفدت وزارة الداخلية مع دولته ~~إلى أوربا ثلاثة ضباط، وهم حضرات القائمقام عبد الله بك فريد واليوزباشي علي البرعي ~~أفندي، والملازم الأول علي حمدي أفندي، هذا وقد اتخذت الحكومة الفرنسية تدابير مشددة ~~للمحافظة على الرئيس مدة إقامته في فرنسا. # وقد وصلت الباخرة المقيلة لحضرة صاحب الدولة، ومن معه إلى مرسيليا بعد ظهر يوم 29 ~~يوليو سنة 1924 ونزل دولته إلى المدينة في الساعة الخامسة، ثم سافر منها في الساعة ~~السادسة إلى باريس، وقد استقبله في مرسيليا معالي محمود فخري باشا وزير مصر المفوض في ~~باريس مصحوبا بموظفي المفوضية، وسمو الأمير عزيز حسن والنواب والشيوخ المصريون، الذين ~~كانوا في أوربا وقتذاك. وفي الساعة الخامسة بعد ظهر اليوم المذكور ركب دولته سيارة إلى ~~محطة «سان شارل»، حيث أعد لدولته صالون ألحق بالقطار السريع المسافر إلى باريس، وفي ~~الساعة 6 والدقيقة 10 أي: عند سفر القطار؛ تقدم المسيو مارني فودع دولته باسم الحكومة، ~~فرد دولته له الزيارة قبل مغادرته وقد أنكر ms108 دولة الرئيس على الصحفيين أنه قادم في رحلة ~~سياسية وقال: إنه قصد فرنسا لأسباب صحية فقط . وقد وصل دولته ومن معه إلى باريس في منتصف ~~الساعة 8، ومكث بباريس يستنشق شذى هواها العطر متنقلا بين رياضها، والمواصلات بينه ~~وبين وزراء حكومته متصلة، وقد حدث أن صاحب الجلالة الملك فؤاد الأول أصيب حفظه الله ~~بألم بسيط ألزمه الفراش، فلما أراد دولة سعد باشا الاستفسار عن صحة جلالته، ورد عليه ~~الجواب الآتي وذلك قبل مغادرته باريس إلى لندن: # عزيزي سعد # أشكركم لما أبديتموه من الاهتمام نحوي إزاء الانحراف الخفيف، الذي ألم بصحتي ~~وسأشفى منه شفاء تاما بإذن الله عما قريب. وإني أوجه إليكم تحياتي الودية ~~الخالصة وأتمنى لكم صحة تامة دائمة، وكنتم قد قررتم السفر إلى عاصمة إنجلترا، ~~فإني أسأل الله تعالى أن ينير لكم السبيل ويمدكم بالمعونة في المساعي ~~والمجهودات التي تبذلونها لمصلحة وطننا العزيز وخيره، وإن أفكاري لتتجه بمزيد ~~الاهتمام والعناية إلى مساعيكم وأعمالكم لتحقيق أمانينا الحيوية ~~العظيمة. # سفر الرئيس الجليل إلى لندن وحبوط المباحثات # وقد برح دولته باريس ووصل إلى لندن في يوم 23 سبتمبر سنة 1925، فقوبل من الطلبة ~~المصريين بمحطتها بالهتاف الشديد، وعندما نزل دولته من القطار حياه السر رونالد دوتر ~~هاوس سكرتير مستر ماكدونلد باسم رئيس الوزارة، وقد أفضى دولته بتصريح خاص لمندوب جريدة ~~الأهرام حيث قال: # لا أستطيع الآن أن أقول سوى أنني مسرور لاغتنام هذه الفرصة لمقابلة صديقي ~~مستر ماكدونلد، وسأكون من أسعد الناس إذا خولتني المحادثات أن أعود سريعا إلى ~~مصر بعد أن أبدد من الجو غيوم سوء التفاهم، وأمهد السبيل للمفاوضات، فيتصرف ~~بمقتضى حسن العدالة الذي يتصف به العنصر البريطاني، وإن الحكومة البريطانية ~~نفسها لا تقف بعد الآن في سبيل ذلك الاتفاق، الذي لا بد منه لتأسيس تلك ~~العلاقات الطيبة التي يحتاج إليها البلدان كل الاحتياج. # وفي يوم 25 سبتمبر سنة 1924 الساعة 10 ونصف صباحا، وصل دولة الرئيس إلى منزل رئيس ~~الوزارة البريطانية في «دوننج ستريت»، فاستقبله على عتبة الباب مستر بلي، وإلى ms109 جانبه مس ~~روز نبرغ السكرتيرة الشخصية الخاصة لمستر ماكدونلد، وذهب لمقابلة مستر ماكدونلد، ودام ~~في محادثته إلى ما بعد الظهر ، وكانت هذه المحادثة الأولية قاصرة على وضع تمهيدات يقصد ~~منها إيضاح موقف الحكومة البريطانية، وموقف الحكومة المصرية في شأن ما نشأ من سوء ~~التفاهم المختلف بين وقت وآخر، منذ أرسلت الدعوة الأولى إلى زغلول باشا في شهر أبريل ~~سنة 1924، وبعد عدة مقابلات بين الرئيس ومباحثات شديدة انجلت بانسحاب دولة الزعيم ~~الأكبر مرفوع الرأس، وافر الكرامة، محتفظا بكرامة بلاده، وذلك بعد أن تحقق من عناد ~~رئيس الحكومة الإنجليزية وعدم إمكانه التساهل في هذه المحادثات، التي كان يؤمل بعدها ~~الدخول في باب المفاوضات النهائية، خصوصا وأن المستر ماكدونلد بين لدولته تمسك الحكومة ~~الإنجليزية بالسيطرة على السودان، فلم يجد بدا بعد حبوط هذه المحادثات من العودة إلى ~~مصر، وما كاد يصل لمصر حتى أسرع في نفس الأسبوع الأول من قدومه إلى تقديم استقالته ~~لجلالة المليك المعظم، فاحتج مجلس النواب والشيوخ وكونا وفدا تشرف بمقابلة جلالته ~~ملتمسا عدم قبول هذه الاستقالة، كما قد هاج الشعب المصري على بكرة أبيه، وقامت ~~المظاهرات في طول البلاد وعرضها مؤيدة لهذا الوفد، فما كان من جلالة المليك المعظم إلا ~~وحقق رغبته، ووافق على عدم قبولها تحقيقا لرغبة الأمة بوجه عام وجلالته بوجه خاص، فلم ~~يجد دولته بدا من الرضوخ لإرادة جلالة المليك المعظم، والشعب المصري الكريم الذي قدر ~~جهاده حق قدره. # وحدث عقب ذلك تلك المناوشات التي قامت في السودان، وأعقبها أيضا مقتل المرحوم السير ~~لي ستاك باشا سردار الجيش المصري، وحاكم عام السودان، واحتلال الإنجليز لجمرك ~~الإسكندرية، فبادر بالاحتجاج الشديد وأعقبه تقديم استقالته للمرة الثانية، وشدد في ~~قبولها فقبلت فعلا بتاريخ 24 نوفمبر سنة 1924، وسنأتي إن شاء الله في الجزء الثاني على ~~وصف منفى الرئيس الجليل في عدن وسيشل وجبل طارق، وشيئا كثيرا من خطبه السياسية ~~الرنانة التي ألقاها عقب عودته من منفاه. # صفاته وأخلاقه # ليس بين العالمين الغربي والشرقي من يمكنه إنكار بطولة هذا المجاهد العظيم ms110 والزعيم ~~الكبير، وتمسكه الشديد بالدفاع عن حقوق البلاد بهمة لا تعرف الملل مع شيخوخته وكبر سنه، ~~وأن التاريخ والواقع يؤيدان هذه الصفات السامية في شخصه الكريم، ولا مشاحة في أنه بطل ~~مصر الأوحد، وعلمها المفرد صاحب المبدأ القويم والحزم الأكيد، ولا يتزحزح عن الحق قيد ~~شعرة ولا يلين لمخلوق يريد خدعه قوى العارضة عظيم الذكاء، جرئ المخاطبة صادق النية خالص ~~الطوية محبوبا من جميع طبقات الأمة على اختلاف أنواعها وتباين مذاهبها. # أدامه الله للأمة المصرية إماما ولقضيتها قائدا أمينا. # حضرة صاحب الدولة الجليل محمد توفيق نسيم باشا رئيس الديوان العالي ~~الملكي وسنأتي على تاريخ حياته المجيد في الجزء الثاني إن شاء ~~الله. # | حديث ذو شأن خطير لصاحب السمو الأمير الجليل عمر طوسون للتوفيق بين الأحزاب # وقد كان في عهد الوزارة الزغلولية ومن قبل ومن بعد ثلاثة أحزاب مخالفة لمبدأ الوفد ~~المصري، وكان كل منها يرمي إلى غاية مخصوصة، وهي: حزب الأحرار الدستوريين، والحزب الوطني، ~~وحزب الاتحاديين، ولهذه الأحزاب صحف يومية خاصة بها تعبر عن آرائها، وكثيرا ما كانت تحمل ~~على الوفديين من أنصار الزغلوليين، وكانت هذه الحملات الشديدة نراها بارزة في أعمدة تلك ~~الصحف، مما دعا لتداخل سمو الأمير الجليل عمر طوسون وإرساله دعوة خاصة لرؤساء هذه الأحزاب ~~الثلاثة بقصد التوفيق بينهما، وجمع الكلمة ليتيسر لمصر مناهضة السياسة الاستعمارية بقوة ~~الاتحاد، فقوبلت هذه الدعوة بما تستحقه من التجلة والاحترام، ونحن ندون لسمو الأمير الجليل ~~تلك الدعوة الهامة شاكرين لسموه هذا المسعى الجميل، فقد قصد سموه مندوب من قبل جريدة ~~الأهرام الغراء، واستأذن سموه في محادثته في هذا الشأن، فأذن له ودارت بينهما المحادثة ~~الآتية: # س: # هل توافقون سموكم على عقد مؤتمر وطني عام للنظر في الحالة ~~الحاضرة؟ # فأجاب سموه: «الصحيح أني أحللت هذا المقترح محل الاعتبار والنظر، ويمكن ~~بعد ذلك البحث فيما إذا كان ممكنا أم لا.» # س: # وما هو رأي سموكم بعد النظر فيه؟ # ج: # رأيي أن التكلم في عقد المؤتمر الآن سابق لأوانه، فإذا زالت الخصومة ~~القائمة بين ms111 الأحزاب زوالا حقيقيا، وذهب هذا الانقسام الضار بالوطن ~~وضحيت الشهوات الحزبية في سبيل المحبة الحقيقية للبلاد، فعندئذ يحسن أن ~~يترك الأمر لرغبة الأحزاب، فإذا هي وافقت على عقد المؤتمر أو على شيء آخر ~~كان كذلك؛ لأنه لا يمكن ما دامت الخصومة باقية أن يجيب الدعوة إليه من لا ~~يزال مصرا عليها، وإذا عقد والأحقاد مستقرة في النفوس كان ضرره أكبر من ~~نفعه. # س: # وهل ترون سموكم أن الصلح بين الأحزاب ممكنا؟ # ج: # هو طبعا ممكن ولكنه غير سهل على النفوس، ولا تزال في طريقه عقبات كثيرة ~~ليس من الهين تذليلها، ولقد دعا إليه بلاغ الأمراء الذي نشر في 27 ديسمبر ~~سنة 1923م، فلم تثمر الدعوة في ذلك الحين، غير أن طول اختبار الأمة ~~والمصائب التي حاقت بها من جراء الاختلاف ربما سهلت هذا المطلب ~~العسير. # س: # إن الأمة متوجهة إلى سموكم لتحقيق هذه الأمنية العظيمة، فهل سموكم ~~مستعدون للسعي في هذا الصلح على الرغم مما في طريقه من العقبات ~~الكأداء؟ # ج: # إننا مستعدون للسعي في هذا الصلح لما نرجو فيه من الخير العميم للبلاد، ~~ولكن ذلك لا يكون إلا إذا رأينا من رؤساء الأحزاب استعدادا لقبوله، وآنسنا ~~منهم رغبة فيه وتناسيا لسيئات الماضي، وتنازلا عن شخصياتهم لشخص واحد هو ~~الوطن المفدى، ولقد كتبنا فعلا إليهم لاستطلاع آرائهم في هذا ~~الشأن. # س: # وما هو رأي سموكم في الأحوال الحاضرة؟ # ج: # إن الأحوال الحاضرة سيئة جدا، وهي ظاهرة غير خافية على الناس، ولكن ~~الشيء الذي يؤسف له أشد الأسف أنه وجد ويوجد مصريون يقبلون مناصب الوزارة ~~في هذه الظروف السيئة. # س: # ألا تعتقدون سموكم أن طلبات الحكومة البريطانية كان لا بد من تنفيذها، ~~سواء أوجد من يقبل الوزارة أم لم يوجد؟ # ج: # نعم ولكن الفرق عظيم بين تنفيذها بقوة بدون رضانا، وقبول الوزارة لها ~~وتنفيذها باسمها، فالأول بلا شك أفضل وكان هو الأجدر بوطنيتنا. # س: # لا شك في صحة ذلك ولكن الحكومة تقول: إنها بهذا القبول حصلت على أمر مهم ~~ألا وهو ms112 رفع الاحتلال عن الجمارك. # ج: # لقد جعلت الحكومة أهمية كبرى لاحتلال الجمارك، كأنها احتلت من دولة ~~أجنبية ليس لها جنود تحتل هذا القطر ، وبسعيها زال هذا الاحتلال مع أن الأمر ~~بخلاف ذلك، فالقطر جميعه تحتله جنود الحكومة البريطانية، وكل بقعة من أرضه ~~في حكم المحتل بهم، وإن لم يوجدوا فيها بالفعل فسيان احتلالهم الجمارك ~~وجلاؤهم عنها ما دام في البلاد جندي واحد من الإنجليز، وقد كان الأجدر ~~بالوزارة السابقة أن تعلق قبول ما قبلته من طلبات الحكومة البريطانية على ~~رضاها بسحب باقي المطالب، فإن لم يتم لها هذا الرضا كان لها العذر في رفض الجميع. # حضرات أصحاب الدولة رؤساء الأحزاب المؤتلفة: لقد كان ~~لحديث صاحب السمو الأمير الجليل عمر طوسون باشا المنشور ~~بالصفحة 157، للتوفيق بين أقطاب الأحزاب السياسية أثر ~~محمود لصيانة الدستور، وعودة الحياة النيابية باتحاد حضرات ~~أصحاب الدولة سعد زغلول باشا وعدلي يكن باشا وعبد الخالق ~~ثروت باشا، بعد انعقاد المؤتمر الوطني العام بسراي سعادة ~~محمد محمود سليمان باشا، وكيل حزب الأحرار الدستوريين في ~~19 فبراير سنة 1926. # س: # وما هو رأي سموكم في طلبات الحكومة البريطانية؟ # ج: # إنني مع أسفي الشديد وحزني العظيم لاغتيال حياة السردار الذي كانت له ~~منزلة خاصة عندي، لما امتاز به من حسن الأخلاق، أرى أن طلبات الحكومة ~~الإنكليزية فاقت كل حد معقول، ولم يبق ريب عند الجمهور أن هذه الحادثة التي ~~تألمت لها كل الهيئات المسئولة في البلاد، قد اتخذتها الحكومة البريطانية ~~وسيلة لتنفيذ رغائبها. # س: # وماذا ترون سموكم في قرار بلدية الإسكندرية الأخير؟ # ج: # هو قرار على جانب عظيم من الصواب من الوجهة الحقوقية، وفضلا عن ذلك فإنه ~~في غاية الوجاهة؛ وإني أفتخر به لأنه صادر من أبناء بلدتي الإسكندرية، وهنا ~~انتهى الحديث وخرج المندوب شاكرا حسن تفضله بالإجابة عن كل سؤال بصراحته ~~المعهودة ووطنيته العالية. # وكانت النتيجة الأولى لهذا التصريح ولدعوة الأمير الجليل أن جاء صاحب السعادة وكيل الوفد ~~المصري إلى الإسكندرية، وحظي بمقابلة سموه وباحثه في الموضوع باسم الوفد، وورد على ms113 سموه ~~تلغراف من حضرة صاحب السعادة محمد باشا محمود وكيل حزب الأحرار الدستوريين، وكتاب من حضرة ~~صاحب العزة محمد حافظ بك رمضان رئيس الحزب الوطني، ويلوح لنا أن ورود هذه الأجوبة على سموه ~~يوافق مقتضى الحال، وكنا نتمنى أن يكون بعض الصحف المتحزبة أقل حدة في الحمل على خصومها، ~~مما هي عليه إذا كانت تحبذ المسعى المبذول في سبيل الاتحاد وجمع الكلمة، ولكن مع الأسف ~~الشديد، رأينا منها العكس إذ وقفت دعوة سمو الأمير الجليل إلى هذا الحد، ولم تقدم هذه ~~الأحزاب يدها للتضامن المنشود. # حضرة صاحب العزة الأستاذ حافظ بك رمضان رئيس الحزب الوطني: وكان بينهم ~~أيضا حضرة صاحب العزة الوطني الغيور الأستاذ محمد بك حافظ رمضان، رئيس ~~الحزب الوطني، وهو من الأحزاب المؤتلفة. وسنأتي إن شاء الله في الجزء ~~الثاني على ترجمتي حضرة صاحب الدولة عبد الخالق ثروت باشا والأستاذ حافظ بك ~~رمضان. # | ترجمة حضرة صاحب الدولة الجليل عدلي باشا يكن # كلمة تاريخية للمؤرخ # لقد تقلبت القضية المصرية إلى أدوار مختلفة، وكان من جملة هذه التقلبات تعيين جلالة ~~المليك المعظم فؤاد الأول وفدا رسميا برياسة حضرة صاحب الدولة عدلي يكن باشا؛ ليتولى ~~مفاوضة الحكومة الإنكليزية بنية الوصول إلى الاتفاق المنشود بين الحكومتين، وعدلي باشا ~~- كما هو معلوم - من أركان الوزارة الرشدية، التي استقالت في سبيل تأييد الوفد المصري ~~الذي يرأسه حضرة صاحب المعالي «صاحب الدولة الآن» سعد زغلول باشا، ولما دعي هذا الوفد ~~إلى لندن قام عدلي باشا بمهمة الوسيط بينه وبين لجنة ملنر. # ومما سيذكره التاريخ لعدلي باشا بمداد الفخر والإعجاب، على أثر تعيينه رئيسا لمجلس ~~الوزراء أنه نشر برنامجا سياسيا بين فيه للأمة المصرية الخطة التي ينوي اتباعها، ولم ~~تعهد مصر من قبل مثل ذلك البرنامج الذي يعد فوزا للروح الديمقراطي، وقد جاء فيه ما يأتي: # إن الوزارة ستجعل نصب عينيها في المهمة السياسية التي ستقوم بها لتحديد ~~العلاقات الجديدة بين بريطانيا العظمى وبين مصر؛ الوصول إلى اتفاق لا يجعل ~~محلا للشك في استقلال مصر، وستجري ms114 في هذه المهمة متشبعة بما تتوق إليه البلاد ~~ومسترشدة بما رسمته إرادة الأمة، وستدعو الوفد المصري الذي يرأسه سعد باشا ~~زغلول إلى الاشتراك في العمل لتحقيق هذا الغرض. # حضرة صاحب الدولة الجليل عدلي باشا يكن رئيس وزراء الحكومة المصرية ~~سابقا والعضو المعين بمجلس الشيوخ. # غير أنه بعد الأخذ والرد وبالرغم من المساعي الكثيرة، التي بذلت للتوفيق بين عدلي ~~باشا يكن وسعد باشا زغلول لم يحصل الاتفاق المرغوب، فعين الوفد الرسمي برئاسة عدلي باشا ~~يكن مؤلفا من: حسين رشدي باشا، إسماعيل صدقي باشا، محمد شفيق باشا، أحمد طلعت باشا، ~~يوسف سليمان باشا، ومهما تكن نتيجة المفاوضات، فقد أصبح لعدلي باشا منذ الآن شخصية ~~تاريخية خطيرة الشأن، ولنقدم إذا إلى ذكر شيء عن سيرته وأخلاقه ومناقبه. ~~••• # إن كلمة يكن التركية تعني «ابن الأخت»، وقد أطلقت في مصر على الأسرة المتفرعة من أخت ~~محمد علي باشا الكبير مؤسس العائلة المالكة، فعدلي باشا يكن بن خليل باشا يكن بن ~~إبراهيم باشا يكن ابن أخت محمد علي الكبير. # مولده ونشأته # ولد صاحب الترجمة الجليل سنة 1866م، ونشأ كريما بين أعضاء أسرته الكريمة، حتى إذا ~~بلغ الثامنة من عمره توجه مع المرحوم والده إلى الأستانة العلية، وأقام فيها نحو ثلاث ~~سنوات قضاها في درس مبادئ العلوم وإتقان اللغات بذكاء نادر وفطنة وقادة تلوح منهما ~~علائم النجابة، ثم عاد إلى مصر ودخل مدرسة «الفرير»، ثم مدرسة اليسوعيين، فحصل على ~~مجموعة علمية تشهد له بالتفوق والنبوغ، وامتاز بالآداب السامية وتقوت لديه ملكة الإنشاء ~~فسمت به آدابه ومواهبه إلى الانتظام في سلك الخدمة سنة 1880م بمصالح الحكومة، فألحق ~~بقلم الترجمة بوزارة الداخلية، ونقل منها إلى قلم المطبوعات، ثم انتخب سكرتيرا خاصا ~~لنوبار باشا، وكان وزيرا للخارجية، وبعد ذلك صار يتنقل في الأقاليم لرقيه في الوظائف ~~الإدارية. # ففي سنة 1891م عين وكيلا لمديرية المنوفية، ووكيلا لمديرية المنيا، ثم وكيلا ~~لمحافظة القنال، وفي سنة 1895م عين مديرا للفيوم فالمنيا فالشرقية فالدقهلية فالغربية ~~ثم محافظا لمصر، ثم مديرا لعموم الأوقاف، ثم ارتقى ms115 إلى منصب الوزارة فكان وزيرا ~~للخارجية، ثم وزيرا للمعارف ثم عين أخيرا رئيسا لمجلس الوزراء ورئيسا للمفوضين ~~الرسميين لعقد الاتفاق بين مصر وإنكلترا، وهي المهمة السامية التي تليق بقدره ومزاياه، ~~وتشهد كفاءته بأنه خير من يتولاها من المصريين كافة؛ ولذا حسن اختيار جلالة الملك ~~لدولته فتولاها بمهارة سياسية فائقة، وعاد عاطر الذكر عزيز الجانب حافظا لحقوق وطنه، ~~محافظا على علاقات حسن التفاهم مع قطع المفاوضة. # فيرى القارئ مما تقدم مقدار تعدد الوظائف التي نقل إليها عدلي باشا يكن، وتدرجه في ~~الوظائف من أبسطها إلى أرقاها، ثم إلى أسماها مقاما فكان ذلك من أهم الأسباب - مع ~~استعداده الفطري - لتوسيع دائرة أفكاره، وتقوية المشاهدات الدالة على متانة اختباره، ~~وأنضج في شخصيته البارزة سلامة الذوق وقوة العارضة بمتانة في الرأي لا تبارى، وأعده ~~لإتمام المهمة الخطيرة التي كلف القيام بها، فتخلص بما يشهد له بالبراعة الأمة بأسرها ~~بإعلان اعتداله، والعرفان لفضله، وتخليد ذكرى ماضيه الشريف بجميل يدوم مدى ~~الدهر. ~~••• # ولعدلي باشا يكن سجايا وميزات يندر أن تجتمع لشخص سواه، فمن المشهور عنه أنه عزيز ~~النفس شديد الإباء، مترفع عن السفاسف، رقيق الطبع، لطيف الشمائل، شديد المحافظة على ~~كرامته، واسع الحلم، قليل الكلام، نزيه النفس واللسان، وقد كان في جميع أدوار حياته ~~مثلا أعلى في الاحتفاظ بكرامته، فلم يعرف عنه ملق ولا محاباة ولا تصاغر أمام مستشار أو ~~مفتش، كما كانت سنة زملائه المديرين في ذلك العهد وكان بينهم قدوة حسنة لا ~~تسامى. # وقد صرح أحد أصدقائه الذين يوثق بإنصافهم وصدق نظرهم يصف شيئا عن أخلاقه وصفاته فقال: # ومن أخص صفاته مواظبته على المطالعة والدرس فتعلم الإنكليزية، ودرس السياسة ~~والاقتصاد السياسي على معلم خاص، وتعلم ميوله من زيارة دقيقة لمكتبته فإنك ترى ~~فيها المؤلفات الممتعة لرجال السياسة والقوانين الدولية والاقتصاد ما لا يوجد ~~عند غيره، وترى آثار الدرس والإمعان ظاهرة على صفحات تلك المصنفات، وترى سلامة ~~الذوق في أحاديثه وجدله حتى تظن أنه ممن تعمقوا في درس المنطق، وكثيرا ما لاحظ ~~عليه أصدقاؤه ومعارفه ms116 أنه شديد الإصغاء لمحدثه قليل الإشارات، فلا يلبث أن يهدم ~~محدثه بكلمة نقد أو سؤال يكبر الرجل في أعين سامعيه، ويدلهم على فضله ومكانته ~~من التعقل وزنة الأمور . # وهو لا يعرف الأنانية، فقد ظهر تواضعه في مسألة الوكيلين التي أثارها سعد ~~باشا زغلول في عهد الجمعية التشريعية، وقد كان صاحب الترجمة الوكيل الحكومي ~~وسعد باشا زغلول الوكيل المنتخب، ومع هذا فقد أوعز إلى الأعضاء بترجيح وكيل ~~الأمة على وكيل الحكومة بالجمعية، وكذا سعيه الحميد بين سعد باشا واللورد كتشنر ~~في أيام الجفاء بينهما مما لا يزال عالقا بالأذهان. # عود إلى بدء # قلنا في بدء هذه الترجمة: إن جلالة الملك فؤاد الأول عين وفدا رسميا برياسة حضرة ~~صاحب الدولة عدلي باشا، والذين انتخبوا لأن يكونوا معه؛ ليتولى مفاوضة الحكومة ~~الإنكليزية بغية الوصول إلى الاتفاق المنشود. # ونقول الآن: إنه قضى الوزيران عدلي باشا ورشدي باشا ومن معهما من أعضاء الوفد المصري ~~الرسمي أشهر الصيف في مفاوضات متقطعة مع رجال الوزارة الإنكليزية، وكانت نتيجة ذلك أن ~~عرض اللورد كرزون على عدلي باشا مشروع الاتفاق بما تراه الحكومة الإنكليزية لحل ~~المسألة. # وعرض عدلي باشا هذا المشروع على أعضاء وفده، فاتفقوا على رفضه، وقدموا إلى اللورد ~~كرزون مذكرة بقطع المفاوضات يوم 16 نوفمبر سنة 1921م، وتقابل اللورد المذكور ورئيس ~~الوفد المصري للمرة الأخيرة في 19 نوفمبر سنة 1921م، وفي اليوم التالي برح أعضاء الوفد ~~مدينة لندن فوصلوا إلى مصر يوم 6 ديسمبر سنة 1921. # ولما بلغ عدلي باشا مصر رفع استقالة وزارته إلى جلالة الملك المعظم، فلم يعلن جلالته ~~قبولها إلا يوم 24 ديسمبر بعد إلحاح كثير من دولته في قبولها، حتى لا تتحمل وزارته تبعة ~~ما تفعله السلطة العسكرية. # وعرض تأليف وزارة جديدة، فقبلها صاحب الدولة عبد الخالق باشا ثروت، ومن ذاك الحين لزم ~~حضرة صاحب الدولة عدلي يكن باشا داره، واعتزل الأعمال العامة اعتكافا على حب الخير ~~لوطنه، وقدره خاصة الرجال تقديرا يكافئ مزاياه، فانتخبه نخبة أعضاء مجلس إدارة الجمعية ~~الخيرية الإسلامية بالإجماع رئيسا ms117 لها، وأقرتهم الجمعية العمومية السنوية، فتوافق ~~العدل والإنصاف في أمياله الخيرية مع مزاياه الإنسانية، وخصها بوقته الثمين ولا تزال ~~نهضتها تسمو فيها في زمنه، كما كانت في عهد الأمراء والرؤساء السابقين، ثم عين رئيسا ~~للمؤتمر الجغرافي الدولي الذي عقد لأول مرة بالقاهرة في أبريل سنة 1925م، وهو اختيار ~~صادف أهله وخير كفء للقيام بأعباء هذا العمل العلمي، وهو لا يألوا جهدا في بذل أقصى ~~مجهوده لخير البلاد أضعاف ما لو كان في دست الحكم، ولما رأت الحكومة أن في انضمامه ~~لمجلس شيوخها فوائد عظيمة لا يستهان بها، فقد عينه جلالة مولانا المليك المعظم عضوا ~~فيه بمرسوم ملكي، صدر بتاريخ 4 مارس سنة 1925م، وقد أحسنت الحكومة صنعا في تعيين هذا ~~العامل الكفء والوطني الصميم؛ لتنتفع البلاد بمواهبه السامية وكفاءته العالية، وفوق ذلك ~~فقد صدر مرسوم ملكي لدولة صاحب الترجمة بتعيينه رئيسا للمؤتمر الجغرافي العام، الذي ~~أقيم بالقاهرة في أوائل أبريل سنة 1925، ووفد إليه 450 عضوا من عموم أنحاء البلاد ~~المتمدينة والممالك ذوات الشأن، وقد افتتحه رسميا جلالة مولانا المليك المعظم باحتفال ~~مهيب. # أدامه المولى وأبقاه رافلا في بحبوحة السعادة والهناء لمصر وبنيها. # | ترجمة حضرة صاحب الدولة الجليل السير حسين رشدي باشا # مولده ونشأته # إذا عدت العائلات العريقة في مجدها كانت عائلة دولة رشدي باشا في طليعتها، وإن عد ~~عظماء مصر ونوابغها الأفراد كان دولته في مقدمتهم. # ولد حضرة صاحب الدولة حسين رشدي باشا بالقاهرة لثلاثة وستين عاما خلون بعد الألف ~~والثمانمائة، فهو الآن في العقد الستين من عمره المجيد الملآن بجلائل الأعمال، وهو ابن ~~المرحوم طبوزاده محمود حمدي باشا وكيل وزارة الداخلية، وكان جده لوالده حسين بك طبوزاده ~~حاكما على إقليم البرلس، وكان جد أبيه محمد طبوزاده قائدا عاما في عهد مؤسس العائلة ~~الملوكية «محمد علي باشا الكبير»، وهو الذي قهر الجنرال فريزيه القائد العام الإنجليزي ~~في معركة السنانية بقرب رشيد، تلك المعركة التي ترتب عليها خروج الإنجليز من مصر، ومما ~~يستحق الذكر أن استعرض محمد علي الجيش في ميدان ms118 القتال، ثم ترجل عن جواده، وقبل قائده ~~المنتصر وأنعم عليه بالتزام إقليم البرلس، أما جده لوالدته فهو أحمد قوله جي بك، وكان ~~قائدا في الجيش المصري، وقد اشترك في محاربة الأتراك في معركة نعيبش، وإليه سلم القائد ~~العام التركي سيفه. # حضرة صاحب الدولة الجليل السير حسين رشدي باشا رئيس وزراء الحكومة ~~المصرية سابقا والعضو بمجلس الشيوخ. # أما دولة صاحب الترجمة فمن رجال مصر الذين تلقوا دروسهم وعلومهم العالية في كليات ~~باريس، وقد درس علم الحقوق فنال فيه شهادات عالية، وقد أجيز له فيه وفي العلوم الأدبية، ~~والسياسية وكان مدة التلمذة آية من آيات النبوغ الشرقي والاقتدار محبوبا من رفاقه ~~مكرما من أساتذته. # وفي عام 1892ميلادية عاد لوادي النيل وطنه السعيد؛ ليخدمه ويفيد أمته بعلمه وأدبه، ~~فتوظف في قلم قضايا المالية، ثم جعل مفتشا في نظارة المعارف فأقام في هذا المنصب ست ~~سنوات، وانتقل منه إلى المحاكم المختلطة قاضيا فيها سبع سنوات كان فيها مثال العدل ~~والنزاهة والاستقامة، ثم جعل مستشارا في محكمة الاستئناف الأهلية، فمديرا لديوان ~~الأوقاف إلى أن اختير في شهر نوفمبر سنة 1908 وزيرا للحقانية. ارتقاء متوال في تقدير ~~الكفاءة والاستحقاق فأظهر فيها مواهبه العالية، وأصلح من شؤون القضاء ما عاد على العدل ~~بأحسن النتائج. # ولدولته وقفات مشهورات في مجلس شورى القوانين والجمعية العمومية، فكثيرا ما كان ~~يناضل عن القوانين التي وضعها، وكان في مناضلته لا يعتمد على غير الحقيقة فلا يتقدم إلى ~~نواب الأمة بمقدمات طويلة، ولا يحاول التأثير عليهم بفصاحة اللسان وقوة البيان، بل كان ~~يشرح لهم الغرض المقصود من القانون المعروض على بساط البحث، ثم يبين لهم نبالة هذا ~~الغرض، ومع اعتماده على الإيجاز الكلي في المناقشات النيابية كان الفوز دائما حليفه ~~لما له من المكانة العليا في القلوب، ووطنيته التي لا غبار عليها. # تعيينه رئيسا لرئاسة النظار ونظارة الداخلية # ولما سقطت الوزارة السعيدية في 3 أبريل سنة 1914، كلف الجناب الخديوي عباس باشا ~~الثاني الخديوي الأسبق حضرة صاحب الدولة أن يؤلف وزارة جديدة، فألفها متوليا ms119 مع رئاسة ~~النظار نظارة الداخلية، فأجمعت الأمة وصحافتها على إكباره وإجلاله، والتفت قلوب الشعب ~~حوله لما يعهدون في كفاءته ومعارفه الواسعة وحبه للعدل، وشهرته بحسن تصريف الأمور ~~وإنجاز الأعمال وماضيه الطاهر. # وقد استقبلت الجمعية التشريعية وزارته وقتئذ بحفاوة لم يكن لها مثيل من قبل؛ لأن ~~دولته رئيسها الذي كان من قبل كاسبا جاذبية الجمعية وثقتها، وقد عرف كيف يجعل استقبال ~~وزارته محاطا بمظاهر الثقة والاحترام؛ ولأنه رجل محب لوطنه، دستوري الأفكار والمبدأ ~~ولتشبعه بالحرية الصادقة في ذاتها، ومحبته للارتقاء الدستوري افتتح أعمال وزارته بما ~~يشف عن ذلك حتى اعتقدت الأمة ونوابها بخلوص نيته، وشريف غيرته على البلاد ~~وساكنيها. # وعندما حدث الانقلاب الكبير في مصر، واستبعد سمو عباس حلمي باشا الثاني عن مصر، وجلس ~~المغفور له السلطان حسين كامل على عرش السلطة المصرية، اتجهت الأنظار كلها إلى صاحب ~~الدولة حسين رشدي باشا، فثبت في مركزه السامي الخطير، وأظهر ما أدهش الجميع إذ عرف كيف ~~يحافظ على كيان الأمة والعرش، ويفوز بأمانيه الوطنية في أشد الأزمات تحرجا. # وقد برهن دولة رشدي باشا على غيرته الوطنية السامية، بأنه أبي أن يتخلى عن رئاسة ~~الحكومة، عندما حدث هذا الانقلاب لا عن رغبة في وجاهة المنصب؛ لأنه وجيه بعلمه وحسبه ~~وفضله، ولا طمعا بالراتب؛ لأنه في سعة من العيش وعلى جانب كبير من الثروة، ولكنه رضي ~~بمنصبه عملا بالواجب الوطني، وقياما بما تتطلبه مصر من ابنها البكر في الشدائد ~~ومعظمات الأمور، وظل ساهرا على مصلحة البلاد بكل همة وذمة وأمانة ونشاط إلى أن استقالت ~~الوزارة. # عضويته بالوفد الرسمي المصري # ولما تقلبت القضية المصرية في السنتين الماضيتين لهذا التاريخ إلى أدوار مختلفة في ~~عهد جلالة الملك فؤاد الأول، عين جلالته وفدا رسميا برئاسة صاحب الدولة عدلي يكن ~~باشا، وعضوية حضرة صاحب الدولة حسين رشدي باشا صاحب هذه الترجمة، ومعالي إسماعيل صدقي ~~باشا ومحمد شفيق باشا وأحمد طلعت باشا، ويوسف سليمان باشا وغيرهم من الماليين ~~والمهندسين المصريين بصفة خبراء ومستشارين؛ ليتولى هذا الوفد الرسمي مفاوضة الحكومة ~~الإنجليزية ms120 بغية الوصول إلى الاتفاق المنشود في مصير مصر، غير أنه بعد الأخذ والرد ~~وبالرغم من المساعي الكثيرة التي بذلت، والمناضلات والمجادلات التي حصلت والتي دلت على ~~حنكة أعضاء هذا الوفد السياسية وخبرته الكبرى، أسفر كل ذلك عن عدم قبول الإنجليز ~~مطالبه ، والإذعان إلى قبول مشروع اللورد كرزون، فلم يجد الوفد الرسمي حيال هذا التعنت ~~سوى رفض قبول أي مطلب من مطالب اللورد المذكور، وقفل عائدا إلى مصر فوصلها في شهر ~~ديسمبر سنة 1921م، وعقب حضوره قدم دولة رئيسه استقالته المعروفة، وبقيت البلاد بلا ~~وزارة حتى أول مارس سنة 1922، حيث دعي عبد الخالق ثروت باشا لتأليفها. # وقد برهن صاحب الترجمة وحضرات زملائه الكرام على شمم عال، وتمسك شديد بحقوق البلاد ~~كما رفعوا بعملهم هذا هامة الوطن في أعين الأمم الغربية، وهذا دليل ساطع وبرهان قاطع ~~يضاف إلى البراهين الكثيرة المعززة لصدق وطنية دولة حسين رشدي باشا. # ثقة مليك البلاد بكفاءته # ولعظم ثقة جلالة الملك فؤاد به وبمقدرته وكفاءته أسند إليه رئاسة سن قانون الدستور ~~للبرلمان المصري، بعد أن رفعت الأحكام العرفية عن البلاد، فقام بهذه المهمة الهامة خير ~~قيام باشتراكه مع حضرة صاحب المعالي أحمد حشمت باشا، الذي عين نائبا وقتئذ لدولة ~~الرئيس، فجاء هذا القانون بعد إدخال التعديلات القانونية اللازمة له بمعونة القائمين ~~بوضعه وافيا بالمرام، وسيكون هذا القانون معمولا به بعد نشره بالوقائع الرسمية، التي ~~نشرته بحذافيره، ويرجع الفضل كل الفضل لحضرة صاحب الدولة حسين رشدي باشا، الذي قام ~~بأداء هذا العمل الهام رغم ضعفه وانحراف صحته وقتذاك. # الأوسمة والنياشين التي حازها # ودولته حائز من الأوسمة أسماها وأعلاها، فنال المجيدي الأول والعثماني الأول، ثم أنعم ~~عليه المغفور له السلطان حسين كامل بالوشاح الأكبر من نشان محمد علي، ووجه إليه رتبة ~~الرئاسة مع لقب صاحب الدولة كما جاءته الأوسمة والنياشين من أكبر الدولة الأوربية، ~~فأنعمت عليه الجمهورية الفرنساوية بالليجون دونور من درجة جيراند أوفيسيه، وأنعمت عليه ~~بريطانيا العظمى بنشان القديس ميخائيل وجورج مع لقب سير، وأنعمت عليه الدولة الإيطالية ~~بالوشاح ms121 الأكبر من نشان تاج إيطاليا، وكذلك نال الوشاح الأكبر من تاج بروسيا، ووشاحا ~~أكبر من دولة القياصرة في روسيا وغيرها. # وقد خدم دولته الجمعية الخيرية الإسلامية خدما جلى عندما كان بين أعضائها العاملين، ~~وله أيضا في كل مشروع خيري اليد الكبرى، وليس بين المصريين من ينكر على دولة الرئيس ~~الجليل فوزه بما أرضى به الله تعالى ومواطنيه حتى امتلك المشاعر والقلوب. # ولما رأت الحكومة المصرية أن في تعيينه عضوا لمجلس شيوخها فوائد عظيمة لا يستهان ~~بها، فقد عينه جلالة مولانا المليك المعظم عضوا فيه بمرسوم ملكي، صدر بتاريخ 4 مارس ~~سنة 1925م، وقد أحسنت الحكومة صنعا بتعيينه؛ لأنه كفء ووطني صميم لتنتفع البلاد ~~بمواهبه السامية. # أمد الله في حياته ونفع به هذه البلاد لخيرها ورفع شأنها. # صفاته وأخلاقه # مشهور دولته في كل مواقفه الشريفة بسداد الرأي، والحنكة السياسية، والثبات في المبدأ، ~~والكفاءة التامة في الشؤون الإدارية والسياسية، كما اشتهر بلطف الحديث، والدعة، ومكارم ~~الأخلاق والأدب الجم. أكثر الله من أمثاله بين عظماء الأمة المصرية في ظل حياة مليكها ~~المحبوب فؤاد الأول. # | ترجمة حضرة صاحب الدولة الجليل السير يحيي باشا إبراهيم # نشأته الأولى # شب حضرة صاحب الترجمة محبا للدرس، منكبا على التعليم تتجلى على محياه سمات الذكاء ~~والنباهة والنجابة، وترتسم على وجهه آيات الفطنة، فالتحق بالمدارس الابتدائية فكان خير ~~مثال للجد والاجتهاد، وبعد أن أتم الدراسة الابتدائية التحق بالمدارس الثانوية، فظهرت ~~مواهبه العلمية وما أتيح له من ذكاء فطري ونبوغ طبعي، حتى أتم الدراسة الثانوية، وتخرج ~~من مدرسة الإدارة «الحقوق الآن»، ونال شهادتها النهائية في أكتوبر سنة 1880م؛ ولما عرف ~~به من حسن الاستقامة والهمة العالية وقوة الذكاء قررت الوزارة إرساله بالبعثة المصرية ~~في فرنسا، ولكن بعد قليل رأى ناظر المدرسة «فيدال باشا» أن يبقيه للتدريس للاستفادة من ~~علمه الفياض، ومعلوماته الواسعة ومعارفه الجمة. # حضرة صاحب الدولة الجليل السير يحيي باشا إبراهيم رئيس وزراء الحكومة ~~المصرية ووزير الداخلية سابقا والعضو المعين بمجلس الشيوخ. # حياته العملية # فتعين في 14 ديسمبر سنة 1880 ms122 معيدا بمدرسة الألسن، وكان سنه وقتئذ تسع عشرة سنة فقام ~~بتدريس ما عهد إليه خير قيام، وأبدى من الكفاءة النادرة وحسن الإفادة ما دل على علم ~~وافر وتبحر عميق، حتى لهجت بذكره الألسن. وقد عين معيدا بمدرسة الإدارة «الحقوق» علاوة ~~على وظيفته في 16 أكتوبر سنة 1881م، وأحيل عليه تدريس القوانين والترجمة. # وفي أول سبتمبر سنة 1884 أضيفت إليه وكالة مدرسة الحقوق، وكانت الفروع التي يدرسها هي ~~القوانين الرومانية وقانون التجارة فضلا عن تدريس القوانين الأخرى، فأظهر همة عالية ~~ونبوغا فائقا دل على مقدرته الكبيرة، وبراعته العظيمة، واستمر بالمدرسة إلى أن صدر ~~أمر عال بتعيينه في المحاكم الأهلية. # فتعين بوظيفة نائب قاض بمحكمة الإسكندرية في 2 أغسطس سنة 1888، وتدرج في وظائف القضاء ~~فكان مثالا عاليا للنزاهة والاستقامة، وعنوانا كاملا للعدل والإنصاف، واستمر كذلك في ~~دائرة القضاء إلى أن تعين نائب مستشار بمحكمة الاستئناف سنة 1892، ثم مستشارا بها فقام ~~بما عرف عنه من الكفاءة والخبرة، ونال احترام زملائه المستشارين في هذه المحكمة. # ولما وجدت محاكم الجنايات رأس دائرة محكمة جنايات طنطا، وذلك في سنة 1905، وكان يرأس ~~بعض الدوائر المدنية إلى أن خلت وظيفة رئاسة محكمة الاستئناف، فتعين رئيسا لها في 10 ~~فبراير سنة 1907، ومكث بها مدة 13 سنة أظهر فيها من حسن الكياسة، وأصالة الرأي ما أحله ~~محلا ساميا، وانتظم في سلك الوزارة الوهبية. # تعيينه وزيرا للمعارف # وفي 20 نوفمبر سنة 1919 صدر أمر عال بتعيينه وزيرا للمعارف في وقت عصيب، فلم يثن ذلك ~~من همته ولا أنقص في عزيمته، وظل يواصل العمل بالرزانة والوقار المألوفين فيه، حتى سقطت ~~الوزارة الوهبية في 20 مايو سنة 1920م، فاستقال عن كرسي الوزارة بعد أن ظل فيه 181 ~~يوما كان بارا فيها بطلاب العلم يعطف عليهم كأبنائه عاملا على ما فيه مصلحتهم ~~ومصلحة البلاد. # تعيينه رئيسا لمجلس الوزراء ووزيرا للداخلية # ثم عاد حضرة صاحب الترجمة إلى الوزارة التي كان صاحب الدولة نسيم باشا رئيسها، وبعد ~~زمن يسير استقالت هذه الوزارة، وكلف دولة يحيى باشا ms123 بتأليف غيرها، ولم يكن الجمهور ~~يتوقع له النجاح لما كان يظن من قلة خبرته بالشؤون السياسية والأمور الإدارية، ولكنه ~~لبى رغبة جلالة مولاه، وألف الوزارة ومضى في العمل بهمة لا تعرف الكلل، ونشاط لا يعتريه ~~ملل فحل كثيرا من العقد السياسية، التي حار في حلها رجال السياسة، وفي أيام وزارته صدر ~~الدستور وقانون الانتخاب وغير ذلك من القوانين ، وألغيت الأحكام العرفية، وقد وقف ~~بوزارته إزاء الانتخابات البرلمانية وقفة الحياد، وشدد على عمال الحكومة في وجوب التزام ~~هذه الخطة بالدقة التامة حتى إنه اعتذر إلى الذين رشحوه عن دائرة الصنافين لمجلس ~~النواب، تنفيذا لمبدئه الجاد الذي جاهر به وأوصى باتباعه، أما الأمر الملكي الكريم ~~الذي صدر بسراي عابدين بتعيين دولته رئيسا لمجلس الوزراء، ووزيرا للداخلية فكان يوم ~~15 مارس سنة 1923م، وإننا لا ننسى مطلقا مجهوداته في تحقيق الرغبات الوطنية، وإزالة ~~بواعث الانتقام والشحناء. # هذا والذين يعرفون ماضي دولة رئيس الوزراء ونشأته القانونية وابتعاده عن التحيز ~~والمحاباة وثقوا بأنه يفوز برعاية جلالة الملك المعظم، وقد تم له هذا الفوز فعلا، ومما ~~يجدر بالذكر أنه في مدة رئاسته فك اعتقال معالي سعد باشا زغلول وصحبه، الذين كانوا ~~مبعدين عن أوطانهم وأفرج عن كثيرين ممن حوكموا أمام المحاكم العسكرية وغيرهم، فانطلقت ~~الألسن بالشكر والثناء لحسن مسعاه. # ونظرا لأهمية الاستقالة التي قدمها حضرة صاحب الدولة من الوجهة التاريخية، فقد آثرنا ~~نشرها هنا ليدرك القارئ مقدار الخدمات الجليلة التي قام بها في أثناء تربعه في كرسي ~~الرئاسة، كما ننشر أيضا رد جلالة الملك عليها وها هي الاستقالة بالحرف الواحد: # مولاي صاحب الجلالة # أوليتموني جلالتكم ثقتكم العالية بإسناد رياسة مجلس وزرائكم، في وقت كانت فيه ~~البلاد تجتاز أزمة لا تزال ذكراها حاضرة في الأذهان، فصدعت بالأمر قياما ~~بواجبي نحو الوطن مستعينا بالله عز وجل ومعتمدا على تعضيد جلالتكم، وقمت ~~بتأليف الوزارة على الوجه الذي حاز القبول، وقد أتمت الوزارة في عهدها مهمة ~~الدستور وقانون الانتخاب الذي كانت تتشوق إليهما الأمة في عصركم السعيد، ومهدت ~~السبيل في ms124 تنفيذها برفع الأحكام العرفية عقب إصدار قانون التضمينات، الذي روعيت ~~فيه مصلحة البلاد، وتلا ذلك تحقيق جملة أماني أعادت إلى البلاد حريتها الشخصية، ~~فسادت بذلك الطمأنينة والسكينة، واتخذت لدوام هذه الحالة الوسائل المشروعة التي ~~تلجأ إليها الحكومات المتمدينة، وتوصلا إلى تحقيق مبدأ إحلال المصري محل ~~الأجنبي عالجت الوزارة مشكلة خروج الموظفين الأجانب من وظائف الحكومة بكيفية ~~تضمن عدم الإخلال بسير العمل، وبالحالة الاقتصادية والمالية في البلاد، وذلك ~~بإصدار قانون التعويضات، الذي خفف كثيرا من وطأة الطريقة التي رسمت بتعويض ~~الموظفين، الذين يعزلون خدمة الحكومة، ودفع مضار خروجهم دفعة واحدة بما كان ~~يترتب عليه وقوف حركة الأعمال في مختلف الإدارات، ولما تمهد السبيل لإنقاذ ~~الدستور جرت الحكومة في إجراء الانتخابات على مبدأ الحياد التام، فأحاطت ~~الانتخابات في جميع أدوارها بالضمانات الكافلة بتحقيق حرية الآراء إلى أن تمت ~~عملية الانتخاب لمجلس النواب، ويسعد الوزارة أن تكون عملية الانتخاب قد انتهت ~~مقرونة بمظاهر الارتياح والرضا العام، وقد كان في عزم الوزارة أن تتم عملها في ~~انتخاب أعضاء مجلس الشيوخ بوسائل الحياد، والضمانات التي اتبعت في انتخاب أعضاء ~~مجلس النواب، غير أن فريقا من الأعضاء المنتخبين لهذا المجلس أظهروا نزوعا ~~إلى الرغبة في تغيير الوزارة قبل إتمام عملية الانتخاب لمجلس الشيوخ، ولو أن ~~هذه الرغبة ليس من شأنها أن تؤدي إلى تغيير الوزارة إلا أني رأيت أنا وزملائي ~~عملا بمبدأ الحياد، الذي لزمناه إلى الآن أن نرفع إلى جلالتكم هذه ~~الاستقالة. # الأمر الملكي بقبول الاستقالة # أمر ملكي رقم 13 لسنة 1924 بقبول استقالة حضرة صاحب الدولة يحيي باشا ~~إبراهيم. # عزيزي يحيي إبراهيم باشا # إن ما أعربتم عنه في كتاب دولتكم المرفوع إلينا بتاريخ 17 يناير سنة 1924، من ~~التماس إقالتكم من مهمتكم كان له عظيم الأسف لدينا، وإنا لمقدرون صدق إخلاصكم، ~~وشاكرون لكم ولحضرات الوزراء زملائكم تلك الأعمال الجليلة التي أديتموها أثناء ~~قيامكم بمهمتكم، وأصدرنا أمرنا هذا لدولتكم بذلك. # صدر بسراي عابدين في 21 جمادى الثانية سنة 1342ه و27 يناير سنة 1924. # فؤاد # أوسمة المجد والفخر ms125 # أما أوسمة المجد ونياشين الفخر التي أنعم عليه بها فكانت كلها تدريجية كما ~~يأتي: # نال الرتبة الرابعة في 3 محرم سنة 1303، والثالثة 29 محرم سنة 1305، والرتبة الثانية ~~في 14 محرم سنة 1313، والمتمايز في سنة 1316، ورتبة الميرميران سنة 1325، ورتبة رئاسة ~~الوزراء ووزارة الداخلية سنة 1923م. # والنشانات التي أنعم عليه بها هي المجيد الثالث في شوال سنة 1321، والعثماني الثالث ~~في ذي القعدة سنة 1323، والمجيدي الثالث في 15 ذي الحجة سنة 1326، والعثماني الثاني في ~~4 جمادى الآخرة سنة 1329 والمجيدي الأول في 8 يناير سنة 1913. # ثم رتبة الباشوية في 29 ذي الحجة سنة 1333، والنيل الثاني أيضا في ذي الحجة سنة ~~1333، ثم نيشان النيل الأول في محرم سنة 1338، وهو رئيس لمحكمة الاستئناف، ثم الوشاح ~~الأكبر المصري عند تقليده الرياسة، فالوشاح الأكبر من نشان القديس ميخائيل وجورج، ويلقب ~~حامله عند الإنجليز بلقب «سير». # ولما رأت الحكومة المصرية أن في انضمامه لمجلس شيوخها فوائد عظيمة لا يستهان بها، فقد ~~عينه جلالة مولانا الملك المعظم عضوا فيه بمرسوم ملكي، صدر بتاريخ 4 مارس سنة 1925، ~~وقد أحسنت الحكومة صنعا في تعيينه؛ لأنه كفء ووطني صميم لتنتفع البلاد بمواهبه السامية ~~وكفاءته العالية، وعند تعديل الوزارة المصرية في عهد رئاسة صاحب الدولة أحمد زيور باشا ~~عرض على دولته منصب وزير المالية، فقبله وغرضه الوحيد من هذا القبول خدمة جلالة مليكه ~~وبلاده. # أخلاقه # دولة الرئيس الجليل متصف بالرزانة والاستقامة والنزاهة والعدل طلق المحيا، لين ~~العريكة وديع الأخلاق حسن المحضر لطيف المعشر، وعدا ذلك فهو في غاية التواضع بعيد عن ~~الكبرياء والزهو، وما ذلك إلا نتيجة صلاحه وتقواه، أمد الله في حياته السعيدة، ونفع به ~~هذه البلاد في ظل جلالة مليكها المحبوب. # | ترجمة حضرة صاحب الدولة الوزير الجليل محمد سعيد باشا # كلمة للمؤرخ # يعد حضرة صاحب الدولة محمد سعيد باشا من رجال مصر المعدودين، الذين امتازوا بأصالة ~~الرأي وبعد النظر وحسن الإدارة والمقدرة التامة في الشؤون السياسية، وفوق ذلك فهو موصوف ~~بكبير وطنيته، والدفاع عن مصلحة البلاد وخيرها ورفع شأنها، ولا ينسى ms126 المصريون ما كان له ~~من مواقف مشهورة، وجهاد عظيم إبان الحركة الوطنية المعلومة. # وإننا نفخر كل الفخر بتدوين تاريخ هذا الوزير الجليل، والعامل المجد، سائلين الحق أن ~~يكثر من أمثال دولته بين رجال مصر؛ كي تنال الكنانة حظها الأوفر بين الدول المتمدينة ~~بفضل غزير علمهم وكبير فضلهم. # مولده ونشأته # ولد دولته في ثغر الإسكندرية في 18 يناير سنة 1863م من والدين فاضلين، غذياه بلبان ~~الفضيلة والعلم، وحلياه بالأخلاق الكريمة. # حضرة صاحب الدولة الجليل محمد سعيد باشا رئيس وزراء الحكومة المصرية ~~سابقا. # ودرس علم الحقوق فنبغ فيه ونال شهادته بتفوق عظيم، وكان أول الوظائف التي تقلدها منصب ~~وكيل نيابة في محكمة الاستئناف المختلطة سنة 1882م، وبعد أن أقام في هذا المنصب سبع ~~سنوات نقل إلى نيابة المحاكم الأهلية، فما لبث طويلا حتى أسندت إليه رئاسة نيابة محكمة ~~الإسكندرية الكلية، ومن ذلك الوقت أخذت تظهر مواهبه العالية، ولم تكن خدمة الحكومة ~~بمتاعبها الجمة تنسيه واجباته نحو بلاده، فأنشأ في الإسكندرية جمعية العروة الوثقى، ~~وتعهدها برعايته وصانها بذكائه، وأعلى شأنها بهمته وعزمه، وما غادرها إلا ولها مدارس ~~شتى بين ابتدائية وثانوية وصناعية، وملاجئ للأيتام، ومجلة ترشد الناس إلى الطريق ~~القويم، فأكبرت الأمة شأنه وأجلت الحكومة قدره. # انتقل في سنة 1895م مفتشا في لجنة المراقبة القضائية، ثم جعل مستشارا في محكمة ~~الاستئناف الأهلية سنة 1905، فكان عادلا في أحكامه منصفا بعيدا عن كل ما يشين القضاء ~~ورجاله. # ولما كان أكثر وزراء مصر من رجال القانون مثل أكثر الوزراء في البلدان الأخرى، وكان ~~صاحب الترجمة حائزا على رضاء الأمة، ومحبة حاكم البلاد اختبر ليكون وزيرا للداخلية، ~~فأسندت إليه في 12 نوفمبر سنة 1908م، وهي أوسع الوزارات نطاقا وأعمالا، وأكثرها متاعب ~~وتعقدا فأظهر اقتدارا عجيبا حتى ذلل حزونها، وسار بها إلى الغاية المرومة، وهي ~~استتباب الأمن والسكينة في البلاد، والأعمال النافعة التي عادت على العباد بالخير ~~والإسعاد. # وبذكائه وحسن دهائه أسند الوظائف الرئيسية والمناصب العالية إلى أبناء البلاد ~~الأكفاء، فلقبته الأمة عن حق وعدل بابن مصر البكر، ms127 ورجلها الأوحد. ولما اغتيل المرحوم ~~بطرس غالي باشا رئيس الوزراء السابق، وانتقل إلى رحمة ربه جعل صاحب الترجمة رئيسا ~~للوزراء في 23 فبراير سنة 1910، وبقي وزيرا للداخلية فقام بأعباء الرئاسة خير قيام، ~~وتمكن بسعة حيلته العقلية وحكمته واقتداره من إنقاذ البلاد من المخاطر الكثيرة، التي ~~كانت تتهددها وخرج بها من المآزق الحرجة بسلام، وكان الزمن الذي جعل فيه رئيسا للوزراء ~~زمن مشاكل كمشكلة شركة قنال السويس. # ثم أخذ يعالج أسقام الأمة فشرع في إصلاح المحاكم الشرعية، والمجالس الحسبية والجامع ~~الأزهر الشريف، واستمر تحسن الحال على هذا المنوال إلى آخر مدة وزارته. # فأبدلت الجمعية العمومية ومجلس شورى القوانين بالجمعية التشريعية، التي انتخب أكثر ~~أعضائها من نوابغ الوطنيين، واتسع نطاق مجالس المديريات فتولت صغار الملاك من رهن ~~أطيانهم، ومنعت وزارة الأشغال الضرر الكبير من انخفاض الفيضان، وجعل ديوان الأوقاف ~~ومصلحة الزراعة وزارتين. # وقد أبطلت الوزارة السعيدية القلق والاضطراب من البلاد، وجرت في عهدها أعمال كثيرة من ~~أنفع الأعمال، فاطرد سير الإصلاح، ولولا الأزمة المالية التي سبقتها لكان النجاح تاما ~~من كل الوجوه، وقد تعرض بعض الموظفين في عهدها للانتقاد بحق أو بغير حق، وحدثت أمور ~~أخرى لم ترض أمير البلاد، فغيرت الوزارة، وتغيير الوزارات أمر عادي في كل ~~الممالك. # ولما ولي المغفور له السلطان حسين كامل الأول عرش مصر، اختص صاحب الترجمة برعايته ~~وشمله بعنايته، فما كان يمضي يوم إلا ويتشرف بالمثول بين يديه. # تعيينه وزيرا للمعارف في عهد الوزارة السعدية # ولما كان لدولة صاحب الترجمة الجليل أن يتقاعد يوما ما عن خدمة بلاده بوافر علمه، ~~وعظيم كفاءته العلمية والسياسية وأن يلازم داره بعيدا عن متاعب السياسة وكبير ~~مسئوليتها، بل فضل التضحية من ثمين صحته، ووضع يده بيد الرئيس الجليل سعد باشا زغلول ~~الذي اختاره وقت أن تولى رئاسة مجلس الوزراء في 28 يناير سنة 1924 أن يكون وزيرا ~~للمعارف العمومية، وإلى هنا لا يسعنا إلا أن نذكر مآثره العديدة على العلم وأهله، مما ~~لا ينسى على ممر الأيام وكرور الأعوام، ولقد ms128 كان الساعد الأيمن والعضد الأكبر لدولة سعد ~~باشا زغلول لما يعرفه فيه جيدا من الكفاءة والمقدرة في حل العقد السياسية، وقد انتخب ~~وهو في منصبه هذا للإشراف على وزارة الحقانية، فكان في كلتا الوزارتين المثل الأعلى ~~والقدوة الكاملة لمن يريد اكتساب المجد والفخر. # وقد استقال باستقالة الوزارة السعدية ولزم الحياد في كافة الشؤون السياسية. # صفاته وأخلاقه # كامل الصفات كريم الأخلاق كفء في إدارة كافة الشؤون العلمية والسياسية والإدارية، ~~أبي النفس عالي الهمة محترم الجانب محبوب من جميع عارفي فضله بشوش الطلعة، أكثر الله ~~من أمثاله العاملين لخير مصر ورفع لواء مجدها وإسعادها. # | ترجمة حضرة صاحب المعالي الوزير الجليل يوسف سليمان باشا # هو ذلك الشهم الذي بصفاته # تثني عليه مشارق ومغارب # صافي السريرة لا يزال على المدى # كرما على الفعل الجميل يواظب # يحوي الوداعة والخلوص مع التقي # في طي قلب للإله يراقب # متواضع سام علت شرفا له # في ذروة الكرم الأشيل مراتب # لا عيب فيه غير أن بلطفه # هو للقلوب بكل حين ناهب # حفت به العليا فزان بهاءها # حسنا كما زان السماء كواكب # إذا شاء الفخر أن يذكر في موضعه، والإقدام في مركزه، والنجابة في شخصها، والشهامة في ~~إنسانها، فلا تجد غير صاحب الترجمة حضرة صاحب المعالي الجليل يوسف سليمان باشا، فهو سليل ~~بيت المجد كريم المحتد، شريف الحسب، طاهر النسب، تغذى بلبان الفضيلة، وشب على إغاثة ~~الملهوف، ومحض على الخير، وظهرت كفاءته، وتجلت عبقريته في الشؤون القضائية والإدارية، فبلغ ~~بهما أسمى وأرفع الرتب في الحكومة المصرية حتى قبض على زمام وزارتي الزراعة والمالية يوما ما. # حضرة صاحب المعالي يوسف باشا سليمان وزير المالية سابقا. # مولده ونشأته # ولد معالي صاحب الترجمة ببلدة سندبيس من أعمال مركز قليوب قليوبية في 11 فبراير سنة ~~1862م/2 شعبان سنة 1287ه، وقد تركه المرحوم والده طفلا صغيرا فعني بتربيته شقيقه ~~الأكبر المرحوم عطا الله أفندي سليمان، فأدخله في مدرسة الأقباط الكبرى بشارع كاوت بك ~~بمصر، حيث تلقى فيها التعليم الابتدائي والثانوي، وأتقن من اللغات العربية والفرنساوية ms129 ~~والقبطية، وكان مثال الذكاء والنشاط، فاكتسب رضاء أساتذته وعطف زملائه، وبعد أن أتم ~~دراسته بها كان المتبع وقتئذ أن المرحوم فيدال باشا ناظر مدرسة الإدارة «مدرسة الحقوق ~~الآن»، يمتحن في كل عام الطلبة المنتهين الذين أتموا دراستهم في هذه المدرسة لإلحاق من ~~يختاره منهم في مدرسة الإدارة، وفي عام 1878م وقع اختيار الباشا المومى إليه على صاحب ~~الترجمة ضمن الطلبة الذين اختارهم، كما آنس فيه من الذكاء المفرط والجد والاستقامة ~~والنبوغ الفطري للالتحاق بمدرسة الإدارة، فالتحق بها في السنة عينها، وذلك بعد أن أدى ~~امتحانا ثانيا بها أمام لجنة مؤلفة من ناظر المدرسة المشار إليه، والأستاذ الأكبر ~~الشيخ حسونة النواوي، فاز فيه على جميع أقرانه، ودرس في هذه المدرسة اللغة الطليانة ~~أيضا، ونال منها شهادة «ليسانس» في سنة 1881 بدرجة أعلى، حيث كانت الدرجات وقتئذ على ~~ثلاثة أقسام أعلى وعال ومناسب. # أشغاله الحكومية # وفي تاريخ نواله هذه الشهادة ألحق بوظيفة كاتب ظهورات بمحكمة مصر المختلطة بمرتب شهري ~~خمسماية قرش، ثم عين كاتبا مستديما في تلك المحكمة في 30 يونيو سنة 1882 بمرتب قدره ~~ستماية قرش، ثم نقل في 13 نوفمبر سنة 1883 إلى المحاكم الأهلية بالوظيفة عينها، بمرتب ~~قدره ثمانماية قرش وفي 12 أبريل سنة 1884 عين مساعدا للنيابة، وألحق بنيابة محكمة مصر ~~الابتدائية الأهلية، ثم ترقى إلى درجة وكيل بالنيابة عينها، وصار يتدرج في هذه الوظيفة ~~من الدرجة الثالثة للثانية إلى أن عين وكيلا من الدرجة الأولى، واستمر في هذه الوظيفة ~~بجده المشهود، ونزاهته المعروفة إلى أن رقي رئيسا لنيابة محكمة مصر في 30 ديسمبر سنة ~~1890، وكانت النيابة وقتئذ يتبعها في الإدارة القضائية العاصمة ومديريتي الجيزة ~~والقليوبية، وفي هذا العهد كان مركز رئيس النيابة غيره في العهد الحاضر، فإن كثيرا من ~~الأعمال التي تقوم بها إدارة الأمن العام المنشأة حديثا في وزارة الداخلية، والتي تقوم ~~بها حكمدارية البوليس كان محولا على النيابة، فكان صاحب الترجمة قائما بهذه الأعمال ~~أحسن قيام بجد ونشاط، ساهرا على مصلحة القضاء والأمن العام مدة ms130 سنوات، حتى انتدب ~~رئيسا بنيابة الاستئناف في سنة 1902م، ومن ثم نقل قاضيا بمحكمة المنصورة المختلطة في ~~9 مارس سنة 1906، وظل شاغلا لهذه الوظيفة في المحكمة المذكورة إلى أن نقل قاضيا في ~~محكمة مصر المختلطة في 21 نوفمبر سنة 1909، واستمر فيها إلى أن رقي إلى وظيفة مستشار ~~بمحكمة الاستئناف الأهلية في 6 مارس سنة 1916، وقد قدرت له الحكومة المصرية هذه الخدمات ~~الجليلة، وتحققت من علو كعبه في المسائل القانونية والإدارية، ونزاهته وعدله وجده ~~وكفاءته، فولته وزيرا للزراعة في 22 مايو سنة 1920 في عهد رئاسة حضرة صاحب الدولة محمد ~~توفيق نسيم باشا الأولى، واستمر آخذا بشؤونها معليا من شأنها ساهرا على رقيها إلى أن ~~استقالت الوزارة المذكورة في 16 مارس سنة 1921، وعند تشكيل وزارة الرئيس المشار إليه ~~للمرة الثانية أعيد معالي صاحب الترجمة وزيرا لوزارة المالية في 30 نوفمبر، سنة 1922 ~~إلى أن استقالت في 9 فبراير سنة 1923. # عضويته بالوفد الرسمي # ولما تقلبت القضية المصرية في السنتين الماضيتين لهذا التاريخ إلى أدوار مختلفة، كان ~~آخرها أن عين جلالة الملك فؤاد الأول وفدا رسميا برئاسة صاحب الدولة عدلي يكن باشا؛ ~~ليتولى مفاوضة الحكومة الإنكليزية؛ بغية الوصول إلى الاتفاق المنشود، ولما دعي هذا ~~الوفد الرسمي إلى لندن قام عدلي باشا بمهمة الوسيط بينه وبين لجنة ملنر. # ومما يذكره التاريخ لرئيس هذا الوفد أنه على أثر تعيينه لمجلس الوزراء سنة 1919، نشر ~~برنامجا سياسيا بين فيه للأمة الخطة التي ينوي اتباعها، ولم تكن مصر تعهد من قبل مثل ~~ذلك البرنامج، الذي يعد فوزا للروح الديمقراطية، وقد جاء فيه: # إن الوزراء ستجعل نصب عينيها في المهمة السياسية، التي ستقوم بها لتحديد العلاقات ~~الجديدة بين بريطانيا العظمى وبين مصر، الوصول إلى اتفاق لا يجعل محلا للشك في ~~استقلال مصر، وستجري في هذه المهمة المتشعبة بما تتوق إليه البلاد ومسترشده بما رسمته ~~إرادة الأمة، وستدعو الوفد المصري الذي يرأسه سعد زغلول باشا إلى الاشتراك في العمل ~~لتحقيق هذا الغرض. # غير أنه بعد الأخذ والرد وبالرغم من المساعي ms131 الكثيرة، التي بذلت للتوفيق بين عدلي ~~باشا وسعد زغلول باشا لم يحصل الاتفاق المرغوب، فعين الوفد الرسمي برئاسة عدلي يكن باشا ~~مؤلفا من حسين رشدي باشا وإسماعيل صدقي باشا ومحمد شفيق باشا وأحمد طلعت باشا ويوسف ~~سليمان باشا صاحب هذه الترجمة، وغيرهم من الماليين والمهندسين بصفة خبراء ~~ومستشارين. # وهناك أخذ الوفد الرسمي يناضل ويجادل ويناقش بما أوتي من دراية وحنكة سياسية عظمى، ~~ومقدرة كبرى، حتى أدهش أقطاب ساسة الأمة الإنكليزية، ولكن رغما مما أتاه هذا الوفد ~~الرسمي من الأدلة الناصعة، والبراهين القاطعة والبيانات الهامة عدا التصريحات الرسمية ~~التي قطعتها الحكومة الإنجليزية على نفسها، وسبق وعودها أسفر كل ذلك عن عدم قبول ~~الإنجليز مطالبه، والإذعان إلى قبول مشروع اللورد كرزون، فلم يجد الوفد الرسمي إزاء هذا ~~التعنت سوى رفض قبول أي مطلب من مطالب اللورد كرزون، وقفل عائدا إلى مصر فوصلها في ~~ديسمبر سنة 1921، وعقب حضوره قدم دولة رئيسه استقالته المعروفة وبقيت البلاد بلا وزارة ~~حتى أول مارس سنة 1922، حيث دعي عبد الخالق ثروت باشا لتأليفها محتفظا لنفسه برئاسة ~~مجلس الوزراء ووزارتي الداخلية والخارجية. وقد سئل حضرة صاحب المعالي يوسف سليمان باشا ~~فيما إذا كان يقبل الدخول في هذه الوزارة، فرفض وفضل عدم الدخول فيها، وقد استقالت هذه ~~الوزارة وأخلفتها وزارة دولة نسيم باشا الثانية، التي دخل فيها حضرة صاحب المعالي صاحب ~~هذه الترجمة وزيرا للمالية. # وقد برهن معاليه وحضرات زملائه الكرام على شمم عال، ولم يتهاونوا في حقوق البلاد، كما ~~رفعوا منزلة مواطنيهم في أعين الأمم الغربية، وزاد احترام الكل لهم. # خدماته ومآثره الجليلة بالمجلس الملي العام والجمعيات الخيرية وغيرها # وقد يرتاح ضمير المؤرخ من إثبات الحقائق الواقعة، وتجنب التزلف والتملق لغايات دنيئة ~~في النفس، كما قد يسر إذا هو دون لأصحاب المروءات مروءاتهم، ومآثرهم الخالدة أمثال ~~أعمال معالي صاحب هذه الترجمة، وهي صحيفة بيضاء، نثبتها له تظل ناطقة له بالفضل ~~والإعجاب بين دفتي التاريخ ما دامت السماوات والأرض. # وإننا نفخر بتسطير جلائل أعماله، وعظيم خدماته لأبناء طائفته وكذا المعاهد ms132 العلمية ~~والجزئية التي مدها بثاقب فكره وغزارة ذكائه؛ ليقف عليها أبناء الأجيال المقبلة فيسدونه ~~ما يستحقه من الشكر والثناء. # انتخب معاليه عضوا بالمجلس الملي العام للأقباط الأرثوذكس عام 1890م بطريق الانتخاب، ~~وكان هذا المجلس مركبا من اثني عشر عضوا واثني عشر نائبا، يختارون بطريق الانتخاب في ~~جمعية عمومية تعقد بالدار البطريركية من أبناء الطائفة القبطية عموما، ثم انتهت مدة ~~عضوية هذا المجلس في سنة 1891، واستعيض عنه باللجنة الملية، التي اختير فيها أيضا ~~معالي صاحب الترجمة لأن يكون عضوا فيها في سنة 1892، ثم انتخب عضوا بالمجلس الملي ~~العام للمرة الثانية عام 1906 بطريق الانتخاب بالكيفية السالفة الذكر، وكان المجلس ~~أيضا حافظا لعدد أعضائه ونوابه السابق بيانه، وعند الانتخاب نال صاحب الترجمة أكثر ~~الأصوات، فكان أول المنتخبين لجدارته، وعظيم كفاءته في تصريف الأمور بحنكة ودراية، وحل ~~المشكلات القضائية حلا مرضيا بضميره الطاهر وبعده عن التحيزات الشخصية، ثم استمر إلى ~~أن انتهت مدة هذا المجلس، وتجددت بالكيفية عينها إلى سنة 1912، حيث صدر دكريتو بأن يكون ~~الأعضاء المنتخبون ثمانية فقط، فانتخب معاليه ضمن هؤلاء الأعضاء، كما انتخب أيضا بعد ~~انتهاء هذه المدة في سنة 1918 عضوا بالكيفية ذاتها، واستمر في هذه العضوية يفصل في ~~القضايا والإشكالات بعين ملؤها العدل والنزاهة، إلى أن حاز رتبة الوزارة سنة 1920، فطلب ~~الإقالة وقتئذ من عضوية المجلس الملي العام لما رآه من عدم ملاءمة استمراره في عمله هذا ~~مع الأعمال الجديدة التي أسندت إليه بمسند الوزارة. # ولا يمكن لنا أن نحصر كثرة أعماله المجيدة، والمآثر الفريدة التي قدمها للجمعيات ~~الخيرية، التي يعتبر معاليه عضوا ومؤسسا لها، حيث قدم لها من ماله الخاص الشيء ~~الكثير، وقام بإصلاح المختل من نظامها، فأطلق الألسن بالشكر والثناء والدعاء بحفظ ذاته ~~الكريمة من كل سوء. # استقباله لسمو عقيلة ولي عهد المملكة الحبشية والاحتفاء بها # وقد دل احتفاؤه العظيم ومروءته العالية يوم أن شرفت حضرة صاحبة السمو الإمبراطوري ~~الأميرة منن عقيلة صاحب السمو ولي عهد المملكة الحبشية في سراي معاليه بعد زيارتها ~~للقدس الشريف. # حضرة ms133 صاحب المعالي يوسف باشا سليمان وزير المالية سابقا بملابسه ~~الملكية. # وذلك أنه عندما زارت سموها القدس الشريف أرسلت كتابا لغبطة بطريرك الأقباط، تظهر فيه ~~رغبتها في زيارة مصر حال عودتها لاستمداد دعواته، وبركاته الصالحة من فمه الطاهر، وإنها ~~ستقيم من أسبوع إلى عشرة أيام وفي الوقت نفسه أرسلت لسكرتير غبطته يوسف لما الحبشي ~~تلغرافا تكلفه فيه بأن يحجز لها ولحاشيتها المؤلفة من أميرة من أمراء البيت المالك هي ~~الأميرة ويزرو كاسلاورك والدحاز ماتوس «الجنرال» هيلا ثلاثي وبلانا هروي رئيس محكمة ~~الأجانب، والأب ولد مريم كاهن الأميرة وغيرهم جناحا في منزل شبرد، فلما أطلع غبطة ~~البابا على هذا التلغراف أرسل لسموها كتابا أعرب فيه عن مزيد سروره بمقدمها السعيد إلى ~~القطر المصري، وإن غبطته يرى أن تنزل على الرحب والسعة والإجلال في سراي معالي صاحب ~~الترجمة الكائنة بالعباسية «وهي تلك السراي التي قل وجود نظيرها في فخامة البناء، وجمال ~~الموقع وطلاقة الهواء، ذات الحديقة الغناء البعيدة عن الغوغاء»، فجاء من سموها الرد في ~~الحال تشكر غبطته ملبية الطلب، وحلت وحاشيتها فيه يوم السبت الموافق 14 أبريل سنة 1923 ~~الساعة 11 مساء، حيث استقبل سمو الأميرة في محطة مصر مندوب من قبل جلالة الملك هو معالي ~~سعيد ذو الفقار باشا كبير الأمناء، ومندوب آخر من قبل فخامة اللورد اللنبي وهو جناب ~~السير سكوت مستشار دار المندوب السامي وصاحب النيافة الأنبا متاؤس مطران المملكة ~~الحبشية، الذي كان قد جاء لمصر من قبل قدومها للتبرك من غبطة البابا المعظم والاستشفاء ~~من مرض ألم به، وكذا جناب قنصل إيطاليا وجناب قنصل فرنسا، وعدد كبير من أعيان الأقباط، ~~وفتح لسموها الباب الملكي، فخرجت منه ويممت سراي حضرة صاحب المعالي يوسف سليمان باشا ~~صاحب هذه الترجمة، حيث نزلت هي وحاشيتها ضيوفا أعزاء على مضيفهم الكريم، وفي صباح ~~وصولها وكان يوم الأحد 15 أبريل سنة 1923 بكرت سموها وحاشيتها لحضور الصلاة في الكنيسة ~~المرقسية الكبرى، التي اكتظت بألوف من أفراد الشعب القبطي رجالا وسيدات، وكانت الأعلام ~~الحبشية والمصرية ms134 تخفق على الدار البطريركية. # وقد زين المدخل وفناء المدرسة القبطية الكبرى بزينة تبهر الأبصار، وبعد انتهاء القداس ~~صعدت سموها إلى القصر البطريركي يحفها الوقار والإجلال، فاستقبلها غبطة رئيس الأحبار ~~مرحبا بها مهنئا إياها بسلامة الوصول مباركا إياها داعيا لها، ولجلالة الإمبراطورة، ~~ولسمو ولي العهد ولجميع رجال المملكة الفخام. # وقد أقامت سموها بالعاصمة في سراي معالي صاحب الترجمة أسبوعا زارت في خلاله قصر ~~عابدين، ودار فخامة المندوب السامي البريطاني، حيث أدب لها مأدبة فخمة ثم طافت بالكنائس ~~القبطية الأثرية والمعاهد العلمية، كالمدرسة الكبرى البطريركية والمشغل البطرسي، ومدرسة ~~البنات التابعة لجمعية التوفيق، كما أنها زارت البطريركية الأرمنية وكنيستها، وسافرت ~~إلى الأقصر في قطار خاص أعدته الحكومة المصرية خصيصى لسموها، حيث شاهدت آثار وادي ~~الملوك، والآثار التي اكتشفت من قبر توت عنخ أمون، وكانت في كل هذه الزيارات موضعا ~~للحفاوة والإكرام. # وفي يوم الأحد التالي «22 أبريل سنة 1923» حضرت سموها صلاة القداس بكنيسة المعلقة ~~بمصر القديمة، وتناولت الأسرار المقدسة من يد نيافة الحبر الجليل الأنبا متأوس مطران ~~المملكة الحبشية، والذين رأوها في الكنيسة الكبرى، وفي كنيسة المعلقة واقفة بكل ورع ~~وخشوع من أول صلاة القداس إلى نهايتها، يتمنون أن جميع الناس يقتدون بها في احترام بيوت ~~العبادة، وفي تقديس أوقات الصلاة. وفي عصر ذلك النهار جاءت الأميرة إلى الدار ~~البطريركية؛ لكي تودع قداسة الحبر الأعظم، فاقتربت من قداسته حاسرة الرأس وركعت عند ~~قدميه بكل أدب واحترام، وكذلك فعل كل رجال حاشيتها فباركهم غبطته، ودعا لهم ولبلادهم ~~بالخير والنجاح، وكلف سموها تبليغ تحياته، ودعواته لجلالة الإمبراطورة ولسمو ولي العهد، ~~ولجميع رجال الحكومة الحبشية وسائر الشعب الحبشي. # مأدبة الكونتننتال # وفي مساء الأحد المشار إليه أقامت سمو الأميرة مأدبة في فندق الكونتننتال لعدد من ~~أكابر الأقباط وعقائلهم؛ لكي تعرب لهم عن شكرها على احتفالهم بها، وكان في مقدمة الذين ~~لبوا دعوتها لحضور هذه المأدبة صاحب النيافة الأنبا متاؤس مطران المملكة الحبشية، ~~والأنبا يوساب مطران كرسي الفيوم، وجناب الأب المحترم القمص بطرس عبد الملك رئيس ~~الكنيسة الكبرى، ms135 وأصحاب المعالي يوسف سليمان باشا مضيفها الكريم صاحب هذه الترجمة، ~~والسيدة الجليلة كريمة قرينة حضرة صاحب العزة المفضال كامل بك إبراهيم المستشار بمحكمة ~~مصر الأهلي، وفوزي باشا المطيعي وزير الزراعة والسيدة عقيلته، ونجيب غالي باشا والسيدة ~~عقيلته، وغيرهم من كبار وأعيان الأمة القبطية، ولما انتظم عقد المدعوين دخلوا قاعة ~~المائدة التي كانت مزينة أبدع زينة، وفي صدرها العلم الحبشي بين علمين مصريين، وبعد ~~تناول العشاء وقف معالي فوزي باشا، فألقى كلمة شكر فيها سمو الأميرة لهذه الزيارة ~~المباركة، التي كان من طلائع يمنها على مصر أن دستور الاستقلال أعلن في خلالها، وأشار ~~إلى الحبشة ومحافظتها على استقلالها منذ فجر التاريخ، وتمنى لها مزيد التقدم والنجاح، ~~وبعدما دعا لجلالة ملك مصر الدستوري طلب لسمو الأميرة سفرا سعيدا وعمرا ~~مديدا. # خطبة معالي صاحب الترجمة # ومن ثم وقف حضرة صاحب المعالي الجليل صاحب الترجمة، فألقى بين يدي سموها خطبة شيقة ~~حازت قبولا واستحسانا لديها، وإننا نثبتها هنا ضمن ترجمة معاليه؛ ليقف القراء على ~~مكانته السامية في عالم الخطابة والتاريخ. # تعلمون حضراتكم أن تاريخ بلاد الأحباش قديم جدا ومجيد، واشتهر ملوكهم منذ ~~القدم بالتدين وحب الحكمة وطلبها أينما وجدت، فقد جاء في التوراة أن ملكة سبأ ~~«الحبشة» لما سمعت عن حكمة سليمان الملك ابن داود ملك إسرائيل، جاءت من أقصى ~~بلادها رغما عن صعوبة الأسفار في هاتيك الأيام، وتحملت مشاق الأتعاب لتسمع ~~وتتحقق بنفسها حكمة سليمان، وقد امتحنته بمسائل عديدة وطوبته وطوبت رجال ~~حاشيته، وقد مدحها السيد المسيح على عملها هذا في الإنجيل المقدس، ويدلنا ~~التاريخ أن الأجانب اعتنقوا الديانة المسيحية منذ الجيل الرابع على يد ~~فرومنيوس، الذي رسمه القديس أيناسويس الرسولي أسقفا عليها، وسماه الأنبا سلامه ~~ومن ذلك العهد حتى الآن ومبادئ المسيحية حية نامية في تلك البلاد، حتى اشتهر ~~شعبها بشدة تمسكه بالدين، واشتهر ملوكها وأمراؤها بهذه المزية المحبوبة، وهي ~~شدة التقوى والمحافظة على مبادئ الدين، فهم مثال في التقى والفضيلة والعبادة، ~~ومن أخص المزايا التي يمدحون عليها استمساكهم الوثيق بعرى المبادئ ms136 الأرثوذكسية، ~~فبينما ترى كثرة المذاهب المسيحية وانتشارها في جميع الممالك، وترى العالم ~~المسيحي متفرقا إلى مذاهب عديدة، وشيع كثيرة تجد الأحباش لا يزالون على عهدهم ~~الأول، ولا تجد بينهم من يميل إلى تغيير عقيدته أو التحول عنها بأية حال من ~~الحالات، وليس تمسك الأحباش بعقائدهم ومبادئ دينهم بالقول فقط، بل إنهم متدينون ~~بالفعل تدينا حقيقيا، فلهم إيمان وثيق حي ويحافظون على إتمام فروضهم، ~~وواجباتهم الدينية بكل حرارة لا فرق في ذلك بين الأمراء وعامة الشعب، ولقد ~~سمعنا كثيرأ عن تدين وتقوى جلالة الإمبراطورة زودينو ملكة ملوك الحبشة، وورع ~~ولي عهدها الرأس طفري، وهو ذا أمامنا ومعنا المثال العالي على ذلك حضرة صاحبة ~~السموالإمبراطوري الأميرة منن فان سموها، والحق يقال: خير مثال للفضيلة ~~والكمالات المسيحية والورع والعبادة ، كما شاهدنا ذلك في سموها، وكم أنا سعيد ~~عندما أعرب عن سروري واغتباطي بالحظوة الشريفة، التي نلتها بتنازل سموها ~~وقبولها بتشريف داري، وإني أعلن بمزيد السرور أنها أعظم حظوى نلتها في حياتي، ~~فلقد كسبت فوق الشرف الذي شرفتني به بتنازلها هذا أن أضحت أعظم قدوة، وأفضل ~~مثال نحتذيه من تقوى الأمراء، وسيبقى هذا المثال حيا أمامي وأمام أولادي ~~وأحفادي يذكرونه جيلا بعد جيل، ويقتبسون منه أثمن الفضائل والأخلاق ~~العالية. # ولقد سمعت كثيرا من سموها حسن تقديرها، ومحبتها للعلاقة الثابتة التي تربط ~~الأحباش بالأقباط، ولا شك أن جميع الأحباش يذكرون ذلك، ويقدرون هذه العلاقة ~~الروحية المتينة حق قدرها. # ولا يفوتني في هذه الفرصة أن أنصح لسيداتنا وبناتنا أن يتخذن هذه الأميرة ~~الجليلة الفاضلة خير قدوة لهن في التربية المسيحية، والحشمة، والورع والفضائل، ~~وتربية الأولاد على المبادئ المقدسة، ويتبعون خطواتها لخير العائلة ~~القبطية. # واختتم معاليه خطبته هذه بأن قال: # وأرجو من سمو الأميرة أن تتفضل وتبلغ عنا احترامات الأمة المصرية، وأماني ~~الشعب المصري لحضرة صاحبة الجلالة الإمبراطورة زوديتو، وحضرة صاحب السمو ولي ~~العهد الرأس طفري، ولجميع الأمراء والشعب الحبشي، وأسأل الله تعالى أن يديم ~~سلامة المملكة الحبشية، ويؤيدها بكل قوة وسعادة من لدنه، ويحفظ لنا جلالة ms137 ~~مليكنا فؤاد الأول المعظم وسمو الأمير فاروق ولي عهده فهو السميع ~~المجيب. # وأعقب معاليه سعادة مرقص سميكة باشا، فألقى كلمة حازت رضاء سموها وقوبلت ~~بالاستحسان. # ثم وقف بعد ذلك سعادة بلاته هروي نائبا عن سموها، وخطب بالحبشية شاكرا للأقباط ~~خصوصا وللمصريين عموما، ما لاقت الأميرة من عظيم الحفاوة بها، وقال: إنها ستخبر أهالي ~~بلادها بهذه المحبة الفائقة، وهذا الإخلاص الوافر وإنها لن تنسى ما لاقته من مروءة ~~معالي يوسف سليمان باشا صاحب الدار، وتوفر أسباب الراحة لها ولحاشيتها، مما سيدوم ذكره ~~عالقا في فؤادها ما عاشت. # وأنه والحق يقال لقد أتى معالي صاحب الترجمة من ضروب الكرم، وحسن الضيافة والحفاوة ~~المتناهية بسموها ورجال حاشيتها الكرام ما جعلهم يلهجون بالشكر والثناء لمعاليه. # تشريف جلالة الملك بسراي معاليه # ولما كان معالي صاحب الترجمة من أكبر المخلصين لجلالة مليك البلاد مولانا صاحب ~~الجلالة فؤاد الأول، وحائزا على رضائه العالي، فقد تفضل جلالته حفظه الله فشرف سراي ~~معالي صاحب الترجمة بالعباسية، بعد زيارة سمو الأميرة منن أثناء وجودها في سراي معاليه، ~~وقد تفضل جلالته فصافحه معربا له عن ارتياحه باشا في وجهه، وقد قابل معاليه هذه ~~المنة الكبرى والتعطف السامي بالدعاء بحفظ جلالته، وسمو الأمير ولي العهد، وعاد كما جاء ~~بالإجلال والتعظيم إلى سراي عابدين العامرة. # الرتب والنياشين التي حازها معاليه # وقد حاز معاليه من أوسمة الفخار أكبرها وأعظمها ورتب المجد أرفعها وأفخرها، إذ منح ~~الرتبة الثانية في 26 سبتمبر سنة 1892، والنيشان العثماني من الدرجة الرابعة في 2 ~~فبراير سنة 1896، ورتبة البكوية من الدرجة الأولى في 20 مارس سنة 1916، ورتبة الباشوية ~~في 31 مارس سنة 1920، ورتبة الوزارة في 22 مايو سنة 1922، ووشاح النيل الأكبر في 2 محرم ~~سنة 339، ورتبة الامتياز في 22 ربيع الثاني سنة 1341، وفي كل ذلك أكبر دليل على ما ~~لمعاليه من الجدارة والكفاءة والنزاهة. # صفاته وأخلاقه # وأما مكانة حضرة صاحب المعالي الجليل في الأمة المصرية عامة والأقباط خاصة، فقد نالت ~~الدرجة القصوى من الاحترام والإكبار والإجلال، وذلك بفضل سمو أخلاقه وعالي ms138 مروءته، ~~وتواضعه المتناهي والدعة التي لا ينفك لسان الرائي يلهج بالثناء عليها، فقد عرف بين ~~جميع الطبقات بالبشاشة، وحسن اللقاء وطيب الحديث، فيستميل نفوس مجالسيه جاذبا إليه ~~قلوبهم بعذوبة لفظه، ورقة عبارته، ولا نستطيع إثبات أعماله الخيرية الكثيرة، التي يجهد ~~معاليه في كتمانها عن الناس عملا بنص الإنجيل المقدس، ولكن رغما من هذا الاجتهاد، فقد ~~شهد له عموم أبناء الأمة القبطية بأنه يمسح دموع الأرملة، وعبرات الشيخ بيد الإحسان، ~~ويتوجع للحزين، ويتفجع للكئيب، ويجد ويكد في تفريج كروب المتضايقين، وإغاثة الملهوفين ~~وإيصال عيش أهل البيوت التي كانت عامرة، فجارت عليها صروف الزمان، وأناخت بفنائها كوارث ~~الحدثان فانطلقت ألسنتهم بالدعاء والابتهال للعزة الإلهية أن يحفظ معاليه وعائلته ~~الكريمة من كل سوء، وقد انتخب معاليه عضوا بمجلس النواب المنحل عن دائرة الأزبكية، ~~وفاز بأغلبية الأصوات وكنا نود أن يظل المجلس منعقدا لتحقق مطالبه، ونسمع آراءه ~~السديدة وأفكاره الصائبة لو لم تفاجئه عواصف السياسة التي قضت بحله. # بعض مآثره المعروفة # وأما عن مآثره المعروفة لنا فقد قام معاليه وأفراد عائلته الكرام بتشييد كنيسة كبرى ~~ببلدته «سندبيس»، وهي من أعظم الكنائس رونقا وبهاء، وأحسنها طرازا وهي على النمط ~~«البيزنتي» القديم كما شيد أيضا وعائلته في البلدة عينها مدرسة للبنين، وأخرى للبنات ~~ملحقتين بدائرة الكنيسة لتعليم العنصرين، وهما الآن تحت إشراف مجلس مديرية ~~القليوبية. # وبالإجمال فإننا إذا عددنا مآثر هذا الشهم النبيل، وفضائله العديدة على الإنسانية ~~لضاق بنا المقال، فنكتفي بهذه النبذة تنويها بفضله. # ومن نعم الله الكبرى على معاليه أن رزقه أنجالا كراما على جانب عظيم من الرقي ~~الأخلاقي، والأدب الجم والخصال السامية منهم حضرة صاحب العزة القاضي النزيه العادل فهيم ~~بك سليمان، القاضي بمحكمة مصر الأهلية، فإنه والحق يقال مثال معالي والده الجليل من كل ~~الوجوه، ولا يدع في ذلك فمن شابه أباه فما ظلم. # أدامه الله تعالى وحضراتهم وباقي أفراد لعائلة الكريمة رافلين في بحبوحة السعادة ~~والهناء، وأكثر من أمثالهم في أبناء الأمة العاملين. # | ترجمة حضرة صاحب المعالي القانوني النزيه أحمد ذو ms139 الفقار باشا وزير الحقانية # مولده ومنشأه # ولد معاليه في ثغر الإسكندرية من والدين كريمين عريقين في المجد والنبل عام 1862م ~~الموافق لعام 1277ه، ووالده هو المغفور له أحمد علي ذو الفقار باشا أحد وزراء مصر ~~السابقين، الذين اشتهروا بالنزاهة والاستقامة والجد والكفاءة. # درس علم الحقوق ونبغ فيه نبوغا أدهش متشرعي القوانين أنفسهم، ونال شهادة الليسانس ~~بتفوق عظيم، وكان أول الوظائف التي تولاها منصب مساعد بالنيابة المختلطة بتاريخ 21 ~~يناير سنة 1892، وفي يوليو سنة 1894 عين قاضيا من الدرجة الثالثة بمحكمة أسيوط ~~الأهلية، وفي 18 مارس سنة 1896 نقل لمحكمة مصر الأهلية، ورقي لدرجة قاض من الدرجة ~~الثانية في 26 مارس سنة 1900، ونقل لمحكمة أسيوط وبتاريخ 16 مايو سنة 1901 نقل لمحكمة ~~طنطا، وفي يناير سنة 1902 رقي للدرجة الأولى، فكان في كل هذه الوظائف السامية عادلا في ~~أحكامه نزيها منصفا بعيدا عن كل ما يشين القضاء، وفي 29 نوفمبر سنة 1902 عين وكيلا ~~لمحكمة أسيوط الأهلية فرئيسا لمحكمة قنا، وفي 28 يناير سنة 1905 عين رئيسا لمحكمة ~~الزقازيق فقاضيا لمحكمة المنصورة المختلطة، ولما تجلت نزاهته وعرفت استقامته وطهارة ~~ذمته رقي مستشارا بمحكمة الاستئناف الأهلية، فكان مثال الجد والذكاء والعدل بعيدا عن ~~المحاباة والتحيز، وقد أذيعت هذه الفضائل بين الملأ كما اتصلت بمسامع جلالة المليك ~~المعظم، فقدرها حق قدرها، وأحله في أسمى وأرقى مركز في حكومته السنية، إذ جعله وزيرا ~~للحقانية بتاريخ 21 مارس سنة 1919 في رئاسة صاحب الدولة محمد سعيد باشا، واختير لها في ~~وزارة صاحب الدولة يوسف وهبه باشا، وفي وزارتي صاحب الدولة محمد توفيق نسيم باشا الأولى ~~والثانية، وقام بأعبائها للمرة الخامسة في رئاسة صاحب الدولة يحيى إبراهيم باشا وفي ~~تعدد توليه هذه الوزارة دليل قاطع وبرهان ساطع على ما له من الكفاءة والمقدرة، وسمو ~~المكانة لدى الهيئتين الحاكمة والمحكومة. # حضرة صاحب المعالي القانوني أحمد ذو الفقار باشا وزير ~~الحقانية. # وفي هذا العهد نالت مصر دستورا نيابيا شبيها بدساتير الأمم الدستورية فاستبشرت ~~الأمة به خيرا، واغتبط الشعب ms140 على بكرة أبيه وانهالت الرسائل البريدية والبرقية من ~~أعضاء الهيئات النيابية وغيرها، مهنئه جلالة المليك المعظم داعين له بدوام ملكه وتثبيت ~~عرشه. # ونظرا لما لمعاليه من المكانة السامية لدى جلالته، ووثوقه التام من كفاءته العلمية ~~ومقدرته الشخصية عينه وزيرا مفوضا لدى حكومة إيطاليا بروما؛ ليمثل جلالة مصر وعظمتها ~~هنالك، فقوبل هذا التعيين السامي بالارتياح العام من الأمة التي تعرف في شخصه الجليل كل ~~الصفات الممتازة والمناقب المحمودة. # ومكث هناك حتى يوم 13 سبتمبر سنة 1925، إذ فيه تعدلت هيئة الوزارة الزيورية للمرة ~~الثالثة، وعين صاحب الترجمة وزيرا للحقانية للمرة السادسة. # الرتب والنياشين التي حازها # الرتبة الثانية سنة 1892 والمتمايز سنة 1908 والباشوية سنة 1915، والمتمايز الرفيعة، ~~ومنح المجيدي الخامس مع النجمة المصرية سنة 1883، والمجيد الثالث في يوليو سنة 1911، ~~والنيل من الطبقة الثالثة سنة 1918، والوشاح الأكبر سنة 1919. # ومعاليه يتقن من اللغات العربية والفرنسية والتركية إتقانا تاما. # | ترجمة صاحب المعالي الوزير الجليل محمد توفيق رفعت باشا # صفاته وأخلاقه # عرف بين طبقات الشعب بالبشاشة - وطيب الحديث يستميل نفوس جلسائه بعذوبة ألفاظه، ورقة ~~عبارته وغزارة مادته، وإذا وقف على حقيقة أمر من الأمور جد في تأييده غير حائد عن ~~رأيه. # أطال الله حياة معاليه وأكثر من أمثاله لخير مصر ورفع شأنها. # صاحب المعالي الوزير الجليل محمد توفيق رفعت باشا وزير المعارف ~~السابق ووزير المواصلات حالا. # كلمة للمؤرخ # معالي صاحب الترجمة من رجال مصر النبغاء العاملين، وأفرادها المعدودين الذين امتازوا ~~بسمو المدارك وغزارة العلم، وإدارة الأعمال وأصالة الرأي. # وإننا نلخص تاريخه المجيد بقلم الإعجاب والفخر، سائلين الحق أن يكثر من أمثاله في ~~أبناء مصر لرفع لواء العلم والعرفان في ربوع البلاد. # مولده ونشأته # ولد معاليه بالقاهرة في يوم 25 سبتمبر سنة 1866م من أبوين شريفين كريمين، غذياه بلبان ~~الأدب والفضيلة، وأدخلاه مدرسة الألسن «مدرسة المعلمين الآن»، فأبدى من ضروب الذكاء ~~والجد والنشاط وحسن الاستقامة والمواظبة ما حبب فيه أساتذته وأقرانه الطلبة، وبعد أن ~~أتم دروسه فيها عين مدرسا بها، ومكث في مهنة التدريس مدة سنتين تقريبا، ثم ms141 سافر إلى ~~فرنسا في إرسالية بعثت بها الحكومة المصرية، فدرس علم الحقوق ومكث ثلاث سنوات أي: من ~~سنة 1885م إلى أن عاد لمصر في شهر أكتوبر سنة 1888، وعند عودته عين مساعدا للنيابة ~~العمومية في 13 مايو سنة 1889 بالدرجة الثالثة، ثم رقي إلى الدرجة الثانية في مارس سنة ~~1891، وللدرجة الأولى في 18 نوفمبر سنة 1891، ثم عين قاضيا لمحكمة بني سويف الأهلية في ~~سبتمبر سنة 1892 من الدرجة الرابعة، ورقي إلى الدرجة الثالثة في 9 سبتمبر سنة 1900، ~~ونقل إلى محكمة أسيوط ثم عين مفتشا بلجنة المراقبة القضائية في مارس سنة 1902، ومن ثم ~~رقي قاضيا من الدرجة الثانية في نوفمبر سنة 1903، ونال الدرجة في فبراير سنة 1906، ~~وعين ناظرا للإدارة القضائية بوزارة الحقانية في شهر مارس سنة 1907، وفي شهر نوفمبر ~~سنة 1907 عين مستشارا بمحكمة الاستئناف الأهلية، ثم نائبا عموميا في يونية سنة ~~1919، وفي شهر مايو سنة 1920 عين وزيرا للمعارف العمومية، وفي ذاك الوقت حدث تعديل في ~~الوزارة، فاختير لأن يكون وزيرا للمواصلات، وأعيد وزيرا للمعارف في 15 مارس سنة 1923، ~~وفي شهر يوليو من السنة المذكورة حدث تغيير في الوزارة فقلد وزارة الخارجية مع مباشرة ~~أعمال وزارة المعارف إلى أن سقطت الوزارة، وظل بعيدا عن منصة الحكم حتى يوم 13 سبتمبر ~~سنة 1925، حيث عين وزيرا للمواصلات في عهد الوزارة الزيورية للمرة الثالثة من ~~تعديلها. # فيرى مما تقدم من سلسلة ترقيات معاليه المتوالية إلى وصوله لكراسي الوزارات مقدار ~~كفاءته الشخصية، والعلمية، وجدارته في الشؤون الإدارية والقضائية، وعلو كعبه في إدارة ~~المصالح التي تولاها بحزم وعزم وهمة عالية وعزيمة ماضية. # رتب الفخر ونياشين الشرف التي حازها # الرتبة الثالثة في أبريل سنة 1899، والثانية في يناير سنة 1905 والمتمايز والباشوية ~~في مايو سنة 1918، ونشان النيل من الطبقة الثالثة في سنة 1916، والمجيدي الثالث في ~~يوليو سنة 1911، ونشان المتمايز في فبراير سنة 1909، ومنح رتبة صاحب المعالي والوشاح ~~الأكبر عند تعيينه وزيرا، ولمناسبة عيد جلالة الملك فؤاد الأول الموافق 10 أكتوبر سنة ~~1925، أنعم على معاليه بالوشاح الأكبر من نشان ms142 إسماعيل. # صفاته وأخلاقه # اشتهر بالرزانة وأصالة الرأي والحكمة في القول والذكاء الخارق والكفاءة العلمية، وهو ~~من رجال الأمة العظام الذين خدموا بأمانة وإخلاص لمصلحة البلاد، أدام الله معاليه ومتعه ~~بالصحة والهناء. # | ترجمة حضرة صاحب المعالي الوزير الجليل محمد فتح الله بركات باشا # كلمة المؤرخ # لا يندهش القراء بعد أن رأوا من فتح الله باشا بركات ما رأوا من شدة الذكاء، وقوة ~~العارضة وحمية الأنف، والدأب في خدمة المجموع أن نقول بأن هذا النابغة المصري ينتمي ~~نسبه إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ففي دمائه تجري روح ثلاثة عشر قرنا كاملا بل ~~تكاد تكون روحه قطعة من روح الإسلام كله، تفيض جميع مميزاته النفسية وخلاله ووجداناته ~~وأفعاله من طبيعة الدم، الذي يسري في عروقه. # فكل ما ترى من وجداناته أثر من آثار ذلك الفيض الذي نبع منه، ولتجدن ماء الغدير ~~الفياض في حلاوة مساغه، وعذوبه مذاقه لا يختلف عن ماء النهر العظيم الذي فاض منه ~~واستمد، وكل ما ترى من غيرته وحميته طليعة من طلائع مزاجه ، يمدها قلب كبير وروح حارة، ~~وليس كأولئك الذين لا تكون الحمية فيهم والغيرة إلا نتيجة الظروف، حتى لا تكاد تفرق بين ~~غيرتهم، وبين انفعالاتهم ومثلهم في ذلك مثل الجياد غير الصافنات إذا عرضت في السوق ~~للبيع، وجرى بها سمسارها شوطا صغيرا أظهرت نشاطا وخفة، وأبدت عنفا وكرما، فإذا ~~ابتاعها مبتاع وانطلق بها لم يجد أثر لذلك النشاط الوقتي الذي شاهده. # حضرة صاحب المعالي الوزير الجليل محمد فتح الله بركات باشا وزير ~~الداخلية سابقا والعضو بمجلس الشيوخ. # مولده ونشأته # ولد صاحب الترجمة في اليوم الخامس عشر من شهر شعبان عام 1282 بمنية المرشد، وكانت ~~يومذاك تابعة لمركز دسوق، وهي الآن تتبع مركز فوه من أعمال مديرية الغربية، وأبوه عبد ~~الله أفندي بركات، وكان إذ ذاك عمدة لمنية المرشد، ثم رفع بعدها إلى وظيفة مأمور مركز ~~دسوق، وجده الشيخ عبده بركات، وكان من ذوي الثراء الطائل والغنى الوافر، وكان موظفا في ~~عهد محمد علي الكبير رأس ms143 الأسرة المالكة يشغل وظيفة كاتب، تسمى حينذاك ناظر قسم أو ما ~~هو في معنى ذلك، وبدأ مقام هذه الأسرة بمنية المرشد منذ ثلاثماية سنة، وقد نزحت إليها ~~من البرلس، وتنتمي إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه. # فلما درج إلى الحول السابع دفعه والده إلى كتاب البلد شأن كل مصري حتى اليوم «في بعض ~~القرى»، فلبث في هذا المعهد الصغير حتى كان عام 1293ه، فأرسله والده إلى مدرسة رشيد ~~الأميرية وظل بها حتى أتم التعليم الابتدائي، ثم انتقل حوالي عام 1297ه إلى مدرسة ~~الجمعية الخيرية الإسلامية بالإسكندرية، وكان ناظرها إذ ذاك السيد عبد الله نديم، وبقي ~~بها عاما كاملا، وفي سنة 1298ه دخل المدرسة التجهيزية بدرب الجماميز بالقاهرة، ومكث ~~بها حتى السنة الثالثة، وإذ ذاك ثارت الثورة العرابية، وقد تقدمت بوالده السن، وألفى ~~الحاجة ماسة إلى المترجم؛ ليقوم بإدارة مزارعه ورعي شؤونه وتدبير ثروته، إذ كان أكبر ~~أولاده فانقطع عن الدراسة والمدرسة، وما نفس النابغة إلا قبس من قبس الله يريد مضطربا ~~واسعا ومكانا طلقا، وما روح العظيم في المدرسة إلا في محبس. # وأقام بعد ذلك ببلده وكانت المشاحنات والفتن والضغائن فاشية بين أهل البلد سارية بين ~~أسرته وعشائره، حتى كان بالبلد على صغره سبعة عشر محاميا يشتغلون بقضايا الخصومات ~~الثائرة بين أهلها، أمام المحاكم التي أنشئت إذ ذاك للفصل في أمثال هذه الخصومات ~~والمشاحنات، وكانت أراضي أهل البلد في ذلك الحين مرهونة للمصارف «البنوك» والحكومة، ~~واندفعوا في الفتن والمشاحنات حتى ضجت المديرية والمركز في أخريات عام 1886م من هذا ~~البلد، وحال أهليه ففزعت الأهالي والحكومة إلى صاحب الترجمة، يريدونه على أن يكون عمدة ~~للبلد، وكان إذ ذاك في ريعان الشباب لم يجز بعد الربيع الأول بعد العشرين، على حين أن ~~القانون لم يكن ليبيح وقتئذ تعيين من هو في مثل سنه في منصب العمدة، وكان المترجم لا ~~يميل إلى إسناده إليه لما كان يراه في ذلك الحين من عسف الحكام وبلوغهم من الإرهاق ~~والاستبداد الحد الذي لا يلتئم مع ms144 رجل يشعر بكرامة نفسه وشخصيته، ولكنه اضطر إلى قبوله ~~إذ رأى إلحاح الأهالي، ووعود الحكام إياه بأنهم سيأخذون بالحسنى ويجنحون إلى اللين ~~والعرف. # ومضى في منصبه ذاك حتى عام 1907م يصلح ذات بين القوم، ويرد الحزازات والضغائن حتى كان ~~من أثر ذلك أن انفرط خمسة عشر عاما لم ترفع فيها قضية واحدة لأحد من الأهالي إلى محكمة ~~من المحاكم، لا بينه وبين آخر من أهل البلد نفسه، ولا بينه وبين الغير، وأخذ ينشر الأمن ~~في بلده والتحاب والتواصل بين أهليه، وكان من ذلك أن ديون الأهالي سددت واستخلصت ~~أراضيهم من قيود الرهون، وحسنت حالهم ونمت ثروتهم، وابتاعوا من أرض البلدان الأخرى ~~المجاورة، وبلغت الثقة بينهم إلى حد أن الرجل منهم إذا احتاج إلى مال قليل أو كثير ~~اقترضه من إخوانه بدون سند أو إيصال أو شهود، وذلك بفضل روح التضامن والائتلاف والتضافر ~~الذي حل بينهم حتى أضحوا جميعا يدا واحدة. # وعند إنشاء لجنة الشياخات وتأديب العمد والمشايخ منذ نيف وعشرين عاما، انتخب صاحب ~~الترجمة عضوا نائبا عن مركز فوه في لجنة الشياخات بإجماع الآراء، وإن كان أحدث العمد ~~سنا، فكان له في هذه اللجنة مواقف مشهورة حيال مديري هذه المديرية، وكانوا هم أصحاب ~~النفوذ والسيطرة على هذه اللجنة التي كانوا بطبيعة الحال يرأسونها، وكان هو الرجل الفذ ~~الذي كان يخالف أميال المديرين وأهوائهم ونزعاتهم، غير مبال بسخطهم ولا حافل ~~بغضبهم. # وبقي بهذه اللجنة حتى نهاية سنة 1901م وكان يعاد انتخابه في كل عام بإجماع الآراء، ~~كما انتخب في سنة 1899م في لجنة تعديل الضرائب بمركز فوه، ونهض فيها بواجبه حتى إن ~~الضرائب المقررة على مركز فوه كانت أخف بكثير من سائر الضرائب المقررة على بلاد القطر، ~~ولا يغيب عنك ما لاقى من المشاق وعانى من الصعوبات في سبيل المحافظة على الصدق والأمانة ~~في هذا التعديل. # وفي سنة 1902م انتخب عضوا لمجلس مديرية الغربية، فلم يستطع أن يظهر مواهبه وكفاءته ~~إذ كانت مجالس المديريات ضيقة الدائرة، لا تنعقد إلا مرة واحدة ms145 في كل عام للتصديق على ~~ما تقرره وزارة الأشغال، وبقي عمدة إلى أوائل سنة 1908م، إذ انتخب عضوا لمجلس شورى ~~القوانين، وإذ ذاك جالت مواهبه العالية جولاتها وتجلت كفاءته الشخصية في أبهى مظاهرها، ~~ولا جرم أن تكون كفاءة صاحب الترجمة في مجلس الشورى غيرها في مجلس المديرية، فليس من ~~يقف مدافعا عن حق فئة قليلة كمن يقف في جماعة ناصحا عن حقوق الأمة جمعاء، ولعل الناس ~~لم ينسوا بعد ما كان له من مواقف مشهورة، ومواطن مأثورة، مما لا يتسع المقام لذكرها ~~الآن. # وظل في مجلس الشورى حتى انفض في سنة 1911، وجاءت بعده الجمعية التشريعية، فانتخب ~~عضوا بها عن مركزي فوه ودسوق وبعض بلدان من مركز كفر الزيات، فأبدى من ضروب الاقتراحات ~~الهامة، والمشروعات النافعة لدائرته ما أطلق الألسنة بالثناء عليه، والإعجاب بهذه الروح ~~العالية والنفس الكريمة والوطنية الصادقة. # دخوله عضوا في الوفد المصري # ولما تبين لحضرة صاحب الدولة الرئيس الجليل سعد باشا زغلول رئيس الوفد المصري، وهو ~~ابن شقيقة حضرة صاحب الترجمة، شديد إخلاصه وغيرته الوطنية ومواقفه المشهورة وحميته ~~العالية، فقد أدخله ضمن أعضاء هيئة الوفد المصري، فعمل فيه أعمالا وطنية صادقة تخلد له ~~بقلم الفخر والإعجاب أبد الدهر، وقد ناله من جراء هذا الإخلاص أن نفي إلى جبل طارق ~~وسيشل مع الرئيس الجليل سعد باشا زغلول، وظل يقاسي وصحبه المخلصون آلام النفي والغربة ~~مدة سنتين، ولم يعد للوطن العزيز إلا بعد عودة دولة الرئيس من منفاه، غير أن الشعب ~~المصري على بكرة أبيه عرف قيمة هذه التضحية الغالية، التي ضحاها صاحب الترجمة في سبيل ~~خدمة الوطن المفدى فقدرها قدرها، وظل عاملا مع حضرات زملائه أعضاء الوفد المصري تحت ~~إشراف صاحب الدولة الرئيس الجليل سعد زغلول باشا بكل أمانة وإخلاص. # دخوله وزيرا في الوزارة السعدية # وعندما تشكلت الوزارة السعدية في 28 يناير سنة 1924م برياسة حضرة صاحب الدولة الرئيس ~~الجليل سعد باشا زغلول، اختار حضرة صاحب الترجمة لأن يكون وزيرا لوزارة الزراعة؛ لما ~~له من الخبرة الواسعة في هذه ms146 الشؤون، فأبدى من ضروب الإصلاحات الشيء الكثير، ولم يمض ~~عليه زمن طويل في هذه الوزارة حتى اختير لأن يكون وزيرا للداخلية، وهي كما لا يخفى ~~أكبر وزارات الحكومة مسئولية وعملا، فأحسن إدارتها. # وعندما استقالت الوزارة السعدية في 24 نوفمبر من العام المذكور ظل صاحب الترجمة ~~محتفظا بمركزه في هيئة الوفد المصري، يعمل إلى ما فيه صالح الوطن وفائدة مواطنيه ~~الكرام إلى أن أعيدت الانتخابات البرلمانية للمرة الثانية، فرشح نفسه لأن يكون عضوا ~~برلمانيا عن دائرة فوه غربية. # صفاته وأخلاقه # ولا يفوتنا أن نصف لك في بضع كلمات هيئة صاحب الترجمة وأخلاقه ومبادئه، إذ كانت ~~الطبيعة تنم في الإنسان عن روحه، وتخرج للناس منها صورة دقيقة الحجم. # فلو أنت طالعت المترجم له لألفيت رجلا خفيف اللحم ربعة القوام أسمر اللون بشوشا قد ~~وخط الشيب مفرقيه وشاربيه، ولوجدت إزاءك رجلا نشيطا حلو الحديث طيب المحاضرة، ثم إذا ~~أنت خالطته ومازحته وآنست إليه رأيت منه أخلاقا سامية وصفات حرية بإعجابك، خليقة ~~بمديحك واستحسانك، وجملة هذه الأخلاق ثقته بنفسه، والثقة بالنفس من أخلاق العبقريين؛ ~~لأن الرجل العبقري كوكب في نفسه لا يستمد من نور غيره، ويأتي بعد ذلك ميله إلى الجد ~~وبعده عن اللهو، فهو رجل عمل لا يجد اللذة إلا في قضاء عمله بهمة عالية. # والمترجم له من أشد الناس حرصا على الفروض الدينية، وأدائها في حينها لا تفوته فريضة ~~ولا يشغله عن صلاته شاغل. # والمبدأ الذي يسير عليه في جميع أعماله هو تحقيق مطالبه في ظل السكون بعيدا عن لغط ~~اللاغطين بنجوة من هذا الاضطراب العصبي الذي تحدثه السياسة في أبعد الناس عنها، والذي ~~يفسد على قادة الأمة أمرهم هذا، وإنه قد انتخب لأن يكون عضوا بمجلس الشيوخ المصري؛ ~~لتنتفع الأمة بآرائه الصائبة ومواهبه العالية. # الرتب والنياشين الحائز عليها # ومعاليه حائز لنيشان الفلاحة من الدرجة الأولى سنة 1914، ورتبة الباشوية من صاحب ~~السمو عباس حلمي باشا الخديوي السابق، وباشوية الوزارة. # صفاته وأخلاقه # جليل الشيم عالي الهمم بشوش الطلعة دمث الأخلاق ظريف الحديث راجح ms147 العقل ذكي الفؤاد، ~~كفء لكل شأن من الشؤون، ثابت العقيدة قوي في مبدئه وهو مبدأ الوفد. # حفظه الله وأبقاه وأكثر من الأبطال أمثاله. # | ترجمة صاحب المعالي الوزير الجليل الأستاذ مرقص حنا باشا # حضرة صاحب المعالي الوزير الجليل الأستاذ مرقص حنا باشا وزير الأشغال ~~العمومية والمحامي الشهير بمصر. # مقدمة المؤرخ # نابغة من آحاد النوابغ الذين تذكرهم مصر في أجمل صفحة من تاريخ نهضتها السياسية ~~والعلمية الحديثة، ومتشرع من كبار المتشرعين الذين عرفوا بسعة الفضل وصائب الرأي وقوة ~~الذاكرة، وبعد النظر، بل وطني من صميم الوطنيين المخلصين لبلادهم، والعاملين بما أوتوا ~~من رجحان العقل، وطلاقة اللسان لما فيه ترقية أمتهم وإصلاح شؤونها، وهو أحد الذين لاقوا ~~العذاب وسجنوا واضطهدوا في سبيل الدفاع عن حقوق الوطن المقدس، وكاد يذهب ضحية الظلم لو ~~لم ترمقه العناية الصمدانية، فأنقذته من مخالب الموت ليتمم جهاده المعروف حتى تتحقق ~~أمانيه. # مولده ونشأته # ولد في مدينة القاهرة يوم 4 سبتمبر عام 1872م من أبوين تقيين، عرفا بحسن الصفات ~~والتقوى فعنيا بتربيته وتهذيبه أشد عناية، ثم توفي والده القمص يوحنا وكيل شريعة ~~الأقباط بطنطا سابقا، وهو لم يتجاوز السادسة من عمره، فأدخلته والدته وجده المرحوم ~~جبران أفندي واصف (الذي كان باشكاتبا في مصلحة السكة الحديد الأميرية، ثم نقل إلى ~~المعية السنية، ثم مفتشا بوزارة المالية) مدرسة الأقباط الكبرى، وكانت وقتئذ في سمو ~~مجدها، فلم يلبث أن فاز بنصيب وافر من العلوم والمعارف، ثم انتقل إلى المدرسة ~~التوفيقية؛ ليدرس بها العلوم الثانوية فنال في حداثة سنه مكانة سامية بين إخوانه ~~وأساتذته؛ لذكائه الوقاد واجتهاده الفطري، وما زال مواليا الدرس والمطالعة حتى أنهى ~~دروسه ونال الشهادة الثانوية، وتخرج شابا تلوح على سيمائه مخائل النجابة والنبوغ، ~~فأرسلته والدته إلى أوربا؛ ليتمم بها علومه فدخل كلية مونبلييه بفرنسا أولا، ثم كلية ~~فرنسا ثانيا، وما هي إلا سنوات قليلة حتى حاز شهادة الليسانس في علم الحقوق، وشهادة ~~العلوم الدالة على تفوقه في العلوم والمعارف تفوقا جعل له أكبر منزلة بين مواطنيه ~~والعارفين بفضله وعلمه ms148 من الأجانب، سيما وأن الحائزين على هذه الشهادة من المصريين ~~قليلون. # ولما أن عاد إلى الوطن في أواخر سنة 1892 بدأت حياته تدخل في ميدان جهاد واجتهاد بهمة ~~تناطح السحاب، برز بها إلى مضمار العمل ونفسه تتقد بالغيرة على صالح وطنه، وبالنشاط في ~~إظهار نبوغه فعينته وزارة الحقانية في أواسط سنة 1893م مساعدا للنيابة في محكمة أسيوط، ~~فأظهر من التضلع في القوانين ومن النزاهة في العمل ما استدعى ترقيته إلى وظيفة وكيل ~~للنيابة، لكنه لم يلبث طويلا في خدمة الحكومة، حتى تاقت نفسه لأن يكون حرا في عمله، ~~فاستقال سنة 1898م واشتغل في مهنة المحاماة، فأفسحت له خبرته في المحاماة وتبحره في ~~علوم التشريع أسمى مكان رفيع في الصف الأول من كبار المحامين المعدودين في وادي النيل، ~~بفصاحة الإلقاء وسعة الإطلاع وصدق الفراسة والبراعة في الدفاع مع التفاني في خدمة ~~البلاد. # والذي يؤثر عن المترجم ويدل على نبوغه وفضله أن ألف عقب تعيينه في خدمة الحكومة ~~كتابا في نظام الحكومة المصرية، كان أول كتاب وضع من نوعه باللغة العربية، فجعلته ~~مدرسة الحقوق الملكية بين كتب التدريس، ثم كتابا آخر عام 1899 عن التحقيق الجنائي ~~باللغة الفرنسية، أثبت فيه تضلعه في تلك اللغة كتضلعه في التشريع، وأردف هذا وذاك بعدة ~~خطب ورسائل علمية وتشريعية، تعد كسلسلة كبيرة من المآثر الجليلة والأعمال ~~الخالدة. # ومن الجمعيات العلمية الكبرى التي انتخب عضوا بها لجنة مقارنة الشرائع في باريس، ~~ومجلس إدارة الجامعة المصرية، ولجنة التشريع السياسي، وغيرها من اللجان العلمية التي ~~ترى منه العامل المجد، والعالم الفاضل، والعضد النافع في معظم أعمالها وفي إنماء ~~مواردها. # ولم يكتف صاحب الترجمة بما يؤديه لأمته من الخدم الجليلة، بل جاهد جهاد الأبطال في ~~إصلاح شؤون طائفته، ولا يخفى ما وراء ذلك من المشاق والجهد وشق النفس؛ لأن الطريق محفوف ~~بالمخاطر، وسبيل الإصلاح صعب المسلك على من طرقه بهمة كبيرة، ونفس مجردة عن المآرب ~~والغايات، ولكن ذلك كله لم يثنه عن عزمه، بل أظهر حزما كبيرا في إعادة تشكيل ms149 المجلس ~~الملي العام سنة 1905، وانتخب عضوا به فخدمه أجل خدمة، وله فيه أعمال مشكورة يذكرها كل ~~من يعلم الأدوار الصعبة التي تقلب عليها المجلس في ذلك العهد، وأقلها تصميم صاحب ~~الترجمة على تنفيذ لائحة المجلس، كما هي قياما بواجب الخدمة لأمته وعملا بنواميس ~~التقدم والإسراع في درء الخلل، وقلب الانحطاط وما فتئ المترجم يجاهد، ويناضل في هذا ~~السبيل كما أنه ما فتئ منذ نشأته كثير الاهتمام بأحوال بلاده، وإصلاح أحوالها ~~الاجتماعية، فوجه التفاته إلى حث الأمة لتهذيب ربات ~~البيوت، وتعليمهن تعليما راقيا يؤهلهن لأن يكن أمهات صالحات وزوجات وفيات يقمن ~~بواجباتهن، كما كان صوته أول صوت سمعته الأمة يتردد في كل مكان لمطالبتها بإنشاء كلية ~~كبرى للبنات، تسد هذا النقص العظيم في التربية والأخلاق. # وناهيك بذلك الخطاب البليغ الذي ألقاه في هذا الصدد بنادي رعمسيس أوائل عام 1908م، ~~حيث أبان فيه ضرورة تربية المرأة تربية عالية تؤهل الأمة إلى الرقي والتمدين، وحث ~~الجميع على التبرع لإنشاء الكلية، وفعلا جمعت عقب ذلك التبرعات من الأهالي، ثم أخذت ~~الفكرة تنمو شيئا فشيئا، حتى اختمرت ودفعت الأمة إلى إنجاز المشروع الذي أصبح على وشك ~~التمام. وهو فوق ما تقدم من صفات الإقدام وانتهاز الفرص ميال بطبيعته إلى إزالة الفوارق ~~بين عناصر الأمة، التي يخدمها بولاء وإخلاص؛ لتكون عاطفة الإخاء بينها شديدة تدفعها، ~~وهي متحدة متماسكة إلى الرقي والتمدين، ولا يجد دليلا على ذلك أكثر من خطبه وآرائه ~~العامة. # وفي سبتمبر عام 1912م كوفئ على اجتهاده وجهاده بالرتبة الثانية، بناء على طلب دولة ~~الأمير أحمد فؤاد باشا رئيس إدارة الجامعة المصرية (جلالة الملك فؤاد الأول ملك مصر)، ~~فجاء هذا الإنعام شهادة صريحة على فضل المترجم ونبوغه، وعلى تقدير الأمة وحكومتها لما ~~يؤديه لها من الخدم وجلائل الأعمال. # وفي عام 1914م انتخب وكيلا لنقابة المحامين، ثم نقيبا لها بإجماع الآراء، وجدد ~~انتخابه نقيبا أربع سنوات متواليات مما لم يحدث في بلد من بلاد العالم، ولم يسبق له ~~مثيل. # وكان عضوا عاملا في مجلس إدارة الجامعة ms150 المصرية، وأستاذا بها ومديرا لها استمر ~~يعمل على ما فيه ترقيتها، ومصلحة العلم حتى سنة 1921م، إذ قدم استقالته منها، عندما رأى ~~أن روح الحزبية بدأت تدب في مجلس إدارتها، وقد منحه مجلس إدارتها لقب أستاذ شرف وهو لقب ~~دائم. # وهو عضو عامل في جمعية التوفيق ورئيس لجنة إدارة مدارسها يعمل على ما فيه ترقية ~~مدارسها، والسير بها إلى طريق التقدم ومنفعة العلم. # وقد عرضت عليه الوزارة مرارا، ولكن أبت وطنيته أن يقبلها؛ لأن مصلحة البلاد تقضي ~~برفضها فرفضها. # جهاده في سبيل الوطن # ولا يمكن لمصري أن ينكر فضل جهاد حضرة صاحب الترجمة ومواقفه المشهورة، وكيف تحمل ~~النكبات والشدائد والسجن أشهرا عديدة في سبيل دفاعه الشريف عن حقوق البلاد، وقد وصف ~~حضرته كل ما حاق به وبإخوانه في خطبته الرنانة، التي ألقاها بدائرة محرم بك بالإسكندرية ~~عقب الإفراج عنه إذ قال: # في صباح يوم 23 ديسمبر سنة 1921 اصطف عدد عظيم من الجنود الإنجليزية، ومن ~~حولهم الأوتوموبيلات المسلحة والغير مسلحة، واقتحموا بيت الأمة دار صاحب الدولة ~~سعد زغلول باشا وكيل الأمة المصرية؛ ليقبضوا على دولته؛ وليبعثوا به إلى المنفى ~~الذي عين له، ذلك المنفى الذي أرادت الوزارة الثروتية أن تقذف إليه به هو ~~وإخوانه، وفي الوقت نفسه قبضوا على باقي أعضاء الوفد بالطريقة عينها، وقد كان ~~صدور الأمر بالقبض في مساء ذلك اليوم. أمر سعد باشا بأن يمتنع عن الدفاع عن ~~الأمة المصرية، وكلكم تعلمون جوابه التاريخي بأنه سيقوم بأداء الدفاع عن الأمة ~~وأن للقوة أن تفعل به ما تشاء. # وفي فجر يوم 24 يوليو سنة 1922 في الساعة السادسة صباحا أحاط العساكر ~~الإنجليز، وكانوا نحو ثلاثين بكل منزل من منازل أعضاء الوفد السبعة ومن حولهم ~~الأتومبيلات، بل حصل أمر بإبدال الأتوموبيلات لأعضاء الوفد بالأتوموبيلات ~~المسلحة، وكان ذلك أمام منزل حمد باشا الباسل، فجاءوا به في أتوموبيل مسلحة ~~معدة لحمل العساكر، ولم يحمل في أوتوموبيل ضباط كما حمل الأعضاء الآخرون، ~~وسيقوا إلى المحاكمة وكان كل دفاعهم محصورا في كلمة واحدة ms151 هي أن قالوا ~~للإنجليز: «لكم أن تحكموا علينا وليس لكم أن تحاكمونا. # هذه الكلمة كلمة الوفد المصري أمام المحكمة العسكرية قالوا فيها: إنك غير مختصة ~~بمحاكمتنا، فإن كان هناك إجرام فموقفنا لا يكون أمام المحاكم الإنجليزية، بل أمام ~~المحاكم المصرية، فإذا حكمتم علينا فليس لنا إلا أن نقبل حكم القوة باسمين. # فكان جزاء الأعضاء السبعة أن حكم عليهم بالإعدام على تهمة لا أساس لها ولا صحة. قال ~~حفظه الله: أقرر ذلك بصفتي عضوا في الوفد المصري وبصفتي نقيبا للمحامين، وبصفتي ~~شاهدا على أعمال الوفد. # ولما جاءوا لأعضاء الوفد المصري بمنطوق الحكم ليتلى عليهم في ثكنة قصر النيل، وإذا هو ~~قاض بالإعدام صاحوا جميعا «فلتحيا مصر». # إلا أن اللورد اللنبي أنزل العقوبة من الإعدام إلى الأشغال الشاقة سبع سنوات، علاوة ~~على خمسة آلاف جنيه مصري غرامة على كل واحد منهم. # وقد قادونا إلى سجن قره ميدان، وهو السجن الذي يسجن فيه القتلة والمجرمون واللصوص، ~~ووضعونا فيه ونفذوا علينا نظام السجون. شعر اللورد اللنبي نفسه بأن هذا النظام ظلم ~~وقاس، وأنه يجب أن يستبدل السجن بمكان آخر، إلا أن الوزارة الثروتية عارضت في ذلك ~~الأمر. # قال: ولبثنا مدة في هذا السجن ولم نحزن في الواقع أثناء إقامتنا فيه، إلا لحادث واحد ~~أثر في أفئدتنا كل التأثير وهو نقل الرئيس الجليل سعد باشا من سيشل إلى جبل طارق ~~منفردا. # هذا وقد ظللنا في السجن إلى أن سقطت الوزارة الثروتية. # فكر أولوا الأمر حينئذ في الإفراج عن المعتقلين والمنفيين، وجاءنا هذا الخبر في ~~ألماظة فخشينا أن يكون هذا الإفراج بثمن، وأن تدفع مصر هذا الثمن فأوصينا مخبرنا بأننا ~~لا نقبل مطلقا أن يكون بطريقة المساومة، ولا نقبل مساومة ما في حريتنا فأبلغ هذا القول ~~للوزارة «أي: وزارة يحيي إبراهيم باشا»، وفي النهاية عرض علينا أن نحصل على هذا الإفراج ~~في مقابل مبلغ من المال، وأخيرا انتهى الأمر بأن علمت أم المصريين السيدة الفضلى صفية ~~هانم زغلول «حرم الرئيس الجليل سعد باشا زغلول» أن الإفراج ms152 موقوف على مبلغ من المال، ~~فلم يرضها أن نلبث دقيقة واحدة في السجن إن كان الأمر موقوفا على دفع المال، فأمرت بأن ~~يدفع هذا المال فورا من جيبها الخاص حتى يفرج عن نواب الأمة أعضاء الوفد المصري، ولكن ~~أعضاء الوفد المسجونين أبوا عليها هذا الدفع، حينئذ تقدم الكثيرون منكم، وصمموا على ~~الدفع وتم فعلا وتم في أثره الإفراج عنا، وقد قال صاحب الترجمة أيضا: # ذلك أيها السادة هو تاريخ وجيز عن إقامتنا في ألماظة، أو إن شئتم تاريخ وجيز ~~لإثم صغير من آثام ثروت باشا، وإذا أردنا أن نسرد الحوادث الثروتية لطال بنا ~~المقام. # وقد أنحى حضرة الخطيب على مساوئ الوزارة الثروتية، التي كان يرأسها عبد الخالق ثروت ~~باشا الذي كان عونا للإنجليز على مشاكسة الأمة المصرية عامة، ورئيس الوفد المصري ~~وأعضائه خاصة. # وليست هذه بأول أو ثاني مرة اعتقل فيها حضرة صاحب الترجمة، أو كان له شأن في الدفاع ~~عن بلاده، فقد كان منذ صغره شغوفا بتحرير بلاده من سلطة الأجنبي، والسير بها إلى ~~مصاف الأمم المستقلة، فكان من المؤيدين للجناب العالي الخديوي سنة 1892، عند ~~تعيين وزارة فخري باشا رغم إرادة إنجلترا، فقبض عليه وأبقي في القسم ليلة حتى صدر الأمر ~~بإخلاء سبيله. # وكان من أكبر أنصار المرحوم مصطفى باشا كامل يعمل معه حتى توفي إلى رحمة الله، واحتج ~~من أوربا على محاكمة دنشواي بكتاب شهير في الجرائد. # وقد عين وكيلا للجنة الوفد المركزية على أثر اعتقال صاحبي السعادة محمود سليمان باشا ~~رئيسها، وإبراهيم سعيد باشا وكيلها، وهو الذي وقع بهذه الصفة على منشور مقاطعة لجنة ~~ملنر الإنجليزية. # وعين عضوا في الوفد المصري على أثر نفي دولة الرئيس وصحبه، واعتقل في يناير سنة 1922 ~~على أثر إمضائه مع أعضاء الوفد بيان الوفد المصري في دعوة الأمة لمقاطعة الإنجليز وعدم ~~معاونتهم. # ولا يفوتنا أن نذكر هنا أن السيدة المحترمة قرينته كانت عونا عظيما له في حياته ~~وجهاده، وقد اشتهرت بشجاعتها وإقدامها، حتى لقد قالت للضباط الإنجليز، الذين حضروا ~~للقبض على ms153 زوجها: «لقد امتلأت سجونكم بالرجال، فعليكم أن تعدوا سجونا أخرى ~~للسيدات.» # ترشيحه نائبا بالبرلمان المصري # ويرى مما تقدم من جهود حضرة صاحب الترجمة، وثبات جنانه وتحمله صنوف العذاب بصدر ~~رحب، وإخلاص متناه أنه أهل لأن يكون نائبا للبرلمان المصري لكفاءته النادرة، وعلمه ~~الواسع ووطنيته الخالصة المتقدة، وفعلا قد أجمع الناخبون لقسم الأزبكية على انتخابه ~~نائبا عنهم بالبرلمان المصري، وقد ظهرت نتيجة التزكية بالفعل يوم 17 نوفمبر سنة 1923 ~~الساعة الخامسة مساء، وكان انتخابه بالإجماع فأصبح بحكم قانون الانتخاب نائبا ~~بالبرلمان عن دائرة الأزبكية، وحضرته والحق أولى أن يقال جدير بهذه الثقة، وسيحقق أماني ~~دائرته بفضل ما أوتي من حكمة وسداد في الرأي وعلم صحيح ورجحان عقل. # تعيينه وزيرا لوزارة الأشغال العمومية # وما كادت الوزارة السعدية تعتلي منصة الحكم حتى اختير صاحب الترجمة وزيرا للأشغال ~~العمومية ومنح رتبة الباشوية، ولم يقع هذا الاختيار موقع الدهشة من الأمة التي تعرف ~~مكانة هذا البطل والوطني الصميم، الذي ما كاد يتربع في منصبه الجديد ويستلم زمامه بقبضة ~~من حديد، حتى برهن في وقت وجيز على أن في السويداء رجالا، وفي الكنانة أبطالا، فأصدر ~~التعليمات الدقيقة لرجاله بوجوب اليقظة في أعمالهم، وأبطل تعيين الموظفين من طريق ~~المحسوبية مهددا بصارم العقاب لمن يخالف هذه الأوامر، وفي عهده طهر الوزارة من كبار ~~الموظفين الأجانب، واستعاض عنهم بالوطنيين الأكفاء، وأمر برفع اللوحات المكتوبة باللغة ~~الإنجليزية على أبواب أقلام الوزارة، ووضع مكانها لوحات باللغة العربية وهي لغة الدولة ~~الرسمية، وفي عهده أصدر الأوامر بالمحافظة على آثار توت عنخ أمون الثمينة التي وجدت ~~بالأقصر، ولما اتصل بمسمعه تعنت المستر كارتر شريك المرحوم اللورد كارنارفون، الذي كان ~~مباشرا رفع هذه الآثار والمحافظة عليها، وعدم سماحه لكثيرين من المصريين بدخول تلك ~~المقبرة، والتفرج على ما بها من الآثار وتفضيله الإنجليز عنهم؛ أسرع فأصدر أمرا بالكف ~~عن العمل وتسليم مفاتيح المقبرة لجناب مدير مصلحة الآثار المصرية، الذي أوفده معاليه ~~خصيصى لهذه الغاية، فاستحق على هذا العمل ثناء عموم الأمة على بكرة أبيها، وأمطرته ms154 ~~الصحف على اختلاف أنواعها بالمدح والثناء، ولا ننسى لمعاليه سياحاته المتوالية في عواصم ~~مديريات القطر؛ لتعهد شؤون الري، وكذلك لا تنسى خطبه الرنانة في كل مركز أو مديرية حل ~~بها، كما لا يمكنا أن ننسى لمعاليه أجوبته السديدة، وآراءه الصائبة في كل سؤال يوجه ~~إليه من أعضاء مجلسي النواب، فقد دل حقيقة على مقدرة عالية وكفاءة نادرة، ومواهب سامية ~~قل أن تتوفر في عظيم من عظماء الغرب، وأظهر من التفاني في حب بلاده ما يصح أن يسجله ~~التاريخ بقلم الفخر والإعجاب. # صفاته وأخلاقه # ومعالي صاحب الترجمة مشهور باللطف وبشاشة الوجه والدعة ودماثة الأخلاق. # | ترجمة حضرة صاحب المعالي الشهم الجليل محمود فخري باشا # كلمة للمؤرخ # لا يوجد شخص من سكان العاصمة يجهل حضرة صاحب المعالي محمود فخري باشا بالذات، فقد كان ~~محافظا للقاهرة وكان كثير التجوال في أنحاء العاصمة، لا يفوته تفقد أحوالها وزيارة ~~محالها وحضور حفلاتها، ولا نغالي إذا قلنا: إن جميع سكان مصر يعرفونه لما شملهم به من ~~الخدمات الخالدة، والمساعي المشكورة في ذاك الحين لا سيما طبقات العمال ونقاباتهم، التي ~~أيدها معاليه بعطفه وشملها برعايته، وسوى أمورها بحكمته، فحفظ الموازنة بين أصحاب ~~المتاجر والأغنياء وعمالهم المتوسطي الحال الفقراء ومنع الحيف والظلم جهد المستطاع أن ~~يقعا، فحفظ له هؤلاء العمال جميله وفضله، وتغنوا بمديحه وشكره، وجعلوا يشيرون إليه ~~بأطراف البنان: # حضرة صاحب المعالي الجليل محمود فخري باشا وزير مصر المفوض لدى عاصمة ~~الفرنسيس. # مولده ونشأته # هو نجل المغفور له حسين فخري باشا وزير مصر المشهور بالاستقامة، وشرف النفس وعلو ~~الهمة فرباه التربية المنزلية على أحسن تقويم، ومن ثم أدخله مدرسة الآباء اليسوعيين في ~~مصر، وظل مكبا على تلقي علومها بشغف عظيم حتى حصل منها على شهادة البكالوريا عام ~~1903، والتحق بعد ذلك بمدرسة الحقوق الملكية وهناك ~~تجلت مواهبه السامية بما كان يبديه من الذكاء الفطري حتى ظفر بشهادة ليسانس عام 1907م ~~بتفوق عظيم، ولم يلبث طويلا بعد نواله لهذه الشهادة حتى عين وكيلا بالنيابة العمومية، ~~وأخذ يتدرج في الوظائف القضائية ms155 حتى عام 1910، إذ تعين سكرتيرا خاصا لرئاسة الجمعية ~~العمومية، ومجلس شورى القوانين فوكيلا للنيابة في محكمة مصر المختلطة. # فمفتشا في وزارة الداخلية فوكيلا لمحافظة الإسكندرية عام 1914م، والإسكندريون ~~يذكرون له همته الصادقة، وخدماته الجليلة النافعة في أوائل الحرب الأوربية العصيبة. # وفي سنة 1915 عينه ساكن الجنان المغفور له السلطان حسين كامل الأول أمينا أولا ~~لعظمته، وفي سنة 1919 قلدته الحكومة المصرية وظيفة محافظ العاصمة، وإن المقام ليضيق هنا ~~عن أن يستوعب طرفا من تعداد مناقب هذا الشهم الجليل المقدام. # وقد عني معاليه عندما كان محافظا للعاصمة بوضع ~~مجموعة صور فوتوغرافية لأسلافه محافظي مصر، من عهد المغفور له محمد علي باشا إلى وقته، ~~فكان عددهم 95 محافظا، ورأى أن يضع ترجمة حياة المغفور له قاسم رسمي باشا أحد محافظي ~~مصر السابقين، وصاحب الوقف الخيري الشهير في وسط المجموعة ذكرى خالدة لمقامه الجليل، ~~وقدم هذه المجموعة هدية إلى ديوان المحافظة لتحفظ دائما في مكتب المحافظ. # وقد حياه جلالة المليك المعظم بعطفه وشمله بعين عنايته، فعينه وزيرا لوزارة الخارجية ~~في 9 ديسمبر سنة 1922 في عهد وزارة عبد الخالق ثروت باشا، ثم وزيرا للمالية ولا يمكن ~~لمصري أن ينسى سعيه المتواصل لمصلحة البلاد، خصوصا حل أزمة القطن، وتفريج الضائقة ~~المالية التي استحكمت حلقاتها في ذاك الوقت بسبب تدهور أسعاره، وبفضل ما بذله من ~~المساعي المشكورة تداخلت الحكومة تداخلا فعليا لحفظ كيان أسعاره في الأسواق، فكانت ~~النتيجة مرضية لا غبن فيها ولا حيف. # الأثر التذكاري الذي وضعه سفير مصر على ضريح الجندي المجهول في ~~باريس. # ولما كان معاليه ممن اشتهروا برجاحة الفكر وقوة العارضة وحسن الإدارة، وعلى علم تام ~~بالشؤون السياسية، فقد اختاره جلالة مولانا المعظم حفظه الله وأبقاه لتمثيل مصر في ~~حكومة الفرنسيس، فعينه وزيرا مفوضا بها فجاء هذا الاختيار في محله، حيث صادف أهله ~~وقوبل لدى الشعب المصري بالسرور والبشر؛ لما لمعاليه من المكانة السامية، والحب الأكيد ~~في قلوب الجميع منذ كان محافظا للقاهرة. # وفي أول مارس سنة 1924م احتشد جمهور غفير ms156 عند قوس النصر في باريس حوالي الساعة ~~الثالثة بعد الظهر، ووصل معالي صاحب الترجمة، حيث مكان قبر الجندي المجهول يحف به ~~الجنرال غورو والكردينال دبوا، وكان المدفن مزدانا بالأزهار تتخللها أوراق الغار، التي ~~أوحت إلى النحات فالير الأثر التذكاري، الذي أتم صنعه وأحاطه بستار أخضر ونصبه تحت قوس ~~النصر. # وعندئذ ألقى معالي فخري باشا خطبة نفيسة، رد عليها الجنرال غورو بكلمات مناسبة ~~للمقام، ثم انصرف الحاضرون وهم يتحدثون بجلال ذلك الاحتفال وشمائل هذا الشهم ~~الجليل. # ومعالي صاحب الترجمة حائز لشرف مصاهرة حضرة ~~جلالة مولانا الملك فؤاد الأول، فهو متزوج صاحبة السمو الملكي الأميرة الجليلة فوقية ~~هانم كريمة جلالته، وقد رزقه الله منها بمولود سعيد أقر الله به عين والديه الكريمين، ~~وجعل له حظ والده من خدمة البلاد. # صفاته وأخلاقه # لا نكران في أن معالي صاحب الترجمة من أرقى طبقات الأمة علما وأدبا وكمالا ~~وتهذيبا، وأشرف العائلات حسبا ونسبا ومن أجلهم فضلا وظرفا، كريم الشيم عالي الهمم ~~بهي الطلعة لين الجانب دمث الأخلاق أدامه الله، وحضرات أفراد عائلته الكريمة، متمتعين ~~بدوام السعادة والهناء في ظل جلالة المليك المعظم. # سفير مصر في باريس يلقي خطبته عند ضريح الجندي المجهول أمام الجنرال ~~غورو في جمع من أفاضل المصريين والفرنسيين. # | ترجمة ساكن الجنان المغفور له حسين فخري باشا # مولده ونشأته # كان مولد حسين فخري بقصر والده المعروف باسمه إلى الآن بخط المغربلين من أحياء ~~القاهرة في 25 سبتمبر سنة 1843، وما وصل العشرين من عمره حتى ظفر بأعلى الشهادات ~~الدراسية من المدارس المصرية الأميرية، فصدر الأمر العالي، أي: الإرادة السنية، في 30 ~~برمودة سنة 1579ق/7 مايو سنة 1863ميلادية بتعيينه معاونا بمحافظة القاهرة، وكان تاريخ ~~الإرادة السنية 19 صفر سنة 1279، فبقي حسين فخري في هذه الوظيفة سنة واحدة ونصف سنة، ثم ~~صدر الأمر في 3 هاتور سنة 1581 / 12 نوفمبر سنة 1864 بنقله معاونا بنظارة الخارجية، ~~ولبث هناك مدة تناهز العامين إذ في ذاك العهد اشتركت الحكومة المصرية في معرض أوربي ~~للمرة الأولى، فأرسلته في أول ms157 يناير سنة 1867 مندوبا عنها في الوفد المصري، الذي بعثت ~~به ليمثلها في «الإكسبوزسيون»، كما كانوا يقولون؛ لأن لفظة معرض لم توضع للدلالة على ~~ذلك المسمى الحديث إلا بعد أن انتعشت اللغة العربية في أخريات أبي الفداء ~~إسماعيل. # ساكن الجنان المغفور له حسين فخري باشا وزير مصر الشهير. # ولما كان حسين فخري أفندي يميل بطبيعته إلى التبسط في العلم، ورأى في ~~عاصمة الفرنسيين مناهل عذبة للطالبين وموارد سائغة للشاربين، فقد سعى وسعى والده حتى ~~أبقته الحكومة المصرية في فرنسا، بعد انتهاء الوفادة فاندمج في سلك الإرسالية المصرية، ~~وأقبل على تلقي الدروس في علوم الإدارة والقانون إلى سنة 1870م، حين ارتفع زئير المدافع ~~فأخرس الأساتذة وكشرت الحرب عن أنيابها، فانزوت التلامذة ونادى المنادى متمثلا بقول ~~الشاعر العربي: # السيف أصدق أنباء من الكتب # في حده الحد بين الجد واللعب # ولما كان صاحب الترجمة من الألي يميلون بفطرتهم إلى السكينة والسلام، فقد أودع دفاتره ~~أدراجه وودع أترابه وعاد أدراجه ولم يعاود فرنسا وديارها إلا بعد أن وضعت الحرب ~~أوزارها، وتقرر الصلح واستقر السلام وعاد الرجحان، وما زال عاكفا على البحث والدرس في ~~مدينة أليس من أعمال الإقليم المعروف عند جغرافي العرب باسم «برونيصه» تعريبا للفظه ~~الإفرنكي # Trouence # إلى أن فاز بإحراز الإجازة، التي كان ~~يفتخر بتوقيع جول سيمون عليها، وهو ذياكم الوزير الخطير والكاتب القدير والفيلسوف ~~الشهير. # وما هو إلا أن تقدم حسين فخري أفندي في 22 نوفمبر سنة 1874، بين يدي الخديوي إسماعيل ~~يحمل بيمناه تلك الشهادة وبين جنبيه تلك المعارف، حتى بهر ولي الأمر فأنعم عليه بالرتبة ~~الثالثة اعترافا بفضله ورفعا لقدره؛ لأنه تخطى به رتبتين مرة واحدة وهما الخامسة ~~والرابعة. # وقد كان لهما في ذلك الزمان شأن تتطال إليه أعناق الرجال، وصدر الأمر الخديوي أيضا ~~بتعيينه في جملة الموظفين بنظارة الحقانية. # فكانت هذه هي الخطوة الأولى الصحيحة لمن يحق لنا أن نسميه من الآن بأبي الوثبات ~~والسباق إلى الغايات، إذ لم يمض عليه سوى سبعة شهور حتى قفز قفزة ثانية، فقد ms158 استصدر ~~المرحوم شريف باشا ناظر الحقانية في ذاك العهد أمرا عاليا في 21 يونيو سنة 1875 ~~بتعيين حسين فخري بك «وكيلا للأهالي» لدى النائب العمومي بالمحاكم المختلطة، وبقي في ~~هذه الوظيفة أربع سنوات تقريبا، فلما جاء يوم 21 سبتمبر سنة 1879 دخل في الخامسة ~~والثلاثين من عمره وطفر الطفرة الكبرى، فانتظم في سلك الوزارة التي ألفها حينئذ شيخ ~~الوزراء صاحب الدولة رياض باشا. # وبهذه المناسبة وثب صاحب الترجمة من الرتبة الثالثة إلى رتبة الميرميران، متخطيا ~~رتبتين أيضا في هذه الكرة، عملا بالقاعدة العربية «العادة تثبت بمرة». # وما زال حسين فخري باشا متقلدا نظارة الحقانية، حتى تنحت الوزارة عن الأعمال في 9 ~~سبتمبر سنة 1881، ولكنه اشتغل في خلالها بتمهيد السبيل لتحويل المجالس القديمة إلى ~~المحاكم الأهلية الزاهرة بيننا الآن، ووضع مشروعات القوانين الخاصة بهذا التنظيم، تلك ~~القوانين التي ستبقى فخرا خالدا له مهما اعتورها من التعديل والتبديل؛ لأنه تشرف بوضع ~~اسمه عليها في وزارته الثانية. # ولقد كان في اعتزاله الأعمال دليل جديد على مهارته في فرع يكاد لا يخطر لنا على بال، ~~فلا شك أن الكثيرين يظنون أن حسين فخري باشا، إنما كان من رجال القانون فقد تناسى الناس ~~أنه كان أيضا من أهل البراعة في تدبير الشؤون المالية، فما كاد يستريح في عقر داره حتى ~~توسل إليه بنك مينا البصل في شهر نوفمبر سنة 1881، وكان من البيوتات المالية التجارية ~~المشهورة بالإسكندرية، فتولى رئاسة مجلس إدارته بعد أن استأذن الحكومة، ولم يأخذ منه ~~مرتبا على هذا العمل، وكل الذين اختلطوا بالفقيد يشهدون له بالدراية في استثمار المال، ~~ولكن مع الصدق والنزاهة والاستقامة. # وفي 28 أغسطس سنة 1882 انتظم حسين فخري باشا مرة ثانية في سلك الوزارة، التي ألفها ~~ذلك الرجل الغني عن التعريف، وأعني به الوزير الشريف شريف - طيب الله ثراه وجعل الجنة ~~مثواه - فصدرت القوانين التي أشرنا إليها وصدر القانون النظامي وقانون الانتخاب، وظهرت ~~المحاكم الأهلية في ثوبها القشيب ونظامها الجديد، وكان صاحب الترجمة متقلدا نظارة ~~الحقانية إلى أن قضت ms159 الظروف بسقوط الوزارة في 7 يناير سنة 1884م، ولكنه في هذه المدة من ~~الفراغ لم يشتغل بالأمور المالية، بل دعته الأحوال إلى الاهتمام بالمسائل السياسية، فقد ~~انتدبته حكومة الجناب الخديوي لحضور المؤتمر الدولي الذي انعقد في باريس سنة 1885 ~~للإقرار على حياد القتال، فقام بهذه المهمة بما أوجب رضا فرنسا عنه؛ لأنها منحته وسامها ~~العلمي عند اختتام المؤتمر. # فلما كانت سنة 1888م عاد إلى نظارة الحقانية مرة ثالثة في الوزارة، التي ألفها صاحب ~~الدولة رياض باشا، وبقي فيها إلى يوم اعتزالها في شهر مايو سنة 1891م، ولكنه دخل في تلك ~~الوزارة التي أعقبتها تحت رئاسة الوزير الكبير صاحب العطوفة مصطفى فهمي باشا، على أنه ~~استقال وحده منها في أواخر تلك السنة. # وبقي بعد ذلك بعيدا عن أعمال الحكومة إلى أن جاءت سنة 1893، وفيها كانت خطوته ~~الثالثة وهي خطوة قصيرة المدى، وذلك أنه تقلد رئاسة مجلس النظار ولكن ثلاثة أيام ~~كوامل. # إن هذه الوزارة التي كانت أقصر الوزارات عمرا جاءت كالمقدمة لأطولهن حياة، بعد فترة ~~يسيرة فيما بينهما ظهرت فيها وزارتان إحداهما برئاسة دولة رياض باشا، ولم يكن لصاحب ~~الترجمة نصيب في أحد مناصبها، وأما الثانية فهي التي ألفها في 16 أبريل سنة 1894 يافعة ~~الزمان، ونادرة الشرق في الذكاء والدهاء، وأعني به المرحوم المبرور نوبار باشا، فإنه ~~استدعى صاحب الترجمة وقلده الوزارتين في الأشغال العمومية والمعارف العمومية، فلما سقطت ~~وزارة نوبار بقي صاحب الوزارتين في منصبه تحت رئاسة صاحب العطوفة مصطفى فهمي باشا، وتلك ~~هي الوزارة التي أشرنا إليها بأنها كانت أطول الوزارات عمرا في مصر، وفي غير مصر في ~~هذا العهد الحاضر؛ لأنها استمرت ثلاثة عشر عاما بالتمام، ولكن صاحب الوزارتين تنحى عن ~~مسند المعارف العمومية في سنة 1906، وانفرد بنظارة الأشغال العمومية. # غير أنه كان في خلال هذه الوزارة تتجمع في شخصه أثناء الصيف أكثر الأعمال الرئيسية ~~الكبرى بطريق النيابة عن القائم مقام الحضرة الخديوية، وعن رئيس مجلس النظار وعن كثير ~~من زملائه أثناء تغيبهم بالإجازة، فكانت أشغال الحكومة ms160 كلها تكاد تنحصر في بعض الأحايين ~~في شخص ناظر الأشغال العمومية، ولقد بلغت ذات مرة العدد الكامل على طريقة أهل الحساب من ~~الأعراب وهو عدد السبعة. # وماذا بعد الكمال إلا الزوال # فذلك الذي كان يضع توقيعه على القوانين والأوامر العالية بأمر لحضرة الفخيمة ~~الخديوية، وبالنيابة عن رئيس مجلس النظار، وعن ناظر الداخلية وعن ناظر الخارجية، وعن ~~ناظر المالية وعن ناظر الحقانية، وبصفته ناظر الأشغال قد اعتزل الأعمال مرة واحدة في 11 ~~نوفمبر سنة 1908 مع ما بذلوه من الإلحاح عليه في الدخول كرة أخرى في الوزارة الجديدة؛ ~~لأنه أصر على الانقطاع إلى الراحة والسكينة، وهما من أخص الصفات التي امتازت بها حياته ~~في أيام العمل وفي أيام الفراغ. # ولكنه كان في الحالين عنوان المواظبة والمثابرة على الحضور في جميع الجلسات، التي ~~تعقدها الجمعيات العلمية والفنية التي انتظم فيها، فلا يكاد يخلو من اسمه محضر من محاضر ~~المجمع العلمي المصري والجمعية الجغرافية الخديوية، ولجنة العاديات المصرية، ولجنة حفظ ~~الآثار العربية، وكل أقرانه يشهدون بأنه كان على الدوام يحضر في الميعاد المضروب ~~بالتمام بلا تقديم ولا تأخير. # وقد خدمه التوفيق في أيام توفيق، وابتسم له الزمان في أيام مولانا العباس، وخصوصا في ~~وزارته الأخيرة بالأشغال العمومية، فأتمت الحكومة الخديوية بناء الدار الكبرى للمحاكم ~~الأهلية ودار الكتب الخديوية، ودارالعاديات المصرية وكبارى جزيرة الروضة وكل هذه الآثار ~~بالقاهرة، هذا فضلا عن المدارس المتعددة للبنين والبنات والورش الصناعية بالقاهرة ~~والإسكندرية وغيرها من أمهات المدائن، وناهيك بخزان أسوان وقناطر أسيوط، وقناطر زفتى ~~وتحويل الحياض بالوجه القبلي ونحو ذلك من الآثار الكبيرة النافعة، والعمائر المفيدة ~~الخالدة التي ازدهى بها عصر مولانا العباس، وله في افتتاحها تلك الحفلات المشهورة، التي ~~ألقى فيها خطبة الرئاسة المأثورة، وأخصها تلك المقولة التي ألقاها بين يدي ولي النعم في ~~حفلة افتتاح الخزان في 10 ديسمبر سنة 1920. # صفاته وأخلاقه # أما أخلاقه فحدث عنها ولا حرج، شمائل تسري مسرى النسيم، وصدر رحيب، وصدق في القول ~~وبساطة في المعيشة، وتواضع في المعاملة لذلك كان محبوبا ms161 من الجميع مرضيا عنه من ~~القريب والبعيد، وقد أشبه أباه في سجاياه اللهم إلا فيما يتعلق بالحرب وآلات الكفاح، ~~وأنجب لنا مثله نجلين موفقين هما حضرة صاحب المعالي الجليل محمود فخري باشا وزير مصر ~~المفوض لدى حكومة الفرنسيس، وصاحب العزة الأستاذ جعفر بك فخري المحامي الشهير. # سلام عليك يا ابن جعفر ويا أبا جعفر. # والموت نقاد على كفه # جواهر يختار منها الجياد # | تاريخ إجمالي وجيز لبطل الحروب والمعارك المغفور له جعفر صادق باشا # ذلك الذي شهد المعارك الكبرى وجنى يافعا ثمر الوقائع يانعا خصوصا في حرب القرم، وناهيك ~~بسيف الفخار الذي أهداه السلطان عبد الحميد سلطان تركيا لهذا البطل المغوار. # تولى هذا القائد الباسل في أيام إسماعيل حكمدارية عموم السودان، وجلس توفيق وهو متربع في ~~دست الرياسة بمجلس الأحكام «أي: محكمة النقض والإبرام»، وهو الذي أنجب حسين فخري، وأحسن ~~تربيته حتى دارت الأيام فكان الأب رئيسا لابنه في الدار ومرءوسا له في الديوان. # وذلك أن صاحب الترجمة امتاز وهو في كرسي النيابة بالمحاكم المختلطة، وقد صادفه التوفيق ~~الخديوي، فارتقى منها طفرة واحدة إلى مسند النظارة في الحقانية، وكان أبوه حينئذ رئيسا ~~لمجلس الأحكام، فكان فخري في الدار مثالا للولد البار، وفي الديوان ممثلا للرئيس المطاع. # تاريخ إجمالي وجيز لبطل الحروب والمعارك المغفور له جعفر صادق باشا حاكم ~~عام السودان سابقا. # بماذا وصل إلى هذه المكانة التي يندر مثيلها # بالعلم الذي جعله سباقا إلى الغايات، وقد عرف له ذلك الفضل فكان يرعاه في حياته ~~الرسمية وفي حياته العامة، وما زال يفتخر بخدمته إلى أن تولاه الله برحمته. # وقد قضى معظم سني حياته في دست الوزارة في مظهر يبهر الأنظار، ولكنها في الحقيقة لم ~~تتجاوز نصاب الوسط وحد الاعتدال؛ لأنها لم تزد عن السبع والستين من الأعوام إلا قليلا، ~~بخلاف أبيه الذي خاطر بالروح وبالجسم وقارع الدهر في حرب وسلم، فقد كان من المعمرين؛ ~~لأنه عاش ما ينيف على السبع والتسعين سنة. # رحمهما الله رحمة واسعة ووهب الكنانة الكثير من أمثالهما. # | ترجمة ms162 حضرة صاحب المعالي الوزير الجليل عزيز عزت باشا # سفير مصر في لندن ووزيرها المفوض # مقدمة وجيزة للمؤرخ # حضرة صاحب المعالي الوزير الجليل عزيز عزت باشا. # خصت الحكومة المصرية أفرادا من رجالها الأكفاء بتمثيلها في الخارج، وراعت في ذلك ~~اختيار هؤلاء الممثلين من عظماء الأمة، الذين اشتهروا بالعلم الغزير والفضل والنبل ~~والمكانة السامية فكان من نصيب حضرة صاحب المعالي الجليل عزيز عزت باشا صاحب هذه ~~الترجمة، أن يكون سفيرا ووزيرا مفوضا لدى حكومة بريطانيا العظمى، وقد وقع هذا ~~الاختيار أحسن وقع لدى عموم المصريين لما لمعاليه من الميزات العالية، والصفات النادرة، ~~وقد برهن عقب تقلده هذا المنصب السامي على قدرته السياسية، فكم خطب في القوم هنالك ~~مبينا لهم ما لمصر من الحقوق، وما عليه المصريون من الكرم والعطف على الأجانب، فكان ~~لخطبه هذه تأثير عظيم في المقامات الرسمية، وكانت أكثر الجرائد الإنجليزية الكبرى تعلق ~~عليها منوهة بما لهذا الخطيب من المقدرة العلمية، والكفاءة العالية في الشؤون السياسية ~~والمقامات الاجتماعية، وإنا نسطر بقلم الفخر تاريخ هذا السياسي القدير والمصري الصميم، ~~سائلين الحق تعالى أن يكثر بين عظماء الأمة من أمثال معاليه؛ لتنال مصر مركزها السامي ~~الذي يليق بها بين الممالك المتمدينة، وتحظى بأمنيتها وليس ذلك على الله والعاملين ~~المجاهدين بعسير. # مولده ونشأته # ولد معاليه في القاهرة سنة 1869 من أبوين شريفين حسبا ونسبا، فوالده هو المرحوم طيب ~~الذكر خالد الأثر عبد الله باشا عزت رئيس مجلس الأحكام العسكرية في عهد المغفور له ~~الخديوي إسماعيل بن محمود بك ، ناظر الحربية في عهد ساكن الجنان محمد علي الكبير. # تلقى معاليه علومه منذ نشأته على أساتذة أخصائيين، ودرس من اللغات الغربية والتركية ~~والفرنسية والإنجليزية، فكان مثال الذكاء والنشاط، ومن ثم التحق بكلية كمبريدج في ~~إنجلترا فأتقن فيها اللغة الإنجليزية، وبعد أن تمم دراسته فيها التحق بمدرسة ويلدج ~~الحربية، وتخرج منها وانضم إلى الجيش البريطاني ضابطا بسلاح الطوبجية، ثم تعين ياورا ~~بالمعية السنية إلى أن ترقى إلى رتبة لواء، وعين بعد ذلك وكيلا لوزارة الخارجية ~~المصرية، ms163 واستقال منها سنة 1908م، وقد نال من الأوسمة المجيدي الأول، وأنعم عليه جلالة ~~الملك فؤاد الأول بالوشاح الأكبر من نيشان النيل. # ونظرا لما هو معروف عنه من المقدرة العلمية، ورجاحة الفكر وعلو الكعب في الشؤون ~~السياسية أسند إليه جلالة الملك فؤاد الأول تمثيل مصر لدى حكومة بريطانيا العظمى، فبرح ~~القاهرة مع عائلته الكريمة في أواخر شهر ديسمبر سنة 1923، ومعالي صاحب الترجمة يعد من ~~سراة الأمة المصرية، ومن كبار أغنيائها وله دائرة كبرى ملأى بالموظفين والمستخدمين، يدل ~~ظاهرها على ما لصاحبها من الجاه العظيم والخير الجزيل، وقد زاد الله تعالى عليه فرق هذه ~~النعم نعمة الجود والكرم والفضل والإحسان، فكم رأينا من بؤساء أخنى عليهم الدهر بكلكله ~~يلتجئون إليه، فيشملهم بلطفه المعهود، وكرمه الحاتمي فينطلقون وألسنتهم لاهجة بالشكر ~~داعية له بطول العمر. # صفاته وأخلاقه # مشهور معاليه برجاحة الفكر، وصفاء الذهن، والذكاء الخارق، والكفاءة التامة، وعلو ~~الهمة مع اللطف، وكرم الأخلاق والدعة، والعطف على الفقراء ومساعدة البؤساء. # أدامه الله وأبقاه وأكثر من أمثاله لسعد مصر وخيرها. # | ترجمة حضرة صاحب المعالي الجليل سعيد باشا ذو الفقار # من عظماء المصريين ونوابغ رجالها الذين امتازوا بالعلم والفضل والأدب، وجلائل الأعمال هذا ~~الشهم الجليل وريث بيت المجد حضرة صاحب المعالي الجليل سعيد باشا ذو الفقار، نجل المغفور له ~~صاحب العطوفة ذو الفقار باشا، سر تشريفاتي خديوي سابقا في عهد ساكن الجنان الخديوي توفيق ~~باشا الأسبق، الذي نال محظوظية سموه ورضاه العالي. # مولده ونشأته # ولد معالي سعيد باشا (حرسه الله) في سنة 1863، فهو الآن في الثانية والستين من سنى ~~حياته الزاهرة، فرباه والده تربية عالية في بيت المجد والشرف، وتلقى علومه في المدارس ~~المصرية، ورحل إلى أوربا، ودخل في مدارسها وارتشف من بحور العلم أكثرها وأنفعها وحاز ~~أهم الشهادات في العلوم التي برع فيها كاللغات العربية والفرنسية والتركية والإيطالية. # حضرة صاحب المعالي الجليل سعيد ذو الفقار باشا كبير أمناء جلالة ~~الملك فؤاد الأول. # وبعد أن عاد إلى مصر دخل في قلم الترجمة بسراي عابدين العامرة، ثم انتقل ms164 إلى الديوان ~~الإفرنجي، وأخذ يتدرج في المناصب إلى أن بلغ المكانة، التي تليق بنجل والده العظيم ذو ~~الفقار باشا، واختارته عابدين العامرة زمنا طويلا في مناصبها الرفيعة، إلى أن نال ~~أسماها وأدلها على كرامة أصله وعلو همته، وواسع خبرته وكبير عمله. # وفي سنة 1892م نقل إلى ديوان التشريفات، وترقى في هذا الديوان إلى أن وصل إلى منصب سر ~~تشريفاتي، وهو أسمى مناصبها وأرفعها. # ثم عين مديرا لمديرية الدقهلية في عام 1912م، فأحسن تدبير الأمور وإدارة الشؤون على ~~محور الحكمة والنزاهة والعدل. # ثم رقي بعدئذ إلى الوزارة في عام 1913م، فكان وزيرا للمالية وظهر حبه للأمة، وحب ~~الأمة له فعين وكيلا للجمعية التشريعية. # وفي 19 ديسمبر سنة 1914م جعله ساكن الجنان المغفور له السلطان حسين كامل الأول من ~~أعوانه، وخواص حاشيته فأسند إليه منصب كبير الأمناء، وأنعم عليه بنيشان النيل الأول وهو ~~أكبر النياشين المصرية الجديدة، ولقبه بصاحب المعالي كسائر الوزراء الكرام فقام بمهام ~~منصبه خير قيام. # ولمعاليه منزلة سامية عظمى عرفتها الدول كما عرفتها الحكومة المصرية، فقد منح أسمى ~~الناشين من الحكومة المصرية، والعثمانية، والنمساوية، والألمانية، والفرنسية، ~~والإيطالية، واليونانية، والبلجيكية، والسياسية، والبرتوغالية، والإيرانية، والحبشية ~~وجميع هذه النياشين تشهد برفعة مقامه وكبير فضله وعلمه الجم، وما لمعاليه من المكانة ~~العالية في القلوب. # ولما جلس جلالة مولانا الملك المعظم أحمد فؤاد الأول على سرير جده الأكبر، وتأكد من ~~إخلاص معالي سعيد باشا ذو الفقار صاحب الترجمة للسدة العلوية الملكية، ولا سيما نحو ~~المليك المعظم (أدام الله ملكه) شمله بعين عنايته العالية، وتعطفاته السامية ، وأبقاه في ~~هذا المنصب السامي الجليل؛ كي يكون مقربا من لدن جلالته وإن هي إلا نعمة كبرى من ~~جلالته مليك البلاد قوبلت من عموم الشعب المصري بالشكر والدعاء بحفظ الذات الملكية ~~العلوية، وولي عهدها بدوام العز والرفاهية لخير البلاد وعزها. # صفاته وأخلاقه # أما شهرة معاليه فيما يختص بصفاته العالية وأخلاقه السامية لا سيما بين الشعب المصري ~~الكريم، فحدث عنهما ولا حرج: دمث الأخلاق بشوش الوجه صبوحه لين العريكة كريم ms165 الطباع ~~مقدام في كل الأمور شجاع عند الحق، وبالإجمال فهو من كبار الرجال العاملين لخير البلاد ~~ونفع العباد. حفظه المولى وأبقاه وأكثر من أمثاله العاملين. # | تاريخ حياة المغفور له المرحوم الفريق راشد حسني باشا # مقدمة موجزة للمؤرخ # لا غاية للمؤرخ النزيه الحر المجرد من الغايات الشخصية، والذي يستخدم قواه العقلية ~~والبدنية للجري وراء إثبات حقائق الأمور من صميم مصادرها وتدوينها في سجل التاريخ سوى ~~خدمة أمته، وفائدة قومه من ذكر سير أولئك العظماء الذين ضحوا بكل مرتخص وغال، وبذلوا كل ~~قواهم للاحتفاظ بشريف حياتهم في مواقفهم الجليلة، وأعمالهم المجيدة، وشهامتهم النادرة ~~مما يسطر لهم في بطون التاريخ بقلم الفخر والإكبار؛ لتدوم ذكراهم خالدة ما دامت ~~السماوات والأرض. # فمن أولئك العظماء البواسل والقواد الشجعان، الذين تفخر البلاد بشهامتهم وإقدامهم ذلك ~~البطل العظيم صاحب هذه الترجمة الذي لو عددنا ذكر مآثره الغراء، وأعماله البيضاء، ~~ومواقفه الشريفة لاحتجنا إلى مجلد ضخم، وإننا نكتفي بذكر الحقائق الواقعية متجنبين ~~الغلو في المدح - ولو أن كل صغيرة من أعماله جديرة بكل مدح وثناء - تاركين الحكم في ~~النهاية إلى القراء الكرام، الذين يقدرون حقوق المجاهدين من أبناء البلاد فنقول: # مولده ونشأته # صفحة من تاريخ مصر المجيد # رسم وتاريخ حياة المغفور المرحوم الفريق راشد حسني باشا بطل من أبطال ~~مصر. # كان المغفور له الفريق راشد حسني باشا جركسي الجنس، ولد بالقوقاز عام 1258 عربية، ~~وتوجه إلى الأستانة وعمره إذ ذاك تسع سنوات، ومكث بها سنتين ثم حضر إلى مصر عام 1269ه ~~في عهد المغفور له عباس باشا الأول والي مصر في ذاك العهد، والتحق في السنة المذكورة ~~بمدرسة المفروزة البيادة، فتفوق بالذكاء والجد والاستقامة مما دعا الحكومة إلى اختياره ~~ضمن البعثة التي أوفدتها إلى فرنسا سنة 1270ه في أوائل عهد المغفور له سعيد باشا؛ ~~للتمرن على الأعمال الحربية والتعليمات العسكرية، فأقبل عليها بشغف عظيم، وأخذ منها مدة ~~عامين بقسط وافر، وبعد أن عاد إلى مصر مع الإرسالية في عام 1272ه برتبة ملازم أول ألحق ~~في 3 جي بلك ms166 بأورطة الشيشخانة، ثم رقي إلى رتبة يوزباشي ثاني وألحق في 2 جي بلك بأورطة ~~الشيشخانة بالقلعة العامرة، وفي عام 1273ه رقي إلى رتبة يوزباشى أول، وألحق في 3 جي ~~طابور بيادة في الفرقة الشرخجية التابعة للواء شريف باشا، وفي 29 جمادى عام 1274 رقي ~~إلى رتبة صاغ قول أغاسي في 1 جي طابور 2 جي سعيدية، وفي عام 1275ه رقي إلى رتبة بمباشي ~~في 123 جي طابور، وصار يتنقل بين أورط السعيدية وأورط الشرخجية إلى أن رقي إلى رتبة ~~ميرالاي، وفي 23 ربيع الآخر سنة 1276ه تعين على 2 جي ألاي سعيدية، ومنها صار الاستغناء ~~عنه وعن جملة ضباط لإخلاء عساكر السبعة جي أورطة في سنة 1277ه، ثم صار استخدامه بتفتيش ~~أقاليم الوجه القبلي برفقة عبد الله باشا الأرناءوطي عام 1279ه، وحضر من التفتيش ~~المذكور إلى 5 جي بيادة لسفرية السودان، وفي سنة 1280ه تعين على 4 جي بيادة بالتاكة ~~بالسودان، ومنها أيضا انتقل إلى 1 جي بيادة بالخرطوم، ومنها تعين على 7 جي بيادة حجاز، ~~وبعد ذلك بمدة قليلة تعين على 9 جي بيادة التي قامت من مصر إلى السودان، ثم تعين على 7 ~~جي ألاي بيادة، ثم صار مأمورا على نزل العساكر السودانية في مديرية بربرة، ولما حضر ~~لمصر تعين 7 جي ألاي لسفرية كريت في 18 رجب سنة 1283، ثم ترقى إلى رتبة لواء في عام ~~1284ه، ثم حضر من كريت إلى مصر لواء على 7، 11، 3 جي بيادة، وفي غرة رجب عام 1284ه ~~ترقى إلى رتبة الفريق على ألايات الغاردية، وفي عام 1291 انتقل إلى 2 جي فرقة غاردية، ~~وفي سنة 1293ه تعين ياور خديوي للمغفور له إسماعيل باشا خديوي مصر في ذاك الوقت وفريق ~~الألايات الغاردية، وبعد ذلك إلى حرب الصرب والروس في العام المذكور، ولما ألغيت ~~الألايات الغاردية تعين رئيسا عسكريا عام 1296ه، ومنها تعين على فرقة الغاردية التي ~~جعلت 1 جي فرقة بهذا التاريخ. # بدء انتصاراته الباهرة ومواقفه الحربية المشرفة # لا نريد أن ندل على ms167 ما كان له رحمه الله من شجاعة وخبرة في الشؤون الحربية، وما وقفه ~~فيها من مواقف شريفة بأكثر مما أظهره من البسالة والإقدام في بلائه بجزيرة كريت مع ~~الجيش المصري، الذي أرسل بأمر المغفور له الخديوي إسماعيل باشا لمساعدة الدولة العلية ~~في إخماد تلك الثورة التي شبت ضدها في تلك البلاد، فقام بواجب الجندي الشجاع، الذي لا ~~يهاب الموت في سبيل الواجب، فاستحق الشكر والثناء، وأنعم عليه برتبة اللواء اعترافا ~~ومكافأة له على حسن بلائه. # فأول خطاب جاءه من سموه بتاريخ 18 جمادى الثاني سنة 83 باللغة التركية، وهذا تعريبه: # عزتلوا راشد بك أفندي # إن ما جاء في تقرير الوقائع العسكرية الوارد من سعادة الباشا ناظر الجهادية، ~~وما ورد في المحررات والأوراق الأخرى، وما جاء في تقرير ياورنا الأول سعادة ~~حسين رأفت باشا الشفهي عن حميتكم وغيرتكم الملية، وصدقكم في المواقع المختلفة، ~~وفي المحاربات والهجوم في أبو فردين على العصاة الأشقياء المتحصنين في جبلية ~~صعبة المسالك هو من مقتضى استقامتكم، وموجبات إعلاء شأن وشرف الصفة العسكرية ~~الجليلة، كما أنه يزيد في مزية البسالة والإقدام والشجاعة المأثورة عن العساكر ~~المصرية ضباطا وجنودا، والتي اعترف بها العالم، ويؤيد إقدامكم وغيرتكم وعظيم ~~شجاعتكم المعروفة عندي والباعثة لمزيد سروري وارتياحي، ولإعلان سرورنا الزائد ~~وارتياحنا أمرنا بإصدار هذا الأمر وتحريره، وإرساله إليكم بوجه خاص لتأييد، ~~وتأكيد ما لكم عندنا من حسن الظن وحسن النظر. # 18 جمادى الثانية سنة 83 # إسماعيل # ختم # وهذا هو النص التركي. # ومن مواقفه الحربية المجيدة أيضا مهاجمته لدير أركازي بجزيرة كريت ذلك الدير المنيع، ~~بل الحصن الحصين وما أتاه من ضروب المهارة في تسلق الجدران بحركة عجيبة، وسرعة مدهشة ~~حتى ظهر فجأة فوقه، فكان هو الأول في ركز العلم المصري على رأسه، فكان في عمله هذا خير ~~قدوة لجنوده البواسل الذين تتبعوه ، مما أدهش العدو فلم يحسب للموت حسابا ولا للحياة ~~قيمة شأن الجندي البطل، وقد رفع الفريق إسماعيل سليم باشا ناظر الجهادية المصرية في ذاك ~~الوقت، الذي كان مرافقا لهذه ms168 الحملة تقريرا لسمو الخديوي إسماعيل باشا، أتى فيه على ~~وصف هذه المعركة وما قام به صاحب الترجمة من الإقدام، وهاك نصه العربي مترجما عن التركية: # 12 رجب سنة 83 # تحركت في الصباح خمس أورط من جنودنا مع طابور ونصف من جنود الأستانة، فوصلت ~~إلى القرى الثلاث الآنف ذكرها، وبينما كانت يفرق بعضها عن بعض، وتوزع على ~~المنازل أبلغنا مصطفى نائلي باشا أن الجنود، التي سيقت لحصار الكنيسة وأحاطت ~~بها ليست بكافية لمواصلة الحصار وصد عادية الأشقياء الذين يتواردون للإمداد من ~~الروابي والأطراف، وأن من الواجب تعزيز قوة الحصار بأورطتين ومدفعين يصلان على ~~جناح السرعة، فهيأنا في الحالة أورطة من لواء البيادة السابع بقيادة وكيل ~~اللواء راشد حسني باشا، وأورطة من اللواء الثالث بقيادة الميرلاي إسماعيل كامل ~~بك، ومع كل أورطة مدفع واحد، وسارت الأورطتان فوصلتا قرب الساعة الحادية عشرة ~~إلى المكان المذكور، وتحققنا أن الحالة وفق ما وصفت، ورأينا الفريقين يتبادلان ~~إطلاق الرصاص فنصبنا المدفعين اللذين جئنا بهما، ووجهنا فوهتهما صوب باب ~~استحكامات الكنيسة، ثم أطلقنا عليها عدة قنابل وكان الظلام قد بدأ يرخي ذيوله، ~~فحال دون مواصلة الضرب وانقطع إطلاق النار من الفريقين. # وقد أرسلنا تحت جناح الظلام كلا من ~~المهندس الحربي عبد القادر فهمي أفندي وعلي أفندي أحد ياوراننا؛ لدرس حالة ~~الاستحكامات المحيطة بالكنيسة، والمحال الأوجب أن تصب عليها النيران، ووزعت ~~الجنود على النقط وقد تمت في ساعة متأخرة من الليل عملية إنشاء المتاريس، طبقا ~~لما أشار به المومأ إليهما فنقل الأرناءوط الذين جاءوا هذه الجهات من قبل إلى ~~جانب العساكر الشاهانية المعسكرة في الجناح الأيمن، الذي يفصله واد سحيق وكانت ~~الأمطار تهطل بغزارة على الجنود، الذين قضوا سحابة ليلهم في المتاريس إلى أن ~~طلع الصباح. # 13 رجب سنة 1983 يوم الأربعاء # وصل حضرة مصطفى نائلي باشا قرب المساء مع أورطة من الجنود ، وبات تلك الليلة ~~قادما إلى محل الواقعة من قرية ميس، وقد بدأ الفريقان باكرا بالقتال، فبعد أن ~~ضربت المدافع نحو ساعة القلعة الحاكمة على طول ms169 الخط والمحصنة أحسن تحصين، وهي ~~ذات منافذ مطلة على الأطراف مساعدة على ضرب جميع الجهات، تقدمت عدة بلوكات من ~~الجند الشاهاني مقتربة من القلعة. # ولما رأينا ذلك أخذ وكيل اللواء راشد بك أربعة بلوكات، كما أخذ الميرالاي ~~إسماعيل كامل بك مثلها، وسار في الحال نحو القلعة وعندما قربا منها شاهد راشد ~~بك في الجانب البحري من الدير زهاء 400 من الأرناءوط والباشبوزق، قد أعجزهم ~~رصاص القلعة فسد فراغها «الكوى الضيقة التي يطلق منها النار»، وأضرم النار ~~بالبناء المتصل بالقلعة فالتهمت كمية البارود الموجودة داخلها، وأحس الأشقياء ~~المحصورون بالضيق، فرمى ثلاثة منهم بأنفسهم من شاهق وهم يحاولون النجاة من إحدى ~~الثغرات المفتوحة من جراء ضرب المدافع، وكانت روحهم قد بلغت التراقي من الدخان ~~المتصاعد في القلعة، فتلقى القائد المشار إليه أحدهم بسيفه كما قتل الاثنين ~~الآخرين. # ورمى عدة أشخاص آخرين من الأشقياء أنفسهم إلى خارج القلعة فأعدموا، وهلك ~~غيرهم في الطابق الأسفل تحت تأثير النار وكانوا 14 شخصا. # وقد صوب لطيف أفندي ببكباشي المدفعية مدافعه على الاستحكامات، وبعد أن أطلق ~~نحو 40-50 قنبلة كسر باب الدير المشهور بمتانته العجيبة وضخامته فسقط مع توابعه ~~إلى الأرض، وأطلق مثلها على جهاته الأخرى فخرق الجانب الغربي من السور، وهنا ~~رؤي أن عناد المدفعية يوشك أن ينفذ، فعين من ياوراننا البيكباشي علي أفندي ~~لإحضار ستة صناديق من ذخيرتنا في قرية ميس، وقد أتى بها في أسرع وقت، وبذلك لم ~~ينقطع إطلاق القنابل، بل ظلت مستمرة، وكان الأشقياء يطلقون بنادقهم بتواصل، ولم ~~يجرأ أحد على الهجوم إلى أن بلغت الساعة التاسعة، فأرسلنا أحد الياوران خلوصي ~~أفندي إلى راشد بك؛ ليصدر أمره بالهجوم، فوجد أنه على أتم استعداد، وما كاد ~~يعلن من قبلنا نفير الهجوم حتى انقض راشد بك بمن معه وهو في الطليعة على باب ~~استحكام الدير، فبلغه واجتازه إلى الداخل حيث رأى سدا آخر أقيم هنالك، ~~فتجاوزه واقترب من حائط غرفة في جانب باب الاستحكام هدمتها القنابل، وكان خلفه ~~مصطفى خلوصي أفندي حامل لواء الألاي، ms170 فتناول اللواء من يده وصعد إلى أعلى ~~القلعة، حيث فتح العلم وركزه ثم أخذ الضباط والجنود الذين كانوا وراءه، فصعدوا ~~الواحد بعد الآخر وكان عددهم غير قليل. # وثارت الحماسة في صدور ضباط وعساكر الأستانة، عندما رأوا هذه الشجاعة النادرة ~~فاندفعوا بالهجوم على باب القلعة، وكان راشد بك المومأ إليه يصعد الجند، ويملأ ~~بهم الغرف في الطابق الأعلى، والأشقياء ينسحبون من نواحي القلعة الخالية من ~~الجنود، ودخل إسماعيل كامل بك مع جنوده من الثغرة التي أحدثتها المدافع، فاحتل ~~الطابق الأسفل ثم الأطراف العليا من الجهة البحرية، وكان الأشقياء في الطابق ~~السفلي متحصنين في عضادة ضخمة غاية في المتانة، يمطرون جندنا المهاجم في داخل ~~القلعة وخارجها وابلا من الرصاص، وفي غضون ذلك أوقدت النار في مستودع ذخيرة ~~الأشقياء في الشرق الشمالي من القلعة، فنسفت تلك الناحية وصعد دخان كثيف ملأ ~~المكان، وتراجع الجند الشاهاني والباشبوزوق إلى مركز الحائط المتهدم، وما إن ~~تبدد الدخان ونفخ نفير الهجوم حتى عادوا للقتال. # أما عساكرنا التي ضبطت المحال الآنف ذكرها، فبينما هي تصلي الأشقياء نارا ~~حامية أشعل الأشقياء في الجانب البحري المتوسط لغما جسيما، فارتد عسكرنا مع ~~الجند الشاهاني إلى الداخل وعلاهم دخان كثيف ظلوا في وسطه، وعندما شاهدنا ذلك ~~أرسلنا محمود سامي بك البارودي، وقد كان معنا ياور حرب على جناح السرعة، فاجتاز ~~عدوا الوادي الفاصل وصاح بالجنود والضباط يشجعهم على القتال، وينفخ فيهم روح ~~الحمية والإقدام، وعاد بالعساكر والأرناءوط والباشبوزوق إلى ميدان القتال، فتم ~~ضبط الضلعين الباقيين والاستيلاء عليهما، ولم يبق سوى الجهتين الشرقية ~~والقبلية، وكان وراء محمود سامي بك أربعة بلوكات من العساكر الموجودة بمعيتنا، ~~فأرسلها مددا إلى جندنا الذي يقاتل هنالك فانضمت إليهم في الهجوم، وفي تلك ~~الأثناء ذهب أيضا حضرة مصطفى نائلي باشا إلى جهة الجنود الشاهانية، فاقترب من ~~مرمى الرصاص في الجهة الشرقية؛ ليشرف عن كثب على الواقعة ، ودنت العساكر ~~الشاهانية في الشرف مع مدفعها ففتحت الطريق بإطلاق بعض القنابل، ودخلت الجهة ~~الشرقية التي أصبح استيلاؤنا عليها تماما، أما البقية ms171 الباقية من الأشقياء فقد ~~حصرت في الضلع القبلي الذي كان لم يضبط بعد، وعندها اندفع ثلاثون شخصا من ~~الأشقياء نحو الثغرة، التي أحدثتها المدافع في الجدار، وعلى النافذة ابتغاء ~~النجاة من المضيق، والدخان المحيط بهم فتناولهم أسياف الجنود، وحدث انفجار آخر ~~في مستودع الذخيرة، فلم يصب به سوى الأشقياء، ودامت المعركة إلى الصباح ثم جاء ~~محمود سامي بك بنبأ مؤداه أن جميع الأشقياء دفنوا تحت الأنقاض وانتهى أمرهم، ~~وبعد ذلك أطلقت النار في جميع أنحاء الكنيسة واستحكاماتها، وشدد الحصار على ~~الضلع القبلي وكان في داخله ثمانية وتسعون نسمة من أطفال وعائلات الأشقياء ~~وثمانية وأربعون راهبا مع عدد من رجال الحرب، فنادوا الأمان مسلمين وأخرجوا ~~جميعا من دون أن يلحقهم أذى، وفي تلك البرهة دخل الأرناءوط والبشبوزوق إلى ~~داخل الكنيسة واستحكاماتها، وفتشوا غرفها العديدة وفحصوها فوجدوا مقادير وافرة ~~من الأمتعة والذخائر والمهمات، فحملت هذه الغنائم وبدئ بإرسالها إلى رسمو ~~بالتتابع من دون أن يترك شيء، وهكذا ختمت هذه الحادثة على الوجه المحرر أعلاه، ~~واستبعد عسكرنا من ذلك المكان، وجيء به إلى مكاننا للمبيت فيه ودفنا شهداءنا ~~الذين ذكروا، وترك للأطباء أمر مداواة الجرحى والعناية بهم، ووضعوا في داخل كوخ ~~للرعاة لوقايتهم من المطر والبرد. # في أثناء حصار الكنيسة وصل عدد من ~~الأشقياء لإمداد رفقائهم، فأشرفوا من رابية على جميع الأعمال العسكرية، ولم ~~يجسروا على الدنو من هذه المعركة الجسيمة الهائلة، بل اكتفوا بإظهار أسفهم ~~وتألمهم من بعيد، وفروا بعد ذلك مخذولين. # في 14 رجب سنة 83 # أركب المجروحون في الصباح على بغال، وأرسلوا مع بلوكين للمحافظة عليهم إلى ~~مستشفى رسمو. # ذهب الياوران الموجودان بمعيتي إلى الدير للكشف عليه ومعاينته، ووضع مصور ~~هندسي وقد أخذ يتصمم الرصاص بسبب ما نحن فيه، وقد اتضح أن الدير واستحكاماته ~~متينة ومحكمة كل الإحكام، وأن داخله متسع وفيه غرف متعددة في الطابق السفلي ~~والعلوي وكلها ذات كوى، وفيه فرن ومطحنة وصهريج وآبار ومخازن وحظائر للماشية، ~~وهو عبارة عن قلعة عادية، وظهر أيضا من هذه المعاينة أن ms172 أرض الكنيسة الداخلية ~~وغرف الاستحكامات القائمة في أطرافها مغطاة بجثث الأشقياء، أما البقية الباقية ~~من الأطفال والنساء، فقد استسلمت وأسرت، وكذلك شوهدت جثث كثيرة من جثثهم تحت ~~الحجارة والأنقاض، وسألنا الأسرى الذين سبق ذكرهم عن مجموع عدد هؤلاء، فقالوا: ~~إنه كان في داخل الاستحكامات نحو 450-500 شخصا من المحاربين ما عدا النساء ~~والأطفال، ويزيدون عن المئتين، وقد تحقق أنه لم ينجو من هؤلاء سوى من سقط في ~~الأسر، وبين الذين هلكوا في داخل الكنيسة الراهب الأكبر فوميتوس وطاقم البترولي ~~والقبودانية، ونحو 40-50 شخصا جاءوا منذ شهر من المورة، وقد عادت عساكرنا ~~والعساكر الشاهانية إلى القرى التي سبق ذكرها، وهي ميس وموطرا وبباتام ووزعت ~~على القرى. # وجاء بعض أهالي ناحية تامو التي تتألف من 32 قرية طالبين الأمان وقابلين ~~بمطالب الدولة العلية، ولما التمسوا ذلك من مصطفى نائلي باشا أجابهم بأنهم ~~ليسوا من الذين يوثق بهم ويعتمد عليهم، ثم منحهم مهلة ثلاثة أيام لإحضار معتمد ~~موثوق به من كل قرية يحضر مع الراهب، بشرط أن يكون مع ذلك تسليم السلاح، وإذا ~~لم يحضروا في خلال هذه المدة يزحف الجيش عليهم، ويضربهم ونحن الآن في حالة ~~الانتظار. # وليحيط علم الجناب العالي الخديوي بهذه الأسباب، أرسلنا هذا وفي كل الأمر ~~لوليه. # 18 رجب سنة 83 # بنده # ناظر الجهادية # إسماعيل سليم # ومزيل هذا التقرير بحاشية هذا نصها: # يعرض العبد الحقير أنه وصل في هذه الساعة نحو 40-50 راهبا ومعتمدا من أهالي ~~ناحية ميديوتامو، ملتمسين الأمان باسم جميع أهل الناحية، ومتعهدين بتسليم ~~السلاح، وبذلك لم يبق سوى ناحيتي كيامو وستدوز، وليحيط علم الجناب العالي ~~الخديوي حررنا ذلك والأمر لوليه. # 18 رجب سنة 83 # ناظر الجهادية # إسماعيل سليم # وبعد أن اطلع المغفور له إسماعيل باشا على ذلك التقرير، وأعجب به أيما إعجاب بما أتاه ~~صاحب الترجمة من البطولة أرسل إليه الخطاب التالي، وهذا نصه العربي مترجما عن التركية ~~وقد أنعم عليه فيه برتبة اللواء الرفيعة الشأن: # إلى راشد حسني باشا أمير ألاي البيادة السابع سابقا، والموجهة ms173 لعهدته سابقا ~~رتبة اللواء الرفيعة. # سعادة الباشا # إن ما أبرزتموه منذ ابتداء مأموريتكم في جزيرة كريد من ضروب الشجاعة والإقدام ~~والبطولة في المحاربات التي اشتركتم بها حتى الآن، قد أيدت وأثبتت حليتكم ~~الذاتية وما اتصفتم به من شجاعة وبسالة وغيرة زائدة وحمية وبذل الروح في سبيل ~~الوطن، علاوة على ما أظهرتموه في هذه المرة في الهجوم على دير أركازي التابع ~~لقضاء رسمو، والذي يحاكي القلعة متانة ورصانة، وهجومكم في الطليعة واقتحامكم ~~قبل الجميع وزحفكم على الأصابع رويدا رويدا متسلقين الدير، وإسراعكم بركز علم ~~الألاي مع بعض الجنود هو والحق يقال همة وغيرة وشجاعة خارقة للعادة لا تنسى على ~~ممر الأيام؛ ولذلك فلا أستطيع أن أصف لكم مقدار سروري منكم وامتناني من ~~أعمالكم، فأسأل جناب الحق أن يشمل بعين التوفيق والظفر كل أمر من أموركم وشأن ~~من شؤونكم. # ولما كنتم استحققتم كل الاستحقاق ~~بغيرتكم ذات الآثار الباهرة رتبة اللواء الرفيعة الموعودين بها، فقد وجهت ~~وأحيلت إلى عهدة لياقتكم فأبشركم بذلك وأهنئكم وأبارك لكم بحسن توفيقكم وزيادة ~~قدركم وحيثيتكم بين أقرانكم. # رجب ~~83 ~~(إسماعيل) # ختم # وهاك نصه التركي: # وعلى أثر الخطاب المذكور أعقبه صدور الفرمان العالي الشأن بتوجيه رتبة اللواء ~~الرفيعة، وهذا نصه العربي نقلا عن التركية: # إلى سعادتلو راشد حسني باشا حضرتلري # إن أهليتكم الذاتية وما اتصفتم به من كمال الصدق وفرط البسالة والشجاعة، وما ~~أظهرتموه أيضا في أثناء مأموريتكم في جزيرة كريد من أعمال توجب الافتخار، وقد ~~بدت آثارها للعيان؛ دعت والحق يقال إلى مكافأتكم واستلزمتها، ولما كنت أعرف أن ~~تلطيف الذوات الذين يبرزون مآثر الصدق والغيرة، كأمثال ذاتكم الكريمة ويبذلون ~~الأرواح في سبيل الوطن هو فريضة، فقد أرسلنا إليكم طيه الفرمان العالي الشأن ~~الوارد بتوجيه رتبة اللواء الرفيعة، وإني أهنئكم وأبارك لكم بما اكتسبتموه من ~~حسن الشهرة وثمرة الذكر الحسن، مما أدى إلى ترقيتكم ورفعة قدركم وحيثيتكم بين ~~الأقران، فأسأل جناب الحق أن يوفقكم في كل أمركم وأحوالكم . # 9 شعبان سنة ~~83 ~~(إسماعيل) # ختم # وهاك نصه التركي: # وبعد أن ms174 انتصر في مواقع كريت وعاد لمصر وهو لواء على 7، 11، 3 جي بيادة رقي إلى رتبة ~~الفريق لألايات الغاردية، وذلك في غرة رجب سنة 1284، وهاك نص الخطاب الوارد له من ~~المغفور له إسماعيل باشا خديوي مصر بتوجيه هذا المنصب السامي إليه منقولا عن التركية: # إلى فريق البيادة غاردية سعادتلو راشد حسني باشا حضرتلري، إن تفوقكم في ~~الأمور العسكرية المعروف قديما ومعلوماتكم الفنية، يضاف إليهما ما أبرزتموه ~~هذه المرة في أثناء مأموريتكم في جزيرة كريد من حسن المساعي والغيرة وكمال ~~الصدق والاستقامة، كان عندي والحق جديرا بالإعجاب والإكبار والافتخار وقد ~~استوجب تلطيفكم ومكافأتكم؛ فلذلك وجهت لعهدتكم رتبة الفريق الرفيعة وقد ~~انتخبتكم وعينتكم فريقا للبياة غارديا، وأصدرنا أمرنا هذا وأرسلناه إليكم ~~لتحيطوا به ولتداوموا على مأموريتكم. # غرة رجب سنة ~~84 ~~(إسماعيل) # ختم # وهذا نصه التركي: نمرة 14 ظهورات # وفي سنة 1291 انتقل إلى 2 جي فرقة غارديا، وفي سنة 1293ه عين ياورا للمغفور إسماعيل ~~باشا فشمله بتعطفاته السنية وغمره بمكافأته العظيمة، ومنحه بأن يكون فريق آلايات ~~الغاردية. # سفره إلى محاربة الصرب والجبل الأسود # ولما قامت الحرب بين الدولة العلية والصرب سنة 1293 سافر هذا البطل بأمر من الخديوي ~~إسماعيل باشا أصدره إليه، وقبل أن نأتي على نصه نذكر هنا خطاب الشكر، الذي ورد إليه من ~~سموه يثني عليه، وعلى من كان بصحبته من الضباط لمناسبة الموقعتين اللتين وقعتا في أطراف ~~سبنچه، وهاك نصه العربي نقلا عن التركية: # إلى سعادتلو راشد حسني باشا حضرتلري # إن ما أظهرتموه أنتم واللواء إسماعيل كامل باشا والميرالايان زكريا بك ويوسف ~~شهدي بك، وجميع الضباط والجنود المصريين من الشجاعة والبسالة في المحاربتين، ~~اللتين وقعتا في أطراف سبنچه، وقد عرضهما دولة درويش باشا على مقام الصدارة ~~الجليل، وعرضت علينا بواسطة طلعت باشا صارت معلومنا، ونالت وافر ارتياحنا ~~وسرورنا، فأشكركم جميعا وذلك ما كنا نأمله منكم. # بناء عليه أودع إلى همتكم إبلاغ إسماعيل بك كامل والأميرالايين البكوات ~~وضباطنا وجنودنا كافة سلامنا الخاص وامتناننا. # 8 أغسطس سنة 76 و18 رجب سنة ~~1292 ms175 ~~(إسماعيل) # ختم # وهذا نصه بالتركية: # وهاك أيضا نص الأمر الصادر له من الخديوي إسماعيل باشا عند قيامه لمحاربة الصرب سنة ~~1293: # إلى فريق الغاردية سعادة الباشا لما كنتم قد عينتم لقيادة الفرقة العسكرية، التي سيقت ~~للحرب الناشبة في الروم إيلي فإني أصدر إليكم الأوامر الآتية: # تسافر هذه الفرقة أولا إلى الأستانة وتسير طبقا للأوامر والتنبيهات السامية ~~التي يصدرها الباب العالي، وتسافر فورا إلى المكان الذي يتفضلون بتعيينه إليكم ~~من دون أن يبدو منكم تقصير في إيفاء الوظائف العسكرية. # ولما كان حسن إدارة هذه الفرقة على الوجه الأعلى وضبطها وربطها محولين إلى ~~عهدتكم، فأنتم مرخصون بتعيين درجة مكافأة الذين يبرزون بسالة ويظهرون لياقة ~~والاستئذان بذلك، كما أنكم مأذونون بتشكيل المجلس الحربي لتطبيق المجازاة ~~القانونية بحق الذين يأتون أعمالا تخالف الشرف والناموس العسكري أي: أنكم ~~مأذونون بإجراء المجازاة جميعها في الإعدام رميا بالرصاص. # إن اعتمادنا وثقتنا بكم وبمن بمعيتكم من الضباط والجنود كافة على أتم ما ~~يرام، وإني أسأل جناب الحق أن يحسن بنصركم وتوفيقكم وبيسر عودتكم مسرورين ~~ومبتهجين. # 22 جمادى الأخرى سنة ~~93 ~~(إسماعيل) # ختم # وهذا نص الأمر بالتركية: # سفره إلى محاربة الروسيا # ولما وقعت الحرب مع الدولة العلية والروسيا، وكان صاحب الترجمة معروفا بانتصاراته ~~الباهرة في الحروب التي وقعت مع أعداء الدولة سافر إلى محاربة الروسيا مع الجيوش ~~المصرية، التي كانت تحت قيادة الأمير حسن باشا ابن المرحوم الخديوي إسماعيل باشا، ولقد ~~أبدى في هذه الحرب أيضا من شجاعته المعروفة وشهامته المشهورة «ما لهجت الألسن بذكره، ~~وصار مضرب مثل المصريين ببسالته وشجاعته» التي أبداها في تلك الحروب. # وقد ورد إليه تلغراف من سر ياور جلالة أمير المؤمنين المغفور له السلطان عبد الحميد ~~بتاريخ 20 كانون أول سنة 92، يفيد إبلاغه شكر الحضرة الشاهانية وثناءها عليه، وهذا نصه ~~العربي نقلا عن التركي: # إلى حضرة راشد باشا قائد العساكر المصرية الشاهانية، التي تنزل اليوم إلى ~~دارنة عرضت على العتبة الشاهانية ما أظهرتموه أنتم وعساكركم من الشكر والامتنان ~~حينما أبلغتكم أمس السلام الشاهاني، وقد كان ms176 في النية دعوة ذاتكم العلية إلى ~~الحضور الملوكاتي بالذات؛ لتكونوا مظهرا للالتفات السامي ولكن وفرة العمل ~~وسفركم بسرعة إلى محل مأموريتكم في هذه الأيام حال دون ذلك، فأعرض لكم وأبشركم ~~أن الإدارة السنية الملوكاتية صدرت بإبلاغ ذاتكم العلية أن هذا الأمر سيتم في ~~عودتكم إن شاء الله. # سر ياور الحضرة السلطانية # 20 كانون أول سنة ~~92 ميرلوا # 21 منه وصول ~~تاريخي # محمد # وحدث أثناء محاربته للروس أن عقدت هدنة بينهما فأرسل صاحب الترجمة من يقضي له حاجة من ~~الروس، وكان قومندان الجيوش الروسية من كبار المعجبين بشهامته وبسالته، فانتهز فرصة عقد ~~الهدنة فأظهر ما يكنه جنانه من عوامل الإعجاب نحوه، فأرسل له من دوبر سيجة الخطاب الآتي ~~وهاك نصه باللغة العربية: # لسعادة حسني راشد باشا قومندان العساكر المصرية في بازاجق في 2 فبراير سنة ~~78. # سيدي القائد # سررت جدا لما تلقيت من سعادتكم كتابكم اللطيف، وأمرت بأن يسمح لرسوليكم بأن ~~يبتاعوا ما تحتاجون إليه، واسمحوا لي أن أقدم لكم بعض عينات المحاصيل. إن ~~الروسيين يحبون أكل المسكرات والحلويات كما يحب أكلها الشرقيون. # إن الجيوش الممتازة التي تقودونها قد قامت بالواجب عليها في بازاجق، ومن ~~واجبي أن أعترف بذلك وأتمنى أن يكون هذا القتال هو آخر ما يدور بيننا، وأن تكون ~~بين المصريين والروس في المستقبل علاقات تنطوي على المودة، وإن أسرى الحرب ~~الذين أعيدوا إلينا بأمر سمو الرئيس حسن يمتدحون كثيرا أعمال المصريين ~~وإنسانيتهم، وتقبلوا يا سيدي القائد اعتباري الفائق. # ا. دي كرما # وقد عاد لمصر في عام 1295 مكللا بأكليل الظفر والنصر، فاستقبل بما يليق بمقامه ~~الجليل من كرامة وإجلال يليقان بشجاعته الفائقة وبسالته النادرة، وقد قدم عقب وصوله ~~تقريرا لنظارة الجهادية مفصلا تلك الموقعة الحربية التي دارت رحاها بين الجيوش ~~المصرية وجيوش الروس ورفع هذا التقرير لسمو الخديوي إسماعيل باشا، فما كاد يطلع عليه ~~حتى أرسل إليه الخطاب التالي مترجما عن التركية: # سعادتلو راشد حسني باشا - حضرتلري # قرأت بالحرف التقرير الشامل الذي قدمتموه في هذه المرة إلى نظارة الجهادية ms177 عن ~~الهجوم على استحكامات يادور، وإن ما أظهرتموه من الشجاعة والبسالة في الهجوم ~~على العدو في هذه المرة والصولة عليه، والمفادة في سبيل الملة والدولة وثناء ~~حضرة صاحب الدولة درويش باشا في التلغراف، الذي أرسله إلى مقام الصدارة العظمى ~~على الجنود المصريين من قبل سرنا نحن جميع المصريين كبارا وصغارا ابتداء مني ~~أنا، وجعلنا نفاخر وقد كان هذا أملنا منكم في كل وقت، وإننا نفاخر جميعنا ~~باشتراكنا مع مواطنينا الجنود المتفانين في هذه المحاربة بقتال العدو المعتدي ~~على وطننا ووقاية ناموس الوطن وإنني أسأل جناب خير الناصرين أن يوفق حضرة صاحب ~~الجلالة والقدرة والمهابة أفندينا الملك دائما، وأن يطيل عمره وأن ينصر ويوفق ~~عساكره الشاهانية. # وقد أرسل إليكم محمود سامي بك حاملا أمرنا هذا لإعلان سرورنا منكم جميعا؛ ~~ولإبلاغ الضباط والجنود كافة سلامنا الخاص. # 18 شعبان سنة 93 / 6 ديسمبر سنة ~~76 ~~(إسماعيل) # ختم # وهاك هو النص التركي: # تعيينه سر ياور خديوي # وعندما ولي المغفور له الخديوي توفيق باشا عين صاحب الترجمة سر ياورا له فكان موضع ~~الإكبار والاحترام لشهامته وبسالته، وظل في هذا المنصب السامي إلى أن اتقدت نيران ~~الثورة العرابية، فكان صاحب الترجمة من قوادها الذين أبلوا بلاء حسنا في الدفاع عن ~~الوطن والملة، ولا يتسرب إلى الأذهان أن موافقته للعرابيين من قبيل التحيز أو الثائرين ~~ضد سمو الخديوي أو الضباط، كلا إنما دخلها مدافعا عن الوطن كارها احتلال الأجنبي له ~~شأن كل وطني صميم محب لبلاده، وقد حضر في واقعة التل الكبير في شهر أغسطس سنة 1882، وقد ~~ذكره المرحوم مصطفى كامل في كتابه «المسألة الشرقية» صفحة نمرة 252 حيث قال: # وكان معهم «أي: العساكر المصرية» الشهم الصادق راشد حسني باشا، وليعتبر بهذا ~~الشهم سائر المصريين فإنه مع كونه جركسي الأصل انضم إلى جيش عرابي عندما علم ~~بأن الإنجليز احتلوا الإسكندرية، وأنهم عازمون على دخول البلاد المصرية، وقام ~~للدفاع عن الوطن ناسيا كراهة الجراكسة للعرابيين، وكراهة العرابيين ~~للجراكسة. # وفي إشارة هذا الفقيد العظيم الكفاية لمعرفة ما كان عليه ms178 هذا البطل من الحب ~~المتناهي للوطن، وكرهه الشديد لاحتلال الأجنبي وكبير إجلاله وتعظيمه لسمو ~~الجالس على عرش مصر. # نياشين الفخر وأوسمة الشرف # وقد حاز الفقيد العظيم أسمى نياشين الفخر وأعلا أوسمة الشرف، حيث نال نشان قوماندور ~~أروليدبولد بمناسبة حضور ملك النمسا حال فتح قناة السويس في 26 نوفمبر سنة 1869، ~~وميدالية روسيا في حرب سنة 1294، وميدالية حرب كريد سنة 1285، والنشان المجيدي الرابع ~~في 15 ذي الحجة سنة 1279، والمجيدي الثالث في 9 جمادى الآخرة سنة 1283، والمجيدي الثاني ~~في 15 رمضان سنة 1286، والعثماني الرابع في 9 جمادى الآخرة سنة 1283، والعثماني الثالث ~~في 27 ربيع الآخر سنة 1284، والعثماني الثاني في 17 محرم سنة 1295. # صفاته وأخلاقه # كان رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جنانه حميد السيرة نقي السريرة على جانب عظيم ~~من الصلاح والتقوى، مؤديا حقوق الله تعالى كما يجب على كل مؤمن، كريم الطباع دمث ~~الأخلاق رغم شخصيته الحربية، برا بالفقراء مواسيا للبؤساء، شديد البطش وقت حومة ~~الميدان. تغمده الرحمن بواسع رحمته، وأكثر من أمثاله الأبطال الشجعان بين رجال مصر لرفع ~~لواء مجدها وإسعادها. # وقد كان الفقيد معروفا «بأبي شنب فضة»، وذلك لمناسبة اصفرار شاربيه ومقاربة لونه مع ~~تلويح الشمس إلى لون الفضة. وما زال هذا النعت معروفا لدى سكان القاهرة إلى يومنا ~~هذا. # | ترجمة حضرة صاحب العزة أحمد إحسان بك # كلمة المؤرخ # يكفيه فخرا ورفعة أن يكون نجلا لذاك البطل العظيم والقائد الحكيم المرحوم الفريق ~~راشد حسني باشا، ويكفي القارئ الكريم للإدلال على سمو أخلاقه أن يكون والده ومربيه، ~~والغارس في نفسه بذور الجد والإقدام والشهامة ولا غرابة ولا عجب أن يكون هذا الشبل من ~~ذاك الأسد، فقد شب هذا الشهم على منوال المرحوم والده في الأدب والكمال والاستقامة، ولم ~~تغره تلك الأموال الموروثة له عن والديه الكريمين، فتنزل به إلى طرق باب الفساد، بل ~~بالعكس زادته تمسكا بأهداب الأدب الصحيح والاستقامة التامة. # مولده ومنشأة # ولد حضرة صاحب الترجمة عام 1888 وتربى في أحضان والديه الفاضلين، فاغترف منهما كئوس ~~الأدب والفضل والجد والميل ms179 للعمل والبعد عن اللعب واللهو، فشب متطبعا بهذه الصفات ~~العالية والخصال النادرة، ودخل المدارس وقلبه يطفح سرورا وغبطة فرضع لبان علومها، وكان ~~فيها مثال الذكاء والجد ومضرب المثل بين أقرانه محبوبا لدى جميع عارفي وداعته وأدبه ~~وكرم أخلاقه. # ولما أن تولى حضرة صاحب الجلالة مولانا المليك المعظم فؤاد الأول ملك مصر 1917م، قربه ~~إليه وعينه تشريفاتيا لجلالته لما عرف فيه من الإخلاص للسدة الملكية الكريمة، وأنعم ~~عليه عقب تعيينه بالبكوية من الدرجة الثانية، وأنعم عليه أيضا بنشان النيل الرابع في 3 ~~محرم سنة 1337، ونشان إسماعيل الرابع في 5 ربيع الأول سنة 1342ه، كما أنعم عليه بنشان ~~شيرخورشيد من الدرجة الرابعة من دولة العجم. # حضرة صاحب العزة المفضال أحمد إحسان بك التشريفاتي الأول لجلالة ~~الملك فؤاد والنجل الوحيد للمغفور له الفريق راشد حسني باشا. # صفاته وأخلاقه # ويمتاز صاحب العزة أحمد إحسان بك بين أولاد الأعيان بعدم الظهور، والبعد عن سفاسف ~~الأمور متتبعا في ذلك الخطة المثلى والحياة السعيدة التي سلكها ساكن الجنان المرحوم ~~والده أيام حياته، وهو مشهور باللطف والدعة وبشاشة الوجه وبمساعدة البؤساء وسد حاجة ~~الفقراء. # ومرجع الفضل في سمو أدبه وفضله ونبله إلى ذاك المربي العظيم والقائد الكبير المرحوم ~~والده الجليل. # أدامه المولى وأبقاه وأكثر من أمثاله النجباء. # | ترجمة حضرة صاحب العزة المفضال أحمد بك حسنين # الرحالة المشهور والأمين الثاني لجلالة الملك المعظم فؤاد الأول # مقدمة المؤرخ # حضرة صاحب العزة المفضال أحمد محمد حسنين بك الأمين الثاني لجلالة ~~الملك فؤاد الأول. # لا مشاحة ولا جدال في أن حضرة صاحب هذه الترجمة هو الشخص الوحيد الذي ~~امتاز بين المصريين برحلاته العديدة، واكتشافاته العلمية المفيدة في مجاهل السودان ~~وواحات الكفرة وغيرها، وقاسي من المشاق والأهوال، وتحمل أشق الصعوبات ولاقى من ضروب ~~المتاعب ما يشيب لهوله الولدان، وليس الغرض من هذه الرحلات ترويح النفس ونية التنزه ~~كلا إنما الغرض أسمى من هذا، وهو الوصول إلى إظهار دفائن تلك المجاهل النائية ~~واستطلاع ما خفي معرفته عن كثيرين من الناس: عادات وأخلاق ووصف شعوب ms180 لم تعرف بعد، وكذا ~~معرفة طرق مواصلاتها، وغير ذلك مما يهم معرفته جماعة المشتغلين بعلم الجغرافيا وغيرهم ~~من المستشرقين. # وأيضا لفائدة بلاده العزيزة وتحقيق رغبة جلالة مولانا مليك البلاد المعظم، الذي عرف ~~في حضرة صاحب الترجمة المقدرة الشخصية والكفاءة العلمية، فحقق غايته السامية حيث عاد ~~للوطن العزيز حاملا معلومات هامة وفوائد علمية جمة، تفضل حضرته فألقاها تباعا ضمن ~~محاضراته النفيسة في الحفلات العديدة، التي أقيمت خصيصى لهذا الغرض بين مواطنيه الكرام، ~~ولا سيما تلك المحاضرة النفيسة التي ألقاها ببهو الجمعية الجغرافية «من السلوم إلى ~~الفاشر بالسودان واكتشاف الواحات» وذلك في مساء يوم الجمعة الموافق 17 أبريل سنة 1925 ~~حيث ألقاها باللغة العربية، وكان قد سبق له أن ألقاها أيضا باللغة الإنجليزية في بهو ~~الجمعية المذكورة ليفهمها علماء أعضاء المؤتمر الجغرافي، الذين وفدوا من مختلف مدن ~~أوربا لعقد مؤتمر علمي جغرافي بالقاهرة، حيث عرض عليهم عدة مناظر بديعة بمختلف الألوان ~~كان قد أعدها أخيرا في أمريكا إبان قيامه بمهام وظيفته في مفوضية الدولة المصرية ~~بواشنطن ولندن. # فلتهنأ الكنانة بهذا الشهم الذي أوتي من علم وفضل وكفاءة رفع بها مصر والمصريين فوق ~~ذروة المجد والفخار، وإنا نسطر لحضرته تاريخه الناصع البياض بقلم الفخر والإعجاب سائلين ~~الحق تعالى أن يكثر من أمثاله، فيقتفوا أثره ويحذوا حذره ليعيدوا مجد آبائنا وأجدادنا، ~~وأن يمتع الكنانة بحياة موجد نهضتها المباركة، ومجدد سؤددها جلالة مولانا المليك المعظم ~~فؤاد الأول أدام الله ملكه وحفظ سمو ولي عهده. # مولده ونشأته # ولد حضرة صاحب الترجمة بمصر القاهرة في 31 أكتوبر سنة 1889 من عائلة شريفة المحتد ~~عريقة في المجد، فوالده هو المرحوم محمد أحمد حسنين المشهور بالصلاح والتقوى ومن كبار ~~علماء الأزهر الشريف، وجده لأبيه هو المرحوم الفريق البحيري أحمد باشا مظهر حسنين، ~~فأدخله المدارس الابتدائية والثانوية والعالية فحاز الشهادة الابتدائية عام 1903م ~~والبكالوريا عام 1907، ثم التحق بمدرسة الحقوق، وبعد تمضية ثلاث سنوات فيها سافر إلى ~~إنجلترا، والتحق بكلية بليول بجامعة أكسفورد وأتم دراسته بها عام 1914، وكان أثناء ~~تلقيه العلوم ms181 مثال الذكاء والنشاط والاستقامة، محبوبا من جميع أساتذته محترما بين ~~أقرانه، وقد رفع رأس مصر في نظر الأجانب بفضل مواهبه السامية وتربيته العالية. # وظائفه الحكومية # وبعد أن عاد من أوربا تعين مفتشا بوزارة الداخلية ثم اختير سكرتيرا أول للسفارة ~~المصرية بواشنطون في الولايات المتحدة، ثم عين سكرتيرا أول للسفارة المصرية بلندن ~~وأخيرا اختاره جلالة الملك فؤاد الأول أمينا ثانيا لما عرف فيه من الصفات العالية ~~والكفاءة العلمية التامة والإخلاص للسدة الملكية. # وقد قام برحلته الأولى عام 1921 إلى واحات الكفرة، وقام برحلته الثانية عام 1923 ~~فاخترق بها صحراء ليبيا من ساحل البحر الأبيض إلى دارفور بالسودان، واكتشف واحتي أركنو ~~والعوينات، ووضع خريطة عن صحراء ليبيا وواحاتها وهي لم تكن معلومة من قبل، وقد عين نائب ~~رئيس للاتحاد الجغرافي الدولي العام سنة 1925. # وفوق ذلك فهو بطل مصر الأوحد في لعب السيف من سنة 1910، حيث نال جوائز شتى في عواصم ~~أوربا عدا الميداليات ونياشين الفخر التي حازها جزاء مهارته وشجاعته، فقد حاز نيشان ~~النيل الثالث، ونوط الجدارة، ونيشان الإمبراطورية البريطانية، وميدالية الحرب الأوربية ~~لسنة 1914، وميدالية النصر البريطانية، وميدالية النصر للحلفاء، وميدالية المدسس ~~الذهبية للجمعية الجغرافية الملوكية بلندن، ثم الميدالية الذهبية للجمعية الجغرافية ~~الملوكية بلندن، ثم الميدالية الذهبية للجمعية الجغرافية بفيلادلفيا بأمريكا عام ~~1925. # وفي كل ذلك برهان جلي علي فضله وسمو مكانته لدى عارفي شخصه الكريم، ولحضرته مكانة ~~خاصة لدى جلالة الملك المعظم. # صفاته وأخلاقه # جمع بين اللطف وكرم الأخلاق والأدب الجم وعزة النفس غزارة العلم والهمة العالية ~~والمقدرة الفائقة، والشجاعة التي مكنته من اقتحام الخطوب وتحمل المشاق والأهوال، أدام ~~الله في حياته وأكثر من أمثاله الأكفاء. # | ترجمة حضرة صاحب العزة النزيه المفضال أتربي بك أبو العز # حضرة صاحب العزة النزيه المفضال أتربي بك أبو العز المستشار بمحكمة ~~الاستئناف الأهلية بمصر. # كلمة للمؤرخ # قد كان بودنا لو اتسع مجال الوصف في هذا السفر أن نوفي هذا النابغ الفذ ما يستحقه من ~~الوصف مع جمال الصفات، التي امتاز بها في كل أدوار عمله، وإننا ms182 مع تقديرنا واحترامنا ~~الكلي لشخصه الجليل، واعترافنا بمقدرته العلمية ومواهبه العالية نرى أنفسنا مقصرين في ~~الإسهاب، فليعذرنا حضرات القراء إذا نحن اكتفينا بتدوين الأهم عن المهم من تاريخ حياته ~~المجيد، سائلين الحق تعالى أن يكثر من أمثاله بين شباب مصر الناهض. # مولده ونشأته # ولد في 12 ربيع الأول سنة 1309ه، وأتم دراسته المنزلية بين أحضان والدين تقيين صالحين ~~غذياه بلبان التقوى والفضيلة، وأدخله حضرة والده الجليل المدارس الابتدائية، فارتشف ~~علومها بنفس تواقة للعلم متطلعة إلى حسن المستقبل ونال شهادتها، كما نال من المدارس ~~الثانوية شهادة البكالوريا بنجاح عظيم، ولما كانت نفسه العالية طموحة إلى العلا فقد ~~أرسله حضرة والده إلى فرنسا في يوليو سنة 1901، حيث التحق بكلية مونبليه فأقبل على تلقي ~~مختلف علومها القانونية بتلك الهمة العالية التي شب عليها، ولم يمض طويل زمن في تلك ~~الكلية حتى فاز منها بشهادة الليسانس في العلوم القانونية. # حياته العلمية # ولما عاد إلى مصر حاملا لواء الظفر وشهادة الفخر اشتغل بالمحاماة أمام المحاكم ~~المختلطة سنتين وبضعة أشهر بإسكندرية ومصر، فكان سحبان زمانه في الفصاحة وزلاقة اللسان ~~وقوة البرهان والحجة في الدفاع، إلا أنه رام العمل بالنيابة العمومية؛ ليؤدي بعض ما يجب ~~عليه نحو حكومته بفضل ما اكتسبه من خبرة وذكاء ومجهود، فعين مساعدا للنيابة بمحكمة ~~الزقازيق الكلية الأهلية في 15 مارس سنة 1904، ونقل منها إلى نيابة المنصورة الجزئية، ~~ثم أعيد إلى نيابة الزقازيق الكلية في سنة 1907 فكان مثال الجد والنزاهة لا يخشى في ~~الحق لومة لائم، ولا يدخر مجهودا في أداء أعماله على الوجه الأكمل فترقى إلى درجة وكيل ~~نيابة، وعين وكيلا لنيابة الزقازيق الجزئية في 14 أكتوبر سنة 1908، ثم نقل وكيلا ~~لنيابة السنبلاوين فتضاعفت جهوده وأظهر من الكفاءة والجدارة ما استحق تقدير المراجع ~~العليا له، فصدر الأمر العالي بتعيينه قاضيا من الدرجة الرابعة بمحكمة قنا الكلية، ~~فكان مثال العدل والإنصاف حتى إن وزارة الحقانية اختارته قاضيا للتحضير بالمحكمة ~~المذكورة في مارس سنة 1910 لتطبيق قانون قاضي التحضير، الذي كان قد وضع ms183 حديثا، ويحتاج ~~لمجهود كبير وفي 24 ديسمبر سنة 1910 صدر أمر عال بنقله قاضيا بمحكمة الإسكندرية، وندب ~~قاضيا لمحكمة دمنهور حيث مكث بها إلى يوم 5 ديسمبر سنة 1911، ومنها إلى محكمة إسكندرية ~~ثم ندب سنة 1912 قاضيا بمحكمة منيا البصل الجزئية «محكمة اللبان الآن »، وفي 15 فبراير ~~سنة 1913 نقل إلى محكمة المنشية ومكث بها إلى 29 مايو سنة 1914، وكان في كل منصب يتقلده ~~من هذه المناصب مثال النزاهة والعدل، وقد صدر الأمر العالي بترقيته إلى الدرجة الثالثة ~~ونقل إلى دائرة محكمة المنصورة، وندب قاضيا لمحكمة ميت غمر الجزئية ومكث في هذه ~~المحكمة إلى أن صدر مرسوم ملكي بنقله مرة ثانية إلى دائرة محكمة إسكندرية في 12 نوفمبر ~~سنة 1917، وندب للقضاء بمحكمة دمنهور الأهلية للمرة الثانية فكان خير جزاء صادف أهله ~~وحل محله. # وفي 29 نوفمبر سنة 1919 ندب قاضيا للإحالة بمحكمة إسكندرية، وفي 21 يوليو سنة 1920 ~~صدر مرسوم ملكي بتعيينه وكيلا للنائب العمومي من الدرجة الأولى، وتعيينه نائبا لنيابة ~~دمنهور واختير في سبتمبر سنة 1921؛ ليكون وكيلا لقسم قضايا وزارة الأوقاف فترك خدمة ~~الحكومة في 26 سبتمبر سنة 1921، وترك وراءه أحسن ذكرى في القضاء يخلدها له التاريخ ~~بالفخر والإعجاب، كما قام بأعباء وظيفته الجديدة خير قيام إلى أن تعين في سبتمبر سنة ~~1921 مديرا لقسم الإيرادات بوزارة الأوقاف، ثم طلب أن يعود إلى القضاء فصدر المرسوم ~~الملكي في 24 سبتمبر سنة 1923 بتعيينه رئيسا للنيابة العمومية لدى المحاكم الأهلية، ~~ولقد وقع عليه اختيار صاحب الجلالة الملك فؤاد الأول؛ ليكون في خدمته، وصدر الأمر ~~الكريم بتعيينه أمينا ثانيا لجلالته، وهذا جزاء المخلصين من أبناء الأمة العاملين، ~~غير أنه في ديسمبر سنة 1924 صدر مرسوم ملكي بتعيينه وكيلا لمحكمة الإسكندرية الأهلية ~~لاقتداره وكفاءته في الشؤون القانونية وعدله ونزاهته، ونقل رئيسا لمحكمة مصر في أبريل ~~سنة 1925، وفي أكتوبر سنة 1925 رقي مستشارا لمحكمة الاستئناف الأهلية جزاء كفاءته ~~وغزارة علمه. # مؤلفاته # ولحضرته مؤلف في التاريخ يسمى «الدر المنتخب في تاريخ المصريين والعرب»، ونشر ms184 كتابا ~~عن الصين بمعاونة أصدقائه، بمناسبة ثورة البوكسر، وله مقالات قيمة طلية في السياحة ~~والتاريخ في مجلة الموسوعات وجريدة المؤيد، ولما كان في القضاء أصدر أحكاما ذات مبادئ ~~قانونية هامة، نشر بعضها في المجموعة الرسمية للمحاكم وبعضها بمجلة الشرائع. # صفاته # تتقد عيناه ذكاء وهو ذو عزيمة ثابتة قوي الإرادة شديد في الحق سهل الطبع محب لعمل ~~الخير، مفطور بطبيعته على حب مصر والاهتمام بالمحافظة على الواجب، دقيق في أداء كل عمل ~~في وقته، مخلص في خدمة جلالة مليكه المعظم. # ففي مثل أعماله فليتنافس المتنافسون، ويقتفي أثره المقتفون في كل عمل جليل يعود على ~~أنفسهم ومواطنيهم بالفخر والإعجاب. # | ترجمة حضرة صاحب السعادة الشهم الجليل رشوان باشا محفوظ # الناس تكتب في سجل رجالها # ما قد أتوه وما عليه أقاموا # والدهر يصدر بعد ذلك حكمه # بالحق لا نقض ولا إبرام # ولقد بدى من نور عدلك حكمه # حكم أغر عنت له الحكام # كتب الزمان صحيفة عنوانها # رشوان باشا عادل وهمام # فلنعم «محفوظ» بخير عناية # ولنعم ما صدرت به الأحكام # لك في القلوب مكانة ومهابة # وعلى حماك تحية وسلام # الأمم برجالها والرجال بأعمالها وأخلاقها، والأمم تغنى بالرجال قبل أن تغنى بالأموال؛ ~~لذلك يسرنا أن نسطر ترجمة نابغ من نوابغ الأمة المصرية، وعظيم من أبنائها البررة خدمها أجل ~~الخدم، الإخلاص شيمته والحكمة حليفته والمصلحة العامة وجهته. هذا هو حضرة صاحب السعادة ~~رشوان باشا محفوظ صاحب هذه الترجمة. # رسم وتاريخ حضرة صاحب السعادة الشهم الجليل رشوان باشا محفوظ وكيل وزارة ~~الزراعة. # ولد سعادته ببلدة الحواتكة مركز منفلوط من أعمال مديرية أسيوط سنة 1299 هجرية من أبوين ~~كريمين عريقين في المجد، فوالده المرحوم محفوظ بك الكبير يتصل نسبه بالدوحة المحمدية ~~الطاهرة، وقد عني بتربية أنجاله عناية تتناسب مع مجد العائلة ومكانتها الرفيعة فأدخل صاحب ~~هذه الترجمة مدرسة أسيوط الابتدائية الأميرية، وبعد أن حصل منها على الشهادة الابتدائية ~~ألحقه بالمدرسة التوفيقية الثانوية بمصر، وسرعان ما قطع هذه المرحلة الثانية وهو فتى يافع ~~فأدخله مدرسة الحقوق الملكية، فأتم دراستها وحصل ms185 منها على الليسانس سنة 1903 وهنا حصلت ~~المشادة الحقيقية بين النفس والعقل، وإن شئت فقل: بين المصلحة الخاصة والمصلحة العامة فإن ~~صاحب هذه الترجمة وقد بلغ مبلغ الرجال رأى نفسه مطالبا أمام نفسه وأمام أمته بأن يعمل لهما ~~ولا بد من أن يسلك أحد سبيلين: # الأول: # أن يتفرغ لأعماله الخاصة ويشرف على أراضيه وضياعه فينميها، كما يعمل ~~أبناء هذه الطبقة الثرية، وله من عمله وتربيته ما يضمن نجاحه في هذا ~~الميدان. # الثاني: # أن ينخرط في سلك الوظائف فيخدم بلاده بالطريق المباشر. # وازن بين الأمرين ولكنه أمام المصلحة العامة وأمام الفريضة الوطنية لم ~~يتردد في أن يسلك الطريق الثاني، وهكذا دخل خدمة الحكومة معاونا للضبط بمديرية الجيزة ~~فتوسم فيه رؤساؤه الكفاءة والإخلاص في العمل، ولم يلبث إلا قليلا حتى رقي مأمورا للضبط ~~بمديرية الدقهلية، وكان سعادته من أكبر عوامل توطيد الأمن في تلك المديرية العظيمة، وقد ~~كوفئ بترقيته مأمورا لمركز ميت غمر وهو ذلك المركز الهام فكان عند ظن ولاة الأمور به، إذ ~~نهض به نهضة كبيرة وأنشأ بعاصمته مجلسا مختلطا ومنتزهات عامة، حتى أصبحت مدينة ميت غمر ~~أرقى في العمران والمدنية من عواصم بعض المديريات، ولما كانت سنة الرقي تقضي مكافأة العامل ~~المجد المخلص؛ لذلك كان من الطبعي أن يرقى صاحب هذه الترجمة إلى وظيفة وكيل مديرية، وكان ~~لمديرية الفيوم الحظ الأول غير أن الفيوميين ما كادوا ينتهون من الاحتفاء بوكيلهم حتى ~~فاجأهم خبر نقله إلى مديرية الغربية، فودعوه بمثل ما قابلوه من الحفاوة والتكريم. # وقد كان نصيب مديريتي الغربية والبحيرة أكبر عندما اشتغل بكلتيهما وكيلا للمديرية، ولم ~~يلبث فيهما طويلا حتى صدر النطق الكريم بترقيته مديرا لأسوان سنة 1916 فكان ذلك بشير خير ~~وبركة لأهل تلك المديرية، فإنه عني بشؤونها وسهر على مصلحتها حتى إن ساكن الجنان المغفور له ~~السلطان حسين الأول أهداه ساعته الخاصة عند زيارته لهذا الإقليم سنة 1916 رمزا لرضاء عظمته ~~التام، وتقديرا لكفاءته الممتازة ثم نقل مديرا لبني سويف، فتابع السير على خطته القومية ~~وأسرع ms186 إلى شد أزر التعليم بتلك المديرية التي لم تكن نالت حظها منه فأنشأ بها عددا ~~كبيرا من المدارس الأولية توطئة لنشر التعليم الأولي بأرجائها، وإعداد مدرستي ببا والواسطى ~~الابتدائيتين بعد أن كانتا حولتا إلى مدرستين أوليتين، ثم عمد إلى إصلاح عاصمة ~~المديرية فأنشأ بها الشوارع العظيمة وناديا للرياضة البدنية، وهكذا أوجد للموظفين وغيرهم ~~من ذوي الحيثية مكانا رحبا حيث يتعارفون ويتريضون، وهي أجل خدمة لهذه الطبقة التي ~~تتوق إلى استثمار أوقات فراغها، وقد قوبلت هذه المآثر بمزيد الثناء وخالص الولاء. # ثم رقي سعادته مديرا لقنا وسرعان ما تحقق كثير من أمانيها على يديه، فقد كانت الشؤون ~~الصحية تتطلب عناية خاصة، فجمع التبرعات من الأعيان والمحسنين لإنشاء مستشفى مناسب للرمد في ~~عاصمة المديرية، التي كانت الوحيدة المحرومة من هذا المشروع النافع، وفعلا وضع الحجر ~~الأساسي بيد حضرة صاحب الجلالة الملك مولانا فؤاد الأول أثناء سياحته بالصعيد في شهر يناير ~~سنة 1921، وأنشأ أيضا مستشفى للأمراض العفنة في قنا وآخر في الأقصر، فخففت كثيرا من ~~الويلات والكروب، ثم وجه عنايته المشهورة للتعليم فأنشأ مدرستين ابتدائيتين إحداهما في ~~دشنه، والأخرى في قوص عدا المدارس الأولية الكثيرة في البلاد الأخرى، وسهر على الأمن العام ~~ونجح في استتبابه أيما نجاح، يدل على ذلك نقص الجنايات في عهده نقصا محسا، وإليه يرجع ~~الفضل الأكبر في الصلح التاريخي الذي عمل بين قبيلتي الأشراف والحميدات، وقد كان الجفاء ~~بينهما متأصلا والأمن العام مهددا، ولكن حكمته الكبيرة ذللت الصعب العسر وحقنت الدماء ~~واستبدلت الجفاء بالصفاء والشقاق بالوفاء. وقد أتت الصحف وقت ذاك على تاريخ هذا النزاع ~~العظيم ومساعي سعادة المدير المشكورة، فنكتفي بما أشرنا إليه ثم صدر الأمر العالي بترقية ~~سعادته مديرا للمنوفية في مايو سنة 1921 والإنعام عليه برتبة الباشوية الرفيعة، فاستلم ~~زمام هذه المديرية العظيمة في وقت عصيب، ولكن بالحكمة وطول الأناة لم يعد الأمور إلى مجراها ~~الطبيعي فقط، بل ونهض بالمديرية نهضة كبيرة في كل مرافقها، وكان للتعليم نصيب وافر من ~~عنايته ووقته، فأصبح لمجلس المديرية 61 ms187 مدرسة أولية و6 مدارس ابتدائية للبنين بعد أن كان له ~~مدرسة أولية إدارية فقط، ومدرستان ابتدائيتان، هذا إلى معاهد التعليم الليلية للعمال ~~والأقسام التجارية الليلية التي أنشئت في عهده، وعاد نفعها على كثير من الرجال والشبان ~~الذين حرموا من نعمة التعليم في صغرهم. # ولقد شعرت جمعية المساعي المشكورة بحاجتها إلى إدارته النزيهة، فقررت إسناد رياستها إلى ~~سعادته والتمست منه القبول، فلبى الطلب خدمة للتعليم والمصلحة العامة وكانت باكورة أعماله ~~استثمار ضريبة ال5٪ التي أصدر ولي النعم أمره الكريم لمجلس مديرية المنوفية بتحصيلها، ~~فاشترى ألف فدان من أجور أطيان الحكومة بمركز السلطة بثمن منخفض وجعلها وقفا على هذه ~~الجمعية، ثم وضع لها القوانين والأنظمة الحديثة المحكمة، ونظم ماليتها وسجلاتها، وراقب سير ~~مدارسها مراقبة دقيقة فارتقت وحسنت سمعتها وكثر الإقبال عليها، وجاءت نتائجها الباهرة في ~~الامتحانات الرسمية ناطقة بفضله ومآثره. # كذلك كان لعاصمة المديرية حظ كبير من همته واهتمامه، فقد حقق رغبات الأهالي التي كانوا ~~يطمحون إليها من قديم فأتم مشروع مياه الشرب، وأوشك أن يتم مشروع إنارة البلدة بالكهرباء ~~ورصف شوارعها، وهكذا تقدمت مدينة شبين الكوم إلى الأمام بعد جهود سعادة مديرها العامل، بعد ~~أن مكثت سنين عدة متأخرة في مدنيتها عن كثير من عواصم المديريات كذلك أنشأ مستشفى متنقلا ~~لعلاج المصابين «بالبلهارسيا والأنكلستوما»، يؤمه أكثر من مائة وخمسين مصابا يوميا ~~للعلاج مجانا، فخفف ذلك من حدة هذه الأمراض الفتاكة التي كان انتشارها مفزعا في المديرية، ~~وهذه منة أخرى لسعادة المدير الجليل طوق بها جيد آلاف من الفقراء. # أما عناية سعادته بالأمن العام فعظيمة، وإن في نقص الحوادث الجنائية نقصا بينا، ~~واستتباب الأمن في عهده لدليل على سهر هذا الحاكم على مصلحة المديرية وحسن إدارته ~~لها. # وحدث عندما وليت وزارة دولة سعد باشا زغلول الحكم، وكان سعادة صاحب الترجمة من خصومها ~~السياسيين الذين يخالفونها في المبدأ أن انعقد مجلس الوزراء، وقرر إحالته على المعاش فما ~~كان منه إلا أن أخذ ينشر على الشعب سلسلة مقالات بواسطة بعض الجرائد اليومية كجريدة السياسة ms188 ~~والأخبار وغيرهما شارحا مظلمته وما أصابه من حيف وإجحاف، إلا أن الحكومة اعتبرتها طعنا ~~عليها، فأقامت عليه النيابة العمومية الدعوى، ولكن سرعان ما جرى التحقيق معه فيما نسب إليه ~~فتقرر حفظها لعدم توفر وجوه الطعن المنسوبة إليه. # وعقب استقالة الوزارة السعدية بقليل صدر مرسوم ملكي بتعيينه مديرا لمديرية الغربية؛ ~~لتنتفع هذه المديرية الكبرى بمواهبه العالية وكفاءته النادرة. # تعيينه وكيلا لوزارة الزراعة # ولم تكتف الحكومة في عهد الوزارة الزيورية بترقيته إلى هذا الحد، بل رفعت مكانته ~~وكافأته على عظيم شهامته بأن ولته وكالة وزارة الزراعة وهنا تجلت مواهبه السامية ~~وكفاءته الشخصية، بما أظهره من الخبرة والحنكة والتجارب العديدة بما حقق آمال الحكومة ~~والأمة. # هذا مجمل تاريخ سعادة النابغة رشوان باشا محفوظ، وهذه صحائفه وأعماله ننشرها بإيجاز ~~على أبناء وطننا؛ لأنها مثل أعلى في علو الهمة والوطنية الحقة، وما نجاحه حينما حل إلا ~~نتيجة جهاد صادق وعزيمة ماضية، وأخلاق كريمة قويمة. # أدام الله به النفع العميم وأكثر من أمثاله العاملين المخلصين آمين. # | ترجمة حضرة صاحب السعادة المفضال صالح باشا عنان # كلمة للمؤرخ # تتباهى مصر ويحق لها أن تتباهى بصفوة شبانها الذين حصلوا على قسط وافر من العلوم ~~والمعارف، ونزحوا إلى بلاد الغرب ابتغاء الاستزادة من مناهلها العذبة وتغذية مداركهم ~~بما يعود على وطنهم وأنفسهم بالنفع الجزيل والخير العميم، ومن الذين نبغوا من شبابها ~~وفازوا في مضمار العلوم والآداب، ونجحوا نجاحا باهرا حضرة صاحب هذه الترجمة صالح باشا ~~عنان، الذي توصل بحسن جده وبفضل كفاءته ومعلوماته إلى وظيفة وكيل وزارة الأشغال ~~العمومية، وهو الذي أدهش عموم أساتذته بتوقد قريحته، وذكائه المفرط وجده ونشاطه، فحق ~~لمصر أن تغتبط جزلا وسرورا بأمثال هذا الشهم المفضال. # مولده ونشأته # ولد حضرة صاحب الترجمة ببندر المنصورة عاصمة مديرية الدقهلية في 25 أبريل سنة 1885 من ~~أسرة عريقة في المجد، يرجع نسبه إلى السيد خضر عنان الذي حضر إلى مصر مع أولاده الأربعة ~~في الفتح العربي، وأسسوا لهم مجدا في مصر والجزائر وتونس ومراكش حتى عرفوا في جميع هذه ms189 ~~الأقطار بأولاد عنان، ولهم فيها زوايا وجوامع وتكايا وقفوا لأجلها معظم أملاكهم لتوزع ~~على الأعمال الخيرية والدينية. # حضرة صاحب السعادة المفضال صالح باشا عنان وكيل وزارة الأشغال ~~العمومية. # فدخل صاحب الترجمة المدارس الابتدائية والثانوية، فأبدى الكثير من ضروب النشاط ~~والذكاء والمواظبة حتى أتم علومها المقررة، وحصل على شهادتها عام 1900م، ولما رأى نفسه ~~تواقة إلى الاستزادة من بحر العلوم سافر إلى إنكلترا؛ لإتمام رغبته فالتحق بالجامعة ~~الملكية في لندن وقد نال منها في شهر يوليو سنة 1907 شهادة الشرف في فن الهندسة ~~الميكانية والعمرانية بدرجة فائقة، وتفوق على أقرانه من الأجانب الإنكليز، حيث كان ~~الوحيد الذي حاز هذه الدرجة مما دعا إلى إعجاب الممتحنين بفرط ذكاء المصري وسرعة خاطره، ~~وبعد عودته إلى مصر دخل في خدمة وزارة الأشغال العمومية بوظيفة مهندس بتفتيش ري القسم ~~الثاني، بماهية قدرها عشرون جنيها شهريا ابتدأ من أول نوفمبر عام 1907م إلى وظيفة ~~مساعد مدير أعمال، ومن ثم نقل إلى وزارة المالية في أول ديسمبر 1916م، وتدرج في وظائفها ~~واضعا نصب عينيه نفس المنهج الذي اتخذه لنفسه شعارا، وهو الصدق والنزاهة والاستقامة ~~إلى أن رقي إلى وظيفة مدير إدارة وذلك في أول شهر أبريل سنة 1920. # ولما انتدب وكيل المراقب للمستخدمين والمعاشات دخل عضوا في اللجنة المالية، وكان أول ~~مصري دخل في اللجنة المذكورة، فدل على مقدرة نادرة وكفاءة عظيمة واستقلال في الرأي، ~~ولما أنشئت وظائف السكرتاريين الماليين لوزارة الحكومة عين فيها كلها موظفون بريطانيون، ~~ولم يبق منها إلا وظيفة سكرتير مالية لوزارة الزراعة، فبحثت وزارة المالية عن موظف مصري ~~كفء لهذه الوظيفة، فوقع اختيارها على حضرته وعين فيها، ثم انتدب سكرتيرا ماليا ~~لوزارة الحقانية، وذلك في أكتوبر سنة 1922. # ولما تبين لمعالي إسماعيل صدقي باشا وزير المالية وقتئذ ما عليه حضرة صاحب الترجمة من ~~الكفاءة التامة في الأعمال المالية والإدارية أيضا، وما أظهره من الحزم والنشاط والجد ~~أمر بتعيينه سكرتيرا ماليا لوزارة الحقانية، وذلك في أكتوبر سنة 1922م وقد دعت حالة ~~العمل في وزارة المالية إلى ms190 إعادة إنشاء منصب مساعد وكيل المالية، فأسند إليه في 18 ~~سبتمبر سنة 1923، ولما عين صاحب السعادة عبد الحميد مصطفى باشا وكيل المالية سابقا، ~~مستشارا ملكيا في شهر نوفمبر سنة 1923 قام سعادة صاحب الترجمة بأعماله، وكاد يصدر ~~المرسوم الملكي بتعيينه وكيلا لوزارة المالية. # وكانت خدمته مع سعادة وكيل المالية الحالي على أتم ولاء واتفاق، وحاز ثقته التامة ولم ~~يترك الوزارة إلا وهما صديقان، ولما خلت وظيفة وكيل وزارة الأشغال عين حضرته فيها ~~بتاريخ أول ديسمبر سنة 1924. # أما معاملته للموظفين وغير الموظفين ومحبة الموظفين له وانتصاره للحق، وإنصاف المظلوم ~~فحدث عنه ولا حرج وقد اشتهر بعدم تحيزه لأي حزب من الأحزاب، فأجمع الكل على حبه؛ لأن ~~مبدأه نصرة الحق أينما وجده وله من الأفكار النيرة والمشروعات الجليلة ما عاد على وزارة ~~المالية وغيرها من المصالح بفوائد عظيمة. # ومن مشروعاته الخصوصية التي قام بها لنفسه إنشاء فابريقة كبرى لطحن الجبس بكفر العلوة ~~بحلوان، وهي من أحدث الفابريقات الأوربية وأفخمها. # وبالإجمال فإن حضرته أتى من ضروب الإصلاحات في كل وظيفة تولاها ما يخلد لسعادته بمداد ~~الشكر والثناء والإعجاب. # وسعادته له ولع بالألعاب الرياضية وبالأخص الصيد، حيث يدير أكبر جمعيات الصيد في ~~القطر حتى حاز قصب السبق فيه، وما كدنا نأتي على وضع ترجمته حتى تفضل جلالة مولانا ~~المليك المعظم، فأنعم عليه برتبة الباشوية جراء حسن خدماته وكفاءته. # صفاته وأخلاقه # والمشهود لدى الخاص والعام عن أخلاق سعادة صاحب الترجمة دماثة الأخلاق وكرم الطباع، ~~والنزاهة، والاستقامة، واللطف والدعة والصراحة الدالة على منتهى الشجاعة الأدبية مع ~~الهمة والنشاط في الكفاءة العالية والاستقلال في الرأي، وعدم التردد فيما يراه عدلا ~~وصالحا وعدم الميل إلى المظاهر الخادعة. # أدامه الله وأبقاه وأكثر من أمثاله الأذكياء. # | ترجمة فقيد الطب والعلم المغفور له الدكتور محمد طلعت باشا # ماذا أبا الطب قد قررت من مرض # قد كنت من قبل تبريه وتقصيه # هل جاء مختفيا يدنو إليك وقد # تعمد الفتك قصدا في تخفيه # أم هل سرى مطمئنا غير مكترث ~~«بطلعة» منك توديه وترديه ms191 # أو هل دعيت إلى مثوى النعيم وقد # وفيت لله حقا في توخيه ~~••• # قل «لابن سينا» و«داود»: لقد هدم # الركن المكين الذي كنا نرجيه # وانعم بدار التقى في ظل مغفرة # والتك من فضل ما قد كنت توليه # أحمد حسني - بالحقانية # حقا لقد خسرت مصر خسارة لا تعوض، وفقد العلم رجلا من كبار رجاله العاملين في مصر بوفاة ~~المغفور له الدكتور محمد طلعت باشا وكيل وزارة الداخلية للشؤون الصحية، وكانت وفاته رحمه ~~الله إثر مرض لم يمهله أكثر من ثلاثة أيام، فعظم الحزن والأسى عند نعيه، وبكى المصريون ~~نابغة من نوابغهم العاملين، وعصاميا كبيرا من علمائهم العاملين. # فقيد الطب والعلم المغفور له الدكتور محمد طلعت باشا وكيل وزارة الداخلية ~~في مصلحة الصحة. # توفي الفقيد عن 61 سنة قضاها في خدمة وطنه وحكومة بلاده، وقد تخرج في الطب من جامعة ~~مونبليه بفرنسا وظل متصلا بمدرسة الطب المصرية ربع قرن معلما ومؤلفا ومطببا، فتخرج على ~~يديه مئات الأطباء، كما وقد أنقذ ألوف المرضى من الأخطار، وتعين رئيسا لأطباء وزارة ~~المعارف سنة 1912م، وفي سنة 1923م تعين وكيلا لوزارة الداخلية في الشؤون الصحية، وكان رحمه ~~الله مثال الجد والاجتهاد عالما بارعا بفنون الطب نابغة في الأمراض الباطنية، وحياة ~~الفقيد الأخيرة في وزارة الداخلية تشهد بخدماته الجليلة، ويقظته لخدمة الأمة وحرصه على ~~حياتها. فما من مرض ينتشر أو وباء يذاع عنه إلا وتظهر منشورات مصلحة الصحة بالإرشادات لعموم ~~الأطباء، مع بيان نوع المرض وطرق الوقاية منه وكل ذلك ينشر على صفحات الجرائد السيارة؛ ~~ليطلع الناس ويكونوا في مأمن من عدوهم المهاجم للصحة، وهي سنة حديثة لم تظهر إلا في عهد ~~المغفور له طلعت باشا الذي يعد موته خسارة فادحة للطب في مصر. # ولقد أقامت جمعية الأطباء المصرية حفلة تأبين لهذا الفقيد العظيم في الساعة الخامسة ونصف ~~من مساء الجمعة 3 أغسطس سنة 1923، فأم نادي مدرسة الطب الملكية عدد عظيم من الأطباء يتقدمهم ~~سعادة الرئيس المرحوم الدكتور السيد عيسى حمدي باشا، وافتتحت الجلسة تحت رئاسته بقراءة آي ms192 ~~الذكر الحكيم، ثم قام حضرة الدكتور نجيب إسكندر وألقى رثاء مؤثرا أسال العبرات، ومما ذكره ~~عن الفقيد بالنيابة عن سعادة رئيس الحفلة قوله: # عرفت فقيدنا العزيز المرحوم الأستاذ طلعت باشا في باريس في صيف عام كنت أقضيه في ~~رحلة في فرنسا مع أنجال سمو الخديوي المغفور له توفيق باشا سنة 1891، وقد أخبرني ~~بأنه اشتغل في معمل باستور، فسألت عنه صديقي الأستاذ الشهير الدكتور رو وكيل معمل ~~باستور وقتئذ ومديره حالا فمدح ذكاءه وجده؛ ففرحت لأن مدرستنا الطبية كانت محتاجة ~~إلى أستاذ يدخل فيها العلوم الميكروسكوبية، وفعلا تقدم فقيدنا لامتحان المسابقة ~~لوظيفة أستاذ ثان وفاز بنجاح باهر، وتعين لتدريس التشريح الدقيق والعلوم ~~الميكروسكوبية الأخرى، وأنشأنا له المعامل الخاصة بها وقد كان رحمه الله في الوقت ~~نفسه مساعدا لي بقسم الأمراض الباطنية وبعد سنوات قليلة تعين أستاذا أول للتشريح ~~الدقيق والبكتريولوجيا، وقد كان طول هذه المدة نشطا في أشغاله مجتهدا مجدا ~~معطيا للطلبة أقصى عناية، وبعد تركي للمدرسة نقل الفقيد إلى وزارة المعارف ~~العمومية بوظيفة حكيمباشي، ومنها إلى وكالة الصحة العمومية منذ سبعة عشر شهرا، وقد ~~كان من نوابغ الأطباء الذين تفتخر بهم البلاد والعلم، وإننا لنأسف أشد الأسف إذ ~~عاجلته المنية قبل أن يتم ما بدأه من الإصلاحات الكثيرة لتحسين الحالة الصحية ~~بقطرنا العزيز. # وهكذا أخذ حضرات زملائه الأطباء يسردون علم الفقيد وفضله، وما امتاز به من المهارة في فنه ~~والحذق خصوصا في الأمراض الباطنية، وفوق ذلك فقد امتاز الفقيد بالاستقلال في الرأي لدرجة ~~التشدد فيه والاستقامة الكاملة، ولا يمكن للإنسان أن يكون مستقلا في رأيه مرفوع الرأس بين ~~كل الناس إلا إذا كان مستقيما وشريفا مرتاح الخاطر والضمير منزها عن كل نقيصة؛ لذلك عاش ~~محترما وكان دقيقا ولذلك نجح في عمله وفي فنه إذ جمع بين المهارة الفنية والأخلاق المنزهة ~~عن النقايص، وهذا سبب نجاحه وسبب حب الجميع له. # وألقى حضرة الدكتور أحمد بك حلمي في مرثاة مؤثرة، نقتطف منها الأبيات الآتية: # اليوم يا عين سحي الدمع هتانا # وأمطري وأملأي ms193 ما استطعت غدرانا # وإن أبى الدمع سحا فاسمحي بدم # وابكي فقيدا سما بدر السما شانا # وأنت يا قلب فاخلع حلة جعلت # للأنس فالأنس ولى بعدما بانا # قد كنت أدعوك صبرا كلما عرضت # لي النوائب في صعب وما هانا # ألا على طلعت فاجزع وذب كمدا # واشرب عن الراح أكدارا وأحزانا # فالصبر يحمد إلا إن قضى رجل # كان الأنام له في العلم غلمانا # يا راحلا والحشا من هول فرقته # يسقي من الهم أشكالا وألوانا # ومنها قوله: # قد كنت في العلم نبراسا تضيء به # دجى الشكوك إذا صادفت حيرانا # بل كنت في الطب من آيات من سعدت # له البرية إخلاصا وإيمانا # إن عظم الناس بقراطا لحكمته # وألبسوا رأس جالينوس تيجانا # فأنت أرفع من هذين منزلة # وأنت أكثر إبداعا وإتقانا # أجدت كل فنون الطب معرفة # حتى غدوت لأهل الطب عنوانا # ما جس كفك من داء وأنكره # كأن طبك من إيحاء مولانا # ولا لمست مريضا أهله يئسوا # من الشفاء وسحوا الدمع طوفانا # إلا وهب نسيم البرء فانكشفت # عنه السقام وبات الكل جذلانا # | ترجمة فقيد المروءة والهمة والإقدام السري المشهور المرحوم محمد باشا الشواربي # كبير سراة مديرية القليوبية # وجه يبين عن الكمال ويسفر # وينم عن طيب الفعال ويخبر # هذا محمد بل وحاتم عصره # لو قام ينعته اللبيب الشاعر # أمست تذكرنا به أحفاده # فنبيت نحمد صنعه ونكرر # قوم إذا حل الذليل رحابهم # أضحى يصول بعزة ويفاخر ~~••• # يا حامد مهما أطلت مديحكم # فأنا لعمر الحق فيه مقصر # عمر أخوك أخو المكارم والندى # وصلاح يغبطه السحاب الممطر # سرتم بمصر على وتيرة جدكم # فغدا الزمان بذكركم يتعطر # السري المشهور محمد باشا الشواربي. # مولده ونشأته # هو ابن محمد سالم بن منصور بن محمد بن إبراهيم، قدم جده الأكبر ورئيس هذه العائلة ~~المباركة إلى مصر من نحو 750 سنة من الأقطار العربية عن طريق الشام في زمن الظاهر بيبرس ~~البندقداري، وعائلته قديمة عريقة في الحسب والنسب من أصل عربي، ومن أعلى القبائل ~~العربية نسبا وجاها، لها الشأن الرفيع والذكر الجميل في كل ms194 أدوارها. # ولد صاحب الترجمة سنة 1841م وتعلم العلوم الأولية، وشب على محبة الزراعة والتفكير في ~~إصلاح الأراضي وتنسيقها على الطرق التي جعلت أراضي دائرته خصبة نامية، وكل أمة لا تذكر ~~حسنات من تقدم من رجالها وفضائل أعمال أبنائها تضيع حلقات الاتصال بين ماضيها وحاضرها، ~~حلقات الماضي التي تذكر بعظيم الشكر والثناء والإعجاب لهذا الشهم الجليل، والرجل الكبير ~~محمد الشواربي باشا الذي يصح أن نلقبه «بالأمير العربي»؛ لأننا عرفناه شديد العصبية ~~العربية متينها، حتى كان يهتم لأقل نبأ عن العرب وبلادهم وشؤونهم، وآخر عهدنا به في ~~مجلس الشورى يدافع عن العرب بحماس شديد يوم وقف سعادة مرقص باشا سميكة، وطلب أن يساوى ~~عرب مصر بفلاحيها أو بسائر الأهالي وتلغى امتيازاتهم، استمر هذا الاقتراح مدة ثلاث ~~سنوات متوالية والشواربي باشا صامت رزين كعادته، ثم هب كالعاصفة بكل حماس ونشاط أثبت أن ~~هذه الامتيازات نالتها العرب بدمائهم؛ لأنهم كانوا سورا متينا للديار المصرية شرقا ~~وغربا، أمناء لكل أمير تبوأ كرسي الخديوية، وقد قال: «الأجدر بالمجلس أن يخفف العبء عن ~~الفلاحين فينال الفخر والأجر.» # ويكفينا أكبر برهان على سيرته السياسية حادثة عرابي باشا، إذ كان ينذر رفاقه «كما ~~يؤخذ من سجلات المجلس» بالويل من طغيان الجيش، ولما لم يذعنوا لمشورته وحاصر الجيش ~~النواب في منزل سلطان باشا، وأكرههم على إصدار قرارات لم يريدوها ولم يوافق عليها ~~الخديوي، التفت إذ ذاك شواربي باشا إلى زملائه، وقال لهم: هذه نتيجة تساهلكم فقد كنتم ~~بالأمس أقوى منهم وكانت البلاد سائرة إلى غرضها وحسن مستقبلها، والآن أنتم محاصرون ~~وغدا يقذفون بكم وبالوطن من حالق»، ولم يمض يومان حتى طغت الثورة وقام الجيش بمظاهرته ~~الكبرى أمام سراي عابدين، وتبع ذلك ما تبعه من الشر والبلاء وفي ذلك الحين كانت جريدة ~~الأهرام تجاهد في سبيل الأمن العام، وتنصح الثوار بأن يخضعوا للخديوي حتى لا يعرضوا ~~البلاد للخطر، فهب العرابيون يتهمونها بالخيانة والغدر فلما بلغ مسمع المترجم له، وهو ~~عالم أن جريدة الأهرام على حق وأن الجرائد الممالئة للثوار قد سممت ms195 عقول الأمة فتح ~~منزله الكائن في شارع الساحة بمصر لوكيل جريدة الأهرام، وكان يرسل معه خدمه يستلمون ~~أعداد الأهرام من السكة الحديد، ويحملونها إلى داره وتوزع من هناك، وقد كان الفقيد أول ~~من حافظ على حياة «أديب إسحاق»، الذي عينته الحكومة كاتبا لضبط محاضر المجلس، إذ آواه ~~في منزله مدة شهرين، والعرابيون يظنونه في منزل سلطان باشا، وللمترجم له أقوال وحكم ~~عظيمة ونصائح نفيسة. # الوظائف السامية التي تقلدها # أما أدوار حياته فإنه تقلد وظيفة وكيل مديرية القليوبية، ثم مديرا لمديريتي الجيزة ~~والمنوفية ثم تعين عضوا بمجلس النواب سنة 1882، وكان أشد مراسا وأحزم رأيا مع أحمد ~~باشا عرابي ثم تعين عضوا لمجلس الشورى، ثم وكيلا للمجلس أيضا وكان في كل هذه الوظائف ~~مثال الجد والنزاهة والإخلاص الحقيقي لوطنه. # الرتب والنياشين التي نالها # نال الفقيد العظيم رتبة البكوية في زمن المغفور له إسماعيل باشا، وحاز المجيدي الأول ~~والعثماني الأول ونياشين سامية من دولة إيطاليا، وأنعم عليه بالميرميران الرفيعة في زمن ~~ساكن الجنان توفيق باشا الخديوي الأسبق، والرومللي بيكاريبكي «بيلربيه» في زمن الخديوي ~~عباس الثاني. # إدارته المالية # كان الفقيد العظيم رجلا حازما فإذا صح لنا أن نذكره مصريا فهو من الأغنياء ~~المثريين، وإن قارناه بالإفرنج فإنه يضع الأمور في مواضعها الحقيقية؛ ولذلك سار سيرا ~~حميدا معتدلا وحفظ ثروته من التبديد، ولقد كان شفوقا رحيما حتى أبت نفسه الكريمة ~~رفع أجور الأدوار والعمارات وقال: «إنني لا أريد أن أظلم إنسانا حتى لا يظلمني أحد»، ~~ولقد عرض عليه أحد الكتاب كتابا ليشتريه فأجابه «إن مثلك يجب على الأمة أن تساعده ~~لتنشطه وتقوي عزيمته»، ثم أخذه منه ودفع له ثمن نسخة واحدة عشرين بنتو. فرجل مثل ~~الشواربي باشا لجدير بالأمة أن تفتخر به وجدير بالمؤرخين أن يسطروا تاريخه الناصع ~~البياض بين دفتي كتبهم؛ لتظل أعماله ناطقة له بالفخر والإعجاب ما دامت السماوات ~~والأرض. # أعماله الخيرية # كان من أعمال الفقيد الخيرية إنشاء مستشفى قليوب الشهير، هذا المستشفى الذي خفف ويلات ~~الفقراء والمساكين، إذ به من الأطباء ما ms196 يغني المريض عن الاستشفاء بمصر وإسكندرية، وهو ~~أعظم حسنة وأجمل معروف عمله الباشا عن حب لفعل الخير لا عن إرادته الشهرة الكاذبة ~~والجاه العريض. أقام مسجدا فخما بمحطة قليوب، أوقف وقفا خيريا للحرم النبوي، رتب ~~مالا مخصوصا لينفق على النجف النبوي. أوقف أوقافا خيرية لتكية أنشأها بقليوب، رتب ~~مرتبات خصوصية للأضرحة والعائلات الفقيرة، ولقد حج البيت الحرام مرتين وزار المصطفى # صلى الله عليه وسلم # ثلاث مرات، وبالإجمال فهو رجل تربى على البر والتقوى والصلاح وحب الفقراء ~~ومواساة البؤساء وتخفيف ويلات المنكوبين. # أخلاقه وصفاته # كان رحمه الله وأسكنه فسيح جناته لين العريكة لطيف المحادثة وديع الأخلاق يحب العلماء ~~ويجلهم، مشهور بالحزم وبعد النظر، وأصالة الرأي وطهارة الذمة والجد في كل ~~أعماله. # قضى حياته الطاهرة حتى كانت الساعة العاشرة من ليلة 13 يونيو سنة 1913 أصابته سكتة ~~بالمخ فاضت بعدها روحه الطاهرة لملاقاة ربها الكريم، ولقد كان خبر وفاته مؤثرا جدا ~~في نفوس الأمة رحمه الله وأحسن إليه وسقى ثراه بالرحمة والغفران. # | ترجمة حضرة صاحب السعادة السري الجليل حامد باشا الشواربي # كبير أعيان بندر قليوب وعضو مجلس النواب المنحل عن دائرتها # مقدمة للمؤرخ # إن الأمة التي تنجب أمثال سعادة حامد باشا الشواربي صاحب هذه الترجمة لجدير بأن تكون ~~في مصاف أرقى الأمم وأسعد الشعوب حظا، وإن مصر التي أنجبته لفخورة بهذا الابن البار ~~الذي رفع هامتها بغزير علمه، وعظيم نزاهته، وعلو همته، وشهامته وسمو تربيته وجمال ~~أخلاقه، ورفيع حسبه ونسبه، وإن التاريخ نفسه لمعجب بهذه الصفات الفريدة والمزايا ~~الجليلة التي تحلى بها هذا الشهم، والتي قل وجودها بين كثيرين من فطاحل الغرب. # حضرة صاحب السعادة السري الجليل حامد الشواربي باشا كبير وجهاء ~~مديرية القليوبية. # وإلى القارئ الكريم نسرد تاريخا بل صفحات بيضاء؛ ليكون في ذكرها خير مثال يحتذى ~~لأبناء الأجيال المقبلة عسى يحذون حذوه، ويهتدون بهديه فيشرفون وطنهم ويعلون قدر أنفسهم ~~والله الهادي إلى سواء السبيل. # مولده ونشأته # سطعت أنوار مولده الزاهر في 3 مارس سنة 1889 في قصر والده العامر بقليوب ms197 (مديرية ~~القليوبية)، فانشرحت لمولده القلوب وابتسمت الوجوه وأقيمت الأفراح، وأخذ والده في ~~تربيته في مهاد العز والمجد حتى بلغ سن التعليم فأدخله والده الجليل مدرسة قليوب ~~الابتدائية، فكان مضرب المثل في الذكاء المفرط وحسن الاستقامة والإقبال على العلم، ومكث ~~بها إلى أن فاز بشهادتها الابتدائية عام 1898 ومن ثم أدخل مدرسة الآباء اليسوعيين ~~بالقسم الثانوي، فساعده هذا الذكاء الفطري على إتقان اللغة الفرنسية والعلوم العربية ~~والفلسفية والتاريخية ونال شهادتها عام 1906، فطمحت نفسه العالية إلى المزيد وتطلب كئوس ~~العلوم العالية فالتحق بمدرسة الحقوق الملكية، فنال منها قسطا وافرا ونصيبا كبيرا ~~من التشريع والقانون، وباقي العلوم العالية ونال شهادة «ليسانس» عام 1910 بتفوق ~~عظيم. # وظائفه الحكومية # رأى حضرة المترجم له أن يقوم بالواجب المفروض عليه لخدمة بلاده المصرية المحبوبة، ~~التي أنجبته ويسعد مواطنيه بإظهار فضائله وغزير علمه، وعرف ولاة الأمور فيه طهارة الذمة ~~وعلو الهمة، فعين سكرتيرا بلجنة المراقبة القضائية عام 1911م، فكان في هذا المنصب محط ~~الإعجاب والإكبار من جميع رؤسائه الذين رأوا فيه الكفاءة والمقدرة؛ ثم انتخب ليكون ~~سكرتيرا لصاحب السعادة طيب الذكر المغفور له علي باشا أبو الفتوح وكيل وزارة المعارف ~~العمومية سابقا، فنال عطفه وميله الشديد إليه، ثم اختير سكرتيرا لحضرة صاحب السعادة ~~شكري باشا وكيل وزارة الحقانية في ذاك العهد؛ لما عهد فيه من الصدق والإخلاص والجد أو ~~كما قال فيه الشاعر. # كملت شمائله فكان نموذجا # للناشئين على الفضيلة والأدب # ولما كان صاحب الترجمة محبوبا كثيرا من المرحوم محمد باشا الشواربي كبير الأسرة ~~الشواربية، وقد توسم فيه الرأي الصائب والفكر الثاقب فقد أوصى له بنظارة أوقافه الشاسعة ~~يتولى إدارة شؤونها بنفسه، وذلك بعد أن تأكد لديه مقدرته وكفاءته وسعة مداركه وقوة ~~عزيمته، فقام فيما عهد إليه أحسن قيام وسلك في ذلك السبيل القويم مما يرضي الله تعالى ~~والناس أجمعين، ولم يغفل لحظة واحدة عن تنفيذ ما قد أوصى به المرحوم الواقف في وقفيته ~~مما بعث السرور إليه في مرقده. # ولما كان المغفور له الباشا المتوفى رحمه الله ms198 قد أوصى بمرتبات تصرف لفقراء العائلة، ~~فقد قام حضرة الوصي بإعطاء كل ذي حق حقه مما حبب إليه عموم أولئك الفقراء خاصة والعائلة ~~عامة. # وقد تولى الوصاية على تربية وتهذيب حضرة عبد الحميد بك الشواربي نجل المرحوم الباشا ~~المولود في يونيه سنة 1906، حيث وجه إليه عناية خاصة لتثقيف مداركه بلباب العلوم ~~والمعارف ليهيئ له مستقبلا باهرا ومركزا لائقا يليقان بشرف أسرته العظيمة ~~الجاه. # وظائفه القضائية # وقد تعين حضرة المترجم له قاضيا بالمحاكم الأهلية، فكان في كل أدواره فيها مضرب ~~المثل في طهارة الذمة والتأني في النطق بالأحكام بعد التثبت من وقائع الدعاوى، وكان ~~عادلا فيها كما وقد شغل قبل ذلك مركزا في النيابة العمومية، حيث كان وكيلا لنيابة ~~محكمة الزقازيق فكان والحق يقال مثال الموظف المجد النشط والعالم المقدام. # انتخابه عضوا بمجلس النواب المصري # وقد انتخب حضرة صاحب الترجمة عضوا بمجلس النواب المصري عن دائرة مركز قليوب بأغلبية ~~ساحقة، ذلك بعد أن تأكدت هذه الدائرة من مقدرته العلمية وكفاءته الشخصية، وإنه جدير ~~بهذه الثقة وقد كان بودنا أن يدوم هذا المجلس منعقدا زمنا طويلا؛ لنرى وقفات هذا ~~النائب الجليل ونسمع آراءه الصائبة واقتراحاته المفيدة، التي لا شك ستكون من ورائها ~~فائدة عظمى لتلك الدائرة التي انتخب لها. # وقد لا تقف مجهودات هذا العامل المجد عند هذا الحد فحسب، بل إنه قدم نفسه ليسافر على ~~نفقته الخاصة متجشما صعاب السفر؛ ليحضر مؤتمر بروكسل النيابي الاقتصادي، وليس بغريب ~~على حضرة النائب إذا قام بهذا العمل وقدم هذه التضحية، فله في كل عمل يد بيضاء تذكر له ~~بالتجلة والاحترام. # وقد حباه جلالة مولانا المليك المعظم حيث شمله بعطفه، فأنعم عليه في شهر سبتمبر سنة ~~1925 برتبة الباشوية فجاء هذا الإنعام مؤيدا لما لحضرة المنعم عليه من المنزلة العالية ~~والمكانة السامية، وقد كان له رنة فرح وسرور لدى كل عارفي هذا الشهم المفضال. # صفاته وأخلاقه # أما أخلاق سعادة صاحب الترجمة وصفاته فحدث عنهما ولا حرج، إذ اشتهر بالوداعة ودماثة ~~الأخلاق ولين العريكة والميل لعمل ms199 البر ومساعدة الفقراء يتألم لمصائب الناس معزيا ~~للبؤساء، يبذل الكثير من ماله الخاص إلى كل ما فيه رقي البلاد. # فجدير بمصر أن تفاخر بأمثاله، وتجاهر بفضله وعلمه أكثر الله من أمثاله بين أبناء ~~الكنانة العاملين على رفع لواء مجدها. # | ترجمة حضرة صاحب السعادة السري الجليل قليني فهمي باشا # إن المسئولية التي تلقى على عاتق المؤرخ عظيمة الشأن، كبيرة الأهمية، إذ يدعوه واجبه ~~التاريخي إلى البحث والتنقيب دائما وراء الحقائق حتى يبرزها في ثوبها القشيب مرآة لهذا ~~الجيل وقدوة ونبراسا لهداية الأجيال المقبلة، وإن ما يقاسيه المؤرخون في سبيل تخليد هذه ~~المآثر يجعلهم يصادفون عناء جما كسهر الليل وكد القريحة، ولولا ذلك لضاعت القدوة بعظماء ~~الرجال وأرباب جلائل الأعمال، ولا التذ سمع بخبر عن سلف من الأبطال؛ ولذلك كانت مسئولية ~~المؤرخ خطيرة الشأن أمام أفراد الأمة وأمام ضميره وبلاده، وعليه، أصبح من المقرر علينا ~~إجابة هذه المسئولية العظيمة بالبحث الدقيق والاستقصاء العظيم لمعرفة الحقائق، فنسطر بقلم ~~الإعجاب والفخر ترجمة حضرة صاحب السعادة الجليل قليني فهمي باشا الوطني الصميم، والفذ ~~العظيم شبل أسرة وجيه قومه المرحوم طيب الذكر خالد الأسرة يوسف بك عبد الشهيد أشهر مشاهير ~~الأقباط، وأحد أركان حكومة مصر في عهد الخديوي إسماعيل باشا الأسبق لأجل أن يقف القارئ ~~الكريم على مجد تلك الأسرة العريقة في الجاه، وقد رأينا من الواجب أن نأتي أولا بلمحة من ~~جليل تاريخها في عهد رجلها الأول ورئيسها الأساسي، ألا وهو المرحوم يوسف بك عبد الشهيد. # رسم وتاريخ حضرة صاحب السعادة السري الجليل المفضال قليني فهمي باشا من ~~عظماء الأمة المصرية. # تاريخ المغفور له يوسف بك عبد الشهيد # المرحوم يوسف بك عبد الشهيد هو النجل الوحيد للمرحوم والده عبد الشهيد شهير وقته، وقد ~~اعتنى بتربيته وغذاه بلبان الفضيلة والأدب حتى أخذ نجم يوسف بك يسطع بين كبار المفكرين ~~في الأمة المصرية بصفته العالية، وهمته الشماء فنال المكانة الرفيعة بين كبار الحكام ~~ورجال العلم والفضل الذين كانوا يحبونه لمقدرته وكفاءته، وحدة ذهنه وذكائه وكان صديقا ~~حميما ms200 للمرحومين الشاعرين الجليلين الشيخ علي الليثي والسيد علي أبو النصر شاعر الحضرة ~~الخديوية إذ ذاك، والمرحومين العالمين الكبيرين الشيخ عيسى والشيخ المهدي، فما وصل صيته ~~إلى مسامع ساكن الجنان الخديوي إسماعيل باشا، حتى أكبر قدره وأنزله منزلة العظماء بين ~~أمته وشمله بتعطفاته طول مدة حياته، ولا عجب إذا نال المترجم هذه المكانة السامية؛ لأنه ~~عاش معروفا بين قومه بعمل الإحسان والبر وتعضيد كل عمل خيري أو أدبي، وكان يميل بفطرته ~~إلى فض المشكلات والمنازعات التي كانت تقوم بين الأهالي والحاكمين، حتى كان الناس ~~يقصدونه من كل الأقاليم القبلية ؛ ليوسط لهم في أمر أو يحسم لهم نزاعا، كما كان عمد ~~وأعيان البلاد يعتبرونه كأب شفيق لهم لا يعملون عملا إلا بعد استشارته، والأخذ برأيه ~~ولا يسيرون في طريق إلا بعد نصيحته لهم التي كانت تصدر من نفس رجل طيب طبع على التقوى ~~والورع، وقلب إنسان جبل على محبة الإنسانية، وتأدية فروض الذات الإلهية بما يرضيه تعالى ~~ويرضي عباده أجمعين، وقد شاد جملة كنائس للأقباط في جهات مختلفة منها كنيسة طحا ~~العمودية، وأخرى بنزلة الفلاحين وغيرها بدمشير، وساعد بماله على تشييد كنيسة المنيا ~~الكبرى ويذكر تلك المآثر الجمة والأيادي البيضاء. # حضرة صاحب المعالي الوزير الجليل محمد فتح الله بركات باشا وزير ~~الداخلية سابقا والعضو بمجلس الشيوخ. # العين وقف للبكا من شافعي # يا مالكي أنا عبد بيعك والشري # أبصرت من ضوء الجبين وشعره # واللحظ ملء الكون بدرا مقمرا # يحلو لدى قلبي الغرام كما حلا # مدحي (لقليني) الهمام مكررا # يا قدوة البيت الذي جاز السهى # شرفا فأصبح في الورى سامي الذرى # قد عرفتك إلى العلاء معارف # أما سواك فلا يزال منكرا # هيهات أن مدحوك حتى خلتهم # ملأوا الصحائف أسطرا أو أسطرا # بك ألبست هذي البرية عزة # فغدت كروض بالسعادة أثمرا # يا آسر الأحرار أنت أسرتني # فغدوت مملوكا وكنت محررا # حسبي من الأيام أنك موئلي # وملاذي الأقوى إذا خطب عرا # وكفى من الدنيا بقاؤك راقيا # في ذروة العليا المقام الأكبرا # يا واهب المعروف مبتدئا به ms201 # عذرا إذا مدحي أتاك مؤخرا # يا أيها المولى الذي بمديحه # وثنائه هذا اللسان تعطرا # ما زالت الآمال نحوك قصدا # تبرى مطاياه الأزمة والبرى # حتى إذا لاقت رحابك واسعا # قالت: حمدنا ها هنا غب السرى # لك في الحشار ناران نار في حشا ال # أعدا وأخرى في المواطن والقرى # فلإن مدحتك في الحياة وبعدها # عرف الثناء يفوح من طي الثرى # ولأغبطنك في الفصاحة كلما # نمقت طرسا أو علوت المنبرا # هذا ثناء أخي الولاء وإنه # ما زال في عرف الثناء مقصرا # لا زلت في وفد العلاء مقدما # وسواك في وفد العلاء مؤخرا # تسعى فتشكر والمساعي جمة # وتنال حظا في المعالي أوفرا # قليني باشا رجل ديموقراطي المبدأ يقيم في مصر سبعة أشهر وفي أوربا خمسة، ومشتاه في ~~حلوان، وهو على جانب من الثروة، ومن أكبر الأسر في الأقباط. # وله ولع بالأسفار وشدة شغف بالسياحة، ساح في فرنسا، وإنجلترا، وإيطاليا والنمسا، ~~والمجر، وألمانيا، وسويسرا، وروسيا، وزار تركيا، واليونان، وبلغاريا ورومانيا، وهو من ~~المصريين الأفذاذ الذين قاموا بالسياحات في الجزائر وتونس. # ولو قدر لك ورأيت صاحب الترجمة لرأيته رجلا حاضر الذهن، قوي الفكر رقيق الشعور، ~~يخيل إليك أنك تقرأ في أسارير وجهه مكنون سريرته، وإنك لتجد منه استئناسا وبشرا ورقة ~~خلابة، فإذا ما سايرته وبادلته الرأي وقارضته الحديث أيقنت ساعتئذ أنك في حضرة عظيم ~~يضطرك إلى احترام رأيه، والتسليم به وأن تذهب معه المذهب الذي يريد وقد يبهرك بالحجة، ~~ويبغتك بالبرهان فلا ترى وجها لمنازعة القول ولا تفارقه إلا وأنت مطمئن الرأي موفور ~~الإقناع قوي الفكر، ذلك لأن للقوة عدوى سريعة الظهور فكل ما يجعلنا أقوياء في الرأي ~~والروح والوجدان يزيد في قوتنا، ويفتح أمامنا أبواب العمل ويبسط قبالتنا ميدان الفعل ~~ونحن بني الناس مدينين لكل قلب كبير، وعقل عبقري، ولسان عذب، وروح متقدة، ونحن لا نستمد ~~شيئا من المجتمعات وإنما من تلك الأرواح الرقيقة، والقلوب الشريفة التي تخرجها لنا ~~القوة الإلهية بين عديد ما يتخرج في كل يوم من تلك القوالب الإنسانية المعتادة، التي لا ms202 ~~يفترق بعضها عن بعض إلا في أحجامها وأشكالها واختلاف تركيبها. # وإنك ليتبادر إليك في لغة حديثه إذ أنت جلست إليه معان جمة ما شئت من أدب وعلم وفضل ~~واستمكان، وإن من الناس من يحاجك كأنك خصمه، فلا يزال يعطيك من صخبه وشدة جدله حتى تقوم ~~من حضرته وأنت لحديثه كاره، ولكن الأناة والتؤدة والقول العذب اللين من شأن الرجل ~~العظيم، وهذا ما نشعر به في حديث صاحب الترجمة وإنك لتصغي إلى قوله وهو يتدفق متدبرا ~~متئدا، فيخيل إليك أنه يتناول من ذاكرة حافلة مترعة وليس بمرسل القول للعفو والساعة، ~~وهذه خلة كانت ولا تزال نصيب راجحي العقول موفوري الحجى. # وقليني باشا بالإجمال عبارة عن حركة عمل لا تهمد، وشعلة من نار لا تخمد، فإنه بينما ~~كان يدير جملة مصالح في آن واحد، نذكر منها مصلحة الدخوليات بمصر وإسكندرية وعموم مدن ~~القطر المصري، كان يدير أيضا مصالح الملح والنطرون، ومصالح مصايد الأسماك بالنيل ~~وفروعه وبالبحر الأبيض المتوسط، ومصلحة الملاحة من وابورات ودهبيات ومراكب وفلايك ~~ومعادي، ونحو ذلك من كباري وأهوسة، ومصلحة الضربخانة ودمغة المصاغات، وقسم المستخدمين ~~كان أيضا مديرا للإدارة العمومية ورئيسا لمجلس التأديب، وفي الوقت عينه كان عضوا ~~بلجنة تعيين المستخدمين بالحكومة وبلجان عديدة أخرى، وفضلا عن سعيه المتواصل في إبطال ~~جملة ضرائب كانت ثقيلة على النفس، فإن الإيرادات للمصالح التابعة إليه زادت 50٪ خمسين ~~في المئة من ضبطه للأعمال ودوام يقظته، وعند استقالته من خدمة الحكومة لم يتبع سنة ~~أرباب المعاشات من الانكماش عن العمل، كلا بل ظهر في ميدان العمل بحرية أكثر من قبل ~~ونشاط فوق نشاطه المعتاد، حتى كان يتصور للإنسان أن وجوده في خدمة الحكومة كان مقيدا ~~لحريته، وقد بث مبادئه ونشر معلوماته فاشتغل في نشر أفكاره على صفحات الجرائد بما يعود ~~بالخدمة النافعة لمصلحة البلاد خصوصا بالمسائل الاقتصادية، فعرض جملة اقتراحات نافعة ~~منها إنشاء بنك وطني رأس ماله يكون من ضريبة القطن حتى يكون أمره منه وإليه؛ ليحمي ~~البلاد من الأزمات المالية التي وقعت فيها بسبب ms203 قفل البنوك الأجنبية في وجه العامة عند ~~الاقتضاء والحاجة، ومنها اقتراح على الحكومة بسد ديون الأهالي وقيامها مقام البنوك ~~العقارية حرصا على ثروة البلاد العقارية من ضياعها ووقوعها بين أيدي الأجانب، وكثير من ~~المشروعات النافعة السديدة، ومن مبادئه التي اشتغل بها على الدوام حب الصلح والسلام، ~~ودوام المسالمة بين العناصر، وخصوصا القبطي والمسلم حتى عده الخطباء والعقلاء برسول ~~السلام عندما كان يسعى لإزالة الخلاف الذي تسبب بسبب المؤتمرين القبطي والمسلم، فهو ~~القبطي الوحيد الذي لم يستحسن إقامة المؤتمر القبطي، حيث كان يرى أن ذاك يكون سببا ~~لعداوة إخواننا المسلمين وقاموا عليه الأقباط وقتها، ولكنهم في النهاية قدروا رأيه ~~السديد، وهو كثير الاهتمام بالشؤون العمومية غير مبال بما يطعن في حقه ما دام يحقق نفع ~~عمله للمجموع، وله مواقف عديدة بالجمعية التشريعية تشهد له بعلو الهمة واستقلال الرأي ~~مع سرعة الخاطر، وهو رجل حاد المزاج شريف العواطف مخلص وفي يميل لإنشاء دور العلوم ~~والمعارف، يحب المطالعة ويحترم الرأي العام ويعظم قدر الجرائد النافعة المجردة عن ~~الغاية والمصلحة الذاتية، وله ولع بتربية أولاد الفقراء والمساكين، ويزور مدارس الأيتام ~~من حين لآخر، ويمدهم بالمساعدة، لطيف المعاشرة بشوش الوجه يسحرك بلطفه إذا تكلم، وتقوم ~~من مجلسه وأنت مسرور الخاطر شاكرا ما لقيته من لطفه المتناهي وحديثه العذب، وولعه بنشر ~~راية العلم، قد أوقف عشرين ألف متر لإقامة دائرة معارف عليها للبنين والبنات، وقدرت ~~بعشرين ألف جنيه. # أما الآن وقد حررنا هذه المقدمة بإجمالية ما عرفناه عن صفات المترجم، فنأتي الآن على ~~تاريخ حياته بالتفصيل فنقول: # مولده ونشأته # سطع كوكب ميلاده الوضاء في غضون سنة 1860م بنزلة والده يوسف بك عبد الشهيد، وهي قرية ~~من قرى الصعيد في مديرية منية ابن خصيب (المنيا) تعرف قديما بنزية الفلاحين، وكان ~~المرحوم والده شديد العناية بتربيته، ولما توسم فيه مخائل الفطنة ودلائل النجابة أدخله ~~مدرسة الأقباط الكلية في مصر القاهرة، وكان يومئذ يناهز الثانية عشرة من العمر، فجاء في ~~جملة فريق من إخوانه، ولبث مكبا على الدرس باذلا ms204 جهد استطاعته فيه. # أقام صاحب الترجمة في المدرسة وهو كلما انتهج سبيلا من سبل العلم استنفد وسعه في ~~إتمام تحصيله، حتى أصبح مثلا سائرا على السنة الطالبين والمعلمين، فقرأ العربية على ~~الشيخ محمد القنائي النحوي الشهير وأخذ الفرنساوية عن مصطفى بك رضوان أشهر العارفين بها ~~في ذاك الزمان، وحفظ ألفية ابن مالك وشرح ابن عقيل، وكان مولعا بالكتابة والمناظرة ~~ينتقد كل فاسد من الأخلاق والعادات، ونال من نظارة المعارف العمومية مدة دراسته جوائز ~~جمة مكافأة له على اجتهاده وفوزه ونجاحه، واشتهر صاحب الترجمة بالجرأة على مخالطة كبار ~~القوم إلى حد هو بالمناظرة أشبه. # أشغاله الحكومية # عين المترجم في 18 أبريل سنة 1875 سكرتيرا بديوان جفالك الدائرة السنية، وكان موضع ~~ثقة جميع الناس لما عرف به من النشاط والصدق في أدائه عمله، وكانت أعمال الدائرة السنية ~~في تلك الأيام سائرة بطريق السخرة، وما أدراك ما السخرة فالزارعون والحاصدون وحافرو ~~الترع، يؤتى بهم من أقاصي بلاد الصعيد زرافات وأفواجا، وكلهم عاملون من غير أجر فكنت ~~ترى القائمين بهذه الأعمال الشاقة شيوخا وولدانا كهولا وشبانا نسوة ورجالا أرامل ~~وأيتاما، ومنهم المرضى وذوو العاهات، ومنهم الحبالى من النساء، وأخريات يحملن في يد ~~رضيعهن وهن مثقلات بالأحمال في اليد الأخرى وعلى الرءوس. كان لهذه السخرة من نفس صاحب ~~الترجمة موقع استياء واشمئزاز يدب في إحساسه، ويستفز من عواطفه كلما شاهد من آثارها ~~أثرا، ولكنه لم يستطع أن يشير بما يشتم منه رائحة اللوم أو عدم الرضا، وكيف وكل من ~~عرض بشيء من هذا في تلك الأزمان انصبت عليه مصائب الطرد والحرمان، ولم يزل قليني باشا ~~ساخطا على تلك السخرة الممقوتة ناقما عليها إلى أن تشكلت في مصر وزارة للمرة الأولى ~~برئاسة المأسوف عليه نوبار باشا، وابتدأت يد الانتظام تتناول كل مختل من الأحكام، فدار ~~في خلد المترجم أن يجعل هذه البداءة نهاية لتلك المظالم الفادحة، لذلك حادث في أمر هذه ~~السخرة صاحب الفضل المأثور رجل المروءة وكل عمل مشكور، سلطان باشا رئيسه في ذاك العهد، ms205 ~~مبينا مضارها بمصلحة البلاد والعباد، طالبا إليه بذل وسعه في أن يؤدي أعمال الدائرة ~~عمال يتقاضون أجورهم على شروط عادلة كافلة بالمرام. وقال في ذلك كلمة حق: إن كل عمل لم ~~يؤده خبير به يرى إليه نفعه ومنه كسبه ساءت فيه آماله، وانثنت عنه أمياله فكانت رغبات ~~المرحوم سلطان باشا موافقة تمام الموافقة على هذه المبادئ، فتابعه فيها واتفق معه ~~عليها؛ لأنه رحمه الله كان من خيرة القوم وأشرف أهل عصره نفسا وإحساسا، فكتب في هذا ~~الصدد كتابا وأنفذ به صاحب الترجمة إلى رئيس الوزارة، فقابله نوبار باشا بالترحاب ~~والإيناس، وكان أن استدعى المرحوم سلطان باشا إلى مصر، وأخذت هذه السخرة دورا كبيرا ~~في دائرة الحكومة، وانتهى الأمر بإلغائها، وقام بتنفيذ ذلك سلطان باشا، وكان صاحب ~~الترجمة عضده الأقوى فيه. # وفي سنة 1882م تعين قليني باشا وكيلا لديوان عموم الجفالك، وقد انتابت البلاد في تلك ~~الأثناء الحادثة العرابية المشهورة، وألصق بالمرحوم شاكر باشا مدير المنيا وقتها تهم ~~باطلة أخذ من أجلها مغللا بالقيود، ولاقى من جرائها ضروب الذل والهوان، فلما رأى ذلك ~~المرحوم نعماني باشا مفتش عموم الجفالك إذ ذاك، خاف أن يصيبه ما أصاب هذا المدير فتمارض ~~واستصدر الإذن في إجازة له، وغادر ديوان الجفالك يديره صاحب الترجمة ويتولى جميع أمره ~~تحت مسئوليته. # وقف قليني باشا إزاء هذا الموقف الحرج بثبات قلما يثبت في مثله غيره، وما لبث أن ~~جاءته ثلاثة أوامر من مدير المنيا الذي وليها بعد مديرها الأول يقول له فيها: إنه بناء ~~على ما صدر من حامي حمى الديار أفندينا عرابي باشا يلزم تنفيذ الأوامر الآتية فيما لا ~~يتجاوز أربعا وعشرين ساعة وهي: # أولا: # قطع قطبان السكك الحديدة الزراعية في أرض التفاتيش جميعها، وإرسالها ~~هي والأدوات المتعلقة بها إلى مخازن الحربية، وكذا أخشاب ومهمات ~~التلغراف الزراعي. # ثانيا: # قطع كل أشجار تفاتيش الدائرة وتهيئتها لمطابخ الجيش. # ثالثا: # إنفاذ كل المحصولات الموجودة في الجفالك والفابريقات. # فتلقى صاحب الترجمة ذلك باستغراب لا مزيد عليه، وكتب للحال إلى المدير يقول ms206 له: إنني ~~أود تنفيذ الأوامر التي بعثتم بها إلي إذا كنت في مقام المالك لهذه التفاتيش، ولكني ~~موظف بها أتبع في مثل هذه الحال أوامر مجلس الإدارة الأعلى، فهو رقيب علي في جميع ~~أعمالي محاسب لي على كل كبيرة وصغيرة آتيها، وهو وإن كان لكل دولة عضو عامل فيه إلا أنه ~~لا يعظم على قوة الجيش أن يستصدر أمره بكل شيء أراده، ثم قال: ولو فرضنا بصدور أوامر ~~بإجابة الطلبات المنوه عنها، فليس من المعقول أن يتيسر نفاذ كل ذلك في مسافة 24 ~~ساعة. # كان عاقبة هذا أن عد المترجم من العصاة، وجاء الأمر بإرساله إلى الطوبخانة مكبلا ~~بالأغلال فدعاه المدير إليه لإبلاغه هذا الأمر فلم يجزع ولم يضطرب، وقال له: إنني آسف ~~أن مديرا مثلك لا يفهم ما يكتب إليه فيؤديه جهله به إلى سوء العاقبة والإضرار بالناس، ~~فإني ما عصيت أمرا، ولم أعارض فيه، ولكني بسطت لك الحالة، وكأني أريك به الباب الذي ~~منه تدخل توصلا إلى نيل مطلوب العرابيين؛ ولكي أنال تخلصا من شر التبعة فيه. وأطال ~~معه الكلام على هذا الأسلوب المؤثر موهما إياه أنه سيلقيه عند العرابيين تحت ذنب كبير، ~~فلم يجد المدير مناصا من التماس العفو عنه، وقد كان، وخرج قليني باشا من هذه الورطة ~~فائزا بفضل ثباته وفرط دهائه وقوة بيانه. # وجاء صاحب الترجمة مصر بعد خمود نيران هذه الثورة يوم كان المرحوم سلطان باشا نائبا ~~عن الحضرة الفخيمة مكلفا بإدارة شؤون البلاد، وقائما بعمل تحقيق عمومي فكان بيته أشبه ~~شيئا بيوم الحشر تؤمه الألوف من الناس ما بين متظلم ومبلغ ومنفذ ورسول، والأوامر ~~تتوالى بسجن كل من وجهت إليه تهمة الاشتراك في الثورة، وإرجاء التحقيق إلى ما بعد، ~~وبينما كان المترجم على مائدة المرسوم سلطان باشا في محضر من أعاظم القوم، إذ ورد ~~تلغراف يوهم فيه مرسله أن نيفا وأربعين من عمد مديرية الفيوم ليسوا بمخلصين للذات ~~الخديوية ومن أكبر العصاة للأوامر الحكومية، فأشار سلطان باشا بالاتيان بهم محتفظا ~~عليهم، فقال له ms207 صاحب الترجمة: أيأذن لي الباشا أن أقترح عليه شيئا يذهب بكثير من ~~متاعبه هذه؟ قال: نعم. قال: الأولى أن تصدر أمرا بحبس جميع أهل القطر كله، فكلهم ما ~~بين مشترك في الثورة ومجامل للعرابيين ومعتزل عنهم لا يأمن شر الواشين الآن. فأطرق ~~الباشا قليلا وقال له: إن في قولك لحكمة وعظة. وقد استدعى كلام المترجم شفقته على من ~~زج في السجن إلا من ثبت عليهم أمر، وانتهج سبيل رحمة غير هذا السبيل. # وفي أول أبريل سنة 1886م عين قليني باشا عضوا في الدائرة السنية، وكانت هذه بمثابة ~~مجلس ابتدائي لمجلسها الأعلى. # ومما يذكر له بالمدح والإطراء من أعماله فيها أن جل القواعد الأساسية، التي وضعت ~~للدائرة السنية إنما هي من موضوعاته ومقترحاته، وله من الطرق الإصلاحية والاقتصادية في ~~أحوالها الزراعية أعمال كثيرة، نال بسببها ثقة قلما حازها غيره من وصفائه، فكانت كتب ~~الشكر تترى عليه من جانب المجلس الأعلى حينا بعد حين. # وفي مارس سنة 1887 أنعم الجناب العالي المغفور له توفيق باشا الخديوي الأسبق عليه ~~برتبة المتمايز الرفيعة الشأن. # وفي أول شهر يناير سنة 1888 عين مفتشا عاما للدائرة السنية، فلم يكن من مشكل في ~~أعمالها إلا كانت له اليد البيضاء في حله. # أخبرني أحد العارفين بسيرته قال: ورد إلى الدائرة ذات يوم كتاب من مفتش لها في بلاد ~~الصعيد، وكان موثوق بقوله لديها قال فيه: إنه لا ثقة له بجميع مستخدمي ذلك التفتيش، ~~وطلب نقلهم كلهم إلى تفاتيش الدائرة الأخرى مبينا لذلك أسبابا يتوهم المطلع عليها ~~صدقها، وأن في الأمر غاية غير محمودة العقبى، وقال في آخر كتابه هذا: إنه إذا لم تجبه ~~الدائرة إلى ما يطلب فلا مسئولية عليه فيما يكون، فارتجت لذلك الكتاب أرجاء الدائرة، ~~وأوشك المجلس الأعلى أن يقرر فيه بالإجابة، لولا أن قام من بين أعضائه طالب يسأل التروي ~~قبل هذا القرار، وارتأى أن يعهد إلى صاحب الترجمة في التحقيق أولا، فإذا ظهر أن القول ~~حق لم يكن لاحتمال الظلم مظنة في النفوس، فذهب ms208 قليني باشا واستبان شيئا ما كان ليخطر ~~بالبال، ذلك أن المفتش المذكور من أحقر أسر تلك الجهة، وكأنه لما خفقت على رأسه راية ~~هذه الوظيفة عز عليه أن يكون بين جماعة من المستخدمين عارفين بحقيقة نسبه، فلا يرونه ~~بالنظر الذي يود أن يروه به من التجلة وعلو المقام، فكتب ما كتب من غير أن يكون لذلك من ~~سبب، ورفع صاحب الترجمة تقريره بما انتهى إليه في التحقيق على هذه الحال طالبا عقاب ~~المفتش على افترائه، وأن تسلخ عنه كل ثقة للدائرة فيه، قال: وإلا فإذا دامت الدائرة على ~~وثوقها به فلا تجعل هذه الفئة الضعيفة من المستخدمين ضحية عاجلة له، بل تعمل في نقلهم ~~على سنة التدريج حتى لا يكون من ذلك اضطراب في الخواطر والأفكار، فأجيب إلى طلبه الأول ~~ونال مزيد الثناء والشكر لاهتدائه إلى الحق، وله مواقف عديدة من هذا القبيل منها ما ~~يأتي: # كان المغفور له إسماعيل باشا الخديوي الأسبق وهب المرحوم خيري باشا خمسمائة فدان من ~~أراضي تفتيش طناح، وكأن المساح الذي سلمها إليه كان يتوقع منه رشوة، فلم يجبه إليها ~~لذلك أنقص من الأرض المذكورة عشرين فدانا موهما إياه أنه حاصل على حقه تماما، فلما ~~علم المرحوم خيري باشا ذلك كتب إلى الدائرة مرارا يشكو معاملة المساح ويسأل إنصافه ~~منه، فعينت لهذا الغرض قومسيونا إثر ثان عقب ثالث بعد رابع إلى أن بلغ عددها اثني عشر، ~~والكل يرجع قانعا بقول المساح، فعهد إلى صاحب الترجمة أخيرا في حل هذه المشكلة، فلما ~~توجه إلى تلك الناحية علم مما حققه أن المساح قد غدر بصاحب الأرض فيما شكا منه، ~~فاستدعاه إليه وسأله في ذلك فأنكر، فأصدر أمرا أن يمسح أطيان الدائرة السنية في طناح ~~على حدة، ثم أراضي المرحوم خيري باشا أيضا، وأن يكون هذا بمحضر جماعة المساحين انتخبهم ~~المترجم، قال له: فإن كان في أراضي الدائرة زيادة يقابلها نقص مثلها في أرض المشتكي فهي ~~من حقه، وإلا فلا. ارتعدت فرائص الرجل ووقع على قدميه معترفا بالحقيقة ms209 سائلا العفو ~~مدعيا أنه فعل ما فعل على ظن أنه خدمة منه للدائرة يقابل أوفى الجزاء عليها، فأهانه ~~الباشا أشد الإهانة وطلب طرده من خدمة المصلحة، وأمر بتسليم القدر الناقص إلى مستحقه ~~مكلفا الدائرة بتأديتها إجارة في المدة التي لبثت فيها مالكة له من غير حق. # وفي سنة 1888 أنعم عليه بالنشان المجيدي من الدرجة الثالثة، وفي يوليو سنة 1890 وقع ~~اختيار صاحب الدولة رياض باشا رئيس مجلس الوزراء ووزير المالية والداخلية وقتها عليه، ~~فعينه مديرا للإدارة العمومية ومراقبا للأموال الغير مقررة في وزارة المالية، فجاءه ~~مزودا من الدائرة السنية بجواب كله مديح له وثناء طيب عليه؛ لما أظهره في خدمته فيها ~~من عالي الهمة والنشاط والجد بأفضل ما عرف عن كبار الموظفين، فسار إليها سيرا حميدا ~~دل على فضله وقدرته على رتق الفتوق، وإصلاح كل فاسد من الأعمال، وكان محط آمال المصلحين ~~فيما أصلحوا، وفي أكتوبر سنة 1891م منح من لدن الحضرة الفخيمة الخديوية النيشان ~~العثماني من الدرجة الثالثة، وفي ديسمبر سنة 1892 حاز النيشان المجيدي الثاني. # وقد أحيلت عليه أعمال الدخوليات بالمملكة المصرية علاوة على ما تقدم، وفي يناير سنة ~~1893 عين مراقبا عموميا للأموال غير المقررة والدخوليات، فلما تولى هذه الإدارة جعل ~~يعمل فيها بما حقق الثقة به، وأطلق الألسنة بشكره والثناء عليه، وناهيك برجل شهد الناس ~~بجدارته وذكائه، فأصبح في مصاف المصلحين في هذا العصر، ولو أني عددت من مآثره في هذه ~~الإدارة كل ما وصل علمي إليه لأسهبت في البيان بما لم أرتسمه لنفسي في كتابة هذه ~~الترجمة، ولكنك إذا ما رأيت هذين الساحلين العظيمين في مصر: ساحل روض الفرج، وساحل أثر ~~النبي بأحسن نظام خصت به أوسع البلاد تمدنا وحضارة؛ علمت سعي الرجل في إعلاء شأن مصلحته ~~ومستخدميها، حيث مهد لهم درجات يرقون إليها على القاعدة المتبعة في الحكومة، وجعل منهم ~~رجالا للضابطة القضائية وآخرين في وظائف عالية، وعرفت ما يعامل به المتمولون من اللطف ~~والدعة في قضاء مصالحهم، وما يصادفونه من دواعي التسهيل ms210 والمساعدة. # واستطلعت عواطف الرجل نحو بني الإنسان بسعيه على الدوام في إلغاء عوائد الأصناف ~~الكثيرة التداول بين الفقراء وإبطالها أصلا، من نحو اثنتي عشرة عائدة في أرياف مصر مما ~~كان يبلغ دخله 100000 جنيه، ومعافاة جميع المراكب وإضرابها من رسوم الهويسات، التي كانت ~~تقدر بمبلغ 80000 جنيه، وتجاوزه عن عوائد الغيطان والجنائن في داخل مدينة مصر. # ورأيت مع هذا التجاوز وذلك التسهيل كله أن إيرادات مصلحته قد زادت عما كانت عليه قبل ~~أن تلقى إليه مقاليدها بمبلغ 334320 جنيها، ولاحظت رفقه بالحيوان إلى حد أنه لم يستطع ~~أن يسمع أو يرى تلك القسوة التي كانت تعامل البهائم بها من كيها بالنار فأبطلها قائلا: ~~إنه ليس لهذه الحيوانات من ذنب جنته علينا فنؤاخذها بعذاب أليم مثل هذا، وأن لا سبيل ~~لنا إلا إذا كان ثم ذريعة أخرى أدعى إلى الغاية المقصودة منه. # واستتب نظام إدارته في جميع الأعمال الإدارية وضبط نقط الملاحظة بتمهيده سبيل ~~المواصلات بها؛ لإحاطته علما بكل حادث في حينه، وإصلاحه نظام مصلحة المطرية بما دعا ~~إلى ربح الحكومة منها أضعاف ما كانت تربحه قبل، مع أنه سهل الضرائب فيها وألغى منها ~~جانبا عظيما، ورفق بالأهالي كل الرفق فوهبهم بعد الاستئذان أرضا يبنون فيها دورهم، ~~وأنشأ لهم أسواقا ومخازن ومد في طرقهم السكك الحديدية. # إذا استغربت كل هذا على ذلك الإجمال ترى الرجل آية في الناس خليقا بما هو فيه من ~~الرفق وعلو المقام، جديرا بأن يتولى عظائم الأمور ويرقى كل منصب عال، وقد قام من بين ~~طائفة الأقباط حزب وجه سهام العدوان إلى غبطة بطريكهم الجليل، وكان منشأ هذا سعي بعضهم ~~في سلبه اختصاصه منكرا عليه تلك السلطة الواسعة، دون أن يكون له شريك فيها من أبناء ~~الطائفة، وقد استمال ذلك الحزب جانب الحكومة، واستصدر أمرها بنفي البطريك إلى دير ~~البرموس، وكان صاحب الترجمة يومئذ في إجازته بأوربا، فما اتصل إليه نبأ هذه الحادثة حتى ~~أسرع في الأوبة إلى مصر، واتفق أنه على أثر حضوره تقلد صاحب الدولة ms211 رياض باشا رئاسة ~~الوزراء، فسعى لديه كثيرا ولدى الجناب الخديوي المعظم، فظهر فساد زعم الذين استصدروا ~~ذلك الأمر بنفي غبطة البطريرك، مما أوجب استدعاءه، فقوبل بالإجلال والإكرام من طائفته، ~~ووثق المترجم صلات المسالمة بينه وبين الحزب المضاد له. # معلوماته الزراعية # ويعد قليني فهمي باشا في أول طبقات العارفين بأصول الفلاحة في هذا القطر، المتدربين ~~على أعمالها الراسخي الأقدام في فنونها لمزاولته إياها زمنا طويلا حين خدمته في ~~الدائرة السنية، واشتغاله بها في تلك الأطيان الشاسعة لآبائه وآله العديدين في مديرية ~~المنيا. # ومما يدل على ذلك أن وزارة المعارف العمومية لما أن أعيتها كل حيلة في سبيل إصلاح ~~الوادي التابع لها، كتبت في سنة 1894م إلى وزارة المالية ترجو تكليف صاحب الترجمة أن ~~يذهب إليه ويتعهد مواضع خلله، ويبين الطرق التي يتوسم له الخير فيها فاستدعاه جناب ~~المستشار المالي، وأفهمه أن المالية تهتم لهذه المسألة اهتمام المعارف لها وأزيد، وطلب ~~إليه إجراء كل بحث يتعلق بها وموافاته بآرائه السديدة فيها، فبعد أن أقام قليني باشا ~~هناك أياما كلها بحث واستطلاع جاء الوزارة المشار إليها بتقرير أوضح فيه العلل التي ~~أوجبت انحطاط هذا التفتيش الواسع، وبين العلاج اللازم لإزالتها فعملت الحكومة طبق ~~آرائه، مما أعاد التفتيش إلى مرتبة عالية جاءت بكل الخيرات على وزارة المعارف. # وفي يناير سنة 1901 أنعم الجناب الخديوي عباس باشا الثاني عليه برتبة الميرميران ~~الرفيعة، فازدحمت على بابه ألوف المهنئين ووردت عليه رسائل التهنئة من جميع الطبقات، ~~وقدم له لفيف من الشعراء شيئا كثيرا من القصائد والمقطوعات، مما لو جمع على حدة لكان ~~ديوانا كبيرا، أخص من بين هذه تاريخا لرب الفضل وحامل لواء الأدب الشاعر الشهير ~~المفلق، نابغة فضلاء الشرق صاحب السعادة المرحوم علي رفاعة باشا وكيل وزارة المعارف ~~سابقا، قال أعزه الله: # ألا يا ابن الأماجد زدت فخرا # بأشرفه على الأقران سدتا # فشرف فوقه والآن أرخ # بميرميران قليني صعدتا # سنة 1318 # 553 200 565 # وقال حضرة الأستاذ العلامة المرحوم الشيخ سليمان العبد أحد العلماء الكبار للأزهر ms212 ~~الشريف: # قليني باشا ميرمران الأمرا # وعزمه يعلو النجوم الزهرا # وهمة فوق السماك قد علت # وعصره بحزمه قد فخرا # تلقاه في وقت السؤال باسما # فجوده قد عم فينا الفقرا # خديو مصر قد حباه رتبة # قد زفها فيا له مفتخرا # فمصر من سعوده قد أرخت # قليني باشا ميرمران الأمرا # سنة 1318 # 200 304 541 273 # وقال الأديب الكامل أحمد الكاشف: # يا ماجدا بلغ المحامد والعلى # فغدا له قدر بمصر خطير # أنت الأحق برتبة أولاكها # مولي بتقدير الأمور خبير # قررت أموال البلاد كما ابتغى # فعلى العدالة ذلك التقدير # وصرفت في تصريفها ما نالها # غرض ولا طمع ولا تبذير # ما صغت هذا المدح إلا بعدما # أيقنت أنك للأديب نصير # وإليك غاية كل حر تنتهي # وعليك صادق مدحه مقصور # وقال شاعر القطرين المفضال خليل بك مطران: # ذاك خير للمخصلين جزاء # وهو في أنفس المحبين أعلى # رتبة تقصر العزائم عنها # أنت أهل لمثلها ولأعلى # ومما قاله أديب من رشيد: # لم يولك العباس أرفع رتبة # إلا لأنك أنت خير عماد # هتفت بها بشرى المعية في الضحى # وبها امتداحك كان أعظم شادي # نبأ مسر سار من مصر إلى # بصري ومن بصري إلى بغداد # أسعادة الباشا الرفيع جنابه # ذو المجد قليني أخو الإرشاد # قصب السباق إلى العلى أحرزته # بعفاف نفس لا بسبق جواد # لله يوم حزت فيه من الثنا # ومن التهاني منتهى الأعداد # فلو استطعت تصرفا بجوانحي # لبعثت من فرحي إليك فؤادي # وقال حضرة الشيخ إبراهيم سعيد مصحح الوقائع المصرية في ذاك العهد: # هات المدام وغن لي واشجني # في روض أنس يا رشا واسقني # فبشير سعدي بالتهاني قد أتى # ببشائر أفراحها تحيني # لما ارتقى أوج المعالي مبجلا # رب السعادة والعلا قليني # وعزيز مصر خصه بمواهب # وبرتبة عليا بها هنني # بطالع الإسعاد قلت مؤرخا: # بشرى لنا فقد ارتقى قليني # سنة 1318ه # 512 82 214 310 200 # أعماله وخدماته الجليلة # ومما يدل القارئ الكريم على علو همة المترجم وشأنه الخطير خطابات التهنئة الرسمية، ~~التي توالت عليه من الحكومة المصرية منها خطاب ms213 تهنئة ورد لسعادته نظير تقدم إيرادات ~~المصالح التي تحت إدارته وحسن نظامها، وخطاب من جناب السير بلمر المستشار المالي ~~الأسبق، وخطاب كله مدح وثناء من المرحوم لورد كرومر، وخطاب من المستر موني من أعضاء ~~صندوق الدين، وخطاب من المستر براون مفتش عموم الري، وخطاب من مدير عموم الجمارك المستر ~~كليار، وخطاب من البارون مالو ريي، وخطاب من المستر ولسن ناظر المالية المصرية الأسبق، ~~وقد أحيل على صاحب الترجمة جملة أعمال خارجة عن وظيفته، فقام بها أحسن قيام، وإفادة من ~~ناظر المالية لسعادته المترجم بتاريخ 29 يناير سنة 1891 نمرة 33 بتعيينه عضوا من قبل ~~المالية باللجنة المستديمة المشكلة بنظارة المعارف لامتحان مستخدمي الحكومة، وإفادة من ~~ناظر المالية لسعادته بتاريخ 8 نوفمبر سنة 1890 نمرة 315 بانتخاب سعادته عضوا في ~~القومسيون، الذي تشكل بالحقانية تحت رئاسة سعادة وكيل الحقانية للاطلاع على ترتيب ~~الدروس المرغوب إعطاؤها في علم الإدارة، وتقرير ما يلزم إدخاله في تلك الدروس من ~~الإصلاحات، وتعيين سعادته عضوا في لجنة انتخاب المستخدمين، وعضوا لمجلس تأديب نظارة ~~المالية، ورئيسا لمجلس تأديب مصالح الدخوليات بمصر والأقاليم، وقد اكتفيت بهذا التلميح ~~بما كان يقوم به من الأعمال الجليلة، وإذا أعددنا مناقب الرجل المحمودة وما توالى عليه ~~من كتب الثناء، وإفادات الشكر الرسمية لاستغرقت مجلدا ضخما. # ترجمة رسم وتاريخ حضرة صاحب السعادة السري الجليل المفضال قليني فهمي ~~باشا. # والإنسان في هذه الحياة الدنيا إما شاكر حامد وإما ناكر جاحد، فالأول لتربيته الصحيحة ~~وفطرته السامية تراه يفكر دائما في حسن صنع أخيه الإنسان، فيستزيده ويواليه بالدعاء ~~ويجهد نفسه ليل نهار في النظر إلى المصلحة العامة، ويبيت وحب الوطن بين جوانحه فلا يهدأ ~~باله إلا لخير بلاده، ولا تقر عينه إلا لسعادة أمته، والثاني هو الذي يحسد الناس على ما ~~أتاهم الله من فضله، وينظر حاقدا لكل جليل من الأعمال، ولا يعترف بفضل كل عظيم من ~~الرجال، وسيان عنده خراب الأوطان وبؤس كل إنسان، وهو ذاك الذي يقول: «بعدي الطوفان»، ~~ولقد ألفيت ذلك الإنسان الأول ms214 يمثل شخص سعادة الوفي الغيور والوطني الهمام قليني فهمي ~~باشا أحد نواب الأمة في الجمعية التشريعية سابقا، الذي أخذ ينشر بيراعه البليغ وفكره ~~الثاقب في الجرائد العربية والإفرنجية اليومية، والمجلات ما من شأنه رقي وطنه، فكتب تحت ~~عنوان «الحكومة وديون الأهالي» «وبنك البنوك» ووقاية البلاد من الأزمات المالية، وهذا ~~الاقتراح ولله الحمد قد تنبهت إليه الأمة، وكتب عن زراعة الدخان ومصلحة الوطن بما له من ~~الخبرة الزراعية والسداد في الرأي، ومن نصائحه وإرشاداته الثمينة إلى شبان اليوم ما هو ~~مذكور بعدد مجلة الهلال شهر أكتوبر سنة 1925، وهي المجلة الغنية عن البيان والتي تعد من ~~أكبر أمهات العربية في هذا الوقت، فقد قال حفظه الله لمندوب هذه المجلة: ~~(1) # أرى مع الأسف أن أخلاق السواد الأعظم من الأمة قد تسممت، وأصبح الناس ~~كلهم يبيتون في خداع، والبارع من يخدع أخاه أو صديقه بأية وسيلة ليقنص ~~منه ما يمكنه، ولكن يجب أن أقول: إن أحسن الصفات التي تؤهل الإنسان في ~~الزمن للقيام بخدمة عامة هي التحلي بالصدق والوفاء والصراحة، ولو لاقى ~~في أول أمره صعوبات جمة. ~~(2) # كان للتربية العائلية تأثير عظيم في تهذيب الأخلاق، فكان الصغير يكرم ~~الكبير، والكبار يتشاورون ويعملون برأي أحكمهم. ولنحو ثلاثين سنة، ~~تطورت الأخلاق والآداب، وأصبح الصغير يحتقر الكبير، ولم تهتم المدارس ~~بتربية الأخلاق وترقيتها، بل أضرت بنا الكتب من حيث أردنا النفع، ومن ~~رأيي أن مطالعة الكتب الدينية تساعد على تقوية الفضائل وتردع النفس عن ~~القبائح. ~~(3) # يمكن الشاب أن يحافظ على صحته إذا اتبع القواعد الآتية. ~~(أ) # يبتعد عن شرب الخمور وتناول المخدرات. ~~(ب) # ينام مبكرا ويستيقظ مبكرا. ~~(ج) # يزاول الرياضة البدنية ما استطاع. # وأرى أنه لا يحسن بالشاب أن يتزوج قبل أن يبلغ الخامسة والعشرين، ~~بشرط أن يكون في مركز مالي يساعده على الحياة براحة واطمئنان ضامنا ~~تربية من يرزقه الله بهم من الأولاد. ~~(4) # يحسن بالشبان الانصراف إلى الصناعات كلها، سواء أكانت كبرى أم صغرى ~~تزاول باليد أو بالعدد والآلات. ~~(5) # لا استحسن أن يتعرف الشاب مساوئ الحياة ms215 الاجتماعية بنفسه لما يترتب ~~على ذلك من الضرر والخطر على مستقبل الشاب، إذ قد يستحسن إحدى الموبقات ~~فيعلق بها. # فيجدر بالمربين من والدين وأساتذة أن يبعدوا الشاب عن ذلك الدرس العملي، وخير لهم أن ~~لا يدخلوا بابه بأية حال. # بعض ما ذكر عن صاحب الترجمة في الصحف # وقد توالى عليه الثناء الجم في الصحف العربية والإفرنجية والمجلات إزاء خدماته ~~الجليلة وأعماله المجيدة المفيدة، ندرج هنا بعضها اعترافا بفضله وجليل خدماته. # وقليني باشا له أعمال في خدمة الإنسانية قام بقسط جميل منها في جمعية الهلال الأحمر ~~المصري. # وله ولع عظيم بنشر المعارف؛ ولهذا الغرض قد وهب من أرضه عشرين ألف متر لإنشاء دائرة ~~معارف تشمل جملة مدارس للبنين والبنات أوقفها عليها قدرت بعشرين ألف جنيه، وقليني باشا ~~عضو بالمجلس العالي بوزارة الزراعة، وعضو بالمجلس العالي الاقتصادي بالمالية، وعضو ~~بالنقابة الزراعية، يعمل في كل منها لمصلحة الأمة، وقليني باشا أحد الرجال الذين صاغوا ~~الدستور للبلاد. # لكل أمة أدوار تنتقل فيها صعودا وهبوطا، فإذا صارت إلى ما يضعضع قوتها ويذيل زهرتها ~~وينضب ماءها، ويجدب أرضها وأحاط بها الشقاء جيلا أو أجيالا، وأراد الله له النهوض من ~~الكبوة والانتعاش من الهمود والسلامة من المرض أتاح لها رجلا أو رجالا يأسون جراحها، ~~ويعالجون داءها ويتعهدونها بما يعيد إليها الحياة والقوة، ويصلحون شؤونها ويأخذون بيدها ~~إلى ما تتوق إليه من السعادة والعزة والمقام الكريم، وما ذلك إلا أن يستعينوا بنبوغهم ~~على إزالة العقبات من طريق ارتقائها وإيجاد الوسائل المؤدية إلى بلوغ آمالها. # وإنا لنرى حياة جديدة ونزوعا إلى العمل والتقدم في سبيل السعادة، وليس في مظاهر هذه ~~الحياة الجديدة أجمل من هذا المشروع الجديد الذي يقوم به هذا النابغة المصري المتوقد ~~الغيرة والذكاء، فإن مصر محتاجة إلى الشؤون المالية، والمال أساس لبناء العلم والحضارة ~~في كل أمة من الأمم، وكل قطر من الأقطار، ولا ريب في أن المصرف المالي الوطني الذي يقوم ~~بمشروعه هذا النابغة سيكون ينبوعا للثروة لا ينفد ولا يغيض وبه تقوى آمالنا في ms216 بلادنا، ~~وبما ينبعث منه من القوة والنظام تعرف مصر كيف تؤسس الشركات للتجارة والصناعة والفنون ~~والعلوم وغيرها من أسباب الإصلاح والفلاح، وتعرف كيف تستفيد بخصوبة أرضها وذكاء ~~أبنائها، فمشروع سعادة قليني فهمي باشا من أجل المشروعات التي تدعو كبراءنا وأهل الجد ~~في بلادنا إلى الاشتراك فيها؛ ليشتركوا مع سعادته في الفخر الخالد والمجد الثابت ~~الأركان. # أما عن مبادئه وخطته في عهد نيابته بالجمعية التشريعية، فإن سعادته يذهب إلى وجوب ~~العمل المطمئن الهادي والتفاهم المبني على حسن الثقة، فالتشريع لا يكون بالمخاصمة ~~والتحمس والمنابذة، ويرى أن حسن التفاهم بين الأمة والحكومة سيأتي بالفائدة العامة ~~للبلاد وأهليها؛ لأننا إذا ظننا بالحكومة سوءا واعتقدت فينا سوء النية ظللنا متنافرين ~~كل يعمل على معاكسة الآخر، ولا يخفى ما في ذلك من الضرر الذي يعود على الأمة، ونحن ~~نقول: إن سعادته ممن يهمهم أن يخرجوا من المسائل التشريعية بنتيجة تجر إلى المنفعة ~~والربح للأمة. # أما قليني فهمي باشا فإنا لا نستطيع أن نوفيه ما هو أهله من شكر أياديه البيضاء، ~~والصحيفة أضيق من أن تسع ما نود ذكره من أعماله السالفة وكلها عظيم باهر ناطق بفضله ~~ونبوغه، فلنا العذر إذا اكتفينا بثناء أعماله عليه وشكر الأمة إياه. # صفاته وأخلاقه # هذا هو الرجل من حيث تربيته ونشأته، أما من حيث أخلاقه وأطواره فهو لين العريكة رقيق ~~الفؤاد جدا تنال منه بلطف الكلام ما لا تنال من الأعداء بالسيوف والسهام، طلق اللسان ~~عذب اللفظ حاضر البديهة، قوي الحجة هادئ البال، طيب النفس غير أنه إذا ما تكبر عليه أحد ~~يأنف من الضيم، ويكره المعارضة إن لم تكن مع التواضع والأدب بالحق، لا يتحيز لدين من ~~الأديان حسن التصرف في الأمور ذو رأي سديد وعزيمة ماضية، قلما قصد أمرا وخاب فيه، بعيد ~~النظر طويل الأناة، يدبر رأيه إذا أراد نيل بغية في نفسه، وهكذا تكون الرجال. # | ترجمة حياة فقيد الشهامة والشبيبة والمروءة والإحسان المغفور له عمر سلطان باشا # قف بالديار وجد بالدمع منتحبا # واندب شبابا بظفر الموت قد ms217 خلبا # وابك الذي لو ظللت الدهر تندبه # لما وفيت له بعض الذي وجبا # ونح على من دهاه الموت مختطفا # قبل الأوان وفي جوف الثرى احتجبا # واقرن بدمع جفون منك منهمل # دم الفؤاد الذي قد سال منسكبا # الفاجعة الأليمة # فجعت الأمة المصرية عامة، والشبيبة خاصة، بفقد عظيم من عظمائها، ونبيل من نبلائها، ~~وشبل من أشبالها، وركن من أركانها، ألا وهو فقيد المروءة والإحسان سليل بيت المجد ~~والشرف المغفور له طيب الذكر خالد الأثر. # المرحوم عمر سلطان باشا كبير أعيان مديرية المنيا # فكبر الخطب، وعز العزاء، وعظم الداء وخاب الدواء، كشرت المنية عن أنيابها، وانشبت ~~مخالبها فخطفت من بيننا كريما له في القلوب أعز المنازل، ووجيها احترامه في الأفئدة ~~حالل، وأديبا تتفاخر بأدابه الأدباء، وفاضلا يعترف بفضله الفضلاء، وجوادا محسنا ~~يجاهر بجوده البؤساء والفقراء، دهمت المنون هذه الزهرة اليانعة ، والغصن الرطب، والشباب ~~الناضر، فجاءة بعد منتصف ليلة 21 فبراير سنة 1917 بمدينة المنيا، فدهش الناس عامة لهذا ~~النعي وكل شيء غريب إلا الموت. لأن الفقيد العظيم كان غض الشباب فتى الإهاب لا يشكو ~~علة، ولا ينتابه داء ولم تنقض بضعة أيام على سفره من القاهرة إلى مزارعه في المنيا، ~~وقبل أن ينبثق فجر يوم النعي في أرجاء العاصمة تناقلته الألسنة كنبأ رزء أليم أصاب ~~شابا من شبان الأمة، جمع بين الوجاهة والثروة وطارف المجد وتليده. # المغفور له عمر سلطان باشا كبير أعيان مديرية المنيا ونجل المغفور له ~~محمد سلطان باشا. # مولده ونشأته # ولد الفقيد العظيم بمدينة المنيا من أبوين شريفين سنة 1882، ومن أعرق بيوت المجد ~~حسبا ونسبا وجاها وثرة وكرما وفضلا ووالده هو فقيد الأمة والوطن والشهامة ~~والرجولية الصحيحة، ساكن الجنان محمد سلطان باشا رجل مصر السياسي الوحيد الذي كان ~~رئيسا لأول مجلس نيابي في مصر ودعامة من أبنائها يوم هبت العواصف الثورية، فرباه أعظم ~~تربية وشب في مهد العز والجاه، فورث عن والده اسما كبيرا وحفظ كرامة بينه ونفسه جهد ~~ما يتسع لمثله المجال وجهد ما تسمح الظروف والأحوال، فكان اسمه ms218 في كل مشروع نافع مفيد ~~في مقدمة الأسماء، وكانت منزلته في كل عمل عمومي مقصد العاملين، يهتز للحسنة اهتزاز كل ~~كريم، ويميل إلى الحسنة والإحسان ميل كل طيب العنصر، ولما جاز سن الفتوة وجه همه إلى ~~إدارة ثروته الواسعة وتدارك ميراث أبيه الكبير. # اقتناؤه الآثار العربية # ومما يذكر له بالإعجاب جمعه في داره الرحبة الفنية المشيدة بالقاهرة على أتقن الطرز ~~العربية متحفا عربيا نفيسا جمع من الآثار ما يعود تاريخ بعضه إلى عهد الخلفاء ~~الراشدين، ثم يتنزل إلى عهد المماليك والأيوبيين حتى عهد الأسرة المالكة الآن على عرش ~~هذا القطر المبارك، وكان هذا المتحف مقصد العارفين بالفن والمغرمين بتاريخه فهو قد جمع ~~بجمعه كنزا ثمينا. # كان الفقيد العظيم وحيد أبيه فكان عماد بيت محوط بإكرام الأمة وإجلالها؛ لأن الأمة ~~تتوق إلى صون كرامة بيوتها القديمة وعظمائها الذين خلفوا اسما وجاها، ومات وهو لم يعد ~~يبلغ الخامسة والثلاثين عن طفلين صغيرين - بنت وصبي - لم تكد تحل عنهما التمائم رزء جلل ~~في بيت كبير زال شبابه بزوال صاحبه، وأقفرت رحابه إلى أن يشب نجله - حفظه الله مهجته - ~~فيعيد إلى ذلك البيت الكبير عظمته وجلاله. # تأصيله للخيل العربية # ومما اهتم به الفقيد في حياته أيضا تأصيل الخيل العربية وتحسين نتاجها، وقد اقتنى ~~عددا كبيرا من الجياد المطهمة في مصر والمنيا، وكان وهو في المنيا ينشط هذه الأعمال ~~بإقامة السباقات ويدعو إليها الأعيان من مصر القاهرة وسواها. # أعماله الجليلة في الجمعية الزراعية والجمعية الخيرية الإسلامية # وقد كان المرحوم الكريم عضوا في الجمعية الزراعية، وعضوا أيضا بالجمعية الخيرية ~~الإسلامية بمدينة المنيا، فبرهن فيها على كفاءة ومقدرة فائقة وسداد في الرأي وما من ~~مشروع خيري عام يفيد مديريته، ويجعلها في مصاف الأمم الراقية إلا ويكون الزعيم الأول ~~فيه يساعده بمجهودات فكره وماله الفياض، ولا يمكن لهذا القلم أن يثبت أعمال هذا الفقيد ~~الجليل، ومآثره الخالدة، ومجهوداته الفائقة واهتمامه الشديد في طرق الإصلاح والعمران ~~وهذه مآثره الجليلة في مدينة المنيا ناطقة له بالفضل والشكر والفخر والإعجاب. # أخلاق ms219 الفقيد وصفاته # من كان شاهد يوم تشييع جنازة هذا الرجل العظيم، وسمع صراخ وعويل الرجال والنساء ~~ودموعهم التي كانت تسيل من العيون كالمطر، والجموع المحتشدة والوابورات البخارية العديد ~~التي أقلتهم إلى مدفن العائلة بقرافة الزاوية، حيث دفنت المروءة والإنسانية والشهامة ~~ومكارم الأخلاق والإحسان والشفقة والمواساة؛ لإدرك ما كان عليه الفقيد العظيم من الصفات ~~الحميدة، والخصال الفريدة، والتربية العالية والأدب الجم، والكرم الحاتمي، والبشاشة، ~~والوداعة، واللطف، والمروءة، وحبه الأكيد لمواطنيه، وللقارئ الكريم أن يقدر ذلك من ~~مشاهدة حوانيت المدينة المغلقة، وعويل القوم ونحيبهم حتى كادوا يدفنون أنفسهم أحياء ~~لهول المصاب وعظم الخطب. # وصف تشييع الجنازة # لبست المنيا كلها الحداد على فقدها رجلها العظيم المغفور له، وغص بندرها بالعمد ~~والمشايخ والتجار والأعيان الوافدين من جميع بلدانها إليه للتعزية والاشتراك في تشييع ~~الجنازة، وجاءت القطارات الخاصة من القاهرة مكتظة بالعظماء والأعيان والأصدقاء الوافدين ~~لهذا الغرض نفسه. # وتفضل عظمة السلطان حسين «رحمه الله وأسكنه فسيح جناته» فأناب عنه في تشييع الجنازة ~~حضرة صاحب العزة محمود نصرت بك مدير المنيا وقتئذ، وفي حضور المأتم حضرة عباس الدره ~~مللي بك الأمين الثاني في الديوان العالي في ذاك العهد، وأمره بإبلاغ آل الفقيد أرق ~~عبارات التعزية. # هذا وقد شيعت جنازة الفقيد باحتفال مهيب جدا تحيط بالنعش عساكر البوليس السواري ~~والبيادة، وتتقدمه الموسيقى الأميرية بأنغامها المحرنة، وأرسلت السلطة العسكرية فرقة من ~~جنودها البريطانيين للاشتراك في تحية الراحل العظيم، وسار في الجنازة وجوه وذوات وعمد ~~وموظفو مديرية المنيا، والجهات المجاورة، ووصل إلى المنيا سعادة شعراوي باشا (رحمه ~~الله) فسار وأسرة الفقيد علي بك إسماعيل ومحمد بك إبراهيم وفؤاد بك سلطان وتوفيق بك ~~إسماعيل وغيرهم من أفراد عائلة سلطان باشا، وأغلقت التجار حوانيتها ووضعت شعار الحداد ~~عليها، وقد نحرت الذبائح الكثيرة ووزعت الصدقات على الفقراء والمساكين، الذين نكبوا في ~~أكبر المحسنين، وعاد القوم والحزن يفتت الأكباد على الفقيد العظيم الذي فقدت به البلاد ~~المصرية ركنا قويا. # وقد أوقفت المدرسة الأميرية حفلتها السنوية للألعاب الرياضية، وكذا جميع الحفلات ~~الرسمية والأفراح في ms220 عموم المديرية حدادا على فقيد البلاد الكريم. # رثاء الشعراء # وما كاد هذا النبأ العظيم يصل إلى مسمع الكتاب عامة والشعراء خاصة، حتى قاموا برثاء ~~الفقيد الكريم ووصفوا شمائله الغراء وأياديه البيضاء وأعماله الجليلة ومناقبه الفريدة، ~~ومنها قصيدة عصماء لفقيد الشعر والشعراء المرحوم عبد الحليم المصري شاعر جلالة الملك ~~فؤاد الأول قال رحمه الله: # أأنذرتم باحتباس المطر # ربى مصر لما نعيتم عمر # أتعمون غير مضاء الحسام # وفيض الغمام ونور القمر # وغصن الشبيبة لما ترعرع # وازدان في روضه بالثمر # رماك الردى رمية يستوي # شباب الفتى عندها والكبر # فما قيل: كيف يموت الصحيح # ولا قيل: كيف يخون القدر # وما مت عن علة لا تزول # ولكن حياتك فيها قصر # وكم حاذر المرء في عيشه # وهل ينفع المرء فيه الحذر # وكنت بنقض الصبى زهرة # كذلك يقصر عمر الزهر # لقد أغلق الباب ما بيننا # وحق السكوت وقل الضجر # فلا كيف أمسيت فوق التراب # ولا كيف أصبحت تحت الصخر # فإن تك سافرت في حاجة # فقل لي: ما بعد هذا السفر # مصير بني آدم من قديم # إلى مورد ليس عنه صدور # فساع من الناس فوق التراب # وآخر تحت التراب انتظر # فهل عاد منهم ذكي الفؤاد # فينشر للناس عنهم خبر # يود عفاتك لو أنهم # فدوك وإن قصروا بالبصر # وإن حجب البدر عن ناظر # فماذا انتفاع الفتى بالنظر # أبعد غيابك يحلو الحضور # وبعد رقادك يحلو السمر # مضى في خطاك صفاء الحياة # ولم يبق بعدك إلا الكدر # لقد صفرت منك تلك القصور # وامتلأت منك تلك الحفر # فأخضلت تحت الثرى جنة # وأوقدت في كل قلب سقر # بساط الربيع عليك انطوى # ودمع الغمام عليك انحدر # يقولون: أغرق في جوده # وهل كنت إلا السحاب انهمر # وهل كنت من كثرة الوافدي # ن تعلم من غاب منهم أو حضر # إذ ما استعد امرؤ للندى # فجودك مرتجل مبتكر # فيا سائلا عمرا كف عنه # فإن الذي قد سألت اعتذر # وما كان يعرف ما الاعتذار # ولكن هو الموت إحدى العبر # نقضي الحياة وما همنا # سوى أن نقوم بترك الأثر ms221 # يزول الأنام ويبقى الكلام # وما الناس في الدهر إلا سير # أسكب الحق تعالى على جدثه شآبيب الرحمة والغفران، وجزاه خيرا بعدد حسناته العديدة ~~التي لا تعد ولا تحصى، وأن يشمل مصر الحزينة وأبنائها الصبر والسلوان، وأن يكثر من ~~أمثاله النبلاء في شبابها الناهض، حتى يقوم بسد هذا الفراغ الشاسع الذي خلفه هذا الراحل ~~الجليل بعد مماته. # | ترجمة العالم الأثري الجليل نابغة مصر المغفور له أحمد باشا كمال # مولده ونشأته # ولد أحمد كمال باشا العلامة الأثري الشهير نابغة زمانه في القاهرة عام 1267ه، من ~~أبوين شريفين طاهرين غذياه بلبان الأدب والعلم الصحيح حتى إذا ما بلغ الثانية عشرة دخل ~~مدرسة المبتديان بالعباسية سنة 1280، وانتقل منها عام 1284ه إلى المدرسة التجهيزية، ~~وبعد عامين دخل مدرسة اللسان المصري القديم، وتلقى دروس اللغة الهيروغليفية وفن الآثار ~~على الأستاذ بروكش باشا الأثري الألماني الشهير، وبعد أن أتم الدراسة تقلد وظائف عدة لم ~~تدخل في دائرة العلم الذي أوقف نفسه لتحصيله، ويرجع ذلك إلى تعصيب الإفرنج وعدم ميلهم ~~إلى رؤية مصري ينافسهم في دراسة الآثار المصرية، حتى تبقى أثار البلاد كأنها محتكرة في ~~أيديهم، غير أن هذا الفقيد العظيم تمكن بفضل دهائه وحنكته، ووفرة علمه من الدخول في ~~المتحف المصري بوظيفة «أمين مساعد حوالي عام 1873م»، وذلك أنه تمكن من الدخول في المتحف ~~بصفته كاتب للمدير مريت، فأراد المدير أن يمتحنه في الآثار فأظهر المترجم له جهلا ~~عمديا حتى تمكن من استلام وظيفته، وإن تكن فنية إلا أنها كانت بالمتحف، وبعد عدة سنين ~~أرادت الحكومة الإنجليزية أن تدخل أحد العلماء الإنجليز وتدفع هي ماهيته، فاعترض المدير ~~على ذلك وقال: لماذا ندخل أجنبيا إذا كان عندنا المصري الكفء؟ فأصبح بذلك كمال باشا ~~فنيا أي: أمين مساعد؛ لأن وظيفة أمين أصبحت وظيفة إنجليزية. ومن أبحاثه العلمية ~~النفيسة ما نشرته مجلة المقتطف بالمجلد التاسع والخمسين بالجزء الثالث تحت عنوان «بحث ~~لغوي» في براءة القرآن الشريف عن بعض الألفاظ الأعجمية قال رحمه الله: # قد وفقني الله إلى تمهيد السبيل المؤدي ms222 إلى ذلك أي: إلى إرجاع كل كلمة إلى ~~أصلها وتدوين قاموس اللغة تدوينا مؤسسا على أصول ثابتة تظهر اللغة بمظاهرها ~~الحقيقية، والذي حملني على ذلك ما ظهر من نقوش قديمة محفورة على جدران معبد ~~الدير البحري في طيبة الغربية وإزاء الأقصر من الغرب، تدل على أن المصريين ~~القدماء أرادوا تخليد ذكر أصلهم، فأثبتوه بالحفر على آثارهم قائلين إن أجدادهم ~~يدعون الأعناء «جمع عنو» أي أنهم أقوام من قبائل شتى اجتمعوا في وادي النيل ~~وأسسوا فيه مدنا كثيرة، منها مدينة عين شمس، ويقال لها بالمصرية: العين ~~البحرية ومنها العين الجنوبية وهي أرمنت، ومنها العين التي سميت فيما بعد ~~دندرة، ولما نموا وكثروا تفرقوا في الجهات المجاورة لوادي النيل، ففريق منهم ~~وهو المعروف باسم أعناء الحنو أو اللوبيين توجهوا إلى بلاد القيروان وتونس ~~والجزائر وسكنوا فيها، وفريق آخر يسمي أعناء المنتو هاجر إلى بلاد الصومال ~~واجتاز البحر الأحمر إلى بلاد العرب وانتشر ممتدا إلى فلسطين، وفريق ثالث ~~يسمى أعناء اليتو سكنوا القسم الجنوبي من مصر حيث جنادل النيل، وفريق رابع يقال ~~له: أعناء الكنوز وهم من أهل النوبة. # العالم الأثري الجليل نابغة مصر المغفور له أحمد باشا كمال أمين شرف ~~المتحف المصري. # وهكذا إلى أن قال: # قيوم، في قوله تعالى: # الله لا إله إلا هو ~~الحي القيوم ~~(البقرة 255:2) قال عنها الشيخ حمزة فتح الله ~~رحمه الله: معناه الذي لا ينام، بالسريانية، وفي المحيط القيوم والقيام الذي لا ~~ند له من أسمائه عز وجل، وهو مشتق من مادة قام قوما وقياما، وقد ورد هذا ~~اللفظ في المصرية وذكره أرمان في مفرداته «الصحيفة 136»، فقال: المصرية من ~~لفظين معناهما قيم الأم أي: زوج الأم أي: زوج وأم في آن واحد أوجد نفسه بنفسه، ~~ثم ركب تركيبا مزجيا، فصار صنعة يراد بها الموجد لنفسه، فهو ليس من مادة قام ~~العربية والمصرية، بل هو كلمة قائمة بذاتها عريقة الأصل في كلتا اللغتين. ~~إلخ. # وأخذ يثبت في هذا المقال البديع صحة بحثه متخذا أمثال هذه الكلمات قاعدة ms223 صدق ~~لنظرياته العلمية، فتمكن بذلك من نشر نتائج أبحاثه العلمية الدقيقة في العالم، وكان ~~يسعى جهده في نشر علم الآثار بين أفراد الأمة المصرية، رغم ما كان يلاقيه من العقبات ~~ففي عام سنة 1910 سعى لدى صاحب المعالي أحمد حشمت باشا وزير المعارف حينذاك في إنشاء ~~قسم لتعليم فن الآثار المصرية بمدرسة المعلمين العليا، وفعلا كلل الله مسعاه بالنجاح ~~وانتخبت أول فرقة تلقت عليه درس اللغة الهيروغليفية، وكانت مؤلفة من حضرات الأفندية ~~سليم حسن ومحمود حمزة وأحمد عبد الوهاب ومحمد فهيم والدكتور حسن كمال ورياض جندي ملطي ~~ورمسيس شافعي وأحمد البدري، تخرج هؤلاء الأساتذة عام 1912م فحاول الفقيد العظيم إدخالهم ~~بالمتحف المصري؛ ليتفرغوا للبحث العلمي أسوة بالإفرنج حتى يكون لدى الأمة المصرية عدد ~~وافر من الأثريين الأخصائيين، ولكنه لم ينجح في هذا المسعى ويا للآسف؛ لأن رؤساء ~~الحكومة وقتئذ على ما يظهر لم يفقهوا معنى الآثار المصرية؛ ولأن الإفرنج كانوا يعاكسون ~~كل مشروع من هذا القبيل، فاشتغل هؤلاء الأساتذة بالتدريس، وفي عام 1921م نهضت الأمة ~~المصرية نهضة مباركة وأدركت قيمة علم الآثار المصرية فقام صاحب المعالي ووزير الأشغال ~~بانتخاب ثلاثة من المصريين؛ لتعيينهم أمناء بالمتحف المصري وهم سليم أفندي حسن ومحمود ~~أفندي حمزة وسامي أفندي جبره وتقرر إرسالهم إلى فرنسا وإنجلترا لإتمام دراسة الآثار ~~هناك، فهذه الحركة المباركة يرجع الفضل فيها إلى الفقيد، وفضلا عن ذلك فقد سعى لدى ~~صاحب المعالي محمد توفيق رفعت باشا وزير المعارف في إنشاء مدرسة عالية لدراسة الآثار ~~المصرية، ونجح في هذا المشروع نجاحا باهرا رغم معارضة المسيو لاكو مدير المتحف المصري ~~له، وكان رحمه الله عازما على أن يقوم زمام هذه المدرسة بنفسه، فيدرس اللغة ~~الهيروغليفية حسب طريقته العلمية الفائقة التي وضحها في قاومسه، وخلاصة رأيه العلمي أن ~~اللغة المصرية القديمة هي أصل اللغة العربية، ووضح ذلك في قاموسه توضيحا يدل على ~~براعته العلمية الفائقة ويا حبذا لو اهتمت الحكومة المصرية بهذا القاموس، وقررت طبعه ~~على نفقتها لخدمت بذلك الأمة خدمة جليلة ولبرهنت على ms224 أنها بدأت تقدر قدر الآثار ~~المصرية، الأمر الذي كان يجدر بالحكومة أن لا تتركه منذ عشرات السنين قبل أن يستفحل ~~الأمر، ويستحوذ الغربيون على ما نسميه بحق احتكار إدارتهم له في مصر. # مؤلفات الفقيد # وقد ألف هذا الفقيد العظيم والعالم الجليل مؤلفات عديدة منها باللغة الفرنسوية صفائح ~~القبور في العصر اليوناني الروماني، وهو كتاب أثري في مجلدين الأول فيه نصوص مشروحة ~~بالفرنسوية، والثاني فيه تسعون لوحة بها رسوم الصفائح والدر المكنوز في الخبايا والكنوز ~~في مجلدين: الأول عربي، والثاني فرنسي والموائد القديمة في الطبقة الوسطى إلى عهد ~~الرومان، وهو كتاب أثري في مجلدين الأول فيه نصوص مشروحة بالفرنسية والثاني فيه خمس ~~وخمسون لوحة بها رسوم الموائد، وذلك عدا النبذ العلمية التي ألفها ونشرت في مجلة المتحف ~~المصري السنوي وغيرها. # أما مؤلفاته التي باللغة العربية فهي العقد الثمين في تاريخ مصر القديم، واللآلئ ~~الدرية، وهو أجرومية هيروغليفية ، وبغية الطالبين في علوم قدماء المصريين، وترويح النفس ~~في مدينة عين شمس، ودليل متحف إسكندرية، ودليل متحف القاهرة، ورسالة في مدينة منف، ~~ودروس الحضارة القديمة في مصر والشرق لغاية ظهور الإسلام. # وكان رحمه الله يسعى جهده في تأسيس متاحف في كل عواصم مديريات مصر، فنجح في إنشاء ~~متاحف أسوان والمنيا وأسيوط وطنطا، وكان غرضه من ذلك ~~أن لا تتسرب آثار بلادنا المصرية إلى أوربا وأمريكا، وسوف تفقه الحكومة المصرية أهمية ~~تلك الأفكار السامية وتتولى هي الحفر والتنقيب إن شاء الله. # وفاة الفقيد العظيم # انتقل هذا العالم الجليل إلى جوار ربه في يوم 6 أغسطس سنة 1923 بالقاهرة، وقد حزن ~~عليه جميع أفراد الأمة؛ لأن الفقيد العظيم كان يعد نابغة زمانه في هذا العلم الذي يهم ~~مصر وأبناء وادي النيل، إذا ما أرادوا الرجوع بذكراهم إلى تاريخ الفراعنة العظام مشيدي ~~مجد مصر، وقد خسرت البلاد بوفاته ركنا عظيما وأستاذا فردا هيهات أن يأتي الزمان ~~بمثله، ولئن فات المصريين اليوم إدراك عظيم خسارتهم بوفاته، فسيدركون ذلك بعد سنين ~~عندما يبحثون عن جهابذة علمائهم الذين قضوا العمر ms225 درسا وبحثا وتنقيبا في آثار ~~الأسلاف الخالدة، وإثبات المعلومات والحقائق عنهم رغم المشقات والمعاكسات، وقد أدرك هذا ~~الفقيد العظيم الأسرار التي حسده عليها علماء الغرب، وفطن إلى أهمية إثبات الحقائق ~~والمعلومات في بطون الأوراق؛ ليتوارثها الخلف عن السلف، فلله دره من نابغة جاء وراح قبل ~~الأوان، وجاهد جهادا عظيما لبلوغ غاية المطلوب ومنتهي المقصود، ونحن لا نرى بدا من ~~إثبات تاريخ حياة هذا العالم العامل في سفرنا هذا التاريخي إقرارا بفضله على طول ~~الزمان، وإحياء لجليل آثاره وعظيم مجهوداته وخدماته للمصريين خاصة وللشرق عامة. # وقد مات هذا الفقيد العظيم الجليل عن 75 سنة قضاها في خدمة العلم والتاريخ المصري، ~~بينما كان يجهد نفسه في إتمام قاموسه الضخم الخاص باللغة المصرية القديمة، وقد ترك ~~أشبالا كالنجوم الساطعة في سماء مصر غذاهم بلبان العلوم والمعارف، وهذبهم فشبوا على ~~مبدأ والدهم الجليل في الطهارة والفضيلة والمروءة العالية، وهم حضرات الدكاترة ~~المحترمين حسن بك كمال وزكريا بك كمال وأحمد بك كمال، فتراهم نهارهم وليلهم في خدمة ~~الإنسانية يعطفون كثيرا على البؤساء ابتغاء مرضاة الله، ويواسون المرضى بما أوتوا من ~~لطف ودعة، ومكارم أخلاق حتى لهجت الألسن بالشكر المستطاب والثناء عليهم والدعاء بحفظهم ~~رافلين في بحبوحة السعادة والوفاء، وأن يتغمد هذا الفقيد العظيم برحمته ورضوانه، وأن ~~يجعل هذا المصاب العظيم خاتمة الأحزان. # صفاته وأخلاقه # ولقد مضى عمره في العمل لا يعرف البطالة، فكان كل يوم في مكتبه من الشروق إلى الغروب ~~وكلما تسنح له الفرص سواء في مكان مريح أو غير مريح توفرت معه الكتب أو لم تتوفر، وسواء ~~اشتدت الحرارة أم البرودة فلا يقل شغله عن العشر ساعات يوميا. # ومن خصاله الشخصية أنه كان صادقا فلم يقبل الكذب ولو ضحكا، ولا يغالي في قوله وكان ~~أمينا صادقا يسعى للخير جهده متواضعا، وكان مثال التقى والصلاح شديد التمسك بأحكام ~~الدين. # | ترجمة فقيد القضاء والقانون المغفور له المرحوم علي مظلوم باشا # كلمة للمؤرخ # فقدت الأمة المصرية عامة والقضاء خاصة أستاذا ضليعا وقانونيا متشرعا وعالما ~~جليلا، ورجلا ms226 من خير ما أنجبت الكنانة وركنا من أركانها، ألا وهو العالم الجليل ~~المغفور له المرحوم علي مظلوم باشا المستشار بمحكمة الاستئناف المختلطة سابقا. # فإذا نحن عددنا مناقب هذا الفقيد وما له من أثر محمود وعمل مشهور في مدة وجوده في دست ~~القضاء لاستخلصنا منها صفحة نقية بيضاء، وتاريخا وضاء يفخر كل مؤرخ أن يدونه بقلم ~~الإعجاب بين تواريخ عظماء الأمة المصرية، الذين أدوا الأمانة في دنياهم وكانوا لله من ~~الخائفين عاقبة الآخرة. # ترجمة فقيد القضاء والقانون المغفور له المرحوم علي مظلوم باشا ~~المستشار بمحكمة الاستئناف المختلطة سابقا. # وإني كمؤرخ لي الفخر كل الفخر بأن أبيض صفحات سفري التاريخي الحديث بقطرة من محيط ~~أعمال هذا الراحل العظيم، والقانوني الضليع، ونرجو من حضرات القراء الكرام معذرة لعدم ~~إمكاننا الوصول إلى ما يحتاجه المؤرخ من الإثباتات والأسانيد التاريخية؛ لعدم وجود من ~~يذلل لنا هذه الصعاب ويعاوننا على الاسترشاد بمعلوماته ورأيه من أهل الفقيد ~~فنقول: # مولد ونشأته # ولد الفقيد الكريم في الثغر الإسكندري عام 1855م من والدين فاضلين شريفين حسبا ~~ونسبا، وترعرع على بساط العز والهناء، فأدخله والده دور العلوم فاغترف من مناهلها ~~واقتطف من شهي ثمارها ما جعله يوما ما من أركان الهيئة الاجتماعية، وفحلا من فحول ~~رجال القانون، ولا شك أن البيئة الصالحة كثيرا ما تظهر شبابا بمعترك الحياة فمن نفوس ~~مهذبة، وأخلاق سامية، ومبادئ قويمة، وآداب عالية وعقول نامية ناضجة، وهكذا كان حال ~~البيئة التي شب الفقيد الكريم في أحضانها وترعرع في أركانها. # كان رحمه الله طموحا إلى المعالي ميالا بفطرته إلى الاشتغال بالقانون، فكان له ما ~~أراد، ولكم خدم الإنسانية وأنصف المظلوم وعمل إلى ما فيه راحة المتقاضين، بدون ظلم ولا ~~رياء، مراعيا في ذلك خوف الله تعالى والضمير، فكان في كل أدوار حياته في القضاء المثل ~~الأعلى في طهارة الذمة والعدل والإنصاف، والبعد عن التحيز لفريق دون الآخر، كما كان ~~رحمه الله على جانب عظيم من الورع والتقوى ومكارم الأخلاق والوداعة، لا يبت في حكم إلا ~~بعد روية وتؤدة ms227 فكان مضرب المثل. # وكأن الله تعالى قد خص عائلة هذا الفقيد العظيم بالذكاء المفرط، وتوقد القريحة ~~والنبوغ، فإنك لن تجد فردا من أفرادها الكرام إلا ومتحليا بحلل الأدب والكمال ~~والكفاءة العلمية والعملية، حتى اشتهر بين كبار العائلات المصرية، وأصبحت مضرب المثل في ~~الذكاء، ونكتفي للإدلال على ذلك أن نذكر من بين حضرات أفرادها ذاك العالم الجليل، ~~والمتشرع الكبير حضرة صاحب المعالي أحمد مظلوم باشا شقيق الفقيد ورئيس الجمعية ~~التشريعية سابقا، ووزير الأوقاف في عهد الوزارة السعدية، ورئيس مجلس النواب المصري ~~المنحل، وحسبك أيضا أن يكون ولداه حضرتي صاحبي السعادة الجليلين النابغة القدير حسن ~~مظلوم باشا مدير عام مصلحة البريد، الذي اكتسب بفضل علمه ومقدرته الإدارية وكفاءته ~~الشخصية كل شكر وثناء، وكذا سعادة شقيقه المفضال القانوني البارع أحمد مظلوم بك رئيس ~~نيابة الإسكندرية المختلطة، فإنهما والحق يقال كالكواكب الساطعة في سماء هذا العصر، وقد ~~يعود الفضل لنوالهما هذه الشهرة إلى ذلك المربي الجليل والعالم الكبير المرحوم ~~والدهما. # وقد كان لخبر منعاه رنة حزن وأسى في عموم القطر، حيث اختطفه المنون فجأة في يوم 28 ~~مارس سنة 1923 بالثغر الإسكندري، فذهب مبكيا على أفضاله ونزاهته وعدله وعلمه الواسع ~~وأدبه الجم. # وإننا وأن قدمنا مراسيم العزاء على فقد هذا النابغة الكبير، فإلى الأمة المصرية عامة ~~ولسعادة نجليه الفاضلين ولحضرة صاحب الدولة صهره الجليل محمد سعيد باشا رئيس مجلس ~~الوزراء سابقا بوجه خاص. # أسكنه الله فسيح جناته وأثابه خيرا بعدد حسناته. # | ترجمة المرحوم خليل باشا إبراهيم المحامي الضليع والعصامي الكبير # ولد عام 1832م وتوفي في 7 مايو سنة 1924 # هو المرحوم خليل بن شحاته بن زغلول، ولد في بلدة شندويل من أعمال مديرية جرجا سنة 1832م ~~من أبوين كريمين، اعتنيا بتربيته وتثقيف مداركه وكان يوم ميلاده فأل سعد لأسرته العريقة في المجد. # رسم وتاريخ حياة المغفور له المرحوم خليل باشا إبراهيم. # وبعد أن أتم تربيته المنزلية أرسله والده مع حداثة سنة، إذ كان لا يتجاوز العاشرة من عمره ~~إلى مصر لتلقي العلوم بها على ms228 الرغم من صعوبة المواصلات في ذاك العهد، إذ كان خط السكة ~~الحديدية لم يمتد بعد إلى تلك المديرية، وفي سنة 1847م نكبه الدهر بوفاة المرحوم والده، ~~فالتمس له عملا كتابيا، إذ التحق بإحدى الدوائر بمرتب ضئيل فكان لا يألو جهدا فيما وكل ~~إليه من الأعمال حتى أصبح بعد مدة قصيرة باشكاتب لتلك الدائرة. # ولم تكن نفسه العالية لتقنع بذلك شأن النفوس الطموحة إلى المجد والعلا، بل جعل يهزأ ~~بحاضره ويبتسم لمستقبله، وما أنشئت المحاكم الأهلية في سنة 1880م، حتى اندمج في سلك ~~المحاماة وابتدأ طورا جديدا في حياته، وهنا بدأ ذكاؤه النادر يتجلى فأخذ في درس القوانين ~~بشغف عظيم حتى أحرز السبق على جميع معاصريه فيمن تقدموا معه لنوال جواز مهنة المحاماة، ولم ~~تكن همته العالية لتقعد به عند هذا الحد إذ رأى في المحاماة مجالا ضيقا لمواهبه، فاشتغل ~~بالزراعة بجده المشهور وعزيمته الحديدية، حتى كون لنفسه ثروة طائلة يحسده عليها جميع ~~معاصريه. # ولم تكن مشاغله الخصوصية لتصرفه عن الاهتمام بالشؤون العامة، إذ قد صرف فيها جهدا لا يقل ~~عما صرفه في المحاماة والزراعة، وكان يري في العلم خير السبل لإنهاض وطنه ولانتشال بني قومه ~~من غياهب الجهل، فعمد إلى إنشاء الجمعيات الخيرية وساعدها بجهوده وماله، وخدمها بعلمه وفضله ~~وأسس جمعية التوفيق القبطية الكبرى، وجمعية ثمرة التوفيق التي إليه وحده يرجع الفضل في ~~إنشائها، ورأس الجمعية الخيرية القبطية الكبرى عدة سنوات متوالية، وسار بهذه الجمعيات ~~وغيرها في طريق النجاح والرقي. # وكان يعلم أيضا أن الأمم لا ترقى إلا برقي الأمهات؛ لأنهن أول مؤسس لترقية الأمة فلم ~~يحرمهن من حقهن في التعليم في الجمعيات التي أسسها، والتي رأسها وقد وضع بذلك أحسن مثل ~~لغيره من سراة الأمة وأغنيائها الذين قل أن نرى من بعضهم اهتماما في مثل هذه الشؤون ~~الهامة. # وتاريخ الفقيد سواء في المحاماة أو في غيرها ناصع البياض لا يشوبه أقل شائبة من الشك ~~والريب، وقد فقدته الأمة المصرية عامة والقبطية خاصة قانونيا ضليعا وعاملا مجدا ~~ونزيها فاضلا، كما ms229 بكته البائسات وولولت عليه الفقيرات وذرفن عليه بدل الدمع دما؛ لما ~~كان عليه الفقيد من العطف والإشفاق نحوهن. # وقد أنعم عليه بوسام الكوموندور من الجمهورية الفرنساوية، وبكثير من الرتب والنياشين من ~~الحكومة المصرية إلى أن نال رتبة ميرمران. # وبالجملة كانت حياته مثالا حيا للمجد والجد والاعتماد على النفس، وكان رحمه الله يمتاز ~~باللطف، وبعد النظر وأصالة الرأي والأخلاق الكريمة، ويعد من رجال الأمة المصرية العاملين ~~وأفاضلها المشهورين، وقد لبى نداء ربه في 7 مايو سنة 1924، وقد بكاه كل من عرف فضله، وكل من ~~يقدر في الرجال النبوغ والذكاء والإقدام والنشاط. # | ترجمة حياة فقيد الجد والإقدام المغفور له حسين باشا واصف # إن غاب عنا بجوف الرمس محتجبا # فرسمه من أمام العين ما حجبا # ولا يدور لنا في مجلس سمر # إلا نرى شخصه في الوهم منتصبا # وذكره كلما جال الحديث به # أثار فينا جراحا برؤها صعبا # كم من فؤاد حسين بات منسحقا # حزنا عليك وقلب ذاب منعطبا # أواه من جور دهر في تقلبه # إن سر يوما فيبكي بعده حقبا # فقيد الجد والإقدام المغفور له حسين باشا واصف عضو الجمعية التشريعية عن ~~العاصمة سابقا. # قضف المنون رجلا من رجال مصر المعدودين، وركنا من أركانها العاملين على ~~رفع شأنها، والمجاهدين في سبيل نهضتها، ألا وهو المرحوم «حسين واصف باشا» فقيد الجد ~~والإقدام، وقليل بين آحاد مصر من يشابه الفقيد الراحل همة وعزما وعلما وكفاءة، فهو من ~~الأفراد الذين نالوا من الرقي شأوا كبيرا. # مولده ونشأته # ولد الفقيد في القاهرة سنة 1857م من أبوين شريفين غذياه بلبان التربية العالية، ~~وربياه على بساط العز والنعمة، فشب ذكيا أديبا فاضلا، وأدخل المدارس فكان مثال الجد ~~والذكاء والنشاط، وبعد أن تخرج منها قلد منصب النيابة العمومية في المحاكم المختلطة، ~~وهي في فجرها الأول فكان أول منصب قلد لوطني، فأظهر من النبوغ والاقتدار ما جعله موضع ~~احترام القضاة الأجانب ومطمح أنظارهم، لا سيما ذاك المشرع المشهور والقانوني الضليع ~~المسيو روكاسيرا، وقد أدهشته فصاحته وبلاغته في اللغة الفرنسية في المرافعات ms230 وقوة حججها ~~في هيئات مركبة من فحول الرجال الأجانب، إذ قال: «إذا كانت هذه كفاءة المصريين فلا حاجة ~~لهم إلينا في بلادهم». # وقد كان الفقيد سكرتيرا عاما لوزارة الحقانية مذ كان السكرتير يعتبر كوكيل ~~للوزارة، وله اليد الطولى في وضع قوانين المحاكم الأهلية وترتيبها، وتعين رئيسا لمحكمة ~~إسكندرية الأهلية في أول تشكيلها، فكان مثال العدل والنزاهة، ثم عين بعدئذ مستشارا ~~لمحكمة الاستئناف الأهلية، فأبدى من ضروب الكفاءة القانونية ما أدهش القضاء، ثم رأت ~~الحكومة المصرية الانتفاع بمواهبه وكفاءته النادرة في الوظائف الإدارية، فشغل منها كما ~~شغل من وظائف القضاء عدة مناصب، إلى أن نيطت به وظيفة محافظ عموم القنال، فكان في كل ~~هذه الوظائف التي تولاها مثال الاقتدار الشرقي، وأنموذج الموظف الأمين الحازم الذي يقدم ~~الواجب المفروض عليه نحو بلاده بكل معنى الكلمة. # نبوغ الفقيد في الفنون الجميلة # وإذا قلنا إن المرحوم حسين واصف باشا كان من نوابغ رجال الإدارة والقضاء، فإن ذلك لا ~~يمنعنا من القول: بأنه كان من رجال الفنون الجميلة ومن أكبر أنصارها والعاملين على ~~ترقيتها علما وعملا، فهو الذي أنشأ المعهد الموسيقي فصارت إليه رئاسته، وهو الذي كان ~~يشجع معاهد الفن بكل وسائل التشجيع، فإذا بكاه الأهل والأصدقاء فإن العلم والفن يشتركان ~~في هذا البكاء، وفي ترديد الزفرات حزنا وأسفا على ذلك الراحل العظيم. # خدماته الجليلة في الجمعية التشريعية # وقد رشح الفقيد نفسه لعضوية الجمعية التشريعية عن دائرة بولاق بعد أن تنازل دولة سعد ~~باشا زغلول عن تلك الدائرة وقتئذ، فانتخب بإجماع الناخبين نظرا لما له من الشهرة ~~العامة التي جعلته موضع ثقة الأمة ومحط أمالها، ولو أطال الله في أجل تلك الجمعية، ولم ~~تحل الحرب الأوربية العظمى دون موالاة انعقادها لأدى الفقيد للبلاد وللأمة أجل الخدم ~~نظرا لما جمع في شخصه الكريم من جليل المزايا، وكان الفقيد أيضا من كبار المزارعين ~~فتمكن من إنماء ثروة طائلة فكان القدوة الصالحة للرجال العاملين. # والذي يؤسف له كثيرا أن الفقيد لم يعقب ذرية، وإنما الآمال كبيرة في صاحب ms231 العزة ~~المفضال حسن بك واصف شقيقه، الذي يرى رسمه الكبير فيما بعد في تخليد ذكر الفقيد بخير ~~الأعمال، وليس هذا الأمل على همته بعزيز. # وقد عاش الفقيد طول حياته مع زوجه الوحيدة البارة كريمة المرحوم إبراهيم باشا حليم ~~ووحيدته، وهي من فضليات السيدات، عرفت بعمل البر ومساعدة البؤساء والبائسات. # وفاة الفقيد والاحتفال به # وقد انتقل الفقيد من دار الفناء إلى دار البقاء بالإسكندرية يوم السبت الموافق 14 ~~سبتمبر سنة 1923م، واحتفل بتشييع جنازته بمنزله بشارع القصر العيني بالقاهرة، وكان ~~يتقدم نعش الفقيد ثلة من رجال البوليس السواري والبيادة والمولوية التركية وحملة ~~القماقم وتلامذة المدارس، وقد أوفد دولة يحيى باشا رئيس الوزراء في ذاك الحين مندوبا ~~من قبل الحكومة المصرية للسير في مشهد الفقيد كما سار فيه عموم الوزراء، وجمع غفير من ~~علية القوم حتى جامع قيسون حيث صلي عليه، ومن ثم دفن بقرافة الإمام رحمه الله بعدد ~~أعماله ومآثره الجليلة. # وقد رثاه الشعراء بقصائد بليغة آثرنا أن ننشر قصيدتين منها من نفثات المخلص في وده ~~وعهده حسن بك الدرس مأمور مركز أبو تيج سابقا. # كل من عليها فان # عزاء المكارم والمعالي في فقيدهما الجليل وكوكبهما الذي خلد ذكرا ساطعا ساكن ~~الجنان «حسين واصف باشا»: # رثائي حسينا واصفا ذا الشهامة # أؤدي به بعض الوفا وذمامه # ومن جزعي قد ألجم الوجد منطقي # وأرسل من جفني الحسير ركامه # وهل تدرأ الأحزان صيحة آسف # إذا ما قضاء الله أمضى سهامه # ولكن عزاء الأكرمين فريضة # فقد فقد المأموم منهم إمامه ~~(حسين) على حب الفضائل والعلا # وأسمى السجايا ربه قد أقامه # إلى الله لبى داعي القرب واللقا # وخلف في قلب الحزين ضرامه # ومن صرفت في المكرمات حياته # له الفخر في الدنيا ويوم القيامه # وإن (حسينا واصفا) كلما سعى # إلى الخير سباقا ووالى اهتمامه # وبالخير يجزي الله أجرا مضاعفا # لمن رام وجه الله فيما استدامه # وما مات من دامت مآثر مجده # وترعى المعالي فضله واحترامه # لمأواه في الجنات حسن مآبه # وتحمد في دار الكريم الإقامه # وفي الملأ ms232 الأعلى تكرم روحه # بروح وريحان وأسنى فخامه # ومذ فاز بالرضوان قلت مؤرخا: # لواصف بالجنات مرقى الكرامة # سنة 1342ه 1 # 270 487 530 297 # لذي الفضل شكران الورى يتجدد # فلو فارق الدنيا ثناه يخلد # لقد غاب عنا فرقد المجد والنهى # وهل يستضيء الأفق إن غاب فرقد # أجاب نداء الله شوقا لقربه # وآثاره بالفضل في الكون تشهد # فكان نصير العدل في كل منصب # وكان لبذل الجاه يرجى ويقصد # وكان لنيل الفخر مغتنما كما # بهمته تسمو العلا وتشيد # وما الفخر لفظ يستهان بنطقه # ويرغى به من لا يعيه ويزبد # ولكنه صدق النهى ومروءة # وإسداء جاه والوفا والتودد # بموت فقيد المكرمات تيتمت # وريع بهول الخطب صحب وحسد # وليس وبالا موت ألف وإنما # وبال على الآلاف إن مات سيد # على موته في كل حي مآتم # ومن كل قلب زفرة تتصعد # ولولا التأسي بالتقى لحقت به # نفوس عليها منه كم أنعمت يد # به رحبت دار النعيم وأرخت # حسين بجنات الخلود ممجد # سنة 1342 # 128 456 671 87 # حسن الدرس # مأمور مركز أبي تيج سابقا # آثار الفقيد الخالدة # ولسعادته مآثر عديدة ومفاخر جليلة على العلم وأهله والوطن وبنيه، ومن جملة هذه المآثر ~~إنشاؤه في بور سعيد المدرسة الواصفية الموسومة باسمه الكريم، وخصص لها ريعا من ماله ~~الخاص، وأيضا بناؤه منازل ومساجد كثيرة في نواح عديدة لعماله، وقد شاد مسجدا فخما ~~بأول شارع القللي بالقاهرة هو آية من آيات الجلال والرواء، وفرشه بثمين الأثاث، وله عدا ~~ذلك مآثر أخرى قام الفقيد بها لا تنسى له مدى الأيام وكرور الأعوام. # صفاته وأخلاقه # كان رحمه الله على جانب عظيم من الذكاء الفطري وأصالة الرأي والهمة والشجاعة الأدبية، ~~وغزارة العلم وحسن الإدارة مع كرم حاتمي رحمه الله رحمة واسعة، وأطال في حياة حضرة ~~شقيقه الذي تؤمل الأمة في شخصه الكريم كل الخير. # | ترجمة حضرة صاحب العزة حسن بك واصف مدير مديرية جرجا سابقا # هذا هو شقيق الفقيد الراحل والمؤمل فيه إحياء ذكره، ولا غرابة ولا عجب فيمن همته تعادل ~~همته، وكفاءته ms233 العالية تضارع كفاءته؛ بأن يؤدي الواجب الذي تفرضه عليه الأخوة وتتطلبه منه ~~الأمة، فقد عرف هذا الشهم بالجد والنشاط والإقدام وحسن الإدارة والعلم الغزير، وقد برهن في ~~خلال المدة التي تولى فيها إدارة دائرة المرحوم شقيقه باليقظة وحسن تصريف الأمور والحزم مما ~~اطمأن له بال الفقيد قبيل وفاته وبعد انتقاله. # حضرة صاحب العزة حسن بك واصف مدير مديرية جرجا سابقا شقيق الفقيد الراحل ~~المؤمل فيه إحياء ذكره. # مولده ونشأته # ولد في مصر القاهرة سنة 1863م من والدين كريمين وتعلم بالمدارس الأهلية، ولما كان ~~شديد الميل للاشتغال بالتجارة فقد دخل في محل سهر بالإسكندرية، فتمرن فيه على معاطاة ~~الأشغال وتدرب عليها أحسن تدريب، واتفق مع هذا المحل على الذهاب لإنجلترا لفتح محل ~~تجاري بها، وبما أنه كان جاهلا للغة الإنجليزية، فقد دخل مدرسة بريطانيا الواقعة في ~~ضواحي منشستر، وهي مدرسة شهيرة خاصة بعلية القوم فرضع لبان علومها مدة ثلاث سنوات، وكان ~~يتلقى أيضا دروس خصوصية على أشهر أساتذة هذه المدرسة حتى نبغ في اللغة الإنجليزية ~~نبوغا عظيما خصوصا في علم الاقتصاد؛ ولكي يطبق العلم على العمل دخل بنك «جل بريت» ~~الشهير، وأخذ يتعاطى أشغاله ويتدرب على الأمور المالية، وبعد أن مكث سنتين أظهر في ~~خلالهما ذكاء غريبا وعلما واسعا وغيرة على العمل، وإذ لم يتمكن من بلوغ أمنيته أي ~~فتح محل تجاري عاد إلى وطنه حاملا الشهادات العالية. # وعاد إلى الوطن العزيز في أواخر سنة 1888م، وبعد وصوله استخدم في وزارة المالية وعين ~~في قلم تحريراتها، وبعد مضي شهر نقل إلى قلم حسابات وزارة الأشغال بديوان المالية، ~~وتثبت في هذه الوظيفة استثنائيا بقرار صدر في 7 مارس سنة 1889م، ثم عين نائبا من ~~الحكومة في شركة سكة حديد حلوان بموجب قرار وزاري، ثم عين سكرتيرا خاصا للسير الون ~~مستشار المالية. # كما أنه تعين بمأموريات عديدة أهمها تحقيق المتأخرات بمديريتي الدقهلية والقليوبية، ~~وكان يقدم التقارير النافعة حتى إن بعضها أصبح قواعد أساسية، وقد سعى في رفع كثير من ~~هذه المتأخرات، فأصابت اقتراحاته ms234 من الحكومة صوابا وخففت منها عن عاتق الأهالي. # وفي 28 نوفمبر سنة 1894 عين وكيلا لمديرية جرجا وأنعم عليه بالرتبة الثانية في ~~أوائل سنة 1895م، وبذل جهده في هذه المديرية حتى جمع قلوب أهاليها ووفق بينهم في كل ~~اختلافاتهم، ثم عين مديرا لمديرية الفيوم في 13 يناير سنة 1897م، فعمل فيها كما ~~عمل بالسالفة وأزال التباين الموجود بين الأهالي، وهكذا صفت القلوب وشكر الجمهور له ~~مآثره، وقام بفتح مدرسة أهلية بسوهاج وكان من أعظم مساعديها أدبيا وماديا، وإذ وجد ~~أن الحالة الصحية بنفس مدينة الفيوم سيئة جدا أمر بردم المستنقعات التي حول المدينة، ~~وتمم ما قرره سلفاؤه من فتح الشوارع مثل شارع عدلي ونوحي، ولم يكتف بل أجرى فتح شارع ~~طويل على شاطئ البحر اليوسفي، مبتدئا من أول المدينة إلى آخرها، وسمي بشارع واصف ~~تيمنا باسمه الكريم حتى يبقى ذكره حيا في مدينة الفيوم، وأنشأ 250 كيلو مترا من ~~السكك الزراعية في جهات مختلفة من المديرية، واهتم كثيرا بإحياء زراعة البلاد، وحث على ~~تأسيس الشركات النافعة، فأنشأ على أيامه شركة حديدية زراعية سميت «شركة السكك الحديد ~~الزراعية»، ومدت الخطوط الحديدية في الأنحاء المهمة بالمديريات وسارت عليها ~~القطارات. # وبحسن إدارته ودماثة أخلاقه ومحبة رجال الحكومة إليه تمكن من تخفيض ضرائب الأطيان عن ~~الأهالي، ورفع الأموال عما تلف منها. ونقل من الفيوم مديرا لمديرية جرجا. # ونظرا لكثرة أعماله الخصوصية وميله إلى القيام بتعهدها بنفسه ولظروف خصوصية عززت معه ~~هذا الميل، فقد ترك الحكومة ومسئولية أعمالها موجها جل التفاته واهتمامه إلى شؤونه ~~الخاصة، التي نجح فيها نجاحا باهرا فوق ما حازه من النجاح الباهر في أعمال دائرة ~~المرحوم شقيقه بفضل حسن جدارته وكفاءته الشخصية. # صفاته وأخلاقه # دمث الأخلاق، كريم الطباع، جواد على كل الأعمال والمشروعات النافعة للبلاد، على جانب ~~عظيم من اللطف، ذو مآثر كثيرة خيرية وغيرة عظيمة على الأدب تشهد له بطيب العرق وشرف ~~النفس. # | ترجمة حضرة صاحب العزة المفضال والعالم الكبير محمود بك شاكر # مقدمة المؤرخ # لو أن كل مصري وخاصة ms235 أبناء الموسرين الأغنياء حاز بعض ما حازه هذا العالم الجليل ~~والمهندس الكبير من المعلومات القيمة، التي أهلته للارتقاء إلى الدرجة التي يحسد عليها ~~من كثيرين بفضل حسن تربيته ونزهته وسمو أخلاقه ووفرة ذكائه، إذن ما وجدنا شابا يشكو ~~حيفا أو يبدي تظلما من أبناء البلاد. # وإن الأمة المصرية لن تنسى فضل المجاهدين من أبنائها البررة، الذين توجوا جبينها بتاج ~~الظفر وطوقوا نحرها بقلائد الفخر، وإننا نسطر هنا ترجمة هذا الشهم الجليل العامل المجد ~~بقلم الإعجاب، رافعين أكف الضراعة للعزة الإلهية أن تهب مصر العزيزة الكثيرين من أمثاله ~~من شبابها؛ ليرفعوا من شأنها ويكونوا خير معوان على وصولها إلى أعلا درجات الكمال ~~والرقي. # مولده ونشأته # صاحب الترجمة هو نجل حضرة صاحب العزة محمد بك إبراهيم مأمور وزارة الأوقاف بمديريتي ~~أسيوط وجرجا سابقا، والموظف الآن مأمورا لأوقاف قسم مباني. # حضرة صاحب العزة المفضال العالم الكبير محمود بك شاكر وكيل مصلحة ~~المساحة، والآن وكيل وزارة المواصلات المساعد. # ولد عزته عام 1887م وتربى في بيئة صالحة وتلقى علومه الابتدائية في مدرسة محمد علي ~~الأميرية، وحصل منها على شهادتها الابتدائية ومن ثم دخل المدرسة الخديوية، فحصل منها ~~على شهادتها الثانوية، وفي عام 1906م دخل مدرسة المهندسخانة فقضى بها أربع سنوات كان ~~فيها مثالا للذكاء المصري والنبوغ الشرقي، وحاز شهادة الدبلوم عام 1910م وعين في العام ~~نفسه مهندسا لمركز ديروط وعهدت إليه وزارة الأشغال العمومية في ذاك الحين بمهمة تحويل ~~مجرى النيل أمام قناطر أسيوط، فأظهر همة فائقة واقتدارا عظيما، ثم اختير ضمن ~~الإرسالية لتتميم علومه الهندسية، فسافر إلى إنجلترا سنة 1912م ودخل جامعة ليدز حيث أتم ~~بها العلوم العالية، وقضى زمنا في التمرين العملي على الآلات الرافعة، ثم عاد إلى مصر ~~سنة 1914م وعين مهندسا بتفتيش ري القسم الرابع بمديرية بني سويف، ثم رقي بعد فترة ~~قصيرة إلى وظيفة مساعد مدير بالتفتيش ذاته، وفي عام 1920م رقي مديرا لأعمال هذا ~~التفتيش ونقل عام 1922م مديرا لأعمال تفتيش ري قسم أول بالقاهرة، وفي 12 نوفمبر سنة ms236 ~~1923م رقي وكيلا لمصلحة المساحة بالجيزة: وفي شهر ديسمبر سنة 1925م رقي لوظيفة وكيل ~~مساعد لوزارة المواصلات وهو دائب على عمله بعزيمة ماضية وهمة عالية لا يعتورها أدنى ~~كلل، وحضرته معدود من رجال العمل والإقدام مشهور بالكفاءة الشخصية وعلو النفس، ويرجع ~~الفضل في وصوله إلى هذا المركز السامي لحضرة والده الجليل الذي ربى حضرات أنجاله على ~~أقوم أسس الفضيلة، فكانوا نجوما زاهرة في سماء مصر تضيء بهم المحافل، وتفتخر بهم نوادي ~~العلوم والآداب وبمثله فليقتدي العاملون وليتفاخر المتفاخرون. # انتدابه عضوا لمؤتمر المساحة الدولي بمدريد # وقد انتدبته الحكومة المصرية صيف عام 1924م؛ لتمثيل مصر في مؤتمر المساحة الدولي الذي ~~عقد في مدريد حيث قام معه جناب المستر ديد المفتش بمصلحة الطبيعيات بالحكومة المصرية، ~~ويسرنا أن نقول: إنهما قاما بمهمتهما خير قيام ورفعا اسم مصر في أعين الأمم المشتركة في ~~ذلك المؤتمر، إذ جاء بحل المسائل الفنية التي كانت معلقة. # مؤتمر مدريد الدولي. # وقد قدم صاحب العزة محمود بك شاكر تقريرا بأعمال «الجيودبري» بمصر، وهو قسم المساحة ~~العالية مشتملا على ثمانين صفحة، وقد اشترك في المؤتمر المذكور 27 دولة وحضره كثيرون ~~من رجال الدول المشتركة فيه. # وقد أخذ هذا الرسم في قاعة مجلس النواب، ويرى شاكر بك في الصف الثالث في وسط الجهة ~~اليسرى وإلى يساره المستر ديد، وفي الزاوية صورة شاكر بك. # كما انتدبته الحكومة المصرية في اللجنة الخاصة بتسوية الحدود الغربية بين إيطاليا ~~ومصر، التي يرأسها حضرة صاحب المعالي إسماعيل صدقي باشا في أوائل شهر نوفمبر سنة 1925 ~~وفي هذين الانتدابين وغيرهما الدليل الناصع على ما لحضرة صاحب الترجمة من الكفاءة ~~الشخصية. وفي شهر ديسمبر سنة 1925 عين وكيلا مساعدا لوزارة المواصلات. # صفاته وأخلاقه # والمعروف عن حضرة صاحب الترجمة طهارة القلب، والنزاهة والإخلاص في العمل وتعضيد الأدب ~~ومعاونة الأدباء ومساعدة البؤساء. # أكثر الله من أمثاله بين شباب مصر؛ لتفتخر بهم ولتدون جلائل أعمالهم في بطون التاريخ ~~بالفخر والإعجاب كما تفتخر اليوم بهذا النابغة الكبير. # | ترجمة حضرة صاحب العزة المهندس العالم ms237 الكبير السيد محمود بك صبري محبوب # إن تلك الكفاءة الباهرة التي تتجلى في كل أفق لدليل قائم على أن النبوغ، الذي كان أمس ~~ملكة للأجداد هو اليوم صفة مميزة للأحفاد. # وإن في حياة النابغة صاحب الترجمة لحجة أخرى يجتلي فيها العصر نباهة المصري واستعداده، ~~وتقوم من نفسها مقام التزكية لتلك الشهادة. # حضرة صاحب العزة المهندس العالم الكبير السيد محمود بك صبري محبوب مدير ~~تخطيط المدن والمساكن بتنظيم مصر بوزارة الأشغال. # مولده ونشأته # ولد صاحب الترجمة الحسيب النسيب عام 1888م، وربي على الفضيلة والأدب الصحيح وهو ابن ~~المرحوم الأستاذ السيد عبد الحميد محبوب المحامي بن المرحوم الدكتور السيد محمد ~~محبوب. # وبعد أن أتم صاحب الترجمة دراسته بمصر وظف مهندسا بالري في وزارة الأشغال العمومية، ~~وبقي بها حتى تاقت نفسه إلى إتمام دراسته بجامعة أوربية فقصد في فبراير سنة 1911م جامعة ~~مدينة ليدز بإنجلترا، حيث تخرج منها في يونيه سنة 1914م ووظف مهندسا بمصلحة المجاري ~~بتلك المدينة ولم يكد يمضي عليه في هذه الوظيفة حول آخر إلا ورقي إلى درجة مساعد مهندس ~~المدينة، فأسند إليه القيام بمشروع تخطيط هذه المدينة التي تبلغ مساحتها نحو الثلاثين ~~ألف فدان إنجليزي مربع، وسكانها نصف المليون وقد بلغ ما تقرر إنفاقه لتنفيذ ذلك المشروع ~~أربعة ملايين جنيه إنجليزي، فقام صاحب الترجمة بما وكل إليه قياما انعقد به الإجماع ~~على تفرده وكفايته. # وفي يوليو سنة 1916 أضيف إلى عمله الهندسي مسئولية كبرى في بوليس تلك المدينة، فكانت ~~معلوماته الهندسية أكبر مساعد على نبوغه، وفي فترة قصيرة رقي إلى مفتش فباشمفتش فمأمور ~~قسم، وأصبح من اختصاصه وضع الأنظمة الخاصة لشرطة الطرق والمواصلات، وتحقيق بعض القضايا ~~الجنائية حتى لقب منظما للبوليس. # وفي هاتين الوظيفتين الإداريتين كما في الوظائف الهندسية السابقة أظهر من الجدارة ~~والمهارة ما استحق كل إعجاب، وكان على اتصال دائم بتلقي العلوم الهندسية، فلم يكتف بفرع ~~واحد منها، بل اهتم لهندسة السكة الحديدية والهندسة الصحية وهندسة البلديات، حتى حصل في ~~النهاية على دبلوم أخصائي في فن تخطيط ms238 المدن. # كتب الثناء عليه # وقد عرفت له صحافة ليدز ما أسداه إلى تلك المدينة من الخدم الثمينة، فكتبت عنه معجبة ~~بمهارته مكبرة لنبوغه. # ولما وضعت الحرب أوزارها حن إلى وطنه فأبدى رغبته في العودة إليه، فعرضوا عليه أن ~~يزيدوا مرتبه ويرفعوا مرتبته على أن يبقى في تلك المدينة فاعتذر عن ذلك، واضطرت المصلحة ~~التي كان يعمل فيها أن تأتي بموظف آخر على أن يدربه ذلك النابغة المصري على أعمال منصبه ~~ستة أشهر؛ ليستطيع بعد ذلك أن يحل محله وكتبت للحكومة المصرية بذلك. # وليس أدل على عظيم فضل ذلك المصري من ذكر بعض الشهادات التي نالها بعد تركه الخدمة، ~~فقد كتب قاضي تلك المدينة ورئيس مجلسها ما ترجمته: # عرفته - «يريد صاحب الترجمة» - منذ ست سنوات حيث كان يطلب العلم في جامعة ~~ليدز لغاية يونيه سنة 1914م، ثم ألحق بمصلحة المجاري لمدة سنة، ثم رقي إلى منصب ~~مساعد مهندس المدينة في مصلحة تخطيط المدينة، فألفيته على علم تام بأعمال ~~البلدية، وهو مهندس ذو كفاءة عالية، وقد دلني قيامه بأعماله وواجباته على عظيم ~~مقدرته، وعلى أن براعته باعتباره جنديا ومنظما للبوليس لا تقل عن براعته ~~باعتباره مهندسا، وهو نعم العضد لعدة معاهد علمية في إنجلترا تتطلب كفايات ~~عالية وقد قدم استقالته إلى مجلس المدينة؛ ليعود إلى وطنه وإني واثق أنه سينفع ~~بلاده أجل نفع، وستذكره مدينة ليدز دائما وترحب به ترحيبا عظيما في أي وقت ~~يشاء فيه العودة إليها، وإني آسف جدا لقبول استقالته وحرماننا من خدماته، ولا ~~سيما أني عرفت هذا الموظف الكبير مثالا للأخلاق الكريمة والفضائل، وإني أرجو ~~له مستقبلا سعيدا. # صورة أخرى لصاحب الترجمة. # وكذا كتب له مهندس تلك المدينة ما ترجمته: # ليس في استطاعتي أن أعبر عن مقدار إعجابي بالطريقة التي يؤدي بها أعماله، وإن ~~له ثقة تامة بأن مصر ستجد فيه رجلا موثوقا به ذا ضمير حي. # وقد كانت الوظيفة التي أسندت إليه في وزارة الأشغال المصرية وهو بليدز مساعد مدير ~~أعمال، ولما رجع وظهرت كفايته طلبت هذه ms239 الوزارة من وزارة المالية استبدال هذه الدرجة ~~بدرجة مدير أعمال، وقد اختارته الحكومة المصرية بعد أن اقترح مسألة التحكيم في اعتصاب ~~سنة 1919 لشركة ترامواي مصر، ونجحت نجاحا باهرا وكانت نتيجة ذلك أن عين مندوبا ~~للحكومة بمكتب التحقيق لشركتي الترام للقاهرة ومصر الجديدة، فكان من أعماله أن حل ~~الوطنيون محل الأجانب في الوظائف التي تخلو وجعل أمام العمال مجالا واسعا للترقي ~~لوظائف المفتشين وخلافه، وكان في الوقت نفسه موضع الإجلال والإكبار من جميع مديري ~~الشركات لقوة حجته، وما مارسه بخصوص مسائل العمل في المدة الطويلة، التي أقامها بأوربا ~~وقد رأت الحكومة المصرية أخيرا انتدابه ممثلا لها في جميع المشاكل التي بين أصحاب ~~العمل والعمال، كما وقد وقع اختيار الحكومة عليه في تمثيلها في المؤتمر الذي انعقد في ~~لندره في سنة 1920 الخاص ببناء المساكن وتخطيط المدن، وأيضا المؤتمر الذي انعقد لهذا ~~الغرض بأمستردام. # وإننا نترجم هنا ما قالته جريدة يوركشير ويكلي بوست بخصوص الخريطة القمرية، التي قام ~~بوضعها صاحب الترجمة بعد أن توجت عدد الجريدة بصورته الفوتوغرافية. # إن هذه الخريطة القيمة التي تبين جميع أوجه القمر في سنة 1918م قد رسمت لإرشاد بوليس ~~مدينة ليدز، وقد نشرناها بتصريح من واضعها محمود صبري - «الذي ترى صورته في الصفحة ~~المقابلة» - ومن حكمدار بوليس ليدز المستر برنس ليدلي ، وقد وضعت خريطة كبيرة للستة ~~الأشهر من السنة الماضية، وكانت الفائدة التي حققتها عظيمة لدرجة أن الحكمدار تلقى ~~كثيرا من الطلبات بإرسال صورة منها للسلطات الحربية والبوليسية الأخرى من جميع أجزاء ~~المملكة؛ وهي ذات فائدة مزدوجة لأنها علاوة على كونها المرشد الوحيد للأوقات التي ~~تستدعي احتياطات خاصة، واستعداد لمفاجئات الحوادث فهي أيضا المرشد الوحيد للأهالي عند ~~عقد اجتماعاتهم ليلا. # صورة أخرى لصاحب الترجمة حينما كان في أوربا. # محمود صبري هذا شاب مصري يقوم بخدمات عظيمة لمدينة ليدز، فهو إلى جانب المجهود الفني ~~الذي يقوم به في مصلحة تخطيط المدينة رئيس قسم الشرطة والمواصلات. # وقد ولد في مصر سنة 1888 وقبل أن يلحق بجامعة ليدز كان ms240 مهندسا للري في الحكومة ~~المصرية. # تعليق صحف مدينة ليدز عند عودة صاحب الترجمة لوطنه # قالت جريدة الإيفننج بوست بتاريخ 30 يوليو سنة 1919 بمناسبة استعفائه تحت عنوان ~~«خدمات مصري جليلة لمدينة ليدز» ما يأتي: # يبارحنا محمود صبري عائدا إلى وطنه، وكان قد جاء ليتلقى العلم في جامعاتها. قام هذا ~~الشاب بخدمات جليلة للمدينة، إذ عين بعد خروجه من الجامعة في وظيفة مهندس في مصلحة ~~مهندس المدينة، ووظيفة أخرى هامة بالبوليس حيث اشترك في تنظيم شرطة الطرق والمواصلات ... ~~إلخ. # وقد حاز صاحب الترجمة نشانا رفيعا نظير أعماله مدة وجوده بمدينة ليدز بإنجلترا، ~~ومما يدل على تفانيه في خدمة الفن الذي تخصص له، ويصحبه جل يومه بعزيمة ماضية وجنان ~~ثابت قيام بعض ظرفاء مدينة ليدز بعمل ثلاث صور رمزية «كاريكاتورية»: # الأولى: # تمثله واقفا في ساحة كبرى وسط جملة مصالح حائرا لا يدري إلى أي ~~مصلحة يذهب أولا لنجاز أعماله الكثيرة. # والثانية: # عندما كان قاصدا الاستراحة الساعة الخامسة مساء، وأنه لما هم ~~بالخروج رأى من ورائه جيشا من هيئات المصالح الأخرى على شكل كلاب تقصد ~~اللحاق به؛ لتثنيه عن عزمه. # والثالثة: # تمثله واقفا وسط غرفة نومه بعد أن خلع ملابسه نصف الليل ويده على ~~آلة التلفون، وإذ حضر جاويش ومعه أوراق يريد عرضها عليه. # ويرى مما تقدم جميعه أن صاحب الترجمة رجل جد ونشاط وعمل لا يكل ولا يفتر ساعة واحدة ~~عن الاشتغال والتفكير، وإبداء الاقتراحات الدقيقة والسعي وراء ما يفيد البلاد ~~والعباد. # خدماته الجليلة في الحكومة المصرية # ولا يمكننا مطلقا أن نأتي بجميع الخدمات الجليلة التي أداها صاحب الترجمة لخير بلاده ~~المصرية، فمنها ذاك التقرير الضافي الذي وضعه لتخطيط المدن والمساكن والعمل والعمال ~~وعرضه على وزارة الأشغال العمومية، فنال استحسانا عظيما ووافقت على طبعه ونشره وشفعته ~~بمقدمة مفيدة بقلم جناب المستر توتنهام وكيل الوزارة، وقد وزع على كبار الموظفين ونواب ~~الأمة وغيرهم، وقد رأت الوزارة تعميما للفائدة أن تعرضه للمبيع بالعربية والإنجليزية ~~في مكتب النشر؛ لينتفع الجمهور بفوائده، وقد ترتب على ذلك ms241 اهتمام الحكومة أخيرا ~~اهتماما عظيما بأمر تخطيط المدن والمساكن فأنشأت قسما خاصا به. # وكم له من مشروعات حيوية جليلة وأعمال مفيدة واقتراحات صائبة ترمي جميعها إلى الرقي ~~العمراني، منها اقتراحه أن تؤلف الحكومة لجنة صناعية للنظر في مسائل شركات الترام ~~والإنارة والمياه، ويعهد إليها تعيين أجور العمال والإجراءات التي تتبع بشأنهم، وتكون ~~قراراتها قطعيا نافذة المفعول فيما يتعلق بالشركات والعمال على السواء. # وكم له من آراء صائبة ومواقف مشهورة في لجان تحقيقات بلدية الإسكندرية، وكانت مواقفه ~~فيها معروفة ومشهورة، وعادت على عمال البلدية بالخير العظيم. # انتدابه لتخطيط مدينة بيروت # ولقد ذاع صيت صاحب الترجمة واشتهر في تخطيط المدن والمباني، فقرر مجلس بيروت البلدي ~~انتدابه لتخطيط مدينة بيروت والنظر في مواصلاتها، وقد دل هذا القرار على ما لحضرته من ~~علو الكعب في هذا الفن، وما أحرره من شهرة في فنه حتى وثق به القريب والبعيد، كما دعته ~~دولة إسبانيا لإبداء رأيه فيما يتعلق باقتراحاتها بشأن بناء مساكن بها، وهو على اتصال ~~تام مع جميع ممالك أوربا في تبادل الآراء بما يفيد بلاده وبلادهم، وقد انتخب أخيرا ~~عضوا بمجلس الإدارة الدولي لتخطيط المدن والمساكن. # منزلة المترجم له عند مليك البلاد # لقد حظي صاحب الترجمة بمقابلة جلالة المليك المعظم فؤاد الأول غير مرة، فنال تعطفات ~~جلالته ورضاه التام على ما قام به من جلائل الخدم مشجعا إياه مثنيا على همته، كما أنه ~~حظي بمقابلة صاحب الجلالة ملك إنجلترا أثناء وجوده بها، كما وقد تعطفت عليه السطانة ملك ~~وأوفدت حضرة صاحب العزة محمود خيري بك ياور عظمتها بهديتين ثمينتين، إحداهما لجناب ~~المستر هزول مدير مصلحة التنظيم، والأخرى لصاحب الترجمة مكافأة لهما على مساعدتهما ~~لعظمتها في مشروعها الخيري الخاص ببناء مسجد وسبيل ومستشفى شرقي العباسية في شارع ~~السلطان أحمد بقرب مسجد الأمير كبير على الطراز المصري الأثري، فقابلا من عظمتها هذا ~~التعطف السامي بالدعاء والشكر. # ولصاحب الترجمة آثار خالدة وأياد بيضاء عدا ما تقدم بيانه، منها وضع خارطتين مهمتين ~~للعاصمة، إحداهما للصناعات في مصر على ms242 اختلاف أنواعها وأماكنها مع التفاصيل الوافية لكل ~~صناعة منها، بحيث يقف الناظر على كل ما يهمه من أمر هذه المصنوعات حالما يلقي نظره على ~~الخريطة المذكورة، والثانية ببيان دور العلم في مصر من كليات ومدارس وكتاتيب وغير ذلك ~~وعدد من فيها من الطلبة، وما يجب إنشاؤه من جديد من المكاتب والمدارس، مع مقارنته بعدد ~~المواليد في العام لنشر التعليم فيها، وجعله عاما إجباريا، وتحتوى هذه الخارطة على ~~جميع المدارس الحالية، سواء أكانت أميرية أم أهلية أم تابعة للأوقاف، وظاهر فيها أيضا ~~الأماكن التي تشاد فيها المدارس والكتاتيب للتعليم الإجباري بنسبة عدد المواليد في كل ~~حي من أحياء المدينة، بحيث لا تزيد المسافة بين مكتب وآخر أكثر من نصف ميل واحد، فلا ~~يبعد كثيرا عن منازل التلاميذ ولا يتكلف التلميذ عناء الانتقال لمسافات بعيدة، وجملة ~~خرط أخرى حافلة بمصنوعات حيوية. # هذا ولما كانت القاهرة أعظم مدن أفريقية ومن أكبر عواصم الشرق، سواء كان بالنسبة ~~لكثرة السكان أم لفخامة الأضرحة والجوامع والمباني والآثار، أو انتظام الشوارع وسهولة ~~الانتقال، ولها تاريخ حافل بجلائل الأمور ومحفوظات مكتوبة تتضمن بيانا وافيا عن كيفية ~~إنشائها، وبيان ما بني فيها من الأحياء والمباني الشهيرة على توالي السنين، وقد سارت في ~~عصور هذا التاريخ طبقا المقتضيات نواميس التقدم والارتقاء، فصارت كما هي اليوم عروس ~~هذا الوادي ودرة من درر الشرق الغوالي، وذلك بفضل اهتمام مصلحة التنظيم هذه الأيام ~~بتاريخ القاهرة الخاص، كما اهتمت بمستقبلها الذي يقتضيه انتشار العمران فيها، وازدياد ~~السكان واتساع أعمال الحكومة ودائرة الصناعة والتجارة، فرسم صاحب الترجمة في لوحة كبيرة ~~رسوما عديدة تبين القاهرة في جميع أدوارها، وتظهر ما طرأ على مجرى النيل بجوارها وما ~~أنشئ من المباني الفخمة وتاريخ إنشاء كل منها من العصر الروماني إلى العربي إلى زمن ~~المغفور له الخديوي إسماعيل، وهذه مأثرة كبرى تضاف إلى مآثره الجزيلة التي صادفت من ~~الأمة ارتياحا وشكرا عظيما. # ورغما من رفيع منزلته وكبير مركزه وكثرة مشاغله وانهماكه في الأعمال أناء الليل ~~وأطراف النهار، تراه بشوش ms243 الوجه ضاحك السن لطيف الحديث حسن الوفادة لا عيب فيه سوى ~~تفانيه في خدمة بلاده ومساعدة الفقراء، وكل من أخنى عليه الدهر بنابه، وإن مصر لتفخر كل ~~الفخر بأمثال حضرته ونبوغه وتفوقه، ونرجو الحق تعالى أن يكثر من أمثاله لرفع لواء مجدها ~~وإسعادها، وأن يمتعه بدوام الهناء والرفاهية إنه على ما يشاء قدير. # | ترجمة حضرة صاحب العزة الإداري الحازم أحمد بك صديق # مقدمة للمؤرخ # لسنا في حاجة إلى تبيان ما لسعادة هذا المدير الإداري الحازم من جلائل الأعمال، وحسن ~~الإدارة والكفاءة، ورجاحة العقل وقوة الإرادة، ومن نعم الله تعالى عليه أن جمع كل هذه ~~المواهب السامية والخصال العالية في شخصه الكريم مع حداثة سنه، مما يبشرنا بوصوله إلى ~~أسمى المراتب وأرفع الدرجات؛ لتنتفع البلاد بغزير علمه وكبير فضله وعالي همته. # حضرة صاحب العزة الإداري الحازم أحمد بك صديق مدير جرجا. # مولده ونشأته # ولد المترجم له بالقاهرة في 17 نوفمبر سنة 1887 من عائلة شريفة المحتد عريقة في ~~المجد، فوالده هو حضرة علي بك صديق وكيل محافظة مصر سابقا، وجده لأبيه البكباشي أحمد ~~بك صدقي بكير، رباه والده على الفضيلة والأدب فأدخله مدرسة الناصرية فحصل منها على ~~علومها الابتدائية حتى نال شهادتها، ومن ثم أدخل المدرسة الخديوية بدرب الجماميز، وأبت ~~نفسه العالية وتربيته الصحيحة القويمة القعود عند هذا الحد، فطلب المزيد من العلوم ~~العالية فأدخل مدرسة الحقوق الملكية، وأخذ يواصل ليله بنهاره مكدا مجدا حتى فاز ~~بأمنيته ونال شهادة الليسانس، وعقب نواله هذه الشهادة أوفدته وزارة الداخلية المصرية ~~إلى إنجلترا وألمانيا لدرس أنظمة الإدارة والبوليس في هاتين المملكتين المشهورتين، فكان ~~له ما أراد وعاد إلى الوطن العزيز محاطا بالفخر والظفر عاملا على خدمة البلاد بما ~~أوتي من فطنة وذكاء. # خدماته الحكومية # وبفضل النزاهة المكتسبة من تربيته الأولية وميله الكلي لبث روح العلم الصحيح، وما ~~حازه من آداب الغربيين فقد أراد نفع بلاده وحكومته بهذه المعلومات والأخلاق السامية، ~~فعين مفتشا بوزارة الداخلية، وما كاد يتولى هذا المنصب حتى شمر عن ساعد الجد ms244 والنشاط ~~وكوفئ على هذه الكفاءة بتعيينه وكيلا لمحافظة الثغر الإسكندري، وما لبث بها طويلا حتى ~~رقي مديرا لمديرية الفيوم، ثم مديرا لمديرية القليوبية، ثم مديرا لمديرية الجيزة، ثم ~~نقل مديرا لمديرية قنا في 8 أبريل سنة 1925، ومن ثم نقل مديرا لمديرية جرجا، وهو ~~المركز الذي يشغله الآن بهمته المشهودة، وقد أنعمت عليه الحكومة المصرية بنشان النيل ~~كما أنعمت عليه الحكومة الإنجليزية بنشان الإمبراطورية الإنجليزية، وحاز الرتبة الثانية ~~من الحكومة المصرية. # صفاته وأخلاقه # وهبه الله تعالى فوق مواهب الكفاءة والذكاء والجد والإقدام والشهامة مواهب الدعة ~~واللطف، وكرم الأخلاق مع المروءة العالية والأدب الجم، والأخذ بناصر المظلوم، ومساعدة ~~مهضوم الحقوق، وهو نزيه في كل أدوار حياته، أكثر الله من أمثاله الحازمين بين كبار رجال ~~حكومتنا المصرية. # | ترجمة حضرة صاحب العزة الشهم الإداري سيد بك فؤاد الخولي # كلمة للمؤرخ # لا يستتب الأمن العام في ربوع البلاد ولا يسود السلام إلا إذا شمر الحاكم عن ساعد ~~الجد والإقدام، ومسك بزمام شؤون وظيفته بيد من حديد، وكان كفؤا لإدارة الأعمال نزيها ~~مخلصا ذي همة ماضية ونفس عالية، وقد أتاح الله لمديرية قنا مديرا عادلا يشتعل غيرة ~~على مصالح البلاد فتراه يسوس بحكمته العالية وكفاءته النادرة كافة شؤون هذه المديرية، ~~ألا وهو حضرة صاحب العزة سيد بك فؤاد الخولي الذي اشتهر بين الحكام الإداريين بالجد ~~وعلو الكعب في تذليل الصعاب، والسهر على ما فيه رفاهية الأهلين فاستحق شكر المحكوم ~~وثناء الحاكم. # حضرة صاحب العزة الشهم الإداري سيد بك فؤاد الخولي مدير قنا. # مولده ونشأته # هو السيد فؤاد الخولي نجل سيد أحمد بك الخولي، ولد بناحية بسيرباي بمركز طنطا بمديرية ~~الغربية عام 1879م، وتربى التربية المنزلية العالية التي تتناسب مع قدر عائلته الشهيرة ~~العريقة في الحسب والنسب، فأدخله والده الجليل مدرسة طنطا الأميرية فكان المثل الأعلى ~~في الذكاء وحسن الأخلاق والاستقامة، ونال الشهادة الابتدائية ومن ثم دخل المدرسة ~~الخديوية بالقاهرة. # وظل بها إلى أن أتم علومها، ومنها أدخل المدرسة الحربية فتضاعفت جهوده وبرز نشاطه ~~ولبث بها إلى ms245 أن تخرج برتبة ضابط عام 1896، والتحق بخدمة الجيش الذي كان زاحفا وقتذاك ~~على السودان، فاتسع أمامه ميدان الجهاد وأصبح قادرا على خدمة مصر، وأبلى البلاء الحسن ~~مما دعا رؤساءه إلى تقدير همته وكفاءته، فعين ضابطا للبوليس بحكومة السودان، وصار ~~يتنقل فيها من مركز إلى آخر حتى وصل إلى مركز «الكوه» على البحر الأبيض، ثم نقل إلى ~~الخرطوم فمركز صودا، ثم رقي مأمورا له، فمركز «الكيلي» على حدود الحبشة، ثم أعيد ~~مأمورا لمركز الخرطوم بحري، فكانت سيرته في عمله الحكومي آية من آيات الرشد والمنار، ~~وما من مركز حل فيه إلا وترك أثرا وحسن سمعة شهد بهما الخاص والعام. # وفي سنة 1909 ميلادية انتقل إلى سلك وظائف الحكومة المصرية، فعين مأمورا لمركز إطسا ~~فمركز سنورس من أعمال مديرية الفيوم، ثم نقل مأمورا لمركز أشمون فمركز تلا من أعمال ~~مديرية المنوفية، فكان في كل هذه المراكز موضع الثناء والإعجاب نظرا لسهره على حفظ ~~الأمن العام، وقيامه بمهام وظيفته خير قيام، ومن ثم رقي إلى درجة حكمدار لمديرية ~~القليوبية سنة 1914 فحكمدارا لمديرية أسيوط، ثم مكث بها سنتين كاملتين كان فيهما مثال ~~الجد والنشاط، وكانت المدينة على أتم حالات الصفاء والسكينة، ومن ثم نقل إلى مديرية ~~المنيا ولم يلبث بها سوى شهرين حتى رقي وكيلا لمديرية بني سويف في أوائل سنة 1917، ~~فوكيلا لمديرية القليوبية سنة 1919، ولما بدأت وقتئذ الحركة الوطنية المعلومة ظهرت ~~وطنيته العالية بأجلى معانيها وبرز إلى ميدان الجهاد مضحيا بمركزه وحياته العزيزة في ~~سبيل الوطن، ولم ترهبه قوة الغاصب ولا أساطيله بل كان يحتقر الصعاب ويقتحم الأهوال؛ ~~لذلك قبضت عليه السلطة العسكرية ونفته إلى رفح، حيث أمضى بها الثلاثة أشهر تحت شمسها ~~المحرقة فلم يزدد إلا ثباتا وصدق إيمان بوطنه، وبعد أن عاد من منفاه عين وكيلا ~~لمديرية جرجا، فمديرية الشرقية، وفي عهده بتلك المديرية حدثت فتنة وطنية عامة، فكان ~~فيها ذاك الوطني الغيور المتدفق حماسا وشمما وحكمة، وبعد ذلك نقل وكيلا لمحافظة ~~العاصمة وبدأت عملية الانتخابات لمجلس النواب والشيوخ، فأظهر ms246 من الدراية والدربة ~~والنزاهة ما لهجت به الألسن بالشكر والإعجاب، وسارت العاصمة بفضل جهوده العظيمة على أتم ~~ما يرام وكان ذلك داعيا لترقيته محافظا لدمياط عقب نهاية تلك الانتخابات، وظل بها ~~شهرا ونقل منها مديرا لمديرية القليوبية، ومنح رتبة البكوية من الدرجة الأولى عام ~~1925، وفي هذا العام نفسه نقل مديرا لمديرية قنا، وما زال بها حتى الآن. # حضرة صاحب العزة الشهم الإداري سيد بك فؤاد الخولي مدير قنا. # صفاته وأخلاقه # رجل النزاهة والشهامة والإقدام، صريح في القول مخلص لوطنه ميال إلى عمل الخير، وديع ~~الأخلاق أبي النفس على جانب كبير من الكفاءة الإدارية والأدب الجم؛ لذلك نراه ميالا ~~لمساعدة الأدباء وأهل العلم. # | ترجمة حضرة صاحب العزة الشهم المفضال الأميرالاي عبد الفتاح بك رفعت # مقدمة للمؤرخ # عرفنا في هذا الإداري الحازم قوة الإرادة والكفاءة الإدارية والدأب على الأعمال ~~والنشاط والإقدام، وزرناه مرارا في مكتبه فشاهدنا ما لم نشاهده في كثير من كبار ~~الموظفين من التدقيق في كل شاردة وواردة، وتوقيع الجزاءات على من يراه مقصرا من ~~الموظفين والعمال الذين تحت رئاسته، رأيناه مكبا على الأعمال بنفسه دون أن يحيل شيئا ~~منها على أحد ممن تحت إدارته، شأن الإداري الحازم الذي يتلقى كل مسئولية على نفسه، ~~وعرفنا فيه الذكاء المفرط عند توليه مديرا لمخازن عموم البوليس، وكيف أظهر بفراسته تلك ~~الألاعيب والاختلاسات المشينة، وقدم فاعليها لمجالس التأديب وقضى عليهم بالرفت بعد ثبوت ~~تهمة الاختلاس ثبوتا لا يدع مجالا للشك، فهذا هو عبد الفتاح بك رفعت الذي نسطر تاريخه ~~بقلم الفخر والإعجاب في سفرنا التاريخي، سائلين الحق أن يكثر من أمثاله بين كبار موظفي الإدارة. # حضرة صاحب العزة الشهم المفضال الأميرالاي عبد الفتاح بك رفعت المدير ~~العام لقوة نظام البوليس والخفر بوزارة الداخلية. # مولده ونشأته # ولد بمدينة القاهرة يوم 2 أكتوبر سنة 1872 بشارع المغربلين بعطفة عبد الله بك من ~~أبوين شريفين، فوالده هو البكباشي عبد الرحمن أفندي طلعت بن المرحوم يوسف أفندي عصمت ~~باشمهندس مديرية البحيرة. دخل أولا مكتب السلطان مصطفى الكائن ms247 في أول شارع الكومي ~~بالقرب من السيدة زينب، ومكث به سنتين ثم انتقل إلى مكتب الفراش الكائن أمام قسم بوليس ~~السيدة - وكان هذا المكتب متمما لمكتب السلطان مصطفى - فمكث به سنة واحدة، ثم التحق ~~بمدرسة المبتديان - التي مكانها الآن المدرسة السنية - وذلك عام 1882م ومكث بها أربع ~~سنوات، ثم انتقل إلى المدرسة الخديوية سنة 1886م في عهد ناظرها المرحوم صادق بك شنن، ~~فمكث بها ثلاث سنوات وكان في كل مدة الدراسة عنوان النجابة والذكاء الفطري، ثم ألحق ~~بالمدرسة الحربية في سنة 1890 من وترقى منها إلى رتبة ملازم ثان في 30 يونيو سنة 1892، ~~وتعين في 13 جي أورطة بيادة في سواكن، وفي سنة 1894 ألحق بوزارة الداخلية، ونقل ملاحظا ~~لبوليس مركز السنطة فمكث بها سنة واحدة، ثم نقل ملاحظا لبوليس بندر شبين الكوم، وكانت ~~مديرية المنوفية مقسمة إلى بنادر ومراكز غير مراكزها الحالية، فلما غير المرحوم محمود ~~صبري باشا حدود مراكز المديرية وأوضاعها بأن نقل مركز مليج إلى شبين الكوم، وسماه ~~مركزا وضم إليه بندر شبين، ونقل مركز سبك إلى أشمون وسماه أشمون؛ تعين صاحب الترجمة ~~بعد إلغاء بندر شبين - وكان يرؤسه ملاحظ بوليس فقط - إلى نقطة بركة السبع، فمكث بها إلى ~~أكتوبر سنة 1896 حيث رقي إلى رتبة معاون بوليس قبل أقدميته بنحو 54 ملاحظا، وهذا أكبر ~~دليل على نشاطه خصوصا في حوادث السرقات، التي أظهر فاعلوها أثناء وجوده بنقطة بركة ~~السبع، ونقل لمركز بلبيس ومكث به مدة خمسة عشر يوما فقط، ونقل منه إلى ههيا لمناسبة ~~كثرة حوادث السطو والسرقات، ومكث حتى أبريل سنة 1897م وكان حضرة صاحب الدولة عدلي يكن ~~باشا مديرا إذ ذاك للشرقية فأحسن شهادته فيه، ونقلته وزارة الداخلية إلى مركز مغاغة ~~عقب حادثة قتل المستر كمب السائح الإنجليزي المشهور، وكان لحادثة قتله هذه أهمية عظمى ~~في دوائر الحكومة عموما والداخلية خصوصا؛ لأن اللورد كرومر اهتم بها اهتماما فوق ~~العادة فلم يمض أكثر من عشرين يوما حتى أظهر القاتلين، وكانوا من طائفة الأعراب ~~المقيمين بعزبة ms248 المرحوم علي باشا فهمي المجاورة لمغاغة، وقدمهم للقضاء وحكم عليهم ~~بالأشغال الشاقة المؤبدة بعد أن ضبطت عندهم معظم السرقات، ويرجع الفضل ليقظة صاحب ~~الترجمة وما أبداه من الهمة والإقدام. # وكان مركز مغاغة من أكثر المراكز حوادثا حتى قد لا تمر ليلة إلا ويقع فيه أكثر من ~~حادثين جنائيتين، غير أن حسن التفاهم بين حضرة صاحب الترجمة ومأمور المركز، وهو حضرة ~~محمد بك وهبي حكمدار المنوفية سابقا جعل الأمن مستتبا في ذاك المركز، وساد السلام ~~وحلت الطمأنينة في قلوب الأهلين. # ومكث في ذاك المركز ثلاث سنوات ونصف سنة كان في خلالها مثال الجد والهمة والنزاهة ~~واليقظة، ثم نقل معاونا لبوليس مدينة الإسكندرية في شهر مارس سنة 1901 ومكث بها ستة ~~شهور، ثم رقي معاونا لبوليس بندر المنصورة - الآن وظيفة مأمور بندر - وكان ذلك في عهد ~~صاحب المعالي أحمد حشمت باشا ومكث بها ستة شهور، ثم رقي مأمورا لمركز واحة سيوه ومكث ~~بها سنة واحدة. وفي ديسمبر سنة 1903 عين مفتشا لبوليس الإسكندرية في عهد سعادة ~~هوبكنسون باشا، وكان من اختصاصه التفتيش على أقسام محرم بك والكمرك وكرموس ومينا البصل، ~~ومكث في هذه الوظيفة سنة كاملة، وفي ديسمبر سنة 1904 تعين مأمورا لمركز شبين الكوم حيث ~~كان معالى محمد شكري باشا مديرا للمنوفية إذ ذاك، واشتغل في وظيفته هذه بضعة شهور فلم ~~تطب نفسه للبقاء فيها، وطلب العودة إلى الكادر العسكري، وبعد إلحاح ومساعدات من سعادة ~~المدير تعين حكمدارا لمديرية بني سويف في يناير سنة 1906 ومنح رتبة البكباشي، وعقب ~~نقله لهذه الوظيفة مباشرة منح النيشان المجيدي الرابع نظير خدماته الصادقة وكفاءته ~~الشخصية التي أداها منذ كان مأمورا لمركز شبين الكوم، ومكث في بني سويف عامي 1906 ~~و1907م وكان المرحوم مصطفى بك سري مديرا لها في ذاك العهد، ثم أخلفه عبد الرحمن بك ~~فهمي ثم خليل نايل بك، وفي ديسمبر سنة 1907 منح رتبة القائمقام وتعين حكمدارا للشرقية، ~~وكان مديرها إذ ذاك المرحوم خليل جمال الدين باشا ثم أخلفه صاحب المعالي حسن ms249 حسيب باشا، ~~وفي يناير سنة 1910 عين حكمدارا للغربية وكان صاحب المعالي محمد محب باشا مديرا لها، ~~وفي أبريل سنة 1911 نقل حكمدارا لأسيوط بسبب خلاف حدث بين سعادة إبراهيم صبري باشا ~~مدير أسيوط وأحمد حمدي بك حكمدار أسيوط عقب انعقاد المؤتمر القبطي، وعقب نقله لأسيوط ~~منح النيشان العثماني الرابع، وقد أخلفه صاحب المعالي المرحوم إبراهيم فتحي باشا، وفي ~~فبراير سنة 1914 منح رتبة الأميرالاي وتعين باشمفتشا لنظام الخفر بوزارة الداخلية، وفي ~~سنة 1916 منح نيشان النيل من الطبقة الثالثة جزاء خدماته الصادقة وشهامته العالية. ثم ~~عين مديرا لعموم مخازن البوليس، فأظهر نشاطا واقتدارا وكفاءة واكتشف اختلاسات في ~~مخزن المهمات كادت تندثر لولا شدة يقظته وفائق ذكائه، وقدم مرتكبيها لمجالس التأديب، ~~وقضى عليهم بالرفت لثبوت تهمة الاختلاس. # وعندما استقال جناب وايز بك المدير العام لقوة نظام البوليس والخفر بوزارة الداخلية، ~~رأت حكومتنا السنية العادلة أن تسند هذا المنصب الكبير لصاحب الترجمة نظرا لجدارته ~~وكفاءته في هذه الشؤون. # أخلاقه وصفاته # لين العريكة، دمث الأخلاق، على جانب عظيم من الوداعة، يميل بفطرته لعمل الخير وتعضيد ~~البؤساء وهو والحق يقال نصير للفقراء يتألم لمصابهم ويتوجع لبؤسهم، ومن مميزاته الصراحة ~~في القول والإقدام في العمل أكثر الله من أمثاله بين رجال الأمة. # | ترجمة حضرة صاحب العزة الشهم الإداري حسين بك وهبي # كلمة المؤرخ # يحق لنا أن نأسف شديد الأسف لحرمان الحكومة والأمة معا من خدمات هذا الشهم الإداري ~~الحازم، الذي لزم عقر الدار وهو في مقتبل الشباب وزهرة العمر، لا لجريمة ارتكبها، إنما ~~هي الغايات والحزازات قضت بإبعاده من أعماله الحكومية، وأوجبت إحالته على المعاش دون أن ~~يبلغ السن القانونية، فلقد كان صاحب الترجمة في كل أدوار حياته مثالا للنزاهة والجد ~~والإقدام والكفاءة الشخصية، ولم يضره سوى كبير وطنيته وقوام مبدئه وثقته بالزعيم الجليل ~~صاحب الدولة سعد زغلول باشا. وإن الأمة المصرية على بكرة أبيها لن تنسى له تلك الخدمات ~~الشريفة التي أداها بكل شمم لخدمة الوطن المفدى، وهو إن ابتعد عن مركزه الحكومي ms250 فله في ~~قلب كل مصري المقام السامي والمركز اللائق بشهامته وغيرته الوطنية. # حضرة صاحب العزة الشهم الإداري حسين بك وهبي باشمفتش النظام بوزارة ~~الداخلية سابقا. # مولده ونشأته # الدنيا جنة أغصانها النشء، وثمار تلك الأغصان أعمال رجالها المجدين، هذا الشهم أثيل ~~المجد عريق المحتد حسين بك وهبي أينع غصن في شجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء، فهو ~~سليل عائلة عربية كريمة في مصر شب على الأدب والفضل والاستقامة، ودخل المدارس ~~الابتدائية فالثانوية وتربى على الآداب الإسلامية العالية فتراه لا يفوته فرض من فروض ~~الصلاة، وقد صبت نفسه العالية منذ الصغر إلى الجندية ومفاخرها، فدخل المدرسة العسكرية ~~وخرج منها برتبة ملازم ثان عام 1893م، وكان عمره في ذاك الحين ثمانية عشرة عاما وانضم ~~إلى فرقة السواري. # أعماله في السودان # وذهب إلى السودان بقيادة إرل كتشنر سردار الجيش المصري وقتئذ لمحاربة المهدويين، ~~وتطهير السودان من الفوضى التي عمت ربوعه، وأبدى من البسالة والشجاعة والذكاء ما أعجب ~~المرحوم إرل كتشنر به، وأثنى عليه غير مرة بنشرات رسمية، وعندما انتهت هذه الحرب ~~الشعواء كان اسم الملازم الثاني حسين أفندي وهبي في مقدمة أسماء الضباط الشجعان في ~~هاتيك الحرب، ونال وقتئذ مكافأة على بسالته وشجاعته حيث منح الوسام المجيدي العالي ~~الشأن وكذا ميدالية الحرب السودانية. # وعندما ساد السلام في السودان واستتب الأمن بين ربوعه كان صاحب الترجمة في جملة ~~الضباط والشجعان، الذين اختارهم المرحوم كتشنر بفراسته المعهودة لإدارة البلاد وحكمها ~~وتجديدها، فتولى حضرته عدة وظائف قام بها خير قيام مما أكسبه رضاء وثناء المرحوم إرل ~~كتشنر، وخلفه الجنرال ريجينلد وينجت حاكم السودان العام السابق الذي كان كثير العطف على ~~صاحب الترجمة، وأخذ يطريه ويمتدحه مدحا جزيلا كلما ذكر أسماء الضباط الذين خدموا ~~بمعيته في تجديد السودان، وما انفك السير وينجت يثني عليه ويذكره بالخير إلى أن غادر ~~الديار المصرية. # صاحب العزة حسين بك وهبي وهو بالبدلة الرسمية. # ترقياته العسكرية # ثم رأت الحكومة المصرية أن تكافئه على حسن جهاده، وشريف خدماته في السودان حربيا ~~وإداريا فرقي إلى ms251 رتبة يوزباشي، ونقلته من السودان إلى مصر وأناطت باقتداره العمل في ~~سبيل الأمن العام بتنظيم نظام الخفر، فقام بهذه المهمة على أحسن ما يمكن، وأدخل على ~~مصلحة الخفر من النظم ما استوجب ثناء سعادة مستشار الداخلية، ومن ثم رقي حكمدارا ~~لمديرية القليوبية على أثر تكاثر الجنايات فيها، فحقق نظر الوزارة وأعاد إلى البلاد ~~الأمن والطمأنينة، ثم انتدبته وزارة الداخلية إلى مثل هذه المهمة بمديرية أسيوط، فترك ~~بين أهلها الذكر العاطر والأثر المحمود، وكذا أوفدته وزارة الداخلية لهذه الغاية وعينته ~~حكمدارا لمديرية الغربية، وهي كما لا يخفى أكبر مديريات القطر المصري، فأبدى فيها من ~~الهمة وحسن الإدارة ما أعجب وأطرب، ولما اتصلت هذه الأعمال الفائقة والكفاءة النادرة ~~بمسامع جلالة المليك المعظم فؤاد الأول أنعم عليه برتبة ميرالاي الرفيعة، وأبلغه رضاءه ~~العالي بصورة مخصوصة. # ثم أناطت به وزارة الداخلية وظيفة باشمفتش النظام، وهي الوظيفة التي كان يشغلها ~~أخيرا وقد تفضل جلالة مولانا المليك المعظم، فمنحه نشان النيل الرابع ثم الثالث، وأنعم ~~عليه أيضا بنشان الإمبراطورية البريطانية لسياسته الحكيمة التي استعملها أثناء وجوده ~~بمديرية الغربية في اضطرابات عام 1919، حيث كانت هذه الأعمال موجبة لثناء الأمة والسلطة ~~واستوجبت رضى الجميع. # إحالته على المعاش # ونظرا للمنافسات التي كانت بين صاحب الترجمة ومدير مديرية الغربية عند وجوده بها، ~~والذي كان وزيرا في عهد الوزارة الزغلولية، فقد انتهز فرصة تأييد صاحب الترجمة لمبدأ ~~الزعيم الجليل لا سيما من إرساله البرقية التي قال فيها لدولة الزعيم: اقبل الوزارة ولا ~~تتردد وأدر دفة الحكومة بيدك اليمنى وباليسرى زمام قياد الأمة. فقد نكل به هذا الوزير ~~أشر تنكيل، إذ ما انعقد مجلس الوزراء لأول مرة في ذاك العهد حتى قرر إحالة صاحب الترجمة ~~على المعاش دون أن يصل للسن القانونية، وهكذا حرمت الأمة المصرية من خدماته الجليلة ~~وكفاءته النادرة. # صفاته وأخلاقه # الدعة التي لا ينفك لسان الرائي يلهج بالثناء عليها، ولين الجانب وحسن المعاشرة ~~ودماثة الأخلاق والميل الكلي لإيصال عيش أولي الفاقة والعاطلين، للفقراء والمحتاجين، ~~وبالإجمال فهو على جانب عظيم ms252 من التقوى والصلاح والصفات العالية والمواهب ~~السامية. # | ترجمة حضرة صاحب العزة الأستاذ الجليل أحمد بك لطفي السيد # مقدمة للمؤرخ # من نوابغ الرجال الذين تفتخر بهم مصر؛ لأنهم من سلالتها الخالصة وتباهي بهم رجالات ~~الغرب في العلوم والأخلاق والفلسفة والآداب بما تركوه من حسن الأثر في جلائل الأعمال، ~~وما حصلوا عليه من المراكز الممتازة في الهيئة الاجتماعية وبما أوتوه من الجد الفائق ~~والذكاء الخارق، وبما اكتسبوه من التربية العالية والتبحر في العلوم القانونية ~~والاجتماعية والسياسية، حتى بلغوا بذلك أسمى المناصب العلمية - الأستاذ أحمد لطفي السيد بك. # حضرة صاحب العزة الأستاذ الجليل أحمد بك لطفي السيد مدير الجامعة ~~المصرية. # مولده ونشأته # ولد حضرة الأستاذ المترجم له في 5 ذي القعدة سنة 1288ه ببلدة برقين من أعمال مركز ~~السنبلاوين بمديرية الدقهلية، وكان أبوه المرحوم السيد باشا علي رجلا ذا مواهب فطرية ~~في قوة المراس والذكاء، ومكارم الأخلاق، وعزة النفس، وعفة اليد والقلب واللسان والنزاهة ~~والصدق وما كان لأحد عليه فضل في ذلك سوى نفسه وتربية زمنه، فنشأ الأستاذ لطفي بك على ~~هذه الخلال المرضية من طريق الموهبة الوراثية، ثم زاد عليها ما اكتسبته نفسه أو ما لقنه ~~العلم الذي تلقاه في معاهده. # دخل الأستاذ في أول عهده مكتب برقين، ومنه انتقل إلى مدرسة المنصورة الأميرية، ومنها ~~إلى المدرسة الخديوية بمصر فمدرسة الحقوق سنة 1889، ومنها تخرج حاملا «الليسانس» في ~~أقل من سنواتها المدرسية، ولا يمكننا أن نقول: إنه انقطع بعد ذلك عن المدارس فلقد كانت ~~له من نفسه مدرسة أخرى بما طالعه من مختلف الكتب في أنواع العلوم والفنون باللغتين ~~العربية والفرنسية. # وعلى أن المترجم له ولد في بيت مجد وربي في معاهد علم ونشأ في كفالة أب ذكي مدرب - ~~وهذه كلها أسس صالحة لبنيان الرجال - ولكنه كان ولنفسه أيضا على نفسه نشأة أخرى جعلت ~~له ذاتية من صنع يديه، فكأنه وهو الناشئ في خير التقاليد الموروثة أبى إلا أن يكون ابن ~~نفسه أو نسيج وحده كما ضرب المثل. # وظائفه وأعماله # قبل أن نذكر ms253 شيئا من الوظائف التي تولاها والأعمال الجليلة التي باشرها، نأتي هنا ~~بطرف من أخلاق نفسه التي كانت هي قوام أعماله. # فالرجل نقادة يقدر الرجال بنظره، ذكي يعرف ما وراء الحديث بكلمة، أبي يهون كل شيء في ~~سبيل كرامته، سخي ليس لنفسه ما ملكت يده، حيي للمستضعفين مصعر خده ~~للمستكبرين. # ولو أن للطفرة مجالا لكان آخر ما تولاه من المناصب هو أول ما كان له في بدء حياته ~~العملية، ولكن الأمور مرهونة بأوقاتها. # فما تخرج الأستاذ من مدرسة الحقوق سنة 1895 حتى تعين عضوا بالنيابة، فمساعدا فيها ~~ببني سويف فالفيوم سنة 1896م، ثم صار وكيلا لها في ميت غمر سنة 1901 فنائبا للفيوم ~~سنة 1904م، وفي سنة 1906م استقال من الحكومة واشتغل بالمحاماة إلى سنة 1908. # فهذه السنوات التي مضاها في الحقوق فالنيابة فالمحاماة قد أكسبته فوق مقدرته الشخصية، ~~ومطالعاته الخاصة خبرة قضائية جعلته من صفوة رجال القانون والتشريع. # وفي سنة 1908 ألف حزب الأمة فكان ناموسه، وأنشئت الجريدة فكان مديرها، وبذلك ابتدأت ~~حياته السياسية الأولى، وأضاف الأستاذ إلى ألقابه العلمية لقب «الكاتب الكبير والصحافي ~~القدير». # ومن هاهنا تجلت مواهبه بلونها الناصع، في مجالها الواسع، فاتجهت إليه الأبصار بعد أن ~~أصبح رجل الأقلام والمنابر، فالناس إن تنس لا تنسى خطبه الرنانة حين كان ناموس الحزب أو ~~بعد ذلك في محاضراته السياسية أو الاجتماعية، ولا تنسى مقالاته الرائعة التي كان يمليها ~~على قلمه الفياض قريحته الوقادة وذهنه الحاد. # نعم كانت جميع خطاباته ومقالاته حفيلة بالأفكار العالية، والآراء السديدة السامية فوق ~~ما في أسلوبها الفذ من قوة البيان، وابتكار الموضوعات والألفاظ والمعاني. # فالجريدة في عهده كانت مبدأ نهضة أدبية مباركة، وكم ربت من كبار الكتاب والمفكرين ~~والأدباء والشعراء من هم اليوم موطن الرأي في البلاد، كما أوجدت طورا جديدا في الحركة ~~الفكرية والأخلاقية والسياسية، أساسها استقلال الوطن عن كل سيادة أجنبية، وقمتها أن ~~تكون الأمة وحدها هي مصدر السلطة في الحكم. # وكان الأستاذ لطفي في هذه الحركة عرقها النابض ولسانها الناطق، غادر الأستاذ الجريدة ms254 ~~سنة 1914م بعد أن ترك فيها أو في الأمة على أصح تعبير أحسن الأثر في مختلف ~~نواحيها. # فمن الوجهة الأخلاقية كان في الأمة من يعيش على النفاق والرياء تقربا إلى ذوي السلطة ~~والحكم، فأرى الناس أنه لا زلفى في الحق لأمير أو لوزير. # ومن الوجهة الاجتماعية كان فريق من المحافظين يستميت في القديم ويقدسه عن طريق ~~الوراثة لا عن طريق العقل، فخرج عليهم بمبادئه الجديدة، فجذبت إليه أبصارهم سواء كان ~~ذلك في أمر البيئة أو العادات الموروثة. # ومن الوجهة الأدبية، كانت طائفة من أرباب الأقلام تكتب بأسلوب مقيد، وتفكر في دائرة ~~محدودة، فأطلق الأقلام بما كتب وفكر من تلك القيود العقيمة وكان إماما أو قائدا لدولة ~~جديدة في الرأي والتعبير، ومن الوجهة السياسية كان بعض الزعماء يدعون الأمة بقبول سيادة ~~خاصة، وإنهم وإن دعاهم حسن القصد في الخدمة الوطنية إلى هذا المنزع من الرأي، إلا أنه ~~على نقيض ذلك كان يرى الحكمة في مجابهة هذا الرأي مهما استهدف للوم من أجله، وكانت هذه ~~الحقيقة أكبر خدمة أداها الأستاذ لقومه وبلده. # مالت نفس الأستاذ لطفي بعد ترك الجريدة إلى العمل النيابي فانتخب عضوا في مجلس ~~مديرية الدقهلية، فكان فيه مرجع الاستشارة ومصدر الآراء القيمة، على أنه ما لبث أن حن ~~إلى بيئته الأولى القضائية فأجاب داعي الحكومة حين أسندت إليه رئاسة النيابة في بني ~~سويف سنة 1915. # وحين خلا مركز مدير دار الكتب من شاغله الألماني اختير هو له ليكون أول مدير وطني يسد ~~عن الأجنبي في هذا المركز الجليل، فنقل إليه وظل فيه إلى أن تألف سنة 1918 الوفد المصري ~~المطالب لمصر بالاستقلال التام، فصادف ذلك هوى في نفسه وآثر الاستقالة ليتفرغ للخدمة في ~~أكبر تطور سياسي أدركه، وكان في الحقيقة من الممهدين له من سنوات خلت كما تقدم ~~بيانه. # جاهد في الوفد مع من جاهد ثم فاوض فيمن فاوضوا، ولكنه اعتزل السياسة بعد بلاء فيها، ~~وحين رأى أن انقسام الآراء لا يجديه نفعا ولا يجد بها عاد إلى وظيفته بدار ms255 الكتب في ~~سنة 1922 إلى سنة 1925، ومنها تعين أول مدير وطني للجامعة المصرية بعد انتقالها إلى يد ~~الحكومة فأصبح بذلك في أكبر منصب علمي في الديار المصرية. # وللأستاذ سياحات عديدة في أوربا وبعض البلاد الشرقية، وكان القصد منها فوق طلب ~~الرياضة الشخصية الدراسة العلمية والخلقية والمباحثات السياسية: # ففي سنة 1892 سافر إلى تركيا. # وفي سنة 1893 توجه إلى فرنسا. # وفي سنة 1897 قصد إيطاليا فسويسرا. # وفي سنة 1904 يمم سوريا فجبل لبنان والمدينة المنورة. # وفي سنة 1916 وما بعدها ذهب إلى فرنسا وإنجلترا مع الوفد المصري. # وحين كان بدار الكتب اشتغل بترجمة كتاب الأخلاق لأرسطو، وطبعه في جزأين ثم تنازل عنه ~~بنفقاته للجنة التأليف والترجمة والنشر التي تتولى هي الآن نشره، وكان لظهور هذا الكتاب ~~رجة في عالم الأدب والتأليف لما لصاحبه ولمترجمه من المنزلة الخاصة في علم الفلسفة ~~والأخلاق، وللكتاب نفسه من الأثر العلمي والتاريخي. # هذه هي الأدوار التي مر بها الأستاذ المترجم له، وإذا كنا قد أتينا بشيء من صفاته ~~الشخصية فجدير بنا أن نذكر هنا أنه كان في وظائفه التي تولاها رجل الجد والنزاهة ~~والعدل، فالناس عنده سواء، وأحبهم لديه أصدقهم قولا، وأرفعهم نفسا، وأحسنهم عملا، ~~وأكرمهم عنده أطهرهم يدا وأبرهم خدمة وأجزلهم نفعا، وإذا كان من فطرته حب الاستقلال ~~في جميع الأعمال، فلقد كان يترك لمرءوسيه حرية العمل في دائرة القانون، ولا يجعلهم ~~يحسون بالرقابة عليهم ثقة أن يجعلوا منها الرقابة على أنفسهم، فإن زل أحدهم عن فرط ~~إهمال لا تأخذه فيه رحمة وإن بدر ذلك منه جدا. # وهو رجل مهيب بفطرته وربما كان في هيبته ما يغني عن استخدام شدته، على أنها ليست من ~~طبيعته. # ثم هو فوق ذلك دمث الأخلاق لين العريكة بشوش عند اللقاء لا يكذب ولا يغتاب، أنيس في ~~الألفة، وإن أحب العزلة، ميال للمطالعة وخصوصا في كتب الفلسفة والمنطق، غيور على أمته، ~~وإن آلمه كثير من طبائعها. # وصفوة القول: إنه رجل والرجال قليل، أدامه الله لأمته وأسبغ عليه من نعمته، ووفقه ms256 إلى ~~آماله وأكثر من أمثاله. # | ترجمة حضرة صاحب العزة العالم الجليل الدكتور عبد الحميد بك أبو هيف # كلمة وجيزة للمؤرخ # حضرة صاحب العزة العالم الجليل الدكتور عبد الحميد بك أبو هيف مدير ~~دار الكتب المصرية. # نابغة من نوابغ الأمة المصرية الذين تفردوا بالذكاء المفرط والجد ~~والإقدام والخدمة الوطنية الحقة، ثم هو صورة حية للفضيلة والنزاهة وركن منيع للأدب ~~والعلم وهو وإن كان كما يعهد كل مصري فيه لا يحتاج إلى مدح وثناء لما له في كل عمل أدبي ~~أو علمي من الأثر الخالد والذكرى المحمودة إلا أن واجبنا يحتم علينا أن ندون تاريخه ~~المجيد الحافل بجلائل الأعمال والمآثر الغراء؛ لما فيه من الأسوة الحسنة لمن يريد أن ~~يخلد له الذكر في بطون التاريخ؛ ليكون خير نبراس يستضيء به أبناء الأجيال ~~المقبلة. # مولده ونشأته # ولد الأستاذ أبو هيف بك صاحب الترجمة بمدينة الإسكندرية في 3 فبراير سنة 1888م، وهو ~~ابن المرحوم السيد إبراهيم بك أبو هيف بن السيد خليل أبو هيف وهو شريف من سلالة النبي # صلى الله عليه وسلم # كذلك ينتمي نسبه من جهة والدته كريمة المرحوم السيد محمد عبد الحي البطاشي من ~~أعيان إسكندرية بضعة الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~. # دخل الأستاذ في مبدأ نشأته التعليمية مدرسة الأقباط بالإسكندرية، ومنها إلى مدرسة ~~جمعية العروة الوثقى التي نال منها الشهادة الابتدائية بتفوق عظيم بفضل غريزته في الجد ~~والاجتهاد المصحوبين بالذكاء والنشاط، ومن ثم دخل مدرسة رأس التين الأميرية الثانوية ~~متنقلا من سنة إلى سنة إلى أن نال شهادتها الثانوية عام 1905م، وتاقت نفسه الطماحة ~~للمجد إلى دراسة القوانين، فدخل مدرسة الحقوق الخديوية وحصل على شهادة الليسانس عام ~~1909، وعلى أن لشهادة الليسانس هذه قيمتها العلمية الممتازة، فإن مدى الأستاذ العلمي ~~غير محدود بما فطرت عليه نفسه من الميل للاشتغال بالحقوق حتى لقد يعد من كبار رجال ~~القانون في مصر؛ ولذلك فإنه ما كادت تظهر نتيجة الليسانس التي كان فيها ثاني الناجحين، ~~حتى دعاه وزير المعارف في ذاك العهد «سعد زغلول باشا»، ms257 وطلب إليه أن يسافر إلى فرنسا ~~ليعد نفسه لأن يكون مدرسا في مدرسة الحقوق نفسها، فصادفت هذه الدعوى هوى في نفسه فسافر ~~إلى تولوز، فدرس في جامعتها الكبرى القانون والعلوم الجنائية وعلم المعاقبات وتعلم ~~اللغة اللاتينية، ثم ساح في أغلب ممالك أوربا، وبعد أن حاز على الدكتوراه رجع إلى ~~مصر. # تعيينه مدرسا بمدرسة الحقوق # عين الأستاذ عقب حضوره من فرنسا مدرسا في مدرسة الحقوق، وعهد إليه بتدريس مادة ~~المرافعات المدنية والتجارية فأخرج فيها باللغة العربية أول كتاب من عمله، فكان مرجع ~~رجال القضاء والمحاكم في كشف ما استعصى من مسائل المرافعات، وقد حل في تدريسه هذا محل ~~أكبر عالم أجنبي عرف في المرافعات وهو السنيور أوجد لوزينا بك المحامي الشهير، فما مضت ~~بضعة أشهر على تدريسه إلا وقد ظهر أثر علمه فكان موضع الفخر بين الطلبة ~~والزملاء. # وفي سنة 1917 افتقرت مدرسة الحقوق إلى من يدرس القانون الدولي بقسميه العام والخاص؛ ~~نظرا لتلبية الأساتذة الإنجليز والفرنسيين داعي الوطن أثناء الحرب العظمى، فطلب إليه ~~تدريس هذا العلم فكان فيه أبرع من أهله وظهر له في عالم التأليف سفر نفيس في القانون ~~الدولي الخاص باللغة الإنجليزية تفوق به على المؤلفين الأجانب، وشهد له بذلك كبار ~~العارفين في مصر مثل الأستاذ أرمانجون، الذي كان مدرسا لهذا العلم نفسه في المدرسة، ~~والسير موريس إيموس المستشار القضائي السابق الذي كان ناظر المدرسة الحقوق، والمستر ~~والتون الذي تولى نظارتها بعده. # تعيينه ناظرا لمدرسة الحقوق # وفي شهر أكتوبر سنة 1922 ألقيت إليه كأول وطني مقاليد إدارة مدرسة الحقوق الملكية على ~~أثر استقالة ناظرها الأجنبي، فكان أول همه جعل التدريس فيها باللغة العربية، وقد نجح في ~~ذلك وأصبح كل العلوم يدرس بها ما عدا القانون الروماني. # ولما رأى أن المدرسة لم تكن لتقبل غير عدد محدود من الحاصلين على شهادة الدراسة ~~الثانوية، يؤخذ بالترتيب كما يقبل عدد آخر يؤخذ بالاستثناء بناء على رغبة الوزير ~~المختص عمل على إبداله، وفتح أبواب المدرسة على مصراعيها لطلاب الحقوق على السواء، ما ms258 ~~دامت تتوافر فيهم الشروط القانونية، ثم أنشأ القسم الليلي فيها ليتلقى فيه الطلبة ~~الخارجون دروسهم على نفس أساتذة المدرسة بعد العصر من كل يوم، وأغلب طلبة هذا القسم هم ~~من الموظفين الناجحين في أعمالهم والطامحين إلى الرقي العلمي والمادي، فكانت التجربة ~~ناجحة من أول يوم أنشئ فيه أي من يوم 18 نوفمبر سنة 1922 إلى يومنا هذا، ويؤمه الآن نحو ~~ثلاثمائة طالب وبمناسبة هذا النجاح الباهر أقام له طلبة القسم الليلي حفلة تكريم كبرى ~~في شهر يناير سنة 1923 في مدرسة المعلمين العليا برئاسة رئيس محكمة الاستئناف الأهلية ~~معالي أحمد طلعت باشا، تبارى فيها الخطباء والشعراء منوهين ومهللين بفضل منشئ القسم ~~الليلي المذكور، كما أقام له طلبة الحقوق جميعا حفلة تكريم حارة في شهر فبراير سنة ~~1925م على أثر نقله مديرا لدار الكتب المصرية، ظهر فيها أعظم آيات الإخلاص والولاء من ~~خيرة شباب مصر الناهض، وتنافس المتنافسون من أدباء وخطباء بما لم يسبق عمله من قبل لأي ~~أستاذ آخر، وفي ذلك الدليل الواضح والبرهان الجلي على ما لحضرة الأستاذ الجليل من الفضل ~~والمنزلة الأدبية في قلوب أبنائه والشهرة العلمية بين طبقات الأمة المصرية، حتى أصبح ~~يشار إليه بأطراف البنان. # بعض أعماله الفرعية # ومن أعماله المجيدة التي تخلد له بمداد الشكر والثناء قبوله وظيفة سكرتير بلجنة ~~التعويضات، التي أنشئت في سنة 1919م لتخفيف مصايب من حلت بهم الخسائر من جراء اضطرابات ~~تلك السنة وما بعدها، فكان خير معين للعاجز والفقير، وكان عنوان العدل والقانون في ~~اللجنة وسطر له الثناء العاطر في تقريرها النهائي. # ومنها أيضا أنه في شهر سبتمبر سنة 1920م عرض على الأمة المصرية مشروع الاتفاق بين ~~بريطانيا العظمى ومصر، وهو المسمى بمشروع ملنر ، فحارت فيه الأفهام وظنه العدد الأكبر من ~~الناس استقلالا، فأخرج المترجم له رسالة بعنوان: ~~«التكييف القانوني لمشروع قواعد الاتفاق بين بريطانيا العظمى ومصر»، فكانت نورا ~~اهتدت به الأمة في دياجير الظلمة السياسية، وأثبتت الأيام صحة رأي صاحب التكييف أنه ~~حماية. # مؤلفاته # وله من المؤلفات القيمة النفيسة ms259 الشيء الكثير نذكر منه ما يلي: ~~(1) # حق اختصاص الدائن بعقارات مدينة في مصر وهو مكون من 300 صفحة. # Le Droit d’affectation sur les immeubles en ~~egypte ~~. ~~(2) # المرافعات المدنية والتجارية والنظام القضائي في مصر. ~~(3) # طرق التنفيذ والتحفظ في المواد المدنية والتجارية في مصر. # وهذان الكتابان في طبعتهما الثانية، ويقع كل منهما في ألف صفحة من القطع ~~الكبير والحرف الصغير، وهما الحجة أمام المحاكم المصرية في مسائل المرافعات ~~والتنفيذ. ~~(4) # القانون الدولي الخاص باللغة الإنجليزية # A Concise Treatise in Private International Law ~~. ~~(5) # القانون الدولي الخاص في أوربا وفي مصر ويقع في نحو ألف صفحة، وهو خلاصة ~~علم الغرب في القانون الدولي الخاص، والمحجة الكبرى في مادة تنازع القوانين ~~والاختصاصات داخل القطر المصري. ~~(6) # التكييف القانوني لمشروع قواعد الاتفاق بين بريطانيا العظمى ومصر وهو ~~مشروع «ملنر - زغلول». # هذا ملخص وجيز لتاريخ الأستاذ الحافل بجلائل الأعمال. # ولقد كان بودنا أن ندون تلك الخطب الرنانة والقصائد العامرة التي ألقيت لمدح هذا ~~الأستاذ العظيم والأديب الكبير، لولا كثرتها وضيق المقام هنا، خصوصا وأنها تحتاج إلى ~~مجلد ضخم، فنكتفي منها بالمختارات الآتية من القصائد فقط ملتمسين من حضرات القراء ~~المعذرة: # قال شاعر النيل حافظ بك إبراهيم قصيدة غراء، وقد ألقاها في حفلة التكريم التي أقامها ~~طلبة الحقوق للأستاذ عند نقله مديرا لدار الكتب، نقتطف منها الأبيات الآتية: # دار الحقوق ستبكي بعد عالمها # عبد الحميد ودار الكتب تبتسم # لا تحسبوا أن دار الكتب تحجبه # عنكم وأن عرى العرفان تنفصم # فبين داركم والله يحرسها # ودارنا رحم لم تعلها رحم # دور العلوم سواء في نفاستها # بها ومنها وفيها تنهض الأمم # فإن تنقل فيها وهو نيرها # فأيقنوا أنه لا زال عندكم # فللشموس بروج في تنقلها # وضوءها لبلاد الله ينتظم # ثم أنشد في الحفلة أيضا زكي أفندي عكاشة، الممثل المعروف الأبيات الآتية، وهي من نظم ~~حضرة الشاعر البليغ الهراوي أفندي بدار الكتب المصرية: # هكذا البر والخلال الزكية # وسجايا أبناء مصر الوفية # دفعتهم إلى الوفاء نفوس # ذات صدق وغيرة وحميه # نشأت حرة بفضل أبي هي ms260 # ف مثال الوفاء والحرية # كرموا العلم والحقوق جميعا # في فتاها وكرموا الوطنية # وقال الشاب الأديب عثمان أفندي عبيد ضمن قصيدة: # دار الحقوق تحيي فيك نابغة # قد نال ما شاء من علم ومن أدب # فما ارتضى غاية في السبق نائية # مهما تكلف إلا جد في الطلب # لئن بعدت فما غابت مآثركم # وتلك أبقى على الأيام والحقب # مرافعاتك كنز لا نظير له # يسمو به عالم التأليف والكتب # وليس غيرك في التنفيذ من ثقة # به بلغت بحق غاية الأرب # وقال: ~~(عبد الحميد) لنا في عودكم أمل # فإن معهدنا يسري إلى العطب # والبدر إن حجبت في السحب طلعته # يعود مؤتلقا في ذروة السحب # وقال أيضا: # هيهات أن ينمحي بالبعد ذكركم # أنت المقرب في بعد وفي كثب # فاقبل تحياتنا حرى مرددة # بألسن الصدق من أبنائك النجب # وقال الأديب المفضال محمود أفندي زهدي طالب ليسانس من قصيدة: # لا زلت تعظم والثناء ضئيل # ويزيد فضلك والمديح قليل # حملتني ما لا أطيق أداءه # شكرا وعجزي في القصور دليل # عبد الحميد وأنت أنت أبو الحجى # هب لي حجاك عساي فيك أقول # علمتنا معنى الوفاء فهل إلى # إيفاء حقك في الثناء سبيل # ونشرت ذكرك في القلوب وإنه # ذكر على مر الزمان جليل # وقال: # أضحى بفضلك كل عقل راجحا # وبنور علمك فاته التضليل # فاسلم لمصر وللعلوم جميعها # إن الزمان بمثلكم لبخيل # إلى أن ختمها بهذا البيت: # والله نسأل أن يبلغك المنى # إن الإله بنيلهن كفيل # صفاته وأخلاقه # وديع الأخلاق كريم النفس ذكي الفؤاد بشوش الطلعة طاهر القلب، لين العريكة أديب بكل ~~معنى الكلمة، وعالم قانوني متضلع عادل الحكم محبوب عند عارفيه مهيب الجانب ذو أثر خالد ~~في جميع أعماله. # أدامه المولى وأبقاه وأكثر من أمثاله بين رجال الأمة المصرية. # | ترجمة حضرة صاحب العزة الشهم المهذب عمر بك الشواربي # كلمة للمؤرخ # لو أن كل سري من سراة الأمة المصرية ربى أولاده التربية الحقة التي ترفعهم إلى درجات ~~الرقي والكمال، والمستوى اللائق بشرف أسرهم ودفع بهم إلى الغرب حيث هناك الجامعات ~~العلمية العالية، ms261 فاغترفوا من بحور علومها حتى إذا ما عادوا لأوطانهم أمكنهم أن يقوموا ~~بالواجب المقدس المفروض عليهم نحو بلادهم، إذن لوجدنا أمامنا رجالا عاملين مخلصين ~~مجدين نحو خدمة بلادهم أمثال هذا الشاب النابه، والعامل المجد الذي يسرنا كما يسر كل ~~والد أن يرى أبناءه قد حذوا حذوه، وسلكوا مسلكه وسعوا سعيه، فبقلم الفخر والإعجاب ندون ~~تاريخه المجيد ضارعين للحق تعالى أن يهيب شبابنا سداد الرأي، وصائب العمل لخير البلاد ~~ونفع العباد، إنه على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير. # حضرة صاحب العزة الشهم المهذب عمر بك الشواربي من كبار وجهاء مديرية ~~القليوبية. # مولده ونشأته # هو غصن شجرة خضراء، وسليل بيت من أمجد عائلات القليوبية وأعرقها حسبا ونسبا، تربى ~~في أحضان العز والرفاهية فكان نجمه سعيدا وطالعه عاليا، كأنما السعد كان رفيقه والعز ~~نصيبه ترعرع في أحضان النعمة، وتربى التربية اللائقة بأمثاله وكان مولده المبارك في سنة ~~1893 ميلادية، ولما كان عمره خمس سنوات تدرج على التعليم الأولي بواسطة معلمين أخصاء، ~~حتى إذا ما بلغ التاسعة أدخله المرحوم والده الجليل المدرسة الابتدائية الأميرية، فكان ~~في مقدمة إخوانه الطلبة ذكاء ونشاطا، وثابر على التعليم وتلقى مبادئه الصحيحة، فنال ~~شهادتها والتحق بالمدارس الثانوية فسار إلى سلم التقدم والنجاح، حتى أحرز شهادة الدراسة ~~الثانوية «البكالوريا» في سنة 1912م وقد طمحت أنظاره إلى المزيد من العلوم، فسافر إلى ~~إنجلترا عام 1913م وعرج في طريقه على مدينة نابولي من أعمال إيطاليا، ثم رحل منها إلى ~~فرنسا حيث تمم مرسيليا، ومنها إلى باريس حيث شاهد فيها ما شاهد من المناظر المدهشة ~~والكليات العلمية العظيمة، والأبنية الفخمة التي تدل على حسن ذوق الفرنسيين، ومن ثم رحل ~~إلى إنجلترا وليرى بنفسه رقي تلك البلاد العامرة بالصناعة والتجارة، وكان نصيبه أن ~~التحق بإحدى كليات أكسفورد الشهيرة، وبقي هنالك يستقي من علومها العذبة ما أهله لأن ~~يكون رجلا نافعا مفيدا لبلاده. # وإذا رأيت من الهلال نموه # أيقنت أن سيكون بدرا كاملا # ومكث في هذه الكلية مكبا على الدراسة ساهرا على البحث فيما يفيده ms262 من علوم رياضية ~~واقتصادية وغير ذلك، حتى إذا ما برق بارق أمله أشعلت نيران الحروب الأور بية، واضطرمت ~~تلك البلاد بشرر المصائب فخاف من البقاء بها، فعقد النية على العودة للوطن المفدى حتى ~~ترجع مياه السلام لمجاريها، فيعود إليها مرة أخرى، وما زال عاكفا على المطالعة في ثمين ~~الكتب من أدب وهندسة وفلسفة وغيرها في كل برهة يخلو فيها. # أخلاقه # جمع من الأدب أكمله وحاز من اللطف أجمله، أبي النفس، رقيق الإحساس طيب القلب، عالي ~~الهمة - وبالإجمال فهو كما قال فيه الشاعر: # كملت شمائله فكان نموذجا # للناشئين على الفضيلة والأدب # أدامه الله وأبقاه وزاده علما وأدبا ليكون نبراسا يستضيء بنوره العاملون. # | ترجمة حضرة صاحب العزة توفيق بك خليل # كلمة للمؤرخ # للوالدين الأتقياء فضل عظيم في ملاحظة شؤون تربية أولادهم منذ الصغر، وتعهدهم بتثقيف ~~عقولهم وتغذية مداركهم حتى إذا ما قطعوا هذه المرحلة الوعرة وشبوا عن الطوق، ودخلوا ~~ميدان الحياة كانوا حقا من رجال الأمة العاملين على رفع لواء مجدها وسعادتها وتركوا ~~الذكر الحسن، وهاكم هذا الشهم الفاضل الذي اقتبس من تقوى والده واستقامته وصلاحه، ما ~~جعله من رجال الأمة العاملين الفالحين، وأصبح يشار إليه بالتجلة والاحترام، وإنا نفخر ~~كما يفخر كل محب يريد السعادة والرفاهية لأبناء جلدته، كما نسطر ترجمته الشريفة ~~بالإعجاب سائلين الحق أن يهدي شباب الكنانة إلى ما فيه إسعادها وخيرها. # حضرة صاحب العزة توفيق بك خليل سكرتير «كنشلير» قنصلية مصر بمدينة ~~جنيف بسويسرا. # مولده ونشأته # ولد صاحب الترجمة بالقاهرة سنة 1880م وتغذى بلبان الفضل في بيئة صالحة تقية، وأدخله ~~والده كلية الآباء اليسوعيين بالقاهرة، فشب على الكمال وكان مثال الجد والذكاء والنشاط، ~~واستمر بها حتى أتم علومه وحاز أعلى شهاداتها والتحق بإحدى كليات فرنسا، واغترف الكثير ~~من علومها حتى نال جزاء تعبه ومجهوده، وكان موضع إعجاب أساتذته الأجانب لما توسموا فيه ~~من الذكاء الخارق، ومواصلة ليله بنهاره على تلقي العلوم كما اشتهر بين أقرانه الطلبة ~~بالاستقامة، حتى حفظوا له مكانة خاصة تتناسب مع بعد نظره ومقداره إخلاصه ms263 الوطني، الذي ~~كان موضع إعجاب كل عارفيه منذ نعومة أظفاره، ذلك الإخلاص الذي دفعه إلى خدمة بلاده بكل ~~ما أوتي من قوة، إذ قد يختار كل مخلص الطريق الذي يسلكه لخدمة وطنه المحبوب بحسب ميوله ~~الفطرية ومميزاته الخصوصية، فالتاجر يخدم أمته في دائرة أعماله وهي التجارة، التي يميل ~~إليها بفطرته، والزارع مثلا يجد باهتمامه بالشؤون الزراعية التي يميل إليها، كذلك ~~العالم يخدمها باشتغاله بالعلم، وقد رأى صاحب الترجمة أن خير وسيلة يتمكن بها من أداء ~~واجبه نحو بلاده، هو أن يكون أحد العوامل الحية في جسم الحكومة، فتقلب في جملة مناصب ~~رئيسية بالسكة الحديد المصرية، فأظهر من الحكمة وسداد الرأي والمهارة ما جعل المناصب ~~التي تقلدها تفاخر به، حتى إنه نقل إلى وزارة المواصلات فتضاعفت جهوده وخدماته لأمته؛ ~~لأن الإنسان بطبيعته إذا رأى نجاحه فيما سعى إليه تضاعفت جهوده، وتلذذ بالمتاعب في سبيل ~~المصلحة، فكان موضع محبة رؤسائه ومرؤسيه، وهو جدير بأن يملك قلوب عارفيه بما هو عليه من ~~دماثة خلق وكرم طبع، ولما رغب أخيرا في تعيينه سكرتيرا خاصا لحضرة صاحب المعالي ~~وزير المواصلات، طلبته وزارة الخارجية فعين سكرتيرا «كنشلير» لقنصلية مصر بمدينة جنيف ~~بسويسرا، فكان ولم يزل مثال الجد والاستقامة، ومما يذكر عنه أنه اكتسب الشيء الكثير من ~~تجوله في أنحاء أوربا وبعض جهات الشرق، فعرف كثيرا من مميزات الأمم. # صفاته # عالي النفس، كريم الأخلاق، ميال بطبيعته إلى الخير، كثير المحبة للفقراء والبؤساء، ~~يحترم كل من يبدي له رأيا صائبا، وبالإجمال فهو على جانب عظيم من كمال الخلق. # أطال الله حياته وأكثر من أمثاله. # | ترجمة حضرة صاحب العزة نقولا بك خليل # كلمة للمؤرخ # إذا توافر الأدب والذكاء مع العلم الصحيح في شخص، فبشره بحسن الطالع وسعادة المستقبل ~~والوصول بصاحبه إلى المركز اللائق بهذه المميزات في الهيئة الاجتماعية، ويسرنا أن يكون ~~أيضا حضرة صاحب الترجمة من أولئك الأفذاذ الذين وهبوا هذه الصفات الفريدة والمواهب ~~السامية، وإننا نغتبط سرورا من إثبات ترجمته هنا لعل يكون في إثباتها هدى ونورا لقوم ms264 يعقلون. # حضرة صاحب العزة نقولا بك خليل سكرتير سفارة الحكومة المصرية لدى ~~الولايات المتحدة بواشطن سابقا والمنقول أخيرا إلى براج. # مولده ونشأته # ولد بالقاهرة سنة 1882 من أبوين كريمين أحسنا تربيته، وخير ما يورثه الآباء للأبناء ~~التربية والذكر الحسن، فقد التحق بكلية الآباء اليسوعيين، فكان فيها الطالب المجد الذي ~~لا يلهيه ما تزينه للصبية عقولهم البسيطة من تشاغله عن الدرس، وضياع الوقت فيما لا يفيد ~~من لعب وغيره، بل بالعكس وهو في تلك السن الصغيرة كان يقسم وقته ما بين جد ورياضة، كثير ~~الاهتمام بضبط كل وقت لما خصص له، فكان موضع عطف معلميه واحترام إخوانه ومحبة ذويه، ~~فاستمر في هذه الكلية حتى تمم دروسه فالتحق بمدرسة الحقوق الملكية، حيث كان مثال الجد ~~والذكاء، فكبرت معه مميزاته الخصوصية التي كانت أساس إحرازه الشهادات العالية. # إن تلك النفس العالية الحرة العزيزة التي فطر عليها كانت تطمح إلى أن يكون ذلك ~~القانوني الضليع، يفهم قضية أمه مصر فيخدمها ويكون محاميها المخلص، فبعد أن أتم الدراسة ~~اشتغل بالمحاماة أمام المحاكم الأهلية فكان المدره المفوه يزهق الباطل بفصيح لسانه ~~وقوة بيانه وساطع برهانه، فعين وكيلا للنائب العمومي فكان مثال النظر الثاقب، والمقدرة ~~الفائقة على كشف الستار عن كثير من القضايا، فكان هو النزاهة المجسمة رجل العدل ~~والقسطاس المستقيم، سديد الرأي، يرغب في الصلح بين المتخاصمين، فكانت أحكامه أمثلة ~~قانونية عادلة يصح أن يستشهد بها رجال القانون، ورجل كهذا جدير بما أولاه إياه صاحب ~~الجلالة الملك الدستوري فؤاد الأول حرسه الله، فعينه سكرتيرا لسفارة الحكومة المصرية ~~لدى الولايات المتحدة في واشنطن، ومنها إلى سفارة براج، ومن الثابت أن سفارتنا في ~~الخارج هي صورتنا التي نحب أن نتمثل بها، فلا يختار لها إلا خيرة رجالنا الذين يكونون ~~أحسن صورة لنا في البلاد الأجنبية، وقد أنعم على عزته بنشان النيل جزاء كفاءته ~~وإخلاصه. # صفاته # رجل العدل ومثال النزاهة، وإنه لعلى خلق عظيم، ميال للخير محب لإصلاح ذات البين، مثال ~~الجود، وديع لا يرى غير مبتسم، أبقاه الله ms265 لأمته ولا أحرمها من خدماته. # | ترجمة حضرة صاحب العزة الإداري المفضال إسكندر بك مسيحه # مقدمة للمؤرخ # جزى الله العاملين المخلصين لخير البلاد ونفع العباد خيرا، وأثابهم على جلائل ~~خدماتهم ومجهوداتهم الطيبة ثوابا عظيما، فإن أولئك الذين يراعون حقوق المظلومين ~~ويقضون على الظالمين بالعدل، ويضحون في سبيل تخفيف آلام البائسين والبائسات شطرا ~~عظيما من راحتهم لهم المقربون عند الله تعالى، وإننا نرى في تاريخ حضرة صاحب الترجمة ~~مثلا حيا لمن يريد التقرب نحو عزته الإلهية، فقد قدم لبلاده بوجه عام ولطائفته بوجه ~~خاص خدما جليلة دلت على عدله ونزاهته، وسمو تربيته ومكانته الإدارية، مما أرضى الله ~~والناس أجمع، واستوجب كل شكر وثناء مواطنيه الكرام، الذين عرفوا فيه الصفات الممتازة ~~والخصال النبيلة، التي قل أن توجد في كثير من العظماء، فمن المميزات الخاصة التي امتاز ~~بها حضرة صاحب العزة إسكندر بك مسيحه صاحب هذه الترجمة نبوغه في الشؤون المالية ~~والإدارية مما أعجب كبار الممولين من مصريين وأجانب ومما دعا لانتخابه عضوا لمجلس ~~إدارة بنك مصر، ذاك البنك الذي مع حداثة تأسيسه وصل بفضل أعضائه ومؤسسيه إلى مصاف ~~المصارف الكبرى، من حيث حسن الإدارة والكفاءة العلمية والعملية وثقة الشعب المصري ~~برجاله العاملين المفكرين. # حضرة صاحب العزة الإداري المفضال إسكندر بك مسيحه مدير إدارة ~~بطريكخانة الأقباط الأرثوذكس والعضو بمجلس إدارة بنك مصر. # مولده ونشأته # هو نجل المرحوم مسيحه أفندي حنا من رؤساء إدارات وزارة المالية سابقا. ولد صاحب ~~الترجمة في 17 ذي القعدة سنة 1280ه، وتعهده والده بالتربية العالية، وفي 21 برمودة سنة ~~1591 قبطية انتظم في سلك الوظائف الحكومية بوزارة المالية، ثم عين بدائرة بلدية مصر في ~~11 سبتمبر سنة 1875 ميلادية، ثم أعيد لوزارة المالية للمرة الثانية في 16 أكتوبر سنة ~~1881م، ومكث بها حتى يوم 3 ديسمبر سنة 1915 حيث قدم استقالته بعد أن اشتغل باستمرار مدة ~~أربعة وثلاثين عاما في وظائف عدة في تلك الوزارة كان ختامها رئيسا لإدارة الخزينة ~~العمومية، وكان محافظا في كل أدوار حياته على استقالته بعد ms266 أن اشتغل باستمرار مدة ~~أربعة وثلاثين عاما في وظائف عدة في تلك الوزارة كان ختامها رئيسا لإدارة الخزينة ~~العمومية، وكان محافظا في كل أدوار حياته على استقلاله وكرامته الشخصية، كما كان ~~مثالا للجد والنزاهة؛ ولذلك أنعم عليه بالرتبة الرابعة في 23 ذي القعدة سنة 1324 ~~وبالرتبة الثالثة في 4 جمادى الآخرة سنة 1328ه، وبنشان النيل من الطبقة الرابعة في 29 ~~جمادى الثاني سنة 1334ه. # وبما أن الديوان البطريريكي للأقباط الأرثوذكس كان قد وصل في ذاك الحين الى حالة ~~سيئة، سواء من الوجهة المالية أو الإدارية فقد وقع اختيار المجلس الملي العام بموافقة ~~غبطة البطريرك المعظم على صاحب هذه الترجمة؛ ليكون مديرا عاما لإدارة هذا الديوان، ~~وإصلاح ما اختل به من شؤونه، وفعلا أصدر المجلس قرارا بتاريخ 2 نوفمبر سنة 1916، وقد ~~وقع هذا الاختيار موقع السرور في قلوب الطائفة القبطية الأرثوذكسية نظرا لما لعزته من ~~المقدرة والكفاءة والخبرة التامة في مثل هاته الشؤون، ومع أن استقالته من الوظائف ~~الحكومية كان أساسها الرغبة في الاستراحة من عناء الأعمال، إلا أن صاحب الترجمة لم ير ~~مناصا من تلبية هذا الطلب والقيام بأعمال هذا المنصب رغما عما يستلزمه من المجهودات، ~~وذلك حبا في الخير العام، وفي الواقع قد حقق الآمال التي كانت مرجوة من إسناد هذا ~~المركز إليه، فإنه بفضل مجهوداته تحسنت حالة مالية البطريكخانة تحسنا واضحا، وانتظمت ~~أعمالها الإدارية فانقطعت أسباب الشكوى التي كان يبديها على الدوام أصحاب الأعمال، وذلك ~~بما أدخله من الأنظمة الحديثة على كل فروع أقلام الديوان؛ لذلك شكره المجلس الملي العام ~~وغبطة البطريرك على هذه الخدمات الجليلة. # ولظروف حالت دون استمراره في المجهودات الإصلاحية، التي كان أخذ على عاتقه القيام بها ~~قدم استقالته، فسعى المجلس لعدوله عن هذه الاستقالة غير أن صاحب الترجمة صمم عليها، ~~فاضطر المجلس إلى قبولها، وأرسل إليه بتاريخ 18 نوفمبر سنة 1919 جواب شكر على ما قام به ~~من الأعمال الجليلة. # بعد ذلك انتخبه المؤسسون لشركة مساهمة بنك مصر ، التي صدر المرسوم السلطاني بتاريخ 3 ms267 ~~أبريل سنة 1920 باعتمادها؛ ليكون عضوا في مجلس إدارة هذا البنك الذي خطا خطوات واسعة ~~في سبيل النجاح والنماء، وقد حدث بعد استقالة صاحب الترجمة من أعمال الديوان البطريريكي ~~أن رأي المجلس المللي العام بموافقة غبطة البطريرك، أن الحالة ماسة إلى إعادته مديرا ~~لأعمال هذا الديوان للمرة الثانية، وقرر ذلك فعلا بجلسة يوم 20 نوفمبر سنة 1920، فلم ~~ير صاحب الترجمة تلقاء سعي حضرات أعضاء المجلس إلا أن يقبل هذا القرار رغبة منه في ~~الخير لذاته، فاستأنف مجهوداته السابقة، وقرر المجلس في 11 أبريل سنة 1921 أن يكون له ~~حق الحضور في كل جمعية عمومية. # ثم تجدد انتخابه عضوا بمجلس إدارة بنك مصر في الجمعية العمومية التي عقدت في 29 مارس ~~سنة 1923. # وفي 25 مايو سنة 1923 انتخب عضوا لمجلس الجمعية الخيرية العام للأقباط الأرثوذكس، ~~وعندما تحولت شؤون نظر الحضانة والقوامه والأوصياء على المجلس الحسبي، عين حضرة صاحب ~~الترجمة عضوا معينا من قبل ذلك المجلس للنظر في شؤون أبناء طائفته. # ثم إظهارا للارتياح التام من الأعمال النافعة، التي قام بها صاحب الترجمة بالديوان ~~البطريريكي رجا المجلس الملي العام بجلسة أول يناير سنة 1923 غبطة البطريرك في مخابرة ~~الحكومة، بالتماس الإنعام عليه برتبة البكوية من الدرجة الأولى مكافأة له، وتقديرا ~~لخدماته المتواصلة، فطلب غبطته من رئاسة مجلس الوزراء بتاريخ 7 مارس سنة 1923 وبتاريخ ~~19 يناير سنة 1924 العرض للاعتاب الملوكية بمنحه هذه الرتبة، وبناء على المذكرة التي ~~رفعها حضرة صاحب الدولة وزير الداخلية بتاريخ 16 فبراير، سنة 1924 لرئاسة مجلس الوزراء، ~~تعطف حضرة صاحب الجلالة الملك فؤاد الأول أدامه الله بمنح صاحب الترجمة رتبة البكوية من ~~الدرجة الأولى، وتسلمت إليه البراءة الخاصة بها المؤرخة 22 رجب سنة 1342ه، بعد أن حظي ~~بشرف المثول لدى جلالة الملك، ونال من العطف الملوكي ما أطلق لسانه بالدعاء. وإليك صورة ~~المذكرة المرفوعة من حضرة صاحب الدولة وزير الداخلية بتاريخ 16 فبراير سنة 1924: # لحضرة صاحب الدولة رئيس مجلس الوزراء # طلب غبطة بطريرك الأقباط الأرثوذكس بالقاهرة بكتابة ms268 دوسيه رقم 10-2-19، بناء ~~على طلب المجلس الملي العام الإنعام برتبة البكوية من الدرجة الأولى على حضرة ~~إسكندر أفندي مسيحه؛ لأنه منذ أسندت إليه وظيفة مدير الديوان البطريريكي برهن ~~على كفاءة ممتازة، حيث أدخل الترتيبات والأنظمة بفروع الإدارة، مما نشأ عنه حسن ~~سير الأعمال وضبط الإجراءات وازدياد موارد الإيرادات، وفضلا عن ذلك فإنه يؤدي ~~عملا خيريا بصفته عضوا بالمجلس الملي العام للجمعية الخيرية القبطية ~~الكبرى، وهو في الوقت نفسه أحد أعضاء مجلس إدارة بنك مصر. وقد رأينا نظرا لهذه ~~الخدمات التي يؤديها إجابة الطلب، فنرجو التفضل برفع أمر حضرته إلى الأعتاب ~~الملكية بالتماس الإنعام عليه برتبة البكوية من الدرجة الأولى، مع الإحاطة بأن ~~آخر إنعام عليه كان بالرتبة الثالثة في شهر يوليو سنة 1910، ونيشان النيل في ~~أوائل سنة 1916 وتفضلوا بقبول فائق الاحترام. # 16 فبراير سنة 1924 # وزير ~~الداخلية # سعد ~~زغلول # ختم # صفاته # رجل الذمة والشهامة والمروءة طيب الطباع حسن المعاشرة لطيف الأخلاق، وديع محسن يقدر ~~التربية والتعليم فوق كل اعتبار، وأكبر برهان على ذلك تربيته لأولاده وتعليمهم التعليم ~~الراقي، ولا غرابة فهو والد حضرتي الدكتور نجيب إسكندر والأستاذ راغب إسكندر المحامي، ~~العضوين بمجلس النواب، الأول عن مدينة مصر «دائرة شبرا»، والثاني عن دائرة النعناعية من ~~أعمال مديرية المنوفية. # | ترجمة حضرة صاحب العزة المفضال حنا بك عياد # كلمة للمؤرخ # أدرك صاحب الترجمة ألا قيمة للمرء في الحياة الدنيا إلا بالسعي وراء ما يخلد للإنسان ~~بالفخر والإعجاب في سجل التاريخ، فسعى هذا المسعى المحمود وشمر عن همة عالية وكفاءة ~~نادرة وخطا خطوات واسعة في سبيل البر وعمل الخير، فحاز رضى الخالق والمخلوق، واستوجب ~~شكر المروءة والإنسانية على ما قدمت يداه من عمل خالد وذكرى حسنة تدوم له بالفخر ما ~~دامت السماوات والأرض، وإنا وإن أثنينا على ما قام به هذا الشهم المفضال من جلائل الخدم ~~نحو الإنسانية ونحو بلاده، وأثنينا في هذا السفر التاريخي ما نعرفه عنه، فلا يتوهم ~~القارئ أن هذه الأعمال هي مجمل آثاره البيضاء الغراء، وإن هي إلا ms269 قطرة من بحر فضله ~~وغزير جوده. # حضرة صاحب العزة المفضال حنا بك عياد مدير إدارة عموم الأموال ~~المقررة بوزارة المالية سابقا. # مولده ونشأته # ولد صاحب العزة المفضال حنا بك عياد في بندر رشيد في 21 أكتوبر، سنة 1861 من أبوين ~~كريمين شريفين اشتهرا بالتقوى والصلاح، وربياه على الفضيلة والتمسك بأهداب الاستقامة، ~~وأدخله والده المدارس الأهلية بالإسكندرية، فاغترف من بحور علومها، وكان موضع إعجاب ~~أساتذته نظرا لجده واجتهاده، وانكبابه على تلقي العلوم بشغف عظيم. # وما كاد ينتهي من دور العلوم حتى لحق بعموم الجمارك بالثغر الإسكندري في أول فبراير ~~سنة 1876، وظل بها لغاية 19 نوفمبر سنة 1877، ثم نقل إلى قلم الموازين بوزارة المالية ~~ومكث به لغاية 9 نوفمبر سنة 1879، فكان في وظيفته هذه ميزانا صادقا في حسن الاستقامة ~~والنشاط في العمل، ثم نقل بقلم التحريرات بوزارة المالية أيضا، ومكث بها حتى 3 سبتمبر ~~سنة 1892 ثم نقل لقلم السكرتارية الإفرنجية بالوزارة نفسها، وظل عاملا مجدا بها حتى ~~2 أبريل سنة 1894، ونقل منها إلى إدارة عموم الأموال المقررة بوظيفة رئيس قلم ~~المستخدمين بها، ثم تدرج لوظائف أخرى، وأخيرا تعين مديرا، ومكث في وظيفته هذه لغاية ~~21 أكتوبر سنة 1921 ثم أحيل على المعاش. # هذا مجمل حياة الرجل الإدارية وإلى هذا الحد وصلت خدماته الحكومية، ولكن من تأمل ~~للخدمات الجليلة التي قدمها للحكومة والمساعدات الطيبة التي أداها لبني وطنه، والتي أبي ~~علينا إثباتها هنا خدمة للتاريخ تواضعا منه لاستطاع القارئ أن يحكم عن حق وصدق بأنه فذ ~~قد أنجبته الطبيعة لخير الإنسان ولمحض عمل الخير، فهو بلا جدال نصير الإنسانية وغرس ~~المروءة. # أعماله الخيرية # أوجدت الطبيعة كل صفات العطف والمروءة والحلم بين جنبي هذا الفذ، فتحركت أوتارها ~~ضاربة على نغمة الأخذ بيد الفقير ومساعدة المحتاج مع بذل المستطاع لإرضاء إخوته في ~~الإنسانية، فطالما رأيناه يواسي ويكفكف دموع الحزانى والفقراء، ويمدهم بالمساعدات ~~المالية من حين لآخر، فينطلقون وألسنتهم لاهجة بالدعاء بطول حياته. # وقد عين في 30 نوفمبر سنة 1909 عضوا في المجلس العام للجمعية ms270 الخيرية القبطية ~~الأرثوذكية، ثم مراقبا لحساباتها ثم عين نائبا لها، وهكذا ظل يخدم الأعمال الخيرية ~~بكل ما أوتي من قوة وحنكة، وميل غريزي ولد معه حتى الآن . # الرتب التي حازها # أنعم عليه بالرتبة الثالثة سنة 1910 من الخديوي عباس حلمي باشا السابق، والثانية سنة ~~1912 منه أيضا وبالبكوية من الدرجة الأولى سنة 1921 الموافقة 7 رجب سنة 1340 من جلالة ~~الملك فؤاد الأول. # صفاته وأخلاقه # نعود فنكرر بعض صفات المترجم له، الذي جبل على كرم الأخلاق والتواضع، وشب على العطف ~~بالبؤساء ومساعدة الذين أخنى عليهم الدهر بكلكله، فاستحق كل شكر وثناء من الخالق ~~والمخلوق، وبات كل فرد من هؤلاء التعساء قانعا بهذه التعطفات المرضية. # فبمثل هذا العالم العامل الذي كرس البقية الباقية من حياته السعيدة في تخفيف آلام ~~الفقراء والفقيرات فليتنافس المتنافسون. # متعه الله بالصحة وشمله بالسعادة والهناء. # | ترجمة حضرة الشهم الوطني الغيور عفيفي بك حسين البربري # مقدمة للمؤرخ # أعيتنا كل حيلة ووسيلة للحصول على معلومات وافية بالمقصود يكون لها علاقة بتاريخ حياة ~~هذا الوطني والعامل المجد، صاحب المبدأ الثابت والوطنية الصادقة والذي لا يمكن لمصري ~~تظله سماء مصر، وشرب جرعة من نيلها المبارك أن يجحد فضله وعظيم خدماته نحو ~~بلاده. # وقد أبى علينا حضرته معاونتنا بإعطائنا هذه المعلومات الهامة؛ لنقوم بإثباتها هنا ~~خدمة للتاريخ، رغما من كثرة ترددنا على سرايه العامرة بمصر القديمة؛ ذلك لأن الرجل ~~بعيد كل البعد عن حب الظهور والتبجح بالوطنية قائلا: إنه لم يقم بأي عمل يستحق أي شكر ~~وثناء، وإن هو إلا فرد عمل مع العاملين على نهضة بلاده ورفع لواء مجد الكنانة. # وإننا وإن شكرناه على هذا التواضع وإنكار الذات ونفوره الشديد من التنويه بجلائل ~~أعماله وصدق خدماته إلا أننا نعارضه في فكرته هذه التي أحرمت حضرات القراء الكرام من ~~الاطلاع على صحيفة نقية بيضاء، خالية من كل شائبة ناطقة له بالشكر والثناء؛ لتدوم في ~~بطون التاريخ بالفخر والإعجاب ما دامت السماوات والأرض. # حضرة صاحب العزة الوطني الغيور عفيفي بك حسين البربري كبير ms271 وجهاء مصر ~~القديمة والعضو بمجلس الشيوخ المصري. # وليعذرنا حضرة القارئ الكريم، والحالة هذه إذا نحن اقتصرنا على ذكر القليل من الكثير ~~من أعمال هذا الشهم الغيور، وأثبتنا قطرة من بحر خدماته فنقول : # مولده ونشأته # ولد هذا الشهم الفاضل في مصر «القاهرة» عام 1880 ميلادية من أبوين كريمين شريفين، ~~اشتهرا بالفضيلة والتقوى فالوالد هو المرحوم حسين أحمد البربري، الذي اتصف بالوداعة ~~وكرم الأخلاق وعلو النفس، والعطف على البؤساء والبر بالفقراء، فأدخله المدارس الأميرية ~~المصرية، فأقبل على ارتشاف العلوم بشغف عظيم، حتى إذا ما كملت صفاته وتجلت مواهبه ترك ~~دور العلوم ليعمل لمستقبله، ففضل الاشتغال بالشؤون الزراعية لعلمه أن عليها وحدها تتوقف ~~ثروة البلاد، فشمر عن ساعد الجد وأخذ يعمل في أطيانه الخاصة بعزيمة ماضية، وهمة عالية ~~واكتسب خبرة عظيمة مكنته من مضاعفة مقدارها، وأصبح موضع احترام وإعجاب الجميع خصوصا ~~لشرف معاملاته وصدقه، وطهارة ذمته لدى الجميع ولطفه وعالي مروءته. # خدماته الوطنية الصادقة # وقد بدأت وطنيته تتجلى بأجلى معانيها منذ قامت مصر بحركتها الوطنية العامة، وقامت ~~قيامتها لنوال حقها في الاستقلال التام، فتألفت لجان كثيرة من رجال الوفد المصري ~~المخلصين في جميع أنحاء القطر المصري، فما كان من اللجنة التي ألفت بدائرة مصر القديمة ~~إلا وانتخبت من بينها حضرة صاحب الترجمة رئيسا، وأخذت تجاهد وتناضل وتعمل عمل الأبطال ~~المخلصين حتى نال شهرة لا حد لها، وأصبح يشار إليه بأطراف البنان وقد اتصلت هذه الشهرة، ~~وتلك البطولة بأسماع الزعيم الجليل حضرة صاحب الدولة سعد زغلول باشا، وتحقق من صدق ~~إخلاصه وكبير وطنيته، فلم يبخسه حقه في المدح والثناء عليه، بل صرح في كثير من خطبة ~~التي ألقاها على المخلصين من رجاله باستحالة وجود من يضارعه، أو يشبهه في ثبات المبدأ ~~وصدق الإيمان الوطني الراسخ والجهاد المتواصل. # وقد انتخب حضرته عضوا عن دائرة مصر القديمة لمجلس النواب المصري في الانتخابات ~~البرلمانية الأولى بأغلبية ساحقة، ولكن أبى تواضعه وكرهه الشديد للأنانية وحب الذات ~~قبولها، بل تنازل عنها للأستاذ عبد الحليم البيلي المحامي، وفي هذا التنازل ms272 لأكبر دليل ~~على بعده عن الخيلاء الكاذبة والجعجعة الفارغة، وأن لا مقصد له من دخوله ميدان الجهاد ~~الوطني سوى أن يرى بلاده قد نالت حقها من الاستقلال التام، مهما كلفه هذا الجهاد من ~~متاعب ومشاق وذاق في سبيله كل اضطهاد. # وليس في مقدورنا مهما أوتينا من قوة الإدراك وصفاء الذهن أن نأتي على كل ما أداه من ~~جلائل الخدم نحو بلاده، مما يخلد له في بطون التاريخ بمداد الفخر والإعجاب ما دامت ~~السماوات والأرض. # وقد حفظ له أهالي مصر القديمة تلك الخدمات العظيمة والوطنية الحقة، فأجمعوا على ~~انتخابه عضوا لمجلس الشيوخ لعلمهم أنه الشهم الوحيد الذي يمكنه أن يقوم بواجب النيابة ~~عنهم، كما لحضرته من المكانة السامية والاحترام الكلي لدى جميع مواطنيه الكرام. # مآثره الخيرية الخالدة # ومما يخلد بالفخر والشكر والثناء لحضرة صاحب الترجمة تشييده مسجدا فخما بمصر ~~القديمة، قل وجود نظيره في كبرى عواصم القطر في البهجة والرواء وضخامة البناء، وجميل ~~الأثاث وكذا تأسيسه مدرسة لتثقيف عقول النشء من بنين وبنات، وقد أوقف عليهما وقفا ~~خيريا عظيما يقوم بحاجاتهما، فاستحق شكر الخالق والمخلوق، وإنه وايم الحق لعمل جليل ~~وأثر خالد يدوم لحضرة صاحبهما المفضال بالثناء أبد الدهر. # صفاته وأخلاقه # آية من آيات الله في اللطف والمروءة وكرم الأخلاق وعلو النفس والشهامة، يتقد غيرة على ~~مصالح بلاده، ويتمنى لها الخلاص من قيود الذل والاستعباد، وقد اشتهر بثبات المبدأ، ~~والعمل على كل ما فيه الخير لمنفعة البلاد بعيدا عن حب الظهور، والتبجح بما يقوم به من ~~جلائل الخدم، وبالإجمال فقد خصه الرحمن بمميزات قل أن تجمع في إنسان. # أدامه الحق وأبقاه وأكثر من أمثاله الغيورين على مصلحة البلاد. # | ترجمة حضرة صاحب العزة السري الشهير إبراهيم بك فرج أبو الجدايل # كلمة للمؤرخ # إن مصر لسعيدة الحظ بصفوة رجالها المفكرين العاملين على رفع شأنها الذين يسعون بإخلاص ~~وغيرة إلى ما فيه الخير والنفع لبلادهم ومواطنيهم، وجدير بكل امرئ احترام أمثال هؤلاء ~~المخلصين وإجلالهم وإكبارهم، وتقدير خدماتهم ومجهوداتهم في سبيل بذل الخير والبر ~~والمعروف ms273 للناس، وحق لنا والحالة هذه أن تهنئ أنفسنا وبلادنا المحبوبة في شخص هذا الشهم ~~الجليل الذي تتجلى غيرته وإخلاصه وتفانيه نحو أمته ضارعين إلى الله تعالى أن يكثر من ~~أمثاله لتعميم النفع والخير . # حضرة صاحب العزة السري الشهير إبراهيم بك فرج أبو الجدايل من وجهاء ~~السويس والعضو بمجلس الشيوخ عن دائرتها. # مولده ونشأته # هو إبراهيم بك فرج أبو الجدايل بن مصطفى أبو الجدايل، ولد بمحافظة السويس سنة 1275ه ~~من أبوين كريمين، اهتما بأمره وربياه التربية المنزلية على أحسن منوال وكان الذكاء منذ ~~الطفولة يبدو عليه بأجلى معانيه، فأحضر له المرحوم والده المعلمين الأكفاء المشهورين ~~بالتقوى والعلم الغزير، فلقنوه أصول الدين الحنيف، وقاموا بتثقيف مداركه فشب على حب ~~التفكير والجد لا يمر على نظره شيء إلا ويتخذ لنفسه منه درسا صحيحا؛ ونظرا لميله إلى ~~الاشتغال بالشؤون التجارية فقد فضل الاشتغال بها، وكان سنه حينذاك الخامسة عشرة فابتدأ ~~أعماله بالاشتراك مع أحد مشاهير تجار السويس المدعو الشيخ محمد المنشاوي، الذي رأى فيه ~~من الصفات والمميزات ما يبشر بحسن المستقبل، فأوفده إلى بلاد الحجاز واختار بلدة ضبا ~~مركزا لأعماله حيث ذاع ذكره وفاح شذى طهارة ذمته، ومكث بها مدة سنتين كان في خلالهما ~~محل ثقة كل إنسان بها، ومن ثم عاد إلى مصر حاملا معه الأرباح الطائلة، ولظروف خصوصية ~~طرأت إليه عدل عن الاستمرار في الاشتغال بالتجارة مؤقتا، وفضل أن يكون وكيلا لأحد ~~البيوتات، وفعلا تم له ما أراد، فقام بوظيفة وكيل لتجارة المرحوم إبراهيم بك جليدان في ~~أوائل سنة 1293ه، وظل في وظيفته هذه مدة سنتين ومن ثم عاد إلى الاشتغال بتجارته ~~الخصوصية عملا بمبدئه الخاص، وميله إلى الحرية وعدم التقيد بقيود الوظيفة، وفي ذلك ~~الميدان الفسيح تتحرر النفس، وتتجلى المواهب فيظهر النبوغ الصحيح بمعناه، ونظرا للشهرة ~~التي حازها، وما هو عليه من طهارة الذمة وحسن المعاملة؛ اختاره أحد تجار القاهرة وهو ~~إبراهيم عبد النبي لأن يكون شريكا له، واتفق أن يكون مركز عمله التجاري بمدينة جده من ~~أعمال الحجاز، وقد سافر ms274 إليها في أوائل سنة 1295ه برأس مال قدره اثنا عشر ألفا من ~~الجنيهات المصرية، وأدار أعماله التجارية بكفاءته المعهودة وهمته التي لا تعرف الكلل، ~~وبمهارة فائقة أعجب بها كل من عرفه أو كان له به احتكاك في أعماله التجارية، حتى أصبح ~~موضع إعجاب واحترام كبار التجار، وقد عاد من تلك المدينة بالأرباحات الطائلة بعد أن مكث ~~بها ست سنوات حتى أواخر سنة 1300، وكان سنه وقتئذ لا يتجاوز الخمسة والعشرين ربيعا، ~~ولقد رأى من أهم واجباته عدم مبارحة مصره العزيزة خصوصا وهي في أشد الحاجة لمن كان له ~~مثل مزاياه النادرة وهمته العالية؛ ليسد فراغا عظيما بها، وعلى ذلك اشترك مع أكبر ~~تجار السويس ألا وهو الحاج محمد مصطفى أبو الجدايل، وبعد أن تزوج من كريمته ترك للمترجم ~~الانفراد بأعمال تجارته، فشمر عن ساعد الجد واستحضر البضائع من البلاد الأجنبية، مثل: ~~الهند وأستراليا واليمن وغيرها، وعمل توكيلا خاصا لحساب كبار التجار فاتجهت نحوه ~~الأنظار، وسارت تجارته بفضل جهوده واعتماده على نفسه بعد الله تعالى إلى أقصى درجات ~~التقدم حتى الآن. # ولقد أنعم عليه سمو الخديوي السابق عباس حلمي باشا بالمجيدي الخامس في 12 شوال سنة ~~1328، كما جادت مكارم صاحب الجلالة مولانا الملك فؤاد الأول حرسه الله فأنعم عليه ~~بالرتبة الثانية في 10 جمادى الثانية سنة 1336ه. # ولم تقتصر مجهودات هذا العامل النشيط إلى هذا الحد، بل أراد أن يكون له يدا فعالة في ~~الأعمال الخيرية، ورأى من العار أن تخلو محافظة كبيرة كالسويس من مدرسة لتعليم البنات ~~وأمهات المستقبل، فقام باستنهاض الهمم مشجعا ذوي الرأي والمكانة، وتبرع بالمبالغ ~~الطائلة لذلك العمل النافع، فحذا حذوه من كان مثله من رجال الفضل والنبل، وهكذا تم له ~~ما أراد وتم هذا المعهد العلمي على أحدث طراز، ولقد كان الرأس المفكر في مشروع إنشاء ~~الطريق الجبلي الموصل إلى القاهرة، ومن أوائل المتبرعين له، وقد كاد يتم في العام ~~المنصرم لولا ظروف قهرية حالت دون ذلك. # ونظرا لسمو مركزه الأدبي ومكانته العظمى لدى عموم أهالي محافظة ms275 السويس، وكان من ~~الضروري انتخاب عضو ينوب عن المدينة في مجلس الشيوخ، فقد قر الرأي على انتخابه بأغلبية ~~ساحقة، وهكذا قبل أن يتحمل هذه المسئولية العظيمة واقفا جهوده على خدمة ~~لبلاده. # صفاته وأخلاقه # رجل الجد والنشاط والإقدام وديع الأخلاق لين الجانب، شديد في الحق، محب للخير سباق ~~إلى ما فيه نفع البلاد، ميال بفطرته السامية إلى العطف على البؤساء والفقراء جاعلا ~~مصلحة بلاده فوق كل مصلحة. # أبقاه الله لمصر العزيزة ولا أحرمها من صادق جهوده. # | ترجمة نيافة الأب الجليل والراعي الكريم الكلي الطوبى والاحترام الأنبا لوكاس # كلمة للمؤرخ # إذا كان الله تعالى قد خص بعض الناس ببعض المواهب السامية، وميزهم بسجايا باهرة فقد ~~خص هذا العالم الجليل والراعي الصالح الكريم بكل المواهب، وجمع فيه السجايا المحمودة إذ ~~رأى فيه خلاصة الطهر ومعنى الزهد وتمام الإيمان وكمال الفضل، وإن الطائفة القبطية ~~الأرثوذكسية بوجه عام وأقباط أبروشيته بوجه خاص لأسعد خلق الله حظا بوجود هذا الشهم ~~العامل، والكاهن العالم بينهم، كيف لا ونيافته بلا شك ولا جدال من أذكى وأكفأ كبار رجال ~~الكهنوت الأرثوذكسي علما، وأتقاهم ورعا وأحكمهم زهدا وأكملهم فضلا وأدبا، ثم أضف ~~إلى كل هذه الصفات ما وهبته الطبيعة من رخامة الصوت، تلك الرخامة التي امتاز وتفرد ~~بها حتى يخيل لسامعه، وهو قائم بخدمته اللاهوتية أنه يسمع نشيدا ملائكيا أو نغمات ~~موسيقية من أشهر العازفين، وكم أشجى وأبكى العيون من تأثير صوته الشجي عندما يقف واعظا ~~في الشعب، فإنه متى وعظ أثر في قلوب سامعيه، وجذب إليه الأفئدة الصخرية طائعة تحت تأثير ~~كلماته الذهبية وحكمه وإرشاداته المنطقية. # نيافة الحبر الجليل والراعي الصالح الأنبا لوكاس مطران كرسي قنا وقوص ~~والعضو المعين لمجلس الشيوخ. # ولكم دعي في أفراح سراة الأمة لإجراء عقد الأكاليل، فسر السامعين بفصاحة لسانه وقوة ~~بيانه وسحر كلامه وشجي ألفاظه، ولا تسل عن مقدار تلهف سكان مصر القاهرة لرؤية شخصه ~~الكريم، عندما تذيع الجرائد اليومية خبر تشريفه لقضاء بضعة أيام بها، فترى القوم ~~يتساءلون في أي كنيسة سيخدم هذا ms276 العالم الجليل والحبر الكريم، حتى متى عرفوا مقرها ~~ذهبوا أفواجا حتى تضيق بهم الكنيسة على سعتها؛ وذلك لسماع سحر بيانه ورقيق ألفاظه ~~وجمال منطقه وشجي صوته العذب، وفي كل ذلك الدلالة الكافية على ما له من المكانة العالية ~~والاحترام الكلي لشخصه الكريم. # مولده ونشأته # ولد هذا الشاب التقي ببندر دمنهور سنة 1873م من أبوين تقيين، فسمياه ميخائيل، وربياه ~~على التقوى والصلاح، حتى إذا ما بلغ الثامنة من العمر أدخلاه المدرسة القبطية بها، ولم ~~يمض طويل زمن حتى كان موضع إعجاب أساتذته لذكائه، وفرط نباهته ولتفوقه على زملائه ~~الطلبة، وقد رأى وهو في الثانية عشرة من عمره دافعا غريبا وميلا كليا للرهبنة، ~~وترك زخرف الدنيا فتوجه إلى دير قريب هناك، فلما علم أبواه بغيابه لحقا به وأثنياه ~~عن عزمه، وأرجعاه مرغما وأدخلاه المدرسة، فظل بها حتى أتم دروسه، وكان عمره إذ ذاك سبع ~~عشرة سنة، ولما أخرج من المدرسة شعر أنه لم يدرس من العلوم إلا قشورا فعول على مطالعة ~~الكتب الأدبية والتاريخية والفلسفية، فأقبل عليها بشغف عظيم، وفي سنة 1892م تعين مدرسا ~~بمدرسة منفلوط القبطية وعمره وقتئذ تسع عشرة سنة، ومكث بها سبع سنوات متواليات كان فيها ~~مثال العفة والاستقامة والجد والإقدام، ولم يتركها إلا لكي ينفذ تلك الإرادة الإلهية، ~~ويجيب دعوة من دعاه واختاره فدخل دير البرموس بوادي النطرون، وذلك في أول توت سنة ~~1616ق، وهو في السادسة والعشرين من العمر ودعي باسم ميخائيل البرموسي، وبعد خمسة شهور ~~من تاريخ دخوله للدير كتب نيافة مطران الإسكندرية إلى رئيس الدير بأن يبعثه إلى ~~الإسكندرية، وذلك لما بلغه عما عليه صاحب الترجمة من دلائل الزهد وليتحقق بنفسه مما ~~سمعه عنه فرأى فيه علما وورعا وذكاء ونباهة، ففكر في عدم حرمانه من تتميم علومه ~~اللاهوتية، فأرسله إلى مدرسة رسيدابرموث بأثينا، فعاد منها بعد أربعة شهور فرسمه قسا ~~في أول فبراير سنة 1901، ثم وكيلا لمطرانية الإسكندرية وواعظا بها فكان فمه يقطر ~~الآيات الذهبية، ثم رسمه قمصا في فبراير سنة 1903، ثم رسم أسقفا لكرسي ms277 قنا وقوص في 15 ~~مارس سنة 1903، ثم عند رسامته انتقل إليه وفد من كبار الإسكندريين نيابة عن أقباط الثغر ~~حاملا هديتين ثمينتين، وهما صليب من الذهب الخالص مكتوب على أحد وجهيه «رأس الحكمة ~~مخافة الله»، وساعة ذهبية سلسلتها من ذهب أيضا مكتوب عليها ما هو مكتوب على الصليب، ~~وذلك تقديرا لخدماته وعظيم إرشاداته وحكمته وصدق وطنيته ومكانته السامية في القلوب، ثم ~~رسم مطرانا في 19 أغسطس سنة 1906م، ولم ير أمام عينه سوى ما يجب أن يعمله لأبنائه ~~المخلصين، فشكل جمعية من كبار أسرهم وقاموا بتأسيس مدرسة بلغت نفقاتها ما ينوف عن الألف ~~وخمسمائة جنيها، وأنشأ قصرا فخما للمطرانية، وهو أول من فكر في إنشاء قسم ثانوي ~~بالصعيد حتى صار هذا القسم من عداد المدارس الأميرية، وله عدا ذلك مآثر كثيرة لا يحصى ~~عددها، كما أنه جدد عدة كنائس وأصلح كثيرا من الكنائس القديمة؛ ولذا أجمعت رعيته إلى ~~محبته حتى امتلك القلوب والمشاعر، حيث وجدوا في شخصه الجليل الراعي الصالح والأب التقي، ~~الذي يمكنه أن يسوس شعبه بأصالة الرأي والحزم والكفاءة التامة مع التقوى ~~والفضيلة. # تعيينه عضوا معينا لمجلس الشيوخ المصري # ولما ذاع فضله وفاح ورعه وتجلت كفاءته الشخصية عدا مواهبه الدينية والأدبية والعلمية، ~~فقد وقع اختيار حكومتنا الدستورية في عهدها الجديد على تعيين نيافته عضوا بمجلس الشيوخ ~~المصري، نظرا لسعة علمه وجمال صفاته وسمو أخلاقه، وعالي تربيته فصادف هذا الاختيار ~~ارتياحا من جميع طبقات الشعب المصري عامة والأقباط خاصة؛ لأنه والحق يقال جدير لهذا ~~الالتفات السامي وبكل رعاية. # صفاته وأخلاقه # ونيافته مشهور بدماثة الأخلاق وطلاقة الوجه وحلاوة الحديث والذكاء المفرط، وغزارة ~~العلم والتواضع المتناهي، وسلامة القلب والورع والتقوى، فتجده مخلصا لشعبه غيورا على ~~دينه، محافظا على الفروض الدينية كارها لنعيم الدنيا راغبا عنها. # أدام الله حياته ومتعه بدوام الصحة والسعادة، وأكثر من أمثاله بين رجال الأكليروس ~~الأرثوذكسي، إنه كريم قدير. # | ترجمة حضرة صاحب العزة السري الوجيه سمعان بك غبريال القمص # حضرة صاحب العزة السري الوجيه سمعان بك غبريال القمص ms278 عضو مجلس الشيوخ عن ~~دائرة ديروط. # كلمة للمؤرخ # من العائلات العريقة في المجد والسؤدد وشرف المحتد وطيب العنصر عائلة القمص، وهي أشهر ~~من أن تذكر في مركز ديروط بمديرية أسيوط وعميد هذه الأسرة المرحوم طيب الذكر خالد الأثر ~~الورع القمص حنس الذي خدم رتبة الكهنوت أربعين سنة، وقام بعبء الشعب الأرثوذكسي فكان ~~قطبا من أقطاب الشريعة الغراء، ونبراسا يهتدى بنور عرفانه عموم شعب أبروشيته، وكان ~~نور الفضيلة ينبعث منه نيح الله روحه الطاهرة وتغمده برحمته ورضوانه. # أما والد حضرة صاحب الترجمة هو المرحوم غبريال أفندي القمص ابن المرحوم حنس القمص، ~~فعهد والده بتثقيف عقله وتهذيبه على التقوى والصلاح، ولما أتم علومه وظهرت مواهبه تعين ~~في جملة وظائف بالدائرة السنية حتى وصل إلى وظيفة باشكاتب جفالك الروضة في عهد المغفور ~~له إسماعيل باشا الخديوي الأسبق، فقام بعبء أعماله بكل نزاهة وإخلاص، وهذا هو الأمر ~~الذي كان يحبه من أجله سمو الخديوي، وكان يركن إليه في كل مهام أشغال جفالك الروضة، ~~ونقل إلى جوار ربه مأسوفا عليه من كل من عرف فضله. # مولده ونشأته # أما حضرة صاحب الترجمة سمعان بك فهو ابن غبريال بن حنس القمص، ولد في سنة 1870 ~~ميلادية ببلدة ديروط الشريف من أعمال مديرية أسيوط، فنشأ نشأة صالحة على الفضيلة منذ ~~نعومة أظفاره، ثم دخل مكتب بلده وتعلم فيه القراءة والكتابة، فبز على أقرانه وشهد له ~~معلموه بالذكاء الفطري. # ولما بلغ سن الشيبوبة أخذت مواهبه تظهر بأجل معانيها في مديرية أسيوط، فأجمع الكل من ~~حاكم ومحكوم على تعيينه عمدة لديروط الشريف سنة 1907م، فقابل الأهالي هذا التعيين بمزيد ~~الارتياح والسرور؛ لأنه اشتهر بالعدل والإنصاف ومساعدة المظلوم، ودفع الاستبداد الذي ~~كان يأتيه بعض عمد البلاد، فاستحق رضا الخالق والمخلوق ورفرفت الطمأنينة على بلده ولشدة ~~بطشه بالأشقياء اعتدى عليه شقي بطلق ناري في سنة 1914م أصابه إصابة بسيطة؛ لأن الله ~~تعالى يحافظ على حياة أتقيائه المخلصين له ولبلادهم. # ولعلو كعبه وهمته الشماء انتخبه أهالي مركزه لأن يمثلهم في مجلس مديرية أسيوط، ms279 فكان ~~لهذه الإنابة الأثر المحمود والأيادي البيضاء في نشر العلم في أنحاء مركز ديروط وغيره، ~~وله الآراء السديدة في كل مشروع هام، وقد طلب تدريس الدين المسيحي للمسيحيين، وعزز هذا ~~الاقتراح ببراهين قوية، وأسلوب حسن؛ لأن الدين أساس العمران، ينهى عن ارتكاب المفاسد ~~والموبقات، وفعلا نفذ هذا الطلب وصار معمولا به إلى الآن. # وقد انتخب عدة مرات في لجنة الشياخات، ومخالفة النيل والترع والجسور وغيرها، ومع كل ~~هذه المشاغل لم يضن على طائفته بأن يقوم بخدمتها، فمن سنة 1892م وهو قائم بوظيفة عضو ~~المجلس الملي وهو في الحقيقة قائم بأعمال هذا المجلس كله في عموم أبروشية كرسي صنبو ~~وقسقام. # أعماله الخيرية الخالدة # أما الأعمال الخيرية فله فيها القدح المعلى فطالما مد يد المساعدة لمن أخنى عليهم ~~الدهر بكلكله، وهو ممن ساعد على تشييد المدرسة الصناعية بديروط، والمستشفى الرمدي، وكذا ~~مستوصف الأطفال وملجأ الأيتام، وكلية البنات، كما وقد شيد كنيسة كبرى لإقامة الفروض ~~الدينية الأرثوذكسية، أنفق عليها من ماله الخاص نحو 6000 ستة آلاف جنيه مصري، ويفصلها ~~ومنزله الخصوصي حديقة غناء بل جنة فيحاء، وفتحت أبواب هذه الكنيسة الفخمة التي قل وجود ~~نظيرها في أشهر مدن القطر المصري في شهر أبريل سنة 1924، وقد أوقف عليها ثمانية أفدنة ~~ونصف من أجود أطيانه، يبلغ ريعها السنوي أكثر من مائتي جنيه. # ومن نعم الله تعالى على حضرة صاحب الترجمة المفضال أن رزقه بشبلين هما عنوان النجابة ~~والفطنة والذكاء: أكبرهما حضرة يونان أفندي، وهما على مثال حضرة والدهما في الاستقامة ~~والطهارة وجمال الخلق. # وقد طلب حضرة صاحب الترجمة من مصلحة الصحة التصريح له ببناء مدفن خصوصي داخل الكنيسة ~~التي شادها حديثا وأشرنا إليها، بل التي تعتبر صورة طبق الأصل من الكنيسة المرقسية ~~الكبرى بمصر من كل الوجوه، وتمتاز الأولى بجمال زخرفها وبهاء رونقها، فأجيب إلى ~~طلبه. # كفاءته الشخصية # ونظرا لكفاءته الشخصية العالية وآرائه السديدة، واقتراحاته الصائبة التي بلغت مسامع ~~عظمة جلالة الملك أحمد فؤاد الأول ملك مصر والسودان أنعم الله عليه برتبة البكوية من ~~الدرجة ms280 الثانية في أوائل سنة 1918، كما وقد انتخب عضوا في مجلس الشيوخ المصري، وقد ~~صادف هذا التعين ارتياحا عظيما وحل السرور في قلوب عارفي فضله وشهامته وغيرته الوطنية ~~وصفاته الجليلة. # صفاته وأخلاقه # ومن الصفات المحمودة الممتازة التي اتصف بها حضرة صاحب الترجمة: دماثة الأخلاق، وعلو ~~الهمة، والشهامة، والرجولية الصحيحة، والكفاءة الشخصية ، والكرم الحاتمي، والعطف ~~المتناهي نحو البؤساء مع التقوى والصلاح. # أدام الله حياته وحضرات أشباله الكرام، وأبقاهم جميعا لخير مصر وإسعادها. # | ترجمة حضرة صاحب الفضيلة الحسيب النسيب السيد محمد علي الببلاوي # كلمة للمؤرخ # لسنا في حاجة إلى كلمة مدح نوجهها إلى هذا العالم الجليل الذي اشتهر بين طبقات الأمة ~~المصرية بالتقوى والصلاح والعلم الغزير والأدب الجم، وعلو الكعب في مختلف العلوم ~~والذكاء المفرط، ويكفينا ما قد وصل إليه من سمو المكانة والرفعة في قلوب عارفي فضله ~~وكماله، بفضل تلك المواهب السامية والخصال النبيلة التي أودعها الله تعالى في شخصه ~~الكريم. # مولده ونشأته # ولد حضرة صاحب الترجمة في الرابع عشر من شوال سنة 1379 (3 أبريل سنة 1863) من أبوين ~~كريمين، والد حسيني ووالدة حسينية أعني والده المرحوم السيد علي الببلاوي «نقيب السادة ~~الإشراف بالديار المصرية ثم شيخ الجامع الأزهر سابقا» بتربيته، فابتدأ بإرساله إلى ~~مكتب الأستاذ المرحوم الشيخ أحمد البقشيشي، أحد مشاهير القراء في عصره، وفي مكتبه تعلم ~~القراءة والكتابة، ثم أخذ عنه القرآن الكريم حفظا وتجويدا، ثم أرسله والده بعد ذلك ~~إلى مدرسة العقادين فتعلم فيها بإرشاد والده ما يلزمه في الأزهر من فنون هذه المدرسة ~~كالحساب والجغرافيا ومبادئ الهندسة، وشيء من النحو والصرف. # حضرة صاحب الفضيلة الحسيب النسيب السيد محمد علي الببلاوي نقيب عموم ~~السادة الأشراف بالقطر المصري ومراقب إحياء الآداب العربية بدار الكتب ~~المصرية والعضو المعين بمجلس الشيوخ. # ولما آنس منه والده قوة على تلقي العلوم المعتاد تدريسها في الأزهر أرسله إليه، وكان ~~ذلك في شوال سنة 1292 فانتظم في سلك طلبته وجد في تحصيل فنونه على نخبة من أفاضل ~~أساتذته، وكان في مدة طلبه العلم بالأزهر نابغة بين ms281 إخوانه يشهد له كل من شاركه بالذكاء ~~والفطنة، وكان مولعا في أثناء طلبه العلم بالأزهر بجمع نفائس الكتب العربية مغرما ~~بالبحث عنها في مظانها، واتفق أن خلت بالكتبخانة الخديوية في المحرم سنة 1300 وظيفة ~~مغير للكتب العربية، فعين المترجم فيها فصادف تعيينه فيها هوى في نفسه فجد في ترتيب ~~فنونها، وتنسيق فهارسها والبحث عن تواريخ المؤلفين وسيرهم، حتى كان كثير من الأفاضل ~~الذين يقصدون هذه الدار يعجبون من سرعة خاطره في الإجابة عما يسأل عنه منها، ويتحدثون ~~بقوة ذاكرته لأسماء المؤلفين ومواليدهم ووفياتهم، وكانت له اليد الطولي في تحرير ~~الفهارس المطبوعة للكتب المحفوظة في هذه الديار، وما زال يجد في أعمال وظيفته ووزارة ~~المعارف تكافئه على جده واجتهاده، حتى صار وكيل هذه الدار، ولم يشغله قيامه بالواجب ~~عليه في أعمال وظيفته عن إتمام دراسة علوم الأزهر الشريف، فكان في أوقات فراغه يحضر ~~مهمات الدروس في الأزهر على كبار أساتذته حتى حصل على شهادة العالمية فيه. # ولما وجهت وظيفة نقابة الأشراف إلى والده السيد الببلاوي الكبير نزل المترجم لولده عن ~~وظيفة الخطابة في المسجد الحسيني، فكانت خطبه في هذا المسجد على المنوال الذي احتذاه ~~محل إعجاب السامعين. # وكان من آثار منهجه في خطبه أن الخديوي السابق لما عزم على الحج في سنة 1326ه أدى ~~صلاة الجمعة في المسجد الحسيني قبل سفره، فخطب المترجم خطبة في الحج وقعت من نفسه أحسن ~~موقع، وكانت موضوع حديثه بعد خروجه من المسجد، وأمر بأن يحج المترجم معه في معيته، ~~فسافر في ركابه وأدى فريضة الحج معه وحظى بزيارة جده المصطفى # صلى الله عليه وسلم ~~. # وحدث أيضا أن الخديوي كلفه فجأة بعد صلاة الجمعة في الحرم النبوي أن يخطب للقوم ~~ارتجالا، فخطب خطبة في الاتحاد والائتلاف كانت آية في بابها دهش لحسنها كل من سمعها، ~~وتجلت عليه فيها بركات جده # صلى الله عليه وسلم # وقد منحته الحكومة المصرية مكافأة على جده النيشان ~~المجيدي، ثم العثماني ثم نيشان النيل من الدرجة الرابعة، وما زال حفظه الله يقوم ms282 بما ~~عهد إليه من وكالة دار الكتب المصرية والخطابة في المسجد الحسيني بما هو معروف عنه، ~~ومشهور بين إخوانه وعارفيه من سعة الخلق ولين الجانب وخدمة قاصديه يشهد بذلك كل من ~~عرفه. # ولما توفي المرحوم السيد مكرم نقيب السادة الإشراف بالديار المصرية في أغسطس سنة 20 ~~صدر الأمر الملكي الكريم بإسناد منصب نقابة عموم السادة الإشراف بالقطر المصري إلى صاحب ~~الترجمة؛ لما هو معروف عند صاحب الجلالة الملك فؤاد الأول حفظه الله من أن أسرة المترجم ~~عريقة في الحسب صحيحة النسب إلى الحضرة النبوية، ومنحه نيشان النيل من الطبقة الثانية، ~~ولما كان جلال هذا المنصب لا يتفق مع التوظف في دار الكتب رأت الحكومة إحالة المترجم ~~على المعاش؛ ولكي لا تحرم دار الكتب من تجاريبه ومعلوماته الفنية. وفي أثناء سنة 1921 ~~توجهت إرادة حضرة صاحب الجلالة الملك إلى جمع نفائس المؤلفات العربية النادرة، وحفظها ~~في دار الكتب المصرية، فعهد إلى سماحة السيد المترجم بالسفر إلى الأستانة؛ ليبحث في ~~مكاتبها العديدة النفيسة عن نوادر المؤلفات العربية التي لا توجد في مصر، فصدع السيد ~~المترجم بالأمر وسافر إلى الأستانة في نوفمبر سنة 1921 وزار كل كتبخاناتها، وبحث ونقب ~~عن نوادر أسفارها واختار منها نحو مئة وخمسين مؤلفا من نوادر المؤلفات التي لا توجد في ~~مصر، وأخذ صورها تامة كاملة بالفتوغرافية وهذه المؤلفات الآن في دار الكتب المصرية درة ~~في تاجها وغرة في جبينها، وكان مسكنه في الأستانة موردا للأدباء والفضلاء والأمراء ~~زاره فيه كبار القصر الملكي، وقد حظي في أثناء إقامته بمقابلة السلطان محمد وحيد الدين ~~سلطان تركيا في ذلك الوقت، فلقي منه كل عطف وتلطف ومنحه في أثناء هذه الزيارة النيشان ~~العثماني من الطبقة الثانية، وعاد المترجم إلى القاهرة في فبراير سنة 922 موفور الكرامة ~~مرموقا بالإجلال والاحترام، ولما شرعت المملكة المصرية في تكوين البرلمان عين حضرة ~~صاحب الجلالة الملك سماحة السيد المترجم عضوا في مجلس الشيوخ، ولما انتظم عقد هذا ~~المجلس انتخب السيد من هيئة المجلس عضوا في كثير من ms283 لجانه، وما زال يشتغل مع زملائه ~~بجد ونشاط في هذه اللجان؛ أملا في إصلاح بلاده وإيصال الخير إليها. # صفاته وأخلاقه # وحضرة السيد صاحب الترجمة على جانب عظيم من الرأفة بالبؤساء، مشهور بالدعة وكرم ~~الأخلاق وحسن المعاشرة محبوب عند الجميع لفضله وصلاحه واستقامته، وغزارة علمه وأدبه ~~الجم. أكثر الله من أمثاله لخدمة البلاد ونفع العباد. # | ترجمة حضرة صاحب العزة السري الجليل والمالي الشهير يوسف دي بيشوتو بك # كلمة المؤرخ # إن الثقة العظيمة التي حازها هذا المالي الجليل لدى الخاص والعام وشهرته التي لا حد ~~لها بالذمة والاستقامة، والعطف على البؤساء، وإسداء الإحسان ومديد المساعدة لكل عمل ~~خيري لمما يسر كل غيور على تقدم شعور الأمم نحو بني الإنسان، ورقي إحساسه وسمو تربيته، ~~وسيجزي الله تعالى أولئك الساعين للخير، ويثوبهم جزاء حسن فعالهم ثوابا عظيما، إن ~~الله لا يضيع أجر العاملين المخلصين. # حضرة صاحب العزة السري الجليل والمالي الشهير يوسف دي بيشوتو بك كبير ~~تجار الإسكندرية والعاصمة والعضو المعين بمجلس الشيوخ. # مولده ونشأته # هو يوسف بن دي بيشوتو ولد بالإسكندرية في أبريل سنة 1872 من أبوين كريمين حسبا ~~ونسبا، ويعد بيته من أقدم البيوتات المعروفة بحسن المعاملة وطهارة الذمة. # فقد والده وهو في السادسة من عمره، فقامت السيدة والدته الفضلى بتربيته التربية ~~الأولية ألا وهي التربية المنزلية السامية، وكان منذ الطفولة تلوح على محياه سيما ~~الذكاء ومخايل الجد والنشاط. # ولما أن بلغ الخامسة عشرة من سنه اضطر لترك المدرسة والتوظف في إحدى المحلات ~~التجارية؛ للقيام بأود عائلته، وفي الوقت ذاته لم يكن يترك لحظة من فراغ وقته، دون أن ~~ينتهزها للمطالعة والدرس، مما جعله من خيرة الرجال العاملين المفكرين، ولما كان من ~~الميالين للاشتغال بالتجارة لا سيما وقد توفرت له أسبابها من قوة في الإرادة، وبعد في ~~النظر وهمة عالية وثابة إلى المعالي تحفها الروية والرزانة وأصالة الرأي، فقد فضل ~~الاشتغال بها حتى أسس من المحال التجارية ما يعد من أكبر البيوتات ثقة وحسن معاملة، ~~فمنها محلات بيشوتو وأخيه وشركاهم بالإسكندرية ومصر ms284 ومنشستر للمنسوجات القطنية وكل من ~~زار إحدى هذه البيوتات العظيمة، ورأى ما بها من البضائع الجيدة وحسن المعاملة وإدارة ~~محكمة؛ لا يسعه إلا الاعتراف بقدرة الخالق، تلك القدرة التي وهبت يوسف دي بيشوتو بك من ~~المميزات أحسنها ومن الأفكار أحكمها؛ ونظرا لما هو عليه من هذه الصفات السامية ~~والمواهب العالية قد انتخب رئيسا للغرفة التجارية للواردات، فأظهر من العقل الراجح ما ~~أعجب الخاص والعام، وكان موضع ثناء كبار التجار؛ ولذلك اختير عضوا بمجلس إدارة بنك ~~الخصم والتوفير، وصار موفقا في كل عمل أسند إليه من الأعمال وبرهن على أنه من أنبغ ~~رجال العمل وأحكمهم، فاختير قاضيا محلفا بالمحكمة المختلطة لما له من الدراية، وما ~~اشتهر عنه من محبة العدل والصدق، ولقد انتخب رئيسا لمحفل أبناء العهد وهو رئيس وعضو ~~مجلس إدارة جملة شركات صناعية وتجارية ومالية، وله مواقف عديدة وخدمات جليلة في الحركة ~~الوطنية لا سيما في حوادث مايو المشئومة، وتهدئته لخواطر الجاليات الأجنبية لأخذ ~~اعترافات من هؤلاء ببراءة الوطنيين من هذه الحوادث، وأنها عبارة عن حادث محلي، وغير ذلك ~~من الخدمات الجليلة التي يضيق بشرحها المقام؛ ونظرا لما له من تلك الصفات وهذه الهمة ~~النادرة فقد تعين عضوا بالمجلس الاقتصادي المصري؛ ولثقة مولانا صاحب الجلالة فؤاد مصر ~~ومليكها المحبوب به عينه عضوا في مجلس الشيوخ؛ حتى يواصل جهوده في تأدية ما تتطلبه ~~الكنانة من الخدمات من مثله من ذوي الرأي والمكانة والتفكير، والرجل العظيم لا تقف همته ~~عند حد، بل كلما وصل إلى درجة وثب إلى أخرى، وعلى ذلك فإنه لم تقتصر همته على ذلك فحسب، ~~ولكنها تعدت ذلك إلى القيام بأداء المساعدات العظيمة لصالح أبناء الطائفة الإسرائيلية ~~بالإسكندرية، وهو نائب رئيسها ورئيس لجنة مدارسها المجانية حتى أصبحت تلك المدارس بفضل ~~جهوده تضم 2300 تلميذا، وجمع لها رأس مال وهو وقف تبلغ قيمته 22000 جنيه اثنين وعشرين ~~ألفا من الجنيهات المصرية، وقد كافأه جلالة الملك المعظم فأنعم عليه برتبة البكوية سنة ~~1919، وفي سنة 1921 حاز رتبة ضابط المعارف العمومية ms285 من الحكومة الفرنساوية. # صفاته وأخلاقه # وديع محب للخير ميال إلى مساعدة الفقراء والضعفاء، يلقى محدثه بكل بشاشة وانعطاف، ~~كثير التفكير فيما يعود على البلاد والعباد، دمث الأخلاق كريم جواد يعمل أكثر مما ~~يقول. # حفظه الله للإنسانية عونا ونصيرا. # | ترجمة رجل الشهامة والفضل صاحب السعادة أحمد باشا جاد الرب # كلمة وجيزة للمؤرخ # اشتهر صاحب الترجمة بين عارفيه العديدين بالشهامة وكرم الأخلاق والجد والإقدام، ~~وطالما رأيناه يدافع عن قضية الوطن دفاع الأبطال، ولما له من مواقف مشرفة تدل على واسع ~~خبرته وكبير كفاءته الشخصية فوق ما له من أياد بيضاء، ومآثر غراء على الأعمال الخيرية، ~~مما يخلد لسعادته ولعائلته الشريفة بقلم الشكر ومداد الثناء. # صاحب السعادة أحمد باشا جاد الرب عضو مجلس النواب المنحل عن دائرة ~~القوصية بمديرية أسيوط. # مولده ونشأته # ولد صاحب الترجمة ببلدة القوصية من أعمال مركز منفلوط بمديرية أسيوط حوالي سنة 1303ه، ~~وهو ابن المرحوم محمد بك جاد الرب الذي كان مديرا لمديرية المنيا ابن أحمد جلبي بن ~~أحمد، ويرجع تاريخ هذه الأسرة الكريمة إلى زمن بعيد، ولما ترعرع دخل المدارس ومكث بها ~~نحو الأربع سنوات، وخرج منها بعد أن تغذى بلبان العلم الصحيح وعرف كيف يخدم بلاده وأمته ~~بما فيه خيرها وصلاحها، وبعد وفاة المرحوم والده عاد إلى بلده الذي تربى تحت سمائه وشرب ~~من مائه، واشتغل بالزراعة التي هي مصدر سعادة البلاد وجد واجتهد في كل ما يعود بالفائدة ~~العامة، فنمت ثروته وكثرت أراضيه الشاسعة حتى صار من أكبر العاملين في تعضيد الهيئة ~~الاجتماعية، ومما يخلد لهذه العائلة المجيدة بالشكر والإعجاب أنها شيدت ثلاثة مساجد لم ~~تزل قائمة إلى الآن، وتقام بها شعائر الدين الحنيف حافظة لأفراد هذه الأسرة الذكرى على ~~مدى الدهور، وقد انتخب حضرة صاحب الترجمة عمدة لبلدة القوصية فكان عنوان الشهامة والحزم ~~وحسن الإدارة كما انتخب عضوا لمجلس النواب عن هذه الدائرة، وفي هذه الانتخابات الدليل ~~الكافي على غزارة علمه وفضله وقد أنعم عليه برتبة البكوية سنة 1910، فصادف هذا الإنعام ~~محله وصادف أهله لما ms286 لحضرة المنعم عليه من الوجاهة وعلو النفس، واحترامه من الجميع، ~~وتفضل جلالة مليكنا المعظم فأنعم عليه برتبة الباشوية رفيعة الشأن جزاء عظيم إخلاصه، ~~وعالي مروءته، وذلك في أكتوبر سنة 1925. # صفاته وأخلاقه # وقد اشتهر صاحب الترجمة باللطف ولين الجانب ودماثة الأخلاق وتعضيد العلم وذويه والبر ~~بالفقراء والمحتاجين. # أدامه الله وأبقاه وزاد من أمثاله الأكفاء. # | حضرة صاحب العزة الوطني الصميم الدكتور البارع حسن بك كامل # كبير أطباء بندر طنطا والعضو بمجلس النواب الأول والثاني المنحلين عن دائرة بندر طنطا ~~(غربية) # مقدمة للمؤرخ # من عظماء الأمة الذين برهنوا على وطنية عالية، وتمسكوا بأهداب المبدأ القويم، وتتبعوا ~~الجهاد في سبيل استقلال البلاد، وجاهروا بما تكنه عواطفهم من شعور سام وعواطف عالية ~~ولهم في ذلك مواقف مشهورة تشهد بعظيم وطنيتهم وسمو مبدئهم، هذا الوطني الصميم والنائب ~~الجليل صاحب العزة الطبيب البارع الدكتور حسن بك كامل، الذي له اليد الطولي من بدء ~~النهضة الوطنية حتى الآن، ويعد من أكبر أركانها والعاملين على رفع لواء مجد الكنانة، ~~وإن التاريخ ليسجل له صفحة نقية بيضاء لهذه المجهودات الفائقة، والخدمات الجليلة تدوم ~~ناطقة له بالفضل والإعجاب ما دامت السماوات والأرض. # صاحب العزة الدكتور البارع حسن بك كامل. # مولده ونشأته # ولد حضرة الدكتور البارع حسن بك كامل بمدينة القاهرة من أبوين شريفين طاهرين، فوالده ~~المرحوم اليوزباشي أحمد أفندي شكيب الإجزاجي بالجيش ~~المصري سابقا، وكان مولده في شهر أكتوبر سنة 1870، وتربي على بساط العز والنعمة ومن ثم ~~أدخله والده المدارس الابتدائية وهو في السابعة من سنه، فارتشف كئوس علومها وحاز ~~شهادتها الابتدائية والتحق بالقسم الثانوي، فأظهر من الذكاء والجد ما مكنه من الحصول ~~على شهادة البكالوريا، وهو لم يصل إلى الخامسة عشرة من سني حياته، وأراد بعد ذلك الدخول ~~بمدرسة الطب بالقصر العيني، فكان صغر سنه مانعا من قبوله فيها لو لم يكن أول الممتحنين ~~في امتحان القبول بمدرسة الطب، وفي الوقت ذاته ممن أتموا الدراسة الثانوية، فمكث بها ست ~~سنوات وهي سني مدرسة الطب في ذاك العهد، وتخرج منها في ms287 15 مايو سنة 1892 وكان أول ~~الناجحين، ثم عمل انتخاب مسابقة للدخول بالاسبتالية بصفة نائب، فكان الأول أيضا وحصل ~~على شهادة امتياز في الجراحة، وهذا دليل قاطع على نباهته وغزارة علمه. # حياته العملية # رأى حضرة صاحب الترجمة أن يشتغل حرا وأبى الالتحاق بالوظائف الحكومية، وفضل خدمة ~~الهيئة الاجتماعية بهذه المهنة الشريفة ألا وهي مهنة الطب، فمكث بطنطا مدة سنة ونصف سنة ~~صادف في خلالها إقبالا عظيما وثقة كبرى، غير أنه عاد بعد ذلك فعدل عن رأيه الأول ~~واندمج في سلك الوظائف الحكومية، حيث تعين مفتشا لصحة مركز ببا بمديرية بني سويف وطبيب ~~أجزاخانتها، ثم مفتشا لصحة مركز نجع حمادي بمديرية قنا وطبيبا لأجزاخانتها أيضا، ~~وكان هذا التعيين بناء على رغبة مستخدمي شركة السكر ومستخدمي الشركة التي أخذت مقاولة ~~عمل كبري نجع حمادي، واستمر عاملا مجدا في هذا المركز إلى أن انتقل منه في 5 نوفمبر ~~سنة 1897 حكيما لاسبتالية دمياط، ومكث بها إلى أوائل سنة 1904 حيث استعفى من خدمة ~~الحكومة وعاد إلى عزمه الأول والرجوع إلى الأعمال الحرة بعيادته الخصوصية. # جهاده الوطني وخدماته الصادقة # ولم تكن مهنته هذه مع كثرة متاعبها لتنسيه واجبه نحو خدمة بلاده والسعي وراء رقيها، ~~فانتخب رئيسا لنادي طنطا الأهلي وهو من مؤسسيه، وذلك عام 1909م واستمر انتخابه سنويا ~~إلى وقتنا هذا وكذا انتخب عضوا بمجلس بلدي طنطا، فأبدى من الهمة والخدم الصادقة ~~والمجهودات الفائقة ما استوجب كل شكر وثناء، واستمر ينتخب ويجدد انتخابه من سنة 1910 ~~إلى هذا الوقت، أي إلى أن أعيد انتخابه أربع دفعات، ثم أسس شركة التعاون المنزلي، ~~وانتخب رئيسا لها وتعهدها برعايته وصانها بذكائه، وأعلى شأنها بهمته وعزيمته الماضية، ~~وما زال رئيسا لها من سنة 1912 إلى وقتنا هذا، وهو أيضا مؤسس ورئيس جمعية المواساة ~~الإسلامية المنشأة في سنة 1920م، ومؤسس ورئيس جمعية الإسعاف بطنطا المشمولة برعاية حضرة ~~صاحب الجلالة الملك فؤاد المعظم المؤسسة في أواخر سنة 1920 ثم أعيد انتخابه عام ~~1923. # جهاده الوطني # هذا الشهم الوطني الجليل من روح ms288 الوطنية العالية، ويجاهر بمجهوداته الفائقة وتضحيته ~~بكل غال ونفيس في سبيل استقلال بلاده المحبوبة، إذ له أياد بيضاء ومآثر غراء في هذا ~~السبيل تشهد له بالشهامة والتفاني في حب الوطن المفدى، وهو سعدي بكل معني الكلمة ونظرا ~~لما أبداه في كل أدوار هذه النهضة الوطنية المباركة، ولعظيم مركزه في الهيئة الاجتماعية ~~انتخب دفعتين لأن يكون عضوا بمجلس النواب عن دائرة طنطا في دوريه الأول والثاني ~~المنحلين، ولكم أطلعنا على بيانات هامة ملؤها الإخلاص والدفاع عن حقوق البلاد تشهد ~~لحضرته بطول الباع والذكاء التام. # صفاته وأخلاقه # دمث الأخلاق لين الجانب عالي الهمة، كبير النفس، ذكي الفؤاد، قوي الحافظة، شديد ~~العارضة في الحق، وهو حائز لرضاء عموم مواطنيه لما تأكدوا فيه من الشهامة والجد في ~~القول والدفاع عن الحق. # نسأل الله أن يسدد خطواته في سبيل خدمة البلاد ورفع شأنها. # | ترجمة حضرة صاحب العزة السري المفضال إبراهيم بك الزهيري # كبير أعيان مديرية الدقهلية وعضو مجلس النواب المنحل عن دائرة الزرقا ~~دقهلية # مولده ونشأته # هو رجل الفضل وغوث الفقير وعضد البائس ونصير المظلوم، هو إبراهيم بك الزهيري ابن ~~المرحوم إبراهيم الزهيري ابن الحاج أحمد الزهيري ابن الحاج سيد أحمد الزهيري ابن الحاج ~~علي الزهيري ابن الشيخ يوسف الزهيري، الذي يصل نسبه إلى عرب الحمراء تلك القبيلة ~~المشهورة بين قبائل العرب بالشجاعة والإقدام، وفضلها لا يحتاج إلى إقامة دليل أو برهان. # صاحب العزة إبراهيم بك الزهيري. # كان المرحوم إبراهيم بك الزهيري والد المترجم له عمدة لبلدة شرمساح مدة 45 سنة، كان ~~فيها مثال الجد والاستقامة يغير على مصلحة بلده مع حبه الشديد وتفانيه في العمل لراحة ~~الأهالي، وتوفي رحمه الله تعالى في يوم الاثنين 7 مايو سنة 1897م. # ولد حضرة صاحب الترجمة ببلدة شرمساح مركز فارسكور بمديرية الدقهلية سنة 1870م، فرضع ~~الفضيلة منذ حداثته وتغذى بلبان الشهامة والمروءة ~~والنخوة العربية والأريحية الشماء، فما بلغ السابعة حتى أدخله المرحوم والده مدرسة ~~المنصورة الابتدائية، وظل بها خمس سنوات تعلم في أثنائها العلوم التي كانت تدرس فيها ms289 إذ ~~ذاك، وكان من رفاقه وهو تلميذ حضرتا صاحبي العزة أحمد بك لطفي السيد مدير الجامعة ~~المصرية وحسن بك صبري مفتش وزارة الأوقاف سابقا والمحامي المشهور الآن. # ولما رأى والد المترجم له أنه محتاج لابنه لمباشرة أعماله الزراعية، وأشغاله التجارية ~~أخرجه من المدرسة، ولولا ذلك لاستمر عاكفا على تحصيل العلوم العالية، ومع كل ذلك فقد ~~وهبه الرحمن عقلا راجحا وفكرا سديدا وذكاءا فطريا، وقد ساعده كل ما أوتي من جد ~~ونشاط على زيادة مورد تجارته في الأقطان والأرز ، وقد حاز بفضل هذه المواهب السامية ~~أطيانا شاسعة وشاد قصرا فخما على النيل وفتح أبوابه لكل قاصد ومحتاج، فذاع فضله في ~~عموم مديرية الدقهلية، وخصوصا مركز فارسكور فانتخبوه عضوا لمجلس المديرية، فكان عضوا ~~عاملا يعمل جهده لراحة أهالي مركزه، ونشر دور ~~التعليم في جميع أنحاء المديرية مرتبطا مع حضرات زملائه الأعضاء، متعاضدين متكاتفين ~~إلى كل ما يعود على مديريتهم الزاهرة بالخير والإسعاد، ثم انتخب عضوا في مجلس الشياخات ~~عدة مرات متتابعة، وفي هذا أكبر دليل على تمام الثقة به. # ومن مآثره المشكورة وأعماله المبرورة تشييده مسجدا فخما ببلدته عام 1324ه، وسماه ~~مسجد «أولاد حامد» وقد وصل إلى مسامع سمو الخديوي السابق عباس حلمي باشا الثاني ما ~~يأتيه حضرة صاحب الترجمة من جلائل الأعمال وخير المآثر، فأنعم عليه بالرتبة الثانية سنة ~~1909م مكافأة له وتشجيعا لغيره، كما أنعم عليه ساكن الجنان السلطان حسين كامل بنيشان ~~النيل الزراعي سنة 1915، وأنعم عليه أيضا برتبة البكوية من الدرجة الأولى سنة ~~1916م. # أعماله الخيرية # ومن أعماله الخيرية التي تنطق بعظيم فضله أنه أسس مكتبا بجوار مدفن المرحوم والده، ~~وهو الآن محتشد بالتلاميذ وينفق عليه بسخاء لا مزيد عليه، وإذا نحن عددنا الجمعيات ~~والمشروعات الخيرية الأخرى لوجدنا حضرة المترجم له أول سباق لعمل الخير فيها، فضلا عن ~~أنه يخرج زكاة ماله سنويا، ويوزعها على الفقراء والمحتاجين، فرجل تتجلى فيه الشهامة ~~والمروءة والتقوى والصلاح لجدير بأن تزين به وبأعماله جيد كتب التواريخ، وقد من الله ~~تعالى عليه فوق ثروته ms290 الواسعة بأنجال هم آية من آيات الذكاء والنجابة، جعلهم الله قرة ~~عيني حضرة والدهم الجليل ووفقهم إلى نفع البلاد والعباد. # كفاءته الشخصية # ولكي يدرك القارئ الكريم جدارة صاحب الترجمة وكفاءته الشخصية أنه حاز الأغلبية ~~الساحقة في الانتخابات البرلمانية، حيث زكاه أكثر من عشرين عضوا ثلاثينيا عن دائرة ~~الرزقة ولا شك أن أهل هذه الدائرة سعداء جدا لاختيارهم هذا الشهم الجليل نائبا عنهم، ~~وسوف تتحقق جميع آمالهم بفضل ما أوتي من علم وفضل وذكاء وإخلاص، وفقه الله تعالى إلى ما ~~فيه إسعاد البلاد. # صفاته وأخلاقه # هو مثال الرجولية الصحيحة طيب القلب، سليم الضمير، كريم الأخلاق يتأثر من رؤية ~~البؤساء جواد سباق إلى عمل الخير كي يرضي الله تعالى وضميره، متعه الله وألبسه ثوب ~~الصحة والعافية وكافأه خيرا جزاء أعماله المبرورة. # | ترجمة حضرة صاحب العزة السري الوجيه بشرى بك حنا ميخائيل # هذا هو الشهم العظيم والنائب الكريم والسري المعروف، والمزارع الموصوف المشهود بعلو ~~المقام، وجليل الأعمال وسعة الإطلاع وحسن الأخلاق وكثرة الاختبارات، بل هو الرجل الذي ~~تتطاول إليه الأعناق وتتجه إليه الأفكار والأبصار عند حدوث الأزمات ونزول الملمات، وإلى ~~القارئ الكريم نذكر قطرة من تاريخ هذا العظيم الذي يعتبر ركنا متينا في قوام أساس الهيئة ~~الاجتماعية. # مولده ونشأته # ولد حضرة بشري بك بمدينة أسيوط عام 1866م، فغذاه والده العصامي الكبير فقيد النشاط ~~والإقدام والجد والعمل المرحوم الخواجه حنا ميخائيل أحد كبار سراة مديرية أسيوط بلبان ~~الفضيلة والاستقامة، وبث في نفسه حب العمل والاعتماد على النفس فشب مقتبسا خصال والده ~~ومبادئه السامية، وبعد أن حصل على نصيب وافر من العلوم والمعارف والفنون، واشتد ساعده ~~وتسامت مداركه ترك المعاهد العلمية، ودخل في سلك التجارة وساعد المرحوم والده في أشغاله ~~الكثيرة وإدارة شؤونه. # حضرة صاحب العزة السري الوجيه بشري بك حنا ميخائيل المالي المعروف ~~والعضو بمجلس النواب المصري عن دائرة مركز الفشن. # ولما اضطربت الأمة القبطية وقررت عقد مؤتمر عام للبحث في مصالحها، والنظر في شؤونها ~~جالت الأبصار واتجهت الأنظار للتفتيش عن عالم كبير، وقائد ms291 خبير يتولى رئاسة هذا المؤتمر ~~ليسير بالأمة في طريق النجاح وسبيل السعادة والفلاح، ولا عجب أن صوت الأمة القبطية أقر ~~على صاحب الترجمة إذ وجد منه رجلا وجيها وعالما أصيل الرأي سامي العواطف، ذا قلب ~~يطفح إخلاصا لقومه، وغيرة على ترقيته، ورفع شأنه، فلما اعتلى رئاسة المؤتمر زال ~~الاضطراب، وذهب القلق وابتسم ثغر الأمة التي بشت للمترجم، وحفظت جميله وأرخت أعماله ~~بمداد من الشكر والثناء العاطر. # وقد ذاع اسم صاحب الترجمة وظهرت كفاءته الشخصية في جميع الشؤون المالية والاقتصادية ~~والزراعية، حتى بلغت مسامع الحضرة الخديوية، فأنعم عليه سمو عباس حلمي باشا خديوي مصر ~~السابق برتبة البكوية، فجاء هذا الإنعام في محله وصادف أهله كما قد أنعم عليه جلالة ~~الملك بنيشان الفلاحة من الدرجة الأولى. # ونظرا لتفوقه المتناهي في الشؤون الزراعية والاقتصادية بوجه خاص تعين عضوا في ~~الجمعية الزراعية السلطانية، ثم عضوا في النقابة الزراعية وعضوا في لجنة بحث حالة ~~مصلحة الأملاك الأميرية، وعضوا في لجنة تعديل نظام بورصة مينا البصل وبورصة العقود، ~~وهذا من أكبر الأدلة على علو كعبه في كل هذه الشؤون. # وكثيرا ما ندب حضرة صاحب الترجمة من قبل الحكومة المصرية لحل العويص من مشكلات ~~الشؤون الاقتصادية والزراعية، فكان لها حلالا بفضل كثرة تجاريبه وأصالة رأيه. # ونظرا لما قام به حضرة صاحب الترجمة من جليل الخدمات والفوائد العظيمة، التي عادت ~~على مواطنيه بالفائدة العظمى، ولسمو مكانته في قلوب عارفي كفاءته وفضله قد انتخب نائبا ~~لمجلس النواب المصري عن دائرة مركز الفشن، ولا شك أن هذا المجلس الموقر سعيد بوجود هذا ~~النائب السري والعامل الوطني الصميم. # ورغما من وجاهته ووفرة ثروته وسمو مركزه في الهيئة الاجتماعية، فإنه والحق يقال مثال ~~الدعة واللطف، ودماثة الأخلاق، ومحسن كريم مشهود بإخلاصه وصدق خدماته نحو وطنه ~~ومواطنيه. # وطالما جاد بالأموال الطائلة لكل عمل خيري يرى منه فائدة لأبناء وطنه، وحسبه ما جادت ~~به أريحيته للجمعيات الخيرية والمدارس والمستشفيات وغيرها، فإن له في كل منها أثر خالد ~~ينطق له بالشكر والثناء والإعجاب بكرم هذا ms292 المحسن الكبير ما دامت السماوات ~~والأرض. # أدام الله حياة هذا العامل المجد الأمين والنائب الجليل، وأكثر من أمثاله بين سراة ~~مصر لرفع لواء مجدها وإسعادها. # | ترجمة حضرة صاحب العزة السري الجليل والنائب الحر الجريء سينوت بك حنا # مقدمة للمؤرخ # لا يمكن لكاتب مهما أوتي من قوة البلاغة أن يصف وطنية هذا الشهم، أو ينسى تلك ~~المقالات الشيقة المملوءة شعورا ووجدانا وحماسا التي كان يتوجها بهذا العنوان ~~«الوطنية ديننا والاستقلال حياتنا»، وليس لفرد أن ينكر ما تحمله هذا الغيور من التضحيات ~~من اعتقال ونفي وحبس حرية، وهو السري الغني بثروته ونفوذه وجاهه، ويكفيه أن حاز من عموم ~~الشعب المصري لقب «النائب الحر الجريء» عن جدارة واستحقاق لجراءته في الحق وثباته على ~~المبدأ، وبسبب ذلك حل به كل أنواع النكال والآلام التي كان يقابلها بصدر رحب ورباطة ~~جأش، متمثلا بقول الشاعر: # ومن تكن الأوطان همة نفسه # فكل الذي يلقاه فيها محبب # حضرة صاحب العزة السري الجليل والنائب الحر الجريء سينوت بك حنا عضو ~~مجلس النواب المنحل في دوريه الأول والثاني عن دائرة بندر ~~أسيوط. # مولده ونشأته # بزغت شمس ميلاده في بندر أسيوط عام 1880م وهو ابن المغفور له الخواجه حنا ميخائيل أحد ~~سراة مديرية أسيوط، فنشأ نشأة كاملة وأنبته الله نباتا حسنا ~~، ولما بلغ السابعة من عمره أدخل مدرسة الأليانس ~~الفرنساوية بأسيوط، فظهرت نجابته وتم ذكاؤه وصار المثل الأعلى لأترابه، فتاقت نفسه إلى ~~الاستزادة فيمم ثغر الإسكندرية ودخل كلية الفرير بها وارتشف العلوم الراقية من منبعها، ~~وظلت مواهبه تتجلى كلما انفتح أمامها باب من العلم يساعدها على الظهور كاملة، أساتذة ~~صاغوا هذه الجوهرة الثمينة وأخرجوها للناس كاملة تمتعهم بجمالها وجلالها، فتخرج من ~~هذه الكلية حاملا لواء العلوم والمعارف. # سياحته في البلاد الأوربية # وقد ساح كثيرا في عواصم أوربا وعاشر الطبقات الراقية، وكان في مسامراته معهم يحادثهم ~~عن مجد مصر وآثارها وأهرامها ومسلاتها، ولا يغمض له ~~عين في تلك الزيارات إلا ويذكر استقلال مصر، ومن ذاك الحين أخذ يخدم بلاده بما أوتيه من ms293 ~~ذكاء وحكمة، فأخذت مواهبه تسطع بين كبار المفكرين في الأمة المصرية، كما كان الصديق ~~الحميم للمغفور له مصطفى كامل باشا، فكان له المقام الأسمى والقسط الأوفر والرأي ~~الأسد عند ذاك الصديق الذي أحبه حبا مفرطا لسمو مداركه وكبير وطنيته وحسن ~~جهاده. # انتخابه عضوا في الجمعية التشريعية # ولما ذاع فضله في دوائر الحكومة وقع اختيارها ~~عليه، فعينته عضوا في الجمعية التشريعية في أواخر سنة 1913م، ومما يجب ذكره هنا أنه في ~~بادئ بدء الجمعية التشريعية حصل انقسام بين الأعضاء المنتخبين، # 1 # والحكومة وأعضائها # 2 # على اختيار أحد وكيلي الجمعية التشريعية للإنابة عن الرئيس إذا تخلف عن ~~إحدى الجلسات، فكانت الحكومة وأعضاؤها ترغب اختيار الوكيل المعين من قبلها أن يكون ~~عضدها الأيمن وساعدها القويم في تنفيذ رغائبها «وكان إذ ذاك صاحب الدولة عدلي يكن باشا ~~وكيلها المعين»، والأعضاء المنتخبون يرغبون اختيار العضو الحر الذي اختارته الأمة ~~بأسرها، وكان صاحب الدولة الزعيم الأكبر سعد زغلول باشا رئيس الوفد المصري في باريس، ~~فوقف النائب الجريء سينوت بك حنا في المجلس وأعلن على رءوس الأشهاد انضمامه وموافقته مع ~~الأعضاء المنتخبين على اختيار الوكيل المنتخب من قبل الأمة؛ ليمثلها تمثيلا حقيقيا ~~ويعرف ما تحتاج إليه. # وجد الدساسون من هذه الحادثة فرجة يلجون منها إلى نفث سمومهم، حتى تمكنوا من تغيير ~~أولياء الأمر على صاحب الترجمة الذي لم يتزحزح قط عن رأيه فقال له بعضهم: إن التشبث ~~برأيك قد يضرك منصبك. فأجاب: إن رأيي لي ومنصبي لهم ولن أضحي لهم ما يدوم في سبيل ما ~~يزول»، وهذا أكبر دليل على إخلاصه لأمته في كل أطوار حياته. # جهاده الوطني # وفي سنة 1918م هزته الأريحية الشماء والحمية الوطنية على المنادات بطلب الاستقلال ~~التام وتحرير البلاد من رق العبودية قائلا: # أيا قوم ساءت حالنا فإلى متى # نظل عبيدا والأرقاء تعتق # فهب كالليث من عرينه دون مبالاة بالمصاعب والمتاعب مهما كلفته، وانضم إلى حضرات أعضاء ~~الوفد المصري في شهر نوفمبر سنة 1918م، وأخذ الأهبة للسفر إلى باريس مع رفاقه أعضاء ~~الوفد ms294 وصاحب الدولة رئيسهم؛ لبسط شكوى الأمة لدى الدول الأوربية. # وفي يوم 13 أبريل سنة 1919 سافر مع أعضاء الوفد ميمما باريس، فكان يوم وداعهم يوما ~~تحفه القلوب فشيعتهم الأبصار، وسافر على ظهر الباخرة «كالدونيا»، ولما وصل باريس وطلب ~~حضور مؤتمر الصلح بناء على التفويضات المأخوذة من جميع أفراد الأمة قوبل طلبه بالرفض، ~~وهذه أول صدمة اصطدم بها الوفد المصري في طريقه، غير أنه قبلها بصدر رحب ولم تثن من عزم ~~هؤلاء الأبطال المجاهدين، فأخذوا يشرحون مظلمتهم على صفحات جرائدهم الأوربية الحرة ~~ولأعضاء مجلس النواب الأحرار، ويقدمون المستندات القوية حتى استلفتوا أنظار العالم ~~الأوربي، وتطوع كثيرون من أحرارهم وأعضاء مجالسهم وكبار محاميهم مثل المستر فولك ~~المحامي الأمريكي ذائع الصيت للدفاع عن القضية المصرية، حتى اعترف بأحقيتها وعدالتها ~~مجلس شيوخ أمريكا، وبعد جهاد عظيم عاد صاحب الترجمة لمصر في شهر سبتمبر سنة 1919، وترك ~~الزعيم الأكبر ورفاقه يعملون لما فيه الوصول لبغيتهم وضالتهم المنشودة. # ومن ثم أخذ صاحب الترجمة ينشر في أمهات الجرائد المصرية مقالاته المشهورة: # الوطنية ديننا # والاستقلال حياتنا # تلك المقالات التي كان لها التأثير العظيم في نفوس الأمة لغزارة مادتها، وجرأة ~~محررها، فكانت تقابل من الشعب المصري بالارتياح العظيم والشغف الشديد. # ولما رغبت الدولة الإنجليزية في إرسال لجنة ملنر أخذ صاحب الترجمة ينشر درره الغوالي ~~وينبه أذهان الأمة بوجوب مقاطعتها، وذكر الوزارة السعيدية بواجبها إزاء هذه اللجنة مما ~~اضطرها إلى تقديم استقالتها في شهر نوفمبر سنة 1919 فيا لها من خدمة جليلة تذكرها الأمة ~~له بجميل الشكر وعظيم الثناء، وما كادت اللجنة المذكورة تطأ أقدامها أرض وادي النيل في ~~يوم الأحد 7 ديسمبر سنة 1919، حتى كانت الحكومة قد أخذت حيطتها لمنع المظاهرات خوفا من ~~الاضطرابات، وأمرت بإبعاد الزعماء السياسيين وقادة الرأي العام الوطني عن العاصمة، ~~والحجر عليهم في عزبهم دون أن يغادروها، كما وقد حذرت على الكتاب والأدباء الخوض ~~والأبحاث في ما جاءت لأجله هذه اللجنة، فكان نصيب نائبنا الحر الجريء أن نفي بالقوة إلى ~~عزبته بمركز الفشن، ولما رأت اللجنة ms295 الملنرية والحكومة أن هذه الخطة لم تجدهما نفعا ~~عدلت عنها، وأمرت بعودة أولئك الأبطال من منفاهم، فما وصل هذا الخبر مسامع أعيان ووجهاء ~~مركز الفشن حتى أخذوا يفدون إلى عزبة صاحب الترجمة أفواجا أفواجا؛ لرفع التهاني ~~الخالصة لإطلاق سراحه، واحتفلوا به عند عودته للقاهرة احتفالا شائقا حيث أعدوا لعزته ~~قطارا خاصا زين بالزهور والرياحين والأعلام المصرية، وجاءوا معه، وما وصل القطار ~~محطة العاصمة حتى استقبله كبار رجال الأمة، وعموم أعضاء الوفد المصري وطلبة المدارس، ~~فأنزلوا سينوت بك من القطار محمولا على الأعناق تكريما له وإظهارا لعواطفهم، ومن ثم ~~أخذ ينتقد ما يجب انتقاده في أعمال الوزارة اليوسفية، وكان من وراء نقده عدم صلاحية ~~إقامة الخزان في أعلى النيل لإرواء ثلاثمائة ألف فدان من أراضي السودان لوقوع الضرر ~~بالأراضي المصرية، مفندا أسباب ذلك بمقالاته التي نشرت تباعا بجريدة الأفكار من عشرة ~~إلى 20 فبراير سنة 1920، فكان من وراء نقده الحر أن قدم معالي إسماعيل سري باشا وزير ~~الأشغال استقالته في الشهر نفسه. # نفيه مع الزعيم إلى عدن وسيشل # وحدث أن السلطة العسكرية الإنجليزية قررت نفي زعيم الأمة إلى عدن في 23 ديسمبر، وما ~~كاد يذاع هذا الخبر حتى أصبح الناس والسماء ملبدة بالغيوم والسحب القائمة، وكأنما كان ~~ذاك اليوم العبوس القمطرير ينذر بمصائب وأرزاء، وكل مصري يعرف ما انتحل من الأسباب ~~لتبرير ذلك الاعتقال، كما وقد صدرت أوامر أخرى باعتقال صاحب الترجمة والأستاذين مصطفى ~~النحاس باشا ووليم مكرم عبيد، وفي اليوم ذاته أقلت السيارات الإنجليزية المسلحة حضرات ~~الأعضاء المذكورين، وكذا محمد فتح الله بركات باشا والمرحوم عاطف باشا بركات، حيث أحاطت ~~بمنازلهم هذه القوات وانتزعتهم قوة واقتدارا، كما ذهبت قوة أخرى في الوقت نفسه لصوب ~~بيت الأمة معها سيارة، حيث أنزلت حضرة صاحب الدولة سعد باشا زغلول وأخذته، وواصلوا ~~السير بهم إلى عدن إلى أن بلغوها أصيل يوم 24 يناير سنة 1922، وما عدن إلا صخور سوداء ~~وأراضي جرداء قاحلة، وظل القوم بها يقاسون سوء مناخها ورداءة طقسها حتى يوم أول مارس ms296 ~~سنة 1922، حيث صدرت الأوامر بنقل الرئيس الجليل بمفرده إلى سيشل مع خادمه الخصوصي، ولا ~~تسل عما شمل صحبه من الغم والحزن لهذا الفراق المريع، وبتاريخ 17 مارس سنة 1922 صدرت ~~الأوامر لباقي صحبه المخلصين الموجودين بعدن بالسفر إلى سيشل، وما كاد يستقر بهم المقام ~~طويلا حتى فوجئوا بنقل دولة الزعيم إلى جبل طارق، وهناك احتج بخطاب أرسله إلى حاكم جبل ~~طارق بسوء الحال ورداءة المناخ بالنسبة لصحة صحبه إلى أن قال: وجميع صحبي يعانون كثيرا ~~من تأثيراته، وإن صحتهم لفي خطر من عدم وجود التسهيلات الطبية اللازمة، وطلب منه نقلهم ~~من سيشل إلى مكان آخر، فأبى السماح له بما طلب، وظلوا بها حتى شهر نوفمبر سنة 1922، حيث ~~صدرت الأوامر بالإفراج عنهم والعودة إلى الوطن المحبوب. # تعيينه عضوا بمجلس النواب المصري # ولما أعلن تصريح 28 فبراير وأرادت الحكومة المصرية إجراء عملية لانتخاب أعضاء مجلس ~~نوابها وشيوخها، كان حضرة صاحب هذه الترجمة أول من نال أغلبية الأصوات الساحقة عن دائرة ~~بندر أسيوط، وفاز بالتزكية فوزا عظيما في دوريه الأول والثاني، ولا عجب فقد رأوا فيه ~~من الشجاعة وقوام المبدأ والتضحيات الغالية ما لا يمكن لغيره احتماله. # صفاته وأخلاقه # الوداعة والشهامة ولين الجانب والانتصار للفضيلة، وهو عصبي المزاج صلب عند الحق لا ~~يخشى فيه لومة لائم، ولا يرده عن العدل خشية أمير ولا محاباة عظيم، وقد جملته الشهامة، ~~وألبسته الشجاعة وعلو الهمة وشرف النفس ثوب الوقار والجلال، يميل بفطرته إلى مواساة ~~المنكوبين، وهو الضلع الأكبر في التبرعات الخيرية في عدة جمعيات نافعة للبلاد بما لا ~~يقع تحت حصر، كذا مساعدته لمنكوبي الحرب البلقانية الأوربية، وجمعية الهلال الأحمر ~~وغيرهما من مختلف الجمعيات تغنينا عن الشرح. # فشهم هذا شأنه يحق للقطر المصري عامة والوجه القبلي خاصة المفاخرة به، وإن في من ~~يقتدون به قدوة حسنة لمن يعبر سبيل الحياة؛ ليخلد له ذكرا مجيدا يدوم ما دامت ~~السماوات والأرض. # | ترجمة أحد أبطال النهضة الوطنية الأستاذ القانوني البارع راغب إسكندر بك # مقدمة وجيزة # هو من أكبر أنصار ms297 الزعيم الجليل صاحب الدولة سعد باشا زغلول، وهو الذي قاسى الشدائد، ~~وتحمل الكروب بصدر رحب، ورباطة جأش وهو الذي اشتهر بثبات المبدأ وصدق الوطنية وأخيرا ~~هو المعروف بمواقفه الشريفة، وكتاباته الشيقة، ودفاعه المجيد في سبيل استقلال بلاده، ~~والذي انتقد سياسات الوزارات المختلفة التي جلست على منصة الحكم من سنة 1919، وما بعدها ~~بدون خوف ولا وجل فنحن ندون تاريخ هذا الشهم الغيور بالفخر والإعجاب في سفرنا التاريخي، ~~سائلين الحق تعالى أن يكثر من أمثاله العاملين المجاهدين لخير الوطن المفدى، وأن يمده ~~بروح من عنده لتحقق أمنيته؛ لتتم الغاية الشريفة التي نكل به من أجلها أشد تنكيل. # صاحب العزة راغب بك إسكندر المحامي الشهير والعضو بمجلس النواب ~~المنحل عن دوريه الأول والثاني عن دائرة النعناعية بمديرية ~~المنوفية. # مولده ونشأته # ولد حضرة صاحب الترجمة يوم أول ديسمبر سنة 1888 وهو النجل الثاني لحضرة صاحب العزة ~~الإداري الحازم إسكندر بك مسيحه، وشقيق حضرة النطاسي البارع والوطني الصميم الدكتور ~~نجيب بك إسكندر. # تلقى علومه الأولية بمدرسة الأقباط الكبرى بالدرب الواسع، وانتقل منها إلى مدرسة ~~عابدين الأميرية وفيها تجلت مواهبه السامية من ذكاء ونشاط ونجابة حتى أدهش أساتذته بهذا ~~النبوغ الفطري، وبعد أن أتم علومه الابتدائية، وحصل على شهادتها عام 1913م دخل المدرسة ~~التوفيقية بشبرا، ومكث بها مدة الثلاث سنوات المقررة، وفي السنة الأخيرة منها كان قد ~~تقرر تقسيم الفصول النهائية بالقسم الثانوي إلى أدبي وعلمي، فرغب الدخول بالقسم الأدبي، ~~وأخذ يرتشف العلوم بكل جد ونشاط وعزيمة لا تعرف الملل حتى فاز منها بالحصول على شهادتها ~~الثانوية، ومن ثم دخل مدرسة الحقوق الملكية فامتاز بين أقرانه الطلبة بالذكاء الحاد ~~والاستقامة المتناهية، وحصل على دبلوم الحقوق في مايو سنة 1910م بتفوق عظيم. # ولشدة ولعه بالأعمال الحرة افتتح له مكتبا للمحاماة فنبغ في هذه المهنة الشريفة ~~نبوغا عظيما، فأصبح في مقدمة نوابغ المحامين، ويمتاز بتأثيره في الدفاع وبحسن معاملته ~~ووداعته، وحلمه وهو مقرر أمام محكمة الاستئناف العليا. # جهاده السياسي # كان حضرة صاحب الترجمة أول المتتبعين لحركة البلاد السياسية، ms298 وطالما جاهر بآرائه في ~~طريق النشر في أمهات الجرائد اليومية وكم أبدى من تصريحات سياسية هامة فيما يختص ~~بالحركة الوطنية، وكم له من مقالات رنانة في المواضيع العامة تدل جميعها على صراحة تامة ~~ومبدأ قويم. # انتخب عضوا لمجلس إدارة الحزب الديموقراطي المصري المرة، ولكنه استقال منه سنة 1921م ~~نظرا للخطة التي اتبعها هذا الحزب إزاء السياسة العامة في البلاد. # وانضم إلى العاملين في الحركة الوطنية من أواخر سنة 1918م، واشتغل بمنتهى الإخلاص في ~~جميع الأدوار العمومية المتعلقة بسياسة البلاد، وظل مستمرا على الجهاد بإخلاص عظيم ~~تحت لواء زعيم الأمة حضرة صاحب الدولة سعد زغلول باشا، وخدمة الوفد المصري حتى انتخب ~~عضوا فيه بعد اعتقال أعضاء الوفد في شهر أغسطس سنة 1922، وقد اعتقل بسبب مواقفه ~~السياسية في الوفد في مارس سنة 1923، ثم أفرج عنه بعده واعتقل ثانية في شهر مايو سنة ~~1923. # وقد تجلت شجاعته الأدبية ومبدئه الراسخ في هذه الظروف العصبية، ولم تكن هذه الأهوال ~~المتوالية لتزحزحه قيد شعرة عن عزيمته الماضية، بل بالعكس زادته رسوخا وثباتا، الأمر ~~الذي أوجب إطراء دولة الزعيم الجليل له على شجاعته الأدبية في أشد المواقف ~~خطرا. # وقد انتخب نائبا في مجلس النواب المنحل في دوريه الأول والثاني عن دائرة النعناعية ~~بمديرية المنوفية. # أعماله الجليلة في المحاماة # انتخب عضوا في مجلس نقابة المحامين في ديسمبر سنة 1922، وله في هذا المجلس أراء ~~صائبة واقتراحات سديدة ومواقف مشهورة دلت جميعها على علو كعبه في العلوم القانونية، ~~والكفاءة الشخصية وهو محترم جدا في نظر حضرات زملائه المحامين للصفات السامية التي ~~تجمل بها، وقد اشتهر بطهارة الذمة في مهنته؛ ولأنه من المحامين الذين يدرسون القضايا ~~درسا دقيقا من كل وجوهها؛ ليقفوا على كل كبيرة وصغيرة فيها، ويكون لهم من وراء هذا ~~الوقوف حسن الدفاع، وخدمة أربابها بالذمة والأمانة والنزاهة، وهذا هو السبب الوحيد الذي ~~أكسبه هذه الشهرة الفائقة والوثوق التام. # أعماله الاجتماعية # ولقد نشأ بعد ولوجه المدرسة التوفيقية في وسط اجتماعي محض، فقد ألف هو وكثير من ~~إخوانه جمعية أدبية ms299 إصلاحية للاجتماع وإلقاء المحاضرات، وقد كان صاحب الترجمة من ~~المنكبين على الاشتغال بأعمالها مع أداء واجبه المدرسي، وفي العمل على ما يعود على ~~المجموع بالخير فيها، وقد أنشأت هذه الجمعية مجلة أدبية اجتماعية وكان من القائمين ~~بعملها، والمباشرين لتحريرها وطالما نشر فيها من المقالات العلمية والأدبية والتاريخية ~~والقانونية والإصلاحية، وهو الذي جمع أدق وأضبط تاريخ للمرحوم بطرس غالي باشا، وكانت له ~~اليد الطولى في تأليف كتاب مار مرقس الإنجيلي الذي ألفته هذه الجمعية، وهي التي قامت ~~بحفلة «مصريين قبل كل شيء» التي ألقى فيها العالم الكبير أحمد زكي باشا خطبته المشهورة ~~في التوفيق بين عناصر الأمة المصرية ناهيك بالحفلة الكبرى التي أقيمت في تياترو عباس ~~لمشروع كلية البنات، ومثلت فيها رواية «لويس الحادي عشر»، وهو عضو بلجنة إدارة كلية ~~البنات القبطية وبجمعية التوفيق الخيرية القبطية، وقائم بالاستشارة القضائية لكثير من ~~الجمعيات والنقابات، ومنها نقابة معلمي العربات التي هو مستشارها القضائي، ولحضرته اليد ~~المشكورة في كثير من الأعمال الخيرية، وله كتابات عديدة في المسائل الطائفية والإصلاحات ~~القبطية. # وفي سنة 1921م أقام بالاشتراك مع كبار القوم حفلة شائقة للنيروز، وخطب فيها صاحب ~~الدولة سعد زغلول باشا خطبة رنانة وشرفها سمو الأمير الجليل محمد علي باشا، وقد خصص ~~إيراد هذه الحفلة لمساعدة ملجأ الحرية، وفوق ذلك له كثير من الأعمال المأثورة والأيادي ~~المشكورة مما يشكر عليه بكل شفة ولسان. # صفاته وأخلاقه # عنيد للحق راسخ للمبدأ، صبور وقت نزول الشدائد والمحن، جريء في القول شهم في كل ~~مواقفه، نزيه النفس وقد خصه الرحمن باللطف والدعة والدفاع عن الفضيلة بكل ما أوتي من ~~قوة وبيان. # وإذا كانت للبيئة الصالحة تأثير عظيم في النفوس والأخلاق، فالأستاذ راغب إسكندر أكثر ~~الناس حظا من ذلك، فإنه نشأ نشأة صالحة في بيئة صالحة كان له منها فضيلة الشجاعة وعلو ~~الهمة، والتمسك بالحق والعدل ونصرة المظلوم مع العفة، وإن هذه الأخلاق السامية يعرفها ~~فيه عشائره ويشهد له بها حتى خصومه وأعداؤه المتطرفون، وهو وقت الشدة لا يحب العنف، ~~ووقت اللين ms300 لا يعرف الضعف، كثير الحلم والأناة، راجح العقل رزينه. # أدامه الله قدوة صالحة، وأحياه لمصر التي جاهد في سبيلها، وأكثر من أمثاله بين شبابها ~~الناهض. # | ترجمة حضرة الوطني الصميم النطاسي البارع الدكتور نجيب بك إسكندر # مقدمة للمؤرخ # هو آية من آيات الولاء والإخلاص لوطنه ومثال لكل تضحية، بل هو ابن بار من أبناء مصر ~~البررة العاملين على رفع شأنها ومجدها، وهو أحد أصحاب دولة الرئيس الجليل والزعيم ~~المحبوب سعد باشا زغلول، والذي تحمل في سبيل استقلال بلاده العزيزة كل تنكيل وعذاب ~~وامتهان بصبر وجلد وشمم وإباء، فناضل وجاهد واعتقل وأهين، ولكن لم تكن كل هذه المحن ~~لتزحزحه قيد خطوة عن سامي مبدئه، وشريف معتقده ، بل بالعكس زادته تمسكا بأهداب الحق، ~~فإذا نحن قمنا بتدوين ترجمة هذا الشهم الجليل المفضال، فإنما ندونها إقرارا بفضله، ~~واعترافا بمجهوداته ومواقفه المشهورة، وتضحياته الثمينة، التي دلت جميعها على تربية ~~عالية ووطنية صادقة ومدارك سامية، وصفات قل وجودها في كثيرين من شباب هذا العصر مع ~~نزاهة وعزة نفس اتصف بهما في أحرج المواقف، بل وفي أشد أوقات الشدة، فبقلم الفخر ~~والإعجاب نثبت نقطة صغيرة من بحر أفضال هذا النطاسي البارع والوطني المحبوب. # حضرة الوطني الصميم النطاسي البارع الدكتور نجيب بك إسكندر أحد زعماء ~~الحركة الوطنية القومية والطبيب المشهور بمصر والعضو بمجلس النواب ~~المنحل عن دائرة شبرا. # مولده ونشأته # حضرة صاحب الترجمة هو النجل الأكبر لحضرة رجل الجد والعمل والإصلاح إسكندر بك مسيحه ~~رئيس إدارة الخزينة العمومية بالمالية سابقا، ومدير إدارة البطريكخانة القبطية ~~الأرثوذكسية حالا وجده لوالده هو مسيحه أفندي حنا من رؤساء الأقلام بالمالية، الذي ~~اتصف بالعطف على الفقراء والبؤساء، وله أياد مشكورة وأعمال مبرورة لمحض عمل الخير، ~~والذي انتقل إلى جوار ربه عام 1888م. # ولد حضرة صاحب الترجمة بالقاهرة في 2 يونيو سنة 1887 فغذاه والده بلبان الفضيلة ~~والاستقامة، وأدخله مدرسة الأقباط الكبرى فتلقى علومه الابتدائية، فكان مثال الجد ~~والذكاء والنشاط حتى أعجب به عموم أساتذته فضلا عن ميل الطلبة إليه؛ ونظرا لتفوقه على ~~باقي ms301 زملائه سواء في العلوم أو الإقدام والشجاعة كان يكلف بإلقاء كلمة ترحيب أمام كبار ~~الوافدين لزيارة المدرسة من عظماء القوم، وكثيرا ما منح جوائز مدرسية بصفة خاصة، ورغم ~~حداثة سنه في ذاك الوقت تعلم اللغتين القبطية والحبشية عدا علومه المدرسية الأولية، حيث ~~كان لم يتجاوز سنه الحادية عشرة سنة، وفي ذاك البرهان القوي على فائق ذكائه وسمو ~~مواهبه. # وعند إلغاء الأقسام الفرنساوية من المدارس انتقل إلى مدرسة عابدين الأميرية، وفيها ~~حصل على الشهادة الابتدائية عام 1901، وكان من أوائل الناجحين، ومن ثم دخل المدرسة ~~التوفيقية ومكث بها سنتين، وانتقل منها لمدرسة الأقباط الكبرى فأخذ يتغذى من لبان ~~علومها مشمرا عن ساعد الجد حتى نال الشهادة الثانوية «البكالوريا» عام 1904م بتفوق ~~عظيم أيضا، ثم دخل مدرسة الطب الملكية ومكث بها المدة المقررة للدراسة، وحصل منها على ~~شهادة دبلوم في يناير سنة 1909م، وقد زادت سني الدراسة في ذاك الوقت نظرا لاعتماد ~~امتحانات هذه المدرسة أمام جامعة لوندرة، وكانت علاقاته مع زملائه الطلبة حسنه للغاية ~~فكان محبوبا من الجميع وكذا من عموم حضرات الأساتذة؛ لما آنسوا فيه من سمو الأخلاق ~~والنبل والذكاء المتوقد، وقد حاز على هذه الشهادات المدرسية بمصر وهو حائز للنهاية ~~الصغرى للسن المقرر أمام وزارة المعارف. # وفي أثناء وجوده طالبا بمدرسة الطب حصل اعتصاب المدارس العليا، الذي تداخل فيه ~~اللورد كرومر عام 1906 وكان حضرة صاحب الترجمة ضمن الطلبة الأربعة الذين انتدبوا عن ~~المدرسة في لجنة المدارس العامة للنظر في أمر هذا الاعتصاب، وكان أهم طلباته رفع ظلم ~~وقع على بعض الطلبة في مدرسة الحقوق، وهذه تعتبر أول مرة ظهر فيها بين الجمهور المصري ~~جماعة متضامنة تطالب بحقوقها معتزة بكرامتها، وقد قام صاحب الترجمة مع بعض زملائه أثناء ~~وجوده في هذه المدرسة بتأليف جمعية قبطية للحض على التمسك بأهداب الفضيلة، وصرف شباب ~~مصر عن ورود القهاوي وإشغال بالهم فيما لا يفيد، وكانت هذه الجمعية مكونة من طائفة من ~~ذوي العائلات العريقة في الشرف، فقامت بإلقاء محاضرات قيمة من كبار رجال ms302 العلم والفضل ~~في مختلف الأندية والمجتمعات، نذكر منها خطبة شيقة لحضرة العالم المدقق صاحب السعادة ~~أحمد زكي باشا سكرتير مجلس الوزراء سابقا موضوعها: «مصريون قبل كل شيء» وهي حركة كان المقصود منها إيجاد روح الوفاق والوئام بين ~~العنصرين المسلم والقبطي، وقد كان حضرة المترجم له رئيسا لهذه الجمعية لحين سفره إلى ~~أوربا للتخصص في علم الأمراض الباطنية، ولم تدم حياة هذه الجمعية المباركة طويلا؛ ~~نظرا لتفرق أكثر أعضائها في جهات مختلفة. # وقبل سفره إلى أوربا عين بوظيفة طبيب باسبتالية الأمراض العقلية حبا منه في درس علم ~~البيكولوجيا، وقد تعلق بهذا العلم بعد أن انتظم في عضوية الجمعيات القبطية المهتمة ~~بالشؤون الطائفية، ولكنه لم يلبث في هذه الوظيفة زمنا طويلا عندما تحقق له من أن ~~مستقبل المصريين في سلك الوظائف الحكومية مقفول خصوصا للموظفين الذين يحافظون على ~~كرامتهم متمسكين بشخصيتهم، معلنين أفكارهم بكل صراحة، وهو مبدأ حضرة صاحب الترجمة الذي ~~نشأ عليه ونكل به من أجله، وله مع مدير مدرسة الطب الكرومري الدكتور كيتنج جملة وقائع ~~أبى فيها النزول عن كرامته قيد شعرة، وقد كان أثناء وجوده باسبتالية الأمراض العقلية ~~مثال الكفاءة الإدارية المتناهية، وقد اعترف له بذلك الموظفون الإنجليز أنفسهم، وقد كتب ~~له الدكتور شاندويث من مديري الصحة سابقا يخبره بأن الدكتور وارتوك أخبره في رسالة بأنه ~~يعترف بما عليه الدكتور نجيب إسكندر من الصفات العالية والكفاءة الصحيحة، وفوق ذلك كان ~~محبوبا جدا من عموم الموظفين المصريين، وكذا من خدمة المستشفى وقد ظل محافظا على ~~كرامته الشخصية ضاربا بوشايات الواشين عرض الحائط، وقد كان يترفع من أن ينقل أية وشاية ~~في حق الغير رغما من حض بعض الإنجليز له على ذلك من طريق غير مباشر، فترك هذه الوظيفة ~~ورحل إلى الأقطار الأوربية طالبا الاختصاص في علم الأمراض الباطنية، فقضى في تلك ~~الربوع الحافلة بينابيع العلوم والمعارف ثلاث سنوات أي: عام 1910 و1911 و1912م وكان ~~يشتغل في تحصيل علومه آناء الليل وأطراف النهار، وحصل في أثنائها على شهادة صحة وأمراض ~~بالبلاد ms303 الحارة من جامعة باريس، وانتخب عضوا في الجمعية الملوكية البريطانية لصحة ~~وأمراض البلاد الحارة، وتخصص في العلوم البكتريولوجية من كلية باستور بباريس وعلوم ~~الأمراض الجلدية من جامعة فينا، ثم قفل راجعا بعد ذلك إلى مصر في أواخر سنة 1912 ~~ميلادية، فآنس فيه الدكتور الأستاذ بيذ مدير المعاهد الفنية بمصلحة الصحة في ذاك الوقت ~~حسن إلمامه بالمباحث العلمية الطبية، فعرض عليه تعيينه بوظيفة بكتريولوجي، وفعلا أقر ~~مجلس الوزراء هذا التعيين في وظيفة مربوطها من 25-35 جنيهافي الشهر، وقد أنشئت هذه ~~الوظيفة خصيصا له، وافتتح في الوقت ذاته عيادة خصوصية نالت شهرة فائقة؛ ولأن خبرته ~~القصيرة الماضية في الوظائف الحكومية، جعلته أن لا يعلق مستقبله على وجوده في تلك ~~الوظائف الحكومية بالنسبة لتسيطر الإدارة الإنجليزية فيها. # مجهوداته الصادقة نحو بلاده # وعلى أثر هدنة سنة 1918م جمع زملاءه وبعض الإخوان المصريين وتشاوروا في حالة البلاد ~~السياسية، فقر قرارهم على وجوب انتداب وفد لمؤتمر فرساي، وعلى أثر ذلك، علموا فكرة ~~تأليف الوفد برئاسة حضرة صاحب الدولة الرئيس الجليل المحبوب سعد باشا زغلول، فذهب حضرة ~~صاحب الترجمة مع إخوانه لبيت الأمة «وهو منزل دولة الرئيس الذي خصصه لعقد اجتماعات ~~الوفد المصري فيه»، موكلين الوفد المصري في العمل على استقلال البلاد، ومن ذلك الوقت ~~بصفة خاصة وهو يشتغل في المسألة المصرية مرتبطا ارتباطا وثيقا مع الخطة المثلى التي ~~سار عليها الوفد المصري، وقد ناله في سبيل ذلك كل تنكيل وعذاب واضطهاد من السلطة ~~الإنجليزية، ومن الهيئات الرجعية في مصر خصوصا في عهد وزارتي عدلي يكن باشا وعبد ~~الخالق ثروت باشا، حيث منع من الترقية وأحيل على مجلس تأديب؛ لأنه كان من أعضاء لجنة ~~الموظفين التي قامت بتكريم الزعيم الجليل رغم إرادة الوزارة العدلية، وهو أيضا أحد ~~الذين رفضوا بشمم وإباء كل الطرق التي قام بها عدلي باشا أو ثروت باشا بإزائه؛ لكي ~~يمتنع عن مناوأة وزارتيهما علنا، وقد كان نائبا عن مصلحة الصحة العمومية والأطباء في ~~تمثيلها في لجنة الموظفين العليا، وكان فيها مثال الجرأة والإقدام ms304 والشجاعة فيما كان ~~يبديه من الآراء. وقد بلغ صدق شعوره السياسي إلى درجة أن أوفده مدير عام مصلحة الصحة؛ ~~لتهدئة خواطر عمال الكنس والرش الذين كان يخشى من استمرار إضرابهم خوفا على حالة ~~البلاد الصحية، وقد ذهب إليهم فعلا وخطب فأعلنهم طبقا لقرار لجنة الموظفين العليا بأن ~~الإضراب العام لا يتناول أمثالهم محافظة على صحة الأهالي، هذا وقد ألقت السلطة العسكرية ~~القبض عليه بعد أن فتش منزله، واعتقلته في القلعة وقصر النيل وذلك في صيف عام 1922م، ~~حيث مكث مدة ثلاثة شهور تقريبا واحتمل هذا الاعتقال من أوله إلى آخره بكل شجاعة وثبات، ~~وكان محافظا على كرامته الشخصية بإزاء الضباط والعساكر الإنجليز فكان موضع احترامهم ~~الصحيح، وقد كان حضرة صاحب الترجمة ضمن الأعضاء الثمانية، الذين أشار دولة الرئيس ~~الجليل سعد زغلول باشا بأن يكونوا هيئة الوفد المصري بعد نفيه وزملائه في أوائل عام ~~1921م إلى سيشل، وقد ظل مدة الحركة الوطنية وهو مثال الشجاعة محافظا على شرف مبدئه ~~مهما قاسى في هذا السبيل من الآلام. # خدماته الصادقة نحو مهنته الطبية # ولحضرة صاحب الترجمة فضل جميل وأثر لا يمحى في تأسيس جمعية الأطباء المصرية، ونقابة ~~الأطباء المصرية وكان ينتخب دائما في عضوية مجالسها الإدارية بإجماع الآراء، وله كذلك ~~في الجمعية مباحث علمية كثيرة الفائدة وكتابات ومقالات طبية في مجلتها، وكذلك في ~~النقابة التي كان أخص مظاهرها إبداء الرأي السياسي في الأحوال الحاضرة، وقد كان يؤيده ~~في آرائه جميع حضرات الأطباء، وطالما أصدروا من القرارات الجريئة في أشد الأوقات شدة ما ~~حفظ نفسية الجمهور أمام حكم الإرهاب الذي كان سائدا في مصر بمعرفة لورد اللنبي، وقد ~~كان لهذه الآراء أيضا تأثير كبير جدا عند نشرها في جرائد إنجلترا؛ لأن الأطباء كهيئة ~~وطنية لها رأيها المحترم بالنسبة لما هو معروف عند رجالها من صدق النظر ودقة البحث ووزن ~~الأمور. # وقد بعثت إليه نقابة الأطباء الخطاب التالي وقت اعتقاله؛ تقديرا لصادق مواقفه ~~الشريفة ومجهوداته الفائقة نحو خدمة بلاده، ندونه وهذا نصه: # إلى الزميل الأعز ms305 في معتقله # إن التضحية التي قدتها من جديد لوطنك ليست الأولى من نوعها، بل هي حلقة في ~~سلسلة تتبع الواحدة الأخرى وقد عرفنا عن روحك العالية أنها مشبعة بحب الوطن ~~المفدى إلى حد التقديس والعبادة، إذ خلقت بطبيعتك مثالا للشهامة والمروءة ~~والنجدة، ونكران الذات بحكم مولدك وماضيك وبحكم مهنتك، فرجل هذا شأنه لا شك ~~يستصغر كل كبير في سبيل بلاده وأمته، ويهون عنده كل صعب في سبيل إعزاز بلاده ~~ونصرتها، وإن قلوب زملائك الأطباء لتحن إليك حنين الطيور لأوكارها والأسود ~~لعرينها، وإن أرواحهم لترفرف عليك فتظلك من لحف الشمس وزمهرير البرد مهما ~~أقاموا دونك من المعاقل والأسوار، ومهما حجبوك عن الأنظار فكن على بركة الله ~~هادئ البال، فقد نلت مكانك من الشمس عن كفاءة وجدارة، ومثل مكانك لا ~~ينال. # هذا وقد انتخبته الجمعية الطبية الملكية في اجتماع جمعيتها العمومية لسنة 1924م لأن ~~يكون عضوا لمجلس إدارتها. # أعماله الاجتماعية # لا يفوتك أيها القارئ الكريم أن حضرة صاحب الترجمة رغما من كثرة أعماله الطبية في ~~عيادته الخصوصية، التي ربما أخذت كل أوقاته، فقد قبل أن يكون طبيبا للأمراض الباطنية ~~والجلدية بالمستشفي القبطي، وهو من أشد المخلصين لإعلاء شأنه، والذي تطوع لخدمته بدون ~~أجر ابتغاء مرضاة الله واختيارا منه لخدمة الإنسانية. # انتخابه عضوا لمجلس النواب # ونظرا لصدق إخلاصه وكبير وطنيته وثبات مبدئه وسمو مركزه الأدبي، انتخب عضوا في مجلس ~~النواب عن دائرة شبرا في كل من أدوار انعقاده، وكان شديد الغيرة على مصلحة هذه الدائرة، ~~كما كانت له الآراء الصائبة والاقتراحات السديدة، ولا بدع في ذلك، فكفاءته الشخصية ~~ومقدرته الأدبية وشهامته التي لا حد لها معلومة لدى الخاص والعام، وقد جاء هذا الانتخاب ~~في محله حيث صادف أهله. # صفاته وأخلاقه # عالي الهمة، كبير النفس، ذكي الفؤاد، قوي الحافظة، شديد العارضة، دمث الأخلاق، ضاحك ~~السن وله أياد بيضاء ومآثر غراء في مواساة المرضى وتخفيف آلام البؤساء، وإنه والحق يقال ~~مثال النجابة والأدب والذكاء والدأب على العمل، فضلا عن أنه مملوء بالعواطف السامية ~~الشريفة والخصال ms306 النبيلة. # أدامه الله وأبقاه لمصر العزيزة التي نكل به من أجلها، وتحمل عذاب الاعتقال في ~~سبيلها، وأكثر من أمثاله العاملين على رفع لواء مجدها. # | ترجمة حضرة الوطني الغيور الحسيب النسيب والرياضي الشهير السيد محمد بك تهامي ~~خشبه # كلمة للمؤرخ # قد يغتبط صدر المؤرخ سرورا، ويبتهج حبورا؛ إذا هو دون لأصحاب الفضل الحقيقي ~~أعمالهم، وأثبت لأبناء الأجيال المقبلة نبلاء القرن العشرين وما كانوا عليه من علم وفضل ~~وذكاء ومقدرة وكفاءة؛ ليحذوا حذوهم ويقتدوا بسمو أعمالهم وكبير مجهوداتهم فيرفعون شأن بلادهم. # حضرة الوطني الغيور الحسيب النسيب والرياضي الشهير السيد محمد بك ~~تهامي خشبه من وجهاء بندر أسيوط والعضو بمجلس النواب المنحل عن دائرة ~~بني رافع مركز منفلوط. # فمن هؤلاء النبلاء العاملين الذين ضحوا في سبيل المنفعة العامة الثمين من مالهم ~~وصحتهم وزهرة حياتهم، ولهم مواقف شريفة وشهامة عالية؛ حضرة صاحب هذه الترجمة الحسيب ~~النسيب السيد محمد بك تهامي خشبه من كبار وجهاء بندر أسيوط، وأحد أفراد أسرة خشبه ~~الشهيرة بالمجد الأثيل والجاه العريض، فهذا الشهم رغم كثرة ثروته وشهرة عائلته أبى إلا ~~العمل لخير بلاده، وفائدة مواطنيه وفضل الجهاد في ميدان الحياة عن زخرف الدنيا ~~وأباطيلها، فشمر عن ساعد الجد وأتى من ضروب الإصلاح، وجليل المشاريع والمقدرة والكفاءة ~~ما دل على نبوغ فطري وذكاء نادر. # مولده ونشأته # ولد حضرة المترجم له في بندر أسيوط عام 1888م من أبوين شريفين كريمين، اشتهرا بالصلاح ~~والتقوى وهو ابن المرحوم السيد محمد بك خشبه بن المرحوم السيد محمد بك علي خشبه، سر ~~تجار أسيوط، فغذياه بلبان العلوم وأرضعاه لبان الأدب الصحيح، فنشأ بطبيعته ميالا إلى ~~العلوم وجنى المعارف، وقد تجلت مواهبه السامية منذ كان صبيا، مما دعا والده إلى ~~مضاعفة الاهتمام بأمره في هذا الباب، فما كاد يلتحق بالمدارس حتى ضرب فيها بسهم من ~~الذكاء والاجتهاد، وجعله دائما في طليعة فرقته وطفق يتفوق ويتدرج يانعا حتى إذا ما ~~نال الشهادة الثانوية، وهو في الثامنة عشر ربيعا آنس في نفسه ميلا خاصا إلى العلوم ~~الرياضية، فالتحق بمدرسة ms307 الهندسة السلطانية (الملكية الآن)، فحذق فيها، ولو لم يعقه ~~المرض قبل الامتحان النهائي لفاق الناجحين عموما، ولكنه مع ذلك كان الثاني في شهادة ~~الهندسة العليا وهو لم يتجاوز الثانية والعشرين. # وظائفه الهندسية # ولما كان من سجاياه التمتع بالحرية والصراحة المطلقة في القول والعمل والحرية في ~~الإرادة، كان يرغب كثيرا عن الانتظام في سلك التوظف، غير أن فريقا من أصدقائه ألح ~~عليه مرارا في التحاقه فيها، فامتثل بوحي آدابه وما انفطر عليه من تقديس رأي الجماعة، ~~وانتظم في الري مهندسا عام 1910م، حيث مكث فيها سنتين كان فيها مثال النزاهة والهمة ~~والنشاط، ثم تغلبت عليه عاطفته الفطرية فاعتزل المنصب وتفرغ لمزاولة أراضي عائلته ~~الخاصة فابتكر طريقه لبناء المجاري في الأراضي الرملية على طريقة حديثة هندسية من الحصى ~~والرمل، وبعض المواد أتت بالمرغوب مع قلة النفقة، ومتانة البناء، وبذلك تحولت تلك ~~الأراضي القحلاء الجدباء إلى جنة فيحاء، أينعت ثمارها وتدانت قطوفها ووقفت تباهي ~~بمحاصيلها أخصب الأراضي جودا ونموا. # ولما انتهى من ذلك المشروع حسن إليه أخلاؤه الكثيرون العودة إلى التوظف، فالتحق ~~مهندسا بالطرق الرئيسية بوزارة الأشغال، وفيها أتى من ضروب الاقتدار وفنون الهمة ما ~~اقتاد به قلوب عموم رؤسائه، وجعله مرموقا بعيون الإجلال والاحترام منهم. # غير أنه لما علم بمشروعات الحكومة الصيفية بمركز منفلوط الزراعية الصيفية، هناك من ~~مياه الترعة الإبراهيمية التي تخترق أراضيه، وأراضي أسرته؛ وجد أن الميدان أفسح لإظهار ~~مواهبه، فاستقال رغم تردد رؤسائه في قبولها ومعاودتهم له بالبقاء، ثم أخذ في مباشرة هذا ~~المشروع الخطير بما عهد فيه من الهمة والإقدام وأجرى الترع هناك. # ونهر الأنهار بطرق فنية تشهد له بالمقدرة والكفاءة، ولا أدل على ذلك من تمكنه من ~~إرواء خمسة آلاف فدان بالراحة وبغير كلفة، فزادت بذلك ثروة أهالي تلك البلاد بما يربو ~~على الخمسين ألف جنيه سنويا، وقد قابل الأهالي ذلك بالبشر والارتياح؛ لأنهم ما كانوا ~~ليتخيلوا أن أراضيهم الجدباء تعود يوما جنة فيحاء. # تعيينه عضوا بلجنة الوفد المركزية # ونظرا لما قام به من الخدم الوطنية بعد ms308 الحرب التي دلت على روح عالية، ووطنية صادقة، ~~دخل عضوا في الوفد المصري للجنة الوفد المركزية بأسيوط، وقد اشتهر أيضا بتأليف الكتب ~~الثمينة المفيدة، ومن ذلك كتاب وضعه في الفلسفة العملية في الطبيعيات جامع لكل ما يهم ~~رجال الفن، كما وقد كان عضوا في لجنة المعهد العلمي بأسيوط وله فيه مآثر غراء وأياد ~~بيضاء تدل على علو كعبه وكفاءته العظيمة في الأعمال الهندسية، وقد عرف الجميع له هذه ~~المواهب السامية، فأخذوا ينادون بترشيحه للبرلمان المصري، كما نادى بذلك الوفد المصري ~~لدائرة بني رافع التابعة لمركز منفلوط مديرية أسيوط، ولا شك أن هذا التعيين صادف أهله ~~وحل محله؛ لأن حضرة المترجم له خير ما أنجبت مصر من أولادها علما وفضلا ونشاطا ~~وإقداما وذكاء، وسترى مصر من ثمرات مجهوداته فوائد جمة، ومن معلوماته التي سيبديها في ~~قاعة البرلمان والآراء الناضجة والاقتراحات الصائبة ما يعزز صدق معلوماتنا فيه هذا إذا ~~ظل مجلس النواب منعقدا للآن. # صفاته وأخلاقه # رغما من انكبابه على أعماله الهندسية الهامة ومشاريعه الجليلة، نراه دائما بشوش ~~الوجه دمث الأخلاق لطيف المعشر حلو الحديث دائب العمل لما فيه فائدة مواطنيه، وفوق كل ~~ذلك تراه يضحي النفس والنفيس في حب بلاده المصرية العزيزة، وله في حركتها الوطنية ~~الكبرى أثر خالد وعمل مجيد. # أدامه الله وأبقاه وأكثر من أمثاله الأدباء العاملين لخير البلاد ورفع شأنها. # | ترجمة حضرة صاحب العزة السري إبراهيم بك بهجت # كلمة للمؤرخ # من سراة مصر وأغنيائها الذين امتازوا وتفوقوا في الشؤون الزراعية، ودرسوا معدن ~~الأراضي بأنفسهم وخصصوا مجمل حياتهم في سبيل فائدة أنفسهم ومواطنيهم فاستفادوا وأفادوا، ~~وخلدوا لهم تاريخا مجيدا في هذا العصر حضرة صاحب العزة السري المعروف إبراهيم بك ~~بهجت، الذي خدم بلاده أجل خدمة تسطر له بقلم الإعجاب والشكر والثناء، فحبذا لو اقتدى ~~سراة الأمة به وسلكوا سبيله وصرفوا مجهوداتهم وثمين وقتهم فيما يعود بالخير العميم على ~~ذواتهم وذويهم، وبلادهم أولى من تسرب أموالهم فيما يضر، وفي ذكر تاريخ هذا السري الجليل ~~فليتنافس المتنافسون. # حضرة صاحب العزة السري ms309 إبراهيم بك بهجت عضو مجلس النواب عن دائرة ~~قلين غربية في الدور الأول المنحل. # مولده ونشأته # هو إبراهيم بهجت بك ابن المرحوم محمد أفندي بهجت بن عبد الله أفندي، سطعت أنوار مولده ~~بمصر يوم 29 مايو سنة 1863، ولما ترعرع أحضر له المرحوم والده المعلمين الذين لقنوه من ~~العلوم والمعارف ما جعله يعد رجلا من خيرة الرجال، وقد بث فيه المرحوم والده من روحه ~~الوطنية الصحيحة ما جعله يجود بنفسه في سبيل مصلحة بلاده، ولما رأى أن ثروة البلاد ~~تتوقف على الزراعة؛ لأنها حاجة البلاد وينبوع حياتها فضل أن يعمل لخير بلاده من هذا ~~الطريق؛ حتى يؤدي لأمه مصر ما هو واجب عليه، وفعلا له ما يجعل القلم عاجزا عن أن يفيه ~~حقه من الشكر على تلك الجهود العظيمة، التي ارتكزت على خير أساس وعمت فوائدها على ~~الناس. # وفي سرد ما ناله من الميداليات الذهبية والفضية؛ تقديرا لجهوده العظيمة وخدماته ~~الجليلة في الشؤون الزراعية لمصر أكبر دليل على همته العالية ومواهبه السامية. # صاحب العزة إبراهيم بك بهجت بملابسه الملكية. # فقد نال ثمان ميداليات دفعة واحدة في المعرض الذي أقيم تحت رئاسة المغفور له السلطان ~~حسين كامل، وفي المعارض التي أقيمت بمصر عام 1920و910 و902 و909 و912 كما حاز شهرة فاقت ~~السهى، واتصلت بمسامع سمو الخديوي السابق عباس حلمي باشا الثاني، فزاره في منزله العامر ~~بطنطا في أول مايو سنة 1914، فأقام له رب الدار زينة فخمة امتازت بجمال تنسيقها وبديع ~~مسلاتها، وقد استقبل سموه فيها حضرات أشقائه إبراهيم بك بهجت وحسين أفندي بهجت وأحمد ~~أفندي بهجت بالحفاوة والإجلال وجلس سموه على كرسي أثري من آثار الفراعنة مأخوذ رسمه من ~~الأنتكخانة الخديوية، وألقى حضرة نجله الأديب المهذب محمد أفندي منير بهجت - الذي كان ~~طالبا وقتئذ بمدرسة طنطا الثانوية والحائز لدبلوم الزراعة العليا، وسافر إلى أميركا ~~للحصول على الشهادات العالية، حيث اندمج في سلك كلية كليفورينا ونال شهادة الامتياز عام ~~1923م في علم الزراعة، واستعد لتأدية امتحان لشهادة الدكتوراه الذي تم في مايو سنة ms310 ~~1925م بفوزه ونجاحه - خطبة ترحيب جمعت من درر المعاني، ودقيق المباني ما أعجب سمو ~~الخديوي، وقد نقلتها أمهات الصحف في حينها، وتنازل سموه فأخذ صورة من أربع ورقات من أصل ~~محفوظ لتلك الآثار المدونة بمحفظة قديمة، فذكر هذه الجملة أن الروابط تزداد وتدوم إلى ~~ما شاء الله، وقد تفضل أيضا فقبل نجليه الصغيرين قبل مبارحة السراي العامرة، وقد ~~يمنعنا ضيق المقام هنا من إثبات تلك الخطبة النفيسة، ولكن هذا لا يمنعنا أن نثبت صورة ~~هذا النجل الذكي، الذي سيكون له في مستقبل الأيام حظ وفير. # حضرة الأديب محمد أفندي منير بهجت. # أما النجل الثاني لحضرة صاحب الترجمة ألا وهو حضرة الأديب محمد أفندي أنور، فقد أرسله ~~والده إلى بلاد الإنجليز حيث التحق بكلية واي الزراعية، وبعد أن أحرز الشهادات العالية ~~عاد إلى مصر لمباشرة زراعة حضرة والده الواسعة ، وأما باقي حضرات أنجاله المهذبين فطلبة ~~بالمدارس السعيدية بمصر. # وقد كان حضرة صاحب الترجمة عضوا مؤسسا في لجنة الملجأ العباسي، والمدرسة الثانوية ~~والمستوصف بطنطا، وأمينا لصندوق الملجأ، فكان خير قطب تدور حوله رحى الأعمال الخيرية، ~~وكان ولا يزال عضوا بالجمعية الخيرية الإسلامية من عشرين سنة، وعضوا بالجمعية ~~الزراعية الملكية، وعضوا بمجلس حسبي مديرية الغربية، ومجلس حسبي مركز طنطا أكثر من ~~خمسة عشر عاما إلى الآن وهو أيضا عضو بلجنة وفد لوزان بمصر، ولجنة الوفد الرئيسية ~~بطنطا، وقد اشترك في عدة مشاريع خيرية، وفي جمع الاكتتابات لحريق ميت غمر وإعانة حرب ~~البلقان وطرابلس وغير ذلك من الأعمال التي تجل عن الحصر، وتخلد في بطون التاريخ بالفخر ~~والإعجاب. # ولا يفوتنا أن نذكر بأن أكبر شاهد يعترف بقيمة هذا الرجل العظيم ما ناله من كثرة ~~الأصوات عند انتخابه عضوا بمجلس النواب الأول المنحل، وفي ذلك لعمر الحق ما يشهد بما ~~له من المكانة السامية في قلوب مواطنيه. # صفاته # كريم السجايا عالي الهمة سباق إلى عمل الخير، ذو نفس كبيرة تأبى عليه إذاعة ما تعمل ~~يداه، يقابل ذوي الحاجات بلطف غريزي فيه لا يشوبه أي تصنع، ms311 يغيث الملهوف، محب لوطنه، ~~كريم لضيوفه وقاصديه، مخفف بلوى البؤساء. # فلا أحرم الله الكنانة من خدماته الجليلة. # | ترجمة حضرة صاحب العزة محمد سعيد بك # هو السيد محمد سعيد بك بن السيد سعيد أبو زيد بن السيد أبو زيد بن السيد علي، متصلا نسبه ~~الجد الأكبر بسيدي محمد الغازي الحسيني المشهور بسيدي غازي بزاويته بالعزبة بمركز كفر الشيخ غربية. # حضرة صاحب العزة محمد بك سعيد عضو مجلس النواب المنحل عن دائرة الكوم ~~الطويل غربية. # مولده ونشأته # ولد سنة 1269ه ولما ترعرع تعلم الكتابة والقراءة ومبادئ الحساب ببلدة الكوم الطويل، ~~ثم التحق طالب علم بالجامع الأحمدي بطنطا، فأظهر من النجابة ما بشر بمستقبل زاهر ثم ~~انتقل إلى الجامعة الإسلامية الكبرى بالقاهرة (الأزهر الشريف)، حيث تلقى فيه العلوم ~~العالية وقد كان موضع إعجاب مشايخه، ثم انتخب عمدة لناحية الكوم الطويل وتوابعها سنة ~~1890م، واستقال منها سنة 1913م، ولما أبداه من الخدم والكياسة فيما يقوم به من الأعمال ~~قد انتدب سنة 1900م لتعديل الضرائب بمركز كفر الشيخ، فكان فيها مثال الدقة والعدل وأظهر ~~من سداد الرأي والحكمة ما جعل الأهالي تلهج بالشكر والثناء عليه الأمر، الذي دعا ~~الحكومة أن تشكره رسميا، وقد أنعم عليه بالرتبة الثالثة، والذي يشهد بسمو مكانته ~~الأدبية، ومقدار احترام الأمة له أنه دعا سمو الخديوي عباس حلمي الثاني خديوي مصر ~~السابق سنة 1899 ببلدة عزته لافتتاح الخط الحديدي، وكان الاحتفال الذي أقيم يومئذ ~~فاخرا أمه علية القوم من كبار رجال مصر العاملين وأعيانها، ورفع لسموه قصيدة تعد فريدة ~~يحلى بها جيد الزمان فسر منها سمو الخديوي سرورا عظيما، وشكره عظيم الشكر اعترافا ~~بقيمته الأدبية والعلمية، ثم زاره سموه مرة أخرى سنة 1914 عند مروره العام وكان ~~الاحتفال بالغا حد الوصف من الجمال والجلال، فذكره سمو الخديوي بزيارته السابقة له، ~~وأشار لعزته بأنه يحفظ لذلك اليوم أحسن أثر في مخيلته، وتعاطي المرطبات والحلوى وزاره ~~ثالثة بين هاتين الزيارتين عند مروره بالسكة الحديد، وكان قد دعاه سعادة مدير الغربية ~~لافتتاح مصارف الغربية ms312 سنة 1912 ومزرعتي بيلا وشلماه، ذلك الافتتاح الذي شهده الجناب ~~الخديوي واللورد كتشنر، حيث أقيمت المقاصف الفاخرة وصفت المقاعد الذهبية وتباهت في ذلك ~~الاحتفال المهيب حضرات الحكام والأعيان، وعزته حفظه الله شديد التعلق بالعائلة المالكة ~~عظيم الإخلاص لصاحب الجلالة مليك البلاد فؤاد الأول حرسه الله، فلا يرى بمجلس من ~~المجالس الخاصة أو خلافها إلا ويترنم بأفضال مليكه المحبوب والدعاء له ولولي عهده ~~السعيد الأمير فاروق وللأنجال الفخام، وانتخب سنة 1909 في لجنة حصر الأشقياء فكان خير ~~مثال يحتذى به، وانتخب في لجان وجمعيات كثيرة بالمديرية وبالمركز، وانتدب في لجان تحكيم ~~وانتخب عضوا في مجلس النواب، وانتدب لافتتاح المجلس في ذلك اليوم التاريخي المشهور ~~بصفته أكبر الأعضاء سنا، فاستقبل جلالة الملك عند تشريفه دار النيابة وودع جلالته عند ~~مغادرته إياها، وكان يرأس الوفد الذي توجه إلى قصر عابدين للتشرف بتقديم فروض الشكر ~~بالنيابة عن المجلس، واستمر في رئاسة المجلس إلى أن انتخب الرئيس الدايم صاحب المعالي ~~مظلوم باشا، فألقى خطابا حيا فيه النهضة المباركة ودعا بالتوفيق للقائمين بالإصلاح في ~~ظل جلالة المليك المعظم بمعاونة الزعيم المفدى ووزرائه الفخام، وسلم الكرسي للرئيس ~~الدائم وانضم إلى إخوانه المجاهدين بين تصفيق الاستحسان منهم وإعجابهم البالغ ~~له. # الرتب والنياشين # الرتبة الثالثة سنة 1901 والرتب الثانية سنة 1910 هذا عدا شهادات الحكام له ~~واعترافاتهم بفضله. # أعماله الخيرية # له اليد الطولى في الأعمال الخيرية فلقد تبرع بالمبالغ الطائلة للملجأ العباسي بطنطا، ~~والمدرسة الصناعية ودار الكتب والأنتكخانة بطنطا، وأسس مدرسة بالكوم الطويل، وصرف على ~~تأسيسها مبلغا جسيما، وأوقف عليها عشرة أفدنة من أجود أطيانه وأحضر لها المعلمين ~~الأكفاء، وسهر عليها فأتت بأحسن النتائج الأمر الذي دعا وزارة المعارف إلى إدخالها تحت ~~تفتيشها وتقديرها لخدماتها للعلم، وقدمت مساعدتها السنوية للمدرسة ومعلميها، ولم تقف ~~همته إلى هذا الحد الذي يترنم بشكره وادي النيل بل تجاوز فبنى مسجدا فاخرا بالناحية ~~تقام به الشعائر الدينية، وصرف المال الكثير على تشييده وأوقف عليه خمسة وعشرين فدانا ~~من أجود أطيانه. # الكفاءة الشخصية # إن رجلا ms313 يقوم بهذه الأعمال الخطيرة ويكون فيها مثال الكفاءة والنبوغ، وينتخب رئيسا ~~لمجلس النواب لجدير بأن توصف كفاءته الشخصية بأسمى عبارات التمجيد والتكريم، خصوصا ما ~~حازه من الأصوات في الانتخابات لمجلس النواب. # صفاته # كبير الهمة، عالي النفس، رحيم بالضعفاء، يحنو على الصغير فيشجعه إلى أن تظهر مواهبه ~~الفطرية، شديد المحافظة على شعور مجالسيه وإحساساتهم، كثير الحركة فيما يفيد، ثابت ~~الرأي، قوي الإرادة، مثال اللطف بين معاشريه، كثير التسامح إلا في حقوق دينيه ووطنه ~~وشرفه. # | ترجمة حضرة السري الوجيه محمود بك حسن جازيه # إذا عد شباب هذا العصر الذين اتصفوا بالإقدام والجد في القول والعمل، كان حضرة صاحب ~~الترجمة في مقدمة الجميع فقد خصه الرحمن بالذكاء الفطري والأدب الجم والشهامة العالية ~~والمروءة المتناهية، ولقد ادخر لنفسه أحسن دخر ألا وهو الاشتغال بفن الزراعة التي هي حياة ~~مصر وثروة البلاد. # حضرة السري الوجيه محمود بك حسن جازيه نجل المرحوم حسن بك جازيه من كبار ~~أعيان بلدة أبو الغر مركز كفر الزيات غربية وعضو مجلس النواب المنحل عن ~~دائرة بسيون غربية. # مولده ونشأته # سطعت شمس مصر بمولد حضرة صاحب الترجمة في الحادي عشر من شهر مايو سنة 1889 ببلدة أبو ~~الغر مركز كفر الزيات مديرية الغربية، وهو نجل المرحوم الطيب الذكر حسن بك جازيه بن ~~المرحوم عيسوي بك جازيه، وعائلة أبو جازيه هي من أشرف العائلات حسبا ونسبا، ومعروفة ~~للخاص والعام بمديرية الغربية، فهو من أبوين شريفين طاهرين أحسنا تربيته، وعوداه على حب ~~الفضيلة حتى إذا ما بلغ السنة التاسعة من عمره، أدخله والده إلى مدرسة ابتدائية ثم نقل ~~إلى المدرسة الناصرية وحصل منها على الشهادة الابتدائية عام 1905، ثم نقل إلى مدرسة رأس ~~التين بالإسكندرية، وحصل منها على البكالورية سنة 1909 ثم دخل مدرسة الحقوق، ولما وجد ~~من معلميها الإنكليز تعصبا على الحزب الوطني وأنصاره غادر صاحب الترجمة البلاد المصرية ~~إلى جامعة كامبردج ببلاد الإنجليز، وهي أكبر جامعة بأوربا، ثم دخل كلية تارانتي هول ~~وحصل على درجة ب 10 في علم الاقتصاد والزراعة ودرجة ms314 ب # BA # في علوم الزراعة والاقتصاد السياسي والمالي سنة ~~1913، وعاد للحصول على شهادة تخصيص في علم الزراعة، فنشبت الحرب الكبرى فخاف من البقاء ~~بها فعقد عزمه على الرجوع لمصر، ثم دخل في خدمة الحكومة المصرية، ولما لم تنصفه وتعطه ~~حقه في الوظائف الإدارية استقال سنة 1914 مفضلا الاشتغال في الأعمال الزراعية في ~~مزارعه الواسعة، وقد قام بتجارب زراعية عديدة الأصناف كالحبوب والأقطان، فنظم الأراضي ~~تنظيما حديثا يسهل على الفلاح الزراعة والري، وقد أدت هذه الطريقة إلى زيادة ~~المحصولات، واجتناء الخيرات كما أنه غرس أشجارا جميلة تروق للناظرين في تلك الطرق ~~المنظمة حتى أصبحت أراضيه الواسعة كجنة غناء، هذا عدا عن البساتين التي أحدث فيها مثل ~~هذا الغرس، فأصبحت غاية في الرواء وجمال المنظر. # ومن حسن إدارته ورزانة عقله أنه درس أخلاق الفلاحين درسا تاما، فأصبح يخاطب كلا ~~على قدر ما استطاع من الإدراك والفهم؛ ولذا تراه محبوبا جدا منهم، لا يذكرون اسمه ~~إلا مقرونا بالثناء والإعجاب بلطفه وكرم أخلاقه ومروءته والجد في العمل. # أعماله الخيرية # ومن أعماله الخيرية التي تنطق بعظيم فضله وكفاءته أنه اتفق مع الغيورين من رجال طنطا ~~المعدودين على تأسيس جمعية الإسعاف، وانتخب حضرته وكيلا لها منذ نشأتها سنة 1921 إلى ~~الآن، وقد تبرع لها بأوتومبيل من ماله الخاص لنقل المصابين فيه يقدر ثمنه بخمسماية ~~جنيه، فاستحق الشكر والثناء من أعيان وأهالي مديرية الغربية، وحضرته من مؤسسي جمعية ~~البر والإحسان بطنطا، وجمعية المؤاساة بطنطا، ومن وطنيته المشهورة بين أهالي المديرية ~~أنه تطوع لوفد مؤتمر لوزان، وتبرع أيضا ببناء فخم لمجلس مديرية الغربية لإيجاد مدرسة ~~ابتدائية ببلدته أبو الغر مركز كفر الزيات غربية، وأسس محفلا ماسونيا يسمى محفل ~~الغربية بطنطا. # فرجل تتجلى فيه الشهامة والمروءة والتقوى والصلاح لجدير بأن نزين به وبأعماله جيد كتب ~~التاريخ. # كفاءته الشخصية # ولكي يدرك القارئ جدارة صاحب الترجمة وكفاءته الشخصية أنه حاز الأغلبية الساحقة في ~~الانتخابات البرلمانية، حيث ذكاه أكثر عدد من المندوبين الثلاثيين عن دائرة بسيون، ولا ~~شك أن هذه الدائرة سعيدة ms315 لاختيارها هذا الشهم الجليل نائيا عنها، وسوف تتحقق جميع ~~آمالها بفضل ما أوتي من علم وفضل وذكاء وإخلاص، هذا إذا ظل مجلس النواب منعقدا حتى ~~الآن وفقه الله تعالى إلى ما فيه إسعاد البلاد. # صفاته وأخلاقه # هو مثال الرجولية الصحيحة طيب القلب سليم الضمير كريم الأخلاق، بشوش الوجه يتأثر من ~~رؤية البؤساء، سباق إلى عمل الخير؛ كي يرضي الله تعالى وضميره، متعه الله وألبسه ثوب ~~الصحة والعافية، وجزاه خيرا جزاء أعماله المبرورة. # | ترجمة حضرة صاحب العزة الوجيه الأمثل والنائب المحترم عمر بك مراد # كلمة للمؤرخ # من رجالات مصر الذين أخذوا قسطا وافرا من العلوم وتحلوا بالفضيلة والشهامة والوطنية ~~العالية، واستماتوا في خدمة بلادهم بعزيمة ماضية لا تعرف الكلل وهمة شماء لا تعرف ~~الملل، حضرة صاحب العزة عمر بك مراد قاسم صاحب هذه الترجمة، فهو من سلالة عائلة شريفة ~~المحتد عريقة في المجد، تربى في بيئة صالحة، وتغذى بلبان الفضيلة فشب مصوغا في قالب ~~الكمال والجلال. # حضرة صاحب العزة الوجيه الأمثل والنائب المحترم عمر بك مرادعضو مجلس ~~النواب المنحل عن دائرة بلبيس شرقية. # مولده ونشأته # ولد حضرة صاحب الترجمة نائبنا المحترم ببلبيس سنة 1286 من أبوين كريمين شريفين، ~~فوالده هو المغفور له الطيب الذكر خالد الأثر المرحوم قاسم باشا مراد، عين أعيان بلبيس ~~بمديرية الشرقية، الذي اشتهر بمكارم الأخلاق وحسن الصفات مع الصلاح والتقوى، فأخذ يعلمه ~~مبادئ العلوم بسراياه الخصوصية الكائنة بأبعاديته الواسعة ببلبيس، حيث استحضر له أساتذة ~~أكفاء فأرضعوه لبان الأدب والفضيلة والصلاح، وبثوا في نفسه العالية حب الجد في العمل ~~والعلم، فوجدوا منه ذكاء فطريا خارقا وقلبا واعيا، ثم أدخله المرحوم والده ~~المدارس الابتدائية والثانوية، فنال قسطا وافرا من علمها وآدابها، فكملت محاسنه وتجلت ~~جميل صفاته. # ولما آنس الحاكم والمحكوم فيه هذه الصفات السامية، وبرزت لهم هممه العالية اختير لأن ~~يكون عضوا بلجنة الري بمديرية الشرقية، فأخذ يعمل بجد ونشاط مستعملا في ذلك كل ما ~~أوتي من ذكاء وهمة، مما استحق كل شكر وثناء ثم عين عضوا بالمجلس الحسبي ms316 بمديرية ~~الشرقية، فكان مثالا للإقدام والنشاط وصواب الرأي كما كان كذلك في عضويته بلجنة ~~الشياخات بتلك المديرية، فازداد احترام الجميع له وأعلوا مكانته حتى إذا ما جاء دور ~~انتخاب أعضاء الجمعية التشريعية، أجمع الكل على انتخابه؛ ذلك لأنهم لم يجدوا من هو أكفأ ~~منه علما وذكاء ونشاطا وهمة، فكان يعمل في مركزه هذا عمل الأبطال في ميدان القتال: ~~آراء صائبة، واقتراحات ملئوها الفائدة، وخدمات صادقة، مع وطنية عالية، وقد استمر عاملا ~~مجدا بها حتى ألغيت، وقد نال من ثمار جهاده أن أنعم عليه سمو عباس حلمي باشا الثاني ~~خديوي مصر الأسبق رتبة البكوية من الدرجة الثانية جزاء إخلاصه في العمل، وسداد الرأي، ~~وطالما طلب أن تمنحه المعية رتبة المتمايز الرفيعة مكافأة له على جليل أعماله، فكانت ~~المعية تستعمل التسويف من وقت لآخر، وذلك نتيجة مسائل شخصية لا محل لذكرها هنا. # وما كادت مصر تنال استقلالها وتعمد حكومتها إلى انتخاب الأعضاء الأكفاء بواسطة ~~الانتخابات؛ لتعين نوابها في برلمانها؛ حتى فاز حضرة صاحب الترجمة الجليل في ~~الانتخابات، فعين نائبا من دائرة بلبيس بمديرية الشرقية، ولقد أجاد الناخبون صنعا ~~بانتخاب هذا الشهم الكفؤ والمتعلم الراقي، وسوف تتجلى مواهبه السامية وعبقريته الفائقة، ~~ومواقفه الشريفة بالدفاع عن مصالح منطقته، ولا شك أيضا أن هذه الدائرة قد ساعدها الحظ ~~في تمثيل هذا النائب الجريء عنها، وستنال قسطا وافرا من الإصلاحات الهامة بفضل حسن ~~جهاده، وبراعة دفاعه عن مصالحها، وليس تحقيق هذه المطالب والإصلاحات على همة حضرته ~~بعزيز، هذا إذا ظل مجلس النواب منعقدا حتى الآن دون أن تفاجئه الظروف المعلومة للجميع ~~والتي استوجبت تعطيله. # صفاته وأخلاقه # ومن الناس من إذا أعطى وظيفة سامية تكبر وشمخ، فيصغر في نظر مواطنيه ومنهم من يزداد ~~رقة ولطفا وكمالا وشعورا بالواجب المفروض عليه مثل حضرة صاحب الترجمة الذي جملته ~~وظيفته النيابية بجمال الخلق، فكان مثال الدعة ومكارم الأخلاق. # أدامه المولى وأبقاه وألهمه سداد الرأي للدفاع عن مصالح البلاد، وأكثر من أمثاله ~~الأكفاء. # | ترجمة حضرة الأستاذ القدير عبد المجيد بك إبراهيم ms317 من وجهاء مديرية أسيوط # حضرة صاحب العزة الأستاذ القدير عبد المجيد بك إبراهيم من وجهاء مديرية ~~أسيوط والعضو بمجلس النواب عن دائرة البداري في الدر الثاني المنحل والذي ~~انتخب مراقبا ثانيا لمجلس النواب في جلسة 21 نوفمبر سنة 1925. # نسبه # صميم في أسرة صاحب السعادة محمود باشا سليمان تلك الأسرة المصرية العريقة، التي لها ~~مقامها الرفيع، ومجدها العظيم في أسر مصر المعروفة. # نشأته # ولد ببلدة «ساحل سليم» من أعمال مركز البداري مديرية أسيوط. # علمه # بدأ الدراسة في مدارس مصر الأميرية، وأتمها في فرنسا معهد العلم والمدنية فأضاف إلى ~~ذكاء المصري وعلم الغربي، وعاد إلى وطنه يحمل شهادة الليسانسية في الحقوق من جامعة ~~باريز فكان آية النبوغ والتفوق. # جهاده الوطني # هناك عاملان يكفيان المرء في الكيفية التي يحرز بها في الحياة هما: الغريزة، ~~والتربية، ثم يزكيهما «الظرف». متى كانت الغريزة واقعة إلى حب الوطن ~~والمرء ناشئا في أسرة أشربت في قلوبها حب الوطن ~~والظرف ملائما، متى كان كل ذلك نال الإنسان أحسن أحدوثة في ميدان الجهاد ~~الوطني. # والمترجم عنه من الأفذاذ الذين منحتهم الطبيعة ميلا قويا إلى بلاده، كما منحته ~~آباء تاريخهم في الجهاد لبلادهم أشهر من أن نفصله؛ ولذا بدا عليه النشاط القومي من ~~حداثته فكان عضوا عاملا في الحزب الوطني مع فقيد الوطن والوطنية المرحوم «مصطفى كامل ~~باشا». # ورأي إخوانه الطلبة في جامعة «مونبليه» أنه خير من يصلح لرياستهم وأولى من يمنحوه ~~ثقتهم، فانتخبوه رئيسا لجمعيتهم مكافأة له على صدق وطنيته وجهاده المستمر. # ولما استيقظ المصري من نومه، وهب من رقدته، وزأر ~~أسدا في المطالبة بحقوقه سنة 1919، كان الأستاذ في طليعة العاملين بعقل وروية ~~والخادمين لقضية مصر خدمة المحنك المجرب، فاختاره الوفد المصري عضوا عاملا في لجنة ~~الوفد المركزية في القاهرة. # وله مبدؤه الذي هو أغنيته التي يتغنى بها، وأنشودته التي يطلق حولها البخور وحيدا أو ~~مستأنسا بأصدقائه وذلك المبدأ هو: # الاستقلال التام لمصر والسودان مع الولاء والإخلاص لمليك البلاد ~~المعظم # وحدث أن عندما اتحدت الأحزاب السياسية الثلاثة: ~~الأحرار الدستوريين ms318 والسعديين، والحزب الوطني عقب اجتماع مجلس النواب بنزل الكونتنتال ~~يوم 21 نوفمبر سنة 1925، قرر انتخاب حضرة صاحب الترجمة مراقبا ثانيا له، وفي هذا ~~الانتخاب الدليل الناصع على غيرته وإخلاصه نحو بلاده، وتقدير الناخبين لكفاءته وحسن ~~جهاده الوطني. # أعماله # عاد من فرنسا بقسط أوفى من القانون فاشتغل بالمحاماة فبرز فيها، وشهد له زملاؤه بطول ~~الباع، وسعة الإطلاع، وقوة الحجة، مع طلاقة اللسان، وحسن البيان، فنصر المظلوم وأعان ~~العدالة في مهمتها، ثم بدأ بعدئذ أن يتفرغ لأعماله الخاصة يشرف عليها بنفسه فوفق أيما ~~توفيق، وأفلح خير فلاح. # أخلاقه # جمع إلى أخلاق العرب في بداوتهم جمال المصريين في وداعتهم وتفوق الغربيين في مدنيتهم، ~~فأضاف إلى الإباء والهمة والشجاعة والكرم والنجدة دماثة الأخلاق، ولين الجانب، وسعة ~~الصدر، وحلى كل ذلك بمدينة خالية من زائف التقليد. # مكانته # له في موطنه مديرية أسيوط مكانته السامية وأما دائرة بلده فله في كل قلب فيها محبة لا ~~تستثني من ذلك إلا ما استثنى في كل قاعدة باعتبار الشذوذ، ودل على ذلك فوزه الباهر في ~~انتخابه لعضوية مجلس النواب في دوره الثاني، كما أن له في العاصمة شخصيته البارزة، وإذا ~~رأيته وأصدقاءه من ذوي الجاه والمكانة السامية، رأيت شخصيته المقدسة منهم هي ملتقى ~~عقدهم، وملتقى أبصارهم، وما أحوج الأمة إلى كثير من هذا المثال؛ لتتبوأ مكانها اللائق ~~بها فإنما الأمم الأفراد وإنما الأفراد بعلمهم وما يعملون. # | ترجمة حضرة صاحب الفضيلة الإمام العلامة الأستاذ الجليل الشيخ محمد أبو الفضل # مقدمة للمؤرخ # لقد هيأ الله تعالى لكنانته من رجال العلم والفضل والصلاح ما لم يهيئه لأمة من الأمم، ~~إذ كثيرا ما طالعنا كتب التاريخ وتصفحنا أخبار من سلفوا من رجال العلم، وأولي الفضل ~~فلم يقع نظرنا على سيرة تحاكي سير علماء هذا العصر الزاهر، الذين امتازوا بالكفاءة ~~العلمية والأدبية، وتفرقوا في الشؤون الدينية أصولها وفروعها لدرجة استوجبت إعجاب سائر ~~الأمم. # وإننا نسطر اليوم بقلم الفخر والإعجاب تاريخ حضرة صاحب الفضيلة الإمام العالم العلامة ~~الأستاذ الكبير الشيخ محمد أبي الفضل شيخ الجامع ms319 الأزهر الشريف، ورئيس مجلسه الأعلى ~~اعترافا بفضله وعلمه الموفور فنقول: # مولده ونشأته # نشأ فضيلته ببلدة وراق الخضر مركز إمبابة مديرية الجيزة عام 1264ه، وهي السنة التي ~~جرى فيها تعداد القطر المصري، ودخل المكتب المعد لحفظ القرآن الكريم بذلك البلد سنة ~~1269ه، وحفظ القرآن بتمامه في أواخر سنة 1272ه، ثم دخل الأزهر الشريف في أواخر سنة ~~1273ه، وكانت سنه إذ ذاك عشر سنوات فاشتغل أولا بتجويد القرآن الكريم، وحفظ المتون، ~~وتلقى بعض الدروس، ثم لازم الفقه على مذهب الإمام مالك بن أنس، وتلقى العلوم العربية من ~~نحو، ووضع، وصرف، وبيان، ومعان، وبديع، وعلم أصول الفقه وأصول الدين، والتفسير والحديث ~~والمنطق على أكابر المشايخ الموجودين في ذاك الوقت، فممن تلقى عليه الفقه والحديث ~~العلامة المحقق والفهامة المدقق شيخ السادة المالكية في ذاك الوقت المرحوم الشيخ محمد ~~عليش، والعلامة العامل الشيخ علي مرزوق العدوي، ومن الذين تلقى عليهم علوم البلاغة ~~وأصول الفقه والمنطق والحديث علامة الوقت الشيخ إبراهيم السقا والعالم العلامة الشيخ ~~الأنبابي، وممن تلقى عليهم أيضا الحديث والتفسير الشيخ شرف الدين الموصفي، والأستاذ ~~الشيخ محمد العشماوي وغيرهم من أجلاء الأساتذة الأعلام. # حضرة صاحب الفضيلة الإمام العالم العلامة الأستاذ الأكبر الشيخ أبي ~~الفضل الجيزاوي شيخ الجامع الأزهر الشريف ورئيس مجلسه الأعلى. # وداوم على الاشتغال مطالعة وحضورا إلى سنة 1287ه فأمره الأستاذ الشيخ الإمبابي ~~بالتدريس فاعتذر، فألح عليه فامتثل أمره، واستأذن شيخه العلامة الشيخ عليش وكذا الشيخ ~~السقا، وجمع رسالة في البسملة وحديثها المشهور وابتدأ بقراءة كتاب الأزهرية في النحو في ~~أواخر شهر صفر من تلك السنة، وقرأ تلك الرسالة من حفظه في ثلاث ليال، بحضور جمع من ~~أكابر العلماء من مشايخه الأعلام وغيرهم وجميع الطلبة الذين يحضرون معه، وكان ذلك في ~~أواخر أيام مشيخة المرحوم الشيخ مصطفى العروسي شيخ الجامع الأزهر حينذاك. # وقد كان العمل في تدريس المدرس جاريا على ما تقدم من الاستئذان وحضور أكابر العلماء ~~في أول درس يقرأه من يريد التدريس، حتى زمن المرحوم العلامة الشيخ المهدي الذي سن ~~الامتحانات ms320 بالطريق المعلوم. # ثم لازم التدريس وقرأ جميع كتب الفقه المتداول قراءتها في ذلك الوقت مرارا عديدة، ~~وكذلك كتب العلوم العربية، وعلم أصول الدين، وعلم أصول الفقه والمنطق مرارا عديدة ~~لطبقات كثيرة، ورزقه الله حظوة إقبال الكثير من الطلبة في كل درس، وقد تخرج عليه غالب ~~أهل الأزهر، وكان حفظه الله أول من أحيا كتاب الخبيصي في المنطق بتدريسه مرارا، وكتاب ~~القطب على الشمسية، وكتاب ابن الحاجب، في الأصول بشرح العضد وحاشيتي السعد والسيد، فقد ~~درسه في الأزهر مرتين لجمع عظيم من الطلبة، الذين هم الآن من أكابر العلماء، ومرة في ~~الإسكندرية في مدة مشيخته لعلمائها، وكتب على الشرح والحاشيتين حاشية قد طبعت في سنة ~~1232ه وتداولت بين العلماء والطلاب، وقرأ المطول في الدور الثاني وكتب على شرحه وحاشيته ~~نحوا من خمس وأربعين كراسة، وقرأ البيضاوي ولم يتم، وكتب على أوائله نحوا من عشر ~~كراسات. # وفي 3 ربيع الأول سنة 1313ه عين عضوا في إدارة الأزهر في مدة مشيخة المرحوم الشيخ ~~سليم البشري، ثم استقال منها وعين ثانيا في 9 ذي القعدة سنة 1324ه الموافق ديسمبر سنة ~~1908 في أواخر مشيخة المرحوم الشيخ الشربيني، ثم عين وكيلا للأزهر في 18 صفر سنة ~~1326ه. # ثم صدر الأمر بتعيينه شيخا للإسكندرية ومكث بها 8 سنوات، ثم صدر الأمر بتعيينه شيخا ~~للأزهر الشريف في 14 ذي الحجة سنة 1335ه الموافق أول أكتوبر سنة 1917، ثم أضيف إليه ~~مشيخة السادة المالكية في 20 صفر سنة 1336ه. # وقد كان في مدة وكالة الجامع الأزهر وعضوية مجلس الإدارة، ومشيخة علماء الإسكندرية ~~ملازما التدريس للكتب المطولة، منها كتاب المواقف، في علم الكلام، وكتاب ابن الحاجب في ~~علم أصول الفقه، وغيرهما. # وصاحب الفضيلة واسع الاطلاع في العلوم العقلية والنقلية والفلسفية، وخصوصا فلسفة ~~تاريخ الإسلام والتمدن الإسلامي وسائر الأمور الدينية. # صفاته وأخلاقه # دمث الأخلاق، لين الجانب، ذو ورع وتقوى، قوي الإيمان، قدير في معلوماته العلمية ~~والأدبية والدينية، لطيف الحديث وقد أجمعت القلوب على محبته وإكباره وعلو شأنه. # حفظه الله وأبقاه وأكثر ms321 من أمثاله بين هيئة كبار العلماء. # | ترجمة حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الإمام الشيخ محمد بخيت # كلمة للمؤرخ # هذا هو نابغة عصره، وإمام دهره، والعالم الفرد، والإداري الأوحد، حلال المشكلات، ورجل ~~المعضلات، الاختصاصي الأشهر في استنباط الأحكام الشرعية وإسنادها إلى أصولها، وتطبيقها ~~على مختلف حوادث هذا الزمان، ولا تزال أحكامه ومبادئه، وآراؤه نبراس المشتغلين بالعلم ~~والقضاء، كما اشتهر عنه شدة تمسكه بالحق وأنه ينسى مصلحته الشخصية، في سبيل نصرته، لا ~~يعرف للمحاباة رسما، ولا يعرف الباطل إليه سبيلا. # مولده ونشأته # ولد صاحب الفضيلة ببلدة المطيعة بمركز ومديرية أسيوط سنة 1271ه الموافقة سنة 1856م، ~~وتعلم القراءة والكتابة والقرآن الكريم بكتاب البلدة المذكورة وهو في الرابعة من عمره، ~~ومن ثم رحل إلى مصر القاهرة ودخل الأزهر الشريف عام 1882م بعد أن أتم حفظ القرآن ~~وجوده وأخذ في تلقي العلوم الشرعية التي منها الفقه على مذهب أبي حنيفة النعمان، ~~وتلقى العلوم الفلسفية خارج الأزهر الشريف على السيد جمال الدين الأفغاني والشيخ حسن ~~الطويل رحمة الله عليهما إلى أن امتحن في شهادة العالمية في أواخر سنة 1292ه، وحاز ~~الدرجة الأولى، وقد أنعم عليه بكسوة التشريفة من الدرجة الثالثة مكافأة له على نبوغه ~~وغزارة علمه، وبعد ذلك استمر على تلقي العلوم على شيوخه الذين هم من كبار علماء الأزهر الشريف. # حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الإمام الشيخ محمد بخيت «مفتي الديار ~~المصرية سابقا». # وفي سنة 1295ه اشتغل بتدريس علوم الفقه والتوحيد والمنطق إلى أن توظف قاضيا لمديرية ~~القليوبية في سنة 1297ه، ثم نقل منها قاضيا بمديرية المنيا في سنة 1298، ثم نقل إلى ~~قضاء محافظة بور سعيد سنة 1300ه، ثم إلى قضاء محافظة السويس سنة 1302، ثم إلى قضاء ~~مديرية الفيوم سنة 1304ه، ثم إلى قضاء مديرية أسيوط سنة 1309ه، ثم إلى التفتيش الشرعي ~~بنظارة الحقانية في سنة 1310ه، ثم قاضيا لمدينة الإسكندرية الشرعية ورئيسا لمجلسها ~~الشرعي في سنة 1311ه. # ثم عين عضوا أول بمحكمة مصر الشرعية ورئيسا للمجلس العلمي بها في أوائل سنة 1315ه، ~~ثم عضوا أول بمحكمة ms322 مصر العليا الشرعية في سنة 1897م، بعد التشكيل الجديد للمحاكم ~~الشرعية بمقتضى لائحة سنة 1897م، وفي هذه الأثناء ناب عن قاضي مصر الشيخ عبد الله جمال ~~الدين ستة أشهر حال مرضه إلى أن عين بدله، ثم انفصل منها في أواخر سنة 1905م. # ثم عاد إلى خدمة الحكومة وعين رئيسا لمحكمة إسكندرية الشرعية في أواخر سنة 1907م، ~~ونقل منها إلى إفتاء وزارة الحقانية في أوائل سنة 1912م، وأحيل عليه قضاء مصر نيابة عن ~~القاضي نسيب أفندي، ثم أحيل عليه مع إفتاء الحقانية رئاسة التفتيش الشرعي بها. # وفي 21 ديسمبر سنة 1914 عين مفتيا للديار المصرية، وظل مدة إلى أن أحيل على ~~المعاش. # ومن مزايا فضيلته أنه في أي بلد حل به لم ينقطع عن تدريس العلوم الشرعية النقلية ~~والعقلية وغيرهما لطلبة العلم الشريف، خصوصا وهو في مصر، فإنه درس الكتب المطولة في ~~علوم التفسير والحديث والفقه وأصول الفقه والتوحيد والفلسفة والمنطق وغير ذلك، وتخرج ~~على يديه كثير من أفاضل العلماء الذين نفعوا الأزهر الشريف بعلمهم وفضلهم، وتخرج عليهم ~~كثير من العلماء الأفاضل أيضا، وكان لا يزال يتلقى عليه العلم المتقدمون من الطلبة، ~~وكثير من العلماء وغيرهم من المشتغلين بالعلم داخل الأزهر الشريف وخارجه. # مؤلفاته # وفضلا عن كل ما تقدم ومع كثرة مشاغله بأعماله الرسمية، فإنه لم يهمل التأليف بل كان ~~نصيبه منه الشيء الكثير، فمن تأليفه: ~~(1) # الدرر البهية في الصيغة الكمالية. ~~(2) # حاشية على شرح خريدة الدردير. ~~(3) # إرشاد الأمة إلى أحكام أهل الذمة. ~~(4) # حسن البيان في دفع ما ورد من الشبه على القرآن. ~~(5) # القول الجامع في الطلاق البدعي والمتتابع. ~~(6) # رسالتا الفوتوغراف والسوكرتاه. ~~(7) # إزالة الاشتباه عن رسالتي الفوتوغراف والسوكرتاه. ~~(8) # الكلمات الحسان في الأحرف السبع وجمع القرآن. ~~(9) # القول المفيد في علم التوحيد. ~~(10) # أحسن القرا في الصلاة الجمعة في القرى. ~~(11) # الأجوبة المصرية عن الأسئلة التونسية. ~~(12) # مقدمة شفاء السقام للسبكي. ~~(13) # حل الرمز عن معمى اللغز. ~~(14) # إرشاد أهل الملة إلى إثبات الأهلة. ~~(15) # البدر الساطع على جمع الجوامع في أصول الفقه. ~~(16) # إرشاد العباد إلى الوقف على الأولاد. # صفاته ms323 وأخلاقه # وفضيلته موصوف بالتقوى والورع والصلاج ومساعدة الفقراء، والأخذ بيد البؤساء كريم ~~الطباع دمث الأخلاق على جانب عظيم من الكفاءة العلمية والدينية والأدبية، حفظه الله ~~وأبقاه بدوام الصحة والهناء. # | ترجمة حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ عبد المجيد اللبان # حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ عبد المجيد اللبان مفتش الأزهر الشريف ~~والمعاهد الدينية الإسلامية وعضو مجلس النواب المنحل عن دائرة غرب أبي ~~مندور غربية - عالم كبير ومصلح خطير وعظيم من عظماء رجال الدين في ~~مصر. # صورة أخرى لحضرة صاحب الفضيلة الشيخ عبد المجيد اللبان. # ولد حفظه الله في شهر شوال سنة 1288ه ببلدة سنويون من أعمال مركز فوه بمديرية الغربية من ~~أبوين شريفين في أسرة كبيرة، ينتهي نسبها إلى الإمام الحسن السبط ابن علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنهما. # ولما أتم حفظ القرآن الكريم بمكتب بلدته بعث به والده إلى الجامع الأزهر المعمور على عادة ~~الكثير من أعيان الريف في ذلك الوقت، فتلقى فيه العلوم العربية والشرعية والعقلية على كبار ~~علمائه، ومشهوري أعلامه في ذلك الحين أمثال المغفور لهم الأساتذة الأجلاء الشيخ سليم البشري ~~شيخ الأزهر السابق، والأستاذ الإمام محمد عبده مفتي الديار المصرية سابقا، والشيخ أحمد ~~الرفاعي الفيومي والشيخ محمد البحيري الديروطي، وقد عكف على الاشتغال بالعلوم بهمة لا تعرف ~~الملل، واشتهر في ذلك الدور من حياته بالذكاء النادر وحب الاطلاع والإخلاص للعلم والرغبة ~~فيه، حتى طار صيته في الأزهر بين أقرانه وصار له لدى أساتذته مكانة سامية، فقد كانت له مع ~~بعضهم مناظرات على غير عادة الطلاب في ذلك العصر، وعلى الأخص المغفور له الأستاذ الإمام ~~الشيخ محمد عبده، فكانت هذه المناقشات سببا في بروز شخصيته وظهوره بالاستقلال في الرأي ~~والإصابة في الحكم، وتقدير الأستاذ الإمام لمواهبه، وفي 7 ربيع الأول سنة 1318ه، نال شهادة ~~العالمية بعد أن شهدت له اللجنة التي شكلت لاختباره برئاسة المرحوم الشيخ البشري بالتفوق، ~~وأثنت عليه الثناء المستطاب ثم تصدى للتدريس بالجامع الأزهر الشريف فأقبل عليه الطلاب أيما ~~إقبال، فأفاد إفادة حفظها له الأزهر ms324 وبنوه واستمر على ذلك إلى أن تأسس معهد الإسكندرية، ~~واتجهت فكرة القائمين به إلى اختيار المبرزين من العلماء للتدريس به، فكان فضيلته في ~~مقدمتهم وفعلا عين لذلك في أوائل سنة 1324ه، وهناك أعاد سيرته الأولى وقرأ أعاظم الكتب ~~واشتهر بالعطف على الطلبة، والأخذ بناصرهم والعمل على سعادتهم؛ ولذلك اختير عضوا بمجلس ~~إدارة ذلك المعهد فكانت له فيه الآراء الصائبة والأفكار السامية. # وظل بالإسكندرية حتى تقرر نقله إلى الأزهر في 4 أكتوبر سنة 1921، تبعا لنقل القسم العالي ~~من معهدي الإسكندرية وطنطا إليه، واستمر على التدريس فيه حتى اختير مفتشا عاما للأزهر ~~والمعاهد الدينية الإسلامية الأخرى في شهر أكتوبر سنة 1923، ومع قيامه بهذه المهمة فقد أسند ~~إليه التدريس بقسم التخصيص المنشأ حديثا، وفي هذه الأطوار تراه المثل الأعلى والقدوة ~~الصالحة في الإخلاص في العمل والأمانة فيما يكلف به. # وعلى يديه تخرج كثير من أفاضل العلماء من مدرسين وقضاة، كما كانت دروسه مصدر نبوغ طائفة ~~كبيرة من خريجي مدرسي القضاء الشرعي ودار العلوم، الذين بدءوا حياتهم الدراسية على ~~يديه. # وفي أثناء مقامه في الإسكندرية شجر الخلاف بينه وبينه الكتاب في بعض المسائل العلمية، وفي ~~مقدمتهم المرحومان الشيخ علي يوسف وحفني بك ناصف، فكانت دروس عالية في أدب المناظرة وقوة ~~الإقناع، وبعد ذلك توالت مقالاته الممتعة على الصحف اليومية في الموضوعات العلمية والأدبية ~~والدينية والسياسية. # ولما رأى حاجة المسلمين ماسة إلى الإصلاح أسس في سنة 1914م بمدينة الإسكندرية جمعية إرشاد ~~الخلق إلى الحق، التي ضمت كثيرا من العلماء والأعيان لمواساة الفقراء، وإصلاح ذات البين ~~وإبطال شبه الملحدين، وتأسيس المدارس لتعليم مبادئ الدين والأخلاق، ولولا وقوف حكومة ذلك ~~العهد في وجهها لكان لها اليوم شأن عظيم في ترقية الآداب والأخلاق، ونشر الاتحاد والوئام، ~~ولما نهض زعيم البلاد عقب الهدنة لتشكيل الوفد المصري، وكان جمهور العظماء والمفكرين في كل ~~مدينة يجتمعون للتفكير في مستقبل البلاد كان هو أول من رفع صوته بذلك في مدينة الإسكندرية، ~~وكان منزل فضيلته بها مجمع رجال الوطنية المخلصين من أبنائها، وحينما ms325 اعتقلت السلطة دولة ~~سعد باشا زغلول في 9 مارس سنة 1919، اعتقلت فضيلته أيضا في اليوم التالي في حجرة خاصة بقسم ~~محرم بك بالإسكندرية، ثم أفرجت عنه في اليوم الذي أطلق فيه سراح دولة الرئيس وزملائه من ~~مالطة، فعاد إلى مكانه في قيادة الحركة الوطنية في ثغر الإسكندرية، وكان أول من رفع علم ~~الاتحاد فيه، وصورته الفوتوغرافية التي أخذت لذلك الحين مع كبار رجال الدين من الأقباط في ~~الإسكندرية تذكار دائم لهذا العمل المجيد، الذي قدره عظماء الطائفتين قدره وقد أهدى إليه ~~عظماء الأقباط بهذه المناسبة علم الاتحاد، فتسلمه منهم في احتفال كبير أقيم لهذا الغرض، ~~وبقي وديعة لديه إلى أن سلمه لدولة الرئيس الجليل سعد باشا زغلول في حفلة استقباله ~~بالإسكندرية لدى عودته من أوربا للمرة الأولى في 4 أبريل سنة 1921، وعندما شجر الخلاف بين ~~فريق من الأرمن والمصريين بالإسكندرية سنة 1919، واعتدى الأرمن على المصريين لقيت المدينة ~~في شخص فضيلته عاملا كبيرا من عوامل السلام، ففاوضه زعماء الأرمن في إزالة أسباب الخلاف ~~وفعلا تألف وفد من زعماء الفريقين برياسة فضيلته للعمل على تهدئة الخواطر، فزار كنيسة ~~الأرمن ردا لزيارة زعمائهم منزل فضيلته، وكانت جاليتهم قد التجأت إليها بدسائس المغرضين ~~من السياسة، فأعاد اللاجئين إلى منازلهم بعد أن تبادل الفريقان عبارات المحبة والوئام ، كما ~~كان له الفضل العظيم في إعادة مياه الصفاء إلى مجراها بين المصريين وضيوفهم الأجانب في ~~حوادث مايو المشئومة، فزار مع فريق من الأعيان قناصل الدول، وحادث الصحفيين منهم مؤكدا لهم ~~عطف المصريين على ضيوفهم، فكان لمساعيه أثرها الطيب في إزالة الشقاق. # وقبيل مجيء لجنة ملنر نفته السلطة من الإسكندرية إلى عزبته بمركز فوه مع اثنين من أنجاله، ~~كما نفت كثيرا من زعماء المصريين إلى قراهم، فقضى بها عشرة شهور، ولم يسمح لفضيلته بالعودة ~~إلى الإسكندرية إلا عندما جاء المندوبون الأربعة لعرض مشروع ملنر على الأمة، وقد أبدى ~~فضيلته رأيه في المشروع في اجتماع عقد بقاعة مجلس الإسكندرية البلدي، فرفض المشروع ما لم ~~يعدل تعديلا يضمن استقلال مصر ms326 والسودان التام وإلغاء الحماية. # ولقد قدرت الأمة وطنيته وإخلاصه كما قدر الوفد ودولة رئيسه حسن بلائه في خدمة البلاد ~~فرشحه لعضوية مجلس النواب عن دائرة أبي مندور، عندما طلب أهلها فضيلته للنيابة عنهم، وفعلا ~~انتخب لعضوية هذه الدائرة بأغلبية ساحقة، ويعتبر فضيلته العضو الوحيد النائب عن الأزهر في ~~مجلس النواب؛ لأنه يجمع بين عضوية المجلس ووظيفة سامية من وظائف الأزهر هي تفتيش المعاهد ~~الدينية التي نرجو لفضيلته في خدمتها رقيا مستمرا، كما أنه يعتبر العالم الديني الوحيد ~~الذي جاهد بقلمه جهادا صادقا في خدمة بلده بعد الأستاذ الإمام محمد عبده، وأول عالم ديني ~~اعتقل في النهضة الوطنية، وظل فيها وفيا لها من يوم أن قامت إلى الآن معروفا بتأييده ~~للقائمين بها، ومشهورا بإخلاصه لجلالة المليك وولائه لعرشه الكريم، وإجلاله لزعيم الأمة، ~~ورئيس نهضتها الأمين صاحب الدولة سعد باشا زغلول. # بقلم مؤرخ الأزهر # الشيخ محمد علي القاضي الطماوي # مدرس التاريخ وآداب اللغة بالأزهر الشريف # | ترجمة فضيلة الأستاذ العالم الجليل السيد أحمد رافع الطهطاوي # من كبار العلماء الأعلام # كلمة للمؤرخ # إن خير البلاد ما أنجب عظماء الرجال، فلا غرو إذا كانت طهطا إحدى مراكز مديرية جرجا ~~في مقدمة البلاد السعيدة بأبنائها، ولا بدع إذا فاخرت أكبر العواصم بمن أنجبت من كبار ~~علماء الأمة وعظماء رجال الدين. # في هذه البلدة الزكية ولد حضرة صاحب الترجمة العلامة الأجل، والفهامة الأكمل صاحب ~~الفضيلة السيد أحمد رافع بن الفاضل محمد رافع بن السيد عبد العزيز رافع الحسيني القاسمي ~~الحنفي الطهطاوي. # فضيلة الأستاذ العالم الجليل السيد أحمد رافع الطهطاوي. # وهو من أسرة ذات مجد أصيل وشرف أثيل كانت ذات عز وفخار وثروة كبيرة ويسار، وكلمة ~~نافذة مع الكرم والسخاء، لها الالتزامات السلطانية والأرزاق الواسعة، والمرتبات ~~الوافرة، وقد استمرت على هذه الحال عدة أجيال إلى أن نزعت من أيديها التزاماتها وقطعت ~~عنها مرتباتها في أواسط العقد الثالث من القرن الثالث عشر، فجارت عليها الأيام بعد أن ~~جرت الغيث في دارها، وأشارت إلى نصبها الأعوام بعد أن نصبت أعلام ms327 الراحة في مزارها، ثم ~~ظهر منها أفراد أعادوا إليها رفيع مجدها، منهم ~~المرحوم رفاعة بك العالم الشهير، ثم والد صاحب هذه الترجمة وقد ذكر المرحوم علي باشا ~~مبارك في الخطط الجديدة التوفيقية المؤلفة في سنة 1293ه حالة هذه الأسرة، وما كانت عليه ~~على سبيل الإجمال، حيث قال في الكلام على «مدينة طهطا»: وفيها كثير من الأشراف من سيدي ~~أبي القاسم الحسيني التلمساني الطهطاوي، وهم أكابرها من عدة أجيال، ولهم فيها منازل ~~مشيدة ومضايف وكانت لهم مرتبات واسعة من بيت المال، ثم ذكر والد صاحب هذه الترجمة «حيث قال»: # ومنهم الآن الأجل الفاضل السيد محمد عبد العزيز رافع قد اجتمع له الدين ~~والدنيا ومكارم الأخلاق، تولى الإفتاء مدة في مديرية جرجا، ثم اقتصر على ~~اشتغاله بشأن نفسه من أمر دينه ودنياه وله ابنان، أحدهما له وظيفة نقابة أشراف ~~تلك الجهة، بعد أن جاور بالأزهر مدة، والآخر منهمك في طلب العلم مع النجابة ~~الزائدة. ا.ه. # مولده ونشأته # والثاني هو صاحب هذه الترجمة وقد ولد بمدينة طهطا بمديرية جرجا في جمادى الثانية من ~~سنة 1275ه «الموافقة لأوائل سنة 1859م»، ونشأ بها واشتغل بتعلم القراءة والكتابة وحفظ ~~القرآن الشريف حتى أتم حفظه وهو ابن عشر سنين، ثم اشتغل بحفظ المتون العلمية على يد ~~والده السالف ذكره فحفظ منها جملة كثيرة حفظا جيدا، وكان مع ذلك يأخذ عن والده وغيره ~~مبادئ علم التوحيد والنحو والفقه، ثم وفد إلى الجامع الأزهر في سنة 1287ه، وسنه إذ ذاك ~~اثنتا عشرة سنة فواظب فيه على تلقي العلم الشريف ومكث به نحو اثنتي عشرة سنة، أخذ فيها ~~جميع العلوم الجاري قراؤها فيه متلقيا عن كثير من أكابر علمائه كالأستاذ الجليل الشيخ ~~محمد عليش، وابنه الشيخ عبد الله والأستاذ محمد الخضري الدمياطي الأزهري، والعلامة شمس ~~الدين محمد الإمبابي، وتلميذه المحقق الشيخ حسن بن رضوان الخفاجي الدمياطي، والشيخ عبد ~~الهادي الإبياري، والشيخ عبد الرحمن الشربيني، والشيخ زين المرصفي، والشيخ محمد أبي ~~النجاة الشرقاوي، والشيخ عبد القادر الرافعي، والشيخ عبد الرحمن القطب ms328 النواوي، والشيخ ~~حسن الطويل، والشيخ محمد البسيوني الببياني. # وقد أذن له بالتدريس في سنة 1299ه العلامة شمس الدين الإنبابي شيخ الجامع الأزهر إذ ~~ذاك، وأجاز له أن يروي عنه ما يجوز له رواية وما يصح عنه دراية بعد أن لازمه مدة وأخذ ~~عنه علوما عدة «قال»: فلما لاح لي كوكب صلاحه وفاح لي مسك فلاحه ورأيته أهلا لتلك ~~الصناعة، وجديرا بتعاطي هاتيك البضاعة حيث أخذ من الفنون بأقوى طرف، وأراد الاقتداء في ~~أخذ الأسانيد بمن سلف بادرت إلى طلبه لإعطائه بلوغ أربه، فلم أثن عنه عنان العناية بل ~~أجزت له بما يجوز لي رواية ويصح عني دراية من فروع وأصول ومنقول ومعقول، وأذنت له في ~~التدريس وأن يتخذ العلم خير جليس «إلى آخر ما قال»، وكذا أجاز له العلامة الجليل السيد ~~علي بن خليل الأسيوطي الذي تلقى عن الشيخ علي بن عبد الحق القوصي عن الشيخ محمد الأمير ~~الكبير، وكذا أجاز له والده السابق ذكره الذي تلقى عن الشيخ علي بن محمد الفرغلي ~~الأنصاري عن الشيخ محمد الأمير الكبير، وقد تلقى مسلسل عاشوراء عن الأستاذ الشيخ ~~إبراهيم السقا، وسمع الحديث المسلسل بالأولية من الأستاذ الشيخ محمد الأشموني الشافعي ~~عن الشيخ علي البخارتي عن الشيخ الأمير الكبير، وكان العلامة الشيخ محمد العباسي المهدي ~~مدة مشيخته للجامع الأزهر رغب أن يعين صاحب الترجمة في وظيفة شرعية كبرى، وعرض عليه ذلك ~~فأبى قبولها، واختار البقاء على حالته التي نشأ عليها من مبدأ اشتغاله بالعلم، وهي ~~الاطلاع على الكتب العالية الغريبة والتنقير فيها على غرائب الفوائد؛ ليتهيأ له السلوك ~~في سبيل الأفهام السديدة الانتقادات الصائبة التي يضمنها مؤلفاته، وقد ظهرت فوائده ~~العلمية ومواهبه العقلية وعرفت لدى الخاص والعام، وشهد له بالتفوق في العلوم مشايخ ~~الجامع الأزهر، وكثير من علمائه الأعلام فيما قرظوا به كتابيه بلوغ السول، وكمال ~~العناية الآتي ذكرهما. # وقد اشتغل المترجم في بلدة «طهطا» بالتأليف والدراسة، فقرأ كثيرا من الكتب الجليلة ~~قراءة بحث وتدقيق بمشاركة كثير من أفاضلها كتفسير الخطيب الشربيني، وشفاء ms329 القاضي عياض، ~~وشرح السعدي على العقائد النسفية، ومغني اللبيب وغير ذلك. # ثم رجع إلى القاهرة في سنة 1908م وأقام بها بمنزله الذي اشتراه بالحلمية الجديدة، وله ~~مؤالفات كثيرة جمة الفوائد تميزت عن غيرها بقلائد الفرائد في التفسير، والحديث واللغة، ~~والنحو، والمعاني والبيان، والبديع، والمنطق، وتواريخ الرجال، «منها» رسالة بلوغ السول ~~بتفسير # لقد جاءكم رسول # المطبوعة في سنة ~~1305ه. ~~«ومنها» كمال العناية بتوجيه ما في # ليس كمثله ~~شيء # من الكناية المطبوع في سنة 1313هجرية. ~~«ومنها» القول الإيجابي في ترجمة العلامة شمس الدين الألباني المطبوعة في سنة ~~1314ه. ~~«ومنها» رفع الغواشي عن مفصلات المطول والحواشي الذي بلغ خمسة أجزاء ضخام طبع الجزء ~~الأول منها في سنة 1333ه. ~~«ومنها» نفحات الطيب على تفسير الخطيب، أعانه الله على إتمامها على النموذج البديع ~~المثال الذي توخاه فيها. ~~«ومنها» الثغر الباسم في مناقب سيدي أبي القاسم الذي طبع في سنة 1333ه. ~~«ومنها» شرح الصدر بتفسير صورة القدر. ~~«ومنها» نظم الدرر الحسان في تفسير آية شهر رمضان. ~~«ومنها» المسعى الرجيح إلى فهم شرح غرامي صحيح. ~~«ومنها» النسيم السحري على مولد الخضري. ~~«ومنها» منصة الابتهاج بقصة الإسراء والمعراج. ~~«ومنها» فرائد الفوائد الوفية بمقاصد خفية الألفية، وقد ألفها وسنه إحدى وعشرون سنة؛ ~~ولذلك قال في خطبتها كما قال الأخضري: # ولبني إحدى وعشرين سنة # معذرة مقبولة مستحسنة ~~«ومنها» هداية المجتاز إلى نهاية الإيجاز وهو شرح على منظومة بيانية، وقد قال في ~~آخره: # فجاء بحمد الله شرحا ونثره # على نظم هذا الدر نظم جمان # به رفلت خود المعاني يزفها # لمن سامها وصلا بديع بيان ~~«ومنها» الرياض الندية على الرسالة السمرقندية. ~~«ومنها» الطراز المعلم على حواشي السلم، وقد ألفه وسنه لم تتجاوز تسع عشرة سنة؛ ولذا ~~قال في خطبته كما قال الفاضل الشيخ عبد العزيز بن أبي الحسن الأنصاري في بعض ~~منظوماته: # عذري أتاك يا أخي فاعذر # إذ كان سني دون سن الأخضرى ~~«ومنها» رسائل المحاضرة في مسائل المناظرة. ~~«ومنها» كتابه الذي لم ينسج ناسج على منواله المسمى «المسعى الحميد إلى بيان ms330 وتحرير ~~الأسانيد». # ومختصر نعم الحافظ شمس الدين أبي عبد الله الذهبي الدمشقي مع زيادات عديدة ~~مفيدة. # وملخص معجم تاج الدين أبي نصر عبد الوهاب السبكي كذلك. # ومختصر معجم الحافظ بن حجر العسقلاني المصري كذلك. # وملخص ما في معجم الجلال السيوطي، وكتاب نظم العقيان له من تراجم شيوخ عصره ~~كذلك. # وجزء يتضمن تراجم كثير من شيوخ الحافظ صلاح الدين أبي سعيد خليل بن كيكلدي العلائي ~~الدمشقي ثم المقدسي. ~~«ومنها» غير ذلك كالتعليقات التي كتبها على هوامش متن المغني وشرح الدماميني عليه، ~~وعلى هوامش الهمزية وعلى هوامش كتاب سيدي محمد بن علي السنوسي الخطابي المسمى «بغية ~~المقاصد في خلاصة المراصد». # وله بعض مقالات إنشاء منها ما سبق طبعه في جريدة الحكومة المصرية «الوقائع المصرية»، ~~ومنها مقالة سماها رايات الأفراح بآيات الانشراح طبعت على حدتها، وفي ضمن رسالة «فرح ~~الصعيد» ومنها مقالة مطبوعة في ضمن كتاب «القول الحقيق» وغير ذلك. # وقد أنعم عليه بكسوة التشريف المظهرية من الدرجة الثانية بإرادة سنية صادرة في 19 ~~جمادى الثانية، من سنة 1319ه الموافق 2 أكتوبر سنة 1901، ثم بها من الدرجة الأولى ~~بإرادة سنية صادرة في 12 شعبان من سنة 1322ه الموافق 21 أكتوبر سنة 1904. # وقد أنشأ ببلدة «طهطا» في سنة 1898م مدرسة خيرية إسلامية، سماها «مدرسة فيض المنعم» ~~تخرج منها كثير من التلاميذ الذين حازوا بعد ذلك الشهادات العالية، ومكث ينفق عليها نحو ~~أربع عشرة سنة، ثم قدمها إلى مديرية جرجا في سنة 1912م لإدارتها بمعرفتها. # وترجمته مذكورة بأبسط من ذلك في كتابين من مؤلفات أفاضل العصر: أحدهما «سمر الأجلاء ~~بتراجم الأخلاء»، والثاني يسمى «سلافة العصر». وقد امتدحه كثير من الفضلاء بقصائد نقتصر ~~منها على قصيدة حضرة الفاضل أحمد أفندي سمير، الذي بعث بها إليه من مدينة «استتجارت» في ~~30 نوفمبر سنة 1889م قال في أوائلها: # خل من لام في الوفاء ومانع # دون ودي فما هنالك مانع # يا قسيم الفؤاد إني حفيظ # لعهودي فليس عهد بضائع # ثم قال: # يا نديمي وأين مني نديمي # مر بما شئت ms331 إنني لك طائع # كيف أنسى ما قد مضى وبقلبي # من أصول الوداد «جمع الجوامع» # إلى أن قال: # يا أخا الفضل لا رميت من الدهر # ببعد فالبعد والله فاجع # دم كما شئت للكمالات أهلا # ولك السعد أينما كنت تابع # إن صرف الزمان رام خفضي # بعد هذا فأنت «أحمد رافع» # صفاته وأخلاقه # ولا شك أن القارئ الكريم بعد تصفحة ترجمة هذا البحر الفهامة والعالم العلامة يتأكد له ~~فضله، وغزارة علمه، وبحر أدبه، وسمو مداركه، مع كرم الأخلاق، ولين الجانب، حفظه الله ~~وأبقاه ولا حرم العلم والأدب من بحر أفضاله. # | ترجمة فضيلة الأستاذ المرحوم الشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية سابقا # ولد سنة 1258ه وتوفي سنة 1323ه/1905م # مولده ونشأته # هو الأستاذ الإمام الشيخ محمد بن عبده بن حسن خير الله ولد سنة 1258ه بمديرية ~~الغربية، وتغذى بلبان الأدب وتربى التربية المنزلية الحسنة، ومن ثم توجه إلى الجامع ~~الأحمدي بطنطا لتلقي العلوم، وفي نهاية سنة 1282ه قدم القاهرة لتلقي العلوم في الجامع ~~الأزهر الشريف، حتى وفد إليها السيد جمال الدين الأفغاني سنة 1286ه فصاحبه الأستاذ، ~~وأخذ يتلقى عنه بعض العلوم الرياضية والحكمية والكلامية، فبرع في ذلك كما برع في ~~الإنشاء، وتحرير المقالات الأدبية والاجتماعية والسياسية، وقد أتقن اللغة الفرنسية ~~وأجاد التحرير فيها، فساعده ذلك على نفي الشبهات عن الدين الحنيف، وإظهار حقائقه ~~وفضائله للعالم الأوربي، وقد كان الفقيد قوي الحجة سريع الخاطر أبي النفس، شهما غيورا ~~على دينه ووطنه. # صاحب الفضيلة المرحوم الإمام الشيخ محمد عبده «مفتي الديار المصرية ~~سابقا». # وقد تقلب في بعض المناصب العلمية بين تدريس في المدارس الأميرية وتحرير الوقائع ~~المصرية، وكتابة في الدوائر الرسمية، فوجه همته لإصلاح الحكومة وإرشاد الأمة، حتى كانت ~~الحوادث العرابية فحمله أصحابه على السير معهم، وهو ينصح لهم أن لا يفعلوا وينذرهم بسوء ~~العاقبة، وعندما دخل الإنجليز مصر كان الفقيد في جملة الذين قبض عليهم وحوكموا فحكم ~~عليه بالنفي؛ لأنه أفتى بعزل توفيق باشا الخديوي الأسبق فاختار الإقامة في سوريا، ومكث ~~بها ست سنوات وقد عهد ms332 إليه بالتدريس في بعض مدارسها، ثم انتقل من سوريا إلى باريس ولم ~~يمكث بها طويلا حتى عاد إلى مصر بعد أن صدر العفو عنه فولاه الخديوي القضاء، وظهرت ~~مناقبه ومواهبه فعين مستشارا في محكمة الاستئناف وسمي عضوا في مجلس إدارة ~~الأزهر. # وعين أخيرا مفتيا للديار المصرية في سنة 1317ه، فأفاد القضاء الشرعي وخدم الأوقاف ~~الإسلامية أكبر خدمة حتى كاد يكون المرجع الأعلى في الفتوى لجميع مسلمي الأرض، لما ظهر ~~من فضله وسعة علمه. # وقد عين عضوا دائما في مجلس الشورى، فانتقل المجلس به من حال إلى حال ونفخ فيه ~~روحا جديدة، وكان له رحمه الله الرأي العالي والصوت المسموع في كل مسألة وكل مشروع، ~~فكنت تراه في المسائل المالية، حاسبا اقتصاديا، وفي المسائل الإدارية إداريا ~~ماهرا، وفي اللوائح والقوانين، قانونيا خبيرا، وفي الأمور الشرعية إماما ~~فقيها. # وانتخب رئيسا للجمعية الخيرية فوطد دعائمها، وخطت بهمته وحسن إدارته خطوات سريعة، ~~وتقدمت شوطا بعيدا في سبيل النجاح والرقي. # وقد سعى جهده في إصلاح الأزهر الشريف، حتى بلغ بعض ما أمله فأدخله فيه بعض العلوم ~~الحديثة المرقية لأذهان الطلبة. # وبالإجمال فإن الأستاذ الإمام رحمه الله قد أفاد القطر المصري خصوصا، والأمة ~~الإسلامية عموما الإفادة العظمى، ولو أردنا تدوين أعماله الجليلة ومناقبه السامية ~~لاستدعى ذلك أسفارا ضخمة. # وقد كانت وفاته في يوم الثلاثاء 8 جمادى الأول سنة 1323 برمل الإسكندرية ودفن ~~بمصر. # فرحمه الله رحمة واسعة وعوض الإسلام والمسلمين فيه خيرا. # | ترجمة حضرة صاحب الفضيلة الحسيب النسيب السيد حسين القصبي # حضرة صاحب الفضيلة الحسيب النسيب السيد حسين القصبي كبير أعيان بندر طنطا ~~والعضو بمجلس الشيوخ. # مقدمة للمؤرخ # من رجال الأمة المصرية العظام الذين برزوا في ميدان الجهاد الوطني، وتجلت مواهبهم ~~السامية في كل أدوار الجهاد، وثبتوا في مبادئهم ثبات الأبطال في حومة الميدان، وكانوا ~~خير عضد ونصير للرئيس الجليل، وامتازوا بلا جدال بأصالة الرأي، والحكمة، والسداد، وحسن ~~المشورة في جلائل الأمور، وأمهات المسائل في أوقات الشدائد، هذا الوطني الصميم والسري ~~الجليل الذي حاز مكانة عالية ms333 في قلوب المصريين عامة، والعاملين المجاهدين خاصة. # انضم هذا الوطني العظيم تحت لواء الزعيم الكبير متحملا ما تحمله أعضاء الوفد المصري ~~الكرام من تنكيل، واعتقال، وهو السري بماله، والوجيه بين قومه والعظيم بما تحلى به من ~~أخلاق، وفضائل، ونال ما نال من عسف، وجور، واضطهاد، بصبر وجلد فلم يتزحزح قيد أنملة عن ~~شريف موقفه، بل ناضل وجاهد ولم تزده عوامل الشدة والعنف إلا تمسكا بأهداب الوطنية ~~الصادقة. # فشهم هذه نفسيته جدير بكل إجلال، وإكرام، وجدير بحملة الأقلام والمؤرخين خاصة أن ~~يتباروا في تعداد مناقبه الشريفة، وخدماته الجليلة، ووطنيته العالية؛ ليقتدي به ويتمشى ~~على منواله من رام تخليد حياته في بطون التاريخ لتدوم ذكراهم العاطرة ما دامت السماوات ~~والأرض ناطقة لهم بالفخر والإعجاب. # وإننا مع اعترافنا بالعجز وعدم إمكاننا تدوين كل شاردة وواردة من خدماته وأعماله ~~الكثير عددها، لا سيما ما كان منها خاصا بالحركة الوطنية، إلا أن واجبنا التاريخي ~~يحتم علينا تدوين ما يمكن لنا معرفته من تاريخه المجيد، اعترافا منا بفضله وإقرارا ~~بكبير وطنيته فنقول: # مولده ونشأته # ولد حفظه الله في شهر رمضان المعظم من سنة 1284ه، فاستبشر والده بهذا الطالع خيرا ~~وأخذ يعتني بتربيته وتعليمه، حيث استحضر له بعض كبار علماء الجامع الأحمدي بطنطا ليتلقى ~~عنهم بعض العلوم المختلفة، فكان مثال الجد والنشاط والذكاء في كل ما يلقى إليه فبرع ~~براعة تامة شهد له بها أساتذته، وصارحوا بسرعة خاطره، ووثقوا بنجاح مستقبله، وطالع سعده ~~فكان قرة عين والده ومحط سروره وسعادته، غير أن الدهر الغادر عكر صفو هذه العائلة ~~الكريمة في إبان سرورها بانتقال عميدها المرحوم الطيب الذكر خالد الأثر، والد حضرة صاحب ~~الترجمة من دار الفناء إلى دار البقاء، فانقلب سرورها أحزانا وأفراحها أتراحا، خصوصا ~~لأن الابن لم يكن قد بلغ بعد سن الرجولية حين وقوع ذاك المصاب الأليم، إذ لم يك يتجاوز ~~الخمس عشرة سنة. # غير أن من كان على شاكلته في الجد، والنشاط، والذكاء، والإقدام، لا يحجم عن احتمال ~~بعض الشدائد في بادئ الأمر، فوجه ms334 همته واهتمامه إلى تنظيم مزرعته، وإصلاحها الإصلاح ~~الذي بلغ بها أعلى درجات الكمال رغم صغر سنه، فأصبحت واسعة النطاق، غزيرة النتاج، بفضل ~~ما بذله من الهمة في رعايتها وإصلاحها بنفسه، فأقبلت عليه الدنيا بخيراتها ودنت إليه ~~بسعادتها، ونظرا لشهرته العظيمة في الشؤون الزراعية، فقد نال الميدالية الذهبية من ~~حضرة صاحب السمو السلطاني الأمير كمال الدين حسين رئيس الجمعية الزراعية الملكية في ~~المباراة التي تمت بإشراف الجمعية الزراعية الملكية عن سنة 1924-1925 لزراعته التي ~~بناحية إخناوي بمديرية الغربية، كما كتب له سمو الأمير كتابا رقيقا يهنئه فيه بهذه ~~النتيجة السارة. # ولحضرة صاحب الترجمة ولع شديد بالسياحات في بلاد الغرب للوقوف على أحوالها لا سيما ~~شؤونها الزراعية، والتجارية، وقد ساح مرارا عديدة في البلاد السورية وزار الأستانة ~~العلية مرارا فكان في سياحاته هذه موضع احترام الجميع له ومحط إعجابهم به، لا سيما ~~الأعيان والعلماء الذين اعترفوا له بالفضل، وعلو المكانة، والكفاءة الشخصية، في كل حديث ~~دار معهم، وما كان له أن ينسى ذكر مصر، وحب مصر، ومجد مصر، واستقلال مصر، في كل غدواته ~~وروحاته. # دخوله في ميدان الجهاد الوطني # ومن الخطأ المحض أن يقال عن صاحب الترجمة: إنه حديث الظهور في إظهار ما تكنه عواطفه ~~من حبه لمصر أو أن تلك الروح المتشبعة بالوطنية الصادقة لم يشتعل لهيبها إلا وقت تأليف ~~الوفد المصري، فانضم إليه، كلا، فإن ما عرف عن صاحب الترجمة من الإخلاص الأكيد للوطن ~~المفدى، والتمسك بأهداب الحق الصراح، والمجاهرة بما يراه مبدأ وعقيدة، من زمن مديد لا ~~يسعه إلا الاعتراف بكبير وطنيته واستعداده لكل تضحية في سبيل استقلال مصر فقد بذل ~~فضيلته الجهود الكثيرة في خدمة البلد فيما تقلب فيه من المراكز النيابية، وما قام به من ~~الرحلات السياسية، فقد خدم بلاده أثناء انتخابه عضوا بمجلس طنطا البلدي، فتم على يديه ~~إصلاحات كثيرة نافعة، وكذلك لما كان عضوا بمجلس المديرية، فقد كانت له اليد الطولى في ~~المشاريع النافعة والمنشآت الهامة في مديرية الغربية، وإن أنس لا أنسى خدمته الجلى ms335 لمصر ~~لما كون وفدا مع إسماعيل أباظة باشا وفريق من عظماء الأمة، حيث سافروا جميعا إلى لندن ~~وجعلوا شعارهم شكوى حكومة إنجلترا إلى الشعب الإنجليزي، فبثوا شكوى مصر إلى عظماء الأمة ~~الإنجليزية من الأحرار وغيرهم، وطلب إليهم السير إدارد جراي أن يقابلوه فرفضوا إلا في ~~غرفته بالبرلمان، وقد كانت المقابلة ذات أثر يذكر في السياسة الإنجليزية في مصر. # وقد جاء تأليف الوفد المصري مطابقا لتلك الروح المتقدة غيرة وحماسا، وعندئذ انفجر ~~ذلك الشعور الدفين الكامن بين جوانحه، واندفع تيار إخلاصه في حب مصر، ولاقى ما لاقى من ~~ضروب القمع والإرهاب والاعتقال من أجل مصر وهو ثابت الجأش، ولسان حاله يقول: «الاستقلال التام أو الموت الزؤام.» # ولا يمكن لمصري ممن حضروا تلك الحركة الوطنية المباركة، وشاهدوها بمرأى العين إلا ~~الاعتراف والمجاهرة بحسن بلاء صاحب الترجمة، ومحافظته على مبدئه إلى النهاية، في حين أن ~~فريقا ممن انضموا تحت لواء هذا الوفد شقوا عصا الطاعة نحو الرئيس الجليل، وحادوا عن ~~مبادئهم لغايات شائنة كشفت الأيام عنها الستار، فغدوا مضغة في الأفواه وأضحوكة بين ~~الشعب المصري الذي أمكنه تقدير خدم المخلصين العاملين ونبذ المارقين المنافقين. # وقد جاهر دولة الزعيم الجليل أثناء خطبه وأحاديثه السايرة بما انطوى عليه هذا المجاهد ~~من الإخلاص الأكيد، والولاء المتين في كل أدوار تلك الحركة المباركة ومن بعدها بأنه ~~يحفظ له في فؤاده كل إجلال وإكبار، وذلك بعد أن خبره وعرف فيه تلك الغريزة السامية، ~~والوطنية العالية، وهكذا يكون نصيب العاملين المخلصين لبلادهم، فإن الأمة ترفعهم إلى ~~قمة المجد ذاكرة لهم حسن بلائهم، وشريف خدماتهم ولن تنسى لحضرة صاحب الترجمة بوجه خاص ~~تلك العزيمة التي لا تهاب الموت في سبيل استقلال مصر، وما تحلى به من كرم النفس وجوده ~~على الفقراء والمعوزين، وبره باليتامي والبائسين، فهو لا يرد سائلا ولا يخيب ~~طالبا. # فلو لم يكن في كفه غير نفسه # لجاد بها فليتق الله سائله # وقد مدحه بعض من الشعراء بقصائد رنانة، آثرنا نشر بعض أبيات مختارة مما قاله فيه ~~أحدهم ms336 يصف غزارة فضله وعالي نسبه: # نسل الإمام فما ند له أبدا # في الفضل والحلم والأخلاق والنسب # هو الحسين حليف المجد ذو همم # به تجار الملا من شدة النوب # إلى أن قال: # نعماك طنطا فأنت الآن راقية # عرش الكمال بفضل السيد القصبي # صفاته وأخلاقه # شديد التمسك بأهداب الحق، ولا يخشى في المجاهرة به لومة لائم، ثابت في إيمانه ومبدئه، ~~دمث في أخلاقه، ظريف في محادثاته، كريم اليد، وبالإجمال فهو آية من آيات الولاء ~~والإخلاص لوطنه خليق بكل تجلة واحترام. # حفظه الله وحقق آمال الأمة بفضل حسن جهاد رجالها العاملين المخلصين. # | ترجمة حضرة صاحب الفضيلة العالم الكبير والوطني الصميم «الأستاذ الشيخ مصطفى ~~القاياتي» # عضو مجلس النواب المنحل عن ناحية أبا الوقف مديرية المنيا # مولده ونشأته # هو الحسيب النسيب السيد مصطفى القاياتي ابن العالم الكبير المرحوم الشيخ أحمد ابن ~~العالم الورع الشيخ عبد الجواد ابن الصالح الشيخ عبد اللطيف من ذرية الشيخ أبي البقاء ~~المدفون بقلعة الكبش، ويتصل نسبه براوي الحديث الصحابي الجليل أبي هريرة رضي الله ~~عنه. # ولد بالقايات مركز مغاغة من أعمال مديرية المنيا في آخر شهر الحجة عام 1297، وكان ~~والده من أكابر علماء الأزهر الشريف، وشيخ رواق السادة الفشنية ولقد ذكر صاحب الخطط ~~التوفيقية في ترجمة القايات فضائل ومحامد لآباء صاحب الترجمة وأجداده، تثبت ما لهذه ~~العائلة من مجد تليد وحديث «فليرجع إليها من يريد». # دور العلوم التي تعلم فيها # التحق بالأزهر الشريف في سنة 1311ه، وقد عرف في أول نشأته الأزهرية بالجد في طلب ~~العلوم ومواردها في غير الأزهر، كما عرف بنزعته الوطنية وميله إلى كل إصلاح، وكان وهو ~~في السنة الدراسية الرابعة من مؤسسي جمعية مكارم الأخلاق المشهورة، وكان له فيها مواقف ~~يحفظها له التاريخ ورأس جمعيات كثيرة أفادت المجتمع العلمي فائدة تذكر، وعين وكيلا ~~لرواق السادة الفشنية بقرار من مجلس إدارة الأزهر، وقد نشأ نشأة عالية دينية بين آباء ~~يعرفون قيمة الحياة العلمية والدينية. # صاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ مصطفى القاياتي. # نوع الشهادات # نال شهادة العالمية في سنة ms337 1326ه، وهي أكبر شهادة أزهرية، وعين للتدريس في الجامع ~~الأزهر سنة 1326ه، وانتدب لتدريس آداب اللغة العربية وتاريخها بالجامعة المصرية إلى أن ~~قدم الأستاذ أحمد ضيف من أوربا، ولقد برهن على كفاءة نادرة أعجب بها أساتذة الجامعة ~~وطلابها، وشكرته الجامعة بكتاب رقيق على ما قام به واعترافا بفضله، وحبذا لو وفق الله ~~لخدمة الأدب من يقوم بطبع محاضراته، فهي مرجع تاريخي أدبي لا يستغني عنه معلم ولا ~~متعلم. # والمترجم خطيب كبير، وكاتب قدير، شريف النفس، شديد التمسك بما يراه حقا، لا يحيد ~~عنه ولو لاقى في سبيله أشد الآلام؛ لذلك قام بنصيب كبير في الحركة الوطنية منذ نشأتها ~~إلى الآن لم يثنه عن القيام بواجبه في هذه الحركة الشريفة تهديد ولا وعيد ولا نفي ولا ~~اعتقال ولا سجن ولا تعذيب. # ولا غرو في ذلك فقد لاقى عمه ووالده في سبيل الوطن ما لاقيا أيام الثورة العرابية، ~~التي نفيا بسببها إلى الأقطار الشامية أربع سنوات. # وقد اعتقل صاحب الترجمة بقصر النيل في أول مايو سنة 1919، ومكث به شهرا ثم نقل إلى ~~رفح ومكث به شهرا ونصف، ثم أفرج عنه ثم اعتقل بقصر النيل يوم 25 نوفمبر سنة 1919، ومكث ~~به أربعة أيام ثم نقل إلى رفح ومكث به ثلاثة شهور ونصف، وعاد إلى قصر النيل ومكث به ~~ليلة واحدة ثم نقل إلى معسكر سيدي بشر، ومكث به عشرين يوما ثم أفرج عنه على أن يقيم ~~ببلدته ولا يبرحها، فسافر من سيدي بشر إلى محافظة مصر، ثم نقل إلى البلد برفقة أحد ~~الضباط، ومكث بها إلى أول أبريل سنة 1921 ثم أفرج عنه. # وفي يناير سنة 1922 تقدم لعضوية الوفد المصري عقب القبض على هيئة الوفد الثانية، وفي ~~4 أغسطس سنة 1922 قبل إعلان الحكم على أعضاء الوفد اعتقل بقصر النيل ومكث به مع إخوانه ~~ثلاثة أشهر ونصف، ثم خرج منه في نوفمبر وبعد يومين من خروجه اعتقل في سجن مصر العمومي، ~~ثم أطلق سراحه بعد أن مكث عشرين يوما في زنزانة، ثم ms338 اعتقل في يناير سنة 1923 بسجن ~~الاستثناء ومكث في زنزانة نحو الستة شهور ثم أطلق سراحه. # ولقد كان في هذه الأوقات العصيبة على ما به من ضعف في الصحة كبير الإيمان لا يأسف لما ~~يقع عليه من ظلم وعدوان في سبيل خدمة بلاده، ولقد قرر مجلس الأزهر الأعلى إيقافه عن ~~التدريس، ومنع مرتبة في ديسمبر سنة 1920، ثم في فبراير سنة 1922 حول على مجلس التأديب ~~فقرر نقله إلى معهد دمياط، ثم تنزيله درجة فاستقال مؤثرا خدمة وطنه على أن يتقيد ~~بوظيفة، وليس العهد بجهاده في زمن الانتخابات وقيامه بتأييد مرشحي الوفد، وما تحمله في ~~ذلك ببعيد فنذكره. # ولقد انتخب نائبا لدائرة أبا الوقف وقد قرر مجلس الأزهر الأعلى عودة فضيلته إلى ~~الأزهر في 29 مايو سنة 1924. # ولم يقتصر فخر الأستاذ ولا فخر بيته على تلك الحركات الوطنية في أوقاتها، بل في كل ~~آونة يشهد الزمان والمكان للفرع وأصله بمكرمات يضيق عنها الحصر، ولا يسعها العد إرشادا ~~إلى الدين القويم ونشرا للعلم الشريف، وإغاثة الملهوف وتفريج كرب المكروبين، والأخذ ~~بيد المظلومين، ورد جراح الظالمين. # صفاته # صلب في الحق، قوي في مبدئه، إذا خطب جذب القلوب بشهي ألفاظه، ودرر معانيه، وهو مثال ~~الدعة، وكرم الأخلاق، وعلو النفس والشهامة. # أسبل الله عليه ثوب العافية ولا أحرم الكنانة من كبير وطنيته، وسامي عواطفه، وجليل ~~خدماته. # | صاحب الفضيلة الشيخ إبراهيم الجبالي # هو الشيخ إبراهيم الجبالي ابن فضيلة الشيخ حسن الجبالي، الذي كان من أفاضل رجال العلم في ~~بلدته، ويرجع إليه في الشؤون الدينية وغيرها ابن الحاج يوسف الجبالي سليل بيت المجد، وفرع ~~دوحة الحسب والنسب الطاهر، ولد بناحية الرحمانية مركز شبراخيت من أعمال مديرية البحيرة في ~~غرة المحرم سنة 1295ه الموافق 5 يناير سنة 1878م، فاعتنى المرحوم والده بتربيته التربية ~~المنزلية المؤسسة على الصلاح وتقوى الله، ولما شب على ذلك، وأتم تلك التربية على ما يرام ~~بما يتفق مع أصول الدين الحنيف، وبدت عليه سيما النبل والذكاء والشغف العظيم إلى ارتشاف ~~العلم والتبحر في الدين، ms339 لما كان يبدو عليه أثناء اشتغاله بحفظ القرآن الكريم على يد أصلح ~~المشايخ الذين اختارهم المرحوم والده؛ لتغذيته بلبان الدين الحنيف وتثقيفه بما يتفق مع روح ~~العصر الحاضر عملا بالقول المأثور: «علموا أبناءكم فإنهم خلقوا لزمان غير زمانكم». # عندما بدا عليه ذلك وقد أتم حفظ القرآن التحق بتلك الجامعة الإسلامية الكبرى ينبوع ~~العرفان، ومصدر نور العلم في الشرق الذي هو مهد العلوم والمعارف، ومسقط رأس بني الإنسان، ~~ألا وهو الأزهر الشريف، وذلك في 15 شوال سنة 1307ه، فسار في الأزهر بخطوات واسعة، ووثبات ~~عظيمة في سبيل العلم حتى كان لا يهنأ له زاد، ولا يلتفت إلى شيء ما غير العلم الذي استلذ ~~مذاقه، ووجد فيه أطيب غذاء لروحه ونفسه العالية إلى أن حصل على الكثير من العلوم وفنونها، ~~ونال أعظم شهادة دينية ألا وهي شهادة العالمية من الدرجة الأولى في 18 ربيع الثاني سنة ~~1322/يوليو سنة 1904م، وكان هذا النجاح الباهر والتفوق النادر مدعاة إلى تعيينه مدرسا ~~بالأزهر على أثر ذلك، فكان أعذب منهل ينهل منه ويعل حتى صار موضع حديث الخاص والعام من ~~العلماء لا يذكرون اسمه إلا مصحوبا بكل تجلة واحترام وإعجاب، ولما كان من أكبر المقاصد ~~التي دعت إلى مشيخة علماء الإسكندرية هو إيجاد نظام متقن للتعليم الأزهري، يتمشى مع روح ~~العصر الحاضر، ويتفق والحياة الجديدة للأمة ويضمن بقاء زمن ميزة التعليم الأزهري، وهي تقوية ~~الملكات وتربية المدارك، وتنبيه قوة التأمل والبحث، فانتخب لذلك أربعة من أفاضل المتفوقين ~~من العلماء عرفوا بالرجحان في الذكاء والقوة في العلم؛ ليواصلوا الجد والتفكير مع شيخ ~~المعهد، على أن يتوصلوا إلى نظام يقوم بتلك الحاجة، فكان المترجم أول من انتخب لذلك مع ~~إخوانه، ونقل إلى مشيخة علماء الإسكندرية في سنة 1905م، وبفضل بحثهم هذا توصلوا إلى وضع هذا ~~النظام الذي يسير عليه معهد الإسكندرية، وقد أنتج النتائج الملموسة التي حققت تلك الفكرة ~~العظيمة، وجرب في معهد طنطا فأنتج النتائج المرجوة، فعمم في جميع المعاهد وهو ذلك النظام ~~المتبع الآن مع بعض ms340 التعديل، واستمر بهذه المشيخة يعمل على إعلاء شأنها إلى صفر سنة ~~1320ه/يناير سنة 1912م، حيث عين مراقبا للتعليم بها، فأظهر من الحزم واليقظة ما جعل حالة ~~المشيخة في تلك المكانة من الكمال. # وفي صفر سنة 1338ه/نوفمبر سنة 1919م ندب للتدريس بالجامع الأزهر، ولمراقبة قسم الوعظ ~~والإرشاد وعهد إليه بتعليم الوعظ والخطابة به، فكان الروح الفعالة التي انبعث منها ذلك ~~الرقي العلمي، وهذا التقدم العظيم؛ ولذلك عين شيخا للمعهد العلمي الديني بأسيوط، وكان ذلك ~~في الثالث عشر من المحرم سنة 1339ه الموافق 26 سبتمبر سنة 1920م، حتى يرقى به ويجعله يسير ~~في طريق التقدم إذ كان ذلك المعهد من المعاهد الصغيرة، التي كانت بالدرجة الثالثة يعلم فيه ~~علوم القسم الأولى فقط، وكان عدد من يحويه من الطلاب هو 354 طالب فقط، فلم يمض به السنتين ~~حتى صار ذلك المعهد العظيم، وأصبح يموج بالطلاب الذين بلغ عددهم 1172 ونقل إلى الدرجة ~~الثانية، وبه من العلماء خمسون عالما وأصبح في صف معهدي الإسكندرية وطنطا؛ لأن الأزهر وحده ~~هو المعهد الذي بالدرجة الأولى، حيث تدرس به العلوم العالية وقد أحرز الطلبة والعلماء ميزة ~~المرتبات المستحقة لأمثالهم في المعاهد الأخرى، التي كانوا محرومين منها قبل ذلك. # وقد جعل للطلاب مساكن خاصة يقيمون فيها مجانا في مكان فسيح طلق الهواء، وكان ذلك أثرا ~~من الآثار الحسان التي استفادتها البلاد من الزيارة الملكية، وتشريف الركاب العالي بلاد ~~الصعيد جعل الله عهده الشريف أبرك عهد سعيد آمين، وعندما رأى ذلك صاحب الجلالة سر كثيرا ~~وأنعم على المترجم بكسوة التشريفة العلمية من الدرجة الثانية، وكان ذلك في 9 أكتوبر سنة ~~1921م، وفي 2 ربيع الأول سنة 1342ه/12 أكتوبر سنة 1923م، نقل إلى معهد الزقازيق؛ ليجعله في ~~تلك المكانة العظمى التي امتازت بها المعاهد الأخرى على يدي فضيلته، ولما كان هذا المعهد لم ~~يتم إنشاؤه ندب لرياسة التفتيش بالأزهر والمعاهد الدينية الإسلامية، فقام بما عهد إليه خير ~~قيام وفي 23 فبراير سنة 1924م عين عضوا بمجلس الشيوخ مع بقائه بوظيفتيه ms341 العلميتين بالمعاهد ~~مشيخة معهد الزقازيق ورياسة التفتيش بالأزهر والمعاهد، وما ذلك إلا لنبوغه النادر وإحسانه ~~لكل عمل يسند إليه، وثقة صاحب الجلالة مولانا الملك، فأنعم به وأكرم وحق لمصر أن تفاخر به ~~أكابر العلماء بجميع الأقطار عامة. # صاحب الفضيلة الشيخ إبراهيم الجبالي العضو المعين بمجلس الشيوخ سابقا ~~والمفتش بوزارة المعارف العمومية للأمور الدينية. # وحدث أن فضيلته استقال من عضوية مجلس الشيوخ، فرأت الحكومة أن تسند إليه وظيفة علمية ~~سامية؛ لتنتفع بمواهبه العالية فوافقت اللجنة المالية ومجلس الوزراء على مذكرة المعارف ~~بتعيين فضيلته مفتشا بوزارة المعارف العمومية من الدرجة الثالثة الفنية، على أن تكون مهمته ~~الإشراف على أمور التعليم الديني، وسائر الشؤون التي لها علاقة بالمدارس، التي تؤلف منها ~~الجامعة الأزهرية الكبرى. # صفاته # مثال الوداعة والكرم، شريف الخصال، ثابت الإيمان، كثير الاهتمام بما يعود على الدين ~~خاصة بالخير، وعلى البلاد والعباد والشرق عامة بالسعادة والهناء، وهو شديد الإخلاص ~~لمليكنا المفدى شديد العطف، يضحي نفسه في سبيل المصلحة لا أحرم الله الدين والكنانة ~~منه. # | ترجمة صاحب الغبطة البابا المعظم الأنبا كيرلس الخامس بطريرك الأقباط الأرثوذكس # غبطة البابا المعظم الأنبا كيرلس الخامس بابا وبطريرك الإسكندرية والحبشة ~~والنوبة والخمس مدن الغربية وسائر الكرازة المرقسية. # علوت يا معدن الأفضال منزلة # تقى عفافا كمالا حكمة وحجى # تفوح منك صفات من نوافجها # نمسي كما نغتدي نستنشق الأرجا # يا سيدا قد غدت تسمو فضائله # فخرا وبحرا طمى في علمه لججا # عن ذاتك اشتهر الفضل الجليل كما # عليك كل لسان بالثنا لهجا # فطرت تعشق ذات الله من صغر # فظلت بالبر تنمو راقيا درجا # حتى بدوت بذا الكرسي منتصبا # وفوق هامك تاج المجد قد رهجا # فيك الإله العلي قد من مفتقدا # من فضله شعبه يحيي بك المهجا # أولاك مولاك أخلاقا مطهرة # في كل أنحاء قطر طيبها نفجا # حويت علما بحسن الفعل مقترنا # وفقت قدرا باسمي اللطف ممتزجا # وحزت بالطهر فضلا كل مكرمة # لما سلكت سبيل النسك منتهجا # بالحزم والعزم تشفي في الورى عللا # كما تقوم في إنذارك العوجا # لا زلت ms342 ترتع في روض الهنا ولنا # بك الهناء غدا بالفخر مزدوجا # ودمت فينا بأوج الفضل مشتملا # ثوب السرور مدى الأيام مبتهجا # مولده ونشأته # ولد هذا الحبر الجليل في بلدة تزمنت التابعة لمديرية بني سويف عام 1832 ميلادية 1824 ~~مسيحية قبطية 1548ش، ودعي باسم حنا، وعند بلوغه الخامسة من عمره هجر أبواه مسقط رأسيهما ~~واستوطنا كفر سليمان الصعيدي من أعمال مركز مديرية الشرقية، ولما انتقل المرحوم والده ~~إلى الدار الباقية تكفل شقيقه الأكبر المعلم بطرس بتعليمه وتهذيبه فكانت تلوح عليه ~~مخائل النجابة، وآيات الزهد والطهارة، والميل إلى التعبد والدرس، وإنكار الذات. # ولما أن بلغ العشرين من عمره هجر منزل آله وتوجه إلى دير السريان بالجبل الغربي، فلم ~~يلبث بضعة أيام حتى استرجعه أهله فعاد ولكن روحه تاقت إلى الرهبنة، ولم تكن دعوة الناس ~~تغير دعوة الله، فلبث بين قومه زمانا وجيزا وهم يلاطفونه بكل الحيل، ويزينون له أطايب ~~الحياة العالمية، ويعظمون له أنعاب الرهبنة، فأخذ يتربص الفرص حتى تمكن من الهروب، فذهب ~~رأسا وترهب في دير البرموس ببرية شهات، وهي أبعد دير بالجبل الغربي، وعمره إذ ذاك ~~عشرون سنة. # وكان هذا الدير وقتئذ في أشد حالات الفقر إذ كانت أطيانه في أيدي الغير يستغلونها ~~لأنفسهم، فكانت تمر على رهبانة أيام لا يسدون رمقهم إلا «بالترمس» الذي كان مدخرا في ~~الأديرة من عهد المرحوم إبراهيم الجوهري، فتناقص عددهم إلى أن وصل إلى ثلاثة أشخاص، ~~فسلك صاحب الترجمة بأحسن ما يتصور النسك والزهد، فلما رأى فيه الرهبان ذلك أجمع رأيهم ~~على ترقيته إلى درجة الكهنوت، فكتبوا له «التذكية» وأرسلوه إلى القاهرة، فكرسه الأب ~~سرابمون العجائبي أسقف المنوفية قسا في كنيسة حارة الزويلة عام 1853م، وبعد قليل ~~اختاره الرهبان مديرا لشؤونهم لعنايته التامة بهم ، فتحسنت أحوالهم وأحوال الدير على ~~يديه، وكثر عددهم وتفانوا مثله في الزهد والتعبد، وكان دائما يلقي عليهم المواعظ ~~الروحية ويعلمهم ويفيدهم بما منحه من المعارف الدينية والأدبية. # وفي عام 1855 ميلادية 1863م ق، 1571 ش استدعاه المثلث الرحمة البطريريك دمتريوس ووسمه ms343 ~~أغومانوسا وأقامه مساعدا في الكنيسة الكاتدرائية بالأزبكية، فشق على الرهبان مفارقته ~~للدير ولم يستطيعوا الصبر على بعده، فكتبوا إلى البطريريك متوسلين في إعادته لتدبير ~~شؤونهم وألحوا في ذلك مرارا، فلبى التماسهم وأعاده إلى محله فلبث قائما بأعباء وظيفته ~~خير قيام حتى انتخبه المطارنة والأساقفة، وأعيان الطائفة القبطية بطريريكا للكرازة ~~المرقسية في يوم الأحد أول نوفمبر سنة 1874ميلادية/23 بابه سنة 1591ش باسم كيرلس الخامس ~~في الاسم النبيل، وفي العدد الثاني عشر بعد المئة من خلفاء الرسول ماري مرقس الإنجيلي، ~~وكرس باحتفال حافل حضرة عظماء القوم من جميع أنحاء القطر، يتقدمهم حضرات أصحاب السمو ~~أمراء البيت الملكي وكبار الموظفين، ووكلاء الدول، وتواردت على غبطته التهاني من كافة ~~أنحاء البلاد الأوربية. # إنشاء المجلس الملي العام # بعد وفاة المتنيح الأنبا ديمتريوس البطريرك السالف، تعين المتنيح الأنبا مرقس مطران ~~الإسكندرية وكيلا لإدارة الكرسي المرقسي رثما يرسم بطريرك آخر، ولما رأى أن أعمال ~~الطائفة تستدعي أعمال مجلس يعاونه على شؤونها العديدة، فباتفاقه مع أعيان الشعب وقتئذ ~~عملوا لائحة خاصة محتوية على إدارة المدارس والكنائس والأوقاف والأديرة ~~والفقراء. # ولما رسم غبطة البطريرك الحالي ورأى أن هذه اللائحة مجحفة بالسلطة الدينية؛ لأن في ~~نصوصها تداخل الشعب في محاكمة الأكليروس وإدارة أوقاف الرهبان وغير ذلك عز عليه هذا، ~~ولكن رجال المجلس أرادوا الاستبداد بهذه السلطة، فنشأ عن هذا خلاف بين السلطة ~~الأكليركية والسلطة الشعبية، ولقد ناضل غبطته طويلا في هذا الحق المقدس، ولم يثنه عنه ~~لا نفي ولا طرد إذ إنه نفي بدير البرموس في سنة 1892، وعاد معززا مكرما وعدلت اللائحة ~~أخيرا كغرضه؛ لأن الحق يعلو والباطل يزهق بتعديل سنة 1908 وسنة 1912. # ونظرا لاتساع أعمال الطائفة في جهات القطر عمل لهم مجالس فرعية بلائحة خاصة ~~باختصاصها. # تشييده دور العلم والمعاهد الدينية # وأخذ بعد عودته من المنفى في تشييد وترميم الكنائس والأديرة، وأنشأ جملة قصور بها ~~وزين الكاتدرائية الكبرى بأبدع النقوش وأجمل الصور الكنائسية. # وقد أنشأ عدة مدارس للبنين والبنات وله اليد الكبرى في إنشاء مدرسة الفنون والصنائع ~~ببولاق، وكلية ms344 البنات، ومعظم نفقات هذه المشروعات النافعة المفيدة كانت من جيبه الخاص ~~ويقال: إنها تزيد عن السبعين ألف جنيه وفضلا عن ذلك فقد اشترى للبطريركية ما يزيد عن ~~الخمسماية فدان من أجود الأطيان، واشترى أيضا السراي الكائنة بمهمشة، وشاد جملة عمارات ~~للاستغلال فنما بذلك إيراد البطريركية نموا كبيرا إذ بلغ ستين ألف جنيه في السنة، ~~بعد أن كان في أول عهده خمسة آلاف جنيه فقط. # وقد عمل على نشر العلوم الدينية، فبعد أن لم يكن يوجد في أول عهده إلا رجل واحد يقدر ~~أن يرقى المنابر للوعظ والخطابة، وهو المتنيح الأيغومانس فيلوتاؤس أصبح الذين يقدرون ~~على الوعظ والخطابة يعدون بالمئات، ووجدت في عهده عدة مجلات دينية بعضها للدفاع عن ~~العقيدة الأرثوذكسية، وبعضها لنشر العظات والمقالات الحاضة على الفضيلة وتجنب الرذيلة، ~~وأيضا مجلات علمية وجريدتان قبطيتان سياسيتين يوميتان هما جريدتا «مصر والوطن»، وفي ~~عهده أيضا أصلحت أديرة الرهبان بالجبلين الغربي والشرقي، وتعين لها الرؤساء والأساقفة ~~فازداد عدد الرهبان، ووجد منهم كثيرون من المتعلمين؛ فلذا أمر غبطته فأنشئت لهم المدارس ~~الأكليريكية لتثقيف عقولهم، فتأسست لهم المدارس، أولا مدرسة بالإسكندرية يتعلم فيها ~~عدد معلوم من رهبان الأديرة الأربعة بالجبل الغربي، ثم أنشئت أخرى بدير المحرق لتعليم ~~الأذكياء من رهبان ديري الأنبا أنطونيوس والأنبا بولا، وهذه المدارس الثلاث أعظم واسطة ~~لتخريج رجال منهم يليقون أن تسند إليهم الوظائف الرئيسية، وحبذا لو أنشئت مدارس أخرى في ~~أنحاء القطر إذن لكانت الفائدة كبرى والنتيجة عظمى. # ولقد أنشأ غبطته بالدار البطريركية كتبخانة جمع فيها سائر الكتب القديمة المخطوطة، ~~التي تحسب آثارا للعصور الغابرة، وفي عهده ارتقت الطائفة في سلم مراتب الشرف إلى درجة ~~تسر المحبين، ونمت ثروتها العمومية نموا كبيرا، وفي عهده أيضا تأسس المستشفى القبطي ~~الكائن في أعظم بقعة صحية في شارع عباس بالقاهرة، وهو يعد من مستشفيات الدرجة الأولى من ~~حيث ضخامة البناء وجودة الهواء، وتوفر الأدوات الطبية وانتقاء نطس الأطباء كما أوجد ~~لهذا المستشفى صيدلية «أجزخانة كاملة» الأدوية خاصة به، وانتقى لها أمهر الصيدليين ~~القانونيين ms345 وقد صرف على إنشائها مبالغ طائلة وبالإجمال نقول: إن عهد غبطته قد تبلج في ~~أفقه الرقي والعرفان وسعادة الطائفة بلا شك ولا جدال. # الاحتفال الفخم باليوبيل الذهبي الخمسيني لغبطته # وقد احتفل الشعب المصري عامة والأقباط خاصة بيوبيل غبطته الخمسيني الذهبي أي: مرور ~~خمسين عاما على تبوئه كرسي البابوية، وذلك في يوم السبت الموافق 3 فبراير سنة ~~1923 / 23 بابه سنة 1640ق احتفالا لم يسبق له مثيل، حيث أقيمت الزينات الفخمة وأنيرت ~~الثريات والمصابيح البهجة داخل الدار البطريركية وخارجها، وألقيت الخطب والقصائد ووفد ~~الكبراء والعظماء، وكل ذي حيثية ومقام يهنئون غبطته، ويتقبلون دعواته يعلوهم البشر ~~والسرور، والبهجة والحبور، مكررين الدعاء بحفظ ذاته الكريمة فكان يقابلهم غبطته ببشاشته ~~المعهودة مباركا إياهم داعيا لمصر وبنيها بالعز والرخاء، وقد وزعت الصدقات ونحرت ~~الذبائح، ووزعت على الفقراء والمساكين، فانطلقت ألسنتهم بالدعاء للعزة الإلهية أن تطيل ~~حياة هذا الراعي الصالح، والأب التقي الورع لخير أمته وسعادة طائفته التي نالت الرقي ~~الحقيقي بفضل طهارته وصلاحه وتقواه، التي أصبحت أشهر من نار على علم. # غبطة البابا بملابسه الكهنوتية الرسمية. # وفي صباح يوم الأحد 4 من الشهر المذكور أقيم قداس حبري عظيم بالكنيسة المرقسية الكبرى ~~حضره عموم عظماء وكبراء الطائفة. # هذا ولسمو مركزه الديني قد أهداه أكثر الملوك وسامات الشرف، خصوصا سلاطين آل عثمان ~~وسمو الخديوي السابق عباس باشا حلمي الثاني، أما جلالة الملك يوحنا ملك الحبشة فقد ~~أهداه تاجا مرصعا بأنواع الجواهر الثمينة، وصليبا مرصعا بالياقوت والجواهر ~~الغالية. # صفاته وأخلاقه # هو آية من آيات الطهر، والزهد، والورع، والتقوى، والصلاح، وعلى جانب عظيم من العلم، ~~والفطنة، والذكاء، مع سلامة القلب، والتواضع الكلي. # فتجده مخلصا كل الإخلاص لشعبه، غيورا على مصلحته، محافظا على الفروض الدينية لذا ~~نراه محبوبا محترما كثيرا في نظر عموم الشعب المصري لا فرق بين مسلمه ومسيحه ، والكل ~~داعون لغبطته بدوام حياته السعيدة؛ ليقوم بأعباء خدمة شعبه بما أوتيه من علم وفضل وحنكة ~~وطهارة، أنجح الله مسعاه وأبقاه راغدا في ثوب العافية والهناء أياما طويلة وسنين ~~عديدة. ms346 # آمين آمين لا نرضى بواحدة # حتى نبلغها آلاف آمين # | ترجمة فقيد الأمة الأرثوذكسية جلالة الإمبراطور منليك الثاني # «ملك ملوك الحبشة» # بيان موجز للمؤرخ # لا نبغي من هذا البيان الموجز أن نأتي بعده بتاريخ حياة هذا الإمبراطور العظيم، الذي ~~فقدته الأمة الأرثوذكسية عامة والممالك الحبشية خاصة، إنما الغرض الوحيد من وضع رسمه في ~~هذا السفر أن نأتي بذاك الخطاب التاريخي المرسل من جلالته عن يد نيافة الأب الموقر ~~الأنبا متاؤس مطران المملكة الحبشية إلى غبطة البابا المعظم، أثناء زيارته الرسمية ~~للأقطار المصرية في أوائل سنة 1902 ميلادية؛ نظرا لما يحويه الخطاب المذكور من آيات ~~الولاء والإخلاص لشخصه الكريم؛ ولأن في إثباتاه الدليل الساطع والبرهان القاطع على ما ~~لغبطة البابا المعظم من المنزلة الكبرى، والمقام الأسمى والاحترام الأكيد لدى ملوك ~~الحبشة الفخام، بما له من حق الرياسة الدينية على تلك المملكة، وما يليها من الممالك ~~الأرثوذكسية الأخرى. # المرحوم جلالة الإمبراطور منليك الثاني. # وهاك نصه حرفيا مأخوذا من كتاب تاريخ الأمة القبطية تأليف المرحوم يوسف بك منقريوس ~~ناظر مدرسة الأقباط الأكليريكية سابقا: # من منليك ملك ملوك الحبشة # إلى غبطة السيد الأب الأنبا كيرلس بطريرك الإسكندرية ومصر والنوبة والحبشة، ~~وما يليها الجالس على كرسي القديس مرقس الإنجيلي والمبشر بكلمة الله وعمود ~~الدين والإيمان الثابت الأركان والكنز الذي لا تطاول إليه أيدي المعتدين، ~~والنور المتألق في سماء الدين الذي سار في الرهبانية مع رسوخ القدم في الإيمان ~~سير المهتدين، ألا وهو عبد ورسول يسوع المسيح، دامت علينا رياسته، آمين. # أما بعد أيها السيد الجليل والحبر العظيم، فإني أنا منليك الثاني القائم بأمر ~~الله ملكا على ملوك الحبشة، أجثوا تحت مواطئ قدميكم مستمدا بركتك التي عمت ~~جميع الناس على اختلاف الأجيال والأجناس، ثم أحيط علم قداستكم أنني بنعمة السيد ~~المسيح رب الجنود، وشفاعة والدته الدائمة البتولية والطاهرة مريم العذراء، رافل ~~في حلل السلامة والهناء، ثم أبدي بأن قدس الأب المعظم الأنبا متاؤس الذي قام ~~بأعباء وظيفته في بلاد الحبشة خير قيام، عاكفا بصلواته المقدسة على خدمة ms347 الأمة ~~حسب المرام عرض على سدتي الملوكية، بأنه قد استغرق مدة مديدة من الزمان وهو ~~بعيد عن الأهل والأوطان، وبناء على ذلك التمس منا أن نأذن له في الرحيل إلى ~~وادي النيل، رجاء أن يمتع الناظر بمشاهدة غبطتكم وسائر الآباء وأفراد أبناء ~~الأمة في وطنه المحبوب، وصرحنا له بذلك ولا سيما لزيارة بيت المقدس، الذي هو ~~مطمع الأنظار والقلوب، وكان من العوائد الجارية أن من رسم مطرانا على بلاد ~~الحبش لا يسوغ له أن ينتقل لأي سبب كان من مركز وظيفته إلى سواء البلدان، غير ~~أني وضعت قانونا جديدا مراعاة لأحكام علائق الوداد، وعملا بما جاء في الكتاب ~~المقدس مما لا يخرج عن هذا المراد، وإجابة لطلب أبينا الأنبا متاؤس صرحنا له ~~بالسفر ليعرب لقدسكم عما في صميم الفؤاد من مكانة الحب الذي لو تجسم لملأ ألف ~~واد، هذا وأرجو من قداستكم أن تمدونا وسائر الأمة بالصلوات والدعوات في كل وقت ~~من الأوقات، حتى يثبتنا الله على الصراط المستقيم، وتعم البركة كل باد منا ~~ومقيم، ومتى عاد الأنبا متاؤس إلينا بالسلامة تزودونه بصلات صلواتكم، لنكون ~~ملحوظين بعين العناية ومحفوفين إلى ما شاء الله بكمال الرعاية. # تحريرا في 25 هتور سنة 1618 ~~«كتب بمدينة ~~أديس أبابا» # | ترجمة سمو الرأي تفري ولي عهد المملكة الحبشية # لمناسبة زيارته للبلاد المصرية # زار مصر في صيف عام 1924 حضرة صاحب السمو الرأس تفري ولي عهد الإمبراطورية الحبشية، وكان ~~معه رءوس الحبشة وحاشية كبرى نزلوا جميعا بفندق الكونتيننتال، وعقب حضوره تشرف بمقابلة ~~حضرة صاحب الجلالة الملك فؤاد الأول بسراي عابدين العامرة، حيث أقلته إليه عربة التشريفات ~~الكبرى مع الحرس الملكي، فأكرم جلالة الملك وفادته، وتفضل حفظه الله وأنعم عليه بالوشاح ~~الأكبر وهو أكبر وشاح لدى الحكومة المصرية، ثم زار بعد ذلك قداسة الحبر الجليل غبطة بطريرك ~~الأقباط الأرثوذكس، الذي أمر بعمل قداس خاص بداخل الكنيسة المرقسية الكبرى عند وصول سموه ~~للديار المصرية، حضره صفوة الأعيان ووجهاء الأمة القبطية الأرثوذكسية، فكان الاحتفال بمقدمه ~~بالغا حد الأبهة والجلال. ms348 # ولما كانت مشكلة دير السلطان الذي للأقباط بالحبشة قائمة على قدم وساق في ذاك الوقت، حيث ~~تريد الحبشة الاستيلاء عليه في حين أنه مملوك للأقباط رسميا منذ زمن مديد، فقد ألف وفد من ~~أعيان الأقباط مؤلف من حضرة صاحب المعالي فوزي باشا المطيعي وزير الزراعة سابقا، وسعادة ~~قليني فهمي باشا، وجناب الأغومانوس بطرس عبد الملك رئيس الكنيسة المرقسية الكبرى للمفاوضة ~~مع سموه في شأنه، وبعد مفاوضات عديدة أظهر فيها الوفد القبطي أحقيته لهذا الدير، طلب سمو ~~الرأس تفري انعقاد الجمعية العمومية لقبط للبحث في هذا الصدد، وفعلا تم انعقاد هذه ~~الجمعية، وبعد عدة جلسات تم قرارها على إعطاء الأحباش جزءا من هذا الدير للمرور منه، وذلك ~~حسما لكل نزاع بين الفريقين المتحابين، وبذا انقضى هذا الإشكال وزال الجفاء الوقتي والحمد لله. # سمو الرأس تفري ولي عهد المملكة الحبشية. # وقد غادر سمو الرأس تفري مصر إلى أوربا؛ ليقف بنفسه على الحضارة الأوربية ويفض المشاكل ~~القائمة الآن بين بلاده وبعض دول أوربا. # وقد رأينا أن نأتي هنا بلمحة عن الحبشة وأهلها خدمة للتاريخ فنقول: # الحبشة وأهلها # الحبشة الآن هي جزء من إثيوبيا القديمة التي كان يعد السودان جزءا منها، وآثار ~~الأثيوبيين لا تزال توجد في السودان، وقد غزا بعض ملوكهم مصر وحكموها مدة كما غزوا ~~أيضا اليمن وحكموها مدة غير قليلة، فحضارة الأثيوبيين القديمة فيها مزيج من حضارة مصر ~~وحضارة العرب القديمتين، واتصال الحبشة الحديثة بكلتا البلادين - مصر وجزيرة العرب - ~~شديد فمعظم التجار في الحبشة من العرب، والكنيسة الحبشية هي فرع من الكنيسة القبطية، ~~يعين البطريرك القبطي أسقفها الذي يمسح قسوسها وملوكها، ووزير معارفها شاب قبطي. # وسكان الحبشة يبلغون ثمانية ملايين والحكومة مطلقة فيها شيء شبيه بالشورى؛ لأن ~~النجاشي يستشير مجلس الرءوس، وهؤلاء الرءوس أمراء مطلقون في إمارتهم، والرق منتشر ~~عندهم، والبلاد جبلية، والزراعة تزكوا هناك لكثرة الأمطار، ولكن جهل السكان يمنع ~~ترقيتها، فالقطن ينمو بريا ولا يزرعه أحد، وكذلك قصب السكر والنخل والكرم كلها تنمو ~~في الجبال، ولا يزرعها إلا القليل ms349 من الأهالي، وأكبر مدن الحبشة هرر وعد سكانها 50000، ~~وفي البلاد سكة حديد واحدة، وتصل أديس أبابا ببعض البلاد الداخلية خطوط تلفونية ~~وتلغرافية. # وأعظم من عرف حديثا من إمبراطورة الحبشة منليك، الذي توفي سنة 1913م ولم يكن له ~~وارث، فتعين أحد أولاد إخوته المدعو ياسو «يسوع» إمبراطورا، وكان هذا الشاب طائشا ~~فلما حدثت الحرب الكبرى انضم إلى الأتراك وأعلن أنه مسلم، وحاول أن يجعل الإسلام ديانة ~~البلاد الرسمية، فهاج عليه الناس هياجا كبيرا وخلعوه في سنة 1916م، ثم عينت ابنة ~~منليك إمبراطورة، وتعين الرأس تفري ولي عهد، أما ياسو هذا فأسير الآن عند الرأس ~~تفري. # وقد كتب أحد الإنكليز الذين عاشوا في الحبشة مدة طويلة يذكر عاداتهم، ومما قاله: أنهم ~~يأكلون في حفلاتهم الرسمية اللحم نيا، وليس فيهم من لا توجد الدودة الوحيدة في بطنه ~~لهذا السبب، وهم يشربون نوعا من النبيذ المصنوع من خمير العسل، وإذا جرع الإنسان منه ~~جرعة طارت إلى الرأس وفعلت فعلها. # ومن علامات الشرف في أنحاء البلاد التي لا تصل إليها أيدي الحكومة أن يقتل الإنسان ~~عددا من الرجال، ومن يقتل أسدا أو فيلا عد من عظام الرجال، وأسد الحبشة ليس جريئا، ~~ولكن الفيل ذكي يعرف البندقية فيميز العدو من الولي. # ومناظر الطبيعة في الحبشة تختلف من صحاري قاحلة إلى جبال وسهول تغطيها الخضرة، وليس ~~لأنهارها جسور فيضطر السائر إلى العبور سباحة، ويكون طول ذلك الوقت تحت رحمة التماسيح ~~وأفراس النهر والعلق. # وشر ما في الحبشة ذبابها فهو يطير سحائب تغطي الأشخاص، وهو يكثر لتلك العادة الفاشية ~~بين الأحباش في تطرية شعرهم بالدهن، وأمراض العيون فاشية لهذا السبب. # ومقام المرأة غاية في الضعة، فالزوج يشتريها من أهلها بعدد من الخراف أو الماشية يتفق ~~وجمالها، وكثيرا ما تقرن المرأة إلى بقرة تجران الاثنتان محراثا، والزوج في الخلف ~~يحمل سوطه يقعقع به وراءهما. # وكنائس الحبش تبنى من الطين والقش، وهي مستديرة والقداس يقوم به الكهنة في وسط ~~الكنيسة والناس حولهم جلوس، ويأخذ الكهنة في الترتيل والرقص ودق الطبل ms350 ويتحركون في كل ~~ذلك حركات توهم الناظر أنهم يطعنون ثعبان أو يقتلون وحشا بحربة في أيديهم، ونحو خمس ~~رجال الحبشة البالغين قسوس أو شمامسة، ومع ذلك قد تسربت إلى المسيحية هناك جملة عادات ~~وثنية، بل بلغ من ضعف المسيحية أن كان تتغلب عليها اليهودية، ومن التقاليد المرعية الآن ~~احترام يوم السبت كما يحترمون أيضا يوم الأحد، وعندهم نحو 150 عيدا في السنة، وهم ~~إجمالا يكرهون المرسلين الدينيين، ومن أقوال أحد أمبراطرتهم: «إن الأوربيين يرسلون ~~إلينا أولا مرسليهم ثم قناصلهم ثم جنودهم». # والحبشة كما يدل على ذلك اسمها مزيج من جملة شعوب أهمها شعوب الشمال، وهي تشبه في ~~الملامح سكان شمال أفريقيا، وهم خفيفو السمرة ويتكلمون لغة سامية تسمى الأمهرية، ~~ونساؤهم على شيء من الجمال، ويلي الأمهريين شعب آخر يدعى الجالا، وفي الحبشة عدد غير ~~قليل من العرب المسلمين واليهود. # ومقام الرجل هناك يعرف من عدد أتباعه، فالأمير الكبير لا يركب فرسه أو بغلته إلا وهو ~~متبوع بنحو مائة رجل من الخدم يحملون أسلحته وأمتعته، أما الموظف الصغير فيكفيه تابعان ~~أو ثلاثة. # الحبش وعلاقتهم بالقبط # اختلط القبط (أي: المصريين) بالحبش من قبل زمان النصرانية اختلاطا، أدى إلى اعتقاد ~~المؤرخين القدماء بأن المصريين والحبش من أصل واحد لتشابه الجماجم؛ ولأن التوراة تشير ~~إلى ذلك إذ تقول عن المصريين: إنهم أبناء مصرايم بن حام (تك 10: 6) وكوش الذي ينسب إليه ~~الحبش هو أخو مصرايم، حتى لقد اعتقد الكثير أن «كيمي» اسم مصر بالقبطية مأخوذ من حام ~~أبي المصريين والحبش. # ومما ذكره المؤرخون أن جماعة الأتومولة المصريين قد هجروا مصر في أيام بسماتيك الملك ~~وذهبوا إلى بلاد الحبشة، والعلاقة قديمة جدا للمجاورة، وقد ذهب متى الإنجيلي مبشرا ~~هناك، وترك إنجيله مكتوبا بخط يده عند اليهود المتوطنين هناك الذين يقولون عن أنفسهم ~~إنهم من نسل سليمان، والذين أرسلهم إلى هناك مع ابنه من سبأ ملكة التيمن؛ ولغاية الآن ~~يعتقدون أن عندهم تابوت العهد في أكسوم، أخذه منليك الأول من أبيه سليمان الحكيم، وقد ~~ذهب نتينوس معلم ms351 مدرسة الإسكندرية، فتمكن من أخذ إنجيل متى وقد استحضره إلى ~~الإسكندرية. # وقد ظلت بلاد الحبشة على حالها حتى أوائل القرن الرابع المسيحي أو القرن الأول ~~للشهداء، ولكن أثناسيوس الرسولي بطل الأرثوذكسية قد وجه التفاته إلى تلك البلاد لعلمه ~~بالرابطة القومية، فتمكن من إرسال مطران عليها يدعى فرومنتيوس، وهو أول مطران في سنة ~~330م. # وقد اختلفوا في الكيفية التي توصل بها إلى إرسال هذا المطران، فقال بعض المؤرخين: إن ~~أخوين كانا مع صوري في مركب تمخر في البحر الأحمر، فاحتاجت إلى مياه، فعرجت على سواحل ~~الحبش، فأجهز جماعة الحبشان على من فيها، وهرب الشبان فقادوهما إلى النجاشي الذي جعل ~~أحدهما ساقيه، والآخر أمينا لخزانته، وبعد موته اهتما بأولاده اهتماما عظيما، ~~فكافأهما خليفته بعد أن أبلغ رشده بإطلاق سراحهما، وقيل: إنه طلب منهما أن يعمداه ~~ويتوليا أمر حراسة الدين الذي تعب في غرسه، فواعداه بأن يخبرا بطريرك الإسكندرية، ولما ~~أطلق سراحهما ذهب أحدهما إلى صور، فكان هناك قسيسا كبيرا أما الآخر وهو المدعو ~~فرومنيتوس فقصد الإسكندرية، وتقابل مع بطل الأرثوذكسية أثناسيوس الذي بعد أن أرشده رسمه ~~أسقفا، وأعاده إلى تلك البلاد مع جماعة ليكونوا له مساعدين وكان ذلك حوالي سنة ~~330م. # ولما كانت علاقة الأحباش بالقبط قديمة جدا، وأنهم لا يعرفون أن الكنيسة القبطية ~~أمهم، طلبوا منها توسيع دائرة الرياسة الدينية هناك، وعليه فقد انتقوا مطرانا وثلاثة ~~أساقفة تحت يده، ولم يبق منهم إلا نيافة الأنبا متاؤس الحالي الذي وضعنا صورته، وترجمته ~~الشريفتين في غير هذا المكان، وقد أصبح هو المطران الوحيد هناك أو بالحري هو الرئيس ~~الديني الأكبر في بلاد الحبش. # وقد أظهر القبط في هذه الآونة من أدلة الميل إلى دوام الارتباط بينهم، وبين إخوانهم ~~الأحباش ما قاموا به من الاحتفالات الفائقة لسمو الأميرة الحبشية منن قرينة سمو الرأس ~~تفري، التي زارت مصر بعد عودتها من القدس الشريف وقيام أفاضل القبط بواجب ~~الضيافة. # ولولا أن شرح العلاقة بين الأمتين قد تطول كثيرا لو استقصينا الحوادث التاريخية لما ~~اكتفينا بهذا البيان ms352 الوجيز، الذي نعتبره ملخص تاريخ العلاقة الدينية. # | ترجمة نيافة الحبر الجليل جزيل الطوبى والاحترام الأنبا متاؤس # ترجمته الشريفة # ما بزغ شهر يناير سنة 1923 إلا وطارت الأنباء للدار البطريركية الأرثوذكسية بقدوم ~~حضرة صاحب النيافة كلي الطهر والورع، الأنبا متاؤس مطران كرسي المملكة الحبشية، فبدأت ~~البطريركية في استقباله استقبالا يليق لهذا الحبر الجليل من التجلة والاحترام، وأرسلت ~~وفدها لمقابلته على ميناء السويس وعادوا بنيافته إلى العاصمة، حيث قوبل فيها من عموم ~~الطائفة بالسرور والابتهاج مهنئينه بقدومه السعيد، وقد تفضل جلالة فؤاد الأول ملك مصر ~~والسودان، فأوفد من قبله مندوبا لتبليغ تحيات جلالته، وغصت الدار البطريركية بكل عظيم ~~ووجيه، ودقت الأجراس سرورا وحبورا وفتحت أبواب الكنيسة المرقسية الكبرى، وأقيمت فيها ~~صلاة شكر لسلامة وصول نيافته، وأنشد الشمامسة أناشيد الابتهاج وساروا أمام نيافته ~~حاملين الصلبان حتى مدخل الكنيسة، ولا يمكن وصف اغتباط الشعب ومنتهى سروره برؤية طلعة ~~هذا التقي الورع، الذي طال اغترابه عن أنظارهم زمنا طويلا، حيث كانت زيارته الأخيرة ~~للوطن عام 1902م. # نيافة الحبر الجليل جزيل الطوبى والاحترام الأنبا متاؤس «مطران كرسي ~~المملكة الحبشية». # ولقد حظي بمقابلة جلالة الملك فؤاد الأول ملك مصر والسودان صباح يوم الاثنين الموافق ~~29 يناير، سنة 1923 مصحوبا بحضرات الآباء المحترمين الأنبا يؤانس مطران كرسي ~~الإسكندرية، والأنبا باخوميوس أسقف الدير المحرق، فأكرم وفادته إكراما دل على مكانته ~~السامية في القلوب. # ولما كان مركز نيافته الحالي من أهم المراكز الدينية والسياسية؛ لتدخله في أكثر شؤون ~~المملكة الحبشية وكثيرون يجهلون تاريخ حياة نيافته، فقد رأينا أن نأتي على لمحة من ~~تاريخه الشريف، وسرد ملحوظاتنا عليها وهو كل ما وصلنا إليه فنقول: # ولد نيافته في بلدة بني خالد إحدى قرى مديرية أسيوط، وشب عاكفا على الآداب والتقوى ~~ثم دخل في دير المحرق في عهد المتنيح المثلث الرحمة الأنبا أبرام الذي كان اسمه وقتئذ ~~القمص بولس، وهذا كان رئيسا للدير المذكور قبل أن يرسم أسقفا على كرسي الفيوم، ولما ~~كثرت إحسانات وعطايا هذا القديس المتنيح، عزل بمعرفة الأنبا مرقص مطران ms353 كرسي البحيرة في ~~ذاك الوقت للسبب المذكور مدعيا أن إيراد الدير لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكفي لسد ~~حاجة هؤلاء المعوزين، وهكذا كان نصيبه وجزاؤه. # وبعد نهاية المدة التي مكثها نيافة المترجم في دير المحرق، انتقل راهبا إلى دير ~~العذراء بالبراموس بالبرية في عهد المتنيح الأنبا مرقص مطران كرسي البحيرة، ورسم نيافته ~~أسقفا للحبشة سنة 1597 للشهداء/1891 ميلادية، وقد كان هناك الأنبا بطرس، فلما ذهب إلى ~~بلاد الأحباش سار بحكمة لذكائه الطبيعي وبقي هناك في مدينة النجاشي منليك حتى إذا ارتقى ~~عرش المملكة دبر سيادته بأحسن طريقة الملك، فكان جزاؤه أن حاز رضا النجاشي التام، وحصل ~~على درجة لم ينلها مثله ممن تولوا الإمامة إلا نادرا، فإنه فضلا عن أنه صار كبير ~~الأساقفة هناك، فإن النجاشي لا يعمل عملا ولا يصدر حكما إلا بعد أن يستشيره فيه ~~مكافأة له على حسن تدبيره وعنايته التامة، وسعيه المتواصل لإعلاء منار المملكة، وتقوية ~~دعائم الدين المسيحي، وتثبيت أركانه في تلك البلاد الشاسعة الإرجاء، وقد ثبت في يوم ~~الأحد 16 فبراير سنة 1902 في درجة المطرانية عظيمة القدر باحتفال حافل جدا لم يسبق له ~~مثيل من قبل، ولقد ذاع صيته في أقطار المسكونة، كما أن أحد كبار الإفرنج جاهر بما ~~لنيافته من المقام الأسمى والاحترام الكلي، والكلمة المسموعة والباع الطويل في أمور ~~المملكة، وأطنب في صفاته الشخصية إطنابا عظيما، وذكر ما لمكانته بين ذاك الشعب من ~~الإجلال حتى إنه وصفه ببابا رومية عند طائفة الكاثوليك. # ولا غرابة ولا عجب فإن اسم نيافة الأنبا متاؤس سيخلد بمداد الفخر والإعجاب في بطون ~~التاريخ ضمن من جاهدوا، وسعوا في رفع شأن الديانة المسيحية، وتثبيتها في تلك البلاد ~~وإعلاء كلمتها. # ولقد مكث نيافته مدة اثنين وأربعين عاما حتى تاريخ زيارته هذه للأقطار المصرية وهو ~~في تلك الأقطار النائية عن الوطن دائب على العبادة متمسك بأهداب التقوى والصلاح. # أما عن أخلاق نيافته الشخصية وأعماله الخيرية، فحدث ولا حرج فهو مثال اللطف والوداعة ~~وكرم الأخلاق والطهارة، وحسناته العديدة ms354 التي يوزعها على البؤساء، ومن أخنى عليهم الدهر ~~بكله وكانوا من العائلات الشريفة، فحدث عنها ولا حرج، وله اليد الطولى في كل عمل خيري ~~مدفوعا إلى ذلك بعامل الإيمان المسيحي الحقيقي المجرد من حب الفخر والفخفخة والتظاهر، ~~اللهم إلا ابتغاء مرضاة رب المجد وضميره الطاهر. # أجزل الله عليه البركة وكافأه بعدد حسناته العديدة ومآثره الفريدة، وأدامه بالصحة ~~والهناء نبراسا وضاء للكنيسة القبطية الأرثوذكسية آمين. # | ترجمة نيافة الشيخ الوقور الأب الكلي الطوبى والجزيل الاحترام الأنبا يؤنس # مطران كرسي البحيرة والمنوفية ووكيل الكرازة المرقسية للأقباط الأرثوذكس # مولده ونشأته # ولد نيافته ببلدة تسمى دير تاسا بمركز البداري بمديرية أسيوط، وتربى تربية حسنة، ومن ~~ثم ترهب بدير السيدة بالبرموس في سنة 1592، ولم يمض كبير زمن حتى رقي قمصا ثم تعين ~~رئيسا لدير السيدة برموس وذلك في سنة 1593 ومكث بالرياسة مدة عشر سنوات أتى فيها من ~~الأعمال ما خلد له ذكرا جميلا واسما جليلا في قلوب عموم الرهبان، ولا سيما أعيان ~~طوخ النصارى مركز كرسي رئاسة الدير المذكور، فشيد بها قصرا شاهقا وجدد كنيسة عزبة ~~الرياسة بطوخ، وجدد كنيسة باسم العذراء بالدير المذكور بوادي النطرون، ورقى فن الزراعة ~~وذلك بأن أحضر وابورا للري، وبذلك ازدادت إيرادات الدير زيادة محسوسة، وأخذ بناصر ~~الفقراء والمساكين حتى لهجت ألسنة العموم بالثناء عليه، وعلى خصاله ومبراته، وقد سيم في ~~الصوم الكبير لسنة 1603 لكرسي البحيرة والمنوفية ووكيل الكرازة المرقسية. # وفي سنة 1610 تقلد كرسي المنوفية وقام من ثم بأعمال جليلة دلت على ما اتصف به من ~~الشهامة والأفكار الثاقبة، وساس رعيته بأحسن نظام وأعظم تدبير وقد أتى من المآثر ما حقق ~~مقدرته وعلو مداركه، فقد جدد كنيسة العطف والضهرية وعزبة أبو حمده والطرانة وأنشأ كنيسة ~~دمتيوه، وجدد مدرسة دمنهور بمديرية البحيرة، كما أنه جدد كنيسة حصة برما وأنشأ فيها ~~مدرستين للبنين والبنات، وأنشأ كنيسة بمم منوفية، وكنائس بمنية الواط وزاوية الناعورة ~~وعزبة الملايجة ومنوف وسمادون وسرس الليان ، وجدد كنيسة سبك وكنيسة بي العرب، وأنشأ ~~مدرسة بالبتانون وأخرى بميلج، ms355 وكنيسة ومدرسة بناحية ميت خاقان وهذه بعض مآثره بمديرية ~~المنوفية، وقد تبرع من ماله الخاص لكل مشروع حاثا على المثابرة على الأعمال الخيرية ~~بكل اجتهاد. # نيافة الأنبا يؤنس مطران كرسي البحيرة والمنوفية «ووكيل الكرازة ~~المرقسية بالإسكندرية». # ولقد تبرع لمدرسة بولاق الصناعية بمبلغ 500 جنيه ولدير أبي سيفين بمصر بمبلغ 150 ~~جنيه، ولم يحرم باقي الجمعيات الخيرية الأخرى بإسكندرية كجمعية الثبات والاتحاد عند ~~بناء معهدها العلمي وغيرها من تبرعاته ومنحاته المالية. # وقد أنشأ بمدينة الإسكندرية مدرسة أكليريكية لتعليم رهبان دير السيدة برموس وأنبا ~~بشوي والسيدة العذراء بالسريان، وقد خرج منها عدد عديد من الرهبان منهم نيافة مطران ~~كرسي قنا، ونيافة مطران كرسي المنيا ونيافة مطران الفيوم، والرهبان الموجودون فيها الآن ~~حاصلون على أحسن العلوم العصرية. # وجدد المدرسة القبطية بالإسكندرية للبنين والبنات وبحسن رعايته، ومزيد عنايته تقدمتا ~~تقدما محسوسا، فأحضر لهما المعلمين والمعلمات وعين لمدرسة البنين ناظرا مقتدرا وشيد ~~منازل كبيرة للأوقاف، يتحصل منها إيراد كبير وأقرب ما يذكر لقدسه بالشكر الجزل تأسيس ~~مدارس الأحد بالإسكندرية التي سدت فراغا عظيما، وأوجدت روحا جديدة في شبان وشابات ~~بنات الطائفة، فضلا عن عزمه على بناء كنيسة أخرى بالإسكندرية، وتبرعه إليها من ماله ~~الخاص بمبلغ خمسماية جنيه. # هذا وقد قاسم نيافته غبطة البابا المعظم في كل شأن من شؤونه، وشاركه في كل حوادثه ~~مشاركة فعلية خصوصا حوادث الخلاف، التي وقعت عام 1892 بشأن المجلس الملي وسلطة ~~الأكليروس وما تبع ذلك من إبعاد غبطة البطريرك إلى دير البرموس، وإبعاد صاحب الترجمة ~~إلى دير أنبا بولا وهو محترم الجانب محبوب لدى غبطته كثيرا. # ونيافة صاحب الترجمة حائز على المجيدي الثاني من سمو عباس حلمي الثاني الخديوي ~~السابق، والعثماني الثاني من سموه أيضا، وذلك أثناء وجوده عضوا في مجلس شورى ~~القوانين، وكذا نجمتي الحبش من الطبقة الثانية والأولى. # صفاته وأخلاقه # الصلاح ديدنه والتقوى معدنه وطبعه، والفضل منبعه، نقي القلب، طاهر السيرة والسريرة، ~~وقد حاز احترام الكبير والصغير لعظيم فضله وغزارة علمه وطهره. # أبقاه المولى وحفظ حياته السعيدة لخير ms356 الطائفة القبطية الأرثوذكسية وأكثر من أمثاله ~~الصالحين. # | ترجمة صاحب النيافة الحبر الجليل الورع الأنبا توماس # صاحب النيافة الحبر الجليل الأنبا توماس مطران كرسي المنيا والأشمونين ~~للأقباط الأرثوذكس. # ولد هذا الراعي الصالح بعزبة الدير المحرق التابع لمركز منفلوط من أعمال مديرية أسيوط في ~~سنة 1590 للشهداء، الموافقة لسنة 1873 ميلادية من أبوين تقيين ربياه على الفضيلة والتقوى ~~والصلاح، وأدخله والده مكتب البلدة فتعلم فيه مبادئ القراءة والكتابة العربية والقبطية، ~~ولما بلغ الثامنة عشر من عمره قصد دير البرموس الكائن ببربة بشهات «أي: ميزان القلوب» ~~بمديرية البحيرة في يوم الخميس 4 بشنس سنة 1607، وكان يدعى عبد الملك نصر الله فسافر بمعية ~~نيافة الحبر الجليل الأنبا يؤنس مطران الإسكندرية، وجناب قنصل روسيا بإسكندرية الذي قصد ~~زيارة الدير في ذاك العام، فكان فيه مثال التقوى والورع. # وفي 16 برمودة سنة 1609 الموافقة سنة 1892 ميلادية كرس راهبا بالدير المذكور في عهد ~~رئاسة المرحوم القمص باخوم رئيس الدير، وقد واصل الليل بالنهار في حفظ التسبحة والمزامير ~~والألحان الكنائسية، والاشتراك مع الرهبان في أشغال الدير الضرورية، وأخذ فضله يظهر منذ ذاك ~~الحين حتى نال عن جدارة واستحقاق وظيفة القساوسة، بوضع يد الكلي القداسة الجزيل الاحترام ~~غبطة البابا المعظم الأنبا كيراس الخامس بطريرك الإسكندرية في يوم الأحد الموافق 13 بابه ~~سنة 1613-1896م، وأطلق عليه باسم القمص عوض تبركا وإحياء لذكر المتنيح الراهب البرماوي، ~~الذي عند ذكر اسمه في وضع يد غبطة البطريرك ذرفت عيناه الطاهرة بالدموع حزنا على ذلك ~~الراهب الراحل الكريم، فكان لهذا المنظر أعظم تأثير عند الحاضرين، مما دل على ما كان عليه ~~ذاك المتوفى من المكانة السامية عند قداسة البابا، ثم تعين صاحب الترجمة وكيلا لأشغال عزبة ~~الدير بطوخ النصارى «منوفية» في شهر هاتور من ذاك العام في عهد رئاسة الأنبا ساويرس مطران ~~كرسي صنبو الآن، وفي 30 هاتور عام 1614-1897م رسم قمصا، وفي أول توت سنة 1616-1899م انتظم ~~في سلك طلبة مدرسة الرهبان الأكليريكية بالإسكندرية، فلبث بها أربع سنوات برز فيها في ~~العلوم ms357 اللاهوتية وصار من كبار رجال الدين، وقد وضع نيافته كتابا للمواعظ مرتبا على فصول ~~الحدود والأعياد بطول السنة، وكلها إرشادات روحية، وتعاليم وقواعد أرثوذكسية ولكن لم يطبع ~~بعد. وفي 4 برمهات سنة 1619 الموافقة لسنة 1902، أسند إليه نيافة مطران كرسي الإسكندرية ~~وكالة البطريكخانة، فقام بشؤون وظيفته خير قيام وبرهن على ما له من الخبرة والدراية، ونال ~~ثناء نيافة المطران وإعجاب الإسكندريين لفضله وكمال أدبه، وفي يوم الأحد الموافق 7 برمهات ~~سنة 1621 الموافقة لسنة 1905، أسندت إليه أسقفية كرسي المنيا والأشمونين خلفا للمرحوم ~~الأنبا ديمتريوس، فأظهر حزما واقتدارا ملك بهما قلوب شعبه، كما أسندت إليه درجة المطرانية ~~في 8 بابه سنة 1625 الموافق 18 أكتوبر سنة 1908، وفي سنة 1912 ضم إليه بندر ملوي، وفي سنة ~~1914 ضمت إليه أبروشية بردونوها التي تحتوي على إحدى عشرة بلدة ذلك؛ لأنه رجل العمل ~~الحقيقي، ولا شك أن القارئ الكريم عند مطالعته للأعمال الهامة التي قام بها نيافة صاحب ~~الترجمة يتأكد قوة عزيمته، وصدق إرادته وبعد نظره وغيرته على رفع لواء الدين والعلم والأدب ~~بين ربوع أبروشيته، التي أصبحت زاهرة بفضل مجهوده، وتفرغ كل أوقاته لخير ورفاهية شعب ~~أبروشيته، الذي يفاخر به في كل مجلس وناد، ولكن من سوء الحظ قد ألمت به الأمراض، فأشار عليه ~~الأطباء بالسفر للبلاد الأوربية وفعلا سافر أولا للقدس الشريف في 16 أبريل سنة 1924 ~~لتأدية الواجب الديني وزيارة الأراضي المقدسة، وهناك وجد الراهب فيلبس الموكل لعمارة كنيسة ~~أريحا، فتبرع نيافته بمبلغ ستين جنيها، وجمع من الذين معه بمعيته خمسة وأربعين جنيها، ~~وسلمها للراهب المذكور، وسافر بعد ذلك لأوربا وقابل أشهر الأطباء الذين قرروا فحصه جيدا، ~~وقرروا بأن المرض ناتج من كثرة الأشغال والمجهودات. وإننا نذكر هنا بعض أعماله الخيرية ~~والعلمية والدينية والمادية، التي خدم بها طائفته وفيها الدليل الكافي على ما لنيافته من ~~الفضل الجزيل. ~~(1) # إزالته دار المطرانية القديمة وتجديدها على الطراز الحديث، ونقشها نقشا ~~بديعا، وجلب لها ثمين الأثاث حتى أصبحت تضارع أعظم المباني في العظمة والأبهة، ~~وبها ms358 متسع لإضافة الغرباء والواردين والمترددين، حيث يقابلون بكل ترحاب، وقد ~~أنارها بالكهرباء. ~~(2) # وجه عنايته لإصلاح المدرسة فأنشأ مدرسة جديدة بأرض السراية على الطراز الحديث ~~أيضا، صرف عليها نحو الخمسة عشر ألف جنيه، وأعلا مقامها وجعل فيها قسما ~~ثانويا هو الآن المنهل العذب لطلاب العلم بمديرية المنيا، وقد زارها كثير من ~~وطنيين وأجانب وجاهروا بأنها أحسن وأجمل وأفخم ما بني من نوعها عند الأقباط في ~~القطر المصري، ونتائجها الثانوية في الشهادتين الابتدائية والكفاءة تدل على ~~اختياره أحسن الأساتذة القائمين بالتدريس بها، ونذكر مع الشكر حضرة الأستاذ ~~الفاضل نخله أفندي خليل المحامي بالمنيا، الذي كان أكبر عضد مالي وأعظم مشجع ~~أدبي لنيافته في إنشاء هذه المدرسة، فضلا عن أنه أوقف عليها خمسة أفدنة من ~~أطيانه الخصوصية. ~~(3) # تقسيم المدرسة القديمة إلى خمسة منازل وأوقفها على الدار المطرانية للانتفاع ~~بإيجارها. ~~(4) # أنشأ كنيسة ومدرسة بالروضة. ~~(5) # أنشأ كنيسة الفكرية. ~~(6) # أنشأ مدرسة بالبياضية. ~~(7) # إصلاح وترميم وتوسيع دير القديس أبو يحسن. ~~(8) # تجديد كنيسة أتليدم. ~~(9) # أنشأ كنيسة ومدرسة بأبو قرقاص وجدد الكنيسة القديمة. ~~(10) # أنشأ كنيسة أبشادة. ~~(11) # تجديد كنيسة نزلة أشمنت. ~~(12) # مشترى 10 قراريط أملاك بناحية هور، أنشئت عليها كنيسة والباقي لإيجاد ~~مدرسة. ~~(13) # تجديد كنيسة قصر هور. ~~(14) # اكتشاف دير أثري قديم بالجبل الغربي باسم القديس أبو فانا. ~~(15) # أنشأ كنيسة بصفط الخمار. ~~(16) # تكملة كنيسة بني أحمد. ~~(17) # تصليح وترميم وتبليط كنيسة القديس أبا هور سواده. ~~(18) # أنشأ كنيسة ومدرسة بنزلة الفلاحين من مال الست المرحومة حرم مرقص بك ~~حنا. ~~(19) # تجديد كنيسة بني غني. ~~(20) # أنشأ كنيسة صفط اللبن. ~~(21) # أنشأ كنيسة نزلة فلوصنا. ~~(22) # أنشأ كنيسة نزلة النصارى تبع الديرية. ~~(23) # أنشأ كنيسة ومدرسة بسمالوط. ~~(24) # أنشأ كنيسة ومدرسة بقلوصنا. ~~(25) # أنشأ كنيسة بنزلة المناهرة. ~~(26) # مشتري 4 قراريط أملاك من الحكومة لإنشاء مدرسة عليها بناحية الطيبة. ~~(27) # حصوله على جزء ملك لإنشاء كنيسة بنزلة مسعد حنس. ~~(28) # حصوله على جزء ملك لإنشاء كنيسة بالمطاهرة. ~~(29) # إنشاء كنيسة ومدرسة بجزء من مال المرحومين داود أفندي سيدهم وأخيه سيف ~~بك. ~~(30) # مشتري ملك ببندر المنيا بمبلغ 1361 جنيه أنشأ عليه كنيسة باسم العذراء، وتم ~~تدشينها ms359 يوم الأحد 4 كيهك لسنة 1631 الموافق 13 ديسمبر سنة 1914 بتشريف حضرات ~~أصحاب النيافة مطارنة إسكندرية والقدس وقنا وبني سويف والفيوم، بناء على أمر ~~قداسة الأب البطريرك إجابة لدعوة نيافة صاحب الترجمة، الذي شاد على باقي الملك ~~أيضا خمسة دكاكين ومنزلين أوقفهم على كنيسة المذكورة لانتفاعها ~~بإيجارها. ~~(31) # مشتري ثلاثين فدانا لوقف دير العذر بجبل الطير، وسيشتري نيافته ثلاثين ~~فدانا أخرى من ريع هذه الأطيان لهذا الوقف. ~~(32) # تجديد دير مار مينا العجائبي بنمهيري وتصليح كنيسة، وأنشأ عمارتين هائلتين ~~وبهما اثنين وأربعين أودة لراحة الزائرين لهذا الدير من عموم القطر المصري، وضم ~~عليه 16 قيراط من الأطيان المكلفة باسمه خاصة بناحية قهري لاتساع هذا الدير ~~وجنينة تساوي مبلغ 150 جنيها، وغرس بها حديقة غناء تحيط بالكنيسة وهاتيك ~~المباني من كل الجهات، واستحضر لها ماكنة تدار بالغاز لري الجنينة، ولشرب ~~الزرايب وصرف على ذلك من ماله الخاص نحو الأربعة آلاف جنيه مصري؛ لأن هذا الدير ~~ليس له أوقاف مطلقا. ~~(33) # إنشاء كنيسة كوم المحرص. ~~(34) # مشتري ملك من الحكومة ببندر ملوي سنة 1924 بمبلغ 2600 جنيه؛ لإنشاء كنيسة ~~ومدرستين إحداهما للبنين والأخرى للبنات؛ لأن المدرسة والكنيسة الحاليتين ضاقتا ~~بالمصلين والطلبة. ~~(35) # مشتري ثلاثة أفدنة أوقفها على كنيسة القديس يوحنا المعمداني بالشيخ ~~تمي. ~~(36) # مشتري ماية فدان في 13 ديسمبر سنة 1924، وأوقفها شرعا على المطرانية ~~والمعاهد الدينية والعلمية بالمنيا. ~~(37) # أنشأ كنيسة بنزلة عبيد على حساب حضرة صاحب العزة صارو وليم بك مينا ~~عبيد. ~~(38) # أنشأ كنيسة ببندر المنيا على حساب صاحب السعادة المرحوم سعيد باشا عبد ~~المسيح، الذي سبق فأنشأ أيضا مدرسة للبنات في عهد نيافته، وقد أصبح في أبروشية ~~كرسي المنيا والأشمونين عدد 50 كنيسة منها عدد 29 كنيسة ما زالت على عهدها، ~~ومنها عدد 8 كنايس تجددت، وعدد 23 كنيسة أنشئت حديثا، وعدد 21 مدرسة، وهذه ~~الكنائس والمدارس والكتاتيب بعضها انتهى، وبعضها على وشك الانتهاء وبعضها مشروع ~~فيه، والكهنة الذين يؤدون الشعائر الدينية في هاته الكنائس عدد 76 كاهنا منهم ~~عدد 2 رهبان وعدد 32 رسموا ms360 في عهد الأساقفة السابقين، وعدد 42 رسموا في عهد ~~صاحب الترجمة، ومعظمهم من خريجي المدرسة الأكليريكية الذين يعتلون المنابر ~~للوعظ والإرشاد بتلك الكنائس، حتى كاد أن يكون الوعظ عاما في عموم الكنائس ~~الأبروشية، ناهيك عن قيامه ومساعدته في طبع كتب الكنيسة سواء قبطية أو عربية ~~واهتمامه بالفقراء والأرامل، وتعضيده المدرسة الأكليريكية والجمعيات الخيرية، ~~وخصوصا جمعية المنيا والمشروعات العامة، وكفى برهانا ما أحدثه بأبروشية ~~المنيا في مدة العشرين سنة، مما يستوجب عليه معنى الشكر والثناء والإعجاب بهذه ~~الهمة العالية، التي قل أن نراها في كثيرين غيره أثابه الله عليها في الآخرة ~~وكافأه عنها خيرا. # صفاته وأخلاقه # من الصفات المحمودة التي امتاز بها نيافته دماثة الأخلاق وحلاوة الحديث والذكاء ~~المفرط، وغزارة العلم مع التواضع المتناهي والتقوى، فتجده مخلصا لشعبه غيورا على دينه ~~محافظا على الفروض الدينية. # أدام الله حياته ومتعه بدوام الصحة والعافية، وأكثر بين رجال الأكليروس الأرثوذكسي ~~العاملين المجاهدين في سبيل الخير العام من أمثاله، وإننا نختم تاريخ هذا المجاهد ~~العظيم في سبيل الإصلاح العام بكلمة شكر نزفها إلى نيافته بنوع خاص، وهي كلمة إعجاب بما ~~له من همة عالية، وكفاءة نادرة اتخذهما له شعارا ولحياته الطيبة نبراسا وضاء، فأنعم ~~به من راع جليل وحبر نبيل، وليتنعم شعبه المبارك الذي يتغذى بلبان فضله وليعش منعما في ~~ظل حياته المباركة. # | ترجمة نيافة الحبر الجليل والراعي الصالح الأنبا أثناثيوس # كلمة وجيزة للمؤرخ # يغتبط القارئ الكريم سرورا أن يجد بين حضرات رجال الدين والآباء الروحيين مثل هذا ~~الراعي الصالح، والتقي الورع الذي اقتفى آثار القديسين، ونهج منهجهم في الطهر والورع ~~منذ نشأته حيث شب على الفضيلة والاستقامة والاعتكاف بالصوم والصلاة والانقطاع الكلي ~~لعبادة الخالق، فاكتسب رضاه وحب رعيته واحترامها الكلي لشخصه الكريم، خصوصا وقد تجلت ~~صفاته العالية ومزاياه النادرة، بعد أن رسم أسقفا لكرسي بني سويف والبهنسا في يوم ~~الأحد 27 برمهات سنة 1641 للشهداء/5 أبريل سنة 1925 بمعرفة غبطة البابا المعظم الأنبا ~~كيرلس الخامس والثاني عشر بعد المئة بالكنيسة المرقسية الكبرى، حيث أمطره ms361 البرق والبريد ~~رسائل الشكر وآيات التهاني لهذا التعيين الذي صادف أهله وحل محله، ونحن نسطر هنا بقلم ~~الفخر والإعجاب تاريخه المجيد، سائلين الحق تعالى أن يكثر من أمثال نيافته بين حضرات ~~الآباء الروحيين في عموم الطوائف والمذاهب لفائدة الشعوب وخير الأمم. # نيافة الحبر الجليل والراعي الصالح الأنبا أثناسيوس مطران كرسي بني ~~سويف والبهنسا. # مولده ونشأته # ولد نيافته بأسيوط عام 1600 للشهداء الموافقة لسنة 1883 ميلادية، فأدخله المرحوم ~~والده الطيب الذكر والأثر المعلم حنين عبد الملك في أحد الكتاتيب، فتعلم فيه المزامير ~~واللغة القبطية، ثم أدخله مدرسة الأقباط الكبرى فارتشف من بحور علومها ما هو ضروري ~~لأمثاله، وتاقت نفسه الطاهرة إلى الرهبنة، وتكريس نفسه للعزة الإلهية والابتعاد بها عن ~~أباطيل هذا العالم وزخرفه، فذهب إلى عزبة دير البروموس بطوخ النصارى، وذلك في شهر أبيب ~~عام 1619 للشهداء الموافق 8 يوليو سنة 1903، وتمت رهبنته في 24 مسري سنة 1619 الموافق ~~30 أغسطس سنة 1903، ثم برحه إلى الإسكندرية في شهر مارس سنة 1905، حيث دخل مدرسة ~~الرهبان الأكليرية المؤسسة بمعرفة حضرة صاحب النيافة الحبر الأقدس الأنبا يؤانس مطران ~~البحيرة والمنوفية ووكيل الكرازة المرقسية لتلقي العلوم اللاهوتية، فأظهر ذكاء وورعا ~~وصلاحا، بل كان مثال الاستقامة بين عموم أقرانه، ثم رسم قسا يوم 9 هاتور سنة 1627 ~~للشهداء، الموافق 18 نوفمبر سنة 1910، وظل بها لغاية 1912م ونظرا لكفاءته العلمية ~~والأدبية والدينية عين مدرسا بها، ولمدرسة الأقباط المرقسية بالقسم الديني ومكث مدرسا ~~لهذا القسم حتى أغسطس سنة 1917، ومن ثم تعين وكيلا لبطريريكية الأقباط ~~الأرثوذكس بالإسكندرية في 29 أبيب سنة 1633 للشهداء ~~الموافق (5 أغسطس سنة 1917)، وظل أمينا ووكيلا وعاملا مجدا حتى أبريل سنة 1925، ~~حيث رسم أسقفا لكرسي بني سويف والبهنسا في الشهر المذكور باسم الأنبا أثناثيوس، وكان ~~يدعى قبلا القمص باخوم البرموسي، وفي شهر ديسمبر سنة 1925 رقي إلى رتبة ~~المطرانية. # وقد اشتهر بين أقباط الثغر الإسكندري بكثير من الصفات السامية والأخلاق الفاضلة، ~~والعمل على إحياء الوعظ ونشر الفضيلة، وتعضيد الأعمال الخيرية والمشروعات الإصلاحية ~~والعلمية، فكانت له ms362 في نفوسهم مكانة عالية، ووقفوا على شريف نواياه وعظيم أعماله، فصار ~~محبوبا منهم وصاروا محبوبين منه. # وما كاد يقترب يوم رحيله منها حتى أقام له حضرات زملائه المحترمين أعضاء المجلس الملي ~~الفرعي بالثغر حفلة تكريم شيقة، مظهرين لنيافته ما تكنه أفئدتهم نحوه من الحب والإخلاص، ~~مظهرين له شكرهم العميق على ما قام به من الأعمال، التي وكلت إليه وأتمها بكل همة ~~وأمانة ونشاط مع سرورهم المتناهي لترقيته لرتبة الأسقفية وأسفهم الشديد لفراقه. # وكذلك أقامت له جمعية الثبات والاتحاد بالثغر بمركزها حفلة تكريمية أخرى، حضرها عدد ~~كبير من الوجهاء والفضلاء والأدباء وذوي الحيثيات، وقد تبارى فيها كثيرون من الشعراء ~~والخطباء معددين أعمال نيافة المحتفل به مظهرين السرور الكامل بترقيته، والحزن المفرط ~~لفراقه، وكانت تقابل خطبهم بالتصفيق الحاد، وأخيرا وقف حضرة الوجيه الكبير السيد بك ~~مرسي، وألقى كلمة اقترح فيها أن تقدم الجمعية باقة زهور لحضرة المحتفل به إكراما له ~~نظير خدماته الجليلة لها، وقد تبرع حفظه الله بمبلغ عشرة جنيهات مصرية، وقد اقتفى أثره ~~حضرة صاحب العزة بشارة بك نصحي المفتش العام لأقسام الإسكندرية وغيرهما، حتى بلغت قيمة ~~التبرعات نيفا وأربعين جنيها، ولأجل أن يكون هذا التذكار دائما، فقد قدم للجمعية ~~المذكورة ليصير توزيعه على الفقراء والمعوزين تذكارا لترقية المحتفل به. # وأخيرا وقف نيافة الأب المحتفل به وشكر الجميع ~~بأرق عبارات الشكر والثناء؛ لما لاقاه منهم من المحبة الحقيقية والإخلاص المتناهي ~~والعطف الشديد والإكرام العظيم. # مؤلفاته الدينية # وقد قام بوضع عدة مؤلفات دينية قيمة نذكر بعضها هنا للإدلال على غزارة ~~علمه: ~~(1) # السر الجلي لاهوتي، طبع سنة 1919 وقد نفذت نسخه. ~~(2) # طروحات وإيصاليات برموني وعيدي الميلاد والغطاس، طبع سنة 1920. ~~(3) # الثلاثة اللقانات والسجدة، طبع سنة 1921. ~~(4) # البصخة المقدسة قبطي وعربي، طبعت سنة 1932. ~~(5) # قطمارس الصوم الكبير قبطي وعربي، طبع سنة 1923. # صفاته وأخلاقه # مثال الزهد والجد والاستقامة والتقوى فصيح اللسان قوي الجنان ذو تأثير في أقواله، ~~حكيم في منطقة لطيف في معاشرته، دمث في أخلاقه على جانب عظيم من الكفاءة العلمية ~~والدينية والأدبية. # أدامه المولى لأمته ms363 نبراسا وللفضيلة نورا وهاجا. # | ترجمة حضرة صاحب النيافة الحبر الجليل الورع الأنبا مرقس # أسقف دير أنبا أنطونيوس # هذا هو رجل الله البار الذي شب على الفضيلة منذ نعومة أظفاره، ونأى عن الدنيا وما فيها من ~~لهو باطل، ومتاع زائل، بل هو الشخص الذي يصح أن يكون قدوة لفضائل الدين المسيحي، لما له من ~~ماض حسن، وسمعة بيضاء، وأعمال غراء. # مولده ونشأته # نشأ حضرة صاحب الترجمة كما ينشأ رجال الدين الأتقياء، إذ رغب منذ نعومة أظفاره في ~~الرهبنة ففارق مسقط رأسه ودار والديه، وعكف في دير الأنبا أنطونيوس تاركا الدنيا ~~وزخرفها. # وقد رسم راهبا في ذلك الدير حتى إذا ما برز على أترابه، وظهرت عليه مخائل النجابة ~~والذكاء والإيمان المسيحي الحقيقي، وخوف الله رسمه غبطة الأب الجليل البطريرك المعظم ~~الأنبا المعظم كيرلس الخامس بابا الكرازة المرقسية أسقفا على الدير المذكور في سنة ~~1897م، فعمل على إصلاح الدير وإنماء ثروته وتوسيع دائرة أملاكه، كما تجلت الطهارة ~~والورع بأجلى معانيها في حضرة صاحب الترجمة، ولما كان لكل إنسان قادح أو مادح مهما كان ~~نزيها شريفا مستقيما، فقد حدث أن فوجئ حضرة صاحب الترجمة بحساد وقفوا حجر عثرة في ~~طريقه المؤدي إلى الإصلاح، مما أدى إلى إصدار أمر بطريركي بإيقافه عن أعمال الدير نحو ~~عام. # ظهور نزاهته وإخلاصه # ولكن شاءت العناية الإلهية أن تنقذ هذا الحبر الورع من كيد الواشين النمامين كذبا ~~ونفاقا، واتضحت لمقام السدة البطريركية الجليلة نزاهته وإخلاصه في كل أعماله، فأعاده ~~غبطة البابا المعظم إلى أسقفية الدير، وقد أخذ منذ ذاك الحين في استئناف جهاده بكل ~~نزاهة وأمانة، كما كان يفعل فيما مضى وباشر في إصلاح الأعمال الجليلة، حتى أخرس حساده ~~وكم أفواههم بما فطر عليه من جدارة وكفاءة وطهارة ذمة وعلو نفس، وها نحن نراه الآن ~~قائما بأعباء خدمة شعبه ماديا وأدبيا بما أوتيه من قوة وفضل وعلم وذكاء فطري، وفقه ~~الله تعالى إلى إرضاء ربه وشعبه. # صفاته وأخلاقه # على جانب عظيم من الورع والتقوى والصلاح، فتراه رغم كثرة إصلاحاته ms364 وانهماكه في إدارة ~~الوقف منكبا على ذكر الله أناء الليل وأطراف النهار، وتراه دائما طلق المحيا بشوش ~~الوجه لطيف الحديث حلو المسامرة في الأمور الدينية والأدبية، يجود بسخاء على الفقراء ~~والمعوزين الذين يلجأون إليه طارقين بابه، فكل هذه الأعمال المبرورة تخلد له الذكرى ~~الحسنة عند الله والناس؛ لما هو عليه من الورع والتقوى وسلامة القلب كارها نعيم الدنيا ~~راغبا عنها أكثر الله من أمثاله بين رجال الكهنوت. # | ترجمة جناب الأب الفاضل المحترم القمص باسليوس إبراهيم # كلمة وجيزة # من بين رجال الكهنوت الأرثوذكسي رجال اتصفوا فوق معلوماتهم الدينية والروحية بمقدرة ~~إدارية كبرى وعلم صحيح وكفاءة عالية وباع طويل، مع خبرة وحنكة ولسنا نقول هذا القول ~~جزافا إنما نراه واقعا ملموسا في شخص صاحب الترجمة المحترم، الذي قضى طوال حياته ~~متربعا في وظيفته هذا وهو قائم بالشيء الكثير من شؤون الطائفة، والإشراف على دقائق ~~أمورها وحاز ثقة كبرى لدى الشعب الذي ألقى إليه مقاليد الأمور، وإننا نسجل تاريخه ~~المجيد شاكرين له حسن جهاده في سبيل النفع والخير، سائلين الحق تعالى أن يكثر من أمثاله ~~العاملين الغيورين على مصلحة الطائفة، إنه على ما يشاء قدير. # جناب الأب الفاضل المحترم القمص باسليوس إبراهيم «وكيل بطريخانة ~~الأقباط الأرثوذكس». # مولده ونشأته # ولد صاحب الترجمة عام 1865 ميلادية بناحية بشتيل التابعة لمركز إمبابة بمديرية الجيزة ~~من والدين كريمين، غذياه بلبان الفضل والاستقامة، وأدخله والده بأحد الكتاتيب بناحية ~~إمبابه، وكان عمره إذ ذاك ثمان سنوات وعندها رسم شماسا لكنيسة وراق الحضر بمعرفة ~~المرحوم الأنبا إيساك أسقف كرسي مديرية الجيزة والفيوم وبني سويف والبهنسا، وفي سنة ~~1591ق توفي المرحوم والده الذي كان كاتبا بمركز إمبابة وقتئذ، فترك ذاك الكتاب وعمد ~~إلى تعلم القراءة والكتابة جيدا على يد كتبة ماهرين فتوجه إلى الترسانة الأميرية، ~~وهناك وجد ضالته المنشودة ولقنوه أصول العلم، ومن ثم التحق بإدارة عموم السكة الحديد ~~الأميرية، وفيها أتقن معلوماته العلمية على يد صهره المرحوم يعقوب بك نخله، وتعين ~~كاتبا بالدخولية بقليوب. # ولما رأى أن مرتب هذه الوظيفة ms365 ضئيل لا يقوم بسد نفقاته توظف بمديرية الجيزة بقلم ~~المقابلة، تحت إدارة فقيد المروءة والإنسانية المرحوم سلامة أفندي عجمي الباشكاتب لتلك ~~المديرية في ذاك العهد، الذي شيد كنيسة بها، وتأهل صاحب الترجمة بتاريخ 5 فبراير سنة ~~1883. # ونظرا لحسن استقامته وصلاحه اختير للقيام بخدمة الكهنوت، وخادما لتلك الكنيسة، وكان ~~ذلك في عهد طيب الذكر أنبا إبرام الأسقف الذي رسم بدلا عن أسقفها المتوفى، وكان عمره ~~إذ ذاك ثماني عشرة سنة فرسمه قسا في حفلة حافلة في يوم الجمعة الموافق 2 باءونه سنة ~~1599ق الموافق لشهر يونيو سنة 1883، وفي شهر مسري رقي لدرجة قمص فكان الراعي الصالح ~~والهادي إلى الطريق القويم، واكتسب محبة الجميع نحوه لحسن رعايته، وفي 26 أمشير سنة ~~1611 الموافق 1895 انتخب وكيلا للبطريريكخانة القبطية ورئيسا لديوانها، وقد تقلب على ~~جملة وظائف بها إلى أن عين وكيلا وعضوا روحيا بالمجلس، وكذا أحيلت عليه رئاسة لجنة ~~الامتحان العليا التي كان يرأسها قبلا المرحوم القمص فلوتاؤس رئيس الكنيسة الكبرى، كما ~~وقد أحيلت عليه رياسة مجلس الجيزة الملي الفرعي عقب وفاة الأنبا يوساب مطران كرسي ~~الجيزة والفيوم، فقام بأعباء كل هذه الأعمال الرئيسية الهامة بكل جد ونشاط وإخلاص، وظل ~~في مركزه الأخير بالجيزة إلى أن رسم لها مطرانا في أواخر سنة 1925 وهو الأنبا ~~متاوس. # أما المدة التي قضاها حضرة صاحب الترجمة خارج الكهنوت، فهي ثمانية عشر سنة علمانيا ~~وشماسا واثنتا عشرة سنة كاهنا وراعيا للجيزة، أما المدة التي قضاها وكيلا للديوان ~~البطريركي فهي واحد وثلاثون سنة. # وقد شيد حضرة صاحب الترجمة مدرسة بجوار الكنيسة، وأحضر لها المعلمين الأكفاء كما وقد ~~اهتم بإتمام الكنيسة التي شادها المرحوم سلامة أفندي عجمي، المتوفى إلى رحمة ربه في سنة ~~1884، فزخرفها بجميل النقوش وحلاها بالألوان الجميلة، ووضع لها أحجبة بديعة الصنع محلاة ~~بالصور، وجلب لها نفيس الأواني وغالي الأثاث، وأدخل إليها النور الكهربائي، فأصبحت ~~تضارع كنيسة الأزبكية الكبرى من حيث الرونق والبهاء، وأوجد لها وقفا يضمن الصرف على ~~نفقاتها بمعرفة البطريركية، كما وقد غرس بها حديقة ms366 غناء وأخرى للمدرسة، وحضرته شديد ~~الاهتمام إلى كل ما فيه فائدة للمصلحة العامة فوق خدماته الجليلة التي لا تعد ولا تحصر ~~لأبناء طائفته بوجه خاص وللبطريريكية بوجه عام. # صفاته وأخلاقه # وديع النفس، كريم الأخلاق، غيور على الدين، ضليع في كافة الشؤون الإدارية والدينية، ~~محبوب عند جميع عارفي فضله وكماله، يعطف على الفقراء، حفظه الله وأبقاه ومتعه بالصحة ~~والهناء. # | ترجمة جناب الأب الفاضل القمص يوحنا جرجس # وكيل الدار البطريركية الأرثوذكسية بالإسكندرية # مقدمة وجيزة للمؤرخ # اختار الله تعالى هذا الأب الفاضل لأن يكون من رعاته الصالحين خدام الكهنوت، وأودع في ~~نفسه التقوى والصلاح وطهارة الذمة؛ لتكون روحه الطاهرة سابحة في جنان النعيم مهللة مع ~~الآباء القديسين الذين عملوا لآخرتهم دون دنياهم، أولئك الذين اختصهم الرحمن بالفضائل ~~الحميدة والخصال المحمودة والاستقامة والطهر. # مولده ونشأته # جناب الأب الفاضل القمص يوحنا جرجس. # ولد هذا الأب الفاضل في مدينة أسيوط في شهر الحجة سنة 1272ه من والدين تقيين، فوالده ~~هو طبيب الذكر خالد الأثر المرحوم القمص جرجس جاورجي الذي جاء القاهرة مشتغلا بأحد ~~المحلات التجارية، ثم اختير للكهنوت ورسم كاهنا على كنيسة حارة السقايين، فكان في كل ~~حياته مثال التقوى والاستقامة، فأخذ هذا الوالد التقي يغرس نفحاته وتعاليمه الدينية في ~~روح ولده إلى أن شب مثالا صحيحا وقدوة صالحة لاجتياز مراحل هذا العالم بجنان ثابت، ~~وإيمان لا يتزعزع، واستقامة ترضي الخالق والمخلوق، فأدخله والده مدرسة حارة السقايين ~~القبطية، التي كان ناظرها وقتئذ المرحوم العالم الجليل نخلة رفيله بك، فكان بين أترابه ~~التلامذة مثال الوداعة والجد والنشاط، وبعد أن أكمل دروسه منها اشتغل بورشة اليومية ~~بقلم إدارة وزارة المالية في 29 برمهات سنة 1588، وكان عمره إذ ذاك ست عشرة سنة ونصف ~~سنة، ومكث في تلك الوظيفة سنة ونصف سنة، وعين بعد ذلك في مخازن وشون ملكية تتبع وزارة ~~المالية، ومكث بها 12 سنة، ودعي أخيرا للاشتغال ضمن موظفي دائرة سمو المرحوم حسن باشا، ~~فمكث بها سنتين، أي: لغاية نوفمبر سنة 1884م، ومن ثم اشتغل في التجارة لنفسه ms367 وفتح ~~محلا لبيع الغلال بساحل بولاق ومحلا آخر في بلدة النخيلة التابعة لمركز أبو تيج ~~بمديرية أسيوط، وظل يشتغل مدة ثلاث سنوات ونصف؛ ونظرا لحسن استقامته وطهارة ذمته ~~وصلاحه، أخذ جبرا وقهرا للقسوسية ورسم يوم 21 بئونة سنة 1604 بالدار البطريريكية، وفي ~~اليوم الثاني تم رسمه في كنيسة حارة زويله على دير مارمينا بفم الخليج، ومكث به لغاية ~~17 أمشير سنة 1609، حيث اختير للإسكندرية ورسم أيغومانسا لكنيستها ثم تعين وكيلا ~~لبطريكخانتها حتى الآن. # وقد طبع صاحب الترجمة كتابا أسماه اللؤلؤة البهية في التراتيل والتواريخ القبطية ~~باشتراكه مع صهره حضرة جبران أفندي نعمة الله الإسكندري، ناظر المدرسة المرقسية سابقا ~~وصاحب سلسلة كتب البدر المنير المستعملة في المدارس المصرية. # وحضرة صاحب الترجمة محبوب لدى عموم أقباط الثغر محترم الجانب لدى الجميع؛ نظرا لحسن ~~معاملته وجمال أخلاقه ووداعته. # صفاته وأخلاقه # على جانب عظيم من اللطف ودماثة الأخلاق، ولين الجانب، عطوف على الفقراء محسن على ~~البؤساء، يصرف جل وقته معتكفا في تقديم الصلوات للعزة الإلهية. # أدام الله حياته المباركة وأكثر من أمثاله بين رجال الكهنوت لخير البلاد وفائدة ~~العباد. # | ترجمة فقيد الجد والإقدام الإيغومانس تادرس مينا # كلمة وجيزة للمؤرخ # أعمال خالدة، ومآثر غراء، وخدم جليلة، وجد وإقدام، وصلاح وتقوى، وحزم وجرأة، هذا هو ~~مجمل حياة الفقيد الراحل، وتلك مجهوداته في الحياة الدنيا إلى أن لقي ربه، وهو قرير ~~العين مطمئن الخاطر ليجازي منه جزاء البررة الأطهار الذين جاهدوا جهاد الأبطال في سبيل ~~الإصلاح، وأبلوا بلاءا حسنا يذكره التاريخ لهم بقلم الفخر والإعجاب، لا سيما ما كان ~~عليه هذا الفقيد العزيز من الغيرة على الدين والجرأة في الحق، والإقدام على صعاب الأمور ~~وعدم الإعباء بما سيكون من المشاكل وراء ذلك، وهذه كما لا يخفى صفات جليلة، وخصال ~~فريدة، قل أن تتوفر في كثيرين ممن وهبوا نعمة الذكاء والفطنة. # مولده ونشأته # فقيد الجد والإقدام الإيغومانس تادرس مينا «رئيس دير مارمينا بفم ~~الخليج سابقا». # ولد هذا المجاهد الكبير في 20 هاتور سنة 1564 قبطية الموافق لعيد ~~الأمير ms368 تادريس فأسماه والده باسمه، وهو من عائلة جبلت على الطهر والقداسة، فوالده القمص ~~إبراهيم بن القمص يسطس بن القمص منقريوس بن القمص جرجس بن القمص مكرم الله أي: العائلة ~~التي والت رياسة خدماتها المتوالية لدير مار مينا مدة 200 سنة أجل الخدم، وكانت حياة ~~أفرادها ملأى بجلائل الأعمال والمآثر الطيبة، فرباه المرحوم والده على سنن الفضيلة ~~والصلاح، فنشأ نشأة صالحة تليق بأبناء رجال الدين، وأدخله مدرسة حارة السقايين القبطية ~~فتعلم فيها اللغتين العربية والقبطية ، ثم تخرج منها واشتغل في بعض الدواير ثم تعين ~~بمصلحة السكة الحديد الأميرية، ورقي بها إلى أن صار رئيسا لقلم قضاياها، ولما انتقل ~~المرحوم والده القمص مينا إلى رحمة مولاه أرغم أن يكون قسا لدير مار مينا بدلا من ~~المرحوم والده وفعلا تم ذلك؛ ونظرا لما كان عليه من الذكاء والنباهة والجد عين ~~وكيلا للدار البطريركية، وذلك في عهد الأنبا مرقس مطران الإسكندرية لما كان الكرسي ~~البطربركي خاليا، ولما انتخب ورسم غبطة الأنبا كيرلس الحالي بطريركا استقال الفقيد من ~~أشغال البطريركية. # هذا ولما جلس غبطة الأب البطريرك على الكرسي المرقسي، وعلم بمقدرة الفقيد وجده ~~وإقدامه استدعاه وعينه وكيلا للدار البطريريكية، ومنحه أيضا رتبة الأيغومانوسية ~~فأظهر الكفاءة التامة في جميع أعماله، واشتهر بإخلاصه لغبطة البطريرك فكان أول المقربين ~~إليه وأول المحبين له، وفي آخر أيامه اعتزل أعمال البطريكخانة، وبقي مشتغلا في أعمال ~~الوقف الذي تحت نظارته، فأحدث به عمارات كثيرة وإصلاحات جمة دلت على حسن إدارته ~~وقد عاجلته المنية عقب اجتيازه خمسا وثلاثين سنة في الكهنوت، فاحتفل بيوبيله الفضي ~~وكانت وفاته فجأة، إذ بينما كان في وزارة الأشغال العمومية يقابل بعض ذوي الحل بخصوص ~~قطعة أرض كائنة أمام الدير قد علاها تل من الأتربة، أراد أن يثبت ملكيتها للدير وعاد من ~~تلك الوزارة ظهرا، وباشر الأعمال الجارية بالوقف وتناول الغداء إذ بدقات شديدة انتابت ~~القلب، وما كاد يحضر الطبيب لفحصه حتى فاضت روحه الكريمة إلى خالقها، وكانت وفاته في ~~يوم الأحد الموافق 25 فبراير سنة 1906 وله ms369 من العمر ثمان وخمسون سنة، فاحتفل بجنازته ~~احتفالا عظيما يليق بمثله من الرجال العاملين المجدين، وقد كان الفقيد مشهورا ~~بحل كل مشكلة من المشاكل الشرعية التي تعرض عليه مما يعجز بعض رجال القانون والتشريع ~~في حله، كما كان جريئا لدرجة لم تكن في الحسبان ومقداما في كل أعماله. # أعماله الجليلة بالدير # عندما عين الفقيد رئيسا لدير مار مينا اتصل به أن أراضيه البالغ مساحتها نحو الخمسة ~~عشرة فدانا مشهورة بوقف الشيخ الأنصاري، فخامره شك عظيم في أمر هذه الوقفية، وأخذ يبحث ~~بحثا حثيثا حتى بحسن مسعاه، وبتداخل فقيد الأمة القبطية النابه العظيم المرحوم بطرس ~~باشا غالي، الذي كان وزيرا في ذاك العهد أثبت للحكومة بالحجج الدامغة والأدلة القاطعة ~~فساد هذه الملكية، وأنها ملك شرعي للدير، وإن انتساب هذا القدر لوقف الشيخ الأنصاري محض ~~خطأ، فاضطرت الحكومة والحالة هذه أن تسلم هذا القدر للدير مع منحه مبلغا قدره ثلاثة ~~آلاف جنيه على سبيل التعويض، فاستلم الفقيد هذا المبلغ وورده لخزينة البطريكخانة، كما ~~أنه أضاف تلك الأطيان إلى وقف مار مينا. # وقام من وقته وساعته إلى تقسيم الأراضي المذكورة أقساما، جعل منها قسما خاصا ~~ببناء منازل الحكر، وقسما خاصا للزراعة فحضر الكثيرون من تلك الجهة من غير الأقباط، ~~واستأجروا بعضا من تلك الأراضي الزراعية المحدودة، كما أقبل البعض الآخر للسكن بمنازل ~~الحكر البالغ مساحتها ثلاثة أفدنة، ثم قام بتشييد منازل جديدة أخرى لانتفاع الدير ~~بريعها، وأصلح جميع الأراضي الأخرى الواقعة بجهات الدير. # وقد وجد بين دفاتره الخصوصية من بعد وفاته أنه أنفق على هاته الإصلاحات الهامة، ~~والأبنية الكثيرة من ماله الخاص مبلغا يربو عن الخمسة آلاف جنيه، فلم تشأ عائلة الفقيد ~~مطالبة البطريكخانة برده، بل سمحت مكارمها عن طيب خاطر لأن يدخل في حساب البطريكخانة، ~~والاكتفاء بما تركه الفقيد الراحل من أثر خالد وعمل محمود عند الله والناس يجزى عنهما ~~ثوابا عظيما، ولما كانت الوارثة الوحيدة لهذا الفقيد هي السيدة البارة التقية حرم ~~حضرة الفاضل المحترم عطية أفندي مشرقي المقاول الشهير بمصر، ms370 فبلسان المروءة والإنسانية ~~نقدم لها وافر الشكر وعاطر الثناء على منحتها الخيرية الخالدة، وأن الأمة المصرية عامة ~~والأقباط خاصة لتفخر بمثيلاتها المحسنات - ولما كان الفقيد الراحل لم يترك عقبا ذكرا، ~~فقد اختص ابن شقيقته ألا وهو رجل الجد والنشاط والإصلاح القمص مينا يعقوب كابن له، فقام ~~بتربيته وتثقيف مداركه وهو الذي حل محله في رئاسة الدير بعد وفاته وسيأتي تاريخه ~~بعد. # صفاته وأخلاقه # كان رحمه الله كاهنا بكل معاني الكلمة غيورا على الدين، قوي الحجة في الدفاع، صلبا ~~في الحق جريئا مقداما في القول، حلالا للمعضلات عالي الهمة، دمث الأخلاق ذكي الفؤاد ~~واسع الإطلاع. # رحمه الله رحمة واسعة وأثابه خيرا بعدد حسناته وجليل خدماته. # | ترجمة جناب الأب الفاضل القمص مينا يعقوب # كلمة للمؤرخ # حيا الله الرجال العاملين المجدين وبياهم، وجعل الجنة في الآخرة مأواهم ومثواهم، ~~أولئك الذين يعملون بهمة وجد ونشاط وإقدام في سبيل الإصلاح، وإنجاز المفيد من المشروعات ~~فإن مثل هؤلاء وجب شكرهم وحق مدحهم، وقد يكون الشكر مضاعفا والثناء عاما متى كان ذاك ~~الإصلاح، وتلك المشروعات القيمة لمحض عمل الخير والمنفعة العامة المجردة من أية غاية ~~أخرى. # ولقد رأينا وشاهدنا من اهتمام حضرة صاحب الترجمة بالمشروعات النافعة والخدم المتوالية ~~للغاية نفسها ما حدا بنا إلى تدوين ترجمته الشريفة، ومجهوداته الفائقة في هذا الجزء ~~اعترافا منا بفضله الغزير سائلين الحق تعالى أن يسدد خطوات العاملين في سبيل الإصلاح، ~~ويكثر من رجالنا المفكرين. # مولده ونشأته # جناب الأب الفاضل القمص مينا يعقوب رئيس دير مارمينا بفم الخليج بمصر ~~القديمة والعضو بالمجلس الملي العام. # ولد هذا الأب الفاضل بمصر المحروسة عام 1880 ميلادية من أبوين تقيين، ويعد الثامن من ~~سلالة العائلة التي اختارها الله تعالى لخدمة الكهنوت بدير مارمينا، فتكفل المرحوم خاله ~~طيب الذكر خالد الأثر الأغومانس تادرس مينا، الذي كان وكيلا لبطريكخانة الأقباط في ذاك ~~العهد، والمتوفى في 25 فبراير سنة 1906 بأمر تربيته وتعليمه وأدخله مدرسة حارة السقايين ~~القبطية، فتعلم بها العلوم الأولية ومن ثم أدخله مدرسة الأقباط الكبرى، فارتشف ms371 من بحر ~~علومها إلى أن فاز منها بشهادة الدراسة الابتدائية عام 1895م، وناهيك بما كانت عليه تلك ~~الشهادة من الأهمية في ذاك الوقت، وبعدئذ التحق بالمدرسة الخديوية، وظل مكبا على تلقي ~~العلوم حتى سنة 1898 ميلادية، وفي شهر أغسطس سنة 1898 تعين في إدارة الأموال الغير ~~مقررة بوزارة المالية، فكان مضرب المثل في الجد والاستقامة والكفاءة، وظل في هذه ~~الوظيفة مدة ثلاث سنوات حتى عام 1901 ميلادية، ومن ثم تاقت نفسه إلى الاشتغال بالأعمال ~~الحرة فاختار أشغال المقاولات، وأوجد محلات خصيصة بجهة فم الخليج بمصر القديمة لحرق ~~الجير، وتصريفه للمقاولين وأصحاب العمارات فانهالت عليه الطلبات، وأقبلت عليه الخيرات ~~نظرا لحسن معاملته وأمانته وطهارة ذمته، وظل مزاولا لهذه الأشغال حتى شهر يونيو سنة ~~1908. # دخوله في صف الكهنوت # ولقد سعى فقيد الأمة القبطية المؤرخ الكبير المرحوم ميخائيل بك شاروبيم من تلقاء ~~نفسه، ونفر عديد من وجهاء الأمة القبطية بعمل تزكية لرسامته قسا على دير مارمينا ~~بدلا من المرحوم خال، وقدموا تلك التزكية إلى غبطة البطريرك المعظم، فلما علم صاحب ~~الترجمة بأمر تلك التزكية أبى بتاتا، وأرسل إلى غبطته يعتذر عن القبول، غير أن غبطته ~~أرسل إليه خطابا رسميا بتاريخ 17 يونيو سنة 1906 موقعا عليه بخاتمه الكريم بتعيينه ~~ناظرا على الدير والكنيسة، وحفظ أوانيها وموجوداتها بصفة مؤقتة لحين النظر، فقام بهذه ~~المهمة خير قيام مع مباشرة أشغاله الحرة حتى سنة 1908 ميلادية، حيث ألح عليه المرحوم ~~ميخائيل بك وغيره من أبناء الطائفة بقبول هذا المركز، وأبانوا له الميزات الخاصة من ~~خدمة الكهنوت، وعندئذ سمحت العناية الإلهية، ورضخ فرسم قسا لدير مارمينا في يونيو سنة ~~1908 كما رقي قمصا في يونيو سنة 1909، واستبدل من تاريخ الرسامة اسم عازر أفندي يعقوب، ~~وما كادت يده تمسك شؤون الدير ورياسته حتى شمر عن ساعد الجد والنشاط والإقدام، ووجه ~~عنايته أولا لترميم وتصليح الكنيسة التي كادت تئول إلى السقوط، وأصلح مدخلها وسعى ~~سعيا متواصلا لدى مدير مصلحة الآثار والبطريركية إلى أن توصل بحسن مجهوداته في تنكيس ~~الكنيسة ms372 من الداخل والخارج، وحافظ على آثارها النفيسة ورمم عقوداتها ترميما متينا، ~~ونزع بلاطها واستبدله بترابيع حجرية ثم نقل الحجاب الذي كان مشوها للكنيسة، فوضعه في ~~الجهة الغربية منها بحالة منتظمة، وأحدث مقاعد خاصة لراحة المصليين كما خصص جزءا منها ~~للسيدات، ثم أزال ما كان مشوها من المباني بمدخل الكنيسة، حتى أصبحت بفضل عظيم مجهوداته ~~آية في الرونق والبهاء. # ثم وجه عنايته إلى إصلاح وتنظيم طرقات المدافن، ونظم كثيرا منها، وشاد مدفنين خاصين ~~لفقراء الطائفة، ولما رأى أن حالة الدير تستدعي عناية كبرى ومساعدات مالية، سيما لما ~~رأى أن تلك الأراضي قاحلة والأتربة تتصاعد لأقل حركة فكر بأن يشكل لجنة من أبناء ~~الكنيسة المترددين لتعاونه على الأعمال، وجمع الإعانات والتبرعات اللازمة للتحسين، وعرض ~~هذه الفكرة على غبطة البطريرك المعظم، فسر منها كثيرا وكلفه بانتخاب الأعضاء الذين يرى ~~فيهم الكفاءة والنزاهة، وفعلا قام صاحب الترجمة بتشكيل لجنة من بعض الغيورين على مصلحة ~~الطائفة، وشرعوا في نظام وتحسين مقابر الدير، وسن لذلك قانونا بتاريخ 3 سبتمبر سنة ~~1922 وهو تاريخ البدء في العمل وجمع التبرعات. # أعماله الخالدة لخير الدير ورقيه # وقد شرع أولا وبادر بمفاوضة شركة المياه لجلب الماء اللازم لرش الأراضي والمزروعات، ~~فأجيب إلى طلبه وجاءت المياه بثمن مناسب، ووجه همته إلى تنسيق الحدائق والمنتزهات فيرى ~~الداخل من باب الدير العمومي طرقة فسيحة غرس على جانبها أشجار باسقة ذات أظلال، ويتفرع ~~من تلك الطرقة منتزهات متفرقة تحاكي المنتزهات العمومية في ميادين القاهرة من حيث جمال ~~تنسيقها وحسن منظرها، بحيث إن الطرق التي توصل إلى ساحة القبور صارت تضارع شبيهاتها في ~~المقابر الأجنبية. # وإننا نلخص هنا مجمل ما قامت به تلك اللجنة من الخدمات القيمة والمجهودات الفائقة، ~~فقد قامت بتعميم غرس الأشجار في جميع المماشي والطرقات الرئيسية، وهذه الأشجار من النوع ~~الذي إذا كبر ونمت أوراقه ألقى ظله الوارف على الطريق فيقي المارين فيه حرارة الشمس، ~~ويعطي رونقا جميلا يخفف من وحشة تلك المنطقة، وسعت في إزالة المقابر البارزة التي ~~تظهر في الشوارع ms373 الرئيسية من الساحة لتجعلها مستقيمة، وخابرت فعلا أصحابها لاستبدال ~~البارز منها بآخر في الأرض الفضاء التي تجاوره، وقامت أيضا وفوق رأسها هذا المصلح ~~العظيم إلى تنظيم شوارع الساحة الداخلية، ورصفها بالمكدام وعمل أفاريز منزرعة على ~~جوانبها، وإقامة مراحيض صحية على الطراز الحديث مستكملة كل أساليب الراحة، وطرح مشروع ~~بناء مقابر للفقراء والغرباء، وعمل خزان صحي، وهدم وبناء واجهة الدر على الطرز الحديث، ~~وهي جادة في إدخال النور الكهربائي لمدخل الكنيسة والدير، وسيحقق هذا المسعى قريبا ~~بفضل ما يبذله حضرته من المساعي المشكورة وكذا حضرات أعضاء لجنته الكرام، وقد أنشئت ~~سبيلا خاصا للزائرين وأحواضا كبيرة مجاورة للمقابر، ومن فوقها الحنفيات لأخذ ما هو ~~لازم من الماء لري الأشجار والمنتزهات، وأراضي الدير وزائري المقابر أيام ~~المطلع. # وقدرت تلك اللجنة اشتراكا سنويا وشهريا على أصحاب المقابر يحصل منهم بموجب قسائم ~~رسمية مطبوعة، وعينت محلا خصيصا لذلك، وقد خصصت هذه الاشتراكات للإنفاق منها على ~~مرتبات الجنينية واستهلاك المياه إلى غير ذلك من النفقات الضرورية، وما يتبقى منها يصرف ~~لإتمام المشروعات الهامة، وكل ذلك مرصود بدفاتر منتظمة، وفي كل سنة تطبع تقريرا عن ~~مصروفاتها وإيراداتها وبيان المشروعات التي قامت بعملها، ويرفع إلى غبطة البطريرك ~~المعظم، ويوزع على أفراد الطائفة. # ومما يذكر له بالشكر والثناء أنه لما رأى أن شارع الديورة الذي أمام الدير خاليا من ~~النور، سعى سعيا متواصلا لدى مصلحة التنظيم ومحافظة مصر بمد أنابيب الغاز به، وبعد ~~جهد كبير استصدر أمرا من مدير عام مصلحة التنظيم في شهر ديسمبر سنة 1925 بإنارة هذا ~~الشارع، وتركيب فوانيس الغاز اللازمة له وإتمام ذلك في شهر أبريل سنة 1926 أي: أول ~~السنة المالية الرسمية لميزانية الحكومة المصرية. # ونظرا لوثوق غبطة الأب البطريرك المعظم في مقدرته ونزاهته وكفاءته الشخصية، وميله ~~الكلي إلى الإصلاح عينه عضوا بالمجلس الروحي سنة 1911م، وكذا لما شكل المجلس الملي ~~العام سنة 1912 عين عضوا به ولا يزال عاملا به حتى الآن، وعندما تجدد انتخاب المجلس ~~الملي العام في مارس سنة 1923، استمر عضوا ms374 به كما انتخب أخيرا سكرتيرا للمجلس ~~الأكليركي العام ولجنة الكنائس. # ولا شك أن في تعيينه لكل هذه المراكز السامية الدليل الساطع والبرهان القاطع على عظيم ~~كفاءته، وغزارة فضله وجده وإقدامه، هذا فوق ما منحته إياه العزة الإلهية من نعمة ~~الإيمان، والتحلي بالفضيلة والأدب الجم والغيرة على الإصلاح بأمانة وإخلاص وجد ~~ونشاط. # صفاته وأخلاقه # حر الضمير، ثاقب الفكر، راجح العقل، يتقد غيرة على مصالح الدير والكنيسة، مشهور ~~بأصالة الرأي، وتصريف الأمور بالحكمة على جانب عظيم من دماثة الأخلاق، والأدب، وكرم ~~الطباع. # حفظه الله وأبقاه وأكثر من أمثاله العاملين الغيورين المجاهدين في سيبل ~~الإصلاح. # | ترجمة جناب الأب المحترم والوطني الغيور القمص بولس غبريال # جناب الأب المحترم والوطني الغيور القمص بولس غبريال خادم كنيسة العذراء ~~بحارة الروم. # كلمة للمؤرخ # اشتهر هذا الأب الفاضل بالوطنية العالية، والعزيمة الماضية، والثبات على المبدأ، ~~والصراحة في كل ما يراه عائدا لخير البلاد، وطالما جاهر بصراحته المعهودة وجرأته ~~النادرة، وإليه يرجع الفضل في ربط عرى الاتفاق بين العنصرين المتآلفين بما كان يبديه من ~~صائب الحكم والنصائح الثمينة، وإنا نسطر تاريخه المجيد بقلم الفخر والإعجاب، سائلين ~~الحق أن يكثر من أمثاله بين رجال الدين لخير البلاد ونفع العباد. # مولده ونشأته # القمص بولس هو ابن القمص غبريال بشارة رئيس كنيسة العذراء بحارة الروم، ولد بمصر ~~القاهرة في شهر بابه سنة 1594 للشهداء أكتوبر سنة 1878 ميلادية، وبعد أن شب على ~~التعاليم الدينية رسم شماسا للكنيسة المذكورة، وقد أتم دراسته بمدرسة الأقباط الكبرى ~~سنة 1895م، وبأمر غبطة البابا المعظم ألحق بالمدرسة الأكليريكية «صوت اللاهوت» في أول ~~نشأتها، وأتم دراسة اللاهوت ونال جائزته سنة 1900، فعين ناظرا لمدرسة الأقباط بالسويس ~~وواعظا لكنيستها، ثم استدعاه غبطة البابا المعظم لمزاولة الوعظ بمصر بكنيسة العذراء ~~بحارة الروم، وابتدأ إذ ذاك عهده بالإصلاح الطائفي ففي أكتوبر سنة 1901 تعين وكيلا ~~لمدرسة التوفيق، ومدرسا للدين واللغة القبطية فيها، وفي سنة 1902 اشترك مع منشئ جمعية ~~الإيمان المركزية لنشر الوعظم والإرشاد، ومارس الوعظ بها وبجمعية التوفيق وبجامعة ~~المحبة، وفي ms375 سنة 1907 انتدب من قبل اللجنة الملية رئاسة سعادة مرقس سميكة باشا، وعضوية ~~المرحوم يوسف منقريوس بك لاتخاذ الطرق لتعميم تعليم الدين المسيحي بمدارس الحكومة، ~~وبفضل سعي جناب القمص بولس تم تعميمه في مدارس القربية والمحمدية ومحمد علي وعابدين، ~~وساعده في ذلك زعيم مصر الأمجد سعد زغلول باشا وكان وزيرا للمعارف إذ ذاك، ثم عين ~~مدرسا بالقسم التجهيزي بمدرسة الأقباط الكبرى، ومدرستي البنين والبنات بحارة السقايين ~~بمصر، وفي ديسمبر سنة 1909 تفضل غبطة البابا المعظم، ورسمه قسا على كنيسة العذراء ~~بحارة الروم وفي سنة 1910 تعين عضوا أولا للمجلس الملي، وفي سنة 1914 تعين مندوبا ~~بطريركيا لدى محافظة مصر ومديريتي الجيزة والقليوبية ، وفي هذه الأثناء قام بتجديد ~~الكنيسة بحارة الروم، وأنشأ في الجهة البحرية منها كنيسة صغيرة باسم الشهيد الأمير ~~تادرس الشطبي (كل ذلك على حسابه الخاص). # موقفه في خدمة الوطن # وفي سنة 1919 ظهرت بوادر الحركة الوطنية، فتقدم حضرته في أوائل الصفوف فرفع رأس ~~الطائفة القبطية، وأعلا هامتها بين الطوائف المسيحية، فزادها فخرا إذ انتخب في لجنة ~~الإدارة للجمعية العمومية رئاسة سعادة عثمان باشا مرتضى، وكفى الطائفة شرفا إذ أولاه ~~الجمع المحتشد في دار رئاسة مجلس الوزراء (وكان يجمع كل مذاهب الأمة المصرية) شرف ~~النيابة عنهم لدى دولة رشدي باشا، فتقدم بجرأة نادرة طالبا من دولته اعتراف الحكومة ~~رسميا بوكالة الوفد المصري برئاسة سعد زغلول باشا في المفاوضات الرسمية، ولما احتدم ~~الجدل بينهما خاطبه بقوله: (إن لم تخلص للأمة فقدم استعفاءك)، وطالما كان يرأس الوفود ~~العديدة لزيارة دور الحماية والقنصليات مطالبا بحرية البلاد، وقد وقف نفسه على ذلك - ~~ولما عقد الاجتماع في الأزهر الشريف كان حضرته أول من وطئت قدماه ساحة الأزهر الشريف، ~~وافتتح الاجتماع بإبلاغ إخواننا المسلمين كلمة غبطة البابا المعظم، وهو أول من نادى بين ~~جدران الأزهر ذلك المعهد الإسلامي المقدس مطالبا باتحاد العنصرين تنفيذا لإرادة الله ~~ومشيئته، كما أمر بذلك الزعيم الجليل سعد زغلول باشا. # وتعانق القسيس والشيخ الجليل فأوضحا للنشء خير مثال، ثم انتخب عضوا ms376 في لجنة الدفاع ~~عن الحرية السياسية برئاسة المغفور له البرنس عزيز حسن، وعضوا بلجنة التوفيق برئاسة ~~البرنس محمد علي، وعضوا بلجنة منكوبي الأناضول برئاسة البرنس عمر طوسن، وعضوا بلجنة ~~إدارة لجنة الاكتتابات للريفيين رئاسة سموه أيضا، وعضوا بلجنة مؤتمر الشرف بلوزان، ~~وقد طاف صحبة فضيلة الأستاذ الشيخ القاياتي، والمغفور له المصري السعدي باشا بمديريات ~~الوجه البحري لترويج الانتخابات الوفدية سنة 1923م، ولما أغلقت السلطة أبواب الجامع ~~الأزهر في وجوه المجتمعين فتح أبواب كنيسته بحارة الروم على مصراعيها، رغم تهديده ~~وإنذاره من السلطة مدة خمسة وأربعين يوما للخطابة تحت مسئوليته. وهو الذي تعهد مسجوني ~~قصر النيل وألماظة بالزيارة مرتين في الأسبوع، وقد لاقى من جراء ذلك اضطهادات كثيرة إلا ~~أنه قابلها بثبات، وقد وقف حياته لخدمة الوطن. # | فقيد الأمة والهمة والإقدام المغفور له بطرس باشا غالي # مقدمة للمؤرخ # يحق للعيون أن تدمع، وللقلوب أن تتفجع، وللأبصار أن تتخشع، أسفا وحزنا على أفول بدر ~~الكمال، ولهبا على غروب شمس الأفضال، والتياعا على ذبول زهر الجلال، وشعلة الذكاء ~~النادرة المثال، ومستودع الحكمة والسداد وينبوع الرحمة والرشاد فقد كنت القريب من ~~الضعيف، الرفيق بالبائس، المحب لبلاده العامل لخير وطنه، الذي يعمل كثيرا ولا يتكلم ~~إلا قليلا، المحسن إلى المذنب، والعافي عن المسيء، وكفى باعترافك في آخر كلماتك عند ~~سكرات الموت إظهارا لمحبتك لوطنك قولك الذي سننقشه على صدورنا، وهو: «يعلم الله أني ما ~~أتيت أمرا يضر ببلادي»، فكلما ذكرنا الحكمة والمروءة والفضل وشعرنا بحاجة إلى سداد ~~الرأي ذكرناك وبكيناك واستمطرنا لك الرحمة، وإن تلك الضربات التي أصابتك وقضت على حياتك ~~أصابت كبد الوطن وجرحت قلب الأمة، وستظل متأثرة بهذه الجراح شاعرة بآلامها المرة فقد ~~خسرت بفقدك خسارة لا تتعوض، وتلك الدماء الشريفة التي سالت من جسدك الكريم قد صاغت لك ~~أكليل مجد، وتاج فخر، توجت به قبل مفارقتك للدنيا ونمت عن الوطن الذي تفانيت في خدمته ~~حتى الموت، وكأن روحك الطاهرة أبت الخروج قبل أن تهرق دماؤك، فسلام عليك في نعشك، وسلام ~~على ضريحك، ms377 وسلام على ذكراك الدائمة، وسلام على رقادك في منامك، وسلام على حياتك يوم غيبتك. # فقيد الأمة والهمة والإقدام المغفور له بطرس باشا غالي رئيس وزراء ~~الحكومة المصرية سابقا (ولد سنة 1847 وتوفي سنة1910م). # مولده ونشأته # ولد المغفور له في القاهرة سنة 1847 ميلادية، وهو أكبر أنجال المرحوم غالي بك نيروز ~~الذي كان باشكاتبا لدائرة مصطفى فاضل باشا أخو الخديوي إسماعيل بمصر، فعني بتربيته ~~وأدخله مدرسة حارة السقايين فمدرسة الأقباط الكبرى، التي تحت رعاية الأنبا كيرلس الرابع ~~الذي كان صديقا حميما للمرحوم والده، فتلقى فيها بعض العلوم العربية، ومبادئ اللغات ~~الطليانية والإنكليزية والفرنسية، ونبغ بين أقرانه وكان البطريرك المشار إليه يتعهد ~~المدارس بنفسه، ويراقب سيرها فلاحظ في الفقيد ذكاء واجتهادا ممتازين، فتحدث فيما ~~يرجوه من مستقبله، فقضى صاحب الترجمة ثماني سنوات في تلقي العلوم في هذه المدرسة، ثم ~~انتقل إلى مدرسة البرنس فاضل باشا، فأتقن فيها اللغتين العربية والفرنساوية وتعلم ~~الفارسية والتركية أيضا، وفي تلك السنة ظهرت رغبته في العلم وتلذذه بالدرس، حتى إنه ~~كان يقضي ليله ساهرا لا يمل المطالعة، فشكى بعضهم ذلك إلى أبيه خوفا على صحته، وقد ~~ساعده على إتقانه اللغات التي تعلمها أنه كان قوي الذاكرة حتى بهر أساتذته بذكائه ~~النادر. # دخوله في ميدان العمل # خرج من المدرسة فكان أول عمل تعاطاه التعليم في مدرسة حارة السقايين، وكان ناظر ~~المدرسة يومئذ المرحوم يعقوب بك نخله رفيله، لكنه لم يلبث طويلا في تلك المهنة؛ لأن ~~مطامعه كانت أوسع من ذلك كثيرا فعمد إلى الاستزادة من العلم، الذي يؤهله للمعالي وكان ~~شاعرا حتى إنه لما خرج من المدرسة أراد الاستخدام في السكة الحديد، فكتب للمرحوم عمر ~~باشا لطفي قصيدة بهذا المعني، فكان رده عليها: «عندنا من هذا كثير» وأرجعه بخفي حنين، ~~وكانت الحكومة المصرية يومئذ تهتم بتوظيف المترجمين لمصالحها، فتقدم صاحب الترجمة في ~~جملة الطالبين للامتحان، فنال قصب السبق وعين مترجما، لكنه ما زال يرتقي، ويحرز ثقة ~~رؤسائه حتى صار رئيس كتاب المجلس وله فيه القول الفصل. # وقد ارتأى ms378 الخديوي أن ينشئ نظارة الحقانية سنة 1874 أفرنكية، وتعين شريف باشا ناظرا ~~لها، وكذا تعين صاحب الترجمة باشكاتبا لها، وكان قد عرفه وعرف قيمة مواهبه السامية ~~فكان موضع ثقته إذ كان يكلفه بترجمة أوراق الحكومة من التركية والعربية إلى الفرنسية، ~~وبالعكس وأنعم عليه بالرتبة الثانية. # ولما ارتبكت مالية مصر عقد قومسيون للتحقيق في سنة 1876 ميلادية، فارتأى هذا ~~القومسيون أن يشكل قومسيون مركب من مندوبي عموم الدول لعمل تصفية لمالية الحكومة ~~المصرية، وتعيين صاحب الترجمة نائبا عنها، وكان ذلك في عهد وزارة رياض باشا، فكان صاحب ~~الترجمة موضع إعجاب أعضاء القومسيون، إذ أخذ يبذل مواهبه العقلية حتى أنقذ الحكومة من ~~وشك الإفلاس، وشكل قومسيون لتعديل الضرائب تحت رئاسة رستم باشا، وكان صاحب الترجمة ~~عضوا فيه فوضع كتابا خاصا لم يزل معمولا به للآن، ويرجع الأمر إليه من وقت لآخر، ~~ويقال إن السير ريفرس ولسن مندوب إنجلترا في ذلك العمل رأى اقتدار صاحب الترجمة فقال ~~له: «إنك ستكون ناظرا للمالية يوما ما»، كما قال له هذا القول عمر باشا لطفي، عندما ~~ارتقى صاحب الترجمة إلى الوزارة. # وبعد الانقلاب الذي تم بخلع الخديوي إسماعيل باشا، وتولية المرحوم توفيق باشا عين ~~صاحب الترجمة «بطرس بك غالي» وكيلا لنظارة الحقانية، ولما تشكلت وزارة شريف باشا في ~~أثناء الثورة العرابية عهدت إليه سكرتيرية مجلس النظار مدة، ثم استقل بوكالة الحقانية ~~وعقب حدوث الثورة العرابية سنة 1882م، وبناء على طلب مجلس النظار تحت رئاسة البارودي ~~باشا، أنعم على صاحب الترجمة برتبة الميرميران، وهو أول من حازها من الأقباط. # ومن الخدم التي يذكرونها له في أثناء الثورة العرابية أن العرابيين بعد أن فروا من ~~التل الكبير، وأتوا إلى القاهرة عقدوا مجلسا للمفاوضة في ماذا يفعلون، ودعوا إليهم ~~كبار الرجال من الأمراء العسكريين والملكيين، وشاوروهم فيما ينبغي عمله فكان رأي صاحب ~~الترجمة التسليم للخديوي، إذ أراد عرابي أن يعمل خط نار لمنع دخول الإنجليز في مصر، ~~وقال له المترجم: إن الأوفق أن تجعل تاريخك ناصع البياض ولا تشوبه ms379 بمداد السواد، وبناء ~~على ذلك قبل المجلس الحربي وعرابي ما أبداه المترجم، وعهد إليه ومحمد رءوف باشا وعلي ~~الروبي تقديم عريضة إلى أولي الشأن في الإسكندرية نائبين عن العرابيين. # وظل وكيلا لنظارة الحقانية عدة سنين وفي عهد وزارة فخري باشا تعين المترجم ناظرا ~~للمالية، ثم في وزارة فخري باشا التي لم تمكث سوى ثلاثة أيام ثم في وزارة نوبار باشا، ~~وتعين وزيرا للخارجية في عهد وزارة المرحوم مصطفى فهمي باشا، ومكث فيها حتى سقطت ~~الوزارة الفهمية فوقع موقع الاختيار على تشكيل وزارة جديدة، فشكلها في 10 نوفمبر سنة ~~1908م، وتولى رئاستها مع وزارة الخارجية وهو أكبر منصب يرجوه ابن النيل. # وفي عهد وزارته همت الحكومة المصرية بتوسيع اختصاصات مجلس شورى القوانين، فقررت ~~اشتراك الأمة في النظر في مشرعاتها بعرضها على المجلس، ويحضر الوزراء للمناقشة فيها. ~~وما زال عاملا مجدا حتى قتل في 21 فبراير سنة 1910، وقاتله شاب اسمه إبراهيم ناصب ~~الورداني، وهو أحد أفراد جمعية فوضوية ظهرت أخيرا في مقتل «المرحوم السردار»، ذلك أنه ~~بينما كان الفقيد نازلا من ديوان الخارجية يوم الأحد الموافق 21 فبراير سنة 1910 في ~~نحو الساعة الأولى بعد الظهر، ووراءه سكرتيره الخاص أرمولي بك وبالقرب منهما حسين رشدي ~~باشا، الذي كان ناظرا للحقانية وقتئذ والذي جاء يودع الفقيد إلى الباب، إذ فوجئ بخمس ~~رصاصات أطلقت عليه من مسدس أصابته في الذراع والعنق والكتف والجنب فأغمي عليه، وسقط من ~~المركبة ثم حاول الضارب أن يهرب، فأسرع أرمولي بك والحجاب الواقفون إليه وأمسكوه ~~وأدخلوه إلى الوزارة، وقدم هذا الجاني الأثيم إلى العدالة، فقضت بإعدامه شنقا، وهذا ~~جزاء الخائنين المارقين وحمل المصاب إلى غرفته، وأسرعوا إلى استدعاء أطباء مصلحة الصحة ~~ورجال جمعية الإسعاف، وعلى الأثر جاء الدكتور نولسن الطبيب الشرعي وتبعه عدد كبير من ~~الأطباء فاتخذوا الاحتياطات الوقتية والإسعافات الضرورية، ثم أخرجوا بعض الرصاصات ومن ~~ثم نقل المصاب إلى مستشفى الدكتور ملتن، وكان حسين رشدي باشا راكبا بجانبه، وأبلغ خبر ~~الحادث تلفونيا إلى سمو الخديوي عباس باشا الثاني ms380 خديوي مصر السابق في سراي القبة، ~~فأظهر شديد الحزن ولم تأت الساعة الثالثة حتى كان سموه قد وصل إلى سراي عابدين، فاجتمع ~~بوزرائه وعقدوا مجلسا فوق العادة للنظر في أمر هذا الحادث الفجائي الخطير، وقبيل ~~الساعة الرابعة ركب سموه وإلى يساره نظار الداخلية، ويمم المستشفى حيث دخل إلى غرفة ~~وزيره فلما وقعت عيناه عليه بدت على محياه علامات التأثر، فقبله وبكى مظهرا أجمل مظاهر ~~الانعطاف الملوكي، ثم شجعه وانصرف عائدا إلى سراي عابدين، ولم يعد سموه إلى سراي القبة ~~إلا بعد أن أمر أن تبلغ إليه أخبار حالته ساعة بساعة، وكان الخبر قد بلغ إلى أقاصي بلاد ~~القطر، فتواردت التلغرافات تترى من أعيان البلاد سائلة مستفسرة عن حقيقة الحادث، ~~واشتغلت شركة التلفون بالعاصمة طوال الليل في الإجابة على أسئلة السائلين، وقد ازدحم ~~المستشفى بالمئات من الذوات والأعيان، وفي مقدمتهم الأمراء والوزراء وقناصل الدول وما ~~جاءت الساعة الثامنة والدقيقة الخامسة عشرة حتى فاضت روحه الكريمة، فسمعت ضجة كبرى ~~ارتجت لها جوانب المستشفى، وماج الداخلون في موجة الحزن تذهب بهم الأفكار كل ~~مذهب. # ولما بلغ خبر وفاته سمو الخديوي أجهش بالبكاء، وأخذ يقول: وا حيرتاه وا حسرتاه عليك ~~يا عظيم الرجال، ويا أقدر الوزراء ويا أكبر المخلصين، وأخذ يعدد مآثره البيضاء التي ~~عرفها سموه أكثر من غيره، وفي الحال عقد مجلس الوزراء برئاسة سموه وقرر أن يحتفل بتشييع ~~جنازة الفقيد احتفالا رسميا على نفقة الحكومة، وأن يسير المشهد في منتصف الساعة ~~الحادية عشرة صباحا من مستشفى ملتون إلى الكنيسة المرقسية الكبرى، ومنها إلى دير ~~أنبارويس، فما أشرقت شمس يوم الثلاثاء إلا والأعلام منكسة حدادا على الفقيد العظيم، ~~وجعلت الفصائل العسكرية تتتابع لتحل في محلاتها تتقدمها موسيقاتها، والمركبات تتقاطر ~~إلى المستشفى ولم تأت الساعة العاشرة إلا ومعظم أسواق العاصمة ومحلاتها ودكاكينها قد ~~أقفلت تعظيما لشأن الفقيد، وأقبلت عربة الفقيد لحمل النعش من الكنيسة إلى المدفن مجللة ~~بالسواد يجرها ثمانية من الجياد، واثنتا عشرة عربة مملوءة بأكاليل الأزهار والرياحين، ~~وازدحمت الجماهير العديدة، ثم أقبل ms381 الوزراء جميعا وسمو البرنس محمد علي باشا وساكن ~~الجنان حسين كامل باشا - سلطان مصر الأسبق - والبرنس كمال الدين، وغيرهم من أمراء ~~العائلة المالكة، ودولة رءوف باشا القومسير العثماني في ذلك الوقت، والمرحوم رياض باشا ~~وعطوفة السردار حاكم السودان العام، وقناصل الدول الجنرالية وأكابر موظفي الحكومة ~~المصرية والمحاكم المختلطة، وصندوق الدين ورجال الشورى والجمعية العمومية. # ونزل النعش محمولا على أيدي عساكر من البوليس، حيث كانت عربة من عربات المدافع ~~المصرية، يجرها ستة جياد واقفة بالانتظار، وكان جيش الاحتلال قد أرسل عربة أخرى من ~~عربات مدافعه لنقل الفقيد فشكر أهل الفقيد واعتذروا بوجود العربة المصرية، ثم لف النعش ~~بالعلم المصري، ووضع على المركبة وفوقه سيف الفقيد ونشانه العثماني، ومشى على جانبها ~~حاجبان يحملان نشانات الفقيد العديدة، ومن ثم واروه التراب بين جمع غفير، وقد تقدم من ~~حاملي أبسطة الرحمة التي يبلغ عددها الخمسة صاحب السمو البرنس محمد علي باشا بالنيابة ~~عن الجناب الخديوي، وبعد الصلاة وقف نيافة الأنبالوكاس مطران كرسي قنا مؤبنا الفقيد ~~حتى أسال العبرات. # وقد تبارى الشعراء في رثاء الفقيد معددين صفاته، وجليل أعماله ونظرا لضيق المقام هنا ~~اكتفينا بإثبات تلك القصيدة الفريدة التي ألقاها سعادة أمير الشعراء أحمد شوقي بك، عند ~~نقل رفات الفقيد بعد عام من وفاته إلى قبره الفخم الواقع داخل كنيسته الخصوصية المعروفة ~~باسمه بدير أنبارويس بالشارع العباسي، والذي أنفق عليه وعلى الكنيسة ما لا يقل عن ~~العشرين ألفا من الجنيهات قال حفظه الله: # قبر الوزير تحية وسلاما # الحلم والمعروف فيك أقاما # ومحاسن الأخلاق فيك تغيبت # عاما وسوف تغيب الأعواما # قد كنت صومعة فصرت كنيسة # في ظلها صلى المطيف وصاما # والقوم حولك يا ابن غالي خشع # يقضون حقا واجبا وذماما # يبكون موئلهم وكهف رجائهم # والأريحي المفضل المقداما # يسمون بالأبصار نحو سريره # كالأرض تنشد في السماء غماما # متسابقين إلى ثراك كأنهم # ناديك في عز الحياة زحاما # ودوا غداة نقلت بين عيونهم # لو كان ذلك محشرا وقياما # نم ما بدا لك في الكنيسة نافضا # هم المناصب عنك والآلاما ms382 # ماذا لقيت من الرياسات العلا # وأخذت من نعم الحياة جساما # اليوم يغني عنك لوعة بائس # وعزاء أرملة وحزن يتامى # والرأي للتاريخ فيك، ففي غد # يزن الرجال وينطق الأحكاما # يقضي عليهم في البرية أو لهم # فيديم حمدا أو يؤيد ذاما # أنت الحكيم فلا ترعك منية # أعلمت حيا غير ربك داما # إن الذي خلق الحياة وضدها # جعل السجود لوجهه إكراما # قد عشت تحدث للنصارى ألفة # وتجد بين المسلمين وئاما # واليوم فوق تشيد قبرك ميتا # وجد المدقق للمقال مقاما # الحق أبلج كالصباح لناظر # لو أن قوما حكموا الأحلاما # أعهدتنا والقبط إلا أمة # في الأرض واحدة تروم مراما # نعلي تعاليم المسيح لأجلهم # ويوقرون لأجلنا الإسلاما # الدين للديان جل جلاله # لو شاء ربك وحد الأقواما # يا قوم بان الرشد فاطووا ما جرى # وخذوا الحقيقة وانبذوا الأوهاما # هذي ربوعكم وتلك ربوعنا # متقابلين نعالج الأياما # هذي قبوركم وتلك قبورنا # متجاورين جماجما وعظاما # فبحرمة الموتى وواجب حقهم # عيشوا كما يقضي الجوار كراما # صفاته وأخلاقه # كان رحمه الله سيدا مهابا وقورا، سندا مقداما، ووزيرا خطيرا، ووطنيا غيورا، ~~وسياسيا نبيلا، كبير الهمة، عالي الحكمة، واسع المدارك ذا نفس أبية ونية نقية، كان ~~لمصر تاجا وللمشكلات سراجا وهاجا، محبا للخير، شديد العطف على البائسين والفقراء، ~~وهو الذي أسس الجمعية الخيرية القبطية التي ساعدت كثيرا على سد حاجات عائلات شريفة ~~أخنى عليها الدهر بكلكله، كما جاءت رحمة لكثير من البؤساء، رحمه الله رحمة واسعة وأثابه ~~خيرا بعدد حسناته وأفضاله. # | ترجمة حضرة صاحب السعادة السري الجليل أمين باشا غالي # كلمة للمؤرخ # لا شك أن الشرقيين عامة، والمصريين خاصة، يعرفون ما لبيت غالي من شرف المحتد، وطيب ~~العنصر، والحسب والنسب، وما لأفراد هذا البيت من النبوغ، والذكاء الفطري، والأدب الجم، ~~وإننا نثبت هنا بقلم الفخر والإعجاب تاريخ حضرة صاحب السعادة الجليل أمين باشا غالي، ~~وما يحضر بذاكرتنا من جلائل أعماله في هذا السفر، سائلين الحق تعالى أن يلهم شبابنا ~~الناهض نعمة الذكاء والفطنة وسداد الرأي والجد والإقدام، كما وهب سعادته الذي يعد درة ~~وهاجة ms383 في جبين هذا العصر لنفع البلاد وفائدة العباد. # حضرة صاحب السعادة السري الجليل أمين باشا غالي من وجهاء ~~القاهرة. # مولده ونشأته # ولد سعادته في عاصمة الديار المصرية سنة 1865 ميلادية من أبوين كريمين تقيين عريقين ~~في الفضل والاستقامة، ولما بلغ أشده أدخله والده المدرسة البطريركية، التي كانت وقتئذ ~~أفضل المدارس وأدقها نظاما، فتلقى فيها اللغة الفرنساوية والعربية فتضلع فيها ونبغ في ~~آدابها. # وبعد أن أتم دروسه فيها انتقل إلى مدارس أخرى وتمم علومه بها، وفي خلال ذلك كان يدرس ~~علم الحقوق شأن كل نفس طموحة لاعتلاء قمة المجد، فسافر إلى مدينة أكس من أعمال فرنسا، ~~ودخل بإحدى مدارسها الحقوقية ولبث منكبا على ارتشاف كئوس علومها بنفس تواقة وجد ونشاط ~~وإقدام، مدة ثلاث سنوات حتى أحرز قصب السبق في مضمار النجاح، وعاد إلى الوطن العزيز ~~حاملا شهاداتها العالية، يجر أثواب الفخر ويمثل أفضل قدوة لشباب أمته في الجد وطلب ~~المجد؛ ليقتدوا به فيكونوا خير معوان لسعادتهم وفلاحهم. # خدماته في النيابة والقضاء # ولم يمكث طويل زمن بعد أوبته من الأقطار الأوربية حتى عين في 2 مايو سنة 1883 مترجما ~~بنظارة الحقانية، فأخذ يزاول عمله بنشاطه المعهود، وذكائه الموصوف، حتى رقي إلى وظيفة ~~مساعد نيابة، ونال الرتبة الرابعة في أول فبراير سنة 1884، واستمر قائما بها إلى شهر ~~يوليو سنة 1885، وفي تلك السنة رقي إلى وكيل نيابة بمحكمة مصر، وكان يقوم وقتئذ بمهام ~~أعمال الرئاسة فيها، وهي الوظيفة التي تجلت فيها كفاءته ودلت على عظيم مقدرته حتى علم ~~الكل أن في السويداء رجالا، وللشهامة والجد والعدل أنصارا وأبطالا، وأنعم عليه ~~بالرتبة الثالثة ورقي إلى رئاسة نيابة تلك المحكمة، وفي شهر أكتوبر سنة 1887 عين رئيسا ~~لنيابة محكمة الاستئناف الأهلية، ولما آنس رجال المحاكم المختلطة فيه النباهة وسعة ~~الاطلاع استصوبوا نقله إليها، فعين أولا وكيلا لنيابة محكمة الاستئناف المختلطة، ~~وأنعم عليه بالرتبة الثانية وفي أبريل سنة 1893 انتقل إلى رئاسة نيابة محكمة مصر ~~المختلطة، وهي الوظيفة الثانية لدرجة النائب العمومي، وفي سنة 1896 ميلادية نال ms384 رتبة ~~المتمايز الرفيعة كما نال عدا عن الرتب العالية والوظائف السامية كثيرا من الأوسمة ~~والنياشين، اعترافا بفضله وإجلالا لقدره فمنها النشان العثماني الرابع، والمجيدي ~~الثالث، ونشان شير خورشيد من دولة إيران الفخيمة، وفي عام 1908م أنعم عليه سمو الخديوي ~~عباس حلمي باشا السابق بالنيشان العثماني الثالث، وأخيرا رتبة الباشوية، وقد استعفى من ~~خدمة الحكومة لاشتغاله بإصلاح مزارعه الخصوصية وتعهدها بنفسه. # اشتغاله بالشؤون الزراعية # ويعد حضرة صاحب الترجمة من كبار الأخصائيين في الشؤون الزراعية بدليل ما قام به من ~~ضروب الإصلاح في مزارعه الواسعة بجهة أكياد شرقية وغيرها، وله فيها آراء صائبة ~~واكتشافات مستحدثة دلت على نبوغه وحنكته في هذه الشؤون، ولسعادته في بلدة أكياد ~~المذكورة سراي قل وجود نظيرها في أعظم وأكبر عواصم المديريات، من حيث فخامة البناء ~~وجمال التنظيم وثمين الأثاثات وهي مقصد العظماء والوجوه والأعيان، وطالما دعى إليها ~~لورد اللنبي المندوب السامي البريطاني السابق وعقيلته والدوق أوف كنوت والبرنسيس بيسكو ~~الرومانية، وجناب اللورد جورج لويد المندوب السامي البريطاني الحالي وعقيلته، بناء على ~~دعوة حضرة صاحب الترجمة، فكان يقابل ضيوفه الكرام بكل حفاوة وإكرام، وقد تردد فخامة ~~لورد اللنبي على البلدة ابتغاء الصيد والقنص حيث وجد فيها مناخا طيبا ونزهة محمودة، ~~وصديقا وفيا ألا وهو سعادة صاحب الترجمة لما آنس فيه من لطف، ودعة وكرم أخلاق، مع ~~علم وأدب، وكرم حاتمي، وقد قصدها أيضا كثيرون من الأجانب فكانوا يقابلون بصدر رحب وحسن ~~استقبال، مما كان له أثر خالد في قلوبهم عند عودتهم لبلادهم. # صفاته وأخلاقه # ومع ما هو فيه من الوجاهة، والجاه العريض، تراه على جانب عظيم من اللطف، وكرم ~~الأخلاق، وحسن المعاشرة، بعيد عن العظمة والخيلاء غاية في التواضع، حفظه الله وأبقاه ~~ومتعه بطيب الحياة. # | ترجمة حضرة صاحب العزة الإداري الكبير محمد بك أمين واصف # كلمة للمؤرخ # تتجلى الصفات السامية والمواهب العالية في شخص هذا الشهم الإداري الكبير بأجل ~~معانيها، وأسمى مبانيها، وحق لنا أن نمطره من آيات الشكر والثناء أكثرها لما قام به من ~~جلائل الخدم لمصره ms385 العزيزة، ولسمو نزعته، وقوام مبدئه، وجميل صفاته، ولكم لقي هذا البطل ~~من ضروب العنت إبان تربعه في كراسي الإدارة الحكومية إزاء نزعته الوطنية، مما دعا إلى ~~السعي في عزله هو وآخرين في آخر عهد الخديوي عباس حلمي باشا السابق، ففشل الساعون إلى ~~الانتقام وباءوا بالخسران، ثم تجددت المساعي على أثر الانقلاب السياسي الخطير، فاعتزل الخدمة. # حضرة صاحب العزة الإداري الكبير محمد بك أمين واصف المفتش العام ~~لوزارة الأوقاف سابقا. # وإن كان عزته قد ترك أعمال الحكومة ومتاعبها، إلا أن ما حازه من الشهرة الوطنية ~~والثبات على المبدأ يكفيانه فخرا وشرفا في بطون التاريخ. # مولده ونشأته # هو محمد أمين بك واصف نجل المرحوم مصطفى بك واصف من ضباط الجيش المصري سابقا، ~~المتوفى إلى رحمة ربه في حادث الفيوم سنة 1888م المشهورة بقضية الدهشان. # ولد بمصر القاهرة في 19 يناير سنة 1876، فغذاه والده الجليل بلبان الأدب والفضل ~~والاستقامة، ولما أن شب عن الطوق أدخله مدرسة الحسينية الابتدائية الأميرية، وعندما حصل ~~منها على شهادة الدراسة الابتدائية أدخل المدرسة الخديوية الكائنة بدرب الجماميز، ونال ~~منها شهادة البكالوريا سنة 1890م، ثم التحق بمدرسة الحقوق وبجده ونشاطه، وحسن استقامته ~~أحرز شهادة الليسانس منها سنة 1895م بنجاح عظيم. # وظائفه الحكومية # وعند نواله لتلك الشهادة عين معاونا للإدارة بمديرية الجيزة على عهد السير الدن ~~غورست، ثم نقل لمديرية أسيوط ثم رقي مأمورا لعدة مراكز، ومن ثم وكيلا لعدة مديريات ~~فمديرا لمديرية القليوبية فالجيزة إلى أن عين مفتشا عاما لوزارة الأوقاف، عندما ~~جعلت وزارة كباقي وزارات الحكومة، ثم اعتزل الخدمة على أثر الانقلاب السياسي الخطير كما ~~قدمنا. # ولحضرة صاحب الترجمة ولع شديد بالصحافة منذ عهد التلمذة لزمالة فقيد الوطن والوطنية ~~المرحوم مصطفى كامل باشا، ولما عرف فيهما ذلك الولع «وهما طلبة بمدرسة الحقوق» المغفور ~~لهم لطف باشا سليم وبشارة باشا نقلا والشيخ علي يوسف، شجعهم الأول وأمدهم بأفكاره ~~الواسعة، ومبادئه الجليلة، كما أعد لهما الآخران صحائف جريدتهما على أوسع رحاب. # أعماله الخالدة لنشر العلم والأدب # وقد صادف عند وجوده ms386 مديرا للقليوبية ظهور تعديل القانون النظامي للحكومة المصرية، ~~وزيدت اختصاصات مجالس المديريات وأضيف التعليم الأولي الابتدائية لعهدتها، فكان مجلس ~~مديرية القليوبية أسبقها إلى نشر التعليم، وتشييد دوره، فأنشأ مدارس ابتدائية بقليوب ~~وطوخ وشبين القناطر بعد نقل مقر المركز إليها، وقد كان في نوى، ثم مدرسة للبنات ببندر ~~بنها ثم المدرسة الصناعية بطوخ، وقد شيدت باكتتاب عام من أعيان المديرية في عهد المرحوم ~~عبد الغني بك شاكر المدير الأسبق، ثم أنشأ ثمانين كتابا في أنحاء المديرية ~~المختلفة. # وقد أثنى عليه المؤتمران الإسلامي والقبطي بأسيوط لإمكانه التوفيق بين نظام التعليم ~~الإسلامي والمسيحي بالمعاهد، التي شيدها بما أرضى الطرفين. # وهو صاحب مشروع الخفر النظامي بالبلاد، وانتداب ضباط من الجيش لتنظيمه وتدريسه؛ ولذلك ~~أشار السير الدن غورست بتنفيذ التجربة الأولى بمديرية القليوبية تحت مباشرته. # ولعزته من المشاريع العلمية والأدبية والاقتراحات الصائبة فوق ما تقدم بيانه شيء ~~يذكر، وجميعها تشهد بغيرته الفائقة على نشر العلوم والآداب. # مؤلفاته القيمة # ولحضرة صاحب الترجمة الجليل مؤلفات قيمة نذكر منها: # شرح قانون تحقيق الجنايات. # وشرح قانون العقوبات. # ومناهج الأدب في «الأخلاق والاجتماع». # والخريطة التاريخية ومعجمها. # وكتاب علم النفس، وعلم المنطق، وعلم الأخلاق. # وغيرها وغيرها من المؤلفات النفيسة التي تشهد ببراعة مؤلفها وغزارة ~~علمه، وفضله، ومكانته السامية، في عالم التحرير والأدب وقد انتخب عضوا بالمجمع اللغوي ~~المصري في أول نشأته. # صفاته وأخلاقه # كريم النفس، قوي الإرادة، لا يحتمل الضيم، صريح في الحق لا يخشى فيه لومة لائم، ذكي ~~الفؤاد، على جانب كبير من المقدرة العلمية والأدبية والإدارية، يميل بفطرته لمساعدة ~~الفقراء وتشجيع الأدباء، وهو بالإجمال مثال تتجلى فيه الشهامة العالية والمروءة ~~الكاملة. # حفظه الله وأكثر من أمثاله العاملين. # | ترجمة فقيد العلم والتاريخ البحاثة الكبير المرحوم ميخائيل بك شاروبيم # مقدمة للمؤرخ # إن الخسارة العظمى التي لحقت بالأمة المصرية عامة، والقبط خاصة، بفقد هذا العالم ~~الكبير، والمؤرخ الشهير، لن تتعوض، كيف لا وقد كان الفقيد من جهابذة المؤرخين المدققين، ~~واسعي الخبرة والاطلاع، ومن علماء هذا العصر وحسب القارئ الكريم تلك المجلدات التاريخية ms387 ~~الضخمة التي حوت من درر المعاني وسير الغابرين أي: من بدء أيام نوح عليه السلام دولة ~~فدولة إلى انقراض ملك الروم بالفتح الإسلامي إلى ظهور محمد علي باشا الكبير جد العائلة ~~المالكة الآن، ووصف حروبه وولاية ذريته من بعده إلخ ما جاء بتلك المجلدات التاريخية ~~الثمينة أن يحكم حكما جازما أن هذا الفقيد العظيم، والراحل الكريم، ركن من أركان ~~العلم والفضل ومؤرخ لا يجارى في الوصف، كما كان إداريا بكل معنى الكلمة في جميع ~~وظائفه الحكومية التي شغلها في حياته العملية، واتصف بالنزاهة والجد والإقدام، ولو كان ~~الله أفسح في حياته لرأينا فوق ما ظهر من آثاره العلمية الخالدة مؤلفات شتى وأبحاث ~~هامة، ومصنفات تاريخية شيقة، رحمه الله رحمة واسعة وأثابه خيرا بعدد فضله وغزارة علمه ~~ومجهوداته القيمة لخدمة التاريخ. # المرحوم ميخائيل بك شاروبيم. # مولده ونشأته # ولد الفقيد عام 1277ه بجهة حارة السقايين بقسم السيدة زينب بمصر من أبوين شريفين ~~حسبا ونسبا، فغذياه بلبان الآداب المنزلية حتى بلغ السابعة من العمر فدخل مع شقيقه ~~الأكبر المرحوم حنا بك شاروبيم مدرسة حارة السقايين، فتلقى فيها العربية والإنجليزية ~~والفرنساوية ومبادئ اللغة القبطية، فأظهر على حداثة سنه نبوغا كبيرا في الإنشاء ~~والأدب، وله فيهما عدة قصص وحكايات بأسلوب جميل راق وقلم سيال، ولما أن بلغ الرابعة ~~عشرة من عمره عين في قلم التحريرات الأفرنجية بوزارة المالية، وما كاد ينقضي عليه عامان ~~في ذاك المركز حتى رقي مترجما فسكرتيرا خصوصيا للمرحوم إسماعيل باشا صديق، ولبث في ~~هذه الوظيفة إلى سنة 1876م حيث نقل بعد وفاة الباشا المشار إليه سكرتيرا ثانيا للمستر ~~إسكرفتر مديرا للجمارك، فوكيلا لكبير تلك المصلحة، وفي أواخر سنة 1877م انتخب لإدارة ~~جمارك دمياط وسلخ سائر أعمالها من محافظتها؛ لتكون إدارة مستقلة على قاعدة ثابتة فقام ~~بما عهد إليه أحسن قيام حتى استحق الثناء الوافر من رؤسائه، فرقوه أمينا للجمرك ~~المذكور، وزادوا في مرتبه، وفي سنة 1880م رقي أمينا لجمرك بور سعيد ولأسباب صحية ~~استقال من منصبه وعاد إلى القاهرة، غير أنه ms388 عاد إلى خدمة الحكومة بعد شهور، حيث طلبته ~~المراقبة الثنائية على عهد المستر كولفن الإنجليزي، والمسيو دي بلبينار الفرنسوي وعينته ~~مفتشا بها، وفي سنة 1882م طلب منه المرحوم سلطان باشا نائب الحضرة الخديوية يومئذ ~~تشكيل ديوان يقوم بأداء لوازم الجيش الإنجليزي، الذي دخل البلاد فقام وشكل الديوان وجمع ~~لعماله من دواوين الحكومة نحو 70 معاونا و50 جنديا من الكتاب وأربعة من المترجمين، ~~وسار في عمله بدقة ونشاط وهمة، حتى شهد له نفس الإنجليز وولاة الأمور بحسن الإدارة ~~والاجتهاد، ثم ألغي هذا الديوان فأعيد المترجم إلى وزارة المالية بناء على طلبها ~~بوظيفة مفتش، فلم يقبل هذا المنصب وطلب الراحة من عناء الأعمال فأجيب إلى طلبه. # وفي يناير سنة 1884م عين قاضيا بمحكمة المنصورة الأهلية، ثم رئيسا لنيابة تلك ~~المحكمة، وكانت يومئذ أكبر النيابات وأوسعها اختصاصا؛ لأنها كانت تشمل مديريتي ~~الدقهلية والشرقية ومحافظات دمياط وبور سعيد والإسماعيلية والسويس والعريش، وفي آخر شهر ~~يوليو من تلك السنة منحه سمو الخديوي عباس باشا الثاني الرتبة الثانية؛ مكافأة له على ~~اجتهاده، وفي شهر نوفمبر أنعم عليه جلالة ملك اليونان بوسام المخلص من رتبة كومندور؛ ~~اعترافا بأياديه البيضاء على الجالية اليونانية بإقليم الشرقية، وفي أوائل فبراير سنة ~~1885م أنعم عليه جلالة شاه العجم بوسام الشمس «شيروخورشيد» من الدرجة الرابعة مكافأة له ~~على تحسين العلائق بين المحكمة ودولة إيران، وفي أوائل سنة 1888م أنعم عليه ملك إسبانيا ~~بوسام القديس يوحنا من رتبة شفاليه. # أما أعماله في منصب رئاسة نيابة المنصورة، فمعلومة ومآثره العديدة تضيق عن الحصر، ولا ~~يزال أهاليها يذكرونه في كل مناسبة كما كان المسيو لوجريل النائب العمومي في ذاك العهد ~~يحبه حبا جما، ويتخذ أعماله قدوة يقتدي بها عمال النيابات الأخرى، ولم يتخل عن ~~إطرائه حتى بعد اعتزاله الأعمال وتركه لخدمة الحكومة. # وعندما تولى المرحوم رياض باشا الوزارة في أغسطس سنة 1888، وقع بينه وبين المترجم ~~نفور فمغاضبة بسبب اختصاص الوظيفة، وبالرغم من تدخل المرحوم توفيق باشا الخديو السابق ~~في الأمر، فقد اعتزل المترجم الخدمة وسافر ms389 إلى بني سويف مسقط رأس أبويه، وكان لم يرها ~~إلى ذلك الحين حيث أقام بها مشتغلا بالزراعة وتفليح ما له من الأراضي الزراعية. # مؤلفاته التاريخية القيمة # ثم عكف على تأليف كتابه الكافي وهو أربعة أجزاء ضخام: # الأول: # منها يبتدئ من أيام نوح عليه السلام دولة فدولة إلى انقراض ملك الروم ~~بالفتح الإسلامي. # والثاني: # منها يبتدئ بفذلكة من تاريخ العرب في الجاهلية، وظهور صاحب الشريعة ~~المحمدية وهجرته وغزواته وفتوحاته وولاية أبي بكر ووفاته، وولاية عمر ~~الفاروق ومجيء عمرو بن العاص إلى ديار مصر، إلى زوال ملك العرب بالفتح ~~العثماني، ودخول السلطان سليم القاهرة. # والثالث: # يبتدئ بفذلكة من تاريخ الترك في القدم وأصلهم وعدد ملوكهم، وما فعلوه ~~في ديار مصر إلى انقراض حكمهم القديم بظهور ساكن الجنان محمد علي باشا ~~الكبير جد العائلة المالكة الآن. # والرابع: # يبتدئ بترجمة حياة محمد علي باشا وحروبه وولاية ذريته من بعده، وظهور ~~الثورة العرابية وصاحب المهدوية، ودخول الجيوش الإنجليزية وما يتخلل ~~ذلك من الكروب والحروب إلى وفاة المرحوم الخديوي توفيق. # وعند انتهاء تلك الأجزاء الأربعة أخذ رحمه الله يشتغل في تأليف الجزء ~~الخامس الختامي لمؤلفه هذا، وقد أتمه قبيل وفاته وترك طبعه ونشره لأولاده من بعده، وهذا ~~الجزء يتضمن تاريخ عباس باشا حلمي الخديوي السابق والانقلاب الذي حدث عقب خلعه، وينتهي ~~بخلعه وتولية ساكن الجنان المغفور له السلطان حسين كامل الأول، وقد بدأه بوضع فذلكة له ~~في أصل الاستعمار، وأكبر الدول استعمارا؛ ليتوصل إلى ذكر الأسباب التي دفعت بالإنجليز ~~إلى احتلال مصر. # رجوعه إلى خدمة الحكومة # وفي شهر نوفمبر سنة 1894 جاءه طلب من وزارة المالية، فانحدر إلى القاهرة كارها، وما ~~كاد يلتقي بوزيرها أحمد مظلوم باشا، ووكيلها المستر دوكنس حتى كلماه في قبول منصب إدارة ~~مصلحة التاريع التي هي مسلحة أطيان عموم القطر المصري، وكان بها يومئذ كبير من الإنجليز ~~لم يقو على إدارتها، فاعتذر المترجم وألح ببقائه بعيدا عن المناصب فلم يقبلا ذلك منه، ~~وما زالا به حتى رضي كارها فسلماه من يومه كثيرا ms390 من المنشورات والأوامر العالية ~~والقرارات الوزارية، وكلفاه بعمل قانون يكون إليه المرجع في عمل فك الزمام، فقام بعمله ~~حتى أتمه على أحسن حال، وقد أنعم عليه الخديوي عباس باشا بالنيشان العثماني الرابع سنة ~~1897م، وهو ذاك المسند الخطير الذي ظل فيه إلى سنة 1899م، حيث انتقلت أعمال المساحة إلى ~~عهدة صاحب المساحة الجيولوجية، فانتقل المترجم إلى وزارة المالية في منصب ناظر إدارة ~~أملاك الميري الحرة، فلبث بها إلى أخريات سنة 1899م ثم تعين مديرا لأملاك الميري ~~بمدينة الإسكندرية، وجاءه وهو بها نيشان نجمة الافتخار من منليك ملك ملوك الحبشة في آخر ~~أغسطس سنة 1900، وقد لبث بها إلى أوائل سنة 1903م، ثم انتقل إلى وزارة المالية ثانية ~~بوظيفة ناظر إدارة أملاكها، فكان يرى أن البقاء على هذا النوع من الخدمة معطلا لأشغاله ~~الخصوصية، ومزيدا لمتاعبه فجعل يسعى مع ولاة الأمور حتى وافقوا على تقاعده في آخر سنة ~~1903م، وتفرغ بعد ذلك إلى التأليف الذي جد فيه، وأيضا لاستثمار أراضيه بمديريتي الجيزة ~~وبني سويف، وبتعضيد المشروعات الخيرية والأدبية، والأخذ بيد أمته إلى طريق الحياة ~~والارتقاء إلى أن وافاه القدر المحتوم، فراح مبكيا على غزارة فضله وعلمه وفائق ~~مجهوداته، وقد ترك الفقيد مكتبة عامرة حوت نفائس الكتب التاريخية، والعلمية، والأدبية، ~~مما يتعذر وجود مثيلاتها بين ظهرانينا، وقد وهبتها أسرة الفقيد العزيز للمتحف القبطي ~~بمصر القديمة؛ لتكون أثرا خالدا جليلا يدوم ناطقا لهذه الأسرة الكريمة، وفوق رأسها ~~الشهم النبيل والأديب الفاضل شفيق بك أكبر أنجال الفقيد، الذي حذى حذوه في عمل الخير ~~بالشكر والثناء أبد الدهر. # الاحتفال بتشييع الجنازة # وقد توفي هذا العالم الجليل والمؤرخ الكبير إلى رحمة ربه في جمادى الأولى سنة 1336ه، ~~واحتفل بتشييع جنازته إذ ذاك باحتفال عظيم سار فيه كل ذي حيثية ومقام كبير في البلاد، ~~كما أقامت له جمعية التوفيق القبطية الكبرى حفلة تأبين، حيث كان الفقيد رئيسا لها ومن ~~كبار العاملين لإحيائها، تبارى فيها الخطباء معددين مناقبه وآثاره الخالدة، التي ملأت ~~صفحات كبيرة من الكتب والمجلات والصحف على ms391 اختلاف أحزابها وآرائها. # وقد اعتنى الفقيد عناية كبرى بتربية أولاده النجباء حضرات شفيق بك «الذي ترى صورته ~~وترجمته في غير هذا المكان» ووديع وزكريا تربية عالية، حيث بعث بهم إلى أهم كليات ~~وجامعات الغرب؛ للارتشاف من بحور علومها العالية، حتى إذا ما عادوا إلى وطنهم المفدى ~~أدوا لمواطنيهم الكرام خدما جليلة. # صفاته وأخلاقه # كان رحمه الله دمث الأخلاق، كريم الطباع، محسنا جوادا يعطف على الفقراء والبؤساء، ~~أديبا بكل معنى الأدب، محبوبا، محترم الجانب لدى كل عارفي فضله وكماله، على جانب يذكر ~~من الكفاءة والإدارة وغزارة العلم. # رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه جنات النعيم. # | ترجمة الشهم الأديب شفيق بك ميخائيل شاروبيم # كلمة للمؤرخ # هذا هو الشبل الأثيل، سليل بيت الرفعة والشرف، والمجد ومثال الكمال والجد، الشاب الذي ~~جمع إلى كرم أخلاقه، وتدفق ذكائه، علما وضم إلى عزة نفسه وأصالة رأيه حلما، فهو من ~~صفوة الشبان الذين تتفاخر بفضائلهم مصر، ويتلألأ بدرر علومهم، ومعارفهم هذا العصر، وقد ~~صدق فيه قول الشاعر: # الشهم الأديب شفيق بك شاروبيم النجل الأكبر لفقيد العلم والتاريخ ~~المرحوم ميخائيل بك شاروبيم. # ورث الأكابر كابرا عن كابر # ورقى إلى العلياء وهو فطيم # مولده ونشأته # سطع نور محياه الوضاء بمصر القاهرة في نوفمبر سنة 1895م، وتغذى بلبان الأدب والعلم من ~~ذاك الوالد البار، الذي لم يدخر وسعا في تعليمه وتثقيف مداركه، ولما أن شب عن الطوق ~~أدخله مدرسة الفرير بمصر، فأقبل على ارتشاف علومها بصدر رحب ونفس تواقة لطلب العلم، وظل ~~بها إلى أن حاز شهادة البكالوريا قسم العلوم سنة 1914م، ثم التحق بوزارة الأشغال ~~العمومية، وعندما نشبت المنية أنيابها في والده الجليل اضطر لترك هذه الوظيفة، والتفرغ ~~لأعمال عائلته الخاصة وللتصوير الذي كانت تتوق نفسه ~~دائما إلى ممارسته، فأخذ في دراسة هذا الفن الجميل على الأستاذ نييتسون كول والأستاذ ~~سير جوفس في مصر ثم سافر إلى إيطاليا سنة 1921، والتحق بمدرسة الفنون الجميلة، وأخذ ~~يواصل ليله بنهاره مبديا جدا ونشاطا حتى أدهش أساتذته بتفوقه وفرط ذكائه، وقد نال ~~من هذا ms392 المعهد العالي الذي يعد أكبر معهد في العالم للفنون الجميلة بلا جدال شهادة ~~الليسانس، وهو أول مصري حائز هذه الشهادة العالية من ذاك المعهد، ثم عاد للوطن العزيز ~~مكللا بأكليل الظفر والفخر سنة 1923 رافعا رأس الشرق عامة، ومصر خاصة، بهذا النجاح ~~العظيم. # ولقد تشرف بمقابلة حضرة صاحب الجلالة الملك فؤاد الذي أمده بنصائحه الغالية، وحكمه ~~العالية لما لجلالته من الميل لرقي هذا الفن الجميل وتشجيع أهله، وقد اعتاد شفيق بك أن ~~يبعث كل سنة من وقت عودته من إيطاليا عدة صور إلى ~~المعرض السنوي الذي يقام بالقاهرة، فكانت دائما موضع الإعجاب والاستحسان بدليل أن ~~الحكومة المصرية ابتاعت بعض صوره، وكذا كل ذي ذوق سليم يدرك عظمة هذا الفن الجميل، وما ~~لريشة مصورنا الكبير من البراعة والذوق والدقة، مما يبشرنا ببلوغه الغاية القصوى في وقت ~~قريب. # زيارة جلالة الملك لمعرض التصوير: ولقد تنازل جلالة مولانا المليك المعظم بزيارة معرض ~~التصوير في شهر نوفمبر سنة 1923 تشجيعا للقائمين به. # وفي الصورة الآتية يرى القارئ الأستاذ شفيق واقفا على يمين جلالة الملك، وهو المرموز ~~له بهذه العلامة × وقد ودع جلالته، كما استقبل بالحفاوة والإكرام. # أهمية فن التصوير ولزومه # إن المؤرخ يخط الحوادث على القرطاس فتأتي الأجيال تلو الأجيال، وتطالع تلك السطور وما ~~حوت من أخبار أزمان سعيدة أو شقية، وملوك عادلين أو ظلمة وجيوش ظافرة أو مقهورة، أما ~~المصور والحفار فينقشان الحوادث ويشخصانها، ويزيدان على ما يسطره المؤرخ صور وتماثيل ~~عظام رجال كل عصر بعصره، فيجعلاننا نرى وجوههم وزينهم ويمكننا بالتفرس في محياهم الحكم ~~على أخلاقهم وسيرهم. # تصفح تاريخ نابليون الكبير فتدهش، ولكنك ادخل اللوفر وقف أمام صور حروبه بريشة ~~البارون جرو وفرنته فتذهل من تلك المواقع المدهشة، وترى منها عظمة الرجل فشكله وأعماله ~~حتى أخلاقه. # زيارة جلالة الملك فؤاد لمعرض الصور وعلى يمينه الأستاذ شفيق. # فإن كان والد صاحب الترجمة قد خدم التاريخ بعلمه فقد خدم ولده فن التصوير بريشته، فلا ~~يسعنا إلا الثناء على هذه الخدم الجليلة، التي يقدمها هذا ms393 الابن البار لوالدته مصر ~~البارة، وحبذا لو اهتمت كل أسرة واقتدت بأسرة شاروبيم، التي تسعى مجردة عن كل مصلحة ~~وغاية لرفع شأن وطنها إلى مستوى الأمم الراقية. # صورة شفيق بك وهو جاري التصوير، ويرى الناظر لهذا الرسم الأستاذ ~~مكبا على التصوير بمهارته الفائقة. # وقد يمتاز الأستاذ شفيق بك شاروبيم على غيره من المشتغلين بالفنون الجميلة بمصر بعمل ~~«البورتريا» أي: صور الأشخاص، فهو تلميذ للأستاذ «كورما لدي» الإيطالي الشهير والأخصائي ~~في هذا النوع من التصوير، ولقد زرنا محل عمله وسررنا كثيرا من رؤية صور بعض الأشخاص، ~~الذين لنا بهم سبق معرفة والذي يسهل بمجرد النظر ~~إليهم من رؤية محياهم بما فيه من خصائص طبيعية وأخلاقية، وهذه مقدرة لم يصل إليها إلا ~~كبار المصورين الذين بلغوا شأوا عظيما من الفن. # ولنا كبير أمل أن يقتدي به أبناء هذه الأمة فتنال مصر على أيديهم خطوة واسعة إلى رقي ~~الفن. # ولا يفوتنا أن نثبت هنا تلك النصيحة الغالية التي ألقاها جلالة الملك، حين تشرف ~~الأستاذ شفيق بك بالمثول بين يدي جلالته عقب عودته من إيطاليا، وهي: # أرجو يا شاروبيم أن تنتفع الأمة بتصويرك كما انتفعت بعلم والدك. # صفاته وأخلاقه # ذكي الفؤاد، بشوش الوجه، ضاحك السن، أديب بكل معنى الأدب، دمث الأخلاق، وبالإجمال فإن ~~صفاته وأخلاقه صورة حقيقية من صفات وأخلاق المرحوم والده الجليل. # أدامه الله بالصحة والسعادة وأكثر من أمثاله بين شباب مصر الناهض. # | ترجمة حضرة الشهم الوجيه الفاضل فوزي بك خليل # كلمة للمؤرخ # أتينا فيما تقدم من هذا الجزء على ترجمتي حضرتي ~~الشهمين الفاضلين صاحبي العزة، توفيق بك خليل ونقولا بك خليل شقيقي صاحب هذه الترجمة، ~~والآن وجب علينا أن نثبت بقلم الولاء والإخلاص ترجمة هذا الشهم الوجيه والعالم المجد ~~نصير الإنسانية والمروءة. # حضرة الشهم الوجيه الفاضل فوزي بك خليل من وجهاء القاهرة. # مولده ونشأته # ولد هذا الشهم بمصر القاهرة عام 1886 ميلادية من أبوين كريمين اشتهرا بالصلاح ~~والتقوى، ووالده هو المرحوم طيب الذكر جرجس بك خليل من كبار موظفي الحكومة المصرية ~~سابقا، ms394 فربياه التربية المنزلية الحسنة، ومن ثم أدخله والده كلية الآباء اليسوعيين ~~بالقاهرة، فارتشف من بحر علومها وآدابها وتجلت في شخصه الكريم مواهب الذكاء الفطري، ~~والأخلاق السامية، والأدب الجم، وأحرز الكثير من علومها، ومن ثم أدخل مدرسة الزراعة ~~العليا ونال حظا وفيرا من شتات علومها، ومارس تجاريب كثيرة من شؤونها، مما ساعده على ~~أن يكون من كبار المزارعين. # ولما رأى من نفسه ميلا شديدا للاشتغال بالأعمال الحرة لا سيما بعد وفاة المرحوم ~~والده، فقد شمر عن ساعد الجد والعمل، وأخذ في إدارة ~~شؤون زروعاته الواسعة بمديرية بني سويف، عدا العقارات العديدة التي بتلك المديرية وبمصر ~~حيث أعطي توكيلا عاما من باقي أخوته لينوب عنهم فأصبحت هذه الأعيان بفضل جده ونشاطه ~~وكفاءته ذات إيراد عظيم، إذ اتسع نطاقها وتضاعف مقدارها وليس ذلك على كبير نشاطه وسمو ~~ذكائه بعسير، خصوصا وأن خاله صاحب الدولة الجليل يوسف باشا وهبه رئيس الحكومة المصرية ~~سابقا ذاك الرجل الإداري الكفء والمفكر العظيم، وكذا زوج شقيقته الفضلي حضرة صاحب ~~السعادة السري الجليل أمين غالي باشا شقيق ذاك الفقيد المرحوم بطرس غالي باشا. # فالمترجم بلا جدال من أكبر بيوتات الأقباط في المجد، والرفعة، وعلو الحسب، والنسب، في ~~هذا العصر وقد اشتهر بمساعدة البؤساء، والأخذ بيد الفقراء وتعضيد العلم وتشجيع ~~الأدباء. # صفاته وأخلاقه # سامي الأخلاق، كريم الصفات، على جانب كبير من الدعة، واللطف، والإقدام، والكفاءة ~~الشخصية، ورجاحة الفكر. # أجزل الله عليه السعادة والصحة وأكثر من أمثاله العاملين. # | ترجمة صاحب العزة السري الوجيه محمد بك رفاعة # حضرة صاحب العزة السري الوجيه محمد بك رفاعة كبير وجهاء بندر طهطا مديرية ~~جرجا ومن عظام رجال الماسونية. # كلمة للمؤرخ # رجل فذ ومن نوابغ الأمة المصرية، ونجل فقيد المروءة والإحسان بدوي بك رفاعة من أكبر ~~ثراة صعيد مصر وأحد رجالها المعدودين المشهود لهم بطهارة الذمة وحسن السمعة، وجده لأبيه ~~هو المغفور له رفاعة بك رافع الكبير المشهود له بالعلم الغزير، والجاه الرفيع، وصاحب ~~الترجمة يعد بلا جدال من عظماء رجال الماسونية، وليس في مقدورنا أن ms395 نأتي هنا بجميع ما ~~بذله من المال الوفير على نهضتها ورقيها، وما كان منها لوجه الإحسان ومساعدة من أخنى ~~عليهم الدهر بما يوحي إليه شريف وجدانه وعواطفه. # مولده ونشأته # ولد صاحب الترجمة ببندر طهطا عام 1871، وتربى التربية المنزلية العالية في وسط بيئة ~~صالحة، ولما أن شب عن الطوق أدخله المرحوم والده مدارس اليسوعيين، ثم انتقل إلى مدرسة ~~المعلمين فكان مضرب المثل في الجد والذكاء. # ولما كان المرحوم عمه العالم الجليل علي باشا رفاعة وكيلا لوزارة المعارف وقتئذ، فقد ~~تلقن المترجم على يديه اللغة العربية، وعلم البيان حتى تبحر فيهما، وقد شب متحليا ~~بصفات عالية، ومناقب سامية أفادته فائدة تذكر عندما عين أستاذا بالمجمع الماسوني ~~الأعظم الذي تدرج في سمو رتبه، حتى نال أعلاها وهو ركن متين من أركانها، كما أنه يعد من ~~الرجال المعدودين في الهيئة الاجتماعية. # ومن مآثره الخالدة التي ندونها بقلم الفخر والإعجاب أنه عندما أراد جلالة الملك فؤاد ~~الأول زيارة عواصم بلاده، وشرف بندر طهطا لوضع الحجر الأساسي للمستشفى عام 1921م، أوقف ~~حضرة صاحب الترجمة أربعين فدانا من أجود وأخصب أطيانه على هذا المستشفى، غير التبرعات ~~المالية الأخرى التي جاد بها لإتمامه وزخرفته. # وقد تبرع لجمعية الهلال الأحمر بمبلغ ألف جنيه مصري عام 1912، وبمبلغ يربو عن ~~الخمسماية جنيه مصري لجمعية الصليب الأحمر، وذلك إبان الحرب الأوربية الكبرى هذا فوق ما ~~تبرع به للمعهد العلمي بأسيوط ومدرسة الصنائع بسوهاج ومدرسة البنات بها، ومدارس البنين ~~والبنات بطهطا وله غير ذلك كثير من التبرعات في أعمال علمية وأدبية مختلفة، يرى من ~~ورائها الخير والنفع للبلاد. # وقد اقتدى هذا الشهم الكريم بآبائه وأجداده العظام في عمل البر ومساعدة البؤساء ~~وسبقهم في الجود والكرم. # صفاته وأخلاقه # وإن كان صاحب الترجمة يعد من سراة رجال مصر، ومن أغنيائها العظام وأشرف الأسر حسبا، ~~ونسبا، وفرعا، فله صفات جليلة يمتاز بها عن كثيرين، فقد حاز منزلة لا تداني في الهيئة ~~الاجتماعية بوجه عام ورفعة ومقاما بالمجمع الماسوني الأعظم بوجه خاص، وجمع بين الكرم ~~واللطف ودماثة ms396 الخلق، والعلم الغزير والأدب الجم. # أدامه المولى وأبقاه ومتعه بالصحة والهناء، وأكثر من أمثاله بين عظماء الأمة لرفع شأن ~~البلاد ونفع العباد. # | ترجمة حضرة صاحب العزة السري الجليل أمين بك الملواني # من وجهاء مديرية الغربية # كلمة للمؤرخ # من أفراد الأمة الذين امتازوا وتفردوا بالنبوغ الفطري في الشؤون الزراعية، وخبروا ~~شتات أمورها بأنفسهم، وذاقوا حلاوة مجهوداتهم هذا الشهم النابغ صاحب هذه الترجمة الذي ~~ابتعد عن الأوطان ردحا من الزمن؛ طلبا لزيادة علومه الزراعية وعاد لبلاده حاصلا من ~~المعلومات القيمة على ما يفيد مواطنيه الكرام، وقد شهد له عارفوه بالكفاءة التامة ~~والمقدرة وسعة الإطلاع. # حضرة صاحب العزة السري الجليل أمين بك الملواني. # مولده ونشأته # ولد في 25 أكتوبر سنة 1884 بناحية ميت حبيش القبلية مركز طنطا عربية، وهو من بيت ~~المجد الأثيل والأصل النبيل سهر أبوه على تربيته التربية المنزلية السامية، التي تعتبر ~~النواة والبذرة الصالحة التي تنبت خير نبات، وتأتي بأحسن الثمرات ولما أتم تلك التربية ~~وبدت عليه سيماء الذكاء التحق بمدرسة طنطا الأميرية، فكان مثال الجد والاجتهاد وظهر ~~عليه الاهتمام بالدرس، والتفوق على الأقران، ثم انتقل إلى مدرسة الناصرية فكان موضع ~~إعجاب معلميه وأقرانه، حتى إنه كان لا يمر يوم إلا وينال من ثناء معلميه، وتشجيعهم إياه ~~ما يجعل الأذكياء يقتدون به حبا في التشبه؛ ليكون لهم من الحظ في الثناء بعض ما يناله ~~يوميا، ثم انتقل إلى مدرسة رأس التين فكان ذلك الطالب المجد والتلميذ المثابر على ~~العلم حتى التحق بكلية أكفيلد الزراعية بإنجلترا، فضرب المثل الأعلى في بلاد الغرب على ~~نبوغ الشرقي، ورفع رأس مصر عاليا بين الشعوب الراقية وعاد إلى الوطن ليفرغ قصارى جهده، ~~ويقدم بعض خدماته له فاختار لنفسه طريق الزراعة؛ لأنه الطريق الموصل إلى نمو ثروة ~~البلاد؛ لعلمه أن الزراعة ينبوع حياتها ومحط ثروتها، فباشر أعمال مزارعه الخصوصية ~~الواسعة بجهة بلدة ميت حبيش الشهيرة بالملوانية، وبجهة دسوق من أعمال مديرية الغربية ~~وسهر على تنظيم تلك المزارع الواسعة، وإنماء ثروتها حتى أصبح يضرب بجودة محصولها المثل، ms397 ~~وكان لا يألوا جهدا في جمع العمال وبذل النصائح الغالية لهم وإرشادهم إلى ما يعود ~~بالفوائد الجمة على الزراعة، وبفضل حزمه وسديد رأيه، وبعد نظره ويقظته كانت تلك النتيجة ~~الباهرة التي أدهشت الأخصائيين في الزراعة، وكثيرا ما تحدث مع إخوانه المزارعين بالطرق ~~الموصلة لإنجاح مزارعهم، فأنعم بتلك النفس العالية وبمحبة النفع للمجموع كما يحبه ~~لنفسه. # وهناك على بعد أربعة كيلو مترات شرق مدينة طنطا توجد بلدة ميت حبيش، حيث يرى الناظر ~~قصرا فخما ذا بابين أحدهما غربي أمام الترعة الجعفرية وبه حديقة غناء، وروضة فيحاء، ~~حوت من الأزهار والثمار ما يجلو النواظر ويسر الخاطر ويبعث السرور إلى فؤاد الناظر - ~~هناك يرى أعاجيب القدرة العلمية والخبرة الفنية في وضع الرسوم الزراعية بطريقة هندسية، ~~وتأخذه الدهشة من عظم السرور لما حوته تلك الحديقة البديعة من حسن التنسيق، ويتوهم ~~الجالس في وسطها أنه في جنة الخلد التي وعد بها الله العاملين المخلصين - وفي وسط تلك ~~الحديقة يجد الناظر سلاملكا من أفخم المباني وأحدثها طرازا ، ويجد الصالونات البديعة ~~المفروشة بأفخر الرياش وأغلى الأثاث، وفيها معدات الراحة التامة للوافدين من الضيوف ~~والزوار. # ويرى الناظر أمام الباب البحري لذاك القصر الفخم حديقة أخرى غاية في الأهمية، وجمال ~~التنسيق وحسن الوضع الذي يتم عن سلامة الذوق، وبراعة ناسقها مما لا يقل عن ~~سابقتها. # ذلك هو القصر المعد لزوار تلك العائلة العريقة في الحسب والنسب والجاه العريض، ألا ~~وهي عائلة الملواني رفيعة العماد وكذا يقصده زوار حضرة صاحب العزة شقيقه الأمثل إسماعيل ~~بك الملواني، وهو عمدة الناحية فإذا لم يجدوه يقصدون قصر صاحب هذه الترجمة، حيث يقابلهم ~~بما يليق من أنواع التجلة والإكرام والجود الحاتمي، فيجدون الأصل مجتمعا والفرع ~~مرتبطا يضمها مكان واحد، ويظلها شرف العائلة التي ترسل ظلها فيستظل به الحادي ~~والبادي. # وكما أن الضيوف تنزل حي الملواني على الرحب والسعة، وكما أنها لا تشعر في أيام ~~إقامتها إلا بكل راحة وهناء، حتى إذا ما أزمعت على الرحيل وجدت تلك الركايب من جياد ~~مطهمة وعربات مجهزة، وكل ms398 ما يضمن لها الراحة أثناء انتقالها حتى لا يتأثر من وعثاء ~~السفر ومشقة الانتقال. # ومما هو جدير بالذكر ومن باب التدليل على تلك النفس العالية، التي تجمل بها حضرة صاحب ~~العزة أمين بك الملواني الشهم الجليل صاحب هذه الترجمة أنه نظرا لسداد رأيه، وعظيم ~~كفاءته، وجليل صفاته، قد رشحه أهالي دائرته ليمثلهم بمجلس النواب ونظرا لظروف سياسية ~~واشتغاله هو شخصيا بأشغال مزارعه الكثيرة، وتفرغه لخدمة مصر العزيزة من طريق الزراعة، ~~فقد فاز عليه مزاحمه السياسي في الانتخابات، فلم يتكدر لذلك، بل كان يقيم للناس جميعا ~~الدليل القاطع والبرهان الساطع بالعمل على أنه ممن يؤثرون على أنفسهم العمل إلى ما فيه ~~خير بلاده، وإسعاد مواطنيه وهو خارج عن دائرة مجلس النواب أكثر مما لو كان فيه. # صفاته وأخلاقه # جواد، كريم، دمث الأخلاق، يحب الخير حبا في عمل الخير لا ابتغاء جزاء ولا شكر، كثير ~~الخدمات للإنسانية، رءوف بالضعيف المسكين، كثير الشفقة والعطف، يفضل تضحية النفس في ~~سبيل المصلحة العامة، أبقاه الله للوطن معينا وللإنسانية نصيرا. # | ترجمة حضرة صاحب العزة السري الجليل والشهم الهمام محمد بك عبد الحميد إسماعيل # كبير أعيان مديرية الغربية بمنشية جنزور مركز طنطا غربية # كلمة للمؤرخ # يظن البعض أنه لا توجد الراحة والسعادة والهناء وحسن المستقبل إلا بطرق باب التوظف ~~بدوائر الحكومة، ومتى قفل هذا الباب في وجههم أحجموا عن طرق الأبواب الأخرى وشملهم ~~اليأس، وهذا خطأ محض إذا قيس بهمة ذوي الهمم الذين اتخذوا لهم من مختلف الأعمال الشريفة ~~الحرة سلما للوصول إلى قمة المجد، وبلغوا شأوا عظيما في المجتمع الإنساني أمثال حضرة ~~صاحب هذه الترجمة الذي بكده، ونشاطه وحسن إدارته، وصل إلى درجة يحسد عليها من كثيرين، ~~وإننا لنسطر هنا بقلم الفخر والإعجاب الشديد ما نعلمه يقينا وصدقا عن بعض مجهوداته ~~الفائقة، عسى أن يكون في تدوينها عظة لأولئك الذين يتطلعون إلى المناصب ~~الحكومية. # مولده ونشأته # ولد صاحب الترجمة بإبعادية المرحوم والده بمنشية جنزور، مركز طنطا غربية عام 1893م من ~~أبوين كريمين شريفين، ووالده هو المغفور ms399 له المرحوم إسماعيل بك حماد أبو عامر، كبير ~~وجهاء مديرية الغربية ومن أحسنهم وأفضلهم ذمة واستقامة فرباه تربية عالية، حيث استحضر ~~له أساتذة أكفاء بعزبته المشار إليها، فحصل منهم على مبادئ العلوم المدرسية الأولية ومن ~~ثم أدخله والده المدارس الابتدائية الأميرية، فأبدى نشاطا وذكاء غريزين وقد كان في ~~نية المرحوم والده لو أفسح الله في عمره أن لا يألوا جهدا في تثقيف مداركه بالعلوم ~~العالية؛ نظرا لما توسمه فيه من الميل لارتشاف بحورها، ولكن خاب ظنه إذ عاجله المنون ~~قبل أن تتحقق آماله السامية نحو ترقية ابنه، ولكن سرعان ما تحققت آمال أخرى جاءت من ~~طريق الجد والنشاط والإقدام، وبفضل ذاك الذكاء المتوقد والقريحة النيرة. # حضرة صاحب العزة السري الجليل محمد بك عبد الحميد إسماعيل من وجهاء ~~مديرية الغربية. # إذ ما كاد الفقيد الراحل يتوارى في رمسه، ويدرك حضرة صاحب الترجمة حرج الموقف حتى شمر ~~عن ساعد الجد، وأخذ في إدارة شؤون أطيانه الواسعة المتروكة عن المرحوم والده، سواء ~~الموجود منها بطنطا أو ببلدة منشية جنزور التابعة لمركز طنطا غربية، بهمة لا يعتورها ~~ملل، وعزيمة لا يتسرب إليها كلل، فازدهرت وتضاعفت وليس ذلك بفضل همة المجدين بعزيز، ~~ونال فوق ذلك احترام وإعجاب جميع عارفي فضله وسمو تربيته، ولما انتخب حضرة صاحب العزة ~~شقيقه حماد بك إسماعيل عضوا بمجلس النواب المصري عام 1924م، وهو عمدة لبلدة منشية ~~جنزور ولم تجد الأهالي من الأهالي من يصح لإسناد هذه الوظيفة سوى صاحب الترجمة؛ لما ~~عرفوا فيه من الكفاءة الشخصية والأدبية أجمعوا على تعيينه عمدة عليها، فكان في مركزه ~~هذا مثال الجد والنزاهة والعدل. # ومن مآثر المرحوم والده الخالدة التي يصح تدوينها في بطون التاريخ بقلم الشكر، ~~والثناء، والإعجاب، إنشاؤه مدرسة ابتدائية ضمت بعد وفاته لمعاهد مجلس المديرية، وهذه ~~المدرسة كائنة بمنشية جنزور، وقد شاد أيضا مسجدا فخما لإقامة الشعائر الدينية وأطلق ~~عليه مسجد حماد وله حسنات عديدة في الخير لا تدخل تحت حصر، كما قد اشترى حضرة صاحب ~~الترجمة سراي فخمة جمعت جمال ms400 البناء، وغالي الأثاث مما يبهر العقول وهي واقعة على ~~الترعة الجعفرية بطنطا. # صفاته وأخلاقه # وصاحب هذه الترجمة رغما من غناه الوافر وثروته الضخمة، وجاهه العريض تجده آية من ~~آيات اللطف، والدعة ومكارم الأخلاق، والأدب الجم، رءوفا بالفقراء، جوادا كريما، ~~معضدا لكل مشروع خيري يرى منه فائدة لبني وطنه. # أدامه الله وأبقاه وأكثر من أمثاله النبلاء. # | ترجمة فقيد الهمة والنشاط والإقدام والوطن صاحب السعادة الجليل المرحوم محمد الشناوي ~~باشا # كبير أعيان مديرية الدقهلية # من رجال مصر المعدودين الذين امتازوا بالجد والنشاط والإقدام وحسن الإدارة والكفاءة ~~الشخصية، وجمعوا بين الوجاهة والنبل والثروة المغفور له محمد الشناوي باشا كبير أعيان ~~ووجهاء المنصورة، فقد كان، رحمه الله رحمة واسعة أحد الأفراد الذين ترقى الأمم بمثلهم، ~~وتحيا بهممهم. # صاحب السعادة الجليل المرحوم محمد الشناوي باشا. # مولده ونشأته # ولد الفقيد العظيم عام 1856م بمدينة المنصورة من أبوين شريفين، ربياه في مهد العز ~~والمجد فنشأ نشأة الرجال العاملين الحازمين، فأخذ يجاهد ويناضل في ميدان الحياة فكان ~~فيها من المفلحين. # لقد كان للفقيد أطيان واسعة تدر عليه الخير الوافر، فكان في استطاعته أن يعيش من ~~ريعها كما يعيش المسرفون المبذرون وهم كثيرون في هذه البلاد، ولكنه لم يفعل بل رأى أن ~~العمل أوجب على الأغنياء منه على الفقراء؛ لأن ما يستطيعه أولئك لا يستطيعه هؤلاء، ~~ولعمري لا نجاح للأعمال بغير المال وهو غير متوفر إلا في خزائن ذوي الإثراء. # رأى الفقيد الراحل أن الديار المصرية وإن كانت زراعية، بفضل نيلها وخصب تربتها قبل كل ~~شيء إلا أنها في حاجة إلى الصنائع يرزق منها العاملون، وتحفظ للبلاد ثروتها التي تستهلك ~~على الأكثر من طريق الصناعة، رأى هذا وهو شاب فعكف على الصناعة حبا بها، وبخير العمال ~~لا حبا في الكسب من ورائها وإن كان لا يكره الكسب إنسان. # والغريب في أمر الفقيد العظيم انصرافه إلى إتقان الصنائع التي تعاطاها كانصرافه إلى ~~إتقان زراعة أطيانه الواسعة بنفسه، فهو نابغ في الصناعة والزراعة معا، ولا عجب إذا نمت ~~ثروته نموا كبيرا، ms401 ونال مواطنوه بواسطته الخير الكثير، ولقد قسم صاحب الترجمة معامله ~~الكائنة ببندر المنصورة دقهلية إلى معمل لصناعة الحلوى وآخر للدقيق وثالث لحلج القطن ~~ورابع للأرز، وزائر هذه المعامل يدهش لإتقان هذه المعامل فيما يصنع من الملبس على ~~اختلاف أنواعه، والنوع المعروف باسم «فوندان» على أشكاله وأنواعه الحلقوم ~~بأصنافها. # وما يخرجه معمله من هذه الأنواع لا ينقص في لذته وجمال صنعه عما يرد من أشهر معامل ~~أوربا، وربما زاد عليها بنقاء المواد التي يصنع معها، وقد نشتري من المحال الأوربية من ~~هذه الأنواع وندفع الأثمان الغالية، ونحن نحسب أنها صنعت في أوربا مع أن حقيقتها أنها ~~من صنع هذا الوطني النشط النابغة، وما نقوله عن الحلوى نقول مثله عن الدقيق، فإن ما ~~يصدر منه من معمل الشناوي لا يقل في نعومته ونقاوته عما يرد من أشهر وأكبر المعامل ~~الأوربية، ويزيد أنه خال من كل غش بمادة غريبة، وكذلك القول في القطن المحلوج والأرز ~~المدقوق اللذين يصدران من معمل الشناوي بإتقان غريب وصنع عجيب، وعدا ذلك ففي معامله ~~أيضا معاصر خاصة لزيت السيرج والطحينة من أنقى وأنظف المعاصر. # والذي زادنا إعجابا بهذا الراحل العظيم أنه كان مع حضرات أنجاله النجباء، يديرون ~~أعمال هذه المعامل والمعاصر بأنفسهم، وقد خبروا أسرار صنعها ونبغوا فيها وقد أذكرنا ~~اهتمامهم هذا بما نقرأه عن تراجم مشاهير المثرين من رجال الغرب، تغمده المولى برحمته ~~الواسعة وبارك في حضرات أنجاله الكرام. # وللفقيد العظيم صاحب هذه الترجمة مقام ممتاز ملؤه الاحترام والإجلال لدى مواطنيه؛ لما ~~عرف به من الكرم والنزاهة والاستقامة والإخلاص في النصيحة وسداد الرأي؛ ولذلك كان يعول ~~عليه مديرو الدقهلية ويرجعون إلى آرائه السديدة في إدارة مديريتهم لهذا النبيل، ويعول ~~على آرائه في كثير من الشؤون التجارية وغيرها، وقد نالت مديرية الدقهلية منتهى الرقي ~~بفضل عظيم آرائه السديدة وفرط ذكائه. # والذي يجب التنويه إليه عن خصال هذا الفقيد الجميلة، ويخلد لسعادته بالشكر والثناء ~~أنه على جانب عظيم من العطف المتناهي نحو البؤساء الذين أخنى عليهم الدهر بنابه، وطالما ms402 ~~مد يده البيضاء لمواساة الفقراء، وأنقذهم من مخالب الفاقة وقد شب أنجاله الكرام على هذه ~~الصفات السامية المحمودة، ولا غرابة في ذلك فمن شابه أباه فما ظلم. # صفاته وأخلاقه # ومن الصفات العالية التي امتاز بها هذا الفقيد العظيم والمشهورة عنه الحزم، وقوة ~~الإرادة، والنشاط والإقدام في العمل مع الذكاء، ولين الجانب، واللطف، وقد انتقل إلى ~~جوار ربه طيب السيرة، نقي السريرة محبوبا من الجميع. # أسكنه الله فسيح جناته، وأسكب على قبره شآبيب الرحمة والرضوان وأطال حياة أنجاله ~~الكرام. # | ترجمة حضرة صاحب العزة الشهم الجليل والسري الكبير نصيف بك حنا ويصا # مقدمة للمؤرخ # ليس لنا أن ندلي بآيات المدح والثناء، وتوجيه عبارات الفخر والإعجاب، على ما لهذا ~~الشهم الجليل من الأثر الخالد والعمل المبرور في كل أدوار حياته بأكثر مما يعلمه ~~المصريين قاطبة من كفاءته الشخصية، وأدبه الجم، وعلمه الغزير، ومشروعاته الخيرية ~~العديدة، وحسناته المتوالية لدور العلوم، والمستشفيات، وتبرعاته التي لا حد لها لكل عمل ~~مفيد لبلاده، وإذا نحن أخذنا في تعداد هذه الأعمال الخالدة لاحتجنا إلى مجلد ضخم نضم ~~بين دفتيه الشيء الكثير عن هذا السري الجليل من جلائل الأعمال، والأثر المحمود ابتغاء ~~مرضاة الله لا حبا في الفخفخة والظهور فهو غني بماله، وجيه بسمو مركزه في الهيئة ~~الاجتماعية، ولقد أدرك عزته أن الأعمال الصالحة عند الله تعالى خير طريق للوصول إلى ~~السعادة في الدارين، فحذا حذوا العاملين بإخلاص واقتدى بأولي الفضل والنبل، فاستحق رضى ~~الرحمن وحب واحترام جميع مخلوقاته - وفي هذا فليتنافس المتنافسون وليعمل العاملون. # حضرة صاحب العزة الشهم الجليل والسري الكبير نصيف بك حنا ويصا كبير ~~وجهاء بندر أسيوط. # مولده ونشأته # هو نصيف بك حنا ويصا، ولد ببندر أسيوط عام 1877م من أبوين كريمين، يشهد بسمو مكانتهما ~~ما لتلك الأسرة العريقة من النبل، وبعد الصيت وحسبه فخرا أن يقال من أسرة ويصا وكفى، ~~وكلنا نعلم ما لتلك الأسرة من المقام الجليل، والاهتمام العظيم بشؤون تربية أبنائها ~~وخدماتها العظيمة للمصلحة العامة. # اهتم والده بتربيته التربية المنزلية الحقة، فكانت مخايل ms403 النبل والذكاء تبدو على ~~محياه من عهد الطفولة، فلما ترعرع التحق بكلية الآباء اليسوعيين، فسار في طريق التعليم ~~فيها بخطوات واسعة، وهمة عالية، وذكاء نادر، أدهش معلميه وأقرانه ثم انتقل إلى مدرسة ~~الفرير بالإسكندرية فتضاعفت جهوده في دروسه، ورأى فيها خير غذاء لروحه السامية ونفسه ~~العالية فكان مثال الجدارة بكل احترام، ثم انتقل إلى كلية الأمريكان ببيروت فكان خير ~~مثال للنبوغ المصري في تلك الكلية، وبما أن والده وعمه قد أسسا معملا لتكرير السكر ~~بناحية بني قره، وأحضرا له من المهندسين الفرنسيين أبرعهم، فقد عهد إليه بإدارة المعمل ~~العظيم فأظهر من المقدرة ما كان موضع إعجاب الأجانب قبل المصريين، فكنت لا ترى إلا ~~النظام المحكم والأعمال السائرة بكل دقة ونشاط، والرقي المحسوس في اضطراد والنمو في ~~الثروة يبدو ويتقدم يوما عن يوم، ولما شرع والده وعمه في مد سكة حديد الفيوم الضيقة ~~رأيا أن يجعلاه أحد مديري هذه الشركة العاملين حتى لا تحرم من سديد آرائه، وحكمته، ~~وهمته، فيضمن نجاحها وفلاحها. # وقد أخذ أيضا في إصلاح طرق الزراعة في مزروعاته الواسعة، فادخل عليها الطرق ~~المستحدثة لا سيما في تحسين زراعة القطن الذي تتوقف عليه ثروة مصر، فأمكنه أن يقدم ~~لوطنه أجل الخدمات التي يخلدها له التاريخ بمداد الفخر، ناهيك بما أتاه من ضروب الإصلاح ~~في أبعاديته الكائنة بناحية صنبو مركز ديروط، وما اقتصرت همته على ذلك فحسب، بل اهتم ~~أيضا بخدمة وطنه من طريق العلم فرقي بالكلية التي أسستها أسرته الكريمة ببندر أسيوط ~~حتى أصبحت بفضل إشرافه عليها تضارع كليات المدن الأوربية من حيث النظام، وغزارة مواد ~~التدريس، وكفاءة الأساتذة. # هذا وقد تبرع ببذل الأموال الطائلة لمساعدة الجمعية الخيرية القبطية بمصر وأسيوط، وقد ~~لا تجد عملا من الأعمال إلا وتراه أول القائمين به، ومن مميزاته الأخلاقية أن يعمل ~~الإحسان حبا في الإحسان لا يبتغي من ورائه جزاء ولا شكورا، وإنما يرى نفسه ترتاح ~~للقيام بالواجب المقدس المفروض عليها نحو الوطن. # ونحن هنا لا يمكننا أن نوفيه حق الشكر والثناء، بل ms404 كل ما في طوقنا أن نضرع إلى الحق ~~تعالى أن يمن عليه من الخلف الصالح بما تقر به عينه إنه سميع مجيب. # صفاته # دمث الأخلاق، رقيق الشعور، يهتم بأمر البؤساء والمساكين، كأنه لم يخلق إلا لتلطيف ~~بلواهم، مقدام في فعل الخير، يبذل عن سعة فيما يعود بالمصلحة العامة على البلاد ~~والعباد. # أدامه الله كنزا لمصر ولا أحرمها من جليل خدماته. # | ترجمة فقيد الشهامة والمروءة السري المشهور المرحوم بسطورس بك خياط # كلمة للمؤرخ # من أفراد الأمة المصرية الذي امتازوا بطهارة الذمة والجد في العمل بإخلاص، وعملوا ~~لدينهم وديناهم وخافوا الآخرة، فكانوا في دنياهم مثال الورع والزهد، واللطف والاستقامة، ~~هذا الفقيد الجليل الذي ترك بعد مماته أثرا خالدا وذكرى عاطرة وثروة طائلة، وشهرة ~~واسعة، خصوصا لما اشتهر عنه من الحسنات الخفية التي كان يقدمها بنفسه لكثير من ~~العائلات الطيبة التي أخنى عليهم الدهر، وتثليج صدورهم بألفاظه العذبة وتواضعه المتناهي ~~مع ما هو فيه من الجاه العريض والثراء المفرط، وقد كان يوم منعاه يوما عبوسا حيث عم ~~الحزن والأسف، وتصاعدت الزفرات من أولئك البؤساء الذين كانوا يرتعون في بحبوحة من ~~الهناء في أيامه، فالله نسأل أن يثيبه خيرا بقدر عدد حسناته، ويجعل مثواه الجنة ويحفظ ~~حضرة نجله الشهم الجليل أمين بك خياط، الذي حذا حذو الفقيد بكل معني الكلمة فأصبح ~~مثالا للفضل والمروءة. # فقيد الشهامة والمروءة السري المشهور المرحوم بسطورس بك خياط كبير ~~وجهاء بندر أسيوط ووكيل قنصلاتو ألمانيا بها سابقا. # مولده ونشأته # ولد الفقيد الجليل عام 1852م ببندر أسيوط، وهو ابن الخواجه واصف بن الخواجه جرجس خياط ~~وهي العائلة التي حازت شهرة واسعة في كافة الأقطار، فاعتنى والده بتربيته وتثقيف ~~مداركه؛ ليصبح يوما ما شريكه في حياته العملية، فأدخله بمدرسة الأمريكان بأسيوط وهو في ~~العاشرة من سنه فأقام بها خمسة أعوام، أتم في أثنائها الدراسة الابتدائية، ومن ثم أرسله ~~إلى بيروت ليتمم دراسته بكلية الأمريكان الشهيرة، وقد كان أول مصري فاخرت بذكائه تلك ~~الكلية، ومما يجمل ذكره هنا أنه كان زميلا في ms405 الدراسة لجناب الدكتور فارس نمر أحد ~~أصحاب جريدة المقطم، وكانا في صف واحد ومن رفاقه الأعزاء، وبفضل ذكائه ونشاطه أمكنه أن ~~يدرس اللغة الفرنسية والإنجليزية والعربية، وأن ينال دبلوم هذه الكلية الراقية في مدة ~~أربع سنوات. # وقد عاد إلى موطنه الأول، فرأى أن الأشغال الحرة طريق من سلكه وصل إلى سدة علياء، ~~وحصن منيع يستطيع أن يأمن على وطنه العزيز من وطأة الدهر الشديدة، فاشتغل بالتجارة ~~واستعمل قوة عارضته في منفعة قومه ومواطنيه، واتسع نطاق عمله حتى واصل أعماله التجارية ~~بالقطر السوداني، فأصبح يصدر البضائع إليه وكذا الجهات القبلية، فأدرك ما أمل، وبعد خمس ~~عشرة سنة اعتزل التجارة، واشتغل بالزراعة فكان قدوة للغير في الأعمال الزراعية، ثم رأى ~~أن العلم هو السبب الأقوى لوصوله إلى هذه المنزلة السامية، ورأى أن مدرسة البنات التي ~~أسسها المرحوم والده تشترك العائلة في إدارة شؤونها، فأخذ على عاتقه القيام بما يلزمها ~~والاعتناء بها والإنفاق عليها من ماله الخاص. # وفي سنة 1880م تعين وكيل قنصلاتو ألمانيا في أسيوط، وفي سنة 1911م أنعم عليه برتبة ~~المتمايز. # وانتقل إلى دار البقاء في 15 سبتمبر سنة 1915م بعدما خلد له التاريخ أجمل ذكر، وترك ~~في الحياة أثرا من أعمال خيرية وبر بالفقراء وحزم وإقدام، وكان في طليعة عشاق الأعمال ~~الخيرية في الديار المصرية، مات ولكنه لم يمت حيث أنجب حضرة صاحب العزة أمين بك خياط، ~~فنهج منهج المرحوم والده وسلك سبيل أعماله النافعة. # صفاته وأخلاقه # كان الفقيد رحمه الله على جانب عظيم من الوداعة وكرم الأخلاق، واللطف رقيق الإحساس، ~~طيب السيرة والسريرة ما رأى قط بائسا طرق بابه إلا وغمره بإحسانه وطيب خاطره وشمله ~~برعايته، أسكنه الله فسيح جناته وجعل الجنة مثواه. # | ترجمة حضرة صاحب العزة السري الوجيه أمين بك خياط # كبير أعيان بندر أسيوط # كلمة للمؤرخ # حقا لقد صدق المثل القائل: «إن هذا الشبل من ذاك الأسد»، فإن حضرة صاحب الترجمة ~~أعزه الله وأبقاه عنوان فخر للشبيبة المصرية حيث أودع الله في نفسه العالية صفات سامية ~~وأخلاق ms406 عالية وهمة شماء، ويكفيك فعاله الغراء ومآثره الفيحاء فكم له من عمل مبرور ~~ومشروع مشكور، وهاهي حسناته وتبرعاته المتوالية للجمعيات الخيرية والمستشفيات وغيرها ~~تنبئ بأنه شهم غيور وأديب مشهور. # صاحب العزة أمين خياط. # مولده ونشأته # ولد حضرة صاحب الترجمة في بندر أسيوط سنة 1900م، وتربى في أحضان والديه تربية صالحة، ~~ولما بلغ أشده أدخله مدرسة الأمريكان بأسيوط فاغترف من بحور علومها، وارتشف كؤوسها ~~العذبة بهمة لا تعرف الملل ونشاط لا يعتوره كلل، فكان بين الطلبة مثال الذكاء ~~والاستقامة محبوبا جدا من عموم أساتذته، محترما بين أقرانه ومن ثم أرسله إلى ~~المدارس والكليات العالية، فأتم علومه فيها، ولما كان الوحيد لوالده وفي حاجة عظمى لمن ~~يعاونه على إدارة شؤون دائرته الكبرى، وأطيانه الواسعة، فقد أخذ في تمرينه على هذه ~~الأشغال طويل زمن حتى أصبح ملما بكل شاردة وواردة، وحل محل المرحوم والده في إدارة ~~أعماله جميعها، فذاع فضله واشتهر كرمه بما كان يجود به من وقت لآخر بالأموال الطائلة ~~على البر والإحسان، إلى أن بلغ مسامع جلالة مولانا المليك المعظم، فأنعم عليه بالرتبة ~~الثانية جزاء فضله وشهامته. # ولحضرة صاحب الترجمة ولع شديد في اقتناء ثمين الجياد، وله في اصطبلاته الكثير منها لا ~~سيما ما كان منها للسبق في مصر والإسكندرية، حتى اشتهر بالربح في مضمار السبق. # وبالأجمل فحضرته آية في الدعة واللطف، ومكارم الأخلاق، جواد كريم، محب للفقراء ~~والبؤساء، أدامه الله وأبقاه وأكثر من أمثاله النبلاء بين شباب مصر العاملين على رفع ~~لواء شأنها. # | ترجمة أمير الشعراء أحمد شوقي بك # مقدمة للمؤرخ # هو ترجمان هذا الجليل وبوقه، وهو مزهر تبعث منه الطبيعة رناتها وتخرج منه الإنسانية ~~أناتها، ظريف الوزن، لطيف القافية، خاطره طوع لسانه وبيانه أسير بنانه. # أدب شوقي # قبل أن ينبثق عصر الديمقراطية في أوربا كانت الفنون الجملة، وبخاصة الرسم والنحت ~~مقصورة على الأمراء الذين كانوا يصطنعون رجال الفن يصورونهم وينحتون تماثيلهم، ولا تزال ~~هذه الرسوم والتماثيل ذخرا عظيما في ثروة أوربا الأدبية، ولم يعرف العرب في عهد ~~الإسلام معنى ms407 الديمقراطية، ولم يكونوا أيضا يعرفون التصوير أو النحت؛ ولذلك اصطنع ~~أمراء الإسلام الشعراء وجعلوا الشعر وقفا على مديحهم وتزكيتهم، وليس يجهل أحد عظم ~~الثروة التي خلفوها لنا عن هذه السبيل، ولم يكن بد ونحن في بداية نهضتنا أن نجري على ~~أصول السلف وتقاليدهم. # أمير الشعراء أحمد شوقي بك. # فكما كان المتنبي شاعر سيف الدولة كذلك صار شوقي شاعر الخديوي، فألف فيه غرر القصائد ~~جمع فيها من الحكمة، وموسيقى الألفاظ، وجلال المعاني، ما هو جدير بالخلود وأن يعجب به ~~الخلف البعيد كما نعجب نحن بأشعار المتنبي. # وأحسن ما قاله شاعرنا العظيم، ما خرج فيه عن قيود التقليد، أما حيث يقلد فخياله عربي ~~كقوله: # ريم على القاع بين البان والعلم # أحل سفك دمي في الأشهر الحرم # رمى القضاء بعيني جؤذر أسدا # يا ساكن القاع أدرك ساكن الأجم # ولكن له قصائد يتجلى فيها الخيال الغربي وما اكتسبه الشاعر من قراءته في الأدب ~~الفرنسي، ويمتاز شوقي بالإبداع في المعنى والإعراب في اللفظ. # ولكن سمة شوقي الخاصة التي يمتاز بها على كثير من الشعراء هي أمانته ، فهو يمدح عندما ~~يحب ولا يبتسم بشفتيه إلا إذا كان قلبه مفعما بالفرح، ولا يرثي إلا عن حرقة ولوعة، ولو ~~لم تغنه ثروته عن التدني لأغناه طبعه. # مولده ونشأته # ولد شوقي بالقاهرة سنة 1868م ودخل مدرسة الشيخ صالح وهو في الرابعة من عمره، ثم انتقل ~~إلى المبتديان فالتجهيزية والتحق بمدرسة الحقوق وهو في السادسة عشرة، ثم أنشئ بهذه ~~المدرسة قسم للترجمة فالتحق به ونال بعد سنتين الشهادة النهائية في فن الترجمة، ثم ~~أرسله سمو الخديوي السابق على نفقته لإتمام دراسة الحقوق في مونبيليه في فرنسا، وزار في ~~هذه المدة الجزائر وإنجلترا، وفي سنة 1896م ندب لتمثيل الحكومة المصرية في مؤتمر ~~المستشرقين في مدينة جنيف، ثم عين رئيسا للقلم الإفرنجي بمعيه سمو الخديوي السابق عباس ~~حلمي الثاني، وبقي في هذا المنصب حتى استقال منه عند خلع الحكومة الإنجليزية للخديوي، ~~ثم طلبت منه السلطة العسكرية الإنجليزية أن يرحل عن مصر، فرحل ms408 منها إلى الأندلس وظل بها ~~حتى نهاية الحرب، ومن ثم عاد للوطن العزيز. # مثال من نظمه «قال حفظه الله في النيل»: # من أي عهد فى القرى تتدفق # وبأي كف في المدائن تغدق # ومن السماء نزلت أم فجرت من # عليا الجنان جداولا تترقرق # وبأي عين أم بأية مزنة # أم أي طوفان تفيض وتفهق # وبأي نول أنت ناسج بردة # للضفتين جديدها لا يخلق # تسود ديباجا إذا فارقتها # فإذا حضرت اخضوضر الإستبرق # في كل آونة تبدل صبغة # عجبا وأنت الصابغ المتأنق # تسقي وتطعم لا أناؤك ضائق # بالواردين ولا خوانك ينفق # والماء تسكبه فيسبك عسجدا # والأرض تغرقها فيحيا المغرق # يعيي منابعك العقول ويستوي # متخبط في علمها ومحقق # مثال من نثره «قال أدامه الله عن الوطن»: # الوطن موضع الميلاد، ومجمع أوطار الفؤاد، ومضجع الآباء والأجداد، الدنيا ~~الصغرى وعتبة الدار الأخرى، الموروث الوارث، الزائل عن حارث إلى حارث، مؤسس ~~لبان، وغارس لجان، وحي من فان، دواليك حتى يكسف القمران، وتسكن هذي الأرض من ~~دوران. # أول هواء حرك المروحتين، وأول تراب مس الراحتين، وشعاع شمس اغترق العين، مجرى ~~الصبي وملعبه ، وعرس الشباب وموكبه ومراد الرزق ومطلبه، وسماء النبوغ وكوكبه، ~~وطريق المجد ومركبه، أبو الآباء مدت له الحياة فخلد، وقضى الله ألا يبقى له ~~ولد، فإن فاتك منه فائت: فاذهب كما ذهب أبو العلاء عن ذكر لا يفوت وحديث لا ~~يموت. # ولشوقي ديوان هو «الشوقيات» جمع بين دفتيه بلاغة الشعر، وغزارة المادة، وجمال ~~الأسلوب، ودقة القافية، مما لا يمكن لغير شوقي من الشعراء الإتيان بمثله. # صفاته وأخلاقه # كبير النفس، عالي الهمة، ظريف الحديث، سخي اليد يميل بكلياته لتعضيد الأدب، ومساعدة ~~الأدباء، محترم الجانب كثيرا، محبوبا لدى عظماء الأمة وكبرائها؛ لغزارة فضله وسمو ~~أدبه، حفظه الله وأدامه ركنا متينا في عالم الأدب. # | ترجمة شاعر القطرين النابغ الفذ والعالم الكبير الأستاذ خليل مطران بك # مقدمة للمؤرخ # ليس بين سكان الشرق عامة، ومصر خاصة، من يجهل شاعر القطرين النابغ الفذ والعالم ~~الكبير الأستاذ خليل بك مطران، فإن من لم ير ذاته ms409 فقد عرفه من نفسيته العالية التي تجلت ~~في شعره، ونثره، وفي مختلف فنون الأدب الذي تبحر فيه الخليل وبلغ به أسمى الصفات، وأعلى ~~المراتب، ونال مكانة لن تطال لغيره من الشعراء، والكتاب، فإن سمعة شاعرنا الجليل تغنى ~~كل كاتب مهما كان قلمه سيالا عن الوصف، والشرح، واحترامه عند الكبير والصغير، لا نكران ~~فيه ولا جدال. # ونعد أنفسنا مقصرين في تشخيص نفسية هذا الشاعر النابه، وتكييف تلك الصفات العالية ~~التي تحلى بها وتحليل المواهب السامية الخاصة به، وذاك الوجدان الممتلئ شعورا حساسا، ~~والقلب النقي الطاهر المجرد من كل شائبة، والنفس العالية، والإباء والشمم، نقول: إننا ~~مقصرون حقا من الخوض في طرق هذه الصفات التي تحتاج بمفردها إلى مجلد ضخم وشرح ~~وإسهاب. # ونكتفي الآن بتدوين تاريخ حياته المجيد، الناصع البياض، والذي نعده درة ثمينة في جبين ~~هذا العصر وجوهرة غالية في هذا السفر. # مولده ونشأته # ولد خليل مطران سنة 1871 في بعلبك وقدم مصر سنة 1893م، فعرف صاحب جريدة الأهرام ~~واشتغل مدة في تحريرها، ثم أصدر جريدة الجوائب وهي أول جريدة مصرية نشأت على النمط ~~الحديث للصحف ، بل هي جاءت في الحقيقة قبل زمانها، فقد كان يكتب فيها كل يوم قصة كاملة، ~~وكانت الأخبار تعنون بعناوين كبيرة في وقت كانت المقالات الكبيرة في الصحف الأخرى لا ~~تعنون تقريبا أو تعنون بحرف صغير. # وقد أنشأ خليل بك مطران أيضا المجلة المصرية، وكان يعتني فيها بدقة التعابير ~~اللغوية، والأبحاث الحديثة، وهو في كل ذلك لم يكن ينقطع عن تأليف القصائد والمقطوعات ~~المؤلف منها ديوانه المعروف. # الخليل محسن # وليس الخليل بالشاعر المجيد، والثائر اللبق فحسب، بل هو أيضا مصدر للعطف والبر لكل ~~من به آنة فتراه يتألم كثيرا من مرأى بائس يتوجع أمامه يشكوه مضض الحياة، ويود لو في ~~مقدوره سد حاجة كل بائس أوقعه حظه في لجج التعاسة والشقاء، وطالما رأيناه يسعى على ~~الأقدام لقضاء مهام أولئك الذين يطرقون باب مروءته حتى إذا ما تكللت مساعيه بالنجاح طفح ~~البشر من مقلتيه كأنه أصاب مغنما ms410 عظيما لنفسه، ولقد صدق من أسماه عن حق «بخادم ~~الإنسانية». # ونظرا لاختباراته الواسعة، وبعد نظره، وغزارة مادته العلمية، وكفاءته الشخصية اختير ~~سكرتيرا عاما للنقابة الزراعية العامة، فتراه يعمل جهده مواصلا ليله بنهاره للمصلحة ~~العامة، وقد نمت أعمال هذه النقابة نموا يضمن ثباتها ونجاحها بفضل حسن إدارة رجالها ~~العاملين، وحسن اختباراتهم الزراعية، والاقتصادية. # وقد أنعم عليه سمو الخديوي عباس حلمي باشا الثاني السابق بنيشان المجيدي الثالث سنة ~~1912، وقد احتفل المنعم عليه احتفالا باهرا جمع فطاحل الشعراء ونبغاء الكتاب تحت ~~رئاسة حضرة صاحب السمو الأمير الجليل محمد علي باشا شقيق سموه، وعددوا فضل المحتفل به ~~ومركزه الأدبي، وغزارة علمه، ولولا ضيق المقام لأتينا بالكثير مما قيل في تلك الحفلة من ~~الدرر الغوال فاكتفينا بالإشارة. # صفاته وأخلاقه # الخليل أديب بكل معنى الكلمة، ذكي الفؤاد حلو الحديث ظريف المعشر دمث الأخلاق، بل من ~~أرق الناس حاشية لا يؤلمه المقت ولا يعرف الحقد، فهو واسع الصدر، سمير لا يمل، كثير ~~التجارب، والاختبار. # مؤلفاته # ومن مؤلفاته كتاب في الاقتصاد الذي اشترك مع حافظ بك إبراهيم في ترجمته، وله عدة ~~درامات مترجمة عن الفرنسية أشهرها درامة عطيل، ودرامة تاجر البندقية ودرامة مكبث، وله ~~كتب أيضا لم تنشر بعد، وتضلع مطران في اللغة الفرنسية تضلعا قلما يساويه فيه غيره من ~~الأدباء أو الشعراء الآن، وقد فسح أمامه ميدان الأدب الفرنسي وهو أغنى الآداب الأوربية ~~في القديم، والجديد، ولو كانت الظروف تؤاتي مطران والزمان يسعفه لرأينا منه العجب، فهو ~~قادر نشيط ذكي، ولعل ذكاءه هو الذي يجعله من المقلين، فقد سمعنا بعضهم يقول: إن ~~الأغنياء من المؤلفين هم الذين يقدمون بضاعتهم حيث لا تطلب فالسوق كاسدة، والذكي يضن ~~بذكائه أن يباع بالبخس. # حفظ الله حياته ومتعه بدوام الصحة والهناء. # | ترجمة حضرة صاحب العزة شاعر مصر الكبير حافظ بك إبراهيم # كلمة للمؤرخ # يعد صاحب الترجمة بلا مراء من شعراء الطبقة الأولى في هذا العصر، وقد وصفه كثيرون من ~~الأدباء فقال فيه أحدهم: إنه شاعر النيل، وفخر الجليل، وسيد الأدباء، وشاعر ms411 مصر، وقال ~~آخر: إنه لظريف الوزن، لطيف القافية، خاطره طوع لسانه، وبيانه أسير بنانه. # وإن كان هذا الوصف، وتلك النعوت تنطبق حقا وصدقا في شاعرنا الكبير، فقد تكون في ~~نظرنا أقل مما يستحق شاعرنا المجيد من ضروب النعوت ومختلف الوصف. # ولسنا هنا في مقام وصف أو مدح إنما واجبنا يحوم حول إثبات تراجم أفذاذ مصر من شعراء، ~~وأدباء، وما لهم من آثار محمودة، وأعمال مشكورة؛ ليكون في إثباتها عظة لأبناء الأجيال ~~القادمة، وخير مثال يحتذى، لبلوغهم درجة الكمال والمستوى اللائق بهم. # ولا يلومنا القارئ الكريم في هذا الاجتزاء والاختصار في الوصف والتطويل الممل في ~~الشرح، ولنطرق بيت القصيد من غرضنا. # مولده ونشأته # هو محمد حافظ بك بن إبراهيم أفندي فهمي، ولد في القاهرة سنة 1871م وتعلم فيها ثم دخل ~~المدرسة الحربية سنة 1890م، وترقى إلى رتبة ضابط في الجيش المصري وأرسل إلى السودان ~~فصحبه فيها الدكتور إبراهيم الشدودي الرمدي الشهير، فكان بينهما مداعبات شعرية لطيفة. # حضرة صاحب العزة شاعر مصر الكبير حافظ بك إبراهيم وكيل دار الكتب ~~المصرية. # هو محمد حافظ بك بن إبراهيم أفندي فهمي، ولد في القاهرة سنة 1871م وتعلم فيها ثم دخل ~~المدرسة الحربية سنة 1890م، وترقى إلى رتبة ضابط في الجيش المصري، وأرسل إلى السودان ~~فصحبه فيها الدكتور إبراهيم الشدودي الرمدي الشهير، فكان بينهما مداعبات شعرية ~~لطيفة. # وفي سنة 1901 استقال من خدمة الجيش وعكف على المطالعة، والكتابة، والنظم، واتصل ~~بالأستاذ الشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية وانتفع بصحبته. # وفي سنة 1911م عين رئيسا للقسم الأدبي في دار الكتب المصرية وهو الآن وكيلها، وفي ~~سنة 1912 أنعم عليه الخديوي السابق عباس باشا الثاني بالرتبة الثانية، فاحتفل به إخوانه ~~الشعراء والأدباء وهنأوه بها. # وللمترجم ثلاثة أجزاء من ديوانه المرسوم بديوان حافظ كما ترجم هو وصديقه شاعر القطرين ~~خليل بك مطران كتاب «الموجز في الاقتصاد» بإيعاز من صاحب المعالي أحمد حشمت باشا ناظر ~~المعارف الأسبق، وقد طبع في خمسة أجزاء وهو يدرس في بعض المدارس، وله من الكتب ms412 المدرسية ~~أيضا كتاب في الاقتصاد، وجزآن من كتاب في التربية والأخلاق، واشتهرت ترجمته لكتاب ~~البؤساء للكاتب الفرنسي الشهير فيكتور هوجو. # نموذج من شعره: قال يصف جيش الأتراك: # يمشون في حلق الحديد إلى العدا # وكأنهم سد من الإنسان # وكأن مقدمهم إذا لمع الضحى # سيل من الهندي والمران # يتواقعون على الردى وصفوفهم # رغم الوثوب كثابت البنيان # فإذا المدافع في النزال تجاوبت # بزئيرها وتلاحم الجيشان # وإذا القنابل دمدمت وتفجرت # تحت الغبار تفجر البركان # وإذا البنادق أرسلت نيرانها # طلقا وأسباب الهلاك دواني # أبصرت جنا في مسالخ فتية # وشهدت أفئدة من الصوان # نموذج من نثره قال حفظه الله: # مثل البائس الذي سجلته يد المقادير في سجل العناء، وطوحت به في ظلمات هذا ~~الوجود، فمضى يتخبط في ديجور الحياة، يؤمه النحس، ويمشى على أثره الشقاء، تلعب ~~به الأيام لعب النكباء بالعود، ويدب في نفسه اليأس دبيب الآجال في الأعمار، ~~كمثل الغريق ظفر به البحر الهائج في يوم ريح صرصر عاتية، فلبث معلقا في خيط من ~~الأجل تحت شقي مقص الغناء، يفتح له الوهم بين كل موجتين قبرا، ويمد له الخوف ~~بين كل قطرتين بحرا، يطفو به القدر ويرسب به القضاء، فتلتقفه الموجة بعد ~~الموجة، وتلتقمه اللجة بعد اللجة. # وهكذا تجد البلاغة، والفصاحة، بين ثنايا شعره، وطيات نثره، مما يشهد بطول باعه، ~~وبلاغة يراعه، في فن الأدب. # وصاحب الترجمة ليس بحاجة إلى المزيد من وصف فضله، وغزارة علمه، ووافر أدبه، وتشخيص ~~نفسيته فهو كعلم على نار في الشهرة، بين طبقات الشعب المصري. # ونراه الآن وهو معتكف في دار الكتب المصرية مكب على المطالعة، واستخراج نفائس الأدب ~~من خزائن معلوماته الواسعة وزاخر علمه؛ لينشرها على تلك النفوس المتعطشة إلى درر ~~معانيه، وجواهر مبانيه، وقد أنعم عليه جلالة المليك المعظم بنيشان المجيدي الرابع في ~~شهر نوفمبر سنة 1925م جزاء إخلاصه للسدة الملكية. # صفاته وأخلاقه # غاية في الوداعة، وكريم الأخلاق، وعلو النفس، مع التواضع والأدب، الجم، محبوب لدى ~~جميع عارفي فضله، محترم الجانب كثيرا، كريم اليد، مواسيا للفقراء، عطوفا على ms413 ~~البؤساء. # أطال الله في حياة شاعرنا الكبير وأكثر من أمثاله من النبغاء والكتاب من أبناء ~~الكنانة. # | ترجمة حضرة الأستاذ الوطني الغيور عبد القادر حمزة # صاحب ومدير جريدة البلاغ الغراء # كلمة للمؤرخ # من نوابغ كتاب هذا العصر وأدبائه الأفذاذ الذين امتازوا بثبات المبدأ، وحرية الفكر، ~~والوطنية الصادقة وبراعة الأسلوب، وحضرة صاحب الترجمة الأستاذ عبد القادر حمزة، صاحب ~~ومدير جريدة البلاغ الغراء لسان حال الأمة بوجه عام، والوفد المصري بوجه خاص، الذي نال ~~من جراء صراحته ونزاهته وإخلاصه وتفانيه في حب مصر ما نال زعماء وأقطاب السياسة من ~~تنكيل واضطهاد واعتقال ومصادرة، قابلها بصدر رحب ورباطة جأش، ولم تكن لتزحزحه قيد أنملة ~~عن خطته التي ارتسمها لنفسه تلك الخطة التي زادته صراحة، وثباتا، وجهادا، وإخلاصا ~~ومجاهرة بالحق الذي لا يخشى فيه لومة لائم، فأصبح موضع إجلال واحترام أمته التي خدمها ~~بقلمه، ووافر علمه، وضحى في حبها بكل غال ونفيس، وإننا نسطر تاريخه الناصع البياض بقلم ~~الفخر والإعجاب، سائلين الحق القدير أن يكثر من أمثاله للدفاع والزود عن مصالح البلاد ~~بإخلاص لا يشوبه أقل شائبة. # مولده ونشأته # ولد الأستاذ بشبراخيت عام 1880م من والدين كريمين صالحين ربياه التربية المنزلية ~~الأولى على أحسن منوال، وغذياه بلبان الاستقامة وأرضعاه ثدي الأدب، فشب في وسط بيئة ~~عرفت بالاستقامة وجده لأبيه هو المرحوم الأستاذ القدير الشيخ عبد القادر حمزة، ووالده ~~هو المرحوم محمد أفندي عبد القادر حمزة، اللذان اتصفا بالكمال وحسن السمعة في إبان ~~حياتهما الطيبة، ولما أن شب صاحب الترجمة عن الطوق أدخله والده المدارس الابتدائية ~~فالثانوية فالحقوق الملكية، فكان بين أقرانه الطلبة مثال الجد والنشاط والذكاء محبوبا ~~من عموم أساتذته محترما من زملائه، وقد نال من تلك المدارس شهادة الدراسة الابتدائية ~~فالبكالوريا فالليسانس بتفوق عظيم. # حياته العملية # ولما كان الأستاذ عبد القادر ممن رغبوا الاشتغال بالأعمال الحرة البعيدة من كل قيد ~~وشروط، ورأى من نفسه ميلا للاشتغال بمهنة المحاماة الشريفة للدفاع عن المظلوم، والأخذ ~~بيد مهضومي الحقوق فتح له مكتبا للمحاماة سنة 1901م، وظل ممارسا ms414 عمله هذا حتى سنة ~~1907م بكل أمانة وطهارة ذمة حتى اكتسب بهما ثقة عملائه، ووثق القضاء منه، إلا أن ~~الوطنية المشتعلة بين جنبيه أبت عليه الاستمرار في عمله هذا، فبرز إلى ميدان الجهاد ~~الحقيقي، وولج بنفسه إلى الدخول في ميدان الصحافة؛ ليمتع بني جلدته بنفثات قلمه الفياض، ~~وعلمه الغزير، وإخلاصه المتناهي نحو بلاده، فاشتغل في مبدأ الأمر في جريدة الجريدة ~~لمديرها الأستاذ القدير أحمد بك لطفي السيد. # ثم تولى رئاسة تحرير جريدة الأهالي في سنة 1910 بالإسكندرية، ثم نقل إدارتها إلى ~~القاهرة 1921 فعطلت بعد نقلها بشهر ونصف شهر لمدة ستة أشهر، فأصدر جريدة المحروسة بعد ~~ذلك فاستمرت شهرا واحدا ثم عطت أيضا، وكان ميعاد عودة الأهالي إلى الصدور قد جاء ~~فأصدرها فاستمرت ثلاثة أيام فقط ثم صدر أمر مجلس الوزراء بإقفالها نهائيا، فأراد أن ~~يصدر جريدة غير دورية باسم «نداء الحرية»، وأعد فعلا العدد الأول منها فصادرته الحكومة ~~وهو في المطبعة، وبعد ذلك بقليل أصدر جريدة الأفكار مدة ستة أشهر ثم تركها وأصدر جريدة ~~البلاغ في 28 يناير سنة 1923، فاستمرت إلى 5 مارس من السنة المذكورة، ثم عطلت واعتقل ~~الأستاذ في ثكنة قصر النيل مع أعضاء الوفد الذي كان موجودا هناك إذ ذاك، ثم أفرج عنه ~~في 15 مايو سنة 1923، وسمح له بعد ذلك بشهرين بإعادة جريدة البلاغ إلى يومنا هذا، ~~وجريدة البلاغ تعد من أمهات الجرائد اليومية السياسية الكبرى بين ظهرانينا بلا جدال، ~~فلها مبدأها الثابت وخطتها الوطنية التي أعجبت الشعب على بكرة أبيه وثباتها للدفاع عن ~~حقوق البلاد، وجرأة محرريها، وقد نالت حظا وافرا ورواجا عظيما في عموم بلاد القطر، ~~كل ذلك بفضل حكمة ووطنية أستاذنا القدير وحسن جهاده وتقديرا من الشعب لخدماته الصادقة ~~ومجهوده الكبير لخدمة البلاد. # صفاته وأخلاقه # اشتهر الأستاذ عبد القادر باللطف ودماثة الأخلاق والذكاء المتوقد، وأصالة الرأي، ~~وكفاءة نادرة في مهنته الصحافية وهو سعدي صميم، قلبا وقالبا. # حفظه الله ولا أحرم الكنانة من إخلاصه ووافر علمه. # | ترجمة الأستاذ البليغ والكاتب النحرير داود بركاته ms415 # رئيس تحرير جريدة الأهرام # كلمة المؤرخ # لا مغالاة إذا اعتبرنا هذا الأستاذ القدير والكاتب النحرير في طليعة كتاب هذا ~~العصر بلا جدال، فهو إذا كتب أطرب النفوس بدرر المعاني وبديع المباني، وإذا تحدث سحر ~~الألباب برقيق ألفاظه وجذب القلوب لجمال أسلوبه، وقد لا يمر يوم إلا ونرى له دررا يحلى ~~بها جيد الأدب يتصفحها القارئ بلذة وشغف عظيمين، وهو يردد بقلبه شكرا لذلك الفكر ~~الثاقب وثناء لتلك الذاكرة الوقادة، والأستاذ رجل عمل كبير، وسياسي خبير حكيم إذا ~~أعطى رأيا، ومفيد إذا عالج حديثا، ولكتابته المقام بين كتاب هذا العصر يخوض بحور ~~السياسة، فيظهر غامضها ولا يشغل قلمه السيال إلا في مهام الأمور يفصح عن مكنوناتها بحجة ~~دامغة وعبارات بليغة، ولا يكتب كلمة أو يبدي رأيا إلا وتكون تلك الكلمة وذلك الرأي ~~دواء ناجعا وحكمة صائبة. # مولده ونشأته # ولد صاحب الترجمة بقرية يحشوش من أعمال لبنان سنة 1870م من أبوين كريمين، غذياه بلبان ~~الأدب والفضيلة وأدخلاه مدرسة المحبة بعرامون لبنان، ثم التحق بمدرسة ماروليس بغزير ~~بلبنان، وانتقل منها إلى مدرسة الحكمة ببيروت ومنها أحرز شهادة البكالوريا سنة 1890، ~~ودخل كاتبا بأحد المحلات التجارية ببيروت، ثم جاء مصر وجرد قلمه للتحرير في الجرائد، ~~والتحق بمصلحة التاريع بطنطا ومكث بها ردحا من الزمن ومنها اشتغل بمهنة التدريس بمدرسة ~~الأفريكان بزفتى إلى أن تولى رئاسة تحرير جريدة المحروسة بالقاهرة، وأنشأ بالاشتراك مع ~~صديقه الشيخ يوسف الخازن جريدة الأخبار، فأحرزت مقاما عاليا في عالم الصحافة وظل ~~مواليا عمله فيها من سنة 1896 إلى سنة 1899م. # وقد طلب إليه بشارة باشا تقلا صاحب جريدة الأهرام أن يكون محررا لجريدته، فأجاب ~~الدعوة ولا يزال إلى يومنا هذا رئيس التحرير يزف كل يوم لكل ناطق بالضاد دررا غوالي، ~~ويضرب على نغمات تترنم لها الهيئة الاجتماعية، فاشتهر اسمه وذاع صيته بين رجال الأدب ~~وأصبح محبوبا ومحترما لدى العامة. # ولم يقتصر الأستاذ على ذلك بل رأى أن يكون له يد عن قرب لمساعدة الفقراء، وإعانة ~~المعوزين فكانت له مآثر جمة إذ ms416 أنشأ جمعية خيرية للسيدات المارونيات بمصر، وسعى مع كبار ~~الجالية السورية فأسسوا «الاتحاد السوري» لجمع شتات أبناء وطنهم والسعي إلى توحيد ~~كلمتهم، فكان لعملهم هذا فائدة جزيلة وبالإجمال فإن للأستاذ يدا محمودة في معظم ~~الجمعيات وغيرة كبيرة يعرفها كل من خبره أو احتاج إليه، وقد ألف كتابا نفيسا في «الرد ~~على مندوب التيمس في القضية المصرية»، وكتابا قيما في «المسألة السودانية»، كما له ~~رسائل أخرى عديدة في الأدب والاجتماع. # وفي سنة 1913م أرادت الحكومة المصرية أن تكافئ هذا الكاتب الذي خدم مصر والمصريين ~~حقبة من الزمن بالإخلاص التام، والمقدرة الفائقة، فأنعمت عليه بالنيشان المجيدي الثالث، ~~كما منحه باي تونس نيشان الافتخار. # صفاته وأخلاقه # ممتاز بفرط الذكاء، وسعة الإطلاع، ودماثة الأخلاق، وقوة الإرادة، ومساعدة الفقراء ~~والكفاءة العالية والأدب الجم. # أكثر الله من أمثاله الأدباء وأدامه بالصحة والهناء. # | ترجمة فقيد التاريخ والعلم والأدب ومنشئ مجلة الهلال والروائي الشهير المرحوم جرجي بك ~~زيدان # لحقت بمن أرختهم فكأنكم # لدات لعهد لم تفرقه أدهر # على الحي دون الميت تحسب أحقب # توالت وتحصى في التعاقب أعصر # ورب عليم لم يجئ متقدما # أتم علاه أنه متأخر # خليل مطران # مقدمة للمؤرخ # من السهل أن يكتب الكاتب تاريخا يلتقط أخباره من هنا وهناك، ويأتي بها مجردة عن كل # فقيد التاريخ والعلم والأدب المرحوم جرجي بك زيدان منشئ مجلة الهلال ~~والروائي الشهير. # محاكمة واستنتاج ويلقيها كما تلقى الببغاء كلمات يتلقنها فينقلوها ~~على المسامع، ولكن ليس من السهل أن يكتب تاريخا يصور لك الحوادث من الحقيقة بحيث تكاد ~~تلمسها باليد. # ليست مهمة المؤرخ الذي يسمى مؤرخا بالمعنى الصحيح بالمهمة الهينة، بل هي مهمة تستنفد ~~قوى الكاتب البصير إذا وجه إليها عنايته في ترتيب الحوادث وانتقاء الأخبار، والتفريق ~~بين صحيحها وفاسدها وبيان الرأي الصحيح فيها وربط بعضها ببعض. # وإن من يطالع كتب هذا الفقيد العظيم ويطالع كتب المؤرخين قبله لا يسعه إلا الاعتراف ~~بفضله على التاريخ، والإقرار بأنه عانى من المشاق في وضع كتبه هذه ما لم يعانه مؤرخ من ~~قبله، وأنه ms417 اختط طريقا خاصا للمؤرخين من العرب في تقسيم التاريخ وترتيبه، يشهد أنه ~~كان من خيرة مؤرخي العرب وأطولهم باعا في انتقاء المواضيع الاجتماعية، التي لم يسبقه ~~إلى التخصص بمثلها أحد من مؤرخينا الأقدمين. # ولقد أبرز الفقيد إلى عالم الصحافة اثنين وعشرين مجلدا من الهلال، صدرت في اثنتين ~~وعشرين سنة متوالية بلا انقطاع ولا ارتباك، كل جزء منها أوسع نطاقا من سلفه وأغزر مادة ~~وأدق بحثا وأعم فائدة وأكثر اتقانا، وأرعى للمطالعة وأشهى، وشهرة بلغت أقصى المغارب ~~والمشارق ورواج قلما تجد له مثيلا في الصحافة العربية، كل ذلك يشهد بطول باع الفقيد في ~~فن الصحافة وصحة نظره فيه، ويحفظ له مقاما رفيعا بين أهله وذويه ولا سيما إذا نظرت ~~إلى رأس ماله المادي والأحوال المعاكسة، التي تحدق بأمثاله في هذه الديار والمجلات ~~العديدة التي توافر لها من أسباب الارتقاء والرواج ما لم يتيسر للهلال، ومع ذلك ما كاد ~~نجمها يطلع في سماء الصحافة حتى أفل والهلال ينمو ويكفل. # أما المزايا الصحافية التي امتاز بها هذا الفقيد، وكانت السبب في هذا النجاح الباهر ~~فهي حسن الإدارة، واختيار المباحث، وسهولة الإنشاء، والإدارة، ينطوي تحتها أمور كثيرة ~~مادية وأدبية كضبط المواعيد وحسن الطباعة وإتقان الوجه التجاري، وحفظ النسبة اللازمة ~~بين واجبات الصحافي وأميال الجمهور، وتاريخ الهلال يدلك على أن هذا الفقيد برع في هذا ~~الوجه، فإن الهلال ما تأخر يوما عن ميعاده ولا جاء سقيما في مواضيعه أو رثا في ~~ورقه، ولا وقع بينه وبين الرأي العام نفور مع وعورة بعض المسالك التي سلكها ومحاولة بعض ~~ذوي المآرب إيغار الصدور عليه. # والفقيد قصصي كان يرتب القصة والحوادث فيها مدهشة، وآخذة بعضها برقاب بعض ومنساقة ~~كلها إلى ملتقى واحد هو النتيجة التي تتهافت إليها عواطف القارئ، ومدمجة اندماجا ~~يقررها في ذهن القارئ كحقائق راهنة، وما هي إلا حقائق تاريخية راهنة. # وهو كروائي مؤرخ يتناول جميع الحقائق التاريخية من مصادر التاريخ الموثوق بها، ~~وينسقها في قالب الرواية، بحيث تستطيع أن تميز بين أن تقرأ قصة فكاهية ms418 أو تاريخا ~~مسجلا يقف عند كل عبرة ويتدفق فلسفة اجتماعية وحكمة، فالذي يطالع روايات الفقيد يطلع ~~على تاريخ الشرق لعهد الإسلام، ويستلذ هذا التاريخ ويستوعبه من غير أن يعنت ~~ذهنه. # مولده ونشأته # ولد هذا الفقيد العظيم في مدينة بيروت في 14 ديسمبر سنة 1861م، وتلقى مبادئ العلوم في ~~بعض مدارسها الابتدائية حتى قضت عليه الأحوال بترك المدرسة صغيرا ومساعدة والده في ~~أشغاله، وهو لم يبلغ الثانية عشرة من عمره، غير أن ميله الغريزي إلى العلم والأدب جعله ~~لا يدع فرصة لا يستفيد منها، إما بمطالعة ما تصل إليه يده من الكتب وإما بتقربه من رجال ~~العلم، وقد كان مولعا في أثناء ذلك بالرسم والتصوير حتى تكاد لا تجد كتابا من كتبه ~~إلا عليه شيء من رسمه، فكان كلما تعب من الدرس يتشاغل بمثل ذلك حرصا على وقته أن يضيع ~~بلا عمل. # ودرس اللغة الإنكليزية في مدرسة ليلية في مدة لا تتجاوز خمسة أشهر مع ممارسة شغله طول ~~نهاره وبعض ليله، وكانت أكثر أوقات دروسه في أواخر الليل وهو لا يعرف التعب ولا يكل من ~~العمل وكثيرا ما كان يصل ليله بنهاره. # ثم انتظم في سلك جمعية شمس البر في بيروت، وهي جمعية أدبية أكثر أعضائها من تلاميذ ~~المدرسة الكلية الأميركانية، فكان وجوده في هذه الجمعية باعثا على مضاعفة رغبته لما ~~آنسه من ارتياح أعضائها إلى صحبته والرغبة في محاضراته، وكثيرا ما كانوا يدعونه لحضور ~~الاحتفالات السنوية للمدرسة الكلية الأميركانية، وسماع الخطب والمباحث، فكان إذا حضر ~~احتفالا وسمع ما يتلى فيه من الخطب والمباحث العلمية والأدبية خرج حزينا يكاد يتقد ~~قلبه غيرة وحمية. # وفي سنة 1881م صمم على ترك شغله وطلب العلم، فلاح له أن الطب خير وسيلة تقربه من ~~العلم وتساعده على الكسب، فاستشار بعض أصدقائه من تلاميذ المدرسة الكلية، فأشاروا عليه ~~بالعدول عن هذا المسلك الصعب؛ لأنه يقضي وقتا طويلا لدرس العلوم الإعدادية لا يقصر عن ~~سنتين فضلا عن أربع سنوات أخرى لدرس الطب لكن ذلك لم يكن ليوهن ms419 عزمه فدرس العلوم ~~الإعدادية كلها على أحد أصدقائه في نحو شهرين ونصف حتى آن افتتاح المدرسة، فتقدم ~~للامتحان وجازه. # وقد كان في السنة الأولى من الطب مثال الاجتهاد مكبا على دروسه برغبة ولذة عظيمتين، ~~ونال في الامتحان السنوي شهادات الامتياز على تلاميذ فرقته مع أنه كان يتعاطى أشغالا ~~خاصة تساعده على النفقات، ومع ما حازه من الفوز على أقرانه لم ير منهم ما يشاهد عادة ~~بين الأقران من الغيرة والحسد، بل كانوا يسرون لنجاحه ويتخذونه مثالا للذكاء والاجتهاد ~~لما يأنسون فيه من دماثة الأخلاق ولين المعاشرة والإخلاص في صداقتهم. # ولما كانت السنة الثانية عاد إلى المدرسة ولم يمض شهران حتى كان الاختلال المشهور في ~~داخلية المدرسة الكلية الذي انجلى عن خروج معظم تلاميذها وكان صاحب الترجمة من جملتهم، ~~وقدم بعد خروجه امتحانا في العلوم الصيدلية مع بعض رفاقه أمام لجنة من أشهر أطباء ~~سوريا في جملتهم الكولونيل مراد بك حكيمباشي الجيش، والمرحوم الدكتور فانديك وغيرهما، ~~فنال الشهادة في العلوم الآتية وهي: اللغة اللاتينية والطبيعيات والحيوان والنبات ~~والجيولوجيا والكيمياء العضوية والمعدنية والتحليل الكيمي والمواد الطبية، والأقرباذين ~~العلمي والعملي. # سفره إلى مصر والسودان وإنكلترا # وشخص على أثر ذلك إلى الديار المصرية عقب الحوادث العرابية لتكملة الطب في مدرسة ~~القصر العيني ، غير أن طول المدة لنيل الشهادة الطبية حول عزمه عن صناعة الطب فاشتغل ~~بالعلم وتولى تحرير جريدة الزمان، وهي حينئذ الجريدة اليومية الوحيدة في القاهرة مدة ~~سنة أو تزيد حتى كانت الحملة النيلية إلى السودان سنة 1881م؛ لإنقاذ غردون باشا فسار ~~برفقتها مترجما بقلم المخابرات، وترك صناعة القلم مؤقتا رغبة في استطلاع أحوال تلك ~~البلاد، فقضى فيها نحو عشرة أشهر شهد في أثنائها أعظم الوقائع الحربية، مثل واقعة أبي ~~طليح والمتمة وغيرهما. # ولا تسل عما قاساه من الأهوال في تلك السفرة، فقد رأى مواقع الحرب مرأى العين تحت ~~إطلاق المدافع وصفير القنابل، وشاهد القتلى مئات وألوفا إلى أن عاد بعود الحملة بعد ~~مضي عشرة أشهر، فنال ثلاثة أوسمة مكافأة له على خدمته ms420 وشجاعته. # لكن ميله إلى العلم كان يزداد مع الأيام فلم يستقر في الديار المصرية بعد عودته من ~~الحملة، بل سافر توا إلى بيروت سنة 1885 وبعد وصوله إليها بقليل، انتدبه المجمع ~~العلمي الشرقي ليكون عضوا عاملا فيه، فمكث في بيروت حوالي عشرة أشهر يطالع اللغات ~~الشرقية، فدرس العبرانية والسريانية وأخواتهما، ووضع على أثر ذلك كتابه في الألفاظ ~~العربية والفلسفة اللغوية. # وفي أثناء ذلك ألف أحد معارفه رواية دعاها رواية «البطلين»، جعل صاحب الترجمة أحد ~~بطليها والجنرال غردون باشا البطل الثاني، وقد بين المؤلف في سرد حوادث الرواية نتيجة ~~الاجتهاد والمواظبة، مع المحافظة على الآداب كما هو شأن صاحب الترجمة. # وفي صيف سنة 1886 زار عاصمة بلاد الإنكليز، وكان في أثناء إقامته هناك يترد على أندية ~~العلم ومجتمعات الآثار ولا سيما المتحف البريطاني الشهير، ثم عاد في الشتاء إلى مصر ~~فطلبت إليه مجلة المقتطف أن يتولى إدارة أشغالها، ففعل حتى أوائل سنة 1888م فاستقال ~~وانصرف إلى الكتابة والتأليف، فألف تاريخ مصر الحديث في مجلدين كبيرين، وقد عانى في ~~تأليفه صعوبات جمة وفي سنة 1889 ألف تاريخ الماسونية العام، وهو أول كتاب كتب في ~~العربية من هذا النوع، ثم ألف التاريخ العام وهو مختصر تاريخ ممالك آسيا وأفريقيا ~~القديمة والحديثة. # وفي أواخر سنة 1889 انتدبته المدرسة العبيدية الكبرى لطائفة الروم الأرثوذكس بمصر؛ ~~ليتولى إدارة التدريس العربي فيها، فتولاها سنتين وفي أثناء ذلك ألف رواية المملوك ~~الشارد وهي أول رواياته فصادفت إقبالا غريبا، حتى طبعت غير مرة وكان صاحب الترجمة قد ~~استحضر الأدوات المطبعية، فتنحى عن التدريس وثابر على الكتابة والتأليف، فأصدر الهلال ~~في أواخر سنة 1892م، وكان في أول نشأته يتولى كل أموره بنفسه من إدارة وتحرير ومكاتبات ~~وغير ذلك، مما لا يستطيعه إلا نفر من الرجال ولكنه كان يواصل العمل بلا ملل ولا إهمال ~~توصلا إلى النجاح، حتى إذا اتسع نطاق المجلة عهد بإدارتها إلى حضرة شقيقه متري أفندي ~~زيدان، واستخدم آخرين للأشغال الأخرى وانقطع هو إلى التأليف والتحرير فكتب بعد ms421 نشأة ~~الهلال مؤلفات عديدة سنأتي على بيانها، وقام في أثناء عطلة الهلال الصيفية بعدة رحلات ~~أهمها رحلته إلى الأستانة على أثر الدستور، وإلى أوربا منذ سنتين ورحلته في الصيف ~~الماضي إلى فلسطين أي: قبيل وفاته. # وفاته # في مساء الثلاثاء في 21 أغسطس سنة 1914 حوالي الساعة الحادية عشرة، وافت المنية هذا ~~الفقيد الكريم بغتة ولم يكن يشكو علة ولا أصيب بمرض وما هي إلا دقيقة شهق فيها الفقيد ~~شهقة أقامت أهل بيته مذعورين، وكان إلى آخر ساعة من حياته على تمام الصحة يشتغل كبضعة ~~رجال من غير أن يعرف الكلل والملل. # وما ذاع نعيه حتى عم الأسف لفقده وأقبل الأصدقاء والفضلاء والأعيان والعلماء والأدباء ~~على منزله في القاهرة، وتقاطرت الرسائل البرقية والبريدية من محبيه في جميع الجهات ~~يشاطرون أهله الأسى، ويذكرون آثاره ومناقبه الحميدة وخدمه الجليلة للعلم والأدب ~~والتاريخ، وبعد أن أقيمت صلاة الجنازة في الكنيسة لحظ أهله أن هيئة الموت لم تبد على ~~وجه الفقيد، بل صارت علامات الحياة أظهر فيه مما كانت في الصباح، ففحصه الأطباء فقالوا: ~~إن كل الدلائل تدل على حدوث الموت لكن أهله ظلوا مرتابين، فعدلوا عن دفنه وعزموا على ~~إبقائه إلى الصباح: ولما أن كان الصباح خاب أملهم الضعيف، فدفنوا فقيدهم وهم يتمنون لو ~~يفدونه بأرواحهم. # ولما بلغ نعي الفقيد حضرة صاحب الدولة حسين رشدي باشا قائمقام سمو الخديوي الأسبق ~~وقتئذ في الإسكندرية، أنفذ من قبله سعادة وكيل محافظ مصر إلى منزل الفقيد؛ لتعزية أهله ~~وإبلاغهم مشاركة دولته لهم في حزنهم. # أخلاقه # كان الفقيد ربعة ممتلئ الجسم أسمر اللون متوقد العينيين تظهر عليه ملامح الصحة ~~والنشاط وكان رحمه الله بسيطا في جميع أعماله، ثابتا صادقا لطيف الحديث قريبا إلى ~~الناس، لا يأنف من مجالسة من هم دونه ولا يلقى إلا والبشاشة تملأ وجهه. # ولعل الصفة الغالبة في أخلاقه كبر النفس، وقد كان مخلصا في عمله نزيها عن الأغراض، ~~لا يهمه إلا الوقوف على الحقيقة والتمسك بأذيالها، ومن أقواله المأثورة: «لا يصح إلا ~~الصحيح ولا ms422 يبقى إلا الأنسب»، وتجد إخلاصه هذا واضحا في كل عمل شرع فيه وفي كل حرف خطه ~~قلمه. # وكان رحمه الله يعرف العربية والإنكليزية والفرنساوية والألمانية والسريانية ~~والعبرانية مع إلمام بسائر اللغات الشرقية وغيرها، وأكثر ما عرفه إنما عرفه باجتهاده ~~الشخصي، ودرسه على نفسه بالثبات وصدق العزيمة، فكان إذا رأى الحاجة إلى علم أو لغة أكب ~~عليها حتى ينالها كما فعل لما أخذ في درس المواد الشرقية، فرأى حاجة إلى الإطلاع على ما ~~ألفه الألمانيون في آثار العرب وآدابهم من نتائج مباحثهم، وتنقيبهم فدرس هذه اللغة ~~بنفسه وبعد بضعة أشهر أصبح قادرا على فهم ما يقرأه منها، وقس على ذلك. # وكانت له منزلة عند العلماء المستشرقين في أوربا، فكان يعرف كثيرين منهم شخصيا وكان ~~يكاتبهم جميعا فضلا عن منزلته في الشرق، فقد كان له أحباء وميريدون كثيرون وقراؤه ~~يعدون بالآلاف، وكلهم معجب بما يكتبه مولع بمطالعته؛ ولذلك انتشر هلاله ومؤلفاته ~~ورواياته انتشارا عظيما لم يبلغه غيرها في هذه البلاد. # وكان الفقيد عضوا في عدة جمعيات علمية وشرقية نخص منها الجمعيات الأسيوية الايتالية ~~والإنكليزية والفرنساوية، وأهدى إليه باي تونس وسام الافتخار من الدرجة الأولى فضلا عن ~~أوسمة حرب السودان، وهي الميدالية الإنكليزية والنجمة المصرية والعروة المختصة بواقعة ~~أبي طليح، وأنعمت عليه الحكومة المصرية في عهد الخديوي عباس حلمي باشا الأسبق برتبة ~~المتمايز الرفيعة، اعترافا بفضله على اللغة العربية وآدابها، وقررت عمدة الكلية ~~السورية الأميركية في بيروت قبل وفاته ببضعة أشهر منحه لقب شرف من ألقابها ~~العلمية. # مؤلفاته التاريخية واللغوية والعلمية # كتب الفقيد في مواضيع مختلفة لكنه حاز شهرته الواسعة في الشرق والغرب بصفة كونه ~~مؤرخا مدققا، لا سيما وأنه طرق مواضيع مهمة جديدة لم يسبقه إليها كاتب مع قلة المصادر ~~التي ترجع إليها، وافتقار اللغة العربية إلى مثلها، وإلى القارئ الكريم أهم مؤلفاته في ~~التاريخ واللغة وغيرهما: # تاريخ مصر الحديث جزآن. # تاريخ التمدن الإسلامي 5 أجزاء. # تاريخ العرب قبل الإسلام. # تراجم مشاهير الشرق في القرن التاسع عشر جزآن. # تاريخ آداب اللغة العربية ms423 4 أجزاء. # الفلسفة اللغوية والألفاظ العربية # تاريخ الماسونية العام # تاريخ اللغة العربية. # أنساب العرب القدماء. # علم الفراسة الحديث. # طبقات الأمم. # عجائب الخلق. # وقد نقل تاريخ التمدن الإسلامي إلى خمس لغات: الأوردية أو الهندستانية ~~والتركية والإنكليزية والفرنساوية والفارسية، وترجم كتاب الفلسفة اللغوية إلى ~~التركية. # أما مؤلفاته الروائية فهي: # فتاة غسان. # أرمانوسة المصرية. # عذراء قريش. # 17 رمضان. # غادة كربلاء. # الحجاج بن يوسف. # فتح الأندلس. # شارل وعبد الرحمن. # أبو مسلم الخراساني. # وله أربع روايات خارجة عن السلسلة وهي: # المملوك الشارد. # أسير المتمهدي. # استبداد الماليك # وجهاد المحبين. # وجميع هذه الروايات أعيد طبعها أكثر من أربع دفعات. وقد نقلت هذه ~~الروايات إلى أهم اللغات الشرقية وبعض اللغات الأوربية، وعلى الإجمال فاللغات التي نقلت ~~إليها حتى الآن أو كلها هي اللغة الأوردية «الهندستانية» والفارسية والدرويدية والتركية ~~الأذربايجانية، والتركية العثمانية، والفرنساوية والإنكليزية والروسية ~~والبورتغالية. # إن سرد أسماء هذه الكتب وعدد طبعاتها واللغات التي ترجمت إليها أبلغ من كل ما يقال في ~~مكانة الفقيد وخسارة اللغة العربية بفقده، رحمه الله بقدر ما أفاد الناس. # وما كاد يذاع خبر وفاته حتى انهالت على آل الفقيد الرسائل البرقية والبريدية من جميع ~~البلدان الأوربية والممالك الشرقية، وأقيمت حفلات الرثاء المتعددة، وألقى فحول الشعراء ~~قصائد الرثاء كما أقيمت حفلتا تأبين في مصر وزحلة حضرهما عموم شعراء مصر وأمراؤها ~~وعظماؤها وأدباؤها، وقد ترأس حفلة الاتحاد السوري حضرة الأمير مشيل بك لطف الله. # ومن القصائد الرنانة في رثاء الفقيد تلك القصية المؤثرة التي ألقاها شاعر النيل ~~الأكبر سعادة أحمد شوقي بك. # ممالك الشرق، أم أدراس أطلال # وتلك دولاته، أم رسمها البالي # أصابها الدهر إلا في مآثرها # والدهر بالناس من حال إلى حال # وصار ما نتغنى من محاسنها # حديث ذي محنة عن صفوه الخالي # إذا جفا الحق أرضا هان جانبها # كأنها غابة من غير رئبال # وإن تحكم فيها الجهل أسلمها # لفاتك من عوادي الذل قتال # نوابغ الشرق، هزوه لعل به # من الليالي جمود اليائس السالي # إلى أن قال: ~~(زيدان) إني مع الدنيا كعهدك لي # رضى ms424 الصديق، مقيل الحاسد القالي # لي دولة الشعر طول الدهر وائلة # مفاخري حكمي فيها وأمثالي # إن تمش للخير أو للشر بي قدم # أشمر الذيل، أو أعثر بأذيالي # قد أكمل الله ذياك (الهلال) لنا # فلا رأى الدهر نقصا بعد إكمال # ولا يزل في نفوس القارئين، له # كرامة الصحف الأولى على التالي # فيه الروائع من علم، ومن أدب # ومن وقائع أيام وأحوال # وفيه همة نفس زانها خلق # هما لباغي المعالي خير منوال # علمت كل تئوم في الرجال به # أن الحياة بآمال وأعمال # ما كان من دول الإسلام منصرما # صورته، كل أيام بتمثال # وهل تحن إليه بعد فرقته # كما يحن إلى أوطانه الجالي # هضاب لبنان من منعاتك اضطربت # كأن لبنان مرمي بزلزال # كذلك الأرض تبكي فقد عالمها # كالأم تبكي ذهاب النافع الغالي # | ترجمة حضرة الشاب الأديب الأستاذ أميل أفندي زيدان # النجل الأكبر للمرحوم جرجي بك زيدان وأحد صاحبي امتياز ورئيس تحرير مجلات الهلال ~~والمصور وكل شيء # قد يشعر القارئ الكريم بحسرة ولوعة من فقد ذاك الرجل العالم العامل، الذي ~~ترك فراغا عظيما في عالم التاريخ والأدب، ولكن ولئن خسر الشرق جرجي بك زيدان فعزاء قراء ~~العربية أنه خلف نجله الأكبر، ألا وهو حضرة الأستاذ الفاضل أميل أفندي زيدان صاحب هذه ~~الترجمة الذي استلم زمام الهلال وإدارته، وسار في نفس الخطة التي رسمها له المرحوم والده ~~مقتفيا خطواته، ومحييا آثاره فلم يشعر قراء العربية بنقص من هذا القبيل. # وهو شاب في مبتدأ الحياة ولد في مصر في 22 يوليو سنة 1893م، وتلقى علومه الابتدائية ~~والثانوية في مدارس الفرير، فحاز شهادة الدراسة الثانوية قبل أن يبلغ الخامسة عشرة من عمره، ~~ثم رحل إلى كلية الأمريكان في بيروت، فدرس العلوم والفنون ونال درجة بكالوريوس علوم بعد درس ~~أربع سنوات. # ثم رجع إلى مصر في صيف سنة 1912، ورحل منها برفقة والده إلى فرنسا وإنكلترا وسويسرا ~~لتكملة علمه بتفقد المتاحف والمعاهد العلمية، ثم رجع إلى مصر وأخذ في درس الحقوق ومساعدة ~~والده في تحرير الهلال متمرنا على يديه ومتشربا ms425 روحه وتعاليمه، فتهيأ إلى العمل المجيد ~~الذي أعده له والده. # وشمر عن ساعد الجد والاجتهاد فأوسع أبواب الهلال، وأتقن طبعه واستحضر له خصيصا أحدث ~~المطابع الأوربية فأقبل الكثير من مريدي وعشاق المطالعة على اقتناء أعداده وتجليدها سنويا ~~لتحفظ ضمن مكاتبهم، ولم يكتف هذا الشاب النشط بهذا العمل مع اتساع نطاقه حتى استصدر رخصة ~~لإصدار مجلة مصورة أسبوعية أسماها «المصور» باشتراكه مع حضرة شقيقه الأديب شكري أفندي زيدان ~~فما كاد يظهر العدد الأول منه حتى قوبل من الجمهور المصري بنوع خاص بشغف عظيم، وإقبال فائق ~~لما حواه المصور المذكور من المواضيع الأدبية والفنية والفكاهية ومستحدثات الصور في الشرق ~~والغرب، وقد نال مع حداثة ظهوره أعظم مكانة صحافية في عواصم البلاد، وترى حضرة صاحب هذه ~~الترجمة مكبا على العمل يواصل ليله بنهاره بهمة لا تعرف الملل، وعزيمة لا يعتورها كلل ومع ~~كثرة أعماله هذه تراه يقابل زائريه بكل ترحاب وإكرام، ويأخذ في مؤانستهم فيخرجون معجبين ~~بعظيم تربيته وواسع خبرته، وحسن كفاءته الصحافية ومقدرته على احتمال الصعاب في سبيل إنهاض ~~الشرق بما يأتيه من شتات المواضيع الأدبية والعلمية والفنية والتاريخية، أكثر الله من ~~أمثاله لرفع لواء العلم في ربوع البلاد ولا أحرم الناس من نفحات قلمه الفياض، إنه سميع ~~مجيب. # | حضرة الشاب الأديب النشيط شكري أفندي زيدان # أحد صاحبي مجلات الهلال والمصور وكل شيء # هو ثاني أنجال الفقيد العظيم المرحوم جرجي بك زيدان، وأصغرهما سنا، ولد في سنة 1900 ~~وتغذى بلبان الفضيلة والأدب ودخل مدرسة الفرير، فأظهر ذكاء فائقا ونبوغا عظيما وشب على ~~الهمة والإقدام والجد والنشاط فكان خير مساعد لحضرة شقيقه أميل أفندي في عمله الصحافي، فأخذ ~~يعاونه بمعلوماته العلمية والأدبية، سواء في الهلال أو في مجلة المصور أو في مجلة «كل شيء» ~~التي حازت من الجمهور المصري إقبالا عظيما، ويعد حضرة صاحب الترجمة أحد أصحابها فنراه ~~يعمل بجنب أخيه بكل ما أوتى من قوة وحزم وذكاء ونشاط، كأنهما شخص واحد يعملان لغاية واحدة ~~وهي نشر ما يرقي المدارك، ويهذب عقول النشء ms426 بفضل حسن تربيتهما وعالي كفاءتهما العلمية ~~والأدبية. # ومع حداثة سن صاحب هذه الترجمة تراه قد جمع بين حنكة الشيوخ وهمة الشباب، فلا يدخر وسعا ~~في كل ما يراه صالحا لتقدم البلاد إلى الرقي والرفعة، حتى اكتسب محبة عموم المصريين مع ~~اختلاف نحلهم؛ لدماثة أخلاقه وكمال أدبه وحلو حديثه وسعة مداركه وشهامته. # فبمثل هذين البدرين التامين فليتنافس المتنافسون «أدامه المولى». # | ترجمة حضرة الأستاذ القدير والكاتب النحرير عباس أفندي محمود العقاد # الصحفي المعروف والمحرر بجريدة البلاغ الغراء # كلمة للمؤرخ # لمعرفة نفسية هذا الأستاذ القدير، وقوة اقتداره في عالم الصحافة والأدب، وما لقلمه ~~السيال من البراعة والإجادة وحسن الأسلوب، واختيار المفيد من الموضوعات عليك بتصفح ~~مقالاته الرئيسية الطلية التي يصدرها عادة في افتتاحية جريدة البلاغ الغراء، وما تحويها ~~من عبر وحكم سواء أكانت هذه المقالات سياسية وطنية أم أدبية أم اجتماعية، فإنك تجد ~~برهانا قويا على كبير علمه، وغزارة مادته، وسمو مبدئه، وعالى نفسيته، ولولا ضيق ~~المقام هنا لآتينا بالكثير من مآثره الغراء وأياديه البيضاء على العلم والأدب بوجه عام ~~والصحافة بوجه خاص. # مولده ونشأته # ولد الأستاذ العقاد ببندر أسوان سنة 1889م من والد قوي الإيمان والإرادة، أورث ولده ~~استبداد الطبع وقوة اليقين والتعصب للمبدأ، ووالدة يشوب دمها عنصر كردي، أخذ عنها ~~امتداد القامة والصبر على الوحدة والصمت الطويل، ولأسرته وأهله تجارة كبيرة في مديرية ~~أسوان. # تلقى دروسه الابتدائية بمدرسة أسوان الأميرية، فتخرج منها سنة 1903م ~~وكان والده يصحبه أيام دراسته الأولى إلى مجلس الأستاذ الأديب الشيخ أحمد الجداوي، أحد ~~فضلاء الأزهريين الذين لزموا السيد الأفغاني أثناء مقامه بمصر، فكان يسمع مطارحاته ~~الشعرية التي كان يرويها عن المتقدمين والمتأخرين، فشوقه ذلك إلى مطالعة الكتب الأدبية ~~فكان أول ما وقع في يده منها كتاب «المستطرف في كل فن مستظرف»، وديوان البهاء زهير وقصص ~~ألف ليلة وليلة، ثم مجلد من دائرة المعارف للبستاني وأعداد مختلفة من صحيفة الأستاذ ~~لصاحبها الأستاذ السيد عبد الله نديم، وكان يسمع اسمه كثيرا في مجلس الأستاذ الجداوي ~~ومن ثم أقبل ms427 بجملته على المطالعة العربية فالإفرنجية، ونظم الشعر، ولم يتلق علوما في ~~المدارس بعد انفصاله من مدرسة أسوان غير أبواب محدودة في الكهرباء والطبيعة، حضرها ~~بمدرسة الصنائع والفنون، وقد عاقته عوائق شتى عن متابعة التعليم المدرسي كما كان يود ~~يومئذ. # ومن ثم اشتغل بعدة وظائف حكومية استقال منها الواحدة بعد الأخرى نفورا من قيودها ~~الثقيلة، وتكاليفها ورغبة في الدعة والعلاج لما كان ينتابه أحيانا من الضعف ~~والسقم. # اشتغاله بالصحافة # وكان أول عمل صحفي له في جريدة الدستور التي أنشأها الأستاذ وجدي، ثم كتب في صحف أخرى ~~هي المؤيد، والأهالي، والأهرام، وفي خلال ذلك كان يزاول التدريس تارة بالقاهرة وتارة ~~بأسوان، وقد مكث شتاءين متواليين للاستشفاء من مرضه الذي أقعده عن العمل عاما ونصف ~~عام. # غير أن الله تعالى أمده بنعمة الشفاء وعاد إلى العمل في الصحافة بجريدة البلاغ ~~الغراء، وللأستاذ العقاد حملات شديدة الوقع على كل حائد عن جادة الصواب والحق، وللجمهور ~~شغف عظيم بمطالعة مقالاته الشيقة لما تتضمنه من حجج الإقناع، ومتانة التعبير والجرأة ~~والحماس ونقد كل ما يراه ماسا بمصلحة الوطن وقضيته الكبرى. # صفاته وأخلاقه # والأستاذ العقاد رقيق الشعور عصبي المزاج يتأثر من أقل مؤثر، وله أزمات نفسية يكون ~~فيها على تماسكه وتلطفه مهتاج الأعصاب سريع الامتعاض، وله في هذه المؤثرات وقائع ~~تاريخية وقعية مع بعض إخوانه آثرنا عدم ذكرها، وجميعها ترمي إلى رقيق إحساسه، ونفسه ~~العالية. # ألبسه الله تعالى ثوب العافية ومتعه بطيب الحياة. # | ترجمة حضرة الأستاذ الأديب والزجال المشهور محمود أفندي رمزي نظيم # المحرر بجريدة البلاغ الغراء # كلمة المؤرخ # ليس الأستاذ نظيم بالشاعر البليغ والزجال الفذ في هذا العصر فحسب، فهو مع شهرته ~~بالنبوغ في هذا المضمار فقد اشتهر أيضا بالوطنية العالية، والمبدأ الثابت، والعقيدة ~~الراسخة ولكم لاقى من العسف والجور في سبيل جرأته في الحق، ورفع الحيف عن بلاده، ولكم ~~امتهن في شخصيته، وصودرت حريته، فكان يقابل كل شدة ومحنة بصدر رحب، وقلب ملؤه الإيمان ~~والثقة بالله تعالى، والأستاذ نظيم فوق كل هذه المواهب السامية والسجايا ms428 النادرة، تراه ~~مؤديا حقوق دينه ودنياه بعيدا عن زخرف الدنيا وملاذها يميل بفطرته إلى الوحدة والاعتكاف. # حضرة الأديب محمود أفندي رمزي نظيم. # مولده ونشأته # ولد الأستاذ محمود أفندي رمزي نظيم ببركة السبع مديرية المنوفية سنة 1889م، من والدين ~~تقيين اشتهرا بالتقوى والصلاح، ووالده هو المرحوم طيب الذكر محمود أفندي رمزي مأمور ~~ضبطية بركة السبع. # انتقل والداه إلى رحمة ربهما وهو لم يتجاوز السابعة من عمره، فتكفل به خاله الأستاذ ~~المرحوم إسماعيل بك عاصم المحامي الشهير، ولكن الظروف لم تمكنه من إتمام دراسته ~~الثانوية، فانقطع عن المدرسة وكان له ميل خاص إلى الأدب، فعكف على دراسته وكان يجد ~~تنشيطا وتشجيعا من خاله، وبدأ ينشر في الصحف اليومية قصائده ورسائله وهو في سنة ~~الثالثة الابتدائية فاختارته مجلة المفتاح شاعرا لها، وهو في السنة الرابعة الابتدائية ~~بمدرسة الأقباط الكبرى، وكان من أشد أنصار الحزب الوطني في مبدأ نشأته وفي أيام المرحوم ~~محمد بك فريد رئيسه، وقد حوكم من أجل قصائده الوطنية فحكم عليه في عهد وزارة سعيد باشا ~~الأولى عند صدور قانون المطبوعات بسبب إلقاء قصيدة في مظاهر خاصة بحرية الصحافة بالسجن ~~ثلاثة أشهر مع إيقاف التنفيذ، وكانت الصحف تلقبه بشاعر الظاهرات، واتهم في مؤامرة شبرا ~~المعروفة فقبض عليه وأطلق صراحه بعد ظهور براءته، وكتب مرة مقالا شديد اللهجة ضد نشأت ~~باشا أيام سلطانه فحوكم من أجله أمام محكمة الجنايات سنة 1926م. # اشتغاله بالتحرير والأدب # ولقد اشتغل الأستاذ رمزي بالتحرير في الصحف منذ عام 1910م، فاشترك في تحرير كثير من ~~الجرائد الأسبوعية والمجلات منها العفاف والحال، والمجلة الماسونية، والسيف، وأبو ~~الهول، والصباح وحرر في المحروسة، والرقيب والمنير، والنظام والأمل، وهو اليوم محرر في ~~جريدة البلاغ وأصدر جريدة أبو قردان الفكاهية الانتقادية سنتين كانت في خلالهما موضع ~~تقدير الجمهور لشدة لهجتها وحسن أسلوبها، وغزارة مادتها لا سيما أزجالها الانتقادية ~~الخلابة وموضوعاتها الفكهة. # مؤلفاته # وللأستاذ مؤلفات قيمة منها: كأس الحكمة، وألحان الأسى، وسعد زغلول، وأزجال نظيم، ~~وموشحات نظيم جزئين، وديوان نظيم. هذا عدا الكتب التي ms429 لم تطبع وقد اشتهر خاصة بنظم ~~الأزجال الوطنية، وله رسائل شتى في الأدب والاجتماع والنقد نشرت في الصحف المختلفة ولها ~~مكانتها العليا في عالم التحرير والأدب. # صفاته وأخلاقه # على جانب كبير من دماثة الخلق والدعة ومكارم الأخلاق والأدب الجم، عف النفس كبيرها ~~محبوب عند كل عارفي أدبه وكماله وبعده عن سفاسف الأمور، وهو فوق ذلك غيور على دينه ~~متمسك بأهداب الوطنية وهو سعدي المبدأ، ومن المتغانين في هذا المبدأ وكأنما كناه ~~الصوفية بأبي الوفاء لشديد دفاعه الوطني في كل ما يراه ملائما لحالة البلاد. # | ترجمة حضرة صاحب العزة القانوني المتضلع الأستاذ صالح بك جودت # القاضي بالمحاكم الأهلية سابقا والمحامي الشهير حالا # نسبه وعائلته # هو ابن المرحوم إسماعيل جودت بك بن المرحوم صالح بن إبراهيم بن خليل، يتصل نسبه إلى ~~بني شيبة بمكة المكرمة وهم بطن من عبد الدار وبنو عبد الدار بطن من قصى، فهو قرشي الأصل ~~وفي قومه بني شيبة السدانة فهم حجبة الكعبة، انتهت إليهم مفاتيحها في زمن النبي # صلى الله عليه وسلم # وكان الجد الثاني لصاحب الترجمة من أعيان مكة نفي منها لأسباب سياسية في زمن ~~السلطان محمود الثاني، فاستوطن قبرص ومن قبرص نزح إلى مصر جده الأول، وكان من أولاده ~~علي أغا صالح كاتب يد المغفور له محمد علي باشا الكبير والي مصر، وكان العم الأكبر ~~لصاحب الترجمة المرحوم تويق باشا معاونا لشريف مكة ، ثم قائدا للجيوش التركية في ~~اليمن، ومات رحمه الله بها ودفن في الحديدية. # 1 # صاحب العزة الأستاذ صالح بك جودت. # أما والد صاحب الترجمة المرحوم إسماعيل جودت فهو ربيب بيت محمد علي ورفيق صبا المرحوم ~~الأمير إلهامي باشا، وقد اختاره المرحوم سعيد باشا، والي مصر ليتعلم بفرنسا على نفقته ~~الخاصة، وأنزله بباريس بمنزل صديقه دولسيس حيث كانت إقامته، وقد أتم المرحوم دروسه ~~الثانوية بباريس، ثم دخل جامعة السوريين حيث تلقى العلوم القانونية، ثم انتقل إلى مدرسة ~~السياسة العالية حيث تخرج على رينان الفيلسوف الشهير، ووضع المرحوم بباريس كتابيه في ~~«الرئاسة والسياسة ثم ms430 في أحكام القرآن»، ولما عاد لمصر عين في معية المغفور له ~~إسماعيل باشا، ولما أنشئت دار الأوبرا عين مديرا لها وفي ذلك العهد وضع روايته ~~التمثيلية «موسى»، ثم عاد إلى المعية في التشريفات وكان المرحوم الخديوي الأول يندبه ~~لمقابلة الملوك والأمراء، ورجال السياسة الذين يقصدون مصر؛ ليتعرف مقاصدهم ويبلغهم ما ~~يرغبون معرفته عن مصر وأهلها وأحوالها، وقد وشى به بعضهم مرتين إلى الخديوي فنفاه في ~~الأولى إلى البحر الأبيض، لكنه لم يبلغ أسيوط حتى استدعاه، وأبعده في الثانية إلى بور ~~سعيد، ثم ما لبث أن استقدمه إذ كان يتبين له كذب الوشاية كل مرة ويتحقق من صدق إخلاصه ~~لأميره وبلاده. # ولما قامت الثورة العرابية كان المرحوم إسماعيل جودت من زعمائها «مع صديقه البارودي ~~باشا والإمام عبده، # 2 # وحوكم في نهايتها مع من حوكم فقضي عليه بالنفي ثلاث سنوات خارج القطر، ~~فاختار الإقامة في الأستانة حيث كان على صلة بالخديوي إسماعيل باشا، وكان صاحب الترجمة ~~يقصد معه قصر أميرجان، حيث يقيم الخديوي السابق وقد انتدبت الدولة العلية والد صاحب ~~الترجمة ضمن وفد المرحوم حسن باشا فهمي؛ لتقرير اتفاقية مؤتمر لندن سنة 1885 الخاصة ~~بمصر، وفي أثناء رحلته تعرف بكبار رجال السياسة من الإنجليز، وله معهم أحاديث مشهورة. # 3 # ولما انقضت مدة النفي عاد والد صاحب الترجمة لمصر بالرغم من إلحاح السلطان عليه ~~بالبقاء، وعرض ولاية اليمن عليه؛ لأنه كان رحمه الله متفانيا في حب بلاده. # وقد عرض على الحضرة السلطانية كثيرا من مشروعات الإصلاح الخاصة بها، ومن ضمنها مشروع ~~إصلاح أعيان الأوقاف بمصر لاستغلالها وقد أوصى عليه السلطان الغازي مختار باشا؛ ليساعده ~~لدى الخديوي على تنفيذ مقترحاته بخصوص الأوقاف، ولكن حالت الظروف السياسية دون ذلك، ~~ولبث والد صاحب الترجمة بعيدا عن وظائف الحكومة مشتغلا بمهنة المحاماة حتى توفي سنة ~~1896م. # وقد حصر همه في سني حياته الأخيرة في تثقيف ولده صاحب الترجمة، وتعهد خلقه واستكمال ~~علمه وأدبه حتى إذا توفي والده وهو لم يكد يتم السادسة عشرة من عمره كان رجلا ms431 قوي ~~النفس، مطلعا على ما لا يعلمه حتى الشيوخ من أمور سياسة الشرق وأحواله. # حياته العلمية # ولما أتم صاحب الترجمة دروسه بالمدرسة الخديوية سنة 1898م، درس القضاء بمدرسة الحقوق ~~الفرنساوية، وأدى امتحاناته أمام جامعة باريس حيث حاز شهادة الليسانس في العلوم ~~القانونية، ثم أدى امتحان المعادلة أمام مدرسة الحقوق الخديوية بمصر حيث حاز شهادتها، ~~وكان لم يزل منصرفا إلى الدراسة ولكن همه منحصر على الأخص في دراسة الاجتماعات والشؤون ~~المصرية، وله مؤلفات عديدة في الأدب والاجتماع والجغرافية والتاريخ، من ذلك حوالي خمس ~~عشر رواية أدبية معربة، ورواية تمثيلية «الإيمان» صادفت إقبالا عظيما لما مثلت في ~~الأوبرا سنة 1914م، ثم كتاب الدليل العصري للقطر المصري، ومصر في القرن التاسع عشر ~~وقوانين المجالس الحسبية وأمة الملايو، وهو عضو في كثير من الجمعيات العلمية المصرية ~~والأجنبية، كجمعيتي الجغرافية الملكية المصرية والأميركية، وجمعية السجون الفرنسية، ~~والجمعية الملكية للاقتصاد السياسي، والتشريع والمجمع اللغوي المصري، كما أنه من مؤسسي ~~وأعضاء إدارة جمعية الرابطة الشرقية بمصر. # حياته الحكومية # وقد بدأ صاحب الترجمة حياته الحكومية مترجما بوزارة المعارف العمومية، ثم معاونا ~~للإدارة بمديرية المنوفية، ثم مترجما بالنيابة العمومية ثم سكرتيرا فنيا للمرحوم ~~أحمد فتحي زغلول باشا وكيل وزارة الحقانية سابقا، حيث كان عضده الأيمن في أعمال ~~الوزارة التشريعية، وأعماله الأدبية الخاصة، وفي تلك الأثناء كان صاحب الترجمة سكرتيرا ~~لكثير من لجان الإصلاح بوزارة الحقانية، وأخصها لجنة إصلاح الأزهر الشريف حيث وضع لها ~~منهج الدراسة في العلوم العصرية، وترجم أعمالها فكافأته الحكومة المصرية على ذلك برتبة ~~ومكافأة مالية، وكان سكرتير لجنة قانون المرافعات، حيث جهز للجنة جدول مقارنة قوانين ~~المرافعات المعمول بها في أهم الممالك الأجنبية، وقد تولى حضرته القضاء في سنة 1914م ~~بمحكمة مصر الأهلية، ثم بمحكمة أسيوط حيث اشتهر بين زملائه والمتقاضيين والمحاميين ~~بالدقة وبعد النظر، وحسن المعاملة وسرعة الفصل في الخصومات، وفي سنة 1922م انتخبته ~~وزارة الحقانية للقيام بأعمال إدارة مكتب معالي وزيرها ومن أخصها دراسة الأحكام ~~المتناقضة الصادرة من محاكم الأحوال الشخصية الإسلامية وغير الإسلامية، ms432 ومراجعة قضايا ~~الإعدام، والتأديب والتماسات العفو عن المجرمين، وعهدت إليه الوزارة بالإدارة التشريعية ~~والفنية لمدرستي الحقوق والقضاء الشرعي، والبعثات العلمية في أوربا، وله في ذلك آثار ~~مشكورة، وختم وظائفه الحكومية بتعيينه قاضيا لمحكمة طنطا الأهلية، وأخيرا استقال ~~مفضلا الاشتغال بمهنة المحاماة، فاتخذ له مكتبا للاستشارات القانونية بأول شارع ~~عابدين بمصر، ولا حاجة بنا إلى وصف مقدرته وكفاءته في التشريع والقانون. # حياته الاجتماعية # ولصاحب الترجمة شهرة معروفة في جميع الأوساط الاجتماعية بمصر وصلة بالعظماء فيها، وقد ~~تمكن من خدمة القضية المصرية بالعمل على التقريب بين الأمة وأعضاء العائلة المالكة، ~~وبشرح حقائق تلك القضية لمن قابلهم من كبار الساسة والأجانب، وأخصهم مسيو كليمانسو رئيس ~~الحكومة الفرنساوية لما زاره بالصعيد في شهر مارس سنة 1920م، وله معه حديث كبير الشأن ~~في ذلك الموضوع، وكان كما قدمناه من أوائل مؤسسي الرابطة الشرقية التي جمعت بين أعضائها ~~ممثلي أربعة عشر أمة شرقية، وهو معروف كذلك خارج القطر المصري لمن خدمهم من أمراء الشرق ~~مثل صاحب العظمة راجا قدح السلطان عبد الحميد حليم شاه، إذ تولى تربية نجله الأمير ~~منصور حتى أدخله جامعة إكسفورد، وكان ولم يزل على صلة بالعاملين على خدمة الشرق في مصر ~~أو خارجها، وله مباحث علمية وعمرانية عديدة تتعلق بالإصلاح في مصر، وقد نشر كثيرا منها ~~في الجرائد والمجلات العربية، وترجم بعضها في أشهر المجلات الأوربية. # أخلاقه وصفاته # وإذا كان للبيئة تأثير في النفس والأخلاق، فصاحب الترجمة أكثر الناس حظا من ذلك، ~~فإنه نشأ نشأة صالحة في بيئة صالحة، كان له منها فضيلة طهارة الذمة، وعلو الهمة، ~~والتمسك بأهداب الحق والعدل، ونصرة المظلوم مع العفة والتقوى وخشية الله، وإن هذه ~~الأخلاق السامية يعرفها فيه عشراؤه ويشهد له بها حتى خصومه وحساده، كثير الحلم والأناة ~~راجع العقل بشوش الوجه، لطيف الحديث، دمث الأخلاق، معضد للأدب والأدباء، يجود بماله ~~الخاص لإغاثة البؤساء، والأخذ بيد الفقراء، وإليه يرجع فضل تأسيس مدرسة مصرية ~~بهليوبوليس «مدرسة السلطان حسين الأول»، وهو يتعهدها دائما بفضله وماله، ويتعلم فيها ~~كثير ms433 من أولاد الفقراء مجانا. # أكثر الله من أمثاله حتى ترتع بلادنا في بحبوحة السعادة والهناء، بفضل رجالها ~~العاملين أمثال حضرته. # | ترجمة حضرة الشاب النبيل والأستاذ الضليع محمد بك جمال الدين الأيوبي # من بات ظرفا للظرافة وارتدى # برداء حسن خلائق وسداد # متهذب الأفكار والفرد الذي # ذكرت لطائفه بكل بلاد # رشدت مسالكه وحاد ضميره # عن طرق كل دنيئة وفساد # يبدي البشاشة باسما من لطفه # يا حبذا الوجه البشوش البادي # وإذا ذكرت صفاته في منتدى # يغشى عبير العطر ذاك النادي # متواضع وهو الجليل مقامه # بين الأنام حواضرا وبوادي # كسب الثنا بصفاته الحسنى كما # ورث العلى عن أكرم الأجداد # يغني الزمان وما لناشد وصفه # إدراكه أو منتهى لنفاد # مقدمة المؤرخ # ما من مصري تظله سماء مصر، وشرب جرعة من نيلها المبارك إلا وقد اتصل بمسمعه ما عليه ~~بيت جمال الدين الأيوبي في منفلوط من الرفعة، والمجد، وشرف المحتد، والنبل، والجاه ~~العريض، والأريحية الشماء والكرم الحاتمي والغيرة على الدين والوطن، ويمكننا أن نقول ~~بلا جدال: إن هذه العائلة الشريفة هي الوحيدة التي حازت رضى جميع أصحاب السمو الخديويين ~~السابقين وعموم أمراء الأسرة المالكة حتى اليوم، فنراهم عند زيارتهم لصعيد مصر يعرجون ~~على قصرهم الفخم المعروف بمنفلوط فينزلون فيه على الرحب والسعة، ويلاقون من أفرادها كل ~~إخلاص وولاء وإجلال واحترام وكرم حاتمي يليق بمقامهم الرفيع، ولا يمكن أيضا لمن احتك ~~بأفراد هذه العائلة النبيلة وعرف جليل صفاتهم، ودرس أخلاقهم، وشاهد كرمهم، إلا الاعتراف ~~بفضلهم ، ونبلهم، وجدير بالأمة المصرية أجمع أن تفاخر بهذه العائلة التي هي أفضل قدوة ~~لمن يريد عبور هذه الحياة تاركا من ورائه ذكرى خالدة، وعملا مجيدا يدوم في بطون ~~التاريخ ما دامت السماوات والأرض. # مولده ونشأته # حضرة الشاب النبيل والأستاذ الضليع محمد بك جمال الدين المحامي ~~الشهير بأسيوط. # وإذا نحن أثبتنا في هذا السفر التاريخي فذلكة صغيرة عن حياة فرد أثيل ~~نبيل من أفراد هذه العائلة الشريفة، ألا وهو حضرة الشاب المهذب القانوني الضليع الأستاذ ~~محمد بك جمال الدين الأيوبي المحامي الشهير بأسيوط، ms434 وذكرنا لمحة وجيزة عن مناقبه، ~~وغزارة أدبه، وسمو تربيته ودماثة أخلاقه، وقصرنا في المدح والإطناب فليعذرنا القارئ ~~الكريم، وإننا نكتفي بإثبات قطرة صغيرة من بحر أدبه وكماله وفضله فنقول: # ولد هذا الأستاذ الأديب ببندر منفلوط مديرية أسيوط في 5 نوفمبر، سنة 1892 في وسط هذه ~~العائلة الشريفة حسبا ونسبا فرباه والده الجليل المرحوم أحمد بك صالح جمال الدين كبير ~~أعيان منفلوط على بساط العز والدلال، أو كما تتربى أولاد الأعيان فأرسله أولا لمدرسة ~~أسيوط الابتدائية الأميرية، فارتشف من بحر علمها قسطا وافرا وكان في مدة دراسته آية ~~من آيات الذكاء والنبوغ وموضع إعجاب أساتذته، وحاز منها على شهادة الدراسة الابتدائية، ~~ثم أدخل المدرسة الخديوية الثانوية بالقاهرة فشمر عن ساعد الجد والإقدام وأحرز شهادة ~~الكفاءة وكذا نال شهادة البكالوريا بتفوق يذكر، ومن ثم التحق بمدرسة الحقوق الملكية ~~ومنها تجلت مواهبه السامية بما كان يبديه من الجدة والغيرة على ارتشاف العلوم حتى فاز ~~منها بشهادة الليسانس. # اشتغاله في مهنة المحاماة # وعند نواله تلك الشهادة لم يشأ الالتحاق بالوظائف الحكومية، بل فضل خدمة بلاده من ~~طريق الأعمال الحرة، فاحترف تلك المهنة الشريفة ألا وهي مهنة المحاماة والدفاع عن حق ~~الضعيف، والأخذ بيد المظلوم وفي الوقت نفسه ليكون قريبا من مركز دائرته ومباشرة شؤونها ~~العديدة بنفسه، فكان في مهنته شأن يذكر إذ كم من حق ضائع أظهره، ومتهم تلاعبت به يد ~~الظلم فبرأه، وكم سعى للصلح بين الناس فوفق إليه بصائب رأيه، وحسن بصيرته ، وذلك بفضل ~~كمال نشأته وغزارة علمه ووفرة أدبه. # تعيينه نظارا على أوقاف العائلة # ونظرا لكفاءته الشخصية قد عهد إليه إدارة شؤون أوقاف العائلة الواسعة، وأمسك بزمام ~~وقفيتين منها، الأولى وقفية الأمير علي كاشف جمال الدين، حيث ضم بقيه مع الانفراد إلى ~~أحمد أفندي شفيق الناظر السابق، ثم ضم أيضا ناظر ثقة إلى سعادة حفني الطرزي باشا ~~النظار السابق لأوقاف المرحوم الطيب الذكر خالد الأثر أيوب جمال الدين، وذلك في بحر ستة ~~أشهر، وها هو الآن يعمل بجد ونشاط وأمانة على ms435 إحياء ذكرى عائلته المجيدة وإخراج أولئك ~~الأغراب، الذين عبثوا بهاته الأوقاف فسادا وغنموا من ورائها مغنما كبيرا واستباحوا ~~لأنفسهم هضم حقوق المستحقين لذاك الوقف دون أن يجدوا من أنفسهم ما يردعهم عن هذا العمل ~~الدنيء أو يزجرهم زاج، وسوف يعلم أولئك الظالمون إلى أي منقلب ينقلبون. # ترشيحه عضوا لمجلس النواب المصري # ولما كان حضرة صاحب الترجمة من شبان مصر الأذكياء الأكفاء، المتحلين بالعلم الغزير، ~~والأدب الجم، ومشهورا بسداد الرأي، فقد رشح نفسه لعضوية مجلس النواب المصري وانتخب ~~فعلا عضوا عن دائرة منفلوط الوسطى، ولو أتاح الله لهذا المجلس البقاء حتى اليوم ~~لرأينا من همته غيرة على مصالح البلاد ما تلهج الألسن بالشكر والثناء عليه. # ولنا كبير أمل في شخص هذا الأستاذ القدير أن يعيد مجد هذه العائلة النبيلة إلى سابق ~~عزها وفخرها، وليس هذا الأمل على همته بعزيز. # مآثر عائلة جمال الدين الخالدة # ومما يخلد لهذه العائلة المجيدة بقلم الشكر والإعجاب قيامها بتشييد أكثر من عشرة ~~مساجد فخمة البناء، ثمينة الأثاث لإقامة الشعائر الدينية بها، وهي قائمة في منفلوط، ~~وأبي تيج، وأسيوط، وصرفها الأموال الطائلة على الفقراء، والمحتاجين من أبناء السبيل ~~وغيرهم. # وبالإجمال فإن هذا البيت الكريم شيد على دعامة السخاء، والكرم، ونشأ أهله على حب ~~الخير ومواساة الفقراء فألبستهم التقوى والزكاة ثوب البهاء والجلال. # أخلاقه وصفاته # هو كما تراه جلي في صورته الشريفة جميل الخلق لين العريكة، لطيف المحادثة، وديع ~~الأخلاق، كريم النفس عضد لكل مشروع خيري، يلبي نداء المروءة والإنسانية، وقد امتلك حبات ~~القلوب بفصاحة لسانه، وبراعة منطقه، وقوة حججه. # حفظه الله للبلاد وللعائلة ركنا، وأكثر الله من أمثاله من أبناء مصر ~~الأذكياء. # | ترجمة الكاتب المجيد الفكه والأستاذ القانوني الضليع فكري أباظة # كلمة المؤرخ # الأستاذ فكري أباظة الكاتب الفكه المجيد والمحامي الضليع معلوم ومعروف لدى أدباء مصر، ~~وعائلته المشهورة في عموم القطر المصري بالفضل والجاه، والتي تعد من أقدم العائلات ~~المصرية في المجد المؤثل تغنينا عن الشرح والوصف. # ولا يمكن لمصري تظله سماء مصر وشرب جرعة من نيلها ms436 المبارك أن ينكر فضل هذا النابغ، ~~وسعة علمه، وغزارة مادته، وطلاوة كتاباته، وحسن أسلوبه لا سيما تلك الطريقة الخاصة التي ~~تسمى عند الإفرنج: # Humoristique ~~«الجد في قالب المزح»، ~~ولم تكن هذه الطريقة معروفة عند كتاب العربية بشكلها الرائع الراقي فكانت ذات تأثير ~~غريب، وأقبل عليها القراء إقبالا لا مثيل له، لا سيما وأن جميع كتاباته خاصة بشؤون ~~المصلحة العامة ولها. # الكاتب المجيد الفكه والأستاذ القانوني الضليع فكري أباظة المحامي ~~الشهير ببندر الزقازيق. # فلا تمر أيام حتى تظهر له مقالات فكهة شيقة نافعة في أكثر الجرائد اليومية والمجلات ~~الأسبوعية تكون حديث خاصة الناس، رغم النزعات الحزبية المختلفة، فكانت تتناولها أمهات ~~الجرائد والمجلات الأوربية، فتترجمها إلى لغات مختلفة حتى أصبح فضل الأستاذ ليس قاصرا ~~على مصر فحسب، بل والأقطار الأوربية عامة، وأضحى موضع إعجاب الجميع لرشاقة ألفاظه وحسن ~~بيانه. # مولده ونشأته # ولد الأستاذ صاحب الترجمة بكفر أبي شحاته من أعمال مركز منيا القمح شرقية، وهو ابن ~~حسين بك أباظة بن المغفور له السيد باشا أباظة، وقد سطعت أنوار مولده في أغسطس سنة ~~1896م فنشأ نشأة صالحة، ونبت نباتا حسنا فتربى على بساط العزة والمنعة وأدخل مدرسة ~~القربية، واغترف علومها الأولية وحصل على الشهادة الابتدائية من المدرسية الخيرية عام ~~1908-1909م، ثم التحق بمدرسة السعيدية فأتم علومها وحاز منها على شهادة الكفاءة عام ~~1910-1911م، فالبكالوريا عام 1913م فالحقوق، إلى أن فاز منها شهادة الليسانس عام 1917م، ~~ومن أكبر الأدلة على فرط نبوغه وقوة ذكائه أنه لم يرسب في تاريخه المدرسي إلا مرة واحدة ~~في الشهادة الابتدائية، وحدث له وهو في مدرسة الحقوق سنة 1915م أن نسب إليه تهمة سياسية ~~رفت بسببها، ولكن نال العفو من لدن ساكن الجنان المغفور له السلطان حسين كامل عنه وعن ~~زملائه الطلبة. # وأبت نفسه العالية الطموحة إلى المجد الاندماج في سلك خدمة الحكومة بعد خروجه من ~~مدرسة الحقوق، بل فضل خدمة بلاده من طريق الأعمال الشريفة الحرة، فاحترف تلك المهنة ~~الشريفة مهنة المحاماة عن الضعيف والمظلوم، فكان له فيها ms437 القدح المعلى وحاز فيها مركزا ~~يحسده عليه الكثيرون، وقد أدى به مبدؤه السياسي للوقوف في مواقف صريحة برهن فيها على ~~أنه لا يهاب في سبيل القيام بالواجب سوى ضميره والحق. # ولم تقعده واجباته المدرسية عن الاشتغال بالأدب فأخذ يكاتب الجرائد اليومية والمجلات ~~الأسبوعية من سنة 1913م من نظم ونثر، وهو مولع بالموسيقى، وله فيها أكثر من أربعين قطعة ~~موسيقية وضع ألحانها بنفسه، ومنها نشيده الوطني المشهور الذي ألفه عندما كان في أسيوط ~~وطبعت منه آلاف النسخ، كما وأنه قد نبغ في لعب كرة القدم بالمدارس الثانوية والعالية ~~واشترك في الفرق الأولى والمستنجعات، وقد كان لنشيده الوطني الذي ألفه في أسيوط رجة ~~عظيمة وهزة عنيفة، وقع بسببه تحت طائلة التهديد بالقبض عليه لو لم تدركه العناية ~~الإلهية بالحصول على جواز سفر متخذا لنفسه صناعة مستعارة «تاجر حمير»، وبه تمكن من ~~مغادرة المدينة. # ومن الجرائد الأوربية التي تهتم كثيرا بترجمة مقالاته الطلية وكتاباته الشيقة جريدة ~~نشيد رومس اليونانية، وهي من أمهات الجرائد وأعظم انتشارا، ناهيك عن أكثر الجرائد ~~الأوربية من إنكليزية وفرنسية وغيرها. # ولصاحب الترجمة مجموعات عن شتى المواضيع التي طرقها، وتناولتها الأيدي بكل لهفة وشغف ~~فطبع منها المجموعة الأولى وكذا المجموعة الثانية، وفي هذه قصيدة عصماء وخريدة فيحاء ~~لأمير الشعراء سعادة أحمد شوقي بك، وكذا له مجموعة ثالثة هي تحت الطبع، ولا يزال ~~المترجم له مشتغلا بالكتابة في عموم الجرائد اشتغال المجد المجتهد لا تشغله عن ذلك ~~شواغل مهنته. # والمترجم له عضو بالحزب الوطني حيث التحق بلجنته الإدارية عام 1921م، وقد تقدم ~~للانتخابات العامة عن دائرة بلبيس في الدور الأول لانعقاد البرلمان المصري، فلم ينجح ~~لأنها من الدوائر الخالية من العصبة العائلية، وقد استطاع بشخصيته وحدها أن يعيد ~~الانتخاب مع منافسه الذي فاز في المرة الثانية. # كلمة المؤرخ الختامية # لقد اعتذر حضرة الأستاذ صاحب الترجمة بعد إلحاح كثير أن يتفضل فيوافينا بترجمة ~~مستوفاة عن تاريخه المجيد، مدعيا بأنه أصغر من أن يتطلع للوقوف في صف العظماء الذين ~~يجب تخليد ذكرهم لأعمال ms438 جليلة أتوها، أو خدم عمومية قاموا بها نحو وطنهم وأمتهم لتدون ~~لهم في بطون التاريخ. # فاضطررنا إزاء هذا الاعتذار ألا نحرم عشاق الأدب وحضرات الأدباء من محبيه ومريديه، أن ~~نأتي بقطرة من بحر أدبه الواسع وعلمه الزاخر علها تشفي الغليل. # مع اعترافنا بالتقصير نحوهم ونحو التاريخ نفسه ولكن ما حيلتنا، وهكذا شاء الأستاذ ~~وشاء تواضعه. # صفاته وأخلاقه # ولا يمكننا الخوض في وصف صفات وأخلاق هذا الأستاذ الجليل إنما نكتفي ونكفي حضرات ~~القراء مئونة الشرح بنظرة واحدة، يلقونها على صورته الفتوغرافية الشريفة، فيتبين لهم ~~جليا ما وهبه الرحمن من ذكاء نادر وقريحة وقادة، وستتجلى أمامهم صفاء السريرة ونقاوة ~~السيرة، أضف إلى كل ذلك جمال الخلق والخلق. # أمد الله في حياة هذا الأستاذ النبيل والعالم الجليل، ولا أحرم الكنانة من أمثاله ~~النبغاء الذين يتفانون في خدمة البلاد، ونفع العباد إنه سميع مجيب كريم قدير. # | ترجمة الأستاذ القدير والمحامي الشهير الدكتور مرقص صادق # كلمة للمؤرخ # إذا ذكر التاريخ في بطون صفحاته الجليلة الأفراد الذين نبغوا بجدهم واجتهادهم، ~~واكتسبوا صيتا طيبا ومنزلة عليا في قلوب عارفيهم، فحضرة صاحب هذه الترجمة يعد في ~~مقدمة هؤلاء الذين تفتخر الأمة المصرية بهم. # الأستاذ القدير والمحامي الشهير الدكتور مرقص صادق من نوابغ محامي ~~القاهرة. # مولده ونشأته # ولد حضرته في 31 يوليو 1882م ببلدة فيشا الصغرى مركز منوف من أبوين شريفين عرفا ~~بالتقوى والصلاح، فوالده هو حضرة جرجس أفندي ملطي كبير وجهاء قومه، وقد كان مولعا ~~بالآداب وحب المعارف، ولما ملك أصول التربية المنزلية وغرس فيه والده المبادئ القومية ~~والآمال السامية، أدخله مدرسة الحسينية الأميرية فتمم علومها وأحرز الشهادة الابتدائية ~~منها، ثم التحق بمدرسة الأقباط الكبرى وأخذ يبدي نشاطه المعهود وذكاءه الفطري، حتى نال ~~منها الشهادة الثانوية عام 1902، والتحق بعد ذلك بمدرسة الحقوق الفرنساوية، فنال شهادة ~~الليسانس في الحقوق عام 1905م، وما كاد ينصرم العام الذي يليه حتى حصل على شهادة ~~المعادلة ثم الدكتوراه في الحقوق عام 1908م، وقد فاز بنواله شهادة الدكتوراه هذه على ~~أثر وضعه كتابه المشهور ms439 ألا وهو «قانون النظام المصري»، وقد أخذ صاحب الترجمة في مزاولة ~~مهنة المحاماة الشريفة منذ عام 1910م حتى الآن، وهو من كبار المحامين الذين يشار إليهم ~~بأطراف البنان في الدفاع عن الحق وطهارة الذمة، ومن المشهود عنهم بطلاقة اللسان، وبلاغة ~~الإشارة، مؤثر بحسن ترتيب دفاعه، ونبرات صوته ولسانه، بل بهيئة وقوفه، وحركاته، ~~وإشاراته، مما جعل مرافعاته موضع إعجاب من سمعها. # وقد جادت عليه الطبيعة بذكاء مفرط يدلك على ذلك عدم رسوبه في أي فصل من فصول المدارس ~~الأولية والعالية، التي دخلها وحصوله على أكبر شهادة في علم الحقوق مع حداثة ~~سنه. # صفاته وأخلاقه # وإذا كان للبيئة تأثير في النفس والأخلاق فالأستاذ صاحب الترجمة أكثر الناس حظا من ~~ذلك، فإنه نشأ نشأة صالحة، في بيئة صالحة، كان له منها فضيلة الشجاعة وعلو الهمة ~~والتمسك بالحق والعدل، ونصرة المظلوم مع العفة، والتقوى وخشية الله، وأن هذه الأخلاق ~~السامية الطاهرة يعرفها فيه عشراؤه، ويشهد له بها حتى خصومه، وهو وقت الشدة لا يحب ~~العنف، ووقت اللين لا يعرف الضعف، كثير الحلم والأناءة راجح العقل رزين، أدامه الله ~~قدوة صالحة، وأبقاه لنصرة الحق والعدل. # | ترجمة حضرة العالم الأديب والأستاذ القدير الشيخ محمد إبراهيم الجزيري # حضرة العالم الأديب والأستاذ القدير الشيخ محمد إبراهيم الجزيري المحامي ~~الشرعي والسكرتير الخاص لدولة الرئيس الجليل سعد زغلول باشا وصاحب مجلة ~~القضاء الشرعي. # كلمة المؤرخ # إذا حق لمصر أن تفاخر بأبنائها النجباء ذوي القرائح الوقادة والذكاء الغريزي، والأدب ~~العالي، الذين تفوقوا بالنبوغ الفطري ونالوا بهذه المزايا السامية، والمواهب العالية، ~~مكانة عالية، ومنزلة قصوى في عالم العلم والأدب فلها أن تفاخر بحق وجدارة بنبوغ هذا ~~العالم الفاضل والأستاذ النابغ صاحب هذه الترجمة، الذي قد بلغ مع حداثة سنه منزلة يحسد ~~عليها في الهيئة الاجتماعية، فأصبح يشار إليه بأطراف البنان لغزارة علمه ورجاحة عقله، ~~وسمو آدابه، وعالي تربيته. # وإنا نسطر ترجمته الشريفة بقلم الفخر والإعجاب؛ لتكون خير مثال يحتذى لأبناء الأجيال ~~المقبلة سائلين الحق تعالى أن يكثر من أمثاله النجباء بين شباب ms440 مصر الناهض لنفع البلاد ~~والعباد. # مولده ونشأته # ولد هذا الفاضل بمدينة الإسكندرية في 25 أبريل سنة 1898 من أبوين شريفين، يرجع نسب ~~الأب إلى الحسين ونسب الأم إلى الحسن، ووالده هو العلامة الجليل المرحوم الشيخ محمود ~~الجزيري، الذي كان من هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف وعضو بالمحكمة الشرعية ~~العليا. # فرباه تربية صالحة تليق بأبناء العلماء الأعلام وأدخله مدرسة عثمان باشا ماهر ~~الابتدائية فأتم علومها، ومن ثم دخل مدرسة القضاء الشرعي فأكب على اغتراف بحور علومها ~~بهمة لا تعرف الملل حتى حصل على عالميتها سنة 1922م المتداخلة في سنة 1923م، وقد أدى ~~امتحاناتها وهو معتقل في سجن الأجانب لتهمة سياسية نسبت إليه، ومع ذلك كان من أوائل ~~الناجحين وهذا دليل كاف على قوة ذكائه ورجاحة عقله. # ولما كانت نفسه العالية تواقة إلى المزيد من اغتراف مناهل العلم الصحيح شأن كل نفس ~~طموحة إلى المجد، فقد اندمج في سلك طلاب الجامعة المصرية، وأخذ يواصل ليله ونهاره في ~~الجد والاجتهاد حتى حصل منها على شهادة الليسانس في الآداب في شهر فبراير سنة 1920م، ~~وقد تمكن في أثناء دراسته بمدرسة القضاء الشرعي والجامعة المصرية أن يدرس اللغة ~~الفرنسية وآدابها درسا وافيا جعله ملما بأصولها وفروعها. # وبعد أن تخرج من مدرسة القضاء الشرعي اختار أن يكون محاميا لدى المحاكم الشرعية، ~~إلا أن الوفد المصري الذي يرأسه دولة الزعيم الجليل سعد باشا زغلول اختاره للقيام ~~بأعمال السكرتارية في بيت الأمة، فقام بعمله هذا خير قيام وحاز ثقة الرئيس الجليل، ~~فاختاره عقب استقالة الوزارة السعدية سكرتيرا خاصا لدولته لعظيم إخلاصه. # وقد أنشأ حضرة صاحب الترجمة مجلة شهرية أسماها «مجلة القضاء الشرعي» يديرها ويرأس ~~تحريرها بنفسه وهي مجلة شرعية، علمية، أدبية، تبحث في كافة الشؤون الشرعية والأحكام، ~~وبها قسم علمي أدبي وهي المجلة الوحيدة التي اشتركت فيها وزارة الحقانية لجميع المحاكم ~~الشرعية؛ لما وجدته في أبوابها الشرعية، والعلمية، والأدبية، من الفوائد الجمة. # صفاته وأخلاقه # أما عن جمال صفاته وأخلاقه وما أودعه الله تعالى في هذه الروح العالية، فحدث ms441 ولا حرج، ~~فهو دمث الأخلاق، بشوش الطلعة، حاضر الذهن، طلق اللسان، وقور، محترم، محبوب من جميع ~~عارفي فضله وأدبه وعلمه الزاخر. # أكثر الله من أمثاله بين شباب مصر لرفع لواء علمها وأدبها. # | ترجمة حضرة صاحب العزة الدكتور محمود بك عزت # كلمة وجيزة للمؤرخ # من الذين خصهم الرحمن بالوداعة وطهارة الذمة وعمل حقا لرضاء الخالق والمخلوق حضرة ~~صاحب هذه الترجمة، الذي ما حل بمركز أو مديرية بحكم وظيفته الحكومية إلا وكان مثال ~~الشهامة، وعنوان الاستقامة ومضرب المثل في النزاهة وطهارة الذمة مع المهارة التامة، ~~والكفاءة المتناهية في مهنة الطب الشريفة، إذ ما من مريض يسعده الحظ ويرشده حسن طالعه ~~إلى معرفة شخصه الكريم، ويعرض عليه علته إلا ونال الشفاء بفضل ما اكتسبه من خبرة وحنكة ~~وتجارب عديدة، قل أن تتوفر لكثيرين من الأطباء. # مولده ونشأته # ولد صاحب العزة محمود بك عزت بناحية باسوس مديرية القليوبية سنة 1278ه، فأدخله والده ~~المرحوم علي أفندي لامع ذاك الوالد البار الذي كان عنوان الفضل والجد والرجولية الصحيحة ~~في مكتب البلدة، الذي أنشأه المرحوم والده حيث تعلم به القراءة والكتابة عام 1292 ~~هجرية، ثم أدخله مدرسة المبتديان الأميرية وارتشف من بحور علومها فكان مثال الذكاء ~~والنشاط بين التلامذة محبوبا من عموم أساتذته وظل بها ثلاث سنوات، أي لعام 1295، ومن ~~ثم أدخله مدرسة الطب وانكب على شتى علومها، وبفضل ما بذله من غيرة وهمة ونشاط فاز على ~~عموم أقرانه، ونال درجة هيهات أن ينالها غيره في ذاك العهد وظل بهذه المدرسة ست سنوات ~~متوالية وخرج منها عام 1301ه الموافقة لعام 1883م. # وظائفه الحكومية # حضرة صاحب العزة الدكتور محمود بك عزت مفتش صحة قسم أسيوط والمنيا ~~سابقا. # وما كاد ينتهي من تلك المدرسة ويفوز بشهادتها التي تخول لحاملها تعاطي ~~مهنة الطب حتى عين طبيبا لصحة مركز العطف عام 1883م، أي في نفس السنة التي تخرج منها ~~من مدرسة الطب، وأخذ يتنقل في مراكز مديرية البحيرة مدة 17 سنة، أي لسنة 1897م، ثم ~~انتقل إلى صحة الواحات الداخلة بمديرية ms442 أسيوط، وظل بها سنة واحدة ونقل منها إلى صحة ~~مركز فارسكور بمديرية الدقهلية، ومكث بها لغاية سنة 1901م، ومنها انتقل إلى صحة مركز ~~السنبلاوين، ومكث بها لغاية سنة 1907م ونقل منها إلى صحة مركز إطسا بمديرية الفيوم، ثم ~~رقي إلى وظيفة مفتش ثاني لصحة مديرية الغربية، ثم رقي مفتشا مؤقتا لصحة مديرية ~~الشرقية عام 1909م، وظل مدة أربعة شهور ومنها نقل مفتشا لصحة مديرية قنا في أواخر سنة ~~1909، ومكث بها لغاية أوائل سنة 1913م، ومنها نقل مفتشا لصحة مديرية الشرقية ومكث بها ~~ثمان سنوات، ثم رقي مفتشا لصحة قسم أسيوط والمنيا وظل بها حتى عام 1922م، ومن ثم أحيل ~~على المعاش لبلوغه السن القانونية. # وليس بيت القصيد من ذكر هذه التنقلات أن يعرف القارئ الكريم المراكز والمديريات، التي ~~خدمها هذا الشهم المفضال إنما ليعرف أن كل بلدة أو مركز أو مديرية وطأت قدماه فيها كان ~~مثال النزاهة، غيورا على مصلحة الجمهور محبوبا من جميع عارفي فضله وعظيم كفاءته، وسعة ~~علمه لا سيما ما كان يبديه من المجهودات الشاقة، والخدمات الجليلة، عندما انتشر الطاعون ~~في مديرية قنا سنة 1911م، فقد بذل أقصى ما في استطاعة مخلوق وبرهن على سعة مداركه، وإن ~~التاريخ يسجل لعزته هذه المآثر الغراء بقلم الشكر والثناء؛ لتدوم ناطقة له بالفضل ما ~~دامت السماوات والأرض. # وقد أنعم عليه سمو الخديوي السابق عباس حلمي باشا بالرتبة الثانية عام 1911؛ جزاء ~~اهتمامه في مقاومة ذاك الوباء بمديرية قنا، وأنعم عليه جلالة الملك فؤاد الأول بنيشان ~~النيل من الدرجة الخامسة، وبالرتبة الثانية تثبيتا للأولى من لدن جلالته وقت أن أحيل ~~على المعاش. # صفاته وأخلاقه # أما عن أخلاقه وصفاته فحدث عنهما ولا حرج، بل لك أن تقول: إنه آية اللطف، وكرم ~~الأخلاق، والوداعة المتناهية، والعطف على البؤساء، ومواساة الفقراء، وبالإجمال فإنه شهم ~~جمع فأوعي من جليل الصفات وعظيم الخصال. # أدامه الله وأبقاه وأكثر من أمثاله النبهاء. # | ترجمة حضرة النطاسي البارع الدكتور زكريا كمال # كلمة المؤرخ # حقا لقد صدق المثل المألوف: «إن هذا الشبل ms443 من ذاك الأسد»، فإن الأخلاق الرضية التي ~~خبرناها شخصيا في شخص هذا الشبل، والمناقب السامية والصفات العالية، والتربية ~~الصحيحة، رأيناها بارزة في شخص والده الكريم ولا غرو فهو نجل ذاك العالم الجليل فقيد ~~العلم والوطن المغفور له أحمد باشا كمال، وإننا لنغتبط سرورا، ونتيه عجبا، بما أحرزه ~~هذا الشاب الأديب من ثقة عارفي مقدرته وكفاءته الطبية مع حداثة سنه، حتى بلغ شأوا ~~عظيما، سائلين الحق تعالى أن يكون خير مثال يحتذى لشباب مصر الناهض ولأبناء الأجيال ~~المقبلة. # مولده ونشأته # ولد حضرة صاحب الترجمة في 17 أكتوبر سنة 1896 بالقاهرة، وتربى في وسط بيئة صالحة ~~مستقيمة، ولما بلغ أشده أدخله المرحوم والده مدرسة الفرير بشبرا ومنها إلى مدرسة الفرير ~~بالخرنفش بالقاهرة، فدرس علومها وكان الحظ حليفه بفضل قوة ذكائه حيث أحرز شهادتها، ومن ~~ثم تاقت نفسه العالية إلى طلب علوم الطب فسافر إلى فرنسا، حيث التحق بإحدى كليات الطب ~~ببردوا من أعمالها إلى أن حاز على شهادتها، ومن ثم التحق طبيبا بمستشفاها وبعد زمن عاد ~~إلى الوطن العزيز وافتتح عيادة خصوصية ولما عرف الجمهور ما عليه من الكفاءة والعلم ~~الغزير والمقدرة الطيبة، أقبل عليه إقبالا عظيما وما زال عاملا مجدا في تلك ~~العيادة إلى يومنا هذا. # حضرة النطاسي البارع الدكتور زكريا كمال الطبيب المشهور بالقاهرة ~~ونجل فقيد العلم المرحوم أحمد باشا كمال. # صفاته وأخلاقه # على جانب عظيم من اللطف، ومكارم الأخلاق، والدعة، وسرعة الخاطر، وله في تخفيف آلام ~~المرضى ومواساتهم فضل يذكر بالشكر والثناء. # أثابه الرحمن خيرا جزاء خدماته للإنسانية وأكثر من أمثاله. # | ترجمة الطبيب الماهر الدكتور حامد أفندي عليش # كلمة وجيزة للمؤرخ # تفخر مصر كما يسر المؤرخ من تدوين صفحة بيضاء لتاريخ شاب من زهرة شبابها، وعامل ~~مجد في سبيل خدمتها وخدمة المجموع الإنساني، وإن القارئ الكريم ليغتبط سرورا ويتيه ~~جزلا وحبورا من جهاد المجاهدين في سبيل المنفعة لخير البلاد وفائدة العباد. # فمن شباب مصر الناهض هذا الأديب الفاضل، الذي حاز مع حداثة سنه شهرة وثقة بين عملائه ~~ورؤسائه قل ms444 أن يحوزها غيره. # مولده ونشأته # ولد هذا الذكي النشط عام 1891 ميلادية من والدين فاضلين صالحين، وكفى به فخرا أن ~~يكون فرعا من تلك الدوحة الشهيرة بالتقوى والصلاح والعلم، وهي عائلة «عليش» التي ما من ~~شرقي ينطق «بالضاد» إلا ويعترف بفضلها في عالم العلم والأدب، فأدخله مدرسة الحسينية ~~الابتدائية، فحصل على شهادتها واغترف من مناهلها العذبة وحصل على شهادة البكالوريا من ~~المدرسة الخديوية بتفوق غريب وذكاء مدهش، ثم التحق بمدرسة الطب ابتغاء نفع مواطنيه ~~والهيئة الاجتماعية فنال شهادتها النهائية، وما كاد يحصل عليها حتى عين عام 1916م ~~طبيبا باسبتاليات الرمد، ثم عين طبيبا بعموم مصلحة الصحة عام 1917م بقسم الأوبئة ثم ~~نقل طبيبا لمدينة الإسماعيلية فكان مثال الجد في العمل والمهارة في الطب، ثم نقل بعد ~~ذلك طبيبا لمركز كفر الشيخ غربية قسم ثان، ثم طبيبا لمركز بلقاس، ثم مفتشا لصحة ~~القناطر الخيرية، ثم نقل إلى القسم الطبي بوزارة المعارف بمصر بناء على طلبه، حيث أراد ~~أن يزاول مهنة الطب حيث المجال أوسع للبحث والعمل. # الطبيب الماهر الدكتور حامد أفندي عليش بالقسم الطبي بوزارة ~~المعارف. # وقد يكون مرجع الفضل في نجاحه، وحسن تربيته، لفضيلة والده الشيخ الجليل أحمد عبد الله ~~عليش المشهور بسعة المدارك والعلم الغزير، والتقوى، والورع، وأيضا لذكائه الفطري، ~~وانكبابه على العلم المقرون بالعمل الذي عاد عليه بالنجاح التام. # وترى صاحب الترجمة مكبا على العمل في أكثر أوقاته منقبا على الأبحاث الطبية ~~والاكتشافات الهامة، وقد وهبه الحق تعالى جمال الخلق والخلق والشفقة على البؤساء، الذين ~~يقصدون عيادته فتراه يكفكف دموع آلامهم بدماثة أخلاقه وطلاوة أحاديثه وحسن أدبه، فتراهم ~~وهم منصرفون إلى منازلهم يلهجون بحسن صنيعه وجمال صفاته؛ ولأنه والحق يقال مثال ناطق ~~للمروءة والفضل. # أدامه الله لنفع البلاد وأكثر من أمثاله النجباء. # | ترجمة صاحب العزة الدكتور إبراهيم بك فهمي سالم # كلمة للمؤرخ # تزين بالفخر والإعجاب كتابنا بصورة طبيب فاضل، وتاريخ حياة شاب عامل من شباب مصر ~~الناهض، ترتسم في محياة علائم الفطنة والذكاء الفطري؛ ليكون في تاريخه مثال ms445 صادق في ~~النباهة والاجتهاد والنشاط وعلو الهمة والإقدام لرجال المستقبل. # مولده ونشأته # ولد حضرة المترجم له بالقاهرة في 6 سبتمبر سنة 1889 ميلادية من أبوين شريفين، فجده ~~المرحوم سالم بك عوض من كبار ضباط الجيش المصري، ووالده هو حضرة سالم أفندي عوض أحد ~~موظفي المعية الخديوية سابقا. # تلقى علومه الأولية بمدرسة الجمالية ثم التحق بمدرسة رأس التين بالقسم الثانوي، ~~فمدرسة الطب البيطري بالقاهرة وتخرج منها عام 1908م بعد نواله الدبلوم، ومن ثم عين ~~طبيبا بيطريا بسلخانة مصر فأظهر في مدة وجيزة همة ونشاطا ومهارة استلفتت أنظار ~~رؤسائه فرقي إلى درجة طبيب أول بها، فضاعف مجهوده حتى ظهرت كفاءته وقوة ذكائه، ونقل عام ~~سنة 1910 ميلادية إلى شفخانة البوليس التابعة لمدرسة الطب في ذلك الوقت، ثم مدرسا ~~بالمدرسة المذكورة وبتاريخ 1920 عين وكيلا لها، وقد يستغرب القارئ الكريم من سرعة ~~ترقيته إلى هذا المركز السامي في خلال هذه المدة الوجيزة، ولكن من عرف همة حضرته ونشاطه ~~ويقظته والمواهب السامية التي اختص بها، وتتجلى أمامه روح الرجولية الصحيحة فلا يجد ~~محلا للغرابة. # حضرة صاحب العزة الدكتور البارع إبراهيم بك فهمي سالم وكيل مدرسة ~~الطب البيطري وأستاذ علم الجراحة والطب الشرعي والتشريح. # وفي عام 1914 انتخب سكرتيرا للجمعية الطبية البيطرية، ولم يزل قائما بشؤون هذه ~~الوظائف حتى الآن، ولم تثنه كثرة هذه الأعمال الشاقة من التفكير في مشروعات مفيدة نافعة ~~لتخفيف آلام الحيوانات، فأنشأ مستشفى طبيا بيطريا بشارع الشيخ قمر بالعباسية عام ~~1919م، تام الاستعدادات كامل الأدوات وأوجد به أجزاخانة مملوءة بالأدوية المخففة لأمراض ~~أنواع الحيوانات، فاستحق الثناء المستطاب والمدح الجزيل. ولحضرة المترجم الفضل الأكبر، ~~والأثر المحمود في اشتراكه مع جناب المستر وليم لتلودد مدير قسم الطب البيطري بوزارة ~~الزراعة، الذي خدم الحكومة المصرية مدة 37 عاما، ومؤسس مدرسة الطب البيطري سنة 1901م ~~على النظام الحديث، حتى أصبحت بفضله وجناب المستر هربرت ميسون مدير المدرسة تعد من بين ~~المدارس العليا بالقطر المصري. # وإننا لا يمكننا أن نبخس جناب المستر وليم لتلودد حقه من ms446 الشكر على ما أداه من ~~الخدمات الجليلة لتأسيسه معمل الطب البيطري، ومعمل السيرم بالعباسية لمقاومة الطاعون ~~البقري والكورنتينة بالشلال والقاهرة، والسلخانات العديدة بالقطر المصري. # ولقد احتفل حضرة المترجم له والأطباء البيطريون عموما بالقطر المصري بوداع جناب ~~المستر وليم لتلودد قبل مغادرته القاهرة يوم 17 مارس سنة 1923 احتفالا شائقا، وأخذت ~~صورتهم الشمسية تذكارا. # ولقد تصفحنا قانون الجمعية الطبية البيطرية بالقاهرة المعين بها حضرة المترجم له ~~بصفته سكرتيرا وأمينا للصندوق، ودرسنا مواده فإذا هو كفيل بحسن مستقبلها ضامن لنموها ~~ورقيها. # صفاته وأخلاقه # حلو الحديث، كامل الخلق، والخلق، دمث الأخلاق، على جانب عظيم من الكفاءة الشخصية في ~~مهنته، كبير العزيمة بعيد عن الخمول جذاب لكل محدثيه، حفظه المولى وأبقاه وأكثر من ~~أمثاله بين شبان مصر. # | ترجمة حضرة الأستاذ الأثري المصري الجليل محمد بك شعبان # حضرة الأستاذ الأثري المصري الجليل محمد بك شعبان الأمين الوطني المساعد ~~للمتحف المصري. # يسرنا أن ندون بمداد الفخر والإعجاب تاريخ هذا الأستاذ الفاضل المصري ~~الأثري الشهيد محمد بك شعبان، الأمين المساعد للمتحف المصري الذي خلف فقيد العلم والعمل طيب ~~الذكر خالد الأثر ذاك العالم الكبير المرحوم أحمد باشا كمال، وحل محله في هذه الوظيفة ~~اعترافا بفضله وما له من مكتشفات عديدة في الآثار المصرية، ليدوم ذكره العطر في بطون ~~التاريخ خير شاهد بعظيم مجهوداته، وجليل خدمات الفنية وليكون في من وراء تدوينه خير عظة ~~لأبناء الأجيال المقبلة. # مولده ونشأته # ولد حضرة صاحب الترجمة بالقاهرة في شهر يناير سنة 1866م الموافقة لشهر شعبان سنة ~~1282ه من أبوين كريمين شريفين حسبا ونسبا، فهو ينتسب من جهة الأب بالشرفاء الحاج عبد ~~الوهاب والحاج موسى خليفة من أقطاب ناحية دفرا غربية، ومن جهة الأم ينتسب مع أخوال جدته ~~وهي والدة المرحوم كمال باشا وهم سليم بك وصبحي باشا وسامي باشا وخير الله باشا، وكان ~~أولهم قد توجه إلى الأستانة في أوائل حكم محمد على باشا، وتعين كاتم أسرار الدولة ~~العلية ثم توجه صبحي باشا إلى بيروت وعين واليا عليها، وبعدها تعين وزيرا ms447 للمعارف ~~بالأستانة، ثم خير الله باشا تعين صدرا أعظم بها، ومدة إقامتهم بمصر كانت بالسراي ~~ملكهم الكائنة بدرب الجماميز، ثم بيعت إلى المرحوم مصطفي فاضل باشا، وهي الآن تابعة ~~لوزارة المعارف، وكانت تقام فيها امتحانات المدارس الثانوية، فأدخله والده المدارس ~~الابتدائية وتغذى بلبان علومها فكان المثل الأكمل لزملائه الطلبة في الجد والنشاط ~~والذكاء، ثم التحق بمدرسة البعثة الإنجليزية، وفي عام 1882م دخل مدرسة الآثار المصرية ~~التابعة لوزارة الأشغال العمومية، ومكث مكبا على تلقي العلم حتى 4 فبراير سنة 1886م، ~~فأتقن في هذه المدرسة اللغة الهيروغلوفية والديموتيكية والكرسيف، والتاريخ وسائر العلوم ~~كالجغرافيا والرياضيات والهندسة واللغة العربية وغيرها من مختلف العلوم، وكان في كل سنة ~~يعمل امتحان بمدرسة الآثار يحضره الوزراء مع وزير الأشغال، وأخيرا نال صاحب الترجمة ~~شهادة في علم الأيجتلوجية ممضاة من جانب المسيو مسبرو الذي كان وقتئذ مديرا عاما ~~للآثار المصرية. # الوظائف الحكومية التي شغلها # وفي عام 1886 تعين حضرة صاحب الترجمة مفتشا لآثار مديريتي المنيا وأسيوط، وأقام في ~~مركزه بضع سنوات كان في خلالها مثال الإقدام والنزاهة والجد، حتى نقل مفتشا لآثار ~~مديريتي الفيوم وبني سويف ومنها نقل لمديرية قنا مع جعل مركز إقامته «القرنة» المجاورة ~~لأبواب الملوك، ثم أعيد نقله إلى مديريتي المنيا وأسيوط، ومنها إلى مديرية بني سويف؛ ~~ونظرا لاستقامته وعلو كعبه في العلوم الأثرية تعين مفتشا لآثار الوجه البحري، وجعل ~~مركز إقامته الزقازيق ومكث بها حتى عام 1912م، ومن ثم نقل إلى مديرية الجيزة وقد تعين ~~في وظيفته الحالية من عام 1916م، وذلك على أثر إحالة المرحوم أحمد باشا كمال الذي حل ~~محله في هذه الوظيفة على المعاش. # الآثار التي اكتشفها صاحب الترجمة # وقد اكتشف صاحب الترجمة تمثال الملك «أمنمحتب» الثالث بمديرية الفيوم، وهو الذي أسس ~~سراي «لبيرنته» المحتوية على ثلاثة آلاف غرفة، وعمل بحيرة مويسى لري الأرض لغاية ~~البحري، ثم عثر على الكنز الثمين بمديرية الشرقية من عصر البطالسة، وهذا الكنز يحتوي ~~على جملة أساوير وأوستيك وقلائد وعقود ثمينة وأطباق من الذهب وأدوات منزلية ms448 من الفضة، ~~كما أنه عثر أيضا على كنز آخر كائن بتل بسطة بمديرية الشرقية يحتوي على أشياء ثمينة ~~جدا، منها قدر من الذهب وكوبات من الذهب أيضا، وأواني فضية كثيرة وقلادات ذهبية، ثم ~~عثر أيضا على كثير من الآثار المختلفة بتلول كثيرة بمديريتي الشرقية والدقهلية، مثل تل ~~تمي (منديس)، حيث وجد كثيرا من النواويس وتماثيل من حجر وبرنز وأشياء صغيرة مختلفة، ~~كما أنه عثر على تمثال هائل للملك منفتاح، أي «فرعون الخروج»، بتل الأشمونين بمديرية ~~أسيوط، وكثيرا من صور المعبودات المختلفة في المعدن، والأشكال، والتواريخ. # وتراه وقد بلغ الحلقة السادسة من عمره المبارك الحافل بجلائل الأعمال، يعمل في دار ~~المتحف المصري بكل همة ونشاط وإقدام وإخلاص، ولا تفوته لحظة دون تنقيب أو مطالعة، وقدر ~~أصدر نبذا علمية خاصة بفن الآثار وبكثرة أبحاثه فيها قابلها الجمهور المصري بالشكر ~~والثناء والإعجاب بمقدرته وعظيم كفاءته العلمية، ولا غرابة في ذلك؛ فهو ابن شقيقة فقيد ~~هذا العلم نابغة زمانه المغفور له المرحوم أحمد باشا كمال الأمين المساعد الوطني للمتحف ~~المصري سابقا، والذي تغذى صاحب الترجمة بسمو مداركه، وواسع خبرته، وشب على منواله، ~~ولحضرة المترجم له أبحاث كثيرة ومكتشفات جمة عدا ما أثبتناه هنا تدل على سعة إطلاع ~~وذكاء مفرط، وهمة شماء لا يعتورها ملل، وعزيمة ماضية لا يصيبها كلل، فهو والحق يقال رجل ~~عمل، وفضل، ونبل، جدير بكل شكر وثناء ومدح وإطراء لصدق خدماته وكبير مجهوداته وغزارة ~~علمه. # الرتب التي حازها # ولقد أنعم على حضرته بالرتبة الخامسة عام 1319ه وبالرتبة الرابعة عام 1330ه، كما أنعم ~~عليه المغفور له السلطان حسين كامل بنيشان النيل، ونحن نرجو أن يصل للدرجة التي تتساوى ~~مع عظيم كفاءته وغزير علمه، وليس هذا الرجاء على القائمين بالحكم بعزيز. # هذا وقد انتدب من وزارة الأشغال العمومية لملاحظة استخراج الآثار التي اكتشفت حديثا ~~بالأقصر، ألا وهي آثار الملك توت عنخ آمون والاعتناء بالمحافظة عليها، وفي هذا الانتداب ~~دليل آخر على ما لحضرته من الكفاءة العلمية والخبرة التامة. # صفاته وأخلاقه # تراه رغم انهماكه ms449 في أبحاثه ومطالعته، وأشغاله الرسمية، ضاحك السن، بشوش الوجه، على ~~جانب عظيم من اللطف يستميل نفوس مجالسيه، جاذبا إليه قلوبهم بعذوبة لفظه، ورقة ~~عباراته، وغزارة مادته، وفوق ذلك فهو على جانب عظيم، من التقوى والصلاح. # نسأل الله أن يطيل بقاءه ويكثر من أمثاله العاملين لخير البلاد، ولخدمة المصلحة ~~العامة، إنه نعم المولى ونعم النصير. # | ترجمة حضرة صاحب العزة العامل المجد والوطني الغيور محمد بك هلال # من أعيان ميت غمر «دقهلية» # كلمة للمؤرخ # من رجال الأمة المعدودين الذين نالوا قسطا وافرا من علو الكعب في الشؤون العلمية، ~~والإدارية، والزراعية، والوطنية الصادقة، هذا الشهم الغيور الذي نسطر بعض أعماله الغراء ~~ومآثره الفيحاء في هذا الكتاب سائلين الحق تعالى أن يكثر من أمثاله العاملين المجاهدين ~~في سبيل خدمة البلاد، وإن مصر العزيزة لتفخر بأبنائها الذين يعملون لرفع لواء مجدها ~~أمثاله. # مولده ونشأته # هو حضرة صاحب العزة محمد بك هلال نجل المرحوم هلال بك هلال من أعيان مركز ميت غمر ~~دقهلية، ولد سنة 1885م وتلقى علومه الابتدائية بمدارس الآباء اليسوعيين، وبعد أن أتمها ~~أحضر له والده المعلمين الأكفاء لتلقينه أصول الدين وتقويته في علومه حتى عرفوا فيه ~~الذكاء والكفاءة والرجولية الصحيحة. # صاحب العزة محمد بك هلال. # ونظرا لعلو مركزه بين قومه وعشيرته انتخب عمدة لبلده 1907م فتجلت مواهبه وسطع ذكاؤه ~~وبفضل تلك الكفاءة الشخصية استطاع أن يحفظ الأمن العام والسهر على ما فيه المصلحة ~~العامة، وأضحى عهده مضرب المثل في الرخاء والإصلاح والارتقاء في الشؤون الزراعية، ~~والصناعية، والعلمية، مما جعل البلدة ترفل في بحبوحة من الهناء، وجوزي بالأنعام عليه ~~بالرتبة الثالثة في 4 جمادى سنة 1359؛ تقديرا لهمته، واستقال من العمودية سنة 1921؛ ~~ليتفرغ إلى ما هو أهم، لا سيما في الأعمال الخيرية التي لا تدخل تحت حصر، وأيضا في ~~مساعدة الوفد المصري من وقت لآخر فاستحق تقدير الوطن له، ومما هو جدير بالذكر أنه دعا ~~الوفد المصري في شهر أكتوبر سنة 1923م بميت غمر، وأقام معالم الزينة ومد الموائد ~~للفقراء مدة ثلاثة أيام متوالية، فتوافد ms450 إليه كل سري وعظيم فكان يقابلهم بما عهد فيه من ~~رقة ولطف وكرم، وقد قام في وسطهم مبينا وجوب بذل ما يمكن من المساعدة لخدمة القضية ~~المصرية، وتعضيد الوفد والالتفاف حوله فجمع مالا وفيرا، وقدمه للوفد فحاز شكر وثناء ~~حضرات أعضائه الكرام. # ولحضرة صاحب الترجمة قصر فخم أقامه بناحية منشية هلال بمحطة سنفا دقهلية، فضل ~~الإقامة فيه طلبا للعزلة والراحة من عناء مجهوداته الكثيرة. # صفاته # كثير الاهتمام بشؤون بلاده وما يعود عليها من الخير، سباق لعمل الخير وإغاثة الملهوف ~~وتخفيف كرب البؤساء ومساعدة الفقراء، شديد المحبة والاحترام والإخلاص لهيئة العلماء، ~~وهو على جانب عظيم من الفطنة والذكاء ودماثة الأخلاق، فحبذا لو اقتدى بمثله كل فرد من ~~أبناء الأمة. # | ترجمة حضرة صاحب العزة وجيه قومه جرجس بك عبد الشهيد # كبير وجهاء بندر ببا بمديرية بني سويف # كلمة للمؤرخ # هو قطب من أقطاب الأمة القبطية الأرثوذكسية ووجيه من وجهائها؛ لا لأنه غني بثروته ~~الطائلة فحسب؛ بل لأنه يعد ركنا منيعا بين عظماء أمته لسعة مداركه وصائب فكره وعظيم ~~إصلاحاته في شؤونها؛ ولأنه من كبار أهل البر والإحسان على جمعياتها الخيرية، فكم له من ~~حسنات ومآثر خالدة في هذا السبيل إذا ذكرت لهجة الألسن بالشكر والثناء والإعجاب بعظيم ~~فضله، ولا غرابة فإن أسرة عبد الشهيد من أشهر الأسر القبطية التي امتازت بالعطف على ~~البؤساء ومساعدة المنكوبين والتعساء من قديم الزمن، وقد أثبت المؤرخون لهذه العائلة ~~وأفرادها هذه الفضائل، وها نحن الآن ندون تاريخ هذا السري الجليل الذي اقتدى بهم وحذا ~~حذوهم فنال رضا الخالق وشكر المخلوق. # مولده ونشأته # ولد حضرة صاحب الترجمة ببندر ببا وتعلم العلوم الأولية كاللغة العربية والخط والحساب ~~وغيرها بكتاب البلدة في ذاك العهد، فحصل على الضروري منها مما ساعده كثيرا على أشغاله ~~التجارية التي انخرط في سلكها عقب خروجه من دور العلم، فحاز قصب السبق فيها ونال بفضل ~~جهاده وذكائه ثروة لا يستهان بها، حتى أصبح يضارع أغنياء مديريته، وحاز فوق هذه الثروة ~~الطائلة ثقة معامليه لشرف معاملته، وصدق ms451 ذمته، وليس على من شب مثله على الفضيلة والصلاح ~~والتقوى وطبع على الأمانة منذ المهد بعزيز أن يصل بفضل هذه الصفات العالية والمواهب ~~السامية إلى ذروة المجد والشرف. # صاحب العزة جرجس بك عبد الشهيد. # ولم تكن هذه الثروة الطائلة لتلهيه عن تقديم المساعدات المالية للأعمال الخيرية ~~والعلمية، بل نراه من وقت لآخر يجود بالمال الفياض لكل عمل مفيد نافع، فمن مآثره ~~الخالدة مساعداته لمستوصف ببا وللجمعية الخيرية القبطية وغيرها. # وكذلك لم يهمل تثقيف أنجاله بالعلوم العالية بل بعث بهم إلى أكبر الجامعات الأوربية، ~~فارتشفوا من مناهلها العذبة شتات علومها، وها هم كالكواكب الساطعة في سماء مصر العزيزة ~~يجاهدون، ويكافحون في خدمتها ولفائدة مواطنيهم الكرام حتى أثمر هذا الجهاد وأتى بفائدة ~~عظمى. # صفاته وأخلاقه # قد اتصف حضرة صاحب الترجمة بالوداعة، ودماثة الأخلاق ولين الجانب، ومد يد المساعدة ~~للبؤساء والفقراء، مع المحافظة التامة على قواعد دينه، فهو صالح تقي بعيد عن الكبرياء ~~وعلو النفس، طاهر الذيل لا يطمع في شيء إلا أن يكون مرضيا لله تعالى وللناس. # أتم الله عليه العافية وأبقى حياته، ومتعه وحضرات المحروسين أنجاله النجباء بدوام ~~الرفاهية والسعادة، وأكثر من أمثاله بين رجال الطائفة القبطية الكريمة. # | ترجمة حضرة صاحب العزة السري أسعد بك عبد الشهيد # مولده ونشأته # ولد حضرة صاحب الترجمة بإحدى قرى مركز ببا مديرية بني سويف عام 1881 ميلادية، من ~~أبوين شريفين عريقين في الأصل والنسب والجاه العريض، فوالده المرحوم الخواجه عبد الشهيد ~~بطرس السري المعروف بمديرية بني سويف، والذي اشتهر بالتقوى والصلاح وطهارة الذمة ومكارم ~~الأخلاق ومساعدة البؤساء والفقراء، فأدخله أبوه في مدرسة البلدة، فتعلم فيها العلوم ~~الابتدائية، ونشأ ذكي الفؤاد حاضر القريحة قوي الذاكرة، وهي مواهب سامية خصه بها ~~الرحمن، وميزه عن كثيرين من ذوي الألقاب والرتب الضخمة. # حضرة صاحب العزة السري المفضال أسعد بك عبد الشهيد من كبار وجهاء ~~مركز ببا مديرية بني سويف. # دخوله في معترك الحياة # وقد رأى حضرة المترجم له أن يستخدم هذه المواهب الفائقة، والهمة الشماء فيما يفيد ~~نفسه ومواطنيه، ms452 وأبت نفسه العالية الطموحة بطبيعتها إلى المجد إلا العمل، فشمر عن ساعد ~~الجد وبدأ في الاشتغال بتجارة الأقطان، فأفلح فلاحا عظيما، ونال منها قسطا وافرا، ~~وكان عمره إذ ذاك أربع عشرة سنة، وما ذاك إلا بفضل طهارة ذمته وحسن تربيته المنزلية ~~التي غرسها في فؤاده ذاك الوالد البار «رحمه الله». وقد اقتنى أطيانا كثيرة بفضل كده ~~واجتهاده، حتى أصبح من كبار الموثرين الذين يشار إليهم بأطراف البنان في عموم مديرية ~~بني سويف، كما وقد زانه الله تعالى وكمله بجمال الخلق والأدب الجم، وحلاه بالمروءة ~~والإنسانية والرجولية الصحيحة. # وللتاريخ وحده نثبت أن حضرة المترجم له كان متزوجا بسيدة فاضلة، وزوجة طاهرة هي ~~المرحومة كريمة حضرة صاحب السعادة الشيخ الوقور إسكندر فهمي باشا مدير عموم السكة ~~الحديد المصرية سابقا، والعضو بمجلس إدارتها الأعلى حالا، ورزق منها بشبل هو الآن في ~~دور العلم، وثلاث كريمات، وقد أدركتها المنية وهي في زهرة صباها وريعان شبابها «أسكنها ~~الله تعالى فسيح جناته» وأقر عينيه بالمحروسين أولاده. # وقد خدم حضرة المترجم له عموم مزارعي مركز ببا بإقامته وابورا لحلج أقطانهم، فكفاهم ~~مئونة ومشقة الانتقال إلى البلاد الأخرى، كما وأنه خدمهم خدمة تذكر له فيشكر عليها، ~~بإيجاده الماكنة الكبرى لطحن غلالهم، وهذا بعض مآثره التي نخلدها لعزته بالشكر والثناء ~~العاطر. # هذا وقد تفضل سمو الخديوي السابق عباس حلمي باشا، فأنعم عليه برتبة البكوية من الدرجة ~~الثانية عام 1903 اعترافا بفضله وجليل خدماته. # صفاته وأخلاقه # وإننا نثبت هنا عن حق وصدق واختبار أن حضرة المترجم له الوحيد في مديريته لعمل الخير ~~والعطف على الفقراء، بعيد عن حب الفخفخة، والظهور الكاذب، مدفوع إليه بعامل الشعور الحي ~~والوجدان الصحيح المورثين له عن المرحوم والده، وها هي داره العامرة في بندر ببا ملأى ~~بالقصاد من كل حدب وصوب، وما منهم أحد إلا وتراه يلهج بالشكر والثناء والدعاء بحفظ ذاته ~~الكريمة من كل سوء. # أما عن أخلاقه فغاية في الرقي والكمال والأدب الجم، تراه دائما بشوش الوجه صبوحه، ~~ظريف المحاضرة، لطيف المحادثة، لين ms453 الجانب، وقد نشأ مفطورا على حب الخير ومؤاساة ~~الفقراء، أكثر الله من أمثاله بين رجال مصر الكرام. # | ترجمة صاحب العزة مصطفى بك سيف النصر # هو صاحب العزة مصطفى بك سيف النصر نجل المغفور له سيف النصر باشا الريدي نجل المغفور له ~~محمد الريدي، يتصل نسبه بسيدي عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنه. # ميلاده ونشأته # صاحب العزة مصطفى بك سيف النصر. # ولد هذا الحسيب النسيب ببلدة ملوي من أعمال مديرية أسيوط سنة 1293ه، ~~وظهرت يوم ميلاده بشائر خير لوالده تلد على أن سيكون لذلك المولود السعيد صاحب الترجمة ~~شأن عظيم، فتفاءلت الأسرة بمولده ونشأ في حجر المجد الأشيل والشرف الرفيع، وعني المغفور ~~له والده بتربيته التربية المنزلية السامية، التي تعتبر الأساس المتين الذي يشيد عليه ~~صروح مكارم الأخلاق، فلما ترعرع اختار له والده من خيرة المعلمين الأكفاء المعهود فيهم ~~اليقين الثابت والعلم الغزير والإلمام التام بشؤون التربية، وعهد إليهم أمر تلقينه ~~العلوم النافعة وأصول الدين، وبدت عليه معالم النباهة وسيما الجد وسار في طريق العلوم ~~بوثبات نادرة، وساعدته مواهبه التي منحه الله إياها على نوال القسط الأوفر من العلوم، ~~فأدخله والده المدارس الابتدائية وأتم دراستها بنجاح عظيم، وتفوق باهر على الأقران حتى ~~كان موضع إعجاب الجميع، وتجلت مواهبه، واستمر والده على الاهتمام بتعليمه التعليم الخاص ~~بواسطة معلميه، فصار الرجل الجدير بكل اعتبار واحترام، وبما أن والده رحمه الله كان ~~بعيد النظر سديد الرأي، ورأى ما هو عليه ابنه من ذكاء نادر، ورأى أن حياة الأمة تتوقف ~~على الزراعة؛ فقد اهتم بتعليمه العلوم الزراعية، حتى تنصرف أفكاره إلى خدمة وطنه العزيز ~~من هذا الطريق، ولقد تم لذلك النجل ما أمله فيه والده من خير وصلاح، ودربه على الشؤون ~~الزراعية، فسلمه إدارة مزارعه الواسعة فأحسن إدارتها، وقام بما عهد إليه خير قيام، حتى ~~برهن بأجلى برهان على مقدرته العظيمة، وحقق رجاء والده فيه، ولما ذاع صيته ولهجت الألسن ~~بأطيب الثناء عليه انتخب عضوا بمجلس ملوي الحالي، فكان المثل الأعلى في الحكمة ms454 والسهر ~~على ما فيه المصلحة، والعمل على ما يرقى بحالة البلاد الأدبية والعلمية، ولما كان عليه ~~من أصالة الرأي وبعد في النظر وقوة تأثير، واستمساك بالحق ونصرته فقد اختير عضوا في ~~لجنة المصالحات والمجالس الحسبية، ورئيس محكمة خط تنده، فأظهر من الدراية ما جعل الناس ~~تلهج بالثناء عليه، وتقدره الحكام ورجال الإدارة، فأنعم عليه سمو الخديوي السابق ~~بالرتبة الثانية سنة 1908م، وهكذا يكون جزاء المخلصين العاملين، ولقد أنعم الله عليه ~~بنعمه الجزيلة ومنها أنه رزقه بذرية صالحة؛ لتكون زينته في الحياة ومن أكبر العاملين ~~لرفعة مصر ورفاهيتها، فاهتم بأمر تربيتهم التربية العالية، وأكبر أنجاله المحروسين ~~بعناية الله هو حضرة صاحب العزة محمود بك مصطفى سيف النصر، ذلك القانوني النابغة الذي ~~اشتغل بالمحاماة بعد أن أتم دراسة الحقوق بمدرسة الحقوق الملكية، ذلك المحامي البارع ~~والقانوني الفاضل الذي ظهر مقدار كفاءته، وكان على حد قول القائل: إن هذا الشبل من ذاك ~~الأسد، ولما ظهرت مكانته القانونية استدعاه النائب العمومي وعينه وكيلا لنيابة سوهاج، ~~فهو يؤدي عمله بكل جد واهتمام ونزاهة، وأما نجله الثاني حضرة فؤاد أفندي مصطفى سيف ~~النصر، فإنه يدير حركة مزارع والده الواسعة بهمة لا تعرف الملل، وعقل راجح، وأما باقي ~~الأنجال فبالمدرسة التوفيقية بمصر. # صفاته # صاحب المروءة والهمة، كثير الاهتمام بالمصالح العامة لا يبالي بالصعاب في سبيل خدمة ~~مصر، لطيف المعاشرة، دمث الأخلاق، مثال الحلم عند الغضب، شديد البأس في الحق، رفيع ~~المقام مهاب الجانب، حفظه الله لأمة مصر ولا أحرمها جميل خدماته. # | ترجمة حضرة الوجيه المفضال الشيخ محمد عبد الله الشلتاوي # كلمة للمؤرخ # مما يرتاح له ضمير المؤرخ إثبات الصفات الحقيقية للموصوف، بحيث أن تكون هذه الحقائق ~~ملموسة بعيدة عن المغالاة والمبالغة، فإذا نحن أردنا أن نصف حضرة المترجم وما خصه ~~الرحمن به من المواهب السامية، والذكاء الفطري، والميل الغريزي لمحض عمل الخير، المجرد ~~من حب الشهرة الكاذبة وإنفاقه الأموال الطائلة فيما يعود على الفقراء والمعوزين البؤساء ~~بما يخفف لوعتهم، ويكفل راحتهم وينطق ألسنتهم بالشكر والثناء على هذا ms455 المحسن الجواد ~~الكريم، نقول إذا نحن أردنا سرد أعمال وحسنات هذا الشهم الفاضل لضاق المقام من دون أن ~~نأتي ببعضها. # ومما يحسن ذكره هنا أن تأتي هذه الشمم العالية والأعمال الباهرة من حضرة صاحب ~~الترجمة، وهو لم يحصل قسطا وافرا من العلوم المدرسية ولا شهادات عالية؛ كي يصح أن ~~يقال إنه تمكن بفضل هذه العلوم من الوصول إلى هذا المركز الأدبي الذي يحسد عليه من ~~كثيرين، ولكنه وصل إليه بفضل المزايا الجميلة التي خصه بها المولى سبحانه ~~وتعالى. # مولده ونشأته # ولد حضرة المترجم ببلدة كوم النور التابعة لمركز ميت غمر دقهلية عام 1883 ميلادية ~~الموافق لعام 1302 هجرية، من أبوين شريفين فاضلين ربياه فأحسنا تربيته، وغذياه بلبان ~~الفضيلة والاستقامة والتقى والصلاح وأدخلاه مدرسة البلدة فتلقى فيها ما كان ضروريا من ~~العلوم الأولية، ومن ثم أخرجاه منها لمباشرة إدارة حركة أعمال والده الزراعية وأطيانه الواسعة. # حضرة الوجيه الفاضل الشيخ محمد عبد الله الشلتاوي من أعيان كوم ~~النور. # نعم وإن كانت هذه العلوم الأولية جاءت معززة ومكملة لذكائه الفطري، الذي خلق معه منذ ~~ولادته، وتعتبر في الحقيقة كافية لمثله في ذاك الوقت، إلا أن تربيته العلمية وتجاربه ~~الكثيرة الناجحة جعلته كاملا من كل الوجوه. # حياته العملية # توفي المرحوم الحاج عبد الله الشلتاوي والد حضرة المترجم له دون أن يصل ولده السن ~~الذي يؤهله لإدارة حركة المرحوم والده، ولكن بفضل ذكاء المترجم الفطري وقوة إرادته وحسن ~~تربيته تمكن من الوصول بها إلى الغاية التي كان يرجوها، وصعد بها إلى أعلا درجات ~~التحسين والإنماء، وكان طالعه زاهرا وحظه وافرا فأصاب مغنما عظيما، وهذا أيضا يدل ~~على رضا العزة الإلهية عليه، فشمر عن ساعد الجد واستخدم مواهبه السامية وتجاربه ~~الناجعة، فأصاب بها كبد الغرض المقصود، وفاز بالمطلوب وأصبح يشار إليه بالبنان مشكورا ~~من الجميع بكل شفة ولسان، محترم الجانب مكرما مبجلا من جميع عارفي فضله وأدبه ~~ومروءته. # مآثره المشكورة # ومن بعض مآثر هذا الوجيه الفاضل أنه قام بتشييد مضيفة فخمة كبرى تضم بين جدرانها ~~عابري ms456 الطريق الذين لا مأوى لهم، فيطرقونها فلا يجدون إلا صدرا رحبا وبشاشة ولطفا من ~~حضرة صاحبها، وقد أنفق عليها الأموال الطائلة كل ذلك ابتغاء مرضاة الله تعالى وضميره ~~الشريف، ولا يمكننا أن نأتي بتعداد حسناته الكثيرة على أمثال هؤلاء البؤساء التي يأتيها ~~في الخفاء لتخفيف ويلاتهم؛ لأنه لا يميل مطلقا إلى حب التظاهر الممقوت؛ لعلمه أنه لا ~~تأتي بالغرض الأسمى الذي يريده الحق تعالى من الإحسان. # وظائفه الإدارية # مع كثرة اشتغاله بشؤون الخصوصية، فإنه إلى الآن يشغل وظيفة عضو بالنقابة الزراعية ~~بكوم النور لخبرته التامة بها، وكذا يشغل عضو اللجنة الإدارية لمجلس محلي كوم النور، ~~وهو قائم بشؤون هاتين العضويتين خير قيام، مما يدل على غزارة مداركه وقوة ذكائه ولا عجب ~~في ذلك ولا غرابة فيمن شب مثله على الهمة والإقدام - وهذه خلاصة وجيزة من ترجمة حضرته ~~أثبتناها هنا، رغم عدم ميله إلى حب التظاهر ولكن خدمة منا للتاريخ. # حفظه المولى من كل سوء وكافئه خيرا بعدد حسناته وأفضاله، وأكثر من أمثاله. # | ترجمة حضرة الوجيه الفاضل زكي أفندي وهبي # من أعيان نزلة حنا حنا مركز الفشن مديرية المنيا # كلمة للمؤرخ # إذا شاء الفخر أن يذكر في موضعه، والإقدام في مركزه، والنجابة في شخصها، والشهامة في ~~إنسانها، فلا تجد إلا في أمثال حضرة المترجم له، بل وإذا عدت بيوتات المجد والشرف لكانت ~~عائلته في مقدمتها. # مولده ونشأته # ولد صاحب الترجمة عام 1890 ميلادية في نزلة حنا حنا، وهي التي سميت باسم مؤسسها الأول ~~طيب الذكر المرحوم حنا حنا الذي استوطنها من مضي ثمانين عاما، وخاله هو المرحوم فقيد ~~الجد والنشاط وهبه أفندي عبد الشهيد الذي عرف بين قومه بالفضل، وكرم الأخلاق، والتقوى، ~~والصلاح، والميل الكلي لمحض عمل الخير. # حياته العملية # تربى حضرة المترجم له تربية عالية، وأدخل المدارس الابتدائية والعالية، فحاز شهاداتها ~~وأدخل بعد تحصله على شهادة البكالوريا قسم أدبي مدرسة الزراعة العليا، فنال منها شهادة ~~الدبلوم العليا وأبت نفسه الطموحة إلى الرفعة والمعالي الاندماج في سلك وظائف الحكومة ~~المحددة، بل ms457 استخدم فطنته وذكاءه فيما يفيد الهيئة الاجتماعية ونفسه، فشمر عن ساعد الجد ~~وأخذ يباشر زراعة أطيانه الواسعة مستعينا بالمعلومات الكافية والتجارب العديدة التي ~~شاهدها في سني الدراسة وبعدها، فنمت وزهت وأثمرت وزادت أضعافا عما كانت عليه قبل أن ~~يستلم زمامها ويدير حركتها، وذلك بفضل عزيمته الماضية وغزارة مادة معلوماته في الشؤون ~~الزراعية وكذا يرجع الفضل في ذلك أيضا إلى حسن معاشرته، ورقة حديثه ولطف أخلاقه، وكمال ~~خلقه الأمر الذي جعله محبوبا كثيرا من عموم سكان هذه البلدة، كما أنه محترم الجانب ~~عند كل عارفيه. # وإن المستقبل لكفيل بمستقبل زاهر لهذا الشبل وشأن هام بين رجال مصر العاملين لخيرها ~~وفائدتها، لما نراه فيه من الهمة والإقدام والرجولية الصحيحة مما نبشر الهيئة ~~الاجتماعية عامة به. # صفاته وأخلاقه # مثال اللطف، والدعة، وعلو النفس، يميل بفطرته إلى المساعدات الخيرية لمحض عمل الخير ~~المجرد من حب الفخفخة والظهور، رحوما على الفقراء محبا لتعضيد كل مشروع حيوي مفيد ~~يعود على وطنه وأبنائه بالنفع الجزيل، أطال الله في حياته وأكثر من أمثاله بين شباب مصر ~~الناهض. # | ترجمة العصامي السري المرحوم سليم صيدناوي بك # أحد أصحاب أعظم محل تجاري بالقطر المصري # لقد أفردنا بابا خاصا في هذا الجزء وفي الأجزاء المقبلة لتدوين تاريخ ~~ورسوم مشاهير تجار القطر المصري، ونبتدئ بسرد تاريخ ذاك العصامي الكبير ألا وهو المرحوم ~~سليم صيدناوي بك، الذي يعد من أكبر تجار القطر قاطبة، وحسبك ما تراه مشاهدا ملموسا في ~~عموم المديريات من حركة البيع والشراء والأخذ والعطاء الجارية على قدم وساق في محلات سليم ~~وسمعان صيدناوي بك وشركاهم، التي حازت شهرة عظيمة في عواصم أوربا عامة، والشرق خاصة، لم ~~تبلغها غيرها من البيوتات التجارية الأخرى، وقد يرجع الفضل في هذا النجاح الباهر لأمور ~~عديدة، منها شهرة أصحابها بطهارة الذمة، وحسن المعاملة ولين الجانب، والكفاءة الشخصية في ~~كافة الشؤون التجارية والاقتصادية. وإنك لا ترى زائرا يقصد محلات صيدناوي لقضاء حاجة إلا ~~وخرج منها مرتاح الضمير؛ نظرا لدماثة أخلاق أصحابه، ولا سيما حضرة صاحب العزة سمعان ms458 بك ~~صيدناوي شقيق هذا الفقيد وحضرات أنجالهما الذين نشير إليهم بالإيماء؛ لأنهم معروفون لدى ~~جميع المصريين برقة الطباع والكياسة مع ما اشتهروا به من العطف على الفقراء ومساعدة ~~البؤساء. # مولده ونشأته # ولد هذا العصامي الكبير في دمشق الشام سنة 1856م، وتربى برعاية والديه اللذين سهرا ~~على تهذيبه وتربيته التربية المنزلية السامية، وقد علمه والده القراءة والكتابة بقدر ما ~~كانت تسمح به أحوال تلك الأيام، وكان والده كثير التفكير في مستقبل بنيه، ويرى أن الشاب ~~لا يأمن الفقر ما لم يتعلم صنعة من الصنائع الضرورية، فمال إلى تعلمه التجارة وفي عام ~~1879 جاء مصر حيث كان شقيقه سمعان بك فاشتغل أولا بالخياطة من طريق التجارة، فاشترك مع ~~الخواجه متري صالحاني في محل للخياطة والتجارة، وحصة سليم من رأس المال دفعها أخوه ~~سمعان بك، وبعد قليل احترق المحل وذهب رأس المال كله، وكان بين الأخوين الشقيقين تآلف ~~وتحاب فوق تآلف الإخوة كأنهما شخص واحد، وكان للمرحوم سليم انعطاف عظيم على أخيه منذ ~~الصغر؛ لأن سمعان بك أصغر من الفقيد بسنتين، فضرب صفحا عن تلك الخسارة، وشارك أخاه ~~وفتحا حانوتا بالموسكي عند مدخل شارع منصور باشا لا تزيد مساحته على أربعة أمتار ~~مربعة، أقام فيه سليم وسمعان صيدناوي في سنة 1879م، وأخذا يعملان بنشاط وأمانة، وهما ~~على شظف عظيم من العيش، وكانت حياتهما غاية من البساطة، وقد كانا يتحدثان بذلك، وهما في ~~بسطة من الجاه وسعة من الثروة. # ومما يروى عن سبب اتساع تجارتهما أن حضرت خادمة من قصر سمو البرنس مصطفى فاضل باشا، ~~واشترت من هذا الفقيد ثوبي دنتلة بمبلغ ستة عشر قرشا تعريفة، فأخطأت ودفعت إليه ستة ~~عشر قرشا صاغا، ونظرا لاشتغاله بالمشترين الآخرين فلم ينتبه إلى ما دفعت تلك الخادمة ~~إلا بعد انصرافها، التي لم يعلم لها مكانا، فاتفق أن حضرت إليه في اليوم التالي لتبتاع ~~ثوبين آخرين، وعند دفعها الثمن أخبرها بأن ثمنها ثمانية قروش صاغ فقط، وأن الثمن قبضه ~~منها بالأمس - مشيرا إلى الخطأ الذي وقع في تقدير ms459 الثمن في اليوم الذي قبله - وأعطاها ~~بعد ذلك الثوبين، فتحدثت تلك الخادمة بذلك في القصر، وشاعت أمانة ذلك التاجر النزيه في ~~الطبقة العليا، فأقبلوا على معاملته وازدادت أرباحه، وانتقل في سنة 1881م إلى حانوت ~~أكبر منه في الموسكي مطل على الخليج، ثم جرى توسيعه بعد ذلك كما أنه أخذ محلا آخر ~~أمامه جعله مقرا لإدارة حساباته ومكتبا للكتبة، واتسعت الشركة وامتدت فروعها إلى ~~الأقاليم وفي الخارج، ولما أخذا ذلك المحل اجتمعا الأخوان للتعاون على العمل وظل محل ~~الحمزاوي لهما، وما زالت أشغالهما تتسع ورأس مالهما يكبر، وكلما ضاق المحل وسعاه حتى لم ~~يبق سبيل إلى توسيعه فأخذا محلا تجاهه جعلاه المحل المركزي، وهو الذي نوهنا عنه، ~~الخاص لإدارة الحسابات. # وقد بنوا لمحل تجارتهم عمارة كبيرة أتت من أجمل العمارات في ميدان الخازندار ~~بالقاهرة، وانضم لإدارة المحل الخواجات يوسف وجورج أولاد سمعان بك وجناب الخواجة الياس ~~بن الفقيد، بعد أن تخرجوا من الكليات العلمية العالية متعلمين وعالمين كيف تدار ~~الأشغال. # أما العبرة بما تقدم، فهي أن نجاح هذين الإخوين حجة واقعة على أن الاستقامة والصدق ~~ضروريان للنجاح، ولا يكون مأمونا إن لم يتعهده أصحابه بالإحسان زكاة أو صدقة تكون ~~حائلا لغوائل الحسد؛ ليس لأن الحسد يضر المحسودين، ولكن الإنسان إذا ارتقى بابا من ~~أبواب النجاح كثر حساده، ومن الناس من لا يهمه ما يقال عنه، وإنما يهمه أن تزيد ثروته ~~أحبه الناس أو أبغضوه، أما الصيدناويان فإنهما أفضل مثال لما ينبغي أن يكون عليه رجال ~~الثروة وأهل الجاه، وهما مع ثروتهما وجاههما يتوخيان البساطة في أساليب معاشهما، ~~ويبذلان الألوف في إعانة الفقراء، وهما مثال في الجد والنشاط، يشتغلان من الصباح إلى ما ~~بعد العشاء شغلا شاقا يعرفه كل من زار محلهما ورأى حكمة العمل فيه. # | ترجمة حضرة الفاضل الأستاذ الفني السيد أفندي فرج # كلمة للمؤرخ # بارك الله في شبابنا الناهض، الذي شمر عن ساعد الجد، وبرهن على الكفاءة التامة في ~~ميدان العمل، فإن الأمم لا تنال الرقي، ولا التقدم في مدارج ms460 الفلاح والنجاح إلا بهمة ~~شبابها ونهوضه، وخلع رداء الكسل، والتحلي بثوب العمل بما فيه رفعتها، وعلو شأنها، وإن ~~شبابنا هو الأمثلة الحية، والمعاني السامية، التي نكاد نلمسها باليد، ونبصرها بالعين، ~~ومن هؤلاء الأفاضل العاملين المجدين حضرة الأستاذ الفني القدير السيد أفندي فرج، صاحب ~~هذه الترجمة الذي أجهد نفسه في تعليم سر الصناعة فوفق لإدراك بغيته، وتحقيق ~~أمنيته. # مولده ونشأته # ولد صاحب الترجمة بمصر عام 1301ه، ونشأ بها وما جاء دور التمييز في الطفولة حتى استظل ~~بسماء مدينة طنطا حيث كان والده ملاحظا لمحطتها، والتحق هناك بإحدى المكاتب عادة كل طفل مصري. # حضرة الأستاذ الفني السيد أفندي فرج صاحب محلات الفضة وفابريقة ~~السراير بمصر. # وقد ضن عليه والده أن يكون في مكتب صغير فعزم على إلحاقه بإحدى المدارس الابتدائية ~~الأميرية، وما جاء موعد قبول التلاميذ إلا وكان والده مدرسا بمدرسة المنصورة الصناعية ~~الأميرية، فألحقه بمدرستها الابتدائية الأميرية، ومنها نقل إلى السويس، وكان صاحب ~~الترجمة يبلغ من العمر إذ ذاك الرابعة عشرة، وقد كاشف والده رغبته في إلحاقه معه فجاء ~~لوالده الأمر بانتقاله إلى عاصمة القطر بالمهمات الحربية بالحوض المرصود، ومن ذاك الحين ~~أخذ يجهد نفسه في تعليم سر الصناعة فوفق لإدراك ما يتمنى وشعر بتشجيع كبير من أمياله، ~~وكان أكبر باعث على إدراك آماله وجوده مع حضرة والده في كل أدوار حياته، وتنقله معه في ~~كل مركز من مراكزه الصناعية حتى جاء دور العمل الحقيقي، فانتخب والده رئيسا لمدرسة ~~الفيوم الصناعية والتحق صاحب الترجمة مساعدا له، وكان إذ ذاك شابا فتيا فأدرك أن ~~الحياة جهاد، وأن المرء يجب أن يحقق كل ما يجول بخاطره ما دام يعتقد أن في ذلك نفعا ~~لبلاده، وفائدة لأمته. # رأى الأجنبي في مصر يأتي بالمدهشات من أعمال تدع المرء يفكر في كيفية إيجادها فسمت ~~نفسه، وتطلعت إلى إدراك مبادئ أسرار كل صناعة أوربية، فلم يجد من يكون سدا منيعا ~~بينه وبينه غايته. # وفي سنة 1908 رأى شركة ه. بولاد نقوم بأعمال الطلاء فاشتاق لدرسها، وما زال ms461 يتردد ~~عليها حتى دفعه حب الاستطلاع إلى الاشتغال بها، ومكث بها سنتين ولم تنتهيا حتى كان ~~مالكا لأدوات هذه الشركة وعددها بطريق الشراء، وأخذ بعد ذلك يفكر في إيجاد محل يقوم ~~بخدمة الجمهور وهو واثق من ثباته، ونجاح عمله، فلم يجد أمامه أليق من شركة التمدن، فوضع ~~فيها هذه الأدوات، واشتغل مستقلا بعمله وبأدواته التي ابتاعها، كما أنه لم يجد رجلا ~~أقدر على تشجيع المصري من حضرة صاحب العزة إبراهيم بك رمزي. # ولقد وجد صاحب الترجمة من الجمهور إقبالا شجعه على إتقان هذه الصناعة، ففضل افتتاح ~~محل في شوارع العاصمة، وسرت إليه روح التنافس ومزاحمة الأجنبي، كما وقد وجد من أبناء ~~الأمة المصرية الإقبال الكلي، والتشجيع الأدبي والمادي على إتقان الصناعة، فوفق إلى ~~افتتاح محله الكائن بشارع عبد العزيز، فكثر عليه الإقبال وتراكمت الأشغال، فاستحضر ~~كثيرين من أبناء مصر يتعلمون كيفية الطلاء، وسر الصناعة حتى أصبح المحل مدرسة يتلقى ~~فيها طلاب الصناعة حتى يتمكنوا من أن يجعلوا الحديد فضة وذهبا، وأخذت دائرة أعماله ~~تتسع ففتح محلا آخر بميدان الخازندار وأخذ يبث في العمال روح المسابقة، وقد شرح لهم ~~طرق الاقتصاد، وأطلعهم على غرضه الشريف من تعليم هذه الصناعة وخدمة بلادهم بها، ومما هو ~~جدير بالذكر لحضرة الأستاذ خدماته للأمة في سني الحرب وما قام به في خلال هذه المدة ~~من تفريج أزمتها، وتقديم ما يلزم للشعب المصري من أنواع الأسرة لامتناع ورودها في تلك ~~المدة من أوربا، وهو دائما يسعى إلى ما فيه إعلاء شأن وطنه، وتقدم الصناعة في مصر ~~وتعليم أبنائها حتى يكونوا ملمين بأسرار الصناعة وفي غنى عن سيطرة الأجنبي علينا ~~تلك السيطرة الممقوتة، ويا ليته يقف عند هذا الحد بل بعد أن يستنزف الأموال الطائلة ~~يرمينا بالجهل المطبق، والكسل، والخمول. # فاليوم نبرهن للعالم أجمع نحن المصريين سلالة الفراعنة العظام، وأصحاب الفضل والمجد ~~القديم على الأمم الأوربية أن الذكاء المصري لا يقل عن ذكاء أرقى الأمم الأوربية؛ وهم ~~مدينون لنا بهذا الفضل لأنهم نقلوا الطب، والصناعة، وعلم الفلك ms462 من المصريين، فنحن اليوم ~~والحمد لله أمة حية نسترد حياتنا العملية وما سلب منا بهمة شبابنا الناهض. # وقد أخذ حضرة صاحب الترجمة في مزاحمة الأجانب في أعمالهم الخاصة بهم، حيث رأى أن ~~مدينة الفيوم في حاجة إلى مسرح تمثيلي أدبي، فشاد بها مسرحا على أحسن وأبدع شكل، وجعل ~~فيه محلا لتمثيل الصور المتحركة «سينما توغراف»، وبهذا العمل الجليل قد خدم مدينة ~~الفيوم خدمة أدبية جليلة لترويح أنفس أهلها في وقت الفضاء من عناء الأعمال. # وقد عزم الأستاذ على القيام برحلته الثالثة؛ ليزور فيها المعاهد الصناعية الكبرى في ~~مختلف الممالك الأوربية لدرس مشروع صناعي هام جديد يعود على الصناعة المصرية بالتقدم ~~العظيم. # ومما يستحق الذكر هنا أن حضرة صاحب الترجمة لم يقتصر على مزاحمة المصانع الأجنبية في ~~بلاده فقط، بل قام يناهضهم في بلادهم أيضا حيث أرسل إلى معارض أوربا الكبيرة نماذج من ~~مصنوعاته أحرزت قبولا عظيما في أسواقهم، ونالت الميداليات، والنياشين الذهبية، في ~~معارض باريس، وروما، وميلانو. # ولقد كانت معروضاته في المعرض الزراعي الصناعي العام بالقاهرة لسنة 1926 قبلة ~~الزائرين، حيث كانت منتهى ما يتصوره الذوق السليم، فنالت الجائزة الأولى والميدالية ~~الذهبية، وهكذا نراه في كل عام يخرج لنا من آيات الفن معجزات تبهر الناظرين. # فبارك الله في همته، وجعله قدوة صالحة لمن أراد أن يعمل عملا مفيدا لأمته وبلاده، ~~وبمثله فليعمل العاملون. # | ترجمة فقيد المروءة والإخلاص المرحوم عبد الملك أفندي نخله # باشكاتب رئاسة أقسام هندسة وابورات السكة الحديد الأميرية بالمنيا سابقا (ولد عام ~~1872 - وتوفي عام 1922) # كلمة للمؤرخ # لسنا في موقف تأبين لنرثي هذا الفقيد العظيم ونعدد خدماته الكثيرة في سبيل البر، ~~والإحسان، والمعروف، وغيرته وإخلاصه لمصلحة أبناء طائفته تلك المصلحة التي تذكر له ~~بالشكر والثناء عند كل مناسبة، فقد نال الفقيد قسطا وافرا من الرثاء حيث عدد الخطباء ~~جليل خدماته، وعظيم إخلاصه، وطهارة سيرته، فكانت موضع الفخر والإعجاب، إنما لنضرب للنشء ~~الحديث مثلا عاليا لمعاني الجد والأخلاق العالية والشهامة الفائقة، والرجولية ~~الصحيحة، والأدب، والنزاهة، وهي بعض صفات الفقيد ms463 ليحذوا حذوه، وينسجوا على منواله ~~فيخلدوا لأنفسهم ذكرى طيبة تدوم ما دامت السماوات والأرض. # المرحوم عبد الملك أفندي نخلة. # مولده ونشأته # ولد المرحوم صاحب الترجمة ببندر أسيوط سنة 1872م، وتربى التربية المنزلية العالية على ~~الدين، غاية في الاستقامة والتقوى والصلاح، وتعلم بعض العلوم الابتدائية ثم جاء القاهرة ~~وأتم علومه، ونال شهادة الدراسة الابتدائية وكان في عدد الطلبة الذين وهبوا نعمة ~~الذكاء، وصفاء الذهن والجد والاستقامة، وبعد نواله تلك الشهادة عين كاتبا في وزارة ~~الحربية، وأرسل إلى حلفا فكان أمينا في وظيفته مخلصا في عمله، مما استدعى ترقيته إلى ~~وظيفة مترجم ل 13 جي أورطة ومنها نقل إلى سواكن، ثم إلى طوكر، ونظرا لصعوبة السفر ~~ومتاعب التنقل في تلك الجهات النائية فضل الاستقالة من وظيفته، وعاد إلى مصر فعين ~~كاتبا بقلم التعداد بوزارة المالية ومكث بها سنة واحدة ثم استقال، ومن ثم عين بعنابر ~~السكة الحديد ونقل إلى سوهاج باشكاتب الوابورات، وظل بها اثنتي عشرة سنة؛ ونظرا ~~لمقدرته العلمية وتفوقه في اللغة الإنكليزية فقد قام بإعطاء دروس خصوصية لكثيرين من ~~جماعة المفتيشين والباشمهندسين الإنكليز التابعين لهذه المصلحة، فاستفادوا من معلوماته ~~القيمة؛ ما أطلق السنتهم بالشكر والإعجاب بفضله وأدوا الشهادة الحسنة في حقه. # ولم تكن مشاغله المصلحية لتقعد به عن القيام بالواجب الذي شبت عليه نفسه العالية من ~~نحو خدمة أبناء الطائفة، وتخفيف آلام الفقراء، والأخذ بناصر الضعفاء، بل ساعد على تأسيس ~~جمعية لهذا الغرض الشريف كما قام ومعه بعض الغيورين لجمع اكتتاب لبناء كنيسة جديدة بها، ~~وأصلح زاوية خربة بجهة النجعه المعروف هناك خاصة بإخوانه المسلمين، مدفوعا على ذلك ~~بعامل الإخلاص وحب النفع، الأمر الذي حبب فيه سكان تلك المدينة على اختلاف مذاهبهم ~~ونحلهم، حيث قدروا فضله وكبروا عمله وأحلوه المحل اللائق بالرجال العاملين المجدين. # صورة أخرى للفقيد وهو في سن الأربعين. # وما كاد يذيع أمر نقله إلى الزقازيق حتى شملهم الأسى وعمهم الأسف، وأقاموا له حفلات ~~تكريمية عديدة تبارى فيها الخطباء والشعراء معددين خدماته الجليلة، ذاكرين له ما قام به ms464 ~~من المنافع العامة، ودموع الأسف تترقرق في مآقيهم، لا سيما ما كان عليه من أدب ولطف ~~ودعة وحب أكيد للإصلاح والسعي المتواصل لإصلاح ذات البين بين العائلات وبعضها، وكان يوم ~~مغادرته لتلك المدينة يوما مشهودا حيث ودعه على المحطة كل عظيم وكبير من سراتها، ~~والكل آسف لفراق هذا العزيز المحبوب. # ولم يمض عليه زمن طويل بمديرية الشرقية حتى رقي إلى وظيفة باشكاتب رئاسة أقسام هندسة ~~وابورات وجه قبلي، مع جعل مركز إقامته بندر المنيا فودع هناك أجمل توديع. # غير أن المنية عاجلته وهو في ريعان الصبا وزهرة العمر، إذ لم يبلغ بعد الحلقة الخامسة ~~من عمره فذهب مبكيا على شمائله الغراء وأدبه الجم، وقد أقامت له جمعية الإصلاح ~~القبطية هناك حفلة تأبين تحت رئاسة حضرة الدكتور نصيف بك منقريوس، حيث كان الفقيد عضوا ~~بها، ومن ثم نقلت رفاته إلى مصر داخل عربة خصيصة من عربات السكة الحديد، ووري الثرى ~~ودموع الحزن تتساقط من عيون عارفيه وأصدقائه العديدين، وقد أوفد غبطة البطريرك المعظم ~~مندوبا من قبله، ومعه خطاب تعزية لأسرة الفقيد العزيز كما أرسل حضرة صاحب العزة مصطفى ~~بك صبري مدير الفيوم وقتذاك برقية لحضرة نجل الفقيد الأكبر حليم أفندي عبد الملك الموظف ~~بهندسة السكة الحديد، وكان صديقا حميما للراحل الكريم وهاك نصها: # أسفي عظيم جدا لعدم إمكاني الحضور، وحزني شديد جدا لفراق صديقي الحميم ~~عبد الملك الذي يمثل الوفاء بأكمل معانيه، فأشاطركم الحزن وأعزيكم وأملي كبير ~~في أنكم ستخلفون ذكراه الكريمة العاطرة. # أسكنه الله فسيح جناته، وأسكب على قبره شآبيب الرحمة والغفران. ms465