######OpenITI# #META# URI: 1351SalatinBasha.SayfWaNar.Hindawi53158280 #META# Tags: history #META# ID: 53158280 #META# Title: السيف والنار في السودان #META# AuthorID: 79027274 #META# Author: سلاطين باشا #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تمهيد‏ # 1 - تمهيد‏ # 2 - إقامتي في دارفور وتاريخها السابق‏ # 3 - حكومة دارفور‏ # 4 - رواية الخليفة عن المهدي‏ # 5 - الثورة في جنوبي دارفور‏ # 6 - حصار الأبيض وسقوطها‏ # 7 - المهدية في دارفور‏ # 8 - حملة هكس باشا‏ # 9 - سقوط دارفور‏ # 10 - حصار الخرطوم وسقوطها‏ # 11 - حكم الخليفة عبد الله‏ # 12 - بعض الحوادث الأخرى‏ # 13 - حملة الأحباش‏ # 14 - تشتت وتفرق‏ # 15 - ملاحظات متنوعة‏ # 16 - ملاحظات متنوعة‏ # 17 - وسائل النجاة‏ # 18 - فراري‏ # 19 - الختام‏ # تمهيد‏ # 1 - تمهيد‏ # 2 - إقامتي في دارفور وتاريخها السابق‏ # 3 - حكومة دارفور‏ # 4 - رواية الخليفة عن المهدي‏ # 5 - الثورة في جنوبي دارفور‏ # 6 - حصار الأبيض وسقوطها‏ # 7 - المهدية في دارفور‏ # 8 - حملة هكس باشا‏ # 9 - سقوط دارفور‏ # 10 - حصار الخرطوم وسقوطها‏ # 11 - حكم الخليفة عبد الله‏ # 12 - بعض الحوادث الأخرى‏ # 13 - حملة الأحباش‏ # 14 - تشتت وتفرق‏ # 15 - ملاحظات متنوعة‏ # 16 - ملاحظات متنوعة‏ # 17 - وسائل النجاة‏ # 18 - فراري‏ # 19 - الختام‏ # | السيف والنار في السودان # | السيف والنار في السودان # تأليف # سلاطين باشا # | تمهيد # وعدنا في التمهيد الذي وضعناه لكتاب «التاريخ السري لاحتلال إنجلترا مصر» لمستر ويلفرد ~~سكاون بلنت؛ أن نصدر من بعده كتاب «السيف والنار في السودان» لسلاطين باشا، وهذان الكتابان ~~يعدان من المستندات التاريخية التي لا بد من الاطلاع عليها؛ لمعرفة الحوادث التي تقلبت على ~~مصر والسودان من خمسين سنة؛ وهي الحوادث التي ما زلنا نعاني نتائجها إلى الآن. # فاليوم ها نحن نبرز كتاب «السيف والنار في السودان»؛ وفاء بذلك الوعد، ورغبة في أن تكون ~~له الفائدة المرجوة في خدمة تاريخ مصر الحديث. # وسلاطين باشا، مؤلف هذا الكتاب، هو ضابط نمساوي ولد سنة 1857 في فينا، وجاء إلى مصر ~~سنة 1878 ودخل في خدمتها، فعينه غوردون باشا حاكما لدارفور سنة 1884، ولكن لم يمض عليه في ~~منصبه هذا قليل حتى اعتقلته جيوش المهدي؛ فبقي أسيرا يدعي الإسلام والإيمان بالمهدوية ~~إلى سنة 1895، وحينئذ فر إلى الجيش المصري واشترك معه في استرداد دنقلة وأم درمان. # وبقي سلاطين باشا بعد ذلك موظفا في حكومة السودان بين ms001 سنة 1900 وسنة 1914، ثم أعلنت ~~الحرب العالمية فترك الخدمة في السودان وعاد إلى النمسا، ودخل في خدمة الصليب الأحمر، ولما ~~عقدت الهدنة سنة 1918 انتدب عضوا في بعثة الصلح في باريس. # وقد نقل هذا الكتاب إلى اللغة الإنجليزية السر ونجت باشا، الذي كان حاكما للسودان ثم ~~معتمدا لإنجلترا في مصر، وهذه الترجمة الإنجليزية هي التي اعتمدنا عليها في ~~التعريب. # 26 يوليو سنة 1930 # البلاغ # الفصل الأول # | تمهيد # في يوليو سنة 1878، عندما كنت ملازما في ألاي ولي العهد رودلف عند حدود البوسنة، تسلمت ~~خطابا من الجنرال غوردون؛ يدعوني فيه أن أذهب إلى السودان وأشتغل في خدمة الحكومة المصرية ~~تحت إداراته. # وكنت في سنة 1874 قد سحت في السودان عن طريق أسوان، فذهبت إلى كورسكو وبربر، ووصلت إلى ~~الخرطوم في شهر أكتوبر من تلك السنة، وعرجت على جبال النوبة، وبقيت مدة قصيرة في دلين؛ حيث ~~كان مركز الرسالة الكاثوليكية النمسوية. ومن هنا خرجت في اكتشاف جبال جولفان نايمة وجبال ~~كاديرو، وكنت أود أن أطيل بقائي في هذه الأصقاع، ولكن حال دون ذلك قيام عرب ~~الحوازمة. # ولما لم تكن لي مهمة سوى السياحة، فإن الحكومة طلبت عودتي إلى الأبيض عاصمة كردوفان. وكان ~~قيام هؤلاء العرب ناتجا عن جباية الضرائب الفادحة التي فرضتها عليهم الحكومة، وقد أخمدت ~~الحكومة هذه الحركة بسرعة، ولكني لهذه الظروف لم أر من الصواب الرجوع إلى النوبة؛ وعلى ذلك ~~قررت السفر إلى دارفور. # وفي ذلك الوقت كان حاكم السودان العام إسماعيل باشا أيوب مقيما في الفاشر عاصمة دارفور، ~~وعندما بلغت الكاجة والقاطول وجدت ما خيب رجائي؛ فإن الحكومة نشرت منشورا منعت فيه دخول ~~الأجانب في هذا القسم من السودان؛ لأنه كان حديث العهد بالخضوع للحكومة، وكان يخشى على حياة ~~الأجانب فيه، فرجعت بلا توان إلى الخرطوم حيث عرفت أمين باشا - وكان في ذلك الوقت الدكتور ~~أمين - وكان قد أتى من مصر حديثا في صحبة من يدعى كارل فون جرم. # وكان الجنرال غوردون حاكما عاما لمديريات خط الاستواء، وكان مقيما في ms002 لادو، فكتبنا ~~إليه نطلب منه أن يشير علينا بما يراه. وبعد شهرين جاءنا جوابه يدعونا إلى زيارته، ولكن في ~~هذا الوقت وافاني خطاب من أسرتي في فينا وهم يحثونني على الرجوع إلى أوروبا. وكنت أعاني مرض ~~الحمى، وكان لا يزال باقيا علي سنة في الخدمة العسكرية، فقررت الرجوع والنزول على رأي ~~أفراد أسرتي. # أما الدكتور أمين فقد قبل دعوة غوردون وشرع في السفر إلى الجنوب، كما شرعت أنا في السفر ~~نحو الشمال، وقبل الافتراق رجوت أمين أن يذكرني بالخير أمام غوردون وقد فعل، وكان إيصاؤه بي ~~لديه سببا في ذلك الخطاب الذي ذكرت أني تسلمته وأنا بالبوسنة بعد ذلك بثلاث سنوات. # وبعيد وصول أمين منحه غوردون رتبة بك وعينه حاكما لمدينة لادو، وعند سفر غوردون تعين ~~حاكما عاما لمديريات خط الاستواء، وبقي في هذا المنصب إلى سنة 1889، حيث عين مستر ستانلي ~~مكانه. # وعدت أنا إلى مصر عن طريق صحراء بيوضة، ثم دنقلة ووادي حلفا، وبلغت النمسا حوالي أواخر ~~سنة 1875. # وقد فرحت عندما تسلمت خطاب غوردون الذي وصل إلي ونحن في حرب البوسنة، واشتقت إلى أن ~~أعود إلى السودان معينا في منصب ما، ولكن لم يؤذن لي بالسفر إلا في ديسمبر سنة 1878 عندما ~~انتهت الحرب وعادت فرقتي إلى برسبرج، فأخذت في التهيؤ مرة أخرى للسفر إلى أفريقيا. # وكان أخي هنري في الهرسك فقضيت ثمانية أيام في فينا أودع أفراد أسرتي، ثم ذهبت إلى تريستا ~~في 21 ديسمبر سنة 1878 وأنا أجهل تماما أنه سيمضي علي 17 سنة أرى فيها الأهوال والغرائب ~~قبل أن أرى بلادي ثانيا، وكان عمري إذ ذاك 22 سنة. # ولما بلغت القاهرة تسلمت تلغرافا من جيجلر باشا بالسويس، وكان قد عين مديرا لمصلحة ~~التلغرافات بالسودان، وكان على وشك أن يسافر إلى مصوع؛ لكي يفتش على الخط بين هذه البلدة ~~وبين الخرطوم. وقد دعاني إلى السفر معه إلى سواكن، فقبلت بكل سرور الانتفاع بهذه الفرصة ~~التي تكرم فأتاحها لي. وافترقنا في سواكن؛ فذهب هو على ظهر الباخرة إلى ms003 مصوع، وشرعت أنا ~~أهيئ نفسي للسفر إلى بربر على الجمال، وقد عاونني علاء الدين باشا الذي كان حاكما في ذلك ~~الوقت، والذي كان بعد ذلك في صحبة هكس باشا، الذي قتل مع الجيش المصري بأجمعه عندما اصطدم ~~به جيش المهدي في شيكان في نوفمبر سنة 1883. # ولما بلغت بربر وجدت في انتظاري ذهبية بأمر الجنرال غوردون، فنزلت إليها ووصلنا إلى ~~الخرطوم في 15 يناير سنة 1879، وقد لقيت هنا احتراما ورعاية؛ إذ قد خصني غوردون بدار ~~ليست بعيدة عن القصر، وأنفذ إلي من يدعى علي أفندي لكي يقوم بقضاء ما أحتاج إليه، وكنت ~~في اجتماعي بالجنرال غوردون أسمعه يتحدث عن الضباط النمسويين الذين عرفهم في طولطشة، عندما ~~كان في بعثة الدانوب، وكان يحفظ لهم في قلبه أجمل ذكرى، وأتذكر قوله لي: إنه من الخطأ أن ~~نغير ملابسنا البيضاء السابقة بملابسنا الزرقاء الراهنة. # وعينني غوردون مفتشا ماليا وطلب إلي أن أقوم بالتفتيش في البلاد، وأفحص شكايات ~~السودانيين الذين كانوا يعارضون في دفع الضرائب التي لم تكن تعتبر فادحة. وإطاعة لهذه ~~الأوامر قمت إلى سنار وفازوغلي عن طريق المسلمية، وعرجت على جبال قوقيلي ورجرج وكاشانكيرو ~~القريبة من بني شنغول، ثم رفعت تقريري إلى الجنرال غوردون وأوضحت في هذا التقرير أن الضرائب ~~غير عادلة، وأن معظمها يقع على عاتق أصحاب الأملاك الصغيرة من الأرض، أما كبار الملاك فكان ~~من السهل عليهم أن يرشوا الجباة بمبالغ صغيرة فينجوا من الضرائب إلا ما قل منها، وعلى هذا ~~كان مقدار كبير من الأرض لا تؤخذ عليه الضريبة، بينما يقوم الفقراء بسد العجز ودفع ضرائب ~~ثقيلة عن أملاكهم. وأبنت - فضلا عن هذا النظام السيئ - أن الأهالي مستاءون من الطرق ~~الجائرة التي يتبعها جباة الضرائب، وجلهم من الجنود والباشبوزق والشايجية، ولم يكن هم ~~هؤلاء الموظفين سوى الحصول على الثروة بأسرع ما يمكنهم على حساب السكان التعساء، الذين ~~كانوا يخضعون لسلطتهم الوحشية القاسية. # وكنت كثيرا ما أجد خلال أسفاري أن الأراضي التي يملكها الموظفون - ومعظمهم من الأتراك ~~والشايجية - لا تجبى عليها ms004 ضرائب ما، وعندما كنت أسأل عن علة ذلك كان يقال إن هذا الامتياز ~~للموظفين لما يقومون به من الخدمة للحكومة. وقد كانوا يستاءون أشد الاستياء عندما كنت أقول ~~لهم إنهم يتناولون أجرا على هذه الخدمة. # ولكني عندما قبضت على البعض منهم أقروا جميعا بأنهم متأخرون في دفع الضرائب. ووجدت في ~~المسلمية - وهي بلدة تجارية كبيرة تقع بين النيلين الأبيض والأزرق - جماعة من النساء في سن ~~الشباب، وكان يملكهن أغنى التجار وأكثرهم اعتبارا، ويؤجرونهن للأغراض السافلة بأجور عالية، ~~وكان هذا العمل من التجارات الرابحة، ووقعت في حيرة لا أدري كيف أفرض الضرائب على هذه ~~المنازل، ولا أية خطة يجب إقرارها. وإني أعترف بأن تجاربي الماضية ومعارفي قد خذلتني في هذا ~~الموضوع، وشعرت عندئذ بعجزي التام عن القيام بأي إصلاح، ولم يكن لي من الخبرة بالشئون ~~المالية سوى القليل أو العدم؛ فلذلك وجدت من العبث أن أستمر في عملي وقدمت استقالتي. # وكان غردون قد سافر في هذه الأثناء إلى دارفور بخصوص البحث عن الحملة التي أرسلت ~~لمقاتلة سليمان بن الزبير باشا، ولكنه كان قبل أن يسافر قد رقي جيجلر إلى رتبة باشا وعينه ~~حاكما عاما مدة غيابه، فانتهزت الفرصة وأرسلت إليه مع البريد تقريري واستقالتي، وتسلمت ~~بعد مدة قليلة تلغرافا منه يوافق فيه على استقالتي من منصب المفتش المالي. # وقد ارتحت كثيرا إلى تخلصي من هذا الواجب الكريه، ولم أشعر بوخز الضمير لتركي هذا ~~المنصب؛ لأني شعرت بعجزي التام عن معالجته؛ إذ كان فاسدا من الرأس إلى العقب. # وبعد ذلك بأيام تسلمت من غردون تلغرافا عينني فيه مديرا لدارة، وهي تحتوي على الجزء ~~الجنوبي الغربي لدارفور، وأمرني بأن أقوم إليها في الحال؛ لأنه كان علي أن أقود حملة ~~عسكرية لمقاتلة السلطان هارون ابن السلطان السابق، وكان يسعى للاستقلال ببلاده والخروج على ~~الحكومة المصرية. وطلب مني غردون أيضا أن أوافيه حين رجوعه من سفره إلى مكان بين الأبيض ~~وطرة الحضرة على النيل الأبيض، فأرسلت جمالي إلى هذا المكان؛ حيث كانت باخرة غردون في ms005 ~~انتظاره، ونزلت أنا إلى الباخرة التي سارت بنا إلى طرة الحضرة؛ حيث خرجت وركبت مدة ساعتين ~~حتى بلغت محطة أبي جراد التلغرافية، وعلمت من هناك أن غردون لا يبعد عنا سوى أربع ساعات أو ~~خمس، وأنه كان في طريقه قاصدا بلوغ النيل، فركبت ثانيا وسرت ولم يمض علي بضع ساعات حتى ~~لقيته قاعدا في ظل شجرة كبيرة، وكان يبدو عليه التعب والإعياء ويشكو من تورم قدميه، وكان ~~معي لحسن الحظ قليل من الكونياك أحضرته معي من الباخرة، فانتعش منه واستعد لاستئناف السفر، ~~وطلب مني أن أرجع معه إلى الحضرة لكي نتباحث معا في مسألة دارفور، ولكي يعطيني التعليمات ~~الضرورية، وقد عرفني إلى شخصين من حاشيته؛ وهما حسن باشا حلمي الجويزر الحاكم العام السابق ~~لكردوفان ودارفور، ويوسف باشا الشلالي؛ وكان هذا آخر من انضم إلى جيشي في حملته لمقاتلة ~~سليمان زبير والنخاسين. وامتطينا الدواب ولكن غوردون حث دابته حتى ما استطعنا أن ندركه، ~~وبلغنا طرة الحضرة، ووجدنا جمالنا التي تحمل أمتعتنا، والتي كنا قد أرسلناها قبل قيامنا، قد ~~وصلت قبلنا. وأرست الباخرة في وسط النهر وعبرنا نحن إلى البر في قوراب، وكنت أنا في مؤخرة ~~القارب ويليني يوسف باشا الشلالي، ولما كنت أنا عطشان وكان بجانبه كوز رجوته أن يملأه من ~~النهر ويناولنيه حتى أشرب، ورأى غوردون ذلك فابتسم والتفت إلي وقال لي بالفرنسية: «ألا ~~تعرف أن يوسف باشا، على الرغم من وجهه الأسود، في مركز أعلى من مركزك؟ كان يجب ألا تطلب منه ~~أن يسقيك.» فاعتذرت بالعربية إلى يوسف باشا، وقلت له إني طلبت منه الماء وأنا غائب الذهن، ~~فأجابني بأنه مسرور لأن يخدمني. # ولما وصلنا نزلت أنا وغوردون في الإسماعيلية ونزل يوسف وحسن باشا في الباخرة الثانية ~~بردين، وأخذ غوردون يشرح لي حالة دارفور شرحا وافيا، وقال لي إنه يرجو أن توفق الحملة في ~~الانتصار على السلطان هرون؛ لأن البلاد مضى عليها مدة طويلة من الزمن وهي في حروب وسفك ~~دماء، وأنها لذلك في أشد الحاجة إلى السلام والراحة، ms006 وأخبرني أيضا أن حملة جسي الموجهة ضد ~~سليمان زبير ستنتهي قريبا، وأنه لن يمضي عليه زمن طويل حتى يقتل أو يهزم؛ لأنه قد فقد معظم ~~من عنده من البازنجر أو حملة الأقواس، وأنه من المحال أن يصمد أمام الخسائر التي أوقعها به ~~جسي، وكانت الساعة فوق العاشرة عندما ودعني غوردون، وكان قد أمر بإشعال النار؛ لأنه كان ~~ينوي السفر إلى الخرطوم، وعندما سلمت وتنحيت قال لي: «فلترافقك السلامة يا عزيزي سلاطين ~~وليباركك الله، إني واثق بأنك ستعمل جهدك مهما كانت الظروف، وربما عدت أنا إلى إنجلترا، ~~ولعلنا نتلاقى بعد.» # وكانت هذه الكلمات آخر ما سمعت منه، ولكن من كان يمكنه أن يتصور ذلك القدر الذي كان ~~مدخرا لكل منا؟! وشكرته أنا لتلطفه ومعاونته، وعندما بلغنا الشط انتظرت هناك حتى تقوم ~~الباخرة، ثم ما هي إلا دقائق حتى سمعت ذلك الصفير الحاد ورفعت المرساة وتحركت الباخرة، ~~وولت ومعها غوردون وقد ذهب بعيدا عني إلى الأبد. # وفي صباح اليوم التالي ركبت الجواد الذي أعطانيه غوردون، وقد حملني أربع سنوات بعد ذلك، ~~فذهبت إلى أبوجراد، ومنها سافرت إلى أبي شوقة وخوصي، ثم إلى الأبيض حيث يوجد الدكتور ~~زوربخين المفتش الصحي، وكان على وشك أن يسافر إلى دارفور، فاتفقنا على السفر معا إلى دارة، ~~ثم استأجرنا الجمال بمساعدة علي بك شريف حاكم كوردفان، وبينما نحن على وشك الرحيل إذا به ~~يناولني رسالة تلغرافية تنبئ بسقوط سليمان زبير في دارة في 15 يوليو سنة 1879، كما كان قد ~~تنبأ غوردون عندما قال لي إنه لا بد خاضع أو مهزوم. # وهنا يجب أن أذكر أنه عندما فتح زبير باشا دارفور تركها لعناية ابنه سليمان وسافر هو إلى ~~القاهرة، وفي سنة 1877 عين غوردون سليمان هذا حاكما على بحر الغزال، ولكن فشا خلاف بينه ~~وبين من يدعى إدريس أبتر؛ أحد أهالي دنقلة، وكان زبير باشا قد وكل إليه العناية ببعض ~~المسائل، ولكن أسرة الزبير تنتمي إلى قبيلة الجعالين، الذين كان بينهم وبين الدناقلة تحاسد ~~وتباغض، وإني أعتقد أن ms007 كثيرا من القلق في السودان يرجع إلى هذه الحقيقة. # فإن سكان مديرية بحر الغزال خليط من قبائل الزنوج التي كانت مستقلة كل منها عن الأخرى، ~~حتى جاءهم عرب الدناقلة وعرب الجعالين فاتحين بغية الاتجار بالعبيد. وينسب عرب الجعالين ~~أنفسهم إلى العباس عم النبي، وهم يفخرون بهذا النسب ويباهون الدناقلة به. والدناقلة ينتمون ~~في زعمهم إلى العبد دنقل، والمأثور أن هذا الرجل - على الرغم من أنه كان عبدا - قد ارتفع ~~إلى أن صار حاكم النوبة، وإن كان مع ذلك يدفع خراجا لبهنسة الأسقف القبطي للبلاد الواقعة ~~بين سراس ودبا. # وقد أسس دنقل هذا بلدة سماها دنقلة، وصار سكان هذا القسم بعد ذلك يدعون دناقلة، ~~وغالبيتهم من أصل عربي ولكنهم لاختلاطهم بالسكان قد فقدوا مرتبتهم، وهم بالطبع يؤكدون ~~انتسابهم للعرب، ولكن الجعالين لا ينفكون يذكرون أن أصلهم من العبد دنقل ويعاملونهم ~~بالاحتقار والازدراء. ويجب على القارئ أن يذكر هذه العلاقة بين الجعالين والدناقلة؛ لأنه ~~يتوقف على فهمها فهم كثير من حوادث السودان التي وقعت بعد ذلك. # وانتهى الخلاف بين سليمان زبير وإدريس إلى شجار، فشكا إدريس سليمان في الخرطوم وطلب ~~معاونة الحكومة وحصل على جيش بقيادة جسي باشا، ثم تلا ذلك تلك الحملات التي انتهت بسقوط ~~سليمان في بحر الغزال، وكان جسي قد وعده بالإبقاء على حياته، ولكن الدناقلة دسوا له فأعدم. ~~وكان له شريك يدعى رابح لم يسلم معه خوفا من انتقام الدناقلة، فأخذ كوكبة من الجنود وسار ~~بهم في الشمال الغربي، فأخذ يجازف ويقتحم الأهوال حتى بلغ قطرا قريبا من بحيرة تشاد، ~~فاستولى عليه وصار ذا خطر عظيم في حظوظ القارة السوداء. # وهناك مسألة أخرى يجب علي ذكرها بخصوص الخلافات بين القبائل؛ لما لها من الأثر في ~~حوادث السودان التي وقعت بعد ذلك، والتي يحسن لذلك شرحها مع بعض التفصيل. # لما زار غوردون دارفور زيارته الثانية، عرف وتحقق من أن تجار الأبيض السودانيين يبيعون ~~الأسلحة والبارود للثائر سليمان، وكانوا بالطبع يعطفون عليه لما ينالون منه من الربح، ~~وكانت هذه الذخائر ms008 الحربية ترسل بواسطة الجلابة أو صغار التجار بين الأبيض وبين بحر الغزال، ~~وكان هؤلاء يربحون منها ربحا عظيما؛ مثال ذلك أن ثمن البندقية ذات ذات الأنبوبتين كان من ~~ستة عبيد إلى ثمانية، وكان ثمن صندوق الخراطيش عبدا أو عبدين، وقد حاول الموظفون في الأبيض ~~وقف هذه التجارة، ولكن الصعوبات كانت عظيمة، وكانت قبائل العرب الرحل تسكن المراكز ~~الواقعة بين كردوفان وبحر الغزال، وكان بين هؤلاء العرب قبائل الرزيفات والحوازمة والحمر ~~والمصيرية، وكان من السهل على التجار الجلابة أن يخرجوا قوافل صغيرة، وأن يجتازوا ويختبئوا ~~في الغابات الكثيرة التي لم يكن يسكنها أحد، وإذا اتفق أن موظفا مصريا التقى بهم فإنه ~~كان يمكن التغلب عليه برشوة صغيرة. # وكان غوردون يعرف كل هذا؛ ولذلك أمر بوقف التجارة بكل أنواعها بين بحر الغزال والأبيض، ~~وأمر كذلك التجار بترك المراكز الواقعة جنوب الأبيض والطويشة وطريق دارة، وحصر تجارتهم في ~~الجزء الشمالي والغربي ما دامت الحرب دائرة في بحر الغزال. ولكن على الرغم من الدقة التي ~~اتبعت في تنفيذ هذه الأوامر، كان الربح الناتج عن التجارة مع سليمان أكبر وأقوى إغواء من أن ~~تقفه هذه الأوامر؛ حتى كان التجار لا يعبئون باكتشاف أمرهم، ولم يكن في يد الحكومة ما ~~يمكنها من أن تقف هذه التجارة التي زادت بدلا من أن تنقص بعد ذيوع هذه الأوامر، فعمد غردون ~~لهذا السبب إلى وسائل حاسمة، وأمر المشايخ والعرب بأن يقبضوا على التجار الجلابة، ويرسلوهم ~~بالقوة إلى دارة وطويشة وأم شنجة والأبيض، وألقى عليهم تبعة وجود الجلابة في بلادهم بعد ~~تاريخ معين. # وانتهز العرب الحريصون هذه الفرصة وأخذوا ينبهون الجلابة، بل التجار الوادعين الذين ~~عاشوا بينهم زمنا طويلا، والذين لم يكن لهم أقل دخل في تجارة المهربات الحربية، فجمعوا ~~القمح والزوان بلا تمييز وربحوا بذلك ربحا عظيما، فما هو أن ذاعت أوامر غوردون حتى حمل ~~العرب على التجار حملة عامة، فلم يأخذوا منهم تجارتهم فقط بل أخذوا كل ما يملكونه؛ حتى ~~جردوهم من كل شيء، وساقوهم كالبهائم وهم تقريبا ms009 عراة يعدون بالمئات إلى طويشة ودارة وأم ~~شنجة، وكان هذا عقابا عظيما لهم على مساعدتهم أعداء الحكومة. # وكان كثير من هؤلاء التجار قد أقاموا بين العرب سنوات، وكان لهم زوجات وأولاد وسريات ~~وأملاك كبيرة وقعت كلها في أيدي العرب. والحق أن هذا الانتقام من هؤلاء التجار الذين كانوا ~~يتجرون بالمهربات الحربية وبالعبيد؛ كان هائلا، وإن كانوا هم يستحقونه على مبدأ السن ~~بالسن والعين بالعين، وكانت نتائج هذا العمل بعيدة المدى؛ وذلك لأن معظم هؤلاء الجلابة ~~كانوا من الجعالين الذين ذكرناهم، فانغرست بينهم من ذلك الوقت وبين العرب الذين أذلوهم ~~وأباحوا تجاراتهم عداوة لا تزال مستمرة للآن، والدلائل تدل على أنها في ازدياد لا في ~~تناقص. # ولو اعتبرنا المروءة والإنسانية لقلنا إن هذا الاعتداء على الجلابة يستحق المناقشة من حيث ~~عدالته، ولكن عند تدقيق الفحص نجد أن الظروف لم تكن تسمح بمعالجة هذا الظرف الاستثنائي ~~بالوسائل السياسية أو بروح العطف الإنساني؛ فإنه لم يجد في الحالة وقتئذ سوى اتخاذ إجراءات ~~شديدة فعالة، والعرب أنفسهم يقولون: «نار الغابة تلزمه الحريقة!» يعنون بذلك أنه إذا شبت ~~النار في الغابة لم يكن سبيل النجاة منها إلا بإحراق جزء من الغابة؛ بحيث إذا وصلت النار ~~الكبرى لا تجد ما تأكله؛ فينجو الإنسان منها بوقوفه في المكان الذي أحرقه هو نفسه. وهذا ~~المثل يقبل التطبيق على الحالة التي ذكرناها. # ولما كان لهؤلاء التجار الجلابة - وجلهم من الجعالين والشايجية والدناقلة - أقارب في وادي ~~النيل، وكان لهم أصدقاء يشتركون معهم في النخاسة وسائر التجارة، أوجدت أوامر غوردون سخطا ~~بينهم؛ إذ لم يكادوا يفهمون العلة في ضرورة اتخاذ هذه الإجراءات الشديدة. # الفصل الثاني # | إقامتي في دارفور وتاريخها السابق # غادرنا الأبيض أنا والدكتور زربوخين المفتش الصحي الذي كنت قد قابلته في القاهرة، وكانت ~~مغادرتنا للأبيض في يوليو سنة 1879، فأخذنا طريقنا إلى الفوجة آخر محطة تلغرافية، وهنا ~~تسلمت رسالة تلغرافية من غوردون يقول لي فيها إنه مسافر إلى الحبشة في مهمة مع الملك ~~يوحنا. # ولما بلغنا أم شنجة وجدناها مزدحمة بالجلابة ms010 الذين طردوا من الجنوب، وكانت حالتهم تبعث ~~على الشفقة، ومن الغريب أنه شاعت عني إشاعة مقتضاها أن غوردون خالي؛ ولعل سبب ذلك زرقة عيني ~~وأني كنت حليقا، وكان الجلابة ينظرون إلي بعين الخوف لهذا السبب، وكانوا يعدون غوردون ~~أصل بلائهم الحاضر، وأخذوا يغمرونني بالعرائض لمعاونتهم، فأخبرتهم بأن أم شنجة ليست داخلة ~~ضمن نطاق أعمالي؛ ولذلك لا يمكنني مساعدتهم، وقلت أيضا إنه لو كان في مقدوري مساعدتهم من ~~مالي الخاص لما فعلت. # وقد خالفت هذه القاعدة في حالة واحدة، ولكن قبل أن أقص هذه الحادثة يجب أن أقول إنه لا ~~ينبغي الحكم على عملي من وجهة الآداب المسيحية فقط، بل أنا أقر بأني خرجت عن حدود الشريعة ~~الإسلامية، ولكن عندما يقرأ القارئ القصة بأجمعها سيوافقني على جميع ما عملته، ويشترك معي ~~في العواطف التي بعثتني على هذا العمل. # فقد زارني في أحد الأيام طائفة من التجار، وطلبوا مني أن أتوسط في مسألة شاب عمره 19 سنة ~~وأصله من الخرطوم، وقصوا علي أن هذا الشاب قبل مغادرته الخرطوم كان قد خطب ابنة عم له ~~جميلة ولكنها فقيرة، وتواعدا على الزواج بعد أن يسافر الشاب في تجارة ويجمع بعض المال، فلما ~~وصل إلى أم شنجة عرف عجوزا غنية افتتنت به أشد الافتتان، ولم يخبرني هؤلاء التجار عن الشاب ~~هل هو طمع في أموالها أو لا، ولكن المسألة انتهت بأن تزوجته هذه العجوز، ووجد هو نفسه أنه ~~أصبح ثريا فلم يكن له رغبة في الرجوع إلى الخرطوم وتطليق امرأته، وبلغت أخباره ابنة عمه ~~في الخرطوم فاستولى عليها ذهول، وطلب إلي أن أحل هذه المسألة، فماذا أفعل؟ # فاستدعيت الشاب وكان جميلا وجماله فوق المألوف، فتنحيت به في ناحية وأخذت أكلمه بكل جد ~~ووقار، وأظهرت له سوء عمله في التزوج بعجوز أجنبية عنه، وكيف أن خطيبته تبكي حتى كاد يذهب ~~بصرها، وهي وإن كانت فقيرة ولكنه يجب شرفا أن يرعى مودتها ووعده لها، فتردد مدة طويلة ~~ولكنه أخيرا رضي بأن يذهب إلى القاضي ويطلق هذه العجوز، ms011 وكنت قد استدعيت القاضي وأخبرته ~~أنه إذا طلق الشاب زوجته يجب عليه أن يخبر المرأة بهذا الطلاق بكل رفق ولطف؛ لأني لا أرغب ~~في ضوضاء، واستوثقت من أقارب الشاب بأنه بعد طلاقه يجب أن يسافر إلى الخرطوم، ثم أوصيت موظف ~~الحكومة في أم شنجة بأن ينفي هذا الشاب بعد يومين من طلاقه ويأمر بعدم بقائه في البلدة بعد ~~هذين اليومين، وأوعزت له بأن يقول ما شاء أمام العجوز ويلقي علي تبعة الخلاف، بشرط أن ~~يجتهد في أن تعطي الشاب مبلغا من المال يقوم بحاجته مدة سفره إلى الخرطوم، ولم أكن أتصور ~~وأنا أعمل هذا العمل الزوبعة الهائلة التي أثرتها على رأسي؛ ففي الساعة الرابعة بعد الظهر ~~وأنا منسطح على العنجريب في عشتي، سمعت صوت امرأة غاضبة ترغب في أن تراني، فحدست من تكون ~~هذه المرأة واستعددت للقائها وأمرت بدخولها، وما هو أن صارت في العشة حتى رأت الدكتور ~~زربوخين الذي كان معي وقتئذ، فصاحت فيه وهي هائجة مجنونة: «لن أقبل الطلاق، هو زوجي وأنا ~~زوجته، تزوجني على أصول الشريعة وأنا أرفض الطلاق.» # فدهش الدكتور زربوخين وتمتم كلمات مكسورة باللغة العربية وأخبرها بأنه لا يعرف شيئا عن ~~هذه المسألة، وأن التبعة تقع علي أنا وحدي، ولم أتمالك من النظر والتأمل في هذه المرأة ~~الغريبة؛ فقد كانت ضخمة قوية عنيدة، وكانت من الغضب بحيث لم تراع أدب اللياقة الذي تراعيه ~~الشرقيات في مخاطبة الرجال؛ فقد انفتل برقعها لشدة هياجها، وبدا رأسها مغطى بمنديل حريري ~~عديد الألوان وقع بعضه على كتفيها، وكان وجهها يضرب إلى الصفرة وقد كسته الأسارير، وفي كل ~~من خديها ثلاثة خطوط من الوشم، بين الواحد والآخر نحو نصف بوصة، وكان معلقا بأنفها قطعة من ~~المرجان الأحمر، ويتدلى من أذنيها قرطان كبيران من الذهب، أما شعرها فكان حلقات صغيرة عديدة ~~قد شمطت لتقدمها في السن، وظننت وأنا أنظر إليها أني لم أر قط امرأة أكثر دمامة منها، وأنا ~~في هذه التأملات وإذا بنعيبها الذي تحول إلي تسألني السؤال نفسه الذي ms012 سألته للدكتور ~~المرعوب، فتركتها حتى هدأت قليلا ثم قلت: «إني أدرك تماما ما تقولين، ولكن لا بد من ~~الخضوع لما لا مفر منه؛ فإن زوجك سيتركك وأنت لا يمكنك أن تتركي البلدة معه، وتقولين إنك لا ~~ترغبين في الطلاق، ولكن تذكري أن الشريعة تحل للرجل الطلاق.» # فصاحت بي: «لو لم تتوسط لما طلقني، لعنة الله على يوم جئتنا فيه.» # فقلت: «أرجوك أن لا تقولي ذلك، فأنت امرأة غنية وأظن أنك لن تجدي صعوبة في الحصول على زوج ~~أكبر سنا من زوجك الذي طلقك.» # فصرخت: «لا أريد أحدا غيره.» # فقلت بحدة: «اسكتي، أقارب زوجك السابق يريدون أن يتركك ويسافر، وقالوا إنه لا يربطه بك ~~إلا أموالك، والآن مهما قلت فإنه سيغادرك غدا، ألست تخجلين من التزوج بشاب صغير قد كان ~~يمكن أن يكون أحد أحفادك وأنت عجوز؟!» # فجنت جنونها عندما فهت بهذه العبارة ولم تستطع ضبط نفسها، فمزقت برقعها ورفعت يديها، لا ~~أدري ماذا كانت تريد أن تفعله لو لم يدخل القواص ويجليها عن الغرفة بالقوة وهو يحذرها من ~~الفضيحة التي تجلبها على نفسها بأعمالها هذه، وفي اليوم التالي سافر الزوج وهي في غم ~~شديد. # وبعد سنوات لقيت هذا الزوج وكان قد تزوج ابنة عمه، فشكر لي صنيعي وتخليصي له من مخالب تلك ~~العجوز، وكان في ذلك الوقت أبا سعيدا له أولاد عدة، وليس لي حاجة بأن أقول بأني نمت تلك ~~الليلة مرتاحا لهذا الصنيع الذي لم يكلفني شيئا. # وبعد ذلك بيومين برحنا أم شنجة وبتنا في جبل الحلة، فاستقبلنا هناك حسن بك أم كادوك شيخ ~~قبيلة برني، وكان على ولاء كبير للحكومة، وقد منحه غوردون رتبة بك، وكان رجلا كهلا سمينا ~~جدا عريض المنكبين ووجهه مستدير دائم الابتسام، وقد يمكن أن نسميه «فولسطاف السودان»؛ ~~جريا على شكسبير الذي سمى أكبر شخص مضحك في دراماته «فولسطاف»؛ فإننا بعد سنوات عندما ~~انقلبت الأحوال وصار السادة عبيدا، صرنا أنا وهو ياورين عند الخليفة، وكان مزاجه البهيج ~~هذا كثيرا ما يخفف عنا أعباء حياتنا ms013 التي كنا لا نتحملها أحيانا. وكان أخوه إسماعيل، على ~~النقيض منه، رجلا طويلا نحيفا يميل إلى الجد، ولم يكن يتفق هذان الأخوان في شيء إلا في ~~مسألة واحدة؛ هي حب المريسة - الجعة السودانية - والتهالك على شربها، وكان لكل منهما إناء ~~يدعي أنه بلبل توضع فيه هذه المريسة فيتسابقان أيهما يفرغ إناءه قبل الآخر. # وقد دعوانا إلى العشاء معهما وشوي لنا خروف كامل على فحم الخشب، يصحبه عدة من الدجاج ~~المشوي، وطبق من العصيدة التي تؤكل في كل وجبة في السودان. وكان أيضا على المائدة عدة آنية ~~من المريسة، وقد طاب لنا الطعام فأكلنا، وتركنا المريسة لهما وشربنا نحن شيئا مما عندنا من ~~النبيذ الأحمر، وقد شرب حسن وإسماعيل كلاهما من النبيذ والمريسة ما شاءا، وكان أثر الخمر في ~~الأول عندما صدمته حمياها أن جعلته يتدفق في الحديث، أما الثاني فقد انعقد لسانه وصمت! وكان ~~حسن يروي لنا بعض ما يعرفه عن غوردون، وقد اكتأب وحزن عندما عرف بسفره للحبشة. # وقال لي بلهجة الحزن: «قد لا يرجع غوردون من الحبشة، وقد يسافر إلى بلاده فلا نراه ~~ثانيا.» ومن الغريب أن قولته هذه كان فيها شيء من الصحة، ثم ترك الغرفة وعاد بعد برهة ومعه ~~سرج وسيف وهو يقول: «انظر، هذا هو آخر ما أعطانيه غوردون لما رافقته إلى الفاشر، ما أكرمه ~~وأرأفه!» وعرض علينا إسماعيل سترة مطرزة بالذهب أهداها إليه غوردون، وقال حسن: «كان غوردون ~~لا يعرف الكبر؛ في أحد الأيام ونحن في الطريق إلى الفاشر صاد أحد الخدم طائرا، فلما حططنا ~~رحالنا في الظهر وضع الطباخ قليلا من الماء على النار، حتى إذا غلى غمس فيه الطائر لكي ~~ينزع ريشه، ورآه غوردون يفعل ذلك فذهب إليه وأخذ يساعده في نزع الريش، فاندفعت أنا إليه ~~ورجوته أن يكف عن ذلك وأنا أقوم بدلا منه بهذا العمل، ولكنه قال لي: «وهل تظنني أخجل من ~~العمل؟ إني قادر على أن أخدم نفسي، ولست في حاجة لأن يقوم بخدمتي رجل حائز لرتبة بك ~~مثلك».» ms014 # ولم يكف حسن عن مسامرتنا حتى ساعة متأخرة من الليل، وقد حكى لنا عن تجاريبه لما فتح ~~الزبير دارفور، ثم ما تلا ذلك من الثورة إلى حالتها الحاضرة، وكان كثيرا ما يعود إلى ذكر ~~غوردون، ومما قاله: «كنت مرة مسافرا مع غوردون فمرضت وجاء غوردون يعودني في خيمتي، وبينما ~~هو يحدثني قلت له إني كنت منغمسا في الشراب، وإن وعكتي الحاضرة لم تحدث لي إلا لانقطاعي ~~عنه منذ أيام، وكان قولي هذا هو الصيغة الغير المباشرة التي أردت منها أن يعطيني غوردون ~~شيئا من الشراب، ولكن ساء فألي؛ فإن غوردون وبخني وعنفني وقال لي: «أنت مسلم وديانتك تحرم ~~تناول الخمر، إني في غاية الدهشة، أقلع عن هذه العادة فكل منا يجب أن يطيع أوامر دينه.» ~~فقلت له: «لقد اعتدت الشرب طول حياتي، فإذا انقطعت عنه الآن فإني أمرض، ولكني سأعتدل في ~~المستقبل.» فبانت أمارات الرضى على وجه غوردون وهز يدي مسلما وودعني وخرج، وفي صباح ~~اليوم التالي أرسل لي ثلاث زجاجات من الكونياك وأوصاني بالاعتدال في شربه.» # وكان أخو حسن صامتا لا ينبس بكلمة، وكان مرتفقا يملأ كوبا وراء آخر من المريسة ويشربه ~~بجد ووقار ونظام كأنه نظام بساعة، ولما انتهى من الشراب وقف في روية وتؤدة ومسح شاربيه ~~وقال بلهجة الحزن: «نعم، نعم، الكونياك شراب طيب، وهو ليس خمرا بل دواء، وغوردون رجل عظيم ~~بار ولن نراه ثانيا.» # وذهبنا إلى الفراش في ساعة متأخرة وأمرنا قبل نومنا أن تعد الدواب للقيام في الفجر، فلم ~~ننم إلا وقتا قصيرا. ولما استيقظنا وأردنا الركوب أنا والدكتور زربوخين، نظرنا حوالينا ~~نبحث عن أهل البيت لكي نودعهم قبل سيرنا، ونحن في ذلك وإذا بإسماعيل يعدو إلينا ورأسه يميل ~~من أثر الشراب السابق، وقال لنا: «أيها السادة إننا سمعنا على الدوام بأن في بلادكم عدلا، ~~وأنا واثق بأن الضيف هناك لا يسيء إلى رب البيت، وأمس عندما أمرتم الدواب التي تحمل أمتعتكم ~~بالسفر سرق رجالكم السجادة التي وضعتها لكم لتقعدوا عليها.» # فبحثت وتأكدت بأن ms015 أحد رجالي قد سرق هذه السجادة الثمينة، وأرسلت وراء الجمال قواصا لكي ~~يدرك هذا اللص ويحضره، وقعدت أنتظر، وبعد مدة جاء القواص ومعه السجادة ووراءه عسكري ~~زنجي من الحرس الثمانية الذين كانوا في صحبتا، ولما استجوبنا هذا العسكري قال إنه حملها ~~خطأ، ولكني لتأكدي من جريمته أمرت بجلده وإرساله سجينا إلى أم شنجة، وقد تعكر مزاجي لهذه ~~الحادثة؛ لأني كنت أعرف أن الناس هنا يحكمون على الأسياد بما يرون من الخدم، وكنت واثقا ~~بأني إذا لم أعاقب هذا الخائن، فإن مثل هذه السرقات ستكرر في المستقبل. # واعتذرنا إلى حسن وأخيه، ثم شرعنا في السفر إلى الفاشر التي بلغناها بعد خمسة أيام، ~~ومررنا في طريقنا على بروش وأرجود. # وقد كانت الفاشر طول مدة القرن الماضي عاصمة دارفور، وهي مبنية على قارتين أو رابيتين ~~واحدة في الشمال وأخرى في الجنوب، يفصلهما واد عرضه نحو 400 ياردة يدعى وادي تندلتي، وفي ~~الغرب قلعة على تل حولها حائط من الطوب النيئ عرضه ثلاثة أقدام، وحول الحائط خندق عمقه 15 ~~قدما، وكان في الأركان أربعة أبراج وبها مدافع تطلق قنابلها من فتحات صغيرة. # وكان هذا الحائط يحتوي على مباني الحكومة ومساكن الضباط وثكنة الجنود، وكان الخيالة غير ~~النظاميين يسكنون خارجا، وكان سكان القلعة يستقون الماء من آبار في الوادي تبعد عنهم بنحو ~~خمسين ياردة. # وكان مسدجاليه بك، وهو رجل إيطالي، حاكما على الفاشر، وقد تلقانا بالبشر وخصص لنا ~~أمكنة في مباني الحكومة، وكنا قد أصبنا بحمى من مسيرنا في الأمطار، فقر رأينا على أن ~~نرتاح بضعة أيام. # وبعد أن استرحنا استأنفنا السفر أنا والدكتور زربوخين إلى دارة، ورافقنا على سبيل التشييع ~~مسدجاليه بك، وأخبرنا أن زوجته ستحضر إلى الخرطوم، وأنه قد طلب إجازة لكي يسافر ويستقبلها ~~فيها ثم يحضر وإياها إلى الفاشر، فاقترحت عليه أن ينتظر حتى تنتهي مسألة السلطان هارون ثم ~~يحضر وزوجته بعد ذلك، ولكنه أجابني بأنه ليس هناك أقل خوف، وأن في البلاد جيوشا كافية ~~لقمع أي حركة، ولكني كنت سمعت بأن ms016 نفوذ هارون عظيم، وأن هناك خوفا على جنود الحكومة من ~~ضغطه عليهم. ولما كنت حديث العهد بالمجيء إلى السودان وقليل الخبرة بأحواله، لم أقدر على أن ~~أعطي رأيا باتا في الموضوع، فودعته هو وسعيد بك جمعة الحكمدار وسرنا إلى دارة عن طريق ~~كريوت ورأس الفيل وشعيرية. # وكان لزربوخين هيئة تدل على أنه أكبر مني سنا، وكانت له لحية طويلة سوداء، وكان يضع على ~~عينيه نظارة سوداء. أما أنا فكانت هيئتي تدل على أني أقل عمرا من الحقيقة؛ فلم يكن شاربي ~~قد نبت إلا قليلا، وكانت لي سحنة الصبيان، فكنا لا نسير في أي مكان حتى يظنه الناس أنه هو ~~الحاكم والطبيب أو الصيدلي، ولما قاربنا غاية سفرنا كان الدكتور زربوخين مريضا بالحمى؛ ~~ولذلك تأخر بدابته عني ومشى وئيدا حتى وصلت إلى شعيرية قبله، وشعيرية هذه على سفر يوم من ~~دارة، وكان أهل القرية يستعدون لاستقبالنا، فكنسوا المنازل ووضعوا الحصير، ووضع القاضي ~~والشيخ سجادا لكي يستريح الحاكم القادم، وبرك جملي ونزلت عنه، ولما سألوني عن شخصي قلت ~~إنني أحد حرس الحاكم، وأخبرت من معي من الحرس بألا يقولوا شيئا، وأخذ القرويون يسألونني عن ~~الحاكم الجديد، فقلت لهم: «أظنه سيجتهد بأن يعمل ما في جهده وأنه يميل للعدل ~~والتسامح.» # فقال واحد منهم: «ولكن هل هو شجاع طيب القلب؟» وكان هذا السؤال تصعب الإجابة عليه، فقلت: ~~«يبدو عليه كأنه لا يخاف، ولكني لم أسمع شيئا عن شجاعته، وله هيئة الرجال، وأظن أنه طيب ~~القلب، ولكنه بطبيعة الحال لا يمكنه أن يرضي كل أحد.» # فقال آخر: «لو كان لنا حاكم مثل غوردون باشا لرضي كل واحد، وأمنت البلاد بأنه لم يتوقف قط ~~عن الإنعام على الناس وإلطافهم، وما جاءه فقير قط وعاد خائبا، ولم أسمعه يتكلم بقسوة إلا ~~مرة واحدة؛ وذلك حين كان سليمان زبير في دارة؛ فإنه التفت إلى القاضي وقال إن بين ~~السودانيين من لا يستحق أن يعامل بالرأفة به، فقال القاضي: «أجل سمعته يقول ذلك، ولكنه كان ~~يشير بقوله هذا إلى ms017 الجلابة وتجار النيل، الذين كانوا يشتركون مع الزبير وابنه في جميع ~~التجارات غير الشرعية التي كانوا يتكسبون منها».» # وقال شيخ القرية واسمه مسلم ولد كباشي: «غوردون بطل؛ فقد كنت أنا أشتغل معه في القتال مع ~~عرب ميمة والخوابير في سهل فافة في يوم شديد الحر، وتقدم العدو وأجلانا عن الخط الأول، ~~وكانت الحراب تقع علينا كثيفة من كل جانب، ورأيت حربة تقع على قيد شعرة من غوردون فما بالى، ~~ولم ننل النصر إلا لثباته هو واحتياطيه المؤلف من مائة رجل، ولما كانت المعمعة على أشدها ~~أخرج سجارة وأشعلها، إني مارأيت شيئا قط في حياتي مثل هذا. وفي اليوم التالي عندما شرع في ~~توزيع الغنائم لم يغب عن ذهنه أحد، ولم يحفظ لنفسه شيئا، وكان رفيقا بالنساء والأطفال، ~~ولم يأذن بسبيهم كما هي عادتنا في الحرب، بل كان يطعمهم ويكسوهم على نفقته، أو كان يردهم ~~إلى منازلهم عند انتهاء الحرب. وفي أحد الأيام سبينا عدة نساء بدون علمه وحجزناهن، ولو علم ~~بفعلتنا لرأينا منه الويل.» # وبعد سكوت سألت عن الأحوال في دارة وصفات الموظفين؛ لأني كنت سمعت أنهم لا يوثق بهم، ~~وأنهم لا ينظرون بعين الرضا إلى مجيئي. # وهنا وصل الدكتور زربوخين وسائر القافلة، فوقف الشيخ والقاضي وأعيان القرية في نصف دائرة ~~لاستقباله، أما أنا فقد تنحيت جانبا واختفيت، وأخذت أنصت لما يقول مسلم ولد كباشي الذي بدأ ~~يحيي الوالي الجديد ويصف له فرحه بقدومه، وكان زربوخين لا يعرف من العربية إلا القليل، ~~فارتبك أشد الارتباك لهذه التحية وقال لهم: «الحقيقة إنني لست الحاكم، أنا مفتش الصحة، ولا ~~بد أن الحاكم قد وصل قبلي، ولكن بالنسبة لأن الرجال الذين معه قليلون ربما لم يحسبه أحد ~~لذلك أنه هو الحاكم.» فتقدمت أنا عندئذ وشكرت للقرويين، وأنا أضحك، لطفهم وحسن استقبالهم، ~~وأكدت لهم بأني سأعمل جهدي لكي أرضيهم، وأني منتظر منهم أن يعاونوني على إنفاذ الأوامر، ~~وأخذوا بالطبع يعتذرون إلي عن خطئهم، ولكني وضحت لهم أنه ليس هناك ما يدعو إلى هذا ~~الاعتذار، ms018 وقلت لهم إني أرغب في أن تكون علاقتي بهم متينة حميمة، وإني أرجو أن تكون هذه ~~رغبتهم أيضا، ومن هذا الوقت صار مسلم ولد كباشي من أعز أصدقائي، وبقي كذلك في أوقات الفرح ~~والحزن على السواء حتى برحت البلاد. # وقد هاجت هذه الحادثة الصغيرة شهوتنا للطعام، وقعدنا وتناولنا طعاما فاخرا من الضأن ~~المشوي، ولما انتهينا امتطينا الدواب واسترحنا في الليل تحت شجرة على مسير ساعتين من دارة، ~~وعند شروق الشمس أرسلت رسولا لكي يخبر بقدومنا، ولما صرنا في أرباض المدينة خرجت الحامية ~~واصطفت واستقبلتنا استقبالا عسكريا وأطلقت سبع قنابل إكراما لنا، وكان معها حسن حلمي ~~الحكمدار وزوجال بك نائب الحاكم والقاضي وبعض أعيان التجار، وذهبنا جميعا إلى القلعة حيث ~~دار الحكومة، وقضينا نصف ساعة في التفتيش، ثم ذهبت إلى مسكني وأمرت بتهيئة بعض الغرف ~~للدكتور زربوخين في مسكني؛ لأني أردت أن ينزل عندي ضيفا بضعة أيام. # وما كدنا ننتهي من العشاء حتى سمعت ضوضاء بين الخدم الذين كانوا يدافعون رجلين من الدخول ~~إلينا، وكان هذان الرجلان رسولين يحملان خطابا من أحمد قاطنج وجبر الله؛ وهما الرئيسان ~~للحامية غير النظامية في بير جوى، وهي على مسيرة ثلاثة أيام في الجنوب الغربي من دارة، وقد ~~قالا في الخطاب إنهما علما أن السلطان هارون سيغير عليهما، وأنهما بالنسبة لقلة عدد الحامية ~~قد قررا إخلاء مكانهما ما لم تأتهم أمداد من الحكومة، وقالا أيضا إنهما إذا تركا مركزهما ~~فإن جميع القرى ستنهب. # ولم يكن ثم متسع من الوقت لتأجيل، فأمرت حسن أفندي رفقي بأن يعد مائتي جندي نظامي ~~وعشرين فارسا للقيام في الحال معي إلى جوى. # وما انتصف الليل حتى كان قد أعد كل شيء، وودعت الدكتور زربوخين وقلت له إني أؤمل أن أراه ~~بعد أربعة أيام أو خمسة، وخرجت متوجها نحو الجنوب الغربي، وكنت شابا قويا في اشتياق ~~إلى الحرب، وإني أذكر الآن مقدار فرحي الشديد للقاء السلطان هارون ومناجزته، ولم يخطر ببالي ~~شيء عن المشاق، وإنما كل ما كنت مشتاقا إليه أني ms019 كنت أرغب في أن أبين لجنودي أني قادر على ~~قيادتهم، وفي الصباح حططنا رحالنا، وكان جميع الجنود زنوجا حتى ضباطهم، أما الجنود الراكبة ~~فكانوا من الأتراك والمصريين، وخطبتهم جميعا وقلت لهم إني الآن غريب عنهم، ولكن عليهم أن ~~يعرفوا أني مستعد لأن أشاركهم مشاقهم في كل وقت، وإني أرجو أن يكونوا ممتلئين حماسة وأن ~~نسرع للقاء العدو، وكانت خطبتي بسيطة ولكن كان لها وقع في نفوس الجند، وعندما انتهيت منها ~~رفعوا أسلحتهم في الهواء فوق رءوسهم على الطريقة السودانية، وصاحوا بأنهم لن ينثنوا عن ~~الظفر أو الموت. # وفي الظهر حططنا قرب قرية فأخذت أراقب رجالي وأفحصهم، وكانوا كلهم على أهبة ومعهم ذخيرة ~~كافية، وكان مع كل جندي زمزمية من جلد المعز أو الغزال، واسمها سن - وجمعها سنين - ولكن ~~لم يكن معهم طعام، ولما سألت عن سبب ذلك قيل لي: «أينما ذهبت في دارفور تجد الطعام.» فذهبت ~~إلى شيخ القرية وطلبت منه تقديم كمية من الدخن، وكانوا ينقعون الدخن في الماء ثم يعصرونه ~~ويمزجونه بالتمر الهندي ثم يأكلونه، أما العصارة فكانوا يشربونها وكانت لمزازتها تطفئ ~~الظمأ، والغالب أن الأوروبيين لا يستطيعون هضم هذا الطعام ولكنه مغذ جدا، والجنود ~~السودانيون لا يأكلون تقريبا شيئا غيره وهم سائرون إلى القتال، وقد اعتدت تناوله ~~بالتدريج، ولكني وجدت أنه إذا لم يكن الإنسان في صحة تامة فإنه يعقبه سوء هضم شديد، وأحضر ~~لنا شيخ القرية الدخن ومعه عصيدة وزعت على الرجال، وبينما هم يأكلون دعوت الضباط لأن ~~يأخذوا شطرا من اللحم المحفوظ بالعلب الذي كان معي، فأخذوه واستطابوه قائلين إنه أفضل من ~~الدخن والعصيدة. وبعد ذلك طلبت من الكاتب أن يكتب لشيخ القرية صكا بمقدار ما تسلمناه منه ~~من الدخن لكي يحط ثمنه من مقدار ما يدفعه لجابي الضرائب، ولكن هذا الرجل رفض قائلا إن ~~إطعام الجنود ليس فقط من واجباته بل إن أصول الضيافة والكرم تقتضيه، فقلت له إني أعرف أن ~~أهالي دارفور أسخياء ولكني أجد أن طعام 200 نفس يعدو حدود السخاء، وإنه ms020 لذلك يجب عليه أن ~~يتسلم ثمن طعامه، فرضي أخيرا واطمأن إلى حديثي، وقال إنه لو سار الجنود على هذا المبدأ ~~لسر السكان، ولكن لسوء الحظ قد اعتاد الجنود اقتحام المنازل وأخذ ما فيها؛ حتى إن ~~الأهالي صاروا يخشونهم، وعندما ينزلون قراهم يجتهدون في إخفاء ما عندهم، فشكرت للشيخ قوله ~~هذا ووعدته بأني سأصلح هذه الحالة. # وعند غروب الشمس وصلنا إلى بير جوى وكان بها حامية غير نظامية عددها 120 رجلا يقودهم ~~أحمد قاطنج وجبر الله، وقد أخبراني بأنهما بعثا جواسيسهما لكي يعرفوا حركات السلطان هرون، ~~وأنهما لا يظنان أنه قد نزل بعد من جبل مرة إلى الوادي، وكنت في غاية الإعياء وقد تملكني ~~النعاس فذهبت إلى فراشي لأنام، ولكن اطراد قرع الطبول إكراما لي وضربان رأسي منعاني من ~~النوم، وفي الصباح شعرت أني مريض، ولما جاءني أحمد ورأى ما أنا فيه قال لي: «يمكننا معالجة ~~هذا بأيسر سبيل، عندي رجل يقف ضربان الرأس في الحال، وهو أفضل من الدكتور الذي في دارة ~~والحقيقة أنه ليس في دارة دكتور وإنما هو صيدلي يقال له دكتور على سبيل التأدب ~~والتجمل.» # فقلت: «ولكن كيف يمكنه أن يعالجني؟» # فقال: «هذا شيء بسيط، يضع يديه على رأسك ثم يقول شيئا فتبرأ، بل تعود أحسن مما كنت قبل ~~أن تمرض!» # فقلت: «إذن ادعه الآن.» # وكنت شابا وجاهلا في تلك الأيام، وخطر ببالي أن أحد هؤلاء العرب ربما قد زار أوروبا ~~وعرف شيئا عن العلاج المغنطيسي، وأنه قد أرصد حياته لفائدة الناس وشفائهم، وإني أعترف بأني ~~شعرت بشيء من القلق لما قاله أحمد لي، وبعد دقائق قليلة أدخل أحمد إلى غرفتي رجلا طويلا ~~أسود له لحية بيضاء، يظهر عليه أنه من سكان بورنو، وقال لي: «هذا هو الطبيب الذي سيشفيك من ~~ضربات الرأس.» # ولم يتردد الطبيب لحظة بل وضع يده على رأسي وضغط صدغي بإبهامه وسبابته، ثم تمتم جملة ~~كلمات لم أفهمها وبصق في وجهي! فهببت واقفا لهذه الفظاعة وضربته ضربة ألقته على الأرض، ~~وكان أحمد واقفا ms021 بجانبي متكئا على عكازته، فرجاني ألا أنظر للمسألة هذه النظرة، وقال لي: ~~«ليس بصقه قلة أدب، بل هو جزء من العلاج وستستفيد منه.» ولكن الطبيب المسكين الذي زايلته ~~ثقته بنفسه وقف بعيدا عني وقال: «وجع الرأس من الشيطان ويلزمني أن أطرده، وفي القرآن آيات ~~تدل على إمكان طرده بالنفث، وبذلك يقف عمله السيئ في رأسك.» # ولم أتمالك من الضحك على الرغم من مضايقتي وقلت: «وأنا إذن علي عفريت! وعلى كل حال أرجو ~~أن يكون عفريتا صغيرا، وأن تكون قد نجحت في طرده.» ولم أسمح له بإعادة الرقية وأعطيته ~~ريالا وأمرته بالخروج، فخرج وهو يدعو لرأسي بالشفاء، ولكن بقي - على الرغم من هذا الدعاء - ~~يؤلمني. # ولم تأتني إلى هذا الوقت أخبار عن هرون، فبقيت طول اليوم في فراشي، وزارني صديقاي قاطنج ~~وجبر الله عدة مرات، وقد عرض علي أولهما جواده فرفضت قبوله، أما الثاني فقد عرض علي ~~إحدى خدمه وقال لي: «إنها صغيرة جميلة وقد تربت تربية حسنة في منزلي، وهي تعرف الطبخ وأعمال ~~البيت وتفهم في الأمراض.» فرفضت أيضا قبولها، وتركني جبر الله وهو مكسور الخاطر لأني لم ~~أقبل هديته، ولكني كنت مضطرا إلى هذا الرفض؛ لأني بعد أن جربت رقية الطبيب لم أكن شديد ~~الرغبة في أن أسلم نفسي لمراحم آنسة سودانية، مهما كانت براعتها! # وفي صباح اليوم التالي استيقظت وقد عادت إلي عافيتي، ولما لقيني أحمد وأخبرته بأني ~~تعافيت قال لي فورا: «أنا كنت متحققا من أنك ستشفى؛ لأن عيسى - الطبيب - لم يضع يده على ~~أحد إلا شفاه.» # ومضى يوم آخر بدون أن يأتينا خبر عن هارون. وفي اليوم التالي رجع إلينا حوالي الظهر أحد ~~رسل جبر الله، وقال لنا إن هارون قد جمع رجاله ولكنه لم ينزل بعد من التلال التي اتخذها ~~مقرا له وقت الصيف، وفي اليوم الرابع - من وصولنا لبير جوى - جاءنا رسول آخر وقال إن ~~هارون لما بلغه أني تركت دارة وجئت إلى بيرجوى لمقاتلته، سرح رجاله الذين ذهبوا إلى جبل ~~مرة. # فلما سقط ms022 في يدي وذهب أملي في القتال عدت إلى دارة، وكان الدكتور زربوخين قد برحها وترك ~~لي خطابا يقول لي فيه إنه يرجو لي النجاح، ووجدت أيضا الكاتب الذي صحبني منذ أن كنت ~~مفتشا ماليا وجاء معي إلى دارة؛ قد جن مدة غيابه ووضعوه في منزل بجوار منزلي، فلما ~~ذهبت إليه لكي أراه وقف وعانقني وهو يصيح: «الحمد لله ، لم يفعل السلطان هارون شيئا لك، ~~زوجال بك رجل خائن احترس منه، لقد أمرت بإيقاد النار في القاطرة لكي يحملك القطار إلى ~~أوروبا؛ حيث تتمكن من رؤية أهلك، وسأذهب معك، ولكن يجب الحذر من زوجال بك؛ فإنه وغد ~~سافل.» # وكان ظاهرا أنه قد فقد عقله، ولكن المجانين أحيانا يقولون الحق، فأخذت في تهدئته حتى ~~رقد وسمع صفير القاطرة، وأوهمته أني معه في القطار، ثم تركته لعناية الخدم وخرجت، وبعد خمسة ~~أيام مات هذا المسكين، وأظن أن سبب موته انفجار عرق في دماغه. # وشرعت أنا في تدبير أمور مديرية دارة، وبعد شهر تسلمت خطابا من مسدجاليه بك، يقول لي فيه ~~- وكان مكتوبا بالفرنسية - إنه قد عزم على أن ينتهي من هرون؛ ولذلك هو يأمرني بأن أخرج ~~سرا عن طريق منواشي وقبة بقسم من الجنود النظامية، وأتجه نحو جبل مرة وأغير على نيورنه، ~~حيث مقام السلطان هرون، وقال لي إنه قد أرسل قوة من الفاشر عن طريق طرة، وقوة أخرى من قلقل ~~عن طريق أبي حرز، وسيلتقي الجميع في مكان واحد ويعملون معا في مقاتلة هارون. # فأذعنت للأمر وغادرت دارة ومعي 220 جنديا نظاميا و60 من البازنجر، وسرنا حتى بلغنا ~~نيورنه، حيث السلطان هارون في جبل مرة، فوجدناه قد جلا عنها، وفي صباح اليوم التالي خرجت ~~بفصيلة من الجنود أبحث عن هرون، ولكننا لم نذهب بعيدا حتى سمعنا عيارات نارية تطلق بسرعة ~~من ناحية نيورنه، فركضت جوادي راجعا فوجدت الجنود الذين تركتهم قد اشتبكوا في قتال مع قوة ~~أخرى معادية، فأدركت حالا أنها إحدى القوات التي أرسلت لمساعدتي من الفاشر، ولكنها لم تصل ~~في ms023 الوقت المعين لها. فلما وصلت إلى نيورنه ووجدت قوة مرابطة تحتلها، أطلقت عليها النار وهي ~~تحسبها أنها تابعة لجيش السلطان هرون، وقد تكلفت مشقة كبيرة في وقت إطلاق النيران التي قتل ~~بسببها سبعة وجرح أحد عشر، ومر عيار في ملابسي وأصيب جوادي بعيارين. # وبقينا في نيورنه عشرة أيام، ولما لم يكن في مقدورنا أن نحصل على أخبار صحيحة عن هارون ~~قررت العودة، وكنا نحن في عودتنا نمر على عدة قرى فنفاجئها؛ لأن أهلها لم يكونوا ينتظرون ~~مجيئنا من الغرب، وكان السلطان هارون قد جند معظم الرجال، أما الباقون فقد فروا إلى التلال، ~~ولكن رجالي تمكنوا من القبض على نحو ثلاثين امرأة سرن معنا مدة قصيرة، وقد فوجئ أهالي إحدى ~~القرى بنا فلم يتمكنوا من الهرب، ولما رأيت أن جميعهم من النساء أمرت الجنود بالوقوف حتى ~~أتيح لهن الفرصة للفرار، ثم أمرت الجنود أيضا بأن يسيروا صفا واحدا حتى لا يتفرقوا في ~~القرى ويعيثوا فيها. # ومما حدث أن أما مسكينة كانت تحاول الهرب، فباغتناها ففرت تاركة وراءها طفلين على صخرة، ~~وأخذت هي تعدو كالغزال على سند الجبل، فذهبت إلى حيث الطفلين فوجدتهما عاريين ليس عليهما ~~شيء سوى عقد من المرجان حول عنقيهما وحزام من المرجان أيضا حول وسطيهما، وكان كلاهما أسود ~~كالغراب، والأرجح أنهما كانا توأمين يبلغ عمر كل منهما 18 شهرا، فنزلت عن الجواد وذهبت ~~إليهما، فأخذا في الصراخ وكل منهما يمسك بالآخر، فحملتهما وأمرت خادمي بأن يحضر قليلا ~~من السكر، فسكتا في الحال وصارا يبتسمان خلال الدموع ويقرضان السكر، الذي كان في الأرجح ~~أحلى ما ذاقاه مدة حياتهما الصغيرة الماضية، وكان عندي مناديل حمر أحملها على الدوام معي ~~لكي أقدمها هدايا، فلففت كلا منها في منديل ووضعتهما على الصخرة كما كانا وسرت بعيدا ~~عنهما، ونظرت إليهما بعد مدة فرأيت إنسانا - هو أمهما - يزحف على الصخر إليهما، فلما ~~بلغتهما عانقتهما ودهدهتهما بعد أن كانت قد يئست من حياتهما، وأخذت هذين الولدين في لباسهما ~~الجديد وعلى شفتيهما أثر السكر الحلو. # وبعد ms024 أيام ونحن لم نبلغ بعد دارة، جاءتني الأخبار بأنه في مدة غيابي عن هذه البلدة أغار ~~عليها هارون وانتهبها وفر ثانيا إلى التلال ومعه الغنائم والسبايا العديدة، فأخذت ~~أدلاء من القرى المجاورة وخرجت أتعقبه، ولما أن صرنا على مسافة سفر يومين في الجنوب ~~الشرقي من الفاشر لقيت جنوده الذين لم يتوقعوا مجيئنا. # وقد وفقت للاقتراب منهم بدون أن يروني، ثم حملنا عليهم حتى مزقناهم شر ممزق، واستولينا ~~على مقادير كبيرة من الأسلحة وأفرجنا عن السبايا اللواتي كن في حوزتهم، وقتل جواد هارون ~~ولكن هارون نفسه مع بضعة من أتباعه تمكنوا من الهرب، وبعد أيام قليلة انهزموا أمام جيوش ~~قلقل التي كان يقودها نور أنجرة، وقتل هرون، وبقتله عاد السلام إلى البلاد وانتهت ~~الثورة. # ولما عدت إلى دارة وافاني خطاب من جسي باشا من بحر الغزال، يقول فيه إن الدكتور فلنكن ~~والقسيس ولسون، مبعوث الرسالة الكنسية الإنجليزية، في طريقهما من أوغندا إلى الخرطوم عن ~~طريق دارة ومعهما وفد من الملك متيسا إلى جلالة ملك إنجلترا، ورجاني جسي أن أقدم لهما جميع ~~المساعدات التي في مقدوري، وقال إنهما قد شرعا في السفر إلى دارة في اليوم الذي كتب فيه هذا ~~الخطاب، وقد وصلا إلى دارة بعد ذلك بأيام قليلة وتمتعت بصحبتهما مدة وجودهما عندي. # وقد أخبراني عن أشياء مهمة، أما أنا فقد حكيت لهما عن آخر الأنباء الأوروبية، وهي وإن ~~كانت قد مضى عليها أشهر قد كانت مع ذلك جديدة عندهما. # وفي الصباح سمعت أن رجال وفد الملك متيسا لما رأوا الجمال أول مرة خافوا منها وفروا، فقلت ~~للدكتور فلنكن: «بما أنك ستضطر إلى إتمام سفرك على ظهر الجمال، فمن الصواب أن تعتاد ركوب ~~الجمال أنت ومن معك، فأحضر رجال الوفد حتى ندربهم على ركوبها.» # فذهب وأرسلت أنا في إحضار جمل من أحد التجار، وكان جملا سمينا ضخما، وحضر رجال الوفد ~~وآخرون غيرهم، فما رأوا الجمل حتى طار صوابهم وفروا هائمين، ولم يقفهم عن الاستمرار في ~~العدو سوى ثباتنا أنا والدكتور فلنكن، ms025 وأوضح لهم الدكتور فلنكن أن الجمل حيوان وديع صبور، ~~وأنهم سيستأنفون السفر إلى مصر عليه، وليس فيه ما يدعو إلى الخوف، ولكنهم مع ذلك لم يتقدموا ~~إلا على حذر ووقفوا على مسافة منه لا يجسرون على لمسه، وكان تعجبهم عظيما عندما رأوا ~~القواص يمتطيه ويسير به وينيخه، وأخيرا تطوع أشجعهم لأن يركبه وساعدناه على تسنمه، وقام به ~~الجمل وهو خائف، ولكنه أخذ ينظر إلى رفقائه من مكانه العالي ويوضح لهم سهولة ركوب الجمال ~~وملاذه، والظاهر أنه دعاهم إلى ركوبه؛ فقد برك الجمل وتكأكئوا عليه جملة، وأرادوا جميعا ~~الركوب، وحاول بعضهم أن يركب عنقه، وتعلق آخرون بذنبه، وتعلق نحو ستة برجله، ودهش الجمل ~~لأول وهلة لهذا الازدحام حوله، ثم تنبه وأخذ يضرب برأسه يمينا وشمالا حتى نفض جميع هؤلاء ~~«الوجنديين» عنه، وهب واقفا وهم مبعثرون حوله، وأظنني لم أضحك في حياتي قدر ما ضحكت في هذه ~~الفرصة؛ فقد ظن رعايا الملك متيسا - الوجنديون - أن الجمل جبل يتحمل أي عبء ويقوى على ~~النهوض به، ولبثوا مدة ذاهلين خائفين لا يقوون على الاقتراب منه ثانيا، ولكن أخذوا ~~بالتدريج يتعلمون ركوبه؛ فبدأ واحد ثم آخر يقترب منه ويركبه، حتى إنه عندما جاء ميعاد سفرهم ~~كانوا جميعا يعرفون كيفية قيادته. # وكان في منزلي عدة أولاد من الذين استخلصناهم من أيدي النخاسين، ولما لم يكن للدكتور ~~فلنكن خادم يخدمه، فقد اقترحت عليه أن يأخذ معه أحد هؤلاء الأولاد، فقبل ذلك مسرورا، ~~وأعطيته صبيا من الغرتيت يدعى كبسون، وكان ذكيا، فعزم الدكتور على أن يربيه في أوروبا، ~~وبعد سنتين ونصف سنة وأنا بالفاشر جاءني خطاب مكتوب بالإنجليزية من كبسون هذا، يشكرني فيه ~~لأني أذنت له بالسفر مع الدكتور فلنكن إلى «بلاد كل من فيها طيب القلب رءوف»، ويقول إنه قد ~~تنصر وإنه أسعد الأولاد، وأرسل مع الخطاب صورته في ملابس إفرنجية. # وجاء ميعاد سفر صديقي وكانا في اشتياق إليه، فركب الجميع جمالهم وقاموا إلى الخرطوم عن ~~طريق طويشة. # وبعد مدة جاءني خطاب من مسدجاليه بك، يقول فيه ms026 إنه مسافر إلى الخرطوم لكي يحضر زوجته، ~~ولكنه ما كاد يصل إلى الخرطوم حتى نشب خلاف بينه وبين ولاة الأمور هناك، فاستقال وعين بدلا ~~منه مديرا على دارفور علي بك شريف، الذي كان قبلا مديرا على كردفان. # وقريبا من ختام سنة 1879 أو في أوائل سنة 1880 تسلمت خطابا مكتوبا بالفرنسية من ~~غوردون، كتبه منذ شهرين قبل وصوله إلى ضبرة طابور في الحبشة ، وقد مزق الخطاب منذ سنين ولكني ~~أتذكر كلماته بالحرف تقريبا وهي: # عزيزي سلاطين # لما انتهت مهمتي مع الملك يوحنا عزمت على أن أرجع في الطريق التي جئت منها، ولكني ~~وأنا بالجلابات أدركني رجال تابعون للرأس عدل وأجبروني على الرجوع، وسيأخذونني ~~محروسا إلى كسلة ومنها إلى مصوع، وقد أحرقت جميع الأوراق التي يخشى منها، وسيسقط ~~في يد الملك يوحنا عندما يعرف أنه ليس رئيس بيته. # صديقك غوردون # الفصل الثالث # | حكومة دارفور # كانت سنة 1880 سنة سلام وهدوء نسبيين في دارة، وكانت أهم أعمالي إدارية؛ فقد زرت تقريبا ~~جميع القرى بنفسي، وعرفت جميع القبائل العربية القوية التي كانت على الدوام مشتبكة بعضها مع ~~البعض في قتال متواصل أو موشكة على القتال، وقد قمت بينها عدة مرار بالصلح. # ووجدت في ختام سنة 1880 أن لدي عدة أشياء تستحق مراجعة الحاكم العام، فطلبت الإذن ~~بالذهاب إلى الخرطوم لكي أقابل رءوف باشا الذي صار حاكما عاما بعد سفر غوردون، وقد أجيب ~~طلبي فبرحت دارة في سنة 1881 وبلغت الخرطوم بعد أسبوعين. # هناك وجدت زربوخين الذي رحب بي وأنزلني بمنزله القريب من مكان الرسالة الكاثوليكية ~~الرومانية، وكان ملكا للمرحوم لطيف دويونو، وهو رجل ملطي كان نخاسا شهيرا. # وفي مدة إقامتي في الخرطوم كنت أحادث رءوف باشا كثيرا عن أحوال دارفور، واقترحت أنه يحسن ~~عدلا وإنصافا أن تخفض الضرائب في الفاشر وفي كبكبية، وطلبت منه أيضا أن يأذن لي بأن أجبر ~~العرب على أن يعطوني كل عام عددا من العبيد؛ لكي أملأ بهم الفراغ الذي يقع في الجيش ~~بالأمراض والوفيات والحوادث، وطلبت أيضا منه ms027 أن يأذن للعرب بأن يدفعوا الضرائب عبيدا ~~بدلا من المواشي؛ لأني أؤمل بهذه الطريقة أن أسترجع إلى جيشنا جنود «البازنجر»، الذين ~~كانوا ملتحقين بجيش سليمان زبير وصاروا الآن متفرقين في القبائل، وقلت إن معرفتهم بالأسلحة ~~من أسباب الخطر الدائمة للحكومة، فوافق رءوف على جميع طلباتي وأعطاني صكا مكتوبا ~~بذلك. # ولما كنت في الخرطوم جاءني في يوم ما من يدعى حسن ولد سعد النور، وهو دارفوري، وكان ~~أبوه قد قتل مع وزير أحمد شحاتة في شقة، فرجاني أن أتشفع له لكي يعود إلى دارفور، فقابلت ~~رءوف باشا وطلبت ذلك منه فرضي، ولكنه بعد أيام أرسل لي وقال إنه عاد فألغى أمره، وإنه لا ~~يسمح بعودة هذا الرجل إلى دارفور، فقلت إن كل جنايته أنه اشترك في الثورة وقد فعل غيره ذلك، ~~وإنه لا سبيل له الآن إلى إيصال الأذى بالحكومة، ولكن رءوف باشا أبى أن يوافقني على رجوعه، ~~وشعرت أنا بالإهانة لأني كنت وعدت هذا الرجل بأنه سيرجع، فقلت لرءوف باشا إنه بين اثنتين؛ ~~إما رجوع الرجل وإما قبول استقالتي، وخرجت مغضبا فاستدعاني بعد ذلك بيومين، وقال لي إني ~~كنت مخطئا في وعد هذا الرجل بالرجوع فأقررت بذنبي، فقال لي إنه سمح برجوعه وإنه يعتقد أني ~~موظف عنيد ولكني ذو كفاية؛ ولذلك طلب من الخديو توفيق باشا أن يعينني حاكما لدارفور وأن ~~يمنحني لقب بك، فشكرته وأكدت له أني سأعمل جهدي لكي أحقق ثقته في. # ثم طلب مني رءوف باشا أن أكتب له ضمانا أتحمل فيه تبعة مسلك نور في المستقبل، فكتبت هذا ~~الضمان وأنا مسرور؛ لأني شعرت أنه بعد كل ما تحملت من المشاق لأجل رجوعه إلى وطنه سيحسن ~~سلوكه ويثبت ولاءه وأمانته، ولما عدت إلى منزلي أرسلت في حضور نور، وكان قد مضى عليه يومان ~~وهو لا يدري ما تنتهي إليه مسألته، فلما أخبرته بأنه قد أذن له بالرجوع إلى وطنه انكب على ~~قدمي وأخذ يشكرني ويكثر من الدعاء لي، وشعرت بأنه رجل شريف يمكن الاعتماد عليه، ولكني كنت ms028 ~~وقتئذ أجهل أني قد ضممت إلى صدري ثعبانا. # وانتهت إجازتي بالخرطوم بسرعة بين الأصدقاء الكثيرين، وقد وصل إلينا في أواخر يناير سنة ~~1881 الأسقف كومبوني والأب أوهروالدر والأب دختل، وكانوا قد جاءوا من القاهرة، ووصل إليها ~~أيضا حسن باشا رئيس المالية وبوساني وهانسل القنصل، وقد نزل أوهروالدر ودختل في منزلي، وكم ~~كان لنا من حديث معا عن وطننا المحبوب. # وفي 25 يناير 1881 وصل جسي باشا إلى الخرطوم وصحته في غاية السوء، قد برح مشرى الرق وركب ~~النيل قاصدا إلى الخرطوم فحجز السد سفينته؛ والسد هو تلك النباتات التي تنمو في النيل بحيث ~~يحتاج أحيانا إلى قطعها بالفئوس لكي يشق طريقا للسفينة، وبقي ثلاثة أشهر وهو يعالج اجتياز ~~السد، ولقي الأمرين من جوع وأمراض بين رجاله، ومات أكثر رجاله وصار بعضهم يأكل بعضا ~~للجوع، ثم أنجده أخيرا ملنرو في الباخرة بردين وحمله عليها إلى الخرطوم حيث عنيت به ~~الراهبات، ولكن الصدمة التي نالت جسمه كانت قد هدته، فلم ينجح الدكتور زربوخين مع كل ما ~~بذله في رد عافيته إليه، ثم قررنا جميعا أن يرسل إلى مصر وبذلنا كل مجهود لكي يشعر بالراحة ~~والرفاهية في سفره، وكان يرغب في أن يأخذ معه خادمه ألماظ وكان خصيا، ولكن رءوف باشا خشي ~~أن تتقول الأقاويل عن إدارته في السودان بوجود هذا الخصي مع جسي باشا، فرفض أن يأذن له ~~بمرافقته، ولكن إلحاحي وإلحاح زربوخين عليه جعلاه يلين في النهاية ويسمح له بالسفر معه، وفي ~~يوم 11 مارس حملنا جسي إلى ذهبية الحاكم العام حيث سارت به إلى بربر، ومن هناك حمل إلى ~~سواكن ونزل في الباخرة التي نقلته إلى السويس، وكان قد تغلب عليه الضعف حتى لم يكن يقوى على ~~الحركة، ووصل إلى السويس في 28 مارس ونقل إلى المستشفى الفرنسي، ولكنه مات بعد وصوله ~~بيومين. # ولم تكن الحال في هذه الأثناء على ما يرام في دارفور؛ فقد كتب إلي زوجال بك يقول إن عمر ~~واد دارهو قد سار سيرة سيئة في شقة، ms029 وقدمت خطابه هذا إلى رءوف باشا فأرسل إليه في الحال ~~تلغرافا يأمره فيه بأن يسافر إلى الفاشر. # ولم يعد لي في الخرطوم ما يؤخرني عن السفر فعزمت على أن أقوم بأسرع ما يمكن لكي أتسلم ~~أعمالي، ووضع رءوف باشا باخرة تحت تصرفي فتركت الخرطوم في 29 مارس، ورافقني الأسقف كومبوني ~~والأب أوهروالدر الذي وعدته بأن أحمله على جمالي إلى الأبيض، وقد شيعنا هانسل القنصل وماركو ~~بولي بك وزربوخين وماركيه إلى طرة الحضرة حيث ودعناهم، ولم أفكر وأنا أودعهم أنني لن ألاقي ~~منهم بعد ذلك سوى واحد وأن تقدر لي العودة إلى عاصمة السودان في ظروف غريبة، وكنت شابا ~~يملؤني إحساسي بالمركز الجديد الذي شغلته والتبعات العظيمة التي تحملتها بحماسة وأمل في ~~المستقبل، ولكن الأقدار كانت تخفي عنا حظا آخر. # وبعد مسيرة خمسة أيام بلغنا الأبيض فبرحها الأسقف وقام بسياحة في جبل نوبة، أما الأب ~~أوهروالدر فقد بقي فيها مدة ثم سافر في أعمال الرسالة إلى دلين في جنوبي كردفان، ومكثت في ~~الأبيض بضعة أيام ثم تسلمت تلغرافا لكي أقوم إلى فوجة فودعت صديقي وسافرت إليها، وكان ~~مقدرا لي ألا أرى صديقي الأسقف؛ فإنه مات في الخرطوم في سنة 1881. # أما الثاني أوهروالدر فقد حكم علينا القدر بأن يمنى كل منا بمحن عديدة قبل أن نتلاقى ~~أسيرين عند المهدي، الذي كان يوشك أن يقلب وقتئذ كل نظام أو حكومة في السودان. # ولما برحنا الأبيض أغذذنا السير حتى وصلنا دارة ومنها إلى الفاشر حيث بلغتها في 20 أبريل، ~~ووجدت الأحوال الإدارية قد بلغت درجة عظيمة من الارتباك والفوضى، فقضيت بضعة أشهر وأنا ~~أجتهد في إيجاد شبه نظام فيها، ونجحت في ذلك بعد أن جلت في أنحاء المديرية، وباشرت عدة ~~أعمال بنفسي وكبر رجائي في الإصلاح. # ولم أكن قد رأيت بعد الجزء الشمالي الغربي من المديرية، فتعللت بأخبار القتال بين عرب ~~البادية وعرب المهرية وعولت على زيارة هذا الجزء، وفي منتصف شهر ديسمبر سنة 1881 برحت ~~الفاشر ومعي 200 من الجنود المشاة وبعض الخيالة ms030 غير النظاميين، وكان يقودها عمر واد ~~درهو. # وبعد مغادرتنا الفاشر حططنا رحالنا للمبيت قرب آبار مدجوب، وهي تقع في منتصف الطريق إلى ~~قبة، فلما خيم الظلام خرجت أتمشى نحو الآبار وكانت ملابسي تشبه ملابس الجنود، فلم يكن من ~~السهل معرفة شخصي، وقعدت قريبا من الآبار أنظر إلى النساء وهن يستقين، وجاء بعض الخيالة ~~لكي يسقوا خيولهم وطلبوا من النساء أن يعطينهم دلاءهن، فرفضت النساء وقلن لهم: «سنملأ ~~جرارنا أولا ثم نعطيكم الدلاء.» # فقال أحد الجنود : «لكأنكن تحكمن علينا بالعقاب من الله، وهذا جزاء منح الحرية للبلاد، ~~والله لو لم يكن سلاطين معنا لأخذناكن أنتن وجراركن ملكا لنا.» فأجبنه قائلات: «الله ~~يطول عمره.» # فرجعت وأنا في غاية السرور لأني سمعت بأذني شهادة السودانيين بارتياحهم إلى الأوروبيين ~~الذين نجوهم من المظالم التي كانت تتسم بها حكومة البلاد السابقة. # ولما برحنا كبكبية وصرنا على مسيرة نصف يوم منها، أدركتنا رسل أرسلها إلينا آدم عمر ~~برسالة مكتوبة بالشفرة الفرنسية بعثها إلي مركو بولي بك باسم الحاكم العام، وكانت قد ~~أرسلت ليلا إلى فوجة ثم إلى كبكبية عن طريق الفاشر وهذا نصها: # أغار درويش يدعى محمد أحمد بدون مسوغ على راشد بك وجنوده، قريبا من عذير، ~~وأباده هو والجنود، الثورة خطرة جدا، اعمل اللازم في مديريتك حتى لا ينضم إلى هذا ~~الدرويش أي واحد من الساخطين. # فكتبت الرد في الحال وهو: # وصلت إلي الرسالة، وسأتخذ الإجراءات اللازمة لإنفاذ أوامرك. # وقد كنت سمعت قبل وصول هذه الرسالة إلي بمدة أن شيخا من مشايخ الدين قد ظهر وأخذ يناوئ ~~الحكومة ويحث الناس على العصيان، ولكني لما لم أسمع شيئا عنه من الحكومة بصفة رسمية ~~استنتجت أن مسألته قد سويت، ولكن إبادة المدير راشد بك وجنوده صارت تبدو لي الآن في غاية ~~الخطر، والظاهر أن الحركة قد امتدت فجأة ولكن من كان يمكنه وقتئذ التنبؤ بالنتائج الهائلة ~~التي بلغتها فيما بعد هذه الحركة. # ولم يكن من الممكن الآن أن أرجع بعد أن شرعت في السير نحو عرب البادية ms031 وعرب المهرية بدون ~~أن أثير القلق في النفوس عن علة رجوعي في نصف الطريق، فعولت على أن أتمم هذه المهمة قبل ~~رجوعي. # ومن الغريب أن عرب البادية هؤلاء مع أنهم محاطون من كل جانب بالمسلمين، يكادون يؤلفون ~~القبيلة الوحيدة التي لا تزال متعلقة بعادات الوثنية القديمة في وسط أفريقيا، فإذا سئل أحد ~~رؤسائهم أن يصرح بدينه قال: «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، ولكنه لا يعرف شيئا غير هذه ~~العبارة؛ فهو يجهل القرآن ولا يصلي مع المسلمين. # وكانت عرب البادية يجتمع رجالها تحت شجرة كبيرة جدا من شجر الهجلك وقد فرشت أرضها ~~بالرمل، فيتمنون على إله مجهول ما يريدون ويدعونه إلى حمايتهم. # ولهم أعياد دينية تقع في أوقات غير معينة، فيصعدون إلى التلال ويقفون على القمة التي ~~يطلونها بالجير ثم يذبحون أضحياتهم، وهم طوال الأجسام لهم هيئة شريفة ولونهم أسود شديد ~~السواد، ولكن أنوفهم دقيقة وأفواههم صغيرة؛ وهم لذلك أشبه بالعرب منهم بالزنوج، ونساؤهم ~~مشهورات بشعرهن الطويل السبط، وبينهن جميلات يشبهن جميلات العرب، وهم يلبسون وزرة من جلود ~~الحيوان، ولكن النساء والطبقة العالية من الرجال يلبسون ملابس طويلة مصنوعة من قطن دارفور، ~~وطعامهم غاية في البساطة. # فهم لا يعرفون القمح ولا يزرعونه وإنما يأخذون لب القرع الذي ينمو عندهم بكثرة وينقعونه ~~في آنية مصنوعة من لحاء الشجر، ثم يقشرونه ويتركون اللب في الماء حتى تذهب عنه مرارته، ثم ~~يصفونه ويمزجونه بالبلح، ثم يجففونه ويطحنونه دقيقا يخبز مع اللحم فيكون طعاما. # ولهم عادات غريبة في الميراث، فإذا مات أحدهم اجتمع أقاربه وحملوه إلى قبره في الجبانة ~~التي تقع عادة خارج الحلة أو القرية التي يعيشون فيها، فإذا دفن وقفوا مستعدين فتشار لهم ~~إشارة خاصة فيعدون إلى بيت الميت متسابقين، فمن بلغه قبل غيره غرز رمحه أو قوسه، فيصير ~~بذلك الوارث الوحيد لما ترك الرجل من مال ونساء ما عدا أم المتوفى، وله الحق عندئذ في أن ~~يتزوج النساء أو يسرحهن حسب حالته المالية، فإن عدد النساء يتوقف على غنى الرجل ms032 أو ~~فقره. # ووصلنا أخيرا إلى كامو حيث أخبرني الزغاوة الكبير الشيخ صالح دنقوسة بأن رؤساء عرب ~~البادية سيحضرون في الغد، واتفقت معه على أن تكون شجرة الهجلك مكان اللقاء والمفاوضة، وأن ~~يكون ميعاد المفاوضة بعد ساعة من شروق الشمس، ويكون هو ترجمانا بيني وبينهم، وأمرت رجالي ~~بنصب خيامهم على بعد نصف ميل من شجرة الهجلك ثم صففتهم في صباح اليوم التالي؛ استعدادا ~~للقاء رؤساء البادية الذين أخبرنا صالح المذكور بقدومهم، ووقفت مع ضباطي ومع السنجق عمر واد ~~دارهو متقدمين على الجنود بنحو مائة ياردة ومعنا الخدم وقوفا إلى جانب الخيول، ثم ظهر لنا ~~رؤساء البادية قادمين إلينا ومعهم صالح وأيديهم مكتوفة إلى صدورهم ورءوسهم منكسة، وقد ~~أحضروا معهم ترجمانا فتبادلنا التحية بواسطته، ثم أمرت ببسط السجاد على الأرض ودعوتهم إلى ~~الجلوس عليه، أما أنا وضباطي فقد جلسنا على الكراسي ثم تناولنا شيئا من السكر والماء ~~والملح وشرعنا في المفاوضة. # وكان رجال البادية أربعة كلهم طويل شريف الهيئة ذو ملامح حسنة في سن الكهولة، وكانت ~~ملابسهم جلابيب بيضاء أحضرها لهم صالح، وكانوا يحملون السيوف العربية المستقيمة، وكانت ~~أسماؤهم: جار النبي، وبوش، وعمر، وكركرة. ولكني لست متأكدا بأنهم لم يتخذوا هذه الأسماء ~~العربية المطنطنة وقتيا للظرف الحاضر فقط، وكان أتباعهم يبلغون من ستين إلى سبعين رجلا ~~يلبسون القمصان والجلود وقد وقفوا وراءهم على بعد منهم، وقعد صالح دنقوسة قريبا من الشيوخ ~~ومن المترجم. # وتكلم جار النبي مخاطبا المترجم قائلا: «كرسي سلم». فقال المترجم سلم يعني أنه مستعد ~~للترجمة، ثم شرع في المفاوضة قائلا: # نحن من قبيلة البادية، وقد كان آباؤنا وأجدادنا يدفعون الخراج لسلطان دارفور كل ~~سنتين أو ثلاث عندما كان يرسل جباته لجمعه، وأنتم الأتراك قد تغلبتم الآن على ~~دارفور ولم تسألونا قط أن ندفع لكم خراجا، وأنت (لسلاطين) قد صرت حاكما للبلاد ~~كما أخبرنا بذلك صديقنا وأخونا دنقوسة، ونحن نقر بطاعتنا لك، وقد أحضرنا معنا رمزا ~~لهذه الطاعة عشر خيول وعشر جمال وأربعين بقرة، فهل لك الآن أن تقرر قيمة ms033 الخراج ~~المطلوب منا؟ # وصارت النوبة إلي في الكلام، فبعد أن قلت «كرسي سلم» قلت: «أنا أشكركم على خضوعكم ~~وسأطلب خراجا صغيرا، ولكني جئت هنا لكي أطلب منكم أن تردوا إلى المهرية جمالهم التي ~~سرقتموها وتردوا إليهم أسراهم الذين تحبسونهم الآن.» # فتريث جار النبي هنيهة ثم قال: «منذ عهد آبائنا ونحن في ثارات مع العرب المحيطين بنا، ~~فإذا قاتلناهم وأسرنا منهم أسرى فمن حقنا أن نطلب فداءهم، وكثيرا ما قبلنا قبلا فكاك أسرى ~~المهرية.» # فسألت الشيخ حسب الله عن صحة هذه الدعوى فأجاب بالإيجاب، فسألته ثانيا: «هل كانت هذه ~~العادة تجري مدة سلاطين دارفور فقط، أو أنها جرت أيضا بعد دخول دارفور في حكم الحكومة ~~المصرية.» # فأجاب: «قبل أن تفتحوا البلاد ومنذ سنتين غزت المهرية بلادنا فصددناهم فارتدوا ~~عنا.» # فنظرت إلى حسب الله ووجدت من عينيه أن الرجل يقول الحق فقلت: «قد يكون ذلك ولكني في ذلك ~~الوقت لم أحكم هذه البلاد، وأنا أعرف أنكم في تلك الأيام كنتم تعملون ما كنتم تظنونه ~~صوابا، ولست ألومكم على ما فات ولكني أنا الآن الحاكم وأطلب منكم السير على رغبتي، فيجب ~~إذن أن تردوا الأسرى، ولكن بما أن المهرية قد بدءوكم بالهجوم فأنا أسمح لكم بأن تحتفظوا ~~بنصف الجمال برهانا على شجاعتكم في رد غارتهم.» # فخيم سكوت طويل ثم أخذ الأربعة يتفاضلون معا، وأخيرا أجاب جار النبي بقوله: «سنطيع ~~أمرك، ولكن بما أن جمع الجمال يحتاج إلى مدة طويلة لتفرقها في أنحاء البلاد، فإنه من الأسهل ~~علينا أن نرد الأسرى.» # فقلت: «إذن التفتوا لما أقول ونفذوا هذه الأوامر بأسرع ما يمكنكم، ردوا الجمال وأنا ~~أعفيكم من خراج هذا العام؛ لأني أعرف أن من الصعب أن تدفعوا الخراج وتردوا الجمال في وقت ~~واحد.» # ورأينا أن هذه التسوية قد وافقتهم حتى صاروا يكثرون من الشكر والدعاء، فطلبت منهم البقاء ~~لصباح اليوم التالي وقلت: إن صالح سيعنى بكل حاجاتكم. ثم امتطينا خيولنا وأمرت الجنود بأن ~~يطلقوا ثلاث طلقات، وقد ذعروا عندما صكت آذانهم؛ لأنهم لم يسمعوا ms034 إطلاق العيارات النارية ~~قبلا، ثم أمرت صالحا بأن يحضرهم لي في صباح اليوم الثاني، وركضت جوادي إلى مضرب ~~خيامنا. # وقضيت طول النهار وأنا مشغول البال بشأن رجوعي إلى الفاشر بدون أن يؤثر رجوعي في نجاح ~~بعثتي، ولم يكن من المتيسر لي أن أبقى حتى أرى رد الأسرى، وكنت أيضا قلقا بشأن قرب الماء ~~الذي أعطاه لنا المهرية، وقد وبخت حسب الله لعدم إتقانه هذه المهمة. # ولما جاءوا في صباح اليوم التالي سألتهم هل أرسلوا الرسل لجمع الأسرى والجمال، فأجابوني ~~بالنفي، فقلت لهم في لهجة التغيظ إني لن أقدر على الانتظار لكي أرى تنفيذ أوامري بنفسي، ~~فقال جار النبي: «نحن هنا يا مولاي لكي ننفذ أوامرك، فيمكنك أن تسافر حين تشاء، ونحن نسلم ~~الأسرى والجمال إلى دنقوسة وحسب الله.» # فقلت: «عندي اقتراح آخر، فإني لا أشك في إخلاصكم وولائكم، ولكني أحب أن أزيد معرفتي بكم؛ ~~ولذلك أرى أن تصحبوني أنتم ومن تريدون أن يرافقكم إلى الفاشر، وفي أثناء غيابكم تنتدبون من ~~ترغبون في ندبه لكي يسلم الرجال والجمال لحسب الله الذي سيبقى هنا مع دنقوسة، وعندما تبلغني ~~الأخبار وأنا بالفاشر بأن مندوبيكم قد فعلوا ذلك، أردكم أنا إلى بلادكم مثقلين بالهدايا، ~~إنكم لم تزوروا الفاشر قبلا، ويلذ لكم رؤية عاصمة المديرية وقوة الحكومة، وإني واثق بأنكم ~~ستوافقون على اقتراحي هذا، وستسرون لما تشاهدونه هنالك؛ حتى إنكم ستوافقون بعد ذلك دائما ~~على كل ما أطلبه منكم في المستقبل.» # فقال صالح إن الاقتراح حسن ولكنه قد سبق أن رأى الفاشر؛ ولذلك هو لا يرغب في زيارتها ~~ثانيا، ورأيت من وجوه الآخرين أنهم يستحسنون الفكرة، وبعد محادثات طويلة وافقوني على السفر ~~معي. وكانوا لعلمهم بأن سفرنا يتوقف على انتداب من يثقون به لتسليم الأسرى والجمال؛ أخذوا ~~يتشاورون بسرعة في انتداب عدد منهم لكي يقوموا بهذا العمل، ولما انتهوا من ذلك زودوهم بستة ~~رجال لخدمتهم وأخبروني باستعدادهم للسفر، ولكنهم قبل أن يسافروا طلبوا مني أن يقسموا يمين ~~الولاء فوافقتهم على ذلك، وكان لأخذ هذه اليمين ms035 حفلة نظامها كما يلي: # أحضروا سرج جواد ووضعوه على الأرض، ثم وضعوا فوقه قدرا تحتوي على فحم خشبي متقد وغرزوا ~~في السرج رمحا، ثم تقدم شيخ بعد شيخ منهم وصار يتلو كل منهم كلمات ثم يقسم في نهايتها ~~اليمين التالية: # لا تمس ساقي هذا السرج، وليطعنني هذا الرمح، ولتأكلني هذه النار؛ إذا أنا نكثت ~~بهذا العهد الذي أتعهد به أمامه. # وبعد هذه اليمين المحرجة لم يكن ثم ما يريبني في ولاء هؤلاء الناس أو في شرفهم، وأمرت ~~بالشروع في السفر بعد الظهر، وبرحنا كاموا برفقة رؤساء البادية وحاشيتهم، وأمرت صالحا وحسب ~~الله بأن يخبراني عن تنفيذ الاتفاق وتسليم الرجال والجمال، وكنت راغبا في الوصول إلى ~~الفاشر بأسرع ما يمكنني؛ ولذلك تركت رؤساء البادية مع فرقة المشاة، وأوصيت الضباط بالعناية ~~بهم طول مدة سفرهم، ثم اصطحبت عمر واد درهو وحرس الشايجية وأسرعنا في السفر إلى ~~الفاشر. # وكان أول ما سمعته من الأخبار عند وصولي وفاة إميلياني دانزنجر الذي كان في شقة، وقد كان ~~قبلا مأمور القبة، ولكني كنت أرسلت إليه لكي يمثل الحكومة في جنوبي دارفور، وكان يشكو من ~~مرض القلب منذ سنوات ثم قضى عليه أخيرا، ولم يفهم الموظفون الذين حوله سبب موته هذا ~~الفجائي؛ ولذلك اشتبهوا في أنه قد مات مسموما فحملوه على جمل وأرسلوه إلى دارة، ففحص الجثة ~~الصيدلي المقيم هنالك وقال إن الموت طبيعي، ودفنت الجثة في دارة وأقمت أنا نصبا من الحجر ~~عليه؛ تذكارا لهذا المواطن المسكين الذي لقي حتفه في هذه البلاد النائية. # ثم بلغني أن في شقة قلاقل قد جرت حديثا، وأني محتاج لذلك للسفر إلى دارة والإقامة بها ~~جملة أيام، وجاءتنا أيضا أخبار مزعجة عن الحالة في كردوفان والخرطوم، ولكن كان المظنون في ~~دوائر الحكومة أن الثورة ستقمع بالحملة العسكرية التي أرسلت لهذا الغرض، وبعد أيام وصل ~~رؤساء البادية، وقد أمرت - بغية التأثير فيهم - جميع جنود الحامية بالخروج والعرض أمامهم، ~~وفي الليل أطلقنا جملة أسهم نارية إكراما لهم، وقد انتدبت المدير لكي يقوم ms036 بحراستهم ~~وراحتهم ولكني لسوء الحظ لم أتمكن من البقاء معهم طويلا، فما كادت الخيول تستريح حتى شرعت ~~في السفر إلى دارة يصحبني عمر واد دارهو ومائتان من الشايجية، وانتدبت السيد بك جمعة لكي ~~يمثل الحكومة مدة غيابي. # الفصل الرابع # | رواية الخليفة عن المهدي # ظهر لنا أن حركة الدراويش كانت خطيرة جدا، ولقد ولد هذا الرجل محمد أحمد قريبا من ~~جزيرة أرغوا من عائلة فقيرة خاملة، ولكن أفرادها كانوا يدعون أنهم من نسل النبي، ولكن هذه ~~الدعوى لم يكن أحد يأبه لها، وكان يعرف محمد أحمد هذا باسم الدنقلاوي، وكان أبوه فقيها ~~عاديا وقد علمه القراءة والكتابة وهو صبي وأخذه إلى الخرطوم ولكنه مات في الطريق في ~~كريري، حيث بنى ابنه له بعد ذلك ضريحا سماه «قبة سيدي عبد الله». # ولم يجد محمد أحمد من يعتمد عليه بعد وفاة أبيه، فأخذ يدرس ويثابر على القراءة، وكانت ~~نفسه تنزع إلى التفقه في الدين، فأحبه أستاذه وأوصاه بحفظ القرآن عن ظهر قلبه، ثم سافر إلى ~~بربر وتتلمذ لمحمد الخير فأتم عليه تعليمه الديني وبقي جملة سنوات في بربر يدرس ويقرأ، وكان ~~لتواضعه وذكائه محبوبا وفي حظوة من جميع المعلمين، ولما بلغ سن الرجولة غادر بربر إلى ~~الخرطوم فصار تلميذا للشيخ محمد الشريف، وكان رجلا وقورا مشهورا وكان أبوه نور الدائم ~~صاحب الطريقة السمانية المعروفة. # وواجب شيخ الطريقة أن يكتب فقرات من الأدعية والحديث، فيحفظها تلاميذه عن ظهر قلب ويكررون ~~تلاوتها حتى يتمهد بذلك لهم الطريق إلى قصور الجنة التي هي غاية كل مؤمن، ولكل شيخ مذهبه ~~وهو يحمل اسم مؤسس الطريقة مثل طريقة الخاتمية والخضرية والتغانية والسمانية إلخ، وتلاميذ ~~أصحاب الطرق هؤلاء يطيعونهم ويلزمونهم. # وأظهر محمد أحمد تعلقه بالطريقة السمانية وتعلق بصاحبها الشيخ محمد شريف، ثم رحل إلى ~~جزيرة أبة في النيل الأبيض قريبا من كاوة وحوله جماعة من تلاميذه المخلصين المتعلقين به، ~~وكانوا يرتزقون بزرع الأرض، كما كانت تأتيهم هدايا عديدة من المؤمنين الذين كانوا يمرون ~~عليهم في النيل صعودا أو هبوطا، ms037 وكان عم محمد أحمد مقيما في الجزيرة منذ سنوات فتزوج ~~ابنته محمد أحمد، وكان أخواه محمد وحامد يعيشان هناك، وكانا يشتغلان بصنع القوارب ويعاونان ~~أخاهما على العيش، وحفر محمد أحمد لنفسه شبه صومعة في شاطئ النيل، وكان يعيش هناك بعيدا عن ~~الناس، وكان يصوم عدة أيام ولا يزور رئيس الطريقة إلا من وقت لآخر لكي يثبت له ~~إخلاصه. # وحدث في أحد الأيام أن محمد شريف جمع لمناسبة ختان أبنائه مشايخ الطريقة والتلاميذ وأذن ~~لهم في الغناء والرقص؛ لأن الله يغفر في مثل هذه الظروف الخاصة في الأفراح ما يحدث من ~~الخطايا والذنوب المخالفة، ولكن محمد أحمد لما انطبع عليه من التقى والصلاح استنكر الغناء ~~والرقص وضروب الطرب الأخرى، وأوضح لأصدقائه مخالفتها كلها للدين، وأنه لا يمكن أي إنسان ~~مهما كان قدره ولو كان شيخ طريقة أن يترخص فيها، وبلغت هذه الأقوال محمد شريف فأكبر من محمد ~~أحمد وعظ تلاميذه واستنكر الحجج التي أدلى بها وطلب منه أن يبرر أقواله، وكانت نتيجة ذلك أن ~~تقدم محمد أحمد بالاعتذار وهو يتذلل أمام التلاميذ والأتباع ويطلب الصفح، ولكن محمد شريف ~~أخذ يلعنه وينسب إليه الخيانة والخروج على شيخه بعد أن أقسم يمين الولاء له، ثم محا اسمه من ~~قائمة الأتباع المذكورين في الطريقة السمانية. # فذل محمد أحمد وصغر وذهب إلى أحد أقاربه وطلب منه أن يصنع له «شعبة»؛ والشعبة عبارة عن ~~خشبة مشقوقة يوضع العنق في شقها فتنضم وتؤلم الإنسان بذلك ألما شديدا، ثم ذر على وجهه ~~رمادا وعاد إلى محمد شريف في هذه الهيئة يرجو الصفح ويقر بالتوبة والندم، ولكن شيخ الطريقة ~~رفض أن يخاطبه، فعاد محمد أحمد خائبا إلى أهله في أبة، وكان يحترم مؤسسي الطريقة السمانية ~~الشيخين نور الدائم والطيب احتراما عظيما؛ ولذلك كان لطرده من طريقتهما وقع عظيم في نفسه ~~لا يكاد يحتمله. # وحدث بعد ذلك أن سافر محمد شريف إلى بلدة قريبة من أبة، فذهب إليه محمد أحمد في الشعبة ~~ووجهه ملطخ بالرماد يستغفر ويتوب، ولكن الشيخ طرده ms038 أفظع الطرد وقال له: «اخسأ عني يا خائن، ~~اخسأ أيها الدنقلاوي الشقي الذي لا يخاف الله والذي يخرج على معلمه ومولاه، لقد حققت قول من ~~قال: الدنقلاوي شيطان مجلد بجلد إنسان، إنك تثير الشقاق بين الناس، فاخسأ عني فإني لن أغفر ~~لك.» # وكان راكعا يسمع هذا الكلام الجارح ثم انتصب وخرج والدموع تنهمل من عينيه، ولكن هذه ~~الدموع لم تكن دموع الندم بل دموع الغيظ والحقد اللذين كان يتلظى بهما قلبه، وكان مما يزيده ~~غيظا قلة حيلته في غسل هذه الفضيحة عن نفسه، فعاد إلى أهله وأخبرهم أن محمد شريف قد طرده ~~ولن يقبله في الطريقة ثانيا، وأنه قد عزم على أن يطلب من الشيخ القريشي أن يقبله في ~~طريقته، وكان هذا الشيخ قد خلف الشيخ الطيب جد محمد شريف، وقد أذن له في تعليم الطريقة ~~السمانية وإعطاء العهد عنها، وكان بينه وبين محمد شريف لهذا السبب غيرة شديدة. # وجاء جواب الشيخ القريشي يقول فيه إنه مستعد لقبوله، وتهيأ محمد أحمد هو وتلاميذه ~~للذهاب إلى مسلمية حيث الشيخ القريشي وأخذ العهد منه، وبينما هو في ذلك وإذا برسالة من محمد ~~شريف قد وصلته، يقول له فيها إنه يأمره بالقدوم وإنه قد عزم على الصفح عنه وعلى الإذن له ~~بأن يعود إلى ممارسة الطريقة، فرد عليه محمد أحمد ردا أبيا قال فيه إنه لا يطلب الصفح ~~لأنه لم يذنب، وإنه لا يحب أيضا أن ينقص مكانة الشيخ بأن يجتمع به علنا أمام الناس وهو ~~«دنقلاوي شقي»! # واستقبله الشيخ القريشي مرحبا، وانتشرت حكاية رفض محمد أحمد قبول الصفح من شيخه في ~~جميع أنحاء السودان، ولم يكن الناس قد سمعوا بمثل هذا العمل من قبل، وأخذ محمد أحمد يصرح ~~بأنه ترك مولاه القديم؛ لأنه قد خالف الدين جهرة، فعطف عليه الناس عطفا كبيرا لهذا السبب ~~وجعلوا يتحدثون به، وكبر مقامه في عيونهم، وقد بلغت هذه الحادثة أهل دارفور وصارت حديثهم ~~وصار هو بطلا يعجب به؛ لرفضه الطاعة لمولاه. # وحصل على إذن من الشيخ ms039 القريشي بأن يعود إلى أبيه حيث كان يزوره الناس من جميع البلاد ~~يتبركون به، وصارت العامة تهرع إليه وترى فيه مظلوما خرج على ظالمه وأبى الضيم، وكانت ~~تأتيه الهدايا فيفرقها بين الفقراء ولا يأخذ شيئا منها لنفسه؛ حتى صار يلقبه الناس بلقب ~~«الزاهد». # ثم سافر إلى كردفان حيث يكثر الفقهاء، وهم من أجهل الناس وأكثرهم خرافات، فلقي نجاحا ~~عظيما بينهم، ووضع رسالة وزعها بين أتباعه المخلصين، حضهم فيها على تطهير الإيمان الذي فسد ~~وانحط بفساد الحكومة وعدم احترام الموظفين أركان الدين. # وبعد أشهر مات الشيخ القريشي فذهب محمد أحمد وأتباعه إلى مسلمية؛ حيث بنوا له ضريحا له ~~قبة تذكارا له. # وحدث في هذا الوقت أن جاء رجل يدعى عبد الله بن محمد التعايشي من قبيلة البقارة؛ أي الذين ~~يقتنون البقر، وطلب من محمد أحمد أن يدخل في الطريقة السمانية فقبله محمد أحمد وأقسم أمامه ~~يمين الولاء، وكان عبد الله هذا أكبر إخوانه الأربعة، وكان أبوهم يدعى محمد التقي من قسم ~~الحبيرة من فخذ التعايشي، وكان هذا الفخذ ينتسب إلى «أولاد أم صورة»، وكان لعبد الله أربعة ~~إخوة؛ ثلاثة ذكور وهم: يعقوب ويوسف وسماني، وأخت تدعى فاطمة. وكانت علائق أبيهم بأسرته ~~سيئة؛ ولذلك عزم على مهاجرة السودان والحج إلى مكة ثم الإقامة في جوار الرسول بالمدينة، وقد ~~وصف أولئك الذين عرفوا محمد التقي هذا بأنه كان رجلا صالحا متحرجا، يؤدي واجباته الدينية ~~بدقة ويشفي الأمراض بالتعاويذ والتمائم، وكان أيضا يعلم الناس القرآن. # وكان عبد الله ويوسف أشد أولاده عصيانا وقد لقي منهم الأمرين في تعليمهم بعض الآيات ~~الضرورية للصلاة، أما يعقوب وسماني فكان فيهما شيء من طبع والدهما وهدوئه، وقد حفظا آيات ~~القرآن وبعض الشروح وكانا يعاونانه على تأدية واجباته الدينية. # وقد اشتركت أسرة التعايشي في مقاومة الزبير عند فتحه دارفور، وقد حكى الزبير بأنه عندما ~~كان يقاتل في الشقة وقع عبد الله أسيرا، وكان أوشك أن يقتله لولا أن توسط بعض الفقهاء، ~~وعرف له عبد الله هذه المأثرة فجاءه يوما ms040 يقول له إنه رأى في نومه رؤيا، تتلخص في أن ~~الزبير هو المهدي المنتظر وأنه هو عبد الله أحد أتباعه، قال الزبير: «فقلت له: إنني لست ~~المهدي ولكني لعلمي شراسة العرب وأنهم أقفلوا الطرق، قد جئت لفتحها وإعادة التجارة إلى ما ~~كانت عليه.» # ولما انتهى الصلح مع الزبير عاد التقي هو وأولاده عن طريق قلقة وشقة، التي بقوا فيها ~~سنتين ثم غادروها إلى دار قمر عن طريق دار حمر والأبيض، وكانوا قد نزلوا ضيوفا على شيخ دار ~~قمر وبقوا عنده عدة أشهر، ومات هناك أبوهم التقي فدفنوه في شرقلة، وقبل موته أوصى أكبر ~~أبنائه عبد الله بأن يحتمي ببعض المشايخ ثم يهجر هو وأسرته السودان إلى مكة؛ حيث يعيشون ~~بقية حياتهم ولا يرجعون إلى السودان. # وسافر عبد الله وترك إخوته طبقا لوصية أبيه في عناية الشيخ عساكر أبو كلام، وسمع في ~~طريقه عن الشقاق بين محمد أحمد وشيخ طريقة السمانية التابع لها، وعزم على أن يذهب إلى محمد ~~أحمد وأن يطلب منه الإذن بالاندماج في طريقته. # وقد قال لي بعد ذلك الشيخ عبد الله بن السيد محمد خليفة المهدي: «كان سفري شاقا جدا، ~~وكان كل ما أملكه في الدنيا حمار له دبرة في ظهره، فلم أكن أستطيع ركوبه، وإنما كنت أضع ~~عليه قربتي وغرارة القمح وأبسط فوقهما ثوبي المصنوع من القطن وأسوقه أمامي، وكنت في ذلك ~~الوقت ألبس ثوبا فضفاضا من القطن مثل سائر رجال قبيلتي، أظنك تتذكر هذا الثوب يا عبد ~~القادر.» ~~«وكان يسميني عبد القادر، فإذا كان أحد آخر قاعدا وله هذا الاسم فإنه كان يدعوني باسم ~~عبد القادر صلاح الدين أي سلاطين.» # وكانت ملابسي ولهجة كلامي تدلان على أني غريب، وبعدما عبرت النيل كان كلما قابلني أحد قال ~~لي: ماذا ترغب هنا، اذهب إلى بلدك، ليس هنا شيء تسرقه! وأهل النيل يسيئون الظن بنا؛ لأن ~~التجار الذين كانوا يذهبون إلى الغرب للزبير كانوا يلاقون عنتا كبيرا من العرب، وكنت ~~عندما أسألهم: أين المهدي المعروف باسم محمد أحمد ms041 وأين يقطن؟ كانوا ينظرون إلي متعجبين ~~ويقولون: وأنت ماذا ترغب منه، إنه لا ينجس شفتيه بذكر اسم قبيلتك. ~~«ولكن لم ألق هذه المعاملة من كل الناس؛ فإن بعضهم كان يشفق علي ويدلني على الطريق، ~~وكنت مرة أجتاز قرية فأراد بعض أهلها أن يستلبوا مني حماري متعللين بأنه سرق منهم في العام ~~الماضي، وكادوا ينجحون في ذلك لولا أن توسط رجل صالح وأجازني القرية بحماري، وكنت طول ~~الطريق عرضة للسخرية والتهزئة، ولولا أن البعض كان يشفق علي ويعطيني شيئا من الطعام لمت ~~جوعا. وبلغت بعد الجهد مسلمية فوجدت المهدي مشغولا ببناء ضريح للشيخ القرشي، فما هو أن ~~رأيته حتى ذهب عني كل ما عانيته من المشاق، وقعدت راضيا أعاينه وأسمع أقواله وتعاليمه، ~~وبقيت ساعات لا أجسر على فتح فمي أمامه، ثم تشجعت وأخبرته بقصتي والحالة السيئة التي صار ~~إليها إخواني، وعزمت عليه بالله والرسول إلا ما أدخلني في طريقته، ففعل ومد إلي يده ~~فقبلتها مشتاقا وأقسمت له بالطاعة العمياء طول حياتي، وقد حافظت على هذا القسم حتى رفعه ~~ملك الموت، وسيرفعنا أيضا يوما ما؛ ولذلك يجب أن نستعد للقائه في كل وقت.» # وكان عبد الله التعايشي كثيرا ما يحادثني بمثل هذه الأحاديث، يبعث إلي في الليل لكي ~~أسامره، فأقعد أنا على الأرض ويقعد هو على العنجريب الفاخر المفروش بحصير السعف، وكان يثق ~~بي ولا يخفي عني شيئا في الأول، أما بعد ذلك فصار يتشكك من جهتي. # وكان يحب التملق وكنت أغلو أنا في ذلك فأفوت الحدود، ولكني كنت أرغب في أن يتم حديثه، ~~فقلت له: «أجل يا مولاي، لقد حفظت وعدك وكافأك الله، فبعد أن كنت محتقرا مهينا قد صرت ~~الآن رئيس البلاد وملكها، ولقد كان يحق لأولئك الذين سبوك وأهانوك أن يشكروك ويعترفوا ~~بفضلك، فإنك لم تنتقم منهم بل حلمت وتمالكت، فثبت بذلك أنك خليفة النبي.» # قال عبد الله: «لما أقسمت يمين الولاء للمهدي أحضر أحد تلاميذه ويدعى علي وقال له ولي: ~~أنتما منذ الآن إخوان، فليؤيد كل منكما الآخر ms042 وأنت يا عبد الله أطع ما يأمرك به ~~أخوك. # وكان علي يجاملني وكان فقيرا مثلي، وكان كلما أرسل إليه المهدي طعاما يشاركني فيه ~~فأصيب منه، وكنا في النهار نحمل الطوب لبناء الضريح، وفي الليل ننام على فراش واحد، وتم ~~بناء القبة بعد شهر، وكان الزائرون يتوافدون على المهدي بالمئات، فلم يكن لديه من الوقت ما ~~يمكنه أن يراني أو يفكر في، ولكني كنت أعرف أن لي في قلبه مكانة؛ حتى إنه جعلني أحد حملة ~~البيارق ، ولما غادرنا المسلمية كان الناس يهرعون إلينا لكي ينظروا المهدي، وكانوا يسمونه في ~~ذلك الوقت باسم محمد أحمد فقط، وكانوا ينصتون إلى أقواله ويرغبون في بركته. # ولازمتنا هذه الحال حتى بلغنا جزيرة أبة، وكان نعلاي قد بليا، وكنت قد اضطررت إلى إعطاء ~~حماري للمقدم - وهو رئيس التلاميذ - لكي يحمل عليه رجلا مريضا، ولكنا وصلنا في النهاية ~~إلى بيت المهدي، وهنا أصابتني دوسنطاريا شديدة، فأخذني «أخي» علي إلى عشته المصنوعة من ~~القش، ولم تكن تكاد تسع اثنين، وكان يأتيني بطعامي ويحمل إلي الماء للوضوء. # وذهب في مساء أحد الأيام لإحضار الماء ولكنه لم يرجع، وفي صباح اليوم التالي أبلغت أنه - ~~وهو يستقي من النيل - هجم عليه تمساح وافترسه، الله يرحمه، الله يغفر له.» # فكررت أنا هاتين العبارتين وقلت: «ما أعظم صبرك يا مولاي! من أجل ذلك قد رفع الله مرتبتك، ~~وهل لي يا مولاي أن أسألك هل أعارك المهدي التفاتة مدة مرضك؟» # فقال: «كلا فقد أراد المهدي أن يبلوني، ولم يخبره أحد بمرضي إلا بعد وفاة علي، وجاءني ~~بعد ذلك في مساء أحد الأيام وكنت منهوكا لا أقوى على النهوض، فقعد بجانبي وأعطاني مديدة ~~سخنة من قرعتي وقال لي: اشرب هذا وثق بالله فإنك ستشفى. # ثم غادرني وجاء بعض الإخوان فحملوني بأمره إلى عشة قريبة من عشته، وكان هو نفسه يعيش في ~~عشة بسيطة، ومنذ أعطاني المديدة وأنا آخذ في التحسن والشفاء على حد وعده لي، فإنه لا يكذب ~~ولا يقول إلا الصدق.» # فأقول أنا هنا: ms043 «المهدي لا يكذب ولا يقول إلا الصدق، وأنت خليفة وقد سرت في أثره واتبعت ~~أوامره.» # ويتم الخليفة حديثه فيقول: «فلما اقتربت منه عادت إلي صحتي بسرعة؛ لأني كنت أراه كل يوم ~~وكنت أرى فيه نور عيني وأسكن إلى قربه، وكان يسألني عن عائلتي ويقول إنه يحسن بهم البقاء في ~~كردوفان في ذلك الوقت، وكان آخر شيء يفوه به لي قوله: «ثق بالله». ثم أكثر من زيارته لي ~~وكان يأتيني كل يوم مرارا، وباح لي يوما بسره وقال لي إن الله قد بعثه مهديا، وإن النبي ~~قد أخذه إلى حضرة الأنبياء والرسل، ولكن قبل أن يقول هو ذلك لي كنت أنا أعرف منذ رأيت وجهه ~~أنه هو المهدي المنتظر، أجل ما كان أسعد أيامنا في ذلك الوقت! لا هموم ولا متاعب، والآن يا ~~عبد القادر لقد سهرت وتأخرت، قم واذهب إلى فراشك.» # فأسلم عليه وأقول وأنا خارج: «أطال الله عمرك وقواك على هداية المؤمنين في الطريق ~~السوي.» # ووجد المهدي في شخص عبد الله أداة مطاوعة تقوم بما يطلبه منها، ومما يعجب له الإنسان أنه ~~لولا شجار محمد أحمد مع محمد شريف لما ارتفع شأنه، فإنه أصبح ذا شهرة بعيدة في جميع أنحاء ~~الجزيرة - أي القسم الواقع بين النيل الأبيض والنيل الأزرق - وصار يمني نفسه بالمراكز ~~العليا التي كتبت له في صحيفة القدر، وجعل يخبر أتباعه في السر أن الوقت قد آن لتطهير الدين ~~وأنه سيقوم هو نفسه بهذا العمل، فمن يرغب منهم الاشتراك معه فلينضم إليه، وكان يسمي نفسه ~~«عبد الله» ويوهم من يحضره أنه يعمل عن وحي من الله، وقد أعلمه الخليفة بكل ما تجب معرفته ~~عن قبائل الغرب، وأخبره بأن في هذه القبائل شجاعة وأيد، وأنها إذا لاحت لها الفرصة للدفاع ~~عن دين الله ورسوله فإنها لن تتأخر عن اغتنامها فتهب للموت أو الظفر. # ونصح الخليفة للمهدي بأن يقوم بسياحة في كردوفان لكي يجذب إليه القبائل، وقام كلاهما إلى ~~دار قمر - جمر - حيث كانت عائلة الخليفة التي انضمت إليهما، ms044 وقد أخبر المهدي أعضاء هذه ~~العائلة بأن الوقت لم يحن بعد لتركهم بيتهم، أما الآن فمن الأنفع أن يحضوا القبائل النازلة ~~حولهم على الانضمام للمهدي. # وبرح المهدي دار قمر إلى الأبيض؛ حيث زار الأعيان والمشايخ وكان يحادثهم ويستطلع آراءهم ~~ويؤسس لترسماته المستقبلة، وكان يسر إلى أولئك الذين يثق بهم كل الثقة أنه أمين على رسالة ~~تطهير الإيمان الذي أفسده الموظفون، وكان السيد المكي رئيس مشايخ الأبيض أمينه الذي وثق به، ~~وقد نصح له بأن الوقت الحاضر لا يلائم الثورة؛ لأن الحكومة قوية والقبائل منشقة بعضها على ~~بعض، ولكن المهدي كان أكثر تفاؤلا، واتفق كلاهما على ألا يتحرك الشيخ حتى يشرع المهدي في ~~الحركة التي سيكتم أمرها إلى حين إعلانها. # ولما غادر المهدي الأبيض سار إلى تاج الله؛ حيث التقى بمك آدم حاكم المركز الذي استقبله ~~استقبالا حسنا ولكنه لم يعده بالتأييد؛ لأن القاضي نصح له بألا يعد هذا الوعد، ثم عاد إلى ~~أبة عن طريق شرقلة. # وكان محمد أحمد في أثناء سياحته ينظر في أحوال البلاد ويتدبرها، وقد أدرك أن الطبقات ~~الفقيرة في الأمة تكره الحكومة أشد الكره؛ وذلك لكثرة الضرائب الفادحة المضروبة عليها كما ~~بينت ذلك في أحد فصولي الماضية، وكانت هذه الطبقات تعاني ما يوقعه بها الجباة الغلاظ السفلة ~~من ضروب الظلم والعسف، وكان بين هؤلاء الجباة عدد من السودانيين لم يكن تفلت منهم فرصة ~~لإثراء أنفسهم وتوظيف أقاربهم بغية تحقيق هذا الغرض أيضا، وقد عين غوردون التاجر السوداني ~~الثري إلياس ومنحه رتبة باشا، فكان لهذا التعيين أثر سيئ في نفوس الأهالي، وهذا القول ينطبق ~~على تعيين قريبه وهو تاجر ثري أيضا يدعى عبد الرحمن بن نجا، وكان كلاهما على كفاية يعرف ~~حالة البلاد وكيفية حكم الأهالي، ولكنهما كانا يشتغلان لمصلحتهما. # ونتج عن تعيينهما أن انتشر روح التحاسد بين كبار السودانيين الذين كانوا يعتبرون أنفسهم ~~أهلا لمثل وظيفة إلياس أو قريبه عبد الرحمن، ولما أرسل إلياس باشا إلى مك آدم يطلب منه دفع ~~الضرائب، رفض مك آدم هذا ms045 الطلب رفضا باتا مدعيا بأنه من سلالة ملوكية، وقال في رفضه: ~~«إني أدفع للتجار أثمان البضائع التي أشتريها ولكني لا أدفع لأحد خراجا.» وفي الوقت نفسه ~~أرسل إلى الأبيض يسأل هل مات الأتراك وسائر البيض حتى صارت الحكومة تعين التجار حكاما ~~بدلا من أن تعين الأشراف وذوي البيوتات! وكان هذا سبب فصل إلياس باشا وعبد الرحمن من ~~وظيفتهما وتعيين الأتراك والمصريين في مكانهما. # أما عن الموظفين الأوروبيين فلم يكن في السودان سوى عدد قليل، وكانوا محبوبين ومحترمين؛ ~~لأن الناس كانوا يثقون بهم، ولكني لا أشك في أن بعض الاستياء كان يعزى إليهم، فربما أصدروا ~~أوامر مصدرها حسن النية ولكنها كانت تخالف عادات الأهالي وتقاليدهم، ثم إني لا أشك في أن ~~موقفنا تجاه مسألة الرقيق قد أحدث استياء عظيما بعيد المدى، فإن الدين يأذن بالرقيق، وقد ~~كانت الأرض منذ عهد بعيد تفلح بالعبيد، وكان العبيد يوكلون بالعناية بالماشية، ولست أشك في ~~أن النخاسة كانت تتطلب ارتكاب فظاعات وسفك دماء، ولكن هذه الفظاعات لم يكن يبالي بها أو ~~يفكر فيها مشترو العبيد، وكانوا على وجه العموم يعاملون عبيدهم معاملة غير سيئة، ولم نقتصر ~~نحن على منع تصدير الرقيق، بل كنا أيضا نسمع شكاوى العبيد، وكنا على الدوام نحرر العبد ~~الذي يشتكي مولاه. # وانتهز محمد أحمد فرصة الاستياء هذه من وجوهها العديدة، وكان يعرف أن الدين هو العامل ~~الوحيد في ربط هذه القبائل المتنازعة، فأعلن أنه «المهدي المنتظر»، فصارت له بذلك شخصية فوق ~~شخصية أي إنسان آخر، وكان يأمل بذلك أن يطرد من السودان جميع الأوروبيين والمصريين والأترك، ~~ولكنه لم يكن يعتقد أن الوقت قد حان بعد لأن يعلن جهارا هذه الدعوة، فعمد إلى تأييد دعوته ~~بزيارة الأنصار، واستمر على ذلك حتى صارت دعوته سرا مكشوفا. # وكان محمد شريف قد أخبر رءوف باشا الحاكم العام سرا بنية محمد أحمد، ولكن نزاعه السابق ~~معه جعل ولاة الأمور لا يصدقونه، واستنتجوا أنه يدس لخصمه الذي ذاعت شهرته لصلاحه وتقواه، ~~ولكن الحكومة علمت بعد ذلك من ms046 مصدر آخر أن محمد أحمد خطر على الأمن العام، ونوت نية صادقة ~~على أن تنتهي منه. # ولهذا الغرض أرسل رءوف باشا يطلب محمد بك أبو السعود وأمره بالمسير في الباخرة إلى أبة ~~وإحضار محمد أحمد إلى الخرطوم، ولكن أصدقاء المهدي وأنصاره أحاطوه علما بنية الحكومة ~~وأخبروه أنه إذا حضر للخرطوم فسيعتقل بها، وأن اعتقاله ليس إلا من دس محمد شريف، فلما وصل ~~أبو السعود بك إلى أبة استقبله عبد الله التعايشي وشقيق لمحمد أحمد وقاداه إلى حيث مقام ~~الشيخ، فأخبره أبو السعود عن التقارير التي بلغت للحكومة عنه، وهي بالطبع كاذبة، وعن ~~الإشاعات التي تشاع عنه، وطلب منه لذلك أن يسافر إلى الخرطوم ويكذب هذه الإشاعات التي أشيعت ~~عنه أمام الحاكم العام، فأجاب محمد أحمد وقد وقف فجأة وضرب صدره بيده قائلا: «ماذا تريد ~~مني؟! وحق الله ورسوله ما أنا إلا سيد هذه البلاد، ولن أذهب إلى الخرطوم لكي أبرئ ~~نفسي.» # فتراجع أبو السعود للوراء مذعورا من هذه اللهجة وأخذ يهدئ روع المهدي بكلمات رقيقة، ولكن ~~المهدي الذي كان كان قد رتب هذا المنظر التياتري مع عبد الله ومع شقيقه صار يتكلم بحماسة ~~وحرارة، ويحض أبا السعود على أن يؤمن بما يقوله. # أما أبو السعود فكان الآن مهموما بنفسه لا يبالي إلا بأن يرجع إلى الخرطوم، ورجع بالفعل ~~وأخبر الحاكم العام بحبوط مهمته. # وأدرك محمد أحمد أنه ليس هناك مجال لإضاعة الوقت، وأن مستقبله يتوقف على مجهوده، فلم ~~يتوان عن الكتابة إلى جميع أنصاره في أنحاء السودان يستثيرهم على الحكومة، أما الأنصار ~~القريبون منه فقد أمرهم بأن يستعدوا للجهاد. # وفي هذه الأثناء لم يكن رءوف باشا مهملا أمر المهدي؛ فقد عرف من حديثه مع أبي السعود أن ~~خطورة المسألة عظيمة جدا، فعزم على إرسال فصيلتين للقبض على المهدي، ووعد كلا من قائدي ~~الفصيلتين بأن يرقيه إلى رتبة بكباشي إذا كان هو القابض عليه قبل الآخر، وأراد من ذلك أن ~~يحثهما على الاجتهاد والمنافسة، ولكن عواقب هذا العمل كانت وخيمة جدا! ms047 # فإن الجيش الذي كان يقوده أبو السعود نزل الباخرة «إسماعيلية» وكان بها مدفع فبرحت ~~الخرطوم في أغسطس سنة 1881 وسارت إلى أبة، وكان هذا الجيش مؤلفا من فصيلتين على كل منهما ~~قائد، وقد اختلف هذان القائدان؛ الواحد مع الآخر والاثنان مع أبي السعود، وعرف محمد أحمد ~~بالحملة الموجهة إليه فاستعان بقبيلتي دغيم وكنانة فأعانتاه، واستعد هو للمقاومة، وأخبر من ~~حوله بأن النبي قد ظهر له وقال له إن كل من اشترك معه في هذا الجهاد سيعطى لقب «الشيخ عبد ~~القادر الكيلاني» ولقب «أمير الأولياء»؛ وهما لقبان محترمان عند المسلمين، وعندما تفاقمت ~~الحالة وعظم الخطر لم يتقدم للجهاد سوى عدد قليل سلموا أنفسهم وأموالهم للمهدي. # ووصلت الباخرة إلى أبة عند غروب الشمس، وعلى الرغم من أوامر أبي السعود نزلت الفصيلتان؛ ~~لأن كل ضابط كان يرغب في الحصول على رتبة بكباشي قبل الآخر. أما أبو السعود الذي كان قد ~~انغرس الخوف في قلبه منذ قال محمد أحمد إنه مولى البلاد، فقد وقف بالباخرة في وسط النهر ~~ومعه مدفعه، وكان الضابطان كلاهما يجهلان المكان وكلاهما يرغب في الحصول على رتبة بكباشي، ~~فسارا في طريقين مختلفين على الشواطئ المتوحلة قاصدين عشة محمد أحمد، ولكن محمد أحمد كان قد ~~ترك عشته وأخذ أنصاره وتسلحوا كلهم بالسيوف والحراب والهراوات واختبئوا في الديس، والتقت ~~الفصيلتان عند القرية كل منهما قد أتت من جهة مقابلة للجهة التي أتت منها الأخرى، وأطلقت ~~كلتاهما النار على القرية الخالية من السكان فأصابت كل منهما الأخرى وحدثت خسائر خطيرة من ~~الطرفين، وفي وسط هذا الارتباك هب أتباع المهدي من كمينهم وضربوا الجنود الذين كان قد ~~فقدوا قوتهم المعنوية فتشتتوا في كل مكان، وتمكن بعض الجنود من أن يصل إلى الشاطئ وأن ~~يسبحوا إلى الباخرة، ورعب أبو السعود وأراد أن يبحر بالباخرة إلى الخرطوم في الحال، ولكن ~~الربان أشار عليه بالبقاء للصباح لعل بعض الفارين من الجنود يتمكنون من الوصول إلى الباخرة، ~~ولكن لم يأت أحد، وفي الفجر أقلعت الباخرة تسير بأقصى سرعتها ms048 حاملة هذه الأخبار ~~المحزنة. # ويمكن أن ندرك نتيجة انتصار محمد أحمد، فإن رجاله خرجوا من المعركة سالمين لم تنلهم خسائر ~~قط، أو إذا كانوا قد أصيبوا فإصاباتهم كانت طفيفة جدا، وقد جرح محمد أحمد في ذراعه فضمد ~~جرحه عبد الله التعايشي ونصح له ألا يخبر أتباعه به، وإلى هنا كان عدد أتباعه لا يزال ~~صغيرا؛ لأن الناس كانوا يعتقدون أن الحكومة ستتخذ إجراءات فعالة لإخماد حركته. # وأخذ عبد الله وإخوته يحضون محمد أحمد على أن يجعل المسافة بينه وبين الحكومة بعيدة، فعول ~~بناء على حضهم أن يقوم إلى جنوبي كردفان، ولكي لا يفهم أتباعه أنه ينوي الفرار من وجه ~~الحكومة أذاع بينهم أنه قد أوحي إليه أن يذهب إلى جبل ماسة، والمأثور في السودان أن المهدي ~~يخرج من جبل ماسة، وهذا الجبل في شمالي أفريقيا، ولكن المهدي تغلب على هذه الصعوبة بأن أطلق ~~اسم جبل ماسة على جبل غدير الكائن بكردوفان، وقبل أن يغادر أبة عين خلفاءه الأربعة طبقا ~~للوحي: وأولهم الذي كان يمثل أبا بكر الصديق كان عبد الله التعايشي، وثانيهم الذي يمثل عمر ~~بن الخطاب كان علي واد هلو من قبيلة دغيم، وثالثهم الذي يمثل عثمان بن عفان لم يعين وقتئذ، ~~وقد عرض بعد ذلك هذا المنصب على الشيخ السنوسي فرفضه، أما الرابع فكان علي الكرار، وكان من ~~أقارب المهدي، وكان صبيا. # ورفض أصحاب القوارب أولا نقل أتباع المهدي على النيل؛ لأنهم كانوا يخشون أن تعدهم ~~الحكومة مشتركين مع محمد أحمد وأتباعه، وكان قد انضم إليهم فريق من قبيلتي دغيم وكنانة ~~العربيتين، ولكن محمد أحمد تغلب على معارضتهم وجعلهم ينقلونه في النهاية هو ورجاله إلى ~~الشاطئ الآخر، وسار الجميع إلى دار قمر، وكان محمد أحمد يدعو السكان إلى الانضمام إليه ~~ويطلب إليهم أن يذهبوا معه إلى جبل ماسة، واشتدت الحماسة عندئذ بين رجاله، وكانت لا تفوت ~~فرصة يخبرون فيها السكان عن المعجزات التي يأتيها المهدي. # وحدث مرة أنه وقف برجاله في أحد الأمكنة وكان قريبا منه ضابط معه ms049 ستون جنديا، وكان هذا ~~الضابط المدعو محمد جمعة يجمع الضرائب، وخطر في باله أن يهاجم المهدي ويقبض عليه، ولكنه ~~خوفا من تبعة هذا العمل أرسل إلى الأبيض يستشير ولاة الأمر، ولكن قبل أن تأتيه التعليمات ~~من الأبيض كان المهدي قد جاز المكان برجاله. وبعد سنوات لقيت محمد جمعة وهو في حالة تعيسة ~~في أم درمان وقال لي: «لو كنت أعرف بأنه سيقضى علي بأن أمشي حافيا وأن أستجدي من الناس ~~كسرة الخبز، لما طلبت تعليمات من الأبيض وتركت هذا الدنقلاوي الشقي يفر من يدي، لقد كان ~~أفضل لي أن أقتل من أن أعيش هذه المعيشة التعسة.» # وأتيحت فرصة أخرى للقبض على المهدي ولكنها فاتت أيضا؛ فقد كان جيجار باشا قد انتدب لمهمة ~~تحقيق اختلاس حدث باتفاق بين موظف في الأبيض وبين تاجر سوداني ثري يدعى عبد الهادي، ~~وسمع جيجار باشا بأن المهدي قريب منه، وذلك حوالي آخر سبتمبر، فأنفذ إليه محمد سعيد باشا ~~ومعه أربع فصائل من الجنود للقبض عليه وإحضاره للأبيض، ولكن الحملة، إما عن قصد أو إهمال، ~~أخفقت في مهمتها؛ فإن الجنود على ما يظهر حطوا رحالهم في المكان الذي نام فيه أتباع المهدي ~~في الليلة السابقة، وبعد أن أضاعوا ثلاثة أيام بلا فائدة عادوا إلى الأبيض وهم موسومون ~~بالخوف من قتال المهدي؛ فزادت بذلك كرامة المهدي ووجاهته. # وكانت نية محمد أحمد أن يقضي بعض الوقت في جبل تاج الله، وسمع مك آدم بذلك فأرسل إليه أحد ~~أبنائه بهدايا من القمح والغنم ومعه رسالة منه ينصح له فيها بالتوغل بعيدا في الداخلية، ~~فاستمر في سيره، وبعد مشقات طويلة بلغ جبل غدير حيث كان يوجد قسم من قبيلة كنانة غير السكان ~~الأصليين. # وكان راشد بك في ذلك الوقت حاكما على فشودة، وكان يعرف حركات المهدي؛ ولذلك عول على ~~الغارة عليه قبل أن يتقوى بمن ينضم إليه، وكان في فشودة رجل ألماني يدعى برجوف، وكان في ~~الأصل يشتغل بالفتوغرافية في الخرطوم، فأرسله رءوف باشا مفتشا لقمع تجارة الرقيق في أعالي ms050 ~~النيل. # وتقدم الآن راشد بك ومعه برجوف وكايكو بك ملك الشلوك قاصدين غدير، وكان راشد يقلل من ~~أهمية المهدي فلم يكن يحفل باتخاذ الحرس والاحتياطات، فكمن له المهدي وأوقع به وقتل من ~~رجاله ألف وأربعمائة ألف نفس، وكان هجوم المهدي مفاجئا وسريعا، حتى لم يستطع راشد إرسال ~~صاروخ في الهواء، وصمد راشد وقليل ممن معه للقتال، ولكن رجال المهدي تكاثروا عليهم ~~وقتلوهم. # ووقعت هذه الهزيمة في 9 ديسمبر، ومن ذلك الوقت لم يتردد محمد أحمد في المجاهرة علنا بأنه ~~المهدي المنتظر، وكبر مقامه في أعين العرب، ومع ذلك لم تكن علاقته مع أجواره على ما يحب، ~~وقد أشار الخليفة عبد الله التعايشي إلى هذه المدة، وحكى لي عنها فقال: «لما بلغنا الغدير ~~كنا في غاية الإعياء بعد هذا السفر الشاق الطويل، وكان للمهدي فرس واحد من تلك السلالة ~~الحبشية الرديئة، أما أنا فقد سرت المسافة كلها تقريبا على قدمي، ولكن الله يهب القوة ~~للمؤمنين الصادقين الذين يسلمون أنفسهم وما يملكون لأجل الإيمان، وكان إخوتي يعقوب ويوسف ~~وسماني قد انضموا إلينا، وكذلك زوجة أبي التي كانت ترضع ابني على صدرها، ولم يرض أخي هارون ~~البقاء فأتى معنا أيضا، وكنت على الدوام في قلق بشأن إخوتي وزوجة أبي وعائلتي وابني هذا ~~الذي تراه عثمان شيخ الدين، ولم تكن مشاق السفر تهمنا نحن الرجال؛ فإن المصائب والكوارث ~~تأتينا من عند الله ونحن نتحملها راضين شاكرين؛ لأن الله قد اصطفانا لنعلي كلمته ونرفع دينه ~~الذي ديس مع التراب، وكنا نعلم إخواننا، ولكن (وهنا كان يبتسم) تعليم الدين لم يكن ليأتينا ~~بالطعام لأولادنا ونسائنا، وكان الناس يهرعون إلينا زرافات، ولكن معظمهم كان في فاقة تزيد ~~عن فاقتنا وكانوا يأتون إلينا لكي نعولهم، أما المتيسرون فكانوا يتجنبوننا، أجل إن المال ~~لعنة ومن كان غنيا في هذه الدنيا فإنه لن ينعم بنعيم الفردوس، ولم نكن نحصل على معونة ما ~~من الناس الذين كنا نجوز بلادهم، وكان المهدي مع ذلك يقسم ما يحصل عليه من القليل الذي لديه ms051 ~~بين الحجاج الذين كانوا يقصدونه، وكان قلبي يتفطر عندما أسمع بكاء الأطفال والنساء، ولكني ~~كنت عندما أنظر إلى وجه المهدي تعود إلي الطمأنينة وأثق بالله، أجل يا عبد القادر إن ~~الصبر مفتاح الفرج، كن صبورا والله يكافئك.» # وقد نبهت هزيمة راشد بك الحكومة إلى خطورة الحالة وهيئت تجريدة بقيادة يوسف باشا شلالي، ~~وكان قد ظهرت مواهبه في حملة جسي باشا في بحر الغزال، وكان مشهورا بصدق عزيمته وبسالته، ~~وهيئ أيضا مدد آخر مؤلف من فرقة من الطوبجية ومعهم بعض المتطوعين بقيادة عبد الله واد ضيف ~~الله - شقيق أحمد واد ضيف الله - وعبد الهادي وسلطان ديمة، وأرسل هذا المدد إلى ~~كردوفان. # وفي هذه الأثناء أرسل المهدي الرسل إلى جميع الجهات تحمل بشائر انتصاراته وهدايته، ودعا ~~جميع الأهالي إلى الانضمام إليه في الجهاد، وأطلق اسم «الأنصار» على أتباعه ووعدهم بأربعة ~~أخماس الغنائم التي تغنم في الحرب، أما من مات منهم فقد ضمن له نعيم الفردوس، وبذلك استثار ~~الصفات الكامنة في نفس السوداني وأهمها الطمع والتعصب. # وكان جيش يوسف باشا شلالي يبلغ أربعة آلاف جندي يقودهم محمد بك عثمان وحسن أفندي رفقي ~~الذي كنت قد فصلته أنا من وظيفته قبلا، أما الخيالة غير النظامية فكانت بقيادة طه بن صدر، ~~وهو رجل شجاع، وغادرت هذه القوة الخرطوم في 15 مارس سنة 1882، وعرجت على كوة حيث حطت رحالها ~~تنتظر المدد الآتي من الأبيض. # وقد وجد عبد الله واد ضيف الله أن جمع المتطوعة ليس من المهمات السهلة؛ فقد كان الشعور ~~العام أنه من الخطأ أن يقاتل رجل صالح مثل المهدي ثم لم يكن هناك مطمع في الغنائم؛ لأن ~~أتباع المهدي لم يكونوا أحسن حالا من الشحاذين. وزيادة على ذلك كان إلياس باشا أغنى تجار ~~كردوفان وحاكمها المعزول يكره ضيف الله أشد الكره، وقد استعمل سطوته في منع الناس من ~~التطوع، ومع ذلك تمكن ضيف الله من تجنيد بعض المتطوعة باتفاقه مع ولاة الأمور، وصارت قوته ~~بمن فيها من النظاميين 2000 قبل أن يبرح الأبيض، والتقى ms052 بالجيش في كوة فصار مجموع الجيش ~~6000، وذلك حوالي منتصف شهر مايو. # واستراح يوسف باشا قليلا ثم تقدم نحو الغرب وضرب خيامه في 6 يونيو في مسات القريبة من ~~جبل غدير وهو واثق بالظفر. والحق أنه لم يكن هناك، حسب ظاهر الأحوال، ما يدعو مثل يوسف باشا ~~ومحمد بك وأبو صدر إلى الخوف من طائفة من العرب قد أضناها المرض والجوع والعري، ألم ينتصروا ~~في الماضي جملة انتصارات في النيل الأبيض وفي دوفيلة؟ ألم يفتحوا بحر الغزال ويخضعوا سلطان ~~دارفور؟ فماذا يمكن أن يفعل معهم هذا الفقيه الأعزل الجاهل؟ # ولكن عبد الله واد ضيف الله لم يكن مغترا بقوته؛ فقد حذر هؤلاء القواد من تصغير شأن ~~المهدي، وقد وقع من ظهر جواده وهو خارج من الأبيض، وهنا الوقوع يعتبر في السودان شؤما يخشى ~~منه، ولكنه كان يصرخ في الصحراء فلم يسمع له أحد، بل لم يعن أحد منهم ببناء «زريبة» من ~~الأشواك والأغصان حول الجيش، وإنما اكتفوا بالتقاط قليل من القش وصنعوا منه سياجا واهيا ~~لم تكن منه فائدة قط، وما جاء الفجر حتى جاءت طائفة المهدي التي أضناها الجوع والعري والمرض ~~وأوقعت بجيش يوسف باشا، وكان ذلك في 7 يونيو، فقد جازوا السياج الواهي وباغتوا الجنود وهم ~~نيام فأجهزوا عليهم، فقتل يوسف باشا وأبو صدر وهما في قميص النوم على باب خيمتهما، ولم تمض ~~دقائق حتى أبيدت جميع الجنود تقريبا، وكان لأبي صدر امرأة سرية، فلما رأت مولاها يقتل ~~هبت إلى القتلة وقتلت اثنين منهم بمسدس في يدها، ولكن وقعت فوق مولاها بطعنة حربة بلغت ~~قلبها! وصمد عبد الله واد ضيف الله بعض الوقت ولكنه هو ورفقاؤه قضي عليهم بعد مدة وجيزة من ~~القتال. # وفي البلاد غير المتحضرة عندما يحدث شيء غريب يعزى على الدوام إلى قوة إلهية، وكان هذا ~~تأثير نكبة يوسف باشا في عقول السودانيين المستسلمين للخرافات، فقد مضى ستون سنة كان القطر ~~السوداني محكوما فيها بالمصريين والأتراك. # فقد كانت العادة المتبعة أن تعاقب القبائل التي لا تدفع ms053 الضرائب المطلوبة منها، ولم يكن ~~أحد يجادل في حق الحكومة في هذا العمل، أما الآن فهذا الفقيه قد ظهر وجمع حوله شراذم الرعاع ~~الذين لم يتمرنوا على الأعمال الحربية وليس معهم عدة السلاح وأوقع بجيوش الحكومة، فلم يكن ~~هناك من يشك إذن في أنه المهدي المنتظر. # وكانت هزيمة يوسف باشا سببا في خضوع كردوفان كلها للمهدي، فصار في إمكانه الآن أن يهيئ ~~لنفسه العدة التي كانت تنقصه، فأخذ في جمع الأموال والأسلحة والخيول وسائر الغنائم يوزعها ~~على رؤساء القبائل التي انضمت إليه، وكانت هذه القبائل تعتقد أنه المهدي المنتظر الذي لا ~~تحدثه نفسه إلا بإقامة الدين ولا قيمة للأموال والأمتعة في نظره. # وفشت أخبار المهدي في كل ناحية، وكانت هذه الأخبار إذا تنوقلت بين أهالي كردوفان الذين لم ~~يصيبوا إلا قليلا من التعليم يبالغ فيها مبالغة عظيمة، وخرج من الأهالي عدد عظيم تركوا ~~بيوتهم يؤمون جبل غدير الذي كان يسمى الآن جبل ماسة، وبعض من الأهالي تجمعوا حول رؤسائهم ~~لمقاتلة موظفي الحكومة المشتتين في أنحاء البلاد. # وكانت هذه الأحوال توافق أهواء العرب الرحل، فكانوا بدعوى الحرب الدينية يقتلون وينهبون ~~الأهالي وكانوا يتهمونهم بالولاء للأتراك، وفي الوقت نفسه أيضا وجدوا في هذه الحالة ~~طمأنينة من حيث عدم دفع الضرائب لتلك الحكومة المكروهة. # واتصل المهدي بتجار الأبيض الذين كانوا بواسطة ثروتهم ونفوذهم يحكمون البلدة بل جزءا ~~كبيرا من سائر البلاد، وقد أدركوا هم الحالة تماما، وكانوا يعرفون ضعف الحكومة وتوانيها ~~واستعد كثير منهم لمشايعة المهدي، وكان إلياس باشا من أعظم المستائين من الحكومة، وكان يكره ~~أحمد بك ضيف الله صديق محمد باشا سعيد؛ ولذلك جد واجتهد في السر في جمع الأنصار للمهدي، ~~وكان عدد كبير من صغار التجار ينتظرون تحسن الأحوال التجارية إذا سقطت الحكومة، وكان هناك ~~قليل من التجار يكرهون المهدي ولكنهم كانوا يترقبون فوزه؛ فلم تكن لهم حيلة سوى الانضمام ~~إليه؛ لئلا تقع زوجاتهم وأملاكهم غنيمة لرجاله عندما يعقد له النصر. # أما مشايخ الدين فقد رأوا في هذه الحركة ما ms054 يرفع مقامهم، وكانوا يفخرون بأن واحدا منهم ~~قد تجرأ على أن يعلن عن نفسه أنه المهدي، وكانوا يترقبون الوقت حين يطرد هذا المهدي جميع ~~الأتراك من البلاد ويبقى هو الحاكم لها، وكان هناك عدد قليل - قليل جدا - من أولئك الذين ~~كانوا يقدرون الخطر الذي تستهدف له البلاد إذا فاز المهدي وقد فعلوا كل ما يمكنهم لتنبيه ~~الحكومة، ولكن عدد هؤلاء كما قلنا كان قليلا فلم يكن لهم أثر في الحركة. # وأرسل إلياس باشا ابنه عمر لكي يقف المهدي على الحالة ويدعوه إلى المجيء إلى الأبيض، وكان ~~محمد باشا سعيد ينتظر مجيء المهدي للأبيض؛ ولذلك حفر خندقا حول المدينة ظنا منه أن ~~السكان سيصمدون للحصار، وأشار عليه أحمد بك ضيف الله بتحصين مباني الحكومة ففعل وبنى حولها ~~جدارا بارتفاع الصدر، ولكنه لبخله وقع في خطأ فاحش؛ إذ بدلا من أن يختزن الحبوب استعدادا ~~للحصار ويشتريها بأثمان عالية رفض أن يشتريها إلا بالأثمان التي تباع بها وقت السلم، ولم ~~تمض مدة حتى بيعت الحبوب لأولئك الذين شعروا بالانقلاب في الحالة وعرضوا ثمنا أكبر مما ~~عرضه محمد باشا سعيد. # وفي هذه الأثناء كان الأهالي يقتلون في كل مكان، وكان العرب السفاكون لا يلتقون بجباة ~~الضرائب أو شراذم الجنود أو الموظفين المتفرقين حتى يقتلوهم، وأغار عرب البديرة على سكان ~~أبي حرز وكادوا يبيدونهم، وكانت أبو حرز على سفر يوم من الأبيض، ولم يتمكن من الهرب إلى ~~الأبيض سوى عدد قليل من الأطفال والنساء والرجال، أما باقي السكان فإما أنهم قتلوا أو أخذوا ~~أسرى وقت فرارهم في الصحراء المحرقة، وكان العرب يسقون الفتيات إذا عطشن أما النساء المسنات ~~فكن يلاقين الأهوال؛ فقد كان هؤلاء العرب لكي يحصلوا على خلاخيلهن وأساورهن يقطعون أيديهن ~~وأرجلهن! # وبعد أيام قلائل أغار العرب على بلدة أشاف في شمال كردوفان فنهبوها، وقد دافع عنها نور ~~أنجرة الذي كان هناك في ذلك الوقت وساعده سنجق محمد أغا يابو الذي كان قواص غوردون، ولكنهما ~~اضطرا إلى التقهقر، وكان يابو هذا كرديا وقد فعل ms055 العجائب في تقهقره، فقد جمع النساء ~~والبنات في الوسط وأمرهن بأن يغنين غناء الحرب، وكان يقول إن هذا الغناء ينفي الخوف عن ~~القلوب، وكان يكر على العرب من وقت لآخر حتى نجح في استرداد جميع الفارين تقريبا ووصل ~~سالما إلى دارة. # وأغار العرب على دارة هذه، ولكنهم ارتدوا عنها أولا، ثم عادوا وجمعوا جموعهم يقودهم ~~الشيخ رحمة الله فطوقوا البلدة ومنعوا عنها المؤن. # واجتمع جمع آخر من العرب في كشجيل، فأرسل إليهم محمد باشا سعيد فصيلة من الجند فرقتهم، ~~ولكن الفصيلة فقدت من أفرادها عددا كبيرا حتى ليصح أن يعد انتصارها هزيمة، واجتمع هؤلاء ~~العرب ثانيا في بركة، وكانت بها حامية مؤلفة من ألفي رجل فقتلوا، وحدثت نكبة أخرى مشابهة ~~لهذه في الشط على النيل الأبيض؛ حيث قتل مائتا جندي، وأغار العرب أيضا على الدويم فارتدوا ~~عنها وخسروا ألفي رجل. # وفي هذه الأثناء لم تكن رسل المهدي الذين أرسلهم إلى الجزيرة وانين، فإن عرب جهينة ~~والحوارنة والأجليين ساروا إلى سنار يقودهم أبوروف فحصروها، ولكن جاء السنجق صالح واد المك ~~بقوة من الشايجية فرفع الحصار عنها. # وحاصر الشريف أحمد طه مدينة أبي حرز الواقعة على النيل الأزرق، وكان جيجلر باشا يقوم ~~بوظيفة الحاكم العام رءوف باشا، وقد وصل إلى جوار المدينة فأرسل مك يوسف من الشايجية ~~لمهاجمة الثوار ولكنه هزم، واستحى مك يوسف من الفرار فنزل من ظهر جواده وبسط فروته على ~~الأرض وأمر أحد عبيده بأن يقتله، وسافر جيجار في الحال إلى الخرطوم وهيأ مددا عاد به وأغار ~~على أحمد طه وقتله وأرسل رأسه إلى الخرطوم، ثم طهر جوار سنار من الثائرين بدون أن يفقد ~~عددا كبيرا من رجاله، ولكن على الرغم من هذا النجاح الوقتي كانت الحكومة تتسلم كل يوم ~~أخبارا مزعجة عن الكوارث التي كانت تقع بجيوشها وبالسكان في عدة أنحاء من السودان. # وكانت نتيجة ذلك إرسال عبد القادر باشا حاكما عاما للسودان فوصل إلى الخرطوم في 11 ~~مايو سنة 1882، وشرع بهمة في العمل على تحصين المدينة، وكان ms056 لعمله هذا تأثير في الأهالي ~~الذين اتضح لهم أن الحكومة تنوي العمل بهمة، ولكنه في الوقت نفسه أوضح لهم خطورة الحال، وقد ~~أمنت دور الحكومة مثل مخازن المؤن والذخيرة والدفترخانة من جميع الطوارئ، وسحب الحاكم العام ~~إلى الخرطوم حاميات القلابات وسنهيت وجرة، وكان الهدوء التام يشمل هذه المراكز. # وفي هذه الأثناء أدرك محمد أحمد أن حضوره ضروري لكي يشعل النار الخامدة ويحيلها لهيبا ~~آكلا؛ ولذلك قبل دعوة إلياس باشا للتوجه إلى الأبيض وترك عمه محمود شريف مع بعض الأتباع في ~~جبل ماسة للعناية بزوجاته وأولاده، ثم هبط إلى الوادي وجمع جموعه وسار بهم إلى عاصمة ~~كردوفان الغنية. # الفصل الخامس # | الثورة في جنوبي دارفور # لما غادرت الفاشر قاصدا دارة في أوائل سنة 1882 كان معي 350 جنديا راكبا بقيادة عمر ~~واد دارهو، ولم يكن هذا الحرس ضروريا ولكني رأيت أن أؤثر في العرب وأريهم أن لدى الحكومة ~~قوات كبيرة تخمد بها أية حركة تدفعهم إليها نزعاتهم. # ولما بلغت دارة زرت قبر إميلياني ونصبت شاهدا من الحجر عليه للذكرى، وكان زوجال بك يقوم ~~مقامه في إدارة الأعمال وكانت الظواهر تدل على أن الحالة قلقة جدا؛ فقد خرج عرب الجنوب ~~وهم الرزيفاف والحبانية والمعالية على الحكومة؛ فقد عقدوا عدة اجتماعات أعلن فيها أن ~~الدراويش يهرعون للانضواء إلى راية المهدي الذي أرسله الله لإعلاء كلمة الدين، فأمرت منصور ~~أفندي حلمي بأن يسافر في الحال إلى شقة لكي يعيد النظام إلى نصابه، وكان معه 250 جنديا ~~نظاميا و25 جنديا راكبا. # فسار عن طريق قلقة - كلاكة - وعدت أنا إلى الفاشر لكي أجمع فصائل الجنود التي كانت متوزعة ~~في أنحاء البلاد لجمع الضرائب ولكي أستعد بهم للطوارئ، وقبل أن أغادر دارة تحادثت طويلا ~~ومليا مع زوجال، وقد كنت أعرف هذا الرجل معرفة تامة عندما كنت حاكما هنا، وقد علمت أنه ~~تحادث مع عمر واد دارهو كثيرا عن أحوال المهدي وأعماله، واتفق معه على أنه إذا استمر النصر ~~معقودا بلوائه فإنهما ينضمان إليه، وكان هذان الرجلان أغنى من ms057 في المركز، وكان لهما نفوذ ~~عظيم بين الأهالي؛ ولذلك كان انشقاقهما علينا خطرا جدا، فرأيت أن أتحبب إليهما وأن أعمل ~~كل ما يمكن لمنع هذا الشقاق، فلما حادثت زوجال لم أشر إلى مقابلاته العديدة دارهو، ولكني ~~حصرت كلامي في الإشارة عليه بأنه بالنسبة لقرابته للمهدي وبالنسبة لأنه موظف كبير ينبغي له ~~أن يعاون السلطة الشرعية في البلاد. # ولما ودعت الضباط والموظفين شرحت لهم وجوب انتباههم الدقيق لواجباتهم، وأخبرتهم بأني ~~سأعود من الفاشر في أقرب وقت، ثم تركت الجنود الراكبة في دارة وسرت إلى العاصمة التي بلغتها ~~بعد سفر ثلاثة أيام، وهنا علمت أن المحطة التلغرافية في فوجة قد استولى عليها الثائرون، ~~ورأيت لذلك أن آمر بإرسال المدد إلى أم شنجة. # وكان نظام البريد قد تعطل تماما واضطررت لهذا السبب إلى أن أرسل خطاباتي إلى الأبيض ~~والخرطوم في داخل قوائم الرماح، أو بين نعلي الحذاء، أو أخيطها داخل ملابس حاملها. وكنت قد ~~طلبت من الخرطوم إمدادي بالذخيرة ولكنها لم تصل إلي لإهمال الموظفين، فإنها أرسلت إلى ~~الأبيض متأخرة ولانقطاع المواصلات لم يمكن إرسالها إلي. # وعلمت من دارة أن مادبو زعيم الرزيفات قد رفض أن يأتي، فلم أشك بعد ذلك في أن جميع ~~القبائل الجنوبية قد خرجت على الحكومة وأنها تنوي كل النية الانضمام للمهدي، فقررت أن يكون ~~مقامي في دارة، فأخذت 200 جندي من المشاة و75 من الجنود الراكبة وسرت بهم إلى ~~دارة. # وعند وصولي أبلغت وقوع حادثة كانت في ذاتها تافهة ولكن نتائجها كانت خطيرة جدا؛ فقد سبق ~~أن ذكرت بأني وأنا مسافر إلى الخرطوم التقيت في الطريق بالشيخ علي واد هجير من قبيلة ~~المعالية فرافقني إلى الخرطوم، وقد أثبت ولاءه للحكومة فعينته رئيسا لقبائل المعالية ~~الجنوبية، وقد سمع هذا الشيخ بقرب عقد اجتماع عرب الرزيفات بقيادة الشيخ بلال نجور بغية ~~الانضمام إلى المهدي، فعول الشيخ علي على أن يحضر هذا الاجتماع ويقبض على الشيخ بلال ~~متهما إياه بالثورة. # فسار إلى مكان الاجتماع مع حميه وبعض أصدقائه، ورأى بعض الرجال ms058 المنتمين إلى قبيلته قد ~~حضروا أيضا فطلب إليهم أن يخرجوا وينحازوا إلى جانبه، ولكن لم يبال أحد بطلبه وحدثت في ~~أثر ذلك مشاغبة عومل فيها هجير وأصدقاؤه معاملة قاسية عنيفة، حتى اضطروا إلى أن ينجوا ~~بأنفسهم، ولكن حكاية فرارهم انتشرت على غير وجه الحقيقة؛ بحيث إنه عندما وصل هجير إلى زوجته ~~ومعه حموه وأصدقاؤه تلقتهم بقولها: «راجلي اضليم وأبويا ربطة، سفر يومين سووهم في ~~جبطة.» # ومعنى ذلك: «زوجي ظليم: ذكر النعام، وأبي أنثى نعام، حتى إنهما قضيا سفر يومين في ~~لحظة.» # واقتفى بلال نجور أثر الهاربين تصحبه المعالية فهجم على دار الشيخ هجير، وأخذ الذين حول ~~الشيخ هجير يحثونه على الفرار إلى شقة ليدخل في حماية منصور، ولكنه كان يتضور من آلام ~~الكلمات القاذعة التي عيرته بها زوجته فرفض الفرار وقال: «لن أفر لكي أنجو بنفسي. خير لي أن ~~أقع بالسيف من أن تضحك مني امرأة.» # وقد وعد وأوفى وعده؛ فإنه قاتل الجموع حوله قتال الأبطال حتى شقت حربة رأسه نصفين فوقع ~~وهو يتلو الصلاة حتى مات، وقتل حموه ووقع في جانبه، أما زوجته التي كانت سبب كل هذا البلاء ~~فقد وقعت أسيرة واستعبدت، ودعاني منصور حلمي لكي أذهب إلى شقة لرغبته في الاتفاق مع ~~القبائل؛ لأني أمثل الحكومة وبهذه الصفة يكون لي تأثير أكبر فيهم، واقترح أن نبني قلعة ~~حصينة في شقة ونضع فيها مدفعين، ولما كان الاتفاق مع العرب ضروريا فإني قررت إجابة طلبه ~~وسافرت إلى شقة ومعي 150 من الجنود النظامية و25 جنديا راكبا ومدفع. # وكنت في أثناء سفري أسمع من الأخبار ما يثبت انتشار الثورة وانتصار المهدي، ولما وصلت إلى ~~قرية المادبو في دعين جاءني رسول وأخبرني هذا الخبر الغريب؛ وهو أن منصور قد أغار على هذا ~~الشيخ قريبا من شقة وفقد معظم من معه وبات في شبه حصار في مراي، فأرسلت في الحال في طلب ~~إمداد من دارة وبقيت مدة الانتظار في دعين وأنا لا أشك في أن المادبو ينوي أن يهاجمني، وقد ~~تحقق ظني، ms059 وقد انضم إلي الشيخ عفيفي من قبيلة الحبانية ومعه 25 من الخيالة، والحق أن مآثر ~~هذا الشيخ الموالي لجديرة بأن تدون! # ففي مساء أحد، والشمس توشك أن تغرب، خرج رجالي يجمعون الحطب، فأغار علينا المادبو بخيوله ~~التي تراءت لنا بأنها تقصد إلى زريبتنا وهي تعدو، فلما رآهم الشيخ عفيفي أسرج في الحال ~~جواده وامتطاه وأشرع حربته وقال لي: «عارفني زين، أنا نور الطقش أبو جلب من آدم، أنا بدور ~~عالموت.» # ومعنى هذا: «أنت تعرفني جيدا، أنا الثور الناطح، قلبي من صخر، أنا أبحث عن ~~الموت.» # قال ذلك واندفع خارجا من الزريبة ثم اختفى بين الأشجار، وبعد لحظة عاد وحربته تقطر الدم ~~ووراءه جواد قد استلبه، وخرج شيخان آخران اشتبكا في قتال خفيف ففقدا جوادا وغنما جوادا ~~آخر، وبعد هنيهة سمعنا طلقات البنادق فخشيت أن يكون جيش المادبو قد وصل فطلبت الخيالة من ~~العرب وجعلتهم يقفون موقف الدفاع في الزريبة، ولكني عرفت بعد ذلك بقليل أن ما وصل من جيش ~~المادبو قوة صغيرة قد احتمت في أدغال الأشجار، فأرسلت خمسين رجلا لطردهم من مكمنهم فطردوهم ~~وقتلوا منهم ثلاثة. # وفي صباح اليوم التالي ظهر العدو وهو يتقدم نحونا بقوات كبيرة، فنفخنا في البوق وذهب كل ~~جندي إلى مكانه، وأغاروا علينا من الشمال الغربي وهم يحتمون بدغل من نارنا، وكان في وسط ~~زريبتنا ربوة فوضعت فوقها ديوانا كنا قد وجدناه في إحدى عشش المادبو، فجعله أحد المصريين ~~كرسيا، فقعدت عليه وأخذت أشرف منه على حركات العدو وأراقب أيضا حركات جنودنا في الزريبة، ~~وتقدم العدو حتى صار على مدى إطلاق النار وصار البندق يصفر حول آذاننا، وقمت أنا لكي أعطي ~~الأوامر، وما كدت أترك الكرسي حتى مزقته رصاصة! فرأيت من الأنسب ألا أعرض نفسي للرصاص، ~~واقترب العدو منا كثيرا واشتدت ناره، ولكن رجالنا كانوا محتمين فلم نصب إلا بأقل خسارة، ~~ولكن إصابات الدواب كانت كثيرة بحيث خفت أن تفنى جميعا، فأمرت خمسين رجلا بالخروج بها من ~~الجهة الجنوبية، وداروا بها إلى الغرب وأعملوا النار ms060 في العدو بينما كنا نحن في الزريبة ~~نطلق النار عليهم أيضا، فتكلف العدو من ذلك خسارة جسيمة حتى جلا من مكانه، ولكنا لم ننل ~~هذا النصر بدون أن ندفع ثمنه، فإني أتذكر أننا خسرنا 12 رجلا. # وفي المساء استولى التعب على الرجال فناموا وكنا ننتظر قضاء الليل في هدوء، ولكن حوالي ~~الساعة الحادية عشرة فوجئنا بإطلاق نار حامية، ولكن كان الظلام شديدا فلم يمكن تسديد ~~الرماية، فأمرت رجالي بألا يجيبوا، وفتر إطلاق النار ثم وقف نهائيا. # وطلبت الشيخ عفيفي واقترحت عليه أن يرسل بعض رجاله لكي يبحثوا عن مكان المادبو، ووعدتهم ~~بالمكافأة الحسنة إذا هم أخبرونا عن مكانهم الحقيقي، فذهبوا وعادوا بعد ساعتين وأخبرونا بأن ~~المادبو مع رجاله من البازنجر في قريته، أما العرب فقد خيموا في جنوب القرية وغربها، وكانت ~~قوتهم كبيرة ولكنهم لم يتخذوا أية احتياطات للدفاع، وزحف جواسيسنا إلى جوارهم وسمعوا ~~أحاديثهم وضحكهم واستهزاءهم بنا لأننا لم نجب على إطلاق النار علينا في الليل، وقالوا إنه ~~لم يمنعنا من ذلك إلا شدة خوفنا. # فاستدعيت سبعين من رجالنا وأخبرتهم أمام الضابط بأني أرغب منهم في مفاجأة المادبو في ~~قريته، وإننا إذا قاتلنا قوة تزيد على قوتنا في العراء فإننا في الأرجح نخسر خسارة جسيمة، ~~ولكننا قد تحققنا الآن أن العرب غير مستعدين، فإذا هاجمناهم في الليل وهم على غرة فإنهم ~~يفقدون كل ما عندهم من قوة معنوية، وتتاح لنا الفرصة بذلك للعودة إلى دارة والحصول على مدد ~~جديد. فوافق الجميع على هذه الخطة وأراد الضباط أن ينضموا إلى رجال هذه الغارة ولكني رفضت ~~ذلك. # وقد تركت خلفي ضابطين وأربعين من حملة الأبواق وسبعين رجلا، وخرجت أنا من الزريبة ومعي ~~عفيفي الذي رفض أن يفارقني، وخشيت أن يخرج أحد من رجال أبي سلامة ويفشي أمرنا، فأمرت الضباط ~~وشددت عليهم بألا يأذنوا لأحد بالخروج من الزريبة وأن يكونوا على يقظة تامة، وصرنا نتقدم ~~بحذر يدلنا الجواسيس على الطريق، فلم تمض ساعة حتى وجدنا أنفسنا على مقربة من العدو، وقد ~~ثبت ms061 لي أن جواسيسنا قد أبلغونا الصدق، وكنت أنا أيضا أعرف هذه الجهة من قبل، فقسمت قوتي ~~قسمين: أحدهما يقوده محمد أغا سليمان أحد أهالي بورنو، والآخر أقوده أنا. وأخذنا نزحف إلى ~~أن صرنا على بعد 600 أو 700 ياردة من العدو، وهنا أمرت حامل البوق بعمل إشارة لإطلاق النار ~~على العدو الوادع، وعقب ذلك ارتباك رجال العدو واختلاطهم، فترك رجال المادبو - البازنجر - ~~أسلحتهم وفروا، وأجفلت الخيول لهذه الحركة الفجائية في وسط الليل فجمحت في كل جهة والعرب في ~~أثرها، وبعد دقائق كانت القرية خالية وكنا نسمع جلبة الفارين الذين هربوا من شرذمة قدرها ~~سبعون رجلا فقط! # فقد نجحنا تماما واحتاج المادبو إلى جملة أيام لكي يجمع فيها رجاله الفارين، وأحرقت ~~قريته وارتفع لهيبها إلى السماء، وأنار مكان المعسكر المهجور، وغنمنا عددا كبيرا من ~~السروج والبنادق القديمة وألقيناها كلها في النار، ولكننا أبقينا بنادق رمنجتون وعدنا إلى ~~الزريبة، حيث حيانا الجنود هناك أجمل تحية، وكانوا في أشد القلق وهم ينتظرون رجوعنا. # ولم تكن قد وافتني أخبار عن دارة فقررت العودة إليها، وبعد مسير ثلاثة أيام وصلت إلى ~~البلدة، حيث وجدت الأمداد والذخيرة، ولما كان الرجال الذين رجعوا معي منهوكين فقد قررت أن ~~أستبدل بهم رجلا من الأمداد الجديدة وأذهب لإنجاد منصور حلمي، ولكني في الصباح دهشت إذ ~~وجدت خطابا يقول إن منصور في طريقه إلى دارة، وإنه سيبلغها في اليوم التالي، وكان هذا ~~الخبر من أسوأ ما سمعت؛ لأن معناه مضاعفة الصعوبات في استعادة شقة واحتلالها. # ووصل منصور في صباح اليوم التالي ومعه قليل من العبيد الذين كانوا يتهافتون من الإعياء، ~~وعلمت أنه قد ترك رجاله لما ألقاه العدو في قلبه من الرعب وعاد وحده إلى دارة، فلم أتوان ~~في معاقبة هذا الضابط الجبان وقبضت عليه وأرسلت الجواسيس في كل ناحية أبحث عن جنوده، ولم ~~أعد أفكر في إعداد حملة لاستنقاذ شقة، وبعد عشرة أيام جاءتني الأخبار السارة بأن هؤلاء ~~الجنود قريبون من دارة، وظهر أن من يدعى علي أغا جمعة ms062 تراجع بهم لما تركهم منصور إلى دارة، ~~وحماهم من مناوشات العدو وحمل جرحاهم وجاء معه بعض تجار شقة الذين طلبوا حمايته. # وكان سعيد بك جمعة في هذا الوقت حاكما على الفاشر، وكنت قد كتبت إليه مرارا لكي ينجدني ~~بالجنود والذخائر، ولكني وجدت أنه لا يود أو لا يقدر على إجابة طلباتي، وسافرت إلى الحبشة؛ ~~حيث كنت قد اتفقت مع القبائل الموالية على لقائي هناك. # الفصل السادس # | حصار الأبيض وسقوطها # كبرت آمال المهدي بانتصاراته العديدة السابقة، وكان إلياس باشا يحضه على القدوم إلى ~~الأبيض، فترك جبل غدير ومعه آلاف من العرب النخاسين والمعتصبين وانحدر بهم إلى كعبة؛ وهي ~~قرية صغيرة في أرباض الأبيض. # وأرسل من هناك الخيالة للاستكشاف ولدعوة الراغبين في الانضواء للمهدي، وأرسل أيضا إلى ~~محمد باشا سعيد يأمره بالخضوع، وقرئ خطاب المهدي أمام الضباط فاقترح محمد بك إسكندر قتل ~~الرسل حملة هذا الخطاب، وكان محمد باشا سعيد غير موافق على هذا الاقتراح أولا، ولكنه وافق ~~في النهاية وأعدم الرسل فورا. # ولم يضن المهدي بأي مجهود لإثارة من حوله؛ فكان يعظ الدهماء الذين حوله، ويصف جنات النعيم ~~التي وعد بها المؤمنون الذين يشتركون في الجهاد. وفي صبيحة يوم الجمعة 8 سبتمبر سار الناس ~~وهم يغلون حماسة وليس معهم سوى السيوف والحراب وجموعهم تموج نحو المدينة، وكانوا قد تركوا ~~ما غنموه من الأسلحة في حملة راشد وشلالي، وأخذ المتحصنون في المدينة يصبون عليهم نار ~~البنادق، ولكن هذه الجموع التي لم تكن تطمح إلا إلى الغنائم والأسلاب لم تكن تبالي بمن يقتل ~~منها، فكانوا يتقدمون ويملئون الخنادق ويجوزون الحواجز ودخل بعضهم المدينة، وفي هذه اللحظة ~~أمر الضابط نسيم أفندي حامل البوق بأن يعطي الإشارة للتقدم، وأخذ الإشارة حملة الأبواق في ~~كل مكان، فنادوا بالهجوم فخرجت الجنود إلى سطوح المنازل وتعلقوا بالأسوار والحيطان وصبوا ~~النار والرصاص فوق رءوس رجال المهدي، ورأت هذه الجموع الرصاص ينزل عليها كالبرد فتراجعت ~~ببطء إلى الوراء، وحاولوا مرة أخرى أن يتقدموا فردتهم الجنود ثانيا وقتلاهم يعدون ~~بالآلاف، وأخيرا ms063 خرجوا وتنحوا عن المدينة وانتصرت حامية الأبيض انتصارا باهرا. # وقد قتل في هذا الهجوم شقيق المهدي المدعو محمد، وشقيق الخليفة عبد الله المدعو يوسف، ~~وقتل أيضا القاضي وعدد من الأمراء، وكان المهدي مدة الهجوم محتميا وراء منزل صغير، ولو ~~كان محمد باشا سعيد سمع نصيحة أحمد بك ضيف وطارد الدراويش بعد اختلاطهم وتقهقرهم، لكان نجح ~~في القبض على المهدي وتمكن من حقن الدماء الغزيرة التي أريقت بعد ذلك. # ولكن سعيد باشا قنع بهذا الانتصار الوقتي واعتقد أن المهدي قد سحق وأنه لا يجرؤ على ~~معاودة الهجوم، وأن هذه الهزيمة ستحبط أغراضه وتزيل سطوته، وقد أدرك أقارب المهدي وأصدقاؤه ~~هذه الحالة أيضا ونصحوا له بأن ينتقل إلى تل جانزارة، الذي يقع في الشمال الغربي من ~~المدينة، ومكث هناك يحاصر المدينة حصارا مكشوفا وينتظر الأسلحة والذخائر التي أرسل في ~~طلبها من جبل غدير. # وفي هذه الأثناء كانت دلين وهي مركز المرسلين المسيحيين في حالة خطرة، وكانت بها حامية ~~مؤلفة من 80 عبدا، وكان المهدي في طريقه إلى الأبيض، وقد أرسل أحد أنصاره - وهو مك عمر - ~~لكي يأسر أو يقتل من بها، وكان الأب أوهروالدر والأب بونومي قد اتفقا على الهرب إلى فاشودة ~~ولكن تدبيرهما حبط لجبن الضابط الذي كان يقود فصيلة الجنود، فاضطرا إلى الإذعان وسرق منهما ~~كل شيء وسيقا أسيرين إلى الأبيض، وحاول هنا المهدي هو والخليفة عبد الله أن يجعلاهما مسلمين ~~هما وسائر الراهبات، ولكنهم رفضوا جميعا. # وفي اليوم التالي أخذهم الجنود وحولهم الدراويش يزعقون ويزيطون إلى ساحة فسيحة؛ حيث أقيم ~~عرض كبير، ثم أوهموا جميعا بالقتل ولكن عفي عنهم في النهاية، ووكل أحد السوريين المدعو ~~جرجي إستامبولي بالعناية بهم، وكان هذا السوري من أهالي الأبيض الذين انضموا إلى ~~المهدي. # وفي هذا الوقت ظهر نجم مذنب في السماء، فاعتبره السودانيون نذيرا بسقوط الحكومة وأن ~~المهدي قد ظهر على الأرض. # وأرسلت الحكومة تجريدة بقيادة علي بك لطفي لرفع الحصار عن بارة والأبيض، ولكن بينما كان ~~الجنود يسيرون وقد بلغ بهم العطش ms064 أغار عليهم عرب الجوامة يقودهم فقي رحمة، وكان عدد الجنود ~~ألفين، ولم ينج منهم سوى مائتين تمكنوا من الوصول إلى بارة، وبعد ذلك هوجمت بارة وكانت بها ~~حامية صغيرة فصمدت وقاومت مدة، ولكنها اضطرت في نهاية سبتمبر إلى التسليم. # وسقطت بارة بعد حصار طويل منظم، وكانت الحامية قد أوقعت بالمحاصرين وكلفتهم خسارة جمة، ~~ولكن شبت نار في مخازن الحبوب ثم فعل الجوع والمرض أفاعيلهما، ولم يكن هناك أمل في المعونة ~~فطلبت جنود الحامية من مسرور أفندي الحكمدار ونور أنجرة ومحمد أغا جابو أن يسلموا، فسلموا ~~المدينة في يناير سنة 1388 لعبد الرحمن واد النجومي الذي ساقهم إلى جانزارة. # واحتفل المهدي بسقوط بارة فأطلق مائة مدفع، وسمعت الحامية في الأبيض إطلاق النار فظنت أن ~~الحكومة أرسلت جيشا لرفع الحصار، ولكن عندما عرف الجنود الحقيقة وأن بارة قد سقطت تراخت ~~عزائمهم وفت في أعضادهم؛ فقد مضت عليهم أشهر وهم يعانون فتك الجوع؛ فقد ارتفعت أسعار ~~الأقوات بحيث إن ثمن الدخن كان قبل تسليم المدينة بشهر قد بلغ أربعمائة ريال للأردب، وثمن ~~الجمل 1500 ريال، وثمن الفروج 30 أو 40 ريالا، وثمن البيضة ريالا أو ريالا ونصفا، ولست ~~أحتاج إلى وصف هذه الحالة؛ فقد أغناني عن ذلك أخواي في الأسر الأب أوهروالدر والأب وسنيولي، ~~اللذان وصفا فظائع هذه الأيام فلن أعيد ما قالاه، إنما يكفي أن أقول إنه بعد حصار دام خمسة ~~أشهر ذاق فيه المحصورون أنواع الحرمان ومات فيه عدد عظيم من الأهالي ومن الحامية جوعا، ~~اضطر محمد باشا سعيد إلى التسليم، وكان يرغب في إحراق مخازن البارود، ولكن الضباط رجوه ألا ~~يفعل ذلك؛ ضنا بحياة زوجاتهم وأولادهم، فكتب إلى المهدي يقول إنه مستعد لتسليم المدينة، ~~فأجاب المهدي بأنه لا خوف عليه هو وسائر الضباط، وفي صباح اليوم التالي أرسل وفدا مؤلفا ~~من التجار برياسة محمد واد عريف إلى سعيد باشا؛ يطلب منه ومن كبار الضباط أن يحضروا ~~لديه. # وقد أحضر الوفد معه أكسية من المرقعات وهي لباس الدراويش المؤلف من رقع ms065 مختلفة لكي يلبسها ~~سعيد باشا وضباطه، فلبسوها وركبوا جميعهم الخيول وساروا والحزن مخيم على وجوههم، وغادروا ~~تلك القلعة التي دافعوا عنها دفاع الأبطال. وكان مع سعيد باشا محمد بك إسكندر الحكمدار ~~ونسيم أفندي وأحمد بك ضيف الله ومحمد بك يس وعدة ضباط آخرين. # واستقبلهم المهدي وهو قاعد على عنجريب قد فرش بجلد جدي وبسط يده لهم لكي يقبلوها وعفا ~~عنهم، وقال لهم إنه يعرف أنهم لم يقاوموه إلا لأنهم كانوا مخدوعين لا يعرفون أنه المهدي ~~الذي جاء يؤدي رسالة إلهية، وهو يعفو عنهم الآن ويطلب منهم أن يقسموا له يمين الولاء ~~ويطيعوه في جهاده، ولما انتهى من ذلك أعطاهم ماء وبلحا وحضهم على الزهد في الدنيا ~~والإقبال على الآخرة، ثم التفت إلى سعيد باشا وقال: «لست ألومك باعتبارك تركيا لدفاعك عن ~~المدينة، ولكنك لم تحسن في قتل الرسل؛ لأن الرسول لا يقتل.» # وقبل أن يجيب سعيد باشا أسرع إسكندر بك وقال: «مولاي المهدي، إن سعيد لم يأمر بقتل الرسل ~~ولكني أنا الذي فعلت ذلك بصفتي حكمدارا للقلعة؛ وذلك لأني اعتبرتهم ثائرين، وإني أقر بأني ~~لم أحسن في عملي هذا كما قلت.» # فقال المهدي: «لم أقصد بكلامي إلى أن تبرر عملك، فإن الرسل قد نالوا كل ما كانوا يرغبون ~~فيه، فإنهم لما أخذوا الخطابات مني كانوا يرغبون في الاستشهاد وقد تحققت رغبتهم، وقد أنعم ~~الله عليهم بالنعيم، ولعل الله يمنحنا ما نالوه.» # وفي أثناء المحادثة كان أبو النجا ورجاله قد احتلوا القلعة بتدبير سابق واحتلوا أيضا ~~مباني الحكومة ومخزن البارود، أما الأمراء فقد احتلوا مساكن الضباط، وأمر المهدي واد العريف ~~- وكان صديقا سابقا لسعيد باشا - بأن يأخذه هو والضباط إلى منازلهم، ولكنهم عندما بلغوها ~~علموا أن الأمراء قد احتلوها وأن أملاكهم قد صودرت، وبعد قليل دخل المهدي المدينة وأمر ~~بخروج الحامية من الخنادق، أما النساء والأولاد الذين كانوا ينتظرون إسعافهم فقد أمروا بأن ~~يخرجوا من المدينة ويذهبوا إلى معسكر المهدي وألا يأخذوا شيئا معهم، وفتشت النساء تفتيشا ~~يثير النفس؛ إذ كن ms066 يعرين من ملابسهن! وكل ما وجد معهن أرسل إلى بيت المال؛ حيث وزعت ~~الأموال بين الأمراء وسائر الأعيان، وكانت مناظر التفتيش تؤلم النفس؛ فإن جنود المهدي كانوا ~~في طلب الذهب يجلدون الأهالي لكي يعترفوا بما عندهم! # وطلب أمير بيت المال أحمد واد سليمان سعيد باشا لكي يسلمه ما عنده من الأموال، فأجاب سعيد ~~باشا بأنه لا يملك شيئا، وكان المشهور أنه رجل غني ولكنه أنكر وكابر، وبلغ إنكاره المهدي ~~فاستدعى واد سليمان وطلب منه أن يبحث مع خدم سعيد باشا، ثم طلب هو سعيد باشا وأخذ يحادثه عن ~~الدين، وكان كثيرا ما يسأله أمام المجتمعين من الناس لماذا لا يدلهم على خزانته التي يحفظ ~~فيها أمواله، وكان سعيد باشا ينكر ويلح في الإنكار ويقول إنه لا يملك شيئا، ومضي وقت ثم ~~جاء واد سليمان الذي كان قد نجح في أن يحمل إحدى الخادمات على أن تعترف بالمكان الذي خبأ ~~فيه مولاها أمواله، وأسر إلى المهدي حتى لا يسمع الناس بأنه وجد الأموال مخبوءة في ~~حائط! # أما المهدي فأشار عليه بالجلوس ثم أخذ يعظ الجموع أمامه عن غرور الدنيا وضرورة الزهد، ثم ~~التفت فجأة إلى سعيد باشا وقال: «لقد حلفت يمين الولاء فلم تخفي أمر أموالك؟ المال أصل ~~البلاء فهل تنتظر أن تجمع أكثر مما جمعت؟» # فقال سعيد باشا: «ليس عندي مال ربحته ظلما أو عدلا، فافعل بي ما تشاء.» # فقال المهدي: «هل تظنني رجلا مثل سائر الناس، ألا تعرف أنني المهدي المنتظر، وأن أبي قد ~~كشف لي عن خزانتك التي أخفيتها في الحائط؟! اذهب يا أحمد واد سليمان إلى بيته ثم ادخل إلى ~~غرفته فتجد على الحائط الأيسر قريبا من الباب مكان الأموال، فجرد الحائط من الجبس تجد ~~أموال التركي فأحضرها إلينا.» # وكان سعيد باشا مدة غياب واد سليمان قاعدا مقطبا عابسا في جوار المهدي، وعرف أن مكان ~~أمواله قد أفشي ولكنه كان من الكبرياء والأنفة بحيث رفض أن يصرح بأنه قد كذب، وسكت عن ~~الكلام، وبعد دقائق عاد سليمان ms067 ومعه صندوق من التنك وضعه أمام المهدي، فلما فتحه وجده ~~مملوءا بالذهب المجموع في أكياس، وقد عدوا فيه سبعة آلاف جنيه. # ثم قال المهدي: «يا محمد سعيد، لقد كذبت ولكني سأعفو عنك، خذ يا أحمد هذا المال وقسمه بين ~~الفقراء والمحتاجين.» # فنهض محمد سعيد باشا وهو يقول: «إنك تدعو إلى الزهد ثم تأخذ أموالي، فافعل بها ما شئت.» ~~ثم سار خارجا. # فقطب المهدي وقال بصوت خافت: «دا ما ينفعنا.» وبعد أيام تعلل عليه بعلة وأمر بقتله كما ~~قتل أيضا أحمد بك ضيف الله وعلي بك شريف ويس، وهذه كانت نهاية هؤلاء الرجال الأربعة الذين ~~دافعوا عن الأبيض، والحق أنهم كانوا جديرين بحظ أحسن من هذا. # الفصل السابع # | المهدية في دارفور # لما وصلت إلى خشبة جهدت جهدي لكي أنظم قوة لمقاتلة المادبو، وكانت القبائل التي طلبتها ~~لمعونة الحكومة قد وصلت وصار جيشي يتألف كما يأتي: # جنود نظامية ببنادق رمنجتون # 550 # جلابة # 200 # بازنجر مسلحون # 1300 # جنود مختلفة # 100 # المجموع (ومنه 600 يحملون رمنجتون) # 2150 # وكان يقود البازنجر شرف الدين، وكان لدينا مدفع جبلي و13 رجلا من الطوبجية. # وكانت القبائل الموالية تتألف من البيجو والبركة والزغاوة - في جنوب دارفور - والمصرية ~~والتاجو والمعالية الذين كانوا يعادون الشيخ أبا سلامة، وكان عددهم كلهم نحو 7000 رجل ~~يحملون الحراب و400 حصان. # وكانت الحامية التي غادرتها في دارة مؤلفة من 400 جندي نظامي و7 مدافع والطوبجية ~~اللازمين لها و30 فرسا و250 من البازنجر، وكانوا كلهم تحت قيادة زوجال بك الذي كان يؤدي ~~وظيفة قائمقام بدلا من إميلياني بك، وقد تركت معه من يدعى جوتفرث روث، وهو سويسري كان قد ~~أرسل إلى السودان بشأن وقف النخاسة، وكان عالما في اللغة العربية، وقد أسررت إليه أني لا ~~أثق بزوجال بك وطلبت منه أن يعرف كل ما يمكن معرفته عنه من قرابته ويقفني على كل شيء يعرفه ~~عنه. # وفي نهاية أكتوبر غادرت خشبة مع جميع الجيش وسرنا في إقليم الرزيفات، وكان مغطى بالديس ~~الكثيف والأحراج، وكنا معرضين بذلك للهجوم، ms068 فجعلت سير الجيش بحيث لا يمكن أن نباغت بكمين ~~يبعث فينا الارتباك والاختلاط. # وكان البازنجر في جناحي الجيش ومعهم الأبواق لتنبيهنا عن أي خطر، وجعلت مؤخرة الجيش أقوى ~~من الجناحين؛ وذلك حتى إذا هوجم جناح يمكننا أن نجد الوقت الكافي لنزيده من قلب الجيش، وكان ~~واجب المؤخرة من أشق الواجبات؛ لأنه كان عليهم أن يعنوا بالجمال التي تقع وألا يغفلوا عن ~~الفارين أو الذين يتخلفون؛ ولذلك جعلت السير في المؤخرة مناوبة؛ فيمنة الجيش تصير مؤخرة ثم ~~تصير ميسرة ثم تعود يمنة وهلم جرا، وكنت أيضا أخفف الأعمال عن البازنجر والجنود ~~النظاميين بهذه الطريقة. # وكنت أؤمل بهذه الطريقة أن أبلغ شقة بدون أية خسارة جدية، وكان قصدي عند وصولي أن أبني ~~قلعة هناك وأضع عليها المدفع ثم أترك الحامية هناك وأخرج بتجريدات خفيفة إلى البلاد ~~المضطربة؛ حيث تتاح الفرصة لحملة الحراب بأن يغنموا ما يمكنهم من ماشية الرزيفات. # وعند وصولي إلى ديين وجدنا كميات من الحبوب التي اختزنها المادبو في القرية الجديدة التي ~~بناها، فقسمتها بين الجنود واطمأننت بأن عندهم من الزاد ما يكفيهم جملة أيام، واسترحنا ~~ثلاثة أيام وبثثنا طلائعنا لكي يدلونا على أمكنة المياه في الطريق، ثم استأنفنا المسير إلى ~~شقة. # وكنت محموما في هذه الأيام فسلمت قيادة الجيش لشرف الدين - وهو يليني في القيادة - ~~وأمرته ألا يبرحني. وفي اليوم التالي عندما غادرنا قرية كندري، وبعد أن استرحنا قليلا، ~~تصايح الجنود في المؤخرة بأن بعض الخيالة يتقدمون للهجوم علينا، ووقف في الحال كل رجل في ~~مكانه، وعلى الرغم من الحمى المستولية علي، ذهبت إلى حرس المؤخرة ورأيت بعض الخيالة الذين ~~ربما كانوا يبلغون بعض مئات ولكن الأشجار كانت تخفيهم، وكان لذلك من المستحيل تقديرهم ~~تقديرا صحيحا، فأشرت لحرس جناحي الجيش بأن ينضموا إلي ثم تقدمت ومعي خيالة الجيش وفرسان ~~العرب، وحصلت مناوشة بين الأشجار انتهت بتقهقر العدو بعد أن غنمنا منه ستة خيول، وبلغت ~~خسارتنا سبعة خيول قتلت وفقد رجلان وجرح البعض، ثم طاردنا العدو مسافة وعدنا واستأنفنا ~~السير ms069 حتى الغروب فعسكرنا في مكان يدعى أم ورقة. # وكنت لا أزال أعاني الحمى، فأخبرت شرف الدين بأن يتبع التدبيرات التي أنهيها إليه بشأن ~~ترتيب الجيش، وفي الصباح شرعنا في المسير حتى إذا مضى ساعتان بلغنا أرضا نزة، رأينا في ~~جنوبها الشرقي بعضا من العشش التي يبنيها عبيد الرزيفات الذين يشتغلون في الحقول، وذهبت ~~بمقدمة الجيش إلى هذه العشش لفحصها، وكان الجنود يعاونون الخيل على السير في هذه الحمأة ~~التي كانت تنغرز فيها أرجلها، ونحن في ذلك وإذا بنا نسمع من المؤخرة إشارة الخطر، تلاها في ~~الحال إطلاق الرصاص، فتركت المقدمة في العشش وركضت جوادي إلى الميسرة، وأخذت تسعين جنديا ~~نظاميا وذهبت إلى المؤخرة، ولكن كان مجيئنا متأخرا؛ فقد أطلق البازنجر والجنود النظاميون ~~في المؤخرة أول طلقة، وبينما هم يملئون أنابيب البنادق لإطلاق الثانية هجم عليهم العدو ~~بجموع كثيفة فزحزحهم إلى الوراء في ناحية، ورأى جنودنا في القلب هذا الاختلاط بين العدو ~~والولي فامتنعوا عن إطلاق النار، فأشرت لحملة الأبواق بأن يشيروا على جنودنا بالرقاد، ثم ~~يسددوا مرماهم إلى أفراد العدو الذين اختلطوا بنا ويصيبوا أيضا من يأتي بعدهم من الأعداء، ~~وبهذه الطريقة وقفت الهجوم وقسمت العدو قسمين: واحدا إلى اليمين وآخر إلى اليسار. وذهب ~~هذان القسمان إلى ميمنتنا وميسرتنا للاشتباك معهما في القتال. # وكان الاختلاط الآن هائلا لا يمكن وصفه، فإن الأعداء العرب الذين دخلوا إلى قلب جيشنا ~~كانوا لا يزالون فيه، وقد أعملوا سيوفهم في البازنجر ولم يكن مع البازنجر ما يدافعون به؛ ~~لأنهم كانوا لا يحملون سوى البنادق، أما الجنود النظاميون الآخرون فلم يجدوا من الوقت ما ~~يساعدهم على تجريد السيوف؛ وذلك لمفاجأة الغارة، ولكنا تمكنا في النهاية من قتل جميع العرب ~~الذين جازوا إلى قلب جيشنا، أما حرس الميمنة وحرس الميسرة فقد هوجموا من الأمام والخلف فلم ~~يستطيعوا تحمل الصدمة وفروا في كل جهة، فتلقاهم فرسان الرزيفات المختبئون في الغابات ~~وقتلوهم. # ولم تدم المعركة أكثر من عشرين دقيقة، ولكن خسارتنا في هذا الوقت القليل كانت عظيمة ~~جدا، ms070 ومن حسن حظنا أن العدو ألح في مطاردة الفارين من جناحي جيشنا، وتمكنا نحن من تطهير ~~القلب من جنود العدو، ولكن ضحايانا كانت كثيرة، وكانت الخسارة بين أولئك الذين أطاعوا ~~إشارتنا بأن يرقدوا قليلة، ولكن إصابات البازنجر الذين لم يدربوا كانت غير قليلة وقتل ~~أيضا عدد كبير من جمالنا. # وفي وسط الاختلاط رأيت أحد الأعداء يمر بالقرب مني ويحمل معه كيسا أحمر يحتوي على ~~الفتائل التي نطلق بها البنادق، وكان يبدو عليه أنه يظن أنه غنم شيئا عظيما، والحق أنه ~~كان بالنسبة إلينا شيئا عظيما؛ لأنه لا فائدة من البنادق بدون هذه الفتائل، وكان بجانبي ~~خادم أسود لا يتركني فقلت له: «هاك يا كير فرصة تثبت بها شجاعتك التي كثيرا ما وصفتها لي ، ~~خذ حصاني واذهب وراء هذا الرجل وأحضر منه الكيس الأحمر.» # فقفز إلى الحصان وفي يده حربة وطار به وبعد دقائق قليلة عاد ومعه الكيس الأحمر، ومعه ~~أيضا حربة حمراء بالدم! # واختفى فرسان العدو فعملنا إشارة الاجتماع، ولكن لم يلب النداء سوى بضع مئات، فقسمتهم ~~قسمين: أحدهما للحرس، والآخر يشتغل بجمع الذخيرة من أولئك الذين قتلوا. ووضعنا ما جمعناه ~~على الجمال ثم سرنا إلى قرية عالية يمكن منها مشارفة السهل حولها، ثم جمعنا مقدارا من ~~الأشواك وصنعنا بها زريبة بأسرع ما يمكننا؛ خوفا من أن يفاجئنا العدو في أي وقت. وبعد أن ~~انتهينا من ذلك فكرنا في الجرحى الذين حملناهم إلى داخل القرية، وعملنا كل ما في استطاعتنا ~~لتخفيف آلامهم. # وكانت الجثث مبعثرة فوق الأرض لا يحصيها العد، دع عنك من قتلوا في الغابة، والعجب أنه في ~~هذا المكان نفسه انهزم آدم طربوش وزير السلطان حسين وقتل في المعركة. # ثم حان حين نداء الأسماء وهو واجب محزن، ووجدنا أنه قتل من ضباط المشاة الأربعة عشر، ~~عشرة وجرح واحد، وقتل من رؤساء الجلابة: الشيخ خضر ومنجل مداني وحسن واد ستارات وسليمان ~~واد فتح وفقي أحمد وحسيب وشكلوب. ومن الطوبجية الثلاثة عشرة لم يبق سوى واحد، أما اليوناني ~~إسكندر الذي ms071 جرح في ديين ولم يكن جرحه قد برئ بعد فقد قتل أيضا، وجمعنا ونحن في حزننا ~~الموتى لكي نقدم لهم آخر تجارتنا، ووجدنا بين أكداس الجثث جثة شرف الدين مطعونا في قلبه، ~~ثم حفرنا في هذه النزة قبورا وصرنا ندفن اثنين أو ثلاثة معا في كل قبر. # أما الجرحى المساكين فلم يكن في مقدورنا أن نساعدهم كثيرا؛ فإن أولئك الذين كانت جروحهم ~~خفيفة كانوا يشتغلون بتضميدها بأنفسهم، أما الذين كانت جروحهم خطرة فلم يكن عندنا لهم سوى ~~الكلمات الطيبة. # وكانت رؤية هؤلاء الجرحى مما يؤلم النفس ويجعل الإنسان يشعر بعجزه التام عن تخفيف ما بهم، ~~ورأيت أحد الخدم ومعه حقيبتي وكان بها بعض الأقمشة للتضميد، فأخذتها وجعلت أضمد بعض ~~الجراحات، وأنا في ذلك خطر ببالي أني لم أر خادمي مرجان حسن وكان معه أحد جيادي، وكان ~~صبيا سريا ذكيا، لم يكمل بعد السادسة عشرة من عمره، وكان هادئا شجاعا شريف النفس، ~~فقلت للصبي الذي يحمل حقيبتي: «قل لي يا عيسى، أين مرجان الذي كان يسوق جوادي مبروك - وكنت ~~قد وضعت في جيوب سرجه مذكراتي وخرائطي - قل لي أين هو، إنه صبي نشيط ولا بد أنه قد ركب ~~الجواد وتمكن من الفرار.» # ولكن عيسى بدت عليه أمارات الحزن والوهن عند سؤالي هذا، فهز رأسه وشرقت عيناه بالدموع، ثم ~~سلمني قطعة من لجام الجواد، فقلت له: «ما هذا؟!» # فقال: «مولاي، لم أحب أن أزيد حزنك، لقد وجدت مرجان قريبا من هنا راقدا على الأرض ~~وبصدره طعنة الرمح، ولما رآني تبسم وقال: «لقد عرفت أنك ستأتي لكي تراني، ودع مولاي وقل ~~له إني لم أجبن ولم أسلم الجواد إلا بعد أن وقعت مطعونا في صدري وقطعوا اللجام من يدي ~~وجروا به، قل لمولاي إن مرجان كان أمينا، خذ السكين من جيبي فإنها لمولاي، أعطها له ثم سلم ~~عليه كثيرا».» # ثم غص عيسى بريقه وسلمني السكين وهو ينشج، فآلمني هذا الخبر ألما شديدا ووهنت قواي ~~عند سماعه، أجل يا مرجان، ما أصغر سنك! وما ms072 أشرف نفسك! وما أفدح مصيبتي في فقدان هذا الخادم ~~الأمين، بل الصديق المخلص! # وقلت لعيسى: «قل لي، كيف كانت النهاية؟» # فقال عيسى: «كان عطشان، فحملت رأسه بين يدي ولم تمض بضع دقائق حتى مات، فنهضت وتركته؛ ~~فقد كان علي أن أؤدي أعمالي ولم يكن ثم وقت للبكاء.» # ثم قوينا سياج الزريبة وحفرنا الخنادق وراءه، ثم أمرت بدق الطبول ونفخ الأبواق وأطلقنا ~~بضع عيارات؛ وذلك لكي يعرف الفارون أو الجرحى الذين ارتطموا في الوحل أننا قد وجدنا ملجأ ~~قريبا منهم، وجاءنا عدد كبير من هؤلاء في النهار، وفي آخر النهار نادينا الأسماء فوجدت أن ~~عندنا 900 رجل هم البقية المهزومة الحزينة لجيش كان يبلغ 8500 رجل، ولكننا مع ذلك رضينا ~~بالنتيجة، ولم يبق من فرساننا وخيالتنا سوى ثلاثين، ولا بد أن العدو قد غنم عددا كبيرا ~~من الخيول، وأن بعضها قد فر ورجع إلى دارة، كل إلى مسكنه، ولكن الذخائر كانت كثيرة لدينا ~~لأنها تخلفت عمن قتلوا. # وعند الغروب عاد رجال الرزيفات فدهشوا إذ رأونا متحصنين مستعدين لمقابلتهم، وأرسل المادبو ~~رجاله من البازنجر لمقاتلتنا، ولكن بعد مناوشة قصيرة رددناهم ثم خيم الظلام ووقف ~~القتال. # وبينما أنا قاعد وأتكلم مع الضباط اقترب منا الشيخ عبد الرسول ومسلم واد كباشي وسلطان ~~بيجو، واقترحوا علينا التقهقر من مركزنا الحاضر ونحن في جنح الظلام؛ لأنه لم يبق لنا أمل في ~~الانتصار على العدو بعد خسارتنا الفادحة، فقلت لهم: «ترغبون في التقهقر الآن! ولكن ماذا ~~نصنع بجرحانا؟! هل نتركهم لرحمة العدو؟!» # فخجلوا وصمتوا، فقلت لهم: «ليس اقتراحكم حسنا، لقد كنت أنا أحادث الضباط في هذا الشأن ~~الآن ورأينا أن نبقى هنا عدة أيام، وليس أمامنا ما نخشاه سوى الجوع، ويمكننا أن نذبح الجمال ~~المجروحة والضعيفة ونقوت بها الجنود، ثم لا بد أن نجد ما نقتات به أيضا هنا، والمؤكد أن ~~العدو سيهاجمنا، ولكننا سنرده بسهولة؛ وبهذه الطريقة تعود الثقة إلى رجالنا بعدما فقدوها ~~للخسارة الفادحة التي وقعت بنا. إني أعرف الرزيفات فهم لن يقعدوا هادئين يترقبوننا، ms073 وأنا ~~واثق بأنه لا بد من الاصطدام مع المادبو والشيخ جانكو وسائر رجاله من البازنجر الذين سبق أن ~~طردناهم إلى بحر الغزال، وسيستريح الجرحى ويتعافون قليلا فأولئك الذين ليس بهم سوى جراح ~~طفيفة سيمشون على أقدامهم، أما من جراحهم بليغة فإننا نحملهم على خيولنا، وأظن أن اقتراحي ~~هذا أفضل من اقتراحكم.» # وفي أثناء كلامي سمعت سلطانا يوافق على رأيي، ولم أنته من كلامي حتى أمن الجميع عليه ~~واتفق رأينا على البقاء. # ثم تكلمت موجها كلامي إلى جميع الحاضرين وقلت: «هل تعرفون سبب هزيمتنا اليوم؟» # فأجابوا بالنفي جميعا، فقلت: «إليكم السبب، في هذا المساء وجدت بين الجرحى قائد المؤخرة ~~حسن واد ستارات، وقد قال لي إن شرف الدين لم ينفذ تعليماتي بشأن تبديل المؤخرة كما فعلنا في ~~الأيام السابقة، فاغتاظ الجنود النظاميون لهذا السبب، وتركوا مكانهم وانضم كل منهم إلى ~~فرقته بدون إذن ولم يرسل مكانهم رجال جدد، وفي الوقت نفسه ترك العرب الموالون المؤخرة ~~وانضموا إلى الجناحين، وعندما هوجم حسن واد ستارات لم يكن معه من الرجال سوى 250 من ~~البازنجر لا يحملون سوى البنادق القديمة، وقد دفع شرف الدين ثمن إهماله حياته ووقعت بنا ~~الخسارة جميعا، وليس هذا وقت التلاوم فلنفكر في شيء آخر، اذهبوا إلى رجالكم وشجعوهم ثم ~~ناموا حتى تصبحوا مستعدين لما يأتي به الغد، ولكن أنت يا سيد أغا فولة لا يمكنك أن تنام ~~للجرح الذي بك؛ ولذلك سنضع لك عنجريبا قريبا من باب الزريبة، وإذا حاول أحد أن يخرج بدون ~~إذني فاضربه بالرصاص.» # فانفضوا من حولي وصرت وحدي، فطفقت أفكر في موقفنا وأتدبر، ورأيت أن من المرجح أن نتمكن من ~~التقهقر إلى دارة وكان لدينا أكثر من 800 بندقية، ولكن شعرت بمرارة الخسارة الماضية؛ فقد ~~قتل أحسن ضباطنا وخشيت أن يبلغ نبأ هزيمتنا دارة فيكون له أسوأ أثر في رجال الحكومة ~~والأهالي معا، فأيقظت الكاتب وأمرته بأن يكتب خطابين قصيرين؛ أحدهما لزوجال والآخر ~~للحكمدار محمد فرج، وأخبرتهما بأنه على الرغم من خسارتنا الكبيرة فإن حالتنا ms074 حسنة، وإننا ~~نرجو أن نرجع إلى دارة بعد أسبوعين. # ولكن إذا وصل إلى دارة بعض الفارين وأخذوا يشيعون الإشاعات المقلقة عن حالتنا، فيجب ~~اعتقالهم حتى أعود، ثم كتبت أنا بضعة أسطر لجوتفريث روث أصف له الحالة وأخبره بأني سأرجع ~~إلى دارة قريبا مع الباقي من جيشنا، وأنه يجب أن يتشجع ويبعث الرجاء في نفوس من حوله، ~~وكتبت أيضا بضعة أسطر لأمي وإخوتي أودعهم؛ لأنه لم يكن من الممكن أن نتنبأ بما تنتهي إليه ~~هذه القلاقل، ورجوت جوتفريث روث أن يوصل هذه السطور في حالة قتلي إلى أهلي في وطني. # وتناولت الخطابات الثلاثة وقمت إلى عبد الله أم درامة شيخ العرب المصرية الذين يقطنون ~~قريبا من دارة، فأيقظته وقلت له: «أين أخوك سلامة؟» # فقال وهو يشير إلى رجل نائم في جانبه: «هاكه» ثم أيقظه. # فقلت: «يمكنك يا سلامة أن تخدمني الآن أجل خدمة، وهي خدمة تفيدك أنت أيضا؛ إني أريد ~~منك أن تأخذ هذه الخطابات التي تراها وتذهب بها إلى دارة، وتسلمها للرجل الأوروبي المسمى ~~روث وقد رأيته معي مرارا، واركب جوادي الذي كثيرا ما مدحته في هذه المهمة، وعليك أن تسافر ~~الآن، وعندما تبلغ خط العدو المحيط بنا الآن اركض جوادك؛ فإنهم كلهم نيام فيمكنك أن تختفي ~~في الظلام قبل أن يعدوا خيولهم للعدو وراءك، ومتى جزت خطوطهم فأنت آمن، وعندئذ تبلغ دارة ~~في بحر يومين، وسأكافئك بإعطائك فرسي السوداء التي في الإصطبل في دارة.» # وبينما أنا أتكلم كان سلامة يشد حزامه على وسطه وكل ما قاله لي: «أين الخطابات؟» # فناولتها له فأخذها وقال: «إن شاء الله وبمعونة الله سأوصل هذه الخطابات إلى أصحابها، ~~ولكني أفضل أن أركب فرسي؛ فإنه وإن لم يكن يجري بسرعة فرسك إلا أنه يقوى على حملي، فهو ~~يعرفني وأنا أعرفه، وفي مثل هذه المهمة يكون التعارف مفيدا.» # وأخذ يسرج فرسه، وكتبت أنا رقعة إلى روث وطلبت منه أن يسلم الفرس السوداء لحامل الخطابات ~~وناولتها لسلامة بعدما أخبرته بمضمونها، ثم قاد فرسه إلى الباب وكان هناك ms075 سيد أغا فولة ~~يتململ على فراشه؛ إذ كان مجروحا في ساقه اليمنى وذراعه اليسرى، فأخبرته بمهمة سلامة فأمر ~~له بفتح الباب، وامتطى سلامة فرسه وحمل في يده اليمنى رمحه وفي اليسرى جملة مطارد صغيرة ~~يزرق بها العدو على بعد وشرع في السير. # فقلت له: «مع سلامة الله.» فقال: «أنا واثق بالله.» واتأد في سيره أولا حتى اقترب من ~~خطوط العدو وهو يسير على حذر، ثم سمعت دبدبة سريعة ثم عيارا أو عيارين، ثم خيم السكوت كأنه ~~الموت! فقلنا جميعا: «ليكن الله معه.» وعدنا إلى الزريبة وقد بلغ منا الإعياء، وما هو أن ~~انطرحنا حتى نمنا. # ولما استيقظت في الفجر وجدت الرجال يشتغلون في التحصين، وكان كما تنبأت، فإن العدو عاود ~~الهجوم، ونشط إطلاق النار من الجانبين مدة ، ولكن بالنسبة لمكاننا المشرف اضطر العدو إلى ~~التقهقر بعد أن أوقعنا به وكبدناه خسارة جسيمة، وقد قتل وجرح منا عدد قليل، وكان من القتلى ~~علي واد حجاز وهو جعالي شجاع، ولما كانت نيتنا البقاء هنا بضعة أيام، فإن رجالنا جدوا في ~~تحصين الزريبة، وأخذنا ندفن من ماتوا منا، وكان الفساد قد انتشر في أجسامهم وامتلأ الهواء ~~برائحتهم. # وقضينا في الزريبة خمسة أيام كان العدو يهاجمنا فيها مرة أو مرتين كل يوم، وقد حدث في ~~اليوم الثالث أن كريمة نور قائد مدفعية المادبو قتل، فثبطت عزائم العدو وفتروا في هجومهم عن ~~ذي قبل. # ولكن نهض لنا عدو آخر وهو القحط، فقد أكلنا كل شيء يؤكل فانتهت لحوم الجمال ولم يكن ~~لدينا حبة ذرة، وقد اقتتنا أنا والضباط في المدة الأخيرة بكسرات من خبز الذرة كنا نطبخها مع ~~ورق نبات يدعى كوال، ونضرب هذا الخليط حتى يصير شبه عصيدة لا طعم لها، ولم يكن ثم ما يرجينا ~~بتخفيف وطأة العدو أو بمجيء جيش لإنقاذنا، فلم يكن من الممكن أن نبقى أكثر مما بقينا وكان ~~الجوع قد أثر فينا وأضعفنا. # وعلى ذلك جمعت جميع رجالنا وكان عددهم نحو 900 رجل، كلهم ما عدا قليلا من العرب ms076 مسلح ~~بالبنادق، أما العرب فكانوا لجهلهم بالبندقية يؤثرون عليها حرابهم، ثم خطبتهم خطبة قصيرة ~~قلت فيها إن دماء ضباطهم ورؤسائهم تهتف بهم أن اثأروا لنا، وإن نساءهم وأولادهم ينتظرونهم ~~مشتاقين لرؤيتهم، ولكن من المحال أن يصلوا إليهم ما لم يتحملوا الآلام بالصبر ويواجهوا ~~المشاق بالجلد والشجاعة. ثم ختمت خطبتي بقولي إن أولئك الذين قد سكن الخوف قلوبهم قد فروا ~~يوم المعركة، وأما الذين يقفون أمامي الآن فقد صمدوا وعانوا المشقات، وإن الله سيكافئهم على ~~جهودهم بالنصر. # فأجابوا بالهتاف وبرفع البنادق فوق رءوسهم، وهذه إشارة للطاعة، ثم صرفتهم وأمرتهم ~~بالاستعداد للرحيل في اليوم التالي، ثم نزعت من البندقيات القديمة التي تخلفت عن القتلى ~~زنودها وجمعتها ثم ألقيتها في بركة، أما البندقيات فقد أحرقتها، وألقينا كل ما لا حاجة لنا ~~به في الماء وقسمنا الباقي بين الجنود، فخص كل رجل ما بين 16 إلى 18 دستجة من الخراطيش، ~~ولكننا أتلفنا البارود الذي يستعمل في البنادق القديمة؛ لئلا يستفيد منه العدو، أما رصاص ~~الخراطيش فقد وضعناه تحت رءوس من ماتوا حديثا. # فلما كان السبت، وهو اليوم السابع لنكبتنا، بعيد طلوع الشمس خرجنا من الزريبة، وألفنا ~~القلب وحوله المقدمة والمؤخرة والميمنة والميسرة وشرعنا في التقهقر، وكان عندنا جملان فقط ~~فجعلناهما يجران المدفع في القلب، وأرسلت أنا في كل جانب فارسين للاستكشاف، وكان في القلب ~~160 جريحا، فكان القادر يمشي على أقدامه ومن لم يقدر حملناه على خيولنا القليلة، كل فرس ~~يحمل رجلين أو ثلاثة، وكنت أنا راضيا بالسير على قدمي ولكن ألح علي الضباط في الركوب ~~فركبت لكي أشرف على الفلاة حول الجيش، وكنا جميعا نعرف بأن العدو سيهاجمنا بعد خروجنا من ~~الزريبة، فملأنا المدفع وعولنا على ألا نبيع حياتنا رخيصة، وكنا واثقين بأننا إذا نجحنا في ~~رده مرتين أو ثلاثة فإنه لن يعاود الغارة علينا، وقررنا أن نسير في الجهة الشمالية الغربية؛ ~~لأن الأرض هناك مكشوفة، ولكننا كنا نجهل مكان مياه الأمطار، لأن أدلتنا قد فروا أو ~~قتلوا. # وقبل أن يمضي على مسيرنا ms077 ساعة هوجمت مؤخرتنا فأدركت أن الساعة الحاسمة قد أزفت، فأمرت ~~بالوقوف في الحال وضممت الجناحين إلى القلب، ثم اصطحبت حرسا مؤلفا من خمسين رجلا وسرت ~~نحو المؤخرة وكانت تبعد عنا نحو مائتي ياردة، ونقلنا المدفع إلى آخر القلب من جهة المؤخرة، ~~وكلفنا الجرحى بملء البنادق حتى لا يضيع وقت الجنود المقاتلة. # وقبيل أن يظهر مشاة العدو كنا نسمع وقع أقدامهم فاستعددنا لهم بحيث إنهم عندما ظهروا ~~سددنا إليهم النار من حرس المؤخرة، فتوقفوا قليلا ولكنهم كانوا يستندون إلى كثرة عظيمة ~~وراءهم، فتشجعوا بها وهجموا وكل منهم قد شرع حربته في يده اليمنى وحمل تحت ذراعه اليسرى ~~عدة مطارد، وتمكنوا من الاقتراب منا حتى أصاب بعضهم بعض رجالنا بالمطارد التي تزرق على بعد، ~~ولكننا أعملنا فيهم النار وكان مدفعنا يرميهم من القلب ، فتقهقر رجالهم من حملة الحراب وصرنا ~~وجها لوجه مع البازنجر، وأصبح القتال بالنار من الجانبين، ولكن جاءتنا أمداد من القلب ~~فاستطعنا بهم أن نرد العدو بعد قتال عنيف دام عشرين دقيقة. # وكنت عند إطلاق أول عيار قد نزلت من ظهر جوادي؛ وهذا معناه في السودان عدم الأمل في ~~الفرار والإصرار على واحدة من اثنين: الظفر أو الموت. ولما انتهى القتال تحلق الجنود حولي ~~وأخذوا يهزون يدي بالنصر الأول الذي انتصرناه على العدو. # وبينما نحن نشتغل بالقتال من المؤخرة كانت ميسرتنا قد اشتبكت أيضا وانتصرت في النهاية، ~~ولكن خسارتها كانت جسيمة، وجرح أحسن قائد باق لدي؛ وهو زيدان أغا جرحا بليغا، وكان ~~نوبي المولد وظهرت كفايته في حملة دارفور؛ إذ قاد فصيلة مؤلفة من 12 رجلا واستخلص بها ~~مدفعا من العدو وكان قد غنمه منا، ولهذا العمل كوفئ بترقيته إلى رتبة ضابط، والآن أراه ~~مصابا بعيار في رئته اليمنى، فسألته عن صحته فقال لي بعد أن مد يده إلي: «أما وقد ~~انتصرنا فما بي من بأس.» ثم ضغط يدي وبعد دقائق مات. # وقتل أيضا من جانبنا 20 وجرح عدد كبير، فدفعنا القتلى بعجلة؛ إذ لم يكن لدينا من الوقت ~~ما ms078 يسمح بالحفر العميق، ولكننا غطيناهم حتى لا نعير بأننا تركنا قتلانا بلا دفن، ثم ~~استأنفنا مسيرنا بحيطة وحذر، ولكن ثقتنا في أنفسنا زادت عن ذي قبل. # وفي الساعة الثالثة عاود العدو الغارة على المؤخرة، ولكن الغارة كانت خفيفة فطردنا ~~المغيرين بدون أن نخسر أحدا، ثم وقفنا وأحطنا الجيش بزريبة منتظرين من العدو غارة أخرى، ~~ولكننا دهشنا إذ لم نتلق هجمة واحدة من العدو طول الليل، وفي الصباح بعد أن نفذ ماؤنا ~~استأنفنا السير، ونحن في مسيرنا عاود العدو الغارة ولكن هجومه هذه المرة كان أضعف من هجومه ~~في الأمس فطردناه بأقل عناء، واستمر سيرنا حتى الظهر بدون أن نجد ماء، فتفيأنا في ظل بعض ~~الأشجار وأخذ رجالنا يبحثون عن نوع من الفجل يدعى «فايو»، وهو كثير العصارة وله ثلاث ورقات ~~صغيرة تدل عليه ، فكان رجالنا يقلعونه من الأرض ويمصونه فيطفئ عطشهم بعض الشيء، ولكن كنا مع ~~ذلك في حاجة لازمة للماء، وبعد أن استرحنا استأنفنا المسير ثانيا فالتقينا مصادفة براع من ~~الرزيفات يسوق غنما، فتسابق الرجال إلى الغنم واحتازوها من راعيها الذي وقف مبهوتا مروعا ~~لا يحاول الفرار، وكان رجالنا ينوون قتله لولا وساطتي، فأمرت بوضع الغنم في القلب وأحضر ~~الراعي إلي ويداه موثقتان إلى ظهره، وقبل أن أستجوبه أمرت بتوزيع الغنم كل رأس لخمسة رجال ~~وما يتبقى لنا، وكان عدد الخراف يبلغ نحو مائتين، ما أجل هذه النعمة التي أنعم الله بها ~~علينا ونحن في جوعنا هذا! # ثم التفت إلى الرجل وقلت له إني لن أقتله إذا هو هدانا إلى غدير ماء، وإذا أثبت أمانته ~~فإني أكافئه وأسمح له بالذهاب إلى أهله، فرضي وقال إن الغدران التي حولنا صغيرة ولكن إذا ~~تكلفنا المسير مسافة فإنه يضمن لنا بلوغ «الفولة البيضاء»؛ وهي غدير كبير نجد فيه ماء ~~يكفينا أشهرا، وكنت غير واثق به فأمرت صف ضابط وثمانية رجال بمراقبته وألا يجعلوه يبعد ~~عني، ثم استأنفنا المسير، وفي المساء وقفنا وصنعنا زريبة بتنا فيها كالعادة ومررنا ببضعة ~~غدران، ولكن ماءها لم ms079 يكن يكفينا وكنا نقاسي الشدائد من العطش، فما جاء الفجر حتى قمنا ~~واستأنفنا المسير بعد ليلة قضيناها في الأرق من شدة العطش. # وعند الظهر أشار الدليل إلى بضعة أشجار قال إن الغدير تحتها، فوقفنا في الحال وملأنا ~~المدفع والبندقيات واستعددنا للمقاومة، فقد ترجح لدي أن العدو سيقدر عطشنا فينتظرنا تحت ~~الأشجار ويفاجئنا بالنار، فأمرت الرجال بأن يراعوا النظام بكل دقة أو لا يستسلموا للفوضى، ~~ولكن ما كاد يظهر الماء حتى هرع إليه الرجال يترامون عليه بلا نظام. # وكانت قبيلة الميما ثائرة الآن، فأرسلت التعليمات إلى عمر واد دارهو لكي يقوم بمائتي ~~جندي نظامي ومائتين من الخيالة إلى بلاد الميما، وقررت في الوقت نفسه أن أقاتل الخوابير ~~الذين كانوا قد اتحدوا مع الميما، وذهب دارهو إليهم وأدى مهمته بنجاح؛ إذ هزم الميما في ~~فاقة وفي وودة، وقمت أنا بمائة وخمسين جندي نظامي وخمسين من الفرسان، وسرت في طريق ~~شعيرية وبير أم الوادي؛ حيث كان الخوابير ينتظرونني للهجوم علي، ولكن بعد قتال قصير هزموا ~~وتشتتوا وغنمنا منهم عددا كبيرا من الخراف والثيران. # ولما انتهيت من القتال بعثت إلى دارهو لكي ينضم إلي في بير أم الوادي بمن تبقى من ~~رجاله، وبعد أيام قلائل أدركنا وأخبرنا بكل أعماله وانتصارات المهدي في كردوفان التي ~~أقلقتني قلقا عظيما. # وكنت في الليلة التي أرسلت فيها إلى دارهو التعليمات لكي ينضم إلي، قد جاءني رجل يدعى ~~عبد الرحمن واد شريف وألح في مقابلتي، وكان هذا الرجل تاجرا معروفا في دارة، وقد سبق أن ~~زار الخرطوم، وبدأ كلامه معي بقوله إنه بالنسبة لمعاملتي الحسنة له فإنه رأى من واجبه أن ~~يخبرني عن تسليم الأبيض؛ وذلك حتى أتمكن من اتخاذ الاحتياطات اللازمة في مثل هذا الحادث. ~~وكان هذا الخبر صدمة قوية فشكرته وطفق هو يصف لي كيفية سقوط البلدة، فقد كان حاضرا فيها ~~وقت التسليم ثم سافر إلى أهله في دارة، وسمع وهو في طويشة عن وجودي في بير أم الوادي، فأسرع ~~في إدراكي حتى يبلغني أمر هذا السقوط. ms080 # ورأيت أنه من غير المفيد أن تبقى المسألة سرا، فاستدعيت دارهو وسليمان بسيوني وأخذنا ~~نتحدث معا في هذا الموضوع، وكان واضحا لكل منا أن هذا الخبر سيكون مشجعا لأولئك الذين ~~يكرهون الحكومة، وصار من الضروري لذلك أن أذهب إلى دارة. # ولما كنا قد عاقبنا الميما والخوابير، فقد رأينا أن نرسل حملة إلى طويشة، وكنت في اليوم ~~التالي إلى سعيد بك جمعة بأن يجلو عن أم شنجة، ويأخذ معه الحامية وجميع الأهالي الذين ~~يرغبون في تركها ويأخذهم جميعا إلى الفاشر، وكنت كتبت له أنه بالنسبة لسقوط الأبيض فإن ~~العرب الآن سيوجهون نظرهم إلى أم شنجة، وهم إذا حاصروها صار من المحال تخليصها منهم، وأنه ~~يجب بالنسبة للظروف الراهنة أن يجمع الجيوش في الفاشر، وأمرته بإقامة حرس في فيفا ووودة حتى ~~تبقى الطريق مأمونة بين الفاشر وبين دارة، ثم أمرت عمر واد دارهو بأن يقوم هو وجيشه في ~~الحال إلى الفاشر، وأن يوزع الغنائم التي غنمها من الميما بين جنوده وحامية الفاشر، أما ما ~~غنمه من الخوابير فيعطى للجيوش المقيمة في دارة، وفي نفس اليوم انفصلنا فذهبت أنا إلى دارة ~~وذهب دارهو إلى الفاشر. # وانتشر خبر سقوط الأبيض في كل مكان، وظهر أثر ذلك في القبائل العربية فصاروا يجتمعون ~~ويقررون الثورة على الحكومة. # ولما وصلت إلى دارة أمرت بشراء كل ما يمكن من الذرة، وكان مدخرا لدينا كمية كبيرة منها، ~~ولكني رأيت من الأنفع ادخار أكثر مما عندنا. وأرسل إلي الشيخ عفيفي يقول إن قبيلته قد ~~ثارت وانضمت إلى الرزيفات، ولكنه هو لا يريد أن ينكث بعهده؛ ولذلك قد ترك أسرته وعشيرته ~~وقصد إلي عن طريق حلبة، وإنه أرسل أخاه عليا برسالة إلى بشاري بك واد بكير رئيس قبيلة ~~بني حلبة، حيث أقسم له بأن يمر في بلاده آمنا، وأنه لذلك يأمل الوصول إلي في بضعة ~~أيام. # وبينما أنا في انتظاره وإذا بأخبار سيئة تقول إنه قتل، وقد فقدت فيه أكثر العرب ولاء لي، ~~وتبين بعد ذلك أن بني حلبة الذين أمرهم ms081 رئيس قبيلتهم بأن يجيزوه أرادوا أن يأخذوا منه ~~أغنامه وثيرانه فرفض، فقاتلوه فأظهر بأسا عظيما، ولكن كمن له بعض العرب وراء الأشجار ~~واغتالوه بحرابهم بينما كان يطارد العرب الذين هزمهم مرتين. # ورجع إلي محمد واد عاصي الذي كنت أرسلته مع خالد واد إمام إلى كردوفان وأخبرني بالحالة ~~هنالك، وقد بشرني بأن الحكومة في الخرطوم تهيئ جيشا للاستيلاء ثانية على كردوفان ولكن لا ~~بد من مضي وقت طويل قبل أن تهيأ التجريدة وتشرع في السفر. # فأخبرته بإذاعة هذه الأخبار في كل مكان ثم سألته عن علاقة زوجال بالمهدي، فأجابني بأنه ~~على الرغم من أبحاثه لم يتحقق على وجه التأكيد هل تجري بينهما مكاتبات، ولكنه لا يشك في أن ~~المهدي يرسل رسله إلى زوجال فيخبرونه شفويا بما يرغب، وهؤلاء الرسل هم التجار الجائلون، ~~وقد وافقني على رأيي بأن زوجال لمركزه وتربيته يعرف بواعث هذه الثورة؛ ولذلك ليس من المرجح ~~أن يشترك مع الثائرين. # ولا شك في أن تسليم الأبيض قد أضعف مركزنا، وكان علينا أن نعمل بحذر وحيطة ما دامت مديرية ~~كردوفان كلها قد صارت في يد المهدي، وكنت أرجح أن أخبار واد عاصي عن استعداد الحكومة في ~~الخرطوم لإرسال حملة للمهدي، سيجعل المهدي يحتفظ بقواته ويجمع جيشه في مكان واحد للمقاومة، ~~وعلى ذلك ليس من المحتمل أن يوجه جيشه إلينا، ورأيت أن أرصد كل وقتي للقبائل العربية التي ~~هيجها سقوط الأبيض ومنشورات التعصب، وكان يخشى منها أن تتمادى في هياجها وترتكب أي شطط، ~~ولم يكن من المنتظر أن يتم تهيئة التجريدة الخاصة بكردوفان قبل الشتاء، فكان علينا أن نثبت ~~ونقاوم بأية وسيلة حتى هذا الفصل. # وعلى الرغم من إقامة مراكز حربية في فافا وفي ودة، فإن عرب الخوابير تجمعوا في أم الوادي، ~~وانضم إليهم بعض رجال الميما الذين غاظهم انقطاع المواصلات إلى بلادهم وحمسهم سقوط الأبيض، ~~وكانوا يثيرون الهياج والفتن في جميع البلاد بين دارة والفاشر، ولم تقو حامية فافا على ~~مهاجمتهم، فعزمت لذلك على غزوهم لكي أريهم أن سقوط الأبيض ms082 لم يثبطنا، وانتقيت 250 جنديا ~~مدربا على الحروب، ثم دربتهم بضعة أيام على قتال السنجة، وأخفيت يوم شروعي في السفر عن كل ~~أحد. # ثم أخذت جميع الخيول وكانت تبلغ نحو السبعين، وأشرت على واد عاصي بأن يقفنا على أخبار ~~دارة، ثم خرجنا وأسرعنا في المسير، فلم يمض يومان حتى بلغنا جوار بير أم الوادي، حيث قد ~~اجتمع عرب الميما والخوابير، ولم يكن معنا سوى أسلحتنا وذخيرتنا، ولم نحمل ميرة؛ لأن نيتنا ~~كانت الهجوم ثم الرجوع، وفي اللحظة التي ظهر فيها العدو أمرت رجالي بتثبيت السنجة. وقاتلنا ~~البازنجر، وبعد عشرين دقيقة نجحنا في تفريقهم، ودخل بعض عرب الميما في صفوفنا فقتلوا كلهم ~~بحراب البنادق - السنجة - ثم أمرت الفرسان بأن يطاردوهم، وأمرت الجنود النظاميين بأن يسيروا ~~وراء الفرسان ليبحثوا عن مكان البطيخ؛ لأن الفارين سيقصدونه بالطبع لكي يقصعوا عطشهم، وقد ~~نفذت هذه الأوامر وقطعنا البطيخ، وقبضنا على عدد من النساء والأطفال وتفرق الرجال في كل ~~مكان يبحثون عن الماء، ومات كثير منهم عطشا. وفي اليوم التالي أحرقنا خيام العدو، وأخذنا ~~النساء والأطفال إلى بير أم الوادي التي اعتزمنا الهجوم عليها الآن، فدافع العدو دفاع اليأس ~~عنها، وخسرنا 16 رجلا قتلوا و20 جرحوا، وأدركت من هذه الخسارة أن الجنود النظاميين عندي قد ~~قلوا جدا في حين أن العدو يزداد حتى بعد هزيمته. # ولما كنت الأوروبي الوحيد في بلاد غريبة، وكان السكان حولي يدسون لي ويكرهونني؛ فإني كنت ~~ألجأ إلى وسائل عديدة لكي أعرف المؤامرات والترسيمات التي تدبر حولي، وكنت أحيانا بواسطة ~~النقود أو الهدايا التي أرسلها سرا أعرف ما سيحدث لي قبل حدوثه وأحتاط له. # وكنت بواسطة الخدم أستغل البغايا اللواتي كن يصنعن المريسة - أي الجعة الوطنية - وكان ~~يشربها عندهن رجال الطبقات الدنيا، وكان الخدم يخبرونني بأن رجالنا وهم يتعببون هذه الخمر ~~ويسكرون يتكلمون عن ثورة المهدي الذي لم يكونوا يعطفون عليه، ولكنهم كانوا يقولون إن ~~الحكومة قد عينت في المراكز العليا ناسا من النصارى لمحاربة المهدي؛ ولذلك فالنتيجة يجب أن ~~تكون سيئة، ms083 ومما قالوه إنهم وإن كانوا يحبونني إلا أنهم يعزون ما أصابنا من الخسارة وما ~~قاسيناه من الآلام إلى أني مسيحي، وكنت متحققا بأن هذه الآراء ليست من ثمار ذهن الزنوج ~~الذين لا يبالون بالدين، وإنما هي من ذهن أولئك الجنود الذين يكرهونني ويشتهون إزالة سلطتي ~~وبث روح العصيان بين رجالي. # وعند قيامي من بير أم الوادي جاءتني أخبار سيئة أيضا؛ فقد أخبرني الخدم بأن بعض الجنود ~~الذين يذهبون إلى حانة البغي، التي كنت أرشوها لكي تخبرنا بكل ما يدور في حانتها، قد ~~ائتمروا على ترك الجيش. وعلمت بعد البحث أن الداعين إلى ترك الجيش هم بعض من رجال قبيلة ~~الفور وصفوف ضباطهم؛ فإنهم على قولهم قد سئموا هذا القتال وقد تحققوا أن أيام الأتراك قد ~~باتت معدودة في السودان، وأنهم ينوون ترك جيشنا والذهاب إلى جبل مرة للانضمام إلى سلطان ~~دودبنجة خليفة سلطان هارون. ولما كان أكثر رجالي من قبيلة الفور، فإني شعرت بخطورة الحالة، ~~وأرسلت في الحال إلى البكباشي محمد أفندي فرج وأخبرته بما سمعت، فدهش وأكد لي أنه لم يسمع ~~شيئا قط عن هذا الموضوع، وأنه لن يهمل في الاستقصاء ومعرفة الجناة ومعاقبتهم، فأمرته بأن ~~يلتزم التكتم وألا يفعل شيئا يلقي بينهم الشك والتوجس. # وأرسلت وهو معي إلى خادمي وأعطيت له صرة بها نقود، وأمرته بأن يذهب بها إلى البغي ~~ويعطيها لها، ويطلب منها أن تدعو هؤلاء الرجال إلى منزلها وتسقيهم على حسابها ما شاءوا، وفي ~~الوقت نفسه طلبت منها أن تخفي الخادم بحيث يسمع ما يدور من الحديث بين الجنود، وأخبرتها ~~بأنها إذا نفذت هذه الأوامر فإني أكافئها مكافأة سنية. وعاد خادمي بعد قليل وأخبرني بأن كل ~~شيء قد رتب على ما تهوى. # وفي اليوم التالي أرسلت للبكباشي وأعطيته أسماء ستة من الزعماء وأمرته بالقبض عليهم، ~~وزيادة على ذلك أعطيته أيضا التفاصيل الخاصة بفرارهم من الجيش وتاريخ ذلك، وبعد نصف ساعة ~~عاد ومعه الستة المقبوض عليهم وهم مقيدون من خلف وكانوا كلهم من الفور، وكان وراءهم عدد ms084 من ~~القواصين والنظارة فطردتهم، ثم سألت هؤلاء الستة أمام ضابطهم عن سبب خروجهم على الحكومة، ~~فأنكروا إنكارا باتا وجود هذه النية عندهم، وأنهم براء من كل ما نسب إليهم، فقلت لهم: ~~«ولكنني أعرف أنكم عقدتم جملة اجتماعات في منزل خديجة، وقد أتحت لكم كل فرصة لكي تتعقلوا، ~~ولكنكم أبيتم إلا الطغيان، فأمس كنتم عندها تشربون المريسة واتفقتم على أن تنفذوا تدبيركم ~~اليوم، وكان غرضكم أن تضموا إليكم الجنود وتخرجوا بأسلحتكم من الباب الغربي للقلعة، وبعد ~~ذلك تذهبون إلى السلطان عبد الله، وكنتم تنوون إنفاذ خطتكم بالقوة. ألم تقل أنت يا محمد إنه ~~لديك مائتا رجل يطيعونك ويعملون ما تشير به عليهم؟ ألا ترون أني أعرف كل شيء؟ فما فائدة ~~الإنكار؟» # وسمعوا كلامي وهم سكوت وعرفوا أنهم قد أفشي تدبيرهم، فاعترفوا بكل صراحة وطلبوا الصفح ~~والمغفرة، فقلت لهم: «ليس هذا في يدي الآن، اذهبوا إلى ضابطكم واعترفوا له بكل شيء أمام ~~سائر الضباط، والفصل بعد ذلك للقانون.» # ثم أمرت الضابط بتأليف محكمة عسكرية وأن يجعل جميع صفوف الضباط يشهدون المحاكمة، ولكني ~~أفهمته بأن يجعل المحاكمة مقصورة على المقبوض عليهم؛ وذلك حتى لا يفر سائر الجنود المشتركين ~~في المؤامرة، وفي عصر اليوم نفسه تسلمت محضر التحقيق والاعترافات، ولكن لم يكن قد حكم بعد ~~عليهم، فرددت الأوراق وطلبت النطق بالحكم، فجاءني ضابطهم وأخبرني بأن المحكمة حكمت بضربهم ~~بالرصاص ولكنها تطلب تخفيف الحكم، ولكني شعرت بضرورة التنكيل بهم حتى يتعظ بهم غيرهم، فأيدت ~~الحكم وأنا في أشد الألم والجزع وطلبت تنفيذه في الحال. # ثم أخرجنا المحكوم عليهم وحفرنا ست حفر، ووقفنا كلا منهم على حفرة خارج الزريبة وركع ~~كل منهم ركعتين، ثم ضربوا بالرصاص ولم يبدوا أقل خوف. وخطبت الجنود الحاضرين عن خطر ~~المؤامرات، وأن كل من يحدث نفسه بالثورة والفتنة سيعاقب مثل هذا العقاب، وقلت لهم إني أؤمل ~~أن تكون هذه المأساة الأولى والأخيرة من نوعها، وأن تكون علاقتنا في المستقبل علاقة ~~الصداقة. # وكنت حزينا مغيظا لهذا الحادث؛ فقد تذكرت العدد الكبير الذي ms085 فقدناه في المعارك الماضية، ~~والآن أضطر أنا إلى اتخاذ أقسى الاحتياطات لحفظ النظام، وكان الدساسون حولي يعملون جهدهم ~~لإضعاف سلطتي، وهم يجهلون أنهم لو نجحوا في ذلك لما تحسنت حالهم، والحقيقة أنه جاءهم زمن ~~بعد ذلك كانوا يتحسرون فيه على عصيانهم أوامر ذلك الأوروبي الذي يكرهونه الآن. # وأرسلت في ذلك المساء في طلب محمد أفندي فرج، وسألته عن ماجريات النهار وماذا كان وقع ~~ضرب الجنود بالرصاص في سائر الجيش. وأضفت إلى ذلك أنه يجب أن يعرف الجنود عدالة الحكم وأن ~~الجانين يستحقونه، وأننا استعملنا الرأفة مع سائر من اشتركوا في المؤامرة، ثم قلت: «والآن ~~يا فرج أفندي إني أرغب في أن تكون صريحا مخلصا لي، وأنا أعرف أنك تميل إلي وتطيعني، ~~ولولا ذلك لما طلبت أن أخاطبك وحدك هنا، فأخبرني الآن كيف ينظر إلي الجنود والضباط ؟ وهل ~~يحبونني أو يكرهونني؟ ولست بالطبع أقصد أولئك الذين يبحثون عن مصالحهم الشخصية.» # فقال فرج أفندي: «إن رجالنا لم يتعودوا هذه الصرامة في الأحكام، ولكنهم مع ذلك متعلقون بك ~~لأنك مواظب على دفع المرتبات في مواعيدها، وهذا شيء لم يألفوه قبل، ثم هم يعرفون لك صنيعك ~~في توزيع الغنائم بينهم، ولكننا خسرنا هذا العام خسارات فادحة؛ ولذلك سئم رجالنا ~~القتال.» # فقلت: «ولكننا مضطرون إلى القتال، فنحن لا نخرج للفتح أو للمجد الحربي، وأنا شخصيا أوثر ~~الراحة والدعة.» # فقال فرج أفندي: «إني أفهم هذا بالطبع ولكن هذه الخسائر التي كان يمكن تجنبها قد أثرت في ~~الجنود؛ فقد فقد أحدهم أباه وآخر أخاه وآخرون فقدوا بعض قرابتهم أو بعض أصدقائهم، وإذا ~~استمر هذا فإن القتال يشق عليهم.» # فقلت: «وأنا أيضا أدرك ذلك، وإن كنت لم أفقد أبا أو أخا فإني فقدت أصدقاء، ثم إني ~~أخاطر بحياتي العزيزة كما يخاطر الجنود بحياتهم، فأنا على الدوام معهم وجسمي عرضة للرصاص أو ~~للحراب مثل أجسامهم.» # فقال: «إنهم يعرفون ذلك تمام المعرفة، ويجب عليك أن تشكرهم لإطاعتهم رجلا أجنبيا ~~يخاطرون بحياتهم معه.» # فقلت: «حقا إني أجنبي أوروبي، وليس هذا سرا ms086 مكتوما ولا أنا أتعير منه، فهل رجالنا ~~مستاءون من ذلك؟ اصدقني.» # وكان محمد فرج من أحسن الضباط تربية، وقد درس في عدة مدارس في القاهرة، ولكنه دخل الجيش ~~جنديا بسيطا، وكان يعرف في غيره الميزات التي يمتاز بها، وكان على الدوام مستعدا لأن ~~يتعلم من أولئك الذين حصلوا على تربية أعلى من تربيته، ولم يكن متعصبا أو متدينا ولكنه ~~كان حاد المزاج كثير التذمر، وكان تذمره وحدته جماع ما عنده من الصفات السيئة، وقد قادته ~~إلى ارتكاب بعض الجرائم فنفي من أجلها إلى السودان. # فلما طلبت منه أن يصدقني رفع رأسه ونظر إلي وقال: «ترغب مني في أن أخبرك الحقيقة، ~~فهاكها؛ إنهم لا يعترضون عليك لأنك أوروبي، بل لأنك غير مسلم.» # والآن عرفت منه ما أردت معرفته، فقلت له: «ولم يعترضون على ديانتي؟ لقد أمضيت السنين ~~الطوال في دارفور وهم يعرفون أني مسيحي فما اعترض أحد علي.» # فقال: «تلك أيام أخرى تختلف عن أيامنا الآن، فإن هذا الوغد المدعو المهدي قد تستر بالدين، ~~وله أنصار يحضون الناس على اتباعه لكي يبلغوا أغراضهم السافلة. # وقد انتشر بين جنودنا رأي لا أعرف من أول من أذاعه، مقتضاه أن هذه الحرب دينية، وأنك لن ~~تربح معركة فيها، وأن الهزائم ستتوالى عليك حتى تقتل في النهاية، وأنت تعرف أن الجنود ~~الجهلة يصدقون هذه الأقوال، وهم يعللون هزائمهم بأنك مسيحي، ورجالنا لا يدركون أن خسائرنا ~~ناشئة عن تفوق العدو علينا في عدد الرجال، وأننا ما دمنا لا نؤمل في مجيء أمداد فإننا ~~سنستمر على الهزيمة.» # فقلت له: «هبني صرت مسلما فهل رجالنا يصدقون إسلامي ويؤملون في النصر؟ وهل هذا يزيد من ~~ثقتهم في؟!» # فقال لي: «يصدقونك بلا شك، أو على الأقل كثرتهم تصدقك، ألم تتحين كل فرصة لإظهار ~~احترامك لديانتنا وأجبرت غيرك على احترامها؟ تأكد أنهم سيثقون بك، ولكن هل تغير دينك عن ~~عقيدة؟» قال هذا وهو يبتسم. # فقلت له: «اسمع يا محمد أفندي، أنت رجل ذكي قد حصلت على تربية وتعرف أن العقيدة لا ms087 شأن ~~لها فيما نحن فيه الآن، وفي هذه الدنيا يحتاج الإنسان إلى أن يعمل أعمالا تخالف عقيدته، ~~إما اضطرارا وإما لسبب آخر، وحسبي أن يصدقني الجنود ويثقوا بي ويقلعوا عن خرافاتهم ~~السخيفة، ولست أبالي بتصديق سائر الناس، وأنا أشكرك الآن شكرا جزيلا، وأطلب منك ألا تجعل ~~هذا الحديث يخرج من فيك لأحد.» # وتركني محمد أفندي فرج فتأملت وترويت قليلا في الموضوع، ثم استقر رأيي على أن أظهر في ~~اليوم التالي أمام الجيش كأني مسلم، وكنت على تمام المعرفة بأني في اتخاذي هذا الموقف ~~سيلومني البعض، ومع ذلك قد عزمت على إمضاء نيتي؛ لكي أقطع على الدساسين حبل دسائسهم، وتتاح ~~لي الفرصة لأن احتفظ بالمديرية التي عهدتها إلي الحكومة المصرية. وكنت في شبابي لا أبالي ~~كثيرا بالدين، ولكني كنت أعتقد أني بالتربية والعقيدة مسيحي مؤمن بالمسيحية، وإن كنت ~~أميل إلى التسامح وإلى أن يختار كل إنسان طريقة الصلاح التي يشتهيها، ولم يكن ذهابي إلى ~~السودان بصفتي مرسلا مسيحيا، وإنما كانت المهمة التى أعرفها ومن أجلها ذهبت أني موظف في ~~خدمة الحكومة المصرية. # وعند طلوع الشمس أمرت بعرض الجيش وانتظاري، ثم أرسلت إلى زوجال لكي يبعث إلى القاضي أحمد ~~واد بشير وأيضا التاجر المعروف محمد أحمد، فلما حضرا حادثتهما في الشئون العامة، ثم طلبت ~~منهما أن يحضرا العرض معي داخل القلعة، ثم اتخذت القيادة في العرض وأمرت الجنود بأن يصطفوا ~~في هيئة مربع، ثم امتطيت جوادي ودخلت المربع ومعي الضباط والموظفون ثم قلت: «أيها الجنود، ~~لقد كابدنا المشاق العديدة معا ونزلت بنا الكوارث الفادحة، وما الكوارث إلا محك الرجال، ~~ولقد جاهدتم وقاتلتم ببسالة الأبطال، وليس عندي شك في أنكم ستداومون على ذلك، فإننا نقاتل ~~من أجل مولانا الخديو حاكم البلاد ومن أجل أنفسنا أيضا، ولقد اشتركت معكم في الأفراح ~~والأتراح، وعندما كان يلوح الخطر كنت على الدوام معكم لا أخيم في اللقاء، وإني وإن كنت ~~رئيسا فحياتي ليست أغلى من حياتكم.» # فصاح معظمهم: «الله يخليك». # فاستأنفت قولي: «وقد سمعت أن البعض يعدني ms088 أجنبيا غير مؤمن بالإسلام، ولكني أقول لكم ~~إني مؤمن كما أنتم مؤمنون، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.» # وعندما نطقت بهذه الشهادة رفع الجنود بنادقهم ثم هزوا رماحهم وصاحوا بالتهنئة، وتقدم ~~الضباط والموظفون لتهنئتي بالإسلام، ولما عاد النظام قلت إني سأصلي معهم، ثم أمرت فرج أفندي ~~بإعادة الصفوف ثم صرف الجنود. # ولما انتهى كل شيء دعوت زوجال بك والضباط لكي يشربوا القهوة ويتناولوا الغذاء معي، وودعني ~~الجميع وهم يؤكدون لي فرحهم وطاعتهم وأمانتهم، ولما غادروني أمرت فرج أفندي بأن يشتري عشرين ~~ثورا وأن يوزعها بين رجالنا «كرامة»، وأن يعطي لكل ضابط ثورا، ودفعت أنا ثمن هذه ~~الثيران. # وكان الأثر الذي أحدثه عملي في رجالنا أكبر مما انتظرت؛ فلم أعد أرى منهم ذلك الإكراه ~~الذي كنت أراه منهم عندما أطلب منهم الخروج في التجريدات، وإن كان عدونا يزداد كل يوم في ~~العدد والقوة. # وكان التجار الذين كنت أدفع لهم نقودا لكي يرسلوا إلي الأخبار قد أخبروني بأن الجيوش ~~ترسل من القاهرة إلى الخرطوم، وأن الحكومة تتهيأ بسرعة لإرسال تجريدة بقيادة ضباط أوروبيين ~~لاسترجاع كردوفان، أما الأهالي فقد انضموا جميعا بلا استثناء إلى المهدي، وكانوا مصممين ~~على المقاومة. # وكانت جميع القبائل في جنوبي دارفور قد ثارت، ولكن الجزء الشمالي بالنسبة لمراكزنا ~~الحربية وبالنسبة لاتصال قبائله بمصر واستفادتهم من القوافل الصادرة عن مصر إليهم؛ لم تكن ~~قد بدت فيه بعد أمارة للثورة، ولم نجمع بالطبع أية ضرائب منذ وقت طويل؛ ولذلك كنا ندفع ~~مرتبات جنودنا من المال الاحتياطي. # وبدأت انتصارات المهدي المتوالية تظهر أثرها في زوجال بك، ولاحظت تغيرا في سلوكه وإن كان ~~على الدوام يراعي إظهار الولاء والطاعة، وقد وضح لي أنه في قلبه يحب الفوز للمهدي ابن عمه؛ ~~لأنه كان يعرف أنه في مثل هذه الحالة سيعود فوز المهدي عليه بأكبر المنافع، وكان محبوبا ~~لدى مرءوسيه، وكان بالنسبة إلى أهالي السودان يعتبر حاصلا على قسط من التربية والتعليم، ~~وكان يخدم الناس ما دامت هذه الخدمة لا تمس ms089 جيبه، وكان يشاع عنه أنه سخي، وكان ثريا له ~~منزل كبير ومائدة مبسوطة، وأظن أن سبب حب مرءوسيه له أنه كان يغتفر لهم ذنوبهم ويسمح لهم ~~بملء جيوبهم بطرق خفية غير مشروعة، وقد توصل أكثر قرابته بواسطة نفوذه إلى الحصول على مناصب ~~حسنة وصاروا بذلك أثرياء، وعلى ذلك رأيتني مضطرا إلى أن أحتاط له، فإن حب الجمهور له ~~وموافقته على آرائي وإطاعته أوامري جعلتني أكره وجود شقاق صريح بيني وبينه، ومثل هذا الشقاق ~~لو حدث كان يؤدي إلى نقض سلطتي، وعلى ذلك اضطررت وقتيا إلى أن أتركه وشأنه، والمثل ~~السوداني يقول: «ابعد النار عن القطن وأنت ترتاح.» وكان هذا المثل ينطبق على حالتنا؛ ولذلك ~~لزمته. # ثم طلبت فرج أفندي وواد عاصي وقاضي البشير، وكانوا كلهم يوالون الحكومة ويرجون بقلوبهم ~~نجاحها، فأفضيت إليهم بالخطة التي انتويتها فأجمعوا على الموافقة، ولما خرجوا استدعيت زوجال ~~بك وقلت له: «اسمع يا زوجال، أنت معي هنا ولا يشهدنا نحن الاثنين إلا الله، فابن عمك المهدي ~~قد فتح كردوفان وقد سقطت الأبيض وانضم إليه جميع الأهالي، والبلاد التي بيننا وبين حكومتنا ~~واقعة تحت يديه، وقد مال قلبك إليه عندما رأيت نجاحه، فهل نسيت كل ما صنعته لك الحكومة؟ وهل ~~نسيت الوسام والرتبة اللذين منحكهما الخديو بوساطة حكومة السودان؟ وهل يمكنك أن تنسى ~~واجباتك المكلف بها بحكم منصبك؟» # فقال زوجال: «إن المهدي ابن عمي، ولا يمكنني أن أنكر أن قرابته لي تجعلني أميل إليه، ~~ولكني مع ذلك قد قمت في الماضي بجميع واجباتي، وأؤمل أن أقوم بها أيضا في ~~المستقبل.» # فقلت: «لقد قمت بواجباتك على وجه العموم، ولكنك على اتصال مع المهدي، فلم تنكر ذلك ~~عني؟» # فأجابني زوجال بسرعة: «إني غير متصل به مباشرة، ولكن التجار الذين يفدون علينا من كردوفان ~~ينقلون إلي رسائل شفوية منه، وقد أقسمت لحملة هذه الرسائل ألا أخبرك، وهذا هو السبب في ~~كتماني أمر هذه الرسائل، ولكني أؤكد لك أنه ليس فيها سوى أخبار عن كردوفان، وأنه لم يحاول ~~أن يجعلني أنضوي ms090 إلى لوائه.» # فقلت له: «ليكن الأمر كما قلت، فإني لا أطلب منك أن تبرر نفسك، ولكن أخبرني ماذا سمعت عن ~~تلك التجريدة التي تهيئها الحكومة لاسترجاع كردوفان.» # فقال: «سمعت أن جيشا عظيما وصل إلى الخرطوم، وأنهم سيحاولون به فتح كردوفان.» # فقلت له: «لن يحاولوا ذلك فقط بل هم سينجحون في فتح كردوفان، وأنت يا زوجال رجل تفهم ~~وتعرف أني إذا اضطررت بالظروف فإنه يمكنني أن أمنع أذاك، ولكني لا أظن أنه من الحكمة أن ~~أفعل ذلك الآن، دع عنك أنه مما يؤلمني أن أتخذ إجراءات ضدك؛ فقد خدمت الحكومة بولاء مدة ~~طويلة، كما أنك صادقتني مدة طويلة؛ ولذلك فأنا مستغن عنك الآن ويمكنك أن تذهب إلى كردوفان، ~~فإن الحركات الدينية يكون لها لمعة ورونق على بعد فيعطف عليها الإنسان، ولكن عند الاحتكاك ~~بها تظهر حقيقتها فتذهب عنها جاذبيتها وتزول منها روعتها، وسأكلفك بحمل رسائل إلى الخرطوم ~~سرا، وسيكون مضمون هذه الرسائل شرح المهمة التي أرسلك في شأنها، وبما أن التجريدة ستشرع ~~في السفر إلى كردوفان في الشهر الآتي، فأنا أطلب منك أن تجهد جهدك في منع المهدي من إرسال ~~تجريدة إلى دارفور أو تحريض الناس على الثورة، فإذا فعلت ذلك فإن الفائدة تعود عليك وعليه، ~~وإذا نجحت التجريدة فأنا أتحمل كل التبعات التي تقع عليك فليس هناك ما تخشاه، ولكن إذا نجح ~~المهدي - لا قدر الله - فهناك يقطع ما بيننا وبين الحكومة فلا يمكن تخليصنا، والمرجح وقتئذ ~~أننا نخضع للمهدي، وفي هذه الحالة يتسلم البلاد وهي في حال حسنة، ولكي أضمن ولاءك وقيامك ~~بهذه المهمة خير قيام، سأحتفظ بزوجاتك وأولادك هنا في القلعة، وسيحسب المهدي حسابا لهذا ~~العمل ولا يعرض أهلك للخطر.» # فقال زوجال: «سأنفذ تعليماتك وأثبت لك إخلاصي، وهل تريد أن تكتب خطابا للمهدي؟» # فقلت: «كلا لا أريد أن يكون بيني وبينه أية معاملة، وأنا عارف تماما بأنك ستتلو عليه ~~حديثنا هذا، وابن عمك رجل ماكر وسيستغل ذهابك إليه بقدر إمكانه ولكن ما دمت تفي بوعدك لي ~~فإني أعنى ms091 كل العناية بأسرتك، ومع أننا قد استغنينا عنك اسميا، فإننا سنستمر على دفع ~~مرتبك بالكامل، أما إذا لم تف بوعدك فإن ضماننا لا يستمر، وأود منك أن تشرع في السفر بأسرع ~~ما يمكنك ويكفيك ثلاثة أيام تستعد فيها.» # فقال زوجال: «إني أوثر البقاء مع أهلي، ولكن بما أنك تريد مني تأدية هذه المهمة كي تمتحن ~~إخلاصي، فأنا أقوم بها وملء قلبي الحزن.» # ثم أرسلت في طلب فرج أفندي وواد عاصي والقاضي، وأخبرتهم بحضور زوجال بالمهمة التي كلفته ~~بها، فبدا عليهم شيء كثير من الانفعال والدهشة وطلبوا من زوجال أن يقسم يمينا بالولاء، ~~فأقسم بالقرآن وبالطلاق بأن يلزم الاتفاق الذي بيننا. # فكتبت الخطابات إلى الحكومة ووصفت الحالة في دارفور، وبعد ثلاثة أيام خرج زوجال في رحلته ~~ومعه ثلاثة من الخدم قاصدا الأبيض عن طريق طويشة، وكان معروفا في كل مكان أنه من قرابة ~~المهدي، فلم يكن لذلك يخشى أحدا، وعلمت بعد ذلك أنه قوبل في كل مكان بحفاوة وإكرام. # وأخذت على عاتقي الآن أن أركز مدافع جديدة في زوايا القلعة، وجمعت كل ما أمكنني جمعه من ~~القمح، ولكن هذه المدة القصيرة من السكينة لم تدم طويلا؛ فقد حرض الشيخ الطاهر الدجوي زوج ~~ابنته بشاري بك واد بكير على الغارة على دارة، وكان بشاري بك رئيس قبيلة بني حلبة، فأرسلت ~~له خطابا أهدده فيه، ولكنه أغار على عرب المصرية وقتل منهم عددا وأسر نساء وأطفالا، ~~فعبأت 250 من الجنود النظاميين و100 من البازنجر، وسلمت قيادتهم إلى مطر؛ أحد قرابة زوجال، ~~ولم أستطع أن أجمع من الخيول سوى 25 فرسا؛ لأن مرضا غريبا انتشر بينها، وبهذه القوة خرجت ~~قاصدا دارة. # وبعد مسير ثلاثة أيام بلغنا أمكة، حيث أغار علينا بنو حلبة بقيادة بشير بك، وكان معهم ~~صديقي القديم جبر الله، ولكن لم يكن معهم من الآلات النارية إلا عدد قليل؛ ولذلك فرقناهم ~~بسهولة. وفي اليوم التالي عاودوا الغارة في كلمباسي، وهي على مسيرة يوم ونصف من أمكة، وهنا ~~أيضا اضطررناهم إلى الفرار بسهولة. ms092 # وقد عزا رجالنا قلة خسائرنا إلى صلاتي يوم الجمعة معهم لا إلى قلة البنادق عند العدو، ثم ~~سرنا إلى خشبة وأخرجنا شيخها وعرضنا عليه صلحا ولكنه رفض، ثم سرنا إلى جورو على مسيرة نصف ~~يوم، وبينما نحن في الطريق كانت تتقدمنا طليعة مؤلفة من 12 فارسا، فأغار عليهم بشاري بك ~~وحده واخترق صفهم وجرح أحدهم جرحا بسيطا، ثم ثني جواده هو بين الطليعة وبيننا على حدود ~~الغابة وعلى بعد 800 ياردة تقريبا منا. # ثم تقدمت نحوه ثلاثمائة خطوة فعرفته، ولكني لم أرمه، وأرسلت إليه خادما أعزل لكي يقول ~~له: «إن الحاكم يقدم لك تحيته ويخبرك بأنك إذا كنت ترغب في أن تظهر بسالتك لزوجتك، فليست ~~هذه هي الطريقة لإظهار ذلك، وأنك إذا عدت إلى مثل ما فعلت فإنك لا بد مقتول.» # وكانت الطريق بيننا وبينه خالية إلا من بعض الأشجار هنا وهناك، ورأيت الخادم يذهب إليه ~~ويقف أمامه بضع ثوان ثم عاد إلينا مسرعا وقال: «إن بشاري بك يقدم لك تحيته وهو يقول إنه لا ~~يرغب في الحياة بل يشتهي الموت.» # يا لغفلة الرجل، لقد وجد ما اشتهاه! # ولما بلغنا جورو صنعنا زريبة وكنت متأكدا بأن بشاري بك سيتهور ويغير علينا؛ ولذلك أمرت ~~الجنود بأن يخرجوا من الزريبة نحو ثلاثمائة خطوة، ووضعت الخيالة على الجانبين وأرسلت عشرين ~~فارسا إلى الغابة لكي يغتر العرب بهم ويخرجوا إليهم، وما كاد هؤلاء العشرون يخرجون في ~~مهمتهم هذه، حتى رأينا عربيين راكبين قد ركضا فرسيهما إليهم وفي يد كل منهما حربة قد ~~أشرعها، وكان هذان الرجلان بشاري بك وخادمه، وقبل أن يبلغ رجالنا عثر فرسه ووقع، وبينما كان ~~خادمه يساعده على النهوض والركوب أغار عليه رجالنا ورموه بمطرد في وجهه نفذ في عينه فكبه. ~~أما خادمه فقد أصيب بحربة نفذت في ظهره وقتلته، وركضت فرسي أنا إليه فوجدته في النزع، فإن ~~رجالنا طعنوه بعد وقوعه مرتين بالحراب، وهجم علينا ابنه لكي يخلصه فجرح ولكنه نجا بنفسه، ~~وقد كان معه شيخان؛ وهما شرطيه حبيب الله ms093 والتوم، قتلا كلاهما، فقبضنا على خيولهم جميعا ~~ثم هتفت بالجنود فحضروا إلينا، فأركبت وراء كل خيال واحدا من المشاة وطلبت منهم أن ~~يطاردوا العدو؛ لاعتقادي أنهم لن يثبتوا للقتال بعد موت قادتهم. # وركضنا خيولنا نحو ميلين فوجدنا العرب وهم في فرارهم، فأمرت الجنود بالنزول عن الخيول ~~وإطلاق النار عليهم، ثم حولت الخيالة إلى بني حلبة، ولم نشفق على أحد في هذا القتال؛ لأن ~~رجالنا كانوا مصرين على الانتقام للشيخ عفيفي الذي قتل قريبا من هذا المكان. # وبعد ساعات قليلة تم تشتيت العدو فعدنا إلى الزريبة، ونحن في طريقنا وجدنا جثة بشاري بك ~~فطلب مني الضباط أن يقطعوا رأسه لكي يرسلوه إلى دارة، ولكني احتراما لابن أخته الذي طلب ~~الصلح بالأمس كففتهم عن هذا العمل، وأعطيته الجثة في كفن من القماش، وحضرت أنا بنفسي حفلة ~~دفن هذا الصديق القديم، الذي صار عدونا على الرغم منه واشتهى الموت فوجده. # وفي هذا القتال قتل منا رجلان وجرح عدد آخر، وكان بين هؤلاء سلامة الذي حمل خطابي وأنا في ~~أم ورقة إلى دارة، وكان على الدوام في مقدمة المغيرين. # ثم عدنا إلى جورو، وكنت قد أصبت بدودة غينيا في كلتا ساقي، فلم أكن أستطيع البقاء على ~~السرج لشدة ما كان بي من الألم، ولم تكن ثم فائدة من البقاء بعد أن سحقنا بني حلبة، فعدنا ~~إلى دارة. # الفصل الثامن # | حملة هكس باشا # بعد أن سقطت الأبيض في يد المهدي أخذ يلتفت إلى زيادة قوته، وكان أنصاره على ضفتي النيل ~~يوافونه بكل ما يجد من الأخبار؛ فكان يعرف أن عبد القادر قد طلب أمدادا من القاهرة، وكان ~~يعرف أن هذه الأمداد قد وصلت، وأن الحكومة عازمة على استرجاع المديريات التي خرجت من يدها، ~~وكان هذا هو سبب الحاجة في الدعوة إلى الجهاد، وكان يذكر أتباعه بأن الحرب توشك أن تشب ~~وأنهم منصورون فيها. # وكان جيجلر باشا قد نجح في دويم في نوفمبر سنة 1882، كما نجح أيضا عبد القادر باشا في ~~معتوق في يناير سنة 1883، وأحرز ms094 كلاهما النصر، ولكن المهدي لم يكن يبالي بهذه الهزائم، ~~وإنما كان همه منصرفا إلى تلك التجريدة التي كانت تهيئها الحكومة في الخرطوم بقيادة ضباط ~~أوروبيين لكي ترسل إلى كردوفان؛ ولذلك سارع إلى نشر المنشورات يدعو فيها القبائل إلى ترك ~~بلادهم والانضمام إليه، وعندما كانت تجتمع هذه الجموع العديدة عنده كان يعظهم بحماسة ويحضهم ~~على الزهد في هذه الدنيا والاهتمام بالآخرة، وكان يقول: «أنا أخرب الدنيا وأعمر ~~الآخرة.» # وكان يعد الأنصار والمطيعين له بملذات النعيم التي لا يمكن عقلا أن يصفها، وينذر ~~المخالفين بعقاب الجحيم، وكانت تذاع المنشورات في هذا المعنى في كل مكان، وكان يبعث للأمراء ~~يطلب منهم ألا يبقوا أحدا في خدمتهم سوى أولئك الذين يحتاجون إليهم في الزراعة، وأما من ~~كانوا في غنى عنهم فعليهم أن يرسلوهم إليه لينضووا إلى لوائه. # وكان الأولاد والنساء والرجال يهرعون إلى الأبيض؛ لكي يروا هذا الولي ويسمعوا ولو كلمة ~~واحدة من وعظه، وكان الجهلة يرون في وجهه ما يدل على الوحي وأنه الرسول الحق من عند ~~الله. # وكان يلبس الجبة والسروالين ويتحزم عليهما بحزام من قش، ويضع على رأسه طاقية يتعمم ~~عليها، ثم يقف خاشعا أمام أنصاره ويحضهم على حب الله والزهد في هذه الدنيا، فإذا دخل بيته ~~تغير كل هذا؛ إذ كان يعيش في ترف ونعيم بحيث تسترقه شهوة الطعام والنساء، فينغمس فيهما ~~انغماس سائر السودانيين، وكانت النساء أو الفتيات اللواتي يؤسرن يحضرن أمامه فيختار أجملهن ~~ويضمهن إلى حريمه، أما اللواتي كن يجدن الطهي فكن يرسلن إلى مطبخه. # وبعد سقوط الأبيض أخذ يفكر في تعيين الخليفة الرابع، وقر رأيه على أن يعين محمد ~~السنوسي، وهو أكبر شيخ ديني في شمالي أفريقيا لهذا المنصب، فأرسل طاهر واد إسحق برسالة ~~إلى السنوسي لهذا الغرض، ولكن السنوسي نظر بازدراء إلى الرسول ولم يكلف نفسه مشقة ~~الإجابة. # وشرع المهدي في تنظيم حكومته، وكانت إدارته غاية في البساطة، فأسس أولا بيت المال ووضع ~~في رياسته صديقه الأمين أحمد واد سليمان، وكان يجبي إلى بيت المال هذا ms095 جميع العشور والفطرة، ~~والزكاة المأخوذة على جميع الغنائم أو الأملاك التي استصفيت من أصحابها، والغرامات التي ~~تفرض في السرقات وشرب الخمور والتدخين، ولم يكن هناك نظام لإيرادات الحكومة ومصروفاتها؛ ~~ولذلك كان أحمد واد سليمان حرا في الإعطاء والمنع لمن يشاء. # وكان القضاء في يد القاضي الذي أطلق عليه المهدي اسم «قاضي الإسلام» وكان له مساعدون، ~~وكان أول من حصل على هذا المركز أحمد واد علي، الذي كان قاضيا تحت إدارتي في شقة، وكان بعد ~~الثورة في مقدمة المغيرين على الأبيض، وكان المهدي وخلفاؤه يحفظون لأنفسهم حق معاقبة أي ~~مجرم، وخاصة ذلك الذي يشك في مهدوية المهدي، وكان الموت عقاب المجرم في هذه الحالة. ولما ~~كانت هذه العقوبات تخالف الشريعة، فإن المهدي منع درس الفقه وأمر بتحريق جميع هذه الكتب، ~~ولم يكن يسمح بقراءة شيء غير القرآن، ولكنه مع ذلك لم يكن يأذن لأحد بشرحه علنا. # وكانت المواصلات بين المهدي وسكان الجزيرة الذين كانوا يعتبرون أنفسهم أنصاره المخلصين لا ~~تنقطع، وعرف منهم أخبارا عن سفر عبد القادر إلى كاوة وسنار ومعه قوة كبيرة، وكانت هذه ~~المدينة قد حاصرها أحمد الكاشف، ولكن عبد القادر باشا هزمه في مشروع الوادي ورفع الحصار، ~~وطارد صالح بك الثائرين حتى جبل سخيدي، وألجأهم إلى صحراء بين هذا الجبل وبين كارة، ولم يكن ~~بها ماء فمات كثير منهم بالعطش، وهذا المكان لا يزال يدعى عند السودانين «تبكي وتسقط»؛ ~~لذكرى الذين ماتوا عطشا فيه. # ولكن هذه الهزائم لم تضعف حب الجمهور للمهدي، وليس شك في أنها كانت تخفف عبء الموظفين ~~وقتيا، ولكنها لم تكن تمنع مجيء اليوم المتوقع من الجميع، ولو كانت نصائح عبد القادر باشا ~~قد سمعت لتغير حال السودان؛ فقد كان لا يوافق على إرسال تجريدة كبرى لتخليص كردوفان، ~~ولكنه كان ينصح بتوزيع الأمداد التي تأتي من القاهرة على مراكز على النيل، بحيث تكون هناك ~~حاميات، ثم يترك الثوار وشأنهم مؤقتا، وكان عنده ما يكفي لقمع الثورة في الجزيرة بين ~~النيلين الأبيض والأزرق، وأيضا لمنع تقدم ms096 المهديين من الغرب. # ولو اتبعت هذه النصائح لكان الأرجح أن سوء إدارة المهدي تؤدي إلى الخلل والشقاق، فيمكن ~~الحكومة استرجاع ما فقدته بعد مدة قليلة، ولم يكن في مقدوري الاحتفاظ بدارفور أكثر مما ~~احتفظت به، وحتى لو فرضنا أنه وقع في يد المهدي لكان هذا أيسر الشرين، ولكن ولاة الأمور في ~~القاهرة لم يكونوا من رأي عبد القادر باشا، وكانوا يرون أنه يجب أن تعاد للحكومة كرامتها ~~وسلطتها مهما كلفها ذلك، ودبروا لذلك تجريدة يقودها هكس باشا الإنجليزي ومعه ضباط أوروبيون، ~~فاستدعي عبد القادر باشا إلى القاهرة وقام مقامه علاء الدين باشا الحاكم العام للسودان ~~الشرقي سابقا، وعرف المهدي كل ذلك واستفاد منه. # وفي هذه الأثناء وصل زوجال إلى الأبيض، حيث احتفل باستقباله فأطلق مائة مدفع تكريما له، ~~وأشيع في كل مكان أن دارفور قد سلمت نفسها للمهدي الظافر، واعتبر أيضا رجوع زوجال إلى ~~دارفور ضمانا قويا على دخول دارفور في طاعة المهدي، وأنها لذلك ليست في حاجة إلى إرسال ~~قوة من الجيش، ووجه المهدي الآن كل عنايته إلى درس الحالة في النيل. # وبعد وصول هكس باشا قام في الحال إلى كاوة وهزم الثائرين في مرابية في 29 أبريل سنة 1882 ~~وقتل أحمد المكاشف. # وكان عثمان دجنة أحد النخاسين في سواكن قد بعثه المهدي لكي ينشر الدعوة إلى الجهاد في ~~بلاد مختلفة، وقد أثبت المهدي بعد نظره في اختيار هذا الرجل الذي ذاع اسمه بعد ذلك، وكان ~~يقدر أنه إذا ثار السودان الشرقي فإن الحكومة ترتبك وتؤخر تجريدة كردوفان، أو لا ترسلها ~~مطلقا. # ولست أدخل في تفاصيل الوقائع التي دارت بين هذا الأمير الجسور وبين الحكومة؛ فإنها معروفة ~~مشهورة ولا تحتاج إلا للإشارة إليها هنا فقط، ويكفي أن أقول إن المهدويين نجحوا في شرقي ~~السودان ولكن نجاحهم لم يؤثر في الحكومة كما رغب المهدي، بل بقيت على عزمها من تهيئة ~~التجريدة لكردوفان، وفي أوائل سبتمبر سنة 1883 غادر هكس باشا الخرطوم إلى الدويم على النيل ~~الأبيض، حيث انضم إليه علاء ms097 الدين باشا الذي طلب إليه أن يصحب التجريدة. # وإني لا أشك في أن ولاة الأمور في القاهرة كانوا يجهلون الحالة في كردوفان؛ إذ كانوا ~~يتصورون أن إرسال مثل هذه التجريدة لكردوفان يقضي على المهدي، الذي صار الآن الحاكم المطلق ~~في المديريات الغربية وليس فيها أحد سوى أنصاره، فهل نسوا أن المهدي أباد القوى التي كان ~~يقودها راشد وشلالي ولطفي، وأن بارة والأبيض وغيرهما من البلاد قد خضعت له، وأنه أصبح يملك ~~من البنادق أكثر مما يملكه هكس في تجريدته؟ # وهل غاب عنهم أن هذه البنادق قد صارت إلى أيدي رجال ماهرين يعرفون كيفية استعمالها، وأن ~~من هؤلاء الرجال من كان يستخدم البازنجر ويصد الفيلة والنعام، وأنه قد تألفت تحت أيديهم فرق ~~حربية ماهرة؟ ثم ألم ينضو إلى راية المهدي آلاف من الجنود النظاميين وغير النظاميين الذين ~~كانوا في خدمة الحكومة قبلا؟ وهل خطر لهم أن هؤلاء الرجال كانوا ينوون ترك الانضمام إلى ~~هكس باشا عند رؤية جيشه؟ # لقد جهلت الحكومة في القاهرة كل ذلك وخاطرت بحياة الألوف لجهلها هذا، وأظن أنه كان بين ~~أعضاء الحكومة من كان يعرف السودان ويعرف المثل القائل «اللي بياخد أمي هو أبويا»، والمهدي ~~قد استولى على البلاد ويمكن أن نقول مجازا إنه تزوجها؛ لذلك نظر إليه السكان كما ينظرون ~~إلى مولاهم وحاكمهم، ولم يكونوا يبالون وقتئذ بما نالوه من رعاية في الحكم السابق، ولا أنكر ~~أن هناك شواذ ولكن ملاحظاتي هنا تنطبق على الكثرة. # وكانت تجريدة هكس مؤلفة من عشرة آلاف رجل تسير في هيئة مربع في وسطه ستة آلاف جمل، وكان ~~سيرها في أعشاب ونبات يزيد طولها عن قامة الإنسان، فلم يكن في مقدور الجنود أن يروا إلى ~~أبعد من مائتي ياردة إلى ثلاثمائة، وذلك في الجهات المزروعة المكشوفة، حيث يقطن بعض الناس ~~ويكشفون بعض الأرض للزراعة، وكان عليهم أن يكونوا مستعدين على الدوام لملاقاة عدو أكثر ~~منهم عددا وعدة وتجربة بالحروب، وقد اشتهر رجاله بالفوز والشجاعة والاندفاع، ولم يكن في ~~طريقهم سوى آبار ms098 قليلة وإن كان بها مستنقعات عديدة. # ولو أنهم كانوا أخذوا الطريق الشمالي، طريق جبروة وبارة، لوجدوا الأرض مكشوفة أمامهم ~~والماء وفيرا في عدة أماكن، وهذا الماء إذا لم يكن يكفي الجيش، فإنه باستعمال الوسائل ~~الحديثة في الاستقاء واستنباط الماء كان يكفيه، وفي هذه الحالة كان يمكن الاستعانة بقبائل ~~الكبابيشي في مقاتلة المهدي، وكان يمكن عندئذ الاستغناء عن عدد كبير من الرجال والحيوانات ~~التي استعملت في النقل. # وكانت الجمال في وسط الجيش تؤلف غابة كثيفة من الأعناق والرءوس، وكان من المستحيل أن يطلق ~~العدو عيارا واحدا دون أن يصيب أحد هذه الجمال، فإنه إذا أخطأ أحدا من الأمام لم يخطئ ~~الإصابة في الوسط أو المؤخرة. # وكان يمكن ترك هذه الجمال مع الحرس في دويم أو في الشط، ثم إرسال فصائل من الجيش لإعداد ~~الطريق في الشمال أو الغرب أو الجنوب، وإنشاء مراكز حربية في البلاد التي تخضع، وبدهي ~~أن هذا العمل كان يحتاج إلى عام ولم يكن في ذلك من بأس؛ إذ لم يكن ثم داع للعجلة، ثم يجب ~~أن نذكر أن الخلاف بين هكس والضباط الأوروبيين كان عظيما، كما كان هناك أيضا خلاف بين ~~علاء الدين باشا وبين الضباط المصريين. # ثم كان هذا الجيش مؤلفا في الأغلب من جيش عرابي المنحل الذي انهزم أمام الإنجليز، ولا شك ~~في أن الجنرال هكس كان يعرف هذه الأشياء، وقد سئل مرة في الدويم عن الموقف فقال: «أنا مثل ~~المسيح بين اليهود.» ومع ذلك سار في طريقه، وربما كان يعتقد أنه إذا رفض السير فإن شرفه ~~يجرح. # وأخذت هذه الكتلة المؤلفة من البشر والحيوان تسير سيرا بطيئا، وكان السكان الذين يقطنون ~~في طريق الجيش قد فروا، وكان العرب يظهرون فجأة ثم يختفون من وقت لآخر، وكان هكس ينظر خلال ~~نظارته في إحدى المرات فرأى فرسانا مختبئين بين الأشجار، فأمر بالوقوف وأنفذ قسما من ~~الخيالة لكي يتقدم، وبعد دقائق عاد الخيالة وهم في ارتباك شديد بعد أن فقدوا عددا من ~~رجالهم وجرح عدد آخر، ورووا ms099 أنهم رأوا قوة كبيرة، فأنفذ هكس الجنرال فاركار ومعه نصف أورطة ~~لكي يذهب إلى مكان المناوشة ويعاين الحالة هناك، فعاد وقال إنه رأى ستة مقتولين وقد جردوا ~~من كل شيء ولكنه لم ير أحدا من العدو، وكان هناك آثار عشرة من حوافر الخيل، فكأن قسم ~~الخيالة قد انهزم أمام هؤلاء العشرة. # وفي اليوم التالي ظهر ثلاثة من الفرسان فهجم عليهم فاركار وليس معه سوى خادمه، فقتل اثنين ~~وقاد الثالث أسيرا. وقد أخبرني عن هاتين الحادثتين بعض من بقي من التجريدة، وكانوا يصفون ~~سير الجيش وهو في هيئة المربع كأنه سلحفاة تزحف، ولم يكن من الممكن وهو في هيئته هذه أن ~~تسرح الجمال للرعي؛ فلم تأكل هذه الجمال سوى ما وجدته وهي محصورة في هذا المربع، وكان ما ~~وجدته قليلا، فكان ينفق منها كل يوم مئات، وكانت تأكل بطانة الرحال المحشوة بالتبن، ولما ~~خلت الرحال من التبن لصق الخشب بلحمها فآذاها أذى كبيرا، ومع ذلك كانت هذه الجمال تجر ~~سيقانها وتسير حاملة أثقالها وأثقال من يقع من أخواتها. # ولا شك في أن فاركار والبارون شكيندورف والماجور هيرلت وغيرهم من الضباط الأوروبيين وبعض ~~كبار الضباط المصريين؛ كانوا يجهدون جهدهم لكي يساعدوا هكس باشا في هذه الظروف الحرجة، ولكن ~~معظم الجيش كان يجهل تماما الأخطار الموشكة أن تقع به، وكان فيزتلي المسكين يرسم صوره، ~~وكان دونوفان يكتب مذكراته، ولكن أين ذلك الذي يمكنه إرسالها إلى بلادهما؟ # وما هو أن عرف المهدي أن الجيش قد شرع في السير حتى أذاع المنشورات بين القبائل يدعوهم ~~فيها إلى الجهاد، ويعد فيها المطيع بالمكافأة والعاصي بالعقاب. وغادر هو الأبيض وضرب خيمته ~~تحت شجرة كبيرة ينتظر قدوم الجيش المصري، واقتدى به خلفاؤه وأمراؤه فتكون من ذلك معسكر ~~ضخم. وكانت جيوش المهدي تعرض كل يوم وتقرع الطبول وتطلق المدافع وتدرب الجنود والخيول، ~~وكلهم يستعد للمعركة الكبرى. وكان المهدي قد أرسل الأمراء: الحاج محمد أبو جوجة، وعمر واد ~~إلياس باشا، وعبد الحليم مسعد، إلى الدويم لكي يراقبوا تقدم الجيش ويقطعوا ms100 مواصلاته، ولكنهم ~~أمروا بألا يهاجموا الجيش بالذات، وقد علموا قبل سفرهم مقدار القوة المصرية ورجوا المهدي في ~~أن يسمح لهم بمهاجمتها ولكنه رفض. # وقبل أن تصل القوة إلى رهاد رأى جوستاف كلوتز - وهو صف ضابط ألماني وكان قبلا خادم ~~البارون سكندروف ثم صار خادما عند مستر أودنفان - أن المهدي سيقضي عليها إذا التقى بها، ~~ففر من الجيش بنية أن يذهب إلى المهدي لكي ينضم إليه، وكان يجهل البلاد، فأخذ يجول في ~~صباح اليوم التالي وعثر عليه المهديون وكانوا يوشكون أن يقتلوه، ولكنه صار يجاهد بالقليل ~~الذي يعرفه من العربية لكي يفهمهم أنه يرغب في مقابلة المهدي، فأرسل مع الحرس إلى الأبيض، ~~وكان لابسا ملابس الخدم، ومع ذلك توافد عليه الناس زرافات لكي يروا هذا الإنجليزي الذي جاء ~~للمهدي يرجوه في طلب الصلح، ولما أحضر إلى المهدي صار هذا يسأله عن التجريدة أمام ~~الأوروبيين الحاضرين ، ولم يتردد جوستاف في وصف الجيش أسوأ وصف وأن صفوفه خلو من الشجاعة ~~والوفاق، وارتاح المهدي إلى هذه الأخبار، ولكن جوستاف أخبره أيضا أن الجيش لن يسلم وأنه لا ~~بد من معركة يباد فيها عن آخره، ودعا المهدي جوستاف إلى الإسلام فأجاب وأسلم، ثم وكل المهدي ~~به عثمان واد الحاج خالد. # ووثق المهدي من الظفر إلى حد أنه وضع المنشورات العديدة في طريق الجيش يدعو هكس باشا إلى ~~التسليم، وبدهي أن هكس باشا وضباطه لم يجيبوه، ولكن كان لهذه المنشورات بعض التأثير في ~~أولئك الذين كانوا يخافون على حياتهم، واستعمل بعضهم هذه المنشورات لأغراض وبطريقة اغتاظ ~~منها المهدي أشد الغيظ، وكان بعد ذلك يعاقب الذين نجوا من القتل بأشد العقوبات إذا علم أنهم ~~دنسوا هذه المنشورات الملهمة بأية طريقة! # وقبل أن يبرح هكس باشا الدويم كانت الحكومة قد أبلغته أنه سينضم إليه ستة آلاف رجل من جبل ~~تاج الله وبضع مئات من عرب الحبانية، وكان كل يوم يتشوف لرؤية هذه القوة لكي ينشط بها جنوده ~~الذين خارت قواهم وضعفت آمالهم، ولكن هذه القوة لم تصل إليه ms101 بل لم يصل إليه أي خبر ~~عنها. # وعندما غادر هكس رهاد قصد إلى علوية في دار غدايات أملا في أن يجد هناك ماء يستقي منه ~~الجيش، وفي 3 نوفمبر وصل إلى كشجيل التي تقع على بعد 30 ميلا في جنوبي الأبيض. # وكان المهدي في هذه الأثناء قد حمس جنوده، وأخبرهم أن النبي قد أوحى إليه أن عشرين ألفا ~~من الملائكة سيقاتلون الكفار مع جنوده يوم المعركة. وفي أول نوفمبر برح الأبيض قاصدا إلى ~~بركة، فانضمت قواته إلى جيش الأمراء الذي كان قد أرسله قبلا، وأخذ الجميع في مناوشة ~~المصريين والتضييق عليهم، وكان العطش والإعياء قد فعلا فيهم فعلهما. وفي 3 نوفمبر كان أبو ~~أنجة والجهادية السود مختبئين في غابة كثيفة، فصبوا نارهم على قلب المصريين حتى اضطر الجيش ~~إلى الوقوف وإقامة زريبة حوله، وكانت الدواب والرجال هدفا ظاهرا لا يخطئه أي رام، فكان ~~في كل لحظة يقع جمل أو بغل أو إنسان قد أعياه السير. واستمر هذا التقتيل ساعات وكل فرد من ~~الجيش يعاني الآلام من العطش ولا يستطيع السير إلى أي جهة، ولم يغادر العدو مكانه حتى ~~الأصيل، وبقي بعد ذلك يراقب الجيش كما تراقب القطة الفأر. وكانت خسائر العدو قليلة فلم يقتل ~~منهم سوى أمير أو اثنين، وكان أحدهما ابن إلياس باشا، ولا غرابة في قتله؛ فقد تحمس وتهور ~~حتى صار على قيد ذراع من الزريبة، وما أشد ما كان يعانيه هكس في هذا الوقت؛ إذ بدلا من أن ~~يجد رجاله الماء كان العدو يمطرهم رصاصا، ومع ذلك كان الماء قريبا منهم لا يبعد ميلا ~~واحدا، ولكن لم يكن معهم أحد يعرف هذه الجهات، وهم لو كانوا يعرفونها لما انتفعوا بهذه ~~المعرفة الآن لفوات الفرصة. # وفي الليل زحف أبو أنجة ورجاله ثانيا، وصبوا النار طول الليل على هذه الكتلة المؤلفة من ~~الناس والدواب، وخارت قوى المصريين فكانوا يندبون حظهم قائلين: «مصر فين يا ستي زينب دلوقت ~~وقتك.» أما السود فكانوا منبطحين على بطونهم فلا ينالهم رصاص المصريين الذي ms102 كان يذهب في ~~الهواء فوقهم، وكانوا يردون على المصريين بقولهم: «دي المهدي المنتظر.» # وفي صباح اليوم التالي تقدم هكس وقد خلف وراءه أكواما من القتلى وبعض المدافع التي قتل ~~رجالها، ولكنه قبل أن يقطع ميلا هجم عليه نحو مائة ألف من المتحمسين المتوحشين الذين خرقوا ~~الجيش ودخلوا إلى القلب، وحدثت عندئذ مقتلة هائلة، ولم يحاول الثبات للعدو سوى بعض الضباط ~~الأوروبيين والخيالة الأتراك، ولكنهم هوجموا من كل جانب فقتلوا تقريبا عن آخرهم، ثم قطع ~~رأس البارون سكندورف ورأس الجنرال هكس وحملا إلى المهدي، فطلب في الحال كلوتز - الذي صار ~~اسمه الآن مصطفى - وطلب إليه أن يعرفه صاحبي هذين الرأسين، ولكن المهدي لم يكن في حاجة إلى ~~التعريف؛ فإن كل أحد قد عرف أنهما قتلا، وبعد هذا النصر المبين عاد المهدي وخلفاؤه إلى بركة ~~وقد أسكرهم هذا الفوز. # وكان في ميدان القتال عدد كبير من الأمراء وأتباعهم قد تخلفوا لجمع الغنائم وإرسالها إلى ~~بيت المال، وقد جردت الآلاف من القتلى من جميع ملابسهم، وأرسلت إلي بعد ذلك بمدة مذكرات ~~فاركار وأيضا مذكرات أودنفان، فقرأت كل ما كتباه، وما أعظم ما قاسيته من الحزن من هذه ~~القراءة؛ فقد كتب كلاهما شيئا كثيرا عن الخلاف والشقاق في الجيش، وعن الشجار بين الجنرال ~~هكس وبين علاء الدين باشا. وقد حمل فاركار على رئيسه حملة قاسية لأغلاطه الحربية؛ فقد أحس ~~كلاهما بالنكبة قبل وقوعها؛ ولذلك كان فاركار يلوم رئيسه؛ لأنه مع معرفته بالحالة المعنوية ~~السيئة للجيش خرج به للقتال. ولم يحصل الضباط الأوروبيون على أية معونة، ولكن يظهر أن أحد ~~الضباط المصريين المدعو عباس بك عاونهم بعض المعاونة. وأذكر أني قرأت العبارة التالية بقلم ~~فاركار: «سألت أودنفان اليوم عن المكان الذي سنكون به بعد ثمانية أيام، فأجابني بقوله: في ~~العالم الآخر.» # وكانت مذكرات أودنفان مكتوبة بهذه اللهجة أيضا، وكان قلقا بشأن فرار كلوتز، وذكر هذا ~~الفرار كمثال على شعور سائر الجنود. وأذكر قوله: «كيف تكون حالة جيش إذا كان خادم أوروبي ~~يهجره وينضم إلى العدو.» ms103 ويقول في مكان آخر: «ها أنا ذا أكتب مذكراتي وتقاريري، ولكن من هو ~~ذاك الذي سيحملها إلى وطني؟» # وبعد خمسة عشر يوما عاد المهدي إلى الأبيض ومعه الغنائم التي أودعت بيت المال، وكانت هذه ~~الغنائم تحتوي مبلغا كبيرا من النقود غير المدافع والبنادق، ومع ذلك قد نهب العرب شيئا ~~كبيرا من هذه الغنائم، على الرغم من العقوبات الوحشية التي كان يعاقبهم بها أحمد واد ~~سليمان. وقد كان من المألوف أن تقطع يد السارق اليمنى وساقه اليسرى، أما الزنوج المكرة فقد ~~سرقوا كمية وفرة من الذخائر خبئوها في الغابات وفي معسكرهم، وأفادتهم بعد ذلك فوائد ~~عظيمة. # وكان دخول المهدي إلى الأبيض دخول الظافر الذي يستقبل بضروب الحفاوة الوحشية؛ فقد كان ~~الناس يترامون أمامه ويكادون يعبدونه، وليس شك في أن انتصاره في شيكان قد جعل السودان ~~بأجمعه طوع أمره؛ فكان الأهالي من النيل إلى البحر الأحمر ومن واداي إلى كردوفان ينظرون إلى ~~هذا الولي ويترقبون حركاته، وكان أولئك الذين آمنوا قبلا بهدايته يستمسكون بإيمانهم ~~وينشرون نفوذه أكثر من ذي قبل، أما أولئك الذين استرابوا أولا في دعوته فقد ثابوا إلى ~~اليقين بعد هذه الانتصارات العظيمة المتوالية. وأولئك الذين كانوا يعرفون في قلوبهم أن هذه ~~المهدية غش ومكر، رأوا أنه يجب عليهم أن ينضموا إلى المهدي ما دامت الحكومة غير قادرة على ~~تثبيت سلطتها حتى في مديريات النيل. # وقد عرف في هذا الوقت عدد كبير من الأوروبيين وبعض المصريين المقيمين في المدن خطورة ~~الموقف، ولم يتوانوا في الخروج من القطر السوداني، أو على الأقل في إرسال ما يخشون عليه من ~~أمتعتهم ومنقولاتهم إلى الشمال، وقد أيقنوا أنه لا بقاء لهم بعد الآن في السودان الذي بسط ~~عليه المهدي نفوذه. # الفصل التاسع # | سقوط دارفور # في ذلك الوقت كنت قد شفيت من مرضي - الدودة السودانية - وشعرت بأني أقوى على الخروج في ~~تجريدة أخرى، ولكن عدد أتباعي المخلصين كان قد نقص نقصا سيئا، وأيضا قلت ذخيرتنا، وكان ~~سيد بك جمعة يرسل إلي بأنه غير قادر على ms104 أن يسعفني بما أطلب من الذخائر، واحتج في ذلك بأن ~~عرب الزبدية والمهرية قد بدا منهم شيء من العصيان، حتى إنهم استولوا على مواشي بعض الناس ~~المقيمين في جوار الفاشر، وعندما طلب منهم ردها رفضوا. # وكانت كل آمالي معلقة الآن بنجاح جيش هكس باشا، وكان من حسن حظي أني كنت أجهل الطريق الذي ~~اتخذه، كما كنت أجهل أيضا الحالة المعنوية السيئة التي كان فيها الجيش، وكان قد مضى علي ~~الآن نحو عام لم أتسلم فيه أية رسالة من الخرطوم، وكنت قد لجأت إلى الحيلة لكي أحتفظ بحماسة ~~رجالنا؛ فادعيت بأنه جاءتني أخبار عن انتصارات الحكومة، وقد أذعت هذه الأخبار في شكل رسائل ~~ملفقة قرئت علنا على الجيش وقوبلت بإطلاق المدافع وهتاف الجنود، والحقيقة أني أنا الذي ~~لفقت هذه الأخبار، ومن الحق أن أقول إني تسلمت في هذا الوقت رسالة صغيرة من علاء الدين ~~باشا، يقول فيها إن الخديو قد عينني قائدا عاما لجيوش دارفور، وإن الحكومة قد عزمت على ~~إرسال قوة لمعاقبة الثائرين، وأرسلت نسخا عديدة من هذه الرسالة إلى الفاشر وكبكبية، وأمرت ~~بإذاعتها بين الجمهور وإطلاق النار عند قراءتها، واحتفلت بمقدم حامل هذه الرسالة احتفالا ~~كبيرا وأثقلته بالهدايا، وأعلن أمامنا أنه عندما غادر الخرطوم كانت الحكومة تهيئ التجريدة ~~التي قال عنها إنها لا بد منصورة، وكان الواقفون على الحالة مترددين في تصديق هذه الأقوال، ~~ولكنهم سروا مع ذلك لهذه الأخبار. # وبعد أيام قليلة عاد إلي خالد واد إمام، الذي كنت أرسلته إلى كردوفان ليأتيني بصحيح ~~الأخبار، وأفضى برسالة شفوية من زوجال، يقول فيها إن الحكومة تهيئ تجريدة لمقاتلة المهدي. ~~ولكن بعد أيام قبض على رجل قريبا من شقة ومعه خطاب من خالد للمادبو يطلب منه أن يستعد ~~للقائه قريبا لكي يساعده في إتمام مشروع، فلم يبق عندي شك في أن خالدا قد انضم إلى ~~زوجال وصار خادمه المخلص. # وللحال أمرت بالقبض على خالد وإحضاره إلي، فاعترف بأن زوجال قد أمره بأن يأخذ زوجاته ~~إلى مكان مأمون خارج عن منطقتي، ms105 وأن يحضر زوجتين منهن إليه في كردوفان، وهذا هو سبب كتابته ~~تلك الرسالة للمادبو. # فأمرت بالقبض على أسرة زوجال وتقييد خالد، ثم استصفيت أملاكهما وضممتها إلى بيت المال، ~~وأقمت حراسا على أملاك المقبوض عليهم الآخرين. # وصارت الصعوبات تتكاثر علي يوما بعد يوم، بل ساعة بعد ساعة. ولم أكن لأبالي كثيرا ~~بخيانة زوجال؛ فقد كنت دائم التوجس منه قليلا، ولكني قلقت قلقا شديدا للأخبار السيئة ~~التي جاءتني عن تجريدة هكس. # وكان وقتي مقسما بين ذهابي وإيابي من القتال في قمع الفتن التي أخذت في الانتشار بسرعة ~~مدهشة؛ ففي أحد الأيام أخرج لمنازلة المادبو، وبعد يوم أخرج لقمع فتنة قام بها رئيس آخر، ثم ~~جاءتني في أحد الأيام أخبار هزيمة دارهو أمام الميما، فاقترحت على الضباط إخلاء دارة وحصر ~~قوانا للدفاع عن الفاشر، ولكنهم رفضوا. # أضف إلى كل هذا ذلك الخلاف الذي فشا بين أولئك الذين كنت أحسبهم من أخلص المخلصين لي؛ فإن ~~حسن واد سعد النور، الذي حصلت له على العفو في الخرطوم - كما يذكر القارئ - والذي ضمنت ~~ولاءه للحكومة وأذنت له بالإقامة في دارة، والذي أعطيته منزلا بجانب القلعة، وحين مات ~~جواده أعطيته جوادا آخر، والذي استخلصته لجلب الأخبار واثقا من ولائه وطاعته؛ قد خانني ~~وتناسى كل هذه المروءات والأفضال التي تكرمت بها عليه، وركب الجواد الذي أعطيته له وذهب إلى ~~المهدي فصار من أخلص أتباعه. # وكانت المواصلات بيني وبين الخرطوم قد انقطعت منذ مدة بعيدة؛ فإن المهديين كانوا يقظين ~~وكانوا يقبضون على أي إنسان أرسله بخطاب إلى الخرطوم. وتمكنت في إحدى المرات وأنا أقاتل بني ~~حلبة من إرسال خطاب للقاهرة بواسطة قافلة كانت سائرة إلى أسيوط في طريق الأربعين. # ولكن طرق تخبئة الرسائل التي اتبعتها إلى الآن كانت قد عرفت، فلم يعد في الإمكان ~~استعمالها، ومن هذه الطرق وضع الرسالة بين نعلي الحذاء أو بين أديمي المزادة أو في قصبة ~~الرمح. # وكنت في أحد الأيام أنظر في شئون القلعة فرأيت الجنود يعالجون حمارا به عرج في ساقه ~~الأمامية، فألقوه ms106 على الأرض ثم فتحوا في جلده على الكتف فتحة أدخلوا فيها خشبة صغيرة، ثم ~~حززوه تحزيزات وذروا النطرون على الجروح وأخرجوا الخشبة، فخطر في بالي أن أرسل تحت جلد حمار ~~بهذه الطريقة إلى الخرطوم، وانتخبت حمارا طيب الجرم ثم أدخلته منزلي حيث لا يرانا أحد، ~~وكررت هذه العملية ووضعت في الفتحة التي فتحتها مذكرة صغيرة لففتها في مثانة جدي، ولم يكن ~~حجم هذه الرسالة يزيد عن طابع بريد، ثم خطت الجرح بخيط من الحرير ونهض الحمار بعد ذلك ~~كأن لم يكن به شيء، وأخبرني الرجل الذي ندبته لإرسال هذه الرسالة بأنه سلمها لعلاء الدين ~~باشا في الشط قبل أن تقوم التجريدة بيوم أو يومين إلى الأبيض، وأنه أخبر الرسول بأن الرد ~~غير ضروري، وأنه سيصحبه إلى الأبيض حيث يرسله من هناك إلي بخطاب. # وكانت حالتنا من حيث المدخر من الذخائر سيئة جدا؛ فإن مجموع ما كان لدينا من الخراطيش ~~لم يكن يزيد عن 12 علبة لكل بندقية، فإذا غامرنا بقتال فإن نصف هذه الكمية يذهب في أول ~~معركة، ولم يكن هناك أمل بالإسعاف، فأخذت أفكر في أحسن طريقة للثبات بدون أن نفقد ذخيرتنا ~~القليلة، واضطررت لذلك إلى أن ألجأ إلى الحيلة كسبا للوقت. # فوسطت بعض العرب الموالين لنا لكي يفاوضوا الثائرين ويقولوا لهم إننا مستعدون للتسليم، ~~ولكن لا يمكننا أن نسلم لهم؛ إذ لا ثقة لنا فيهم بعد قتالنا المتواصل مدة طويلة؛ ولذلك إذا ~~أرسل المهدي رسوله فإننا نسلم له البلدة وحكومة المديرية. # وكنت في هذا الانتظار أتسقط الأخبار عن حملة هكس وأحسب المدة التي يجب أن تصل في نهايتها ~~إلى الأبيض؛ حيث يقاتل الفريقان وتقع الوقعة الحاسمة، وكنت أختلف إلى السوق وأتحادث مع ~~الأهالي عن الأحوال، وكان كل أحد يعرف أن جيشا عظيما قد أنفذ إلى الأبيض، ولكن لم يكن أحد ~~على يقين من النتيجة. # وأخيرا حوالي آخر نوفمبر شاعت الإشاعات عن هزيمة الجيش، وكان على هذه الإشاعات مسحة ~~الصدق، ولكننا مع ذلك تعلقنا بالشك، ولكن بعد يوم أو ms107 يومين جاءنا الخبر الأكيد بأن الجيش ~~المصري قد اصطلم، فانسدل علينا الغم جميعا لهذا الخبر، وهكذا قضي علينا بعد هذه الشدائد ~~والخطوب أن نقع في يد العدو وقد سدت دوننا أبواب النجاة، ولكن هل بقي من بصيص من أمل بأن ~~الأخبار قد بولغ في رواياتها؟ # لقد كان عندنا هذا البصيص ولكنه انطفأ فجأة؛ إذ علمنا أن زوجال قد وصل إلى أم شنجة، وأن ~~المهدي قد عينه «مدير عموم الغرب.» # وفي 20 ديسمبر سنة 1883 جاءني الرسول الذي كنت أرسلته إلى المهدي، وكان لابسا جبة، فروى ~~لي خبر الهزيمة المنكرة التي نالت الجيش، وناولني خطابا من زوجال يطلب مني فيه التسليم ~~ويخبرني عن هزيمة المصريين، ولكي يثبت لي هذه الهزيمة أرسل إلي بعض تقارير الضباط ومذكرات ~~فاركار وأيضا مذكرات أودنفان. # وفي المساء جاءني فرج أفندي وعلي أفندي الطوبجي ضابط المدفعية، وأخبراني بأن الضباط قد ~~قرروا التسليم للمهدي لا لزوجال بك، وقد أوضحوا الأسباب التي ألجأتهم إلى هذا القرار؛ فإن ~~كل واحد منهم قد اقتنع تمام الاقتناع بأنه لا سبيل الآن للحكومة أن تنقذهم، وأن الجيش في ~~دارة لا يزيد عن خمسمائة وعشرة رجال، ومنهم عدد كبير لا يصلح للقتال، وأن الحالة المعنوية ~~للجيش منحطة، ولا أمل في الحصول على أي انتصار، وأن الذخائر لا تكفي معركة واحدة سواء كنا ~~مدافعين أو مهاجمين، وقالا لي أيضا إنه لا يمكنني أن أسوم الجيش على القتال؛ لأن الجميع قد ~~عزموا على التسليم، فأخبرتهما بأني سأفكر في هذا الموضوع وأخبرهما في صباح اليوم التالي عن ~~رأيي الأخير. # وفي تلك الليلة لم تغمض عيناي، فجعلت أتحسر وأندب هذا الحظ الذي يقضي علينا بعد معاناة ~~الشدائد والأهوال بأن نسلم ونخضع، ثم بعد الخضوع ماذا خبأه القدر لنا؟ # وعرضت الحالة من البداية إلى النهاية وأنا في هذا السهاد، لقد مضى علي أربع سنوات وأنا ~~أجاهد لتثبيت الحكومة ومقاومة الفتن الداخلية التي قمعتها، ثم مقاومة حركة المهدي التي دخلت ~~إلى أصول الإدارة وفشت فيها كالسوس وأخذت تتأكلها وتسري فيها ms108 من الغصون إلى الأوراق حتى ~~ذبلت وجفت. # والخلاصة أن هذه الدعوة المهدية قد تغلغلت إلى قلوب الضباط والجنود؛ فقد كانوا قبلا ~~ينصبون لها العداء ويكافحونها لأني كنت ألوح أمامهم بقوة الحكومة وعودة سلطتها بنجاح حملة ~~هكس، وبالفوائد التي تعود عليهم إذا ثبتوا على الولاء إلى حين يهزم الجيش المهدي. وكنت أجهد ~~جهدي لكي أثبت للجنود والضباط ضرورة فوز الحكومة في النهاية، ولكن جاءت هذه الهزيمة المنكرة ~~فانقطع كل أمل. وقد كافحت الدسائس من الداخل والخارج، والقارئ يعرف مبلغ النجاح الذي نجحته ~~في ذلك، وكان يمكنني بواسطة الكمية القليلة من الذخائر التي لدي أن أقاتل بضع ساعات، ولكن ~~هل كان من المتيسر أن يخضع لي الضباط والجنود في مثل هذا القتال؟ فقد ذهبت رغبتهم في القتال ~~ولم يعد لي حق في أن أجبرهم على أن يضحوا بأنفسهم في قضية لم يعودوا يبالون ~~بكسبها. # وبعد أن عرضت الموقف من جميع جوانبه، تبين لي أن التسليم ليس فقط أسلم السبل، بل هو ~~السبيل الذي لا مفر منه. وبعد أن قررت في ذهني هذا القرار عدت إلى الوجه الشخصي للمسألة؛ ~~فإني باعتباري ضابطا كنت أمقت هذا التسليم، ولم أكن أخشى شيئا أو أخاف على حياتي، وكنت ~~واثقا بأني إذا سئلت عن مسلكي في المستقبل يمكنني أن أبرر كل ما عملته. # ولكن لفظة التسليم نفسها كانت كريهة، وكان يكرهها أكثر في نظري أني أوروبي مسيحي، ~~وأني سأكون بين آلاف من السودانيين كل منهم ينظر إلي كأني دونه في المقام. صحيح أني ~~أسلمت وتركت ديني، ولكني لم أفعل ذلك إلا لكي أهدئ ثائرة الضباط والجنود علي، وقد نجحت في ~~غايتي أكثر مما توقعت، ولكن هذا العمل لم يكن وفق مزاجي، ولم أكن أدعي فهم الآراء الدينية ~~بدقة تخولني الحكم على صلاح عملي أو فساده، ولكني كنت في قرارة قلبي مسيحيا مثل جميع ~~المسيحين الذين أعرفهم، وعلى ذلك لم أكن أستمرئ الظهور بمظهر ادعاء الإسلام، دع عنك أني كنت ~~أعرف أن تسليمي سيضعني في يد هذا المصلح ms109 الديني السخيف - المهدي - وأني سأضطر لذلك ألا أظهر ~~فقط بمظهر المسلم العادي، بل بمظهر المؤمن بالمهدي المتحمس لدعوته. # فهل يمكن أحدا أن يعتقد أني كنت أنظر للمستقبل بعين السرور؟ ومع ذلك يجب أن أعترف بأن ~~هذه الاعتبارات الدينية لم يكن لها في نظري وزن يعادل تلك الاعتبارات الأخرى عن تأدية ~~واجبي، وعلى وجه العموم أقول إني شعرت بأنه قد يحتم علي الآن أن أسلم، وأن أحقن الدماء ~~التي لن تجدي إراقتها شيئا، ولم يكن هناك سبب يدعوني إلى الخضوع للذل والهوان وما يشبه ~~الرق بعد التسليم؛ فقد خطر لي أن أنتحر، ولكن نفسي ثارت على هذا الخاطر؛ فقد كنت في شبابي ~~وقد مضى علي أربع سنوات كلها تبعات ومجازفات، ولم أكن أشتهي أن تختم حياتي وأنا في هذا ~~العمر، حتى مع انتظار تلك الأيام السود القادمة، وقد من الله علي برحمته وأبقاني في تلك ~~الحروب المتوالية، وهو لا بد يبقيني حتى أعود فأخدم تلك الحكومة التي حاولت أن أخدمها في ~~الماضي بولاء وأمانة. # هذه هي الخواطر التي كانت تساورني عندما بدأ شعاع الفجر يقشع الظلام في تلك اللحظات التي ~~لن أنساها في حياتي، وانتهيت بعد التفكير الطويل إلى أنه لم يبق لي سوى التسليم، وأن أرضى ~~بأن أكون محكوما لأولئك الذين كنت أحكمهم، وأن أخضع لأولئك الذين كانوا يخضعون لي، ويجب ~~فوق كل هذا وذاك أن أكون صبورا، وإذا مارست هذه الخلائق في نفسي ورضتها عليها وحقنت دمي ~~بها ونلت بعد ذلك حريتي، فإن هذه التجارب ستفيد بلا شك الحكومة التي أخدمها. ونهضت من ~~فراشي وأنا على هذا العزم، ولبست ملابسي الرسمية لآخر مرة؛ إذ استبدلت بها بعد ذلك جبة ~~المهديين التي مثلت فيها دورا جديدا في حياتي. ومع ذلك فقد كان يخفق تحت الجبة قلب كله ~~ولاء للحكومة، وكله عزم على الاستفادة من هذه التجاريب إذا أذن الله بالعودة، ورأيت أن ~~المسألة ستتلخص بيني وبين هؤلاء الأسياد الجدد في أينا يتغلب ذكاؤه على الآخر. ولم أجبن ~~عن هذا الكفاح ms110 المنتظر، مع أني لم أكن في حاجة إلى الاعتذار والتبرير لو أني جبنت، إذا ~~اعتبرت السنين الطوال التي قضيتها في الأسر وفي الحياة المزدوجة التي اضطررت إلى الظهور ~~بها. # وفي صباح اليوم التالي حضر إلي الضابطان، فعرضت عليهما خطاب زوجال الذي يطلب فيه مني ~~التسليم وأن أقابله في 23 ديسمبر في حلة الشعيرية حيث يسلمني بيده خطاب المهدي إلي، ومما ~~كتبه إلي زوجال أيضا أنه يضمن حياتي وحياة جميع من معي من الرجال والنساء ~~والأولاد. # ثم طلبت الكاتب وأمليت عليه خطابا لزوجال، أعلنت فيه خضوعي وخضوع الحامية، واتفقت على ~~مقابلته في 23 ديسمبر عند حلة الشعيرية، وسلمت هذا الخطاب لرسول يقوم به لإيصاله إلى زوجال ~~الذي صار اسمه الآن سيد محمد بن خالد. # وفي أصيل الغد جمعت الضباط وأخبرتهم بأنه لما كانت المقاومة غير مجدية فقد قبلت اقتراحهم ~~عن التسليم، ولكني سأغادر دارة في هذا المساء لكي أقابل زوجال في حلة الشعيرية ، وإني سآخذ ~~القاضي معي، أما الضباط فسأتركهم مع الحامية. ثم شكرتهم بكلمات قليلة كانت شجى في حلقي ~~لولائهم واستعدادهم للتضحية بأنفسهم في سبيل خدمة الحكومة وطاعتهم لي، ثم ودعت كلا منهم ~~باليد واحدا بعد آخر، وودعت الموظفين المدنيين جملة وشرعت في السفر. # وكنا في منتصف الليل حين خرجت مع القواصين من دارة، وقد لاقيت المشاق في سفراتي الماضية ~~وأنا بدارفور، ولكن هذا السفر كان أشق ما احتملته؛ فقد كنا جميعا غارقين في تأملاتنا ~~المحزنة حتى لم ينطق أحدنا بكلمة. وعند الغروب استرحنا قليلا ووضع الخدم الطعام أمامنا ~~ولكنا لم نمسه؛ إذ لم تكن لنا شهوة للطعام. ثم استأنفنا السير، ولما اقتربنا من حلة ~~الشعيرية بعثت ياوري لكي يتقدمنا ويرى هل حضر زوجال أم لا، وعاد إلينا في الحال وأخبرنا ~~بأنه هناك ينتظرنا منذ الأمس، وبعد مدة قليلة بلغنا المكان فوجدناه واقفا، وترجلت وتقدمت ~~إليه لكي أحييه، فضمني إلى صدره وأكد لي صداقته ورجاني أن أقعد ثم سلمني خطاب المهدي، ولم ~~يكن في هذا الخطاب سوى تعيين زوجال - أي ms111 سيد محمد بن خالد - حاكما على الغرب، وأن المهدي ~~قد عفا عني وأوصى بمعاملتي بالإكرام الذي يليق بمنصبي، وأن يعامل سائر موظفي الحكومة ~~السابقة باللطف والكرم. وبعد أن انتهيت من قراءة الخطاب قال لي زوجال إن المهدي إنما عفا ~~عني للشهادة الطيبة التي شهدها في حقي عنده، وإنه سيقدم لي كل معونة، فشكرت له عطفه. ثم قدم ~~إلي الأمراء والطيب وحسن نجومي، وقد كنت قابلتهم سابقا، ثم تناولنا الطعام وأخبرني زوجال ~~أنه ينوي السفر إلى دارة. # وبينما كنا نتحادث وصل إلينا أحد ضباطي محمد أغا سليمان، فلما رآني لم يكترث لي أقل ~~اكتراث، بل ذهب إلى زوجال وحياه تحية الحفاوة المبالغ فيها، فتذكرت أنه كان قد اتهم مع ~~اثنين آخرين بأنه جاسوس زوجال. # وأخذني محمد - زوجال - وتنحى بي قليلا وخاطبني في شأن أقاربه وأسرته، فأخبرته بأن الجميع ~~في صحة جيدة وأن أقاربه لا يزالون معتقلين، ووافقني على الإجراءات التي اتخذتها وقال إنها ~~أفادتنا نحن الاثنين. ثم قمنا وسرنا إلى دارة وقضينا الليلة في الخيام قريبا منها، ووافانا ~~هناك عدد كبير من الأهالي والموظفين، وكلهم قد لبسوا ملابس الدراويش وحيوا الوالي ~~الجديد. # ولم تغمض عيناي في تلك الليلة، وكانت ليلة عيد الميلاد، فتذكرت أهلي وأعياد الكنائس ~~البهيجة التي يحتفل بها في وطني في ذلك الوقت، في حين أجدني هنا وحيدا مهزوما مضطرا إلى ~~تسليم رجالي وذخائري إلى العدو. وفي تلك الساعات الهادئة التي كانت أحفل ساعات حياتي حزنا ~~وغما، أخذت أعرض أمام ذهني كل ما جرى لي، فتحققت عندئذ أن أولئك الذين قتلوا في ميدان ~~الشرف كانوا أحسن حظا مني. # وفي الغد استقبل زوجال جميع الذين جاءوا إليه لكي يقدموا إليه طاعتهم وولاءهم، ثم احتل ~~الدراويش القلعة فتم له بذلك احتلال المديرية، وتوافد عليه الأهالي لكي يقسموا له يمين ~~الولاء للمهدي، وفي النهاية عرض الجيش وأدى هذه المهمة نفسها. # ولقيت هنا المادبو الذي كان قد لحق بعبد الصمد في برنجل، فشيعني إلى المنزل وطلبت منه أن ~~يقعد فقال: «يبدو عليك كأنك ms112 مغتاظ مني، وكأنك تعتقد أني خنتك، ولكن أصغ إلي؛ لقد فصلني ~~إميلياني من وظيفتي باعتباري رئيس المشايخ، فذهبت إلى بحر العرب حيث طلبني المهدي، ولما كنت ~~مؤمنا مسلما اتبعته؛ فسمعت عظاته وتحققت من قداسة رسالته وحضرت هزيمة يوسف شلالي وانتصار ~~رجال المهدي عليه انتصارا مدهشا، فآمنت بدعوته وما زلت كذلك للآن، وقد وثقت أنت بالطبع ~~بقوتك وأبيت أن تسلم بلا قتال، وعلى ذلك تحاربنا، ولكني لم أكن أقاتلك أنت شخصيا وإنما ~~كنت أقاتل الحكومة، والله يعلم أني ما نسيت قط أنك كنت تنظر إلي نظرة الصداقة، فدعك من ~~الغضب وكن أخا لي.» # فقلت: «لم أغضب لما فعلت فإنك واحد من آلاف، ولو كان في قلبي غيظ فإن كلماتك قد ~~أزالته.» # فقال المادبو: «أشكرك وأدعو الله أن يقويك وأن يرعاك في المستقبل كما رعاك في ~~الماضي.» # فقلت له: «إني أضع ثقتي في الله، ولكني أجد من المشقات أن أتحمل ما أنا فيه، وإن كان لا ~~بد من تحمله.» # فقال: «كلا، كلا، أنا عربي، ولكن اسمع ما أقوله لك؛ كن مطيعا صبورا، عليك بالصبر؛ فقد ~~قيل: إن الله مع الصابرين. # والآن أخبرك أني جئت إليك لكي أطلب منك شيئا؛ وهو أن تقبل مني جوادي عربونا للصداقة ~~بيني وبينك وأنت تعرفه وهو «صقر الدجاج».» # وقبل أن أجد الوقت للإجابة غادرني، وبعد دقائق قليلة عاد ومعه جواده، وكان من أجمل وأكرم ~~خيول القبيلة، ثم سلمني رسنه، فقلت له: «لست أقصد إهانتك برفض هديتك، ولكني أخبرك أنه لم ~~تعد لي به حاجة، وإني لن أركب كثيرا في المستقبل.» # فقال: «ومن يدري، اللي عمره طويل بيشوف كتير، فأنت ما زلت شابا وستركب كثيرا إن لم يكن ~~هذا الجواد فجوادا آخر.» # فقلت: «قد يكون ما تقول هو الصواب ولكن هل تقبل مني أنت أيضا هذه الهدية؟» # قلت ذلك وأشرت إلى طبول الحرب التي كنا غنمناها منه، وأخذها خادمي وسلمها له، ووضعت على ~~الطبول سيفا آخر قدمته أيضا هدية مني، وقلت: «لا تزال هذه الأشياء ملكي اليوم، ولذلك ms113 ~~يمكنني أن أهديها إليك، أما في الغد فلا أعرف من يملكها.» # فقال: «إني أشكرك وأنا أتقبلها بكل سرور، لقد غنمها رجالك منا ولكن العرب تقول: الرجال ~~ستراده وراده. وهذا حق، فكم من مرة قاتلت وفررت ولكني كنت أعود فأكر وأنجح.» # وأمر المادبو رجاله بحمل الطبول وخرج وهو مسرور، وقد أثر حديثه في وتذكرت كلامه عن ~~الصبر وأن «اللي عمره طويل بيشوف كتير». # وفي صباح الغد أمر الحاكم الجديد الأهالي بالخروج من منازلهم، ثم فتش هذه المنازل وأرسل ~~ما بها إلى بيت المال، وكل من اشتبه في حيازته مالا كان يجلد بلا رحمة، أو تقيد قدماه ~~ويربط إلى حائط ورأسه مدلى حتى يغمى عليه، وكنت أناقش وأحاج ولكن خالد لم يكن ليثنيه ~~كلامي. # ثم أخذ خدم الموظفين من رجال ونساء وقدموا للمهديين، ولكن الفتيات الوسيمات احتفظ بهن ~~للمهدي. # وبعد سبعة أيام من تسليمنا، أخبرني خالد أن سيد بك جمعة قد أرسل كبار الموظفين مع عمر واد ~~دارهو لكي يعرضوا تسليم المدينة؛ ولذلك قر رأيه على أن يسافر بنفسه إلى الفاشر، ولكنه عندما ~~اقترب من المدينة كان الأهالي قد سمعوا بسوء معاملته لأهالي دارة، فقرروا عدم التسليم، ~~واضطر الدراويش لذلك إلى حصار المدينة، وفتق المحصورون فتوقا عديدة في القوة المحاصرة، ~~ولكن الأهالي بعد 15 يوما من الحصار سلموا المدينة، فدخلها خالد ومثل هناك الفصول ~~المروعة التي مثلها قبلا في دارة بشكل أقسى، وعذب عددا كبيرا من الناس تعذيبا ~~وحشيا. # وكان بين المعذبين ضابط يدعى حمادة أفندي، وقد طولب بما عنده من المال فأصر على أنه لا ~~يملك شيئا، وكانت إحدى إمائه قد أخبرت عن وجود مقدار من الفضة والذهب عنده، ولكنها لا تعرف ~~مكانهما، فأحضر أمام خالد الذي قال له إنه كلب كافر، فلم يقدر حمادة أفندي على ضبط نفسه ~~ورد على خالد قائلا إنه دنقلاوي سافل، وهاج خالد لهذه الإهانة وأمر جنوده بجلد حمادة ~~أفندي حتى يعترف بمكان المال. ومضت ثلاثة أيام وهو يضرب كل يوم ألف سوط ولكن بلا أدنى ms114 ~~فائدة، ولو كان حجرا لما تحمل هذا الضرب كما تحمله، وكان كلما سأله الجلادون عن ماله ~~يجيبهم قائلا: «أجل عندي أموال ولكنها ستدفن معي.» # وأمر خالد بوقف الضرب ثم سلم هذا المسكين لعرب الميما لكي يحرسوه، وقد دهش عرب الميما ~~أنفسهم لجلد هذا الرجل الذي لم يلن عوده أمام هذا التعذيب. # وخشي إبراهيم نجلاوي الجلد، فسمع أحد الأمراء يدعونه بالعبد فقتل في الحال زوجته ثم أخاه ~~ثم انتحر! وانتحر أيضا أغا فولا مؤثرا الموت على التعذيب، فلما رأى خالد ذلك أمر بوقف ~~الجلد واكتفى بنفي المصريين في أماكن متفرقة قريبة من المدينة. # وبعد سقوط الفاشر طلبني خالد لكي ألحقه، فبلغتها في أوائل فبراير، فأعطاني منزل سيد بك ~~جمعة لكي أقيم فيه، وأذن لي في طلب خيولي وخدمي من دارة، أما أمتعة البيت فيجب تسليمها لبيت ~~المال على سبيل الزهد في الدنيا. # فنفذت كل هذه الأوامر وسلمت جميع أثاث المنزل لبيت المال ليد جابر واد الطيب، ولم أحتفظ ~~إلا بالأشياء الضرورية للحاجات اليومية. # وكنت قد سمعت عند وصولي عن شجاعة حمادة وجلده، فبحثت عنه ووجدته في حالة مروعة؛ فقد كانت ~~جروحه من كتفيه إلى ركبه واسعة متهرئة، وكان الموكلون بتعذيبه يدرون عليها الملح والفلفل؛ ~~لكي يستخرجوا منه وهو في هذه الآلام اعترافا بمكان أمواله. # ولكن كل هذا التعذيب لم يكن ليحدوه إلى الاعتراف، فذهبت وأنا يائس إلى خالد وأخبرته بحالة ~~هذا المسكين ورجوته أن يسمح لي بنقله إلى منزلي لكي أعالجه، فقال خالد لي: «إنه رجل ماكر ~~أخفى أمواله وأهانني علنا؛ ولهذا يستحق أن يموت موتة شنيعة.» # فقلت له: «أرجوك بحق الصداقة القديمة أن تعفو عنه وتسلمه لي.» # فقال: «حسنا، أفعل ذلك إذا ركعت أمامي.» والركوع في السودان علامة الهوان العظيم، فشعرت ~~بالدم يصبغ وجهي، ولو أني دعيت إلى هذا العمل لكي أنجي حياتي لما قبلت، ولكني رضيت بهذه ~~الفضيحة لكي أنجي هذا الرجل التعس من آلامه المروعة، وترددت لحظة ثم ضبطت نفسي وركعت ووضعت ~~يدي على قدميه العاريتين، فرفعهما وكأنه ms115 خجل مما طلب مني وأنهضني وقال: «سأعفو عن حمادة ~~لأجلك، ولكن عدني بأنه إذا أخبرك عن أمواله أن تبلغني.» # فوعدته بذلك، وأرسل معي رجلا إلى حمادة، فهتفت بالخدم وحملناه على عنجريب ونحن نرفق به ~~كل الرفق إلى منزلي، ثم غسلنا جروحه ونضحناها بالزبدة لكي تخفف آلامه، ولم يكن من الممكن أن ~~يعيش كثيرا، وقدمت له حساء فطفق يلعق ويلعن أعداءه بصوت خافت، وبقي في منزلي أربعة أيام ثم ~~طلب مني أن أقعد بجانب فراشه، وأشار إلى الخدم بالخروج، ثم همس إلي كلمات لا أكاد أسمعها ~~وقال: «لقد حان حيني، والله يجازيك الجزاء الحسن على ما أسديته إلي من رأفة وشفقة، ولست ~~أستطيع مكافأتك، ولكني أريد أن أظهر لك اعترافي بجميلك، لقد خبأت أموالي ...» # فصحت به: «قف هنا، هل تريد أن تخبرني عن مكان أموالك؟» # فقال: «نعم، لعلك تستفيد منها.» # فقلت: «كلا، لن أستفيد منها، فقد جئت بك هنا على شرط أن أخبر خالد بالمكان الذي أخفيت فيه ~~أموالك إذا علمت ذلك، وأنت قد تألمت وقاسيت كثيرا وتوشك أن تفقد حياتك لإصرارك على إخفاء ~~أموالك ومنعها من أن تقع في يد أعدائك، فدعها إذن في الأرض حيث هي، فستبقى صامتة.» # وكنت وأنا أتكلم قد أخذ حمادة يدي في يده فقال: «شكرا لك، الله يغنيك عن أموالي، الله ~~كريم.» ثم مد ساقيه وذراعيه ورفع سبابته قليلا وقال: «لا إله إلا الله محمد رسول الله.» ~~وأغمض عينيه وأسلم روحه. # وتأملت في هذه الجثة الممزقة فامتلأت عيناي بالدموع وتساءلت: كم بقي لي من السنين أتحمل ~~فيها الآلام حتى أرتاح هذه الراحة الأخيرة؟ ثم ناديت الخدم وأمرتهم بإحضار رجلين صالحين ~~لغسل الجثة ولفها في قماش، وذهبت أنا إلى خالد لكي أخبره بموته، فقال لي: «ألم يخبرك عن ~~مكان أمواله؟» # قلت: «كلا، فإن الرجل قد تصلب فلم يفش سره.» فقال: «لعنة الله عليه، ولكن بما أنه مات في ~~بيتك فادفنه وإن لم يكن ليستحق الدفن وكان أجدر بنا أن نلقيه كالكلب على التل.» # فتركته وذهبت إلى ms116 منزلي حيث دفنا حمادة أمام المنزل بعد الصلاة المعتادة. # وكان خالد غاية في الخبث والدهاء؛ يقسو على موظفي الحكومة السابقين ويساهل الأهالي بلا ~~داع، وكان يضع قرابته في الوظائف، وكان مع اجتهاده في أخذ أموال الأهالي يتجنب كل ما من ~~شأنه أن يحدث استياء عاما، وكان يحتفظ لنفسه بمعظم الإيرادات ويرسل من وقت لآخر هدايا ~~للمهدي والخلفاء، وكانت هداياه عدة فتيات وسيمات أو بعض خيول عتيقة أو بعض الجمال؛ وذلك لكي ~~يبقى محمود الذكر عند مولاه وولي نعمته. # وكان منزله حافلا بالضيوف والولائم، وقد تزوج مريم عيسى باصي أخت سلطان دارفور، مع أن ~~عمرها كان فوق الخمسين. وكان لهذه السيدة حاشية مؤلفة من المئات من العبيد والإماء على ~~الطريقة السودانية، ولم يخطر ببال خالد أنه يجب عليه أن يمارس فضيلة إنكار النفس بعض الشيء ~~كما يأمر المهدي، وكان يأمر كل مساء أن تصف مئات الأطباق والقفع المحملة بمختلف الأطعمة ~~لأتباعه الذين كانوا يقعدون تحت النخيل فيذكرون مدائح المهدي ولا ينسون ذكر الأمير خالد من ~~وقت لآخر. # وحوالي هذا الوقت جاءني خطاب مطول من القاهرة بواسطة مدير دنقلة، حمله إلينا عربي موثوق ~~به، وفي الخطاب أمرني بحصر قوات في الفاشر وأن أسلم المديرية لعبد الشكور بن عبد الرحمن ~~شطوط، وهو من سلالة سلاطين دارفور، ثم علي بعد ذلك أن أخرج بالجيوش والذخائر إلى دنقلة، ~~ولكن هذا الأمير الذي ذكر لي في الخطاب كان لا يزال في دنقلة غير قادر على المجيء إلى ~~الفاشر، وأنا أشك فيما إذا كان وصوله يغير أو يبدل في الحالة، ولم يكن من الممكن حصر قوات ~~الفاشر بالنسبة لروح التمرد الذي فشا بين الجنود، ولو كان في قدرتي أن أجمع الجنود وأذهب ~~بها إلى الفاشر لما كان حينئذ ثم حاجة إلى هذا الأمير؛ فإن الحكومة كانت تجد في ~~الأمانة والكفاية أكثر مما تجد فيه. وأطلعت خالد على هذا الخطاب، وأذن لي أن أكتب خطابا ~~لأحد الأهالي يحمله هذا العربي الذي جاء من دنقلة، فكتبته ولكني لا أظن ms117 أنه وصل إلى من ~~أرسلته إليه. # وجاءتنا أخبار في هذا الوقت تنبئ بسقوط بحر الغزال، الذي كان يتولاه لبتون بك وأنفذ ~~المهدي إليه الأمير كرم الله لكي يتولى حكومته. وكان لبتون بك قد اضطر إلى التسليم لأن جميع ~~إخوانه تركوه، فسلم المديرية بلا قتال في 28 أبريل سنة 1884، ولو لم يهجره أعوانه لتمكن ~~لبتون بواسطة قبائل الزنوج من الاحتفاظ بالمديرية ورد غارات المهدي عنها جملة سنوات. # ورغب خالد في أن يرافقني سيد بك جمعة الذي كان لا يزال مقيما في القبة، وقد قبلت مرافقته ~~على الرغم من دسائسه السابقة. وأيضا طلب أحد التجار اليونانيين مرافقتي فلم يعارض خالد، ~~وكان اسم هذا اليوناني ديمتري زيجادة. # وحوالي منتصف شهر يونيو غادرنا الفاشر أنا وزيجادة وكان معنا حرس مؤلف من عشرة رجال، ~~وبلغنا الأبيض بعد سفر شاق فتلقانا السيد محمود حاكم المهدي بلا حفاوة، وأمرنا بأن نسافر ~~في اليوم التالي إلى رهاد حيث يقيم المهدي. # الفصل العاشر # | حصار الخرطوم وسقوطها # لما هزم المهدي هكس باشا وأباد تجريدته، تحقق أن السودان كله قد صار عند قدميه، ولم تكن ~~مسألة الاستيلاء على الخرطوم سوى مسألة وقت، وكان أول أعماله عندئذ أن أرسل قريبه خالد إلى ~~دارفور؛ حيث كان يعرف أنه لن يجد أية مقاومة، وبواسطة كرم الله استولى على بحر الغزال، وكل ~~ما حدث أن حول الموظفون ولاءهم للخديو إليه، وكان مك آدم قد خضع وجاء هو وأسرته وسكن ~~الأبيض، ورسخت المهدية في شرقي السودان ووجدت وطنا معدا لها بين العرب الشجعان النازلين ~~هناك، وأبيدت الجيوش المصرية في سنكات وطمانيب، وكانت نكبة الجنرال بيكر قد زادت ثقة العرب ~~بأنفسهم، وكان مصطفى حوال يحاصر كسلة. # أما في الجزيرة بين النيل الأبيض والنيل الأزرق، فإن صهر المهدي واد البصير هزم الحكومة ~~عدة مرات، وقد كانت هذه حالة البلاد عندما وصل غوردون إلى بربر في 11 فبراير سنة ~~1884. # وكانت الحكومة المصرية باتفاقها مع الحكومة الإنجليزية قد قر رأيهما على إرسال غوردون ~~للسودان اعتقادا بأن معرفته البلاد تسكن الفتنة، ms118 ولكن الحقيقة أن هاتين الحكومتين وغوردون ~~نفسه كانوا يجهلون خطورة الحالة في السودان، فهل كانت الحكومتان تظنان أن غوردون لشجاعته ~~الشخصية واشتهاره بالرفق بالفقراء في دارفور يستطيع أن يقف تيار التعصب؟ وهل نفوذ غوردون ~~يمكنه من تهدئة عرب الجعالين النازلين بين بربر والخرطوم وفي الجزيرة؟ # لقد كان عكس ذلك هو المنتظر، فإن الحاكم الذي أمر بطرد الجلابة من الجنوب في حرب الزبير ~~كان خليقا بأن يكرهه عرب الجعالين لا أن يحبوه، فإن أمر غوردون بطرد الجلابة فقد أفقد ~~عددا كبيرا من الجعالين من آبائهم أو إخوتهم أو أقاربهم، ولم يكونوا ينسون أن غوردون هو ~~السبب في كل ذلك. # وفي 18 فبراير وصل غوردون إلى الخرطوم فتلقاه الناس والموظفون بالبشر والحماسة، وكان ~~المتصلون به والمنتفعون منه يعرفون أن الحكومة لن تترك مثل هذا الرجل وحيدا بلا معونة. ~~وكان أول ما عمله أنه أذاع منشورا بتعيين المهدي حاكما على كردوفان، والإذن بالنخاسة ~~والرق، واقتراح الدخول في مفاوضات مع المهدي، وطلب منه الإفراج عن الأسرى، وأرسل إليه هدايا ~~من الملابس الثمينة. ولو أن غوردون أذاع هذا المنشور ومعه قوة في الخرطوم يستطيع أن يسير ~~بها إلى كردوفان، لتم له ما أراد، ولكن الأخبار بلغت المهدي بأنه جاء الخرطوم وليس معه سوى ~~عدد قليل من الحرس، ولا شك في أن المهدي تعجب من غوردون كيف يمنحه بالكلام ما حصل عليه هو ~~بالسيف، وما لا يمكن غوردون أن يسترده منه، وقد رد عليه المهدي بخطاب طلب فيه منه أن يسلم ~~المدينة ويحقن بذلك دمه. # وكان الخليفة عبد الله يد المهدي اليمنى، وكانت قرابة المهدي يكرهونه لهذا السبب ويكيدون ~~له، ولكنه كان يعرف تماما أن المهدي لا يستطيع أن يدبر الأمور بدونه، فشكا إلى المهدي ~~دسائس هؤلاء الناس وطلب منه أن يعترف في وعظه بما قام به من الخدم للمهدية، فأذاع المهدي ~~منشورا لا يزال يشار إليه للآن كلما احتاج الخليفة عبد الله إلى تغيير في الحكومة أو سن ~~قانون من جديد، وهذا المنشور يقضي على ms119 جميع أتباع المهدي بالطاعة للخليفة، وأن ينظروا إليه ~~كأنه نائب المهدي الذي يقوم بتنفيذ مشيئته. # ولما قل الماء عزم المهدي كما سبق أن ذكرنا على الرحيل بمعسكره إلى رهاد، وهي على مسيرة ~~يوم من الأبيض. وحوالي منتصف أبريل تم انتقال هذه الكتلة العظيمة المؤلفة من رجال ونساء ~~وصبيان. # وكان المعسكر في رهاد عبارة عن بحر طام من العشش المصنوعة من القش، يمتد إلى أبعد ما يصل ~~إليه النظر، وكان المهدي يقضي نهاره في الصلاة والوعظ وسائر واجباته الدينية. وكان قد عين ~~محمد أبو حرجة واليا على الجزيرة، وأنفذه إليها مع عدد كبير من الأتباع، وأمره بأن يرأس ~~الثورة على الحكومة ويحاصر الخرطوم. # وهذا هو وصف الحالة كما وجدناها عند وصولنا أنا واليوناني زيجادة وسيد بك جمعة إلى رهاد. ~~ولما اقتربنا أرسلت أحد خدمي إلى الخليفة لكي يعلمه بقدومنا، ولكنه تأخر فعزمنا على الركوب ~~إليه بأنفسنا. # واتخذنا الطريق المؤدي إلى سوق وسمعنا صوت الأومبية - الطبل - التي تؤذن بمقدم الخليفة، ~~واتفق أني وجدت أحد أهالي دارفور فسألته عن معنى دق الطبل، فقال لي: «الأرجح أن الخليفة عبد ~~الله قد أمر بقتل أحد الناس، وهذا أمر للناس لكي يشهدوا القتل.» # ولو كنت من الذين يؤمنون بالتفاؤل والتشاؤم لتشاءمت من هذه المقابلة؛ حيث يقتل إنسان عند ~~أول دخولي المعسكر، ولكننا سرنا حتى بلغنا مكانا رحبا مكشوفا، ورأيت خادمي ووراءه رجل ~~آخر وكلاهما يسرع إلينا، وصاح بنا هذا الرجل وقال: «قفوا حيث أنتم؛ فإن الخليفة وحرسه قد ~~خرجوا للقائكم وكان يظن أنكم خارج المعسكر.» # ووقفنا وعاد الرجل يخبر الخليفة بوصولنا، وبعد دقائق رأينا جمعا من الفرسان وحولهم جمع ~~آخر من المشاة المسلمين وهم يسيرون على إيقاع الطبل، ووراء هذا الجمع رأينا الخليفة نفسه ~~وكان قد وقف وإلى يمينه ويساره صفان من الفرسان ينتظرون أوامره، وأمرهم الخليفة بأن يشرعوا ~~في رياضة خيولهم، وكانت هذه الرياضة عبارة عن أربعة من الفرسان يخرجون بخيولهم صفا واحدا ~~ويجرون شوطا ثم يعودون أدراجهم، ويكررون هذا الجري عدة مرات حتى يضطرهم ms120 الإعياء إلى ~~الراحة، وكانوا يركضون خيولهم إلى مكاننا ورماحهم مشرعة، حتى إذا بلغونا هزوا الرماح قريبا ~~من وجوهنا وقالوا: «في شأن الله ورسوله»، ثم ركضوا خيولهم ثانيا إلى مكان الخليفة. # وبعد أن تكرر هذا الركض نحو نصف ساعة جاءني أحد خدم الخليفة وأخبرني بأن الخليفة يرغب في ~~أن أركض على هذا النحو إليه، ففعلت ذلك وهززت في وجهه الرمح وقلت: «في شأن الله ورسوله»، ~~وعدت إلى مكاني. # فأرسل إلي يطلب مني أن أتبعه، وبعد قليل بلغنا منزله، وساعده على النزول عن جواده خادم، ~~أما سائر الفرسان فوقفوا على مسافة منه ثم اختفى وراء السياج، وبعد دقائق أرسل إلينا ~~يطلبنا، فقادنا الخادم إلى مكان فسيح داخله منزل من القش حيطانا وسقفا، وكان فيه عدد كبير ~~من العنجريبات عليها حصر من ورق النخل، وأمرنا بالقعود على عنجريب، ثم قدم لنا مزيج من ~~الماء والعسل في قرعة وبعض البلح، فأصبنا منهما وانتظرنا مجيء الخليفة، ودخل علينا بعد مدة ~~وجيزة فوقفنا، فأخذ يدي وضمها إلى صدره وقال: «الحمد لله الذي جمعنا، كيف حالك في هذا السفر ~~الشاق؟» فقلت: «شكرا لله الذي أبقاني حتى أرى هذا اليوم، لقد ذهب عني تعبي عندما رأيت ~~طلعتك.» # وكنت أعرف أن سبيل الحصول على مكانة ما لديه هو تمليقه، ثم أعطى يده لسيد بك ولديمتري ~~فقبلها كل منهما وسألهما عن حالهما، وصرت أتفرس فيه فرأيت أن لون وجهه هو السمرة الخفيفة ~~ووجهه عربي عليه مسحة من الرقة، وكانت لا تزال آثار الجدري بادية فيه، وكان أنفه ~~منقاريا، وفمه حسن عليه شاربان صغيران وعلى خده شعر خفيف يتكاثف حول الذقن، وكان ربعة بين ~~القصير والطويل، وسطا بين السمن والنحافة، وكان لابسا جبة مرقعة مؤلفة من رقع مربعة، ~~كل رقعة تختلف في اللون عن الأخرى، وعلى رأسه طاقية قد تعمم عليها بعمامة من القطن، وكان ~~إذا تكلم تبسم فتبدو أسنانه البيضاء. # ولما حيانا رغب إلينا في الجلوس، فجلسنا على الحصير فوق الأرض وجلس هو على عنجريب، ثم ~~أعاد السؤال عن صحتنا ms121 وأبدى ارتياحه لبلوغنا مقام المهدي، وأشار لأحد الخدم فأحضر لنا طبقا ~~من العصيدة وآخر من اللحم، ووضعهما أمامنا ثم نزل إلينا وطلب منا أن نأكل، وكان يأكل بشهوة ~~قوية كأنه يستمرئ طعامه كل الاستمراء. وكان يسألنا بعض الأسئلة ونحن نأكل، وقال: «لم ~~انتظرتم خارج المعسكر ولم تدخلوا بلا إذن؟ وهل يحتاج الناس للإذن لكي يدخلوا بيوت ~~أصدقائهم؟!» # فقلت: «نحن نرجو عفوك، غاب عنا خادمنا مدة طويلة ولم يخطر ببال أحدنا أنك تخرج للقائنا، ~~ولما اقتربنا من المعسكر سمعنا دق الطبل، فسألنا عن معناه فقيل لنا إن أحد المجرمين يقتل، ~~وكنا ننوي أن نسير وراء الطبل ولكن رسولك جاءنا عندئذ.» # فقال: «وهل بلغ من ظلمي أنه عندما تقرع طبولي يظن الناس أن مجرما سيقتل؟» # فقلت: «كلا يا مولاي، أنت مشهور بالصرامة مع العدل.» # فأجاب: «أجل إني صارم، وهذا ما يجب علي، وستعرف السبب في ذلك عندما تطول مدة إقامتك ~~معنا.» # وكان بعض من يعرفونني قبلا قد استأذنوا الخليفة لكي يدخلوا ويسلموا علي، فأذن لهم ~~الخليفة ودخلوا، ولكنهم لم تتح لهم الفرصة للكلام معي سوى عبد الرحمن بن نجا الذي كان في ~~تجريدة هكس، فقد قال لي بلهجة سريعة خافتة: «خذ حذرك والزم الصمت ولا تثق بأحد.» فأثر كلامه ~~في ونقشته في قلبي. # ثم غادرنا الخليفة. وحوالي الساعة الثانية بعد الظهر أرسل إلينا لكي نتوضأ ونذهب إلى ~~المسجد، وبعد دقائق جاءنا هو وأخبرنا بأن نسير وراءه، وكان يسير على قدميه؛ لأن المسجد الذي ~~كان قريبا من عشة المهدي لم يكن يبعد عن منزل الخليفة سوى نحو 300 ياردة، ولما دخلنا ~~وجدناه مزدحما بالمصلين الذين اصطفوا صفا بعد صف، ولما دخل الخليفة تنحوا له باحترام، ~~وفرش على الأرض لنا جلدة شاة وأشار هو علينا بأن نقعد خلفه. وكان مقام المهدي مؤلفا من عدة ~~عشش كبيرة محاطة بسياج من الشوك في الجنوب الغربي للمسجد، وكان في المسجد شجرة تظل عددا ~~كبيرا ولكن سائر المصلين كانوا يصطلون الشمس المحرقة، وكان في المسجد في أقصى طرفه ms122 الأمامي ~~إلى اليمين عشة صغيرة، كان يقعد فيها المهدي بعد الصلاة لمحادثة من يرغب في رؤيتهم على حدة، ~~وبعد الصلاة دخل الخليفة إلى هذه العشة، وظننا أنه يريد أن يخبر المهدي بمجيئنا، وعاد إلينا ~~وقعد معنا، وفي الحال خرج المهدي ويمم نحونا، فوقف الخليفة ووقفنا جميعا وراءه، أما ~~الباقون فقد لزموا مكانهم ولم ينهضوا، وتقدمت أنا قليلا فحياني المهدي بقوله: «السلام ~~عليكم». فرددنا عليه بقولنا: «عليكم السلام». ثم مد يده فقبلتها عدة مرات، وفعل كل من سيد ~~بك جمعة وديمتري مثلي، ثم أشار علينا بالجلوس، ثم وجه الخطاب إلي قائلا: «هل أنت ~~مسرور؟» # فقلت: «أجل يا مولاي، لقد سررت ونلت السعادة بقربي منك.» # فقال: «بارك الله فيك أنت وأخويك - يريد ديمتري وسيد جمعة - لقد كانت تبلغني أخبار ~~المعارك بينك وبين أتباعي فكنت أدعو الله لهدايتك، وقد سمع الله ونبيه لدعائي، وكما خدمت ~~مولاك السابق لأجل المال الزائل يجب أن تخدمني الآن؛ لأن من يخدمني يخدم الله والإسلام ، ~~وينال السعادة في هذا العالم والفرح في العالم الثاني.» # فأبدى كل منا ولاءه، وكنت قد أوصيت قبلا بأن أطلب مبايعته فانتهزت هذه الفرصة وطلبت ~~ذلك، فدعانا إلى أن نركع على طرف جلد الشاة، ثم وضع كل منا يديه في يديه وأقسمنا هذه ~~اليمين: # بسم الله الرحمن الرحيم # بايعنا الله وسوله، وبايعناك على توحيد الله ولا نشرك ~~بالله شيئا ولا نسرق ولا نزني ولا نأتي البهتان ولا نعصيك في المعروف، بايعناك على ~~ترك الدنيا والآخرة (كذا ...) ولا نفر في الجهاد. # ولما انتهينا من البيعة قبلنا يديه وصرنا معدودين من أنصاره المخلصين، ولكنا كنا ~~أيضا عرضة لأن يقع بنا عقاب هؤلاء الأنصار. وشرع المؤذن في الأذان وكان المهدي يؤمنا فيصلي ~~ونحن نكرر ما يقول، ولما انتهت الصلاة رفع الجميع أيديهم يدعون بالنصر للمؤمنين، ثم ابتدأ ~~المهدي في وعظه. # وكان حوله جموع عظيمة من الناس يعظهم عن غرور العالم وزواله، ويحضهم على الزهد وألا ~~يفكروا إلا في الدين والجهاد، وكان يصف لهم ملذات النعيم التي سيلاقيها ms123 المؤمنون بمذهبه، ~~الداعون إلى دعوته. وكان بعض المتحمسين يقاطعونه بصيحات التواجد والطرب، والحق أني مقتنع ~~بأن جميع الحاضرين سوانا كانوا مؤمنين إيمانا حقا بدعوته، وكان الخليفة قد خرج من المسجد ~~في مهمة ما، ولكنه نبه الملازمين لي أن يطلبوا منا البقاء مع المهدي إلى الغروب. # وسنحت لي الفرصة عندئذ بأن أنظر إلى المهدي وأتعرف أوصافه، كان طويلا عريض الأكتاف خفيف ~~السمرة متين البنية، وكان رأسه كبيرا وعيناه براقتين، وكانت له لحية سوداء وعلى كل من ~~خديه ثلاثة حزوز، وكان أنفه وفمه حسني الوضع، وكانت عادته الابتسامة على الدوام، وإذا ~~ابتسم بدت أسنانه الناصعة، وكان أفلج بين ثنيتيه فرجة يتفاءل بها السوادنيون ويسمونها فلجة، ~~وكان هذا سببا في حب النساء له؛ إذ كانوا يسمونه «أبو فلجة»، وكان يلبس جبة قصيرة قد أجيد ~~غسلها وقد عطرت بالمسك والصندل والورد، واشتهرت عنه هذه الرائحة حتى صارت تسمى «ريحة ~~المهدي»، وكانوا يقولون إنها تماثل رائحة الفردوس إن لم تفقها. # وقد قضينا الوقت كله ونحن مكاننا قعود فوق سيقاننا المطوية تحتنا حتى وجبت صلاة ~~المغرب. # وفي هذه الأثناء كان يروح ويغدو من المسجد إلى البيت عدة مرات، ولما انتهت الصلاة استأذنت ~~في الخروج؛ لأن الخليفة كان قد وعدني بلقائه في ذلك الوقت، فأذن لي ونصح لي بأن ألزم ~~الخليفة وأرصد نفسي لخدمته، فوعدته بالطاعة وبلزوم أمره بالحرف، ثم قبلنا يده أنا وديمتري ~~وسيد بك وخرجنا. # وكانت ساقاي قد تخدرتا من القعدة الطويلة حتى ما كدت أقوى على المشي عليهما، ولم يبد على ~~سيد بك ألم؛ لأنه معتاد هذه القعدة، أما ديمتري فسار وراءنا وهو يتلفظ ألفاظا خافتة ~~باللغة الإغريقية يلعن فيها المهدي، ورافقنا ملازم إلى منزل الخليفة حيث قعدنا إلى وقت ~~العشاء. # وأخبرنا الخليفة بأنه بعد أن رآنا في الصباح وفد إليه حسين خليفة مدير بربر، فثبت لدينا ~~من ذلك سقوط بربر، وكانت الإشاعات قد بلغتنا ونحن على حدود دارفور، ولكننا لم نلاق أحدا ~~نتحقق منه هذا الخبر، ويبدو أن المدينة سقطت على يد الجعالين، ms124 وبذلك انقطعت المواصلات بيننا ~~وبين مصر، وكان هذا الخبر سيئا للغاية، وكنت أنتظر لقاء حسين خليفة لكي أتعرف منه صدق هذا ~~الخبر. # وغادرنا الخليفة لكي ينام فمد كل منا ساقيه على عنجريبه واستسلم للأقدار. # وفي الصباح بعد فطور العصيدة واللبن، سمعنا قرع الطبول تؤذن بخروج الخليفة، وأسرجت الخيول ~~في الحال، وأشرت على الخدم بأن يعدوا لنا أنا والسيد بك جمعة جوادين امتطيناهما وأدركنا ~~بهما الخليفة الذي كان قد سبقنا، وكان راكبا جواده بقصد النزهة فقط. وكان معه عشرون من ~~المشاة وكان على يمينه رجل أسود ضخم من قبائل الدنكا، وعلى يساره عربي طويل جدا يدعى ~~أبا تشيكة كان يعاونه في الركوب والنزول، ولما بلغ الرحبة التي كان بها في الأمس أمر ~~الفرسان بأن يكرروا الرياضة التي قاموا بها أمس، وبعد مدة سرنا إلى نهاية المعسكر؛ حيث ~~أراني الخليفة آثار زريبة وخنادق وأخبرني أنها من عمل هكس قبل أن تباد قوته، وكان قد مكث ~~هناك ينتظر المدد من تاج الله، وكانت هذه الخنادق مصنوعة لمدافع كروب، وقد أثار هذا المنظر ~~في نفسي ذكرى أليمة عن تلك الآلاف التي أبيدت عن آخرها تقريبا، وأن هذه النكبة هي سبب ~~وجودي في مكاني هذا الآن. # وعند رجوعنا عرج بنا الخليفة إلى منزل أخيه يعقوب الذي كانت عشته قريبة من عشة الخليفة؛ ~~إذ لم يكن بين سياج كل منهما سوى ممر ضيق. وتلقاني يعقوب بالبشاشة، وبدا عليه من دلائل ~~السرور مثل ما بدا على أخيه ونصح لي بأن أخدم الخليفة بأمانة. # ويعقوب أقصر من الخليفة عريض الأكتاف مستدير الوجه وبه آثار الجدري، وله أنف يرتفع من ~~طرفه وشاربان ولحية خفيفة، وحظه من الدمامة أكثر من حظه من الجمال، ولكن طريقته في الحديث ~~عجيبة من حيث إظهاره عطفه على محدثه، وكان يخاطبنا وهو يبتسم كما يفعل الخليفة والمهدي، ولا ~~غرابة في ذلك ما دامت أحوالهم في هذا الرواج، ويعقوب يقرأ ويكتب وقد حفظ القرآن عن ظهر ~~قلبه، أما الخليفة فبالمقابلة إلى أخيه يعتبر جاهلا، وهو أصغر ms125 سنا من الخليفة، ولكنه ~~مستشاره الأمين وصاحب الرأي الذي لا يعلى عليه، وويل لمن يرتئي رأيا يخالف يعقوب أو يشتبه ~~في أنه يدس له؛ إذ لا رجاء في حياته. # وأصبنا شيئا من البلح الذي قدمه لنا ثم استأذنا في الخروج وعدنا إلى رقوبة؛ حيث قصدنا ~~إلى المسجد وقعدنا إلى الغروب كما فعلنا البارحة، وجاء المهدي فوعظ الناس في الزهد في ~~الدنيا والجهاد حتى ينالوا نعيم الفردوس، وتحمس المصلون وقد أسكرهم التواجد فصاحوا بمدائح ~~المهدي، أما نحن التعساء فكنا نتألم من قعدتنا ونلعن في قلوبنا المهدي والخليفة وجميع من ~~حولهما من السفلة المنافقين. # وفي اليوم التالي طلبنا الخليفة وسألنا هل نرغب في السفر إلى دارفور، وكنت أعرف أن هذا ~~السؤال لم يوجه إلينا إلا على سبيل الامتحان، فأجبنا بصوت واحد إننا نأسف أشد الأسف لفراق ~~المهدي، ورأيت أنه كان ينتظر هذا الجواب فابتسم وامتدحنا لحسن اختيارنا. # واقترح علينا الخليفة أن نترك عشتنا، وأرسل ديمتري مع ملازم إلى أميره وكان يونانيا ~~أيضا وأمر بمنحه عشرين ريالا، فلما غادرنا التفت إلى سيد بك وقال: «وأنت يا سيد جمعة ~~مصري، وكل إنسان يحب بني وطنه، وعندنا كثير من المصريين وكلهم ابن مجرب، ثم أنت شجاع يمكن ~~الاعتماد عليك؛ ولذلك يجب أن ترافق أمير المصريين حسن حسين وسيعطيك منزلا ويقضي لك حوائجك، ~~وسأعمل أنا أيضا كل ما فيه راحتك.» # وسر سيد بك جمعة لهذا الترتيب ثم التفت الخليفة إلي وقال: «أما أنت يا عبد القادر ~~فغريب وليس لك أحد سواي، وأنت تعرف العرب في جنوبي دارفور معرفة جيدة، فبناء على أمر المهدي ~~يجب أن تبقى معي ملازما لي.» # فأجبت مسرعا: «هذه هي أمنية قلبي، وإنه لحظ حسن لي أن أتمكن من خدمتك، ولك يا مولاي ~~أن تثق بطاعتي وأمانتي.» # فقال: «إني أعرف ذلك، حماك الله وقوى إيمانك، ولا شك في أنك ستكون ذا منفعة كبرى للمهدي ~~ولي.» # ثم اختليت بالخليفة فأعاد على مسمعي التعبير عن سروره بخدمتي ومرافقتي له، ثم حذرني من ~~الاختلاط بأقاربه الذين ms126 يحسدونه وربما أحدث اختلاطهم بي قطيعة بيني وبينه، وأمر ببناء بضع ~~عشش لي من القش في الزريبة المجاورة له، والتي يملكها أبو أنجة - وكان غائبا في جبال ~~النوبة - وفي أثناء ذلك أبقى بعششي وأحضر الظهر والمساء وأسمع وعظ المهدي، فشكرته شكرا ~~جزيلا ووعدته بالأمانة والولاء. # وفي اليوم التالي حضر حسين باشا خليفة وبدأ الخليفة في سؤاله، وكان أول ما سأل عنه حالة ~~والي بربر السابق، فأجابه حسين باشا بالجواب المعتاد، فأخذ في سؤاله عن الحالة في وادي ~~النيل، فوصف له حسين باشا البلاد التي بين بربر وفشودة، وقال إنها صارت الآن تابعة للمهدي، ~~وإن المواصلات بينها وبين مصر قد انقطعت، أما الخرطوم فإن غوردون يدافع عنها ولكن عرب ~~الجزيرة قد حاصروها، وكان بالطبع يصف الأحوال بالصيغة التي تروق الخليفة، وكان الخليفة ~~مسرورا بهذه الأخبار وسروره يبدو عليه في إشاراته واستفهاماته، ووعد الخليفة حسين باشا بأن ~~يقدمه في صلاة الظهر للمهدي، وأكد له عفوه عنه، وقبل ذلك الميعاد يمكنه أن يستريح ~~معي. # ورافقت الخليفة بعد ذلك إلى المسجد ومعنا حسين باشا الذي قدم إلى المهدي وعاد معي إلى ~~منزلي لقضاء الليلة، وتعشينا عند الخليفة كالعادة ثم قمنا إلى عشتي، فلما خلا كل منا إلى ~~أخيه أعدنا التسليمات والتحيات وصرنا نندب الحالة التي وقعت فيها البلاد، والتي أنزلتنا إلى ~~هذا الدرك، ثم قلت: «يا حسين باشا، إني أعدك بالصمت، فأخبرني عن الحالة في الخرطوم وما يفعل ~~السكان هناك.» # فقال: «وا أسفاه! هي كما وصفت للخليفة، فإن إذاعة المنشور بإخلاء السودان قد قلبت الحالة ~~وكانت سببا غير مباشر في سقوط بربر، ولست أشك في أنها كانت ستسقط على أية حال، ولكن هذا ~~المنشور أسرع في سقوطها، ولما كان غوردون في بربر منعته من اتخاذ هذه الخطة، ولا أدري ما ~~الذي جعله يسلكها ثانيا.» # وتحدثنا كثيرا عن الأحوال والحوادث التي وقعت لحسين باشا، وكان رجلا مسنا وقد تعب ~~فنام. ولكن حديثه أطار النوم من عيني، وجعلت أفكر في غوردون، وقلت في نفسي هل هذا ms127 هو غاية ~~مجهودات غوردون لخدمة البلاد؟ وهل تذهب ضحايا الرجال والمال بلا فائدة؟ لقد عولت الحكومة ~~المصرية على ترك البلاد، وهي وإن لم ننتفع منها في الماضي سيكون مستقبلها عظيما، وأقل ما ~~فيها تلك الآلاف من الجنود السود الذين يمكن أن يجندوا في الجيش، وستترك الحكومة هذه البلاد ~~لأهلها وتبقى علاقتها بها ودية، وتسحب حامياتها وذخائرها منها وترضى بقيام حكومة ~~محلية. # وكان هذا هو الغرض من إرسال غوردون؛ أملا في أن تقديره بين الأهالي واحترامهم له - وكان ~~هو يكبرهما أكثر من حقيقتهما - يمكنانه من تأدية هذه المهمة. ومن الحقائق أن غوردون كان ~~محبوبا في المناطق الغربية والمناطق الاستوائية؛ حيث كسب حب الناس بطيبة قلبه وسخائه، وكان ~~وقت إقامته في تلك المناطق يكثر من التجوال والسياحة، وكان جسورا عطوفا وقبائل تلك الجهات ~~تقدر هاتين الصفتين، فلا شك إذن في أن تلك القبائل كانت تحبه، ولكنها صارت الآن تعبد المهدي ~~ولذلك نسيت غوردون. # وليس السودانيون أوروبيين؛ إذ هم عرب وزنوج ولا يقدرون العطف والرقة قدرهما، وقد أذيع ~~المنشور بإخلاء السودان بين العرب وأخصهم الجعالين وكانوا يكرهون غوردون؛ لأنهم لم ينسوا ~~بعد ما فعله مع الجلابة. # ولما جاء غوردون إلى الخرطوم وليس معه قوة يستند إليها، عرف هؤلاء العرب أنه يعتمد على ~~نفوذه الشخصي في تحقيق أغراضه، ولكن الواقفين على الحالة كانوا يعرفون أن النفوذ الشخصي هو ~~نقطة من بحر في حل المشكلة السودانية. # فما الذي أغراه بإذاعة هذا المنشور والإعلان فيه عن إخلاء الحكومة المصرية السودان، وقد ~~نصح له حسين باشا ألا يقرأه في بربر، ولكن عندما وصل إلى متمه قرأه أمام جميع الناس، فهل لم ~~تبلغ غوردون منشورات المهدي التي أرسلها عقب سقوط الأبيض؟ ألم يعرف أنه كان يدعو الناس في ~~هذه المنشورات إلى إعلان الجهاد على الحكومة، وأن من يعصيه في هذا الأمر يعتبر خائنا ~~للدين؛ فتصفى أملاكه وتؤسر نساؤه وأولاده ويصيرون عبيدا للمهدي؟ # لقد كان غوردون يرمي إلى الحصول على معاونة هذه القبائل؛ حتى يتمكن من سحب الحاميات وكان ms128 ~~يمكنه أن يتفق معها على ذلك، ولكنه الآن أضاع هذه الفرصة؛ إذ كيف يمكن أن تساعده هذه ~~القبائل إذا كان هو قد أعلن إخلاء السودان؛ ومعنى ذلك أن تترك هذه القبائل لرحمة المهدي؟ ~~وماذا كان يفعل المهدي بهم لو أنه علم أنهم عاونوا غوردون على أن يسحب الحاميات؟ ثم هل كان ~~يمكنهم أن يقاوموا المهدي ومعه أربعون ألف جندي كل منهم يحمل بندقية، وذلك غير الآلاف ~~المتحمسين الذين يشتاقون إلى الدمار والغنائم؟ # كلا، لقد كانت هذه القبائل أعقل وأحصف مما حسبها غوردون، كانت تعرف أنه إذا انسحب غوردون ~~من البلاد وتيقن المهدي أنهم عاونوه، فإنه يستأصل شأفتهم ويسبي نساءهم وأولادهم، ولم يكونوا ~~هم في حاجة إلى هذه التضحية. # وإذا لم يكن في مقدور الحكومة لأسباب سياسية وغير سياسية أن تحتفظ بالسودان، فإن من العبث ~~أن يرسل غوردون ويضحى به بلا فائدة. ولم تكن ثم حاجة إلى رجل ذي مهارة شاذة لكي يسحب ~~جنود الحاميات والذخائر على البواخر إلى بربر بحجة رفع الحصار عن المدينة، وعندئذ تسحب جميع ~~الحاميات أو معظمها، ولكن كان ينبغي السرعة في هذا العمل، ثم هو لم يكن ممكنا بعد سقوط ~~بربر. ويجب أن نذكر أن بربر لم تسقط إلا في 19 مايو؛ أي بعد ثلاثة أشهر من وصول غوردون إلى ~~الخرطوم. وعلى كل حال نقول إن إذاعة منشور غوردون قد عجل سير الأحوال إلى حد مزعج؛ فإن ~~الأهالي عرفوا نية الحكومة في إخلاء السودان، وصار كل منهم ينظر إلى مصالحه الخاصة التي ~~صارت على خلاف مع مصالح الحكومة التي قلبها مواطنهم المهدي. # ولم يكن في مقدور غوردون، مع صفات الشجاعة والنشاط التي يتصف بها بحق، أن يقف سير ~~الأحوال بعد أن ارتكب هذه الغلطة السياسية الكبرى. # ولقد كنت أتقلب في العنجريب وأنا في هذه الأفكار، بينما كان حسين باشا يغط في نومه، ورأيت ~~أن الإيمان بالقضاء والقدر يفيد في مثل هذه الساعة، ولكني كنت ما زلت أوروبيا لم تبلغ ~~نفسي هذه المرحلة، وإن كنت قد تعلمت ms129 بعد ذلك أن أنظر إلى الأشياء نظر التسليم والهدوء ~~وعلمتني تجاربي في السودان أن أمارس تلك الفضيلة الكبرى؛ فضيلة الصبر. # وانتشرت بعد أيام قلائل إشاعة بأن غوردون أغار على أبي حرجة وجرحه، وأن قواته التي كانت ~~قد طوقت الخرطوم قد وقعت وهزمت، فامتلأ قلبي سرورا بهذه الأخبار، وإن كنت قد تظاهرت بعدم ~~المبالاة. # ووصل إلى معسكرنا صالح واد المك، وكان قد سلم نفسه في فيداس ثم أرسله أبو حرجة بعد ذلك ~~إلينا، وعفا عنه الخليفة والمهدي فأثبت هذه الأخبار وأمدني ببعض معلومات عن غوردون. # وفي هذا المساء استدعاني الخليفة للعشاء معه، وما كدنا نشرع في تمزيق كتلة اللحم الكبيرة ~~التي أمامنا، حتى سألني قائلا: «هل سمعت الأخبار اليوم عن الحاج محمد أبي حرجة؟» # فقلت وأنا أشعر بالنفاق: «كلا، لم أترك بابك طول اليوم ولم ألتق بأحد.» # فقال الخليفة: «لقد فاجأ غوردون الحاج محمد من البر والبحر، وكان البحر الأزرق في ~~الفيضان، وقد أحاط البواخر بما يمنع رصاص البنادق من الوصول إلى جنده، هذا الكافر رجل ماكر ~~ولكنه سينال عقاب الله، وقد تقهقر رجال الحاج محمد، وغوردون الآن في طرب النصر، ولكنه ~~مخدوع؛ فإن الله لا ينصر إلا الذين يؤمنون به وسينتقم الله منه قريبا. وليس الحاج محمد ذا ~~كفاية؛ ولذلك سيرسل المهدي واد النجومي لكي يطوق الخرطوم.» # فقلت وأنا أقصد عكس ما أقول: «أرجو ألا يكون الحاج محمد قد خسر خسائر فادحة.» # فقال الخليفة بحق: «لا حرب بلا خسارة، ولكني لم أقف على التفاصيل بعد.» # وكان انتصار غوردون قد عكر مزاجه، فذهبت عنه دماثته وكان يبدو عليه أنه يخشى النتائج لهذا ~~الانتصار. ولما ذهبت إلى عشتي بعثت خادمي لكي يدعو صالح واد المك سرا لزيارتي، فأخبرته ~~بأن الخليفة يؤيد رواية انتصار غوردون، فقال لي إنه سمع أيضا هذا الخبر من أفراد قرابته، ~~وامتلأ قلبي بهجة وطربا لهذا النصر، ووجدت نفسي أتحدث وأنا كلي رجاء بالمستقبل، ولكن صالح ~~كان يعد هذا النصر وقتيا، وكان يبني اعتقاده هذا على أسباب معقولة. # وأخذ ms130 يوضح لي الحالة بقوله إنه عندما وصل إلى الخرطوم بدأ تأثير المنشور عن إخلاء السودان ~~يظهر، وزادت لذلك صعوباته، وصارت قبائل الجعالين تجتمع وقد اختارت لها الحاج علي واد سعد ~~رئيسا، وقد اجتمعت لديه قوة كبيرة، ولكنه لأسباب شخصية كان يميل إلى الحكومة فجعل يسوف ~~في القتال. # ورأى القناصل في الخرطوم أن الحالة تتفاقم فطلبوا من غوردون أن يرسلهم إلى بربر، وقد كان ~~مما يشك فيه أن يصلوا سالمين إلى بربر؛ ولذلك نصح لهم غوردون بالبقاء في الخرطوم فبقوا. أما ~~أهالي الخرطوم فقد أخذوا يتوجسون من غوردون؛ لأنهم تحققوا من المنشور أن غوردون إنما جاء ~~لكي يسحب الحامية، وإن كانوا قد عرفوا بعد ذلك أن غوردون إنما جاء لكي يدافع عنهم أو يموت ~~معهم. # وجمع الشيخ عبيد، وهو من أكبر مشايخ الطرق في السودان، أتباعه في حلفا لكي يحاصر بهم ~~الخرطوم، وأرسل غوردون بعض الجيش بقيادة حسن باشا حسين الذي كان حاكما على شقة لكي يجلوا ~~المحاصرين عن أماكنهم، ووقف غوردون على سطح قصره يراقب جنوده منه بتلسكوبه، فرأى بعض ضباطه ~~يفاوضون الثائرين في التسليم، فأحضرهم في الحال وعقد لهم محكمة عسكرية، ثم ضربوا بالرصاص، ~~ولكنه على الرغم من هذه النكبة تمكن من تخليص الشايجية، وكانوا موالين للحكومة؛ فإنه ندب ~~لهم السنجق عبد الحميد واد محمد فأنقذهم وأحضرهم إلى الخرطوم. # وكان صالح واد المك في فيداس قد طوقه الثائرون، فرجا غوردون أن يفك الحصار عنه، ولكن ~~غوردون لم يتمكن من ذلك فاضطر إلى التسليم ومعه ألف وأربعمائة من الجنود غير النظاميين ~~وذخائرهم، وبعد هذا النصر جمع الحاج محمد أبو حرجة جميع سكان الجزيرة لمحاصرة ~~الخرطوم. # وبينما كانت هذه الأحوال تجري حول الخرطوم كان محمد الخير - معلم المهدي السابق وكان ~~قبلا يدعى محمد الذكر - قد أتى إلى النهر، فعين المهدي تلميذه السابق أميرا على بربر ووضع ~~جميع القبائل في تلك المديرية تحت تصرفه، فجمع محمد الخير جميع أنصاره من الجعالين قبيلته ~~وأمدهم بعدد كبير من البرابرة والبشارية وسائر العرب، ثم طوق ms131 بهم مدينة بربر، فلم يمض عليها ~~بضعة أيام حتى سقطت. # وكانت مديرية دنقلة لا تزال ثابتة على ولائها للحكومة؛ وذلك يرجع إلى مكر مديرها مصطفى بك ~~ياور؛ فإنه عرض تسليم المدينة إلى المهدي مرتين ولكن المهدي توجس شرا منه لأنه تركي، ~~وأرسل أحد قرابته سيد محمود علي لكي يشترك هو وأمير الشايجية الشيخ حداي في تسليم المدينة، ~~فلما علم مصطفى بك ياور ذلك - وكان عنده في ذلك الوقت ضابط إنجليزي، هو اللورد كتشنر، ~~يشجعه على القتال - جهز جيشا وأوقع بحداي ثم سحق المهديين في كورش، وقتل الأميران محمود ~~وحداي. # أما في سنار فلم تكن الحال على ما يرام؛ فقد حوصرت وكان المدخر بها من القمح كثيرا، ولكن ~~مواصلاتها كانت مقطوعة، وحاول الحاكم نور بك أن يرد المحاصرين فنجح وأرجعهم إلى مسافة ~~بعيدة. # وجاءت الخطابات تترى إلى المهدي رجاء أن يقدم إلى النهر، ولكنه لم يكن في حاجة إلى ~~العجلة؛ إذ كان متأكدا أن السودان كله قد صار في يديه، وأنه لا يمكن أن يؤخذ منه إلا بجيش ~~مصري أو أجنبي كبير. وكان يعرض الجيش كل يوم جمعة ويحضر العرض بنفسه، وكان جيشه مؤلفا ~~من ثلاثة أقسام، يقود كل قسم منه خليفة، ولكن الخليفة عبد الله كان يسمى «رئيس الجيش»، وكان ~~قسمه يسمى الراية الزرقاء، وكان أخوه يعقوب ينوب عنه. وكان الخليفة علي واد هلو يقود الراية ~~الخضراء، أما الراية الحمراء، أو راية الإشراف، فكان يقود قسمها الخليفة محمد شريف، وكان ~~للأمراء الأصاغر رايات خاصة. # وكان أمراء الراية الزرقاء يصفون جنودهم يوم العرض بحيث تواجه الشرق. # وكان جنود الراية الخضراء يصفون أمامهم بحيث يواجهون الغرب، ويصل بين هذين الصفين جنود ~~الأشراف وأمراؤهم بحيث يواجهون الشمال. # وكانت جنود المهدي قد كثر عددها، فكان العرض يحتاج إلى ميدان كبير جدا مفتوح من ناحية ~~واحدة يدخل منها المهدي ومعه صحابته، ويقول آخر إنه سمع أصواتا من السماء تبارك في أنصار ~~المهدي وتعدهم بالنصر، بل بعضهم يقول ويؤكد أنه رأى الملائكة تبسط أجنحتها وتؤلف سحابة ms132 ~~تقي الجيش وهج الشمس. # وبعد ثلاثة أيام من وصول خبر هزيمة الحاج أبي حرجة وصل إلينا في رهاد رجل إيطالي يدعى ~~يوسف كوزي آتيا من الخرطوم، وكان قبلا في بربر، فلما سقطت تركه المسيو ماركة وكيل شركة ~~ديبورج لكي يتمم بعض الحسابات في بربر، وأرسله محمد الخير بعد سقوط بربر إلى أبي حرجة، وهذا ~~بعثه إلى غوردون بخطاب، ولكن غوردون رفض أن يتلقاه ورده إلى خطوط العدو على الشاطئ الشرقي ~~للنيل الأزرق، فلما وصل إلى المهدي أرسله ثانيا إلى غوردون بصحبة رجل يوناني يدعى جورجي ~~كالامنتينو ومعه خطاب إلى غوردون يطلب فيه منه التسليم، وأرسلت أنا على يد هذا اليوناني بضع ~~كلمات لكي يحملها إلى غوردون سرا، وأذن لليوناني بأن يدخل إلى الخرطوم، أما كوري فلم يؤذن ~~له؛ لأن الضباط اتهموه بأنه عندما دخل في المرة الأولى دعاهم إلى التسليم. # ولما انتهى شهر رمضان استدعي أبو أنجة ومن معه من القوات في جبل الدائر، وأعلن المهدي ~~عندئذ أن النبي قد أوصى إليه أن يقوم إلى الخرطوم ويحاصرها بنفسه، وأمر جميع الأمراء بجمع ~~رجالهم والتهيؤ للسفر، وكل من يتخلف عن هذا الجهاد تصفى أملاكه. # ولكن الناس الذين لم يكن لحماستهم حد لم يكونوا في حاجة إلى التحذير من التخلف؛ فإنهم ~~كانوا يهرعون إلى القتال، وكل منهم طامع في الغنيمة التي تنتظر انتصار المؤمنين، وكانت ~~نتيجة إعلان المهدي الجهاد أن هاجر الناس جملة، وكانت هجرتهم لا مثيل لها في تاريخ ~~السودان. # وغادرنا رهاد في 22 أغسطس، وكانت قوات المهدي تسير في ثلاث طرق مختلفة، فاتخذت القبائل ~~التي تحمل على الجمال الطريق الشمالي، وكان طريقها على فرس وصلبة وطرة الحضرة. أما الطريق ~~الوسطى التي تمر على طيارة وشرقلة والشط ودريم، فقد اتخذها المهدي والخلفاء والأمراء. أما ~~البقارة وسائر القبائل التي لها مواش، فقد اتخذت الطريق الجنوبية. وكنت أنا بالطبع ملازما ~~للخليفة أرافقه، ولكني كنت عندما تحط رحالنا أرسل في طلب صالح واد المك الذي كان في رفقة ~~المهدي. وكان الخليفة لسبب لا أعرفه ms133 يكرهه وأمرني بأن ألزمه أنا وخدمي، وكلف ابن عمه عثمان ~~واد آدم بأن يعنى بأمري، ومع ذلك كنت أدقق من وقت لآخر لرؤية صالح واد المك، وكان واقفا ~~على الدوام على الحالة في مديريات النيل. # ولما كدنا نبلغ شرقلة شاعت إشاعات عن رجل مسيحي مصري وصل إلى الأبيض، وأنه في طريقه ~~إلى المهدي. وكان البعض يقولون إنه إمبراطور فرنسا، وآخرون يكذبونهم ويقولون بل هو قريب ~~ملكة إنجلترا. فلم يكن ثم شك في أن الرجل أوروبي، فشعرت بأشد الشوق لرؤيته. # وأخبرني الخليفة في المساء بأن رجلا فرنسيا وصل إلى الأبيض، وأنه بعث في طلبه وإحضاره ~~إلى المهدي، ثم قال: «هل أنت فرنسي؟ وهل عندكم في بلادكم قبائل مختلفة كما هو الحال في ~~السودان؟» # وكان الخليفة يجهل أوروبا كل الجهل، فجعلت أنير ذهنه عن الموضوع بقدر إمكاني، ثم قال ~~الخليفة: «ولكن ما يريد منا رجل فرنسي يأتي إلينا ويقطع هذه الطريق الطويلة؟ عسى أن يكون ~~الله قد هداه إلى الصراط المستقيم .» # فقلت: «لعله يبقى في صحبتك وصحبة المهدي.» # فنظر إلي الخليفة، وكان لا يصدق قولي، وقال: «سنرى». # ثم بلغنا شرقلة، وما كدنا نحط رحالنا حتى أرسل إلي مولاي وقال: «يا عبد القادر، لقد وصل ~~الفرنسي إلينا وأمرت بإحضاره هنا، فانتظر واسمع ما يقوله؛ إذ ربما نحتاج إليك.» # ثم جاءنا حسين باشا وبدا لي أن الخليفة استدعاه، وبعد مدة جاءنا ملازم وأعلن أن الرجل ~~الغريب واقف أمام الباب، فأذن له بالدخول. ورأيته رجلا طويلا حوالي الثلاثين من عمره، ~~وكانت الشمس قد لوحت وجهه، وكان شارباه ولحيته خفيفة اللون، وقد لبس الجبة والعمامة، وحيا ~~الخليفة بقوله: «السلام عليكم»، فلم يتحرك الخليفة من العنجريب، بل أشار عليه بالقعود وبدأه ~~بقوله: «لم جئت هنا؟ وماذا ترغب منا؟» # فأجاب بلهجة غريبة غير مفهومة بأنه فرنسي جاء من فرنسا. # فقال الخليفة: «تكلم بلغتك مع عبد القادر وهو يوضح لنا ما تقصد.» # فتحول الغريب إلي، ونظر إلي متوجسا وقال بالإنجليزية: «نهارك سعيد يا سيدي.» # فقلت: «هل تتكلم الفرنسية؟ أنا ms134 اسمي سلاطين، الزم الجد ولا تتطوح، وبعد ذلك يمكنك أن ~~تخبرني على حدة ما تريده.» # فتذمر الخليفة قائلا: «ماذا تقولان؟ إني أعرف ماذا يطلب.» # فقلت له: «أخبرته يا مولاي عن اسمي وطلبت منه أن يتكلم بصراحة؛ لأنك أنت والمهدي قد ~~وهبكما الله معرفة ما يدور في أفكار الناس.» # وأسعفني حسين باشا وكان قاعدا خلفي فقال: «هذا حق، الله يطيل عمر الخليفة.» ثم التفت ~~إلي وقال: «لقد أحسنت في تنبيه الغريب.» # فسر الخليفة لهذا التمليق وقال: «باحثه عن غرضه.» # فقال الغريب بالفرنسية: «اسمي أوليفيه بان، وأنا رجل فرنسي، ومنذ صباي وأنا متعلق ~~بالسودان، أحب أهله، وجميع أهل بلادي يشعرون شعوري، ونحن في أوروبا بيننا وبين بعض الأمم ~~أحقاد، والأمة الإنجليزية هي إحدى هذه الأمم، وقد أرسخت قدمها في مصر وأحد قوادها غوردون ~~موجود الآن في الخرطوم، فأنا جئت لكي أقدم للمهدي مساعدتي أنا وأمتي.» # فقال الخليفة بعد أن ترجمت له هذه الأقوال: «أية مساعدة؟» فقال أوليفيه بان: «مساعدتي ~~الآن هي النصيحة، ولكن أمتي ترغب في صداقتكم وهي مستعدة لمعاونتكم بالمال والسلاح بعد ~~شروط.» # فقال الخليفة وكأنه لم يسمع ما قاله: «هل أنت مسلم؟» # فأجابه: «أجل، أنا مسلم منذ زمن طويل، وقد أعلنت إسلامي في الأبيض.» # فقال لي الخليفة: «اقعد أنت وحسين باشا هنا مع هذا الفرنسي، وسأذهب أنا إلى المهدي لكي ~~أخبره عنه وأعود.» # فلما غادرنا الخليفة حييت هذا الغريب وعرفته بحسين باشا، ولكن شعرت بشيء من الكراهية له ~~لعلمي أنه قدم لمساعدة أعدائنا، ولكن مع ذلك نبهته إلى أن يحذر في كل ما يقوله وأن يدعي أن ~~الباعث له على المجيء هو الإيمان لا الأغراض السياسية، واغتاظ حسين باشا من هذا الفرنسي حتى ~~قال لي بالعربية: «هل تقديم المال والسلاح لهؤلاء الناس يعد سياسة؟ هؤلاء الناس ليس لهم غرض ~~إلا القتل ونهب الناس واستعباد النساء والبنات. لقد كنتم تنسبوننا إلى القسوة والشر ~~وتعاقبوننا حين كنا نشتري العبيد السود، مع أن العبد الأسود لا يمتاز على الحيوان إلا في ~~أنه يقدر ms135 على حرث الأرض.» # فقلت: «معلهش اللي عمره طويل بيشوف كتير.» # وأخذنا كلنا نفكر ونتأمل كل في حاله ننتظر مجيء الخليفة، وبعد مدة عاد إلينا وأمرنا ~~بالوضوء استعدادا للصلاة مع المهدي، فتوضأنا وذهبنا إلى مكان الصلاة ووجدنا عددا عظيما ~~من الناس كلهم يبالغون ويهولون في شأن هذا الغريب الفرنسي. # ولما أخذ كل منا مكانه جلس أوليفيه بان في الصف الثاني. وجاء المهدي عندئذ وكانت جبته ~~نقية معطرة، وعمامته قد رتبت طياتها ترتيبا يفوق المعتاد، وعيناه مكحلتين لهما بريق شديد، ~~وكان يبدو عليه أنه عني عناية كبيرة لكي يؤثر بهيئته في الناس، ولا شك في أنه شعر بالسرور ~~والزهو لرؤيته رجلا يأتيه من بلاد بعيدة يعرض عليه المعاونة. # وقعد على سجادة وطلب أوليفيه بان وحياه بابتسامة ولكنه لم يصافحه، ثم أذن له بالقعود ~~وسأله عن سبب مجيئه، وكنت أنا المترجم بينهما. # وأعاد أوليفيه بان حكايته فطلب مني المهدي أن أترجم أقواله بصوت عال يسمعه جميع ~~الحاضرين، ولما انتهيت قال هو أيضا بصوت عال: «لقد سمعت أقوالك وفهمت مقاصدك، ولكني لا ~~أعتمد على معونة الناس وإنما أعتمد على الله ورسوله، فإن أمتك غير مؤمنة ولا يمكنني أن أعقد ~~محالفة بيني وبين أمة غير مؤمنة، وبمعونة الله سنهزم أعداءنا ونظفر بهم بواسطة الأنصار ~~والملائكة الذين يبعثهم إلينا النبي.» # وعلا الهتاف من آلاف المجتمعين عند سماعهم هذا الكلام، ولما عاد النظام والسكون قال ~~المهدي: «تقول إنك تحب الإسلام وتعترف أنه حق فهل تؤمن به؟ وهل أنت مسلم؟» # فقال الفرنسي: «أجل، إني مسلم، لا إله إلا الله محمد رسول الله.» # فمد المهدي يده فقبلها، ولكنه لم يطالبه بيمين الولاء، ثم جاء ميعاد الصلاة فنظمت الصفوف ~~وقضينا الصلاة، ثم وعظنا المهدي وشرح لنا الزهد في الدنيا وكيفية النجاء، وخرجنا مع الخليفة ~~الذي أشار علي بأن آخذ أوليفيه بان معي إلى عشتي وأنتظر أوامره. # وخلا كل منا إلى الآخر فتحادثنا مليا لا نخاف شيئا، وكنت أكره المهمة التي جاء من ~~أجلها، ولكن أيضا كنت أتحسر عليه لجهله، فأعدت ms136 عليه التحية ورحبت به وقلت له: «والآن ~~ياعزيزي أوليفيه بان نحن هنا وحدنا لن يزعجنا أحد فلنتكلم بصراحة، ولو أني لا أوافق على ~~مهمتك، ولكن أؤكد لك بأني سأعمل كل ما في استطاعتي للمحافظة عليك، لقد عشت أنا هنا جملة ~~سنوات بعيدا عن المدنية، فأخبرني عما يحدث الآن في العالم.» # فقال لي: «إني أثق بك كل الثقة، وأعرف اسمك وأحمد المقادير التي جمعتني بك، وهناك عدة ~~أشياء تهمك معرفتها، ولكن أقصر كلامي الآن على مصر.» # فقلت له: «أخبرني إذن عن ثورة عرابي باشا والمقتلة التي حدثت بسببه وتدخل الدول واحتلال ~~الإنجليز مصر.» # فقال: «أنا محرر في جريدة الإنديبندانس التي يرأس تحريرها روشفور الذي أظن أنك سمعت عنه، ~~وأنت تعرف أن فرنسا وإنجلترا نقيضان في السياسة، وأننا نضع في وجه إنجلترا كل ما يمكننا من ~~العراقيل، ولم أحضر أنا ولي صفة النيابة عن أمتي، بل جئت بصفتي الشخصية فقط، ولكن الأمة ~~تعلم بمجيئي وتوافق عليه، وقد عرف ولاة الأمور الإنجليز مقاصدي وقبضوا علي في وادي حلفا ~~لإرجاعي، ولكن لما بلغت إسنا اتفقت مع العرب على أن يحملوني سرا إلى الأبيض عن طريق ~~الكعب، وقد استقبلني المهدي مرحبا بي كما ترى؛ ولذلك فإني أرجو الخير على يده.» # فقلت: «وهل تظن أنه يقبل اقتراحك.» # فقال: «إذا رفض اقتراحي فإني أظن أنه يعمل لإيجاد علاقات حسنة بينه وبين أمتي، وهذا ~~يكفيني. وأظن أنه بما أني جئت مختارا فهو لا يعارض في سفري ثانيا إلى بلادي.» # فقلت: «هذا مما أشك فيه. قل لي، هل لك عائلة؟» # فقال: «نعم، لي زوجة وولدان في باريس، وهم لا يغيبون عن بالي، وأرجو أن أراهم قريبا. ~~ولكن أخبرني لم يعارض المهدي في سفري؟» # فأجبته قائلا: «إني أعرف هؤلاء الناس، وإلى الآن لا أظن أن هناك ما يدعو إلى الخوف على ~~حياتك، ولكني لا أقدر أن أقول متى وكيف يمكنك أن تسافر إلى بلادك، وأرجو أن المهدي يرفض ~~اقتراحاتك التي أظن أنها ربما تفيده، ولكني أرجو أيضا أن تعود سالما ms137 لعائلتك التي تنتظرك ~~بنافد الصبر.» # وكنت قد أمرت الخدم بإحضار شيء نأكله، وطلبت إحضار جوستاف كلوتز - خادم ودنفان الذي كان ~~قد فر من جيش هكس وانضم إلى المهدي - لكي يأكل معنا، وما كدنا نشرع في تناول الطعام حتى دخل ~~اثنان من ملازمي الخليفة وطلب من أوليفيه بان أن يتبعهما، فدهش لهذه الدعوة الفجائية وبدا ~~عليه الخوف وهمس إلي بأن أسأل عنه، ودهشت أنا أيضا لأن لغته العربية لم تكن مفهومة، ~~فلماذا يطلبه الخليفة وحده؟ وكنت أقول ذلك لمصطفى «كلوتز» وإذا بملازم يطلبني أنا أيضا، ~~ولما دخلت على الخليفة وجدته قاعدا وحده وأشار علي بالقعود فقعدت إلى جانبه. # ثم قال لي بلهجة الذي يسر إلي شيئا: «يا عبد القادر أنت واحد منا، قل لي ماذا تظن ~~في هذا الفرنسي؟» # فقلت: «أظن أنه مخلص وأن قصده حسن، ولكنه لا يعرفك ولا يعرف المهدي، ويجهل أيضا أنكما ~~تعتمدان على معونة الله وحده ولا تحتاجان إلى معونة إنسانية، وأن هذا هو سبب انتصاراتكم ~~المتتابعة؛ لأن الله يكون على الدوام مع المؤمنين به.» # فقال الخليفة: «لقد سمعت كلام المهدي عندما قال إنه لا يرغب في أية علاقة بينه وبين غير ~~المؤمنين، وإنه يمكنه أن يهزم أعداءه بدون أن يستعين بهم.» # فقلت: «هذا أكيد، ولا فائدة من وجود هذا الرجل هنا، ويمكنه أن يعود إلى وطنه ويخبر الناس ~~هناك بالانتصارات التي يحرزها المهدي وخليفته.» # فقال الخليفة: «لعله يفعل ذلك بعد، أما الآن فقد أمرته أن يبقى مع زكي طومال الذي سيعنى ~~به ويقدم له حاجاته.» # فقلت له بلهجة التوسل: «ولكنه يجد مشقة عظيمة في التعبير عن فكره بالعربية؛ إذ هو لا يزال ~~يجهلها.» # فقال الخليفة: «لقد تمكن من الوصول إلينا بدون مترجم، ولكني مع ذلك أسمح لك ~~بزيارته.» # ثم أخذ يتكلم عن أشياء أخرى وأخذني لرؤية الخيول التي أهداها إليه زوجال من دارفور، وكنت ~~أعرف بعضها جيدا. وبعد أن تركته ذهبت إلى أوليفيه بان فوجدته قد أسند رأسه على يديه وهو في ~~تفكير عميق، ولما رآني ms138 هب واقفا وقال: «لا أعرف ماذا أقول عن كل هذا، لقد أمروني أن أمكث ~~هنا وأحضروا لي أمتعتي ووكلوا بي رجلا يدعى زكي، فلم لم يتركوني أمكث معك؟» # فقلت بلهجة العطف: «هذه هي طبيعة المهدي، والخليفة شر منه في ترتيب الأشياء على ضد ما ~~يرغب الإنسان، وأنت الآن تمتحن في الصبر والطاعة والإيمان، ولكن لا تخش شيئا فإن الخليفة ~~يتوجس منا شرا نحن الاثنين، ويجب أن نبقى منفصلين حتى لا ننتقد أعماله.» # ثم قلت لزكي طومال: «يا صديقي هذا رجل غريب فأنا أوصيك به خيرا، فكن معه بحق صداقتنا ~~القديمة.» # فقال: «لن يحتاج إلى شيء أستطيع تقديمه إليه.» # ثم قال بتؤدة: «ولكن الخليفة أمرني أن أمنع الناس من مخاطبته، فأرجوك ألا تقابله ~~كثيرا.» # فقلت: «هذه الأوامر لا تنطبق علي، فأنا كنت منذ برهة عند مولاي الخليفة فأمرني أن أزور ~~هذا الغريب، فأكرر عليك أن تعامله معاملة حسنة.» # ثم عدت إلى أوليفيه بان وحاولت أن أدخل السرور في قلبه، وأخبرته بأن الخليفة قد منع الناس ~~من مخالطته، وأن هذا الأمر في مصلحته؛ لأن اختلاطهم به قد يؤدي إلى أن يدسوا له عنده ~~ويوقعوا به، أما أنا فإني أزوره كلما سنحت الفرصة. # وفي اليوم التالي قرع طبل الخليفة إيذانا باستئناف السير، وكانت عادتنا أن نسير من الصباح ~~إلى الظهر ولذلك كان سيرنا بطيئا. وكنا عندما نقف أذهب إلى الفرنسي فأجده قاعدا في خيمته ~~كالعادة، وكانت صحته جيدة ولكنه كان يشكو من سوء الطعام. وقال زكي بعد أن سمع هذه الشكوى ~~إنه أحضر إليه العصيدة فلم يذقها، فأوضحت له أنه غريب لم يألف بعد الطبخ السوداني، واقترحت ~~عليه أن أجعل خادمي يهيئ له طبقا من الحساء وآخر من الرز، وسألني الخليفة في تلك الليلة: ~~هل رأيت أوليفيه بان؟ فأخبرته بأني قابلته وأني وجدته صائما لا يستطيع أن يأكل العصيدة، ~~فجعلت خادمي يهيئ له طعاما لئلا يمرض؛ ولذلك أرجوه أن يسمح لي بذلك، فوافق الخليفة ولكنه ~~قال: «ولكنك أنت تأكل من طعامنا فيحسن به ms139 أن يعتاد هذا الطعام في أقرب وقت، ثم أين مصطفى ~~«كلوتز» فإني لم أره منذ بارحنا رهاد؟» # فقلت: «إنه عندي يساعد الخدم على العناية بالخيول والجمال.» # فقال الخليفة: «اطلبه الآن» ففعلت، وجاء بعد برهة صغيرة ووقف أمامنا، فقال له الخليفة: ~~«أين كنت؟ إني لم أرك منذ أسابيع، هل نسيت أني مولاك؟» # فقال كلوتز في لهجة التأفف: «لقد ذهبت إلى عبد القادر بإذنك، وأنت لا تعنى بي وقد تركتني ~~وحدي.» # فقال الخليفة وهو غاضب: «سأعنى بك في المستقبل.» ثم هتف بأحد الملازمين وطلب منه أن يخبر ~~كاتبه ابن نجا بأن يضع مصطفى في الأغلال، وخرج مصطفى وهو لا ينبس بكلمة. # ثم قال الخليفة: «إن عند مصطفى وعندك ما يكفيكما من الخدم، فيمكنك أن تستغني عنه، وقد كنت ~~اختصصت به ولكنه تركني بدون سبب، فأمرته بأن يلزم أخي يعقوب ولكنه تركه أيضا، والآن عندما ~~ذهب إليك قام في ذهنه أنه يمكنه أن يستغني عنا جميعا.» # فقلت: «اعف عنه فإن الرحيم يعفو ، ائذن له بالبقاء مع أخيك فلعل هذا يصلحه.» # فقال: «يجب أن يبقى مصفدا عدة أيام حتى يعرف أني مولاه وهو ليس مثلك، فأنت تأتي إلي كل ~~يوم.» # وشعرت كأنه يقول هذا لكي يطمئنني لأنه رآني قد تألمت، ثم أمر بالعشاء فأحضر وأكلت أنا ~~بشهوة أكثر من المعتاد حتى أوهمه بأني راض. وكان قليل الكلام وقت الطعام يبدو عليه كأنه ~~مغموم، وبعد العشاء حاول أن يقول شيئا يزيل به أثر الكآبة ولكن لهجته كذبته. ثم انفصلنا ~~وعدت إلى خيمتي وأنا أتأمل في الحالة، فقد كنت عازما على أن أبقى على وفاق مع الخليفة حتى ~~تتاح لي ساعة الخلاص، ولكن صلفه وغطرسته وسوء أدبه قد جعلت هذا الواجب ثقيلا علي. # وبعد أن سرنا خمسة أيام بلغنا الشط، حيث وجدنا الآبار مسدودة فشرعنا في فتحها وأقمنا بعض ~~العشش هناك؛ لأن المهدي قرر الإقامة هنا بضعة أيام، وكنت وقت مسيرنا أزور أوليفيه بان فأجد ~~آماله التي جاء بها تذهب بالتدريج، وكانت معرفته العربية قليلة جدا، ms140 ولم يكن يؤذن له ~~بالكلام إلا مع العبيد الذين كانوا في خدمته، ولم تمض عليه أيام حتى نسي مهمته الأصلية وصار ~~لا يذكر شيئا سوى زوجته وأولاده. وكنت أحثه على التفاؤل بالمستقبل، وأن ينزع عن نفسه هذه ~~الكآبة التي لا تنفعه في شيء. وكان الخليفة قد نسيه تقريبا فلم يكن يذكره أبدا. # وبعد وصولنا بيوم إلى الشط وافانا محمد الشريف شيخ المهدي السابق، الذي كان قد طرده من ~~طريقته وكان أصدقاؤه قد حثوه على أن يذهب إليه ويستغفره، ولكن المهدي أحسن استقباله وسار ~~معه بنفسه إلى خيمته وأهدى إليه فتاتين حبشيتين جميلتين وخيولا وغير ذلك، وبهذه المعاملة ~~السمحة جذب المهدي إليه أنصار الشيخ محمد الشريف وضمن ولاءهم. # ولما غادرنا شرقلة جاءتنا الأخبار بأن جيوش غوردون هزمت هزيمة منكرة، ولما بلغنا الشط ~~جاءتنا تفاصيل هذه الهزيمة التي انتصر فيها الشيخ عبيد على محمد علي باشا في أم درمان، ~~وكانت نتيجة هذا النصر أن الثائرين زادوا ضغطهم في حصار الخرطوم، ولما أمدهم واد النجومي ~~بجيشه وجد غوردون أنه لم يعد في قوته أي فتق في القوة التي تحاصره. # وخرجنا من الشط إلى الدويم؛ حيث عرض المهدي الجيش عرضا عظيما وأشار إلى النيل وقال: «إن ~~الله قد خلق هذا النهر ووهبكم مياهه لتشربوها، وقسم لكم أن تملكوا جميع ما على ضفتيه من ~~أرض.» فهتف له الجميع هتاف الفرح والسرور وكل منهم يعتقد أن تلك البلاد العجيبة قد وقعت ~~فريسة للمهديين. # وغادرنا الدويم إلى طرة الحضرة، حيث قضينا أيام العيد، وكان أوليفيه بان الفرنسي قد أصيب ~~بحمى، ولما زرته قال لي: «لقد جازفت جملة مجازفات في حياتي دون أن أفكر في نتائجها، ولكن ~~مجيئي هنا غلطة فادحة، وقد كان أصلح لي لو أني وقعت في يد الإنجليز ومنعوني من تنفيذ ~~إرادتي.» وكنت أجهد جهدي لكي أعزيه وأسري عنه، ولكنه كان يقابل كلامي بهز رأسه. # وفي العيد صلى المهدي بصوت عال غير عادي، ولما وصل إلى الخطبة بكى وانتحب انتحابا ~~مرا، وكنا نحن الذين لا ms141 يؤمنون بدعوته نعرف أن هذا البكاء نفاق لن يعقبه خير لأحد، ولكن ~~كانت له النتائج المرغوبة؛ فإن قبائل النيل الأبيض سارعت إلى الانضواء تحت رايته، وتحمس ~~الناس أشد تحمس لسماعهم خطبته. # وبعد أن استرحنا يومين استأنفنا السفر، وكنا نزحف زحفا كالسلحفاة لكثرة جموعنا وازدياد ~~عددهم يوما بعد يوم، وكانت حالة أوليفيه بان تسوء كل يوم، وتبين أن ما به هو التيفوس، ~~ورجاني أن أطلب من المهدي بضعة نقود؛ لأن الذين يعنون به يضايقونه بما يطلبونه منه، ففعلت، ~~وأمر المهدي أمين بيت المال بأن يعطيه خمسة جنيهات ودعا له بالشفاء، وأخبرت الخليفة بحال ~~بان وبأن المهدي وهبه خمسة جنيهات، فلامني لأني فعلت ذلك بدون إذنه، وقال لي: «إذا مات هنا ~~فإنه يكون سعيدا؛ فإن الله بقدرته قد نقله من الكفر إلى الإيمان.» # وفي صباح اليوم التالي أرسل إلي بان فذهبت ووجدته ضعيفا لا يقوى على النهوض، وكان قد ~~مضى عليه يومان لم يذق فيهما شيئا من الطعام الذي كنت أرسله له، ولما قعدت إلى جانبه وضع ~~يده في يدي وقال: «لقد جاءت ساعتي، وأنا أشكر لك حنوك علي ورعايتك لي، وآخر ما أطلبه ~~منك من المعروف إذا نجوت من هؤلاء المتوحشين وأتيحت لك الفرصة بزيارة باريس أن تذهب إلى ~~زوجتي المسكينة وأولادي، وتخبرهم أني وأنا أموت كنت لا أفكر إلا فيهم.» # وكان وهو يقول هذا الكلام تنحدر العبرات على خديه الغائرين، وعدت إلى تعزيته وتقويته، ~~ولكني سمعت قرع الطبول فاضطررت إلى تركه، وكانت هذه آخر مرة رأيته فيها، وأمرت أحد خدمي ~~المدعو نطرون أن يبقى معه، ثم ذهبت إلى الخليفة فأخبرته بحالته السيئة ورجوته أن يأمر ~~بإبقائه في إحدى القرى حتى يشفى، فوافق الخليفة على مقترحي وطلب مني أن أذكره بهذه المسألة ~~عند الغروب. # ثم جاء الغروب ولكن المريض لم يجئ، بل جاء نطرون، فقلت له وكان يتفزز من خاطر يساوره: ~~«أين يوسف؟» ويوسف هذا هو اسم أوليفيه بان الذي تسمى به حين صار مسلما. # فقال: «مات سيدي، وهذا سبب تأخيرنا، ms142 وقد دفناه.» # فدهشت وقلت: «كيف مات؟ أخبرني عما حدث.» # فقال: «اشتدت به علته حتى لم يستطع الركوب، ولكنا كنا مضطرين إلى السير، وكان من وقت لآخر ~~يغيب عن وعيه ثم يفيق ويتكلم بكلمات لا نفهمها، فوضعنا على سرج الفرس عنجريبا وربطناه به ~~وجعلناه يرقد عليه، ولكنه كان من الضعف بحيث لم يتماسك فوقه فوقع فجأة ولم يفق بعد ذلك، ثم ~~مات فكفناه في شال من القطن ودفناه وأخذ زكي جميع أمتعته.» # فتبين لي أن مرضه كان قد بلغ به وأن السقطة قد عجلت الموت وكانت السبب المباشر له. يا له ~~من مسكين! جاء إلينا وآماله لا تسعه ثم تكون هذه خاتمته. # وذهبت في الحال إلى الخليفة فأخبرته بوفاته فقال: «إنه لسعيد». ثم أرسل إلى زكي أحد ~~الملازمين لكي يأمره بالاحتفاظ بأمتعته، ثم أرسلني أنا إلى المهدي لكي أخبره بوفاته. وتأثر ~~الخليفة وقال بضع كلمات تدل على عطفه وحنانه ثم تلا صلاة الموتى. # وبعد ثلاثة أيام اقتربنا من الخرطوم وصرنا على مسيرة يوم منها، وكنا ونحن في الطريق قد ~~رأينا بواخر غوردون في النهر، وبدا لنا أنها أتت إلينا للاستطلاع ثم عادت بدوران تطلق ~~عيارا. # ولما جاء المساء وضربنا خيامنا جاءني ملازم من المهدي وطلب مني أن أذهب إليه، فذهبت ~~ووجدته قاعدا مع عبد القادر وادام مريم، وكان قاضيا سابقا وله نفوذ عظيم بين قبائل النيل ~~الأبيض، وكان حسين خليفة هناك، فصرت أنا رابعهم. # فقال المهدي: «بعثت في طلبك لكي تكتب إلى غوردون أن يسلم المدينة فلا يتعرض للهزيمة، ~~وأخبره بأني المهدي الصادق فعليه تسليم الحامية فيسلم، وأخبره أيضا أنه إذا رفض التسليم ~~فإننا سنقاتله جميعا، وقل له إنك ستقاتله أنت بنفسك، وإن النصر مضمون لنا، وإنك إنما تقول ~~له ذلك حقنا للدماء.» # فالتزمت الصمت حتى دعاني حسين خليفة للإجابة فقلت: «مولاي المهدي، أرجوك أن تنصت إلي، ~~فإني أريد أن أكون أمينا مخلصا، فلا تغضب إذا وجدت في قولي ما يخالف رأيك، فإني إذا كتبت ~~إلى غوردون أقول له إنك المهدي ms143 المنتظر فإنه لا يصدقني، وإذا هددته بأني أقاتله بيدي فهو ~~لا يخاف من ذلك شيئا، ولما كانت رغبتك الوحيدة هي حقن الدماء فإني أطلب منه التسليم فقط، ~~وسأقول له إنه ليس عنده من القوة ما يمكنه من قتال المهدي، وإنه لا أمل له في الحصول على ~~معونة أحد، ثم أقول إني سفير الصلح بينك وبينه.» # فقال المهدي: «أنا موافق على ما تقول، اذهب الآن واكتب الخطابات وفي الغد تحمل إلى ~~غوردون.» # فذهبت إلى خيمتي وكانت خيمتي قد تمزقت وبليت فأهديتها إلى بعض من حولي، ونصبت بدلا منها ~~بعض الملابس على عصي كنت أجلس تحتها وأتظلل بها في النهار، أما في الليل فكنت أنام في ~~الخلاء، وبحثت عن مصباح وأخذت في كتابة الخطابات وأنا قاعد على عنجريب، وكتبت أولا بضعة ~~سطور لغوردون باللغة الفرنسية، قلت فيها إني قد فقدت المعجم الفرنسي لأن المهديين قد ~~أحرقوه؛ ولذلك فأنا أكتب بالألمانية حتى يمكنني التعبير بإسهاب عن أغراضي، وقلت إني أؤمل ~~أن ألاقيه قريبا، وإني أدعو الله لنصره، وقلت أيضا إن بعض الشايجية الذين انضووا قريبا ~~إلى راية المهدي لم يفعلوا ذلك إلا خوفا على أنفسهم وأولادهم، وإن صدورهم لا تحمل الحقد أو ~~البغضاء لغوردون. # ثم كتبت خطابا مسهبا بالألمانية قلت فيه إني سمعت من جورج كالامنتينو أنه - أي غوردون - ~~قد غضب من تسليمي للمهدي، وإني لذلك أوضح الحقائق راجيا منه أن ينظر فيها ويعتبرها. ثم ~~شرعت في شرح التجريدات التي جردتها لمقاتلة السلطان هارون. ثم قلت إنه عند بدء الثورة ~~المهدية كان الضباط الذين في جيشي يسمعون أخبارا عن عرابي، وأنه طرد الأوروبيين من مصر، ~~وأن هزائمي تعزى إلى أني غير مسلم، فاضطررت لذلك إلى القضاء على هذه الدسائس بالادعاء بأني ~~مسلم، ونجحت بهذه الطريقة إلى أن اصطلم جيش هيكس وانقطع كل أمل في المعونة. وأخبرته عن ~~تناقص جيشي بالحروب المتوالية حتى صار عدده لا يبلغ بضعة مئات من الجنود، وأن الذخيرة نفذت ~~أو كادت، وأن الضباط والجنود طالبوني بالتسليم، فلم يكن بد ms144 بعد ذلك بصفتي أوروبيا ~~وحيدا من الخضوع. وأخبرته بأن هذا التسليم كان من أشق الأعمال علي، ولكني شعرت ~~باعتباري ضابطا نمسويا أني عملت عملا لا أخجل منه. ثم قلت إني بما سلكته من المسلك ~~الحسن مع الخليفة والمهدي قد حصلت على ثقتهما، حتى أذنا لي بالكتابة إليه بحجة أني أطلب منه ~~التسليم، ولكني أعرض عليه نفسي لكي أقاتل معه حتى الموت أو النصر، فإذا وافق على قراري لكي ~~أنضم إليه فأنا أرجو أن يكتب إلي بضعة أسطر بالفرنسية بهذا المعنى، ولكن لكي تجوز الحيلة ~~يجب أن يكتب إلي بضعة سطور بالعربية أيضا، يطلب مني فيها أن أستأذن المهدي لكي أذهب إلى ~~أم درمان للمفاوضة في الصلح والتسليم. ثم أشرت إلى ولاء صالح بك وبعض المشايخ الآخرين له، ~~ولكنهم لا يمكنهم أن يفروا إليه؛ لأنهم في هذه الحالة يضحون أولادهم وزوجاتهم. # ثم كتبت خطابا آخر بالألمانية إلى القنصل هانسل أرجوه أن يعمل كل ما في جهده لكي أعود ~~إلى الخرطوم ، وأني إذا رجعت إلى الخرطوم أكون ذا فائدة كبيرة؛ لأني أعرف مقاصد المهدي ومبلغ ~~قوته وما إلى ذلك. ولكني أخبرته بأنه في حالة انعقاد النية على تسليم الخرطوم لا داعي لي ~~للهرب؛ فقد ذاعت إشاعة بين رجال المهدي مقتضاها أنه إذا لم تأت معونة لغوردون فإنه سيسلم. ~~وبدهي أنه إذا سلم غوردون ووجدني المهدي قد فررت إليه فإنه يصرف غضبه كله إلي؛ لأني ~~عاونت عدوه عليه. # وقد بدا لي أنه من الإنصاف والعقل أن أتأكد من هذه المسألة، وكانت الإشاعات القائلة بأن ~~حامية الخرطوم قد سئمت القتال تروج بيننا، وأنها تنوي التسليم، فشددت لذلك من عزم هانسل ~~وقويته على الثبات، وأن قوات المهدي ليست بالكثرة التي يشاع عنها، وأنه يكفي الجيوش المصرية ~~أن تثبت وتنشط حتى يحق لها النصر، وحضضته على الثبات ستة أسابيع على الأقل حتى تتمكن ~~النجدات من إنجادهم، ولما عدت إلى القاهرة في سنة 1895 علمت أن خطاباتي هذه قد بلغت إلى ~~ولاة الأمور الإنجليز وطبعت مع يوميات ms145 غوردون. # وأخبرته أن عندنا إشاعة تقول إن الباخرة الصغيرة التي أرسلت إلى دنقلة قد تحطمت في وادي ~~غمر، ولكني لا أعرف مبلغ هذه الإشاعة من الصحة أو الكذب. # وفي صباح اليوم التالي في 15 أكتوبر أخذت هذه الخطابات وذهبت إلى المهدي وأخبرته بأن ~~يرسلها مع أحد خدمي إلى أم درمان، ثم ذهبت وبحثت عن الصبي مرجان فورا - وكان عمره يومئذ 15 ~~سنة - فسلمته الخطاب أمام المهدي، وأمر المهدي واد سليمان بأن يعطيه حمارا ومقدارا من ~~النقود، وقبل أن يغادرنا مرجان أمرته وأكدت عليه بألا يخاطب أحدا سوى غوردون والقنصل ~~هانسل، وأن يقول لهما بأني أرغب في الذهاب إليهما. # وفي الظهر جاءنا فرسان من بربر وأكدوا لنا رواية تحطيم الباخرة وقتل الضابط ستيورات ومن ~~معه، وأحضروا معهم جميع الأوراق والوثائق التي كانت في الباخرة، وأمرني الخليفة بأن أقرأ ما ~~هو مكتوب منها باللغات الأوروبية، ووجدت بين هذه الأوراق جملة خطابات مرسلة من الخرطوم ~~ووثائق رسمية أخرى. # وكان أهم ما في هذه الأوراق التقرير الحربي الذي يصف الحوادث اليومية في الخرطوم، ولم يكن ~~ممهورا بتوقيع، ولكنني لم أشك في أن كاتبه هو غوردون، ولم أطلع إلا على جزء من المكاتبات ~~التي لم أنته من قراءتها قبل أن دعاني المهدي وسألني عن محتويات هذه الأوراق، فأجبته بأن ~~معظمها رسائل شخصية، وأن بها تقريرا حربيا لم أفهمه. وكان بين هذه المكاتبات لسوء الحظ ~~بعض الخطابات والتقارير المكتوبة بالعربية، تمكن المهدي والخليفة أن يقفا منها على الحالة ~~في الخرطوم، وكان بينها خطاب نصفه بالأرقام ونصفه بالحروف مرسل من غوردون إلى الخديو، وقد ~~تمكن عبد الحليم أفندي الكاتب السابق في كردوفان أن يفهمه، ووجدت بين تقارير القنصليات خبر ~~وفاة صديقي أرنست مارنو الذي مات في الخرطوم من الحمى. # وناقشني المهدي في الأوراق التي نرسلها إلى غوردون لكي نقنعه بأن الباخرة قد تحطمت وأن ~~الضابط ستيورات قد قتل، وكان يعتقد أن هذا يجعل غوردون مضطرا إلى التسليم، فأشرت على ~~المهدي بأن أحسن ما يقنعه هو تقريره الحربي، ms146 وأنه يجب لذلك رده إليه. وطال الجدال في هذا ~~الموضوع وأخيرا استقر الرأي على مقترحي. # وفي مساء اليوم الثاني عاد إلي مرجان الذي كنت أرسلته بخطاب إلى غوردون وغيره، ولكنه لم ~~يحضر معه جوابا، فلما سألته عن سبب ذلك قال إنه عندما وصل إلى قلعة أم درمان وسلم ~~الخطابات، خرج إليه بعد مدة ضابط القلعة وأخبره بأن يعود وأنه لن يجاوب على ~~الخطابات. # وأخذت هذا الصبي في الحال إلى المهدي فأعاد هذا الجواب، ثم ذهبت إلى الخليفة وأخبرته بما ~~جرى. وفي المساء نفسه دعاني المهدي وأمرني بأن أكتب خطابا آخر، وقال إنه متأكد أن غوردون ~~سيجاوب عندما يسمع بتحطيم الباخرة. وأبديت استعدادا في الحال لطاعة أمره، وأشار علي بأن ~~يحمل مرجان هذا الخطاب أيضا، فذهبت إلى مكاني على العنجريب وقعدت إلى ضوء مصباح ضعيف وكتبت ~~بضع كلمات عن فقدان الباخرة ووفاة ستيوارت، وذكرت جملة أشياء كنت قد شرحتها في خطاباتي ~~السابقة. وقلت له إنه إذا كان يعتقد أني أتيت أمرا يخالف واجبات الضابط، وأن هذا هو الذي ~~منعه من الإجابة على خطاباتي؛ فأنا أرجوه أن يتيح لي الفرصة لكي أدافع عن نفسي حتى يحكم ~~علي حكما سديدا. # وفي الصباح ذهبت مع مرجان إلى المهدي، وأمر المهدي أحمد واد سليمان أن يعطي مرجان حمارا ~~وسلمه خطابي، ثم سافر مرجان وجاءنا بعد يوم ومعه جواب من هانسل مكتوب بالألمانية ومعه ترجمة ~~بالعربية وهذا نصه: # عزيزي سلاطين بك # لقد وصلت خطاباتك، وأنا أعرض عليك أن تمضي إلى طابية راغب بك - في قلعة أم درمان ~~- وأنا أرغب في أن أخاطبك بشأن الإجراءات الخاصة بتخليصنا، ويمكنك أن ترجع بعد ذلك ~~إلى صديقك. # المخلص لك # هانسل # ولم أفهم المقصود من هذا الخطاب؛ هل غايته الحقيقية خدع المهدي؟ إذ لو كانت هذه هي الغاية ~~لكانت الصيغة العربية كافية، ثم خطر ببالي أنه كان يمكنه أن يوضح غرضه باللغة الألمانية، ~~ولكن لعله توقى ذلك خشية وجود أحد في معسكرنا يفهم هذه اللغة فيغرر بي، واعتبرت ألفاظ ~~الخطاب فوجدته ms147 يقصد أو يلمح إلى انضمامه إلينا، وقد كانت راجت بيننا إشاعات عن خوفه من سقوط ~~المدينة ورغبته هو وسائر الضباط النمسويين في التسليم للمهدي، ولكن لم يكن من الممكن أن يبت ~~الإنسان في هذه النية، ثم قوله «ويمكنك بعد ذلك أن ترجع إلى صديقك»، هل يقصد به رجوعي إلى ~~المهدي أو رجوعي إلى غوردون؟ والحق أني قد غطي علي المعنى ولكنه كشف لي بعد مدة ~~قليلة. # وأخذت الخطاب في الحال إلى المهدي وأخبرته بأن النص العربي يوافق النص الألماني، ولما أتم ~~قراءته سألني هل أرغب في الذهاب إليه، فأجبت بأني مستعد لتلبية أمره وأني على الدوام طوع ~~إشارته. # فقال لي: «إني أخشي أنك إذا ذهبت إلى أم درمان ولقيت القنصل يقبض عليك غوردون ويقتلك؛ ~~لأني لا أعرف السبب في عدم كتابته إليك لو كان يحسن بك الظن.» # فقلت: «لست أعرف سبب سكوته عن الرد، وربما كان عنده من الأوامر ما يمنعه من مخاطبة العدو، ~~ولكني أظن أنه يمكن تسوية الحالة عندما ألتقي ب «هانسل»، وأنت تقول إن غوردون ربما يقبض ~~علي، ولكني لا أخشى ذلك، ولو حدث هذا لأمكنك أن تخلصني. أما أنه يقتلني، فهذا ما لن ~~يحدث.» # فقال المهدي: «إذن يمكنك أن تستعد للسفر وتنتظر أوامري.» # وكنت عند ذهابي إلى عشة المهدي قد سمعت بمجيء لبتون بك من بحر الغزال، وعند رجوعي الآن ~~ذهبت إليه ووجدته واقفا بباب الخليفة ينتظر الإذن بدخوله، ولم يكن من القواعد المرعية أن ~~يخاطب الإنسان أحدا لم يحصل بعد على عفو المهدي، فقال لي إنه يؤمل الأمل كله أن أذهب إلى ~~الخرطوم، وقال أيضا إنه ترك خدمه وأتباعه على مسيرة ساعات من المعسكر، وطلب مني أن أستأذن ~~الخليفة في مجيئهم، وبعد دقائق دعاه الخليفة فعفا عنه وأذن له بإحضار أتباعه، وأخبره أنه ~~سيقابل المهدي. # وذهبت أنا إلى مكاني وقعدت على العنجريب وأنا في أشد القلق أنتظر الأوامر لكي أذهب إلى أم ~~درمان، وكان يخطر ببالي وأنا قاعد أن المهدي ربما قد غير فكره ورجع ms148 عن عزمه بشأن ~~سفري. # وأخيرا جاءني خادم يخبرني أن الخليفة أرسل ملازميه في طلبي، فلما نهضت أخبرني الملازم ~~أن أسير معه إلى عشة يعقوب حيث كان أخوه الخليفة، فسارعت إلى عمامتي فتعممت واحتزمت وسرت ~~وراءه. ولكن لما بلغنا يعقوب قيل لنا إن الخليفة قد غادرها إلى عشة أبو أنجة، وداخلني شك ~~من هذا التطواف في الليل؛ إذ لم تكن هذه عادتنا، وكنت أعرف مقدار ما عند هؤلاء الناس من ~~المكر والخديعة فاستعددت لأي حادث، ولما بلغنا زريبة أبو أنجة أذن لنا بالدخول، وكانت هذه ~~الزريبة واسعة، وكان بها مظلات من قماش كل منها قائمة على عمود من خشب، وكل واحدة منفصلة ~~عن الأخرى بحائط من الذرة، وذهبنا في ضوء مصباح إلى إحدى هذه المظلات، فوجدت يعقوب وأبو ~~أنجة وفضل المولى وزكي طومال والحاج زبير قاعدين في حلقة يتكلمون بجد ونشاط، وكان وراءهم ~~بضعة رجال قد وقفوا وهم مسلحون، ولكني لم أجد أثرا للخليفة الذي قيل لي إنه يستدعيني، ~~وتأكدت عندئذ أن هناك مؤامرة علي. وتقدم الملازم وخاطب يعقوب ثم أمرت بالتقدم وقعدت بين ~~الحاج زبير وفضل المولى مواجها لأبي أنجة. # فخاطبني أبو أنجة قائلا: «لقد وعدت المهدي يا عبد القادر أن تخلص له، وواجب عليك أن تفي ~~بوعدك، ثم عليك أن تطيع الأوامر وإن كان فيها ما يؤلمك، أليس كذلك؟» # فقلت: «هذا حق، وأنت يا أبا أنجة إذا سلمت لي أمرا من المهدي أو من الخليفة تجدني ~~مطيعا.» # فقال: «إني أمرت بالقبض عليك ولكن لا أعرف السبب.» وعندما قال هذا استل الحاج زبير سيفي - ~~وكنت قد وضعته على ركبتي كما هي العادة - ثم سلمه لزكي طومال وقبض بكلتا يديه على ذراعي ~~اليمنى، فقلت للحاج زبير: «لم آت هنا لكي أقاتل، فعلام تقبض على ذراعي؟ ولكن افعل ما أمرت ~~به يا أبا أنجة.» # وهكذا قضي علي بما كنت أقضي به على غيري، ثم وقف أبو أنجة والحاج زبير وخلى ذراعي، ثم ~~أشار أبو أنجة إلى مظلة في الظلام وقال: «اذهب إلى ms149 هذه المظلة.» # فرافقني السجان ومعه ثمانية آخرون إلى المظلة، ثم طلب مني أن أقعد على الأرض وأحضرت لي ~~السلاسل، وقعدت فوضع في كل من ساقي حلقة طرقت حتى تضام طرفاها، ثم وضع حول عنقي حلقة ~~أخرى وبها سلسلة كانت تعوق حركة عنقي، وتحملت كل ذلك وأنا صامت، ثم غادرني الحاج زبير، وقال ~~لي الحارسان اللذان تركا معي أن أقعد على الحصير الذي بجانبي. # والآن بدأت أفكر. وكنت ألوم نفسي على أني لم أجازف وأفر إلى الخرطوم على جوادي، ولكن هل ~~كان غوردون يقبلني وقد صرت بعيدا عن الخطر كما قال المهدي؟ ولكن ما هو حظي الآن؟ هل هو حظ ~~محمد باشا سعيد وعلي بك شريف؟ ولم تكن عادتي التفكير في همومي الشخصية. وتذكرت قول المادبو: ~~«كن مطيعا وصبورا، اللي عمره طويل بيشوف كتير»، وقد مارست الطاعة والآن يجب أن أمارس ~~الصبر، أما العمر الطويل ففي يد الله وحده. # وبعد ساعة لم أتمها بالضرورة رأيت عددا من الملازمين يقتربون مني ومعهم المصابيح، وعندما ~~اقتربوا رأيت بينهم الخليفة عبد الله فوقفت وانتظرت. # ورآني واقفا أمامه فقال: يا عبد القادر، هل سلمت أمرك للقدر؟ # فقلت بلهجة الاطمئنان: «مذ كنت طفلا. لقد اعتدت الطاعة، والآن يجب أن أطيع أردت أو لم ~~أرد.» # فقال: إن صداقتك لصالح واد المك وخطاباتك لغوردون قد جعلتنا نشتبه في أمرك، وهذا هو ما ~~ألجأني إلى أن أجبرك على أن تسير في الطريق القويم. # فقلت: «إنني لم أخف صداقتي مع صالح واد المك، إنه صديقي وأظن أنه مخلص لك، أما خطاباتي ~~لغوردون فقد أمرني المهدي أن أكتبها.» # فقال الخليفة: هل أمرك بأن تكتب ما كتبت؟ # فقلت: «لقد كتبت ما أمرني به المهدي، ولا يمكن أحدا أن يعرف محتويات هذه الخطابات سواي ~~أنا ومن كتبت إليه، وكل ما أرجوه يا مولاي هو العدل وألا تصغي لأقوال الدساسين.» # ثم غادرني، فحاولت أن أنام ولكن أعصابي كانت هائجة، فكانت الخواطر المختلفة تمر برأسي، ~~وكان الحديد حول عنقي وساقي يؤلمني أشد الألم؛ فلم يكن ms150 النوم مستطاعا، وما كدت أغفو تلك ~~الليلة برهة قصيرة. وفي شروق الشمس جاءني أبو أنجة ومعه خدم يحملون طعاما، وقعد على الحصير ~~إلى جانبي ووضع بيننا الطعام، وكان الطعام فاخرا يحتوي على فراريج ورز ولبن وعسل ولحم ~~مشوي وعصيدة، ولكني قلت له إنه ليس عندي شهوة للطعام، فقال لي: «أظنك خائفا يا عبد ~~القادر ولهذا لا يمكنك أن تأكل.» فقلت: «كلا، لست أخاف شيئا، وإنما لا أشتهي الطعام الآن، ~~ومع ذلك سآكل شيئا حتى لا تستاء.» ثم بلعت لقمتين. وكان أبو أنجة يتودد إلي ويظهر لي أني ~~ضيفه المكرم. # ثم قال لي: «لقد استاء الخليفة لأنك لم تظهر له خضوعا وقال إنك عنيد، وإن هذا في رأيه هو ~~السبب في عدم خوفك.» # فقلت: «هل كان يجب علي أن ألقي نفسي على قدميه وأطلب منه العفو عن جرائم لم أرتكبها؟ أنا ~~في يديه فليفعل بي ما يشاء.» # فقال: «غدا سنتحمل ونسير نحو الخرطوم ونضيق الحصار على المدينة ثم نهجم هجمة واحدة، ~~وسأطلب من الخليفة أن تبقى معي وسيكون هذا أهون عليك من ذهابك إلى السجن.» # فشكرته وغادرني. # وقضيت اليوم كله وأنا وحدي، وكنت أؤدي الصلاة بعناية أمام الحرس وغيرهم، وكان في يدي ~~مسبحة أسبح بها كما هو الشأن بين المسلمين الطيبين، ولكن الحقيقة أنني كنت أكرر عليها صلاة ~~النصارى: «أبانا الذي في السموات.» # وكنت أرى على مسافة مني خيولي وخدمي وسائر أمتعتي، وجاء أحد خدمي إلي وأخبرني بأنه أمر ~~بأن يلتحق بأبي أنجة. # وفي بكور اليوم التالي قرعت الطبول للتقدم، فقوضت الخيام وحملت الجمال وتحرك المعسكر ~~بأجمعه، وكان الحديد في ساقي يمنعني من المشي، فأحضروا لي حمارا. وكانت السلسلة المربوطة ~~بها الحلقة التي حول عنقي طويلة تحتوي على 83 حلقة، كنت أسلي نفسي بعدها وأطويها طيات حول ~~جسمي. وحملت إلى ظهر الحمار يسندني من كل جانب رجل حتى لا أقع، وكنت وأنا سائر يمر بي ~~أصدقائي فيتحسرون ولا يجسرون على مخاطبتي، ووقفنا بعد الظهر على ربوة أمكنتنا من رؤية نخيل ~~الخرطوم، ms151 فشعرت بالشوق الشديد يغالبني للانضمام إلى الحامية. # ثم حططنا وأمرنا بضرب خيامنا مؤقتا تحت إمرة الخليفة عبد الله، أما الأمراء الآخرون فقد ~~ذهب كل منهم بجنده واختار مكانا لمعسكره، وكنت في هذا الوقت قد شعرت بالجوع الشديد ~~واشتقت إلى شيء من الطعام الذي قد قدمه لي أبو أنجة في الأمس، ولكن أبا أنجة كان قد التحق ~~بالخليفة وكان قد نسيني. # وحدث أن زوجة أحد الحراس اهتدت إليه وأحضرت له خبزا من الذرة فأكلت معه، وفي الصباح ~~استأنفنا مسيرنا وبقينا نمشي نحو ساعة، ثم حططنا ثانيا في المكان الذي اختير نهائيا ~~للمعسكر. # وكان أبو أنجة قد رتب كل شيء لكي أبقى معه ولا أرسل إلى السجن، فنصبت لي خيمة ممزقة قديمة ~~وضع حولها زريبة من الشوك، فقعدت تحت هذه الخيمة ووضع على بابها ديسة من الشوك يليها ~~الحرس. # وأمر المهدي الآن بتضييق الحصار، وفي المساء أرسل عددا من الأمراء إلى الضفة الشرقية ~~لمعونة واد النجومي وأبي حرجة، وطلب من جميع أهالي هذه الناحية أن ينضموا إلى المحاصرين، ~~وأمر أبو أنجة وفضل المولى بأن يذهبا إلى قلعة أم درمان لحصارها، وكانت تقع على بعد نحو 400 ~~متر من النهر من الضفة الغربية، وكان يدافع عنها فرج الله باشا وهو ضابط سوداني ترقى من ~~رتبة كابتن في عام واحد إلى أن صار قائدا للقلعة، وكان الذي رقاه بهذه السرعة غوردون، ~~وتمكن أبو أنجة من أن يحفر الخنادق بين القلعة والنهر ويضع فيها جنوده على الرغم من إطلاق ~~النار عليه من البواخر والقلعة، بل تمكن أبو أنجة من أن يغرق إحدى هذه البواخر وهي الباخرة ~~«حسينية» بواسطة مدفع سدد مرماه إليها، ولكن البحارة فروا إلى الخرطوم. # وأهمل أمري مدة الحصار، وكان حرسي يغير كل يوم وكانت معاملتهم تختلف، وكانت الرقابة تشتد ~~علي إذا كان الحرس مؤلفا من عبيد أسرى، ولكن إذا كانوا جنودا يعرفونني فإنني كنت ألاقي ~~منهم بعض الحرية، وكانوا يؤدون لي الخدمات الصغيرة، ولكنهم كانوا يمنعونني من مخاطبة أي ~~إنسان، وكان طعامي ms152 سيئا، وكان أبو أنجة مشتغلا بالحصار فبقيت أنا مدة غيابه تحت رحمة ~~زوجاته، وكان قد أمرهن بطعامي. # وحدث في إحدى المرار أن حارسي كان أحد جنودي القدماء، فبعثته برسالة إلى رئيسة زوجات أبي ~~أنجة أشكو إليها عدم إطعامي مدة يومين، فأرسلت إلي جوابها تقول: «هل يظن عبد القادر أننا ~~نسمنه هنا بينما عمه غوردون باشا لا عمل له إلا في إلقاء القنابل على زوجنا الذي ربما يقتل ~~بسببه؟!» # وقد كانت هذه المرأة مصيبة في قولها إذا اعتبرت وجهة نظرها. # وكان يسمح أحيانا لبعض اليونان بالمجيء إلي ومخاطبتي، وكانوا يخبرونني بما يجد من ~~الأخبار. # وكنا عندما حططنا رحالنا هنا قد قبض على لبتون بك وقيد بالسلاسل بتهمة محاولة الانضمام ~~إلى غوردون، ولما فتشت أمتعته وجدت فيها وثيقة وقع عليها الضابط، مؤداها أنه اضطر إلى تسليم ~~المديرية وأخذت زوجته وابنته البالغة من العمر خمس سنوات إلى بيت المال، وكانت زوجته زنجية ~~في خدمة «روسيت» القنصل الألماني من الخرطوم، ولما عين مديرا في دارفور ذهبت معه، فلما مات ~~في الفاشر التحقت بلبتون بك وسافرت معه إلى بحر الغزال، وأمر الخليفة بتصفية جميع ما يمتلكه ~~لبتون، ولكنه أذن لزوجة لبتون وابنته بأن يكون معهما خادم. # وفي أحد الأيام جاءني جورجي كالامنتينو وأخبرني بأن الجيش الإنجليزي بقيادة ولسون يتقدم ~~نحو دنقلة، ولكنه لا يزال في صعيد مصر وإن كانت الطلائع قد بلغت دنقلة. # وكان غوردون بعد أن أذاع منشور إخلاء السودان قد أفهم أهالي الخرطوم أنه سيجيء إليهم جيش ~~لإنجادهم، وتمكن من بث روح الشجاعة والرجاء في جنود الحامية؟ ولكن بقي الشك في ميعاد مجيء ~~الجيش، وهل يأتي قبل فوات الفرصة؟ # وفي أحد الأيام جاءني ملازم من قبل الخليفة وطوق عنقي وساقي بملفات أخرى غير ما كان ~~علي، وأضاف إليها قضيبا من حديد، وظننت أن الغرض من ذلك إذلالي، وكنت لا أقوى قبلا على ~~النهوض لثقل ما أحمله من القيود، فلم تزد إضافة هذه القيود الجديدة شيئا لأني كنت راقدا ~~طول الوقت! # ومضى اليوم التالي ms153 دون أن يحدث فيه شيء، وكنت أسمع من وقت لآخر فرقعة العيارات بين ~~المحصورين والحاصرين، ولكن اليونان الذين كانوا يزودونني قبلا من الأخبار منعوا الآن من ~~مخاطبتي، فبقيت لذلك في جهل من كل ما يجري حولي. # وفي إحدى الليالي بعد غروب الشمس بنحو أربع ساعات عندما كان النوم يتسلل إلى أعضائي ~~وينسيني ما أنا فيه، أمرني الحارس بأن أنهض في الحال، فوقفت ورأيت ملازمي الخليفة الذين ~~أخبروني بأن الخليفة في أثرهم قادم إلي، ثم رأيت جماعة تحمل مصابيح فأخذت أسائل نفسي: لم ~~يأتي إلي الخليفة الآن؟ # ولما اقترب الخليفة مني قال لي بلهجة الملاطفة: «يا عبد القادر اقعد.» # ثم بسط له خدمه فروته فقعد إلى جانبي وقال: «هنا ورقة أرغب في أن تخبرني عما فيها لكي ~~تثبت لي أمانتك.» فأخذت الورقة وقلت: «سأفعل يا مولاي.» # وكانت الورقة لا تزيد في الحجم عن نصف ورقة سيجارة، وقد كتبت من الجانبين، وكان مكتوبا ~~عليها باللغة الفرنسية ما يلي: # عندي عشرة آلاف رجل تقريبا، ويمكنني الدفاع عن الخرطوم إلى آخر شهر يناير، ~~وإلياس باشا كتب إلي، وقد أجبر على ذلك، إنه رجل مسن وغير كاف، أنا أغفر له، ~~جرب محمد أبو حرجة أو غن لنا أغنية أخرى. # غوردون # ولم يكن هناك ما يشير إلى الشخص المرسلة إليه هذه الرسالة، وكنت متأكدا بأنه ليس في ~~معسكرنا من يعرف الفرنسية؛ وهذا هو سبب مجيء الخليفة إلي. # ثم قال الخليفة وقد نفد صبره: «قل هل فهمت مضمونها؟» # فقلت: «الرسالة من غوردون وهي مكتوبة بخطه بلغة جفرية لا يمكنني أن أفهمها.» # فقال الخليفة وقد بدا عليه الغضب: «ماذا تقول؟ أوضح ما تقول.» # فقلت: «هنا كلمات لا أدرك معناها، فإن لكل كلمة معنى خاصا ولا يمكن أن يفهمها إلا من ~~اعتاد تفسير الجفر، ولو سألت أحدا من الموظفين السابقين لأكد لك صحة قولي.» # فهاج الخليفة وصاح بي غاضبا: «أليس في الرسالة اسم إلياس باشا واسم محمد أبو ~~حرجة؟» # فقلت بلهجة التهكم: «لقد صدق من أخبرك بهذا فإني يمكنني ms154 أن أقرأ اسميهما، ولكن لا أفهم ~~شيئا عما يقصد من ذكرهما، ولعل الذي أخبرك بهذين الاسمين يمكنه أن يفسر سائر ما في ~~الرسالة، ثم إني أجد فيها أيضا رقم 10000، ولكن لا أعرف هل المقصود منه عدد الجنود أو غير ~~ذلك.» # فأخذ الورقة من يدي وهو يقول: «إني مهما عجزت عما في هذه الورقة فإن غوردون سينهزم وستسقط ~~الخرطوم.» ثم تركني مع الحرس. # والآن عرفت أن غوردون يقول إنه يمكنه الثبات إلى آخر يناير، وكنا في أواخر ديسمبر فهل ~~يمكن إنقاذ البلدة قبل فوات الفرصة؟ ولكن ماذا يعنيني من كل ذلك؟ ها أنا ذا مقيد بالسلاسل ~~ولست أقدر على عمل شيء يغير مجرى الحوادث. # وبلغنا أول يناير الذي يقول غوردون إنه يمكنه أن يثبت فيه إلى آخره، وأخذت أشعر أن الساعة ~~الحاسمة تقترب. # واشتد القتال بين قلعة أم درمان وبين الدراويش، وكان فرج الله باشا يجهد جهده، وحاول على ~~الرغم من قلة عدد الحامية أن يفتق فتقا في القوة المحاصرة ويخرج، ولكنه رد إلى القلعة ~~ثانيا، وفقدت مئونة القلعة وشرع عندئذ في مفاوضات التسليم، وكان فرج الله قد خاطب غوردون ~~بالرايات عن التعليمات الواجب اتباعها، فأذن له غوردون في التسليم إذا لم يكن قادرا على ~~الثبات، وعفا المهدي عن جميع رجال الحامية، ولما خرجت الحامية دخل رجال المهدي ولكنهم خرجوا ~~في الحال؛ لأن مدفعية الخرطوم أمطرتهم وابلا من القنابل، وكان في القلعة مدفعان ولكن ~~مداهما أقصر من المسافة التي بينهما وبين البلدة، وحدث التسليم في 15 يناير سنة ~~1885. # ووقع أن أم درمان سقطت؛ فإن المهدي لم يرسل أي أمداد للمحاصرين في شرقي الخرطوم وجنوبها؛ ~~لأنه كان يعرف أن القوة المحاصرة تكفي للمهمة المنتدبة لها. وكان كما كانت حامية الخرطوم، ~~كلاهما ينظر بعين القلق الشديد إلى الشمال حيث تكون الكلمة الفاصلة. # وكان غوردون باشا قد أرسل إلى متمة خمس بواخر بقيادة خشم الموس وعبد الحميد واد محمد؛ لكي ~~تنتظر مجيء الإنجليز وتجيء بهم إلى الخرطوم بأسرع ما يمكنها، وكان غوردون ينتظر مجيئهم ms155 ~~بغاية القلق، وكان قد خاطر بكل شيء على مجيء القوة الإنجليزية، ولكن كل إنسان كان يجهل ما ~~تم في أمرها. # وأذن غوردون في أوائل الشهر لجملة عائلات بمبارحة الخرطوم، ولم يكن إلى هذا الوقت يجيز ~~لنفسه طردهم؛ ولذلك اضطر إلى توزيع المئونة عليهم، فكان يوزع مئات الأوقات من البسكويت ~~والذرة على الفقراء كل يوم، وهو على هذا العمل يستحق مكافأة الله، ولكنه في الوقت نفسه قضى ~~على نفسه وعلى رجاله، فقد نفد الزاد وصار كل إنسان يبكي ويطلب الخبز، وعاد الآن إلى إغراء ~~الأهالي بالخروج من المدينة، وهو لو كان قد فعل ذلك منذ شهرين أو ثلاثة لكان عنده من ~~المئونة ما يكفي رجاله مدة طويلة، ولكنه كان يعتمد على مجيء الجيش؛ وكان لذلك لا يعنى ~~بادخار المئونة، فهل كان يعتقد أنه لا يمكن جيشا إنجليزيا أن يتأخر عن ميعاده؟ # وبعد ستة أيام من سقوط أم درمان سمعت عويلا في المعسكر لم أسمع مثله منذ خروجي من ~~دارفور، وكان المهدي يمنع الناس من إظهار الحزن على الموتى أو القتلى؛ لأنهم في مذهبه ~~يدخلون النعيم، ففهمت أنه لا بد أن قد حدث شيء غير عادي حتى يخالف الناس مذهب المهدي، ~~وكان الحراس المكلفون بحراستي يتطلعون لمعرفة سبب هذا العويل، وقد تركوني لهذه الغاية، ~~وعادوا بعد قليل يقولون إن طلائع الجيش الإنجليزي التقت بالقوات المجموعة من البرابر ~~والجعالين والدغيم وكنانة الذين يقودهم موسى واد حلو، وهزمتهم في أبو نلا - أبو كلبة - وقد ~~هلك كثيرون ولم ينج إلا عدد قليل عادوا وأكثرهم به جراحات وقد فني الدغيم وكنانة تقريبا، ~~وقتل موسى واد هلو وعدد من الأمراء أيضا. # فيا للبشرى! لقد كان قلبي يثب وثوبا لهذه الأخبار، وقلت لنفسي لقد جاء الرجاء بعد هذه ~~السنوات الطويلة، وأمر المهدي والخليفة بأن يكف الناس عن العويل، ولكنه استمر مع ذلك عدة ~~ساعات وأرسلت الأوامر لنور أنجرة بأن يقوم إلى متمة. # وبعد يومين أو ثلاثة جاءتنا أخبار هزيمة أخرى في أبي كر وهزيمة أخرى أيضا في قبة ms156 «جوبات» ~~وتيار قلعة على النيل قريبة من متمة. # وعقد المهدي وأمراؤه مجلسا للتشاور، فقد رأوا أن كل ما جنوه من الانتصارات السابقة قد ~~بات في خطر، حتى إن المحاصرين للخرطوم خافوا وارتدوا من الحصار، وصار القضاء على المهدي ~~مسألة يمكن إنهاؤها في بضعة أيام، فيجب عليهم أن يخاطروا بكل شيء، فأرسلت الأوامر للمحاصرين ~~بأن يستعدوا الاستعداد التام للهجمة الأخيرة. # ثم لم لم تأت البواخر التي تحمل الجنود الإنجليزية؟ فهل كان قواد هذا الجيش يجهلون أن ~~حياة جميع من في الخرطوم قد باتت في خطر؟ ولقد انتظرنا طويلا لكي نسمع صفير البواخر يؤذن ~~بمقدم الإنجليز ودوي مدافعهم فوق خنادق الدراويش، ولكن انتظارنا كان عبثا، أجل كان عبثا، ~~ولم نكن نفهم علة هذا التأخير أو معناه، وكنا نتساءل هل طرأ عائق جديد؟ # وكان اليوم الأحد 15 يناير، وهو يوم لن أنساه في حياتي؛ ففي مساء ذلك اليوم عبر المهدي ~~وخلفاؤه في زورق إلى الشط الشرقي، حيث كان رجالهم مجتمعين للقتال، وكان قد عرف أن النية قد ~~عقدت على مهاجمة الخرطوم في صباح اليوم التالي، وذهب المهدي لكي يحمس رجاله ويذكرهم بالجهاد ~~والقتال إلى الموت، وكنت أدعو الله أن يكون غوردون قد عرف هذه النية واستعد لها. # وفي هذا الوقت أمر المهدي والخلفاء أتباعهم بألا يهتفوا ولا يصيحوا؛ حتى لا تدخل الشبه ~~في قلوب رجال الحامية الذين أنهكهم الجوع والكلال، وخطبهم المهدي وهم سكون ثم عادوا إلى ~~الشط الغربي بعد أن خلف الخليفة شريف الذي رجاه أن يبقى مع المجاهدين. # وكانت تلك الليلة أحفل ليالي في قلق النفس وثورتها، فقد كنت أقول لنفسي لو أن الحامية ~~تثبت هذه الليلة وتصد المغيرين، إذن لن أخشى شيئا على الخرطوم، أما إذا انهزمت فإننا نفقد ~~كل شيء في السودان، وشعرت بإعياء في الفجر وبدأ النوم ينسل إلي، وإذا بي أسمع ضجيج ~~المدافع والبنادق من آونة لأخرى، ثم شمل السكون مرة أخرى، ولم يكن النور قد قشع الظلام بعد ~~حتى لم أكن أتبين الأشياء، فما معنى كل ms157 هذا؟ ضجيج المدافع والبنادق ثم سكون تام؟ # ثم ظهر قرص الشمس أحمر في الأفق، فتساءلت: ماذا يأتينا به هذا النهار؟ وقعدت أنتظر وأنا ~~في أشد القلق وهياج النفس، ثم سمعت أصوات الابتهاج والنصر من بعيد وتركنا الحرس وجروا لكي ~~يعرفوا سبب هذه الأصوات، وبعد دقائق عادوا إلينا وأخبرونا بأن الخرطوم أخذت عنوة وصارت ~~الآن في أيدي الدراويش، وبقي لي شك أتعلل به؛ هل تكون هذه الأخبار كاذبة؟! # ثم زحفت ونهضت وأخذت أنظر في المعسكر فوجدت جما غفيرا من الناس قد تألبوا حول مكان ~~المهدي والخليفة، ثم رأيت هؤلاء الناس يسيرون نحوي، وكان أمامهم ثلاثة من الزنوج يدعى أحدهم ~~«شطة»، وكان سابقا أحد الحرس العبيد عند ضيف الله، وكان في يده قماش مشرب بالدم قد لف ~~على شيء وكان وراءه جمهور من الناس يبكون، واقترب العبيد الثلاثة مني ثم وقفوا وهم يشيرون ~~إشارات الإهانة والسباب، ثم حل «شطة» القماش وأخرج لي رأس غوردون! # فدار رأسي وشعرت كأن قلبي قد وقف، ولكني جمعت كل قواي وضبطت نفسي ونظرت إلى هذا المنظر ~~المفزع وأنا صامت، وكانت عينا غوردون الزرقاوان قد فتحتا إلى النصف، أما الفم فكان في هيئته ~~العادية، وكان شعر رأسه وعارضيه قد علاهما الشيب. # وقال «شطة» وهو ممسك بالرأس أمامي: «أليس هذا رأس عمك الكافر؟» # فقلت بهدوء: «وما في ذلك؟ جندي شجاع وقع وهو يقاتل، إنه لسعيد إذ قد انتهت ~~آلامه.» # فقال شطة: «ها، ها، لا تزال تمدح الكافر، ولكنك سترى النتيجة.» # ثم تركوني وذهبوا إلى المهدي ومعهم إشارة النصر المفزعة هذه ووراءهم جمهور يبكي. # ثم عدت إلى خيمتي وقد ماتت نفسي في جسمي، أجل لقد سقطت الخرطوم ومات غوردون، وهذا إذن هو ~~نهاية حياة هذا البطل الذي وقع وسيفه في يده، هذا الرجل الذي لم يكن يعرف الخوف والذي كان ~~له من الخصال ما أذاع شهرته في العالم أجمع. # فما هي فائدة الجيش الإنجليزي الآن؟ لقد تأخر في متمة وكان في تأخيره هلاك الخرطوم، لقد ~~وصلت طلائع الإنجليز إلى جوبات ms158 على النيل في 20 يناير، ووصلت بواخر غوردون الأربع في 21 ~~منه، فلماذا لم يرسلوا على هذه البواخر جنودا إلى الخرطوم مهما كان عددهم قليلا؟! فلو أن ~~الحامية رأت عددا من هؤلاء الجنود لامتلأت قلوبهم حماسة وقوة ورجاء، ولاستطاعوا أن يتصدوا ~~للعدو، وكان السكان الذين فقدوا كل ما عندهم من ثقة في وعود غوردون تعاودهم ثقة جديدة ~~ويحاربون إلى صف الحامية لتأكدهم بأن القوة الإنجليزية توشك أن تنجدهم. # وقد جهد غوردون جهده لكي يثبت وقد أعلن أن جيشا إنجليزيا قادم إليه، وطبع نقودا من ~~الورق وكان يوزع الأوسمة والرتب كل يوم بلا حساب لكي يشجع الجنود، ولما أخذت الأحوال تسوء ~~واليأس يحل، كان هو يجاهد في تحميس الجنود وترجيتهم، ولكن اليأس قلب الرجاء، فلم يعودوا ~~يروا فائدة في هذه الأوسمة والرتب، أما نقود الورق فربما كان هناك من يشتري ورق الجنيه ~~بقرشين آملا أملا ضعيفا في الربح إذا جاءت المصادفات بانتصار للحكومة. # ولم يكن أحد يصدق وعود غوردون الآن، ولو أن باخرة واحدة حملت بعض الجنود وجاءت بهم إلى ~~الخرطوم وأخبرتهم بأن الإنجليز انتصروا، لامتلأت قلوب السكان والجنود حماسة وصدقوا وعود ~~غوردون، وكان عندئذ يمكن لضابط إنجليزي أن يرى الجزء الذي دمره فيضان النيل من حصون ~~المدينة وكان في الحال يأمر بإصلاحه، ولكن ماذا كان يمكن أن يصنعه غوردون وهو وحيد وليس معه ~~مساعد أوروبي؟ # ولم يكن في مستطاعه أن ينظر في كل شيء، كما أنه لم تكن بين يديه الوسائل التي تمكنه من ~~التحقق من مرءوسيه؛ هل ينفذون أوامره أم لا. وكيف كان يمكن قائدا أن ينتظر من جنوده القيام ~~بتنفيذ أوامره إذا كان غير قادر على أن يضمن لهم قوتهم؟ # وفي الليلة المشئومة ليلة 25 يناير علم غوردون بأن المهديين سيهجمون على المدينة، فأرسل ~~أوامره يخبر القواد هذا الخبر، ولعله كان يشك في صدق نيتهم في الهجوم في بكور اليوم التالي، ~~وفي الوقت الذي عبر فيه المهدي إلى الضفة الشرقية كان غوردون قد أمر بإطلاق بعض الأسهم ~~النارية ms159 في الفضاء، وكانت ألوانها كثيرة مختلفة، وكانت الموسيقى تعزف في الوقت نفسه، والغرض ~~من كل ذلك تحميس الجنود الذين أضناهم الجوع حتى يثوب إليهم نشاطهم. وانتهت الأسهم النارية ~~وسكتت الموسيقى، ثم نامت الخرطوم وشرع العدو يزحف في حذر وصمت. وكان رجال العدو يعرفون ~~أماكن الضعف في الحصون، وكانوا يعرفون أن الجنود النظاميين قد وضعوا في الأماكن القوية، في ~~حين أن الخندق المتهدم القريب من النيل الأبيض وأيضا مصطبة الخندق لم يكن يحميها سوى ~~الأهالي الضعاف. # وكان هذا الجزء من الحصون في حال سيئة؛ لأن بناءه لم يتم، وكان كل يوم يزداد الجزء المعرض ~~منه على النيل، واجتمع معظم الدراويش عند هذه النقطة وكانت سائر قواتهم تواجه سائر الحصون، ~~وشرع في الهجوم عند إشارة متفق عليها، وفر في الحال جميع من كانوا عند النيل الأبيض بعد أن ~~أطلقوا بضع طلقات. وبينما كان الجنود يشتغلون في صد هجوم القوات الأخرى المهاجمة، كان الآن ~~الدراويش يدخلون من جهة النيل الأبيض ويخوضون في الماء والوحل إلى ركبهم، ثم ينصبون في ~~الشوارع. ودهش الجنود إذ رأوا الدراويش يهاجمونهم من خلف. # ولم يقاوم الجنود عندئذ إلا مقاومة ضعيفة ووضع كل منهم سلاحه في الحال، ثم قتل المصريون ~~أما السود فلم يقتل منهم إلا عدد قليل، ولم تبلغ خسارة العدو ثمانين أو مائة رجل، ثم فتح ~~الدراويش أبواب المدينة فخرج من تبقى من الجنود إلى معسكر المهدي. # ولما دخل الدراويش من جهة النيل الأبيض تصايحوا وهم يعدون في المدينة: «للسراية، ~~للكنيسة»؛ لأنهم كانوا يعتقدون أنهم سيجدون هناك الأموال المدخرة كما يجدون غوردون الذي ~~دافعهم طويلا عن المدينة وعكس عليهم أغراضهم، وكان القادة في هذا الهجوم رجال مكين واد ~~النور الذي قتل بعد ذلك في معركة توسكي، وهو ينتمي إلى قبيلة العرافين، وكان قائدهم السابق ~~شفيق مكين الذي كان يدعى عبد الله واد النور، وقد قتل في حصار الخرطوم، وكان رجاله الآن ~~يرغبون في الثأر له، وكان عدد كبير أيضا من رجال أبو حرجة يستبقون نحو السراي وكانوا ms160 ~~يرغبون في الانتقام لهزيمتهم في بورى؛ حيث هزمهم غوردون. # ولما دخلوا السراي وجدوا الخدم في قبو السراي فقتلوهم في الحال، وكان غوردون واقفا على ~~السلم المؤدي إلى غرفة الجلوس فقال لهم عندما رآهم: «أين مولاكم المهدي؟» # ولكنهم لم يكترثوا لهذا السؤال وتقدم أولهم وطعن غوردون بحربته فوقع على وجهه دون أن ينطق ~~بكلمة، فأخذ القتلة يجرونه على السلالم إلى باب السراي، وهنا أخذوا رأسه وأرسلوه إلى المهدي ~~في أم درمان، أما الجسم فقد ترك لرحمة المتعصبين. # وكانت آلاف من هذه الخلائق الوحشية تمر على الجسم ويغمس كل منهم حربته في دمه، فلم يمض ~~زمن حتى صار الجسم قطعة مشوهة من اللحم، وقد بقيت بقع الدم مدة طويلة في المكان الذي قتل ~~فيه غوردون شاهدة على ارتكاب هذه الفظيعة، بل كانت ترى أيضا على درجات السلم مدة عدة ~~أسابيع، ولم تغسل إلا حين قرر الخليفة أن يتخذ هذه السراي مأوى لزوجاته السابقات ~~واللاحقات. # ولما أحضر رأس غوردون للمهدي قال إنه كان يود أن يحضر إليه غوردون حيا؛ لأنه كان ينوي ~~أن يدخله في الإسلام ثم يقايض به الحكومة الإنجليزية على عرابي باشا؛ لأنه كان يأمل أن ~~يساعده عرابي في فتح مصر. واعتقادي، أن المهدي كان ينافق في تأسفه هذا على قتل غوردون؛ لأنه ~~لو كان يرغب حقيقة في الإبقاء على حياته لما خالف أمره أحد. # وقد فعل غوردون كل ما في استطاعته لكي يقي حياة الأوروبيين الذين كانوا في الخرطوم؛ فقد ~~أذن للضابط ستيورت مع بعض القناصل وعدد كبير من الأوروبيين في السفر إلى دنقلة، ولكن بحارة ~~الباخرة «عباس» كانوا غير كفاة، وكانوا أيضا مستائين، فصدموا الباخرة في الشلالات فوقع ~~الضابط ستيورات ومن معه فريسة للغدر الذي قضى عليهم. # وكان غوردون يرغب في هروب اليونان، فسلمهم باخرة وتعلل في الظاهر بأنهم يعرفون البحر، ~~وأمرهم بالتفتيش في النيل الأبيض؛ وذلك كي يتيح لهم الفرصة بأن يسافروا جنوبا إلى أمين ~~باشا ولكنهم أبوا ذلك. وكان غوردون مهموما بسلامتهم فاقترح اقتراحا آخر؛ فإنه أمر ms161 الناس ~~بعدم السير في الطرق المؤدية إلى النيل الأزرق بعد الساعة العاشرة، ثم كلف اليونانيين ~~بحراسة هذه الطرق؛ وذلك لكي تتاح لهم الفرصة بالفرار على باخرة قد أرسيت قريبا، ولكن ~~اليونان اختلفوا فيما بينهم فضاع هذا التدبير. # وأنا لا أشك في أن هؤلاء اليونانيين لم يكونوا يرغبون في الفرار إلى الخرطوم؛ فإن معظمهم ~~كانوا يعيشون في بلادهم أو في مصر في فاقة شديدة، وهم لم ينالوا الثروة إلا في السودان؛ ~~ولذلك لم تطاوعهم نفوسهم على تركه. # وكان غوردون يريد أن يقي نفوس جميع الناس إلا نفسه، ويمكنني الآن أن أنتقد غوردون من حيث ~~إنه لم يحفر خنادق ولم يقم تحصينات تحمي السراي، ولكن الأرجح أن الذي منع غوردون من عمل ~~ذلك أنه خشي أن يتهم بالاهتمام بحياته، وربما كان هذا أيضا هو السبب في عدم وضعه حراسا ~~حول السراي. # وكان يمكنه أن يستعمل عددا من الجنود لهذا الغرض، وهل يمكن أحدا أن يشك في الفائدة التي ~~تعود على الجميع من حماية نفسه؟ وكان يمكنه بمثل هذا الحرس أن يصل إلى الباخرة «إسماعيلية» ~~القريبة من السراي. وكان فرغلي ربان هذه الباخرة قد رأى العدو وهو يهجم على السراي، فوقف ~~بالباخرة ينتظر مجيء غوردون، ولم يبرح الشط حتى تأكد أنه قتل، فاقتلع المرساة وسار إلى وسط ~~النهر ثم أخذ يروح ويغدو أمام المدينة حتى أشار إليه الدراويش بعفو المهدي. # وكان لفرغلي زوجة وعائلة في الخرطوم، فسلم بعد أن حصل على الأمان، ولكن ما كان أكثر ~~انخداعه! فإنه ذهب إلى بيته فوجد ابنه - وكان في العاشرة من عمره - مقتولا ووجد زوجته قد ~~ألقت بنفسها على ابنها وجسمها ممزق بالحراب. # وليس من الممكن أن يصف الإنسان مبلغ الفظاعة والقسوة في المذبحة التي تلت قتل غوردون؛ ~~فإنه لم ينج أحد سوى الرجال والنساء من العبيد وكل امرأة عليها شيء من الملاحة من الأحرار، ~~أما غير هؤلاء الذين نجوا من القتل فلم تكن نجاتهم إلا مصادفة. وانتحر كثير من الناس وكان ~~من بينهم محمد باشا حسن ms162 ناظر المالية، فإنه زحف إلى جنب ابنته وزوجها، وكان كلاهما قد قتل، ~~وقد رآه أصدقاؤه في هذه الحال فحضوه على الفرار ولكنه أبى، فحاولوا أن يأخذوه عنوة ولكنه ~~صار يصيح ويدعو على المهدي ودراويشه، فمر به بعض الدراويش فأجهزوا عليه. # وقتل عدد من الناس من أيدي عبيدهم السابقين وكانوا قد انضموا إلى العدو، وكانوا أدلاءه ~~فاشتركوا الآن في القتل والنهب والاغتصاب. # ويمكن أن يملأ الإنسان مجلدا عن هذه الفظائع التي ارتكبت في ذلك اليوم المشئوم، ولكني ~~أشك في مصير الذين أبقي على حياتهم؛ هل كان أفضل من مصير القتلى؟ # وعندما احتل الدراويش المنازل شرع في البحث عن الكنوز ولم يكن يقبل عذر أو إنكار، وكان ~~معظم السكان قد خبئوا أموالهم، فكان كل من يشتبه فيه يعذب حتى يفشي السر أو حتى يقتنع معذبه ~~بأنه لا يملك شيئا، وكان السوط يستعمل بإسراف، فكان الناس يجلدون حتى يتناثر لحمهم، ومن ~~ضروب التعذيب التي كانت تستعمل أن يعلق الرجل من إبهاميه إلى عمود من الخشب فيترجح هو تحته ~~في الهواء حتى يغمى عليه، وكانوا يأتون بسلخين من القصب الهندي ويضعون كلا منهما على وجه ~~الرجل ثم يربطون طرفيهما ثم يضرب هذان السلخان بعصا فيحدث من اهتزازهما آلام مضنية، وكانوا ~~يعذبون النساء بهذه الكيفية أيضا، ويعذبونهن في أماكن أجسامهن الحساسة بطريقة لا يمكنني أن ~~أصفها هنا، وحسب القارئ أن يعرف أن أفظع الطرق في التعذيب كانت تستعمل للحصول على ~~الأموال. # ولم ينج من هذا التعذيب سوى النساء الصغيرات في السن والفتيات؛ وذلك خوفا من أن يعترض ~~هذا التعذيب الغاية التي ستستخدم لها هذه النساء والفتيات. # وجميع هؤلاء النساء والفتيات أرسلن إلى المهدي يوم فتح الخرطوم، فاصطفى منهن ما أراد ~~ورد سائرهن إلى الخلفاء والأمراء، واستمر جمع النساء والانتخاب بينهن عدة أسابيع، حتى ~~امتلأت بهن بيوت هؤلاء الأوغاد الشهوانيين، بل فاضت بشباب الخرطوم الذي قضى عليهن النحس أن ~~يقعن في أيدي الدراويش. # وفي اليوم التالي منح عفو عام لجميع الأهالي ما عدا الشايجية الذين أهدر ms163 دمهم، ولكن على ~~الرغم من هذا العفو استمر القتل وارتكاب الفظائع عدة أيام بعد سقوط الخرطوم. # وحملت الغنائم إلى بيت المال ولكن بعد اختلاس أشياء كثيرة منها، ووزعت المنازل المهمة على ~~الأمراء، ويمم المهدي والخليفة في الباخرة «إسماعيلية» إلى الخرطوم، ورأيا نتيجة انتصارهما ~~الدموي، ولم يبد أحدهما أية علامة على التحسر أو الأسف، بل ذهب كل منهما إلى المنزل ~~المخصص له، وكان كل منهما يقول لأتباعه: إن الله أنزل العقاب بسكان المدينة لعسفهم وعدم ~~اتباعهم إيمان المهدي. # وقضيت الأيام الأولى في اللهو واتباع الشهوات، ولما شبع المهدي وأتباعه من النساء ابتدءوا ~~يلتفتون إلى الخطر الذي يداهمهم من الخارج، فأمر الأمير عبد الرحمن واد نجومي المشهور بأن ~~يجمع قوة كبيرة ويذهب بها إلى متمة لمقاومة الإنجليز ويطرد هؤلاء الكفار، الذين قيل إنهم ~~بلغوا النيل قريبا من هذه البلدة. # وفي صباح يوم الأربعاء بعد سقوط الخرطوم بيومين حوالي الساعة الحادية عشرة، سمعنا إطلاق ~~القنابل وعيارات البنادق في ناحية جزيرة توني، ثم ظهرت باخرتان وهما «الثلامونية» و«بردين»، ~~وكان عليهما السير تشارلس ولسون وعدد من الضباط والجنود الإنجليز جاءوا لإنقاذ غوردون، وكان ~~السنجق خشم الموس وعبد الحميد محمد، اللذان كان غوردون أرسلهما لقيادة الشايجية، على هاتين ~~الباخرتين أيضا، وسمعوا جميعا بما حدث لغوردون، ولكنهم أرادوا أن يتأكدوا من الخبر وجاءوا ~~إلى نصف الطريق بين جزيرة توني والنيل الأبيض. # وأطلق الدراويش نيرانهم على الباخرتين من الخنادق الواقعة في الشمال الشرقي لقلعة أم ~~درمان، ولكن الباخرتين عادتا في الحال عندما رأى رجالهما سقوط الخرطوم. # وسمعت بعد ذلك من بعض بحارة هاتين الباخرتين أنهم هم والإنجليز تأثروا لسقوط الخرطوم، ~~وعرفوا أن السودان قد بات تحت سيطرة المهديين، وكان المفهوم من الحديث الذي كان يتحدث به ~~الجنود على البواخر أن الغرض هو إنقاذ غوردون، فلما تأكد الخبر عن موته عادت البواخر إلى ~~دنقلة. # ثم اتفق دليل الباخرة «الثلامونية» على أن يجنح بالباخرة إلى الشاطئ حتى يكسرها ثم يفر في ~~النيل هو والربان عبد الحميد. ونجحت هذه الخطة وبلغ ms164 من شدة اصطدام الباخرة أنها عطبت حتى ~~احتاجوا إلى نقل ما فيها بسرعة إلى الباخرة «بردين»، وفر كلاهما وقت الاصطدام وحصلا بواسطة ~~أصدقائهما على عفو المهدي وعادا إلى الخرطوم، واستقبلهما المهدي استقبالا حسنا وامتدح ~~صنيعهما في كسر الباخرة. ومع أن عبد الحميد كان من الشايجية المكروهين وأحد أقارب صالح واد ~~المك، فإن المهدي خلع عليه مرقعة إكراما له، وكان عدد كثير من النساء قرابته قد سبين ~~عند سقوط الخرطوم ووزعن على الأمراء، فلما عفي عنه أعدن إليه. # أما الباخرة «بردين» فإنها في عودتها جنحت وارتطمت بالوحل، ولما كانت حمولتها ثقيلة فإنه ~~لم يمكن إنقاذها، وكان ذلك قريبا من متمة، وكان عليها السير تشارلس ولسون، فشعر عندئذ بحرج ~~مركزه، وكان الجنود الذين معه قليلين فلم يكن في وسعه أن يعبر إلى الشط الغربي ليلتحق بسائر ~~قوته في جوبات؛ لأن العدو كان قد خندق بينه وبينها في واد حبشي، وكانت قوة الدراويش في واد ~~حبشي - بعدما أصابها من الخور وانحلال العزيمة بعد هزيمة أبو كلبة - قد عادت إليها شجاعتها ~~بعد سقوط الخرطوم وانتشار خبر مجيء النجومي، وكان في جوبات باخرة ثالثة تدعى «صفية»، فأرسل ~~السير تشارلس إليها ضابطا في زورق يطلب المعونة. # وقامت «صفية» في الحال وعلم العدو بذلك، فخندق على الشاطئ وتهيأ لمجيئها، فلما اقتربت صب ~~عليها نارا حامية من البنادق والمدافع، ولكن الجنود فيها قاتلوا ببسالة عازمين عزما ~~صادقا على إنجاد الباخرة «بردين» مهما كلفهم ذلك، واستمر سير الباخرة حتى أصيب ~~المرجل. # ولكن الربان أمر في الحال بإصلاح الخلل، فأخذ العمال يصلحونه والنار تنصب عليهم من العدو. ~~وقضي الليل كله في هذا الإصلاح، حتى إذا كان الصبح تمكنت «صفية» من استئناف السير ومقاتلة ~~الدراويش، بل تمكنت من إسكات مدافعهم وقتل أميرهم حمد واد فايد وعدد آخر من صغار ~~الأمراء. # وبلغت «صفية» «بردين» وأنقذت السير تشارلس ورجاله، وكان لهذا العمل العظيم أثر آخر في ~~إنجاد الجنود الإنجليز في متمة. # وكان جيش النجومي يسير ببطء لصعوبة جمع الرجال، وقد أضره أيضا خبر ms165 قتل الأمير حمد واد ~~فايد وهزيمة الدراويش في واد حبشي أمام باخرة واحدة. وقد قيل لي بعد ذلك عند عودتي إلى مصر ~~إن ربان الباخرة «صفية» عند إحرازها ذلك النصر كان اللورد تشارلس بريسفورد. ويقال إن ~~النجومي عندما سمع بهذا النصر قال لرجاله إنه إذا عزم الإنجليز على الدخول إلى السودان ~~فإنهم بالطبع سيقاتلونهم، أما إذا اتجهوا نحو الشمال فإنه لا قتال بينهم وبين رجاله، بل ~~يحتلون البلاد التي جلوا عنها، وتأخر في سيره حتى بلغ متمة بعد جلاء الإنجليز عنها وعن ~~جوبات، ومع أنه طاردهم إلى أبو كلبة فإنه لم يشتبك معهم في قتال. # وعندما جلت طلائع الإنجليز تحقق المهدي أن السودان بأجمعه قد أصبح ملكه، فطفح عندئذ ~~سرورا، وأعلن هذا الخبر في المسجد، وأخذ يصف للدراويش فرار الإنجليز وكيف أن النبي قد أوحى ~~أن الله قد خرق قربهم فماتوا جميعهم عطشا. # وفي اليوم الخامس لسقوط الخرطوم رأيت ثلة من الجنود أمام خيمتي الممزقة، فوضعوني على حمار ~~وأنا في قيودي وساروا بي إلى السجن العمومي، وهناك طوقوا حولي عمودا وحلقة من الحديد يبلغ ~~وزنهما ثمانية عشر رطلا، وكان هذا القيد الجديد يسمى «الحاجة فاطمة»، وكان لا يقيد به إلا ~~من كانت جناياتهم خطيرة أو من يوصفون بالعناد من المسجونين. # وكنت أجهل السبب في سقوط مكانتي في عين الخليفة إلى هذا الحد، ولكن علمت بعد ذلك أن ~~غوردون عندما عرف من خطابي أن القوة التي أرسلها المهدي إلى الخرطوم غير قوية أذاع هذا ~~الخبر بين الجنود في خطوط الدفاع، وهذا المنشور الذي نشره غوردون وقعت منه نسخة في يد حمد ~~واد سليمان وكيل بيت المال فسلمها للمهدي والخليفة، فتأكدت لديهما عندئذ الشبهات في خيانتي ~~وتدبيري السابق لكي ألتحق بغوردون. # ووضعوني في زاوية من الزريبة الكبيرة - أي السجن العمومي - ومنعوني من محادثة أي إنسان ~~بحيث إذا خالفت هذا الأمر فإن العقاب هو الجلد. وكنا في الليل أربط أنا وجميع المسجونين في ~~سلسلة طويلة إلى شجرة، وفي الصباح يفك الرباط، وكان يربط ms166 معي بعض العبيد الذين قتلوا ~~أسيادهم، وكنت أرى لبتون بك في زاوية أخرى من الزريبة وكان قد مضت عليه مدة في هذا المكان ~~حتى ألفه، وكان قد أذن له في مخاطبة جميع من يريد باستثنائي أنا وحدي. # وفي اليوم الذي دخلت فيه السجن أفرج عن صالح واد المك، وكان أخوه وابنه وجميع قرابته ~~تقريبا قد قتلوا، وأذن له أن يخرج ويبحث عله يجد أحدا منهم. # وكان طعامي سيئا للغاية، فشعرت كأني قد وقعت من الرمضاء في النار، فقد كنت قبلا أشكو من ~~الجوع الذي كان يصيبني من وقت لآخر، ولكن الآن صرت لا أجد طعاما سوى الذرة الجافة آكلها ~~كما يأكلها العبيد، وكان مع ذلك مقدار ما يعطى لي قليلا جدا. ورأتني وأنا في هذه الحال ~~زوجة أحد السجانين، فأخذتها الشفقة وصارت تأخذ مني الذرة وتسلقه ثم تعيده إلي طريا ~~فآكله، ولكن لم يأذن لها زوجها بأن تقدم لي طعاما آخر؛ لئلا يعرف رئيس السجانين ذلك فيبلغ ~~الخبر للخليفة. وكنت أنام على الأرض وأضع تحت رأسي حجرا كوسادة ، وكان هذا يحدث لي صداعا ~~مستمرا. ولكن حدث في أحد الأيام ونحن نساق إلى النهر لكي نغتسل أني وجدت في الطريق بطانة ~~بردعة، يظهر أن صاحبها ألقاها لعدم فائدتها، فحملتها وخبأتها تحت ذراعي، ونمت عليها تلك ~~الليلة كما ينام الملك على وسادة من زغب. # ولكن أحوالي أخذت في التحسن؛ فإن رئيس السجانين الذي لم يكن يكرهني صار يأذن لي بالتحدث ~~مع سائر المساجين، وخفف قيودي. أما «الحاجة فاطمة» وأختها فكانتا لا تزالان في مكانهما، ولا ~~يمكنني أن أقول إنهما كانتا تزيدان في رفاهيتي في تلك الأشهر المضنية التي قضيتها في ~~السجن. # وبعد أيام حدثت حركة بين السجانين وأخبرني رئيسهم أن الخليفة سيأتي قريبا لزيارة السجن، ~~فسألته عما يجب أن أفعله أمامه حتى أسترضيه، فنصح لي بأن أجيب فورا على الأسئلة التي توضع ~~لي، وألا أشكو أي شكاية، وأن أبقى منكسرا ذليلا في الزاوية التي خصصت لي. وحوالي الظهر ~~حضر الخليفة ومعه إخوته ms167 وملازموه وصار يطوف على الزوايا ويرى بعينيه ضحايا عدالته، وبدا لي ~~من مسلك المساجين أن رئيس السجن نصح لهم بمثل ما نصح لي؛ فقد كانوا هادئين في مكانهم وقد ~~حلت سلاسل البعض وأفرج عنهم، ثم اقترب الخليفة مني وهز رأسه إلي بعطف وقال: «عبد ~~القادر، أنت طيب.» # فقلت: «أنا طيب يا سيدي.» # ثم تركني وسار، واقترب مني يونس واد وكيم حاكم دنقلة وأحد قرابة الخليفة، فهز يدي قال لي: ~~«تشجع، لا تخش شيئا، كل شيء سيصلح قريبا.» # وابتدأت أحوالي تتحسن منذ هذا اليوم، ولكن كنت أشعر بطول الوقت. # وانتشرت وافدة الجدري في أم درمان، وكانت تحصد المئات كل يوم حتى بادت أسرات عن آخرها. ~~واعتقادي، أن الخسارة من هذا المرض كانت أكبر من أية خسارة خسرها الدراويش في المعارك ~~الماضية. والغريب أن العرب أصيبوا به أكثر من غيرهم ومات منه معظم المساجين، أما نحن ~~المسجونين فلم نصب بشيء وإن كنا قد فزعنا فزعا شديدا، ولعل الله في رحمته رأى أن فيما ~~نقاسيه أكثر مما نتحمل. # وأتيحت لي الفرص الآن للتحدث مع لبتون الذي كان يزداد سأما كل يوم، وقد كان يبلغ به ~~الحنق والغيظ أن يشكو أحيانا مر الشكوى وبصوت عال، حتى كنت أخشى عواقب فعله هذا، ولكن ~~المعيشة التي كنا نعيشها في السجن كانت قد أثرت فيه حتى خفت على صحته، وتمكنت بعد محادثات ~~طويلة معه من تهدئته، وكان مع عمره الذي لم يعد الثلاثين قد شاب رأسه ولحيته في مدة سجنه ~~هذه. # وأشيع في أحد الأيام أن الخليفة مزمع المجيء إلى السجن، فهيأت خطبة وعنيت بإنشائها، وفعل ~~لبتون مثل ذلك، وكان المرجح أنه سيخاطبني أولا. # ثم جاءت الساعة الخطرة ودخل الخليفة إلى صحن السجن، وبدلا من أن يطلب المسجونين واحدا ~~بعد آخر، وضع له عنجريب وقعد عليه وأحضر له المساجين وقعدوا في نصف دائرة، فأفرج عن البعض ~~ووعد الآخرين ببحث قضاياهم، ولكنه لم يلتفت إلي ولا إلى لبتون. # فنظر إلي لبتون وهز رأسه فوضعت أصبعي على فمي أحذره ms168 من عمل أي شيء طائش. والتفت ~~الخليفة إلى رئيس السجن وقال: «هل بقي علي شيء؟» # فقال السجان: «أنا في خدمتك يا مولاي.» # ثم قعد الخليفة بعد أن كان قد هم بالقيام والتفت إلي وقال: «عبد القادر، أنت ~~طيب.» # فقلت: «يا مولاي، اسمح لي بالكلام أخبرك عن حالي.» # فأذن لي بالكلام فقلت: «أنا يا مولاي من قبيلة غريبة، وقد جئت أطلب حمايتك فحميتني، ومن ~~طبع الإنسان أن يخطئ ويذنب إلى الله وإلى الناس، وأنا قد أذنبت ولكني الآن أتوب، أتوب إلى ~~الله وإلى الرسول، ها أنا ذا يا مولاي في القيود والسلاسل أمامك، ها أنا ذا عريان جوعان ~~أفترش الأرض وأرقد هنا صابرا أنتظر قدومك لكي تعفو عني، مولاي إني أتذلل لك وأرجو أن تفرج ~~عني، ولكن إذا رأيت بقائي في هذه الحال التعسة، فأدعو الله أن يقويني على تحملها.» # وكنت قد حفظت هذه الخطبة جيدا وألقيتها بفصاحة نادرة، ورأيت أني بلغت بها الأثر الذي ~~أردته في نفس الخليفة، ثم التفت إلى لبتون وقال: «وأنت يا عبد الله.» # فقال لبتون: «لا أزيد شيئا على ما قاله عبد القادر، اعف عني وأفرج عني.» # فالتفت إلي الخليفة وقال: «منذ مجيئك من دارفور عملت كل ما يجب أن يعمل لأجلك، ولكن ~~قلبك بقي بعيدا عنا وأردت أن تلحق بغوردون الكافر وتحاربنا في صفه، ولقد وفرت عليك حياتك ~~لأنك أجنبي، ولكن إذا كنت قد تبت حقيقة فأنا أعفو عنك أنت وعبد الله، يا سجان انزع ~~عنهما القيود والسلاسل.» # فحملنا السجانون، وبعد استعمال الحيل تمكنوا من نزع القيود ثم أعادونا إلى الخليفة الذي ~~كان قاعدا على العنجريب ينتظرنا، ثم أمر بإحضار القرآن فوضعه على فروة وطلب منا أن نقسم ~~يمين الولاء له، فوضع كل منا يده على القرآن وأقسم بأن يخدمه بأمانة وولاء في المستقبل، ~~ثم نهض وأمرنا بأن نسير وراءه، ونهضنا ونحن نكاد نجن من الفرح بالإفراج عنا بعد هذا السجن ~~الطويل وسرنا في أثره. # ولما بلغنا منزله أمرنا بأن نبقى في مكان بعيد عنه ms169 وتركنا، وبعد دقائق عاد إلينا وقعد إلى ~~جانبنا وحذرنا من عصيان أوامره، ثم قال إنه تسلم خطابات من قائد الجيش في مصر يقول فيها إنه ~~قد أسر أقارب المهدي الذين كانوا في دنقلة، وإنه يعرض أن يقايض بهم على ما عند المهدي من ~~الأسرى الذين كانوا مسيحيين. # وقال: «لقد قررنا أن نجيب بأنكم جميعا مسلمون وأنكم متحدون معنا ولا ترغبون في أن نقايض ~~عليكم برجال ولو كانوا من قرابة المهدي، فليفعلوا ما شاءوا بأسراهم.» # ثم أضاف إلى ذلك قوله: «ولكن لعلكم تحبون العودة إلى النصارى؟» # فأكدنا له أنا ولبتون بأننا لا نرغب في تركه وأن مسرات الدنيا كلها لا تغرينا بمفارقته، ~~وأن بقاءنا معه يفيدنا لأنه يرشدنا إلى طريق الخلاص، فجازت عليه أكاذيبنا ووعدنا بأن يقدمنا ~~إلى المهدي الذي كان قد وعد الخليفة بزيارته في عصر ذلك اليوم في منزله، ثم خرج ~~وتركنا. # وجاءنا كثير من الأصدقاء يهنئوننا بالإفراج عنا، وكان بينهم ديمتري زيجادة ولكن لم يكن ~~معه المقدار المعتاد من التبغ، وكان بينهم أيضا صديقي القديم الشيخ عليش، فلما أخبرته ~~بأننا سنقابل المهدي نصح لي بعض نصائح مفيدة في هذه المقابلة. # ولما غربت الشمس جاءنا الخليفة وأمرنا بأن نتبعه، فسرنا وراءه حتى دخلنا على المهدي وهو ~~قاعد على عنجريب، وكان قد سمن سمنا فاحشا حتى ما كدت أعرفه، فركعنا أمامه وقبلنا يده عدة ~~مرات، وأكد لنا أنه يرغب في الخير لنا وأن القيود والسلاسل تنفع الناس؛ يعني بذلك أن العقاب ~~يمنع الناس من ارتكاب الجرائم فينفعهم لهذا السبب، ثم والى الحديث إلى قرابته الذين كانوا ~~في أسر الإنجليز، وأنه رفض المقايضة بنا قائلا: «إني أحبكم أكثر مما أحب قرابتي؛ ولهذا ~~رفضت المقايضة.» # فأجبته مؤكدا له الأمانة والحب، وقلت له: «إن كل إنسان يحب أن يحبك أكثر مما يحب نفسه؛ ~~لأن من لا يفعل ذلك لا يمكنه أن يحب أحدا من قلبه.» # وكان الشيخ عليش قد أوصاني بأن أقول له ذلك، فلما سمع المهدي كلامي التفت إلى الخليفة ~~وقال: «اسمع ms170 ما يقول. قل ثانيا.» # فكررت العبارة على مسامعه فأخذ يدي بين يديه وقال: «لقد قلت حقا. أحبني أكثر مما تحب ~~نفسك.» # ثم طلب لبتون بك وأخذ يده وأمرنا كلينا بأن نقسم يمين الولاء؛ لأننا قد حنثنا بيميننا ~~الماضية، فأقسمنا من جديد، وأمرنا الخليفة بالقيام فقبلنا يد المهدي وشكرنا له بره بنا ~~وعدنا إلى مكاننا. # ومضى زمن قبل أن يأتينا الخليفة، ولما عاد أذن للبتون بأن يرجع إلى عائلته، وكانت لا تزال ~~في بيت المال، وبعث معه بملازم يريه الطريق وأكد له عنايته به، ثم قال لي: «وأما أنت فأين ~~تريد أن تذهب؟ هل تعرف أحدا تذهب إليه؟» # فقلت: «ليس لي سوى الله وأنت، ليس لي أحد يا مولاي يعنى بي، فافعل بي ما تراه خيرا ~~لي.» # فقال الخليفة: «لقد كنت أرجو وأنتظر هذا الجواب منك، ويمكنك أن تعد من هذه الساعة واحدا ~~من أسرتي، وسأعنى بك ولن تحتاج إلى شيء، وستنتفع بملازمتي، ولكن أشترط عليك شيئا واحدا ~~وهو أن تطيع كل ما أرسله إليك من الأوامر، وواجبك ينحصر في أن تقعد مع الملازمين طول النهار ~~على باب المنزل، أما في الليل بعد ذهابي فيمكنك أن تذهب إلى منزلك الذي سأخصصه لك، وعندما ~~أخرج يجب أن ترافقني، وإذا ركبت فعليك أن تسير بحذائي حتى يأتي الوقت المناسب للإذن لك ~~بالركوب إلى جانبي، فهل أنت راض بهذه الشروط؟ وهل تعد بالقيام بها؟» # فأجبت: «أنا راض يا مولاي كل الرضا بهذه الشروط، وستجد في خادما مطيعا وأرجو أن أجد ~~القوة لكي أقوم بواجباتي خير قيام.» # فقال: «الله يقويك ويبعث لك الخير.» ثم نهض وقال: «نم هنا هذه الليلة في حماية الله ~~وسأراك غدا.» # وبقيت وحدي وشعرت أني خرجت من سجني فدخلت في آخر، وأدركت في الحال ما رمى إليه الخليفة؛ ~~فإنه لم يكن في حاجة إلى خدمتي لأنه لم يكن يثق بي أقل ثقة، ولم يكن يريد أن ينتفع بي في ~~مقاومة الحكومة المصرية أو مقاومة العالم المتمدين. # ولكنه أراد أن أكون أمام ms171 عينيه يشرف علي على الدوام، ولعله أيضا أراد أن يعتز ~~ويزهو بوجودي أمامه مطيعا كالعبد، فيفتخر بذلك أمام قبيلته التي هي الآن أساس سلطته، والتي ~~كانت يوما ما تحت إمرتي، وكذلك يفتخر بعبوديتي أمام سائر القبائل التي كنت أحكمها، ومع ذلك ~~قلت لنفسي يجب أن أعنى كل العناية بألا أغضبه وألا أتيح له الفرصة للأذى، وكنت أعرف الخليفة ~~تمام المعرفة وأدرك أن ابتساماته لا تساوي شيئا، وقد قال لي هو ذلك في إحدى المرات؛ فقد ~~كنا نتحدث فقال: «عبد القادر، إن من يتطلع إلى السيادة والسلطة يجب عليه ألا يظهر الناس على ~~أغراضه، وإلا فإن خصومه وأعداءه يفسدونها عليه.» # وفي صباح اليوم التالي جاءني وطلب أخاه يعقوب، وأشار عليه بأن يخرج بي ويريني مكانا أبني ~~فيه عشتي بحيث لا أكون بعيدا عنه، وكانت قرابة الخليفة قد أخذوا الأمكنة القريبة؛ ولذلك لم ~~نجد أقرب من مكان يبعد عنه 600 ياردة، فأخذته لبناء عشتي. # ثم طلب الخليفة كاتب سره فأراني وثيقة موجهة لقائد الجيش الإنجليزي، خلاصتها أن جميع ~~الأسرى الأوروبيين قد دخلوا في الإسلام باختيارهم، وأنهم لا يبغون الرجوع إلى بلادهم، وطلب ~~مني أن أوقع هذه الوثيقة. # ثم سألني فجأة: «ألست مسلما؟ أين تركت زوجاتك إذن؟» # وكان هذا السؤال مربكا فقلت: «لي زوجة واحدة تركتها في دارة، وقد بلغني أنها أسرت مع ~~سائر الخدم، وأنهم الآن في بيت المال.» # فقال: «وهل لك أولاد؟» فأجبته بالنفي فقال: «الرجل بلا ولد كالشجرة بلا ثمرة، وبما أنك قد ~~صرت في خدمتي فسأعطيك بضع زوجات حتى تعيش عيشة هنية.» # فشكرت له عنايته بي، ورجوته أن يؤجل هديته إلى أن أنتهي من بناء عشتي، وقلت له في ذلك إن ~~الحريم يجب ألا يعرض لنظر الأغراب، وكان أبو أنجة قد أخذ جميع أمتعتي، فأمر الخليفة بأن ~~يعوضني منها بإعطائي مخلفات المرحوم أوليفيه بان، فأرسلت إلي جميعها؛ وكانت تحتوي على ~~جبة قديمة وعباءة عربية بالية وقرآن مكتوب باللغة الفرنسية. وأرسل إلي فضل المولى يقول إن ~~سائر أمتعة أوليفيه بان ms172 قد فقدت منذ وفاته. وأمر الخليفة بأن ترد إلي النقود التي كانت قد ~~أخذت مني وأودعت بيت المال، وكانت تبلغ أربعين جنيها وبعض الأقراط التي جمعتها لطرافتها، ~~وهذه كلها سلمها إلى حمد وأرسلها له. # وشرعت في بناء منزلي، وكنت في مدة البناء أقيم في منزل الخليفة، ووكلت أقدم خدمي سعد ~~الله النبوي في بناء منزلي، وكلفته بأن يجعله مؤلفا من ثلاث عشش مستقلة داخل الحظيرة، ولم ~~أكن أبرح باب الخليفة منذ الصباح الباكر حتى المساء، وكان كلما خرج راكبا أو ماشيا أسير ~~معه عاري القدم. وكان الخليفة عندما رأى قدمي قد تلفتا من السير بلا حذاء قد أذن لي بأن ~~ألبس نعلين، وكانتا تحزان في قدمي وتؤلمانني. # وكان الخليفة يرسل إلي فآكل معه في بعض الأوقات، وكان أيضا يرسل ما يتبقى من طعامه لنا ~~فآكل مع الملازمين الذين صرت واحدا منهم. وإذا كان الليل وذهب إلى فراشه، توجهت أنا إلى ~~منزلي فأنسطح على العنجريب وأنا في غاية الإعياء وأنام إلى الفجر، حيث أستيقظ وأذهب إلى باب ~~الخليفة فأنتظره للصلاة . # ولما علم الخليفة بأن منزلي قد تم بناؤه أرسل إلي جارية، وقال لي سعد الله إنها جاءت ~~متلففة، وإنها قاعدة تنتظرني، فأمرت سعد الله بأن يشعل مصباحا ويرشدني إليها ففعل، ووجدت ~~المسكينة راقدة على حصير، وسألتها عن ماضي حياتها فأخبرتني بصوت مشئوم أنها من النوبارية، ~~وكانت تنتمي إلى قبيلة في جنوبي كردوفان، وأنها سبيت وأرسلت إلى بيت المال فبقيت هناك إلى ~~أن أرسلها إلي حمد واد سليمان، وكانت وهي تتكلم قد رفعت ما على رأسها من الأقمشة المعطرة ~~التي كانت متلففة بها، فبدا لي وجهها وكتفاها وصدرها. # وأشرت إلى سعد الله بأن يقرب المصباح منها، ثم رأيت عندئذ أني في حاجة إلى أن أعبئ جميع ~~قوتي لكي لا أرعب وأقع من العنجريب؛ فقد كان لها وجه دميم تطل منه عينان صغيرتان، وكان ~~أنفها عظيما مفرطحا، تحته فم له شفتان غليظتان تكاد أن تبلغان أذنيها عندما تضحك، وكان ~~رأسها يرتكز على عنق ms173 غليظ أشبه بعنق الكلاب التي من سلالة «البول دوج»، وكان اسم هذه ~~المخلوقة مريم، فأمرت سعد الله بأن يأخذها بعيدا عني ويعطيها عنجريبا. # فهذه إذن هي أولى هدايا الخليفة لي، وهو لم يهد إلي حمارا أو فرسا أو بضعة نقود ~~أستعين بها، ولكنه أرسل لي جارية دميمة لا أرتاح إلى وجودها، وهي لو كانت جميلة لما قدرت ~~على القيام بتكاليفها. # ولما ذهبت في اليوم التالي سألني هل أرسل لي حمد واد سليمان جارية؟ فقلت: «أجل، لقد أنفذ ~~أوامرك على الفور.» ثم وصفت له الجارية وصفا دقيقا. # فاغتاظ الخليفة أشد الغيظ وبعث في طلب حمد واد سليمان ووبخه على عدم طاعة أوامره، بل ~~مخالفته أيضا أوامر المهدي. وأرسلت إلي في المساء جارية أخرى أقل دمامة من سابقتها، ~~وكان الخليفة هو الذي اختارها، ولما هدأت بمنزلي سلمتها لمراحم سعد الله الخادم. # واطمأن المهدي والخليفة والأمراء من ناحية الغارات الخارجية، فشرع كل منهم في بناء منزل ~~يوافق مكانته وحاجاته، وأخذت النساء سبايا الخرطوم إلى هذه المنازل الجديدة، وأخذ أسيادهن ~~في التمتع بهن لا تزعجهم نظرة الغريب أو حسد الصديق. # ولم يكن الخليفة والمهدي وقرابتهما يحبون أن يعرف الناس أنهم أخذوا معظم الغنيمة لأنفسهم؛ ~~لأن هذا العمل ينافي تعاليم المهدي الذي يقول بالزهد في ملذات الدنيا. وكانت منازلهم واسعة ~~تسع أكثر ممن فيها؛ وذلك انتظارا للغنائم التي ستأتيهم من البلاد التي لم تفتح ~~للآن. # وفي يوم ما مرض المهدي ولم يذهب إلى المسجد للصلاة، ولم يأبه أحد لمرضه أولا؛ لأنه كان ~~قد أعاد على أسماع الناس عدة مرار أنه سيفتح مكة والمدينة والقدس ثم يموت بعد عمر طويل في ~~الكوفة، وأن النبي قد أظهره على هذه الرؤيا، ولكن مرض المهدي لم يكن وعكة خفيفة؛ فقد استولت ~~عليه حمى التيفوس، وبعد ستة أيام من مرضه بدأ الذين حوله يقنطون من شفائه. # وكان سيدي الخليفة يهتم اهتماما كبيرا بمرض المهدي ولا يبرح داره ليل نهار، وكنت أنا ~~أقف على الأبواب بلا غاية معينة. # وفي مساء اليوم ms174 السادس اجتمع جمهور كبير حول بيت المهدي وأمر المصلون في المسجد بأن يصلوا ~~ويدعوا لشفائه لأنه بات في خطر الموت. وكانت هذه أول مرة أعلنت فيه الصفة الخطرة للمرض ~~المصاب به المهدي أمام الناس. وفي صباح اليوم السابع أذيع أن حالته تسوء ولم يبق شك في ~~أنه يموت. # وكان المرض الآن قد بلغ غايته، وكان المهدي راقدا على عنجريب وحوله الخلفاء وقرابته وحمد ~~واد سليمان ومحمد واد بشير - أحد كبار موظفي بيت المال ووكيل بيت المهدي - وعثمان واد أحمد ~~والسيد المكي - وهو شيخ من شيوخ الدين في كردوفان - وبعض من كبار أنصاره الذين سمح لهم ~~بالدخول في غرفة مرضه. # وكان المهدي يغيب عن وعيه من وقت لآخر، ولما شعر بأن آخرته قد قربت قال للذين حوله: «إن ~~الخليفة عبد الله هو الخليفة الصادق، وقد عينه النبي للخلافة بعدي، فهو مني وأنا منه، وكما ~~أطعتموني وأنفذتم أوامري كذلك افعلوا معه، الله يرحمنا.» # ثم جمع ما فيه من قوة وكرر عدة مرات عبارة: «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، ووضع يديه ~~مشبوكتين على صدره ومد ساقيه وأسلم روحه. # وقبل أن يبرد دمه أقسم أنصار المهدي يمين الولاء للخليفة عبد الله، وكان أول من بايعه سيد ~~المكي، ثم عقب ذلك الخليفتان الآخران وتبعهم جميع الموجودين. ولم يكن من الممكن أن يحتفظ ~~بوفاة المهدي سرا لا يذاع بين الجمهور، ولكن أمر الجميع بألا يبكوا أو ينوحوا، وطلب من ~~الجميع مبايعة الخليفة. وكانت ستنا عائشة أم المؤمنين كبرى زوجات المهدي في غرفة وفاته ~~قاعدة متلففة في إحدى الزوايا، فلما مات خرجت من الغرفة لكي تخبر سائر النساء بوفاة مولاها ~~وزوجها، وكان عليها أن تعزيهن وتمنعهن من النوح والندب. وكان معظمهن قد فرحن في قلوبهن ~~بوفاة المهدي الذي جلب الخراب على البلاد، والذي دعاه الله إلى محكمته العليا قبل أن يتمتع ~~بثمار انتصاره. # ولكن على الرغم من الأوامر القاضية بمنع النوح والندب، ارتفعت الأصوات من كل بيت، وقيل إن ~~المهدي مات باختياره لأنه في شوق ms175 شديد لرؤية الله. # وشرع بعض الموجودين في غرفة المهدي بغسل الجثة ولفها في قماش من الكتان، وأخذ البعض في ~~حفر حفرة عميقة في الغرفة التي مات فيها، وبعد ساعتين وضعوا الجثة في الحفرة وبنوا فوقها ~~بالطوب، ثم طمروا الحفرة بالتراب وصبوا عليه ماء. ولما انتهوا من ذلك رفعوا أيديهم وتلوا ~~عليه صلاة الموتى، وخرجوا من الغرفة وهدأ روع الجماهير المتكأكئة حول المنزل. # وكنا نحن الملازمين أول من دعي إلى الخليفة الذي صار يسمى بعد ذلك خليفة المهدي، فأقسمنا ~~له يمين الولاء، وأمرنا بأن ننقل منبر المهدي إلى مدخل المسجد وأن نخبر الجمهور بأنه ~~سيخطبهم الآن، فلما أخبرناه بأننا قد أنفذنا أوامره خرج من غرفة المهدي وذهب إلى المسجد ~~واعتلى المنبر لأول مرة باعتباره حاكما للبلاد. # وكان يتفزر من الهياج، وعبراته تنحدر على خديه، ثم قال بصوت عال: «يا أصدقاء المهدي، إنه ~~لا مرد لقضاء الله، لقد غادرنا المهدي إلى الجنة حيث يجد ملذات النعيم، وعلينا نحن أن نتبع ~~تعاليمه، وأن نتعاون وأن نتساند كما يتساند بناء البيت. وهذا العالم فان، فلا تنحرفوا عن ~~طريق المهدي، واغتبطوا بالشطر الحسن الذي معكم من أنصاره وأتباعه، وأنتم أنصاره وأنا ~~خليفته، فأقسموا الآن إلي يمين الولاء.» # ولما انتهى من هذه الخطبة القصيرة شرع الحاضرون في المبايعة، وكانت صيغتها «بايعنا الله ~~ورسوله ومهدينا وبايعناك على توحيد الله ... إلخ» # وكانت كل طائفة تبايع تخرج وتأتي أخرى، وكان المجتمعون كثيرين حتى كانوا في خطر الموت من ~~الزحام، واستمرت المبايعة إلى المساء. وكان الخليفة قد سكت عن البكاء وأخذت أمارات الفرح ~~ترتسم على وجهه عندما رأى هذه الجماهير العديدة تزدحم لمبايعته. # وكان قد جهده التعب فنزل عن المنبر واحتسى جرعة ماء بعد أن جف ريقه من تعبه طول النهار، ~~ولكن خاطر السلطة الجديدة وأنه الحاكم للقطر السوداني كان يؤنسه ويشد من عزمه، ولم يترك ~~المنبر إلا بعد أن ألح عليه كبار أتباعه بذلك. # وقبل أن يترك المنبر طلب أمراءه وجعلهم يقسمون يمين الولاء على حدة، وأمرهم بلزوم طاعته ms176 ~~وطاعة أخيه يعقوب، ونصح لهم بأن يعيشوا على وفاق بعضهم مع البعض لأنهم أغراب؛ وذلك لكي ~~يكافحوا دسائس أهل البلاد التي نزلوا فيها، ثم حضهم على لزوم تعاليم المهدي. # وكنا قد تأخرنا إلى ما بعد منتصف الليل، فلم أرغب في الذهاب إلى منزلي، وانطرحت على الأرض ~~حيث أنا أسمع روايات الناس عن موت المهدي واستعدادهم لطاعة الخليفة. # والآن يمكننا أن نتساءل، ماذا فعل المهدي لإحياء الدين؟ وما هي تعاليمه؟ # لقد دعا إلى الزهد، وكان يجحد الملذات الدنيوية وغرور هذا العالم، وهدم النظام الاجتماعي ~~ونظام الموظفين، وسوى بين الأغنياء والفقراء، واختار الجبة المرقعة لباسا عاما لجميع ~~الناس، وضم المذاهب الأربعة: المالكي والشافعي والحنفي والحنبلي، إلى مذهب واحد، ولم يكن ~~اختلافها كبيرا، فإنه مقصور على كيفية الوضوء والسجود وكيفية عقد الزواج وما إلى ذلك. ~~واختار بضع آيات من القرآن سماها الراتب، وكان يأمر المصلين بتلاوتها بعد صلاة الصبح وصلاة ~~العصر. # وقد سهل على الناس عملية الوضوء ومنعهم من الشراب، وكان السودانيون لا يعقدون زواجا بدون ~~أن يشربوا. وأنزل قيمة المهر إلى عشرة ريالات وثوبين للبكر، وخمسة ريالات وثوبين للثيب. ومن ~~أعطى أكثر من ذلك كان يصادر في أملاكه. وقصرت وليمة العرس على طبق من اللبن وآخر من البلح؛ ~~وكان يقصد تيسير الزواج. وكان يحتم على الآباء والأوصياء زواج بناتهم، وهن بعد ~~صغيرات. # ومنع الرقص واللعب، وكل من خالف ذلك يعاقب بالجلد وتصفى أملاكه. وكان السباب يعاقب عليه ~~بحساب ثمانين جلدة لكل كلمة بذيئة والحبس سبعة أيام. ومنع استعمال الخمور والمريسة وتدخين ~~التبغ، ومن خالف هذه الأوامر يعاقب بالجلد والحبس ثمانية أيام ومصادرة أملاكه. وكان السارق ~~يعاقب بقطع يده اليمنى، فإذا عاد إلى السرقة قطعت اليسرى. # ولما كانت عادة الرجال في عرب السودان إرسال شعورهم أمر المهدي بحلقها، وكذلك أمر بمنع ~~النوح على الموتى أو ندبهم، ومنع الولائم التي تقام في المآتم، ومن خالف ذلك تصفى ~~أملاكه. # ولما كان المهدي يخشى فرار جنوده، لعلمه بما يقاسونه من المعيشة التي رتبها لهم، ولعلمه ~~أيضا ms177 بأن مذهبه قد لا يعد صحيحا في نظر المسلمين الآخرين؛ منع السودانيين من الحج إلى ~~مكة، ومنع المواصلات بين السودان والأقطار المحيطة به. # وكان يعاقب كل من يصرح بالشك في صحة مذهبه ويشهد عليه اثنان بقطع يده اليمنى وساقه ~~اليسرى، وكان يستغني أحيانا عن شهادة الشاهدين بما يدعيه من إيحاء النبي له وإثباته جناية ~~المتهم أو براءته. # وكان أيضا يعرف أن معظم أوامره تخالف الدين، فأمر لذلك بمنع الناس من دروس الفقه وشروح ~~القرآن، وقضى بأن تحرق هذه الكتب أو تلقى في ماء النيل. # هذه هي تعاليم المهدي، ولم يترك حجرا إلا قلبه لكي ينفذ أوامره. وكان في الظاهر يبدو ~~للناس أنه يحافظ كل المحافظة على لزوم تعاليمه، ولكنه كان هو وخلفاؤه وقرابته إذا دخلوا ~~منازلهم استسلموا للنهم في الطعام والشراب وللهو وضروب اللذات الشهوانية المنتشرة في ~~السودان. # الفصل الحادي عشر # | حكم الخليفة عبد الله # لم يحدث شيء ذو أهمية في دارفور منذ أن غادرتها، فإن خالد درزريك كان قد أرسخ حكم المهدي ~~في المديرية بأجمعها، وبعث الأمراء والجيوش لكي يقوي حكم المهدي في جميع الأنحاء. وقد تظاهر ~~ضابطي القديم عمر واد دارهو بالولاء للنظام الجديد، ولكنه عند وفاة المهدي قام في ذهنه أن ~~يستقل، فكاد له خالد حتى أوقع به، وحمل إلى دارفور حيث قطع رأسه. # وكان أبو أنجة في كردوفان، وكانت هذه المديرية قد خضعت كلها للمهدي ما عدا الجزء الجنوبي ~~فيها، وأرضه جبلية، فاعتبر أهل هذا الجزء عبيدا لم يدفعوا الجزية وطلب منهم الهجرة إلى أم ~~درمان. # ولما لم يجيبوا هذا الطلب، دعي أبو أنجة إلى إخضاعهم وإلى احتلال بلادهم بجيشه وإجبارهم ~~على تموينه وإرسال عدد منهم عبيدا إلى المهدي، وتمكن أبو أنجة بعد أن فقد مقدارا كبيرا ~~من الذخيرة وعددا عظيما من رجاله من القيام بجميع ما أمر به تقريبا، وكان السودان ~~الغربي باستثناء هذا الجزء الصغير منه خاضعا لسلطة المهدي من حدود وادي النيل إلى ~~الأبيض. # أما في السودان الشرقي فقد ثبتت سنار وكسلة ودافعت ms178 كل منهما المهديين. ولما علمت ~~الحكومة المصرية بالحالة الخطرة التي بات فيها الجنود في الحاميات الشرقية، أرسلت إلى يوحنا ~~ملك الحبشة تستنجد به لكي ينقذ حاميات القلابات وجبرة وسنهيت وكسلة وينقلهم إلى مصوع، ولكن ~~حاكم كسلة صرح بأن الحامية مؤلفة من أولاد البلدة، فهو لذلك لا يمكنهم أن يجعلهم يتركون ~~بلدتهم إلى مصوع. # وأرسل المهدي كلا من إدريس واد عبد الرحيم وحسين واد صحرا بالأمداد لكي يعجلا بإسقاط ~~المدينة، وفي هذه الأثناء كان الملك يوحنا قد أنقذ حاميات سنهيت وجبرة والقلابات وأرسلهم ~~إلى مصوع، وصار العرب المقيمون في المثلث بين سواكن وبربر وكسلة من أتباع المهدي الخاضعين ~~له، وكان عثمان دجنة قد انتخب واليا على هذا القسم، وأرسل محمد الخير إلى دنقلة لكي يحتلها ~~بعد خروج الإنجليز منها. # هذه إذن هي حالة السودان عند تولي الخليفة، ومن هنا نفهم السبب الذي دعاه إلى أن يحث ~~القبائل العربية الغربية على الاتحاد؛ لأنهم أغراب في البلاد التي يحتلونها؛ فإنه كان يعرف ~~أن «أولاد البلد» من برابرة وجعالين وسكان الجزيرة لا يستمرئون قدوم هؤلاء العرب الغربيين ~~الذين يختلفون عنهم في الأفكار والأخلاق إلى بلادهم. # وكان أول ما عمله الخليفة أنه فصل حمد واد سليمان من منصب مدير بيت المال وعين بدلا منه ~~إبراهيم واد عدلان، وكان من عرب الكواحلة على النيل الأزرق، ولكنه أمضى عدة سنوات يشتغل ~~بالتجارة في كردوفان، وكانت له حظوة عند الخليفة. # وطلب من عدلان أن يجعل حسابا للوارد والمنصرف، وأن يكون لهذا الحساب دفاتر تمكن مراجعتها ~~في أي وقت وتعرف منها الحالة المالية، وأمره أيضا بأن يضع قائمة عن جميع أولئك الذين ~~يتسلمون أي مبلغ من المال والذين يقبضون مرتبا. # وعند وفاة المهدي جاءت الأخبار بأن الغارة على سنار قد فشلت، وأن عبد الكريم قد صد عنها، ~~فأرسل الخليفة عبد الرحمن النجومي لكي يتولى القيادة، وذلك في سنة 1885، فسلمت الحامية لهذا ~~القائد القوي. وحدثت الفظائع المعتادة بعد سقوط المدينة؛ فإن عددا من أهالي سنار أرسلوا ~~إلى الخليفة، وكان بينهم ms179 بنات الموظفين الجميلات، فاحتفظ الخليفة بأجملهن ووزع الباقي على ~~الأمراء. # وشرع الخليفة في تأييد سيادته، وكان يعرف أن عبد الكريم مزاحم قوي فاستدعاه إلى الحضور ~~إلى أم درمان بجميع جيوشه، ثم دبر له هو والخليفة علي واد هلو مكيدة؛ بحيث سلم عبد الكريم ~~جميع ذخيرته وجنوده، وكذلك سلم الخليفة شريف جميع جنوده السود لأخيه يعقوب، وأصبح كل ~~منهما مقلم الظفر لا خطر منه. # وبينما كانت هذه الأخبار تشيع في العاصمة، وصلت الأخبار بأن كسلة سقطت، وأن عثمان دجنة ~~يقاتل الأحباش الذين يقودهم الرأس الوله. وقد انتصر الأحباش على عثمان دجنة واضطروه إلى ~~الالتجاء إلى كسلة، ولكنهم اكتفوا بذلك ورجعوا إلى بلادهم. # واتهم عثمان دجنة حاكم كسلة السابق أحمد بك عفت بأنه فاوض الأحباش وحرضهم على مقاتلته، ~~ولم يكن هناك أقل ما يثبت هذه التهمة، ومع هذا فقد قبض على ستة موظفين في كسلة وشدت أيديهم ~~خلف ظهورهم وضربوا بالرصاص كأنهم مجرمون. # وكان الخليفة عبد الله يعرف أن جوره على سائر الخلفاء سيثير غضب قرابة المهدي الذي كانت ~~علاقته بهم سيئة، ولكنه لم يبال بذلك، فقد عقد عزمه على أن ينفذ أغراضه ولو احتاج في ذلك ~~إلى استعمال العنف. وقد كان مع ذلك يخشى الرأي العام، ويعرف أن الأهالي كانوا يحبون المهدي ~~وأنهم يعطفون على قرابته، فلم يكن يظهر بمظهر العداء لهم، بل سار في طريق مرضاة الجمهور إلى ~~أن أهدى إلى الخليفة شريف طائفة من العبيد وبعض الخيول العتيقة والبغال الفارهة، ووهب ~~أتباعه أيضا عددا من العبيد، وقد اجتهد في أن يجعل هذه الهبات والإنعامات علنية حتى ~~يعرفها جميع الناس، وقد نال وطره؛ فإن الناس حمدوا له فعله وامتدحوا سخاءه في قصائد كانوا ~~يتغنون بها. # وكان واضحا أمام الخليفة أن ترك البلاد البعيدة في أيدي قرابة المهدي مما يعود بالخطر ~~على حكمه؛ ولذلك لم يتوان في إرسال قرابته هو إلى دارفور وكردوفان لكي يلوا ~~الحكومة. # وقد طلبني الأمير يونس الدكيم لكي أرافقه إلى سنار، ولكني قبل أن أغادر أم درمان ms180 قال لي ~~الخليفة: «إني أحثك على أن تخدمني خدمة صادقة، فإني أنظر إليك نظرة الأب لابنه وقلبي يعطف ~~عليك، والله يعد المؤمنين بالمكافأة كما أن غضبه ينزل على الخونة، ويونس يحبك ويرجو لك ~~الخير وسيسمع لنصائحك، وإذا شرع في عمل يعود عليه بالأذى فيجب أن تحذره منه، وقد أخبرته ~~بأني أعتبرك أحد أولادي وسيستشيرك في كل ما يعمله.» # فقلت: «سأعمل بما تأمرني، ولكن يونس رئيسي فهو لذلك سيستبد برأيه، فأرجوك ألا تنسب إلي ~~عملا لا يكون وفق هواك وتجعلني مسئولا عنه.» # فقال: «إن لك أن تشير ولكن ليس لك أن تعمل، فإذا كان عمله وفق مشورتك، وإلا فهو ~~المسئول.» # ثم تحول الحديث إلى مسائل دارفور وجهات أخرى من السودان. # واستمر الحديث مدة، ولكني حين أوشكت أن أهم بالقيام هتف الخليفة بأحد الخصيان وهمس في ~~أذنه كلمة، وكنت أعرف مولاي معرفة جيدة وأعرف أن إشاراته نذير شؤم. # وقال لي: «لقد أشرت عليك بأن تترك أهلك؛ لأنهم قد جاءوا بعد سفر شاق؛ فهم في حاجة إلى ~~الراحة، وسيعطيك يونس خادما، وها أنا ذا أعطيك زوجة حتى إذا مرضت وجدت من يعنى بك.» ثم ~~تبسم وقال: «وهي جميلة وليست مثل تلك التي قدمها لك حمد واد سليمان.» # ثم أشار إلى المرأة التي دخلت فرفعت نقابها ونظرت إليها فإذا بها جميلة على الرغم من ~~سمرتها. # ثم قال الخليفة: «هذه زوجتي وهي طيبة صبور، وعندي كثير من النساء، ولذلك أنا أعتقها ~~فيمكنك أن تأخذها.» # فارتبكت وكنت طول الوقت أفكر في طريقة أرفض بها مثل هذه الهدية بدون أن أغضب الخليفة، ~~فقلت: «اسمح لي يا مولاي بالكلام.» # فقال: «لا تخش شيئا، قل ما تريد.» # فقلت: «هذه المرأة يا مولاي زوجتك، وأنت سيدي وأنا خادمك، فكيف يجوز لي أن آخذ زوجتك؟ ثم ~~إنك تقول يا مولاي إنك تنظر إلي كأني ابنك.» # ثم أغضيت الطرف وقلت وأنا أنظر إلى الأرض: «لا يمكنني أن أقبل هذه الهدية.» # فقال وهو يشير إلى المرأة بأن تذهب: «لقد قلت حقا وأنا أوافقك.» ms181 # ثم هتف بالخصي قائلا: «يا ألماس، أحضر جبتي البيضاء.» وذهب وأحضرها، فسلمها لي وهو يقول: ~~«خذ هذه الجبة التي لبستها أنا مرارا والتي باركها المهدي، وسيغبطك ألوف الناس عليها، ~~فاحرص عليها لأنها تأتيك بالبركات.» # فابتهجت بهذه الهدية وقبلت يديه وأنا مرتاح إلى تخلصي من تلك المرأة التي ما كانت سوى حجر ~~عثرة ونفقة لا أتحملها، ووجدت في الجبة بديلا طيبا منها، ثم استأذنت في الخروج وأخذت ~~هديتي الغالية معي. # وعين يونس يوم السفر، ولكن قبل السفر طلبني الخليفة وحثني على الصدق في الخدمة والأمانة ~~أمام يونس. # وفي المساء برحنا أم درمان في الباخرة «بردين»، وفي اليوم الثالث بلغنا شاطئ النيل الأزرق ~~وتراءت لنا سنار على بعد. # وقد اخترنا مكانا لخيامنا قطعة مستطيلة من الرمل شمالي وادي العباس؛ لأن الأرض التي ~~حولها منخفضة لا توافق الإقامة مدة فصل الأمطار، ولم يكن رأسي يفكر الآن بشيء سوى الفرار، ~~ولكن لما كان جميع الأهالي راضين عن الخليفة، فإني كنت في حاجة إلى أن أحذر أشد الحذر في ~~اتخاذ واحد أثق به. ولم يمض علي طويل زمن في وادي العباس، حتى جاءني خطاب من الخليفة يقول ~~فيه إنه جاءته أخبار بأن زوجتي قد وصلت إلى كروسكو، وإنها ترتب الترتيبات اللازمة لفراري، ~~ثم حضني على أن أترك هذه الأفكار وألزم الإيمان، وتسلم يونس أيضا خطابا جاء فيه هذا ~~المعنى، ثم تعلل بأنه يريد أن يوقف الخليفة على الأحوال في سنار، وأمرني بالسفر إلى أم ~~درمان، وعلى ذلك ذهبت تدبيراتي للفرار ضياعا، ورأيت نفسي بعد أيام في حضرة مولاي ~~الخليفة. # وبدأ الخليفة الكلام عن الخطاب الذي جاءه من بربر، فأكدت له بأنه إذا كان هذا الخطاب قد ~~وصل بالفعل، فإنه لم يكتب إلا بغية الأذى لي، وإلا فقد يكون هناك خطأ، وبرهاني على ذلك أني ~~لم أتزوج قط، فليس لي زوجة تصبو إلى لقائي. أما إذا جاء أحد إلى أم درمان وأراد إغرائي ~~بالهرب فإني لن أتأخر عن إبلاغ أمره للخليفة. # فأكد لي الخليفة بأنه لم ms182 يصدق هذه الإشاعة، ثم سألني هل أحب البقاء معه أو مع يونس، وكنت ~~أعرف قصده من هذا السؤال، فقلت إني لا أعدل بالبقاء معه شيئا. وابتهج من تملقي له، ولكنه ~~قال بصوت جدي إنه يذكرني بالولاء والأمانة وألا أحادث أحدا خلاف أهل دارة، ثم أمرني ~~بلزوم مكاني كما كنت سابقا على باب الدار. # وعند خروجي لم أشك في أن شبهات قد تأصلت في قلبه، وأنها ابتدأت في النمو. وكانت قوة ~~الأبيض تحتوي في هذا الوقت على مائتين من الجنود السود، وقد زاد عددهم بما انضم إليهم من ~~جنود دارة السود أيضا، وكان كثيرون منهم يقطنون جبل دبرو وهم على عداوة دائمة مع المهدي، ~~وكان الدراويش قد أسروا بعضا منهم واستعملوهم في بناء أكواخهم واستعبدوهم. # واغتاظ هؤلاء الجنود من هذه المعاملة وعزموا على أن ينالوا حريتهم، وكان الأمير سيد محمود ~~غائبا لحسن حظهم في أم درمان، وتمكن المتمردون من الاستيلاء على الترسانة، فأخذوا منها ~~السلاح، ثم اقتتلوا مع سائر الجنود وخرجوا إلى جبل النوبة. # وبلغت هذه الأخبار السيد محمود في أم درمان، فسافر في الحال إلى الأبيض، وتولى قيادة ~~الجند وسار إلى جبل النوبة، وحاول أن يهزمهم ولكنه فشل في ذلك وقتل هو وعدد كبير من ~~الجند. # ولم يكن الخليفة يجهل تزايد قوة خالد - زوجال - واستقلاله في دارفور، وكان يعرف أنه ~~لقرابته من المهدي يعطف على الخليفة شريف، فتعلل بأنه يرغب في أن يتوسط خالد بينه وبين ~~الخليفة شريف في إيجاد الصلح والوفاق، ودعاه لذلك إلى الحضور إلى أم درمان مع جميع ~~جنوده. # ولكن عندما وصل خالد إلى بارة وجد نفسه محوطا بأتباع أبو أنجة، وكان الخليفة قد أمرهم ~~بأن يأخذوا جنود خالد ويضموهم إلى جيشهم ويذهبوا جميعا إلى جبل النوبة لمقاتلة المتمردين، ~~ولم يكن بد من أن يخضع خالد بعد أن وقع في هذا الشرك، فقيد بالسلاسل وأرسل إلى أم ~~درمان، ثم صودر في أملاكه وبقي سجينا عدة أشهر، ولكن عفي عنه بعد ذلك وعين بدلا منه ~~عثمان واد آدم ms183 ابن عم الخليفة. # ونجح أبو أنجة في هزيمة المتمردين، فقتل جميع الزعماء وجعل معظم الجنود المتمردين ~~عبيدا. # وعلمت من تاجر قدم إلينا من كردوفان في ذلك الوقت أن صديقي يوسف أوهروالدر قد غادر ~~الأبيض، وأنه سيصل قريبا إلى أم درمان. ومع علمي بأني سأجد أكبر مشقة في لقائه فقد فرحت ~~بأن أحد بني وطني سيكون قريبا مني، وكنت طول الوقت على باب مولاي الخليفة أنفذ أوامره، ~~وكان يخاطبني أحيانا بلهجة الرأفة ويدعوني إلى الطعام فآكل معه، وفي أحيان أخرى كان ينساني ~~نسيانا تاما أو ينظر إلي نظرة الحقد والغضب بلا مناسبة أستطيع فهمها، ولكني صرت أنسب ~~هذه الأحوال إلى مزاجه الشخصي، وصرت أسوم نفسي على الرضا. # وكنت لا أبدي أقل اكثراث لما يحدث في البلاد من الحوادث؛ وذلك حتى لا يجدوا سببا في ~~زيادة شبهات الخليفة الذي كان على الدوام يتوجس مني شرا ويسأل عن مسلكي، ولكن الحقيقة أني ~~كنت أرقب الحوادث بعين الاهتمام بمقدار ما يسمح لي مركزي، وكنت أحاول أن أنقشها في ذهني حتى ~~لا أنساها؛ لأنه لم يكن يسمح لي بكتابة شيء. وكان الخليفة يقتر علي في مئونة بيتي، وقلما ~~كان يأذن بإعطائي بعض الأرادب من الذرة أو منحي بقرة أو شاة. # وكنت أعرف إبراهيم عدلان مدة الحكومة السابقة فكان يرسل لي كل شهر مبلغا يتراوح بين ~~العشرة والعشرين ريالا، وكان بعض الموظفين والتجار يساعدونني أيضا بالمال من وقت لآخر، ~~وعلى ذلك يمكنني أن أقول إن حالي وإن لم تكن في يسر فإني لم أشعر بالحاجة إلى ضروريات ~~المعيشة، أو كنت أشعر بها قليلا من وقت لآخر فقط. وعلى كل كانت حالتي تفضل حال صديقي ~~لبتون، الذي وعده الخليفة بمساعدته ولكنه لم يف بوعده. وكان لبتون يتمتع بشيء من الحرية؛ ~~يجول أين شاء في أم درمان، ويحادث الناس، ولم يكن مضطرا إلى حضور الصلوات الخمس في ~~المسجد، ولكن حياته كانت مع ذلك مملوءة بالمتاعب والأحزان، وقد رجوت عدلان أن يساعده ويعطيه ~~شيئا من المال ولكن هذا لم ms184 يكفه. وكان لبتون يجهل التجارة ولكن الحاجة اضطرته إلى أن يربح ~~شيئا بإصلاح البنادق الفاسدة. ولما كنت أعرف أنه كان مستخدما في السفن الإنجليزية قديما ~~خطر في بالي أنه ربما يعرف شيئا عن الآلات. # والتقيت به أحد الأيام في المسجد، فشكا إلي سوء حاله شكاية مرة، فاقترحت عليه أن أبحث ~~له عن وظيفة في البواخر يستعين بها على العيش، فطرب لمقترحي ووعدته بأني سأعمل جهدي لكي ~~أحقق له ذلك. # وبعد أيام بينما كان الخليفة في مزاج موافق ينظر إلي بعين الرضا؛ لأن أبا أنجة أرسل ~~إليه جوادا عتيقا وبعض المال وعددا من عبيد خالد، فعدت لتناول الطعام معه، وذكرت له حال ~~البواخر وأنها يخشى عليها من التلف؛ لأنه ليس فيها من يفهم آلاتها وكيفية إصلاح ما يفسد ~~منها، فقال لي إنه لا يعرف شيئا عنها مطلقا، وإنه في حيرة ماذا يفعل لصيانتها؛ فإنها ~~ضرورية. فاقترحت عليه في الحال بأنه يمكن أن نستخدم لبتون فيها لصيانتها وإصلاحها، وقلت له ~~إن لبتون كان مهندسا في إحدى البواخر الإنجليزية، فوافقني الخليفة على اقتراحي وأمرني ~~بالبحث عنه. # وفي اليوم التالي بحثت عن لبتون ودعوته للحضور، فحضر وأخبرته بما قاله الخليفة، ولكني ~~نصحت له بألا يعمل شيئا مفيدا للبواخر التي يملكها أعداؤنا. # فأكد لي لبتون بأن معرفته بالآلات سطحية جدا، وأنها ستسوء بإدارته، وأن الحظ السيئ هو ~~الذي سيجبره على قبول هذه الوظيفة، وخاطب الخليفة عدلان في هذا الشأن، وفي المساء أرسل ~~إلي لبتون يقول إنه قد تعين في هذه الوظيفة براتب قدره أربعون ريالا في الشهر، وفي هذا ~~المبلغ كفاف المعيشة. # وأشيع في ذلك الوقت في أم درمان أن الأحباش سيغيرون على القلابات، وقيل أيضا إن من يدعى ~~الحاج علي واد سالم من الكواحلة كان يقيم في القلابات، وقد تعين أميرا على قبيلته، وكان ~~يسيح في تخوم الحبشة فأغار على جبطة وهدم كنيستها. # وكان من يدعى صالح شنجة، وهو رجل تكروري، كان يقيم قبلا في القلابات فلما أخلاها ~~الجنود المصريون ذهب وأقام في الحبشة، ms185 ولكن ابن عمه أحمد واد أرباب عين أميرا في ذلك ~~القسم. # وكان حاكم أمهرة - في الحبشة - الرأس عدل قد طلب من «أرباب» أن يسلم له الحاج علي الذي ~~أغار على جبطة، فرفض طلبه فجمع جيشا وأغار به على القلابات. # وكان «أرباب» قد علم بنية الرأس عدل على الهجوم، فجمع جيشا يبلغ ستة آلاف ووقف ينتظره ~~خارج المدينة، ولكن هجوم الأحباش الذي كان يزيد عددهم على عدد السودانيين بعشرة أضعاف كان ~~عنيفا، فأحدقوا بالدراويش وذبحوهم وقتل وذبحوهم وقتل «أرباب» ولم ينج إلا عدد قليل جدا، ~~وقطع الأحباش أجسام القتلى ومثلوا بهم، ما عدا جسم «أرباب» فإنهم استثنوه احتراما لصالح ~~شنجة. # وكان الدراويش قد خزنوا بارودهم في منزل ووكلوا حراسته لمصري، فلما طالب الأحباش هذا ~~المصري بتسليم البارود أبى وأشعل البارود فانفجر وقتله هو ومن حوله من الأحباش. أما ~~القلابات نفسها فقد أحرقها الأحباش وسووها بالأرض بحيث صارت خرابا لا يعيش فيها سوى ~~الضباع. # ولما بلغ الخليفة خبر اصطلام جيش واد أرباب، أرسل خطابا إلى الملك يوحنا يعرض عليه ~~افتداء الأسرى بمبلغ يعينه هو بنفسه، ولكنه في الوقت نفسه أمر يونس بأن يقوم بجيشه إلى ~~القلابات وينتظر أوامره هناك. # وعندما غادر يونس الخرطوم بجيشه عبر الخليفة النهر إلى الخرطوم وشيعه ثم عاد إلى أم ~~درمان. # وحدث أن «كلوتز» اختفى فجأة من أم درمان، وكان هذا على أثر فشله في الحصول على ما يعيش ~~به، وظننت أنه قد فر ونجا، ولكني علمت من بعض التجار الواردين من غضارف أنه وصل إلى هذه ~~البلدة، وقد بلغ به الإعياء حتى مات قبل هجوم الأحباش. # الفصل الثاني عشر # | بعض الحوادث الأخرى # كان الأمير كرم الله قد تولى الحكم في بحر الغزال بعد لبتون وذهب إلى شقة وأقام فيها، ~~ولكن صديقي القديم المادبو كان يحكم هذه الجهة، فاصطدم الاثنان وتنازعا السلطة. # وانتهى النزاع بالشجار وفر المادبو بعد مقاومة غير مفيدة، فقبض عليه وأرسل إلى أبي أنجة، ~~وكان يحقد عليه لعلة سابقة؛ وذلك أن المادبو أسره أحد الأيام ms186 عندما كان يقاتل في صف سليمان ~~زبير وكلفه حمل صندوق كبير من الذخيرة، فلما شكا إليه أبو أنجة جلده، ولما أحضر المادبو ~~حاول أن يدافع عن نفسه بقوله إنه لم يقاتل المهدي وإنما كان يقاتل كرم الله، ولكن ما فائدة ~~الدفاع في هذه الأوقات؟ # وعرف المادبو أن الدفاع لا فائدة فيه فاستسلم لقضاء الله، وقال: «إن الله هو الذي يقتلني، ~~وأنا لا أسأل الرحمة وإنما أطلب العدل، ولكن كبير على عبد مثلك أن يكون شريفا، وها هي ذي ~~آثار سوطي على ظهرك لم تزل واضحة، ومهما جاءني الموت فإنه سيجدني رجلا هادئا مطمئنا ~~لقبوله، فأنا المادبو والقبائل تعرفني.» # وأمر أبو أنجة برده إلى السجن ولكنه لم يجلده، وفي اليوم التالي قتله أمام جيشه، وبر ~~المادبو بوعده؛ فإنه وقف في الساحة الفسيحة المعدة لقتله والسلاسل حول عنقه وكان يضحك في ~~وجه الجنود الذين كانوا يركضون الخيول ويلوحون بالرماح في وجهه، ولما أمر بالركوع لكي يقتل ~~صاح في الناس أن يشهدوا عليه كيف مات وتحمل الموت بشجاعة، وبعد لحظة انتهى كل شيء، وهكذا ~~ختمت حياة المادبو وكان من أقدر شيوخ العرب في السودان. # ولما أحضر رأسه إلى أم درمان حزن عليه جنود الرزيفات الذين كانوا قد هاجروا إلى أم درمان، ~~حتى الخليفة نفسه أسف على قتله. ولكن لما كان كل شيء قد انتهى لم يكن ثم مجال لأن يلوم ~~أكبر أمرائه على شيء فات، ولكنه أخبرني أنه لو عاش لكان فيه منفعة كبيرة. # وكان يونس قد غادر أبا حرز إلى الغضارف والقلابات حيث أقام وكانت سلطته واسعة، وحدث أنه ~~طلب من الخليفة أن يأذن له في الإغارة على الحبشة، ولم يكن الخليفة قد تسلم الجواب من الملك ~~يوحنا على خطابه فأذن له. فأخذت جيوش يونس في الإغارة على القرى المتاخمة، وكان يقودها ~~عرابي ضيف الله، فكان يقتل الرجال ويسبي النساء والأولاد. وكانت هذه الجيوش سريعة الحركة ~~كثيرة الإغارة، حتى لقد سارت مرة عشرين ميلا في داخل البلاد تنهب وتقتل وتفتك، ولكن يونس ms187 ~~كان في القلابات وعلاقته بالأحباش على ما يرام، يتاجر معهم فيأتونه بالبن والعسل والشمع ~~والطماطم وريش النعام والخيول والبغال والعبيد. وحدث مرة أن جاءت قافلة كبيرة من الجبارتة - ~~وهو من مسلمي الأحباش - ومن المكادة ومعهم متاجر عظيمة، فلم يقو يونس على كبح أطماعه، ~~فادعى أنهم جواسيس أرسلهم الرأس عدل وقبض عليهم وأخذ سلعهم، واستحسن الخليفة عمله حتى سماه ~~«عفريت المشركين» و«مسمار الدين». # وكان يونس قد أرسل إليه جميع الفتيات الجميلات اللاتي سبين في الغارات كما أنه أرسل إليه ~~عددا من الخيول والبغال، وطمع الخليفة في التوسع، وكان أيضا مغتاظا من الملك يوحنا؛ لأنه ~~لم يجب على خطابه، فعزم على أن يضم جيش يونس إلى جيش أبي أنجة ويغير بهما على الحبشة، وطلب ~~من يونس أن يبقى بجيشه ويتخذ خطة الدفاع إلى أن تأتيه أوامره. # وأرسلت الأوامر إلى أبي أنجة لكي يرسل 1500 من جنوده المسلحين ببنادق منجتون إلى عثمان ~~واد آدم الذي عين أميرا لكردوفان ودارفور، وطلب منه أن يحضر هو بنفسه مع سائر جيشه إلى أم ~~درمان. # وقبل هذه الحوادث بمدة قليلة كانت قبيلة الكبابيش التي تقيم بين كردوفان ودنقلة قد ظهر ~~منها شيء من العصيان، فأرسلت إليهم تجريدة نجحت في إخضاعهم وغنمت منهم مقادير كبيرة من ~~الماشية والعبيد، ولجأ شيخ القبيلة الشيخ صالح إلى أم بدر؛ وهي بقعة بعيدة، ومعه عدد قليل ~~من أتباعه. # وأرسل الشيخ صالح إلى وادي حلفا يستنجد بالحكومة المصرية، فسلمت لوكيله مائتي بندقية ~~وأربعين صندوقا من الذخيرة ومائتي جنيه وبعض المسدسات الملبسة بالمعدن. # وكان في أسوان في ذلك الوقت تاجر ألماني يدعى شارل نيوفلد، وكان يعرف ضيف الله أجيل ~~شقيق إلياس باشا الذي فر حديثا من السودان. وعلم منه أن في كردوفان مقادير كبيرة من الصمغ ~~لم يستطع التجار إصدارها بالنسبة للثورة، وأنه يمكن بمعاونة الشيخ صالح أن تنقل إلى وادي ~~حلفا، فأغراه الطمع في المال أن يذهب بنفسه إلى الشيخ صالح، ويظهر أنه لم يجد صعوبة كبيرة ~~في الحصول على إذن بالسفر إلى ms188 السودان بعد أن وعد بكتابة تقرير عن الحالة في السودان، وفي ~~أوائل أبريل 1887 غادر وادي حلفا قاصدا الشيخ صالح. # وكان النجومي عارفا بقيام القافلة فوضع أناسا على الطرق لكي يخبروه بالطريق التي تسلكها ~~القافلة، ومما زاد الطين بلة أن الدليل ضل في طريقه فقاست القافلة عذابا كبيرا من العطش، ~~ولما وصلوا إلى آبار الكاب وجدوا بضعة دراويش في انتظارهم، فنشب قتال انهزم فيه رجال صالح ~~لما كان بهم من الإعياء والعطش، وأسر بعضهم وكان بين الأسرى نيوفلد، وفي بدء القتال عزم ~~نيوفلد على ألا يبيع حياته رخيصة؛ فإنه اتخذ مكانا وراء القافلة وكانت معه خادمة حبشية، ~~ولكن القتال لم يبلغ إليه. # وعند انتهاء القتال عرض عليه الدراويش أن يعفوا عنه إذا سلم نفسه، فرضي وأخذ إلى النجومي ~~في دنقلة مع سائر الأسرى، وقتل النجومي جميع الأسرى ما عدا نيوفلد؛ فإنه حقن دمه لكي يرسله ~~إلى أم درمان. # وكنت قد سمعت أن أسيرا أوروبيا سيرسل إلى أم درمان، وفي أحد الأيام في شهر مايو رأيت ~~جمهورا يسير نحو دار الخليفة وفي وسطه رجل أوروبي قد ركب جملا، وكان المشاع على ألسنة ~~الناس أنه الباشا حاكم وادي حلفا، وكان بين المسجد وبين دار الخليفة بناء يدعى رقوبة، يجلس ~~فيه الملازمون، وإلى هذا البناء أدخل إلينا نيوفلد. # فلما رأيته صمت؛ لأني كنت أعرف أخلاق الخليفة وجواسيسه، وتظاهرت بالمجانة لا أكترث لما ~~يجري أمامي. # ولما سمع الخليفة بوصول نيوفلد بعث في طلب الخليفتين والقاضيين طاهر المجذوب والأمير بخيت ~~ونور أنجرة، الذي كان قد وصل حديثا من كردوفان حيث كان يحارب مع أبي أنجة، وأرسل أيضا في ~~طلب يعقوب أخيه. وعندما دخلوا همست في أذن نور أنجرة قائلا: «افعل جهدك لكي ينجو ~~الرجل.» # وطلبني الخليفة وأمرني بأن أجلس مع المجتمعين معه، ثم أخبرنا بأن الرجل جاسوس إنجليزي ~~وطلب من الشيخ طاهر المجذوب أن يستجوبه، وطلبت أنا في الحال أن يؤذن لي بأن أخاطبه بلغة ~~أوروبية فأذن لي، وذهبت أنا وطاهر إلى الرقوبة حيث كان ms189 نيوفلد. # ولما ذكر اسمي قام نيوفلد وصافحني وهو فرح، فنبهته إلى وجوب مخاطبته الشيخ طاهر الذي وكلت ~~إليه محاكمته، وأنه يجب عليه الخضوع كل الخضوع لما يقال له. وكان يجيد التكلم بالعربية ~~وأحدث استعداده للكلام أثرا سيئا في نفوس سامعيه، فطلبوا أن يرسل إلى الخليفة وكان حكمهم ~~أنه جاسوس يجب أن يقتل، ولما صرنا جميعا في حضرة الخليفة قال لي: «وما رأيك أنت ~~فيه؟» # فقلت: «كل ما أعرفه أنه ألماني؛ أي إنه ينتسب لأمة لا تهتم بمصر.» # وسلم إلي الخليفة أوراقا وطلب مني قراءتها، ورأيت في عينيه أنه يحدق النظر في لكي ~~يعرف ضميري. # فوجدتها تحتوي على كشف أدوية مكتوب باللغة الألمانية، وخطاب بالإنجليزية إلى نيوفلد فيه ~~أخبار عن الحالة في السودان، كذلك خطاب طويل من الجنرال «استيفنسن» ينبئ فيه بأنه منحه ~~الإذن بدخول السودان مع القافلة القادمة، وفي الوقت نفسه يطلب معرفة أخبار وافية عن الحالة ~~عموما. # ترجمت هذا الخطاب للخليفة غير أني تكتمت ما طلبه الجنرال من معرفة الأخبار، فقلت له إن ما ~~يطلبه هذا الرجل هو السماح له في دخوله البلاد وهو يشتغل في التجارة كما أخبر الشيخ طاهر. ~~وقد رأيت الخليفة في تلك اللحظة يحدق النظر بي، ثم أمرنا بالانصراف انتظارا لأوامره خارج ~~الدار. # وقد اجتمع في ذلك الأوان عند البناء المسمى «الرقوبة» آلاف الناس بقصد رؤية الباشا ~~الإنجليزي، وما هي إلا هنيهة حتى جاء بعض الضباط السود وأوثقوا يدي نيوفلد وأمروه بمغادرة ~~الرقوبة، فوقفت أنا والقاضي «نور أنجرة» على كومة من الأحجار نرقب ما سيحدث. # وفي تلك اللحظة التي ظنها نيوفلد آخر حياته حدق بنظره إلى السماء ثم خر ساجدا دون أن ~~يطلب إليه ذلك، فأمروه بالنهوض ومن ثم تقدم رجل يحمل أرغونا وابتدأ يعزف أنغاما مطربة فوق ~~رأس نيوفلد. ولقد دهشت لما رأيت أن ذلك لم يربكه قط، واندفعت خادمته الحبشية بدافع الإخلاص ~~لسيدها طالبة أن تقتل معه، ولكنها أعيدت إلى الرقوبة في الحال، وقد تيقنت حينئذ أنا والقاضي ~~بأن الخليفة يداعب نيوفلد كما ms190 يداعب القط الفأر، وأن الحكم بإعدامه لم يصدر بعد، فحاولت أن ~~أشير إليه ولكنه يظهر أنه لم يتنبه إلى إشارتي. # ثم عدنا بعد ذلك في حضرة الخليفة، فبادر الشيخ طاهر بقوله: «هل أنتم تصرون على إعدام هذا ~~الرجل؟» ثم التفت إلى نور أنجرة وقال له: «ما رأيك وأنت الذي طلبت العفو عن نيوفلد وقلت إنه ~~شجاع؟» ثم التفت إلي وقال: «ما رأيك أنت يا عبد القادر؟» فقلت: يا مولاي إن الرجل يستحق ~~القتل، ولو كان هناك أي حاكم غيرك ما تأخر عن قتله، ولكن علو نفس مولاي الخليفة ورحمته لا ~~شك بأنهما سيشملانه، خصوصا أنه اعتنق الدين الإسلامي، وأن رحمة الخليفة به لا محالة ستقوي ~~عقيدته. وقد عفا عنه القاضي أحمد من قبل، كما أن الخليفة لم يكن في عزمه قط أن يقتله كما ~~ظهر لي. # وحينئذ أمر الخليفة بإعادة نيوفلد إلى الرقوبة بعد أن فكت أغلاله، إلا أنه أصدر الأمر بأن ~~يعرض على أنظار الجمهور، ثم أن يسجن بعد ذلك حتى صدور أوامر أخرى. ثم التفت الخليفة إلي ~~وأمرني بألا أختلط مع نيوفلد بعد الآن، فانسحبنا جميعا ولكني لم أعدم الفرصة لأبلغ نيوفلد ~~بما قضاه الخليفة من أنه سيعرض على أنظار الجمهور، وبعد ذلك نفذ الأمر وعرض على ~~الأنظار. # وفي اليوم التالي استدعاني الخليفة وأبلغني أن النجومي يقول إن نيوفلد أغري بواسطة ~~الحكومة ليتصل بالشيخ صالح الكباشي ويساعده على محاربة المهديين، فأوضحت للخليفة عدم صحة ~~هذه الرواية؛ إذ إن أوراق نيوفلد صحيحة مستوفاة، وإن الحكومة على أي الحالات لا يعقل أن ~~تعهد إليه بعمل كهذا. وقد تبادر إلى ذهني في أول الأمر أنه صدق قولي في هذا الصدد، ولكني ~~تيقنت من الضد بما أظهره لي من الاحتقار وعدم الثقة مدة من الزمن. # وبعد أيام قليلة عقد الخليفة استعراضا كبيرا أخذ إليه نيوفلد مكبلا بالحديد وراكبا ~~جملا، ولما التقى بالخليفة سأله عن آرائه فيما يختص بكتائبه، فأجابه بأنها بالرغم من وفرة ~~عددها لا تزال الجيوش المصرية أحسن نظاما منها وتدريبا. ms191 وعند ذلك أمر الخليفة برده إلى ~~«الرقوبة» سجينا. # ورغبة في الانتقام من الشيخ صالح الذي لم يقدم ولاءه للخليفة، أرسلت إليه حملة قضت على ~~حياته وفرقت رجاله؛ وبهذا قضي على حياة آخر شيخ مخلص للحكومة المصرية. # وفي أواخر يوليو وصل «أبو أنجة» إلى أم درمان مصحوبا بقوة تقدر بعشرين ألف رجل، وبعد ~~أسابيع قليلة أرسل جزء من هذه القوة تحت قيادة «زكي طومال» لإخضاع «أبوروف» شيخ قبيلة جهينة ~~الذي لم يلب نداء الخليفة ويذهب إلى أم درمان، فدحر زكي طومال معظم رجال تلك القبيلة، وأرسل ~~كثيرا من السبايا وأسرى الأطفال هدايا للخليفة، وأحضر الباقي بعد ذلك إلى أم درمان؛ حيث ~~اشتغلوا في نقل الماء وعمل الحصر. وبيعت قطعانهم بأبخس الأثمان في الأسواق؛ فبيع الثور أو ~~الجمل الذي قيمته 40 أو 60 ريالا بريالين أو ثلاثة. # وتلقى أبو أنجة الأوامر لكي يوالي السير من أم درمان إلى القلابات بعد تشتيت شمل قبيلة ~~جهينة، ويتولى هناك قيادة الجيوش. فعند وصوله جمع القوات المرابطة في المراكز الجنوبية ~~عند أبي هرر، وأخذ ينظمها ويعد العدة للأخذ بثأر «واد أرباب» من الأحباش، واجتمعت تحت إمرته ~~أكبر قوة جمعت من عهد الخليفة عبد الله؛ إذ كان مجموع ما تحت قيادته 45 ألفا من حاملي ~~الرماح و800 من الخيالة و50 ألف بندقية، فغادر القلابات بهذه القوة مخترقا ممر «منتك» ~~قاصدا «رأس أوال»، ولست أعلم حتى هذه اللحظة لماذا لم يهاجم الأحباش أعداءهم أثناء ~~اختراقهم هذه الممرات الضيقة والوديان السحيقة التي كان يتعذر عليهم فيها استعمال نيران ~~بنادقهم، فإذا لم يتمكنوا من صد أعدائهم فإنهم على الأقل يستطيعون أن يلحقوا بالدراويش ~~خسائر تذكر. وكل ما أمكنني إدراكه هو أن الأحباش ربما تأكدوا من فوزهم النهائي وعملوا على ~~جرهم بعيدا داخل المملكة حتى يقطعوا عليهم خط رجعتهم، وبذلك يبيدونهم عن آخرهم. فابتدأ ~~القتال على سهل «دبراش»، وكان تحت قيادة الرأس «عدل» ألفان من المحاربين، واتخذ له موقعا ~~يهدد به جناح أبو أنجة الشمالي، ولكن أبو أنجة كان لديه من ms192 الوقت ما يسمح له بالانسحاب من ~~التلول وأن ينظم صفوفه وهو يتقهقر، فحمل الأحباش المرة تلو الأخرى على الدراويش إلا أن ~~هؤلاء تمكنوا من صدهم بعد أن حملوهم خسائر فادحة، وأخذ أبو أنجة بعد ذلك في الهجوم حتى ~~انتصر في معركة حاسمة. # وكان يتولى القيادة في كسلا «أبو حرجة»، وقد أمر باللحاق «بعثمان دجنة» ليعاونه في ~~القتال، وترك «أحمد واد علي» نيابة عنه في كسلا، وعرج في طريقه على أم درمان ليرفع إلى ~~الخليفة تقريرا عن حالة القبائل العربية النازلة بشرقي السودان، ورغم أنه وصل إلى أم درمان ~~في ساعة متأخرة من الليل، إلا أن الخليفة قابله مقابلة طويلة خصوصية، وقد أبلغني أثناء ~~خروجه أن خطابا ورد لي من أهلي. # وبعد بضع دقائق طلبت عند الخليفة وأبلغت بأن حاكم سواكن بعث بخطاب إلى «عثمان دجنة» يظن ~~أنه من عند أهلي، وأمرني الخليفة بفتحه في الحال وإخباره عما يحتويه، فتصفحته بسرعة وأشد ما ~~آلمني خبر وفاة والدتي، وقد أخبرني إخوتي بأنها ما كانت تطلب في آخر حياتها وهي على فراش ~~الموت إلا أن يجمع البارئ بيني وبينهم. # ولما لاحظ الخليفة طول الوقت الذي استغرقته في مطالعة الخطاب سألني عن اسم من أرسله لي، ~~وما هي محتوياته، فأجبته بأن إخوتي هم الذين بعثوا به إلي وأني سأترجمه؛ إذ لم يكن هناك ~~داع لكتمان أي شيء فيه؛ فهو عبارة عن بضعة أسطر سطرها إخوة بؤساء إلى أخ بعيد عنهم. # وقد أبلغته مقدار جزعهم علي لطول غيابي عنهم، وكيف أنهم على استعداد لعمل أي تضحية في ~~سبيل خلاصي واستردادي لحريتي، ولما وصلت في الخطاب إلى الجزء الخاص بوالدتي قلت للخليفة إنه ~~بسبب بعدي عنها كانت في كل أوقات مرضها تتضرع إلى الباري كي تراني قبل موتها، كانت تتمنى ~~ذلك ولكن أمنيتها لم تتحقق ففاضت روحها قبل أن تراني، وفي تلك اللحظة التي نضب فيها لعابي ~~ولم أقو على الاستمرار في الكلام، بادرني الخليفة قائلا: «ألا تعلم والدتك بأني أرحم عليك ~~من أي مخلوق كان؟ ms193 وعلى كل حال إني لا أتصور أنها كانت على ما تذكر من الحال، فعليك أن تحزن ~~لوفاتها، ولكن يجب أن تعلم أنها ماتت مسيحية ولم تعتقد في الرسول والمهدي، وعلى ذلك هي لا ~~تلاقي رحمة ربها.» # فهاجت أعصابي عند سماع قوله هذا ولكني لم أفه بكلمة، ثم استرجعت قواي وصرت أتلو عليه ما ~~جاء في الخطاب عن زواج أخي هنري، وأن «أودلف» وأخواتي البنات بخير، وطلبوا إلي في آخر ~~خطابهم أن أكتب إليهم عن الطريقة التي يمكن عملها لاسترداد حريتي، كما طلبوا إلي الإسراع ~~في الإجابة عليهم. فقال لي الخليفة: «اكتب إلى واحد من إخوتك كي يسرع في الحضور إلى هنا ~~وأخبره بأنه سيكون موضع إجلال واحترام، وسوف لا يحتاج إلى شيء بالمرة ما دام مقيما هنا، ~~ومع ذلك سأتكلم معك في هذا الشأن مرة أخرى.» وبعد ذلك أشار علي بالانصراف، فانصرفت وكان ~~رفاقي الذين علموا بوصول هذا الخطاب ينتظرونني بفارغ الصبر ليسمعوا مني ما حواه، وبمجرد أن ~~تلاقوا معي وجهوا لي عدة أسئلة كنت أجاوبهم عليها بكل اقتضاب. # ولما ذهب الخليفة إلى راحته اتكأت على سريري «عنجريبي»، فسألني خدمي عن الأخبار فكنت أطلب ~~إليهم عدم محادثتي. # ثم أخذت أحدث نفسي قائلا: «وا أسفاه عليك يا والدتي! فإنني أنا الذي كنت سببا في لحظاتك ~~السيئة الأخيرة.» وقد أخبرني إخوتي في خطابهم بآخر كلماتها التي كانت تفوه بها، فعلمت أنها ~~كانت تقول: # إني على استعداد لملاقاة الخالق، إني على استعداد للموت، ولكني أرجو أن أرى ~~وأقبل رودلف قبل أن تفيض روحي. # وكانت تقول أيضا: # إنني كلما تذكرت أنه في قبضة أعدائه تزداد آلامي. # آه، إني أتذكر جيدا كلماتها التي فاهت بها لما عولت على القدوم إلى السودان، لقد كانت ~~تقول لي: «يا بني إن روحك المضطربة تدفعك إلى المغامرة بحياتك في بلاد بعيدة لا تعلم عنها ~~شيئا، وربما يأتي الوقت الذي تنتهي فيه من كل ذلك وتقبل على حياة هادئة.» فما أصدق كلماتك ~~يا والدتي! وما أعظم الشقاء الذي سببته لك! ms194 # وبعد أن فكرت في هذا كله صرت أنوح ثم أنوح، لا بالنسبة لما أنا عليه من حال سيئ بل من أجل ~~أمي العزيزة التي فاضت روحها بسببي. # وفي صباح اليوم التالي أرسل لي الخليفة وطلب مني مرة أخرى أن أترجم له الخطاب، وأمرني أن ~~أرد في الحال على إخوتي لأخبرهم بأني في رغد من العيش، فنفذت ما طلبه وكتبت خطابا كله ثناء ~~على الخليفة وإعجاب بخصاله وكم أنا سعيد بجواره، ولكني كنت أضع كل كلمات المدح والإطراء ~~وحسن الحال داخل أقواس وبجوارها علامات استفهام. وكتبت في ذيل الخطاب ما يشير إلى أن تلك ~~الكلمات الموضوعة بين الأقواس هي عكس الحقيقة. # وفي الوقت نفسه طلبت إلى إخوتي أن يكتبوا إلى الخليفة خطاب شكر على حسن معاملته لي! وأن ~~يرسلوا له كيس سفر كبير، ويرسلوا لي مبلغ 200 جنيه و12 ساعة اعتيادية تستحق أن تكون هدايا ~~لأقدمها إلى أمراء الخليفة الذين يسرون بها كثيرا، وطلبت نسخة القرآن مترجمة إلى اللغة ~~الألمانية، ولكي لا يجزعوا قلت لهم إني أرجو أن تسمح الظروف بملاقاتنا قريبا. # طلبت إليهم أن يرسلوا تلك الطلبات إلى قنصل النمسا في القاهرة الذي يرسلها إلى حاكم ~~سواكن، وهذا يبعث بها إلى عثمان دجنة ومنه تصل إلي. وقد سلمت هذا الخطاب إلى الخليفة فبعث ~~به رسولا كان ذاهبا إلى عثمان دجنة ليرسله إلى سواكن. # وقد حزنت قبل وصول الخطاب المحزن بنحو شهر تقريبا لما أصاب صديقي «لبتون»، الذي كان ~~يشتغل في جمرك الخرطوم وأرغمته حالته الصحية على أن يترك عمله وعاد بعد ذلك إلى أم درمان ~~يشكو الفاقة، ولكن لحسن حظه كان قد عاد صديقه «صالح واد الحاج علي» من القاهرة ومعه بعض ~~النقود أرسلها إليه بعض أفراد أسرته من القاهرة مع صالح المذكور. # وكان واد الحاج علي هذا طماعا في ابتزاز الأموال، حرامها وحلالها؛ فقد أعطى «لبتون» قبل ~~ذلك مبلغ 100 ريال وأخذ منه تحويلا على أخيه بالقاهرة بمبلغ 200 ريال قبضها بمجرد وصوله، ~~ولما عاد إلى أم درمان أعطى ms195 لبتون 200 دولار واغتصب لنفسه باقي ما أرسله أخو «لبتون» وهو ما ~~يقرب من 800 دولار. وقد ساعد هذا المبلغ الضئيل «لبتون» نوعا على فك ضيقه، وهذا مع ما كان ~~يؤمله من أن هناك مخاطبات دائرة بشأن إطلاق حريته؛ كانا سببا في تخفيف شيء من آلامه. وكان ~~هذا المسكين قد حضر معي ذات يوم من المسجد عقيب الصلاة إلى المنزل، وأخذ يستشيرني في انتقاء ~~شخص يضع عنده مبلغ ال 200 دولار؛ بحيث يأخذ منه ما يريده كلما شاء؛ إذ إنه يخشى إذا بقيت ~~معه أن يندفع في الظهور بالبذخ والإسراف؛ ومن ثم يفتضح أمره وتعرف صلاته بالقاهرة فيلاقي ~~حتفه. # كنا نتحادث عن حالتنا وما نحن عليه، وقد كان في تلك اللحظة منشرح الصدر أكثر من عادته، ~~رغم ما كان ينتابه من الآلام في ظهره والضعف العام في كل جسمه. # وقد تركته حوالي الظهر. وفي يوم الثلاثاء التالي أرسل لي خادمه يطلب أن أذهب إليه لأنه ~~يشكو مرضا شديدا، وأبلغني خادمه أن سيده مصاب بحمى شديدة، وأنه ملازم الفراش من ثلاثة ~~أيام، فوعدت الخادم بأني قادم إليه سريعا. وفي المساء طلبت إلى الخليفة أن يسمح لي في ~~الذهاب. وفي صبيحة اليوم التالي - وقد حصلت على الإذن بقضاء عامة اليوم مع هذا المريض - ~~ذهبت في الحال إلى منزله فوجدته في حالة يرثى لها؛ وجدته يشكو ألم حمى التيفوس، وحالته ~~شديدة لدرجة أنه لم يتمكن من معرفتي لما دخلت في أول الأمر، وقد حدثني بعد ذلك بألفاظ ~~متقطعة موصيا بأن أعتني بأخته، ثم تمتم كلاما عن والده. # الفصل الثالث عشر # | حملة الأحباش # وما كان يدور بخلد أحد أن انتصارات المهديين يسكت عليها من جانب الأحباش؛ فقد أعد الملك ~~«جان» عدته وجمع قواته بعد أن استتب له الأمر في الداخل ببلاده، أعد العدة لغزو القلابات. ~~وبالفعل أحرزت قوات الأحباش نصرا في بادئ الأمر، إلا أن نصرهم انقلب هزيمة عندما أصيب ~~الملك «جان» برصاصة قضت عليه لساعته، فارتد الجيش الحبشي بغير نظام وتعقبه «زكي طومال» ms196 الذي ~~تمكن من الاستيلاء على تاج الملك ومتاعه وأخذ جثته غنيمة. # وقامت على أثر ذلك في بلاد الأحباش ثورة داخلية بسبب تطلع كثيرين إلى العرش. # وكان الإيطاليون يحتلون مصوع منذ بدء عام 1885، وعلى ذلك مكنتهم تلك الثورات الداخلية من ~~الاستيلاء على مناطق واسعة داخل حدود الحبشة بالقرب من مصوع، وقد قوى الاستيلاء عليها ~~مركز الدراويش في القلابات؛ لأن الأحباش شغلوا باسترداد ما استولى عليه عدوهم ~~الجديد. # وبينما كانت القوة المعسكرة في القلابات تحت رحمة الملك «جان» في بادئ الأمر، كان «عثمان ~~واد آدم» في حرب شديدة في غربي السودان، وقد شتت شمل السلطان يوسف ودحر جيشه وجعل عساكره ~~بدون مأوى في شرقي السودان وغربيه، وقد حكم على أمرائه وأتباعه بأشد العقوبات وساق أتباعه ~~من النساء والأطفال غنائم وأرسلهم مخفورين إلى الفاشر، وانتشر الهرج والمرج في جميع الأنحاء ~~حتى حدود «دار تاما». # وكان في ذلك الوقت بتلك الناحية شاب هرب من أم درمان، ينتسب إلى قبيلة من القبائل ~~النازلة على ضفاف النهر، ويسكن في تلك الناحية مستظلا بشجرة جميز، فلقبوه من أجلها بأبو ~~جميزة، فوصل إليه بعض من هؤلاء الرجال الذين شتت شملهم «عثمان واد آدم» وانضموا تحت لوائه، ~~فجمع شملهم وتولى قيادتهم للأخذ بثأرهم، وبالفعل تم له النصر في أول الأمر على قوة صغيرة من ~~قوى الدراويش كانت في ذلك الوقت قريبة منهم. وكان لذلك الانتصار صداه، فانضم إليه كثير من ~~الدارفوريين وكونوا قوة عظيمة تحت إمرته سار بها إلى الفاشر، إلا أن المنية عاجلته في ~~الطريق فقضى نحبه، فانقض «عثمان واد آدم» على جيشه وكان على بضعة أميال من الفاشر وهزم هذا ~~الجيش شر هزيمة. # أما الخليفة فكان في هذه الأثناء يسر في نفسه غزو الديار المصرية، وقد استشار من أجل ذلك ~~كثيرا من زعمائه، فحسنوا له غزو مصر لما احتوت عليه من حدائق غناء وقصور فخمة وسيدات لونهن ~~أبيض جميلات. # وبطبيعة الحال كان أكفأ قواد الخليفة في ذلك الوقت، والذي يصح أن توكل إليه قياد الجيوش ~~الغازية، هو ms197 «ابن النجومي»؛ لشجاعته النادرة، ولأنه عرف مصر وخباياها لما كان تاجرا ~~بسيطا، وفضلا عن ذلك أنه كان من أشد أنصار الدعوة المهدية، يعمل لنشرها بكل ما أوتي من ~~حول وقوة. # وكانت الجيوش التي تحت أمره مكونة من أبناء القبائل النازلة على ضفاف النيل، الذين عرفوا ~~مصر جيدا ولهم صلات قرابة ونسب مع القبائل في مديريات الوجه القبلي الملاصقة. # فمن أجل هذا، لما أصر الخليفة على غزو مصر لم يفكر في إسناد قيادة الجيوش الفاتحة لغير ~~ابن النجومي. # وكان الخليفة يحسب حسابا كبيرا لهذا الفتح ويقدر نتائجه، وكان يخشى الهزيمة والخسارة؛ ~~ولذلك تدبر في الأمر وقرر أن يرسل مع ابن النجومي جيوشا من القبائل النازلة بقرب السودان ~~التابعة له، لا من القبائل التي تنتمي إليه حقيقة؛ حفظا لهم ووقاية من الوقوع في الهزيمة. ~~فجهز جيش ابن النجومي من قبائل «الجالان» و«الدناجلا» و«النيفاريون»، وقبيلتا «الجالان» ~~و«الدناجلا» من أتباع الخليفة الشريف، وقد كان الخليفة عبد الله ينظر إليهما دائما كما ~~ينظر إلى الأعداء. # وكان الخليفة يتمنى بكل جوارحه نجاح الحملة، وما كان يخالجه شك في قدرة قائده وإخلاصه، ~~وكان يمني نفسه بغزو الديار المصرية ليضيف إلى ملكه بلادا جديدة، إلا أن المصريين انتصروا ~~عليه وألحقوا به خسائر فادحة، وردوا جيوشه منهوكة القوى إلى دنقلة. # وإن حوادث ذلك العهد التي انتهت بهزيمة جيش الدراويش في واقعة توشكا في 3 أغسطس سنة 1889 ~~وموت ابن النجومي معروفة لا تحتاج إلى إعادة إيضاح هنا. # ولكن بمناسبة تكوين الحملة السالفة الذكر من رجال القبائل التي قلنا إنها في الأصل كانت ~~معادية للخليفة وهو يوجس منها خيفة دائما أبدا؛ أروي حادثة حدثت لقبيلة من تلك القبائل؛ ~~فقد حدث أن ترددت قبيلة «البتاهية» في القدوم إلى أم درمان لتقديم طاعتها إلى الخليفة، فجهز ~~للهجوم عليها حملة هزمتها شر هزيمة، وأسرت منها ما يقرب من 67 رجلا بأهلهم، وكانت هذه ~~القبيلة مشهورة بقوة رجالها أيام أن كانت الحكومة المصرية مستولية على السودان. # وأمر الخليفة بمحاكمة هؤلاء الأسرى بتهمة «العصيان»، فلما ms198 سأل قضاته عن عقوبة العصيان ~~أجابوه بلا تردد «الموت»! وبعد ذلك أمر الخليفة بإعادتهم إلى السجن، وأخذ يعد المعدات ~~اللازمة لتنفيذ الحكم عليهم. # وبناء على إرادته أقاموا ثلاث مشانق في ساحة السوق، وبعد صلاة الظهر دقت الطبول إيذانا ~~بقرب ميعاد التنفيذ، وجاء الخليفة متبوعا بحاشيته راكبا، ولما اقترب من مكان التنفيذ نزل ~~وجلس على سرير صغير وحاشيته من حوله، منهم من هم ركوع ومنهم من هم وقوف، ثم أحضروا أمامه ~~أولئك الرجال مكتوفي الأيدي يحيط بهم رجال عبد الباقي، بينما كانت النساء والأطفال تتبعهم ~~نائحات نادبات. # وأمر الخليفة بأن يجعل النساء والأطفال في ناحية والرجال في ناحية أخرى، وبعد ذلك جاء ~~«أحمد الدليا» و«طاهر واد الغالي» و«حسن واد خبير»؛ وهم الذين انتقاهم الخليفة لتنفيذ الحكم ~~على هؤلاء التعساء، وأمر ثالثهم بأن يذهب ويأمر الحراس بأن يأخذوهم إلى المكان الذي نصبت ~~فيه المشانق. # وبعد ربع ساعة قام الخليفة وتبعه جميع من كان حوله إلى ساحة السوق؛ حيث رأينا منظرا ~~تقشعر منه الأبدان، وجدنا هؤلاء البؤساء قسموا إلى ثلاث فرق؛ قسم نفذ فيه حكم الشنق، وقسم ~~تحت التنفيذ، والقسم الثالث قطعت أيديهم اليمنى وأرجلهم اليسرى. ووقف الخليفة يشاهد هذا ~~المنظر بنفسه؛ وقف يشاهد كومة من جثث الرجال، وقف يشاهد من قطعت أيديهم وأرجلهم، وقف يشاهد ~~هذه الأيدي وتلك الأرجل مبعثرة هنا وهناك، وقال ل «عثمان واد أحمد» أحد القضاة - وقد كان من ~~أعز أصدقاء الخليفة «علي» وأحد أركان تلك القبيلة - وهو يشير إلى تلك الجثث: «يمكنك الآن أن ~~تأخذ ما بقي من أفراد قبيلتك.» قال ذلك بكل سخرية، فارتعدت فرائص الرجل ولم يقدر على ~~الإجابة. # وعاد الخليفة بعد ذلك وأخذ «أحمد الدليا» يتمم مهمته، فترك 23 جثة هامدة ملقاة على الأرض ~~هنا وهناك، والباقي ينفذ فيهم الحكم بأفظع حال. # وقد كان هؤلاء يلاقون الموت بشجاعتهم المعهودة فيهم ولم يجزع واحد منهم، بل كان معظمهم ~~يردد كلمات تنبئ عن البسالة؛ كأن يقول أحدهم: «الموت حق»، أو «لا بد لكل واحد أن يموت»، أو ms199 ~~«من لم ير في حياته شجاعا يلاقي الموت فليقدم إلى هنا ليرى بعينيه.» وغير ذلك مما يثبت عدم ~~اكتراثهم لما كانوا يلاقونه. # وبعد ذلك تمت إرادة الخليفة بأن أعدموا جميعا، ولما عاد إلى دارة أصدر أمره بأن يترك ~~النساء والأطفال بدون مأوى حتى يباعوا بأرخص الأثمان. # وبالرغم من تلك المناظر التي كانت تقشعر منها الأبدان، كنت أشعر بسرور في نفسي لما وصلني ~~من الأخبار بأن هناك خطابات ستصل إلي قريبا من إخوتي، وأن في الطريق صندوقين لي من ~~النقود. وفي صباح يوم بينما كنت جالسا أمام الباب، وصل جمل يحمل صندوقين، وطلب الجمال ~~مقابلة الخليفة شخصيا، قائلا إنه جاء ومعه رسائل من عثمان دجنة، وأمر الخليفة بعد أن ~~تقابل مع الجمال بأن يرسل الصندوقان إلى بيت المال، وكان قد دهش في أول الأمر لما رآهما، ~~وأمر أيضا بأن تعطى الخطابات إلى كتاب سره، وضاق صدري لطول الانتظار؛ لأني كنت أحب أن ~~أعلم ما ورد لي، وكانت للخليفة لذة خاصة في عدم إبلاغي أي شيء قبل غروب الشمس. فلما غربت ~~ناولني الخطابات، وكانت - كما لاحظت - من إخوتي وهم يظهرون فيها سرورهم العظيم لما تسلموا ~~مني خطابا وعلموا بأني لا زلت على قيد الحياة. # وكان أحد تلك الخطابات باللغة العربية موجها إلى الخليفة نفسه يشكرونه فيه على عنايته ~~بي، والذي كتبه هو الأستاذ «واهر مند»، فجعله كله آيات مدح، فلما اطلع الخليفة عليها صار ~~يترنم بذكر كاتبها وأمر بقراءة الخطاب في المسجد عقب الصلاة، ثم أمر بعد ذلك بأن يرد ~~الصندوقان إلي. # وترجمت إليه الخطابات التي وصلت إلي، وأبلغته أن إخوتي أرسلوا إليه كيس سفر هدية، وأنهم ~~يلتمسون منه التنازل بقبول هذه الهدية الصغيرة التي لا تتناسب مع مقامه العظيم، فقبلها ~~وأمرني بإحضارها إليه في صباح الغد، وأرسل معي تابعيه ليحضرا فتح الصندوقين، فتوجهنا جميعا ~~إلى بيت المال حيث فتحناهما، فوجدت فيهما مائتي الجنيه التي طلبتها، وكذلك الساعات وأمواسا ~~للحلاقة ومرايا وجرائد وترجمة القرآن باللغة الألمانية وهدية الخليفة، وقد تسلمت كل هذه ms200 ~~الأشياء ثم توجهت إلى حجرتي وأخذت أعيد قراءة خطاباتي، واحتفظت بالصحف التي تحوي أخبار ~~بلادي العزيزة! # وكانت تلك الصحف عبارة عن أعداد جريدة # Nene Freie Presse ~~، ~~وهي بطبيعة الحال فيها الكفاية لسد رمق من لم يعرف شيئا عن أخبار بلاده منذ ست سنوات، ~~وجاءني الأب «أوهروالدر» خفية وأخذنا معا نقلب تلك الصفحات. # وفي صباح الغد قمت مبكرا وحملت الهدية وذهبت إلى الخليفة فأمرني بفتحها، ولما رأى ما ~~احتوت عليه من علب المعدن اللامعة والزجاجات والأمواس والفرش، أظهر إعجابه الكثير، ثم ~~ابتدأت أوضح له فائدة كل شيء على حدة، وحينئذ أرسل في طلب القضاة الذين كانوا في ذلك الوقت ~~يباشرون عملهم، فلما جاءوه واطلعوا على ما احتوته الحقيبة دهشوا كثيرا، ولو أني كنت على ~~يقين من أن كثيرا منهم رأوا مثل هذه الأشياء قبل الآن. # وبعد ذلك طلب الخليفة كاتب سره وأمره بأن يكتب في الحال خطابا لإخوتي، يبين فيه المركز ~~السامي الذي أشغله عند الخليفة وثقته التي لا حد لها في أخيهم، وأن يدعوهم للحضور إلى أم ~~درمان لزيارتي، وأن لهم الحرية التامة في الرجوع بعد تأدية الزيارة. # وأمرني بأن أكتب لهم مثل ذلك ، وبالرغم من وثوقي بأنهم لا يجيبون هذه الدعوة كتبت إليهم ~~بألا يجيبوها وبألا يحضروا. # وأرسلت المراسلات مع نفس الرسول الذي قدم من قبل عثمان دجنة، وأعطى الخليفة لعثمان ~~التعليمات بأن يبعث تلك الرسائل بنفس الطريقة التي سبق له أن بعث بها فيما مضى. # وكان الخليفة في هذا اليوم منشرح الصدر مسرورا، وكان سروره بسبب قدوم جميع أفراد قبيلته ~~التعايشة إلى أم درمان؛ لأنه كان قد طلب إليهم ذلك ومهد لهم كل السبل التي تسهل عليهم ~~القدوم. إلا أنهم ظنوا أنفسهم أسياد الحرث والنسل واستولوا على كل شيء مروا به من ماشية ~~بجميع أنواعها، ونهبوا متاع الرجال وحلي النساء في طريقهم، مع أن الخليفة - كما قدمت - كان ~~أمر بتشييد مخازن للمؤن في طول طريقهم لتسد حاجتهم، وكانت المراكب والبواخر قد أعدت لنقلهم ~~إلى أم درمان. # ولما وصلوا ms201 إلى الضفة اليمنى لأم درمان أمرهم الخليفة بالانتظار بعد أن قسمهم إلى قسمين ~~وبعد أن أمر بأن يلبس الرجال والنساء أزياء جديدة من بيت المال، ثم أخذ يستقبلهم جماعات ~~جماعات في أم درمان، واستغرقت مدة نقلهم من الضفة اليمنى إلى أم درمان يومين أو ثلاثة أيام؛ ~~حتى يلفت الأنظار ويعلم الجميع أن أسيادهم قدموا إلى المدينة، وأخلي لهم الجزء الواقع بين ~~المسجد والحصن ليكون مقرا لهم، وأعطي السكان الذين تركوا ديارهم أرضا بدلا منها، كما ~~أصدر أمره لبيت المال بأن يمد يد المساعدة لتشييد مساكن جديدة لهم. # ولكي يسهل على أفراد قبيلته سبل المعيشة - وكانت أسعار الغلال قد أخذت في الصعود - أصدر ~~أمره بمصادرة جميع الغلال المخزونة وبيعها بأرخص الأثمان لرجال التعايشة، وقسم الأموال التي ~~جمعت بين أصحاب الغلال الذين عادوا فاشتروا غلالا بأضعاف أضعاف ما باعوا، ويمكنني أن أقول ~~إن ثمن عشرة أرادب بيعت للتعايشة صارت بعد ذلك تساوي ثمن إردبين لما أراد أصحاب الغلال ~~شراء بدل منها. # ولما نفد ما كان مخزونا في أم درمان أرسل الخليفة رسله إلى الجزيرة ليصادروا كل ما ~~يجدونه هناك، ولكن تلك الأعمال التي عملها في سبيل راحة أفراد قبيلته وما ارتكبه هؤلاء من ~~سلب ونهب، سببت كراهية أتباعه فيه. # والآن قد انتشرت المجاعة في جميع أنحاء السودان؛ حيث لم يسقط مطر. # ولما وقعت المجاعة وانتشرت في بربر قبل غيرها من نواحي السودان، نقصت المحصولات لدرجة ~~أنها أصبحت لا تسد حاجة السكان، ورحل أغلب هؤلاء إلى أم درمان التي كانت مزدحمة أشد ازدحام؛ ~~فاشتد الخطب وارتفعت أثمان المحاصيل حتى بلغ ثمن الإردب من الحنطة 40 ريالا، ثم ارتفع بعد ~~ذلك إلى 60 ريالا، فمات الفقراء جوعا، وكانت الأشهر الأخيرة من عام 1889 أشهر شقاء ~~وبؤس وتعاسة، فتكت المجاعة فيها بالناس فتكا ذريعا، وانحطت حالة القوم الصحية حتى أصبحت ~~أجسامهم هياكل عظمية تحوي العظام وعليها الجلود البشرية فقط. # وصار الناس يأكلون كل شيء؛ فأكلوا جلود الحيوانات القديمة، ولم يتركوا حتى الجلود ~~المصنوعة منها سررهم؛ ms202 فقد كانوا يقطعونها ويغلونها في الماء ثم يأكلونها ويشربون الماء، ~~وانتشرت السرقات وعمت الفوضى، فكان كل من في قدرته ارتكاب السرقات فعل. # وإني أذكر حادثة وقعت أمامي؛ فقد رأيت رجلا اختطف من غيره قطعة شحم والتهمها بكل شراهة، ~~فهجم عليه صاحبها محاولا إخراجها من فمه فأحاط عنقه بيديه وخنقه، ولكن اللص لم يخرج فريسته ~~من فمه وأخيرا وقع مغمى عليه. # وقد كنت تسمع في ساحة السوق، حيث يجلس النساء لبيع سلعهن، نداء الاستغاثة في كل لحظة من ~~هؤلاء الذين أخذوا على عاتقهم السلب والنهب. # وكانت الساحة الواقعة بين بيت الخليفة وبيت يعقوب تزدحم كل ليلة بالذين يصرخون مطالبين ~~بالخبز، وكان بعضهم يتبعني عند ذهابي إلى منزلي محاولين اقتحامه، وفي ذلك الوقت ما كنت ~~أمتلك من القوت إلا ما أسد به رمقي ورمق حاشيتي وأصدقائي الذين معي. # وفي ذات ليلة - وكان القمر بدرا - بينما كنت راجعا إلى منزلي حوالي الساعة الثانية عشرة ~~ليلا، شاهدت بالقرب من بيت الأمانة - مخزن السلاح - شيئا يتحرك على الأرض، فتوجهت شطره ~~لأرى ما هناك، ووقفت أرقب منظرا بشعا تقشعر منه الأبدان؛ رأيت ثلاث نساء عاريات مسدلات ~~شعورهن الطويلة على أكتافهن، يتهافتن على أكل جحش صغير يخيل لي أنهن خطفنه من أمه، وقد ~~رأيتهن يقطعن من لحمه بأسنانهن ويأكلن منه، وكان هذا الحيوان المسكين لا يزال على قيد ~~الحياة، فهجم عليهن الذين كانوا يتبعونني واختطفوا الفريسة منهن، وحينئذ تركت هذا المنظر ~~فارا إلى داري! # وفي يوم آخر رأيت امرأة يظهر لي أنها كانت في يوم من الأيام جميلة، رأيتها ملقاة على ~~الأرض وبجانبها طفلها الذي قد لا يتجاوز من العمر عاما وهو يحاول الرضاعة، ولكنه كان ~~يحاولها من أم أصبحت للأسف جثة هامدة! وبقي يتأوه ويتألم على ذلك الحال حتى مرت عليه ~~امرأة أخرى فأخذته. # وفي ذات يوم مرت بداري سيدة ومعها بنتها الوحيدة، وكانت هذه المرأة على ما يظهر لي من ~~قبيلة «الجالان»، تلك القبيلة التي يمكنني أن أقول إنها أحسن القبائل حالا، جاءت هذه ~~السيدة ms203 وبنتها على شفا حفرة من الموت تطلب مني مساعدتهما، فجدت إليها بكل ما أمكنني أن أجود ~~به، وبعد ذلك عرضت علي أن تسلمني بنتها وتتركها لي رقيقة لأحميها من الموت جوعا، وكانت ~~تتلفظ بهذا القول ودموعها تنهمر من عيونها، فطلبت إليها مغادرتي ومعها بنتها وأعطيتها كل ما ~~كان في وسعي أن أعطيه. # ووجدت امرأة أخرى تأكل طفلها! فساقوها إلى مركز البوليس لتأخذ جزاء ما فعلت، ولكنها ماتت ~~بعد يومين. # وكان الناس يبيعون أولادهم ذكورا وإناثا لا لغرض الحصول على أثمانهم؛ بل لحفظ حياتهم ~~عند من يقدر على تموينهم، وبعد أن انقضت تلك السنة استردوهم بأثمان عالية. # وكانت جثث الموتى في الشوارع لا تحصى ولا يوجد من يحملها، وأصدر الخليفة أمره مكلفا كل ~~شخص بأن يحمل الجثث التي توجد أمام داره ليواريها بالتراب، ومن لم يفعل تصادر ~~أملاكه. # وكان لذلك بعض التأثير، إلا أن أصحاب المنازل كانوا يزيحون ما أمام منازلهم إلى قرب منازل ~~جيرانهم؛ تخلصا من العقاب، فتسبب من ذلك وقوع المشاكل والمضاربات بين الناس. وكنت ترى ~~الجثث طافية في النيل آتية من البلاد الواقعة على ضفتيه وعددها لا يحصى. # وكان جل الذين ماتوا في أم درمان من الذين وفدوا عليها من الخارج لا من سكانها الأصليين؛ ~~إذ إن هؤلاء كانوا قد خزنوا ما وقعت عليه أيديهم من غلال، وكانت كل قبيلة تساعد جارتها إذا ~~احتاجت. # وكان الحال عكس ذلك في جهات السودان الأخرى، وكان ما أصاب قبيلة «الجالان» أشد مما أصاب ~~أي قبيلة أخرى، ولو أنها كانت أحسن قبائل السودان حالا. # وأما سكان دنقلة فكانوا أحسن حالا من غيرهم، وكان أسوأ السكان حالا سكان القضارف ~~والقلابات، وكان «زكي طومال» قد أصدر أوامره في أول المجاعة بأن تجمع كل الحبوب التي في ~~جهاته على أن يتمون منها جيشه، فنجم من ذلك موت الكثير جوعا. # وكثرت حوادث السلب والنهب في تلك الجهات، وأصبح الواحد من سكانها يخشى الخروج بدون سلاح ~~يحمي به نفسه ممن يريد السطو عليه، لا ليسرقه بل ليفترسه ms204 ويأكله كما حدث ذات يوم لأحد أمراء ~~قبيلة الحمر؛ فقد وجدت رأسه في اليوم التالي ملقاة في طرف من أطراف المدينة، أما جسمه فلم ~~يوجد؛ لأنه أكل بطبيعة الحال. # وأبيدت بسبب تلك المجاعة قبائل «الحسابيا» و«الشكرية» و«العقالان» و«الحمرة» عن آخرها، ~~وبذلك خلت بقاع واسعة في السودان من السكان. # وكان الحال في دارفور أحسن منه في القضارف والقلابات، كما كانت القبائل الغربية كقبيلة ~~«حمر» و«دار تاما» و«مزاليط» أحسن حالا من الفاشر نفسها؛ إذ كانوا قد منعوا تصدير الحبوب ~~إليها. # وقد يخيل إلي أن هذه المجاعة حلت بهؤلاء القوم لينتقم بها البارئ - جلت قدرته - من هذا ~~الخليفة الجبار وشيعته. وعلى أثر انتشارها جهز تجار أم درمان مراكبهم بالحبوب وذهبوا إلى ~~فاشودة، فبدلوا غلالهم بأشياء أخرى كالنحاس والبلح وغيرها، وعمل مثلهم سكان جهات أخرى وصلوا ~~بغلالهم حتى أعالي نهر السوباط. # وبعد ذلك ابتدأ فصل الأمطار ونمت المزروعات ففرح الناس لإزالة الخطب، إلا أن جيوشا من ~~الجراد حلت بالبلاد ففتكت بالمزروعات فتكا ذريعا. # ولما كان الخليفة لا هم له إلا إغداق النعم على أفراد قبيلته والسعي لتوفير راحتهم، ~~أصدر أوامره إلى السكان بألا يبيعوا النزر القليل من محاصيلهم التي جمعوها بعد فتك الجراد ~~إلا لأفراد قبيلته بأرخص الأثمان. ولما كان هذا القدر لا يكفي بطبيعة الحال لسد رمقهم، أصدر ~~أوامره إلى إبراهيم عدلان لكي يتوجه إلى الجزيرة ليرغم الأهالي هناك على تقديم ما لديهم من ~~الذرة بدون مقابل، إلا أن عدلان لم يوافق على هذا الطلب وعارض فيه بكل إباء وشمم. # ولقد بحث الخليفة عبد الله مع أخيه يعقوب في هذا الشأن وغيره. وكان يعقوب هذا من ألد ~~أعداء عدلان، الذي يروي عنه الناس أنه طيب القلب عالي الهمة، لا يميل لاضطهاد الناس ~~بتكليفهم ما لا طاقة لهم به، بل على النقيض من ذلك كان يأخذ على عاتقه في كثير من الأوقات ~~ما يقع على غيره من المسئوليات، ولقد جمع ثروة طائلة ما كانت لتخفى على الخليفة. # وسمع الخليفة من يعقوب وأصدقائه أن نفوذ ms205 عدلان في البلاد لا يقل عن نفوذه، وقالوا إنه ~~دائما يتكلم في المجالس ضده وضد حكومته، وكان من أقواله للناس أن المجاعة لم تكن إلا بسبب ~~إرهاق الخليفة لهم في سبيل راحة أبناء قبيلته، وقد تسبب من هذه الوشايات أن أحيل عدلان إلى ~~المحاكمة، فقضت عليه بأن يقبل الموت أو الفقر، ففضل الأول، فساقوه مكتوف اليدين إلى صدره ~~حتى ساحة السوق، وهناك نفذوا فيه الحكم. وكان رابط الجأش لدرجة أنه هو الذي وضع رأسه بنفسه ~~في حبل المشنقة، ورفض أن يشرب الماء الذي قدم إليه طالبا الإسراع في تنفيذ الحكم، وقد سقطت ~~جثته وهو يشير بسبابته إشارة أنه يموت مسلما موحدا لله، سبحانه وتعالى. وحزن جميع السكان ~~على قتله إلا أن الخليفة سر سرورا عظيما؛ لأنه قضى على شخص كان يوجس منه ومن نفوذه خيفة، ~~وكان غير مطيع لأوامره. وأرسل الخليفة أخاه ليسير في جنازة عدلان؛ إشارة إلى أنه لم يشنق ~~إلا تنفيذا للقانون لا حقدا عليه كما ظن الناس. # وولى الخليفة بدله خازنا لبيت المال المدعو «نور واد إبرهيم»، الذي كان جده «تكروري»، ~~وعلى ذلك هو ليس من القبائل النازلة على ضفاف النيل، ولكنه نال ثقة الخليفة ورضاءه. # وأما بالنسبة لشخصي، فقد تغيرت نظرات الخليفة إلي وداخله الشك من جهتي، ووصل رد خطابي ~~الأخير الذي أرسلته إلى أهلي غير مشتمل على شيء سوى الاغتباط لانتظام المراسلات بيني ~~وبينهم. وكتبوا في الوقت نفسه إلى الخليفة يشكرونه على عنايته وعلى الدعوة التي وجهها إليهم ~~بطلب الحضور إلى أم درمان. # واعتذر أخي الأكبر عن عدم إمكانه الحضور بأن حالته لا تساعده؛ لأنه يشغل وظيفة كبير أمناء ~~جلالة إمبراطور النمسا، واعتذر الآخر بأن وقته وهو ضابط في الطوبجية لا يسمح له بالقيام ~~برحلة طويلة كهذه. # ولما طلبني الخليفة إلى حضرته أمرني بترجمة تلك الخطابات، ثم قال لي: «كانت رغبتي في أن ~~تطلب إلى واحد من إخوتك أن يحضر، وبما أنهما يعتذران الآن بأعذار لا أقبلها، فيتحتم عليك ~~ألا تكتب إليهما بعد الآن، فإذا ms206 أرسلت خطابا واحدا إليهما فإن ذلك يكفي للقضاء على هدوئك ~~وسكينتك، أفهمت؟» فأجبته: «نعم يا مولاي، أوامرك مطاعة، وإني لا أجد داعيا للكتابة ~~إليهما.» فقال لي: «أين الإنجيل الذي أرسل إليك؟» فأجبته: «إني مسلم يا مولاي وليس لدي ~~إنجيل بالمنزل، وإنما الذي أمتلكه هو ترجمة القرآن الكريم الذي رآه كاتم سرك لما فتحنا ~~الصناديق سويا.» فأمرني بأن أحضره إليه في صباح الغد وأشار إلي بالانصراف. # وتيقنت بعد هذه المقابلة أن ثقة الخليفة بي زالت، وعلمت أيضا أنه بعد هزيمة ابن النجومي ~~أخذ يسر إلى قضاته أن ثقته في تغيرت. # وكنت في هذا الوقت قد صرفت المبلغ الذي وصل إلي من أهلي، وجله منحته هبات إلى زملائي ~~الذين أخذوا يدسون لي الدسائس الآن لما علموا أنني أصبحت لا أملك شيئا، وهم الذين قالوا ~~للخليفة إن الكتاب الذي عندي هو الإنجيل. # وفي صباح اليوم التالي توجهت إليه ومعي الكتاب وسلمته إليه، وهو من ترجمه العلامة «ألمان» ~~ففحصه جيدا. # وقال لي: «أنت تقول إن هذا الكتاب ترجمة القرآن وهو مكتوب بلغة الذين ليس عندهم عقيدة ~~دينية، إنهم ربما يكونون قد أخطأوا في ترجمته.» فأجبته بكل هدوء وسكينة: «إنه يا سيدي ترجمة ~~حرفية، والغرض منه هو أن أتمكن من فهم الكتاب المقدس الذي نزل من عند الله - سبحانه وتعالى ~~- على يد الرسول باللغة العربية، وإن شئت أن تتأكد من صحة ترجمته الحرفية.» فأجابني قائلا: ~~«إني أعتقد فيك الصدق، ولكن الناس هم الذين قالوا ذلك القول، فيحسن بك والحالة هذه أن ~~تحرقه.» ولما أظهرت له الموافقة على طلبه قال لي: «ويجب أيضا أن ترد الهدية التي بعث بها ~~إخوتك لي؛ لأنه لا فائدة لها عندي، وليعرفوا أن الأشياء الدنيوية لا قيمة لها في ~~نظري.» # ثم أمر كاتم سره بأن يكتب خطابا باسمي إلى أهلي يخبرهم فيه بأن لا داعي بعد الآن إلى ~~مكاتبتي، فوقعته بإمضائي وأرسلته مع الهدية إلى بيت المال ليرسلا من هناك إلى سواكن ~~كالمعتاد. # ومن هذا اليوم أصبحت شديد الحرص. وبعد موت ms207 عدلان استدعاني الخليفة مرة أخرى بحضور ضباطه، ~~وأخذ يقول لي إنه يعلم أني جاسوس وتجب مراقبتي بكل دقة ومراقبة الذين يحضرون لزيارتي، وجلهم ~~من أعدائه، ويجب علي أن أعلمه بمحل نومي في منزلي، وأن أغير خطتي التي أنا متبعها وإلا ~~لحقت بعدلان! # فأجبته قائلا بكل هدوء وسكينة: «يا مولاي لا يمكنني الدفاع عن نفسي، وأنا أجهل خصومي ~~الذين وشوا بي، ولكني أفوض أمري للبارئ، جلت قدرته، ولقد مضت ست سنوات بل أكثر وأنا الخادم ~~الأمين في خدمة مولاي، أواصل الليل بالنهار على بابه تحت الشمس المحرقة وتساقط المطر ~~الغزير، وتنفيذا لأوامرك يا مولاي قطعت صلاتي مع كل أصدقائي، وفي كل هذه المدة التي أنا ~~فيها في خدمة سيدي لم أرتكب جرما، فأخبرني يا مولاي عن الذنب الذي ارتكبته، إن طاعتي لك ~~طول هذه المدة لم تكن عن خوف، وإنما كانت عن محبة وإخلاص، وليس يمكنني أن أفعل أكثر من ذلك، ~~وإني لرحمة ربي وعفو مولاي منتظر.» # فقال للملازمين: «ما رأيكم في أقواله هذه؟» فأجابوه بأنهم لم يلاحظوا شيئا يشين ~~سمعتي. # وقد علمت بعد ذلك من هم هؤلاء الذين أوجدوني في ذلك المركز الحرج، ثم قال لي: «أنت مسامح ~~هذه المرة، وعليك أن تحاذر في المستقبل.» ثم مد لي يده لأقبلها وأمرني بالانصراف. # وفي اليوم التالي طلبني وحدثني بكل لطف طالبا مني أن أحذر أعدائي، وأن أجتهد بقدر ~~المستطاع حتى لا يكون لي أعداء، وأعلمني بأن المهدية تتبع قواعد الإسلام، فإذا ما شهد ضدي ~~في أي دعوى شاهدان وجبت إدانتي حتى ولو كان الشاهدان كاذبين، وفي هذه الحالة يصبح العفو عني ~~غير مستطاع، فكيف يحلو لي العيش والحالة هذه، وحياتي أصبحت بإرادة شخصين يريدان الإيقاع ~~بي؟! ولكني على كل حال شكرته على نصيحته الغالية، وقلت له: «يا مولاي إني أعمل دائما بقدر ~~استطاعتي لإرضائكم حتى أكون دائما محل ثقتكم.» # ولما عدت إلى منزلي وقد انتصف الليل، كنت في أشد حالات التعب راغبا في الراحة، فقابلني ~~خادمي سعد الله وأبلغني أن تابعا ms208 من أتباع الخليفة جاء حالا ومعه سيدة مقنعة أرسلها لي ~~وهي بداري الآن، فسررت عند سماعي ذلك لا لشيء سوى أني تيقنت من رضاء الخليفة، وتحققت أن قد ~~زال كل شيء من نفسه. ثم ذهبت مع سعد الله إلى المنزل فوجدت تحت القناع سيدة مصرية ولدت ~~بالخرطوم لا بأس بجمالها، فبعد أن تبادلنا التحيات بادرتني بسرد تاريخ حياتها مدعية أنها ~~ابنة ضابط مصري، وقد علمت بعد ذلك أنها ابنة جندي وقع قتيلا في حرب الشلك، وأن زوجها ~~الأول قتل في الحملة التي أرسلت للاستيلاء على الخرطوم، وأن أمها حبشية لا تزال على قيد ~~الحياة. ثم قالت إنها كانت إحدى نساء أبو أنجة العديدات، وإن الخليفة اختارها الآن لتكون ~~زوجة لي خلفا لذلك البطل العظيم. وقالت لي إنه سبق للأحباش أن أسروها، وكان زكي طومال هو ~~الذي أطلق سراحها. وقالت أخيرا إن لديها معلومات قيمة عن المعارك التي نشبت في عهد أبو ~~أنجة. # وحكاية هذه السيدة هي أن الخليفة كان قد أصدر أوامره بإحضار أرامل أبو أنجة إلى أم درمان، ~~فلما حضرن أخذ يوزعهن على أتباعه. وقالت لي إنها لمغتبطة جدا لوقوعها مع شخص من أبناء ~~جلدتها، فأجبتها في الحال بأني أوروبي، وأن ما حصل من تغيير لوني إنما كان بسبب ما أنا ~~عليه من الحال، واضطررت إلى أن أقول لها إنها ستكون موضع عنايتي. # ولما كنت في أشد حالات التعب طلبت إليها أن تتبع الخادم سعد الله الذي سيمهد لها كل سبل ~~الراحة. وقلت في نفسي إن الخليفة بدلا من أن يأمر خازن بيت المال بأن يمدني بالمساعدة ~~لقضاء حاجياتي الضرورية بعث لي بتلك الزوجة التي تزيد في شقائي وتعبي. # وفي اليوم التالي سألني الخليفة عما إذا كنت قد أعجبت بهديته وهل أنا راغب فيها، فأجبته ~~بأني سعيد لأني شعرت برضاء مولاي عني، وأنني أتمنى أن يجعلني الله - سبحانه وتعالى - ~~مشمولا دائما برعايته. # ولما عدت إلى منزلي قبل صلاة الظهر وجدته مزدحما بالنساء اللاتي دخلنه بالقوة - كما ~~أبلغني سعد الله ms209 - مدعيات أنهن أقارب فاطمة البيضاء - كما كانوا يسمون السيدة التي بعث ~~بها إلي الخليفة - ووجدت ضمنهن امرأة مسنة قالت لي إنها والدة فاطمة، وإنها مسرورة لأن ~~ابنتها أصبحت لي، ورجتني أن أحسن رعايتها. فأخبرتها بأن ابنتها ستكون دائما موضع عنايتي، ~~وسنعيش في منتهى الهناء والسرور، واعتذرت لهن بكثرة أشغالي، ثم انسحبت بعد أن طلبت إلى سعد ~~الله أن يحسن وفادتهن على حسب عادات البلاد وأن يخرجهن بعد ذلك، ولو أدى الأمر إلى استدعاء ~~من يساعده. # ومضت بضعة أيام ثم سأل الخليفة عن فاطمة مرة أخرى. وبما أني كنت أعلم جيدا أنه يريد ~~دائما أن أعيش عيشة الوحدة ولا أخالط أحدا، أخبرته بأني لا أرى مانعا من أن تعيش معي، ~~غير أن لها عدة أقارب يترددون عليها طول اليوم، وعلى ذلك قد تضطرني الظروف إلى مخالطتهم، ~~وهذا أمر يأباه مولاي وتأباه نفسي؛ ولذلك فإني سآمرها بأن تخضع لأوامري وتمتنع عن الاتصال ~~بأهلها ومعارفها بقدر الإمكان، فإذا لم تخضع فإني أفضل تسليمها لأقاربها. فارتاح الخليفة ~~لهذا الاقتراح ارتياحا تاما، إلا أنه منذ طرد سعد الله الزوار في أول مرة، لم يعد أحد ~~يقدم إلى دارنا، ومخافة أن يسيء الخليفة الظن في قصدي توانيت قليلا في تنفيذ ما ~~قررته. # وبعد مدة أرسلت فاطمة البيضاء إلى أمها وكلفتها بالانتظار هناك حتى أبعث إليها. وعرف سعد ~~الله دار أمها، فبعد مدة أرسلت لها ولأمها ملابس ونقودا ورسالة أخبرتها فيها بأنها أصبحت ~~طليقة غير خاضعة لأوامري. # وأخبرت الخليفة بذلك قائلا له إن أمثال هؤلاء القوم الغرباء عنه وعني لا يجوز أن يكون لي ~~صلة بهم، وإني دائما أبدا على استعداد تام لإطاعة أوامره. # وبعد مضي سنة تقريبا جاءتني الأم تستأذنني في زواج بنتها من أحد أقاربها، فوافقت على ذلك ~~بسرور تام، وقد تركت فاطمة البيضاء في أم درمان سعيدة بين أولادها. # الفصل الرابع عشر # | تشتت وتفرق # قد عين حاكما لدنقلة عدوي خالد الذي كان مسجونا منذ بضعة أشهر، وقد حل محل يونس، إلا ~~أنه لم يمض ms210 شهران على هذا التعيين حتى ذهب ضحية الدسائس التي كان يدسها له اثنان من أبناء ~~عم الخليفة كانا قد ذهبا لمراقبة حركاته وأفعاله. وقد استدعاه الخليفة ثانية إلى أم درمان ~~ووضعه مرة ثانية في الأغلال، فهذا العمل كان من شأنه أن زاد هياج أقارب المهدي وأنصاره، ~~وعقب ذلك اتفاق الخليفة محمد شريف واثنين من أولاد المهدي لم يبلغا العشرين من عمرهما مع ~~كثيرين من الأقارب على أن يعملوا جميعا للقبض على ناصية الحكم وكبح جماح الخليفة عبد الله، ~~وفعلا أخذوا في إعداد الخطة اللازمة سرا في أم درمان، وبدءوا كذلك يستميلون الأصدقاء ~~وأبناء القبائل، وأرسلوا كتبهم إلى «الدناجلة» القاطنين بالجزيرة يدعونهم للحضور إلى أم ~~درمان للانضمام إليهم. ولكن حدث أن أحد الأمراء الجعليين، الذي كان قد أقسم بألا يبوح لأحد ~~بشيء إلا لأخيه وأعز صديق عنده، خدع القوم وخانهم، وذهب يطلع الخليفة على الأمر، معتبرا ~~إياه أقرب الأصدقاء، فلما وقف الخليفة عبد الله على سر هذه المؤامرة أخذ يعد المعدات ~~لإحباطها، إلا أن جواسيس الأشراف عندما عرفوا أن مؤامرتهم انكشفت وعرفوا ما يدبره لهم ~~الخليفة، اجتمعوا في جزء من المدينة واقع في شمالي بيت الخليفة واستعدوا للمعركة. # وأما أنا نفسي فقد كنت مشتاقا لرؤية هذه المعركة فما أخشاه وحياتي كانت كل يوم في خطر، ~~وأن أمام نظري حادثة عدلان الذي كان الصديق الحميم للخليفة، فقد شنقه ومثل به. وقد تأكدت ~~أن عبد الله ما كان يهتم البتة بأرواح أعز أصدقائه وأحبهم إليه، وأن هذه الحرب الداخلة لا ~~بد أنها ستضعف أعدائي «الخليفة وأنصاره»، وربما كان لي من وراء ذلك الاضطراب المنتظر حدوثه ~~أمل في أن أسترد حريتي، ويصبح في مقدوري أن أستعمل نفوذي في جيش الحكومة الذي ظهرت فيه نزعة ~~الاستياء بسبب المعاملة التي كان يلقاها. # وقد كان من المستحيل على الإنسان في مثل تلك الظروف أن يرسم لنفسه خطة واضحة، وكل ما كنت ~~أرغبه هو أن تقوم المعركة، وأن يكون لي من ورائها أكبر قسط من الفائدة الشخصية. # بعد ms211 ذلك ابتدأ الفريقان بتبادل الطلقات النارية، إلا أن ذلك لم يكن إلا إيذانا ببدء ~~المعركة الحربية بين الطرفين. # وقد كان الفريقان في حالة لا تسر؛ فكانت الأسلحة من النوع الرديء، ولم يمض غير وقت قصير ~~حتى انتهت تلك المعركة وقدرت الخسارة خمسة قتلى. # بعد ذلك عرض الخليفة طلب الصلح وأن يعين الأشراف شروطهم، وقد دارت المفاوضات طول اليوم ~~بين الفريقين، وفعلا عادت سيرتها في اليوم التالي. ومن سوء حظي أن الطرفين وصلا إلى حلول ~~مرضية اتفقا عليها، ووافق الخليفة وحلف وتعهد بتنفيذها بعد أن عفا عن كل المتهمين. # وقد منح الخليفة محمد الشريف مركزا ساميا، وأن يحضر جلسات مجلس الخليفة كأحد أقطابه، ~~وقد قرر منح كثير من أقارب المهدي إعانات من بيت المال. # وعلى ذلك سلمت الجنود أسلحتها إلى الخليفة وبذلك تم توقيع الصلح. # وفي يوم الجمعة التالي حضر أمام الخليفة قواد الجيش ونالوا منه المكافآت التي كان قد ~~أعدها، وفي ظهر ذلك اليوم نفسه اجتمع الخليفة الشريف وأولاد المهدي وعبد الله نفسه. # وبذلك وطدت الآن أركان الصلح بين الفريقين، وأصدرت الأوامر إلى رجال المدفعية والمشاة بأن ~~يعودوا إلى مراكزهم الأصلية، غير أن الملازمين والجهادية كلفوا بالبقاء حتى يتم تسليم ~~السلاح جميعه. # وفي يوم أحد بعد الظهر أرسلت خادما إلى الأب «أوهروالدر» لأسأل عنه، فوجد بابه مقفلا، ~~وقد حاولت الاستفسار عنه من جيرانه الإغريق، فلم أتمكن من الاستدلال على مكانه ولا مكان ~~أفراد بعثته. # وقد خيل إلي في الحال أنه في أثناء الاضطراب ربما يكون قد تمكن بمعرفة مخلصين له من ~~اللياذ بالفرار. # وقبل صلاة المغرب حضر رئيس الذين اعتنقوا الدين الإسلامي بدون رغبتهم والسوري «جورج ~~إستامبول»، وطلبا أن يؤذن لهما بمقابلة الخليفة حالا لأمر مهم، ولكن الخليفة - وكان في ~~تلك اللحظة مشغولا - أمرهما بالانتظار في المسجد حتى يأذن لهما، وبعد تأدية الصلاة طلبهما ~~إليه وسألهما عن مرغوبهما، فقالا له إن يوسف القسيس ومن معه من النساء هربوا جميعا، ففي ~~الحال طلب «نور الجرباوي» خازن بيت المال ومحمد وهبة حكمدار ms212 البوليس، وطلب إليهما أن يعملا ~~ما في وسعهما للقبض على الذين هربوا وإحضارهم إلى هنا أحياء أو أمواتا. # وكان من حسن حظ هؤلاء اليونانيين أن الخليفة كان مشغولا بأشياء مهمة، ولولاها لكان وجه ~~كل قواه للقبض عليهم والتمثيل بهم. # وعلى ذلك لم يتمكن الجرباوي ووهبة إلا من الحصول على ثلاثة جمال للحاق ب «أوهروالدر»، ~~الذي كان يعلم جيدا أن هروبه متوقف على السرعة. # وقد تمنيت من صميم قلبي أن يفوز هو ومن معه بالهروب؛ فقد تعذبوا كثيرا. ولو أني حزنت في ~~الوقت نفسه حزنا شديدا؛ لأنه كان الشخص الوحيد الذي يعرف لغتي الأصلية التي كنت أحن إلى ~~التحدث بها أحيانا معه. # وفي اليوم التالي استدعاني الخليفة وقابلني بوجه مكفهر قائلا: «هو من أبناء جلدتك، ~~وبطبيعة الحال أنك كنت تعرف جيدا عزمه على الهروب، فلماذا لم تبلغني حتى كنت أعمل ~~الاحتياطات اللازمة؟» فأجبته: «عفوا يا مولاي، كيف كان في استطاعتي أن أعلم عن هروبه شيئا ~~وأنا منذ قيام الحركة الأخيرة لم أنتقل من مركزي بالليل ولا بالنهار، كما تعلم يا سيدي؟» ~~فأجابني بكل حدة: «لا شك في أن قنصلكم هو الذي دبر لهم طريقة الهروب.» # وكان من بين الخطابات التي وردت أخيرا واحد منها جاء إلى الخليفة باللغة العربية من ~~القنصل العام لدولة النمسا والمجر، المسيو «فون روستي»، يشكره فيه على حسن معاملته للبعثة ~~الكاثوليكية، ويطلب إليه أن يسمح لهم بمغادرة السودان والعودة إلى أوطانهم؛ حيث إنهم من ~~رعايا الحكومة النمساوية، وإن لجلالة الإمبراطور غاية خاصة بهم، ومنذ هذا اليوم أعتقد أن ~~أعضاء هذه البعثة من أبناء جلدتي، وهو متيقن الآن بأن أمر هروبهم دبر بمعرفة القنصل المشار ~~إليه. # وهنا قلت للخليفة: «ربما يكون للقبائل النازلة على الحدود يد في تدبير هروبهم لغنيمة ~~وعدوا بنيلها، فحضروا إلى أم درمان وانتهزوا فرصة الثورة التي قامت ومهدوا السبيل ل ~~«أوهروالدر» ومن معه للهروب.» وقد اقتنع الخليفة بهذا الرأي، وبعد أن طلب إلي أن أكون ~~دائما مخلصا أمرني بالانصراف. # وبالرغم من الوعود التي قطعها ms213 الخليفة على نفسه للإشراف بألا يعكر صفو الود والاتفاق ~~الذي تم بين الفريقين بلا مبرر، ألقى القبض على ثلاثة عشر من زعمائهم، بينهم أعمام المهدي ~~نفسه، وأرسلهم بمركب إلى فاشودة؛ حيث يوجد زكي طومال الأمير المحلف الأمين للخليفة، والذي ~~كان قد ذهب هناك لإخماد ثورة «الشلك». # ولما وصلوا إلى فاشودة وضعهم زكي في زريبة وتركهم بدون طعام إلا القدر اليسير ثمانية ~~أيام. ولما جاءته التعليمات السرية لإعدامهم ضربا بعصي تقطع من أشجار الشوك، نفذ ذلك ~~بحضور رجال جيشه بعد أن عراهم من ملابسهم. # بعد ذلك عاد زكي طومال إلى أم درمان ومعه غنائم كثيرة؛ إذ أحضر معه آلافا من الرقيق من ~~النساء وقطعانا من الماشية باعها بمبالغ عظيمة حصل عليها بالفعل. وقد شكا كثير من الناس ~~زكي إلى الخليفة من شدة ظلمه وطغيانه. وكان بعض الناس يقولون للخليفة إذا اكتسب قلوب عدد ~~كبير من أتباعه يمكن أن يستقل ويشق عصا الطاعة. # غير أن ما قدمه زكي إليه ولأخيه من الهدايا الثمينة من رقيق ومال وماشية، حفظ له مركزه ~~عندهما. # ولما كان زكي طومال بأم درمان، قام الخليفة بعدة مناورات عسكرية تولى قيادتها بنفسه. غير ~~أن جهله بالحركات العسكرية وعدم النظام السائد بين الثلاثين ألف عسكري، جعل هذه المناورات ~~تفشل فشلا تاما، ولكن اللوم وقع على رأسي؛ حيث كنت قائما بوظيفة أركان حرب، ولما رأى ما ~~وقع فيه من الارتباك قرر بأن هذا العمل كان مقصودا مني؛ لأني عدلت في تنفيذ أوامره. ~~وأخيرا صرف الجنود وبعث بزكي طومال إلى القلابات، وطلب إلي كعادته أن أنفذ أوامره كما ~~هي، وأهدى إلي جاريتين صغيرتين علامة الرضاء. # والآن وقد سمع الخليفة شريف بما حدث من قتل أقاربه، أعلن استياءه الشديد وسخطه على ~~الخليفة جزاء ما ارتكب، وبذلك تمكن الخليفة عبد الله من إيجاد سبيل إلى محاكمته، فسرعان ما ~~اتهمه بأنه خارج على القانون غير مطيع للأوامر، وكون المحكمة لتحاكمه بتهمة عدم ~~الطاعة. # وبالفعل قرر القضاة إدانة الخليفة شريف وأصدروا الأوامر بالقبض عليه. # وفي اليوم ms214 التالي ذهب الضباط لتنفيذ هذا الأمر في منزله الواقع بين منزل عبد الله وقبة ~~المهدي، وهناك أبلغوه الأمر ونصحوا إليه بأن يطيع أوامرهم ولا يظهر أي مقاومة. وفي الحال ~~أصبح تحت تصرف الضباط الذين كان يرأسهم عرابي ضيف الله، ولما طلب إليهم أن يسمحوا له بلبس ~~حذائه رفضوا، ثم ساقوه بكل عنف وشدة، لدرجة أنه وقع على الأرض مرتين، ثم وصلوا إلى السجن، ~~وهناك وضعوا فيه القيود الحديدية، ومنعوا أيا كان من الاتصال به، وجعلوا الأرض العارية ~~مقعدا له والسماء غطاء. # وقد أرسلوا أبناء المهدي إلى جدهم «أحمد شوقي»، وأمروه بأن يبقيهم عنده محبوسين لا يتصل ~~بهم أحد - وقد كان جدهم يطيع الخليفة طاعة عمياء؛ خوفا على ثروة طائلة اقتناها من أن ~~يصادروها منه - فنفذ الأوامر الصادرة إليه كما صدرت. # وقد مرت بي بعد ذلك ساعات دقيقة للغاية؛ فقد أرسل يونس رجلا من دنقلة إلى الخليفة ومعه ~~معلومات مهمة من الحكومة المصرية، وقد قابله الخليفة بنفسه بحضور جميع القضاة، وقد داخلني ~~الشك في أن ما يدور عليه الحديث هو بخصوصي، وقد حاولت استطلاع حقيقة الأمر من أحد القضاة - ~~وكان صديقي - إلا أنه أجابني بألا أجعل للأمر أهمية عظمى. وبعد الصلاة اجتمع القضاة والرسول ~~بالخليفة مرة ثانية، ولم تمض غير برهة حتى رأينا الرسول قد كبلت يداه بالحديد وأرسل إلى ~~السجن، ولقد اندهشنا عندما رأينا ذلك المنظر. # وفي اليوم التالي لما ذهبت إلى منزلي لبرهة قصيرة طلبني الخليفة إلى حضرته، فتوجهت حيث ~~كان مجتمعا ببعض القضاة. وبناء على أمره أخذت مكاني بينهم، ثم ابتدأ يقول وقد وجه نظره إلى ~~قضاته: «ولطالما نصحته بأن يكون مخلصا لي، وإني دائما أعامله معاملة الأب لابنه، وما كنت ~~أصدق ما يصل إلي من الوشايات بخصوصه، ولطالما عفوت عنه.» أخذ يقول كل ذلك عني لقضاته، ثم ~~التفت إلي قائلا: «إن المثل العربي يقول «لا يوجد الدخان إذا لم توجد النار»، وأنت يحوم ~~حولك دخان كثير. وقد قال الرسول أمس إنك جاسوس الحكومة، وإن مرتبك يدفع شهريا ms215 إلى مندوبك ~~في القاهرة؛ حيث يرسله إليك هنا، وهو يوقن بأنه رأى توقيعك في ديوان الحكومة هناك، وأنت ~~الذي مهدت إلى يوسف القسيس الهروب. وقد قال أيضا إنك تعمل لتسهيل الاستيلاء على أم درمان ~~بواسطة الإنجليز، وإنك ستشعل النار في مخزن البارود الموجود بقرب منزلك حينما يبدءون ~~بالزحف، فماذا تقول دفاعا عن نفسك؟» # فأجبته: «مولاي! إن الله لا يظلم أحدا، وأنت رجل الحق والعدل، وإني أقول بأني لم أكن قط ~~جاسوسا ولا صلة لي بالمرة مع الحكومة المصرية، وإني لم أستلم قط نقودا هنا، وإن ضباطك ~~لعلى يقين من أنني في أشد حالات البؤس والشقاء، وإن احترامي الشديد لشخصك هو الذي يمنعني من ~~أن أطلب إليك مساعدتي. وبما أنه روى لمولاي بأنه اطلع على إمضائي هناك، فإني أتهمه بالكذب، ~~وأنا موقن بأنه لا يعرف لغة أجنبية. وإذا أردت يا سيدي أن أكتب على قطعة ورق عدة إمضاءات ثم ~~نعرضها عليه ليستخلص منها إمضائي التي يقول عليها بأنه رآها هناك بالقاهرة لفعلت، وهنا يتضح ~~لك جليا إن كان حقيقة يعرف اللغات الأجنبية أو لا يعرفها. وأنت تعرف يا مولاي أن يوسف ~~القسيس هرب في وقت ما كان في استطاعتي الاتصال به، ولو كان لي اتصال بهؤلاء الذين يمهدون ~~الهرب فلم لا أمهده لنفسي؟ ومن السهل جدا على الإنجليز أن يعلموا أن منزلي بجوار مخزن ~~البارود؛ لأن الرجل الذي جاءني بالخطابات التي بعث بها إلى إخواني رأى منزلي، فلربما يكون ~~هو الذي حدثهم بذلك. # ومن الجائز أن أقاربي الذين قطعت كل صلاتي بهم، بناء على أمر مولاي، يسألون عني وعن مرتبي ~~في دواوين الحكومة المصرية، ظنا منهم أن السودان لا يزال جزءا من مصر، أو يسألون التجار ~~الذين يفدون منه إلى القطر المصري، وبطبيعة الحال يعلم هؤلاء التجار جيدا موضع منزلي ~~بالنسبة لمخزن البارود. وإني لموقن بأن الحكومة المصرية لا تفكر مطلقا في الكر عليك وأنت ~~هذا الخليفة القوي البطش. وإذا سلمنا جدلا بأن الحكومة تفكر في هذا الغزو، فمن أين جاءني ms216 ~~التأكيد بأنني سأبقى في مركزي وأتمكن من تنفيذ الخطة التي يقول عنها؟ هذا فضلا عن أني، كما ~~تعلم مولاي، كنت الخادم ولا زلت الأمين المخلص، وإني أتمنى بأن أكون دائما في طليعة جيوشك ~~الغازية لنصرتك على أعدائك. # إني يا سيدي بعد كل هذا الإيضاح الذي أوضحته لا أعتمد إلا على أنك لا تظلم أحدا.» # ثم قلت: «وهل يحق لك أن تضحي بمخلص أمين لك من أجل وشاية «دنقلاوي»؟» فبادرني بقوله: «من ~~أين علمت بأنه «دنقلاوي»؟» فقلت له: «منذ مدة رأيت هذا الرجل ببابك مع عبد الرحمن واد ~~النجومي الشاهد، ونظرا لسخافته وإلحاحه طردته بالقوة، فهو يريد لنفسه الآن الانتقام، فأنت ~~يا مولاي - وقد منحك الله العدل والإنصاف - ستحكم لي بطبيعة الحال بالبراءة.» # فقال لي: «ما طلبتك هنا للمحاكمة ولا شككت لحظة في إخلاصك، ولو كان الأمر فيه شيء يشينك ~~ما كنت أمرت بسجنه، وإني لعلى يقين من أن أعداءك كثيرون، وهم يحاولون دائما الإيقاع بك؛ ~~لأنهم يغارون من وجودك بقربي، ولكن يجب عليك أن تحاذر، واعتقد دائما أبدا في المثل ~~القائل: «لا يوجد الدخان إلا حيث توجد النار».» # وبعد ذلك أمرني بالانصراف ومن ثم انصرف الجميع. # ولقد سألت أحد أصدقائي عما قاله الخليفة بعد خروجي، فأخبرني بأن الخليفة اعتبر الرجل ~~كذابا، ولكن لا يخلو الحال من أن يكون في دعواه بعض أشياء حقيقية. وقد قال لي أيضا: «لا ~~بد أن يكون لك أعداء بالقاهرة، وهذا الرأي سبق أن طرأ لي.» # ولكن ما الحيلة وما العمل وأنا أرى أن خصومي يوقعون بي كل يوم ويجعلون مركزي من أحرج ~~المراكز؟ فصرت أفكر دائما في هذه المواقف، وصرت أفكر أيضا في علاقاتي مع الخليفة، وكيف ~~أنها ستتأثر بهذه الوشايات بطبيعة الحال. # وإن ضيقتي من أنه أصبح بعد كل هذا يتحين لي فرصة للانتقام؛ لأني على ما أعتقد أصبحت في ~~نظره العدو اللدود في ثوب الصديق الحميم، ولكن على كل حال أحمد الله، ومن يعش ير. # وقد قابلت في اليوم التالي وأنا عائد إلى ms217 المنزل بعد تأدية الصلاة «القرباوي»، وهو الذي ~~خلف «عدلان» في بيت المال، فحادثني بكل لطف قائلا لي - بعد أن قلت له إنك تزورنا نادرا: ~~«لقد جئت لأقلقك بطلبي إليك بأن تخلي منزلك اليوم، وسأعطيك بدله في جنوب شرقي المسجد؛ حيث ~~يستقبل زوار الخليفة. وهو ولو أنه يقل عن مساحة منزلك إلا أنه بقرب المسجد ويصلح لرجل عابد ~~مثلك.» # فقلت له: «إني أوافق على ذلك بكل سرور، ولكن أرجوك أن تقول لي بصفة خاصة من الذي أرسلك، ~~الخليفة أم يعقوب؟» فأجابني وهو يضحك قائلا: «آه، هذا سر، ولكن من حديثك أمس مع الخليفة ~~يمكنك أن تعلم حقيقة السبب؛ وهو أن مولانا الخليفة يريد أن يجعلك في مكان قريب منه حتى تكون ~~تحت رقابته مباشرة؛ حيث ستكون على بعد 200 خطوة منه.» # ثم قال لي: «إذن متى أحضر لاستلام منزلك؟» فقلت له: «سأنتهي من النقل في مساء هذا اليوم، ~~ولربما كان نقل مئونة حصاني وبغلي هي التي تستغرق مني وقتا أطول. وهل المنزل الذي سأذهب ~~إليه غير مسكون؟» فأجابني: «نعم بطبيعة الحال، وقد أصدرت الأوامر بأن ينظف وتعمل الإصلاحات ~~اللازمة له، ولكن يحسن بك أن تبتدئ في مغادرة هذا المنزل حالا، وآمل أن تكون سعيدا في ~~منزلك الجديد أكثر مما أنت عليه من السعادة هنا.» # ولقد وضح لي الآن جليا أن ثقة الخليفة بي قد تزعزعت وأصبح لا يثق بي لأن أكون بجوار ~~مخزن البارود، وعلى ذلك حزمت متاعي، وأمرت الخدم بنقله إلى المنزل الجديد، فتأثر الخدم ~~وأخذوا يطلبون إلى المولى أن يوقع كل اللعنات على الخليفة؛ حيث نترك منزلنا الذي أصلحناه ~~وغرسنا فيه الأشجار وحفرنا فيه الآبار. ولكني على كل حال غادرت المنزل مؤملا فيما قاله ~~القرباوي من أني سأكون بمنزلي الجديد أسعد حالا مني في المنزل الذي أنا فيه. # وقد أصبحت حالي بعد ذلك مضطربة وأصبح مركزي مزعزعا. # ولقد تقابلت اتفاقا مع تاجر من دارفور جاب الديار المصرية والبلاد السورية، وعرف كثيرا ~~من أجناس البشر المختلفة، وقد عرف لأول وهلة ms218 أني نمساوي الأصل، وأخذ يحدثني - وعلم بأني ~~أسير من مدة طويلة ولا صلة لي بأي مخلوق - عن الأحوال في القطر المصري، وأعطاني بعض الجرائد ~~المصرية القديمة، وتحتوي إحدى تلك الصحف على أخبار من النمسا. ولما توجهت إلى المنزل ~~وابتدأت أقلب صفحاتها، علمت أول ما علمت أن ولي عهدنا الأمير رودلف قد توفي، ولا يمكنك ~~أيها القارئ أن تتصور مقدار الحزن الذي حل بي؛ فقد خدمت معه في الجيش. وقد كان بودي أن أرجع ~~إلى وطني وأبلغه، بعد طول الأسر، أن أشرف ساعات قضيتها في حياتي هي تلك الساعات التي كنت ~~فيها تحت إمرته، وأعظم شرف لي أن أنتمي إلى الفرقة الإمبراطورية. ولقد فكرت طويلا فيما ~~عساه أن يكون قد أصاب إمبراطورنا العظيم بفقد ولده. # قد حلت بي الأحزان في هذا الوسط المزعج الذي أنا موجود بينه، وقد كان زملائي وهم لا يدرون ~~أسباب حزني يطلبون أن لا أظهر أسفي بالنسبة لتركي منزلي الأول؛ حيث إن الخليفة أصدر أمره ~~إلى جواسيسه بأن يراقبوني جيدا، فابتدأت أظهر عدم اهتمامي بأي شيء مطلقا. # وقبل ذلك بمدة وجيزة كان المصريون قد استولوا على طوكر، وهم لا محالة زاحفون، ومن أجل ذلك ~~استدعى الخليفة «أبو حرجة» وولى بدله قيادة الجيوش واحدا من أقاربه اسمه «مسعود»، وقد ~~أرسل أبو «حرجة» بباخرتين إلى الأقاليم الاستوائية ليلحق بعمر صالح، الذي كان قد ذهب إلى ~~الرجاف ليقيم هناك مركزا لجيوش الدراويش لصد حملة «ستانلي» و«أمين باشا». # وبعد مضي أيام قليلة لسفر هذه البواخر، مرض الخليفة بالحمى التيفوسية، وكان عموم سكان أم ~~درمان يستطلعون أخبار هذا المرض أولا فأولا. # وأصبح جميع سكان أم درمان يرقبون أخبار مرض الخليفة بفارغ الصبر، وكانوا يتوقعون أن موت ~~الخليفة يغير نظام كل شيء. وبطبيعة الحال إذا مات سيخلفه الخليفة «علي واد الحلو» حسب ما ~~تقتضيه القوانين المهدية، وكان هذا يترقب وفاته بكل سرور، وقد أظهر أتباعه الرغبة الشديدة ~~في الاستيلاء على الحكم. # بعد ذلك ابتدأت حالته الصحية تتحسن، وقد خيل إلي أن الله - سبحانه ms219 وتعالى - لم يهيئ ~~بعد لهؤلاء القوم النجاة فيقضي على حياة هذا الطاغية. # خرج الخليفة بعد ثلاثة أسابيع من مرضه لأول مرة، فقابله رجال قبيلته بالتجلة والتعظيم ~~والغبطة والسرور، بينما أظهر له بقية السكان سرورا مصطنعا؛ وعلى ذلك لم يعرف شعور الناس ~~نحوه حق المعرفة. # وحيث كان يقطن بين النهرين في الجزيرة قبائل «الجالان» و«الدناجالا»، وغيرهما من الأعراب ~~الذين يعرف الخليفة عنهم أنهم ألد أعدائه، فكان دائما يراقبهم عن كثب ويدعهم عزلا من ~~السلاح مصادرا كل ممتلكاتهم، وكان ينتخب من بينهم آنا بعد آخر عددا يرسله لتعزيز حامية ~~دارفور والقلابات والرجاف. # وكان يعتقد دائما أن الخليفة علي وأتباعه يحقدون عليه، ولو أنهم كانوا يظهرون له غير ما ~~يخفون إلا أنه ما كان يتوقع قط أن يعلنوا العداء كما أعلنه من قبل الأشراف. # والآن وقد أصبحت أقطن على بعد خطوات منه، أخذ يسأل عني كثيرا زملائي ويطلب إليهم إبلاغه ~~هل أنا مسرور من مكاني الجديد أو لا، وكان يترقب بفارغ الصبر وقوع هفوة مني، ولكن من حسن ~~الحظ كان الملازمون يعطفون علي وبيني وبينهم صداقة، وكانوا يسرون لي بين آن وآخر أن ~~الخليفة أصبح شديد الحقد علي، ويجب أن أكون شديد الحذر. # وفي ذات يوم من شهر ديسمبر سنة 1892 لما حصلت على إجازة قصيرة لأستريح فيها من عناء ~~العمل، طلبني أحد الملازمين إلى الخليفة، وبعد أن ذهبت وجدته ينتظرني في حجرة الاستقبال ~~محاطا بقضاته، ولقد صدقت ما قيل لي من أول وهلة؛ حيث لم يرد تحيتي وأمرني بأن آخذ مكاني ~~بين قضاته. # وقال لي بكل حدة: «خذ هذا الشيء وانظر إلى ما يحتويه.» فقمت واستلمت الشيء المشار إليه ثم ~~جلست، فإذا به قطعة مستديرة من النحاس على شكل علبة صغيرة قطرها يقرب من أربعة سنتيمترات ~~مغلفة بقطعة من المعدن متينة كقبضة «المسدس»، فحاولت فتح هذا الشيء، وبعد أن تمكنت وجدته ~~يحتوي على قطعتين من الورق. # وبطبيعة الحال كنت في هذه اللحظة في أشد حالات الاستغراب، وقلت في نفسي لعله خطاب من ms220 أهلي ~~أو من الحكومة المصرية استحضره الرسول. # ولما مسكت قطعتي الورق حاولت قراءة ما يحتويانه فوجدت مكتوبا فيهما باللغات الألمانية ~~والفرنسية والإنجليزية والروسية ما يأتي: # هذا العصفور نشأ وتربى بضيعتي في «اسكانيا» في مقاطعة «فوريدا» بجنوب الروسيا، ~~فمن يمسكه أو يقتله فالمرجو منه أن يكتب لي ويخبرني عن مكانه. # الإمضاء # ف. ر. فولزفن # سبتمبر سنة ~~1892 # فرفعت رأسي بعد تلاوة هذا الخطاب فقال الخليفة: «ما هو المدون بهذه الأوراق؟» فأجبته ~~قائلا: «يا سيدي لا بد وأن تكون هذه القطعة كانت معلقة في رقبة عصفور قتل، وأن صاحبه الذي ~~يسكن في أوروبا يطلب إلى من يقتله أو يمسكه أن يكتب إليه ويخبره عن المكان الذي مسك فيه أو ~~قتل.» # فقال لي: «لقد قلت صدقا فحقيقة قتل هذا العصفور بالقرب من دنقلة، ووجدت هذه القطعة ~~برقبته، وقد أخذه من قتله إلى الأمير يونس الذي عجز كاتبه الخاص عن تفسير ما هو مدون به، ~~وبعد ذلك بعثوا به إلي فخبرني بترجمة ما هو مكتوب فيه.» # فترجمت الجملة كلمة كلمة كما أراد الخليفة، وبينت له موضع البقعة التي جاء منها هذا ~~العصفور، وكذلك المسافة التي قطعها. فقال الخليفة: «هذه خرافات يضيع بها الذين لا عقيدة لهم ~~أوقاتهم؛ فبعيد على محمدي أن يجهد نفسه في خرافات كهذه.» # بعد ذلك أمرني بأن أسلم العلبة إلى سكرتيره وأمرني بالانصراف. غير أني تصفحت الورقة مرة ~~ثانية بكل سرعة وعلقت منها كلمات «اسكانيا - نوفا - فوريدا بجنوب الروسيا»، وأخذت أكرر تلك ~~الكلمات حتى علقت بذاكرتي. # وقد كان الملازمون في انتظاري خارج الباب وهم في غاية الشوق إلى سماع أخباري، ولما رأوني ~~خارجا وعلى وجهي علامات السرور فرحوا لفرحي. # وقد صرت أكرر وأنا في طريقي إلى منزلي تلك الكلمات، ونذرت إذا منحني الله - سبحانه وتعالى ~~- حريتي فلا بد من أن أذهب إلى هذا الرجل وأبلغه ما طلب وماذا حدث للعصفور. والآن عاد محمود ~~أحمد - وهو الذي حل محل عثمان واد آدم لما توفي - إلى أم درمان بجيوشه البالغة خمسة آلاف ~~بدوي، ms221 ولم يترك بها غير ما يكفي لحفظ النظام، وعسكر بهذه الجيوش عند عين يونس في جنوبي ~~المدينة. # وقد أمر الخليفة باستعراض جميع الجيوش النازلة في أم درمان، وبطبيعة الحال ستكون نتيجة ~~هذا الاستعراض كنتيجة سابقة، وقد كنت أركان الحرب، وكل هفوة تقع علي مسئوليتها. # بعد ذلك أمر محمود أحمد بالعودة إلى الفاشر بعد أن جدد عساكره يمين الإخلاص للخليفة. وقد ~~وجه الخليفة نظره الآن إلى الجهات الاستوائية، فبعث بباخرتين أخريين بهما 300 رجل تحت إمرة ~~قريبه عرابي ضيف الله، أرسلهما إلى الرجاف، ولدى عرابي الأوامر بالقبض على «أبو حرجة» وأن ~~يكبله بالحديد، وقد ظهر جليا أن هذا الأخير لم يرسل إلى الرجاف إلا خدعة. # وجاء بعد ذلك دور زكي طومال، فحقد عليه يعقوب فأمروه أن يعود حالا إلى أم درمان؛ حيث ~~زجوه في السجن ووضعوا على جسمه أكبر كمية ممكنة من الحديد تعذيبا له، بعد ذلك وضعوه في ~~مغارة وقطعوا صلاته بكل الناس، ولم يسمحوا له حتى بالخبز الضروري لغذائه، فمات بعد 20 يوما ~~جوعا وعطشا. # وقد حل الآن بدله في قيادة الجيوش أحمد واد علي، فأصدر له الخليفة الأوامر بغزو القبائل ~~النازلة بين كسلا والبحر الأحمر، وكانت خاضعة للإيطاليين، ولكنه تلقى أوامر بألا يغزو ~~جيوشا محصنة في حصون. ولما توجه على رأس جيشه في نوفمبر سنة 1893 من الفضارف، لحق بالقوة ~~المعسكرة في كسلا، وهناك توجه إلى «أجردات»، فواجه القوات الطليانية، وكانت قليلة العدد إلا ~~أنها متحصنة، وبالرغم مما أمره به الخليفة هاجمها لقلتها في نظره، فهزم شر هزيمة وقتل هو ~~نفسه وقتل قائدان من قواده. # وفي أثناء هذه اللحظات الدقيقة إذا بباخرتين تفدان من الرجاف تحملان كميات هائلة من العاج ~~وآلافا من الأسرى، وبعد ذلك بقليل وصلت أخبار غير سارة من دارفور، وقد روى محمود أحمد أن ~~المسيحيين دخلوا مناطق بحر الغزال، وقد اتحدوا مع القبائل النازلة في هذه الجهات وقد وصلوا ~~بالفعل إلى حضرة النحاس. وقد وقعت تلك الأخبار على الخليفة كالصاعقة. # ولما كانت مصر تحكم السودان، ms222 جند المصريون من أهالي إقليم بحر الغزال الكثير؛ منهم من ~~قبل برغبته، ومنهم من أجبر على الدخول في سلك العسكرية. ولما كانت مناطق بحر الغزال أعلى ~~بكثير من غيرها من مناطق السودان ومزروعاتها كثيرة وماؤها وفير، ولما كانت القبائل الساكنة ~~في تلك الجهة متفرقة الكلمة؛ سهل كل ذلك على أي أجنبي يريد الاستيلاء عليها، وهذا هو ما ~~قد حصل. وكان في نظر الخليفة أن من يستولي على هذه المناطق فقد استولى على مفتاح السودان ~~بأجمعه، ومما زاد الطين بلة أن العبيد يكرهون العرب كراهة لا مزيد عليها. # وقد أمر الخليفة في الحال محمود أحمد بأن يجند من جنوبي دارفور، ويزحف جنوبا إلى بحر ~~الغزال ليكسح الأجانب الذين دخلوا هذا الإقليم. # وقد استدعاني الخليفة ذات يوم وسلمني بعض أوراق مكتوبة بالفرنسية وطلب إلي ترجمتها، وهي ~~تحتوي خطابين من اللفتنانت دي كنيل إلى مساعديه، يشملان أوامر أصدرها إليهم. وسلمني أيضا ~~نص معاهدة موقع عليها من مندوب حكومة الكنغو الحرة والسلطان حامد واد موسى، تاريخها 4 أغسطس ~~سنة 1894، والشاهدان فيها «سلطان ريميو» و«سلطان تيجا»، وهما موقعان بالإفرنجية. فترجمت هذه ~~الأوراق بكل سرعة شفويا للخليفة. ولقد أراد أن يظهر لي عدم اكتراثه فقال: «لم أطلب إليك ~~ترجمة هذه الأوراق لا لأن في الأمر شيئا خطيرا، كلا فقد أصدرت أمري إلى محمود أحمد ليطرد ~~هؤلاء النصارى الذين اخترقوا الحدود، ولكن هناك أمر يهمني أن أصرح لك به، وهو؛ بما أننا ~~نعتبرك كواحد من عائلتنا، فإني أود أن أشعرك بحقيقة هذا الحال، وعلى ذلك قررت أن أزوجك ~~واحدة من بنات أعمامي. فماذا ترى؟» # وبطبيعة الحال لم تدهشني هذه المنحة؛ فقد عودني الخليفة أمثالها من قبل، وتيقنت من حقيقة ~~ما يقصده، فهو يريد أن يبعث لي بمن تكون رقيبة على أحوالي بمنزلي، هو يريد أن يعلم حقيقة ~~أسراري، يريد أن يعرف إذا كانت هناك صلات بيني وبين أي مخلوق آخر، فقلت له: «يا مولاي إنني ~~أدعو لك بالنصر على كل أعدائك، إن هذا الذي تريد أن توليني ms223 إياه باقتراني بابنة عمك شرف ~~عظيم، وإني أقول لك يا مولاي إن ابنة عمك هذه لم تكن من بيت الملك فقط، بل هي من سلالة ~~النبي - عليه أفضل الصلاة والسلام - وعلى ذلك يجب أن تكون موضع كل عناية، ومشمولة بكل ~~رعاية؛ ولما كان من سوء الحظ أني مصاب بداء الحماقة، والحماقة أعيت من يداويها، وقد لا ~~يمكنني أن أحكم عواطفي عند حدوث أي حادث، ولا تخفى نتيجة هذا بين الزوج وزوجته، وقد يؤدي ~~هذا إلى نفور قد يحصل - لا سمح الله - بيني وبين مولاي؛ فأرجو معذرتي إذا رجوت سيدي أن يترك ~~هذا الرأي.» # فقال لي: الآن وقد عشت بين ظهرانينا عشرة أعوام خبرناك فيها وعرفنا خصالك وعاداتك، فلم ~~أسمع عنك إلا كل طيب، وكل ما يخيل لي من أمرك هذا أنك لا تود تغيير العادة التي ورثتها من ~~قبيلتك الأصلية بأنك لا تريد إلا زوجة واحدة (والخليفة يقصد من كلامه هذا أنه باعتباري ~~مسيحيا فلا أتزوج إلا واحدة؛ ولذلك أرفض أن أتزوج بابنة عمه). فقلت له: «لا يا مولاي، ~~فإني لا أتبع عادة بلادي مطلقا، وإن كنت أتبعها فلماذا تزوجت بثلاث نساء قبل الآن.» ~~فأجابني: «فهمت على كل حال، فأنت ترفض زواج ابنة عمي!» فقلت له: «كلا يا سيدي، فأنا لا أرفض ~~ولكني أريد قبل الإقدام على أي شيء أن أوضح لك حقيقة أخلاقي، وبذلك أضمن العواقب. وبطبيعة ~~الحال إنه لمما يشرفني الانتساب إلى قبيلتكم، إلا أني أود قبل كل شيء أن يكون مولاي على علم ~~تام.» والآن وقد تيقن من أن محاولاتي هذه كلها علامة الرفض، أمرني بالانصراف. # وقد وضعت نفسي بعدم القبول هذا في مركز حرج للغاية، وهذا مما جعلني أزيد في جهدي لتدبير ~~أمر الهروب. # وقبل هذه الحادثة ببضعة أشهر، كنت قد كلفت تاجرا سودانيا بالذهاب إلى القاهرة ومقابلة ~~القنصل النمساوي ليطلب إليه أن يعمل غاية جهده على تمكيني من الهروب، ولكن متى تتحقق هذه ~~الآمال؟! # الفصل الخامس عشر # | ملاحظات متنوعة # سأحدث القراء الآن عن شخص الخليفة ms224 وعاداته وأخلاقه فأقول: هو السيد عبد الله ابن السيد ~~محمد، ينتمي إلى قبيلة التعايشة من أولاد أم سار من أسرة الجبارات، وقد اتصل بالمهدي وهو في ~~الخامسة والثلاثين من عمره، وكان في ذلك الوقت قوي البنية إلا أن الشواغل قد أنهكت قواه ~~الآن، فأصبحت تراه كهلا اشتعل رأسه شيبا، ولو أنه لم يتجاوز 49 عاما، أصبح سريع ~~الانفعال، ولما تنتابه تلك الحال يصبح من غير المتيسر على أعز عزيز لديه الدنو منه ~~ومحادثته، حتى ولا أحد إخوته. # وكان يعتقد دائما أن الصدق والأمانة لا وجود لهما مطلقا عند أي مخلوق، وكل ما يظهره ~~الإنسان من ملق ومداهنة إنما هو لقضاء الحاجات والمآرب دون سواها. # وكان بطبعه محبا للملق والمداهنة؛ لذلك كنت ترى القوم يكيلون له الملق جزافا، حتى إن ~~أحدهم لا يجسر أن يذكر اسمه دون أن يقرنه بصفات الحكم والقوة والعدل والشجاعة والكرم ~~والصدق، وكان من جهته يقابل ذلك الرياء بسرور وارتياح تام، ويا شقاء من كان يمس ~~كرامته! # ولكي يكون لدى القارئ فكرة عامة عن طباع هذا الرجل، أسرد الحكاية الآتية: # كان من بين قضاته قاض اسمه «إسماعيل عبد القادر»، تعلم جيدا في القاهرة ونال حظوة كبرى ~~عند المهدي؛ لأنه كتب تاريخا قيما عنه يشمل جميع انتصاراته وتاريخ حياته. ولما مات المهدي ~~أمر الخليفة، إسماعيل هذا، أن يتمم عمله ويكتب عن الانتصارات ويكيل ألفاظ الملق والمداهنة ~~للخليفة. فقال إسماعيل عبد القادر ضمن أقواله مقارنا الحالة في السودان بها في مصر، فشبه ~~الخليفة بالخديو إسماعيل باشا المفتش. ولما وصل هذا القول إلى مسامع الخليفة، أمر القضاة في ~~الحال ليجتمعوا لمحاكمة إسماعيل على هذا القول، الذي اعتبره الخليفة ذما في شخصه، وقال: ~~«كيف والمهدي خليفة النبي وأنا خليفته يشبهني هذا الرجل بالخديو الذي هو من أصل تركي؟ كيف ~~أشبه بهذا الرجل وأنا خليفة المهدي، والمهدي خليفة النبي الذي هو أعظم مخلوق على ظهر ~~الأرض؟» وطلب إلى القضاة أن يحاكموه، فقضوا بإدانته وكبل بالأغلال وأرسل إلى الرجاف. وقال ~~الخليفة: «ما الذي ms225 دعاه إلى التشبيه بين مصر والسودان، فإذا كان يود أن يشبه نفسه بباشا ~~مصري، فأنا خليفة النبي لا أقبل على نفسي مطلقا أن أشبه بتركي.» # ولم يقف به غروره عند هذا الحد، بل أصدر أوامره في الحال بأن تجمع كل نسخ مؤلف هذا القاضي ~~وتحرق، وبالفعل تم ذلك إلا نسخة واحدة - كما بلغني - احتفظ بها سكرتير الخليفة، ولو وجدت ~~هذه النسخة الآن وترجمت إلى اللغات الإفرنجية لظهر الشيء الكثير مما كانت عليه الحركة ~~المهدية منذ نشأتها. # وكان هذا الخليفة مغرورا جدا بقوة جيوشه، معتقدا أنه في وسعه أن يعمل كل شيء ويغزو أي ~~بلاد. وكانت أخلاقه خليطا من اللين والشدة، وما كان يسير إلا إذا أحدث آلاما لآخرين؛ ~~كمصادرته أموالهم أو تعذيبهم. وكانت تلك خصاله حتى أيام حياة المهدي نفسه؛ فعبد الله نفسه ~~هو الذي سبب مذبحة الخرطوم التي قتل فيها النساء والأطفال بلا شفقة ولا رحمة. # ولما أرسل عثمان واد آدم إلى أم درمان أختي سلطان دارفور؛ البرنسيسة مريم عيسى وبخيتة، ~~منحهما الخليفة حريتهما، ولكنه حجز غيرهما من أقاربهما النساء، وأخذ لنفسه كثيرا منهن، ~~وأعطى توابعه أخريات. ولما علم بأن هناك من أهل دارفور من يقطن أم درمان ويريد مساعدة ~~البرنسيستين، قبض عليهما وأعطاهما لاثنين من أمرائه، هما حبيب وخليل، وكانا على أهبة السفر ~~إلى الرجاف، وقد حاولت أم بخيتة وهي ضريرة أن تتبع ابنتها فرفض طلبها، ومنعت بأمر الخليفة ~~بالقوة من متابعة بنتها، حتى إنها ماتت بعد أيام قليلة وقلبها يتحرق على ابنتها. ورمت بخيتة ~~بنفسها في النهر والباخرة لم تقلع من مكانها، ولما نجوها من مخالب الموت ماتت من التعب ~~والبؤس بعد قليل. # وكان أحمد غراب مصري الجنسية مولودا بالخرطوم، ولكنه قبل حملة هكس باشا سافر في تجارة ~~تاركا وراءه زوجته وهي سودانية وبنته، وقد عاد ليراهما إلا أنه في يوم عودته وقبل أن يرى ~~أسرته، أحضر أمام الخليفة فأوضح الأسباب التي حملته على الرجوع، مظهرا رغبته في الدخول في ~~خدمة الخليفة، فقال له: «إني أقبل ذلك ms226 بكل سرور، فلتذهب في الحال إلى الرجاف.» وجاهد في ~~سبيل الله، وعبثا حاول هذا المسكين أن يقنع الخليفة في أن يستأذنه السماح له برؤية أولاده، ~~فأمر الخليفة حرسه في الحال بأن يأخذوه إلى المركب المسافر على أن يراقبوه جيدا. # والخليفة عبد الله هذا هو الذي سبب هلاك آلاف الناس، وهو الذي كان يعذب الآدميين بأن يقطع ~~أيديهم وأرجلهم تعذيبا. ولم ننس له حادثة قتله وشنقه أفراد قبيلة «البتاهين» في ساحة ~~السوق، ولقد ذكرت كثيرا أن أصدقاءه كانوا أشد خوفا من أعدائه على حياتهم منه، وهل هناك ~~دليل يثبت فظاعة هذا الرجل أقوى من حادثة سفكه دماء الأشراف بعد أن اتفق معهم وعقد التحالف ~~المعروف؟ # وكان كل من يدخل عنده يقف مكتوف اليدين مسبلا عينيه إلى الأرض ينتظر أمره بالجلوس. وكان ~~هو يجلس دائما على عنجريب مفروش بحصير عليه فرو، فإذا أمر أحدا بالجلوس فإنما يكون جلوسه ~~على الأرض مقعيا كما يقعي عند الصلاة، لا يتحرك حتى يؤذن له بالانصراف. وكان لا يسمح لأي ~~مخلوق بأن يشخص ببصره نحوه. وقد حدث مرة أن سوريا اسمه محمد سعيد، جمعه سوء الحظ - وهو ~~بعين واحدة لا يرى بالأخرى - بالخليفة في المسجد، فلاحظ الخليفة أن عين هذا السوري ترمقه، ~~فدعاني وأمرني بأن أبلغه أن الخليفة لا يحب أن يراه مرة أخرى يرمق إليه. # وكانت حالته في منزله على عكس ما هو عليه من طباع؛ إذ كان لين العريكة يطيع أمر ابنه، حتى ~~إنه في ذات يوم لما قال الولد لأبيه إنه أتم دروسه، سرعان ما أمر المعلمين بالانصراف. وقد ~~زوج ابنه عثمان هذا بابنة عمه بنت يعقوب ولم يتجاوز من العمر سبعة عشر عاما، وأقام له ~~أفراحا لم يسبق لها مثيل؛ فقد مدت موائد الطعام ثمانية أيام حتى تمكن كل فرد من سكان أم ~~درمان من أن يأكل، كما أنه زين المنزل المبني بالطوب الأحمر والموجود تجاه بيت يعقوب بأفخر ~~الرياش لكي يكون محل سكن ولده. # وبعد ذلك بقليل زوج ابنه هذا باثنتين من ms227 أقاربه، وقدم له جواري اختارهن هو بنفسه لابنه، ~~وكان يحرم على ابنه الاتصال بالغير، كما كان يصرح دائما بأنه لا يسمح له أن تجمعه صلة نسب ~~مع أي قبيلة أخرى. # ولما رأى أن لابنه علاقات مع آخرين، سرعان ما جعله يسكن في منزل داخل السور بجوار منزله ~~ليشدد عليه الرقابة. # وقد زوج بنته لابن المهدي «محمد»، وكان محمد هذا غير راغب في هذا الزواج؛ لأنه لا يحب ~~ابنة الخليفة مطلقا، وكان يرغب في الزواج بقريبة له، إلا أن الخليفة عبد الله - وهو صاحب ~~الحول والقوة وولي أمره والرقيب عليه - أرغمه على ألا يتزوج بمن يريد، فتزوج بابنة الخليفة ~~مرغما وعاشا عيشة مرة. # وكان للخليفة ما يقرب من 400 امرأة، وبحكم الشرع كان من بينهن أربع زوجات شرعيات، ~~والباقيات كن من بنات القبائل التي أرغمت على اتباع المهدي؛ أي بمعنى آخر أسيرات. وكان كلما ~~أحب واحدة وأراد الاقتران بها اقترانا شرعيا، طلق واحدة من زوجاته الشرعيات ليستبدلها ~~بمن يريد. وقد جمع في زوجاته بين البيض والسود، وقد قسمهن إلى أقسام، بعضها مكون من 15 ~~والبعض من 20، يرأس كلا من هذه الأقسام رئيسة، وكل قسمين أو ثلاثة أقسام منها تحت إشراف ~~سيدة الأحرار المحظيات عند الخليفة، وكان يمنحهن حبا ونقودا وهبات أخرى تمكنهن من قضاء ~~حاجاتهن، ويعطيهن أيضا الملابس بنسبة جمال وأخلاق ومركز كل منهن عنده، وتتكون تلك ~~الملابس عادة من نسيج قطني يصنع في البلاد السودانية ملون الحواشي، أو من حرير لامع ~~وشيلان صوف مستوردة من مصر، وكان هو نفسه الذي يباشر توزيع هذه الأشياء عليهن، وفي بعض ~~الأحيان يوزعها أغاه الخاص. # ولما كانت المجوهرات الفضية قد حرمها المهدي، كن يتزين عادة بالخرز والصدف، وكن يضفرن ~~شعورهن. إلا أنه في الأيام الأخيرة لبست زوجات العظماء حليا من ذهب وفضة، ولبست زوجة ~~الخليفة الأصلية أكثر ما يتصوره إنسان من حلي. # وكان يشرف على حالة نسائه الصحية نسوة مخصوصات لا يتأخرن عن إخطاره بكل ما يحدث من ~~الإصابات. # ولما كان يريد اختيار واحدة ms228 منهن ليجتمع بها، كان يستعرضهن جميعا ويختار منهن من يشاء. ~~وكان لا يختلط بنسائه إلا أغواته ولا يحرسهن إلا الملازمون السود، وقلما كان يسمح لواحدة ~~منهن أن تتصل بأي كائن كان من أهلها أو أقاربها، وقد تمضي السنة دون أن ترى الواحدة أي فرد ~~من عائلتها. # وكان اسم زوجته الأولى «سارة»، وهي من قبيلته، شاركته السراء والضراء، وهي أم أولاده ~~عثمان وخديجة. ومع أنها أصبحت زوجة الخليفة الآن، إلا أنها كانت تحافظ على مظاهرها وعاداتها ~~الأصلية، فكانت تعمل بنفسها أو تحت إشرافها طعامهم البسيط المكون من العصيدة وبعض الفراخ. ~~ولما أراد الخليفة أن يترقى في معيشته واطلع على أنواع الطعام المصري وأصناف المأكولات ~~التركية، وأراد إدخالها في مطبخه؛ تسبب عن ذلك شقاق بينه وبين زوجته، كان سيقضي حتما إلى ~~فراقهما لولا تداخل يعقوب وبعض أفراد أسرته. # وكان عنده أغا رئيس يسمى «عبد القيوم»، وكان هذا هو المشرف على تمدين بيت الخليفة، ~~ويتناول من بيت المال المصاريف اللازمة ويتولى صرفها. كما كان تحت يديه الهدايا التي كان ~~يقدمها الخليفة لمن يشاء، يساعده في أداء هذه المهام رهط من الكتبة والمساعدين تحت ~~إمرته، كلهم أغوات؛ حيث إن الخليفة - كما قدمت - ما كان يسمح لغير الأغوات بالدنو من ~~منزله. # وأما لباس الخليفة فكان عبارة عن الجبة البيضاء وعلى رأسه عمامة من حرير وعلى كتفه حرام، ~~وكان يلبس في رجليه في أول الأمر صندلا، إلا أنه غير ذلك بعد قليل واستبدله بلبس «بلغة» ~~صفراء. وكان دائما يحمل في يده اليسرى عندما يسير سيفا وفي يده اليمنى حربة يتوكأ عليها ~~كأنها عصا، ويتبعه في سيره 12 صبيا خدما خصوصيين له، جلهم من الأحباش الذين أسرهم أبو ~~أنجة وزكي طومال، وكان واجبهم أن يكونوا دائما على مقربة منه ليكونوا رسله عندما يرى أي ~~شيء. ولما يبلغ الواحد منهم السابعة عشرة من عمره، يترك خدمة الخليفة الخصوصية ويندمج في ~~حرس الخليفة النظامي، ويحل محله آخر من الصبيان. # وكان الخليفة يعتقد أنه باستخدام صغار السن يكون دائما في ms229 مأمن من إذاعة أسراره، وبطبيعة ~~الحال لا يخطئه واحد مطلقا في رأيه هذا. # وأما في داخل منزله فكان بطبيعة الحال يحل الأغوات محل هؤلاء الأولاد؛ إذ - كما قدمت - ما ~~كان يسمح لغيرهم بدخول داره. # عرضت على الخليفة منذ ثلاث سنوات فكرة من جانب مشير به الحربيين، فارتاح إليها وعزم على ~~تنفيذها، وتتلخص هذه الفكرة في ضم أفراد من حرس الخليفة إلى صفوف الضباط في الجيش العام، ~~ولم يكد يعلن موافقته على ذلك الرأي حتى اختار بنفسه عددا من المجاهدين البارزين في جيش ~~محمد أحمد وزكي طومال. # لم يقف الخليفة عند هذا، بل أصدر أمره لأمراء القبائل العربية حتى يحضروا المئات من ~~الجنود الجدد ليدمجوهم تحت ألوية ضباطه، ولكن تلك الأوامر لم تلق الطاعة الاجتماعية من ~~ناحية الأمراء، وفي كل خطوة من خطواته التنظيمية الأخيرة كان معنيا باضطهاد الدنقليين ~~والمصريين وإخراجهم من دائرة حرسه؛ لأنه لم يكن يثق بهم ولم يمل إليهم. # جد الخليفة في سبيل ذلك الإنشاء الحربي حتى تمكن من تكوين قوة تتراوح بين أحد عشر ألفا ~~واثني عشر ألفا من الجند، ونظم لذلك العدد الكبير أراضي تشبه القطائع، سكنها أولئك ~~الجنود مع نسائهم، وهي على مقربة من مساكن الخليفة ودور ابنه وفي حدود السور الحربي ~~الجديد. # وقسمت هذه القوة الجديدة إلى ثلاث كتائب، يقودها على التتابع ابنه عثمان وأخوه هارون أبو ~~محمد - الذي لا تزيد سنه على الثامنة عشرة - وابن عمه إبراهيم خليل. أما الثالث فلم تطل مدة ~~قيادته كتيبته؛ حيث حل محله رجل حربي حبشي اسمه رابح، كان في حاشية الخليفة في بيته ~~الخاص. وإنه لمما يجب ذكره أن عثمان كان موضع احترام صفوف الجيش بقسميه الأعلى والأدنى، ~~فلقبه الجنود بمثل الخليفة. # وتنقسم كل كتيبة إلى أجزاء منتظمة، يحتوي كل منها على مائة جندي يرأسهم ضابط ويلقب برأس ~~المائة؛ ولذلك الضابط مساعدون مدربون. # إذا عدنا لأنواع الجنود وجدنا السود منهم مندمجين في الأقسام المتفرعة من الكتائب، وهم في ~~ذلك ليسوا الجنس العربي الحر، ولكنهم تحت رقابة الأمراء ms230 الذين يصدرون أوامرهم المطاعة لكل ~~من الفريقين على حدة؛ لأن السود لا يخضعون للنظم العسكرية كما يخضع العرب. # وإنا لا نغالي في التقدير إذا قلنا إن جميع أولئك الجنود مسلحون ببنادق رمنجتون، ولكننا ~~نظهر أمام الحقيقة أكثر دقة وصدقا إذا قلنا إن البنادق المذكورة محفوظة في المخازن لا في ~~أيدي الجنود؛ حيث لا تسمح إدارة الجيش العليا بإخراج البنادق من مكانها إلا في أعياد خاصة ~~في كل عام. أما فيما يختص بمرتب الجندي فإنه لا يتجاوز نصف ريال درويشي شهريا مضافا ~~إليه ثمن ( ~~) إردب من الذرة في كل أسبوعين. وفي الحق لا يظفر الجندي بأكثر من تلك ~~الذرة، أما نصف الريال فيكاد يكون مرتبا اسميا. # يجيء بعد ذلك ذكر مرتب كل من رأس المائة والأمير، وكل من المرتبين عال بطبيعة الحال إذا ~~قسناه إلى مرتب الجندي. هذا إلى أن كلا منهما - رأس المائة والأمير - يظفر بمنح متتالية ~~من النساء والعبيد الخاضعين لنفوذ الخليفة. # إذا أنعمنا النظر في مهمة الجنود والحرس وجدناها محصورة في حماية شخص الخليفة؛ وإذن أولئك ~~جميعا مضطرون لمرافقته في جولاته الحربية على أن يحميه حرسه الخاص أيام استعراض الجيش ~~العام. ومن العجب أن يسير ذلك الحرس في ركاب الخليفة إلى أي مكان سار وفي أية بقعة نزل؛ مما ~~يدل على رغبته الشديدة في الاحتفاظ بحياته. ولما كان أمر الحرس كذلك اضطر الخليفة أن يقيم ~~له ميدانا خاصا فسيحا أمام منزله ليكون لاصقا به مدى حياته. # يذكر القراء أننا أشرنا في السطور السالفة إلى كراهية الخليفة للمصريين واتساع دائرة ~~الكراهية إلى حد أنه يمقت سماع أنغامهم، ومع ذلك كان يستصحب في رحلاته أفرادا ليسمعوه ~~الأنغام المصرية وغير المصرية، إلا أنه لم يقلع عن فكرة الكراهية، فبدلا من سير اثنين من ~~المصريين للنفخ في البوق وتوقيع النغم، كان يرافقه اثنان من السود، وكان الخليفة يلقب رأس ~~المائة بكلمة «قبطان»، ولقب الأمير عنده «بكباشي»، أما القائد «أميرالاي». # لا ينسى المتكلم عن الخليفة أن يقول إن عبد الله كان في أكثر ms231 الأحايين يفتش ويراقب جنوده ~~ليلا؛ حتى يثق من بقاء كل رجل من رجاله الحربيين في المكان الذي عينه له. وقد كان أكبر ~~هم الخليفة موجها إلى مركز طليعة الجيش. وإزاء هذا التدقيق الشديد وتلك اليد القاسية، ~~كان رءوس المائة والأمراء يدعون المرض في كثير من الليالي، فيذهبون سرا إلى بيوتهم وفي ~~نفوسهم غصص وآلام، فيفرجون عنها بإظهار استيائهم لذويهم. # تشتمل أعمال الخليفة العامة على ترديد الصلوات الخمس يوميا في الجامع الكبير، فعندما ~~يبدو السحر يؤدي الخليفة صلاة الفجر، وبعد ذلك يقرأ المحتشدون بعض الآيات القرآنية في ~~حضرة المهدي، ويستغرق ترديد القرآن وبعض الصلوات الخاصة مدة تقرب من ساعة. # وبعد ذلك يعود الخليفة إلى مخدعه الخاص، ولكنه في بعض الأحايين يخالف ذلك الترتيب في ~~المسجد؛ ليتحقق بنفسه مبلغ إذعان سكان أم درمان لأوامره الدينية الخاصة بحضور الصلوات الخمس ~~حضورا منظما. أما صلاة الظهر فيقوم بها الخليفة حوالي الساعة الثانية مساء، وبعد ساعتين ~~أخريين يؤدي صلاة العصر التي يذكر فيها المصلون بعد تأديتها بعض أقوال دينية، ولا تكاد تغرب ~~الشمس حتى يؤدي الخليفة صلاة المغرب، ثم ينتهي بعد ثلاث ساعات إلى الصلاة الخامسة؛ وهي صلاة ~~العشاء. وفي كل من الصلوات الخمس يصلي الخليفة في محرابه القائم أمام صفوف المصلين. وذلك ~~المحراب بناء جميل رباعي الشكل، مكون من أعمدة رفيعة مخروطة الشكل، يعلو كلا منها طبقة ~~حديدية صلبة. ولا ريب في أن الخليفة يستطيع أن يشاهد كل ما يحيط بمحرابه وهو في حالة هادئة ~~ومكان أمين. # هذا هو المحراب الذي يجلس وراءه مباشرة ابن الخليفة، فالقضاة، فأشخاص قلائل يختارهم ~~الخليفة من أخصائه. أما الجنود الذين يحرسونه فيجلسون على جانبي المحراب، ويظل الجنود السود ~~في الجوانب التي تحيط بالمسجد ملازمين سورا ضخما يفصل بين المسجد والميدان. وإلى جانب ~~الضباط أماكن مخصصة للأمراء وأغلب رجال القبائل الغربية، وقد عينت لأولئك الجهة اليمنى. أما ~~الناحية اليسرى فيجلس فيها بعض الأتباع وقليلون من العرب المنتمين إلى الخليفة «علي واد ~~هلو» ثم أنصار الجعليين والدنقليين، ووراء أولئك جميعا ms232 يجلس المصلون من المسلمين في صفوف ~~تترواح بين عشرة واثني عشر، حتى إذا ما بدأ الخليفة تلاوة صلاته رددها المصلون. # وعلى أية حال، فإن المصلين لا يقلون عن بضعة آلاف. وبما أن الخليفة محدود الدائرة من ~~موقفه بالمصلين، فإن الأمراء الظاهرين وبعض ذوي النفوذ من رجال القبائل مضطرون إلى معاونة ~~الخليفة في تأدية الصلاة. ولئن كان في صدر الخليفة غل أو حقد على شخص من الأشخاص، فإنه لا ~~يتردد في الاقتصاص منه وإلزامه بحضور الصلوات الخمس في المسجد؛ بحيث يراقبه هو وغيره - من ~~المغضوب عليهم من الخليفة - بواسطة أشخاص معينين لهذا الغرض. # السبب أن الخليفة - في كل هذه التحرجات وذلك التقييد الديني - مدفوع بعامل صيانة الدين، ~~ولكنه لا يرمي إلى ذلك فحسب، بل يبغي إلى جانب ذلك الاحتفاظ بسيادته ونفوذه على أتباعه ~~جميعا. وإنه لواجب علينا في هذا الصدد أن نقول بأن الكثيرين من المصلين يسكنون في جهات ~~بعيدة عن المسجد الكبير؛ فمن الشاق عليهم أن يذهبوا من منازلهم إلى المسجد ويعودوا إليه خمس ~~مرات يوميا، وكل ما يستطيعون عمله هو أن يجتمع بعض الناس في منازل أصدقائهم، وهذا ما ~~يمقته الخليفة مقتا شديدا؛ لأنه يخشى ما يسمونه «حياة الجماعة ». وقد كان الخليفة عبد الله ~~على اعتقاد ثابت في أن هذه الاجتماعات المذكورة البعيدة عن رقابته لا بد أن تنتهي إلى ~~المسامرات والتكلم في شئون الجماعات، ومثل ذلك الكلام يصل إلى بحث أعمال وشئون الخليفة؛ ~~فهذا ينقدها باللوم والتجريح، وذلك يرضى عنها خائفا، وآخر يمتدحها. فلا عجب أن نرى من ~~الخليفة جهدا شديدا مبذولا في سبيل تأييد فكرة اجتماع المسلمين تحت رقابته هو وحرسه ~~الخاص. # نرى من الأقوال السابقة الخاصة بإقامة الفرائض الدينية أن الخليفة عبد الله أول من يصلي ~~بالناس في المسجد الكبير، ولكننا لا ننسى أن كل إنسان معرض للمرض الذي يحول دون قيامه بما ~~تعود تأديته يوميا؛ وإذن الخليفة عرضة لذلك المرض أو لأي عذر طارئ يمنعه من السير خمس ~~مرات يوميا إلى المسجد الكبير. وبالفعل تغيب ms233 عبد الله في بعض الأيام عن القيام بعمله ~~الديني الكبير، فكان يخلفه في الإمامة أحد القضاة أو ضابط من قبيلة تكروري، على أن يكون ذلك ~~الضابط مشهورا بين الناس بصلاحه وتقواه. وعلى أي حال لا يسمح مطلقا للإمام الذي يقوم بعمل ~~الخليفة أن يقف في المحراب، بل يكون في قيادته الدينية قائما في أول صف مجاور لذلك المحراب ~~العظيم. ومع أن القانون الديني يحتم على الخليفة «علي واد هلو» أن يمثل الخليفة عبد الله في ~~تأدية الفرائض الدينية أثناء غيابه (عبد الله)، فإن «علي واد هلو» لم يكن يمثله في أغلب ~~الأحايين. # كان الخليفة عبد الله في حياته اليومية يتلقى بين صلاة العصر وصلاة المغرب عدة تقارير، ~~ويستمع الأنباء الخاصة بشئون الأمة، ويطلع على الخطابات الواردة له، ويقابل القضاة والأمراء ~~الذين سمح لهم الخليفة قبل يوم المقابلة بالتحدث معه، وإلى جانب أولئك كان يسمح الخليفة في ~~ذلك الميعاد من كل يوم بمقابلة الأشخاص الأخصاء الذين يرغب التحدث إليهم. # أما مراسلاته البريدية الخاصة فمحدودة وسائرة في سبيل طبيعية، وهو يحتفظ لذلك بما يتراوح ~~بين ستين وثمانين جملا لحمل البريد العام، على أن يتولى رقابته أشخاص مخصوصون بصفة عمال ~~بريد. ولا يذهبن تصور القارئ إلى أن أولئك محصورو العمل في بلد الخليفة، وإنما هم موزعون في ~~جميع أنحاء إمبراطوريته؛ حيث يتلقون أوامره وتعليماته فينفذونها عاجلا. # ومما يذكر في هذا الصدد، أن إبراهيم عدلان اقترح عليه إنشاء محطات خاصة للبريد على طول ~~الخطوط الرئيسية المعروفة. # ولكن الخليفة رفض قبول هذا الاقتراح بشيء من الضجر، بعد أن قال لإبراهيم بأنه عني قبل كل ~~شيء بالأوامر الشفوية التي يلقيها «الخليفة» على الأخصاء من رجال البريد، الذين لم يتأخروا ~~مطلقا في تنفيذ أوامره بإخلاص وأمانة، علاوة على أن الخليفة كان يتلقى من أولئك المقربين ~~إليه تقارير وافية عن أعمال الحكام التابعين له. # لم يقتصر أمر البريد الخاص على الخليفة، بل تعداه إلى الأمراء؛ كل في منطقته؛ حيث كان ~~للأمير رجال مخصوصون وعدد معين من الجمال لحمل ms234 البريد، مع تعليمات خاصة لأولئك المتجهين إلى ~~أم درمان. ومهما يكن الأمر فلم تكن هناك طريقة للمراسلات البريدية العامة؛ أي للمراسلات بين ~~الأشخاص من عامة الشعب السوداني، ولكن على رغم ذلك كان الحمالون يحملون رسائل من بلد إلى ~~آخر بطريقة سرية. # لم يكن الخليفة في جميع أيام زعامته واثقا بغريب عن دائرته؛ فدعاه ذلك إلى التشديد على ~~الرجال المحيطين به، حتى إنه لم تكن تصدر رسالة من أحدهم إلى الخارج إلا بعد أن تمر على ~~كاتم سر الخليفة. ومما يذكر عن الخليفة عبد الله أنه كان يجهل القراءة والكتابة، فحدا به ~~ذلك إلى الشك في كثير من الكتابات الواردة من الخارج إلى الأمراء القريبين منه، وتبعا لذلك ~~كان يصدر أوامره المشددة بمرور الرسائل على سكرتيريه الخصوصيين، ومن أهم أولئك في نظره ~~اثنان؛ هما قاسم ومدثر، اللذين كانا مضطرين دائما لشرح محتويات الخطابات لسيدهما الخليفة، ~~على أن الخطابات الواردة لمركز الخلافة ذاته لا يرد عليها السكرتيرون من ذواتهم، بل يتلقون ~~أوامر الخليفة في كل ما يكتبونه. ولم يكن جهل الخليفة القراءة والكتابة مانعا له من الوصول ~~لبغيته بواسطة المفتشين الذين يراقبون تلك الردود البريدية. # أما هذان السكرتيران فقد عاشا مع الخليفة حياة تعسة مملوءة بالأوامر التي تنم عن ريبة عبد ~~الله فيهما. وقد كان ذانك الرجلان على ثقة تامة من أن الخليفة لن يغتفر لهما أصغر هفوة، ~~والويل كل الويل لأحدهما أو لاثنيهما في حالة إذاعة سر من أسرار الخليفة، حتى لو كانت تلك ~~الإذاعة غير مقصودة بسوء نية من جانب السكرتيرين. ولم يكن الخليفة يقصر في حالة من تلك ~~الحالات عن معاملة ذينك الرجلين بما عامل به الأحمدي وأشقاءه الأربعة، الذين نفذ فيهم حكم ~~الإعدام بعد أن اتهموا باتصالهم بالأشراف. # إذا خلا الخليفة إلى نفسه ونزع إلى شيء من الراحة أو التحدث للناس، فإنه لم يكن يرتاح ~~لشيء أكثر من التحدث مع القضاة الذين لم يكونوا - في أغلب الأحيان - غير آلات صماء في يديه؛ ~~بحيث لم يكونوا يترددون في إصدار ms235 أقسى الأحكام الاستبدادية ضد من يمقتهم الخليفة أو يرتاب ~~فيهم، فإنك كنت ترى أولئك القضاة يجلسون أمام الخليفة في وقت راحته في شكل نصف دائرة على ~~الأرض العارية من كل فراش، ولم يكن يتجاسر أحد أولئك على رفع رأسه أمام الخليفة، فإذا جلسوا ~~أرهفوا آذانهم وصمتوا انتظارا لأوامر الخليفة المطاعة. وقد كانت الأوامر المذكورة في أغلب ~~الأحيان تلقى بصوت خافت هادئ، والعجيب في الأمر أنهم لم يكونوا بحال من الأحوال يستطيعون ~~رفع أصواتهم، وبطبيعة الحال لم يتوقع شخص معارضة أو اقتراحا من جانب أي قاض. وسواء أكان ~~الخليفة مصيبا في رأيه أم غير مصيب، فإن القاضي ملزم بالإذعان للأمر والتأمين على ما ~~سمع. # إلى جانب أولئك القضاة كان الخليفة في كثير من الأحايين يجتمع بالأمراء وبعض الأشخاص ذوي ~~النفوذ الموثوق فيهم عنده، وكان الخليفة على وجه عام يقف على شئون الرعية وأحوال البلاد ~~بواسطة أولئك الأشخاص القريبين. ومما يذكر عن عبد الله أنه كان ماهرا في بث الفتنة بين ~~أولئك المقربين منه؛ حتى لا تتم الصلة بينهم، وحتى يصل كل منهم إلى إذاعة ما عنده إذاعة ~~دقيقة لمولاه الخليفة. # وكانت مناقشات الخليفة ومباحثاته عقب صلاة العشاء كل يوم، وتلك المباحثات الخاصة مع يعقوب ~~وبعض أقربائه الأقربين، وكانت تستغرق مباحثاتهم في كثير من الأحيان بضع ساعات، وفي أيام ~~خاصة تظل إلى ما بعد منتصف الليل، وعلى وجه عام كانت الاجتماعات العائلية البحتة خاصة ~~بالبحث في أنجع الطرق للتخلص من الأشخاص غير المرغوب في وجودهم أمام الخليفة بصفة خاصة، ~~وأمام ابنه وبعض أقربائه بصفة عامة. وإنه لمما يجدر بنا ذكره أن أولئك الأشخاص كانوا لا ~~يتطلعون - في ذلك الحقد على المكروهين - إلى مصالح عامة، بل إلى ما قد ينجم عنه ضعف لقواهم ~~أو التقليل من أثرهم البارز في الدولة. # كان الخليفة في كثير من الأحيان يقوم برحلات صغيرة داخل المدينة أو في الجهات المجاورة، ~~على أنه في أيام خاصة من الشهر كان يقوم ببعض زيارات لأخصائه في أم درمان. وليس هناك ما ms236 ~~يدعو إلى بذل جهد من الشعب خارج أو داخل المنازل لتعرف ميعاد مرور الخليفة؛ فإن الأصوات ~~المرتفعة من الحشم ودق الطبول والنفخ في الأبواق أمام ركب الخليفة؛ كل ذلك كاف لأن يسمع ~~الناس ذلك الصوت الخاص على بعد مئات من الأمتار، فيهرع السكان لتقديم التحية لمولاهم ~~الكبير. # كان إلى جوار بيت الخليفة مكان فسيح للحرس، ودار مسقوفة بقش يظل فيها الخيل بعد أن ~~ينظفها الحرس. فإذا ما قال الخليفة إنه يعتزم الجولان في المدينة، أسرع حراسه إلى خيولهم ~~وأسرجوها. فإذا ظهر الخليفة في رحبة داره الخارجية، خرج الضباط والحرس الخاص من كل النواحي ~~المحيطة وأسرعوا لحماية سيدهم. وكان النظام المتبع في تلك الرحلة أن يتقدم الضباط وحرس ~~الخليفة، ثم يتبعهم عبد الله ممتطيا جواده الخاص وحوله من النواحي الأربع دائرة من الحرس ~~الموثوق في إخلاصهم له. وإنك لتكاد تظن الناس الخارجين من منازلهم لمشاهدة الخليفة مجموعات ~~متتالية من الكتائب الحربية، أما الجنود فكل فصيلة تسير على انفراد مكونة من اثني عشر ~~متجاورين، ووراء أولئك جميعا يسير الموكب اللاحق والمؤلف من الأمراء والأخصاء على ظهور ~~الخيل ثم آخرون من الأقرباء. # نضيف إلى ذلك أن رجلا عربيا مسلما اسمه «أبو دخيبة» كان يجاور الخليفة إلى يساره، وكل ~~ما كان لهذا الرجل من شرف هو أن يرفع الخليفة إلى جواده الخاص ثم يظل ملازما له أثناء ~~نزوله من الجواد، هذا إلى أن الذي كان يشغل الناحية اليمنى من الخليفة أثناء سير موكبه هو ~~كبير الخصيان ورئيس فرقة العبيد في حاشية الخليفة. # كان أمام الخليفة مباشرة في كل رحلة من رحلاته ستة من النافخين في الأبواق إيذانا بمرور ~~الركب العظيم، أما السائرون وراء جواد الخليفة مباشرة فهم الضاربون على طبول خفيفة ترمي إلى ~~تحسين صوت البوق في أذني الخليفة، الذي كان شديد الميل لسماع الأنغام. ومن اختصاص الأخيرين ~~- الضاربين على الطبول - إصدار إشارات معروفة في المدينة لسير الركب أو وقوفه تبعا لأوامر ~~ورغبات الخليفة، فإذا ما انتهينا من أولئك جاء صف الحشم الخصوصي الذي ms237 كان يحمل أفراده محافظ ~~جلدية فيها أوراق دينية وعالمية، خاصة بشئون الدولة. # بعد أن ننتهي من صف القارعين على الطبول قرعا خفيفا، نصل إلى صفوف خصيان الخليفة وصغار ~~خدمه، وبين أولئك من يحمل آنية كبيرة فيها ماء للوضوء ويحمل غيره سجادة فاخرة لصلاة عبد ~~الله، ويسير الآخرون حاملين الرماح، وفي بعض الأحايين يتقدم الموكب أو يخلفه ركب موسيقي ~~مكون من خمسين سودانيا، تتكون آلاتهم الموسيقية من مستخرجات قرون الوعول، وتغطي الجلود ~~طبولهم المصنوعة من تجاويف جذوع الأشجار الضخمة. وإنه لمن الميسور لك أن تميز أنغام أولئك ~~السودانيين بما فيها من تنافر قبيح، وبما اشتهرت به من ابتعاد عن كل توقيع مطرب. # تعود الخليفة القيام برحلاته بعد صلاة الظهر على أن يرجع إلى داره قبل الغروب، وفي أثناء ~~كل من الرحلات المذكورة يبذل الضباط أقصى مجهوداتهم لإظهار شجاعتهم وفروسيتهم أمام مولاهم ~~الخليفة؛ فمن أمثلة تلك الشجاعة تقدم أربعة من الضباط متجاورين إلى ناحية الخليفة؛ بحيث ~~يرمون رماحهم المدببة في الهواء ويقفزون من صهوات جيادهم إلى البقعة الممتدة أمام الخليفة ~~ليحيوه واقفين، فإذا ما انتهوا من ذلك أسرعوا لركوب جيادهم وعادوا إلى الصف الذي كانوا فيه ~~دون إخلال بنظام الموكب. # كان الخليفة في السنوات الأولى من حكمه يحضر إلى ساحة الاستعراض العسكرية كل يوم جمعة؛ ~~حيث تجري حفلة عرض الجنود على اختلاف درجاتهم، ولكنه اكتفى في سني حكمه الأخيرة باستعراض ~~الجيش أربع مرات في السنة؛ هي على التعاقب يوم ذكرى الميلاد النبوي، ويوم المعراج، وأول ~~أيام عيد الفطر، ثم يوم العيد الأضحى. وكان مما يذكر عن عناية الخليفة عبد الله بحفلة العيد ~~الأضحى، أنه كان يجمع فرق جميع البلاد المجاورة مع جنود دارفور والقضارف للقيام بالاستعراض ~~العام وسط دق الطبول والنفخ في الأبواق. أما الصلاة في ذلك اليوم فكانت تقدم منه ومن جنوده ~~إلى الله الرحمن في ساحة الاستعراض؛ حيث يصلي عبد الله إماما بالجند وهو واقف في غرفة ~~مدببة الحواجز - كأنما هو في محراب المسجد الكبير - وفي ذلك الحين يحيط به ms238 خارج غرفته كثير ~~من ضباطه الأخصاء وبعض أعيان السودان المتمتعين بثقة الخليفة وحبه، أما بقية الضباط والجند ~~وعامة الجمهور فيوزعون أنفسهم في صفوف متلاصقة، فإذا ما تمت الصلاة صعد عبد الله إلى منبر ~~خشبي لإلقاء خطبة يستظهرها بعد أن يقرأها له من كتبها من السكرتيرين. وفي نهاية الحفلة ~~يطلق بعض الضباط رصاص بنادقهم سبع مرات إيذانا بانتهاء الاحتفال المقدس. وعقب ذلك يتقدم ~~واحد منهم لذبح خراف الضحية لإرسالها إلى السوق العام بواسطة الجنود وتوزيعها صدقة على ~~الفقراء. ولكننا لا ننسى ذكر ما كانت عليه شئون الدولة من الفقر والاضطراب؛ بحيث لم يكن ~~يتسنى ذبح العدد الكافي من الخراف لتقديمها للفقراء، فكان ذلك داعيا إلى استعاضة الفقراء ~~عن لحم الخراف بقصاع الثريد. # اعتاد الخليفة تخصيص اليوم الأول من أيام العيد الأضحى لذلك الاستعراض المصحوب بتأدية ~~فريضة الشكر المقدسة للعزة الإلهية إزاء ما أسبغته على السودان من خير طول العام، ولم تكن ~~تجري في ذلك اليوم أية معاملة رسمية. أما المقابلات «التشريفات»، فكانت في الأيام الثلاثة ~~التالية لليوم الأول؛ حيث يسير إلى دار خلافة عبد الله قبل مشرق الشمس في كل يوم من الأيام ~~الثلاثة أمراء أم درمان والجهات المجاورة، حاملين راياتهم ومن خلفهم أتباعهم المتفائلون ~~خيرا بالعيد، فإذا جمع كل أمير أتباعه سار بهم إلى الناحية المعدة له في ساحة الاحتفال - ~~وهي عبارة عن أرض رملية تتخللها أحجار صغيرة - ومن تلك الجهة كانوا يسيرون إلى دار عبد الله ~~إلا إذا بدت الرغبة من الخليفة في التوجه إلى دار الاستعراض؛ حتى لا يتعب الأمراء وأتباعهم ~~وصفوف الجند. وفي كل حال من تلك الأحوال يعيد الجنود السير إلى حيث الخليفة لتقديم التحية ~~للمهنئين بالعيد، وهم في سيرهم هذا يولون وجههم شطر المشرق. # أما يعقوب ابن الخليفة وصاحب أكبر مكانة في السودان بعد أبيه، فكان يحمل العلم الرئيسي؛ ~~وهو عبارة عن قطعة كبيرة منتظمة الشكل من القماش الأسود توضع مباشرة أمام الحاجز المدبب ~~القوائم الذي اعتاد الخليفة الجلوس فيه في ساحة الاستعراض، على أن ms239 الخط المستقيم الواصل بين ~~العلم والحاجز يبلغ امتداده أربعمائة قدم، وبعد أن يتركز لواء يعقوب يضع الأمراء المختلفون ~~على جانبيه راياتهم المميزة لقبائلهم، وقد يكون أكبر بيرق ظاهر بعد لواء يعقوب بيرق الخليفة ~~علي واد هلو، الذي يرتكز في البقعة الشمالية من الميدان؛ ممتازا بلونه الأخضر وبقيام بعض ~~ألوية على جانبيه. هذا إلى أن الناحيتين اليسرى واليمنى من مركز الجيش معدتان لطوائف خاصة؛ ~~ففي الأولى يتوزع راكبو الخيول والجمال، وفي الثانية يقف ضاربو النار الذين يتكونون من بعض ~~المجاهدين وأتباع بعض الأمراء. على أن الخليفة لا يسمح مطلقا لضاربي النار أولئك بحمل ~~بنادقهم إلا في هذه الأيام الثلاثة من السنة. # لا تكاد الشمس تغرب في كل يوم من الأيام المذكورة المقدسة عند المسلمين، حتى يخرج الخليفة ~~عبد الله من تلك الغرفة المدببة القوائم فيركب جواده يحيط به ضباطه وحرسه الخاص. وفي هذه ~~الأثناء يسير الجيش بصفوفه الكاملة أمام الخليفة؛ حيث يوزع الجبب والعمائم على المرضي ~~عنهم من رجاله. # كان المتبع أن يمتطي الخليفة صهوة جواده في ذلك الميدان، ولكنه في بعض الأوقات كان ينزع ~~إلى ركوب جمل خاص مزخرفة حمائله. وقد تخطى هذا التقليد مرة واحدة - على ما أذكر - في سني ~~حكمه فركب عربة أسرها السودانيون في الخرطوم من حاكم عام سابق، وبقيت بعد ذلك ملكا ~~للمسلمين ومحفوظة في بيت المال. وبما أن ركوب هذه العربة كان أمرا شاذا غريبا، فلنذكر ~~طريقة مرور الخليفة بالناس وهو فيها، فنقول: إنها خرجت من بيت المال، فكانت أعجوبة لناظريها ~~من الدراويش، وكان يجرها جوادان وتسير بخطى متئدة جدا؛ والداعي لذلك خوف الخليفة من ~~انقلاب العربة في حالة عدو الجوادين، وليس ذلك غريبا على من لم يعتد غير ركوب الخيل ~~والجمال. ومهما يكن الأمر فإن الخليفة لم يرتح إلى فكرة ركوب العربة، فأرجعت إلى بيت ~~المال، واستمر على عادته المألوفة في المواكب والرحلات؛ وهي الخروج على ظهر الجواد مباشرة ~~من المسجد الكبير إلى الطريق القريبة؛ حيث راية يعقوب السوداء، فإذا ما وصل إليها تأمل ms240 فيها ~~وأظهر احترامه لمقامها. وبعد الانتهاء من تقديم التحية للراية اليعقوبية، يولي عبد الله ~~وجهه شطر الحاجز المدبب القوائم؛ حيث يجد إلى جانبه مكانا مسقفا مصنوعا من سيقان الأشجار ~~المتراصة بعضها إلى بعض، والمغطاة بحصائر النخيل، فإذا ما انتهى إلى ذلك المكان نزل عن ~~جواده واستند إلى عنجريب؛ حيث يحيط به القضاة والمقربون إليه. # اقتضت التقاليد الدينية في السودان أيام الأعياد الكبرى خروج الخليفة من داره إلى الناحية ~~الغربية من المدينة حتى يصل إلى ثكنات جنوده. ومن الأمور المقررة في مقابلات العيد وقوف ~~الجنود حاملين دروعا مغطاة من الطرزين الأوروبي والآسيوي وعلى رءوسهم خوذات ثقيلة وأغطية ~~قطنية غريبة الشكل من مختلف الألوان، وأعظم ما يميز هذه الأغطية لفائف مخصوصة شبيهة ~~بالعمائم. # أما الخيول فمسرجة بأقمشة مبطنة، وقد يكون هناك شبه بين تلك الأغطية المبطنة وبين ما كان ~~يضعه الفرسان على خيولهم وقت المبارزة في العصور القديمة. ولا نكون مغالين إذا قلنا إن ~~المتفرج يوم استعراض الجند على خيولهم يظن أنه في حفلة من حفلات القرون الوسطى أو ما ~~قبلها. # عندما تنتهي «التشريفات» بنهاية اليوم الثالث من أيام العيد، يعود الجنود مع ضباطهم إلى ~~ثكناتهم في البلاد المجاورة. ~~••• # سأعرض على القراء الآن صورة موجزة للرأي والأغراض السياسية التي كان ينزع إليها الخليفة ~~عبد الله. فأكرر ما قلته أكثر من مرة بأن المهدي عندما أعلن نفسه هاديا للمسلمين في ~~السودان، منح حق الخلافة بعده إلى ثلاثة أشخاص في السودان؛ هم: عبد الله، وعلي واد هلو، ~~ومحمد شريف. على أن يخلفه بعد موته أولهم، ثم يعقب الاثنان الآخران عبد الله بعد موته في ~~حالة بقائهما على قيد الحياة بعده. # نفذ القضاء في المهدي، فتولى الخلافة بعد موته أول الثلاثة عبد الله، ولكن الخليفة الجديد ~~«عبد الله» لم يفتأ - من اللحظة التي تولى فيها الحكم - يدس للاثنين الآخرين، باذلا جهده ~~في تقوية نفوذه وإعلاء كلمته، وجعل الخلافة وراثية في أسرته، فلم يرض ذلك الثوريين من ~~طبقة الأشراف الذين عدوا أنفسهم أكبر السودانيين قدرا، وذلك ms241 راجع إلى صلتهم بالمهدي، ومع ~~ذلك قدموا التحية لعبد الله خوفا من السقوط الذي يصيبهم من جراء إشهار العداء للخليفة. إلا ~~أن عبد الله كان واقفا على حقيقة نيات منافسيه، فضم إلى حاشيته الكثير من فصائل السودانيين ~~التابعين قبلا لعلي واد هلو ومحمد شريف؛ حتى يعينوه بإخلاص له على مصادمة منازعيه في ~~الخلافة. # ليس بدعا أن يشاهد السياسي كل ذلك الجزع من جانب عبد الله؛ فإنه غريب عن أم درمان، ولم ~~يكن في حياته سوى رجل غامض الأسرار من قبيلة غريبة؛ وإذن هو غريب جدا عن البلاد الداخلية، ~~وكان - بذكائه وبما يصل إليه من تقارير أتباعه - على ثقة أنه لن يستطيع الاستناد إلى تأييد ~~الجعليين والدنقليين وسكان الجزيرة وغيرهم من قبائل وادي النيل؛ وإذن اضطر لإرسال مندوبين ~~سريين إلى القبائل الغربية في الناحية الغربية ليغريهم بالحج إلى قبر المهدي والمهاجرة إلى ~~وادي النيل. # سعى مندوبو عبد الله ورسله في الجهات المجاورة لأم درمان سعيا حثيثا في سبيل الوصول إلى ~~إغراء الناس بالمهاجرة إلى قبر المهدي والبقاء في الأرض التي تقل جثمانه، فدعوا الناس إلى ~~التمتع بخيرات الأرض الجديدة التي ينزحون إليها، ذاكرين لهم بأنهم عبيد الله المختارون، ~~وأنه من مصلحة أولئك المدعوين أن يذهبوا لامتلاك الأرض الجديدة التي يتمتع سكانها الأصليون ~~بثروة كبرى من مال وماشية وعبيد. وقد ذهب المندوبون في إغرائهم سكان الجهات المجاورة إلى حد ~~أن وعدوهم بامتلاك كل ما في الأرض الجديدة. # أثر أولئك المندوبون بدعوتهم الحماسية تأثيرا منتجا في نفوس السذج، فرحل الكثيرون من ~~أفراد القبائل المختلفة إلى أم درمان، وكانوا في ذلك مدفوعين برغبة خالصة في التمتع بالغنى ~~الذي سمعوا عنه، إلا أن عدد القادمين لم يكن كافيا لتعمير وإنماء أم درمان، فعمد الخليفة ~~عبد الله إلى إصدار الأوامر لأميري دارفور وكردوفان حتى ينفذا أوامره بالقوة؛ وتبعا لذلك ~~تدفق سيل المهاجرين، سواء أكانوا طائعين أم مرغمين، وانتهى الأمر إلى نقص عددهم بعد أن ~~سمعوا الشيء الكثير عن الشدة التي يقاسيها من سبقوهم إلى أم درمان. ms242 # كانت النتيجة المنطقية لذلك إحاطة الخليفة بالجمع الغفير من قبائل الرحل الغريبين عنه وعن ~~أتباعه، على أن أولئك المهاجرين الجدد لم يألوا جهدا في إقصاء أصحاب الحق الأصليين وإعداد ~~أنفسهم لأن يكونوا الأسياد المسموعة أوامرهم. # لم يمر زمن على أولئك المهاجرين لأم درمان حتى امتلأت بهم وظائف الحكومة الرئيسية، وكان ~~أصحاب القسم الأكبر من هذه الغنيمة رجال التعايشي. وإنك لتكاد ترى جميع الأمراء السابقين في ~~جهة مجهولة؛ بحيث لم تسمع لأحدهم كلمة بعد ذلك، وقد تستثني من ذلك الحكم الأمير عثمان دجنة؛ ~~ويرجع ذلك إلى أن قبائل العرب الشرقية التي يحكمها عثمان يتكلم أفرادها بلهجة لا يعرفها عرب ~~القبائل الغربية، وعلاوة على ذلك أصبح الكثيرون من أفراد تلك القبائل خاضعين للنفوذين ~~المصري والإيطالي، وليس من سبب إلى اتصال القلائل الباقين بعثمان دجنة سوى كونه واحدا ~~منهم. وعلى أية حال فإن قبيلة التعايشي تمكنت من الحصول على السلطان والنفوذ الكاملين في ~~جميع الجهات التي يضرب رجالهم بأرجلهم في أرضها، ولم يكن لهم غرض سوى ملء جيوبهم بالإيراد ~~الضئيل الذي يحصل عليه السوداني الفقير. # مما يذكر عن أوامر الخليفة عبد الله قبل عام 1895 أنه أعطى تعليماته لأميري دنقلة وبربر ~~بإضعاف نفوذ وقوة رجال مديريتيهما إلى أقصى حدود الضعف، فدعا ذلك إلى تجريد السكان من ~~أسلحتهم النارية، وجمع ما لديهم من معدات القتال بحيث ينقص مقدار الموجود من تلك الأسلحة ~~إلى حد لا يخشى معه أي خطر. # لم يكتف الخليفة بذلك، بل أصدر أمرا جديدا بالتشديد في معاملة رجال توشكو وطوكر، فأغرى ~~المأمورين في تشديدهم بحيث قتلوا كثيرين من الجعليين والدناقلة، ورحلوا آخرين إلى دارفور ~~والقلابات؛ رغبة في استئصالهم نهائيا في تينك الناحيتين؛ وإذن استطاع الخليفة اتقاء شر ~~سكان تلك النواحي وضمن التغلب على أية قوة معارضة هناك. # تنطبق مثل هذه المعاملة على سكان الجزيرة الذي أقصوا بأمر الخليفة إلى جهات نائية من ~~السودان، أو الذين اضطروا إلى الحضور لأم درمان هم وأفراد أسرهم؛ حيث قاسوا الأمرين من ~~الاضطهاد والفاقة. ومما زاد ms243 في أثقال كواهلهم، صدور الأمر بتسليم ما يزيد عن نصف محصول ~~أراضيهم الزراعية التي كانت موزعة على عرب القبائل الغربية، وما زال الخليفة مستمرا في ~~التضييق على أولئك حتى توصل عام 1890 إلى تفريق الأراضي على أقربائه وأصحاب الحظوة عنده. ~~وقد بلغ الضيق بأصحاب الأرض الأصليين حدا التزموا عنده حراثة الأرض وتفليحها لأسيادهم ~~الجدد، الذين وزعوا على أراضيهم كل ما يملكون من خدم وعبيد وماشية. # نجم عن ذلك التعسف إهمال أرض الجزيرة القابلة للإنتاج الوافر؛ فبعد أن كانت أوفر أرض ~~السودان غلة وأكثرها سكانا، تضاءل هذان الخيران. وكان ذلك التضاؤل مصحوبا بهرج ومرج سادا ~~جميع المناطق التي كان الخليفة مضطرا فيها إلى الانحياز لناحية الأهالي الذين عوملوا ~~معاملة سيئة، ونزل بهم العسف وحاق بهم الطغيان إلى حد لا يكاد يصدقه العقل. # أكرر الآن ما قلته سابقا عن تفضيل أفراد القبائل المنتمية إلى الخليفة عبد الله عن جميع ~~القبائل الأخرى في جميع الأحوال والظروف؛ فإنهم لا يتمتعون بأسمى الوظائف الحكومية والمراتب ~~الشعبية فحسب، بل يتمتعون بما هو أسمى من ذلك ماديا؛ فإن القسم الأكبر من الأموال ~~والغنائم التي ترد إلى بيت المال من مديريات دارفور والقلابات والرجاف يصل إلى أيدي أولئك ~~الأفراد ولا يجد من يحاسبهم عليه. ومن غريب أمر أولئك الطامعين أنهم - رغبة في ملء جيوبهم ~~بأكبر قيمة من المال - دعوا الخليفة إلى فرض ضريبة خاصة على الخيول، غير مبال بالشكوى ~~العامة من جانب السكان الأصليين، فلا ريب إذن في حصول فرقته على نصيب الأسد من ~~الغنيمة. # اشتهر الخليفة عبد الله أيام حكمه بتوسيع نفوذه بواسطة الدسائس وبث الفتن، فلا يكاد يتصل ~~به زعماء قبائل غريبة عنه حتى ينشر الفتنة بينهم ليقوي جانبه ويضعفهم؛ ومن أمثلة ذلك أنه ~~عند هزيمة وموت النجومي - الذي كان تابعا للخليفة الشريف الذي سحب منه عبد الله كل نفوذ ~~على غيره من الأمراء - وضع عبد الله فلول الجيش المهزوم تحت قيادة الأمير يونس، وبدلا من ~~رجال الجيش المقتولين عين عبد الله أفرادا من الجعليين ورجال ms244 أم درمان؛ حتى يكون واثقا من ~~حصوله على نفوذ جديد. # قد وضع الخليفة أولئك في بادئ الأمر تحت إمرة مواطنهم بدوي واد العريق، ولكن بدلا من ~~إرسالهم إلى دنقلة بعث بهم عبد الله إلى القضارف. ومما يذكر عن سوء نية الخليفة عبد الله ~~نحوهم أن عذرا قهريا منعهم عن الرحيل إلى القضارف في الميعاد المعين، فأسرع «عبد الله» ~~إلى اتهامهم بالعصيان، ثم أصدر أمره بنفي بدوي وستة من أمرائه إلى الرجاف وإحلال ستة آخرين ~~بدلا منه تحت إمرة حامد واد علي ابن عم الخليفة. # خلق الإنسان وفي طبيعته البشرية نزوع إلى طلب الوقاية من القوي ورغبته في التمتع بسند ~~الأقوى، فليس بدعا أن نرى حركة جديدة في صفوف أتباع الأمراء؛ لأن أكثرهم فضلوا السير تحت ~~لواء الخليفة مباشرة أو تحت أسرة أخيه يعقوب، حتى إن أشياع علي واد هلو أنفسهم أسرعوا إلى ~~تنفيذ هذه الرغبة. ويجمل بي في هذا الصدد أن أذكر شيئا عن سعي حامد واد جار النبي الذي كان ~~عاملا رئيسا في هدم التباهين؛ كان حامد هذا منتميا لقبيلة حسابات التي يرأسها علي واد ~~هلو، وبما أن حامدا هذا كان على بينة مما يجري وراغبا في تنفيذ فكرة الاستناد إلى ذراع ~~الأقوى، لم يأل جهدا في بث فكرة انضواء أتباعه تحت لواء يعقوب، ولكنه (حامد) كان في الوقت ~~نفسه قصير النظر غير مبال بما يجري إزاء تصريحاته، فأفضى برغبته إلى أقرباء علي واد هلو، ~~ولم يكتف بذلك، بل تجاوزها إلى التصريح في اجتماع عام بأن الذي سيخلف الخليفة عبد الله ~~بعد موته هو أخوه يعقوب أو ابنه الخليفة عثمان، فإذا ما استقر الأمر بين يدي يعقوب أو انتهت ~~السطوة إلى عثمان، تلاشى نفوذ علي واد هلو وأصبح رجلا عاديا لا شأن له. # عندما سمع الواقفون هذه التصريحات العلنية، أجابه بعضهم بأن المهدي أوصى الخليفة عبد الله ~~قبل موته (المهدي) بأن يخلفه في الخلافة علي واد هلو. فقال له حامد بأن الأحوال تغيرت وأن ~~عبد الله من القوة بحيث ms245 لا يبالي بوصية المهدي الذي سبقه. # لم يكد حامد يذكر أقواله هذه حتى أسرع بعض المشائين بالنميمة إلى تبليغ الحادث إلى علي ~~واد هلو، فاتهم الأخير حامدا بتهمة التحريض وبث الفتنة. وعندما قدم حامد إلى القاضي ~~وسمع الأخير شهادة الشهود، لم يبق مجال للشك في صحة ما أدلى به مخبرو علي، فانتهى الحادث ~~إلى تأثيم حامد بتهمة الزندقة؛ لأنه شك في قدسية أوامر المهدي وتعاليمه. ومع أنه كان من ~~المتوقع جدا أن يتدخل الخليفة عبد الله لنصرة حامد وتبرئة ساحته، لم يستطع الخليفة إظهار ~~تدخله علنا؛ فإن ذلك التدخل دليل قاطع على جلاء رغبة عبد الله في حرمان علي واد هلو من ~~الخلافة بعده وإثبات جديد لصحة ما قاله حامد. ومع ذلك لم تكن الحقيقة خافية عن الشعب ~~السوداني عموما وسكان أم درمان خصوصا. # قضي الأمر وصدر حكم القضاة بإعدام حامد، ورغم كون عبد الله بذل أقصى ما في وسعه لحمل علي ~~واد هلو على إرجاء ميعاد التنفيذ، فإن ذلك لم يخفف من غلواء علي وشدة حنقه. وقد عرف واد ~~هلو أن تنفيذ الحكم في حامد انتقام مباشر من الخليفة عبد الله؛ وإذن ظفر علي واد هلو بتحقيق ~~رغبته، فنفذ حكم الإعدام في حامد جار النبي علنا في ميدان السوق الكبير بعد أن ألصقت به ~~تهمة الزندقة والتحريض على الثورة. # لا ريب في أن ذلك التنفيذ مؤلم جدا للخليفة ولأخيه يعقوب. وبما أن خروج الخليفة علنا ~~على الحكم دليل على رفضه الأحكام التي ضد الزنادقة، كان من المنتظر أن يحرض الخليفة أتباعه ~~سرا على إظهار سخطهم من ذلك الحكم القاسي، وهذا وقع فعلا؛ فقد وصلت الأوامر من يعقوب إلى ~~رجال جميع القبائل الخاضعة له، وصدرت الأوامر من الخليفة إلى أتباعه المقربين بأن يظهروا ~~جميعهم سخطهم العام وامتعاضهم من تنفيذ الحكم. وسبيل إظهار ذلك الشعور هو الامتناع عن حضور ~~التنفيذ. # كان الخليفة في أي نزاع قائم بينه وبين خصومه يعتمد أولا وأخيرا على جنوده، فإن أولئك ~~كافون جدا لإرغام أية قوة ms246 معارضة له في الداخل مهما كان شأنها، سواء أكانت هذه القوة في ~~أم درمان ذاتها أم في أية ناحية أخرى من الجهات المجاورة؛ وإذن هو السيد المتسلط صاحب القوة ~~التي لا تنازع في داخل السودان. أما إذا خرج الأمر عن الدائرة الداخلية، فهو عاجز عن صد ~~جميع الغارات التي تبدو طلائعها من الخارج؛ فإن قواد جيشه ليسوا من القوة والدربة بحيث ~~يستطيعون مهاجمة قوة خارجية هجوما يكفل لهم النصر على أعدائهم، كما أن رجال جيشه ليسوا من ~~الولاء والوفاء - في آخر سني حكمه - بما كان يعتقده الخليفة في أول أيامه؛ ويرجع ذلك إلى ~~انطفاء جذوة الحماسة الشديدة الأولى، وهم إلى جانب ذلك على قليل من الثقة أو الإيمان ~~بالقضية التي يحاربون من أجلها، وأخطر من هذا وذلك تسرب الشك إلى رءوس المحاربين في قدرة ~~الخليفة وأتباعه على مناوأة أية قوة خارجية ترمي إلى احتلال السودان. # يرغب القراء بطبيعة الحال، بعد أن اطلعوا على الكثير من تصرفات الخليفة الدينية ~~والسياسية، أن يقفوا على ما لديه من القوى الحربية. ولئن كان من العسير ذكر تقدير دقيق عن ~~رجال الحرب السودانيين ومعداتهم، فلا مانع من نشر بيان تقريبي عن الموجود لدى أولئك ~~المحاربين. # قبل وأثناء عام 1895، تنقسم النواحي السودانية التي يشرف عليها الخليفة إلى أربعة أقسام ~~رئيسية؛ هي على التتابع: أم درمان والرجاف والسودان الغربي والسودان الشرقي. وسنذكر فيما ~~يلي عدد المحاربين ومقدار معداتهم في كل من الأقسام المذكورة: # القسم الأول: # يتولى إمرة الجيش فيها (أم درمان) أميران؛ هما عثمان شيخ الدين ويعقوب. ~~أما أولهما فيتكون جيشه من أحد عشر ألف جندي من المشاة، في أيديهم أحد ~~عشر ألف بندقية، ولكل بندقية ماسورة ملساء. ويتألف جيش الثاني (يعقوب) من ~~أربعة آلاف من المشاة، وثلاثة آلاف وخمسمائة فارس، وخمسة وأربعين ألفا من ~~حاملي الحراب والرماح، هذا إلى أن مخزن هذا الأمير يحتوي على 46 مدفعا ~~وأربعة آلاف بندقية، كما توجد في مخازن جيش أم درمان ستة آلاف ~~بندقية. # القسم الثاني: # أمير جيش الرجاف هو ms247 عرابي واد دفلة، الذي يأتمر بأمره أربعة آلاف ~~وخمسمائة من حملة الحراب، وألف وثمانمائة من المشاة، وتوجد في مخزنه ثلاثة ~~مدافع وألف وثمانمائة بندقية ملساء الماسورة. # القسم الثالث: # ينقسم «السودان الغربي» إلى الفاشر والأبيض وشاكا وبربر وأبي حمد؛ ~~وللجهات الثلاث الأولى أمير واحد اسمه محمود - يعينه اثنان من أتباعه - تحت ~~إمرته ستة آلاف من المشاة مثالا، وثلاثمائة وخمسون فارسا، وألفان ~~وخمسمائة من حملة المزاريق والرماح، وفي مخزنه أربعة مدافع وستة آلاف ~~بندقية. أما الناحية الرابعة (بربر) فتحت إمرة زكي عثمان، الذي يقود ألفا ~~وستمائة من المشاة، وخمسمائة فارس، وألفا وثلاثمائة من حملة الرماح، وفي ~~مخزنه ستة مدافع وألف وستمائة بندقية. وبذلك ننتهي إلى الناحية الخامسة ~~(أبو حمد)، التي يقود جنودها الأمير نور عنو، وتحت إرشاد هذا الرئيس ~~أربعمائة من المشاة، ومائة فارس، وسبعمائة من حاملي الرماح، وفي مخزنه ~~أربعة مدافع وأربعمائة بندقية. # القسم الرابع: # ينقسم «السودان الشرقي» إلى إحناراما والقضارف والفاشر وأسوبري والقلابات ~~ودنقلة وسواردا، وسنذكر محتوياتها تباعا تحت حروف أولية: ~~(أ) # ينضوي جنود إحناراما تحت لواء الأمير عثمان دجنة، الذي يقود ~~أربعمائة وخمسين من المشاة، وثلاثمائة وخمسين من الفرسان، ~~وألفا من حملة الرماح، وفي مخزنه أربعمائة وخمسون بندقية من ~~طراز الماسورة الواحدة الملساء. ~~(ب) # أمير جيش القضارف هو أحمد فضيل، الذي يصدر أوامره إلى أربعة ~~آلاف وخمسمائة من المشاة، وستمائة فارس، وألف من حاملي ~~المزاريق والحراب، وفي مخازنه أربعة مدافع وأربعة آلاف ~~وخمسمائة بندقية. ~~(ج) # يتولى إمرة الفاشر - إلى جانب إمارة القضارف - أحمد فضيل ~~السابق ذكره، ويتكون جيش هذا الأمير من ألف جندي من المشاة، ~~ومائتي فارس، وخمسمائة من حاملي الحراب، وفي مخزنه ألف ~~بندقية. ~~(د) # القائم بإدراة شئون أسوبري العسكرية هو الأمير حامد واد علي، ~~وتحت إرشاده تسعمائة من المشاة. ~~(ه) # الأمير في جيش القلابات هو عين نور - وهو أقل أمراء جنود ~~السودان شأنا - الذي يأتمر بأمره خمسون من المشاة، ومائتان من ~~حملة الرماح والحراب، هذا إلى أن البنادق التي في مخزنه خمسون ~~بندقية لا غير. ~~(و) # يقود ms248 جيش دنقلة الأمير يونس الدغيم، ولهذا الأمير ألفان ~~وأربعمائة من المشاة، وخمسمائة فارس، وخمسة آلاف من حاملي ~~الرماح، وفي مخزنه ثمانية مدافع وألفان وأربعمائة ~~بندقية. ~~(ز) # آخر الأمراء السبعة للقسم الرابع هو سواردا، وأمير الجيش ~~هناك زعيم سوداني اسمه حمودة، تحت قيادته مائتان وخمسون من ~~المشاة، ومائة فارس، وألف من حملة الرماح، وفي مخزن الأمير ~~مائتان وخمسون بندقية. وبإحصاء ما تقدم إحصاء عاما نجد ~~الأقسام الأربعة متفرعة إلى خمسة عشر معسكرا حربيا، فيها ~~اثنا عشر أميرا، ومجموع الجنود المشاة في دوائر نفوذ الخليفة ~~المذكورة آنفا أربعة وثلاثون ألفا وثلاثمائة وخمسون، ومجموع ~~الفرسان ستة آلاف وستمائة، وعدد حاملي الرماح أربعة وستون ~~ألفا، والموجود من المدافع في المخازن خمسة وسبعون، وعدد ~~البنادق ألف وثلاثمائة وستون. # هذا هو مجموع ما في البيان، ولكن في الحقيقة لا نجد من البنادق المذكورة أكثر من اثنين ~~وعشرين ألف بندقية صالحة للحرب - والبنادق المذكورة من طراز رمنجتن - أما الباقي فعبارة عن ~~بنادق من ذات الماسورة أو الماسورتين وغير ذلك من النماذج القديمة غير المنتجة. ومهما يكن ~~أمر الأسلحة النارية المذكورة، فقد أصدر الأمراء أوامرهم بقطع أجزاء مختلفة الطول من أنابيب ~~(مواسير) رمنجتن؛ والغرض الرئيسي من ذلك تخفيف ثقل البندقية، ولم يبال الجنود بما قد يلحق ~~بالبنادق من الضرر في حالة ذلك القطع غير المنتظم. # ذكرنا في البيان السابق أن مجموع حاملي الحراب والرماح أربعة وستون ألفا، وإنه لمن ~~الواجب علينا بعد ذلك أن نقول إن ربع أولئك - على أقل تقدير - طاعنون في السن أو صغيرو ~~الأسنان؛ أي إنهم في كلتا الحالتين غير صالحين لنزول المعركة نزولا يضمن لهم الفوز. # أما المدافع الخمسة والسبعون فتشتمل على ستة من طراز كروب ذات الفوهة الواسعة القطر - ~~ولكن لا توجد جبخانة كافية للمدافع الستة السالفة الذكر - ثم ثمانية مدافع من أنواع ونماذج ~~مختلفة، ويتبقى بعد ذلك واحد وستون مدفعا نحاسية مختلفة الأشكال والأحجام على أنها تعبأ ~~جميعا بواسطة الفوهة، ومن المعروف عن ذخيرة المدافع الأخيرة أنها تصنع في أم درمان بصفة ms249 ~~خاصة وهذه «الذخيرة» من صنف رخيص غير فعال؛ بحيث لا يبعد مدى طلقة المدفع عن ستمائة أو ~~سبعمائة ياردة. # لتتأمل الآن قليلا في حدود نفوذ الخليفة، وبعد ذلك نرى أن سلطان الدراويش امتد في ~~السنوات القليلة الماضية (قبل عام 1895) من وادي حلفا إلى الجنوب الشرقي حيث أبو حمد، ثم ~~سار شرقا إلى سواكن وما جاورها (بما في ذلك طوكر وضور بركة)، واتجه بعد ذلك جنوبا (بما في ~~ذلك كسلا والقلابات والانحدارات الجنوبية الشرقية لبني شانفول وجبال جوبي)، ثم مال من تلك ~~الناحية إلى الجنوب الغربي مقابل النيل الأبيض (بما في ذلك فاشودة وبوهر والرجاف). # امتد ذلك النفوذ الدرويشي من الغرب في اتجاه جنوبي غربي داخل الصحراء الليبية الجنوبية ~~(بما في ذلك سليمة ومديريات دنقلة وكردوفان ودارفور إلى حدود واداي، ثم سار جنوبا مخترقا ~~بحر العرب ومارا بدار رنجا (بما في ذلك دار فرتيت وبحر الغزال وقسم من منطقة خط ~~الاستواء).) # بعد أن انهزم النجومي اضطر أتباع المهدي إلى الجلاء عن القسم الشمالي من مديرية دنقلة، ~~وأصبح مركز طليعة جيشهم الآن (عام 1897) في ناحية سواردا، التي تبعد ثلاثة أيام - سيرا على ~~الأقدام - عن دنقلة. وإنه ليجمل بنا أن نذكر خبر التجريدة التي تمكنت عام 1896 من إخراج ~~الدراويش من مديرية دنقلة وتأسيس حكومة ذات نفوذ مصري ممتد جنوبا لغاية مروى. # انتصر المصريون في طوكر وهندوب، فساعد ذلك القبائل الداخلية على استرجاع ما كان لها من ~~مناطق في الجهات المجاورة مباشرة لسواكن وطوكر، كما انتهى الاستيلاء على كسلا إلى امتلاك ~~الإيطاليين جميع الأقسام الواقعة شرقي كسلا، وإزاء هذا وذاك أصبح نهر عطبرة حد الخليفة ~~الشرقي في أواخر القرن التاسع عشر. # حدث تغيير ظاهر في مراكز الجنود؛ فانتقلت القوة الرئيسية التي كانت معسكرة في القلابات ~~تحت إمرة أحمد فضيل إلى جهة القضارف، ولم تبق في ثكنة القلابات سوى قوة ضئيلة، وقد انتهز ~~رؤساء مناطق بني شانفول وطور الغوري ثم كثيرون من مشايخ الجهات القريبة هذه الفرصة، فأعلنوا ~~استقلال مناطقهم. وسرت العدوى إلى الناحية ms250 الغربية القاصية، فبعد أن اعتاد رجال قبائل مسالت ~~وناما وبني حسين وجمر دفع الضرائب، ثاروا على حكومة المهدي، وأخيرا أعلنوا استقلالهم، ~~واشتركوا عقب ذلك في محالفة دفاعية هجومية مع يوسف سلطان واداي، فاعتزم الخليفة عبد الله ~~إرسال مندوبين لإحضار أولئك العصاة وإجبارهم على تقديم الطاعة والولاء له، ولكنه عدل عن ذلك ~~بعدما ظهر النفوذ الأوروبي الجديد في بحر الغزال، ووقف خاتم موسى - أحد قواد عبد الله - في ~~دائرة نفوذه دون تمكن من التقدم. # اكتفى عبد الله بإصدار تعليماته إلى خاتم - بعد أفول نجم الدراويش - بعدم التقدم إلى ~~الجنوب قبل وصول مدد جديد له من أم درمان. # الفصل السادس عشر # | ملاحظات متنوعة # أشرت في الفصل السابق إشارة عامة إلى موقف الخليفة عبد الله من القضاء والقضاة، والآن ~~أفصل قليلا ما أجملته؛ فأقول إن القضاة هناك آلات صماء في يدي سيدهم الماكر النبيه، فلم ~~يكن الخليفة يسمح لهم بالفصل في القضايا الكبرى، وكل ما يمكنهم من بحثه هو ما يختص ~~بالمنازعات العائلية وقضايا الإرث وتوزيع الأملاك وما شابه ذلك. وعلى أية حال فهم في جميع ~~أحكامهم الكبرى في القضايا الهامة كانوا ملزمين بالرجوع إلى الخليفة قبل إصدار الحكم ~~النهائي، ولا حاجة بنا إلى القول بأن الخليفة كان في كل ما يدلي به من آراء إلى أولئك ~~القضاة لا ينظر إلى شيء خلاف مصالحه الشخصية وأهوائه وأغراضه، ولكنه في الوقت نفسه كان ~~يجتهد - بما أوتيه من حذق ودهاء - من الظهور أمام الشعب بمظهر المدافع عن الحق والراغب في ~~اتباع نصوص القانون، وإذن فالقضاة أمام مهمة شاقة جدا؛ فهم من ناحية مضطرون إلى إرضاء ~~أهواء الخليفة وتنفيذ أوامره التي لا تتفق - في غالب الأحيان - مع العدالة في شيء، ومن ~~الناحية الأخرى مضطرون إلى صوغ أحكامهم في قوالب قانونية تبعث الشعب على الاعتقاد في تمسك ~~الخليفة بالحق. ومهما يكن الأمر، فإن تسعين في المائة من أحكام أولئك القضاة لم تنطبق حتى ~~على أبسط مبادئ العدالة. # أما الدين في السودان حسبما أرشدني الاختبار إلى استنتاجه - فيتمشى ms251 مع المبدأ القائل ~~«الغاية تبرر الواسطة». ومما أذكره في مدة إقامتي أن الدوائر الدينية كانت بين آن وآخر تصدر ~~إعلانات ورسائل صغيرة تحض فيها المسلمين على التقيد بأوامر الدين، وتأدية الواجبات الدينية ~~- وفي مقدمتها الصلاة - على الوجه الأتم، ثم الابتعاد عن جميع الملذات العالمية والتوجه إلى ~~عالم الخير الأعلى، ولم تكن الأوامر الدينية المذكورة قاصرة على السودان، بل تعدته إلى جميع ~~نواحي أفريقيا وبلاد العرب وبورنو ودار فلاتة ومكة والمدينة. # اعتبر الخليفة شخصه قدوة للمسلمين عموما في السودان، فكان - ما دام في صحته الكاملة - ~~يشهد الصوات الخمس يوميا؛ ليظهر أمام الناس متمسكا بأهداب الدين، مع أنه في الواقع كان ~~أبعد المسلمين عن التمسك بأوامر الدين؛ ففي جميع السنوات التي كنت فيها على اتصال وثيق ~~جدا بالخليفة لم أشاهده على الإطلاق يصلي إلى ربه في داره الخاصة، ولم أسمعه يكرر - ولو ~~بصوت خافت - بعض التعاليم الدينية التي يعرفها المسلمون جميعا، سواء أكانوا ممن يقرءون ~~ويكتبون أم من الجاهلين. # لم يكن ادعاء عبد الله التقوى من الإحكام بحيث يصدقه البعيدون عنه؛ لأنه رغم ظهوره بالتقى ~~كان لا يتردد في إصدار أمره بإلغاء حفلة دينية وعدم تأدية فرض مذكور، إذا كان في تأدية ~~الفرض ما يحول دون تحقيق غرض أو طمع من أطماعه الشخصية. وهنا نعود فنقول إن الخليفة كان ~~يتذرع في مثل هذه التعديات بالقضاة حتى يجيء الإلغاء من الجانب القانوني، وفي ذلك الموقف ~~الحرج لا يتردد القضاة في إعلان أن ذلك الإلغاء لازم في سبيل الاحتفاظ بالدين في حالة خاصة، ~~فإذا ما صدرت تلك الفتوى ارتاح الخليفة واطمأن، إلا أن القضاة في بعض الأحايين يقفون من ~~أطماع الخليفة أمام حالات لا يستطيعون معها بحال من الأحوال أن يصدروا أمر الإلغاء؛ وإذن ~~يضطرون إلى التمويه فيدعون بأن الإلهام الديني أمرهم بالقيام بهذا العمل الشاذ لحكمة قد ~~تغيب عن أذهان البشر. # اعتاد الخليفة عبد الله مخاطبة أتباعه من منصة المنبر في المسجد الكبير، ولكن بما أن عبد ~~الله يجهل الفقه الديني الإسلامي ويعرف ms252 الشيء القليل من قواعد الدين وأصوله، فإن مدى خطبه ~~الدينية محدودة، وبمعنى آخر لا يتعدى تلاوة جمل كتبها له أحد سكرتيريه. # ألغى عبد الله عادة الحج إلى مكة واستعوض عنها بدعوة المسلمين إلى الحج لقبر المهدي ممثل ~~النبي الكبير. وأنا على الرغم من مشاهدة كراهية السودانيين لهذه البدعة الجديدة نراهم ~~مضطرين إلى الرضوخ لأمر عبد الله. وما زال أولئك السودانيون على نظامهم الجديد حتى أصبحوا ~~الآن (عام 1897) ساعين من غير قصد إلى تحقيق رغبة عبد الله، راغبين في الحج دائما إلى قبر ~~المهدي. وقد ذهب بهم حبهم في التقليد الجديد إلى حد أنهم يسخرون ممن لا يوافقهم في طريقة ~~الحج هذه. وإنه لمن النزاهة والعدل أن تقول بأن السودانيين في تشبثهم هذا لا يعبرون عن ~~عقيدة ثابتة، بل يرمون إلى تحقيق رغبة مولاهم عبد الله. # أما فيما يختص بالتعليم والأوامر الدينية، فمن الحق أن نقول إنهما في حيز العدم من الوجهة ~~العملية الواقعية، وكل ما في الأمر أن بعض الأولاد والبنات يتلقون معا آيات قرآنية وبعض ~~جمل من الحديث المقدس لدى المسلمين، ويكون ذلك الإلقاء بواسطة شيوخ دينيين في معاهد صغيرة ~~مجاورة للمسجد. ولئن قلنا إن الشيوخ يلقون الآيات على أولئك الصغار، فإنا لا ننسى بأن نذكر ~~إلى جانب ذلك أن الذي يحفظ من الآيات قسم صغير، والمتبع في زمن الخليفة عبد الله أن يرسل ~~عدد قليل من أولئك الأولاد إلى بيت المال بعد إتمام دراستهم الأولية في المساجد، فإذا ما ~~ساروا إلى ذلك البيت أصبحوا تلاميذ تحت التمرين لموظفي الحكومة الأقدمين، وهناك يتعلمون ~~مقدارا محدودا من المراسلات الكتابية العامة. # نتدرج الآن إلى التجارة في السودان، فنقول بأن ذلك العهد الذي كان زاهرا، والذي امتدت ~~فيه الطرق التجارية في السودان، قد اضمحل فأصبحت الطرق - التي كانت تجتازها القوافل الكثيرة ~~العدد - شبيهة بالصحراء المقفرة؛ حيث محت الرمال المكومة معالمها أو حلت بقايا جذور النبات ~~في بعض نواحيها. وفي صدد ما نذكره يحسن بنا أن نضع بيانا للطرق التجارية الرئيسية الأربع: # أولا: ms253 # الطريق الأربعينية من دارفور إلى أسيوط أو من كردوفان عن طريق بيوضة ~~الصحراوية إلى دنقلة ووادي حلفا. # ثانيا: # الطريق من الخرطوم إلى أسوان من ناحية بربر إلى كروسكو عن طريق أبي ~~حمد. # ثالثا: # الطريق من الخرطوم إلى سواكن من ناحية بربر أو كسلا. # رابعا: # الطريق من القلابات للقضارف فكسلا فمصوع. أما الطريق الحالية (عام 1897) ~~التي تجتازها جمال القوافل، فمن بربر إلى أسوان وسواكن. # بعد أن تم الاستيلاء على الخرطوم، جلب التجار السودانيون إلى أسوان مقادير كبرى من الحلي ~~الذهبية والفضية، وما زال التجار في عملية النهب والتصدير إلى جهات خارجة من السودان، حتى ~~اضطر الخليفة إلى إصدار أوامره المشددة للتجار بعدم حمل ذهب أو فضة معهم إلى مصر مهما كان ~~يعوزهم الإنفاق، وكل ما سمح به الخليفة لأولئك التجار الخارجين عن السودان هو مقدار من ~~المال يعينه بيت المال؛ حتى لا تضيع حلي الشعب السوداني وكنوزه في سبيل إنفاق غير مشروع في ~~نظر الخليفة. ولم يكتف عبد الله بتحديد مقدار ما يأخذه التجار معهم بأمر بيت المال، بل جعل ~~العملة التي يحملونها من الطراز القديم على أن تحدد قيمتها في جواز سفر التاجر. # أدت القيود والتشديدات التي أجراها الخليفة عبد الله مع التجار إلى تضاؤل شأن التجارة بين ~~السودانيين، ولكن ذلك لم يستمر طويلا، فانتعشت التجارة ونهضت بعد كسادها، فعادت إلى ~~السودان حياته بتبادل أصناف تجارته الرئيسية كالصمغ وريش النعام والتمر الهندي وأوراق نبات ~~السنامكي وما شاكل ذلك. وقد كانت العادة المتبعة في هذا التبادل التجاري جمع هذه الأصناف في ~~بيت المال إلى جانب ما فيه من العاج المخزون، على أن تقدم جميعها للبيع في سوق المزاد ~~العلني تبعا للسعر المحلي. ولكن بما أن الأصناف المذكورة تستورد من جهات السودان الغربية ~~التي أصابت أهلها الحروب الداخلية والفاقة والأمراض، فمن المعقول فهمه أن مقدار المستورد ~~يقل بقلة عدد السكان المنتجين. # لا شك في أن الصمغ السوداني احتكار لسكانه، وهذا الصنف يختلف في أثمانه باختلاف أنواعه ~~المتعددة، وإنما نذكر ذلك لندل به ms254 على فائدته في المبادلة، علما بأن التبادل التجاري بين ~~مصر والسودان لا يتم بالمال، بل بالبضائع. والذي نعرفه عن المصريين أنهم يقدمون بدل ما ~~يأخذونه من السودان بضائع جاهزة من مانشستر؛ لأن الحاجة إليها في السودان كبيرة ~~جدا. # في حالة التعامل بالنقد في السودان يشتري بيت المال أي صنف تجاري بعشرين ريالا من ~~العملة الجديدة مثلا، فيبيعه للشاري السوداني بثلاثين ريالا؛ حتى يبقى المكسب في بيت ~~المال. وعندما تتم المبايعة بين الطرفين الرسمي والشعبي في السودان، يسمح رجال الخليفة ~~لأولئك التجار السودانيين بالسفر إلى مصر لبيع تجارتهم، وقبل سفرهم توضع بضائعهم في موازين ~~الشحن لتقدير ثقلها بالضبط وفرض ضريبة خاصة عليها بعد ذلك، هي في الغالب ريال على ما زنته ~~قنطار، فإذا رغب التاجر شحن تجارته إلى سواكن أو أسوان، اضطر إلى دفع ريال آخر على كل مائة ~~رطل، ولكن الريال في هذه الدفعة يكون من العملة الجديدة؛ وإذن قد أصبحت الضريبة الإضافية ~~سدس الثمن الأصلي. # يرد العاج إلى السودان من أقاليم خط الاستواء بكميات كبرى مرة واحدة كل عام، وفي الغالب ~~تمر تجارته بسواكن، وبما أن المناطق المذكورة خارجة أو تخرج تباعا عن دوائر نفوذ المهدي، ~~فقد كان من الظاهر جدا لدى عبد الله أن الكميات المذكورة تتناقص في السنوات التي ~~تعقبه. # أما ناب الفيل فلم تكن الدوائر الحكومية لتظفر به كثيرا؛ لأن الوارد منه قليل يجلبه بيت ~~المال من مناطق دارفور الجنوبية، ومن الحق أن نقول بأن الدراويش - ما لم يعودوا إلى احتلال ~~بحر الغزال بالقوة مرة أخرى - لا يستطيعون الاحتفاظ بتجارة العاج احتفاظا يضمن لهم مقدارا ~~مذكورا من الثراء. # لا يستطيع السودان جلب البضائع من مصر إلا عن طريقين؛ هما أسوان وسواكن. وقد كانت الحكومة ~~السودانية فيما سبق تجلب مقدارا من تجارتها القادمة من مصر أو ما جاورها عن طريق سواكن إلى ~~كسلا أو من كسلا إلى مصوع، ولكن حال دون استعمال ذينك الطريقين احتلال السودان الشرقي ~~بواسطة الإيطاليين، فليست البضائع المستوردة سوى أصناف من قيمة مالية ms255 طفيفة، وتتكون في ~~غالبيتها من مواد خاصة بجلابيب النساء وجبب الرجال. ومهما يكن الأمر، فإن ذلك شيء غير ~~جوهري لدى سكان السودان، الذين اعتادوا التعلق بكل ما له رونق خارجي زاه وما فيه ~~التزاويق الكثيرة، بغض النظر عن تناسب ذلك مع الذوق السليم وبدون اهتمام بالقماش المتين. ~~وفي الحق يكاد يكون من العسير جدا أو من المستحيل وجود مشترين من طبقة عالية أو متوسطة في ~~نواحي السودان. # بين الأصناف المستوردة إلى السودان، الروائح العطرية من جميع الأصناف؛ كزيت خشب الصندل، ~~والقرنفل، والحبوب ذوات الرائحة الطيبة. والسبب في استيراد ذلك النوع التجاري بكثرة هو ~~استحسان السودانيات إياه. ولئن كنا أشرنا أخيرا إلى عدم رواج البضائع الغالية القيمة بين ~~أهل السودان، فإن ذلك لا يمنعنا من القول إن السكر والأرز والأنواع العادية من الحلوى ~~والفواكه المجففة تجد جميعها شارين بين أكثر السودانيات ثراء. وقد يجمل بنا أن نذكر في صدد ~~التجارة أوامر الحكومة المصرية سابقا بمنع الحديد والقصدير والنحاس بنوعيه الأصفر والأحمر ~~من دخول السودان، حتى أصبح عسيرا على الأوروبي في عام 1897 أن يحصل على مقص أو موسى لحلق ~~الذقن. وقد كان من جراء هذا المنع ارتفاع أسعار أواني الطبخ النحاسية إلى حد كبير من ~~الغلاء ؛ لأنه علاوة على منع التصدير استولت الثكنات العسكرية على النحاس القديم القابل ~~للتصليح، فاستخدمته في صنع الخراطيش للبنادق؛ وإذن اضطر السودانيون المعوزون إلى الاستعاضة ~~عن الأواني النحاسية بأوان خزفية في تحضير الطعام. # كان مفروضا على صاحب كل تجارة واردة للسودان أن يدفع ضريبة عبارة عن عشر قيمة الوارد، ~~وقد ألزمت الحكومة أصحاب التجارة المستوردة بدفع الضريبة إما نقدا وإما بضاعة مبادلة. وقد ~~كانت الضريبة تؤخذ أكثر من مرة على طول طريق القافلة، فإذا ما وصلت التجارة إلى أم درمان، ~~أخذت إلى بيت المال ووضع عليها ختم الحكومة، ومن ذلك الوقت تجبي الحكومة عشرا جديدا؛ وإذن ~~وقف التجار أمام ضرائب ثقيلة متعددة، كما التزموا تقديم ما يشبه الرشوة إلى رؤساء أماكن ~~الحكومة السودانية التجارية في المحطات ms256 المختلفة؛ أي إن التاجر كان يدفع من جديد ما يقرب من ~~نصف ثمن البضاعة الذي دفعه أولا للبائع، وهم إزاء ذلك مجبورون على رفع قيم البضائع. وعلى ~~الرغم من ذلك كله، تجد مكاسبهم في النهاية قليلة بالنسبة لغيرهم من التجار في مختلف الجهات ~~المجاورة للسودان. # إن كثيرين من التجار الأغنياء في السودان نزحوا إلى مصر وغرضهم الأول ليس جلب التجارة ~~منها أو بيع تجارة لها، ولكنهم رموا قبل كل اعتبار آخر إلى التخلص من جو السودان بضعة شهور ~~يكونون فيها بعيدين عن سلطان الخليفة الشديد، فإن كل الذين قاسوا الأمرين من ظلم هذا ~~الحاكم، لم يجدوا وسيلة للحصول على جواز يهربون به من السودان سوى التجارة؛ فلم يكن مسموحا ~~للحكومة السودانية أن تعترض أي راغب في بيع أو جلب تجارة للخارج أو منه. # كان الكثيرون من التجار مقيدين بأسرهم وزوجاتهم وببنيهم، ولا يخالجني أي شك أو ريبة في ~~أنهم لو كانوا خالصين من تلك القيود لما رجعوا مطلقا إلى السودان، ولفضلوا العيش في مكان ~~هادئ كمصر - خارج وطنهم الأصلي - عن البقاء تحت نير العسف الشديد والاستبداد المطلق في ~~السودان. # لئن أصيبت التجارة بكساد عظيم في السودان، فثم تجارة لقيت الرواج الكبير والتأييد الكلي ~~من جانب المهدي والخليفة عبد الله؛ وأعني بذلك تجارة الرقيق. وبما أن تصدير العبيد إلى مصر ~~لبيعهم أصبح أمرا محظورا ومعاقبا عليه، فالخليفة بطبيعة الحال معني بتوسيع تلك التجارة ~~في جميع المديريات والنواحي الداخلية في دائرة نفوذه، ولم يغب عن خاطر الخليفة - بعد منع ~~تصدير العبيد - أن يحول دون استئثار مشيريه بالأمر على حسابه. # كان من المستحيل بطبيعة الحال - رغم صدور الأوامر المشددة من حكومة مصر بمنع تصدير الرقيق ~~- أن يحول الخليفة عبد الله دون تجارة الرقيق في مصر وبلاد العرب، ولكن القوافل التي كانت ~~فيما مضى تقل المقادير الوافرة من عبيد السودان قد وقفت وقوفا يكاد يكون كليا. # كان في السنوات التي بين 1890 و1897 يرسل العدد الكبير من عبيد الحبشة بواسطة أبي النجا، ~~ومن فاشودة ms257 بواسطة زكي طومال، ومثل ذينك المقدارين كان يرسله عثمان واد آدم من دارفور وجبال ~~النوبة، وكان أولئك المرسلون إلى السودان يباعون علنا في سوق المزاد العلني، على أن تودع ~~أثمانهم في بيت المال أو في خزانة الخليفة الخاصة. وبمثل الشدة والقسوة التي كان يعامل ~~أولئك الرقيق أثناء شرائهم كانوا يعاملون وقت تسفيرهم إلى الجهات. # عرف الجميع عن أبي النجا أنه استولى في بلاد الحبشة على الآلاف من المسيحيين لبيعهم في ~~سوق الرقيق في السودان، وكان أغلب أولئك من النساء والأولاد، وقد بلغت القسوة بأبي النجا ~~ورجاله مبلغا دعتهم لسوق أولئك بالسياط أثناء مسيرهم على الأقدام من بلاد الحبشة إلى أم ~~درمان. فإذا ما ذكرنا أنهم كانوا يؤخذون قهرا من عائلاتهم، ويحرمون من الطعام الكافي لسد ~~رمقهم في هذه المسافة الطويلة، ويسيرون على أقدامهم العارية؛ عرفنا أنهم كانوا أشبه بقطيع ~~من الأغنام؛ فليس بدعا أن يعرف القراء أن العدد الأكبر من أولئك العبيد كانوا يهلكون جوعا ~~أو مرضا قبل الوصول إلى أم درمان، وأن الباقين منهم - أثناء وصول أبي النجا بهم إلى أم ~~درمان - كانوا في حالة سيئة ضعيفة يتعذر معها وجود الشارين، وإزاء ذلك كان الخليفة في كثير ~~من الأحيان يتبرع بعدد من أولئك العبيد لبعض أخصائه . # بعد أن هزمت قبيلة الشلوك، سعى زكي طومال في الاستفادة من ضعف رجالها ونسائها، فحمل العدد ~~الكثير من صنادل كانت معدة لنقل رجاله الحربيين، ونقلهم إلى سيدي عبد الله في أم درمان. وقد ~~سمعنا في تلك الأثناء الشيء الكثير عن اختناق المئات من جراء ازدحام الصنادل البحرية بهم، ~~فإذا ما وفق الباقون للحياة أخذ الخليفة بعض صغار السن منهم لضمهم إلى حرسه الخاص بصفة ~~احتياطي، أما النساء فكن يبعن مع الأولاد في سوق المزاد العلني، الذي كان يستغرق عادة بضعة ~~أيام في أم درمان. # كان أولئك المنكودو الحظ يجلسون في غالب الأحيان عراة خاوي البطون أمام بيت المال، فإذا ~~ما قدر لبعضهم أن يسدوا رمقهم أعطاهم عمال الخليفة أعوادا قليلة من الذرة دون ms258 تسوية، فكان ~~من الطبيعي أن يصاب المئات منهم بالمرض، مما يعرضهم إلى عدم عناية أسيادهم الشارين بهم وقت ~~العرض. # في كثير من الأحيان كان يبلغ الضجر والتعب بعشرات أولئك التعساء حدا يفضلون معه إلقاء ~~أجسامهم في ماء النيل؛ حتى يريحوا أجسامهم العارية وبطونهم الخاوية من عذاب لا يعرفون مداه، ~~فكانوا يموتون هناك، وبما أنه لم يوجد من يعنى بإخراج جثتهم، فإن النتيجة المنطقية هي ~~اكتساح الجثث بقوة التيار إلى الشاطئ، فإذا ما ظهرت جثة ألقيت خارج الشاطئ، مما يدعو إلى ~~نشر رائحة كريهة في الجهات المجاورة. # هذا فيما يختص بالقريبين من شاطئ النيل. أما الذين كتب عليهم الشقاء الأكبر، فكانوا ~~يدفعون في الصحراء، حيث لا ماء ولا زرع على طول الطريق بين دارفور وأم درمان. وقد كان أولئك ~~البائسون تحت إمرة رجال غلاظ القلوب، يدفعونهم إلى أم درمان نهارا وليلا دون المن عليهم ~~بشيء، ولو قليل جدا من الراحة. وقد أكون عاجزا الآن عن وصف ما يرتكبه أولئك الرجال ~~المتوحشون المفترسون أثناء سيرهم بالنساء إلى سوق العبيد في أم درمان. # كان من عادة أولئك المتوحشين الهمج أن يقطعوا آذان من يعجز من الأولاد أو الرجال أو ~~النساء عن السير إلى أم درمان بمناسبة ما نزل بهم من الكلال، ليقدموا الآذان المقطوعة ~~للخليفة علامة على مقدار من ماتوا من سباياهم وسط الطريق. وقد أخبرني أحد أصدقائي أنه شاهد ~~في مرة من المرار إحدى النساء مقطوعة الأذنين ولكنها لم تكن قد فارقت الحياة بعد، فدب دبيب ~~الشفقة في قلبه فأحضرها إلى الفاشر، وبعد أيام من الله عليها بالشفاء، في حين أن أذنيها ~~قدمتا إلى الخليفة دليلا على موتها. # وقف تيار القوافل المملوءة بالعبيد إلى أم درمان؛ لأن القسم الأكبر من الأجزاء الموردة ~~للعبيد، كدارفور، قد هجرها ساكنوها. وفي أحيان أخرى كان يقدم رجال القبائل، كقبيلتي تاما ~~ومسالت، فروض الخضوع إلى الخليفة ليعفيهم من خطر الأسر. ومع ذلك استمر لغاية عام 1895 ورود ~~الكثيرين من الرقيق الأسود من الرجاف، إلا أن بعد المسافة ms259 بينهما وبين أم درمان كان يحول ~~دون وصول الكثيرين أحياء إلى بيت المال. # اضطر الخليفة عام 1896 - حيال نقص أو انعدام المأسورين من الرقيق الأسود في القلابات ~~وكردوفان ودارفور - إلى إصدار أوامره للأمراء التابعين له ببيع ما يصل إلى أيديهم من العبيد ~~لزعماء القبائل المتجولين؛ بحيث يضطر كل من أولئك الزعماء إلى كتابة ورقة يذكر فيها اسم ~~العبد ومقدار ما دفعه للأمير ثمنا له. وقد كان يسمح لهم الخليفة بإعادة بيع من اشتروهم من ~~العبيد بالطريقة ذاتها. # لا ريب في أن بيع الرقيق في أم درمان ذاتها يجري يوميا، ولكن من المحرم رسميا الآن ~~(1897) بيع رقيق الجهات والقوافل؛ والسبب في السماح ببيع النوع الأول هو اعتبارهم ملك ~~الخليفة وحكرا له، على أن جميعهم أو أغلبهم كانوا يعتبرون ضمن الجنود. وإذا سلمنا بأن ~~شخصا خارج أم درمان جلب معه سرا أحد العبيد السذج، فقد كان من الميسور أن يبيعه بيعا ~~اسميا لبيت المال على أن يورده إلى صفوف الجند مقابل قيمة مالية لمن جلب العبيد، وذلك في ~~حالة تمتع الرقيق بالصحة، أما إذا كان الأخير غير لائق للخدمة فيبقى في دائرة نفوذ سيده على ~~أن يعمل في أراضيه الخاصة. # أما فيما يختص ببيع النساء والأولاد، فأمر مسموح به في أيه ناحية من نواحي السودان، بشرط ~~أن يمضي على ورقة البيع اثنان من الشهود، ويحسن أن يكون أحد الاثنين قاضيا، وفي تلك الورقة ~~يقر الاثنان بأن المرأة التي بيعت حق مكتسب للسيد السوداني الذي اشترى. والسبب في تنفيذ ~~ذلك العمل والسماح به هو أن كثيرا من العبيد كانوا يهربون من بيوت ساداتهم، فيمسكهم آخرون ~~ويبيعونهم لغير ساداتهم الأولين؛ مما أدى إلى انتشار فكرة سرقة العبيد في أم درمان. وكان ~~أولئك العبيد في كثير من الأحيان يؤخذون بواسطة أشخاص ظاهرين لضمهم إلى منازلهم، أو كان ~~يغريهم أولئك بترك الحقول والأراضي التي يعملون فيها، وبعد ذلك كانوا يقيدون بالسلاسل ~~لترحيلهم إلى جهات نائية؛ حيث يتم بيعهم بأثمان بخسة جدا. # تنص الشريعة الإسلامية على عدم ms260 الاعتراف بشهادة العبيد الذين تتم المساومة على بيعهم في ~~سوق الرقيق، فكان أولئك البائسون واقفين على حقيقة حالتهم المزرية، فإذا علمنا بأن بعضهم ~~عوملوا من أسيادهم معاملة حسنة، فإن ذلك لم يكن ليرضي الرقيق على وجه عام. # أنشأ الخليفة في أم درمان ذاتها في ساحة فسيحة على مسافة قريبة من الجنوب الشرقي لبيت ~~المال بيتا عاديا مبنيا بالطوب، وتعرف الساحة المحيطة بهذا البيت بسوق الرقيق. وقد كنت ~~في كثير من الأحيان أدعي بأني أرغب في شراء أو استبدال بعض الرقيق، وبهذه الحجة وحدها كان ~~يسمح لي الخليفة بالتوجه إلى سوق الرقيق، فسنحت لي بذلك فرص متعددة للوقوف بنفسي على كيفية ~~إجراء عملية المساومة. # في تلك السوق كان يقف الاختصاصيون بتلك التجارة لبيع ما لديهم من سلع بشرية؛ بحيث يقف حول ~~سور البيت الطيني عدد كبير من النساء والأولاد ويجلس البعض الآخر، فهناك ترى العاجز ~~والعارية والمزخرفة والمسرورة. وبطبيعة الحال أسعد المذكورات حظا هن المحظيات اللاتي يبعن ~~بثمن طيب. وبما أن تجارة الرقيق أمر جائز ومشروع جدا في السودان، فمن حق الباعة والشارين ~~أن يفحصوا رقيقهم فحصا دقيقا من هامة الرأس إلى باطن القدم بدون أقل تقيد، كما لو كان هذا ~~الرقيق من طبقة الحيوانات الدنيئة. # فكان الشاري يفتح فم المرأة ليرى حال أسنانها وأضراسها، ثم يأمر البائع برفع ما عليها من ~~غطاء في النصف الأعلى من جسمها ليفحصها الفحص الدقيق، ويعنى في ذلك عناية خاصة بتفحص ~~ذراعيها، وبعد ذلك يطلب الشاري من المبيعة أن تمشي إلى الأمام أو الخلف بضع خطوات ليتعرف ~~كيفية مشيها، ثم تلقى بعض أسئلة من الشارين على النساء والأولاد للوقوف على مقدار ما ~~يعلمونه ويعلمنه من اللغة العربية، وفي الحق يظل كل من أفراد الرقيق خاضعا لرحمة الشاري ~~في كل ما يلقيه عليه من أسئلته. # ذكرنا قبلا أن بين الرقيق نسوة يسمين بالمحظيات، فنعود إلى القول بأن أثمانهن تختلف ~~اختلافا كبيرا، وهذا لا يمنع دخولهن في دائرة الأسئلة العامة الموجهة للرقيق، فإن ذلك أمر ~~عادي جدا، ms261 ولم يكن يخطر في بال واحدة منهن أن تعترض على طريقة البيع المذكور، رغم ما ~~فيها من شدة في كثير من الأحيان، وكل ما في الأمر أن بعض النساء أو البنات يشعرن بأنهن لدى ~~أسعارهن في كثير من الأحيان أفضل مركزا من الرقيق؛ وبعبارة أخرى، يجدن أنفسهن خادمات. وقد ~~يذهب بالواحدة حظها السعيد إلى درجة تشعر معها أن مركزها لدى سيدها كمركز أفراد الأسرة التي ~~تخدمها، بعد أن كانت في حالة سيئة عند سيدها الأول الذي كان يعاملها معاملة وحشية قاسية. ~~وبعد أن ينتهي الشاري من استقصاءاته يتساوم مع البائع فيسأله عن ثمنها، ثم يردف هذا السؤال ~~بالاستفسار عن امرأة أحسن من التي أمامه ليبيعها له. وقد كان الشاري في كثير من الأحايين ~~يشكو للبائع عدم تمتع المبيعة له بجمال كاف وعدم ظهور مخايل الحسن على جسدها بوجه عام، ~~كما كان يشكو أحيانا من جهلها اللغة العربية جهلا تاما، إلى غير ذلك من الشكاوى التي لم ~~يكن يقصد منها سوى تخفيض ثمن السعة الآدمية التي تباع له. بينما نرى البائع من الناحية ~~الأخرى باذلا أقصى ما في وسعه لإظهار محاسن تلك المرأة المنكودة الحظ، والإطناب في جمال ~~أخلاقها مما لا داعي إلى تفصيله في هذا المقام. # هناك نقائص في المرأة أو البنت أو الولد تضطر البائع إلى تخفيض الثمن، وفي مقدمة النقائص ~~المذكورة الغطيط والسرقة والكذب. ومهما يكن أمر البيع فالذي نعرفه أنه عند الانتهاء من ~~المساومة والوصول إلى اتفاق، يخرج البائع ورقة يوقع عليها هو والشاري الذي يدفع الثمن في ~~الساعة التي أصبح فيها سيدا للسلعة البشرية التي اشتراها، وكان الدفع دائما بالعملة ~~المحلية السودانية - عملة الريالات الجديدة - ويمكن على وجه الإجمال تقدير الثمن بما ~~يأتي: # كان ثمن العبد العامل الكبير السن يترواح بين خمسين وثمانين ريالا، وثمن المرأة المتوسطة ~~العمر بين ثمانين ومائة وعشرين ريالا، أما البنت ما بين الثامنة والحادية عشرة من عمرها ~~فكان يقدر ثمنها تبعا لمنظرها، وهو على وجه عام بين مائة وعشرة ريالات ومائة ms262 وستين ~~ريالا. ويجدر بنا أن نشير إلى أن الأثمان الأخيرة ذاتها تختلف باختلاف سعر السوق أو ~~باختلاف الطلب لفئة خاصة من الرقيق. # لا توجد من الوجهة العملية صناعات خاصة في السودان، ومع استثناء المواد التي ذكرتها في ~~الصحائف السابقة، لا تجد بضائع مصدرة من السودان. # كان فيما مضى (قبل عام 1817) يرسل العمل المزركش بالذهب أو الفضة إلى مصر، ولكن بعد أن قل ~~ورود ذينك المعدنين النفيسين - بتضاؤل الأيدي العاملة من الرقيق - وبعد أن أصدر المهدي ~~أوامره المشددة ضد لبس الجواهر والحلي؛ نقص أو وقف التصدير للنواحي المجاورة عامة، ولمصر ~~خاصة. ومع ذلك لدى السودانيين تجارة رابحة في الحراب الطويلة والقصيرة والحدايد المستعملة ~~لسروج الخيول والحمير والمدى القصيرة التي توضع على الأذرع، هذا إلى ما اكتسبه السودانيون ~~من بيع الآلات الزراعية. ولم يكتف السودانيون بذلك، بل اشتركوا في عمل السروج الخشبية ~~للخيول والجمال والبغال، وصنع «العنجريب» والصناديق الخشبية لشحن الملابس، ثم إعداد ~~الأبواب والشبابيك والغرف البسيطة. # كان السودانيون في السنين السابقة لانقضاء القرن التاسع عشر يعملون عملا جديا في بناء ~~المراكب، ولكن حال دون الاستمرار في ذلك العمل المنتج تدخل الخليفة ومصادرته جميع المراكب ~~الموجودة في النيل، ومع ذلك نهضت هذه الصناعة قليلا عام 1896 بعد أن أذن الخليفة بتسيير ~~المراكب . ومهما يكن الأمر، فإن الرغبة في بناء السفن قد ضعفت ضعفا كبيرا بعد أن فرض بيت ~~المال الضرائب الثقيلة على كل مركب جديد. # من الصناعات التي عني بها السودانيون؛ عمل الأحذية الصفراء والحمراء، والسروج المختلفة ~~الأنواع، والأحجبة الجلدية لصغار الأولاد والبنات، وأعمال السيوف وقرابات المدى. أما ~~الكرابيج فتصنع بمقادير وافرة جدا من جلد فرس البحر. # علينا ألا ننسى زراعة القطن وتجارته في السنين الأخيرة في القرن التاسع عشر في السودان، ~~فقد كان مصرحا لكل امرأة أو بنت أن تغزل لحسابها الخاص، وإلى جانب هذا العمل الخاص وجدت في ~~كل قرية أماكن صغيرة للغازلات اللاتي يقمن بمختلف أنواع النسيج. أما أرض الجزيرة ففيها ~~ناسجات وناسجون لأنواع مختلفة من الملابس القطنية كالأثواب ms263 والدمور والجنجس، التي يبلغ طول ~~كل قطعة جزئية منها عشر ياردات، فإذا ما تم نسج الأقمشة المذكورة، جلبها أصحاب المحال ~~الصغيرة إلى الأسواق بكميات كبيرة على أن يشتريها أفراد الطبقة العامية من رجال ونساء. ولا ~~شك في أن أعلى نوع من الغزل ينسج في مديرية بربر، ففي تلك الناحية تنسج النساء أغطية ~~وجلاليب من الحرير الملون، ويغزلن قطعا حريرية تستعمل كعمائم للأغنياء، وبعض الأحزمة التي ~~يلفها لابسو العمائم الأغنياء فوق كساواتهم الحريرية القطنية. وفي هذا الصدد نذكر الشيلان ~~الحريرية التي تروج في مختلف الأنحاء رواجا عظيما. # تقوم مديرية دنقلة بمقدار كبير من نسيج القطن، ولكن هذه الدائرة مشهورة شهرة خاصة بصنع ~~أغطية قلوع المراكب. وإنه لواجب علينا في صدد تقرير الحق أن نشهد لرجال كردوفان بمتانة ~~نسيجهم، بغض النظر عن بعد ما يصنعونه عن الجمال في المنظر. # إلى جانب غزل القطن، تجد النساء والبنات عملا آخر رابحا؛ هو ضفر الحصر من جميع الأشكال ~~والحجوم من أوراق شجر الدوم، التي تباع بكثرة في جميع نواحي السودان. ولا مشاحة في أن أمتن ~~نوع من هذه الحصر هو الذي يضفر من الخيوط الضيقة من الأوراق المذكورة ومن قش الشعير والقطع ~~الجلدية الرفيعة. ولا تستعمل الحصر المذكورة في فرش الغرف فحسب، بل تحت أطباق الأكل أيضا؛ ~~بحيث تكون الحصيرة في السودان غطاء للمائدة بدلا من أغطية القماش المستعملة في ~~الغرب. # وقد تبلغ جودة عمل الحصر حدا ترسل معه مقادير كبيرة إلى مصر كتحف وطرائف للأوروبيين ~~الذين يقصدون القطر المصري في شهور الشتاء. # إن نساء دارفور على مهارة خاصة في صنع الحصر المذكورة، التي توضع بين ثناياها بعض الخرزات ~~الزجاجية؛ مما يؤدي إلى اكتسابها رونقا جميلا جدا. ~~••• # اجتهدت في الصحائف السابقة أن أصور للقارئ حياة الخليفة العامة وشئون السودان في عهده، ~~ولكن ذلك التصوير لا يأخذ شكله الدقيق بدون الإشارة إلى حالة السودانيين الخلقية، فأقول إن ~~المهدي سعى جهده في ترك التعاليم والعوائد الدينية الرئيسية، وإنشاء نظم دينية جديدة؛ فبث ~~أوامره في صنوف الشعب، ودعا ms264 ذلك بطبيعة الحال إلى إفساد الأخلاق؛ لأن الناس اضطروا في ~~الظاهر إلى مجاراة المهدي، بينا هم في الواقع متمسكون بتعاليم الدين الأصلية. وفي هذا ~~الاختلاف بين ما يعتقده المرء وما يدعي أمام الخليفة لاحترامه إغراء على الكذب، وهذا ~~الإغراء الجزئي ينتهي إلى شر خلقي مستطير. وعلينا أن نذكر بأن الناس خافوا بطش الخليفة من ~~ناحية، وتمسكوا بمصالحم وشهواتهم من الناحية الأخرى؛ فدعا ذلك إلى فساد خلقي عظيم لا أستطيع ~~وصفه للقراء. ومهما يكن الأمر، فقد كان أغلب سكان السودان غير مرتاحين إلى الحالة العامة في ~~السودان عامة وفي أم درمان - حيث يقيم عبد الله - خاصة؛ لأنهم أشفقوا على حرياتهم الشخصية ~~من تعسف رجال الخليفة عبد الله، ففضلوا حينذاك الانصراف إلى أهوائهم وملذاتهم والإسراف فيها ~~بقدر ما تسمح لهم أجسامهم. # نستطرد الآن إلى نقطة حيوية هامة؛ وهي عدم وجود حياة اجتماعية أو تبادل بين النفوس، فكان ~~الحل الوحيد الذي أجمع عليه السودانيون أمرهم هو الإغراق في بحار الشهوات، والميل إلى حب ~~النساء حبا بهيميا لا ينتهي عند حد، ففكر حينئذ كل سوداني في الحصول على أقصى عدد ~~من النساء كزوجات له إلى جانب محظياته وسراريه، فكان الخليفة - من هذه الناحية - مشجعا ~~لرعاياه على السير في طريق اللذة المفسدة. ومن دلائل ذلك التشجيع أنه أمر بتخفيض مصاريف ~~الزواج الرسمية تخفيضا ظاهرا؛ فبعد أن كان صداق البنت عشرة ريالات أصبح خمسة، وصار صداق ~~الأرملة أقل من ذلك، ومعه لباس عادي وحذاءان وبعض روائح عطرية. # إذا رغب سوداني في الاقتران ببنت وجب على والدها أو ولي أمرها أن يعلن مصادقته، وفي ~~العادة لا يحول دون هذا القبول سوى مانع قوي جدا. وعلى أية حال فالآباء وأولياء الأمور ~~مسئولون دائما عن زواج بناتهم أو من يتولون رعايتهن؛ بحيث يصبحن زوجات متى بلغن عمرا ~~مناسبا. # ذكرنا قبلا إغراق السوداني في لذته؛ وإذن لا عجب أن نرى بأن حصول السوداني على أربع ~~زوجات - وهو أقصى ما صرح به القرآن من عدد للزوج - أمر عادي جدا، حتى إن ms265 السوداني في ~~ذلك الحين عد الحصول على الزوجة حصولا على متاع بسيط. هذا إلى أن السودانيات كن يرغبن رغبة ~~شديدة في هذا الزواج؛ إما للحصول على بعض ملابس وكمية صغيرة من المال، وإما للرغبة في نظام ~~جديد من الحياة لم يكن يعرفنه في منازل آبائهن وأولياء أمورهن. وفي الوقت ذاته كن على ~~علم بأنهن - تبعا لنصوص الشريعة - يستطعن الانفصال عن أزواجهن بدون عناء كبير. # في حالة الطلاق تستبقي السودانية صداقها إلا في حالة واحدة؛ هي كراهيتها لزوجها، فيتحتم ~~إذ ذاك رد الصداق إلى الزوج، وقد عرفت في بعض الأحيان أن الزوج كان يترك المهر لزوجته ~~المطلقة بمحض اختياره. وإني أقرر عن ثقة واطلاع أن من السودانيين من يتزوج في بحر عشر سنوات ~~بأربعين أو خمسين سودانية - مع مراعاة أن هناك طلاقا مستمرا في حياة مثل ذلك السوداني - ~~كما أن من النساء من تزوجت في هذه الفترة الخمسة عشر أو العشرين زوجا، على أن قانون الزواج ~~الإسلامي ينص على انقضاء فترة بين الطلاق والزواج الجديد لا تقل عن ثلاثة شهور. أما فيما ~~يختص بالمحظيات فيبيح القانون السوداني الديني تمتع السوداني بأي عدد يزيد منهن، ولا ريب في ~~أن إباحة التمتع بالمحظيات أدت إلى انتشار الفساد الخلقي مع انتشار الأمراض السرية ~~الخطرة . # قلنا إن المحظيات السودانيات خطر على الأخلاق وجالبات للأمراض الخبيثة، ولنفصل ذلك نقول ~~إنهن لا يعشن جميعا في المنزل الذي يعيش فيه سيدهن، ما لم يكن لذلك السيد أولاد من إحداهن، ~~فإنها (المحظية) تضطر للبقاء في منزل قانيها ولا يجوز مطلقا بيعها لآخر، ولكنهن في أغلب ~~الأحيان يبعن لأسيادهن على أن يبقين في حوزاتهم فترات قصيرة جدا، على أن يبعن بعد ذلك ~~لغيرهم بأرباح جديدة. ولا ريب في أن هذا الانتقال المستمر من بيت إلى آخر يعرض الأخلاق ~~والصحة لخطر جسيم، وإلى جانب ذلك تذبل زهرة شباب المحظية وتضيع معالم جمالها. فإذا أضفنا ~~إلى ذلك أن المحظية تباع لسيدها في أول مرة وهي في سن صغيرة، عرفنا ما تقاسيه من ms266 الآلام ~~الحقيقية التي لا تخفف منها لذة بهيمية غير منتجة. # من المعروف عن تجار الرقيق في السودان أنهم في سبيل الحصول على مكسب نقدي لا يبالون بما ~~يصيب النساء والبنات من ضعف في القوة وفساد في الخلق وتعرض لأخبث الأمراض؛ فكانوا يشترون ~~البنات الصغيرات ويسمحون لهن بالحرية المطلقة في اختيار المنزل الذي تعيش فيه البنت والحياة ~~التي تحياها. ولم يقف الفساد عند حد أولئك التجار، بل تعداه إلى الشارين أنفسهم؛ ففي كثير ~~من الأحيان كانوا يسمحون للتجار ببيع محظياتهن لغيرهم على أن يتعاطى أولئك الأسياد مقدارا ~~معينا من الربح الجديد. # لا ريب في أن شر ما ينتج من فساد خلقي تجده في دوائر الضباط السودانيين وجنودهم؛ حيث يغري ~~أولئك الحربيون الكثيرات من النساء والبنات للعيش معهم في ثكناتهم بصفتهن زوجات لهم، فإذا ~~ما دخلن الثكنات أصبحن كالسلع يتبادلهن جميع الضباط بلا استثناء وبحرية مطلقة. ولم يكن ~~الخليفة عبد الله ضد هذه الفكرة الأخيرة، بل على النقيض من ذلك كان يشجعها؛ اعتقادا منه أن ~~انهماك الضباط في اللذة وتماديهم في إرضاء شهواتهم يجعل مكانا للخليفة في نفوس ضباطه فوق ~~كل مكانة، وبذلك يضمن ولاء رجال الحرب له ورغبتهم في عدم ترك سيادته عليهم. # لا حاجة بنا إلى القول بأن السماح بتلك الإباحة المنكرة قد أدى إلى انتشار أخبث الأمراض ~~بين جميع طبقات الأمة، سواء في ذلك الأحرار والرقيق الرجال والنساء. فإذا ذكرنا حرارة ~~السودان وأثرها السيئ في أي مرض سري خبيث، استطعنا إدراك الانحطاط الخلقي الذي هوى إليه ~~السودان في ذلك العهد. وعلينا ألا ننسى أن السودان كان محروما من جميع الأدوية التي تعالج ~~تلك الأمراض؛ مما أدى إلى تعريض الصحة على وجه عام لخطر عظيم. # وجد في السودان في أوائل حكم الخليفة عبد الله قوم أمعنوا في ضروب الفساد وأطلقوا العنان ~~لشهواتهم، فعاقبهم الخليفة في مبدأ الأمر بنفيهم وتشريدهم إلى الرجاف، ولكنه عدل عن ذلك بعد ~~قليل من الزمن، وانتهى إلى حل حاسم في نظره؛ وهو ظهور سهولة كبرى - في ms267 معاملة شعب بعيد عن ~~الأخلاق القويمة - في استعمال التعسف والشدة، وصعوبة الجور مع شعب متمسك بأهداب الأخلاق ~~القويمة؛ وتبعا لذلك كان الخليفة عبد الله في آن واحد يكره ويخشى الجعليين الذين سكنوا على ~~شاطئ النيل بين حجر العسل وبربر؛ لأن أولئك كانوا العرب الوحيدين في السودان الذين مقتوا ~~الفساد والرذائل الخبيثة، واحتفظوا بالأسر الفاضلة البعيدة عن الشهوات الشائنة، كما اعتاد ~~أولئك الجعليون النظر إلى الأخلاق بصفتها حجر الزواية في بناء الحياة القويمة والركن ~~الأساسي في تأسيس صحة قوية. # كان تشديد المهدي على نسائه (زوجاته) بالغا أقصى حد، ولم يقف أمر صيانتهن عند حد الخوف ~~من المهدي في حياته، بل تعداه إلى الاحتفاظ بالشرف بعد مماته؛ فكان محرما عليهن وهن أرامله ~~(بعد وفاته) أن يسرن سيرة المحظيات، وأن يعشن عيشة الفجور. وقد ساعد عبد الله على ذلك، فبلغ ~~احترامه لذكرى المهدي حدا دفعه إلى إنشاء بيوت خاصة للأرامل المذكورات؛ حيث تحيط بالمنازل ~~أسوار مرتفعة على مقربة من ضريح المهدي، وقد عين عبد الله على ذلك عددا من الخصيان لمراقبة ~~الأرامل المذكورات آنفا. # شدد الخليفة على زوجات ومحظيات سلفه المهدي بعدم الزواج، وسن قانونا حرم به عليهن أي ~~زواج جديد، فكان ذلك ضد رغبتهن. ولم يكتف بذلك، بل حرم البنات - وأغلبن من بنات موظفي ~~حكومته السابقين - من طلب الزواج بعد أن بقين في منزله إعدادا لاقترانه بهن في المستقبل. ~~ومما يذكر عن عسف الخليفة عبد الله في معاملتهن أنه لم يكن يسمح بمقابلة رجل إياهن، حتى ولو ~~كان من ذوي قرباهن، وكل ما من به عليهن هو السماح لقريباتهن من النسوة بزيارتهن مرة واحدة ~~في السنة. ومع كل ذلك التقييد لم يكن يفسح عليهن في العيش، فكان يقدم لهن ما يكفيهن بالجهد ~~من القوت واللباس، فلا عجب إذا عرفنا أنهن كن يتطلعن دائما إلى التحرير من ربق عبودية ~~الخليفة. # أدرك عبد الله أن عسفه وجوره يؤديان بلا نزاع إلى زيادة الحاقدين عليه والساعين إلى الفتك ~~به، فكان تبعا لذلك كثير الخوف على ms268 حياته، فطرد بعنف وقساوة جميع السكان النازلين في منازل ~~صغيرة مجاورة لبيته، وأحل محلهم حرسه الخاص الذي استمر في تنميته يوما بعد يوم، وبعد ذلك ~~بنى سورا ضخما حول مسكنه والمساكن الصغيرة المجاورة وجمع إليها كل أقربائه. على أنه عاد ~~بعد ذلك فأظهر ريبة وخالجه الشك في بعض أقربائه، فآثر إبقاءهم خارج مسكنه المسور. ولعدم ~~الظهور دفعة واحدة بهذا الشك، جعلهم إلى جانب منازل الحرس الخاص. ورغم ذلك كله لم يكن ~~الساكنون في دائرة الخليفة على وفاق وفي ارتياح تام؛ لأن أوامر عبد الله كانت شديدة على ~~حرسه الخاص؛ مما أدى إلى تبرمهم واستيائهم الشديد، كما أنهم تذمروا من مرتباتهم الضئيلة ~~وشكوا لرؤسائهم مرارا من تضييق الخليفة على حريتهم الشخصية. وكان عدد المحيطين بالخليفة ~~بضعة آلاف، ينتمي أغلبهم إلى العرب الخلص، ولم يكن مسموحا لهم على الإطلاق الاقتراب من ~~ذويهم، كما أن الخليفة حرمهم من ترك مساكنهم، ولم يكن يصفح عن هفواتهم الصغيرة، فكان ينزل ~~بهم العقاب الصارم. # عني عبد الله عناية خاصة بحياته، وكان شديد الرغبة في الاحتفاظ بها من عبث الحاقدين ~~عليه؛ فكان لا يخرج في النهار أو الليل إلا وفي معيته أفراد معينون من حرسه الخاص، واثنان ~~أو ثلاثة من خدمه الأمناء له، وفيما عدا ذلك لم يكن يرافقه أي شخص آخر - حتى أقرب أقربائه - ~~ولم يكن يسمح الخليفة لأحد - خلاف الحرس والخدم - بمرافقته. # كان من المقرر أن كل من يسمح الخليفة بمقابلته إياه يتجرد من سلاحه - الذي كان يحمله ~~السوداني دائما - ثم يفتشه أحد رجال الحرس قبل دخوله إلى غرف الاستقبال الرسمية، فكان ذلك ~~العمل من جانب الخليفة دليلا على سوء ظنه في رعيته، فإذا أضفنا إلى ذلك كراهية الشعب له، ~~استطعنا بسهولة إدراك ما كان يتحدث به الناس عن ظلم الخليفة وتعسفه وعن مخاوفه ~~الشديدة. # على الرغم من هذه الشدة النادرة وتلك القسوة المؤلمة لم يوفق الخليفة في اكتساب جانب أية ~~قبيلة، حتى إن أفراد قبيلته الخاصة فروا منه، وهذه بطبيعة الحال نتيجة منطقية ~~معقولة. ms269 # عندما وصل أفراد قبيلة عبد الله إلى أم درمان بعد إلقاء مقاليد الخلافة إليه، مضوا في ~~الاعتداء على أصحاب الأرض؛ فأخذوا غلالهم واغتصبوا نساءهم ونكلوا بأولادهم، فاشتد الكرب ~~اشتدادا اضطر الخليفة لإصدار أوامره بعدم خروج تعايشي من أم درمان إلا بإذن خاص. ولكن ~~أوامره تجوهلت، ثم دب دبيب العصيان في قلوب السكان حتى انتشرت فكرة التمرد انتشارا لم يكن ~~معروفا من قبل. # أما فيما يختص بأخلاق أولئك العرب فحميدة في ذاتها، ولكنهم في الوقت نفسه ميالون إلى ~~الكبرياء والإعجاب بأنفسهم فحسب، وذلك راجع إلى صلتهم وقرابتهم بالخليفة، فكانوا يدعون ~~دائما أنهم أسياد البلاد وأصحاب الشأن الأعلى فيها لا لشيء سوى صلتهم بالخليفة. # وقد انتهى بهم ذلك التعسف إلى وضع أياديهم على خيرات الأرض وغلالها وماشيتها وخيولها، ~~فكان هذا الاستئثار مدعاة الحسد في القبائل الغربية السودانية؛ حيث الأفراد الذين لم ينظروا ~~إلى التعايشي ورجاله نظرة ودية. # كل ذلك الاضطراب سبب من أهم الأسباب في حذر الخليفة وخوفه مما يجري حوله، ولكني لا أعتقد ~~أنه على علم دقيق بمقدار كراهة الشعب إياه وحقده عليه. وعلى أية حال، فقد كان هم الخليفة ~~متجها إلى إرضاء أمراء القبائل بإرسال الهدايا المالية والعبيد سرا إليهم في أوقات الليل ~~من الأيام المختلفة، أما الأمراء فلم يكونوا يترددون في قبول الهدايا المذكورة، وهم على ثقة ~~من أنها جمعت ظلما وعدوانا. وقد يكون من دواعي الإشفاق على الخليفة أنه لم يكن متمتعا ~~بولاء الأمراء الحقيقي، رغم ما يبعثه إليهم من الهدايا. # من أعجب ما يروى عن الخليفة عبد الله أنه لم يفارق أم درمان إلى الضواحي مرة واحدة في ~~أكثر من عشر سنين؛ لأنه كان يخشى ترك تلك العاصمة التي استجمع فيها كل ما لديه من قوة ~~وذخيرة، ووضع تحت رقابته فيها جميع الذين خاف شرهم، بعد أن اضطرهم إلى القيام بالصلوات ~~الخمس يوميا في حضوره وسماع خطبه الدينية. # صرح الخليفة بأن أم درمان هي مدينة المهدي المقدسة. وقد يكون غريبا على القراء أن يسمعوا ~~عن أم درمان ms270 قبل عام 1890 بأنها كانت مدينة صغيرة ضئيلة الشأن، يسكنها بعض قطاع الطرق، وكل ~~ما لها من شأن أنها واقعة تجاه الخرطوم؛ غريب عليهم أن يسمعوا ذلك في الوقت الذي علت فيه ~~كلمة هذه الجهة وأصبحت أضخم وأعظم شأنا من الخرطوم، وقد سبقه إليها المهدي، فبعد أن كانت ~~الأرض حقيرة غير منتظمة مدت إليها الأشجار الوارفة الظلال، وأسس الجامع الكبير وبيوت ~~الخليفة عبد الله والخليفتين محمد شريف وعلي واد هلو. أما عبد الله فقد وضع يده على جميع ~~الأراضي الواقعة جنوبي المسجد. وأما القسم الشمالي فاقتسمه الخليفتان محمد شريف وعلي واد ~~هلو. # مما يذكر عن المهدي في حياته أنه صرح علنا في المسجد الكبير بأن أم درمان محلة وقتية؛ ~~لأن رؤيا النبي التي ظهرت له في إحدى الليالي أمرته بنقل الخلافة إلى الشام بعد التغلب على ~~مصر وبلاد العرب، ولكن موته المبكر قد شتت جميع مشاريعه وقضى على آماله وآمال ~~أتباعه. # بعد أن نقلت العاصمة إلى أم درمان تم تنظيمها وتخطيطها، وقد بلغ طولها السطحي من الشمال ~~إلى الجنوب ما يقرب من ستة أميال إنجليزية، وقد أصبحت نهاية الحد الجنوبي مقابل الطرف ~~الغربي للخرطوم. # اتجهت الرغبة من بادئ الأمر إلى السكنى على مقربة من شاطئ النيل؛ أملا في تسهيل الحصول ~~على الماء الكافي، فنجم عن تلك الرغبة ازدياد في ناحية وقلة الناحية الأخرى؛ فلم يبق مكان ~~خال واحد في مسافة ثلاثة أميال عرضا مع خلو أميال ممتدة طولا. # أنشئت في بادئ الأمر في تلك الناحية آلاف من الأكواخ المصنوعة من القش، فلم يكن ظاهرا ~~منها سوى المسجد الكبير الذي أحاط به حائط من الطين، طوله أربعمائة وستون ياردة وعرضه ~~ثلاثمائة وخمسون ياردة، ولكن ذلك لم يرق في عيني الخليفة، فاستعاض عنه ببناء من الطوب ~~المحروق الذي تم تبييضه بعد ذلك بمعرفة بنائين من العرب، وبعد ذلك أقام الخليفة لنفسه ~~ولأخيه وأقربائه بيوتا من الطين، ثم حذا الأمراء حذوهم وتبعهم في ذلك أغنياء أم ~~درمان. # ذكرت في فصل سابق وصفا لضريح ms271 المهدي، ولكني لم أذكر أني شاهدت - قبل مغادرتي الأخيرة لأم ~~درمان - ضياع لون القشرة البيضاء التي على الضريح، ولا بأس من العودة إلى التفصيل، فأقول ~~بأن فوق قبة الضريح ثلاث كرات نحاسية فارغة، الواحدة فوق الأخرى، ويربط هذه الثلاثة رمح ~~مقوس في آخره حلية رئيسية تزين الضريح. ومن أغرب ما سمعته من السودانيين أن الخليفة وضع هذا ~~الرمح حول الكرات الثلاث، ليعلن استعداده لمحاربة الطبيعة إذا حدث ما يحول دون تحقيق ~~رغباته. # كان عبد الله في كثير من الأحيان يقضي ساعات من النهار منفردا داخل ذلك الضريح (مزار ~~المهدي)، والمعروف أن غرضه الأساسي من ذلك هو تلقي الوحي الخاص منه، ولكن قلت عنايته بهذه ~~الزيارات الدينية بعد أن قتل الكثيرين من أقرباء المهدي وزعماء أتباعه. وبطبيعة الحال كان ~~من العسير بل من المريب أن ينقطع عبد الله هذا الانقطاع الفجائي، فاضطر إلى انتحال ~~المعاذير، وتبعا لذلك أوعز إلى رجال حرسه الخاص أن يذيعوا بين الناس أن السبب الحقيقي ~~لانقطاع عبد الله عن زيارة سيده المهدي هو خوفه من البقاء بمفرده داخل الضريح. وقد كان ~~منتظرا أن يرد بعضهم على ذلك بأن يستصحب الخليفة معه من يذهب عنه الفزع. ولكن عبد الله لم ~~يعجز عن الرد، فكان يقول إنه من غير المرغوب فيه، أو من الأمور غير المسموح بها، بقاء أي ~~شخص خلاف الخليفة داخل ضريح المهدي. # هذا ما كان يعتذر به عبد الله إلى الشعب السوداني، في حين أنه (عبد الله) خالف وصايا سيده ~~المهدي، لا بالقول فحسب، بل بالفعل أيضا. # كان من المتبع فتح جميع الأبواب المؤدية إلى الضريح يوم الجمعة للسماح للشعب بالحج إلى ~~ضريح المهدي. وبما أن القانون الديني كان يحتم على كل رجل من أتباع المهدي أن يردد صلوات ~~الترحم على جثمان المهدي وروحه، فقد كان من الميسور على المشاهد أن يرى الآلاف من الناس ~~متفقين في الغرض ومختلفين في طريقة تلاوة الصلوات والأدعية. ولم يكن قصدهم محصورا في ~~الصلاة للمهدي، ولكنه تعداه إلى طلب الحماية ms272 والرحمة من الله الرحمن بشفاء الشهيد (؟) الذي ~~قد رقد في قبره الأخير. ولكني في الحقيقة كثير الريبة في أن الصلوات المذكورة خارجة للترحم؛ ~~فإني أقرر - وفي قولي على ما أعتقد كثير من الحق إن لم يكن الصدق كله - أن أغلب الصلوات ~~الصادرة من قلوب أولئك المتحمسين إلى مقام العرش الإلهي تتطلب من الله إنقاذ الشعب السوداني ~~من ظلم وعسف عبد الله المستبد، الذي خلف ساكن الضريح الطيب، في نظر السودانيين. # يقع بيت الخليفة الرئيسي في الناحية الجنوبية من الضريح وعلى اتصال بالمسجد الكبير، ويحيط ~~بهذا البناء الرئيسي حائط ضخم مبني بالطوب الأحمر، ومقسمة نواحيه إلى مبان صغيرة متلاصقة، ~~وبطبيعة الحال أقرب المباني إلى المسجد هي التي يسكنها هو وأفراد بيته المقربون، وفي ~~الناحية الشرقية من مسكنه بيوت زوجاته وأماكن الخصيان ومخازنه الخاصة. ومما يسترعي الأنظار ~~في الجهة الشرقية من مسكنه المركزية للمسجد الكبير قيام باب خشبي ضخم - لا توجد أبواب في ~~داخل المسجد من النواحي الثلاث الأخرى - يجتازه المسموح لهم بالوصول إلى غرف الخليفة الخاصة ~~ومكان الاستقبال الرسمي. # إذا ما رغب إنسان في اجتياز الممر الرئيسي، كان عليه أن يمر بما يشبه الدهليز، ومن ثم ~~يسير إلى ردهة صغيرة فيها غرفتان، لا يوجد على جانب أيتهما ما يمنع من ظهور الناس للخليفة ~~الذي يستقبل الناس في هذه البقعة. يوجد في الجهة الجنوبية من غرفة الاستقبال باب خاص يقفل ~~بين تلك الغرفة وبين غرفة المخدع، ولا يسمح لأحد باجتيازها سوى الشبان من حرس ~~الخليفة. # أما المساكن التي سبقت الإشارة إليها فمكونة على شكل قاعات متصلة، بين كل قاعة والأخرى ~~رواق صغير، وقد تمكن الخليفة من إنشاء دور ثان على سقف مجموعة من تلك المساكن، ووضع في ذلك ~~الدور المبني على الطراز الجديد (عام 1895) منافذ يتمكن الناظر من إحداها من مشاهدة منظر ~~عام واضح لأم درمان. # امتازت غرف استقبال الخليفة بالبساطة الكلية والبعد عن الزخرفة، وكل ما في الغرف من زينة ~~هو أعمدة العنجريب الممتدة في كل غرفة، وعلى الواحد منها حصيرة ms273 من أوراق النخيل. أما غرف ~~الخليفة فمزخرفة بكل ما يستطيع الحصول عليه من زينة وتزويق في السودان؛ ففي كل الغرف ~~الداخلية أسرة نحاسية وحديدية تعلوها ناموسيات - للوقاية من الناموس الذي يعد نكبة ~~السودان وبلاءه - كما أن أراضي الغرف مفروشة بالسجاجيد، وفوق المراتب النظيفة أغطية حريرية ~~ووسائد موشاة أطرافها بالحرير الخالص، وفوق الأبواب والنوافذ ستائر من الألوان والأنسجة. ~~ولا ريب في أن ذلك أقصى ما يطمع إليه الخليفة من زخرف وأبهة في السودان. أما الأروقة ~~فممتلئة بالحصر المصنوعة من أوراق شجر الدوم، ثم بمقاعد العنجريب. فإذا قارنا ذلك بما كان ~~عليه الخليفة عبد الله في أول سني حياته الرسمية، وجدنا أنه شديد الميل إلى الزخرفة ما ~~استطاع إلى ذلك سبيلا. # تكلمنا كثيرا عن بيت الخليفة ومساكن رجاله والمقربين إليه، والآن نذكر شيئا موجزا عن ~~بيت ابنه عثمان، فنقول إنه يقع في الناحية الشرقية من تلك المساكن، ويكاد يكون هذا البيت ~~مفروشا بالفراش والأثاث الموجودة في منزل أبيه، ولا نغالي إذا قلنا إنه أفخم وأكثر نزوعا ~~إلى الثروة من مسكن أبيه؛ فقد يمتاز هذا البيت عن بيت الخليفة بالنجفات النحاسية المدلاة من ~~سقوف الغرف، والتي أحضرها عثمان خصوصا من الخرطوم، هذا إلى أن بيت عثمان واقع وسط حديقة ~~كبيرة يمتد إليها طمي النيل ويشتغل فيها يوميا مئات من الرقيق الأسود، وقد عني أولئك ~~عناية فائقة بعرض الحديقة في أحسن وأجمل منظر لسيدهم عثمان، الذي كان طول حياته مولعا بكل ~~ما هو جميل. ومن الغريب في أمر أولئك العبيد أنهم كدوا واجتهدوا في ذلك راضين مختارين، رغم ~~التعب الذي لاقوه، ورغم القوت الذي لم يكن يكفيهم في عملهم الشاق. # صرف الخليفة عبد الله وابنه عثمان أغلب أوقاتهما في البناء وتجديد نظم ما أقاماه قبلا، ~~وقد بذلا أقصى ما يستطيعان من جهد في سبيل البقاء في حياتهما على الأرض، متمتعين بأقصى ما ~~تنزع إليه نفساهما من بهجة وسرور. # وقد حذا يعقوب أخو الخليفة حذوهما فلم يكن غريبا، والحالة هذه أن يتدفق يوميا مئات من ms274 ~~العمال - وأغلبهم من الرقيق - إلى بيتي الخليفة وابنه، حاملين الحجارة والطوب وكل ما يتعلق ~~بالبناء. أما بيت الخليفة علي واد هلو، فصغير من ناحية وبعيد عن معالم الزينة والزخرف من ~~ناحية أخرى. # كان لعبد الله - إلى جانب بيت الخلافة الرئيسي - بعض منازل في الناحيتين الشمالية ~~والجنوبية من أم درمان، ولكن المنازل الأخيرة مبنية بناء بسيطا عاديا، لا شيء من الزخرفة ~~فيه، والغرض من بنائها هو استعمالها كأماكن استراحة له وللمقربين إليه عندما يرسل بعثات من ~~جنوده إلى الجهات المجاورة لأم درمان، أو عندما يخرج لاستعراض الجنود القادمين حديثا إلى ~~أم درمان، ولم يكن يستطيع (عبد الله) البقاء في منزل من المنازل المذكورة أكثر من يوم أو ~~يومين في المرة التي يخرج فيها. # بنى عبد الله، خلاف المنازل المذكورة، منزلا على مقربة من نهر النيل مجاورا لحصن ~~الحكومة القديم، بعد أن ردم الخنادق التي كانت متاخمة للحصن المذكور. وقد كان يذهب إلى هذا ~~المنزل عندما تشرع السفن البخارية في مغادرة أم درمان إلى الرجاف. وغرضه الرئيسي من ذلك، ~~الوقوف بنفسه على كيفية سير السفينة ومقدار سرعتها. # إلى جوار بيت الأمانات (الترسانة) المكون من بناء ضخم حجري، جمعت فيه المدافع والبنادق ~~والذخيرة وكل ما يختص بالحرب، وإلى جوارها (في البناء نفسه) خمس عربات كانت ملك الحكام ~~السابقين والبعثة الكاثوليكية، وقد عني عبد الله عناية فائقة بحراسة ذلك البيت، فوزع على ~~مسافات قصيرة حراسا خصوصيين (ديدبانات)، وأعد لكل واحد كشكا صغيرا، ومهمة أولئك هي منع ~~جميع الخارجين عن هيئة الجيش من الدنو إلى الترسانة. # وجد في الناحية الشمالية للترسانة مباشرة بناء لحفظ رايات الأمراء المقيمين في أم درمان، ~~وإلى جانب ذلك البناء محل نصف دائري - يبلغ ارتفاعه نحو عشرين قدما ويصعد إليه ~~الصاعدون بسلالم مدرجة - لحفظ أبواق وطبول الخليفة الحربية، فإذا ما سرنا إلى الناحية ~~الشرقية قليلا، وجدنا مخزن الخراطيش والأسلحة الصغيرة. # ذكرنا في الفصول السابقة شيئا عن بيت المال، فنقول الآن إنه يقع في شمال أم درمان على ~~مقربة من نهر النيل، ms275 ويمتاز هذا البناء بضخامته وانقسامه إلى أجزاء بارزة تكاد تكون أروقة ~~متساوية الحجوم، وفي تلك الأروقة تجمع البضائع الواردة لأم درمان من جميع نواحي السودان ومن ~~مصر، كما أن فيه (بيت المال) مكانا لخزن الحبوب وآخر لجمع الرقيق. ويقع على مسافة قريبة ~~جنوبي بيت المال بناء واسع لبيع الرقيق يسمى (سوق النبيذ)، وقد أنشأ عبد الله جوار البناء ~~الأخير بيتا سماه «بيت المال الحربي»، بعد أن استقرت خلافة عبد الله وسلفه المهدي في أم ~~درمان ثم تنظيم المدينة، وهي على العموم قائمة فوق أرض مستوية، ولكنا نجد في بعض النواحي ~~هنا وهناك تلولا صغيرة تعترض ذلك المستوى. أما تربة أم درمان فمجموعة طبقات صلبة حمراء ~~تكاد تكون حجرية في مجموعها، وتتخللها في أجزاء متفرقة أراض رملية. ومما يذكر عن تعسف عبد ~~الله أنه - في سبيل راحته والتمتع بما يرضي شخصه - أنشأ الطرق والشوارع الجديدة، وهذا العمل ~~حميد في حد ذاته، إلا أن الخليفة في سبيل هذا البناء قد هدم بيوتا كثيرة ولم يدفع لأصحابها ~~المنكودي الحظ قرشا واحدا، فدل بذلك على أنه يرمي من وراء تنظيمه الحميد في ذاته إلى ~~منفعة خاصة؛ هي لذة النظر إلى شوارع نظيفة بغض النظر عما يصيب الناس من هدم منازلهم دون ~~تعويض. # علا شأن أم درمان ونقص قدر الخرطوم في زمن خلافة عبد الله، فأصبحت الخرطوم عبارة عن أنقاض ~~وخرائب، ولم يبق فيها من المباني الظاهرة سوى المرفأ، وقد ظلت المواصلات بين أم درمان ~~والخرطوم بواسطة الرسائل التلغرافية، التي أحسن استعمالها موظفو إدارة التلغراف في الحكومة ~~السابقة. # أبقى عبد الله قسما كبيرا من السور المحيط ببيت المال والمؤدي إليه - لم يكمل هذا ~~البناء في زمن عبد الله - وعلى طول هذا البناء امتدت حوانيت لبيع المواد التجارية المختلفة، ~~وإلى جوارهما حوانيت منفصلة وأماكن صغيرة مستقلة للحلاقين والنجارين والقصابين والخياطين ~~ومن شابههم. هذا إلى أن عبد الله عني بنظام المحتسبين الذين كانوا مسئولين عن حفظ النظام ~~في المدينة. وإنه لمما يفزعني أن أذكر المشانق وآلات الإعدام ms276 التي كانت موزعة في جميع نواحي ~~أم درمان؛ فقد كانت أكبر دليل على حالة المدينة وموقف السودانيين من حكومتهم. # كان سكان أم درمان موزعين في مساكنهم تبعا لقبائلهم؛ فكان العرب التابعون للقبائل ~~الغربية يسكنون غالبا في المحلات الجنوبية. أما القسم الشمالي فكان مخصصا لسكان وادي ~~النيل، ورغم وجود المحتسبين والمحافظين الرسميين على نظام المدينة، كان مفروضا على كل ~~قبيلة أن تعين من بين رجالها من يقومون بحفظ الأمن والسلام في القبيلة ذاتها، على أن يبلغ ~~أولئك عن أي اضطراب أو خلل في القبيلة إلى رجال الحفظ المعينين من قبل الحكومة. # إذا استثنيا الشوارع المنتظمة التي أنشأها وخططها الخليفة عبد الله إرضاء لراحته ومزاجه ~~فحسب، وجدنا المدينة عبارة عن منحدرات وعطفات مملوءة بقاذورات. وبطبيعة الحال أجد شخصي ~~عاجزا عن وصف الأضرار الصحية المنبعثة من تلك القاذورات الكريهة الرائحة في الأماكن ~~الوبائية التي تجمعت فيها كل أوساخ أم درمان. ويكفيني القول بأن جثث الخيول الميتة ترمى في ~~تلك النواحي، وأن الجمال والحمير والماعز تزحم الطرق الضيقة وتملأها بأوساخها وقاذوراتها، ~~وكل ما يعمله الخليفة هو أن يصدر أوامره قبل أيام أعياد مخصوصة في كل سنة باكتساح هذه ~~الأوساخ وتنظيف الطرق الضيقة، فلا يتعدى التنظيف حد إلقاء الجيف المنتنة في زوايا الحارات، ~~فإذا ما جاء فصل الشتاء الممطر حمل الهواء - المشبع بالروائح الكريهة المنبعثة من تلك ~~الأوساخ والجيف - بعض أمراض وبائية تعمل على قتل المئات من السكان المساكين. # كانت المدافن قبل عهد الخليفة عبد الله قائمة وسط المدينة، ولكن تبرم الأحياء وتذمرهم من ~~الروائح التي أصيب بها السكان من ذلك النظام، اضطر عبد الله إلى إنشاء مكان فسيح خاص ~~وإعداده لدفن الموتى، وقد وقع اختياره على الصحراء الواقعة شمال مكان استعراض ~~الجنود. # سهل على القارئ أن يتصور انتشار الأمراض في السودان، بعد أن عرف الشيء غير القليل عن ~~الروائح الكريهة وأوساخ البهائم في جميع نواحي أم درمان تقريبا، إلا أن ذلك الانتشار لا ~~يمنعنا من تخصيص الأمراض الخطيرة السائدة هناك، فنقول إن الحمى والدوسنطاريا ms277 هما شر ما يبلى ~~به ساكنو أم درمان، ولا تكاد تنقطع حمى التيفوس الوبائية بين نوفمبر ومارس من كل ~~عام. # نتكلم الآن قليلا عن مياه أم درمان، فنقول إن الآبار المفيدة والينابيع المعدة لجلب ~~المياه الصحية أنشئت قبيل عام 1895، وتلك العيون الصحية أقيمت في الناحية الشمالية من ~~المسجد الكبير. أما الآبار المحفورة في نواحي أم درمان الجنوبية، فماؤها أجاج في غالب ~~الأوقات، وهي في مجموعها تختلف في العمق بين ثلاثين وتسعين قدما، وقد تم حفرها بواسطة ~~المسجونين تحت رقابة الحراس الغليظي القلوب. ومما يذكر في صدد السجن والحراس، أن المرء في ~~أم درمان يسمع كثيرا من المارة قولهم «لقد أخذوا صاحبنا إلى السعير»، ومعنى السعير عندهم ~~هو السجن الذي يلاقي فيه المغضوب عليه عذابا شديدا، إن مجرد لفظ هذه الكلمة (السعير) يولد ~~الاضطراب والفزع في نفوس جميع سامعيها. أما السجن فقائم في الناحية الجنوبية الشرقية من أم ~~درمان على مقربة من نهر النيل، وهو مسيج بحائط ضخم، وللسير إلى السجن يمر الإنسان بردهة ~~خارجية فسيحة، يحرسها نهارا وليلا جنود من السودانيين المخيفين، فإذا ما عبر المرء تلك ~~الردهة وصل إلى ساحة داخلية مكونة من غرف طينية لإقامة المسجونين المنكودي الحظ، الذين ~~اعتادوا - وهم في السلاسل والأصفاد الثقيلة - قضاء سحابة اليوم في ظل ذلك البناء وهم في ~~سكون وجمود كاملين، لا يتخللهما من الأصوات سوى رنين السلاسل والأوامر القاسية الصادرة من ~~الحراس الغلاظ القلوب، وصراخ وتأوهات بعض المسجونين المضطهدين من جراء ما ينزل على أجسامهم ~~من سياط الجلد والتأديب، والويل كل الويل لمن تعرض لسخط الخليفة ومخالفة أمره، فأمثال أولئك ~~يرسفون في أثقل الأغلال، بعد أن يحتم عليهم مراقب السجن البقاء في أصغر الغرف والامتناع عن ~~الاختلاط بباقي المسجونين. # وفي الغالب كانوا يأخذون من الطعام ما يكفي لبقائهم أحياء؛ أي إن أمر مراقب السجن كان ~~صادرا ببقائهم دائما في حالة الجوع الشديد التي لا تعرضهم للموت مقابل الكمية القليلة ~~التي يتناولونها للغذاء. أما المسجونون العاديون فلا يتناولون مقدارا منظما من الطعام، ms278 ~~ومن المسموح لهم جلب الطعام من منازلهم. وقد حدث في كثير من الأحيان أن الحراس السلابين ~~النهمين التهموا الجزء الأكبر من الطعام الوارد من منزل أحد المسجونين قبل إيصاله إلى غرفة ~~المسجون. وفي أحيان أخرى كان أولئك المسجونون التعساء يحرمون من كل ما يرد إليهم من بيوتهم ~~الخاصة عند حلول الليل. # كان السجانون يقودون المسجونين كقطيع من الغنم إلى غرفهم الحجرية التي كانت خالية من ~~النوافذ خلوا كليا، وبالتالي كانت محرومة من الشمس والهواء النقي، ولم يكن أولئك ~~السجانون القساة يسمعون تضرعات أو توسلات من المسجونين، فكانوا يسوقونهم ليلا إلى الغرف ~~الحجرية شذر مذر، وفي الحقيقة كان أولئك المنكوبون يساقون إلى قبور لا فرق بينها وبين قبور ~~الموتي سوى أن النازلين فيها أحياء أشقياء، يجور قويهم على ضعيفهم رغم كونهم في المصاب ~~سواء. وقد كان الحراس في كثير من الأحيان يذهبون في الصباح المبكر إلى تلك الغرف السوداء ~~المظلمة فيجدون بعض المسجونين التعساء قد ماتوا مختنقين؛ لعدم وجود ذرة من الهواء في غرفهم ~~المغلقة من جميع نواحيها ولعدم تمتعهم بالغذاء الكافي من الناحية الأخرى. # وإنه لمن المفزع حقا أن يشاهد المرء عشرات من أولئك «الموتى في أجسام الأحياء» خارجين ~~من كهوفهم إلى فضاء السجن كل صباح، بعد أن قضوا ليلتهم منهوكي القوى غير قادرين على النوم ~~في ذلك الوسط المخيف المضر بالصحة. # إذا ما بزغ نور الصباح خرجوا من غرفهم الصغيرة وهم أقرب إلى الموت منهم إلى الحياة، ~~واستظلوا بظل حيطان السجن، وقضوا بقية النهار في السعي إلى راحة أجسامهم من ألم الليلة ~~السابقة، وعمدوا إلى اكتساب قوة جديدة يستطيع بها كل مسجون مواجهة ما ينتظره في يومه من ~~أتعاب وآلام. # من المعقول جدا أن كلا من أولئك الأحياء التعساء كان يفضل الموت على تلك الحياة ~~الشاقة المؤلمة، ولكن الواقع خلاف ذلك؛ فقد سعى كل إلى البقاء في الحياة مهما قاسى من ألم ~~وضنك، وقد كانت دعواتهم إلى الله محصورة في إنقاذهم من الشدة التي انتابتهم. ومع أن السجن ~~كان ms279 مزدحما ومعرضا المسجونين للاختناق، ومع أن المسجونين كانوا يلاقون من العسف أهوالا ~~ومصائب وآلاما مبرحة؛ مع ذلك لم أسمع مدة إقامتي في السودان أن واحدا من المسجونين سعى ~~إلى الانتحار. # وأذكر الآن تشارلس نيوفلد، الذي قضى بضع سنوات في ذلك السعير السوداني معرضا للمرض ~~والعسف والاضطهاد؛ فقد كان من المتوقع موت هذا الرجل بين آن وآخر، ولكنه بقي على قيد الحياة ~~بواسطة المساعدات التي وصلت إليه بواسطة خادمه الأسود الأمين الذي أحضره معه من مصر، وإلى ~~جانب تلك المساعدة كان الأوروبيون المقيمون في أم درمان يقدمون ما يستطيعون من عون إلى هذا ~~المسجون الأوروبي البائس. # فضل تشارلس البقاء على قيد الحياة رغم كونه كان راسفا تحت سلاسل ثقيلة حول رقبته وقدميه. ~~ومما نذكره عنه أنه رفض في ليلة من الليالي البقاء في غرفة حجرية، وصفها بأنها «آخر مرحلة ~~مؤدية إلى نار الجحيم»، فجوزي على تعنته هذا بالجلد بسياط السودان الموجعة، ومع ذلك تحمل ~~آلام الجلد بصبر مدهش، فلم يشك لحظة واحدة حتى اضطر الجلادان إلى سؤاله في دهشة وذهول: «ما ~~الذي يدعوك إلى عدم التذمر؟ وما الذي يمنعك عن طلب العفو؟» فأجابهما نيوفلد بجرأة غريبة ~~«وقلب حديد» نالت احترام وإعجاب السجانين: «هذا التذمر وذلك الطلب الذي يذل يصدران من ~~الآخرين، أما أنا فلن أذل نفسي بشيء من ذلك.» # بعد أن قضى هذا البائس ثلاث سنوات في السجن، خففت السلاسل التي كان يرسف فيها، ثم نقل ~~إلى الخرطوم ولم يبق من الأغلال إلا ما كان حول الساقين، وعندما وصل إلى سجن الخرطوم أمر ~~بتكرير وتنقية ملح البارود المعد لعمل البارود، وكان ذلك التكرير تحت مراقبة واد حامدين ~~الله. وفي ذلك الحين تحسنت حالته كثيرا، وقد كان يمنح مكافأة شهرية ضئيلة مقابل هذا العمل، ~~فكانت تلك المكافأة مساعدة له في الحصول على حاجاته الضرورية للحياة. # كان معمل تكرير ملح البارود مجاورا لبناء الكنيسة التابعة للإرسالية الدينية في الخرطوم، ~~فساعد ذلك التوفيق زميلنا تشارلس على النجاة من مخالب الضنك والتعب؛ حيث كان مسموحا ms280 له ~~(نيوفلد) بعد الانتهاء من عمل النهار الشاق المؤلم أن يقضي ليلة في حدائق كنيسة الإرسالية، ~~وليس من شك في أن أفكاره حينئذ كانت متجهة إلى أسرته في إنجلترا، ولا ريب في أنه كان فيما ~~بينه وبين نفسه يلعن ذلك اليوم الأسود الذي أغراه هواه فيه بترك مصر إلى السودان؛ حيث وقع ~~في قبضة الخليفة عبد الله. # كان من العسير جدا على هذا الرجل أن يذوق الموت ويلقى حتفه دون إثم ارتكبه، وقد يكون من ~~توفيق هذا الرجل في وقت قريب أن يجتمع بأصدقائه وأقربائه الذين تاقوا إلى رؤيته حرا ~~طليقا من الأسر المفزع، ولئن كان من اليسير وجود العدد الكبير من الأصدقاء - الذين يريدون ~~مساعدة تشارلس - في أوروبا، فإن الحقيقة هي أن تخلص هذا الأسير البائس من يد الخليفة العاتي ~~لا يتم إلا بعون الله وحده. # إن قلبي ليتوجع وليكاد يتمزق حزنا وألما كلما شرعت في كتابة شيء عما يقاسيه المسجونون ~~في سجن (سيد) أم درمان، ورغم ذلك سأذكر شيئا عن الرجل البائس الشيخ خليل، الذي أرسل من مصر ~~ومعه رسائل خاصة إلى الخليفة عبد الله فيها بيان عن عدد أسماء الأسرى الذين سلموا في واقعة ~~توشكى، والذين عوملوا معاملة حسنة. لم يكن الخليفة يجهلها كما أنه لم يجهل قرب الإفراج ~~عنهم، وقد ورد في إحدى الرسائل المذكورة طلب من أولي الأمر الحربيين في مصر تسليم سيف ~~ومداليات الجنرال غوردون للشيخ خليل؛ لأن أصحاب الشأن في مصر لم يشكوا في أن الأشياء ~~المذكورة موجودة عند عبد الله. # كان يرافق خليلا هذا شخص مصري اسمه بشارة، فبعد أن أطلع سكرتير الخليفة الخاص على ~~الرسائل وقرأها لعبد الله، أمر الأخير بعودة بشارة لمصر دون إجابة على الرسائل. أما خليل ~~البائس - وهو مصري المولد - فقد قيدت يداه ورجلاه بالسلاسل الثقيلة بعد أن اتهمه الخليفة ~~بتهمة الجاسوسية. # أسيئت معاملة خليل إلى أقصى حدود الإساءة، وحرم من الغذاء الكافي، فأصبح هزيل الجسم إلى ~~حد لم يستطع معه القيام من الأرض. وقد بالغ معذبوه في ms281 إهانته حتى إنهم لم يسمحوا له بماء ~~للشرب. وأخيرا نفذ قضاء الله وحكم الموت الهادئ في خليل، فتلقاه بسرور وهو على ثقة من أن ~~موته أعظم منقذ له من آلامه المبرحة. # نتكلم الآن عن بائس آخر اسمه صالح، وهو تاجر يهودي من تونس، فقد جاء هذا البائس إلى ~~كسلا بإذن من أبي حرجة، فلم يكد يصل إليها (كسلا) حتى صدر أمر الخليفة باعتقاله وترحيله إلى ~~أم درمان؛ حيث ظل معذبا في السعير (السجن) لغاية كتابة هذه السطور (عام 1897)، وهو عبارة عن ~~هيكل عظمي لا أمل له في الحياة إلا بمساعدة زملائه ورجال فرقته، الذين اضطروا إلى اعتناق ~~الدين الإسلامي للتمكن من إيصال كميات قليلة من الطعام إلى صالح هذا. # بين المسجونين اثنان من العرب العبابدة اتهما بحمل رسائل إلى الأوروبيين في أم درمان، ~~فاعتقلا وماتا في السجن بعد أن هلكا جوعا، فليس بدعا أن يضطرب الأوروبيون المقيمون في أم ~~درمان إزاء سوء معاملة الخليفة معهم من ناحية غير مباشرة، ولكن من حسن الحظ اتضح أن الرسائل ~~واردة إلى رجل قبطي من أقربائه في مصر. # كان عبد الله كثير الميل إلى الوشايات وتصديقها، ومما نرويه في هذا الصدد أن عسكر أبا ~~كلام شيخ قبيلة جمعة الكبيرة كان مشهورا بصداقته للخليفة عبد الله ولأبيه من قبل، ولكن تلك ~~الصداقة لم تجده شيئا عندما وصل إلى أذني الخليفة أن عسكرا هذا تكلم بشدة ضد الحالة في ~~السودان، ففي ذلك الحين أمر عبد الله بإلقاء عسكر في السجن راسفا في الأغلال الثقيلة ~~تأديبا له وزجرا لغيره. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل نفي إلى الرجاف وحملت زوجته «التي ~~كانت مشهورة بجمالها الرائع» من بين ذراعي زوجها «أثناء توديعه قبل نفيه» إلى دار عبد الله ~~لتكون واحدة من حريمه. # سبق في الفصول السابقة ذكر الشيء الكثير عن الأمير السوداني الشهير زكي طومال، وهنا نقول ~~إنه عندما صدرت أوامر الخليفة باعتقال هذا الأمير، عومل معاملة سيئة جدا تدل على الغلظة ~~القاسية والانتقام الشنيع؛ فقد بنيت ms282 له غرفة من الطين شبيهة بالقبر، وأغلق بابها على من ~~فيها ولم يسمح له بشيء من الطعام على الإطلاق، وكل ما من به الخليفة هو مقدار صغير من ~~الماء سلم له من كوة صغيرة في الغرفة الحجرية، وقد تمكن زكي طومال الشجاع من البقاء ~~ثلاثة وعشرين يوما حيا بواسطة الماء، إلا أن الجوع أنهكه لدرجة الموت، ومع ذلك لم يشك ~~طومال لحظة واحدة ولم يطلب عفوا من عبد الله رغم بقائه في ذلك القبر الشنيع؛ فقد كان زكي ~~طومال من ناحيته شديد الإباء بعيدا عن التذلل، ومن الناحية الأخرى كان واثقا من عبث السعي ~~إلى هذا العفو من رجل اشتهر بانتقامه المريع وقساوة قلبه. وقد ظل على تلك الحال إلى اليوم ~~الرابع والعشرين من سجنه حتى حمله الموت إلى مقره الأخير، ليرتاح من قساوة معذبيه في السجن ~~وانتقام عبد الله في الخارج. # في فجر اليوم الرابع والعشرين سمع بعض الحراس الغلاظ القلوب زفرات الموت من غرفة زكي ~~طومال، وعندما سكن الصوت وتحقق أولئك الطغاة من موت الأمير، أسرعوا لزف البشرى إلى سيدهم ~~عبد الله، فأمر الأخير بحمل جثة الأمير «زكي طومال» إلى الناحية القريبة من أم درمان، وهناك ~~دفن على كومة من الخرق البالية وظهره مقابل مكة - دفن زكي على هذه الصورة يرمي إلى تحقيره ~~بإبعاد وجهه عن القبلة - فإن الخليفة عبد الله لم يكتف بتعذيب غريمه طومال في الحياة، بل ~~أراد مواصلة التعذيب والانتقام منه في موته بإبعاده عن مكة؛ ليحرمه من السلم والراحة في ~~العالم الثاني. # كان عبد الله شديد الخطر على الجميع، حتى إنه لم يتأخر عن الشك في القاضي أحمد الذي يعد ~~أقرب الملتصقين؛ به فقد اتهمه بخيانته، فأمر الحراس بإلقائه في الغرفة التي ألقوا فيها زكي ~~طومال من قبل، وبعد يومين من سجن أحمد هذا دخل إليه في غرفته قاضيان بأمر من الخليفة، وهناك ~~سألا زميلهما البائس أحمد عن المكان الذي خبأ فيه أمواله، فأجابهما أحمد بجرأة: «أخبرا ~~سيدكما عبد الله الخليفة أني زهدت الدنيا، ms283 ولا أعرف مكانا أجد فيه الذهب أو الفضة.» # تحايل القاضيان كثيرا على زميلهما السابق وسعيا جهدهما في الوصول إلى معرفة المكان الذي ~~يوجد فيه ماله، وعندما فشلا عادا أدراجهما مطأطأي الرأسين إلى الخليفة، وقد كان ذلك الأمر ~~كله قبل مغادرتي أم درمان ببضعة أيام. وقد تأكدت عقب رجوعي إلى مصر أن القاضي أحمد توفي بعد ~~أيام في سجنه على الصورة التي توفي بها زكي طومال. # إن المرء يستطيع ملء مجلد كامل بفظائع وقسوة الخليفة ضد المسجونين في السعير (السجن)، ~~ولكن من العبث إتعاب القارئ بذكر فظائع وحشية ارتكبت بأمر هذا الظالم المستبد الغليظ القلب ~~عبد الله. # الفصل السابع عشر # | وسائل النجاة # كنت أرمي من وراء بقائي إلى جانب الخليفة عبد الله والتصاقي به إلى غرض مزدوج الفائدة؛ ~~فقد رغبت في تعرف طباعه من ناحية، ومن تعرف أحوال السودان من الناحية الأخرى بطريقة تكاد ~~تكون رسمية. أما الخليفة عبد الله نفسه فكان بتقريبه إياي يقصد شيئين متقاربين، ويرمي إلى ~~فائدتين؛ فقد كان على ثقة من أني الموظف المصري الأجنبي الوحيد الملم بشئون السودان إلماما ~~كليا دقيقا، وأني جئت البلاد السودانية ودرستها وأصبحت على معرفة كاملة بلغة التخاطب ~~الداخلية، وسأذكر الغرض الثاني بعد قليل. # كان عبد الله على جهل فاضح بالشئون السياسية، وقد ذهب به فكره إلى أن خروجي من السودان ~~خطر داهم عليه هو شخصيا؛ لأني إذا وفقت إلى النجاة، فمعنى ذلك أني أتمكن بسرعة من إغراء ~~الحكومة المصرية أو أي حكومة أجنبية عن السودان إلى دخول تلك البلاد، وإسقاط نفوذ عبد الله، ~~وفي ذلك الحين أتمكن من إيجاد صلة متينة ورابطة وثيقة بين الحكومة الجديدة وبين أفراد ~~وزعماء القبائل الذين يكرهون حكم عبد الله أشد كراهة؛ وإذن ينتهي الأمر إلى إنشاء حكومة ~~نظامية في السودان. # قلت إن غرض عبد الله الأول من بقائي هو إلمامي بشئون السودان، أما الغرض الثاني فيرجع إلى ~~نزعة نفسية؛ فقد رغب عبد الله في إرضاء كبريائه باستخدام الرجل الذي كان فيما مضى حاكم ~~إقليم دارفور ms284 بأكمله وحاكم قبيلته. ففي استخدام الرجل الذي تمتع فيما مضى بهذه السلطة، يعد ~~عظمة لعبد الله في عيون السودانيين، خصوصا إذا بقي الرجل المذكور (مؤلف الكتاب) كأسير بين ~~يدي الخليفة. ومن المدهش أن عبد الله لم يتأخر لحظة واحدة عن الظهور بهذه العظمة الكاذبة، ~~فكان بين آن وآخر يقول لرجال القبائل الغربية: «انظروا هذا الرجل الذي كان فيما مضى سيدنا ~~وحاكم قبيلتنا، والذي قاسينا الآلام تحت حكمه الجائر، انظروا إليه اليوم تجدوه خادمي وسامع ~~أوامري والملتزم تنفيذ ما أشير به إليه في أية لحظة، انظروا إلى الرجل الذي انغمس في بحر ~~الشهوات وكان منقادا وراء تيار المعاصي تجدوه اليوم لابسا جبته القذرة وسائرا حافي ~~القدمين، فلا ريب إذن في أن الله رءوف رحيم.» # كان عبد الله كثير الحذر والخوف مني، ولم يعن كثيرا بغيري من الأسرى الأوروبيين الذين ~~عاشوا عيشة بسيطة قوامها الاتجار في المواد المختلفة في حي قريب من ميدان سوق أم درمان؛ ~~حيث بنوا غرفا خاصة لتجارتهم ظلوا فيها آمنين لا يعكر صفوهم أي تدخل من الأهالي. # كان الأب أوهروالدر نساجا يعيش هو وأهله مما يكسبه من نسج القطن، وعاش الأب روزينولي ~~وبيوروجنتو - وكلاهما من طائفة الإرسالية الدينية المسيحية - بياعين للساعات في الدائرة ~~المركزية للسوق، وقد عاشت السيدات الأوروبيات إلى جانب أولئك الأوروبيين حتى نجون معهم وقت ~~تدبير الهرب، مع استثناء الأخت تريزة جويجولتي. # يتبقى بعد ذلك جوست جويزي أحد الكتاب الأجانب، ثم طائفة أخرى من اليونانيين والسوريين ~~والمسيحيين والأقباط، ويبلغ مجموع أولئك خمسة وأربعين، رجالا ونساء، تزوجوا وتزوجن من ~~مسيحيين ولدوا في السودان أو مصريين ومصريات. # تسمى المنطقة الداخلية لأولئك المسيحيين المسلمانية - تطلق على المتناسلين من غير ~~المسلمين بوجه عام، وقد أطلقها أتباع المهدي على كل من لم يدينوا بالإسلام - وقد اشتغل ~~أولئك بأمورهم وانتخبوا من بينهم أميرا ائتمروا بإرشاداته وأوامره. وقد كان ذلك الرئيس ~~المسيحي مسئولا لدى الخليفة عن كل ما يجري في دائرته، وعن كل شخص غير مسلم في أم درمان. ~~واسم الأمير الحالي (في ms285 عام 1896) نيكولا، وهو رجل يوناني يطلق عليه السودانيون اسما ~~عربيا مماثلا لاسم الخليفة عبد الله. ومهما يكن الأمر فلم يكن مسموحا لأي شخص من أولئك ~~المسيحيين بمغادرة أم درمان، وقد كان مفروضا عليهم أن يضمن الواحد منهم الآخر، ومن نتائج ~~ذلك أنه عندما سافر الأب روزينولي صدرت الأوامر بإلقاء زميله وضامنه بيبو في السعير ~~(السجن). وقد زادت المراقبة واشتد الاضطهاد على أولئك المنكوبين بعد فرار الأب أوهروالدر؛ ~~فقد أنشأ الخليفة خصوصا مكانا حصينا لحجزهم فيه من الناحية الشمالية الشرقية من المسجد ~~الكبير؛ حيث كان مفروضا عليهم أن يحضروا الصلوات الخمس يوميا، وقد كان الخليفة عبد الله ~~داهية في ذلك الأمر، فإنه أمر بأن يذهب الشخص من أولئك - غير المسلمين عامة والأوروبيين ~~بصفة خاصة - مرة في اليوم للمسجد، وعين للإحصاء مراقبا يقدم بعد نهاية الصلوات الخمس ~~يوميا تقريرا إلى عبد الله، يتمكن بواسطته من معرفة المتغيب، وإذ ذاك يرتاح ضميره لأنه ~~يثق من بقاء جميع أولئك المحجوزين في ناحيتهم الجديدة. # كانت مساكنهم الصغيرة متلاصقة، وتبعا لذلك كان من اليسير جدا اتصال الواحد بالآخر، مما ~~خفف عنهم آلام الوحشة والاضطهاد. أما أطفال أولئك الأشخاص وأولادهم الصغار، فكانوا ملزمين ~~بالبقاء في التكايا السودانية حيث يتعلمون القرآن. # قد وصفت فيما مضى كيفية سكني وما أحاط به في الحياة السودانية، وبقي علي أن أضيف لما ~~تقدم أنه كان مسموحا لي أن أتكلم مع قلائل من الحرس الخاص الذين كانوا - مثلي - إما تحت ~~الرقابة وإما - وهذا خلافي طبعا - كجواسيس للخليفة، يراقبون الأجانب ويكتبون التقارير ~~الوافية عن أقوالهم وحركاتهم، ثم يرفعونها كل مساء إلى دار الخليفة. أما دخول المدينة (أم ~~درمان) فكان غير مسموح به إلا في النادر، هذا إلى أني منعت منعا كليا من زيارة المنازل ~~أو زيارة الناس لبيتي الصغير. # ومما أرويه عن ميول الخليفة الشخصية، أنه كان مولعا جدا بالساعات الصغيرة وساعات ~~الحائط على اختلاف حجومها، وقد وضع علي الخليفة - فيما وضع من مهمات - مهمة تنظيف الساعات ~~الكبيرة وإصلاح ثلاث ساعات للجيب يتناوب حملها. ms286 وقد تمكنت بواسطة هذه المهمة من زيارة ~~ساعاتي أرمني يدعى أرتين بدعوى أن ساعة من ساعات الحائط في دار الخليفة تحتاج إلى ~~الإصلاح. # كان بيت الخليفة عبد الله قائما على مقربة من ميدان سوق أم درمان؛ حيث كنت أتقابل بين ~~حين وآخر مع أفراد مخصوصين كنت أرغب رغبة صادقة في مقابلتهم والتحدث معهم. أما فيما يختص ~~بموقفي مع أرتين بائع الساعات، فلم أكن أثق فيه على الإطلاق، وكل ما دعاني إلى التوجه إليه ~~في أوقات مختلفة هو نزوعي إلى الالتقاء بالأشخاص المعينين، ولئن اضطررت إلى الكلام معهم فلم ~~يكن أرتين يسمع ما يدور بيننا من حديث. # كان أغلب وقتي مقضيا في الفسحة الكبرى المواجهة لدار الخليفة حيث يتلى القرآن، ولم يكن ~~مسموحا على الإطلاق كتابة أي شيء؛ لأن عبد الله كان يرى من العار أن أعمل شيئا أو أتعلم ~~جديدا لم يكن هو يعرف عنه قليلا ولا كثيرا. ورغم ما أبداه عبد الله من حذر وريبة، كان ~~يضطر إلى دعوتي لاصطحابه في المسجد الكبير أو في بعض الرحلات الداخلية الخاصة، وكانت وظيفتي ~~معه شبيهة بوظيفة مستشار حاكم الدولة. وإزاء أتعابي هذه كلها لم أكن ممن يتناولون مرتبا من ~~الدولة، فكنت تبعا لذلك على خفض من العيش؛ فكان طعامي عاديا جدبا يتكون غالبا من ~~العصيدة والبقول الحقيرة. وفي يوم أو يومين من الأسبوع كنت أتناول قطعة صغيرة من اللحم بعد ~~شرائها خصوصا من السوق. # تأكد عبد الله رغبتي في الحرية وتطلعي إلى الفرار من قيد الأسر. ورغم ما بذلته لتحويله عن ~~ذلك الفكر، لم أستطع نفي ما في مخيلته من شكوك وريب، وفي الوقت نفسه كان يخشاني ويتملقني؛ ~~فقد وهب لي الكثير من العبيد، وعرض علي الزواج من بنات أسرته، واجتهد في تقديم هدايا ~~كثيرة لي ليحول بيني وبين الفرار بطرق لطيفة، ولكني أصررت على الرفض إباء، فزاد ذلك مخاوفه ~~وشكوكه، وتأكد أني أتطلع لأول فرصة أتمكن فيها من مغادرة أم درمان إلى الخارج، وفي ذلك ~~العمل خطر عظيم عليه خاصة ms287 وعلى بلاده عامة. # بعد سقوط الخرطوم سعى أفراد أسرتي في أوروبا جهدهم للوصول إلى معرفة أخباري الوثيقة، ~~ولكنهم تأكدوا أن الظهور بهذا المظهر خطر داهم علي إزاء عسف الخليفة وشكوكه. # لم يدخر فون جسلر - قنصل النمسا والمجر في القطر المصري - جهدا في استقصاء أخباري. وقد ~~وجد هذا الشخص الكبير المقام تعضيدا ظاهرا من جانب الضباط الملحقين بالجيش المصري وغيرهم ~~من الموظفين. ومما أذكره عن أولئك الأخيرين أنهم كانوا الواسطة في وصول الأخبار إلى أفراد ~~أسرتي عن طريق حاكم سواكن عام 1888، فإني شخصيا لم أكن أستطيع إيصالها إلى الضباط؛ لأني - ~~كما قلت في الصفحات السابقة - كنت محروما من الاختلاط بأي شخص أجنبي والتزاور مع أي موظف ~~رسمي. # مما تقدم يقف القارئ على مقدار فزع الخليفة وسوء ظنه، وقد زاد ذلك الريب وصول خطاب من ~~الهرفون روستي - الذي خلف الهرفون جسلر في القنصلية النمساوية في القطر المصري - إلى ~~الخليفة يطلب منه فيه التصريح بقبول قسيس يعظ الرعايا النمسويين المقيمين في السودان. وأظن ~~أن أكبر ما أثر في الخليفة وحول وجهته ضدي هو ورود خطاب من القنصل النمساوي يستعلم فيه عن ~~الحالة في السودان. ومن المدهش أن الخليفة عبد الله استطاع كظم غيظه، فطلب مني كتابة بيان ~~عن الموقف الأخير في أم درمان خاصة والسودان عامة. وبطبيعة الحال لم يبال الخليفة بخطاب ~~الهرفون روستي، وكل ما عني به هو اتهامي بالخيانة من ناحية، والكذب من الناحية الأخرى؛ ~~لأني كنت أخبرته قبلا أن جميع الرعايا الأوروبيين في السودان من الإيطاليين مع استثناء ~~الأب أوهروالدر النمساوي، فقد جاء طلب القنصل النمساوي مخطئا ومكذبا لبياني، ومن الحق لم ~~أرم من وراء ادعائي أن الأجانب في أم درمان جميعهم غير نمساويين إلا إلى شيء واحد؛ هو ~~الخوف مما قد يحيق بهم من سوء عبد الله في حالة غضبه على شخصي، فقد يخيل إليه في اليوم الذي ~~يريد فيه الاقتصاص مني أن يهلك جميع الأوروبيين لانتمائهم إلى الجنسية التي أنتمي إليها، في ~~حين أني كنت أسعى جهدي لحملهم ms288 على النجاة. # كان الخطاب الواردة من الهر روستي ضربة قاضية على جميع تدبيراتي التي قمت بها لصالح ~~إخواني، ومع ذلك سعيت إلى إقناع الخليفة بأن الغرض من كتاب روستي هو ضم جميع الأوروبيين ~~المقيمين في السودان تحت الشعار النمسوي، ولكني عبثا حاولت إقناعه؛ فقد عمد إلى مواجهتي ~~بعد أن كان مكتوما من قبل، ثم اتهمني بالكذب الصريح ومحاولة غشه. # وضع أفراد أسرتي مقدارا من المال تحت تصرف قنصل النمسا الجنرال ليستعمله وقت الحاجة ~~لمساعدتي، وقد تمكنوا من إيصال مقادير مالية مختلفة لي بواسطة العرب، وذلك بعد التسهيلات ~~الشديدة التي تفضل بها علي كثيرون من الضباط الملحقين بالجيش المصري مع سعادة الماجور ~~ونجت مدير الإدارة الحربية، ولا أنسى في هذا الصدد أن أقول للقراء بأني في كثير من الأحيان ~~كنت أستلم مقادير أقل من المذكورة في الرسائل التي سلمها إلي أولئك العرب، ولكني كنت ~~مضطرا إلى تقرير حصولي على المبالغ كاملة. ومهما يكن الأمر فقد كنت شاكرا لمن أرسلوا لي ~~المال بمقدار شكري لمن أوصلوه إلى يدي؛ لأن الأخيرين ساعدونا مساعدة كبرى في حمل رسائل ~~وتقارير سرية إلى أفراد أسرتي دون وصول الجواسيس إليها. # كنت شديد الحيطة في صرف المبالغ؛ فقد اجتهدت في الظهور بمظهر البائس الذي لا يجد ما ينفقه ~~حتى لا تتطرق الريبة إلى نفوس العسس، وحتى لا يقف الخليفة على حقيقة أولئك الأعراب الذين ~~تفضلوا بمساعدتي، وتبعا لذلك عشت أبسط عيشة ودفعت ما وفرته لأصدقائي المعوزين. # وثق أصدقائي المقيمون في القاهرة - بعد أن حرمني الخليفة من أي اتصال بالخارج - أنه من ~~المستحيل عليهم العمل على إنقاذي؛ ولذلك فكروا مليا في الطريقة التي أتمكن بها عند سنوح ~~الفرصة من الفرار والنجاة من عسف عبد الله. وفي الحق كنت عارفا من اللحظة الأولى التي وقعت ~~فيها في الأسر أن نجاتي لا تتم إلا بواسطة الفرار في الفرصة المناسبة. وعلى الرغم من قضاء ~~اثنتي عشرة سنة في عذاب وتحت نير الاضطهاد، لم يذهب الأمل لحظة واحدة من خاطري؛ فقد كنت على ms289 ~~ثقة من الفوز بأمنيتي في النهاية بعد صبري العجيب. # قضيت السنين ولم يعلم إنسان حقيقة ما في نفسي وما اعتزمت تنفيذه، ولكني ذكرت عرضا عرض ~~لإبراهيم عدلان، وقد وعدني الأخير وعدا صادقا بأنه سيبذل أقصى ما في وسعه لإنقاذي. # ولكن من سوء الحظ قد وقع غضب الخليفة على إبراهيم عدلان هذا بعد أيام من وعده الشريف، ~~فنفي من أم درمان وخسرت أنا بذلك النفي صديقا مخلصا وحاميا شجاعا نبيلا. # عندما مات إبراهيم عدلان أفضيت بسري إلى شخصين أثق ثقة كلية في أمانتهما وقدرتهما على ~~كتمان السر، ورغم كوني على ثقة - بالنسبة إلى ميلهما لي من ناحية وإلى كراهيتهما الشديدة ~~للخليفة من الناحية الأخرى - من رغبتهما الشديدة في تخليصي من قبضة عبد الله، لم أوفق في ~~سعيي ولم تصل مفاوضتي معهما إلى نتيجة، ولم يكن ذلك لقلة وجود المال الكافي لإنقاذي ~~واستعماله في هروبي، وإنما يرجع إلى خوف ذينك الشخصين من افتضاح أمرهما وظهور اسميهما بعد ~~فراري. وبما أنهما صاحبا عائلتين في السودان، فلم يكونا يرتابان في أن العمل الوحيد الذي ~~يعمله الخليفة اقتصاصا منهما هو نفيهما، ثم حمل زوجة كل منهما إلى دار حرم عبد الله، ثم ~~تشريد أولاد كل من الرجلين؛ وهذا بلا ريب قصاص فظيع وعقاب لا تحتمله النفس . # في الوقت نفسه لم يكن أفراد أسرتي ساكتين، بل كانوا يدبرون كل الوسائل الممكنة لإنقاذي، ~~ودعاهم حبهم إياي إلى بذل كل ما يستطيعون من عون وتعضيد. وبما أنهم كانوا على جهل كلي بما ~~يجري في السودان، وعاجزين عجزا مطلقا عن مد أيدي المساعدة من فينا إلي في أم درمان؛ لم ~~تكن أمامهم وسيلة سوى دفع قيم مالية تستخدم لحسابي عند قنصل النمسا في مصر، وقد كانت تصدر ~~إلى الأخير تعليمات من وزير خارجية النمسا باستعمال الأموال المذكورة على أحسن صورة ممكنة ~~لإنقاذي. وإنه لمن الواجب علي أن أذكر بالثناء البارون هدلر فون أجبرج - سفير النمسا ~~المفوض في إحدى دول أوروبا الآن عام 1895، والذي كان فيما مضى قنصلا للنمسا في ms290 مصر - فقد ~~سعى جهده لإنقاذي في الفرصة الملائمة، وبطبيعة الحال لم يكن من الحكمة التوصل لمساعدتي ~~بواسطة أي شخص، فأمر الهروب خطير يستدعي الاستناد إلى الوثوق منهم ثقة تامة؛ ولذلك عمد ~~القنصل النمساوي إلى اختيار أفراد مؤتمنين يسعون لي من جانب موظفي الحكومة، فانتدب القنصل ~~لهذا الغرض الكولونل شيفر بك، وبعد مدة غير كبيرة استعان بالماجور ونجت، الذي أظهر في ظروف ~~كثيرة عطفا كبيرا. ولا ريب في أني مدين بحريتي لكل من الماجور ونجت والبارون هولر؛ ~~فبدونهما لم يكن ميسورا الحصول على أشخاص أمناء من العرب يوصلون إلي المقادير المختلفة ~~من المال، وسأظل طول حياتي شاكرا لذينك الرجلين الكبيرين جهودهما المتواصلة في سبيل نجاح ~~مسعاهما وتسهيل أمر الفرار على شخصي العاجز أمام الخليفة الشديد السطوة. ومع أن الجميع ~~فشلوا في مساعيهم، وبدا منهم لمساعدتي ما أدخل الريبة في قلب الخليفة وفي قلوب جواسيسه ~~المنتشرين حوله؛ فإني لا أزال أذكر تلك المهارة الفائقة التي بدت من جانبي الرجلين الفاضلين ~~الأخيرين، حتى إن عبد الله لم يدر في خلده حولهما أي شك. # في الأيام الأولى من شهر فبراير عام 1892، وصل إلى أم درمان من مصر الشيخ بكار أبو زبيبة، ~~رئيس فرقة جمال دنقلة، وقد كان هذا الرجل من العرب العبابدة، فلم تكد تطأ قدماه أرض السودان ~~حتى أحضر أمام الخليفة، وهناك قال لمولاه إنه فر من مصر وقدم عن طريق أسوان طالبا عفو ~~الخليفة والسماح له بالإقامة في بربر. وقد سهل له مهمته هذه جملة خطابات توصية إلى زكي ~~عثمان أمير بربر، ولم يكد هذا الرجل يمر في ساحة المسجد الكبير ويلتقي بي حتى أسر لي في ~~أذني: «إني أتيت لمساعدتك فاجتهد في مقابلتي.» فأجبته: «إن المقابلة تكون غدا بعد صلاة ~~المغرب في هذا المسجد.» وبعد النهاية من جوابي اختفى عن نظري. وعلى الرغم من وثوقي في ~~النجاة وارتياح ضميري إلى أني سأنجو يوما من ذلك العش، فإني لم أكن شديد الإيمان بذلك ~~القول الأخير؛ لأني اختبرت أقوال السودانيين والعرب فوجدتهما في ms291 غالبيتها وعودا كاذبة ~~وأقوالا لا ترمي لغير تبرير موقف قائلها وقت وقوفه أمامي، وتبعا لذلك قضيت اليوم التالي ~~كما أقضي كل يوم عادي، فلم أفكر في المقابلة أو نتيجتها؛ لأني لم أكن آمل تحقيقها، وفي ~~حين حدوثها لم يكن يذهب بالي إلى أن نجاتي ستتحقق بعدها مباشرة. # بعد الانتهاء من صلاة المغرب في اليوم التالي، مر بكار في طريقه إلى الخارج بباب المسجد ~~الذي تقابلنا فيه اليوم السابق، فتبعته بحذر شديد، ثم دخلنا معا إلى القسم المحجوب عن ~~الأنظار من بناء المسجد. وعندما غابت عنا عيون الناس وبعدت عن مجلسنا آذان السامعين، سلمني ~~بكار صندوقا من الصفيح يبدو من رائحته أنه يحتوي على كمية من البن، وقد قال لي صاحبي ~~العربي: «لهذا الصندوق قاع مزدوج فافتحه واقرأ الأوراق الموجودة في آخر القاع الثاني، ~~وسأقابلك هنا غدا في الباب نفسه.» # أخفيت الصندوق تحت عباءتي، ثم رجعت إلى مكاني، وكان مقدرا لي أن أتناول العشاء في تلك ~~الليلة مع الخليفة، فارتجف قلبي عندما سمعت تلك الدعوة؛ لأني كنت أحمل صندوقا كبير الحجم ~~إلى حد ما بحيث يمكن ظهوره تحت ملابسي بكيفية بارزة، ومن سوء الترتيب أني وضعت أمام الذي ~~كان يحدق في طول وقت العشاء، ولكن من حسن حظي - إلى جانب ذلك - أن الخليفة كان شديد التعب ~~طول يومه فدار كلامه حول مواضيع عامة، وهذا كله لا يمنع استمرار ريبته وعدم تردده في إنزال ~~العقاب الصارم بي وقت سنوح الفرصة، إلا أني لم أتردد في كل مرة أقابله فيها في إظهار ولائي ~~وإخلاصي له، وبطبيعة الحال كررت ذلك في ليلة العشاء، ومن الغريب أني استطعت بعد أخذ قطع ~~صغيرة من اللحم وكمية من الذرة المسلوقة ادعاء المرض، فأذن لي الخليفة بالانصراف إلى حيث ~~أقضي ليلتي كل يوم، فأسرعت إلى المنزل وهناك أشعلت المصباح الزيتي الصغير وفتحت الصندوق ~~بمديتي، فوجدت ورقة صغيرة كتب عليها بالفرنسية الكلمات الآتية: # بكار واد أبو زبيبة رجل مخلص أمين. # الإمضاء # الكولونيل شيفر # جعلنا (أنا وأحمد) نتساءل عما أصاب ms292 الرجال المرسلين لإنقاذنا، وأغلب ما اتجه إليه ظن كل ~~منا هو أن الدراويش قابلوهم فقبضوا عليهم بعد أن شكوا في أمرهم وارتابوا، ومهما يكن الأمر ~~فقد وصلنا إلى حيث كنا ممتلئين مخاوف وآلاما مبرحة، وعندما فارقت أحمد عند ساحة الاستعراض ~~طلبت منه أن يخبرني في المساء عما يحدث، وفي الوقت نفسه أكدت له أني مستعد لمحاولة الفرار ~~في أية لحظة. # لم يكد يبدو السحر حتى وصلت إلى كوخي الذي تركته منذ ساعات قليلة، وأظن أنه من الخير ~~أن أترك للقارئ تصور شعوري وحالتي بدلا من السعي إلى وصفها، فهذا الوصف مما لا أستطيعه ومن ~~حسن الحظ أني وصلت قبل قدوم أحد الضباط - واسمه عبد الكريم - برسالة من الخليفة يسألني فيها ~~عن سبب تغيبي عن صلاة الفجر، فأجبته بأني كنت مريضا، وفي الحق كانت ملامحي كافية لإغراء ~~الضابط بوقوعي في قبضة المرض الموجع. # عبثا انتظرت الأخبار من أحمد في ذلك المساء، ولم أعلم منه إلا بعد يومين عن العرب الذين ~~كانوا معينين لإنقاذي، فقد رأى أولئك أنه من العسير جدا تخليصي من الأسر، ومن المجازفة ~~الخطيرة التقدم لإنقاذي، فعمدوا إلى الرجوع من حيث أتوا وعدم الوفاء بوعدهم، وإذن عجزنا عن ~~تنفيذ خطتنا، وقد حمدنا الله حمدا عظيما إزاء منه علينا بالرجوع إلى أماكننا دون مراقبة ~~أحد، ودون وقوف الخليفة وجواسيسه على سر تغيبنا في الساعات القلائل المذكورة سالفا. # بعد أن رجعت سالما لمكاني في أم درمان كتبت إلى صديقي في مصر شارحا لهما كل ما وقع ~~لي، فلم يقنطا واستمرا في تدبير وسائل المساعدة، وهنا اتجهت أنظارهما إلى الأب أوهروالدر، ~~الذي عندما كان في مسينا زار أفراد أسرتي وأخذ منهم أقراصا من الأثير تقوي الإنسان على ~~احتمال السفر الطويل وتطرد النوم عن المرء، وقد جهز الأقراص المذكورة أوتو كارشياري وبعد ~~إعدادها وصلت لي كاملة آمنة، وقد وضعت تلك الأقراص في زجاجة صغيرة تمكنت من دفنها بعناية ~~تحت التراب في بقعة لا يعرفها أحد غيري. # أصبحت واثقا الثقة كلها في عبد الرحمن ms293 واد هارون الذي أرسلته إلى مصر برسالة إلى البارون ~~هدلر، ليعين له (عبد الرحمن) الوسائل التي يراها نافعة ومثمرة في طريق فراري، وقد تم للمرة ~~الثانية اتفاق بين السفارة النمساوية في مصر وبين هذا التاجر - وقد تدخل في هذا الاتفاق ~~الماجور ونجت وملحم بك شقير ونعوم أفندي شقير - على أن يأخذ عبد الرحمن ألف جنيه. تعطى ~~المكافأة (1000 جنيه) لعبد الرحمن في حالة واحدة؛ هي وصولي إلى القطر المصري سالما، وقد ~~سلمت السفارة النمساوية هذا الرجل مائتي جنيه لإعداد الأشياء اللازمة قبل الشروع في ~~الفرار. # في ذلك الوقت عين الماجور ونجت حاكما لسواكن، وقد خشي عدم نجاح عبد الرحمن، فأجرى ~~اتفاقا شبيها بالسالف مع رجل عربي اسمه الشيخ كرار، وكان المتفق عليه معه السعي إلى ~~الفرار بي عن طريق طوكر أو كسلا. # في يوم من الأيام سلمني تاجر في أم درمان - قدم ذلك التاجر من سواكن - ورقة كتب عليها ما ~~يأتي: # مرسل إليكم الشيخ كرار الذي سيسلمك بعض إبر الخياطة كدليل على أن الذي يكلمك هو ~~الشيخ، وتأكد أنه رجل أمين وشجاع، فثق فيه ثقة تامة وتقبل أصدق التحيات من ~~ونجت. # الإمضاء # أوهروالدر # عرفت بعد ذلك بقليل من أحد أقرباء عبد الرحمن واد هارون أن الأخير وصل إلى بربر من مصر، ~~وأنه بدأ يجري المعدات اللازمة لفراري، ولكنه اعتزم - في سبيل إبعاد الريب والشكوك عني - ~~عدم العودة إلى أم درمان، فكان هذا القرار من جانبه سبب كدر لي. # بدأ اليوم الأول من شهر يناير عام 1895 بعد أن قضيت سنوات شدة واضطهاد إلى جانب عبد الله ~~المستبد الظالم، فهل يمر ذلك العام كما مر أسلافه؟ وهل نأمل في خير جديد نحصل عليه في عامنا ~~الجديد؟ # على أية حال، كنت في مستهل ذلك العام شديد الثقة، وقد جال بخاطري هاتف يناديني بقرب ~~الإفراج عني من ذلك الأسر، فكان قلبي يحدثني بأن أصدقائي المخلصين الكثيرين في الخارج ~~سيوفقون لا محالة إلى إنقاذي، وأنهم سيكسرون أغلال الأسر ويمكنونني بفضلهم وكرمهم من مشاهدة ~~أفراد ms294 أسرتي مرة أخرى على الأقل قبل موتي، وأني سأنعم بالعودة إلى الوطن ومشاهدة رفاق الصبا ~~وأماكن سروري القديم. # في ليلة من ليالي النصف الأول من شهر يناير عام 1895، مر بي في الشارع شخص لم تقع عليه ~~عيناي من قبل، وقد أشار لي هذا الرجل إشارة فهمت منها أنه يقصد سيري حيث يسير، فخشيت أن ~~يكون جاسوسا، فأظهرت له علامة التذمر والاستياء، فأجابني بعد ذلك: «إني الرجل الذي يحمل ~~الإبر الصغيرة.» فلم أكد أسمع ذلك حتى عمني البشر والسرور، فقدت الرجل إلى زاوية مظلمة ~~صغيرة مجاورة لكوخي، وهناك رجوته أن يسرع في شرح مهمته لي، فبدأ بتقديم ثلاث إبر صغيرة ~~وورقة صغيرة، ثم قال لي بعد ذلك: «إن الفرار مستحيل في الوقت الحالي.» وأضاف إلى ذلك قوله: ~~«قد أتيت بعد أن اعتزمت عزما أكيدا حملك معي إلى كسلا، ولكن الفرار إلى تلك الناحية أصبح ~~في الوقت الحالي عسيرا؛ بعد إنشاء محطات حربية في كل من الفاشر وأسوبري وخور رجب ~~والعطبرة المتصلة بعضها ببعض اتصالا مباشرا إلى كسلا.» وزاد على ذلك قوله بأن أحد جماله ~~قد مات، وأنه خسر كثيرا من ماله بالنظر إلى كساد الشئون التجارية؛ وإذن ليست لديه وسائل ~~كافية لإنقاذي في الوقت الحالي، وتبعا لذلك طلب مني أن أعطيه خطابا للماجور ونجت أسأله ~~فيه تسليمه (الرجل المذكور) مقدارا جديدا من المال، وقد وعدني هذا الشخص وعدا أكيدا ~~بأنه سيرجع إلي في بحر شهرين. # أما أنا شخصيا فقد وثقت أن الرجل لن يسمح بتعريض حياته للخطر في سبيل إنقاذي، وبما أنه ~~أخبرني بعزمه الأكيد على السفر وعدم تمكنه من التأخير، طلبت منه بإلحاح أن يقابلني في ~~المسجد الكبير مساء اليوم التالي، وعندئذ افترقنا، فرجعت إلى مكاني العادي عند باب ~~الخليفة. # أما الورقة التي سلمها إلي الرجل من سواكن فتحتوي على توصية ومدح فيه (الرجل) من الأب ~~أوهروالدر، وقد أجبت على هذه الورقة إجابة مختصرة شرحت فيها كل ما وقع لي. وعندما تقابلنا ~~في الليلة التالية سلمت شيخنا هذا خطابي، فأسرع ms295 في ضمه إلى جيبه أملا منه أن فيه ما يضمن ~~له الحصول على مقدار جديد من المال حسب طلبه، وفي الحق كنت شديد الفزع كثير القنوط. وعلى ~~هذه الحالة عدت إلى منزلي حيث مررت فجأة بمحمد ابن عم صديقي عبد الرحمن، وكأنما قدرت ~~الاتفاقات أن يسير إلى جانبي في تلك اللحظة حيث همس في أذني «نحن على استعداد»، وأضاف إلى ~~ذلك «اشترينا الجمال وأحضرنا المرشدين في الطريق، والوقت المعد لنجاتك هو الربع الأخير من ~~القمر في الشهر القادم، فكن مستعدا.» ولم يضف إلى ذلك شيئا، وقد شعرت هذه المرة شعورا ~~صادقا بأنه من الواجب الابتعاد عن اليأس الذي يتخلل الأمل في فترات مختلفة. # قبل أن ينتهي شهر يناير من عام 1895 وصل إلى أم درمان حسين واد محمود مزودا بتعليمات ~~وتوصيات البارون هيدلر والماجور ونجت، وقد أخبرني هذا الرجل العربي الجديد أنه على أهبة ~~الاستعداد لحملي على الفرار، وقد رجاني حسين هذا أن أكتب لأصحاب الشأن في مصر بحقيقة ما ~~عمله «حسين»، وأن يحمل ما أكتبه إلى مصر أحد أشقاء حسين أثناء رحيله للقطر المصري. وبما أني ~~كنت مقيدا باتفاقي مع عبد الرحمن، اضطررت إلى الانتظار للوقوف على ما يعمله لعله يوفق إلى ~~النجاح، ففي حالة فشل مساعيه (عبد الرحمن) عولت على الاستناد إلى حسين هذا، وحتى لا أصدم ~~الأخير - بدلا من تقديم الشكر له على الأقل - أخبرته بأني في الوقت الحالي أرى صحتي غير ~~قادرة على موالاة رحلة كبيرة، وأني سأخبره بعزمي النهائي في آخر شهر فبراير، وفي الوقت نفسه ~~أعطيته خطابا لأصدقائي في مصر ذكرت لهم عامة ولهيدلر خاصة بأني عولت على الفرار مع عبد ~~الرحمن، متمنيا في سعيي هذا توفيقا تاما، وفي حالة فشلي - وقد دعوت الله الرحمن أن يحول ~~دون هذا الفشل - لا أجد غير «حسين» وسيلة لفراري. وإني لا أكتم القارئ حقيقة ما دار في نفسي ~~بعد أن كثر عارفو سري والواقفون على رغبتي؛ فقد خشيت أن يفتضح السر عند الخليفة، وإذ ذاك ~~تنزل علي ms296 صواعق عسفه وغضبه، فإني لم أكن أتردد لحظة واحدة في الثقة بأن الخليفة في حالة ~~ريبة جزئية وشك بسيط في مسعاي سيقدمني إلى أشق صنوف الموت بعد أن يلقيني في السعير ~~(السجن)، وبطبيعة الحال كان عبد الله يتلمس أي ظرف للفتك بي؛ لأنه كان فيما بينه وبين نفسه ~~يخافني كثيرا. # أخبرني محمد يوم الأحد 17 فبراير سنة 1895 في كلماته القليلة، أن الجمال المعدة للفرار ~~ستصل في اليوم التالي، على أن تستريح من تعبها يومين، وفي ليل 20 فبراير نتمم مشروعنا ~~الخطير. وزاد على ذلك أنه في مساء الثلاثاء 19 فبراير سيشير إلي إشارة أفهم منها أن كل ~~شيء قد انتهى على أحسن صورة، وأدركت أنا سنقوم بالرحلة الطويلة الشاقة التي تحتاج إلى صبر ~~طويل وعزم ثابت. # ظللت أنتظر بأمل وخوف؛ فالأمل يدفعني إليه ما قضيته من أعوام طوال في عيش مرير قد ينتهي ~~بعد يومين إلى حرية مطلقة، وأما الخوف فمما قد يعترضنا في سبيلنا. وعلى أية حال كنت شديد ~~الشوق إلى مساء الثلاثاء حتى جاء ذلك الليل والتقيت بمحمد على باب المسجد الكبير؛ حيث همس ~~في أذني بسرعة داعيا إلى الاستعداد للسفر، ثم افترقنا على أن نتقابل الليلة ~~القادمة. # إني أعترف للقراء أني قضيت القسم الأكبر من تلك الليلة في حالة اضطراب شديد؛ فكنت بين آن ~~وآخر أقول: «هل يفشل ذلك التدبير كسابقه؟» وما زلت أردد القول: «هل يعترض سبيلنا حادث غير ~~منظور يقضي على كل ما لدي من آمال؟» وإزاء ذلك الاضطراب الفكري، لم أستطع النوم لحظة ~~واحدة حتى بدا الفجر، فمن شدة التعب أغرقت في النوم العميق ساعتين أو ثلاث ساعات، تمنيت ~~بعدها أن أكون في نشاط يمكنني من الابتداء في رحلتي الخطيرة. # حان صبح اليوم التالي الذي كان معدا لعملنا الخطير، فبدأت في تنفيذ المشروع بالحيلة ~~الوحيدة المعقولة؛ وهي ادعاء المرض، فوقفت لدى باب الخليفة، وهناك ظهرت بمظهر الضعيف المريض ~~وطلبت من رئيس ضباط حرس عبد الله السماح لي بالتغيب عن صلاة الفجر في يومنا ms297 هذا، بعد أن ~~أخبرت هذا الضابط المذكور أني تناولت مقدارا من الشاي والتمر الهندي لتخفيف ما بي من ألم، ~~على أن أبقى هادئا في منزلي في اليوم التالي. وقد حمدت الله لأني تمكنت من الحصول على ~~الإذن بالتغيب عن الصلاة، وزيادة على ذلك وعد عبد الكريم بأنه سيعتذر عني لدى الخليفة في ~~حالة سؤال الأخير عن تغيبي. ولم أكن في شك من أن الخليفة عندما لا يراني في صلاة الفجر ~~سيسأل عني بطريقة ماكرة، يريد بواسطتها الوقوف على حقيقة عملي والتثبيت من وجودي في المنزل، ~~إلا أنه سيدعي طلب الاستفسار عن صحتي بإرسال من يراني من قبله، وإذن فالمسألة خطيرة. ~~ومهما يكن الأمر فلم تكن أمامي أية وسيلة خلاف هذه للاعتذار عن الامتناع عن صلاة ~~الفجر. # قبل غروب شمس ذلك اليوم جمعت خدمي، وبعد أن أقسم أولئك على الاحتفاظ بالسر وعلى عدم ذكر ~~ما أقوله لهم لأي شخص آخر، أخبرتهم أن شقيق الرجل الذي أحضر لي رسائل ونقودا مالية وساعات ~~صغيرة من أقربائي منذ سبع سنوات، قد وصل أخيرا بأشياء أخرى جديدة، وبما أنه وصل بدون علم ~~الخليفة فقد اضطررت إلى عدم إفشاء سر مجيئه الأخير؛ حتى لا تحوم حوله أية شبهة بدون وجه ~~حق. وعلاوة على الكلمات السابقة قلت لخدمي إني اعتزمت زيارة الرجل المذكور في تلك الليلة؛ ~~لأني اعتزمت الإفضاء إليه بأقوال يذكرها لأقربائي بعد عودته إلى مصر ومقابلة قنصل النمسا في ~~القطر المصري. وللإسراع في تنفيذ الرغبة وابتعاد الرجل عن عيون الرقباء، فضلت الإفضاء إليه ~~بما عندي في أقرب ساعة ممكنة من الليل. وبطبيعة الحال صدق الخدم أقوالي؛ لأنهم اعتادوا في ~~السنوات الطويلة التي قضوها معي سماع الأقوال والأنباء الصادقة مني، وعلاوة على ذلك طمع ~~أولئك الخدم في الحصول على أشياء من الطرائف التي أحضرها الرجل معه من الخارج؛ وإذن اضطروا ~~إلى الاحتفاظ بما سمعوه وعدم إذاعة سر ذلك الرجل. # في سبيل تنفيذ مشروعي الخطير، طلبت من خادمي الأمين (أحمد) مقابلتي في صباح اليوم التالي، ~~في الطرف ms298 الشمالي من أم درمان على مقربة من ميدان فير، على أن تكون بغلتي مع هذا الخادم في ~~الوقت المحدد. وزدت على ذلك أن نصحت له بعدم الاضطراب أو القلق في حالة تأخيري عن الميعاد؛ ~~لأن العمل الذي رغبت في إنجازه يقتضي بطبيعة الحال وقتا كبيرا. وعلى أية حال، ألححت عليه ~~(أحمد) بعدم مغادرة مكان المقابلة حتى أسلمه المال الذي آخذه من الرجل العربي الذي حضر من ~~الخارج، وبعد أن يستلمه أحمد يوصله إلى منزلي ويأخذ مكافأة على ذلك. # أما الخدم الآخرون فقد شددت عليهم في الاحتفاظ بالسر والتزام الصمت الكلي؛ لئلا يصيبني ~~خطر جسيم من جراء افتضاح الأمر المكتوم. # أفهمت كلا من خدامي على حدة أنه في حالة استفسار أحد الضباط عني من أيهم (الخدم)، يكون ~~جوابه على الضابط بأني قضيت ليلة شاقة جدا، اضطررت إزاءها إلى مغادرة فراشي (المؤلف) ~~ليلا في صحبة خادمي أحمد لسماع نصيحة طبية من شخص لا يعرف أحد مقره، ولكن الذي يعرفه ~~جميعنا (الخدم) هو ذهابه إلى شخص خبير بالمرض وملم بوصف الأدواء الناجعة. # رغبت بعد كل ذلك التضليل أن أسبك حيلتي وأحسن تمثيل روايتي الخيالية، فأفهمت خدمي بأني ~~«مضطر للحصول على مقدار كبير من المال في صباح اليوم التالي، فلا حاجة بي إلى قسم كبير ~~مما معي؛ لذلك أرى أن أحسن وأفضل مكان يفرق فيه ما معي هو أيدي خدمي الأمناء.» وحققت ~~القوم بالفعل، فنفحت كلا منهم ببعض ريالات. وكل ما رميت إليه من تضليلي هو تأجيل الميعاد ~~الذي يذاع فيه خبر فراري؛ فقد كنت على ثقة من أن سر تغيبي سيعرف لا محالة، سواء أذكر ~~خدمي حقيقة عملي أم لم يذكروها، ولكني إلى جانب ذلك عرفت أن تكتم أولئك الخدم سيؤخر انتشار ~~الخبر بضع ساعات تساعدني في الابتعاد مسافة جديدة عن المكان الذي فررت منه. أما خادمي أحمد ~~فكان ينتظرني في المكان الذي عينته له راكبا بغلتي، وأما الخدم الذين أكثرت لهم الوعود ~~فعلى انتظار المال الجديد الذي يوزع عليهم بسخاء! # ادعيت واختلقت ms299 من الأقوال كل ما يستطيع العقل التحايل به على أمثال أولئك الخدم ~~السودانيين. ولكني وجدت - إلى جانب ما قلته ورتبته - الحاجة ماسة إلى حساب تدخل الخليفة ~~واستفساره عني، فأدركت أن الخليفة سيسأل عني فيلقى من خدمي إجابة تدعو إلى الريبة والشك، ~~وحينئذ يأمر الخليفة أحد الخدم للبحث عن أحمد، وهذا البحث يستغرق زمنا بطبيعة الحال، فإذا ~~ما وصلوا إليه ذكر أحمد للخليفة حكاية الشخص المنتظر قدومه لتسليم ما هو خاص بي (المؤلف)، ~~وتلك العملية الجديدة تستغرق وقتا آخر يعقبه فشل الباحثين، وعندئذ فحسب ينقب عني العسس ~~والجنود والضباط بعد أن أكون في الواقع اكتسبت الوقت المساعد للفرار. # بعد أن أدركت ذلك عدت إلى إفهام خدمي بما ينطقون به عند الخليفة في فترات مختلفة. # بعد أن أديت صلاة العصر عدت إلى منزلي فجمعت خدمي مرة أخرى وشددت عليهم بالاحتفاظ بالسر ~~الهام، ثم وعدتهم الوعود الكثيرة بما سأقدمه لهم من هدايا وأموال. وبعد ذلك خرجت من عتبة ~~البيت الذي سكنته أكثر من عشر سنين، وقبل خروجي توسلت إلى الله تعالى أن يحفظني في رحلتي ~~الشاقة، وأن يحميني من حياة الأسر والعبودية. # الفصل الثامن عشر # | فراري # بعد ثلاث ساعات من غروب الشمس، أدينا فريضة صلاة العشاء مع الخليفة في المسجد الكبير، ~~وبعد ذلك عاد (عبد الله) إلى مخدعه في بيته الخاص ، ثم مرت ساعة لم يحدث فيها أي تدخل من أي ~~جانب في سير الأمور سيرها العادي. وفي نهاية تلك الساعة ذهب سيدي ومولاي الخليفة عبد الله ~~إلى فراشه. ولم أكد أثق من ابتعاد الخليفة عن حركاتي، حتى حملت الفروة النظيفة التي تعودت ~~استعمالها في الصلوات الخمس يوميا، ثم ارتديت معطفا صوفيا لوقايتي من البرد، ثم سرت في ~~طريق المسجد إلى الناحية الشمالية من أم درمان، ولكني سمعت صوتا خفيفا، فخشيت وقوف من ~~يعوق فراري، إلا أني تبينت الصوت بعد ذلك فعرفت أنه صادر من محمد الذي عينته الظروف الحسنة ~~واسطة لفراري. # عند ذلك الصوت وقفت فوجدت إلى جانب محمد الهادئ الصامت حمارا ms300 معدا لركوبي، فامتطيت ~~الدابة وأسرعت في مسيري الخطير في ذلك الليل البهيم. ومن أحسن ما أذكره من دلائل توفيقي في ~~هروبي الأخير، أن الريح الباردة الشمالية اشتدت إلى حد اضطر معه كل الآدميين إلى الانزواء ~~في بيوتهم الصغيرة اتقاء خطر البرودة القارصة. # سرنا في طريقنا (أنا ومحمد) فلم نصادف من الناس أحدا حتى وصلنا إلى الطرف الأخير من أم ~~درمان، وفي قسم من ذلك الطرف وجدنا بيتا صغيرا مخربا قائما على زاوية من الطريق ~~الشمالية، ومن تلك الدار الصغيرة خرج رجل عربي ومن ورائه جمل معد للسفر، لم تكد تقع ~~عينا الرجل علي حتى بادرني بقوله: «سيعينك ذلك الجمل في رحلتك وسأرشدك في الطريق إلى ~~مصر.» # قال لي محمد بعد ذلك: «اسم هذا الدليل زكي بلال، وسيسير معك أولا إلى الجمال المعدة ~~لاجتياز الصحراء بالراكبين في بقعة خاصة، فأسرع تلق النجاة، وإني شخصيا أتمنى لك سفرا ~~سعيدا، وأسأل لك من الله الوقاية والأمن.» ذكر زكي بضع كلمات للجمل دعته (الجمل) إلى ~~البروك على الأرض، فامتطى «زكي» صهوته ودعاني إلى الجلوس على جزء من السرج وراءه مباشرة ~~لعدم وجود جملين في تلك اللحظة. وبعد ساعة من رحلتنا وصلنا إلى بقعة اختبأ فيها بعض الجمال ~~تحت الأشجار الصغيرة، وعلى أية حال كان كل شيء على استعداد تام، وكنت أنا شخصيا خاضعا ~~لأي أمر يصدر لي من زكي؛ مرشدي في تلك السبيل الخطيرة، وإذن سمعت كلامه عندما أشار علي ~~بركوب جمل خاص. # قلت لزكي قبل متابعة رحلتنا: «هل أعطاك محمد الدواء؟» فأجابني «زكي»: «لم أستلم شيئا، ~~وأي دواء تعني؟» فأجبته بأن الدواء الذي أعنيه هو ما يسمونه أقراص الأثير، التي تمكن ~~المسافر من مطاردة النوم وتمنحه قوة على مواصلة السفر الطويل الشاق. # ضحك زكي بعد ذلك وقال لي: «النوم! النوم! لا تفكر في هذا الموضوع؛ فإن النوم لا يجد إلى ~~عيني سبيلا، وإن الله من فوقنا رحيم قدير يمكننا من مطاردة النوم دون الاستعانة بدواء ~~إنساني.» # لم أجد جوابا على ذلك سوى قولي: ms301 «لقد أصبت أيها الصديق كبد الصواب، وإني مشترك معك في ~~الدعاء إلى الله بمد العون الأعلى.» # واصلنا السير في طريق شمالية، وقد كان من الممكن أن تسرع بنا الجمال في طريقنا، إلا أن ~~أمرين حالا دون ذلك؛ هما: شدة ما في الليل من حلوكة وبرودة من ناحية، وانتشار أعشاب الحلفا ~~وشجر الميموسا في طريقنا من الناحية الأخرى. وعلى أية حال لم يقف بنا جملانا طول الليل، ~~وظللنا ندعو الله أن يمن علينا بالسلامة حتى أشرق نور الصباح البهيج، فوجدنا أننا (أنا ~~وزكي) عند أول وادي بشرة؛ حيث يجد المسافر واديا ممتدا إلى ما لا يقل عرضه عن ثلاثة ~~أميال، وتلك الناحية مزروعة ببذور الدخنة من فصل الشتاء؛ حيث يجد أفراد قبيلة الجعليين ~~الساكنون على شاطئ النيل ريا كافيا من مطر السماء. # انضم إلينا بعد أن غادرنا طرف أم درمان الشرقي قائد آخر صغير السن اسمه حامد بن حسين. ~~وإذن وصلت إلى وادي بشرة، فتمكنت من ضوء الصباح من مشاهدة زكي بلال؛ فإذا به شاب صغير ~~السن مسترسل اللحية، وإلى جواره حامد بن حسين وهو شاب في مقتبل العمر. عندما وقفت الجمال ~~الثلاثة صباحا سألت الرجلين قائلا: «من أية قبيلة أنتما؟» # فأجابا متضامنين: «نحن من جبال جيليف أيها السيد، ولتكن واثقا أن إرادة الله وحدها هي ~~التي تساعدنا على ارتياحك إلينا.» # طال الحديث بيننا نحن الثلاثة بعد أن اطمأننت إلى ذينك الرفيقين، وانتهز أكبر المرشدين ~~سنا ما لقيه في من صراحة وبساطة، فقال لي: «إلى أي مدى بعدنا عن أعدائنا؟ وبعد كم من ~~الزمن نصل إلى الجهة التي يضل فيها أعداؤنا عن الوصول إلينا؟» # أجبته على الفور: «سيبحث عني رجال الخليفة بعد الانتهاء من صلاة الفجر، ولكن ثق أنهم ~~سيبدءون أولا بالشك في فراري، ثم يعقب ذلك البحث عن الجمال التي يركبها الجنود للبحث عني، ~~وكل ذلك يستلزم وقتا، فثق أن لدينا ما لا يقل عن أربع عشرة ساعة.» # فرد علي حامد قائلا: «ليس هذا بالشيء الكثير جدا، ولكن إذا ساعدنا ms302 الله وقوى جمالنا ~~في مسيرها، فإن لدينا إذ ذاك أملا قويا في قطع شوط بعيد أمين.» # اضطررت عندئذ إلى إلقاء السؤال الآتي على حامد: «هل تعرف قوة جمالنا على السير؟ وهل لم ~~تختبرها قبلا؟» فوجلت عندما أجابني قائلا: «إني في الحق لا أعرف عن تلك الجمال الثلاثة ~~شيئا؛ لأنا اشتريناها على عجل في الوقت الذي سمعنا فيه خبر رغبتك في الفرار، ولكن الذي نثق ~~منه هو أن الذي اشترينا منهم الجمال قوم مشهورون بأمانتهم من ناحية، وبمتانة جمالهم من ~~الناحية الأخرى.» # ومهما يكن من شيء، فقد تابعنا فرارنا بأسرع ما نستطيع، وقد عدونا بالجمال عدوا لا نتصور ~~في الأرض سرعة لحيوان كتلك التي قام بها جمالنا الأمناء. على أنا في الحق أشفقنا على تلك ~~المخلوقات غير الناطقة لما انتابها من شدة وتعب، ومما خفف الأمر انبساط الأرض وسهولة ~~تربتها، رغم ما تخللها من أكوام وحفر وبعض التلال الحجرية الصغيرة. ويمكنني التصريح دون ~~مبالغة أنا والينا العدو دون وقوف إلى ظهر يومنا ذاك، حيث ناداني مرشدي فجأة قائلا: «قف ~~حالا! ولنبرك جمالنا في تلك اللحظة، ولنكن سريعين في عملنا هذا.» # خضعت للأمر فوقفنا وبركت الجمال، إلا أني دهشت جدا وتولاني الفزع لوقوف الجمال، في حين ~~أني أشاهد الجمال وجوادين في مسافة بعيدة، ولم أكن أشك في أن الأعداء قادمون للانقضاض علي ~~وعلى المرشدين اللذين معي، فأعددت مسدسي (من طراز رمنجتون) للدفاع عن نفسي وعمن معي وقت ~~الهجوم، وعند ذلك قلت لمن معي: «إذا كنا الآن مكشوفين أمام عيون أعدائنا فلنسر في متابعة ~~الهروب بهدوء ونظام؛ لأن بروك جمالنا ووقوفنا متجاورين مما يبعث الشكوك والريب إلى أولئك ~~الجنود الذين يتعقبوننا؛ وإذن ففي أية طريق هم سائرون؟» # أجابني حامد بن حسين: «إنك على حق في كل ما تقول، أما الطريق التي يسيرون فيها فهي ~~الشمالية الغربية.» # تيقظنا بعد ذلك من غفلتنا وغيرنا طريق سيرنا فجعلناها الشمالية الشرقية، وكنا مطمئنين ~~كثيرا وواثقين بأنا سرنا غير منظورين من أولئك المراقبين، ولكنا فزعنا جدا عندما شاهدنا ms303 ~~على بعد ألفي متر تقريبا أحد الجنود التابعين للخليفة مسرعا امتطاء جواده ومتجها إلى ~~ناحيتنا. # قلت لحامد بعد ذلك: «أخبرك يا حامد بأني سأسير جنبا مع زكي، فهل تستطيع إيقاف ذلك الرجل ~~القادم إلينا وإجابته عما يلقيه من أسئلة؟ وعلى أية حال فأطلب منك أن تمنعه.» # لم يكد يصل حامد إلينا حتى قال بصوت مرتفع: «أشكر الله فضله شكرا جزيلا على نجاتك؛ فإن ~~الرجل الذي كان يتعقبنا صديق خاص لي اسمه الشيخ موضال، وقد كان سائرا في طريقه إلى دنقلة ~~ليحضر كميات من البلح إلى أم درمان، وقد استفسر مني الرجل عن سبب مرافقتي للرجل المصري ~~الأبيض صاحب العينين الشبيهتين بعيني الصقر.» # عندما انتهى حامد من كلامه أجبته (المؤلف) على الفور: «ماذا كان جوابك على سؤال ذلك ~~الشيخ؟» # فقال حامد بأنه طلب من ذلك الشيخ بصفته صديقا مخلصا له أن يحتفظ بالسر، وأعطاه في سبيل ~~ذلك عشرين ريالا من عملة ماريه تريزة، ثم أردف ذلك بقوله لي: «نحن العرب ميالون كثيرا إلى ~~اقتناء المال، فلم يكد يحصل مني صديقي على ذلك المبلغ حتى أقسم لي قسما غليظا بأنه لن ~~يفشي سرنا بحال من الأحوال، وأنه سيمسك لسانه عن الكلام في حالة التقاء متعقبينا به.» أما ~~فيما يختص برفاق صاحبي الشيخ، فمن الغباوة بدرجة لا يميزون معها بين الأبيض والأسود ولا ~~يعرفون الفرق بين العربي السوداني والأوروبي الأبيض، ما دام المطلوب تمييزهم مقنعي الوجوه. ~~هذا إلى أن الوقوف مع أولئك مكن زكي ومكنني (المؤلف) من قطع مسافة بعيدة عن الأنظار. # عندما غربت الشمس تجاوزنا تلال هوبيجي، ثم نزلنا عن جمالنا للاستراحة في الخلاء وبقينا ~~هناك نحوا من ساعة، وتلك الناحية التي عسكرنا فيها تبعد مسير يوم غربي شاطئ النيل. ولم نكن ~~في راحتنا الصغيرة نرمي إلى إراحة أجسامنا، بل كنا أولا وأخيرا نقصد استراحة جمالنا صاحبة ~~الفضل في حملنا إلى حيث نتمتع بالحرية، وأظن أنه لم يكن ميسورا لنا الاستمرار في العدو بعد ~~أن واليناه إحدى وعشرين ساعة دون انقطاع منذ ms304 غادرنا طرف أم درمان الشمالي، ولم نأكل طول ~~يومنا، وكل ما تمكنا من تغذية أجسامنا به هو القليل من الماء لكل من الثلاثة ~~العاديين. # في تلك الساعة التي ارتحنا فيها وأرحنا جمالنا كنا شديدي التعب، ولكنا على الرغم من ذلك ~~أكلنا بلذة وشهية مفتوحة مقدارا من العيش القفار وكمية من البلح. # بعد أن أكلنا قال لي مرشدي حامد: «لنقدم الأكل لجمالنا وبعد ذلك نوالي السير السريع، أما ~~أنت فأظنك في أشد حالات التعب.» # أجبته بسرعة: «لست أشعر بشيء من ذلك التعب الذي تعبته؛ لأنا في أوروبا نعد الوقت من ذهب، ~~فإذا كنت في صغري تعلمت ذلك، فإني أزيد عليه في حالتي هذه بأن الوقت حياة كاملة، فلنسرع ~~جدا في عملنا.» # تولانا الجزع عندما رفض كل من الجمال الثلاثة تناول شيء من الأكل، لأنا قدرنا في الحال ~~أن الجمال لن تستطيع السير، وأن المانع لها من الأكل هو شدة ما انتابها من تعب الإجهاد في ~~العدو. وعلى أية حال، عمدنا في تلك اللحظة بعد أخذ مشورة حامد إلى إيقاد نار قليلة الكمية ~~فوق مقدار كبير من الخشب المحروق، وصببنا على الخشب والنار جزءا من الراتينج. # بعد الانتهاء من تلك العملية وضع حامد الخشب والنار فوق قطعة خشبية مستطيلة، ومر بها حول ~~الجمال ذاكرا بعض كلمات لم أفهم منها شيئا . # تساءلت عندئذ بشيء من الدهشة: «ماذا تصنع يا حامد؟» فأجابني: «إني أخشى جدا أن يكون ~~فقهاء وقضاة الخليفة عبد الله قد رقوا جمالنا بما يعرقل سيرنا وينجح مقاصد الخليفة، وهذا ~~الخوف يدفعني إلى استعمال الترياق العربي الذي يفسد سم الحاسدين.» # أما ذلك القول فلم يجد مكانا في خاطري بالطبع، وكل ما أجبت به عليه هو: «إني أخشى أن ~~تكون الجمال من الفئة الثانية في السوق، وأخشى إلى جانب ذلك أن تكون قد تعبت وينبغي أن ~~يترك قسط آخر من الراحة لها؛ عسى أن تتقوى وتنهض بعد ذلك.» # انتظرنا نصف ساعة في مكاننا ظنا بأن الجمال ستأكل بعد ذلك، ولكنها امتنعت عن تناول ms305 أي ~~طعام، فخشينا ضياع الوقت وتمكن أعدائنا من الوصول إلينا، فاضطررنا إلى إعداد جمالنا ~~للركوب، وبالفعل قمنا على ظهور جمالنا لمواصلة العدو. أما الجمال فامتنعت عن الجري وكل ما ~~سمحت لنا به هو سير عادي جدا، فالتزمنا مطاوعة الجمال في رغبتها، وبقينا في سيرنا ~~البطيء هذا حتى وجدنا أنفسنا وقت شروق الشمس عند الأرض المرتفعة شمال غربي متمة. # شعرنا عندئذ بضعف الجمال وتضاؤل قوتها، فولد ذلك في نفوسنا جزعا مستمرا، وأصبح من ~~المؤكد لدينا أن الجمال لن تستطيع الوصول إلى المكان الذي نريد الانتهاء إليه - وهذا المكان ~~هو الواقع على مسير يوم شمالي بربر في طرف الصحراء - حيث اقتضى الاتفاق السابق تغيير ~~الجمال. # عندما أقبل الظهر أرحنا جمالنا في ظل شجرة باسقة واتفقنا على السير إلى ناحية جيليف - ~~الواقعة على مسير ما يقرب من يوم في الطريق الشمالية الغربية - حيث أظل مختبئا في التلال ~~غير المسكونة وغير المطروقة، حتى يتمكن مرشداي زكي وحامد من إحضار جمال صالحة لإتمام ~~الرحلة. # عند غروب الشمس كانت الجمال صالحة للسير السريع بعد أن ارتاحت قسطا وافرا من الزمن، ~~فركبنا الجمال ذاتها ووصلنا في فجر اليوم التالي إلى سفح جبل جيليف، حيث لا ساكن من بني آدم ~~على الإطلاق. # شكرنا لله فضله عندما بلغنا تلك البقعة، ثم نزلنا عن جمالنا وسقناها أمامنا في رحلة شاقة، ~~سرنا فيها على الأقدام ما يقرب من ثلاث ساعات في واد لا تتخلله غير الصخور المرعبة ~~المنظر. # ينتسب مرشداي زكي بن بلال وحامد بن حسين إلى قبيلة كبابيش، فجبل جيليف معروف لديهما؛ حيث ~~ولدا إلى جواره، فهما إذن على معرفة تامة بكل ممر في ذلك الجبل، فاستحسن رفيقاي في تلك ~~البقعة خلع السروج عن الجمال ووضعها على صخرة بجانبنا. # قال لي حامد بن حسين عندما بلغ ثلاثتنا هذه الصخرة: «لقد وصلنا إلى وطننا، ولا ريب في أن ~~الوطن يحمي ابنه الذي يلوذ به، فاطمئن أيها الضيف، وكن واثقا أنه لن يصيبك أي أذى ما دمت ~~في أرضنا، فاسترح هادئا، ولازم ms306 تلك البقعة حيث لا يشاهدك متعقب أو مراقب خارجي. وها هي ~~على بعد أقل من مائة متر عين الماء الشهيرة المتفجرة بين الصخور، فسأذهب إليها بالجمال ~~لأسقيها منها، وسيحضر لك زكي قربة صغيرة مملوءة من ماء تلك العين، وفوق ذلك سأخفي الجمال في ~~مكان أمين بحيث لن يستطيع الجن ذاته الوصول إلينا وإلى جمالنا، وإذن فلننتظر هنا حتى أنتهي ~~من التفكير فيما سنتبعه بعد ذلك.» # بقيت وحدي ولا أكتم القارئ حقيقة اضطرابي ووجلي في ذلك القفر الموحش. وعلى أية حال ~~استسلمت إلى المقادير، ودعوت الله أن ينقذني، ففكرت في السير السريع إلى الحدود المصرية، ~~وأخذت أفكر وتتساورني الهواجس من كل ناحية، وبقيت على تلك الحال ساعتين كاملتين، جاء بعد ~~انتهائهما صديقي زكي بن بلال حاملا قربة الماء على كتفه، ولم يكد يصل إلي في وحشتي حتى ~~ناداني قائلا: «ذق طعم ماء وطني العزيز تلقه نقيا خالصا هنيئا للشاربين، ولتثق أيها ~~الضيف العزيز أن وطني الذي حملك سالما سيودعك سالما حتى تصل إلى الأرض الأمينة حرا، ~~وتأكد أن كل شيء سيجري في أحسن صورة بعون الله ولطفه، وأن النهاية ستبدد جميع ما حاق بك من ~~آلام ومصائب، لا في تلك الرحلة فحسب بل في السنوات الماضية الطوال التي قضيتها أسيرا في أم ~~درمان.» # شربت مقدارا قليلا من الماء فوجدته شهيا جدا مصداقا لقول زكي، الذي أعجبني منه حبه ~~الشديد لوطنه، رغم ما هو (الوطن) فيه من فقر ووحشة على النازحين إليه. # قلت لزكي: «إني على ثقة من الفوز، ولكنني أخشى التأخير.» فأجابني على الفور: ««معلهشي»، ~~كل شيء بإرادة الله، وعسى أن يبعث الله لنا الخير في هذا التأخير، وإذن فلننتظر حامد بن ~~حسين صابرين واثقين في لطف الله.» # وصل إلينا حامد بعد مرور بضع دقائق على ظهر اليوم المذكور، وبعد مجيئه تناولنا نحن ~~الثلاثة (حامد وزكي وأنا) طعامنا البسيط العادي المكون من الخبز والتمر، وبينما نتناول ~~طعامنا استصوب زكي ركوب جمله والوصول إلى الأصدقاء الواقفين على سر نجاتي، على أن تستغرق ms307 ~~تلك الرحلة يومين متواليين يتمكن زكي بواسطتها من الحصول على جمال جدد. # قال لي زكي قبل رحيله: «سأركب الجمل بشارن؛ لأنه أقوى الجمال الثلاثة ولم يصب بعد بالكلال ~~الذي يحول دون مواصلة الرحلة الجديدة، وها نحن في مساء السبت، فسأواصل رحلتي طول الليل ~~وسحابة يوم الأحد، حتى إذا أحياني الله إلى صباح يوم الإثنين وصلت إلى البقعة التي اتفقت مع ~~أصدقائي على الالتقاء فيها. وقد أضطر إلى البقاء هناك يوما أو يومين في حالة عدم وجود جمال ~~مستعدة لمواصلة الفرار. وعلى أية حال - ما لم يعقني مانع قهري جدا - سأرجع إلى مكاني ~~هذا - الذي أنا فيه الآن - يوم الخميس أو يوم الجمعة على أكثر تقدير.» # أجبت صاحبي زكي بن بلال قائلا: «أرى الخير في تأجيل المواعيد المذكورة، وتأكد أنا في ~~انتظارك هنا لغاية يوم السبت، أما إذا وصلت إلينا قبل ذلك فلا مانع، وعلينا أن نضاعف الشكر ~~لله في تلك الحال. ولكن الشيء الوحيد الذي نرغب دائما في أن تذكره هو أن مصيرنا بين يديك ~~بعد إذن الله، فلا تمهل في شيء على الإطلاق، وأطلب إليك إلى جانب ذلك أن تكون حذرا أشد ~~الحذر في إحضار الجمال؛ بحيث تنتقي أجودها وأقدرها على مواصلة السير؛ حتى لا يصيبنا في ~~المرة الجديدة ما أصابنا في سابقتها.» # وضع زكي يده في يدي بعد سماع أقوالي وودعني قائلا: «ثق في حظنا الحسن، ثم اعتمد على نيتي ~~الحسنة وإخلاصي الشديد.» # فأجبته شاكرا وقلت له: «الله وحده قادر على أن يحميك ويرجعك إلينا عاجلا في سلم ~~وعافية.» وضع زكي بعدئذ قليلا من التمر في قطعة من القماش ليأكل وقت جوعه أثناء رحلته ~~القصيرة، ثم حمل سرج الجمل على ظهره، ثم وصف له حامد المكان الذي اختبأ فيه الجمل بشارن ~~الذي استعان به صاحبنا زكي في سيره، وقبل عدوه شدد علينا في أن نضلل أفكار الناس - إذا وجد ~~أناس في ذلك القفر - عنه. وما هي إلا دقائق حتى اختفى زكي عن أنظارنا، ثم عمدنا بعد ذلك إلى ms308 ~~إبعاد الأحجار الصغيرة عن الأرض التي قررنا قضاء ليلتنا نائمين عليها حامد وأنا، وقد وفقنا ~~في عملنا هذا توفيقا عظيما. # بقينا حامد وأنا صامتين فترة طويلة، شغل فيها كل منا بالنظر إلى الطبيعة والتفكير فيما ~~راق له أن يفكر فيه. وبينما أجول ببصري في ذلك القفر الواسع قال لي حامد: «عندي اقتراح أود ~~عرضه عليك، ويتلخص ذلك الاقتراح في أن لي قريبا اسمه إبراهيم باشا له النفوذ الكلي على ~~منطقتنا الجبلية هذه بصفته شيخها، ولهذا الشيخ منزل في سفح التل على مسافة أربع ساعات من ~~مكاننا الذي نحن فيه الآن. ولئن كنا إلى الآن محجوبين عن أنظار الآدميين، فمن الخير أن نعلم ~~شيخنا إبراهيم بوجودنا حتى يكون على بينة ويدلي إلينا بما يراه ملائما لنا في عزلتنا هذه. ~~وسأذكر له موقفنا بالضبط بدون ذكر اسمك، وهو مضطر أدبيا على الأقل - بما لي عليه من حق ~~النسب - أن يؤويني ويجد لي ولك مكانا أمينا، وينصح لنا بالمغادرة في الوقت المناسب، وذلك ~~في حالة تمكن دارس الأثر ومتعقبه من اقتفاء خطواتنا عند سفح التل، وهذا بعيد جدا. فإذا ~~وافقت على رأيي، فإني أسير إليه في جنح الليل حتى أراه وأنا في أمن من عيون المراقبين، ~~وبعد مقابلته أرجع إليك قبل صباح اليوم التالي.» لا أكتم القارئ حقيقة ما جال في خاطري من ~~سرور يداخله شيء من الخوف. وعلى أية حال أجبته بالموافقة قائلا له: «إن المشروع حسن ويحسن ~~بك أن تحمل معك عشرين ريالا تقدمها هدية لصاحب المنزل، ولا أزيدك توصية في الامتناع عن ذكر ~~ذلك لأحد كائنا من كان.» # تركني حامد عند غروب الشمس فبقيت وحدى هدفا للأفكار المتضاربة والهواجس المخلتفة، فتذكرت ~~أفراد أسرتي وأصدقائي العديدين «في أوروبا ومصر»، وذكرت بصفة خاصة أصدقائي العرب ~~والسودانيين الذين لم يحل اختلافهم في الجنسية والدين دون اعترافي لهم بالشكر الخاص وتقديري ~~ما قاموا به في سبيل راحتي ونجاتي. وإني لن أنسى جهاد أولئك الأصدقاء الذين لم يرهبهم ~~رجوعهم بعد نجاتي إلى حيث يقاضيهم أعدائي ms309 ويحاسبونهم حسابا عسيرا. تذكرت في عزلتي القصيرة ~~هذه أعز من لي في الدنيا، وأقصد بهن وبهم شقيقاتي وأصدقائي المقربين، وكنت أسأل الله في كل ~~لحظة أن يمن علي بنعمة العودة إلى وطني العزيز. وما زلت على حالتي هذه حتى غلب علي ~~النوم، فألقيت بجسمي الضعيف على الأرض المتربة، ولم أستيقظ من نومي اللذيذ - رغم خشونة ~~الأرض التي نمت عليها - إلا قبل الفجر. وبعد قليل من صحوي سمعت صوت قدمين، فتأكدت أن مرشدي ~~حامدا هو القادم، وبالفعل وصل حامد وقال لي: «تسير الأمور في أحسن أحوالها؛ فإن نسيبي ~~الشيخ إبراهيم يرحب بضيفه الذي لا يعرفه ويسأل له الوقاية وعون الله، فلتتدرع أيها الصديق ~~بالصبر؛ لأن هذا كل ما تملكه الآن، ولعله خير ما يملك الإنسان في محنته.» # جلس حامد بعد عودته من منزل الشيخ إبراهيم على حجرين كبيرين قاتمي اللون؛ بحيث أصبح من ~~العسير إيجاد فارق في اللون بين بشرته والصخر الذي يحمله؛ أما غرض حامد الأساسي من جلسته ~~هذه فهو مراقبة الناس بطريقة تبعد أنظارهم عنه. # بقى حامد في مكانه هذا، وأما أنا فجلست على الأرض إلى جواره مستظلا بشجرة ممتدة الفروع ~~تصادف وجودها بين الصخور السوداء. ولم يكن لنا حديث في تلك الفترة سوى ماضي وحاضر البلاد ~~الصحراوية التي ظللتنا، وقد سعى حامد جهده في شرح حالة وطنه الذي كان يذكره بالإعجاب ويعطف ~~عليه عطف المخلص للأرض التي ولد فيها. # بعد أن مر وقت الظهر بساعات قلائل، سمعت من الخلف وقع أقدام، فأدرت وجهي إلى ناحية الصوت ~~فرأيت على بعد مائة وخمسين ياردة رجلا يتسلق المنحدر المقابل لمكان جلوسنا، عاملا على وضع ~~فروة مستطيلة في يده على جزء من ذلك المنحدر، وفي الوقت نفسه شاهدته وهو يضع عمامته على ~~رأسه، وقد أدركت في الحال - بعد التيقن من الجهة التي كان قادما منها - أنه يقصد الوصول ~~إلينا من ناحية، وأنه رآنا من الناحية الأخرى. # كنت في حالة اضطراب، فبادرني حامد بقوله: «مهما يكن الأمر فإن القادم أحد أبناء وطني، فقد ms310 ~~سمعت صوته ووقع نظري على سحنته. وعلى أية حال، فإني أفضل التقدم إليه والتكلم معه، فهل ~~توافق على رأيي هذا؟» فأجبته: «لا ريب في أني معضدك في كل ما تراه ملائما لنا في تلك ~~الحال، فأسرع لمقابلته، وإذا اقتضى الحال تقديم شيء من المال لا تتأخر عن ذلك.» # ترك رفيقي حامد مقعده الصخري وسار إلى الرجل بخطى سريعة متلاحقة، ثم وصل إلى قمة التل ~~واختفى عن بصري، ولم تمر بعد ذلك بضع دقائق حتى شاهدتهما كليهما (حامد والرجل الآخر) قادمين ~~إلى مكاني بثغرين باسمين. وقبل أن يصل حامد إلي قال بأعلى صوته وهو في حالة بشر واغتباط: ~~«إنا موفقان سعيدا الحظ؛ فالرجل واحد من أنسبائي الأقربين؛ لأن والدته ابنة خالة ~~والدتي.» # أقبل الرجل نحوي وقدم يده للسلام علي فصافحته مغتبطا، ثم قال لي عندما جلس على الحجر ~~المجاور لمكاني: «السلام عليكم أيها الصديق، ولتكن واثقا أنك لن تصاب بأذى من ~~ناحيتي.» # أعطيت هذا الصديق السوداني الجديد كمية من البلح، وطلبت منه في رفق وأدب أن يذوق هذا ~~الطعام البسيط الذي أعاننا على الجوع في رحلتنا الشاقة، ثم سألته بعد ذلك عن اسمه فأجابني ~~قائلا: «يدعوني الناس علي واد فيض، وأظن أنه من الوفاء لك أن أخبرك الحق.» # أسرعت بعد ذلك في استيضاح الحقيقة، فأجابني بمنتهى الصراحة: «لم أكن متجها إلى الخير في ~~تصرفي معك، ولولا الالتقاء بقريبي لكان الشر لاحقا بك لا محالة؛ وتفصيل ذلك أني غيرت الأرض ~~التي كانت ترعى فيها ماشيتي، فوصلت منذ أيام قلائل إلى سفح التلال التي تراها الآن منحدرة ~~إلى الجنوب، وبعد ذلك اتجهت إلى الشقوق القائمة بين الصخور عساني أجد ماء وفيرا نقيا ~~أشرب منه كما ترتوي منه جمالي وبقية ماشيتي؛ لأن الماء الذي كان لدينا قبل ذلك غير كاف لمن ~~يعيش الأسابيع والشهور مع عدد غير قليل من الماشية، ولم أكد أصل إلى تلك الشقوق حتى شاهدت ~~آثار خطوات جمل، فتعقبت الأثر، وبعد مسافة مئات من الياردات وجدت آثار قدمي رجل أبيض ~~مبتدئة ms311 من مكان بعيد عن الأنظار، فتحققت أن رجلا غريبا دخل تلك الأرض واختبأ بين صخورها ~~رغبة في الفرار دون شعور المراقبين بمروره، فعدت أدراجي مصمما على العودة ليلا ومعي بعض ~~رفاقي لنسهل عليك رحلتك الباقية بالانقضاض عليك وإراحتك من الدنيا وما فيها من تعب ومشقة، ~~فالحمد لله الذي حال دون إتمام عملي الإجرامي؛ حيث أرسل إلي ابن خالتي، حامد الذي أفهمني ~~الأمر كله في وضح النهار، وأكرر الشكر لله لأني لقيته في الصباح، فلو أن ذلك كان ليلا لما ~~عرفت حامدا ولانتهى الأمر شر انتهاء.» # أنصت حامد لكل ما قاله ابن خالته باهتمام وسكون، وبعد الانتهاء قال حامد: «سأخبرك يا علي ~~واد فيض قصة قصيرة فأنصت! كان والدي منذ سنوات طويلة وقت أن كنت شابا صغير السن وأيام حكم ~~الأتراك لهذه الجبال؛ شيخ المنطقة التي نحن فيها، وكان المحتكمون إليه من الرعايا كثيري ~~العدد. وفي ليلة من ليالي ذلك العهد وصل إلى بيت أبي رجل هارب طلب منه الأمان، وقد كان هذا ~~الرجل مطاردا من جنود الحكومة لأنه اتهم باللصوصية والاعتداء على حياة بعض التجار، فتمكنت ~~الحكومة من أسر زوجاته، أما هو فوجد عضدا قويا ونصيرا أمينا؛ حيث أظله أبي واحتفظ ~~بالسر. # مرت بعد ذلك الحادث سنوات انتقل في خلالها والدي إلى منطقة بربر، فتمكن بعد دفع المال ~~وتقديم ضمانات متنوعة من إصدار العفو عن هذا الرجل المطارد، الذي لم يستطع متهموه إيجاد ~~جريمة معينة يحاكم بمقتضى ارتكابها. ولم يكتف والدي بذلك، بل ذهب إلى الجهات المختصة وقدم ~~نفسه كفالة عن زوجات ذلك الرجل، وبذلك حصل على أمر ثان بإطلاق سراح زوجاته، بعد أن قاسين ~~في السجن الكثير من الآلام والأتعاب. وبعد كل ذلك يسرني أن أخبرك بأن الرجل المذكور اسمه ~~فيض.» # بينما يتابع حامد أقواله قاطعه علي واد فيض قائلا: «وأضيف إلى أقوالك بأن الرجل المذكور ~~هو أبي الذي ولدني ورباني.» ثم تغيرت ملامح وجهه واستمر في قوله: «ولدت في زمن متأخر وسمعت ~~هذه القصة يا حامد من والدتي ms312 العزيزة قبل موتها، وإزاء ذكر تلك الوالدة الطيبة أطلب من الله ~~الرحمة لها. وبعد وفاة والدتي قال لي شقيقي الأكبر إن خير ما أعمله في الحياة هو القيام ~~بالجميل نحو ابن الرجل الذي أدى جميلا لوالدي؛ وإذن فأنا مدين لك بالشكر يا حامد حتى أوفي ~~ما على أبي نحو أبيك، فثق أني حاميك وحامي من معك بغض النظر عما تقومان به من خير أو شر؛ ~~لأني أذكر شيئا واحدا هو أني مدين لك بالجميل، فاتبعني حتى أرشدك إلى أحسن مكان أمين ~~تختبئ فيه مع صديقك الأبيض.» # رجعنا بعد ذلك جنوبا إلى ناحية التلول مسافة لا تقل عن ألفي ياردة، ثم انتهينا إلى بقعة ~~شبيهة بالكهف تتخللها ألواح صخرية تحجب من وراءها عن الأنظار، ولا ريب أن البقعة المذكورة ~~كافية لاختفاء اثنين بالغين من ضخامة الجسم ما بلغا. # أخذ علي واد فيض يسدي إلينا نصائحه وتعليماته بعد ذلك فقال: «عندما يحين المساء أحضرا ~~أمتعتكما إلى هذا المكان. بالرغم من عدم وجود ما يدعو إلى الخوف في أية ناحية مجاورة؛ لأن ~~التلول التي أمامنا بعيدة عن أقدام الآدميين، إلا أن الحذر الشديد يدعوكما عندما يجن الليل ~~أن تختارا بقعة آمنة هادئة ملساء، لتقضيا ليلتكما عليها بعيدين حتى عن رقابة الجن. قد ~~تدعوني أمانتي الشديدة لكما إلى القول بأن من المستحيل أن تكونا واثقين الثقة كلها في أن ~~بعض الأنظار لم تقع عليكما، وأن بعض الناس ما اعتزموا ما كنت معتزما تنفيذه قبل ملاقاة ~~حامد؛ وأعني بذلك انتهاز فرصة ظلام الليل للانقضاض عليكما.» # بعد أن انتهى علي من قوله الصادر عن إخلاص شديد قال: «لقد أطلت في حديثي وقضيت وقتا ~~طويلا بعيدا عن مكاني، فسأضطر إلى العودة لتسقط الأخبار واستماع ما قد يدور حولكما من ~~نبأ، على أن أعود إليكما غدا في ساعة من ساعات الليل المظلمة، وستعرفانني بصوت خفيف يشبه ~~الصفير، فإلى الوداع حتى ألقاكما في خير غدا.» # أصغينا إلى نصيحة علي واد فيض، فاخترنا مكانا للنوم. وفي فجر اليوم التالي قبل ms313 شروق ~~الشمس عدنا إلى كهفنا، ثم صعد حامد بن حسين قبل الظهر إلى قمة أحد التلول لمراقبة الناس، ~~وكان عمله هذا شبيها بالضابط الذي يقف في أعلى القلعة لمشاهدة طلائع العدو. ظل حامد ساعات ~~في مكانه هذا ولم يأت إلى المغارة إلا عندما أحس بالجوع الشديد، وقد قدر لنا أن ينتهي ما ~~معنا من خبز في ذلك اليوم فلم يبق في جرابنا سوى مقدار من البلح. # بعد أن غربت الشمس بساعتين سمعنا صوتا خفيفا أشبه بالصفير، فتأكدنا أن صاحب الصوت هو ~~علي واد فيض، وقد تحقق ظننا لحسن الحظ؛ حيث وفى صاحبنا وعده ووصل إلينا في الميعاد المضروب ~~من قبل. لم يكن علي وفيا في وعده فحسب، بل كريما أيضا؛ حيث أحضر لنا في عزلتنا هذه كمية ~~كبيرة من اللبن في قربة من جلد الغزال - اعتاد العرب السودانيون دبغ جلود الغزلان الصغيرة ~~وإعدادها أواني للبن - وإلى جانب ذلك مقدار من الخبز المصنوع من الذرة. # قال لنا علي عندما وصل إلينا وبعد أن سلم علينا: «قلت لزوجتي إني خارج لمقابلة ركب ~~الحجيج السائر إلى أم درمان لزيارة قبر المهدي، ولي الرغبة في إظهار شيء من الكرم العربي ~~لأولئك المسافرين في رحلتهم الشاقة، وفي الحق لم يمنعني عن ذكر الحقيقة لها إلا خوفي من ~~انتشار الخبر؛ لأن امرأتي ثرثارة.» # ابتسمت في وجه علي وقلت له: «يظهر أن الأمر واحد في جميع البلاد؛ فإن الكثيرين من ~~الرجال في بلادنا الأوروبية يشكون مر الشكوى من نقل الحديث بواسطة زوجاتهم.» فارتاح كل من ~~حامد وعلي إلى قولي هذا، وبعد الانتهاء قال علي: «جبت الوادي الضيق وسرت إلى مجالس ~~الكثيرين من العشائر ليلة الأمس وصباح اليوم فلم أسمع ما يخيفكم، فكلا واشربا مرتاحين ~~مسرورين؛ لأني على ثقة تامة في حظكما الحسن.» # قبل أكل الخبز الشبيه بالكعك وشرب اللبن، قدمنا الشكر الجم لعلي إزاء هديته الثمينة، ثم ~~طلبت منه بعد ذلك أن يرجع إلى بيته حتى لا يثير الريب والشكوك في نفوس أبناء عشيرته بعد ~~تغيبه الطويل ms314 عنهم، ثم أسررت إلى حامد أن يمنح عليا خمسة ريالات قبل رجوعه إلى ~~بيته. # عندما استأذن صاحبنا علي في الانصراف قلت له: «نود أن نراك دائما أيها المخلص الوفي، ~~ولكن الخير في أن ترتاح في بيتك وأن تبتعد عما يثير أي شك؛ لأن ذهابك وإيابك يثيران ~~الريبة بين رجال قبيلتك، وقد تترك خطواتك أثرا بارزا على الرمال يستطيع بواسطته متعقبونا ~~أن يهتدوا إلى مكان اختبائنا هذا، ولا نطلب منك العودة إلا في حالة سماع أخبار غير سارة ~~تستدعي هروبنا إلى مكان جديد، وإذن فالوداع من أخ يشكر لك جزيلا ما قدمته له من ولاء ~~وإخلاص.» # سار حامد بن حسين بعد ذلك مع صديقه علي واد فيض بضع دقائق، وبعد رجوعه قال لي: «رفض علي ~~قبول الريالات الخمسة رفضا باتا، ولم أستطع التغلب عليه وإقناعه بقبول الهدية البسيطة ~~إلا بعد أن أكدت له بأن رفض المبلغ يكدر خاطرك (المؤلف).» # بعد أن سافر علي إلى بيته وعاد حامد إلى الكهف قضينا (حامد وأنا) فترة صغيرة في الكلام، ~~ثم سرنا إلى مكان النوم الهادئ حيث قضينا ليلتنا إلى صباح اليوم التالي دون أن يعكر صفو ~~النائم قلق أو اضطراب، وعند إشراق الشمس عدت إلى الكهف، وسار حامد إلى قمة التل لمراقبة ~~الناس كما عمل في اليوم السالف. ومما أذكره عن ذلك اليوم أنه مر ساكنا دون وقوع أي حادث ~~مزعج، ولكني أذكر إلى جانب ذلك أنه كان طويلا علينا حتى خيل لنا أن ساعاته أطول من الساعات ~~اليومية العادية، فكانت كل ساعة من ساعاته يوما كاملا؛ حيث مرت الأفكار المتعاقبة وأخذت ~~أذكر سني الأسر وحوادث العسف والاضطهاد. وفي الحق كنت صبورا جدا على ذلك المضض، وسواء ~~أصبرت أم لم أصبر فلم يكن أمامي ما يعزيني في نكبتي وما يفرج عني بليتي سوى اعتقادي الراسخ ~~في لطف الله وفضله، وثقتي في قرب تمتعي بحرية دائمة صحيحة؛ هي تلك التي خلق الناس ليتمتعوا ~~بها في الحياة. # قبل انتهاء كمية الماء التي في قربتنا ذهب حامد ms315 إلى الشقوق القائمة بين الصخور المجاورة ~~ليملأ القربة، وفي الوقت نفسه فكر في إحضار الماء للجملين اللذين أنهكهما التعب من قبل ~~والأكل الرديء الآن؛ لأنهما لم يجدا من الطعام سوى أوراق الأشجار والأجمات. قال لي حامد قبل ~~ذهابة للشقوق: «سأرجع بعد أربع ساعات تقريبا، فالتزم السكون والهدوء في كنك، وإذا ظهر في ~~مدة غيابي القصيرة أي مخلوق آدمي - وأسأل الله ألا يظهر في تلك الفترة أحد - فأخبره أن ~~حامد واد شيخ حسين قادم بعد قليل من الزمن؛ لأن الشخص الذي يظهر سيكون من أبناء وطني بلا ~~جدال، فإن الشخص الغريب يخشى المجيء إلى ناحيتنا. ومهما يكن الأمر فلا تخض مع الشخص - الذي ~~يظهر لك - في الحديث. وأول ما أحذرك منه هو سفك الدماء، فلا ترق دم أحد مهما ارتبت فيه، ~~وانتظر حتى أعود إليك.» # أجبته على الفور «سأنفذ نصيحتك مهما تكن الحال. وعلى أية حال، فأنا واثق أنك ستجدني في ~~هدوء وأمن عندما ترجع لي.» # بعد أن غاب حامد عني بضع ساعات عاد وقربته مملوءة بالماء، ثم قال لي: «لقد سرني وجود ~~الجمال في حالة أحسن بكثير من الحالة التي كانت عليها وقت وصولنا إلى ناحيتنا، وعلى الأقل ~~هي في راحة كافية.» وبعد ذلك أظهر لي أنه في جوع شديد، ولم يكتم حاله؛ حيث قال لي: «أعطني ~~كمية من البلح لأني جوعان، وسأضطر إلى العودة لقمة التل لمراقبة الناس.» # مر ما تبقى من يومنا في هدوء وأمن، ولكنه كان بطيئا علينا كيومنا السابق، وعندما جن ~~الليل سحب كل منا شخصه إلى مكان النوم. وبعد أن تحادثنا بصوت خافت جدا بعد أن دعونا ~~الله أن يبقي لنا نعمة الصبر، نام كل منا ملء جفنيه حتى صباح اليوم التالي. # ذهب حامد صباح الخميس إلى مكان المراقبة المعروف، وقبيل الظهر شاهدته نازلا بسرعة من قمة ~~التل، فأسرعت إلى تجهيز بندقيتي. # قبل وصوله إلي سألته عن الخبر فأجابني: «إني أشاهد رجلا متجها بسرعة إلى مكاننا الأول ~~الذي كنا فيه قبل مجيء علي واد فيض، ms316 فلا بد أن يكون هناك شيء مهم، فانتظر في مكانك لأني ~~سأذهب لملاقاة ذلك الرجل، على أن أرجع إليك بعد ذلك.» # جلست في مكاني وانتظرت مدة خيل إلي - رغم قصرها - أنها الأبد الطويل، ثم رفعت بصري ~~بحذر، فإذا بي أشاهد رجلين من مسافة بعيدة قاصدين مكاني، وقد تمكنت عيناي من تقرير أن ~~القادمين هما حامد بن حسين وزكي بن بلال، فخرجت من مغاراتي، وحينذاك أسرع زكي قائلا بأعلى ~~صوته: «السلام عليكم يا سيدي، فابتهج بالا لأنك ستسمع ما يرضيك ويسرك.» وبعد أن سلم علي ~~يدا بيد قال: «حضرت ومعي جملان جديدان كاملا القوة، وقد خبأتهما في مكان أمين مجاور ~~لبقعتنا هذه، وسأرجع الآن لإحضارهما.» # لم تمض ساعة حتى أحضر زكي الجملين، فقلت له بسرور كلي: «إنك سريع جدا في عملك العظيم، ~~فأخبرني قصتك منذ غادرتنا.» # أجابني زكي: «غادرتك مساء السبت الفائت، فركبت جملي طول الليل وسحابة اليوم التالي - ~~الأحد - وقد كان جملي بشارن موفقا في سيره السريع رغم وعورة الأرض، وفي صباح الإثنين وصلت ~~إلى أصدقائي، وفي الحال عني أولئك الأصحاب بإحضار الجملين اللذين تراهما الآن، ولبعد ~~المسافة لم نتمكن من الحصول على الجملين قبل صباح الثلاثاء، فغادرت المكان وقت الظهر وسرت ~~سيرا بطيئا في عودتي حتى لا أتعب الجملين، وتأكد أنا نستطيع الآن مباشرة رحلتنا. وقد ~~سهوت أن أخبرك بأن أصدقائي، بعد أن تكلموا معي، ذهبوا إلى الخيمة القائمة على رأس الصحراء ~~لإعطاء التعليمات لرجال مخصوصين للاستعداد وقت الطلب، وقد أخبرتهم بأنا قد نصل إليهم مساء ~~الجمعة أو بعد غروب الشمس يوم السبت على أقصى تقدير.» # سألت زكي بن بلال بعد ذلك: «هل أحضرت معك خبزا؟ فإنا لا نملك من الطعام سوى كمية من ~~البلح.» فأجابني: «إني شديد الأسف لنسيان ذلك الأمر الحيوي، وقد يرجع ذلك إلى عجلتي ~~الشديدة.» فهونت عليه الأمر عندما شاهدته مطأطئ الرأس وقلت: «لا أهمية للخبز لأنا نستطيع ~~إتمام رحلتنا القصيرة هذه حتى دون الاستعانة بشيء من البلح.» # قال حامد لزكي: «أسرج الجمل الخفيف اللون، ms317 ثم اذهب مع صديقنا وأخينا إلى الصخرة العميقة ~~واسق الجمال ماء، ثم انتظرني هناك، وأما أنا فسأحمل السرج على ظهري وأسير وراء جملي، الذي ~~يستطيع بعد راحته أن يقطع المسافة القصيرة الباقية لغاية تلك الصخرة. ولكن أرى من الخير ألا ~~تذهب مباشرة إلى عين الماء، بل عليك أن تختفي في بقعة مجاورة حتى تصل إليها؛ فمن المخاطرة ~~أن تسير مباشرة إلى مكان الماء؛ لأنا لسنا موقنين بأن المكان غير مطروق بأقدام الرعاة؛ ففي ~~الأرض جمال كثيرة تحتاج إلى الماء.» # سرت مع زكي وفي يدي قيادة أحد الجملين قاصدا معه (زكي) الصخرة التي تنبسق منها المياه، ~~ثم اختبأت في مكان أرشدني إليه رفيقي. # قبل غروب الشمس بساعتين حضر حامد وزكي بثلاثة جمال ارتوت قبل حضورها، وحمل كل من ~~الصديقين قربة مملوءة بالماء، وحال وصولهما ركب ثلاثتنا الجمال الثلاثة وسرنا في طريق شرقية ~~شمالية معرجين إلى الناحية الشرقية، مخترقين التلال التي كانت فيما مضى وعرة جدا وعسيرا ~~تسلقها. ولم يكد يرخي الليل سدوله حتى وصلنا إلى المستوى الفسيح بعيدين عن أنظار الناس. ~~واصلنا رحلتنا طول الليل بدون وقوف، وكان سيرنا على الجمال بطيئا شبيها بالسير العادي. ~~وعندما بدأ نور الفجر، بشرنا حامد بأنا قطعنا ما يقرب من نصف المسافة في طريقنا الوعرة ~~وفي رحلتنا الخطيرة. # أضاف حامد إلى ذلك: «إنا اليوم في أخطر وأدق أيام رحلتنا؛ لأنا أصبحنا مجاورين لشاطئ ~~النيل، وسنضطر إلى اجتياز مراع تابعة لقبائل النهر، فنسأل الله اللطيف بعباده أن يصل بنا ~~إلى غرضنا دون وقوع عيون المراقبين علينا.» # في طول رحلتنا هذه لم يتغير منظر البلاد الخلوية الصحراوية إلا في القليل النادر، الذي ~~نجد فيه بقاعا من الأعشاب يتخللها بعض أكمات الميموسا، أما الأرض في غالبيتها فرملية تنتشر ~~الأحجار في بعض نواحيها. # سرنا في رحلتنا الأخيرة دون وقوف في الطريق ولم يكن لدينا من الطعام سوى التمر الذي ~~أكلناه على ظهور جمالنا. وعندما بلغت الشمس سمت الرأس، شاهدنا قطيعا من الغنم يقوده بعض ~~الرعاة، فاضطررنا إلى تحويل خط ms318 سيرنا حتى لا يرونا، وعندما شعرنا أنهم شاهدونا أسرع زكي بن ~~بلال بجمله إليهم ليلتقط الأنباء. وبعد أن قابلهم، رجع إلينا فطمأننا بأنهم لا يعرفون شيئا ~~عنا وعن هروبنا من أم درمان. تابعنا السير فشاهدنا آثار خطوات جمال وماشية وحمير، فخشينا ~~وقوعنا في قبضة المتعقبين، ولكنا حمدنا الله لأن الناس لم يظهروا في ذلك الوقت. وبعد قليل ~~من رحلتنا وصلنا إلى جزء منبسط فسيح من الأرض مرة أخرى. # قال لي حامد: «هل تشاهد البقعة الرمادية اللون القائمة على مئات من الياردات أمام خط ~~سيرنا؟ تلك طريق القوافل من بربر إلى وادي حمير ودار شيفية، فإذا ما اجتزنا تلك البقعة ~~بعيدين عن الأنظار، فليس بعد ذلك ما يخيفنا؛ لأن كل ما بين تلك البقعة والنهر عبارة عن أرض ~~حجرية لا أثر للأقدام فيها، ولا شيء من النبات أو الأعشاب بين جهاتها؛ وإذن هي بعيدة عن ~~أقدام الآدميين. وعلى أية حال، من الواجب عليك أن تنصت لكل تعليماتي من الآن، وأولها سير ~~الجمال ببطء، حتى إذا ما قطعت جمالنا خمسمائة خطوة أو يزيد وصلنا إلى مكان الأثر، وبعدئذ ~~نتحول في الطريق المؤدية إلى بربر سائرين بضع دقائق، ثم نغير سيرنا مرة أخرى إلى الجهة ~~الشرقية.» # بعد أن انتهى حامد من ذلك القول سكت سكوت الموافقة، ثم قال لي: «هل ترى تلك الرابية ~~الصخرية الواقعة على بعد ثلاثة أميال تقريبا؟ هناك سنجد مكانا أمينا هو الوحيد الذي ~~نستطيع عنده تضليل متعقبينا، بحيث لا يقفون على أي أثر لأقدامنا.» # أصغينا إلى تعاليم وأوامر حامد، فاجتزنا طريق القوافل التي لا يجتازها الناس إلا في ~~القليل، وأكبر امتياز لها اختفاء آثار العابرين. وعلى أية حال، تقابلنا في المكان ~~المعين. # ابتسم حامد في النهاية وقال لي: «حث الجمال على المسير ولا تستغن عن أقصى مساعدة ممكنة ~~من تلك الجمال الأمينة؛ لأنا الآن في شديد الحاجة إلى خدمتها. ومهما يكن الأمر، فقد انتهى ~~كل شيء على خير، ووفقنا الله توفيقا عظيما.» # منذ غادرنا أم درمان لم أشاهد ابتسامة ms319 واحدة في وجه حامد قبل هذه الأخيرة، فأدركت في ~~الحال أنا نجونا من الخطر بمحاذاتنا شاطئ النهر. # واصلنا السير وكل منا يضرب جمله الشديد التعب بدون رحمة، حتى تركنا صفا من التلال ~~إلى يميننا ووصلنا إلى قرابة. # أما قرابة هذه فعبارة عن نجد رملي التربة، مغطاة أرضه بحجارة سوداء تختلف في حجومها من ~~القطعة المماثلة لقبضة الرجل إلى القطعة المماثلة لرأسه. ومما تمتاز به تلك الحجارة في ~~الأرض المذكورة أنها قائمة في صفوف منتظمة، يخيل لمن يشاهدها أن أفرادا عنوا برصفها على ~~ذلك النسق البديع. وإلى جانب الحجارة توجد صخور فردية، يبتعد كل منها عن الآخر مسافة تكاد ~~تكون واحدة في جميع الصخور، ولا شك في أن الجمال تعجز عن السير بسرعة في مثل ذلك الخط ~~الحجري الصخري؛ وذلك مما يساعدنا في خطتنا ومما نعده توفيقا جديدا لنا بعثه الله لتسهيل ~~نجاتنا. # قبل أن تغرب الشمس ظهر لنا من بعيد ذلك النيل السعيد بمياهه العذبة، فكان موقعه بين ~~الأراضي المتجاورة شبيها بالخط الفضي اللامع وسط البقعة المعدنية بما فيها من ألوان قائمة ~~وخضراء ورملية. # تدرجنا من أعلى النجد في طريق ملتوية يزيدها وعورة ظلام الليل، وما زلنا في سيرنا البطيء ~~على الجمال حتى وصلنا إلى واد قائم بين تلال حجرية. وبعد وصولنا توقفنا لإراحة جمالنا التي ~~أنزلنا السرج عنها، وكنا راغبين في السير على الأقدام ما يقرب من ساعتين حتى نصل إلى شاطئ ~~النهر. # جلس حامد وزكي على الأرض بعد إنزال السروج عن الجمال الثلاثة، وأخذا في عملية أكل البلح ~~بذمة وأمانة، وبينما هما يأكلان قالا لي معا: «قربنا إلى الغاية التي سعينا إليها منذ ~~فكرنا في الهروب، فانتظر هنا مع الجمال الثلاثة لأنا (حامد وزكي) سنذهب إلى بقعة مجاورة ~~للنهر نعرفها جيدا، وفي تلك البقعة ستلتقي بأصدقائك الذين سيسهلون لك بقية رحلة النجاة.» ~~تركني الصديقان وبقيت وحدي متأملا في المستقبل. وقد مرت أمام مخيلتي في تلك الأثناء صور ~~أفراد أسرتي وصورة مجسمة لوطني العزيز، وبعد أن تعبت من التفكير ms320 انطرحت بجسمي المنهوك القوى ~~على الأرض فنمت ولم أستيقظ إلا قبل نصف الليل، فلم أجد أحدا من الصديقين (حامد وزكي)، ~~فداخلتني الوساوس وتأكدت أن عدم حضورهما سيحول دون عبوري النهر في الفرصة الملائمة ليلا. ~~وعلى أي حال، صبرت حتى سمعت قبل الفجر بساعتين وقع أقدام، فتبينت القادم فعرفت أنه ~~حامد. # سألت حامدا عن الأخبار في حالة فزع وقلق فأجابني بما جلب لي اليأس قائلا: «لا شيء ~~مطلقا، فإنا لم نتمكن من العثور على أصدقائك في المكان المعين فرجعت إليك؛ لأنك لا ~~تستطيع البقاء هنا بمفردك بعد بزوغ الفجر؛ لأنك قريب جدا من مساكن الآدميين، فليس بدعا ~~أن تقع عليك أنظار الرقباء؛ ولذلك عدت بعد أن تركت صديقي زكي للبحث عن أصدقائك الجدد الذين ~~سيسهلون لك مهمتك الجديدة النيلية، فاحمل القربة المائية وجراب البلح على كتفك؛ لأني من ~~التعب بمكان لا أستطيع معه حمل شيء أكثر من جسمي الذي تحمله قدماي. واعلم أنه يتحتم علينا ~~الرجوع إلى قرابة؛ حيث تظل هناك إلى انتصاف النهار مختفيا بين الأحجار والصخور.» # أصغيت إلى أوامر حامد ونفذتها، فوصلت إلى النجد بعد مسير ساعة مع حامد. وبعد أن سرنا ~~مسافة أخرى في الظلام، وقف حامد فجأة وقال لي: «قف هنا واصنع حلقة من الأحجار كتلك التي ~~يصنعها رعاة الجمال في الشتاء لوقاية أنفسهم من البرد الشديد، وبعد الانتهاء من صنع تلك ~~الحلقة نم في جوانبها الداخلية، وإني مسرور لأنك متين في صنعها الآن، حتى إنك تكاد تكون ~~عربيا كأنك واحد منا نحن عرب السودان، وأؤكد أني سأحضر إليك في المساء لأرى الحال التي ~~أنت عليها، وأما الآن فسأرجع إلى الجمال، فلا تخف ولا ترتب في أي شخص قد يراك؛ لأن رجال ~~الناحية التي أنت فيها يعرفونني جيدا، فإذا سألني أحدهم أي سؤال أجبته بأني حضرت من شيفية ~~لمشاهدة بعض المقيمين هنا، ومن حسن حظي وجود بعض أقارب لي في هذه الناحية.» # رجع حامد إلى الجمال وبقيت أنا وحدي في بقعة منعزلة مخيفة المنظر. # أقمت الدائرة الحجرية، ms321 وكان ارتفاعها نصف متر، ولم أجعل في الداخل مكانا لغير جسمي ~~وقربتي وبندقيتي. فلم يكد يشتد وضح النهار حتى انسحبت إلى مغارتي الصغيرة، وحفرت في أرضها ~~الرملية بقعة عميقة تمكنت فيها من إلقاء ظهري ومد جسمي بحيث لم يرني أحد، وفي ذلك الوقت ~~تدفقت إلى رأسي ذكريات الماضي وآمال المستقبل، وفكرت بصفة خاصة في الماضي القريب؛ حيث غضب ~~الخليفة عبد الله، ونقمته الشديدة علي بعد هروبي. ولم يخفف عني الفزع في ذلك التصور سوى ~~مرور صور أحبائي وأقربائي بمخيلتي في الوقت نفسه. وما زلت أعلل النفس بالآمال والأماني رغم ~~اشتداد العقبات وخطورة الموقف، ولكني بعد ذلك وجمت فساءلت نفسي عن التغيير الذي حدا بي إلى ~~مظهر الخوف الجديد، وعن الداعي إلى عدم تمسكي بمبدأ الصبر. ومهما يكن الأمر، فإني كنت في ~~أشد أوقات الخطر بعيدا عن الاستسلام الكلي للقنوط، كما كنت منذ غادرت أم درمان واثقا في ~~حظي الحسن وتوفيق الله إياي، إلا أن ذلك لم يمنع شعوري اليوم شعورا خاصا بالخوف، وقد ~~يرجع ذلك إلى الشبه القائم بين مغارتي الصغيرة هذه وبين القبر الذي قد يضمني في القريب ~~العاجل. أعود فأقول: «إن القبر مصير كل حي، وإن الناس بالغين من أعمارهم ما بلغوا سيصلون ~~إلى القبور التي ضمت آباءهم وأجدادهم من قبل، فسواء أطال عمر الإنسان أم قصر، فإنه لن يصل ~~في النهاية إلى غير تلك الحفرة الضيقة؛ وإذن سأموت كما مات الناس ويموتون. ولكن الصعوبة في ~~شيء واحد إذا مت هنا، وذلك موتي منبوذا مهجورا غير مودع أعزائي وأقربائي، فيا ساكن ~~السماء ومسير الفلك الدوار لا تتخل عني، وكن رحيما بعبدك في ذلك القفر الموحش، فارحم ~~اللهم عبدك الأثيم، ولا تعاقبني على ذنوبي؛ فقد طلبت الغفران من جلالك وأنت الواسع الغفران. ~~اللهم ارحمني، والطف بي، واسمح لي بمشاهدة أصدقائي وأعزائي والرجوع إلى وطني العزيز مرة ~~أخرى قبل موتي!» # بعد أن ناجيت الماضي وذكرت آمال المستقبل، التزمت الصمت مرة أخرى. وفي نهاية الأمر فكرت ~~في الأمر - على الرغم من ms322 تأخير صاحبي - فانتهيت إلى أن الذي أنقذني في بداية رحلة النجاة ~~قادر على إنقاذي في الختام. # مرت بمخيلتي الآمال، فذكرت أني سأعبر النهر هذه الليلة، ثم أجتاز الطريق وأصل إلى الصحراء ~~غدا، وفي مدى يومين أو ثلاثة سأجتاز كل خطر، وأصبح في أمن كلي بحيث أستطيع الإسراع ~~بملاقاة من تمنيت السنين الطوال أن أحظى بهم في خير. # بعد أن انتهيت من ذلك التفكير ابتسمت مرة أخرى ابتسامة مملوءة بالثقة والأمل من عطف الله ~~وعونه، ثم مسكت معطفي الصغير ولففت به وجهي حتى أقي نفسي من حرارة الشمس ومن أنظار ~~المراقبين، ثم بقيت منتظرا ما يقدره لي ربي وأنا على ثقة تامة في الخير. بعد مرور الظهر ~~بقليل سمعت صوتا خفيفا، فرفعت رأسي ونظرت من خلال الأحجار المترامية فصدق ظني؛ حيث عرفت ~~أن القادم هو حامد الذي أقبل إلي بابتسامة الصديق المخلص قائلا لي: «اسعد حالا وأبشر؛ ~~فقد وجدنا الأصدقاء المعنيين لمرافقتك.» فطرت فرحا عندما سمعت هذا القول، وتيقنت أن نجم ~~سعدي قد تجلى في الأفق مرة أخرى. # عندما أقبل حامد جلس خارج الكومة الحجرية، ثم قال: «تستطيع أن تفرج عن نفسك الآن وتخرج من ~~مغارتك الضيقة هذه؛ لأني عينت لك مراقبين في الجهات المجاورة ينقلون إلينا كل ما يحدث ~~حولنا، فلا تخش شيئا لأن صاحبنا زكي وجد الرفاق الجدد الثلاثة، وقد حضر الآن واحد منهم ~~إلينا ليعرف مكان إقامتنا، وهم جميعا على استعداد وسيحضرون إلينا ماء، ولكني أحذرك أشد ~~الحذر وأنصح لك بالابتعاد عن كل ما يريب؛ لأن هروبك من أم درمان أصبح معروفا في المنطقة ~~التي نحن فيها، فتعال معي الآن أو انتظر حتى يحين الليل. وعلى أي حال فأنا ذاهب الآن، فهل ~~تستطيع معرفة الطريق بمفردك؟ وهل ترغب في عودتي إليك لآخذك معي؟» # فأجبته: «لا داعي إلى عودتك مرة أخرى لأني أعرف الطريق، وسألتقي بك في المساء.» # عندما غربت الشمس حملت بندقيتي وقربة الماء على ظهري، وتركت البقعة التي مرت بمخيلتي فيها ~~تذكارات مؤلمة وآمال كبار. وعندما وصلت ms323 إلى الرفاق الجدد وجدت اثنين منهم فرأيتهما غريبين ~~عني رغم بقائي السنين الطوال في السودان بين أبنائها. # حياني ذانك الرجلان وقالا لي: «قد أرسلنا إليك صديقك أحمد واد عبد الله، ونحن من قبيلة ~~جهيماب، وسنسير إلى النهر حيث يصل إلينا أحمد واد عبد الله نفسه لمساعدتك في اجتياز النهر، ~~وستكون الجمال على انتظارنا في الشاطئ الثاني من النهر لتعبر بنا النهر، والآن فلتودع ~~صديقيك القديمين لأن مهمتهما قد انتهت.» سلمت بعد ذلك على صديقي المخلصين الحميمين حامد ~~وزكي، وشكرت لهما إخلاصهما بكلمات خارجة من أعماق القلب، ثم قلت لهما: «أودعكما وكلي ثقة في ~~الالتقاء بكما في وقت سعيد؛ هو وقت السلم والأمن.» # أخذنا (أنا والرفيقان الجديدان) جملين وتركنا الثالث للصديقين القديمين، فارتقيت إلى ظهر ~~الجمل وركب خلفي أحد الصديقين الجديدين. # سألت هذا الجديد: «ما اسمك؟» فأجابني قائلا: «يدعوني الناس باسم محمد، وأما اسم صديقي ~~فإسحاق.» سألته بعدئذ: «هل تجتاز معي الصحراء يا محمد؟» فأجابني بقوله: «لا يا سيدي؛ فهناك ~~من كلفوا بتلك المهمة. وعلى أية حال، فالخير في أن يسير الجمل سيرا بطيئا، ويحسن بك أن ~~تغطي وجهك على الرغم من الظلام الشديد؛ فقد وردت أوامر من بربر من ثلاثة أيام بمراقبة الطرق ~~مراقبة دقيقة، ووضعت الطرقات المائية تحت مراقبة شديدة أخرى. ومهما يكن الأمر، فلا خوف عليك ~~من بلدنا.» # بعد أن سرنا بجملينا ما يقرب من ساعتين في طريق شرقية شمالية بانحدار شرقي، وصلنا إلى ~~النهر، وتمكنا قبل نزول النهر من سماع أصوات الآلات المائية وكلام وضحك العبيد ~~وزوجاتهم. # عندما وصلنا إلى كومة صغيرة من أوراق الأشجار همس محمد في أذني: «ادع الجمل للبروك ببطء ~~ورفق حتى لا يصدر منه صوت يلفت الأنظار.» # برك الجملان على الأرض ولم يصدر منهما صوت على الإطلاق، وقد تركني الاثنان على أن يعودا ~~مع أحمد، فبقيت منفردا في الظلام الحالك واستمررت على ذلك نحوا من ساعة، وأخيرا رأيت ~~أربعة رجال قادمين، فأسرع أطولهم نحوي وضمني إلى صدره وعانقني طويلا قائلا لي في صوت ms324 ~~خافت: «أنا أخوك أحمد عبد الله من قبيلة جهيماب، وأول ما أطلبه منك هو أن تصدق قولي، وهو ~~أنك بحمد الله ناج من كل خطر، وأما أنتما يا محمد ويا إسحاق فأخليا السرجين عن ظهري ~~الجملين في رفق وتؤدة، ولا تسمعا أحدا من الناس صوتا، ثم انفخا القربتين الفارغتين ~~واربطاهما حول رقبتي الجملين، ثم اعبرا النهر من شاطئه في نقط ومواضع مختلفة، ثم انتظرا ~~أوامري غدا على مقربة من دار «مقاتلة الثيران».» # التفت إلي أحمد واد عبد الله بعد ذلك قائلا: «اتبعني». وحمل أحمد سرجا وحمل الرجل ~~الرابع سرجا آخر، ثم سارا فتبعتهما، وبعد بضع دقائق وصلنا إلى شاطئ نهر النيل المقدس، حيث ~~وجدنا في ركن صغير قاربا صغيرا يكفي بالجهد لحملنا، وقد صنع أصدقائي الجدد هذا القارب ~~بأيديهم. # نزلنا إلى حافة النهر وركبنا القارب الصغير الذي أقلع بنا إلى حيث يريد بنا الله، وقد ~~استغرقت عملية عبور المجرى أكثر من ساعة، وعندما وصل إلى الشاطئ الثاني صعدنا إلى الأرض، ~~ورجع أحد الرفاق بالقارب الصغير، ثم صنع في قاع «القارب» ثقبا واسعا فغرق «القارب»؛ ~~والغرض من ذلك هو إخفاء كل أثر لعبورنا النهر. # أما نحن فسرنا على الناحية البرية ما يقرب من نصف ساعة، وعندما وصلنا إلى بقعة خاصة طلب ~~مني أحمد عبد الله انتظاره؛ لأنه ذهب لإحضار طبق مملوء باللبن ومقدار من الخبز. # قال لي أحمد بعد عودته بالطعام: «كل واشرب ولا تفكر في شيء؛ فقد اجتزنا الخطر. وأقسم لك ~~بالله وبنبينا أنك ناج، وأن الله سيمتعك بملاقاة أحبائك جميعا. كنت عازما ومفكرا أن تتم ~~رحلتك الليلة، ولكن أرى الوقت متأخرا جدا، فالخير في بقائك هنا إلى مساء الغد، وعلاوة ~~على ذلك فإنا مضطرون إلى أن نسقي الجمال غدا. وبما أنا قريبان هنا من مساكن الناس، فسيسير ~~بك ابن أختي «إبراهيم علي» إلى مكان بعيد نوعا لا تصل إليك فيه عيون الرقباء، فانتظرني ~~هناك وسأحضر لك دابة تركبها. أما إذا كنت شاعرا بالقوة على قطع المسافة على قدميك، فإني ms325 ~~أستغني عن إحضار الدابة.» فأجبته على الفور: «إني قوي ولا ريب في أني قادر على المشي فأين ~~إبراهيم علي؟» # أجابني أحمد: «هو إلى جوارنا، وسيكون مرشدك في الصحراء المقفرة.» # كنا حقا في ليلة مظلمة يزيدها ظلاما ما في مخيلتي من وساوس أصرح بأنها ليست مرعبة كما ~~كانت الحال قبل اجتياز النهر، والآن فلنترك الوساوس لنرجع إلى ما حدث في الرحلة، فأقول إن ~~إبراهيم ذهب أولا بقربة فارغة في يده سائرا في طريق القوافل الموازية للنهر إلى أبي حمد، ~~وقد تبعت صاحبي الجديد هذا. وبعد أن سرنا ما يقرب من ثلاثة أميال إنجليزية، نزل إبراهيم إلى ~~النهر وملأ القربة، ثم غير خط السير بعد ذلك متجها إلى الطريق البرية، أما السير فكان ~~شاقا جدا؛ لأن الحجارة الضخمة التي غطت التلال وقامت حواليها عاقت سيرنا السريع. أما عن ~~شخصي، فكنت كاليائس في سيره أتخبط مرة نحو اليمين في ذلك الحجر وأتسكع أخرى نحو اليسار في ~~ذلك التل، كأنما أنا في أقبح حالات السكر، وما زلنا في حالنا هذه حتى وصلنا إلى حفرة في ~~الأرض، فأمرني إبراهيم بالوقوف عندها؛ حيث قال لي بعد صمته الطويل: «هذه هي البقعة التي ~~عينها لي خالي، فانتظر هنا هادئا، وفي مساء الغد سأحضر الجملين لمواصلة الرحلة، وسأترك لك ~~الخبز والماء، فأودعك الآن؛ لأني مضطر إلى القيام بجميع معداتنا، وأرجو أن ألقاك في خير ~~غدا.» إذن بقيت وحدي مرة أخرى لا يرافقني سوى ضوء الشمس واختلاف الأفكار، ولكني على أية ~~حال كنت محتملا ولم يكن الليل بساعاته القليلة الباقية وصباح اليوم التالي بالشيء الكثير ~~غير المحتمل؛ لأني نجوت من الخطر بعد عبور النهر، واقتربت من الوصول إلى أحبائي ووطني. غربت ~~شمس يومنا الجديد، وبعد غروبها بساعة سمعت صوت سير حيوانات مسرعة نحوي فنظرت بدقة، وإذا بي ~~أجد أحمد عبد الله وفي صحبته رجلان على حمارين. أقبل أحمد مسرعا نحوي وضمني إلى صدره ~~مبتسما، ثم قال: «الشكر لله الذي نجاك وينجيك، وأما الرجلان اللذان معي فهما شقيقاي، وقد ~~حضرا ms326 معي ليسألا لك السلامة.» # حييت الرجلين الجديدين تحية إخلاص، ثم أدرت وجهي إلى أحمد وقلت له: «ولكني لا أفهم حقيقة ~~ما جرى، وأدرك من شكركم المتكرر لله أني نجوت من خطر عظيم.» فأجابني أحمد: «بالطبع لم تعرف ~~ما تم، ولم تسمع عن الخطر العظيم الذي نجوت منه بأعجوبة، فأصغ إلي أحدثك مليا! منذ ~~ثلاثة أيام علم زكي عثمان أمير بربر - ولا نعرف المصدر الذي علم منه - أن الحامية المصرية ~~في مورات حصلت على إمدادات جديدة كبيرة الأهمية وعظيمة الأثر رغبة في مهاجمة القوة المهدية ~~في أبي حمد، فاضطر زكي عثمان إلى إرسال مدد يدفع غارات المصريين. وبالفعل قام اليوم من بربر ~~ستون فارسا وثلاثمائة بيادة ومروا بمساكننا، ولا شك أنك تعرف المحاربين، إنهم يسمون ~~الأنصار، وهم في مجموعهم ضخام الأجسام، مفترسون، أقرب إلى الوحوش - في الفتك بالناس - منهم ~~إلى الآدميين. # أثناء مرور أولئك كنا نجهز لك قسما من خروف ذبحناه ليكون زادا لك في الطريق، فدهش ~~الجنود عندما رأوا ما نقوم بتجهيزه، وبعد أن ارتابوا في عملنا تفرقوا ونهبوا ما نهبوا، وقد ~~كنت حقا شديد الحذر من ناحيتهم وشديد الخوف على ما قد ينتابك من عسفهم إذا صادفوك في ~~طريقهم، ولكني أحمد الله الآن؛ لأنهم اجتازوا الطريق إلى أبي حمد، ولتصحبهم لعنة الله ~~وليصحبنا نصره وعونه، فلجلاله الشكر الدائم إزاء حمايته لنا.» # صحت بعد ذلك فترة هي فترة الذهول بعد نجاتي من ذلك الهول المروع، ثم سجدت في خشوع كامل ~~للخالق الصمد الذي نجاني من ذلك الخطر العظيم بعد إذ لم نكن نتوقعه. # علمت بعد ذلك أن الجنرال كتشنر باشا رئيس أركان حرب الجيش المصري وصل إلى وادي حلفا ~~للقيام بالمناورات المعتادة، وأن الضابط ماتشل بك قاد الأورطة السودانية الثانية عشرة ~~ومائتين من الهجانة إلى حلفا من كورسكو عن طريق مورات، وهذا سبب الإشاعة عن تقوية حامية ~~مورات وعن الهجوم المزعوم على أبي حمد. # قال أحمد بعد ذلك: «ستتأخر الجمال قليلا؛ لأني أمرت بإسراجها في داخل الجدود أثناء مجيء ~~الدراويش؛ ms327 خوفا من أن يستعملها الآخرون - إذا رأوها - في نقل الذخيرة وبعض الحقائب ~~العسكرية. فإذا كنت شاعرا بالرغبة في البقاء هنا إلى صباح الغد، فإني موافقك على عملك؛ ~~لأنا نستطيع بذلك الحصول على جمال مملوءة بالقوة.» # فأجبته على الفور: «إني لا أرغب في أي تأخير، وأفضل في جميع الأحوال القيام بالرحلة ~~حالا؛ فإن تأخير المدد والحاجة إلى جمال كاملة القوة لا يحولان دون الإسراع في الرحيل. ~~وعلى أية حال، فإني مملوء ثقة بأن الجمال ستصل إلينا سريعا.» # قبل منتصف الليل وصلت إلينا ثلاثة جمال صحبة اثنين قدمهما لي أحمد عبد الله قائلا لي: ~~«هذان مرشداك الجديدان إبراهيم علي، ابن أخي، ويعقوب حسن أحد أقربائي الأخصاء، وسيسير بك ~~هذان إلى الشيخ حامد فضاي زعيم عرب الأعراب الخاضعين للحكومة المصرية، وهذا الأخير سيعينك ~~في الوصول إلى أسوان.» # بعد ذلك ملأنا قرب الماء وواصلنا رحلتنا، وعند البدء في الرحيل قال لي أحمد بن عبد الله: ~~«أرجوك أن تتجاوز عن التقصير في إتمام معدات الرحلة؛ فإن الخطأ ليس من ناحيتي. ولئن حرمت من ~~الأكل الطيب، فلديك من البلح والخبز ما يكفي لمقاومة غائلة الجوع.» # ركبنا الجمال ثلاث ساعات ونصف ساعة في طريق شرقية شمالية نحو الجانب الشرقي، وكان ذلك قبل ~~إشراق الشمس، وعندما بزغ نور الفجر وجدنا أنفسنا في الجهة الشرقية من وادي الحمير. سمي باسم ~~الحمير البرية التي تسكنه، ويكاد هذا الوادي يخلو من النبات. # تقدمنا في سيرنا، فدلت الطلائع على أنا في صحراء؛ حيث شاهدنا الرمال الممتدة في كل ناحية ~~وبقايا التلال في بعض الجوانب، ولم نجد على الإطلاق شجرة أو شيئا من الزرع الأخضر. وبعد أن ~~سرنا على تلك الحال يومين كاملين - دون استراحة على وجه عام - وصلنا إلى تلال نورابي التي ~~كانت محتلة فيما مضى بقبائل عرب بشارن، يمتد هذا الوادي في اتجاه شمالي شرقي في معظم ~~جهاته، وتتخلله منحدرات وعرة تقوم على جوانبها أشجار الميموسا، وفي تل جانبي من تلك ~~التلال توجد أشجار مسماة باسم التل العام «نورانية». # حدق إبراهيم ms328 على ناظريه من أعلى الجمل، فتفقد الوادي فرآه خلوا من الناس، فنصح لنا ~~بدخوله فدخلناه، ثم أسرعنا في إرواء جمالنا بالماء العذب وملء قربنا الثلاث. أما البئر ~~فنازلة في قاع الوادي ما يقرب من عشرين قدما، ومتجهة إلى ناحية مركزية على بعد خمس وعشرين ~~ياردة، والنزول إلى عمق البئر بواسطة مدرجات حجرية صلبة. وبما أن الآبار في السودان أماكن ~~اجتماع الناس، فضلنا ترك البئر والذهاب إلى مكان في داخل الوادي، فتركناها (البئر) وواصلنا ~~سيرنا إلى الداخل مدة لا تقل عن ثلاث ساعات مجتازين تلال نوراني. # كان الفرق عظيما بين المرشدين القدماء والجدد؛ فالسابقون كانوا ممتلئين شجاعة وإخلاصا، ~~وعلى استعداد لتضحية حياتهم في سبيل إنقاذ حياتي، أما اللاحقون فعلى النقيض من ذلك؛ لأنهم ~~كانوا دائما يتذمرون من عملهم الذي يخيل لي أن أحمد عبد الله أجبرهم عليه إجبارا، ولم ~~يتأخروا عن إظهار غضبهم؛ لأنهم لا ينامون النوم الكافي ولا يأكلون الأكل الجيد. وإني أذكر ~~جيدا أن إهمال إبراهيم علي ويعقوب حسن أدى إلى إضاعة حذائي وصندوق خاص لي في الطريق، وقد ~~سبب لي ضياع حذائي تعبا كثيرا في المستقبل. # وصلنا في الساعة الحادية عشرة من صباح اليوم التالي - الخميس - إلى أحراش أبي حمد، وقد ~~فضلت البقاء مختبئا عن الأنظار هناك على الرغم من عداء سكانه عداء شديدا لأتباع ~~المهدي . # ذكرت قبلا أن أحمد عبد الله أمر إبراهيم علي ويعقوب حسن بالوصول بي إلى الشيخ حامد فضاي، ~~ولكني أضيف إلى ذلك أن هذا الرأي لم يرق في أعينهما. # جاء لي هذان الرجلان عصرا وذكرا لي المخاطر التي تتهددهما بغيابهما أياما كثيرة عن ~~قبيلتهما. وبما أنه أصبح من المؤكد جدا وقوف الخليفة على خبر فراري وعلى قسم من الطريق ~~التي اجتزتها، لم يكن لدي شك في أنه سيستجوب الكثيرين ممن يرتاب في مساعدتهم لي في ~~الفرار، خصوصا من قبيلة أولئك الجدد؛ لانتمائها في الصداقة إلى الحكومة المصرية؛ وإذن ليس ~~الخطر واقعا على هذين الرجلين فحسب، بل على صديقي المخلص أحمد عبد الله أيضا. ms329 وأخيرا ~~اتفق رأيهما على الذهاب إلى شخص يعرفه كلاهما، وبواسطة هذا الشخص أتابع رحلتي بأمان. # تأكدت بعد ذلك أن الخير في رجوع هذين الرجلين؛ لأن بقاءهما معي مضطرين خائفين - فضلا عن ~~عدم إخلاصهما الشديد في مهمتهما - قد يعرضني لخطر جسيم؛ وإذن قبلت بسرور طلب الرجلين. وإني ~~لا أخفي عن القراء حقيقة كراهتي الشديدة لهما؛ لأنهما كانا مجردين عن الإخلاص غير مباليين ~~بما قد يصيبني من شر ما داما واثقين من نجاتهما وحدهما؛ إزاء ذلك طلبت منهما الإسراع في ~~الذهاب إلى المكان الجديد حتى يرجعا إلى قبيلتهما. ولا غرابة بعد ذلك أن يكون ابتعادهما عني ~~فوزا جديدا لي ومصدر راحة تامة وهدوء فكري. # عند غروب الشمس حضر الرجل الجديد، وهو من قبيلة عرب أمرات، واسمه حامد جرهوش البالغ من ~~العمر حوالي خمسين عاما. وعندما حياني حامد هذا قال لي: «يسعى كل رجل إلى مصلحته الخاصة، ~~فمرشداك - إبراهيم ويعقوب اللذان أعرفهما معرفة تامة - يرغبان في أن أدلك على الطريق من ~~مكاننا هذا إلى أسوان. وتأكد أني مستعد للقيام بذلك، ولكني أريد الوقوف على ما سأحصل عليه ~~إزاء هذا العمل الشاق.» فأجبته على الفور: «سأعطيك يوم وصولنا إلى أسوان مائة وعشرين ريالا ~~من عملة مارية تريزة، علاوة على هدية خاصة أقدمها تبعا لما تقوم لي به في هذه الرحلة ~~الجديدة.» # قدم لي حامد بعد ذلك يده وقال لي: «إني مرتاح إلى ذلك وأتقبل المهمة؛ فإن الله ونبينا ~~شاهدان على صدق ما أقول. وأما عن وعدك، فإني أعرف عنصرك وأثق أن الرجل الأبيض لا يكذب، وإذن ~~سأسير بك إلى عشيرتك في طرق جبلية غير مطروقة بأقدام الآدميين، ولا يعرفها من مخلوقات الله ~~سوى الطير الذي يحلق في المعمور دون أن ينقل أسرار الناس إلى الناس، فاستعد للرحيل لأنا ~~سنواصل عملنا بإذن الله بعد غروب الشمس.» # اخترت أقوى الجمال الثلاثة لمواصلة الرحلة، وأخذت قربتين مملوءتين بالماء والقسم الأكبر ~~من البلح وكمية من الذرة، وعندما خيم الليل وصل حامد إلى المكان المعد لابتداء السفر، أما ~~ابن ms330 حامد فسار راكبا الجمل الوحيد الذي يملكه للبحث عن غلال في روباطاب القريبة من النهر. ~~وتبعا لذلك اضطر حامد لمرافقة ابنه سائرا على قدميه، ولم يساعده على عمله الشاق هذا سوى ~~إرادته الصادقة وقدميه القويتين. أما إبراهيم ويعقوب فعادا إلى قبيلتهما، وبطبيعة الحال لم ~~أودعهما وداع الحزن، ولم أذكر لهما في معرض الشكر سوى كلمات قلائل؛ لأني أكرر ما قلته قبلا ~~عن سروري العظيم لابتعادهما عني. # بعد أن واصلنا سيرنا يومين اجتزنا في أثنائهما تلالا صخرية، وصلنا في صباح الأحد إلى بئر ~~صغيرة تكاد تكون خالية من الماء، واسمها «شوف العين». وعلى الرغم من ظهور ابتعاد القادمين ~~إليها، بقيت تبعا لرغبة مرشدي في مكان يبعد ساعة عن هذه النقطة. # كان طعامنا عبارة عن التمر وكمية من الخبز صنعناها بأيدينا، وأقصد بذلك أن هذا الخبز كان ~~لوقايتنا من الهلاك جوعا؛ فإن أي مخبز أوروبي يعرض للخطر العام إذا وجد بين جدرانه رغيف ~~من الأرغفة التي نعملها؛ لأنها في مجموعها كريهة في منظرها وطعمها؛ فطريقة صنع الخبز التي ~~قام بها مرشدي هي جمع كمية من الحجارة حجم كل واحدة منها لا يزيد عن حجم بيضة الفرخة، وبعد ~~تكوينها يضع عليها أفرادا صغيرة من الخشب، ثم يعجن الذرة في الماء ويضع في آنية خشبة، ثم ~~يشعل النار في الحطب والحجارة الصغيرة بواسطة حك الصوفان على حجر الصوان. # بعد اشتعال النار في الحطب ينزع حامد الجمر من الحجارة الملتهبة ليضع عليه العجين، وبعد ~~ذلك يرد الجمر إلى الحجارة، وبعد أن ينتهي من ذلك التقليب الناري يضرب العجين بالعصا ~~الصغيرة حتى يزيل ما فيه من الرماد وآثار الحجارة الصغيرة. # هذا هو الخبز الذي نأكله، فإن لم نكن مدفوعين إلى أكله بلذة النظر إليه، فليس أقل من أن ~~يدفعنا إلى تناوله جوعنا الشديد. # بعد أن ارتحنا قليلا على مقربة من البئر، واصلنا السير بضع ساعات، حتى انتهينا إلى ~~المنحدرات الأولى لجبال عتابي الممتدة بين البحر الأحمر ونهر النيل، والتي يسكنها في ~~ناحيتها الجنوبية عرب بشارن وأمران، ms331 وفي ناحيتها الشمالية قبيلة العبابدة. # تتفرع من بعض تلك النواحي الخالية من النبات أودية مملوءة بالغابات، يسكنها رعاة الجمال ~~التابعون للقبائل السالفة الذكر. # اجتزنا بعد ذلك واديا قريبا غير مطروق وواصلنا رحلتنا دون راحة؛ لأني كنت شديد الرغبة ~~في مشاهدة أعزائي في أقرب وقت ممكن أضمن في نهايته السلامة من أخطار رحلتنا المتعبة ~~المفزعة. ورغم كوننا ناجين من كل خطر، لأنا تركنا الحدود المهدية وصرنا على الأراضي ~~المصرية، رغم ذلك أصر مرشدي على البقاء بعيدين عن عيون الرقباء والناظرين كائنين من كانوا؛ ~~لأنه خاف من أن تقع علينا عيون بعض التجار الذين يتعاملون مع السودان. # وبما أن منزله قائم على الحدود، وأنه كان مضطرا - لأسباب مختلفة - إلى الذهاب لبربر؛ ~~فمن الواجب علي أن أقدر خدمته لي - في موقفه الخطير هذا - حق قدرها. # وفي الحق لم أجد بين من شاهدت في السودان رجلا أقوى عزيمة وأسمى روحا من صديقي الأخير ~~هذا، على الرغم من ضعف جسمه. ولا ريب في أن الطعام غير النظامي والسير المتواصل في كثير من ~~الأحايين أثر أثرا سيئا في صحة هذا المتقدم في السن. وعلاوة على ذلك شعر صاحبي حامد ~~بالبرد الشديد الذي أوقعه أخيرا في حبائل المرض، فاضطررت إشفاقا عليه أن أعطيه عباءتي ~~لتدفئته، وأبقيت لنفسي المعطف الصغير والحزام الصوفي الكبير. وقد وصلت بي الرغبة في سرعة ~~الوصول إلى أسوان حدا دفعني إلى أن أعطيه جملي وأسير على قدمي العارية فوق الأحجار أربعة ~~أيام - سبب سيري عاري القدم هو إضاعة حذائي كما قلت قبلا بواسطة إبراهيم ويعقوب - ولا ريب ~~أن هذه الفترة أشق مراحلي من الوجهة الصحية. # خيل إلينا قبل الوصول إلى أسوان بأيام قلائل أن الجمل يتأمر علينا في اللحظة الأخيرة، ~~وليس ذلك غريبا؛ فقد أتعبه المسير المتواصل دون راحة إلا في النادر، وعلاوة على ذلك أصيب ~~في مقدم القدم بجرح زاد واتسع عندما اصطدم بحجر مدبب، فاضطررت إلى أن أقطع جزءا من حزامي ~~لألف به بطن القدم والجزء المجروح من الجمل، على أن أغير ms332 هذه اللفافة كل أربع وعشرين ساعة. ~~وقد تعلمت ذلك من رعاة الجمال من دارفور، وكل ما بيني وبينهم من خلاف أنهم يستعملون الجلد ~~بدل الصوف. # آخر الأمر قدر الله اللطيف بعباده أن ننزل في صباح السبت 16 مارس من أعلى منحدرات طريقنا، ~~فنشاهد نهر النيل السعيد ومدينة أسوان الممتدة على شاطئه. وبطبيعة الحال أقر بالعجز الكلي ~~عن وصف السرور الذي ملأ قلبي بعد الشكر لله إزاء النجاة والشعور بتحريري من العبودية؛ فقد ~~انتهت آلامي، وقضى الله على مصائبي، ونجوت حقا من أيدي البرابرة الشديدي التعصب، ووقعت ~~عيناي أول مرة على مساكن شعب متمدين يخضع للقانون والنظام، ويأتمر حكامه بأوامر العدالة ~~فحسب. # واتجه - ساعة وصولي إلى أسوان - قلبي الطروب إلى عرش الله الأسمى شاكرا لجلاله حمايته ~~ويمينه المرشدة. قوبلت بأعظم مظاهر الترحيب من معسكرات الضباط الإنجليز الخاضعين لصاحب ~~السمو الخديو، وفي مساكن الضباط المصريين الذين لم يعلموا - إلا عندما التقوا بي - أنباء ~~رحلتي المدهشة. وقد تسابق كل من أولئك الضباط المصريين الكرام في التفريج عن كربي القديم، ~~وفي جلب السرور الذي ينسيني آلامي ونكباتي السابقة. كان المحافظ العسكري في ذلك الحين في ~~أسوان الكولونل هنتر باشا، وكبار ضباطه الذين أذكرهم في هذه اللحظة هم البكباشيون جاكسون ~~وسدني وماتشل بك ووطسون. وقد قدم كل منهم أقصى ما يستطيع من مجاملة صادقة ، فشكرت لكل من ~~أعماق قلبي ودعوت لهم بالخير. وقبل تغيير ملابسي بملابس جديدة من التي قدمها لي أولئك ~~الضباط، طلب مني صديقي البكباشي وطسون السماح له بأخذ صورتي - وطسون هذا من أدق الرسامين - ~~فقبلت طلبه مع الشكر. # أما عن صديقي حامد جرهوش فقد دفعت له - بواسطة بطرس بك سركيس صديقي القديم ووكيل قنصلية ~~إنجلترا في أسوان - مائة وعشرين ريالا من عملة مارية تريزة، وقدمت لحامد علاوة على ذلك ~~هدية مالية وبعض الملابس والأسلحة، وفوق هذا وذاك قدم له هنتر باشا عشرة جنيهات إنجليزية ~~تذكارا لوصولي سالما إلى أسوان. وبعد ذلك ودعني وداع الإخلاص وعاد إلى قبيلته مسرورا ~~مبتهجا. # بعد قليل من ms333 وصولي إلى أسوان وردت لي تلغرافات التهاني؛ أولها من الماجور لويس بك ~~بالأصالة عن نفسه وبالنيابة عن معسكر وادي حلفا؛ وثانيها من رئيس الوكالة السياسية ~~النمساوية في مصر، وهو البارون هولرفون أجيرج، الذي تعب كثيرا في سبيل إنقاذي؛ ثم من صديقي ~~المخلص الماجور ونجت بك. # أول من حياني من أبناء وطني تحية شخصية هو البارون فكتور هيرنج، ثم أولاده، وقد كانوا ~~جميعا في ذهبيتهم في النيل. # صادف وصولي يوم قيام إحدى بواخر البريد، فاغتنمت الفرصة وتمكنت بمساعدة ذي الشأن في أسوان ~~من مواصلة رحلتي بعد ظهر اليوم المذكور (16 مارس). # رافقني جميع الضباط الإنجليز والمصريين إلى الباخرة، ووقعت الفرقة العسكرية السودانية ~~النشيد النمساوي الوطني على موسيقاها، فذرفت عيناي الدموع حنينا إلى الوطن العزيز، ثم دخلت ~~السفينة فارتفع الهتاف من جميع الركاب على اختلاف جنسياتهم، فشكرت لهم جزيلا، ثم شكرت ~~للضباط المقيمين في أسوان عنايتهم بي وإخلاصهم لي. وفي الحق لم أكن مستحقا كل ذلك التكريم ~~وهذه الحفاوة، ولم أجد - مع شعوري بالخجل الشديد - سوى تقديم الشكر والدعاء للجميع ~~بالخير. # كان معي في سفري ماتشل بك قائد الفرقة السودانية الثانية عشرة، والذي كانت مناوراته من ~~وادي حلفا إلى كورسكو عن طريق مورات سببا في أكل الطعام المعد لي عندما وقع عليه الجنود ~~السودانيون، وسببا في تغيير خط سيري. # عندما وصلت مساء الأحد إلى الأقصر تجلى عطف الأوروبيين المسافرين معي مرة أخرى، وهنا ~~تلقيت عن طريق البارون هولر تلغرافا من شقيقاتي العزيزات صادرا من عاصمة وطني العزيز ~~(فينا)، فما أبهج تلك الساعة التي قرأت فيها تلغرافا عليه إمضاء بأسماء شقيقاتي العزيزات ~~وعنوان فينا العزيزة! # في الساعة الخامسة من مساء الإثنين وصلنا إلى جرجا أقصى محطة جنوبية للسكك الحديدية ~~المصرية، ومنها ركبت القطار إلى مصر، حيث وصلت الساعة السادسة من صباح الثلاثاء 19 ~~مارس. # على الرغم من تلك الساعة المبكرة جدا في الصباح، وجدت على المحطة البارون هولرفون إيجرج ~~وجميع موظفي السفارة النمساوية والقنصل النمساوي الدكتور كارل وترفون جورا كوشي، وهناك ~~أيضا صديقي ms334 العزيز ونجت بك الذي لا أستطيع في كلماتي القليلة هذه أن أعبر عن شكري له، وإلى ~~جانب أولئك شاهدت مراسل «التيمس» والأب روزينولي وآخرين غيره، ومع أولئك فوتوغرافي يأخذ ~~الصور المختلفة. # بعد أن صرفنا بضع دقائق في تبادل التحيات، سرنا إلى السفارة النمساوية، حيث بقيت مدة ~~طويلة ضيفا عند الرجل الطيب الشديد الإخلاص البارون هولر، الذي قام بمجهود عظيم في سبيل ~~حريتي، والذي لم يكن عمله ناجما عن واجبه بصفته ممثل النمسا في الحكومة المصرية، ولكن كان ~~صادرا عن عاطفة حية مشفقة على شخص أصيب بالأسر المفزع. # عندما وصلت إلى السفارة وجدت الغرفة الخاصة مزينة بأعلام وطني العزيز، ومملوءة بالأزهار ~~والورد، وقد كتب على باب السفارة «تحية صادقة للضيف الكريم». # في ذات اليوم الذي وصلت فيه إلى مصر، تسلمت تلغرافات التهنئة - بنجاتي - من أفراد أسرتي ~~وأصدقائي ورفقائي في المدرسة قديما، ومن صحف عديدة في أوروبا بصفة عامة والنمسا بصفة خاصة. ~~وإني لا أنسى العطف العظيم الذي تفضل به علي صاحب السمو الملكي الدوق ولهلم أف ورتمبرج، ~~وصاحب السمو البرنس لويس إستر هازي، وقد كان كلاهما في حملة بوسنة عندما كنت أحارب مع فرقتي ~~العسكرية، ولا ريب في أني سأذكر دائما كلمات التشجيع التي نادى بها ذانك الرجلان العظيمان ~~إزاء مصائبي الأولى، وكلمات التهنئة بعد الفرار من مقر الخليفة عبد الله المشهور ~~بطغيانه. # بعد عودتي إلى مصر بقليل تشرفت بمقابلة صاحب السمو خديو مصر، الذي أنعم علي برتبة ~~الباشوية. دخلت السودان منذ ستة عشر عاما كملازم أول في الجيش النمساوي، وعندما عينت ~~حاكما لدارفور منحت من الحربية المصرية لقب أميرال، أما الآن فرقيت إلى درجة اللواء حسب ~~نظام الجيش المصري. # بعد أيام قلائل من تلك المقابلة السامية كنت واقفا في شرفة السفارة متطلعا إلى جمال ~~حديقتها في فصل الربيع، فشاهدت طيرا مائيا أليفا إلى جانب الأعشاب، فتذكرت في الحال طير ~~فالزرفين التابع لاسكانيانوفا توريدا الكائنة في روسيا الجنوبية، ففي الحال دخلت غرفتي ~~وكتبت له بيانا كاملا عن طير الكركي الذي أطلقه ms335 في عام 1892 والذي قتل في دار شيفية، وفي ~~الحق كنت مسرورا جدا بكتابة خطاب تفصيلي إلى الصاحب الأصلي لذلك الطير، وما هي إلا ~~فترة صغيرة حتى ورد لي من فالزرفين رد على خطابي يشكرني فيه جزيلا ما ذكرته عنه ويدعوني ~~لزيارته، ولكني لسوء الحظ لم أتمكن من القيام بتلك الزيارة النفيسة؛ لأني ارتبطت بمواعيد ~~كثيرة جدا حالت دون قبول الدعوة الجديدة. # كثرت الدعوات الرسمية والخصوصية، وتعددت الزيارات بحيث لم أستطع القيام بعمل رسمي جدي ~~قبل مرور بضعة أسابيع. # كان أول عمل لي بطبيعة الحال كتابة تقرير رسمي مفصل أرفعه لرؤسائي الحربيين، وبعد ذلك ~~بفترة بدأت في كتابة قصة حياتي في الأعوام الستة العشرة الأخيرة. # أما صديقي القديم وزميلي في الأسر الأب أوهروالدر الخطيب الديني في سواكن، فقد انتهز أول ~~فرصة وحضر خصوصا إلى مصر لتحيتي، وفي الحق كان اجتماعنا سبب سرور جديد لا أستطيع وصفه، وقد ~~شعرت براحة كلية لأني تمكنت شخصيا من تقديم شكري الجزيل لهذا الصديق المخلص إزاء ما أبداه ~~نحوي من مساعدة وتأييد. إني أشعر بثقل في رأسي ودوران قد يعقبه الإغماء كلما أتذكر الحالة ~~الماضية وأقارنها بالحالية، وكلما أسرد حوادث مدة اثنتي عشرة سنة قضيتها أسيرا في أقصى ~~حالات الأسر، وإزاء ذلك كله لم أستجمع قوى تفكيري قبل مرور فترة غير قصيرة. # الآن أشعر بأني رجل من شعب متمدن ورجال مسالمين، فترجع أفكاري إلى البرابرة المتعصبين ~~الذين عشت معهم زمنا طويلا، قاسيت فيه الآلام وواجهت المخاطر، ثم أعود فأذكر رفاقي الذين ~~لا يزالون تحت الأسر الممض، وألقي نظرة أسى على الأمم الواقعة في حبائل الأسر، فلله أجزل ~~الشكر على فضله العظيم؛ حيث نجاني من الخطر الفادح وأوصلني بالسلامة إلى شعب هادئ ~~أمين. # الفصل التاسع عشر # | الختام # بعد أن قضيت أكثر من ستة عشر عاما - من بينها اثنا عشر عاما في الأسر الشنيع - في ~~أفريقيا منقطع الصلة عن العالم المتمدين، قدر لي حظي السعيد أن أعود إلى أوروبا، إلا أنه من ~~الواجب علي أن أقول بأن ms336 تغيرا عظيما في سبيل العمران حدث في أفريقيا في هذه المدة، ~~فكثير من المناطق التي خاطر فيها أمثال المحترمين: لفنجستون وأسيك وجرانت وبيكر وستانلي ~~وكمرون وبراز وجنكر وشونيفورت وهولب ولينز، ومئات غيرهم بأرواحهم العزيزة في سبيل البحث ~~عنها؛ أصبحت (المناطق) قابلة الآن للنهوض المتمشي مع المدنية. في كثير من المناطق التي قاسى ~~فيها المكتشفون قبلا كثيرا من المخاطر، توجد الآن قوى ومحطات عسكرية تساعد على نشر الأمن ~~وتسهيل التجارة التي تعد أهم عناصر التقدم في الجهات المذكورة. # لئن تطلعنا إلى الدول صواحب الشأن في تلك المناطق، فإنا نجد في الشرق إيطاليا وإنجلترا ~~وألمانيا، وفي الغرب الكنغو (بلجيكا) وفرنسا وإنجلترا، وتسعى كل من تلك الدول سعيا ~~حثيثا في زيادة النفوذ في جهات مختلفة، وترمين جميعا إلى وضع الأيدي على أفريقيا الوسطى. ~~وقد بدأ رجال القبائل المتوحشة - الذين يعتبرون أقرب إلى الحيوان منهم إلى الإنسان - يدركون ~~حاجياتهم الضرورية، وأن هناك أناسا ذوي مراتب سامية في أنفسهم، ويرجع ذلك إلى المقدار الذي ~~حصلوا عليه من المدنية والتقدم. ولا شك عندي في أن الممالك الإسلامية الصغيرة الشمالية، ~~كوادي بورنو وفلاتا، سيدرك زعماؤها حاجتهم للتعاون مع الدول العظمى في سبيل الاحتفاظ بحكمهم ~~الوراثي. # ذكرت المناطق السابقة ولم أشر إلى الآن بشيء للبقعة التي قضيت فيها أكثر من عشر سنين، ~~ورغبتي في ذلك منحصرة في تخصيص الذكر والكلام عند ورود اسم السودان بين المناطق ~~الأفريقية. # والآن أقول بأنا نجد في الناحية المتوسطة من أفريقيا، بين الأراضي المذكورة أخيرا وحيال ~~القوى الأوروبية الباسطة نفوذها في الشمال والجنوب والغرب؛ نجد في تلك الناحية السودان ~~المصري الذي يخضع اليوم لحكم الخليفة عبد الله وأشياع المهدي، وهم أشد الحكام قساوة وأكثرهم ~~ظلما للرعايا. # إن الأوروبي، كائنا من كان، لن يستطيع اجتياز ذلك السودان كزائر أو عامل، وأقصى ما يحدث ~~لذلك الأوروبي لا يختلف عن أدنى ما يصيبه، سوى اختلاف جزئي لا يؤثر شيئا في النفس التي ~~اعتادت الحرية، والتي خلقها الله في جسم الإنسان لتشعر بسعادة الحياة الهادئة البعيدة عن ms337 ~~العسف والمظالم من ناحية الحاكم صاحب الأمر. وللإنجاز أقول بأن أقصى ما يصيب الأوروبي في ~~السودان هو الموت، وأدنى ما ينتابه هو البقاء طول حياته أو أغلبها أسيرا مغلوبا على أمره. ~~قد لا يجد في الحقيقة فرقا بين الموت وبين تلك الحالة المؤلمة، ولكني عن شخصي أجد اختلافا ~~ظاهرا؛ هو تمتعي بالنجاة والحياة الحرة قبل موتي الطبيعي الهادئ. # إذن يتعرض الأوروبي السائر لتلك البلاد البعيدة عن المدنية، والممتدة جنوبا على طول ~~النيل إلى الرجاف، وشرقا إلى غربي كسلا على مقربة من واداي؛ للموت السريع أو لعيش مرير ~~تحيط به مظالم المستبدين. # لم يكن السودان تحت حكم مصر على مثل ما أصف من شدة على الأوروبيين، ولم نكن نحن الغربيين ~~نتضجر من أمثال تلك المظالم، فما هي إلا عشر سنوات منذ وقع السودان في قبضة المهديين حتى ~~شاهدنا المظالم تترى والعسف يتوالى. وإنه لمن الحق أن أصرح بأن السودان ظل أكثر من سبعين ~~سنة - منذ دخله محمد علي - تحت حكم مصر والمصريين، فكان من ذلك العهد الطويل مفتوحا للجميع ~~ومستعدا لقبول كل جديد تأتي به المدنية ويدعو إليه العمران. # تحت حكم المصريين انتشر التجار المصريون والأجانب على السواء في مدن السودان الرئيسية، ~~وفي الخرطوم ذاتها كان للدول الأوروبية العظمى ممثلون محترمون من الجميع، وقد كان الأجانب ~~من جميع الدول الأوروبية متمتعين بحق الدخول إلى السودان والخروج منه، وهم في كل من ~~تينك الحالتين على أتم ما يتمنون من أمن وهدوء وسلم. وإلى جانب ذلك سهلت المواصلات بين ~~السودان، وأبعد الممالك الأوروبية بواسطة الرسائل التلغرافية والبريدية المنظمة. # إن أعظم ما تمتع به السودان أثناء الحكم المصري الطويل هو قيام كل فرد بشعائره الدينية ~~وبنشر العلوم حسبما يوحي إليه ضميره، فكنت ترى مساجد المسلمين وكنائس المسيحيين في أماكن ~~قريبة يقصدها أبناؤها بمطلق الحرية وفي هدوء واطمئنان، كما كنت ترى مدارس المسيحيين ~~الأوروبيين منتشرة لتعليم العلوم الحديثة، لا فرق في ذلك بين الفلسفية منها والدينية ~~والعلمية المحضة، كانت المناطق السودانية مقطونة بقبائل مختلفة، وكان ms338 العداء في كثير من ~~الأحيان شديدا بين رجال القبائل، ولكن حزم الحكومة المصرية أدى إلى نشر السلم بين ~~السودانيين على وجه عام، سواء أكانوا في ذلك راضين أم مرغمين. # جاء دور المهديين فانقلب الحسن إلى سيئ، وأصبحت الحال المهدية الجديدة غير الحال المصرية ~~الأولى، فانتشر الجزع والاضطراب في البلاد السودانية. وقد أبنت في الفصول السابقة مقدار ~~طمع وسوء إدارة الموظفين الجدد؛ مما وصل بالبلاد إلى حد أصبح ميسورا معه نشوب ~~الثورة. # سعيت جهدي في الفصول السابقة إلى شرح ما قام به محمد أحمد لاستغلال الموقف والظهور بين ~~القبائل المتقاتلة؛ فقد أيقن ذلك الرجل أن السبيل الوحيدة التي توفق بين أولئك المتخاصمين ~~هي سبيل الدين؛ فادعى أنه المهدي المرسل من الله تعالى لتحرير البلاد من النير الأجنبي، ~~ولإحياء الدين، فكان ذلك العمل من جانب المهدي سببا رئيسيا في إيجاد خلة التعصب الديني ~~الذميم، الذي زاد سوء الحالة في الاثنتي عشرة سنة الأخيرة، ودعا إلى تذمر لا من الأجانب ~~فحسب، بل من السودانيين أيضا، الذين وقعوا في حبائل الفوضى والظلم. # كان من المستحيل نجاح الثورة بدون التعصب، هذا إلى أنا وقفنا به (التعصب) أمام حالة ~~حرجة؛ هي حالة الحرب والجهاد بين المختلفين في الدين. ومن الغريب في أمر ذلك السودان أنا لم ~~نجد حالة توازن بين التعصب الممقوت والتسامح الحميد، فكنا قريبين في حالتنا من القرون ~~الوسطى أو ما هو أبعد أمدا. # سعيت - عندما ذكرت حياتي وأعمالي في الفصول الأولى، وعندما وقفت أمام نذير التعصب الديني ~~- إلى السير بخطى متئدة في سبيل تعقب الأسباب الرئيسية التي دعت إلى الحالة الحاضرة. ولئن ~~قررنا حقا أن الحالة تغيرت عما كانت عليه في زمن المهدي وأوائل حكم الخليفة عبد الله، ~~فإنا نذكر إلى جانب ذلك أن الموقف لا يزال خطيرا، وهو في حاجة إلى الأيدي العاملة بنشاط ~~بعد معرفة الحقائق والتفصيل، حتى يتمكن أصحاب الشأن من معرفة السبل التي يتحتم عليهم عبورها ~~للاحتفاظ بالمدنية، ونشر ألوية العدل في ذلك الفضاء الواسع من الأمة التي هوت ms339 إلى حالة ~~مكربة مؤلمة لا نستطيع وصفها، بعد أن ضعف فيها المستويان الرئيسيان لبقاء الأمم؛ وهما ~~الخلقي والديني. وإلى جانب ذلك نذكر ما يطمع إليه الجميع، سواء في ذلك الوطنيون والأجانب، ~~من عدل شامل وطمأنينة محققة. # إن أول ما يتبادر إلى ذهن المفكر في شئون السودان بعد قيام حكم المهديين هو مصير المدنية ~~الناشئة الجديدة، التي وجدت في سني حكم المصريين منذ عهد محمد علي، فليس من شك في أن ~~تغيير الحال وحلول الفوضى محل النظام يولدان في العقل شعورا صادقا بانقضاء كل أثر ظهر ~~للمدينة في السودان قبل المهديين. وهذا ما حدث بالفعل؛ فقد اندثرت معالم المدنية رغم ~~طراوتها وحدتها؛ والسبب الرئيسي في اندثارها هو انتقال الحكم إلى أولئك المستبدين الجهلة، ~~بل أذهب إلى أكثر من ذلك فأقول إن سبب ضياع المدنية راجع إلى ظهور نفوذ أولئك الهمجيين، ~~الذين أسسوا على أنقاض الحكومة السودانية المصرية السياسية نظاما جديدا كان إلى حد ما ~~متتبعا خطوات النظام الماضي في العرض، ولكنه خالفه في الجوهر. فبدلا من الحق والعدالة ~~والأخلاق في حكومة العهد المصري، نجد الظلم والباطل البربري والتجرد من نظم الأخلاق في ~~حكومة المهديين وأتباعهم. وإنه لمن الواجب علي أن أقرر للقراء - غير مدفوع في ذلك بنزعة ~~الثأر لنفسي مما قاست من ويلات، ولكني مدفوع بوازع الضمير رغبة في تقرير الحقيقة كلها - ~~بأني لن أستطيع ذكر أمة ظلت في حياة المدنية أكثر من نصف قرن ثم هبطت إلى الدرك الأسفل من ~~الهمجية غير السودان. # لنفكر لحظة واحدة في تلك القوة الجديدة التي برزت بروز الشر، ودعت إلى الفوضى في ربوع ~~السودان، مما اعتبرها الأوروبيون بحق عقبة كأداء في سبيل المدنية الناهضة، ونذيرا بفشل ~~المساعي الكبرى التي بذلوها في السنوات الأخيرة في الكثير من جهات تلك القارة الأفريقية ~~الفسيحة. # سعيت في الفصول الأولى إلى تبيان أثر المهدي عندما صاح في الناس أول صيحة، وعندما ظهر ~~نفوذه الواسع في السودان؛ فقد كان هذا الرجل سيد السودان الحقيقي، فلم يكن يصدر أمرا حتى ~~يسرع ms340 الأتباع لتلبيته وهم على استعداد لتفديته بالقلوب والأرواح. كما أني ذكرت التعصب ~~الذميم اللعين الذي أوجده المهدي في حياته، ثم أردفت ذلك بشرح تضاؤل ذلك التعصب بعد موته ~~(المهدي)؛ حيث حل محل القوة الدينية نفوذ جديد للخليفة عبد الله، كان يتذرع فيه بالدين ~~تذرعا اسميا، ولكنه في الحقيقة كان مدفوعا بنزعة الظلم التي وجدت بين جنبيه منذ عرف ~~الفارق بين الخير والشر. ولم تكن القسوة قاصرة على الخليفة عبد الله، ولكنها تعدته إلى عرب ~~القبائل الغربية؛ فقد حل أولئك محل الجنود المصريين؛ فأهلكوا الزرع والنسل، وحكموا السكان ~~المنكودي الحظ بقضيب من حديد، فذاق أولئك السودانيون كل مرارة، وابتلاهم الله بشر أولئك ~~الجدد المستبدين؛ مما جعلهم يذكرون ليل نهار فضائل الحكم المصري. ثم دفعهم أكثر من ذلك إلى ~~التذمر المنذر بالثورة، والتطلع إلى حكومة تمنحهم الهدوء والسلم. # إنه لمن التطويل غير المحمود، بل من التكرار الممل الموجع للنفس، أن أعود لذكر الفظائع ~~التي ارتكبها الخليفة عبد الله وأتباعه في سبيل احتفاظهم بمراكزهم الدينية والحكومية، ولكن ~~من واجبي هنا أن أذكر لقرائي أن خمسة وسبعين في المائة - على أقل تقدير - من مجموع السكان ~~في السودان ماتوا؛ إما بالحرب وإما بالجوع وإما بالأمراض الوبائية الفتاكة، فيبقى لنا بعد ~~ذلك أقل من خمسة وعشرين في المائة ليسوا في حقيقتهم أحسن حالا وأفضل عيشا من ~~الرقيق. # تذكرني كلمة الرقيق الأخيرة بذلك الطغيان البادي في تجارته في السودان. ولئن كان الرقيق ~~في بادئ أمره مقصورا على العبيد، فإنه - بعد امتداد نفوذ عبد الله - يضم إلى دائرته العدد ~~الكبير من مسيحيي الأحباش والسوريين والأقباط والمصريين المسلمين. # إن القسم الواسع من السودان الذي يحكمه الخليفة عبد الله اليوم قد تغير في نظامه عن الحكم ~~المصري، ولكنه تغير لا يشرف صاحبه؛ فقد أصبحت المناطق الخصبة المثرية الآهلة بالسكان صحراء ~~مقفرة يخاف الناس ولوجها، فإنك اليوم تجد السهول الكبرى التي وطئتها أقدام قبائل العرب ~~الغربية شبيهة بالصحاري، لا يظهر فيها من المخلوقات غير الوحوش الضارية. أما مواطن الآدميين ~~على شاطئ ms341 النيل، فأصبحت مقطونة ببدو القبائل المرتحلة، بعد أن طرد أولئك أصحاب البلاد ~~الأولين أو استبقوهم لا لشيء سوى تفليح الأرض واستثمارها لخير الأسياد الجدد. # حرم السكان الأصليون من جميع وسائل الدفاع عن النفس، وأصبحوا - بعد ما نزل بهم من جور ~~وعسف - في حالة فقدوا معها كل أمل في الحصول على العطف من ناحية أولئك الأسياد الجدد، فضعفت ~~أو تلاشت فيهم قوة المقاومة؛ وإذن فالباقون من السكان الحاصلين على المساحات الضيقة المشرفة ~~على النهر ليسوا أفضل من العبيد في غير حالة واحدة؛ هي حين تعريضهم للبيع في سوق ~~الرقيق. # ما الذي يستطيع أولئك البائسون المنكوبون عمله لمهاجمة أسيادهم الجدد الأقوياء؟ إنهم أمام ~~أحد أمرين؛ فإما التسليم والبقاء في عيش الذل، وإما الاعتراض؛ وفي تلك الحالة يلاقون آجالهم ~~بحد السيف. # إنه لمن المغالاة والجنون المطبق أن يفكر أحد في أن المغلوبين على أمرهم في عهد الخليفة ~~عبد الله يستطيعون إنهاء حالتهم المزرية بثورة داخلية؛ لأنهم لا يملكون شيئا من معدات ~~الدفاع أمام قوة الحكومة الظالمة؛ وإذن لا بد من وصول العون والمدد من الخارج إلى أولئك ~~المنكودين. وعلى السكان المحليين أن يتحققوا أن الخير في الثبات وعدم التقهقر بعد ظهور ~~حكومة عادلة جديدة؛ لأن ظهور أي دليل من دلائل الضعف والمقاومة لروح المدنية الجديدة سيضر ~~التقدم المقصود ضررا بليغا. # إنه لمن الواجب على السودانيين - في سبيل الاحتفاظ بتقدمهم المنشود والابتعاد عن مصائب ~~العسف والمظالم - أن يعتقدوا أن قوة الخليفة في ضعف مستمر؛ لأن ذلك الضعف أعظم مساعد ~~لارتفاع كلمة الحق ورجوع عصر المدنية. # عندئذ يستطيع السودانيون الوثوق في القوى الجديدة الخارجية التي ستساعدهم في تحطيم قيود ~~العسف والتطويح بالإمبراطورية المهدية الجائرة. # إني أطلب من القارئ أن يتمهل في الحكم على ضياع نفوذ المهدي وعبد الله ومن والاهما؛ فقد ~~يتصور البعض مما سبق أن ذلك النفوذ الشديد سيزول، ولكني أعود فأؤكد أنه غير قابل للاندراس ~~في حد ذاته، ولكنه عرضة لذلك التدهور بمؤثر خارجي فحسب، على أن ذلك يستغرق زمنا غير ~~قليل. # أحيل ms342 قراء الكتاب إلى الفصول الأخيرة السالفة ليعرفوا مقدار ما اتخذه عبد الله في سبيل ~~الاحتفاظ بقوته الداخلية طول حياته حيال أعدائه الداخليين. فليس غريبا أن يظل ذلك الاعتقاد ~~راسخا في فكر الخليفة وقابلا للتصديق عند الجميع ما دام عبد الله في أمن من أي اعتداء ~~خارجي وتدخل أجنبي؛ وإذن من المؤكد أن هذا الرجل سيظل صاحب السلطان طول حياته. أما بعد ~~موته فمن المحتمل، بل من المؤكد أيضا، أن انقلابا عظيما سيحدث في ربوع السودان، وأن ~~انفجارا هائلا سيتولد بعد الضغط الطويل. # وأقرب ما يتبادر إلى الذهن هو أن ذلك الانقلاب ينتهي إلى خلع الأسرة التي عني عبد الله ~~منذ تولى خلافة المهديين بتأسيس حكمها الثابت. ولكني لا أستطيع التأكيد بأن ذلك التغيير ~~سيقرب السودان إلى مصادر المدنية أكثر مما هي الآن. # إذا عرفنا ذلك، وجب علينا أن نقرر أن الخير لا يتم للسودان إلا بواسطة مساعدة خارجية. ~~ومهما يكن من شيء، فإن الغرض السابق قد لا يتفق اتفاقا رقيقا مع مقتضيات الحال في السودان ~~اليوم. # إن الذين يرغبون في دراسة حالة السودان الحاضرة ملزمون قبل أي اعتبار آخر أن يدركوا بأن ~~السودان اليوم ليس هو ذلك السودان في أيام إسماعيل باشا، عندما تجلت المدنية بواسطة نفوذ ~~الحكومة المصرية، في الوقت الذي كانت فيه البقاع والأمم المختلفة المجاورة للنفوذ المصري؛ ~~إما في درك الهمجية وإما عابدة للأوثان؛ حيث لم يستطع الأوروبي ضمان النجاة لنفسه إذا اجتاز ~~إحداها، علاوة على أن جميع الأوروبيين لم يكونوا معروفين، ولم تكن حتى دولة واحدة من القارة ~~الأوروبية معروفة لدى الأمم المذكورة، كما أن العرب لم يظهروا في غير القليل النادر. # كان السودان إذن زهرة تلك البقاع، والمتميز عن جميع ما جاوره بما له من مدنية ونهوض، وكان ~~ذلك كله في العهد المصري، ولكني أقول - كما قلت قبلا - إن الهمجية تطرقت إلى جوانبه عندما ~~جاء عهد المهديين. # كان السودان على مقدار مذكور من المدنية والنهوض، فأصبح منكودا متخبطا في طرقات الجهالة ~~والظلم، بعد أن ألقيت ms343 مقاليد الحكم فيه إلى قوة همجية وحشية تكره النفوذين الأوروبي ~~والعثماني على حد سواء. # تلك هي الأمة التي تعترض الطريق من النشوز المركزية القائمة على وادي النيل إلى البحر ~~الأبيض المتوسط، كما أنها الأمة التي تضع طابعها على المناطق التي كانت في وقت من الأوقات ~~متمتعة بالهدوء والسلم وقابلة لكل مصدر من مصادر التجارة والمدنية والنهوض. وإنه لمن المحزن ~~أن نذكر تدهور السودان وظهور ذلك الاضمحلال جليا؛ لأن المناطق التي كانت منحطة قبلا أخذت ~~تنهض وتقوى، في حين نرى السودان متدهورا. # أصبح من السهل وجود التبادل بين المناطق السالفة الذكر وبين العالم الخارجي وتدفق سبل ~~التجارة بحيت لا يعترضه معترض كما كانت الحال قبلا، فأصبح كل أجنبي آمنا على حياته من ~~الخطر في حالة اجتياز أية منطقة؛ وذلك بفضل حماية الحكومة الأوروبية. ويكاد يكون أحسن ما ~~أذكره عن تلك المناطق، أن العناصر الهمجية القائمة فيها أصبح أفرادها يدركون أن الخطأ ~~والجهل كل الجهل في مقاومة تيار المدنية، وأن الخير كله في التمتع بظل النهوض ~~الحديث. # لننتقل فترة من التعميم إلى التخصيص، ونتساءل عن حقيقة الموقف الحالي في السودان، فنقول ~~إن النفوذ المصري في الشرق السوداني يسير سيرا بطيئا جدا لاسترداد ما كان له من أراض في ~~الجهات المجاورة لسواكن وطوكر. أما في الجنوب الشرقي فقد استولى الإيطاليون على كسلا، ~~وأجبروا المهديين على إقامة خط دفاع قوي في الشاطئ الغربي من نهر عطبرة. # نسير مسافة إلى الجنوب فلا نجد في الوقت الحالي رغبة بين الأحباش في تغيير ما بينهم وبين ~~الدراويش من علاقات قديمة. أما في المناطق الجبلية التابعة لفازغلو والنيل الأزرق، فقد جاهر ~~السكان بعدائهم للخليفة ورغبتهم في الابتعاد عن طاعته. # نتجه جنوبا مسافة طويلة أخرى إلى منابع النيل، فنجد حركة جديدة للنفوذ الإنجليزي، وليس ~~ذلك غريبا؛ ففي تلك الجهات استطاع أستيك وجرنت وبيكي تخليد أسمائهم واسم أمتهم الإنجليزية ~~بما قاموا به من اكتشافات مجيدة، كما أنهم اكتسبوا حب الأهالي بما بذلوه من مجهود ضد الرقيق ~~وتجارته. ولا شك أن ms344 هذه الجهات ستتصل قبل مرور وقت طويل بشاطئ النيل بواسطة سكة حديدية لا ~~تساعد على فتح الجهات التي تجتازها فحسب، بل ستساعد على إيجاد مخرج لتجارة الخط الاستوائي ~~الجنوبي وما جاوره من الجهات؛ وإذن للنفوذ الإنجليزي أثر ظاهر هنا. بعد ذلك نذكر ولاية ~~الكنغو الحرة التي تمكنت في السنوات القلائل الأخيرة - بفضل ما بذلته من مجهود عظيم - من ضم ~~مقدار كبير من الأراضي إلى نفوذها. # كان النفوذ الجديد لولاية الكنغو الحرة عظيما، فلم يقتصر على مسيو مواوبانجي، بل تعداه ~~إلى مناطق كثيرة من مديرية بحر الغزال وفي خط الاستواء، حتى إن تلك الولاية تمكنت من التقدم ~~إلى المكان المجاور لنفوذ الدراويش في الرجاف الكائنة على وادي النيل. # فيما وراء ذلك النفوذ نجد على مقربة من أوبانجي العليا مساعي الفرنسيين وأحلامهم؛ حيث ~~يسعون السعي المتواصل في سبيل تحقيق آمالهم في تلك الناحية كما حققوها في جهات مختلفة من ~~القارة الأفريقية. إذا ذهبنا بعيدا إلى الشمال الغربي، وجدنا نفوذ الخليفة في المناظر ~~القائمة هناك معددا بعدد القبائل المختلفة التي سيصبح أفرادها، قريبا أو بعد زمن طويل، ~~خاضعين بمحض إرادتهم للنفوذ الأوروبي الممتد إلى داخل أفريقيا من الناحيتين الغربية ~~والشمالية. # أما في النهاية الشمالية، فستقيم القوة المصرية التي بدأ الخليفة عبد الله يدرك خطرها ~~ويثق أنها، القوة المصرية، ستكون أول من يتقدم للتدخل في شئون إمبراطوريته المضطربة ~~المزعزعة الأركان. # من ذلك البيان الموجز نطلع على الموقف الحالي - من الناحية الدفاعية الهجومية - للمهدي في ~~السودان؛ فإنه كامل العدة ومتين الشهرة في داخل أملاكه ومناطق نفوذه، ولكنه مهدد من جميع ~~الجوانب الخارجية، وهو إزاء ذلك التهديد لا يملك ما يدفع به غارة المحتاجين؛ لأن الشعب الذي ~~يحكمه لا يخلص له بطبيعة الحال وقت الخطر، والسبب في ذلك معروف لدى القارئ؛ وهو الرغبة في ~~التخلص من جور عبد الله بأية وسيلة، وعندي قليل من الشك في أن إمبراطورية الخليفة ستحطم ~~ويتقلص ظلها قبل هجوم قوى أية دولة متمدينة. إذن ما الذي يجب عمله؟ # هل تصبح مصر ms345 مرة أخرى الحاكمة الفعلية الحقيقية للبلاد التي كانت مصر سيدتها الشرعية ~~ومالكتها قبل حكم المهديين؟ # هل تدرك وتفهم جيدا كل مملكة من الممالك المتمدينة - السائرة مجردة عن الهوى إلى شواطئ ~~النيل الصالحة للملاحة - أن الواجب يقضي عليها بعدم محاولة قطع أو مقاومة مصدر حياة مصر ~~النائية بتحويل منافع الماء الراوية إلى الأراضي التي تحصل عليها كل منهن؟ # هل تسعى الممالك المتمدينة سعيا شريفا في كل ما يعملنه، وتفكر كل على حدة في أن ~~الفضيلة تقتضي التجرد عن الهوى وعدم تعريض مصالح مصر للخطر؟ هل ترضى كل مملكة رضاء المخلص ~~الشريف بعدم التقدم لسفك الدماء، وإنفاق الأموال في سبيل غير مشروعة كل ما فيها مكسب لا ~~يجيء إلا من اعتداء غير مشروع؟ # هل تدرك كل دولة أنه من غير اللائق أن تتدخل في شئون مصر وحقوقها المشروعة؟ # تلك أسئلة تدخل في دائرة السياستين العملية والتدريبية، وقد لا يكون من عملي البحث فيها ~~ومناقشتها والإفصاح عن غوامضها. # إن كل ما أرمي إليه هو الإفصاح بآرائي المجردة عن الهوى، والتي يدفعني إلى تقريرها وازع ~~من ضميري يذكرني دائما بأهمية وفائدة وقيمة السودان لمصر. وإني أصرح بمناصرتي لذلك الرأي ~~ودفاعي عنه بكل ما لي من قوة. # إن الأسباب التي دفعت محمد علي إلى امتلاك السودان منذ ثلاثة أرباع قرن (نذكر القارئ ~~المصري بأن سلاطين باشا كتب مؤلفه الذي نترجمه في عام 1895) كانت ولا تزال وستبقى وجيهة ~~جدا، ويكفي تلخيص ذلك في أن النيل حياة مصر. # فالواجب إذن قائم في حفظ وادي النيل من أي اعتداء؛ وإذن يجب على المسئولين أن ينظروا بعين ~~اليقظة والحذر إلى أي تقدم من جانب دولة أو دول أجنبية إلى طريق النيل العظيم؛ لأن الأمر ~~الذي لا ريبة فيه ولا جدال هو أن إنشاء مستعمرات على شواطئ النيل أمر عظيم الخطورة؛ لأن ~~الدولة المستعمرة في تلك الناحية قد تغلب مصالحها الشخصية ومطامعها الجديدة على مصالح مصر ~~وسعادة المصريين وتقدمهم ورخائهم. # أذكر من الصفحات الأخيرة من كتابي في الفصل الأخير أني ms346 أشرت في مواضع متفرقة من مؤلفي إلى ~~الأهمية العظمى التي لبحر الغزال، وقد لا يكون من التكرار ذكر ما لذلك الإقليم السوداني ~~العظيم من أهمية، وما له من شأن بالنسبة للسودان على وجه عام. # إن ذلك الإقليم (بحر الغزال) أخصب أقاليم السودان، ومساحته في مجموعها من أكبر المساحات ~~المنتجة. وأعظم ما يمتاز به بحر الغزال أنه يستمد ماء ريه من مجموعة جداول ومجار مائية، على ~~أنه في كثير من نواحيه مغطى بالجبال والغابات التي تأوي إليها الأفيال. أما الوديان الواطئة ~~فخاضعة لحكم الفيضان. # إن خصوبة تربة بحر الغزال تعد من الخيرات النادرة في السودان، فمن السهل الحصول منها على ~~كميات كبرى من القطن والمطاط. هذا إلى كثرة ما في البلاد من أغنام وماشية. # أما عدد السكان، فأستطيع تقديره بما يتراوح بين خمسة وستة ملايين عدا، والكثيرون من ~~أولئك يصلحون لحمل السلاح، إلا أن العداوات المستمرة بين رجال القبائل المختلفة تحول دون أي ~~اتفاق عام بين السكان، وذلك أكبر مساعد للدولة الأجنبية على التقدم للإقليم الكبير ~~المذكور، والحصول على نفوذ ظاهر فيه، وإنشاء قوة حربية داخلية فيه منحازة إلى جانب تلك ~~الدولة. فمن السهل بطبيعة الحال اتحاد قوة موالية في منطقة عرفت باشتداد الشحناء بين ~~أفرادها وتنافر رجال قبائلها المختلفين. # كل ذلك مما يغري القوة الأجنبية إلى التقدم، ولكني أعود فأذكر التقدم المجرد عن الهوى، ~~وعساني أكون مغاليا في توقع مثل ذلك العمل من أية دولة لا ترمي لغير شيء واحد هو مد نفوذها ~~وتوسيع سلطانها. # كانت مشراع الرق ميناء بحر الغزال منذ ظهر حكم المصريين في السودان، وقد اعتادت البواخر ~~الصاعدة من الخرطوم اجتياز تلك الميناء في فترات دورية كل عام، ولكنها في بعض الأحيان كانت ~~تتعطل في طريقها لما يعترضها من الأعشاب العائمة، التي كانت بين آن وآخر تسد طريق النيل ~~الأعلى. عند الناحية الجنوبية من فاشودة مباشرة يخرج النيل من بقعة يظن أنها كانت مقر بحيرة ~~قديمة، تعترض ذلك السير الفسيح البطيء مجار مختلفة لجداول وأنهار، وفي كثير ms347 من الأحايين ~~تقف السدود في طريق السير السريع، فكان المسافرون في كثير من الأحيان مضطرين إلى قطع هذه ~~السدود العشبية بالسيوف والفئوس. ومما يذكر في هذا الصدد أن بعثة السر صموئيل بيكر تأخرت ~~عاما كاملا عن إنهاء مهمتها بسبب اعتراض تلك السدود (البعثة المذكورة استغرقت ما يقرب من ~~أربعة أعوام من 1870 إلى 1874). # بالاطلاع على ما تقدم، نجد مركز بحر الغزال من الوجهتين الجغرافية والحربية - مع مقارنته ~~بمراكز باقي أقاليم السودان - عظيم الأهمية؛ وإذن فوجود أية قوة أجنبية في السودان لا تنظر ~~لغير مصالحها الشخصية ونزعاتها الاستعمارية، أو بمعنى آخر لا يهمها بقاء المصالح المصرية في ~~السودان؛ سيجعل بقاءها (القوة الأجنبية) في مركز ممتاز يعرض مصر للخطر، بل أذهب إلى أكثر من ~~ذلك فأقول إن ذلك البقاء سيحول دون تحقيق رغبة المصريين في استرداد أقاليمهم الأولى التي ~~فقدوها في السودان. وفي حالة رجوع مصر إلى السودان مع بقاء تلك القوة الأجنبية، سيكون نفوذ ~~مصر في خطر دائم؛ والسبب الرئيسي في كل ذلك هو أن القوة الخارجية التي ستدخل بحر الغزال أو ~~تسيطر عليه ستكون صاحبة النفوذ المطلق هناك، وسيظل تحت يديها كل مورد من موارد الخير في ذلك ~~الإقليم العظيم، الذي يعد من وجهة الرجال والمواد أكبر وأعظم أقسام وادي النيل. # تكلمت كثيرا في الصفحات السابقة عن كل ما أعرفه عن حركات ومطامع الأوروبيين في هذا ~~الصدد. وإني لا أستبعد أن أية محاولة حربية، من جانب دولة أوروبية في سبيل الوصول إلى النيل ~~عن طريق مشراع الرق أو بحر الحمر أو بحر العرب، ستلقى اعتراضا كبيرا من جانب المهديين. ~~ولكن في الوقت نفسه أقرر أنه إذا حدث مثل ذلك الاعتراض وقابله نشاط من جانب القوة الأوروبية ~~الجديدة، فالنتيجة المحتملة جدا هي ضياع مناطق المهديين من أيديهم. # لو أن الخليفة عبد الله على علم بأن الأوروبيين «البيض» الموجودين في بحر الغزال أقوى ~~كثيرا مما يتصور، وأكثر عددا وأعظم تدريبا مما يعرف عنهم بواسطة التقارير غير المضبوطة ~~التي تقدم إليه بين آن ms348 وآخر؛ لو أنه على علم بذلك لما تردد في مهاجمتهم قبل استفحال الخطر، ~~وفي تلك الحال يكون مضطرا إلى إرسال مدد من جيوشه من أم درمان، وهذا العمل صعب وغير ميسور ~~التنفيذ؛ لأن احتياطي جنوده يكاد يكون معدودا ومنحصرا في تقوية مواضع الخطر من عطبرة ~~مقابل كسلا وفي مديرية دنقلة. هذا البيان الموجز يوضح لنا ضعف قوة الخليفة، ويثبت ما أشرت ~~إليه سابقا عن عدم تمكن عبد الله من أي وقوف في وجه اعتداء خارجي، ولا ريب أن مثل ذلك ~~النفوذ معرض للضياع ومهدد بالتلاشي، خصوصا إذا ذكرنا إلى جانبه العداء الشديد الموجه من ~~سكان البلاد الداخلية لحاكمهم عبد الله. # نعود الآن عودة سطحية إلى الموقف الدرويشي في دارفور وكردوفان، فنذكر قبل كل شيء أن القوة ~~الحالية للأمير محمود لا تتعدى بضعة آلاف من حاملي البنادق والضاربين بالرماح، وأولئك على ~~قلتهم ليسوا في بقعة واحدة، ولكنهم موزعون في مخافر الفاشر. أما محمود نفسه فيقيم في الفاشر ~~مع القسم الأكبر من تلك القوة، على أنه في مناوشات دائمة مع قبائل دار حجر ومسالت وتاما ~~وبني حسين وحوتر، وقبائل أخرى في منطقتي كبكبية وكلكول. # لم يوفق الأمير محمود توفيقا متواصلا في عمله، وقد يرجع ذلك - إلى حد ما - لقلة عدد ~~المقاتلين معه أمام أعدائه الكثيرين. ومهما يكن من شيء، فإني أذكر لتقرير الوقائع أن أحد ~~كبار مساعدي محمود الحربيين، واسمه فضل الله، قد قتل أخيرا في معركة هجومية وهزم جنوده ~~المحاربون معه (وعددهم ستمائة) في معركة حامية مع القبائل المعادية الثائرة. وإني أذكر ~~جيدا أن الأوامر صدرت - في الوقت الذي غادرت فيه أم درمان - إلى الأمير محمود بإرسال قوة ~~لتأديب الثوار من الفاشر، والظاهر أن هذه القوة نجحت نجاحا جزئيا عوض شيئا من الخسارة ~~السالفة الذكر التي مني بها الدراويش. # قد يحسن بي أن أذكر كلمة سطحية عن القبائل المذكورة المعادية لنفوذ المهدي، فأقول إنها من ~~الوجهة الظاهرية الصورية مستقلة؛ أي إن استقلالها اسمي، ولكنها في الواقع تدين بشيء من ~~الطاعة إلى ms349 سلطنة واداي. وأفراد القبائل المذكورة يعدون في الوقت نفسه على شيء كثير من ~~الولاء لأصحاب النفوذ في سلطنة واداي؛ وإذن من الخطأ الواضح أن يعتقد معتقد - كما شاع بين ~~الكثيرين من الأوروبيين وغيرهم في السودان وخارجه - أن أولئك الثائرين كانوا عاملين تحت ~~قيادة رابح الزبير؛ لأن هذا الزعيم السوداني (رابح) شديد العداء لواداي، ولن يسمح بأن يكون ~~المؤتمرون بأمره على شيء - ولو قليل جدا - من الولاء لواداي. وعلاوة على ذلك، فإن نفوذ ~~رابح هذا لا يمتد في مسافته إلى الناحية الشرقية، والمعروف والمحقق أنه (نفوذه) قائم في ~~الأقسام الواقعة إلى جنوبي وغربي بحيرة تشاد. # على تلك الحال كانت الشئون جارية في تلك المناطق الجنوبية والغربية عندما غادرت السودان، ~~ولم أكد أصل إلى البيئة المتمدينة حتى قرأت في الصحف تقارير وأنباء غريبة ومتناقضة في بعض ~~المواضع عن الحال في الأقاليم المذكورة. # تكلمت كثيرا عن احتمال تقلص ظل الإمبراطورية المهدية وتلاشي نفوذها، في الوقت الذي تتقدم ~~فيه دولة متمدينة إلى قلب السودان. ولكني بخبرتي الواسعة في السنين التي قضيتها في قلب ~~النفوذ الدرويشي، أتقدم بمحض الإخلاص بكلمة تحذير إلى الأمة التي قضيت السنين الطوال في ~~الإشادة بذكرها وطلب التقدم المستمر لها؛ وبمعنى آخر أريد التقدم بالنصيحة إلى الأمة التي ~~دعوت لها بحياة ناهضة سعيدة إزاء تجديد عهد السودان المصري. # إني أذكر لها في إيجاز كلي أن المد والجزر لن ينتظرا إنسانا كما أنهما في بعض الأحيان ~~لن يتركا فرصة البقاء لإنسان. # أريد في ختام مؤلفي أن أكون أكثر صراحة، فأقول إن مصر التي تطلعت وتتطلع إلى استرداد ما ~~فقدته في السودان من يدي الخليفة، قد تقف في سبيلها أمة أخرى لا تكتفي باستخلاص المناطق من ~~يدي الخليفة، بل تعمد إلى عرقلة المساعي المصرية وإلى إدخال وسائل الري الهندسية في الجهات ~~التي تستمد منها مصر حياتها المائية، وفي ذلك خطر جسيم على مصر؛ لأن الدولة الجديدة صاحبة ~~الوسائل الهندسية ستنظر إلى خيرها أولا فتهدد مصر تهديدا ظاهرا؛ وإذن - وهذا أخف الضررين ~~وأهون الشرين ms350 - ستحرم الدولة الجديدة صاحبة الحق القديم من خيرات التجارة الواسعة التي كانت ~~- تحت إدارة طيبة في السودان - مصدر ثراء ونهوض للقطر المصري صاحب الحق الشرعي، ولكل أقاليم ~~النيل المنضوية تحت لواء مصر. # بهذه الكلمات القليلة الصادرة عن إخلاص شديد نحو الأمة التي عدت إليها بعد اثني عشر عاما ~~من سني الأسر الشديدة على النفس؛ أتقدم في ختام مؤلفي إلى مصر. ولكني قبل الختام أشير إلى ~~حادثة واحدة قد تساعد على رد ما فقدته مصر من حيث الأمل في الاسترداد، عندما أجبرت في شهر ~~ديسمبر عام 1883 على الخضوع والتسليم لرجال المهدي، كنت معتزا بسيف نفيس من سيوف الوطن ~~النمساوي، وقد حفرت عليه بحروف عربية اسمي كاملا غير منقوص في تفاصيله، ولكني حرمت مع ~~الأسف حق حمل ذلك السيف، وبالتالي وقع بين أيدي رجال المهدي، وبطبيعة الحال لم أفكر لحظة ~~واحدة في استرداد ذلك السيف العزيز. ولكني عندما ذهبت إلى لندن في شهر أغسطس عام 1895 لحضور ~~المؤتمر الجغرافي، تسلمت هذا السيف بواسطة المستر جون كوك، أحد رؤساء شركة كوك، وكان ذلك في ~~مكتبه في لدجسيت سركس. وقد ظهر لي أن المستر جون كوك اشترى ذلك السيف من وطني في الأقصر ~~عام 1890، عندما كان مارا بباخرته في شاطئ النيل عند أسوان، فقد شغف المستر جون باقتناء ~~السيف لوجود الاسم العربي المحفور عليه، وبعد قليل من شرائه تمكن بواسطة صديقي الماجور ونجت ~~من الوقوف على صاحب الاسم المحفور، وهو بطبيعة الحال اسمي. # ويخيل لي أن المهدي قدم سيفي هدية لأحد أتباعه الذين اشتركوا في الغارة على مصر تحت قيادة ~~النجومي في عام 1889، وأنه عندما تغلب الجنرال سرفرنسيس جرنفيل على النجومي في توسكي وقع ~~حامل سلاحي بين المقتولين أو الأسرى، وبعد ذلك أخذ أحد أفراد توسكي ذلك السلاح، ثم سار به ~~إلى مصر ووجد بحكم الصدفة في الأقصر أثناء مرور المستر جون كوك الذي تمكن من ابتياعه كأثر ~~عربي. # إن فقد السلاح في مجاهل دارفور ثم الحصول عليه في قلب لندن أمر مدهش ms351 جدا، وهو فوق ~~المصادفات العادية؛ وإذن لا قنوط ولا يأس؛ فقد ترجع الأقاليم التي فقدت إلى يدي صاحبها ~~القديم رجوعا لم يكن يخطر على بال. # عشت في خلال الأعوام الستة عشر الأخيرة عيشة مدهشة لا يكاد يتصورها العقل، وقد سعيت جهدي ~~في أثنائها إلى الحصول على اختبارات واسعة من أبسط عيشة في أيامي العادية البعيدة عن مظاهر ~~لها كلفة. # شرحت لقرائي في الفصول السابقة كل ما حدث لي على أبسط صورة، ولست أرمي من وراء ذلك إلى ~~توليد الاهتمام والشعور بالخطر في قلوب المهتمين بالأسارى الأوروبيين في السودان فحسب، ~~ولكني قصدت أكثر من ذلك أن تكون لتفاصيلي أهمية كبرى عندما يجد وقت العمل، وعندما يبحث ~~العاملون بحثا جديا في خلاص المغلوبين على أمرهم، وعندما يسمح الله باستخدام معلوماتي ~~ومجهوداتي في سبيل إبادة الظلم الدرويشي، وإزالة حكم سيدي الجائر وعدوي عبد الله، الذي سيظل ~~ألد أعدائي طول الحياة التي أحياها في الدنيا. # بعد أن يزول ذلك العهد الجائر، أدعو إلى تأسيس الحكومة العادلة التي تمنيت كثيرا ظهورها ~~في السودان، فبذلك يزول الظلم ويحل العدل والهدوء في إقليم كبير محتاج إلى المدنية ~~الهادئة. ms352