######OpenITI# #META# URI: 1352AhmadZaki.HadaraIslamiyya.Hindawi14602927 #META# Tags: history #META# ID: 14602927 #META# Title: الحضارة الإسلامية #META# AuthorID: 14937183 #META# Author: أحمد زكي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # المحاضرة الأولى: أحوال الأمة العربية بعد ظهور الإسلام‏ # المحاضرة الثانية: أحوال البلاد العربية قبيل ظهور الإسلام‏ # المحاضرة الثالثة: شرح النتيجة الثانية‏ # المحاضرة الرابعة: انتشار الإسلام والحروب الإسلامية‏ # المحاضرة الخامسة: قاعدة ملك الأمويين‏ # المحاضرة السادسة: تتمة المحاضرة الماضية‏ # المحاضرة السابعة: ثلاثة أجوبة‏ # المحاضرة الثامنة: الكتابة والخط، والحفظ والتدوين‏ # المحاضرة التاسعة: تتمة الكلام على الخط: النقط والإعجام‏ # تتمة المحاضرة التاسعة: الحفظ والتدوين‏ # مقدمة‏ # المحاضرة الأولى: أحوال الأمة العربية بعد ظهور الإسلام‏ # المحاضرة الثانية: أحوال البلاد العربية قبيل ظهور الإسلام‏ # المحاضرة الثالثة: شرح النتيجة الثانية‏ # المحاضرة الرابعة: انتشار الإسلام والحروب الإسلامية‏ # المحاضرة الخامسة: قاعدة ملك الأمويين‏ # المحاضرة السادسة: تتمة المحاضرة الماضية‏ # المحاضرة السابعة: ثلاثة أجوبة‏ # المحاضرة الثامنة: الكتابة والخط، والحفظ والتدوين‏ # المحاضرة التاسعة: تتمة الكلام على الخط: النقط والإعجام‏ # تتمة المحاضرة التاسعة: الحفظ والتدوين‏ # | الحضارة الإسلامية # | الحضارة الإسلامية # تأليف # أحمد زكي # | مقدمة # هذا هو الكتاب الثالث الذي تقدمه إدارة مجلة الجامعة المصرية بين يدي حضرات القراء ~~الكرام، راجية أن تكون قد قامت ببعض الواجب عليها لأبناء هذا الوطن العزيز. # وقد سبق هذا الكتاب كتابان جليلان في موضوعين جديدين لم ينسج على منوالهما أحد من ~~قبل، ولم يسبق أن وضع لهما في العربية سفر يرجع إليه ويعول عليه؛ أولهما كتاب ~~«محاضرات أدبيات الجغرافيا والتاريخ واللغة عند العرب» للعلامة السنيور جويدي، وثانيهما ~~كتاب «الحضارة القديمة» للأثري القديم عزلتو أحمد كمال بك وكيل الآثار، وكلاهما يتضمن ~~المحاضرات التي ألقاها هذان الأستاذان الجليلان في دار الجامعة، ونشرت تلك المحاضرات ~~تباعا في مجلة الجامعة المصرية. # أما هذا الكتاب فهو من إملاء العلامة عزلتو أحمد زكي بك سكرتير ثاني مجلس النظار ~~وأستاذ الحضارة الإسلامية في الجامعة المصرية، وهو يتفق مع سابقيه من حيث افتقار الناس ~~وشدة حاجتهم إليه، ولكنه يمتاز بكثرة تطلع القوم إليه وتشوفهم له وترقبهم إياه؛ ~~ذلك لأن موضوع الحضارة الإسلامية من أعظم المواضيع شأنا وأكبرها أهمية. وأي حاجة أشد من ~~كتاب يجمع بين دفتيه حضارة الأمة الإسلامية قديما وحديثا، ويضم في تضاعيفه مدنية ~~دول الإسلام ms01 وما كان عليه المسلمون من المجد والسؤدد ومنعة الجانب ووفرة الحضارة ~~وكثرة العمران! # وهذا الموضوع على نفاسته لم يخض فيه إلا نفر قليل نظرا لما يلاقيه المشتغل به من ~~المصاعب، وما يتجشمه من المتاعب؛ إذ كان لا يتسنى لأحد أن يلم بأطرافه إلا إذا ~~جمع شتات الكتب بين مطبوعة ومخطوطة، وتصفحها تصفحا تاما ليستخلص منها زبدة ~~الموضوع ولباب الكلام. # كل من عرف ذلك وعانى هذه المشاق يدرك لأول وهلة قيمة الكتاب ويقدره قدره، ويأسف ~~معنا أشد الأسف على أنه لم يجمع سائر المحاضرات، بل اقتصر على بعضها دون البعض لعذر ~~طرأ على الأستاذ فأخره عن إتمام ذلك العمل الكبير. # ونحن لا نتعزى كغيرنا بقول من قال: «ما لا يدرك كله، لا يترك جله.» وإنما ~~تعزيتنا أن يقوم من بيننا نفر فيأخذوا على عاتقهم أن يعاونوا الأستاذ على إخراج باقي ~~المحاضرات للناس ليكون الكتاب تاما كاملا. # وها نحن أولاء نتطوع فيمن يتطوعون لأداء هذا الواجب، ولسنا نعدم نصراء للأدب ~~يسدون النقص ويملئون هذا الفراغ، ولنا من حرص سعادة زكي بك على فائدة الأمة الإسلامية ~~ما يكفل لهم النجاح ويسهل عليهم كل أمر عسير. # أصحاب مجلة الجامعة المصرية # محمود شاهين، محمد كامل فيضي، عبد الله أمين # | المحاضرة الأولى: أحوال الأمة العربية بعد ظهور الإسلام # أيها السادة، أحييكم بتحية الإسلام فأقول: «السلام عليكم»، ثم أقفي على آثارها بأن ~~أقول لكم إن محاضراتنا، التي نبدؤها اليوم، هي من أشق الأعمال وأمنعها إلا عن الجماعات ~~الباحثين المدققين؛ فمقدرة عاجز مثلي تضمحل دون استيفاء هذه المحاضرات، ودون وقوفي موقف ~~معلم يعلمكم ما لم تكونوا تعلمون، لا سيما أن فيكم من هو أولى مني بهذا الموقف الخطير ~~الجليل، فجل ما يصيبكم مما أحمله إليكم من العلم بهذه المحاضرات، هو ضوء مصباح يضيء لكم ~~مواضع أقدامكم؛ فتبصرون الطريق التي تسلكونها للوصول إلى الغاية المطلوبة من اجتماعنا هذا، ~~وما المعلمون إلا مرشدون وهادون، فعليكم بالبحث والتنقيب والدرس، ومسألة أهل الذكر؛ فإن ~~النبوغ في الفنون لا يكون إلا بهذا، فالمدارس ms02 مهما علا شأنها وسمت منزلتها، لا يمكنها أن ~~تعلم الناس النبوغ في الفنون، وإنما منتهى ما تصل إليه الجامعات التي هي أرقى مدارس ~~الهيئة الاجتماعية؛ إنما هو هداية الطلاب إلى طرق النبوغ وأساليبها، فلا تتواكلوا ولا تفتر ~~عزائمكم؛ ليكون لنا منكم في المستقبل رجال يفضلوننا، ويفضلون من هم أفضل منا من حاضري ~~مجلسنا هذا الذين أشرت إليهم بادئ الأمر. # ما زال العرب يعيشون منذ برأهم الله عاكفين حول الشعاب والجبال، قانعين في خمولهم وضلالهم ~~بنعمة الحرية والاستقلال، حتى كان القرن السابع للميلاد، وحينئذ جاء دورهم الطبيعي، فظهروا ~~في مظهرهم الحقيقي، وبهروا العالم بما كان كامنا في نفوسهم من المواهب وأسباب الاستعداد؛ ~~فإن الحرية والاستقلال أكمنتا في نفوسهم العزيمة الصادقة وقوة الإرادة، وهاتان الخلتان ~~هما نبعتا الفضائل ومصدرا النجاح والرقي في معترك الحياة، والأمم المغلوبة على أمرها لا ~~تحيا فيها خلة من هاتين الخلتين الجليلتين. # بعث الله فيهم ومنهم «محمدا» - عليه الصلاة والسلام - بدين جديد: هو دين التوحيد، وبملة ~~سمحة: هي الحنيفية البيضاء، فجعل لهم بذلك نظاما جميلا، ومقاما جليلا، بعد أن عاشوا ~~همجا زمانا طويلا، وعاثوا في الأرض مفسدين. # بزغت أنوار الإسلام وانتشرت تعاليمه في ربى الحجاز وفي ربوع اليمن، فأدخلت هذه الأمة في ~~طور جديد، كان فاتحة لعصر من عصور الحضارة التي أبهرت العالم أجمعه في تلك الأيام، ولا ~~تزال موضع الإعجاب إلى هذا الزمان، تلك الحضارة التي وضعت للناس أول أساس للحرية والإخاء ~~والمساواة، وكانت مقدمة لما نشاهده من آثار العمران، وارتقاء المدارك وتقرير حقوق ~~الإنسان. # إن المبادئ التي جاء بها الإسلام هي التي جمعت كلمة العرب وألفت بين قلوبهم؛ فتكونت ~~منهم أمة واحدة متجانسة متماسكة، كانت قبل ذلك أشتاتا بعضها لبعض عدو، وهي في مجموعها ~~بمعزل عن سائر الأمم والشعوب، كأنها في غير هذا الوجود تنبهت الأمة العربية من غفلتها، ~~وأفاقت من غفوتها، وقامت من رقدتها، حينما أخذت بأوامر دينها الجديد، ودخلت في معترك ~~الحياة، عملا بأوامر ربها ونبيها والنابغين من رجالاتها؛ فسادت العالم القديم في أقل ms03 من ~~القليل؛ لأنها بلغت في مدة ثمانين سنة من عزة الملك، وضخامة السلطان، ورجحان الكلمة، ~~واتساع دائرة النفوذ ما لم تبلغه أكبر الأمم القديمة حتى الرومان في عشرة أمثال هذه المدة ~~من الزمان. # وبيان ذلك أن الخلفاء # 1 # الراشدين بعثوا سراياهم وكتائبهم فغزوا البلاد ودوخوا الأمم، ودانت لهم ~~الممالك في قلب آسيا وشمال أفريقيا وغرب أوروبا، وبثوا أنوار دينهم، ووضعوا أساس المدنية ~~العربية والعمران الإسلامي؛ فكان لهم في التاريخ العام مظهر جليل، دهشت له الأبصار وحارت ~~فيه الأفكار، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. # وبعد الخلفاء الراشدين انتقلت الخلافة إلى الأمويين، فكان لهم الفضل الأكبر في تأثيل ~~الملك، وتوطيد دعائم الخلافة، ونشر الآداب واللغة العربية، وتمهيد الوسائل لإقامة معالم ~~الحضارة الإسلامية على أساس متين، وأكبر مميز لعصرهم هو احترام الحرية التي جاء بها ~~الإسلام؛ فأمتعوا الناس باستقلال الفكر، فكانت ديار الأمراء ومعاهد العلم ملأى بالعلماء ~~والشعراء، والكتاب الكتابيين وغيرهم، وكانوا أحرارا في عقائدهم وأعمالهم، وأمر الأخطل ~~الشاعر النصراني ومجاهرته بعقيدته في الإسلام أشهر من أن يذكر، وكانت المرأة الكتابية زوج ~~المسلم متمتعة بعقيدتها وذهابها إلى كنيستها أو بيعتها. # فقد تمتع الناس في عصر الأمويين بتمام الحرية في أشخاصهم وفي مجموعهم وأفكارهم، وفي ~~عقائدهم لدرجة لا يتصورها إنسان في مثل ذلك الزمان، غير أنهم شطوا في هذا الميدان حتى ~~انقلبت الحرية إباحة، والناس على دين ملوكهم، فإن الخلفاء في أواخر الأمر بالغوا في ~~السكر والكفر لدرجة استباح معها أحدهم - وهو الوليد - ألا يبرح مجلس السكر إلى عرش ~~الملك (حينما جاءته البشرى بالخلافة، وأتاه القضيب والخاتم مع البردة، وقدم له ندمانه ~~فروض الإجلال والاحترام، ووقفوا في حضرته خاشعين خاضعين) حتى يغنوه بأبيات ارتجلها يهنئ بها ~~نفسه، وهي: # طاب يومي ولذ شرب السلافه # وأتانا نعي من ~~بالرصافه # وأتانا البريد ينعى هشاما # وأتانا بخاتم ~~للخلافه # فاصطبحنا بخمر عانة صرفا # ولهونا بقينة ~~عزافه # والوليد هو الذي فتح المصحف ذات يوم، فكانت أول آية فتحت عليها عينه قوله تعالى: # واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد ~~، فبلغ منه ms04 الحنق ~~منتهاه، فنصب المصحف ناحية هدفا له، وجعل يرشقه بالسهام وهو يقول: # أتوعد كل جبار عنيد # فها أنا ذاك جبار ~~عنيد # إذا ما جئت ربك يوم حشر # فقل يا رب مزقني ~~الوليد # واستمر الخلفاء على قبح السيرة والانهماك في الملاهي، حتى ذهب ملكهم على أسوأ حال، ~~وضربت به الأمثال، فقيل ذهب ملك بني أمية ببولة، وانتقلت الدولة عنهم إلى بني العباس في ~~خطب يطول، وكانت دمشق دارا لملك بني أمية، وشعارهم البياض في راياتهم ولباسهم. # فلما جاء بنو العباس، اتخذوا بغداد مقرا لكرسيهم، والسواد شعارا لهم، وكانت جنودهم ~~تسمى المسودة؛ لأن راياتهم سود، والأصل في اتخاذ العباسيين الأسود شعارا لهم مخالفة ~~الأمويين، وتلك سنة إخلاف الملوك لأسلافهم، وأمثال ذلك كثيرة معروفة، منها: أن المأمون ~~الخليفة العباسي لبس الأخضر؛ لأنه من العلويين، فكاد يختل أمر الملك؛ فرجع بعد أسبوع إلى ~~الأسود. # وصارت بغداد في عهد الرشيد وابنه المأمون منبعا للحضارة، ومشرقا للمعارف، ولا نزيد عصر ~~العباسيين وصفا، ولا حضارتهم تعريفا، بغير قولنا إن أوروبا كانت على عهدهم تتخبط كلها في ~~غيابة الغواية والضلالة، وتهيم في فيافي التوحش والجهالة، ثم غير القوم ما بأنفسهم؛ ~~فغير الله ما بهم، وتمزق هذا الملك الإسلامي الفخيم، وتشتت شمل هذه الدولة الهائلة، ~~وأصبحت الخلافة الإسلامية مثلثة، على حين أن دين التوحيد يدعو إلى توحيدها، فكانت أولاهن في ~~العراق في آسيا، وهي «العباسية»، ومركزها بغداد، والثانية في مصر في أفريقيا، وهي ~~«الفاطمية»، ومقرها القاهرة، والثالثة في الأندلس في أوروبا، وهي «الأموية» وعاصمتها قرطبة، ~~من أعمال إسبانيا الآن. # أما الخلافة العراقية، وهي «العباسية»؛ فقد أسرعت ~~إليها عوامل الانحطاط والانحلال لسببين: أحدهما ديني، والآخر سياسي، فأما الديني فلأنها ~~تشبثت بالخلافيات والجدليات، وفتحت الباب لظهور النحل المتعددة، والمحن السيئة، وأكبر ~~محنة في الإسلام القول بخلق القرآن، الذي نصره وأيده بعض خلفاء بني العباس، ومنهم المأمون ~~بن هارون الرشيد، ومناظرات العلماء في تلك المسألة وفي حضرة المأمون سودت بها صحف كثيرة. ~~وأما الثاني فلأن الأتراك والغلمان قد استحوذوا منذ زمان طويل ms05 - أي من أيام المعتصم - على ~~مقاليد التدبير فيها، وانتهى إليهم الحل والعقد في كل أمر، حتى في اختيار الخليفة ومبايعته، ~~ولم يتركوا لصاحب التاج سوى اسم الخلافة، حتى كان أبو القاسم أحمد المعتمد على الله بن ~~المتوكل يطلب الشيء الحقير فلا يناله، وضاق به الحال واشتد عليه الأمر يوما، فقال في ذلك ~~متوجعا: # أليس من العجائب أن مثلي # يرى ما هان ممتنعا ~~عليه # وتؤخذ باسمه الدنيا جميعا # وما من ذاك شيء في ~~يديه # واستمروا في هذا التدلي والانحطاط حتى انتقلت الدولة والملك في آخر أيام المتقي وأول ~~أيام المستكفي إلى آل بويه، والذي بقي في أيدي العباسيين إنما هو أثر ديني اعتقادي، لا ملك ~~دنيوي سياسي، وأصبح القائم من ولد العباس إنما هو رئيس الإسلام، لا ملك الإسلام. # وما زالت دولتهم تتأخر وأمرهم يتقهقر، حتى دهمتهم جنود التتر، فلم يكن لهم من أمر الله ~~مفر، وحينئذ تصدعت أركان هذه الدولة المجيدة، وتقوضت دعائمها، وطمست معالمها، وذهبت مع أمس ~~الدابر، ودخلت في خبر كان. # هذا ولا عبرة بالظل الذي ظهر لها فيما بعد بديار مصر، فإن تلك الخلافة العباسية الثانية ~~كان القائم بها إنما يؤدي وظيفة دينية، كأنه شيخ طريقة من طرق الصوفية، بل لم يكن لصاحبها ~~سوى تثبيت السلطان في المركز الذي يرشحه له عصبته من المماليك، على أن هذا الظل لم يبق ~~له أدنى أثر في الوجود عندما ظهر آل عثمان على مصر، ولا غرابة؛ فكل ظل معرض ~~للزوال. # وأما الخلافة الأندلسية، وهي «الأموية»، فقد تجلت على أوروبا بمظهر رائع، ونشرت رايات ~~الحضارة، وساعدت على ترقية المعارف، وأخذ عنها الفرنج مبادئ العلوم وأساليب الفنون ~~والفلسفة، التي كانت السبب الحقيقي لما هم فيه الآن من حضارة أذلت لإرادتهم العناصر، ~~وأخضعت لهم الطبيعة، وسخرت لهم كل ما في هذا الكون، وحسبها ذلك فخرا، ولا تزال آثارها ~~بديار الأندلس ناطقة بما بلغته من علو الكعب في كل مضمار، غير أنها قد انتهى أمرها مثل ~~غيرها من الدول الفخيمة، التي وصلت إلى نهاية ms06 الغايات ؛ فأدركها الهرم قبل الأوان، وأفل ~~نجمها؛ إذ تسللت إليها جراثيم الفساد، وتداخلت فيها الأطماع الشخصية، حتى انقسمت على نفسها، ~~بينما كان أهل إسبانيا وملوك الفرنجة لها بالمرصاد، يتحينون لها الفرص للإيقاع بها ~~والقضاء عليها، فانفرط عقد الخلافة وانتثرت، واستقل الولاة والعمال بهذه الأجزاء المتفرقة، ~~ثم لم يكتفوا بتسمية أنفسهم بملوك الطوائف، بل تنافسوا في التشبه بالخلفاء في أبهة الملك ~~وفخامة الألقاب، حتى قال شاعرهم: # مما يزهدني في أرض أندلس # ألقاب معتضد فيها ~~ومعتمد # ألقاب مملكة في غير موضعها # كالهر يحكي انتفاخا صورة ~~الأسد # فما عتموا أن تطرقت إليهم أسباب الضعف والسقوط بعد هذا التفرق، فكان بعضهم يحارب بعضا، ~~ويتناصرون على أنفسهم بعدوهم، ويتقربون إليه بالقلاع والحصون لتشفي بعضهم من بعض، وتمادوا ~~في ذلك الضلال إلى أن آل الأمر بهم إلى خروج الأمر من أيديهم، ودخلوا جميعا في قبضة عدوهم؛ ~~فانزوت بقية الأمة الأندلسية المجيدة في غرناطة، وأفرادها مع ذلك في شقاق مستديم، فكانوا ~~لعدوهم خير معاون على انتزاع ملك الصمامة الباقية لهم، ولكنهم، والحق يقال، قد دافعوا بما ~~بقي فيهم من بأس قديم، وما تولاهم من يأس مقيم إلى أن أبى القدر المحتوم، فوقعت هذه الأمة ~~في مخالب عدوها فريسة كريمة، بعد أن أخذت عليه العهود التي رأتها ضامنة لبقائها، ولكنه نكث ~~بالعهد، ولم يف بالشرط، فصبر الباقون على الخسف والهوان تعلقا بأذيال الوطن العزيز، بيد ~~أن السيف والنار أفنيا معظمهم، وطرد الإسبانيون القليل الباقي منهم إلى الخارج، فذهب بعضهم ~~إلى جنوب فرنسا وإلى سويسرا، وبعض آخر إلى إيتاليا، ودخل في غمار أهلها على طول الزمان، ~~وتناسى أصله العربي ودينه الإسلامي، ولكنه حفظ رغم أنفه عادات وأخلاقا شرقية، وبقيت فيه ~~بقية من الملامح العربية التي تتجلى فيه للناظرين، وذهب آخرون إلى مراكش، والجزائر، وتونس، ~~وكان لهم فيها شأن مذكور، وأثر في الحضارة محمود، وجاء فريق منهم إلى مصر في دولة المماليك، ~~فغمروهم بالإحسان، وجعلوا لهم الرواتب، وأرصدوا عليهم بعض الأوقاف، وذهب نزر يسير ومعهم ~~جمهور من اليهود إلى القسطنطينية، ms07 وسلانيك ، وأزمير، وغيرها من مدائن الدولة العلية، التي ~~كانت قد ظهرت في ذلك الزمان، فنشر الأندلسيون بانتشارهم هذه الحضارة في ربوع أوروبا، ~~وشمال أفريقيا. # وبهذا أصبحت إسبانيا ليس فيها منهم إلا من تنصر، وأبناؤهم فيها إلى اليوم، ولا تزال ~~أسماء بعضهم عربية شابتها العجمة أو تطرق إليها التحريف، ومنهم من يفتخر بانتسابه إلى ~~العنصر العربي الكريم، ولم يبق في الأندلس من هذه الخلافة التي كانت صاحبة القول الفصل في ~~الشئون العمومية السياسية، وفي الأمور الداخلية لبعض الممالك الإفرنجية، سوى آثارها الفخيمة ~~ومآثرها الخالدة التي تدل على ما كان لها من التأثير الكبير في ارتقاء الحضارة ونشر العلوم، ~~والله وارث الأرض ومن عليها. # وحينما اضمحلت أركان الخلافة، كانت بالمغرب الأقصى # 2 ~~(مراكش) دول بلغت درجة عظيمة من القوة والبأس، فتسمى أصحابها في أول الأمر ~~بأمراء المسلمين احتراما لمقام الخلافة بالمشرق، # 3 # ثم انتزعوا لأنفسهم لقب الخلافة، حينما علموا بما حاق بالعباسيين من الوهن ~~والضعف، ولا تزال أهل مراكش (المغرب الأقصى) إلى الآن لا يعترفون بالخلافة إلا لسلاطينهم ~~دون آل عثمان. # وأما الخلافة المصرية، وهي «الفاطمية»، فقد كانت مصر في أيامها محط العز والسعادة، ومستقر ~~المعارف والفضائل، وكان اللون الأخضر شعارها، # 4 # ولا يزال شعارا للأشراف من عهدها إلى الآن. أصبحت مصر في حكم الفواطم غرة في ~~جبين الأمصار، وارتفع للحضارة فيها أعلى منار، ووصل العلم في عهدها إلى أقصى الغايات، ~~واستبحر العمران لدرجة تتضاءل دونها أكبر دولة في العالم، ولكنها ما لبثت أن تولاها الضعف ~~وأسرع إليها الفناء؛ لأنها غلت في الترف والفجور والملاهي، فأشبهت دولة الرومان أو دولة ~~الروم؛ فأصابها ما حل بها من الزوال. # 5 # بله ما امتازت به في أخريات حياتها من أساليب الختل والخداع، وتهالكها أكثر من غيرها على ~~استباحة الحرمات، فقد كانت تصادر الرعية وأرباب الدولة بغير حق ولأوهى سبب حتى أصبح ~~الخليفة «النهاب الوهاب»، هذا عدا إفحاشهم في سفك الدماء، فقد بلغ القتل درجة لا يتصورها ~~عقل، ومن ذلك أن ولي العهد حسن بن الحافظ ms08 لدين الله ذبح في ليلة واحدة أربعين رجلا من ~~أمراء مصر، إلى غير ذلك مما ارتكبه من الموبقات التي أشار إليها المعتمد بن الأنصاري، صاحب ~~الترسل، بقوله: # لم تأت يا حسن بين الورى حسنا # ولم تر الحق في دنيا ~~ولا دين # قتل النفوس بلا جرم ولا سبب # والجور في أخذ أموال ~~المساكين # لقد جمعت بلا علم ولا أدب # تيه الملوك وأخلاق ~~المجانين # فلذا حقت عليها كلمة الله فدمرها تدميرا، وقامت على أثرها الدولة «الأيوبية»، ولها ~~على الإسلام اليد البيضاء؛ لأنها حفظت كيانه، وصانت بيضته، وردت غارات الصليبيين عن دياره، ~~وقد كانت أوروبا تألبت وتمالأت عليه، بينما كان أهلوه متقطعين متدابرين متخاذلين. ثم دال ~~أمر الأيوبيين وأعقبتهم دولة المماليك، فجاء مصر رجلان أحدهما تلو الآخر، وقد أثبت الثاني ~~كما أثبت الأول أنه البقية الباقية من سلالة بني العباس، فقلد المماليك أولهما الخلافة ~~اسما؛ أي كما كانت لأجداده في بغداد، وأرسلوه في جيش جرار لاستردادها فهلك. # وأما الثاني فتقلد بمصر هذه الخلافة الاسمية الوهمية، وبقيت الأحكام كلها في أيدي ~~السلاطين من المماليك، حتى كان الفتح العثماني في أيام السلطان سليم الأول، فبايعه الخليفة ~~العباسي المصري الذي كان في ذلك الوقت، وتنازل له عن الخلافة طوعا أو كرها. # ثم مات أو قتل بعد ذلك بقليل؛ فانحصرت الخلافة في آل عثمان، وهم عمدها وعقادو ~~ألويتها إلى الآن، أدام الله دولتهم، وخلد شوكتهم، ورفع كلمتهم، وأيد خلافتهم، إنه سميع ~~مجيب. # نرجع الآن إلى الأمة العربية الأصلية، ونقول إن شبه جزيرة العرب التي صدرت عنها هذه ~~الحركة العجيبة قد رجعت منذ أجيال إلى حالتها السابقة من البداوة والخمول، حتى ظهر فيها ~~«محمد» بن عبد الوهاب، فحاول إرجاعها إلى نشأتها الأولى ومجدها الداثر، وبث تعاليمه التي ~~ذهب إلى أنها تعيد إلى الإسلام شبابه وفخاره، فاتبعه خلق كثير، ولكنهم دفعوا إلى ارتكاب ~~كثير من المحارم؛ فتجرد لهم محمد علي والي مصر، وجرد عليهم «سيف الله في الأعصار ~~المتأخرة»، وهو ابنه البطل المغوار، والفارس الكرار إبراهيم باشا، فأباد سطوتهم، ms09 وقضى على ~~آمالهم، ولكنهم لا يزالون كثيري العدد في تلك الأقطار. # هذه الأمة العربية التي نشرت لغتها الواسعة، وفنونها الرائعة، وآدابها الجليلة، ومعارفها ~~الغزيرة، في قسم عظيم من آسيا وأفريقيا وبعض أوروبا، وابتكرت علوم «الجبر والمقابلة»، ~~والكيمياء «الكاذبة والصادقة»، واخترعت أرقام الحساب والصفر، وكانت لها اليد الطولى في علم ~~«التنجيم والنجوم»، وغير ذلك من المعارف التي أخذتها عنها أوروبا. # هذه الأمة قد أصبحت اليوم بحيث تكاد ألا يكون لها شان في الوجود، بل ولا يأتي ذكرها إلا ~~بما ترتكبه من السلب والنهب فيما بينها، والسطو على القوافل والتجار التي تسير في أرضها، ~~فسبحان محول الأحوال! # أحمد زكي # | المحاضرة الثانية: أحوال البلاد العربية قبيل ظهور الإسلام # أيها السادة، لا بد لمن يعنى بمحاضرات على الحضارة الإسلامية من أن يشدو بذكر الإسلام، ~~وإذ قد نيطت بي تلك المحاضرات، اضطررت إلى أن أشدو بذكره، ولو كلفت بمحاضرات على ~~الحضارة الوثنية، لكنت مضطرا إلى أن أشدو بذكرها كذلك، وأنا إن ذكرت الإسلام فإنما أذكره ~~من حيث هو نظام عمراني لا ديني؛ ولذلك في المحاضرة الفائتة اجتزت عصر النبوة، وبدأت بعصر ~~الخلفاء الراشدين؛ لأن عصر النبوة كان دينيا محضا. وإذ كانت محاضرة اليوم في معرفة أحوال ~~بلاد العرب قبيل ظهور الإسلام، وجب أن نعرف تلك البلاد، ثم نعرف أحوالها. # بلاد العرب هي تلك الأرض الواسعة التي في جنوب آسيا، يحدها شمالا الشام والجزيرة ~~والعراق، وغربا قناة السويس والبحر الأحمر، وجنوبا خليج عدن وبحر عمان، وشرقا بحر عمان ~~والخليج الفارسي والعراق؛ فهي شبه جزيرة عظيم، وقد تسمى جزيرة تسامحا، أما تسميتها ~~«بحيث جزيرة» فمن الخطأ الفاضح، وهي ثمانية أجزاء كبيرة: الحجاز واليمن في الغرب، وحضرموت ~~ومهرة وعمان في الجنوب، والبحرين والحسا في الشرق، ونجد والأحقاف أو الدهناء # 1 ~~- على قول - في الوسط. # فأما بلاد عمان والبحرين في الشرق فكانت مفصولة عن سائر بلاد الجزيرة بأمرين: أحدهما ~~طبيعي، والآخر سياسي، فأما الطبيعي فتلك المفاوز والبراري الواسعة والصحاري الجدبة القفرة ~~التي حالت بينها وبين سائر البلاد، وأما السياسي ms10 فإذعانها لسيادة الأكاسرة. # وأما بلاد اليمن وحضرموت في الجنوب فكانت ميدانا للحروب الداخلية والفتن الأهلية؛ فهوت ~~من قمة مجدها الباذخ، وفنيت منها سلالة التبابعة الذين بنوا مأربا وقصور غمدان وظفار، ~~وأقاموا سد مأرب الذي يشبه خزان أسوان في مصرنا الآن. وكان هدم ذلك السد في أوائل القرن ~~الأول للميلاد سببا لخراب هذه البلاد، التي سماها اليونان والفرنج على أثرهم البلاد ~~العربية السعيدة، واسمها دليل على ذلك؛ فإن اليمن واليمن واليمين من مادة واحدة، فهي من ~~أخصب بلاد العرب، ولخصبها وحسن موقعها كانت الدول القديمة تحاول امتلاكها، وتتحين الفرص ~~لذلك، وكان في بلاد اليمن أمم من أضخم الأمم، بلغت أعلى منازل العظمة والأبهة وضخامة ~~الملك، فكان فيها مملكة الحميريين، ومنهم الملوك التبابعة - واحدهم تبع - وكان التبع ~~بمنزلة إمبراطور ألمانيا الآن، وشاهنشاه الفرس؛ أي ملك الملوك لسيادته على عدة ملوك مستقلة ~~استقلالا داخليا، يسمون الأذواء أو الأقيال. وكانت عدن من المدن المستقلة، فكانت كمدينة ~~همبرج في ألمانيا الآن، وهي التي تسمى المدينة الحرة لمجلسها النيابي (السناتو) الذي يدير ~~شأنها، وكلا البلدين - عدن وهمبرج - فرصة كبيرة لمملكتها. # خريطة إجمالية عن شبه جزيرة العرب. # وكان في تلك البلاد السعيدة أديان شتى، ولكل دين أنصار يحملون لواءه، ويحمون ذماره، ~~فكانت فيهم اليهودية، وكانت فيهم النصرانية، انتشرت في نجران كلها، وكانت فيهم الوثنية، ~~وكان آل كل دين يطمعون في الغلب والرياسة، ويحاولون إعلاء دينهم بخفض سائر الأديان، فإذا ~~عجزت فئة دون بلوغ مأمولها، استنجدت الأمم الأجنبية من الحبشة والروم والفرس؛ فساعد ذلك ~~العداء وهذا الخلاف وتلك المنافسة وتعدد الملوك في هذه البلاد، ساعد كل ذلك الأمم الأجنبية ~~الطموحة إلى امتلاكها؛ لخصبها وحسن موقعها على الامتلاك، فهجمت الحبشة عليها ثلاث مرات، وقد ~~سعى سيف بن ذي يزن في دفعهم، فاستغاث بالروم (الأغارقة) فلم يغث، كما أخفق امرؤ القيس في ~~استنجاده قيصر - وأمره معروف - فالتجأ إلى فارس فأغاثه كسرى بمرزبان (وهو يشبه البطريق، # 2 # والمرزبان اسمه # Satrape # بالفرنسوية) وجيش معه ~~من المسجونين جيشا، فأعادوا اسم الملك إلى سيف ms11 بن ذي يزن، فهنأته العرب وأوفدت إليه قريش ~~وفد عبد المطلب المعروف أمره، وبقيت السيادة العملية للفرس (وكانوا يسمون الأذواء بالأبناء) ~~حتى ظهر الإسلام فأجهز عليهم وأدال دولتهم. # ولم يزل اختلاف أهل اليمن الديني والسياسي الذي لا يدخل بلدا حتى يجعل أعزة أهله أذلة ~~ينخر عظامهم إلى أن اضمحلوا وبادوا، ولكن السبب الأقوى في إبادتهم وزوال ملكهم هدم سد ~~مأرب - كما تقدم - فتفرق أهله أيدي سبا، فنزلوا الحيرة وغسان ويثرب وغيرها، هؤلاء هم ~~عرب الجنوب والشرق، وتلك حالهم. # أما عرب الشمال فإن لهم مملكتين صغيرتين: مملكة الحيرة في العراق العربي، وملوكها ~~يسمون المناذرة أو النعامنة، وكانوا يذعنون لسيادة الفرس؛ ومملكة غسان في الشام، وملوكها ~~يسمون الغساسنة نسبة إلى عين ماء نزلوا بها، وكانوا يذعنون لسيادة الروم. وأنشئت هاتان ~~المملكتان في القرن الأول للمسيح، وكان ملوكهما في خصام دائم، لا تضع الحرب أوزارها بينهم ~~إلا إذا نشب القتال بين تينك الدولتين الضخمتين: الفرس والروم، فتنضم مملكة الحيرة إلى ~~الفرس، ومملكة غسان إلى الروم، لا لنصر إحدى الدولتين على الأخرى، ولكن لانتقام بعضهم من ~~بعض، وهم في مثل هذه الحروب لا فضل لهم في النصر؛ لأنهم ذيول وأذناب لغيرهم، هذا أمر الشرق ~~والجنوب والشمال. # أما الغرب والوسط - وهما الحجاز ونجد - فلم ~~يشبهما نقص، وقد أتم الله عليهما نعمته فلم يسلبهما نعمة الحرية والاستقلال، فكانوا كافة ~~أعزاء أباة للضيم، يأبى كلهم إلا أن يكون رئيسا، فهم رؤساء جميعا؛ لذلك لما نشط علماء ~~الصدر الأول لتدوين اللغة العربية لم يأخذوها إلا من كلام قبائل معدودة من نجد والحجاز وما ~~اكتنفهما لسلامة ألسنتهم مما انتاب ألسنة آل سائر البلاد العربية، وتلك القبائل المعدودة هي ~~قيس، وأسد، وتميم في نجد، وهذيل بغزوان - جبل فوقه مدينة الطائف - وبعض كنانة بدومة الجندل ~~بين الشام والمدينة، قرب جبلي طيئ، وبعض بني طيئ بجبلي أجأ وسلمى في شمال نجد. # ومكة وهي قصبة الحجاز لم ينبه لها ذكر قبل الإسلام ~~إلا بالكعبة؛ لذلك حاولت ثقيف في الطائف أن تلفت وجوه الناس ms12 عنها، فأنشأت لها بيتا وأقامت ~~فيه صنما اسمه ذو الخلصة، وجعلت فيه مزايا بيت الله الحرام؛ فكان مشبع الجائع، ومروى ~~الظمآن، ومأمن الخائف، ومقضى ذوي الحاجات، ومجار المستجير، ومأوى أبناء السبيل، وكانت العرب ~~تسميه الكعبة اليمانية، وكان يزاحم الكعبة الحجازية. كذلك صنع عبد المسيح بن داوس بن عدي، أحد أمراء اليمن ~~السالفين، فأنشأ في نجران في أول انتشار النصرانية في تلك الجهات قبة ~~سماها كعبة نجران، وجعل لها تلك المزايا نفسها، وكان يؤمها كثير من العرب، فكانت تلك ~~الأمكنة وغيرها ممن حذا حذوها تنازع مكة قديما الرياسة وتنافسها في العظمة. # ومنافسة الطائف لمكة حملت ثقيفا على إرشاد أبرهة الحبشي على الطريق لما أراد هدم الكعبة ~~ليخلو لهم الجو، بل إن الروم كادوا يملكون الكعبة في عصر النبي # صلى الله عليه وسلم # بإغراء وقيادة ~~عثمان بن حويث النصراني. # فلم يكن في بلاد العرب مملكة أو شبه مملكة لها من العز ما يكفي لإعلاء كلمتها ورفع ~~رايتها على سائر بلاد العرب؛ لأن القوم جميعا كانوا في نزاع دائم وشقاق مستمر عاقهم عن ~~تفوق بعضهم على بعض، ولم تبلغ مكة قبل الإسلام يوما ما في بلاد العرب مبلغ أتينا في دولة ~~اليونان، ولا رومية في دولة الرومان، ولا بوزنطية - أي القسطنطينية - في دولة القياصرة من ~~بني الروم، بل كانت ممالك الحيرة وغسان وقبائل نجد وتهامة ذات شأن حقير وأثر ضئيل في تلك ~~الملاحم التي نشأت بين رومية ثم القسطنطينية وبين الفرس، في تلك الملاحم التي كان أبطالها ~~سابور (سابور ذو الأكتاف) ويوليان المرتد، وبليسا، وكسرى أنوشروان، وكسرى أبرويز، ~~وهرقل. # هذه كانت أحوال البلاد العربية قبيل ظهور الإسلام، ولنرجع الآن إلى حال العالم كله قبل ~~الإسلام، فنقول: جاء الإسلام بدين التوحيد وفي الأرض دولتان: دولة الروم، # 3 # وهي نصرانية تقول بالتثليث، ودولة الفرس، وهي مجوسية تقول بالتثنية. # فأما الروم فقد كانوا منقسمين على أنفسهم بسبب اختلافهم في الأقاويل الدينية وفي العقائد ~~المذهبية، فكانت بين رجالاتهم وبيوتاتهم خطوب وأهوال أنستهم تدابير الملك وسياسة البلاد؛ ~~حتى ms13 فسدت الأحوال، واختلت الأعمال، واضطربت شئون الولايات، وعمت الفوضى جميع أطراف ~~الإمبراطورية. # هذا المرض الطبيعي الذي أصاب دولة الروم عند أول بداية الإسلام في عهد محمد عليه الصلاة ~~والسلام؛ تجددت أعراضه بعينها فيما بينهم أيضا حينما أشرف محمد الثاني على فتح ~~القسطنطينية، فكان انقسام الروم على أنفسهم واختلافهم في شئون بسيطة سببا في ظهور الإسلام ~~وانتزاع تسعة أعشار أملاكهم منهم، كما كان سببا لاستيلائه على دار مملكتهم ومحو ~~أثرهم. # ومما تجب الإشارة إليه في هذا المقام أنه قد حدثت أمور سياسية دعت قياصرة الروم للمساعدة ~~على مزج المسيحية بالوثنية، فتيسر لهم بهذه الوسيلة تعميم هذه العقيدة الجديدة على جميع ~~الأهالي الوثنيين الخاضعين لصولجانهم؛ فنتج عن ذلك اختلاف كبير في المشيئة والطبيعة ~~والناسوت واللاهوت، أوجب زيادة الارتباك بين رجال الكهنوت. # هذا فضلا عن اشتداد النزاع والخصام بين أساقفة القسطنطينية والإسكندرية ورومية؛ إذ كان ~~كل منهم يريد لنفسه الزعامة على الملة النصرانية، فالأول يؤيد دعواه بأن مدينته هي كرسي ~~الملك، فلا بد أن تكون مقرا للدين؛ لأن الملك هو الحارس للدين. وأما أسقف الإسكندرية ~~فكان يقول إن السيادة الدينية لا تصح لغيره؛ نظرا لموقع مدينته التجاري ومركزها العلمي، ~~وإن الدين إنما يستند على المال ولا قوام له بغير العرفان. بقي صاحب رومية وقد طبق الآفاق ~~بقوله إن رومية هي المدينة الخالدة ذات المآثر الباقية، وقد كانت لها السيادة الدائمة من ~~حيث الديانة والسياسة، فصاحب الكرسي فيها هو الأحق بالرياسة. # فكان هذا التخاصم مثيرا لثورة دينية اضطربت لها الدنيا بأسرها، ولا تزال آثارها باقية ~~بين المسيحيين إلى الآن. # وقد ترتب على هذه الثورة نتيجتان: ~~(1) # تداخل الفرس وهدمهم لكيان النصرانية في آسيا. ~~(2) # تمهيد السبيل للإصلاح النهائي الذي قام به العرب وأعقبه تولد الحضارة ~~الإسلامية. # شرح النتيجة الأولى # إن الفرس وثبوا على هرمز (أو هرمزد) ملكهم ففقئوا عينيه وخلعوه، ولم يقتلوه بحرجا، ~~وولوا عليهم مرزبانا - من غير بيت الملك - اسمه بهرام، وكان ذلك في السنة الثامنة ~~لموريق # Maurice # قيصر الروم، وهي سنة 590 للمسيح، ~~وكان ms14 لهرمز ابن حدث اسمه كسرى، وهو الثاني المعروف بأبرويز، وعند الفرنج Parvés ~~، فخرج من أرض الفرس متنكرا في زي سائل حتى وصل ~~إلى أرض الروم، وكتب من أنطاكية # 4 # كتابا إلى موريق قيصر الروم يستنجده، فرد عليه بكتاب، # 5 # وكلاهما من أبلغ ما كتب ملك إلى ملك، وأرسل إليه ابنه وجيش معه جيشا ~~وأمده بمال، فاسترد ملكه وبايعه الناس كلهم، وتولى وزارته برمك جد البرامكة الذين ~~ازدانت بهم الدنيا في دولة الرشيد، فلما رأى ذلك قيصر الروم أراد أن يغتنم الفرصة ~~لرغبته في بلاد فارس فزوجه من ابنته مريم، ثم أهداه حلة عليها صليب فلبسها واستعرض ~~بها جنده. فأما الفرس فوجدوا على ملكهم للبسه حلة عليها الصليب، وأما الروم فلم ~~ينظروا إلى شهامة قيصرهم مع عدوهم بعين الرضا لا سيما تزويجه إياه من ابنته، فشغبوا ~~عليه وقلبوا تماثيله، وكان القائم بهذه الحركة بطريقا ليس من بيت الملك، اسمه ~~فوقاس # phocas ~~، كما كان القائم بالثورة على هرمز ~~الفارسي مرزبانا من غير آل ساسان. # وكان بطريرك القسطنطينية قد غضب على القيصر لهذا السبب ولأسباب أخرى؛ فكرس فوقاس ~~وبارك له، وجعله إمبراطورا، ولكن بعد أن تحقق من أرثوذكسيته، ثم قتل الروم موريقا ~~وأبناءه وزوجته وبناتها، ومال القوم على أشياعه وأوليائه، ففقئوا عيون بعضهم، وسلوا ~~ألسنة بعض آخر، ووثبوا على جماعة منهم فقطعوا أيديهم وأرجلهم، وانهالوا على جماعة آخرين ~~جلدا فقتلا. # وصلت أخبار هذه الحوادث إلى رومية وإلى فارس، فكان لها فيهما صدى متخالف متعاكس، ~~فأما رومية فقد ابتهج فيها البابا غريغوريوس، وطلب من الله أن يأخذ بنصر فوقاس، وأن يشد ~~أزره على عدوه، فكانت مكافأته على ذلك أن اعترف له قيصر الروم باللقب الذي طالما منى ~~به نفسه، وهو «الأسقف العام». # وأما فارس فلم يكد يبلغها خبر هذا الانقلاب، حتى امتعض له أبرويز، وأخذته الحفيظة ~~لصداقته مع موريق الذي كانت له عليه اليد البيضاء في إعادة ملك أجداده إليه، وقد التجأ ~~إليه ابن موريق فآواه وأكرم مثواه ووعده برد الأمر إليه. # كذلك كان ms15 الحال في إفريقية، فإن هرقل الإكسرخس # Exarque # 6 ~~- أي الوالي أو العامل - بلغ منه الحزن منتهاه لتلويث الأرجوان الإمبراطوري ~~بوضعه على جسم ذلك الدخيل فوقاس، فرفض دفع الجزية إليه وامتنع عن الاعتراف به، ومنع عنه ~~الحبوب والغلال التي كانت ترسلها أفريقية إلى القسطنطينية؛ فسجن الإمبراطور في أحد ~~الأديرة زوجة هرقل، واسمها إبيفانيا # Epiphanie ~~، وعروس ~~ابنه، واسمها أودسيا # Eudossie ~~، فأراد هرقل أن يحاربه، ~~ولكنه نظرا لشيخوخته ولعاهاته عهد بذلك إلى ابنه هرقل، فاتفق مع نقيطا # Nicétas # ابن عمه غريغور المستبد بأعمال سبيطلة في الحوز ~~الجنوبي لتونس على غزو الإمبراطور وانتزاع الملك منه، على أن هرقل يذهب إليه بحرا وأن ~~نقيطا يسير إليه برا عن طريق لوبيا # 7 # ومصر والشام وآسيا الصغرى، واتفقا على أن الملك للسابق إلى القسطنطينية ~~إذا قتل فوقاس، فكان السابق بالطبع هرقل، وذهب موفقا مظفرا منصورا إلى القسطنطينية، ~~فانضمت إليه الأمة ومجلس أعيانها، بل ورجال كهنوتها الذين لم يكن لهم مبدأ ثابت في ~~الأحوال السياسية نظرا لكثرة تزعزعهم في الأصول الدينية؛ فسرت إليهم عدوى الاختلاف في ~~السياسة من جراء الانشقاق في المذاهب والاعتقادات، لا سيما أن القيصر أعطى بطريرك رومية ~~لقب الأسقف العام؛ فأغضب بطريرك القسطنطينية. # تملك هرقل بن هرقل، وقتل فوقاس واستخلص عروسه ولبس رداء الأرجوان، وهو شعار ~~الإمبراطور، على يد البطريرك سرجيوس (سرجس أو سركيس)، غير أن الثورة في القسطنطينية لم ~~يرتضها شاهنشاه الفرس وكسرى أبرويز، فسرح المرزبان المعروف بشهربراز في جيش كثيف ~~إلى الروم للطلب بثأر موريق صاحبه وصهره، وللإيقاع بالملك الجديد، فعبر الفرات وهاجم ~~بلاد الإمبراطورية، وقوبلت جنوده بالترحيب من المنشقين بسبب الدين، واستحوذ على أنطاكية ~~فقيسارية فدمشق ثم أورشليم، وأحرق كنيسة القيامة (أو القمامة) وكنيستي قسطنطين وهيلانة، ~~ثم استولى على مصر، وهرب منه يوحنا الرحوم بطريرك الإسكندرية إلى قبرص ومات بها، وأنفذ ~~جيشا لمحاصرة قسطنطينية وهي سرة الدولة ودار الملك، فخاف القيصر أن تفتح واستعد ~~للهرب، وجمع خزائنه وذخائره وفي جملتها خشبة الصليب المقدس وأرسلها في سفن له إلى ~~أفريقية، فعصفت بها الرياح ms16 وسيرتها للإسكندرية، فظفر بها شهربراز، وقبض عليها كلها ~~وبعثها إلى أبرويز، فحمد الله الذي سخر له الريح حتى جاءته بخشبة الصليب ، وأفرد لها ~~خزانة سماها كنز الريح، وهي بالفارسية كنج باذاورد، ثم استحوذ شهربراز على ساحل بحر ~~الروم لغاية طرابلس الغرب، وامتلك آسيا الصغرى، ولبثت جنود الفرس معسكرة مدة عشرة أعوام ~~على أبواب القسطنطينية، وفي أثناء ذلك ماتت زوجة القيصر؛ فتزوج مارتينا بنت أخته، ~~خلافا لما تقضي به أوامر الكنسية؛ فغضبت عليه الأمة كما غضبت عليه الكنسية، وأوقعته ~~بين نارين: نار الثورة الداخلية، ونار العدو الفارسي الواقف له بالمرصاد، فضلا عن ~~هجمات خاقان المغول الوافدين من سواحل بحر قزوين. فلما ضاق الحال على هرقل، وبلغ منه ~~اليأس منتهاه، وأعيته الحيل، راسل كسرى في الصلح فأجابه: «لا أرضى بمصالحة إمبراطور ~~بوزنطية إلا إذا كفر بإلهه المصلوب فتمجس وعبد الشمس.» # فاستبسل الإمبراطور هرقل وجمع كل قواه (لا سيما أن أهل النصرانية غاظهم هذا الجواب من ~~الملك المجوسي؛ فكان سببا في التفافهم حول قيصرهم) حتى تيسر له إرضاء كسرى بعد زمان ~~طويل بالرجوع عن الإمبراطورية في نظير فدية قدرها ألف قنطار من الذهب، وألف قنطار من ~~الفضة، وألف ثوب من الخز، وألف فرس، وألف عذراء. # وكان النبي العربي قد ظهر في أثناء هذه الوقائع، ونزل عليه القرآن وأشار إليها بقوله ~~تعالى: # غلبت الروم * في أدنى ~~الأرض ~~، ثم تنبأ بقرب فوزهم فقال: # وهم من ~~بعد غلبهم سيغلبون ~~، فكانت هذه النبوة المتقدمة على وقتها ~~المحدد معجزة لأحمد. وذلك أن هرقل لم يخضع إلا أمام القوة، ولم تسكن نفسه للاستكانة ~~حيال هذه المذلة، فتربص حتى جمع شمله الرث، وعاد إلى مهاجمة الفرس حينما ساعدته ~~الفرص، فظهر عليهم في كل مكان، وقارنه السعد والظفر في جميع الوقائع، وخدمت جنوده ~~الأيام؛ فكانت انتصاراته أبهى وأجل مما أحرزته رومية في أيام مجدها القديم، حتى ~~شبهوه بالإسكندر وقسطنطين الأكبر، وهذا سر قوله تعالى: # وهم ~~من بعد غلبهم سيغلبون ~~، وقد راهن على ذلك أبو بكر الصديق ~~وفاز بكسب الرهان. # فاسترد هرقل ms17 من العدو كل ما أخذه من بلاده وأملاكه، ولكنه لم يتمكن من إعادة الدين ~~إلى سابق نصابه؛ لأن المجوسية أنزلت بالنصرانية أمام العالم كله مسبة ليس بعدها ~~مسبة؛ إذ أهانت القبر، وأحرقت الكنائس، وأخذت الخشبة؛ فتحارب الدينان الكبيران ~~وتفانيا في تلك الأيام، ومهدا السبيل لظهور الإسلام. # | المحاضرة الثالثة: شرح النتيجة الثانية # إن فوز الفرس كان مقدمة لأمر أكبر خطرا وأعظم شأنا، وأعني به ثورة البلاد الجنوبية على ~~الديانة النصرانية، وهي ثورة أضاعت على الروم تسعة أعشار أملاكهم الجغرافية في آسيا ~~وأفريقيا وجزء من أوروبا كما قلنا. # فقد كان النزاع الديني بلغ منتهاه بين القسطنطينية ورومية من جهة، وبين صفرونيوس بطريرك ~~أورشليم من جهة أخرى، وصفرونيوس هذا هو الذي سلم بيت المقدس إلى عمر بن الخطاب فيما بعد، ~~وفي ذلك الوقت كان قد ظهر النبي الأمي ودعا العرب إلى توحيد الله، وجاءهم بالإسلام ~~والقرآن، فدانوا له واتبعوا ملته، ثم ذهب إلى الرفيق الأعلى بعد أن أكمل الله للمسلمين ~~دينهم، وأتم عليهم نعمته، ورضي لهم الإسلام دينا، ذلك هو الدين الذي يدين به ثلث أهل ~~الأرض. # ولسنا في مقام شرح الإسلام وأصوله الحكمية وقواعده الفلسفية؛ فإن ذلك مما لا يدخل ضمن ~~دائرة البحث في هذا الدرس، وإنما نقول إن الوسائل قد تمهدت لقيامه للأسباب التي أشرنا إلى ~~بعضها، وهي دينية، ولأسباب تدعونا الحاجة إلى الإلمام بها بطريق الإيجاز. # دولة الروم # إن هذه الدولة قد اضطربت أمورها قبيل ظهور الإسلام، وظهرت فيها أمراض اجتماعية بسبب ~~الاختلاف الذي بلغ منتهاه بين ذوي السلطة فيها، سواء كان من جهة الدين، أو من جهة ~~السياسية والعمران، وقد شاعت عند ظهور الإسلام نبوة غريبة تداولتها الألسن في كل ~~مكان، وهي أن دولة الروم ستسقط على يد الأمم المختونة؛ فاضطهد هرقل اليهود اضطهادا ~~شديدا وأبادهم جميعا، حتى لم يبق في ممالك الروم بمصر والشام منهم إلا من فر واختفى، ~~وقد نجا جماعة منهم بالهرب إلى بلاد العرب؛ لأنهم كانوا ساعدوا الفرس على النكاية ~~بالنصارى. # ولقد أشرنا في تضاعيف ms18 هذا البيان إلى ما وصلت إليه الشامات والعراق وآسيا الصغرى في ~~عهد الدولة الرومية عند ظهور الإسلام من الفوضى بسبب الاختلافات الدينية والاضطرابات ~~السياسية، وأما شمال أفريقيا فقد نازلها القوط # Goths # بعد أن جازوا بحر الزقاق، المعروف الآن ببوغاز جبل طارق، في سنة 620 للميلاد؛ أي قبل ~~الهجرة النبوية بثلاث سنين، وتملك القومس (الكونت) يليان # Julien # بلاد سبتا، وهو الذي مهد للمسلمين فتح الأندلس، وبعد ذلك بقليل ~~استقل بملك سبيطلة من أعمال تونس الآن - واسمها الإفرنكي القديم # Suffetula ~~، والآن # Sbitla ~~- البطريق غريغوريوس، وهو أخو هرقل صاحب ~~أفريقية الذي تولى ابنه هرقل إمبراطورية الروم، وكاتبه صاحب الشريعة الإسلامية، فلم ~~يبق للإمبراطورية الرومية في أفريقية سوى قرطاجة ومدائن قليلة، وكانت كلها مضمحلة ~~الأركان، بحيث إذا هاجمها عدو من الخارج بشيء من الشدة والعزيمة سقطت في يده، وذهبت ~~معها بقايا الدولة الرومية أدراج الرياح، وذلك هو الذي وقع عندما ظهر الإسلام في ذلك ~~الوقت. # أما مصر فقد كانت بأجمعها مشحونة بالنصارى، وهم على قسمين متباينين في أجناسهم ~~وعقائدهم: أحدهما أهل الدولة، وكلهم روم من جند صاحب القسطنطينية، وهم ملكيون أو ~~ملكائيون، يزيدون على 300000 نفس، والقسم الآخر عامة أهل مصر بأسرها، ويقال لهم القبط، ~~وأنسابهم مختلطة لا يكاد يتميز منهم القبطي من الحبشي من الغربي من الإسرائيلي الأصل من ~~غيره، وكلهم يعاقبة، فمنهم كتاب المملكة، ومنهم التجار والباعة، ومنهم الأساقفة ~~والقسوس ونحوهم، ومنهم أهل الفلاحة والزرع، ومنهم أهل الخدمة والمهنة، وبينهم وبين ~~الملكية - أهل الدولة - من العداوة ما يمنع مناكحتهم ويوجب قتل بعضهم بعضا، # 1 # وكانت الأمة المصرية حيال سادتها الروم في منتهى الذل والعبودية، قد ~~أثقلتها الضرائب والمظالم، وحاقت بها أسباب الخسف والهوان، وأبناؤها يسومهم الروم سوء ~~العذاب، ويمتصون ينابيع ثروتهم، ويغتصبون ثمرة أتعابهم، وولاة الروم لا هم لهم إلا ~~تطلب المال وجمعه من هنا وهناك، دون أن يعبئوا بشيء من مصالح البلاد الاقتصادية ~~والزراعية أو من أمور الرعية، وكثرت الفتن الدينية بدسائس الروم؛ حتى افتتنت العائلات ~~(الأسر) وحقد الأب على ولده، ms19 والزوجة على زوجها، والأخ على أخيه، والابنة على أمها، مع ~~اختلاف المذاهب وتشعب المشارب التي كان القائمون بها يقوم بسببها بعضهم على بعض، ~~فيريقون الدماء هدرا في الشوارع والأزقة، فوصل الخلل والاضطراب إلى نهاية ما تتصوره العقول، # 2 # حتى صارت مصر تترقب الخلاص من نير الروم بأية وسيلة كانت؛ ولذلك استقبلت ~~العرب بفرح شديد، كما كانت استقبلت الرومان الذين أنقذوها من البطالسة، وكما كانت ~~استقبلت البطالسة الذين خلصوها من ظلم الفرس. # وقد روى ابن العبري أن الشمس انكسف نصف جرمها في السنة السابعة عشرة لهرقل، وثبت ~~كسوفها من تشرين الأول إلى حزيران، ولم يكن يظهر من نورها إلا شيء يسير، فكأني بهذا ~~الكسوف الغريب الذي وقع في سنة 627 واستمر نحو خمسة شهور، كان نذيرا بكسوفين آخرين ~~معنويين، وهما كسوف دولة الروم وكسوف دولة الفرس الذين كانوا يعبدون الشمس. # دولة الفرس # إن اضطراب الدين إذا شاركه اختلال السياسة آذن بضياع السلطان وانقراض الدولة، فلقد ~~رأينا الأمم عندما تأخذ في الانحطاط وتبدو على كيانها علامات الانحلال، يتشبث أبناؤها ~~بالاختلاف في الدين، وتتفرق أهواؤهم في المذاهب؛ فيكون ذلك مدعاة للتنافر بين قادتها ~~والتقاطع بين أهل الرأي فيها، فيهدمون أنفسهم وتصبح الأمة بلا رءوس ولا سراة، وهو مرض ~~اجتماعي يصيب الأمم عندما تبلغ الهرم أو يدانيها العدم؛ فيتفرق الشمل وتذهب الريح ويضيع ~~الملك. # هكذا كان الشأن ولا يزال، وفي التاريخ أكبر عبرة لذوي الألباب، هذه دولة الفرس أيضا ~~كانت تدين بالمجوسية التي أطبق الناس على تعريفها بأنها «الدين الأكبر والملة العظمى»، كان ~~لها من الشأن ما كان، حتى إذا تسللت إليها الاختلافات الدينية تحلل جثمانها، وحل ~~مكانها الإسلام، فلقد قام فيها قبيل ولادة النبي العربي رجل اسمه مزدك (مزدق أو مز دك) ~~فقال بالأصلين؛ أي النور والظلمة، وأدخل عليهما طريقة التثليث التي قال بها الروم، فذهب ~~إلى أن الأصول والأركان ثلاثة: «الماء والنار والأرض»، وأنها اختلطت فحدث عنها إلهان ~~اثنان، وهما مدبر الخير ومدبر الشر، ثم نهى الناس عن المخالفة والمباغضة والقتال، ولما ms20 ~~كان أكثر ذلك إنما يقع بسبب النساء والأموال، أحل النساء والأموال وجعل الناس شركة ~~فيها، كاشتراكهم في الماء والنار والكلأ، # 3 # وأعقبه ويصان ثم «مرقيون»، فمزجا بالمجوسية شيئا من تثليث النصرانية ؛ ~~فاضطرب الدين الكبير في الشرق، كما اضطرب الدين الكبير الآخر في الشمال وفي الغرب، وكان ~~ذلك ممهدا لظهور دين جديد لصلاح العالم، وأعني به دين التوحيد. # لم يقف الاضطراب في فارس عند حد الدين، بل اضمحل أمرها بالحروب الكثيرة التي اشتبكت ~~فيها قبيل ظهور الإسلام، فإنها ما كانت تفرغ من مغير حتى يهاجمها آخر هو أشد وأقوى، وما ~~زالت تتوالى عليها صدمات خاقان الترك الأعظم، ثم قيصر الروم، ثم ملك الخزر، وذلك كله في ~~أيام هرمز أبي كسرى أبرويز، إلى أن اجترأ الأعادي على فارس وسقطت هيبتها من النفوس، حتى ~~إن خلقا من العرب خرجوا عليها، ونزلوا في شاطئ الفرات، وشنوا الغارة الشعواء على أهل ~~السواد، وقد أشرت إلى شيء مما كان بين فارس والروم، فأما خاقان ملك الترك الأعظم فقد ~~سبق معنا القول إنه كان يهاجم الروم بقومه من شمال القسطنطينية، وقد أراد أن يهاجمهم ~~أيضا من جهة الجنوب حينما رأى اختلال دولة الفرس، فأرسل إلى هرمز وإلى عظماء مملكته ~~وأساورة بلاده يؤذنهم بإقباله ويقول: «رموا لي قناطر أنهار وأودية أجتاز عليها إلى ~~بلادكم، واعقدوا القناطر على كل نهر لا قنطرة له، وافعلوا ذلك في الأنهار والأودية ~~التي عليها مسلكي من بلادكم إلى بلاد الروم؛ فإني مجمع على المسير إليها من بلادكم.» ~~فأنكر هرمز ما ورد عليه من ذلك؛ فأرسل رجلا من أنجاده لمحاربته وصده عن بلاده، وهو ~~بهرام (جوبين أو شوبين)، وقد عاد قائده مظفرا منصورا بعد أن قتل خاقان وأسر ابنه، ~~وحمل إليه من الأموال والجواهر والأواني وسائر الأمتعة مما غنمه وقر مائتي وخمسين ألف ~~بعير، ثم دبت عقارب السوء بينه وبين هذا القائد العظيم فتنكر لهرمز وجوه الدولة ~~وأعيان الجيش فخلعوه - كما قلنا - وولوا بهرام، هذا في خطب يطول. # ولكن كسرى أبرويز بن هرمز أسقطه ms21 بمساعدة ملك الروم، وجلس على عرش أبيه، وقد أرسل إليه ~~القيصر ثوبين فيهما علامة الصليب فلبسهما، فقال الفرس: «قد تنصر الملك.» وحقدوا عليه ~~بهذا السبب، وفوق ذلك لم يحسن سياسة الجند ؛ فخالفوا عليه وانضم أكابر قواده إلى ملك ~~الروم، ثم فسدت عليه نية ملوك العرب فزاد ذلك في اضطراب الأمر بفارس، وزاد شغب الأمة ~~على كسرى أبرويز، فقتلوه لتجبره واحتقاره العظماء وعتوه، وذاك أنه كان قد جمع من ~~المال ما لم يجمعه أحد من الملوك، وبلغت خيله قسطنطينية وأفريقية، وكان له اثنا عشر ألف ~~امرأة وجارية، وألف فيل إلا فيلا واحدا، وخمسون ألف دابة، ومن الجواهر والآلات ~~والأواني ما يليق بذلك، فعتا واستهان بالناس والأحرار؛ فلذلك اكتسب عداوة أهل مملكته ~~لأمور وقعت منه: # أولا: # أنه أمر بقتل كل مقيد في سجونه، وكان عددهم 36000 رجل، ولكن الموكل ~~بهذا الأمر الفظيع توقف في تنفيذه. # ثانيا: # أنه احتقر الأمة واستخف بعظمائها. # ثالثا: # أنه سلط عليها علجا يقال له فرخان، ضغط على الأمة وشدد في ~~استخراج بقايا الخراج بعنف وعذاب، وكان ضمن من ذلك مالا ~~عظيما. # رابعا: # أن كسرى أجمع أمره على قتل فل الذين انصرفوا إليه من قبل هرقل؛ ~~فتذمر الناس وائتمروا عليه، واجتمعوا على ابنه شيرويه # Siroés # الذي كان مسجونا مع بقية إخوته ~~في بابل، وخلوا عن المسجونين في السجون، واجتمعوا على الجنود العائدة ~~من قتال الروم، ثم أقبل شيرويه في جموعه على كسرى فانحاز إلى باغ له ~~بالقرب من قصره يدعى باغ الهندوان، فحبسه ثم قتله بعد حديث ~~طويل. # وفي أيامه كانت الهجرة النبوية لمضي 32 سنة وخمسة أشهر وخمسة عشر يوما من ملكه، وقد ~~هلك بعد أن ملك 32 سنة. ولم يكتف شيرويه بقتل أبيه، بل قتل سبعة عشر أخا له ذوي آداب ~~وشجاعة بمشورة وزرائه؛ فابتلي بالأسقام وجزع جزعا شديدا، وكان يبكي إلى أن رمى ~~بالتاج عن رأسه، وعاش مهموما حزينا مدنفا، ومات بعد أن ملك ثمانية أشهر، فملك بعده ~~ابنه أزدشير ولم يبلغ أكثر من سبع سنين؛ ms22 فاحتقره القائد المرابط على ثغور الروم، وانكفأ ~~بجنده إلى فارس وملك عليها ولم يكن من بيت الملك؛ فتخالف الناس عليه وقتلوه بعد أربعين ~~يوما وملكوا بوران دخت، # 4 # وهي بنت كسرى أبرويز، فأحسنت السيرة وبسطت العدل ، وأمرت برم القناطر ~~وإعادة العمارات، ووضعت بقايا الخراج وكتبت إلى الناس عامة تعلمهم ما هي عليه من ~~الإحسان، وأنها ترجو أن يريهم الله الرفاهة والاستقامة بمكانها، ومن العدل وحفظ الثغور ~~ما يعلمون به أنه ليس ببطش الرجال تدوخ البلاد، ولا بيأسهم تستباح العساكر، ولا ~~بمكايدهم ينال الظفر، ولكن ذلك كله يكون بالله عز وجل، وحسن النية واستقامة التدبير. ~~ولكي تستجلب مودة الروم وتذهب حفيظتهم عن بلادها ردت خشبة الصليب على ملك الروم، ومضت ~~لربها بعد سنة وأربعة أشهر، فتولى الملك رجل من بني عم أبرويز، وهلك بعد شهر، فآل الملك ~~إلى أذرمي دخت أخت بوران دخت، وكانت من أجمل نساء دهرها، وكانت ملكة بحقها وصدقها لو ~~ساعدها الدهر والعمر، ولكنها ملكت والدولة مدبرة بإقبال دولة الإسلام، فكثرت في ~~أيامها الأحداث، وتبسطت الأيدي، ومرضت السياسة، ولقد طمع فيها أحد القواد وأراد أن ~~يتزوجها فأرسلت إليه: «إن التزويج للملكة غير جائز، وقد علمت أن أريك فيما ذهبت إليه ~~قضاء حاجتك منى، فصر إلي في ليلة كذا وكذا.» وتقدمت إلى صاحب حرسها ليرصده، فلما أقبل ~~قتله. وكان للرجل ابن عظيم البأس، قوي النفس، وهو رستم شجاع الفرس، وفارس القادسية ~~المشهور، فأقبل وقتل الملكة بعد أن سمل عينيها. ثم توالت الفتن والاضطرابات على من ولي ~~أمر الفرس ممن تداول الملك بعدها من النسوان والصبيان، حتى جاء يزدجرد، وهو غلام مراهق، ~~فكان ملكه عند ملك آبائه وأجداده كالخيال، وكانت العظماء والوزراء يدبرون ملكه لحداثة ~~سنه، ولم يبق من دولة العجم إلا رمق، والأهواء مختلفة والجماعات متفرقة، والأمور ~~منحلة، والسياسة مختلة، والأحوال مضمحلة؛ فضعف أمر المملكة واجترأ عليها الأعادي من كل ~~وجه، وطرقوا البلاد وخربوها، وغزت العرب مملكته؛ فهرب يزدجرد أمامهم ومعه ألف طباخ، ~~وألف مطرب، وألف فهاد، وألف بازيار، ms23 وعنده أنه في خف، وانتهى أمره بسقوط ملك فارس في ~~الشرق على أيدي المسلمين الذين أورثهم الله ملك الروم في الشمال وفي الغرب. # | المحاضرة الرابعة: انتشار الإسلام والحروب الإسلامية # جاء محمد بدين الإسلام، فوضع الأصول الأولى لهذه الحضارة التي كان لها شأن كبير في ارتقاء ~~بني الإنسان، ونحن إذا أنعمنا النظر في الصورة التي كان عليها العالم وقتئذ - وقد رسمناها ~~بغاية السرعة - رأينا أن هذا الاختباط كان يؤذن بظهور حادث جديد، وأن الناس كانوا يتوقعون ~~حدوث هذا الأمر الجليل للتخلص مما هم فيه من الارتباك الديني والدنيوي، وقد قيل لنا إنه ظهر ~~قبيل محمد نفر كثير تطالت أعناقهم إلى هذه المرتبة الكبيرة في الهيئة الاجتماعية، وكأنما ~~أحس العرب بأن هذا الأمر مقبل عليهم، وأن الدور آتيهم، فكان الأب يسمي ابنه محمدا ~~استمطارا لهذه الأمنية، حتى بلغ من سموا بهذا الاسم في الجاهلية سبعة على ما قيل، وكثيرا ~~ما اجتهد رجالات العرب في ترشيح أنفسهم لهذه الدرجة، وأخصهم أمية بن أبي الصلت الثقفي، وقس ~~بن ساعدة الإيادي، وغيرهما. # فلما جاء دين التوحيد بعد التثنية والتثليث وجد السبيل ممهدة، والعقبات مذللة، والنفوس ~~مهيأة؛ فغرست بذوره وتأصلت جذوره، فزكا ونمى وأينعت ثماره، وهذه الأسباب كلها كانت سببا ~~في نجاحه. # إن المتأمل في أحوال هذا الكون إذا أعمل الفكر في ماضيه وحاضره لا يجد انقلابا واحدا ~~حدث في حالة الإنسان الواحد، أو الأسرة، أو المجموع، أو الأمة، أو العالم كله، بغير أن ~~تصحبه وتتلوه ضحايا وبلايا تختلف قلة وكثرة بحسب ما تصادفه من الأحوال، والعمدة كل العمدة ~~إنما هي على النتيجة، فإن كانت حسنة في مجموعها مفيدة في جملتها، كان الانقلاب مستحبا ~~والعاقبة مفيدة، ولا عبرة بما أدى إليها مما قد كان يكون اجتنابه أولى، لكن طبيعة العمران ~~تأبى ذلك؛ لأن الكمال محال. # والناس من يلق خيرا قائلون له # ما يشتهي ولأم ~~المخطئ الهبل # قام الإسلام أولا بالدعوة والإرشاد والحض على مكارم الأخلاق، فلقي في أول أمره من آل ~~الشرك من الترات ما حمله ms24 على أن يثأر لنفسه منهم بعدما اشتد أزره وقوي أمره؛ فأباد ~~الوثنية من جزيرة العرب، فلم يبق لغير الإسلام فيها شأن، وخصوصا بعد أن ارتد العرب على أثر ~~وفاة النبي - عليه الصلاة والسلام - فإن أبا بكر بذل همته ووجه قوته لإخضاع العرب كلهم ~~إلى كلمة التوحيد؛ ولذلك لا يسعنا بصفتنا من الناظرين في أحوال العمران إلا أن نقول إن ~~الإسلام اضطر إلى استعمال القوة في جزيرة العرب بعد أن أفرغ وسعه في الهداية بطريق ~~الإقناع حتى لا تتقطع أوصاله ويتهدم كيانه، وبذلك صفا له الأمر وتوحد فيها دون سواه، أما ~~حروب المسلمين (لا حروب الإسلام) بعد ذلك فقد كانت كلها بقصد التوسع في الملك والتبسط في ~~الاستعمار. # لذلك يجوز لنا أن نقول إن انتشار الإسلام في غير جزيرة العرب يرجع معظمه بل كله إلى ~~الهداية والإرشاد والإقناع، وإلى انتشار العرب في البلدان يحملون آداب الإسلام التي وجدت في ~~نفوسهم أهلا ومكانا سهلا لما فطرتهم عليه البداوة من علو النفس والشجاعة والمروءة، ~~فعاملوا الأمم المغلوبة بالعدل والإحسان - بله أن الأسباب العمرانية والدينية كانت قد ~~تهيأت كلها لسيادة أمم الجنوب لمجيء دورها في الظهور - ألا ترى أن المسلمين قد أقروا أهل ~~الشام على أقاويلهم، ولم يحاولوا نقل الفرس عن دينهم؟ بل إن سعد بن أبي وقاص بعد أن فتح ~~بلاد فارس أقام صلاة الجماعة في إيوان كسرى على ما فيه من التماثيل والأنصاب والأوثان، مع ~~أن الرسول - عليه السلام - كان قد أزالها من الكعبة ومن جميع أرض العرب حتى لا تفتنهم ~~بالرجوع إلى خرافات آبائهم. وهذه مصر وفتحها معلوم للخاص والعام، فإن المسلمين حاربوا الروم ~~بقصد الامتلاك والحلول محلهم للثأر منهم، وأما القبط فأبقوهم على ديانتهم وأملاكهم، وهذه ~~الأندلس، وصقلية، والقسطنطينية، واليونان، والمجر، فأهلها بقوا على دينهم ونظامهم السياسي، ~~وإنما تغيرت الحكومة والدولة. # فالمبدأ الذي قام به الإسلام مع من يناصبه العداوة ويقطع عليه الطريق هو الجزية، أو ~~الإسلام، أو الحرب، ولقد دخل أكثر الأمم في حوزة الدولة الجديدة ورضيت بالجزية، حتى ms25 إن أكثر ~~أفرادها حينما رأوا قواعد الإسلام وأصوله مالوا إليه، سواء كان ذلك من باب الاستحسان أو ~~لأجل التخلص من دفع الجزية، فقد كان المسلمون يكتفون بالجزية إذا دانت لسلطانهم الأمم بعد ~~الحرب ولم تشأ أن تدخل في دينهم، والدليل على ذلك أن بعض الولاة قد تناسوا أوامر الدين ~~فاستمروا على أخذ الجزية من بعض الذميين مع أنهم دخلوا في دين الإسلام؛ وذلك لأنهم خافوا من ~~اضطراب الإيراد واختلال الموازنة في ميزانية الدولة، فلما بلغ ذلك عمر بن عبد العزيز الأموي ~~استنكره، وأمر برفع الجزية عمن يدخل في الإسلام، سواء كان ذلك لاقتناعه به أو لأجل التخلص ~~من هذه الجزية. # وقد اقتدى به المولى أبو السعود حينما استفتاه السلطان العثماني في إلزام أهل المجر ~~بالإسلام أو إبادتهم، فأنكر عليه ذلك، وقال بوجوب إبقائهم على دينهم ما داموا يؤدون ~~الجزية لخزينة الدولة؛ لأن ما طمحت إليه نفس السلطان مخالف لأحكام الشرع ولروح الإسلام، ~~فأقرهم على دينهم ولغاتهم الوطنية الأهلية، ولم يفعل آل عثمان مثل ما فعلت دولة إسبانيا مع ~~عرب الأندلس، أو مثل ما تفعل بعض الدول الكبيرة في إبادة اللغات الوطنية من البلاد التي ~~أدخلتها تحت حكمها تسهيلا لسبيل ابتلاعها في جسم الأمة الغالبة. # والخلاصة أن العامل الأكبر في انتشار الإسلام إنما هو الإقناع والإرشاد ومكارم الأخلاق، ~~بل هذه آيات القرآن أكبر شاهد على ذلك، أليس يقول: # ادع إلى سبيل ~~ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي ~~أحسن ~~؟ أليس هو الذي يقول: # لكم دينكم ولي ~~دين ~~؟ أليس هو الذي يقول: # ولو كنت فظا غليظ ~~القلب لانفضوا من حولك ~~، ويقول: # لا ~~إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ~~؟ # أما الحرب فهي من طبيعة الإنسان، أو هي من المصائب الضرورية كما يقول علماء العمران، وأي ~~دولة قامت قديما أو حديثا وتوسعت في العمران وتبسطت في الملك بغير الحرب؟ على أن ~~الإسلام لم يضطر إلى الحروب في زمن مبلغه وأبي بكر وعمر إلا ليثأر لنفسه من واتريه، ~~وليدفع عن نفسه أذاهم، أما ms26 الحروب التي كانت من بعد ذلك فإنما أشعل جذوتها المسلمون لا ~~الإسلام، على أن الأمم التي خيم عليها الظلم ونخر جسمها الفساد كانت هي التي تتطلب تداخل ~~الجيوش الإسلامية، وتستنصرها على حكامها الظالمين، كما حصل في إسبانيا، وكذلك الملوك كانوا ~~ينتصرون بخلفاء الإسلام حينما تقوم عليهم رعاياهم، كما حصل لإمبراطور الصين في أيام ~~العباسيين، فإنه استنجد بأحد الخلفاء، فأرسل إليه جيشا بقي أفراده في بلاده وأوجدوا ~~الإسلام، وهم إلى الآن من رجال الفضل والرياسة والجند الذي عليه المعول، خصوصا في إقليم ~~يون نان، وفضلا عن هذا وذاك؛ فإن تجار المسلمين لهم اليد البيضاء في نشره في قارة أفريقيا ~~إلى الآن بحسن سيرهم، وبأخلاقهم الجميلة، وبمعاملتهم الصادقة. # والخلاصة أن كل من يستقري أخبار الفتوح الإسلامية من بعد النبي # صلى الله عليه وسلم # وأبي بكر وعمر ~~يجدها كلها راجعة إلى التوسع في الملك والاستعمار، هذا التوسع الذي تطمح إليه الأمم الجديدة ~~عند ظهورها في ميدان العالم، ذلك ناموس عمراني خضع له العرب مثلما خضعت له الأمم القديمة ~~والأمم الحديثة، فإن العرب عندما برزوا من شبه جزيرتهم والتأمت جموعهم بفضل الإسلام، إنما ~~قصدوا توسيع ملكهم؛ لأنهم اكتفوا بالجزية وأقروا الأمم على أديانها، وإنما حاربوا الشرك ~~وعبادة الأوثان كما حاربوهما في بلادهم الأصلية، وأما الأمم التي دانت لسيادة العرب فقد ~~أثبتوا لها ديانتها ونظاماتها، واكتفوا منها بالخضوع السياسي، وهذا هو سر نجاحهم ~~الغريب. # بهذه الأسباب المدنية الدنيوية انتشرت حضارة الإسلام في نصف قرن تقريبا، من سواحل البحر ~~الأطلنطي إلى بلاد الصين، ومن جبال قفقاسيا وما وراءها إلى خط الاستواء وما وراءه. # بهذه الأسباب دخلت في حوزة الإسلام أمم كثيرة من السلالة السامية: «العرب، والسريان، ~~والكلدان»، ومن السلالة الحامية: «المصريون، والنوبيون، والبربر، والسودان»، ومن السلالة ~~الآرية: «الفرس، واليونان، والأسبان، والأهاند؛ أي الهنود»، ومن السلالة المسماة ~~بالتورانية، وهم الترك والتتر. # بهذه الأسباب دخل في الإسلام كثير من أمم الصين وملايو، وانتشر في جزء كبير من جزيرة ~~مدقسي كر، وجزائر الفيليبين، ووصل إلى روسيا وبولونيا، فضلا عن ms27 انتشاره في هذه الأيام ~~بإنجلترة وأمريكا بين أهلها الأصليين، لا بواسطة النازحين إليها من المسلمين. # مع هذا الانتشار الغريب العجيب، بقيت أركان الإسلام الخمسة ثابتة لم تتغير وإن كانت ~~الفرق قد تعددت والأهواء تنوعت، ولكن هذه الفرق كانت تظهر ثم تضمحل، أو يقول بها نفر قليل، ~~ولكن الإسلامية بقيت في مشارق الأرض ومغاربها تقول برأي الصدر الأول على وجه العموم، نعم إن ~~الملة حدث فيها انقسام كبير، امتازت به الأقطار الشرقية، وأعني بها التي شرقي بلاد العرب، ~~وهي فارس والهند، فظهرت فيها الشيعة خصوصا في أرض فارس، ففصلت الوحدة الدينية العامة إلى ~~حد محدود؛ وذلك لأن رد الفعل من السنن التي جبل الله عليها هذا الكون، ولولا هذا الاختلاف ~~لقلنا إن الجوهر الديني لا يزال واحدا منذ ظهور الإسلام إلى الآن. # أما الوحدة الأدبية فعلى عكس ذلك؛ بمعنى أنها كادت تبلغ الكمال في أيام الأمويين وفي صدر ~~الدولة العباسية؛ إذ كان لسان العلم والأدب هو اللغة العربية، وكانت اللغات الأخرى مهملة، ~~وأصبحت عقيمة تجاه تيار العربية الغالب؛ فدون المسلمون العلوم والآداب كلها بلسان ~~العرب. # قام النبي العربي بالتوحيد في السياسة، وفي الدين، وفي اللغة، فبذل همته في توحيد بلاد ~~العرب من الوجهة السياسية، وتوصل إلى شيء كثير من تحقيق هذا المطلب قبل أن ينتقل إلى الدار ~~الأخرى، فجعل العرب أمة واحدة بعد أن كانوا أشتاتا بعضهم لبعض عدو، وهي المزية الكبرى ~~التي لم تبلغها هذه البلاد منذ الخليقة، مزية لا يسع المنصف إلا أن يقف أمامها في موقف ~~الإعجاب والإكبار؛ إذ ترتب عليها ظهور العرب ذلك الظهور، وقيامهم بتلك الحركة العجيبة ~~الخصبة التي أعقبتها حضارة الإسلام. # إن كانت هذه المزية مما لا يذكر له مثال سابق في التاريخ، فهنالك مزية أكبر وأفخم، وأعني ~~بها مجيء محمد - عليه الصلاة والسلام - بالقرآن، نترك الكلام على هذا الكتاب المقدس من ~~الوجهة الدينية، وننظر إليها من الحيثية البشرية، فلقد أجمع أهل الرأي من أفاضل الإفرنج - ~~وإن كنا في غنى عن هذه الشهادة - بأن القرآن ms28 هو الأساس الأول الذي أقيمت عليه معالم ~~الحضارة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها، هذا هو القرآن الذي أصبح بعد انتشار الإسلام ~~إماما للأمم الكثيرة المتنوعة التي سردنا أسماءها، بحيث دعتهم الحاجة إلى حفظه وتفهمه أن ~~يضعوا قواعد النحو وأن يدونوا علم اللغة؛ ولذلك اجتهد السلف من هذه الأمة في جمع أشعار ~~العرب القديمة والمعاصرين له لمعرفة مفرداته وغريبه. # لأجل حفظ القرآن وكتابته طلب النبي # صلى الله عليه وسلم # إلى من لا يستطيع أن يفدي نفسه بالمال من ~~أسارى بدر أن يفتدي نفسه بتعليم عشرة من أولاد المسلمين القراءة والكتابة. # لأجل فهم قواعد الدين من القرآن وضع المسلمون علم العقائد، ثم علم الكلام. # لأجل استخراج الأحكام من القرآن وضعوا علم الفقه. # لأجل معرفة الحوادث المنصوص عليها في القرآن عنوا بعلم التاريخ. # لأجل معرفة المواقع المذكورة في القرآن اهتموا بعلم الجغرافية. # ثم تسلسلت العلوم والمعارف بينهم حتى دخلت الفلسفة في عصر العباسيين، فترجموا كتبها ثم ~~اشتغلوا بها وبرعوا فيها. نعم إن الإسلام وحد اللغة أيضا ثم نشرها وجعلها بمثابة لغة ~~عمومية يعرفها كل مسلم، والمسلمون هم ثلث أهل الأرض، وهي مزية لم تبلغها لغة من اللغات، ولم ~~يتوصل إلى هذه المزية النادرة في بابها بغير القرآن. # يعلم القراء الكرام أن هذه المحاضرات الثلاث لعزتلو المفضال أحمد زكي بك، ~~أستاذ الحضارة الإسلامية خطب طلبة الجامعة إياها قبل عطلة عيد الأضحى المبارك، التي ~~بدأها بسفره إلى دمشق الشام، قاعدة ملك الأمويين؛ لدرس آثارها وتفهم ما فيها، ~~ولترويض النفس من عناء الأعمال (وما أكثرها لديه)، ولم يحضر حتى يوم طبع القسم ~~العربي من هذا الجزء، وقبل سفره ترك لمجلة الجامعة تلك المحاضرات في أوراق مبعثرة، ~~كتب بعضها بخط يده، قد تصعب قراءته في بعض المواضع، وكتب بعضا آخر بخط ناسخ له ~~حرف كلما عن مواضعه، فتحرينا الصواب فيها جهدنا، ولم نتمكن من عرضها عليه قبل ~~الطبع لتغيبه، فنرجو إن شاء الله أن تكون كما يريد الأستاذ الجليل. # | المحاضرة الخامسة: قاعدة ملك الأمويين # أيها السادة، كان ms29 سلفنا الصالح - رضي الله عنهم - على بعد الأمكنة، ووعورة الطرق، وعدم ~~ممهداتها ومذللات عقباتها من المراكب البخارية والكهربائية البرية والبحرية التي هي من ~~أكبر عوامل انتشار المدنية الآن. كان سلفنا الصالح على تلك الحال يطوون الأباطح والجبال ~~والكثبان والآكام لطلب مسألة واحدة من العلم، يطلبها النابغة في علمه من عالم آخر نبغ فيما ~~يسأل فيه، وبذلك أقيمت صروح العلم في القرون الأولى، وخفقت أعلامه، وصعب تصدر العلماء ~~للتعليم إلا من راض نفسه، وملأ رأسه، وأعد لمنزلته السامية ما استطاع لها من قوة. # وإذ إن الجامعة المصرية إنما أنشئت لإحياء ذكرى معاهد العلم والقائمين بها في تلك ~~الأعصر الخالية التي هي من مفاخر الشرق كافة والإسلام خاصة، أردت - وأنا واحد من أساتذتها - ~~أن أحيي أكبر سنة من سنن سلفنا الصالح، وهي الرحلة في طلب العلم لاقتناص فوائده وجمع ~~شوارده بالبحث والمشاهدة ومشافهة أهل الذكر، فاغتنمت فرصة عطلة عيد الأضحى المبارك؛ لأضم ~~فيها إلى علمي الكتابي الضئيل علما حسيا أشاهده بعيني وأسمعه بأذني، وما كان في حسباني ~~أن يمتد بي الزمن إلى هذا اليوم فأضيع على نفسي وعليكم الأسبوع الفائت برمته، لولا أن ~~عاقني الشغف بالعلم وحب التفهم إلى ذلك، وشجعني عليه ثقتي بأنني - إن شاء الله - سأتدارك ما ~~فات وأعوضه. # ولعلي، أيها السادة، أبلغ ما قصدته من رحلتي هذه القصيرة، وهو أن يضم المسافر منا إلى ~~رياضته علما جديدا، فإن الرياضة تحدث بانتقال الإنسان من عمل إلى عمل، فإنني إنما أردت ~~بسفري بادئ الأمر أن أفر من كثرة الأعمال التي أثقلت كاهلي، فكادت تنوء به لولا رحمة من ~~الله، وبقية من الصبر والجلد، وأبت نفسي اللوامة إلا أن تكون الرحلة إلى أول قاعدة لملك ~~الأمويين لدرس معالمها وتفهم تاريخها من آثارها، فساقتني إليها رغم أنفي، ولكني - والحمد ~~لله - غنمت غنمين: غنم الرياضة، وغنم التوسع في علمي القليل. # ولعلي كذلك أكون بسفري هذا حاضا لكم على الرحلة في طلب العلم وأسوة لمن يجيء جامعتنا ~~المصرية من سائر البلاد المصرية لحضور محاضرة أو ms30 أكثر، ولمن يأتيها في مقبل أيامها من سائر ~~أقطار المعمور. # أراني بذكرى دمشق قد أحدثت في أنفس لكم رغبة في السؤال عن اختصاصي دمشق بتلك الرحلة ~~التي جاءت على عجل، ولكنني أثق بأن تلك الأنفس لو رجعت إلى المحاضرات الفائتة وأطالت ~~النظر فيها لعرفت السر في هذا الأمر الذي تريد أن تسأل عنه، ذلك أننا ألممنا إلماما ما في ~~تلك المحاضرات بأحوال البلاد العربية قبيل ظهور الإسلام، وأحوال الأمة العربية بعد ظهور ~~الإسلام، وبأحوال أضخم الممالك عند ظهوره، وانتشار الإسلام والحروب الإسلامية وبغير ذلك من ~~الأمور العامة، ثم تخطينا عصر النبوة؛ لأنه عصر ديني محض، شغل بإعلاء كلمة الله، والأمر ~~بالمعروف، والنهي عن المنكر كما قلنا قبلا، وكذلك تركنا عصر الخلفاء الراشدين الذي احتذى ~~في بعضه عصر النبوة حذو القذة بالقذة، وشغل بعض آخر بالفتن الأهلية والحروب الداخلية، ~~وأقبلنا إثر ذلك إلى عصر الأمويين، الذي هو مبدأ الحضارة الإسلامية، وفيه بالغ الملوك ~~والسوقة في الترف والنعيم حتى نسوا أوامر الدين الحنيف ونواهيه. # فذلك الإقبال اضطرنا إلى زيارة أول قاعدة لذلك الملك العضوض لنرى منشأ الحضارة الإسلامية ~~ومصدرها، وكانت تلك القاعدة هي دمشق الشام، التي هي بيت القصيد من هذه المحاضرة. # دمشق هي قصبة الشام، قال ياقوت: «هي جنة الأرض بلا خلاف؛ لحسن عمارة ونضارة بقعتها، وكثرة ~~فاكهتها، ونزاهة رفعتها، وكثرة مياهها.» # وقال أبو بكر الخوارزمي: «ومن خصائص دمشق التي لم أر في بلد آخر مثلها كثرة الأنهار ~~بها، وجريان الماء في قنواتها، فقل أن تمر بحائط - يعني بستانا - إلا والماء يخرج منه ~~في أنبوب إلى حوض يشرب منه ويستقي الوارد والصادر، وما رأيت بها مسجدا ولا مدرسة ولا ~~خانقاه إلا والماء يجري في بركة في صحن هذا المكان ويسيح في منصته، والمساكن بها غزيرة ~~لكثرة أهلها والساكنين وضيق بقعتها. ولا تزال دمشق إلى الآن على هذه الحال.» # وفي دمشق من قبور الصحابة والتابعين وأهل الخير والصلاح ودورهم المشهورة بهم ما ليس في ~~غيرها من البلدان، وهي معروفة للآن، وبعضها يزار ms31 في ميدان الحصى قبلي دمشق. قيل إن أكثر ~~مقابر الصحابة والتابعين حرثت وزرعت في أول دولة بني العباس؛ فدرست قبورهم، فلما رأى ذلك ~~أهل دمشق عز عليهم أن تخلو بلادهم من تلك المقابر، فادعوا وجود مقابر غيرهم من الصحابة ~~والتابعين، وليس لهم فيها أثر، وإنما أكثرهم دفن في المدينة المنورة. # فتح المسلمون دمشق في رجب سنة 14ه بعد حصار وطعان، وكان قد نزل على كل باب من أبوابها ~~أمير من أمراء المسلمين، فصدهم خالد بن الوليد من الباب الشرقي حتى افتتحها عنوة، فأسرع ~~أهل البلد إلى أبي عبيدة بن الجراح، ويزيد بن أبي سفيان، وشرحبيل بن حسنة، وكان كل منهم ~~على ربع من الجيش، فسألوهم الأمان، فأمنوهم وفتحوا لهم الباب، فدخل هؤلاء من ثلاثة أبواب ~~بالأمان، وانتهوا إلى نصف كنيسة يوحنا، ودخل خالد بالسيف، فانتهى إلى نصف الكنيسة الآخر، ~~فصنع المسلمون نصف الكنيسة الذي دخلوه عنوة مسجدا، وبقي النصف الذي صالحوا عليه كنيسة، ثم ~~وسع ذلك المسجد بعدئذ عبد الملك بن مروان، أحد ملوك بني أمية، وكان مشهورا بعمارة ~~المساجد بصيرا بها، فأدخل فيه الكنيسة، وعرف من ذلك الحين بمسجد بني أمية. # وابتدأ عبد الملك في عمارته سنة 87، وقيل 88ه، وكان أراد في ذلك الوقت نفسه الزيادة في ~~مسجد المدينة، فكتب إلى عامله عليها وقتئذ، وكان ذلكم الرجل الورع الزاهد عمر بن عبد ~~العزيز، كلمات يأمره فيها بإدخال حجر أزواج النبي # صلى الله عليه وسلم # إلى المسجد، وأن يشتري ما في ~~مؤخره ونواحيه؛ حتى يكون مائتي ذراع، ويقول له: قدم القبلة إن قدرت، وأنت تقدر لمكان ~~أخوالك، فإنهم لا يخالفونك، فمن أبى منهم فأمر أهل التبصر فليقوموه قيمة عدل، ثم ~~اهدم عليهم وادفع إليهم الثمن؛ فإن لك في ذلك سالف صدق: عمر، وعثمان. فأقرأ القوم الكتاب، ~~فأجابوا إلى الثمن، وأعطاهم إياه، وأمر بهدم بيوت أزواج رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فهدمها، ولم ~~يلبث إلا يسيرا حتى قدم الفعلة، قدمهم الوليد، وبعث الوليد إلى صاحب الروم يخبره أنه أمر ~~بهدم ms32 مسجد رسول الله، وأنه يعينه فيه، فبعث إليه بمال وآلات وعمال، فبعث بهم إلى عمر، ~~وتجرد عمر بن عبد العزيز لذلك، واستعمل صالح بن كيسان على ذلك، ولما أمر بهدم بيوت أزواج ~~رسول الله قال: «ما رأيت يوما أكثر باكيا من ذلك اليوم.» وكان فيما دخل المسجد من حجر ~~أزواج النبي # صلى الله عليه وسلم # حجرة السيدة عائشة، التي دفن فيها # صلى الله عليه وسلم ~~، فدخل قبره الشريف من ذلك ~~الحين المسجد، على حين أنه لما توفي # صلى الله عليه وسلم # اختلف الصحابة في دفنه، فقال بعضهم: «ندفنه ~~حيث كان يصلي.» فقال بعض آخر: «معاذ الله أن نجعله وثنا يعبد وهو الذي حطم الأوثان، ~~وأزال الشرك، وأباد الأصنام من جميع جزيرة العرب.» فخاف الصحابة من دفنه في المسجد أن يكون ~~مدعاة للرجوع إلى عبادة القبور أو من في القبور، كما كان شأن الأمم الغابرة في تنظيم ~~الصالحين ثم مدافنهم من بعدهم، حتى تأدت الحال بالأعقاب إلى تناسي الأصل الأول، فعبدوا ~~الأصنام والأوثان، وأشركوا بين الواحد القهار، فاتفقوا آخر الأمر على دفنه حيث مات. # وبينما كان الورع عمر بن عبد العزيز يوسع الحرم النبوي في المدينة المنورة، ويعمل ~~بالقاعدة التي نسميها اليوم في قوانيننا ونظاماتنا بنزع الملكية للمنافع العمومية، كان ~~الخليفة الأموي يبني مسجد دمشق المعروف بالجامع الأموي، وعند الشروع في بنائه جمع نصارى ~~دمشق وقال لهم: إنا نريد أن نزيد في مسجدنا كنيستكم (يعني النصف الذي بقي لهم منها عند ~~الصلح) ونعطيكم كنيسة حيث شئتم، وإن شئتم أضعفنا لكم الثمن. وذلك عملا بقاعدة نزع الملكية ~~للمنافع العمومية التي كان عمر وعثمان أول من جرى عليها في الإسلام، فأبوا فهدم وزاد في ~~المسجد ما أراد، وأسرف في إنفاق الأموال على عمارته، يقال إن الوليد أنفق على عمارة المسجد ~~خراج المملكة سبع سنين، قيل وحملت إليه الحسابات بما أنفق على 18 بعيرا فأحرقها ولم ينظر ~~فيها، وقال: «شيء أخرجناه لله، فلم نتبعه؟» وقد اقتدى به في ذلك الأمير طيبرس حينما بنى ~~مدرسته ms33 التي بالجامع الأزهر في مصر، فضج الناس إكبارا لما أنفق الوليد، وقالوا: أخذ ~~أموال المسلمين فأنفقها فيما لا يغني عنهم من الله شيئا. # وقيل إن عمارته لبثت تسع سنين، وكان يعمل فيه عشرة آلاف عامل، فبلغ ما أكلوه من الخضر ~~والبقول ستة آلاف دينار. # ولقد جعل ذرع المسجد في الطول من الشرق إلى الغرب ثلثمائة ذراع، وعرضه مائتي ذراع، أما ~~سعة صحنه فهي مائة ذراع، وأنشئ في ذلك الصحن ثلاث قباب: إحداها - وهي أكبرها - في غربيه، ~~وتسمى قبة عائشة أم المؤمنين، حملت على ثمانية أعمدة من الرخام، مزخرفة بالفصوص ~~والأصبغة الملونة، مسقوفة بالرصاص، والقبة الثانية في شرقيه، وهي على هيئة الأخرى، غير ~~أنها أصغر منها، وتسمى قبة زين العابدين، والقبة الثالثة في وسطه، وهي صغيرة، من رخام عجيب، ~~محكمة الالتصاق، قائمة على أربعة عمد من الرخام الناصع، وتحتها شباك حديد في وسطه أنبوب ~~نحاس يمج الماء إلى علو، فيرتفع ثم ينثني كأنه قضيب لجين، وهم يسمونه قفص الماء، ويستحسن ~~الناس وضع أفواههم فيه للشرب. # وفي الجانب الشرقي من هذا الصحن باب يفضي إلى مسجد بديع الوضع، يسمى مشهد علي بن أبي ~~طالب رضي الله تعالى عنه، ويقابله من الجهة الغربية موضع يقال إن عائشة - رضي الله تعالى ~~عنها - سمعت الحديث هناك، وفي قبلة المسجد المقصورة العظمى التي يؤم فيها إمام الشافعية، ~~وفي الركن الشرقي منها إزاء المحراب خزانة كبيرة كان فيها المصحف الكريم الذي وجهه أمير ~~المؤمنين عثمان بن عفان - رضي الله تعالى عنه - إلى الشام، وتفتح تلك الخزانة كل يوم جمعة ~~بعد الصلاة، فيزدحم الناس على لثم ذلك المصحف، وهناك يحلف الناس غرماءهم ومن ادعوا عليه ~~شيئا، وعن يسار المقصورة محراب الصحابة، وفيه يؤم إمام المالكية، وعن يمين المقصورة محراب ~~الحنفية، وفيه يؤم إمامهم، ويليه محراب الحنابلة، وفيه يؤم إمامهم. # ورفع سقف المسجد على أعمدة من الرخام مؤلفة من طبقتين: الطبقة التحتانية أعمدة كبار، ~~والفوقانية أعمدة صغار، وفي خلال ذلك صورة كل مدينة وشجرة في الدنيا عرفها الصناع، مصورة ms34 ~~بالذهب والفسيفساء، وهي فصوص من ذهب يخالطها أنواع الأصبغة الغريبة الحسن، وهي معروفة ~~بالفص والتفصيص وبالزليج، وقد عرفت بذلك عند أهل إسبانيا فقالوا أزوليخو # Azulejo ~~، واسمها عند الفرنسيس # Mosaïque ~~. # وفي قبلي المسجد أمام المحراب قبة من رصاص، وهي المعروفة بقبة النسر ، وكأنهم شبهوا ~~المسجد بنسر وهي رأسه، وليس في دمشق شيء أعلى ولا أبهى منظرا منها، وهي محمولة على ستة ~~أعمدة، قد صور فيها أشكال محاريب وسواها. # وقد رصعت محاريب المسجد بالجواهر الثمينة، وعلق عليه قناديل الذهب والفضة، وشق ~~فيه أربعة أبواب: باب في قبليه، ويعرف بباب الزيادة، وبأعلاه قطعة من الرمح الذي كانت فيه ~~راية خالد بن الوليد، ولهذا الباب دهليز كبير متسع، فيه حوانيت السقاطين وغيرهم، ومنه يذهب ~~إلى دار الخيل، وعن يسار الخارج منه سماط الصفارين، وهي سوق عظيمة ممتدة مع جدار المسجد ~~القبلي، وهي من أحسن أسواق دمشق، وبموضع هذه السوق كانت دار معاوية بن أبي سفيان ودور قومه، ~~كانت تسمى الخضراء، فهدمها بنو العباس وصار مكانها سوقا. # وباب في شرقيه، وهو أعظم أبواب المسجد، ويسمى باب جيرون، وله دهليز عظيم يخرج منه إلى ~~بلاط عظيم طويل، أمامه خمسة أبواب لها ستة أعمدة طوال، وفي جهة اليسار منه مشهد عظيم كان ~~فيه رأس الحسين، وبإزائه مسجد صغير ينسب إلى عمر بن عبد العزيز، وبه ماء جار، وقد انتظمت ~~أمام البلاط درج ينحدر فيها إلى الدهليز، وهو كالخندق العظيم يتصل بباب عظيم الارتفاع، ~~تحته أعمدة كالجذوع طوال، وبجانبي هذا الدهليز أعمدة قد قامت عليها شوارع مستديرة فيها ~~دكاكين البزازين وغيرهم، وعليها شوارع مستطيلة فيها حوانيت الجوهريين والكتبيين وصناع ~~أواني الزجاج العجيبة، وفي الرحبة المتصلة بالباب الأول دكاكين لكبار الشهود، منها دكانان ~~للشافعية، وسائرها لأصحاب المذاهب، يكون في الدكان منها الخمسة والستة من العدول، والعاقد ~~للأنكحة من قبل القاضي، وسائر الشهود متفرقون في المدينة، وبمقربة من هذه الدكاكين سوق ~~الوراقين، الذين يبيعون الورق والأقلام والمداد. وفي وسط الدهليز المذكور حوض من الرخام ~~كبير مستدير، عليه قبة لا سقف ms35 لها، تقلها أعمدة رخام، وفي وسط الحوض أنبوب نحاس يزعج ~~الماء بقوة فيرتفع في الهواء أزيد من قامة الإنسان، يسمونه الفوارة، منظره عجيب. وعن يمين ~~الخارج من باب جيرون، وهو باب الساعات، غرفة لها هيئة طاق كبير فيه طبقان صغار، مفتحة لها ~~أبواب على عدد ساعات النهار، والأبواب مصبوغ باطنها بالخضرة وظاهرها بالصفرة، فإذا ذهبت ~~ساعة من النهار انقلب الباطن الأخضر ظاهرا والظاهر الأصفر باطنا. # وباب في غربيه يعرف بباب البريد، وعن يمين الخارج منه مدرسة للشافعية، وله دهليز فيه ~~حوانيت للشماعين، وسماط لبيع الفواكه، وبأعلاه باب يصعد إليه في درج له أعمدة سامية في ~~الهواء، وتحت الدرج سقايتان عن اليمين والشمال مستديرتان. # والباب الجوفي، ويعرف بباب النطفانيين، وله دهليز عظيم، وعن يمين الخارج منه خانقاه تعرف ~~بالشميعانية، في وسطها صهريج ماء، ولها مطاهر يجري فيها الماء، ويقال إنها كانت دار عمر بن ~~عبد العزيز رضي الله تعالى عنه. # وعلى كل باب من أبواب المسجد الأربعة دار وضوء يكون فيها نحو مائة بيت تجري فيها المياه ~~الكثيرة. # وكان في المسجد 600 سلسلة من ذهب، قيل إنها كانت تختطف الأبصار؛ فدخنوها ليكسروا من ~~ضوئها، كما يدخن الأوروبيون الآن الفضة. # وقال موسى بن حماد البربري: رأيت في مسجد دمشق سورة # ألهاكم ~~التكاثر # إلى آخرها محفورة بالذهب في الزجاج، ورأيت جوهرة حمراء ملصقة في ~~القاف التي في قوله تعالى: # حتى زرتم المقابر ~~، ~~فسألت عن ذلك، فقيل لي إنه كانت للوليد بنت، وكانت هذه الجوهرة لها، فماتت فأمرت أمها أن ~~تدفن هذه الجوهرة معها في قبرها، فأمر الوليد بها فصيرت في قاف المقابر من # ألهاكم التكاثر * حتى زرتم ~~المقابر ~~، ثم حلف لأمها أنه قد أودعها المقابر فسكتت. # وكان في المسجد أئمة ومدرسون، وقراء يقرءون بالأصوات الحسنة، وجماعة من المعلمين يلقنون ~~الصبيان القرآن، ومعلمون للخط. # وقد وصف بعض أهالي دمشق ذلك المسجد فقال: «جامع المحاسن، كامل الغرائب، معدود من إحدى ~~العجائب، قد زور بعض فرشه بالرخام، وألف على أحسن تركيب ونظام، وفوق ذلك فص أقداره ms36 ~~متفقة وصنعته مؤتلفة، بساطه يكاد يقطر ذهبا ويشتعل لهبا، وهو منزه عن صور الحيوان إلى ~~صنوف النبات وفنون الأغصان، لكنها لا تجنى إلا بالأبصار، ولا يدخل عليها الفساد كما يدخل ~~على الأشجار والثمار، بل باقية على طول الزمان، مدركة بالعيان في كل أوان، لا يمسها عطش مع ~~فقدان القطر، ولا يعتريها ذبول مع تصاريف الدهر.» # فقد كان مسجد دمشق من أعجب ما صنع في الدنيا، حتى قال بعض السلف: «ما ينبغي لأحد أن يكون ~~أشد شوقا إلى الجنة من أهل دمشق؛ لما يرونه من حسن مسجدهم.» # وهذا مما يدل على سرعة إيغال العرب في الحضارة حتى بذوا فيها أهل عصرهم سرعة لم يعهد ~~لها نظير في تواريخ الأمم المتحضرة. # ولم يزل ذلك المسجد على تلك الصورة التي تملأ العين حسنا وبهاء إلى أن أشعلت فيه ~~النيران سنة 461ه؛ فأذهبت بعض بهجته. # ومما يروى أن عمر بن عبد العزيز لما ولي ملك بني أمية قال: «إني أرى في أموال مسجد ~~دمشق كثرة أنفقت في غير حقها، فلو استدركت ما أنا مستدرك منها فيرد إلى بيت المال، لكنت ~~أنزع هذا الرخام والفسيفساء، وأنزع هذه السلاسل وأصير بدلها حبالا.» فاشتد ذلك على أهل ~~دمشق، فأبلغوه إعظام الروم لهذا المسجد، فترك ما هم به. # هذا ما كان عليه مسجد دمشق، وتلك حاله، غير أن الذي يؤسفنا ويؤلمنا أن هذه الصفات البديعة ~~لا يوجد منها الآن شيء مذكور، اللهم إلا ما كان من آثارها التي تدل عليها. # وقد زرت بعلبك لعلاقتها بحضارة الإسلام، وهي مدينة قديمة مشهورة في سوريا، في الجهة ~~الشمالية من سهل البقاع، قرب الجبل الشرقي المعروف بمصاقب لبنان. وبعلبك كما وصفها المؤرخون ~~كانت قبلا من أجل لمدن؛ لوقوعها بين صور وتدمر والهند، فكانت محطا لقوافل التجارة، وهي ~~إحدى مدن فينيقية اللبنانية في عهد الرومان، على مسافة واحد وثلاثين ميلا من دمشق إلى ~~الشمال الغربي، واثنين وثلاثين ميلا إلى طرابلس، ومائة ميل وتسعة أميال إلى تدمر. # أما الآن فهي قصبة قضاء تتبع ولاية ms37 دمشق، وفيها كرسي أسقف للروم الكاثوليك، وآلاي لعساكر ~~الرديف، وإدارة بريد وبرق، وموقف للسكة الحديدية بين رباق وحلب، وعدد سكانها يبلغ خمسة ~~آلاف، النصف شيعة (متاولة)، والربع من أهل السنة، والربع الآخر مسيحيون، منهم ألف روم ~~كاثوليك، ومائة موارنة، ولهم رئيس أساقفة، وخمسون روم أرثوذكس. # وفيها مسجدان لأهل السنة: أحدهما يعرف بالحنبلي، جدد بناءه السلطان قلاوون سنة 682ه، ~~والآخر جدد بناؤه سنة 1321ه، وفيه مئذنة بنيت في أيام الملك الصالح أبي الفداء إسماعيل ~~سنة 638، وهو بقرب الهيكل المستدير؛ ومسجد للشيعة بناه سابقا الأمير يونس الحرفوش سنة ~~962ه، وجدد بناؤه سنة 1325ه. وفيها مسجد كبير خرب، كان فيما سلف على ما يظهر كنيسة ~~للقديس يوحنا، فحولها المسلمون مسجدا، وكان المسجد الأعظم في عمرانه، ولكنه لم يفقد ~~الآن غير سقفه، وهو في داخله ذو ثلاثة صفوف من الأعمدة القصيرة، بعضها من حجر الجرانيت ~~وبعضها من حجر أصم، وعلى أكثره تيجان قرنثية تحمل أقواسا قنطرية يرتكز عليها السقف، وقد ~~وضعت العمد بلا ترتيب ولا نظام، فأكثرها وضع على الأرض بلا قواعد، وبعضها يحمل تيجانا ~~لا تناسب حجمه، ويرجح أن العرب نقلوها من أعمدة البهويين في القلعة بعد أن قطعوا شيئا ~~من طولها. ويفصل المسجد عن الدار التي بجانبه صف من الركائز المربعة ذات الأقواس، وهناك ~~على ركيزة في الوسط جرن للماء عليه نقوش عربية، وكان تحته حوض لقبول الماء، ويظن أن الجرن ~~أخذ من الكنيسة القديمة حيث كان للمعمودية، وبجانب هذا المسجد دار فسيحة مربعة، يحيط بها ~~رواق من القناطر من الشرق والشمال والغرب لم يبق منه سوى قنطرتين في الجهة الشمالية، ووراء ~~الرواق من الشرق غرف كانت للتدريس، وعلى أبوابها كتابات عربية، وفي وسط الدار بركة للماء، ~~كان على جوانبها الأربعة أعمدة تحمل فيه، ولم يبق من ذلك إلا الأثر. # وأكثر أهل بعلبك زراع، وفيها بساتين حسنة تحيط بها، ونبعها المسمى «برأس العين» من أجمل ~~المتنزهات في سوريا، فهو روضة أنيقة، مياهها كاللجين، وليس فيها من عيب إلا أنها زائلة. ~~وفي رأس ms38 العين مسجد ينتهي بناؤه إلى زمن الظاهر بيبرس البندقداري في سنة 676ه، وهو فخم ~~جليل، ولكنه متخرب مثل مسجده بالقاهرة في البقعة المعروفة باسمه. # وكان هناك آثار مدرسة قديمة، لم تبق منها يد الجهل غير حجر عليه كتابة عربية نقل ~~إليها من المسجد. # وكانت هذه المدينة من أعظم المدن السورية وأشدها منعة وحصانة، وحولها إلى الآن آثار أسوار ~~كانت تحيط بها، وفيها آثار يسعى السائحون سنويا إليها لرؤيتها، ومن تلك الآثار قلعتها ~~التي هي من أعجب مباني الدنيا وأبهج الآثار، ومن تلك الآثار التي كادت تدرس معالمها هياكل ~~جليلة، أشهرها هيكل الشمس الذي كان من أجل أسباب عمران بعلبك وتقدمها لكثرة وفود ~~الزائرين إليه، وكان له احتفال من أبهج الاحتفالات، قيل حمل إلى ذلك الهيكل تمثال الشمس ~~الذي سمي به من مصر، وهو يشبه تمثال أوزيريس، قيل إن أنطونينوس بيوس هو الذي رممه ~~وزينه سنة 160، ولما انتشرت الديانة المسيحية في الشرق هجرت كل الهياكل الوثنية إلا هيكل ~~الشمس، فإنه جعل كنيسة مسيحية، وذلك في أيام قسطنطين بن هيلانة، الذي تنصر وأخذ خشبة ~~الصليب من بيت المقدس. وبقيت بعلبك زاهية زاهرة إلى أن فتحها المسلمون سنة 635، فدافع أهلها ~~دفاعا حسنا، وبقيت أكثر من قرن مركزا عظيما للتجارة، إلى أن استبيح دم أهلها فقتلوا ~~على عهد الأمويين، ونهبها تيمور سنة 1400م، وتم خرابها بزلزلة هائلة سنة 1799م. # أما قلعة بعلبك فهي هيكل الشمس الذي ذكرناه، حوله المسلمون قلعة حينما حدثت الحروب ~~الصليبية، فإن السلطان صلاح الدين ذهب إلى بعلبك ووجد هذا الهيكل أمنع حصن فحوله إلى ~~قلعة، ورفع فوقه أحجارا من غير نظام للسرعة، جعلت مناور لجند المسلمين يرمون منها ~~الأعداء، وهي المعروفة الآن باللغة التركية بالمزالق. # وفي تلك القلعة أعمدة من الصوان أو الجرانيت أخذت من أسوان، فدل هذا على قدرة في ~~حمل الأثقال ونقلها من أقصى الصعيد على روامس على النيل، ومنه على بحر الروم (البحر الأبيض ~~المتوسط) حتى طرابلس الشام، ومنها على عجلات تخترق جبل لبنان على الطريق الرومانية، ms39 التي ~~وجد النقابون آثارها حيال بعلبك. # وعلى تلك الأعمدة أجل ما يستطيع أن يصنعه صانع من النقوش البديعة الدقيقة التي تشبه ~~«التنتلة»، وتلك النقوش تشهد بأنها لم تصنع إلا بعد أن رفعت هذه العمد إلى ذلك المكان ~~الذي هي فيه؛ لأنها لم تكسر مع شدة ارتفاعه الهائل، ويؤكد تلك الشهادة أن ذلك النقش لم يتم، ~~وكأني بالملك قسطنطين لما تنصر أوقف العمل في هذا النقش؛ لأن على تلك العمد كتابة تدل على ~~انتشار النصرانية هناك. # ثم بنى المسلمون في ذلك الهيكل أو تلك القلعة مسجدا يشبه مساجد مصر، وفيه بئر يسميها ~~مؤرخون من العرب بئر الرحمة؛ لأنهم يزعمون أن ماءها كان يفيض إذا حاصر الصليبيون القلعة، ~~فإذا ما انفضوا من حولها هبط الماء. ولقد علل هذا الانتقاد سوري عالم أديب فقال: «إن ~~المسلمين أحاطوا تلك القلعة بخندق كانوا يملئونه ماء إذا حاصرهم الصليبيون، فيسير الماء ~~إلى البئر من جوف الأرض فيملؤها، فإذا ما ذهبوا رفع المسلمون الماء من الخندق ليفرجوا عن ~~أنفسهم، فيقل ماء البئر.» وهذا معقول وصحيح، وحق لهم أن يسموه بئر الرحمة، غير أنهم ~~أخطئوا في تعليل ذلك إذ قالوا بأنه من الخوارق، والحقيقة أن ذلك الفيض والغيض مظهر من ~~مظاهر الناموس الطبيعي المعروف في علم الطبيعة. # وعلى ذكر الحروب الصليبية وتلك القلعة الإسلامية نقول إن الصليبيين كانوا يعملون أبراجا ~~من خشب متنقلة يسمونها «الدبانات، والكبوش»، وكانوا يسيرونها لرمي الأعداء المستترين في ~~أعالي القلاع. # | المحاضرة السادسة: تتمة المحاضرة الماضية # هذا وقد زرت أيضا مدينة صيدا الشهيرة في فلسطين. # دعاني إلى زيارتها داعيان: الداعي الأول توقع ما قد يكون فيها من آثار الحضارة ~~الإسلامية، والداعي الآخر، وهو أجلها عندي، هو البحث عن كتاب جليل القدر عالي الشأن، يعد ~~من مفاخر الأمة الإسلامية، ويدل على مقدار رقيها وحضارتها وضربها في العلم بسهام نافذة، ~~وذلكم الكتاب الذي سارت بذكره الركبان، وملأ بريد ذكره الآفاق هو: «نهاية الأرب في فنون ~~الأدب»، في 30 جزءا، لشهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب بن محمد ms40 بن عبد الدايم البكري التميمي ~~القرشي النويري المصري، المولود بالنويرة من أعمال مديرية بني سويف، المتوفى في 21 رمضان ~~سنة 733ه، وقيل سنة 732ه. # هذا كتاب يصدق عليه دون سواه أن يقال عنه إنه جمع فأوعى، وإنه لم يترك شاردة من فنون ~~الأدب إلا تصيدها، ولم يغادر واردة من موارد العلوم إلا قيدها، ولا فائدة من فوائد ~~التاريخ إلا دونها، فهو حسنة الحسنات التي يليق الافتخار بها ويجب التناصر على إبرازها، ~~خصوصا وأن مؤلفه من أبناء مصر الذين نبغوا في أيام المماليك على عهد السلطان محمد قلاوون، ~~وكان من أركان دولته وأساطين حكومته، وكان معاصرا لابن فضل الله العمري، وللسلطان أبي ~~الفدا صاحب التاريخ والجغرافيا، وغيرهما من فحول الإسلام الذين تفتخر بهم مصر والشام؛ فلذلك ~~تيسرت للنويري المطالب، وتوفرت لديه الموارد؛ فتمكن من جمع هذا الكتاب في ثلاثين جزءا، يفي ~~كل واحد منها بالمرام، بحيث لا تبقى بعده حاجة في نفس المطالع أو الطالب. # ولكن الزمان أخنى على هذا الكتاب الجليل في جملة ما أباده من آثار مصر، فسطت عليه الأيدي، ~~وتلقفته الأمم، وتخطفته الكتبخانات الأجنبية؛ فتفرقت أجزاؤه في كل قطر، وبقيت مصر وحدها ~~محرومة منه؛ إذ لا يصح الاعتداد بالقطعة الصغيرة الباقية في الكتبخانة الخديوية، وهي الجزء ~~الثاني والعشرون # 1 # فقط؛ وذلك لأنه مع كثرة البحث ومواصلة التنقيب لم يظهر لهذا الكتاب أدنى أثر ~~آخر في دور الكتب ومعاهد العلم بديار مصر، ولا عند الأفاضل الذين توفروا على جمع الكتب ~~والاحتفاظ بنفائسها. # وقد توليت البحث عنه في مكاتب أوروبا المتفرقة أثناء رحلاتي العلمية، وواصلت السعي منذ ~~سنة 1890 إلى سنة 1904 لمعرفة مكامنه في القسطنطينية، ورومية، وويانة، وبرلين، وليدن، ~~وباريس، ومدريد، وأكسفورد، ونقلت بعض المعلومات اللازمة عنه للتنبيه عليه والتعريف به، ~~وتيسرت لي الإحاطة بكل ما يتعلق بهذا الكتاب، واجتمعت لدي الوسائل التي توصل الناطقين ~~بالضاد ونصراء المعارف من غيرهم للحصول على هذا الكنز العديم النظير. ومن تمام حسن الحظ ~~أنني عثرت أخيرا في مكتبة الغيور حضرة ألماس أغا ms41 صبري باش أغاي السراي الخديوية على الجزء ~~الأول والثاني من نسخة جليلة صحيحة مضبوطة، مكتوبة في سنة 1176ه، برسم فخر العلماء وتاج ~~الأدباء المرحوم محمد راغب باشا، الصدر الأعظم صاحب السفينة المشهورة، وغيرها من جلائل ~~المصنفات، فأعلمت حضرة الباش أغا بمساعي في اقتصاص أثر هذا الكتاب، وما يترتب على نشره من ~~المفاخر والفوائد؛ فبادر وقدمها إلي لاستخدامها بما فيه المصلحة العامة؛ لكي يتيسر ~~التعجيل بطبع الكتاب، والشروع في تعميم هذه المنفعة الجليلة. # ومما يجدر ذكره في هذا المقام أن هذا الكتاب كان موضع عناية خصوصية من أمراء الدولة ~~العلية العثمانية وصدورها العظام، فإن الصدر الأعظم محمد باشا الكوبريلي نقله لنفسه بطريقة ~~بلغت الغاية في السرعة، فقد ثبت لي من البحث والمراجعة أنه أخذ نسخة كاملة وفرق أجزاءها ~~على جماعة من النساخين، وأغلبهم من الشاويشية؛ فاجتمعت لديه نسخة كاملة في أقرب وقت، ~~ولكنها، لاختلاف النساخين وجهلهم بالعلم وباللغة العربية، جاءت سقيمة محرفة مشوهة في ~~كثير من المواضع، وهي محفوظة بكتبخانته في القسطنطينية. ومثله في العناية القاضي صاحب ~~النسخة التي بقي جزء واحد منها بالكتبخانة الخديوية، أما في عصر المؤلف فقد كانت العناية ~~بهذا الكتاب بالغة حدها، فإن أمراء مصر استنسخوه كثيرا وجعلوه وقفا في أكثر مساجد ~~ومدارس القاهرة، كما يظهر من الأجزاء المتفرقة في الآستانة وغيرها من عواصم أوروبا. # ولأجل بيان ما حواه هذا الكتاب الجامع من المباحث والمطالب نقول إن مؤلفه رتبه على خمسة ~~فنون، حصر فيها كل أنواع العلوم من معقول ومنقول: # الفن الأول: # في السماء والآثار العلوية، والأرض والعالم السفلي. # الفن الثاني: # في الإنسان وما يتعلق به. # الفن الثالث: # في الحيوان الصامت. # الفن الرابع: # في النباتات «ويدخله علم الطب». # الفن الخامس: # في التاريخ. # قسم المؤلف كل فن إلى خمسة أقسام، وتحت كل قسم أبواب تنطوي على جملة فصول ومباحث ~~ومطالب. # من موجبات الغرابة، بل من دواعي العبرة والأسف، أن الأجانب كما انفردوا دوننا بحيازة هذا ~~الكنز الثمين، قد امتازوا علينا أيضا بالاستفادة منه واستثمار مزاياه، أما نحن معاشر ms42 ~~المصريين أصحاب الشأن الأول في هذا الميراث الجليل فقد بقينا إلى الآن على جهل تام بمواضع ~~هذا الكتاب وبموضوعاته، مع أن أسلافنا عرفوا مكانته ومزيته، فاستقوا من بحره الطامي، وشادوا ~~به لأنفسهم ذكرا عاليا في الخافقين، مثل صاحب بهجة الزمن في تاريخ اليمن، ومثل القلقشندي ~~صاحب كتاب صبح الأعشى في صناعة الإنشا، ومثل ابن شاكر فخر الدين محمد الكتبي، صاحب فوات ~~الوفيات، فإنه ألف تاريخا كبيرا سماه عيون التواريخ، في كتبخانة باريس جزآن منه، وهما: ~~الثالث، وفي آخره 9 ورقات تحتوي على أول غزوات المسلمين وحروبهم في الأندلس، والثامن، وفي ~~آخره 133 ورقة تحتوي على تاريخ بلاد المغرب منذ فتحها المسلمون إلى أن ملكها السلطان ~~الموحدي المستنصر بالله أبو يعقوب يوسف بن الناصر محمد، وكل ذلك منقول عن النويري، وفي ~~كتبخانة باريس أيضا تحت نمرة 1577 جزء يحتوي على المختار من تاريخ النويري، ولم يذكر صاحب ~~الاختيار اسمه، وهذا الجزء يحتوي على تاريخ الموحدين بالأندلس وأفريقيا وفتح مراكش، وعلى ~~شيء كثير غير ذلك من التاريخ والأدب، وفي مكتبة أكسفورد - إحدى مدينتي العلم ببلاد الإنكليز ~~- كتابان عربيان محفوظان تحت نمرة 404 و405، وليس لهما عنوان، ولم يذكر المؤلف اسمه، وفيهما ~~شرح أسماء لغوية وجمل وأقوال، وذكر بعض المواضع التي حصلت بها أكبر الحوادث في التاريخ، ~~وغير ذلك، وقد اعتمد المؤلف في ذلك كله على النويري، وكذلك صاحب شفاء الغليل، ولكن العالم ~~المحقق الشيخ نصر الهوريني لم يصحح اسمه، فتركه نهاية للأدب؛ لأنه - وهو علامة مصر - لم ~~يطلع على الكتاب. # أما علماء الإفرنج الذين اقتبسوا من أنوار هذا الكتاب، واهتدوا بمعالمه، وأفاضوا في النقل ~~عنه والاعتماد عليه والرجوع إليه، فهم كثيرون، نخص بالذكر منهم من يأتي: # أولا: # العلامة السويدي أوتر # Otter # المتوفى ~~سنة 1748، كتب مؤلفا وافيا على ما ذكره النويري عن فتح المسلمين لبلاد ~~أفريقيا الشمالية. # ثانيا: # العلامة الهولندي ألبرت ~~شولتنز # Albert Schultens # المتوفى سنة 1750، فقد استخرج منه ما يختص بتاريخ ~~اليمن وساكنيه قديما، وكتب في ذلك تاريخا مفيدا، وله كتاب آخر ms43 في آثار ~~العرب القديمة، نقل فيه فصولا أخرى عن النويري، وعنوان التاريخ: # Historia imperii vetustissimi Joctanidarum in Arabia ~~Felice ~~، وعنوان كتابه في الآثار: # Monumenta vetustiora Arabum ~~. # ثالثا: # العلامة الألماني ريسك # Reiske # المتوفى ~~سنة 1774، فإنه ترجم إلى اللغة اللاتينية كل ما أورده السلطان أبو الفدا عن ~~وصف بلاد الشام في جغرافيته المسماة بتقويم البلدان، ثم عقب هذه الترجمة ~~برسالة لاتينية للتعريف بكتاب كشف الظنون عن أسماء الكتب والفنون، وضمنها ~~بيان كل ما في موسوعات النويري من المطالب والأبواب ، وجعلها كفهرست تحليلي ~~تفصيلي لتسهيل الوقوف على ما حوته من أنواع العلوم والآداب، وجعل عنوان هذه ~~الرسالة: Prodidagmala ad Hadji-khalfæ ~~tabulas ~~. # رابعا: # العلامة الدانيمركي راسموسن # Rasmussen # المتوفى سنة 1805، ألف باللغة اللاتينية كتابا في تاريخ الإسلام ~~والخلفاء، ثم جعل له ذيلا في تاريخ العرب قبل الإسلام، اعتمد في كل ~~منهما على النويري وخصوصا في الذيل، وعنوان الكتاب: # Annalis isla mismi, sive tabulæ ~~synochronisticæ-chronologicæ chalifarum ~~، وعنوان ~~الذيل: # Additamenta ad historiam Arabum ante Islamum, ex ~~Novereïr excerpta ~~. # خامسا: # الشماس الطلياني جريجوريو ~~روزاريو # Gregorio Rosario ~~، ترجم إلى الطلياني كل ما كتبه النويري على جزيرة ~~صقلية، أيام كانت في حكم المسلمين، في كتابه الذي سماه # Collezione di cose arabe-siciliane ~~، ~~وطبعه في بالرم عاصمة صقلية سنة 1790. # سادسا: # العلامة الألماني أيشهورن # Eichhorn ~~، ~~المتوفى سنة 1827، نقل إلى اللغة اللاتينية كل ما كتبه النويري فيما يتعلق ~~بتاريخ العرب قبل الإسلام في كتابه المسمى # Monumenta ~~antiquissima historiæ Arabm ~~. # سابعا: # العلامة الفرنساوي كوسان ~~الوالد # Caussin le père ~~، المتوفى سنة 1835، فقد ترجم ما كتبه النويري على ~~تاريخ جزيرة صقلية (وقد ضبطها ابن خلكان بفتح الصاد والقاف، ولكن الكسرتين ~~أصوب وأقرب للاسم الإفرنكي). # ثامنا: # العلامة الفرنساوي الكبير المشهور في المشارق والمغارب، وهو ~~البارون سلفستر ~~دوساسي # Baron Silvestre de Sacy ~~، المتوفى سنة 1838، استخرج من نهاية الأدب كل ما ~~يتعلق بالدروز، ونقله إلى الفرنساوية، ووضعه مترجما في كتابه الحافل الذي ~~تكفل شرح أحوال هذه الطائفة وديانتها # Exposé de la religion ~~des Druzes ~~. # تاسعا: # العلامة الألماني هامر ~~بورجستال # Hammer-Purgstall ms44 ~~، المتوفى سنة 1856، نقل عنه صورة المناشير ~~السلطانية والمراسيم الملوكية، التي أصدرتها الدولة المصرية ببيان الملابس ~~التي يلزم أهل الكتاب أن يتزيوا بها. # عاشرا: # العلامة الفرنساوي نويل دي ~~فرجير # Noël des Vergers ~~، المتوفى سنة 1867، كتب بالفرنساوية تاريخ جزيرة ~~صقلية في أيام دولة الأغالبة؛ أي بني الأغلب، وسماه # Histoire de la Sicile sous les ~~Aghlabites ~~، وأورد فيه باللغة العربية كل ما ذكره ~~النويري على هذا الموضوع، وترجمه إلى الفرنساوية. # حادي عشر: # العلامة الفرنساوي الدار الإنكليزي الأصل البارون ده سلين # Baron de Slan ~~، مترجم تاريخ ابن ~~خلكان إلى اللغة الإنكليزية، ومقدمة ابن خلدون إلى الفرنساوية، المتوفى سنة ~~1878، نقل عن نهاية الأرب تاريخ أفريقيا الشمالية إلى اللغة ~~الفرنساوية. # ثاني عشر: # العلامة الهولاندي المتبحر في معارف العرب والشرقيين رينهارت دوزي # Reinhart Dozy ~~، المتوفى سنة 1883، ~~استعان بهذا الكتاب كثيرا في تأليف قاموسه المسمى تكملة المعجمات العربية # Suplément aux dictionnaires ~~arabes ~~. # ثالث عشر: # العلامة الفرنساوي ده ~~فرمري # Defrémery ~~، المتوفى سنة 1883، نقل إلى الفرنساوية ما رواه المؤلف ~~من الحكايات والنوادر التي وقعت للسلطان بيبرس. # رابع عشر: # العلامة ميشيل أماري # Michel Amari # الطلياني الصقلي المتوفى سنة 1889، جمع كل ما كتبه مؤرخو العرب على جزيرة ~~صقلية وطبعه في كتاب عربي، ثم ترجمه في مجلدين إلى اللغة الفرنساوية، وقد ~~أكثر فيه من النقل عن النويري. # وحسبنا ذلك الآن دليلا على ما حواه ثلثا هذا الكتاب اللذان خصصهما المؤلف - رحمه الله ~~- لفن التاريخ بكلياته وجزئياته، وأما الثلث الآخر - أي العشرة الأجزاء الأولى - فليس لدينا ~~وقت الآن للتعريف بها والتنويه عنها، وبيان الأسلوب الذي اتبعه المؤلف في تحرير هذا الكتاب ~~الجامع، ويكفي أن نعرف أن الفن الخامس، وهو التاريخ، قد استغرق كما قلنا 20 جزءا، أتى ~~المؤلف فيها على التاريخ العام، وتواريخ الممالك والبلدان، وطبقات الأفاضل، وتراجم الأعيان، ~~بما يشفي العليل ويروي الغليل، ولا جرم أن المقام ليضيق عن سرد ما حوته من رءوس المسائل ~~وأصول المطالب؛ فلذلك نكتفي بما سبقت الإشارة إليه في هذه السطور الوجيزة. # هذا هو الكتاب الجليل الذي حرمت ms45 منه مصر، مع أن مؤلفه مصري، وقد استنسخ منه في حياته في ~~مصر نحو 30 نسخة كاملة سوى النسخة التي كتبها المؤلف بخطه وباعها بألفي درهم (نحوا من 80 ~~جنيها) وأغلب أجزائها موجود اليوم بهولندة في مدينة ليدن، ولا نكاد نجد خزانة كتب في ~~الآستانة على تعددها هناك، ولا خزانة في أوروبا إلا وفيها نسخة من هذا الكتاب الذي كتبت ~~منه النسخ البادية الذكر في مصر في حياة مؤلفه على عهد السلطان قلاوون، ذلك العهد الذي كانت ~~فيه مصر غرة في جبين الأقطار؛ إذ انتشرت فيها العلوم والصنائع والفنون، وبلغت فيها منزلة ~~سامية، وأكثر الآثار التي في دار الآثار العربية الآن كلها تنسب إلى ذلك العهد، وهو القرن ~~الثامن للهجرة، الذي ألف فيه الوزير الجليل الذي تقدم ذكره، ابن فضل الله العمري، صاحب ~~كتاب «التعريف في المصطلح الشريف»، كتابه النادر المثال، الذي ملأ صيته الآفاق، وهو «مسالك ~~الأبصار في ممالك الأمصار»، وهذا الكتاب من مفاخر مصر في ذلك العصر، ولقد استعان مؤلفه على ~~تأليفه بأحوال ذلك الزمان، فإن بعض الدول كان يرسل سفراءه ورواده إلى بعض، وكان نصيب مصر ~~منهم عظيما، وكان كلما ورد منهم وفد على مصر أخذ الوزير المذكور عنهم أخبارا ومعارف، ثم ~~يعرضها على الوفود الأخرى لتمحيصها والإيقان من صدقها، ثم يضعها بعد إنضاجها في مؤلفه ~~هذا، وهو موجود إلى الآن بمكتبة آيا صوفيا بالآستانة كاملا، لا ينقصه سوى الجزء الأول، وفي ~~مصر منه خمسة أجزاء، خلاف بعض أجزاء في مكتبة باريس، وجزء في مكتبة تونس. # فكتاب «نهاية الأرب في فنون الأدب» هو الذي دعاني إلى زيارة صيدا، وذلك أنني سمعت منذ ~~زمان وأنا في القاهرة أن ذلك الكتاب موجود عند أسرة مالطية في صيدا، فبذلت قصارى جهدي وأنا ~~في القاهرة لنيله فلم أوفق، ولما ذهبت إلى الشام ذكرت الكتاب وموضعه فهممت ببلوغه، وعرجت ~~على صيدا رجاء أن أناله، غير أنني بمزيد الأسف أخفقت في مسعاي، ولم أجد منه إلا مقدار ما هو ~~عندي منه. ولم تفتني ms46 رؤية صيدا نفسها، فرأيت فيها آثارا تدل على أنها كانت محصنة منيعة، ~~فهدم السلطان صلاح الدين الأيوبي في الحروب الصليبية أسوارها وحصونها؛ خوفا من امتلاك ~~الصليبيين إياها وتحصنهم فيها، ولكن بقاياها تدل على منعتها، فإن شوارعها متعرجة، وكلها ~~مبنية بالحجر الجلمود على هيئة القبو، وقد يدخل نصف القبو في المساكن لتكون الشوارع ضيقة ~~فلا يتمكن العدو من امتلاكها، على فرض أنه دخلها وامتلك أسوارها. # | المحاضرة السابعة: ثلاثة أجوبة # أيها السادة، إنما العصمة لله ولكتاب الله، فليس لإنسان مهما ضرب في العلوم بسهام نافذة، ~~وكان أوفر الناس عقلا وأدقهم بحثا وتنقيبا وأعلاهم كعبا، أن تدفعه الأماني إلى طلب تلك ~~العصمة، فالخطأ لا بد منه لكل إنسان، ولم يسلم منه إمام من أئمة سلفنا الصالح على علو ~~منازلهم وجليل أقدارهم، وحسبنا أسوة من هؤلاء الأجلاء الإمام الفقيه مالك بن أنس، عالم ~~المدينة الذي كانت العلماء تنكمش في حضرته في أركان ثيابهم، فإنه جمع في موطئه ستمائة ألف ~~حديث، ثم تخير منها ستمائة فقط، وقد ذكر الإمام الشافعي عالم مكة - رضي الله تعالى عنهما - ~~هذا الموطأ فقال: «هو أكثر الكتب صوابا.» «فأثبت» له الخطأ مع ذلك التحري والتمحيص من ~~صاحبه. # والذي يفضل به بعض الناس بعضا إنما هو قلة الخطأ، والرجوع إلى الصواب متى وضحت محجته ~~وأضيئت منارته، والإنسان لا يعلم أنه مخطئ حين يخطئ، وإلا لما أخطأ؛ فإن إنسانا أوتي ذرة ~~من العقل لا يرضى لنفسه النقص، فلا بد من أن ينبه بعض الناس بعضا إلى الخطأ. # هذا والعلوم النقلية التي تصدرنا للكلام في فرع منها، وهو الحضارة الإسلامية، لا مجال ~~للعقل فيها اللهم إلا في الاستنباط، ونحن نجمع أشتات محاضرات هذه الحضارة من كل ما كتب ~~فيها باللغتين العربية والفرنسية إلا قليلا مما يجوز أننا لم نظفر به، ولا نروي من هذه ~~الكتب إلا كلام الثقات. # ولقد نبهني منبه في صباح هذا اليوم إلى رسالة منشورة في «الجريدة» الغراء لصديق لي ~~من الفضلاء، ينكر فيها أمرين مما جاء في المحاضرات الفائتة ms47 وفي خطبة افتتاح الجامعة؛ الأمر ~~الأول: حقيقة ألف القنطار من الذهب التي دفعها ملك الروم إلى ملك الفرس ليرحل عن بلاده، ~~والأمر الثاني: ثلاثة الملايين من المجلدات التي كانت في خزانة الكتب بطرابلس الشام. # وكذلك سألني سائل منكم بيان حقيقة الحروب الإسلامية، وأنها مدينة استعمارية، فلم أر ~~بدا من الجواب على هذه الأسئلة الثلاثة لإيضاح ما خفي منها. # فلبيان الأمر الأول نقول إن الروم والفرس والعرب قبل الإسلام كانوا يستعملون الدرهم ~~والدينار، وهما من الموازين، فالمراد بالدينار وزن دينار من الذهب، والمراد بالدرهم وزن ~~درهم من الفضة، والذي أنشأ هذه السكة بادئ الأمر الروم، ثم حذا حذوهم فيها الفرس فضربوا ~~مثلها، أما العرب فإنهم ما زالوا يستعملون السكة الرومية والفارسية ويعتبرونها رسميا حتى ~~زمن عبد الملك بن مروان الأمير الأموي، وولايته من سنة 65 إلى سنة 86ه؛ إذ أوعد من لم ~~يستعمل الدنانير العربية بأشد العقوبات؛ فلم تنتشر المسكوكات العربية في الأقطار الإسلامية ~~بدل المسكوكات الرومية والفارسية إلا في القرن الثاني. ولقد دون لنا علماء اللغة والأدب ~~فيما دونوا لنا من أخبار العرب وآدابهم في الجاهلية وصدر الإسلام قبل أن تنتشر المسكوكات ~~العربية ما استعملته الأمة العربية من الدرهم والدينار ومضاعفتهما، ومنها القنطار، ولقد ~~اختلف العلماء في تقديره، غير أنهم نصوا على أن المعول عليه في الأكثر عند العرب أن القنطار ~~أربعة آلاف دينار، فإذا قدرنا ما دفعه الروم للفرس ليجلوهم عن بلادهم بالتقدير العربي، ~~باعتبار أن المؤرخ الذي نص عليه عربي، وباعتبار أن العرب كانوا يتعاملون بالمسكوكات الرومية ~~والفارسية حتى القرن الثاني، فإذا لم يكن التقدير بعينه كان قريبا منه؛ إذا قدرنا ذلك ~~قلنا: القنطار الواحد يزن (4000) أربعة آلاف دينار، فألف القنطار تزن (4000000) أربعة ~~ملايين من الدنانير، والدينار يزن (4) أربعة جرامات و0,414 جزءا من الألف من الجرام، ~~فللتقريب نقول إنه يزن (4) أربعة جرامات ونصف جرام، ومعلوم أن الجنيه الإنكليزي يزن (7) ~~سبعة جرامات و98805 أجزاء من الجرام، وللتقريب نقول إنه يزن (8) ثمانية جرامات، فإذا ~~حولنا هذا المقدار (وهو (4000000) أربعة ملايين ms48 من الدنانير باعتبار الوزن) إلى جنيهات ~~إنكليزية بلغ 250000، وهو ليس بالشيء الذي يستكثر في علاقات الدول، بل هو أقل من ثروة ~~أفراد كثيرين موجودين الآن في مصر وأوروبا وخصوصا أمريكا، ولكن لو اعتبرنا أن الحساب يجب ~~أن يكون بالتقدير الرومي لأن دولة الروم هي التي دفعت الغرامة، فيكون القنطار هو المصطلح ~~عليه في نقودهم بالتالنت # Talent ~~، ويجدر بنا أن نعتبر أكبر ~~تالنت عند الروم، وهو المنسوب لبلاد أتيكه، فمن المعلوم أن مبلغه 75000 فرنك إن كان من ~~الفضة، وخمسة عشر أمثال هذا المبلغ إن كان من الذهب؛ أي يكون التالنت الذي يعبر عنه مؤلفو ~~العرب بالقنطار يعادل 1125000 فرنك، ويكون ألف التالنت أو ألف القنطار من الذهب عبارة عن ~~1125000000 فرنك، أو 45000000 جنيه، وهو أكبر من التقدير الأول المعول عليه عند العرب، ~~ولكنه أقل من الغرامة التي دفعتها فرنسا (وهي أصغر من دولة الروم) إلى ألمانيا (وهي أصغر من ~~دولة الفرس). ومعلوم أن الغرامة الإفرنسية هي (5000000000) خمسة مليارات من الفرنكات، أو ~~(200000000) مائتا مليون جنيه، وهذا المبلغ من الجنيهات يزن 88888 قنطارا على التقدير ~~الرومي، فأين منها ألف القنطار التي كانت محلا للاستغراب والاستنكار؟ ليت شعري ماذا كانوا ~~يقولون لو اعتبرت أحوال هذه الأيام وقلت إن الغرامة المذكورة كان شحنها يستوجب خمسة قطارات ~~من قطارات البضائع، وكل قطار يتألف من خمسين عربة كبيرة؟ ولكن الناس لو علموا أن خمسة ~~المليار من الفرنكات تزن 25 مليون كيلوجرام، ثم قسمناه على ما تزنه الطنولاته من ~~الكيلوجرامات، وهو ألف كيلو، لكان الناتج هو 25 ألف طن، وإذا كانت حمولة العربة من السكة ~~الحديد 10 طن، يكون اللازم من العربات لنقل هذه الغرامة 2500 عربة، ولو فرضنا أن القنطار من ~~السكة الحديد خمسون عجلة، لكان عدد القطر التي تحمل هذه الغرامة 50 قطارا. # فما دفعه الروم للفرس وأنكره بعضهم هو بالنسبة لهذه المقادير يكاد ألا يكون شيئا ~~مذكورا، ونحن نرى كثيرا من الأنباء الصحيحة ما لا يكاد يصدقه العقل لولا الوثوق من ثبوته، ~~فمن ms49 ذلك أن الإنكليز في حرب البوير بالأمس خسروا زهاء مائتي مليون جنيه إنكليزي، أو 88888 ~~قنطارا على التقدير العربي تقريبا، أو 4444 قنطارا على التقدير الرومي تقريبا، ومن ذلك ~~شركة الخميرة الملوكية (أي خميرة عمل الخبز) وهي شركة أمريكية تنفق في كل سنة على طبع ~~الإعلانات فقط مبلغا وقدره 3570000 من الفرنكات؛ أي 142800 من الجنيهات، وهي تزن 63 ~~قنطارا عربيا تقريبا، أو (3,5) ثلاثة قناطير ونصفا رومية، وهي شركة صغيرة مؤلفة من ~~آحاد الأمة. # وهذه شركة الزيوت الأمريكية حكم عليها منذ يومين بغرامة قدرها مليون ريال وربع مليون ~~كما جاءت به التلغرافات؛ أي 250000 جنيه تقريبا، أو 111 قنطارا عربيا تقريبا، أو 5,5 ~~قناطير ونصف قنطار رومي تقريبا. # ومما يجدر ذكره ما كان عقب الحرب بين فرنسا وألمانيا، فإن قصر التويلري المشهور في باريس ~~تهدم، فجاءهم أمريكي وعرض على الدولة الفرنسية ترميم هذا القصر، ولم يطلب في نظير ذلك سوى ~~تخصيص غرفة له فيه، وحضوره كل الاحتفالات التي تقام في البلد، وقدم لذلك بيان النفقة ~~اللازمة لإعادة البناء، وقدرها سبعة ملايين من الفرنكات؛ أي 280000 جنيه، أو 124 قنطارا ~~عربيا تقريبا، أو 6 قناطير رومية تقريبا. # ذكرنا هذه المقادير التي جرت المعاملة بها في هذه الأزمان المتأخرة ليمرن القارئ على ~~قراءة وسماع ألف قنطار من الذهب التي أنكرت علينا، مع أننا أهملنا شيئا كثيرا من الغرائب ~~الواقعة تحت أنظارنا. # ولبيان الأمر الثاني، وهو ثلاثة الملايين من المجلدات التي جاء ذكرها في خطبة افتتاح ~~الجامعة، أكتفي بنقل عبارة ثقة من الثقات، وهو المسيو كاترمير # Quatremere ~~، ذكرها في الصحيفة (29) التاسعة والعشرين من نبذة له، طبعت في ~~مجموعته سنة 1862 بمدينة باريس بمطبعة ديكرك رقم 55 بشارع السين، وعنوان تلك النبذة محبة ~~الشرقيين للكتب، وها هي العبارة التي أكتفي بنقلها عنه: # قلت قبلا إن خزائن (كتبخانة) الخلفاء الفاطميين الكثيرة العدد لما نهبت نقل ~~قسم من كتبها خارج القطر المصري، فمن ذلك أن ثمانية أحمال من الكتب نقلت إلى ~~سورية، ومن المظنون أن ms50 كثيرا من هذه الكتب حفظ في مدينة طرابلس الشام، وفي هذه ~~المدينة تألفت تحت عناية القضاة من آل عمار جمعية علمية مشهورة باسم دار العلم، ~~وأنشأت خزانة كتب (كتبخانة) مؤلفة من ثلاثة ملايين من المجلدات، منها 50 ألف ~~مصحف، و20 ألف تفسير، وكان لآل عمار في هذه الخزانة مائة ناسخ، تجري عليهم الأرزاق ~~سنويا، بله أن هذه الأسرة كانت ترسل إلى جميع الأقطار رجالا ماهرين، وتكلفهم ~~ابتياع أو انتساخ جميع الكتب التي يمكن أن يجدوها. # وروى مؤرخ من مؤرخي العرب أنه حينما وقعت هذه المدينة في أيدي الصليبيين في سنة ~~503ه، دخل قسيس هذه الخزانة فصادف أن أول غرفة دخلها كانت تحتوي على المصاحف، فوضع ~~يده على 20 نسخة منه بالتوالي، وإذ وجدها جميعها مصاحف، أعلن أن هذه الدار لا تحتوي ~~إلا على كتب مخالفة للحق، وبناء على هذا الحكم أحرقها الفرنج فصارت رمادا، ولم ~~ينج من الحريق إلا عدد قليل من الأجزاء، تفرقت شذر مذر في كثير من البلاد، وقد ~~رويت هذه الحادثة كما ذكرها المؤرخون الشرقيون، ولكن إذا لم نقل إن حادثة الحريق ~~مخترعة، فمن الجائز أن نفرض على الأقل أنها محرفة أو مبالغ فيها بسبب العصبية ~~القومية؛ وذلك لأن المسلمين قد اتهموهم أحيانا بإحراق خزانة الإسكندرية، ولا شك أن ~~ضمائرهم ترتاح لإيقاع تهمة بربرية من هذا النوع على عاتق النصارى كذلك. ا.ه. # هذه هي عبارة المسيو كاترمير برمتها، وهو من البحاثين الدقيقين، ولا يمكن أن يدخل تحت ~~وصف المعترض، الذي ربما لا يقتنع كثيرا بما يرويه العرب المحققون؛ لأن فيهم قوما ألفوا ~~المبالغة؛ فرماهم جميعا بجريرة أفراد منهم. وأنت ترى أن كاترمير لم يخالجه أدنى شك في ~~تقدير العدد، وإنما انتقد الخبر المتعلق بإحراق الكتب، ولما كان هذا الخبر محلا للشك فقد ~~أهملته بالمرة، وإن كان الأستاذ جرجي يني صاحب تاريخ سورية قد أشار إليه وتأسف ~~عليه. # وهذه الأرقام ذكرها رجل من ثقات الإنكليز وأكبر بحاثيهم في أمور المشرق، وهو العلامة ~~جبون، في تاريخ الدولة الرومانية (جزء ms51 ثان صفحة 505)، وقال إن الإفرنج أحرقوها. أما ابن ~~خلكان فقال بأنهم انتهبوها في سنة 502 هجرية، ومثله ابن الأثير، وكلاهما قرر بأن عددها مما ~~لا يعد ولا يحصى. # ولبيان الأمر الثالث نقول: إن الحرب الشرعية هي التي تقام لإعلاء كلمة الله، وليس المراد ~~من إعلاء كلمة الله الدعوة إلى الإسلام بالسيف؛ فإن هذا مما لا يكون أبدا كما سنبينه في ~~هذه المحاضرة، وإنما المراد منها ما عرف في تاريخ صاحب الشريعة الإسلامية وبعض خلفائه رضي ~~الله عنهم، وذلك أن الدين بني على الدعوة إليه بالحسنى، ولكن زعماء المشركين وسائر الممالك ~~وقتئذ كبر عليهم أن يدينوا لدين جاء به يتيم عربي، ويسوي بين الملوك والسوقة، ويسيغ ~~للخليفة الثاني أن يأمر مثل جبلة بن الأيهم أن يرفع رأسه لجلف من أجلاف العرب ليثأر لنفسه ~~فيلطمه كما لطمه. كبر عليهم الإذعان فقاوموا القائمين بنشره، وشنوا عليهم الغارات، ~~يريدون صدهم عن سبيل الله وإطفاء نوره، ويأبى الله إلا أن يتم نوره؛ فجاز للمسلمين ~~وقتئذ، بل وجب عليهم، أن يذودوا عن حياضهم ويذبوا عن أعراضهم، وإلا لكانوا أخساء ~~جبناء، فأعد المسلمون لأعدائهم ما استطاعوا من قوة ومن رباط الخيل، وصدوا هجماتهم، وانتقموا ~~لأنفسهم ممن آذاهم، وكذلك الله يفعل بالمتعدين، فكانت تلك الحروب لدفع من يقف في سبيل ~~المسلمين فيمنعهم من نشر دينهم بالحكمة والموعظة الحسنة؛ لذلك سميت حروبا شرعية، وحق ~~لها أن تسمى كذلك. # ولا يفهم من قول المسلمين للمحاربين: «الإسلام أو الجزية أو الحرب» أن حربهم إياهم كان ~~لحملهم على الإسلام؛ فإن الذي اضطر المسلمين إلى الحرب إنما هم المحاربون أنفسهم، فلما كانت ~~تشتد الأزمة بالمحاربين كانوا يحقنون دماءهم من المسلمين الذين نصرهم الله بقوة حقهم، وبعدم ~~اعتدائهم إلا على من اعتدى عليهم، وكان حقن الدماء بأحد أمرين: إما الإسلام ليصيروا ~~إخوانهم، وإما الجزية التي لا بد منها لأية أمة مغلوبة في كل عصر من العصور، وإلا لو كانت ~~هذه العبارة: «الإسلام، أو الجزية، أو الحرب» لحمل الناس على الإسلام لما خيروهم بين ~~الجزية ms52 والإسلام، ولم يرضوا منهم دون الإسلام شيئا. # إن الذي يتأمل في مثير الحروب الإسلامية بادئ الأمر ~~يعلم علما، ليس بالظن، أن المسلمين لم يحاربوا إلا من أراد صدهم عن سبيل الله فحاربهم ~~وآذاهم، فمن ذلك أن أول الغزوات كانت مع قريش، فنتركها ونترك سائر غزواتهم كذلك لما هو ~~معروف من أمر قريش وإيذائها النبي # صلى الله عليه وسلم # وأصحابه، وإخراجهم من ديارهم، ونذكر من بعد ذلك ~~غزوة بني قينقاع من يهود المدينة، فقد حاربهم المسلمون لنقضهم العهد بعد غزوة بدر الكبرى، ~~وهتكهم حرمة سيدة من نساء الأنصار، ثم غزوة بني غطفان، ولم يخرج المسلمون لقتالهم إلا بعد ~~أن علموا أن بني ثعلبة ومحارب من غطفان تجمعوا برياسة دعثور المحاربي للإغارة على المدينة، ~~ثم سرية عاصم بن ثابت الأنصاري، وكانوا مع رهط عضل، والقادة الذين خانوهم ودلوا عليهم ~~هذيلا قوم سفيان بن خالد الهذلي، الذي قتله عبد الله بن أنيس. ثم سرية المنذر بن عمرو، وهم ~~سبعون رجلا يسمون الفراء، أخذهم عامر بن مالك ملاعب الأسنة لطمعه في هداية قومه ~~وإيمانهم، فلم يرع قومه جواره وقتلوا الفراء، ثم غزوة بني النضير من يهود المدينة، وذلك ~~لنقضهم العهد وإلقائهم صخرة على النبي # صلى الله عليه وسلم # وصحبه لما كان في ديارهم. ثم غزوة دومة ~~الجندل، ولم يخرج المسلمون لقتالهم إلا لما علموا أن في ذلك المكان أعرابا يقطعون الطريق ~~على المارة، ويريدون الإغارة على المدينة، ثم غزوة بني المصطلق، وهؤلاء ممن ساعدوا المشركين ~~في أحد، ولم يكتفوا بذلك، بل أرادوا جمع الجموع للإغارة على المدينة، ثم غزوة الخندق، ~~وكانت مع الأحزاب الذين حاصروا المدينة، ثم غزوة بني قريظة من يهود المدينة؛ لنقضهم العهد ~~واجتماعهم مع الأحزاب، ثم غزوة بني لحيان؛ لقتلهم عاصم بن ثابت وإخوانه الذين حزن عليهم ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، ثم غزوة الغابة؛ لإغارة عيينة بن حصن في أربعين راكبا على لقاح للنبي # صلى الله عليه وسلم # كانت ترعى الغابة، ثم سرية محمد بن مسلمة إلى القصة (موضع) ms53 لما بلغ المسلمين من ~~أن بذلك الموضع ناسا يريدون الإغارة على نعم المسلمين التي ترعى بالهيفاء (موضع)، ثم ~~سرية زيد بن حارثة لمعاكسة بني سليم الذين كانوا من الأحزاب يوم الخندق، ثم سرية زيد كذلك ~~للإغارة على بني ثعلبة الذين قتلوا أصحاب محمد بن مسلمة، ثم سرية زيد كذلك للإغارة على بني ~~فزارة الذين تعرضوا له، ثم سرية عمر بن الخطاب لما بلغ المسلمين من أن جمعا من هوازن ~~يظهرون العداوة للمسلمين، ثم سرية بشير بن سعد لما بلغهم من أن عيينة بن حصن واعد جماعة ~~من غطفان مقيمين بقرب خيبر للإغارة على المدينة، ثم سرية غالب الليثي؛ ليقتص من بني مرة ~~بفدك؛ لأنهم أصابوا سرية بشير بن سعد، ثم غزوة مؤتة، وكانت لتعرض شرحبيل بن عمرو الغساني ~~للحارث بن عمير الأزدي - رسول للنبي # صلى الله عليه وسلم # إلى أمير بصرى يحمل كتابا - وقتله إياه، ~~ولم يقتل رسول للنبي # صلى الله عليه وسلم # غيره، حتى وجد على ذلك وجدا شديدا، ثم سرية عمرو بن ~~العاص لما بلغهم من أن جماعة من قضاعة يتجمعون في ديارهم وراء وادي القرى للإغارة على ~~المدينة، ثم سرية علي بن أبي طالب لما بلغهم من أن بني سعد بن بكر يجمعون الجموع لمساعدة ~~يهود خيبر على حرب المسلمين، ثم غزوة خيبر؛ لأن أهلها كانوا أعظم محرض للأحزاب، ثم سرية ~~عبد الله بن رواحة لما بلغهم من أن ابن رزام رئيس اليهود يسعى في تحريض العرب على قتال ~~المسلمين، ثم سرية عمرو بن أمية الضمري؛ لقتل أبي سفيان جزاء إرساله من يقتل النبي # صلى الله عليه وسلم # غدرا، ثم حرب العراق لما ارتكبه كسرى عندما أرسل إليه كتاب عرض فيه عليه الإسلام، فإنه ~~مزق الكتاب، وكتب إلى باذان - أمير له باليمن - يقول له: «بلغني أن رجلا من قريش خرج بمكة ~~يزعم أنه نبي، فسر إليه فاستتبه، فإن تاب، وإلا فابعث إلي برأسه، يكتب إلي هذا الكتاب - ~~أي الذي بدأ فيه بنفسه فقال: من محمد ... إلخ - وهو ms54 عبدي؟» فبعث باذان بكتاب كسرى إلى النبي # صلى الله عليه وسلم # مع فارسيين، وبعث بهما يأمره أن ينصرف معهما إلى كسرى، فقدما عليه وقالا له: ~~«شاهنشاه بعث إلى الملك باذان يأمره أن يبعث إليك من يأتي بك، وقد بعثنا إليك فإن أبيت هلكت ~~وأهلكت قومك وخربت بلادك.» فليس بعد ذلك عذر للمسلمين في امتناعهم عن حرب الفرس، وخصوصا ~~وقد كان للعرب ثارات كثيرة في ذمة العجم. ثم غزوة تبوك لما بلغ المسلمين من أن الروم جمعت ~~الجموع تريد غزوهم في بلادهم، وقد أعقبها فتوح الشام، والقسم الأعظم من دولة الروم. # هذه بعض الغزوات الإسلامية بادئ الأمر، سردناها غير مرتبة، ومنها يرى القارئ ما قصدناه من ~~ذكرها، وهو أن الحروب الإسلامية لم تقم لحمل الناس على الإسلام، وإنما أقيمت لأسباب أخرى ~~تجلت فيها بأجلى بيان. # غير أن ناسا ممن يحطون من قدر الإسلام ويقعون فيه يقولون إن الإسلام لم ينتشر هذا ~~الانتشار في مثل هذا الزمن الوجيز إلا بالسيف، فهو دين توحش وهمجية، وحجتهم في ذلك ~~غزوات النبي # صلى الله عليه وسلم # والحروب الإسلامية، ورأى ناس من المسلمين آيات في القرآن تحض المسلمين ~~على قتال المشركين والكفار والمنافقين، وأمثال هذا كقوله تعالى: # يا ~~أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ~~ومأواهم جهنم وبئس المصير ~~، # وقاتلوا ~~المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع ~~المتقين ~~، # قاتلوهم يعذبهم الله ~~بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم ~~مؤمنين ~~، # فقاتلوا أئمة الكفر إنهم ~~لا أيمان لهم لعلهم ينتهون ~~، # وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله ~~، # واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث ~~أخرجوكم ~~، ولم يفكروا في سياق الكلام ومواضعه وأسباب نزوله؛ فظنوا أن ~~القتال شرع في الإسلام لحمل الناس على الاعتقاد به، فكان ذلك الظن أكبر جرم على ذلك الدين ~~الحنيف، الذي تنزه عن مثل هذه الخشونة وتلك القسوة، وذلك أن الأمور الاعتقادية لا تقبلها ~~الناس إلا بالبرهان، لا بالقوة والسلطان، فمن قبلها منهم مكرها مرغما لا يطمئن لها ~~قلبه، وإذا لا فائدة من ms55 قبوله إياها، فإنما الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى. دع أن ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # عرف قبل البعثة وقد بلغ الأربعين من عمره بمكارم الأخلاق، ولين الجانب، ~~ولطف الحديث، وطلاقة الوجه، وعدم النفور من أمثال هذه الصفات المحمودة الجليلة، التي لا ~~يلائمها الشر وإيذاء الناس لحملهم على قبول عقيدة، ومن يبلغ الأربعين بخلة من الخلال ~~يستحيل أن يتخلق بضدها وإن تكلفه. # ومهما تكن عند امرئ من خليقة # وإن خالها تخفى على الناس ~~تعلم # أما الغزوات النبوية والحروب الإسلامية فقد كان لها أسباب معقولة معروفة، يلمسها القارئ ~~فيما سردناه من الغزوات والسرايا، فلم يعهد فيها أن المسلمين ذهبوا إلى قوم ليس بينهم ~~وبينهم عداوة وترات وقالوا لهم: «إما الإسلام، وإما السيف.» وإنما كان يتعرض المسلمون لمن ~~آذاهم بسبب الأمور الدنيوية المدنية، أو بسبب ظهورهم بدين جديد كانوا يدعون الناس إليه ~~بالحسنى والموعظة الحسنة، وليس عليهم هدى الناس، وإنما الله يهدي من يشاء، فمن آمن بالله ~~فله إيمانه، ومن كفر فعليه كفره، وليس لهم على أحد من سلطان، هذه حال المسلمين مع من ~~يدعونهم إلى الإسلام، ولكن رؤساء بعض المدعوين ضنوا برياستهم على الزوال، وأبوا إلا أن ~~يصدوا المسلمين عن سبيل الله التي تسهل على مرءوسيهم وعبادهم الفرار من مظالمهم إلى فضاء ~~العدل والإحسان. # غير أن هذه الحروب قد أفادت الأمة العربية الإسلامية فوائد جمة، من أجلها الغنائم التي ~~أغنت المهاجرين عما فقدوه بالهجرة، والأنصار عما ذهب في إكرامهم إخوانهم المهاجرين، فشغل ~~بذلك العرب عن غزو بعضهم بعضا وعن إثارة الفتن الداخلية، فلما فتروا عن الحرب هنيهة إثر ~~وفاة الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~، امتنع كثير منهم عن دفع الزكاة؛ فاستباح أبو بكر - رضي الله تعالى ~~عنه - قتالهم، فردهم إلى الإسلام عنوة، ورأى أن يتم بعد ذلك ما أراده النبي # صلى الله عليه وسلم # من ~~غزو الفرس والشام ليشغل العرب عن التفرق والخصومات والنزاع الداخلي والرجوع إلى التفرق ~~دينا ودنيا، فأنفذ جيش أسامة ليضرب الأعداء بالعرب، فإن ذلك خير من أن ms56 يضرب بعض العرب ~~ببعض إذا لم يشغلهم بحرب غيرهم، وكذلك رأى عمر - رضي الله تعالى عنه - من بعده، فدوخ ~~بجيوشه وأبطالهم - خالد، والمثنى، وأبي عبيدة، وعمرو - الأعداء، وفتح البلاد لتكون موارد ~~خير للأمة العربية، وليرفع عن تلك البلاد التي فتحها الإسلام ظلم الرومان والفرس، الذي بلغ ~~إذ ذاك أشده، كما كانت حاله في فتح مصر وأمرها معروف، وأباح له ولأبي بكر حرب الروم وفتح ~~بلدانهم ما أباح للنبي # صلى الله عليه وسلم # من قبلهما، وهي الترات التي للمسلمين عند الروم، ومعلوم ~~أن المسلمين لما فتحوا مصر وغيرها لم يحاربوا إلا أهل الدولة، وهم الروم، وذلك لأمرين؛ ~~أولهما: إخراجهم من تلك البلاد، وذلك كان خيرا للمحكومين، وقد كان أهل مصر والشام يساعدون ~~العرب على الروم، وكذلك أهل العراق على الفرس، وثانيهما: انتفاع العرب بالبلدان التي فتحوها ~~انتفاعهم في الحضارة والمعايش والعلوم وغيرها. # لأجل ذلك يمكننا أن نقول إن حروبهم كانت استعمارية، ويتضح ذلك بأجلى وضوح في حروب من ~~بعد عمر من الخلفاء والأمراء، يظهر ذلك لمن ينظر نظرا سطحيا إلى أسباب هذه الحروب، وما ~~جرته من الفتوح التي أوجبت نشر الدين وتعميمه بالمخالطة ومظاهر الفضيلة والكمالات التي ~~امتاز بها المسلمون في أيام السلف الصالح والصدر الأول، وقد دون المسلمون في تلك الأيام ~~الخوالي كل دقيقة وكبيرة مما يتعلق بهذا الموضوع، ولا نرى فيها أمرا واحدا يدعونا إلى ~~القول بخلاف مذهبنا، وهو أن الحروب كانت حروب مسلمين، لا حروب إسلام، وأنها كانت حروب ~~توسع في الملك واستعمار للبلدان. # | المحاضرة الثامنة: الكتابة والخط، والحفظ والتدوين # الكتابة هي الأساس الأول للعمران، وهي محور الارتقاء ومناط التقدم في كل الحضارات التي ~~ظهرت قبل الإسلام وبعد الإسلام؛ ذلك لأنها جرثومة المعارف وينبوع العلم في كل زمان ومكان، ~~والكتابة هي التي حفظت علوم الأقدمين، ومهدت سبيل التوسع والتبسط للمتأخرين، وهي التي ~~أوقفتنا على ما اتصل إليه الأوائل من ثمار العلوم واتساع دائرة الأفكار بالتدريج؛ فإن النقل ~~بالمشافهة قد يعتريه الغلو والتحريف والزيادة والنقص، غير أن الكتابة التي ms57 كانت للناس ~~كنبراس في كل أمر من أمورهم الدينية والدنيوية لم تكتب لنا شيئا عن مبدئها وأول ظهورها، أو ~~تاريخ وضعها، أو كيفيات تدرجها. # ولما لم يكتب تاريخ أصل فن الكتابة، واسم مستنبطه، ومكان إنشائه، والتقلبات التي طرأت ~~عليه، سدل الدهر عليه برقع الخفاء، فغمض عنا أصله وضاعت منا معرفة تاريخه، فأمسى أصل ~~حافظ كل المعارف التي حملها إلينا مفقودا، وكاشف الغوامض غامضا محجوبا، قد اكتنفته ظلمات ~~الدهور، وسترته براقع الإهمال، ولم يبق حوله ضوء يهدي العقل إليه إلا ضوء نار الحباحب، ~~يستضيء به أبناء هذا الزمان؛ فكشفوا بعض الحجب، وأظهروا بعض الغوامض. # وقبل الخوض في هذا الموضوع ينبغي لنا أن نجري على سنة السلف الصالح من علماء الإسلام، ~~فنعرف الكتابة من طريق اللغة ثم من طريق الاصطلاح. # فأما من حيث اللغة: فهي مصدر كتب يكتب كتبا وكتابا وكتابة ومكتبة وكتبة، فهو كاتب، ~~ومعناها الجمع، يقال: تكتب القوم إذا اجتمعوا، ومنه قيل لجماعة الخيل: كتيبة؛ ولذلك سمي ~~الخط كتابة لضم بعض الحروف إلى بعض. # والخط لغة: هو الطريق المستطيلة في الشيء، وعند المهندسين أقرب بعد بين نقطتين، وفي ~~الاصطلاح: هو الكتب بالقلم أو بغيره؛ لأن جميع الحروف تتألف من نقط على أشكال مختلفة، ويتصل ~~بعض النقط ببعض بخطوط فتتألف منها الحروف. # والخط في الاصطلاح: هو رسوم وأشكال حرفية، تدل على الكلمات المسموعة الدالة على ما في ~~النفس، والكتاب المخطوط في اللغة هو المكتوب فيه، وفي اصطلاح المتأخرين هو خلاف المطبوع ~~بالوسائل المطبعية المعروفة في أيامنا هذه، وقد استعمله المتأخرون تفسيرا لقول الفرنسيين # Manuserit ~~. # أما الكتابة من حيث الاصطلاح: فهي على تعريف علماء الإسلام صناعة روحانية، تظهر بآلة ~~جثمانية، والمراد من الروحانية: الألفاظ التي يتخيلها الكاتب في أوهامه، ويصور من ضم ~~بعضها إلى بعض صورة باطنة قائمة في نفسه، والمراد من الجثمانية: الخط الذي يخطه القلم، ~~فذلك التعريف يشمل جميع ما يسطره القلم مما يتصوره الذهن ويتخيله الوهم، فيدخل تحته مطلق ~~الكتابة كما هو المستفاد من المعنى اللغوي. # وأما تعريفها عند ms58 الفرنج: فهي صناعة يعبر بها عن الأفكار بعلامات منظورة، وهي تشمل كل ~~ما اصطلح عليه البشر للتعبير عن أفكارهم، سواء كان بالصور كما شاع قديما، ولا يزال باقيا ~~بين كثيرين من البرابرة الآن، أو بالأرقام، أو بالحروف، أو بغيرها من العلامات المصطلح ~~عليها بين طائفة من الناس. # ونحن إذا نظرنا في جميع أنواع الكتابة المعروفة، نجد أن العلامات المستعملة فيها تنقسم ~~إلى قسمين ممتازين؛ أولهما: علاماته صورية، تمثل الأشياء المراد التعبير عنها، وتسمى ~~بالكتابة الصورية أو التمثيلية، وثانيهما: علاماته رموز للألفاظ لا للأشياء، وتسمى بالكتابة ~~الحرفية، والوجدان والواقع يشهدان بأن الكتابة كانت في أول الأمر صورية تمثيلية، ثم تدرجت ~~من باب التسهيل والتيسير والتقريب حتى صارت حرفية. # وأقدم رموز للكتابة الصورية هو الخط البربائي أو الهيروغليفي، فقد كانت الصور في أول ~~الأمر تشابه الأشياء التي تدل عليها مشابهة تامة، فصورة الرجل تدل على الرجل، وصورة الفرس ~~تدل على الفرس، ونحو ذلك، ثم تنقلوا بالتدريج من الحقيقة إلى المجاز، فصارت صورة الرجل يضرب ~~رأسه بالفأس تدل على الإنسان الشرير، باعتبار أن الانتحار أعظم الشرور وأكبر الآثام، ثم ~~ارتقوا فاشتقوا منها حروف الهجاء المعروفة الآن، وقد لا يكون بين الكتابة وبين المدلول عليه ~~بها أدنى مشابهة صورية، ولكن بينهما علاقة ملازمة تامة، مثال ذلك أن المصريين الأقدمين ~~يعبرون عن مصر العليا بصورة نبات البردي لكثرته فيها على عهدهم، وعن مصر السفلى بنبات ~~البشنين لكثرته فيها كذلك، وبضم هذا الاصطلاح إلى التسهيل والتقريب الذي توخاه الناس في ~~الكتابة الصورية، التي من نوع الأول، توصلوا إلى استخراج حروف الهجاء المعروفة قديما ~~وحديثا. # وذلك أن الكتابة البربائية أو المقدسة اختصرها الكهنة، فجعلوا منها الكتابة الخاصة ~~المسماة بالهيراطية؛ لأن الأولى كانت كثيرة التعقيد، وهي التي على الآثار والأحجار. # فأما الثانية فاختصرها الكهنة المصريون منها، وصاروا يكتبون بها على دروج البردي، وذلك ~~أول تسهيل في شئون الكتابة؛ حتى إذا اتسع نطاق المعارف وأخذ الناس منها قسطا وافرا، ~~اختصروا من الكتابة الثانية نوعا جديدا في غاية السهولة، وسموه ms59 بخط العامة # Domotique ~~، ومن هذا الخط أخذت الأمم كلها حروف الهجاء، ~~وعن يد الفينيقيين كما سيأتي بيانه. # وهذا القسم الأول هو الذي ظهر واصطلح عليه الناس في الأيام الأولى من عصور التاريخ ~~الخالية. # أما القسم الثاني، وهو الكتابة الحرفية، فقد تكون العلامة المصطلح عليها دالة على لفظه ~~بتمامها، كما في الخط المكسيكي الذي كان مستعملا في أمريكا عند افتتاحها، وكما في الخط ~~الصيني في آسيا، وهو لا يزال مستعملا إلى الآن؛ ولذلك لا يتيسر للإنسان أن يتعلم حروف ~~الهجاء الصينية إلا بعد أن يبلغ الأربعين من عمره وأكثر، وحينئذ يكون قد بلغ من العلم درجة ~~عالية. وقد تكون العلامة لمقطع واحد مركب من حرفين فأكثر كما في الخط الحبشي، وإما أن تكون ~~موضوعة للمفردات التي يتألف منها المقطع الواحد، كالحروف الهجائية التي هي الثمرة البالغة ~~اليانعة لكل ما سبقها من الممهدات في إبراز الأفكار في صورة تقرؤها الألوف وألوف الألوف من ~~الناس على نمط واحد، كما هي الحال في الحروف العربية والحروف المستعملة عند بقية الشعوب ~~الممدنة. # والذي ثبت أن الكتابة إنما استنبطها أجدادنا المصريون، ثم أخذها عنهم أبناء عمنا ~~الفينيقيون، فنشروها في سائر أقطار المسكونة، وكان اليونان أول من أخذها عنهم، وساعدتهم ~~حضارتهم على تعميمها في سائر أنحاء المعمور. # هذا ومن المعلوم أن الناس بالنسبة إلى اللغات ثلاث طوائف كبرى: # الطائفة الأولى: # أهل اللغات «السامية»، وأشهرهم المتكلمون بالعربية، ثم العبرانية، ثم ~~السريانية، ثم الكلدانية، ثم الحبشية، ثم السامرية من اللغات الحية، ~~والفينيقية والبابلية من اللغات الميتة، ولكل منها حروف خصت بها بحسب ~~الظاهر، وإن كان مرجعها واحدا في الحقيقة. # والطائفة الثانية: # أهل اللغات «الآرية»، وهي جنوبية وشمالية، فأما الجنوبية فهي الشائعة في ~~الهند وفارس، وكتابتها أصبحت بالحروف العربية بفضل انتشار الحضارة ~~الإسلامية فيها (وذلك ما عدا اللغة السنسكريتية التي تعتبر من أقدم لغات ~~العالم)، وأما الشمالية فهي المعروفة باللغات الهندية الأوروبية، وتشمل ~~لغات أوروبا وقسم عظيم من أمريكا، وكتابتها بالحروف اليونانية واللاتينية ~~أو «الرومانية» والسلافية أو «الصقلية»، ومرجع حروف ms60 هذه اللغات كلها ~~اليونانية لأنها مصدرها. # والطائفة الثالثة: # اللغات التورانية، وأهمها التركية، وكتابتها بالحروف العربية. # فمن ذلك نستنتج أن الحروف العربية انتشرت بانتشار الحضارة الإسلامية في طائفتين من أهل ~~اللغات البشرية، بل وفي الثالثة في اللغة الإسبانية، فقد كان بعض العرب حينما دالت دولتهم ~~بالأندلس يكتب علومه ومعارفه، ومنها الفقه والحديث والتصوف وقصص الصالحين بل وترجمة القرآن، ~~بحروف عربية، والكلام كله إسبانيولي قديم، ولا تزال بقايا هذه الكتب محفوظة في مكاتب ~~إسبانيا، وقد طبع القوم منها أشياء، وعندي شيء منها في خزانتي، وتسمى هذه اللغة الخميادو # Aljamiado ~~، تحريفا للكلمة الأعجمية؛ لأن العين ليست في ~~لغات الإفرنج، وكذلك الهمزة المتوسطة؛ فاضطروا أن ينطقوها ألجمى، ثم تداولوها فقالوا ألجمي ~~بسكون اللام، والإسبانيون ينطقون الجيم خاء في أحايين كثيرة فقالوا ألخمي، ثم أضافوا إليها ~~علامة النسبة عندهم فقالوا الخميادو # Aljamiado ~~. # ونجد لذلك نظيرا في بلاد الشام، فإن عددا عظيما من السريان يكتب لغته بالحرف العربي، ~~ويسمون هذه الكتابة «القلم الكرشوني»، وكذلك أهل مدقسكر، وأهل جزائر ملايو، وأهل موزنبيق، ~~فإنهم يكتبون لغاتهم بالحروف العربية مع زيادة وتعديل، وإن كان لسانهم بعيدا عن اللسان ~~العربي، ومثل ذلك اللغة الأوردية الشائعة في بلاد الهند، وكل ذلك دليل على انتشار المدنية ~~الإسلامية وتأثيرها في العالم، واتساع نفوذها، ورسوخ أصولها في الأصقاع المتنائية. # هذا وإذا نظرنا إلى أشكال الحروف المستعملة الآن نجدها تنحصر في سبعة أشكال، وهي: ~~العربية، والعبرانية، والسريانية، والكلدانية، والحبشية، والسامرية، واليونانية، وهذه ~~الأشكال السبعة من أصل واحد قد تطرق إليه التحريف والتعديل، وتتغير تبعا لمقتضيات ~~الأحوال؛ نظرا لعدم سهولة المواصلات في الأيام القديمة، ولعدم وجود الضابط الذي يرجع ~~إليه في رد التحريف إلى أصله أو ملافاته ومنعه؛ إذ لم تكن الطباعة موجودة في تلك الأعصار، ~~والحاضر أكبر دليل على ذلك؛ فإن الحروف العربية، وهي واحدة ومراجعها واضحة وضابطها موجود، ~~وهو الطباعة، فضلا عن القواعد المقررة عند الخطاطين، فإننا نراها متغايرة بحسب البلاد ~~المختلفة، فلها أشكال متغايرة تغايرا جزئيا في مصر، وفي الشام، وفي العراق، وفي ms61 فارس، ~~وفي تركية، وفي تونس، وفي الجزائر، وفي المغرب، بله تغايرها في لغة السواحل (بلاد زنجبار)، ~~وفي لغة الملايو، وفي غيرها من اللغات غير العربية التي يعتمد أهلها على الحروف ~~العربية. # بل إننا في القطر الواحد نكتب الحروف بأشكال مختلفة، فلبعض الأقباط في القطر المصري نمط ~~مخصوص، ولفقهاء الكتاتيب فيه نمط مخصوص، ولكتاب الدواوين نمط مخصوص، وكذلك الحال عند أهل ~~الأقطار الأخرى ذوي اللغات الأجنبية. # ومن ذلك يسهل علينا فهم الاختلاف الذي حدث في أشكال الحروف عند الأمم القديمة، مع عدم ~~وجود الضوابط المتوفرة لدينا الآن، ومن تأمل في الخطوط السامية وجد التقارب بينها ~~كثيرا، وسهل عليه اشتقاق بعضها من بعض. # هذا وأول الخطوط العربية هو الحميري المعروف بالقلم المسند، ولا أدري لماذا سمي ~~بالمسند، وقد بلغ نهاية الإحكام والإتقان والجودة في دولة التبابعة لما بلغته من ~~الحضارة والترف، ثم انتقل منهم إلى الحيرة في دولة المناذرة والنعامنة نسباء التبابعة، ~~ولكنه حرف واضمحلت جودته؛ نظرا لبعد ما بين الدولتين في الحضارة وعزة الملك، ومن ~~الحيرة أخذته قريش قبل البعثة النبوية بقليل. # وأول من كتب بالعربية أهل اليمن، وكانوا يسمون خطهم بالمسند، وهو الخط الحميري، وكانوا ~~يكتبون حروفا منفصلة، ويمنعون العامة من تعلمه، حتى تعلمه ثلاثة نفر من طيئ فتصرفوا ~~فيه، وسموه بخط الجزم؛ لأنه اقتطع من خط حمير، ثم علموه ~~أهل الأنبار، وأولهم: مرامر بن مرة، وعامر بن جدرة، وأسلم بن سدرة، ومن الأنبار انتشرت ~~الكتابة العربية، فأخذها عنهم أهل الحيرة وتداولوها، ومنهم: بشر بن عبد الملك أخو صاحب دومة ~~الجندل، وعدي بن زيد وزيد بن عدي، وكانا من كتاب الأكاسرة. ولما قدم الحيرة حرب ابن أمية ~~القرشي، جد معاوية بن أبي سفيان، نقل هذه الكتابة من الحيرة إلى الحجاز بعد أن عاد إلى مكة، ~~وممن تعلمها من أهل الحجاز: ورقة بن نوفل، ابن خال خديجة زوج النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وأبو بكر ~~الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان. # والكتابة العربية الحالية متصلة، وتكتب من اليمين إلى اليسار، ms62 أما الحميرية فهي منفصلة ~~كما تقدم، وتكتب تارة من اليمين إلى الشمال، وتارة من الشمال إلى اليمين، وأما اليونانية ~~واللاتينية وما تفرع عنهما فمن اليسار إلى اليمين، وكلها على السطر الأفقي، بخلاف الصينية ~~واليابانية فسطرهما رأسي. # والكتابة العربية يسهل فيها من السرعة ما لا يسهل في غيرها، # 1 # وإذ كانت الدواوين الإسلامية من أجل أسباب نشر الكتابة العربية وجب أن ~~نعرفها. من المعلوم أن أمير المؤمنين الخليفة العادل عمر بن الخطاب هو أول من رتب الديوان ~~في الإسلام، ولكنه قصره على قيد أسماء البعوث للعلم بغيبة من يغيب، وحصر أسماء الجند ~~الإسلامي على ترتيب الأنساب، مبتدأ من قرابة رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وما بعدها الأقرب فالأقرب، ~~فكان الغرض منه معرفة من يغيب، ومعرفة من يستحق الحصة في الغنائم التي يغنمها المسلمون في ~~الفتوح، ويمكننا أن نقول إن هذا الديوان الذي كان في المدينة المنورة إنما كان ديوانا ~~للصرف لا للإيراد، أما دواوين الإيراد - وهي التي تسمى بدواوين الخراج والجبايات - فبقيت ~~بعد الإسلام على ما كانت عليه من قبل، فديوان العراق بالفارسية، وديوان الشام بالرومية، ~~وديوان مصر بالقبطية وكتابها من أهل العهد الذميين، فلما جاء عبد الملك بن مروان وتحولت ~~الخلافة ملكا عضوضا، وانتقل القوم من غضاضة البداوة إلى رونق الحضارة، ومن سذاجة الأمية ~~إلى حذق الكتابة، وظهر في العرب وفي مواليهم مهرة في الكتابة والحسبانات؛ أمر عبد الملك ~~بنقل هذه الدواوين من الفارسية والرومية والقبطية إلى العربية؛ لأن الأمة أمكنها إذ ذاك أن ~~تستغني عن القائمين بها من أهل هذه البلاد. # الخط # جاء الإسلام والذين يعرفون الخط من رجال قريش نفر قليل، وهم: أبو بكر الصديق، وعمر بن ~~الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وأبو عبيدة بن الجراح، وطلحة بن عبد الله، ~~ويزيد بن أبي سفيان، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وحاطب بن عمر العامري، وأبو سلمة بن ~~عبد الأسد المخزومي، وأبان بن سعيد وأخوه خالد ابنا العاص بن أمية، وعبد الله بن سعد بن ms63 ~~أبي سرح العامري، وحويطب بن عبد العزى، وأبو سفيان بن حرب بن أمية، ومعاوية بن أبي ~~سفيان، وجهم بن الصلت بن مخرمة بن المطلب، والزبير بن العوام، وورقة بن نوفل ابن خال ~~خديجة زوج النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، ومن خلفاء قريش العلاء بن الحضرمي. # ومن النساء: الشفاء بنت عبد الله العدوية، كانت كاتبة في الجاهلية، وهي التي تزوجها ~~النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وكذلك أم كلثوم بنت عقبة، وعائشة بنت سعد، وكريمة بنت المقداد، ثم أمر ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # الشفاء أن تعلم حفصة الكتابة فعلمتها. # ولما هاجر المسلمون إلى المدينة وجدوا في أهلها نفرا قليلا من اليهود ومن الأوس ~~والخزرج يعرف الخط، فاستعملوا من الأوس والخزرج لكتابة الوحي أكثر من ثلاثين رجلا، ~~وكان أول من كتب الوحي أبي بن كعب الأنصاري، وهو أول من كتب في آخر الكتاب: وكتب ~~فلان. # وبعد أن استقر الإسلام في المدينة، أمر النبي # صلى الله عليه وسلم # أن تعلم صبيانها الكتابة ~~والقراءة، واستعمل في ذلك من أسرى بدر من لم يستطع أن يفتدي نفسه بالمال، فكان فداء ~~الرجل الواحد منهم تعليمه عشرة من أولاد المسلمين الكتابة والقراءة. # ثم أمر # صلى الله عليه وسلم # زيد بن ثابت الأنصاري أن يتعلم العبرانية أو السريانية، فتعلم هذه ~~اللغة في نصف شهر - على ما قيل - فكان أول مترجم في الإسلام. # ولعظيم شأن الخط إذ ذاك عند العرب وقلة عارفيه كانوا يسمون من يعرفه ويعرف الرمي ~~والسباحة بالكامل. # وإذ كان الخط من جملة الفنون والصنائع التي تقبل الزيادة والنقص، كان لأول الإسلام ~~غير بالغ مبلغه من الإحكام والتنميق، ولا إلى التوسط لقلة المشتغلين به وقتئذ، وإذا ~~تصفحنا المصاحف العتيقة المخطوطة بأقلام الصحابة، الباقية من ذلك العهد الأول في خزائن ~~الكتب العمومية كالكتبخانة الخديوية المصرية وغيرها، علمنا أن خطوط الصحابة كانت غير ~~متقنة، وفضلا عن ذلك فإن الكثير من رسمهم قد خالف ما اقتضته صناعة الخط عند أهلها، ثم ~~خلف من بعد هؤلاء السلف الصالح خلف ظنوا أن ms64 الخط من الأمور التي لا تقبل زيادة ولا ~~نقصا، أو أنها قد بلغت الكمال ببركة الصحابة؛ فاقتفوا آثارهم فيه، واتبعوا سننهم من ~~غير أن يزيدوا فيه شيئا، وهذا الظن غير حسن؛ فإن الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - لم ~~يعنوا بالخط عناية تحسين وإتقان، وإلا لما كان زمنهم وحده كافيا لإحكام الخط وإعلاء ~~شأنه، ولوجب عندئذ على من يخلفهم أن يعنى به عنايتهم ليبلغ منه ما أرادوا أن يبلغوه ~~من الجودة والإحكام، أما ما زعمه بعض المغفلين من أن الصحابة كانوا محكمين لصناعة الخط، ~~فغير صحيح وغير ميسور لهم إذ ذاك. # قال ابن خلدون: # إن أولئك المغفلين حسبوا أن أغلاط الرسم التي وقعت من الصحابة كانت مقصودة، ~~وراحوا يظهرون لها أوجها ما أنزل الله بها من سلطان؛ لاعتقادهم أن في ذلك ~~تنزيها للصحابة عن توهم النقص في قلة الخط، وحسبوا أن الخط كمال فنزهوهم ~~عن نقصه، ونسبوا إليهم الكمال بإجادته، وطلبوا تعليل ما خالف الإجادة من رسمه، ~~مع أن الخط ليس بكمال في حقهم؛ إذ الخط من جملة الصنائع المدنية المعاشية، ~~والكمال في الصنائع إضافي ليس بكمال مطلق؛ إذ لا يعود نقصه على الذات في الدين ~~ولا في الخلال، وإنما يعود على أسباب المعاش وبحسب العمران والتعاون عليه ؛ ~~لأجل دلالته على ما في النفوس، وقد كان # صلى الله عليه وسلم # أميا، وكان ذلك كمالا في ~~حقه وبالنسبة إلى مقامه لشرفه وتنزهه عن الصنائع العملية، التي هي أسباب ~~المعاش والعمران كلها، وليست الأمية كمالا في حقنا نحن؛ إذ هو منقطع إلى ربه ~~ونحن متعاونون على الحياة الدنيا شأن الصنائع كلها حتى العلوم الاصطلاحية، فإن ~~الكمال في حقه هو تنزهه عنها جملة بخلافنا. ا.ه. # ولقد بقي الخط على حاله القديمة في زمن النبي # صلى الله عليه وسلم # والخلفاء الراشدين بعده ~~لاشتغال المسلمين بالحروب الخارجية والفتن الداخلية، حتى زمن الأمويين الذي خفقت فيه ~~راية الإسلام على المشرق والمغرب، فابتدأ الخط يسمو ويرتقي، وأول من كتب في أيام بني ~~أمية قطبة، وقد استخرج الأقلام الأربعة ms65 واشتق بعضها من بعض، وكان أكتب الناس. وممن كان ~~يوصف بحسن الخط في أيام بني أمية خالد بن أبي الهياج، وكان قد نصب لكتب المصاحف ~~والشعر والأخبار للوليد بن عبد الملك الأمير الأموي، وكان الخط العربي حينئذ هو ~~المعروف الآن بالكوفي، ومنه استنبطت الأقلام. # ولما استفحل ملك الإسلام، وأوغل العرب في المدنية، وازدان عصر العباسيين بأنوار العلم ~~والعرفان، أخذت صناعة الخط تنمي وتنتشر وتتقدم كسائر الفنون التي ضرب فيها المسلمون ~~بسهام نافذة لاحتياجهم إليها، وقد اشتدت حاجتهم إلى الخط بعد أن اختطوا البصرة ~~والكوفة، وأنشئوا دور العلم، وشرعوا في نقل العلوم من اللغات الأجنبية إلى اللغة ~~العربية؛ فاشتغل به جماعة من العلماء والكتاب في مدينتي العلم عند العرب، وهما: ~~البصرة والكوفة؛ فعلا شأنه فيهما قليلا، وسمي عندئذ بالخط الكوفي لتفوقها فيه، وإن ~~كان ذاك التفوق دون الغاية المطلوبة، ثم اشتد ساعد العرب وقويت شوكتهم وفتحوا إفريقية ~~والأندلس، واختط بنو العباس بغداد وزينوها بدعائم العمران حتى صارت مركز الإمارة ~~العربية؛ فتحسنت فيها الخطوط وارتقت إلى الغاية، ثم سمي خطها بالخط البغدادي، ثم تبعه ~~في الظهور الخط الأفريقي المعروف رسمه القديم في ذلك العهد، ويقترب من أوضاع الخط ~~المشرقي. # ومن المبرزين في الخط في الدولة العباسية الضحاك بن عجلان الكاتب، وكان في أوائل ~~هذه الدولة، ظهر إثر قطبة الذي كان في الدولة الأموية واستخرج الأقلام الأربعة، وزاد ~~الضحاك على قطبة، ثم كان إسحاق بن حماد في ملك المنصور والمهدي، وله عدة تلاميذ كتبوا ~~الخطوط الأصلية الموزونة، وهي اثنا عشر قلما: قلم الجليل، قلم السجلات، قلم الديباج، ~~قلم اسطورمار الكبير، قلم الثلاثين، قلم الزنبور، قلم المفتح، قلم الحرم، قلم ~~المؤامرات، قلم العهود، قلم القصص، قلم الحرفاج. # وممن أحسن الخط وبرع في الدولة العباسية وأهمل ذكره المؤرخون وذكره أبو الفضل أحمد ~~بن أبي طاهر طيفور في كتابه المسمى كتاب بغداد في الجزء السادس منه، الذي نشره وطبعه ~~بخطه في بلاد سويسرا هذه الأيام المستشرق العلامة هنس كلر؛ هو العلامة الجليل أحمد بن ~~يوسف، قال ms66 أحمد بن طاهر: «دخل أحمد بن يوسف يوما على المأمون، فأمره فكتب بين يديه ~~والمأمون يمل عليه.» قال: «وكان أحمد بن يوسف مع لسانه حلو الخط جدا، فنظر المأمون ~~إلى خطه فقال: يا أحمد، لوددت أني أخط مثل خطك وعلي صدقة ألف ألف درهم.» قال: ~~«فقال له أحمد بن يوسف: لا يسؤك الله يا أمير المؤمنين؛ فإن الله - عز وجل - لو ارتضى ~~الخط لأحد من خلقه لعلمه نبيه # صلى الله عليه وسلم ~~.» قال: «فقال المأمون: سريتها عني يا ~~أحمد. وأمر له بخمسمائة ألف درهم.» # ولما ظهر الهاشميون حدث خط يسمى العراقي، وهو المحقق، ولم يزل يزيد حتى انتهى ~~الأمر إلى المأمون، فأخذ كتابه في تجويد خطوطهم، ثم أحدث ذو الرياستين الفضل بن سهل ~~الوزير الكاتب خطا نسب إليه، فسمي القلم الرياسي، ثم ظهر أبو الحسين إسحاق بن ~~إبراهيم التميمي، معلم المقتدر وأولاده وكان أكتب أهل زمانه، فألف رسالة في الخط ~~سماها «تحفة الرامق»، ثم ظهر أبو على محمد بن على بن مقلة، الوزير الكاتب المتوفى سنة ~~328، وهو أول من كتب الخط البديع، نقل طريقته من خط الكوفيين وأبرزها في هذه الصورة، ~~وله بذلك فضل المتقدم، وخطه غاية في الحسن، ثم ظهر صاحب الخط البديع علي بن هلال، ~~المعروف بابن البواب، المتوفى سنة 413ه، ولم يوجد في المتقدمين من كتب مثله ولا قاربه، ~~وإن كان ابن مقلة أول من نقل هذه الطريقة عن الكوفيين، فإن ابن البواب هذب طريقته ~~ونقحها وكساها حلاوة وبهجة، ثم ظهر أبو المجد ياقوت بن عبد الله الرومي المستعصمي ~~المتوفى 698، وهو أجل الخطاطين غير مدافع، وأحسنهم خطا غير معارض، وبعدئذ ~~اشتهرت الأقلام الستة بين المتأخرين وهي: الثلث، والنسخ، والتعليق، والريحاني، والمحقق، ~~والرقاع، برز في هذه الأقلام جلة من العلماء، ثم ظهر القلم الديواني والدشتي، وبقي ~~الأمر تابعا لرونق الدولة وانخفاض شأنها، حتى آلت الخلافة للأتراك؛ فأحدثوا الخط ~~الرقعة والخط الهمايوني، وإليهم انتهت الرياسة في الخط على أنواعه إلى عهدنا ~~هذا. # | المحاضرة التاسعة: تتمة الكلام على الخط: النقط ms67 والإعجام # كانت الكتابة في بداية الإسلام ساذجة بسيطة، فلم يكن القوم يعنون بالنقط والإعجام تمييزا ~~للحروف المتشابهة خطا؛ لأن أهل الصدر الأول أخذوا القرآن والحديث من أفواه الرجال ~~بالتلقين، ثم لما كثر أهل الإسلام وتوغلوا في الحضارة، واشتدت الحاجة إلى الكتابة، اضطروا ~~إلى النقط والإعجام، غير أن الظاهر - على ما قيل - أنهما موضوعان مع الحروف؛ إذ يبعد أن ~~الحروف مع تشابه صورها كانت عرية عن النقط إلى حين نقط المصحف، وقد روي أن الصحابة ~~جردوا المصحف من كل شيء حتى النقط، ولقد لبث الناس يقرءون في مصحف عثمان - رضي الله تعالى ~~عنه - أربعين سنة ونيفا إلى أيام عبد الملك بن مروان حتى كثر التصحيف وانتشر في العراق؛ ~~ففزع الحجاج إلى كتابه وسألهم أن يضعوا لهذه الحروف المشتبهة علامات، فوضعوا النقط ~~أزواجا وأفرادا بعضها فوق الحرف وبعضها تحته، فغبر الناس زمانا لا يكتبون إلا بالنقط، ~~ولكنهم مع ذلك كانوا يصحفون في كتبهم، فتلافى العلماء هذا التصحيف بوضع الإعجام ~~(الحركات). # كان النقط في الأول بوضع نقطة فوق الحرف دليلا على الفتح، وإلى جانبه دليلا على الضم، ~~وتحته دليلا على الكسر، وبوضع نقطتين دليلا على التنوين مع الحركة، وذلك في خلافة معاوية، ~~ثم صار الناس يصحفون في الحروف المتشابهة، فرجعوا إلى تمييز بعضها من بعض بالنقط، واختاروا ~~للفتحة ألفا صغيرة (ا)، ثم جعلوها مستقيمة (-)، ومثلها للكسرة من تحت، والضمة شبه واو ~~صغيرة، وكذلك في الفتحتين والكسرتين والضمتين، وذلك في أيام الحجاج، ثم جاء الخليل بن أحمد ~~الفراهيدي واضع علم العروض فأتم بقية علامات الإعجام؛ أي الشكل أو الحركات، والظاهر من ~~أصل كلمة إعجام أن هذه الحركات وضعت لهداية العجم إلى قراءة كلام العرب، وكان إذ ذاك النقط ~~والإعجام واجبين في المصحف، أما في غيره فعند خوف اللبس؛ لأنهما ما وضعا إلا لإزالته، أما ~~مع آمن اللبس فتركه أولى على ما ذهب إليه المتقدمون، وإن كنت أخالفهم في ذلك. لهذا السبب ~~يرون النقط لذوي الفهم والإدراك معيبا مذموما في ذلك الزمان، ولكن الأحوال في ms68 زماننا تقضي ~~بخلاف ذلك، ولكل زمن لوازم وحاج. # ولقد كان الكاتبون في الصدر الأول يغلطون في اليسير دون الكثير، ويصحفون في الدقيق دون ~~الجليل لكثرة العلماء وعناية المتعلمين، فلما اضمحل الأمر، صار ما يصحفون فيه أكثر مما ~~يصححون، وما يسقطون أكثر مما يضبطون. وإذا تدبر الإنسان وجد أن التصحيف من أكبر الآفات في ~~اللغة العربية، فيكفي أن رجلا له مكانة يقرأ الكلمة على وجه آخر ليصبح هذا الوجه رواية ~~ثانية أو قولا ثانيا، وهكذا وبهذه المثابة صارت الاختلافات اللغوية كثيرة في الكلمة ~~الواحدة، فصارت كلمات ضم بعضها إلى بعض فأفعمت متن اللغة والأشعار والأحاديث ونحو ذلك، ~~فكانوا في بعض الأحيان يتكلفون الكتابة بوضع النقط والإعجام، فكان ذلك يصعب عليهم؛ ولذلك ~~كانوا إذا أغفلوا استقصاء هذه الشروط في الكلمة، تطرق إليها التصحيف بسهولة، فكان ذلك مدعاة ~~للأخذ عن أفواه الرجال والحفظ في أعماق الصدور. # ولقد كان القرآن محفوظا في صدور الرجال وفي الرقاع # 1 # واللخاف # 2 # والعسب # 3 # والقضم، # 4 # فلما قتل معظم القراء يوم اليمامة ذهب عمر بن الخطاب، وله على الإسلام منن ~~ظاهرة، فلقي الخليفة الراشد الأول أبا بكر الصديق وقال له: «إن القتل استحر بالقراء يوم ~~اليمامة، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن كلها فيذهب كثير من القرآن، فأرى أن ~~يجمع القرآن.» فأرسل أبو بكر إلى زيد بن ثابت كاتب الوحي وأعلمه ما قال عمر، فقال: «كيف ~~أفعل شيئا لم يفعله رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~؟!» فقال عمر: «هو والله ~~خير.» ولم يزل يراجعه حتى أقنعه، فقال له أبو بكر حينئذ: ~~«تتبع القرآن واجمعه.» فجمعه من الرقاع واللخاف والعسب والقضم وصدور الرجال، ووجد سورة ~~التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري دون سواه، وبقيت الصحف عند أبي بكر، ثم عند عمر، ثم عند ابنته ~~حفصة، فاستنسخها منها عثمان بن عفان، وأمر أربعة من الصحابة - وهم: زيد بن ثابت، وعبد الله ~~بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام - فنسخوها في المصاحف، وقال ~~للرهط من ms69 قريش: «إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما ~~أنزل بلسانهم.» وذلك الاختلاف كان بالطبع لعدم وجود النقط والإعجام في الصحف التي جمعها ~~أبو بكر، وهذه المصاحف الأربعة التي كتبها عثمان سميت بالعثمانية، أرسلها عثمان إلى ~~الأمصار، وآخرها كان موجودا بدمشق، فأحرق مع الجامع الأموي منذ عهد قريب. # هذا وقد كان الخلفاء والملوك والسلاطين وأكابر أرباب الدولة لا ينقطون كتاباتهم، باعتبار ~~أن تواقيعهم ظاهرة الدلالة مفهومة المراد فلا تحتاج إلى ذلك، وكان القوم إذا كتب أحدهم ~~لفاضل منهم وأنقط وأعجم اعتبر المكتوب إليه ذلك خطأ من مقامه، ورأى أن صاحبه يستجهله؛ ~~فأهمل لذلك النقط والإعجام، وكان ذلك الإهمال مدعاة للتصحيف والتحريف، وقد حدثت أمور طريفة ~~من أنواع التصحيف نذكر منها هنا بعض الشيء تفكهة، فمن ذلك ما حكي عن بعض مشايخ المحدثين من ~~المغفلين أنه قال: «عن رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، عن جبريل، عن الله، عن رجل.» فجعل لله شيخا، ~~ولو قال «عز وجل» لكان صادقا. ومن ذلك ما قيل: «إن النبي # صلى الله عليه وسلم # أعطى الحجام آجرة.» ~~ولو قال «أجرة» لكان صادقا. ومن ذلك الذي قال: «مسح وجهه من القبح ولم يعرف يقرأ زمن ~~الفتح.» ومن ذلك أن رجلا قرأ: «الم ذلك الكتاب لا زيت فيه»، وكان الرجل زياتا. ومنه أن ~~تلميذا قرأ على معلم: «أن السموات والأرض كانتا رتقا»، فقال المعلم: «ويحك! زيفا.» ولا ~~أذكر شيئا من آفات التصحيف، فقد استوفاها الإمام أبو أحمد الحسن العسكري في كتابه التصحيف ~~والتحريف المطبوع في القاهرة حديثا، وإنما أقول إن ذلك وحالة الخط العربي توجب العناية؛ ~~ولذلك أصبحنا والأفضل عندنا هو وضع النقط في مواضعها، وضبط الحروف التي يلتبس بعضها ~~ببعض. # هذا ومما يجب أن يذكر بالإجلال والتكريم، ويعد من أجل حسنات عصر عبد الملك بن مروان ~~الأمير الأموي، نقل الدواوين من اللغات الأعجمية إلى اللغة العربية، وكذلك تبديل المسكوكات ~~الأعجمية بأخرى عربية؛ فإن ذلك النقل وهذا التبديل كانا من أمتن الأركان ms70 وأجل الدعائم في ~~تحسين الخطوط العربية وإعلاء شأنها. # فأما الدواوين فإنها كانت في الشام بالرومية، وفي العراق بالفارسية، وفي مصر بالقبطية، ~~حتى زمن الأمويين، اللهم إلا الديوان الذي أنشأه الخليفة الراشد عمر بن الخطاب في المدينة، ~~فإنه كان بالعربية، فلما برع المسلمون أيام بني أمية في معرفة الخطوط، رأوا أن الوقت جاء ~~لتحويل هذه الدواوين من تلك اللغات الأعجمية إلى اللغة العربية، فنقلوا ديوان الشام من ~~الرومية إلى العربية في سنة 81ه، وذكروا في ذلك حكايات يبعد تصديقها، ولكن الذي يقرب من ~~الظن أنهم أرادوا أن يعرفوا حسابهم بأنفسهم، وأما الحكايات التي رووها من أن كاتبا من ~~الروم احتاج إلى الكتابة فلم يجد ماء، فبال في الدواة، فبلغ ذلك عبد الملك فأدبه، فغير ~~معقول. # ولما أمر سليمان بن سعد بنقل الديوان، سأل أن يعان بخراج الأردن سنة، وهو 180000 دينار، ~~فلم تنته السنة حتى أكمل الرجل نقل الديوان إلى اللغة العربية، وكان سرجون كاتب الملوك ~~الأمويين، فلما رأى ذلك النقل ورآه محررا مضبوطا، اغتم وخرج من عند عبد الملك كئيبا ~~حزينا، فلقيه قوم من كتاب الروم، فقال لهم: «اطلبوا المعيشة من غير هذه الصناعة، فقد ~~قطعها الله عليكم.» # وكذلك ديوان خراج السواد وسائر العراق لم يزل بالفارسية، حتى تولى الحجاج فاستكتب ~~فارسيا، ولكي يمهد السبيل لنقله إلى العربية؛ استعمل معه رجلا اسمه أبو صالح حتى عرف ~~أسرار الصناعة، ومات الفارسي مقتولا غيلة، فولى الحجاج أبا صالح مكانه، وتقدم إليه أن ~~ينقل الديوان إلى العربية، فدس له أبناء الفرس على أن يظهر العجز عن هذا النقل فأبى، فقدموا ~~له مقدارا من الذهب جسيما فأبى، وأعطاه الحجاج أجلا، فلم ينته حتى أتم عمله؛ ولذلك كان ~~عبد الحميد بن يحيى يقول: «لله در صالح! ما أعظم منته على الكتاب!» # أما الديوان في مصر فإنه جعل باللغتين؛ أي بضم العربية إلى القبطية، فبقيتا معا زمانا ~~طويلا تضمحل فيه القديمة شيئا فشيئا، وتقوى فيه الحديثة قليلا قليلا، حتى زالت القبطية ~~من جميع دواوين مصر، وصارت ms71 الكتابة فيها كلها بالعربية. # فمن هذا نعلم أن ابتداء الاستدراج في النقل كان في أيام عبد الملك بن مروان، أما إتمام ~~ذلك فكان في أيام الوليد بن عبد الملك، أتمه عبد الله أخو الوليد سنة 87ه. # وأما المسكوكات فإنها كانت رومية وفارسية، ولم يزل العرب يتعاملون بالدنانير الرومية ~~والدراهم الفارسية وببعض دراهم حميرية قليلة حتى جاء الإسلام، فهم عمر بن الخطاب بأن يجعل ~~الدراهم من جلود الإبل، فأظهر له الصحابة ما يترتب على ذلك من المضار، وقيل له: «إذا لا ~~تغير» فأمسك وبقيت الحال على ذلك حتى انتهت أيام الخلفاء الراشدين، وجاء ملك بني أمية، ~~فنازعهم إياه عبد الله بن الزبير، وبايعه الناس بمكة، فأوعز في سنة 70ه إلى مصعب بن الزبير ~~أن يضرب دراهم إسلامية قليلة على طريقة الأكاسرة، وقيل إنه ضرب دنانير كذلك، ونقش عليها من ~~جهة «بركة»، ومن الجهة الأخرى «الله». # ولما صفا الملك للأمويين، وجاء عبد الملك بن مروان واستعمل الحجاج على العراق، أمره بجمع ~~هذه المسكوكات، فغيرها حتى لا يبقى أثرها مذكرا بدولة ابن الزبير التي مكثت في الحجاز ~~واليمن سنين، ثم رأى عبد الملك من باب السياسة وتوسيع موارد الثروة، أن يضرب نقودا ~~إسلامية؛ حتى لا تكون دولة الإسلام محتاجة إلى نقود الدول التي غلبتها وملكت بلادها، فتكون ~~ملزمة بدفع الفائدة إليها وهي أحق بها لنفسها، فضرب في دمشق نقودا سنة 74ه، ثم أمر ~~الحجاج فضرب نقودا بالعراق في سنة 75ه، وكتب عليها من جهة «بسم الله»، ومن الأخرى ~~«الحجاج»، وفي سنة 76ه كتب عليها «الله أحد الله الصمد»، وسميت بالسميرية باسم سمير أول ~~من ضربها، وكانت دار الضرب تضرب للسلطان «أي للدولة» مما يجتمع له من التبر، وخلاصة الزيوف والستوقة # 5 # والبهرجة، # 6 # ثم أذن للتجار وغيرهم أن يضربوا الورق، ولما رأى الأعاجم ذلك، أخذوا يقلدون ~~الدراهم الإسلامية، فغشوا فيها، فكانت الدولة تأمر بكسر هذه الزيوف، وكان عمر وعثمان من ~~قبل ذلك إذا وجد أحدهما الزيوف في بيت المال جعلها فضة ليمتنع التعامل ms72 بها. # وفي أيام عبد الملك بن مروان ضرب رجل على غير سكة المسلمين، فأراد أن يقطع يده، ثم ترك ~~ذلك وعاقبه، وفي أيام عمر بن عبد العزيز الأموي ضبطت الحكومة رجلا يضرب على غير سكة ~~السلطان، فعاقبه عمر، وسجنه، وأخذ حديده فطرقه في النار، وكانوا يعاقبون من يقطعها أو يدس ~~الدراهم المفرغة والزيوف. # | تتمة المحاضرة التاسعة: الحفظ والتدوين # قد علمنا أن الأمة العربية في زمن الجاهلية لم تكن من الكتابة في شيء، ونزيد الآن أنها لم ~~تكن منذ برأها الله حتى منبثق فجر الإسلام تعرف من العلوم إلا ما تقضيه أدنى معيشة، كتربية ~~بعض الدواب، وانتجاع منازل الغيث، والعلم بالأنساب، وبرمي السهام، والحداء، وغير ذلك من ~~المبادئ التي لا يسع البدوي جهلها. فلما نزلوا ديار من اكتنفهم من الروم والفرس والحبش، ~~وهاجر إليهم ناس من اليهود والأنباط ممن سامتهم أمم العسف والجور سوء العذاب، وبدلت حالهم ~~التي كانوا عليها غير الحال، ابتنوا الدور، وشادوا السدود، ولبسوا الخز والديباج، ونظروا في ~~السموات والأرض وفي أنفسهم على قدر استطاعتهم، «إلا قليلا منهم ممن كانوا عن هؤلاء الأمم ~~مبعدين»، غير أن نصيبهم من هذه العلوم كان قليلا، فلم يبلغوا فيها إذ ذاك مبلغا يضطرهم ~~إلى التدوين، فكانوا يكتفون فيها بالحفظ، ولم يفطنوا للتدوين لقلة حاجتهم إليه. # كان العرب مغرمين بالأنساب والشعر، فكانوا يقيمون للمفاخرة وإنشاد الأشعار الأسواق، ~~ويقعدون لها كل مرصد، فترفع الأنساب وتنشد الأشعار، وما كانوا على شيء أحرص منهم على حفظها؛ ~~لأن فيها مدحهم وهجاءهم، وفخرهم وحروبهم وأنسابهم، وغير ذلك مما لا يعنون إلا به، فكان ~~الشعر وهو ديوانهم، كالصحف السائرة من الأمم الراقية اليوم، ولقد برزوا في هذين النوعين ~~التبريز كله، حتى بذوا فيهما كل الأمم، وبلغوا منهما ما لا يدرك، ومع كثرة الأشعار لم ~~يدونوها لجهلهم الكتابة كما تقدم، فاكتفوا فيها بالحفظ؛ لأنهم مرنوا عليه منذ نشأتهم ~~لاضطرارهم إليه، فصار عندهم شيئا مألوفا، وساعدهم عليه صفاء أذهانهم وقلة مشاغلهم ~~الدنيوية؛ إذ كانوا يكتفون من الطعام بالتمرة، ومن الثياب بالقميص ms73 أو الإزار والرداء، ومن ~~المسكن بالخباء، بله كثرة رياضتهم البدنية التي تقتضيها معيشتهم البدوية. # فما كان الشاعر يفرغ من تلاوة قصيدته على ملأ من قومه حتى يكون أكثرهم قد استظهرها، ومن ~~ذلك نشأ اختلاف الروايات في القصيدة الواحدة، فإن الشاعر ينشد قصيدته على ملأ من السامعين ~~فيحفظها منهم جماعة، فربما اختلطت كلمة أو جملة على أذن السامع فبدلها بأخرى، وربما عاب ~~عليه آخر شيئا في تلك القصيدة، فيغير منها ما اقتنع بوجوب تغييره، ثم يمر الراوي بآخرين ~~فيسمعهم تلك القصيدة بالألفاظ المغيرة، فيحفظها كذلك منهم نفر فتختلف الرواية. # ولما تنفس فجر الإسلام وأيقظ العرب من رقادهم ففتحوا البلاد وجاسوا خلال ديار أقيمت على ~~دعائم المدنية، شالت نعامة جهلهم، فامتلأت رءوسهم علما، وصاروا من أعلى الأمم كعبا فيه، ~~غير أنه لم يكن له مأوى في صدور الإسلام إلا صدور الرجال، فكانت الأئمة ترتجله في المحافل، ~~ولا يتصدى للتعليم غير الحافظ، ولم تكن عنايتهم وقتئذ إلا بمسائل العلم وأدلته الصحيحة، ~~ولم يكن للفظ نصيب من البحث والتدقيق كما له اليوم، وما كانوا يعرفون الكتب، بل كانوا ~~ينهون الطلبة عن النظر فيها والاعتماد عليها؛ لئلا تتناولها أيدي التصحيف والتحريف أو ~~التزوير المقصود؛ فيقعوا في شر أعمال المفسدين، أو خوفا من أن يقصروا همتهم على اللفظ ~~دون المعنى، أو يعتمدوا على الكتب؛ فيهملوا الرواية التي هي عندهم قوام العلوم، لا سيما ~~الأدبية والنقلية منها. # ولقد كان العلماء وقتئذ يفاخر بعضهم بعضا بالحفظ، وقلما يكون لأحدهم كتاب واحد يعتمد ~~عليه فيما يزاول، وكان بعضهم يهلك كتبه خوفا من الاتكال عليها. # يؤيد ذلك أن أول ما اشتغل به علماء العرب من العلوم هو تفهم القرآن وحفظ الحديث وكلام ~~العرب، وقد أجمع العلماء أمرهم على أن هذه الأشياء الثلاثة لا بد فيها من السماع والسند ~~الصحيح، فمن لم يسمعها بإسناد، لا يعد عالما فيها؛ ولذلك لا يعترف أئمة الحديث واللغة ~~الذين حصلوا علمهم بالرواية، كالإمام الحافظ المرحوم الشيخ محمد محمود التركزي الشنقيطي، ~~نزيل القاهرة في آخر أيامه، ms74 لا يعترف مثل هؤلاء لمصري بعلم الحديث واللغة؛ لانقطاع السماع ~~عنا في هذه البلاد. # وإذ كان السماع هو العمدة في صدر الإسلام، كانت الكتب بالضرورة غير معتد بها، ولا معول ~~عليها في شيء؛ إذ المسألة مسألة حفظ محض. # إن الصحابة والتابعين لقرب عهدهم بصاحب الشريعة الإسلامية، ولقلة الاختلاف والواقعات، ~~ولتمكنهم من مراجعة الثقات؛ كانوا لكل ذلك مستغنين عن تدوين علم الشرائع والأحكام، حتى إن ~~بعضهم كره كتابة العلم، فقد روي عن ابن عباس أنه نهى عن الكتابة، وقال: «إنما ضل من كان ~~قبلكم بالكتابة.» وجاء رجل إلى عبد الله بن عباس - رضي الله عنه - فقال: «إني كتبت كتابا ~~أريد أن أعرضه عليك.» فلما عرضه عليه، أخذه منه ومحاه بالماء، فقيل له: «لماذا فعلت ذلك؟» ~~قال: «لأنهم إذا كتبوا، اعتمدوا على الكتابة وتركوا الحفظ، فيعرض للكتاب عارض فيفوت ~~علمهم.» # ولذلك نبغ الحفاظ في هذه الأمة، وأكثرهم في الحديث والشعر واللغة، حتى كان الرجل منهم ~~يتصدر في مجلس العلم فيملي من محفوظه ما شاء الله، لا يرجع إلى كتاب، وتبقى أماليه مرجعا ~~للباحثين والطلاب، وهذه كتب الأمالي أكثر من أن تحصر، وأشهر من أن تذكر بالشرق وبالأندلس، ~~وقد وصف العلماء الأمالي فقالوا: «هو جمع إملاء، وهو أن يقعد عالم وحوله تلامذته بالمحابر ~~والقراطيس، فيتكلم العالم بما فتح الله عليه من العلم، ويكتبه التلامذة؛ فيصير كتابا، ~~ويسمونه الإملاء والأمالي.» # وقد روى صاحب كشف الظنون أسماء بعض كتب في الأمالي، نروي هنا بعضها، فمنها: «الأمالي ~~الخمسمائة» للإمام أبي سعيد عبد الكريم بن محمد السمعاني المروزي الشافعي المتوفى سنة 552ه، ~~و«أمالي ابن الحاجب» المتوفى سنة 672، فيه تفسير بعض الآيات، وفوائد شتى من النحو على مواضع ~~من المفصل، ومواضع من الكافية في غاية من التحقيق، و«أمالي ابن حجر» العسقلاني المتوفى سنة ~~852، و«أمالي ابن دريد» المتوفى سنة 321، وهي في العربية، و«أمالي ابن الشجري» المتوفى سنة ~~572، وهي ثمانية مجلدات في خمسة فنون من الأدب، قال ابن خلكان: «أملاه في أربعة وثمانين ~~مجلسا.» و«أمالي ابن عساكر» في الحديث، وهو ms75 صاحب التاريخ الكبير، المتوفى سنة 571، و«أمالي ~~أبي بكر» الأنباري، و«أمالي أبي العلاء» المعري المتوفى سنة 449، وهو مائة كراسة، ولم يتمه، ~~و«أمالي الإمام» أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري الحنفي، المتوفى سنة 183، وهي في ~~الفقه، يقال إنها أكثر من ثلثمائة مجلد، و«أمالي جار الله» الزمخشري، و«أمالي الزجاج في ~~النحو»، وهو أبو إسحاق إبراهيم بن محمد النحوي، المتوفى سنة 312، وهي ثلاثة: الكبرى، ~~والوسطى، والصغرى، و«أمالي القالي في اللغة» وهو الشيخ أبو علي إسماعيل بن القاسم اللغوي ~~المتوفى سنة 356. # ولما كانت عناية القوم منصرفة إلى الحديث، كثر الحفاظ في هذا الفن، وأتوا بالغرائب ~~وبالبدائع، فقد كان معظمهم لا يرجع إلى كتاب ولا يقتني كتابا كما قلنا ذلك قبلا، وإنما ~~يتفجر علمهم من المحفوظ في صدورهم، ولم يكن الرجل يستحق لقب الحافظ إلا إذا بلغ محفوظه من ~~ثلاثة آلاف فما فوق، ونشير من باب الدلالة إلى بعض أفراد من الحفاظ مثل: ابن غياث الكرخي ~~الذي حفظ ثلاثة آلاف حديث، وابن درهم الذي حفظ أربعة آلاف حديث، وابن عيينة الذي حفظ سبعة ~~آلاف حديث، وأما الذين اشتهروا بحفظ عشرة آلاف فهم كثيرون مثل: شعبة، وحماد الربعي، ~~والمروزي، وغيرهم، وهنالك من ضاعف هذا العدد مثل: أبي سعيد عبد الرحمن بن مهدي، وابن عياش، ~~والإسفرايني، وأما سفيان الثوري فكان يحفظ ثلاثين ألف حديث، وأبو خالد بن يزيد بن هارون كان ~~يقول: «أحفظ أربعة وعشرين ألف حديث بالإسناد ولا فخر، وأحفظ للشاميين عشرين ألفا لا أسأل ~~عنها.» وأما الختلي البغدادي، والعبدي البصري؛ فكانا يحفظان خمسين ألفا، وابن أبي عاصم نهب ~~الزنج كتبه في فتنة بالبصرة، فأعاد من حفظه خمسين ألفا، وأما البخاري فكان يحفظ مائة ألف ~~حديث صحيح، ومائتي ألف حديث غير صحيح، ونهاية ما وصل إليه البشر ما بلغه ابن حنبل، قالوا: ~~«إنه حفظ ألف ألف حديث.» # كذلك كان شأنهم في الأدب واللغة، فقد أملى ابن الأنباري من غريب الحديث من محفوظه ما ملأ ~~خمسة وأربعين ألف ورقة، وكان يحفظ ثلثمائة ألف بيت شاهدا للقرآن، وابن أبي ms76 هاشم البغدادي ~~أملى من حفظه ثلاثين ألف ورقة في اللغة، خلاف الكتب الكثيرة التي صنفها من غير أن يرجع إلى ~~كتاب. # وقد اشتهر الحفاظ في الأندلس وفي المغرب، وأتوا بالعجائب والغرائب، فمنهم: ابن حزم ~~الظاهري المشهور، وأبو العباس أحمد المقري، صاحب كتاب نفح الطيب، ومنهم عبد الواحد ~~المراكشي، أملى بمصر التي كان فيها سنة 619 كتاب المعجب في تلخيص أخبار المغرب، وهو من ~~نفائس الكتب التي أرى أنها تستحق أن تكتب بماء الذهب، ويتوفر المتأدبون على قراءتها ~~وتكريرها مرارا عديدة، وقد أشار فيه إلى أستاذه أبي جعفر أحمد بن محمد بن يحيى الحميري، ~~الذي كان يقرأ عليه بقرطبة كتاب الحماسة ولزمه سنين، فقال: «ما رأيت أروى لشعر قديم ولا ~~حديث، ولا أذكر بحكاية تتعلق بأدب أو مثل سائر أو بيت نادر أو سجعة مستحسنة منه رضي الله ~~عنه وجازاه عنا خيرا، أدرك جلة من مشايخ الأندلس، فأخذ عنهم علم الحديث والقرآن والآداب، ~~وأعانه على ذلك طول عمره، وصدق محبته، وإفراط شغفه بالعلم، قال لي ولده عصام: «وقد رأيت ~~عنده نسخة من شعر أبي الطيب قرئت علي أو أكثرها فألفيتها شديدة الصحة.» فقلت له: «لقد ~~كتبتها من أصل صحيح، وتحرزت في نقلها.» فقال لي: «ما يمكن أن يكون في الدنيا أصل أصح من ~~الأصل الذي كتبت منه.» فقلت له: «أين وجدته؟» قال: «هو موجود الآن بين أيدينا وعندنا.» وكنا ~~في المسجد في زاوية، فقلت له: «أين هو؟» فقال: «عن يمينك.» فعلمت أنه يريد الشيخ، فقلت: «ما ~~على يميني إلا الأستاذ.» فقال لي: «هو أصلي، وبإملائه كتبت، كان يملي علي من حفظه.» فجعلت ~~أتعجب، فسمع الأستاذ حديثنا؛ فالتفت إلينا وقال: «فيم أنتما؟» فأخبره ولده الخبر، فلما رأى ~~تعجبي قال: «بعيدا أن تفلحوا، يعجب أحدكم من حفظ ديوان المتنبي، والله لقد أدركت أقواما ~~لا يعدون من حفظ كتاب سيبويه حافظا، ولا يرونه مجتهدا.» وتوفي أبو جعفر هذا سنة ~~610ه.» # وقد انتشرت عادة الحفظ في جميع طبقات الأمة الإسلامية، فقد ذكر ابن خلكان أن ms77 الملك المعظم ~~عيسى سلطان الشام ابن الملك العادل الأيوبي الفقيه الحنفي، الأديب المتوفى سنة 604، أمر ~~الفقهاء أن يجردوا له مذهب أبي حنيفة دون صاحبيه، فجردوه له في عشرة مجلدات، وسموه ~~التذكرة، وكان لا يفارقه سفرا ولا حضرا، ويديم مطالعته، وذكر أنه كتب على كل جلد منه ~~«حفظه عيسى» فقيل له يوما: «أنت مشغول بتدبير الملك، فكيف يتيسر لك حفظ هذا المقدار؟» ~~فقال: «كيف الاعتبار بالألفاظ؟ وإنما الاعتبار بالمعاني، باسم الله سلوني عن جميع مسائلها.» ~~وهذا يدل على اطلاع زائد وحفظ تام، هذه العبارة رواها صاحب كشف الظنون، ولم أجدها في النسخة ~~المطبوعة من وفيات الأعيان ببولاق، وكان لهذا الملك الهمام عناية بالأدب وأهله، وقد شرط لكل ~~من يحفظ المفصل للزمخشري مائة دينار وخلعة، فحفظه لهذا السبب جماعة، ورأى ابن خلكان بعضهم ~~بدمشق، وقال: «لم أسمع بمثل هذه المنقبة لغيره.» # ومن مشهوري الحفاظ بالأندلس أبو حيان، ومحفوظاته ومروياته ومؤلفاته من أعجب الأعاجيب، ~~وكان يفتخر بالبخل، ولا يقتني كتابا واحدا، بل يعيب على مشتري الكتب، ويقول: «الله يرزقك ~~عقلا تعيش به، أنا أي كتاب أردته استعرته من خزائن الأوقاف، وإذا أردت من أحد أن يعيرني ~~درهما ما أجد ذلك.» # وأما الشعراء والرواة الذين حفظوا أشعار العرب ودواوين المتقدمين فهم كثيرون أيضا، ~~ومنهم: أبو نواس ، لم يقل الشعر حتى حفظ ثلاثين ديوانا - فيما أذكر - للشواعر من نساء ~~العرب، ولا نذكر الأصمعي وأمثاله، فهم أشهر من نار على علم، وإنما نقول هذه المزية اشترك ~~فيها أهل الأندلس أيضا، وحسبنا التنويه بذكر ابن عبد ربه، كان أيسر محفوظاته كتاب الأغاني، ~~لا يخطئ منه واوا ولا ألفا، وناهيك بكتاب الأغاني، وهذه المسألة العجيبة مشروحة في كتاب ~~عبد الواحد المراكشي، وتستحق أن يرجع إليها أهل الأدب والطالبون للوقوف على أحوال الأكابر ~~في عصر الإسلام الزاهر. # ومن غرائب الحفاظ ما يروى من أن الإمام الجليل أبا عبد الله محمد بن إدريس الشافعي ~~كان إذا نظر في كتاب وضع يده فوق السطور التي تلي السطر الذي يقرؤه؛ خوفا من ms78 أن تمر عليها ~~عينه فتعلق بذهنه، فإنه ما كان ينظر شيئا إلا حفظه، وهو القائل: # علمي معي حينما يممت ينفعني # صدري وعاء له لا بطن ~~صندوق # إن كنت في البيت كان العلم فيه معي # أو كنت في السوق كان ~~العلم في السوق # ومما يدل على عناية العلماء بالحفظ واعتمادهم عليه قول الإمام أبي محمد علي بن حزم ~~الظاهري المتقدم ذكره: # إن تحرقوا القرطاس لا تحرقوا الذي # تضمنه القرطاس إذ هو ~~في صدري # يسير معي حيث استقلت ركائبي # وينزل إن أنزل ويدفن في ~~قبري # وليس هذا الأمر بغريب أو بعيدا إذا اعتبرنا أن أهل الشرق على العموم لهم سليقة غريبة في ~~الحفظ، وكانوا يزيدونها قوة بالممارسة والرياضة، وقد اشتهر هذا الأمر عن كثير من نوابغ ~~الإفرنج المتقدمين والمتأخرين، فلا محل للشك فيما رواه الثقات من علماء المسلمين، وإنما ~~يتطرق إلينا الوهم بأن هذه المرويات هي من باب المبالغات الشرقية، نظرا لانحطاط الهمم ~~والقعود عن الكسب والتحصيل، فصرنا نقيس المتقدمين على أنفسنا. # هؤلاء بعض أئمة الحفاظ من علماء القرون الأولى، ومما ذكرناه عنهم يعلم القارئ أن كل ~~اعتمادهم في تلك العصور إنما كان على الحفظ، لا على الكتب، وأن حوافظهم كانت لا تزال قوية ~~كما كانت في عصر الجاهلية؛ وذلك لقرب ما بين الزمنين ، ولبقية بقيت فيهم من تلك الآثار ~~والأخلاق التي قوت فيهم ملكة الحفظ. # ومما يؤيد هذه الروايات ما اشتهر به بعض علماء أوروبا في القرنين الماضيين من كثرة الحفظ ~~المدهش، وهم كثيرون، نكتفي منهم بذكر أمير قيل إنه أكب على قراءة الإنسكلوبيديا، وابتدأ ~~يحفظها من لدن الجزء الأول حتى بلغ الجزء العشرين، وبقيت هذه الأجزاء في ذاكرته حتى مضى على ~~قراءته إياها خمسون عاما، وقراء الإنسكلوبيديا يعرفون اختلاف موضوعات كل جزء منها ومقدار ~~صعوبتها على الحفاظ، مما يدل على مقدار ذلك الرجل النادر المثال. # وكثير من علماء الإسلام في القرون الأولى كانوا جوالين في البلاد لطلب العلم الشفهي بعضهم ~~من بعض، وكانت هذه سنتهم في تلك العصور، يستوي فيهم ms79 الطالب والمطلوب منه، غير أن طلب العلم ~~على تلك الصورة الشفهية إذ ذاك كان صعبا لوعورة الطرق وعدم المراكب البخارية، وغيرها من ~~مسهلات الطرق، فكان غير ميسور لكل طالب إلا لمن استطاع أن يضرب له أكباد الإبل، ويكابد ~~المشقات الشديدة في الرحلة إلى الأصقاع البعيدة والأمكنة الشاسعة. # فقد كان طلاب العلم وقتئذ يقتحمون عقبات صعبة، ويعانون في سبيله ما لا يكاد يوصف، ولا ~~بأس من إيراد حكاية هنا تدل على ذلك، وهي أن طالبين رحلا من أقطار بعيدة إلى بغداد - فيما ~~أذكر - لطلب علم الطب عن نصراني، فاتفق يوم قدومهما بغداد أن كان ذلك العالم في الكنيسة، ~~فتوجها إليه للقائه، فوجداه بقميص واحد مكشوف الرأس، يدور حول جدار الكنيسة من داخلها وفي ~~يده نار ببخور، فلبثا حتى فرغ، فإذا به قد توسم فيهما دلائل الاستغراب والاستنكار، فبعد أن ~~سألهما عن أحوالهما وما قصداه منه قال لهما: «لا أستطيع أن أعلمكما حتى تحجا وتعودا ~~إلي.» فلم يريا بدا من امتثال أمره، فذهبا إلى الحج، وبعد أن عادا من مكة قال لهما: ~~«ماذا صنعتما في الحج؟» قالا: «كيت وكيت.» قال: «وما كانت حالكما في الصفا والمروة؟» قالا: ~~«كنا نهرول فيما بينهما.» فقال لهما: «إذن لا تعجبا من الحال التي كنت عليها في الكنيسة وقت ~~قدومكما، فإن الأمور الدينية يجب أن تؤخذ بالتسليم والقبول من غير اعتراض ولا انتقاد.» ~~وبعدئذ علمهما ما قصداه فيه. # ومع هذه الصعوبات وتلك المشاق كان يزداد طلاب العلم كل يوم رغبة فيه وتهافتا عليه، ولم ~~يثنهم عنه قلة أرزاقهم، ومضايق الزمن، ووعورة الطرق، وصعوبة الطلب، ودل العلماء. # غير أن ما حدث إثر ذلك من اختلاف العلماء في الآراء، وانتشار مذاهبهم، وغلو أنصارهم، ~~واتساع الأمصار الإسلامية، وامتداد سلطانهم، وتفرق الصحابة والتابعين، وغيرهم من حملة العلم ~~في البلدان الشاسعة، والأصقاع المتنائية، وحدوث الفتن، وكثرة الفتاوى بلا علم ولا هدى ~~اتباعا لأهواء بعض الأمراء وطمع بعض العلماء، كل هذا اضطر العلماء إلى تدوين محفوظاتهم، ~~وكذلك حملهم على التدوين اشتغالهم بالنظر والاستدلال ms80 والاجتهاد والاستنباط، وتمهيد القواعد ~~والأصول، وترتيب الأبواب والفصول، وتكثير المسائل بأدلتها، وإيراد الشبه بأجوبتها، وتعيين ~~الأوضاع والاصطلاحات، وتبيين المذاهب والاختلافات، وغير ذلك مما ذكره العلماء. ومما دفع ~~العلماء إلى التدوين: رغبة الأمراء في التعلم والتأدب، وعدم استطاعة بعضهم حضور مجالس ~~العلم، ورغبتهم كذلك في تأديب أولادهم، وخوفهم من فقدان العلماء بسفر أو بموت أو بسبب آخر، ~~وقد كان أكثرهم رحالة، وكذلك رغبة العلماء أنفسهم في تعليم أولادهم وأفلاذ أكبادهم وخشيتهم ~~الموت قبل إتمام ذلك. # وأنتم تعلمون أن كتبا كثيرة دونت في الإسلام برسم الأمراء، وبرسم أبنائهم، وبرسم ~~أبناء العلماء، وأمثال ذلك كثير استفاضت به كتب التاريخ والأخبار، ومن هذه الكتب: كتاب «ألف ~~با» الذي ألفه أبو الحجاج البلوي لابنه، وهو كتاب ممتع في الأدب، وكتاب «واسطة السلوك» ~~للسلطان أبي حمو نعمراسن، المطبوع في تونس، المترجم إلى اللغة الإسبانية، وطبع في مدريد، ~~وكتاب طبيب الحجاج الذي ألفه لابنه. # فابتدأ التدوين منذ القرن الأول للهجرة، ولكنه كان ضئيلا لا يذكر، وكثر وازداد في ~~أواخر القرن الثاني أيام الترجمة والنقل واشتغال العلماء بفنون الأدب والحكمة، وسنتكلم على ~~النقل والترجمة بالتفصيل. # ولقد اختلف العلماء في أول من صنف في الإسلام، ولكننا لو اعتبرنا وضع الإمام علي بن أبي ~~طالب وأبي الأسود الدؤلي لقواعد علم النحو تدوينا ، كانا أول من دون في الإسلام، وقد قيل ~~إن أبا الأسود توفي سنة 60ه، وقال ياقوت: «كان نصر بن عاصم الليثي النحوي فقيها عالما ~~بالعربية من قدماء التابعين، وكان يسند إلى أبي الأسود الدؤلي، توفي سنة 89 هجرية، وضع ~~كتابا في العربية.» # وأول من دون في الطب والحكمة - على ما قيل - هو طبيب الحجاج بن يوسف الثقفي المتوفى سنة ~~90ه، وله كتاب كناس كبير ألفه لابنه، وكتاب أبدال الأدوية، وكيفية دقها وإيقاعها وإذابتها، ~~وشيء من تفسير أسماء الأدوية، فعلى هذه الروايات يكون هذان العالمان من أوائل من دونوا في ~~الإسلام. # ومن أول من دون في الحديث في الإسلام الإمام مالك بن أنس، عالم المدينة ومفتيها، صاحب ~~كتاب الموطأ ms81 في الحديث. # وبعد ذلك اتسع النطاق، وفاض بحر العلم، حتى وصلت الحضارة الإسلامية بفضل أهله إلى الذروة ~~القصوى والمكانة العليا. ms82