######OpenITI# #META# URI: 1352DawudBarakat.BatlFatifIbrahim.Hindawi36380615 #META# Tags: history #META# ID: 36380615 #META# Title: البطل الفاتح إبراهيم وفتحه الشام ١٨٣٢ #META# AuthorID: 71863536 #META# Author: داود بركات #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # إهداء الكتاب‏ # لمحة من حياة المؤلف رحمه الله‏ # دمعة وعهد‏ # تمهيد‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الوثائق السياسية الرسمية‏ # تعليقات‏ # بعض مراجع الكتاب‏ # إهداء الكتاب‏ # لمحة من حياة المؤلف رحمه الله‏ # دمعة وعهد‏ # تمهيد‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الوثائق السياسية الرسمية‏ # تعليقات‏ # بعض مراجع الكتاب‏ # | البطل الفاتح إبراهيم وفتحه الشام 1832 # | البطل الفاتح إبراهيم وفتحه الشام 1832 # تأليف # داود بركات # المؤلف. # | إهداء الكتاب # إلى مصر العزيزة التي أحبها داود من صميم قلبه فضمته هي في صميم قلبها. # إلى أبطال مصر من عهد محييها محمد علي باشا إلى عهد حفيده فؤاد الأول أمد الله في ~~عمره. # إلى أصدقاء داود وصحبه وإخوانه. # إلى روح داود التي أفرغ منها في كل سطر من هذا الكتاب نفثة. # أهدي هذه الصفحة المجيدة من تاريخ البطولة المصرية. # بركات بركات # | لمحة من حياة المؤلف رحمه الله # في صباح اليوم الثامن من شهر ديسمبر سنة 1867 ولد داود بركات في بلدة «يحشوش»، إحدى ~~القرى الكبيرة في فتوح كسروان في لبنان، وتلقى وهو في عهد الطفولة مبادئ العربية ~~والسريانية والإيطالية واللاتينية على عمه المرحوم الخوري يوسف بركات الذي كان من حاملي ~~ألوية العلم والأدب، ودخل بعد ذلك مدرسة المحبة في بلدة عرامدن، وهي مدرسة قديمة كانت تتقن ~~تعليم اللغة العربية على الخصوص. ثم انتقل منها إلى مدرسة الحكمة في بيروت، وهي المدرسة ~~المشهورة بتخريج العلماء والكتاب والشعراء حتى لا يكاد يخلوا قطر في العالم من خريجيها، ~~فكان داود من أنبغ تلامذة العلامة المشهور المرحوم عبد الله البستاني. # ولما أكمل دروسه - وهو لا يزال في سن المراهقة - تولى التعليم ms001 في مدرسة «بير الهيت» من ~~المدارس المحلية في لبنان، ولكن المحيط الأدبي كان في نظره ضيقا، فهجر لبنان وجاء إلى مصر ~~حيث التحق بإحدى الوظائف الحكومية في مديرية الغربية، وظل فيها سنة تقريبا ثم انتقل بعدها ~~إلى التدريس في مدينة زفتى. # ولما كان يميل بطبعه إلى الكتابة، فقد كان ينشر في الصحف بين حين وحين بعض الكتابات في ~~شتى الموضوعات، إلى أن حدثت فاجعة في زفتى فالتهمت النار منزل أحد الأعيان. عندئذ أثرت ~~الحادثة بنفسه، فكتب عنها إلى جريدة المحروسة مقالا أعجب به صاحبها، وكان ذلك سببا ~~لاشتراك الفقيد في تحريرها من مدة الزمن. # ولم يطل عمله في المحروسة، فأنشأ مع صديقه الشيخ يوسف الخازن وابن عمه الأستاذ إبراهيم ~~بركات جريدة الأخبار التي راجت في ذاك العهد رواجا كبيرا. # وفي سنة 1899 انتقلت الأهرام إلى القاهرة، فتولى رئاسة تحريرها، وظل فيها إلى أن وافاه ~~القدر المحتوم في 4 نوفمبر سنة 1933 في منتصف الساعة العاشرة صباحا. # هذه لمحة موجزة لحياة الفقيد، ولو حاولنا التبسط في الكتابة عنها من الوجهة الأدبية ~~والخيرية والعلمية ... إلخ، لملأنا مجلدا بأكمله. رحمات الله عليه! # | دمعة وعهد # أي داود ... # ظننتني وأنا أبكيك حولا كاملا أن الدمع قد يطفي شيئا من حر قلبي، ولكن الظن خاب، ~~وما كان من نار الحزن إلا أن زادت سعيرا، والدمع يا أخي يجلب الدمع! # ها هو العام يمضي ونحن نعيش بدونك. # نتلمسك في البيت صباحا فإذا البيت كئيب يندبك، ونترقبك في العش ليلا فإذا بالعش خال ~~إلا من الزغاليل، تصيء بعد فقد عميدها، وتميل إلى بعضها ليصعد كل منها مع الآخر زفرة ~~تتصاعد وتعلو ثم تعلو إلى أن تبلغ السماء حيث أنت، ولكنها بعد ذلك تضمحل وتخفت وتتبدد في ~~اللانهاية وأنت ساكن ساكت، وما عودتنا من قبل صمتا وإعراضا! # أخي داود! # ما غيبك الجدث ولا القبر طواك، بل أنت ماثل أمام العين، وستظل ماثلا ما دام في ~~العين نور وفي القلب خفقة. # وما أزال ولن أزال أترسم خطاك متخذا طريقي طريقك ms002 ومقتفيا في الباقي من حياتي أثرك ~~إلى أن يجمعني الله بك. # وكانت في حياتك لي عظات # وأنت اليوم أوعظ منك حيا # ما نسيت قط يا أخي عندما كنت أخلو إليك في البيت أو في الطريق أو المكتب أو أي مكان آخر ~~ما كنت تطلعني عليه مما يجول في صدرك من شتى الموضوعات والرغبات، وتحدثني عما ترتاح إليه ~~نفسك في مختلف مناحي الحياة وما يضيمها ويزيد في متاعبها. # وإن أنس لا أنسى رغبتك في أن يكون تاريخ «البطل الفاتح إبراهيم» مجموعا في سفر واحد ~~بعد أن كنت قد نشرته فصولا في الأهرام. # وها أنا الآن - وقد ربيتني كما ربيتني - أبر بوعدي لك بتنفيذ رغبتك، وأجمع - على ~~قصوري - هذا التاريخ المجيد، فأجعله خير إكليل أضعه على قبرك في مثل هذا اليوم الذي شاءت ~~العناية أن تختطفك فيه منا، ويا ليت الناموس الطبيعي كان قد لها عن تدوينه في حياتنا وفي ~~سني العمر. # نعم ها أنا أسجل بنشر هذا التاريخ حبك لمصر وتفانيك في خدمتها، فلعلي بذلك أكون قد ~~قمت بشيء من واجبي نحوك وواجبك نحو وطنيك: لبنان ومصر خاصة والشرق عامة. # فتقبل يا أخي داود، مع الدمع الذي أذرفه على قبرك، ما قد فعلت تنفيذا لرغبتك، وارقد ~~بسلام يا شقيقي الحبيب. # وإلى الملتقى. # صباح 4 نوفمبر سنة 1934 # بركات بركات # | مقدمة الكتاب # روحان تآخيا في الحياة فلم يفصم الموت تآخيهما: أنطون الجميل، وداود ~~بركات. # وها هو الأستاذ الكبير أنطون الجميل بك يفرغ من عواطف نفسه تحية إلى داود في ~~تاريخ «البطل الفاتح إبراهيم». # فهل هناك خير منها مقدمة للكتاب؟ ~~*** # داود بركات ... # حال الحول على وفاته، ولا يزال اسمه ملء الأفواه والأسماع، ولا تزال الحسرة عليه ملء ~~الجوانح والقلوب. # كل يذكره بحسنة من حسناته، حسب الجانب الذي عرفه من جوانب حياته: فالكثيرون يذكرون ~~فيه الصحفي اللبق والكاتب الفياض القريحة. # والكثيرون يذكرون فيه الصديق الأمين والخل الوفي. # والكثيرون يذكرون فيه رجل النجدة والمروءة والهمة القعساء. # أما أنا فأذكر فيه كل ذلك؛ لأني عرفته من ms003 جميع هذه النواحي مدة ربع قرن؛ فقد كان ~~أول من قرأت من الصحفيين الذين يعالجون الموضوعات القومية العامة، وقد كان لي طول هذه ~~السنين الصديق الودود، بل الأخ العطوف. ولطالما خبرت غيرته ومروءته واستعداده ~~لتلبية من يستنجده. # عرفت فيه ذلك كله، فكان حزني عليه بقدر ما عرفت وما خبرت، وكان حزنا مضاعفا ~~لأنه اشترك فيه العقل والقلب، وما كانت الحوادث في كل يوم من هذه السنة إلا لتجدد ~~ذكراه وتثير عاملا جديدا على الأسف عليه. # وإذا كنت قد دعيت اليوم لكتابة هذه السطور في صدر هذا الكتاب، فقد تلقيت هذه ~~الدعوة بالشكر والحمد؛ لأنها أتاحت لي الفرصة لأقوم بواجب الذكرى وواجب الوفاء، فأظل ~~ذاكرا وفيا له بعد الممات، كما كان لي وكنت له في الحياة. ~~••• # هذا الكتاب حسنة من حسناته، أودعه شيئا من حبه لمصر؛ وطنه المختار، ومن إعظامه ~~لبناة مجده ورجالاته، كما أودعه شيئا من حبه للبنان وطنه الأول وتعلقه بتقاليده ~~وعاداته. فلقد طالما سعى وكتب لتوثيق عرى الوداد والولاء بين القطرين الشقيقين، ولم ~~يكن أحق من «إبراهيم الفاتح» في تمثيل القطرين في شخصه؛ فقد كان سيفه صلة الوصل بينهما، ~~كما كانت أقلام الكتاب فيما بعد موثقة لهذه الصلة. وإذا كان تمثاله قد قام في ~~قلب العاصمة المصرية يذكر بفتوحه وانتصاراته، فإن له في قلوب الناس في الديار ~~الشامية تمثالا يذكر بعدله وإصلاحاته. # كان إبراهيم من أبرز الشخصيات في تاريخ الشرق العربي الحديث ومن أبسل قواده. قاد ~~الجيوش المصرية المظفرة في حروب الوهابيين والمورة والشام. ولعل فتحه الشام كان من ~~أكثر أعماله توفيقا وأبعدها أثرا، فقد سار فاتحا، والنصر معقود بأعلامه، من غزة إلى ~~عكا إلى دمشق إلى حمص إلى حلب، وتخطى تخوم سوريا إلى آسيا الصغرى، من أطنه إلى طرسوس ~~إلى أزمير فقونيه، وهو يهزم أو يأسر جيشا بعد جيش حتى أصبح يهدد الآستانة عاصمة ~~السلطنة العثمانية. # هذا هو الفتح المجيد الذي رأى المؤلف - رحمه الله - أن يدون حوادثه ووقائعه ونتائجه ~~السياسية والاجتماعية في فصول متتالية نشرها منذ ms004 ثلاث سنوات في «الأهرام» لمناسبة مرور ~~مائة عام على فتح الشام. # كان الفقيد من أغزر الكتاب مادة وأجودهم قريحة وأخصبهم إنتاجا، ولو قام من يجمع ~~الفصول والمقالات الشائقة التي دبجتها يراعته، في مختلف الموضوعات، في «الأهرام» وفي ~~غيرها من الصحف مدة ثلث قرن، لتوفر لديه مجلدات ضخمة في السياسة والعلم والأدب ~~والاجتماع. ولكن فصوله هذه التي ضمتها دفتا هذا الكتاب قد تكون خليقة بالنشر ~~قبل سواها لعلاقتها الروحية الوثيقة بما وقف عليه حياته من خدمة القطرين اللذين جمع ~~إبراهيم باشا بينهما بروابط سياسية تمكنت السياسة من فصمها بعد حين، وبروابط أدبية ~~ومعنوية لم يكن مرور قرن كامل ليضعفها. # ما حدثت الفقيد يوما في وجوب جمع بعض آثاره العلمية إلا ابتسم معرضا. أما فصوله ~~المجموعة في هذا الكتاب عن البطل الفاتح فقد كان يبتسم مرتاحا إلى نشرها، وكان قد بدأ ~~يأخذ العدة لذلك بنفسه عندما عاجلته المنية. # لذلك أحسن شقيقه الأبر، الأستاذ بركات، الإحسان كله في قيامه بهذا العمل وانصرافه ~~إلى تنسيق تلك الفصول ونشرها في هذا الكتاب، تذكارا لمن كان له أبا وأخا: فكان ~~كلاهما بارا بأخيه شأن النفوس الزكية. # ولا ريب في أن محبي داود والمعجبين بداود يقدرون لأخيه صنيعه، ولعل القراء ~~يمهدون له السبيل لينشر تباعا بعض آثار الفقيد كتاريخ الثورة العرابية، وتاريخ ~~المسألة المصرية، وغير ذلك من الفصول والمباحث. # أما أنا فإني - فوق إجلالي لعمله - أشكره لأنه مكنني في ختام العام من أن أضع زهرة ~~الذكرى على ضريح هذا الفقيد العزيز. # أنطون الجميل # | تمهيد # هل ندري ونحن نمر أمام ذلك التمثال في ميدان الأوبرا أمام أية قوة من قوات البطولة ~~نمر؟ وهل نعرف أن هذا التمثال سفير كبير لأجل صفحة من صفحات التاريخ؟ وهل نعرف أنه ~~يجب علينا أن نقف أمامه ذاكرين، وأن نعلم أولادنا من هو صاحب التمثال، فإذا علمناهم ~~حببنا إليهم البطولة وعلمناهم تاريخ مصر الحديثة، بل تاريخها المجيد؟ # أندري إلى أي حد بلغ جهل العامة، فقدموا ذكر الحصان على راكبه، فيضربون الموعد للقاء ~~عند ms005 «الحصان» أو في القهوة أمام «الحصان»، وتعلو الفلاحات الساذجات فوق الكافة، فينظرن ~~إلى الفارس لا إلى الفرس، ويقلن إذا ما تحدثن عنه: «المادد إصبعه»! # أندري إلى ما تشير تلك اليد الباطشة القوية؟ إنها تشير إلى المورة وكريد وبلاد اليونان، ~~وقد أعجز الباب العالي إخضاعها، فندب لها إبراهيم على رأس 16 ألف جندي دوخوها ودكوا ~~حصن موسوليغي الحصين إلى أن أخذت أساطيل الدول أسطوله بنيرانها من كل جانب وهو راس في فرضة ~~نافارين، فوقف إبراهيم البطل البطاش والفاتح العظيم ينظر إلى ذلك الأسطول الذي كان الثالث ~~في أساطيل البحر المتوسط يحترق بلا إنذار ولا وعيد، فدمعت عيناه ولم يفه إلا بكلمة ~~وجهها لأحد رفاقه من الضباط الفرنساويين: «أتشترك فرنسا بتحطيم الأسطول الذي بناه ~~مهندسوها؟!» وكان الأسطول مؤلفا من 63 سفينة حربية و100 مركب لنقل الجنود، ثم صدر إلى ~~إبراهيم أمر أبيه بالعودة برجاله فعاد، ولم تستهل سنة 1825، ووصلت اليونان بعد عودته إلى ~~استقلالها بتألب الدول في سنة 1826. # أندري أن هذا البطل هو الذي صعد في السودان إلى النيل الأبيض فسمي في ذاك الحين باسمه ~~كما سمي النيل الأزرق باسم أخيه إسماعيل وكما سميت بحيرة الأوغندا «الإسماعيلية» باسم ابن ~~إبراهيم. # وهل ندري أنه هو الذي أخضع بلاد العرب كلها: نجد - بعد أن شتت شمل الوهابيين - ~~والحجاز واليمن، وأعاد مفاتيح الكعبة لتركيا؟ # أندري ونحن ننظر إلى تمثال هذا البطل المغوار والفاتح العظيم، أنه تولى حكم مصر السفلى ~~ولم يزد عمره على 17 سنة ليمكن والده من السفر إلى الحجاز في سنة 1813، فأظهر من ~~الحنكة والدراية ما كان مضرب المثل؟ # أندري أنه وهو فتى الإهاب كان يعامله أبوه وهو يعامل أباه النابغة معاملة النظير للنظير، ~~حتى خيل للسذج من رجال الدولة الذين يجهلون تاريخه أنه ليس ابن محمد علي، بل هو ابن ~~زوجه، تبناه محمد علي بعد وفاة ابنه طوسون الذي قاد قبل إبراهيم حملة الوهابيين ومات في ~~برنبال بالطاعون، ولكن مؤرخ محمد علي «إدوار جوين» رد هذه الفرية ودفعها، فقال: إن ~~محمد علي ms006 تزوج من ثيب غنية لما أظهره في بلده من البطولة، فرزق منها خمسة أولاد ذكور؛ ~~منهم إبراهيم وطوسون وإسماعيل، وكان مولد إبراهيم في سنة 1789، وقد وصف الذين زعموا ذلك ~~الزعم بالقحة والسماجة والباطل! # حمل إبراهيم علم مصر عاليا من سنة 1814 إلى سنة 1840، فما نكس بيده مرة واحدة، بل رفرف ~~هذا العلم بيده والنصر معقود بأهدابه في الجزر اليونانية وبلاد اليونان والصرب وفي ~~أفريقيا والأناضول وبلاد العرب وسوريا. # وإذا كان إبراهيم قد اشتهر بصلابته في القتال، فإنه قد اشتهر أيضا بصلابته في العدل بين ~~الناس، حتى بات إلى اليوم مضرب المثل بالعدل في بلاد الشام التي حكمها ثماني سنين، فلم يكن ~~الحاكم العسكري فقط، بل كان العسكري المصلح الذي بقيت آثاره هناك إلى اليوم، ولا يزال ~~الناس يتغنون بعدله إلى الآن ويضربون على ذلك الأمثال. # وهذا ما حمل بعض الأدباء في لبنان إلى مكاتبة أصدقائهم هنا بأن تؤلف لجنة من ~~المصريين والسوريين لإقامة عيد السنة المائة لاستيلاء إبراهيم على بلاد الشام من حدود صحراء ~~سينا حتى جبال طوروس. وإبراهيم هو الذي نظر مع والده إلى وحدة هذه البلاد، فلما تألبت ~~عليه الدول وقررت أن تكون حدود مصر سيناء، رأى إبراهيم ورأى والده أن تتلقى العلوم في ~~المدراس المصرية العالية مجانا طائفة من أبناء تلك البلاد، وأن يكتب على شهاداتهم التي ~~ينالونها ما يشعر بذلك؛ لتكون دليلا على عطف مصر وإخائها. وظل الحال على هذا المنوال إلى ~~أن كان الاحتلال الإنكليزي، فقطع هذه الصلة الروحية بعد أن قطعت الدول الصلة المادية ~~بإقامة الحدود التي محاها إبراهيم بسيفه. # كثرت أساطير الناس وأقاويلهم عن إبراهيم، فإذا لم تكن تلك الأساطير والأقاويل صحيحة، ~~فإنها تدل فقط على اعتقاد الناس بحكمته وعدله؛ فقد رووا أنه لما عزم محمد علي على ~~استئناف النضال في بلاد الوهابيين - بعد وفاة ابنه طوسون الذي عقد هدنة مع زعيم الوهابيين - ~~جمع قواده ورجال الحكم والسلطة وبسط لهم إرادته، وبعد ذلك أمر ببسط إحدى الطنافس الكبيرة ~~في الدار ووضع في وسطها ms007 تفاحة، وقال: إن الذي يتناول التفاحة بيده ويقدمها لي دون أن يمس ~~السجادة أوليه قيادة الحملة. فأخذ الحاضرون يتطاولون إلى التفاحة بلا جدوى، إلى أن جاء ~~دور إبراهيم وكان قصير القامة، فلم يزد على أنه تناول طرف الطنفسة بيده وطواها إلى أن وصل ~~إلى التفاحة، فتناولها وأعطاها لأبيه، فولاه قيادة الجيش. # لا شك في أنهم يقولون ذلك ويبتدعونه كما ابتدعوا حكاية البيضة وكريستوف كولمب إذ ازدرى ~~حساده بعمله أمام الملك، فطلب منهم أن يوقفوا بيضة على رأسها، فلما أعجزهم الأمر ~~تناول البيضة وكسر أحد رأسيها فوقفت! # ويروي أهل الشام عن عدله، أن عجوزا شكت إليه جنديا أكل تينها اغتصابا، فأتى ~~بالجندي وسأله فأنكر، فقال للمرأة وقال للجندي: إني سآمر ببقر بطنه فإذا وجدت فيه ~~بزر التين أكون قد أنصفتك منه، وإلا فإني ألحقك به. فارتضت، ووجد بزر التين بأمعاء ~~الجندي - أسطورة عندهم على عدله. ~~••• # قبل أن نتكلم عن فتح الشام والأناضول نحتاج مع القارئ إلى استعراض الحالة السياسية في ذاك ~~العصر؛ لنعرف كيف اندفع محمد علي إلى الفتح، والسبب الذي دفعه، وماذا كانت مهمة إبراهيم في ~~بلاد اليونان وبلاد العرب، ولماذا وكيف دكت تلك الإمبراطورية التي ألفها إبراهيم بسيفه ~~ومحمد علي بحكمته. وقد وصف المؤرخ «جوين» محمد علي بقوله: «سلك مسلك الثعلب أحيانا، ومسلك ~~الأسد دائما، فألقى بالعثمانيين بأيدي المماليك، وبالمماليك بأيدي الألبانيين، وبهؤلاء ~~بأيدي المصريين. وهدم أربعة ولاة دون أن يخشى الجلوس على أريكة مزعزعة، حتى قالوا إن صعوده ~~إلى تلك الأريكة كان عملا عظيما جدا، ولكن بقاءه على تلك الأريكة كان أعجوبة.» # كانت تركيا مريضة تحتضر، ولم يكن يمنع الدول عن اقتسامها سوى اختلافهم على ذلك الاقتسام. ~~وكانت مصر مطمح أنظار الفرنساويين، فبعد أن أخرج الإنكليز جيش نابليون منها وفسخوا معاهدة ~~«أميين» التي كانت تقرر الاحتفاظ بمصر كما هي، تطلعوا إلى بسط حمايتهم عليها بواسطة ~~المماليك الذين كانوا يحكمونها. وكانوا فيها حلفاء الإنكليز الذين كانوا قد قدموا للباب ~~العالي اقتراحا بإثبات هذه الحماية، فأرسل الفرنساويون قنصلهم دي ليسيبس ms008 إلى مصر ليبحث ~~عن الرجل الذي يستطيع مقاومة الإنكليز إذا هم حاولوا الاستيلاء على مصر، فوجد ضالته بمحمد ~~علي، فبذل له كل مساعدة، ووجد محمد علي بالعلماء أصحاب السيطرة أكبر عون، فاختاروه واليا ~~وطردوا الولاة الثلاثة الذين عينهم الباب العالي؛ لأن البلاد كانت قد ضجرت وملت حكم ~~المماليك، وأراد الإنكليز احتلال البلاد فتمكن محمد علي من طردهم بعد احتلال الإسكندرية ~~ستة أشهر، وكانت تابعة للباب العالي فضمها محمد علي إلى حكم البلاد. # وعرف أن الإنكليز هم أعداؤه السياسيون، فحاول الاتفاق معهم، ولكن حكومتهم فضلت اتباع ~~سياسة هدمه على سياسة محالفته، وظلت هذه السياسة سياستهم حتى النهاية، واحتكر محمد علي ~~الغلال، فاستطاع أن يؤلف جيشا ويبني أسطولا، وأن يضع أمام عينيه امتلاك بلاد العرب وسوريا ~~والعراق وتأليف إمبراطورية عربية. # ولم يفاجئ محمد علي حكومة إستامبول برغبته في أن يتولى حكم سوريا، بل طلب ذلك من صارم بك ~~رسول السلطان إليه، كما طلبه من نجيب أفندي الرسول الثاني، ولكنه قرن الطلب بأن يكون حكم ~~مصر وسوريا وراثيا، وكانت حكومة السلطان تجعل الحكم في البلاد إقطاعيا، فلا يهمها إلا ~~أن يدفع الوالي المال، فإذا تقدم آخر بالزيادة ولته وخلعت الذي تتقدمه. أما الحكم ~~بالتوارث فلم تكن تسلم به، وبلغ ما عرضه محمد علي على الباب العالي مقابل حكم سوريا 60 ~~ألف كيس في السنة - الكيس 500 قرش - فعرض الباب العالي عليه حكم المورة وكريد وقبرس وهو ~~يعلم بضياعها، وحكم بلاد العرب وهو يعلم أنها عبء ثقيل على حاكمها. ولكي ينفذ محمد علي ~~خطته أخذ منذ سنة 1825 يعد الأنصار والأصدقاء في بلاد الشام، فتوسط لدى الباب العالي ~~بأن يعين عبد الله باشا الخازنه جي واليا على عكا. وعكا هي مفتاح سوريا، وقد ثبتت في وجه ~~نابليون ولم يستطيع فتحها، فارتد عنها واستعان القائد الفرنساوي بأمير لبنان بشير ~~الثاني فلم يعنه، واحتاج عبد الله باشا إلى المال ليدفعه للباب العالي فأمده محمد ~~علي. # ثم وجه نظره إلى الأمير بشير، فأحكم به صلاته، ونزل الأمير ms009 بضيافته في مصر في حاشية ~~كبيرة مدة ثلاثة أشهر، وكان اتفاقهما تاما، ثم أوفد إليه الأمير ابنه الأمير أمينا، ~~فظل في مصر سنة وشهرا، ولم يرجع إلى لبنان إلا قبل قيام حملة إبراهيم باشا بأيام قليلة، ~~وجاء مصر أحد أكابر البلاد الشيخ علي العماد للغرض ذاته. وكان حنا البحري الحمصي هو الصلة ~~بين أمراء سوريا ومحمد علي، حتى صارت شئون تلك البلاد شطرا من شئون مصر في نظر محمد علي، ~~يتدخل بها تدخلا فعليا، حتى إنه هدد والي دمشق بإرسال عشرة آلاف مقاتل بقيادة ابنه طوسون ~~إذا لم يتحول عن اضطهاد اللبنانيين الذين يدخلون بلاده فيسجنهم إلى أن يدفع أميرهم ~~الفدية. # ولم ير الباب العالي من وسيلة لصد محمد علي عن غرضه إلا أن يحرض لمقاومته عبد ~~الله باشا والي عكا، ففتح عبد الله باشا ذراعيه لجميع المصريين الفارين من بلدهم لسبب من ~~الأسباب، حتى بلغ عددهم ستة آلاف شخص، فكتب محمد علي إلى عبد الله باشا أن يعيدهم إلى ~~وطنهم، فأجابه جوابا جافا وقال فيه: إن هؤلاء الستة آلاف هم رعايا السلطان، وشأنهم هنا ~~كشأنهم بمصر، فإن شئت فاحضر لأخذهم. فأجابه محمد علي: إني سأحضر لأخذ ستة آلاف وواحدا ~~فوقهم! وأراد بهذه الكلمة أخذ عبد الله باشا ذاته. وكان كتاب عبد الله باشا إنذارا، وكان ~~جواب محمد علي ردا على ذاك الإنذار. ولما قيل إن الأمير بشيرا هو حليف محمد علي وسيكون ~~في صفه كتب قنصل النمسا يقول لدولته: «إن وجود الأمير بشير في صف محمد علي لهو عبارة ~~عن وجود سوريا في قبضة مصر.» # وغادرت طلائع الجيش المصري مصر إلى عكا في 14 أكتوبر 1831، واحتلت الحملة البحرية ~~المصرية يافا في 8 نوفمبر، ووصل إبراهيم باشا قائد الحملة إلى حيفا في 13 نوفمبر، وضرب ~~الجيش المصري نطاق الحصار حول عكا في 8 ديسمبر، وهكذا بدأ فتح الشام والأناضول. # ولم تلق طلائع الحملة المصرية من العريش إلى عكا مقاومة تستحق الذكر، بل لقيت في بعض ~~الأماكن كل المساعدة والتسهيلات. # | الفصل ms010 الأول # عدد الجيش المصري. # الأسطول. # حامية عكا. # الحصار. ~~*** # كانت الحملة المصرية التي وجهت إلى عكا وسوريا مؤلفة من ستة آلايات من المشاة، وأربعة ~~من الفرسان، وسلاحها أربعون مدفع ميدان، وأكثر منها من مدافع الحصار، وكان هذا الجيش المصري ~~أول جيش شرقي سار على النظام الحديث، حتى إن إبراهيم باشا ذاته تعلم في المدرسة النظامات ~~العسكرية كأحد الجنود. وقد بلغ عدد الجيش المصري الذي نظم يومئذ على الطراز الحديث نحو ~~مائة ألف مقاتل، وكان مع هذا الجيش عدد كبير من الفرسان العرب ورجال القبائل ~~المصرية. # أما الأسطول الذي جدده المهندس الفرنساوي «سيرزي» ونظمه «بيسون» بعد احتراق الأسطول في ~~فرضة نافارين، فقد ركبه إبراهيم باشا من الإسكندرية إلى يافا، وكان أركان حرب الحملة ~~مؤلفا من عباس باشا حفيد محمد علي، ومن إبراهيم باشا ابن أخيه، ومن سليمان بك - ~~الكولونيل سيف - ومن أحمد بك المنيكلي. # وكان هذا الأسطول مؤلفا من خمس سفن كبيرة تبعتها السفن الصغيرة في مدى أربعة أيام، ~~فلما رسا الأسطول قبالة يافا نزل وجهاؤها وعرضوا على إبراهيم تسليم المدينة، وكانت ~~حاميتها 250 جنديا، فأنزل بلوكا لاستلامها وأبقى المتسلم حاكما عليها. وجاءته حامية ~~غزة مسلمة، واستولى على مدافع قلعة يافا، وكانت 47 مدفعا مع الذخائر، وأخذ بعض رجال ~~البحر من أهل يافا لإرشاد الأسطول في مياه عكا، ووصل إليه وهو في يافا أن أهل الشام قتلوا ~~رجال الحكم من الترك، واختاروا خمسة منهم لإدارة الأعمال، إلى أن يصل إليهم إبراهيم «سر ~~عسكر» الجيش العربي - كما كان يلقب نفسه - ويوقع أوامره ورسائله إلى أهل تلك ~~البلاد. # ولما ضرب الجيش البري النطاق حول عكا قام الأسطول بحصرها بحرا وقوامه خمس سفن كبيرة ~~وعدة فرقاطات كانت صغيرة، وكانت جملة الجيش ومجموعه 24 ألف مقاتل. # إبراهيم باشا. # أما حامية عكا فكان عددها ستة آلاف مقاتل من الرجال الأشداء، يقودهم بعض الضباط المهندسين ~~من الأوروبيين. وكان سور المدينة منيعا وسلاحها من أقوى الأسلحة. وبعد أن أحكم إبراهيم ~~باشا النطاق حول المدينة برا وبحرا أخذ في 9 ms011 و10 ديسمبر يرميها بالقنابل من كل جهة. ولم ~~تكن تلك القنابل يومئذ سوى قنابل من كتل الحديد والفولاذ المستديرة، لا تنفجر بل تدك ~~وتهدم، وكثير منها لا يزال موجودا إلى الآن في ميادين القتال التي قاتل فيها إبراهيم باشا، ~~وقد استخدمه الأهالي لرص الطرقات. واستمر ضرب المدينة برا وبحرا من الفجر إلى المساء، ~~فألقي عليها في يوم واحد عشرة آلاف كرة وثلاثة آلاف قنبلة، وقد رووا أن فرقاطة واحدة مصرية ~~ألقت 3700 قنبلة. أما حامية عكا فإنها كانت تقتصد بالذخائر كل الاقتصاد لعلمها بأن ~~المدد قد لا يصل إليها سريعا من البر أو من البحر، لا كما كان أمرها يوم حاصرها نابليون ~~قبل حصار إبراهيم بنحو اثنين وثلاثين سنة؛ لأن الإنكليز كانوا يومئذ يمدونها بالذخائر من البحر. # سيرزي بك مؤسس البحرية المصرية. # وأصيب بعض سفن الأسطول المصري، فعاد إلى الإسكندرية لإصلاح ما حل به من التلف. وفي 19 ~~ديسمبر نصب جيش إبراهيم مدافع الحصار وأخذ بإطلاقها على المدينة التي ظلت على المقاومة حتى ~~آخر يناير، وحينئذ تبين لإبراهيم باشا أن الحصار طويل، فأرسل إلى الأمير بشير الثاني ~~الشهابي - الذي قلنا إنه جاء مصر ونزل في ضيافة محمد علي - ليوافيه إلى عكا، فتأخر قليلا؛ ~~لأن والي حلب - وكان وزيرا كبيرا - طلب منه مقاومة إبراهيم باشا ورده عن سوريا، «فإن ~~لم يفعل يدك لبنان دكا ويبيد سكانه.» ولما تأخر الأمير بشير عن المجيء إلى عكا كتب ~~إبراهيم إلى والده عن تأخره، فكتب محمد علي إلى الأمير كتابا يلومه فيه عن تأخره ويهدده ~~بأنه «إذا خالف عهده معه ووعده له يخرب مساكنه ويزرع في أرضها تينا.» # وقبل وصول كتاب محمد علي إلى الأمير بشير، كان هذا قد ركب من مركزه بلبنان بمائة فارس إلى ~~عكا، وقبل أن يصل إليها التقى برسول محمد علي ومعه ذلك الكتاب، فواصل سيره حتى وصل إلى سهل ~~عكا، فخرج إبراهيم باشا بأركان حربه وبشرذمة من جيشه لمقابلته وأمر بإطلاق المدافع تحية له، ~~فدخل معسكر إبراهيم بموكب عظيم. وكتب ms012 إبراهيم باشا إلى والده خبر وصول الأمير قبل أن يتلقى ~~كتابه، فكتب إليه محمد علي يمتدح صدقه وإخلاصه. وحدث إبان ذلك أن عبد الله باشا رفع الأعلام ~~البيضاء فوق أسوار عكا دلالة على التسليم، فأرسل إليه إبراهيم باشا رسله، وبينما كانوا ~~يتفاوضون بشروط الصلح قطع عبد الله باشا المفاوضة وعاد إلى القتال؛ لأنه تلقى من السلطان ~~كتابا بأن المدد واصل إليه على جناح السرعة، لأن الأوامر كانت قد صدرت إلى الولاة بجمع ~~الجنود لقتال إبراهيم باشا ورده عن عكا. فبعد قطع المفاوضة عاد إبراهيم إلى ضرب القلعة، ~~وحينئذ أرسل الأمير بشير إلى ولده الأمير خليل بأن يحضر إلى عكا، فحضر وتلقى منه الأمر بجمع ~~الرجال اللبنانيين. وأرسل محمد علي إلى إبراهيم بأن يعطي الأمير بشيرا إيالة صيدا، وأن ~~يجعل في يده تصريف أمور المتسلمين وأصحاب المقاطعات. وأرسل إبراهيم باشا الأمير خليلا بألف ~~مقاتل لبناني إلى طرابلس ليقطع الطريق على محمد علي باشا سر عسكر السلطان الذي كان قد وصل ~~إلى حمص، وفي الوقت ذاته وصل القائد التركي عثمان باشا إلى اللاذقية معينا على طرابلس ومعه ~~خمسة آلاف مقاتل، فقبض الأمير خليل على بعض مراسلاته مع مشايخ البلاد وأرسلها إلى والده في ~~عكا، فأمر الأمير بشير ولده أمينا بجمع الرجال، وأرسل إلى «زحلة» الأمير قاسما لجمع ~~المؤن لجيش إبراهيم باشا ومعه ألفا لبناني. وفي أثناء ذلك أرسل إبراهيم باشا أربعة آلاف ~~رجل إلى طرابلس مددا للأمير خليل، ولكن عثمان كان قد وصل من اللاذقية قبل وصول المدد، ~~فقاتله الأمير خليل حتى كسره، وقبض على القاضي والمفتي اللذين كانا يراسلانه ليسلماه ~~المدينة، وقصد إبراهيم باشا ذاته إلى طرابلس، فعند وصوله إلى البترون - وهي على مسيرة ~~ساعتين من طرابلس - فر عثمان باشا ومن معه إلى جهة حمص، فصمم إبراهيم باشا على اقتفاء ~~أثره إلى هناك، والتقى جيشه برجال والي الدين ووالي قيسارية وعثمان باشا فدحرهم وغنم ما معهم. # الأمير بشير الشهابي أمير لبنان. # أما عكا فإنها ظلت ثابتة على المقاومة، وأضر المطر والبرد ms013 بالجيش المصري إضرارا ~~شديدا، ورأى إبراهيم باشا أن يكتفي بالحصار، فاستدعى إليه من الإسكندرية الكولونيل «روماي» ~~الطلياني؛ لأنه اشتهر في حصار قلعة موسوليغي في بلاد اليونان، فوصل مع رفيقه كارتو - وهو ~~كورسيكي - وألبرتيني - وهو إيطالي - إلى معسكر عكا في 2 فبراير، فغيروا شكل الحصار ~~والضرب. # وفي 3 مارس بدءوا بضرب القلاع على الطريقة الجديدة، واستمروا على ذلك عشرة أيام كاملة إلى ~~أن دكوا البرج الذي يحمي باب المدينة، واندك معه جانب من السور، فردم الخندق وهجم ~~المصريون من تلك الفتحة التي فتحتها المدافع، ولكنهم اصطدموا بجيش عبد الله باشا، ولم تكن ~~الفتحة تتسع لأكثر من ثلاثين رجلا، وكان عبد الله باشا قد نصب في تلك الفتحة ذاتها مدفعين، ~~فاستولى عليهما المصريون برءوس الحراب. # ولما دخل الجنود المصريون المدينة أخذ جنود عبد الله باشا يلهبون ألغام البارود المبثوثة ~~في الأرض وتتناولهم نيران البنادق من المنازل، فخشي القواد سوء العاقبة، فأمروا الجنود ~~بالارتداد، وهكذا حبط هجوم 9 مارس 1832. # ولكن هذا الهجوم دل على أن المدينة باتت في حالة الاحتضار؛ لأن الحامية نقصت ولم يبق ~~منها للقتال سوى 900 مقاتل، ولأن الأمراض تفشت فيها وقلت اللحوم والبقول. # أما الباب العالي فإنه لم يفعل شيئا لإمداد عكا؛ لأن رجاله كانوا منصرفين إلى التحاسد ~~أكثر من انصرافهم إلى التعاون، ولأن صدمتهم في طرابلس وحمص أوهنت قواهم وفرقت ~~شملهم. # ولما اجتمع قناصل الدول عند محمد علي لتهنئته بعيد الفطر في 4 مارس حدثهم وحدثوه بأمر ~~الحملة على عكا، فقال لهم محمد علي: # أين هي جيوش جلالة السلطان؟ وأين هم قواده العظام؟ أهو باشا حلب الذي كان منذ عهد ~~قريب باش قواص؟ لا ... إنه يحسن بالباب العالي أن يعمل حسابه قبل أن يهجم على ~~جيشي. # وكان من عادة الباب العالي أن يصدر في كل سنة يوم عيد الفطر التوجيهات أو جدول باشاوات ~~السلطنة وأصحاب الرتب والولايات، فصدرت التوجيهات في تلك السنة وليس فيها اسم محمد علي ~~وابنه إبراهيم، فلم يدل ذلك لا على غضب السلطان فقط، بل ms014 على عزمه على تأديبها - كما كان ~~يفهم دائما من هذا العمل ... # وإليك ما جاء في مقدمة التوجيهات: «رأينا ألا نقطع بتوجيه ولايات مصر وجدة وكريد حتى يصل ~~إلى بابنا العالي جواب محمد علي باشا على ما أرسلنا إليه من الرسائل والفرمانات بشأن ما ~~ارتكبه من الخروج على خليفته وسلطانه، ولزوم عدوله عن خطة الخسة والدناءة التي سار عليها هو ~~وإبراهيم ولده، أو رجوعه إلى حد التأديب وقهره بقدر ما تصل إليه القدرة إن شاء ~~الله.» # أما من الوجهة العسكرية، فالذي يصح قوله أن إبراهيم أدرك عند ظهور عثمان باشا أمام طرابلس ~~وظهور قواد آخرين بين حلب وحمص، أن القواد الأتراك يجمعون قواتهم ليهاجموه، وبدلا من أن ~~يكون حاصرا عدوه يصير محصورا، فأبقى أمام عكا آلايين وصار بعشرة آلاف جندي لمقاتلة ~~قواد السلطان، ووكل إلى الأمير بشير وابنه أمين حراسة خطوط المواصلات وجمع المؤن في زحلة ~~وبعلبك والرياق. ولما وصل إبراهيم باشا إلى القصير خرج أعيان حمص لمقابلته وتهنئته، ثم عاد ~~إبراهيم باشا إلى بعلبك وزحلة، فظن عثمان باشا ورفاقه أنه تقهقر، فقصدوا إلى جيشه ومعهم 12 ~~ألف جندي، فارتد عليهم وفرقهم، فاتجهوا نحو حماه على ما قلنا، واتجهت أنظاره إلى عكا ~~للخلاص من حصارها، فترك قوته في بعلبك بقيادة أخيه عباس باشا ليرقب حركة الجيش ~~التركي. # وهكذا اتبع إبراهيم خطة نابليون قبل ذلك باثنين وثلاثين سنة، فاستولى وهو سائر إلى سوريا ~~على غزة ويافا وحيفا والقدس ونابلس. # | الفصل الثاني # فتح عكا بعد حصار ستة أشهر. # قرار الباب العالي بخلع محمد علي باشا. # تعيين حسين باشا. # حاكما على مصر. # الجيش المصري في سوريا. ~~*** # خريطة تبين مواقع القوات البرية والبحرية أثناء حصار عكا. # في 27 مايو بدأ هجوم المصريين عند الفجر على قلعة عكا من ثلاث جهات، وظل هذا الهجوم ~~متواليا حتى الظهر ثم أوقف خوفا من الألغام؛ لأن أرض المدينة كانت ملغمة كما أنبأ ~~الأسرى. وكان إبراهيم مصلتا سيفه في مقدمة جيشه، فبعد الكر والفر والتقدم والتقهقر توصل ~~إبراهيم بآلايه لاحتلال ms015 أحد خانات المدينة وامتنع فيه، وأخذت جنوده وما تلقته تلك الجنود من ~~الإمداد تتسرب إلى جوف المدينة من جهاتها الأربع، وظهر العجز والملل على الحامية، وظهر ~~الضجر والسآمة والقنوط على السكان، فأرسلوا إلى عبد الله باشا بأن أوان التسليم قد حل، ~~وأرسلوا إلى عبد الله باشا وفدا يطلبون منه العفو، فأجابهم إبراهيم باشا أنه لا يمس أحدا ~~بسوء إذا ألقى عبد الله باشا والحامية والأهالي سلاحهم في الحال. وخشي عبد الله باشا أن ~~تفتك الحامية والأهالي به إذا حاول الفرار، فمكث في داره حتى صباح اليوم التالي إلى أن أرسل ~~إبراهيم باشا حرسا يحرسه في مجيئه إليه، فربط عبد الله باشا وربط الكخيا منديلا في عنقه ~~دلالة على الاستسلام والخضوع. # ولما دخل عبد الله باشا على إبراهيم انحنى إلى الأرض، فتناوله إبراهيم باشا في الحال ~~بكلتا يديه وقال له: «أنا وأنت متساويان؛ فذنبك إلي لا يغتفر ولكنك تجرأت على محمد علي ~~وهو أكبر حلما!» فرد عبد الله باشا بقوله: «هذا حكم القدر.» وجامل إبراهيم خصمه كثيرا حتى ~~أزال وحشته، وبعد تناول العشاء معه هم عبد الله باشا بالانصراف إلى غرفة النوم التي ~~أعدت له في منزل إبراهيم، فقال إبراهيم: «إنك يا عبد الله باشا ستنام الليلة مرتاحا.» ~~فأجابه عبد الله: «كراحتي في كل ليلة مضت.» ثم التفت إلى إبراهيم وقال له: «لا تعاملني يا ~~باشا معاملة الحريم؛ فإن دفاعي يبرهن لك على الضد، وكل أخطائي أني اعتمدت على الباب العالي ~~الذي لا يزيد شرفه في نظري على شرف المومس، ولو أني عرفت ذلك لاتخذت الحيطة ولما كنت ~~اليوم ملقى بين يديك.» # وفي رسالة قنصل فرنسا بكريد إلى حكومته أن عبد الله قال له وهو مار بتلك الجزيرة في شهر ~~يناير بعد إطلاق سراحه: «كان لدي للدفاع عن عكا جدرانها وأسوارها والرجال والمال، ولما ~~استولى عليها إبراهيم باشا كانت أسوارها قد تهدمت ورجالها قد بادت، وقد قتل 5600 من ستة ~~آلاف، ولم يبق معي من المال سوى بعض الحلي.» # محمود بك ms016 الأرناءوطي ناظر الجهادية وجد عزيز عزت باشا. # وأحصى ما ألقته المدافع على عكا من القنابل الكروية والأسطوانية، فإذا هو 50 ألف قنبلة ~~كبيرة و180 ألف قنبلة من القنابل الصغيرة. ولما سلم عبد الله وأقبل الناس على إبراهيم ~~باشا يهنئونه قال في جمع عظيم: «إني سأذهب في فتوحاتي إلى حيث تنتهي البلاد التي يتكلم ~~أهلها العربية.» لذلك كان يلقب جيشه بالجيش العربي. # أما عبد الله باشا، فإنه من الولاة الأشداء الممتازين، طمع في سنة 1822 بأن يضم دمشق إلى ~~البلاد التي يتولى أمرها، فاتفق الولاة على مقاتلته خوفا من امتداد سلطانه، واضطر أن يرجع ~~إلى عكا للدفاع عنها؛ لأن أعداءه حصروها، وكان يخشى أن يحصرها الباب العالي بحرا، فوسط ~~محمد علي باشا لدى الباب العالي فنال ما طلب على شرط أن يدفع 60 ألف كيس - الكيس 500 قرش - ~~فأقرضه محمد علي قسما من هذا المال، ولكنه لم يشأ دفع القرض وجعل عكا ملجأ للفارين من ~~مصر. # وفي 30 مايو سافر عبد الله باشا والكخيا إلى مصر على سفينة حربية مصرية، فوصلت بهما إلى ~~الإسكندرية في 2 يونيو، وعند وصولهما أطلقت المدافع، فأرسل محمد علي قواصا إلى عبد الله ~~باشا ليبلغه أن محمد علي في انتظاره في الديوان. # فلما دخل مر بين صفين من القواصة بقيادة أحد الضباط، ودخل الديوان فإذا بمحمد علي ~~واقف ينتظره، فانحنى أمامه طالبا العفو والغفران، فصافحه محمد علي وطمنه ثم جلس وأجلسه ~~إلى جانبه، وأمر بأن تقدم له القهوة والشبق. وكان الجمهور حاشدا لرؤية عبد الله باشا، فأمر ~~محمد علي ذلك الجمهور بالانصراف، واختلى بأسيره ثم صرفه إلى دار الضيافة التي مكث فيها إلى ~~أن أطلق سراحه وسافر إلى الآستانة في أوائل شهر يناير. # ولما وصل البريد بخبر فتح عكا أمر محمد علي باشا بأن تطلق المدافع من جميع القلاع ~~والحصون بالمدن والبنادر ثلاث دفعات في اليوم مدة ثلاثة أيام؛ إعلانا للفرح والسرور ~~ولإعلان البشرى في أنحاء البلاد. # ثم صدر العفو عن المسجونين والمنفيين ما عدا القاتل ms017 وقاطع الطريق إجابة لإبراهيم باشا، ~~وكان السجن والمنفى في مدينة رشيد. # وأمر محمد علي باشا بعمل وسام مكتوب عليه اسم «محمد علي» بحجر البرلنتي لإرساله إلى ~~إبراهيم باشا تذكارا لانتصاره. # وبلغت خسارة المصريين 1429 جريحا و512 قتيلا. # ونظم الشيخ شهاب الدين تاريخ فتح عكا في البيتين الآتيين، وقد نشرا في ختام تقرير ~~إبراهيم باشا في الوقائع المصرية؛ وهما: # عباس باشا حفيد محمد علي وقومندان القوات المصرية في زحلة والبقاع ~~وبعلبك. # لقد نصر المليك عزيز مصر # وبلغه المنى عزا وملكا # فنادته العلا أن طب وأرخ # بمجد العز تفتح ألف عكا # وبعد سقوط عكا وصل عباس باشا ابن طوسون باشا بأمداد كبيرة من العسكر والعربان، فأرسله ~~إبراهيم باشا لضبط الثغور كصيدا وبيروت، وأرسل الرسائل إلى أهالي البلاد ليطردوا ~~العساكر العثمانية من بلادهم، ووجه إلى متسلم القدس ~~والمفتي وقاضي القضاة الرسالة الآتية: # تعلمون أن في بيت المقدس كثيرا من الديارات والكنائس والآثار الدينية التي تحج ~~إليها في كل عام طوائف النصرانية واليهود، وقد شكا إلينا هؤلاء مما يلاقونه منكم ~~من العنت والقسوة والغلظة عليهم والتحقير لدينهم، فضلا عما أنتم فارضوه عليهم من ~~التكاليف والمغارم الفادحة، غير ناظرين إلا إلى إرضاء أنفسكم والعمل بهواكم، على أن ~~هذه الغايات الدنيئة والأفعال الرديئة لا ترضاها النفوس الأبية، ولا يصح السكوت ~~عليها؛ ولذلك أنهاكم وأحذركم من عاقبة التعرض لأولئك القوم، وأسألكم أن تفسحوا ~~لجماعة القسيسين والرهبان والشمامسة أهل ذلك البيت المقدس من جميع المذاهب قبطا ~~كانوا أو روما أو أرمنا في دينهم ودنياهم، ولا تمنعوهم من إقامة شعائر دينهم، ولا ~~تأخذوا ممن يذهبون زائرين لبحر الشريعة شيئا من الكلف والمغارم، ولا تضيقوا على ~~زائري كنيسة القيامة، ولا تلزموا الصغار بدفع المال؛ فإن أطعتم أحسنتم لأنفسكم، وإن ~~خالفتم أسأتم إليها، والسلام عليكم ورحمة الله. # تقرير إبراهيم باشا # نشرت الوقائع المصرية في 11 محرم سنة 1248 ملخص التقرير الوارد من إبراهيم باشا عن ~~معارك عكا وفتحها، قال فيه «إنه كلف أحمد بك أمير اللواء ومعه مختار أغا البكباشي ~~من ms018 الآلاي الثاني، بالهجوم على الباب بطرف القلعة، وأن يذهب إسماعيل بك أميرالاي اللواء ~~الثاني ومعه الأورطة الثانية إلى باب البرج الذي يصير عليه الهجوم، وأن يذهب إلى ~~الزاوية اللواء عمر بك ومعه الأورطة الثالثة، وإلى برج الكريم عسكر الأورطة الأولى، وأن ~~يكونوا مستعدين لتسلق الأسوار ومعهم السلالم، فيبدأ الهجوم بعد مرور تسع ساعات وربع ~~من الليل بمجرد سماع إطلاق ثلاث قنابل. وجعلنا أحمد يكن باشا مأمورا على محل الهجوم، ~~وتوجهت إلى طابية المدافع خلف عسكر المحاربين على رأس الزاوية ووقفت الأورطة الرابعة مع ~~يكن باشا قبالة البرج ووراءها الأمداد؛ لأن في البرج مستودع عبد الله باشا. وكان ~~التصميم أن نرسل عسكرا إلى الوكالة الواقعة على البحر، ولكن قبل الهجوم بليلة واحدة ~~قرر الذين فروا من القلعة أن تحت تلك الوكالة أربعة ألغام، فعدلنا عن إرسال ~~القوة.» # وبعد أن وصف الهجوم قال: «إن الكلام لا يتسع لوصف الشجاعة الفائقة التي أبداها ~~الجنود، وإذا أخذنا بالأصول الحربية حكمنا بأن استبسالهم كان فوق ما يمكن تقديره، ~~ولكن الأورطة التي تسلقت برج الكريم كانت خسارتها كبيرة لجهل قائدها؛ لأنه لم يدعهم ~~يهجمون على جميع أنحاء المكان عند إعطاء الإشارة. والهاجمون على الزاوية تسلقوا السور ~~بكل سرعة، وعند وصولهم إلى الخندق أطلقوا البنادق ثم صعدوا منه إلى الجهات الأخرى، ~~ولحق بهم بقية العسكر حتى برج الخزينة الذي انقطع سوره. ولما وصلوا إلى باب البرج ~~استل عبد الله باشا سيفه وهجم على عسكرنا فردوه إلى طرف الخندق. ولما رأينا هذا ~~الارتداد هجمت القوة التي معي على طابية المدافع، ثم ارتدوا ثلاثين أو أربعين خطوة، ~~فسللت سيفي أنا وأحمد بك أميرالاي الفرسان ومشيت نحوهم لنردهم إلى الأمام، ولكنهم ~~كانوا يمشون تارة إلى اليمين وتارة إلى الشمال، وحينئذ أمرت أحد الجاويشية بأن يأخذ ~~العلم من حامله، فأبى البيرقدار تسليم العلم، فتقدم جاويش آخر لأخذه منه، فامتنع عن ~~تسليمه، ثم تقدم وفي دقيقة واحدة فعل عسكرنا العجب، وتوارى عسكر العدو وأخذوا ~~يتراشقون بالحجارة، ولم يستطع العدو أن يرجع إلى ms019 مكانه الأول، وقل الذين نجوا منه، ~~وحينئذ رفع عسكرنا بيرقهم وهجموا على البرج الصغير، وصعد الأنفار بسرعة وأخذوا يقاتلون ~~دون ضباطهم، فشتتوا العدو وارتمت بقاياه في الخندق. ولحماية الرجال أمرت ببناء ~~متراس، واستل ثلاثة من الجاويشية سيوفهم، ثم رأيتهم يرمون الرصاص أمامي وسيوفهم ~~مكسرة، وفي الساعة الحادية عشرة وقف إطلاق الرصاص، وأرسلت ضابطا إلى الباب فوجده ~~مفتوحا، فوقف لضبط الوكالة وحصرها. وأمرت بجمع الجرحى من الفرسان؛ إذ رأيتهم ~~مرتمين في الأرض مستلين سيوفهم عند صعودهم القلعة، وبعد ذلك حضر أناس لطلب الأمن ~~والأمان.» # خلاصة تقرير يكن باشا ~~«كان الهجوم يوم الأحد قبل طلوع الشمس على قلعة عكا، فصعد المرحوم إسماعيل بك قائد ~~الآلاي الثاني مع أورطته الثانية، وأحمد بك قائد اللواء مع الأورطة الأولى، إلى برج ~~الباب من الطرف الأيمن، ونصبوا بيارقهم على البرج، فهجم عليهم العدو فردوه إلى ~~الخندق، ورددت أنا الأورطة الرابعة إلى الوراء حذرا من الألغام في البرج. وقد ~~رأيت أن أفندينا السر عسكر مضايق للأعداء كل المضايقة من طرف الزاوية، وأن العدو ~~موجه كل قوته إلى تلك الجهة، فأمرت الجنود بالهجوم على العدو للتخفيف عن قوة السر ~~عسكر، فاستولى رجاله على البرج، ثم اتجهوا إلى اليمين لإقامة المتراس، وضبطوا من البرج ~~مدفعا وأخذوا يلقون ناره على داخل القلعة، وتوفي الميرالاي إسماعيل بك بعد ساعة من ~~إقامة المتراس، وهجم علينا الأعداء ثلاث مرات ولم يظفروا بطائل. وفي الساعة العاشرة ~~دخلت الأورطة الأولى التي أرسلها سر عسكر بين البرج الذي بيدي والبرج المسمى ببرج ~~الإنكليز، ثم دخلت الوكالة واستوليت عليها، فنشر فوق الوكالة بيرق طلب الأمان. وبعد أن ~~استمد الأعداء الأمن والأمان انقطع إطلاق البنادق، وحضر للتسليم والاستسلام جماعة من ~~معلمي الطوبجية ومفتي البلدة وإمام عبد الله باشا، طالبين من مراحم السر عسكر الأمان، ~~فتفضل عليهم به وعفا عن جميع ما يملكون، وأمر برفع السلاح عنهم. وبما أنه أعطى عبد الله ~~باشا الأمان أيضا، فإنه أرسل إليه بعد الغروب اللواء سليم بك، وفي الساعة الخامسة وصل ~~الباشا المشار ms020 إليه مع كتخداه إلى محل حضرة السر عسكر، فقوبل مقابلة الوزير ونال ~~الالتفات والعطف. وفي الساعة السادسة توجه سعادة السر عسكر مع عبد الله باشا ومعهما ~~كتخدا باشا إلى القصر خارج القلعة وأقاموا تلك الليلة. وبما أن العساكر دخلوا القلعة ~~بالحرب، فقد امتدت أيدي بعضهم إلى بعض الأشياء، وإنما صدر إليهم الأمر في اليوم الثاني ~~بأن يردوا كل شيء إلى صاحبه، فردت تلك الأشياء جميعا. وطلب عبد الله باشا التوجه إلى ~~مصر في يوم الثلاثاء 28 ذي الحجة، فأرسله سعادة السر عسكر إلى حيفا مع اللواء سليم بك، ~~ومن هناك توجه بحرا في السفينه المسماة بشيري جهاد من سفن الأسطول المصري.» # إبراهيم باشا داخلا عكا راجلا على رأس جيشه. # بعد وصول عبد الله باشا والي عكا إلى الإسكندرية ونزوله في ضيافة محمد علي بدار ~~الضيافة، وصل أتباعه - وهم جمهور كبير - فأمر محمد علي بإكرامهم وبإنزالهم في ضيافة ~~حكومته المصرية. # وكانت خزانة عبد الله باشا قد وصلت على السفينة التي ركبها من حيفا إلى الإسكندرية، ~~فأمر محمد علي بألا تمس وبألا تدخل دارا من دوره، وأن ترسل مقفلة إلى عبد ~~الله باشا، وكان في تلك الخزانة حليه وجواهره، والحلي والجواهر هي كنوز العظماء في ~~ذاك الحين. # وكان بيد عبد الله باشا وصل على أحد اليونان؛ قسطنطين أنجلو من مدينة صور، بمبلغ ~~مائتي ألف فرنك ليقدم له به المؤن والذخائر، فأرسله إلى محمد علي باشا باعتبار أنه ملك ~~الدولة الفاتحة، فأمر بأن تدفع له قيمته. أما برج الخزانة - الذي أشرنا إليه - فإنهم ~~وجدوا فيه نصف مليون قرش تركت أيضا لعبد الله باشا. ~~••• # قبل أن يفتح إبراهيم باشا عكا أعد للنصر معداته، لا بتأليف جيش ضخم على أحدث ~~الطرق الحربية والأنظمة العسكرية، ولا بإنشاء أسطول قوي؛ بل بمحالفة زعماء سوريا وأمير ~~لبنان، فعاهده مشايخ نابلس على المال والروح، وجمع الأمير بشير الثاني 35 ألف رجل ~~ضبطوا أنحاء البلاد وانصرفوا لجمع المؤن. وكانت الفتن قائمة يومئذ في الأناضول ~~وألبانيا والبلقان فاتهم بها الباب العالي ms021 محمد علي. ولما لم يلق رسل السلطان إلى ~~محمد علي - كصارم أفندي ونجيب أفندي - ما يشفي غلة الباب العالي، توسط قنصل إنكلترا ~~في بيروت لدى إبراهيم باشا، ولكن بلا جدوى. ولما كان 23 أبريل 1832 أمر السلطان محمود ~~بعقد المجلس الشرعي؛ لأنه لم يبق أمامه سوى السلاح الديني الذي أجاب عليه محمد علي في ~~جمع من قناصل الدول بقوله: «هل يسمح السلطان لنفسه أن يحاربني باسم الدين، وأنا أحق منه ~~بمهبط الدين والوحي؛ لأني أنقذت الحرمين الشريفين وأعدت للدين سلطانه، وأنا الآن ~~أحكم مكة المكرمة والمدينة المنورة؟» # انعقد المجلس الشرعي في إستامبول، وهو مؤلف من: ثلاثة مفتين، وأربعة عشر من قضاة ~~العسكر، واثني عشر قاضيا من قضاة المحاكم، وتسعة من أئمة السراي السلطانية والمدارس ~~الشاهانية ومن إمامي جامع أيا صوفيا وجامع السلطان أحمد، فلما اجتمعوا وجه إليهم ~~السؤال الآتي للإجابة عليه: # س: # ما الذي جاء به الشرع الشريف من الأمر بطاعة أمير المؤمنين وخليفة ~~رسول رب العالمين؟ # ج: # قد فرضت له الطاعة والوقوف عند حد أوامره جهد الاستطاعة. # س: # ما الذي جاء به الشرع الشريف في عقاب العامل المارق عن طاعة خليفته ~~وسلطانه الذي أحسن إليه وأتم نعمته عليه، فطغى وتجبر ودس الدسائس ~~وأقام الأحقاد وأيقظ الفتنة الراقدة وعمل على تمزيق ملك سلطانه، فركب ~~متن الجور والعسف وأراق الدماء هدرا وخرب ديار المسلمين، ولم يرض ~~بالطاعة للدين ولا عمل بسنة سيد المرسلين؟ # ج: # يجرد من سائر رتبه ووظائفه، ولا يعهد إليه بأمر من أمور ~~المسلمين، ثم يحل به القصاص ويلقى لوحوش البرية أو إلى طيور الفلا، ~~وهذا جزاؤه في الدنيا، وفي الآخرة الخزي والنار الآكلة. # س: # هل يكون الخليفة مسئولا أم ذلك المارق أمام الله والناس؟ # ج: # لا جناح على الخليفة ولا تثريب؛ فإنه قام بما فرضه الشرع الشريف ~~وجاءت به أحكام الدين الحنيف. # ثم أصدر أولئك المشايخ الحكم الآتي: # حيث ثبت خروج محمد علي وولده إبراهيم عن طاعة سلطانهما فحق العقاب عليهما كما ~~حق على سائر من حذا حذوهما ms022 بشق عصا طاعة أمير المؤمنين وخليفة رسول رب ~~العالمين، وبذلك قضى الشرع الشريف. # أولا: تجريد محمد علي وولده إبراهيم من جميع الرتب والمناصب الديوانية ~~وألقاب الشرف الممنوحة لهما من لدن أمير المؤمنين، ثم بقصاصهما مع سائر من ~~شاركهما في هذا العصيان والخروج عن طاعة السلطان. # صدر ذلك الحكم، فحمله إلى محمد علي قومندان إحدى السفن الإنكليزية، فلم يعبأ به وأخذ ~~مشايخ العلم في مصر وسواها يهزءون بالفتوى والحكم. # وكان جماعة من كبار الأجانب مجتمعين عند محمد علي يوم شاع أن القيصر نقولا قد جن ~~على ما روت الجرائد، فقال أحد الكبراء من الأجانب: لقد سمعنا أن القيصر قد جن، فأجاب ~~محمد علي أن ذلك ليس غريبا، ومهما بلغ جنونه فإن جنون متبوعي السلطان لأكبر، فهو الآن ~~يدعو محمد علي إلى المثول بين يديه بحجة التعاقد معه على ما فيه المصلحة، ونسي كل ما ~~فعله. ثم قهقه ضاحكا حتى استلقى على ظهره من الضحك. ومن خلق محمد علي أنه كان صريحا ~~في القول، لا يكاد يكتم شيئا. ولم يكتف السلطان باستصدار تلك الفتوى والحكم، بل أصدر ~~فرمانا بتولية حسين باشا سر عسكر الدولة؛ أي القائد العام، حكم مصر وكريد وبلاد ~~الحبشة. وإليك ما جاء في ذلك الفرمان: # من سلطان الدولة العلية العثمانية وولي نعمة المملكة العظمى الشاهانية إلى ~~فخر الأمراء المعظمين وقدوة أعيان دولتنا المفخمين حسين باشا ... إلخ. # الموجه إليه من لدن مكارمنا المشهورة ولاية ديار مصر والحبشة وجزيرة كريد ~~وما يتعلق بها. # لا يخفى على من تهمه أخبار دولتنا العلية وما هي عليه مملكتنا العثمانية ~~الشاهانية، أن محمد علي باشا والي الديار المصرية سابقا، بعد أن كان فردا من ~~أفراد الرعية، لا يعرف له حسب ولا نسب، قد تدرج إلى أوج المعالي، وما زال ~~حتى تولى حكومة الديار المصرية من قبل بابنا العالي، فنظرنا إليه بما جبلنا ~~عليه من كرم الطباع، وعاملناه بالرفق والتودد والإخضاع، وكنا نظن أنه يقف عند ~~حد الشكران ولا يخالف لنا كلمة ولا يغلب على طبعه ms023 النكران، وأن يقابل نعمتنا ~~بالصدق، ولكنه أطاع هواه وداخله الغرور والكبرياء ... وجاهر بمعاداة حكومتنا، ولم ~~يقف عند حد من إثارة الفتن وتعميم القلاقل والإحن. وقد أقلق راحة أهالي ~~ألبانيا والرومللي الشرقي بشن الغارة على بلادهم، وكثيرا ما ألح على مصطفى ~~باشا بواسطة جلال بك وفاوللي مصطفى بالخروج عن طاعتنا سرا ، وطالما مناه ~~بالمال والرجال، على أنه لم تخف عنا خافية، وكثيرا ما دس إلى عبد الله باشا ~~والي عكا المخلص في طاعتنا فوقعت بينهما الحرب. وجاء إبراهيم بن محمد علي في ~~عسكر جرار إلى يافا، ففتحها والي طرابلس ودمشق فاستولى عليهما والي عكا فحاصرها ~~فلم نعجل بمؤاخذته. وقد حم القضاء فلم يبق من باعث على التهاون والإغفاء، ومع ~~ذلك نعفو عمن يأتي إلى بابنا؛ سواء كان هو وولده أو أرباب المناصب ~~والعساكر. # وقد أصدرنا فرماننا هذا بتوجيه ولاية مصر وكريد وبلاد الحبشة وما يتبعهما ~~إليك، ورسمنا منا بنزعها من أيدي أولئك المارقين، فعليك أن تسير بالعسكر ~~المنصور إلى حلب ثم تنحدر إلى ديار مصر، فتنزع تلك البلاد من أيديهم. واذكر ~~شفقتي ولا تنس عفوي عمن يتوب ويرجع إلى طاعة الله ورسوله وطاعة خليفته. # ضابط وعساكر نظامية في جيش محمد علي. # وقد أذيع أن السلطان جند 60 ألفا، ولكن محمد علي كان يعرف أن الجيش الذي يستطيع ~~السلطان الاعتماد عليه لا يتجاوز 25 ألفا، وأن الأسطول العثماني مزعزع الأركان لا ~~يستطيع الانتقال من جزيرة إلى أخرى، ومع ذلك عزز قواته وأنشأ خمس سفن جديدة ضخمة ~~سلاح كل واحدة منها مائة مدفع، وأنزل الأولى إلى البحر يوم فتح عكا، وكان الاحتفال ~~بذلك كبيرا في ميناء الإسكندرية. # القائد سليمان باشا الفرنساوي. # وكتب قنصل النمسا إلى دولته «أنه باتت أمام محمد علي بعد فتح عكا خطتان؛ الأولى: أن ~~يستولي على سوريا كلها؛ أي ولايات عكا ودمشق وطرابلس وحلب، وأن يقف في حلب باعتبارها ~~آخر حدود سوريا. والثانية: التقدم في الأناضول بإثارة ولاتها وإيصال الاضطراب والقلق ~~إلى الآستانة. والثانية واسعة النطاق شديدة الخطر؛ لأنها قد ms024 تفضي بتدخل الدول، وهذا ما ~~يخشاه؛ ولذلك يفضل الخطة الأولى.» # وإلى الثانية كان يميل إبراهيم، ولم يختلف الأب والابن على الغرض والغاية ولكنهما ~~اختلفا على الوسيلة. ومما قاله هذا القنصل: «إن مذكرة واحدة أو إنذارا واحدا من ~~إنكلترا تعيد محمد علي أدراجه.» # وكتب المستر باركر قنصل إنكلترا في الإسكندرية إلى حكومته أن محمد علي يرضى بعد فتح ~~عكا بولاية عكا وطرابلس، ولكن فتوى المجلس الشرعي وفرمان السلطان لحسين باشا السر عسكر ~~أثارا سخطه، فأصدر أمرا بتعيين شريف باشا واليا على دمشق، وقد جاء في أمر تعيينه ما يأتي: # إنه بالنظر إلى استحسان ولدنا سر عسكر باشا صدر أمرنا إلى قوله لي محمد ~~شريف باشا الكتخدا حكمدارا مستقلا لإيالة عربستان الشاسعة الملحقة بالحكومة ~~المصرية، وموافقة ما رآه ابننا المشار إليه، نرى حضوره إليه على وجه السرعة ~~بمفرده لتوجيهه للجهة المذكورة بحرا، ثم إرسال أمتعته برا. # وورد على محمد علي من أنحاء سوريا أن الأهالي ينضمون إلى جيش إبراهيم ويقدمون طاعتهم ~~لحكومة مصر ليخلصوا من حكومة الباب العالي الجائرة المخربة إلى حكومة مصلحة معمرة، وأن ~~عرب السردية وعنزة عرضوا تقديم جمالهم للحملة، وأهالي دمشق ينتظرون دخول إبراهيم ~~مدينتهم، وأهالي حلب ينتظرون وصوله بفارغ الصبر. ~~••• # أصدر الباب العالي أمرا إلى الأسطول بالخروج، وهو مؤلف من ست سفن حربية كبيرة ومن ~~ثماني فرقاطات ومن ماية مركب نقل. وقد روى يومئذ قائدا الأسطولين الإنكليزي والفرنساوي ~~أن الأسطول التركي انتقل إلى بشكطاش فقط، فإما أن يدمره أسطول محمد علي إذا هو تعرض ~~للقتال، وإما أن يحصره في أحد الموانئ ويأخذه أسيرا. وقد قرن الباب العالي خبر خروج ~~الأسطول بخبر حشد مائتي ألف مقاتل بقيادة السر عسكر حسين باشا. ولما حدث محمد علي في ~~ذلك كله قال: إن الباب العالي لم يرد سوى تخويفه، ثم حكى محمد علي حكاية تركية فقال: ~~«إن جملا حمل المحمل إلى مكة مدة ثلاثين سنة، فبعد هذه السنين الثلاثين ترك وشأنه في ~~أسواق المدينة يبحث عن غذائه. ولم يكن أحد يجرؤ على ms025 إزعاجه، ولكن أحدهم رأى أن الجمل ~~يتناول كل شيء ولا يعف عن شيء، فأراد منعه ولكنه لم يجرؤ على مسه، فلما اقترب الجمل ~~من محله أخذ يضرب على الأخشاب والآنية بكلتا يديه، فسأله جاره: ولم ذلك؟ قال: لأخيف ~~الجمل وأبعده عن تناول أشيائي. فقال ذلك الجار: أتظن أنه يسمع هذا الطنين وقد كلت ~~أذناه في مدى ثلاثين عاما من أصوات المدافع والموسيقات؟ وبعد أن قص محمد علي هذه ~~الحكاية قال لمحدثيه: أما ذلك الجمل فهو أنا محمد علي.» # شريف باشا والي ألوية الشام ووزير المالية فيما بعد. # أما جيش محمد علي في سوريا فقد قسم إلى ثلاثة أقسام، كل واحد منها كان مؤلفا من 13 ~~إلى 14 ألف مقاتل؛ فالأول في طرابلس تحت إمرة الأمير خليل ابن الأمير بشير ومصطفى بربر ~~عامل الأمير بشير على تلك المدينة، والثاني تحت إمرة عباس باشا في زحلة وبعلبك ومعه ~~سليمان باشا الفرنساوي والأمير أمين ابن الأمير بشير، والثالث جيش عكا مع إبراهيم ~~باشا. # وقد رأى الباب العالي أن يستعين بالدعوة الدينية، فاستدعى من بورصة إلى الآستانة أحد ~~الأشراف المنفيين، وقابله مقابلة فخمة، وعينه أميرا لمكة بدلا من أميرها المخلص ~~لمحمد علي. ووكل الباب العالي إلى سفينتين نمساويتين الوقوف على أخبار الأسطول ~~المصري، فلما وصلت إحدى السفينتين إلى الإسكندرية قال محمد علي لربانها إنه مستعد ~~لإبلاغهم جميع الأخبار حتى يدرك الباب العالي أنه لا أمل له بالفوز. # وشعر محمد علي أن الباب العالي يبذل أقصى جهده في الأهبة والاستعداد برا وبحرا، ~~فعقد عزيمته على أن يقابله بالمثل، فطلب من قنصل فرنسا أن يعرض على حكومته عقد قرض له ~~بمبلغ 12 إلى 15 مليون فرنك - وإن يكن عالما بأنه ليس باستطاعتها أن تفعل ذلك علنا ~~ولكن باستطاعتها أن توحي سرا بعقده - غير أن الحكومة الفرنساوية رفضت أن تعقد هذا ~~القرض أو تساعد عليه مراعاة للباب العالي والحياد، ولكن ذلك لم يقعده عن مواصلة ~~الاستعداد، فأخذ بإرسال النجدات إلى سوريا. # محمد علي باشا. # وأرسل الباب العالي ms026 - بعد أن أصدر المجلس التشريعي فتواه - إلى الدول بألا تسمح ~~لرعاياها بالاتصال بالمواني المصرية، فأرسل وزير خارجية فرنسا رده بأن هذا الذي يطلبه ~~الباب العالي مخالف للقوانين البحرية، وذلك ما أخذت به الدول. ومضمون تلك القوانين هو: ~~«أن حصار الشواطئ والسواحل يجب أن يكون تاما، وأن يحذر المركب في حالة الحصار التام ~~من دخول الميناء، فإذا خالف حق عليه العقاب.» وأما أن تقطع الدول اتصالها بالمواني ~~المصرية بمجرد التنبيه، فذلك ما لا يقول به أحد ولا تقبله الدول. # وكان الأسطول المصري قد ضبط مركبين روسيين ومركبين نمساويين تحمل المؤن والذخائر ~~للأتراك في سواحل سوريا، فاحتجت هاتان الدولتان، وانتهى الأمر بالاتفاق على أن تصادر ~~الحكومة المصرية المؤن والزخائر وأن تدفع أجرة المراكب فقط، وهكذا قطع الأسطول المصري ~~المدد بحرا عن الجيش التركي في سوريا. # أما إبراهيم باشا، فإنه بعد دخول عكا أمر بترميم جدرانها وأسوارها وقلاعها، ونصب ~~المدافع فيها لأنه عزم على جعلها مركزا لجيشه في بلاد الشام. # وكان علماء الأزهر قد وضعوا ردا شرعيا محكما على فتوى المجلس التشريعي في ~~الآستانة، فأذيع ردهم في جميع الأقطار. # ولما حدث القناصل محمد علي في ذلك أجاب أن علماء الأزهر أحفظ للدين وأعرف بأحكام ~~القرآن الكريم من جميع علماء الإسلام، فأنا لم أطلب منهم شيئا، ولكن ما فعلوه إنما هم ~~فعلوه دفاعا عن حرمة الدين من أن تنتهك. أما الرد من جانبي فيحمله ابني إبراهيم إلى ~~قواد السلطان. # لم يضع إبراهيم باشا وقته، فعزم أن ينقض انقضاض الصاعقة على خصومه، فاتجه بعسكره ~~إلى دمشق، وأمر الأمير بشيرا أن يوافيه إليها برجاله، وأمر جيش عباس باشا برقابة الجيش ~~التركي في جهة حمص. وإليك البلاغ الرسمي عن الاستيلاء على دمشق كما نشر في الوقائع المصرية. # في 10 المحرم/11 يونيو توجه العسكر المنصور إلى جهة دمشق، فوصل في 14 منه ~~إلى القنيطرة، ثم انتقل إلى داريا التي تبعد عن دمشق ساعة ونصف الساعة. وفي ~~الساعة الثامنة رتب عسكر آلايات المشاة والفرسان كهيئة قامة. ولما شاهدوا في ms027 ~~اليوم التالي نحو 800 فارس من الأعداء في الجانب الأيسر طلبا للحرب، وفي ~~الجانب الأيمن جماعة من المشاة من أهل دمشق، استحسن أفندينا السر عسكر أن ~~يستصحب معه آلايات الفرسان وأحمد بك أمير اللواء مع الأورطة الرابعة من الآلاي ~~الثامن، ويذهب إلى الذين وقفوا إلى الجانب الأيسر، ويذهب قوجه أحمد أغا ~~مستصحبا فرسانه وفرسان العرب إلى الذين وقفوا في الجانب الأيمن. فلما رأى ~~أصحاب المشأمة إقدام أفندينا السر عسكر عليهم ولوا الأدبار، فتبعهم العسكر ~~وقتلوا منهم بعضا وقبضوا على البعض، وكان علي باشا والي دمشق والشوربجي ~~وشمدين أغا في المعسكر في المكان المسمى «المرجة»، وكل من أمين الكلار ~~والمفتي والنقيب ورشيد أغا والترجمان في بيت أمين الكلار والقاضي في المكان ~~المسمى «باب توما»، فهربوا جميعا وكانوا نحو 1500 فارس و500 راجل، وحينئذ جاء ~~جماعة من المدينة طلبا للأمن والأمان، وطلبوا أن يتشرفوا بمقابلة أفندينا رئيس ~~العسكر، فأرسل إليهم رسولا يبلغهم بأنه أعطاهم ما طلبوه من الأمن والأمان. # لوحة تذكارية تمثل إبراهيم باشا يقود جنوده أثناء حصار عكا ~~واقتحامه أسوارها. # وعند شروق الشمس وصل الأمير بشير ومعه نحو 5000 من الفرسان والمشاة، وتقابل ~~مع أفندينا، وذهب مع رجاله إلى المدينة من طريق وذهب أفندينا إليها من طريق ~~آخر. وبينما هو في الطريق حضر كبارهم لاستقباله، وفي الساعة الرابعة أعد لكل ~~فريق من جيشه المنصور مكانا خاصا به في المدينة، ونظم شهاب الدين هذين ~~البيتين في تاريخ فتح دمشق: # ولما جل شأن عزيز مصر # ودان لعزه غرب وشرق # دعته الشام شرفني وأرخ # بيمن العز قد ملكت دمشق # ولما كان بعض الدروز والمتاولة قد نهضوا لارتكاب الشغب في لبنان والبقاع ~~وحوران بتحريض القواد الترك، أمر إبراهيم باشا بنزع سلاحهم وبتوزيع 13 ألف ~~بندقية على اللبنانيين لمطاردة المشاغبين. # ورأى إبراهيم باشا تأليف مجلس شورى في دمشق لضبط الأعمال، فصدر عن ذلك البيان ~~الآتي الذي أعلن في 15 صفر: # صدر أمر السر عسكر إبراهيم باشا في 15 صفر إلى الأشخاص المذكورة ~~أسماؤهم فيما بعد، وهم ms028 من أشهر عائلات دمشق الشام وأكابرها وأعيانها ~~وشيوخها؛ ليكونوا أعضاء المجلس المخصوص، وهم: محمد حافظ بك العظم، ~~وسليم أفندي كيلاني، ومحمد أفندي عجلان، ومحمد نسيب أفندي حمزة، وعلي ~~أغا كاتب الترجمان، وصالح أغا المهايتي، وعلي أغا كاتب الخزانة، وعبد ~~القادر أغا كيلاهلي، وأحمد أفندي البكري، وأحمد أفندي المالكي، ومحمد ~~راغب أفندي حسني، وأحمد أفندي أنسي، وإبراهيم بك المسودن، والحاج نعمان ~~أغا باشجي، والشيخ سعيد، والحاج إبراهيم بستولي من التجار، وصباحي أغا ~~الحكيم، ومحمد أغا الكبير، ومحيي الدين أغا خير، وعبد القادر أغا خطاب ~~من أغوات الاختيارية، والخواجه روفائيل الصراف، والخواجة ميخائيل كحيل، ~~وجميعهم 22 ذاتا. # فليكن معلوما أنه عملا بالحديث القائل: كل راع مسئول عن رعيته. وجب ~~علينا النظر في أمور الرعية وأحوالها بما فيه الراحة والرفاهية من كل ~~الوجوه، الأمر الذي لا يحصل إلا بنشر بساط العدل والإحسان عليهم وفصل ~~الأحكام فيها بالحق. قد استحسنا تشكيل مجلس مخصوص من خواص العقلاء ~~وأصحاب الرأي من الأعيان والأكابر والتجار للنظر في القضايا والمشورة ~~فيها؛ ولذلك قد اخترناكم من عموم أهل دمشق الشام، وأذناكم بسماع ~~الدعاوى وبتحويل الشرعية منها على الشرع الشريف. # أما ما يتعلق بسياسة الأمور الأخرى، فيكون الفصل برأيكم وبعد التشاور ~~وتداول الآراء بين أرباب المجلس جهرا، واتفاق الآراء يحكم بما تتفق ~~عليه الآراء، وبعد الحكم يقدم تقرير بذلك إلى مجلسنا للتنفيذ، ويكون ~~ذلك بلا ميل ولا غرض في النفس ولا شهوة خاطر، ولا انحراف إلى كبير أو ~~صديق أو وجيه. وكل من أخفى رأيه لعلة أو لعدم نقد كلام من هو أعظم ~~منه من أرباب المجلس، فيكون قد خالف أمرنا وأوقع نفسه تحت طائلة ~~الملامة. # صدر أمرنا هذا ليكون حجة عليكم، فاغتنموا ثواب الرعية وجزاء الخدمة ~~الدينية الجليلة، والحذار الحذار من الخلاف. # وبعد احتلال دمشق أسرع إبراهيم باشا بجيوشه لمقابلة قوات الباشوات الترك في ~~حمص. # | الفصل الثالث # بعد فتح دمشق. # الزحف على حلب. ~~*** # يقول المصريون: إن الشام جنة الدنيا، وقد فتحنا لهم الشام فماذا يريدون فوق ~~ذلك؟ # من كتاب ms029 إبراهيم باشا لوالده # في 15 يونيو 1832 دخل إبراهيم باشا دمشق وأقام عليها أحمد بك العظم متسلما، إلى أن أعلن ~~تأليف المجلس المخصوص من 22 عينا ليتولى شئون الولاية والألوية. وكان محمد علي باشا قد عين ~~محمد شريف باشا واليا على دمشق، ووكل إبراهيم باشا إلى الأمير بشير تعيين المتسلمين، ~~فعين متسلمي صيدا وبيروت وطرابلس واللاذقية من الأمراء الشهابيين أبناء عمه، وصدرت ~~أوامر إبراهيم باشا إلى محمد منيب بك والي عكا بتأييد هؤلاء المتسلمين. ولم يصرف إبراهيم ~~باشا سوى أيام قليلة في دمشق؛ لأن الباشاوات قواد الجيوش التركية كانوا قد اجتمعوا بجيوشهم ~~في سهول حمص، فصمم على مباغتتهم والزحف على حلب للاستيلاء عليها، وكانت حلب آخر مرمى محمد ~~علي إذا لم يضطره السلطان إلى الذهاب إلى أبعد من ذلك. ولما كان محمد علي واثقا كل الوثوق ~~من الفوز والنصر ومن الاستيلاء في أيام قليلة على مدينة حلب، عقد النية على أن يمهد الطريق ~~السياسي، فاستأجر مركبا فرنساويا في 24 يونيو ليحمل منه رسالة إلى حاكم مالطة الإنكليزي، ~~بغية أن يرسلها هذا الأخير إلى حكومته؛ لأنه لم يكن يثق أقل ثقة بالقنصل الإنكليزي، لما ~~كان يظهر من الجفاء نحو مصر ودس الدسائس لمحمد علي وإبراهيم، وليحمل رسالة من قنصل فرنسا ~~إلى حكومته بآراء محمد علي. # وقد حدثنا عن ذلك قنصل فرنسا ميمو في رسالته إلى وزير الخارجية سيبستياني فقال: # إن محمد علي لم يستأجر السفينة الفرنساوية لتحمل إلى مرسيليا ومنها إلى أوروبا ~~خبر فتح دمشق، ولكنه استأجرها لتحمل منه رسالة إلى الحكومة الإنكليزية بواسطة حاكم ~~مالطة؛ لأنه لا يثق بالقنصل الإنكليزي، ويعتقد بأنه يتلاعب بالإعراب عن أفكاره ~~وآرائه. أما أنا فلم يسلمني رسالة، ولكنه أملى علي أفكاره التي يريد أن يعرضها على ~~وزير الخارجية، وهي: # يرى محمد علي أن تركيا واصلة حتما إلى أزمة من الأزمات الكبيرة التي يتقرر بها ~~مصير الأمم والدول، والآن يتم الانفصال بين شطرين من السلطة تقضي الحوادث والأنظمة ~~والضرورة والأقدار بفصل أحدهما عن الآخر. وكان بالإمكان ms030 تلافي ذلك لولا غفلة ~~السلطان؛ لأن محمد علي كان يود دائما - بالرغم من انفصال أحد الشطرين عن الآخر ~~بالفعل والواقع - أن يظل التابع الخاضع المخلص، ولكن العناية أرادت غير ما أراد، ~~فالآن قد تم تأليف المملكة العربية، والبلاد العربية هي مهبط الوحي، وهي تحتضن ~~الأماكن المقدسة، وفيها مقر الخلافة وتطوقها الجبال من كل جانب كالأسوار، وإذا ~~اضطرت للدفاع عن نفسها أنشأت القلاع والحصون التي سيتضاعف عددها. # واليوم ننتظر أن يرتمي أسطول السلطان وجيشه على أسطول محمد علي وجيشه، فيكون مصير ~~أسطول السلطان وجيشه السحق. فلماذا مواصلة هذا القتال الذي لا فائدة منه؟ وأية أمة ~~أوروبية تجد فيه ربحها؟ فلا هي فرنسا ولا هي إنكلترا ولا النمسا ذاتها. وذلك ~~للأسباب التي يعرفها الجميع ولا يجهلها أحد. # والدولة الوحيدة التي يهمها سقوط السلطنة العثمانية هي الدولة الروسية. ألا يقوم ~~الدليل على ذلك بدفعها الباب العالي بكلتا يديها ضد محمد علي مع إعلان الغضب والسخط ~~عليه؟ # فمنذ تملكت الغفلة الباب العالي نراه لا يعمل شيئا إلا بنصيحة روسيا وأوامرها، ~~وروسيا تعرف أن مصر صارت قوة، وأن هذه القوة تؤيد عند الحاجة الباب العالي ضدها. ~~ولكن الجنون تملك الباب العالي فانساق لإرادتها ضد الشطر القوي الحي في السلطنة، ~~ولذلك تريد روسيا أن يمزق بعضنا البعض. # فهل تسمح فرنسا وإنكلترا بأن تحفر السياسة الخادعة هذه الحفرة ليتردى فيها الجهل ~~والغباوة؟ # إن عليهما وحدهما وعلى رأيهما ووساطتهما الحيلولة دون فعل الدسائس، فإذا فعلتا ~~كان عملهما خدمة للباب العالي ذاته وللسلام وللإنسانية. # أما محمد علي، وإن كان قد أهين وسب، فهو لا يطلب - والنصر حليفه - إلا ما كان ~~يطلبه قبل القتال، فلا يمتد نظره إلى أبعد من إلحاق سوريا حتى حلب بولاية مصر تحت ~~سيادة السلطان، وعلى شروط موافقة للسلطان كل الموافقة. أما إذا ترك قياد السلطان ~~لصديق ماكر، فقد تكون النتيجة عليه بلايا شديدة. # فهو الآن محتقر مكروه من جميع المسلمين؛ لأنهم يعدونه المخرب والعدو للسلام. ~~أما محمد علي، فهو في نظر الجميع السند للدين والمدافع ms031 المخلص عنه، والمؤمنون ~~في جميع أنحاء السلطنة تتجه أنظارهم إليه، وكل جهة ترسل إليه رسلها في طلب ~~المساعدة والعون. # وهل من يشك الآن في أن الانتصار في سهول حلب بفضل عبقرية إبراهيم العسكرية، ~~وبفضل تفوق العرب، وبفضل فوز الأسطول المصري، سوف يحكم بمصير إستامبول؟ # فإذا كانت الدولتان الصديقتان تريدان أن تصل الأمور إلى هذا الحد، فمحمد علي يود ~~إبلاغه ذلك. وعنده أنه لم تبق إلا هذه الوسيلة للحيلولة دون انحلال السلطنة، وهذه ~~الوسيلة هي المتفق عليها بين جميع عقلاء السلطنة؛ لأنها تصون الوحدة التي تساعد ~~على إنقاذ الجميع. # وأشار قنصل فرنسا إلى فتنة والي أشقودرة قبل ذلك، وأنه كان الغرض منها خلع السلطان وتولية ~~ابنه تحت مجلس وصاية. # ذلك كان مسعى محمد علي السياسي المقرون بالنجاح العسكري، ولكن هذا المسعى لم يوقفه عن ~~إرسال النجدات لإبراهيم، فأرسل إليه ستة آلاف جندي نظامي؛ حتى قالوا إن مصر خلت بعد هذا من ~~الجند النظامي؛ لأن محمد علي كان في مأمن من الأسطول التركي. # وكان جيش إبراهيم باشا مؤلفا يوم دخوله دمشق من 30 ألفا، يؤيدهم 15 ألفا من رجال ~~الأمير بشير الشهابي، وصدر أمر محمد علي إلى أسطوله بالخروج إلى البحر للبحث عن الأسطول ~~التركي وهو مؤلف من: # 3 سفن صف، وسلاح كل واحدة أكثر من 100 مدفع. # 1 سفينة صف، سلاحها 74 مدفعا. # 5 فرقاطات، سلاح كل واحدة 60 مدفعا. # 2 فرقاطتان، سلاح كل واحدة 44 و50 مدفعا. # ويتبع ذلك مثل هذا العدد من السفن الأخرى الصغيرة الحربية، و4 جرافات كبيرة يتولى قيادتها ~~جماعة من اليونان، وهذا ما دعا الباب العالي إلى الاحتجاج لدى الدول؛ لأن محمد علي استخدم ~~في بحريته متطوعة اليونان من أهالي الجزر. # أما قواد السفن الكبيرة، فكانوا فرنساويين اثنين وإنكليزيا واحدا ومصريا كان قد ~~أتم تعليمه في البحرية الفرنساوية، وكان أميرال هذا الأسطول محمد عثمان باشا، وهو رجل شديد ~~البأس واسع المعرفة. # أما الأسطول التركي فكان مؤلفا من: # 2 من السفن الضخمة، سلاح كل واحدة منهما 140 ms032 مدفعا. # 3 سفن، سلاح كل واحدة منها 84 مدفعا. # 6 فرقاطات، منها ثلاث كبيرة. # 10 نسافات. # 5 جرافات. # 2 زورقان. # 1 نقالة. # وكان سلاح الأسطول التركي أضعف من سلاح الأسطول المصري، وأكثر رجاله ممن لم يركبوا البحر، ~~فلم يكن أحد من رجال البحر يصدق أن أسطول السلطان يستطيع مواجهة أسطول مصر. ~~••• # أما خطة إبراهيم باشا، فكانت القضاء على جيش الباشوات في حمص، وهو لا يزيد على 26 ألفا ~~قبل وصول جيش السر عسكر حسين باشا وهو 12 ألفا، وقد جاء من طريق قونيه ومر بطريق ~~أنطاكية. # نهض إبراهيم باشا من دمشق في 30 يونيو قاصدا حمص، ومعه الأمير بشير وابنه الأمير خليل ~~وأمراء وادي التيم ومشايخ نابلس، ولما وصل إلى النبك وجه الأمير بشيرا ومن معه إلى دير ~~عطية، واتجه هو ذاته إلى القصير، فخيم على مجرى نهر العاصي ثم نهض إلى بحيرة حمص. وبينما ~~كان مجدا السير كان الباشاوات الترك الثمانية منهمكين بتبادل الزيارات وتقبل التحيات ~~ونصب الخيام الضخمة ... إلخ. # ففي صباح 8 يوليو انقض جيش إبراهيم على حمص انقضاض الصاعقة، فمزق شمل الجيش التركي كل ~~ممزق، واستولى على سلاحه ومهماته ومراسلاته، ومنها رسالة من الباب العالي إلى باشا حلب ~~بأن يرسل إبراهيم باشا حيا إلى إستامبول. وبلغ عدد قتلى الجيش التركي 2500، وقتلى الجيش ~~المصري 102، وجرحاه 162، وأسر الجيش المصري نحو ألفين أرسلوا إلى عكا وخيروا بين ~~الذهاب إلى بلادهم أو الانضمام إلى المعسكر المصري في بلدة النحيلة. # أما الباشاوات قواد العسكر التركي فكانوا: محمد باشا والي حلب وهو القائد الأكبر، وعثمان ~~باشا والي المعدن، وعثمان باشا والي قيسارية، وعلي باشا والي دمشق، وعثمان باشا والي ~~طرابلس، ومحمد باشا الكريدلي، ومحمد باشا فريق عسكر الجهادية، ونجيب باشا، ودلاور باشا. ولم ~~يقف إبراهيم باشا في حمص، بل سار بجيشه يقصد إلى حماه للحاق بهم، ولكنه تلقى الخبر ~~بأنهم لم يقفوا في حماه، بل تركوا مدافعهم في الطريق وواصلوا السير، فسطت عليهم عربان ~~عنزه، فأرسل إبراهيم باشا إلى عكا في طلب الطوبجية ms033 لإصلاح المدافع التي غنمها، وهي جميع ~~مدافع الجيش التركي الذي ارتدت بقاياه بلا مدافع، وبقايا هذا الجيش لا تزيد على 1500 ~~مقاتل. # ولم يقف إبراهيم باشا في حماه، بل واصل السير إلى حلب، وبينما هو في قرية زينان جاءه ~~فرسان العرب بستة من الأسرى فأخبروه أن الباشاوات ومعهم السر عسكر حسين باشا طلبوا من محكمة ~~حلب إصدار حكم بتقديم المؤن للعساكر، فأبت وأبى الأهالي تقديم هذه المؤن، وتظاهروا بالعداء، ~~فغادر الباشاوات حلب إلى عينتاب تاركين في حلب 16 مدفعا والخيام والذخيرة والمهمات، فركب ~~إبراهيم مع الفرسان بقيادة عباس باشا ووصل إلى حلب، فدخلها على الترحاب وقدم له الطاعة ~~قاضيها ومفتيها وأعيانها. # وقبل أن يدخل إبراهيم حلب كتب إلى محمد علي والده يقول: «ها قد فتحنا الشام التي يقول ~~المصريون إنها جنة، فماذا يريدون منا فوق ذلك؟» # وهكذا انتهى فتح الشام الذي كانت بدايته في شهر أكتوبر سنة 1881 ونهايته في شهر يوليو سنة ~~1882. # وهذا هو المنشور الذي صدر لأهالي حلب: # عمدة العلماء الأعلام، حاكم الشريعة الغراء بمدينة حلب الشهباء، الأفندي الأفخم ~~زيد فضله. # والمأذون بالإفتاء بها نخبة العلماء الكرام، الأفندي المكرم زيد بقاءه. # وفرع الشجرة الزكية، طراز العصابة الهاشمية، قائمقام نقيب أشرافها، الأفندي ~~الأكرم زيد شرف سيادته. # وافتخار الأماجد والأكارم، متسلمها حالا سياف زاده السيد إبراهيم أغا زيد ~~مجده. # مفاخر الأماجد والأعيان، وجوهها الكرام وأعيانها وساداتها ذوي الاحترام. # أحيطوا جميعا علما بأنه يجب قيامنا وتحريك ركابنا لطرف مرعو. فاقتضى إيفاد ~~قائمقام لأجل تدوين أمور بلدتكم وضبطها وإجراء حكومتها وربطها. # بناء على ذلك قد نصبنا رافع أمرنا هذا افتخار الأماجد والأكارم سياف زاده السيد ~~إبراهيم أغا المتسلم الموما إليه، وأبقيناه لأجل إدارة مصالح البلدة ورؤية ~~أمورها. # فأنتم أيها المخاطبون إذا صارت الكيفية معلومكم تكونون جميعا مع الأغا الموما ~~إليه بالاتفاق، وتشدون عضد المواحدة والاتفاق لإيفاء مراسم الخدمة المبرورة وإجراء ~~مراسم المساعي المقبولة المشكورة لدى جانب ولي النعم أفندينا السر عسكر باشا ~~المعظم. # وأنت أيها القائمقام يلزم منك الانتباه واليقظة في محافظة ms034 الطرقات وأبناء السبيل، ~~وعدم التعرض لأحد إلا بالوجه الشرعي، واستجلاب دعوات الفقراء والرعية وديعة رب ~~البريه، وبذلك تحوز رضا سعادة أفندينا ولي النعم المعظم ورضانا ... إلخ. # 1248 # خاتم # إبراهيم توفيق # طغراء # يكن إبراهيم # قائمقامي حلب # | الفصل الرابع # آخر معركة في الأراضي السورية وارتداد الترك إلى الأناضول. ~~*** # دخل إبراهيم باشا مدينة حلب في 15 يوليو، ونظم فيها الحامية، واحتل القلعة، وأرسل طلائع ~~جيشه إلى جهة الفرات ليقف على أحوال العراق وأعالي الأناضول، حتى يكون آمنا من تلك الجهات ~~على مؤخرة جيشه. وكان قد عين متسلما لحمص وآخر لحماه من أعيان دمشق، وأعاد الأمير بشيرا ~~إلى لبنان، ولم يبق أمامه لإتمام فتح سوريا سوى القضاء على جيش السر عسكر حسين باشا الذي ~~قلنا إن السلطان محمودا أصدر أمرا بتعيينه واليا على مصر وكريد وبلاد الحبشة وملحقاتها، ~~والرجل كان واليا على أدرنه، وكان مشهورا بقوته البدنية، فما وصل هذا السر عسكر إلى ~~أنطاكية حتى كان إبراهيم باشا قد قضى على جيش الباشاوات الثمانية في حمص، فلم يمكن السر ~~عسكر من الانضمام إلى جيش الباشاوات. والتقى السر عسكر بفلول الجيش المكسور في جسر الشغور، ~~ولم يساعده أعيان حلب على دخول تلك المدينة، فاتجه إلى بيلان. # وبيلان واد بين جبلين عاليين، يطلقون عليه اسم البوغاز، وفيه تمر القوافل بين حلب ~~والإسكندرونة، وهو مشهور في التاريخ بمناعته، وقد كان ممر جميع الجيوش المقبلة من الغرب ~~إلى الشرق، فأخذ حسين باشا يحصنه بمدافعه وجنوده. وقد قالوا إن سلاح جيشه كان 160 مدفعا، ~~وعدد ذلك الجيش ستون ألفا؛ منهم 45 ألف جندي نظامي، فأسرع إبراهيم لمقاتلته قبل أن يسترد ~~جيش السر عسكر قوته وقبل أن يستريح ويتم معاقله في جنبات ذلك الوادي. # وإذا كانت للقيادة أهميتها، والقائد من الجيش كالرأس من الجسم، فاسمع كلمة كلوت بك في ~~حسين باشا سر عسكر جيش السلطان محمود، قال: «ألبس السلطان محمود قائده العام كسوة القيادة ~~العليا، وهي المعطف القصير ذو البنيقة المزركشة بأسلاك الذهب، وأهدى إليه سيفا مرصعا ~~بالألماس وجوادين عربيين ms035 مطهمين، وقلده رتبة المشيرية. فمن هو هذا القائد العام الذي ~~فاز بمثل هذه الزلفى من الحضرة السلطانية واقترن نجمه بالسعد إلى هذا الحد؟ # هو مبيد الانكشارية، كان في أول عهده حمالا، ثم جاسوسا، ثم رئيس قلعة، ثم مهيجا، ثم ~~جلادا ثم باشا الباشاوات. كان سيفا ماضيا فيما مضى، ولكنه الآن سيف لا يخرج من قرابه، ~~وكان الفريق محمد باشا معتوق حسين باشا قائد الطليعة.» ~~••• # وصل جيش إبراهيم باشا إلى مضيق بيلان في 29 يوليو عند الساعة الثالثة بعد الظهر، وأخذ في ~~الحال يدرس مواقع أعدائه في الجبلين المشرفين على الوادي، فوجد أن جيش السر عسكر حسين باشا ~~قد أهمل بعض الأنجاد العالية، فأدرك لساعته أن احتلال تلك الأنجاد يمكنه من سحق عدوه، ~~فلم يقعد ولم يسترح، بل وجه بعض قواته إلى احتلال تلك المرتفعات، وحول عنها نظر أعدائه ~~بمهاجمتهم وإطلاق المدافع عليهم من الجهة المقابلة، فلم يلتفت قواد الجيش التركي إلى ما ~~وراءهم، فأخذهم جيش إبراهيم بحركة التفاف من ورائهم. وهنا ندع تفاصيل الموقعة ونتائجها ~~للتقرير الرسمي الذي أرسل إلى محمد علي وإلى الأمير بشير وإلى جميع الولاة والمتسلمين في ~~أنحاء سوريا ليذيعوه، وهذا هو نص التقرير، وهو آخر تقرير عن آخر معركة في الأراضي العربية السورية: # القشرة الثامنة لجيش سوريا # في 2 ربيع الأول/29 يوليو في نحو الساعة الثانية بعد منتصف الليل، زحفت قوتنا من ~~جسر مراد باشا، وفي الساعة الثامنة قبل الظهر وصلت إلى المضيق المسمى بوغاز ~~بيلان، وفي الساعة الخامسة أنبئنا أن المشير حسين باشا ومحمد باشا - الذي كان ~~واليا على حلب - وآخرين سواهم قد عسكروا وراء المضيق مع بقية جيوشهم النظامية ~~والمتطوعة، وأنهم نصبوا المدافع على الروابي والآكام، وأنهم نصبوا بعض البطاريات ~~على القنن العالية. # ولما ثبتت للقائد العام إبراهيم باشا صحة هذه الأخبار، أمر اللواء حسن بك أن ~~يتقدم بالآلاي الثالث عشر من المشاة، والآلاي الثامن من الفرسان، مع خمسة مدافع في ~~الطريق الواقع على الميمنة، وسار القائد العام على المسيرة ومعه الآلاي 18 والفرقة ms036 ~~8 البيادة وآلاي الحرس و12 مدفعا. # أما الآلايات الأخرى من الفرسان فأوقفت في الجهات الأخرى من المضيق. ولما رأى ~~العدو تقدم قواتنا أخذ يطلق مدافعه من الآكام المشرفة على طريقي الجيش، ولكن ~~مدافعنا صبت عليهم النار الحامية، فأسكتت بعد ساعة مدافعهم، إلا مدفعا واحدا ظل ~~يطلق نيرانه. وبينما كانت مدافعنا تصب نارها على ميسرة العدو، صدر الأمر إلى ~~الآلاي الثامن بالتقدم. ولم يمض إلا القليل حتى وصل هؤلاء الأبطال إلى الأعالي ~~التي تشرف على مواقف العدو في الميسرة، ومن هناك ضربوه بشدة عظيمة، حتى اضطر إلى ~~الفرار تاركا مدافعه ومهماته وذخائره، فارا عندما أذنت الشمس بالمغيب متجها ~~نحو أدنه. # أما عسكرنا، فإنه صرف ليلته في محل المعركة . وفي اليوم التالي؛ أي 30 يوليو، ~~وجهت فرساننا منذ الفجر لاقتفاء أثر العدو، وذهب باقي الجيش إلى بيلان، وهناك ~~التحق عارف بك أميرالاي الفرقة العاشرة من جيش العدو بجيشنا، فعينه القائد العام ~~أميرالايا للآلاي العشرين من المشاة. # ومما يقوله عارف بك أن فرقته كانت مؤلفة عند قيامه من قونيه من 2268 رجلا، فصار ~~عددها من جراء المرض والفرار والموت في صباح أمس 1888 رجلا. # وبعد فرار عليش باشا من اللاذقية جاء 60 فارسا و600 رجل من الإسكندرونة مستسلمين ~~للقائد العام، فترك لهم حرية البقاء أو العودة إلى بلادهم، وأمر بأن يعطوا حاجتهم ~~في السفر. والذي رواه هؤلاء أن عليش باشا أرسل حريمه إلى قبرص وركب باخرة إلى ~~الإسكندرونة لينضم إلى إبراهيم باشا ومعه ستة مدافع. # أما فرساننا، فإنهم ظلوا يعملون بسيوفهم في مؤخرة الباشاوات حتى أدنه، وعادوا ~~ومعهم 1900 أسير. # وفي أول أغسطس قدم أهل أنطاكية خضوعهم وطاعتهم، فعين خليل بك متسلما لإقليم ~~بيلان، أما باشا حلب فإنه مر بعينتاب تاركا مهماته التي غنمناها، وقد بلغنا أنه ~~الآن بملاطيه ومعه بضعة أنفار. # وخسارة العدو في بيلان 39 مدفعا غنمناها. # وفي 2 أغسطس تلقى القائد العام من أيوب بك من قبيلة مللي كتاب الخضوع، فأثبته ~~القائد العام في وظيفته في أورفة. # وجملة ما غنمناه ms037 من العدو في المعارك: 80 مدفعا، ومدفع هاون، وكمية كبيرة من ~~الذخائر من كل نوع، وعدد قتلاه والأسرى أكثر من 12 ألفا، أما الفارون فعددهم كبير ~~جدا. والذي يؤخذ من تقرير عارف بك أن الجيش التركي كان في جهة حمص 36 ألفا ~~نظاميا، لم يلحق منهم بحسين باشا سوى 5 آلاف، وكانت خسائرنا في بيلان 20 جريحا ~~وقتيلا. ا.ه. # سوريا الشمالية. # ومن المخطوطات المحفوظة كتاب إبراهيم باشا إلى متسلم دمشق أحمد بك العظم عن هذه ~~الموقعة الأخيرة في البلاد العربية، وهو بنصه: # افتخار الأماجد الكرام، ذوي الاحترام، الحاج أحمد بك. غب السلام التام بمزيد العز ~~والإكرام نبدي إليكم: إنه نهار الأحد الواقع في 12 ربيع أول سنة 1248 قد لاقت حلول ~~ركابنا بالعساكر المنصورة إلى مرحلة خان قراموط لأجل ضرب عساكر المحتشدين في بوغاز ~~بيلان. # وفي الساعة الستة باليوم المذكور قد تحرك ركابنا من مرحلة الخان المذكور بالعساكر ~~المنصورة وآلة الحرب المهولة، حيث إن البوغاز المرقوم المتحصنين فيه بالقرب من ~~المنزلة التي تحول ركابنا بها. # وفي الساعة التاسعة قد كانت المصادمة في عساكر الدشمان وابتداء ضرب الأطواب ~~عليهم. # وبخصوص تحصينهم بعمل الطوابي وعسر الطرقات هذا جميعه ما أفادهم شيء سوى أنه في ~~مسافة ساعتين زمان الذي تبقى منهم بعد الذين قتلوا وانمسكوا باليد ما بين مجروح ~~وقتيل، قد فروا هاربين وللنجاة طالبين مهزومين إلى ناحية أدنه عن طريق إسكندرونة، ~~وتركوا أطوابهم وموجوداتهم، فعند ذلك حالا صدر أمرنا بتوجيه خيالة العساكر ~~المنصورة الجهادية والعرب لأجل اتباع أثرهم ومسكهم جميعا، بحيث إنه لا ينفذ منهم ~~أحد. وبحوله تعالى لا بد من حصول المراد وتدمير الجميع، فبناء على ذلك أصدرنا إليكم ~~مرسومنا هذا لكي بوصوله تعلنوا البشائر إلى جميع المقاطعات، لكي يكونوا جميعا ~~حائزين على السرور والفرح على النصرة العظيمة والمنة الجسيمة؛ ليكونوا دائما ~~مداومين بالدعوات الخيرية بدوام بقاء هذه الدولة السعيدة بوجود دولة أفندينا ولي ~~النعم والدنا عزيز مصر المعظم. # فبناء على ذلك أصدرنا لكم مرسومنا هذا؛ اعلموه واعتمدوه غاية الاعتماد. # وبعد ms038 استيلاء إبراهيم باشا على بيلان، أرسل إليه مفتيها السيد محمد واثنان من كبارها؛ هما ~~أحمد أفندي والحاج إسماعيل أغا أخو محمد باشا أحد القواد الترك، الكتاب الآتي: # يا صاحب السعادة # أمام أقدامكم نقدم خضوعنا، والفرح الذي دخل على قلوبنا بوجودكم لهو فرح عظيم ~~ينسينا جميع الآلام التي أصابت مدينتنا مدة وجود جنود الأعداء فيها، فهؤلاء الجنود ~~لم يبقوا على شيء. فمنازلنا وأموالنا ومواشينا وغلالنا نهبت، ولجأنا إلى الجبال ~~وقاية لحياتنا، ومن هذه الجبال رفعنا الدعوات لنصر جيوشكم ولنجاح مقاصدكم في إنقاذ ~~بلادنا. # فاسمحوا لنا أن نتقدم إليكم بأشخاصنا لنكرر لكم تأكيد عواطف محبتنا، وعرفان ~~الجميل الذي نضمره لكم من زمن بعيد. # وأرسل متسلم بيلان وأخوه مصطفى باشا الكتاب الآتي: # يا صاحب السعادة # منذ عشرين سنة ونحن نود الانخراط في سلك خدمة عزيز مصر، ولم نتوان عن رفع ~~الدعوات لنجاح بيتكم الكريم، حتى أسعدنا الحظ بأن وصل إلينا خبر وصولكم إلى هذه ~~البلاد التعسة وتخليصها من أيدي غاصبها. # ولقد فعلنا كل ما كان بإمكاننا فعله لتنفيذ الأوامر التي شرفتمونا بها، وإذا كنا ~~قد عجزنا عن المجيء قبل الآن لنقدم لسعادتكم الخضوع الواجب، فلأنه قبض علينا ~~الظالمون، ووضعونا تحت أنظارهم؛ لذلك أخرنا إلى اليوم هذا العمل المفرح الذي كنا ~~بانتظاره. ا.ه. # | الفصل الخامس # ماذا فعل الأسطول المصري؟ ~~*** # تولى محمد علي مصر في سنة 1805، ورد الإنكليز عنها في سنة 1807، وعرف أن حكما أو ~~ولاية أو ملكا مستقلا لا يستند إلى القوة لهو ملك زائل ضائع. ولم يخطر له أن ~~يستقل عن تركيا كل الاستقلال، ولكنه خطر له أن يجعل نير سيادتها عليه خفيفا جهد الطاقة ~~- كما يقول مؤرخوه. فبعد أن وحد حكم مصر وأزال حكم الإقطاع والمماليك، وجه نظره إلى ~~تنظيم قوته البرية والبحرية: فبعد أن كان جيشه 20 ألفا جعله بإرشاد سليمان باشا - ~~الكولونيل «سيف» القائم تمثاله في وسط القاهرة وفي الميدان المعروف باسمه - والجنرال ~~ليفرون، والجنرال بواييه، والكولونيل جودان، مائة ألف. فدرب على أحسن الأساليب والأنظمة ~~الحديثة، ووضع نظام القرعة ليكون ms039 الجيش مصريا بحتا، ويتخلص من متطوعة الأرناءوط والجركس ~~وسواهم ممن لا يستطاع الركون إليهم، ووجه عنايته إلى الأسطول كما وجه هذه العناية إلى ~~الجيش، ووكل إلى الأميرال بيسون إنشاء الأسطول، كما وكل إلى الكولونيل سيف تأليف الجيش، ~~ولكن مصر الواقعة على البحرين الأبيض والأحمر بحاجة إلى أسطولين بحريين، ومصر الجاري النيل ~~في وسطها بحاجة إلى أسطول نهري ليصل عليه إلى السودان؛ فأنشأ الأساطيل الثلاثة. # ولما كلفه السلطان بإخماد ثورة الوهابيين، الذين استفحل أمرهم؛ فهدموا المساجد ~~والمزارات والقباب في الأماكن المقدسة، وانتزعوا الزينات كالأواني والمصابيح والقناديل من ~~الذهب الخالص و500 لوح من النحاس مصفحة بالذهب و20 سيفا مرصعا بالجواهر عدا الطنافس من ~~الروضة المطهرة، وأخذوا اللؤلؤة الكبيرة وهي بحجم البيضة، وكانت معلقة فوق الضريح الشريف ~~باسم «الكوكب الدري»؛ لما كلفه السلطان بإخماد فتنهم، لم ير بدا من إنشاء أسطول ~~البحر الأحمر، فكان يعد قطع الأسطول في الإسكندرية ويكلف عشرة آلاف بدوي بحملها إلى ~~السويس؛ حيث ركب ثماني عشرة سفينة في مدى شهرين فقط يتراوح محمول وحداتها بين مائة طن ~~و250 طنا، وكان العمال بالسويس أكثر من ألف عامل من إفرنج وأروام، وجعل مخازن المؤن ~~بالقصير ومخازن المهمات الأخرى بالسويس، وكان محمد علي يقطع المسافة بين القاهرة والسويس في ~~18 ساعة، وكانت القوافل تقطعها في ثلاثة أيام. # ولما استفحل أمر الثوار اليونان ومزقوا جيش خورشيد باشا الذي كان يناوئ «محمد علي» في مصر ~~- وعدد هذا الجيش خمسون ألف مقاتل، انتحر بعد الانكسار قائده ودمر اليونان المراكب التركية ~~- طلب السلطان برسالة تاريخها 16 يناير 1824 من محمد علي أن يرسل جيشه إلى المورة لإبادة ~~العصاة. ولما تلا بوغوص بك وزير خارجية محمد علي على مولاه كتاب السلطان، صاح في وسط ~~الديوان: «فليضع الله جميع تيجان الأرض على رأسك؛ إنك أهل لذلك وجدير به، وإنك الآن بطل ~~أفريقيا وبونابرتها»؛ لأن استنجاد السلطان بالوالي كان أمرا عظيما جدا. # وفي 10 يوليو 1824 قام الأسطول المصري من الإسكندرية، وهو مؤلف من 63 سفينة حربية، ومن ~~مائة ms040 سفينة نقالة ترفع أعلام الدول ما عدا فرنسا، ونقلت هذه السفن الأورط المصرية ~~المنظمة على النظام الحديث؛ وهي أربع أورط، وأربعة بلوكات من مهندسي الطرق، و700 جواد بإمرة ~~حسن بك، ومدافع الحصار والميدان. وكان إسماعيل أغا يقود الأسطول ويقود الجيش إبراهيم باشا، ~~فبعد أن قهر إبراهيم الثوار بمعاونة الجيش التركي اتفقت الدول الثلاث فرنسا وروسيا وإنكلترا ~~على إنقاذ اليونان. # وأبلغوا ذلك إبراهيم باشا، فأجابهم أن الأمر للسلطان ولوالده، ورفض السلطان وساطة الدول، ~~وصدر أمر محمد علي لإبراهيم بمواصلة القتال، وأرسل إليه 92 مركبا عليها أربعة آلاف جندي ~~نظامي. وكان أسطول إبراهيم مؤلفا من سفينتين كبيرتين؛ سلاح كل واحدة 84 مدفعا، و12 ~~فرقاطة كبيرة؛ سلاح كل واحدة 65 مدفعا، و27 سفينة صغيرة، و41 نقالة. فاجتمعت هذه السفن ~~المصرية بالسفن العثمانية واصطفت على شكل هلال، وفي 28 أكتوبر 1827 دخلت أساطيل فرنسا ~~وإنكلترا وروسيا بين الأسطولين المصري والعثماني، ولم يبد منهم العدوان، ولكن سفينة ~~إنكليزية تحرشت بنسافة تركية، فوقع القتال بينهما. وظل محرم بك قائد الأسطول المصري على ~~الحياد، ولكنه اضطر للاشتراك بالمعركة التي دامت أربع ساعات، وأنقذ إبراهيم باشا، وأصلح من ~~أسطوله سفينة كبيرة وست فرقاطات وعشر زوارق مسلحة و35 مركب نقل؛ هذا كل ما بقي من ~~الأسطول المصري. # وفي شهر أبريل 1829 وكل محمد علي إلى المهندس البحري سريزي ترميم أسطوله وإنشاء أسطول ~~جديد بمعاونة المسيو بيسون. وكان يستخدم في بناء الأسطول أربعة آلاف عامل من رجال الصعيد ~~الأشداء، يرشدهم مائتا عامل أوروبي من عمال البحرية، وإنشاء الحياض ودار الصناعة لصنع ~~السلاح والذخائر، ويشرف على العمل بنفسه، فيكافئ المجتهدين ويوبخ ويعاقب المهملين، حتى ~~تمكن من أن يرسل لحصار عكا خمس سفن ضخمة؛ سلاح كل واحدة مائة مدفع، ومن فرقاطات عديدة ~~قطعت البحر على الأمداد التركية، فأسرت سفينتين روسيتين تحملان الذخائر والمؤن لعكا، ~~وسفينتين نمساويتين تحملان مثل ذلك لطرابلس، وفرقاطة تركية وزورقين مسلحين في خليج ~~الإسكندرونة. ونقلت سفن الأسطول آلايين مصريين من الحامية المصرية في كريد إلى ~~سوريا. # ولما اتجه السر ms041 عسكر حسين باشا بقوته من الأناضول إلى سوريا، صدر الأمر السلطاني إلى ~~قبطان باشا بأن يسير بالأسطول إلى الإسكندرونة، وكان هذا الأسطول مؤلفا من سفينتين ~~كبيرتين؛ سلاح كل واحدة 140 مدفعا، ومن أربع سفن؛ سلاح الواحدة 65 مدفعا، ومن 8 فرقاطات ~~مختلفة الحجم، ومن عشر طرادات صغيرة، و8 زوارق مسلحة، وزورقين صغيرين، ومركب بخاري، و45 ~~نقالة من مراكب الأمم الأخرى. فأصدر محمد علي في 14 يوليو أمره إلى أسطوله بالخروج ومقابلة ~~الأسطول التركي، وكان أسطول مصر مؤلفا من ثلاث سفن؛ سلاح كل واحدة مائة مدفع، ومن خمس ~~فرقاطات؛ سلاح كل واحدة 60 مدفعا، ومن فرقاطتين؛ سلاح كل واحدة منهما 52 مدفعا، ومن 5 ~~طرادات؛ سلاح الواحدة من 22 إلى 25 مدفعا، ومن 8 نسافات؛ سلاح الواحدة من 8 إلى 20 مدفعا، ~~ومن 20 نقالة، و6 جرافات، ومدفعية بقيادة عثمان باشا والأميرال وسطوش بك وكيله. واستخدمت ~~تركيا باخرتين نمساويتين وأخرى روسية لنقل أخبار الأسطول المصري إليها، واستخدمت مصر باخرة ~~فرنساوية وأخرى إنكليزية للغرض ذاته. وكان قيصر روسيا قد تظاهر بعداوة مصر، فسحب قنصله من ~~الإسكندرية وحرم على السفن الروسية خدمة مصر. # ولما وصل الأسطول التركي إلى رودس انقسم قسمين: قسم ليقل الرجال والمؤن إلى جهة ~~الإسكندرونة لتعزيز قوة السر عسكر، وآخر لجأ إلى لارانكا في سواحل قبرص، وبعد قليل وصل ~~الأسطول المصري إلى ليماسول في الجانب الآخر من قبرص. # وأخذ الأسطول المصري زورقين حربيين من زوارق الأسطول التركي بلا قتال، والتقت بعد ذلك ~~فرقاطة مصرية بطرادة تركية سلاحها 26 مدفعا، فقبضت عليها بلا قتال، إلا طلقة واحدة أطلقتها ~~الطرادة. # وكان عشرون مركبا قد أنزلت المؤن والذخائر في الإسكندرونة، فاستولى عليها المصريون بعد ~~انتصارهم في حلب؛ لأن هذه المراكب وصلت متأخرة. # والذي يؤخذ من تقارير بعض القناصل أن محمد علي أصدر أمره إلى أسطوله في قبرص بأن يرقب ~~الأسطول التركي، ولا يهاجمه إلا إذا حاول إنزال الجنود في الجزيرة. وفي تقارير قواد السفن ~~الأوروبية أن خليل قبطان باشا كان يتحاشى لقاء الأسطول ms042 المصري، وأن هذا الأسطول انتقل من ~~ليماسول إلى لارانكا بعد خروج الأسطول التركي منها متجها إلى سواحل كارامانيا؛ حيث اتصلت ~~به في أغسطس إحدى السفن الحربية الفرنساوية، فقال قبطان باشا لقائد تلك السفينة إنه لا ~~يتوخى قتال الأسطول المصري إلا إذا اصطدم به؛ لأن لأسطوله مهمة أخرى. # وفي 18 أغسطس التقى الأسطولان، ولكنهما لم يقتتلا؛ لأن الأسطول المصري توارى تحت جنح ~~الظلام بلا قتال. ولما التقى قائد الطرادة الفرنساوية بالأسطول التركي في 24 أغسطس، قال ~~له إنه يفضل أن يكون تحت حكم محمد علي على أن يكون تحت حكم السلطان. # وفي أوائل شهر سبتمبر أرسل محمد علي مع قومندان البارجة الإنكليزية - التي كانت تنقل إليه ~~الأخبار - كتابا إلى قبطان باشا يقول له فيه إنه قد حان الوقت لحقن دماء العثمانيين، وإنه ~~يود تلافي الخطب الذي يهدد السلطنة إذا رفض السلطان أن يترك له حكم سوريا مقابل الإتاوة ~~اللازمة، كما كان يحكم تلك البلاد الباشاوات الذين تقدموه. فأرسل خليل باشا الرد بأنه من ~~رأي محمد علي باشا، وبأنه أرسل كتابه إلى إستامبول، وسيرسل إليه الرد. وطلب من محمد علي أن ~~يرسل إليه يوسف بوغوص بك لذكانته، ووعد قبطان باشا بالمجيء إلى مصر إذا كان رد الباب العالي ~~بالموافقة. وبعد تبادل هذه الرسائل مع قبطان باشا، أمر محمد علي بإعداد الأماكن اللازمة ~~لنزوله ولرسو أسطوله، وهكذا كانت الهدنة بين الأسطولين. # الأساطيل المصرية في موقعة نوارين. # ولما أبطأ رسول قبطان باشا بالمجيء، أمر محمد علي أسطوله بالعودة إلى حالة الحرب، فقبض ~~الأسطول المصري على مركبين من ثلاثة مراكب كانت تنقل «البقسماط» للأسطول التركي من سلانيك. ~~وكان محمد علي يحاول تخويف قبطان باشا بكل الطرق والأساليب؛ ولعلمه أن قنصل النمسا ينقل ~~الأخبار إلى الباب العالي، كان يصرح أمامه بأنه سينزل آلايان في خليج مرماريس، ويركب هو ~~ذاته البارجة الجديدة القاهرة، ويأمر الأسطول بأن يضرب الأسطول التركي بحرا، كما ~~تتولى البطاريات المصرية بقيادة الضابط ريمي - الذي اشتهر بحصار عكا برا - ضرب ~~الأسطول التركي من البر. ms043 ولما وصل إلى قبطان باشا أن الباب العالي قرر تعيين خلف له في ~~قيادة الأسطول، عاد بأسطوله إلى الدردنيل، وذهب الأسطول المصري إلى خليج السودا بكريد، ثم ~~تلقى الأمر بالعودة إلى الإسكندرية لإصلاح عدده. # وظل محمد علي مجدا في تعزيز أسطوله، حتى صارت السيادة على شرقي البحر المتوسط للأسطول ~~المصري وحده، وحرم الترك كل مساعدة من جانب أسطولهم، إلى أن جمع السلطان في سنة 1839 جميع ~~ما في الدولة من القوات والقوى البرية والبحرية، فوجه جيشه ضد إبراهيم، وأخرج أسطوله لضرب ~~الإسكندرية بقيادة أحمد فوزي باشا، فهدم إبراهيم آخر جيوش السلطان في «نصيبين»، وجاء ~~الأسطول التركي إلى الإسكندرية، فسلم لمحمد علي، وظل هناك إلى ما بعد عقد الصلح، بل كان ~~تسليم الأسطول من أوائل شروط الصلح. ~~••• # وتوفي السلطان محمود، وخلفه ابنه السلطان عبد المجيد وهو في السابعة عشرة من ~~عمره. ~~••• # هذا ولا تزال بقايا أسطول محمد علي في بواخر الشركة الخديوية، كما صارت المراسي ملكا ~~لهذه الشركة، وأفضى تألب الدول على مصر إلى حرمانها من النصر والجيش والأسطول ورفع ~~علمها فوق البحار، وانتهت على تركيا بفقدان جيشها وأسطولها وسلطانها. فهل لمصر اليوم أن ~~تستعيد استقلالها وقواتها البرية والبحرية والنيلية بعدما تركت 39 باخرة في السودان بعد ~~الجلاء ثم تعززها بالقوة الجوية؟ # الأمر بيد الأمة بعد الله. # بوغوص بك يوسفيان. # | الفصل السادس # آخر المعارك في أرض سوريا. # الزحف على قونيه وفتحها. # على أبواب إستامبول. # تحرك السياسة الأوروبية. # تدخل أوروبا وفرضها الصلح. # اتفاق كوتاهيه. ~~*** # كانت معركة مضيق بيلان بين حلب وأنطاكية في 29 يوليو أشد المعارك وآخرها في أرض ~~سوريا. وبعد انتهائها سلمت أنطاكية والإسكندرونة، ووصلت حامية اللاذقية فسلمت، وقد تركها ~~قائدها عليش باشا لاجئا إلى إحدى الجزر بأمواله. وقد عرفنا أن إبراهيم باشا غنم في ما غنم ~~في الإسكندرونة حمولة 17 مركبا كانت ترافق الأسطول العثماني بقيادة قبطان باشا وتحمل المؤن ~~والذخائر إلى جيش السر عسكر حسين باشا. # على أن عباس باشا ظل يطارد العساكر التركية المنهزمة ومعه الفرسان العرب، فلما ms044 وصل إلى ~~بياس انتصر على حاميتها وأسر منها 1900 رجل. # ثم تقدم جيش إبراهيم باشا نحو أدنه؛ لأنها كانت مرمى أنظار محمد علي لشدة حاجته إلى الخشب ~~لبناء المراكب، فاحتل إبراهيم باشا طرسوس، ودخل أدنه ذاتها في 31 يوليو 1832، وهناك تلقى ~~إبراهيم الأمر من والده بالوقوف؛ لأنه بلغ الغاية التي كان يرمي إليها من الزحف؛ أي الوصول ~~إلى آخر حدود البلاد العربية وأول بلاد الأناضول؛ أي جبال طوروس. # وقف إبراهيم عن الزحف، ولكنه أرسل آلايين إلى أورفه التي كانت قد قدمت له طاعتها، وأرسل ~~مع الآلايين قوة من الفرسان العرب ليرقبوا الطريق من أرضروم وسيواس وديار بكر، فاحتلوا ~~مدينة مرعش، وأرسل قوة أخرى نحو الفرات، وإن لم يكن يخشى أية قوة تركية هناك؛ لأن العراقيين ~~ثاروا على واليهم داود باشا فقتلوه، وقتلوا معه جميع أنصاره لشدة ظلمه وجوره، وكانوا كسواهم ~~من العرب في صف إبراهيم باشا. # الأساطيل المصرية في نوارين. # ثم ظل إبراهيم من 30 يوليو إلى 21 ديسمبر في موقف الدفاع؛ لأن محمد علي - كما قلنا - كان ~~يريد جس نبض الدول؛ ليعرف هل بإمكانه الاعتماد عليها لتنيله سوريا، ويظل تابعا للسلطان على ~~نحو ما كان قد اقترح على فرنسا وإنكلترا بعد دخول جيشه مدينة حلب، وكما كان قد كتب إلى قائد ~~الأسطول التركي ولم يتلق جوابا. # أما السر عسكر حسين باشا الذي كان موضع ثقة مولاه السلطان، فأغدق عليه إنعاماته، وجعله ~~قائدا عاما لجيشه ولقبه بالمشير الأكرم، وولاه مصر وكريد وبلاد الحبشة؛ فقد كان عند ~~نشوب معركة بيلان واثقا بالنصر جالسا جلسة الملوك في خيمته يتلقى مظاهر الإجلال والإكرام، ~~ولكنه لم تمض ساعتان على نشوب القتال حتى بات طريدا شريدا بين المضايق والآكام، فلم ~~يقفوا له على أثر، ولا سمع عنه أي خبر، ولكنه شاع عنه الكثير مما لم يثبت منه شيء، ~~فقال فريق إنه استأجر مركبا يونانيا ففر بأمواله وأموال الجيش إلى إحدى الجزر، وقيل ~~إنه لجأ إلى قرية صغيرة في بورصة، وقال آخرون إن رجاله فتكوا به ms045 وأخفوا أثره. # والظاهر أن الباب العالي صدق الرواية الأولى، فكلف إحدى السفن الإنكليزية أن تبحث عنه ~~في الجزر وتستعيد منه الأموال، ولكنه ظهر في النهاية أن الرجل أصيب بالرمد الصديدي وفقد ~~نظره في إحدى مزارع ولاية بورصة. # كانت عين محمد علي متجهة إلى إنكلترا وحدها؛ لمعرفته أن فرنسا تؤيده في أن يكون والي ~~سوريا، وأن الروسية تظهر العداوة له حتى اقترحت إرسال جيش روسي لقتاله، وأن النمسا تخدم ~~سياسة الباب العالي. # أما إنكلترا، فإنها لزمت الصمت التام؛ لأن سياستين قويتين كانتا تشدان أطراف الخطة التي ~~يجب عليها اتباعها؛ فالخطة الأولى هي أن تدع محمد علي يؤسس الدولة العربية الفتية القوية؛ ~~لتكون حاجزا في وجه التيار السلافي الذي قضى على الدول، بأن تصون تركيا من الضياع لصد ~~ذلك التيار، ولكن تركيا ظهرت يومئذ بمظهر الشيخوخة والعجز. # والخطة الثانية هي الاحتفاظ بتركيا وتقويتها؛ لتظل ذلك الحاجز، وهدم الإمبراطورية المصرية ~~النابتة؛ لأنها إذا عاشت تمتلك آسيا وأفريقيا، وبذلك تقوم حاجزا قويا على طريق الهند ~~الذي كانت قد زحزحت عنه نابليون في سنة 1798، وجاء محمد علي النابغة الأمي - كما يسمونه - ~~ليتم خطة نابليون. # تانك هما الخطتان اللتان كانتا تقضيان على إنكلترا بالسكوت إلى أن تعرف الجهة التي تتجه ~~إليها. # بينما كان محمد علي يريد تنظيم عمله على اتجاه السياسة الأوروبية - وقد كانت هذه السياسة ~~غامضة من جانب إنكلترا للسبب الذي بسطناه - كان إبراهيم يرى السياسة بالحزم وأخذ الأمور ~~بالقوة، والقوة في يده، وإيقاف الدول أمام الأمر الواقع؛ لذلك كان يستأذن والده بالزحف على ~~قونيه، بل على الآستانة، ويستأذنه في أن يحمل خطباء المساجد على إلقاء الخطبة باسمه، فكتب ~~محمد علي إلى إبنه إبراهيم في 8 سبتمبر ما يلي: # تقول لي في كتابك إنك تريد أن «تمسك المعدن وهو حام»، وإنك تريد أن يخطب باسمي ~~في جميع المساجد والمعابد. # فاعلم يا ولدي أنا لم نصل إلى مركزنا الذي نشغله الآن إلا بقوة الوداعة وخفض ~~الجانب، فإنه يكفيني أن أحمل اسم «محمد علي» خالصا من كل ms046 رتبة وزينة، فهو أكبر لي ~~من جميع ألقاب السلطنة والملك؛ لأن هذا الاسم وحده هو الذي خولني الشرف الذي ~~يجللني الآن، فكيف أستطيع يا ولدي أن أتركه إلى سواه؟! لا يا ولدي، إني أحفظ اسمي ~~«محمد علي»، وأنت يا ابني تحفظ اسمك «إبراهيم»، وكفى، وعليك رحمة الله ~~وبركاته. # ولما عرفت فرنسا بخطة إبراهيم أبلغت المسيو ميمو قنصلها لدى محمد علي بأن يبلغه: أن ~~الحملة الجديدة بعد نجاح الأولى نجاحا باهرا تفضي إلى توزيع نطاق العمل الذي اختطته مصر ~~لنفسها عند تجريد حملة سوريا، وتكون نتيجة ذلك جعل مصير تركيا في كفة الأقدار، وهذا ما لا ~~يخلو من الخطر عليك. # وأبلغت الباب العالي في الوقت ذاته أن إصراره على القتال لا يوصله إلى نتيجة؛ لضعف قوته ~~دون قوة محمد علي التي تتزايد بحرا وبرا. # هذا البلاغ أبلغته فرنسا لمحمد علي، ولكن عين إبراهيم كانت على الترك بعد احتلاله أطنه ~~ومعابر جبال طوروس؛ لأنهم أخذوا بتحصين «تشفت خان، وأولو قشلاق»، ويبدون النشاط في كل جهة؛ ~~حتى إن الباب العالي رفض وساطة فرنسا بحجة أنه لا يستطيع المصالحة مع وال اعتبره بالأمس ~~ثائرا وعاصيا، وأصدر فتوى بكفره. # ذلك كان الرد الرسمي، مع أنه أرسل إلى محمد علي أكثر من مرة يمنيه بالصلح والرضا ويطلب ~~منه الحضور للآستانة، فيلمح محمد علي في ذلك الخديعة ونصب الشراك. # فقد ذهبت إلى الآستانة زهرة هانم أرملة الأمير إسماعيل، ثالث أولاد محمد علي، لزيارة ~~والدها عارف أفندي قاضي عسكر الأناضول، فقالوا إنها رسول محمد علي للتقرب من السلطان ورجال ~~الدولة بواسطة والدها. وقد توصلت الأميرة إلى معرفة الحقيقة؛ وهي أن السلطان لا يريد الصلح، ~~وأنه لا يستمع نصيحة أحد فيه لاعتماده على روسيا وإنكلترا مع كل أعماله في هذا السبيل، يريد ~~منها المماطلة والتسويف ليؤلف قوته الجديدة. وأرسل محمد علي السفينة الحربية «النيل» لتعود ~~عليها إلى مصر، فأتحفها السلطان بالهدايا النفيسة، وتبرع بالمال لرجال السفينة، وأرسل معها ~~أحمد فوزي باشا أحد أميرالاية البحر، فلما وصلت السفينة إلى الإسكندرية ms047 تغافل محمد علي عن ~~وصول فوزي باشا، ولكنه أمر كاتم سره حبيب أفندي بإكرامه. وظل فوزي باشا في الإسكندرية إلى ~~أن تلقى أمرا من السلطان بالسفر إلى القاهرة ومكالمة محمد علي بالصلح. وجمع السلطان ديوانه ~~وأبلغهم ذلك، فكان جواب أحدهم برتو باشا أن ذهاب فوزي باشا إلى مصر لمقابلة محمد علي كذهاب ~~الحمل إلى الذئب الكبير المعمر في وكره ليعوده ويتمنى له الصحة، فهل تكون للحمل من أمنية ~~إلا السلامة من مخالبه؟ # ثم اتفقت كلمتهم على إرسال صارم أفندي، فلما استدعى فوزي باشا إلى الآستانة أرسل إلى محمد ~~علي يقول: «إياك وخفض الجناح لمن يرسل إليك، واحفظ عليك نفسك.» # ووصل صارم أفندي بحاشية كبيرة، فأكرم محمد علي وفادته. وكان يتردد على محمد علي ليقنعه ~~أولا بالذهاب إلى الآستانة، ثم عرض عليه ولاية عكا وطرابلس، فأجابه محمد علي أنه يطلب بقاء ~~ما فتحه من بلاد الشام في ولايته وولاية ذريته على أن يدفع الإتاوة لجلالة السلطان. # ولما عاد صارم أفندي إلى الآستانة تلقى محمد علي أن السلطان يوليه مصر وعكا وطرابلس، ~~ويولي إبراهيم ولاية الحرمين الشريفين، فأدرك محمد علي أن المراد التفريق بينه وبين ابنه ~~كما أرادوا يوم أنعم السلطان على إبراهيم برتبة فوق رتبة والده مثل هذا التفريق. ولكن ~~الخدعتين لم تجوزا على محمد علي ولا على إبراهيم، وكان جواب محمد علي أنه ينتظر مندوبا من ~~لدن السلطان ليرسل لمناقشة سامي بك وبوغوص يوسف سكرتيره، فلم يتلق جوابا. ~~••• # لما احتل إبراهيم باشا أدنه، أبقى معه من جيشه فيها 12 ألفا من المشاة والفرسان، وأرسل ~~قواته لضبط معابر جبال طوروس. وما كان وقوفه في أدنه إلا إطاعة لأمر والده الذي أراد أن ~~ينهي الخصام والقتال مع السلطان، على أن تكون سوريا في ولايته، وعلى أن تكون الولاية ~~متوارثة في بيته مقابل إتاوة يدفعها في كل سنة لتركيا. # على أن إبراهيم لم يضع الوقت سدى؛ فقد انصرف إلى إصلاح أمور جيشه وتعزيز ذلك الجيش، ~~وكتب المسيو ميمو قنصل فرنسا في الإسكندرية إلى ms048 حكومته في 24 سبتمبر يقول: «إن الأسباب التي ~~دعت إبراهيم إلى الوقوف في أدنه وإلى عدم متابعة نجاحه هو انتظار الجواب من والده على بعض ~~المسائل، وأن والده ينتظر الجواب على مساعيه لإنهاء القتال. ولكن هذا القائد الذي لا مثيل ~~لنشاطه وحزمه يستخدم مدة إقامته في ذلك الإقليم لاستخراج خيرات غاباته الكثيفة؛ لأن في ~~أحراج أدنه من الأخشاب الصالحة لبناء المراكب ما لا يوجد في سواها، ودار الصناعة في ~~الإسكندرية بحاجة شديدة إلى ذلك. وقد أرسل عدد كبير من عمال دار الصناعة لاختيار الأخشاب ~~الصالحة، وجمع إبراهيم سكان ذلك الإقليم لقطع الأشجار التي يرى عمال دار الصناعة قطعها، ~~ولفتح الطرقات في أنحاء ذلك الإقليم ونقل الخشب، وينتظر أن تصل إلى الإسكندرية بين ساعة ~~وأخرى مشحونات كبيرة. # وأما تعزيز الجيش، فهو موضوع اهتمامه، فإذا استؤنف القتال كان جيشه 120 ألفا، حتى قال لي ~~محمد علي منذ بضعة أيام إنه ينوي أن يجعل جيشه 25 آلايا من المشاه بدلا من 20 آلايا، و15 ~~آلايا من الفرسان بدلا من عشرة، ولا يدخل في هذا الحساب فرسان العرب المصريين ولا رجال ~~البدو السوريين، وقد أدمج إبراهيم في جيشه من الأسرى الترك أربعة آلاف أسير.» # ظل محمد علي ينتظر رد الباب العالي على كتابه الذي كلف قبطان باشا بإيصاله، فوصل هذا ~~الرد في 24 سبتمبر بإمضاء خسرو باشا إلى قبطان باشا عدو محمد علي؛ لأنه أسقطه من ولاية مصر. ~~ولم يحمل هذا الرد أحد ضباط الأسطول التركي، بل باخرة مالطية. وهذا الرد من خسرو باشا إلى ~~قبطان باشا يفهم منه أن الباب العالي يرضى ضم الشام إلى ولاية مصر على الشروط التي عرضها ~~محمد علي، ولكنه يود أن يعرف الضمانات التي يقدمها محمد علي على حسن نيته وعلى تنفيذ عهوده. ~~فرد محمد علي أن وعده أكبر ضمانة وأن كلمته كافية، وكرر قوله إنه يود وضع حد للقتال وسفك ~~الدماء، وإنه ليأسف كل الأسف أن يكرهه الباب العالي على أن يذهب إلى ما وراء الحد الذي ms049 ~~وضعه نصب عينيه. # وفي أثناء وقوف القتال الذي كان شبه «هدنة»، كانت الصحف التركية التي تنشر بلغات أوروبية ~~تذيع أسوأ الأنباء عن جيش إبراهيم وعن حكومة مصر، فكانت أقوال هذه الصحف تترجم لمحمد علي ~~فيرد عليها بالتركية، ولكنه رأى ذلك غير كاف، فأتى ببعض المحررين الفرنساويين من باريس ~~وأنشأ لهم جريدة بالفرنساوية للقيام بهذه المهمة. # وبعد وصول كتاب خسرو باشا استدعى محمد علي قنصل فرنسا وقال له: «نحن لم نتجاوز أدنه عملا ~~بنصيحتكم، ونحن نبقى فيها إلى أن نعرف رد الباب العالي، إلا إذا حكمت علينا الظروف، ~~وللظروف أحيانا أحكام لا ترد، فنحن نريد السلام، فإذا أرادوا الحرب فإني أنهيها كما ~~عرفت أن أبتديها.» # أما إستامبول، فإنها كانت تماطل وتسوف حتى يحل فصل الشتاء وتستطيع تأليف جيش كبير جديد. ~~ولكن إبراهيم كان ينتفض لفروغ صبره، فأرسل إلى والده يقول له: «إنه ليس هناك لقطع الأخشاب ~~ورءوف باشا يجمع الآن بقايا الجيش التركي في قونيه!» فاستأذنه بأن يزحف على قونيه ببعض ~~الآلايات ليفرق بقية ذلك الجيش، وحدث محمد علي القناصل بذلك وقال لهم: «أما الآن فإنه لا ~~يفعل أكثر من ذلك، وهذا الجيش يعود بعد قضاء مهمته إلى أدنه، فإذا لم تقبل الوساطة، وإذا ظل ~~الباب العالي على المطل والتسويف، فإنه لا توجد قوة تمنع ابني المتقد حمية من الوصول إلى ~~أشقودرة، فإذا لم يستطع الوقوف هناك لقلة المؤن في بلاد خربها الظلم والجور، فلا أستطيع ~~أنا أن أقول ماذا تكون النتيجة.» # ولكي نعرف الروح التي كانت سائدة في الآستانة في ذلك الحين وتحول ولاة الأمور عن رؤية ~~الحقائق، نورد خبرا أرسله البارون دي فارين سفير فرنسا إلى حكومته في 9 أكتوبر، قال: # جاءني اليوم الأرمني كاساس أرتين مدير دار الضرب، وهي الدار التي توزع الأرباح ~~الكبيرة على الباب العالي وعلى السراي، وهو رجل مقرب وذو يد في شئون الدولة، وله ~~نفوذ كبير. # فقال لي إن السلطان قال له منذ بضعة أيام إن إبراهيم باشا يريد إبرام الصلح معه، ~~ولكنه يشترط ms050 لإبرام الصلح قطع أربعة رءوس: رأس السر عسكر خسرو باشا، ورأس مصطفى ~~باشا، ورأس المفتي الذي أصدر الفتوى ضد والده، ورأس كاساس أرتين لأنه منع تداول ~~النقود التي ضربت في مصر. وهو لا يعجب من ذلك لشدة إخلاصه للسلطان، ولكنه عندما ~~سمع هذا الكلام من السلطان ذاته طار النوم من عيونه وأرسل إلى المسيو إليون صديقه ~~وسبب نعمته يوسطه لدي لأحول نقمة محمد علي عنه. وإنه لا يهمه المال، فإذا أنا ~~شئت إرسال رسول إلى محمد علي، فإنه يحمله إليه الهدايا. فأظهرت له استغرابي من ذلك ~~ولم أصدقه، فعاد إليه روعه وشكرني. # وهذه صورة مما يجري هنا من ضروب الاختراع وطرق الجواسيس وإفساد الجو بين محمد علي ~~والسلطان. # ولما كان الباب العالي يريد الاستناد إلى إحدى الدول لمقاومة محمد علي - وهو يخشى روسيا ~~ويخشى إن هو حالفها أن يلقي بنفسه في فم الأسد - عرض السلطان وعرض ريس أفندي - الصدر ~~الأعظم - على سترافورد كاننج سفير إنكلترا في 12 أغسطس وهو مسافر إلى لندن، إبرام محالفة ~~دفاعية بين إنكلترا والباب العالي، وغرض الباب العالي من هذه المحالفة المساعدة الأدبية ~~والمادية ضد محمد علي. ووصل ماوروياني سفير تركيا في فينا إلى لندن في 3 نوفمبر، فجدد هذا ~~العرض وزاد عليه أن الباب العالي يتحمل جميع النفقات ويخول إنكلترا جميع الامتيازات ~~التجارية التي تريدها، فأجابت إنكلترا أنها لا تستطيع الرد العاجل على هذه الاقتراحات. وفي ~~13 ديسمبر وصل إلى لندن نامق بك السكرتير الخاص لجلالة السلطان وهو يحمل مقترحات جلالته، ~~فردت إنكلترا أنها لا تستطيع الاندفاع في عمل عسكري، وأنها تفضل الانتظار. ~~••• # بعد انتظار ثلاثة أشهر بلا عمل ولا حركة في ميدان القتال وبدون نتيجة من الوجهة السياسية، ~~صمم محمد علي على ترك ولده إبراهيم يزحف على قونيه؛ لاعتقاده بأن فتح قونيه يفضي إلى ~~الثورة على السلطان؛ لذلك أصدر أمره إلى إبراهيم بأن يعود من قونيه بعد دخولها، ولكن ~~إبراهيم لم يكن في ذلك على رأي والده؛ فوالده كان يقول بترك الرأي العام يفعل ms051 فعله في ~~الآستانة، وأما هو فكان يقول بقيادة الرأي العام إلى ما يريد. # ففي 22 أكتوبر كتب محمد علي في ذلك إلى إبراهيم، فرد عليه إبراهيم في 3 نوفمبر يقول: # يجب علينا - حسب أوامرك - أن نتقهقر إلى الوراء بعد الاستيلاء على قونيه، فالشائع ~~أن الصدر الأعظم يزحف علينا بقوة كبيرة، فإذا نحن تقهقرنا عزوا ذلك إلى الجبن ~~والخوف وعلى عجزنا عن مقابلته، وفوق هذا كله فإن الصدر الأعظم يغنم الفرصة للزحف ~~على قونيه، وقد يتجاوزها للحاق بنا مذيعا خبر تقهقرنا، ومن يدري ما يكون من وراء ~~ذلك؛ فقد ينضم إليه الشعب، وقد تثور سوريا والأناضول علينا ويظل الغرض من تقهقرنا ~~خفيا لا يفهم. وبناء على ما تقدم لا ينبغي لنا أن ندع الفرصة تفوتنا، فنحن نذهب ~~إلى قونيه ونشتت العدو، وننتظر فيها وصول الصدر الأعظم لنقهره إذا أراد مهاجمتنا؛ ~~لذلك أطلب منك يا والدي أن ترسل آلايين من المدد في الحال. # وسأطلب من خادم الفتوى فتواه في إعلان عزل السلطان. # فتلقى إبراهيم باشا من والده في 13 نوفمبر الأمر القاطع بألا يتجاوز قونيه؛ «لأن التقدم ~~إلى ما وراء قونيه في الظروف الحاضرة لا تنظر إليه الدول بعين الرضا.» وفي 16 رد محمد علي ~~على كتاب إبراهيم باشا الذي كان قد أرسله إليه في 3 نوفمبر، فأقره على رأيه، ولكنه يحرم ~~عليه تجاوز قونيه لأنه لا يعرف - بوجه قاطع - رأي الدول. أما الفتوى بخلع السلطان، فقد قال ~~محمد علي لإبراهيم إنها مناقضة لمصلحة مصر في الوقت الحاضر. # ثم سلم بعد ذلك باستصدار الفتوى على شرط أن تكون صادرة من بلاد السلطان لا من مصر، حتى ~~يقال إن الشعب هو الذي أسقط سلطانه «ولا يعترض أحد علينا»، ولكن الحجة لم تقنع إبراهيم ~~باشا؛ «لأن الأمة لا تملك المقدرة على العمل، فالواجب أن نعمل نحن ثم نطلب ثقتها.» # في 14 أكتوبر بدأت طلائع إبراهيم بالاتجاه إلى قونيه، فتقدمت فرقة من جيشه النظامي إلى ~~نمرود، وأخرى من العربان إلى «تشفت خان»، فانسحب الترك بلا ms052 قتال إلى أركلي. وفي 15 أكتوبر ~~دخلت قوة إبراهيم أركلي وظلت فيها إلى 20 نوفمبر ثم نهضت تريد قونيه، وقابلتها قوة أخرى من ~~كرمانيا. وقبل الوصول إلى قونيه أخلاها الترك، فأرسل في أثرهم الفرسان، فغنموا الذخائر ~~والمؤن وبعض المدافع. وبعد أن دخل قونيه أرسل قوة ومعها فرسان العرب، فأدركت القوة المصرية ~~الجنود التركية في طريق آك شهر، فأخذوا بعض الأسرى وعادوا إلى قونيه التي أخذ إبراهيم في ~~تحصينها. # وفي 18 ديسمبر ظهرت طلائع الجيش التركي غربي قونيه بقيادة رءوف باشا، فدار القتال بينه ~~وبين إبراهيم باشا، ففرق جيش إبراهيم طلائع الترك، وغنم ثمانية مدافع، وأسر منهم ألفين. ~~وتجدد القتال في اليوم التالي فأسر إبراهيم 750 مقاتلا ومعهم كريدلي محمد باشا أوغلو، ~~وفي مساء ذلك اليوم تقدم 500 أرناءوطي متطوعين في خدمة جيش إبراهيم، وبعد ذلك تلقى إبراهيم ~~باشا الأخبار بأن رشيد باشا الصدر الأعظم قادم بجيش كبير لقتاله، فاتخذ الأهبة ~~لملاقاته. # وفي 20 ديسمبر تم النصر لإبراهيم باشا على جيش رءوف باشا، فلم يبق لذلك الجيش من أثر، ~~وأرسل الخبر إلى والده، فأمر بإقامة الأفراح وإطلاق المدافع ثلاث مرات في النهار من جميع ~~القلاع والطوابي مدة ثلاثة أيام. ولكن محمد علي ظل مترددا في الزحف إلى الأمام؛ ليعرف رأي ~~إنكلترا، وكان يعتمد في ذلك على المستر بريجس صديقه، والمستر بريجس كان في الماضي قنصلا ~~لدولته في الإسكندرية، ولم يكن محمد علي يثق بالقنصل المستر باركر ويعده خصما لمصر كقنصل ~~روسيا قبل أن تستدعيه حكومته. وكان يستند في الأوامر التي يرسلها إلى ابنه إبراهيم ~~بالارتداد عن الأناضول إلى آراء المستر بريجس. وكان محل بريجس في لندن يقدم لمحمد علي ~~حاجاته من إنكلترا ويأخذ مقابل ذلك القطن والحاصلات. ولما كتب محمد علي إلى إبراهيم بألا ~~يعلن سقوط السلطان كما كان قد اقترح عليه، وبأن يرتد إلى قونيه، استند أيضا إلى آراء ~~المستر بريجس. وكان قد وصل إلى إبراهيم أن السلطان عين رشيد باشا صدرا أعظم، وولاه ~~قيادة جيش كبير لقتاله، فكتب إلى ms053 والده في 8 رجب 1248 يقول: # يا والدي # إنك تصدر إلي الأمر المطاع بناء على تقرير المستر بريجس وغضب القومندان ~~الروسي بألا أعلن سقوط السلطان وبأن أقف دون تجاوز قونيه! # فيا والدي، إن السياسة السليمة هي قبل كل شيء درس الحالة كما هي، وتقدير نتائجها، ~~ثم الإقدام بعد ذلك على العمل بكل حزم دون التفات إلى زيد أو عمرو. # فمنذ عشرين يوما أبحت لي إعلان سقوط السلطان والآن تحرمه علي، فمهما ~~كانت فائدة الرجوع وتغيير الرأي من جانبنا، لا يجوز لنا أن ننسى أن جيشا قويا ~~باسلا مثل جيشنا لا يحتمل سياسة التردد وجس النبض، وهي السياسة التي لا تعرف ~~الانتفاع من وراء الواقع على أن هذا الجيش لا يستطيع الوقوف دهرا طويلا مكتوف ~~الأيدي. ونحن ذهبنا إلى قونيه اتباعا لأوامرك، فكيف يكون باستطاعتنا العودة على ~~أعقابنا، بينما الصدر الأعظم يزحف علينا بجيش قوي حسن النظام كثير المدافع. # فهل تظن يا والدي أو ترى أن مصلحتنا في الوقوف في قونيه أو في الارتداد عنها؟ وفي ~~حالة انتصارنا على جيش الصدر الأعظم يكون قادرا على الارتداد إلى الوراء، ثم لم ~~شعث جيشه والارتداد إلينا إذا نحن لم نقتف آثاره بعد النصر! وهل يجوز أن يخطر ~~بخاطرنا أن يكون الشعب الأناضولي في جانبنا وقد حكمه الترك ستة قرون إذا نحن ظهرنا ~~بمظهر التردد؟ ألا يعد تقهقرنا غلطة عسكرية فظيعة؟ لقد أمرتني قبل الآن بأن أقف في ~~حلب، ثم سمحت لي بالتقدم إلى كولك بوغاز وإلى قونيه، فدعنا الآن يا والدي نهدم جيش ~~العدو الأعظم. واعلم أن هذه البلاد وجوها لا تشبه أرض مصر ولا جوها، فهي ليست ~~صالحة في كل وقت للأعمال العسكرية، وفوق هذا إن ما يقال في مصر لا يمكن تطبيقه على ~~الحالة الفعلية هنا، فلا يجوز إذن الأخذ بتقارير المستر بريجس ولا بملاحظات قومندان ~~سفينة. # ومهما يكن من الأمر، فإني أرى من مدعاة الأسف أن أضطر مرة أخرى للانتظار عشرين ~~يوما؛ أي إلى أن أتلقى كتابك وأوامرك إلخ ... # وبالرغم ms054 من هذا الكتاب كتب محمد علي إلى بريجس في 12 ديسمبر يقول: # إن سكوت الإنكليز هو من بعض الوجوه مفيد لمصر، ولكنهم على ما يظهر ليسوا ~~ميالين لتقدم ولدي إبراهيم نحو الآستانة في الظروف الحاضرة. # ومهما يكن من الأمر، فإني لا أود أن أعرف هل دخولنا إستامبول لا يتفق مع نظر ~~الحكومة الإنكليزية؟ # فإذا أرادت إنكلترا أن تقف في موقفنا الحاضر فإني قادر على أن أكره النفس على ~~ذلك. # وفي إبان ذلك وصل إلى مصر القومندان بوثينبف الروسي قائد الطرادة باريس؛ ليطالب محمد علي ~~بمحمول سفينة روسية ضبطها الأسطول المصري. ولما كانت العلائق الرسمية مقطوعة لم يحي ~~المينا ولم تحيه، وقدمه قنصل توسكانا لمحمد علي. ولما طلب منه ما جاء لأجله، أجابه أن ~~الأمر متفق عليه مع القناصل بأن نصادر المحمول إذا كان لتركيا وندفع أجرة السفينة، وإذا كان ~~المحمول للأفراد كان عليهم إثبات ذلك. فارتضى بالجواب، فغنم محمد علي الفرصة، وبسط له رأيه ~~في الاتفاق مع الباب العالي، ثم أراه دار الصناعة، فقال لمحمد علي: «ما سمعت بمثل عملك إلا ~~في القصص والحكايات.» وهذا القومندان كان شقيق سفير روسيا في الآستانة، فحمل الرسالة إلى ~~أخيه، بل قيل إن أخاه أرسله ليطلع على أعمال دار الصناعة، وأرسل محمد علي إلى إبراهيم باشا ~~المدد المتوفر من فرقتين أتمتا تعليمهما، ولم يبق من الجيش النظامي في مصر سوى ثلاث ~~فرق، وكان الصدر الأعظم يقول للسفراء إن إبراهيم كلما بعد عن مركزه ضعفت قوته، ونحن ~~ننتظر ضعف هذه القوة - وهو الآن على بعد 210 أميال من مصر - لنضربه الضربة القاضية. وكان ~~يريد بهذه الضربة القاضية تنفيذ المهمة الموكولة إلى السر عسكر الجديد رشيد باشا الذي كان ~~سر عسكر الرومللي، فطرد من أدرنه مصطفى باشا والي أشقودرة الذي شق عصا الطاعة على السلطان. ~~وكان الرجل يعيش عيشة عسكرية، ولكنه لم يتلق فنون الحرب على الأساليب الحديثة كإبراهيم، ~~ولنفوذه في بلاد الألبان والبوسنة أمره السلطان أن يجمع أكبر عدد يستطيع جمعه من ~~ألبانيا والبوسنة، وأن ms055 يأتي إلى الآستانة بالآلايات الستة من المشاة والفرسان المحافظين على ~~الولايات تحت إدارته، وهذا القائد كان زميل إبراهيم باشا في حرب المورة، ثم وجه إليه خطا ~~شريفا، هذا نصه: # تعلم أن حسين باشا عين سردار أكرم لقيادة العسكر الشاهاني المرسل إلى ~~آسيا؛ ليؤدب التأديب اللازم العاصي محمد علي، وأن ولايات مصر والحجاز وكريد ~~والحبشة وجهت إليه. ولكن الأقدار لم تساعده، فتراءى لنا اتخاذ الوسائل الفعالة. ~~وأملي بالله أن توفق في هذه المهمة طبقا لإرادتنا الشاهانية كما وفقت في ~~ألبانيا والبوسنة. # ومنذ برهة من الزمن لم يكن بالاستطاعة الاهتمام بشئون الرعية والأهالي، ويهمني من ~~صميم الفؤاد راحة رعاياي سكان سوريا، وأمنيتي أن جميع الأعمال تقضى على سنن ~~الشريعة المطهرة. وإذا أراد الله بعدما تعيدون السكينة إلى سوريا، ترفعون إلى ~~عتبتي أسماء الولاة والحكام الذين أحسنوا، وقد اخترتموهم لإدارة تلك البلاد، والآن ~~أعهد بها إلى كفائتهم. # وبما أنه لم يبق لحسين باشا من عمل في المعسكر، ففي استطاعتكم أن تكتبوا إليه ~~ليعود إلى إستامبول، أعانكم الله بجاه النبي المصطفى. # وبعد هذا الخط سلمه السلطان خطا آخر بولاية مصر والحجاز وكريد والصعيد وحلب وعكا ~~والقدس، وخطا شريفا ثالثا بالقيادة، وذهب السلطان إلى المعسكر باسكودار ووجه الكلام على ~~مسمع من الجيش إلى رشيد باشا قائلا: «أنقذ الدولة؛ فإن شكري لك ولعساكرك إذا أنت فعلت لا ~~يكون له حد.» # ثم أصدر السلطان أمره باستدعاء الضباط الأوروبيين من الجيش عندما بلغه خبر تذمر ~~الأرناءوط وسواهم من وجودهم فيه. # وقبل أن يلتقي الجيشان في ميدان القتال، كرر سفير فرنسا على الباب العالي كلمة الصلح على ~~قاعدة إجابة مطالب محمد علي، وهي المطالب التي كان الباب العالي يعد بإجابتها، فأجاب ~~الباب العالي أنه يعطيه الجواب بعد ثمانية أيام، ففهم السفير أن القصد من التسويف انتظار ~~نتيجة المعركة. ولما حدث في ذلك «ريس أفندي» قال له إن المجلس موافق بالإجماع على ~~اقتراحه، ولكن الكخيا برتو بك المقرب من السلطان هو الذي يحول دون الاتفاق. # وفي الوقت ذاته وصل إلى ms056 الآستانة الجنرال مورافيف الروسي، وأبلغ السلطان أن روسيا تضع ~~أسطولها في البحر المتوسط تحت تصرفه لقتال محمد علي، وأنها مستعدة لإرسال جيش بري ~~لقتاله. # وفي الوقت ذاته تلقى محمد علي من شيوخ ولاية قسطموني وأعيانها الرسالة الآتية: # إن المسلمين الذين عينهم منذ عهد قريب خسرو باشا السر عسكر لحكم هذه الجهات، ~~يرتكبون أشد المظالم ويحيط بهم رجال ملحدون مثلهم، فهم يلوثون الإسلام ~~ويخالفون أوامر الله وأحكام الشريعة المطهرة. ولم يكن باستطاعتنا احتمال هذا المسلك ~~طويلا، فنبهنا إلى ذلك متسلمنا فلم يصغ إلى كلامنا، وزاد مع العمى ~~المحيطين به غلوا، وشكا إلى الباب العالي الرجال النزهاء المخلصين. ثم غادر مع ~~أتباعه المدينة وأوقد الحرب على الأهالي، ولم يدع فظيعة لم يرتكبها ضد الأهالي ~~من قتل ونهب وإحراق. ومثل هذا الجور لم يكن إلا ليزيد الإسلام حماسة في الصدور، ~~فسار المؤمنون بقيادة الحاج مصطفى أغا وقاتلوا هؤلاء اللصوص، وقتلوا المتسلم ~~وأسروا رجاله، وانسحب الباقون إلى ثماني ساعات من هنا، والأهالي من كل جهة يسيرون ~~ضدهم وقد استولوا على مدافعهم وذخائرهم وقتلوا كثيرين منهم، والباقون منهم ~~خرجوا من الولاية منتظرين المدد من إستامبول. فنحن أهالي هذه الولاية عزمنا على أن ~~نترك الحكومة التي لا تستطيع أن تقدم لنا أقل ضمانة للأمن والراحة، ولا توفير ~~الغبطة والسعادة التي ينعم بها الرعايا الذين أنقذتموهم، فنقدم لكم خضوعنا، ونلتمس ~~أن نكون تحت حمايتكم، وأن تعينوا لنا متسلما يكون الحاج مصطفى أغا المشهور ~~بحبه للإنسانية وبنزاهته وبطول خبرته. # وأبلغ محمد علي هذه العريضة المرسلة إليه من أعيان قسطموني إلى القناصل، مبينا لهم أن ~~المسألة لم تبق مسألة السلطان محمود ومحمد علي، وأنه يرى - حقنا للدماء وتفاديا عن الخطر ~~الأكبر - بذل وساطة الدول لإقناع الباب العالي بالتسليم بالأمر الواقع، وبين لهم أنه ~~ليس هناك أقل أمل بنجاح رشيد باشا. # وكان محمد علي يسارع في الوقت ذاته لإرسال الأمداد إلى جيشه، فأرسل - بناء على طلب ~~إبراهيم باشا - الميرالاي كاني بك على رأس فرقة من ست أورط مشاة، وأرسل اللواء ms057 محمد بك ناظر ~~الجهادية على رأس فرقة أخرى، وعين إبراهيم بك مدير المهمات ناظرا للجهادية والمهمات. ~~وكانت دار الصناعة قد أتمت بناء خمسة مراكب حربية، فأمر ببناء خمسة أخرى، وأرسل الخلع إلى ~~أعيان الشام، وأرسل 600 فارس من عرب الجوازي والفوائد و300 من عربان أولاد علي، وعين ~~سليمان أغا قبجي ناظرا لأعمال تحصين عكا، وعين أحمد باشا يكن رئيسا للقوة العسكرية ~~بالحجاز لإسكان الفتن التي ظهرت هناك، واللواء إسماعيل بك محافظا لمكة، وأرسل إلى ابنه ~~إبراهيم نشانا من الألماس كتب عليه «لك عون الله» تذكارا لفتح قونيه. # ولما كانت الجنود المصرية قد تعبت من البرد، أمر محمد علي معامله بصنع الملابس الصوفية ~~والأحذية وإرسالها بلا إبطاء لراحة الجيش في فصل الشتاء. # وهكذا وقف إبراهيم في قونيه ينتظر وصول رشيد باشا ويدرب قواته على القتال ويمرنها على ~~الطرقات وعلى الخطط التي وضعها مع أركان حربه. # لما وصل الخبر إلى إبراهيم باشا بأن رشيد باشا يزحف لمقاتلته بجيش كبير لجب، أرسل إلى ~~الأمير بشير أمير لبنان بأن يوافيه إلى طرسوس، وأرسل مركبا حربيا لركوبه، فلما وصل أبلغه ~~أمر رشيد باشا، وأنه بحاجة إلى جمع كل قواته من أطراف سوريا، فهو يكل إليه أمر تلك ~~البلاد ويطلق يده في تعيين المتسلمين. فعاد الأمير بشير، وتولى الأمر بنفسه، وعين ~~المتسلمين لصور وصيدا وبيروت وطرابلس واللاذقية من أبناء عمه الأمراء الشهابيين، وأبقى ~~ابنه الأمير أمينا لدى إبراهيم باشا ليكون صلة الاتصال بينهما، وقبل إبراهيم باشا ~~المتطوعين من بلاد أدنه وكرمانيا، وعاد إلى قونيه، وأخذ يمرن جيشه في سهول قونيه وجبالها ~~ومعابرها على طرق القتال فيها وعلى تنفيذ الخطة التي وضعها. # ولما وصل رشيد باشا إلى أك شهر ونزل في قديم خان - وهي على مسيرة 9 ساعات من قونيه - كتب ~~إلى الباب العالي أن الجيش المجتمع لديه يبلغ عدده ستين ألفا، وأنه عزم على مهاجمة ~~إبراهيم، وأنه أرسل 20 ألفا بقيادة سليمان باشا من سيواس للف حول ميسرة إبراهيم باشا ~~من كرمانيا، وقال في تقريره إن ms058 جيش إبراهيم باشا لا يزيد على 25 ألفا، وإن طلائعه أوقعت ~~الخسارة بمقدمات المصريين، ففرحت إستامبول لهذه الأخبار. # على أن إبراهيم باشا أرسل قوة بقيادة أبو دبوس باشا لاحتلال قيصرية والوقوف في وجه سليمان ~~باشا. # ولما وصل تقرير رشيد باشا إلى إستامبول صدر إليه الأمر بالهجوم في الحال على ~~إبراهيم باشا، فتقدم إلى الأمام، ولما وصل إلى يورغان ~~لاديك كتب إلى إبراهيم باشا زميله في حرب المورة يقول: # أخي وعزيزي إبراهيم باشا # إني قد تلقيت من مولانا السلطان الأمر بمهاجمة جيشك وطرده من البلاد التي ~~يحتلها الآن، فأنا أسألك باسم الله الذي نعبده جميعا وباسم ما بيننا من الصداقة ~~والإخاء، إلا كففت عن إراقة دماء المسلمين، فإنك تعلم أن تبعة القتال تقع بعد الآن ~~عليك، فعليك أن تضع حدا لهذه الحرب بانسحابك مع جيشك من بلاد احتلها بدون وجه من ~~وجوه الحق. # فرد عليه إبراهيم باشا بقوله: # أخي وعزيزي رشيد باشا # لا أقدر أن أصف لك مقدار أسفي لاضطراري إلى منازلة رجل أحبه وأجله، وقد ~~تسنى لي أن أقدره حق قدره، ولكن إذا كان صديقي وزميلي رشيد باشا قد تلقى ~~الأوامر بمهاجمتي من سيده ومولاه، فإن إبراهيم قد تلقى الأوامر ذاتها من سيده ~~وأبيه، فهو ليس أقل منه رغبة في حقن دماء المسلمين، ولكنه ليس في الحقيقة سوى خادم ~~مطيع، فلا لوم علينا ولا تثريب نحن الاثنين معا، ولسنا نحن - أنت وأنا - ~~بمسئولين عن الدماء التي تراق، ولكن التبعة تقع على الذين أمرونا به، ولا سبيل ~~إلى مخالفة ما أمروا. # بعد وصول هذا الكتاب إلى رشيد باشا زحف بجيشه إلى سهول قونيه في 21 ديسمبر. وكان إبراهيم ~~باشا يعرف أخلاق رشيد باشا في القتال، ويعرف أنه ينقض على خصمه انقضاض الصقر، فاتخذ ~~إبراهيم الحيطة ليوقعه في الشراك، فتظاهر بالخوف من الاصطدام به، وسحب قواته إلى ما وراء ~~قونيه في مكان يمكنه من إخفاء شطرين من قوته؛ أحدهما على ميمنة رشيد باشا، والآخر على ~~ميسرته. أما رشيد باشا فإنه زحف بكل ms059 حزم وعزيمة صادقة على الصدر، وكانت معركة شديدة جدا، ~~وكان عدد الفرسان مع رشيد باشا نحو عشرة آلاف انقضت عليهم الجنود المصرية من كمينها على ~~اليمين وعلى الشمال، فأخذ أولئك الفرسان على غرة من كل جانب، فذعروا وتفرقوا وأحدثوا ~~الاضطراب، وهجمت الجنود المصرية، واشتدت المدافع المصرية بالضرب، حتى إذا ما دنت الشمس من ~~الغروب كان جيش رشيد باشا قد تمزق كل ممزق. # قال إدوار جوين: كان الأتراك ثلاثة أضعاف المصريين في هذه المعركة، إلا أنهم كانوا أضعف ~~منهم في ميدان القتال؛ لفساد التمرينات العسكرية ولبسالة إبراهيم وسليمان بك وبراعتهما في ~~تحريك قوات الجند، فقد ترك الترك بعد الانهزام في هذه المعركة اثنين وتسعين مدفعا ~~وثلاثة آلاف قتيل وعشرة آلاف أسير، ووقع الصدر الأعظم - وهو السر عسكر، وهو مندفع بقوة ~~بسالته وحماسته - في ميدان القتال أسيرا في أيدي العربان المصريين، وجيء إلى إبراهيم باشا ~~فتلقاه بالإجلال والإكرام. ولما كان هذا القائد يعتقد أنه لن يعيش إذا انهزم جيشه، فإنه ~~استودع كاتم سره مفاتيح الباب العالي ومفاتيح السر عسكرية. ولما أوشكت المعركة أن تنتهي ~~هجم بنفسه للقتال، فتقدم منه بعض العساكر الذين خدموا تحت إمرته في بلاد المورة، وقالوا ~~له والدمعة تجول في عيونهم: يا باشا لقد قضي الأمر. فأجابهم: «تشجعوا ولا تيأسوا، ما ~~دامت في العروق قطرة دم فلا محل لليأس.» # ولما نقل كلامه إلى أحد كبار الشيوخ في قونيه قال: «لما كشفت النباتات للقمان عن سر ~~خواصها الطبية، لم يقل نبت واحد منها إن لي خاصة الشفاء من الموت. وقد كان محمد رشيد ~~باشا في هذه المعركة لقمان، ولكن دولتنا كانت الجثة الهامدة الخامدة.» # وهكذا فقدت الدولة العثمانية في أقل من ستة أشهر جيشين كبيرين؛ أحدهما جيش الباشاوات في ~~حمص، والثاني جيش رشيد باشا في قونيه. # وقد قال الترك في تقاريرهم عن معركة قونيه: إن إبراهيم باشا خدع محمد رشيد باشا؛ إذ بلغه ~~أنه سيهاجمه في 23 ديسمبر، فخطر لرشيد باشا أن يتغداه قبل أن يتعشاه، فهجم في 21 ديسمبر ms060 ~~ووقع في شراكه. # ولقد اضطرب السلطان محمود وجزع لاندحار جيشه ولأسر السر عسكر، فكتب إلى قيصر روسيا ~~يطلب مساعدته وإمداده بخمس بوارج وست فرقاطات و40 ألف جندي، وإرسال الجنرال مورافيف قبل ذلك ~~إلى الإسكندرية لإنذار محمد علي. وكانت فرنسا وحدها تعارض في ذلك وتلح على السلطان بقبول ~~شروط محمد علي الذي يتحول بعد قبول شروطه إلى أقوى مساعد للدولة. # وفي الوثائق المصرية المحفوظة «جورنال» كاتب السر عسكر إلى محمد علي عن محادثة طويلة في ~~26 ديسمبر بين إبراهيم باشا ومحمد رشيد باشا عن خلع السلطان محمود وتعيين ابنه عبد المجيد ~~سلطانا. # رشيد باشا ~~: # ولكن عبد المجيد أفندي لا يزال طفلا، فهل تظن أنه قادر على تولي الحكم وتصريف ~~الأمور. # إبراهيم باشا ~~: # إن السلطان محمد الفاتح ارتقى إلى العرش وهو في السابعة من عمره، وعبد المجيد ~~أكبر منه سنا الآن. وعندي أن صغر سن الأمير لأفضل للدولة ومستقبلها؛ لأن أمراء ~~السلطنة لا يتلقون الآن التربية والتهذيب اللذين يتلقاهما أمراء الأمم، فهم ~~يربون في الحريم ويكبرون دون أن يكونوا ملمين بشيء من شئون الدولة. فإذا ~~رقي عبد المجيد إلى العرش، وهو فتى يمكنه أن يمرن بواسطة الرجال المدربين، ~~فينمو عقله ويصير رجلا كاملا يعرف واجبات الأمة والملك. # رشيد باشا ~~: # هذا صحيح، ولكن إذا بلغ السلطان ذلك قتل الأمراء جميعا. # إبراهيم باشا ~~: # الغرض الوحيد أن تنظم شئون الدولة حسب مصلحتها. وبما أنه يجب أن يكون لكل أمة ~~ملك يحكمها، فنحن إذا فعلنا ما أقترحه عليك نختار للأمة السلطان الذي نقره على ~~العرش، فلا يكون في وسعه بعد ذلك أن يقول: «إن إرادتنا العالية قد اقتضت قتل أو نفي ~~أو إبعاد فلان وفلان.» فإذا فعل بعد أن ننصبه على الوجه الذي بسطته لك يكون مسئولا ~~شخصيا أمام الأمة عن عمله، وحينئذ تنفذ إرادة الأمة بعزله. # رشيد باشا ~~: # أنا أوافق على رأيك، ولكن هل الأمة الإسلامية على استعداد لقبول هذا ~~التغيير؟ # إبراهيم ~~: # يجب أن ننتظر المعارضة في أول الأمر، ولكن الجميع ينتهون بمعرفة أفضليته على ms061 سواه ~~ويدركون أهميته، وحينئذ يطلبون هم ذاتهم أن يوطدوا الحكومة والحكم على أساس متين. ~~ا.ه. # هذه المحادثة كان إبراهيم باشا يقصد منها ضم رشيد باشا إليه في خلع السلطان. # أقام إبراهيم شهرا في قونيه بعد انتصاره، ولم يستطع مواصلة الزحف ومطاردة بقية جيش رشيد ~~باشا قبل وصول أوامر والده إليه والشقة بعيدة، وهذا ما كتبه إلى والده في 28 ديسمبر: # أستطيع أن أصل إلى الآستانة ومعي محمد رشيد باشا، وأستطيع خلع السلطان حالا ~~وبدون صعوبة، ولكني مضطر أن أعرف هل تسمح لي بتنفيذ هذه الخطة حتى أتذرع باتخاذ ~~الوسائل اللازمة؛ لأن مسألتنا لا تسوى إلا في إستامبول. فالواجب أن نذهب إلى ~~إستامبول حيث نملي إرادتنا، وإني مضطر أن أكرر على مسامعك أن العداوة لا توصلنا إلى ~~أغراضنا. وإذا أنت رميت من الإشاعات التي تذيعها إلى غرض سياسي بأنا نهدد ~~إستامبول لتقبل شروطنا، كان من العبث أن نقف في قونيه فلا نتقدم منها إلى الأمام، ~~فإن قونيه بعيدة عن رجال الآستانة، فهم لا يقبلون عقد الصلح معنا إلا إذا دخلنا ~~عليهم في العاصمة، كذلك هم فعلوا مع الروس، فإنهم لم يقبلوا إبرام الصلح معهم إلا ~~بعد وصولهم إلى جلمجة بضاحية إستامبول. فالواجب إذن أن نواصل الزحف حتى بورصة على ~~الأقل، مع احتلال المدن الواقعة على بحر مرمرة وجعل هذه المدن مراكز تموين لجيشنا ~~في البحر، حينئذ فقط نستطيع أن نذيع الأخبار التي قد تقضي إلى عزل السلطان. وإذا ~~نحن لم نفلح في إسقاط السلطان توصلنا - على الأقل - إلى إبرام صلح يحقق ~~أمانينا. وأنا لولا الأمران الأخيران اللذان تلقيتهما منك لكنت الآن على أبواب ~~إستامبول، وإني لأسائل نفسي: ما هو الداعي الذي دعا إلى إصدار تلك الأوامر ~~إلي؟ أهو الخوف من أوروبا أم هو شيء آخر لا أعرفه؟ # ألتمس منك أن تنيرني في هذه المسألة قبل انفلات الفرصة من أيدينا. نعم إني ألتمس ~~إبلاغي أمركم القاطع بهذا الصدد. # فلما وصل هذا الكتاب إلى محمد علي سلم بنظرية ابنه إبراهيم وأذنه بالتقدم، فنهض ms062 بجيشه ~~من قونيه في 20 يناير. وكان برد الشتاء على الجيش المصري شديدا، فقسمه إبراهيم شطرين. ولم ~~يصل هذا الجيش إلى كوتاهيه إلا في 2 فبراير؛ أي بعد 56 مرحلة، ولم يبق بينه وبين إستامبول ~~سوى 50 مرحلة. وقبل وصوله إلى كوتاهيه تلقى الأمر من والده بأن يقف عن الزحف، وأن يكون ~~وقوفه ساعة وصول الكتاب إليه، فوقف في كوتاهيه وهو يعلم أنه ليس للسلطان جندي واحد في طريقه ~~إلى إستامبول، وأن السلطان أرسل خليل رفعت باشا إلى والده ليتفق معه، ولكنه لم يعتقد بإخلاص ~~السلطان، فكتب إلى والده كتابا مطولا في ذلك. # | الفصل السابع # الجيش المصري على أبواب إستامبول. # المساعي لوقف الزحف. # ما يطلب إبراهيم باشا لمصر. ~~*** # بعد تدمير جيش محمد رشيد باشا في قونيه تحولت المسألة من عسكرية إلى سياسية؛ فالسلطان ~~ذعر لوصول خبر الانكسار، وروسيا أرسلت الجنرال مورافيف ليعرض على السلطان مساعدتها ~~البرية والبحرية لخوفها من تقلص سلطانها ونفوذها على الآستانة، وإنكلترا بعد رفضها ~~مساعدة تركيا أعربت للنمسا عن خوفها من أن تنتهي المسألة بتقسيم تركيا. وتقسيمها يضيع ~~الموازنة بأوروبا ويفضي إلى الحرب بين الدول. ورجال تركيا كانوا يكرهون طلب المساعدة من ~~روسيا عدوتهم؛ لذلك انحازوا إلى رأي فرنسا بمخاطبة محمد علي بالصلح على أن يتنازل له ~~السلطان عن ولاية عكا ودمشق وطرابلس. وعلى هذا سافر خليل رفعت باشا إلى الإسكندرية، وكان ~~الجنرال مورافيف قد تقدمه لا للصلح بل ليطلب من محمد علي أن يجلو جيشه عن تركيا، وأرسل في ~~الوقت ذاته بالمهمة ذاتها ياوره الضابط دوهامل إلى إبراهيم. # أما إبراهيم فإنه عندما زحف بجيشه من قونيه إلى كوتاهيه كتب إلى والده الكتاب الآتي: # اليوم (20 يناير 1883) بدأ الجيش ووحداته بالزحف من قونيه، تتقدمه شراذم صغيرة ~~لشدة البرد ولقلة عدد الجمال للنقل. والذي يستخلص من البرد الواردة من إستامبول ~~أنه لا توجد في طريقنا أية قوة تقاومنا. حتى إستامبول ذاتها ليس فيها حركة ~~الاستعداد للمقاومة، وهذا يدل الدلالة الكافية على أنهم قد وضعوا الآن جميع آمالهم ~~بالصلح. ms063 ولأجل هذا الصلح أرسلوا إليك خليل رفعت باشا، ولكني أرى - جهد ما يصل إليه ~~علمي الضعيف - أنه ما دام السلطان محمود المشئوم على العرش لا يمكن أن يكون هناك ~~صلح صحيح ولا نهاية للأزمة؛ لأنه سيكون عرضة للظروف؛ ينتهزها للانتقام ويعمل لها ~~كما كان في الماضي وللجور على هذه الأمة الإسلامية التعسة وظلمها. فبحق حبنا ~~لهذه الأمة، وبحق غيرتنا الدينية، أرى من الواجب المحتم علينا؛ لا العمل ~~لمصلحتنا فقط، ولكن العمل فوق كل شيء وقبل كل شيء لمصلحة هذه الأمة كلها. ومن أجل ~~ذلك يجب علينا أن نرجع إلى القرار الأول؛ أي خلع هذا السلطان المشئوم ووضع ابنه ~~ولي العهد على العرش، حتى يكون ذلك بمثابة محرك يحرك هذه الأمة من سباتها ~~العميق. # فإذا اعترضت علي بأن أوروبا تعترضنا، قلت لك إننا لا ندع لها الوقت للتدخل، ~~وبذلك نتقي الخطر من ذلك الجانب؛ لأن مشروعنا ينفذ قبل أن يعرف، وبذلك نضع أوروبا ~~أمام الأمر الواقع. وإذا كانت أوروبا تغتنم الفرصة لإشباع مطامعها من هذه الدولة، ~~فأية تبعة تقع علينا؟ وهل باستطاعتنا أن نمنعها عن تحقيق خطة تسعى لتحقيقها منذ 84 ~~سنة؟ # إلا أنا نسأل الله العون والمدد. ومهما يكن من الأمر، فإن الأفضل أن يقع اليوم ما ~~لا بد عن وقوعه في يوم من الأيام. ومع الاستعانة بالله لتحقيق ذلك عزمت على التقدم ~~إلى بورصة ومودانيا، فلا وقت إذن عندي لتلقي شيء منك أو من إستامبول يحرم على ~~التقدم. أما أنا فإذا بقيت هنا فإني لا أجد أقل وسيلة لتموين الجيش لفقر البلاد، ~~فلم يبق لي إلا الذهاب إلى بورصة، ومن هناك أرسل إليك رسولا بما نكون قد قررناه ~~تبعا للظروف. # وقبل أن يصل إلى بورصة تلقى الأمر من والده بأن يقف، وكان هذا الأمر بعد وصول الجنرال ~~مورافيف إلى الإسكندرية. # وصل هذا الجنرال إلى الإسكندرية في 13 فبراير، وقابل محمد علي، فلم يقدم له إنذارا كما ~~كانوا يقولون، بل أعرب له عن رغبة القيصر في أن يتفق مع السلطان، ms064 ولا بأس من أن تكون فرنسا ~~الوسيطة. فأجابه محمد علي باشا بأن هذا الذي يطلبه منه قد عرضه على السلطان من شهر نوفمبر، ~~ولكي يثبت للجنرال مورافيف حسن قصده وقع أمامه الأمر الذي أصدره إلى ابنه إبراهيم بالوقوف ~~عن الزحف من قونيه. وقبل أن يغادر الجنرال مورافيف الإسكندرية وصل خليل رفعت باشا مندوب ~~الباب العالي، وكانوا يظنون أنه يحمل شروط الاتفاق، ولكنه ظهر أنه يحمل إلى محمد علي عفو ~~السلطان عنه وولاية عكا وملحقاتها. ولكن محمد علي كان على صداقة وولاء مع خليل رفعت باشا، ~~فاتفق معه على شروط الاتفاق: وهي أن يعطى محمد علي ولاية سوريا وأدنه، وأن تبرم بينه وبين ~~خسرو باشا محالفة تعاون تضع حدا لنزاعهما، وأن يكون الاثنان بمثابة قيمين على أملاك ~~الدولة؛ أحدهما في مصر والآخر في إستامبول. # أما إبراهيم، فقد أرسلوا إليه من الآستانة ثلاثة رسل؛ الأول: رسول الباب العالي ليبلغه ~~أنهم أرسلوا إلى والده رسولا للاتفاق، والثاني: رسول الجنرال مورافيف، والثالث: رسول سفير ~~فرنسا. وقد روى بودوليا رسول سفير فرنسا أنه وجد إبراهيم يعيش في معسكره عيشة بسيطة، وليس ~~معه حريم ولا له حرم، فهو في هذه العيشة يشبه نابليون. وقد كان يقول إنه يود أن يذهب إلى ~~إستامبول ليشرب القهوة مع السلطان، ولا يهمه أمر الروس. ولما طلب منه الجواب على إيقاف ~~الزحف كتب في 17 يناير إلى المسيو دي فارن سفير فرنسا: # أنا لست سوى قائد عام موكول إليه القيام بأعمال عسكرية، أما ما عدا ذلك فإني ~~أرجع فيه إلى السلطة التي أنا تابع لها، فأنا من أجل ذلك سأتابع زحفي، ولكني أرجع ~~في الأمر إلى والدي في الإسكندرية. # وكان إبراهيم يعتقد أن الاتفاق بين خليل رفعت باشا وبين والده محمد علي أمر ممكن، ولكنه ~~كان متمسكا برأيه ولا يخشى الروس ولا يعبأ بقتالهم، وكان يعتقد - فوق ما تقدم - بأن الصلح ~~الذي يبرم مع السلطان محمود هو صلح غير دائم، بل يكون بمثابة هدنة حتى يتمكن السلطان من ~~العودة إلى القتال؛ ms065 لذلك كتب إلى والده في 3 فبراير يقول: # أرى أن يكون الاستقلال مقدما على كل شيء في المناقشات التي تدور بينك وبين ~~الرسولين - مورافيف وخليل باشا - فمسألة الاستقلال مسألة حيوية تقدم على كل شيء. ~~وبعد الاعتراف بالاستقلال يجب أن نطلب أضاليا وأدنه وجزيرة قبرص، وأن يضم إلى مصر - ~~إن كان ذلك في الإمكان - تونس وطرابلس. ذلك أقل ما يجب أن نطلبه، ولا نتساءل عن أي ~~شيء كان مهما كان الأمر؛ لأن مصلحتنا تقضي به. أما إصرارنا على الاستقلال، فلكي ~~نوطد مركزنا ونحوطه بالضمانات، فإذا لم ننل الاستقلال ذهبت جميع مجهوداتنا ~~ضياعا ومكثنا تحت يد هذه الحكومة الخبيثة التي توقرنا بمطالبها الدائمة وبطلب ~~المال. فمن الآن يجب أن نتخلص من الأعباء المبهظة ولا نجد خلاصا إلا ~~بالاستقلال. # أما السبب الذي يدعونا لطلب أضاليا وأدنه، فهو شدة حاجتنا إلى الخشب؛ لأن مستقبل ~~أسطولنا معلق على ذلك ما دامت بلادنا محرومة من الخشب. وأنت تذكر أن إنكلترا ~~منعت ورود الخشب إلينا، فاضطررنا أن نلجأ إلى النمسا التي أزعجنا رفضها إزعاجا لا ~~نستطيع نسيانه. وهل من حاجة بي لأبين شدة حاجتنا إلى الخشب؟ فأنت أنت ذاتك قلت ~~لي في الأمر الذي أصدرته حديثا: «كما أنه يجب عليك أن لا تهمل وسيلة من الوسائل ~~لصد الجيش التركي، كذلك يجب عليك أن تعمل كل ما باستطاعتك عمله للحصول على ~~الخشب.» # أما ضم قبرص إلى مصر فهو أيضا لازم لا مندوحة عنه لسببين؛ الأول: ليكون ~~مركزا لأسطولنا، والثاني: لمنع الباب العالي من أن يكون له طريق إلى أملاكنا. وإذا ~~شئت أن تطلب بغداد فلا مانع من طرح هذه المسألة على بساط البحث على أن نتنازل عنها ~~في المستقبل؛ لأن هذه الولاية لا تنفع شيئا، وهي كسنار بعيدة جدا عن مصر وتتطلب ~~نفقات باهظة. # هذا ما أعرضه على مسامعك وأوجه إليه - مع منتهى الاحترام - أنظارك. # أما محمد علي، فإنه كان يكتفي بسوريا وأدنه، بينما إبراهيم كان يتعرض إلى تأليف دولة ~~بحرية قوية. كان محمد علي يرى بمصر وسوريا ms066 وبلاد العرب والسودان دولة كبيرة وبعيدة عن ~~الاحتكاك بأوروبا، خلافا لإبراهيم الذي لم يكن يخشى الاحتكاك بالدول الأوروبية. # وفي 30 يناير وصل الخبر إلى الآستانة بأن إبراهيم قام من قونيه إلى كوتاهيه فأمر السلطان ~~ريس أفندي بأن يقابل المسيو بوتيف سفير روسيا ويطلب منه إنجاز الوعد الذي وعد به القيصر وهو ~~إرسال 20 إلى 25 ألف جندي. ولما وصل إبراهيم إلى قره حصار؛ أي على مسيرة 40 ساعة من بورصة، ~~طلب السلطان من سفيري فرنسا وإنكلترا إيقافه عن التقدم، فاشترط سفير إنكلترا أن يسترد ~~السلطان الطلب الذي طلبه من الروس، ولكن محمد علي كان قد أمر إبراهيم بالوقوف في كوتاهيه، ~~فأبلغ إبراهيم ذلك للقائمقام ولسفير فرنسا. ووصل الجنرال مورافيف إلى إستامبول من ~~الإسكندرية وأبلغ الباب العالي أن محمد علي أصدر أمره إلى إبراهيم بالتوقف أمامه، ولكنه نصح ~~الباب العالي بأن لا يغتر بذلك وبأن يتخذ الحيطة، ولكن سفيري إنكلترا وفرنسا استندا إلى جهر ~~محمد علي بالخضوع للسلطان وبأمره إبراهيم بالوقوف، فطلبا استرداد الطلب الموجه إلى قيصر ~~روسيا، ولكن الباب العالي لم يعدل عن ذلك. # وقام الأسطول الروسي من سيبستابول في 14 فبراير، وصدر الأمر إلى الجنرال كيسليف باجتياز ~~الرومللي بجيشه إلى الآستانة وصدر الأمر إلى قومندان أوديا بحشد جيشه. # وفي 20 يناير وصل الأميرال روسين الفرنساوي بأسطوله إلى الدردنيل، وأبلغ الباب العالي أنه ~~يدافع عن مصلحته أمام إبراهيم باشا إذا هو استرد طلبه من روسيا، ولكن الأسطول الروسي وصل ~~إلى البوسفور في 19 فبراير، فأبلغ الأميرال الفرنساوي الباب العالي أن وصول الأسطول الروسي ~~يذهب عن الباب العالي كل استقلال، وأن وجود السفير الفرنساوي أصبح عبثا. # ولما وصل ذلك إلى ريس أفندي أرسل رسله إلى الأميرال يقنعه بأن يكون الوسيط بين إبراهيم ~~ومحمد علي والباب العالي، على أن يعطي محمد علي ولاية عكا وطرابلس والقدس ونابلس، وأن ~~الزيادة غير ممكنة لبقاء السلطنة. فارتضى الأميرال الوساطة على هذه الشروط، وعلى شرط خروج ~~الأسطول الروسي من المياه التركية. وكانت حجة الأميرال أن الباب ms067 العالي لا يستطيع التنازل ~~عن ولاية دمشق؛ لأن التنازل عنها يضعف سلطة السلطان الدينية. أما أدنه فإن السلطان بحاجة ~~كمحمد علي إلى أخشابها. # ولما وقع الأميرال وريس أفندي مشروع الاتفاق على ذلك في 21 فبراير كتب الأميرال إلى ~~محمد علي وإلى إبراهيم كتابين قاطعين، وطلب من محمد علي أن يستدعي في الحال جيشه؛ لا باسم ~~مصلحته فقط، بل بحكم خلاصه وإنقاذه؛ لأن «الاعتدال صار لازما لك، والإصرار على مطالبك ~~يوقع عليك مصائب إذا زادت جزعت لها. ففرنسا تتمسك بالعهود التي أنا قطعتها، وهي تملك ~~القوة، وأنا ضمين إرادتها.» # وأرسل إلى إبراهيم باشا بأنه يجب عليه أن يعتبر الصلح مبرما على الشروط التي بحثها ~~الباب العالي، ولا يمكن تغيير أي شيء في أساس هذه الشروط، بل الواجب قبولها وإيقاف ~~القتال. # وبعد ذلك طلب الباب العالي من سفير روسيا شكر القيصر على المساعدة التي قدمها، وأبلغه ~~أن سفير فرنسا قد توسط للصلح الذي كاد أن يتم على يديه. # | الفصل الثامن # موقف الدول من مصر الفائزة. # محمد علي يرفض مطالبها المشينة. # خوف إنكلترا على طريق الهند. ~~*** # ظن الأميرال روسين الفرنساوي أنه بكتابة العهد الذي وقعه في 21 فبراير بأن يبرم ~~محمد علي الاتفاق مع الباب العالي على أن يعطى عكا وصيدا وطرابلس ونابلس، قد أنهى ~~المسألة، وقد أبعد الروس عن الآستانة؛ لأن همه الوحيد انحصر بإبعادهم فقط عن عاصمة تركيا. ~~وظن أن الباب العالي صادق بوعده بأن يطلب من الروس العودة من حيث أتوا، وكانت سياسته مضمخة ~~بريح البارود؛ أي التهديد والوعيد بقوة فرنسا، ففشل في كل ذلك؛ لأن الباب العالي لم يطلب من ~~روسيا إلا أن ترسل أسطولها إلى ميناء قريب من البوسفور، حيث ينتظر وصول القوات البرية. ~~وغضب قيصر روسيا لعمل الأميرال روسين حتى قال لسفير فرنسا لديه: إذا أرادت فرنسا منازلتي ~~وقتالي فأنا مستعد، ولا أسمح أن تحل مسألة من مشاكل الشرق دون مشاركتي؛ لأني أقرب الدول إلى ~~الشرق والشرق يهمني، ويكفي محمد علي أن تكون حدوده جبال طوروس. # ورفض ms068 محمد علي ورفض إبراهيم الشروط التي وقعها روسين باسم حكومته. # وقد عرفنا أن الأميرال روسين كتب إلى محمد علي بأن يستدعي قواته من الأناضول «لا بحكم ~~مصلحته فقط، بل لأجل سلامته»، فكان في ذلك كمن يأمر أمرا. # وأرسل مع مندوبه إلى الإسكندرية كتابا إلى قنصل فرنسا لدى محمد علي المسيو ميمو «بأنه لا ~~يصدق بأن إبراهيم يتعرض للتبعة الهائلة التي تقع عليه إذا هو تقدم؛ هذا إذا لم يتقهقر، ~~والواجب أن يرسل إليه والده بريدا ليأمره بالوقوف.» # وأغرب ما في موقف الأميرال روسين أن حكومته لم تكل إليه سوى الوساطة الودية بين ~~الخصمين، وكانت منذ أوائل 1832 تقول بإعطاء محمد علي سوريا كلها خلافا لما فعل مندوبها. ~~ولم يكتف الأميرال روسين بما تقدم، بل خطر له أن يصدر الأمر إلى قسم من الأسطول ~~الفرنساوي، بأن يذهب إلى المياه السورية ويقطع المواصلات مع إبراهيم باشا بحرا. ولما طلب ~~من زميله الإنكليزي ماندفيل أن يحذو حذوه، أجابه السفير الإنكليزي أنه يقره على ما فعل؛ ~~لأنه يتفق مع سياسة إنكلترا، ولكنه يعتذر عن إصدار الأوامر إلى الأسطول. # أما إبراهيم باشا فإنه رد على كتاب الأميرال روسين بقوله «إنه يقيم حيث يقيم الآن في ~~كوتاهيه بأمر والده، وإنه لا يتقدم ولا يتأخر على هواه، بل طبقا للأوامر التي يتلقاها من ~~مصر وحدها.» # وكان إبراهيم قد وقف في كوتاهيه وأرسل جنوده، فاحتلوا القرى والمدن الواقعة على الميمنة ~~والميسرة. وفي 19 فبراير ذاع في أزمير أن جيش إبراهيم باشا مقبل عليها، فسلم واليها ~~طاهر بك مقاليد الأمور إلى أحد أعيانها أمين أفندي الذي تولى الحكم باسم إبراهيم باشا. ووصل ~~الخبر إلى الآستانة في 24 فبراير، فكان الجزع شديدا، واغتنم الروس الفرصة لإبقاء أسطولهم ~~في البوسفور «دفعا للخطر الداهم»، وأرسل السلطان صنيعته أحمد بك لزيارة الأسطول الروسي ~~تملقا إليه. # ولكي يثبت الأميرال روسين للسلطان بأنه متمسك بشروطه على مصر، أمر قنصل فرنسا في أزمير أن ~~ينزل علم القونصلاتو، وحذا حذوه قناصل إنكلترا والنمسا وبروسيا. فلما رأى ذلك ms069 أمين أفندي ~~الذي يتولى الحكم باسم إبراهيم باشا أعاد مقاليد السلطة إلى الوالي طاهر بك. ~~••• # استعاد حزب الروس قوته في إستامبول بعد تعيين رءوف باشا صدرا أعظم؛ لأن روسيا الدولة ~~الوحيدة التي تستطيع مساعدة الباب العالي، فغضب لذلك الأميرال روسين، وكتب إلى حكومته أن ~~الدواء الوحيد لخلاص تركيا لا يكون إلا بخلع هذا السلطان، وقال: إن الشعب في سبات عميق، فهو ~~أعجز من أن يفعل ذلك. وفي 15 مارس أبلغ الأميرال الفرنساوي الباب العالي أنه إذا لم يبتعد ~~الأسطول الروسي بعد 25 ساعة عن البوسفور، فلا يكون مسئولا عن اتفاق 21 فبراير. ومن أجل هذا ~~البلاغ جمع السلطان ديوانه، وكلف ريس أفندي أن يذهب إلى السفارة الروسية وأن يبلغ الجنرال ~~مورافيف والأميرال لازاريف أن الاتفاق قد أبرم مع مصر، فهو يأمل إعادة الأسطول الروسي إلى ~~روسيا. فأجابه الجنرال أن إبراهيم باشا لا يزال على مسيرة خمسة أيام من إستامبول، وأن ~~باستطاعته أن يهجم عليها. فأجاب ريس أفندي أن لدى الدولة وسائل المقاومة. وهذا ما أبلغه ~~الباب العالي إلى الأميرال روسين، ثم ظهر أنه لم يكن صحيحا. أما نظر إنكلترا إلى اتفاق 21 ~~فبراير، فكان نظر الارتياح، فكتب بالمرستون إلى ويليام كامبل سفير إنكلترا في كابل يقول: # إن الشروط المعروضة على محمد علي باشا حسنة جدا ما دامت هذه الشروط تحرمه من ~~دمشق وحلب، وهما الطريق إلى العراق. وفوق هذا، يجب أن يثبت في كل سنة في ما أعطى له ~~وإن كان تثبيته في ولاية مصر دائما. # وقد كان قصده تأليف مملكة عربية لجميع بلاد العرب، والمشروع جليل الشأن بذاته ~~لولا أنه يقضي بتقسيم تركيا، فلا يمكنا أن نسلم به. # أضف إلى ما تقدم أن تركيا أفضل دولة تملك طريق الهند، فهي أفضل من أي ملك عربي ~~يقوم على هذه البلاد نزوعا للعمل كثير الحركة. # فالواجب علينا أن نساعد السلطان على أن يعيد تنظيم جيشه وأسطوله وماليته، فإذا ~~استطاع أن يعيد النظام إلى تلك الولايات الثلاث ~~استطاع البقاء. ا.ه. # أما «فيينا» ms070 فإنها قابلت خبر اتفاق 21 فبراير بالارتياح، وإن كان مترنيخ اتهم الأميرال ~~روسين بأنه عمل بلا حساب وبحكم الحسد، الأمر الذي يجرح روسيا، ولولا اشتراط الأميرال روسين ~~سفر الأسطول الروسي من إستامبول لغادرها ذلك الأسطول بعد الاتفاق، ولا يمكن أن تسكت روسيا ~~على الجرح الذي أصابها. # أما روسيا فكان جوابها أن القيصر لم يكن يحاول جراية منفعة، أما بعد الآن فإن تركيا باتت ~~في قبضة روسيا ولا قيمة لاستقلالها بعد احتلال الأسطول والجيش أملاكها. # وارتبكت السياسة الفرنساوية لأن الأميرال روسين تجاوز التعليمات، فأوقفها موقف العداء ~~تجاه روسيا، وموقف الخصام لمحمد علي، ولم يكن باستطاعتها أن تتجاوز عن كرامتها فتعلن ~~استنكار عمل ذلك السفير الذي نفذ سياسته الشخصية لا سياسة حكومته، كما قال الملك لويس فيليب ~~لكلوت بك عندما قابله ليبسط له خطأ سياسة الأميرال روسين مع محمد علي صديق فرنسا. ذلك ما ~~كان من أمر الدول في اتفاق 21 فبراير. # أما في مصر، فإن الفكر السائد بعد وصول خليل رفعت باشا كان على أن الصلح قد تم، ولكن وصول ~~رسول الأميرال روسين يحمل اتفاق 21 فبراير وكتب التهديد منه لمحمد علي وإبراهيم وقع ~~وقوع الصاعقة. # فالكبتن أوليفيه وصل إلى الإسكندرية في 3 مارس على البارجة مزانج، وفي اليوم ذاته قدمه ~~القنصل ميمو إلى محمد علي، فقدم نص الاتفاق وكتاب الأميرال روسين إلى محمد علي وصورة من ~~كتابه إلى إبراهيم. ففي الجلسة ذاتها أمر محمد علي أمين سره بوغوص بترجمة ذلك، وكان محمد ~~علي يقاطع المترجم بعبارات الاستياء والاستنكار، ولما ذكر المترجم «عكا وطرابلس والقدس » هز ~~محمد علي رأسه وضحك ضحكة الاستهزاء. ولما انتهى بوغوص من تلاوة الاتفاق والكتب قال محمد علي: # إذا كانت الدول التي يهمها أمر مصر أكثر من سواها قد تخلت عني بهذا الشكل، فأنا ~~أعتبر ذلك منها حكما علي بالموت. ولكني أعرف كيف أموت شريفا وكيف أجعل موتي ~~مجيدا كما كانت حياتي مجيدة. وإني أقابل الحكم وسيفي في يدي، وإذا أنا قبلت مثل ~~هذا الثمن بعد نصري ms071 فإن الباب العالي يعود بعد سنة أو سنتين إلى إصلاح قواته، وإلى ~~دس الدسائس التي أكون ضحيتها. فالأفضل أن أعرف كيف أموت منذ اليوم. # وكان الأميرال روسين يهدده إذا لم يقبل شروطه باستدعاء الضباط الفرنسيين من جيشه البري ~~ومن أسطوله. ويقول المسيو ميمو إنه هو والكبتن أوليفيه تعبا في إقناعه بأن فرنسا التي ~~عاونته وهي تعجب به لا تريد به شرا. فظل على قوله «إنه ضحية مكيدة يراد منها هلاكه» إلى ~~قوله لهما بكل شدة «إنه متمسك بالمقترحات التي سلمها لخليل رفعت باشا، وإنه لا يحيد عنها ~~قيد شعرة؛ وهي إعطاؤه سوريا كلها وأدنه، وإنه هو وإبراهيم ابنه يعرفان كيف يسقطان في ميدان ~~المجد والشرف.» # قال المسيو ميمو: وعدت إليه في اليوم التالي وبينت له أن نتيجة الرفض ستكون سيئة؛ ~~لأن فرنسا تستدعي من جيشه وأسطوله جميع ضباطها، وأن الأسطولين الفرنساوي والإنكليزي يطوفان ~~السواحل المصرية والسورية، واستحلفه بأن يقبل الصلح. فأجابه: # إن ظهور الأسطول الروسي في الآستانة مكيدة مدبرة بين الرجال المابين والروس الذين ~~اشتروهم بالمال. وهم غنموا فرصة وصول الأميرال روسين الذي يعرفون خلقه وتسرعه ~~ليدفعوه فيما اندفع فيه. وخسرو باشا هو عدوي، وقد طلب الروس لإستامبول بينما كان ~~مندوبه يفاوض هنا بالاتفاق. أما الآن فقد انتهى كل أمر، فكيف تدخلت الدول الأوروبية ~~الآن مع أن المتفق عليه معها كان ترك هذا النزاع العائلي وشأنه، بل كيف يوقعون ~~اتفاق 21 فبراير ويضمنون تنفيذه بغياب أحد الخصمين؟ وكيف يجوز لهم أن يعتبروا ~~الغالب مغلوبا؟ أنا لا أصدق أن فرنسا وإنكلترا تقدمان على هدم دولة تعد كل واحدة ~~منها وجودها مفيدا لها. وظهور الأسطولين الفرنساوي والإنكليزي على سواحل مصر لا ~~يمنع وجود الأسطول الروسي تحت سراي السلطان محمود. # والظاهر أن أوروبا تجهل مسألة مصر، فهم يظنون أني أطلب الاستقلال، وأنت تشهد أني ~~لم أطلب ذلك، بل كان قصدي وغايتي النهوض بالسلطنة وتوطيد أركانها، وأن أزيد أراضيها ~~وأن أضاعف قوتها بمضاعفة القوة المصرية. وبهذه الوسيلة نحول دون غزوات روسيا، وننهض ~~بالأمة الإسلامية ms072 لندفع عن بلادها التي يستولي عليها عدوها الطبيعي قطعة قطعة ~~وشطرا شطرا. # رفض محمد علي كما رفض إبراهيم قبله التسليم باتفاق سفير فرنسا والباب العالي، وسلم محمد ~~علي في 8 مارس للكبتن أوليفيه رده على كتاب الأميرال، وقد قال فيه: # إن الأمة كلها في جانبي، وإذا أنا أردت إثارة الرومللي والأناضول، فأنا قادر ~~بالاتفاق مع الأمة على كل شيء، وقد بسطت سيادتي على جميع البلاد، وانتصرت في جميع ~~المعارك، ولما جاءني من لسان حال الأمة ومن الذين يتكلمون باسمها أنهم يولوني حكم ~~سوريا، أوقفت جيشي عن الزحف حقنا للدماء، ولمعرفة ميول السياسة الأوروبية. فهل ~~يكون اليوم ثمن الهوادة التي عملت بها بعد تلك الضحايا الكبيرة من أجل أمة ~~دعتني إليها وانضمت إلي وأنالتني النصر بعد النصر، ترك البلاد التي ~~احتللتها؟ وأن يطلب مني سحب جنودي إلى مقاطعة صغيرة تسمونها الولايات الأربع؟ ~~إن هذا لا يكون، وإن في هذا الحكم علي بالإعدام السياسي. # في 8 مارس عاد خليل رفعت باشا من القاهرة إلى الإسكندرية، فأبلغه محمد علي أنهم يريدون أن ~~يكرهوه على قبول شروط وقعوها هم. فهو قد صمم على المسير حتى النهاية، فلم يبق لخليل ~~باشا إلا العودة حالا إلى الآستانة. فتبرأ خليل باشا من هذه السياسة ودافع عن الباب العالي ~~واستسمح أن يرسل رشيد بك معاونه إلى إستامبول فسمح له، فسافر يحمل إنذار محمد علي بأنه لا ~~يقبل أقل تعديل بشروطه، وأنه أعطى ابنه إبراهيم السلطة المطلقة للمفاوضة وتوقيع الصلح باسمه ~~إذا أجيبت مطالبه. وحينئذ يعيد جيوشه إلى البلاد التي تعطى له. وإذا لم تجب شروطه وأصروا ~~على اتفاق 21 فبراير، فإبراهيم حر في أن يواصل زحفه وأن يعمل ما يرى عمله بلا قيد ولا ~~شرط تبعا للظروف. # عاد الكبتن أوليفيه رسول الأميرال روسين سفير فرنسا في الآستانة إلى محمد علي ورشيد بك ~~معاون خليل رفعت باشا رسول الباب العالي من الإسكندرية إلى إستامبول، وهما يحملان إنذار ~~محمد علي للباب العالي، ورفض الاتفاق الذي وقعه الأميرال روسين، وتخويل ابنه ms073 إبراهيم ~~السلطة المطلقة بأن يوقع الصلح إذا أجيبت جميع مطالبه، أو يواصل الزحف على الآستانة إذا ~~شاء وإذا رفضت تلك المطالب جميعا أو رفض شيء منها. وهذه المطالب هي إعطاؤه سوريا وولاية ~~أدنه. # ولما وصل الرسولان إلى إستامبول في 13 مارس كانت الحالة قد تغيرت تغيرا كليا؛ فالباب ~~العالي لم يطلب من الروس استدعاء أسطولهم، والأميرال روسين صار في حل من تنفيذ اتفاق 21 ~~فبراير، ولكن تحرج الحالة حمل الأميرال روسين على أن يكتب إلى وزير الخارجية يقول: ~~«إذا أرادت فرنسا وأوروبا إنقاذ السلطنة كان فرضا واجبا عليها إيقاف محمد علي ولو ~~بالحرب. ولقد يكون الوقت قد فات؛ لأن إبراهيم سيكون في إستامبول بعد ثمانية أيام، فلا يجد ~~السلطان بدا من أن يعطيه سوريا كلها، ولكن هل تسمح له روسيا بذلك؟!» # أما الباب العالي، فإنه عندما تلقى إنذار محمد علي تملكه الجزع والقلق الشديد، فطلب ~~الوزراء من سفير روسيا بأن يعجل بطلب خمسة آلاف مقاتل لحماية العاصمة، وبأن يستعجل زحف ~~الجنود الروس، ولكن ريس أفندي كان يعرف أن الجنود الروسية لا تصل قبل انقضاء شهر، مع أن ~~إبراهيم يستطيع أن يصل إلى الآستانة في عشرة أيام. فأمام «هذا الخطر الداهم» رأى الباب ~~العالي استشارة السفراء، فقابل ريس أفندي سفير روسيا والجنرال مورافيف، فقال له المسيو ~~بونتيف: «إن من الصعب على الأجنبي بذل النصيحة، فالوزراء الترك هم يعرفون ما لديهم من القوة ~~للمقاومة، أما الأمداد الروسية فإنها تصل متأخرة لأنهم لم يرتضوها عندما عرضت عليهم.» ولما ~~خرج الجنرال والسفير من عند ريس أفندي ذهبا إلى خسرو باشا السر عسكر الذي تظاهر أمامهم ~~بشدة السخط على محمد علي دون الآخرين، وقال إن من رأيه مواصلة الحرب، وإن باستطاعته جمع ~~25 ألف مقاتل تامي العدة. # ولما سئل سفير فرنسا رأيه قال: «إن إعطاء محمد علي سوريا وأدنه أخف شرا من دخول الروس ~~الآستانة.» # أما سفير إنكلترا فكان قوله «إنه لا يستطيع أن يبدي رأيا رسميا، ولكن إذا كانت لدى ~~الباب العالي قوة للمقاومة ms074 فلا ينصحه بالتسليم، وإلا فالأفضل اختيار أهون الشرين؛ ~~وأهونهما إعطاء محمد علي طلباته.» # فأجاب ريس أفندي: إن الباب العالي مستعد أن يعطي حلب ودمشق لمحمد علي، ولكنه لا يستطيع ~~التنازل عن أدنه، فإذا أيده سفيرا فرنسا وإنكلترا في ذلك يصعب على إبراهيم باشا ~~الرفض. # وفي 29 مارس اتفق الأميرال روسين والباب العالي على إرسال المسيو فارين وكيل سفير فرنسا ~~في الآستانة مع رشيد بك مندوب الباب العالي إلى كوتاهيه، للاتفاق مع إبراهيم باشا على إعطاء ~~ولاية سوريا كلها لمحمد علي، وعلى تخفيف الشروط بشأن أدنه جهد ما تصل إليه الطاقة. وحمل ~~الرسولان إلى إبراهيم باشا كتابي الأميرال روسين والمستر ماندفيل بمعنى ما تقدم. # وفي الوقت ذاته أرسلت فرنسا إلى محمد علي المسيو بوالكنت أحد مديري وزارة الخارجية ليقنع ~~محمد علي بالجلاء عن الأناضول. وأصدر اللورد بالمرستون أمره إلى البحرية بتعزيز أسطول ~~البحر المتوسط، وبإرسال هذا الأسطول إلى مياه الإسكندرية. فإذا وصل الأسطول إلى المياه ~~المصرية، ولم يكن الاتفاق بين محمد علي والباب العالي قد تم، فيقدم الأميرال للقنصل كامبل ~~كل المساعدة التي يطلبها. فإذا كان تطور المفاوضات يتطلب اتخاذ الوسائل القاهرة إلى أن ~~يتم الاتفاق، يقطع أميرال الأسطول جميع المواصلات البحرية عن جيش إبراهيم، وإذا هو التقى ~~بالأسطول الفرنساوي يطلعه على هذه التعليمات ويدعوه لمشاركته في حدود التعليمات التي يكون ~~قد تلقاها، وإذا ظهر أسطول روسي أمام الإسكندرية، يعامله الأسطول الإنكليزي معاملة الصديق، ~~ويدعوه للاشتراك معه. ويقول وزير خارجية فرنسا في رسالته عن ذلك إلى الأميرال روسين: «إن ~~الذي دعا إنكلترا لأن تضغط على محمد علي هو خوفها من أن يملك العراق وطرق مواصلات الهند ~~وسواحل سوريا والخليج الفارسي.» # كل هذا لم يخف محمد علي الذي قال لقنصل فرنسا: «إني قد تعلمت من أوروبا الآن أن ~~الخضوع لا يكون لغير القوة.» ولكن تعلمه هذا الدرس جاء متأخرا؛ لأنه لم يشأ سماع نصيحة ~~ابنه إبراهيم ورأيه منذ ستة أشهر مضت. # أما الباب العالي فظل على سياسة تأليب دولة على أخرى؛ فبينما ms075 هو يرسل رشيد بك والمسيو ~~فارين إلى إبراهيم بأنه قابل شروط محمد علي، يطلب من الجنرال مورافيف في 30 مارس استدعاء ~~الخمسة آلاف روسي من أودسا. وقال ريس أفندي للمسيو بونتيف في 31 مارس: «نحن نعلم أن الخمسة ~~آلاف مقاتل لا تكفي لقتال جيش إبراهيم، ولكنها تحمينا من المباغتة والأخطار في بلاد ~~الأناضول ضدنا.» # أما إبراهيم فإنه أصدر أمره في أول أبريل بالزحف على الآستانة تنفيذا لأوامر والده، ~~ولكنه لما تلقى خبر قدوم المسيو فارين ورشيد بك أمر بإيقاف الزحف، ووصل الاثنان إلى ~~كوتاهيه في 5 أبريل، وفي اليوم ذاته وصل إلى الآستانة الخمسة الآلاف روسي مع الفرقة الثانية ~~من أسطول القيصر. ولكن ذلك لم يحسن الحالة، بل زادها سوءا؛ لأن وصول الجنود الروس إلى ~~العاصمة أغضب المسلمين، ولا سيما العلماء والوزراء، وبدأت الاضطرابات بين الجمهور، ورفض ~~المفتي إصدار فتواه بتصويب عمل الباب العالي في طلب الأمداد الروسية، ورفض أيضا إبعاد طلبة ~~الدين الذين كانوا يعلنون في المساجد آراءهم ضد الإفرنج والروس على وجه التخصيص، وكان عددهم ~~ثلاثين ألفا. # ولما احتل الروس إستامبول اشتد الاضطراب في لندن، فاقترح تاليران وزير فرنسا أن تتفق ~~فرنسا وإنكلترا وروسيا والنمسا على قطع العهد بينها بألا تطمع واحدة منها بامتلاك أرض من ~~تركيا، فوافقت إنكلترا على ما يلي: # أولا: # التعهد بألا تجزأ تركيا. # ثانيا: # موافقة الدول الأربع على أن كل اتفاق بين الباب العالي ومصر يصون سيادة ~~تركيا. # ثالثا: # تعهد الدول الأربع بأنه في حالة رفض محمد علي قبول ذلك، تتفق هذه الدول ~~على الوسائل التي تتذرع بها لحمله على القبول. # ولكن النمسا والروسيا أحبطتا المشروع، فعدلت عنه إنكلترا ، وتدخلت روسيا في أمر مهمة ~~المسيو دي فارين ورشيد بك لدى إبراهيم باشا، فأبلغت الباب العالي «أن الصلح على الشروط التي ~~حملها إلى إبراهيم باشا محقرة له. وإذا صدقت فرنسا بأنها توقف إبراهيم باشا عن الزحف، ~~فليكن ذلك على أحكام الشروط التي أملاها الباب العالي وحملها خليل باشا إلى محمد علي، لا ~~على التنازل عن ms076 سوريا كلها.» # فأرسل الباب العالي في 10 أبريل رسولا إلى الأميرال روسين بأن يصدر تعليماته إلى المسيو ~~دي فارين، بأن يلزم في مفاوضته إبراهيم باشا حدود اتفاق 21 فبراير، والعدول عن مكالمته على ~~قاعدة التنازل عن حلب ودمشق. فرد الأميرال روسين بأنه إذا تغير حرف واحد من اتفاق 29 مارس ~~بينه وبين الباب العالي على أن يتنازل الباب العالي عن حلب ودمشق، فإن فرنسا تستدعي المسيو ~~دي فارين وتنفض يدها من هذه المسألة. فتدارك ريس أفندي الأمر وأبلغ الأميرال أنه لا يغير ~~شيئا من اتفاق 29 مارس. # وفي 10 أبريل كتب المسيو دي فارين «أن رشيد بك أبلغ إبراهيم باشا بأن الباب العالي يعطي ~~محمد علي سوريا كلها، ولم يبق من صعوبة إلا في أمر المقاطعات الأخرى؛ لأن إبراهيم لا يطلب ~~أدنه وسلفكي فقط، بل أورفا وديار بكر. وبعد مناقشات طويلة ارتضى إبراهيم أن يرجع عن طلب ~~ديار بكر وأورفا، وأن يكتفي بأدنه التي لا يتنازل عنها بحال من الأحوال. فإذا ارتضى الباب ~~العالي ذلك، فإن إبراهيم يرسل إلى والده بأن الصلح قد تم، ويأمر سليمان بك بأن يعيد إلى ~~قونيه الفرق التي غادرتها إلى كوتاهيه.» # ولما وصل هذا الكتاب، طلب ريس أفندي من سفير إنكلترا أن يكتب إلى إبراهيم باشا بأن الباب ~~العالي ارتضى التنازل لوالده عن حكم أدنه أيضا، والسبب الذي حمل ريس أفندي على أن يطلب ذلك ~~من سفير إنكلترا هو أن هذا السفير كان يعارض أشد المعارضة في إعطاء حكم أدنه لمحمد علي. ~~وأيد هذه الفكرة الأميرال روسين، فكتب إلى إبراهيم باشا أن فرنسا لا تتساهل في مسألة أدنه، ~~وحجته في ذلك أن إعطاء ولاية أدنه لمحمد علي يضع في يديه الأخشاب ومسالك الطرق في جبال ~~طوروس وطريق إستامبول. وكان رأي الأميرال روسين أن تتفق الدول جميعا على ذلك، وإن أفضى ~~الاتفاق إلى إكراه محمد علي بالقوة؛ لأن الباب العالي قد يسلم بمطالبه تحت ضغط ~~إبراهيم. # وفي 15 أبريل صدرت التوجيهات، وهي جدول أسماء الولاة والحكام ms077 المثبتين في ولايات ~~الدولة، وفي هذه التوجيهات أن ولايات مصر ودمشق وحلب وعكا وبيروت وطرابلس الشام وكريد ~~والقدس ونابلس، قد حولت إلى عهدة محمد علي، وأن ولاية الحبشة وجدة ومكة إلى عهدة إبراهيم ~~باشا. وأما ولاية أدنه موضوع الخلاف، فإنها تظل تابعة لخزانة الدولة. # ولما أبلغ ذلك إلى إبراهيم، صاح صيحة الغضب والسخط، وقال للرسول: «كيف أستطيع أن أكتب إلى ~~والدي أن الحكومة التركية لا تنفذ عهودها؟ فليكتب الباب العالي ذلك إلى والدي، أما أنا فإني ~~أوقف كل حركة إلى الوراء.» لأنه كان قد أصدر أمره إلى إحدى الفرق بالعودة إلى قونيه، ولكن ~~الثلوج منعتها عن السفر. # وفي 23 وصل كتاب القايمجي إلى الباب العالي بأن إبراهيم باشا يلح في أن يعين ~~حاكما لأدنه، ومعنى ذلك أنه يرفض التنازل عن هذه الولاية. # فاجتمع الوكلاء، وقرروا أن يطلبوا من إبراهيم باشا أن يرسل إلى الآستانة إما عثمان بك ~~وإما باقي بك من رجاله المقربين، للمباحثة في مسألة أدنه، ففهم إبراهيم أن المقصود المماطلة ~~والتسويف، حتى تصل الأمداد الروسية - وهي بين 6 آلاف و7 آلاف مقاتل وعشر سفن حربية - فضلا ~~عن أن الأميرال روسين الفرنساوي كان يهدد محمد علي بقوة أوروبا. ولكن وزير خارجية فرنسا كتب ~~إلى هذا السفير «أن الوصول إلى الصلح أغلى من أدنه ثمنا.» وحاول الأميرال روسين الاستعانة ~~بالجنرال مورافيف والمسيو بولتيف، فرفضا، ووصل في أول مايو اللورد بونسوبي سفير إنكلترا إلى ~~إستامبول، فأدرك أن الباب العالي يميل إلى إعطاء أدنه إن كانت إنكلترا وفرنسا تسمحان له ~~بذلك. وفي الوقت ذاته سأل سفير روسيا الديوان عما يريد أن يفعل الجيش الروسي الذي وصل إلى ~~نهر الدانوب، وعدده يتراوح بين 30 ألفا و40 ألفا، أهو لحرب يواصلها أم تسليم شئون تركيا ~~إليه؟ فاجتمع الوكلاء واتفقوا على الاستعفاء إذا طلب الجيش الروسي. فصدر بعد ذلك بثلاثة ~~أيام خط سلطاني بالموافقة على قرار الوكلاء، وهكذا انتصر الميل إلى الصلح. # وكان إبراهيم باشا قد أبلغ الباب العالي أنه يكتفي بأن يكون «محصل أموال ms078 أدنه»، كأي محصل ~~آخر، وأن هذا يرضي والده ويريح الباب العالي، وهذا ما قبله الديوان وقرره. # كان وصول إبراهيم البطل الفاتح إلى كوتاهيه سببا لانهماك الدول في مسألة تركيا ومصر، ~~فأوفدت فرنسا والنمسا وإنكلترا مندوبين سياسيين إلى مصر: هم بوالكنت من مديري الشئون ~~الخارجية الفرنساوية، والكولونيل كامبل من سياسي إنكلترا، والهر بروكس أوستن من سفراء ~~النمسا. وأوفدت إلى الآستانة الأميرال روسن الفرنساوي واللورد بونسوبي الإنكليزي والجنرال ~~مورافيف والكونت أورلوف الروسي. # وكانت سياسة روسيا ترمي إلى بسط حمايتها على تركيا، وسياسة النمسا حل المسألة بالاتفاق مع ~~روسيا، وسياسة فرنسا وإنكلترا إبعاد روسيا عن تركيا والحيلولة دون أن يؤلف محمد علي ~~الإمبراطورية العربية؛ لذلك كان رأي اللورد بونسوبي بعد درس المسألة أن ينصح - بالاتفاق مع ~~الأميرال روسين - السلطان بقبول الحل الذي حله إبراهيم باشا، وذلك بأن يعين محصلا - أي ~~مديرا - لأموال أدنه باعتبارها جفلكا سلطانيا. وكان سخط العلماء وطلبة الدين - ~~وعددهم ثلاثون ألفا - ظاهرا باديا في الآستانة لاستدعاء السلطان الجيش الروسي والأسطول ~~الروسي لاحتلال عاصمة السلطنة. ولما خرج السلطان للصلاة في اليوم الثالث من أيام عيد الأضحى ~~بدا له سخط الشعب لهذا السبب ولشدة الضائقة من قلة الغذاء؛ لأن جيش إبراهيم قطع المواصلات ~~مع بلاد الأناضول التي تغذي الآستانة، ولأن الروس زاحموا الأهالي على ما عندهم من المآكل. ~~فلما عاد إلى القصر السلطاني سلم بإعطاء إدارة أدنه لإبراهيم. وهكذا انتهت المفاوضات التي ~~بدأت في أبريل بقبول شروط محمد علي في 3 مايو. ولم يشأ محمد علي أن يطلب قبرص لفقرها؛ «لأن ~~الإتاوة التي يطلبها الباب العالي ستة آلاف كيس (3 آلاف جنيه)، وهي عاجزة عن دفع هذا المبلغ ~~مع أن كريد صالحة للتعمير والاستثمار.» وهو إذا ملك كريد وأدنه وسوريا ومصر ألف من ذلك ~~كله وحدة قوية وغنية معا. ومما قاله محمد علي لمندوب النمسا: «إن امتلاك أدنه لازم لي؛ لأن ~~الباب العالي لا يستطيع التجاوز عن عملي معه، فالواجب أن تكون بيدي الضمانة؛ فهو غدره ضعيف ~~الآن ولكنه يستطيع أن يستعيد ms079 قواته بعد ست سنين، وهو يحكم ستين مليونا، وأنا لا أحكم سوى ~~أربعة ملايين، فلا بد لي من بلاد تدافع هي عن نفسها.» # أما السبب الذي دعا اللورد بونسوبي إلى نصيحة الباب العالي بأن يعطي إبراهيم باشا أدنه، ~~مع تصريح اللورد بالمرستون قبل ذلك بأن إنكلترا لا تسلم بقيادة دولة عربية فتية على طريق ~~الهند، فهو أن تستعين إنكلترا بالصلح بين مصر وتركيا على إخراج الروس من الآستانة، ثم تستغل ~~بعد ذلك حفيظة الباب العالي على محمد علي حتى ينهض بعد إصلاح شئونه لأخذ الثأر ومنع ~~التوسع المصري. # ولما وصل الكونت أورلوف الروسي إلى الآستانة في أبريل، بلغه أن الصلح بين السلطان ومحمد ~~علي وضع في اليوم السابق لوصوله، فقال: «إن هذا الصلح ليس سوى هدنة لا تدوم أكثر من خمس ~~سنين إلى ست سنين.» وهذا ما وقع بعد ذلك. ولم يكن اتفاق كوتاهيه معاهدة صلح تضمنها الدول، ~~ولكنه كان محضرا بين إبراهيم ومندوب السلطان، نفذ بصدور فرمان الولاية لمحمد علي على مصر ~~وكريد وسوريا، وبتعيين إبراهيم محصلا أو مديرا لأدنه وواليا للحجاز ... إلخ. # ووصل خبر الاتفاق إلى الإسكندرية في 11 أبريل. وفي 16 أبريل وصل الأميرال سليم بك من قواد ~~جيش إبراهيم، وكان قد غادر كوتاهيه في مساء 9 أبريل، وقابل محمد علي في دار صناعة السفن ~~بحضور القناصل، فصاح بوغوص بك بأعلى صوته: «لقد أبرم الصلح.» فتغير وجه محمد علي وضحك ضحكة ~~عصبية؛ لأنه لم يستطع تمالك نفسه. ورأى الحاضرون دمعتين تنحدران على خديه من عينيه رغم ~~رزانته ومهابته. # ولكن الرد على مسألة أدنه أبطأ، فأخذ مندوبو الدول يلحون على محمد علي بأن يتحول عن طلب ~~أدنه، وكل واحد منهم يقرن طلبه بالتهديد أن يسلم لهم، إلى أن وصلت سفينة حربية في 5 مايو ~~تحمل من إبراهيم خبر تسليم الباب العالي بأدنه، فأمر محمد علي بأن ترفع المراكب والسفن ~~زينتها كاملة، وبأن تطلق القلاع والطوابي في جميع أنحاء البلاد مائة مدفع ومدفعا. وقرر ~~السفر إلى القاهرة وتفقد المزارع ms080 بطريقه، حتى لا يقابل مندوب السلطان برتو بك - الذي يحمل ~~إليه الفرمان - في غير العاصمة. # وهذا هو نص الفرمان السلطاني الصادر في 6 مايو إلى الوزراء والميرميران والمللا والقضاة ~~ونواب الشرع والمتسلمين والكبراء والأعيان والوجوه والموظفين في أنحاء بلاد الأناضول: # إن تأكيد الأمانة والإخلاص الذي قدمه في العهد الأخير والي مصر محمد علي باشا ~~وولده إبراهيم باشا، قد لقي الحظوة لدينا، فنوجه إليهم رضانا العالي الشاهاني، ~~وأثبت في ولاية كريد ومصر محمد علي باشا. ونظرا لالتماسه الخاص، وليته ~~مقاطعات دمشق، وطرابلس الشام، وصيدا، وصفد، وحلب، وإقليمي القدس ونابلس، وحراسة ~~الحج، وقيادة الحردة. ونال ابنه من جديد من عطفنا الشاهاني لقب شيخ الحرم المكي، ~~وولاية جده. وفوق هذا قد أجبت ملتمسه بشأن إدارة مقاطعة أدنه التي يديرها إدارة ~~الجفالك الشاهانية، وذلك بلقب محصل. # وإني لما طبعت عليه من الإنصاف والشفقة والحلم، أصدر أمري هذا لجميع من في ~~بلاد الأناضول بألا يحاسبوا أحدا من السكان والأعيان عن الماضي، وأن ينسوا جميع ~~الحوادث التي وقعت. وأنتم جميعا تبلغون من في دائرتكم عفوي، وتبذلون جهدكم ~~لتطمين الخواطر من هذا الوجه، وتعملون كل ما باستطاعتكم لرفع الأدعية لشخصنا ~~الشاهاني من كافة الشعب الذي هو أمانة من الله في يدنا. # ولأجل إعلامكم أصدرنا فرماننا هذا طبقا لخطي الشريف، فأبلغوا إرادتي السامية ~~لكل من عندكم، وطمنوا الأهالي وحثوهم على الدعاء لي، وابذلوا الجهد لتنفيذ ~~إرادتي دون أن تسمحوا لأحد بإهانة أحد ومخالفة مقاصدي السامية. # وهذا كتاب إبراهيم باشا إلى جلالة السلطان محمود في 11 مايو من معسكر كوتاهيه بعد البسملة: # الحمد لله القوي الجبار، والذي تتعالى قوته عن كل شبيه ومثيل، أسأله وهو خير ~~مسئول أن ينعم بالغبطة التي لا تنهى، وبالسعادة التي لا تزول، على صاحب العظمة ~~السامية والحلم المتناهي والجلالة، مولانا القدير العظيم الشأن الذي غمرتنا ~~وغمرت العالمين مبراته وإحساناته. وأسأله بسط ظله الوارف الذي يستظل به ~~سائر العباد على عبده هذا، سائلا الله إجابة دعائي بجاه المصطفى سيد الرسل ~~والأنبياء. # أما بعد، فقد تفضلت ms081 نعمة الجلالة الشاهانية بأن منحت هذا الخادم المطيع لقب ~~محصل حكومة أدنه، وشملت شمس أنظاره هذا العبد الذي غمرته النعمة، فردت إليه ~~الحياة حتى تتصاعد مع أنفاسه الدعوات بطول حياته وبدوام سلطانه. وإني ما بقيت ~~حيا لأكون وقفا على خدمته، ولتمسكي بواجب الإخلاص الذي لا يعتريه أقل فتور، ~~أسأل الله وحده أن يمد بعونه وحوله عبد عظمتكم الذي لا أمنية له إلا أن يقف حياته ~~على شرف خدمتها في كل ما ينطبق على مشيئتها السامية. # وإذا تعالى إلى مسامع عظمتها رفع هذه العريضة إلى مواطئ عرشها السامي، لشكرها على ~~حلمها وإنعامها الذي لا حد له، يتنازل مولاي وولي نعمتي ونعمة العالمين جميعا، ~~فيأمر بما يروق له. وله على كل حال أن يأمر ويشمل هذا الخادم الأمين بتعطفاته التي ~~لا حد لها. # وكتب إبراهيم إلى الصدر الأعظم كتابا قال فيه إنه تلقى الفرمان الذي حمله إليه مفتش ~~الذخائر الحربية، فدله ذلك على أن الالتماس الذي رفعه على يد قاصيجي أفندي قد تفضلت ~~جلالته بقبوله، فأولته مهمة محصل حكومة أدنه. إلى قوله: «إنه حال وصول الفرمان وتلقي ~~ما أبلغ إليه شفويا، أمر الجنود بأن تسافر من مرابطها، وأنه سيسرع بالذهاب إلى أدنه دون ~~الوقوف في الطريق.» # وكتب مثل هذا إلى أحمد باشا أحد كبار المقربين من السلطان. # كان عدد الجيش التركي عند توقيع اتفاق كوتاهيه الذي جعل حدود حكم محمد علي جبال طوروس ~~36197 جنديا، منها 11260 جنديا هم حرس السلطان من فرسان ومشاة، والباقون موزعون على 20 ~~محطة ومعسكر. وسلاح هذا الجيش ثماني بطاريات من المدافع. # بينما جيش الباشاوات الثمانية الذي هزمه إبراهيم باشا في معركة حمص في 8 يوليو 1832 كان ~~80 ألفا، وجيش حسين باشا الذي هزمه في معركة بيلان في 29 يوليو 60 ألفا. وكذلك كان عدد ~~جيش محمد رشيد باشا الذي هزمه إبراهيم في قونيه في 21 ديسمبر 1832 وهو الجيش التركي الثالث ~~والأخير. # أما الجيش المصري، فكان مجموع عدده في شهر مارس سنة 1832 مع فرسان ms082 العرب المصريين وهم ~~ثمانية آلاف - أي بعد اتفاق كوتاهيه - 193932 ضابطا وجنديا وبحريا وبريا، وهم ~~موزعون على الوجه الآتي: # 16785 في البحرية الحربية. # 13223 في بلاد الحجاز. # 53511 في قلاع القاهرة والأقاليم. # 9163 في كريد. # 7460 في بلاد النوبة والسودان. # 82944 في معسكرات الميدان. # 8358 جنود عمال بدار الصناعة وملحقاتها. # 1526 أركان حرب مدرسة قصر العيني. # 1250 أركان حرب مدرسة البحرية بالإسكندرية. # 300 ياوران وحرس. # 412 أساتذة وتراجمة وطلبة. # ففي 14 مايو انتهى القتال والعداء، ولولا تألب الدول بقواتها بعد ذلك على مصر، لعرف هذا ~~اليوم بأنه أعظم يوم في تاريخ مصر الحديث، ولكان يوم تأليف الإمبراطورية العربية من جبال ~~طوروس، إلى بحر الهند، فخط الاستواء. ولكي يقف القارئ المصري على بطولة إبراهيم، ننقل عن ~~المسيو دوين شهادة أحد مارشالية فرنسا في حروبه، قال: # إن حملة 1832 تشرف إبراهيم وتعلي شأنه. ويقيني أن الملمين بالشئون ~~العسكرية والخبيرين بها يعترفون معي بأن تلك الحملة لا يتناولها أقل انتقاد، وأن ~~قيادتها بنيت على أسلوب حكيم وقاعدة متينة وهمة عالية. والنقد الوحيد هو أنه في ~~المعارك الثلاث الكبرى بينه وبين الترك استخدم منذ بدء القتال صفوفه الثانية ~~وجيوشه الاحتياطية، ولكن يدفع هذا اللوم عنه ويجعله في جانبه يقينه برداءة نظام ~~الجيوش التركية. # وقد وفق إبراهيم في الحوادث المفاجئة، كما وفق بكفاءة سليمان بك (الكولونيل ~~سيف) صاحب الدراية العالية في تسيير الجيوش. ا.ه. # لم يضع اتفاق كوتاهيه حدا للمشاكل بين محمد علي والباب العالي، بل كان هذا الاتفاق في ~~وقت واحد هدنة حربية وفاتحة مشاكل جديدة أولها: الحدود، وقد أثارها إرسال إبراهيم باشا ~~جنوده إلى أورفا - الرها - لصد غارات البدو من الصحراء على البلاد العامرة، وثانيها: ~~الإتاوة التي يدفعها محمد علي عن البلاد التي ضم حكمها إلى حكم مصر. وقبل أن نتبسط في وجوه ~~الخلاف نعود إلى الأصل؛ أي إلى الإتاوة التي كان يدفعها محمد علي ذاته عن مصر. # ففي سنة 1806 صدر الفرمان السلطاني بتعيين محمد علي واليا على مصر، إجابة لطلب علماء ms083 ~~مصر وأعيانها، وتعهد محمد علي يومئذ بأن يدفع للباب العالي مبلغ أربعة آلاف كيس في ~~السنة - والكيس 500 قرش - أي إنه تعهد بدفع عشرين ألف جنيه. ولكن الولاية كانت تسمى في ذاك ~~الحين ولاية القاهرة، وولاية القاهرة كانت تشمل الوجه البحري ومصر الوسطى فقط؛ لأن صعيد مصر ~~كان مقسما أقساما عديدة، وكل قسم يتولى حكمه مملوك من المماليك. وكانت الإسكندرية ~~والشطر الأكبر من مديرية البحيرة ولاية مستقلة، يعين لها الباب العالي واليها من ~~إستامبول. فلما طرد محمد علي الإنكليز من رشيد والإسكندرية في سنة 1807، رضي الباب العالي ~~أن يضم إلى ولاية القاهرة - أي إلى ولاية محمد علي - ولاية الإسكندرية. ولم يكن دخل ولاية ~~محمد علي سوى 175 ألف جنيه، ولكنه صمم على توحيد حكم البلاد كلها سياسيا وماليا، فتخلص ~~من المماليك في سنة 1811، ونال فرمان ولاية الصعيد، وزاد الإتاوة التي يدفعها للباب العالي ~~عن مصر كلها إلى 12 ألف كيس؛ أي إلى ستين ألف جنيه. وهكذا كون محمد علي مصر، وهكذا ~~جعلها تحت حكم واحد. # ولما رأى الباب العالي نمو ثروة مصر بفضل أعمال محمد علي وإصلاحاته، طلب في سنة 1814 إبان ~~حرب الوهابيين وفي سنة 1824 إبان حرب المورة، زيادة الإتاوة، مع أن مصر تحملت النفقات ~~لتوطيد حكم السلطان في بلاد العرب والبلقان، حتى قالوا إن حملة المورة وحدها كلفت محمد ~~علي عشرين مليون فرنك وثلاثين ألف رجل فوق نفقات الأسطول ورجاله. كذلك قل عن كريد التي ~~أخمد محمد علي ثورتها، ثم تولى منذ 1830 حكمها والإنفاق على حاميتها، وهي من 8 آلاف إلى 9 ~~آلاف مقاتل. # فلما عقد اتفاق كوتاهيه أرسل الباب العالي إلى مصر مندوبه أدهم أفندي ليتفق مع محمد علي. ~~فقبل محمد علي أن يدفع للباب العالي 32 ألف كيس في السنة، ابتداء من مايو 1834، فاستصغر ~~الباب العالي المبلغ وقال إنه لا يتفق مع دخل مصر وسوريا وجزيرة كريد. فأجاب محمد علي أنه ~~متنازل عن جزيرة كريد، فأخذ الباب العالي بهذا القول، ولكن فرنسا وإنكلترا وروسيا ms084 أقنعته ~~بألا يتمسك بعرض محمد علي، وبأن يدع كل شيء على حاله. # وكانت مالية محمد علي مرهقة في ذاك الحين لكثرة المال الذي أنفقه على حملة روسيا، فقد ~~أنفق عليها مليونا ونصف المليون جنيه. وكانت ميزانية مصر في سنة 1833 في عجز كبير، فهبطت ~~إلى 825 ألف جنيه. وفي 14 مايو تم الاتفاق بين أدهم أفندي ومحمد علي على أن يقبل محمد علي ~~أن يدفع عن مصر ما تعهد بدفعه، وعلى أن يدفع عن ولايات سوريا وكريد ما كانت تدفعه قبل ~~أن يتولى حكمها، وهو: # 2000 كيس عن كريد. # 18000 كيس عن سوريا وأدنه. # وأن يكون مجموع الإتاوة التي تدفعها حكومة مصر عن البلاد التي تحكمها 33 ألف كيس أو 160 ~~ألف جنيه. ولكن هذا الاتفاق لم يرض الباب العالي الذي كان يطلب 90 ألف كيس أو 500 ألف ~~جنيه مقابل الإتاوات التي تأخرت إبان الحروب. ولأجل تسوية الحساب على هذه القاعدة أرسل ~~الباب العالي إلى الإسكندرية الدفتردار، فوصل إليها في 30 يوليو، وكان محمد علي غائبا في ~~زيارة كريد. # وقد غادر الإسكندرية في 27 يوليو، فوصل إلى تلك الجزيرة في 3 أغسطس. وبعد المفاوضات ~~الطويلة تم الاتفاق في شهر أكتوبر على أن يدفع محمد علي للباب العالي 32 ألف كيس، وعلى أن ~~يسحب إبراهيم باشا جنوده من أودفا. # وكان الباب العالي قد أبرم مع روسيا معاهدة، بل محالفة، تجعل تركيا تحت حماية القيصر، ~~فبعد هذه المعاهدة أراد الباب العالي نكث عهده وإلغاء اتفاق كوتاهيه، ولكن اللورد ~~بونسوبي قاوم هذا الرأي ليظل مستندا على مصر لتقوية نفوذه في الآستانة، فأبلغ الباب العالي ~~«أن محمد علي يدفع الآن للباب العالي أكبر مبلغ يصل إليه من جميع ولاياته، وأن من مصلحة ~~السلطان الآن أن يستبقي مودة هذا الوالي، وأن ولاية محمد علي تنتهي بانتهاء حياته، وأن من ~~مصلحة هذا الوالي ألا يدع سلطة روسيا تبسط على إستامبول. وقد لا يكون الوقت الذي يحتاج فيه ~~السلطان إلى جميع قوات السلطنة بعيدا ليصون استقلاله ms085 من روسيا. فمن حسن السياسة أن يربح ~~السلطان مودة محمد علي له سواء كان بالإنعامات أو بسواها استبقاء لثقته.» # ولما قدم ترجمان السفارة الإنكليزية هذه النصائح في 29 مايو لريس أفندي قال له هذا: ~~«أنا أعلم أن فرنسا وإنكلترا هما صديقتا الباب العالي وأنا أبوح لك بأني لا أفهم كيف صار ~~عدونا القديم روسيا صديقنا المخلص لنا اليوم.» # وأما محمد علي، فإنه لا يكون في حجر السلطان إلا ~~الثعبان الذي يدفأ في هذا الحجر. # وهذا القول يدل على الدسائس التي أخذ الباب العالي يدسها لمحمد علي في بلاد سوريا ~~وعلى جده في استعادة قوته. ولكن فكرة الإمبراطورية العربية كانت متأصلة في نفوس العرب وفي ~~نفس إبراهيم، حتى كتب الكولونيل تايور قنصل إنكلترا في بغداد إلى الكولونيل كامبل قنصل ~~إنكلترا في الإسكندرية في 6 نوفمبر 1833 من بغداد يقول: «إن هذه الولاية هي الآن في أشد ~~حالات البؤس والضيق تحت حكم علي باشا الذي كان قبل مجيئه إلى بغداد واليا على حلب. وأنظار ~~الشعب العربي متجهة في هذه المحبة نحو إبراهيم.» والحقيقة أن سياسة إبراهيم منذ الساعة ~~الأولى كانت غير سياسة محمد علي، حتى كتب بروكس أوستن إلى الكونت مترنيخ في 16 يوليو 1833 يقول: # إن أسبابا عديدة تثبت أن فكرة تأليف الإمبراطورية العربية لا تزال حية ولا تزال ~~موجودة، ولكني أرى إلى جانب العقل المدبر عقل محمد علي، المطامع الواسعة والهمة ~~العالية في صدر ولده وخليفته. فإبراهيم ابن هذا العصر، وقد تربى تربية عصرية عالية، ~~وتنزه عقله عن الانطباع على الخضوع للسلطان بحكم المبادئ الدينية. وإني لأرى - إلى ~~جانب ضعف الباب العالي وهزاله - جيشا عربيا قويا ممرنا على أحدث مبادئ ~~القتال، وأرى أسطولا قويا، وكلا الجيش والأسطول يسهل مضاعفتهما. أضف إلى هذا كله ~~يقظة الروح العربية بعد سباتها، فمحمد علي يتمتع بحسن السمعة والصيت الحسن في جميع ~~الأقطار العربية. # والظاهر أن مندوب النمسا استند إلى تقرير قدم إلى محمد علي قبل ذلك، وهذا التقرير وجد ~~في سجلات وزارة خارجية إنكلترا، ms086 وهو بنصه: # إن أصدق ترتيب وأفضل تنظيم هو أن تؤلف المملكة العربية من مصر وبلاد النوبة ~~وسنار ودارفور وكردوفان في إفريقية، ومن البلاد العربية كلها حتى الخليج الفارسي، ~~ومن الشاطئ الشرقي لنهر الفرات، مع دخول سوريا كلها في هذه المنطقة. # فإذا تم ذلك يحييكم العالم العربي، كما يحيي الثائر للخلافة الإسلامية وللخلفاء ~~الراشدين، وكما يحيي الرجل الذي أرسله الله لإنقاذ الإسلام، وكل عربي ينظر إليه ~~اليوم كمتجه أمانيه وآماله. # وهذه الروح الدينية والسياسية قد تحولت كل التحول عن الإنسانية إليكم. وهذا شريف ~~مكة هو أول المعجبين بقوتكم وعظمتكم، والرأي العام يرافقكم ويؤيدكم بأصدق أمانيه ~~ودعائه، ولا ريب ولا شك في أفضلية وسائلكم على ما عند الباب العالي. # ولبلوغ الغرض يجب النداء بمفاوضة أعيان بغداد وزعماء الشعب على الشاطئ الشرقي من ~~الفرات والإنكليز، لا يعارضون بالتقرب من الأئمة في الخليج الفارسي، وتستطيع ~~سعادتكم بتوطيد نفوذكم هناك في حماية التجارة والصناعة والدين، ونحن نثق بقرب حلول ~~نكبة في إستامبول، فإنكلترا وفرنسا لا تستطيعان الحيلولة دون ذلك، والنمسا وروسيا ~~لا تريدان هذه الحيلولة. # ومن أجل ذلك تكون خطة سموكم الدفاع، فتدع تركيا أوروبا وشأنها، وما هو ~~واقع وراء جبال طوروس لما تقرره أوروبا. # ومما لا شك فيه ولا ريب الآن أن الباب العالي يحاول أن يستعيد سوريا؛ لذلك كان ~~محتما عليكم العمل السريع. # وجيشكم في الشام تنقصه الآن معدات الدفاع، فهو محتاج إلى 20 بطارية، وفرقتين ~~من المهندسين، و300 مستشفى، وعدد من الأطباء كاف، وأن يكون عدد الجيش العامل 130 ~~ألفا ما عدا العربان المتطوعين. والواجب التمسك بصداقة رشيد باشا والولاة الآخرين. ~~ا.ه. # | الفصل التاسع # بعد اتفاق كوتاهيه. # أعمال إبراهيم باشا في البلدان التي فتحها. ~~*** # بعد اتفاق كوتاهيه الذي أسميناه «هدنة للحرب وفاتحة للمشاكل السياسية»، عاد إبراهيم باشا ~~إلى أنطاكية، واتخذها مركزا له يشرف منه على بلاد الأناضول ليرقب حركات الترك؛ لأنه ~~كان واثقا من إقدام الباب العالي على الدسائس، وعلى استعادة قوته لسلب محمد علي ~~وإبراهيم ما أعطاه مكرها. # ولولا سياسة أوروبا ms087 ضد مصر خوفا من أن تؤلف الإمبراطورية المصرية فتحرم أوروبا ~~مغانم الاستعمار بالشرق، لكان حكم الناموس الطبيعي في نظر علماء أوروبا ذاتهم أن تخلف ~~مصر في ذاك الحين تركيا، وأن تقوم في العالم الإسلامي مقامهم. فأوروبا ساعدت تركيا للحيلولة ~~دون حكم الناموس الطبيعي أن يسير سيره. وإليك نص الحديث الذي ألقاه ملك فرنسا لويس فيليب ~~إلى الدكتور كلوت بك مفتش صحة الجيوش المصرية في مقابلته له في 28 نوفمبر 1832. قال كلوت بك ~~في مذكراته عن ذلك الحديث: # بعد محادثة خاصة بشئون مصر انتقل الملك إلى الكلام في الحرب الناشبة بين إبراهيم ~~باشا والباب العالي، فقال: «إنه كان يعتقد مع فولني - المؤرخ والجغرافي الشهير - أن ~~الثورة التي تهدد وجود تركيا لا مندوحة عن اشتعالها في مصر التي هي الطريق الطبيعي ~~إلى إستامبول. فمحمد علي لم يكن إذن إلا الأداة في قبضة الحوادث الطبيعية المتوقعة ~~والتي لم تكن عنها مندوحة.» إلى قوله: «ولما ساح الدوق دورليان في أميركا، قابل هذا ~~الباحث المدقق فولني وحدثه في ذلك. وكان الفرنساويون يحتلون يومئذ مصر، فأعرب له ~~فولني عن هذا الرأي بيقين قوي؛ لأن مصر هي البلد الوحيد الذي احتك بالمدنية ~~الأوروبية الحديثة دون بلاد الشرق، وهي البلد الوحيد القادر على أن يستمد من ~~المدينة الحديثة قوة تزلزل عرش إستامبول. ولسوف تعمل مصر كل شيء لهضم هذه المدنية ~~الأوروبية الحديثة.» ثم قال الملك: «فليس إذن غريبا أن نرى اليوم ما هو واقع بين ~~مصر وتركيا، ولا مندوحة عن الوصول إلى النهاية بعد أربع أو خمس سنين على الأقل. ~~وإذا لم يكن ذلك، فالنهاية لا يشك فيها أحد؛ لأن الهيئتين السياسية والدينية ~~اللتين كانتا دعامة عرش إستامبول قد فسدتا، والقوة العسكرية التي كانت تسند العرش ~~والمنبر معا قد تضعضعت. وهذه روسيا تتقدم في عشر سنين خطوة نحو البوسفور، وكل خطوة ~~تخطوها لا تقل عن 50 مرحلة، فيوم استقلال الولايات البعيدة عن إستامبول قد دنا. ~~وحقيقة الواقع أن مصلحة الدول تقضي عليها بإبقاء تركيا، ولكنها في النهاية ستحل ms088 ~~لأنها فقدت الدين والدنيا معا، ومصر في مركز مادي وأدبي وفي حال تقضي بخروجها من ~~تحت النير التركي، إما آجلا وإما عاجلا. وعندما تحرر ضفاف النيل لا تلبث ضفاف ~~الفرات أن تحذو حذوها وتؤلف التنتان بعد ذلك؛ المركز الذي تقوم فيه الخلافة ~~الجديدة، وقد جددت شبابها بعلوم أوروبا وقوتها.» # وقبل أن نتبسط في أعمال إبراهيم باشا في سوريا مع رقابته تدبيرات تركيا في الأناضول، ننظر ~~إلى معاملة جيشه للأهالي. فقد بسطها سليمان باشا الفرنساوي رئيس أركان حرب إبراهيم بكتابه ~~إلى البارون دي فارين وكيل السفارة الفرنساوية في إستامبول، وكان قد كتب البارون إليه ~~يستحلفه بأمم فرنسا قبل اتفاق كوتاهيه في أن يقنع إبراهيم باشا بإيقاف الزحف، فرد عليه في ~~17 يناير سنة 1933 يقول: # لقد أصبت في حكمك علي؛ فإني أحب فرنسا وأجلها، فلا أسمع مرة اسم وطننا ~~الجميل دون أن أحس في طيات نفسي بهزات ذكراه المجيدة. وقد تكلمت في موضوع كتابك مع ~~الأمير القائد العام، والظاهر أنه لا يستطيع أن يتحمل تبعة إيقاف الزحف بمحض ~~إرادته، والذي كتبه إليك هو كل ما يستطيعه (وكان إبراهيم باشا قد رد على البارون دي ~~فارين الذي طلب منه إيقاف الزحف - لأن الباب العالي قد أوفد إلى الإسكندرية خليل ~~باشا - بأن ذلك فوق حدود سلطته ومخالف للأوامر التي تلقاها، وأنه قائد عام فقط ~~ومهمته الأعمال العسكرية). # فالأمير يود الوصول إلى الصلح من صميم فؤاده، وقد أمضه أن يرى وقوع هذه ~~الحروب، ويسره أن يرى الأمة متحدة بإخلاص وسائرة في طريق المدنية التي عمل ~~والده للوصول إليها كثيرا جدا. # ولم أستطع أن أكلم الأمير عن العبارات التي يفوه بها الباب العالي بشأنه، لعلمي ~~أنه لا يعبأ بهذه الصيغ البالية من صيغ الاستبداد العتيق؛ لأن الأمير يحب الحرية ~~ويضحي حياته وثروته في سبيل الوصول إلى أن تحكم بلاده بأحكام القوانين التي تنظم ~~بلادنا الجميلة فرنسا. # وهل تظن أن القائد العام يرضى أن يدل الشعب على مصالحته مع الباب العالي بمظاهرات ~~خلابة كاذبة؟ فأنا أؤكد ms089 لك أن هذا إذا وقع لا يكون له أقل تأثير في الولايات؛ لأن ~~جميع سكان الولايات في قنوط ويأس شديدين من أعمال الجيش التركي الذي لا نظام له ولا ~~قانون، فهو ينهب ويحرق ويقتل ... إلخ. # أما جيشنا فهو على عكس ذلك؛ لأنه خاضع لنظام صارم كنظام جيش فرنسا، فهو يدفع ثمن ~~كل شيء يأخذه نقدا، وهو يحترم كل الاحترام أموال الناس وأملاكهم، وهو قد نال بين ~~الأهالي سمعة حسنة يعد من الخطل إضاعتها بإبلاغهم أنهم باقون تحت النير التركي ... ~~إلخ. # هذا ما كان يعمله جيش إبراهيم في البلاد التي اجتازها، ولأجل هذا أحبه الأهالي؛ لأنهم ~~قابلوا بين مسلكه ومسلك خصمه. وكان إبراهيم ينشط الزراعة ويشجع الأعمال الصالحة. ~~والآن ننظر إلى الإصلاحات التي أجراها إبراهيم في إدارة البلاد، ولا تزال آثارها باقية حتى ~~الآن. فقد ذكر كلوت بك أن جيشه الذي كان عدده 85 ألفا وزعه على 17 معسكرا، وأوقف ~~أكثره على حدود تركيا، ولم يبق معه سوى 1152 جنديا؛ فجعل حامية أدنه 6479 جنديا، ~~وأنطاكية 2131 جنديا، وحلب 13130 جنديا، وحماه 4297، ودمشق 3489، ومرعش 5238 ... ~~إلخ. # أما التنظيم الإداري فإنه جعل القاهرة السلطة العليا. وكان إبراهيم جامعا بين القيادة ~~العليا للجيوش والحكم العام لسوريا وكيليكيا، وضم فلسطين إلى ولاية دمشق، وجعل واليها شريف ~~بك الذي كان قبل ذلك حاكما لسوريا كلها، وجعل متسلما لعكا الشيخ حسين عبد الهادي من ~~أعيان نابلس، وولى سليمان باشا الفرنساوي ولاية صيدا لصلتها ببيروت وصلة بيروت ~~بالتجار الأوروبيين، وإسماعيل بك من أولاد عمه ولاية حلب، وأحمد منكلي باشا ولاية أدنه ... ~~إلخ. وعين يوحنا البحري مديرا لحسابات الولايات كلها، وألف في كل مدينة عدد سكانها عشرون ~~ألفا فما فوق ديوانا للمشورة ينتخب أعضاؤه من أعيان المدينة وتجارها، ويمثلون جميع ~~المذاهب، وسن لهم نظاما للعمل دقيقا، وجعل قراراتهم نافذة، إلا إذا هي استؤنفت إلى ~~المجلس الأعلى؛ إما في دمشق أو عكا، ويجوز تمييزها بعد الاستئناف إلى القاهرة. # وأبطل الإقطاعات في أنحاء البلاد. # وكان إبراهيم باشا في أول الأمر ms090 شديد الوطأة على الموظفين الذين يحيدون عن جادة ~~العدالة. # واتبع في تنظيم القضاء طريقة فرنسا، ولكنه أبقى سلطة القاضي الشرعي في الشئون الدينية ~~والشخصية؛ فكان قاضي المدينة ينظر في القضايا الجزئية والمعاملات التجارية ويسجل العقود، ~~وكانت القضايا الكبيرة تحال إلى المحاكم العليا وهي مؤلفة من قاضيين أو أكثر، وكانت ~~الأحكام تستأنف إلى قاضي القضاة. أما اختصاص المشورة، فكان النظر في الأموال الأميرية ~~وقضايا ملكية الأراضي وإعطاء المقاولات والالتزامات، ووضع النظم للمالية والجمارك ~~وسواها. # ويقول المسيو لاني ترجمان قونصلاتو النمسا في مصر: إن مركز إبراهيم في داخل البلاد كان ~~النجاح مضمونا له؛ فهو فضلا عما كان له من السلطة والهيبة قد تمكن من أن يضم إلى جانبه ~~الأسر صاحبات النفوذ في البلاد، والتي كانت قبل عهده مهضومة الجانب بأن قدم عليها ~~خصومها. # أضرب مثلا لذلك أسرة عبد الهادي في جنوب سوريا؛ فقد كان لها النفوذ الكبير على تلك ~~البلاد الكثيرة الاضطراب، فأنزلت من مقامها ورفعت فوقها أسر أخرى من نابلس، إلى أن جاء ~~الحكم المصري فصارت مدينة باستعادة منزلتها إلى إبراهيم باشا. وحديثا عندما مات الشيخ حسين ~~مدير إيالة صيدا، عين إبراهيم باشا أخاه محمودا خلفا له، ورقى ابنه صالحا إلى ~~رتبة أميرالاي في الحرس، وأسدى إلى جميع أفراد هذه الأسر المناصب والرتب، حتى صارت مخلصة ~~للحكومة المصرية. # وتركت الحكومة المصرية لحليفها الأمير بشير الشهابي استقلاله في إدارة لبنان. ولبنان ~~ظل في كل وقت - بفضل طبيعته الجبلية، وحزم سكانه، وشدة مراسهم - ملجأ للحرية ~~المضطهدة وحامي الاستقلال، فهو في سوريا مثل بيمونتي في إيطاليا. # فالأمير فخر الدين المعني (1585-1635) كان قبل الأمير بشير أول من أوجد وحدة حكم لبنان ~~الكبير، وأنقذه بالحيلة واللين والدهاء من حكم الباب العالي باستناده إلى أوروبا. # أما الأمير بشير، فإنه وجه نظره إلى مصر أم المدنية ومهد النهضة الحديثة في الشرق. ~~ا.ه. # ولقد ذكرنا في فصل سابق تأليف ديوان المشورة في دمشق من 22 عضوا يمثلون جميع المذاهب، ~~أما ديوان مدينة بيروت فكان مؤلفا من 12 عضوا ms091 مراعاة لعدد السكان، وهم ستة من ~~المسلمين: عبد الفتاح حمادة ناظر الديوان، وعمر بك بيهم، وأحمد العريس، وحسن البربير، وأمين ~~رمضان، وأحمد جلول. وستة من المسيحيين وهم: جبرائيل حمصي، وبشارة نصر الله، وإلياس منسي، ~~وناصيف مطر، ويوسف عيروط، وموسى بسترس. # وكان لكل مدينة متسلم يتولى إدارتها ويقوم بأعمال قاضي الصلح والمجلس البلدي، ثم مباشر ~~يتولى وظيفة مدير المال. # | الفصل العاشر # الفتن والثورات في فلسطين وسوريا. # أسبابها ونتائجها. # اتحاد إنكلترا مع تركيا ضد محمد علي والدولة المصرية. ~~*** # إن نقصان دخل البلاد إبان الحروب، وكثرة النفقات على الجيوش، أحوج محمد علي ~~إلى الأموال. ثم إرسال الباب العالي رشيد باشا إلى حدود سوريا من جهة الأناضول وحشده ~~الرجال والإتيان بالسلاح، أحوج محمد علي إلى الرجال، فأخذ بالبحث عن هذين الموردين؛ ~~لأن مصر أعطت كل ما كان بإمكانها إعطاؤه، ففكر في عقد القروض في أوروبا، ولكن أصحاب ~~الأموال والدول اشترطوا أن يوافق الباب العالي على تلك القروض؛ لأن محمد علي كان واليا على ~~مصر وسوريا، فلا يكون القرض صحيحا إلا بموافقة السلطان، ولا يأمن أصحاب المال على مالهم ~~إلا بتقديم الضمانة. وهذا أيضا ما كان يطلبه أصحاب الأموال ولا يسلم به محمد علي. وكانت ~~الأموال التي يتوصل إليها محمد علي من الخارج هي عبارة عن «سلف» على القطن؛ فمحل بريجس ~~وتوربون ومحل غوتيه وباستره هي المحلات التجارية التي كانت تقدم السلف على القطن المصري، ~~فمحل باستره قدم لمحمد علي 300 ألف ريال إبان حصار عكا. # ولما عرضت فرنسا في سنة 1833 تقديم عرض كبير مقابل ضمانات يقدمها محمد علي، أبى تقديم ~~الضمانات؛ لأنه كان يطلب سلفا لمدد قصيرة لا قروضا لمدد بعيدة طويلة؛ لذلك رفض ما عرضه ~~عليه روتشلد، وهو إقراضه مائة مليون فرنك، وعرض عليه قرض آخر على أن يكون ضمانته دخل ~~الحكومة، فرفض أيضا وأصدر أمره إلى إبراهيم باشا بتحصيل الأموال وتجنيد الرجال من البلاد ~~التي فتحها وتولى حكمها، فغالى الولاة والحكام في ضرب الضرائب وطلب التجنيد، فكان ذلك سببا ~~للفتن والثورات ms092 في تلك البلاد، بل قد لا ترجع تلك الفتن إلى سبب واحد، إنما إلى عدة أسباب: # الأول: # إزالة نفوذ أصحاب الإقطاعات في تلك البلاد وحكمها حكما نظاميا أغضبهم؛ ~~لأنه قطع أرزاقهم وسلطتهم على الشعب. # الثاني: # وقوف رشيد باشا بجيشه الجديد على الحدود، وإرساله الرسل إلى أولئك ~~الناقمين، وحثهم على الفتن لاستعادة سلطتهم بمساعدة الباب العالي ~~والدول. # الثالث: # ثقل حمل الضرائب والرسوم، وإفراط الحكام بالتحصيل، وتجنيد الشبان ~~بالقوة. # الرابع: # خلف الوعد مع اللبنانيين، بترك سلاحهم لهم، وعدم التعرض لاستقلالهم، ~~وعدم زيادة الضرائب، والإصرار على تجنيد الدروز، وإهانة شريف باشا ~~شيوخهم. # الخامس: # ظهور الإنكليز بمظهر العداء لمصر ونشرها الدعوة ضد محمد علي ... ~~إلخ. # أما الضرائب التي ضربت، فهي احتكار حاصلات الحرير في سوريا، كاحتكار حاصلات القطن في ~~مصر. فطلبت إنكلترا من الباب العالي إصدار أمر بإلغاء هذا الاحتكار، فزاد ذلك في ~~الاضطراب. ثم ضريبة الفردة، وهي ضريبة يدفعها كل رجل من سن الخامسة عشرة إلى سن ~~الستين، وأقلها 15 قرشا على الفقير و500 قرش على الغني، وصدر الأمر بعد ضربها بأن ~~تحصل على سنتين. ثم رسم الدخولية بين 6 ونصف و12 بالمائة على البضاعة التي ترسل من ~~مدينة أخرى، ورسم التسريح على الحاصلات المحلية التي تنقل من بلد إلى آخر، ورسوم ~~المواشي كالغنم والمعزى والجمال، وضريبة الشونة؛ وهي أن يقدم الأهالي للجيش في جهتهم ~~كل حاجاته، ثم رسم الطاحون. على أن إبراهيم باشا لم يكن راضيا عن ثقل الضرائب، ولكنهم ~~كانوا يكتبون إليه من القاهرة بأن الضرورة تقضي بذلك، ولا مرجع عنه. ومع ذلك لم يكن دخل ~~سوريا يكفي للإنفاق عليها. # أما التجنيد فلم يكن أهل سوريا قد ألفوه؛ لأن الحروب والاشتراك بها كانت على وجه عام ~~دائمة، ولكنها كانت حروبا محلية. ولما تقرر التجنيد أخذوا ينفذونه بالقوة وبحصار ~~المدن والقرى، والتقاط الشبان، كذلك نزع السلاح من الأهالي. # كانت الفتنة الأولى في فلسطين؛ فإن إبراهيم تلقى أوامر والده وهو في يافا مع أركان حربه ~~بضرب الضرائب التي ذكرناها، فأذاع ذلك بمنشور وأوامر ms093 أصدرها إلى الحكام، فاتفقت أسرة ~~طوفان وأسرة الجزار - من جبال نابلس - مع أسرة أبي غوش - بين القدس ويافا - على مقاومة ذلك. ~~وسبب اتفاق هذه الأسر: أن الأولين كانوا الحكام على عهد الترك، فأسقطهم إبراهيم وأحل ~~محلهم آل عبد الهادي. وأما أسرة أبي غوش، فكانت تقطع الطريق على الحجاج وسواهم، وتأخذ ~~منهم «الخوة»؛ وهي ضريبة على كل مار بالطريق بمناحر أو بمواشي ما بين يافا وغزة وبئر ~~سبع، فضرب إبراهيم على أيديهم وأبطل تلك المظالم وسجن في سجن عكا كبيرهم. # ولما بلغ إبراهيم تآمرهم أسرع إلى القدس وطلب أعيان البلاد وحتم عليهم تنفيذ ~~الأوامر، فوعدوا بإبلاغ قومهم ذلك، وانصرفوا، ولكنهم انصرفوا لإضرام نار الفتنة وإذاعة ~~الأخبار عن زحف جيش رشيد باشا من سيواس، فانتقض العربان في جهة البحر الميت وقبيلة أبي غوش ~~وأهالى جبل نابلس، وتحرج موقف الحامية في القدس. ولما أرادت الانسحاب إلى يافا اعترضتها في ~~الطريق قبيلة أبي غوش، فأكرهتها على العودة إلى القدس والاعتصام بالقلعة. وأرسل إبراهيم ~~باشا آلايا من يافا إمدادا للقدس، فصد عن غرضه. ووصل إليه في الوقت ذاته أن الثوار ~~فتكوا بحامية الخليل، وأنهم مقبلون لحصار القدس وقد نهبوها، فقام من يافا بستة آلاف ~~مقاتل، فقهر في طريقه قبيلة أبي غوش، ودخل القدس، وظل القتال دائرا بين الثوار وجيشه، إلى ~~أن وصل محمد علي إلى يافا في 29 يونيو سنة 1834 ومعه جيش قوي، فغنم إبراهيم الفرصة وتغلب ~~على الثوار بالوسائل السياسية. # وكان أهالي صفد قد ثاروا ونهبوا أموال اليهود وأملاكهم وفتكوا بهم، فطلب محمد علي من ~~الأمير أمين ابن الأمير بشير الذي أوفده والده لتحية محمد علي عند وصوله إلى يافا، أن يبلغ ~~والده أن يسير إلى صفد رجاله، ويؤدب ثوارها ويرد المسلوبات لليهود، فنهض الأمير إلى صفد، ~~وقبل أن يدخلها قابله قاضيها وعرض عليه طاعة أهالي صفد، ووعده برد الأسلاب. فقبل طاعتهم، ~~وأرسل إلى صفد الأمير أفندي حاكم راشيا ليستلم قلعتها ويعيد المسلوبات إلى اليهود، فنفذ أمر ~~الأمير وقبض على الذين اعتدوا على ms094 اليهود وسلبوا أموالهم، وأرسلهم إلى سجن عكا. # وكان إبراهيم باشا قد أرضى أسرة غوش بإخراج زعيمها من سجن عكا وتعيين ابنه متسلما للقدس. ~~وسار إبراهيم باشا إلى جبال نابلس، فأخمد الفتنة، وقبض على كثيرين من الثوار، ثم سار إلى ~~الخليل وقاتل الثوار وكسرهم، ثم اتجه إلى الكرك والسلط وأخمد الفتنة. وعاد محمد علي إلى مصر ~~في 29 يوليو؛ أي بعد أن استتب النظام في فلسطين، وعاد الأمير بشير إلى لبنان. # وظل إبراهيم يطارد زعماء الثوار الذين لجئوا إلى عرب عنزه، فأرسل إلى رؤساء تلك القبيلة ~~ليسلموا زعماء الثورة، وأهمهم الشيخ قاسم أحمد، فسلموهم وحكم عليهم بالإعدام. # ووصل إبراهيم بجيشه إلى دمشق، فبلغه من شريف باشا حاكمها أنه لما بلغ أهلها خبر فتنة ~~فلسطين بدت عليهم علائم الاضطراب، فأرهبهم بالقبض على المهيجين، وجمع منهم نحو ~~خمسة آلاف بندقية وسيف. وأمر إبراهيم بمضاعفة الطلب، وظهرت بوادر الفتنة في طرابلس؛ حيث ~~اكتشفوا مؤامرة على حاميتها وعددها 400 جندي، فأرسل محمد علي قبل سفره من يافا إلى الأمير ~~بشير أن يرسل ابنه الأمير خليل ليتحد مع المتسلم سليم بك على تأديب الثوار. ولما وصل ~~الأمير خليل برجاله إلى طرابلس، قبض على 25 رجلا من الجانحين إلى الفتنة واعتقلهم بالقلعة. ~~ووصلت الأوامر من إبراهيم باشا وهو في دمشق بإعدام زعماء الثورة، فأعدم ثلاثة عشر منهم، ~~واتجه الأمير خليل ومتسلم طرابلس إلى بلاد عكار وصافيتا، فقبضوا على الزعيمين أسعد بك ~~المرعب وأسعد بك الشديد، وعلى ولدين من أولاد محمد بك القدور، وعلى 30 شخصا من ~~الأعيان. وهكذا فعلوا في جهة صافيتا واللاذقية، فهدأت الفتن في هذه الجهات. # بعد أن انتهت فتن فلسطين وصافيتا وعكار للأسباب التي بسطناها وعلى الوجه الذي بيناه، ~~وصل إلى إبراهيم باشا - وهو في المزيريب قاصدا إلى دمشق - أن النصيرية هاجموا آلايا من ~~جيشه وهو ذاهب من اللاذقية إلى حلب، فهزموه وفتكوا بنصف رجاله في كمين كمنوه له في الطريق، ~~وأكرهوه على التقهقر إلى الساحل، وأنهم هاجموا بعد ذلك مدينة اللاذقية، فنهبوا أملاك ms095 ~~الحكومة والمسيحيين، وحصروا المتسلم سعيد أغا العينتابي في داره، فأصدر أمره إلى سليم بك ~~بأن يقوم بقوته من طرابلس إلى اللاذقية لتأديب العصاة، وكتب إلى الأمير بشير الشهابي بأن ~~يرسل أحد أولاده بقوة لبنانية لإخماد الثورة، فأرسل الأمير بشير ابنه الأمير خليل على ~~رأس جيشه، وأرسل بعض أبناء عمه الأمراء مع رجالهم من وادي التيم للغرض ذاته. ولما وصل ~~الأمير خليل إلى قرية البهلولية، فر النصيرية من وجهه، فغنم مواشيهم وما يملكون، وأحرق ~~15 قرية من قراهم، وتقدم سليم بك من هناك، فصدمه الثوار صدمة شديدة، فارتد عنهم، وأرسل ~~إلى الأمير خليل لينجده، فأرسل إليه النجدات، وعلى رأسها أحد أولاد عمه الأمير جهجاه، ~~فقهروا الثوار وأحرقوا ثلاثين قرية من قراهم، ثم تقدم الأمير خليل ومعه فرسان العرب ~~المصريين من عرب الهنادي، فطاردوا الثوار مطاردة شديدة اضطرتهم أن يلجئوا إلى قلعة صهيون ~~حيث جاءتهم الأمداد، فضيق عليهم الأمير خليل حتى اضطرهم إلى طلب الأمان، وأرسل الأمير ~~بشير 500 رجل من أهالي زحلة وبسكنتا نجدة لابنه، فقابل النصيرية تلك النجدة، وكانت معركة ~~شديدة عند جسر السن وصل خبرها إلى الأمير خليل، فأرسل قوة لإنقاذ اللبنانيين، فأنقذتهم ~~وطردت النصيرية وطاردتهم في كل مكان حتى خضدت شوكتهم، وقدموا جميعا طاعتهم. وكان ~~إبراهيم باشا قد وصل إلى حمص فأمر بإعادة اللبنانيين إلى بلادهم، وبإعادة الجنود إلى ~~مرابطها، وهكذا انتهت الفتن التي قامت في سنة 33 و34، وكان أشدها ثورة بلاد ~~النصيرية. # كان الباب العالي هو الذي حرك هذه الفتن في سوريا؛ لأنه كان ينوي استخدام معاهدته مع ~~روسيا لاستعادة تلك البلاد من محمد علي بقوة الروس. # ويحدثنا الدكتور محمد صبري في كتابه «الإمبراطورية» المصرية عن أعمال الباب العالي، ~~فيقول: إن رشيد باشا الذي أرسله الباب العالي إلى سيواس لحشد الجيوش بحجة إخضاع القبائل ~~الكردية، حشد الجنود وجمع المدافع على الحدود السورية استعدادا للهجوم على المصريين، ~~وهو في الوقت ذاته كان يدس الدسائس لإثارة الاضطرابات والقلاقل في بلاد تسهل فيها إثارة ~~الفتن المتفقه مع طبائع أهلها. ms096 # ولما وصل خبر اتقاد الفتن إلى إستامبول في شهر يوليو، اتفق رأي السلطان ورأي بعض رجال ~~الديوان على أن يرسلوا الأوامر إلى رشيد باشا ليساعد الثوار السوريين، وقرروا في نفس الوقت ~~إرسال الأسطول التركي لمهاجمة محمد علي بحرا. وأكد ريس أفندي لسفيري إنكلترا وفرنسا أن ~~روسيا لا تشترك في القتال في سوريا، فأجاب اللورد بونسوبي والأميرال روسين أن السلطان إذا ~~أقدم على قتال محمد علي يعرض تاجه وعرشه للخطر. فهذا القول حمل السلطان على التردد، ~~ولكنه ظل يرسل الأموال إلى رشيد باشا. وأدخل سفير إنكلترا في صدر السلطان الوسواس بقوله له: ~~إن من مصلحة روسيا أن يقوى محمد علي؛ لأن ذلك يعود بالوهن والضعف على تركيا، وأيد ذلك في ~~صدر الباب العالي والسلطان رد روسيا على الباب العالي - وقد طلب منها مساعدته لتأييد ~~الثوار السوريين - بأن المعاهدة بينهم معاهدة دفاعية، وأنها لا تستطيع إمداده إذا كان هو ~~المعتدي والمهاجم. # أما محمد علي، فإنه كان يرى ذلك كله، ولا يخطو خطوة واحدة للتحكك بالباب العالي. وقد روى ~~قنصل فرنسا في الإسكندرية في كتابه إلى وزير الخارجية «أن محمد علي يشبه السلطان برجل ~~يحمل على رأسه إناء من الفخار، فهو إذا ظل يمشي وحده قد لا يقع الإناء إلا أن يصطدم بأي ~~شخص أو يدنو منه أي شخص، فيقع الإناء ويتحطم.» فمحمد علي لا يريد أن يحطم ذلك الإناء، ~~ولكنه لا يريد أن يضمن سلامته، وكل ما يريده الآن أن يكون بمعزل عن أي عمل سياسي أو غير ~~سياسي في الشرق. # ولكن السلطان ظل مجدا في سعايته ضد محمد علي، فأرسل في 13 سبتمبر 1834 أمير ساموس ~~فوغوريدس بك إلى سفير إنكلترا ليعرب له عن رغبة جلالته في أن تكره إنكلترا وفرنسا محمد ~~علي على التضحية، وعلى أن يكتفي بولاية مصر وباشاوية عكا. # فهذه الأعمال كلها كادت تدعو محمد علي إلى العودة لطلب الاستقلال التام، فكتب إلى ابنه ~~إبراهيم في 24 أغسطس يذكره بمسعى الباب العالي لدى الدول لإكراهه على ترك سوريا ms097 وأدنه، ~~وبالاستعداد للهجوم عليه إبان الثورة السورية ... إلى قوله: # ولنا الأمل بأننا إذا فهمنا الدول الأوروبية سوء نية الباب العالي وخطته ~~العدائية نتمكن من تحطيم هذا القيد؛ قيد العبودية الذي نحمله الآن في ~~أعناقنا. # وينبهه في هذا الكتاب إلى اتخاذ الحيطة والاستعداد للأزمة التي قد تقع بالمستقبل. # فرد إبراهيم باشا على والده يحذره من كل مسعى يسعاه في هذه الظروف للوصول إلى الاستقلال؛ ~~مخافة أن يتخذ الباب العالي ذلك وسيلة للهجوم عليه؛ لا من أجل الفتن في سوريا كما كان يريد، ~~بل من أجل مسلكه معه، وأن الجيش المصري بعد طول الحرب ومكافحة الفتن، قد تولاه التعب ~~والملل. فهل هو يستطيع الآن منازلة الجيش التركي؟ وهل الحالة السياسية العامة موافقة لطلب ~~الاستقلال؟ إلى قوله في ذلك الكتاب: # إنك تقول لي في كتابك المؤرخ 30 سبتمبر 1834 إنه يجب علينا الآن أن نتمكن من ~~تحطيم هذا القيد؛ قيد العبودية، الذي نحمله الآن بأعناقنا، «وأن نحمله نحن لرجال ~~إستامبول»، فهل تذكر يا والدي ومولاي أني إبان الحرب الأولى طلبت منك أن تلقي نير ~~العبودية، فأجبتني أنك تكتفي باسم محمد علي؟ فإذا كنت ترى أن الوقت قد حان الآن ~~لإلقاء هذا الغل من أعناقنا، فأنا أرى أن هذا المسعى ليس من السهل تحقيقه، بل أرى ~~الأمر على عكس ذلك؛ أي إني أراه صعبا جدا؛ فعند الترك رجال أبطال كرجالنا أو ~~هم أكبر بطولة، ومهاجمة أسطولهم للسواحل تضر بك أكثر من إضرارها بي. # فلم يرتح محمد علي إلى هذا الجواب، وعزاه - فيما كتبه بعد ذلك إلى إبراهيم - إلى تعب ~~أعصابه تعبا قضى عليه بألا يدرك مغزى كتابه ومرماه، فلم يمعن فكرته قبل الجواب. فأجاب ~~إبراهيم بما يلي: # تقول لي في كتابك في 27 سبتمبر، إن عبارتك كانت منحصرة في ضرورة تحطيم نير ~~التابعية، وإني أنا في كتابي عزوت إليك لا حب تحطيم القيد، بل دفعه على أعناق ~~الترك، وأن هذا الخطأ مني مرجعه إلى عدم فهمي كلامك. # والحقيقة أني أدركت فهم ألفاظك وعبارتك، وإذا ms098 كنت قد زدت عليها كلمة «تحميل ~~القيد لأعناق الترك»، فإني قد تعمدت ذلك، وإليك البيان والسبب: # إن السلطنة التركية تدعي تبوء عرش الخلافة؛ لأنها تملك الأرض المقدسة ~~والحرمين الشريفين على أن الحجاز في قبضة يدنا الآن. فإذا نحن نلنا استقلالنا ~~سقطت حجة تركيا من تلقاء نفسها، وسقطت الخلافة عنهم؛ لأنهم لا يستطيعون أن يقولوا ~~بعد ذلك في المساجد عن السلطان إنه خادم الحرمين الشريفين؛ لأن الحرمين والأراضي ~~المقدسة تكون في أيدي الحكومة المصرية، وحينئذ - وعلى هذا الوجه - أجزت لنفسي أن ~~أقول: «يحمل الترك نير العبودية بدل مصر.» # وليس تبادل الكتب بين محمد علي وولده إبراهيم منذ البدء في حملة سوريا على ما اطلع ~~القراء، إلا الدليل على اختلاف طريقة الابن عن طريقة الأب؛ فإبراهيم كان يقول منذ الساعة ~~الأولى بالعمل الحازم ووضع أوروبا أمام الأمر الواقع قبل أن تسترد نفسها وتعمل فكرتها ~~وتنظم خطتها. ومحمد علي كان مترددا يرقب جو السياسة ولا يريد أن يخطو خطوة واحدة ~~غير أمينة العاقبة. وزيادة على ما تقدم لتأييد هذا الرأي نورد نص كتاب إبراهبم إلى والده ~~يزيد فيه التبسط في الموضوع الذي أغضب محمد علي، قال: # تذكر يا والدي أني عندما وصلت إلى قونيه ألححت بكل خضوع بأن نكسب الفرصة ~~لإعلان استقلالنا، فرددت علي في الحال بأنك تكتفي «باسم محمد علي» وكنا في ذاك ~~الحين منتصرين، وكانت الفرصة سانحة فلم ترد. فهل بعد سنتين من تسوية المسألة وإقامة ~~الحدود تطلب الاستقلال؟ إن الترك أبرموا في هذه الفترة معاهدة مع الروس، وشروط هذه ~~المعاهدة تقضي بأن كل خطوة نخطوها وراء الحدود تعتبرها روسيا اعتداء تدفعه عن ~~تركيا، ولكنهم لم يشترطوا منع تركيا عن الاعتداء علينا. فالترك عندهم الضمانة ~~منا، ولكنهم أحرار في أن يهاجمونا ولا تعترض دولة من الدول عليهم. # ولما وثقت الآن من أن الباب العالي يوقد الثورات في سوريا، جنحت إلى ~~الاستقلال، مع أن الظروف غير موافقة. وهذا الإعلان الذي تعلنه أتم إفساد الصلات ~~بيننا وبين الترك، مع أني كنت قد وجهت ms099 نظرك إلى خطورة مثل هذا العمل، فاكتفيت بأن ~~رددت علي بأنك أعلنت إرادتك بالاستقلال. # وغرضي الوحيد من ذكر ما تقدم هو تذكر الأخطاء الماضية، حتى لا نتسرع في ~~المستقبل بأي عمل من الأعمال، وحتى نقدر لكل عمل من أعمالنا نتائجه. # وسبب هذا الكتاب الذي أرسله إبراهيم باشا بهذه اللهجة، هو أن محمد علي أبلغ الدول سرا ~~أن في نيته إعلان الاستقلال التام، في الوقت الذي أخذت فيه تركيا تستعد وتكسب عطف الدول ~~عليها، بينما الجيش المصري منهوك القوى من الحروب، والخزانة في عجز. # فلما رأى محمد علي أن الباب العالي يثير الفتن ويحشد الجيوش ويستنجد روسيا لإخراجه من ~~سوريا، أبلغ الدول أنه عزم على الاستقلال، وأرسل إلى ابنه إبراهيم ليكون على استعداد ~~وأهبة، فلم يقر إبراهيم هذا الرأي كما ذكرنا. وها هو نص الكتاب الذي أرسله بوغوص بك ~~الذي كان يتولى إدارة ديوان الخارجية إلى قنصل النمسا: # لا شك في أنك عرفت الميول العدائية التي أظهرها الباب العالي حديثا ضد مصر؛ فهو ~~يجمع منذ بضعة شهور، وبدون سبب ظاهر، جيشا ضخما في سيواس بقيادة الصدر الأعظم ~~رشيد باشا، مع أن سموه أرسل مندوبه لإتمام المباحثات بشأن الجزية التي تدفع وبشأن ~~الجلاء عن أورفا التي أمر إبراهيم باحتلالها مؤقتا ليصد بعض القبائل البدوية ~~المتمردة. وفي خلال ذلك أخذ الباب العالي يوزع الأموال بواسطة عبد الله باشا الذي ~~كان حاكما في عكا لإثارة الثورات والفتن في جبل نابلس وخليل الرحمن والقدس. وقد ~~عمت الثورة تلك الجبال وتطلب إخمادها مجهودا استنفد ثلاثة أسابيع. ولما وصل ~~إلى محمد علي باشا خبر هذه الحركات العدائية، أبلغ قناصل الدول أنه قد يرى نفسه ~~مضطرا لإعلان استقلاله؛ لأن الباب العالي لا يرضيه إلا هدمه سياسيا، والجميع ~~يعرفون أن سموه لم يطلب في حين من الأحيان استقلاله، ولكن التفرقة التامة والدائمة ~~بين الوطنين العربي والتركي هي الآن الضمانة الوحيدة العاصمة من النتائج المهلكة من ~~جراء الحرب الأهلية الدائمة ومن غزوة أجنبية. # وإذا اعترف باستقلال سموه، فإنه يستطيع بعد ms100 هذا الاعتراف أن يحصر همه في تنظيم ~~ماليته، وحشد 150 ألف مقاتل منظمين تنظيما تاما، فيتمكن من القيام بالمهمة ~~الكبرى، وهي المبادرة لإنقاذ تركيا من روسيا. # ولما اطلع مترنيخ وزير خارجية النمسا على هذا الكتاب، كتب إلى سفيره في بطرسبورج: «إنا ~~نستنتج من اعتراف محمد علي أنه يريد أمرين: استقلاله التام عن الباب العالي ، وإنشاء الدولة ~~العربية.» وكان إنشاء الدولة العربية هاجسا مقلقا من هواجس مترنيخ، فكان يطلب اتفاق ~~الدول الأربع للحيلولة دونه، ولكن إنكلترا كانت ترفض كل ارتباط دائم يحول دون حريتها، عملا ~~بسياستها التقليدية. ولكن نظرها شزرا إلى محمد علي بدأ من يوم فتح الحجاز واليمن وطرد ~~الإنكليز من مخا، وازداد بعد اتفاق كوتاهيه. ولم تجب محمد علي الذي طلب محالفتها ووضع ~~جيشه قيد إرادتها، ولا أجابت على عرضه أن يفتح قناة للتجارة من القاهرة إلى السويس، ولا على ~~طلب مشورتها في إرسال حملة ضد أحد ضباطه الذي ثار في بلاد اليمن، وأخذ السفن الإنكليزية، مع ~~الوعد بأن يعيد تلك السفن، وكان صمتها عن كل ذلك فصيحا. # والذي يبين لنا وجهة نظر الإنكليز تقرير قنصلهم فارن في دمشق في سنة 1834، فقد قال في ~~هذا التقرير إن تجارة إنكلترا لا تتمتع في بلد من بلاد العالم تمتعها في تركيا، وأن ~~الرعايا الإنكليز لا يميزون في بلد تميزهم في بلاد السلطان، وأن محمد علي وحكومته لا ~~يمكن أن يعطوا الإنكليز هذه الامتيازات، وفوق ذلك أن محمد علي ينشئ المعامل، وهو الآن يورد ~~مصنوعاتها إلى سوريا. وكذلك من الوجهة السياسية، فإن الاتفاق مع الباب العالي أفضل. # وهكذا اتحدت إنكلترا مع تركيا منذ سنة 1834 لمكافحة محمد علي، وطلبت منه إنكلترا خدمة ~~لتجارتها في مذكرة قدمها إليه الكولونيل كامبل في 21 أكتوبر 1834، بأن ينشئ طريقا ~~للمركبات من أنطاكية إلى الفرات بطريق حلب، وأن ينشئ مستودعا للبضائع في أزمير، وأن يأذن ~~بعض الإنكليز بإنشاء حياض على الفرات في الجهة التي يختارونها، وبأن يعين آلايا لحراسة ~~الحياض والمستودعات، وبأن يرسل من لدنه من يوثق ms101 صلات المودة مع قبائل البدو حتى لا ~~يعتدوا على المراكب الإنكليزية التي تنقل البضائع. # وكان رئيس العمل - أحد ضباط الطوبجية الإنكليزية - يريد نقل قطع مركبين حربيين من أنطاكية ~~إلى الفرات، ومعهما شرذمة من الجنود الإنكليز، مع إنشاء طابية وحصون في بيره جك. فرد محمد ~~علي بواسطة وزيره بوغوص أن المسألة خطيرة، والواجب أن يستأذن السلطان بشأنها ؛ لأن محمد علي ~~لا يزال تابعا له. فسعى الإنكليز سعيهم لدى السلطان، فأصدر لهم فرمانا بذلك، ولكنه ~~اشترط في هذا الفرمان أن يكون والي بغداد ووالي سوريا حرين مخيرين بالتنفيذ. ولما ~~صدر هذا الفرمان، مال محمد علي إلى تناسي كل شيء بينه وبين الباب العالي، والاتفاق معه ~~للحيلولة دون مشروع الإنكليز واحتلالهم العسكري. وإليك رأي إبراهيم باشا في الرد على كتاب ~~والده في هذا الموضوع العظيم الشأن: # مما لا شك فيه أنه إذا توصل الإنكليز إلى إقامة المعاقل والحصون على مجرى الفرات، ~~وحققوا الأمر الذي نخشاه كثيرا جدا، فقد يعرف الحقيقة القليل من الناس، ويدركون ~~أنك لست السبب في ذلك. ولكن عامة الشعب الإسلامي الذي يجهل بواطن الأمور سيقولون إن ~~هذه الأعمال التي تمت على حدودنا إنما كان إتمامها برضانا وتسليمنا. وأما الاتفاق ~~الآن مع الباب العالي على ذلك، فهو من الأمور المستحيلة؛ لأن الحرب حفرت هاوية ~~بيننا وبين الترك، وقلوبهم ملأى بالحفيظة علينا. زد على ذلك أن طلب الاستقلال الذي ~~وجهته إلى الدول إبان ثورة جبال نابلس، قد أزال من نفوسهم كل ما بقي من الثقة ~~بنا؛ فهم يرفضون كل اتفاق معنا، وهم يقولون: «إذا نحن اتفقنا مع الإنكليز بقيت لنا ~~على الأقل بورصة وإستامبول، ولا تهدم السلطنة العثمانية. أما الاتفاق مع محمد علي ~~فهو الفناء التام.» فلم يبق إذن من شك في أن الباب العالي يخشى على وجوده وكيانه ~~من وراء الاتفاق معنا. # ويقول الدكتور صبري في كتابه «الإمبراطورية المصرية»: إن محمد علي لم ينتصح بنصيحة ابنه ~~إبراهيم بشأن الاتفاق مع الباب العالي على مقاومة المشروع الإنكليزي الذي يمس الإسلام في ~~الصميم، ms102 فوسط الروس بينه وبين الباب العالي، فغنم الباب العالي الفرصة، وأبلغ مسعاه السري ~~إلى الإنكليز ليوقع بينه وبينهم؛ إذ كتب بوتنيف سفير روسيا في الآستانة إلى زميله الإنكليزي ~~بونسوبي في 6 نوفمبر 1835 أنه قدم للباب العالي باسم محمد علي اقتراحا سريا بالمعنى الآتي: # إن محمد علي يعلن أنه مستعد لأن يقيم العراقيل بكل ما لديه من الوسائل ؛ ليحول ~~دون نجاح البعثة الإنكليزية إلى الفرات على شرط أن يأمره الباب العالي بذلك. # وهذا البلاغ مصدره السر عسكر، ومن الممكن الوثوق به دون أقل حيطة. # ولم يفلح المشروع الإنكليزي؛ لأن أمره افتضح لدى الدول، حتى كتب بونسو دي بورغو إلى ~~سفير روسيا في الآستانة في 5 ديسمبر 1832 يقول - كما جاء في سجلات الباب العالي: «إن هذا ~~المشروع الإنكليزي شديد الخطر على السلطان؛ لأنه إذا سمح بتسيير المراكب الإنكليزية على ~~الفرات تبع ذلك طلب آخر يحتم حق استخدام وسائل حماية تلك المراكب، وهذا يتطلب إقامة ~~المعاقل والحاميات، ولا تكون هناك مندوحة عن ذلك، لا سيما إذا نحن نظرنا إلى ما يملكه ~~الإنكليز من الوسائل في بلاد الهند. # أما إذا سمح باشا مصر للمراكب الإنكليزية أن تأتي إلى السويس، فإنه لا يعرض نفسه ~~وبلاده لأقل خطر؛ لأنهم مضطرون للوقوف على الساحل. ولكن الأمر في الفرات على الضد؛ لأن ~~شواطئه وما حوله من البلاد تؤخذ وتمتلك في المستقبل.» # وهكذا أظهر الإنكليز العداء الكامن في نفوسهم نحو محمد علي، وهكذا ظهرت مقاصدهم في أن ~~يملكوا طريق الهند قبل حفر قناة السويس. وقد حدث أمر آخر؛ وهو احتكار محمد علي لحرير سوريا، ~~حتى يغذي بهذا الحرير معامل القاهرة ودمشق وحلب، وقرر أنه بعد تناول هذه المعامل حاجتها ~~يصير بيع الباقي حرا لتجار أوروبا. وعين التجار والخبراء لتحديد سعر الحرير ودفع ثمنه ~~نقدا، فأثار عليه الإنكليز الثوائر بحجة أنه احتكر الحرير لنفسه. ولما اعترض الكولونيل ~~كامبل على ذلك، أمر إبراهيم باشا في أول سبتمبر 1835 بأن تكون تجارة الحرير حرة من كل ~~قيد. ونال الإنكليز بعد ms103 ذلك فرمانا من السلطان بإلغاء احتكار الحرير، وغنموا فرصة صدور هذا ~~الفرمان ليحطوا من شأن محمد علي أمام الشعب، وليثيروا عليه ثائرته. # وحدث أن شاه إيران أراد توثيق الروابط الودية مع محمد علي، فأرسل إليه مع سفير خاص ميرزا ~~جعفر كتابا يحيي فيه «هادم الإلحاد وخادم الأماكن المقدسة والحرمين الشريفين»، وزاد ~~الشاه على ذلك أنه يهنئه «بميوله وأفكاره المضمرة»؛ أي الاستقلال . # فلم يرق عمل الشاه في نظر سفير إنكلترا، فسعى لدى الشاه ليعدل عن إرسال مندوبه وكتابه ~~إلى محمد علي، وعلل ذلك في كتابه إلى حكومته «بأن مطامع الشاه هي أن يوسع أملاكه بالاتفاق ~~مع محمد الطامع الطمع ذاته.» # ولما أراد إبراهيم احتلال بيرجك على مجرى الفرات ليحول دون غزو البدو، كتب فارن قنصل ~~إنكلترا في دمشق 22 أكتوبر 1835: «إن هذا الاحتلال يجعل لمحمد علي النفوذ الكبير على بلاد ~~العراق، وإذا هو وصل العراق بدمشق بمرابط عسكرية، فإنه يضع لجاما للقبائل.» # وأرسل الكولونيل تايور من بغداد يقول: «إن الدير شطر من ولاية بغداد.» # وتلت ذلك كله حملة صحف لندن على وزارة الخارجية؛ لأنها ساعدت محمد علي أو سمحت له بأن ~~يوسع دائرة حكمه. وقد جاء في وثائق دار السفارة الروسية في الآستانة أن اللورد بالمرستون ~~ندم على خطئه الذي أخطأه بترك محمد علي وشأنه. # وقد كان محمد علي في كل ما عرضه على الإنكليز يريد اتقاء عداءهم، حتى لامه قنصل النمسا ~~عندما عرض على إنكلترا وضع جيشه تحت إشرافهم؛ لأنه يصبح تابعا صغيرا لهم، بدلا من أن ~~يكون وزيرا خطير الشأن في تركيا. فأجابه محمد علي: «إن هناك مغامرة خطرة، ولكني رأيت أنه ~~لا مندوحة عن المرور بهذا الخطر.» # أما الإنكليز، فإنهم كانوا على أشد الحذر منه، وقد كتب قنصلهم في الإسكندرية يصف محمد علي ~~وإبراهيم بقوله: # أما إبراهيم، فإنه يعتمد في كل أعماله على القوة والعمل الفاصل ليبلغ غرضه، وأما ~~محمد علي، فإنه عند الاضطرار يستخدم المال والمداهنة والوعود الخلابة والدسائس ~~والحيلة المفتعلة، وهو ينبوع لا ينضب في كل ms104 مأزق وحرج، وهو قادر على التملص ~~مهما ساء موقفه حتى موقف اليأس. # منذ اتفاق كوتاهيه أخذت إنكلترا تقف في وجه محمد علي؛ لتحول دون تأليف الدولة المصرية ~~الكبيرة من شطر من آسيا وآخر في أفريقيا. ولكن القلوب كانت تهوي إلى مصر من كل جانب، فقد ~~عرفنا أنهم بذلوا كل جهدهم ليحولوا دون مجيء رسول الشاه إلى مصر يحمل رسالة الود والولاء ~~من مولاه. وحدث قبل ذلك أن اللورد بالمرستون كتب في أول يوليو 1833 إلى الكولونيل كامبل ~~قنصل إنكلترا في مصر كتابا يقول له فيه: # أرسل إليك مع هذا كتابا من المستر فرازير قنصل إنكلترا في بونا، وقد أرسله إلى ~~وزارة المستعمرات، وهو يتعلق بعريضة وجهها - على ما يقال - سيدي علي بك مغتصب ~~طرابلس الغرب إلى محمد علي يطلب مساعدته، فأنا أكل إليك أن تتخذ الوسائل لتعرف ~~هل هذه العريضة أرسلت إلى محمد علي أم لا. فإذا كانت قد أرسلت إليه، فوجه ~~إلى محمد علي التنبيه حتى لا يتدخل في هذا النزاع. # ولما أراد محمد علي في سنة 1837 معاقبة الجيشان الذين اعتدوا على الأراضي المصرية في ~~السودان وتوسيع ملكه في تلك الجهة، تلقى من إنكلترا إنذارا تقول له فيه: «إن الحبشة هي ~~المملكة المسيحية الوحيدة في أفريقيا، وقد أعلنت إنكلترا مرارا وتكرارا الأهمية الكبرى ~~التي تعلقها إنكلترا على بقاء هذه المملكة سليمة من كل مساس.» # أما من جهة العراق وسوريا وبلاد العرب، فقد تلقى الكولونيل كامبل من اللورد بالمرستون في ~~8 ديسمبر 1837 البلاغ الآتي: # إنى قد أكلفك بأن تبلغ باشا مصر بأن حكومة جلالة الملكة تلقت التقارير عن ~~حركات الجنود المصرية في سوريا وبلاد العرب، وهي تدل على أنه ينوي أن يبسط سلطة مصر ~~إلى جهة الخليج الفارسي وولاية بغداد، فأبلغ الباشا بكل صراحة أن الحكومة ~~الإنكليزية لا تستطيع أن تنظر دون اكتراث إلى تنفيذ مثل هذه المشروعات. # وفي 20 يناير 1836 قال ريس أفندي للمسيو بونتيف سفير القيصر: «إن الباب العالي أدرك في ~~الأيام الأخيرة كل الإدراك ms105 أنه يستطيع الاعتماد في المستقبل على مساعدة إنكلترا؛ لوضع ~~شكيمة لمطامع باشا مصر، فبادر بإرسال التعليمات إلى نوري أفندي عند سفره إلى لندرة في سنة ~~1835، بالسعي لتسيير إنكلترا في هذا السبيل.» ولم تفتر تركيا من يوم احتلال محمد علي سوريا ~~من إرسال الوفد تلو الوفد والمندوب تلو المندوب إلى لندرة؛ لتستعين بها ضد محمد ~~علي. # أما فرنسا، فإنها تحولت إلى محمد علي تقدم له ما يحتاج من المساعدة ، وكان كل همها ~~النهائي أن توفق بين محمد علي والباب العالي، فكان الباب العالي يتظاهر بموافقتها على أن ~~يعطي محمد علي حكم مصر ويجعله في سلالته ويترك له قوة كافية من الجيش، ولكن الظاهر أنه كان ~~يقصد مخادعتها، بدليل أن وزير خارجية تركيا أرسل في 10 أكتوبر 1836 إلى سفير تركيا في ~~باريس تلغرافا يقول فيه عن اقتراح سفير فرنسا والتظاهر بقبوله: «إن الغرض من هذا التظاهر ~~مجاراته وإرضاؤه فقط دون أن نطلعه على خفايا نفسنا، فنحن قد نسلم بإعطاء محمد علي صيدا ~~وعكا إذا كان هذا الإعطاء يرفع يده عن البلاد الأخرى، على شرط أن يرضي ذلك الإنكليز. ولكي ~~نزيد في إخفاء ما نضمره قد أرضينا سفير فرنسا بتوقيع الاقتراح الذي اقترحه. # وعلى انتظار حل هذه المسألة نخادع محمد علي ونداهنه جهد الطاقة.» # وللوصول إلى هذا الغرض أرسل إلى محمد علي باشا صارم أفندي ليفاوضه فيما يرضيه. وقد كتب ~~خلوصي باشا عن مهمة صارم أفندي يقول: «إن القصد الوحيد من إرسال صارم أفندي هو الوقوف على ~~مقاصد محمد علي، ولكنه لم يؤذن له بأن يتفق معه أو يفاوضه، إنما أفهمه - تلميحا - أن الباب ~~العالي قد يرضى بإثباته في حكم مصر مضافا إليها عكا، ولكنه ظهر أن محمد علي يريد البقاء في ~~جميع البلاد التي يحكمها.» # ولما ظهرت لمحمد علي مهمة صارم أفندي، قال لأحد القناصل: «إن رجال الباب العالي هم الذين ~~أرسلوا يفاوضونني، ولكنهم يريدون أن يظهروا للملأ أني ارتميت على أقدامهم؛ لأطلب منهم بعض ~~الشيء، فما فتحته بسيفي لا ينازعني ms106 فيه منازع، لا أنا ولا ابني. أما سلالتنا، فإنها تعمل ما ~~يكون بإمكانها للمحافظة على حقوقها.» # وكتب سفير فرنسا إلى حكومته يقول: «إن غرض الإنكليز الآن هو أن يستولوا هم على مصر، وهذا ~~لا يتفق مع مصلحة فرنسا؛ لأنهم إذا هم احتلوا مصر، استحال على فرنسا أن تظل في الجزائر، فمن ~~مصلحة فرنسا حل مسألة مصر بإعطائها لمحمد علي وسلالته بعده.» # هذه كلها هي الأسس التي بنيت عليها سياسة الدول في ذاك الحين، وظهرت آثارها ~~اليوم. # كل هذه المشاغل والمتاعب السياسية لم تشغل محمد علي وإبراهيم عن تنظيم بلاد سوريا، فأول ~~هم إبراهيم كان توحيد شعب سوريا بإزالة الفوارق الدينية، ففتح أبواب دمشق للأوروبيين، ~~وكان دخولها محرما عليهم، وقرر المساواة بين المسلمين واليهود والنصارى، فأعلن ~~الأهالي أن اليهود والنصارى ليسوا أحط من المسلمين مقاما حتى ينزل النصراني عن دابته إذا ~~قابل في الطريق أي شخص مسلم، ولا أن يحرم عليهم لبس الحذاء الأحمر، ولا أن يكرهوا على ~~ارتداء الملابس السوداء والزرقاء. وأذن للتجار الأجانب بأن يبتاعوا ويبيعوا في داخل البلاد، ~~وقد كان محظورا عليهم الاتجار مع غير بعض المواني في الساحل. وأمر بإحصاء الأهالي ~~ليعرف حاجاتهم والأعمال التي يقدرون على القيام بها، فكان عددهم على وجه التقريب نحو ~~مليوني نفس، وهو: # 977000 مسلم. # 345000 أرثوذكسي. # 260000 كاثوليكي وماروني. # 175000 يهودي. # 48000 درزي. # 42000 نصيري. # 15000 متوالي ويزدي. # وأخذ إبراهيم يولي غير المحمديين الوظائف في الحكومة، وألف المحاكم المدنية، كما ألف ~~دواوين المشورة من الأعيان. ووجه نظره إلى القضاء على وجه التخصيص، حتى كتب الكولونيل ~~كامبل قنصل إنكلترا في الإسكندرية إلى حكومته في سنة 1837 يقول: # إن القضاء في سوريا قد سار في مدة قصيرة سيرته في مصر بعد طول الاختبار فيها؛ فقد ~~كان القاضي الشرعي يحكم في جميع القضايا، وكان الباب العالي يعين المفتي في كل سنة، ~~والمفتي يعين القضاة، وهؤلاء يحكمون بأحكام الشريعة، ولا تقبل شهادة المسيحي إلا في ~~حالة عدم وجود الشاهد المسلم، ولا يستطيع الإنسان أن يتصور ms107 الفساد والرشوة، حتى ~~إنهم كانوا يعرفون في إستامبول قهوة للشهود الزور يقاول الواحد منهم على شهادته ~~وعلى مدة الأيام التي يستخدم فيها لأداء هذه الشهادة. وقد يتمكن المفتي في مدى ~~السنة التي يعين فيها من جمع ثروة طائلة؛ لأن تعيين القاضي ليس بالجدارة ~~والاستحقاق بل بالثمن. وإذا لم يكن بإمكان محمد علي إزالة ذلك كله دفعة واحدة، إلا ~~أنه خفف منه كثيرا جدا، وأكبر عمل عمله هو أنه لا يسمح للمحكمة بنظر ~~القضية إلا إذا تلقت إذنا بذلك من الحاكم، فإلى الحاكم تقدم مذكرة بموضوع ~~القضية، وهو يصدر بعد ذلك الإذن، والحاكم لا يمنع نظر أية قضية ما عدا القضايا ~~الجنائية. أما قضايا الأحوال الشخصية وقضايا الملكية والمذهب ... إلخ، فإن الحاكم ~~يدرس مذكرتها، ثم يحيلها إلى القاضي بقرار يلخص فيه الموضوع. أما قضايا الضرائب ~~والتجارة والديون ... إلخ، فإنها تحال على ديوان المشورة. # وكافح إبراهيم الرشوة بما أحله بالقضاة من العقاب، حتى استقام أمرهم وساروا ~~على منهاج العدالة والإنصاف. ولم يكن للقضاة رواتب، فقرر أن يعطى القاضي في العام ~~من 50 إلى 65 جنيها. وعين الرواتب لجميع الموظفين، وكانوا يتناولون أجورهم من ~~أصحاب القضايا. وعمم مجالس المشورة في عكا وبيروت ودمشق وحلب وعنتاب وكلليس، ~~وجعل الديوان العالي في دمشق. وكان بحري بك رئيس هذا الديوان الذي ينقض الأحكام أو ~~يقرها بأمر الحاكم شريف باشا. ولم يتخذ إبراهيم لنفسه مقرا ثابتا؛ لأنه صمم على ~~أن يشرف بنفسه على جميع الشئون، فكان ينتقل من بلد إلى آخر، وكان يطلع في كل بلد ~~على شئونه ورقابة حكامه والموظفين فيه، وكان يعامل الموظفين الكبار إذا خرجوا عن ~~جادة العدالة بكل صرامة. ا.ه. # وإليك ما كتبه المستر فيري قنصل إنكلترا في دمشق إلى حكومته: # إن إبراهيم باشا فتش أثناء إقامته هنا أعمال الحكومة والحكام، فوجد في ~~أعمالهم ما يوجب المؤاخذة والعقاب، فطرد عددا كبيرا من الموظفين، وأنزل رتب ~~البعض، وحكم على أحد حجاب شريف باشا - الحاكم العام - بالسجن خمس سنين في عكا، ~~وذهب بنفسه إلى ديوان ms108 المشورة، ولم يسمح لأعضاء هذا الديوان بأن يغادروا عملهم مدة ~~عدة أيام إلى أن أتموا الأعمال التي كانت متراكمة فيه. # ولما قامت فتنة فلسطين وجبال نابلس في شهر يونيو من سنة 1834 قصد محمد علي إلى تلك ~~البلاد؛ ليباحث ابنه إبراهيم في تنظيم إدارتها، وليقف منه على كل شيء، وليعاونه على ~~إخماد الفتن. ولكنه لم يكن هناك سوى شهر واحد؛ أي من 29 يونيو إلى 29 يوليو، وعاد إلى مصر، ~~وواصل إبراهيم عمله في إخماد الفتن في الجهات الأخرى يعاونه الأمير بشير الشهابي. وألف محمد ~~علي مجلسا لإدارة الشئون في مصر مدة غيابه برياسة عبدي بك أحد المتخرجين من مدارس فرنسا ~~العليا في التدبير السياسي، وجعل أعضاء هذا المجلس العالي من رؤساء الدواوين ومن اثنين من ~~كل مديرية، وأن يقسم المجلس أقساما فيختص كل قسم بما خصص له أعضاؤه وينفذ الرئيس ~~القرارات. # وبعد أن أطفأ إبراهيم الفتن استدعاه والده من سوريا ليستريح وليتفق معه على إدارة شئون ~~تلك البلاد، ولا سيما مسألة جبل لبنان، فأقام إبراهيم في القاهرة من يناير إلى أغسطس 1835، ~~وبعد عودته إلى سوريا أخذ ينفذ الخطة التي اتفق عليها مع والده؛ وهي تجنيد اللبنانيين ونزع ~~سلاحهم؛ لأنه وإن كان الأمير بشير حليف محمد علي إلا أنه كان يخشى اللبنانيين إذا ظلوا ~~مسلحين، فطلب إبراهيم باشا من الأمير بشير 1800 شاب من الدروز ليجندوا، فأبى الدروز ~~تقديم شبانهم، وأوهم المسيحيين أنه سيعفيهم من التجنيد ونزع السلاح. وجاء حنا بحري ~~لإقناع الدروز بتسليم السلاح، فلم يقنعوا، فزحف إبراهيم باشا بجيش كبير، فأرسل الأمير بشير ~~أولاده وأحفاده ليجمعوا السلاح من الدروز، وبعد ذلك طلب السلاح من النصارى وترك دروز حوران ~~وشأنهم. وكان الكثيرون من شبان الدروز قد غادروا لبنان إلى حوران، وانتهى الأمر بعد أخذ ~~سلاح الدروز والنصارى بأنه أمر بإرسال 600 شاب من الدروز إلى عكا ومصر ليدربوا على ~~الأعمال العسكرية. ثم أخذ إبراهيم بإتمام تنظيم الشئون في أنحاء تلك البلاد تنفيذا ~~للبرنامج الذي حمله من مصر، وهو يتناول ms109 كل فرع من فروع الحياة القومية في تلك الأقطار. وكان ~~مذهب إبراهيم في إدارة تلك البلاد هو مذهب نابليون «بأن الشورى للجماعة والتنفيذ للفرد»؛ ~~لذلك حاول أن يكون حوله جميع الذين يستطيعون الخدمة وخدمة المصلحة، ولكنه حال دون مرامه ~~أمران؛ الأول: فقر البلاد بالرجال الصالحين لتولي العمل، والثاني: فساد الموظفين وأخذهم ~~بالطرق القديمة. وقد كتب عنه المستر يانس في كتابه تاريخ مصر الحديث: «إن هذا الأمير كان ~~محبا للعدالة، ولما كان متوليا أمور سوريا لم يهمل وسيلة من الوسائل لكبح جماح ~~الموظفين وقمع فسادهم ، فأنزل قيمة الفوائد المالية والربا الذي كان يحصله الصراف ~~والمرابون، وفتح بابه لكل سائل ومتظلم، وكان الناس يغنمون فرصة خروجه من باب ديوانه ~~ليبسطوا له ظلاماتهم. ودون شاهد عيان أن جبليا اعترض إبراهيم باشا في طريقه ليبسط له ~~ظلامته، فلما ضاق صدر الباشا قال له: «يا عزيزي، لقد طالعت اليوم مائتي عريضة وأود أن ~~أرتاح قليلا، فثق بأن عريضتك ستكون موضوع عنايتي.» وحدث مرة أخرى أن أهالي الناصرة ~~تظلموا من سلب الحاكم الأموال، فأمره إبراهيم بأن يقدم حساباته بلا إبطاء، فظهر له أنه ~~زاد مبلغ 600 قرش على الضرائب، ولما كان هذا الموظف لم يصرف في الخدمة سوى 12 شهرا، فأمر ~~بسجنه في سجن عكا 12 شهرا كاملا.» # وكتب الكولونيل كامبل إلى حكومته سنة 1834 يقول: «كان من عادة أعيان سوريا أن يقدموا في ~~شهر رمضان الهدايا للولاة والحكام، وقد أمر إبراهيم بمنع هذه الهدايا؛ لأنها لا تخلو من ~~معنى الرشوة. وكان إبراهيم يحب الزراعة، فأنشأ المصرف الزراعي لإعطاء الفلاحين ما يحتاجونه ~~من المال لزرع أرضهم، ووقاهم شر البدو الذين كانوا يعتدون على المزارع.» وكتب إلى حكومته في ~~15 أبريل سنة 1834 يقول: «لا تزال إلى الآن مساحة كبيرة من الأراضي بورا. ولكي يشجع ~~إبراهيم الفلاحين على الزرع عين صرافا في حلب وآخر في أدنه وثالثا في دمشق، ووضع ~~تحت تصرف كل صراف ألف كيس - 5 آلاف جنيه - يعطون منها أصحاب الأملاك حاجتهم. وبما أن غرضه ms110 ~~تنشيط الزراعة، فإنه وجه إلى الولاة اللوائح بهذا الشأن. وقبل نظام إبراهيم كانت الفائدة ~~50 للمائة، ومع ذلك فالفائدة التي يتناولها الولاة اليوم عالية لأنها 20 للمائة. وكانت ~~نتيجة عمل إبراهيم ونظامه أن تضاعفت حاصلات تلك البلاد ثلاثة أضعاف، وحل اليسر محل العسر، ~~وعمرت الأرض.» وكتب هذا القنصل ذاته في سنة 1836: «إن إبراهيم أنفق أموالا طائلة على ~~الزراعة، وقد كان الأهالي هجروا كثيرا من القرى فعادوا إليها وزادت حاصلات الحرير.» وكتب ~~مولينوا قنصل سردينيا في حلب: «إن الفلاح السوري قد أثرى في ظل الحكم المصري.» # وكتب قنصل فرنسا في القاهرة: «إن النهر الجاري من عينتاب إلى حلب قد طهره إبراهيم ~~ونظفه، فزادت مياهه الجارية، وهو صارف جهده لتنشيف المناقع حول الإسكندرونة، وسيصبح ~~النهران اللذان يجريان بطرسوس صالحين لسير المراكب. وقد أنشأ هناك الطرقات على الساحل وفي ~~الجبال لنقل الحاصلات والأخشاب، وكل الشكوى كانت من أن الفلاحين كانوا يقتلعون في الليل ما ~~يغرسونه في النهار، وقد عزوا ذلك إلى الجهل.» ولكن المسيو لورين قنصل فرنسا علل ذلك ~~بجور الموظفين. وقد قال في تقريره عن سنة 1839: «إن زيادة الأرض المنزرعة بلغت 80 ألف ~~فدان في سنتين، وغرسوا آلافا من شجر التوت والزيتون، ولكن رجال الميري لم يفرقوا لجهلهم ~~وغطرستهم بين النبت القديم والحديث، فضربوا الضرائب عليهما جميعا؛ لذلك اقتلع الأهالي ~~الغرس الجديد. ولما وصل الخبر إلى إبراهيم باشا استنكر عمل موظفي الميري، وأمر محمد علي ~~بمعاقبتهم، ولكن الضرر كان قد وقع وعدل الأهالي عن الزرع.» # وأمر إبراهيم - كما جاء في تقرير قنصل إنكلترا في حلب - بإلغاء أخذ الخمس من الحاصلات ~~الزراعية، ووزع 446 شمبلا من البذار (والشنبل 75 أقة) و320400 قرش على الفلاحين، وزرع ~~247 ألف شجرة توت و52455 شجرة زيتون و264900 غرسة عنب، ووزع 611 محراثا، وكان قد وزع ~~قبل ذلك 1718 محراثا. # وكتب بورفيل قنصل فرنسا في حلب سنة 1836: «إن المجهود الذي يبذله إبراهيم ليعزز ~~مركزه في سوريا لهو مجهود لا يعرف التعب إليه سبيلا، وهو يظهر حزما عجيبا، وإذا ms111 ~~حدثته أظهر عطفه الكبير على الأهالي، وهو يود من صميم فؤاده نشر المدنية بينهم.» # وروى عنه القنصل كامبل عندما زاره في برية حلب وهو منهمك بإبادة الجراد، فقال: «وجدته ~~نازلا في خيمة قديمة كأحد العساكر، وهو في أثواب تكاد تكون رثة، ويجلس على سجادة قديمة، ~~ويتكئ على سرج جواده، ولم يكن عنده سوى كرسي واحد قدمه لي. وحدثني عن الجراد، فقال إنه ~~يأمل إبادة بيضه قبل أن يفقس ويضر بالزرع. وقد وزع عساكره العشرة الآلاف على عدة مناطق، ~~وقال لي: إنا أحرقنا حتى الآن 16 ألف إردب.» والذي يؤخذ من تقارير القناصل أن إبراهيم أدخل ~~زراعات جديدة في أنحاء سوريا كلها، وأتى بأنواع النبات والأشجار من أوروبا. ولما خرج ~~المصريون من سوريا كتب قنصل إنكلترا يقول إن كل ما فعله إبراهيم قد أهمل وبار، حتى القرى ~~التي أنشأها لتحضير البدو قد تهدمت. # أما الصناعة، فكان تقدمها في المدن كبيرا، فكتب المسيو بوالكانت يقول إن كل مدينة من ~~مدن سوريا تختص الآن بنوع من الصناعة؛ فدمشق تصنع الآن 400 ألف ثوب من الحرير الممزوج ~~بالقطن، يبلغ ثمنها ستة ملايين فرنك، وحلب تصنع المقصبات من الحرير والذهب، ومصنوعاتها أفضل ~~من مصنوعات ليون وأمتن وأرخص، وطرابلس تصنع الأحزمة والزنار، وأهالي القرى قد تعلموا نسج ~~الحرير، واشتهرت دمشق في كل أنحاء الشرق بصنع سروج الخيل، وطرابلس والقدس ونابلس ويافا ~~والرملة تعلمت صنع الصابون، والخليل تصنع المصابيح الزجاجية، وأنطاكية ودمشق تتقنان الآن ~~دبغ الجلود، وطرسوس تصنع أشرعة المراكب التجارية. ولحماية هذه الصناعات زاد محمد علي ~~الضرائب الجمركية على مثيلاتها 3 بالمائة، بحجة أن الدول الأوروبية تحارب مصنوعات بلاده في ~~أملاكها. وقد راجت المصنوعات السورية في بلاد العرب وإيران وما وراءها وتركيا كلها. # ويقول الكولونيل كامبل إن ما استنفدته معامل حلب ودمشق وحماه وطرابلس ودير القمر ~~وصيدا من حرير البلاد السورية بلغ في سنة 1836 ألفا و200 قنطار. # وأنشأ إبراهيم معملا لنسج الصوف في صيدا يكفي سكان الجبال الباردة حاجتهم، كما أنشأ ~~معاصر لزيت الزيتون في ms112 طرابلس، وأتى بالآلات والعدد من فرنسا. # واستخدم محمد علي علماء المعادن للبحث عنها في أراضي لبنان وسوريا، فوكل إلى المهندسين ~~الفرنساويين البحث عن الرخام وأمثاله، وإلى الإنكليز البحث في لبنان وفلسطين عن الفحم ~~الحجري، وإلى النمساويين البحث عن الرصاص والفضة والنحاس والذهب والحديد في بلاد ~~النصيرية. # وزادت بعد ذلك تجارة سوريا زيادة كبيرة جدا، فقد بلغت 31 مليون فرنك في سنة 1833، وأخذت ~~بالنمو حتى وصلت إلى 48 مليونا في سنة 1835 كما جاء في تقارير قناصل الدول وأهمها تقريرا ~~كامبل قنصل إنكلترا ولورين قنصل فرنسا. وصارت دمشق - وعدد سكانها 120 ألفا - مركز تجارة ~~الشرق، وحلب تجارة الأناضول والعراق. واهتم إبراهيم بطرق المواصلات، فأنشأ الطرقات، وبنى 30 ~~مركبا للنقل من أنطاكية في نهر العاصي، فاتهمه قنصل إنكلترا بأنه يريد من ذلك فتح ~~بغداد، ولكن إبراهيم كان يود أن يعيد لأنطاكية مجدها القديم لأنها كانت عاصمة الشرق يوم ~~كانت رومة عاصمة الغرب. # هذا هو المجهود الذي بذله إبراهيم باشا لتعمير سوريا وتحضير البدو، وتلك هي النتائج ~~الباهرة التي وصل إليها في سنين قليلة. وقد عرفنا من الوجهة السياسية أن اتفاق كوتاهيه كان ~~هدنة فقط، وأن سياسة إنكلترا نحو مصر تغيرت كل التغيير بعدما استخلصت تركيا من نفوذ الروس ~~لنفسها ولنفوذها، فصار همها هدم محمد علي ونفوذه، كما يستدل من نص التعليمات التي أصدرها ~~اللورد بالمرستون إلى القنصل الإنكليزي في حلب بأن يثير ثائرة الأهالي على محمد علي، وبأن ~~ينشر دعاية السلطان محمود. وقد حدث اللورد بونسوبي سفير إنكلترا في الآستانة في سنة 1834 ~~البارون ستومر سفير النمسا عن محمد علي، فقال: # أما الآن فإني لا أخشى محمد علي؛ لأنه فوت الفرصة الوحيدة التي عنت له، ~~وكان باستطاعته أن يلعب دورا في منتهى الأهمية، وأن يجعل نفسه رجلا هائلا. وهذه ~~الفرصة التي فاتته لن تعود ولن ترجع ثانية، فقد كان عليه أن يأتي هو ذاته على رأس ~~جيشه إلى إستامبول لا أن يرسل ابنه إبراهيم، ولو أنه فعل لعزل السلطان ولجلس ~~على عرشه ms113 إذا هو أراد. وقد كان كل شيء معدا كما تعلم أنت وأعرف أنا؛ لأن السخط ~~على السلطان كان عاما وجميع الأنظار والآمال تتجه إلى محمد علي، وبما أنه لم يجد ~~في نفسه القوة للانتفاع من افتراض كهذا، كانت جميع دلائله في جانبه، فلم يبق ~~أمامنا شيء نخشاه. # وكان يضاعف في سخط بالمرستون على محمد علي أنه يكاد يؤلف إمبراطورية من آسيا ~~وأفريقيا، وهذه الإمبراطورية إذا تركت وشأنها، فإنها تكون أكبر حاجز في وجه التجارة ~~الأوروبية والإنكليزية على وجه التخصيص؛ لأن الأرقام دلت - على ما جاء في تقرير قنصل ~~إنكلترا - أن الصادرات من مصر إلى إنكلترا زادت زيادة كبيرة على الواردات من إنكلترا إلى ~~مصر وسوريا، وهذه الحالة في تزايد متواصل. # وإذا أردنا أن نعرف سبب الفتن والثورات في سوريا عدنا إلى أقوال قناصل الدول ذاتهم قبل ~~العودة إلى الوثائق المصرية. فبعد فتنة نابلس أرسلت إنكلترا قنصلها في الإسكندرية إلى ~~فلسطين للتحقيق عن أسباب هذه الفتنة، فكتب يقول إن الثوار هم في الأصل الترك من جبال نابلس ~~بزعامة الشيخ عيسى بن عمر، وأهل جبال القدس بقيادة إبراهيم أبو غوش، انضم إليهم أربعة آلاف ~~من عرب عنزه؛ لأن إبراهيم أبو غوش الذي سجن إبراهيم والده في عكا زوج بنت أمير عنزه، ~~وسبب سجن أبو غوش هو أنه ظل يطلب الإتاوة من أديرة الرهبان في القدس رغم تحريم ذلك، ولم ~~ينقطع عن سلب الحجاج ونهبهم. ومنع إبراهيم البدو من التعدي على أملاك الحضر، وعزل ~~الموظفين الترك، وكانوا جيشا جرارا، وعين لهم الرواتب التي تكفيهم، فحدث أن شابا ~~تركيا ذهب من يافا إلى نابلس حيث صنع صليبا من الخشب، وصعد إلى مأذنة الجامع الكبير في ~~نابلس وبيده ذلك الصليب، فأخذ يصيح من فوق المأذنة: هل ذهب دين محمد وانقضى؟ هل ارتفع ~~الصليب على الهلال؟ من كان منكم مسلما فليقاتل هذا النصراني إبراهيم باشا. # ويقول الكولونيل كامبل إن في ذلك أكبر شهادة لإبراهيم؛ لأنه حرم النهب والسلب وحمى ~~اليهود والنصارى مما كانوا يلقون من الاضطهاد، ms114 وبسط ظل الأمن في البادية. # وأرسلت روسيا قنصلها دي هامل إلى سوريا للغرض ذاته، فقابل هذا القنصل الأمير بشير ~~الشهابي وسأله عن سبب الفتنة، فقال له الأمير: «إن الباشوات الذين كانت ترسلهم إلينا تركيا ~~لم يكونوا حكاما وولاة، ولكنهم كانوا مدمرين هدامين لهذه البلاد، وإذا أردت ~~برهانا فانظر إلى هذه السهول الخصبة التي ما كان يزرعها أحد ولا يسكنها أحد، وانظر إلى هذه ~~القرى وكان قد هجرها أهلها وسكانها؛ فإبراهيم باشا يبذل الجهد ليملأ هذه القرى بالسكان ~~من عرب البادية، ومنذ بسطت حكومة مصر يدها على هذه البلاد تغيرت الحال وبدأ اليسر، ولولا ~~التجنيد الإجباري لاستطعنا أن نقول إن البلاد في غبطة وسعادة تامين.» # ولقد عرف محمد علي أن الشر أيضا في مسلك الموظفين مع الأهالي، بدليل الحديث الذي نقله ~~عنه قنصل إنكلترا؛ إذ قال له: «إني أعرف أن الشر آت من جهتين: جهل الأهالي، وشراسة ~~الموظفين. وإذا عدت إلى التاريخ وجدت أن الأمم الأوروبية لم تخل من هذا العيب، ولكن ~~هذا العيب ضوعف بأعمال السخرة لإقامة الحصون والمعاقل ومطاردة الشبان في المنازل والقرى ~~وفي كل جهة.» # وهذا التجنيد، مضاعفا بالأسباب الأخرى والسياسة المعروفة، كان سبب الثورة الدرزية في ~~حوران في سنة 1837؛ فإن إبراهيم باشا دعا الحكام والولاة إلى اجتماع عقدوه في عكا، وأبلغهم ~~أوامره بإجراء التجنيد العام على قاعدة أخذ رجل واحد من كل عشرة رجال، وأرسل شريف باشا ~~إلى شيخ مشايخ الدروز يحيى حمدان، فلما حضر إليه مع الوجوه طلب منه 170 شابا للجندية، ~~فاعتذر الشيخ عن ذلك، وحاول إقناع شريف باشا بأن الشبان الدروز في حوران يدافعون عن بلادهم ~~من اعتداء البدو، فما كان من هذا - على ما روى الدكتور غاليارود - إلا أن عبث بلحية الشيخ ~~مهددا، فقال له الشيخ: أنا ذاهب، وسأحضر إليك بعدد من الرجال أكبر مما طلبت. # ولما عاد الشيخ وأصحابه إلى حوران، عقدوا جمعيتهم واتفقوا على الانتقام لشيخ مشايخهم عن ~~هذه الإهانة، وأرسلوا الرسل إلى عرب السلوط لمحالفتهم، وبدأ العدوان بأن نهبوا أملاك ms115 شريف ~~باشا والي دمشق وبحري بك مدير مالية سوريا، فوجه إليهم شريف باشا قوة من 400 جندي، ~~فاجتمع قائد القوة بكبارهم في قرية النعلة، فوعد الدروز بإعادة ما سلبوه وبتقديم ~~المجندين في مدى عشرة أيام، ولكنهم انقضوا في الليل على تلك القوة فأفنوها، ولم ~~ينج منها إلا ثلاثون جنديا. وكان الدروز قد انسحبوا من الحضر إلى اللجاه والوعر، ~~واللجاه وعر بركاني كثير التجاويف والمنعرجات، لا يستطيع السائر أن يخطو فيه خطوة واحدة دون ~~دليل، فوجه إبراهيم باشا حملة كبيرة بقيادة محمد باشا مفتش الجهادية، فاستدرج الدروز ~~الحملة إلى داخل اللجاه، حتى إذا ما دخلت الوعر طلع عليها الدروز من مكامنهم الخفية فقتلوا ~~محمود باشا وبعض القواد، ومزقوا القوة وغنموا ما معها. # فذهب شريف باشا وجمع شتات الحملة، وطلب إبراهيم باشا من والده إرسال أحمد باشا المنيكلي ~~لتولي رياسة الحملة لانهماكه هو باتخاذ التدابير اللازمة لمواجهة الترك الذين كانوا ~~يتأهبون على الحدود. فدخل أحمد باشا اللجاه للبحث عن الدروز، فظهر أمامه بعض طلائعهم، فأمر ~~باقتفاء أثرهم، فاستدرجوه إلى الوعر، فخدع كما خدع محمد باشا، وكان نصيب جيشه نصيب ~~جيش محمد باشا. # وكان هذا الانكسار الثاني وسيلة لنشر الدعاية ضد قوة الجيش المصري، ونهض دروز وادي التيم ~~ولبنان لشد أزر إخوانهم وقطع طرق المواصلات، فأرسل الأمير بشير بعض الأمراء لتأمين ~~المواصلات، فنهض شبلي العريان قائد دروز وادي التيم لمقاتلة الأمير سعد الدين شهاب في ~~حاصبيا، وانضم إليه أميران من أمراء الشهابيين؛ لأنه كان من عاداتهم المرعية أنه لا يجوز أن ~~يحارب الأمراء غير الأمراء. وبعد قتال طويل أرسل الأمير بشير ولده خليلا، فانسحب شبلي ~~العريان إلى حوران، وانضم رجاله إلى الثوار، وأرسل إبراهيم باشا إلى والده يطلب الجنود ~~الأرناءوط لمحاربة الدروز في الوعر؛ لأن الجنود النظامية المصرية لم تألف هذا الضرب من ~~القتال، وعين سليمان باشا الفرنساوي قائدا للحملة، فتريث سليمان باشا إلى أن يحل ~~فصل القيظ ويقل الماء في مغاور اللجاه والوعر فيضطر الدروز إلى الخروج لانتجاع الماء، ~~ولكن الدروز ظلوا ms116 يشنون الغارة على الطرق وعلى قوافل الذخيرة وبانوا إحدى الحملات ليلا ~~ففتكوا بها. # ولما وصل الأرناءوط في شهر أبريل سنة 1838 تولى إبراهيم باشا القيادة وقسم جيشه أربعة ~~أقسام أحاطت باللجاه، وصرفت همها إلى الاستيلاء على المياه. ودامت المعارك حول المياه ~~نحو شهرين، ولما اشتد الضيق بالثوار توجه شبلي العريان من حوران مع مائتي مقاتل إلى راشيا، ~~فقتل المتسلم والجنود ليحول ضغط قوة إبراهيم عن اللجاه. ووجهت إليه قوة من الشام فانتصر ~~عليها وضيق على الجنود في القلعة فخرجوا، ولكنه لحق بهم واستولى على أسلحتهم وذخائرهم، ~~وانضم إليه عدد كبير من دروز لبنان، فكتب إبراهيم باشا إلى الأمير بشير يطلب إرسال أربعة ~~آلاف رجل من نصارى لبنان مع ابنه خليل لقتال شبلي عريان على أن تبقى لهم أسلحتهم طول ~~الحياة. وجاء إبراهيم باشا ذاته إلى راشيا، وجرت معركة بين الدروز والجيش في وادي بكا، ~~فانكسر الدروز وارتدوا إلى سفح جبل الشيخ، فأمر إبراهيم باشا الأمير خليل الشهابي بالزحف ~~على الجبل، ولكن الدروز صدوا رجاله. وهجم جيش إبراهيم باشا فتغلب عليهم، فأرسلوا وجوههم ~~إليه للتسليم، فقبل تسليمهم على أن يسلموا أسلحتهم ويعودوا إلى وطنهم، وأمر بمطاردة شبلي ~~العريان والقبض عليه، وانتهى الأمر بأن سلم شبلي، فعفا عنه إبراهيم باشا وعينه قائدا ~~لفرقة نظامية من الهوارة. # وبعد ذلك أوفد الأمير بشير أحد رجاله جرجس أبو ديس يدعو دروز حوران للتسليم، وأرسل ~~إبراهيم باشا معه الشيخ حسن البيطار للغرض ذاته، فسلموا وقدموا لإبراهيم باشا 700 بندقية من ~~سلاحهم، وألفي بندقية كانوا قد غنموها من الجيش. وأعفاهم إبراهيم باشا من الجندية والسخرة؛ ~~لأنهم يقومون بحماية بلادهم وما جاورها من سطو بدو الصحراء. وهكذا انتهت هذه الثورة ~~التي ابتدأت في نوفمبر، في آخر شهر أغسطس، ويقدر القناصل الذين كتبوا عنها أن خسائر ~~إبراهيم باشا كانت فيها عشرة آلاف رجل، كما كانت خسائره في ثورة جبال نابلس وفلسطين وسواها ~~أربعة آلاف نفس، وأظهر الدروز من الشجاعة وحسن التدريب والشهامة ما أعجب به كبار ~~القواد. # وفي إبان ms117 ذلك وصل إلى بيت الدين مقر الأمير بشير الدكتور كلوت بك مفتش صحة الجيش ~~المصري، فطلب منه الأمير أن يستأذن محمد علي بإرسال بعض الشبان ليتعلموا الطب في مصر، فأجاب ~~محمد الطلب على أن يكون تعليمهم مجانا، فكان الوفد الأول مؤلفا من أربعة رابعهم سليم ~~مملوك الأمير. وظلت هذه البعثات تفد من لبنان إحداها تلو الأخرى، وتتلقى علم الطب مجانا في ~~مصر حتى أول عهد الاحتلال الإنكليزي، فانقطعت. # وكان الأمراء اللبنانيون يلبسون العمائم، فطلب منهم إبراهيم باشا، توحيدا للزي في جميع ~~الأقطار الخاضعة لمحمد علي، طرح العمائم ولبس الطربوش، فأصدر الأمير بشير أمرا بذلك إلى ~~الأمراء أولاد عمه، واقتفى أثرهم أعيان البلاد. # ولكن الأمير بشير ظل متغيرا على شريف باشا والي سوريا، حتى إنه أبى زيارته مرارا وهو في ~~دمشق؛ لأن شريف باشا سأله مرة: «من صيرك أميرا؟» فوضع الأمير يده على قائم سيفه وقال ~~له: هذا. # | الفصل الحادي عشر # حرب جديدة بين الترك والمصريين. # فوز إبراهيم باشا. # المصير الأخير. ~~*** # لما نظم إبراهيم باشا سوريا، أتيح للأجانب ولقناصل الدول أن يكونوا أحرارا في تلك ~~البلاد، وأن يتجروا بلا عائق ولا مانع مع أن تجارتهم كانت محصورة ببعض الموانئ، ولكن ~~القناصل الذين اتخذوا الامتيازات تكأة لهم ألفوا من أنفسهم دولة في الدولة، وكانوا يعطون ~~الحماية لمن أرادوا. وبما أن متاجر الأجانب كانت تدفع 3 بالمائة ومتاجر الرعاية كانت تدفع ~~20 بالمائة، فقد أخذ القناصل أكثر التجار تحت حمايتهم ليعفوا من زيادة الرسوم الجمركية، ~~وكان هم الإنكليز على وجه التخصيص أن ينقصوا دخل الحكومة المصرية حتى لا تستطيع ~~الإنفاق على جيشها وأسطولها فتضعف، فاتهمت محمد علي بأنه يحتكر الحاصلات، واستصدرت من الباب ~~العالي أمرا بمنع الاحتكار. وكان بعض القناصل الذين لم يدخلوا سوريا قبل الحكومة المصرية ~~يدسون الدسائس السياسية لهذه الحكومة، كالقنصل الإنكليزي فارين في دمشق وزميله فري في حلب، ~~معتمدين في ذلك على الموظفين الترك الذين عزلوا من الخدمة، وعلى قبائل البدو التي كانت ~~تتناول قبل الحكم المصري الحوة من الحضر ms118 والقرى القريبة من البادية، ومن قوافل التجار التي ~~تمر بالبادية، ومن النصارى واليهود. # وفي سنة 1834 أرسل سفير إنكلترا في الآستانة إلى سوريا ترجمان السفارة ريتشردوود، لإثارة ~~الأهالي ضد الحكومة المصرية، فلما وصل إلى لبنان اتخذ الخوري أرسانيوس الفاخوري أستاذا ~~له ليلقنه اللغة العربية، وكان ذلك الخوري (القسيس) من علمائهم المشهورين. واتخذ كسروان في ~~وسط لبنان مركزا لعمله، فصرف هناك سنتين كاملتين في تلقي اللغة العربية في الظاهر وفي دس ~~الدسائس في الباطن. وتربة لبنان كانت معدة لذلك؛ لأن إبراهيم لم يف بوعده للبنانيين ~~باحترام استقلالهم، فضرب عليهم الضرائب ونزع سلاحهم، فغضبوا لاستقلالهم القديم. ولما هيأ ~~الأفكار انتقل إلى جهة أخرى للغرض ذاته، ولكن هاله توطيد مركز حكومة محمد علي في سوريا، ~~فكتب إلى حكومته يقول: «إن كل يوم ينقضي يزيد في قوة محمد علي، فلا مندوحة عن الإسراع في ~~العمل لإضعافه وهدم سلطته.» ولكن محمد علي كان بعد إخماد فتن سوريا مصمما على إعلان ~~استقلاله؛ لأنه «لا يفهم كيف يكون التابع أقوى من متبوعه ويظل خاضعا لإرادته؟ أو كيف يقبل ~~أن يؤلف ملكا عامرا ثم يتركه لأحد الولاة يأتي من إستامبول بعد مدة فيهدمه.» وكان محمد ~~علي قد تعهد بأن يدفع للباب العالي عن الأملاك التي يملكها 32 ألف كيس، ولكنه لم يدفع شيئا ~~من هذه الجزية، فسافر إلى السودان فقالوا إنه فعل ذلك ليتهرب من دفع الجزية وليبحث عن معادن ~~الذهب، فلما عاد من السودان قالوا إنه وعد الباب العالي بدفع ثلاثة ملايين جنيه إذا هو ~~اعترف باستقلاله. وكانت فرنسا تقول معه بهذا الاستقلال وأن يكون الحكم وراثيا في بيت محمد ~~علي. # ولكن إنكلترا اقترحت على الدول - فرنسا وروسيا والنمسا وبروسيا - أن تتفق كلمتها جميعا، ~~على أن تمنع محمد علي عن أي عمل يقدم عليه ضد سلطة السلطان محمود. ولما أنذرته الدول ~~قال إنه يقصر طلبه على أن يكون الحكم وراثيا في أسرته، ولكن الباب العالي الذي كان ~~يستند إلى ذراع إنكلترا اقترح على الدول أن يعين لمحمد ms119 علي معاشا كبيرا مدى الحياة، وأن ~~يعطيه قصرا للسكنى على ضفاف البوسفور. # ولكي تتم إنكلترا تطويق قوات محمد علي بعد إنذاره بألا يمس بلاد الحبش، وبألا يتفق مع ~~والي طرابلس الذي عصا الباب العالي، احتلت في 19 يناير سنة 1839 فرضة عدن؛ لتكون هي في ~~الشمال وتركيا في الجنوب، وتبعده عن بلاد وسواحل البحر الأحمر. وعد الفرنساويون هذا ~~الاحتلال بمثابة المقدمة لاحتلال مصر عندما يحين الوقت، وفي ذلك الحين عرضت إنكلترا على ~~الباب العالي إبرام معاهدة ينص فيها على أن إنكلترا تنضم إلى الباب العالي إذا كان محمد علي ~~أو أحد خلفائه يقدم على إعلان استقلاله أو يقوم بعمل عدائي ضد الباب العالي. # وبينما كانت السياسة الأوروبية في شغل شاغل لمنع الحرب والقتال، كان الباب العالي يحشد ~~قوته منذ سنة 1834 في جهة سيواس . # وكان يتولى تدريب هذا الجيش الجديد الضباط البروسيون: ملباخ، وفيشر، وفون، ونك، والبارون ~~فون مولتك، وآخرون، ويتولى القيادة العليا محمد رشيد باشا الذي قهره إبراهيم في قونيه ~~وأخذه أسيرا. أما إبراهيم فإنه - كما قلنا - جعل أكثر قواته على الحدود ليرقب القوات ~~التركية. وحدث أن الكرد ثاروا على الترك، فنهض رشيد باشا بقسم من جيشه لإخضاعهم، فتوفي ~~بحمى التهاب النخاع الشوكي، فخلفه في قيادة الجيش التركي حافظ باشا الذي أخضع الثوار، ولكن ~~الباب العالي ظل يرسل الإمداد تباعا، فأدرك إبراهيم ومحمد علي موطن الخطر، فأخذ محمد علي ~~يرسل الإمداد لولده ويعد الأموال اللازمة للإنفاق، حتى إنه حول إلى نفقات الجيش المال ~~الذي أعده لإنشاء مصرف زراعي. # وبدأ حافظ باشا يتحكك بإبراهيم بمنعه القوافل من اجتياز خط الامتياز - أي الحدود - وتحريم ~~المعاملات التجارية مع سوريا. وفي 23 أبريل اجتازت ثلاثة آلايات تركية نهر الفرات إلى بيره، ~~وأخذت تحفر الخنادق في بيره وهي على مسيرة بضع ساعات من خط الامتياز، فأرسل إبراهيم الخبر ~~إلى والده، وأرسل إلى الأمير بشير بأن يتولى حفظ الأمن وخطوط المواصلات في جهة حمص، وأرسل ~~قوة إلى عينتاب لرقابة الترك، وأرسل محمد علي وزير جهاديته ms120 أحمد المنيكلي باشا مع الأمداد ~~اللازمة لإبراهيم، ولما ألح القناصل على محمد علي بأن يحافظ على السلم ويدفع الجزية ~~المتأخرة للسلطان ويظل في طاعته، رد عليهم بأنه يجيب الطلب ويعيد ابنه إبراهيم إلى دمشق ~~إذا انسحبت عساكر حافظ باشا من بيره، وتقهقر جيش هذا القائد إلى ما وراء ملطية، وضمنت له ~~الدول السلم، وساعدته على أن يكون الحكم وراثيا في سلالته؛ بعد أن تجيب الدول هذه المطالب ~~يسحب 80 ألفا من جيشه المعسكر في سوريا. ولكن المسعى لم يجد نفعا، فإن حافظ باشا زحف ~~بجيشه على الأراضي السورية، وعبر الفرات في 17 مايو سنة 1839، وعسكر في ضواحي نصيبين، ثم ~~أرسل قوة من الفرسان احتلت بعض القرى السورية، وتقدم القائد العثماني الثاني سليمان باشا ~~واحتل قرى عينتاب حول القلعة المعسكرة فيها الحامية المصرية، ثم أخذ القواد العثمانيون ~~يحرضون السوريين على الثورة ضد إبراهيم، ويوزعون عليهم السلاح والذخائر والمال. # واجتاز الترك نهر الساجور، وهاجموا 500 فارس من عرب الهنادي المصريين بقيادة معجون محمد، ~~فانهزم فرسان الهنادي تاركين بيد الترك 70 أسيرا ما عدا القتلى، فنهض إبراهيم من جانب ومعه ~~سبع فرق من الخيالة و12 بطارية سيارة، وأرسل إلى سليمان باشا الفرنساوي بأن يلحق به مع ~~جيشه، وهو 13 فرقة من المشاة و15 بطارية. # وفي 3 يونيو وصل إبراهيم إلى قبالة القرى التي احتلها الترك من الأراضي السورية، ~~فأخلوها بلا قتال، فكتب إبراهيم باشا في 8 يونيو سنة 1839 إلى حافظ باشا قائد الجيوش ~~التركية كتابا قال فيه: # إذا كنتم يا صاحب السعادة تلقيتم الأمر بإعلان الحرب، فما فائدة الاسترسال في بث ~~الدسائس وتحريك الفتن؟ وإذا كنتم تودون القتال، فهلموا إلى ميدانه بصراحة ~~وإقدام، وأملي أن لا يفوتكم في هذه الحالة أن تعرفوا أنكم تقاتلون أبطالا لا يعرف ~~الخوف سبيلا إلى قلوبهم. أما الدسائس التي تمضون في تدبيرها، فإنها ليست مما ~~يطاق احتماله طويلا. # فرد حافظ باشا على هذا الكتاب بعبارات منمقة، ولكنه حاذر أن يبدي رأيا ~~صريحا. # أما محمد علي، فإنه كتب ms121 إلى ولده إبراهيم في 9 يونيو يأمره بأن يسارع إلى طرد الجنود ~~التركية من الأراضي السورية، وألا يتردد في منازلة جيشهم الكبير، حتى إذا ما انتصر عليه ~~يواصل الزحف إلى ملطية وخربوط وأورفا وديار بكر. وبعد وصول هذا الكتاب إلى إبراهيم أصدر ~~أمره إلى سليمان باشا بأن يسرع للحاق به، وكان سليمان باشا على 24 ميلا من حلب، فجدت ~~قوته بالسير حتى لحقت بإبراهيم باشا على مجرى نهر الساجور. # أما قوتا الجيشين فكانتا متقاربتين؛ لأن جيش حافظ باشا كان مؤلفا من 17 فرقة من المشاة، ~~وجيش إبراهيم باشا من 14 فرقة. وفي جيش حافظ باشا 9 فرق من الفرسان، وفي جيش إبراهيم 8 فرق. ~~وفي مدفعية حافظ باشا 300 رجل، وفي مدفعية إبراهيم باشا أربع فرق. ومدافع حافظ باشا 140، ~~ومدافع إبراهيم 160. وفي جيش حافظ باشا 6000 من المتطوعة، وفي جيش إبراهيم باشا 2000. على ~~أن حافظ باشا صرف شهرا كاملا في حفر الخنادق وإقامة المعاقل والحصون، ومرن جيشه على ~~الدفاع والهجوم في تلك المنطقة، وشتان بين من يقف للدفاع ومن يكلف الهجوم. ولكن جيش ~~إبراهيم باشا كان أتم نظاما وأكثر ممارسة للقتال. وكان إبراهيم باشا ورئيس أركان حربه ~~سليمان باشا على رأي واحد، أما حافظ باشا ورئيس أركان حربه مولتك فقد كانا على رأيين ~~متباينين. وكان ضباط إبراهيم باشا يحترمونه ويهابونه، وجميعهم قد نالوا رتبهم عن جدارة ~~واستحقاق، أما ضباط جيش الترك فإن أكثرهم كان من صنائع الحكام والوزراء في إستامبول. # وإذا كانوا قد قدروا عدد جيش حافظ باشا بضعفي عدد جيش إبراهيم باشا فلأن الترك كانوا ~~ينشرون جيشهم على خط طويل ليهاجم سوريا من كل جهة. أما القوتان اللتان تنازلتا في ميدان ~~نصيبين وحده فهما ما ذكرنا. ومن الحكايات التي تعطي صورة صحيحة عن هذين الجيشين، أن حافظ ~~باشا سأل أسيرا من جيش إبراهيم رأيه في المعسكرين، فقال له الأسير المصري بعد أن أعطاه ~~حافظ باشا الأمان: «إن معسكر إبراهيم باشا معسكر جنود، أما معسكركم فهو كمضارب الحجاج. ففي ~~معسكر ms122 إبراهيم لا ترى سوى الجنود بسلاحها وإلى جانب خيولها ومدافعها، أما في معسكركم فقد ~~رأيت اليهود والتجار والعلماء والفقهاء، فرأيت البعض منهمكا بالبيع والشراء والآخر مشتغلا ~~بالتسبيح والدعاء، وهذا الذي يجعل معسكركم أشبه بمضارب الحج.» # وصل خبر احتكاك الترك والمصريين إلى أوروبا بعد اجتياز الترك نهر الفرات إلى الأراضي ~~السورية وبعد احتلالهم عينتاب، وتأهب إبراهيم باشا لصد غارتهم، فأوفدت فرنسا رسولا إلى ~~الباب العالي وآخر إلى محمد علي للوقوف عن القتال، فوصل كايه إلى مصر وقابل محمد علي وأخد ~~منه كتابا إلى إبراهيم ليقف موقف الدفاع. ووصل فولتز إلى إستامبول فلم يعط جواز السفر إلى ~~الأناضول، ولم يشأ سفير إنكلترا أن يؤيد زميله سفير فرنسا في مسعاه لإيقاف القتال، بل أظهر ~~له أنه إذا هو تلقى أمرا من حكومته في ذلك فإنه يخالف ذلك الأمر ويعمل على الضد. ولم يصل ~~كايه بكتاب محمد علي إلى إبراهيم باشا إلا بعد المعركة وانتصار إبراهيم على جيش الترك. ~~وإليك البلاغات الرسمية عن تلك المعركة الأخيرة التي استند فيها الترك على ذراع الإنكليز ~~والنمساويين، الذين حرضوهم ووعدوهم بأنهم لا يخسرون شيئا في حالة الانكسار، ويربحون كل شيء ~~في حالة الانتصار. # خلاصة تقارير إبراهيم باشا إلى والده عن تلك المعركة # التقرير الأول (20 مايو سنة 1839): # كان الجيشان في ~~هذا اليوم في عينتاب على مقربة من بعضهما، وكانت الجنود المخالفة تحتل المدينة بقيادة ~~سليمان باشا والي مرعش، وكانت جواسيس حافظ باشا وأعوانه يحرضون الأهالي على الثورة ~~والعصيان، وجنوده لا تكف عن العدوان، فكان الجيشان في حالة حرب، ولكنا اتبعنا أوامركم ~~وآراء قناصل الدول فلم نقابل القوة بالقوة ضابطين نفوسنا مخالفين ميولنا بالوقوف بلا ~~عمل تلقاء ما يبديه المخالف (العدو) من الاعتداء والغطرسة. # وفي 22 مايو غادرت توزل مع فصيلة من الفرسان وبعض بطاريات خفيفة وأربع أورط مشاة ~~لمداهمة قوة العدو بالقرب من مزار على نهر الفرات، وعند وصولنا حمل الفرسان على العدو ~~وألزموه الفرار، فغنمنا أربعة عشر مدفعا وخزانة المال وفيها خمسون ألف قرش، وأسرنا ~~750، ثم ms123 التقينا فيما بين مزار ونسبي بفرقة من المخالفين، فأكرهناها على التراجع إلى ~~مقر جيش حافظ باشا. # وفي 24 رتبنا جيشنا في صفوف القتال تجاه الجيش العثماني في ضواحي قرية نصيبين ~~بالأراضي التابعة لبلاد الشام وعلى مسافة بضعة فراسخ من الفرات، وكان جيشنا مؤلفا من ~~ثلاثين ألف جندي نظامي، وكان جيش العدو مؤلفا من 90 ألف نظامي وغير نظامي. # وارتكب المخالفون خطأ كبيرا جدا؛ لأنهم لم يوجهوا إلينا في الصدمة الأولى سوى ~~الفرسان، فقصروا مهمتهم على مهاجمة المصريين في كل مكان وعلى طول الخطوط، فلم تلبث ~~طلقات البنادق أن فرقتهم وأكرهتهم على التقهقر نحو صفوف المشاة، فأوقعوا الخلل في ~~تلك الصفوف، وأدرك الفرسان المصريون ذلك فقاموا بمناورة موفقة، وتحرك في الوقت ذاته ~~الجناح الأيمن من المشاة، فلم يسع الصف الأول من مشاتهم إلا أن يلقوا السلاح ويتفرقوا ~~في كل ناحية وصوب، وحينئذ وقع الهلع في المعسكر كله، فلم يسمع إلا صوت المناداة ~~بطلب النجاة، وترك المخالفون جميع مهماتهم . ولم تحن الساعة التاسعة حتى كنا متحكمين في ~~معسكر العدو، وقد عثرنا في خيمة حافظ باشا على الفرمان السلطاني الذي يقلد فيه ولاية ~~مصر. # واقتفى فرساننا أثر الهاربين، فأسروا أورطا بأكملها، وسلم كثير من الضباط وسبعة ~~باشوات. والمقدر أن حافظ باشا ذاته لا ينجو من أيدي الفرسان. # والذين أخذناهم أسرى في ساحة القتال خمسة آلاف، ومنهم سليمان باشا والي مرعش وجيشه ~~بأكمله، فخيرناهم بين الرجوع إلى وطنهم وبين الانخراط في سلك جيشنا، فقبل خمسة آلاف ~~دخول جيشنا، فسيرناهم في الحال إلى الإسكندرية، واتجه شطر من الجيش المخالف الفار إلى ~~نهر الفرات. وقد فات حافظ باشا أن يمد القناطر على مجرى ذلك النهر، فمات 12 ألفا ~~غرقا وهم يعبرونه سباحة. واعتصم قسم كبير من هذا الجيش في جبال عينتاب، فقتلهم البدو ~~والكرد والتركمان. أما جيشنا، فإنه سار متجها نحو مرعش وملطية وديار بكر. # من خيمة حافظ باشا: # أكتب هذه الأسطر وأنا في خيمة ~~حافظ باشا التي لم ينقل العدو منها شيئا، وقد استولينا على ms124 الأمتعة والمدافع والخزانة، ~~وأسرنا عددا عظيما من العساكر. وإني أود أن أقتفي أثر الأعداء، ولكني لا أجد أمامي ~~أحدا منهم؛ لأن تفرق هذا الجيش كان تاما وسريعا بعد معركة دامت ساعتين. وكان ~~هجومنا عليه من كل ناحية في وقت واحد، وكان على قيادة الميمنة أحمد باشا، وعلى الميسرة ~~سليمان باشا، أما أنا فإني كنت أتولى قيادة القلب. وقد أعاد إلي هذا النصر السريع ~~الكامل ما كنت عليه - وأنا في العشرين من عمري - من الانشراح والقوة وسأوافيكم ~~بالتفصيل. # تقرير سليمان باشا: # يعد العسكريون معركة نصيبين من ~~أكبر المعارك الفنية، يدل عليها التقرير الذي أرسله إبراهيم باشا إلى محمد علي بقلم ~~الكولونيل سيف (سليمان باشا الفرنساوي)، هذا ملخصه: # في 18 يونيو خرجنا من معسكر دوببك، فوصلنا بعد يومين إلى مرار الواقعة على ~~مسيرة ساعتين من معسكر الجيش العثماني، وكان زحفنا مواجهة على خمسة صفوف ~~متطاولة من المشاة وصفين من الفرسان. وفي 21 قمنا باستكشاف موقعة في 1500 فارس ~~من البدو وأربعة آلاف من الفرسان وبطاريتين من المدافع السريعة، فثبت لنا أن ~~موقعه في منتهى المناعة فلا يمكن الهجوم عليه لا مواجهة ولا مجابهة. وكانت ~~تحمي واجهته من الخلف آكام محصنة وعلى قممها المدافع وأمامها ثلاثة معاقل ~~كبيرة، وميمنته تستند إلى ربوة عالية وضعت فيها أورطة من المشاة وفيها معقل، ~~وفي أسفل هذا المعقل بطارية مدافع، وميسرته تستند إلى ربوة باستدارة الثدي وعرة ~~المنحدرات، فكان الهجوم في هذه الحالة من الواجهة وعلى الجناحين عملا محفوفا ~~بالمصاعب ولا مندوحة معه من خسارة كبيرة بدون نتيجة مرضية. فرأينا في الحال ~~القيام بحركة التفاف بالعدو من ميسرته وبالزحف عليه زحفا جانبيا. # وفي صباح 22 زحف الجيش زحفا جانبيا بصفوف متطاولة. فبعد مسيرة عشر ساعات ~~وصلنا إلى قنطرة هركون، وكان الترك قد أرسلوا بعض الأورط والمدفعية نحو ~~ميسرتنا، واحتلت ربوة مستديرة على ميمنة جنودنا، وأرسلت آلايا من المشاة وآخر ~~من الفرسان إلى ميسرة الزحف الجانبي، فاتخذوا موقفهما في اتجاه جانبي الفيلق ~~التركي، فلم يسع هذا الفيلق إلا ms125 الانسحاب، فاستأنف الجيش المصري الزحف بسكون ~~واطمئنان، إلى أن اتخذ موقفه في قنطرة هركون. # وانقضى يوم 23 يوينو في إعداد معدات القتال، وقبيل منتصف ليل 24 جاء العدو ~~ببطاريتين من مدافع القنابل المستطيلة فألقى على معسكرنا من 250 إلى 300 قنبلة، ~~فأوقعت بعض الخلل وقتل جواد الميرالاي محمد بك (أحد ياوران سليمان باشا). ~~والظاهر أن العدو تمكن من معرفة خيمة سليمان باشا، فصب في اتجاهها نارا حامية، ~~فذهب سليمان باشا إلى النقط الأمامية وأمرها بإطلاق نارها، فانسحب الترك بعدما ~~منيوا بخسارة فادحة. # وعند الصباح استأنف الجيش سيره الجانبي منفصلة أورطه وفرقه بعضها عن بعض. ~~فارتد الترك إلى الوراء وانتشروا على الآكام والروابي خلف معسكرهم القديم، ثم ~~اتجه المصريون إلى ربوة على ميمنتهم وغيروا اتجاه الصفوف، ولكنهم فوجئوا بنصب ~~بطارية كبيرة على الأكمة التي كانت عندنا مفتاح القتال، وحينئذ بدأ المصريون ~~بالهجوم على جميع الخطوط بكل قواهم، وأخذت مدافعهم تطلق النار الدائمة مع الزحف ~~المتواصل إلى الأمام، فانسحب الترك إلى معسكرهم القديم، فلحق بهم المصريون ~~واحتلت مدفعياتهم الروابي، فكانت هزيمة العثمانيين تامة. وغنمنا 144 مدفعا ~~وصناديق ذخائرها، و35 مدفعا في حصون بيره جك، وجميع الخيام من خيمة حافظ باشا ~~إلى خيمة أصغر جندي، ومن 18 ألفا إلى 20 ألف بندقية، وأخذنا من 12 ألفا إلى ~~15 ألف أسير. ا.ه. # وأبدى الحرس السلطاني مقاومة عجيبة. ولما دعي لإلقاء سلاحه والتسليم، أجاب قائده: ~~«إن الحرس السلطاني لا يلقي سلاحه أمام الموت.» # وقد كان سرور إبراهيم باشا بهذا الفوز عظيما حتى ضم سليمان باشا إلى صدره ~~وقبله، وكان سليمان باشا ليلة المعركة يحض الضباط ويقول لهم: أيها الإخوان ~~الضباط، إني منذ الآن أعين لكم موعد الملتقى غدا، فعند ساعة الزوال يكون ملتقانا تحت ~~خيمة حافظ باشا لتناول القهوة معا. ولم يخطئ سليمان باشا في ضرب هذا الموعد لضباط ~~الجيش المصري. # وأرسل إبراهيم باشا إلى كل وال من الولاة بشرى انتصاره، وأمرهم بإقامة الأفراح مدة ~~أسبوع، وأخبرهم أنه زاحف على قونيه، وقال سليمان باشا للضباط: ms126 «أما في المرة الآتية، ~~فإما أن نذهب نحن إلى إستامبول أو يأتي الترك إلى القاهرة.» # وبعد يومين من المعركة وجيش إبراهيم باشا زاحف إلى ما وراء جبال طوروس، وصل إلى ~~معسكره المسيو كايه مندوب وزير خارجية فرنسا وهو يحمل إليه كتاب والده الذي يأمره ~~بالوقوف، فأطاع الأمر ولم يزد على احتلال مرعش وأورفا. # وفي 30 يونيو؛ أي بعد ستة أيام من معركة نصيبين، توفي السلطان محمود، وكان ضعيف ~~البنية مصابا بالعلة الصدرية، ونودي بابنه عبد المجيد سلطانا فأبقى عبد المجيد خسرو ~~باشا في منصب الصدارة. وكان السلطان محمود قد أمر فوزي باشا بالخروج بالأسطول لمعاونة ~~جيش حافظ باشا على القتال، فلما بلغه خبر وفاة السلطان وإبقاء خسرو باشا في منصب ~~الصدارة، وأيقن بأن خسرو باشا هو الذي يحكم لا السلطان الشاب - وخسرو باشا هو عدوه ~~اللدود، فلا يعدم وسيلة للانتقام منه - فر بأسطوله إلى الإسكندرية وانضم إلى محمد ~~علي باشا. # وهكذا أضاع السلطان محمود حياته وجيوشه وأسطوله في محاربة مصر. # ولما رجع حافظ باشا إلى إستامبول عقدوا مجلسا لمحاكمته؛ لأنه شرع بالهجوم قبل أن يصل ~~إليه الأمر بذلك، فأبرز حافظ باشا كتابا من السلطان بخط يده يأمره فيه بالهجوم. وهكذا ~~كان السلطان محمود يخدع السفراء بالتظاهر بالسلم، في حين كان يصدر أوامره السرية ~~بالحرب. ~~••• # تقدم إبراهيم باشا بعد معركة نصيبين في 24 يونيو 1839، فاحتل أورفا ومرعش وعينتاب، ~~وأرسل أعيان الأناضول يهنئونه ويعربون له عن ولائهم، ولكنه وقف هناك بأمر والده الذي ~~حمله إليه كايه مندوب فرنسا كما كان قد حمل إليه مندوب فرنسا الأمر للوقوف في سنة 1833 ~~في قونيه وكوتاهيه. # وفي 5 يوليو أرسل السلطان عبد المجيد إلى محمد علي يعرض عليه ولاية مصر بالوراثة، ~~فطلب محمد علي هذا الحكم بالتوارث في بيته على جميع البلاد التي كان يتولاها يومئذ. ~~ولكن الدول تفرقت في ذلك آراؤها؛ فروسيا ارتاحت إلى أن يتفق محمد علي والباب العالي، ~~وإنكلترا رأت أن تتفق الدول على نزع سوريا من ولاية محمد على، وهي التي ms127 منعته حتى لا ~~يمد يده إلى بلاد الحبشة وطرابلس الغرب، ووضعت يدها على عدن لتقف بوجهه في اليمن، ~~وأبرمت اتفاقا مع إمام اليمن لهذا الغرض، وآخر مع أمراء الخليج الفارسي لتحول دون ~~امتداد سلطانه على بلاد العربية بعدما وصل عماله إلى البحرين، وهي التي حالت دون اتفاقه ~~مع شاه إيران الذي كان يريد محالفته، وهي التي أعلنت بعد ذلك أن تحصر نفوذه في الأرض ~~الأفريقية، وهي التي اقترحت على فرنسا أخذ الأسطول التركي من محمد علي بالإكراه ~~والقوة بعدما سلم هذا الأسطول نفسه في 14 يوليو. ورأت فرنسا أن تضع الدول الاتفاق بين ~~محمد علي والباب العالي ليكون اتفاقا مضمونا. # وأنذرت النمسا الباب العالي بألا يبرم اتفاقا مع محمد علي دون مشاورة الدول الخمس. ~~وكان الباب العالي قد قرر إرسال وفد إلى محمد علي يحمل إليه جوابه على مطالبه، وهذا ~~كتاب الصدر الأعظم الذي كان قد أرسله إلى محمد علي: # إن عظمة مولانا السلطان الممتلئ حكمة وعدلا - من فضل الله عليه - قال عندما ~~رقي عرش آبائه العظام: «إن باشا مصر محمد علي كان قد ارتكب أعمالا مكدرة نحو ~~ساكن الجنان والدي المعظم، فوقعت بعد ذلك وقائع عديدة، حتى إنهم من عهد قريب ~~أخذوا بإعداد معدات العداء، ولكني لا أود تكدير صفو رعيتي وإراقة دماء ~~المسلمين؛ فأنا إذن أنسى الماضي وأغض عنه على شرط أن يقوم محمد علي بواجبات ~~العبودية والتابعية نحوي لينال عفوي السامي. وإني أخوله النشان العالي الشأن ~~الذي يحمله وزرائي الكرام، وأخوله أن تكون ولاية مصر في سلالته.» # وكان الباب العالي يميل إلى إعطاء محمد علي: ~~(1) # ولاية مصر بالتوارث. ~~(2) # ولاية سوريا لإبراهيم باشا. ~~(3) # ولاية مصر لإبراهيم بعد وفاة محمد علي، وحينئذ تعود ولاية سوريا للباب ~~العالي. # وقد كان بالإمكان الوصول إلى الاتفاق لولا أغلاط السياسة الفرنساوية التي أرادت إخراج ~~الباب العالي من كنف روسيا، فاضطرت هذه الدولة إلى الانضمام لإنكلترا والنمسا عدوتي ~~محمد علي، حتى انتهى الأمر بأن وضعت الدول الخمس مذكرة قدمها السفراء إلى الباب ~~العالي في ms128 27 يوليو باسم إنكلترا وفرنسا وروسيا والنمسا وبروسيا، هذا نصها: # إن سفراء الدول موقعي هذا يتشرفون بأن يبلغوا الباب العالي أنهم تلقوا ~~صباح اليوم من حكوماتهم بأن الاتفاق على المسأله الشرقية تام بينها، فهم ~~يطلبون منه أن يوقف كل قرار قاطع دون مساعدتها؛ نظرا لما يكون له من المنافع ~~التي يرونها. # فهذه المذكرة - يقول سفير إنكلترا - شجعت الباب العالي وأمدته بالقوة لمقاومة ~~محمد علي والدفاع عن مصلحة السلطان، وفتح الباب للحكومة الإنكليزية لتعمل ما تراه ~~مفيدا وصالحا. # وانقضى شهر أغسطس بالمناقشة والجدل بين الدول، وكانت فرنسا تطلب لمحمد علي ولاية ~~سوريا، فرد اللورد بالمرستون: «إنا لا نتوصل إلى تأمين السلطنة العثمانية إلا بفصل مصر ~~عن تركيا بالصحراء، فليظل محمد علي واليا على مصر بالتوارث. # وهذا كل ما كان يطلبه، ولكن فلنباعد بينه وبين أملاك السلطنة حتى لا يكون احتكاك بين ~~هاتين القوتين، وأما إذا ظلت ولاية سوريا في بيت محمد علي فكيف تستطيع أوروبا أن تقول ~~إنه لا يقع بعد ذلك حادث يقطع هذا الخيط الضعيف الذي ربط تلك الولايات بتركيا؟» # وأرسل بعد ذلك سفير فرنسا في لندن إلى وزير خارجيته عن سياسة إنكلترا مع محمد علي ~~يقول: «إنها تريد اتباع سياسة الإكراه نحو محمد علي، إما ليرجع الأسطول التركي الذي ~~انضم إلى أسطوله، وإما لحمله على قبول ولاية مصر وحدها بالتوارث. وإن قاعدة سياسة ~~بالمرستون التي يكررها بلا انقطاع أنه يجب اتخاذ الوسائل التي تجعل محمد علي عاجزا عن ~~الإضرار، وعن أن يجعل ضرباته قاضية على تركيا.» # وظلت المفاوضات دائرة بين الدول بهذا الصدد حتى شهر أكتوبر، ولكنهم لم يصلوا إلى ~~نتيجة، وحينئذ رأى بالمرستون أن يقرب بين نظريته ونظرية فرنسا، فاقترح على فرنسا في 3 ~~أكتوبر أن تضاف إلى ولاية مصر بالتوارث باشاوية عكا، ما عدا قلعة عكا التي تظل تحت حكم ~~الباب العالي؛ لأنها مفتاح سوريا، وأن تبتدئ الحدود من جبل الكرمل المشرف على خليج عكا ~~إلى طبريا، ومن هناك تنحني إلى خليج العقبة إلخ، حتى تظل ms129 طريق الحج في يد السلطان، أو ~~بالأحرى في يد الخليفة. ولكن الحكومة الفرنساوية التي كان عليها أن تقبل هذا التساهل ~~لم تستطع قبوله في نظر الوزير فرسينه، متابعة للرأي العام الفرنساوي الذي بات وهو لا ~~يقبل قولا في مؤازرته لمحمد علي؛ لأن انتصارات إبراهيم السريعة ملكت عليه مشاعره، ~~وأصبح اسم سوريا لا يقبل في نظر الرأي العام الفرنساوي انفصالا عن اسم إبراهيم. فكان ~~يرى أن من الظلم الفاحش حرمانه من فتوحاته، وكانوا فوق هذا كله يقدرون قوته الحربية فوق ~~ما هي في الحقيقة، فلم يحسبوا لضعف خصمه حسابا في القتال؛ لذلك كان الفرنساويون ~~يعتقدون بأنه مع القليل من المساعدة يلقاها من فرنسا يستطيع الوقوف في وجه ~~أوروبا. # ويقول لنا سفير فرنسا في لندن، الجنرال سبستياني، إنه عندما أعرب للورد بالمرستون عن ~~هذه الآراء، أجابه الوزير بقوله: «وأنا أستطيع أن أصرح لك - باسم مجلس الوزراء - أن ~~التساهل الذي أبديناه بإعطاء محمد علي قطعة من باشاوية عكا قد قررنا سحبه.» ولما أراد ~~السفير مواصلة البحث والمناقشة قابله الوزير الإنكليزي بالصمت والإعراض. وظنت حكومة ~~فرنسا أن تغيير سفيرها في لندرة بآخر أكثر ميلا إلى محمد علي، قد يستطيع التأثير على ~~اللورد بالمرستون ويجد الحجة المقنعة، فأوفدت في هذه المهمة المسيو غيزو الذي دافع عن ~~محمد علي من على منبر مجلس النواب، فيكون الرأي العام راضيا عن تعيينه واثقا به. فلما ~~قابل الوزير الإنكليزي المقابلة الأولى قال له بالمرستون «إنه سيجعل في دائرة تفكيره ~~جهد ما تصل إليه طاقته، من التساهل مع محمد علي إرضاء لفرنسا، وليحملها على قبول مبادئ ~~الاتفاق الذي يوضع بهذا الصدد، وأنه لا يقرر شيئا تقريرا نهائيا قبل اطلاعه ~~عليه.» # وفي أول مارس سقطت وزارة المارشال سولت وقامت وزارة تيرس، ولم يكن أقل ميلا إلى محمد ~~علي من خلفه، فحاول السفير أن يحمل اللورد بالمرستون على التساهل، واستعان بزميله سفير ~~روسيا وسفير النمسا؛ لأنهما كانا أقل صلابة من اللورد بالمرستون. إلى أن كان 5 مايو، ~~فاقترح برأي حكومته أن تقسم ms130 سوريا بين محمد علي والسلطان، وأن يعطى محمد علي باشاوية ~~عكا حتى حدود باشاوية دمشق وطرابلس. ولما قابل سفير النمسا اللورد بالمرستون، قال له ~~اللورد إنه يسلم باقتراح النمسا لتنضم فرنسا إلى الدول، فإذا أبى محمد علي قبول ذلك، ~~فإن النمسا تنضم إلى إنكلترا وروسيا لاستخدام وسائل الإكراه. ولكن المسيو تيرس أجاب في ~~11 مايو أن محمد علي - على ما نعرف من ميوله - لا يسلم بذلك. # وفي الحقيقة إن محمد علي كان يقول لقناصل الدول إنه لا يقبل الشروط التي يقترحونها، ~~وإنه لا يتردد في مجابهة الدول؛ فيسلم بلاد العرب لشريف مكة، ويزيد جيشه مائة ألف، ~~ويصدر الأمر إلى إبراهيم بالزحف على قونيه. ولما أصدر الأمر إلى إبراهيم في ذلك، رد ~~إبراهيم باشا على والده في 4 سبتمبر أنه لا يوجد وجه لمعاندة الدول الآن؛ لأنه لا ~~يستطيع الاعتماد على جيش الحجاز لما تولاه من التعب. وكيف يكون بالإمكان نقله إذا حصرت ~~إنكلترا السواحل، فضلا عن وجود عناصر الفوضى والفتن في سوريا. فإذا ظهرت مراكب الدول ~~ضد المصريين في سواحل سوريا، قطعت المواصلات عن جيشه في الأناضول. # وتلا ذلك تقارير الولاة عن أن الرسل الأجانب يملئون سوريا، وأنهم يحرضون الأهالي ~~ويبذرون الأموال على أصحاب النفوذ بغير حساب، ويهربون لهم السلاح. # وفي إبان ذلك كله، كان محمد علي قد طلب عزل خسرو باشا من الصدارة؛ لأنه عدوه الذي ~~يحول دون مصالحته مع الباب العالي، وقال: «إن خسرو باشا لو لم يكن موجودا لذهب هو ~~ذاته إلى إستامبول واتفق مع رجالها على وجوه إصلاح الدولة والنهوض بها.» # فلما عزل خسرو باشا ارتاحت فرنسا إلى ذلك، وظنت أن مصالحة محمد علي مع الباب العالي ~~باتت سهلة؛ لأن محمد علي رضي بأن يعيد الأسطول للسلطان. فإذا تم هذا تفادت الدول عن عقد ~~مؤتمر في لندن، ولكن إنكلترا لم تنظر إلى ذلك بعين الرضا، بحجة أن فرنسا تلعب دورها في ~~الخفاء وتتجاوز عن الدول الأخرى، وبذلك تكون فرنسا قد قضت على مذكرة الدول بتاريخ 27 ms131 ~~يوليو سنة 1839، وقد نالت وحدها الفوز في الإسكندرية والآستانة دون الاتفاق مع إنكلترا ~~والدول الأخرى. # وهذه الأسباب كلها دعت اللورد بالمرستون إلى أن يعجل بالعمل الحاسم. فبعد الاتفاق مع ~~زملائه الوزراء ومع سفراء الدول الأربع، استدعى إليه سفير فرنسا في 17 يوليو وسلمه ~~مذكرة مكتوبة، وقال له عند تسليمها إنه لم يشأ أن يقول له ما ورد في هذه المذكرة مخافة ~~أن تبدر كلمة تخالف رأيه وفكره. وهذا نص المذكرة: # إن الحكومة الإنكليزية تلقت أثناء جميع المفاوضات التي دارت في خريف ~~العام الماضي أصدق الأدلة وأوضحها وأقطعها؛ ليس فقط على رغبة بلاط النمسا ~~وبريطانيا وبروسيا وروسيا على حب الوصول إلى اتفاق مع الحكومة الفرنساوية على ~~التسوية اللازمة لتسكين الشرق، بل على رغبتها - فوق ما تقدم - في إظهار الأهمية ~~التي تعلقها هذه الدول على النتيجة الأدبية التي تنجم عن هذا الاتحاد والتعاون ~~بين الدول الخمس في مسألة ذات خطر عظيم، وهي متصلة كل الاتصال بالسلام ~~الأوروبي. # ولكن الدول الأربع رأت - مع الأسف الشديد - أن جميع مجهوداتها للوصول إلى هذا ~~الغرض كانت عقيمة، مع أنها اقترحت مؤخرا على فرنسا أن تتحد معها لعرض ~~مقترحات التسوية على السلطان ومحمد علي، وهذه التسوية مؤسسة على الآراء التي ~~أبداها سفير فرنسا في لندن في آخر العام الماضي، ومع ذلك لم تر الحكومة ~~الفرنساوية الاشتراك للوصول إلى هذا الاتفاق، وعلقت معاونتها مع الدول ~~الأخرى على الظروف التي رأت هذه الدول أنها لا تتفق مع صيانة استقلال الدولة ~~العثمانية وبقائها، ومع راحة أوروبا في المستقبل. # فلم يبق أمام هذه الدول إلا أن تدع لحكم المستقبل الشئون الهامة التي ~~تعهدت بتسويتها، وأن تقر بعجزها وتدع سلام أوروبا عرضة للأخطار التي ~~تتزايد، أو تخطو إلى الأمام دون فرنسا، وأن تصل بوسائلها الخاصة إلى حل مسائل ~~الشرق طبقا للوعود التي قطعتها مع السلطان وهي تكفل السلام. # وبين هذين الموقفين، واعتقاد الدول بضرورة الحل السريع لتعلقه بالمرافق ~~المتعلقه عليه؛ رأت الدول الأربع اختيار الموقف الثاني، وقد أبرمت مع السلطان ~~اتفاقا لحل ms132 المشاكل القائمة الآن في الشرق. # وعندما وقعت الدول الأربع الاتفاق، شعرت بالأسف الشديد؛ لانفصالها ~~مؤقتا عن فرنسا في مسألة أوروبية بحتة. والذي يخفف من الأسف أن فرنسا كررت ~~تصريحاتها بأنها لا تعترض على التسوية التي تقرها الدول الأربع، وتحمل ~~محمد علي على قبولها إذا هو ارتضاها، ولا تعترض على الوسائل التي تتخذها الدول ~~بالاتفاق مع السلطان لإكراه محمد علي باشا مصر على القبول، وأن السبب الوحيد ~~الذي منع فرنسا عن الاتحاد هو اعتماد الدول على الوسائل الإكراهيه ضد محمد ~~علي. # ثم أعربت المذكرة عن الأمل بأن تستخدم فرنسا نفوذها لدى محمد علي ليقبل ما سيعرضه ~~عليه السلطان. # | الفصل الثاني عشر # ثورة اللبنانيين وأسبابها. # بين الدول وفرنسا. ~~*** # لما تلا اللورد بالمرستون باسم الدول الأربع المذكرة على سفير فرنسا بأنهن اتفقن مع ~~الباب العالي على أن يقدم مقترحاته لمحمد علي، وعلى أن يتخذن وسائل الإكراه ليحملنه ~~على قبولها؛ لم يشأ أن يبين للسفير تلك الوسائل، فردت فرنسا على مذكرة الدول الأربع بمذكرة ~~في 21 يوليو، قالت فيها: # إنها كانت ترغب دائما في العمل مع إنكلترا والنمسا وروسيا وبروسيا لخدمة السلام، ~~ولم تنظر إلى المقترحات التي عرضت عليها من وجهة مصلحتها الخاصة، بل من وجهة ~~المصلحة العامة؛ لأنها - دون سائر الدول - منزهة في الشرق عن الأغراض. لهذا اعتبرت ~~كل المقترحات التي ترمي إلى حرمان محمد علي بقوة السلاح المنطقة التي يحكمها ~~الآن من أملاك تركيا، مقترحات جائرة، ولا تظن أن ذلك مفيد للسلطان؛ لأنهم يعطونه ~~ما لا يستطيع صيانته ولا إدارته، ولا ترى أن ذلك مفيد لتركيا على وجه عام، ولا ~~للتوازن الأوروبي على وجه التخصيص؛ لأنه يضعف تابعا يستطيع أن يدافع عن وجود ~~الدولة دون أن ينيل المتبوع أية فائدة، على أن المسألة مسألة أسلوب وطريقة تختلف ~~فيها الأنظار. وإذا كانت فرنسا قد عارضت في استخدام القوة، فلأنها لم تعرف الوسائل ~~التي تتذرع بها الدول الخمس، وظهر لها أن هذه الوسائل إما أنها نافعة وإما أنها ~~مضرة. ومع ذلك لم يقترح عليها ms133 في العهد الأخير أي اقتراح تستطيع المناقشة فيه، فلا ~~يصح أن يعزى إليها رفض ما لم يعرض عليها. وعلى ذلك هي تعلن أن اتخاذ أي قرار دون ~~التذرع بوسائل التنفيذ، لهو قرار ليس ثمرة التفكير، بل هو قليل التدبير، ~~كذلك القرارات دون وسائل التنفيذ أو بوسائل مترددة بين النفع والضرر. # لا شك أنهم غنموا فرصة انتقاض بعض أهالي لبنان ليجدوا في هذا الانتقاض وسيلة ~~التنفيذ التي لم تبد قبل اليوم. فهل هذه الوسيلة وسيلة شريفة؟ وهل هي مفيدة ~~لتركيا ضد والي مصر؟ فلم يريدون تعزيز السلام وهم في الوقت ذاته يبذرون بذور ~~الفتن والثورات في أراضي السلطنة؟! فهم يزيدون الاضطراب العام الشامل اضطرابات ~~جديدة. وهل هم يقدرون على إخضاع هذه الشعوب بعد إثارتها على الوالي؟ # فهب أن محمد علي أخمد الثورة، وهب أنه أعاد حكمه على سوريا؛ فهل تكون بعد ذلك ~~أقل تمسكا وألين شكيمة؟ وهل إذا رفض المقترحات التي تعرض عليه ماذا تكون وسائل ~~الدول الأربع؟ # إن هذه الوسائل التي صرفوا سنة في البحث عنها لم يجدوها فجأة، وفي هذه الحالة ~~يكونون قد أوجدوا خطرا جديدا أشد من سواه، وهو أن محمد علي الذي أثاروا حفيظته ~~والذي ساعدت فرنسا على إيقافه، قد يتجاوز طوروس ويكرر تهديد إستامبول. فماذا تفعل ~~الدول الأربع في هذه الحالة؟ وما هي وسائلها لدخول الأراضي التركية لإعانة السلطان؟ ~~إن فرنسا ترى أنهم أعدوا لاستقلال تركيا وللسلم العام خطرا أشد من خطر مطامع والي ~~مصر. # فإذا كانت الدول الأربع لم تنظر إلى هذه النتائج، فإنها تكون قد اتجهت طريقا ~~مظلما وخطرا، وأما إذا كانت قد نظرت إلى الوسائل والنتائج، فالواجب عليها أن ~~تعلنها لأوروبا ولفرنسا على وجه التخصيص، وهي لا تزال تطلب منها استخدام نفوذها ~~الأدبي في الإسكندرية. # وفرنسا تعتبر أن ما بذلته من النفوذ الأدبي كان فرضا عليها، وترى أن هذا الفرض ~~محتم أيضا عليها في الموقف الذي وقفته الدول الأربع ... إلخ. # ولما سلم سفير فرنسا هذه المذكرة للورد بالمرستون وسأله عن سبب إهمال فرنسا، ms134 أجابه: إن ~~حكومتكم لم ترض أن تكون حدود حكم محمد علي خليج عكا، وأجابتنا أن محمد علي لا يسلم بأي ~~تقسيم لبلاد سوريا، فاعتبرنا ذلك من حكومة فرنسا قرارا حاسما، فانصرفنا لغرضنا. وزاد على ~~ذلك قوله إنهم لا يحصرون السواحل؛ لأن محمد علي ليس سيد البلاد وليست له صفة المحارب، فحق ~~الحصار للسلطان وحده، فهو سيعمل كل ما يستطيع عمله بقوته، ونحن لا نتعرض للمصالح التجارية ~~ولا لحقوق المحايدين. ~~••• # ولا شك في أن ثورة اللبنانيين - كما جاء في مذكرة فرنسا - كانت السبب الأول الذي دفع ~~الدول الأربع للإقدام على الإسراع بعملها، بعد أن عملت لإعداد تلك الثورة منذ زمن بعيد، حتى ~~إن حزب المحافظين في إنكلترا - وكان يعارض سياسة بالمرستون - أوفد إلى سوريا اثنين من نوابه ~~لدرس الحالة، فلما عاد اللورد إجرتون واللورد ألفونيلي قدما تقريرا عن إعداد الثورة ~~اللبنانية التي تجعل مركز إبراهيم باشا ضعيفا جدا. # بدأت هذه الثورة في أواخر مايو سنة 1840، وكانت لها أسباب عدة؛ أولها: تحريض قناصل الدول ~~في بيروت لما كان بينهم وبين إبراهيم باشا من النزاع على السلطة. والثاني: انتشار رسل ~~الإنكليز والنمساويين وتوزيعهم الأموال على الناس وإغرائهم على الثورة. والثالث: إدخالهم في ~~وهم الأهالي إزالة حكم بلادهم من يد أمرائهم وشيوخهم، وتجنيد شبانهم ونزع سلاحهم، ثم ~~قرار الدول على أن ترسل جيوشها إلى لبنان. حتى إن أولئك الرسل كانوا يئولون أقل حركة تبدو ~~تأويلا يوغر الصدور، كتأويلهم نقل مركز سليمان باشا الفرنساوي من صيدا إلى بيروت بأنه ~~لتجنيد اللبنانيين، والاستشهاد على ذلك بتجنيد بعض الطلبة اللبنانيين الذين كانوا يتلقون ~~العلم في مصر، وكتأويلهم وصول مركب من مصر إلى بيروت مشحونا بالملابس العسكرية، بأن هذه ~~الملابس للشبان اللبنانيين الذين يجندون، وضاعف في هذه الدعاية إضعاف سلطة الأمير بشير ~~والأمراء وطلب الفردة (وهي الضريبة الشخصية عن سبع سنين مقدما. والفردة أن يدفع كل شخص من ~~سن الخامسة عشرة فصاعدا ضريبة أقلها 15 قرشا وأكثرها 500 قرش)، وعن الأحياء والأموات ~~المقيدة أسماؤهم بالدفاتر وكانوا يدفعون المال ms135 لأميرهم. أضف إلى ما تقدم سخط أصحاب ~~الإقطاعيات الذين زل نفوذهم. ولما وصلت في أثناء ذلك قوة من الجيش المصري إلى بعلبك ~~وأخرى إلى طرابلس أولوا مجيئها بأنه لإكراه اللبنانيين على تسليم السلاح، وعلى دفع ~~الفردة عن سبع سنين، وعلى تجنيد الشبان. فدارت المفاوضة بين النصارى والدروز على ما يجب ~~عمله، فقرر زعماؤهم في اجتماع عقدوه في دير القمر مقاومة إبراهيم باشا إذا هو حاول أخذ ~~جندي واحد منهم، وأنشئوا صناديق لمشترى السلاح، وكانت كل مقاطعة قد انتدبت اثنين للنيابة ~~عنها. واتفق الجميع على بث دعوة العصيان، ووجهوا إلى أعيان البلاد رسالة قالوا فيها ~~إن إبراهيم باشا أمر بجمع السلاح، وأنهم بسطوا له الرجاء مرارا ليبقي لهم السلاح في ~~أيديهم، فرفض. والمراد من نزع السلاح تحصيل فردات وتجنيد الشبان؛ لذلك أعلنوا العصيان خوف ~~الغدر بهم، وهم لا يقدمون الطاعة إلا لأميرهم ... إلى قولهم في تلك الرسالة: # أمس تاريخه حضر لنا علم من صيدا بأنه تتوجه علينا عسكر. وفي النهار ذاته توجه ~~من هذا الطرف عسكر وصحبته المشايخ بيت أبو نكد. وساعة تاريخه نهار الخميس حضرت ~~لنا بشارة سنية بأنهم ظفروا بهؤلاء الخارجين، وأخذوا منهم مائة وثمانين بارودة، ولا ~~زالوا منتظرين على جسر صيدا بانتظار العساكر التي تمر لجهتنا، فنرغب أن تكونوا - ~~كما نحن - منتظرين سهرانين ولكم أعين بجهة نواحي بيروت وجهة الشمالية. وكلما جد ~~عندكم عرفونا حالا صحبة مخصوص، وبحوله تعالى أنتم الظافرون، ولا يلزم أن نحثكم ~~على التيقظ، كون هذا صالحه عائد للجميع. نسأله تعالى أن نسمع عنكم كل ما يسر ~~الخاطر حسب عوائدكم السابقة. # هذا ما لزم إفادتكم والله يحفظكم. # إخوتكم أهالي دير القمر # نصارى ودروز # 27 أيار 1840 # وهكذا بدأت الثورة اللبنانية التي اعتمد عليها اللورد بالمرستون لإعلان اتفاق الدول ~~الأربع دون فرنسا كما قلنا. # ولما بلغ إبراهيم باشا خبر اتفاق دير القمر، كتب إلى الأمير بشير ليجمع السلاح الذي كان ~~قد وزعه على النصارى ليقاتلوا به الدروز إبان ثورتهم، وأرسل رسالة إلى الأعيان يحذرهم من ~~الاغترار، ms136 فرفض الأهالي تسليم سلاحهم. # وأرسل الأمير بشير كتابا إلى أعيان البلاد يقول فيه: «بلغنا أن جهال دير القمر أرسلوا ~~إليكم مكاتيب لأجل أن يغشوكم كما غشوا ذواتهم، ولكي يرموكم تحت تغيير الخاطر، وأنكم ما ~~قبلتم ذلك ولا جاوبتموهم. ولكن رأفة بكم وخشية لئلا يغشوكم بكثرة المراسلات، اقتضى إصدار ~~هذا الأمر إليكم نحذركم وننصحكم من الوقوع بهذا الغلط الذي يوجب خراب الديار وقلع الآثار. ~~وإذا كان عندكم مراسيل من الدير حالا اطردوهم وارموا عليهم القبض وأرسلوهم ~~لطرفنا.» # ولما رأى إبراهيم باشا حركة العصيان وعدم تسليم السلاح، أرسل قوة لجمعه من نصارى ~~الشحار والمناصف، فاستنجد هؤلاء بأهل دير القمر، فذهب منهم لنجدتهم مائة شاب، فاحتمى الضابط ~~بالشيخ محمود النكدي. ووصل بعد ذلك خبر قدوم سليمان باشا من صيدا إلى دير القمر، فذهب ~~مائتان إلى جسر الأولى وطردوا العساكر من الخان، وانضم إليهم أهل المعلقة وجدوا في أثر ~~الجنود حتى أبواب صيدا. وأرسلت حامية صيدا في اليوم الثاني ألفي جندي، جمعوا أمتعة الجنود ~~وعادوا إلى صيدا، وسلب أهالي بعبدا سلاح الجنود الذين كانوا قادمين من دمشق إلى بيروت، ~~فاستعاده منهم الأمير حيدر وأرسله إلى الأمير بشير. # وهكذا أخذت الثورة تمتد، وقادها بعض الأمراء الشهابيين واللمعيين والمشايخ آل الخازن ~~وحبيش والدحداح. وبرز فيها أبو سمرا غانم ويوسف الشنتيري، فكانا من أبطالها، حتى إن ~~اللبنانيين كانوا يتغنون ببطولتهما ويقولون: «سبعين طلعوا في الديري، بو سمرا ~~والشنتيري.» # ولما اشتدت حركة الثورة في جنوبي لبنان، وضيقت الخناق على مدينة صيدا، أرسل سليمان ~~باشا آلايا من الجند المصري لحراسة المطاحن، وأمر الجنود بألا يتعرضوا للثوار، وأرسل إلى ~~هؤلاء رسولا بأن محمد علي باشا لا يطلب نزع سلاحهم منهم، بل استعادة السلاح الذي وزعه ~~عليهم ليسلح الرديف به، وأكد لهم أنه لم يخطر بباله تجنيدهم. وأرسل الأمير بشير رسالة ~~لتسكين الأفكار، فعاد الثوار إلى قراهم. ولكن ظهر بجوار بيروت في أوائل يونيو زعيمان ~~للثورة؛ هما أحمد داغر وأبو سمرا غانم، فهاجموا الحامية في مدينة بيروت. وفي 4 يونيو اجتمع ms137 ~~أعيان إقليم المتن وكسروان، وتحالفوا على العدوان، ونهبوا مخازن الحكومة ومستودعاتها، فأرسل ~~إليهم الأمير بشير ولده الأمير أمينا ليخلدوا إلى السكينة، فأجابوه أنهم يطيعون إرادته إذا ~~أجيبت مطالبهم، وهي: ~~(1) # بقاء سلاحهم بأيديهم. ~~(2) # إعفاؤهم من التجنيد. ~~(3) # إعفاؤهم من الفردة إلا عن الأحياء. ~~(4) # إبطال السخرة والشغل في معدن الفحم الحجري في قرنايل. # ثم طلبوا من الأمير بشير: ~~(1) # تأليف ديوان مشورة يكون مؤلفا من اثنين من كل طائفة. ~~(2) # أن يكون معدل الفردة 30 قرشا عن كل رجل. ~~(3) # إذا عجز مديون عن وفاء دينه لا يكلف أحد أقاربه الدفع. # ولما وصل خبر امتداد الثورة إلى محمد علي في أنحاء لبنان كله، أرسل حفيده عباس باشا إلى ~~سوريا ومعه اثنا عشر ألفا من الجنود، ووصل عثمان باشا من الشمال ومعه 12 ألفا. وكان ~~سليمان باشا يقود القوات المرابطة على السواحل وعددها عشرون ألفا. وهذه القوات التي ~~طوقت لبنان من كل جانب أخذت تقاتل الثوار، وأخذ الأمير بشير يبذل مجهوده لإخماد الفتن، ~~ولما جمع أعيان البلاد في بعقلين ليعينوا موقفهم، قدموا له المطالب الآتية: ~~(1) # أنهم نصارى ودروز على قلب واحد. ~~(2) # أنهم لا يسلمون سلاحهم. ~~(3) # أنهم لا يقدمون الجنود. ~~(4) # أنهم لا يدفعون الفردة. ~~(5) # أنهم لا يدفعون سوى مال واحد. ~~(6) # أنهم لا يدعون العسكر النظامي يدخل البلاد. ~~(7) # أنهم لا يحاربون أحدا من أبناء البلاد إلا إذا هو أقدم على محاربة الأمير ~~بشير ذاته. # وأرسل محمد علي باشا إلى عباس باشا وعثمان باشا بإخماد الفتنة والقبض على زعمائها ~~وإرسالهم إلى الإسكندرية، فهاجم عباس باشا البلاد من الساحل وعثمان باشا من الجنوب، وأخذ ~~الأمير بشير يجمع السلاح. وأرسل عباس باشا 57 شخصا إلى الإسكندرية بينهم أربعة من الأمراء ~~الشهابيين وبعض المشايخ الدروز والنصاري، ومن زعماء الثوار يوسف الشنتيري، فأبعدهم محمد علي ~~باشا إلى سنار. # وكتب محمد علي باشا إلى عباس باشا أنه بلغه خبر قيام الأسطول الفرنساوي والأسطول ~~الإنكليزي إلى ميناء بيروت، وأن قيامهما ليس لقصد سيئ، ولكنه يجب عليه أن يتخذ الاحتياطات ~~اللازمة. وقال في كتابه: وإن منع الدول ms138 عن التدخل لا يكون إلا بالقضاء على الفتنة ~~والثورة. # وكتب إليه ثانية بأنه سره دخول أهالي جبل الدروز بالطاعة، ولكنه يجب نزع سلاح ~~المسيحيين وسواهم وإمداد الأمير بشير بالقوة. وأرسل إلى الأمير بشير نيشان الافتخار ~~المرصع، وإلى أولاده نياشين أخرى، وإلى جماعة مشايخ الدروز الهبات المالية، فوهب الشيخ ~~خطاب 37 كيسا، وعبد السلام بك 30 كيسا، ونعمان 60 كيسا، ولطيف بك 90 كيسا. # ولما أرسلت الدول الخمس مذكرتها في 27 يونيو - وقد نشرناها في فصل تقدم - أرسل ~~محمد علي إلى عباس باشا في بيروت يقول له: «يظهر لنا من الحالة الحاضرة أن الدول متحزبة ~~ضدنا، وقرار مجلسهم في لندرة يمس مصالحنا ويخالف مقاصدنا، فيجب عليكم اتخاذ الاحتياطات ~~اللازمة في سائر المواقع العسكرية على سواحل مصر والشام، فإذا حشدت الدول عساكرها ضدكم ~~فقوموا بالدفاع، وقد صدر أمرنا إلى عمكم إبراهيم بما تقدم، فالواجب السير عليه. وإذا ما ~~تظاهرت الدول بعمل ضد مصر تحضرون إلينا إما برا وإما بحرا، وتعيدون العساكر التي أتت ~~إليكم من جهة كوبك إلى مكانها. والخلاصة أنه يجب عليكم أخذ الأمور بالحزم.» # ولما اجتمع سفراء روسيا وبروسيا والنمسا باللورد بالمرستون ليتفقوا على إكراه محمد علي ~~على ترك سوريا، كتب محمد علي إلى عباس باشا وإبراهيم يقول: # لم يعرف قرار حكومة لندرة بالضبط حتى الآن، لكنا تحصلنا من كتاب قناصل روسيا ~~وإنكلترا والنمسا أنهم يرون بث الفتن في بلاد الشام ومساعدة الأهالي، بإرسال ستة ~~آلاف جندي عثماني إلى قبرص، وإرسال السلاح والذخيرة لتوزيعها على أهالي سوريا، ~~وإرسال فرمان سلطاني إلى الأمير بشير بالخروج من طاعتنا والولاء لنا، وإرسال رسل من ~~لدن الدول الأربع على وابور إنكليزي ليوزعوا في بلاد سوريا؛ لحض الناس على ~~الخروج من حكم محمد علي. أما فرنسا فإنها تعد مائة ألف جندي، فعليكم رقابة السواحل، ~~ومنع خروج الأجانب من المراكب، ومنع نشر الكتابات المهيجة، واتخاذ نظام الحجر ~~الصحي حجة لهذا المنع، واستعملوا الشدة المتناهية. # وكان محمد علي إبان ذلك يستعد ويتأهب للدفاع، فألف في مصر حرسا ms139 وطنيا بتجنيد العمال ~~في ورش الحديد وورش المهمات الحربية وورش بولاق وتلامذة المكاتب، واستثنى عمال المصانع. ~~وتقدم من المشايخ السيد العزبي لتأليف آلايين من الرديف والشيخ حسن سرور والشيخ علي الجزار ~~لتأليف آلايين، فأنعم عليهم برتبة الميرالاي. ثم استأذنه الشيخ عثمان السناري بتأليف آلايين ~~من شبان باب الشعرية والجمالية أسوة بعلي الجزار وحسن سرور، فأذن له وأنعم عليه برتبة ~~الميرالاي. ثم ألف هذا الشيخ آلايين آخرين، فأنعم عليه برتبة اللواء. وألف الشيخ محمد ~~الإبراشي آلايا من قسم السيدة زينب والخليفة، وإبراهيم عارف من الدرب الأحمر وقيسون وعلي ~~سعيد وسالم بدوي أربعة آلايات، فأنعم برتبة اللواء على الشيخ محمد الإبراشي والميرالاي علي ~~الشيخ سعيد والشيخ سالم. وهكذا تألف 12 آلايا من الحرس الوطني، ووزع هذا الحرس على ~~الإسكندرية ورشيد ودمياط وبولاق وجهات القاهرة، وكان الآلاي يؤلف من 3500 مقاتل. # ووجه محمد علي رتبة قومندان الرديف إلى محمد باشا ابن الشيخ الشرقاوي ومصطفى باشا العروسي ~~ابن الشيخ العروسي. # ثم أصدر أمرا بتأليف لجنة برياسة ولده سعيد باشا لتقوية استحكامات الإسكندرية، وأمر ~~إبراهيم باشا يكن ابن أخته والي اليمن بالمجيء إلى مصر مع عساكره المرابطة هناك، وأمر في ~~الوقت ذاته بتنظيم أبراج الإرشادات التي كانت تقوم مقام التلغراف بين مصر والشام. ولما وصلت ~~آلايات اليمن وكل إليها تعليم الرديف أو الحرس الوطني. # وكان محمد علي يبذل جهده لإخماد الثورة اللبنانية؛ لأن تعليمات المسيو تيرس وزير خارجية ~~فرنسا لقنصل دولته في الإسكندرية كانت تتضمن ذلك بقوله: «يجب أن تكون خطة فرنسا ومصر واحدة ~~لغرض واحد، وهو محو النتائج التي تعلقها الدول الأربع على اتفاقها، والطريقة الوحيدة لذلك ~~إخماد الثورة في سوريا؛ فإن الثورة التي اتقدت في لبنان هي السبب الأصلي لإبرام ذلك الاتفاق ~~بين الدول، فما دامت هذه الثورة ناشبة فالاتفاق بين الدول الأربع يظل قائما.» # فإذا أخمد محمد علي ثورة لبنان، وحصن الإسكندرية وعكا، وجمع قواته في سوريا لضبطها ~~وفي سفح جبال طوروس ليوقف أعداءه ويهددهم بالانقضاض عليهم؛ فإنهم لا يتوصلون لإخضاعه، ولا ms140 ~~يحملهم على التسليم وعلى محو اتفاق الدول الأربع، لأنهم لا يملكون أية وسيلة من وسائل ~~الإكراه. # وكان محمد علي على هذا الاعتقاد؛ لأنه كان يقول: «إن كل ما تستطيعونه هو توزيع المنشورات ~~والنقود والسلاح فتذهب ضياعا؛ لأن جنودي تحتل السهول، والأمير بشير يحتل الآكام والروابي. ~~فإذا عاد الجبليون للثورة كانوا بين نارين، ولا عون لهم سوى ستة آلاف ألباني ترسلهم ~~تركيا.» # وبينما كان إبراهيم باشا مجدا في إخماد الثورة في لبنان، نزل خلسة على سواحل طرابلس ~~ريتشردوود الذي كان قد صرف في لبنان سنتين بحجة درس اللغة العربية، فأخذ بعد نزوله يدفع ~~اللبنانيين إلى إرسال العرائض للباب العالي لينقذهم من مغارم حكم محمد علي. وكان قنصل ~~إنكلترا في الإسكندرية يسهل على رجال الأسطول العثماني الفرار، ولما سئل اللورد بالمرستون ~~عن ذلك كله في مجلس نوابهم أجاب «أنه يوافق كل الموافقة على كل وسيلة من شأنها إعادة رعايا ~~السلطان إلى حظيرة السلطنة.» # وكانت الحكومة الإنكليزية قد أرسلت أسطولا إلى بيروت بحجة المحافظة على رعاياها، فأرسلت ~~الحكومة الفرنساوية إحدى سفنها لرقابة حركة الأسطول الإنكليزي. ووصول هذا الأسطول كان قد ~~أشار إليه محمد علي في كتابه إلى عباس باشا، فنصح القائد الفرنساوي للسفن المصرية بالعودة ~~من بيروت إلى الإسكندرية، فعملت بالنصيحة. وفي 7 يوليو؛ أي بعد يومين من قيامها، وصل ~~الأسطول الإنكليزي ونزل قائده الأميرال نابيير إلى البر وطاف أنحاء البلاد. وفي 3 أغسطس ~~غادر مياه بيروت، وقبل أن يبعد بعيدا تلقى الأوامر بالعودة إلى بيروت، وانضم بعض المراكب ~~إلى أسطوله، وتلقى نص الاتفاق الذي أبرم بين الدول الأربع لإخراج محمد علي من سوريا، وهو ~~اتفاق 15 يوليو. # وفي 12 أغسطس وجه هذا الأميرال بلاغا إلى محمود بك متسلم بيروت بأن إنكلترا وروسيا ~~والنمسا وبروسيا اتفقت على إعادة سوريا لحكم الباب العالي، وطلب منه أن يسلمه خمسة آلاف ~~جندي تركي كانوا في جيش محمد علي، وأرسلهم إلى بيروت، وطلب منه أن يعيد إلى أهل لبنان ~~سلاحهم ويحذره من أية حركة عدائية. # وأرسل إلى ms141 قنصل إنكلترا في بيروت ليبلغ ذلك للقناصل، وأرسل إلى قائد الجنود التركية في ~~بيروت يحذره من الانتقال بجنوده، فإن هو فعل كان ذلك فاتحة الحرب والقتال. # ونشر في بلاد سوريا منشورا ذكر فيه اتفاق الدول الأربع على إخراج محمد علي من سوريا، ~~وصدور خط شريف سلطاني لتأمين الأهالي ودعوة أهل لبنان خاصة إلى خلع نير محمد علي، ويعدهم ~~بوصول الجنود والسلاح والذخائر قريبا إليهم. # وأرسل رسالة إلى الأمير بشير يدعوه لطاعة السلطان، وأخرى إلى الأمير بشير عمر الحاكم ~~ومزاحمه يحثه على الانحياز لجانب السلطان، ويعده بأنه سيؤيده، وبأن الباب العالي ~~سيرسل إليه المدد. # وأرسل إلى سليمان باشا قائد الجيوش المصرية يخبره بأن الأوامر التي لديه تقضي بحجز السفن ~~المصرية والسورية التي تنقل الذخائر والجنود والمؤن الحربية، ويطلب منه وقف حركة هذه السفن ~~في دائرة اختصاصه. فأجاب سليمان باشا بأنه لم يتلق تعليمات في ذلك، وليس لديه خبر بوقوع ~~الحرب بين مصر وإنكلترا حتى يحترم هذا الإنذار الموجه إليه من قائد الأسطول ~~الإنكليزي. # | الفصل الثالث عشر # نص اتفاق الدول الأربع. # الفصل الملحق. # إنذار محمد علي بترك البلاد السورية. # موقف محمد. # علي وغضبه. # ضرب بيروت والسواحل السورية. # انتهاء إمارة الأمير بشير. ~~*** # إن الاتفاق أو العهد الذي أبرمته الدول الأربع - إنكلترا، وروسيا، وبروسيا، والنمسا - مع ~~الباب العالي بشأن مصر ووقع في 15 يوليو 1840 وأذاعت الصحف أمره بتوقيعه، لم يبلغ رسميا ~~لفرنسا إلا بعد مصادقة الدول عليه في 16 سبتمبر. وكان هذا العهد - أو الملحق الذي ألحق به - ~~أساس الحالة النهائية في مصر، ولكنهم نصوا في البروتوكول الخاص على أن العهد والميثاق يعد ~~نافذا من يوم توقيعه، وأن الوسائل التي قرروا التذرع بها تنفذ في الحال؛ لذلك رأينا ~~الأميرال الإنكليزي يشرع في تنفيذها في 7 أغسطس في سواحل سوريا؛ أي عند وصولها إليه، فيرسل ~~إنذاراته إلى متسلم بيروت وإلى سليمان باشا قومندان ~~السواحل السورية وإلى الأمير بشير حليف محمد علي، وإلى الهيئات الأخرى في بيروت، وأما نص ~~هذا الميثاق فهو: # المادة الأولى: # اتفقت ms142 عظمة السلطان مع أصحاب جلالة ملك بريطانيا العظمى وأيرلندا ~~وإمبراطور النمسا وملك هنغاريا وبوهيميا وملك بروسيا وقيصر روسيا، على شروط ~~التسوية التي تريد عظمته منحها لمحمد علي، وهي مذكورة في الفصل الخاص ~~الملحق بهذا. # ويتعهد أصحاب الجلالة بأن يعملوا متحدين، وبأن يوحدوا مجهوداتهم ~~لإكراه محمد علي على أن يتبع هذه التسوية، ويحتفظ كل فريق بأن يعاون على ~~بلوغ هذا الغرض تبعا للوسائل التي يستطيع استخدامها في هذا ~~السبيل. # المادة الثانية: # إذا أبى باشا مصر أن يسلم بهذه التسوية التي تبلغ إليه من لدن السلطان ~~بمعاونة أصحاب الجلالة، فإن هؤلاء يتعهدون بأن يتخذوا - بناء على طلب ~~السلطان - الوسائل المتفق عليها بينهم، حتى تنفذ التسوية. وقبل ذلك يدعو ~~السلطان حلفاءه لمعاونته على قطع المواصلات البحرية بين مصر وسوريا، وإلى ~~منع إرسال الجنود الجديدة والسلاح والذخائر ومعدات الحرب من كل نوع. # ويتعهد أصحاب الجلالة بأن يصدروا أوامرهم اللازمة إلى قواتهم البحرية ~~في البحر المتوسط، ويعدون فوق ما تقدم بأن قواد أساطيلهم يقدمون - ~~طبقا للوسائل المتوفرة لديهم للمحالفة - كل تأييد وكل معاونة بإمكانهم، ~~وكذلك لرعايا السلطان الذين يعربون عن إخلاصهم. # المادة الثالثة: # إذا رفض محمد علي الخضوع لشروط التسوية المذكورة ووجه قواته البحرية ~~والبرية إلى إستامبول، فإن المتعاقدين يلبون دعوة السلطان التي يوجهها ~~إلى سفرائهم في الآستانة، فيتذرعون بالوسائل التي يتفقون عليها للدفاع عن ~~عرشه، وجعل البوسفور والدردنيل وعاصمة السلطنة بمنجاة من كل عدوان. # ومن المتفق عليه أن القوات التي تعين للقيام بمهمة في مكان معين تظل ~~قائمة بمهمتها إلى أن يستغني السلطان عنها، وعندما يرى السلطان أن وجودها ~~لم يعد لازما تنسحب تلك القوات راجعة إلى البحر الأسود أو البحر ~~الأبيض. # المادة الرابعة: # ومن المعلوم حتما أن التعاون المذكور في البند السابق والذي يرمي إلى ~~وضع البوسفور والدردنيل والعاصمة التركية موقتا تحت رعاية الدول ~~المتعاقدة ضد كل عدوان من محمد علي، لا يعد إلا وسيلة استثنائية متبعة ~~بناء على طلب السلطان والغرض منها الدفاع عنه في الحالة المعينة. والمتفق ~~عليه أن هذه الوسيلة ms143 لا تخالف في شيء القاعدة القديمة المتبعة في السلطنة ~~العثمانية، وهي التي منعت في كل وقت المراكب الحربية للدول الأجنبية من ~~دخول البوسفور والدردنيل. # ويعلن السلطان من جهته أنه مصمم - فيما عدا الحالة المنوه عنها - ~~كل التصميم على أن يحتفظ كل الاحتفاظ بالقاعدة القديمة المقررة في ~~سلطنته، وأنه ما دام الباب العالي في سلام لا يسمح لأي مركب حربي بالمرور ~~بالبوسفور والدردنيل، ويتعهد أصحاب الجلالة المتعاقدون على احترام ~~ذلك. ~~••• # أما الفصل الملحق الذي وقعه المتعاقدون بشأن محمد علي، فهو: # ينوي عظمة السلطان أن يمنح محمد علي شروط التسوية على الوجه الآتي، وأن يبلغه هذه الشروط: # الأول: # يعد عظمة السلطان بأن يمنح محمد علي وسلالته المباشرة من بعده ~~إدارة باشاوية مصر، ويعد بأن يمنح محمد علي مدة حياته باشاوية عكا ~~وقومندانية قلعة عكا مع إدارة الجزء الثاني من سوريا الذي يحدد ~~فيما بعد، على شرط أن يقبل محمد علي هذه المنح بعد عشرة أيام من ~~تبليغها إليه في الإسكندرية على يد مندوب من لدن السلطان، وفي ~~الوقت ذاته يسلم محمد علي إلى هذا المندوب التعليمات اللازمة ~~لقواد القوات البحرية والبرية؛ لينسحبوا في الحال من بلاد العرب ~~والمدن المقدسة، ومن جزيرة كريد وأدنه، ومن الأجزاء الأخرى من ~~أملاك السلطنة الخارجة عن حدود مصر وحدود باشاوية عكا كما ~~عيناها. # المادة الثانية: # إذا لم يقبل محمد علي هذه التسوية في مدى عشرة أيام، يسحب ~~السلطان إدارة باشاوية عكا، ولكن السلطان يظل راضيا بمنح محمد علي ~~وسلالته المباشرة حكم مصر بالتوارث، على شرط أن تقبل هذه المنحة في ~~مدى عشرة أيام أخرى تالية للعشرة الأيام الأولى؛ أي في مدى عشرين ~~يوما تبتدئ من اليوم الأول الذي يتلقى فيه البلاغ، وعلى شرط أن ~~يسلم محمد علي مندوب السلطان الأوامر اللازمة لقواد بحريته وبريته ~~بأن ينسحبوا إلى حدود الولاية المصرية. # المادة الثالثة: # إن الإتاوة السنوية التي يدفعها محمد علي للسلطان تحسب على ~~حسب الأملاك التي يعطى إدارتها، إما على حساب المنحة الأولى وإما ~~على حساب الثانية. # المادة ms144 الرابعة: # فليكن مفهوما فوق ما تقدم أنه سواء كان في الحالة الأولى أو في ~~الحالة الثانية، فإن محمد علي يسلم قبل انقضاء العشرة الأيام أو ~~العشرين يوما الأسطول التركي وعساكره وسلاحه للمندوب الذي يعين ~~لاستلامه، ويشهد قومندانو أساطيل الحلفاء هذا التسليم. # وليكن مفهوما أن محمد علي لا يستطيع بحال من الأحوال أن يدخل في ~~الحساب أو يخصم من الإتاوة التي يدفعها للسلطان النفقات التي ~~أنفقها على الأسطول العثماني مدة إقامته في الموانئ ~~المصرية. # المادة الخامسة: # أن جميع المعاهدات والقوانين في السلطنة العثمانية تنفذ في مصر ~~وباشاوية عكا المشار إليها آنفا. # ولكن السلطان يرضى - على شرط دفع الإتاوات - بأن يحصل محمد علي ~~وخلفاؤه باسم السلطان وكمندوب معه في الأملاك التي يتولى إدارتها، ~~الضرائب والرسوم المقررة شرعا، ومن هذه الضرائب والرسوم يدفعون ~~النفقات الملكية والعسكرية في تلك الأملاك. # المادة السادسة: # القوات البحرية والبرية التي ينظمها باشا مصر وعكا تعد شطرا ~~من قوات السلطنة وتعتبر دائما كأنها معدة لخدمة الدولة. # المادة السابعة: # إذا لم يقبل محمد علي في مدى عشرة أيام أو عشرين يوما - كما جاء ~~في المادة الثانية - المنح المعروضة عليه، فإن السلطان يكون حرا ~~بسحب هذه المنح وباتباع الخطة التي توحي بها مصالحه طبقا ~~للنصائح التي يسديها إليه حلفاؤه. ا.ه. # وبعد الاتفاق على ذلك كله أبرم الحلفاء بينهم اتفاقا آخر بتنزههم جميعا عن كل ~~ربح أو مغنم. # وفي 14 أغسطس وصل رفعت بك مندوب السلطان إلى الإسكندرية ليبلغ محمد علي قرار السلطان ~~والدول، فكانت أول كلمة نطق بها عند سماع البلاغ: «إن ما أخذته بالسيف لا أسلمه بغير ~~السيف.» وفي اليوم التالي قابله قناصل الدول المتحالفة وبلغوه قرار الدول رسميا واستمهلوه ~~عشرة أيام، فطلب منهم أن يبلغوه ذلك كتابة ففعلوا، وأبلغوه فوق ما تقدم أن فرنسا لا تستطيع ~~مساعدته، وأن الدول مصممة على تنفيذ قرارها وإن أفضى ذلك إلى حرب أوروبية. فأجابهم: إن ما ~~بيدي هو حقي ولا أتنازل عنه حتى آخر رمق من حياتي. # وفي 24 أغسطس - وهو آخر الموعد ms145 الذي أعطي له - عاد مندوب السلطان ومعه قناصل الدول ~~الأربع، فأبلغوه أنه لم يبق له حق في ولاية باشاوية عكا؛ لأنه لم يقبلها في الأيام العشرة ~~الأولى، وأن الدول لا تسمح له إلا بولاية مصر كما جاء في قرارها وعهدها. فاحتدم محمد علي ~~غضبا وطردهم من حضرته، وقال لهم: كيف أسمح لكم بأن تقيموا في بلادي وأنتم وكلاء أعدائي؟! ~~فانصرفوا وقد أعطوه مهلة عشرة أيام أخرى لإعطاء جوابه، فإن لم يفعل تكون الدول المتحالفة ~~غير مسئولة عن النتائج. # وفي 9 سبتمبر وصل الأميرال ستويفورد القائد العام لقوات الحلفاء إلى بيروت، وكانت قوات ~~الحلفاء هناك عشرين سفينة إنكليزية وثلاث سفن نمساوية وثلاث سفن عثمانية، بقيادة القبطان ~~الإنكليزي ووكر، المعروف في تركيا باسم ياور باشا. وكانت قواتهم البرية 3300 تركي و1500 ~~إنكليزي و100 نمساوي، وهي جميعا بقيادة الجنرال سميث. # وكانت القوات المصرية في سوريا 80 ألفا، منها 15 ألفا في سواحل بيروت وثلاثة آلاف في ~~سواحل صيدا و5 آلاف في طرابلس وعشرة آلاف في بعلبك والخمسون ألفا في جهات حدود الأناضول ~~وسواها من أنحاء سوريا. ~~••• # قابل الرأي العام في مصر إنذار الدول لمحمد علي بالسخط، فازداد إقبال الشبان على التطوع ~~بالحرس الوطني، واندفع شيوخ الدين يقبحون عمل أوروبا. وطربت إستامبول لهذا النبأ، وغضب ~~الرأي العام الفرنساوي والنمساوي، وانشق الرأي العام الإنكليزي؛ لأن تجارهم جنوا الربح من ~~وراء إدارة محمد علي في مصر وسوريا وبلاد العرب، ورأى فريق آخر أن العمل الذي أقدم عليه ~~بالمرستون عمل ظالم، ولكن رجال الاستعمار كان يهولهم شبح الإمبراطورية المصرية قائمة على ~~أقوى القواعد وأمتن الأسس الحديثة. فإدارة ثماني سنين في سوريا وأدنه ضاعفت حاصلاتها ~~ومتاجرها أربعة أضعاف، وإدارة البلاد العربية 25 عاما وطدت الأمن وبثت روح التعمير في ~~اليمن وسواها حتى سواحل الخليج الفارسي، وإدارة جزيرة كريد نظمت شئونها ووطدت الأمن وزادت ~~حاصلاتها. وكان الاقتصاديون، حتى القناصل، يصيحون من كل جانب بأن إعادة هذه البلاد إلى ~~تركيا مآله إعادتها إلى الدمار. وإذا كان هناك أخطاء في إدارة ms146 إبراهيم ومحمد علي، فهو واقع ~~على الموظفين الذين كانت تدفعهم المطامع لارتكاب الظلم الذي جعل الثورة اللبنانية تكأة ~~للدول الأربع المتحالفة يتكئون عليها لإنجاح مقاصدهم؛ لأن اللبنانين الذين كانوا خاضعين ~~لأمرائهم والذين أمدوا جيش إبراهيم بقوة كبيرة، كانوا يأبون الخضوع لغير أمرائهم ودفع ~~الضرائب لسواهم. # والذي زاد في حرج الموقف خطأ السياسة الفرنساوية قبل اتفاق كوتاهيه وبعده، حتى ميثاق ~~الدول الأربع في 15 يوليو دون اشتراك فرنسا، فقد كانت تحض محمد علي على القتال وتعده بلسان ~~مندوبها الجديد «والوسكي» بالمساعدة. ولكن هذه المساعدة ظهرت بأن يطلب محمد علي حماية ~~فرنسا، وبأن يقف موقف الدفاع، وبأن يواري سفنه الحربية، فلا يجعلها عرضة لنيران الأسطول ~~الإنكليزي. وكان رأي إبراهيم باشا أن يحتفظ والده بصداقة فرنسا حتى يوازن القوة الأخرى التي ~~تؤيد إستامبول، وكان محمد علي يكرر أثناء ذلك أوامره إلى إبراهيم بأن يلزم مكانه ولا يتجاوز ~~جبال طوروس. أما بالمرستون روح المحالفة الأوروبية، فإنه كان يهدد فرنسا إذا هي أقدمت على ~~مساعدة محمد علي بالقوة والمال، بأن يستولي على أساطيلها ومستعمراتها، وبأن يطلق يد النمسا ~~وبروسيا في حدودها. وأراد ليوبولد ملك بلجيكا التوسط بين فرنسا وإنكلترا، فلم يفلح. وفي 17 ~~سبتمبر أرسل تيرس إلى غيزو سفير فرنسا في لندن أن محمد علي سمع نصح فرنسا وتنازل عن كثير من ~~مطالبه، فهو يترك للسلطان كريد والمدينتين المقدستين، ويكتفي بحكم الوراثة في مصر وبحكم ~~سوريا مدى حياته. ولكن بالمرستون أخذ يماطل ويعد القبول باقتراح تيرس مذلة للدول الأربع، ~~وكان في الوقت ذاته يحث على القتال والضرب. ~~••• # وبينما الأسطول الإنكليزي واقف في بيروت، وصلت إحدى السفن من مصر، فأمر الأميرال نابييه ~~بتفتيش ما فيها، فوجدوا كتابا من بوغوص بك وكيل خارجية محمد علي إلى سليمان باشا، يؤكد له ~~فيه أن فرنسا ستساعد محمد علي بالجنود، وأنها ستستدعي قنصلها مورا من بيروت؛ لأنه كان يساعد ~~الثوار اللبنانيين، وأن قناصل الدول المتحالفة تنوي أن تذيع في سوريا ترجمة العهد المبرم ~~بين الدول الأربع تشديدا لعزم الثوار مع ms147 إرسال الجنود والذخائر وإبلاغ الأمير بشير إزالة ~~حكم محمد علي، وأن محمد علي أبى الرضوخ لإنذار الدول ... إلخ. # كل هذا وأمثاله دعا الإنكليز إلى التعجيل بما كانوا يضمرونه، فقرر الأميرال روبرت ستوفورد ~~القائد العام لقوات الحلفاء في سوريا بأن يبدأ بالأعمال الحربية بالنزول في جونيه؛ ليتصل ~~باللبنانيين ويوزع عليهم الأسلحة ويقطع الاتصال بين الحاميتين المصريتين في بيروت وطرابلس. ~~وفي 10 سبتمبر قام الأسطول الإنكليزي بمظاهرة أمام بيروت، ثم لم تلبث السفن أن اتجهت إلى ~~جونيه وأنزلت الجنود هناك. وكان الأمير بشير قد أرسل حفيديه إلى هناك، وحرم على الأهالي ~~الاتصال بالإفرنج، وهدد من فعل منهم بالقتل، فوقع أمر الأمير بشير في يد أحد الدعاة ~~الإنكليز، فأرسله إلى الأمير، وأخذ الأهالي يفدون على جونيه لاستلام السلاح، وهو السلاح ~~المحفوظ عندهم حتى الآن. وهم يطلقون على البندقية المصرية اسم البرهومية نسبة إلى إبراهيم، ~~وعلى البنادق الإنكليزية «إنكليزية»، والنمساوية نمساوية، والمجرية «مجرية»، وهي أفضل ~~البنادق في نظرهم. وكان عثمان باشا يحتل كسروان بثمانية آلاف مقاتل، فلم يتعرض للأساطيل ~~التي أنزلت الجنود إلى البر ومعها سليم باشا قائد السفن التركية، فاحتلوا ميناء جونيه. ~~وأرسل الأميرال الإنكليزي مركبين إلى نهر الكلب لهدم الطريق حتى لا يمر بها جيش إبراهيم ~~باشا. وذهب ريتشردوود الإنكليزي المستشرق وأكبر دعاة الثورة إلى غزير ومعه 500 جندي، ففر من ~~وجهه الأمير عبد الله الشهابي، وفي اليوم الثاني سلم هذا الأمير وهو ابن أخي الأمير بشير، ~~فعدوا تسليمه أمرا كبيرا. وكان إبراهيم باشا إبان ذلك يطارد الثوار في جبال كسروان والمتن ~~ويحرق قراهم، ولكن عساكر الحلفاء كانت تثبت أقدامها في السواحل. وفي 11 سبتمبر أرسل قائدا ~~الأسطولين الإنكليزي والنمساوي إلى سليمان باشا أن يسلمهما بيروت، فلم يجب، فأخذت مراكبهما ~~بإطلاق القنابل على المدينة والأبراج، فاحتج سليمان باشا عليهما احتجاجا شديدا؛ لأن ~~قنابلهما أصابت النساء والأطفال والمستشفى، وكان عليهما أن يطلبا تسليم المدينة قبل ضربها ~~من إبراهيم باشا أو محمد علي باشا. أما هو فمأمور بالدفاع عنها فقط، ثم أمر جيشه بالارتداد ms148 ~~إلى الحازمية في ضواحي بيروت. # وفي 12 و13 سبتمبر هاجم أسطول الحلفاء قلعة جبيل وحاول إنزال الجنود، فردتهم ~~الحامية، ولكن الثوار اللبنانيين دخلوا القلعة ليلا، فانسحبت منها الحامية، وفي الصباح ~~سلمها اللبنانيون لعساكر الحلفاء. ومن جبيل تقدم الحلفاء إلى البترون، وكان السلطان قد ~~ولى عزت باشا ولاية سوريا، بعدما أفتى مشايخ إستامبول بخلع محمد علي من الحكم والولاية ~~كلها، فنزل في جونيه وأرسل إلى أبو سمرا علم من زعماء الثوار ليحضر إليه من جنوب لبنان ~~ويتسلم منه السلاح، فوصل ومعه 500 نفر، فسلمه خمسة آلاف بندقية، فتوجه بها إلى بلاد جبيل ~~والبترون، حيث اجتمع عليه نحو أربعة آلاف رجل زحف بهم على الأمير مجيد الشهابي في جهة ~~اليمونة في أعالي لبنان، فارتد الأمير إلى الجيش المصري في عيناتا وأبو سمرا يتعقبه، إلى أن ~~اشتبك بمعركة مع الجيش. وفي الليل دهمه الجنود المصريون، فارتد إلى جهة بشرى، حيث جمع ~~الرجال واستأنف القتال مع الجيش، فكسره وأكرهه على الارتداد إلى بعلبك. وكان المستر ~~ريتشردوود قد وصل مع الثوار إلى جهة الدامور وصيدا، فاستولى الحلفاء عليهما ~~بمعاونتهم. # ولما كانت صيدا مركز الحاكم وفيها حامية قوية، وجهوا إليها ثمانية مراكب حربية ضربتها ~~ضربا شديدا وقاتلت حاميتها قتال المستميت، إلى أن قتل قائدها حسن بك وعدد كبير من رجالها، ~~وبلغت خسائر الهاجمين نحو أربعة آلاف. فلما وصل خبر سقوطها إلى إبراهيم باشا كبر عليه ~~الأمر، وأرسل إلى الأمير بشير ليوافيه إلى بعلبك، حيث عقد مجلس من الأمير وشريف باشا وبحري ~~بك، وكان رأي الأمير بشير أن يرجع السلاح إلى اللبنانين، فلم يقر إبراهيم باشا هذا الرأي، ~~فظهر على الأمير بشير الوهن والضعف. وذهب ابن عمه الأمير بشير قاسم إلى معسكر الحلفاء في ~~جونيه، وانضم إليهم، فأرسله قواد الحلفاء لقيادة الثوار الذين يقاتلون عثمان باشا في ~~ميروبا، وأرسلوا إلى الأمير بشير ينذرونه ويعدونه بولاية لبنان بالوراثة في ذريته إذا هو ~~سلم قبل مرور ثمانية أيام. فأجاب بعدم التسليم، معتذرا بأن أولاده وأحفاده في عسكر إبراهيم ~~باشا. ms149 ولما انقضت الأيام الثمانية ولوا الأمير بشير قاسم على جبل لبنان، فسار هذا الأمير ~~لقتال عثمان باشا، وكان قد صدر إلى هذا أمر إبراهيم باشا بالانسحاب من جبل كسروان إلى ~~بعلبك، فسار الأمير بشير قاسم في أثر عثمان باشا وأخذ من جيشه ثلاثمائة أسير. # وكان الحلفاء قد عزموا على مهاجمة جيش سليمان باشا من البر والبحر، فأدرك سليمان باشا ~~الخطر، فأجلى عن بيروت في ليل 9 أكتوبر، وسار جنود الحلفاء إلى مقاتلة إبراهيم باشا في بحر ~~صاف ومعه ثلاثة آلاف مقاتل، فردهم على أعقابهم. فطلب الأميرال نابييه من الأمير بشير قاسم ~~الأمير الجديد على لبنان بأمر الحلفاء أن يقدم برجاله إلى مؤخرة إبراهيم باشا ليهاجمه هو ~~من الأمام. فزحف الأمير برجاله، وحال دون وصول فرقتين مددا لإبراهيم باشا. وكانت معركة بحر ~~صاف معركة شديدة، أسر فيها الحلفاء من جيش إبراهيم 700 أسير بمعاونة الأمراء اللبنانيين، ~~وارتد إبراهيم باشا إلى البقاع. وفي 11 أكتوبر سلمت الحامية المصرية الباقية في ~~بيروت. # ولما رأى الأمير بشير ما حل بالجيش المصري وعدم قبول رأيه وتعيين ابن عمه أميرا على ~~لبنان مكانه وقد انفض عنه اللبنانيون وانضموا إلى الحلفاء، قال لبحري بك: «قم واذهب إلى ~~إبراهيم باشا، وقل له: لم تبق أقل فائدة، فالبلاد صارت الآن كلها صوتا واحدا.» وفي 11 ~~أكتوبر غادر الأمير بشير مقره في بتدين، بعد أن استدعى أحفاده من محافظة البلاد وابنه من ~~جيش إبراهيم باشا، ونهض إلى صيدا ومعه أولاده الثلاثة وزوجه وحفيده الأمير سعد، وأبلغ خالد ~~باشا متسلم صيدا أنه أتى إليه مستسلما، فأمر خالد باشا أن تصطف العساكر بموسيقاها ~~لاستقباله، وأن تؤدى له التحية. وقابله بالإجلال والاحترام، وطلب منه قواد الحلفاء في صيدا ~~أن يتوجه إلى بيروت، وأعدوا سفينة بخارية لركوبه، فركبها إلى بيروت مع ابنه الأمير أمين ~~وحفيده الأمير محمود. ولما وصل إلى بيروت أبلغه عزت باشا الذي عين واليا على سوريا أن ~~يختار لنفسه محل الإقامة ما عدا مصر وفرنسا وسوريا، فاختار جزيرة مالطة، فوافق قواد ms150 الحلفاء ~~على طلبه ووعدوه بتأمين أحفاده وأولاده. وفي 16 أكتوبر ركب الأمير بشير - الذي كان يعرف ~~بالأمير بشير عمر الثاني - الباخرة الإنكليزية من صيدا ومعه زوجه وأولاده وزوجة ولده الأمير ~~قاسم وحفدته الخمسة أولاد الأمير خليل وحفيده الأمير رشيد وسكرتيره بطرس كرامة ونحو سبعين ~~رجلا من أتباعه وخدمه، وأقلعت بهم الباخرة إلى مالطة، وهكذا انتهت إمارته بعد حكم طويل ~~المدى كثير الحوادث والأطوار. # وبعد تسليم الأمير بشير انسحبت الحاميات المصرية من طرابلس واللاذقية وأدنه بدون قتال، ~~ولم يبق من مدن السواحل في أيدي المصريين سوى عكا. # | الفصل الرابع عشر # موقف فرنسا. # الأسطول الإنكليزي يدك حصون عكا. # خسارة المصريين. # اتفاق نابييه ومحمد علي. # انسحاب الجيش المصري. ~~*** # يصور لنا الوزير الفرنساوي الشهير فرسينه الحالة بعد ضرب بيروت والسواحل السورية في كتابه ~~«المسألة المصرية» بقوله: إن الحالة تطورت بسرعة فوق سرعة تبادل الآراء بين فرنسا وإنكلترا؛ ~~فالأسطول الإنكليزي - جريا على عادته بالمباغتة - ضرب بيروت في 11 سبتمبر وأنزل فيها ~~الجنود التركية المعدة للعمل في سوريا. والسلطان نفذ بكل شدة أحكام الفصل الملحق بعهد ~~الدول الأربع، فأسقط في 14 سبتمبر من الحكم محمد علي، وولى عزت محمد باشا خلفا له. ووصلت ~~هذه الأخبار إلى باريس في 2 أكتوبر، فأحدثت تأثيرا كبيرا. فاجتمع مجلس الوزراء اجتماعا ~~فوق العادة، ووكل إلى المسيو غيزو في 8 أكتوبر أن يقدم مذكرة إلى اللورد بالمرستون بعبارات ~~موزونة ولكنها حازمة. وختام هذه المذكرة يشعر بأن في القضية سببا للعداء، وذلك بقولهم: ~~«وإنا مستعدون لأن نشترك بكل تسوية مقبولة يكون أساسها بقاء السلطان وبقاء محمد علي. ~~وفرنسا تكتفي بأن تعلن الآن بأنها لا تستطيع أن ترضى من جانبها بتنفيذ حكم خلع محمد علي ~~الصادر من إستامبول.» # ولما وصلت هذه المذكرة إلى لندن، شعرت حكومتها بأنها أغرقت في التطرف، فأرسل اللورد ~~بالمرستون في 15 أكتوبر إلى اللورد بونسوبي سفير إنكلترا في الآستانة «بأن من المستحسن أن ~~يوصي سفراء الدول الأربع المتحالفة عظمة السلطان بكل إلحاح، بأنه إذا أظهر محمد علي في ~~الحال ms151 خضوعه لعظمته وتعهد بأن يعيد الأسطول التركي وبأن يسحب جنوده من سوريا كلها وأدنه ~~وكريد ومن المدينتين المقدستين، فإن السلطان من جانبه لا يكتفي بإعادة محمد علي واليا على ~~مصر، ولكنه يمنحه الولاية بالتوارث في بيته.» # ولكن هذه الترضية لم يجدها الرأي العام الفرنساوي كافية؛ لما كان عليه من الهياج والسخط ~~لمحمد علي، ولأنه كان بعد ميثاق الدول الأربع في 11 يوليو متألبا على فرنسا، وذلك هو السبب ~~الذي دعا حكومة الملك فيليب لأن تعد معدات الحرب والقتال، فزادت سفنها الحربية واستعدت لحمل ~~السلاح مرتبتين من مراتب الجيش المستحفظ، وطلبت فتح اعتماد ب 108 ملايين فرنك على أن يطلب ~~من مجلس النواب الموافقة عليه عند اجتماعه. # ولكن الحكومة الفرنساوية مع إرضائها الرأي العام بالتذرع بهذه الوسائل استدعت الأسطول من ~~مياه الشرق؛ لأنه هناك «مادة قابلة للالتهاب»، وحشدت هذا الأسطول في طولون ليكون على قدم ~~الاستعداد للسفر إلى الإسكندرية إذا ما هاجم الحلفاء تلك المدينة. ولكن هذا العمل الذي يجمع ~~بين حسن السياسة وحسن الخطة الحربية وصف بأنه «الفرار» من وجه الإنكليز كما وصف بأنه ~~«ترك» سوريا، وبين هذه الآراء المتناقضة أو بين اختلاط الحابل بالنابل، دعي مجلس النواب ~~للاجتماع في 28 أكتوبر. ويقول المسيو غيزو: ظهرت وقتئذ وتجلت الأخطاء التي ارتكبتها السياسة ~~الفرنساوية منذ ظهور المسألة المصرية؛ لأنا لم نجد في ظرف من الظروف أو في حالة من الحالات ~~موقفا معينا، وكنا دائما موزعين بين العاطفة والعقل، فنحن جعلنا مسألة محمد علي مسألتنا ~~دون أن نبين لذلك حدودا تكون ضمنها وداخلها حمايتنا. وتملكتنا الذكرى فنسينا الضرورات ~~القائمة. وبين تلك الهالة الرائعة من المجد الذي كنا نضفره لمحمد علي، لم ننظر نظرة صادقة ~~إلى مقدريه على مخالفة إدارة أوروبا. ففي إبان المفاوضات صممنا على أن نعطي له الترضية ~~كاملة تامة، ولم ننظر إلى ما كان ممكنا أن يكون لو رفضت هذه الترضية، وتناسينا أن ~~المزاحمين العديدين لا يسمحون بأن يكون لنا التفوق في مصر وسوريا، وأن نتحكم بمصير الشطر ~~الأكبر من ms152 أملاك السلطنة التركية. وما رفضت إنكلترا أن تقبله من روسيا لم يكن بالإمكان أن ~~تقبله وترضاه من فرنسا، فلما انقضى عهد الأحلام بات من اللازم النظر إلى الحقائق وجها لوجه ~~واتخاذ موقف نهائي، فإما إلى الحرب وإما إلى التقهقر، وكلا الموقفين صعب عسير. ~~••• # أما قوات الحلفاء في سواحل سوريا، فلم يبق أمامها في تلك السواحل سوى حصن عكا فقط، ~~فأصدرت إنكلترا أوامرها إلى الأميرال روبرت ستونفورد في أواخر أكتوبر بمهاجمة هذا الحصن، ~~فجمع القوات البرية البحرية لهذا الغرض، وتقدم عمر بك قائد قوة صيدا إلى رأس الناقورة ~~بألفي مقاتل، وذهب سليم بك بثلاثة آلاف مقاتل بحرا من بيروت، ما عدا توابير الشغالة ~~والهندسة. وفي 2 نوفمبر اجتمعت القوات البرية والبحرية حول ذلك الحصن، وكان أسطول القتال ~~مؤلفا من إحدى وعشرين سفينة حربية، ولم تكن حامية عكا تزيد على خمسة آلاف. # وفي الساعة الثامنة بعد ظهر 3 نوفمبر وجهت السفن الحربية مدافعها إلى تلك المدينة، وظلت ~~النيران تصب من فوهات 470 مدفعا، حتى خيم الظلام والحامية تدافع دفاعا مجيدا، وكانت ~~المنطقة التي تنصب عليها نيران المدافع لا تزيد على 1500 قدم عرضا، ولا على 3300 قدم ~~طولا. ورووا أن مركبا واحدا من مراكب الإنكليز أحرق في إلقاء القذائف النارية على عكا ~~160 برميلا من البارود. # وكان من الذين تولوا تحصين عكا بأمر محمد علي أحد المهندسين الطليان. فقبل أن يبدأ ~~الأسطول بضرب الحصن لجأ هذا المهندس إلى الأسطول الإنكليزي وسلمه خريطة الحصن، فكان ~~الأسطول يضرب نيرانه إلى المكان الحيوي منه، إلى أن تمكن من إصابة مخازن الذخيرة، وكانت ~~مخازن كبيرة جدا فانفجرت انفجارا ارتجت له الأرض في تلك البلاد، وسمع دويه إلى أقصى ~~جهات سوريا وفلسطين، وهلك بذلك الانفجار 1500 جندي من الحامية، ودمرت الحصون والأبنية، ولم ~~يبق أمام الحامية إلا الخروج؛ لأن المدينة تحولت إلى قطعة من جهنم، حتى قال أحد ~~الشعراء: # قالوا بأن جهنما تحت الثرى # ما لي أراها فوق عكة تضرم # لو لم تكن دار الشقاوة عكة # ما ms153 أمطرتها بالشرار جهنم # وانجلت هذه المعركة عن ألفي قتيل وجريح من الحامية المصرية في تلك المدينة، وعن ثلاثة ~~آلاف أسير. وبين الأسرى رئيس المهندسين يوسف أغا، وهو رجل بولوني كان اسمه الأصلي الكولونيل ~~سولتز، وبعد الاستيلاء على هذا الحصن أقام الأميرال الإنكليزي فيها حامية تركية عددها ثلاثة ~~آلاف رجل، وحامية صغيرة أوروبية عددها 250 رجلا، وأبقى في مائها سفينتين حربيتين، وأخذوا ~~بالتحصين والامتناع فيها؛ لأنهم كانوا يخافون هجوم إبراهيم على السواحل في فصل الشتاء ~~لاستخلاصها من أيديهم عندما تصبح الأساطيل عاجزة عن القتال وعن مقاومته. # وبعد الاستيلاء على عكا اتجه أسطول الحلفاء إلى يافا واستلمها بلا قتال. # ولتخوف الإنكليز من حلول فصل الشتاء قبل إنهاء المسألة، أرسلوا الأميرال نابييه إلى مياه ~~الإسكندرية بأسطول كبير ليضغط على محمد علي، فوصل هذا الأسطول في 21 نوفمبر يقود ست سفن ~~كبيرة. وفي يوم 22 وجه رسالة إلى بوغوص بك وكيل خارجية محمد علي يقول فيها: «إن إسكندرية ~~ليست أمنع من عكا، وإن الفرصة سانحة لمحمد علي أن يؤلف إمارته وحكم الوراثة في أسرته.» فرد ~~عليه بوغوص بأن تبعة الحرب في سواحل سوريا لا تقع على محمد علي، بل هي تقع على الحلفاء ~~الذين أرسلوا إليه بلاغهم باسم السلطان. فرد عليه بأنه خاضع للسلطان، وبأنه يسلم بأن يكون ~~حكم مصر له ولسلالته من بعده كما عرضوا عليه، ولكنه التمس في الوقت ذاته من السلطان أن ~~يمنحه حكم سوريا مدى حياته، وأن يضيف إلى منحته الأولى المنحة الثانية؛ لاعتقاده بأن سوريا ~~إذا ظلت تحت إدارته تدر الخير والبركة على السلطنة. فبدلا من الرد على هذا الطلب، ~~قابلوه بحكم الخلع من الحكم وبالعدوان في كل جهة، فغنم نابييه فرصة هذا الجواب لفتح باب ~~المفاوضة بالصلح والاتفاق مع محمد علي؛ لأنه وجد في لهجة الجواب ميلا صحيحا إلى الاتفاق. ~~وقد كان الأميرال نابييه من الإنكليز المعجبين بمحمد علي والمعترفين بحسن إدارته، فوضع نصب ~~عينيه الوصول إلى الاتفاق معه، معتمدا - في مؤازرته - على جماعة كبيرة من الإنكليز كانوا ms154 ~~يقولون باكتساب صداقة مصر المستقلة، بدلا من إعادة مصر لحكم الباب العالي، وبدلا من ~~جعلها مستعمرة إنكليزية تكون عبئا على عاتق إنكلترا، فضلا عن أن مصر تخرج بهذه الطريقة ~~من يد فرنسا وترتمي في حضن إنكلترا. # على هذه القاعدة بدأ الأميرال نابييه مفاوضاته مع محمد علي، وعلى هذه القاعدة توصل إلى ~~الاتفاق المعروف باتفاق 27 نوفمبر دون استشارة رئيسه الذي كان يقاوم ذلك كل المقاومة، ~~واتفاق 27 نوفمبر هو الذي يجعل حكم مصر والسودان وراثيا في بيت محمد علي. ~~••• # بعد استيلاء الحلفاء على سواحل سوريا بمعاونة الثوار في لبنان، وبعد تنازل الأمير بشير عن ~~الحكم وانضمام خلفه إلى الحلفاء، ظل ماثلا أمام عيونهم شبح ~~الفشل: (1) من قوة إبراهيم التي حشدها كلها بين لبنان ~~ودمشق، وهي لا تقل عن 50 ألفا. (2) مذكرة فرنسا إلى ~~الحلفاء في 8 أكتوبر بأنها تعتبر حرمان محمد علي من ثمرة انتصاراته والإقدام على تنفيذ ~~قرار السلطان بعزله مدعاة للحرب. (3) قرب فصل الشتاء واضطرار الأساطيل إلى الانسحاب من ~~مياه سوريا ومصر. (4) ظهور الانقسام في دول الحلفاء مخافة أن تقع الحرب في أوروبا ويقع ~~حملها على النمسا وبروسيا وحدهما، خدمة لمآرب إنكلترا التى تريد الاستيلاء على مصر. (5) ~~اشتداد ميل الرأي العام في أوروبا كلها نحو محمد علي وإبراهيم، واستنكار معاملتهما بذلك ~~الظلم الصارخ. لذلك كان مشروع فرنسا وتنفيذه هو وحده المنقذ من ذلك الموقف المحفوف بالخطر، ~~وهذا المشروع هو الذي يبقي على السلطان وحكمه، بالرغم من انهيار ملكه، لحفظ التوازن في ~~أوروبا، ويبقي على محمد علي وحكمه بمصر في سلالته؛ لأنه اكتسب ذلك بباعه وذراعه، ولأن حكمه ~~حكم إصلاح وتقدم ورقي على أحدث الأساليب ومبادئ الحضارة. # أما محمد علي، فقد كان يقضي عليه بقبول ما ارتأته فرنسا وترك ~~سوريا: (1) خروج حليفه هناك الأمير بشير من الميدان وظهور ~~الأمير بشير قاسم الذي ولته الدول بمظهر العداء. (2) حرمان جيشه من السواحل كلها حتى تعذرت ~~المواصلات مع ابنه إبراهيم. (3) قلة الأموال حتى تأخرت رواتب الجنود أكثر من سنة ولم يجد في ms155 ~~فرنسا من يمد إليه يد المساعدة. (4) تعب الجيش والأمة من حروب لا تنتهي منذ ثماني سنين. (5) ~~اعتبار الدول الأربع - المتحالفة مع تركيا خامستهم - أن كرامتها جميعا معلقة على تنفيذ ~~الإنذار الذي أوحته إلى السلطان. # فهذه العوامل كلها حملت الإنكليز وحلفاءهم على أن يرحبوا فرحين باتفاق 27 نوفمبر؛ أي ~~اتفاق نابيير، ومحمد علي، بأن محمد علي يرضى بأن يخرج من المعمعة مكتفيا بحكم مصر في ~~سلالته بعده. وحملت محمد علي على أن يرضى بذلك الحل الذي كان يرفضه ويأباه. # ولكن اتفاق نابيير ومحمد علي كان غامضا مبهما، وخلاصته «أن الدول الأربع المتحالفة تبذل ~~كل مجهودها لدى السلطان ليمنح محمد علي وذريته بعده حكم مصر بالوراثة، وأن محمد علي يبادر ~~بطلب العفو من السلطان، ويعلن استعداده لإرجاع الأسطول العثماني وسحب جنوده من سوريا ~~والبلاد العربية، وأنه يفوض مستقبله للمراحم السلطانية.» # وقد عرفنا أن السلطان استصدر فتوى العلماء بخلع محمد علي من الحكم في 15 أكتوبر، وأعلن ~~تعيين عزت محمد باشا خلفا له في حكم مصر وسوريا، وذلك بموافقة الحلفاء بعد انقضاء مهلة ~~العشرين يوما التي أعطيت له. # فإصرار محمد علي «على أن لا يعيد بغير السيف ما أخذه بالسيف»، هو الإعلان الذي انتصر ~~وفاز؛ لأنه ألغى وأبطل الحكم الذي صدر بخلعه وعزله، كما أن موافقة الحكومة الإنكليزية على ~~اتفاق نابيير قضى على عناد سفيرها في الآستانة اللورد بونسوبي الذي حاول مرارا وتكرارا ~~إنكار ذلك الاتفاق، وحمل السلطان على رفضه جريا على سياسة بالمرستون وزير الخارجية. # ولما وافق محمد علي على اتفاق نابيير، نشر في البلاد منشورا عاما وجهه إلى ~~الحكام والعلماء والذوات، قال فيه: # إنه حضر إلى ميناء الإسكندرية جناب الأميرال نابيير قائد السفن الحربية ~~الإنكليزية بالبحر الأبيض، وعرض لنا اتفاق دول أوروبا بإجابة طلبة مصر لنا بطريق ~~التوارث، وبذلك صار حسم مادة سفك دماء المسلمين، وصدر الأمر للسر عسكر وكافة القواد ~~بترك الشام والإذن بحضورهم لمصر بالجيوش التي يبلغ عددها 70 ألفا. # ثم أذيع في الأمة منشور آخر عمومي، هذا نصه: ms156 # إن العوارض تعرض للعالم منذ بدء الخليقة إلى اليوم، والحروب تتقد بين الأمم ~~لأسباب وعوامل لا تدركها العقول، دون أن يظهر من وراء ذلك أمارات السلم والسلام ~~واستتباب الراحة. وظل روح العدوان ساريا حتى الآن، ولكنه حضر إلى ميناء الإسكندرية ~~قائد السفن الحربية الإنكليزية بالبحر الأبيض الأميرال نابيير، وعرض علينا وقوع ~~الاتفاق بين دول أوروبا على إحالة حكم مصر بطريق التوارث إلى ولي النعم محمد علي ~~باشا، وبذلك صار حسم مادة سفك دماء المسلمين الأمر الذي ترتاح إليه النفوس. ~~وبناء على ما تقدم أعطيت الأوامر لدولة سر عسكر الجيش المصري ولكافة القواد بترك ~~ولاية الشام وأدنه والرجوع بالجيوش إلى مصر، وصار نشر ذلك إعلانا للسرور. # وأصدر محمد علي بعد ذلك أمرا بإعداد منزل لنزول الأميرال نابييه، وأن يكون في ضيافته مع ~~تعيين مهمندار له. # ولما وصل الاتفاق إلى إستامبول حاول سفير إنكلترا إحباطه، وانقاد إليه الباب العالي، ولكن ~~سفراء النمسا وروسيا وبروسيا ألحوا بوجوب تنفيذه. وفي 10 يناير 1841 قدموا للباب العالي ~~النصيحة بأن يمنح محمد علي حكم مصر بالتوارث في ذريته، فماطل الباب العالي وسوف، ~~واضطرهم إلى أن يقدموا له مذكرة رسمية في 30 يناير قالوا فيها: # إن الدولة تطلب من عظمة السلطان أن يظهر بمظهر السماحة نحو محمد علي، لا لإبطال ~~قرار خلعه من الحكم فقط، بل بالوعد فوق ذلك بأن يكون خلفاؤه في الحكم من سلالته من ~~الذكور على التوالي كلما خلا منصب الحكم بوفاة الحاكم. # والدول الأربع التي تبذل نصيحتها للباب العالي بأن يمنح محمد علي هذه المنحة لا ~~تبدي رأيا جديدا، بل هي تذكر فقط عظمة السلطان بالنيات التي أعرب عنها من تلقاء ~~نفسه عند بدء الأزمة الشرقية، وهي النيات التي كانت أساسا لاتفاق 15 يونيو سنة ~~1840. # وفوق ما تقدم، أن الدول الأربع ببذلها النصيحة للباب العالي وبتكرارها النصيحة ~~بهذه المذكرة، تعتقد بأنها لا تنصحه بأن يعمل ما يخالف حقوق السيادة أو سلطة ~~السلطان الشرعية، ولا اتخاذ وسائل مخالفة لواجبات باشا مصر كتابع لعظمة السلطان ms157 ~~يدعوه عظمته لأن يحكم باسمه إحدى ولايات السلطنة. وهذه الحقيقة ليست مثبتة فقط ~~بالمواد 3 و5 و6 من الفصل المفرد الملحق باتفاق 15 يوليو، بل هي مثبتة أيضا ~~بتعليمات الدول إلى سفرائهم في إستامبول عقيب مباحثات 15 أكتوبر. وفي الواقع أنه ~~منصوص في الميثاق المشار إليه أن جميع المعاهدات وجميع قوانين السلطنة العثمانية ~~الحاضرة والمستقبلة تنفذ في باشاوية مصر كما تنفذ في الولايات العثمانية ~~الأخرى. # وهذا الشرط الذي تعتبره الدول الأربع لازما لا مندوحة عنه، هو في نظرهم الصلة ~~الوثيقة التي تربط مصر بتركيا وتبقيها شطرا منها غير منفصل عنها. وفي الفقرة ~~السادسة من الميثاق ذاته أن القوات البرية والبحرية التي تؤلفها مصر والتى تكون ~~شطرا من قوات السلطنة، يجب أن تحسب معدة للخدمة العامة. ا.ه. # فهذه المذكرة التي جعلت مسألة مصر دولية، اضطرت الباب العالي أن يصدر في 13 فبراير ~~فرمانا يبسط المبادئ الواردة في هذه المذكرة ويؤيدها. # أما إبراهيم باشا، فإنه رأى بعد سفر الأمير بشير من لبنان وحلول أمير آخر محله، وقد جمع ~~أربعة آلاف رجل لمقاتلة جيشه وقطع مواصلاته، أمر قواده بالانسحاب من أنحاء لبنان إلى زحلة ~~والرياق، فاجتمع من ذلك الجيش نحو 15 ألفا، وأرسل المرضى والعاجزين عن القتال إلى دمشق، ~~ووقف الأمير بشير قاسم ورجاله في حمانا إلى أن يرسل الحلفاء إليه النجدات والسلاح، مخافة أن ~~ينقلب جيش إبراهيم باشا لسحقه وتبديد شمل رجاله. ولكن جيش إبراهيم لم يكن يرغب ذلك بعدما ~~انتهى من قتال الثوار في كسروان والمتن والقاطع، وأحرق في مروره بكسروان بقعاتا وميروبا ~~ووطا الجوز وحراجل وفاريا وفيترون، وأحرق في المتن عين علق وبيت شباب. ولم يتعرض لقرية ~~بكفيا؛ لأن الشيخ حردان الجميل وفياض علوان من مشائخ بكفيا قصدا إليه وهو في المروج، ~~فعرضا عليه خضوع أهل بلدتهم، فأمر بالعفو عن بكفيا. # وتدل جميع الظواهر على أن انكفاف إبراهيم باشا عن لبنان وعدم تعرضه للحلفاء في ~~السواحل وتركهم وشأنهم، كان يقصد منه تدبير الجلاء عن سوريا؛ لأنه قبل وصول والده إلى ms158 ~~الاتفاق مع الأميرال نابيير وقبل وصول أمر والده إليه بالجلاء جمع جيشه في دمشق، وأخذ ~~يعد الأهبة لذلك دون أن يتعرض لفشل الانكسار أو لقطع مواصلاته. ونقص جيش إبراهيم في ~~لبنان وسواحله عشرة آلاف مقاتل، وظل الجيش وهو ينسحب من شمالي سوريا إلى دمشق حافظا على ~~نظامه كل المحافظة، ونظم إبراهيم في كل بلدة أخلاها وجهة أجلى عنها جيشه وعماله، وجعل ~~الحكم بيد أحد أبنائها، ولم يتعرض الجيش إلا للمعرة؛ لأن أهلها أبوا أن يعطوه حاجته. وكذلك ~~حمص؛ لأن أسواقها أقفلت في وجه الجيش، وأبى أهل المدينة أن يقدموا للجيش حاجته. ولما شكا ~~الأهالي إلى قائد الجيش أنزل العقاب الشديد بالجنود الذين ارتكبوا النهب. # ولما احتشد الجيش كله في دمشق، هطل مطر شديد مدرار دام بضعة أيام، فاضطر الجيش أن يدخل ~~المدينة، وأن يحتل الخانات والقهوات والدكاكين والجوامع ما عدا الجامع الأموي وجامع ~~السنانية، ووضع يده على المطاحن والأفران ليعد الزاد اللازم له في الرحيل. وأمر إبراهيم ~~باشا بجمع الأموال المتأخرة من دمشق وقراها، حتى يتمكن من الإنفاق على جيشه إبان رحيله. ~~وانفصل عن الجيش أكثر اللبنانيين والسوريين الذين كانوا يحاربون في صفوفه وعادوا إلى أهلهم ~~وقرباهم. وشعر إبراهيم باشا ببعض الحركات العدائية في دمشق بتحريض الترك، فنكل ~~بالمحرضين. واعترض بعض العربان والدروز في سعسع قوافل المؤن والذخائر، فأدبهم تأديبا ~~شديدا. ~~••• # في 27 نوفمبر 1841 وضع الاتفاق بين الأميرال نابيير ومحمد علي، على أن يعيد محمد علي ~~الأسطول التركي، وعلى أن يدع سوريا ويكتفي بحكم الوراثة بأولاده الذكور. ولكن هذا الاتفاق ~~لم ينفذ إلا في شهر يناير، وبعد محاولات ومماطلة من الباب العالي ووزارة خارجية إنكلترا ~~وسفيرها في الآستانة؛ لأن الوزير بالمرستون والسفير بونسوبي كانا يطلبان هدم حكم محمد علي، ~~فلم يصدر محمد علي الأمر إلى إبراهيم بغير حشد جيشه في دمشق، فجمعه هناك، وأوحى عمال ~~الإنكليز والترك إلى الأمير بشير قاسم اللبناني خليفة الأمير بشير عمر حليف محمد علي، بأن ~~يهاجم جيش إبراهيم باشا، فطلب منهم المدد، فلم يمدوه، ms159 فتقدم مع الثوار إلى جهة دمشق. وذهب ~~الزعيم الثائر أبو سمرا غانم إلى جهة المجدل للغرض ذاته، وأرسل الأمير أسعد شهاب إلى قرية ~~خربة ريحا لقطع طريق إبراهيم باشا في وادي التيم في حالة جلائه الذي كان منتظرا. وسافر ~~الأمير بشير برجاله إلى بلاد صفد ثم إلى يافا للغرض ذاته؛ لأن الأميرال سترانفورد تلقى ~~الأوامر بأن يظل على مواصلة أعماله العسكرية ضد إبراهيم وجيشه، فأمر جاكوموس الذي كان يقود ~~جنود الحلفاء بأن يجعل نصب عينه تجريد جيش إبراهيم من سلاحه؛ لذلك وضع قوة من اللبنانيين ~~في وادي التيم وصفد ويافا على طريق إبراهيم إذا سار هو بجيشه من دمشق على طريق القنيطرة، ~~ووضع قوة أخرى في القدس وثالثة على طريق بئر سبع بقيادة القائد التركي حسن باشا؛ لأن قيادة ~~الحلفاء كانت تعتقد أنه ليس أمام جيش إبراهيم باشا طريق آخر غير فلسطين. # مثل هذه التدبيرات اتخذت قبل أن يرد جواب الباب العالي على اتفاق نابيير ومحمد علي. ~~ولما وصل الرد ظهر أن السلطان لا يمنح محمد علي الحكم المتوارث في مصر، فظهر أن سفير ~~إنكلترا كان يدبر ذلك الجواب، وكان يتوقع القتال. ولكن الدول الأخرى لم تكن على هذا ~~الرأي، فأمرت الدول الأربع سفراءها بتقديم المذكرة التي ذكرناها في الفصل السابق، فأمر ~~السلطان بإجابة مطالب الدول، فانتدب الأميرال نابيير ليشهد تسليم الأسطول التركي في ~~الإسكندرية، وأرسل محمد علي رسوله إلى إبراهيم باشا ومعه أحد الضباط الإنكليز ليسحب جيشه من ~~دمشق، مع تبليغ قواد الحلفاء تسهيل أمر الجلاء والسماح للنساء والأطفال والجرحى والمرضى بأن ~~يعودوا إلى مصر بحرا. # ولما تلقى إبراهيم أمر والده في 9 سبتمبر، عقد مجلسا في مدينة دمشق من أعيان ~~المدينة ليختاروا الحاكم الذي يسلمه مدينتهم، فاختاروا حسن بك الكحالة، ثم خطب فيهم ~~حاثا على حفظ النظام والأمان، وألا يمسوا النصارى واليهود بسوء، فإذا هم لم يرعوا ~~أوامره يرتد إليهم بقوة من جيشه ويحل بهم أشد العقاب. # وعرف إبراهيم ما يضمرونه له في طريقه رغم الاتفاق، فوضع خطة ms160 الرجوع لجيشه. # وفي 29 ديسمبر أصدر الأمر إلى جيشه المؤلف من 55 ألف جندي ومعهم 150 مدفعا بالجلاء، ~~وكان يتبع ذلك الجيش نحو سبعة آلاف نفس من العائلات والاتباع. # وبعد ستة أيام من خروج إبراهيم باشا من دمشق، وصل إليها الجنرال جوكوموس، وأعلن إعادة حكم ~~السلطان وتولية أحمد أغا اليوسف. وسار مع الثوار يناوش مؤخرة الجيش، وانضم إليهم نحو ~~700 من المتطوعين بجيش إبراهيم، فذهبوا مع رفاقهم للانضمام إلى جيش الأمير بشير قاسم ~~الشهابي في طبريا، وهدم الجنرال جوكوموس جسر بنات يعقوب حتى يعرقل سير الجيش ~~المصري. # وفي المزيريب ارتاح الجيش ثلاثة أيام، وكان البرد شديدا، فقسم إبراهيم جيشه خمسة ~~أقسام؛ أحدهما بقيادة سليم باشا، والثاني بقيادة أحمد باشا الدرامه لي، والثالث بقيادة أحمد ~~باشا المنيكلي، والرابع بقيادة سليمان باشا الفرنساوي، والخامس بقيادته هو ذاته. وعين للقسم ~~الأول طريق شرق الأردن إلى غزة والعريش، وللثاني طريق الحج ومعان فالعقبة، ومنها إلى النخل ~~والسويس. أما هو - وكان قسمه مؤلفا من الحرس وفرسان الهنادي والباشبوزق - فجعل وجهته غزة ~~ليركب منها البحر إلى مصر. وتمكن إبراهيم - بحسن خطته ودقة نظام جيشه ونشاط ضباطه - من ~~أن يلعب بقواد الحلفاء الذين كانوا يتربصون له في الطريق، وأن ينفلت من بين أيديهم، حتى ~~قالوا في وصف ارتداده ورجوعه سالما إنه ربح أكبر معركة سلمية بالارتداد؛ لأن ~~الجنرال جاكوموس جمع على طريقه كل ما يمكن جمعه من القوات بما فيها قوات الثوار - ~~وهي أشد خطرا على الجيش المرتد من الجيش النظامي - ووقف بها في جهة جنين وجسر المجامع، ~~وقطع الطرقات الأخرى. ولكن إبراهيم باشا كان يتظاهر بالزحف في فلسطين، ثم يسير بعيدا شرقي ~~نهر الأردن والبحر الميت. على أن جيشه تحمل من أجل ذلك متاعب كبيرة جدا لا يتحملها جيش ~~آخر؛ لأنه كان يسير في الصحراء القليلة الماء والزاد، حتى اضطر الجيش إلى أكل لحم الخيول ~~والمواشي، وأن يعيش أياما على عشب البرية، وكانوا قبل وصولهم إلى السواحل كغزة والعقبة ~~يكافحون الجوع والعطش ولصوص البدو. وفي 25 ms161 يناير وصل القسم الأول من جيش إبراهيم باشا إلى ~~غزة. # أما جيش سليمان باشا، فإنه سار على طريق الحج، وكان يحسب أنهم يرسلون إليه من مصر بطريق ~~صحراء السويس الزاد والماء، ولكن هذا الأمل خاب، غير أنه وفق للعثور على الآبار، ونجا ~~وأوصل المدافع المائة والخمسين بخيولها سليمة إلى مصر. # ووصل إبراهيم باشا إلى غزة في 31 يناير، وأرسل إلى والده ليوافيه بحاجات الجيش، فأرسل ~~إليه ما طلب. وبلغ عدد الجيش الذي وصل إلى مصر 41 ألفا، منهم 30 ألفا عن طريق غزة والباقي ~~عن طريق العقبة والسويس، وكان آخر جندي غادر غزة في 19 فبراير سنة 1841. # أما اللبنانيون الذين كانوا في مصر، فإن محمد علي اتفق مع الأميرال نابييه في 27 نوفمبر ~~على إعادتهم إلى وطنهم، كما اتفق معه على إعادة الذين كانوا قد نفاهم إلى سنار في سنة ~~1840. # ومما يذكر عن هؤلاء المنفيين وعددهم 57 أميرا وشيخا وعينا، أنه لما ~~أبعدهم محمد علي إلى سنار، سلم قايد المركب الذي يركبونه كتابا إلى حاكم تلك ~~الجهة، فتشاوروا فيما بينهم - وهم في الطريق - لمعرفة ما في ذلك الكتاب؛ فإن كان شرا ~~فتكوا بجنود المركب ونجوا بأنفسهم في البرية، وإن كان خيرا واصلوا السير. فلما أخذوا ~~الكتاب واطلعوا عليه، وجدوا أن محمد علي يوصي بهم خيرا، وبأن يعاملوا معاملة حسنة، ~~فأعادوا الكتاب إلى حامله، وصرفوا مدة نفيهم معززين مكرمين، فلما عاد جيش ~~إبراهيم إلى مصر أرسل الأميرال نابييه ولده إلى محمد علي يطلب أولئك المنفيين، فأعادهم محمد ~~علي من السودان، وفي إبان عودتهم توفي منهم في صعيد مصر الأمير يوسف سليمان شهاب. # أما الجنود السوريون في جيش محمد علي، فكان المتفق عليه بين الأميرال تشارلس نابييه ~~وبوغوص بك وكيل خارجية محمد علي أنهم يرجعون إلى بلادهم حال وصول جيش إبراهيم إلى مصر، فبعد ~~مفاوضات طويلة بين القنصل الإنكليزي ومحمد علي، أمر محمد علي بإعادتهم، ووصل القسم الأول ~~إلى بيروت في شهر سبتمبر سنة 1843، ووصل القسم الثاني بعد شهرين، وكان عددهم جميعا ms162 نحو ~~عشرة آلاف. ~~••• # خرج جيش إبراهيم من سوريا عائدا إلى مصر بعدما أقام فيها من 31 أكتوبر 1831 إلى 20 ~~فبراير 1842، فاكتسح الجيش التركي في أربع معارك كبيرة، ولو شاء وشاءت أقدار السياسة لدخل ~~إستامبول، ولو شاء وشاءت السياسة لجعل هذا الحكم المصري من حدود النمسا إلى حدود إيران ~~فبحر الهند في آسيا، ومن مصر إلى الجزائر ومنها إلى زنجبار فالمحيط الهادي في أفريقيا. ~~ولكنه غادر مصر ولاية يولي الباب العالي عليها من شاء، وعاد إليها وحكم مصر مقرر بين ~~الدول لمحمد علي ولذريته بعده إلى ما شاء الله. # فماذا ترك بعده في سوريا من آثار السنين العشر؟ هنا وفي هذا الموضوع الذي لمسناه ~~مرارا إبان الكلام عن البطل إبراهيم، ندع الكلام للمؤرخ الفاضل سليمان بك أبو عز الدين ~~في كتابه «إبراهيم باشا في سوريا»، قال: # زالت حكومة محمد علي من سوريا بانسحاب جنوده منها، أما تأثيرها فلم يزل مع ذلك ~~الانسحاب؛ لأنها أحدثت في نظام الأحكام انقلابا عظيما، فأدخلت أنظمة جديدة على ~~الإدارة والقضاء والمالية والجندية، وكان لذلك تأثيرات جمة في حياة البلاد ~~الاجتماعية والأدبية والاقتصادية والإدارية والسياسية، منها ما كان بعيد المدى، ~~فاتصل تأثيره بوقتنا الأخير. # فمن التغييرات الاجتماعية التي نشأت عن حكم محمد علي: إطلاق الحرية الدينية، ونشر ~~الروح الديموقراطية بالضرب على أيدي الزعماء والمتغلبين ونزع السلطة من أيديهم، وإنشاء ~~العلاقة ما بين الشعب وحكامه مباشرة، وتأليف مجالس مشورة تمثل الشعب بعض التمثيل، ومع ~~حق النظر في الشئون المحلية بعد أن كان النظر في جميع الشئون منوطا بحكام ~~مستبدين. # وقد كان لوجود إبراهيم باشا في سوريا تأثير في بساطة المظهر بعد أن كان كبار البلاد ~~يباهون بالملابس الفاخرة والمظاهر الخلابة وكثرة الأتباع، وكانوا يقلدون في ذلك الحكام ~~العثمانيين. أما إبراهيم باشا، فكان ميالا بفطرته إلى بساطة المظهر والتخشن في المعيشة، ~~ولعل حياته الجندية زادته استمساكا بذلك. # ويروون أنه لما جاء إبراهيم باشا بجيشه إلى لبنان وحل بدير القمر، أقام في منزل ~~صغير، وذهب ذات ليلة لزيارة الأمير ms163 بشير زيارة غير رسمية، فلم يستصحب أحدا من حاشيته، بل ~~كان معه أحد خدمه، فقضى السهرة عند الأمير. وكان الأمير قبل ذلك لا يعهد في الوزراء سوى ~~مظاهر الأبهة والترفع عن الناس، فلا تتحرك ركابهم من مكان إلى مكان إلا وهم مرتدون ~~الملابس الفاخرة محوطون بالجند والعظماء. وكان الأمير نفسه ومن دونه من الزعماء يجرون ~~على الخطة ذاتها. أما بعد أن تلقى هذه الزيارة الودية من إبراهيم باشا، فلم يسعه إلا أن ~~يحذو حذوه. وبما أن إبراهيم باشا - وهو ابن عزيز مصر ورأس الحكومة السورية وقائد الجيش ~~العام - قد زاره ومعه خادم واحد، فحفظا للنسبة بين المقامين رد الأمير بشير الزيارة ~~لإبراهيم باشا وحده وليس معه أحد. # وفي عهد إبراهيم باشا طرح الأمير بشير وأولاده العمائم واستبدلوا منها الطربوش المغربي ~~اقتداء بمحمد علي وإبراهيم ورجالهما، فتبعهم في ذلك كبار البلاد وسواهم. # وقبل دخول إبراهيم باشا سوريا لم يكن مباحا للمسيحيين أن يلبسوا العمائم البيضاء أو ~~الخضراء أو الحمراء، وكانت محظورة عليهم أمور أخرى كثيرة. وكانت تولية النصارى أعمال ~~الحكم نادرة جدا، فأزالت حكومة محمد علي هذه الفوارق، وأباحت للمسيحيين كل ما يباح ~~للمسلمين من لباس، وركوب الخيل، ومن الحقوق الأخرى الاجتماعية والوطنية، وقلدت الكثيرين من ~~المسيحيين الوطنيين والإفرنج الوظائف في الجيش والدولة، ومنحتهم الرتب والألقاب. ~~ويروون عن حنا بك بحري الذي كان يتولى منصبا عاليا في حكومة سوريا، أن زملاءه ~~المسلمين ما كانوا يعاملونه بالإكرام الذي يستحقه منصبه، وكان محمد علي قد منحه رتبة ~~ميرميران، فشكا إلى إبراهيم الذي دخل مرة مجلسا ضم كبار القوم وبينهم حنا بحري ~~بك، فنهضوا واقفين، فقال إبراهيم باشا: «يا بك تفضل»، ولم يذكر اسمه، فتقدم موظف ~~آخر اسمه حافظ، فقال له إبراهيم: أنا أريد «بحري بك»، فلما دنا منه قرب مجلسه وأجلسه وأمر ~~الآخرين بالجلوس ، فبعد هذا الحادث صاروا يعاملون بحري بك بالإجلال. # ساوت حكومة محمد علي بين الرعايا على مختلف الأديان والمذاهب، ولم يكن قبلها يساوى بين ~~المسلم والذمي، وسوت بينهم بالضرائب والحقوق، ms164 ولكنها كانت تكلف النصارى دفع الخراج ~~مقابل تجنيد المسلمين. # وكان التضييق على المسيحيين الإفرنج شديدا، فلا يستطيع واحد منهم التجول في البلاد إذا ~~لم يكن مرتديا بالملابس الوطنية أو يحرسه الجند، حتى إن إنكلترا عينت المستر فلرين ~~قنصلا لها في دمشق في سنة 1829، فلم يستطيع دخول دمشق وأقام في بيروت إلى أن احتل إبراهيم ~~البلاد. # وقيام حكومة محمد علي في سوريا مهد السبيل لنهضة علمية أدبية؛ لأن تنظيماتها ~~تطلبت اختيار المتنورين لإدارة الأحكام والقيام بالأعمال القضائية والمالية ~~والإدارية والكتابية، وسهلت قدوم الإفرنج من مرسلين وتجار وسواهم، فأنشئوا ~~المدارس. # وأحدث إرسال طائفة من الشبان لدرس الطب في مصر واستخدام السوريين في حكومة محمد ~~علي، صلة أدبية دائمة بين الأمتين. # أدخلت حكومة محمد علي روحا علمية في البلاد، فأنشأت محجرا صحيا في بيروت والتلقيح ~~ضد الجدري، واعتنت بالصحة، وحفرت المصارف في المدن لصرف المياه الزائدة والأوساخ، ~~واستخدمت المهندسين لإنشاء الطرقات وسواها. ونشطت حكومة محمد علي الزراعة وغرس البساتين ~~والكرمة والزيتون والتوت وتربية دود الحرير، وحفرت المناجم كمنجم الفحم في قرنايل وآخر في ~~بزبدين ومنجم الحديد في مرجنا، ثم زراعة قصب السكر والنيلة والبن، ونشطت التجارة بتأمين طرق ~~المواصلات. # ومن حسنات حكومة محمد علي إدخال مبادئ النظام في الحكم، وتوزيع السلطات الإدارية ~~والقضائية، واختصاص كل هيئة منهما، وإزالة الحكم المطلق، وتعيين العدد الكبير من أبناء ~~البلاد في المناصب، فمرنوا على طرق الحكم الجديدة وتأليف مجالس المشورة في المدن، فألفوا ~~الشورى، ومد رواق المساواة. وكان حكم محمد علي أساسا «لخط كلخانة» الذي أصدره السلطان عبد ~~المجيد بالمساواة بين رعاياه. # كذلك العمل على إقرار الأمن في نصابه، فقبل حكومة محمد علي كان حبل الأمن مضطربا ~~والأشقياء يعيثون فسادا والقبائل تغزو الحضر، وكانت مكامن اللصوص على جميع الطرقات، حتى ~~إن المسافرين كانوا يضطرون أن يسيروا جماعات وهم شاكو السلاح للدفاع عن أنفسهم وأموالهم، ~~فألقت على عاتق رؤساء القبائل والعساكر وشيوخ البلاد تبعة ما يقع في دوائر ~~نفوذهم. # تلك بعض آثار حملة إبراهيم وحكم محمد علي في ms165 سوريا، والشر الوحيد الذي وقع في لبنان ~~من آثارها تأصل العدوان بين الدروز والموارنة؛ لأن الموارنة كانوا عونا لإبراهيم باشا ~~ضد الدروز، فكانت العداوة الطائفية التي أفضت إلى المذابح وإلى انتهاء عهد الإمارة في سنة ~~1860 و1863 والاستعاضة عن الإمارة المتوارثة في الأمراء الشهابيين بتعيين متصرف نصراني ~~للبنان، تقر الدول الست الكبرى تعيينه، وينتخب الأهالي مجلس إدارة إلى جانبه ليقرر ~~الميزانية والنفقات. # ولم ينس محمد علي وإبراهيم الأمير بشير حليفهما الذي سافر إلى مالطة مع أسرته، وبعد 21 ~~يوما من وصوله عينت له حكومة تلك الجزيرة قصرا فخما على بعد ثلاثة أميال من ~~المدينة. وقبل أن يخرج من المحجر الصحي، وقبل أن يستقر به المقام، أرسل إليه محمد علي ~~كتابا مع رسول رومي يقول له فيه: أنا باق على محبتك، وسأجعل مصلحتي كمصلحتك شفقة على ~~شيخوختك وحفظا لودك. وكانت المراقبة شديدة على الأمير، فأرسل إلى الرسول الرومي كاتم ~~سره بطرس كرامة، فأعطاه صورة الكتاب. ولما سأله عنه والي الجزيرة أطلعه عليه، ولم يستطع ~~أن يسلم الرسول رده على ذلك الكتاب إلى محمد علي. # وبعد إبرام الاتفاق بين الباب العالي ومحمد علي أرسل السلطان عبد المجيد فرمانا إلى ~~الأمير بشير يخبره فيه بالإقامة في إحدى جهات السلطنة ما عدا سوريا، وأرسل إليه الصدر ~~الأعظم رءوف باشا كتابا رقيقا، فاختار الإقامة في إستامبول حيث ظل إلى آخر حياته. # | الفصل الخامس عشر # الخاتمة # بعد عودة جيش إبراهيم باشا إلى مصر، وزع محمد علي هذا الجيش على أنحاء الوجه البحري ~~للاشتغال بزراعة القطن ولخفارة هذه الزراعة؛ لأن الأهالي لم يكونوا قد ألفوها، وكانوا ~~يفضلون عليها زراعة الحبوب، فكان دأبهم أن يقتلعوا ليلا البذور التي يزرعونها نهارا. وكان ~~1500 فلاح فرنساوي جاء بهم محمد علي من فرنسا يعلمون الفلاحين زرع القطن، وعين محمد ~~علي كل واحد من أولاده وأحفاده لرقابة مديرية، فكان إبراهيم يرقب المنوفية، ومحمد علي ~~ذاته اختص نفسه بالقليوبية. وكانت لإبراهيم مزارع خاصة يعنى بها كل العناية؛ لينفق من ~~دخلها على نفسه وبيته؛ ms166 لأن محمد علي كان يعيش عيشة الأمراء القدماء، فلا يعتمد على أموال ~~الدولة للإنفاق على نفسه، حتى أجمع المؤرخون على أن نفقة قصوره ودوره لم تتجاوز في سنة من ~~السنين عشرين ألف جنيه. واعتنى بعد الحروب بإنشاء مصلحة لهندسة الري، وإنشاء القناطر وحفر ~~الترع وتنظيم الصحة ومعالجة الفقراء مجانا، ووضع مشروع لإنشاء مساكن للفلاحين، وآخر ~~لإنشاء بنك وطني، وتجربة جميع أنواع النبات، وحفر المصارف، والإكثار من المدارس. وكذلك ~~إبراهيم ولي عهده كان يميل بطبعه إلى شظف العيش. وإبراهيم الذي ولد في سنة 1879 كان ~~قائد القوات البرية، كما كان أخوه سعيد باشا قائد ~~الأسطول بعد أن صرف ثلاث سنين في التمرن على أعمال البحرية، وقد وصفه لنا أحد مؤرخيه من ~~معاصريه، فقال: # كان ربعة القامة، قوي العضلات، واسع الصدر، عريض المنكبين، واسع العينين ~~البراقتين رماديتي اللون، مستطيل الوجه، طروب، إذا ضحك اهتزت أعضاء جسمه جميعا، ~~حتى يخيل إلى الناظر أن كل عضو من أعضائه يضحك، وإذا هو غضب تحول بركانا. جمع ~~البسالة والجود، وما أضاع في ساعة الشدة رباطة جأشه، وكل ما اشتد الأمر عليه ازداد ~~حلما وسكونا، وما رآه أحد بعد النصر تأخذه نشوة الفخر، بل يتملكه التفكير ~~الطويل لما يلي ذلك ولما يمكن أن يليه. كان يحب الزرع والنبات والشجر والغابات ~~إلى حد الغرام، فأكثر من ذلك في سوريا ومصر، وكان يكرر كلمة المملوك مراد بك «إذا ~~طلبت في مصر الذهب فانكش وجه أرضها»، وكان يتكلم التركية والعربية والفارسية، ولكنه ~~كان فخورا بعربيته ومصريته. نقل إلى التركية تاريخ نابليون بعنوان «دفيني أسرار ~~حكامي أوروبا»؛ أي كنز أسرار حكام أوروبا، وكان واسع الاطلاع في تاريخ أمم ~~الشرق. # ولاه والده إدارة بعض المديريات وهو في السادسة عشرة من عمره، فاكتسب خبرة ~~واسعة في الشئون الإدارية والأحكام. وكان إبراهيم - على مجده وعزته - كأصغر الناس ~~في حضرة والده ، فإذا أقبل عليه لثم يده، ولا يأخذ في المجلس مكانه إلا إذا أمره، ~~ولا يدخن في حضرته إلا إذا أباح له التدخين. وكان محمد ms167 علي يقابل ذلك بمثله، ~~فالألقاب التركية التي كان يلقب بها إبراهيم - كأمير الحرمين الشريفين - كانت ~~تجعل له المقام الأول بين أمراء الدولة العثمانية، فيقدم عليهم جميعا. والمفروض ~~على هؤلاء، إذا أقبل عليهم أمير الحرمين الشريفين، أن ينهضوا إجلالا له. فكان محمد ~~علي، إذا أقبل ولده إبراهيم عليه، انتظر دخوله واقفا تعظيما لرتبته وأذن له ~~بالسير معه في الحفلات والتشريفات الرسمية سائرا قبالته على صف معتدل. وكان ~~إبراهيم عماد الملك وقوام الأريكة وذراع محمد علي اليمنى ورأسه المفكر. ~~••• # أرسله والده مع أخيه الأكبر إلى أوروبا في سنة 1846 لانحراف صحته، فلما وصل خبر رحلته إلى ~~الملوك والأمراء وجهوا إليه الدعوة، وتلقى دعوة الملكة فكتوريا لزيارة إنكلترا وهو في ~~توسكانا في طريقه إلى فرنسا، وكان استقباله في توسكانا حافلا جدا، ولما وصل إلى باريس ~~كانت الحفاوة به فوق حد الوصف، فعرض ثلاثين ألف جندي في ميدان شان دي مارس، وقالوا في ~~وصف ذلك العرض: إن فرنسا لم تشهد مثله بعد نابليون الأول. وشهد العرض مع رجال الدولة ~~ثمانية من أمراء البيت المالك وست من الأميرات، فكان يوم 21 مايو سنة 1846 يوما مشهودا ~~في عاصمة فرنسا. # وزار ما زار من معاهد فرنسا - كما يقول إدوار جوان - دار الضرب الفرنساوية، فضربت بحضوره ~~مدالية، فإذا بها تمثل محمد علي باشا، وقد كتب تحت الصورة بالفرنساوية: «محمد علي مجدد ~~مصر.» ولزمه الدوق دي مونبانسيه الذي زار مصر في سنة 1845، ولقي كل إكرام إبراهيم باشا إبان ~~زيارته فرنسا، ودعاه لزيارة ميدان التمرينات العسكرية في سان نامور. فذهب إبراهيم باشا إلى ~~ذلك الميدان بمركبة ملكية ومعه الدوق دي نمور والبرنس دي جوانفيل، وقدم له الجواد اللازم ~~لركوبه، فإذا به الجواد الذي ركبه في معركة نصيبين، وكان والده محمد علي باشا قد أهداه في ~~سنة 1841 إلى ملك فرنسا مع 9 جياد أخرى عربية أصيلة. قال الذين وصفوا يومئذ تلك الحفاوة ~~بإبراهيم باشا: إنه نظر إلى الجواد فأحس الحاضرون أن أعصابه ترتعد وأن الدمعة حائرة في ~~عينيه، ولكنه ms168 وثب وثبة الأسد إلى ظهر ذلك الجواد الذي كان رفيقه في معركة نصيبين، وعرض ~~من مشوهي الحرب أمامه 2500 جندي وهم متقلدون سلاحهم، وكانوا من جنود الحملة الفرنساوية ~~في مصر، وأهدت إليه حكومة فرنسا يوم سفره وسام «اللجيون دونور»، ولكثرة إحساناته أطلقوا ~~عليه لقب «البطل المحسن»، وعند مغادرته باريس أعطى 12 ألف فرنك للفقراء. # إبراهيم باشا في ميدان عرض الجيش الفرنساوي بباريس. # وزار إبراهيم بعد ذلك لندن عاصمة الإنكليز إجابة لدعوة الملكة فكتوريا، فكانت الحفاوة به ~~كبيرة، وكانت الجماهير تتزاحم على طريقه لرؤية بطل نصيبين. وعرض أمامه هناك قسم من ~~الأسطول والجيش، وطاف بعض بلاد اسكتلندا. ولما عزم على العودة إلى مصر بعد سفر والده إلى ~~إستامبول، جعل طريقه على بلاد البرتغال، حيث زار الملك والملكة، ولقي كل حفاوة وإكرام، ~~وأهدى إليه الملك وسام البرج والسيف، ومن هناك عاد إلى مصر. # وكان سليمان باشا الفرنساوي يرافق إبراهيم باشا في رحلته إلى أوروبا، وسليمان باشا أو ~~الكولونيل سيف هو صاحب الكلمة المشهورة: «أحببت في حياتي ثلاثة رجال، وجعلت حبي لهم فوق كل ~~حب: والدي، ونابليون، ومحمد علي. وقد مات الاثنان الأولان، فانحصر حبي بمحمد علي.» وكان ~~محمد علي يقول: «سليمان ولد من أولادي، لا يخرج من مصر إلا إذا خرج منها محمد علي.» # وقد كان لإبراهيم ثلاثة أولاد: أحمد بك؛ ولد سنة 1825، وإسماعيل بك (الخديوي إسماعيل)؛ ~~ولد في سنة 1828، ومصطفى بك؛ ولد في سنة 1832. وكان له ولد رابع توفي طفلا وهو في حجر ~~إحدى الجواري السود برفصة جارية بيضاء كانت قد وجهتها إلى الجارية السوداء التي تحمل ~~الطفل الذي ولد بعد حرب الوهابيين، فحزن عليه إبراهيم حزنا شديدا. # أما إخوة إبراهيم، فهم: سعيد باشا قومندان الأسطول المصري؛ ولد في سنة 1822، وحسين بك؛ ~~ولد في سنة 1825، وحليم؛ في سنة 1826، وعلي؛ ولد في 1829، وإسكندر؛ ولد في 1831، ومحمد ~~علي؛ ولد 1833. # وفي سنة 1848 اشتد المرض والذهول على محمد علي، فذهب للسياحة في أوروبا، وتولى إبراهيم ~~أمر الحكم بموافقة الباب العالي، ولكنه توفي في شهر ms169 نوفمبر سنة 1848، فتولى الأمر عباس بن ~~طوسون بن محمد علي، وتوفي محمد علي في شهر أغسطس 1849 وهو في الثانية والثمانين من عمره. ~~وبحكمة محمد علي وبسالة إبراهيم وذكائه، وصلت مصر إلى حكم نفسها وحكم السودان، وانتهى ~~عصر الحروب والمعارك الذي بدأ في سنة 1798 بنزول الحملة الفرنساوية في مصر، وتجدد في ~~سنة 1807 بنزول الحملة الإنكليزية ثم بالحروب مع تركيا. ولولا تألب أوروبا على مصر لكانت ~~مصر الإمبراطورية العظيمة الشان. ويقول المسيو فرنسينيه: إذا كانت مصر لا تهدد بعد اتفاق ~~1841 توازن أوروبا، ومن أجل هذا التوازن حكم عليها ذلك الحكم القاسي بأن يعتبر الغالب ~~مغلوبا والمغلوب غالبا كما قال رئيس وزارة إنكلترا في مجلس نوابهم، ولكن مصر لا تزال ولن ~~تزال من مشاغل الأمم والشعوب. # ذلك هو البطل الفاتح إبراهيم الذي قاد جيش مصر من نصر إلى نصر، ورفع علمها عاليا في ~~كل مكان من كريد إلى البلقان ومن السودان إلى اليمن ونجد والحجاز وسوريا والأناضول. # | الوثائق السياسية الرسمية # عن حرب سوريا 1832-1833 # جمع القومندان جورج دوين وطبعت الجمعية الجغرافية تحت رعاية جلالة الملك الوثائق ~~السياسية الرسمية عن حرب سوريا في سنة 1831-1833 في ثلاثة مجلدات ضخمة. والمجلدان الأولان - ~~وكل واحد منهما يقع في نحو 700 صفحة - يتضمنان الوثائق الفرنساوية من تقارير القناصل ~~والسفراء ورجال البر والبحر، والبلاغات الرسمية المصرية، وأقوال الصحف الرسمية، وبلاغات ~~الحكومة المصرية ... إلخ، وما يقوله ويعمله قناصل الدول الأخرى وسفراؤها وحكومة مصر وحكومة ~~الباب العالي. # والمجلد الثالث بقلم أنجلو ساماركو في الموضوع ذاته، وهو يتضمن الوثائق السياسية الرسمية ~~الطليانية، وهذا المجلد هو المجلد الثامن للمؤلف ذاته عن حكم محمد علي في مصر، وهو الحكم ~~الذي يقول المؤرخ إنه بدأ في شهر يوليو من سنة 1804، والمجلد الواحد يقع في نحو 300 ~~صفحة. # ولا مندوحة لنا عن شكر المسيو مونيه سكرتير الجمعية، الذي تكرم علينا بهذه الوثائق ~~التي استمددنا منها الكثير عندما أخذنا ذكرى السنة المائة لفتح البطل الفاتح إبراهيم سوريا، ~~فتابعنا القراء في مراجعة تلك ms170 الذكرى مع الفخر والإعجاب. وذكرى البطولة والأبطال تشحذ الهمم ~~وتنير البصائر وتوسع الأفق لعيون الناظرين الذين يتخذون من الماضي عبرة للحاضر ومن ~~الحاضر سراجا هاديا للمستقبل. وقد أحسنت الجمعية الجغرافية كل الإحسان بعنايتها بنشر ~~هذه الوثائق كلها؛ فإن التاريخ المصري بأشد حاجة إليها، ولأن هذا التاريخ مجهول، ولأن ~~الموجود منه قلما يستند إلى وثيقة رسمية، فهو «روايات الأفراد» لم تمحص. أما الآن - وهذه ~~الوثائق تنشر تباعا - فلنا الأمل أن نتوصل بعناية جلالة الملك المعظم الذي وضع العمل تحت ~~ظله ورعايته، إلى أن تكون لنا مكتبة تاريخية كاملة تحتوي على الوثائق الرسمية، فيستمد منها ~~الكاتبون والمؤرخون، ويعرف منها المصريون التاريخ الصحيح لبلدهم ورجال هذا البلد. # ولم يكن بالإمكان الوصول إلى هذه الغاية بغير عناية جلالة ملكنا وهمة المؤلفين المؤرخين ~~العلماء، كالقومندان دوين صاحب المؤلفات الشهيرة عن مصر والبحر المتوسط وحملة بونابرت ~~وأسطول محمد علي ومصر المستقلة والبعثة الفرنساوية العسكرية في جيش محمد علي، ومهمة البارون ~~بواليكنت عند محمد علي (1833)، وإنكلترا في مصر (1807)، ومحمد علي وحملة الجزائر ~~(1829-1830)، وإنكلترا ومصر وسياسة المماليك (1803-1807). وقد راعى القومندان دوين في نشر ~~الوثائق أن يصدر كل فصل بخلاصة تاريخية يجعل الوثائق وفصولها سندا لها. # ولا مندوحة لنا في هذا المقام عن التنويه بفضل حضرة صاحب السعادة أمين سامي باشا صاحب ~~تقويم النيل؛ فقد جمع في المجلدات الثلاثة المتقنة التي أصدرها وثائق رسمية ذات قيمة ~~كبيرة يستطيع الكاتب أن يرجع إليها وأن يعتمد عليها في تدوين تاريخ حياة مصر التي جددها ~~ذلك الرجل النابغة محمد علي، سواء كان غرض الكاتب أن يراجع تاريخ الدارس أو الضائع أو ~~الحروب أو الفتح أو الزراعة أو أي فرع من فروع الحياة. # على أن «الدفترخانة» المصرية لا تزال طافحة غاصة بمثل هذه الوثائق التي لم تترجم، ~~وأكثرها باللغة التركية القديمة. وهذه اللغة تزول الآن وتضمحل وتحل محلها اللغة الحديثة، ~~لا بصور الحروف فقط، بل بالتعبيرات التي تنقل عن الإفرنجية. وإذا كانت وزارة المالية تستخدم ~~بعض المترجمين، فإن عددهم قليل لا ms171 يكفي للقيام بهذه المهمة. والحجة بقلة المال حجة غير ~~قائمة؛ لأن النفقة قليلة، والفائدة من وراء ذلك كبيرة جزيلة. وهذه الفائدة التي يمكننا ~~الوصول إليها اليوم قد تفوتنا غدا للسبب الذي بسطناه، فالمأمول بوزارة المالية ألا تضن ~~بالمال القليل لاستخراج تلك الكنوز من كنانها. # | تعليقات # ننشر تحت هذا العنوان ما علقه بعض القراء على فصول هذا الكتاب حسب التواريخ التي ~~وردت فيها يوم نشرها: # تصحيح تاريخي # جاء في العدد 6981 من «الأهرام» في سياق ذكرى البطل الفاتح إبراهيم باشا، أن المرحوم ~~إبراهيم باشا قال للمرحوم رشيد باشا: «إن السلطان محمد الفاتح ارتقى على العرش وهو في ~~السابعة من عمره.» # والحقيقة أن الذي ارتقى على العرش من سلاطين آل عثمان في السنة السابعة من عمره هو ~~السلطان محمد الرابع بعد خلع وقتل والده السلطان إبراهيم. # أما الفاتح، وهو السلطان محمد الثاني، فقد جلس على العرش في المرة الأولى بعد تنازل ~~والده السلطان مراد الثاني وعمره أربع عشرة سنة، وبعد ذلك عاد والده وتسلم العرش ~~إلى أن توفي، فعاد الملك لمحمد الثاني وعمره إحدى وعشرون سنة. وبعد نحو سنة من جلوسه ~~على العرش فتح القسطنطينية، وأخذ اسم ولقب الفاتح، حتى إن كلمة الفاتح وحدها تعني ~~عند الأتراك: محمد الثاني ابن مراد الثاني. # دكتور علي حلمي # مدير القسم الطبي بالسجون سابقا # الأهرام: # لم يكن من حقنا التغيير لنص الحديث، ~~فأوردناه كما هو. # البطل الفاتح إبراهيم والشعراء # عزيزي ... # بمناسبة نشر تاريخ حروب إبراهيم باشا في سوريا وآسيا الصغرى، وما أظهره من ~~المقدرة الحربية والبسالة، يلقبه مؤرخو رجال الحرب الإنكليز بطل قونيه وترب، ~~ولدى انتصاراته العظيمة في سوريا أتذكر هذه الأبيات من قصيدة نظمها بطرس كرامة شاعر ~~الأمير بشير وكاتم سره يمدح بها البطل إبراهيم باشا، قال: # عرج أخا البأساء نحو بني العلي # والثم ثرى أعتابهم متذللا # وابسط أكف رجاء كسرك عندهم # واجر الدموع على الخدود توسلا # ودع التعجب من شجاعة من مضى # من قبل واترك عنترا ومهلهلا # وزن الرجال فإن في أفرادها # من لا ms172 يزان بألف ليث في الملا # لو قيل إبراهيم جاء محاربا # سقطوا ولو كان الكلام تقولا # فى عدله ترعى الضواري والظبا # وبحلمه أضحى الزمان مجملا # ومنها يصف بسالته: # لو شام حر لهيبها إسكندر # لاندك محكم سده # 1 # وتفصلا # وفي الأخير: # من خبر الأتراك أن جيوشهم # كسرت وأن حسينهم ولى إلى # هل يغلب الأسد المجرب ثعلب # مهما استعان بحيلة وتحيلا # ومنها يظهر للملأ تعلق السوريين بإبراهيم باشا وإعجابهم بشجاعة وبسالة جنوده ~~المصريين. كذلك أتذكر أغنية سمعتها من بعضهم رووها عن آبائهم الذين كانوا ~~متجندين مع جنود إبراهيم باشا من السوريين، كانوا ينشدونها أثناء سيرهم: # هيا بنا هيا بنا # للحرب نلقى ضدنا # نحن السيوف الباترة # نحن الأسود الكاسرة # من أرض مصر القاهرة # جئنا وقد نلنا المنى # بارودنا شراره # يشوي الوجوه ناره # وعزمنا بتاره # من العدا تمكنا # هذا ما رغبت أن أذكره لكم كأثر تاريخي مع إعجابى بما خطه قلمكم عن هذا الفاتح ~~العظيم والقائد العسكري الكبير. # إسكندر حداد # الأهرام: # إن الشعراء الذين نظموا القصائد في ~~إبراهيم باشا وأعماله كثيرون، كذلك القصيد الذي كان ينظمه العامة. # أمين الجندي لا بطرس كرامة # حضرة صاحب الأهرام # إن ما نشرتموه من قلم إسكندر أفندي الحداد في عدد «أول أبريل» عن بطرس كرامة ~~وإبراهيم باشا، هو خلاف المقرر عندنا؛ فإن القصيدة التي مطلعها: # عرج أخا البأساء نحو بني العلى # والثم ثرى أعتابهم متذللا # هي على ما نعلم من نظم الشيخ أمين الجندي الشاعر الحمصي المعروف، وهي محفوظة ~~عند أحفاده من عهده، وقد قرأتها خطا من 48 سنة، وهي قصيدة طويلة عرض بها ~~الشيخ أمين الجندي بالترك تعريضا لم يلمسه قلم بطرس إبراهيم كرامة. # وقد قدم الشيخ أمين هذه القصيدة لإبراهيم باشا على أثر كسره الجيوش العثمانية في ~~ميدان المشرع غربي حمص، وهي واقعة فاصلة - في سوريا - بين الجيوش التركية والجيوش ~~المصرية. ولم يصب الشيخ أمين ضرر من جراء نظم هذه القصيدة لما تقلص ظل ~~الدولة المصرية عن ربوع الشام؛ وذلك نظرا لما لأسرة الجندي من المكانة في ~~البلاد، ms173 فقد كانوا حكام البلاد، وكان أسلافهم يقتطعونها إقطاعا كما في عهد الإقطاع ~~في أوروبا. لهذا السبب كان الشيخ أمين شاعر آل الجندي وشاعر الحمصيين قبل إبراهيم ~~الحوراني في مأمن من غائلة الترك. وبهذه المناسبة أذكر ما كان أجدادنا وجداتنا ~~يتلونه علينا من السمر في ليالي الشتاء عن المعارك التي خاض إبراهيم باشا غمارها في ~~تلك الربوع، وعن أحكامه في حمص وإنشاءاته الكبيرة التي رأيناها رأي العين، وبعض ~~أجدادنا شهد معاركه وخدم في جيشه، وقد ألفنا ذلك منذ نعومة الأظفار، وكانوا يمدحون ~~حكمه كثيرا. # مصر، حنا خباز # روفائيل فارحي الملقب بالصراف # نتجرأ أن نلفت أنظار حضرتكم إلى ما يأتي: قد سردتم في أحد فصول ذكرى البطل الفاتح ~~إبراهيم باشا التي تنشر تباعا بالأهرام الأغر، أسماء الأعضاء الذين انتخبوا لتأليف ~~ديوان المشورة بدمشق الشام، مع بيان أسمائهم وألقابهم فردا فردا. وقد اكتفيتم بذكر ~~اسم الخواجة روفائيل الصراف المنتدب عن الطائفة الإسرائيلية، مع أن الموما إليه هو ~~عميد العائلة الفارحية والمعروف بالمعلم روفائيل فارحي، وهو الذي كانت بعهدته آنئذ ~~مالية ولاية سوريا، وكان معينا لأجلها من لدن حكومة ساكن الجنان السلطان ~~محمود. # خضر متلون # ذكرى البطل إبراهيم # سيدي رئيس تحرير جريدة الأهرام الغراء # بمناسبة ما جاء في مقالكم الرابع تحت عنوان: منذ مائة سنة «البطل الفاتح إبراهيم ~~وفتحه الشام»، المنشور بعدد 22 فبراير وتولية المغفور له السيد محمد شريف باشا والي ~~ألوية الشام، رأيت - إنصافا للتاريخ - أن أذكر شيئا عنه، فلقد لعب دورا خطيرا مع ~~البطل الفاتح المغفور له إبراهيم باشا. # بعد أن استتب الأمر لإبراهيم باشا في سوريا ثلاث سنوات، طلب من الأمير بشير ~~الشهابي الكبير حاكم لبنان أن يجند من دروز ولايته ألفا وستمائة؛ لينتظموا في سلك ~~الجند النظامي المصري. وكان إبراهيم باشا يظن أن التجنيد في سوريا كالتجنيد في مصر، ~~ولكنه أخطأ الظن؛ لأن السوريين كانوا بعيدين عن التجنيد القانوني، لأنهم استعاضوا عنه ~~بشهود الحرب بأنفسهم عندما يستصرخهم حكامهم. # فجمع الأمير بشير زعماء الدروز وأراهم أمر إبراهيم باشا لتجنيد الشبان ms174 من ابن خمس ~~عشرة إلى خمس وعشرين، وألح عليهم بالطاعة فأبوا جميعا، فتوسط في الأمر مع إبراهيم ~~باشا فلم يفلح، بل ألحف وقدم بعشرة آلاف جندي إلى بيت الدين، فاضطر الأمر إلى جمع ألف ~~ومائتي شاب من الدروز وأرسلهم إلى عكا جبرا، فانتظموا في الجيش المصري، وأرسل بعضهم ~~إلى المدارس الحربية في مصر. # فأوغر ذلك صدور الحورانيين الدروز وغيرهم، وأوجسوا خيفة، وتحفزوا للمناوأة إذا طلب ~~منهم مثل ذلك، إلى أن جاءت سنة 1835 فكتب إبراهيم باشا إلى السيد محمد شريف باشا والي ~~دمشق يأمر بتجنيد الدروز في حوران كما جندوا في لبنان وألح عليه. # فاستقدم شريف باشا شيوخ حوران، وفي مقدمتهم زعيمهم الأكبر الشيخ يحيى حمدان، وتفاوضوا ~~بذلك في مجلس عقد لهم فأبوا، فأخذ ينصحهم بالإخلاد إلى الطاعة لأنها أفضل من العصيان. ~~فأشار إليه الشيخ يحيى حمدان أن يستبدل التجنيد بمال؛ لأن الشبان يردون غارات العرب ~~عنهم، وأن يخاطب بذلك إبراهيم باشا، وأظهر حدة في الكلام، فقابله شريف باشا بصفعة على ~~وجهه، فكظم غيظه وأظهر الطاعة مرغما، وذهب مع رجاله وهم يرغون ويزبدون من هذه الإهانة، ~~فلما وصلوا الجبل وأوقفوا الشيوخ على ما جرى، أجمعوا على العصيان وأعلنوا الثورة ~~بموافقة رئيسهم الروحي الشيخ إبراهيم الهجري. وكان شيخ نجران حسين أبو عساف أول من جاهر ~~بإيقاد الثورة، ولذلك فاوضوا عرب السلوط المخيمة عندهم لمساعدتهم، فجمعوا ألف رجل منهم ~~ومائتين من العرب ليقاوموا التجنيد، فبلغ ذلك شريف باشا وإبراهيم باشا، فتأهبا لتجنيد ~~الدروز غصبا. # فأرسل إبراهيم باشا جندا من الهوارة والصعايدة بقيادة علي أغا البيصلي أبو الرجيلي، ~~يصحبه عبد القادر أغا أبو حبيب الدمشقي متسلم حوران وجبل الدروز، فجمعوا الشيوخ وطلبوا ~~منهم تسليم الشبان للتجنيد، فأبوا وخرجوا عازمين على الحرب. # ففاجأ الدروز عسكر إبراهيم باشا في محلة «التعلة»، وكانوا نحو أربعمائة فارس، وقتلوهم ~~إلا القائد فإنه نجا مع بعض الفرسان، فتعقبهم إبراهيم الأطرش عم إسماعيل جد الطرشان ~~وشبلي أغا العريان زعيم دروز راشيا الذي قدم لذلك القصد وفندي عاصر. والعاصريون هم بعد ms175 ~~الطرشان في المنزلة، فقتل إبراهيم الأطرش والمتسلم أبو حبيب في هذه المناوشة، فاشتد ~~الدروز إصرارا على المقاومة. # ولما نما خبر هذا العصيان إلى إبراهيم باشا، قرر محاربة الدروز. وكان الدروز قد ~~أعدوا عدتهم للمحاربة والدفاع عن جبلهم الحصين بمعاقله الطبيعية وحفظ استقلالهم الذي ~~كانت صخور جبال حوران تساعدهم عليه؛ لوعورة مسالكها ومشقة قطعها، فانضم إليهم بعض ~~اللبنانيين سكان وادي التيم وإقليم البلان الذين راسلوهم بإيقاد النيران بإشارات خاصة ~~على عادتهم. وهكذا كانت مقدمات الحرب التي بقيت تسعة أشهر مشتعلة الضرام قتل فيها ~~الكثير من الفريقين. # وما أمكن إبراهيم باشا التغلب عليهم، حتى قدم بنفسه على رأس عشرين ألفا من ~~الأرناءوط والأكراد والأتراك، وحاصر الجبل وضيق عليهم الخناق، ولكنهم لم يخافوا، بل ~~هاجموا عسكره بقيادة زعيمهم حسين درويش، فشتتوا شمله واستولوا على الذخائر والمدافع ~~والمؤن والبنادق، وأسروا أربعة قواد كبار وعشرين ضابطا. # فصار إبراهيم باشا يعود المرة بعد الأخرى إلى نهب قراهم وتدميرها والتنكيل بهم، مع ~~المحافظة على الأطفال والنساء والشيوخ، فضايقهم كثيرا حتى ارتئوا تحويل الحرب إلى وادي ~~التيم وما يجاوره؛ لتفريق شمل الجيش المصري وإرهاقه، بعد أن ثار عليه شمالي سوريا واضطر ~~لمحاربة العثمانيين فيه. فلما ضاق ذرع الدروز في حوران، لا سيما بعد نفاد المؤن، عزموا ~~على تحويل الحرب إلى وادي التيم وإقليم البلان، فأرسلوا شبلي العريان إليها ليلهي شريف ~~باشا عنهم، ولكن إبراهيم باشا فطن لذلك، فأرسل إليهم الأمير مسعود ابن الأمير خليل ~~الشهابي ابن الأمير بشير الكبير، فأخمد ثورتهم وعاد إلى لبنان ظافرا. # وفي يوم الخميس 7 تموز تسلم إبراهيم باشا اللجاه من الدروز وأخذ ينظم شئونه. وفي 11 ~~منه عاد إلى دمشق ودخلها باحتفال عظيم. # ولما عاد السيد محمد شريف إلى مصر لتولي منصب مدير المالية في عهد المغفور له ~~محمد علي باشا - وهو أول مدير للمالية، وكان ذلك في سنة 1841 - استصحب معه قرينته ~~المرحومة فاطمة هانم العظم من آل العظم الأمجاد بسوريا، والتي توفيت بمصر بعد أن أسست ~~الجامع المعروف باسم «جامع الشامية» ms176 بشارع الدواوين أمام وزارة الداخلية الآن. # وقد توفي إلى رحمة ربه المغفور له السيد محمد شريف باشا في سنة 1280 هجرية، ودفن ~~بجوار مدافن العائلة المالكة بقرافة الإمام الشافعي رضي الله عنه. # هذا ما أردت ذكره إنصافا للحقيقة والتاريخ. # مصر، باب البحر # عطية علي شلبي # الجيش المصري في حرب القريم لسمو الأمير عمر طوسون # الإسكندرية في 12 أبريل، لمراسل الأهرام الخاص. كان للمقالات المتسلسلة التي نشرتها ~~الأهرام أولا عن الثورة العرابية ثم عن البطل الفاتح إبراهيم باشا وفتحه لسوريا ~~والأناضول، فائدة جلى عند جمهور من القراء ممن لم يكن يتيسر لهم قراءة تلك الذكريات ~~التاريخية المجيدة، مجموعة منسقة بالشكل الذي أبرزها فيه كاتبها البليغ على صفحات ~~الأهرام. # وكان في مقدمة المهتمين بهذه المقالات حضرة صاحب السمو الأمير الجليل عمر طوسون، وهو ~~- كما يعرف الجميع - من كبار الباحثين في تاريخ مصر الحديثة، ويميل إلى إبراز ما انطوى ~~من ذكر المآثر المصرية في هذا التاريخ وغيره. # وقد كتب سموه أخيرا - لمناسبة الذكريات التي تنشر في الأهرام - مقالا طويلا جزيل ~~الفائدة عن الجيش المصري في حرب القريم، وهو عبارة عن صفحة مجيدة من تاريخ مصر، يبرز ~~فيها اشتراك جيش مصر البري والبحري في حرب سيباستوبول بين سنتي 1853 و1855. # وهذا الاشتراك - كما يقول سموه - لا يحلم به في أيامنا هذه إلا العدد القليل من ~~المصريين؛ لذلك رأى من الخير والفائدة أن يبين بإيجاز قصته، ولا سيما أن ذلك العمل ~~الحربي المجيد كانت له نهاية مشرفة للجنود المصرية. # وسيتحف الأمير الجليل قراء الأهرام بهذا المقال الممتع بعد أن تتم مقالات ذكرى ~~الفاتح إبراهيم باشا. # ذكرى البطل إبراهيم # جاء في تعليق الأديب عطية علي شلبي على ثورة حوران التي وردت في إحدى مقالات ~~«الأهرام» الخاصة بالبطل إبراهيم باشا، أن إبراهيم باشا أرسل إلى الحورانيين ~~الدروز قوة من الهوارة والصعايدة بقيادة علي أغا البيصلي أو الرحيلي ... ~~إلخ. # وتصحيحا لاسم هذا القائد، أذكر أن اسمه الحقيقي علي أغا البصيلي، نسبة إلى ~~بلدة البصيلية مركز إدفو بأسوان. ونذكر ms177 بهذه المناسبة أن هذا القائد كان من ~~القواد العظام المعروفين بالشجاعة وبعد النظر، وقد أكبر فيه المغفور له ~~إبراهيم باشا هذه الصفات، فاستصحبه معه في السودان وفي حروب الشام، وكان يعول ~~عليه كثيرا. # والمرحوم علي أغا البصيلي هو جد حضرة صاحب السعادة هرون سليم باشا مدير ~~الدقهلية من جهة والدته. # هذا بعض ما عن لي ذكره بهذه المناسبة، أرجو نشره للحقيقة ~~والتاريخ. # مؤرخ # اقتراح # حضرة رئيس تحرير جريدة الأهرام الغراء # قد تتبعت باهتمام كبير مقالاتكم الافتتاحية بخصوص أعمال البطل والفاتح العظيم ~~«إبراهيم باشا»، مما جعل الجميع يعجبون ببسالته ويذكرون أعماله المجيدة الخالدة بالفخر ~~والإجلال. # ولي اقتراح متواضع لعله يحوز قبولا من أولي الأمر، وخصوصا صاحب الدولة المجدد ~~الكبير ورجل الساعة في مصر صدقي باشا. # أما الاقتراح فهو تسمية الميدان الذي يوجد فيه تمثال البطل الكبير بميدان «إبراهيم ~~باشا»، وكذا تسمية شارع كامل باسمه، وذلك لسببين وجيهين: ~~(1) # لأن كاملا المسمى باسمه الشارع لا ذكرى له في تاريخ مصر ولا أهمية له، ~~بخلاف البطل الكبير والد المغفور له الخديوي إسماعيل باشا وجد جلالة ~~المليك المحبوب. ~~(2) # لأن أغلب الناس، وخصوصا العامة منهم، يسمون التمثال المقام للبطل العظيم ~~بأبي أصبع؛ وذلك لجهلهم معرفة صاحبه، وعندما يسمى الميدان والشارع باسمه ~~تبطل هذه التسمية غير اللائقة بالفاتح الكبير. # ولهذا كتبت هذه الكلمة ولي الأمل الكبير أنكم لاهتمامكم بسيرة البطل العظيم إبراهيم ~~باشا تحبذونها وتطلبون من الحكومة تنفيذها. # وإني أعبر عن رغبة كثير من شباب مصر لحبهم لشبل محمد علي العظيم منشئ مصر الحديثة وجد ~~صاحب الجلالة المليك المعظم حفظه الله. # ملازم أول حكيم تناغو # أشقودرة وأسكدار # قرأت في المقال العاشر من مقالات ذكرى فتح سوريا والأناضول التي تنشرها «الأهرام» ~~تباعا، مدبجة بيراعة رئيس تحريرها المفضال، قول ساكن الجنان محمد علي باشا لقناصل ~~الدول عقب تدخلهن لمنع الجيش المصري من مواصلة الزحف إلى الآستانة: «إذا ظل الباب ~~العالي على المطل والتسويف، فلا قوة تمنع ابني من الوصول ~~إلى أشقودرة ...» إلخ. فلم تمر بي حينما وقع نظري على ms178 ~~كلمة «أشقودرة» خلجة شك في أن ورودها بهذا الاسم كان سهوة من سهوات القلم في مثل هذا ~~الموضوع الذي لم يتناوله الكاتبون بالبحث والتمحيص من قبل. # فليست أشقودرة هي البلد الذي فاه محمد علي باسمه في حديثه مع أولئك القناصل؛ لأنها من ~~بلاد الدولة العثمانية البائدة في غرب تركية أوروبا، حيث كان يتألف منها مع ولايتي ~~قوصوة ويانيا قبل الحرب البلقانية الأخيرة بلاد ألبانيا. والمعروف أن الطريق بين معسكر ~~الجيش المصري في أطنة وبين أشقودرة يمر بالآستانة، فإذا بلغها وقضى لبانته من فتحها، ~~فما الذي يضطره إلى تركها من ورائه للزحف على أشقودرة، وهو ما لا تدعوه إليه حاجته بعد ~~سقوط البلاد كلها في قبضته باستيلائه على عاصمتها؟ # يبقى إذن أن يكون اسم البلد الذي فاه به محمد علي في حديثه مع قناصل الدول هو أسكدار ~~لا أشقودرة، فإن أسكدار (كريزوبوليس القديمة) قائمة على الساحل الآسيوي من البسفور تجاه ~~الآستانة، والمرور فيها ضربة لزام على من يبغي دخول الآستانة ذاتها؛ لأنها منها كالعتبة ~~من الدار. وإذا خلط الكاتب بين الاسمين أسكدار وأشقودرة، فما هو إلا لأن البلدتين ~~(أشقودرة القائمة على البحيرة المعروفة بهذا الاسم في ألبانيا وأسكدار الماثلة أمام ~~الآستانة في بر آسيا) يطلق الفرنجة عليهما اسما واحدا هو: # Sculari ~~، بلا مميز لفظي لإحداهما عن الأخرى. # فعسى أن يلاحظ المفضال كاتب تلك الفصول الممتعة تصحيح ذلك الاسم عند طبعها في مجلد ~~واحد. # محمد مسعود # ذكرى إبراهيم باشا: كلمة «الأهرام» # اليوم تحتفل الحكومة المصرية، بل الأمة المصرية وعلى رأسها جلالة صاحب العرش، الملك ~~فؤاد الأول - أيده الله بروحه وأيد به عرشه وعرش أجداده العظام - بذكرى السنة المائة ~~لفتح البطل إبراهيم حصن عكا في 27 مايو سنة 1832. وحصن عكا هو مفتاح البلاد السورية ~~كلها، عاد عنه نابليون بعد حصار طويل، وامتلكه إبراهيم بعد حصار دام من 2 نوفمبر سنة ~~1831 إلى 27 مايو سنة 1832. وكان إبراهيم إبان الحصار يخضع المدائن والأمصار وينظم ~~الشئون ويبسط القانون والنظام، فلم يكن إبراهيم فاتحا عسكريا، بل ms179 كان مصلحا ~~إداريا ينبت العشب تحت أقدام جواده وينبثق الخير من ظل يديه ويروق رواق العدل حيثما ~~حل وحكم. فلم يحمل من مصر إلى الأقطار والأمصار التي خضعت لقوته ولحكم والده سلطة ~~الرهبة والترهيب، بل حمل إليها أحدث أنظمة العمران والحضارة والتعليم والتهذيب والإخاء، ~~عاملا بأمر والده إليه: «أنت رجل تعامل الناس حيثما حللت معاملة الرجال.» # اليوم وحكومة البلاد تحتفل بذكرى السنة المائة لفتح البطل المصري عكا وعاصمة البلاد ~~تتألب للاحتفال بذكرى هذا البطل الفاتح المصلح أمام تمثاله، يتاح «للأهرام» التي ~~تقدمت بإحياء ذكرى السنة المائة لفتحه سوريا والأناضول وبسطت فضله وفضائله ونبوغه ~~وعبقريته وشجاعته وبسالته وإصلاحاته، أن تفخر بأنها أدت له حقه المقدس، وأن أعاظم رجال ~~الدولة يؤدون له اليوم هذا الحق. ويخيل إلينا أن أبا مصر ومجدد شبابها محمد علي ~~ليطل على حفيده الملك فؤاد المحتفل بذكرى جده البطل الفاتح والفاتح المصلح قرير ~~العين كإطلاله من جامع الغورية على ابنه إبراهيم بعد فتح الدرعية عاصمة الوهابيين ~~ودخوله العاصمة بموكب حافل من باب النصر وعلى رأسه الطلخان السليمي وقد أرخى لحيته، ~~فدمعت عينا ذلك الأب العظيم دمعة الفرح، وسار وراء ذلك الموكب الفخم حتى القلعة، وهناك ~~تلقى هو ذاته ولي عهده الذي غادر مصر وهو دفترادرها ومفتش إدارة أقاليمها ورئيس مجلس ~~شوراها، فعاد وهو والي جدة وخادم الحرمين الشريفين وفاتح الدرعية وبلاد العرب حتى خليج ~~فارس، ولما يتم الثامنة والعشرين. # أجل في ذلك اليوم العظيم الشان في تاريخ مصر دمعت عينا محمد علي دمعتين؛ إحداهما دمعة ~~الحزن على طوسون فاتح المدينة وقد توفاه الله في شرخ الشباب، والثانية دمعة الفرح للبطل ~~الذي أتم عمل أخيه واهتز العالمان الغربي والشرقي لعمله. ولما انتظر هذان العالمان من ~~وراء ذلك العمل، وقد وقع ما انتظراه اليوم ليضع جلالة الملك فؤاد إكليل الغار والورد ~~على تمثال جده البطل الفاتح تذكارا لفتح حصن عكا في 2 مايو سنة 1832، ولكأنما هذا ~~الإكليل يتناول ذكريات جليلة لا تقل عظمة ومجدا. # يتناول ذكرى فتح الدرعية عاصمة الوهابيين ms180 في 15 ديسمبر سنة 1818 وذكرى وصوله إلى ~~القاهرة في 9 ديسمبر، فدامت الأفراح في طول البلاد وعرضها أسبوعا كاملا. # وذكرى اكتشافه النيل الأبيض الذي سمي باسمه في سنة 1821. # وذكرى استيلائه في 11 مايو سنة 1825 على حصن نافارين في بلاد المورة. # وذكرى استيلائه في 23 يونيو على تريبوليزا عاصمة المورة. # وذكرى استيلائه في 22 أبريل سنة 1826 على قلعة مسولويغي. # وذكرى فتح دمشق في 16 يونيو سنة 1832. # وذكرى 18 يوليو بفتح حمص والانتصار على الباشاوات العشرة. # وذكرى 29 يوليو بفتح مضيق بيلان والانتصار على جيش السر عسكر. # وذكرى معركة قونيه في 21 ديسمبر. # بل ذكرى أكبر معركة في حروب ذاك الزمن، وهي معركة نصيبين في 30 مايو سنة 1839. # هذه الذكريات جميعا، وقد بسطت «الأهرام» أطوارها للقراء، قد تجتمع اليوم بذكرى فتح ~~عكا في 27 مايو. # وفي فتح عكا كان إبراهيم - مثله في كل فتح آخر - يقرن البطولة بالرجولية والعفو عند ~~المقدرة، فقبل أن يقرر الهجوم على الحصن أرسل إلى عبد الله باشا والي عكا يدعوه ~~للتسليم فأبى، فأمر بالهجوم في صباح ذاك اليوم. ولما رأى شدة دفاع الحامية وتقهقر ~~فريق من الهاجمين، شهر سيفه وتقدمهم، فتحمس الجنود وظلوا يقاتلون ويدخلون ثغرات ~~الحصن، حتى إذا ما دنا المساء تقدم إلى إبراهيم باشا وفد من أعيان المدينة يعلن ~~تسليمها، وتلاه وفد آخر من قواد المدافع وآخر من العلماء يطلبون العفو عن رجال الحامية، ~~فعفا إبراهيم باشا عن أرواحهم وأموالهم، وأبقى لهم سلاحهم، وضمن لعبد الله باشا حياته ~~وراحته. وعند منتصف الليل وصل عبد الله باشا إلى خيمة إبراهيم باشا مع الأميرالاي سليم ~~بك، فقابله بالإجلال وبما يقابل به الوزراء، ثم ركب معه إلى قصر البهجة ... إلخ. وفي 29 ~~مايو سافر عبد الله باشا إلى مصر، فأرسل محمد علي لركوبه زورقه الخاص، وأمر بإطلاق ~~المدافع تحية له، وخصص له دارا خاصة، ولما جاء القاهرة أنزل في قصر بالروضة. # وهكذا يعامل الأبطال الأبطال، وهكذا يعيش الأحياء بموتاهم. # ولما وصل خبر استيلاء إبراهيم باشا ms181 على عكا، أمر محمد علي بأن تقام الأفراح ثلاثة ~~أيام كأيام الأعياد الكبيرة، وبأن تطلق مدافع القلاع والبنادر ثلاث مرات في كل يوم من ~~الأيام الثلاثة، وبأن يعلن ذلك لجميع أنحاء البلاد، ولكل واحد من أمراء محمد علي، ~~وبأن يعفى عن المسجونين والمنفيين في أبي قير ما عدا القاتل وقاطع الطريق، وذلك إجابة ~~لطلب القائد العام إبراهيم باشا. # فى حصار عكا: كلمة لسمو الأمير عمر طوسون # الإسكندرية في 26 مايو: لمراسل الأهرام الخاص. لقد اشتهر من مزايا سمو الأمير الجليل ~~عمر طوسون أنه فخور بأجداده العظام ومآثرهم، ومطلع على جميع أعمالهم وتفاصيل تاريخهم ~~المجيد الذي هو تاريخ مصر كلها من عهد مجددها ساكن الجنان محمد علي. وقد رأى الجمهور ~~كثيرا من مباحث سموه الدالة على ذلك. # وقد أتحفنا سموه اليوم بمناسبة عزم الحكومة على الاحتفال بذكرى إبراهيم باشا ومرور ~~مائة عام على فتح عكا، بكلمة عن القوات المصرية التي دخلت عكا عند فتحها تزيد تلك ~~الذكرى تمجيدا. # ويقترح الأمير الجليل أن يلبس الجنود الذين يحضرون الحفلة ملابس أسلافهم في أيام ذلك ~~الفتح. وإليكم كلمة سموه: # يجدر بنا وقد صحت عزيمة الحكومة المصرية على الاحتفال غدا بذكرى مرور مائة ~~عام على فتح عكا وذكرى فاتحها العظيم، بطل مصر ساكن الجنان إبراهيم باشا بميدان ~~الأوبرا بالقاهرة، أن نذكر وحدات الجيش التي حاصرت حصن عكا العظيم ودخلته فاتحة ~~منصورة بقيادة هذا الفاتح الأكبر الذي تفتخر به مصر اليوم بحق وتجدد ذكراه ~~الخالدة بهذا الاحتفال الرائع. # عمر طوسون # وإننا نذكرها نقلا عن كدلفين وبارده وهي: آلايات المشاة، آلاي الحرس: # آلاي الحرس # الآلاي رقم (2). # الآلاي رقم (5). # الآلاي رقم (8). # الآلاي رقم (10). # الآلاي رقم (11). # الآلاي رقم (12). # الآلاي رقم (13). # الآلاي رقم (18). # آلايات الفرسان # الآلاي رقم (2). # الآلاي رقم (3). # الآلاي رقم (4). # الآلاي رقم (5). # الآلاي رقم (6). # الآلاي رقم (7). # الآلاي رقم (8). # ومجموع هاتين القوتين هو 24 ألف جندي تقريبا غير جنود المدفعية. # وقد ضربت حصون عكا تسع سفن من الأسطول المصري الذي كان يحاصرها، والذي كان مؤلفا ~~من ست عشرة سفينة حربية ms182 وسبع عشرة سفينة نقل. وكان قائد هذا الأسطول أمير البحر عثمان ~~نور الدين باشا. # أما التسع السفن التي ضربت هذه الحصون، فكان بها 484 مدفعا و3810 من الجنود ~~البحريين. # وهذه أسماؤها : # اسم السفينة # اسم القائد # الفرقاطة الجعفرية # برغمه لي أحمد قبودان، وكان عليها علم أمير البحر عثمان نور الدين ~~باشا # الفرقاطة البحيرة # عبد اللطيف قبودان، وكان عليها علم الأمير الثاني لهذا الأسطول مصطفى ~~مطوش بك # الفرقاطة كفر الشيخ # برسك الإنكليزي # الفرقاطة رشيد # السيد علي قبودان # الفرقاطة شير جهاد # نوري قبودان # الفرقاطة مفتاح جهاد # مصطفى قبودان الجزائري # الفرقاطة دمياط # هدايت محمد قبودان # القرويت بمبه # بيجان قبودان # القرويت رهبر جهاد # علي رشيد قبودان الجزائري # ومما ينبغي ذكره أن حصار عكا دام ستة أشهر، وأن أول من أحرز فخر الاستيلاء على مدينة ~~عكا والدخول فيها من الجيش المصري المحاصر لها، هو الآلاي الثاني من المشاة. وقد سبقت ~~لهذا الآلاي نفسه مأثرة أخرى في الحرب الحجازية كان جزاؤها أن أنعم محمد علي باشا على ~~أفراده عندما رجعوا إلى مصر في شهر أكتوبر سنة 1826 بوسام فضي، وأمر أن يقيم في القاهرة ~~ليكون حامية لها، وميز جنوده بلباس خاص يوضع على رءوسهم، وهو منديل حريري مخطط بخطوط ~~خضراء وصفراء ترخى أطرافه على أكتافهم (كوفية)؛ لأن هذا كان غطاء رأس الشعب الذي قهره ~~هذا الآلاي (الوهابيين)، وأنعم على قائده أمير الآلاي محمد بك بمبلغ من المال مكافأة ~~له، ورقى وكيله القائمقام عابدين بك إلى رتبة أميرالاي وعينه قائدا للآلاي الثاني ~~عشر. # وحيث إن الجيش المصري الحالي سيكون له في هذا الاحتفال الدور المهم في تمثيل هذه ~~الذكرى، فيا حبذا لو أمكن أن تلبس جنوده الملابس التي كانت تلبسها أسلافهم جنود الجيش ~~المصري في تلك الأيام؛ لتكون لهذه الذكرى بعض المشخصات المرئية التي تجليها بصورتها ~~التاريخية لأعين الناظرين. # ميدان إبراهيم باشا # بمناسبة الاحتفال الرسمي الكبير الذي قررت الحكومة إقامته اليوم إحياء لذكرى فتح ~~الجيوش المصرية لمدينة عكا، وعلى رأسها البطل المغوار إبراهيم باشا، أكرر القول أن ~~تطلق ms183 الحكومة على «ميدان الأوبرا» اسم «ميدان إبراهيم باشا»؛ تخليدا لتلك الذكرى ~~المجيدة وفخرا لجيوشنا المصرية وقائدها الفاتح العظيم. ولي كثير الأمل في أن ينال ~~اقتراحي المتكرر هذا عناية من أولي الأمر وسرعة في التنفيذ؛ لأن في تخليد اسم إبراهيم ~~باشا لمفخرة لمصر وجيوشها التي سجل لها التاريخ العالمي التفوق في الحروب ~~والفتوحات. # فؤاد الشغبي # إبراهيم باشا على طوابع البريد # لي اقتراح بمناسبة ذكرى البطل الفاتح إبراهيم باشا جد مليكنا الأعظم حفظه الله، هو أن ~~يعمل طابع بريد يتشرف بصورة تمثال هذا القائد، ويوزع لمدة ثلاثة أيام فقط بعد انتهاء ~~الاحتفال بأيام؛ أي بعد إنجاز الطبع، ويكون ذلك أثرا خالدا لهذه الذكرى المباركة ~~النادرة، ويكون للطابع بعد ذلك مكانته لدى الهواة في جميع أنحاء العالم. # محمد عبد الرءوف # الخطاط بسكرتارية محكمة النقض والإبرام # فى ذكرى فتح عكا: الأهرام وذكرى إبراهيم # قصيدة لحضرة الأديب صاحب الإمضاء: # عصر بإبراهيم عز وطالا # باهى العصور مهابة وجلالا # شادت له «الأهرام» ذكرا خالدا # يفنى الزمان ولا يزول زوالا # صفحاتها نشرت لنا آثاره # في شامنا ومآثرا وفعالا # حييت يا داود كم أطلقت ما # بين الطروس يراعك السبالا # فأعدت للشرق الأغر فخاره # فسمت معالمه سنى وكمالا # جددت ذكرى الفاتح البطل الذي # في ساحة الهيجاء صال وجالا # يا فاتحا عكا بصارم عزمة # علوية تفري بها الأهوالا ~~••• # شيدت للعدل المنيف صروحه # لما شهدت صروحه أطلالا # فاضت بها نعماؤك الحلى كما # ملأ السهول نداك والأجبالا # الحلم فيك سجية وإذا طغى # سيل العداة فلا تهاب نزالا # الغرب يفخر بالرجال أما درى # كم أنجب الشرق العظيم رجالا # شادوا له صرحا يظل مجددا # في الشرق ما امتد الزمان وطالا # هذا سليل المجد إبراهيم قد # أبقى له الآساد والأشبالا # يهدي لإبراهيم إكليلا غدا # رمزا لمجد خالد ومثالا # يحيى فؤاد فيه ذكر فوارس # خاضوا الوغى واستبسلوا استبسالا # فلتحي مصر عزيزة بفؤادها # وليحي شعب يكرم الأبطالا # الإسكندرية # فريد حداد # ذكرى الفاتح العظيم # قدم حضرة الناظم هذه الأبيات إلى العتبات الملكية مكتوبة بخط جميل وهي: # يا فاتح الأقطار ms184 منك بجرأة # وبحكمة عزت على الأبطال # قم واستمع آي الخلود جميلة # من ألسن التاريخ والأجيال # ما زلت في صدر الزمان ولم تزل # رغم المنية في المقام العالي # أنجبت إسماعيل من أحيا الحمى # بجليل إصلاح وحسن فعال # وكفى بإسماعيل أن مليكنا # السامي ابنه، وفؤاد مصر الغالي # يا مصر تيهي إذ غدوت بعصره # تزهين بالإسعاد والإجلال # هذا فؤادك فانعمي في ظله # وتمتعي بعظائم الأعمال # نجيب هواويني # الجيش وذكرى إبراهيم # سر للحقائق إن تسر بحسام # ودع الخيال لهذه الأقلام # وإذا الصوارم واليراع تناظرا # فرقت بين الحق والأوهام # من للغزاة إذا رموك بصاخب # لجب، ومن للمبصر المتعامي # الكتب أضعف ما تكون وإنما # تقوى إذا حملت على الصمصام # وإذا امرؤ هز الحسام فقد صحا # من نومه بمعبر الأحلام # أي الشعوب حمى حماه بكتبه # أو نال بالأقلام أي مرام # أقسمت ما حفظ البلاد لأهلها # شيء كجيش للبلاد لهام # بالجيش تمتنع البلاد وهل ترى # من غاية عزت بلا ضرغام # لو أن للآرام نابا أصبحت # وكناسها أجم من الآجام # قووا لنا جيش البلاد وأمسكوا # عنا الكلام، فلات حين كلام # قووا لنا جيش البلاد فإنه # سر الحياة يدب في الأجسام # محمد الأسمر # مجد السيف وفضل القلم: عز الوطن في يمين سيد الوطن # إنما المجد ما بنى والد الصد # ق وأحيا فعاله المولود # لم تبخل مصر يوما أن تطيع حاكمها وحاكم الجد فيها يلقى منها الجد له، تمده وتنصره ~~وتواليه وتواتيه، حتى لو خاض البحار لخاضتها أو رام السماء لبلغتها عن همة وخلوص نية، ~~وجهد واستنفاد جهد، وصدق، وقلب صدق، وعمل صدق. # قال عمر بن الخطاب للحطيئة يوما: كيف كنتم في حربكم؟ قال: كنا ألف فارس حازم. قال: ~~وكيف يكون ذلك؟ قال: كان قيس بن زهير فينا وكان حازما، فكنا لا نعصيه، وكان فارسنا ~~عنترة فكنا نحمل إذا حمل ونحجم إذا أحجم، وكان فينا الربيع بن زياد، وكان ذا رأي وكنا ~~نستشيره ولا نخالفه، وكان فينا عروة بن الورد فكنا نأتم بشعره، فكنا كما وصفت لك. قال ~~عمر: صدقت. ا.ه. ms185 # هكذا، ما أقرأ هذا الخبر حتى أتصور مصر إذا بعث الله لها ملكا صالحا وقائدا حكيما ~~وذادة مخلصين. ومصر لها من دون الأمم تاريخها، إنما هو تاريخ ملوك، من عظم منهم عظمت به ~~ومن خف منهم خفت به. وهذه الرقعة من وسط الدنيا القديمة دامت دار مصر، إن عزت حوطت ~~مداها على طول الأفق أو هانت أرز مجدها إليها، حتى ما يكاد يهدأ في حاضرتها وربما طار ~~حينا من تاريخها. # وهذا السر في مصر قد وقف عليه العباقرة الأحرار من ملوكها، فاستعملوه لها ولهم، ~~وبسطوا ملكهم به مؤطر النواحي بمجدهم الباقية آثاره على هذا المدى. وغاب هذا السر عن كل ~~خوان مأفون، فقبر به تارة أو قبر به أبناء الوادي، والتاريخ شاهد مزكي على صدق هذه ~~النظرية في أطواره كلها وأطوار مصر معه. فلما بعث الله محمد علي ملكا على الوادي، كان ~~من صفاء الروح وشحذ الهمة وقوة العبقرية بحيث عرف السر واستخرجه، فانتفع به ونفع ~~أصحابه، فعادت مصر في أيامه إمبراطورية واسعة الأطراف من منابع النيل في الجنوب إلى ~~منابع الفرات في الشمال، وقد ضم بيديه طرفي آسيا وأفريقيا في مضيق عدن، فغدا البحر ~~الأحمر بحيرة مصرية ضفتها من آسيا جزيرة العرب إلى بحر فارس، ومن أفريقيا شطرها الشمالي ~~الشرقي، ملك بناه رأي هذا الماجد وسيف ابنه ذاك العظيم إبراهيم الذي يهز مصر اليوم من ~~تمثاله النحاسي هزة بعثتها فيها منذ مائة سنة إحدى انتصاراته اللاتي لو عدت مع أيام ~~السنة لكفتها، واللاتي يبدأ الحفل بها اليوم، فإذا بدأ كرت على مصر ذكريات متلاحقة، ~~فما إن تفيق من نصر إلا إلى نصر. ويوشك أن تعود مصر سيرتها الأولى وقد جاءها عبقري جديد ~~يجدد لها حياتها جدة العصامي العظامي، والمجد عصامي عظامي، هو إذ يقف اليوم أمام تمثال ~~الفاتح إبراهيم باشا فليست كوقفة الذين يقف التاريخ أمامهم هم، بل وقفة الذين يقف ~~التاريخ له كما وقف من قبله أمام آبائه وأجداده. # إنما المجد ما بنى والد الصد # ق وأحيا فعاله ms186 المولود # أنا مصري من الذين تهزهم شعائر الوطن، وددت اليوم لو حشد المصريون ليروا ساعات الحفل ~~في ميدان إبراهيم وقد وقف حفيده تحت قاعدة التمثال ومن حوله عصبته وأهل دولته وقادة ~~جيشه والصفوة من جنوده، ومن ورائهم أفراد الرعية حافين بالعرش وحملته، زخرت بهم الشوارع ~~وملئت بهم النوافذ، ورئيس الحكومة بين يدي مولاه يشدوا بمآثر أسرته، والعسكر يمتطون ~~الجياد شاهري السيوف شاكي السلاح كاملي العدة، أبواقهم تضرب نوبة المساء مثل بوق ~~الأسلاف في أسوار عكا واقتحام حصونها. منظر عجيب كفيل بالروح والإحساس، وبمثله تغذى ~~أرواح الشعوب والأمم، ومنظر يهز المصري من عطفيه؛ عطف النصر وعطف الفخر بالنصر؛ إذ كانت ~~فعلات أجدادهم بكرا لم يطمثها من رامها قبله. فإن سيد الحرب في الغرب رام أن يفتح عكا، ~~فعزت عليه عكا فتركها على مضض، أما سيد الحرب في الشرق فإنه رام ونال المرام. وينتشر ~~في العين منظر يغشى جند الميدان بطابع رأيته على قيد خطوات في الأوبرا أمام الميدان؛ إذ ~~تمثل فيها رواية عائدة المصرية، فيرى الراءون جنود أسلافهم وقد جاءوا بالنهائب ~~والسبايا، ولا فخر، فالولد سر أبيه. ~~••• # وتصفحت الوجوه لأرى الكاتب الذي نشر «ذكرى البطل الفاتح إبراهيم باشا» وأرى فيه روح ~~النصر للقلم وقد خدم السيف بإحياء رب السيف، فإذا بأحياء السلف يستجيبون للكاتب قياما ~~على فضل القلم. تنظرت الوجوه لأرى داود بركات وهو أولى من حقه أن يرى حفل اليوم فلم ~~أجده، وقيل إنه في الفراش كان مدد قوته في تذكير أمته نفد به الوجد عن طاقة الاستعداد، ~~فهو يستجم لعود المداد، وهكذا رجال الضحية من حملة السيف وحملة القلم إنما يعيشون ~~بالذكرى أكثر مما يعيشون بالأعصاب. ~~••• # وكان مما رأيت عمائم مجنحة فوق طيالس منشرة ذكرتني برواية الكاتب عن سحر محمد ~~علي إذ نفث في القوم حتى هب شيوخ القوم يعتقلون السمهري بدل العكاز، ويستلئمون بالمغفر ~~عن العمامة، ويدرعون الزرد من دون الفراريج، فعدلنا أسماء من شيوخ الأزهر وأبناء شيوخه ~~تطوعوا في جده وطوعوا غيرهم تحتهم، فرقاهم الباشا في صفوف ms187 العسكرية إلى رتب القائمقام ~~والأميرالاي واللواء. وقرأنا حديثه عن الشيوخ المتأخرين كما نقرأ حديث السلف الصالح عن ~~شيوخ الصحابة وجلة أهل العلم وكانوا يعلمون ويعملون، ويعظون ويجاهدون ويسلكون دروب ~~الحياة كلها مقتدين بالسيد الأعظم الذي قال وقوله الحق: «وجعل رزقي في ظلال ~~رمحي.» ~~••• # وخاتمة المقال بتكرير آية المجد ارتداء إبراهيم ببني مصر وهو عائد من حروب الشام وقد ~~جعل جيشه ثلاث شعب، فنجت الثلاث الشعب على عيون الأعداء وسهر الكمياء مثلما ارتد خالد ~~بن الوليد بالمسلمين في غزوة مؤتة من مكان قريب مما ارتد إبراهيم، فاستحق بحركته من ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # لقبه الخالد في الإسلام «خالد سيف الله»، وكذلك شهد للعظيم إبراهيم ~~كل عظيم في زمنه بحركته. ~~••• # لم يطو لمصر علم ولا هزم جيش مصر - ولها قائد - في موقعة. ولم يترك إبراهيم بلاد ~~الشام التي فتحها بسيف المصريين أمام دولة واحدة ولا دولتين ولا ثلاث دول، ولكن تجمع ~~عليه أولو القوة من بني الدنيا جميعا: إنكلترا، وبروسيا، والروسيا، والنمسا، وإيطاليا، ~~وتركيا، وثوار الشام. فخلص من هذه الجهات الست خلوص العزة حين قضت عليه السياسة أن يترك ~~ما بيديه؛ فلم يتركه إلقاء المضيم، ولكن تركه في عزة المستطيع ولين القوي. فاليوم ~~يستطيع كل مصري أن يرى عزته عن كثب، وأن يرى كيف ينال العز بالشرف، وهو إذ يتمثل نصر ~~العز ممتلئ الحياة بفيض العز يقول مع رئيس الحكومة إنه لا يبغي حربا، وإنما يطلب حياة ~~تليق بصاحب هذا التاريخ. # ولله در الشماخ، لو أنه يرى اليوم «فؤادا» في حشده تحت تمثال جده وقد استظل بيده ~~الممدودة تقول: «إلى الأمام»، إذن لأنشده بيته الخالد: # إذا ما راية رفعت لمجد # تلقاها فؤاد باليمين # مصرايم # ملاحظة: # كاتب هذا المقال هو صاحب الفضيلة الشيخ ~~محمد سليمان نائب محكمة مصر الشرعية. # الاحتفال بذكرى فتح عكا # جلالة الملك عند تمثال البطل الفاتح - خطاب رئيس الوزارة - مظاهرات الطلبة ~~والعمال والأهالي للملك # لأول مرة في تاريخ مصر الحديثة تحتفل بذكرى مجيدة من ذكرياتها العسكرية المجيدة، ذكرى ms188 ~~نسر ونفخر بأن «الأهرام» كانت أول من عمل على إحيائها وإحياء اسم بطلها العظيم في ~~سلسلة المقالات التي كتبها رئيس تحرير هذه الجريدة. والتي أثارت في الناس تقدير ذلك ~~الماضي القريب المجيد، وحركت الرغبة في إحيائه في احتفال وطني كبير. # وقد اشترك في الاحتفال الجيش المصري ممثلا في جميع القوات المرابطة بالقاهرة، وهي ~~أربع أورط من المشاة، وأورطتان من الفرسان، وبطاريتان من المدفعية بأسلحتهما. وقد اصطفت ~~جميعها حول ميدان الأوبرا الذي اختير لإقامة الاحتفال عند تمثال البطل إبراهيم. واصطف ~~معها تلاميذ المدرسة الحربية ومدرسة البوليس والإدارة. # وتجمع وراءها طلاب المدارس والأزهر الشريف وهيئات العمال المختلفة وعشرات الألوف من ~~الأهالي الذين تجمعوا على الأفاريز، وغصت الشرفات في الدور المحيطة بالميدان ~~بالناس. # وأقام قسم الأشغال بوزارة الحربية سرادقا جميلا على شكل كشك مرتفع إلى يمين ~~التمثال، وفرشت الأرض أمام الكشك وأمام التمثال بالسجاجيد. # واصطفت قوات من البوليس عند منافذ الشوارع المخصصة للمرور وحول الجيش لحفظ النظام ~~وعدم السماح لأحد من غير حاملي تذاكر الدعوة بالاقتراب من محل الاحتفال. # وكان يشرف على نظام البوليس بيكر بك حكمدار البوليس بالنيابة، ويشرف على النظام عامة ~~صاحبا العزة أحمد كامل بك مدير الأمن العام وبدوي خليفة بك وكيله، ويشرف على نظام الجيش ~~ضباطه، وكانوا جميعا بملابس الميدان. # ومنذ الساعة الرابعة أخذ المدعوون يفدون وبلغوا عدة مئات، ووقفوا ينتظرون تشريف ~~جلالة الملك وفي مقدمتهم الأمير إبراهيم حليم والأمير محمد علي حسن والنبلاء إسماعيل ~~داود وسعيد وطوسون وعمر وإبراهيم ومنصور داود وسليمان داود، ورئيس الوزارة ورئيسا مجلسي ~~الشيوخ والنواب وعدلي يكن باشا والوزراء جميعا. ومن رجال القصر الملكي سعيد ذو الفقار ~~باشا كبير الأمناء، ومحمد زكي الإبراشي باشا ناظر الخاصة، ومراد محسن باشا رئيس الديوان ~~الملكي بالنيابة، ومحمود شوقي باشا السكرتير الخاص لجلالة الملك، وأحمد محمد حسنين بك ~~الأمين الأول، ومحمد حسين بك الأمين الثاني، وفيروتشي بك باشمهندس السرايات الملكية، ~~وعبد الوهاب طلعت بك مدير الإدارة العربية، وغيرهم من الأمناء والتشريفاتية ~~والياوران. # وفضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر، ms189 ونيافة الأنبا يؤانس بطريرك الكرازة ~~المرقسية، وسيادة الحاخامباشي مفتي الديار المصرية، والأستاذ السيد محمد الغنيمي ~~التفتازاني، وكثيرون من كبار العلماء ورجال الأديان. # ورئيس محكمة النقض، ورئيس محكمة الاستئناف الأهلية، وجميع وكلاء الوزارات، ومحمد مفتي ~~الجزايرلي بك وزير مصر المفوض بطهران، والمحافظون، وأكثر مديري المديريات ومستشارو ~~محاكم النقض والاستئناف الأهلية والمستشارون الملكيون، وكبار رجال القضاء الشرعي، ~~والأستاذ محمود منصور بك رئيس نيابة مصر، وأساتذة الجامعة المصرية وعلى رأسهم مدير ~~الجامعة بالنيابة وعميدو الكليات. # وقواد الجيش المصري، وكبار موظفي وزارة الحربية، ومدير المدرسة الحربية، ومدير مدرسة ~~البوليس وأساتذة المدرستين. # وعدد كبير من الوجوه والأعيان، وفي مقدمتهم: مدحت يكن باشا، وعبد الخالق مدكور باشا، ~~وسمعان صيدناوي بك، ويوسف موصبري بك، وحامد العلايلي بك، ومحمود ثابت بك، وعبد الحميد ~~الشواربي بك، والأستاذ أحمد رشدي المحامي، وحسين عاصم بك، وغيرهم كثيرون لم تسع الذاكرة ~~أسماءهم. # وعند الساعة الخامسة تماما وصلت السيارات الملكية قادمة من سراي القبة العامرة، ~~وكانت الجماهير تقدر بعشرات الألوف على طول الطريق، وصفقت هاتفة بحياة جلالة الملك، ~~وبلغت الحماسة أشدها في ميدان الأوبرا لكثرة من تجمعوا حوله. # ولما نزل جلالة الملك من السيارة، قدمت قوات الجيش التحية العسكرية، وصدحت الموسيقى ~~بالسلام الملكي، وتفقد جلالته قره قول الشرف الذي وقف تجاه الكشك الملكي الذي رفع عليه ~~علم جلالة الملك. ولما انتهى جلالته من عرض القره قول صعد إلى الكشك محييا المنتظرين، ~~رافعا يده مبتسما ابتسامة رقيقة، وصعد خلف جلالته الأمراء والوزراء، ورئيسا محكمتي ~~النقض والاستئناف الأهلية، ورئيس المحكمة العليا الشرعية، ونقيب الأشراف، وسماحة السيد ~~عبد الحميد البكري، فتفضل جلالته وصافحهم جميعا، ثم نزل ووقف عند قاعدة تمثال البطل ~~إبراهيم باشا. وأحاط بجلالته الأمراء والنبلاء، ووقف إلى يمينه الوزراء والكبراء، ~~وأمامه بقية المدعوين، ووقف بين يديه صاحب الدولة صدقي باشا رئيس الوزراء، فألقى الكلمة ~~الآتية: # خطبة رئيس مجلس الوزراء # مولاي صاحب الجلالة # تحرص الأمم الراقية والشعوب الناهضة على إحياء ذكرى مفاخرها ومآثرها، ~~والإشادة بها على مر السنين؛ لأنها بذلك تجمع بين تمجيد المحسنين وتسجيل ms190 ~~الاعتراف بالجميل لرجالها النابهين، وبين تنشيط النفوس وإنعاشها وبث روح الثقة ~~والتجديد فيها، ونشر ألوية الغبطة والفخار في كل مكان. # لهذه الاعتبارات الحيوية الجليلة، ننتهز هذه الفرصة السعيدة يا مولاي: فرصة ~~مرور مائة عام على فتح عكا على يد جدكم العظيم، المغفور له إبراهيم باشا؛ ~~لنحتفل بهذه الذكرى المجيدة في ظلال تمثاله، وبين يديكم الكريمتين. # ففي مثل هذه الساعة، وفي مثل هذا اليوم من عام 1832، استولى البطل إبراهيم ~~على حصون عزت على غيره من الغزاة الفاتحين، وسجل لمصر بفعاله وبسالة جنده ~~نصرا عظيما في صفحة الخلود. # ونحن بتمجيدنا هذا اليوم، إنما نمجد أسرتكم وجيشكم، ولا يحدونا في هذا ~~التمجيد إلا عاطفتان اثنتان: عاطفة الإخلاص والولاء من ناحية، وعاطفة الإعجاب ~~والفخار من ناحية أخرى. # فأما أسرتكم الكريمة، فإن مصر بأسرها لتذكر بالحمد والثناء أياديها ~~البيضاء عليها، فهي التي وطدت في البلاد دعائم المدنية، وشيدت فوق الدعائم خير ~~المنشآت. # وأما جيشكم الماثل أمام جلالتكم، فهو - يا مولاي - سليل تلك الجيوش الفاتحة، ~~من حيث روحها واستعدادها، ومن حيث نظامها وولائها للوطن العزيز، وعرشكم ~~المفدى. # نعلن ذلك في غبطة وفخار، ونحن أبعد ما نكون عن الإشادة بالحرب وما إليها، ~~وحسبنا أن العالم بأسره يعرف ميلنا للسلام؛ إذ السلام شعاركم وشعار أمتكم، ~~والناس على دين ملوكهم. # أدامكم الله يا مولاي ذخر البلاد وحصنها المنيع، وإن جيشكم الباسل لينتهز ~~هذه الفرصة ليقدم فروض الولاء والإجلال لقائده الأعلى، وإن شعبكم المجيد لينتهز ~~هذه الفرصة كذلك ليظهر فيها حبه والتفافه حول مليكه العظيم. # ولما انتهت الخطبة صفق الحاضرون لها طويلا ودوى بوري الجيش، ثم نادى الضباط: «تحية ~~عسكرية!» فوضع الجنود أسلحتهم، الوضع العسكري الذي يؤدي معنى التحية، وأدى الضباط «سلام ~~الملك»، فصدحت الموسيقى بالسلام الملكي، وهتفت قوات الجيش كلها: «يعيش فؤاد ملك مصر» ~~ثلاثا، ثم صدحت الموسيقى بالسلام الملكي. وبعد ذلك اتجه جلالته نحو السيارة مودعا ~~كبار المحيطين به، وصافح دولة صدقي باشا معربا عن سروره وإعجابه، وسار في عاصفة من ~~الهتاف بحياته اشتركت فيها الجماهير العديدة. # وبعد ms191 ذلك تقدم حضرة صاحب السعادة علي جمال الدين باشا وزير الحربية ووضع عند قاعدة ~~التمثال إكليلا جميلا من زهور القرنفل البيضاء على شكل دائرتين في أرضية من أوراق ~~الزهر الخضراء. وفي وسط الإكليل شريط طرز عليه بواسطة مصنع الكسوة الشريفة العبارة ~~التالية بخط فارسي جميل: # إلى البطل الفاتح العظيم إبراهيم باشا، من الجيش المصري تمجيدا للذكرى ~~المئوية لفتح عكا. 27 مايو سنة 1932. # وبعد ذلك قدمت مواكب مظاهرات كبرى يقدر من اشتركوا فيها بعدة ألوف، ومع كل فريق ~~علمه، وقد تيسر لنا أن نتبين منها أعلام نقابة الموظفين، ورابطة العمال المتحدة، ~~واتحاد نقابات العمال العام الذي يرأسه حضرة الأستاذ إدجار جلاد، والأزهر الشريف ومدارس ~~عديدة، وكانت جميعها تهتف بحياة جلالة الملك وبحياة الوزارة. وظل الزحام في الميدان إلى ~~ما بعد الاحتفال بأكثر من ساعتين. # وزينت قاعدة التمثال بورق الأشجار الأخضر والأزهار، زينة بسيطة جميلة، وزين ~~الميدان بالأعلام، وزين أصحاب الدور والمتاجر المحيطة به أماكنهم زينات بديعة. وفي ~~المساء بدا الميدان في حلة باهرة من الأنوار المتألقة المتلألئة، وصدحت موسيقى الجيش ~~إلى ساعة متأخرة من الليل. ~~••• # ولم يدع الوزراء المفوضون ولا أحد من الأجانب؛ لأن الاحتفال مصري وطني بحت بذكرى ~~مصرية، وهذه هي العادة المتبعة في الاحتفال بذكريات الحروب والفتوحات. # ذكرى إبراهيم باشا # ما اقترحه بعض أعضاء البلدية منذ أربع سنوات # الإسكندرية في 27 مايو، لمراسل الأهرام الخاص. لمناسبة الاحتفال الذي يقام اليوم في ~~القاهرة لذكرى إبراهيم باشا ومرور مائة عام على فتح عكا، ذكرنا أحد حضرات نواب ~~الإسكندرية في البلدية باقتراح قدمه إلى الهيئة البلدية في سنة 1928 اثنان من ~~أعضائها في تلك السنة؛ هما الأستاذ سعيد طليمات بك الذي كان رئيسا للمأمورية ووكيلا ~~للقومسيون، والمسيو فيلكس جرين؛ يراد منه إقامة «قوس نصر» في ميدان قصر رأس التين في ~~هذه المدينة تذكارا للبطل الفاتح إبراهيم باشا، وأن ينقش على هذا الأثر التاريخي ~~الثابت خلاصة تاريخ ذلك البطل وفتوحاته ومآثره البارزة. وكانت المأمورية قد درست هذه ~~المسألة، ووافقت على الاقتراح مبدئيا، ووضعت ms192 لقوس النصر المقترح إقامتها رسوم مختلفة ~~كان أخصها رسم يماثل أثرا من هذا الطراز مقاما في باريس لذكرى بعض أبطال ~~فرنسا. # ولكن الحالة المالية لم تكن إذ ذاك تسمح بتنفيذ هذا المشروع، فأرجئ إلى الوقت ~~المناسب، وطوي الاقتراح حتى الآن. # وفي نية أحد الأعضاء - كما فهمنا - أن يجدد ذكرى هذا المقترح التاريخي لمناسبة ~~الاحتفال بذكرى إبراهيم باشا وفتح عكا منذ مائة عام، ومناسبة ما نشرته الأهرام من ~~المقالات القيمة عن سيرة إبراهيم باشا، التي ذكرت الحكومة والأمة بفتوحاته المجيدة ~~وأدت إلى إقامة هذا الاحتفال. # على أن الحالة المالية التي كانت تحول في سنة 1928 دون إقامة الأثر المقترح تحولت ~~في هاتين السنتين إلى أزمة شديدة، وربما كان ذلك مما يوجب إرجاء هذا المشروع إلى وقت ~~آخر، على أنه جدير بالتنفيذ. # ولهذه المناسبة نذكر أن الإسكندريين يعجبون لتسمية الميدان الذي فيه تمثال إبراهيم ~~باشا في القاهرة «ميدان الأوبرا»، مع وجود ذلك الأثر الخطير فيه. وكان يجب أن يسمى ~~«ميدان إبراهيم باشا» كما سمي الميدان الذي فيه تمثال محمد علي باشا في الإسكندرية ~~«ميدان محمد علي» من زمن طويل. # نادرة لطيفة عن إبراهيم باشا في الشام # احتفلت البلاد أمس بذكرى مرور مائة عام لوفاة المغفور له إبراهيم باشا، الرجل الباسل ~~الفاتح الشهير، ونعم ما فعلت، تكريما لرجالها العظام الذين يستحقون كل إكرام قدوة ~~بسائر البلاد المتمدنة. وبهذه المناسبة أذكر للقراء حادثة طريفة تبين سطوة هذا الرجل ~~العظيم في البلدان التي فتحها وهيبته وكرمه. # روى أحد أصدقائي نقلا عن والده من أعيان دمشق وثقاتها الإسرائيليين، أنه لما فتح ~~إبراهيم باشا بلاد الشام كان يوما راكبا جواده متنكرا في ضواحي الشام، فقابل ~~رجلا سائرا على الأقدام واسمه «يوسف الرايق»، هذا الرجل كان من الباعة الذين يسرحون ~~بأقمشة على أكتافهم يطوفون القرى المجاورة يبيعونها للفلاحين أو يستبدلونها بدجاج أو ~~بيض أو بما أشبه ذلك، وكان يومئذ ذاهبا إلى قرية جوير، وهي تبعد عن الشام نحو نصف ~~ساعة، ولما مر به إبراهيم باشا نزل عن جواده ms193 وسأله عن مهمته أو سبيله، ثم قال له: ألا ~~تخاف يا رجل أن تذهب وحدك في البرية؟ ألا تخشى اللصوص وقطاع الطريق وأنت بلا سلاح؟ ~~فأجابه على الفور ولم يكن يعرف من الذي يخاطبه: «لا يا أفندى، كيف أخاف وأبو خليل موجود ~~في البلاد!» وافترقا كل في سبيله. وبعد نصف ساعة اعترض فارس آخر يوسف في الطريق ~~وأوقفه عن السير، فخاف هذا وهو يظنه من قطاع الطريق، ولكنه بالعكس كان رسول خير وبيده ~~عشرة جنيهات هدية له من «أبو خليل». # عاد يوسف مسرورا إلى منزله بغنيمته عوضا عن الدجاج والبيض وهو يثني على كرم المهدي ~~ويردد قوله: «الله يطول عمرك يا أبو خليل.» # الدكتور هلال فارحي # ماذا أعدت الأمة والحكومة لمكافاة محيي ذكرى إبراهيم باشا؟ # بيننا رجل هو من أفاضل كتابنا ومن أماثل حملة القلم فينا، ومن مفاخر صحافيينا، له في ~~المشاكل السياسية رأي ناضج، وفي المعضلات الوطنية قول صادق، لم تصب الأمة بأزمة ~~أيا كان خطرها إلا وتراه قد طلع على الناس بالقول الصائب والرأي الفاصل والبرهان ~~المنير. تسهر عيناه في البحث والتنقيب وانتزاع الحجج والبرهانات تأييدا لحق الأمة فيما ~~يعرض من أمر وما يتاح من شأن، بينما غيره في سكرة من متع الحياة. ينظر في الآفاق ويرقب ~~الأحداث، حتى إذا لاح له نجم مشرق يتلألأ بذكرى يوم من أيام الأمة المشهودة، بادر إلى ~~تخليده وتذكير الناس بوجوب تمجيده، فتهتز له القلوب وتصغي إليه الأسماع وتميل نحوه ~~الأعناق، فيعود كل امرئ إلى نفسه يرميها بالقصور ويتهمها بالإهمال، ثم يلتفت إلى ~~ذلك الرجل العامل المجد. فماذا يكون نصيبه من الالتفات؟ لم نر له من حظ ولا نصيب على ~~ما قدم لهذه الأمة إلا ابتسامة الاستحسان أو نظرة الإعجاب، ثم لا يلبث أن يتلاشى ذلك ~~الاستحسان وينسى ذلك الإعجاب بين الضحى والعشي. وذلكم الرجل هو الكاتب الباحث المنقب ~~الكبير شيخ الصحافة وإمام الكتاب: الأستاذ داود بركات. وهذا هو حظه من هذه الأمة، وليس ~~هو بالحظ الذي يدل على الكمال والنضوج أو ms194 يشير إلى حسن القياس والتقدير؛ لأن الأمة ~~الكاملة الناضجة لا يفوتها أن تقدر العاملين المخلصين ولا تنسيها الأحداث والغير ~~مكافأة المجدين الصالحين. # لنترك مواقف داود البارعة في صفوف العاملين طوال زمن الاحتلال، ولنطو الآن صفحة ~~مكافحته خصوم البلاد، فجريدة الأهرام حافلة من آثاره الخالدة بكل شريف وكريم. ولنلق ~~نظرة سريعة على مشاهده الباهرة منذ قيام هذه الحركة الأخيرة؛ لنتبين منها آثار هذه ~~النفس المتوثبة، وهذه الروح الكبيرة، وهذا العقل الناضج، وهذا القلب النابض بالغيرة ~~والإخلاص، وهذا القلم المعجز الفياض، وما لتلك الآثار من الفضل الكبير على هذه الأمة ~~الغافلة. # قامت الحركة الأخيرة منذ اثنتي عشرة سنة، وحضر إلى مصر مستر شيرول مستطلعا طلع الأمر ~~فيها محاولا تصوير الحالة في الصورة التي يراها في مصلحة أمته، فصمد له داود وأخذ ~~يناقشه مناقشة العالم بأسرار السياسة البريطانية واتجاهاتها، وأخذ يناظره مناظرة ~~الكاتب الوطني الغيور. وما زال ينجد معه ويهتم ويقف به على أسباب الداء ويرشده إلى ~~حقيقة الدواء بالحجة القاطعة والبرهان المبين. وهل من دواء إلا أن يترك الإنكليز البلاد ~~لأهلها وأن تستقل بنفسها لنفسها؟! هكذا كان اتجاه داود ومطلبه، فماذا صنعت له الأمة ~~وبماذا كافأته؟! # قامت مسألة السودان وجرى البحث في حقوق مصر فيه، وكبرت دعاوى الإنكليز بشأنه، وأخذ ~~الكتاب في المناقشة والمباحثة، وتناولوا الأمر فيما بينهم جذبا ودفعا وخفضا ~~ورفعا. وبينا هم في أمر من شأنه مريج طلع داود على الأمة بكتابه الفذ القيم ~~«السودان المصري والإنكليزي»، فقطع قول كل خطيب وأنار السبيل وعبد الطريق وأوضح ~~المسالك وبين ما لمصر في السودان من الحقوق الثابتة التي أيدتها الدماء المهراقة في ~~صحاريه والأموال السائلة في بواديه. وقد عرف كل مصري أن السودان له دون غيره من سائر ~~خلق الله، وذلك بفضل داود وبعقل داود وبقلم داود. فماذا صنعت الأمة لداود وبماذا ~~كافأته؟! # تحدث الناس في شأن الحركة العرابية، وكتب الكتاب فيها، وذهبوا في أسبابها ونتائجها ~~مذاهب شتى، وتناولها الباحثون بمختلف الفكر والآراء، فطلع عليهم داود بمقالاته ~~المحققة ورسائله الممحصة، فجلا بهما ms195 غواشي الظلم المتراكبة، وأظهر الأسرار وبين ~~المعالم وأعطى من كل ناحية نواحيها حقها من البيان والإيضاح، وحقق الأسباب وصحح ~~المقدمات وخرج بالنتيجة التي لا ترد وبالغاية التي لا تدفع، فماذا صنعت الأمة لداود ~~وبماذا كافأته ؟! # درجت الأمة ومضت السنون والناس لا يعرفون من أمر إبراهيم باشا شيئا، وقد أنكروه، ~~حتى إنهم كانوا يسمون تمثاله بالحصان ويعتدون القرب منه سبة عار. ولكن داود لا يحب ~~أن تجهل هذه الأمة تاريخها إلى هذا الحد، ولا يستريح إلى أن تستهين بأبطالها إلى هذا ~~المقدار، فاستثار كوامن نفسه، ونبه المختزن من حافظته، وأرسل نظره في بطون الدفائن من ~~الأوراق والمستندات والدفاتر، ثم أرسل قلمه البليغ يتوغل في شعاب البحث والدرس ~~والاستقراء، فجلا للأمة - بل للأمم كافة - حقيقة البطل المصري العظيم إبراهيم باشا، ~~وعرض عليهم مواقفه الهائلة في الذياد عن كيان الأمة، ومشاهده العظيمة في العمل على ~~توسيع رقعتها وامتداد سلطانها. كما قرأ على الناس صفحة خالدة من أنصع صفحات الجيش ~~المصري المجيد، فنبه الأمة إلى تمجيد هذا البطل الكريم وإلى الاعتزاز به والافتخار ~~بأعماله. كما أيقظ الحكومة من سباتها، فقامت تحتفل بذكراه عن إحدى وقائعه الكبرى ~~وفتوحاته الجليلة، وكان يوم 27 مايو من مفاخر الأيام في هذه الأمة. فماذا صنعت الأمة ~~لداود وبماذا كافأته؟! وماذا صنعت له الحكومة وبماذا كافأته؟! # أرى أنه يجب على الأمة إزاء هذه الأعمال العظيمة التي قام بها داود بركات، وهذه ~~الخدمات الكبرى التي قدمها إليها حسبة لوجه الله، وقياما بحقوق هذا الوطن العزيز، أن ~~تظهر له شعورها الفياض فتقيم له حفلة تكريم، وتقدم له فيها تذكارا ثمينا يتفق مع ~~عزتها وكرامتها؛ لتثبت أنها أمة حية صالحة للبقاء، وأنها تقدر العاملين وتعرف أقدار ~~المخلصين. # وأما الحكومة، فمن واجبها أولا: أن تمنح هذا الكاتب العظيم لقبا من ألقاب الشرف ~~التي يحملها السني والدني. ثانيا: أن تقوم الجامعة بمنحه لقب الدكتوراه الفخري؛ فهو من ~~أحق الناس بحمله وأجدرهم بالتلقب به. أليس قد قدم للأمة سفرا ضخما عن إبراهيم باشا ~~وفتوحاته تندق الأعناق ms196 وتتحطم الأصلاب دون كتابة مثله؟ ثالثا: تدفع إليه الحكومة ~~مقدارا مرضيا من المال مكافأة له عما عانى في هذا البحث وما بذل في سبيله من النفس ~~والنفيس. رابعا: تأمر بطبع هذا التاريخ ونشره بين الناس وتقريره في مدارسها الكبرى وفي ~~مكاتب المدارس على الإطلاق على نفقتها بطريق التراضي معه على ذلك. # هذه كلمة صراحة وإخلاص أنشرها خدمة لسمعة أمتي وقياما بحق هذا الكاتب الجليل الذي ~~طوق أعناقنا جميعا بمننه التي لا تنسى، فهل من سميع؟! # حسن السندوبي # | بعض مراجع الكتاب # الوقائع المصرية. # مذكرات كلوت بك. # مذكرات الدكتور غالياردو. # الوثائق الرسمية التي طبعتها الجمعية الجغرافية. # تاريخ مشاقة. # مذكرات نوفل. # تاريخ الأعيان لطنوس الشدياق. # تاريخ جوين. # مذكرات دوين. # تقويم النيل لأمين سامي باشا. # الجبرتي وميخائيل شاروبيم. # البحر الزاخر لمحمود فهمي باشا. # الرسائل الشرقية. # سليمان بك أبو عز الدين. # المسألة المصرية الفرنسية. # مذكرات سليمان باشا الفرنساوي. # وذلك ما عدا الوثائق الخطية التي وصلت إلى المؤلف، ومما ترجم له من الدفترخانة ومؤلفات ~~بريه ولوران وبوجولات وموريز. ms197