######OpenITI# #META# URI: 1352DawudBarakat.SudanMisri.Hindawi90520707 #META# Tags: history #META# ID: 90520707 #META# Title: السودان المصري ومطامع السياسة البريطانية #META# AuthorID: 71863536 #META# Author: داود بركات #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # السودان المصري والسياسة الإنجليزية‏ # السودان المصري وماذا كان وماذا صار؟‏ # كيف دفع السودان للثورة‏ # محمد أحمد والثورة‏ # التعليمات لغوردون‏ # الزبير رحمة‏ # التسابق إلى السودان‏ # مصر هي النيل‏ # من محمد علي إلى عباس الثاني‏ # السودان مصري فقط‏ # سلخ السودان وطريق المواصلات الإمبراطورية‏ # إخلاء السودان ليس تركه نهبا مشاعا‏ # فتح السودان واتفاق 1899‏ # بعد الاتفاقين‏ # أحرار ومحافظون‏ # اتفاق السودان في نظر رجال السياسة والقانون‏ # السودان مصري ومن مصر وجزء لا يتجزأ عن مصر‏ # شركة الذئب والحمل‏ # نظرة في المستقبل ومستقبل مصر في السودان وحده‏ # مراقبة مياه النهرين الكبيرين‏ # القبض على نواصي الأمم بالماء والبوليس‏ # مشروعات الري الحديثة في وادي النيل والإيراد المائي اللازم لريه‏ # مصر بعد 35 سنة والسودان بعد 53 سنة‏ # مشروع ري الجزيرة‏ # الجيش المصري والسودان‏ # في بحر الغزال‏ # الخاتمة‏ # السودان المصري والسياسة الإنجليزية‏ # السودان المصري وماذا كان وماذا صار؟‏ # كيف دفع السودان للثورة‏ # محمد أحمد والثورة‏ # التعليمات لغوردون‏ # الزبير رحمة‏ # التسابق إلى السودان‏ # مصر هي النيل‏ # من محمد علي إلى عباس الثاني‏ # السودان مصري فقط‏ # سلخ السودان وطريق المواصلات الإمبراطورية‏ # إخلاء السودان ليس تركه نهبا مشاعا‏ # فتح السودان واتفاق 1899‏ # بعد الاتفاقين‏ # أحرار ومحافظون‏ # اتفاق السودان في نظر رجال السياسة والقانون‏ # السودان مصري ومن مصر وجزء لا يتجزأ عن مصر‏ # شركة الذئب والحمل‏ # نظرة في المستقبل ومستقبل مصر في السودان وحده‏ # مراقبة مياه النهرين الكبيرين‏ # القبض على نواصي الأمم بالماء والبوليس‏ # مشروعات الري الحديثة في وادي النيل والإيراد المائي اللازم لريه‏ # مصر بعد 35 سنة والسودان بعد 53 سنة‏ # مشروع ري الجزيرة‏ # الجيش المصري والسودان‏ # في بحر الغزال‏ # الخاتمة‏ # | السودان المصري ومطامع السياسة البريطانية # | السودان المصري ومطامع السياسة البريطانية # تأليف # داود بركات # | مقدمة # بقلم دواد بركات # هذه كلمات طلب إلي كثير من أصحابي الذين يشتغلون في المسألة المصرية نشرها، فأجبت ~~طلبهم. # وليس القصد منها الاستفاضة في التاريخ والوقائع؛ بل بيان مساعي السياسة في السودان المصري ~~بالاستناد إلى الوقائع التاريخية، وبيان حق مصر في السودان، وأن السودان جزء من مصر لا ~~يجزأ، ms001 وأن مصر لا تستطيع أن تعيش سياسيا وماديا دون السودان. # 25 مارس 1924 # | السودان المصري والسياسة الإنجليزية # في سنة 1881 قامت الدعوة المهدية في السودان والثورة العرابية في مصر في وقت واحد، ~~كأنهما كانتا على موعد، وكانت للسياسة الإنكليزية في كلتيهما يد ظاهرة؛ لأن الإنكليز ~~كانوا لمصر بالمرصاد يغنمون الفرص إن لم نقل يخلقونها، خطة قديمة وضعوها منذ نزل ناپوليون ~~في مصر وهدد الهند سنة 1797 فمنذ ذاك اليوم خلقت عند الإنكليز كلمة «طريق مواصلات ~~الإمبراطورية» فحاولوا - بعد إخراج ناپوليون، وإنكار معاهدة أميان (1802) بينهم وبين فرنسا ~~على أن تظل حالة مصر بلا تغيير - الاستيلاء على مصر (1807) فصدهم محمد علي يساعده ~~الفرنساويون على أن يكون الأمر بيده في مصر عندما ظهر لهم مقصد الإنكليز وهم عاجزون عن ~~مقاومتهم، وظل الفرنساويون بعد طرد الإنكليز يؤيدون محمد علي وينظمون ملكه، حتى انتصر على ~~تركيا، ومد الملك المصري إلى جبال طورس، وألف إمبراطورية ضخمة من مصر وسوريا والسودان، ~~ولكن الإنكليز كانوا له بالمرصاد؛ فألبوا الدول على مصر، واعتبروا «الغالب مغلوبا» ~~وأبقوا مصر ولاية تركية. # ثم اتخذوا عباس الأول آلة صماء في أيديهم فجعل طريق الهند في قلب مصر، وضمن لهم نقل ~~البريد من الإسكندرية إلى السويس، وأنشأ لذلك طريقا معبدة، وأقفل المدارس، وتنازل عن ~~كثير من الامتيازات، ولو طال ملكه لأرجع مصر بإرشادهم ولاية تركية. # ولما تولى سعيد باشا ونال دي لسپس منه امتياز حفر قناة السويس قاومه الإنكليز إلى أن ~~عجزوا عن المقاومة فجعلوا نصب عيونهم امتلاك القناة. # وكان شعار سعيد «مصر للمصريين» فقوى الوطني وعززه بتولي شئون البلد، فلم تجد السياسة ~~الإنكليزية طريقا إليه. # وخلفه إسماعيل، فعقد العزيمة على أن يتم عمل جده محمد علي وأبيه إبراهيم، لا بقوة الجند ~~- وقوة الجند محرمة عليه باتفاق لندرة (1841) - بل بقوة المال، فنال من تركيا سبعة ~~فرمانات بتوسيع سلطته حتى الاستقلال؛ فمد الفتح في السودان حتى الدرجة الثانية بعد خط ~~الاستواء، وأدخل الأوغندا تحت حماية مصر بمعاهدة مع ملكها متيزا # 1 ~~(1874) وعين لينان دي بلفون ms002 مندوبا ساميا هناك، وهكذا صارت البحيرات وجميع ~~منابع النيل مصرية، وولاه السلطان إقليم سواكن سنة 1865، ثم صار ذلك الإقليم قطعة من ~~الأراضي المصرية بفرمان 17 مايو 1866، ومن أول يوليو 1875 أعطي بفرمان آخر إقليم زيلع، ثم ~~وجه إسماعيل حملة مصرية استولت على سواحل البحر الأحمر من بربرة حتى الأقيانوس الهندي، ولكن ~~عين الإنكليز كانت ساهرة يقظة يمهدون السبيل لتحقيق مطامعهم؛ فحملوا إسماعيل على أن يستخدم ~~رجالهم في حكومة السودان، بعدما ابتاعوا منه أسهم القناة طريق المواصلات الإمبراطورية، ~~وأوحوا إلى أولئك الرجال بمقاصدهم حتى إذا وقعت الأزمة المالية كتب مندوبهم في اللجنة ~~الدولية السير ريفرس ويلسون «إنه لا ينقذ مصر ولا يصلح لحكمها سوى الإنكليز يتولون ~~أمرها» وكتب الكولونل ستيوارت عن السودان «إن المصرين الذين لا يصلحون لحكم الدلتا كيف ~~يصلحون لحكم السودان؟» هذا القول قاله الكولونل ستيوارت بعدما نشر السير صموئيل باكر سنة ~~1861 تقريرا عن السودان قال فيه: «يستطيع السائح الأوربي أن يتجول وحده في جميع أنحاء ~~السودان كما يتجول الإنكليزي في حديقة هايد بارك عند غروب الشمس، فالشعب لين الطباع سهل ~~الانقياد ليس أسهل من حكمه» فبعد خلع إسماعيل قامت الثورة العرابية والدعوة المهدية بوقت ~~واحد تنشطهما السياسة بكل الطرق والأساليب إلى أن تسنى للإنكليز احتلال مصر سنة 1882، ~~فوضعوا نصب عيونهم تفكيك الإمبراطورية المصرية وامتلاك السودان، وجعلوا حجتهم في البقاء ~~بمصر «الاضطرابات السياسية والمالية بمصر وخطر المهدية بالسودان» أما المهدية فقد وصفها ~~غوردون بقوله: إنها «حركة اليأس» بعدما شدد الإنكليز في إبطال النخاسة والرق تشديدا دفع ~~الناس إلى اليأس، وبعدما ملأوا السودان بالحكام الأجانب وإقصاء المصريين والسودانيين، ~~وبعد احتلالهم مصر وتسلطهم عليها ومنعهم حكومتها من إخماد الثورة إلى أن أكرهوها على الجلاء ~~إكراها، وكانت حجة السير بارنغ (اللورد كرومر) أن ميزانية مصر تتحمل في كل عام 260 ألف ~~جنيه هو عجز ميزانية السودان، فهي أضعف من أن تقوم بهذا الحمل، ولكن هذا الادعاء كان ~~وسيلة لقطع السودان عن مصر؛ لأن حماية الحدود بعد ذلك كانت تتطلب أضعاف هذه ms003 النفقة، وحملوا ~~خزانة مصر 400 ألف جنيه في العام نفقة جيش الاحتلال، ولما أرسلوا غوردون لإخلاء السودان ~~فحصره الثوار أنفقوا هم من مالهم ومال مصر على حملة ولسلي لإنقاذه 11 مليون جنيه، ودفعت ~~خزانة مصر من ديون غوردون إبان حصاره 996060 جنيها منها 657258 جنيها للأجانب، ناهيك بجيش ~~مصر الذي ذاب في السودان بعد تركه، ومتاجر المصريين وأموالهم وأملاكهم، والقلاع والحصون ~~والمراكب الحربية والتجارية، ثم بعد ذلك نفقات استعادة السودان، وقد أربت على سبعة ملايين ~~جنيه. كل هذا المال دفع في 16 سنة اقتصادا لمئتي ألف جنيه تدفع في سنة أو سنتين، ~~ولكنهم لم يريدوا الاقتصاد وإنما أرادوا فصل السودان ثم استعادته لأنفسهم لا لمصر. # | هوامش # | السودان المصري وماذا كان وماذا صار؟ # وصف ستيوارت # 1 # باشا السودان المصري عام 1883 في تقرير قدمه لحكومة إنكلترا - حكومته - قال ~~فيه: # إن البلاد التي يحتلها الآن المصريون ويطلقون عليها اسم «السودان» لهي بلاد كبيرة ~~جدا مترامية الأطراف وطولها من الشمال إلى الجنوب - أي من أسوان إلى خط ~~الاستواء # 2 ~~- نحو 24 درجة أو 1650 ميلا، وعرضها من مصوع إلي غربي دارفور نحو 22 ~~درجة أو 1200 ميل إلى 1400 ميل، وإذا ابتدأنا من نقطة برانيس على ساحل البحر الأحمر ~~شرقا على خط موازاة الدرجة 24 إلى نقطة غير معينة في صحراء ليبيا نفترضها الدرجة ~~السابعة والعشرين شرقي غرنويتش، ومن هناك يتجه خط الحدود جنوبا إلى الغرب حتى نقطة ~~الاتصال في شمالي إقليم دارفور إلى الغرب، ثم يتجه باستقامة على وجه التقريب نحو ~~الجنوب إلى الدرجة 11 أو 12، ومن مبوتو يتجه من الجنوب الشرقي إلى بحيرة ألبرت ~~نيانزا ويماس ڨكتوريا نيانزا ويصعد من هناك شمالا إلى الشرق فيشمل إقليم هرر، ثم ~~يصل إلى المحيط الهندي عند رأس غردفوي، ويصير على ساحل البحر الأحمر حتى يرجع إلى ~~برانيس. # وقد طبعت وزارة خارجية إنكلترا هذا التقرير، وألحقت به الخريطة التي وضعها مسداليا في ~~الخرطوم وفيها مديرية خط الاستواء وشمالي الأوغندا ومديرية اللادو والمكلا وبحر الغزال وهي ms004 ~~الأراضي المصرية التي أجرتها الحكومة الإنكليزية باتفاق 14 مايو 1894 لولاية الكونغو ~~البلجيكية. # أما حدود السودان المصري الآن فهي: من جهة الشمال الخط 22 من خطوط العرض الشمالي إلى ~~شمالي حلفا، ومن الجنوب حدود بلاد أوغندا التابعة لإنكلترا على خط 5 من العرض الشمالي، ومن ~~الشرق البحر الأحمر وبلاد الإريترة والحبشة، ومن الغرب والجنوب الغربي الصحراء الكبرى وبلاد ~~واداي والجبال المتوسطة بين نهر الكونغو وبحر الغزال. فالطول الآن من الشمال إلى الجنوب نحو ~~1200 ميل، ومن الشرق إلى الغرب نحو 1000 ميل؛ لأن مديرية خط الاستواء التي ظل أمين باشا ~~مديرا مصريا فيها ومعه ألفا جندي مصري والعمال والكتاب، اقتطعت من السودان وألحقت ~~بالأوغندا التي كانت تحت حماية مصر، وبعد استعادة السودان جعلوا منجالا آخر حدود السودان ~~المصري، وما بقي من الأراضي السودانية المصرية جنوبا ألحق بأوغندا، وأعطيت اللادو وما ~~حولها لملك بلجيكا على أن تعود للإنكليز بعد وفاته، وبذلك اقتطعوا من السودان المصري 450 ~~ميلا بالطول و400 ميل بالعرض، وأخرجوا منه البحيرات التي ينبع منها النيل وجعلوها ملكا ~~لهم ليملكوا بها السودان ومصر معا، ولم يكفهم ذلك فإن البحر الأحمر وسواحله لازمة ~~لطرق مواصلات الإمبراطورية فأخرجوا المصريين من تلك السواحل بعد أن صار زمام مصر بأيديهم، ~~وهكذا هدموا «الإمبراطورية المصرية» بالسودان وأخذوا أنقاضها واقتسموا مع إيطاليا وبلجيكا ~~الغنيمة. # كانت مساحة السودان المصري في سنة 1883 تعادل مساحة فرنسا وإسپانيا وألمانيا معا، فلم ~~يبق منها الآن سوى الثلث، وهذا الثلث يدعي الإنكليز أنهم أصحابه دون مصر، وكانت تجارة مصر ~~مع السودان تجارة كبيرة جدا، فالصادر من مصر بطريق أسوان وحدها كان مليوني جنيه والصادر ~~من سواكن وقنا وأسيوط يعادل هذا المبلغ، أما واردات السودان إلى مصر وبطريق مصر فقد كانت ~~نحوا من 11 مليون جنيه، أما الآن فإنه لم يبق لمصر من هذا الوارد التجاري والصادر إلا ~~الجزء اليسير الذي لا يكاد يستحق الذكر، ولولا ورود المواشي السودانية في العهد الأخير ~~لوصلت الصلات والعلائق التجارية بين مصر وسودانها إلى حيز ms005 العدم رغم زيادة العمران وعدد ~~الأهالي فمبلغ المليون والنصف المحصورة به تجارة مصر والسودان الآن يدلنا على أن مصر لا ~~تخسر بإضاعة السودان مصدر حياتها بل تجارتها ونتاج صناعتها؛ لذلك لم تحتج الحكومة المصرية ~~برئاسة شريف باشا وحدها سنة 1884 على مسعى الإنكليز لإخلاء السودان، بل احتج أيضا على هذا ~~المسعى التجار الوطنيون والأجانب بمذكرة رفعوها إلى الخديوي توفيق باشا ووزيره نوبار باشا ~~ومعتمدي الدول قالوا فيها: # إن واردات السودان مليونا جنيه (بطريق أسوان) وصادراته 11 مليونا ونصف مليون ~~جنيه، وإن الأملاك والعقارات تقدر بالملايين الكثيرة، وإن عدد التجار المسيحيين 15 ~~ألفا وعدد التجار المصريين 40 ألفا، وعدد المحلات التجارية المصرية ثلاثة آلاف ~~وعدد المحلات التجارية الأوربية نحو ألف، والمخزون من البضائع يقدر بنصف مليون ~~جنيه. # ولكن ذلك كله لم يحل دون عزم إنكلترا على إخلاء السودان، بل إن ذلك هو الذي دعاها إلى ~~إخلائه لتضع يدها عليه، وما كاد يصدر أمر الإخلاء حتى أنزل الأميرال هويت قوة إنكليزية ~~بسواكن (24 فبراير 1884) وكانوا قبل ذلك أي في سنة 83 قد خططوا السكة الحديدية من سواكن إلى ~~بربر ليحولوا طريق التجارة عن مصر إلى سواكن فيربحوا خيرات السودان وتجد مراكبهم مرتزقا من ~~النقل دون مزاحم، وبعد احتلال سواكن أرسلوا الماجور هنتر لاحتلال زيلع وبربرة وما وراءهما، ~~فكانت الجنود المصرية تلف علمها وفي الوقت ذاته كانت الجنود الإنكليزية ترفع علم دولتها ~~فوق القلاع المصرية، وفي 3 يونيو 1884 عقد هنتر اتفاقا مع النجاشي يوحنا بشأن إقليم هرر ~~دون استشارة الحكومة المصرية ودون رأيها، وألف هناك حكومة محلية برئاسة عبد الله محمد ~~عبد الشكور. أما مصوع التي سلمتها تركيا للحكومة الخديوية في سنة 1866 مقابل 16 ألف جنيه ~~تدفعها في كل سنة، فقد كانت محافظة تمتد من رأس قصار في البحر الأحمر حيث منتهى محافظة ~~سواكن إلى حلة رهيطة عند بوغاز باب المندب، وتمتد بالبر إلى سيدرات بالقرب من كسله، ويطلق ~~الطليان عليها الآن اسم الإريتره، فالبحر الأحمر كان بحرا مصريا صرفا مع ms006 خليج العقبة ~~وقلعة الوجه التي بناها المصريون وأقاموا فيها حتى 89 وفي 6 فبراير 1885 أخرجت الحامية ~~المصرية من زيلع وأعيدت إلى مصر ومنحت زيلع وبربر للإنكليز. # وأغرب من ذلك أن هذه البلاد التي أخذت من مصر لا تزال مصر تدفع إتاوتها لتركيا، وقد قرر ~~مؤتمر لوزان أن تظل مصر تدفع هذه الإتاوة إلى سنة 1855. ~~••• # أما القوة المصرية التي كانت في بلاد السودان حين قيام ثورة المهدي فهي حسب الإحصاء ~~الرسمي 1950 في دنقلة و2170 في بربر و7480 في الخرطوم و2350 في سنار و1610 في القلابات و800 ~~في الجيرة و200 في القضارف و3940 في كسله و920 في أمبديب و1900 في سنهيت و3470 في هرر و5830 ~~في كردوفان و4863 في دارفور و886 في بحر الغزال و2631 في خط الاستواء. فجملة عدد الجيش ~~المصري في السودان 40490 وفي خدمتها 12 وابورا حربيا، وعدد المتطوعة مع الجيش نحو 20 ~~ألفا، وعدد الموظفين نحو 30 ألفا. # | هوامش # | كيف دفع السودان للثورة # دس الإنكليز رجالهم في خدمة الحكومة المصرية في السودان، وظن إسماعيل باشا - الذي كان ~~يجيب طلبهم باستخدام رجالهم وبإعطائهم السلطة التي لا حد لها - أنه يرضيهم ويحول مطامع ~~إنكلترا عن بلاده، فظن خطأ، وتولى الموظفون الإنكليز المناصب بطلب حكومتهم وإرشادها ~~ليتمكنوا من هدم الإمبراطورية المصرية الواقعة على طريق الهند وتحويلها إلى مستعمرات ~~إنكليزية فصموئيل بكر في خط الاستواء وغوردون في بحر الغزال وكلاهما وال مصري أعطيا ~~السلطة التي لا حد لها فاستخدما قانون منع الرق لإغضاب السودانيين الذين كانوا ~~يستخدمون العبيد في أعمالهم وينصرفون هم إلى التجارة والأعمال الكبيرة، فكانا ينكلان ~~بالناس تنكيلا شديدا ويعاقبان بالقتل والسجن ومصادرة الأملاك بحجة تنفيذ المعاهدة المبرمة ~~بين إسماعيل باشا وإنكلترا سنة 1877 لمنع الرقيق، مع أن الإنكليز في أملاكهم الأفريقية ~~كانوا يتساهلون كل التساهل، فعد عمل الإنكليز فوق ما تقدم تعرضا للدين. ثم إنهم ميزوا ~~قبيلة على أخرى فأعفوا قبائل الشايقية من الضرائب فأغضبوا القبائل الأخرى، كما فضلوا أصحاب ~~الطريقة الميرغنية على أصحاب الطرق الأخرى فأوجدوا ms007 التحاسد بين أصحاب الطرق. # ويلي ذلك إهمال شأن محمد أحمد المهدي عند ظهوره، وظهور هؤلاء الذين يدعون المهدية في ~~السودان كثير جدا، وقد ظهر من يوم استعادة السودان إلى اليوم 15 مهديا لو أهملوا ~~لاستفحل أمرهم، وضاعف في الأمر الثورة العرابية التي كان ينشطها ويشجعها وكيلهم السياسي ~~بمصر السير مالت وغيره من خدمة سياستهم فتحولت أنظار حكومة مصر عن السودان إلى أن احتل ~~الإنكليز مصر. # | محمد أحمد والثورة # أما محمد أحمد المهدي فهو ابن نجار تعلم العلوم الدينية بالخرطوم، واتبع الطريقة ~~السمانية، وسكن مع إخوته النجارين في جزيرة أبا حيث كثر تلامذته وأتباعه، وفي سنة 81 جهر ~~بدعوى المهدية، وحث أصحابه على القيام معه لنصرة الدين والجهاد في سبيل الله كما يفعل ~~ذلك الكثيرون، ولما وصل خبره إلى رءوف باشا حكمدار السودان أرسل إليه يسأله عن منشوراته ~~وادعائه فأجابه أنه المهدي المنتظر، فأوفد إليه محمد بك أبا السعود أحد معاونيه فدخل عليه ~~في غاره وسأله عن دعواه. فأجابه: أنا المهدي أنا ولي الأمر. # فعاد أبو السعود إلى رءوف باشا وقص عليه حكاية محمد أحمد، فأرسل معه بلوكين للقبض ~~عليه، وكان محمد أحمد قد جمع أتباعه فلما نزل الجنود إلى البر فتك بهم رجاله؛ لأن ~~الجنود لم يكونوا على حذر، وخاف المهدي العاقبة ففر مع من معه إلى جبل قدير، وارتأى محمد ~~سعيد باشا مدير كردوفان مطاردة محمد أحمد، ولكن رءوف باشا منعه وأرسله إلى جزيرة أبا ليحقق ~~عن قتل الجند، ولما استقر محمد أحمد بجبل قدير استأذن مدير فاشودة راشد بك بأن يزحف عليه ~~فمنعه رءوف باشا، ولكنه ذهب بأربعمائة جندي، وقبل وصوله إلى مقر المهدي جمع هذا ثمانية آلاف ~~هجم بهم على راشد بك فقتله وأسر جماعته وفتك بالباقين؛ فعزلت الحكومة رءوف باشا وولت ~~عبد القادر باشا، وقبل وصول عبد القادر باشا جهز جيكلر وكيل الحاكم قوة بقيادة يوسف باشا ~~السلامي قابلها محمد أحمد بجيش عدده 15 ألفا، فانتصر على يوسف باشا وقتله (29 مايو 1882) ~~ولما ذاع خبر انتصاره ms008 هابه الناس، وأخذوا بالهجرة إليه، وامتدت الثورة إلى سنار ومديرها ~~حسين باشا شكري، ثم من هناك إلى جهة النيل الأزرق. # وفي 11 مايو 1882 وصل عبد القادر باشا إلى الخرطوم فأخذ بتحصينها، وتجنيد العساكر، وأتى ~~بست أورط من السودان الشرقي، وأخمد فتنة سنار، وعزل الموظفين الذين خانوا، ثم سار هو ذاته ~~بجيش نكل بزعماء الثورة في سنار واحدا فواحدا، وكاد يخمد الثورة في جميع الأنحاء عندما ~~تلقى الأمر من القاهرة بعزله، كأنما الإنكليز ما كانوا يريدون إخماد الثورة بل زيادة ~~اتقادها، فعينوا علاء الدين باشا خلفا له زاعمين أن عبد القادر باشا يريد الاستقلال ~~بالسودان، ومن المعلوم أن الإنكليز عندما دخلوا القاهرة كان أول عمل عملوه أنهم حلوا الجيش ~~في 20 ديسمبر 1882، ثم جمعوا ستة آلاف رجل، وعينوا السر أفلن وود سرادارا، وعينوا الضباط ~~الإنكليز قوادا، وأرسلوا إلى السودان عشرة آلاف من فلول جيش عرابي بقيادة هكس ~~باشا. # وصل علاء الدين باشا إلى الخرطوم في 20 فبراير 1883 وسلطته محصورة بالإدارة الملكية، ~~وولوا سليمان باشا نيازي العسكرية، وهكس باشا رئيسا لأركان الحرب. # ولما وصل عبد القادر باشا إلى مصر ألح على الحكومة بأن تدع الجيش يحافظ على النيل ~~الأبيض حتى لا تمتد الثورة إلى سنار، وأن تدع محمد أحمد وشأنه في كردوفان فهو يسقط من تلقاء ~~نفسه فلم يسمعوا نصيحته، وجهز هكس باشا حملة كبيرة على كردوفان مؤلفة من 7000 من المشاة ~~و500 من الفرسان النظاميين و500 من الفرسان المتطوعين وألفين من الأتباع و500 جمل و300 بغل ~~و10 آلاف حمار وخمسة آلاف جواد و10 مدافع جبلية و4 كروب و6 نوردنفلت. سار هذا الجيش وضل ~~الطريق، وفي 4 نوفمبر أخذ الدراويش يطوقون معسكر هيكس الذي دخل واديا كثير الغابات ~~والأشواك طلبا للماء؛ لأن العطش برح بالجنود، فحمل عليهم رجال محمد أحمد من كل جانب ~~فقتلوا الجيش، ولم يسلم منه سوى ضابطين و300 جندي أخذوا أسرى. # وحينئذ أرسل الكولونل ستيوارت تقريرا إلى حكومته بأن الوقت قد حان لإخلاء السودان، ~~وألحوا على الخديوي ms009 توفيق باشا في ذلك فلم يوافقهم على هذا الطلب، وكانت حجة السير أفلن ~~بارنغ أن في ميزانية السودان عجزا قدره 260 ألف جنيه، والخزانة المصرية لا تستطيع تحمل مثل ~~هذا المبلغ في كل عام، والحكومة الإنكليزية لا ترضى بأن تقدم جنديا واحدا لتأييد سلطة ~~مصر على السودان، وألحت على وزارة شريف باشا بإخلاء السودان، فأبى شريف باشا قبول طلبهم ~~وقال كلمته المشهورة «إذا نحن تركنا السودان فهو لا يتركنا»، ولكنهم أكرهوه على الاستعفاء ~~عملا بالقاعدة التي سنها اللورد غرنفل وهي: «إما أن يخضع الموظف المصري، أو يستقيل»، ~~ولما استعفت وزارة شريف باشا خلفتها وزارة نوبار باشا التي قررت في الحال إخلاء السودان (8 ~~يناير 1884). # أما وزارة شريف باشا فإنها قالت في كتاب استعفائها: # تطلب حكومة جلالة ملكة إنكلترا أن نترك السودان، فليس من حقنا أن نسلم بتركه؛ لأن ~~هذه البلاد التي هي ملك الباب العالي قد سلمت لنا لنحافظ عليها. # وتقول حكومة جلالة الملكة إنه يجب على مصر اتباع مشورتها دون مناقشة، وفي ذلك ~~مخالفة للأمر العالي الصادر في 23 أغسطس 1879 وفيه أن سمو الخديوي يحكم مع وزرائه ~~وبواسطتهم. # فنحن نستعفي لأنا نمنع من الحكم حسب أحكام الدستور. # | التعليمات لغوردون # وكلت حكومة إنكلترا إلى غوردون # 1 # إخلاء السودان دون استشارة الحكومة المصرية، ونشرت بلاغا قالت فيه: «إن حكومة ~~جلالة الملكة سألت غوردون: هل هو مستعد لأن يذهب إلى الخرطوم ليقيم في السودان حكومة وطنية ~~سودانية، ويبذل جهده لإعانة الحاميات المصرية الموجودة هناك؟ فسأل الجنرال: هل تناط به هذه ~~المهمة باسم جلالة الملكة، أم باسم الخديوي؟ وبما أنه ضابط عظيم من جيش جلالة الملكة فهو ~~ينفذ الأوامر التي يكون له شرف تلقيها من جلالتها، فهو لا يرضى بحال من الأحوال أن يذهب إلى ~~السودان كممثل للخديوي، فالوزراء أجابوه بأنه سيكون بالسودان مندوب الحكومة البريطانية وليس ~~له أقل شأن مع الخديوي، ولكي يكون ذلك أكثر وضوحا فهو يسافر إلى الخرطوم بطريق السويس إلى ~~سواكن ويقابله في السويس السير بارنغ ويتفق معه ms010 على الجلاء وتسكين السودان.» # ذلك هو البلاغ الرسمي، أما التعليمات السرية التي تلقاها فإنها تضمنت أن هذا العمل هو ~~البدء بتنفيذ برنامج اللورد دوفرين، وهذا البرنامج هو: ~~(1) # إخلاء مصر للسودان. ~~(2) # جلاء الجنود والموظفين المصريين. ~~(3) # استعادة السودان لمصلحة إنكلترا وحدها. # ولما وصل غوردون إلى بورسعيد تحول عن عزمه وحضر إلى القاهرة وأخذ أمرا من الخديوي بإخلاء ~~السودان. # كان هم غوردون قبل وصوله إلى الخرطوم أن يعلن مقاصده فأرسل من أسيوط إلى حسين باشا ~~خليفة مدير بربر تلغرافا يأمره بأن يبلغ عمد البلاد وأعيانها أنه سمي واليا على ~~السودان، وأنه عند وصوله سيعزل جميع الموظفين الترك والمصريين، ويولي حكاما من أهل ~~البلاد؛ ليعيد الحكم إلى ما كان عليه قبل الفتح، وأنه أعفى أهل السودان من ضرائب 1883 وأباح ~~تجارة الرقيق. # ولما وصل إلى كورسكو أرسل كتابا إلى المهدي بأنه عينه سلطانا على كردوفان ودارفور، ~~وعندما وصل إلي بربر خطب بالأهالي بأنه جاء ليخرج الجنود المصرية من السودان ويعيد ~~الحكم إلى السودانيين أنفسهم، ثم عين مجلس شورى لحكم تلك الجهة من السودانيين وفتح الطريق ~~إلى محمد أحمد وكان مقفلا فأخذ الناس يهرعون إليه بعد منشور غوردون ويزيدون قوته ~~إما خوفا منه وإما حبا به. # ولما وصل إلى الخرطوم فعل الفعل ذاته، ثم زاد على ذلك أنه جمع دفاتر المالية وأحرقها أمام ~~الجمهور؛ ليزيد في ثقة السودانيين، وفي إضعاف قلوب المصريين. # ثم أخرج العساكر المصرية من الخرطوم، وألف مجلسا من السودانيين لحكم البلاد، وبعد ذلك ~~أرسل ستيوارت باشا وكيله ليرى كيف كان وقع عمله في البلاد فوجد أن الثورة عامة وليس لها ~~رأس، وأن المهدي لا يريد مخاطبة الإنكليز والاتفاق معهم كما كان يأمل حين نادى به سلطانا ~~على دارفور وكردوفان فأخذ يبحث عن رجل قوي يوليه الحكم ويتفق معه، فطلب الزبير باشا من ~~مصر ووعده بمنحه رتبة الفريق والنيشان العثماني، وراتبا سنويا قدره 6000 جنيه، وأن تعطيه ~~الحكومة المصرية كل سنة مليونين ونصف جنيه لمدة سنتين، وأن تترك له سلاحها وذخائرها، وأن ~~يكون ms011 له جمرك سواكن فلم يقبل الزبير، ولم يسلم الإنكليز مخافة أن يكون كالمهدي أو ينضم ~~إليه، فقرروا ترك الفوضى تأكل السودان إلى أن يستعيدوه، ولكن مركز غوردون تحرج، ولم ~~يستطع الخروج من السودان فذهب ضحية السياسة مع من ذهبوا مع الإمبراطورية المصرية السودانية ~~التي هدموها. # ولما عثروا على مذكرات غوردون وأعادوها إلى أهله نزعوا منها التعليمات التي تفضح السياسة، ~~فطبعت تلك المذكرات وفيها خمس صحائف بيضاء. # حاولت الحكومة الإنكليزية بعد حصار الخرطوم إنقاذ غوردون فألفت حملة بقيادة اللورد ولسلي، ~~وقالت في الأوامر الصادرة إليه: «إن الغرض إنقاذ غوردون وستيوارت، فمتى تم ذلك لا يجوز ~~القيام بأعمال أخرى» فاستخدم ولسلي الجيش المصري و9 آلاف من الجيش الإنكليزي و900 زورق ~~نيلي، وقامت الحملة في 27 سبتمبر 1884 وسارت متقدمة، ولكن الخرطوم سقطت في 26 يناير 1885، ~~ووصل السير تشارلس ويلسون إليها بوابورين عند ظهر 28 يناير، ولما عرف الخبر عاد راجعا إلى ~~اللورد ولسلي الذي أقلع بحملته إلى مصر، وهكذا تم جلاء المصريين عن السودان، ولم يعش ~~محمد أحمد بعد سقوط الخرطوم سوى 5 شهور فتوفي في 14 يونيو 1885، وخلفه عبد الله التعايشي ~~الذي استعاد الجيش المصري السودان من يده سنة 1898 أي بعد 16 عاما لم ينقطع فيها القتال ~~يوما واحدا بين المصريين وثوار السودان على الحدود، وما كان عبد القادر باشا يطلب منهم ~~لإخماد الثورة نصف ما عرضوه على الزبير باشا ولا عشر معشار ما حملوا مصر من الأعباء ~~بعد ذلك ليستعيدوه لأنفسهم لا لمصر؛ فقد كانت الوقائع الشديدة بين الجيش المصري وثوار ~~السودان 24 واقعة، وكانت الوقائع لاستعادة السودان 11 واقعة، والإعانة التي تقدمها مصر ~~للسودان بعد استعادته 460 ألف جنيه في السنة ما عدا الجيش والوابورات والموظفين الذين ~~يتناولون رواتبهم من الخزانة المصرية. # ولكن مجلس الشورى يقرر عند دفع الأموال «من حيث إن السودان جزء من مصر لا يجزأ فهو ~~يوافق على دفع مبلغ كذا، إلخ.» # | هوامش # | الزبير رحمة # من قبيلة الجميعاب (نسبة إلى جميع العباسي) وهي قبيلة مشهورة ms012 بالشجاعة عاهدت الأمير ~~إسماعيل بن محمد علي يوم فتحه السودان، وثبتت على ولاء الأسرة العلوية، وقد كان للزبير شأن ~~يذكر في تاريخ السودان، بدأ حياته بالتجارة ثم سافر مع ابن عمه إلى بحر الغزال في خدمة ~~التاجر المصري علي أبي عموري من نجع حمادة سنة 1856 وكان التجار المصريون هناك كثيرين وكل ~~تاجر منهم يبني زريبة من الشوك يخزن فيها بضائعه، فهاجم الأهالي هذه الزرائب لنهب البضاعة، ~~فدافع الزبير عن زريبة علي أبي عموري فهابه الأهالي وذاع أمره فانفرد بتجارته وربح، وزاد ~~طمعه فأوغل بالبلاد إلى حيث لم يصل التجار، ثم قصد إلى بلاد النمانم حيث تزوج من بنت ~~سلطانها فزادت تجارته، وابتاع من ملك النمانم 500 شاب دربهم على حمل السلاح، وكان هؤلاء ~~الشبان من المحكوم عليهم، وعادة أهل البلاد أن يذبحوهم ويأكلوا لحومهم، فخشي الملك حموه ~~بطشه، فخرج الزبير إلى ملك آخر هو عدو حميه، فأرسل حموه رجاله للفتك به في الطريق فتغلب ~~عليهم، ولما لجأ إلى الملك الثاني جهز حموه جيشا لقتاله، ففر هذا الملك من وجهه، واضطر ~~الزبير أن يلجأ إلى بلاد قولو، وملكها يومئذ «عدوه شكو» الذي قتل أخا للزبير، فقامت الحرب ~~بينهما فقتل الملك وابنه، وصار الزبير ملكا على تلك البلاد، وسمى عاصمة ملكه ديم الزبير. ~~ثم عاهد عرب الزريقات، وفتح طريق التجارة بين بحر الغزال وكردفان، وفي سنة 1869 وصل إلى بحر ~~الغزال الحاج محمد السلامي المغربي ومعه 200 جندي سوداني بقيادة محمد أفندي منيب و400 من ~~الباشبوزق و600 من الخطرية فقاتلهم الزبير وانتصر عليهم، وكان والي السودان يومئذ جعفر ~~باشا مظهر. # ولما رأى ملك النمانم اتساع ملك الزبير أرسل إليه يهدده إن لم يترك الملك ~~ويعود إلى التجارة فأبى، فقامت بينهما الحرب التي انتهت بانتصار الزبير فضم بلاد النمانم، ~~وكان الزريقات قد نقضوا العهد وقطعوا الطريق فاستنجد عليهم سنة 1873 بسلطان دارفور فلم ~~ينجده فقاتلهم وكسرهم وأسر فقيههم عبد الله التعايشي فمنعه المشائخ من قتله، وعبد الله هذا ~~هو الذي صار خليفة ms013 للمهدي وحاربه الجيش المصري وفر من أم درمان فأدركه الجيش المصري في ~~مكان يسمى جديد في 24 نوفمبر 1899 وفتك بمن معه، أما هو وأصحابه فإنهم لما أيقنوا بالهلاك ~~فرشوا فريهم وجلسوا ينتظرون الموت فلم يكن بعيدا منهم بل جاءهم مسرعا. # وبعد فتح كردوفان أرسل الزبير إلى إسماعيل باشا أيوب حكمدار السودان يطلب منه أن يرسل من ~~يستلم البلاد التي فتحها، فجاءه الرد منه بأن سمو الخديوي أنعم عليه بالرتبة الثانية، ~~وولاه تلك البلاد مقابل 15 ألف جنيه يدفعها كل سنة، ثم دارت الحرب بينه وبين سلطان ~~دارفور، فأوتي النصر، وأرسل أولاد سلاطين دارفور إلى مصر، ثم حدث خلاف بين حكمدار السودان ~~والزبير، فجاء الزبير مصر سنة 1875، ورافق الجيش المصري في حرب روسيا، وفي أثناء ذلك ثار ~~ابنه سليمان على الحكومة، فأرسل غوردون جسي بك لقتاله فقتل سليمان، وفي سنة 83 انتدب لقتال ~~عثمان دقنه في طوكر فبعد أن جمع ألايا من السودانيين بمصر عدل؛ لأنه أبى أن يكون تحت إمرة ~~باكر باشا، وفي سنة 84 استدعاه غوردون لاستلام البلاد السودانية على ما مر فرفض؛ لأن ~~الإنكليز أهانوه بوصفه أنه نخاس، وفي سنة 85 نفي إلى جبل طارق بتهمة مراسلة المهدي فظل هناك ~~30 شهرا، ثم أفرج عنه وعينت له الحكومة راتبا شهريا قدره 289 جنيها تناوله حتى ~~وفاته، وكان يطالبها بمبلغ مليون جنيه، وبعد استعادة السودان أعيد إليه كثير من ~~أملاكه. # | التسابق إلى السودان # حملة مارشان وحملة كتشنر - حملة مكدونالد - حملة كافانديش فاشودة # لما فشلت المفاوضات بين إنكلترا والباب العالي سنة 89 لجلاء الإنكليز عن مصر أرسل الموسيو ~~برونت العضو الفرنساوي في السكة الحديدية المصرية تقريرا إلى الموسيو كارنو رئيس جمهورية ~~فرنسا وزميله في الدراسة يقترح عليه فيه احتلال نقطة من الأراضي المصرية تكره إنكلترا ~~على الاحتجاج ودول أوربا على فتح المسألة المصرية، وارتأى أن تكون هذه النقطة فاشودة في ~~السودان المصري: ~~(1) # لأن وصول الفرنساويين إليها سهل من أملاكهم بأفريقيا. ~~(2) # ولأنها مركز مديرية. ~~(3) # ولأنها مفتاح مصر لوقوعها عند مصب ms014 نهر الصوبات بالنيل. # فرأى الموسيو كارنو صواب الرأي فسيرت حكومة الجمهورية الحملة سنة 94 ولكن ~~إنكلترا كانت تنوي امتلاك السودان - بعد إكراه مصر على إخلائه - من جهة الأوغندا بعد أن ~~أخرجت أمين باشا من خط الاستواء، وقال الكولونيل مونتايل: «إن إنكلترا لا تجلو عن مصر إلا ~~بعد أن تمتلك السودان وطريق بربر إلى سواكن» وفي سنة 95 خلف مارشان مونتايل برئاسة حملة ~~فاشودة، وأرسلت فرنسا الموسيو ليغران إلى بلاد الحبشة ليؤلف حملة تقابل مارشان فلم يفلح، ~~ولما أحس الإنكليز بحملة الفرنساويين وبفشل حملتهم من الأوغندا سيروا الحملة المصرية، ~~ولما احتل السردار أم درمان عرف أن مرشان يحتل فاشودة منذ 10 يوليو، أي قبل شهرين من وصول ~~السردار إلى أم درمان، وكانت قوة مارشان 120 جنديا من العبيد و9 ضباط فرنساويين، فواصل ~~اللورد كتشنر السير إلى فاشودة حيث قابل مارشان ورفع الراية المصرية على 500 ياردة من ~~الراية الفرنساوية، وظل مارشان في فاشودة حتى 11 ديسمبر فغادرها بأمر حكومته بطريق ~~الحبشة. ~~••• # من مذاهب السياسة الإنكليزية توخي الربح الكبير بالنفقة القليلة، فهم كانوا يطمعون ~~بالسودان لأنفسهم بعد أن أكرهوا المصريين على إخلائه، ولكنهم كانوا يضنون بأموالهم في هذا ~~السبيل فبعد أن سيروا الحملة المصرية بقيادة كتشنر باشا أخذوا من احتياطي صندوق ~~الدين للإنفاق على الحملة نصف مليون جنيه، وقال المستر كرزون في جلسة مجلس النواب في 19 ~~مارس 1896 «إن تقدير الأموال اللازمة لهذه الحملة ليس بالإمكان، ولكني أؤكد للمجلس بأن ~~الخزانة المصرية وحدها تتحمل هذه النفقات كلها.» # وأعلن المستر بلفور في مجلس العموم أن سفراء إنكلترا تلقوا التعليمات من حكومتهم بأن ~~يبلغوا الدول أن هذه الحملة إنما هي جردت لمصلحة مصر، وأن نفقات هذه الحملة قد تتجاوز مقدرة ~~الخزانة المصرية فعليهم أن يقنعوا الدول لتسمح بأخذ نصف مليون جنيه من احتياطي صندوق ~~الدين لهذا الغرض؛ فوافقت ألمانيا والنمسا وإيطاليا، ورفضت فرنسا وروسيا. ثم قال المستر ~~بلفور: «إنا لا نرجع عن عزمنا، وحيثما وضع الجندي الإنكليزي قدمه فهو يبقى ولا ~~يتزحزح.» # رفع ms015 الفرنساويون حاملو الأسهم المصرية قضية أمام المحكمة المختلطة فحكمت محكمة الاستئناف ~~بعد محكمة البداية في 6 ديسمبر 1896 بإعادة المبلغ إلى صندوق الدين، فقدمت إنجلترا لمصر ~~في 6 فبراير مبلغ 798802ج بفائدة # بالمائة لا قرضا بل حسابا جاريا؛ لأنه لا يجوز لحكومة مصر الاقتراض ~~دون موافقة الدول، وهذا المبلغ تنازلت عنه إنكلترا، وعلل هذا التنازل بأن المال خص ~~أكثره بمشترى الأدوات اللازمة لسكة حديد حلفا وهي تعتبر جزءا من سكة حديد القاهرة إلى ~~الكاپ، وكان سسل رود صاحب المشروع يومئذ في القاهرة يفاوض رئيس الوزارة مصطفى باشا فهمي في ~~مشترى السكك الحديدية التي تفضي إلى السودان، فأذاعت جريدة «الأهرام» الخبر الذي كان له ~~دوي عظيم في أوربا، فكتب الباب العالي إلى الخديوي يحرم عليه مثل هذا البيع. # في 2 سبتمبر 1898 دخل اللورد كتشنر أم درمان، وفي 19 سبتمبر وصل إلى فاشودة حيث قابل ~~مارشان، وعرف أن الحملة الإنكليزية التي قامت من الأوغندا قاصدة الخرطوم بقيادة الماجور ~~مكدونالد وقوامها بقية جيش أمين باشا في خط الاستواء ثارت على قائدها، وامتنعت في قلعتها ~~عند مدخل ڨكتوريا نيانزا فلم يستطع مكدونالد التقدم، كذلك الحملة الأخرى التي ألفوها على ~~ساحل بحر الهند بقيادة كافانديش فإنها لم تستطع الوصول إلى السودان المصري. # غضب الإنكليز لوجود مارشان في فاشودة، وأخذوا يهددون الفرنساويين حتى قال اللورد سالسبوري ~~لسفير فرنسا كورسل: «إن عند السردار قوة كافية تمكنه من طرد مارشان ومن معه إلى حيث يريد» ~~ففهم السفير بأن معنى ذلك استعداد إنكلترا لإعلان الحرب، وسألت فرنسا حليفتها روسيا عن ~~خطتها، فأجابت حكومة القيصر بأن الأفضل تسوية هذه الأزمة سلميا مع حفظ كرامة فرنسا، ولزمت ~~ألمانيا الحياد؛ لأن بينها وبين إنكلترا اتفاقا سريا على أفريقيا فاضطرت فرنسا إلى إعلان ~~سحب جنودها من فاشودة في 4 نوفمبر بحجة أن هذه البلاد ملك لمصر، ومما كتبه اللورد سالسبوري ~~إلى سفير إنكلترا في باريس في 5 أكتوبر 1898 «لا شك بأن حقوق مصر بامتلاك مجرى النيل قد ~~كانت من جراء نجاح ms016 المهدي مهملة، ولكنها حقوق ثابتة لا تقبل جدلا، ولم يبق شك بها ~~بعد انتصار الجنود المصرية على الدراويش. أولم تعلن إنكلترا هذه عمدا وجود حقوق ~~الخديوي على تلك الأملاك بالاتفاق الإنكليزي الكونغي في 12 مايو 1894؟ # وفي 12 أكتوبر قال اللورد سالسبوري لسفير فرنسا: «إن وادي النيل كان لمصر ولا يزال لها، ~~ولكن عائقا كان قائما في وجه الملكية المصرية من جراء ثورة المهدي قد زال بانتصار الجنود ~~المصرية والإنكليزية في معركة أم درمان.» # وهذا نص كتاب بطرس باشا غالي وزير خارجية مصر إلى اللورد كرومر ردا على مذكرته بشأن ~~أزمة فاشودة بتاريخ 9 أكتوبر 1898: # إن حكومة سمو الخديوي كما تعلم سيادتكم لم يغب عنها في حين من الأحيان ~~العود إلى احتلال مديريات السودان الذي لم تنسحب منه إلا عقيب ظروف قوة قاهرة؛ ~~فاستعادة الخرطوم تكون عقيمة إذا لم يعد إلى مصر وادي النيل الذي ضحت مصر في ~~سبيله في الزمن السابق ضحايا جسيمة، ولعلمي أن مسألة فاشودة هي الآن موضوع المباحثة ~~بين إنكلترا وفرنسا؛ فإن الحكومة المصرية تكل إلي أن أطلب من سعادتكم إسعادنا ~~بالوساطة الطيبة لدى اللورد سالسبوري حتى يعترف لمصر بحقوقها التي لا تقبل الجدل، ~~وحتى تعاد إليها جميع الأراضي التي كانت تحتلها جنودها عند قيام ثورة محمد ~~أحمد. # | مصر هي النيل # خطب الموسيو برونت المهندس الفرنساوي الشهير الذي كان عضوا فرنساويا في مجلس إدارة ~~السكك الحديدية المصرية - قبل حل هذا المجلس باتفاق 1904 - في المعهد العلمي المصري في 21 ~~يناير 1893 فقال: # إن إقامة خزان للمياه على مجرى النيل يعرض مصر لأشد الأخطار؛ بل للموت، ويكفي ~~للقضاء على مصر أن يقام سد عند فوهة بحيرة نيانزا بأعلى الشلال المسمى ريبون؛ فإن ~~هذه البحيرة التي تعادل 50 مليار متر مكعب يرتفع مستوى الماء فيها 30 سنتمترا في ~~السنة على الأكثر، فيلزم إذن أن تمر عشر سنين قبل أن تعلو المياه إلى قنة هذا السد، ~~وعلى هذه الطريقة تحرم مصر في إبان الفيضان كمية قليلة من الماء وهي عشرة ms017 مليارات ~~من الأمتار المكعبة، ومجموع ماء الفيضان في النيل 75 مليارا. # ولكن الضرر يظهر عند الانخفاض، فإن مصر تحرم 250 مترا مكعبا في الثانية من 455 ~~مترا مكعبا، وهذا الماء محسوب على مقياس الخرطوم، ولكنه يضيع منه الكثير بالتبخير ~~والرشح قبل أن يصل إلى القاهرة فمن 455 مترا مكعبا من الماء في الخرطوم يصل إلى ~~القاهرة 200 متر مكعب. فإذا أنشئ السد يصل إلى القاهرة من الماء من 80 إلى 100 متر ~~مكعب بالثانية فقط ويكون من وراء ذلك الخراب. # وفي أول أكتوبر 1895 قدم السير سكوت مونكريف الذي كان وكيلا لوزارة الأشغال المصرية ~~تقريرا إلى المعهد العلمي الملكي الإنكليزي قال فيه: # إذا ملكت دولة متمدنة أعالي النيل أنشأت بلا شك المسارب في بحيرة ڨيكتوريا ~~نيانزا لتنظيم خروج المياه من ذلك البحر كما تنظم مانشستر تيرلمر. # وهذا العمل في نفسه سهل فإذا تم صارت تغذية النيل من تلك المسارب بيد الدولة ~~المالكة هناك، وإذا دفع سوء الحظ مصر التعسة إلى أن تكون في حرب مع الدولة النازلة ~~على شاطئ بحيرة ڨيكتوريا فإنها تكون عرضة إما للشرق وإما للغرق كما يخطر ~~لتلك العدوة. # وقال القومندان مونتيل في تقريره لوزارة خارجية فرنسا عن حملة فاشودة: «إن الإنكليز وضعوا ~~نصب عيونهم منذ الساعة الأولى أن السودان الكبير الغني يجب أن يكون فدية مصر الصغيرة ~~الفقيرة تقدمها لإنكلترا.» # وجاء في تقرير السير جيرالد بورتال - مندوب إنكلترا في الأوغندا - سنة 1894: «إذا نحن ~~نظرنا إلى الأوغندا من الوجهة السياسية وجدنا أنها أقوى حكومة في أفريقيا الشرقية، وفي قبضة ~~الأوغندا منابع النيل، فموقفنا في الأوغندا ومصر موقف واحد لا ينفصل أحدهما عن الآخر؛ لأن ~~من ملك أعالي النيل يتصرف بمصر على هواه ومشيئته، ويكون باستطاعته أن يقضي على ~~مصر.» # وقال رياض باشا في مذكرته بتاريخ 9 ديسمبر 1888 إلى السير أفلن بارنغ: «من الواضح الجلي ~~أن النيل حياة مصر، والنيل هو السودان، ولا يشك أحد بأن الروابط التي تربط مصر بالسودان لهي ~~روابط وثيقة لا انفصام لها ms018 كما ترتبط الروح بالجسم.» # فيكفي المصري أن يراجع هذه الأقوال وأمثالها ليعرف منزلة السودان وقيمته، وليستسهل كما ~~استسهل آباؤه وأجداده كل ضحية غالية في سبيله. # | من محمد علي إلى عباس الثاني # 1812-1903 # لما استتب الأمر لمحمد علي كان أول ما وجه إليه نظره فتح السودان، وقال مؤرخو ملكه ~~المجيد بل عهده السعيد: إن من الأسباب التي حملته على الإسراع في ذلك يقينه بأن لا حياة ~~لمصر بغير السودان، وأهمها الأسباب الآتية: # الأول: # الوصول إلى منابع النيل حتى تكون في قبضة المصريين. # والثاني: # حفر معادن الذهب؛ ليقرن ثروة مصر الزراعية بثروة معادن السودان. # والثالث: # تجنيد السودانيين؛ لأنهم أهل بأس وشدة، وقد اشتهروا بالحروب، وهو في ملكه ~~الجديد بحاجة إلى الجيوش. # والرابع: # استئصال شأفة المماليك الذين لجأوا إلى دنقلة وسنار مخافة أن يؤلفوا ~~جيشا سودانيا يغزون به مصر، ففعل ما فعل نابوليون قبله بإرساله ديسكس ~~للقضاء على بقية المماليك في السودان بعد أن قهرهم في مصر. # والخامس: # التخلص من جيشه المتطوع من الأرناءوط والجركس والمغاربة والترك بإقطاعهم ~~الإقطاع في السودان الواسع؛ لأن هذا الجيش المتطوع كان كجيش الإنكشارية في ~~الأستانة مصدر تعب وخطر، فما كانوا يخضعون للنظام الذي نظم به جيشه المصري ~~على أسلوب الجيش الفرنساوي. # والسادس: # تمهيد طريق التجارة بين مصر والسودان؛ لأن التجار المصريين كانوا ~~يلقون مشقات عظيمة في معاملة بلاد السودان، بل كانوا عرضة للأخطار ~~الشديدة. # والسابع: # إتمام تأليف المملكة المصرية بضم سوريا وبلاد العرب إليها بعد ضم السودان ~~منبع النيل. # فبدأ عمله بإرسال وفد في سنة 1812 إلى ملك سنار يتودد إليه، ويطلب منه طرد المماليك الذين ~~لجأوا إلى بلاده، وزود ذلك الوفد بالهدايا والتحف النفيسة، وأرسل مع الوفد أناسا من رجال ~~الحرب والعلم فكتبوا له التقارير الضافية ووضعوا الخطط لفتح السودان، وفي سنة 1816 أرسل ~~وفدا آخر برئاسة كايو الفرنساوي للوقوف على معادن الذهب في جبل زباره ومعه الفنيون لوضع ~~خريطة البلاد، فلما أتم ذلك كله وجه ابنه الأمير إسماعيل على رأس جيش ضخم لفتح سنار وزوده ms019 ~~بالهدايا، وأوصاه بأن يدخل في طاعته البلاد بلا حرب، وأرسل معه وفدا من العلماء؛ ~~ليرشدوا الناس، ويحببوا إليهم هذه الطاعة، فنجح نجاحا كبيرا، فإن بلاد النوبة سلمت بلا ~~قتال، ولم يقع فيها ما يستحق الذكر من سنة 1820 إلى 1885 سوى ثورة حسن وردي الكاشف فإنه بعد ~~تقديم الطاعة للأمير الذي ولاه على بلاد السكوت بين حلفا ودنقلة قتل بعض رجال الحامية ~~المصرية وامتنع بقلعة هناك مع عبيده فأرسل محمد علي قوة من مصر حصرته في القلعة ونسفتها ~~بالبارود. # وكان ملوك تلك البلاد وزعماؤها يتقدمون إلى الأمير إسماعيل طائعين إلى أن وصل إلى كورتي ~~فوجد أمامه ثلاثة من ملوك الشايقية يريدون قتاله فمزق شملهم، وواصل سيره وهو يتقبل طاعة ~~الملوك، ويقرهم على بلادهم، ويعزز جيشه بقوة من رجالهم، وكانت تلك القوة السودانية أول نواة ~~الجيش السوداني الذي ظل شطرا من الجيش المصري إلى اليوم، وفي 28 مايو 1821 دخل الأمير ~~إسماعيل الخرطوم، وكان قد أرسل إلى الملك بادي ملك سنار يدعوه إلى الطاعة فأجابه جوابا ~~جافا؛ لأن المماليك الذين فروا من مصر سلموا جيش ذلك الملك ستة مدافع أخذوها معهم، ~~فزحف الأمير إسماعيل قاصدا سنار ، وقبل أن يصل قدم له ملكها الطاعة فدخل العاصمة في 12 ~~أكتوبر 1821، وأعلن العفو العام، وبذلك تم فتح البلاد، وأحصى عدد السكان والعبيد والدور ~~والمواشي؛ ليقف على موارد السودان من كل وجه، ولما وصل الخبر إلى محمد علي أرسل ابنه ~~إبراهيم لمساعدة أخيه إسماعيل على تنظيم البلاد، وأمره بمواصلة الزحف حتى منابع النيل؛ لأن ~~الوصول إليها وامتلاكها هو الغرض الأول والأسمى من امتلاك السودان، فاتفق الأميران على ~~إعادة تنظيم الجيش وقسمه قسمين؛ قسما يواصل الزحف على النيل الأزرق لاكتشاف منبعه واكتشاف ~~معادن الذهب في بلاد شنقول، وقسما يواصل الزحف على النيل الأبيض فسار الأمير إسماعيل ~~قاصدا بلاد فازوغلي، وسار الأمير إبراهيم قاصدا بلاد الدنكا، وظل ديوان أفندي محافظا ~~لسنار، ولما وصل إبراهيم إلى جبل القربين أصيب بالدوزنتاريا فعاد إلى مصر، وتولى القيادة ~~سلاح داره طوسون ms020 حتى وصل إلى آخر بلاد الدنكا، وأتم الأمير إسماعيل فتح بلاد فازوغلي وبحث ~~كايو عن معادن الذهب في شنقول فتبين له أنها قليلة التبر، وفي أثناء غياب الأمير إسماعيل عن ~~سنار اتفق حاكمها ديوان أفندي وكاتبه المعلم حنا على ضرب الضرائب على الأهالي فهاجوا، ولما ~~بلغ الأمير إسماعيل الخبر عاد مسرعا وأبطل الضرائب وعفا عن الثوار. # وكان محمد علي قد أعد في الوقت ذاته جيشا لفتح كردوفان بقيادة صهره محمد بك الدفتردار، ~~وكانت كردوفان تابعة لسلطنة دارفور فقاتله حاكمها قتالا شديدا فكسره ودخل الأبيض عاصمتها، ~~وتقدم إلى دارفور لفتحها، وقبل أن يصل إلى دارفور بلغ الأمير إسماعيل وهو في سنار أن الملك ~~نمرا ملك السعداب في شندي يتحفز للثورة، فجاء شندي في ديسمبر سنة 1823 وأحضر الملك نمرا ~~وتهدده وضرب عليه جزية، فأظهر الرجل الطاعة، ولما جن الليل جمع عبيده ووضعوا الهشيم حول ~~المنزل الذي ينام فيه الأمير إسماعيل ورجاله وأضرموا فيها النار فماتوا جميعا وفر الغادر، ~~فأخذ القواد يؤدبون الذين اشتركوا بهذه الجريمة، وأسرع الدفتردار من كردوفان للانتقام من ~~الملك نمر ففر من وجهه فأدب شركاءه أشد تأديب، ولجأ الملك نمر إلى بلاد الحبشة حيث ~~مكث إلى عهد سعيد باشا الذي عفا عنه. # وعاد الدفتردار إلى مصر فعين محمد علي الميرالاي عثمان بك أول حاكم على السودان في ~~سنة 1825 وخلفه محو بك سنة 1826 ثم خورشد باشا الذي أمر ببناء الخرطوم والمدن الأخرى ~~بالطوب، ووسع الفتح في جهات الحبشة، وجعل القلابات مركزا كبيرا للتجارة، وبنى المساجد ~~والمدارس الابتدائية وعلم الناس لبس القماش وكانوا يلبسون الجلود، وفي سنة 1830 فتح بلاد ~~الشلوك وفي سنة 1835 نظم المحاكم، وقرر أن تقدم كل قبيلة عددا من العبيد للخدمة في ~~الجندية. # وفي سنة 1839 خلفه في حكم السودان أحمد باشا أبو ودان، وزار محمد علي تلك البلاد فسافر من ~~القاهرة في 15 أكتوبر من تلك السنة فوصل إلى الخرطوم في 23 نوفمبر وأقام فيها 22 يوما، ثم ~~ذهب إلى فازوغلي وكان قد ms021 شيد قصرا في فامكه فأقام فيه وهو ينظر في أمور تلك البلاد ~~وينظمها وأعلن إبطال النخاسة، ثم عاد إلى مصر فوصل إلى القاهرة في 14 مارس سنة 1840، ودخلت ~~كسله في حكم السودان الذي قسم إلى سبع مديريات، وخلف أحمد باشا أبو ودان أحمد باشا المناكلي ~~سنة 1844 ثم خالد باشا من سنة 1846 إلى 1850 وكان إبراهيم باشا قائما بإدارة الملك مقام ~~أبيه محمد علي فمات في 10 نوفمبر سنة 1848، وفي 2 أغسطس سنة 1849 مات محمد علي فأقيمت عليه ~~المناحات في جميع أنحاء السودان، وفي سنة 1850 على عهد عباس باشا الأول عين عبد اللطيف باشا ~~حاكما فأسس رفاعة بك وبيومي بك المدرسة الكبرى في الخرطوم، ثم عين رستم بك حاكما على ~~السودان، وطلب قنصل إنكلترا من عباس باشا الذي خلف جده إرسال بعثة لدرس أحوال السودان ~~فأرسلت البعثة برئاسة المستر مري، وكان هذا الرجل ذا نفوذ كبير على عباس الأول، وهذه البعثة ~~هي أول بعثة إنكليزية للسودان، وفي سنة 1854 توفي عباس باشا وتولى سعيد باشا فعين حاكما ~~على السودان علي چركس باشا، وزار السودان حليم باشا ابن محمد علي فأقام مدة طويلة، ثم زاره ~~سعيد باشا ذاته فوصل إلى الخرطوم في 16 يناير سنة 1857 فنظم البلاد، ورتب البوستة بين مصر ~~والسودان، وأنزل الضرائب، وحرم على الجند تحصيلها، وألف في الخرطوم مجلسا شوريا من ~~أعيان البلاد يجتمع مرة في السنة للنظر في شئون البلاد وإصلاحها، وأعلن إبطال الرق، وكلف ~~مونجل المهندس الفرنساوي برسم خط السكة الحديدية بين حلفا والخرطوم، وعلى عهده عاد الملك ~~نمر وجماعته من بلاد الحبشة، وطلبوا الأمان فأمنهم سعيد باشا وأعاد إليهم أملاكهم. # وفي 17 يناير سنة 1863 توفي سعيد باشا وخلفه إسماعيل باشا فاهتم بالسودان اهتماما ~~كبيرا، وعلى عهده تمت الفتوحات الكبيرة، ومد رواق مصر وسلطانها إلى ما وراء خط الاستواء، ~~ودخلت زنجبار وأوغندا تحت حماية مصر، وبدأ بمد الخط الحديدي من حلفا وسواكن، وامتلك سواحل ~~البحر الأحمر، واكتشف معادن البترول والرصاص والحديد، ms022 وفتح دارفور، وضرب المثل بشمول الأمن ~~والراحة لبلاد السودان. # ومن ولاة السودان الذين يذكرون بحسن الإدارة موسى باشا حمدي، فإنه قدم تلك البلاد على ~~عهد سعيد باشا وإسماعيل باشا (1863-1865) وقمع الثورات في كردوفان، وألف مجلسا من الأعيان ~~والوجوه، ووضع نظاما لجمع الضرائب وجعلها ثلاثة أنجم في السنة، وعين من الأهالي نظار ~~أقسام ومعاونين، وألبسهم الملابس التركية، وطرد الأحباش من القلابات، وفي أيامه وصل إلى ~~الخرطوم صموئيل باكر وزوجته؛ لاكتشاف منابع النيل الأبيض، ولمقابلة غرانت وسبيك اللذين ~~أرسلتهما الجمعية الجغرافية الإنكليزية للغرض ذاته سنة 1858 بطريق زنجبار، وكانت إحدى ~~الحملات العلمية التي أرسلها محمد علي سنة 1841 وقد وصلت إلى غاندوكرو. # ولما تولى إسماعيل باشا في 18 يناير 1863 جاء موسى باشا إلى مصر فأطلع إسماعيل باشا على ~~حالة البلاد فأنعم عليه برتبة الفريق وأبقاه في منصبه إلى أن توفي هناك في 6 مارس ~~1865. # وخلفه جعفر باشا صادق، وفي ولايته عصى الجهادية في كسلة وعددهم أربعة آلاف جندي من ~~السودانيين وألف من الباشبوزق الترك والشايقية؛ لأنهم لم يتناولوا رواتبهم، فتوسط بالأمر ~~السيد محمد المرغني مؤسس الطريقة المرغنية فأعطاهم رواتبهم وأعادهم إلى الطاعة وساروا للغزو ~~الذي رفضوا القيام به عند صدور الأمر لهم بذلك، وحاكم جعفر باشا العصاة وأدبهم تأديبا ~~شديدا جدا. # وتلاه جعفر باشا مظهر (1866-1871)، وعلى عهده ضمت سواكن ومصوع إلى السودان (1866) وأوفده ~~إسماعيل باشا إلى سواحل البحر الأحمر، وفي سنة 69 أرسل البلالي إلى بحر الغزال لاحتلاله، ~~ووصل السير صموئيل باكر من مصر لتولي إدارة خط الاستواء ولمنع تجارة الرقيق. # وبعد عزل جعفر باشا مظهر سنة 1871 ولي ممتاز باشا (1871-1873) فأدخل إلى السودان زراعة ~~القطن المصري، ولكنه أكثر من طلب الرشوة فشكاه السودانيون إلى إسماعيل باشا، فأمر بالقبض ~~عليه والتحقيق معه وعزله. # وبعد عزله ولي إسماعيل باشا أيوب (1873-1877) فكانت فاتحة أعماله إزالة السدود من النيل ~~الأبيض حتى انطلقت فيه المراكب، وقسم البلاد إلى مديريات وجعل كل مدير مسئولا عن مديريته، ~~وعلى عهده عاد باكر من خط ms023 الاستواء وخلفه غوردون بطلب ولي عهد إنكلترا، وفي عهد ولايته فتحت ~~دارفور وضمت إلى السودان على يد الزبير باشا، وأرسل إسماعيل باشا هيئتين علميتين لدرس ~~حالة دارفور، وأرسل يرسم طريق السكة الحديدية من مصوع إلى كسلة، واحتل سنهيت لهذا الغرض، ~~وابتاع إقليم آيلت من صاحبه لوقوعه وسط الأملاك المصرية بين حماسيم ومصوع، فأغضب ملك الحبشة ~~يوحنا الذي رفع الأمر إلى الدول ولا سيما إنكلترا، فلم يهتم له إسماعيل باشا، ووجه نظره إلى ~~هرر، وهي سلطنة إسلامية منذ الفتح الإسلامي مات سلطانها أحمد فاستبد بالأهالي خلفه محمد، ~~فطلبوا من إسماعيل باشا واليا عليهم فقبل أن يجيب طلبهم وابتاع بربر وزيلع ميناءي هرر من ~~الباب العالي مقابل 13365 جنيها في السنة (يوليو 1875)، وفي شهر سبتمبر 1875 أرسل رءوف ~~باشا بحملة إلى هرر فقبض على الأمير محمد وقتله، وظلت هرر مصرية إلى أن أخلوها مع أقاليم ~~السودان. # وكانت حماسيم سبب الحرب مع الحبشة وانكسار المصريين في 11 نوفمبر 1875 وفي 8 مارس ~~1876. # وخلف غوردون باشا إسماعيل باشا أيوب (77-79) فملأ السودان بالموظفين الأجانب، وبدأت ~~الثورات كثورة السلطان هارون في دارفور، وثورة سليمان بن الزبير، وثورة رابح مولى الزبير، ~~وثورة الصباحي في دارفور. # وفي سنة 77 بدأ إسماعيل باشا بمد الخط الحديدي من حلفا إلى الخرطوم، ولكنه لم يمد منه سوى ~~50 ميلا. # ولما خلف توفيق باشا إسماعيل باشا على عرش مصر (25 يونيو 1879) كان غوردون حاكما على ~~السودان فاستعفى (7 سبتمبر 1879) فعين رءوف باشا خلفا له، وفي سنة 1880 قامت الثورة في ~~الصومال فأخمدها حاكم هرر، وتلتها الثورة العرابية بمصر، ثم ثورة محمد أحمد. # وخلف عبد القادر باشا حلمي رءوف باشا (82-83)، ثم علاء الدين باشا، ثم غوردون الذي كانت ~~مهمته إخلاء تلك البلاد فقط. # فأنت ترى مما تقدم أن المصريين تقدموا الإنكليز في كل شيء في الأقطار السودانية؛ ~~فتقدموهم بمد السكك الحديدية، وفتح السدود، وإنشاء المدارس، وزرع القطن، وإبطال الرقيق ~~وتمدين الأهالي، وإنشاء طرق المواصلات، حتى إن إسماعيل باشا كان يشتغل بتمهيد ms024 الطريق من ~~وادي جوبا القائم الخلاف عليها الآن بين الإنكليز والطليان، إلى خط الاستواء. # وبعد أن استعيد السودان وجعل شركة بين مصر وإنكلترا في سنة 98 زار عباس باشا الثاني ~~الخرطوم في 3 ديسمبر 1901 فألقى خطابه الذي تضمن الشكر للذين أتموا السكة الحديدية ومحوا ~~سلطة التعايشي، وأعادوا الراحة والعدل، وقال: «إن العلمين الإنكليزي والمصري اللذين يخفقان ~~معا هما إشارة إلى الحكومة المشتركة التي أخذت على عاتقها حماية الأهالي» وما شاكل ذلك ~~فكان الفرق بين زيارة سلفائه وزيارته عظيما جدا كالفرق بين الحالتين، وزار اللورد كرومر ~~معتمد إنكلترا - الذي أكره حكومة مصر على ترك السودان - تلك البلاد ثلاث مرات الأولى ~~سنة 1899 والثانية 1900 والثالثة 1903 فألقى الخطب ووعد بالإصلاحات ... إلخ؛ لأن الأمر في ~~السودان صار أمره، وفي تلك الخطب وضع البرامج للأعمال القائمة هناك كأعمال الخزانات وسواها، ~~وكانت خطبه تحقيق نبوءة غلادستون سنة 1877 بقوله: «إذا نزلنا في مصر ذهبنا إلى السودان، ~~وإذا ذهبنا إلى السودان مددنا أيدينا من خط الاستواء إلى جنوب أفريقيا، وأتممنا تأليف ~~إمبراطوريتنا الأفريقية.» # | السودان مصري فقط # قبل أن تكره حكومة مصر على إخلاء السودان بأمر الحكومة الإنكليزية عرض على عبد ~~القادر باشا حلمي وهو وزير الحربية سنة 1885 أن يعود إلى السودان فيسكن ثائرته. فاشترط لذلك ~~شرطين؛ الأول: أن يعطى 15 ألف جندي، والثاني: أن تتحول الحكومة الإنكليزية عن طلب ~~الجلاء. فارتضوا بالشرط الأول ولم يرتضوا بالشرط الثاني؛ لأن الغرض لم يكن إعادة ~~السودان إلى أمه مصر، بل إخراج من كانوا في السودان وهم نحو 40 ألفا من المصريين ~~وسواهم، فأبت نفسه قبول هذه المهمة، وعبد القادر باشا تولى حكم السودان من سنة 1882 إلى ~~سنة 1883، وتمكن من كبح جماح العصاة وإخماد الفتنة في سنار رغم ضعف قوته، وكان كلما ~~طلب نجدة أجابوه أن الإنكليز حلوا جيش عرابي وليس لمصر جيش ثان، ولكن هذا القول لم ~~يثبط همته حتى رأى أن خلفه وصل إلى الخرطوم بينما هو مشتغل بإعادة تنظيم ~~سنار. # ولعبد القادر باشا ms025 كلمة تفضح سر عزله وردت في كتاب السودان لمؤلفه نعوم بك شقير قال: ~~«سألت عبد القادر باشا: لماذا استدعيت من السودان وأنت ناجح في تدويخ الثوار وإعادة ~~السلام إلى ربوعه؟» فأجاب: «إنهم اتهموني بالطمع بالاستقلال» وهذه الكلمة لا ندرك مغزاها ~~إلا إذا عدنا إلى الروح التي كانت سائدة يومئذ، وتلك الروح هي روح الخوف من بقاء الإنكليز ~~في مصر حتى أخذ بعضهم يجهر باستخدام السودان وما فيه من قوة لطرد الإنكليز من وادي النيل، ~~وكان جمال الدين الأفغاني يتظاهر بذلك وينادي به ويدعو الرسل ليذهبوا إلى تنشيط المهدي محمد ~~أحمد وتنظيم قوته لهذا الغرض، وشعر عبد القادر ذاته بممالأة فريق من الموظفين للمهدي ~~والثوار عملا بهذه الروح فعزلهم، ولما سأل اللورد سالسبوري منشئ الأهرام عن ثورة السودان ~~قاله له: «إنها ثورة؛ أي فتنة محلية جعلتموها أنتم الإنكليز بخطتكم وسياستكم ثورة عامة، ~~فاتركوا السلطة للخديوي يستعد السودان حالا، وتخضع له جميع القبائل» ولم يكن شيء من ~~ذلك يغيب عن الإنكليز كما أنهم يعرفون أكثر من سواهم أن والي مصر محمد سعيد باشا زار ~~السودان في سنة 1858 وجهر في الخرطوم بأنه ينوي سحب جيوشه ورجال حكومته من تلك البلاد؛ فجاء ~~مشائخ القبائل وأعيان السودانيين من كل حدب وصوب يتوسلون إليه بألا يفعل، وأعادوه عن عزمه ~~الذي لم يفصح لنا التاريخ عن سببه حتى الآن. أليس في ذلك دليل على ميل السودانيين وتمسكهم ~~بولاية مصر عليهم؟ # إن سعيدا ذاته عين وهو في الخرطوم بعد ذلك الطلب الذي طلبه المشايخ والأعيان والوجوه ~~كاتبه الأرمني أراكيل أفندي واليا على تلك البلاد فهب أولئك الأعيان ذاتهم للشكوى ~~والفتنة «لأن الوالي عين نصرانيا حاكما لبلادهم» فلم يفعل أراكيل ما فعله غوردون وسواه؛ ~~بل قصد الجماهير الحاشدة للثورة عليه، ووقف في جمعهم، وقال لهم: «إذا كنتم قد نقمتم على ~~حكومة الوالي لأنه عينني حاكما عليكم فهذا دمي أريقوه، وظلوا على الولاء لحكومة مصر» ~~فانطفأت جذوة غضبهم، وتحولوا من الفتنة إلى الطاعة، وتقدموا لخدمة الحكومة في ضبط الأمن ms026 ~~والراحة في أنحاء السودان كله. # وهذا المهدي الذي مثلوه غولا قامت الثورة في جميع أنحاء البلاد لقيامه إذا أخذنا تاريخه ~~عرفنا أنه كان كهؤلاء الذين يدعون المهدية في هذا العهد، فمنذ دخول كتشنر السودان إلى ~~اليوم قام 15 مهديا في تلك البلاد، والتف حول كل واحد منهم جماعة من الناس لسذاجتهم، ~~ولكن بعض الجنود تمكنوا من أخذهم من نواصيهم، وحادثة أبي السعود الضابط الذي أرسله رءوف ~~باشا حاكم السودان إلى محمد أحمد يوم قيامه ودعوته مشهورة؛ فإن أبا السعود وصل إلى الرجل ~~وهو في غار مع أصحابه فاحتقر أمره وتركه، ولو أنه أراد تكبيله أو التنكيل به لما عز ~~عليه الأمر ولا صعب، ولكن الفتنة التي بدأت على ما رأيناها وأنكرها علماء السودان ذاتهم ~~تحولت بعد ذلك وشملتهم جميعا للأسباب التي ذكرناها، ويثبت ما تقدم منشور ونجت باشا إلى ~~السودانيين يوم تعيينه حاكما على السودان وسردارا للجيش المصري، وونجت باشا أكبر خبير ~~بأميال السودانيين وعواطفهم، ولخبرته بهذه الأميال والعواطف لم يقل لهم أنه معين ~~لإدارة بلادهم من حكومة جلالة الملك والخديوي، ولكنه استهل منشوره بالعبارة الآتية: # فإن سمو الأمير خديوي مصر عباس باشا حلمي الثاني - حرسه الله - قد اختارني لأن ~~أكون سردارا لجيشه وحاكما عاما للأقطار السودانية بعد اتفاقه مع دولة بريطانيا ~~العظمى على ذلك إلخ. # وختم منشوره بقوله: «والله المسئول أن يكون لي عونا على تنفيذ إرادة سمو الخديوي ~~المعظم.» # فقد جعل الاتفاق مع إنكلترا غامضا في التعبير عن تعيينه؛ ليفهم السودانيون أن الخديوي قد ~~عينه منفردا بهذا التعيين كعادتهم في العبارات السياسية . # فأي قول فوق هذا القول يدحض مزاعم القائلين بنفور السودان من حكم مصر وعد السودانيين ~~أمة منفصلة عن الأمة المصرية، ولولا وثوق الجنرال ونجت من ميول السودانيين وعواطفهم لافتتح ~~منشوره باسم جلالة الملكة، ولأورد اسم حكومة مصر أو خديويها على الأسلوب الذي أورد فيه اسم ~~«دولة بريطانيا العظمى». # وإذا نحن عدنا إلى كتاب الجنرال ونجت ذاته وإلى غيره من المؤلفين عرفنا أن الذين ~~يعتد بهم في ms027 السودان ويعدون الأمة السودانية هم العرب الذين وفدوا على السودان من مصر، ~~فهم الأسياد وهم أصحاب النفوذ وهم السودان. # فإذا أخذنا بقولهم هم وبقول علمائهم فليقل لنا أولئك الكتاب الذين يزعمون أن مصر أمة ~~والسودانيين أمة كيف التوفيق بين أقوال المؤرخين الخبراء من الإنكليز ذاتهم وبين ~~ادعائهم هم، ألا يحق لنا أن نقول إنه ادعاء لا يبرره سوى السياسة أو هو ادعاء ~~لتبرير السياسة فقط. ~~••• # لم يكن خروج الجيوش المصرية من السودان في سنة 1884 و1885 تخليا عن السودان حتى يصبح ~~«ملكا لا مالك له» فيستبيح دخوله وامتلاكه كل من استطاع إلى ذلك سبيلا؛ بل عد إخلاء ~~السودان عملا عسكريا فقط قضت به الضرورة العسكرية، والشاهد الأكبر على ذلك الأمر العالي ~~الخديوي الصادر في 15 يناير 1884 فإن هذا الأمر نص صريحا على إلحاق إقليم السودان المصري ~~بوزارة الحربية المصرية، وظل هذا الأمر نافذا، وظلت وزارة الحربية تتولى شئون السودان إلى ~~أن انتهت الثورة واستعيدت البلاد، والشاهد الثاني: كتاب بطرس باشا غالي وزير الخارجية ~~المصرية إلى اللورد كرومر في 9 أكتوبر سنة 1898 ردا على مذكرة منه، قال فيه ما نصه: «إن ~~حكومة سمو الخديوي كما تعرف سيادتكم لم تهمل في وقت من الأوقات أمر العودة إلى احتلال ~~أقاليمها في بلاد السودان، تلك الأقاليم التي هي منبع حياة مصر، وهي إذا كانت قد انسحبت ~~منها مؤقتا فإنما كان ذلك عقيب ظروف بقوة قاهرة، فاستعادة الخرطوم لا توصل إلى الغرض ~~المراد منها إذا لم يعد وادي النيل كله - الذي ضحت مصر في سبيله الضحايا العظيمة - ~~إلى يدها وقبضتها، ولعلمي أن مسألة فاشودة هي الآن موضوع المكالمة بين بريطانيا العظمى ~~وفرنسا، فالحكومة المصرية قد كلفتني أن أسأل سيادتكم أن تولينا وساطتكم الطيبة لدى ~~اللورد سالسبوري حتى يعترف لمصر بحقوقها التي لا تقبل شكا، وحتى تعاد إلى مصر جميع ~~الأقاليم التي كانت لها إلى يوم فتنة محمد أحمد.» # وإذا كان كتاب بطرس باشا غالي قد اتخذ يومئذ حجة على فرنسا في فاشودة فإنه ms028 يعد ~~أيضا حجة قائمة على الإنكليز إلى الأبد؛ فالإنكليز اعتمدوا في مكالمة الفرنساويين في مسألة ~~حدود السودان المصري على هذا الكتاب، وعلى الخريطة التي وضعها غوردون سنة 1879 وفي كتاب ~~بطرس باشا ذكر «الأقاليم التي كانت تحكمها مصر حتى ثورة المهدي» ومعلوم أن أمين باشا كان ~~يحكم إقليم خط الاستواء حتى 10 يناير 1889، وفي خريطة غوردون أن من إقليم لادو المنطقة ~~الواقعة على الضفة اليسرى من النيل في سورمست، وهي المنطقة التي تصل بحيرة فيكتوريا ~~نيانزا ببحيرة ألبرت نيانزا، وعلى هذه المنطقة يخفق الآن العالم الإنكليزي وحده، ولم يكن ~~في سنة 1884 شريك للعلم المصري في تلك الأرجاء، وتدل خريطة غوردون أيضا على أن هرر وزيلع ~~وبربره أراض مصرية، وقال غوردون: إن حاميتها كانت 3400 جندي، ونفقات بربره 17229 جنيها، ~~ونفقات زيلع 5061 جنيها، ونفقات هرر 43229 جنيها، وأن مصوع كانت تابعة لسواكن. # وقد عرف القارئ من كلامنا السابق أن إنكلترا عاملت السودان معاملة «ملك لا مالك له» فظلت ~~تأخذ منه وتعطي حتى سنة 1895 أي حتى اتفقت مع ألمانيا وإيطاليا، وشعرت بثبوت قدمها في مصر، ~~فعادت إلى التمسك بحقوق مصر ولم يحسب لمصر في ذلك كله حساب حتى إن اتفاقها مع وزير خارجية ~~مصر في 19 يناير 1899 لم تقره الأمة المصرية وهيئتها النيابية، وهو ذلك الاتفاق الذي ~~يجعل إنكلترا شريكة مصر في السودان، وأجمع رجال القانون على أن هذا الاتفاق مخالف للشرائع ~~والقوانين. # | سلخ السودان وطريق المواصلات الإمبراطورية # مصر والسودان وقناة السويس وفلسطين والعراق وإيران لازمة لإنكلترا؛ لأنها طريق الهند كما ~~يقول اللورد كرزون فيصفق النواب لقوله ولبلاغة حجته (؟) وإذا قالت مصر: السودان مني ولي ~~وأنا له وهو حياتي ومني وحدي كانت حياته. صاح الكتاب الإنكليز يا لها من بدعة ويا للحق من ~~الجور؟! # ظلت إنكلترا قرنا تنقض من قوة مصر وتأبى عليها النمو إلى أن غنمت فرصة ثورة عرابي ~~على الحكومة بحجة تحويل الحكم إلى يد الشعب فاحتلت البلاد، فاختل حبل الأمن في السودان ~~فكانت إذا قال ms029 لها العالم: مصر. تجيبه: السودان. إلى أن جعلته شركة بينها وبين مصر يحلل ~~هذه الشركة التي أمرت بها إنكلترا أمرا ولم يراع فيه شرع ولا قانون «أن الدول لم تعترض ~~عليها» كما قالت المانشستر غارديان، وتجاهلت أن تركيا احتجت وهي صاحبة الشأن على فصل مصر عن ~~السودان. # وتقول التيمس: إن مصر أمة والسودان أمة أخرى، ويضاعف في ذلك كله أن السودان إذا أعطي ~~لمصر فإن الأوغندا وراء السودان، ومنها تحول مياه النيل عن مصر كما يقول الكتاب ~~الآخرون، ويتجاهلون أن الأوغندا كانت تابعة لمصر قبل أن يأكلوها ثم يحاولون هضم ~~السودان. ~~••• # بدأت حياة مصر المستقلة سنة 1841 بالمعاهدات بين الدول وبالفرمانات المستندة إلى تلك ~~المعاهدات، وهذه الفرمانات تجعل في إدارة محمد علي وذريته - أي مصر الممثلة بأميرها ~~وواليها - بلاد النوبة ودارفور وكردوفان وملحقاتها أي السودان كله، فبسط أمراء مصر حكمهم، ~~ووطدوا إدارة ملكهم حتى خط الاستواء، وفي سنة 1870 لم تكتف مصر بذلك؛ بل أرسلت حملة على ~~رأسها صموئيل باكر إلى منابع النيل، وأخضع الزبير بحر الغزال، ونظم غوردون خط الاستواء، وفي ~~سنة 1874 أبرم صاحب الأوغندا معاهدة مع مصر قبل فيها حماية مصر على بلاده، وعين إسماعيل ~~باشا لنا ن دي بللفون بك حاكما على السودان الشرقي، وقسمت بلاد السودان إلى 16 مديرية، وكل ~~مديرية إلى دور وأخطاط، ووضع شالو بك المهندس الأكبر لبلاد السودان خطط تلك البلاد الطبيعية ~~والسياسية، ومنها يؤخذ أن الأقسام السياسية كانت: ~~(1) # خط الاستواء. ~~(2) # بحر الغزال. ~~(3) # فاشودة. ~~(4) # الفاشر. ~~(5) # دارا. ~~(6) # توغا. ~~(7) # سولكون. ~~(8) # كبكبية. ~~(9) # كردوفان. ~~(10) # خرطوم. ~~(11) # سنار الفازوغلي. ~~(12) # القضارف. ~~(13) # القلابات. ~~(14) # تاكا. ~~(15) # بربر. ~~(16) # دنقلة. # وكانت الخرطوم القاعدة لمساحة 1500 كيلو متر طولا، وفاشودة قاعدة الحامية على مجرى النيل ~~حتى البحيرات النابع منها، وفي سنة 1865 كتب باكر # 1 # بك عن السودان يقول: «يستطيع السائح الأوربي أن يطوف هذه البلاد - التي تعادل ~~مساحتها فرنسا وألمانيا وإنكلترا معا - وهو في أمن وراحة قد لا يلقاها المتنزه في ~~هيدپارك - حديقة لندن الكبرى - إذا تأخر فيها مساء. أما الأهالي فلينو العريكة مطواعون ms030 ~~لحكومتهم» فماذا غير هؤلاء في 20 عاما؟ وكيف اتقدت ثورتهم والثورة العرابية بوقت ~~واحد؟ ذلك سر - يقول جميع المؤرخين - مفتاحه بيد الإنكليز، ومما قال شايه لونغ بك الذي ~~انتدبه إسماعيل باشا لبسط حماية مصر على الأوغندا، وإبرام المعاهدة مع ملكها «متزه» في ~~كتابه «مصر وأملاكها الضائعة»: «إن إدارة غوردون وباكر هي التي أغضبت السودانيين وأثارت ~~ثائرتهم، ولا شك ولا ريب بأن إنكلترا تركت النار تتقد؛ ليكون لها فيه مبرر لإخراج مصر ~~والحلول محلها، ولكنها لم تدبر الثورة المهدية» فالسودان هاج لإلغاء الرقيق واحتكار سن ~~الفيل ولشدة الموظفين، ولكن هياجه كان محليا فقابلت إنكلترا ذلك بملء الارتياح، ولعبت ~~بعقل عرابي حتى سحب الجيش من السودان فلم تبق هناك قوة ما، وقد أثبت الجنرال ونجت هذه ~~الأسباب الثلاثة في كتابه: «المهدية والسودان» ولكن مصر ظلت قادرة على إخماد الفتنة بعد سنة ~~1882 لولا أن الإنكليز أرسلوا رجالهم ليتولوا الأمر فكتب هوبار باشا إلى التيمس في 3 ~~فبراير 1885 يقول: «والآن صارت ثورة السودان حربا دينية يقوم بها المسلمون ضد المسيحيين ~~الذين مدوا يدهم لامتلاك هذه البلاد» ولكن موظفي الاستعمار ظلوا على نغمتهم بأن الثورة ~~ناجمة عن ظلم الموظفين المصريين، ولما أرسل عبد القادر باشا في سنة 83 إلى الخرطوم كسر ~~الثوار لأول مرة وسكن جهات سنار ثم كسرهم مرة ثانية وبسم له الفوز في كل مكان على قلة عدد ~~جنوده، ولكن ذلك لم يرق للإنكليز فأشاروا بتعيين علاء الدين باشا حاكما على السودان، ~~وجردوا حملة هيكس برياسة سليمان نيازي باشا الاسمية، وتلقى سليمان نيازي باشا الأوامر بأن ~~يتبع إشارة هيكس، ولكنهم رأوا أن يعزلوه من منصبه لأنه عسكري ومن الممكن أن ينازع هيكس في ~~إرادته، وعينوا علاء الدين باشا الذي لم يكن عسكريا حتى يخضع ويطيع؛ فكانت النتيجة ضياع ~~الحملة كلها، ونهوض السودان كله للثورة حتى كتب غوردون في مذكراته: «عندما أفكر بما ضحي ~~من حياة الرجال في السودان منذ سنة 1880 لا يمكني أن أمنع نفسي عن حب الانتقام من السير ms031 ~~أو كلدكولفين والسير أدوار مالت والسير تشارلس ديلك؛ لأنهم هم الذين دبروا ذلك كله»، ويقول ~~سلاتين باشا: إنه تلقى الأوامر في سنة 1883 ليجمع جنوده في الفاشر، وليختار واحدا من سلالة ~~الملوك القدماء هناك فيسلمه البلاد، ويجلو عنها. # لم تكتف السياسة الإنكليزية بذلك بل قضت على مصر بأن تخلي السودان، وزادت على ما تقدم ~~بأن وجود الإنكليز في مصر لازم خوفا على القاهرة من عصابات الدراويش كأن الدراويش صاروا ~~جيوشا منظمة تقهر مصر التي مزقت قبل ذلك بخمسين سنة أقوى الجيوش المنظمة وأمتنها وأكثرها ~~عدة. # حدثت واقعة هيكس يوم وصول أفلن بارنغ (اللورد كرومر) إلى مصر فأبلغ الخديوي أن إنكلترا لا ~~تهتم بالسودان ولا تساعد مصر على البقاء فيه أو استعادة بعض أقاليمه، وشرح اللورد ملنر كلام ~~أفلن بارنغ للخديوي بقوله: «إن الرجل التعب المنهوك القوي الفقير - كما كانت مصر يومئذ - ~~لا يكون له بد من أن يتنازل عن بعض أملاكه مخافة أن يناله الإفلاس» فأجاب الخديوي السير ~~أفلن بارنغ أنه لا يستطيع ترك السودان، وإذا كانت مصر لا تلقى المساعدة لتعزز جيشها فهو ~~يفضل أن يلجأ إلى سلطان تركيا في هذه المساعدة، فأجاب بارنغ: «ولكن على شرط أن لا تدخل ~~الجنود العثمانية مصر وأن تجعل سواكن مركزها» وفي اليوم التالي حمل إلى الخديوي «المشورة ~~والنصيحة بترك السودان» حتى يصبح بلا سيد فتبسط إنكلترا سيادتها عليه، ولما رفضت الوزارة ~~المصرية ترك السودان أكرهت على الاستعفاء، وقال اللورد ملنر: «إن الحكومة البريطانية ~~اتبعت رأي معتمدها وأمرته بأن يبلغ الحكومة المصرية التحتيم عليها بترك السودان حالا، ~~وإذا أبى أحد الوزراء فليستعف، وبذلك كذبنا يومئذ النظرية القائلة بأن سياسة مصر ~~والسودان لا تعنينا.» # وأغرب ما في الحجج التي قدمها اللورد كرومر للخديوي توفيق ليجلي جنوده عن السودان أن ~~حكومة مصر تنفق على السودان 640 ألف جنيه ولا تحصل من السودان سوى 480 ألف جنيه فلا يجوز أن ~~تنفق مصر في السودان في كل عام 160 ألف جنيه، وكانوا يستكبرون تجريد 16 ألف جندي ms032 مصري ~~وسوداني لتدويخ السودان، ولكنهم لما صار السودان لهم وجدوا هذا العدد قليلا فزادوه من كل ~~سلاح وهيئة على حساب مصر وعلى نفقة الخزنة المصرية. ~~••• # أما مديريات السودان كما نظمت بعد استعادته واقتطاع أطرافه فهي على الوجه الآتي: ~~(1) # حلفا: # وهي تتناول حلفا والمحس ~~وسكوت. ~~(2) # دنقلة: # وهي تتناول أرقو ودنقلة الأودري ~~والخندق والدبة وكورتي ومروي. ~~(3) # بربر: # وهي تتناول الرباطاب وبربر ومدينة ~~بربر والدامر وشندي. ~~(4) # الخرطوم: # تتناول مدينة الخرطوم ~~وحدها. ~~(5) # مديرية الجزيرة: # تتناول الكاملين والمسلمية ~~ورفاعية وود رملي وعبود والكوة القطنية وقوز أبي جمعة. ~~(6) # مديرية سنار: # تتناول سنار وشيخة ووادمدني ~~والرصيرص والدندر ودار الفونج وأبو نعامة. ~~(7) # مديرية النيل الأعلى: # تتناول كودوك وهي ~~فاشودة التي غيروا اسمها. ~~(8) # مديرية بحر الغزال: # تتناول واو ومشروع ~~الريك وديم الزبير وشامبي وشكوشك وتونج واورمبيك. ~~(9) # كسكه: # تتناول كسله والقضارف ~~والقلابات. ~~(10) # سواكن: # تتناول سواكن وطوكر. ~~(11) # كردوفان: # تتناول الأبيض وباره والدويم ~~وخربي والنهود والشنوط والطيارة والدكن وتندك وجديد. ~~(12) # دارفور. # | هوامش # | إخلاء السودان ليس تركه نهبا مشاعا # لو أن السياسيين قالوا للأمم الصغيرة أو الضعيفة إنا نمتلك أرضكم بحكم القوة لا بحكم آخر ~~لسكت الضعفاء إلى أن يستعيدوا قوتهم فيعيدون بها ملكهم وحقهم، ولكن المدنية الحديثة في ~~تطورها الجديد لم تتوصل إلى حمل الحكومات على أن تعدل عن القوة إلى الحق فتتخذه شعارا في ~~القول ودستورا في العمل، فتمسكت بالقديم أي بالقوة، وأخذت تلبسها حلة الجديد أي حلة الحق ~~والقانون بالقول فقط، وليس في مسائل العالم مسألة أظهر في ذلك وأجلى من مسألة السودان ومصر. ~~فإن إنكلترا التي دخلت مصر باسم الدول، وتقدمتها في الدخول منشورات سلطان تركيا باعتبار ~~عرابي ثائرا ومساعي الخديوي توفيق ومساعدة فريق كبير من عظماء مصر ورضا الدول، إنما هي ~~دخلتها لتوطيد عرش الخديوي أو بالأحرى إبقاء الخديوي توفيق على العرش. فكان أول عمل عملته ~~أن أكرهت الخديوي على سحب جنوده من السودان، ولكن الخديوي صاحب مصر والسودان أي صاحب النيل ~~من وراء منبعه إلى ما بعد مصبه لم يسحب جنوده من تلك الأرض ليتركها نهبا مباحا ms033 لمن شاء ~~امتلاكه؛ بل هو سحبها «لضرورة عسكرية ولأسباب حربية» فالسودان إذن ظل ملكا لمصر في عرف ~~الدول وفي عرف القانون الذي يقولون إنه نظام تسير عليه جميع أعمالهم، وقبل أن يتم سحب ~~الجنود المصرية من السودان نزلت الجنود الإنكليزية في سواكن وسواحل الصومال، والجنود ~~الطليانية في مصوع، وقد قال اللورد دفرين في تقريره عام 1883 بضرورة انسحاب الجنود المصرية ~~من الأقاليم الشرقية والغربية والجنوبية، ولكن ضميره لم يساعده يومئذ على القول بضرورة ~~انسحابها من وادي النيل من منبعه إلى مصبه فقال: «إن بعض الأشخاص يميلون إلى نصيحة مصر بأن ~~تنسحب من السودان كله، ولكنه لا ينتظر منها أن تسلم بذلك فمصر التي تعيش من النيل يحق لها ~~أن تمتلك مجرى النيل كله، فيكفيها أن تنسحب من دارفور وكردوفان، وأن تظل الخرطوم وسنار في ~~قبضتها.» # احتلت إنكلترا وادي حلفا وسواكن وبربرة وزيلع والأوغندا وخط الاستواء حالما خرج منها ~~المصريون، وبذلك طوقت السودان من كل جانب. # وهكذا جعل حد مصر في 15 يونيو سنة 1885 بين الشلالين ولم يبق من الحكم المصري في ~~السودان سوى مقاطعة خط الاستواء بيد أمين باشا. فأراد الإنكليز استئصال كل شيء فحملوا نوبار ~~باشا على أن يكتب إلى أمين باشا كتابا في 27 مايو سنة 1885 يقول له فيه: إن حكومة الخديوي ~~لا تستطيع مساعدته بشيء فهي تترك له الحرية التامة ليتدبر، وإذا شاء الانسحاب فليقصد ~~زنجبار، وأحدثت إنكلترا ضجة في أوربا بشأن أمين باشا متظاهرة بالغيرة عليه مع أن أمينا كتب ~~من ودلاي في 6 يوليو سنة 1886 يقول: إنه لا يريد شيئا وإن المديرية في منتهى الراحة ~~والسكون، وكتب قنصل إنكلترا في زنجبار أن المصريين بقيادة أمين باشا لا يرضون مغادرة ~~مديريتهم وأنهم هناك جميعا مخلصون لحكومة الخديوي، وكانت قوة أمين باشا مؤلفة من أورطتين ~~مصريتين، فأذيع بينهما في 1887 أن أمين باشا سيتخلى عنهما، فذهب إليه 190 جنديا من تينك ~~الأورطتين وأبلغوه أنهم لا يدعونه يغادر البلاد. فأفهمهم أمين باشا الحقيقة، وظل في ms034 منصبه ~~يدير البلاد باسم خديوي مصر، ولما وصل ستانلي في 19 مايو 1888 إلى تلك الجهة بحجة إنقاذ ~~أمين باشا قال له شكري أغا من ضباط الأورطة الأولى: «إن جنديا واحدا من جنود الخديوي لا ~~يرضى الانسحاب من هذا البلاد.» # وكتب جون روث تروب رفيق ستانلي في مذكراته: «أن أمينا لا يود الانسحاب فلا يصح لنا ~~الافتخار بحملتنا التي لم يكن الغرض منها خدمة الإنسانية، بل خدمة المطامع وحب الثروة» ~~ولما عرض ستانلي على أمين باشا أن يستلم منه المديرية باسم إنكلترا أجابه: «إني لا أسلم، ~~وماذا تقول عني حكومة مصر إذا أنا فعلت ذلك؟» وأغرب ما في هذه القصة أن ستانلي الذي أرسلته ~~إنكلترا بدعوى إنقاذ أمين باشا من خط الاستواء أرسل إلى أمين باشا يطلب منه المساعدة لينقذه ~~مما هو فيه حتى يتمكن من الوصول إليه فأرسل إليه أمين قوة أنقذته، ولما قابله ستانلي ~~وطلب منه العودة معه أجابه أن الحكومة المصرية لم تأمرني بالجلاء بل تركت لي حرية العمل. ~~فاقترح عليه ستانلي بعد رفضه الجلاء ثلاثة اقتراحات: ~~(1) # إما أن يكون حاكما لخط الاستواء باسم بلجكا وباعتماد مالي قدره 300 ألف فرنك ~~في السنة وبراتب 37 ألف فرنك. ~~(2) # وإما أن يكون حاكما لإقليم الشرق الجنوبي باسم إنكلترا براتب يتناوله من ~~إنكلترا. ~~(3) # أو الجلاء والعودة إلى مصر. # فرفض أمين باشا أن ينتقل من ظل علم إلى ظل علم آخر. # وهكذا فشل ستانلي ورجع بخفي حنين، إلا أنه تلقى في شهر يناير سنة 1889 كتابا بأن ~~«الضباط المصريين داخلهم الشك بأمين باشا وخافوا أن يجلو عن البلاد فأخذوا يرقبونه، ~~وهؤلاء الضباط والموظفون الذين لم يتناولوا قرشا واحدا منذ خمس سنين صانوا ملك بلادهم ~~واحتملوا كل شيء في سبيل وطنهم» على أن الإنكليز ظلوا يضغطون على أمين باشا حتى جلا عن ~~البلاد بالتهديد في 10 أبريل سنة 1889، وبذلك الجلاء تقلص ظل مصر عن سائر جهات السودان، ~~وطوي العلم المصري الذي ظلل تلك الربوع نصف قرن، وأخذت إنكلترا تنظم أعمالها فبسطت ~~حمايتها ms035 على الأوغندا، وعقدت مع ألمانيا اتفاقا سنة 1890 تعترف به ألمانيا بنفوذ إنكلترا ~~في أعالي النيل، وعقدت مع حكومة الكونغو البلجيكية اتفاقا آخر في سنة 1894 يقضي بأن ترضى ~~حكومة الكونغو بمرور سكة حديد الكاپ بأرضها وترضى حكومة إنكلترا بمد نفوذ حكومة الكونغو على ~~مجرى النيل غربا حتى فاشودة. فلما أعلن أمر هذا الاتفاق قال الموسيو هانوتو وزير خارجية ~~فرنسا: «إنه اتفاق باطل؛ لأنه اتفاق على ملك لا تملكه إنكلترا وهو ملك السلطان المضمونة ~~صيانته بمعاهدات دولية، والمتولي أمره خديوي مصر بمعاهدات تقضي بولايته.» ثم اتفقت فرنسا مع ~~حكومة الكونغو على أن تحل محلها في تلك المنطقة «إلى أن يتمكن خديوي مصر من استعادتها ~~فتعيدها إليه كما هي» وفي سنة 1895 خطب السير أدوار غراي مطالبا بحق مصر بحجة أن الإنكليز ~~قوامون على مصالحها فرد المسيو هانوتو منكرا ذلك على إنكلترا، وكانت حملة مرشان سائرة ~~إلى السودان وتبعتها الحملة المصرية بقيادة السردار كتشنر، وهي مؤلفة من 24 ألف مصري و5 ~~آلاف إنكليزي، وأنفقت مصر على هذه الحملة بحساب جار فتحته لها خزانة إنكلترا؛ لأن فرنسا ~~وروسيا أنكرتا على مصر أخذ المال من صندوق الدين حتى تكرها إنكلترا على إعلان خطتها ~~في مصر، ولما دخل كتشنر بربر طلبت إنكلترا من فرنسا التخلي عن السودان المصري؛ لأنه من ~~أملاك السلطان، وأن الإنكليز الذين يساعدون الخديوي إنما هم يساعدونه في استعادة أملاك ~~بلاده، وعلى هذه القاعدة تنازلت فرنسا عن اتفاقها مع حكومة الكونغو إلى أن جاء اتفاق ~~19 يناير 1899 بين إنكلترا ومصر أو بالأحرى بين إنكلترا ونفسها فقال الناس جميعا إنه ~~اتفاق لا يتفق مع شرعة أو قانون، ولكن اللورد كرومر امتدح اللورد سالسبوري مبرمه؛ ~~لأنه «لم يعبأ بنص قانوني فأظهر شجاعة كبرى.» # ذلك التاريخ نورده على علاته وفيه الدليل الصحيح لمن أراد دليلا صحيحا على حلقة من ~~حلقات القسر والشدة اللذين حلا بمصر منذ قرن كامل حتى وصلنا اليوم إلى سماع الكتاب ~~الإنكليز وهم يقولون: أين أنتم من السودان وأين السودان ms036 منكم؛ بل حتى رأينا النيل ويكادون ~~يخرجونه من قبضة مصر ليكون غلا في عنق سكانها، ومصر لم تترك السودان من يدها بإخلائه، ~~ومصر استعادت السودان بدمها ومالها وهي لا تزال وحدها الحارسة الأمينة عليه المنفقة على ~~أهله لتنظيمه، وجيش مصر والميزانية المصرية أكبر شاهد لمن أراد الشهادة. # | فتح السودان واتفاق 1899 # زحف الجيش المصري بقيادة السردار كتشنر باشا فالتقى بالسودانيين في عكاشه في أول مايو سنة ~~1896، وفي 7 يونيو استولى على فركه وهي على بعد 450 ميلا من حلفا، وفي 25 أغسطس وصل إلي ~~كوشه، وفي 22 سبتمبر وصل إلى دنقلة، # 1 # وتقدمت طلائعه إلى المتمة، وعاد الإنكليز إلى مصر ليرتاحوا، وأقيمت للسردار ~~كتشنر مأدبة خطب فيها اللورد كرومر فقال: «إن استعادة مديرية دنقلة ليست سوى الخطوة الأولى، ~~وقد حل الوقت الذي يخفق فيه العلم المصري على أبراج الخرطوم.» # وفي 28 مايو 1897 استؤنف الزحف، ودخلت الجنود أبو حمد في 7 أغسطس، وفي 7 سبتمبر استولت ~~السفن على بربر، ووصف الحملة يومئذ أحد المراسلين الإنكليز المرافقين لها بقوله: «وإنا ~~لنتساءل اليوم عن خطر المهدية الذي كان يهدد مصر فأين هو وما هو؟» وفي 25 أكتوبر وصلت السفن ~~إلى المتمة، وقال المستر دوكنس وكيل المالية المصرية في تقريره: «إن مديرية دنقلة كلفت ~~الميزانية المصرية 8 ملايين جنيه» ووصل الخبر بأن الفرنساويين يحتلون فاشودة، فأسرع السردار ~~بالزحف فوصلت طلائعه وسفنه إلى شندي، وفي 26 مارس وفي 8 أبريل أبيدت قوة الأمير محمود، ~~وقررت الحكومة الإنكليزية أن تتنازل لحكومة مصر عن المال الذي أخذته منها في الحساب الجاري ~~وقدره 798802 ج؛ لأن ثلث هذا المال أنفق على الخط الحديدي الذي مد مع الجيش وهو يعد بمثابة ~~شطر أو قطعة من سكة حديد «الكاپ-القاهرة» وفي الوقت ذاته تألفت في لندرة شركة لمشترى خطوط ~~السكة الحديدية السودانية، ووصل سسل رودس إلى القاهرة ليفاوض حكومة مصر في ذلك فأذاعت ~~«الأهرام» خبر محادثته مع مصطفى باشا فهمي يومئذ فاهتزت صحف العالم لهذا النبأ حتى أرسل ~~السلطان عبد ms037 الحميد إلى الخديوي عباس مذكرة يحذره فيها من التنازل عن هذا الخط الحربي لدولة ~~أجنبية؛ لأن هذا التنازل يعد مصادرة لنصوص فرمانات الولاية، وفي أول سبتمبر تقدمت ~~المراكب فضربت أم درمان وهدمت قبة مقام المهدي، وعند فجر 2 سبتمبر هجمت جموع الدراويش ~~فحصدتهم المدافع والرشاشات حصدا، ودخل كتشنر أم درمان. # وفي 15 سبتمبر 1898 استولى على معسكر الدروايش في رننج، وأخبره أميرهم أنه ذهب لامتياز ~~الغلة في بلاد الشلوك فصده جماعة من البيض يمتنعون في قلعة فاشودة، وكان اللورد ~~سالسبوري قد أرسل إلى اللورد كرومر في 2 أغسطس تلغرافا يقول له فيه: «إذا وصل الجنرال ~~كتشنر إلى الخرطوم فليرسل السفن في النيل الأزرق والنيل الأبيض، فإذا عثر في أحدهما على ~~الفرنساويين أو على الأحباش فليحذر أن يعمل أي عمل يعد اعترافا بنفوذهما في مجرى ~~النيل.» # وفي 19 سبتمبر وصل السردار كتشنر إلى فاشودة حيث التقى بمارشان، وفي تلك الساعة حان وقت ~~حل المسألة بين فرنسا وإنكلترا، وفي مساء 20 سبتمبر رفع العلم المصري هناك، وترك لحراسته ~~نصف أورطة، وعاد كتشنر إلى الخرطوم، ومما يذكر من أقوال وزراء الإنكليز قول السير إدوار ~~غراي «إنا لا نستطيع التسليم للفرنساويين بأعالي النيل؛ لأن النيل هو مصر ومصر هي النيل» ~~ووصل الأمر بين فرنسا وإنكلترا إلى الحرب، فاستشارت فرنسا روسيا فأجابتها حكومة القيصر بأن ~~تسوي المسألة حبيا مع محافظتها على شرف علمها. # وفي 4 أكتوبر قررت حكومة فرنسا سحب جنودها من فاشودة، وفي المساء ذاته أعدت في دار بلدية ~~لندره حفلة فخمة إكراما للورد كتشنر، وأعلن رئيس الوزراء خبر جلاء مارشان عن فاشودة التي ~~«لا أهمية لها في نظر حكومة الجمهورية». # وفي 21 مارس 1899 وقع الموسيو كمبون سفير فرنسا واللورد سالسبوري اتفاقا خلاصته أن ~~حدود نفوذ فرنسا هي الجبال الفاصلة بين نهر الكونغو ونهر النيل، وانجلت الجنود الفرنساوية ~~عن بحر الغزال، ولكن هذا الاتفاق لم يمس بشيء حقوق مصر ولكنه مس نفوذ فرنسا في ~~واداي، ذلك النفوذ الذي بدأت وزارة فرسينه بهدمه في ms038 سنة 1882، وأتمت وزارة دلكاسه ذلك الهدم ~~في سنة 1899، وإذا كان ديسكس من قواد ناپوليون قد حفر اسمه على جدار أنس الوجود في أسوان ~~وهو يطارد المماليك فمحا ذلك الاسم عسكري إنكليزي لا يعرف قيمة للتاريخ فإن حاكم السودان ~~غير اسم فاشودة بكدك حتى لا يظل ذلك الاسم تذكارا سيئا بين الإنكليز والفرنساويين. # على أن الإنكليز لم ينتظروا توقيع فرنسا لاتفاق 21 مارس سنة 1899 ليأمروا مصر بإشراكهم ~~بملك السودان؛ بل وقع اللورد كرومر باسم إنكلترا وبطرس باشا غالي باسم مصر في 19 يناير من ~~تلك السنة اتفاقا في 12 مادة جاء في مقدمته ما نصه: # حيث إن بعض أقاليم السودان التي خرجت عن طاعة الحضرة الفخيمة الخديوية قد صار ~~افتتاحها بالوسائل الحربية والمالية التي بذلتها بالاتحاد حكومتا جلالة ملكة ~~الإنكليز والجناب العالي الخديوي. # وحيث قد أصبح من الضروري وضع نظام مخصوص لأجل إدارة الأقاليم المفتتحة المذكورة ~~وسن القوانين اللازمة لها بمراعاة ما هو عليه الجانب العظيم من تلك الأقاليم من ~~التأخر وعدم الاستقرار على حال إلى الآن، وما تستلزمه حالة كل جهة من الحاجات ~~المتنوعة. # وحيث إنه من المقتضى التصريح بمطالب حكومة جلالة الملكة المرتبة على ما لها من حق ~~الفتح وذلك بالاشتراك في وضع النظام الإداري والقانون الآنف ذكره، وفي إجراء تنفيذ ~~مفعوله، وتوسيع نطاقه في المستقبل. # وحيث إنه تراءى من جملة وجوه أصوبية إلحاق وادي حلفا وسواكن إداريا بالأقاليم ~~المفتتحة المجاورة لها. # فلذلك قد صار الاتفاق والإقرار فيما بين الموقعين على هذا بما لهما من التفويض ~~اللازم لهذا الشأن على ما يأتي: # المادة الأولة: # تطلق لفظة السودان (وقد أهملوا بالاتفاق كلمة السودان المصري) ~~على جميع الأراضي التي لم تحتلها الجنود المصرية منذ سنة 1883، ~~والأراضي التي كانت بإدارة الحكومة المصرية قبل الثورة الأخيرة ~~وفقدت منها موقتا ثم فتحتها الآن حكومة جلالة الملك والحكومة ~~المصرية بالاتحاد، والأراضي التي قد تفتحانها بالاتحاد من الآن ~~فصاعدا. # المادة الثانية: # يستعمل العلم البريطاني والعلم المصري معا في البحر والبر بجميع ~~أنحاء السودان، ما عدا ms039 مدينة سواكن فلا يستعمل فيها سوى العلم ~~المصري. # المادة الثالثة: # تفوض الرياسة العليا العسكرية والمدنية في السودان إلى موظف ~~واحد، يلقب: حاكم عموم السودان، ويكون تعيينه بأمر عال خديوي ~~بناء على طلب حكومة جلالة الملكة، ولا يفصل عن وظيفته إلا بأمر ~~عال خديوي يصدر برضاء الحكومة البريطانية. # المادة الرابعة: # كافة القوانين وكافة الأوامر واللوائح التي تكون لها قوة القانون ~~المعمول به والتي من شأنها تحسين إدارة حكومة السودان أو تقرير ~~حقوق الملكية فيه بجميع أنواعها وكيفية أيلولتها والتصرف فيها يجوز ~~سنها أو تحويرها أو نسخها من وقت إلى آخر بمنشور من الحاكم ~~العام، وهذه القوانين والأوامر واللوائح يجوز أن يسري مفعولها على ~~جميع أنحاء السودان أو على جزء معلوم منه، ويجوز أن يترتب عليها ~~صراحة أو ضمنا تحوير أو نسخ أي قانون أو أية لائحة من القوانين أو ~~اللوائح الموجودة. # وعلى الحاكم العام أن يبلغ على الفور جميع المنشورات التي يصدرها ~~من هذا القبيل إلى وكيل وقنصل جنرال الحكومة البريطانية بالقاهرة ~~وإلى رئيس مجلس نظار الجناب العالي الخديوي. # المادة الخامسة: # لا يسري على السودان أو على جزء منه شيء ما من القوانين أو ~~الأوامر العالية أو القرارات الوزارية المصرية التي تصدر من الآن ~~فصاعدا إلا ما يصدر بإجرائه منها منشور من الحاكم العام بالكيفية ~~السابق بيانها. # المادة السادسة: # المنشور الذي يصدر من حاكم عموم السودان ببيان الشروط التي ~~بموجبها يصرح للأوربيين من أية جنسية كانت بحرية المتاجرة أو ~~السكنى بالسودان أو تملك ملك كائن ضمن حدوده لا يشمل امتيازات ~~خصوصية لرعايا أية دولة أوربية. # المادة السابعة: # لا تدفع رسوم الواردات على البضائع الآتية من الأراضي المصرية ~~حين دخولها إلى السودان، ولكنه يجوز مع ذلك تحصيل الرسوم المذكورة ~~على البضائع القادمة من غير الأراضي المصرية، إلا أنه في حالة ما ~~إذا كانت تلك البضائع آتية إلى السودان عن طريق سواكن أو أي ميناء ~~آخر من موانئ ساحل البحر الأحمر لا يجوز أن تزيد الرسوم التي تحصل ~~عليها عن القيمة الجاري تحصيلها ms040 حينئذ على مثلها من البضائع ~~الواردة إلى البلاد المصرية من الخارج، ويجوز أن تقرر عوائد على ~~البضائع التي تخرج من السودان بحسب ما يقدره الحاكم العام من وقت ~~إلى آخر بالمنشورات التي يصدرها بهذا الشأن. # المادة الثامنة: # فيما عدا مدينة سواكن لا تمتد سلطة المحاكم المختلطة على أية جهة ~~من جهات السودان، ولا يعترف بها فيه بوجه من الوجوه. # المادة التاسعة: # يعتبر السودان بأجمعه ما عدا مدينة سواكن تحت الأحكام العرفية، ~~ويبقى كذلك إلى أن يتقرر خلاف ذلك بمنشور من الحاكم العام. # المادة العاشرة: # لا يجوز تعيين قناصل أو وكلاء قناصل أو مأموري قنصليات بالسودان، ~~ولا يصرح لهم بالإقامة قبل المصادقة على ذلك من الحكومة ~~البريطانية. # المادة الحادية عشرة: # ممنوع منعا مطلقا إدخال الرقيق إلي السودان أو تصديره منه، ~~وسيصدر منشور بالإجراءات اللازم اتخاذها للتنفيذ بهذا ~~الشأن. # المادة الثانية عشرة: # قد حصل الاتفاق بين الحكومتين على وجوب المحافظة منهما على تنفيذ ~~مفعول معاهدة بروكسل المبرمة بتاريخ 2 يولية 1890 فيما يتعلق ~~بإدخال الأسلحة النارية والذخائر الحربية والأشربة المقطرة أو ~~الروحية وبيعها وتشغيلها» ا.ه. # | هوامش # | بعد الاتفاقين # بعد جلاء الفرنساويين عن فاشودة وقبل إبرام اتفاق 19 يناير بين مصر وإنكلترا واتفاق 21 ~~مارس 1899 بين إنكلترا وفرنسا، تساءل الإنكليز - وقد خلا لهم الجو فباتوا ولا منازع ولا ~~خصيم لهم - يتساءلون: أي السياسة يتبعون؟ أيضمون السودان إلى أملاكهم؟ إنهم إذا ما فعلوا لا ~~يجدون مقاوما بعد إغضاء أوربا وخمول تركيا، وقالوا: إذا ما ضمت إنكلترا السودان إلى ~~أملاكها بات السودان وكأنه الزورق المعلق به خيط كل ذي نسمة حية في مصر وضربة واحدة من ~~مقص خفيف على ذلك الخيط النحيف تقطع الخيط، وضربة معول في مجرى النيل تحول ماءه أو بعض ذلك ~~الماء عن مصر، وقال أصحاب هذا الرأي منهم: إن إنكلترا إذا ضمت السودان إلى أملاكها لا تعمل ~~شيئا جديدا ولكنها تحول الموقوت إلى دائم. ألم ترفع علمها على الأوغندا وخط الاستواء ~~وأونيور وبحر الغزال والخرطوم؟ ألم تنزل جنودها في سواكن ms041 وزيلع وبربره؟؟ # على أن قوما آخرين اعترضوا على الضم، وأخذت الحكومة توازن بين الفائدة والخسارة، ولم ~~يخطر ببالها أن تنظر إلى المسألة من الوجهة القانونية ولا إلى مواعيدها بالجلاء ولا إلى ما ~~ماثل ذلك وحاكاه؛ بل نظرت إلى المنفعة. # وكانت للورد كرومر في النهاية الكلمة العليا فأبرم اتفاق 19 يناير 1899 بنصه وآرائه، ~~وإليك خلاصة ما قاله عن ذلك في تقريره لعام 1899 وقد كان ذلك القول قاعدة سياستهم في ما ~~بعد: # السودان هوة تبتلع الملايين كما يذوب الثلج في حر الشمس فهو سبب وهن المالية ~~المصرية وضعفها، وقد أنفقت فيه إنكلترا مبالغ طائلة أملت استعادتها عند تصفية ~~الحساب، ففي 4 أغسطس 1884 قرر مجلس النواب فتح اعتماد 300 ألف جنيه لحملة ولسلي ~~لينقذ غوردون فوصل هذا الاعتماد الضئيل إلى 11 مليون جنيه، وفي سنة 1896 وعدت ~~الوزارة مجلس النواب بأنها لا ترتكب مثل هذه الهفوة مرة أخرى. فإذا ضمت السودان إلى ~~أملاكها فإنها تضاعف تلك الهفوة. # ذلك ما دعا اللورد كرومر إلى جعل السودان شركة بين مصر وإنكلترا فتغنم إنكلترا وتتحمل مصر ~~متاعب الخدمة وأعباء النفقة، فمصر أنفقت على حملة دنقلة وحدها 8 ملايين جنيه، وإنكلترا ~~أقرضت مصر مبلغ 798802ج ثم تنازلت لها عن هذا المبلغ، وأخذت حكومة مصر تبيع ما استطاعت بيعه ~~بأمر إنكلترا، فباعت البواخر الخديوية والحياض، وحولت جميع الاعتمادات المفتوحة في أبواب ~~الميزانية إلى نفقات السودان، وباعت التفاتيش والأراضي؛ حتى أخذت صحافة مصر تعنون تلك ~~المبيعات بعنوان: «مصر في المزاد». # وقبل أن يعلن ذلك الاتفاق خطب اللورد كرومر في الخرطوم في 5 يناير فأشار إلى هذه الشركة ~~الغريبة. # غريبة لأنه إذا ما قيل إن من الشركة بالحكم ما يكون مثنويا فإن هذه الشركة لا توازن ~~فيها بين الشريكين؛ لأن لإنكلترا على ما نص قانون الشركة التفرد بالسيادة، وإذا ما قيل إن ~~من الشركة في الحماية ما هو معروف كحماية إنكلترا وأميركا وألمانيا لجزر سامواي نفى الفعل ~~هذا القول؛ لأن الحكومة الإنكليزية تعتبر السودان المصري أرضا مفتوحة ms042 بقوة جيوشها ويتولى ~~إدارتها رجالها. قال المسيو دبانيه: «المسألة ليست مسألة قول وكلام فمصر تحت نظام الحماية ~~الإنكليزية، وأما السودان فإن عمل مصر السلبي فيه يجعله فعلا أرضا من أملاك إنكلترا» أما ~~إذا نظرنا إلى الاتفاق من الوجهة القانونية فإنا نحكم بلا تردد بأنه اتفاق باطل؛ لأنه لم ~~يكن يسوغ لمصر عقد مثل هذا الاتفاق، ولا يسوغ للخديوي توقيعه وهو مولى من السلطان مع ~~أملاك سلطانية، ولا يجوز لإنكلترا إبرامه لارتباطها بعهود ومواثيق مع الدول، وفوق هذا كله ~~أنه لا يحق لمصر ولا لإنكلترا المساس بحقوق للدول. # ولما سئل اللورد سالسبوري في مجلس نوابهم في 6 فبراير 1899 عن اتفاق 1899 كان جوابه ~~غريبا كقوله: «لقد ينقضي زمن طويل قبل أن يستولى الهدوء والسكون على السودان كما يستولى ~~الآن على أحد شوارع لندن، وأوجه نظر السائل إلى رجل اشتهر في تاريخ إنكلترا حتى لقبوه ~~بغليوم الفاتح على أنه لم يفتح إنكلترا وبلاد الغال كلها - إلى أن قال - إنا نضع يدنا على ~~السودان لسببين؛ الأول: أن السودان من أملاك مصر التي نحتلها، والثاني: حق الفتح.» ولكن ~~هذا القول يدفعه كتاب بطرس باشا غالي إلى اللورد كرومر في سنة 1898 وصدور الأمر الخديوي في ~~15 يناير 1884 بإلحاق السودان بوزارة الحربية، فالسودان لم يكن في حين من الأحيان «ملكا ~~بلا مالك» حتى يصلح الادعاء فيه بحق الفتح وإنكلترا ذاتها احتجت على هذا الادعاء في سنة ~~1898 لما وصل مارشان إلى فاشودة، فقالت: إن للسودان مالكا هو الخديوي فلا يجوز لدولة من ~~الدول احتلال هذا الملك مع وجود مالكه، أما حق الفتح فهو محفوظ لمصر وحدها؛ لأن محمد علي ~~وإسماعيل لم يكونا مندوبي إنكلترا في فتح السودان، وإذا كانت إنكلترا قد ساعدت الخديوي ~~عباسا الثاني على استعادة أملاكه أو بالأحرى على تسكينها وقطع دابر الثوار فيها، فهي لم ~~تدع إلى ذلك ولم تشترط على الخديوي شرطا في عمل تطوعت له وتبرعت به، ولو أنها عقدت ~~معه شروطا لكانت تلك الشروط باطلة؛ لأنه لا ms043 يملك حق التعاقد على أرض هي تحت سيادة سلطان ~~تركيا. فأصح من قول اللورد سالسبوري يومئذ قول وزير الخارجية برودريك في جلسة 18 فبراير ~~1899: «نحن لم نرتبط في مسألة السودان بعهد ولا بقانون ولا نظام.» # على أنه جاء في اتفاق 19 يناير 1899 أن العلم المصري وحده يظل خافقا على سواكن، أي ~~المدينة التي ظلت مصرية باعتراف الإنكليز، ولم تلغ منها سلطة المحاكم المختلطة إلا في 20 ~~يوليو 1899، فلماذا أبقوا العلم المصري وحده مرفوعا عليها؟ # هذا السر كشفه أحد الموظفين الإنكليز لمراسل جريدة الطان الفرنساوية بقوله: «إن الإنكليز ~~(العارفين) مرتاحون إلى اتفاق 19 يناير، وأبقينا سواكن تحت العلم المصري كما كانوا ~~يفعلون قديما بوضع الجريح في ثغرة السور قبل الهجوم، أو كما يفعلون اليوم بنصب مستشفيات ~~الصليب الأحمر بدلا من الأبراج المدرعة، فنحن نبقي سواكن نصف مستقلة في طريق السودان لهذا ~~الغرض، وماذا يهمنا بعد ذلك ما دام نفوذنا كاملا؟» # وإذا كانت إنكلترا قد اشترطت في الاتفاق إلغاء سلطة المحاكم المختلطة؛ فلأن إنشاء هذه ~~المحاكم في سنة 1876 كان رغم إرادتها بعدما اتفقت في سنة 1870 مع ألمانيا على أن تطلق يدها ~~في مصر ولم تنس حكم تلك المحاكم في سنة 1896 بإعادة الأموال إلى صندوق الدين، وكانت ~~تعتمد على 62 مليون فرنك متوافرة في ذلك الصندوق للإنفاق على حملة السودان، ومما يدل أكبر ~~دلالة على فعل السياسة في النفوس والآراء أن السير مكلريث - الذي امتدح المحاكم المختلطة في ~~إحدى المجلات الإنكليزية امتداحا فضلها فيه على كل نظام قضائي - حمل عليها في سنة 1898 ~~حملة شعواء وطلب إلغاءها، وجس بطرس باشا غالي بإشارة اللورد كرومر نبض الدول في ذلك فقابلت ~~طلبه بالرفض وكان أشد الدول رفضا ألمانيا، فأجل الإنكليز المشروع إلى وقت ملائم وهذا ~~الوقت هو الحرب، وقد رأيناها تمد أجل هذه المحاكم سنة فسنة إلى أن تلغيها أو تجعلها لها - ~~أي محاكم إنكليزية - لولا هبة مصر للاستقلال والحيلولة دون مشروع الإنكليز. ~~••• # هذا ما يقال في اتفاق 19 يناير 1899 ms044 الذي مكن إنكلترا من السودان، ولكن السردار كتشنر ~~أراد مطاردة عبد الله التعايشي؛ ليقضي عليه، فوجه أخاه بحملة عددها 6 آلاف مقاتل فمات ~~منها ربعها إعياء وتعبا، فعزله وتولى هو ذاته قيادة القوة التي فاجأت محمد شريف واثنين ~~من أولاد المهدي في شكابة فقتلتهم وأحرقت القرية، وفي 25 نوفمبر 1899 فتكت حملة ونجت بعبد ~~الله التعايشي وأمرائه، ولم ينج سوى عثمان دقنه، وقصد الجنرال ونجت ديريكات معسكر عبد ~~الله التعايشي فتقدم إليه غلام في الخامسة عشرة وقال له: «الخليفة مات وأنا ابنه.» ثم وجد ~~جثة عبد الله وهي ممزقة بالرصاص، وفوقه الأمير علي ودهيلا وأحمد فضيل، وإلى جانبه جثث ~~الأمراء الآخرين، ونهض من بين هذه الجثث يونس الدقمي حيا، وفي شهر يناير 1900 أخذ ~~عثمان دقنه أسيرا في جبل طوكر، وبذلك انتهت سلطة الدراويش. # ولما عين ونجت باشا حاكما للسودان طلب إرسال الزبير باشا إليه، وكان غوردون قبل سقوط ~~الخرطوم يطلبه فلا يرسل، وكان الجنرال ونجت يقول: لو أنهم أرسلوا الزبير إلى الخرطوم عندما ~~أحدق الخطر بغوردون لما هلك غوردون ولما سقطت الخرطوم، ولكن الأسباب التي حالت دون إرساله ~~أو إرسال عبد القادر باشا في سنة 1884-1885 زالت في سنة 1899-1900 فأرسل إلى تلك البلاد ~~بلاده وقد كان له فيها التاريخ المجيد فهو الذي سلم دارفور لحاكم السودان إسماعيل باشا أيوب ~~بلا حرب ولا قتال. # ولما استتب الأمر في تلك البلاد أخذوا بمد الخطوط الحديدية، ووصف اللورد كرومر تلك ~~المشروعات في تقريره سنة 1899، وفي سنة 1902 انتهت حرب إنكلترا في الترنسفال، وحان الوقت ~~لإنجاز مشروع الكاپ-القاهرة، وجاءنا تشمبرلن وزير المستعمرات زائرا فقابل الخديوي في 6 ~~ديسمبر من تلك السنة، وغادر السويس في 7 منه قاصدا الأوغندا وأفريقيا الجنوبية، وفي 3 ~~يناير 1903 جهر اللورد كرومر بتلك المشروعات الكبيرة وهي استعمار السودان ثم وصل مصر ~~والسودان بجنوب أفريقيا. # ومنذ اتفاق 21 مارس 1899 بين فرنسا وإنكلترا لم يقع حادث دولي آخر يستحق الذكر سوى اتفاق ~~1902 التجاري بين فرنسا ومصر، فقد ms045 وقعت مصر وحدها ذلك الاتفاق النافذ في مصر والسودان معا ~~خلافا لما ورد في المادة السابعة من اتفاق 19 يناير 1899 بين مصر وإنكلترا، وعد إبرام ~~هذا الاتفاق فوزا سياسيا عظيما للمسيو كوجردان معتمد فرنسا السياسي في القاهرة. # ولا مندوحة لنا في ختام هذا الفصل عن إيراد كلمة غلادستون في سنة 1877 عن عزم إنكلترا على ~~احتلال مصر وبسط سلطانها على السودان. قال في فصل نشرته مجلة القرن التاسع عشر في شهر ~~سبتمبر من تلك السنة: «إذا وطأت أقدامنا مصر كان ذلك بذرة صالحة لإنشاء إمبراطوريتنا ~~الأفريقية الشمالية، ثم نتجاوز النيل الأبيض والنيل الأزرق إلى خط الاستواء ونمد من هناك ~~أيدينا إلى الناتال والكاپ، ونبتلع الحبشة ونحن سائرون في طريقنا.» # فما يستثمرونه اليوم وضعوا أسسه منذ عهد بعيد، متذرعين بالقوة، وبالقوة وحدها لا فرق ~~بين الأحرار منهم والمحافظين، وغلادستون الذي نورد أقواله شيخ أحرارهم بلا منازع. # | أحرار ومحافظون # نشرنا كلمة المستر غلادستون زعيم الأحرار في سنة 1877 عن تطلع الإنكليز إلى احتلال مصر ~~والمرور منها إلى السودان والمرور من السودان إلى خط الاستواء ومد اليد من هناك إلى الناتال ~~والكاپ وهضم بلاد الحبشة أثناء السير، والآن نرجع إلى آراء النواب والصحف في ذلك بعد تجريد ~~حملة «كتشنر» ففي منتصف 12 مارس 1896 تلقى السردار كتشنر باشا الأمر من حكومته بالزحف، وفي ~~مساء 13 مارس أبلغ الخبر إلى رئيس الوزارة المصرية الذي حمله إلى الخديوي عباس في الليل، ~~وفي 14 مارس دعي الرديف المصري إلى حمل السلاح، وفي 15 منه سافر الجنود إلى السودان وعينت ~~عكاشة محلا للحشد، وفي 27 تولى السردار كتشنر قيادة الحملة، ومن 13 إلى 16 مارس 1896 شغل ~~مجلس نواب إنكلترا أمر هذه الحملة فقالت الحكومة الإنكليزية: «إنها أمرت بها لصد الأحباش ~~الذين استفحل أمرهم بعد وقعة عدوة وانكسار الطليان وانحصار قوتهم التي تحمي كسله» وقابلت ~~لندره خبر زحف الحملة بملء الارتياح، ووقف لابوشير يستنكر أمر هذه الحملة في مجلس النواب ~~فأعلن رئيس المجلس إقفال باب البحث ms046 والمناقشة، وقالت الدالي كرونيكل في وصف هذه الحملة: ~~«إنها بمثابة وضع اليد نهائيا على القطر المصري، ومحو المواعيد التي كررت منذ سنة ~~1882، وإبلاغ فرنسا أنا لا نعبأ بمصالحها ولا بأمانيها ولا بعواطفها ولا بصداقتها ~~وبغضبها.» # ووصفت الطان الفرنساوية الحملة يومئذ بقولها: «إن الشعب الإنكليزي شعب متاجر وهو ينزل ~~السياسة منزلة الأعمال التجارية والقاعدة في التجارة: الربح جهد الطاقة وقلة النفقة جهد ~~الطاقة.» # وانتقد السير ويليام هركور الحملة؛ لأنها تكلف إنكلترا أموالا وفيرة فرد اللورد ~~كرزون «إن نفقات هذه الحملة التي لا يمكن تقديرها الآن حتى تقدير تقريبي ستكون على عاتق ~~مصر» فارتضى النائب الحر بهذا البيان. ثم سأل المستر لابوشير وزير الخارجية بلفور عن قدرة ~~مصر على الإنفاق فأجاب: «أنا أبلغت سفراءنا لدى الدول أنه إذا لم تستطع خزانة مصر الإنفاق ~~فإنا سنأخذ المال من صندوق الدين المصري.» ثم زاد على ذلك قوله: «أما نحن فإذا أقدمنا ~~على أمر فإنا لا نتقهقر، وأينما نزل العسكري الإنكليزي يجب أن يظل إلى الأبد.» فلم يرد ~~لابوشير زعيم الأحرار بكلمة واحدة على هذا القول؛ لأنه عده قولا مرضيا مقنعا. # ولما دخل كتشنر الخرطوم وعرف أن مارشان في فاشودة اتحد الأحرار والمحافظون ضد ~~الفرنساويين، فالدالي تلغراف مثلا عدت مارشان وقوته جماعة من الشاردين الذين لا مندوحة عن ~~عقابهم، والتيمس أنذرت فرنسا بأن أقوال السير إدوار غراي في 27 مارس 1895 لا تتغير ولا ~~تتحول وهي: «حيثما نزل جندي إنكليزي ظل أبد الدهر.» # وفي 12 أكتوبر 1898 خطب اللورد روزبري الحر في أبسوم فقال: «إن فرنسا ارتكبت ضدنا عملا ~~عدائيا، فالأمة كلها وراء الحكومة تؤيدها فإذا هي ترددت لا تظل ساعة واحدة في كراسيها ~~فإذا ادعت فرنسا أن في المسألة شرف علمها فإن العلم شيء ينقل ويحمل» وخطب المستر إسكويث ~~الحر «أيضا» خطابا قال فيه: «إن الأمة تؤيد الحكومة، وليس بيننا وبين فرنسا خلاف في ~~المبدأ، أي أن الملك لمصر»، وفي 26 أكتوبر ألقى المستر ريتشي الحر «أيضا» خطابا قال فيه: ~~«إنا لا نسمح لفرنسا ms047 بأن تقاوم مشروعنا وهو وصل القاهرة برأس الرجاء الصالح» فقال ~~السير إدوار غراي: «إن إنكلترا لا تتساهل بشيء مع فرنسا فمصر هي النيل، والواجب أن تكون لنا ~~الرقابة على مجرى النيل كله من منبعه إلى مصبه.» # ومن هذه الأقوال كلها يعرف القارئ أن الأحرار الذين كانوا ينادون بالجلاء عن مصر باتوا ~~على رأي المحافظين عندما وصل كتشنر باشا إلى الخرطوم، وتوج اللورد سالسبوري إجماعهم بتلغراف ~~إلى سفير إنكلترا بباريز قال فيه: «إن جميع الأراضي التي كانت خاضعة للخليفة قد انتقلت الآن ~~إلى يد الحكومة الإنكليزية والحكومة المصرية؛ فالأمر في ذلك لا يقبل الجدل.» # فإذا ما تعلم المصريون الاتحاد في مرافقهم ومصالحهم فإن أجل درس يتلقونه إنما هم ~~يتلقونه من الإنكليز قبل سواهم ويتلقونه في سياسة إنكلترا في وطنهم وسودانهم أي في ~~أنفسهم. # وما تريد أن يفعله الناس بك افعله أنت بهم. # | اتفاق السودان في نظر رجال السياسة والقانون # كان اللورد كرومر صاحب اتفاق السودان أول المعترفين ببطلانه من الوجهة القانونية فامتدح ~~اللورد سالسبوري الذي أقر هذا الاتفاق لشجاعته وإقدامه على عمل لا تجيزه الشرائع ~~المعمول بها ولا القوانين النافذة أو المتفق عليها بين الأمم والشعوب، وقد كتب في ذلك ~~رجال القانون والسياسة طويلا. # فقال السياسيون: إن الإنكليز نظروا إلى السودان المصري بعد إخلائه وبعد استعادته وبعد ~~ظهور الدول بمظهر الخمول والإهمال نظرتين: نظرة الطامع به وضمه إلى أملاكهم، ونظرة السيطرة ~~عليه وحصر منافعه بهم وتكليف مصر القيام بنفقاته وأعبائه. فقال دعاة الضم منهم: إنا إذا ~~ضممنا السودان إلى أملاكنا لا نكون قد فعلنا شيئا جديدا، بل نكون قد حولنا هذه الحالة ~~الموقوتة إلى حال دائمة. ألا ترانا وقد أخذنا من مصر الأوغندا وأونيورو وخط الاستواء وبربره ~~وزيلع؟؟ فماذا كانت نتيجة ذلك؟ إن الأمر وقف عند حد احتجاج الباب العالي احتجاجا ضعيفا لم ~~نعبأ به. # وقال دعاة الانتفاع وإبقاء عبء النفقات على مصر: لماذا نكلف أنفسنا تحمل المتاعب ~~والنفقات ما دام مضمونا لنا الربح؟ # فالحكومة الإنكليزية ترددت بين النظرتين وعادت إلى ms048 اللورد كرومر لتسأله رأيه، فأجاب ~~اللورد كرومر إنه يميل إلى النظرة الثانية؛ لأنه متشائم من مصير السودان، وقال في تقريره ~~لسنة 1899: «إن السودان كان دائما كالهوة تبتلع الملايين من الأموال فتذوب تلك الملايين ~~التي تلقى فيه كما يذوب الثلج تحت عين الشمس في الصحراء، وإليه يعزى إفلاس الخزانة المصرية، ~~ولقد أنفقت عليه إنكلترا مبالغ كبيرة كانت تأمل استعادتها عند تصفية الحساب، ولم يغرب عن ~~الذهن أن حكومة إنكلترا لما وجهت حملة ولسلي لإنقاذ غوردون سنة 1884 فتحت لذلك اعتمادا ~~قدره 300 ألف جنيه فوصل هذا المبلغ إلى 11 مليون جنيه كذلك كانت حملة 1896-1899 فإن مصر ~~تحملت نفقاتها إلا 798802 جنيه تنازلت عنها إنكلترا لحسبان الخط الحديدي فرعا من سكة الكاب ~~إلى القاهرة، ولكن مصر جعلت ميزانيتها كلها وكل ما تملكه من المعدات وقفا على الحملة وباعت ~~البواخر الخديوية والحياض والسرايات والحدائق والأراضي وكل ما استطاعت بيعه لإنفاقه في هذا ~~السبيل كما قلنا في كلمة سابقة. # أما أسباب تشاؤم اللورد كرومر من مستقبل السودان فهي: «قلة السكان وقلة الزراعة وانعدام ~~الري واضمحلال التجارة والصناعة» لذلك أخذ الإنكليز بنظرية اللورد كرومر وهي أن يدعوا مصر ~~تقوم بنفقات السودان وتعميره رويدا رويدا مع حفظ سيطرة إنكلترا وتقديم هذه السيطرة ~~وتوسيعها مع تقدم السودان وعمرانه. ذلك هو منشأ اتفاق 19 يناير 1899 ذلك الاتفاق الذي لا ~~مثيل له في المعاملات الدولية؛ لأنه ليس بالحكم المثنوي تتعادل فيه سلطة دولتين، والسلطة ~~كلها محصورة بيد الإنكليز، ولا حماية مزدوجة؛ لأن الإنكليز يدعون أن السودان ملكهم بحق ~~الفتح. # أما رجال القانون والشرع فإنهم يقولون: إن اتفاق 1899 باطل كل البطلان؛ لأنه لا صفة لمصر ~~تخولها حق التعاقد؛ لأن مصر ولاية عثمانية مهما بلغت درجة استقلالها لا يجوز لها أن ~~تعقد اتفاقا دوليا، أضف إلى ما تقدم أن الملكية محفوظة لتركيا وخديوي مصر الذي يعين ~~بفرمان سلطاني هو في الحقيقة وال. فهو حارس لأملاك السلطان لا مالك لها؛ فلا يجوز له أن ~~يتجاوز في أعماله حدود الفرمان ms049 الذي عين به، وهذا الفرمان قد بين سلطته وحددها ~~تحديدا تاما، ففي فرمان لتولية عباس باشا الثاني سنة 1892 مذكور نصا بأنه لا يجوز له ~~أن يتنازل عن أي امتياز ممنوح لمصر ولا عن أية أرض مصرية وتابعة لمصر، فاتفاق 1899 يخالف ~~كل فقرة من فقرات نصوص ذلك الفرمان. # أما من جهة إنكلترا فإنها اعترفت بجميع المعاهدات والاتفاقات الدولية بصيانة الأملاك ~~العثمانية، واعترفت باتفاق الأستانة 1882 على وجه التخصيص بألا تطلب شيئا لنفسها، ~~وأيدت فرمان 1892 الذي يحرم على مصر التنازل عن أية أرض مصرية، واعترفت أيضا بأن ~~الأملاك السودانية أملاك مصرية صرفة، وذكرت ذلك صراحة باتفاقها مع حكومة الكونغو البلجيكية ~~(12 مايو 1894) وتذرعت بهذه الحجة ضد فرنسا في أزمة فاشودة سنة 1898 فمن هذه الوجوه أيضا ~~يعد اتفاق 1899 باطلا. # وفوق هذا كله اغتصب هذا الاتفاق الحقوق التي اكتسبتها الدول بمواده 6 و7 و8 و9 و11؛ لأنه ~~منع سريان أحكام المحاكم المختلطة على السودان وهو أرض مصرية، وحرم تعيين القناصل بدون ~~تصريح من إنكلترا، وكذلك حقوق التجار والملاك والأوربيين، ومما يذكر في هذا الباب أنه لما ~~احتلت فرنسا تونس وبسطت عليها حمايتها لم تستطع إلغاء الامتيازات إلا بعد مفاوضة الدول ~~والاتفاق معها على ذلك. # كذلك دعوى الإنكليز بالفتح فإنها دعوى باطلة؛ لأن السودان في مدى 16 سنة دامت فيها ثورة ~~المهدي والخليفة لم يكن ملكا بلا مالك؛ لأن مصر لم تتنازل عن هذه الملكية، ولما ادعى ~~الفرنساويون ذلك في أزمة فاشوده احتجت إنكلترا على ادعائهم فسلم الفرنساويون بحجة ~~الإنكليز. # أما ادعاء الاستعادة بالفتح فهذا يصح لمصر وحدها؛ لأن مصر في المالكة الوحيدة فهي ~~التي يحق لها وحدها استعادة ملكها. # | السودان مصري ومن مصر وجزء لا يتجزأ عن مصر # بقلم صاحب الدولة حسين باشا رشدي # 1 ~~(1) السودان حياة مصر # إنما السودان لهو الحياة بذاتها لمصر؛ لأنه منبع النيل، ومصر هي التي فتحت السودان في ~~الأصل، ولم تضن في هذا السبيل بأية ضحية بالرجال أو بالمال، وهذا الفتح بدأ على عهد ms050 ~~محمد علي، وتم على عهد إسماعيل الذي ضم مناطق البحيرات الكبرى حتى منابع النيل وبحر ~~الغزال وخط الاستواء ثم سواحل البحر الأحمر حتى رأس غردفوي، وجعل الأوغندا تحت حماية ~~مصر، ونال من الباب العالي إدارة سواكن وزيلع وملحقاتهما، واتخذ لنفسه لقب خديوي مصر ~~وصاحب نوبيا ودارفور وكردوفان وسنار، واعترفت الفرمانات السلطانية التركية لمصر بامتلاك ~~هذه الأقاليم السودانية، واعترفت الدول بهذه الفرمانات ذاتها. # وفي سنة 1885 أجلت الحكومة المصرية تحت ضغط الحكومة الإنكليزية عن أكثر هذه ~~الأقاليم السودانية، ولكنها خرجت منها على نية العودة إليها، ومع العزم الأكيد على ~~احتلالها ثانية عند سنوح أول فرصة ملائمة، وهذا العزم واضح كل الوضوح من المستندات ~~الرسمية المصرية فوزارة شريف باشا فضلت الاستعفاء على قبل ترك السودان ولو تركا ~~موقوتا. # وفي 9 ديسمبر 1894 أرسل رياض باشا إلى السير إيفلن بارنج مذكرة قال فيها: # لا يستطيع أي إنسان أن ينازع في أن النيل هو حياة مصر، وهذه حقيقة واضحة كل ~~الوضوح لا تحتاج إلى مناقشة، وحيث إن النيل هو السودان فلا جدال في أن العلاقات ~~والروابط التي تربط مصر بالسودان لا يمكن أن تقبل أي انفصال، وما مثلها في هذا ~~التماسك إلا كمثل العلاقة التي تربط الروح بالجسد، وإذا تمكنت دولة من ~~الاستيلاء على منابع النيل فإن هذا الاستيلاء يكون بمثابة حكم الإعدام على ~~مصر. # فمن هذا كله يتبادر إذن إلى كل ذهن أن حكومة سمو الخديوي لا ترضي قط بحال من ~~الأحوال باختيارها وبدون أن تكون مكرهة إكراها بمثل هذا التهجم على ~~وجودها. # 2 # وفي الكتاب الأزرق الذي أصدره اللورد سالسبوري في سنة 1898 عن مسألة فاشوده كتاب من ~~بطرس باشا غالي وزير الخديوي قال فيه: # إن حكومة الخديوي كما تعرف سيادتكم لم يغب عن نظرها في حين من الأحيان ~~العودة إلى استئناف احتلال الأقاليم السودانية التي هي مصدر الحياة ذاتها لمصر، ~~ومصر لم تنسحب من تلك الأقاليم إلا عقيب ظروف قوة قاهرة، وإن استعادة الخرطوم ~~تفقد الغاية منها إذا لم يعد إلى ms051 مصر وادي النيل الذي ضحت مصر في سبيله ~~الضحايا العظيمة. # ولمعرفة الحكومة المصرية أن مسألة فاشودة في هذا الأوان هي موضوع المكالمة ~~بين بريطانيا العظمى وفرنسا، فهي (الحكومة المصرية) تكل إلي أن أطلب من ~~سيادتكم أن تتفضلوا بحسن الوساطة لدى اللورد سالسبوري؛ ليتم الاعتراف لمصر ~~بحقوقها التي لا تقبل نزاعا، ولكي تعاد إليها الأقاليم التي كانت تحتلها حتى ~~قيام ثورة محمد أحمد. # 3 # هذا، وفي نظر أوربا ذاتها لم تفتأ تلك الأقاليم السودانية - التي تركت تركا موقوتا ~~- معتبرة مصرية. # وإنا لنورد دليلا على صحة ذلك تصريحات عظماء الإنكليز ذاتهم بصدد حادثة فاشودة ~~والمعاهدة الإنكليزية الطليانية 1891-1894: ~~(1) # في 12 أكتوبر 1898 صرح اللورد سالسبوري لسفير فرنسا «أن وادي النيل كان ~~ولا يزال ملكا لمصر ، وأن جميع العوائق وكل الانتقاص الذي أحدثه فتح المهدي ~~وإخلاله في صفة هذه الملكية قد زال بفعل انتصار الجيش الإنكليزي المصري في ~~أم درمان. # 4 ~~(2) # قال اللورد روزبري في خطاب ألقاه في أبسون في 12 أكتوبر 1898: «نحن نعمل ~~الآن لنرجع إلى مصر ما يؤلف - حسب تصريحات جميع الوزارات الفرنساوية - ~~أرضا مصرية.» # 5 ~~(3) # وأثبت اللورد كمبرلي في مأدبة أقيمت إكراما للورد كتشنر ما يلي: «أن ~~الجلاء عن فاشودة لا يمكن أن يمس كرامة فرنسا؛ لأن الحكومة الفرنساوية ~~ذاتها صرحت بأن الأراضي المختلف عليها هي ملك مصر.» # 6 # ومن جهة أخرى أن البند الثاني من الاتفاق الإنكليزي الطلياني المبرم سنة 1891 و1894 ~~نص فيه: # يكون للحكومة الطليانية في حالة اضطرارها للعمل قياما بحاجة موقفها العسكري ~~أن تقبل كسلة والإقليم الملاصق لها حتى الأتبرة. إلا أنه يكون معروفا لدى ~~الحكومتين أن كل احتلال عسكري موقوت للأراضي الإضافية المعينة بهذا البند لا ~~يلغي حقوق الحكومة المصرية على تلك الأراضي فهذه الحقوق تظل موقوفة فقط إلى أن ~~تتمكن الحكومة المصرية من استئناف احتلال المنطقة المشار إليها. # وعند ما استعادت مصر الأقاليم السودانية التي كانت قد تركتها وقتيا عاونتها إنكلترا ~~في ذلك، ولكن: # أولا: # إن استعادة تلك الأقاليم تمت على حساب مصر وباسمها، ms052 وكانت ~~إنكلترا تعمل بمعاونتها بوصف أنها حليفة بالواقع لمصر، وهذا ما يستنتج ~~استنتاجا مقطوعا به من التصريحات المذكورة آنفا، ثم إن اللورد كتشنر ~~قائد الجيش المصري صرح للقومندان مارشان في فاشودة بقوله: «إن ~~التعليمات التي تلقاها تقضي بأن يعيد بسط: «السلطة المصرية» على مديرية ~~فاشودة، وأنه يحتج على رفع العلم الفرنساوي على «أملاك سمو ~~الخديوي». # ثم كتب إليه بعد ذلك: «يجب علي أن أبلغك أني وقد رفعت اليوم العلم ~~المصري على فاشودة بأن حكم هذه البلاد قد استعادته مصر ليدها نهائيا ~~(راجع تقرير اللورد كرومر السنة الثالثة 1898). # الثاني: # أن القوات العسكرية التي استخدمت للاستعادة قد كانت من جانب المصريين ~~25 ألفا، أما التي كانت من جانب الإنكليز فقد كانت من بادئ الأمر 800 ~~جندي، ولم يتجاوز عددها ألفي جندي. # الثالث: # أن نفقات الاستعادة 2400000 جنيه دفعت مصر ثلثيها، وإذا كانت إنكلترا ~~قد تحملت الثلث الثالث فالخطأ ليس خطأ مصر ولكنه ناشئ من معارضة صندوق ~~الدين التحكمية. # الرابع: # إن مصر وحدها دفعت منذ استعادة السودان نفقات الأعمال والمشروعات ما ~~عدا خزان مكوار فبلغ ما أنفقته نحو 5600000 جنيه، ومصر وحدها هي التي ~~دفعت العجز المتوالي في ميزانية السودان فبلغ ما دفعته في هذا السبيل ~~5350000 جنيه. # الخامس: # منذ استعادة السودان تنفق مصر على عشرة آلاف جندي مصري في السودان ~~للدفاع في الخارج ولمنع كل ثورة في الداخل، فتحملت مصر من وراء ذلك ~~إنفاق 13 مليون جنيه مع أن القوة الإنكليزية في السودان نحو ألف رجل لم ~~تزد النفقة عليهم على مليوني جنيه. # إن مصر تحملت في سبيل السودان نفقة مالية كبيرة جدا كما تدل سجلات الحسابات، وقد ~~تحملت هذه الأعباء رغم الديون المتراكمة عليها ورغم شدة حاجتها إلى الأموال؛ لتقوم ~~بالأعمال العمومية لا سيما أعمال الري التي يحول بها ري الحياض إلى ري دائم، وقد كان ~~بالإمكان إصلاح مليوني فدان لا تزرع الآن بنصف الأموال التي أنفقتها. ~~••• # فالاستنتاج الطبيعي المعقول من كل ما تقدم هو أنه يجب اعتبار السودان جزءا من ms053 مصر لا ~~يقبل التجزئة حتى إن اتفاق 1899 ذاته لا يعارض ذلك؛ فإن ذلك الاتفاق يشرك إنكلترا مع ~~مصر لا في السيادة على السودان، بل في الإدارة، وإذا كان العلم الإنكليزي قد ظل يخفق ~~على السودان إلى جانب العلم المصري فمرجع ذلك إلى الاهتمام باتقاء العراقيل التي تنجم ~~عن تنفيذ حكم الامتيازات هناك فتحول دون تقدم تلك البلاد. # وفي الواقع أن اتفاق 1899 قد تضمن ما نصه: «من حيث إنه صار لازما اختيار طريقة ~~للإدارة وسن قوانين للأقاليم المستعادة المذكورة» وزاد على ما تقدم قوله: «ومن حيث إنه ~~ظاهر ولأسباب عديدة يمكن أن تدار وادي حلفا وسواكن إدارة أفعل إذا ضمتا إلى الأقاليم ~~المستعادة» وبالفعل تم ضم حلفا وسواكن إلى الأقاليم المستعادة حتى يكون الجميع خاضعا ~~لنظام الحكم الذي قرره الاتفاق. # وهذه وادي حلفا وهذه سواكن لم تجل عنها الجنود المصرية قط فضمهما إلى الأقاليم ~~المستعادة يثبت أن ذلك الاتفاق ما كان يرمي إلا إلى الوجهة الإدارية، ولم يكن الغرض منه ~~أن يخرج السودان من السيادة المصرية. # وتأييدا لهذا الإيضاح لاتفاق 1899 نستعين بحكم اللورد كرومر الذي هو بلا شك أصدق ~~مفسر له؛ لأنه هو الذي وضعه، فإليك ما يراه القارئ في تقريره لعام 1901 و1903. # ففي تقرير 1901 ما نصه: # ألاحظ في أعمال مجلس شورى القوانين الخاصة بالاعتمادات قوله: «إن المجلس ~~يصادق على المصروفات المقترحة للسودان؛ لأنه يعد السودان جزءا لا ينفصل عن ~~مصر» وهذا الرأي صحيح في الحقيقة فإن نظام الحكم السياسي في السودان مقيد على ~~كل حال بالاتفاق المعقود بين بريطانيا العظمى ومصر، وموقع عليه في 19 يناير سنة ~~1899، ولما كان من المحتمل أن بعض أعضاء مجلس الشورى غير ملمين تمام ~~الإلمام بفحوى ذلك الاتفاق فإني انتهز هذه الفرصة لأبين أنه لم تكن هنالك نية ~~أو رغبة عند صوغه في انتقاص حقوق مصر الشرعية، فقد كانت الأغراض الأساسية التي ~~رمى إليها واضعو ذلك الاتفاق هي أولا ضمانة وجود حكومة صالحة للأمة السودانية ~~وثانيا اتقاء الارتباكات الخصوصية التي ms054 أوجدها أسلوب الحكم الدولي بمصر في ~~السودان. # وفي تقرير 1903 قوله: # لقد سئلت أحيانا: لماذا لا تتحمل الخزانة البريطانية قسما من نفقات الإدارة ~~في السودان ما دامت الراية البريطانية تخفق إلى جانب الراية المصرية على ربوعه؟ ~~وهو سؤال طبيعي، ولكن الإجابة عليه سهلة جدا على جميع الواقفين على تاريخ ~~اتفاق 19 يناير سنة 1899 الذي بموجب نصوصه أوجدت للسودان حالة سياسية خاصة، ~~وذلك أن حكومته شكلت لغرض صريح وهو إنقاذ السودان - وبناء على ذلك إنقاذ مصر - ~~عند حكمها تلك المديريات من جميع تلك الأوضاع الدولية المعرقلة التي لها النصيب ~~الأوفر في تعقيد الإدارة في مصر، ولولا هذا الاعتبار لما كان لرفع الراية ~~البريطانية على الخرطوم - من وجهة النظر البريطانية - من سبب أدعى إلى رفعها ~~على أسوان أو طنطا. # وفوق كل ما تقدم كيف كان بالإمكان أن يشرك اتفاق 1899 إنكلترا مع مصر في السيادة على ~~السودان ؟ فليس إرسال بعض الجنود الذين لم يتجاوز عددهم الألفين ولا إنفاق بعض المال ~~القليل مما يسوغ مثل هذه الشركة. فإذا كان العون الاختياري يخول من ذاته حقا ما، ~~فإن الواجب أن يكون لمصر حق في سوريا وفلسطين؛ لأنه بفضل رجال مصر وسككها الحديدية ~~وموانيها وإمدادها الجيش الإنكليزي بالأكل والماء والمعدات من كل نوع سهل فتح تلك ~~البلاد، وأنفقت مصر أكثر من أربعة ملايين جنيه من المال فوق الفرق في أثمان ما جمعه ~~الجيش الإنكليزي حتى إن هذا الفرق بلغ في القطن وحده الملايين دون حسبان الحبوب من كل ~~صنف والمواشي التي نقصت الثلث مدة الحرب. # وقد اعترف المارشال اللنبي بقيمة المساعدة المصرية إبان حملة فلسطين وسوريا، وورد ~~في تقرير اللورد ملنر قوله: «ليس من العدل إلا أن نذكر الخدمات التي أداها فيلق ~~المتطوعة المصرية فإن قيمتها كانت فوق التقدير، ولم تكن عنها مندوحة لفتح ~~فلسطين.» # إنه كان لمصر على إنكلترا دين أدبي لتساعدها على استعادة السودان. أولم يكن إخلاء ~~السودان بفعل ضغطها على مصر؟ ألم تكن إنكلترا بمثابة القيمة على مصر؟ # فقد قال السير ms055 إدوارد غراي أمام مجلس النواب الإنكليزي في 28 مارس 1895: «إن إنكلترا ~~تشغل من وجهة الدفاع عن مصالح مصر المركز الخاص للقيم، فمطالب مصر لم نسلم بها نحن ~~وحدنا؛ بل سلمت بها أيضا وأثبتتها كل الثبوت الحكومة الفرنساوية.» ~~••• # وفضلا عن أن النيل هو رباط الحياة بين القطرين، فإن هناك اعتبارات اقتصادية تربط ~~السودان بمصر. # فالسودان بلاد لا تزال بكرا وتجارته معدة للنمو وحاصلاته للزيادة بسرعة نظرا ~~لسعة أراضيه وخصبها. فإذا كان له منفذ إلى البحر في پورسودان فإن هذا الميناء لا يستطيع ~~وحده تصريف تجارة هذه البلاد عندما تنال بعض التقدم. # وفي مصر سيمر دائما شطر كبير من بضائع السودان، لا سيما إذا بدت المزاحمة في تجارة ~~تلك البلاد فإنها حينئذ تفضل الطريق الأخصر، وأكبر شطر من اتجار السودان هو الآن مع ~~مصر، وسيظل دائما كذلك، ومصر هي في العالم من البلاد التي يزدحم سكانها وهؤلاء السكان ~~يزيدون زيادة سريعة، وقد أخذت أرضها تعجز عن أن تكفي هؤلاء السكان، وبعد بضع سنين تصبح ~~هذه المسألة من المسائل الاجتماعية المتحرجة التي يقضي على السلالة الآتية حلها فليس في ~~الأرض مكان معد بذاته لقبول زيادة السكان في مصر غير السودان فهو بلاد متاخمة لمصر ~~وبلاد زراعية بحتة ومتصلة بمصر بروابط من كل نوع. # ومن جهة أخرى إن من المبدأ المسلم به من الجميع الآن والذي كان مرشدا وهاديا ~~لسياسة الإنسانية بعد الحرب الكبرى مبدأ الجنسية المنحصر في تأليف وحدات سياسية من ~~الطوائف المتجمعة إذا كانت من عنصر واحد، وهذا المبدأ ينطبق على مصر والسودان؛ لأن ~~غالبية السودان من العنصر العربي يتكلم لغة المصريين، وله دين غالبيتهم، ومتخلق ~~بأخلاقهم. ~~(2) بحث في حالة السودان السياسية بقلم صاحب الدولة حسين رشدي باشا # إن اتفاق 1899 - بين الحكومة المصرية والحكومة الإنكليزية - هو اتفاق في نظر المصريين ~~باطل وفي نظر الإنكليز صحيح ترتبط مصر بأحكامه. # وتستند حجة المصريين في بطلانه إلى أن تركيا لم تقر ذلك الاتفاق. ثم يزيدون على ~~ما تقدم: أن مصر ذاتها لم تقره برضاها ms056 ولم تسلم به إلا مكرهة مقصورة بقوة ~~إنكلترا. # ويرد الإنكليز على هذه الحجة بأن اتفاق 1899 يربط مصر؛ لأنها وقعته وإن لم تكن ~~تركيا قد سلمت به. أما مسألة عدم تسليم تركيا فكل ما يقال فيه من الوجهة المصرية أن ~~مصر تعاقدت على ملك الغير، وفي هذه الحالة لا يكون للمغتصب أي مصر حق إنكار عقد ~~التعاهد، بل إن هذا الحق لصاحب الحق المغتصب وهي تركيا، ويزيد في نقصان تمسك مصر ~~ببطلان اتفاق 1899 أن عقد الاغتصاب الذي وقعته قد تأيد بعدول تركيا عن ادعاء أي حق ~~لها على مصر. # وإذا كانت معاهدة سيڨر لا تزال قيد التعديل فإن من المأثور أن التعديل المطلوب فيها ~~يرمي إلى وجوه أخرى غير ذلك العدول عن حقها في مصر، وهو العدول الذي صار ~~نهائيا. # أما الزعم بانفلات مصر من روابط اتفاق 1899 بحجة أن رضاها به كان مشوبا ومشوها بقوة ~~الإكراه من جانب إنكلترا إكراها لم يكن بالإمكان دفعه، فهو ملابسة بين مبادئ الحق ~~المدني ومبادئ الحق العام، وهذه معاهدات الصلح التي أكره المغلوبون على توقيعها بقوة ~~الحديد والنار، هل يجوز لهؤلاء ألا يحترموا أحكامها؟ # والذي نعتقده نحن أن اتفاق 1899 لا يربط مصر للأسباب الآتية: # أن السبب الذي دعا إلى إبرام هذا الاتفاق هو الاهتمام بمنع تنفيذ الامتيازات في ~~السودان ووقاية مصر ولو في هذا الشطر من الأراضي المصرية من مساس نظام الامتيازات ~~بسيادتها. # فهذا الاتفاق إذن قد عقد لمصلحة مصر لا لمصلحة إنكلترا، وفي الواقع إن إنكلترا لم يكن ~~لها في ذاك الحين أية مصلحة خاصة من وراء ذلك الاتفاق؛ لأنها كانت تحكم مصر ~~ذاتها. # فأيه حاجة كانت بها لأن تبرم مع مصر اتفاقا يخولها إدارة السودان؟ فهل هي كانت ~~تلقى من الحكومة المصرية مقاومة لا ترد، وهي هي التي استطاعت أن تكره حكومة مصر على ~~إخلاء السودان رغم إرادتها لو أنها طلبت من الحكومة المصرية بقطع النظر عن كل اتفاق - ~~وأمامنا السابقة في مسألة غوردون - أن تسلم حكم السودان إلى ms057 حاكم عام حتى ولو كان ~~إنكليزيا تختاره إنكلترا وله السلطة المخولة الآن للحاكم العام؟؟ سؤال لا يجاب عليه ~~بغير «لا». # إن تلغراف غرنفيل المشهور جعل للمشورة الإنكليزية صبغة الأمر، وجعل موقف الحكومة ~~المصرية بين أمرين: إما الخضوع، وإما الاستعفاء. # وكما أنه ليس ما يمنع أي شخص تعاقد مع آخر على مصلحة له من أن يتنازل عن تلك المصلحة، ~~فكذلك مصر لا يمنعها مانع قانونيا عن أن تعدل عن اتفاق 1899 إذا هي ارتضت أن تتحمل في ~~السودان نظام الامتيازات أو أي نظام يقوم مقامه. # وهذا اللورد كرومر يعترف صريحا بتقريره عن الاتفاق بأن الغرض الوحيد منه هو إنقاذ ~~مصر في السودان من عراقيل الامتيازات. نعم، إنه أضاف إلى هذا الغرض غرضا آخر جعله في ~~المقام الأول وهو ضمانة الإدارة الحسنة لأهالي السودان، ولكن هذا لا ينقض بوجه من ~~الوجوه مذهبنا. # هل النظام الأساسي النافذ في السودان بمقتضى اتفاق سنة 1899 أو بعبارة أخرى هل الحكم ~~الإنكليزي المصري المزدوج هناك يجعل لمصلحة السودان حقا مكتسبا تجاه مصر؟! إنهم إذا ~~قالوا ذلك كان جوابنا القاطع: ليس للسودان شخصية ممتازة عن مصر، وإذا كانت له شخصية ~~ممتازة فمصر لم تتعاقد مع السودان، ولكن ما الفائدة من الوقوف أمام هذه الافتراضات؟ ~~فلنجابه الحقيقة وجها لوجه، والحقيقة هي - كما قلنا - أنه ليست للسودان شخصية ~~خارجة أو منفصلة عن شخصية مصر، ومن هنا تنجم الاستحالة القانونية على السودان بأن يكتسب ~~حقوقا تجاه مصر. # لقد قلنا ونقرر هنا القول: إن اتفاق 1899 لا يربط مصر من الوجهة القانونية، ولكن إذا ~~وصلنا إلى العمل نجد أن مفاوضينا سيصطدمون بمقاومة شديدة من جانب إنكلترا العاضة بكل ~~نواجذها على ذلك الاتفاق، وهذه الأموال الإنكليزية قد استخدمت أو هي على وشك ~~الاستخدام في السودان، ومجال العمل الواسع في السودان - وهو بلاد خصبة لم تستثمر حتى ~~الآن - ليتجلى أمام أصحاب الأعمال من الإنكليز، وخطأ الرأي العام الإنكليزي الذي يعتبر ~~نصف السودان إن لم نقل السودان كله ملكا إنكليزيا، واهتمام الإنكليز بإنجاز الخط ms058 ~~الحديدي الممتد من رأس الرجاء الصالح. # هذه كلها عوامل تحمل الحكومة الإنكليزية على أن تتفانى بالتمسك بذلك الاتفاق. فإذا ~~فرضنا أنا توصلنا غدا إلى الاتفاق المرضي مع الإنكليز على التحفظات التي وردت في ~~«التصريح لمصر» ولم يبق من وجه للخلاف إلا على السودان هل يقطع مفاوضونا ~~المفاوضات من أجل ذلك؟؟ # إن الجواب على هذا السؤال الخطير في مثل هذه الحالة يكون من حق البلاد، وبعبارة ~~أخرى أنه يكون من شأن نواب الأمة الذين تستشيرهم الحكومة، ولكن إذا هم عقدوا العزيمة ~~على أن يقبلوا في المسألة هوادة فلا يجوز بحال من الأحوال أن يكون مآل الحل جعل مركز ~~مصر أدنى من المركز الذي يكون لها حسب اقتراح خطر لنا، وكان في العزم نشره لولا حب ~~التفادي عن ذلك الآن، ولولا تساؤلنا: أليس الأفضل سياسيا الاحتفاظ بتبليغ هذا ~~الاقتراح إلى المصريين وحدهم لا سيما ممثلي الأمة ونوابها وللحكومة وللمفاوضين في ~~المستقبل. # وبمناسبة ذكر التحفظات الإنكليزية غير مسألة السودان نذكر عرضا أن لجنة الدستور ~~الفرعية قد أزالت كل سبب كان يدعو إلى وجود واحد من تلك التحفظات وهو تحفظ يمس مساسا ~~خطيرا بالاستقلال؛ لأن أقل ما يرمي إليه تثبيت سيادة إنجلترا على مصر - ونعني بذلك: ~~التحفظ الخاص بحماية الأقليات. # فإن تلك اللجنة - إذا صح ما لدينا من المعلومات - قد قررت أن تدمج في الدستور ~~المصري المبادئ المسماة: «بضمانات الأقليات» وأعلنت عدم إمكان المساس بتلك المبادئ. ~~فحماية الأقليات تكون مضمونة في نظام البلاد الأساسي، والغرض الذي يرمي إليه التحفظ ~~المحكي عنه قد أصبح محققا. # وسيكون المفوضون المصريون والحالة هذه في أحسن مركز لإبعاد هذا التحفظ الممقوت ~~إبعادا تاما لا سيما وأنه يعد مطلبا جديدا من جانب الإنجليز؛ لأننا نعرف من مصدر ~~موثوق به أنه لم يصدر مطلقا من المفوضين الإنجليز في خلال مفاوضات الصيف الماضي ما ~~يؤخذ منه طلب اعتراف مصر لإنجلترا بحق حماية الأقليات بمصر» ا.ه. # | هوامش # | شركة الذئب والحمل # كيف يحكم السودان على عهد الشركة # اللورد كرزون والوفد السوداني 1919 # عرفنا من ms059 اتفاق 1899 أن المادة الثالثة تنص على «تفويض الرياسة العليا العسكرية ~~والمدنية في السودان إلى موظف واحد يلقب بحاكم السودان العام، ويكون تعيينه بأمر عال ~~خديوي بناء على طلب حكومة جلالة الملكة ولا يفصل عن وظيفته إلا بأمر عال خديوي ~~يصدر برضاء الحكومة البريطانية.» # فكل ما لمصر من الشركة في تعيين الحاكم العام توقيع الأمر العالي، وأما ترشيح الحاكم ~~وتعيينه وعزله فمن اختصاص حكومة إنكلترا، وحكومة إنكلترا لا تعين حاكما مصريا وهذا ~~الحاكم الإنكليزي قد خول بالمادة الرابعة من الاتفاق المشار إليه سن القوانين وإلغاءها ~~فكل منشور من الحاكم العام هو قانون مسنون، ولقد سئل أحد كبار الإنكليز عن السبب الذي ~~دعاهم يوم إبرام الاتفاق مع مصر إلى استثناء سواكن وترك العلم المصري وحده يخفق فوقها، ~~فأجاب «إن سواكن من السودان هي المحل المعرض للهجوم، فقد تركناها يوم وضع الاتفاق على ~~حالها كما يترك الجريح في ثغرة السور فيحترم المهاجم جراحه وآلامه، أو كما يوضع مستشفى ~~الصليب الأحمر في نقطة ضعيفة من ميدان القتال» ... تلك كانت حجتهم قبل ضم سواكن وإنشاء ~~بورسودان. # ففي يوم توقيع الاتفاق عين اللورد كتشنر حاكما عاما للسودان فأعلن فتح السودان ~~للتجارة في 12 ديسمبر 1899، وخلفه في حكم السودان في 22 ديسمبر 1899 ونجت باشا فأصدر ~~للسودانيين منشورا يعدهم فيه بالإصلاح ويهددهم بالعقاب إذا هم خالفوا القوانين، ثم ألف ~~الحكومة المركزية وجعل كل رجالها من الإنكليز، وعين لكل مديرية مديرا عسكريا ~~إنكليزيا، وعين المصريين مأمورين؛ فظهرت الحكومة السودانية بمظهرها الصحيح أي إنها ~~حكومة إنكليزية بحتة، ولما تعلم بعض السودانيين أنزلوهم في وظائف المأمورية منزلة ~~المصريين وأحلوهم محلهم، وبذلك صحت كلمة اللورد سالسبوري الذي سأله اللورد كمبرلي ~~زعيم المعارضين في جلسة 6 فبراير 1899 «هل السودان صار بالفعل شطرا من الإمبراطورية ~~البريطانية؟» فأجابه: «لقد ينقضي بعض الزمن قبل أن يصير السودان هادئا آمنا كحي ~~بيكاويلي أو بلمول، وأذكر اللورد السائل برجل اشتهر بتاريخ إنكلترا وهو غليوم الفاتح ~~فإنهم لقبوه بالفاتح قبل أن يفتح جميع أقاليم إنكلترا وبلاد ms060 الغال.» # كذلك كانت إنكلترا مالكة السودان، وكذلك كان السودان شطرا من الإمبراطورية ~~البريطانية قبل أن يكون لإنكلترا يد عليه وقبل أن تخادع إنكلترا مصر بشأنه. # فقد انفرد الحاكم العام بالحكم فاختار رؤساء الحكومة السودانية جميعا من الإنكليز، ~~وضنوا على المصريين شركائهم بالسودان بمنصب واحد من المناصب العليا، وفي سنة 1910 رأوا ~~أن يؤلفوا للحاكم مجلسا عاما أو مجلس شورى يعاونه بالحكم لاتساع المصالح والأعمال في ~~تلك البلاد، فألفوا هذا المجلس من الإنكليز وحدهم، وإليك نص النظام الذي وضعوه ~~لذلك. ~~«حيث إن الوفاق المعقود في 19 يناير 1899 بين حكومة جلالة المرحومة ملكة الإنكليز ~~وحكومة سمو الجناب العالي الخديوي قد فوض إلى الحاكم العام الرياسة العليا العسكرية ~~والملكية في السودان ومنحه الاختصاصات المبينة فيه، وحيث إنه بمصادقة الحكومتين المشار ~~إليهما قد استصوب إيجاد مجلس يشترك مع الحاكم العام في إجراء ما له من السلطة التنفيذية ~~والسلطة التشريعية؛ فقد صدر الأمر بما هو آت: ~~(1) # يسمى هذا القانون قانون مجلس الحاكم العام سنة 1910. ~~(2) # ينشأ مجلس يعرف بمجلس الحاكم العام يؤلف من أعضاء قانونيين هم المفتش ~~العام والسكرتير المالي والسكرتير القضائي والسكرتير الملكي، ومن أعضاء ~~إضافيين لا ينقص عددهم عن اثنين ولا يزيد عن أربعة يعينهم الحاكم ~~العام. # يكون تعيين الأعضاء الإضافيين لمدة ثلاث سنين، وتجوز إعادة تعيينهم، وإذا ~~غاب أحد الأعضاء القانونيين بالإجازة أو تعذر عليه الحضور للمرض ناب ~~عنه في المجلس الموظف الذي يقوم مقامه في وظيفته بحكم القانون أو من طريق ~~التناوب. # وإذا غاب أحد الأعضاء الإضافيين أو تعذر عليه الحضور كذلك فللحاكم ~~العام أن يعين بدله مؤقتا. ~~(3) # يرأس الحاكم العام جلسات المجلس، وفي حالة غيابه تكون الرياسة لأقدم عضو ~~بين الحاضرين مع مراعاة أحكام المادة 13. ~~(4) # للمجلس جميع السلطة المخولة له بمقتضى هذا القانون في نظر كافة المواد ~~التي يجب إجراؤها بمعرفة الحاكم العام في المجلس بناء على نصوص هذا القانون ~~أو أي قانون آخر. أما غير ذلك من المواد الأخرى التي قد تعرض عليه فإنه ~~ينظر فيها بصفة مجلس استشاري ms061 للحاكم العام. ~~(5) # جميع القوانين واللوائح التي للحاكم العام إصدارها بمقتضى المادة الرابعة ~~من وفاق 19 يناير 1899 يصير إصدارها بمعرفة الحاكم العام في مجلسه، ولا ~~يسرى هذا النص على ما للحاكم العام وحده إصداره من اللوائح بمقتضى السلطة ~~الممنوحة له بنص معمول به. ~~(6) # يقرر الحاكم العام في مجلسه الميزانية السنوية، ويمنح جميع الاعتمادات ~~الإضافية سواء كانت من الاحتياطي أو من الإيرادات العادية. ~~(7) # يجري الحاكم العام في مجلسه جميع المواد التي يجب إجراؤها فيه بمقتضى أي ~~قانون معمول به، أو على القواعد التي يقررها الحاكم العام في مجلسه. ~~(8) # تتقرر المسائل التي يجريها الحاكم العام في مجلسه بأغلبية أصوات الأعضاء ~~الحاضرين مع مراعاة ما هو مدون في المادتين 9 و10 فإذا تساوت الأصوات كان ~~الترجيح لجانب الرئيس، وتدون قرارات المجلس في سجل محاضره مع بيان رأي كل ~~عضو على انفراده، ولكل عضو خالف الأغلبية أن يطلب إثبات أسباب مخالفته في ~~المحضر. ~~(9) # للحاكم العام سواء حضر الجلسة أو لم يحضرها أن يخالف ما أقرته ~~الأغلبية لأسباب تدون في محاضر المجلس، ويعتبر قراره هذا في هذه ~~الحالة من جميع الوجوه كأنه قرار المجلس. ~~(10) # للحاكم العام سواء حضر الجلسة أو لم يحضرها أن يوقف تنفيذ أي قرار من ~~قرارات المجلس حتى يرفعه إلى السلطة المنصوص عنها في الفقرة الثانية من ~~المادة الرابعة من وفاق 19 يناير 1899. ~~(11) # للحاكم العام في مجلسه أن يسن قواعد لا تخالف هذا القانون تختص بضبط ~~أعمال المجلس، وبيان محل اجتماعاته، وتعيين موظفيه، وتقرير ~~واجباتهم. ~~(12) # إذا غاب الحاكم العام بالإجازة، أو تعذر عليه القيام بأداء وظيفته ~~لمرض، وكذلك إذا خلت وظيفته، تنتقل سلطته كلها إلى مجلس الحاكم العام إذا ~~لم يكن هو قد عين نائبا عنه في وظيفته. ~~(13) # للحاكم العام كلما كان بعيدا عن مجلسه أن يعين موظفا ينوب عنه في ~~رياسته وفي ما له من السلطة كلها أو بعضها المتعلقة بالمجلس بمقتضى المواد ~~السابقة. ~~(14) # للحاكم العام كلما كان بعيدا عن مجلسه أن يباشر وحده ما للحاكم العام في ~~مجلسه من السلطة ms062 كلها أو بعضها إذا أجيز ذلك بقرار من المجلس. ~~(15) # لا يجوز تفسير أي نص من نصوص هذا القانون بما يفيد تخويل الحاكم في مجلسه ~~سلطة لو كانت له وحده لجاءت مخالفة لنصوص اتفاق 19 يناير 1899 أو لأي ~~اتفاق معقود حتى الآن بين حكومتي مصر والسودان ا.ه. # ذلك هو نص القانون الصادر بإنشاء مجلس يساعد الحاكم العام. # أما هذا المجلس فقد صدر قانون آخر بأن يكون مؤلفا من السكرتير المالي والسكرتير ~~القضائي والسكرتير الملكي، وهم الأعضاء القانونيون، وللحاكم العام أن يعين أعضاء ~~إضافيين لا يقلون عن اثنين ولا يزيدون على خمسة. # وإذا بحثت عن المصري في هذا المجلس وسواه فإنك لا تجده؛ لأن المصري موكل بالخدمة، ~~ومسخر للقيام بالأعمال الشاقة، وليس له رأي، وليس له إرادة في تلك البلاد التي تولى ~~الإنكليز أمرها وصرفوا همهم لفصلها عن أمها مصر. # ولقد هنأ اللورد كرزون نفسه وأمته بأن السودان لم يحذ سنة 1919 حذو مصر، وأن ~~السودانيين أرسلوا إلى إنكلترا وفدا يقدم ولاءه لجلالة الملك، وفات اللورد أن يقول ~~لهم: ما هي الوسائل الشديدة التي تذرعوا بها لإظهار السودانيين بهذا المظهر، ومن ~~هو هذا الوفد؟ وكيف ألفوه؟ وكيف أرسلوه إلى لندره محجورا عليه حتى إنهم لم يدعوه ~~يقيم يوما واحدا بالقاهرة أو يختلط بأحد من المصريين؟ # وهذه كلمة اللورد كرزون ألقاها في مجلس اللوردات في شهر ديسمبر 1919 أجمل فيها الكلام ~~عن الخطة التي تتبعها الحكومة الإنكليزية في مصر، حتى إذا ما وصل إلى السودان قال: # ولا أرى بدا من الإشارة إلى الصورة المشجعة والمضادة لهذه الصورة (يعني ~~صورة مصر) وهي صورة السودان، فإن أهل تلك البلاد لا يزالون محافظين على النظام ~~التام بحسن إدارة السر لي ستاك حاكمها العام، وقد قدموا برهانا واضحا على ~~ولائهم لبريطانيا العظمى بزيارة وفد من أعيانهم لهذه البلاد في يوليو الماضي، ~~فاستقبلهم جلالة الملك، فأعربوا له أولا ولي ثانيا عن حسن تقديرهم للعمل الذي ~~قامت به بريطانيا العظمى لإحياء بلادهم وتنصلهم من الحوادث التي جرت في ms063 مصر، ~~وقالوا: إن همهم الوحيد هو أن يبقوا في الإمبراطورية ولا يفصلوا عنها، وهذا ~~الدليل السار على الولاء سببه جله أو كله العمل العجيب الذي تم على يد ~~السر رجنلد ونجت الحاكم العام السابق؛ فإنه وقف مقدرته العالية سنين كثيرة مع ~~زيادة خير السودان وعلى وضع أساس حكومة جاءت الأيام مصدقة لطرائق الحكم ~~البريطاني فيها كل التصديق ا.ه. ~~(1) وثائق رسمية بشأن السودان ~~(1-1) مذكرة الوفد المصري # لما كان الوفد المصري في باريز وجه إلى إنكلترا وإلى الدول مذكرة بشأن ~~السودان، وضرورة إرجاعه إلى أمه مصر، هذا نصها: # إذا كان المصريون يطلبون إرجاع السودان إليهم فليسوا مدفوعين لذلك بحب ~~التوسع والاستعمار، وإنما هم يطلبونه باسم الحق واحتفاظا بكيانهم ~~الوطني. # لقد كان السودان منذ الأزمنة الغابرة جزءا متمما لمصر. # وإذا كان قد فصل عنها في وقت من الأوقات فإن مصر وهي مستقلة استقلالا ~~إداريا جعلت في مقدمة واجباتها وأعمالها إعادته إلى حظيرة الوطن ~~الأكبر. # على أن المسألة ليست مسألة قانون أو مسألة تاريخية فقط؛ بل إن مصالح مصر ~~والسودان مرتبطة بحكم الطبيعة ارتباطا يجعل كلا من البلدين متمما ~~للآخر، وكلا منهما في حاجة إلى الثاني؛ ليستطيع الحياة والتقدم والرقي، ~~فإذا تسلطت دولة أجنبية على السودان كانت مصر التي لا تعيش إلا من ~~النيل عرضة لأفدح الأخطار. # ولقد أشار إلى ذلك المستشار المالي الإنجليزي لدى الحكومة المصرية في ~~تقريره الصادر يوم 14 ديسمبر سنة 1914 بقوله: «إن الأرض التي يرويها النيل ~~من جبال الحبشة والبحيرات الكبرى إلى شاطئ البحر الأبيض المتوسط مهما كان ~~الاسم الذي يطلق عليها هي كل لا يقبل التجزئة ... ونظرا لتقدم فن الهندسة ~~ذلك التقدم الذي بلغ الأوج فإن الدولة التي تبسط حكمها على منطقة أعالي ~~النيل تملك مراقبة المياه في مصر، وعلى ذلك فالسودان ضروري لمصر؛ بل هو ~~ألزم لها من مدينة الإسكندرية. # على أن أهالي السودان من جهة أخرى ينتفعون كثيرا من اتصالهم بالمدينة المصرية ~~التي لا يوافقهم سواها، فهم يعتبرون مصر بمثابة أختهم الكبرى التي يتكلمون لغتها ms064 ~~ويرتاحون لنظاماتها وأخلاقها. # وهذا الميل المتبادل، وذلك الاتحاد في الأخلاق والأفكار، هما نتيجة طبيعية لذلك ~~الحادث التاريخي، وهو أن العرب الذين جاءوا إلى مصر والعرب الذين توزعوا وانتشروا ~~في السودان يرجعون لأصل واحد، ولا يخفى أن سلالة هؤلاء هم اليوم الأعظم شأنا ~~والأكثر استنارة بين سكان السودان. # وإننا بطلبنا إرجاع السودان إلى مصر نريد أن نجعله شريكا لنا، له ما لنا وعليه ~~ما علينا. # إخلاء السودان واستعادته # ليس هنا محل الخوض في الظروف التي أدت إلى إخلاء السودان في عام 1884، ~~وإنما نكتفي بالإشارة إلى أن الوزارة الشريفية عارضت في هذا الإخلاء، وعندما ~~أرغمت عليه استقالت مصرحة بأن «مصر لم يكن يحق لها الموافقة على إخلاء ~~السودان، وأن قبول نصائح إنجلترا بدون مناقشتها يعد منافيا لدستور 28 أغسطس ~~سنة 1878 الذي يقضي بأن الخديوي يحكم بالاشتراك مع وزرائه.» # ولما أعيد فتح السودان أرغمت مصر أيضا على قبول اتفاقية 19 يناير سنة ~~1899 التي جعلت السودان تحت حكم إنجلترا ومصر معا بعد أن كان إيالة مصرية، ~~وهذه الاتفاقية التي لم تجعل لمصر إلا مركزا سلبيا بحتا واسميا محضا قد ~~أدت في الحقيقة إلى ضم السودان إلى الإمبراطورية الإنجليزية ضما ~~فعليا. # لكن ما هي قيمة الاتفاقية المذكورة قانونا؟ # إنها اتفاقية باطلة ولا محل لأي شك في ذلك؛ فقد تمت تحت تأثير الإكراه الذي ~~جعل وجودها فاسدا. # وفوق ذلك فإن من البديهي أن مصر بمقتضى أحكام المعاهدات الدولية والفرمانات ~~التي تحرم عليها التنازل عن أي جزء من أراضيها لم تكن لها أية صفة في عقد مثل ~~هذه الاتفاقية، ومما يزيدنا اشتدادا في الاحتجاج على هذه الاتفاقية أن ~~مصالح المصريين وإحساساتهم قد ديست فيها وتعسر على العقل أن يفهم كيف تعقد شركة ~~يختص أحد الفريقين فيها بكل الحقوق ويلزم الآخر بكل الواجبات. # بينما إنجلترا تسود وتحكم بمفردها تلك الأقطار الواسعة فإن مصر هي التي تدفع ~~من أموالها ما يسد العجز الفاحش في ميزانيتها، فضلا عن الإنفاق على الأعمال ~~الكبرى التي تلزم لإصلاح الأراضي، ولقد دفعت ms065 3500000ج.م لمد الخطوط الحديدية، ~~ومليون جنيه لميناء بورسودان. # 1 # ومن عجائب الأمور أن مصر بإنشائها ميناء بورسودان من أموالها الخاصة أوجدت ~~لتجارة السودان مخرجا جديدا من شأنه أن يقلل مقدار المنفعة التي كانت تعود ~~على مصر من تجارتها مع السودان! # وزيادة على ذلك، فإن الجيش المصري المعسكر جله في السودان هو الذي يستخدم ~~لإخضاع الأراضي الخارجة عن الطاعة ولفتح بقاع جديدة لمصلحة النظام المشترك، ~~ومصر وحدها هي التي تتحمل بطبيعة الحال النفقات الجسيمة اللازمة لذلك. # وليت شعري ما هي الفوائد التي تجنيها من وراء تلك الضحايا؟ إذا تساءلنا فلا ~~من مجيب. # ليس هذا فقط، بل إن الموظفين المصريين يختفون شيئا فشيئا؛ ليفسحوا المكان ~~للموظفين الإنجليز في المناصب الكبرى على الخصوص، وليس بعيدا ذلك اليوم الذي ~~يخلو فيه السودان من أي موظف مصري ما عدا الحاميات العسكرية التي تدفع مصر ~~نفقاتها. # فلهذه الأسباب كلها نلح في المطالبة بإرجاع السودان إلى حظيرة الوطن ~~الأكبر «مصر» وفاقا للحق والعدل.» ا.ه. ~~(1-2) في تقرير اللورد ملنر # لما قدم اللورد ملنر مذكرته إلى الوفد المصري في 8 أغسطس 1920 أهمل في هذه ~~المذكرة ذكر السودان فأبدى له - كما جاء في التقرير - عدلي باشا ملاحظته على هذه ~~المذكرة، وأفهم اللورد ملنر أنها خالية من ذكر السودان، وأن مسألة السودان مسألة ~~حيوية لمصر، فأرسل اللورد ملنر إلى عدلي باشا الخطاب الآتي: # عزيزي الباشا # بخصوص الحديث الذي جرى بيننا أمس، أعود فأقول مرة أخرى إنه ليس بين أجزاء ~~المذكرة التي أنا مرسلها إليك الآن جزء يقصد تطبيقه على السودان كما هو ~~ظاهر من المذكرة نفسها، ولكني أرى اجتنابا لكل خطأ وسوء فهم في المستقبل ~~أنه يحسن بنا أن ندون رأي اللجنة، وهو أن موضوع السودان - الذي لم نتناقش ~~فيه قط نحن وزغلول باشا وأصحابه - خارج بالكلية عن دائرة الاتفاق ~~المقصود لمصر فإن البلدين يختلفان اختلافا عظيما في أحوالهما، ونحن نرى ~~أن البحث في كل منهما يجب أن يكون على وجه مختلف عن وجه البحث في ~~الآخر. # إن السودان ms066 تقدم تقدما عظيما تحت إدارته الحالية المؤسسة على مواد ~~اتفاق 1899 فيجب والحالة هذه ألا يسمح لأي تغيير يحصل في حالة مصر السياسية ~~أن يوقع الاضطراب في توسيع نطاق تقدم السودان وترقيه على نظام أنتج ~~مثل هذه النتائج الحسنة. # على أننا ندرك من الجهة الأخرى أن لمصر مصلحة حيوية في إيراد الماء الذي ~~يصل إليها مارا في السودان، ونحن عازمون على أن نقترح اقتراحات من شأنها ~~أن تزيل هم مصر وقلقها من جهة كفاية ذلك الإيراد لحاجاتها الحالية ~~والمستقبلة» ا.ه. # ملنر # ولما عرض مشروع اللورد ملنر على الهيئات النيابية في مصر قدمت الجمعية التشريعية ~~تحفظا بشأن السودان «بأنه جزء من مصر، وبأنه لا مندوحة عن إدخاله في ~~الاتفاق.» # ولما قدم سعد باشا التحفظات إلى اللورد ملنر كان هذا التحفظ منها، ولما اجتمع ~~اللورد ملنر بالوفد المصري الاجتماع الأخير وطلب تأجيل البحث في التحفظات وفي غير ~~ذلك إلى المفاوضات الرسمية، فختم سعد باشا الكلام معه بقوله: # إن مجهوداته لا تأتي بنتيجة ما لم يطمئن أهل القطر المصري على ما جاء ~~بالتحفظات، ويتأكدوا أن بريطانيا العظمى ألغت الحماية فعلا. ~~(1-3) في مشروع اللورد كرزون # في 10 نوفمبر 1921 قدم اللورد كرزون إلى الوفد الرسمي المصري برئاسة عدلي باشا ~~مشروع اتفاق بين بريطانيا العظمى ومصر، وقد جاء في هذا المشروع عن السودان ما ~~نصه: # المادة 17 # حيث إن رقي السودان السلمي هو من الضروريات لأمن مصر ولدوام موارد ~~المياه لها تتعهد مصر بأن تستمر في أن تقدم لحكومة السودان نفس ~~المساعدات الحربية التي كانت تقوم بها في الماضي أو أن تقدم بدلا من ذلك ~~لحكومة السودان إعانة مالية تحدد قيمتها بالاتفاق بين الحكومتين، وتكون ~~القوات المصرية في السودان تحت أمر الحاكم العام، وغير ذلك تتعهد بريطانيا ~~العظمى بأن تضمن لمصر نصيبها العادل من مياه النيل، ولهذا الغرض قد تقرر ~~ألا تقام أعمال ري جديدة على النيل أو روافده جنوبي وادي حلفا بدون ~~موافقة لجنة مؤلفة من ثلاثة أمناء؛ يمثل أحدهم مصر، والثاني السودان، ms067 ~~والثالث أوغندا. ا.ه. ~~(1-4) رد الوفد المصري # قال الوفد الرسمي في رده على مشروع اللورد كرزون أن هذا المشروع تضمن المبادئ ~~التي عرضت علينا منذ أربعة أشهر ورفضناها. ~~«أما مسألة السودان التي لم يكن قد تناولها البحث فلا بد لنا فيها من توجيه النظر ~~إلى أن النصوص الخاصة بها لا يمكن التسليم بها من جانبنا فإن هذه النصوص لا تكفل ~~لمصر التمتع بما لها على تلك البلاد من حقوق السيادة التي لا نزاع فيها مع حق ~~السيطرة على مياه النيل.» ~~(1-5) في مشروع الدستور # ولما رفع دولة يحيى باشا مشروع الدستور إلى جلالة الملك في 19 أبريل 1923 قال في ~~كتابه إلى جلالته: «وقد وضع النصان المختصان بالسودان بالصورة التي وردت ~~بالدستور بناء على ما أبداه فخامة المندوب السامي من التأكيد بأن حكومة جلالة ملك ~~بريطانيا العظمى ليس من قصدها مطلقا أن تنازع في حقوق مصر في السودان ولا في ~~حقوقها في مياه النيل.» # وجاء في المادة 159 من الدستور ما نصه: «تجري إحكام هذا الدستور على المملكة ~~المصرية بدون أن يخل ذلك مطلقا بما لمصر من الحقوق في السودان.» # وكان الأصل «أن السودان وإن كان جزءا من مصر لا يجزأ إلا أنه يدار بنظام ~~خاص.» # وجاء في المادة 160: «يعين اللقب الذي يكون لملك مصر بعد أن يقرر المندوبون ~~المفوضون نظام الحكم النهائي للسودان.» # وكان الأصل «أن ملك مصر يلقب بملك مصر والسودان.» # | هوامش # | نظرة في المستقبل ومستقبل مصر في السودان وحده # لا تعيش الأمة ليومها، ولكنها تنظر من حياة اليوم إلى غدها، فإذا نظرت الأمة المصرية ~~إلى هذا الغد القريب عرفت أن أرضها ضائقة بها، وأنه لا مندوحة للسلالة الآتية عن المهاجرة، ~~فعدد السكان الذي يناهز الآن 13 مليونا يزيد في كل سنة 3 بالمئة، وهذه الزيادة ~~مضطردة لتحسن الأحوال الصحية، وما بقي من أرض مصر بورا أو غامرا لا يزيد على مليون ~~و800 ألف فدان، فضلا عن إنهاك قوة الأرض بكثرة الزرع وتواليه؛ فالنيل هو الطريق الوحيد ~~لهجرة ms068 المصريين، ومما وجدوه في الآثار القديمة قول الإله آمون: «كل بلاد يغمرها النيل في ~~فيضانه لهي من مصر، وكل من يشرب من مياه هذا النيل فوق مدينة إلفانتين هم مصريون.» # ولقد اتجهت أنظار الباحثين إلى أرض تصلح للزراعة، ويجد فيها المصري رزقه يوم تضيق بلاده ~~به، فاتجهت الأنظار إلى صحراء مريوط؛ فمد فيها الخديوي عباس الثاني خطا حديديا إلى حدود ~~طرابلس الغرب وأخذ بتعمير العزب، ولكن الأرض بحاجة إلى الماء وماء المطر لا يكفي وماء النيل ~~يحول الآن إلى ري الجزيرة، ومساحة هذه الجزيرة بين النيل الأبيض والنيل الأزرق عشرة ملايين ~~فدان، يقول الإنكليز: إن سبعة ملايين فقط صالحة للزراعة، ويريدون بالزراعة زراعة القطن، ~~وبما أنهم خصوا الجزيرة بماء النيل الأزرق فأي أرض يمكن أن تصلح بماء النيل الأبيض ~~الذي تركوه لمصر وهو ماء جيري لا يصلح لتغذية النبات ~~خلافا للنيل الأزرق الذي يحمل الطمي الذي يغذي التربة المصرية ويجعلها تربة خصبة، ومصر ~~مهددة الآن بالحرمان من ماء هذا النهر ومن طميه، وما دامت سنة الطبيعة أن يتقاذف ~~السكان إذا ازدحمت بهم الأرض وأرض مصر ستزدحم قريبا بسكانها وفي المنوفية الآن 360 نفسا ~~في الكيلو متر المربع، فالتقاذف حادث لا محالة بأن ينتقل أبناء أسوان إلى دنقلة وأبناء قنا ~~إلى أسوان، وهكذا يصعد المصريون من الدلتا مع مجرى النيل إلى السودان فيعمرونه، ومنذ ~~استعادة السودان إلى اليوم هجر كثيرون بلادهم إلى دنقلة وبربر والجزيرة وسواها. # وقد كان اللورد كرومر والسير غارستن يتشاءمان من مصير السودان لقلة السكان فاقترح بعض ~~الإنكليز أن ينقلوا إليه جماعات الهنود، ولكن التجربة لم تنجح ولا يمكن أن تنجح، وهذه ~~مشروعات الري في الجزيرة يقوم بها المصريون يؤخذون عمالا مأجورين ولكن على نظام يكاد يكون ~~عسكريا؛ لأنهم يستأجرون العامل لمدة سنة أو سنتين، ويعطون لكل واحد منهم نمرة خاصة، وكل ~~عامل ملزم بصرف المدة التي تعهد بصرفها في السودان وباتباع النظام الذي وضعوه، وقد علمت ~~حادثة كينيا الإنكليز ألا يكثروا من الهنود في إحدى مستعمراتهم فإنهم ms069 ملأوا كينيا بالهنود ~~والإسكوتلانديين فقام الهنود يطلبون حقوق الإنكليز؛ لذلك عدلوا في السودان عن استخدام ~~الهنود إلى استخدام الصوماليين. # ولما كانت الأرقام لا تخطئ فإنا نقتبس هنا بيانا قدمه سمو الأمير عمر طوسون إلى ~~المعهد العلمي المصري في جلسة 3 مارس سنة 1924 مبينا فيه بالأرقام كيف ينتظر أن تضيق مصر ~~بأهلها، وكيف أن هذه الزيادة في عدد السكان لا تجد لها مرتزقا في غير السودان. # وقد جعل سمو الأمير عنوان بيانه: # مالية مصر من عهد الفراعنة إلى اليوم. # والذي يهم القارئ المصري على وجه التخصيص خاتمة هذا البيان وتعزيزها بالأرقام. # عصر الفراعنة # ليس لدينا عن مؤرخي هذا العصر ما نعرف منه مساحة أرض مصر الزراعية ولا خراجها، غير أن ~~مؤرخي العرب تداركوا هذا النقص، ولكن جسامة المبالغ والمساحة التي ذكروها تنبو بنا عن ~~الركون إليها، وهذا ما قالوه مقدرا بالجنيه المصري: # المؤلف # الحاكم # الخراج بالجنيه المصري # ابن خرداذبه # الفراعنة # 56000000 # أبو صالح # يوسف بن يعقوب # 14760000 # ابن وصيف شاه # منقاوس # 16800000 # ابن وصيف شاه # فرعون موسى # 43200000 # المقريزي # الريان بن الوليد # 58200000 # المقريزي # الريان بن الوليد # 60000000 # أبو المحاسن # كيكاوس # 60018000 # المسعودي وابن إياس # الأرض المزروعة # بالفدان # 18000000 # ولكني رأيت بناء على براهين شرحتها في مذكرتي أن عدد سكان مصر في عهد الفراعنة كان 18 ~~مليونا أو 20 مليونا على الأرجح، وأن مساحة المزروع منها كان 6 ملايين فدان، ثم إن ~~بعض المؤرخين ذكروا النسبة المئوية التي كان يجبى الخراج على مقتضاها وإن لم يذكروا ~~الخراج نفسه. فإذا راعينا هذه النسبة مع المحصول الذي كان ينتجه القطر في هذا العصر ~~وجب أن يكون الخراج كالآتي على قول هؤلاء المؤلفين: # المؤلف # النسبة المئوية # المساحة المزروعة # الخراج بالجنيه المصري # عن الفدان بالقرش # مسبيرو ولمبروزو # 10 في المئة # 6000000 # 2100000 # 35 # هارتمان # 20 في المئة # 6000000 # 4200000 # 70 # عصر البطالسة # لم يتيسر لنا الاهتداء إلى أي نص عن الخراج في هذا العصر، ولكننا استنتجناه ~~استنتاجا مما ذكره ديودور الذي زار مصر في ms070 أواخر هذا العصر حيث قال: # إن أرض مصر كانت ثلاثة أقسام بين الكهنة والملك ورجال الجيش، وقسم الكهنة كان أعظمها ~~والثالث أقلها فرأيت أن القسم الثاني كان ثلث مساحة أرض مصر المزروعة، وحيث إنها 6 ~~ملايين فدان كما أشرنا إلى ذلك من قبل فالأقسام الثلاثة تكون كالآتي: # قسم الكهنة: 2500000 # قسم الملك: 2000000 # قسم الجيش: 1500000 # وقسم الملك يكون معفى من الخراج بطبيعة الحال، والقسمان الآخران خراجهما 787500ج.م ~~بناء على حسابي وباعتبار # قرشا عن الفدان الواحد. # عصر الرومان # زار إسترابون مصر في أيام الرومان، ووصفها وصفا جغرافيا مستفيضا، ولكنه بخل بذكر ~~شيء عن شئونها المالية، واكتفى بقوله إن مصر تدفع جزية عظيمة. # وقال مركاروت: إن الخراج كان بنسبة 20٪ من محصول الأرض. # وقد وصف إسترابون الطريقة الحسنة التي كانت تروى بها أرض مصر في ذلك العهد، ومن هذا ~~يجب أن نستخلص أن المساحة الزراعية ومحصولها لم يكونا يقلان عما كانا في عصر ~~الفراعنة إن لم يفوقاه، ولهذا أرى أن القطر كان في حالة سعادة يسهل معها تأدية الخراج ~~مقدرا بمبلغ 4500000ج.م عن مساحة 6 ملايين فدان، وبواقع 85 قرشا عن الفدان ~~الواحد. # عصر البيزانطيين # المعلومات عن الخراج في هذا العصر قليلة ولا تفيد فائدة تامة، وإذا اكتفينا بهذه ~~المعلومات الجزئية وهذا لا مندوحة عنه اعتبرنا أن متوسط جباية الخراج عن الفدان نحو ~~الثلاثين قرشا، فيكون مقدار الخراج عن الستة الملايين 1800000ج.م. # الخراج في عصر العرب # كانت مساحة الأرض المزروعة في مصر في خلافة عمر على ما أرى نحو الستة ملايين فدان، ~~وقد اختلفت مقادير الخراج في عهده كما يؤخذ من عبارات المؤرخين المذكورين بعد، وعلى ~~ذلك يكون كما يأتي: # المؤلف # مقدار الخراج بالجنيه المصري # مساحة الأرض بالفدان # متوسط الخراج عن الفدان بالقرش # ابن عبد الحكم # 816666 # 6000000 # 13 # اليعقوبي # 420000 # 6000000 # 7 # البلاذري # 3300000 # 6000000 # 55 # وقد مسحت أرض مصر في عصر العرب أول مرة على يد ابن رفاعة عامل سليمان بن عبد الملك ~~عليها سنة 97ه (سنة 715م) وقضى في ms071 مسحها من الإسكندرية إلى أسوان تسعة أشهر. ذكر ذلك ~~ابن عبد الحكم ولكنه لم يذكر نتيجة هذه المساحة، ومسحت ثاني مرة على يد ابن الحجاب قال ~~الكندي: وولي خراجها ابن الحجاب لأمير المؤمنين هشام فخرج بنفسه فمسح أرض مصر كلها ~~عامرها وغامرها مما يركبه النيل فوجد فيها ثلاثين ألف ألف فدان ا.ه. # وبلغ خراجها في عهده أربعة ملايين دينار (2400000ج.م) بواقع 8 قروش عن الفدان، ويؤخذ ~~من المقريزي أن مساحتها في عهد المأمون كانت 3004732 فدانا وخراجها 4257000 دينار ~~(2554000ج.م) بواقع 85 قرشا عن الفدان. # ومسحت ثالث مرة على يد ابن المدبر عامل الخراج في خلافة المعتز بالله فوجد فيها ما ~~يصلح للزراعة أربعة وعشرين مليون فدان على ما ذكره المقريزي، وبلغ خراجها ثمانمائة ألف ~~دينار (480000ج.م) بواقع قرشين عن الفدان، وبلغ الخراج في مدة حكم أحمد بن طولون على ما ~~ذكره ابن وصيف شاه 4200000 دينار (2580000ج.م) وكان زمنه زمن رخاء، وفي حكم الإخشيد بن ~~محمد طغج بلغ الخراج على ما ذكره المقريزي مليوني دينار عبارة عن (1200000ج.م). # وفي خلافة العز لدين الله كان خراجها في سنة 358ه على ما ذكره ابن وصيف شاه 1200000 ~~دينار (720000ج.م) وفي سنة 359ه على ما ذكره ابن حوقل 3200000 دينار (1920000ج.م) وكذلك ~~في سنة 360ه على ما ذكره أبو المحاسن. # وبلغ في خلافة المنتصر بالله على ما ذكره أبو صالح 3121000 دينار ~~(1872000ج.م). # وفي حكم صلاح الدين بلغ خراج مصر عدا إقليمي منفلوط ومنقباط سنة 585ه على ما ذكره ~~القاضي الفاضل 4653029 دينارا (2791817ج.م). # ومسحت أرضها رابع مرة في عهد المنصور حسام الدين لاجين فكانت 5733723 فدانا خراجها ~~بلغ 10816584 دينارا (6489950ج.م) بواقع # قرشا عن الفدان. # ومسحت خامس مرة في عهد الناصر محمد بن قلاون في سنة 715ه (1315م) فبلغت 5133723 ~~فدانا وخراجها 9428289 دينارا (5656973ج.م) بواقع # قروش عن الفدان وهي آخر مساحة عثرنا عليها في هذا العصر. # عصر العثمانيين # عثرنا في هذا العصر على ما كتبه مؤرخان فقط؛ أحدهما عن أوله ms072 والثاني عن آخره، فقد ذكر ~~ابن إياس وكان حيا في السنين الأولى للفتح العثماني أن خراج مصر بلغ 1300000 دينار ~~(780000ج.م) و600000 أردب من الغلال في 35 قرشا يساوي 210000ج.م فيكون المجموع ~~990000ج.م. # ويؤخذ مما ذكر استيف في كتاب (وصف مصر) أن الخراج بلغ 1052951ج.م قبل إغارة الحملة ~~الفرنسية على مصر، أما مساحة الأرض في هذا العهد فكانت 4542279 فدانا بواقع 23 قرشا ~~عن الفدان. # عصر الفرنسيين # وصلت الحملة الفرنسية إلى مصر وهي من الوجهة الزراعية في أسوأ حالة، ويؤخذ من حساب ~~استيف أن الخراج عن سنة 1799م بلغ 22543399 فرنكا (869613ج.م) نقدا وعينا ومساحة ~~الأرض المزروعة 4542279 فدانا بواقع 19 قرشا عن الفدان. # عصر الأسرة العلوية # ذكر مانجان عن سنة 1821م أن الخراج بلغ 660541ج.م ومساحة الأرض المزروعة 2031905 ~~فدادين، أي بواقع # قرشا عن الفدان. # وقال كلوت بك عن سنة 1833م: إن مساحة الأرض المفروض عليها الخراج هي 3685612 وأن ~~خراجها يبلغ 1084912ج.م، أي بواقع # قرشا عن الفدان. # وإنني مضطر لأن أنزل عن عصر محمد علي إلى عصر توفيق في سنة 1881م وأترك ما بينهما؛ ~~لأنني لم أعثر على ما أعرف منه الخراج في هذه المدة من جهة ولأن سنة 1881 تبين لنا ~~الوقت الوسط من حكم هذه الأسرة بين محمد علي وعصرنا الحاضر، ووقفنا على حالة البلاد في ~~الفترة التي كانت قبل الاحتلال الإنجليزي. # أما مساحة الأرض المفروض عليها الخراج في سنة 1881م المذكورة فقد بلغت 4714406 فدادين ~~وخراجها بلغ 4880518ج.م بواقع # قرشا عن الفدان. # وفي سنة 1921م من عهد جلالة الملك فؤاد بلغت مساحة الأرض 5615700 فدان وخراجها ~~5134660ج.م بواقع 90 قرشا عن الفدان. # وقد جاء في مذكرة السير مردخ ماكدونلد مستشار وزارة الأشغال العمومية عن أعمال مراقبة ~~النيل في سنة 1919م: # إن مساحة الأرض المزروعة والقابلة للزراعة بمصر هي 7300000 فدان يستنزل منها ~~ما هو مخصص لتربية الأسماك وقدره 200000 فدان، فيكون الباقي 7100000 ~~فدان. # يستنزل منه المساحة المفروض عليها خراج وهي 5600000 فدان، فيكون الباقي ms073 ~~1500000. # وهذا المقدار هو المساحة الغير المزروعة الآن من أرض مصر والقابلة للزراعة في ~~المستقبل. # الخاتمة # قد تبين مما سبق أن مساحة الأراضي القابلة للزراعة في القطر المصري (7100000) ~~فدان عدا (200000) فدان تربى فيها الأسماك والمقدار الأول قسمان (5600000) فدان تجبى ~~منها الضرائب باعتبار أنها مزروعة و(1500000) فدان غير مزروعة الآن وقابلة للزراعة في ~~المستقبل. # وجملة سكان مصر 12718255 حسب إحصاء سنة 1917 فيكون لكل فدان شخصان وربع، وأكثر ~~المديريات سكانا بالنسبة لمساحتها مديرية المنوفية؛ إذ يخص كل ثلاثة من سكانها فدان ~~واحد، وما زال المصريون منذ إحصاء سنة 1917 في نمو مستمر، فإذا تركنا سني الحرب ~~الاستثنائية جانبا نجد زيادة عدد المواليد على عدد الوفيات في سنة 1921 حسب تقرير ~~مصلحة الإحصاء بلغت (234459) وفي سنة 1922 (243536) نسمة. # وكلما زاد عدد السكان كثر ازدياد عدد المواليد على عدد الوفيات طبعا، ولا ريب عندنا ~~في أن متوسط هذه يبلغ سنويا 250000 بدون أدنى مبالغة. # وليس في مديرية المنوفية وهي أخصب أرض مصر قطعة لا تزرع، ومع ذلك فكثير من سكانها ~~يهاجرون؛ لأنهم لا يجدون ما يقوم بأود معيشتهم فيها، على أننا مع هذا نسلم بقاعدة كفاية ~~الفدان الواحد من كل أرض زراعية في مصر لمتوسط معيشة ثلاثة أشخاص، فنقول بناء على هذه ~~القاعدة: # إن الأرض المزروعة في مصر ومقدارها (5600000) تكفي لمعيشة (16800000) نسمة، وبعد ~~تعداد النفوس سنة 1917 بلغ مجموع زيادة المواليد عن الوفيات (871770) بتقدير مصلحة ~~الإحصاء فإذا أضفنا إلى ذلك زيادة سنة 1923 ومقدارها (250000) وأضفنا المجموع إلى إحصاء ~~سنة 1917 يكون عدد السكان في نهاية سنة 1923 (13800000) وبطرحه من (16800000) نسمة، وهو ~~العدد اللازم لاستثمار المساحة المقرر عليها ضرائب يكون الباقي (3000000) نسمة وهو عجز ~~يسد بزيادة السكان السنوية، فإذا سلم لنا أنها (250000) سنويا يتلاشى هذا العجز بعد ~~اثنتي عشرة سنة، على أنني أقول: إن عشر سنوات فقط تكفي لذلك إذا جرت الأمور في مجراها ~~الطبيعي. # وإذا أعدت المساحة الغير مزروعة الآن للزراعة وهي تشمل الجزء الشمالي وإقليم البحيرات ~~للدلتا ومقدارها كما مر (1500000) لزمها من السكان ms074 (4500000) وهو مقدار يتلاشى بزيادة ~~السكان في مدى ثمان عشرة سنة، فتكون السنوات اللازمة لملاشاة العجز كله ثلاثين سنة أو ~~بالحري خمسا وعشرين سنة، أي ربع قرن أو نصف العمر الغالب للإنسان، وعلى ذلك نجد أنفسنا ~~أمام إحدى حالتين، وهما: # الأولى: # إذا لم تجفف مياه إقليم البحيرات ولم يعد للزراعة وصلنا إلى آخر حد ~~لاستطاعة القطر تحمل سكانه في مدة 12 سنة على الأكثر. # الثانية: # إذا جففت مياهه وأعد للزراعة وصلنا إلى الحد المذكور في مدة ثلاثين ~~سنة على الأكثر. # وهاتان المدتان حتى أطولهما أقرب إلينا من حبل الوريد، ومعظم النسل الحاضر سيرى بعيني ~~رأسه انقضاء هذه السنين، فماذا نصنع بعدئذ والزيادة مستمرة في السكان؟ # لا ريب أنه يجب علينا منذ الآن التفكير في حل لهذه المعضلة الاجتماعية المتوقعة، ~~وهو ما سنفرد له هذا المبحث. الجزء المروي والممكن ريه من القطر المصري على شكل شريط ~~طويل دقيق ينتهي طرفه الشمالي بشكل مروحة عند البحر الأبيض المتوسط، وهذه هي التي تسمى ~~الدلتا. # وهذا الجزء المروي يحد بصحراء العرب شرقا وصحراء لوبيا غربا، وليس في الإمكان ري ~~أرض الصحراوين المذكورتين بمياه النيل؛ لارتفاعهما وعدم استواء مسطحهما، فسيستمر جدبهما ~~لهذا العائق الذي لا يمكن تذليله إلى ما شاء الله، ومن المستحيل في مصر الانتفاع بأرض ~~لا يرويها النيل فليس هناك احتمال لتوسع زراعي من هاتين الجهتين. # وفي الجهة الشمالية البحر، فإذا وجهنا زيادة عدد سكاننا إلى هذه الوجهة وافترضنا ~~ارتحالها إلى ما وراء البحار وتركنا جانبا كراهة المصري الغربة فإننا لا نجد ما ~~يحقق لها أي رغد من العيش للبون الشاسع بين البلادين طقسا وطبيعة وجنسية ولغة وديانة ~~فهذه الجهة في حكم المسدودة. # أما المورد الصناعي للمعيشة فضلا عن أن مصر تنقصها المواد الأولية لتكون الصناعة ~~فيها زاهرة يانعة فإنه مورد محدود من المستحيل أن ينتفع به عدد عظيم من السكان في مصر، ~~ولنفرض أنهم نصف مليون أو مليون فإنه يستغرق بزيادة السكان في مدى أربع سنوات فقط، ومتى ~~انقضى هذا الأجل القصير نجد ms075 أنفسنا أمام المعضلة بعينها من جديد. # وحاشا أن أقصد تثبيط الهمم عن الصناعة بهذا الكلام، وإنما القصد فقط بيان عدم كفاية ~~هذا المورد، وأنه لا يحل المشكل الذي نحن بإزائه. # فالمنفذ الوحيد المفتوح أمامنا هو جهة الجنوب حيث يوجد إقليم واسع ذو سكان قليلي ~~العدد، وأرض من طبيعة أرض مصر تروى بنفس النيل ولا يفصلها عنا فاصل؛ بل هي ومصر جسم ~~واحد. # وإقليم كهذا حالته المعيشية وثمار أرضه مماثلة لقطرنا، المصريون وحدهم هم الذين في ~~استطاعتهم جعله في حالة سعادة ورفاهية، وبالاختصار هو بيئة مناسبة لأمزجة المصريين على ~~قدر ما هم أنفسهم موافقون لهذه البيئة، وهو الذي يسع الزيادة المستمرة لسكان مصر مدى ~~مائه عام بدون أدنى مضايقة. # فالسودان هو باب السلام الوحيد الذي ظل مفتوحا لمصر على مصراعيه منذ الأزمان ~~الخالية، ويجب أن يبقى كذلك إلى الأبد؛ لأنه لازم لها لزوم الروح للجسد. # وإلى هذا الغرض يجب أن تصوب جميع مجهودات أولئك الذين في يدهم حظ مصر، وفي قلبهم ~~يضمرون لها النفع والمصلحة. # | مراقبة مياه النهرين الكبيرين # يريدون أن يبيعوا مال النيل لمصر بيعا # يقول الإنكليز إن رقابة النهرين # 1 # مضمونة لمصر، وبأن مياه السودان في قبضة الحكومة المصرية، ويقدمون البرهان على ~~ذلك بقولهم: «إن الحكومة المصرية أسرعت بعد فتح السودان إلى معرفة حالة النهرين - النيل ~~الأبيض والنيل الأزرق - وأشار السير ويليان غارستن في وضع مسائل الري بين يدي الحكومة ~~المصرية، وأن لا يصرح لحكومة السودان بأن تعمل عملا ذا علاقة بمياه النيلين إلا بتصريح ~~كتابي من حكومة مصر. فقبلت حكومة السودان هذا الشرط ولا تزال مقيمة عليه إلى الآن.» ~~«وفي نوفمبر 1914 صادق مجلس النظار على إنشاء فرع للري في السودان وهو موجود إلى الآن، ~~وله سلطة تامة في مراقبة مياه النيلين، وفي مارس 1922 كتب أحد كبار رجال الري في وزارة ~~الأشغال أثناء قيامه بأعمال وزيرها إلى الوكالة الإنكليزية وهي وسيطة بين الحكومتين المصرية ~~والسودانية في أمر المياه يقول: «إن وزارة الأشغال ترغب في مساعدة حكومة السودان ms076 في تذليل ~~الصعاب القائمة في سبيل مشروع الري هناك، ولا تسمح مطلقا بتدخل أي سلطة كانت في رقابة ~~المياه اللازمة لمصر أو في أمر المشروعات المنوي إنشاؤها لفائدة هذه البلاد كما جرت ~~العادة منذ فتح السودان إلى الآن.» ~~«إن وزارة الأشغال لا تزال تشدد في الرقابة على مياه النيلين كما فعلت في الماضي فسمحت ~~بعد إتمام خزان أسوان بري 10 آلاف فدان ريا دائما، ثم رفعت هذا المقدار إلى عشرين ~~ألف فدان بعد تعلية ذلك الخزان، وكذلك كان في مشروع ري الجزيرة الذي يقصد منه ري 300 ألف ~~فدان فإن حكومة السودان لم تقدم عليه إلا بعد موافقة الحكومة المصرية، وللحكومة المصرية ~~مهندسون يراقبون المشروع المذكور وهم مسئولون أمامها، ويتناولون رواتبهم منها، وينفق على ~~المشروع من القرض الذي عقدته حكومة السودان بإنكلترا، ولحكومة مصر تفتيش لعموم الري، وستزاد ~~ميزانية هذا الفرع عشرة آلف جنيه ينفق معظمها على توسيع مجرى النيل وإزالة السدود.» ~~••• # ذلك ما توخوا نشره ظانين أنهم به يغطون الحقائق، بل ظانين أنهم به يقابلون صيحة ~~الشعب المصري «السودان لنا» إذ يدخلون على ذهن هذا الشعب أن النيل في قبضة مصر وأن مياهه ~~تجري بإرادة مصر. فتقول مصر ويقول الشعب المصري: إن مسألة السودان منحلة. بل يظنون أنهم ~~يقولون معهم: «كل شيء جار على أتم حال، وليس في الإمكان أحسن مما كان.» # ولكنا نتساءل هنا ما هو المقصود بقولهم: «إن وزارة الأشغال هي التي قررت ما قررت في سنة ~~1914؟» فهل يستطيع الذين نشروا تلك المذكرة الشبه الرسمية أن يسموا لنا مهندسا مصريا ~~واحدا ذا إلمام صحيح بما جرى وما يجري بمياه النيل وبالسودان؟ # هل في هذه البلاد مهندس مصري واحد يعرف ما تضمنته التقارير السرية التي كتبتها البعثات ~~التي أرسلت إلى أعالي النيل متوالية متتابعة سنة بعد أخرى؟ وهل ظهر شيء في مصر أو وصل شيء ~~إلى علم مصري واحد عن المباحث في بحيرة تسانا، وعن المشروعات المنوية فيها؟ وهل يعرف ~~مصري واحد ما أنفق من الأموال ووزع من ms077 الهدايا على رؤساء الأحباش في تلك المنطقة ~~وكلها من أموال مصر والمصريين؟ # إنا لنذكر ولا ننسى ذلك المنشور الذي أذاعوه «بأن مصلحة ري السودان تخاطب مباشرة وكيل ~~وزارة الأشغال الإنكليزي الذي يستخدم سكرتيرا إنكليزيا فلا تمر أوراق السودان بديوان ~~الإدارة المصرية»! أما كفانا دليلا على حقيقة الواقع ما قاله المستر توتنهام لبعض ~~الصحافيين بعد عودته من أعالي النيل أنه اتفق مع ولاة الأمر في الأوغندا على أن يسمحوا بأخذ ~~الأرصاد على بحيرة ألبرت لمعرفة مناسيب المياه التي تهم مصر؟ # أهذا ما يعتبرونه الرقابة على مياه النهرين الكبيرين؟ إنا لا ننسى أعمالهم، ولا يمكنا أن ~~ننسى أن الوزارة العدلية أمرت بإيقاف البناء في القناطر الكبيرة في السودان إلى أن تتم ~~المفاوضة بين مصر وإنكلترا، فلم يحترم حاكم السودان هذا القرار، وبينما كان الوفد الرسمي ~~يفاوض اللورد كرزن ووزير الأشغال المصرية إلى جانبه أرسل ذلك الحاكم تلغرافا بإهمال قرار ~~الحكومة المصرية وبمواصلة العمل في خزان مكوار الذي أوشك أن ينتهي. # فهل هذه هو احترام رأي الحكومة المصرية في مياه النيل؟ ~~••• # على أن اللسان مهما ضبط وعقل فهو ينم عن الأفكار وما تكن الصدور، فقد نمت ألسنتهم ~~عليهم وعما يضمرون بقولهم «في مارس 1922 كتب وزير الأشغال إلى سلطة كبرى - يريدون ~~الوكالة البريطانية - بأن وزارة الأشغال ترغب في مساعدة حكومة السودان في تذليل العقبات ~~القائمة في سبيل مشروع الري هناك ... إلخ» فنحن نعرف أن وزارة الأشغال صرحت بري 20 ألف ~~فدان كما قالوا، ولكنه لم يزرع من هذه المساحة حتى الآن سوى 12 ألف فدان فماذا تكتب وزارة ~~الأشغال يا ترى عندما تكون حكومة السودان قد زرعت 300 ألف فدان، وهي المساحة التي ~~يهتمون الآن بإنجاز الشطر الأول من ترعها؟؟ إن كل ما تعرفه وزارة الأشغال أنها سمحت ~~بري 20 ألف فدان فقط فمن سمح بري 300 ألف فدان وهم ينوون الزيادة الآن. # وكيف يصح أن تكون لمصر اليد العليا على مياه السودان وهم يقولون إن ذلك الموظف الكبير ~~الذي قام مقام وزير ms078 الأشغال إبان غيابه كتب إلى «السلطة التي تعتبر وسيطة بين الحكومتين ~~المصرية والسودانية» فهل من طريقة لفصل السودان عن مصر أكبر من هذه الطريقة، وهل من سلطة ~~تعطى تلك السلطة الكبرى فوق هذه السلطة؟ فالوكالة البريطانية إذن هي الحكم في ماء النيل، ~~ومتى كانت كذلك فهي المسلطة على مصر والسودان معا. # إنا نتساءل عن ذلك لأن حياة هذه الأمة ليست قصيرة المدى، بل هي حياة خالدة تتجدد. # ونحن لا ننظر إلى اليوم الذي نعيش فيه بل إلى المستقبل الذي يضطر فيه أبناؤنا إلى طلب ~~الرزق. # بل ماذا يعنون بقولهم: «وكذلك كان في مشروع ري الجزيرة الذي يقصد منه إرواء 300 ألف فدان، ~~فإن الحكومة لم تقدم عليه إلا بعد مصادقة الحكومة المصرية التي لها مهندسون يرقبون ~~المشروع المذكور الخاص بحكومة السودان، وهم مسئولون أمام الحكومية المصرية عن نتيجة ~~أعمالهم، ويتناولون رواتبهم من خزانة مصر، أما نفقات المشروع فمن القرض الذي عقد في ~~إنكلترا.» # فهل باستطاعة أحد ممن في الأرض أو السماء أن يقول لنا من هي الحكومة المصرية التي سمحت ~~بإرواء 300 ألف فدان في الجزيرة؟ ومتى كان هذا السماح وما هي صيغته. أم أن هذا يعد شطرا من ~~التقارير السرية؟ وإذا كانت الحكومة أمضت هذا التصريح فبأية سلطة أمضته؟ # بل من هم المهندسون المصريون الذين يراقبون المشروع وهم مسئولون أمام الحكومة ~~المصرية؟ # إن هذه الكلمة لا يقصد منها في الحقيقة إلا تحليل الماهية الضخمة التي تدفعها خزانة ~~الحكومة المصرية لأولئك المهندسين الذين يخاطبون وكيل الأشغال الإنكليزي، ولا تعرف الوزارة ~~المصرية الوطنية شيئا عنهم. # يقولون: إن تلك الأعمال التي يؤخذ بها الماء لثلاثمائة ألف فدان ينفق عليها من القرض الذي ~~عقدض في إنكلترا، ونسوا وأغفلوا عمدا أن يقولوا إن مصر تنفق جزءا من المال على هذا ~~المشروع كأنما مال مصر حل هضمه وأكله، وأما مال سواها فهو يسجل دينا على السودان ~~دون علم مصر. # إن مصر أقرضت السودان المال من يوم استعادته بمالها ودماء أبنائها إلى اليوم. فلماذا لم ~~يكن ms079 الإنفاق على هذه الأعمال من قروض مصر؟ ولماذا لا تحسب قروض مصر إلى جانب هذا ~~القرض؟ # بل ما قيمة سبعة ملايين جنيه هي القرض الإنكليزي في جانب ما أنفقت مصر في الماضي، وما ~~تنفق الآن، وما ستنفق في المستقبل؟ ~~••• # أما تفتيش الري الذي قالوا إن مصر تنفق عليه من خزانتها وعمله «الرقابة على المياه» فهو ~~مؤلف من الإنكليز وحدهم دون شريك لهم، وأي داع كان يدعو إلى إنفاق الأموال الطائلة ~~والسودان لا يزرع ولا يروي ريا دائما سوى 12 ألف فدان؟ # فاسألوا هذا التفتيش المبارك هل دل مصر وحكومة مصر في الوقت المناسب على حالة الفيضان، ~~وهل أرشدها إلى الغرق أو إلى الشرق حتى تتخذ الحيطة لهذا ولذاك؟ وهل جمع لمصر المعلومات ~~حتى تتذرع بالوسائل النافعة في الوقت المناسب؟ # إن في تقرير السير مكدونالد الذي نشر في 25 فبراير 1920 والذي قامت له القيامة يوم قضية ~~السير ويلكوكس الأرقام التي دلت على أن خزان جبل الأولياء غير ممكن ملؤه وإيصاله إلى ~~المنسوب المقرر، وأنه عند البدء في ملئه في أول الفيضان يؤثر على حالة النهر حتى يتعذر ~~على الفلاحين في صعيد مصر زراعة الذرة قبل نهاية شهر مسرى. فمن كان له أقل إلمام بأحوال ~~الزراعة في هذا البلد يعرف ويدرك ما يترتب على ذلك من الضرر بمحصول الذرة، ثم بعد ذلك ~~بالزراعة الشتوية؛ لتأخر مياه الفيضان عن دخول الحياض. # على أن الإنكليز الذين كانوا يخفون بالأمس مقاصدهم وغاياتهم ويغطونها باسم مصر ومصلحة ~~مصر، قد كشفوا الآن الستار عن تلك المقاصد فلم يبق وجه للانخداع بأقوالهم أو بوعودهم، ~~فقد رأينا اللورد ملنر يهمل في مذكرته إلى الوفد المصري ذكر السودان والاتفاق بشأنه بوصفه ~~جزءا من مصر، وبوصف مسألته شطرا من المسألة المصرية، فقال في مشروعه الأول الذي عرضه على ~~الوفد المصري في البند الثالث عشر: «تكون مسألة السودان موضع اتفاق خاص» وقال في كتابه ~~إلى عدلي باشا في 8 أغسطس 1920 عن سبب إهمال ذكر السودان في الاتفاق «إن موضوع السودان ms080 الذي ~~لم نتناقش فيه قط نحن وزغلول باشا وأصحابه خارج بالكلية عن دائرة الاتفاق المقصود لمصر، فإن ~~البلدين يختلفان اختلافا عظيما في أحوالهما، ونحن نرى أن البحث في كل منهما يجب أن يكون ~~على وجه مختلف عن وجه البحث في الآخر أن السودان تقدم تقدما عظيما تحت إدارته ~~الحالية المؤسسة على مواد اتفاق 1899 فيجب والحالة هذه ألا يسمح لأي تقييد يحصل في حالة مصر ~~السياسية أن يوقع الاضطراب في توسيع نطاق تقدم السودان وترقيه على نظام أنتج كل هذه ~~النتائج الحسنة. # على أننا ندرك من جهة أخرى أن لمصر مصلحة حيوية في إيراد المياه الذي يصل إليها مارا ~~بالسودان، ونحن عازمون أن نقترح اقتراحات من شأنها أن تزيل هم مصر وقلقها من جهة كفاية ~~ذلك الإيراد لحاجاتها الحالية والمستقبلة.» # وهذه الاقتراحات التي أشار إليها اللورد ملنر بسطها اللورد كرزون للوفد الرسمي في ~~مذكرته بتاريخ 10 نوفمبر 1921 بقوله: # حيث إن رقي السودان السلمي هو من الضروريات لأمن مصر ولدوام موارد المياه لها ~~تتعهد مصر بأن تستمر في أن تقدم لحكومة السودان نفس المساعدات الحربية التي كانت ~~تقدم إليها في الماضي، أو أن تقدم بدلا من ذلك لحكومة السودان إعانة مالية تحدد ~~قيمتها بالاتفاق بين الحكومتين. ا.ه. # فهم يطلبون من مصر صراحة ثمن المياه التي تمر بالسودان إلى مصر، ويخيرونها بين أمرين؛ ~~فإما أن تدفع هذه الثمن مالا عينا، وإما أن تقدم قوة عسكرية تقوم مقام البوليس في السودان ~~لأن الإنكليز حولوا الجيش المصري إلى قوة بوليس بسيطة، وهم الآن قد حولوا أكثره إلى قوة ~~سودانية كما نبين ذلك في مقال خاص. # | هوامش # | القبض على نواصي الأمم بالماء والبوليس # يتلاعبون بالسودان، ويدعون ادعاء باطلا أن لوزارة الأشغال المصرية حق الإشراف على ~~ماء النيل والتصرف به، ويعتبرون الوكالة الإنجليزية بالقاهرة «الوسيط» بين مصر والسودان ~~فيعطونها باسم الوساطة السلطة على ماء النيل، ويعدون على السودان القروض المالية لبناء ~~الخزانات لري 300 ألف فدان، ولا يحسبون لمصر شيئا مما دفعت من الأموال ولا ms081 تزال تدفع ~~إلى الآن، ويدعون ملكية البلاد باسم أموال الشركات وليس للشركة إلا منفعة ما ملكت، ~~ويدخلون الأوغندا في الإشراف على ماء النيل ويعدونها «قوة ثالثة» حتى جعلوا ماء النيل في ~~نظرهم مشاعا بين مصر والسودان والأوغندا، وقد يدخلون الحبشة غدا «قوة رابعة» فيزداد إشراف ~~إنكلترا وحدها على هذه القوى الثلاث أو الأربع، ثم توقع بين هذه الأقطار لتظل لها سلطة ~~الحكم. إن الإنكليز سائرون معنا على الطريقة التي اتبعوها في الهند، فالواجب علينا أن نعرف ~~غرضهم وأسلوبهم؛ لنعرف كيف نحفظ حقوقنا، وكيف نحول دون لعبهم بنا، وكيف نتمسك بملك السودان ~~الذي إذا ضاع ضاعت لضياعه مصر وثروتها واستقلالها الذي نمني النفس به ونجاهد ونكافح في ~~سبيله. # الهند بلاد ذات مدنية قديمة معروفة بالتاريخ كمدنية المصريين. دخلها الإنكليز بشركة ~~تجارية تسمى «شركة الهند الشرقية» وهي إذا قورنت بشركة استثمار أراضي الجزيرة في السودان ~~كانت شديدة الشبه بها بل كانت هي هي. فتلك الشركة التجارية التي دخلت الهند صعب عليها ~~في حين من الأحيان مواصلة عملها فاشترتها الحكومة الإنكليزية، فصارت أملاك تلك الشركة ~~«أرضا للتاج» وهذه الأرض «أرض التاج» ليس فيها راجات ولا أمراء وهي محوطة بعدة مقاطعات ~~مستقلة كحيدر آباد وبلوخستان، وفيها مندوب سام بريطاني كما نحن نرى الآن في السودان ~~والأوغندا وفلسطين، وأن يكون حاكم السودان وسردار الجيش المصري لا يلقب بالمندوب فإنه ~~بسلطته العليا على السودان وهي سلطة مستمدة من حكومة جلالة الملك، ألغى قرارا أصدرته حكومة ~~مصر بإيقاف العمل بخزان مكوار. فحدث أن المندوب السامي في المقاطعة الهندية المستقلة طلب ~~السماح له بتحويل المياه الضائعة بمقاطعة إلى جهة أراضي التاج؛ لإحيائها ولنفع الأهالي ~~ممن هم تحت رعاية جلالة الملك بها، فتم لهم ما يريدون؛ لأنهم هم الذين يطلبون وهم الذين ~~يعطون، ومهمة المندوب السامي في الهند كحكم بين المقاطعات. # وإليك نبذة مما كتبته مجلة المهندسين الهندية عن مشروع يسمى مشروع باريار، وهو أكبر مشروع ~~للري بالهند، فقالت في 12 أغسطس 1922 عن هذا المشروع: ~~«إن مشروع «باريار» ms082 لهو أكبر مشروع للري في الهند فلم يكن يستفاد في ما مضى من ~~المياه الغزيرة في أراضي حكومة ترافانكور؛ لأن نهر «باريار» كان يجري من منبعه إلى ~~مصبه في البحر دون أن تجتنى أدنى فائدة كبيرة من مياهه؛ فحكومة مدارس أدركت فوائد ~~هذا النهر الجسيمة ففاوضت حكومة ترافنكور بشأنه للتوصل إلى اتفاق للاستفادة من ~~المياه الضائعة، وفي النهاية تم الاتفاق بينهما، ورضيت حكومة ترافنكور بإنشاء سد ~~وحوض عظيم على النهر تتحول به المياه إلى مقاطعات واسعة واقعة في المنطقة ~~البريطانية. # وكان المشروع عظيما أنفق عليه ملايين من الروبيات، وعندما أكمل ظهر أنه خير ~~وسيلة للاستفادة من ملايين الأطنان من المياه التي تجري إلى مقاطعات يسكنها ألوف من ~~الناس، ويستخدمونها للزرع والضرع. # وقد أنشئ السد في 7 سنوات فتم إنشاؤه سنة 1895. # وتروي مياه هذا السد أراضي واسعة جدا تحولت من صحراء جدباء إلى مروج خصبة، ولم ~~يكن هذا المشروع ثروة عظيمة للمزارعين فقط؛ بل كان عملا ماليا جليلا، وقد بدأت ~~أرباحه بالظهور منذ ابتدائه تقريبا، وما زالت في ازدياد متواصل، وزادت في سنة ~~1915-1916 على مائه ألف روبية، وكان دخله نحو # في المئة، وهكذا نرى أن مشروع «باريار» لم يقتصر على إحياء ألوف ~~من الأفدنة من الأرض الموات؛ بل عاد على الحكومة بأرباح النفقات التي أنفقتها» ~~ا.ه. # أفلا يشتم القارئ من ذلك رائحة مشروع الجزيرة، وتحويل أحد النهرين الكبيرين إليه برضا ~~المندوب السامي الذي وصفوه بأنه خير وسيط بين مصر والسودان كما فعل المندوب السامي بين ~~باريار وترافنكور. ~~••• # لا ننسى أن إنكلترا تذرعت قبل اليوم بكل الوسائل ليكون مكتشفو ينابيع النيل من الإنكليز ~~على نفقة الحكومة المصرية؛ لأنها كانت ترمي بأنظارها إلى مصر منذ أخرجت منها ناپوليون سنة ~~1798، ومنذ فسخت معاهدة أميان سنة 1805، فأطلق صموئيل باكر والذين تقدموه اسم ملكتهم وولي ~~عهدهم على منابع النيل كبحيرة فيكتوريا وبحيرة ألبرت نيانزا، لا احتراما لملكتهم وزوجها ~~فقط؛ بل لتظل هذه الأسماء راسخة في أذهان الشعب الإنكليزي يشعر بأنه ورثها عن آبائه وأجداده ~~لا ms083 يجوز أن ينازعه فيها منازع، وإذا كان بعد النظر في الأفراد فضيلة فإنه في سياسة الدول ~~والأمم من أجل الفضائل وأسناها وأسماها، فالإنكليز لم يكتفوا بما تقدم بل زادوا عليه ~~بعد احتلال السودان محو أسماء المصريين كإبراهيم وإسماعيل وغيرهما بعد أن أطلقت على الأنهر ~~والبحيرات والمدن والمواقع والقلاع والحصون التي أقامها المصريون في تلك البقاع والأصقاع ~~فصارت إنكليزية بعد أن كانت مصرية فامحت من تلك البلاد أسماء المصريين وحلت محلها ~~أسماء الإنكليز. # وإذا ما أردنا شاهدا أجنبيا غير تاريخ الإنكليز في مصر والهند والسودان فلدينا كتاب ~~أوجين أوبين في «الإنكليز بالهند ومصر» بعدما صرف هذا الباحث السنين الطوال في الهند وصرف ~~مدة غير قصيرة في مصر، فقال في الصفحة 217: «إن مصر إقليم زراعي قوام حياته ووجوده الري، ~~والمصريون شعب هادئ، يعرف الإنكليز عنهم ذلك، وقد دلهم طول الاختبار في بلاد الهند على ~~أقوم طريق وأسهل سبيل في حكم المصريين، فوضعوا منذ الساعة الأولى يدهم على الري وعلى ~~البوليس، فبواسطة البوليس والري استعبد الإنكليز مصر.» # وهذا الكلام يذكرنا بأقوال صحفهم وجرائدهم عندما هبت البلاد لطلب استقلالها، فقد قالوا إن ~~كل استقلال تناله مصر إن هو إلا مهزلة ما دام السودان في قبضة يدنا، وهم يعنون بالسودان: ~~الري ومنبع حياة مصر. ~~••• # وإذا نحن ألقينا نظرة على الحالة الحاضرة نجد أن الإنكليز تمسكوا منذ الساعة الأولى بأن ~~يكون «حكمدارات» القاهرة والإسكندرية والقناة، وهي أمهات المدن، من الإنكليز كما تمسكوا ~~بالسودان (منبع النيل). # وإذا نحن ألقينا نظرة أخرى على مصلحة الري في مصر ذاتها نجد - كما قلنا قبل - أن وكيل ~~الوزارة الإنكليزية هو الذي يتلقى أنباء الري بالسودان دون سواه، ونجد العنصر المصري بالري ~~أحط مقاما مما كان عليه قبل الحرب. # فالمفتش في خزان أسوان إنكليزي ووكيله إنكليزي، والمفتش بقنا مصري ووكيله إنكليزي، وكذلك ~~في قناطر أسيوط وري زفتى بالمنصورة، ومفتش القسم الثالث في الإسكندرية إنكليزي ووكيله ~~إنكليزي، وكذلك في القسم الثاني بطنطا وفي القسم الأول بالقاهرة وقسم الخيرية والقسم الرابع ~~ببني سويف. # ونجد ms084 في تفتيش عموم ري الوجه القبلي المفتش العام مصري ووكيله إنجليزي، وفي عموم ري الوجه ~~البحري المفتش ووكيله إنكليزيان، وهؤلاء جميعا باقون حتى سنة 1927. # إن الإنكليز كما قال أوبين أوجين قد جعلوا الري غلا في عنق مصر وقيدا في رجلها دون ~~الاستقلال، فالذين وكلتهم الأمة بطلب استقلالها موكول إليهم البحث عن هذا الاستقلال بكل ~~أجزائه، والأمة من ورائهم تسند ظهورهم وتؤيدهم كل التأييد. # | مشروعات الري الحديثة في وادي النيل والإيراد المائي اللازم لريه # (1) بيان السر مردوخ مكدونالد مستشار الأشغال # كتب السر مردوخ مكدونالد مستشار وزارة الأشغال مذكرة عن الإيراد المائي اللازم لري ~~الأراضي المصرية، وتكلم فيها بالتفصيل عن تقدم الزراعة وطرق الري، وهي المذكرة التي ~~انبرى المهندسون لتفنيدها، وهي مع ذلك تدلنا على أن سد مكوار لا يفيد مصر بل يضر ~~بها، وإليك نص المذكرة: # إن كيفية جعل المقدار الطبيعي لمياه النيل وافيا في جميع موسم السنة مما ~~يتطلبه تقدم الزراعة التي كانت ولا تزال نصب أعين القائمين بشئون الري في القطر ~~المصري، وقد تقدمت الزراعة تقدما عجيبا خلال القرن الماضي الذي شهد ~~تحويل الوجه البحري من نظام الري القديم نظام ري الحياض بمحصوله السنوي الوحيد، ~~إلى النظام الحديث الري الصيفي الذي معه تستطيع الأرض أن تنتج في المتوسط ~~محصولين في السنة أحدهما محصول القطن الثمين، وشهد القرن الماضي أيضا تحقيق ~~تلك الفكرة الباهرة فكرة قناطر الدلتا واستخدامها فيما بعد للري. # أما في القرن الحالي فالتقدم في توسيع أراضي مصر الزراعية ازداد ازديادا ~~عظيما؛ إذ في غضون الفترة القصيرة التي انقضت منه تم إنشاء خزان أسوان ~~الأول وقناطر أسيوط وزفتى وإسنا والسدود الغاطسة التي عند قناطر الدلتا وخزان ~~أسوان الثاني أو بعبارة أخرى تعلية الخزان الأول. # ولما كانت مصر بلدا زراعيا محضا كان ازدياد السكان العظيم الذي بدأ في ~~العقود الأخيرة من القرن الماضي ولا يزال مستمرا إلى الآن - عاملا سريعا ~~جعل التسهيلات المتزايدة لإنتاج الحاصلات لا تكاد تفي بحاجاته. # وبناء عليه ما كاد يتم آخر الأعمال العظيمة المذكورة آنفا ms085 حتى قضت الحاجة ~~بالشروع حالا في طائفة جديدة؛ لكي تزيد حاصلات البلاد نماء بمعونة إيراد من ~~المياه أكثر وفاء بالمطلوب. # وقد جاء في تقرير وزارة الأشغال لسنة 1914 بيان إجمالي لطائفة أعمال من هذا ~~القبيل، والغرض من هذه المذكرة أن تكون بمثابة شرح أوفى لهذه المشروعات. ~~ا.ه. ~~(1-1) رأي سري باشا # وقد كتب حضرة صاحب المعالي تحت هذه المقدمة ما يأتي: # إن المشروعات الوارد وصفها في الصفحات التالية هي المشروعات التي درستها ~~مصلحة الري بمباشرة السر مردوخ مكدونالد وتناقشت فيها معه مرارا، وقد ~~وافقنا معا على تلك المشروعات بالشكل المقدمة فيه الآن، ولي الأمل أن ~~الحكومة ستوافق عليها، وتضعها موضع التنفيذ في الوقت اللازم. # في 23 فبراير سنة 1920. # الإمضاء: إسماعيل سري ~~(2) العودة إلى مذكرة مستشار الأشغال ~~(2-1) الباب الأول # الحاجة إلى الماء في المستقبل وشدة هذه الحاجة، ضرورة التوسع في أرض ~~الزراعة ~~«ليس إيراد المياه الصيفي في النيل في جميع السنين تقريبا بكاف لتمام ~~القيام بري الأراضي المتوقفة زراعتها عليه في الوقت الحاضر، وهناك في الوقت ~~ذاته حاجة ماسة إلى التوسع في الزراعة بإدخالها في مناطق جديدة لا تزال إلى ~~الآن في حالة البوار لعدم توفر المياه. # وهذه الحاجة ناشئة عن ضغط تزايد السكان السريع؛ إذ بلغ عددهم في الأربعين سنة ~~الأخيرة نحو مثلي ما كان عليه من قبل، مع أن الزيادة في مساحة الأراضي ~~المنتجة لم تجار هذا النماء بحال من الأحوال. # ويقدر هذا التزايد الآن بنحو 200000 نسمة كل عام، ولما لم تكن مصر إلا ~~بلدا زراعيا وجب أن يسير التوسع في الزراعة بسرعة معادلة لسرعة نماء ~~السكان إلى أن يبلغ هذا التوسع منتهاه. # إذن فالحاجة شديدة الآن إلى زيادة الضبط في التصرف بمياه النيل لغرضين؛ ~~أولهما: منع الخسارة الفادحة التي تكاد تحدث كل عام بسبب قهري وهو ضيق نطاق ~~الزراعة، والثاني: تدبير كمية المياه الإضافية اللازمة للنماء. # وقبل البت فيما هي أعمال الضبط هذه وما موقعها وما مقدارها يجب بادئ بدء ~~التأكد من مساحات الأراضي التي ستستمد ms086 المياه من النيل في كل عقد من السنوات ~~حتى تبلغ مساحة الزراعة غايتها القصوى. # مساحات الزراعة في مصر # تتضمن حدود مصر السياسية متسعا عظيما من الأراضي، إلا أن معظمها صحراء ~~رملية واقعة بوجه عام على منسوب أعلى من النيل بكثير. # أما مصر الحقيقية والصغيرة في ذاتها فيجوز في وصفها بأن يقال بالحرف الواحد: ~~«النهر الذي هو مصر» أي الأرض المتكونة من راسب الفيضان السنوي المتشبع بالطمي، ~~ومعظم هذه الأراضي هي الدلتا أو مصر السفلى، وهي على شكل مثلث رأسه عند القاهرة ~~وقاعدته على البحر، ومساحتها 4800000 فدان منها 3000000 من الأفدنة ~~مزروعة. # وفي امتداد النيل من القاهرة جنوبا إلى أسوان وهي الحد الجغرافي لمصر العليا ~~يجري الماء في منشق واسع في هضبة أفريقيا الشمالية؛ حيث تخلفت منه مساطيح متسعة ~~من التربة تبلغ مساحتها نحو مليونين وخمسمائة ألف فدان يزرع منها الآن 22000000 ~~فدان، وبذا يكون إجمالي مساحة جميع الأراضي النيلية المتكونة في مصر نحو ~~7300000 فدان، منها نحو 5200000 فدان مزروعة فعلا الآن، ومن هذا الإجمالي ~~1200000 فدان «في الوجه القبلي.» # يسري عليها نظام ري الحياض ذي المحصول السنوي الواحد، والباقي يروى ريا ~~صيفيا وينتج بوجه عام محصولين في السنة. # فيتبين مما تقدم أن مساحة الأراضي النيلية التكوين المتيسرة للزراعة هي ~~7300000 فدان إلا أنه لا ينتظر أن يخصص منها للزراعة سوى 71000000 فدان؛ لأن ~~مساحات معينة (نحو 200000 فدان) في منطقة البحيرات بالوجه البحري يجب أن تخصص ~~لتربية الأسماك، وبذا تقدر النهاية العظمى لما يمكن زيادته من المساحة للزراعة ~~بمصر بنحو 1900000 فدان في حين أنه فضلا عما ذكر توجد في الوقت ذاته 1200000 ~~فدان يجب اعتبارها محولة من نظام ري الحياض إلى نظام الري الصيفي. # مقادير المياه اللازمة لمصر # والخطوة الثانية في حل المسألة هي حساب كمية المياه التي تستنفدها المساحات ~~الحالية كل سنة، وبذا يمكن تقدير حاجات المستقبل. # ففي جميع العصور الخالية حتى عهد ليس ببعيد كان عدم الانتظام في جريان فيضان ~~النيل سببا لتعاقب السنوات السمان ms087 والسنوات العجاف في مصر، فعندما كان ~~الفيضان شحيحا كان يحدث نقص في المحصول، ولكن هذا النقص لم يكن ناشئا عن قلة ~~مقدار المياه اللازم في النهر؛ بل عن أن منسوب المياه لم يكن من الارتفاع ~~بالدرجة الكافية لأن تجعلها تفيض على جانبي النهر، أو بعبارة أدق تسيل في الترع ~~المغذية لمناطق الحياض. # أول طريقة اتخذت للتغلب على هذه العقبة: هي إطالة هذه الترع، ونقل ~~أفمامها إلى نقاط مواقعها على النهر أعلى مما كانت عليه من قبل. # وحدث تغيير كبير في السنوات الأولى من القرن الماضي حين أدخل محمد علي باشا ~~النظام الحالي بتحويل الوجه البحري من ري الحياض إلى الري الصيفي، وبه كاد يكون ~~من الممكن في المساحات التي سرى عليها هذا النظام أن ينتج حاصلان اثنان كل سنة ~~بدلا من الواحد الذي هو نتيجة النظام القديم. # وبسبب هذا التغيير صارت الضرورة أدعى ما تكون إلى الحصول على تحكم تام في ~~ضبط جريان النيل، وإلى إنشاء أعمال موازنة يمكن بها في أي وقت من أوقات السنة ~~الوصول بالدقة إلى منسوب المياه اللازم لملء الترع. # وينبغي أن نلاحظ أن كثافة الزراعة ليس على وتيرة واحدة في جميع أنحاء القطر ~~المصري، وأن المساحات المزروعة لا تتطلب في كل مكان قدرا واحدا من الماء لكل ~~فدان، وأسباب هذا هي في الغالب اختلافات المناخ، وأن المناطق التي هي أقرب إلى ~~الجنوب تكاد تكون بأكملها إلى الآن قاصرا ريها على نظام الحياض. # ففي المستقبل حتى لو لم يحصل توسع في الزراعة بإدخالها في مناطق جديدة وهو ~~أمر لا يمكن تصوره في حد ذاته ستكون كميات المياه المطلوبة وتوزيعها طول مدة ~~السنة على المساحات المزروعة الآن عرضة للتغير حسب التدرج في تحويل ~~المساحات الباقية من أراضي الحياض في الوجه القبلي من نظامها إلى نظام الري ~~الصيفي، وسيكون تحويل معظمها بالطريقة المألوفة في الوجه القبلي، وسيكون ريها ~~بالراحة إما بمرور كل المياه اللازمة لها من قناطر إسنا الحالية وإما بمرور ~~بعضها من هذه القناطر والبعض الآخر من ms088 قناطر تنشأ عند نجع حمادي، وتبقى بعدئذ ~~مساحات صغيرة معينة ستستمد المياه الصيفية اللازمة لريها بالراحة من آلات ~~رافعة تنشأ لهذا الغرض. # وتدل التجارب على أن البلاد يلزمها في الوقت الحاضر نحو 33000 مليون متر مكعب ~~سنويا لري أرضها ريا كافيا لفلاح حاصلاتها؛ إذ في سنة 1913-1914 التي كان ~~فيها انخفاض الفيضان خارقا للعادة مر بأسوان بين يوليو سنة 1913 ويونية سنة ~~1914 نحو 41000 مليون متر مكعب من المياه، وسيتضح أن هذا المقدار من المياه وهو ~~أقل ما دون حتى الآن كان أكثر مما يكفي للقيام بجميع المطالب الحقيقية لو ~~أنه وزع طول السنة حسب حاجات الزراعة، ولكن التوزيع كان بطريقة غير متساوية ~~بحيث مرت المياه بلا حساب إلى البحر في فترة معينة في حين أنه في فترة أخرى ~~حصل عجز حقيقي، أما الزيادة في فترة معينة فيمكن تعديلها كثيرا في سنة رديئة ~~كالسنة المذكورة، ولكن لا يمكن منعها بتاتا نظرا إلى عنف قدوم فيضان النيل ~~الأزرق المتشبع بالطمي. # وبمجرد الاطلاع على الجدول الآتي يتبين الحال: # جدول 1 # سنة 1913-1914 حقيقة المقادير المنصبة في النهر عند أسوان # المقادير اللازمة للزراعة الحالية بدون تقييد # الزيادة # العجز # من يولية إلى ديسمبر # 32000 مليون متر مكعب # 22000 مليون متر مكعب # 10000 مليون متر مكعب # من يناير إلى يولية # 9000 مليون متر مكعب # 11000 مليون متر مكعب # 2000 مليون متر مكعب # الإجمالي في السنة # 41000 مليون متر مكعب # 33000 مليون متر مكعب # 8000 مليون متر مكعب # لولا خزان أسوان لكانت مكعبات المياه الحقيقية أكثر مما هو مبين بنحو 2000 ~~مليون متر مكعب في الفترة بين يولية وديسمبر، وأقل منه بنحو هذا المقدار في ~~المدة من يناير إلى يونية. # وفضلا عن تدبير الماء اللازم لسد العجز المبين بعاليه بواسطة الخزن وأعمال ~~الموازنة يقتضي الحال أيضا القيام بالمطالب التي سيستلزمها التوسع الذي ~~سيحصل لا محالة في المساحات الحالية من حيث كمية المياه وأوقات السماح ~~بها. # وبالنظر إلى قلة الضبط لم يتيسر لمصلحة الري فيما مضى ms089 الترخيص بتوسيع ~~الزراعة على الوجه الذي كان يرغبه الجمهور، ومع هذا فمنذ سنة 1882 تقريبا زادت ~~المساحة المزروعة في مصر نحو 1000000 من الأفدنة تقريبا. # وفي هذه الفترة عينها تم تحويل معظم الأراضي التي تروى الآن ريا صيفيا ~~بالوجه القبلي أي نحو 1000000 من الأفدنة بعد أن كانت تروى من قبل بطريقة ~~الحياض. # وبفضل الأعمال الآتي بيانها يسهل في المستقبل الحصول على المياه اللازمة ~~لتوسيع نطاق الزراعة والتدرج المعقول في تنفيذ مطلب الجمهور من حيث استصلاح ~~البور يقدر ب 60 ألف فدان سنويا في المتوسط، ومن حيث تحويل ري الأراضي في ~~الوقت ذاته من نظام الحياض إلى نظام الري الصيفي ب 40000 من الأفدنة في العام ~~الواحد. # فإذا أمكن الاحتفاظ بهذين التقديرين في التوسع تيسر لمصر الوصول إلى غاية ~~نموها الزراعي في ظرف 30 عاما من الآن. # المساحات الزراعية بالسودان وما تتطلبه من المياه # إن المنشق الذي يجري فيه النيل هو في السودان من حدود مصر إلى الخرطوم أضيق ~~منه في الوجه القبلي والمساحات التي يرسب فيها الطمي في تلك المنطقة أقل منها ~~في الوجه القبلي. # ومن المشكوك فيه ما إذا كان السكان في الأيام الغابرة وصلوا إلى درجة في ~~التضامن تمكنهم من الزراعة بنظام ري الحياض، والأرجح أن كل ما كانوا يفعلونه هو ~~الاستفادة بالجريان الطبيعي لمياه النيل، والاستعانة معه بالمجهود الفردي ~~باستعمال كل مزارع ما تيسر له من الآلات الرافعة العتيقة. # أما في الأزمان الأقرب عهدا بنا فقد زرعت بضع مساحات صغيرة بطريقة ري ~~الحياض، ولكن لم يقر الرأي على التوسع في الزراعة إلا في أوائل القرن الحالي ~~حيث أدخل نظام الري الصيفي لأول مرة إلا إذا استثنينا بضعة أفدنة متفرقة هنا ~~وهناك. # وجنوبي الخرطوم حيث يبتدئ التفرع الرئيسي للنيل يخترق النيل الأزرق سهلا ~~مترامي الأطراف أرضه كثيرة التعرض لهبوب الرياح. # وربما كانت الأرض الواقعة عند مجتمع النهرين أثمن بقعة في ذلك السهل؛ لأن ~~زراعتها خصبة إلى حد ما منذ أجيال بعيدة بفضل قليل المطر الذي يصيبها كل ms090 ~~سنة. # وفي سنة 1903 شرعت حكومة السودان في القيام بتجارب لمعرفة ما إذا كان من ~~الممكن بواسطة الري إنتاج حاصلات قابلة للتصدير كالقمح والقطن والسكر ... إلخ. ~~فرؤي أنه لأجل الحصول على نتيجة مرضية قد تدعو الحاجة إلى استعمال مياه الصيف، ~~ولكن لما كان الإيراد المتيسر منها محدودا بحد لا يمكن تخطيه فقد أبرم اتفاق ~~بين الحكومتين المصرية والسودانية على تعيين مقدار أراضي السودان التي يجوز ~~ريها بالمياه الصيفية بجعله 10000 فدان، ومما ساعد على جعل هذا الاتفاق ممكنا ~~هو إنشاء خزان أسوان الذي أصبح به مركز مصر أكثر ضمانا في نيل الفيضانات ~~المنخفضة مع حفظ الحق في تعديل هذا الاتفاق عندما تضبط مياه النيل أكثر مما هي ~~عليه، ويصبح إيراد المياه للقطرين أوفر كما حصل فعلا في سنة 1912 حين علي ~~خزان أسوان وزيدت مساحة الصيفي في السودان إلى 20000 فدان وإلى الآن (سنة 1919) ~~لم ينتفع تماما بهذا الحق الذي يخول زرع 20000 فدان زراعة صيفية، ومع هذا ~~فحكومة السودان تهيئ الآن مشروعا يرمي إلى استثمار 300000 فدان في القريب ~~العاجل يتطلب نحو الثلث من المياه في ربيع كل سنة، وهذا المشروع ممكن لأن كلا ~~القطرين يدبر أمر الحصول على إيراد أوفر من المياه. # هذا هو البرنامج العاجل، ولكن هناك مشروعات كبرى مؤجلة للمستقبل؛ لأن مساحة ~~ال 300000 فدان ما هي إلا وحدة مساحات يبلغ إجمالها ثلاثة ملايين من الأفدنة ~~تقريبا. قد يكون من المستطاع إنماؤها تحت نظام الري الصيفي حوالي نهاية القرن ~~الحالي. # ولكن قبل ذلك الحين بكثير أي بعد 30 سنة من الآن ستكون مصر قد بلغت غاية ~~شأوها الزراعي، ويكون السودان قد أصلح فيه نحو مليون من الأفدنة فقط، وليس من ~~الضروري النظر في أي إصلاح زراعي آخر في السودان إلا بعد الوصول إلي ذلك الحد ~~حوالي سنة 1955. # الخلاصة # يلخص البيان التالي برقم 2 الاعتبارات السالفة بوجه الإجمال، ويدل على ~~المساحات التي ينتظر تيسرها للزراعة في كل عقد من السنين: # جدول 2: بيان النمو الزراعي المنتظر حصوله في ms091 القطرين المصري والسوداني ~~مقدرا بالفدادين # المساحة ~~المزروعة في مصر # المساحة ~~المزروعة في السودان # نظام الري الصيفي # نظام ري الحياض # نظام الري الصيفي # نظام ري الحياض # المجموع # في الوقت الحاضر # 4 ملايين # مليون و200 ألف # 20 ألف # 80 ألف # 5 ملايين و300 ألف # في سنة 1930 أي بعد إتمام خزان النيل الأبيض بعشرين سنة # 50 مليون # 800 ألف # 320 ألف # 80 ألف # في سنة 1940 أي بعده بعشرين سنة # 6 مليون # 400 ألف # 600 ألف # 7 ملايين # في سنة 1955 أي بعده بثلاثين سنة # 7 ملايين و100 ألف # مليون # 8 ملايين و100 ألف # لا تدخل في هذه الخانة الأراضي التي تغطيها المياه وتنحسر عنها بمجرد ارتفاع ~~وانخفاض النهر حتى ولو كانت فيها زراعة. # مقادير المياه اللازمة # حصلت مصلحة الري من المجلس الزراعي الاستشاري للحكومة على إحصائيات، وعنيت ~~مصلحة الطبيعيات بمقارنتها وتحويلها، وتدل نتيجة هذه المباحث على أن 50000 ~~مليون متر مكعب في السنة تكفي أقصى مطالب القطر المصري في المستقبل، وهي عبارة ~~عن زراعة 7100000 فدان بنظام الري الصيفي، وفي الوقت الذي فيه تكون مصر قد وصلت ~~إلى تلك الحالة النهائية يكون قد استصلح في السودان نحو 1000000 فدان باستعمال ~~نحو 6000 مليون متر مكعب في السنة، وبذا يكون مجموع ما تتطلبه أراضي القطرين من ~~الماء في تلك الآونة نحو 56000 مليون متر مكعب. # وبمساعدة الأعمال اللازمة لضمان مركز مصر في جميع الظروف مضافة إلى الأعمال ~~اللازمة للسودان ذاته يتيسر للنيل سد المطالب التي تقتضيها زيادة التوسع في ~~السودان. # ولا يغيبن عن الذهن عند احتساب كميات المياه اللازمة للسودان أنه نظرا إلى ~~الاعتبارات الجوية قد يستنفد كل فدان على حدته حال كونه مزروعا زراعة معينة ~~قدرا من المياه أكثر مما يلزم لفدان مزروع في مصر بالزراعة عينها، ولكن نظام ~~الزراعة في السودان مع هذا تراعى فيه بنسبة عظيمة من البوار. # وهذان العاملان (أكثرية الحاجة إلى الماء في كل زراعة وأقلية كثافة الزراعة ~~في ذاتها) غير متكافئين تماما؛ ولذا يكون ما تتطلبه ms092 زراعة الفدان في الجملة ~~أكثر في مصر منه في السودان. # ومن المقننات المائية والنتائج الملخصة في الجدول # 2 # يتكون الجدول # 3 # الآتي: # جدول 3: بيان تقريبي لمطالب الزراعة الحالية والمستقبلة مقدرة بملايين ~~الأمتار المكعبة # في الحالة الحاضرة # عند تمام نمو مصر الزراعي # من يولية) مصر # 22000 # 30000 # إلى ديسمبر) السودان # 4000 # المجموع # 22000 # 34000 # من يناير) مصر # 11000 # 20000 # إلى يونية) السودان # 2000 # المجموع # 11000 # 22000 # الإجمالي # 33000 # 56000 # تنبيه: # أرقام هذا الجدول مجبورة إلى قرب 500 مليون، وهي تبين مقادير المياه ~~المطلوب وجودها في النهر بعد خزان أسوان ، وقد اعتبرت حاجات السودان في ~~الوقت الحاضر كمية مهملة. # إيراد النهر المتيسر في الوقت الحاضر # إن كميات الماء المتيسرة في سني انخفاض النيل هي التي ينبغي بالطبع أن يعول ~~عليها في القيام بالمطالب المبينة في الجدول # 3 ~~. # ولدينا من مناسيب النهر مدونة يوما يوما في الخمسين سنة الأخيرة ما يلزم ~~لتعيين دورية الفيضانات المنخفضة وكمية مياهها، ويظهر الجدول # 4 # نتائج فحص المعلومات المتيسرة، وبيان التصرف التقريبي عند ~~أسوان في كل من السبع السنوات التي بلغ انخفاض النيل فيها أشده مع مقارنتها ~~بكمية مياه فيضان عام 1914-1915 الذي يوازي تقريبا متوسط فيضان العشرين سنة ~~الأخيرة. # جدول 4: التصرف التقريبي عند أسوان خلف الخزان في كل من السبع السنوات التي ~~بلغ انخفاض النيل فيها أشده أثناء الخمسين سنة الأخيرة. # السنة # الفيضان # الصيف # التصرف # يولية-ديسمبر # يناير-يونية # مليون متر مكعب في السنة # 913-914 # 32000 # 9000 # 41000 # سنة فيضانها أشد الفيضانات انخفاضا فيما يعلم # 899-900 # 49000 # 9000 # 58000 # 907-908 # 49000 # 14000 # 63000 # سنوات شديدة انخفاض الفيضان # 915-916 # 52000 # 13000 # 65000 # 902-903 # 53000 # 14000 # 67000 # سنوات معتادة # 888-889 # 56000 # 12000 # 68000 # انخفاض الفيضان # 877-878 # 58000 # 13000 # 710000 # 914-915 # 70000 # 14000 # 84000 # وهي سنة فيضانها منخفض قليلا عن المتوسط # تنبيه: # إن شدة انخفاض فيضان سنة 1913 كانت خارقة للعادة، عرف أن أقرب فيضان إليه ~~في الانخفاض زاد عنه في كمية الماء بنحو 50٪ في الوقت الذي كان اختزان ~~الماء فيه مطلوبا ms093 أي من يولية إلى ديسمبر (والغاية داخله). # ولما كان مثل هذا الفيضان لا يقع إلا نادرا جدا أمكن بلا احتراز اعتباره ~~النهاية الصغرى. # ولفيضان عام سنة 1913 أثر في حاصلات مصر الزراعية يختلف اختلافا عظيما ~~عما كان يحدثه فيضان مثله قبل تاريخه بعشرين سنة أو أكثر؛ إذ كان من ~~المحقق حينذاك أن يعقبه القحط، ولكن بفضل القناطر المنشأة على النيل في مواقع ~~مختلفة أمكن رفع منسوب المياه الجارية في الترع، وبذا مدت الأراضي المقتضي ريها ~~بكميات الماء المعتادة مهما بلغت شدة انخفاض الفيضان. # غير أنه يوجد في الوجه القبلي منطقة واحدة لا تصل المياه إلى ترعها الكبرى ~~بهذه الكيفية، وهذه لحقتها خسارة في سنة 1913، ولو كانت الأعمال المنوي إنشاؤها ~~في السودان موجودة حينذاك لكانت الخسارة أعظم، ولكن كل خطر على مزروعات هذه ~~المنطقة في الشتاء والخريف في المستقبل يزول بإنشاء قنطرة أخرى عند نجع حمادي ~~وتحديد الترع الآن الآخذة من أمام قناطر إسنا، وفي الوقت ذاته يتيسر بهذه ~~الوسيلة تحويل المنطقة المنتفعة بهذا المشروع إلى نظام الري الصيفي، وبذلك يكون ~~في المستقبل لعودة ظروف سنة 1913 ضرر في مناطق الحياض إبان الفيضان حتى إذا ~~كانت جميع الأعمال المقترحة الآن تسحب ماء من الفيضان في السودان ولا يراد فصلي ~~الصيف والربيع علاقة كبيرة بما يسبقه من مياه الفيضان، ولم يشذ فيضان سنة 1913 ~~عن هذه القاعدة فقد أعقبه ربيع كان انخفاض الماء فيه بالغا غايته، ونجم عن هذا ~~كما قيل شيء من النقص في محصول القطن المعتاد، ولا ريب أن النقص الناتج في تلك ~~السنة لا يمكن أن يعزى كله إلى قلة الماء وحدها، بل هناك عوامل أخرى كعامل ~~الآفات أعاقت إنتاج المحصول المعتاد، ويصح أن تعزى الخسارة كلها إلى هذا العامل ~~غير أن زراعة الأرز في مساحة ال 200 ألف فدان المعتادة كادت تنعدم كلية؛ إذ لم ~~يزرع الأرز إلا في 25 ألف فدان. # وإذن لو فرض بقاء المساحة المنزرعة كما هي عليه الآن وجب التدبر للمستقبل ~~فيما إذا وقعت ms094 سنة كسنة 1913 بزيادة كمية الماء اللازمة لري القطن بمقدار 10٪ ~~لأجل إمداد 180000 فدان بالماء الكافي لزراعة الأرز فيها. # وللوصول إلى هذه النتيجة يكفي خزن ما لا يزيد عن 2000 مليون متر مكعب من ~~الماء، ولكن بسبب توسيع مساحات الزراعة وتحويل نظام الري ستدعو الحاجة إلى ~~كميات أخرى من الماء لسد مطالب المستقبل في فصل الصيف كما هو مبين في الجدول # 3 ~~، وسيبحث الآن في الأعمال اللازمة لهذا ~~الغرض: # الأعمال اللازمة لسد الحاجة إلى المياه # الآن وقد عرفنا مطالب كل عقد من السنين، ومقدار الماء الذي أمكن الحصول عليه ~~في السنين التي بلغ انخفاض النيل فيها أشده صار من الممكن أن نرسم برنامج ~~الأعمال اللازمة لضبط النهر بحيث يسهل في جميع الأوقات تدبير الماء الكافي ~~للري، ولكن أثناء البحث في أعمال الموازنة على النهر لصالح الإيراد الصيفي ~~ينبغي أن لا نتناسى الضرورة القصوى ضرورة إنقاذ القطر المصري من غوائل الفيضان ~~العالي، ولما لم يكن لمصر من وسائل الوقاية سوى الجسور ما كان لها مناص من ~~الاعتماد عليها، ولكن هذه الجسور طالما خانتها في الماضي، ومع ما بذل من عظيم ~~الجهود في سبيل تقويتها في السنوات الأخيرة فإنها ليست مأمونة، وإذا أمكن تخفيف ~~وطأة الفيضانات العالية بواسطة الموازنة كان هذا أدعى إلى الاطمئنان، وإذا كان ~~عمل واحد كفيلا بالقيام بجميع هذه الحاجات وجب بداهة الشروع فيه حالا، ولكنه ~~لسوء الحظ ليس مثل هذا الحل البسيط متيسرا، ومن جهة أخرى فهناك أعمال يجب ~~إنشاء كل منها في حينه لضمان أحكام ضبط النهر، وبعد البحث الدقيق في كثير من ~~المشاريع ومختلف الوجوه من حيث ترتيب تواريخ البدء فيما إذا اختير منها اقترحت ~~الأعمال الآتية على ترتيب سردها: ~~(1) # خزان على النيل الأبيض، وسد بالبناء عند جبل الأوليا؛ لزيادة ~~إيراد مصر الصيفي، وليكون بمثابة وسيلة مؤدية إلى درء غوائل ~~الفيضانات العالية. ~~(2) # خزان صغير على النيل الأزرق يسد عند سنار لري سهل ~~الجزيرة. ~~(3) # قناطر عند نجع حمادي لوقاية المزروعات النيلية في ذلك الجزء من ~~الوجه القبلي ms095 الذي لم يحول بعد إلى الري الصيفي، ولإمداه بالمياه ~~الصيفية عندما يتم تحويله. ~~(4) # خزان في أعالي النيل الأزرق؛ ليزيد إيراد السودان، وليساعد على ~~ضبط الفيضان. ~~(5) # خزان على بحيرة ألبرت؛ لتكملة خزين الماء اللازم لسد أقصى حاجات ~~مصر. ~~(6) # قناة في منطقة السدود؛ لضمان وصول ماء خزان بحيرة ألبرت إلى ~~النيل الرئيسي. # ومن المعلومات المتيسرة يتضح أن إنجاز هذه الأعمال على الترتيب المذكور تكون ~~نتيجة التدرج خطوة خطوة حسب ازدياد الزراعة في ضمان الحصول على الماء اللازم ~~لسد حاجاتها حتى في أشح السنوات. # ويقتضي الحال الوقوف على معلومات أخرى قبل عمل مقايسة مضبوطة ضبطا كافيا ~~للبت فيما إذا كان يصح من الوجهة الاقتصادية العمل أثناء ظروف أشح ما علم من ~~السنوات، أم يكون الأرجح ماليا تحمل بعض النقص في زراعة الأرز وبعض التأخير ~~في ري الشراقي فيما إذا وقعت هذه الظروف. # وعلة ترتيبها هكذا بأن يكون كل منها بمثابة حلقة جوهرية في سلسلة كفيلة ~~بسعادة وادي النيل، وكل حلقة تمس الحاجة إليها لا عند نجازها فقط، بل تعد كمال ~~السلسلة. ~~(2-2) الباب الثاني # أعمال ضبط النيل # سنصف الآن طائفة الأعمال التي أجمل ذكرها بالفصل الثالث وصفا يتناول كلا ~~منها على حدة فيما يختص بالغرض المقصود منه، أما وصف التصميم الفني لها فلا يدخل في ~~نطاق هذه المذكرة. # إن مقايسات النيل الأبيض عند جبل الأولياء وخزان النيل الأزرق عند مكوار عملت حسب ~~التصميمات الفعلية التي هيئت لهذين العملين، وأما المقايسات التي ذكرت بخصوص ~~الأعمال الأخرى فإنما هي تخمينات تقريبية نتجت من مقارنة الأعمال المقترحة بالأعمال ~~التي تم إنشاؤها بمصر من قبل، ولا يمكن عمل مقايسات مضبوطة لهذه المشاريع إلا بعد ~~الإقرار على فحصها فحصا تفصيليا. # خزان النيل الأبيض (عند جبل الأولياء) # تمت الموافقة على هذا العمل، وقد شرع فيه فعلا، وسيشمل سدا من البناء ~~المقابل على النيل الأبيض على مسافة 45 كيلو مترا جنوبي مدينة الخرطوم عند جبل ~~الأولياء، وسيكون خزانا كبيرا يبلغ طوله نحو خمسمائة كيلو متر في مديرية ~~النيل الأبيض، وسعته ms096 الفعلية حينما يستعمل حوضا للخزن أي كمية الماء التي تخرج ~~منه فلا يعد احتساب النقص من التبخر ... إلخ، مقدرة بأربعة آلاف مليون من الأمتار ~~المكعبة، ولكن لو فرض أن فيضانا خارقا للعادة في الانخفاض كفيضان سنة 1913 ~~عاد قبل تمام التدابير للحصول على خزين من سنة لأخرى في بحيرة ألبرت فقد يكون ~~من الجائز سحب مقدار من مياه النهر كاف لتمام استخدام خزان جبل ~~الأوليا. # فترتيب الأعمال المقترحة مقصود به القيام بما تقتضيه هذه الظروف المفروضة حتى ~~في مثل العام الاستثنائي المذكور يمكن أن تحفظ في هذا الخزان كمية من الماء ~~كفيلة لإيراد مصر فدانا فدانا بإيراد لا يكون على كل تقدير أدنى مما حصلت ~~عليه فعلا في سنة 1913-1914. # وسيأتي هذا الخزان أيضا بفائدة محققة جدا في ضبط الفيضانات العالية؛ إذ ~~سعته أكثر مما يلزم لإضافة 4000 مليون متر مكعب إلى مياه النهر؛ لأنه في ~~الواقع يستطيع حجز 10 آلاف مليون متر مكعب. # وسيتم ضبط المياه بإقفال بوابات الخزان بمجرد وصول مياه النيل الرئيسي عند ~~الخرطوم إلى منسوب يكون تجاوزه مضرا بصالح القطر المصري، وبإبقائه مقفلا حتى ~~تهبط المياه فتعود إلى منسوب يطمأن إليه، وتكون نتيجة هذا أن يوقف الوارد ~~من النيل الأبيض بالمرة، وأن تنقص دورة الفيضان إلى هذا الحد. على أن دورة ~~الفيضان في ذاتها معظمها إن لم نقل كلها مكون من مياه النيل الأزرق المتشبعة ~~بالطمي التي إن لم يمكن ضبطها ضبطا كاملا سيكون في الإمكان نقصها كثيرا؛ بل ~~سيحصل ذلك فعلا بتأثير خزان أعالي النيل الأزرق وترع الجزيرة، ولكن شدة ارتفاع ~~الفيضان ليست وحدها مصدر الخطر على مصر؛ بل هو على الأرجح ناشئ عن طول استمرار ~~المناسيب العالية التي تدعو إلى انزلاق جسور النيل وانقطاعها من الضغط المستمر، ~~وسبب استطالة مدة الفيضان في مصر هو أن كمية المياه التي في النيل الرئيسي عند ~~الخرطوم لا تهبط بسرعة هبوط النيل الأزرق، ولا يعيقها عن هذا الهبوط إلا ما ~~ينصرف إليها من المياه المحبوسة في ذلك الخزان ms097 الطبيعي الواسع وهو وادي النيل ~~الأبيض، فخزان النيل الأبيض يؤخر هذا التصرف وكذا يؤخر الجريان الطبيعي لمياه ~~النيل الأبيض ذاته حتى يزول كل الخطر فيعين على حد كبير على إزالة ما يقع على ~~الجسور من الضغط المستمر الذي هو الآن الداعي الأكبر إلى القلق، وبذا تكون ~~نتيجة الأعمال المزمع إنشاؤها على النيلين الأبيض والأزرق جميعا هي إنقاذ ~~مصر إلى درجة كبيرة من خطر الغرق، ولدى استعمال الخزان بمثابة جهاز صرف للفيضان ~~فيكون النقص الناجم عن التبخر مفيدا بلا ريب، في حين أنه متى استعمل حوضا ~~للتخزين فلا موجب لحصول نقص في الكمية الميسرة ما دام الماء مارا في الخزان ~~والتسرب إلى البحر مستمرا. # وبعد نجاز خزان أعالي النيل الأزرق ولا سيما عند إمكان خزن المياه الكافية في ~~بحيرة ألبرت يبطل استعمال خزان جبل الأوليا لخزن مياه الفيضان؛ بل يكون ~~استعماله أيضا بمثابة حوض موازنة لتعديل التصرف في النيل الرئيسي. # وهذه الوظيفة جوهرية؛ لأن الماء يستغرق نحو ستة أسابيع في سيره من بحيرة ~~ألبرت إلى الخرطوم، ومن المستحيل التنبؤ بحالة النيل الأزرق عند هذه النقطة ~~الأخيرة إلا قبل الميعاد بأيام قلائل في حين أن الماء الذي يصلها من النيل ~~الأبيض في أي تاريخ لا بد من خروجه من بحيرة ألبرت قبل هذا التاريخ بستة ~~أسابيع، فإذا أريد التأكد من الحصول على مقدار الماء اللازم مروره من النيل ~~الرئيسي خلف الخرطوم وجب اتخاذ وسيلة من وسائل الموازنة على أحد النهرين (النيل ~~الأبيض والنيل الأزرق) على مقربة من ملتقاهما، وفضلا عن هذا فإن جريان نهر ~~سوباط الذي يلتقي بالنيل الأبيض عند ملكاي يمكن ضبطه بواسطة خزان جبل الأوليا ~~الذي بدونه تختل بل تضيع في الغالب مياه هذا النهر ومياه سائر الفروع التي تكون ~~جزءا مهما من فيضان النيل الأبيض. # ولما كانت وسيلة الموازنة هذه تستعمل في أيام الفيضان فلا يمكن بناؤها على ~~النيل الأزرق؛ لأن مياهه تكون مستقلة بالطمي في ذلك الأوان، وإذن يجب أن يكون ~~إنشاؤها على النيل الأبيض. # وفي الواقع يوجد ms098 على هذا النهر عند جبل الأولياء موقع صخري صالح لأن يكون ~~أساسا يبنى عليه يقوم بهذه الوظيفة الجوهرية وظيفة موازنة الإيراد المنحدر في ~~النهر حسب حاجات زراعة القطر المصري. # والخلاصة: إن لخزان النيل الأبيض أربع وظائف يؤديها، وهي أن يكون بمثابة: ~~(أ) # خزان لإيراد المياه يطلق منه أربعة آلاف مليون متر مكعب ~~لاستخدامها في القطر المصري. ~~(ب) # خزان لتصفية الفيضان يسع نحو عشرة آلاف مليون متر مكعب. ~~(ج) # حوض موازنة يتسنى بواسطته إحكام ضبط إيراد مصر للماء ~~المستقبل. ~~(د) # وسيلة لخزن مياه نهر سوباط وسائر الفروع. # والنفقات المقدرة لهذا العمل 2200000 جنيه مصري يدخل فيها 300000 جنيه مصري ~~قيمة التعويض اللازم صرفه إلى من تنزع ملكيتهم من الأهلين، وينبغي أن يتم العمل ~~قبل شهر يونيو سنة 1925. # خزان سنار على النيل الأزرق # وهذا العمل جار إنشاؤه الآن على نفقة حكومة السودان، والغرض منه أن يمد بمياه ~~الري بالراحة بقعة مساحتها 300000 فدان من أراضي الجزيرة بالسودان على مقربة من ~~وادمدني، وهذا العمل يجمع بين وظيفتي قنطرة موازنة وسد؛ فمن حيث كونه قنطرة ~~موازنة يؤدي ذات الوظيفة التي تقوم بها القناطر بمصر، ومن حيث كونه سدا فهو ~~يكون خزانا يسع نحو 500000000 متر مكعب، مع ملاحظة أن سعة خزان أسوان يبلغ نحو ~~ألفين وأربعمائة مليون متر مكعب. # وظروف الجزيرة بالسودان من حيث التربة والمناخ وإيراد الماء لا تسمح إلا ~~بالزراعة الشتوية، وفوق هذا يجب بقاء الأرض بورا مدة سنة على الأقل في كل ثلاث ~~سنين، وبناء عليه لا تمكن الزراعة إلا مئتي ألف فدان في السنة من الثلاثمائة ~~ألف فدان التي تقرر إصلاحها، ومن القدر الأول لا يمكن زراعة القطن إلا في مائة ~~ألف فدان فقط؛ لأن الأرض ليس في استطاعتها أن تنتج القطن أكثر من مرة في كل ~~ثلاث سنوات مقابل نظام سنتين في كل خمسة وهو النظام المستحسن اتباعه في القطر ~~المصري، وما عدا القطن من الحاصلات يتم حصادها في أواسط شهر يناير فلا حاجة بها ~~إلى الماء بعدئذ، وأما ms099 القطن فلا يتم نموه إلا بعد ذلك التاريخ، ويمنع عنه ذلك ~~الماء عادة حوالي 31 مارس، ولو أنه في بعض الأحايين تستمر الحاجة إليه حتى نصف ~~أبريل؛ ولذا فمن البديهي أن القطن في احتياج إلى الماء في فبراير ومارس في حين ~~لا تستطيع مصر أن تتخلى عن المقدار المنحدر إليها في النهر. # ولهذا فحكومة السودان آخذه في إنشاء خزان سنار الذي يكون ماؤه حوالي نهاية ~~موسم الفيضان حينما يكون الماء دائما متوفرا. # وسيكون الماء المخزون كافيا لري قطن السودان في فصل الربيع، وبذا يمكن تفادي ~~سحب المياه من النهر حين تكون مصر في احتياج إليها، والنفقات مقدرة لهذا العمل ~~1350000ج.م وسيتم حوالي يولية سنة 1924. # قناطر نجع حمادي # يجب أن تنشأ بجوار نجع حمادي قناطر على نمط القناطر الحالية في مصر يكون ~~الغرض منها رفع منسوب الماء في وقت الفيضان إلى درجة يتيسر معها لحياض مديرية ~~جرجا الحصول على إيراد كاف من الماء حتى في أشد الفيضانات انخفاضا كفيضان عام ~~1913 حيث اضطرت مسائح كبيرة إلى بقائها خالية من الزراعة، وستشتد الحاجة إلى ~~هذه القناطر حينما تنشأ أعمال أخرى جنوبا إما لري الأراضي المجاورة وإما لملء ~~خزان لإيراد صيفي من الفيضان. # وستبلغ مساحة أراضي الحياض المنتظر انتفاعها نحو خمسمائة ألف فدان لا تدخل ~~فيها حياض مديرية أسوان المنعزلة وبضع مساحات صغير على ضفة النهر الشرقية، ~~وبهذا الاعتبار تكون إقامة هذه القناطر خاتمة الأعمال التي شرع فيها منذ عدة ~~سنين بقصد وقاية أراضي الوجه القبلي من الخسارة الناشئة من قصور الفيضانات ~~المنخفضة عن الري. # وبفضل هذه القناطر سيتيسر أيضا لهذه الأراضي بعد تحويلها الحصول على الماء ~~للري الصيفي بالراحة. # ومما يذكر في هذا المقام أن من جملة أراضي الحياض الباقية بالوجه القبلي ~~منطقة يتوقف ريها على قناطر إسنا، وهذه المنطقة يمكن تحويلها إلى نظام الري ~~الصيفي كلما كان الماء كافيا؛ إذ القناطر الموجودة الآن سيكون في استطاعتها ~~إمداد هذه الأرض بماء الري الصيفي بالراحة عندما يتم تحويلها. # فلا يبقي إذا بمصر من ms100 الأراضي ما يحتاج تحويل نظام ريه إلى الري الصيفي سوى ~~حياض أسوان الصغيرة وبعض أجزاء منعزلة أخرى قليلة المساحة على ضفة النيل ~~الشرقية، على أنه من المتيسر تحويلها بواسطة آلات رافعة على النيل، وليلاحظ أن ~~إبطال زراعة الحياض بالوجه القبلي ستكون نتيجته تقليل كمية المياه المأخوذة من ~~النهر حال صعوده وعند ذروة الفيضان ذاتها، وبقدر هذه النتيجة تكون الزيادة في ~~ارتفاعه في مصر الوسطى. # وقياسا على الأعمال التي من هذا القبيل يحتمل أن تبلغ نفقات قناطر نجع حمادي ~~مليونا وخمسمائة ألف جنيه، وينبغي إنشاؤها قبل عام 1925. # خزان أعالي النيل الأزرق # وقد دلت المباحث التقريبية الحديثة على إقامة سد في موضع ملائم في المسايل ~~العليا للنيل الأزرق؛ ليكون بمثابة خزان سعته 7 آلاف مليون متر مكعب حتى يتيسر ~~بعض الضبط لمقدار الماء المنحدر في النهر، ويقترح قسمة هذا المقدار إلى ~~قسمين: # الأربعة آلاف مليون متر مكعب الأولى تدخر إلى وقت الحاجة من سنة إلى ~~أخرى ، والثلاثة آلاف مليون متر مكعب الثانية تستقى من الفيضانات ما عدا شديدة ~~الانخفاض منها للانتفاع بها في السودان في الربيع التالي. # أما إذا كان الفيضان شديد الانخفاض فلا يؤخذ ماء لاستعماله في الأشهر ~~التالية، بل على العكس يزداد الفيضان في أدواره الأخيرة بأن يضاف إليه جزء من ~~الأربعة آلف مليون متر مكعب المدخرة من السنين السابقة الكثيرة ~~الإيراد. # وأما إذا كان عاليا جدا فمن حيث إن الثلاثة آلاف مليون متر مكعب تنسحب من ~~النهر في الغالب حال مرور دورة الفيضان فينقص مقدار ماء النهر في تلك الفترة ~~نقصا كبيرا، وبذا يساعد مساعدة فعلية على تخفيض الفيضان في مصر، وإنشاء هذا ~~الخزان من الأمور الجوهرية لإنماء السودان في المستقبل؛ لأن مصر تستمد ما تحتاج ~~إليه من الماء من النيل الأبيض، ولكن ماء النيل الأزرق هو وحده الذي يفيد جزيرة ~~السودان على أن مصر سيكون لها نصيب أيضا من الفائدة التي تنجم عن إنشاء ذلك ~~الخزان؛ لأنه يعتبر من أهم أعمال ضبط النيل؛ إذ النيل الأزرق هو الذي ms101 يحدث ~~الفيضان، وسيكون موضعه حيث المياه لا تزال خالية من الطمي؛ لتيسر خزنها عند ~~ذروة الفيضان. # أما من حيث السودان فإنه لم ينشأ خزان في إحدى نقط المسايل العليا للنيل ~~الأزرق كما أن ما يراد إدخاله من التحسين في سهل الجزيرة سيكون محدودا بمقدار ~~المياه المخزونة في خزان سنار. فخزان أعالي النيل الأزرق بمحتوياته المتقدم ~~ذكرها سيقدم إلى السودان كل ما يحتاجه من الماء حتى بعد تمام نمو أرض مصر في ~~سنة 1925 بمدة طويلة وقبل ذلك التاريخ وإلى أن تتم أعمال السدود المتعلقة بخزان ~~بحيرة ألبرت تستعمل المقادير الزائدة بتكبير إيراد مصر المائي، ولإتمام نماء ~~السودان في حينه يجب زيادة حجم هذا الخزان زيادة عظيمة في العقود الأخيرة من ~~القرن الحالي، ويرجح أن هذا يمكن إجراؤه عند الاقتضاء، وينبغي إنجاز يسع ~~سبعمائه مليون متر مكعب حوالي سنة 1930. # ويجوز تقدير النفقات اللازمة له بمبلغ مليون جنيه ونصف مليون، ويقتضي الحال ~~البحث في مقدار ما يتحتم على حكومة السودان القيام به من هذه النفقات. # | مصر بعد 35 سنة والسودان بعد 53 سنة # لا يبقى في مصر بعد 35 سنة شبر واحد من الأرض لم يزرع، فماذا يفعل أبناء المصريين الذين ~~يولدون بعد أن تضيق الأرض بآبائهم؟؟ إنهم لا يجدون مكانا يلجأون إليه سوى السودان، ~~والسودان بعد 53 سنة لا يتوصل إلى إصلاح ثلث أرض الجزيرة، إذا سلمنا بقول السير مكدونالد ~~بأن الأرض المعدة لزرع القطن في الجزيرة ثلاثة ملايين فدان، مع أن مساحة الجزيرة وهي ~~الأرض الواقعة بين النيل الأزرق والنيل الأبيض عشرة ملايين فدان، قالوا: إن ثلاثة ملايين ~~فدان منها صخرية، وليست أراضي السودان محصورة بالجزيرة فقط فهناك السودان الشرقي وتربته ~~خصبة وأوديته كثيرة يسهل حصر المياه فيها، ومتى حصرت هذه المياه سهل الري، وهذه أراضي ~~كردوفان كانوا يصفونها بأنها أهراء السودان لكثرة غلالها، وهذه بلاد دارفور ذات أرض خصبة ~~فضلا عن المراعي الواسعة والمواشي العديدة والمعادن المتنوعة والأخشاب. فالسودان كبير ~~جدا وغناه ناجم عن مساحاته الواسعة، ولقد عرفنا أن ms102 أول من زرع القطن في السودان هو ممتاز ~~باشا الذي عين حاكما عاما، ولا يزال السودانيون يزرعون هذا القطن حتى الآن ~~ويسمونه بقطن ممتاز، ومنه يصنعون الدمور السوداني الذي اشتهر في مصر ذاتها بملابس ~~الصيف. # إن الدلتا - أي الوجه البحري من القاهرة حتى البحر المتوسط - أربعة ملايين و800 ألف فدان ~~يزرع منها الآن زرعا دائما ثلاثة ملايين فدان، والصعيد أي الوجه القبلي مليونان و500 ألف ~~فدان يزرع منها الآن مليونان و200 ألف فدان، فمجموع مساحة القطر المصري سبعة ملايين و300 ~~ألف فدان منها 5 ملايين و200 ألف فدان تزرع الآن، ولكن هناك البحيرات ومساحتها 200 ألف فدان ~~تربى فيها الأسماك ولا يستطاع تحويلها إلى أرض زراعية، ومن المعروف المشهور أن الأهالي ~~يودون إعداد الكثير من الأراضي البور للزراعة، ولكن الحكومة لا تجد الماء الكافي لري ~~تلك الأراضي، مع معرفتها أن عدد الأهالي يزداد في كل عام من 200 ألف إلى 250 ألفا، وأن ~~الحاجة ماسة إلى إصلاح 60 ألف فدان من البور؛ ليظل الرزق متوافرا للأهالي، وإلا حل بفريق ~~منهم الضيق والعسر. # لقد كان السير جارستن يقول بتقاريره بعد استعادة السودان وقبل ظهور المطامع بمظهرها ~~الجلي: إنه لا يجوز إعطاء السودان قطرة واحدة من الماء قبل أن تتم جميع السدود والخزانات في ~~مصر، وقد قدر المال اللازم لهذه السدود والخزانات يومئذ بمبلغ 22 مليون جنيه، ولكن حكومة ~~السودان أخذت منذ سنة 1902 باختبار زرع القطن في السودان فلما ثبت لها نجاح الأشموني ~~والعفيفي حولت الأمر إلى يد الشركة فأعطتها في سنة 1903 امتيازا بزرع عشرة آلاف فدان ~~فقط، وإذا كانوا قد قالوا إن اللقمة مفتاح الفم، فإن الشركة لم تلبث أن طلبت عشرة آلاف فدان ~~أخرى، وكانت حجتهم لأخذ الماء أن خزان أسوان يوفر من الماء لمصر ما يؤخذ للعشرة الآلاف فدان ~~في الجزيرة، ولما تم رفع الخزان في سنة 1912 قالوا إن رفعه يمكن حكومة السودان من إصلاح ~~عشرة آلاف فدان أخرى، كأن هذا الخزان أنشئ لذلك، وحقيقة الواقع ms103 أنه أنشئ لغير هذا الغرض، أي ~~لإمداد الزراعة الصيفية، فهو يخزن 2400 مليون متر مكعب فقط وهذه الكمية لا تكفي. أما خزان ~~مكوار فقد قدروا له 500 مليون متر مكعب لري 300 ألف فدان، ولا ندخل هنا في التفصيل ولكنا ~~نلمح الخطر من جانبين؛ الأول: تحويل قسم من مياه الري، ومصر لا تجد من الماء ما يكفيها، ~~والثاني: تحويل طمي النيل الأزرق إلى الجزيرة وكل خصب تربة مصر من ذلك الطمي وحده، وإذا ~~كانوا قد قالوا إن مصر بحاجة إلى 50 مليار متر مكعب من الماء وإن السودان إذا أصلح فيه ~~مليون فدان يكون بحاجة إلى 6 مليارات متر مكعب وأن هذه الكمية من المياه لا تتوافر لمصر ~~والسودان إلا بإنشاء الخزانات. فإن هذا العمل ذاته يقضي حتما بأن تكون مصر والسودان متحدين ~~تحت حكم واحد فيهما يوفق بين جميع المصالح، ولا يجعل تلك المصالح متضاربة متناقضة، ولا يجعل ~~مصر عرضة للحاجة ولاستبداد من يحكم السودان بها. # ومن العبث قول هؤلاء السياسيين الإنكليز إن المصريين يريدون حكم السودانيين، فإن المصري ~~لا يتطلع إلى ذلك، ولكنه يقول للسوداني إنا أخوة متساوون يندمج أحدنا بأخيه وتندمج مصلحة ~~كل منا بمصلحة الآخر حتى تكون مصلحة واحدة، فلا نفضل الجزيرة على الدلتا ولا الدلتا على ~~الجزيرة؛ بل نعمل معا لإحياء الاثنتين لنا. فالمصري سوداني في السودان والسوداني مصري في ~~مصر، وإذا أحيينا الجزيرة معا وعمرناها فإنا نحييها ونعمرها لأهلها وسكانها لا للشركة ~~التي تدفع الآن لأصحاب الأراضي في تلك الجزيرة 50 قرشا ثمنا للجدعة الواحدة (والجدعة ~~تعادل خمسة أفدنة وثلثا) قال السير مردوخ مكدونالد في تقريره عن مياه النيل (1919): إن ~~البحث الدقيق دلنا على أن مصر تحتاج في المستقبل إلى 50 مليار متر مكعب من الماء لتروي ~~سبعة ملايين و100 ألف فدان، وعندما تكون مصر قد بلغت هذا الحد من العمران - وهو الحد الأخير ~~الذي لا زيادة بعده لمستزيد - يكون قد أعد في السودان مليون فدان للزراعة يحتاج إلى ستة ~~مليارات متر مكعب من ms104 الماء؛ لأن أرض السودان تحتاج من جراء حرارة الجو إلى كمية من الماء ~~أكبر من الكمية التي تحتاج إليها مصر، ولكن أرض السودان تحتاج إلى الراحة أكثر من أرض مصر ~~فلا يزرع القطن في الأرض السودانية إلا مرة في كل ثلاث سنين، فإذا أعد 300 ألف فدان لزرع ~~القطن يزرع منها في السنة مئة ألف فدان فقط. # هذا ما يقوله السير مكدونالد، وفاته أن يقول إن خصب تربة مصر ناشئ عن طمي النيل الأزرق ~~فإذا تحول هذا الطمي إلى الجزيرة وحرمت منه مصر قل خصب مصر وزاد خصب الجزيرة. # وقد ذكر السير مكدونالد في تقريره عن انخفاض النيل سنة 1913 فقال: إن مثل هذا الانخفاض ~~كان يحدث قديما المجاعة في مصر، وإن هذا الانخفاض لو أنه وقع وأعمال الري في السودان ~~قد تمت لكان الضرر بمصر أشد وأكبر، ونصح هذا المهندس بإنشاء قناطر نجع حمادي ومد الترع ~~المستمدة مياهها من قناطر إسنا. # ولا مندوحة لنا عن كلمة في خزان مكوار الذي ينشئونه الآن لري 300 ألف فدان في الجزيرة، ~~فهذا الخزان يقوم بمهمتين: الأولى: خزن 500 مليون متر مكعب من الماء، والثانية: رفع الماء ~~على مثال القناطر في مصر حتى تروي الجزيرة بالراحة، ولولا زرع القطن في الجزيرة لما قام ~~الإشكال العظيم التعقيد بشأن المياه؛ لأن مشروعات السودان شتوية وتنتهي في شهر يناير، ولكن ~~القطن في السودان يحتاج إلى الماء في شهري فبراير ومارس، أي حين حاجة مصر إلى الماء، وقد ~~كان المهندسون المصريون وأخصهم محمود باشا فهمي يرون أن الغلال التي تنمو بأرض السودان تأتي ~~بحاصلات للسودانيين فوق حاصلات القطن فلو أن لمراعاة مصلحة السكان دخلا في ذلك لكان الأفضل ~~للسودانيين أن يزرعوا جميع المزروعات ما عدا القطن، ولما قام النزاع بين مصر والسودان على ~~الماء، وهذا القول يقوله السير مكدونالد في موضوع الري، ولكن المسألة ليست مسألة مصلحة ~~السكان ولكنها مصلحة معامل لانكشير التي أخذت أمريكا تحبس عنها قطنها، فوجهت الحكومة ~~الإنكليزية وجهها شطر السودان ووجهت عنايتها لاحتكار ms105 ثلاثة ملايين فدان في الجزيرة حتى إنهم ~~قالوا في مجلس نواب إنكلترا بتحديد سعر القطن السوداني، وبمنع تصديره إلى غير إنكلترا؛ لذلك ~~أخذوا أملاك الجزيرة من الأهالي، وأنشأوا خزان مكوار لري 300 ألف فدان، ثم باشروا وضع ~~الرسوم لخزان آخر في أعالي النيل الأزرق لخزن سبعة مليارات متر مكعب منها أربعة مليارات ~~دائمة حتى إذا ما كان النيل واطئا استخدمت هذه الكمية من الماء للري، ولا ينقذ مصر من ~~الشرق إلا إقامة السدود في بحيرة ألبرت وإنشاء الخزانات على النيل الأبيض إلخ إلخ، وقد أظهر ~~الإنكليز سرعة وعجلة عجيبتين في إنشاء خزان مكوار الذي ينتهي في سنة 1925 أي في العام ~~المقبل أما الخزان الكبير على النيل الأزرق فإنه ينتهي في سنة 1930، وقد قدروا مذ الآن ~~نفقته بمليون ونصف مليون جنيه. # هكذا يفعلون، وهكذا تهدد مصر بقلة الماء والخصوبة، وهم يقولون كما ورد في تقويم «ضبط ~~النيل» إن حاجة مصر إلى المياه بعد إنجاز هذه الأعمال ستكون كبيرة جدا، حتى إنه لا يفي ~~بهذه الحاجة إلا بتحويل بحيرة ألبرت إلى خزان لمصر، ومساحة هذه البحيرة 5500 كيلو متر مربع، ~~فإذا ارتفعت حافتها مترا واحدا خزنت خمسة مليارات ونصف مليار متر مكعب، فإذا ما أقيم سد ~~على فوهة البحيرة بلغ المخزون 40 مليار متر مكعب. # تلك أقوالهم، ولكنها حتى الآن تقديرية يفندها كثير من المهندسين ولا يسلمون بهذا الحساب، ~~وعلى رأس هؤلاء جميعا السير ويلكوكس، أما المهندسون المصريون فهم لا يسلمون بأنه يصل إلى ~~أسوان من وراء نهر بحيرة ألبرت 52 مليار متر مكعب، كما لا يسلمون بأن الماء الذي يمر بخزان ~~أسوان إذا كان النيل واطئا كنيل 1913 واحدا وأربعين مليارا، فإذا تركنا هذا الموضوع ~~جانبا لأنه لم يدرس الدرس الكافي حتى الآن بقي أمامنا أمر واحد ثابت لا يجادل به أحد، ~~ويعترف به جهارا علانية أصحاب مشروع ري الجزيرة، وهو أن مصر لا تجد الآن وفي الحالة ~~الحاضرة عن النيل الأزرق بديلا. # وهذا ما يقضي على الذين يتحملون تبعة ms106 شئون الدولة المصرية تدبر الأمر ورفع الضرر. # ولما ظهرت مشروعات ري الجزيرة إلى حيز الوجود، وأعلن عنها الإنكليز، وبين المهندسون ~~المصريون وبعض المهندسين الإنكليز ضررها وشدة خطرها - احتجت على ذلك مجالس المديريات، واحتج ~~أعضاء الجمعية التشريعية الذين اجتمعوا في 19 مارس 1920 وطلبوا إيقاف الأعمال إلى أن يفصل ~~بالأمر، وقرروا إعلان استقلال مصر والسودان، وهذا ما جاء في قرار الجمعية: # تحتج الجمعية التشريعية على البدء في مشروعات ري السودان، وتطلب وقف هذه ~~المشروعات وقفا تاما حتى يبت في المسألة المصرية، ويعرض الأمر على الهيئة ~~النيابية التي تمثل البلاد بجميع أجزائها، وذلك للأسباب الآتية: # أولا: # لأن مصر والسودان كل لا يقبل التجزئة، وكل مشروع يتعلق بهما ~~لا يجوز تنفيذه قبل أن توافق الأمة عليه. # ثانيا: # لأن هذه المشروعات لم تلاحظ فيها مصلحة السودان منفردا ولا ~~مصلحة مصر ولا مصلحة الاثنين معا، وقد قامت عليها اعتراضات فنية ~~واقتصادية وسياسية وصحية من كثيرين ومنهم رجال من الإنجليز ذوو ~~المكانة الذين أثبتوا بأن هذه المشروعات ضارة بالبلاد، وأنه لم ~~يقصد بها سوى مصلحة الأجنبي وفائدة أصحاب رءوس الأموال والشركات من ~~الإنجليز. # وهذا نص قرار مجلس الوزراء في جلسة 25 مايو 1921: # بما أنه يؤخذ من مذكرة وزير الأشغال العمومية أن إتمام خزان جبل الأولياء والقيام ~~بأعمال الري المتممة له في مصر يقتضيان إنفاق مبلغ اثني عشر مليونا من الجنيهات ~~المصرية. # وبما أن الحكومة المصرية لا يسعها تلقاء حالتها المالية الحاضرة القيام بمثل هذه ~~النفقة الكبيرة بغير عقد قرض، وهو أمر لا يمكن التفكير فيه في الوقت الحاضر. # وبما أن حكومة السودان أخذت على عاتقها الإنفاق على أعمال خزان مكوار وترعة ~~الجزيرة، وأنها لأجل تنفيذ هذه الأعمال حصلت على مبلغ 4900000 جنيه من قرض سنة 1919 ~~وقدره ستة ملايين جنيه. # وبما أنه سواء فيما يتعلق بخزان جبل الأولياء أو فيما يتعلق بخزان مكوار وترعة ~~الجزيرة لا يسع مجلس الوزراء أن يتخذ قرارا نهائيا بشأن هذه الأعمال إلا بعد ~~الوقوف على ما تسفر عنه المفاوضات بين مصر ms107 وبريطانيا العظمى. # فلهذه الأسباب: ~~(1) # قرر المجلس إيقاف الأعمال التي شرع فيها بجبل الأولياء، مع اتخاذ ما ~~يلزم لصيانة ما عمل إلى الآن. ~~(2) # يرى المجلس إيقاف الأعمال بخزان مكوار (سنار) وبترعة الجزيرة، غير ~~أنه إذا رأت حكومة السودان مع ذلك الاستمرار في هذه الأعمال تحت ~~مسئوليتها فإنه يجب أن يكون معلوما: # أولا: # إن الأعمال المذكورة لا يجوز أن يكون المقصود منها ~~ري مساحة تزيد على 300000 فدان طبقا للعهد الذي قطع ~~بهذا الشأن. # ثانيا: # إن الحكومة المصرية تحتفظ بحريتها في إبداء قرارها ~~بشأن هذه الأعمال، وسيتوقف هذا القرار على نتيجة ~~المفاوضات السالفة الذكر. # ونشر رسميا كذلك من مجلس الوزراء قرار آخر هذا نصه: # على أثر قرار مجلس الوزراء الصادر بتاريخ 25 مايو 1921 أرسل حضرة صاحب المعالي ~~حاكم السودان العام إلى حضرة صاحب المعالي وزير الأشغال العمومية الرسالة البرقية ~~الآتية: ~~«إننا ننوي مواصلة العمل في خزان سنار إلى شهر يوليو، وذلك للمحافظة على ما عمل ~~الآن، كما أننا ننوي استئناف العمل في الخريف القادم إذا سمحت بذلك الظروف.» # ويرى مجلس الوزراء أنه بما أن وزارة الأشغال العمومية المصرية هي المباشرة ~~لأعمال ري الحكومة السودانية من عهد استرجاع السودان فقيامها بتنفيذ العمل في خزان ~~سنار «مكوار» إلى شهر يولية سنة 1921 لا يترتب عليه توجيه أية مسئولية إلى تلك ~~الوزارة، كما أنه ليس في القيام بذلك التنفيذ رجوع أو تعديل في التحفظ الصريح ~~الذي قرره المجلس بقراره الصادر في 25 مايو سنة 1921. # وقال وزير الأشغال في جلسة 13 أبريل 1924 ردا على سؤال النائب عبد الرحمن الرافعي: # قد طلبت الوزارة من تفتيش ري السودان تقريرا وافيا عن الدرجة التي وصل إليها ~~العمل الآن، وعند وصوله ينظر في الأمر. # | مشروع ري الجزيرة # ليس لدى المصالح المصرية ولا في دواوين الدولة مستندات يرجع إليها في مسألة ري الجزيرة ~~وقروض السودان التي بلغت حتى الآن 13 مليون جنيه ونصف مليون. # كأنما اتفاق 1899 الذي يتمسك به الإنكليز، وقد أخذ من مصر كرها وقوة، بات هو ms108 حبرا على ~~ورق، أو دخل في ذمة التاريخ، فلا مندوحة للباحث المصري من الرجوع إلى الكتب والمجلات والصحف ~~الإنكليزية؛ ليعرف ما هو مشروع التعمير في السودان وما هي شروطه وما هي الأغراض التي يرمون ~~إليها من ورائه؟ # وقد حدث مرة في مجلس نواب إنكلترا سنة 1920 أن أحد النواب سأل وكيل الخارجية إبان البحث ~~بقرض سبعة ملايين جنيه للسودان: «هل اطلع المصريون على شروط هذا القرض؟» فأجابه: يكفي أن ~~يطلعوا على المناقشة التي تجري الآن هنا ليقفوا على الحقيقة. ثم أرسلوا بعد هذا السؤال نسخة ~~من المناقشة إلى الحكومة المصرية مطبوعة بالإنكليزية. # لذلك نرانا مضطرين إلى اختيار أخبار التعمير في السودان عن جرائدهم ومناقشات ~~مجلسهم. # ففي مجلة «موني ماركت» و«إنفستورز كرونيكل» (مارس 1924) ما محصله: «شغلت مسألة إيجاد ~~مناطق واسعة لزراعة القطن بال كثير من رجال السياسة وزعماء صناعة المنسوجات في إنكلترا ~~أعواما عديدة، وتتوقف صناعة الغزل في لانكشير على وجود كميات كافية من القطن الرخيص، أما ~~القطن الغالي فيقيد التجارة ويمنع تقدم المشروعات ويجعل الأعمال التجارية مقتصرة على سياسة ~~«من اليد إلى الفم». على أن القطن الرخيص يجب أن يتوقف قبل كل شيء على قلة نفقات الإنتاج، ~~وهذا يعلل ما تراه بعض الدوائر، وهو أنه يتعذر الحصول على القطن رخيصا حيث يستخدم عمال ~~من البيض بصرف النظر عن المجهودات التي تبذل الآن للحصول على كميات كبيرة من القطن؛ إذ ~~يقولون: إن في البرازيل والمكسيك ما يبعث على الأمل بوقوع تطورات عظيمة في زراعة القطن خلال ~~الأعوام القليلة المقبلة. # على أن أوسع خطوة قطعت في الوقت الحاضر في سبيل زيادة محصول القطن زيادة عظيمة هي الخطوة ~~التي قطعتها نقابة السودان الزراعية. فقد تألفت هذه النقابة سنة 1904 لتقوم بأعمال تجارية ~~عامة تتعلق بالأراضي علاوة على زراعة القطن وإنمائه، وفي السنة الماضية تحولت المنطقة ~~الأصلية التي رخص للنقابة بزراعتها في البداية، إلى ملكية النقابة الحرة، وهذه المنطقة تبلغ ~~مساحتها عشرة آلاف فدان، وموقعها بجوار الزيداب شمالي الخرطوم. # وقد عقد اتفاق مدته عشر ms109 سنوات تأخذ النقابة بموجبه 25 في المئة من صافي أرباح مشروع ~~الجزيرة العظيم، وتستولي حكومة السودان على 45 في المئة منه، والباقي للفلاحين الوطنيين ~~الذين يقومون بزراعة الأراضي، وهذه الأنصبة يجوز تعديلها في نهاية العشر سنوات. # عقدت حكومة السودان قروضا تبلغ نحو عشرة ملايين من الجنيهات بضمان الحكومة البريطانية ~~للإنفاق على بناء السد الكبير وحفر الترع الكبيرة اللازمة لري أراضي هذا السهل العظيم التي ~~ستزرع قطنا، والمنتظر أن ينتهي العمل في شهر يوليو سنة 1925، وإذ ذاك يصير من السهل الحصول ~~على الماء اللازم لري الجزء الأكبر على الأقل من الثلاثمائة ألف فدان التي يراد زرعها في ~~البداية؛ إذ تبلغ مساحة الأراضي التي يمكن زرعها في هذا السهل نحو ثلاثة ملايين من ~~الأفدنة. # وتشتغل النقابة ريثما يتم بناء السد في القيام بالأعمال التمهيدية كإنشاء الطلمبات في بضع ~~محطات، وقد جاءت أعمالها هذه بنتائج مالية مرضية، ولو أن مجموع المنطقة التي زرعت في ~~الجزيرة في العام الماضي لم يتجاوز نحو عشرة آلاف فدان. # ولما كانت النقابة تملك جميع الأسهم الممتازة (وعددها 250 ألف سهم) وتملك 475 ألف سهم من ~~الأسهم العادية وعددها مليون سهم فإنها تستولي فعلا على نصف أرباح شركة القطن في ~~كسلا. # والمفهوم أن الأعمال جارية الآن بسرعة لإنشاء الخط الحديدي في منطقة كسلا وهو العمل الذي ~~يعد من الأعمال الأساسية اللازمة لترقية زراعة القطن في تلك المنطقة. # حصلت النقابة في السنة الماضية (1923) على نحو 12300 بالة قطن من زرع 14686 فدانا في ~~مناطق مختلفة، وقد أخذت النقابة تشتهر في الأسواق المالية كشركة تدفع أرباحا وافرة، ~~والواقع أن ما دفعته من الأرباح بلغ 25 في المئة في سنتي 1918 و1919، و35 في المئة في سنة ~~1920 (وقد زاد رأس مالها إذ ذاك إلى ثلاثمائة ألف جنيه) و15 في المئة في سنة 1921، و35 في ~~المئة في سنة 1922، و # في المئة في سنة 1923 (ورأس مالها 450 ألف جنيه كما هو الآن) أما رأس ~~مالها المصرح به فهو 750 ألف جنيه. # وقد ms110 تم إنشاء المضخات الجديدة في وادي النو، وسيزرع في هذه المنطقة عشرة آلاف فدان أخرى ~~في سنة 1923-24 فتتضاعف بذلك مساحة المنطقة التي تزرع قطنا في الجزيرة بالنسبة إلى العام ~~الماضي. # وتكلم رئيس النقابة في اجتماعها السنوي الذي عقدته في شهر نوفمبر الماضي عن التقدم المرضي ~~الذي تم فيما يتعلق بالسد ومديرية كسلا وانتهاء محطة وادي النو، ومن المسائل الهامة التي ~~ذكرها توفر العمال الأكفاء، ولدى الشركة أموال وأمانات مودعة تقدر بنحو ثمانمائة ألف ~~جنيه، وستنفق في العامين التاليين أموالا طائلة من رأس المال؛ ولذا ينتظر صدور أسهم جديدة ~~بشروط سخية كما حدث في العام الماضي، وهذا يعلل السبب في ارتفاع سعر السهم الذي قيمته جنيه ~~واحد إلى سبعة جنيهات. # لا يزال المشروع في عهد الطفولة، وقد تمضي أعوام عديدة قبل أن تستطيع نقابة السودان ~~الزراعية أن تقول إنها لا تستطيع إيجاد أعمال لاستثمار رءوس الأموال التي ستزاد تبعا لحاجة ~~الإمبراطورية الآن وحاجتها الشديدة في المستقبل لزراعة القطن داخل دائرتها، فقد بلغ محصول ~~النقابة من القطن في العام الماضي 12300 بالة، وما تحتاج إليه مصانع لانكشير من القطن ~~سنويا هو 3500000 بالة. ~~••• # وفي الشهر ذاته بسط مراسل التيمس الكلام عن مشروع ري السودان بعنوان: «مليون فدان لزراعة ~~القطن» فقال: # خطر مشروع ري أراضي الجزيرة بالسودان ببال السر وليم جارستن في سنة 1899، وهذا المشروع ~~يتعلق بمنطقة مساحتها ثلاثمائة ألف فدان واقعة بين خطي العرض الشمالي 14 و15، وتمتد على طول ~~النيل الأزرق. وينتظر بعد إتمام المشروعات الإضافية في المستقبل أن تتسع هذه المنطقة حتى ~~تبلغ مساحتها مليون فدان يمكن ريها وزرعها. # لم يفت الذين وضعوا مشروع السد أن يحسبوا حساب هذا التوسع في المشروع فيما بعد، بحيث ~~يمكن سد الحاجة متى حان الوقت؛ فإن الخزان الذي أعد لحجز المياه بإقامة هذا السد يمتد ~~في الواقع إلى بلدة «سنجا» أي إلى المسافة 58 ميلا على طول النهر، وسيحجز خلفه نحو 636 ~~مليون متر مكعب من الماء، وهذا المقدار سيكون كافيا لري المنطقة ms111 الكبرى. # وهناك نقطة هامة وهي أن الماء اللازم للمشروع الحالي زائد عما تحتاج إليه مصر، ومتى حان ~~الوقت لتوسيع نطاق المنطقة الزراعية أنشئ سد آخر على المنابع العليا للنيل الأزرق، وبهذه ~~الوسيلة تستخدم أرض الجزيرة المياه التي كانت تصل إلى البحر وتذهب عبثا (كذا). # أما نفقات المشروع فتسدد من القروض التي عقدت في إنكلترا بضمان الحكومة البريطانية في سني ~~1913-14 و1919 و1920، ومجموع هذه القروض 13500000 جنيه، ويتضمن المشروع إنشاء سد في مكوار ~~وترعة رئيسية طولها 62 ميلا، وعرض الخمسة وثلاثين ميلا الأولى منها - أي إلى النقطة التي ~~يخرج منها الفرع الأول - نحو 87 قدما، ثم حفر ترع صغيرة طولها 535 ميلا، وترع إضافية ~~طولها 3125 ميلا، ومجار وسط الحقول طولها 5625 ميلا. # ويبلغ مجموع الأتربة التي حفرت من الترع الصغرى والترع الإضافية والمجاري الأخرى (عدا ~~الترعة الرئيسية) ثمانية أضعاف حجم هرم الجيزة الأكبر تقريبا، وربما يجد القارئ صورة أوضح ~~تبين له مقدار الحفر من الحقيقة الواقعة، وهي أنه صنع من الأتربة المحفورة طوب فإنه يكفي ~~لبناء سور ارتفاعه خمس أقدام وسمكه قدم، حول الأرض عند خط الاستواء، وتتولى شركة بكيروس ~~الأميركية حفر الترع الكبرى، وهي تشتغل ليلا ونهارا بآلاتها الضخمة لإتمام العمل قبل ~~الميعاد المحدد في عقد الاتفاق. # وتتولى نقابة السودان الزراعية إنشاء المجاري في المزارع وإعداد الأرض وتهيئتها للزراعة، ~~وقد اكتسبت هذه الشركة خبرة واسعة في زراعة القطن في هذه المنطقة. أما أعمال البناء الكبرى ~~فقد عهد بها إلى شركة الخواجات بيرسون وولده الذين تعهدوا بأن يسيروا بالأعمال سيرا سريعا ~~يوصل للحصول على محصول القطن في سنة 1925. # وتقترح النقابة أن تقسم الثلاثمائة ألف فدان إلى عشرين منطقة مساحة كل منها خمسة عشر ألف ~~فدان يدير كل جزء منها مفتش كبير، وستتولى النقابة أيضا الإشراف على الزراعة وتنشئ مصانع ~~الحلج اللازمة. # وتدرك ضخامة المشروع الذي تقوم به النقابة الزراعية في السودان من معرفة المنطقة الجديدة ~~لزراعة القطن فإنها تعادل سبعة أضعاف مساحة أكبر منطقة تزرع قطنا في أميركا وتملكها ms112 شركة ~~واحدة. # أما السد فبناء صلب من الجرانيت (حجر الصوان) المستخرج من المحاجر المجاورة لتلال ~~سيجادة، وهو مؤسس فوق منطقة من الصخر اللامع، بارز في النهر عند هذه البقعة. # ويقدرون ما سيستخدم في بناء هذا السد بنحو 15408000 قدم مكعب من الحجر ومائه ألف طن من ~~أسمنت پورتلند، ويبلغ طول السد ميلين تقريبا ومتوسط ارتفاعه تسعين قدما، وسيكون به ثمانون ~~عينا كبيرة ارتفاع الواحد منها 27 قدما وعرضها سبع أقدام، وأربع عشرة بوابة لضبط مياه ~~الترع ارتفاع الواحدة منها 17 قدما وعرضها عشر أقدام أو أزيد بقليل، و112 مصرفا، وسيستخدم ~~نحو 3300 طن من المصنوعات الحديدية في العيون والآلات الخاصة بها تقدمها شركة رانسومز ~~ورابير الإنكليزية في أبسوتش. # ويصنع الأسمنت هناك من المواد المتوافرة كثيرا في الأراضي المجاورة، وقد أنشئ معمل من ~~أحدث طراز مجهز بأفران (قماين) وطواحين دائمة العمل تصنع يوميا نحو مئة طن من الأسمنت لا ~~يقل جودة عن الأسمنت المصنوع في إنكلترا. # وقد ساعدت جزيرة صغيرة ناشئة عن نتوء صخري في النهر على بناء السد مساعدة مادية عظيمة؛ ~~فقد سهلت تحويل مجرى الماء، وهو عمل لا مندوحة عنه لوضع أساس السد في النهر، وقد وضعت الأسس ~~في الجهة الغربية، وحول مجرى الماء نحوها. ثم أقيمت سدود موقوتة من الطين لتصل طرف الجزيرة ~~الشمالي بطرفها الجنوبي بالضفة الشرقية، وبدأ السد الدائم يرتفع في المجرى الرئيسي، وقد ~~بانت الأجزاء المؤسسة من السد على أرض جافة في حين تم إنشاء الجزء الواقع على الضفة ~~الغربية. # ولا ريب في أن إتمام مشروع ري أراضي الجزيرة في السودان لا يكون حجر الزاوية في سياسة ~~إنكلترا الإمبراطورية فقط؛ بل يرجى أن يكون بداية عهد من الرخاء التجاري في بلاد استقر ~~كثير من البريطانيين فيها لإعلاء شأن حضارتها» ا.ه. # ذلك هو مشروع ري الجزيرة، وذلك ما يرمون إليه من وراء إنجازه. # | الجيش المصري والسودان # مصر هبة النيل والجيش سياج الدولة # مصر هبة النيل كلمة مأثورة عن هيرودوت؛ بل حكمة صادقة توارثتها الأمم جيلا عن ms113 جيل، ولقد ~~صرفت مصر الحديثة نحو 103 سنوات وهي تقذف بعشرات الألوف من أبنائها وبالملايين من مالها إلى ~~فيافي السودان الشاسعة؛ لضم أبنائها السودانيين أو المصريين السود إلى أحضانها فتقرب بينها ~~وبينهم الشقة، وتأمن على مائها وحياتها؛ إذ إن مصر والسودان شقيقان بل صنوان لا ينفصلان ~~قد جمعت بينهما رابطة الدين واللغة والنيل والمصالح، والنيل وحده يحيي المملكة الممتدة من ~~شواطئ البحر الأبيض شمالا إلى 200 كيلو متر جنوبي الخرطوم. # فقبلي هذا الخط يروي النيل شقة ضيقة من الأرض على ضفتيه وتسعة أعشار الأراضي الأخرى ~~ترويها الأمطار الغزيرة التي تهطل هناك، وفي شمال هذا الخط حيث لا يهطل المطر فلا نبات ولا ~~حيوان ولا إنسان، فالحياة كلها بالنيل أو بقرب النيل. فإذا ركبت طيارة مجتازا وادي النيل ~~من مصبه إلى ينابيعه برزت لعينيك أولا دلتا النيل بحلة سندسية خضراء مترامية الأطراف، ~~وأما بعد القاهرة فيبتدئ وادي النيل ضيقا بين جبلين، فترى في وسط هذا الوادي خطا أزرق هو ~~النيل، وعلى جانبيه خطان أخضران هما ضفتاه يأخذان بالضيق تدريجيا حتى الخرطوم، وإذا سرحت ~~النظر على طول هذه المسافة شرقا وغربا فإنك لا ترى بعد هذا الوادي المبارك الخصب غير رمال ~~قاحلة مقفرة. إن مساحة مصر تعادل نحو مليون كيلو متر مربع، أي ضعف مساحة فرنسا تقريبا، ~~ولكن تسعة أعشار هذه المساحة صحراء مجدبة، ومساحة مصر الزراعية أو القابلة للزراعة لا تزيد ~~كثيرا على مساحة بلجيكا البالغة نحو ثلاثين ألف كيلو متر مربع، ويقدرون عدد السكان بالكيلو ~~متر المربع في بلجيكا بنحو المائتين، ويعتبرونها مع بعض مقاطعات ألمانيا وإنجلترا أكثر بلاد ~~العالم ازدحاما بالسكان، وهم لا يزيدون على السبعة ملايين ونصف مليون. فماذا يقال عن مصر ~~ومساحتها الزراعية لا تزيد عن مساحة بلجيكا، وهي تموج بنحو أربعة عشر مليونا من السكان ~~وسكان الكيلو متر المربع بالمنوفية 360 شخصا، ومتى تحسنت الأحوال الصحية وقلت الوفيات ~~خصوصا وفيات الأطفال فستضيق البلاد بمن فيها، وسيجرف تيار المهاجرة هذه الزيادة إلى ~~السودان متتبعا مجرى النيل؛ لأن ms114 النيل وحده مصدر الزرق والحياة. # إن الفضل الأكبر في فتح السودان سنة 1820 ثم باسترجاعه سنة 1898 عائد إلى الفلاح الذي هو ~~عماد الجيش المصري. نعم، إن البريطانيين الذين كانوا نحو ثلث القوات المصرية سنة 98 قد ~~اشتركوا بالمدافع وأبلوا بلاء حسنا وإنما كانوا بعد الانتهاء من القتال يعودون مهرولين إلى ~~بواخرهم بالنيل التي أقلتهم من مصر إلى الخرطوم، وهذه حملة ولسلي التي أرسلوها سنة 85 ~~لإنقاذ غوردون كان يخفرها في الصحراء الجيش المصري ولولاه ما استطاعت التقدم، ولما وصلت ~~مراكبهم إلى شلالات دال، منعها التيار عن المرور فحملها الجيش المصري على أكتافه مسافة ~~ثلاثة أميال. # أما الذي قطع الألف ومائتي كيلو متر من أسوان إلى الخرطوم على قدميه، والذي مد الخطوط ~~الحديدية والتلغرافية تحت وابل من الرصاص وتحت نار محرقة، والذي ضحى دمه وماله بصحاري ~~السودان فهو الفلاح المصري. # لقد كان هم الإنكليز من يوم احتلوا هذه البلاد أن يجعلوا مصر مزرعة تقدم القطن ~~للانكشير، وأن يجعلوا الجيش قوة بوليس حربي في قبضتهم كهيئة البوليس والخفر لهذه المزرعة. ~~ففي سبيل المزرعة القطنية أهملوا الشئون الصحية والتعليم وكل ما يرقي مدارك الأمة، وفي سبيل ~~البوليس أهملوا أمر الجيش فلم يعلموه تعليما يتفق مع روح العصر؛ فصار جيش مصر الذي فتح ~~الأقطار والأمصار على عهد محمد علي وإبراهيم ومن خلفوهما أضعف جيوش العالم، لا لأن ~~الاتفاقات الدولية حددت عدده بثمانية عشر ألف مقاتل؛ بل لأن الإنكليز حولوه بعد الاحتلال ~~إلى بوليس بسيط جميع قواده منهم، وأكثروا عدد الضباط الإنكليز فيه حتى إنه لم يبق لمصري ~~مقام، واقتصروا في تعليمه على ما يكفي لإنالة أغراضهم. # قال الكولونل بوفور الفرنساوي في تقرير رفعه إلى حكومته عن جيش إبراهيم باشا: «إنني واثق ~~كل الثقة بأنه ليس في العالم كله جندي قوي متين كالجندي المصري؛ فهو قوي العضل باسل صبور ~~على المكاره كبير الجلد يتحمل أشد المتاعب، ولا يستطيع جندي في العالم أن يفعل ما يقدر ~~الجندي المصري علي فعله.» # هذا الجندي المصري الباسل كانت ms115 أعماله في خدمة المدنية والحضارة أعمالا عظيمة الشأن، فهو ~~الذي ألف الأمة السودانية أمة واحدة وقد كانوا فرقا وشيعا وسلاطين وملوكا، وهو الذي ~~علمهم لبس الرداء، وهو الذي أبطل النخاسة منذ عهد محمد علي وقبل إبرام اتفاق 1877 بين مصر ~~وإنكلترا، وهو الذي أنشأ المدارس في السودان، وهو الذي فتح القارة السوداء فاجتاز السودان ~~إلى زنجبار فأدخل في حماية مصر بعد الأوغندا زنجبار بمعاهدة تعرف بمعاهدة سليم، وهو الذي ~~يقوم الآن على حراسة النيل وعلى حفظ الأمن في تلك الأقطار المترامية الأطراف، وهو إلى اليوم ~~يواصل عمله بجد ونشاط ففي سنة 1916-1917 أتم تسكين دارفور # 1 # وسواها من أطراف البلاد التي فيها من أيدي الأعداء، وهو الذي قابل في جهة ~~الأوغندا الألمان القادمين من تانجانيكا، ولهذا نظر الإنكليز في اتفاق 1899 إذ اشترطوا أن ~~يكون لهم حق الشركة في ما يفتح من البلاد؛ لعلمهم أن الجندي المصري هو الجندي الوحيد القادر ~~على الفتح، وعلى صيانة هذا الفتح، وضبط الأمن بالسودان. # ولا يغيب عن ذهن القارئ المصري أن اللورد كرزون قال في مذكرته التي قدمها للوفد الرسمي ~~برئاسة عدلي باشا أنه يجب على مصر أن تقدم دائما القوة العسكرية للخدمة في السودان مقابل ~~ضمانة ماء النيل لمصر، ففي شروط الإنكليز ذاتهم يظل الجيش حامي النيل وحامي مياه النيل ~~وضابط الأمن بالسودان وحارس هذا الملك. # وقد تعاقب في صفوف هذا الجيش آلاف من الضباط البريطانيين منذ الاحتلال للآن، فما نشروا ~~تأليفا واحدا قيما يستحق الذكر أو تحسينا بالجيش تأدى لزيادة قوته المادية والمعنوية، ~~ومن الأسف الزائد أن انحطاط جيشنا صار أمره مشهورا لدى الوطنيين والأجانب ، والجيش والسودان ~~واحد لا فرق بينهما حتى جعلوا في اتفاق 1899 حكم السودان وقيادة الجيش شيئا واحدا، ~~فللإنكليز عليهما السلطة التامة والسيطرة المطلقة من كل قيد فإنجلترا هي المتحكمة هناك حكم ~~السيد بالموالي، وبيدها مالية السودان وعدليتها وداخليتها وخارجيتها ومواصلاتها ومدارسها ~~وبوليسها ... إلخ، فمنهم الحاكم العام والمديرون والمفتشون والحكمدارات ... إلخ، وليس للمصريين ~~من كل ذلك سوى بعض ms116 وظائف كتابية حقيرة. # وهذا إحصاء عدد الضباط البريطانيين، وعدد الضباط المصريين، ورتبهم: # مصري # بريطاني # فريق # 1 # 1 # لواء # 9 # 12 # أميرالاي # 8 # 20 # قائمقام # 28 # 41 # بكباشي # 73 # 155 # 119 # 229 # إن الأرقام أفصح من كل بيان، والأرقام تنبئ بأن عدد الضباط البريطانيين ضعف عدد الوطنيين، ~~ولهؤلاء الضباط الأجانب جيش من المترجمين يستولي على عشرات الألوف من الجنيهات من الخزانة ~~المصرية ليترجم لهم. # فما معنى استخدام هؤلاء المترجمين والإنجليز يقدمون الامتحانات بالعربية والناجحون منهم ~~يستولون على المكافآت المالية الباهظة، فإن كانوا قد أجادوا الامتحان فهم لا شك يعرفون قضاء ~~أشغالهم بالعربية فلا حاجة بهم إلى المترجمين، وإن كانوا لا يجيدون بعض اللغة العربية لقضاء ~~حاجاتهم فما الداعي لهذه الامتحانات والمكآفات المالية. # ومن المضحكات ما جرى حديثا وهو أن جماعة تظاهروا بالانسحاب من الجيش بحجة إفساح مجال ~~الترقي للضباط الوطنيين، وذلك بالطريقة الآتية: # كان قومندان الجنود العام بالقطر المصري حتى آخر 1923 ضابطا بريطانيا برتبة لواء، ~~ويليه اثنان من الضباط المصريين بصفة أركان حرب، فهذا القومندان عين حديثا بوظيفة مفتش ~~عام للجيش المصري بالقطر المصري، وتحت رئاسته أركان حرب ضابط مصري وبكباشي بريطاني لتمرن ~~الجنود المصرية. # وسلطة المفتش هذا هي كما جاء في أوامر الجيش بنصها الشائق ومعناها الرائق: «مفتش عام ~~الجنود المصرية بالقطر المصري هو المسئول عن تهذيب (كذا) وتمرين الجيش المصري بالقطر المصري ~~... إلخ، وهو مسئول عن إعداد معدات الدفاع عن القطر المصري بحالة الاضطرابات والحصول على ~~الأخبار الخاصة بها ... إلخ.» # وقد عين مكانه بوظيفة قومندان الجنود المصرية ضابطان مصريان؛ أحدهما برتبة لواء والثاني ~~برتبة ميرالاي، وعين لهما ثلاثة ضباط بوظيفة أركان حرب. # فترى مما تقدم أن النتيجة هي أولا: أن وظائف قومندانية الجنود المصرية بالقطر التي ~~كانت محصورة بثلاثة ضباط أي قومندانا إنجليزيا وضابطين مصريين صار يتولاهما الآن ~~ثمانية ضباط منهم اثنان بريطانيان وستة مصريون. # وليس لهؤلاء الضباط المصريين الذين حلوا محل البريطاني من السلطة سوى الاسم، ومن ~~الوظيفة سوى الرتبة والماهية؛ فهم يأتمرون بأمر المفتش العام الذي ms117 ما زال بالحقيقة قومندان ~~الجنود كما كان سابقا. # وهناك مسألة أخرى تستحق الالتفات وهي مسألة ترقية الضباط فقد باتت بطيئة جدا لا سيما ~~أصحاب الرتب الصغيرة من رتبة بكباشي فما دون، ولذلك عدة أسباب نسردها بالإيجاز: # أولا: كثرة الضباط الإنجليز بالرتب العليا فصار الوصول إليها صعبا جدا. فلا يصل إليها ~~إلا طويل العمر وكبير الحظ. # ثانيا: صغر الجيش وكثرة الضباط. # فترى الضابط وقد يمكث نحو 12 سنة برتبة الملازم الثاني أو الأول ونحو 15 سنة برتبة ~~يوزباشي، فيكون قد بلغ السن الثامنة والأربعين وهي السن القانونية التي يحال بها إلى المعاش ~~وبمعاش حقير، ولمكافحة هذا الداء أي داء بطء الترقي أدوية ناجعة: # أولا: الاستعاضة عن الضباط البريطانيين الذين يخرجون من الجيش بضباط مصريين، فيخلو نحو ~~250 رتبة يتبوؤها الضباط الوطنيون. # ثانيا: زيادة عدد الجيش، أي عدد الصف والعساكر فقط؛ لأن عدد الضباط الموجودين الآن ~~بالخدمة مع الذين يعادون من المعاش والاستيداع أو يتخرجون من المدرسة الحربية كاف ~~لإنشاء الأورط الجديدة. # أما السلطة العسكرية فكلها بيد السردار والأدجوتانت جنرال وكاتم أسرار الحربية، وبيد كل ~~الضباط البريطانيين المتوزعين بالجيش، وليس لأي فرد من الأربعة عشر مليون مصري أدنى سلطة ~~على الجيش. # فللسردار في الجيش وحاكم السودان في السودان والمدير بمديريته والقومندان العسكري في ~~وحدته والمفتش في مركزه - لكل هؤلاء من السلطة ما لم يحلم به ملك إنجلترا وسلاطين آل عثمان ~~أو قياصرة الروس على أريكة عروشهم. # وما زال دأبهم منذ وطئت قدمهم هذه البلاد أن يضعفوا هذا الجيش حتى صار اسما بدون جسم فهو ~~لا يكاد يعد 15 ألف عسكري محارب و18 ألفا إذا أضفت إليه الوحدات غير المحاربة، ومن هؤلاء ~~نحو 6 آلاف عسكري مصري فقط؛ لأنهم ما برحوا منذ استرجاع السودان للآن ينقصون عدد الوحدات ~~المصرية البحتة، ويزيدون الوحدات السودانية عملا بدافع التفريق وظنا منهم بأنهم يؤلفون ~~نواة جيش سوداني يكون خير معوان لهم؛ ليستقلوا عن مصر بالسودان في مستقبل الأيام. أجل ~~إنهم ينقصون الوحدات المصرية ويزيدون السودانية بدون استشارة ms118 مصر وضد مصلحتها فهم يصنعون ~~ذلك من مال مصر لمحاربة مصر. # فقد ألغوا الأورطتين السابعة عشرة والثامنة عشرة من البيادة المصرية، وأنشأوا أورطتي خط ~~الاستواء وبحر الغزال السودانيتين حيث يعلمون العساكر النداء بالإنجليزية، ولم يبقوا من ~~البطاريات الطوبجية المصرية العديدة سوى أربع مصرية، وأنشأوا واحدة سودانية، ومن أورط ~~السواري المصرية لم يبقوا أيضا سوى أورطة مصرية أي نحو 150 عسكريا، وأنشأوا بدلا منها ~~ست أورط سودانية أطلقوا عليها اسم البيادة الراكبة، وأركبوها الخيل السودانية والبغال ~~الحبشية، وقد أبدلوا الهجانة المصرية بهجانة سودانية، وأنشأوا فرقتي العرب الشرقية والغربية ~~السودانيتين، وقد زودوا كل هذه الوحدات السودانية بيادة وسواري بالمدافع المكسيم، بينما ~~أنهم حرموا منها الوحدات المصرية، وبينما الأورطة السودانية تعد 800 ضابط صف وعسكري، ~~فالأورطة المصرية لا تعد سوى 600 فقط، وقد أنقصوا الضباط المصريين في الوحدات السودانية حيث ~~نزل عددهم إلى عشر الضباط البريطانيين والسودانيين، وأما في أورطتي بحر الغزال وخط ~~الاستواء فلا أثر للمصري، ولا يعرف عساكر هذه الوحدات عن مصر إلا نقودها، ولهؤلاء نظام ~~مخصوص هو أقرب لنظام ميليسا أوغندا منه إلى نظام الجيش المصري. # وأما الذخيرة فلا يصرف للجيش سوى النزر اليسير، والباقي هو محفوظ في مصر والخرطوم تحت ~~حراسة البريطانيين، وقد أنشأوا بالخرطوم منذ سنوات عديدة مدرسة سموها كلية غوردون ~~لتخريج قضاة ومهندسين ومعلمين ومدرسة حربية لتخريج الضباط، وقد افتتحوا حديثا مدرسة طب، ~~وهذه المدارس مثل كل منشآت البريطانيين في الشرق تكتفي بالقشور دون اللباب، فالسوداني مثل ~~أخيه المصري لا ينقصه الذكاء الفطري فهو قابل للعلوم، وإنما طرق تعليمه عقيمة وناقصة، ~~فالبريطانيون لا يقصدون تعليمه بل يقصدون إزاحة المصري من السودان وإحلال البريطاني محله. ~~خذ مثلا مدرسة وكلاء المآمير التي أنشأوها بالخرطوم فهي تخرج وكلاء مآمير سودانيين تحل محل ~~المأمورين المصريين شيئا فشيئا ، وهكذا قل عن المدرسة الحربية وعن المهندسين والقضاة ~~والأطباء فهم يعينون السوداني بوظيفة المصري بماهية 6 أو 8 جنيهات شهريا بدل الثلاثين ~~والخمسين التي كان يستولي عليها المأمور أو المهندس أو الطبيب المصري، والوفر ms119 الذي يتجمد ~~يخصص لإنشاء وظائف جديدة للبريطانيين. # عثر المسيو أوريان في محفوظات الوزارة البريطانية على تلغراف من لورد كلارندون ناظر ~~خارجية إنجلترا إلى اللورد «كاولي» سفير بريطانيا في باريس بتاريخ 18 يوليو سنة 1858 ~~معترضا على فتح قناة السويس، وقد نشر في مجلة مركور دي فرانس، وهذا نصه: # إذا ما تم فتح هذه القناة فإنها تفصل مصر عن تركيا، ويمكن حينئذ أن تعلن ~~استقلالها متى أرادت. فالإسكندرية وسائر السواحل البحرية هي الآن بحالة حصينة وقوية ~~للدفاع ضد كل اعتداء من جانب بريطانيا أو تركيا، وإذا لم تكف الحامية المصرية ~~فهناك قوة إفرنسية يمكن إنزالها للميدان لأجل النجدة، وإن هذه القناة التي ستكون ~~بعرض 300 قدم وعمق 80 قدما إذا أقيمت خطوط الدفاع على جوانبها وقامت السفن الحربية ~~على الحراسة في وسط مياهها فستكون سدا منيعا ضد كل جيش عثماني يهجم عليها من ~~ناحية سوريا. # ولقد تمت نبوءة اللورد التي تنبأها سنة 1858 بما وقع سنة 1915 حينما هاجمت الجنود ~~التركية القناة، ولكن ذلك كان لمصلحة إنكلترا التي وضعت نصب عينها احتلال مصر فحالت دون ~~استقلالها لتبتلعها، وهذا ما تفعله الآن في السودان، وتجد منا من يتساهل معها وينسى أن ~~الأمة باقية خالدة، ويكفي أن تعشق حقوقها حتى تنال هذه الحقوق إما عاجلا وإما ~~آجلا. # وإذا كان الجيش هو الذي ألف الدولة المصرية وألف وحدة السودان ومصر ومدن ~~السودان وصانه وعمره فإن اسم الجيش لاسم مقدس في مصر وعند المصريين وهو الفلاح الذي صرف ~~أكثر من مئة عام وهو يريق ماله ودمه في أرجاء السودان؛ ليبقي السودان لمصر ويبقي مصر ~~للسودان، ويبقي الاثنين واحدا لا يقبل تفرقة ولا تجزئة، ويظل هو سياج هذه الدولة، ويظل ~~اسمه وعمله فخرها إلى الأبد. # | هوامش # | في بحر الغزال # زيارات اللورد اللنبي للسودان # في كل عام يزور معتمد إنكلترا السودان ، وكانت زيارة اللورد اللنبي السودان في عام 1924 ~~غير زيارته له في العام السابق، ولكنها لا تقل عنها أهمية، ولا يسع المصري إلا أن يرقبها ~~ويتدبر ms120 نتائجها؛ ففي العام الماضي كان الغرض من تلك الزيارة جمع الذين أطلقوا عليهم اسم ~~«أعيان السودان وأشرافه وأرباب العشائر والقبائل» ليلقوا على مسامعهم بفم بعضهم ما يريدون ~~هم أن يكون رأي السودانيين بأنفسهم وبشقيقتهم مصر، وفي هذا العام كان الغرض التوغل في ~~أعالي السودان حتى الحدود التي ضربوها له على ما يهوون ويريدون كالحدود التي ضربوها لمصر مع ~~السودان. فحال السودان مع منابع النيل الآن كحال مصر مع النيل ذاته. فإذا نحن أوجسنا خيفة ~~من كل يد تسيطر على النيل في السودان فإنه يحق للسودانيين أيضا أن يوجسوا خيفة من كل يد ~~تسيطر على منابع النيل، فنحن والسودانيون في ذلك سواء، ونحن وهم تحت سيطرة القابضين على ~~منابع النيل؛ لأن هذه المنابع التي كانت لنا ولهم معا صارت اليوم لا لنا ولا لهم؛ بل ~~للإنكليز يتصرفون بها على هواهم. إن الإنكليز يسيرون هنا وفي الهند على وتيرة واحدة فهناك ~~يقبضون على عنق البلاد بالبوليس والري، وهنا أيضا يقبضون على عنق مصر والسودان بالبوليس ~~والري. ~~••• # كل مصري يعرف أن النيل يؤلف من نهرين؛ النيل الأبيض والنيل الأزرق، فالنيل الأبيض: يجري ~~من بحيرة فيكتوريا نيانزا عند خط الاستواء، ثم يجري على مسافة 290 ميلا فيصب في بحيرة ~~ألبرت نيانزا الواقعة شمالي الأولى، وكلتا البحيرتين كانت في قبضة مصر على عهد إسماعيل ~~باشا، وأطلق عليهما اسمان إنكليزيان؛ لأن إسماعيل باشا استعمل على تلك المنطقة صموئيل باكر ~~الإنكليزي، فأوحت إليه حكومتة بهذه التسمية؛ لأنها كانت ترمي بنظرها إلى تلك البلاد وإلى ~~مصر معا، فأرادت أن يسجل بالتاريخ، وأن تعرف الأمة الإنكليزية أن البحيرتين ~~إنكليزيتان. ~~••• # وبعد أن يخرج النيل الأبيض من بحيرة ألبرت نيانزا يجري في خط الاستواء وهو الإقليم المصري ~~الذي كان يتولى الحكم فيه أمين باشا حتى سنة 1889 ولكنهم سلبوه سلبا، وبعد أن يجري على ~~مسافة 670 ميلا يلتقي ببحر الغزال، وهو نهر كبير، ويتغير بعد ذلك الاسم، ثم يلتقي بالنيل ~~الأزرق عند الخرطوم بعد أن يجري من منبعه 1530 ميلا. # أما ms121 النيل الأزرق: فيخرج من بحيرة تسانا في بلاد الحبشة، ويجري شمالا إلى الغرب حتى يدخل ~~سنار، وتصب فيه أنهر أخرى، ويصل إلى الخرطوم بعد جريه 846 ميلا، وكلنا يعرف مساعي الإنكليز ~~في الحبشة؛ لتكون بحيرة تسانا في قبضتهم كما هي الآن بحيرة فيكتوريا نيانزا، وكما يطمحون ~~إلى بحيرة رودلف. # ذانك هما النهران اللذان تعيش بهما مصر والسودان معا، وتلك سياسة الإنكليز في أن تكون في ~~يدهم حياة مصر والسودان بالقبض على منابع النيل. # وإذا كان اللورد اللنبي قد أتم مهمته في العام الماضي مع مشائخ القبائل، فإنا لا ننسى ~~أقوال صحف لندن وردها على صحف مصر «بأن هناك غير القبائل التي يدعي المصريون قرابتها ~~ولحمة النسب بها ووحدة اللغة والدين معها قبائل السود وهي أكثر عددا وأوسع بلادا ولا ~~تربطها بالمصريين أقل رابطة؟» فهل السلطان «جومص كيانجو» الذي أهداه اللورد اللنبي المدالية ~~«التي ينعم بها على رؤساء القبائل ووجوه القوم في أفريقيا» ومشائخ العشائر «الذي أنعم عليهم ~~الحاكم العام بالهدايا» - كما قالت صحف الإنكليز - يمثلون السود؟ فيكون اللورد اللنبي قد ~~أتم الآن مهمته في سنتين: سنة مع رؤساء العشائر والقبائل العربية المسلمة، وسنة مع رؤساء ~~القبائل والعشائر السوداء غير المسلمة؟ ~~••• # أما مديرية بحر الغزال فإنه يفصلها عن دارفور وكردوفان شمالا بحر العرب وبحر الغزال، ~~ويفصلها عن محافظة فاشودة بحر الجبل، وتفصلها الجبال غربا عن الكونغو الفرنساوية، وتتصل ~~جنوبا بالكنغو البلجيكية، وجميع سكان بحر الغزال من السود، وهم يتعاملون بالخرز ~~والحديد. # ثارت هذه المديرية بعد قيام المهدي، وكان لبتن بك مديرا لها، ومحمود المحلاوي مفتشا ~~عاما لمنع تجارة الرقيق فتمكن محمود من إخماد الثورة، ومن إرسال المدد إلى أمين باشا في ~~خط الاستواء، وانتهى الأمر بأن سلم لبتن لعامل المهدي. أما أمين باشا فثبت في خط الاستواء، ~~وله حديث عجيب يدل على نيات الإنكليز منذ ذاك الحين. # أخلى الدراويش بحر الغزال سنة 1886، وفي 14 يوليو سنة 1894 عقد الفرنساويون اتفاقا مع ~~حكومة الكونغو على أن تكون بلاد بحر الغزال في دائرة ms122 نفوذهم، وأنشأوا مواقع عسكرية في ديم ~~الزبير وبحر العرب وأرمبيك وإياك ومشروع الريك، ثم تقدموا إلى فاشودة فاحتلوها إلى أن ~~اتفقوا مع الإنكليز على الخروج منها ومن بحر الغزال في سنة 1898، وفي سنة 1900 أرسل السردار ~~قوة احتلت بحر الغزال، وجعلت واو عاصمة لتلك البلاد. ~~••• # أما خط الاستواء فتملكه المصريون سنة 1872 وطلب ولي عهد إنكلترا من الخديوي إسماعيل أن ~~يكون غوردون حاكما لخط الاستواء فعينه من سنة 74 إلى 76 ثم تولاها أمين باشا، ولكن ~~الإنكليز الذين أكرهوا حكومة مصر على الجلاء عن السودان أبوا أن تظل الجرثومة المصرية في ~~خط الاستواء فملأوا الدنيا صياحا وعويلا لمصاب «أمين باشا» وأخذوا يستصرخون الإنسانية ~~لإنقاذه حينما كان أمين باشا بكل راحة وسكون وأمان مع الجيش المصري والعمال والموظفين. على ~~أن الإنكليز الذين أوفدوا ستانلي «لإنقاذ» أمين باشا سنة 89 كلفوا حكومة مصر أن تدفع له 12 ~~ألف جنيه، وأن تصحبه بكتاب إلى أمين باشا ليغادر تلك البلاد؛ لأنه رفض مغادرتها بغير أمر ~~الخديوي، ولما عاد أمين باشا إلى زنجبار مع ستانلي أبى فريق من الجيش المصري إخلاء تلك ~~البلاد، وظل فضل المولى مع ذلك الفريق في واد لاي، وفي سنة 92 أدخل البلجيك فضل المولى ~~وعساكره في خدمتهم، وقتل الدراويش فضل المولى في تلك السنة. ~~••• # والآن اسمع قصة أمين باشا لتدرك سر السياسة الإنكليزية، أي تلك السياسة التي لا يزالون ~~يعملون لتحقيقها حتى الآن، والتي نعد سفر اللورد اللنبي إلى واو شطرا منها أو تتمة ~~لها. # ألف الإنكليز شركة سموها الشركة الأفريقية على مثال شركة الهند الشرقية التي أوصلتهم إلى ~~تملك الهند، وجعلوا غرضها تجاريا كتلك، وهي مثلها سياسية كلفت بتمهيد الطريق لتأليف ~~الإمبراطورية الأفريقية فلما أخذت هذه الشركة بالعمل أيقنت أن بقاء أمين باشا حاكما ~~مصريا على خط الاستواء يحول دون مرماها فأطلقوا عليه لقب «سجين خط الاستواء» بعد إكراه ~~مصر على إخلاء السودان، وأرسلوا إليه ستانلي فلما سلمه أمر الخديوي بالعودة عاد معه إلى ~~زنجبار، وهناك كشف له القنصل ms123 الألماني عن وجه الحقيقة فأبى المجيء إلى مصر، وعزم على العودة ~~إلى وادلاي مع فريق ممن أتوا معه من هناك، ودخل في المسألة عامل جديد وهو السياسة ~~الألمانية التي طلبت من أمين باشا وهو من أصل ألماني أن يكون في عودته تحت ظل علمهم، وحملت ~~صحف الألمان على الإنكليز، واتهمتهم بالخيانة والغدر، فرد عليهم الإنكليز بأشد من ذلك، ~~وأظهروا عجز أمين باشا عن العودة؛ لأن الشركة الأفريقية رفعت العلم الإنكليزي على خط ~~الاستواء بعد خروج المصريين، واضطرار فضل المولى إلى خدمة البلجيكيين، وحدث ستانلي أحد ~~الكتاب الألمان فقال له: «إني لما وصلت إلى أمين باشا خيرته بين ثلاثة أمور: إما البقاء ~~في ودالاي تحت السلطة الإنجليزية والعلم الإنكليزي براتب 1500 جنيه في السنة وإعانة 12 ألف ~~جنيه تدفع له حالا - وهو المبلغ الذي أخذه ستانلي من خزانة الحكومة المصرية - وإما أن يرحل ~~عن وادلاي إلى جهة أخرى لنرفع على خط الاستواء العلم الإنجليزي، وإما أن يرجع معي إلى ~~القاهرة ويترك تلك البلاد وشأنها» فرد عليه أمين باشا بأن ستانلي عرض علي أن أترك منصبي ~~في خدمة الحكومة المصرية فرفضت، وعرض علي أن أجمع له جيشا من السود يتولى هو قيادته ثم ~~نذهب بالجيش لأوغندا فنجعلها مركزا ثم نرجع إلى وادلاي باسم الشركة الأفريقية لا باسم ~~الحكومة المصرية فرفضت. فهددني بتجريدي من قوتي وسلاحي وذخيرتي فاضطررت أن أرافقه. # أما ستانلي الذي أكسب الإنكليز منابع النيل في خط الاستواء فإنه رفع إلى مقام الأشراف، ~~ورسم الخطة التي ينفذها الإنكليز اليوم فقال: # الآن وقد وضعت الشركة الأفريقية يدها على خط الاستواء، وصارت منابع النيل في ~~قبضتنا بعدما أكرهنا المصريين على إخلاء السودان، وبات باستطاعتنا أن نفتح السودان ~~بمد خط حديدي بين البحر الأحمر والنيل لا يكون طوله أكثر من 300 كيلو متر، ثم نسير ~~من بربر إلى الدرجة الخمسين طولا فنأخذ الأبيض وسنار، ثم نصعد في النيل الذي يكون ~~قد صار ملكنا إلى غاندوكرو، وبذلك يكون النهر لنا على مسافة 1500 ميل، ونصل ms124 إلى ~~البحيرات التي هي ملكنا، والتي منها ينبع النيل؛ فيصير بذلك السودان ثم مصر ~~مستعمرات إنكليزية. # ولا شك بأن الألمان كانوا يزاحمون الإنكليز بالمناكب في تلك الجهات، ولكن انكسارهم بالحرب ~~أوقع مستعمرتهم في قبضة الإنكليز فلم يبق لهم مزاحم هناك ولا عقبة في طريق سكة حديد ~~الكاپ. على أن ذلك كله تم لهم على حساب مصر وبأموال مصر وعلى أيدي المصريين الذين يخادعونهم ~~عن أنفسهم حتى الساعة بكلمة: «ضمانة مياه النيل» وهي ضمانة لا قيمة لها كما مر ~~بالقارئ. # | الخاتمة # سياسة إنكلترا وسياسة مصر # لقد بسطنا شيئا من سياسة الإنكليز في السودان وفي تحكمهم بالري أو بالأحرى بالنيل الذي ~~قال فيه هيرودت: «إن الله خلق العالم كله وأما النيل فإنه خلق مصر» فما هي سياستنا التي ~~نقابل بها سياستهم، بل كيف يجب أن تكون سياستنا التي تنجح مقاصدنا وتجعلنا وتجعل أولادنا ~~وأولاد إخواننا السودانيين أحرارا لا يخشون ضرا ولا يخافون مستقبلا مكفهرا؟! # إنا إذا ما تساءلنا هذا السؤال خلص إلينا الجواب عليه مما يطوف بأنفسنا من الميول دون ~~أن نعللها، ودون أن نرجع الأسباب إلى مراجعها وأصولها؛ لأن النفس هي التي تملي وما ~~تمليه النفس لا يخطئ ولا يزل. # ففي سنة 1881 فتح البرلمان المصري وعلى كرسيه 20 نائبا عن بلاد السودان، فعلى تلك ~~الكراسي والمقاعد امتزجت مصر بالسودان امتزاجا كليا تاما، ولم يكن في قاعة المجلس نائب ~~سوداني وآخر مصري؛ بل كان الجميع واحدا، وكان النائب المصري نائبا عن السودان ومصر وكان ~~النائب السوداني نائبا عن مصر والسودان، فكان البلدان واحدا، وإذا لم يكن البلدان واحدا ~~ومنافعهما مشتركة متلاحمة مترابطة كأنها منفعة واحدة نجم عن ذلك حتما تضارب المنافع، ومتى ~~تضاربت المنافع واختلفت وقع الشقاق، ومتى وقع الشقاق تلاه الخصام، وهذا ما يرمي إليه ~~الإنكليز بفصل السودان عن مصر حتى يظلوا الحكم بينهما وأصحاب السلطة على القطرين معا، وهذا ~~ما يجب أن نتفادى عنه كل التفادي حتى نمنع النفور بين الأخوين بتفريق منافعهما، وحتى نمنع ~~تسلط الأجنبي عليهما معا ms125 بحجة الدفاع عن مصلحة هذا آنا ومصلحة ذاك أونة أخرى. # ومن العيب في السياسة وسياسة بعد النظر والنظر إلى الغد. ما يقولونه ويرددونه عن «ضمانة ~~ماء النيل لمصر» فمن هو الضامن ذلك؟ وما قيمة هذه الضمانة؟ وإلى كم تدوم؟ ألا يعد وجودها ~~ذاته سببا للخلاف والخصام، وإذا هي نفذت في عشرة أعوام أو عشرين أو أربعين أو خمسين أو في ~~ما هو فوق ذلك فهل تنفذ إلى الأبد، ونحن الآن نحو 14 مليونا وبعد ربع قرن - وربع قرن بل ~~قرن كامل في حياة الأمم لا يستحق أن يذكر - يربو عدد المصريين على 20 مليونا ويربو عدد ~~السودانيين على 12 مليونا، فأين يجد المصريون مرتزقا وهم الآن يزدحمون في أرضهم ازدحاما ~~شديدا حتى إن الكيلو متر المربع في المنوفية يسكنه 365 شخصا، وهؤلاء السكان المزدحمون في ~~وادي النيل ازدحاما شديدا جدا كانوا يكتفون بالأمس القريب بالضروريات القليلة الزهيدة، ~~وهم لا تكفيهم الآن الكماليات، وغدا يزدادون مدنية وحضارة وعلما، وقد نص دستورهم على ~~التعليم الإجباري فتزداد حاجتهم وتقل ثروتهم وتضيق أرضهم فإلى أين يكون المصير أإلى الصحراء ~~غربا أم شرقا أم إلى الصناعات ومصر لا يحتمل أن تكون لها صناعة كبيرة إذا هي جدت في ~~هذا السبيل؛ بل إن كل ما يمكن أن يتوافر لها الصناعات الصغيرة. فمجرى النيل هو هو طريق ~~الرزق بقوة التقاذف الذي لا تشعر به الأمم كأن ينتقل ابن أسوان إلى دنقلة وهكذا صعودا، ~~وابن قنا إلى أسوان، ويلحق به في قنا ابن جرجا ... وهكذا من مصب النيل إلى منبعه. # فمن جعل حلفا حدا فاصلا بين مصر والسودان فقد جعل مصر والمصريين مسجونين في واد ضيق، ~~وجعلهم عبيدا خاضعين لمن بيده منبع النيل. # بل جعل ما هو أكبر شأنا وأشد خطرا بجعله القطرين منفصلين، فيباعد بين الأخوين مباعدة ~~تدعو إلى النفور والشحناء والبغضاء كما نحن نرى الآن من الدعوة التي تنشر ومن والوسائل التي ~~تتخذ، وإذا كان الإنكليز - كما قلنا قبل - قد نظروا منذ عهد إسماعيل إلى ما ms126 يجنون ثماره ~~الآن فأطلق مستخدمو مصر منهم اسم ملكتهم والأمير زوجها وولي عهدها على منابع النيل؛ ليرسخ ~~في التاريخ، وليرسخ في أذهان أبنائهم أن تلك المنابع لهم؛ لأنها تسمى بأسماء ملوكهم ~~وأمرائهم. فكم يكون واجبا علينا بل لازما محتما أن نعمل على الأقل عملهم في إبقاء صلة ~~الاتحاد والإخاء بيننا وبين إخوتنا الذين أبوا على عهد الخديوي سعيد باشا أن تجلى الجنود ~~المصرية عن أرضهم وأن يستعيد الخديوي عماله من بلادهم، فكانوا بعيدي النظر، وكانوا على ~~سياسة الإخاء بل على أحدث سياسة يجب الأخذ بها، وهذه السياسة يجب أن تكون سياستنا، أي سياسة ~~الوحدة والاتحاد مع إخواننا بالسودان لا سياسة «ضمانة المياه» التي يتغنون بها الآن، وهي ~~شديدة الخطر خطيرة النتائج على مصر والسودان معا؛ لأنها تتضمن في طياتها شرا كبيرا ~~قوامه «فرق تسد». ~~••• # إن بين مصر وإنكلترا عهدا وميثاقا أبرم سنة 1899 فهذا العهد والميثاق علله أحسن تعليل ~~رئيس لجنة الدستور حسين رشدي باشا مستشهدا بأقوال اللورد كرومر الذي وضع ذلك الاتفاق، فلم ~~يقل اللورد واضع الاتفاق أنه ينازع مصر في ملكية السودان أو بالأحرى في أن السودان ومصر ~~واحد؛ بل قال: إن الغرض الوحيد من ذلك الاتفاق هو الحيلولة دون تسحب الامتيازات على ~~السودان. فإذا كانت لإنكلترا منافع في السودان فإن المصريين لا ينكرونها وهم يحترمون تلك ~~المنافع والمرافق كل الاحترام، وأما الملكية وأما فصل السودان عن مصر فصلا يؤدي في ~~المستقبل حتما إلى النزاع والخصام فإنه لا يسلم به مصري مهما كان الأمر، والاتحاد في رأس ~~برنامج كل حزب من الأحزاب المصرية وهو مطبوع على قلب كل مصري كبيرا كان أو صغيرا إلا ~~الذين كفت بصيرتهم فلا يرون غدهم وهم عائشون ليومهم، وهؤلاء لا يؤخذ بقولهم ولا برأيهم ~~في مصير أمتهم أو مستقبلها. ~~••• # إذا كان الإنكليز والمصريون فريقين مختلفي الغاية والغرض في السودان فإن الفريق الطامع ~~بذلك الملك الشاسع - وهو الفريق الإنكليزي - يعمل والقوة تؤيده لتنفيذ طمعه. أما ~~الفريق الثاني صاحب الحق - وهو الفريق المصري - فإنه يستند ms127 إلى حقه فقط، وقد قال ~~السياسيون: إن الحق قد تخلقه القوة وقد تستميله إليها. وقال الاجتماعيون: ما مات حق من ~~ورائه مطالب. ومعنى قولهم أن كل حق لا يطالب به قد يموت. # هم يعملون ولا يكلون، وهم يعتمدون في عملهم على خلق فكرة الانفصال وتقويتها وإنمائها في ~~نفوس السودانيين أنفسهم، وبتصوير المصريين لعيون السودانيين تصويرا ينفرهم منا ويبعدهم ~~عنا. # فهلا رشد نفر منا فهب لزيادة أحكام الروابط والإخاء والمحبة والولاء بين مصر ~~والسودان حتى لا تجد البذرة الفاسدة مكانا من أنفسهم وقلوبهم، وهلا قام نفر منا يختص ~~بالدعاية السودانية فوق برامج الأحزاب وأكثر من مباحث الصحف والأقلام حينا بعد حين؟ # لقد عابوا على الأمير الكبير عمر طوسون قوله في بعض رسائله: «إن لم نحكم السودان فليحكمنا ~~السودانيون.» # وما كان في هذا القول عيب ولا عار إذا كان الغرض منه أن تكون الأمتان أمة واحدة، ~~ومتى كانتا كذلك لا يسأل فيهما من هو الحاكم ومن هو المحكوم. ألا إن من السودانيين أبطالا ~~في خدمة القضية المصرية وأبطالا بواسل في سبيل الاستقلال والفتح المصري، لا يمحى أثرهم من ~~تاريخ مصر الخالدة، فكيف تنساهم مصر وكيف تنسى دماءهم التي سفكت كرما وجودا في سبيل ~~مصر واستقلالها وتوسيع سلطانها وتوطيد أركانها. # إن بين السودان ومصر من أواصر النسب ووشائج القربى ما لا يقبل انفصالا ولا فكا. # إن بينه وبين مصر أفخاذ القبائل وبطون العشائر وروابط اللغة والدين والتاريخ. # إن بينهما روابط المنفعة الأدبية والمادية، فإذا عملت مصر وعمل المصريون لإحكام هذه ~~الروابط، روابط الإخاء والمحبة والقربى ثم المنفعة، فقد عملت كل شيء يدفع عنها وعن السودان ~~الغير، ويثمر الخير ويحقق الآمال، في كل مصير ومآل. ms128