######OpenITI# #META# URI: 1353AhmadZakiBasha.TarikhMashriq.Hindawi48302735 #META# Tags: history #META# ID: 48302735 #META# Title: تاريخ المشرق #META# AuthorID: 37305913 #META# Author: غاستون ماسبيرو #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 14937183 #META# Translator: أحمد زكي #META# Related_books: 1334GustaveMaspero.HistoireOrient (TRANSL) #META#Header#End# # مقدمة المترجم‏ # الكتاب الأول: تاريخ مصر‏ # 1 - وصف مصر القديمة والكلام على النيل‏ # 2 - في أصل المصريين وتكوين بلادهم‏ # 3 - الكلام على منف والدولة القديمة‏ # 4 - طيبة والرمسيسيين‏ # 5 - تغلب الأجانب على مصر‏ # 6 - في الديانة المصرية‏ # 7 - الآثار والصناعة‏ # 8 - استكشافات شامبوليون والكلام على علماء الآثار المصرية من الفرنساويين‏ # الكتاب الثاني: في تاريخ الكلدانيين والآشوريين‏ # 9 - وصف بقعة دجلة والفرات‏ # 10 - أصل الكلدانيين والكلام على أيامهم الأولى‏ # 11 - الكلام على نينوي وذكر سرجون وخلافائه‏ # 12 - ذكر نابوكودونوزور وخراب بابل‏ # 13 - الديانة الكلدانية‏ # 14 - الآثار والفنون الصناعية‏ # 15 - الاستكشافات العصرية‏ # الكتاب الثالث: في تاريخ الفينيقيين‏ # 16 - وصف فينيقية وذكر صيدون وصور وتأسيس قرطاجة ‏ # 17 - الديانة - حروف الهجاية - التجارة - الصناعة‏ # 18 - المستعمرات الفينيقية‏ # الكتاب الرابع: في تاريخ الماديين والفرس‏ # 19 - وصف إيران - آسيا الصغرى - مملكة الماديين‏ # 20 - الفرس - كورش - كمبيز - فتح الفرس للقسم الأعظم من بلاد المشرق المعروفة ~~قديما‏ # 21 - دارا - تنظيم مملكة الفرس‏ # 22 - الديانة - الأخلاق - العادات - الآثار‏ # مقدمة المترجم‏ # الكتاب الأول: تاريخ مصر‏ # 1 - وصف مصر القديمة والكلام على النيل‏ # 2 - في أصل المصريين وتكوين بلادهم‏ # 3 - الكلام على منف والدولة القديمة‏ # 4 - طيبة والرمسيسيين‏ # 5 - تغلب الأجانب على مصر‏ # 6 - في الديانة المصرية‏ # 7 - الآثار والصناعة‏ # 8 - استكشافات شامبوليون والكلام على علماء الآثار المصرية من الفرنساويين‏ # الكتاب الثاني: في تاريخ الكلدانيين والآشوريين‏ # 9 - وصف بقعة دجلة والفرات‏ # 10 - أصل الكلدانيين والكلام على أيامهم الأولى‏ # 11 - الكلام على نينوي وذكر سرجون وخلافائه‏ # 12 - ذكر نابوكودونوزور وخراب بابل‏ # 13 - الديانة الكلدانية‏ # 14 - الآثار والفنون الصناعية‏ # 15 - الاستكشافات العصرية‏ # الكتاب الثالث: في تاريخ الفينيقيين‏ # 16 - وصف فينيقية وذكر صيدون وصور وتأسيس قرطاجة ‏ # 17 - الديانة - حروف الهجاية - التجارة - الصناعة‏ # 18 - المستعمرات الفينيقية‏ # الكتاب الرابع: في تاريخ الماديين والفرس‏ # 19 - وصف إيران - آسيا الصغرى - مملكة الماديين‏ # 20 - الفرس - كورش - كمبيز - فتح الفرس للقسم الأعظم من بلاد المشرق المعروفة ~~قديما‏ # 21 - دارا - تنظيم مملكة الفرس‏ # 22 - الديانة - الأخلاق - العادات - الآثار‏ # | تاريخ المشرق # تاريخ المشرق ms001 # تأليف # غاستون ماسبيرو # ترجمة # أحمد زكي # مقدمة المترجم # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله المنفرد بالبقاء والقدم، مبيد الأمم ومعيده من العدم والصلاة والسلام على ~~نبيه الذي بعثه بلسان الصدق لهداية الخلق إلى صراط الحق، وعلى آله وأصحابه الذين ~~خلدوا من المآثر والآثار ما يتجدد لنا به الافتخار، على تعاقب الليل والنهار. # وبعد؛ فهذا كتاب في تاريخ الأمم القديمة ببلاد المشرق مهبط أسرار الحكمة، ومشرق أنوار ~~العرفان. وضعه باللغة الفرنساوية العلامة الثقة الحجة الموسيو ماسبيرو، الذي يرجع إلى ~~معارفه في بيان ظلمات التاريخ القديم، ويعتمد على أقواله في شرح أحوال الأمم الماضية ~~والقرون الخالية وخصوصا أجدادنا المصريين؛ لوثيق معرفته بكتاباتهم وكناياتهم، وتمام ~~درايته فيما يتعلق بحياتهم؛ حتى أصبح ببلاد أوروبا، وهو عمدة أهل التحقيق والتدقيق ~~وأستاذ المستنبطين والمستكشفين، وقد ضمنه الرجل كثيرا من آثار بحثه وتنقيبه، واجتهد في ~~تقريبه للأذهان بعبارة امتزجت فيها الفائدة بالطلاوة، وشخصت للقارئ معيشة أولئك ~~الأقوام، كما هي بالتمام في تلك الأيام. لذلك ما لبث هذا الكتاب أن ظهر بفرنسا حتى ~~أهرعت الأمم المتمدنة إلى ترجمته للغات أوروبا كلها بعد أن تعدد طبعه في فرنسا جملة ~~مرار. # ولما اطلع عليه سعادة يعقوب باشا أرتين وكيل نظارة المعارف العمومية، ورآه منطبقا ~~على برنامج التدريس بالمدارس الأميرية أراد أن لا تكون مصر محرومة من ثمراته، فإن أهلها ~~أولى الأمم بمعرفة أحوال أسلافهم، فقد بنى لإتحاف أهل مصر بل أهل اللغة العربية بهذا ~~الكنز الثمين؛ فشمرت عن ساعد الجد في تعريبه، طبق الأصل بالتمام، مع العناية بضبط ما ~~فيه من الأعلام واختيار الألفاظ الموفية بالمرام. # وقد رأيت من باب الواجب تعليق بعض الشروح في متن الكتاب أو في حواشيه، بحسب المقام، ~~وكلها فيما يختص بالتاريخ والجغرافية والترجمة ونحو ذلك من أبواب العرفان. وأظن أن ~~المطلع عليها سيعرف لي تعبي؛ إذ يرى في هذه الحواشي كثيرا من الفوائد المتشتتة في كتب ~~العرب، مما اعتاد الناقلون عن ألسنة الأعاجم في هذا الزمان على إهماله، أو عدم التنقيب ~~عنه من باب التكاسل ms002 أو التجاهل. # وقد حليت ترجمتي هذه بالصور التي ازدان بها الأصل الفرنساوي، كما أني بذلت في تعريب ~~الخرط وضبط أسماء المواقع الجغرافية عناية وتعبا لا يشعر بشيء منهما إلا من كابد مثل ~~هذا العمل الشاق، الذي يوجب ضياع الأيام بحثا في المطولات المتنوعة والمعاجم المتعددة؛ ~~للوقوف على حقيقة اسم واحد، خصوصا وأن هذه الخرط أغلبها يختص ببلاد الشرق. وقد نقل ~~الإفرنج أسماءها محرفة مشوهة أو تعارفوها مختلة معتلة، فكان إرجاعها إلى أصلها موجبا ~~لتعب كثير قد لا يخلو الخائض عبابه من الزلل والتقصير، ولكني أقدر أجاهر بأنه لم يظهر ~~في اللغة العربية إلى يومنا هذا خرائط أكمل من التي ترجمتها ضبطا وإتقانا، أو أوفى ~~منها إحكاما وبيانا. # ولي حينئذ أمل وطيد في أن يكون لترجمتي هذه نصيب وافر في استفادة الدارس، وتذكير ~~الباحث؛ حتى تكون حسنة من حسنات مولانا وولي نعمتنا الخديو الأعظم «عباس حلمي الثاني» ~~الذي رفع رايات المعارف، وسعى بهذه الأمة في طريق الجد والمجد والكمال أدامه الله بدرا ~~في سماء مصر وفخرا لهذا العصر آمين. # سكرتير ثاني مجلس النظار # الكتاب الأول # تاريخ مصر # الباب الأول # وصف مصر القديمة والكلام على النيل ~~(1) النيل # يخرج النيل من عيون وراء خط الاستواء في النصف الجنوبي من الكرة الأرضية، ثم يذهب ~~مستمدا بالمياه الجارية من البحيرات الكبيرة بأفريقية الوسطى، ويأخذ نحو الشمال ~~مارا بسهول فسيحة وفدافد واسعة تتخللها غابات ومستنقعات، ويمده بحر الغزال من جهة ~~اليسار بما يزيد من مياه الحوض الذي يمتد بغير انتظام بين دارفور والكونجو. # ومن جهة اليمين يجيئه نهر سوبات والنيل الأزرق ونهر تقزى بالمياه التي تنحدر من ~~جبال الحبشة، ثم لا يلبث أن يمر بالهضبة الكلسية (الجيرية) التي في الصحراء، ويمر ~~في أخدود متعرج بتلك الهضبة، ثم يأخذ مجراه بتثن وانعطاف، فيقاطعه خمسة من ~~الجنادل، ثم يسير الهوينا غير مستمد بعد بشيء من المياه، إلى أن ينصب في البحر ~~الأبيض المتوسط. ومصر هي القسم الشمالي من هذا الوادي فيما بين شلال أسوان والبحر ~~المالح، وما زالت ms003 معتبرة كذلك في كل عصر. ~~(2) النيل في مصر # قالوا إن مصر هبة من هبات النيل # 1 # وهي من ابتداء أسوان إلى ما يجاور مدينة طيبة (ثيبة)، محصورة حصرا ~~ضيقا بين جبلين قد يتقاربان تقربا كليا في بعض المواضع، كما هو عند جبل ~~السلسلة، حتى لا يكون لواديها أثر سوى مجرى النهر، يحف به من الجانبين صخور شامخة ~~من الجلمود، وعرضها فيما بين طيبة والقاهرة خمسة عشر كيلومترا بعد التعديل ~~المتوسط، وينقسم النيل فيها إلى فرعين يذهب كل منهما بحذاء سلسلة من السلسلتين ~~الجبليتين الحافتين بهذا الوادي، فالفرع الغربي أشبه شيء بترعة غير منتظمة، تنتابه ~~أسماء مختلفة في مجراه من ضواحي دندرة إلى البحر المالح، وكثير من أجزائه تجف مياهه ~~مدة شهور كثيرة من السنة، ولا يشبه في سيره النهيرات حقيقة إلا فيما بين أسيوط ~~والفيوم (وهو المعروف ببحر يوسف) ومع ذلك فلا يتيسر للسفائن أن تسير فيه إلا أيام ~~الفيضان وتوارد المياه # 2 # أما النيل الشرقي وهو النيل الحقيقي فالأحرى به أن لا يدعى نهرا؛ بل ~~بحيرة ذات تعاريج مشحونة بالجزائر الصغيرة، وهو يجري بقوة وانتظام فيما بين سواحل ~~سوداء مقطوعة قطعا عموديا في أراض خصبة؛ مكونة من طمي النيل. والناظر إلى البر ~~لا يقع نظره إلا على غابات صغيرة من النخيل أو أيكات من شجر الأقاقيا # 3 # والجميز ومزارع القمح والشعير، أو غيطان من الفول والبرسيم، أو كثبان ~~من الرمال يستثيرها أقل ريح، أو منازل مجتمعة متجاورة أو قرية علاها الغبار، أو ~~أخرى صغيرة ألبسها ظليل النخيل رواء وبهاء. # وفيما وراء القاهرة يأخذ الجبلان في الابتعاد عن بعضهما، فتذهب جبال لوبيا إلى أن ~~تنقطع عند البحر المتوسط غربي الإسكندرية، وتذهب سلسلة جبال العرب نحو الشرق إلى أن ~~تكون على مقربة من البحر الأحمر، وهناك منقطعها، وكانت المسافة الفاصلة بين هذين ~~الجبلين فيما سلف من الزمان خليجا من البحر المالح يصب النيل فيه قريبا من المكان ~~القائمة عليه الأهرام، في هذه الأيام، وهي الآن سهل فسيح، مثلث الشكل، تكون من ms004 ~~الطمي وتقوت به تربته، وانفسح وفي شماله كثبان متقاطرة وبطائح متوالية، وكانت ~~ترويه في الأحقاب الخالية ثلاثة فروع كبيرة وهي الفرع البيليوزي # 4 # في الشرق والفرع السبنيطي # 5 # في الوسط والفرع الكانوبي # 6 # في الغرب، وقد زال الفرع الأول منذ أجيال طوال وكانت هذه الفروع ~~الثلاثة مرتبطة ببعضها بجملة من الترع الطبيعية أو الصناعية بعضها يصب في البحر ~~مباشرة فتزيد عدد الأشاتيم أي فروع النيل؛ فتجعلها سبعة أو أربعة عشر أشتوما بحسب ~~اختلاف الأوقات. ~~(3) فيضان النيل # تهطل الأمطار الغزيرة في شهر فبراير من كل عام في البقعة التي فيها البحيرات ~~الكبيرة، فيكون من ذلك ازدياد النيل وفيضانه ويمتد هذا الفيضان بسرعة من الجنوب إلى ~~الشمال وينتشر في الوادي كله في بضعة شهور، وتصل مياه الفيضان إلى مدينة الخرطوم في ~~أواخر شهر أبريل، ويظهر أثرها بما يرد إليها من مياه النيل الأزرق، ثم تسير الهوينا ~~فيما بين أراضي النوبة حتى تصل مصر في أواخر شهر يونيو ويظهر أثرها في أسوان يوم ~~ثمانية منه، وفي القاهرة يوم سبعة عشر منه، وبعد ذلك بيومين تعم أراضي الدلتا ~~بأكملها. # وقبل ذلك بخمسين يوما تهب على مصر ريح الخماسين، وتتوالى عليها من جهة الغرب من ~~غير انقطاع، فتلفحها بنارها وسمومها؛ حتى إن كثيرا من جهات القطر تكون كأنها قطعة ~~من البادية متصلة بهذه الديار، ومتى طلعت عليها الشمس علاها الغبار وثار فوقها وهي ~~جرداء قحلاء. فأينما رمى الإنسان بطرفه رأى الأرض على مدى البصر مشققة تشقيقا ~~متقاطعا، ثم ترتفع في الجو طبقة من الغبار الأزرق فتحيط بالأشجار وتعدمها البهجة ~~والحياة. وأما النيل فيقل اتساعه إلى نصف عرضه المعتاد، وتهبط مياهه حتى تكون نصف ~~عشر ما كانت عليه في شهر أكتوبر، ثم لا يلبث أن يعود زاخرا حتى يركب الجسور. وفي ~~نحو منتصف شهر يوليو يخشى من تجاوزه لها وطغيانه عليها؛ فتقطع السدود المانعة له ~~فتنساب مياهه إلى أرض المزارع، وتعمها في بضعة أيام حتى تضرب من الجبل الشرقي إلى ~~الجبل الغربي؛ فيصبح الوادي وهو لجة ms005 من الماء العكر يجري بين امتدادين من الرمال ~~والصخور، تطفو عليها القرى والروابي وتلوح للرائي كأنها قمم خضراء ونقط سوداء، ~~وتخترق اللجة جسور تجمع بين القرى فتقسمها إلى مربعات غير منتظمة. ويكون منتهى ~~الزيادة في بلاد النوبة في آخر شهر أغسطس، وفي القاهرة والدلتا بعد ذلك بشهر واحد. ~~ثم يقف الفيضان فلا يزيد النهر ولا ينقص نحو ثمانية أيام متواليات، وبعد ذلك تأخذ ~~المياه في التناقص والهبوط بسرعة حتى إذا ما حل شهر ديسمبر عاد النيل إلى مجراه فلا ~~يتعداه. ~~(4) نباتات مصر وحيواناتها # لا جرم أن القطر الذي تهاجمه المياه في كل عام لا يكون فيه كثير من الأشجار، على ~~أن الجميز وأصناف الأقاقيا والسلم والأثل تنبت بها وتعيش فيها، ومن أشجار ~~بساتينها التين والمشمش واللبخ # 7 # والسنط الحساس (المستحية) والكرم. وأما نخل الدوم فينبت في الصعيد من ~~غير فلاحة تقريبا وأرضها، موافقة كل الموافقة لإنبات النخيل، فحيثما وجه الإنسان ~~ناظره أبصر أشجاره، صنوانا وغير صنوان، في أفواه المجاري وحوالي القرى، وعلى ~~امتداد السواحل مصفوفا إلى جانب بعضه بنظام يحاكي نظام العمدان، ومغروسا باتساق ~~واعتدال بحيث تتكون منه غابات غير كثيفة، وكلها في غاية البهجة والجمال. وقد يزرعون ~~حول النخيل أشجارا أخرى فيختلف بها المنظر اختلافا يشرح الصدر وترتاح له النفس. ~~وأما النباتات المائية فهي كثيرة في الدلتا تنمو في بحيرات الساحل نموا عجيبا، ~~وتشتبك أغصانها؛ حتى إنها كانت في كثير من الأوقات ملجأ للمغضوب عليهم المهدور ~~دمهم، والأمراء المنهزمين يأمنون فيه من كيد العدو ومباغتة الغريم. # وقد اشتهر من هذه النباتات نوعان هما؛ البردي والبشنين بما كان لهما من الشأن ~~والأهمية في تاريخ مصر المقدس والملوكي. فكان البردي علامة رمزية على الدلتا ~~واتخذوه ورقا للكتابة في قديم الزمان، وأما البشنين فجعلوه عنوانا لإقليم طيبة ~~(الصعيد). وكان القدماء يطلقون اسم البشنين على ثلاثة أنواع من النبات ما بين زرقاء ~~وبيضاء وحمراء، من غير تفرقة في الإطلاق، وقد كاد البردي يكون معدوما، وأما ~~البشنين فهو نادر الوجود. وكان سكان وادي النيل ms006 يتناولون كلا من النباتين غذاء ~~مسلوقا أو مشويا أو مطحونا ومتخذا خبزا، وكان هذا الغذاء خاصا بالفقراء ~~والمساكين، وكان القوم يؤثرون عليه ما تخرجه الأرض من غير كبير عناء ولا شديد عمل؛ ~~كالترمس والفول والحمص والبامية والعدس والقمح خصوصا، وغير ذلك من أنواع الحبوب؛ ~~مثل الشعير والأذرة والأذرة العويجة. وكثير من الحيوانات المستخدمة المعروفة عندنا ~~الآن كانت مجهولة في مصر الأولى؛ فإن الفرس لم يدخلها إلا في حدود القرن العاشر ~~قبل الميلاد، والجمل في أيام البطالسة، أما الثور والضأن والعنز والخنزير فقد وجدت ~~صورها ورسومها على أقدم الآثار، وكذلك كثير من أنواع الكلاب الأهلية المستخدمة، ~~والغزلان المستأنسة، وأما الأوز والبط فكان كثيرا فيها، ولكن الدجاج لم يظهر له ~~أثر بها وبقي نادرا مدة طويلة من الزمان. وفيها شيء كثير من الأسماك منها ماهو ~~كبير جدا، وأغلبها صالح للأكل. وأما الحيوانات المضرة المؤذية فهي قليلة، وكانت ~~الآساد وبعض وحوش من فصيلة السنور؛ كالفهد والغيلس والببر، وكثير من أصناف ~~الضباع، وبنات آوى، والذئاب، تختلف إلى أطراف الصحراء. وكثير من العقارب والثعابين ~~السامة مثل الحية القرناء، والثعبان الناشر تدب في المزارع والمساكن. أما فرس البحر ~~فقد غادر بطائح الدلتا في أواخر القرن السادس عشر بعد الميلاد، وقد بقي التمساح في ~~مكانه إلى أيامنا هذه حتى جاءت البواخر فطردته إلى ما وراء الشلال الأول. ~~(5) الإله النيل وعبادته # النيل هو مدار النظام في أرض مصر، وكل ما فيها من نبات تخرجه أرضها وحيوان يدب ~~عليها وطيور تعلو في جوها، وقد أدرك المصريون هذه المزايا كما ينبغي، وعلموا أنه ~~أس الحياة في بلادهم، فألهوه وسموه «حابي ومعناه النيل السعيد». وكانوا ~~يترنمون على الدوام بمديحه وذكر نعمه وفضائله (شكل # 1-1 ~~) فكانوا ~~يقولون: # شكل 1-1: # الإله النيل (نقلا عن التمثال المحفوظ في المتحف ~~البريطاني). # النيل هو موجد القمح، ومخرج الشعير # من الأرض، وسبب الابتهاج والسرور في # المعابد والهياكل، فإذا تفرغت أصابعه عن # العمل، أو ألم به ألم نزلت البلواء والبأساء # بالأقوام؛ لأن الآلهة في السماء متى حل # بها ms007 الصغار والهوان هلك الإنسان، ونفق # الحيوان، وصب العذاب على الأرض كلها # بمن فيها من كبير وصغير، ولكن متى أقبل # النيل تغيرت جميع هذه الأحوال أمام # الإنسان؛ فإنه بمجرد ما يبدو للعيان بعد أن يخلقه خنوم إله الشلال # ترى الأرض وقد أخذت زخرفها وازينت، وجميع البطون، وقد # فرحت واستبشرت، وجميع القدود وقد استولى عليها الطرب # والسرور، فاهتزت وترنحت، وجميع الثنايا وقد ابتسمت لما قضمت # فترى الترح قد زال، وحل محله الفرح في كل حال، فدم أيها النيل # في عز ويمن وإقبال، وأحيي الأقوام بالأنعام، والأنعام بالحدائق # والرياض، ألا فدم يا نيل في عز ويمن وإقبال، هيا بنا. # خلاصة ما تقدم ~~(1) # يخرج النيل من البقعة التي بها البحيرات الإفريقية الكبرى، ويستمد في ~~سيره بمياه الحبشة الواردة إليه بواسطة النيل الأزرق، ونهر تفزي ثم ~~يجري بها في خلال النوبة ومصر الحقيقية حتى يصب في البحر الأبيض ~~المتوسط. ~~(2) # ومصر هبة من هبات النيل وتمتد من شلال أسوان إلى البحر المالح، وليست ~~في بدئها إلا واديا ضيقا جدا، يبلغ متوسط عرضه 15 كيلومترا. وفيما ~~وراء القاهرة يكون هذا الوادي مثل سهل فسيح أو دلتا يتفرع فيها النيل ~~فروعا كثيرة وترعا ثانوية، قبل أن ينصب في البحر من الفروع الثلاثة ~~الأصلية التي لم يبق منها سوى اثنين في هذا الزمان؛ وهما فرع رشيد ~~وفرع دمياط. ~~(3) # يفيض النيل في كل عام وتصل الزيادة إلى أرض مصر في أوائل شهر يونيو، ~~ثم تغمر الوادي بأكمله إلى أن يحل شهر أكتوبر، وفي أوائل ديسمبر تكون ~~قد بلغت نهاية الكمال. ~~(4) # إن تعاقب الفيضان في أوقات معينة يجعل الحيوانات والأشجار غير متوفرة ~~في مصر بكثرة، تشبه ما هو حاصل في بلاد أوروبا وغيرها. وليس في هذا ~~الوادي إلا قليل من الأشجار الكبيرة؛ مثل أصناف الأقاقيا والجميز ~~وغابات من النخيل، وفيها كثير من النباتات المائية مثل البردي ~~والبشنين. وأغلب الحيوانات الأهلية كانت معروفة فيها من قديم الزمان، ~~ولكن الفرس لم يدخلها إلا في حدود القرن المتمم للعشرين، قبل التاريخ ~~المسيحي. وقد تلاشى ms008 منها كثير من الحيوانات الكاسرة والوحوش الضارية؛ ~~مثل الأسد وفرس البحر، ولم يبق من التمساح إلا عدد قليل. ~~(5) # وكان المصريون يعتبرون النيل إلها من آلهتهم، ويحتفلون له بمواسم ~~عظيمة؛ تمجيدا لشأنه وتعظيما لقدره. # هو قول هيرودوت المؤرخ اليوناني المشهور. # تقسيم النيل بهذه الكيفية هو بحسب تفرعه في الأزمان القديمة لا في عهدنا ~~هذا. فتنبه ! # هذا هو اللفظ الوارد في الكتب العربية القديمة ومترجم عن لفظة # Acacia # اليونانية، وهي تدل على الشجرة ~~التي يستخرج منها الصمغ العربي مثل السنط وغيره، ثم توسع النباتيون في هذا ~~الاسم فصار يطلق على أجناس نباتات كثيرة من فصائل مختلفة بحيث بلغ عدد ~~أجناس الأقاقيا 420 أكثرها لا تعرف طريقة استعماله. # نسبة إلى بيلوز التي هي الطينة بقرب الفرما. # نسبة لمدينة قديمة سبتيطة، كائنة بالقرب من تفرعه الآن. # نسبة لمدينة كانوب القديمة وهي مدينة صقع كان بها دير التوبة، ومعبد ~~تحتمي فيه الأرقاء، وكان يحج إليه أغلب الناس ثم عرفت بسد أبي قير. # هو شجر كان يوجد بمصر قديما وله ثمر بقدر اللوزة يؤكل، ولكنه انقطع الآن ~~من مصر بالمرة. واللبخ المعروف اليوم ليس منه في شيء. # الباب الثاني # في أصل المصريين وتكوين بلادهم ~~(1) روايات المصريين عن مبادئ العالم # في الأزل كان «نو» أي البحر المحيط الأول، وكانت أصول الأشياء وعناصر الموجودات ~~تسبح في أقصى أعماقه مختلطا بعضها ببعض، ثم خرج منه «رع» الذي هو الشمس، وخلق ~~الكون بادئ بدء من غير سماء، فأوجد الأرض وحدها بنباتها وحيوانها وأهلها، ثم ~~حكمها قرونا طويلة وأجيالا عديدة إلى أن تآمر عليه الناس في أيام شيخوخته، فذبح ~~فريقا منهم، وخلق السماء على دعائمها، ثم استقر فيها وهو الذي يتراءى في كل صباح ~~في المشرق؛ ليضيء اليوم الجديد. # فلما كمل العالم بخلق السماء تولى الملك بعده أربعة من أكابر الآلهة، وكان القوم ~~ينسبون إلى الثالث منهم وهو أوسيرس وزوجته إيسس إيجاد جميع الاختراعات، التي جعلت ~~الإنسان قادرا على احتمال الحياة، فإنه نظم حقوق الملكية ورتب العائلة ووضع ~~الشرائع وعلم النسيج ms009 وحراثة القمح والكرم وتربية الماشية، وقد قتله أخوه تيفون ~~وتولى مكانه، ولكن لم تمض عليه سنون قليلة حتى هاجمه ابن أخيه حوروس واضطره لأن ~~يتنازل له عن أرض الدلتا، وأن يبقي لنفسه الوادي الكائن فيما بين ضواحي منف ومدينة ~~أسوان، ومن ذلك الوقت لم يبق العالم دولة واحدة. ولما انقسمت مصر إلى مملكتين ~~بارحها أولياء تيفون وأشياعه وانتشروا في البلاد المحيطة بها؛ فزنوج كوش في الجنوب، ~~وأهالي آسيا في الشمال، واللوبيون في الغرب، والأعراب من البدو في الشرق. # ثم حكم على مصر بعد حوروس عائلتان إلهيتان من طبقة ثانية، وبعد ذلك صعد الآلهة ~~إلى السماء، وقام الناس مقامهم في ولاية الأحكام فجاء مينيس من مدينة ثيتيس، وأسس ~~أول دولة بشرية. ~~(2) مصر الأولى والكلام على مينيس # تلك هي الروايات التي تناقلتها ألسنة الأهالي، ولا يبعد أن يكون المصريون جاءوا ~~من آسيا عن طريق برزخ السويس، والظاهر أن الأماكن التي استوطنوها أولا كانت في ~~الدلتا، فإن رواياتهم ونقولهم تدور مواضيعها كلها على مدائن الدلتا فيما يتعلق ~~بآلهتهم الذين يبالغون في إعظامهم وإجلالهم؛ أي مبالغة مثل «رع» و«أوسيرس» و«إيسس» ~~و«نيث» كما أن قواعد العقائد قد وضعت في مدينة هليوبوليس # 1 # التي يزعم مؤرخوهم أنها كانت مقرا للدول الإلهية. وكانت الدلتا في ~~ذاك العهد عبارة عن بطيحة فسيحة، تتخللها جزائر رملية وتغشاها آجام وغياض تجري ~~خلالها فروع النيل متنقلة على الدوام من مكان إلى مكان، ولم يكن الوادي إلى حدود ~~الشلال الأول مرتبا ترتيبا طبيعيا أحسن من الدلتا فإن الصحراء كانت تنهال ~~رمالها؛ حيث لا يجيء الفيضان من نفسه؛ فيغمر الأرض ويحييها. وأينما وصلت مياه ~~الفيضان فلكونها لم تكن مدبرة على يد الإنسان كانت تسيل بسرعة شديدة لا يتأتى معها ~~إخصاب الأرض، أو ترسب عليها مدة طويلة؛ حتى إنها بعد جريانها فيها تتركها ذات وحل ~~متراكم تنبعث منه الأوبئة وأنواع الطاعون. # وقد تغلب المصريون على طبيعة الأرض بالصبر والمواظبة؛ فاتخذوا للنيل جسورا تحفظ ~~مياهه، وجففوا الأرض، وشقوا فيها الترع والخلجان؛ وهي التي ما زال ms010 حفظ ثروة البلاد ~~متوقفا عليها إلى يومنا هذا، وأسسوا في هذا العهد القديم معظم مدائنهم مثل؛ تنيس ~~وبوباسطة، وبوتو، وكوئيس، ومنديس، وبسايس، وهليوبوليس، وهيراكليوبوليس، وسيوط، ~~وخميس، وثينيس، ودندرة، وطيوة، وهرمنتيس، وكانت كل مدينة منها عاصمة لولاية مخصوصة ~~كانوا يميزونها عن الأخرى بحسب الرمز الخاص بالإله المعبود فيها فيقولون: ولاية ~~الطرفاء، أو الجميزة، أو البقرة ، أو الخاطوف (وهو الكلاب) أو ابن آوي أو القنومة # 2 # وقد تجزأت هذه الولايات جملة مرات؛ حتى آل بها الأمر إلى أن صارت في ~~الحقيقة كورا إدارية، ليس إلا، وكان عدد هذه الكور في العادة أربعة وأربعين، نصفها ~~في الدلتا والنصف الآخر في الوادي، وكان القائم على رأس هذه الولايات زعماء يتولون ~~الحكومة فيها بالوراثة، وقد حازوا في أيديهم جميع فروع السلطة من ملكية وعسكرية ~~ودينية، ثم اتحد بعضها ببعض على توالي الأيام، وصارت كلها عبارة عن مملكتين ~~متمايزتين؛ إحداهما مملكة الوجه البحري في الدلتا، والأخرى مملكة الوجه القبلي في ~~الوادي؛ أي في حدود الفيوم إلى جبل السلسلة ثم إلى الشلال الأول. # وفي رواية لا تخلو غالبا من الصحة التاريخية أن منا أومينيس أحد عرفاء ولاية ~~ثينيس، هو الذي حاز الشرف وأحرز الفخار بضمه المملكتين إلى بعضهما، وبتشييد دعائم ~~الدولة المصرية عليهما، وكان ذلك في حدود سنة 5000 قبل المسيح. ~~(3) الفرعون والكلام على العائلات: بحسب ترتيب مانيثون # كان الملك عند قدماء المصريين بمثابة ملكين اثنين في شخص واحد؛ لأنه كان سيد ~~الوجه البحري وسيد الوجه القبلي. وأحب ألقابه لدى رعيته هو لفظة «فرعون» وهذا ~~الاسم مشتق من اسم داريه الكبيرتين «بير-عوى» اللتين يتألف منهما قصره، وكل منهما ~~رمز إلى إحدى مملكتيه. وكان من سلالة الآلهة مباشرة، ويدعو نفسه بابن الشمس؛ ولذلك ~~كان له سلطة أحد الآلهة التي ليس لها حد تقف عنده، وكان القوم يقومون له في ظروف ~~كثيرة بالتعظيم والإجلال على وجه هو أشبه بالعبادة منه بالتأدب المعتاد مع الملوك؛ ~~فكانوا يبخرونه بالبخور ويهللون أمامه ويدعونه بدعوات دينية ويسجدون له ويقربون ~~القربان إلى صوره وتماثيله ms011 ويتقربون إليها بالصلوات، فإذا مات قالوا «إنه طار ليلحق ~~بقرص الشمس الذي هو جده»، وحينئذ يخلفه على سرير الملك أكبر أولاده، ويكون عادة من ~~الذكور، ولكن الإناث كان لهن أيضا من حقوق الملك ما للذكور من غير فرق؛ فإذا ~~انقرضت الذكور أو وقعت فتنة فقلبت دولتهم وأنزلتهم عن سرير الملك كان الفرعون ~~الجديد يتزوج بمجرد ولايته بواحدة فأكثر من هذه الأميرات لتأتي بأولاد يكون بهم ~~استمرار جنس الشمس في الوجود؛ ولذلك يؤكد المصريون بأن الذين حكموهم من مبدأ الأمر ~~إنما هم أبناء عائلة واحدة توالت فروعها على عرش المملكة، فتكونت منها عائلات ~~متوالية بمقدار عددهم، على أن المؤرخين منهم لم يتفقوا على عدد هذه العائلات ومدة ~~حكمها وذلك لأن أحد هؤلاء المؤرخين وهو مانيثون # 3 # من سبنيطوس الذي كان في عصر بطليموس فيلادلف، وقد كتب لليونان تاريخ ~~بلاده؛ قال إن عدد هذه العائلات واحد وثلاثون من عهد مينيس إلى أن افتتحها ~~الإسكندر، وقد اختار الحديثون هذا التقسيم، ولو أنهم لم يقفوا على حقيقة أسبابه إلى ~~الآن. وتمتاز كل عائلة عن الأخرى باسم البلد الذي خرجت منه، ولم تكن هذه العائلات ~~سواء في الشوكة والاقتدار، ولكن المصريين كانوا يعتبرونهن كلهن متناسلات من الشمس ~~تناسلا شرعيا صحيحا. وهذه العائلات تنقسم بالطبع إلى ثلاث طوائف تختلف مدة حكم ~~كل منها عن الأخرى: ~~(1) # فأقدمها وهي العائلة الأولى فالثانية إلى العاشرة قد حكمت في أيام ~~كان مستقر الحياة السياسية والدينية فيها بالجزء من مصر الكائن في مدخل ~~وادي النيل، وهذه هي الدولة القديمة أو العصر المنفي. ~~(2) # وأما العشر عائلات التي جاءت بعدها فقد رفعت شأن الصعيد وأعلنت ~~مكانته على الوجه البحري، فسمي عصرها بالعصر الطيبي، وقد أغارت الرعاة ~~وهم العمالقة (العائلتان 15، 16) على أرض مصر في وسط ذلك العصر، ~~فانقسمت الدولة إلى دولتين؛ وهما الدولة المتوسطة من العائلة العاشرة ~~إلى العائلة الرابعة عشرة، والدولة الأخيرة من العائلة السابعة عشرة ~~إلى العائلة المتممة للعشرين. ~~(3) # ومن ابتداء العائلة الواحدة والعشرين كان لمدائن الدلتا الشأن ~~والسيطرة على بلاد الصعيد، ms012 وكانت هي مقر الحكومة وفيها تصاريف السياسة ~~في مصر، إلى أن أتاها المقدونيون وهذا هو العصر الذي حكمت فيه العائلة ~~الصاوية. ~~(4) الثلاث عائلات المنفية الأولى # لا يكاد يكون لدينا تاريخ للعصر المنفي (فيما بين سنة 5000 وسنة 3500ق.م) وقد جاء ~~في الروايات والنقول أن مينيس نظم مجرى النيل بجسور متينة مكينة فوق رأس الدلتا ~~بقليل، وشيد على هذه الأرض المستحدثة مدينة منف أو منفيس واتخذها مقرا لحكومته، ~~وعاصمة لمملكته، ولم يرد عن خلفائه إلا أحوال خصوصية وأشياء خوارق للعادات؛ مثل ~~ظهور غرنوق له رأسان، والطاعون الجارف، وقحط توالى سبع سنين، وانفجار هوة عميقة على ~~مقربة من مدينة بوباسطة ابتلعت كثيرا من الناس. ولذلك لا يمكن للإنسان إلى اليوم ~~أن يحكم على معظم ملوك العائلتين «الأوليين الطيبيتين» هل كان لهم مسمى في عالم ~~الوجود حقيقة أو أنهم من اختراع الوهم والخيال. # على أن الاسفنكس # 4 # الكبير المعروف بأبي الهول الكائن بجوار أهرام الجيزة، وهو من أغرب ~~الآثار وأعجب الأعمال في العالم بأسره، قد كان تشييده في عهد أولئك الملوك إن لم ~~نقل في أيام الذين سلفوهم، وهذا الاسفنكس الكبير هو رمز تمثيلي للإله «الشمس»، ~~وبعبارة أقرب وأولى هو تمثال لوحش هائل مرعب له جسم أسد ورأس إنسان، يزعمون أنه كان ~~موجودا في الصحراء وقد أرصدوه للإله الشمس، على سبيل الوقف والنذر، وهو منحوت من ~~جلمود أتوا به من أقصى أطراف هضبة لوبيا، وأقاموه بحيث يظهر كأنه يرفع رأسه فوق ~~الوادي كله ليكون أول من يمتع ناظره بالقرص المضيء والسراج المنير. وقد انهالت عليه ~~الرمال وانتهك جسمه فلم يبق فيه من الأسد إلا هيئته العامة وشكله الإجمالي، ثم ~~جاءه قوم متعصبون للديانة فحطموا أسفل عمارته # 5 # ولحيته وأنفه، هذا وإن الطبقة الحمراء التي كانت تخيل الحياة على ~~تقاطيعه قد كادت تكون لا أثر لها، على أن مجموع هذا التمثال يتجلى مع ما أصابه من ~~صروف الزمان ومحن الأيام في جلباب الرفعة، ويتراءى بمظهر القوة والسلطان. ~~لا جرم أن الصانع الذي تصور في ms013 مخيلته تصوير هذا ~~التمثال على هذا المنوال، وأفرغه في قالب الكمال وهو يصطنعه فيما بين الجبال؛ لجدير ~~بالمدح والإجلال، فإن عمله هذا يدل على تقدم فائق وحذق غريب. # وقد نشأ التمدن المصري على يد الأجيال المجهولة لنا، التي تعاقبت تحت أقدام هذا ~~التمثال الهائل، وسعت في إنماء حضارتها وترقيتها محصورة في بلادها لا تتخطاها. ولا ~~بد أن آثار هؤلاء الأقوام موجودة باقية، ولا شك أن الأيام ستكشف لنا مخباها وتوقفنا ~~على مكنوناتها. # وأما الآن فنقول إن حقيقة التاريخ لا تبتدئ أمامنا إلا من العائلة الثالثة؛ فإن ~~الملك سنفرو آخر ملوكها هو أول فرعون وقفنا له على أثر صحيح ونبأ صادق، فقد عثرنا ~~على نقوش بارزة على صخرة في أحد وديان الطور يذكر فيها فوزه وانتصاره على ~~المتبربرين المستوطنين ببادية العرب (شكل # 2-1 ~~). # شكل 2-1: # سنفرو منتصرا على أعدائه (كما في نقش بارز على أحد جبال ~~الطور). # خلاصة ما تقدم ~~(1) # كان المصريون يعتقدون أن آلهتهم حكمت الدنيا مباشرة في مبدأ الأمر ~~وأن رع؛ أي الشمس، هو أول الملوك. وبعد أن توالت الأجيال الطوال على ~~حكم الآلهة جاء مينيس من مدينة ثينيس وأسس العائلات الدولية ~~البشرية. ~~(2) # والظاهر أن أصل المصريين من آسيا، وأن أقدم مواطنهم كانت بالدلتا، ~~وقد حصروا النيل وأبعدوا حدود الصحراء، فظهرت بذلك أرض مصر وأحدثوا ~~فيها ولايات صغيرة تجزأت وانتظمت فيما بعد وتعدلت، فتكون منها 44 ~~قسما إداريا أو كورة، ثم اتحدت هذه الولايات فصارت مملكتين اثنتين؛ ~~وهما الدلتا أي الوجه البحري والصعيد أي الوجه القبلي، وقد ضمهما مينيس ~~إلى بعضهما، وأقام عليهما مملكة الفراعنة. ~~(3) # وعلى هذا يصح القول بأن الفرعون هو ملك مزدوج، واسمه مشتق من لفظة ~~بيرعوي المجعولة علما على قصريه وهو عندهم من سلالة الشمس مباشرة، ~~وكان يلقب نفسه بابنها، وكان عبارة عن إله منتعش بالحياة على وجه ~~الأرض. # وقسم المؤرخ مانيثون الفراعنة إلى إحدى وثلاثين عائلة، فالعائلات ~~العشر الأول يسمى عصرها بالعصر المنفي أو الدولة القديمة والعشر عائلات ~~الثانية (العائلة 11 إلى 20) عصرها هو المسمى ms014 بالطيبي، وقد شطرته إغارة ~~العمالقة (الهكسوس) إلى قسمين هما؛ الدولة الوسطى، والدولة الأخيرة، ~~وأما العائلات الباقية فهي داخلة في العصر الصاوي. ~~(4) # لا يكاد يكون عندنا تاريخ للعصر المنفي (فيما بين سنتي 5000 ~~و3500ق.م) ولا نعلم شيئا عن أمر العائلات الثلاث التي جاءت بعد مينيس ~~إلا أسماء بعض الملوك وبعض الأقاصيص عن حوادث خارقة للعادة، وأول فرعون ~~حصلنا على أثر صحيح له هو آخر ملوك العائلة الثالثة، وهو سنفرو، الذي ~~قاتل بدو الأعراب في جزيرة الطور. # هي عين شمس المعروفة الآن بالمطرية بجوار مصر القاهرة وفيها مسلة قائمة ~~إلى اليوم. # سمكة توجد بأعلى الصعيد وتعرف عند الفرنساوية باسم # Oxyrrhynque ~~. # هو كاهن مصري ألف تاريخ مصر القديم من معدنه بأمر بطليموس فيلادلف ~~الثاني وذيله بجدول يشتمل على أسماء الملوك. # الاسفنكس (واسمه عند قدماء المصريين أرماخيس) هو في خرافات الأغارقة ~~عبارة عن وحش، كان له رأس ونهدان كما في المرأة، وجسم شبيه بجسم الكلب ~~ومخالب أسد وأجنحة نسر، وفي ذنبه سهم حاد. وورد في خرافاتهم أنه كان يعيش ~~في بلاد الصعيد على جبل عال، ويلقي الألغاز على من يمر به من الناس، فمن ~~لم يفسرها افترسه في الحال، فنادى أحد ملوك طيبة بأنه يزوج ابنته ويعطي ~~تاجه لمن يريح العالم من شر هذا الآفة، فجاء رجل اسمه أديب وحل اللغز، ~~فأهوى الوحش بنفسه من فوق الصخور وتحطم جسمه وخلص الناس من ضرره. وأما ~~اللغز فهو «ما هو الحيوان الذي يمشي على أربع في الصباح وعلى اثنين في ~~الظهر وعلى ثلاثة في المساء» وجوابه هو الإنسان؛ يحبو على قدميه ويديه في ~~الطفولية، ويسعى على رجليه في الشبيبة، ويتوكأ على عصا في الشيخوخة. # العمارة بالضم هي كل ما يوضع على الرأس لتغطيته، ويقابلها في الفرنساوية ~~لفظة # Coiffure ~~. # الباب الثالث # الكلام على منف والدولة القديمة ~~(1) العائلة الرابعة وذكر الملك خيوبس وخفرن وميقرينوس والكلام على احتلال المصريين ~~شبه جزيرة الطور # الظاهر أن أغلب ملوك العائلة الرابعة (المنفية) كان لهم حزم ودراية في التدبير، ~~وقد رزقهم الله السعادة ms015 في إدارة شئون البلاد؛ نخص بالذكر منهم الملك خيوبس، والملك ~~خفرن، والملك ميقرينوس، على أنهم لم يوجهوا همتهم واجتهادهم إلى الاشتغال بما هو ~~خارج عن الديار المصرية، بل حصروا أعمالهم فيها. ولما كانت مصر تحف بها البوادي ~~وتحدق بها الصحاري من كل جهة، فليس لها في الحقيقة من جيران. نعم إن اللوبيين ~~القاطنين بالواحات الواقعة غربي النيل والأعراب الذين كانوا يحومون ويتمورون # 1 # على قلة عددهم وسوء عددهم في الجهة الشرقية فيما بين النيل والبحر ~~الأحمر كانوا قد يضايقون القطر؛ ولكنهم لم يكونوا بالقوم الذين يخشى بأسهم أو يرهب ~~جانبهم؛ فلذلك كان حسب ملوك مصر أن يغزوهم من حين إلى حين؛ لإلقاء الرعب في روعهم ~~ومنعهم عن العدوان، وحفظ الوادي من غاراتهم. # على أن الفراعنة الأقدمين صمموا على الخروج من ديارهم إلى نقطة واحدة أسسوا فيها ~~مستعمرة باقية مستمرة، وهي شبه جزيرة الطور؛ لأنها كانت تحتوي في بعض وديانها ~~المواجهة لمصر على معادن يكثر فيها النحاس والفيروزج، وما لبثت هذه الجهة أن توطنت ~~فيها العمال واشتغلوا باستخراج هذه المعادن مدة أجيال طوال، وقد أقاموا في مواضع ~~مختلفة جسورا لحبس مياه الأمطار، فكانت منها بحيرات صغيرة أمكن بواسطتها فلاحة بعض ~~الأراضي وتربية قليل من الماشية، وكان البرابرة من أهل الجيزة ينازعون أولئك ~~المستعمرين في امتلاك هذه الواحات الصناعية، وبعد سنفرو قد صد هجماتهم كثير من ~~الفراعنة، ولكن لم يقم بفكر أحد من هؤلاء الملوك أن يتمم غزوته ويستقصي نصرته. ولم ~~يكن بين كور آسيا الممتدة خلف الصحراء التي نشأت منها فيما بعد بلاد فلسطين ويهوذا ~~وبين الديار المصرية؛ إلا علاقات تجارية، وكانت القوافل تتردد بانتظام فيما بين ~~أفريقيا وآسيا، وأما الجيوش فلم تسلك هذه الدروب. ~~(2) الأهرام الكبرى # كان الأمن والسكينة ضاربين أطنابهما في داخل البلاد المصرية، ويظهر لنا من ~~الأوراق المكتوبة في ذلك العصر أن الفلاحة كانت في غاية الفلاح، وأن الصناعة ارتقت ~~في معاريج النجاح، وهناك مئات من القبور تفصح بلسان الحال عن الدرجة السامية التي ~~بلغها فن العمارة والنقش ms016 في ذاك الزمان. # وكان الملوك في ذلك العصر كلفين ببناء القبور العظيمة لأنفسهم مدة حياتهم على شكل ~~هرمي قاعدته رباعية، وقد وقف الباحثون في هذا الزمان على أطلال نحو ستين هرما، ~~تتقاطر وراء بعضها في مصر الوسطى من أرباض القاهرة حتى مدخل الفيوم. وأشهرها هي ~~المعروفة بالأهرام الكبرى، وهي قائمة على سفح سلسلة جبال لوبيا إلى الغرب قريبا من ~~المدينة المستحدثة المعروفة بالجيزة (شكل # 3-1 ~~). # شكل 3-1: # الأهرام الكبرى بالجيزة. # وفي كل واحد من هذه الأهرام حجرة واحدة أو أكثر لدفن الموتى، يدخل إليها الإنسان ~~من دهاليز منحدرة منحوتة في نفس البناء وكانوا متى وضعوا موميا # 2 # الملك أقفلوا الحجرات بصخور من الصوان، ثم يردمون الجزء من دهليز ~~الدخول القريب من الخارج ردما تاما، وبعد ذلك يطلون جميع سطوح الهرم بطبقة ~~كلسية جميلة بهيجة فيختفي الباب، ولا يبقى له أثر يدل عليه. وارتفاع الهرم الأكبر ~~المعروف عند قدماء المصريين بما معناه «الباهي» هو في أيامنا هذه 137 مترا، وكان ~~فيما غبر من الأيام مقبرة للملك خيوبس ولكنه لم يبق فيه الآن سوى خابية التابوت من ~~الرخام الأبيض. والهرم القائم بجانبه هو لخفرن، وأما الهرم الأصغر فبانيه ~~ميقرينوس. # وقد دارت على ألسنة العوام منذ الأحقاب الخوالي جملة أساطير وخرافات بشأن هذه ~~الآثار الثلاثة، فيقال: إن «خيوبس بدأ بإقفال الهياكل، وتحريم القربان، ثم ألزم ~~جميع المصريين بالعمل له، فكانوا يؤخذون للسخرة في كل ثلاثة شهور مائة ألف رجل ~~منهم، وأن مدة شقائهم وبلائهم في بناء الهرم كانت ثلاثين عاما منها عشر سنين في ~~تمهيد أرضيته، وبناء حجراته التي تحت الأرض، وبناء الجسر (الموصل إليه من شاطئ ~~النيل المعد لنقل الأحجار التي بني منها هذا الهرم)، والعشرون عاما الأخرى قضوها ~~في بناء الهرم ذاته. وأن الهرم عليه نقوش تنبئ بمقدار ما صرف في شراء الفجل والبصل ~~والثوم لأجل غذاء الشغالة». وقد بقي هذا الظلم والاستبداد على عهد خفرن، ولم ينقطع ~~أثره إلا بتولي ميقرينوس «فإنه أعاد فتح الهياكل، وأباح للناس أن ينطلقوا إلى ms017 ~~شئونهم، ويتفرغوا لأمورهم الدينية، وحكم بالعدل أكثر من جميع الملوك الآخرين.» ~~ولعمري إن هذا من باب الأقاصيص الملفقة؛ ترويحا لنفوس السائحين، فإن خيوبس وخفرن ~~هما من أعظم وأكبر ملوك مصر (شكل # 3-2 ~~). # شكل 3-2: # تمثال خفرن كما هو بمتحف الجيزة. ~~(3) الملوك المنفيون الأخيرون من العائلة الخامسة والسادسة وذكر افتتاح بلاد ~~النوبة # الظاهر أن العائلة الخامسة «المنفية» لا تختلف عن العائلة الرابعة في شيء، فإنها ~~تشبهها في توفر أسباب الثروة واليسار وتوطد دعائم الأمان والنظام والولوع بالترف في ~~العمائر، ولكنها مع ذلك كانت مبدأ لسقوط الدولة المصرية وانحطاطها. # وكان مؤسسو الحكومة الملوكية في مصر لم يخلعوا أمراء الولايات (الكور)، بل كان ~~هؤلاء يتعاقبون عليها بطريق الميراث وجعلهم الملوك إخاذيين # 3 # تابعين لهم، وأبقوا لهم حقوق الإمارة على شرط أن يدفعوا لهم إتاوة ~~معينة، ويمدوهم بالجند في الخدمة العسكرية، وكانت هذه الولاية الأخاذية ما زالت ~~يانعة زاهرة في مدة الأجيال السابقة، فكان للكثير من العشائر التي يتألف منها هؤلاء ~~الأمراء أملاك واسعة وأقطاع فسيحة؛ بحيث إنها في زمن الفتن كان يخشى على العائلة ~~الحاكمة من أن تكون لها خصما عنيدا يجب الاحتفاظ منه، ولا نعلم كيف أن إحدى هذه ~~العشائر وأصلها من جزيرة «أسوان» # 4 # استبدت على العائلة المنفية وتناولت دونها الأحكام، ولكنها تعاطت ~~شئون التدبير ومهام الملك؛ بما أوجب لها المهابة والفخار والمعزة والاقتدار (وهي ~~العائلة السادسة). وأقدم الملوك المصريين الفاتحين الذي وقفنا على حروبه هو الملك ~~الثاني من هذه العائلة المعروف باسم بيبي، فإنه انتصر في وقائعه مع الأقوام ~~المستوطنين شرقي الدلتا وغربيها، وحطم ما كان لهم من أشجار التين، وقطع كرومهم، ~~وأحرق قمحهم، وسبى نساءهم وأولادهم، ثم أخضع كور النوبة وهي ما يلي الشلال الأول ~~جنوبا، وأدخل أهاليها في سلك الجيوش المصرية. # وبعد ذلك بقرن ونصف عاد الأمر والسلطان إلى العائلات المنفية (العائلة السابعة ~~والثامنة) ولكن لم يقبل الدهر على فراعنتها إقباله الأول، فلم ترجع لهم أيام العز ~~القديم، وكانت الولايات الإخاذية التي في مصر الوسطى هي الأكثر شوكة ms018 واقتدارا في ~~هذا العصر، فجاء أسياد هيراكليوبوليس # 5 # وهم أصحاب الفيوم فقبلوا دولة الفراعنة الشرعية، ولبسوا التاج، ~~واستأثروا بالملك، ومن ذلك العهد لم تخرج من منف عائلة تولت الأحكام في مصر. ~~(4) العائلات الخارجة من هيراكليوبوليس وجلوس العائلات الطيبية على سرير ~~الملك # إن السيطرة التي حصلت عليها مدينة هيراكليوبوليس لم تبق لها إلا قليلا من الزمن ~~(حكمت فيه العائلتان التاسعة والعاشرة) فقد ظهر لها في الجنوب أخصام ذوو بأس شديد، ~~ولم تكن مدينة طيبة إلى ذلك العهد نالت من الظهور ما يجعل لها حديثا في التاريخ ~~ولم تنل الأهمية ورفعة الشأن إلا بعد سقوط المنفيين وخروج الأمر من يدهم. وكانت في ~~أول الأمر تابعة لهيراكليوبوليس ولكنها ما لبثت أن جاهرتها بالعصيان، وأشهرت عليها ~~الحرب العوان، وجالد أمراؤها فراعنة العائلة العاشرة، وفازوا بالظفر والانتصار حتى ~~استبدوا عليهم وانتزعوا الملك من أيديهم (في حدود سنة 3200ق.م). # واعلم أن تولي العائلة العاشرة الطيبية انتهت به تلك الحركة التي ابتدأت في ~~الوجود عقب سقوط العائلة الخامسة، فقد كانت الحياة السياسية في القطر حالة بأكملها ~~بمصر الوسطى في مبدأ الأمر، ثم انتقلت منها قليلا قليلا حتى كأنها صعدت النهر ~~ووقفت في متوسط مجراه برهة من الزمان، ثم بارحت هذا المكان فأخذت مدينة طيبة ~~الرياسة والتصدر بعد مدينة منف، وبقيت على ذلك أكثر من عشرين قرنا بالتمام. # خلاصة ما تقدم ~~(1) # لم تتوجه همة ملوك العائلة الرابعة وهم؛ خيوبس وخفرن وميقرينوس، ولم ~~يمدوا يد اجتهادهم إلى ما هو خارج عن الديار المصرية، ولم يخرجوا من ~~مصر إلا لاحتلال شبه جزيرة الطور؛ حيث أنشئوا فيها مستعمرات وطيدة ~~الدعائم خصصوها لاستخراج المعادن. ~~(2) # وفي داخل القطر كانت السكينة تامة والأمنية عامة، وكان الفراعنة ~~يتفننون بكل ما في وسعهم في تشييد قبورهم؛ وهي أهرام متقاطرة وراء ~~بعضها فيما بين الفيوم والقاهرة على حافة صحراء لوبيا. وأشهر هذه ~~الأهرام هي التي بجوار الجيزة؛ بنى الملك خيوبس أكبرها، والملك خفرن ~~أوسطها، والملك ميقرينوس أصغرها. وقد دار على ألسنة العامة من الأهالي ~~فيما بعد أنها ms019 من صنيع ملوك قست قلوبهم، وكانوا من الزنادقة ~~الملاحدة. ~~(3) # لما قامت العائلة الخامسة أخذت منف في السقوط عما كان لها من ~~السيطرة، وازدادت أهمية الولاة الإخاذين في مصر الوسطى ثم جلست على ~~سرير الملك عائلة أصلها من جزيرة أسوان، وهي العائلة السادسة، وابتدأ ~~أحد ملوكها وهو بيبي الأول في افتتاح النوبة، وظهر على الأمم المتوطنة ~~في شرقي الدلتا وغربيها، وبعده بقليل عاد المجد والعز إلى مدينة منف ~~(في أيام العائلتين السابعة والثامنة) ثم ما لبثت أن فقدت هذه السيطرة ~~إلى أبد الآبدين. ~~(4) # وجاءت عائلتان من مدينة هيراكليوبوليس (وهما التاسعة والعاشرة) ~~وجلستا على سرير الملك، فتمهدت طريقة الانتقال من الدولة القديمة إلى ~~الدولة الوسطى، ثم دبت الحياة السياسية في مصر الجنوبية، واستقرت فيها ~~إدارة البلاد؛ إذ قام ملوك العائلة الحادية عشرة وبعد طول الجلاد ~~استولوا على جميع ما في القطر من البلاد، واتخذوا مدينة طيبة عاصمة ~~لهم، وكان ذلك في حدود سنة 3200ق.م. # أي يجيئون ويذهبون. # الجثة المحنطة المحفوظة من الفساد. وأصل المعنى دواء، وهي كلمة يونانية ~~معناها حافظ الأجسام. # الإخاذة أرض يحوزها الرجل لنفسه، وقد اخترناها للتعبير عما هو معروف ~~بالحكومة الالتزامية؛ لأن اللفظة أعرق في العربية وأوفى بالمرام. # وتسمى أيضا جزيرة البربا، وجزيرة الذهب لكثرة التبر النقي في رمالها، ~~ويوجد بها مقياس النيل المشهور وهي المعروفة عند الفرنج باسم جزيرة الفنتين؛ # ELéphantine # أي جزيرة الفيل لأن ~~قدماء المصريين كانوا يسمونها «آب» أي الفيل وكانت سوقا لمبيع سن الفيل، ~~وكانوا يعتقدون أن النيل ينزل من السماء ويتولد في وسط صخور الجنادل ~~والشلالات الكائنة بين هذه الجزيرة وبين جزيرة أخرى تعرف عند اليونان ~~والإفرنج باسم جزيرة فيلة Philœ # وذكرت في ~~كتب العرب المعتبرة باسم جزيرة بلاق، وبها الهيكل المشهور المعروف بقصر أنس ~~الوجود. فتنبه للفرق بين الجزيرتين واحتفظ على اسميهما عند العرب. # هو القسم المتمم للعشرين من أقسام الصعيد في الزمن القديم، وهذا هو اسمه ~~اليوناني وقاعدته خينتسو؛ أي إهناس المدينة (بمديرية بني سويف)؛ ولذلك تسمى ~~هذه العائلات بالإهناسية. وقد اصطلح ms020 المؤلف في الغالب على وضع أسماء ~~الأشخاص والأماكن بحسب المتعارف في اللغة اليونانية، فتنبه! # الباب الرابع # طيبة والرمسيسيين ~~(1) ذكر العائلة الثانية عشرة والثالثة عشرة وحدوث المملكة المصرية الكبرى # لما تقلد أمراء الجنوب زمام الأحكام وقبضوا على مقاليد الإدارة، ساروا بمصر في ~~وجهة جديدة، واختطوا لها طريقا لم تكن سارت فيه من ذي قبل، فبقدر ما كان سلفاؤهم ~~المنفيون يجنحون إلى السلم كان هؤلاء الملوك ميالين للقتال مولعين بافتتاح البلدان. ~~ففي أوائل حكمهم؛ أي في الدولة الوسطى كانوا لا يكادون يشنون الغارة إلا على بلاد ~~إتيوبيا وذلك لأن موقع عاصمتهم ومقر حكومتهم هو الذي قضى عليهم بانتهاج هذا المنهج ~~فإنهم لقربهم من تخوم النوبة أكثر من سلفائهم كانوا أشد منهم شعورا بالحاجة إلى ~~الاستيلاء على الأقاليم التي يرويها النيل الأعلى، ولكن لم يكتفوا مثل بيبي الأول ~~ببعض غزوات كانت نتيجتها وقتية، بل شرعوا في افتتاح البلاد، واحتلالها بكيفية دائمة ~~مستمرة. # وقد اتسعت مصر في أيام العائلة الثانية عشرة (التي حكمت من سنة 3200 إلى سنة ~~3000ق.م) فإنها أبعدت بحدودها إلى ما وراء الشلال الثاني، فإن ملوك هذه العائلة ~~المعروفين باسم أمنحعت، وباسم أوسرتسن قد أسسوا بين أسوان ووادي حلفا مستعمرات ~~مصرية عززوها بقلاع وحصون، كان لها السيطرة والأمر على ملاحة النهر. وأما العائلة ~~الثالثة عشرة فقد تقدمت بالتدريج في فتوحها إلى ما وراء الشلال الرابع، وما زالت ~~آثار ملوكها تشاهد إلى يومنا هذا في جهات متفرقة قبلي وادي حلفا فإنهم استولوا على ~~تلك البقاع استيلاء تاما. أما السكان فمنهم من تبدد شملهم، ومنهم من قضى عليه ~~ناموس النسخ والحلول، فتمثلوا بالفاتحين وتشبهوا بهم، فتلاشت لغتهم وكتاباتهم ~~وأخلاقهم وديانتهم وحلت محلها لغة الطيبيين وكتابتهم وأخلاقهم وديانتهم، ثم قسم ~~المصريون البلاد ورتبوها على الأسلوب المتبع في ترتيب الكور (الأقسام) التي بشمالي ~~أسوان. # وبهذا تم للعائلتين الأوليين الطيبيتين توسيع دائرة مصر، فبعد أن كانت تنتهي عند ~~الشلال الأول صارت مملكة كبيرة بعيدة الأطراف؛ بما ضموه إلى جنوبها من أقاليم ~~أفريقية، فإن استمرارهم على القتال ms021 مع قبائل قليلة عاجزة عن المقاومة ما كان يحوجهم ~~إلى كبير قوة؛ فلم يكونوا يخشون من هذه الحروب أن تجر وراءها الفقر في القطر المصري ~~أو الضعف في سكانه. وقد نالت مصر على يد الدولة الوسطى من الرفاهية والهدو ما استمر ~~فيها نحو خمسة قرون على الأقل. # وكانت طيبة واقعة على منتصف المسافة الطويلة التي بين الشلال الرابع وبين البحر ~~الأبيض المتوسط؛ ولهذا كانت هي التي يصح بل يتعين أن تكون عاصمة للملكة المصرية ~~المستحدثة، وما كان لها أن تخشى من الأقسام النوبية انشقاقا عليها أو خروجا عن ~~طاعتها، فإنها كانت حديثة عهد بالتأسيس بحيث لا تتعلق آمالها بالاستقلال عنها. أما ~~مدائن الدلتا فما كان يتسنى لها أن تنسى مجدها القديم وعزها الفائت، بل قد اغتنمت ~~إحداها وهي مدينة اكسويس # 1 # فرصة الثورات والفتن التي ظهرت في أواخر العائلة الثالثة عشرة، فجعلت ~~أمراءها ملوكا على مصر وأعادت النفوذ والسلطان لأهالي الدلتا. ~~(2) الهيكسوس (أي العمالقة) # ولكن الملوك الخارجين من هذه المدينة لم يقدروا على صد غارات الأغراب، قال ~~مانيثون: «تولانا ملك اسمه تيماوس، وما أدري لماذا أرسل الله علينا في عهده ريحا ~~عاكسنا بها، فقدم على بلادنا أناس من المشرق محتقرون مهينون، فأغاروا عليها ~~وأخضعوها بسهولة ومن غير قتال، وهذا أمر بعيد الاحتمال ولم يكن في حسبان إنسان.» ~~فإن الأعراب انقضوا على الدلتا وانتشروا في أنحائها انتشار الجراد، وما لبث أولئك ~~الرعاة أن اختاروا سلاطين أحد رؤسائهم فولوه ملكا عليهم، وألزموا جميع الأمراء ~~الوطنيين الاعتراف به والخضوع لسلطانه (وكان ذلك فيما بين سنة 2300 وسنة 2200ق.م) ~~وقد استمر حكم الهيكسوس (الملوك الرعاة) ستة قرون، وبقيت هذه العشائر وهي متحصنة في ~~معسكر أواريس على حالتها من الخشونة والفظاظة، ولكن ملوكهم ما لبثوا أن رقوا في سلم ~~المدنية ومعراج الحضارة حتى صاروا يشبهون الفراعنة تمام المشابهة، فشادوا المعابد ~~والهياكل، وأقاموا التماثيل والأنصاب، واتخذوا اللسان المصري لغة رسمية لهم، ونشأ ~~منهم عائلتان (الخامسة عشرة والسادسة عشرة) معترف بهما من الجميع، ثم قام ولاة ~~الأقاليم ms022 القبلية ورجعوا إلى استقلالهم، وساعدهم على ذلك بعدهم عن الدلتا، ثم مالؤا ~~ملوك طيبة على الملوك المتناسلين من الأغراب فظهرت العائلة السابعة عشرة «الطيبية»، ~~واستمرت مدة قرن ونصف وهي تحاول استرجاع الفيوم والدلتا، وقد استولى الملك أموسيس ~~أول فراعنة العائلة الثامنة عشرة على معسكر أواريس، وطرد من بقي من الرعاة العمالقة ~~إلى بلاد الشام (وذلك فيما بين سنتي 1700 و1650 قبل الميلاد)، وحينئذ صارت طيبة مرة ~~ثانية عاصمة للديار المصرية. ~~(3) العائلة الثامنة عشرة وحروبها في حوض النيل # كانت مدة الحكم الثاني في مدينة طيبة شبيهة بمدة الحكم الأول؛ من حيث نوال الفخار ~~بالفوز والانتصار في الوقائع الحربية والأعمال العسكرية، ولكن ملوك هذه العائلة لم ~~يقصدوا فتح الأقاليم التي غزاها أمراء طيبة قبلهم؛ لأن النوبة ما زالت مصرية في ~~أيام الرعاة، وقد أعاد لها ملوك طيبة رفاهيتها القديمة من غير عناء، وإنما استمروا ~~في الاستعمار إلى أن بلغوا ضواحي بربر وفيما وراءها لم يكن لهم إلا أمراء تابعون ~~لهم أو متحالفون معهم، وكانوا يرسلون السرايا عن طريق النيل حينا فحينا إلى واحات ~~دارفور أو إلى سهول سنار، فيحرقون القرى ويسلبون المواشي ويسبون كل من تصل إليه ~~أيديهم من السكان، ثم يعودون إلى بلادهم من غير أن يتركوا خلفهم مستعمرات ولا حامية ~~من الجنود. وقد تقدموا في غاراتهم حتى بلغوا سفح جبال الحبشة، ولكنهم لم يخاطروا ~~بأنفسهم في الدخول إليها، ومن جهة أخرى كانوا يرسلون أسطولهم أحيانا في البحر ~~الأحمر إلى بلاد بونيت # 2 ~~(السومالي واليمن) لجلب عود الند والأعطار وسن الفيل والأخشاب النفيسة ~~الثمينة ولإخضاع قبائل السواحل وجعلها تحت سيادة مصر، ولو في الظاهر، وما كان ~~الأسطول يصادف في هذه الجهات أمة متمدنة تقاومه مقاومة صادقة حقيقية. ~~(4) فتوح الشام وذكر تحوتمس الثالث # بل وجهوا وجهة جلادهم إلى بلاد الشام فجعلوها ميدانا للقتال والنزال، ولم تكن ~~هذه الأقطار مجهولة قبل العائلة الثامنة عشرة، ولكن الفراعنة ما كانوا اقتربوا منها ~~قط فإن أموسيس اقتفى فيها أثر من بقي من الرعاة، وجابها تحوتمس الأول ms023 إلى أن بلغ ~~الفرات (في نواحي سنة 1580ق.م)، وأما تحوتمس الثالث (شكل # 4-1 ~~) ~~فقد أخضعها بتمامها (وذلك فيما بين سنتي 1560 و1530ق.م). # شكل 4-1: # الفرعون تحوتموسيس الثالث. # وكان الكنعانيون متوطنين في جنوبها وفي وسطها، والفلسطينيون على شطوطها، وأما ~~شمالها فكان يعمره طوائف الخيثي (الخيثيين) وقبائل بعضها سامي الأصل، يطلق عليه ~~المصريون اسم جنس مخصوص وهو روتنو. وكان نفوذ بابل راجحا في هذه الأقطار حتى ~~أشبهت أخلاق أهاليها وديانتهم أخلاق البابليين وديانتهم، وصارت اللغة البابلية ~~متفاهمة في جميع أنحائها، والكتابة البابلية شائعة الاستعمال عندهم، فلما ظهر ~~المصريون فيما بين أمم يعادلونهم في الحضارة والانتظام لم يختلج بنفوسهم إنشاء ~~المستعمرات في أرضهم، ولم يروا وجها لتمثيلهم بهم، كما فعلوا مع أهالي النوبة، بل ~~تركوا لهم شرائعهم ونظاماتهم، وأقروا العائلات الحاكمة منهم فيهم، واكتفوا بضرب ~~الجزية السنوية عليهم، وبالتجنيد منهم أحيانا، ثم احتلوا قليلا من الحصون والقلاع ~~مثل غزة ومجدو # 3 # لأنها كانت كمعالم تهتدي بها الجيوش المصرية في سلوكها، وكانوا يرسلون ~~إلى المدائن في كل عام رسلا من قبل الملك يأخذون الإتاوة، ويسوون ما يقع من الخلاف ~~والنزاع بين الفرعون والأمير التابع له. # وكانت الرابطة التي تجمع بين أجزاء هذه المملكة غير وثيقة، فكان يتكرر انقطاعها ~~ويتوالى فصمها؛ بسبب امتناع بعض الأمراء عن دفع الأموال في أكثر الأحيان، أو بظهور ~~الفتنة في بعض المدائن، أو في جميعها، وكان الفرعون وأعوانه دائما يتوصلون إلى ~~استئصال شأفة الثورة وقمع الخوارج وإعادة السكينة على قدر ما يصلون إليه، واستمرت ~~سلطة الدولة المصرية على هذا المنوال من غير أن تكون وطيدة الأركان، ومن غير أن ~~يعتريها تأثير عظيم من الاضمحلال مدة قرن من الزمان؛ أي من عهد تحوتمس الثالث إلى ~~أيام أمينوتيس الرابع، بل إن نفس ملوك الآشوريين والكلدانيين اعترفوا بهذه السيطرة ~~للدولة المصرية، ورأوا من الحزم والحكمة تحسين صلاتهم مع جيرانهم المصريين ذوي ~~الاقتدار والبطش المبين. ~~(5) العائلة التاسعة عشرة، ومحاربتها مع طوائف الخيثي (الخيثيين)، وذكر رمسيس ~~الثاني # وقد أخذ نجم مصر في الأفول، وازدهارها في ms024 الذبول، فتلاشى سلطانها في عهد أمينوتيس ~~الرابع (في حدود سنة 1430ق.م). وقد اتسع نطاق طيبة تخت مصر مما غنمته من الفتوحات ~~والانتصارات، وزادت ثروة معبودها آمون زيادة تفوق الحد؛ بما جيء به إليه من أسلاب ~~الأمم المغلوبة، حتى لقد عظم هيكله بمدينة الكرنك، واتسع (شكل # 4-2 ~~) فصار كأنه مدينة من المدائن. وكانت الأوقاف تتواتر عليه، والهدايا تتوارد إليه، ~~حتى إن أملاكه ملأت وادي النيل، وامتدت إلى آسيا، وصار لكبار كهنته في الدولة نفوذ ~~تام، وسلطان عام، وكلمة عالية، ومكانة سامية، واستفحل الأمر حتى خشي الفرعون نفسه ~~بأسهم، وداخلته الريبة منهم. وقد كان أمينوتيس الثالث حاول معاكسة نفوذهم، فسعى في ~~المساعدة على عبادة الشمس إله هليوبوليس، فلما خلفه ابنه أمينوتيس الرابع رأى من ~~نفسه الاقتدار على إعدام هذا النفوذ، وملاشاته من الوجود، فنقل كرسي مملكته إلى ~~مدينة أحدثها في مصر الوسطى، وجعلها تحت حماية الإله أتنو؛ أي قرص الشمس. ومن هذا ~~العهد صار هذا الإله معبود العائلة الملوكية، وقد حاول خلفاؤه من بعده أن يتمموا ~~عمله، ولكنهم أخفقوا سعيا لما صادفوه من معارضة الأمة والأشراف، فعادت طيبة إلى ~~مكانتها، وصارت تختا للمملكة، كما كانت، ورجع آمون إلى مقامه - مقام حامي مصر ~~وراعيها - وجاء ملك متمسك بسنة الديانة الأصلية، واسمه هرمايس، فأسس عائلة جديدة ~~(هي التاسعة عشرة). # شكل 4-2: # خرائب هيكل آمون بالكرنك. # شكل 4-3: # الملك سيتي الأول كما هو في إحدى الصور التي على قبره. # شكل 4-4: # صورة ملك خيثي في حالة العبادة أمام إلهه بحسب النقش البارز ~~الموجود في إبريز. # وإن الفتن التي ثارت في مصر بسبب مطالب ودعوة هؤلاء الملوك المنشقين عن الدين ~~كانت فرصة لولاة الشام التابعين لهم، انتهزوها في القيام عليهم والخروج عن طاعتهم ~~وفيما كانت مصر تتضعضع أركانها بالحروب الداخلية؛ جمع أحد رؤساء الخيثي (الخيثيين) ~~قبائل أمته في قبضة يده واستولى على كركيش وأسس دولة دخلت فيها كيلكيا والجهات ~~المجاورة لها من آسيا الصغرى من جهة، واشتملت من الجهة الأخرى على حوض نهر العاصي # 4 # ولم ms025 ينجح الملكان الأولان من العائلة التاسعة عشرة، وهما رمسيس الأول، ~~وسيتي الأول (شكل # 4-3 ~~) في تقويض دعائم دولته، وملاشاة سلطنته؛ ~~بل إن رمسيس الثاني المعروف عند اليونان باسم سيزوستريس بعد أن قاتله نحو عشرين سنة ~~اضطر إلى الرضى بما وقع، وبمعاملة ختسارو أمير الخيثي (الخيثيين) معاملة الأكفاء ~~والأقران (شكل # 4-4 ~~)، ومن ذلك العهد لم يبق حكم مصر وطيدا إلا ~~في فينيقية، وسورية الجنوبية، وأما شمال الشام، فقامت فيه دولة مستقلة فاصلة بين ~~مصر وآشور (وكان ذلك في حدود سنة 1350ق.م). ~~(6) رمسيس الثالث وذكر انحطاط مصر عما كان لها من الشوكة والاقتدار # وقد ظهر الانحطاط بأكثر من ذلك في القرن التالي، فإن أمم الأرخبيل وسواحل آسيا ~~الصغرى أو إغريقية (أي بلاد اليونان) المعبر عنهم ب «أمم البحر» تواطئوا مع ~~اللوبيين فشنوا الغارة جميعا على الوجه البحري في عهد منفتاح بن رمسيس الثاني، ~~فهزمهم وردهم على أعقابهم خاسرين. ولكنهم عاودوا الكرة في أيام خلفائه، وساعدهم على ~~نجاح مشروعهم ما حصل من ثورة ولاة الكور، فخلعوا الفرعون من الملك واستبدلوه بصعلوك ~~أفاق مقحام من أبناء الشام، وبقي على رأس الدولة بضعة أعوام، حتى جاء رجل من ~~سلالة الأسرة القديمة الشمسية، وهو رمسيس الثالث، فأعاد مصر كلها تحت سلطان العائلة ~~المتممة للعشرين، وهزم أمم البحر وكسر جنود اللوبيين وافتتح سورية الجنوبية ثانيا ~~(في حدود سنة 1250ق.م) وقد تلقب الملوك الذين خلفوه باسم رمسيس، وحافظوا مدة قرن ~~أيضا على بضع مدائن في أرض الفلسطينيين وعلى سيادتهم على جزء من البلاد المجاورة ~~لها (من سنة 1200 إلى سنة 1100ق.م). # خلاصة ما تقدم ~~(1) # إن جلوس ملوك الجنوب على منصة الأحكام غير أحوال مصر وبدل الطريق ~~التي كانت سائرة فيها بطريق أخرى؛ وذلك لأن العائلات الطيبية كانت ~~مولعة بالقتال كلفة بافتتاح البلدان؛ فالعائلتان الأوليان منها ~~(الثانية عشرة والثالثة عشرة) وجهتا معظم همتهما وجل عزيمتهما إلى ~~أقاليم النيل الأعلى واستعمرتا النوبة لحد الشلال الرابع، فأحدثتا بهذه ~~المثابة مملكة مصرية كبرى كانت مدينة طيبة قاعدتها ومركزا لها، ثم ~~تبدلت الأمور ms026 وتقلبت الأحوال فعاد السلطان مؤقتا إلى عائلة من الدلتا ~~هي العائلة الرابعة عشرة السخاوية. ~~(2) # ولم تتمكن هذه العائلة من حماية القطر وصد هجمات الهيكسوس؛ فأغاروا ~~عليه في حدود سنة 2300 قبل الميلاد وحكموه نحو ستة قرون، ثم تم طردهم ~~من البلاد بعد أن طال أمد الجلاد بينهم وبين الملك الطيبي أموسيس مؤسس ~~العائلة الثامنة عشرة. ~~(3) # وقد حافظ فراعنة هذه العائلة على البقاع التي افتتحها ملوك الدولة ~~الوسطى في حوض النيل، بل وأضافوا إليها فتوحات أخرى. ~~(4) # على أنهم فضلوا مهاجمة آسيا، حيث افتتح تحوتمس الثالث بلاد الشام إلى ~~نهر الفرات (فيما بين سنتي 1560 و1530ق.م)، غير أن مملكتهم المؤلفة من ~~مدائن وأمم مضروبة عليهم الجزية وخاضعة لطاعتهم بواسطة بعض الحاميات ~~المصرية قد بقيت محفوظة كما هي مدة جيل تقريبا (من سنة 1530 إلى سنة ~~1430ق.م). ~~(5) # ثم أخذ ظل دولتهم يتقلص على إثر الحروب الأهلية التي كان سببها مسعى ~~أمينوتيس الرابع في استبدال عبادة آمون بعبادة قرص الشمس ولم يتيسر ~~للفرعونين الغازيين سيتي الأول ورمسيس الثاني (سيزوستريس) من العائلة ~~التاسعة عشرة (فيما بين سنتي 1400 و1300ق.م) أن يعيدا المملكة إلى ما ~~كانت عليه بالتمام والكمال، وأضحت مملكة الخيثي (الخيثيين) من ذلك ~~العهد دولة مستقلة في سورية الشمالية. ~~(6) # ثم ازداد الانحطاط في القرن التالي مع ما كان من انتصار منفتاح ~~ورمسيس الثالث على اللوبيين وأمم البحر في وقائع عديدة، ثم أضاع الملوك ~~المعروفون بالرمامسة من العائلة المتممة للعشرين في مائة سنة من الزمان ~~جميع البلدان التي فتحها أسلافهم في آسيا وإلى الله المآل ~~(1200-1100ق.م). # المعروفة الآن بسخا بمديرية الغربية. # لعل لفظة البن عند العرب مشتقة من هذا الاسم القديم. # اسم مدينة كانت في ذلك الوقت، على ما يقول أهل السير، أعظم من ألف ~~مدينة، وتعرف الآن بتل المتسلم بالشام بالقرب من مدينة اللجيون. # اسمه بالإفرنجية # Oronte # وورد في بعض كتب ~~العرب القديمة المعتبرة أرنط (راجع التفصيل في القاموس الذي وضعته لضبط ~~وتحرير الأعلام الجغرافية). # الباب الخامس # تغلب الأجانب على مصر ~~(1) انحطاط طيبة وذكر ms027 العائلة الحادية والعشرين التنيسية # كانت طيبة في مبدأ الدولة الأخيرة قاعدة الديار المصرية، ولكونها واقعة تقريبا ~~في منتصف المسافة التي بين الدلتا والنوبة العليا فكانت هي المركز الذي يتولى فيه ~~الفراعنة إدارة السلطة والأحكام بالسهولة، على طرفي مملكتهم، ثم إن مصر نالت ثروة ~~عظيمة وحظا وافرا من افتتاح الشام في الشمال، وتوسيع مستعمراتها في الجنوب، ~~ولكنها ما لبثت أن عاد عليها ذلك بالخسران فقد شغل الفراعنة من غير انقطاع بكبح ~~جماح الثائرين في آسيا، وبصد هجمات أمم البحر. # ورأوا أن المدينة التي هي في داخل البلاد على مسافة مائة مرحلة وأكثر لا يصح أن ~~تكون مركزا لإدارة الأعمال الحربية؛ فاعتادوا على الإقامة بمدائن الدلتا مثل منف ~~وسايس (صاالحجر) وبوبسطة (تل بسطة) وتنيس، فرجعت إليها الحياة السياسية. ولانعدام ~~توارد الغنائم وأسلاب الفتوحات إلى طيبة نشب الفقر فيها مخالبه، ثم صار الأمر فيها ~~لأكابر الكهان إذ كانت سيطرتهم آخذة على الدوام في الازدياد والامتداد حتى إذا مات ~~آخر رمسيس (في حدود سنة 1100ق.م) تنازع خصمان في الجلوس مكانه على تخت الملك؛ وهما ~~الكاهن حرحور في طيبة، وسمندس التنيسي في الدلتا، ثم فاز سمندس هذا وغلب على صاحبه ~~وأسس عائلة زال بها سلطان طيبة بعد أن توالى دهورا وعصورا. # على أن طيبة لم ترض بخروج السلطة من يدها من غير مكافحة ولا مجالدة، فإنها ~~اعتمدت على أتيوبيا التي كانت تدين بدينها وتسير وفق نظامها؛ فشكلت إمارة واسعة ~~الأرجاء تبتدئ من سهول سنار وتنتهي فيما وراء أسيوط، وكان رئيس هذه الإمارة الإله ~~آمون، وبعبارة أخرى خليفة هذا الإله في الدنيا، وظله على الأرض وهو الكاهن الأكبر. ~~ثم اضطر كبراء الكهان بالرغم عنهم للاعتراف بسيادة فراعنة الدلتا، ولكن هؤلاء لم ~~يقيض لهم البقاء على منصة الأحكام، فإنهم كانوا يعتمدون على عصابات المرتزقة من الجند # 1 # وقد سمحوا لكبار دولتهم بأن يضعوا أيديهم على أمهات المدن في القطر، ~~وأن ينشئوا لأنفسهم إقطاعا عسكرية تكاد تكون مستقلة، فاستولت إحدى كبار العائلات ~~اللوبية المتوطنة في بوبسطة (تل بسطة) ms028 على المناصب السامية في الدولة، وآل الأمر ~~بهم إلى أن جلس رجل منهم وهو ششنق على سرير الملك في نحو سنة 940ق.م. ~~(2) ششنق الأول وذكر انقسام مصر إلى دول صغيرة # استولى ششنق هذا على إمارة طيبة، وجمع تحت سلطانه نصفي الديار المصرية، ثم تداخل ~~في شئون العبرانيين، وأخذ أورشليم من الملك رحبعم (في حدود سنة 925ق.م)، وأعاد ~~شيئا مما قد كان لمصر من النفوذ في الخارج، ولكن بعد وفاته ضربت الفوضى أطنابها في ~~البلاد، فحصر الرؤساء اللوبيون سلطة الفرعون شيئا فشيئا في بعض المدائن، ثم ~~نزعوها منه مرة واحدة، وتلقب بعضهم بألقاب ملوكية، فانقسمت بذلك الدلتا ومصر الوسطى ~~إلى زهاء عشرين دولة ، تكاد تتكافأ قواها، أما ذرية أكابر كهنة آمون فقد لجأوا إلى ~~الجنوب، واستقروا بأتيوبيا، وأنشئوا فيها دولة تختها مدينة نباتا (جبل البرقل)، ~~وكانوا أخذوا طيبة، وصاروا يطالبون ببقية البلاد قائلين بأنها آلت لهم عن أجدادهم، ~~وفي أثناء ذلك استولى تفنخت أحد صغار الرؤساء اللوبيون على مدينة سايس، ثم على ~~منف (في حدود سنة 750)، وساد على أغلب مدائن الدلتا، فأما المدائن التي لم يكن قد ~~أخضعها، فإنها استغاثت بملك أتيوبيا المسمى بعنخي فبادر لتلبية دعوتهم، وقهر ~~تفنخت، وأعاد وحدة مصر، وأدخلها في قبضة عائلته. # ولكن مدينة نباتا التي هي قاعدة الدولة الأتيوبية كانت بعيدة عن البحر الأبيض ~~المتوسط بعدا لا يسمح لملك مقيم فيها بسهولة المحافظة على سلطانه على الوادي كله، ~~ومن جهة أخرى كان الشغب سائدا في سايس (مدينة صا)، وغيرها من مدائن الدلتا؛ بحيث ~~إنها ما كانت تطيع لسلطان مستقر في داخل أفريقية إلا إذا كانت صاغرة مقهورة بالقوة ~~والاقتدار؛ فلذلك انتشب القتال بين ذرية تفنحت وبين سلالة كبراء الكهنة؛ أي بين ~~الدلتا وأتيوبيا؛ طمعا من كل منهما في نوال السيادة العامة على بر مصر. ~~(3) القتال بين الصاويين والأتيوبيين، وذكر تملك الآشوريين على مصر # فاستمر الحرب بينهما سجالا زهاء قرن كامل (فيما بين سنتي 750 و650ق.م)، وقد فاز ~~ابن تفنخت المدعو بوكوريس على صاحبه الأتيوبي بضع سنوات ms029 (كان فيها حكم العائلة ~~الرابعة والعشرين الصاوية)، ثم خلعه سباقون الأتيوبي، ورسخت دولته مدة من الزمان، ~~حتى إنهم جعلوه رأس عائلة رسمية (هي العائلة الخامسة والعشرون الأتيوبية)، وقد ~~تداخل في أمور الشام تداخلا مقرونا بالبأساء والتعساء؛ حتى استوجب ذلك إغارة ~~الأجانب على مصر، وكان ذلك في الوقت الذي تمت فيه الغلبة للآشوريين على ملوك دمشق ~~وإسرائيل، وأخذوا في تضييق الحصار على مدينة صور، وبلاد يهوذا، وأمراء فلسطين؛ ~~فهزمها سرجون وسناحريب، ولم تنج مصر من الدمار والخراب إلا بمعجزة خارقة ~~للعادة؛ وذلك أن جيش سناحريب عندما صار على مقربة منها أباده سيف ملاك الرب، كما ~~يقول العبرانيون، أو أعدمه الإله فتاح كما يزعم المصريون (في سنة 701). # شكل 5-1: # الملك طهراق كما هو في تمثال مبتور بمتحف الجيزة. # على أن الملك الثالث وهو طهراق (شكل # 5-1 ~~) لم يعتبر بهذا، ~~فإنه جلب على نفسه سخط أشرحدون (آشوراخي الدين) بسبب الدسائس التي بثها في الشام ~~بين الولاة التابعين لآشور، فهزمه هذا الملك وأقصاه إلى أتيوبيا، واستولى على منف، ~~ووضع القطر تحت ولاية مرزبان من الآشوريين (في سنة 672)، ثم أعاد الأتيوبيون ~~الكرة ثلاث مرات في مدة عشر سنين (من سنة 671 إلى سنة 660)، وصدهم آشور بأنيال ~~خليفة أشرحدون (آشوراخي الدين) فاغتنمت العائلة الصاوية فرصة انقلاب الدهر عليهم، ~~وزوال الإقبال عنهم، فإن رؤساءها وهم: نخاو الأول، يتلوه أبسماتيك كانوا مذبذبين في ~~موالاة الآشوريين تارة، ومصافاة الأتيوبيين تارة أخرى بحسب ما فيه الحظ والمصلحة ~~لهم، فحافظوا على أملاكهم، بل واكتسبوا سلطة حقيقية، وصار لهم كلمة نافذة على بقية ~~الولاة الأخاذيين، فلما صعد أبسماتيك الأول على كرسي المملكة (في سنة 666) أزال ~~سلطان منازعيه ومناصبيه واحدا بعد واحد، مستعينا في ذلك بالمرتزقة من الجند ~~اليونانيين، والكاريين حتى استخلص مصر من أيدي ملتزميها، واستبد بحكمها، ثم تزوج ~~بأميرة من بيت ملوك أتيوبيا، فاستولى بذلك على إمارة طيبة، وصار له السيادة على ~~جنوبي مصر، وفي سنة 655 اغتنم فرصة انشغال آشور بأنبال في عيلام، فأبى دفع الإتاوة ~~للآشوريين، ونادى لنفسه بالاستقلال. ms030 ~~(4) خراب المملكة المصرية الكبرى وذكر الصاوية وفتوح الفرس # فازت العائلة الصاوية، ولكن كان في فوزها ختام انحلال المملكة وتقويض دعائمها، ~~فإن أبسماتيك لم يعمل على إعادة افتتاح النوبة وأتيوبيا، ومن هذا العهد بقيت مصر ~~الكبرى التي كانت تحكمها العائلات الطيبية وتمتد من سهول سنار إلى شطوط البحر ~~المالح، منقسمة إلى قسمين مستقلين عن بعضهما؛ ففي الجنوب كانت مملكة نباتا، ثم ~~أعقبتها مملكة مروى، واستمرتا في بلاد النيل الأعلى على السير بمقتضى نظام الحكومة ~~الدينية (التي على رأسها وكلاء الدين وخلفاء الآلهة) التي كانت لأكبر كهنة آمون، ~~ولكونهما كانتا منعزلتين عن بقية العالم كانت تأتي إليها عناصر قليلة من الحضارة ~~مما يجاورها ويحيط بها من القبائل الأفريقية، وما لبثت أن أخذت في السقوط شيئا ~~فشيئا في مهواة الهمجية والانحطاط، وأما في الشمال فقد رجعت مصر إلى حدودها في عهد ~~المنفيين؛ أي إلى الشلال الأول ودخلت في الجامعة المؤلفة من أمم آسيا واليونان، وقد ~~كان لها في ثروتها وصنائعها واقتدارها على الابتداع والابتكار وموقعها الجغرافي ما ~~يضمن لها في تاريخ هذا العالم الجديد مقاما وشأنا ربما كانا أقل ظهورا وبهاء ~~مما أصابته في العالم القديم، ولكنهما ليسا أقل منه في الأهمية والخطورة. # وقد كان أول أمر عني به أبسماتيك الثاني توطيد أسباب الأمن، وإعادة دواعي ~~النظام؛ فعمل على إذلال الأمراء الكبار حتى جعلهم تابعين له مطيعين لأوامره، واجتهد ~~بما وصلت إليه يده في تلافي الخراب الذي توالى على البلاد بسبب حروب داخلية وغارات ~~أجنبية، استمرت مدة ثلاثة قرون، وسعى في توسيع نطاق العلاقات التجارية التي كانت ~~بين مملكته وبين الفلسطينيين، وأوجد طريقا للمعاملات مع قبائل الهلاد ~~(اليونانيين)، فرغب اليونان في الوفود على مصر، وأكرم مثواهم، وكان من بعض مقاصده ~~في ذلك أن يتخذ له منهم جنودا وأعوانا يكونون أساسا لجيش قوي متين، ثم أقطعهم ~~الأراضي في نقط كثيرة على الشطوط، فبنوا فيها محالا تجارية. واستطال حكمه من (سنة ~~666 إلى سنة 611ق.م) وكان السلام ضاربا أطنابه في أيامه؛ حتى إنه شاهد انحطاط ms031 ~~وانحلال دولة الآشوريين، ولم يعمد إلى اغتنام شيء منها. # أما خلفاؤه فلم يجروا على سنته في الانحياز والانعكاف، فإن نخاو الثاني (الذي حكم ~~من سنة 611 إلى سنة 595) شن الغارة على بلاد الشام في السنين التي أعقبها سقوط ~~نينوي (سنة 608)، واستظهر في طريقه (في مجدو) على يوشياملك يهوذا، ثم سار حتى بلغ ~~الفرات، وبعد ذلك بثلاث سنين (سنة 605) هزمه نابوكودوتوزور (المعروف ببخت نصر أو ~~نبوخذ نصر) في كركميش؛ فأضاع في يوم واحد جميع البلاد التي افتتحها، واكتفى بعد ذلك ~~بتحريض الملوك الصغار الذين كانوا حاكمين على بلاد يهوذا وموآب وعمون وفينيقية، ~~وإغرائهم على الإيقاع بالكلدانيين. أما ولده أبسماتيك الثاني فقد مات في شرخ ~~الشبيبة، ومقتبل العمر؛ فلم يكن له شيء من المآثر والأعمال (سنة 595 إلى سنة ~~589ق.م)، ولكن الفرعون وفريس (ابريس) عاود ما شرع فيه أبسماتيك الأول، نعم، إنه لم ~~ينجح في منع سقوط أورشليم (سنة 586) ولكنه ساعد مدينة صور على الفوز في مقاومة ~~بختنصر، وأوجد له سلطة مؤقتة على شطوط فينيقية، وقد أرسل جنودا لمقاتلة المستعمرة ~~اليونانية المتوطنة في قورين # 2 ~~(غربي مصر) فلم يفز بالنجاح، وكان ذلك سببا في هياج المصريين عليه، ~~ولم يكن لديه من يستعين به على قمع الثورة العامة إلا المرتزقة من اليونانيين؛ ~~فانهزم في مومنفيس وقتل بها وقام بالأمر بعده أماسيس، ولم يكن من العائلة ~~الملوكية. # وكان أماسيس هذا (سنة 569 إلى سنة 526) آخر الفراعنة العظيمين من الوطنيين، وبعد ~~أن صد غارات الكلدانيين التي وقعت في مبدأ حكمه أفرغ جهده في اجتناب أية حرب ~~هجومية، واكتفى بحفظ بلاده في حالة الدفاع، وقد اعتمد على العنصر اليوناني أكثر من ~~أسلافه بكثير، وأقطع اليونان بالقرب من سايس (صا) أرضا جعلوا فيها مستعمرة ~~نقراطيس، وجعل حراسه منهم، وقد عقد المحالفات وأبرم المواثيق مع الليديين ~~والكلدانيين لكي يعوق التقدم الغريب الذي كانت مملكة الفرس آخذة فيه، وتيسر له ~~اجتناب القتال مع كورش ملك الفرس، ومات في سنة 526 قبل الميلاد حينما كان قمبيز ~~زاحفا على مصر؛ لمهاجمته، ms032 فوقعت الغارة على ولده أبسماتيك الثالث فانهزم في بيلوزة ~~(مدينة الطينة)، ووقع أسيرا في منف بعد أن حكم ستة شهور (من سنة 526 إلى سنة 525 ~~قبل الميلاد)، وصارت مصر تحت إدارة مرزبان فانحطت عن مقامها الرفيع وأصبحت بمنزلة ~~عمالة بسيطة من عمالات الدولة الفارسية. # خلاصة ما تقدم ~~(1) # أن حروب الآشوريين ألزمت الفراعنة بالإقامة على تخوم آسيا؛ ولذلك ~~عادت الحياة السياسية إلى مدائن الدلتا، وبعد موت آخر الرمسيسية أقامت ~~مدينة تنيس عائلة ملوكية جديدة هي الحادية والعشرون، وسقطت طيبة عن ~~مكانتها الرفيعة فلم تكن إلا قاعدة لإقطاع يحكمها كبراء كهنة ~~آمون. ~~(2) # وأول ملوك العائلة الثانية والعشرين وهو ششنق استولى على أورشليم سنة ~~924، ولكن ذريته لم يتيسر لها حفظ وحدة مصر، فانقسم وادي النيل إلى دول ~~صغيرة. وفي نحو منتصف القرن الثامن قبل الميلاد حاول تفنخت أمير سايس ~~(صاالحجر) أن يضمها إلى بعضها، ولكن بعنخي ملك نباتا منعه من إنجاز ~~مشروعه وجعل لأتيوبيا السيادة على مصر كلها. ~~(3) # وبقيت سيادة أتيوبيا على الديار المصرية نحو قرن كامل (فيما بين ~~سنتي750 و650ق.م)، وتكونت العائلة الخامسة والعشرون الأتيوبية من ثلاثة ~~من ملوكها وآخرهم طهراق؛ هزمه آشورحدون، وطرده إلى ما بعد الشلال ~~الأول، وحكم الآشوريون مصر من البحر المتوسط إلى أسوان مدة عشرين سنة ~~تقريبا (من سنة 673 إلى سنة 650 تقريبا) ثم طردهم منها أبسماتيك ~~الأول الصاوي، ومع ذلك فإن فوزه كان فيه تمام انحلال مصر الكبرى ~~وانقسامها إلى مملكتين وهما؛ مملكة أتيوبيا في الجنوب وقاعدتها نباتا ~~تارة ومروى أخرى، ومملكة مصر الحقيقية فيما بين الشلال الأول والبحر ~~الأبيض المتوسط. فتلاشى صنيع العائلات الطيبية ورجع ملك الفراعنة إلى ~~حدوده التي كانت له في أيام العائلات المنفية. ~~(4) # استمرت العائلة السادسة والعشرون الصاوية قريبا من قرن ونصف (من ~~سنة 666 إلى سنة 525) وكان مؤسسها أبسماتيك الأول الذي حكم (من سنة 666 ~~إلى سنة 611) من الملوك الجانحين للسلم وقد اشتغل بتوفير ثروة رعاياه ~~وإنمائها، واستخدم جنودا يونانيين بالرزق، وأحضر تجارا منهم، وكانت ~~نتيجة سعي خلفائه في إعادة ms033 فتح الشام وبلاد برقة أن انهزم نخاو الذي ~~حكم (من سنة 611 إلى سنة 595) بالقرب من كركميش (سنة 605) وأن خلع ~~ابريس (سنة 569) وحكم أماسيس (من سنة 569 إلى سنة 526) وهو آخر ~~الفراعنة العظام. وقد رحب باليونانيين وأكرم وفادتهم في وادي النيل ~~فتقاطروا عليه من كل فج عميق، ولم يحكم ولده أبسماتيك الثالث إلا بضعة ~~شهور قليلة (فيما بين سنتي 526 و525)، وجاءه قمبيز فهزمه في الطينة ~~وصارت مصر عمالة من عمالات الدولة الفارسية بعدما كان لها من المجد ~~والسلطان، والأمر لله الواحد القهار. # هم الجنود المكريون # Mercenaire # والمرتزقة لفظ عربي ينبغي الاحتفاظ به؛ لوروده بهذا المعنى في كتب التاريخ ~~المعتبرة مثل المقريزي وغيره. # Cyréne # وهي المعروفة في كتب العرب ببلاد ~~برقة، وغلط غلطا فاحشا من ترجمها بالقيروان؛ لأن هذه مدينة أحدثها ~~المسلمون في تونس، وأما تلك فبلاد قديمة واسعة بين مصر وطرابلس، وكانت ~~مستعمرة مهمة لليونان. # الباب السادس # في الديانة المصرية ~~(1) الآلهة الأصليون في مصر # كانت الأمة المصرية تعتبر في الأحقاب الخالية أشد الأمم تمسكا بدينها، وهذا هو ~~الواقع، فإن من نظر إلى آثارها يكاد يتوهم أن أرض مصر إنما كانت تسكنها الآلهة على ~~الخصوص، وما كان فيها من بني الإنسان سوى من يقوم بحاجات العبادات؛ إذ كان لكل ~~إمارة في أول الأمر إله أكبر خاص بها لا يتعدى سلطانه حدودها، وكان الحال كذلك ~~حينما انقسم القطر إلى كور كبيرة؛ بحيث إن مصر كانت للآلهة ولايات التزامية أخاذية، ~~كما كانت كذلك للأمراء من بني آدم. # وكانت الآلهة في بعض الأحيان عبارة عن النيل مثل الإله أسيريس؛ في قسم مندسيوس، ~~والإله خنوم الخاص بالشلالات، وتارة عبارة عن الأرض السوداء الخصبة مثل الإلهة ~~أيسيس المعبودة في بوتو، ومثل الإله بتاح أو فتاح المعبود في منف، وتارة عبارة عن ~~السماء مثل حارويرس. وكان أخص الآلهة عندهم الشمس مثل رع في هيليوبوليس، أو أنحوري ~~في سبنيطوس، وفي ثنيس. وكان لبعض هذه الآلهة صورة إنسان مثل بتاح، وأزيريس، وآمون، ~~والبعض الآخر على شكل حيوان مثل ms034 الكبش، والتيس، والأسد، والثور أبيس أو منيفيس، أو ~~على هيئة ابن آوي مثل أنوبيس، أو الباشق مثل حوروس. واعلم أن الاعتياد على تصوير ~~الآلهة بهاتين الصورتين جر المصريين إلى تمثيلها يهيئات مركبة تختلط فيها أشكال ~~الإنسان بصور الحيوان فصاروا يصورون حوروس على هيئة إنسان له رأس باشق، وأنوبيس على ~~هيئة إنسان له رأس ابن آوي، وهاتور على هيئة امرأة لها رأس بقرة. وللآلهة الأصليين ~~عندهم حشم كثير وحاشية وافرة من الآلهة الثانوية تكون حولها بمثابة أمة تحاكي في ~~العدد أمة الأنام. # وكل هذه الكائنات كان لها جسم أشد لطافة من جسمنا؛ فكان غير مرئي، ولكنه كان ~~شبيها بجسدنا من حيث إمكان الوصول إليه، وإصابته بالجراح بل، وإعدامه الحياة. ~~وكانت الآلهة تأكل وتشرب وتكتسي، وأحسن ما يتزلف به إليها وينال به رضوانها أن يقدم ~~لها الإنسان ما يلزم لحياتها. وكانت عبادتها في الحقيقة عبارة عن جملة أفعال ~~وهيئات؛ متى قام بها الإنسان أوصل إلى الآلهة في دنيانا هذه كل ما تحتاجه لحفظ ~~حياتها، وسد رمقها، فكانوا يقدمون لها القرابين والضحايا من الحيوانات والطيور ~~واللحم والخبز والنبيذ والمشروبات والفطير والفاكهة اللازمة لطعامها، وكانوا يعينون ~~في صلاتهم أثناء تقدمة القربان الإله الذي يقصدون إتحافه بهذه الطيبات، ويذكرون ~~النعم والعناية التي يطلبونها منه نظير القربان. ~~(2) التأليه التساعي على مذهب هليوبوليس وذكر خلق الدنيا # كان الآلهة الأخاذيون يشبهون الأمراء الأخاذيين في مصاهرة بعضهم بعضا، ويراعون ~~مع بعضهم حقوق الجوار، وكانوا يتناولون في أغلب الأحيان اختصاصات بعضهم، فيتحد ~~الواحد بالآخر ويصيران فردا واحدا؛ مثال ذلك آلهة السماء مثل حارويرس، قد حل في ~~رع إله الشمس وتمثل فيه، كما أن آلهة الشمس مثل رع وأنحوري وغيرهما قد امتزجت ~~ببعضها؛ حتى صارت شخصا واحدا عبدته مصر كلها، ولكن فريقا آخر من الآلهة وقعت ~~بينهم الشحناء حتى استحكم النفور والبغضاء؛ مثل أوسيرس وتيفون واجتهد كل واحد في ~~إبادة صاحبه. وقد وجد العالم وبقي موجودا يتمازج الائتلاف والاختلاف بين هؤلاء ~~الآلهة. وقد زعم الكهنة أمناء الدين جملة مزاعم في وظيفة ms035 كل منها عند أحداث ~~العالم. # والقول الذي مالت إليه الأهالي، ورجحته على المذاهب الأخرى من قبل مينيس، هو الذي ~~قال به كهنة هيليوبوليس، وفحواه؛ أن العالم أحدثه تسعة من الآلهة بين ذكور وإناث ~~اتحدوا على هذا الصنيع، وكان لكل منها قسط من العمل، فكان الكون في أول الأمر عبارة ~~عن لجة من المياه يحيط بها الظلام، وكانت الشمس مختفية في وسطها، ثم ظهرت الشمس ~~فخرجت الأرض والسماء من الماء مختلطتين ببعضهما، وممتدة إحداهما على الأخرى، وعلى ~~هذا كان رع - أي الشمس - هو الإله الأول، وقد صدرت منه إشارة فتولد عنها زوج من ~~الآلهة، وهما: شو، وتفنويت، فدخل شو فيما بين الأرض والسماء وفتق رتقهما، ثم رفع ~~السماء على ذراعيه وأبقاها معلقة في الفراغ (شكل # 6-1 ~~)، وبذلك ~~ظهر زوج ثان من الآلهة وهما: سيبو أي الأرض، ونويت أي السماء. # شكل 6-1: # شو واقفا بين سيبو أي الأرض ونويت أي السماء بحسب رسم على نعش ~~في طيبة. # وكانت الدنيا التي أوجدها هؤلاء الآلهة الخمسة أشبه بصندوقة رباعية الشكل يكتنفها ~~الماء الأول، وأرضيتها هي الأرض وغطاؤها السماء وجدرانها الجبال الشامخة، التي تتكئ ~~عليها السماء كما يتكئ سقف المنزل على جدرانه؛ فتمنع السماء عن السقوط على الأرض. ~~ويجري نهر عظيم على طول هذه الجدران تحت السقف السماوي بقليل، وهذا النهر يجري ~~مترائيا للأبصار في جهة الجنوب، ثم يسيل فيما بين الجبال أو ينساب في مجرى طويل ~~تحت الأرض، ويسبح فيه على الدوام زورق فيه الشمس، ويخرج هذا الزورق في كل صباح من ~~المشرق من مجرى النهر الذي تحت الأرض، ثم ينحدر إلى الجنوب، وترسل الشمس الأنوار ~~إلى مصر، ثم تدخل كل مساء في الجبل من جهة الغرب. والاثنتا عشرة ساعة التي تمضيها ~~الشمس في اختراقه هي ساعات الليل الاثنتا عشرة، ثم تولد من الأرض والسماء إلهان ~~وإلهتان تكون منهما زوجان، فأنما تكوين العالم؛ وأولها هو مركب من أوسيرس وأيسس ~~جاءا بالحضارة والمدنية في الدنيا كما سبق لنا القول به. وثانيهما وهو مركب من ~~تيفون ms036 ونفتيس أتيا بالشر والموت. ~~(3) رجحان الشمس على بقية الآلهة # قد أقرت جميع الهياكل والأماكن المعدة للديانة في مصر بالآلهة التسعة المذكورة مع ~~تعديل قليل؛ فإنهم حفظوا الآلهة الثمانية ولكنهم أبدلوا رع رأس الآلهة بالإله ~~المحلي؛ مثال ذلك أنهم في منف وضعوا بدله بتاح، وفي طيبة استعاضوه بآمون، وفي ~~الشلالات بخنوم، ولكن لم يؤدهم هذا إلى إسقاط اعتبار الشمس، وجحود ما كان لها من ~~الشأن الأكبر في خلق الدنيا؛ بل إنهم جعلوا الآلهة التسعة الرئيسية متحدة بالشمس ~~حالة فيها متمثلة بها، مهما كانت خاصيتها في أول الأمر، فصار بتاح وآمون وخنوم ~~شموسا وصارت الشمس هي الإله المعتبر في جميع الأديان الأخاذية بالديار المصرية، ~~وبهذا لم يبق إلا شيء قليل للاعتراف والمناداة بأن الشمس هي الإله الوحيد، أو أنه ~~ليس هناك إلا إله واحد هو الشمس، وأن جميع الآلهة الأخرى ليسوا إلا أسماء لها، ولكن ~~المصريين لم يفعلوا ذلك، ولم يقولوا به؛ لأن كل فريق كان يؤثر البقاء على ما هو ~~عليه وإعلاء شأن الإله الذي كان خاصا به، فلم يزل أهل كل كورة على القول ~~والاعتقاد بامتياز إلههم عما جاوره من الآلهة الأخرى وعلوه عليها في مكانته ~~واقتداره، ولم ينتشر بينهم الاعتقاد بوحدانية الإله انتشارا كثيرا على فرض أنه ~~وجد عندهم. # بل قد اتفق في كثير من الأحوال أن تصاريف السياسة قضت بجعل السيادة والمتبوعية ~~لبعض الآلهة على البعض الآخر؛ مثال ذلك أن طيبة لما وصلت من ابتداء العائلة الثانية ~~عشرة إلى درجة عظيمة من الشوكة والاقتدار نهضت بمعبودها آمون؛ فرفعت مكانته وأحلته ~~محل الإحلال والإكبار وأصبح آمون ملكا حقيقيا على جميع الآلهة طول ما بقي الزمان ~~مقبلا على طيبة، ولم يكن له السلطان على الآلهة الأجنبية فقط؛ بل كان له الأمر ~~والنهي أيضا على الآلهة الوطنية المحلية، ومع أن بتاح وحارويرس وخنوم كانوا في نظر ~~المتعبدين لهم نظراء آمون وأقرانه، ولكنهم كانوا في الحقيقة أتباعا له كما كان ~~أمراء الكور التي هم معبودون فيها، تابعين للفراعنة الحاكمين في طيبة، ولكن ms037 هذه ~~السيادة زالت بزوال العائلة المتممة للعشرين، كما تلاشت شوكة طيبة وذهبت معزتها ~~فرجع الآلهة الأخاذيون إلى ما كانوا عليه من الانفصال والاستقلال. ولم يتيسر بعد ~~ذلك لإحدى المدائن أن تنال من العظمة والمجد ما يتيح لها إلزام بقية القطر بالخضوع ~~لملوكها مدة مستطيلة من الزمان؛ بحيث يترتب عليها زوال حرية الآلهة وحياتهم كما حصل ~~ذلك من الإله آمون؛ بل استمر الشرك وتعدد الآلهة ببلاد مصر إلى ما بعد ظهور ~~المسيحية. ولم تنمح آثار الآلهة كلها وتتقوض دعائم الشرك بأسرها إلا ببزوغ أنوار ~~الدين الإسلامي في القرن السابع من التاريخ المسيحي. ~~(4) الكلام على أوسيرس وما ستلاقيه النفس البشرية في الدار الآخرة # ومع ذلك فقد فاز أحد الآلهة بجعل جميع المصريين يعترفون به بدون أن يغار منه ~~الآلهة الآخرون، أو أن يقلل من سلطانهم؛ ألا وهو إله الأموات. وفي أول الأمر كان ~~إله الأموات في كل ناحية هو إله الأحياء فيها، ولكنه ينتقل من الحياة إلى الوفاة. ~~ففي الكور التي كان فيها إله الأحياء هو الشمس الحي (رع، وأنحوري، وحوروس) كان إله ~~الأموات هو الشمس الميت، فلما نكب المقدس تيفون بالمقدس أوسيرس، وأعدمه الحياة صار ~~أوسيرس هذا إله الأموات في كورته، ثم آل به الأمر شيئا فشيئا إلى أن صار إله ~~الأموات في بلاد مصر كلها، والذي تناقلته الألسنة، وتبادلته الأفواه عن هذا الإله، ~~أنه بعد أن قاتله قطعه إربا إربا، جاءت زوجته أيسيس، وجمعت أعضاءه، ثم حنطتها ~~بمساعدة الإلهين توت وأنوبيس، وكانت هذه أول جثة حفظت بالتحنيط (المومياء الأولى) ~~(شكل # 6-2 ~~)، وقد تلا عليها حورس صلوات، وعمل أعمالا ردتها إلى ~~الحياة، ولكنها ليست بالحياة التي تمكنها من المعيشة فيما بين الناس، ثم أعطى ~~أوسيرس في بطائح الدلتا أولا، وفي القسم الشمالي من السماء ثانيا أملاكا (هي ~~غيطان الفول) يعيش فيها مثل المعيشة التي على وجه الأرض، ولكنها فوق كل خطر ~~وضرر. # شكل 6-2: # مومياء أوسيرس بحسب تمثال صغير من البرونز في متحف ~~الجيزة. # وكان الذين يتحنطون تحنط هذا الإله ويحتفل ms038 بهم كما احتفل به؛ يدعون خادمي ~~حوروس، ثم يقبلون لمقاسمته في هذه السعادة وهذا النعيم بعد اختبارات متنوعة ~~وامتحانات متعددة، وبعد الدينونة التي يزن فيها الإله توت قلوبهم بقسطاس الحق، ومن ~~نظر إلى الأقوال التي يلقيها الأموات في وقت الدينونة رأى فيها أجمل خلاصة لتهذيب ~~الأخلاق عند المصريين، فإن الميت يقول «إني لم أعذب الأرملة، ولم أكذب أمام ~~القضاة، ولم أعرف الخيانة، ولم أدنس الأشياء المقدسة، ولم أسع في ضرر العبد عند ~~مولاه، ولم أجع أحدا، وما أبكيت أحدا، ولم أقتل النفس قط، ولم أسرق ميرة الموتى ~~ولا عصائبهم، ولم أغتصب اللبن من أفواه الرضعاء، فأنا طاهر، أنا طاهر، أنا طاهر.» ~~وبعد هذا التنصل (الإقرار السلبي) يقبل الميت للتمتع بالنعيم في الفردوس، ثم يأخذ ~~بالاشتغال في الفلاحة ويحصد فيها كثيرا من القمح الفائق العظيم. # وفي أثناء ذلك يذوق فيها أنواع اللذاذات ويتنعم بصنوف الصفاء؛ مثل الولائم والرقص ~~والغناء ولعب الدامة، ويقرأ ما ينتعش به البال وينشرح له الفؤاد، ثم يتريض بالنزهة ~~على الماء ويتناول الطعام تحت الأشجار الباسقة، ويستنشق النسيم العليل الذي يهب من ~~الشمال، أو يركب في زورق الشمس ويطوف معها حول الأرض في الليل والنهار، ثم إن ~~أوسيرس يفني آلهة الأموات كلها فتحل فيه. # وقد انتهى أمره بعد سقوط الدولة المصرية أن صار إلها دوليا معروفا عند جميع ~~الأمم والملل، وانتشرت عبادته في جميع أنحاء المملكة الرومانية، وكان معبده في ~~جزيرة بلاق (المعروفة عند الإفرنج باسم فيلة بالقرب من أسوان) آخر هيكل لاذت به ~~الديانة الوثنية، وهي على وشك السقوط والزوال، ولم تقفل أبواب هذا الهيكل إلا على ~~يد الإمبراطور يوستنيانوس في أواسط القرن السادس للميلاد. # خلاصة ما تقدم ~~(1) # كان المصريون أشد الأمم تمسكا بدينهم، وكان لهم آلهة كثيرة بعدد ما ~~في بلادهم من الكور، وكانت هذه الآلهة عبارة عن النيل «مثل أوسيريس ~~وخنوم» والأرض «مثل إيسس وبتاح» والسماء «مثل حار ويريس» والشمس «مثل ~~رع وأنحوري». وكانت لها أشكال آدمية أو حيوانية ولها حشم وأتباع من عدة ~~آلهة ms039 ثانويين، وكانت تشبه بني الإنسان في احتياجاتها وأميالها ~~وقبائحها، وكانت عبادتها عبارة عن قرابين وضحايا يقصد بها إنالتها كل ~~ما تحتاجه في معيشتها من مأكل ومشرب وغير ذلك من لوازمها، وكانت هذه ~~الآلهة تتصاهر وترتب على توافقها وتباغضها مع بعضها بعضا حدوث هذا ~~العالم وبقاؤه، ومن مقتضى مذهب هيليوبوليس أن خلق الدنيا كان على يد ~~ثمانية من هؤلاء الآلهة؛ تحت رئاسة رع تومو الذي هو الشمس. ~~(2) # وقد أقرت جميع الكور على هذا المذهب التساعي مع استبدال تومو ~~بالإله المعبود في كل كورة منها؛ أي بآمون في طيبة، وبتاح في منف ~~مثلا. وهذا ما حمل علماء الديانة على اعتبار جميع الآلهة الأصلية ~~بمثابة أشكال تشكل بها تومو، الذي هو الشمس، أو أسماء مختلفة أطلقت ~~للدلالة عليه، وقد كانت سيادة طيبة على القطر المصري سببا في سيادة ~~آمون على بقية الآلهة الآخرين . ~~(3) # أما الإله الوحيد الذي اعترف به جميع المصريين فكان أوسيريس إله ~~الأموات، وكان المؤمنون يحضرون يوم الدينونة أمام محكمته ثم يبررون ~~أنفسهم ويزكونها بالتنصل، وبعد ذلك يقبلون في غيطان الفول، حيث يعيشون ~~عيشة تشابه عيشتهم على وجه الأرض مشابهة كبيرة. وفي القرون الأولى التي ~~أعقبت ظهور الديانة المسيحية كان أوسيريس شبه إله دولي انتشرت عبادته ~~في جميع أنحاء المملكة الرومانية. # الباب السابع # الآثار والصناعة ~~(1) ما بقي من الآثار المصرية # ربما كانت الآثار التي خلفها لنا المصريون أكثر مما تركته أية أمة عظيمة من أمم ~~السلف؛ فإن الوادي كله مشحون ببقايا معابدهم ومدائنهم متراكما بعضها فوق بعض، حتى ~~إن من نظر إلى السلسلتين اللتين تكتنفان هذا الوادي رأى القبور منحوتة في جميع ~~أجزائهما بحيث إنهما يعتبران كمقبرة واحدة، هذا واعلم أن الآثار التي شوهدت وأمكن ~~البحث فيها إلى الآن هي شيء قليل في جانب ما بقي تحت البحث والنظر، وما عساه ينكشف ~~لنا مع توالي الأيام. ~~(2) فن العمارة وذكر المعابد # العمارة هي الفن الذي برع فيه المصريون أكثر من غيره، وفازوا فيه بالقدح المعلى، ~~والنصيب الأوفر الأوفى، وقد تركوا لنا نموذجات ms040 ورواميز لهذا الفن هي البالغة في ~~الإتقان والكمال؛ فقد بنوا معابدهم بالحجارة الكلسية، أو الأحجار الرملية، وأما ~~الأبواب وبعض الحجرات الداخلية فكانوا يصنعونها من الصوان (الجرانيت) الوردي أو ~~الأسود، وقد يندر أن تكون الكتل متساوية موضوعة بوضع منتظم تمام الانتظام، بل ~~وتختلف أحجامها والمداميك تأخذ مواضع بعضها، ولكنها كلها مرصوفة منضدة بحذق زائد، ~~ومهارة تامة، حتى إنها قاومت الدهور، وصبرت على ممر الزمان، بل صبر ويصبر على ~~ممرها الزمان، مع أن العمائر التي اعتبر بناؤها أحسن وأجود قد ذهبت في خبر كان. ثم ~~إن أغلب معابد الدلتا ومصر الوسطى ليست الآن إلا أطلالا دراسة ورسوما دائرة، لا ~~يكاد يتهيأ للمتبين أن يميز الشكل الذي أقيم عليه بناؤها، والصورة التي أعطيته عند ~~تشييدها. أما معابد الوجه القبلي فحظها من الحفظ أوفر، ونصيبها في البقاء أكثر، فإن ~~كثيرا من هذه الهياكل في جزيرة بلاق (شكل # 7-1 ~~) وإدفو ودندرة ~~محفوظة حفظا تاما؛ بحيث إن أقل ترميم يكفي لإعادتها كما كانت زمن تلك ~~العبادة. # شكل 7-1: # هيكل جزيرة بلاق (فيلة) المعروف بقصر أنس الوجود منظورا من ~~أعلى الصرح الأول. # واعلم أن هذه المعابد منظمة على نسق واحد، وذلك أن الهيكل الحقيقي هو عبارة عن ~~حجرة مظلمة تسكنها صورة الإله سواء كان بتمثاله أو برموز العبادة الخاصة به، وكانوا ~~يقتصرون على هذه الحجرة في المدائن التي ليس لها أهمية كبيرة، ومتى ساعدت الظروف ~~أضافوا إليها غرفا أخرى يعدونها لوضع القرابين وللاحتفال فيها بقداس الإله في أيام ~~معينة، وما كان الدخول في هذا القسم من العمارة مباحا في كل وقت إلا للكهنة ~~والملك، وكان من عاداتهم أن يقيموا أمامها حجرة كبيرة واسعة ذات عمدان يكاد يكون ~~الولوج فيها مباحا للجمهور، وكانوا يجتمعون فيها في أيام المواسم والأعياد، وكان ~~باب هذه الحجرة يوصل إلى فناء حوله أبواب محصنة بصرح Pylône # هو عبارة عن باب كبير هائل له فتحة على ~~يمينها ويسارها برجان يكونان في الغالب مرتفعين ارتفاعا شاهقا، وهذا الشكل يتكرر ~~في جميع أنحاء وادي النيل مع ms041 اختلاف قليل؛ فهو الذي تراه في العمائر الفخيمة بطيبة ~~والكرنك والأقصر ومدينة هابو، وهذا الرسم هو المتبع أيضا في بلاد النوبة. غير أن ~~بعض غرف الهيكل أو الهيكل كله (كما في أبي سمبل) تراه منقورا في الصخر بحيث يكون ~~مغارة فسيحة هائلة. # ولما كانت الآلهة تحب أن تحيط بها الأسرار كان القوم يبنون المعابد؛ بحيث إن ~~الإنسان لا يشعر بالانتقال من نور شمس العالم الخارجي إلى ظلام الحجر الإلهية؛ فإن ~~مداخل الهيكل تكون فسيحة يتخللها الهواء، وينبعث فيها الضياء من غير أن يصادفهما ~~أدنى عارض وأما الإيوان الكبير ذو العمدان، فيقل النور فيه ثم يشتد الظلام في ~~المحراب فيكون شبيها بشفق غير واضح، حتى إذا وصل الإنسان إلى قدس الأقداس رأى ~~الليل الحالك والظلام التام. ~~(3) زخرفة المعابد # كانت الزخرفة في غاية البهاء ونهاية الرواء، فكانت جدران كل غرفة مزدانة من ~~أعلاها إلى أسفلها برسوم ونقوش توافق ما خصصت له هذه الغرفة، فيمثلون في المحراب ~~الزورق المقدس الذي يعيش فيه الإله، وفي الحجرات المجاورة له القرابين والضحايا، ~~وفي الإيوانات المعمدة هيئة الموكب والاحتفالات، وعلى الصرح والحيطان الخارجية ~~أشكالا للقتال والوقائع الحربية، يرى الناظر إليها ملك مصر قاهر أعداء مصر بمعونة ~~الإله الذي شيد له الهيكل، وكانوا يضعون أمام الصرح تماثيل هائلة قد يبلغ ارتفاع ~~الواحد منها 16 مترا؛ مثل صنمي ممنون في طيبة، ومسلات منضودة أزواجا أزواجا، ~~وأمام ذلك كله مماش على جانبيها تماثيل الإسفنكس؛ وهي آساد لها رأس إنسان أو كبش، ~~أو هي كباش كبيرة الجثة رابضة على الأرض يشار بها إلى أنها حرس رمزي يقوم بخفارة ~~مقدم الهيكل على الدوام. ~~(4) القبور # كانت القبور أيضا مشحونة بكثير من النقوش والتصاوير، وكان بعضها منعزلا وقائما ~~بسفح الروابي أو بمنحدر النجوات والهضبات الفاصلة بين مصر والصحراء، وكانت أجداث ~~ملوك الدولة الأولى والوسطى عبارة عن أهرام من الحجارة أو الآجر. وقبور أفراد الناس ~~مساطب متطاولة من حجر الجير الأبيض تقابل كل زاوية منها جهة من الجهات الأربع ~~الأصلية، ويجعلون وجهتها عادة نحو الشمال، ms042 ولها باب قد يكون أمامه عمدان صغيرة ~~ويتوصل من هذا الباب إلى الحجرات الداخلية وإلى ضريح الميت؛ حيث يجتمع أقرباؤه ~~مرارا في كل عام لتقديم القرابين له. ويرى المتأمل في الصور المنقوشة على جميع ~~الجدران هيئة القربان وكافة الأعمال الدنيوية التي يكون بها تجهيزه، وتربية الغزلان ~~والأثوار والأطيار وذبحها، وبذر البذور في الأرض، وحصد القمح، واصطناع الخبز، ~~وتقديم الأرغفة، والصيد في البر والبحر، والألعاب المختلفة الأنواع، ويكون فوق ~~الضريح رجام من الرخام أو ما يشابهه من الأحجار الصلدة منقوشا في أحد الجدران أو ~~قائما بجانبه، وهو بمثابة باب مغلق على الدوام، وخلفه تنفتح أجزاء القبر المخصصة ~~للروح، وهناك أيضا دهاليز وآبار وحجرة يكون بها التابوت وفيه المومياء. # ومن ابتداء العائلة الثانية عشرة اختلطت القبور المنقورة في الجبل بالقبور ~~المنعزلة، وعدل ملوك طيبة في الدولة الأخيرة عن اتخاذ الأهرام، فأمر كثير منهم بدفن ~~جثثهم في جبال لوبيا. وأما ملوك العائلة الثامنة عشرة فإن مدافنهم بالجهة المعروفة ~~الآن بالأصاصيف، وأما ملوك العائلتين التاسعة عشرة والعشرين ففي باب الملوك قبورهم؛ ~~وأجملها في البهجة والإبداع والرونق وحسن الاصطناع هما قبرا سيتي الأول، وابنه ~~رمسيس الثاني. ~~(5) النقش والتصوير # كان النقش والتصوير عبارة عن فنين مكملين لفن العمارة، فكل جدار كان مزدانا ~~بنقوش بارزة، وكل نقش بارز كان محلى بالتصوير والتلوين بالأصباغ على هيئة سطوح ~~مستوية متناسقة، بعضها فوق بعض بترتيب عجيب، بحيث لا تكون مختلطة ولا ممزوجة. ~~وكانوا يحلون النقوش تحلية بالألوان، ولا يرسمونها بالمعنى المتعارف عندنا في ~~هذا الزمان. # شكل 7-2: # الكاتب الجالس المحفوظ بمتحف اللوفر بباريس. # شكل 7-3: # تمثال شيخ البلد المحفوظ بمتحف الجيزة. # وكانت التماثيل المنعزلة أو المجتمعة حول بعضها مصورة بالألوان أيضا، فالجهات ~~الممثلة للحم منها ملونة باللون الأحمر فيما يختص بالرجال، وبالأصفر الفاقع فيما ~~يختص بالنساء، ولم يكن تصويرها بالغا نهاية ما يصوره الخيال من الكمال، بل كانت ~~عبارة عن صور للنساء والرجال بالغة في الصحة والدقة، وكل شخص له من هيئته ووصفه ~~إشارة إلى الحالة التي تليق بمقامه خاصة؛ ms043 فالسيد الجليل يكون واقفا وفي يده العصا، ~~أو جالسا على مسطبة من الحجارة، وجسمه معتدل، ورأسه مرتفع، ونظره حاد، والكاتب ~~يجثو أمامه بكل خضوع، وذراعاه مشتبكان فوق بعضهما، أو يقعد مربعا وعلى ركبتيه درج ~~من البردي كأنه مستعد لتسطير ما يمليه عليه مولاه. وأما العبد والأمة فيهرسان ~~الحبوب لعمل الخبز اللازم لكل يوم، ويعجنان الطحين، ويطليان القدور بالقار، ثم ~~يذهبان ليملآها نبيذا، وليست هذه الصور تشابه ما عندنا في كونها تمثيلا من غير ~~حياة لجسم من الأجسام، بل هي أجسام حية تمثل الشخص الذي هي تصوير له، حتى إنك لتظن ~~أن الملك أو الإله أو الفرد من الأفراد الذي أمامك تمثاله أو صورته كأنه قد نفخ ~~فيها شيئا من روحه، وأفاض عليها جزءا من حياته بحيث إن ذلك يسمح لها عند الاقتضاء ~~بالكشف عن المغيبات، وما يستقبل من الأمور، فأما التماثيل التي تشاهد في القبور فهي ~~تقوم في الواقع، ونفس الأمر مقام الجثة المحنطة، وتكون سندا للروح، ولو تبددت تلك ~~الجثة، وعبثت بها أيدي الزمان. ومن هذا تعلم السبب في كون الصانع مصورا أو نقاشا، ~~كان يسعى جهده، ويبذل قصارى ما عنده في جعل صنعه أشبه شيء بالأصل الذي أخذ على نفسه ~~تمثيله؛ أي لأجل أن تكون النفس قديرة على التصرف في جسمها الحجري بسهولة، وعلى ~~الوجه الذي يوافقها وترتضيه؛ ولذلك كان من المحتم أن هذا الجسم يكون مثالا كاملا ~~للجسد الذي قد حلت فيه الحياة، ويكونان سواء في حسن المنظر، وفي العاهات التي ~~ألمت به، وما كان فيه من السماجة والتشويه. # وأحسن المصنوعات التي وصلت إلينا، وحفظت إلى يومنا هذا من آثار الدولة الأولى، ~~والدولة الوسطى هي؛ الكاتب الجالس مربعا وهو (شكل # 7-2 ~~) بمتحف ~~اللوفر بباريس، والتمثال المعروف بشيخ البلد (شكل # 7-3 ~~)، وتمثال ~~خفرن، وتمثال الملكة، وهذه التماثيل الثلاثة الأخيرة موجودة بمتحف الجيزة، وقد ظهر ~~في أيام ارتقاء الدولة الطيبية، وفي عصر الدولة الصاوية بعض تماثيل تستلفت الأنظار، ~~وتدعو إلى الإعجاب، ولكنها على طراز جاف خال من الحرية الكاملة، ms044 والتصرف التام كما ~~كان الحال في العصر المنفي. ~~(6) الفنون الصناعية # تقدمت الفنون الصناعية بوادي النيل من أول الأمر تقدما عجيبا فائقا، فكان ~~المصريون يشتغلون بغاية الحذق والمهارة على الأخشاب والمعادن النفيسة، والثبهان ~~(البرونز) (شكل # 7-4 ~~)، وعلى الأحجار الدقيقة اللطيفة، وكانوا من ~~أيام العائلة الرابعة والخامسة يصطنعون الزجاج والزليج # 1 # المموه بالألوان والأصباغ، والمنسوجات الموشاة المطرزة، ويقدون ~~الجلود، هذا وقد اطلعنا على عدد عظيم من هذه المصنوعات، فكان بذلك حكمنا على قيمتها ~~أبلغ سدادا مما لم يساعدنا الزمان إلا على رؤية صورها ورسومها فقط. # فقد وجدت هذه ~~المصنوعات في القبور، وفي أطلال المدائن، والفائدة المترتبة عليها المرتبطة بها ~~عظيمة جدا؛ لكونها تحدثنا بتاريخ الصناعة في مصر، بل وبتاريخها على العموم، فإن ~~أهل مصر كانوا يبعثون إلى الشام وكلديا وفينيقية، وإلى اليونان وإيطاليا، وإلى بلاد ~~الغاليا وإسبانيا على بعدهما، ونزوحهما بعدد عظيم، ومقدار كبير من مصنوعاتهم في ~~المجوهرات والمصوغات، والخزف والأقمشة، والعلب والغمدات التي من الخشب المشغول، ~~وكثيرا ما اقتدى بهم وحاكاهم في بعض أعمالهم أمم البحر الأبيض المتوسط الذين كانوا ~~بين الحضارة والهمجية، فإن الخناجر التي وجدت في ميسينة في قبور رؤساء أرجوس هي من ~~نفس طراز الخناجر التي استكشفت في طيبة على مومياء والدة أموسيس، وجاء أول الصناع ~~وأرباب الفنون عند اليونان، فقلدوا صور الآلهة عند المصريين، كما أن التماثيل ~~الحجرية القديمة التي كشف عنها التراب من جهات كبيرة ببلاد الهلاد (اليونان) إنما ~~هي تعظيم محفوف بالدقة، ولكنه خال من الرقة، أخذ عن التماثيل الصغيرة التي من ~~البرونز، أو من الأحجار الدقيقة المصورة لبعض آلهة المصريين، فكانت هذه الأشياء ~~الدقيقة وحدها سببا في تأثير نفوذ مصر على بلاد اليونان، وتأثير بلاد اليونان على ~~الأمم الحديثة مدة قرون من الزمان. # شكل 7-4: # علامة لآمون وهي من البرونز وواردة من متحف الجيزة. # خلاصة ما تقدم ~~(1) # ربما كانت الآثار التي أبقاها لنا المصريون أكثر مما أبقته أية أمة ~~من الأمم القديمة العظيمة من المخلفات والآثار. ~~(2) # وقد برعوا في فن العمارة والبناء، ولنا في ms045 المعابد الكثيرة الباقية ~~الآن في مصر العليا على ما كانت عليه تقريبا نموذجات جليلة وطرازات ~~جميلة لهذا الفن، وهي كلها مبنية على شكل واحد سواء كانت الأبنية قائمة ~~بنفسها ومنعزلة وحدها أو عبارة عن محاريب منقورة كلها أو بعضها في صلب ~~الجبل. ~~(3) # وكانوا يبالغون في زخرفة مبانيهم، وما زالت جدران الحجرات مزدانة ~~بنقوش بارزة محلاة بالألوان والأصباغ، وكانوا يقيمون التماثيل الهائلة ~~والمسلات الطائلة في فناء المعابد أو أمام الأبواب التي كان يتوصل ~~إليها في بعض الأحيان من ممشى تحف بها تماثيل الإسفنكس. ~~(4) # وفي عهد الدولة القديمة كانت القبور عبارة عن مساطب من الحجر أو من ~~الآجر، ثم اختلطت القبور المنقورة في بطن الجبل بالقبور المنعزلة، وذلك ~~في أيام الدولة الطيبية. ونرى في الوادي المعروف بباب الملوك الذي به ~~مدافن فراعنة العائلة التاسعة عشرة والمتممة للعشرين أجمل وأبهى ما في ~~مصر من القبور التي تحت الأرض! ~~(5) # ولم يكن النقش والتصوير إلا متممين لفن العمارة، وقد ظهر في قبور ~~العصر المنفي مع ذلك بعض تماثيل من الحجر أو الخشب، هي في بابها أكمل ~~ما يمكن الانتهاء إليه في الإتقان؛ مثل تمثال الكاتب الجالس المحفوظ ~~بمتحف اللوفر بباريس، وتمثال شيخ البلد، وتمثال خفرن المحفوظين بمتحف ~~الجيزة. ~~(6) # وقد تقدمت الفنون الصناعية تقدما باهرا منذ القرون السوالف ~~والأعصار الخوالي، وكان في المصنوعات الدقيقة الصغيرة التي من زجاج أو ~~مينا أو معدن منقوش أو مسبوك مثال نسج عليه الفينيقيون واليونان حينما ~~انتقلت هذه الأشياء إلى خارج القطر المصري بواسطة التجارة، وقد ساعدت ~~مساعدة قوية كلية على بث الذوق الصناعي في الأمم الغربية التي كانت لم ~~تزل بعد في حالة الهمجية والبربرية. # وهو المعروف في مصر بالزليزلي أو القيشاني. # الباب الثامن # استكشافات شامبوليون والكلام على علماء الآثار المصرية من الفرنساويين ~~(1) مبادئ الكتابة الهيروغليفية # إن أقدم الآثار المصرية التي وقفنا عليها تدلنا على أن مصر قد كان لها في الكتابة ~~طريقة وافية مستكملة، وأنها كان عندها الورق وفنون الأدب. وقد أطلق اليونان على ~~الحروف التي كان أهلها يستعملونها ms046 لفظة هيروغليف؛ أي الحروف المقدسة، وقد بقيت هذه ~~التسمية مرعية عندنا، وتتركب الكتابة الهيروغليفية من علامات تمثل أناسا وحيوانات ~~وأشياء مادية، ولها دلالات كثيرة مختلفة فبعضها عبارة عن حروف حقيقية توافق الاثنين ~~وعشرين لفظا التي تتألف منها اللغة، مثال ذلك؛ لفظة الباء الفارسية تؤدى بهذا ~~الحرف # والميم بهذا # أو بهذا # وحرف السين ~~بهذا # أو بهذا # وحرف التاء ~~بهذا # أو بهذا # وفي ذلك دليل ~~على أن بعض الحروف كان لها أكثر من علامة واحدة. # وفضلا عن ذلك فهناك حروف مركبة تدل بنفسها على لفظين أو ثلاثة، ويتكون منها مقطع ~~واحد؛ مثال ذلك العين # وتنطق إرى وهذه العلامة # تقرأ موس أو ماس وهذه العلامة # يلفظ بها حم ~~أو حم، وهذه # أو ~~هذه # ينطق بها قيم ~~أو قام أو كيم (بالياء الممالة)، ولغالب هذه الحروف المقطعية أصوات كثيرة يمكن ~~تلفظها بها، ولأجل منع الاختلاط الذي يخشى من حدوثه بسبب هذه المعاني المتعددة ~~المختلفة كان القوم يضيفون إليها أحد الحروف الدالة على المقطع مثال ذلك الأذن # يمكن تلاوتها ~~آد أو سوتم أو تين، فإذا كان وراءها هذه العلامة # التي هي الميم ينبغي تلاوتها ~~سوتمو في هذا التركيب ~~، ومتى كان وراءها النون # وجب النطق بها تونو في هذا ~~التركيب # فإذا كان وراءها الدال # وجب التلفظ ~~بها آدو في هذا التركيب # وفضلا عن الحروف المقطعية توجد علامات تدل وحدها على معنى تام قائم بنفسه، وقد ~~تقرأ هذه الحروف الدالة على المعاني المستقلة، ويتركب منها حينئذ كلمة؛ مثال ذلك ~~البلطة # تدل على ~~الإله وتقرأ نتر، والصليب الذي فوقه حلقة # معناه الحياة ويقرأ عنخ، وفي أغلب الأحيان لا ~~تقرأ هذه الحروف بل توضع خلف الكلمات المؤلفة من حروف ومقاطع لتعيين معناها بنفس ~~صورة الشيء الذي تدل عليه هذه الكلمات، وتكون حينئذ للتعريف والتمييز؛ مثال ذلك ~~أنهم كانوا يرسمون صورة الأذن البشرية في آخر هذه الكلمات # 1 # التي ينطق بها مسزر؛ ومعناها أذن، أو يرسمون صورة ذراع قابض على ~~هراوة # في آخر ~~الكلمات التي معناها الضرب والقتل والرفع، وكل ms047 ما يقصد به وقوع أمر ممزوج بالقوة ~~والشدة. # ومن نظر إلى الكتابات القديمة رأى هذه المبادئ فيها مختلطة؛ بحيث ينبغي معرفة ~~معانيها ومدلولاتها بالضبط والصحة للنجاح في فك أي خط قليل. ~~(2) الكتابة المعتادة وذكر اللسان القبطي # كانت الكتابة الهيروغليفية مستعملة خصوصا على الآثار التي من الأخشاب أو ~~الأحجار، ولكنهم كانوا يستعملون كتابة جارية معتادة يسميها المحدثون بالقلم ~~الهيراطيقي؛ لأجل احتياجات الحياة العادية، ولأجل نشر الأعمال الأدبية من تأليف ~~وغيره. والمادة التي كانوا يستعملونها للكتابة عليها بهذا القلم تتركب من ألياف ورق ~~البردي مفصولة ومدقوقة وملتصق بعضها ببعض؛ بحيث يتركب منها أفرخ طويلة دقيقة ~~يغرونها من طرف إلى طرف، فيتكون منها أدراج (ملفات) بل أجزاء قد يزيد بعضها على ~~ثلاثين مترا، وكانوا يكتبون عليها بقلم يتخذونه من قصبة رقيقة من البوص المعروف ~~بالغاب (كما هي العادة الآن) يغمسونه في حبر أسود أو أحمر. وكانت الكتابة ~~الهيروغليفية تبتدئ من اليمين إلى اليسار أو من اليسار إلى اليمين من غير فرق، ولكن ~~الخط الهيراطيقي كان يبتدئ على الدوام من اليمين وينتهي إلى اليسار. وكانت حروف هذه ~~الكتابة في مبدأ الأمر فسيحة مرتفعة ثم توالت عليها السنون والقرون فصارت أصغر من ~~الأول؛ حتى آل أمرها أن صارت عبارة عن جملة حروف متداخلة في حرف واحد، وعلامات ~~صغيرة نحيفة نحيلة مختلطة مختلة، وقد سميت هذه الكتابة بالقلم الديموطيقي؛ أي ~~القلم العامي، وقام هذا القلم شيئا فشيئا مقام القلم الهيراطيقي في أيام العائلة ~~السادسة عشرة ثم رجح وتغلب عليه في أيام اليونان فصار مستعملا في الأمور المعتادة ~~كلها. # ثم زال استعمال هذه الأقلام الثلاثة عندما دخلت الديانة النصرانية في البلاد ~~المصرية واستبدلت بحروف الهجاء القبطية المركبة من ألف باء اليونانية، ومن ستة حروف ~~توافق بعض أصوات مصرية ليس في اليونانية، ما يعبر به عنها. وقد استمر استعمال اللغة ~~عند الأهالي مدة عشرة قرون بعد تلاشي الكتابة بها، ولم ينعدم اللسان القبطي من ~~أفواه الأمة إلا في السنين الأولى من القرن السابع عشر، ومع ذلك فلا يزال ms048 مستعملا ~~في نظام الخدم الدينية وأمور الطقوس التعبدية الكنائسية. ~~(3) أول المحاولات في فك الكتابة البربائية # كانت هذه الأشكال الفاسدة عن أصلها أول ما توجهت إليه همة الباحثين، وحامت حوله ~~أنظار الطالبين المدققين حينما وجه العلماء من الإفرنج عنايتهم إلى العاديات ~~المصرية؛ فتحققوا أن في اللهجات الحديثة بقايا من اللهجات القديمة، ولكنهم لما ~~أرادوا أن يدرسوا الكتابة ويقفوا عليها لم يعرفوا ما هي الطريقة التي ينبغي لهم ~~استخدامها في فك هذه الطلاسم والرموز. وانتهى القرن السابع عشر والثامن عشر ~~الميلاديان ولم يجن العلماء ثمرة من اجتهادهم وانصبابهم على هذا العمل وكدهم ~~وكدحهم في هذا السبيل، ولم تبتدئ الأبحاث المهمة إلا عند حملة الجنرال بونابرت على ~~مصر، وذلك أن لجنة من العلماء أخذت ترود البلاد وتجوبها مدة ثلاث سنين من سنة 1799 ~~إلى سنة 1801 وهي مشتغلة برسم خريطة القطر ورسم مواقع الأطلال ونسخ صورة النقوش ~~البارزة والكتابات، التي على الآثار وألفوا ذلك الكتاب الفريد والسفر الحافل ~~الجليل المعروف ب «وصف مصر» الذي لم يفقه كتاب كاتب، بل لم ينسج على منواله إلى ~~الآن ناسج. وفي أثناء ذلك وجد بوستار وهو من ضباط الطوبجية بالقرب من مدينة رشيد ~~أمرا رسميا بتمجيد الملك بطليموس الخامس وهو مكتوب بخطوط ثلاثة «هيروغليفي ~~وديموطيقي ويوناني»، وحينئذ أشار العلامة الفاضل والمحقق الخالد الذكر سلفستر ~~دوساسي والموسيو آكربلاد السويدي إلى المعنى الذي تدل عليه بعض العلامات في الكتابة ~~الديموطيقية، بل إن الثاني منهما رتب حروف هجاء من المستعملة في القلم الديموطيقي، ~~ما زال العلماء يعولون على معظمها، وما برح أكثرها معتبرا لديهم وموافقا للصحة ~~والضبط ثم رجع العلماء إلى البحث والتنقير من سنة 1814 إلى سنة 1818، وكان أولهم ~~العالم الإنجليزي الطبيعي توماس يانج، فعرف في الخانات الملوكية الموجودة في النقش ~~الذي على حجر رشيد اسم بطليموس وبرنيقة (أو برنيكة) واستخرج منها ألف باء صغيرا قد ~~تحقق العلماء بعد ذلك من صحة خمسة علامات منه وموافقتها للحقيقة والواقع ولكنه لم ~~ينجح في مسعاه الذي قصد به توفية البحث واستكمال ms049 فك هذه الرموز، ولا زال الحال على ~~هذا المنوال حتى جاء شامبوليون فظفر بالضالة المنشودة ونال الفخار كل الفخار ~~بالوقوف على كنه هذه الأسرار. ~~(4) ذكر شامبوليون # ولد شامبوليون الصغير في مدينة فيجاك (بندر مقاطعة اللوت بفرنسا) في 24 ديسمبر ~~سنة 1790 (شكل # 8-1 ~~)، واشتغل بدرس اللغات الشرقية منذ شبيبته، ~~وخصوصا اللسان القبطي، ومن سنة 1811 إلى سنة 1814 نشر الجزءين الأولين من كتابه ~~الذي سماه «مصر في عهد الفراعنة» صحح فيهما جغرافية هذه البلاد مستندا على تواريخ ~~وآثار قبطية، وبعد أن اعتقد وجزم بأن الهيروغليفي هو عبارة عن علامات تدل على أفكار ~~ومعان مستقلة بالمفهومية رجع عن هذا الاعتقاد، وانتهى أمره بالاعتراف بأنها علامات ~~يتلفظ بها، وقد ضمن أول نتيجة ظهرت من أعماله في رسالة بعث بها إلى المسيو داسييه ~~السكرتير الدائم في جمعية النقوش والآداب، وطبعت هذه الرسالة في شهر سبتمبر سنة ~~1833، فقابلها الناس ببعض الإنكار، وقلة التصديق، ولكنه أزاح الشك، وأزال الريب عن ~~صحة هذا الاكتشاف عندما نشر بعد ذلك بسنتين كتابه الذي سماه «خلاصة على قواعد ~~الكتابة الهيروغليفية». # شكل 8-1: # شامبوليون الشاب ولد سنة 1790 وتوفي سنة 1832. # وقد حلل شامبوليون الخانة الملوكية # التي رأى فيها العلامة يانج اسم بطليموس، ثم فصلها إلى # باء و # تاء و # واو و # لام و # ميم و # ياء و # سين، ثم اختبر هذه الحروف في ~~خانات ملوكية أخرى قرأ فيها اسم برنيقة (أو برنيكة) وكلوبترة (أو كليوبطرة) ~~والإسكندر ليتحقق بالمقارنة من صحة العمل، وبهذه المثابة تحصل على حروف هجاء أولية ~~وهي # نصبة أو فتحة ~~« # » و # ألف و # باء و # و # دال وتاء و # ياء و # كاف و # قاف و # و # لام وراء و # ميم و # نون و # واو و # پاء والأوزة # أو المزلاج # أو هذه الإشارة # يلفظ بها كلها سينا ~~و # يلفظ بها «إكس # x ~~» ثم كملها بعد قليل بتحليل أعلام ملوكية يونانية ~~ورومانية وفرعونية، ثم أوضح بعد ذلك أن الصيغ النحوية في اللغة الهيروغليفية توافق ~~المصطلح عليها في اللسان القبطي، وأنه ms050 بناء على استكشافه هذا أصبح من السهل على كل ~~إنسان ترجمة هذه الخطوط وقراءتها. ثم ساح مرتين في إيطاليا من سنة 1824 إلى سنة ~~1826 فتيسر له بذلك تقويم تاريخ الدولة الأخيرة الطيبية كله، وقد اشترى أيضا في ~~مدينة ليفورن مجموعة سالت # Salt # للحكومة ~~الفرنساوية وهي جرثومة المتحف المصري بباريس، ثم أرسل إلى مصر في شهر يوليو سنة ~~1828 فراد البلاد كلها لحد الشلال الثاني هو ولجنة توسكانية، وعاد منها ومعه أشياء ~~نفيسة ومصنوعات متنوعة هي الآن محفوظة بمتحف اللوفر بباريس، ونقل أيضا جملة رسوم ~~وصور قد نشرت فيما بعد بعنوان «آثار مصر والنوبة»، ولما عاد إلى باريس في شهر مارس ~~سنة 1820 استحصل على الرخصة بإحداث درس في علم الآثار المصرية بمدرسة فرنسا، ولكنه ~~عاجلته منيته في 4 مارس سنة 1832، وقد أنهكته الأسفار وأضناه الترحال وهد قواه دأبه ~~على العمل والاجتهاد، وترك للخلف كتابين بخط اليد لم يساعده الزمان على تكميلهما ~~وهما؛ كتابه في مفردات اللغة المصرية؛ وكتابه في قواعدها النحوية، فكانا دليلين على ~~مروره بهذه الدار الفانية ، وأن له فيها أعمالا باقية. ~~(5) الكلام على علم الآثار المصرية بعد شامبوليون # ما لبث العلم الذي وضع هذا المجتهد قواعده أن انتشر بسرعة تامة في أنحاء أوروبا، ~~ففي إيطاليا بواسطة «روزليني» رئيس البعثة التوسكانية الذي رافق شامبوليون في مصر، ~~فإنه نشر كتابا سماه «الآثار» تكلم فيه على ما عثر عليه، وجمعه أثناء رحلته. وفي ~~إنجلترا على يد «ولكنسن، وهنكس، وبرش»، وفي ألمانيا بهمة «ليبسيوس، وبنسن»، وأما ~~فرنسا فقد ترك فيها هذا الأستاذ شقيقه البكري شامبوليون فيجاك فسار على أثره قاصدا ~~تكميل طريقته مع غاية الاجتهاد، ومن غير انتقاد، وكذلك تلامذته «شارل لونورمان، ~~وأمبيروبواتفان وف. دوسولسي» على أن اجتهاد علماء الفرنساوية الباحثين في اللغة ~~المصرية لم يرجع إلى مقامه الأعلى، ودرجته القاصية إلا حينما جاء على رأسهم العلامة ~~عمانويل ده روجه (المولود سنة 1811 المتوفى سنة 1872). # وقد توصل العلماء إلى فك هذه الخطوط بالتمام والكمال، ولكنهم لم يكونوا قادرين ~~على ترجمتها بل ms051 كان القوم يكتفون باستخراج قطع من جملها والإتيان بطريقة حيثما ~~اتفقت على ما تضمنته من الحوادث التاريخية، حتى جاء الجهبذ ده روجه فنشر سنة 1849 ~~كتابه الذي سماه «بحث على نقوش أحمس» وأوضح فيه الطريقة التي ينبغي التعويل عليها ~~في إعراب الجملة المصرية وتحليلها لتعيين معنى كل كلمة وكل عبارة بالضبط والدقة، ~~واستبدل الجمل التفسيرية المبنية على الظن والتخمين التي اكتفى بها العلماء إلى ذلك ~~العهد بترجمة حرفية دقيقة جدا، وهو أول من اجتهد في درس الكتابات التي بخط اليد ~~بالقلم الهيراطيقي، وكاشف العلماء بماهية وكنه الفنون الأدبية عند المصريين بما ~~أتحفهم به من ترجمة قصيدة بنتارو (سنة 1858)، ولما عين مدرسا بمدرسة فرنسا سنة ~~1860؛ جرى في تعليمه بها على الطريقة الدقيقة التي اتبعها في أشغاله الشخصية، وقد ~~أتى بنتائج صادقة حقيقية في كل عمل باشره سواء كان متعلقا بالتاريخ أو ~~بالنحو. # ولنا أن نقول: إن ما استنبطه هو موافق للصحة مطابق للصواب، وأنه سيبقى كذلك على ~~ممر الأحقاب. وفيما كان عدد قليل من العلماء مثل شاباس ودڤٻريا وبوشير يقتدون به ~~ويجتهدون في طبع نسخ الخطوط التي سبق للناس معرفتها؛ كان أوجست مارييت (المولود سنة ~~1821 المتوفى سنة 1881) يعاود أعمال شامبوليون على نفس شواطئ النيل، وقد بذل قصارى ~~جهده في تكثيرها وترقية العلم بها، بما لم يكن في الحسبان، فإن الحكومة الفرنساوية ~~أرسلته إلى مصر في سنة 1850 فعثر على السرابيوم المجاور لمنف وأتحف متحف اللوفر ~~بعدد وافر من المخلفات وكمية عظيمة من الآثار، وقفنا منها على تاريخ العائلات ~~المصرية الأخيرة كله تقريبا. # وفي سنة 1858 عين مديرا عاما للآثار القديمة في مصر وبقي في هذه الوظيفة إلى ~~أن اخترمته المنون، وقد أسس متحف «أنتيكخانة» بولاق وأزال الأتربة والردوم التي ~~كانت متراكمة على الهياكل الكبيرة بإدفو ودندرة وأبيدوس، وراد المدافن القديمة التي ~~في منف، وكان أينما ذهب تراءت له الآثار كأنها تجيب نداءه وتلبي طلبه؛ وبذلك يحق ~~لفرنسا أن تفتخر بشامبوليون في فك الهيروغليفي، وبروجيه في تنظيم طريقة القراءة ~~الهيروغليفية وترجمتها، ms052 وبمارييت في تأسيس مصلحة منتظمة تقوم بالبحث عن الآثار ~~المصرية وحفظها، وأما إنجلترة وألمانيا وهولاندة وإيطاليا والنرويج والسويد ~~والروسيا فقد دخلت في هذا الميدان على إثر فرنسا، واشتركت في الأعمال التي سبقهم ~~فيها الفرنساويون بما جعل لهن أيضا نصيبا في الفضل والفخار. ويقول الفرنساويون إن ~~أمامهم شيئا كثيرا ينبغي عليهم عمله للمحافظة على هذا التقدم وهذا الرجحان، وأنهم ~~ما زالوا محافظين عليهما إلى الآن، وما برحوا يوالون السير في الطريق الذي اختطه ~~مارييت في مصر، فإن الإرسالية المستديمة المستحدثة في القاهرة سنة 1881 هي سائرة في ~~طريق التقدم والنجاح. # خلاصة ما تقدم ~~(1) # إن أقدم الآثار المصرية هي التي تدلنا على أن سكان وادي النيل لهم ~~حروف يستعملونا، وقد سماها اليونان بالهيروغليف؛ أي الحروف المقدسة، ~~وهذه الكتابة الهيروغليفية تحتوي على إشارات تدل على الحروف «الساكنة ~~والمتحركة» وحروف مقطعية وحروف لها معان قائمة بنفسها مستقلة بها، ~~وأكثرها لا يستعمل إلا لتحديد المعنى وتعريفه. ~~(2) # وكانوا يستعملون في أمورهم العادية واحتياجاتهم اليومية الخط ~~الهيراطيقي من ابتداء القرن السابع قبل الميلاد، وهذا القلم هو عبارة ~~عن أشكال مختصرة ورسوم مختزلة من العلامات الهيروغليفية، ولما دخل ~~المصريون في دين النصرانية اتخذوا حروف الهجاء اليونانية وأضافوا إليها ~~ستة حروف فتكونت عندهم حروف التهجي المستعملة في اللسان القبطي. ~~(3) # وابتدأ العلماء في محاولة فك الخطوط الهيروغليفية في القرن السادس ~~عشر للميلاد، ولكنها لم تأت بنتائج مهمة إلا عقب حملة الفرنساوية على ~~مصر (من سنة 1799 إلى سنة 1801) واستكشف السويدي أكربلاد، والفرنساوي ~~سلفستر دوساسي في حجر رشيد على مبادئ هجائية ديموطيقية، وأما الإنجليزي ~~يانج فقد تعرف فيه شيئا من حروف الهجاء الهيروغليفية. ~~(4) # أما شامبوليون الصغير المولود في فيجاك (بمقاطعة اللوت بفرنسا) سنة ~~1790 فقد انتهى بالاستكشاف على قواعد الكتابة المصرية وأصولها، وقرأ ~~النقوش بالصحة والدقة، وعند وفاته في سنة 1832 كانت القواعد الأصلية ~~لفك الهيروغليفي وطيدة ثابتة أكيدة. ~~(5) # وقد انتشر علم الآثار المصرية الذي أسسه انتشارا سريعا في إيطاليا ~~وإنجلترا وألمانيا، وكان لفرنسا إلى عهدنا هذا النصيب الأوفر والحظ ~~الأكمل ms053 في تقدم هذا العلم الحديث بواسطة ده روجه ومارييت وشاباس وعشرين ~~عالما آخر ما زالوا يشتغلون بتوسيع نطاقه والسعي في إبلاغه حد الإتقان ~~والكمال. # هذه الكلمة تقرأ من اليسار إلى اليمين. # الكتاب الثاني # في تاريخ الكلدانيين والآشوريين # الباب التاسع # وصف بقعة دجلة والفرات ~~(1) دجلة والفرات # بلاد كلديا تشبه مصر في كونها «هبة من هبات الماء»، إلا أن هذه تكونت من نهري دجلة # 1 # والفرات وتلك من النيل وحده. # وهذان النهران تتفجر منابعهما وعيونهما من بلاد أرمينية في جبل تيفاتس (الذي هو ~~الآن كلشن طاغ) وهو أعلى الجبال الممتدة فيما بين البحر الأسود وهضبة إيران، وينفرد ~~عن جميع هذه الجبال بكون بعض قلله يكون الثلج عليها مستديما، ويتكون نهر الفرات ~~من غديرين تنحدر إليهما السيول أحدهما مراد صو والثاني قره صو، ثم يجري في أول ~~الأمر من الشرق إلى الغرب في مضايق شامخة قحلاء جرداء ووديان ضيقة حرجة، ثم يأخذ ~~فيما بعد ملاطية (ملاتييسة) في الانعطاف مرة واحدة نحو الجنوب الغربي، ويجعل له ~~طريقا في خلال جبل طوروس؛ بحيث يحسبه الناظر متجها نحو البحر الأبيض المتوسط، ثم ~~يتورب نحو الجنوب الشرقي متجها إلى الخليج الفارسي. وأما نهر دجلة فإنه يتولد ~~بالقرب من نهر مراد صو، ولكنه يسيل بعكس الفرات من المغرب إلى المشرق، ومتى وصل إلى ~~آخر نقطة من مضايق الجبال انحرف وانحنى نحو الجنوب، واقترب من الفرات؛ فلا تكون ~~المسافة بينهما قبيل بغداد إلا بضع مراحل في أرض واطئة مطمئنة، ولكنهما لا يختلطان ~~في هذه الجهة بل يجريان متحاذيين متوازيين تقريبا نحوا من عشرين ميلا إلى ~~ثلاثين، ثم يبتعدان فلا يلتقيان إلا بعد ثمانين مرحلة؛ وحينئذ يمتزجان ببعضهما ~~فيتكون منهما نهر شط العرب، وينصب في الخليج الفارسي. # ونهر الفرات يأتيه في متوسطه نهران من جهة اليسار يمدانه بمياههما، وهما بليخ ~~والخابور، وبعد اتصال الخابورية لا يأتيه شيء من الماء إلى أن ينصب في البحر، وأما ~~دجلة فإنه تنصب إليه مياه الزابين وأدهم وديالى. ويمكن للسفن أن تسير في جزء عظيم ms054 ~~من مجراهما؛ فإن الفرات تسير فيه السفن من ابتداء سميساط # 2 # وأما دجلة فمن ابتداء الموصل. وعندما تذوب الثلوج في أوائل أو أواسط ~~أبريل يزيد هذان النهران وتفيض مياههما وتنتشر على المزارع وفي الريف؛ مثل نيل مصر، ~~ثم لا ينقصان إلى الحد المعتاد لهما إلا بحلول شهر يونيو حينما تشتد ~~الحرارة. ~~(2) تكوين أرض كلديا # لم يكن الحوض الذي يسقي بلاده دجلة والفرات، كما هو عليه الآن فيما سبق من ~~الأعصار والأزمان، فإنهما قبل التاريخ بأجيال طوال كانا لا يرويان عند خروجهما من ~~الجبال إلا سهلا فسيحا غير ذي استواء، تكون في العصر الثاني «الجيولوجي» وأطلق ~~عليه القدماء اسم ميزوبوتاميا؛ أي أرض الجزيرة # 3 # فكانت الخصوبة فيها على جوانب الغدران وحوالي العيون التي تخرج منها ~~الأنهار، وفيما سوى ذلك كانت الأرض جرداء قاحلة، وكانت النهاية الجنوبية لهذا السهل ~~كشاطئ للبحر تغمرها مياهه وتتلاعب فيها أمواجه، وكانا يتصبان على مسافة عشرين مرحلة ~~من بعضهما في خليج يحده شرقا آخر الجبال الإيرانية، وغربا الرمال المرتفعة التي ~~تنتهي إليها هضبة بلاد العرب. # أما القسم الأسفل من هذا الوادي فأرضه كلها أحدث من أرض القسم الأعلى، فإنها قد ~~أحدثها دجلة والفرات والنهيرات الأخرى مثل أدهم وديالى وخواسيس، وقد كانت هذه ~~النهيرات مستقلة مدة طويلة من الزمان، وساعدت بنفسها على ردم ساحل البحر، وأزاحت ~~مياهه عنه ولكنها آل أمرها إلى أن صارت مجاري ثانوية تنصب في نهر دجلة، وفي هذه ~~الأيام يشاهد المتأمل تقدم دلتا شط العرب واتساع نطاقها، فإن متوسط زيادة طرح البحر ~~يعادل ألفا وخمسمائة متر في كل سبعين سنة. # ولا بد أن هذه الزيادة كانت أكثر من ذلك في الأزمان القديمة، وربما أنها كانت ~~تبلغ ألفا وخمسمائة متر تقريبا في كل ثلاثين سنة. # وفي العصر الذي توطن فيه أجداد الكلدانيين بهذا الوادي كان الخليج الفارسي يمتد ~~في داخله إلى أكثر مما هو عليه اليوم بأربعين مرحلة، وكان دجلة والفرات ينصبان إلى ~~البحر وبينهما مسافة تفصلهما عن بعضهما، ولم تمتزج أمواجهما ببعضها إلا بعد ms055 ذلك ~~بآلاف وآلاف من السنين. ~~(3) إقليم كلديا ومحصولاتها # إن القطر المكون من طمي الأنهار لا سيما نصفه المجاور لشواطئ الخليج الفارسي ~~كان موطنا ومهادا للأمم الأولى التي استقرت بهذه الديار، وقد كان هذا القطر سهلا ~~فسيحا مستويا، ليس مضرسا بالارتفاعات والانخفاضات، ولم يكن الفرات محصورا حصرا ~~جيدا بين شاطئيه؛ فلذلك كان يتفرع ذات اليمين وذات الشمال، وبعض هذه الفروع تنصب ~~في دجلة، وبعضها يجري إلى البطائح. وكان قسم من الأرض محروما من المياه، فأخذ في ~~التصلب والجمود من تأثير أشعة الشمس المحرقة عليه في كل يوم، وقسم آخر قد انهالت ~~رمال البيداء عليه كله تقريبا، وتراكمت فوقه، وتراكبت، وأما بقية القطر فما كانت ~~إلا كبحيرة مستنقعة موبئة مشحونة بالغاب الهائل الذي كان يختلف طوله بين اثني عشر ~~وخمسة عشر قدما، وكان إقليم هذه البلاد ولا يزال عرضة لتغيرات جوية مخيفة، ففي ~~الشتاء تهب عليه رياح الشمال، ورياح الشمال الشرقي بعد أن تمر على نجاد أرمينية، ~~وإيران التي تعلوها الثلوج؛ فلذلك تكون درجة الحرارة فيها منخفضة جدا، ويحصل ~~الجليد في شهر يناير، وتتغطى المياه الراكدة في صباح كل يوم بطبقة رقيقة من الثلج ~~تذوب عند طلوع الشمس، ومتى جاء الصيف حل بها الحر الشديد؛ فتهب الريح الجنوبية ~~الغربية آتية من بلاد العرب فيضطر ساكنيها إلى الالتجاء عند منتصف النهار في حجرات ~~مظلمة، أو في أقبية وأنفقة وسراديب تحت الأرض، وليست هذه الأراضي غير متوفرة فيها ~~أسباب الثروة، وأصول الرزق الطبيعية. نعم إن أشجارها النافعة قليلة؛ إذ يندر فيها ~~شجر الكرم، والتين، والزيتون، ولكن القمح ينبت فيها على حالته البرية، وأشجار ~~النخيل تزهو فيها وتبسق كما تصلح بأرض مصر. قال هيرودوت ما تأتي ترجمته: # إن أرضها موافقة كل الموافقة لزراعة الحبوب بحيث إن محصولها يكون في العادة بمعدل ~~مائتي حبة عن كل واحدة، بل ثلاثمائة في الأرض البالغة في الخصوبة، ويبلغ عرض ورقة ~~القمح والشعير فيها أربعة أصابع، وأما الأذرة والسمسم فإنهما يعظمان فيها حتى يصيرا ~~كالأشجار، وإني أتحاشى الكلام على مقدار ms056 ارتفاعهما لعلمي بأن قولي لا يقابل إلا ~~بالريب، وعدم التصديق عند من لم يسكنوا أرض بابل. ولا يستعمل زيت الزيتون هنالك قط، ~~بل إنهم يصطنعون زيتا من السمسم. # وقال إسترابون ما تعريبه: # إن النخل يقوم بسائر الاحتياجات التي تلزم للأهالي، فإنهم يستخرجون منه ~~شبه الخبز والنبيذ، والخل والعسل والحلوى، وجميع أجناس المنسوجات، ~~والحدادون يستعملون نواه في الحريق بدلا من الفحم، وقد يستعملون هذا النوى ~~أيضا في التغذية وتسمين الأثوار والضأن بعد دقه ونقعه، ويقال: إن في ~~الفارسية قصيدة تتضمن ثلاثمائة وستين طريقة لاستعمال النخيل. ~~(4) حيوانات كلديا # كان عند قدماء الكلدانيين ما عند قدماء المصريين من الحيوانات الأهلية المستخدمة ~~وهي؛ الثور والحمار والضأن والمعز والخنزير، وأما الجمل والفرس فقد أتياهم قبل أن ~~يدخلا مصر. وكانت الطيور عندهم بكثرة وافرة خصوصا المائي منها مثل البط والأوز ~~وطير الرخم، وكانت الأنهار والبرك مشحونة بسمك صالح للأكل مثل البوري والبني، وما ~~زال السمك الطري والمملح له دخل عظيم إلى الآن في تغذية السكان المحدثين بهذه ~~البلدان. وأما الحيوانات الوحشية فربما كانت أكثر من الحيوانات المستأنسة، فكان ~~الأسد وكثير من الوحوش التي من فصيلة السينور تتردد على شواطئ النهيرات. وأما ~~الفراء وهي الحمر الوحشية فكانت تجوب أرض الجزيرة عرجلة عرجلة؛ أي جماعات جماعات. ~~وقد كان الثور الوحشي في جميع أنحائها. والظاهر أن الفيل نفسه قد أقام في الخطط ~~والبلاد المجاورة لبر الشام. ~~(5) تكوين عيلام وكلديا # ومجمل القول أن البقعة البطائحية التي تمتد من هضبة بلاد إيران في حدود مصبي ~~الفرات ودجلة؛ كانت معدة مثل الدلتا في مصر لأن تكون مهدا لحضارة فائقة ومدنية ~~عظيمة كاملة. ولما توالى عليها الزمان تكون فيها دولتان متمايزتان. # فالأولى هي دولة عيلام؛ تألفت من المدائن والقبائل الواقعة شرقي دجلة، وقد ~~يسمونها دولة شوشية باسم أهل مدائنها (مدينة شوشة). # وأما الثانية؛ فقد تألفت من المدن والعشائر المستوطنة غربي دجلة، وسموها في ~~العادة بدولة كلديا، وسأحفظ لها هذا الاسم وأجعله علما عليها، ولو أنه غير صحيح، ~~ولا ينطبق عليها فيما يختص بالعصور ms057 السابقة على القرن الثامن قبل الميلاد. وكان ~~أهلوها يقسمونها إلى قسمين عظيمين وهما؛ قسم شومير وقسم أكاد، وكما أن الفراعنة ~~كانوا يلقبون أنفسهم بأسياد الإقليمين وملوك القطرين القبلي والبحري؛ كان ملوك ~~الكلدانيين كذلك يحبون أن يدعون بملوك شومير وأكاد. # خلاصة ما تقدم ~~(1) # أرض كلديا هي كبلاد مصر في كونها هبة من هبات المياه، ولكنها تكونت ~~من نهرين هما دجلة والفرات، وهذان النهران يخرجان في بلاد أرمنية من ~~جبل نيفاتس، ثم يتحدان قبل أن ينصبا في الخليج الفارسي بقليل، ~~فيصيران نهرا واحدا يعرف بشط العرب، ويستمد الفرات في سيره بمياه ~~نهر الخابور وبليخ، وأما دجلة فيستمد بنهري الزاب ونهر أدهم ونهر ~~ديالى. ~~(2) # وجميع القسم الأسفل من حوض هذين النهرين أحدث في التكوين من القسم ~~العلوي، فقد كان الخليج الفارسي في العصر الذي يبتدئ فيه تاريخ كلديا ~~داخلا في الأراضي زيادة عما هو عليه الآن بأربعين مرحلة، وما كان دجلة ~~والفرات يختلطان ببعضهما في ذاك العهد. ~~(3) # وقد كان قسم من هذه الأراضي تغمره مياه الفيضان فتجعله بطائح، وقسم ~~آخر محروما منها فلم يكن صالحا للزراعة، وكان الإقليم ولا يزال إلى ~~الآن عرضة للتغيير الكثير ، وليس في هذه البلاد غابات كثيرة بل هي ~~شبيهة بمصر في توفر النخيل وكثرته بها، وينبت فيها القمح وغيره من ~~الحبوب بما يأتي بالمحصول الزائد والخير العميم. ~~(4) # الحيوانات الأهلية المستخدمة في هذه البلاد هي نفس المعروفة في مصر؛ ~~وهي الثور والحمار والضأن والمعز والخنزير، وقد عرف أهلها الفرس والجمل ~~قبل أن يعرفهما المصريون. ~~(5) # قد نشأت دولتان في هذا الوادي المستعد استعدادا تاما لأن يكون ~~مهدا لحضارة فائقة، فتكونت الدولة الأولى من جملة دول صغيرة على شرقي ~~دجلة وهي مملكة عيلام، وكانت قاعدتها مدينة شوشة. وأما الممالك الصغيرة ~~الأخرى الواقعة على غربي دجلة، فقد تألفت منها الدولة الثانية التي ~~اصطلح الناس واعتادوا على تسميتها كلديا، وهي مؤلفة من قطر شومير وقطر ~~أكاد. # لا يقال الدجلة بأداة التعريف «ال» كما لا يقال فرات بدونها، بل الفرات. ~~وأغلب كتاب العرب يؤنثون ms058 «دجلة» باعتبار اللفظ، ويذكرونه باعتبار ~~النهر. ورد ذكره في الكتاب المقدس وسمي بالسريع، وكان الماديون يسمونه ~~دجل؛ أي السهم؛ لسرعة سيره، وسماه العبرانيون الداجل؛ أي السريع، ثم قالوا ~~أدجل ثم دجلة، وسماه الرومان دجليتوس، وحرفه اليونان إلى تجرس وتابعهم ~~الإفرنج في تسميته تيجر # Tigre # وربما كان ~~اسمه العربي مشتقا من دجل الأرض بمعنى قطعها سيرا أو غطاها «بفيضانه»، ~~ولكن الأرجح أنه معرب عن الاسم المادي أو العبراني، ويعرف اليوم عند ~~الأتراك وفي خرائطهم باسم الشط. # صامسات في الخريطة التركية. # يخلط بعض الكتاب والمشتغلين بالجغرافيا فيسمون هذه البقعة الواسعة ~~بجزيرة ابن عمرو، والحقيقة أن هذا الاسم يدل على مدينة صغيرة فقط، وأما هذه ~~البقعة فتسمى بأرض الجزيرة أو بالجزيرة فقط. # الباب العاشر # أصل الكلدانيين والكلام على أيامهم الأولى ~~(1) روايات الكلدانيين عن الخليقة # قالوا «لما كان هذا الشيء الذي فوقنا لا يسمى سماء، ولما كان هذا الذي تحت ~~أقدامنا لا يسمى أرضا» نتجت كائنات وهمية وأشخاص خيالية من الهاوية والبحر والمحيط ~~الدائم، ولا زالت صور هذه الكائنات والأشخاص باقية على الآثار القديمة، ونتج أيضا ~~«مقاتلون لهم أجساد كأجساد الطيور ورجال لهم وجوه كوجوه الغربان» وأثوار لها رءوس ~~بشرية وكلاب لها أربعة أجساد وذنب كذنب الأسماك، وكان الإنسان على الشكل الذي نعهده ~~وهذه الصورة التي نراه عليها، يعيش عريان أعزل فيما بين هذه الوحوش وهذه المسوخ، ~~إلى أن خرج من الخليج الفارسي حيوان اسمه أوانس ليعلمه ويهذبه، وكان لهذا ~~الحيوان جثة سمك ورأس وصوت يشابهان رأس الإنسان وصوته، وله أرجل كأرجله ولكنها تخرج ~~من ذنبه الذي هو ذنب سمك. # وكان يقضي نهاره في تعليم الكلدانيين فنون الأدب وضروب العلوم وصنوف الصنائع ~~وأصول الشرائع ومبادئ الهندسة وأوقات الزراعة وأيام الحصيد؛ حتى إذا غربت الشمس آوى ~~إلى البحر فغطس فيه وأمضى الليل تحت لجة الماء «ومن عهده إلى الآن لم يخترع شيء ~~فائق.» ~~(2) الطوفان # ثم تكاثر الناس وازداد عددهم واختاروا لهم سيدا منهم، وأول من تقلد الملك كان ~~اسمه الوروس؛ وهو من مدينة بابل، ثم ms059 خلفه تسعة ملوك آخرين، وأصلهم كلهم من مدائن ~~الكلدانيين، وكانت مدة حكم الجميع ثنتين وثلاثين سنة وأربعمائة سنة، وفي أثناء ذلك ~~استولى الشر على الإنسان حتى صمم الآلهة على إعدامه من هذا الوجود، إلا الملك الذي ~~كان حاكما في ذلك الزمان واسمه شيسوتروس ونفرا قليلا من المؤمنين الصالحين، فقال ~~له الآلهة «اصنع فلكا عظيما لك ولأتباعك لأننا سنعدم بذرة الحياة» فأطاعهم الملك ~~حتى إذا تم الفلك سمع الناس صوت هاتف يقول «عند المساء تمطر السماء الهلاك ~~والإعدام، فادخل الفلك واقفل بابه.» # ولما كان صباح اليوم الثاني «هبت المؤتفكات وعصفت الزوابع حتى ملأت السماء وطغت ~~المياه وتلاشى ضوء النهار في الظلمات، فكان الأخ لا يرى أخاه وصار الناس لا يعرف ~~بعضهم بعضا؛ حتى خشي الآلهة أنفسهم أن يعم الطوفان السماء، فصعدوا إلى الجلد ~~الأعلى ليكونوا آمنين مطمئنين، وما زالت العواصف والقواصف والزوابع والزعازع ~~متوالية بلا انقطاع مدة ستة أيام وسبع ليال، وعند فجر اليوم السابع انقطعت الأمطار ~~وسكنت الرياح بعد أن طغت واشتدت، مثل الجيش القوي العظيم، ثم هبطت مياه البحر وسكنت ~~الرياح والعواصف.» # قال شيسوتروس: «فجبت البحر أنوح وأنتحب؛ لأن بني الإنسان رجعوا كلهم إلى الطين، ~~وكانت أشلاؤهم طافية حولي كأنها أعجاز نخل خاوية، ففتحت النافذة، فلما أبصرت الضوء ~~انقبض صدري وتولاني الحزن والكآبة، فجلست أبكي، وكانت الدموع تسيل على خدي.» واستوى ~~الفلك على قلة الجبال الجوردية، فتربص شيسوتروس ستة أيام، ثم أطلق حمامة فحومت، ~~ولم تجد محلا تقف عليه فرجعت، وعاد طير الخطاف مثلها إلى السفينة، وأطلق غرابا ~~بعد الخطاف فرأى جيفا على وجه الماء فأكل منها ثم عام وهام بعيدا ولم يرجع، ~~وحينئذ أخلى شيسوتروس سبيل الحيوانات، وبنى محرابا على قلة الجبل وقدم القربان ~~للآلهة، وقد رضي بعل أعظم الآلهة بأن الناس الذين نجوا بالفلك يبقون على قيد ~~الحياة، وأنه لن يرسل الطوفان عليهم مرة ثانية. ~~(3) أقدم الدول التي ظهرت بكلديا # تلك هي القصة التي يرويها الكلدانيون عن القرون الأولى لخلق العالم، ويتضح من ~~أقدم الآثار التي تركوها ms060 لنا (وهي معاصرة لأكبر أهرام مصر؛ أي قبل المسيح بأربعة ~~آلاف سنة) أن كلديا والبلاد المحيطة بها كانت قد بلغت درجة عظيمة ومقاما ساميا من ~~الحضارة والمدنية. # وكان التمدن ضاربا أطنابه ورافعا أعلامه في طائفتين من المدائن الأولى، واقعة ~~بالقرب من مصب الفرات وهي ايريدو وأروك ولارسام (لرسن) ولاجاش (لكح) وحاضرتها مدينة ~~أورو (أور الكلدانيين) على الشاطئ الأيمن لنهر الفرات، وهذه المدينة كانت قائمة على ~~سهل مطمئن تتخلله كثبان من الرمال وفي وسطها معبد للإله سين، الذي هو القمر وله ~~ثلاث طبقات مشيدة من الآجر المطلي بالقار، وحول المدينة من جميع جهاتها قبور قد ~~اكتشف السياح على ما فيها؛ فوسعوا نطاق المعارف بما وجدوه بها من الآثار والمخلفات، ~~وهذه البلاد هي التي تسمى بقطر شومير. أما بلاد أكاد فكانت واقعة إلى شماليها ~~قليلا حيث لا يفصل بين دجلة والفرات إلا شبه برزخ ضيق ومدائنها هي نيبتور ~~وبورسيبتا وكوتا وسيبتارا، وأخصها ببابل. # وكان لكل مدينة من هذه المدائن ملوك خاصون بها وعائلات ملوكية من أهاليها، وكان ~~بعض هذه العائلات تارة تابعة لمجاوريها أو متبوعة بها؛ أي إنها إما أن تقع تحت ~~سلطتها أو يكون لها السيادة عليها. وقد جاء في التاريخ الخرافي ذكر لبعضهم كالملك ~~جيلجامس، فإنه جاب البلاد وقتل الوحوش والمسوخ ونازع الآلهة وقاومهم، وأما التاريخ ~~الحقيقي فينبئنا عن بعضهم بما أبقوه من الآثار فأقدمهم وهو «أورباو»، كان له سلطان ~~حقيقي على القطر، وتوجد بقايا بناياته وعماراته في أغلب مدائن الكلدانيين؛ ومنهم ~~ملوك آخرون لم يحكموا إلا على كورة أو كورتين متجاورتين مثل الملك جوريا صاحب ~~لاجاش، وتماثيله تزدان بها الآن أروقة متحف اللوفر في باريس. # وكان الرجحان لمدائن الجنوب في أول الأمر ثم زالت سيادتها شيئا فشيئا أمام ~~مدائن الشمال، وفي نحو سنة 3700ق.م كانت السلطة في يد عائلة من آجاني ومن ملوك هذه ~~العائلة سرجون؛ وهو على ما يظهر من كبار المتشرعين وعظماء الفاتحين. ويروى عنه أن ~~أمه تركته على شط الفرات عقيب ولادتها له، فالتقطه أحد الفلاحين ms061 وأنه اشتغل في ~~شبيبته بحرفة الخولي (أي القيام بخدمة البساتين)، وقد استولى على كلديا كلها وأرض ~~الجزيرة واخترق بلاد الشام إلى تخوم الديار المصرية، ثم إن الملوك الذين خلفوه على ~~كرسي السلطنة حافظوا على ممالكه مدة قليلة من الزمان؛ حتى جاء العيلاميون فقلبوا ~~دولته وفتحوا كلديا. ~~(4) حكم ملوك عيلام # تبتدئ عيلام من شطوط دجلة بسهل جميل خصيب تكون من طمي الأنهار، وهي في الخصب ~~شبيهة بكلديا نفسها حتى إن الحبة الواحدة من الشعير والقمح تأتي فيها بمائة حبة بل ~~بمائتين، كما هو الشأن في كلديا، وكذلك النخيل والعجمات والرقال # 1 # تنبت فيها بكثرة، وخصوصا فيما جاور المدن، وتوجد فيها أيضا أشجار ~~الأقاقيا (أنواع السنط) والجوز والصفصاف على مجاري المياه والأنهار، ثم ترتفع الأرض ~~قليلا حتى تبلغ هضبة بلاد الماديينن ويصير الإقليم أشد بردا والأرض أقل ~~خصوبة. # وكان ملوك عيلام قد بنوا مدينة شوشة حاضرتهم على تخوم السهل الفسيح على مسافة ~~ثمان مراحل أو عشر من الجبال، وعند ملتقى فرعي نهر خواسيس، وكانت القلعة والقصر ~~مبنيين على منحدر تل يشرف من بعيد على السهل، وفي أسفله ترى المدينة نحو الشرق وهي ~~مبنية من لبن مجفف في الشمس، وكانت عيلام أشبه بدولة إخاذية منقسمة إلى جملة ~~ممالك صغيرة مستقلة عن بعضها، ولكنها مجتمعة كلها في العادة تحت سيطرة ملك شوشة. ~~وكانت لغة عيلام تختلف عن اللهجات السامية، ولم يكن هناك ارتباط بين ديانتها وديانة ~~الكلدانيين، وفيما عدا ذلك كانت أخلاق العيلاميين وصنائعهم وشرائعهم لها مشابهة ~~قوية بما للكلدانيين. # وكان العيلاميون منذ الأحقاب الخوالي في جلاد مستديم وجهاد متوال مع الأمم ~~المجاورة لهم ويتضح لنا من الروايات الخاصة بجيلجامس أنهم تملكوا على مدينة أريدو ~~والمدائن الأخرى الواقعة على الفرات الأسفل، وقد هزمهم سرجون الأول ولكنهم هزموا ~~خلفاءه، وافتتح أحد ملوكهم واسمه «كودورناخونتا» بلاد كلديا كلها في حدود سنة ~~2300ق.م وانتزع صور الآلهة البابلية ووضعها في معبد شوشة علامة على الفوز ~~والانتصار. وقد حفظت ذريته السيادة على كلديا مدة أجيال كثيرة بل إنهم توغلوا ms062 في ~~فتوحاتهم إلى داخل بلاد الشام. ~~(5) الكلام على حالة بلاد كلديا في العصر الذي كانت فيه السيادة والصدارة للأمة ~~المصرية # إن تاريخ هذا العصر كله، والقرون التي جاءت بعده ليس إلا خليطا من الأقاصيص ~~والروايات عن حروب داخلية، وفتن وثورات وغارات من الأمم المتبربرة، كانت الملوك ~~والعائلات (شكل # 10-1 ~~) تقوم فيه، ثم لا تلبث أن ينمحي أثرها من ~~الوجود من غير أن تؤسس شيئا له ثبات وقرار، أو أن توجد ولو إلى أجل قليل تلك ~~الوحدة التي توصل إليها فراعنة العائلات الطيبية، وجعلوها شاملة لديار مصر كلها مدة ~~قرون عديدة، وأزمان مديدة. نعم، لا ريب في أن بابل هي أول مدينة في هذه الأقطار، ~~وأنها أكبر ما فيها من الأمصار، وآهلها بالسكان والعمار بحيث إن من كانت تدخل في ~~حوزته؛ يكون له السلطة التامة، والسيادة الظاهرة على جميع أقرانه ونظرائه، ولكن ~~سلطتها لم تكن من العظمة بحيث يمكنها أن تقاوم الأخصام والمزاحمين، وتخضع جميع ~~المدائن الأخرى إخضاعا مستمرا. ومن جهة أخرى فإن عيلام كانت فيها القوة الكافية ~~لافتتاح البلدان، ولكنها لم تكن عندها القدرة اللازمة لحفظ فتوحاتها، وتمثيل أهلها ~~بها، فإن حكمها كثيرا ما شمل بلاد كلديا، ولكنه ما تأصل فيها أبدا، ولم تتوطد ~~دعائمه بها مطلقا. # شكل 10-1: # تمثال ملك من قدماء الكلدانيين منقولا عن رسم بارز على حجر في ~~المتحف البريطاني. # ولم يكن في ذلك الوقت دولة كلدانية كما كانت دولة مصرية بل غاية الأمر أنه كان ~~يوجد تمدن كلداني راسخ أصيل لا تؤثر فيه عواقب الحروب المتوالية، بل كان مع هذا ~~يمكن أن يمتد إلى غير بلاد كلديا، ولما جاء تحوتمس الأول وخلفاؤه وجابوا بلاد الشام ~~يحف بهم العز والانتصار وضربوا الجزية على أهلها (فيما بين سنتي 1600 و1500ق.م) كان ~~الكلدانيون قد سبقوهم بأزمان طوال لهذا الفتح، وذلك ببث أخلاقهم وعاداتهم فيها، ~~وكانت آلهة بابل والمدائن الكلدانية ممتدة عبادتها إلى تخوم مصر وكان البابليون قد ~~أدخلوا صناعاتهم وفنونهم في بلاد الشام، ثم إن الكتابة الأسفينية المعبر عنها ms063 ~~أيضا بالكتابة المسمارية كانت مستعملة رسميا عند ملوك الشام بعد توفيقها على ~~لغاتهم، وكانوا يستعملونها في مراسلاتهم مع بعضهم، وفي مكاتباتهم مع الفراعنة ~~أسيادهم ومتبوعيهم بكل ما يتعلق بالعلاقات والمواصلات. # خلاصة ما تقدم ~~(1) # كانت أول المخلوقات، على قول الكلدانيين، مسوخا خيالية ظهر بينها ~~الإنسان وهو عار أعزل، فخرج الإله السمكي المدعو أوانيس من الخليج ~~الفارسي ومدن بني الإنسان. ~~(2) # وكان الملوك الأولون عشرة عدا، وقد حكموا بلاد كلديا مدة تزيد على ~~أربعمائة قرن، وفي عهد آخرهم المدعو شيسوتروس صار الناس أشرارا حتى ~~أهلكهم الآلهة بطوفان أرسلوه عليهم، ولم ينج من هذا الطوفان إلا ~~شيسوتروس ومن معه من الأتباع، بواسطة الفلك، ولما عادت المياه ~~لمجاريها تناسل منه ناس آخرون. ~~(3) # وإن أقدم الآثار الكلدانية قد صنعت تقريبا في العصر الذي بني فيه ~~أكبر أهرام مصر (في نحو سنة 4000ق.م) وكانت هذه البلاد منقسمة إلى ~~طائفتين من ممالك صغيرة لكل واحدة منهما ملك خاص بها، والظاهر أن ملوك ~~الجنوب وخصوصا ملوك أورو كان لهم في أول الأمر سيطرة على بلاد كلديا ~~كلها، ثم انتقلت السيادة إلى مدائن الشمال، وفي سنة 3700 حكم سرجون ~~البابلي على بلاد الشام لمدة قليلة من الزمان، ثم انتقل الملك من بعده ~~إلى ملوك عيلاميين. ~~(4) # وكان العيلاميون يخالفون الكلدانيين في اللغة، ولكنهم كانوا متشربين ~~بأخلاقهم، وبقيت السيادة في يدهم مدة قرون كثيرة. ~~(5) # فمن ذلك ترى أن التاريخ القديم لهذه البلاد ليس فيه ارتباط واتحاد، ~~فلم يكن هناك في الحقيقة دولة كلدانية، بل كان تمدن كلداني امتد وتشعب ~~حتى وصل إلى البحر الأبيض المتوسط، وكان هذا التمدن وحده ضاربا أطنابه ~~في بلاد آسيا الغربية حينما افتتح الفراعنة بلاد الشام. # هي أصناف من النخيل. # الباب الحادي عشر # الكلام على نينوي وذكر سرجون وخلافائه ~~(1) آشور ومدائنها # لم يكن للمدائن الواقعة على القسم الأوسط من دجلة شأن يذكر في تقدم هذه المدنية ~~ونمو هذه الحضارة، وكانت كمتعاهدة مع بعضها، وأطلق عليها من مبدأ الأمر آشور، وهي ~~واقعة على حافتي نهر دجلة من الجهة التي ms064 فيها ينصب إليه نهر كورنيب إلى المكان الذي ~~فيه يدخل دجلة في سهول كلديا، التي تكونت من طمي النهر، وكانت منفصلة من جهة الشرق ~~عن القبائل القاطنة في هضبة إيران بنهر الزاب الأكبر وأواخر أسناد الجبال الجوردية، ~~وأما من جهة الغرب والجنوب الغربي فكانت تمتد نحو نهر الخابور والفرات دون أن تكون ~~لها حدود معينة هناك، وكان القسم الشرقي منها ترويه نهيرات كثيرة وفيه كثير من ~~الفلزات والمعادن، وهي خصبة جدا تنبت القمح والفاكهة على اختلاف أنواعها، وكانت ~~تشقها في الأزمان القديمة ترع كثيرة مشتقة من دجلة ومن الأنهر التي تصب فيه، فتقوم ~~مقام الأمطار التي يندر نزولها في مدة الصيف. # وكانت نينوي وكلخ وأربلة هي المدائن الثلاثة الأصلية فيها، وهي قديمة جدا؛ إذ ~~كان تأسيسها في أول أزمان التمصير الكلداني وفي غربي النهر يمتد سهل أرض الجزيرة، ~~وليس فيه خصوبة كثيرة، كما أن الري فيه لا يجري على طريقة الانتظام؛ فلذلك كانت ~~موارد الثروة فيه أقل منها في الأول ومع ذلك كانت مدينة الآشور قائمة فيه، وهي أقدم ~~المدائن الملوكية الآشورية. ~~(2) المملكة الأولى الآشورية وذكر قصة نينوس وسميراميس # إن أقدم الملوك الآشوريين الذين وقفنا على أسمائهم لم يكونوا قبل القرن العاشر ~~قبل الميلاد، وكانوا يعيشون خاملين تابعين بعض التبعية لملوك بابل، أما خلفاؤهم فقد ~~تملكوا مع توالي الزمان على معظم الجزيرة، وحينما كان المصريون حاكمين على بلاد ~~الشام كان هؤلاء الملوك معادلين لملوك بابل ولهم مثلهم صلات ودية وعلاقات حبية مع ~~الفراعنة، ثم افتتحوا شيئا فشيئا البلاد الواقعة في الحوض الأعلى لدجلة، وانتزعوا ~~كورا وقلاعا من الكلدانيين ومن القبائل المتوطنة على سطح هضبة إيران، فكان لآشور ~~بهذه الكور وهذه القلاع مأمن من كل هجوم وعدوان، ثم في حدود سنة 1130ق.م عبر نهر ~~الفرات الملك تغلا ثفلاصر الأول وهو من كبار الفاتحين النينويين، واخترق بلاد الشام ~~الشمالية وضرب الجزية على أمم الخيثي، ولم يفعل الملوك المصريون من العائلة المتممة ~~للعشرين شيئا ما لإيقاف سيره أو لصد هجماته، ولكن خلفاءه لم ms065 يتمكنوا من حفظ ~~فتوحاته؛ فقد هزمهم الشاميون وكسرهم البابليون؛ حتى اضطروا للبقاء في أرض آشور ~~الحقيقية مدة لا تنقص عن قرنين. # ولما انتقل ذكر هذه الدولة الأولى إلى اليونان بالإبهام والخبط والاختلاط نقلوه ~~إلى حكايات عجيبة وأقاصيص خارقة للعادة. فقد حكوا أنه في مبدأ التاريخ جاء أحد ~~الرؤساء واسمه نينوس وبنى مدينة نينوي، وأحدث لنفسه في آسيا الغربية مملكة تشتمل ~~على أرض بابل وبلاد الماديين وأرمنية وجميع البقاع الكائنة بين نهر السند والبحر ~~الأبيض المتوسط، ولاقى سميراميس أثناء حصار بلخ؛ وهي ابنة رجل عادي تزوج بالإلهة ~~درسيتو فاتخذ سميراميس حليلة، له وجعلها وريثته، فلما جلست على سرير الملك ابتنت ~~بابل وجعلتها أوسع وأكبر من نينوي، وزخرفتها بالمباني العجيبة والآثار العظيمة، ثم ~~سافرت لإتمام الحروب وشن الغارات. وكانت أينما مرت تخرق الجبال وتحطم الصخور وتمهد ~~سبلا طويلة جميلة وتبتني مدنا مثل أكباتان (همذان) في بلاد الماديين وسميراموسرتا ~~في أرمنية وطرسوس في كيليكيا، ولم تخلص منها مصر واتيوبيا ولكنها لاقت في بلاد ~~الهند ما أوقف سيرها وفتوحاتها؛ فقد غلبها الملك ستارتوباتيس ورجعت إلى بابل. وإن ~~ما كان لها من البأس والمجد لم يمنع القوم من المؤامرة والكيد على حياتها، فإن ~~ابنها نينياس مالئ على قتلها، فتنازلت له عن الملك وانقلبت حمامة، فلما وقعت ~~مملكتها في أيدي ملوك كسالى ضاق نطاقها شيئا فشيئا حتى ضاعت بالكلية في وسط الفتن ~~والهيجان. ~~(3) آشورنازرهابال (من سنة 884 إلى سنة 860ق.م) والدولة الآشورية الثانية # عاود آشورنازرهابال الأعمال التي بدأ بالشروع فيها تغلا ثفلاصر الأول، فجعل كلخ ~~الواقعة على الشاطئ الأيسر لدجلة عاصمة بلاده، وقد أقام بها خلفاؤه مدة قرنين ~~متواليين، وكانوا كلهم من المجاهدين المقاتلين الذين لا يأخذهم كلال ولا ملال ولا ~~ينفكون عن ارتكاب القسوة والجفوة في محارباتهم، وهم سلمناصر الثالث (من سنة 860 إلى ~~سنة 824) وسميرامان الرابع (من سنة 824 إلى سنة 812) ورامانيراري الثالث (من سنة ~~812 إلى سنة 782ق.م). # فكانوا يخرجون من كلخ في كل سنة تقريبا لغزو بعض البلاد الواقعة على تخوم ~~مملكتهم، ms066 وكانوا لا يصح لهم أن يحاولوا توسيع ملكهم من جهة الشرق أو الشمال الشرقي ~~لأن هضبة إيران كانت وراءهم تصدهم عن التقدم، وتحف ببلادهم سلسلة جبال أرمينية؛ ~~فإنهم كانوا لا بد أن يصادفوا في هذه البقاع عناء كبيرا وربحا قليلا، فاقتصروا ~~على صرف قصارى عزيمتهم إلى إبقاء نير عبوديتهم على أعناق تلك القبائل الكثيرة ~~الحركة التي كانت تميد في أقصى تخوم وادي دجلة وجبال كردستان. نعم، إنهم كانوا ~~يتجاوزون في بعض الأحيان هذه الحدود، ولكن ذلك بقصد إجراء غزوات نحو البحر القزويني # 1 # فلم تكن ميادين قتالهم الحقيقية في هذه النواحي بل في كوماجين وفي آسيا ~~الصغرى وبابل وعيلام والشام، فقد أعدم آشورنازرهابال ما كان قد بقي من شوكة الخيثي، ~~وجالد سلمناصر ملكي دمشق بتهدد الثالث وحزايل، وظهر عليهما وأخذ الجزية من أكاب ~~ملك إسرائيل. # وقد استجمع هؤلاء الملوك الآشوريون جميع الصفات اللازمة للمقاتلين والمجاهدين ~~كأحسن ما يكون من قوة جسدية ونشاط وحذق وثبات جأش وشجاعة صادقة وبأس شديد، فكانوا ~~يجالدون بأنفسهم الأثوار الوحشية والآساد، وقد كانت كثيرة في تلك البقاع على أن هذه ~~الفضائل الجميلة كانت تحف بها كل رذيلة ورذيلة. فكان أولئك الرجال سفاكين للدماء قد ~~أشربت قلوبهم العنفوان والبهتان وانهمكوا في اللذات البهيمية، وتعمقوا في الختل ~~والخداع والغدر والخيانة، واتصفوا بالكبرياء والقساوة. فكانوا أينما ساروا يهدمون ~~المدائن ويحرقونها ويخوزقون من يعصاهم من الرؤساء أو يكشطون جلودهم وهم على قيد ~~الحياة؛ فلذلك بقوا هم وأممهم متوغلين دواما في الهمجية والتوحش مع ما كان لهم من ~~بهاء التمدن الخارجي ورونق الحضارة الظاهرية. ~~(4) تغلا ثفلاصر الثالث (من سنة 745-726ق.م) # ثم تقلص ظل دولتهم بعد الملك رامانيراري الثالث مدة قرن ونصف تقريبا، وضعفت ~~مملكتهم حتى صارت منحصرة في أراضي آشور الحقيقية؛ حتى إذا جاء تغلا ثفلاصر الثالث ~~(من سنة 745 إلى سنة 726) أعادها إلى ما كان لها من رفعة الشأن، فإنه أخذ بابل ~~ودمشق وعاث في أرض إسرائيل، ونقل أهاليها إلى بلاد آشور، وقد شرع في تخريب مملكة ~~السمرة، واقتفى أثره ms067 في ذلك ابنه سلمناصر الخامس (من سنة 726 إلى سنة 721). وتم ~~تدميرها على يد سرجون (في سنة 721ق.م) ولم يكن سرجون هذا من سلالة العائلة الملوكية ~~مثل سلفائه الذين وليهم، فأسس عائلة جديدة وصلت آشور في أيامها إلى أوج الفخار ~~ونهاية العز والاقتدار، وكان ملوك آشور إلى عهده يدركون معنى الفوز والانتصار بمثل ~~ما يدركه فراعنة العائلة الثامنة عشرة؛ أي إن النصر هو عبارة عن سلب المغلوب كما ~~يشاء الغالب، وضرب الجزية عليه، وأما بلاده فلا تدخل في حوزة المنتصر ولا تندرج ضمن ~~مملكته. أما تغلا ثفلاصر الثالث وسرجون وخلفائهما فقد كان همهم استلحاق البلاد ~~واستعمارها، فكانت الأقطار التي يرون فائدة في حفظها يخلعون العائلات الحاكمة فيها، ~~ويضعون بها جنودا من الأسارى الذين أصلهم من بلاد بعيدة، ثم يعهدون بحكومتها إلى ~~بعض من قواد الآشوريين، ويلزمون أهاليها بالخدمة العسكرية بحيث يجندون منهم في كل ~~عام عددا معينا من الشبان، وكانت المدائن تدفع ضريبة معلومة من المحصولات ومن ~~المعادن. ~~(5) السرجونيون (721-606ق.م) # حكم سرجون مدة ست عشرة سنة قضى معظمها في حرب تكاد تكون واحدة، امتدت في أرمينية ~~حيث قاومه الملك أورسا مقاومة عنيفة، وفي مادي والشام؛ حيث أخضع ممالك الخيثي ~~وجعلها عمالات تابعة لمملكته، وفي فينيقية ويهوذا، حيث ردع الملك حزقيا عن الطموح ~~إلى الجهاد والقتال. وقد أراد الملك سباقون الأتيوبي بعد تملكه على مصر أن يتداخل ~~في أمور الفلسطينيين، فكسر سرجون جنوده في رافيا سنة 720. وكانت بلاد بابل أهم ~~النقط التي تولى فيها الحرب والكفاح، وقد ظهرت في الوجود أمة جديدة هي أمة ~~الكلدانيين؛ تألفت من اجتماع القبائل الآرامية القاطنة على مصاب نهر دجلة والفرات، ~~وجعلوا لهم سيطرة على المدائن القديمة، بل إن أحد ملوكهم وهو ميروداخيالادان نجح في ~~الاستيلاء على بابل، وكانت هذه الأمة ذات عزيمة وصلابة؛ جمعت بين الفضائل والرذائل ~~التي امتازت بها في القدم أمم دجلة والفرات، وقد أوقع تغلا ثفلاصر بملكهم ~~ميروداخيالادان (في سنة 732) ثم هزمه سرجون، مع أن عيلام كانت تساعده وتعاضده، ~~فاضطر لأن يلتجئ ms068 إلى البطائح ويحتمي فيها. وحكم سرجون في بابل إلى أن أدركته المنية ~~في سنة 705. # وقد حارب خليفته سنحاريب (من سنة 705 إلى سنة 681ق.م) أخصامه الذين أتينا على ~~ذكرهم، فانتصر في أول الأمر على ميروداخبالادان (في سنة 703)، وعلى المصريين (في ~~سنة 702)، ولكنه لم يقيض له الظفر بحزقيا، بل اضطر للعدول عن إخضاع مملكة يهوذا ~~بعد أن خسر فيها جيشا بكيفية لا يعلم كنهها، ولا تعرف حقيقتها (في سنة 701) كما ~~سبق لنا ذكرها، وبقيت مدة حكمه يتوالى فيها الجلاد مع ملوك عيلام وكلديا، وكانت ~~نهاية ذلك الاستيلاء على بابل ونهبها. أما ولده أشرحدون (آشر أخي الدين) (من سنة ~~681 إلى سنة 668) فقد ظهر على العرب، وأخذ مصر من يد طهراق الأتيوبي (في سنة 272)، ~~وأما حفيده آشوربانيبال (من سنة 668 إلى سنة 625) فقد خرجت مصر من يده، ولكنه انتصر ~~على عيلام بعد أن احتدمت نيران القتال مدة عشرين سنة من الزمان (شكل # 11-1 ~~) على أن جميع هذه الانتصارات أنهكت بلاد آشور، وأضعفت قوتها ~~بدلا من أن تأتيها بالفائدة، فقد اتسع نطاقها بالسرعة لما كانت أخصامها عبارة عن ~~قبائل هي بين الهمجية والمدنية، أو ممالك لا قوام لها ولا منعة فيها، وذلك في بلاد ~~الشام وفلسطين وكلديا، ولكنها صارت من عهد سرجون واقفة بإزاء ممالك منتظمة تنظيما ~~يشابه تنظيمها في الثبات ورسوخ القدم، وتوطيد الدعائم، وقادرة على مقاومتها، بل ~~وعلى هزيمتها والانتصار عليها، فإن أرمينية ومصر وعيلام أوقفت سير كتائبها، وجعلت ~~بينها وبين بقية العالم حجابا منيعا لم تتمكن قط من النفوذ منه، نعم إن سرجون ~~وخلفاءه قد فازوا على ملوك هذه الدول الثلاث، ولكن ظفرهم كان وقتيا يمحوه في ~~الغالب ما يحل بهم من الهزيمة والمصائب، وقد طردوا من مصر، ومن أرمينية، ونفذت ~~قواهم بسبب انتصارهم في عيلام. # شكل 11-1: # آشوربانيبال - نقلا عن رسم بارز على حجر في المتحف ~~البريطاني. # خلاصة ما تقدم ~~(1) # إن بلاد آشور واقعة على ضفتي دجلة، والقسم الشرقي منها متوفرة فيه ~~الثروة والري، وفيها ثلاث مدائن قديمة جدا ms069 وهي؛ نينوي وكلخ وأربله ~~أما الكور الغربية فهي فقيرة قليلة الخصب، وقصبتها الآشور وهي أقدم ~~المدائن الملوكية الآشورية. ~~(2) # كان أقدم ملوك آشور تابعين لكلديا ثم استقلوا مع توالي الزمان ومدوا ~~سلطانهم على بلاد الجزيرة كلها، ولما جاء تغلا ثفلاصر الأول (في حدود ~~سنة 1130) أخضع بلاد الشام الشمالية وجزأ من البلاد الجبلية التي ~~يخرج منها الفرات ولكن خلفاءه لم يتمكنوا من حفظ فتوحاته؛ فسقطت آشور ~~مدة قرنين في مهواة العجز والانكسار. وقد حول اليونان تاريخ هذه ~~الدولة الأولى الذي فيه اختلاط واختباط إلى أقاصيص وخرافات يدور الكلام ~~على نينوس وسميراميس. ~~(3) # ثم عادت الشوكة لآشور على يد ملكين مقاتلين مغازيين هما؛ ~~آشورنازرهابال (من سنة 884 إلى سنة 860) وسلمناصر الثالث (من سنة 860 ~~إلى سنة 824) وكان في مجالداتهم مع ملوك دمشق توطئة وتمهيد إلى إذلال ~~الشام واستعباد أهاليها. ~~(4) # ولكن ضعف خلفائه أوجب تأخير ذلك مدة قرن ونصف، فلما جاء تغلا ثفلاصر ~~الثالث (من سنة 745 إلى سنة 726) وسرجون (من سنة 721 إلى سنة 704) تمما ~~هذا الاستعباد وتملكا على تلك البلاد. ~~(5) # وقد وصلت شوكة نينوي إلى منتهاها في عهد خلفائه، وهم سنحاريب (من سنة ~~704 إلى سنة 681) وأشرحدون (آشور أخي الدين) (من سنة 681 إلى سنة 668) ~~وآشوربانيبال (من سنة 668 إلى سنة 625) وأخضع سنحاريب كلديا واستولى ~~آشور أخي الدين على مصر وآشوربانيبال على عيلام، ولكن هذه الحروب ~~المتوالية هدت قوى مملكة آشور وعجلت بخرابها. # يعرف أيضا بالبحر القزبيني، وببحر الخزر، وببحر الكسب. # الباب الثاني عشر # ذكر نابوكودونوزور وخراب بابل ~~(1) تأسيس المملكة الكلدانية (في سنة 625) وخراب نينوي (في سنة 606) وذكر ~~نابوبولاصر # كانت كلديا أول من انتفع من ضعف الملوك الآشوريين؛ فإنها كانت جزءا من مملكتهم ~~منذ أيام سنحاريب، وقد حكم آشور أخي الدين وآشوربانيبال على بابل وعلى نينوي ~~بالسواء، فلما مات آشوربانيبال في سنة 626 خلفه في الملك ولده سراقوس ~~(آشوريتيليلاني) ولكنه لم يتمتع به زمنا طويلا؛ إذ قامت دولة قوية فجأة بجانب ~~آشور على هضبة إيران وهي مملكة الماديين. # واغتنم رئيسها فراورتس فرصة حدوث ms070 الفتن التي تحصل عادة في الممالك الشرقية عقيب ~~تغيير الملك، فنزل في حوض دجلة وزحف على نينوي فارتجت لذلك كلديا وقام بها الهيجان، ~~فأرسل سراقوس على الثائرين جيشا عرمرما تحت إمرة أحد قواده وهو نابوبولاصر، فوضع ~~هذا يده على مملكة بابل واستبد بها، وجعل نفسه ملكا عليها، وانضم إلى الماديين ~~وأعلن الحرب على ملكه القديم (سنة 625) فنجت نينوي هذه المرة من الخراب؛ بسبب قدوم ~~عشيرة رحالة نزالة من قوم السيتين (السكيثيين) أتت إليها بغتة فهزمت جيش الماديين ~~وأبادته. # ولكن آشور خربت كلها وأحرقت أغلب مدائنها الملوكية؛ مثل كلخ والآشور، أو نهبت ~~نهبا ليس بعده نهب. وبقيت نينوي بعد ذلك عشرين سنة أيضا وهي في الحضيض، ثم ما ~~لبثت أن سقطت في يد أمم تحالفوا عليها، وطالما كانت وضعت قدمها فوق هامهم فإنه ~~بينما كان نخاو يجد في انتزاع بلاد الشام منها (سنة 608) كان الماديون والبابليون ~~محاصرين لها فدافعت دفاع الأبطال، ولم تسقط إلا بعد أن استمر الحصار ثلاث سنين، ~~وكان سقوطها في سنة 606. # وقد تقاسم الظافرون أراضيها وقام على أطلالها مملكتان كبيرتان وهما؛ مملكة ~~الماديين ومملكة الكلدانيين، فأخذ سياكسار بلاد آشور الحقيقية وملحقاتها، وأما ~~نابوبولاصر فقد جمع إلى ملكه على بابل سيادته على أرض الجزيرة والشام وفلسطين، بل ~~قد زعم أنه يمد حدود ملكه إلى ما وراء برزخ السويس، واعتبر ملوك مصر تابعين لكلديا ~~لأنهم كانوا تابعين لنينوي بضعة أعوام. ~~(2) واقعة كركميش في سنة 605 # فبعد أن تغلب على آشور كان أول همه استرجاع الأقاليم الشامية التي كان نخاو قد ~~افتتحها منذ قليل، فجرد الكتائب وحشد الجيوش وأرسلها مع ولده نابوكومونوزور # 1 # ولم يذهب بها هو لأنه كان متوغلا في الشيخوخة، فلا يستطيع مباشرة ~~القتال، وقد حصلت الموقعة في كركميش على التخوم قريبا من الفرات، وانهزم المصريون ~~شر هزيمة فخسروا الشام كلها من جبال طوروس إلى حدود بلاد العرب الحجرية. وقد تقدم ~~نابوكودونوزور في فتوحاته وانتصاراته فوصل إلى مدينة الفرما، وبينما كان على أهبة ~~الدخول في أراضي الدلتا وإذا بنعي ms071 أبيه قد جاءه، فثبت مكانه وعقد محالفة مع نخاو ~~خشية من أن يظهر ببلاد كلديا مناظر له يطالب بالملك، ثم عجل بالرجوع إلى بابل عن ~~طريق الصحراء، وكان أمناء الديانة قد تولوا الأعمال وإدارة البلاد بالنيابة عنه؛ ~~بحيث لم يكن عليه إلا أن يظهر في عاصمة بلاده ليبايعه الناس وينادوا به ملكا ~~مطاعا نافذ الأمر. ~~(3) فتوحات نابوكودنوزور # هذا الرجل هو بطل المملكة الكلدانية، والملك الوحيد الذي يصح أن تتباهى به بلاد ~~كلديا وتجعله بإزاء الفاتحين الكبار من ملوك مصر وآشور وفارس ولولاه لم يكن لبابل ~~في التاريخ ذكر إلا بالعلم والزخرف والصناعة، ولكنها اشتهرت بسببه في جميع أنحاء ~~المشرق بما حازه من الانتصار وما ناله من الشوكة والاقتدار، وقد حافظ على السلم ~~دواما، ومع الملوك الماديين سياكسار واستياج، ولكنه جالد الفينيقيين واليهود ~~المصريين مجالدات طويلة. # وكان له من هذه الجهة مشابهة بما ناله ملوك آشور من قبله بقرن تقريبا، وقد علم ~~الاختبار الفراعنة أن امتلاك منف وطيبة هو الغاية القصوى والغرض الوحيد الذي تطمح ~~إليه أبصار الفاتحين من أهل آسيا، فإن «نابوكودونوزور» لما استولى على بلاد الشام ~~كان يخشى منه دواما على مصر، كما كانت الحال مع سرجون وسنحاريب وآشوربانيبال؛ ~~فلذلك كان من الواجب على ملوك العائلة السادسة والعشرين أن يفعلوا كما فعل الملوك ~~الأتيوبيون الذين سبقوهم؛ فيعملوا على معاكسة الكلدانيين بأن يوغروا عليهم صدور أهل ~~فينيقية ويهوذا وجميع الممالك الصغيرة التي ما زالت باقية إلى هذا العهد، ويثيروا ~~فيهم روح البغض للكلدانيين ومجاهرتهم لهم به مجاهرة قليلة أو كثيرة، فلم ينفك نخاو ~~(من سنة 605 إلى سنة 595) وإيريس (من سنة 589 إلى سنة 569) عن تقوية عزائم ملوك ~~يهوذا وصور وموآب بالدسائس والدراهم؛ بل كانا في بعض الأحيان يعدانهم بأنهما يعززان ~~جانبهم بالقوة والاقتدار ولكنهما لم ينجحا في منع سقوط أورشليم (سنة 589). ونفى قسم ~~من اليهود على أن صور دفعت جميع هجمات الكلدانيين مع محاصرتهم لها مدة ثلاث عشرة ~~سنة واعترفت فينيقية كلها بسيادة الفرعون إيريس مدة من الزمان (في ms072 حدود سنة ~~572). # نعم، إن أماسيس ما لبث أن فقد كل ما فتحه سلفه (في سنة 568 تقريبا) ولكنه عرف ~~كيف يحافظ على مملكته ويجعلها في مأمن من هجوم الأعداء، وخلاصة القول أن ~~نابوكودونوزور لم ينجح في توسيع نطاق سلطانه مثل ما اتصل إليه من قبله آشور أخي ~~الدين أو آشوربانيبال مثلا، وقد حالت بلاد مادي في الشمال ومصر في الجنوب الغربي ~~دون امتداد دولته على أن هذه المملكة الضيقة تدل أحسن من الدول الآشورية على ما ~~نعنيه نحن اليوم بدولة عظيمة؛ فإن إدارة الأحكام فيها كانت بحسب الطريقة التي ~~اتبعها تغلا ثفلاصر الثالث وسرجون قبل ذلك بأقل من قرن ونصف؛ أي إن شئون الحكومة ~~تكون مباشرة في يد بعض قواد الفاتح المنتصر، وفضلا عن ذلك فإن هذه الطريقة صارت ~~عامة وواضحة في جميع أنحاء الدولة أكثر مما في السابق. نعم إن جماعة من الأمراء ~~الأخاذيين كانوا لا يزالون في أراضي كلديا، وكان كثير من المدائن أو القبائل حافظة ~~لعائلاتها الملوكية ونظاماتها الدستورية، ولكن أغلب البلدان المفتتحة كانت عمالات ~~حقيقية تحتلها الجنود، ويدير شئونها حكام يرسلون إليها من بابل. ~~(4) أعمال نابوكودونوزور # بقي هذا الملك مشهورا في تاريخ الأزمان القديمة ببناياته العظيمة بقدر ما ذاع ~~صيته بحروبه وانتصاراته، فإن بابل كانت لاقت شدائد وأهوالا من الآشوريين في القرن ~~الذي سقطت بعده نينوي؛ وذلك لأن سنحاريب أمر بنهبها، وكذلك آشوربانيبال من بعده، ~~وذلك بصرف النظر عن الحصار، والسلب الجزئي اللذين قاستهما أثناء الفتن المستديمة، ~~فاستعمل نابوكودونوزور في ترميمها الأسارى العديدين الذين أسرهم في حروبه؛ حتى ~~جعلها من أفخر مدائن الدنيا بأسرها (شكل # 12-1 ~~)، فكان في وسط ~~المدينة البرج الهائل ذو الطباق السبع المعروف باسم زجورات المخصص للإله بعل، وفوقه ~~تمثال هذا الإله، وهو من الذهب الإبريز، وارتفاعه أربعون قدما، ويرتقي إليه ~~الإنسان على سلم يذهب في استدارة والتفاف. # شكل 12-1: # الرابية التي وراءها أطلال بابل - مأخوذ هذا المنظر من على ~~شواطئ الفرات. # وقد اشتهر القصر الملوكي (الذي كمل تشييده في خمسين يوما على ms073 ما يقال) ببساتينه ~~المعلقة، إذ كانت نساء القصر يتنزهن فيه وهن سافرات الوجوه فلا تقع عليهن أنظار ~~الأجانب عنهن. # وفي أثناء ذلك تم إصلاح الترع التي كانت تصل دجلة بالفرات، وتأتي بمياههما إلى ~~وسط المدينة، ورممت الجوابي (الحيضان والصهاريج الواسعة) التي كان ملوك العائلات ~~القديمة يجرون إليها مياه الفيضان السنوي ويخزنونها بها، وبنيت القنطرة التي توصل ~~بين نصفي المدينة الكائنين على ضفتي النهر، واستعمل مهندسو ذلك الأوان كل ما لديهم ~~من الوسائل والوسائط لحفظ المدينة ووقايتها من هجمات العدو فأحاطوها بسور مزدوج؛ ~~جعلوا فيه مائة باب لكل واحد مصراعان من الشبهان وكان من عظم سمك هذا السور أنه ~~يتيسر لعربتين أن تجريا متحاذيتين على قمته، وقد عم التحسين النواحي المجاورة لبابل ~~والمدائن القديمة بكلديا حتى لقد كان لها منه نصيب يذكر. # ولما كان ازدياد الثروة وتوفر أسباب اليسار في هذه البقعة من الأرض مما يغري بها ~~الأمم المجاورة لها ويجعل أنظارها تطمح إليها، فضلا عن شدة الرهبة من الماديين ومن ~~أطماعهم؛ أنشأ نابوكودونوزور أمام بابل سورا عظيما وهو السور المادي المستند ~~على سيتارا؛ فسد به سدا مستكملا شبه البرزخ المتكون من دجلة والفرات عند ~~اقترابهما، وكان هذا الرجل لا يمل من العمل ولا يكل من توالي المشروعات، حتى أصبح ~~في كلديا مثل رمسيس الثاني في مصر؛ أي باني العمائر ومشيد الآثار بحيث لا يوجد ~~حوالي بابل مكان لا يرى فيه الإنسان اسمه، أو لا يطلع به على ما يعرب عن نشاطه ~~الفائق واجتهاده الغريب. ~~(5) نابوناهيد (من 555 إلى 538) وسقوط المملكة الكلدانية (في سنة 538) # على أن المملكة لم تدم بعده طويلا فجلس على سرير ملكه ثلاثة ملوك في مدة سبع ~~سنين (من سنة 562 إلى سنة 555)، ثم ذهبوا فريسة الفتن التي حصلت في القصور، وبهم ~~انقرضت سلالته. وقال الأهالي «لا شك أن هذا من عمل الله» لأنهم دهشوا لما رأوه من ~~حصول هذا الانحطاط السريع بعد ذاك الارتقاء والاقتدار اللذين ليس بعدهما ارتقاء ~~واقتدار. وقد جاء في رواياتهم أن بخت نصر ms074 في أواخر أيامه أصابه شيء من النبوة فصعد ~~على سطح قصره وأنبأ بقرب خراب مملكته. ويقول اليهود في رواياتهم إنه سكر بما ناله ~~من المجد، وافتتن مما حصل عليه من الفخار؛ حتى أداه الإعجاب بنفسه إلى الظن بحلول ~~الألوهية في جثمانه؛ فسخطه الله عز وجل حيوانا من الحيوانات، عاش ست سنين في حقول ~~البرية يقتات من الحشائش كالبهائم السائمة ثم رجع إلى شكله الأول وجلس على سرير ~~الملك بالثاني. # أما نابوناهيد الذي لبس التاج بعد انقراض العائلة الملوكية؛ فلم يكن فيه شيء من ~~خصال الأبطال بل ولا من صفات الأجناد، فكان ملكا كسولا محبا للدعة والسكون، ~~عاكفا على عبادة الآلهة بدلا من التفاته إلى صيانة القلاع وتعبية الجيوش فحيثما ~~وجد معبدا متخربا رممه أو أعاد بناءه من أوله إلى آخره، وكان يبحث في أساس هذه ~~المعابد عن النقوش والكتابات التي دفنها بها الملوك المؤسسون لها، وكان يفرح فرحا ~~شديدا حينما يعثر فيها على اسم ملك قد حكم قبله بمئات أو بآلاف من السنين. وقد ~~هدده الماديون في أول حكمه ورأى اتساع سلطان كورش، وحاول أن يوقف امتداد هذا ~~الاتساع بما عقده من المحالفات مع مصر وليديا، ولكن سقطت ليديا في سنة 546، وكان ~~أمامه مهلة بضع سنين كان يتيسر له في خلالها أن يستعد للمقاومة والدفاع؛ ولكن كسله ~~ونسيانه لآلهة بابل ومغالاته في عبادة آلهة المدائن الكلدانية الأخرى ؛ كل ذلك أحدث ~~سخط رعاياه وغضب جنده عليه. فلما قامت الحرب في سنة 538 لم تثبت إلا بضعة أسابيع ~~حتى وضعت أوزارها، فإن كورش عبر دجلة وهزم الكلدانيين. ولما جاء الخبر بفوزه ~~وانتصاره حصلت ثورة أتت على ما كان قد بقي لنابوناهيد من الوسائل والوسائط، فباغت ~~جوبرياس القائد الفارسي مدينة بابل، واستولى عليها من غير حرب ولا قتال. وأما ~~نابوناهيد فقد سلمه أصحابه إلى عدوه، ومات بعد ذلك ببضعة أيام (سنة 538). # فوقعت بذلك دولته كلها من غير مقاومة في يد الفرس، وصار للأمم المضروب عليها ~~الجزية لكلديا من شوام وفينيقيين وأعراب أسياد، غير ms075 الذين كانوا لهم. ولم يهتم ~~هؤلاء الأقوام بهذا التغيير وبما أنهم لم يكونوا قادرين على نوال حريتهم ~~واستقلالهم؛ فكان لا يعنيهم الحاكم الذي عليهم سواء كان هذا أو ذاك بل ظهر على بابل ~~نفسها أنها رضيت بهذا الأمر، وأنها فرحت بسقوط ملكها الذي منها، وبقيت بعد ذلك ~~عاصمة من عواصم الدولة الفارسية. # خلاصة ما تقدم ~~(1) # كانت بلاد كلديا هي أول من ورث ملك بلاد آشور، وقد قام حاكمها ~~نابوبولاصر وجعل نفسه ملكا عليها بمساعدة الماديين عند موت ~~آشوربانيبال سنة 625، ثم هجم على نينوي أمم كانت لها عليهم السيادة، ~~ولكن إغارة السكيثيين أنقذتها من الخراب بضع سنين، فلم تسقط إلا في سنة ~~606 على يد الماديين والكلدانيين وقد تمالؤا عليها. ~~(2) # وبعد خراب نينوي رأى نابوبولاصر أن يطرد الفرعون نخاو الذي كان احتل ~~الشام منذ قليل من الزمان (سنة 608) فانتصر عليه ولده بخت نصر في ~~كركميش، ولما كان على أهبة الدخول إلى مصر علم بوفاة أبيه فقفل راجعا ~~إلى بابل. ~~(3) # وقد استدام الجلاد بين بخت نصر هذا وبين نخاو وإيريس من ملوك العائلة ~~الساوية، وأخرب مملكة يهوذا ومدينة أورشليم (سنة 587) ولكنه أخفق سعيا ~~أمام مدينة صو، وخرجت من يده فينيقية في أواخر حكمه. ~~(4) # وقد اشتهر هذا الملك بعمائره بقدر ما اشتهر بحروبه، وجعل بابل أبهى ~~وأبهج مدينة في المشرق، وأحاطها بأسوار منيعة، وشق في كلديا ترعا ~~كثيرة زادت في خصوبة الأرض . ~~(5) # ثم أسرعت عائلته في الانقراض (من سنة 562 إلى سنة 555) فلبس التاج ~~بعدها نابوناهيد، وكان من الملوك المتدينين، وأكثر من العمائر. وكان ~~الأهالي لا يحبونه. وقد حاول صد هجمات الفرس بتحالفه مع الليديين ~~والمصريين عليهم ولكنه لما سقطت مملكة ليديا (سنة 546) لم يفطن لاغتنام ~~فرصة السنين التي أمهله فيها كورش ليحصن مملكته ويستعد للدفاع؛ حتى إنه ~~لما شن الفرس الغارة عليه (سنة 528) هزموه وأسروه، فمات بعد ذلك ببضعة ~~أيام، وبقيت كلديا من ذلك الوقت عمالة من عمالات الدولة ~~الفارسية. # إن هذا الشكل المقرر الآن لهذا الاسم هو تحريف ترجع فيه المسئولية ms076 على ~~الناسخين العبرانيين الأولين، الذين كتبوا التوراة. هذا واعلم أن اسمه عند ~~العرب بخت نصر ونبوخذ نصر وهذا أقرب إلى الأصل. # الباب الثالث عشر # الديانة الكلدانية ~~(1) الآلهة الإخاذيون # كانت كلديا شبيهة بمصر في وجود الآلهة الأخاذيين بها، فكان لكل إله منهم مدينته ~~الملوكية يحكم فيها حكما مطلقا على الأرض والسماء؛ فكان إيع إله إيريدو، وبعل في ~~نيبتور، وسن في أورو، وشمش في لارسام (لرسن)، وميروداخ في بابل، وكان آشور إله بلاد ~~آشور على العموم. وانتشرت عبادة هذه الآلهة من مدينة إلى أخرى بالسرعة حتى صارت ~~عامة في جميع الأقطار الكلدانية، ولكن القوم لم يحيدوا عن ملاحظة كل إله مضافا إلى ~~أهل جهته وتخصيصه بها عند التوجه والعبادة، فإذا قاموا بعبادة ميروداخ مثلا في غير ~~بابل فإنما كانوا يوجهون عبادتهم إليه بعنوان أنه إله بابل. ~~(2) البانثيون الكلداني # إن اختلاط الأمم المختلفة الأجناس المتوطنة على ضفاف دجلة والفرات قد أحدث ~~اختلاطا في الأديان؛ بحيث لا يسهل على الإنسان أن يتعرف أصول كل منها أو أن يوفق ~~بينها وبين بعضها. فإن الآثار القديمة التي عثرنا عليها مهما كانت بعيدة العهد ~~ترينا آلهة الأمم المختلفة متحدة وممتزجة ببعضها، كما حصل مثل ذلك في الأمم أنفسهم؛ ~~فكانوا كالمرتبطين مع بعضهم بمعاهدة إلهية؛ وكان لكل واحد منهم وظيفته الخاصة به ~~ومقامه المعين له تعيينا واضحا ظاهرا. # وفوق هذا الترتيب التدريجي مجلس مؤلف من ثلاثة آلهة؛ آنو وبلع وايع. فالأول هو ~~السماء وهو «القديم وأبو الآلهة وملك الدنيا والليل ورب الظلمات.» وبعل خلق الدنيا ~~وهو «رب جميع البقاع وملك كل الأرواح.» وأما ايع فهو «رب العلوم والفخار والحياة.» ~~ولكل واحد منهم إلهة تزوج بها تعاونه في إنجاز الخلق والإيجاد، وهن أنت، وبعليت، ~~ودمكينا. وليست وظائفهم محدودة تحديدا معينا محصورا بحيث لا يكون لأحدهم فرصة في ~~الاعتداء على ملك الآخر، بل كثيرا ما اغتصب بعل سلطة آنو، كما تعدى ايع على سلطة ~~بعل. # وتحت هؤلاء الآلهة القديرين الذين يحيط بهم الإبهام والاختلاط؛ آلهة آخرون أعرق ~~منهم في الحياة ms077 والغرابة، وهم سين الذي هو القمر، وشمش الذي هو الشمس، ورامانو الذي ~~هو الجو. وكان الكلدانيون يقدمون الإله القمر على الإله الشمس، وكانوا يعتبرون ~~الإله سين «الرئيس والقادر والمتلألئ، وإله الثلاثين يوما التي يتركب منها الشهر.» ~~وأما رامانو فكان يرسل العواصف والزوابع والغرق ويستل الصاعقة ذات الأربعة الأطراف ~~كالصارم البتار. وأما الآلهة الأخرى فكان مقرها السيارات الخمس أعني أن آذار في ~~زحل، ومردوك في المشترى، ونرجال في المريخ، وأشتر في الزهرة، ونيبو في عطارد. ~~وخلاصة القول أن الكلدانيين إنما كانوا يعبدون الكواكب والسماء وهذه هي أكبر ~~آلهتهم. ~~(3) الشياطين والسحر # وبجانب هؤلاء الآلهة الذي كان القوم كلهم يحترمونهم ويعظمونهم، كانوا يقولون ~~بوجود الجن وأنهم عالم من الأرواح الثانوية؛ منهم الأخيار ومنهم الأشرار وكلهم لا ~~يراهم الإنسان ولكنهم قادرون على إفادته أو أذيته كما يشاءون، وأنهم يدخلون في كل ~~مكان ويتشكلون بأشكال ممسوخة؛ ترى فيها أعضاء الإنسان ممتزجة بأعضاء الحيوان، وكان ~~بعضهم يدخل في العائلات فيزرع فيها الشقاق والبغضاء، وبعضهم يحل في الأجسام ويبث ~~فيها الأمراض والأسقام، فكانت الأوبئة والحميات والخيالات والأزوار والعفاريت من ~~هذا النوع المزعج أصنافا متنوعة. # ولما كان الإنسان على الدوام عرضة لأذاهم فكان أشبه بسائح ضل الطريق في بلاد ~~مجهولة فيما بين أقوام متوحشين، فكان يلزمه أن يتخذ لنفسه أولياء من بين الآلهة ~~والأرواح ليكون في مأمن من كيدهم، وأن يتخذ له أسلحة من التعاويذ والتمائم للمهاجمة ~~أو المدافعة، وبالجملة أن يلتجئ في ذلك إلى تعلم السحر؛ فلذلك كان يحفظ عن ظهر قلبه ~~تعاويذ مخصوصة ويحمل أحجبة وتمائم تقيه منهم. وكان الشخص الذي يحمل تميمة لا يمكن ~~مسه بشيء أو الإيقاع به حتى من الآلهة أنفسهم؛ لأن الطلسم كان «حدا لا ينزع ولا ~~تنفذ منه الآلهة، وحدا للسماء والأرض لا يمكن نقله من مكان، ولم يستأصله أي إله ~~من الآلهة بل هو حاجز ثابت للوقاية من الشر والسوء، ولا يفقد مفعوله بل تقاوم به ~~الشرور وتدفع به الأسواء.» # ولذلك كان السحرة كثيرين في كلديا، وكان بعضهم مترفقين بالإنسان ms078 ميالين إليه؛ ~~فكانوا يداوونه من الأمراض ويحمونه من الجان الذين يتهددونه. وكان البعض الآخر على ~~العكس فيبيع السموم ويلقي السحر ويستدعي الأرواح الشريرة بدعوات ورقيات معلومة. ~~فكانت حياة الكلداني مشوبة بالأكدار على الدوام؛ لأنه كان لا يفارقه الفزع من الجان ~~العادين والسحرة المشائيم، وكانت حياته تنقضي هكذا في مجالدتهم ومقاومة تأثيرهم بكل ~~ما يمكن تصوره من الوسائل. ~~(4) الآلهة الآشوريون وذكر الإلهين آشور وأشتر # لم تكن ديانة الآشوريين في مبدأ الأمر إلا ديانة موضعية خاصة ببلادهم، وكان الإله ~~آشور هو الإله الأخاذي لها كما كان ميروداخ إلها إخاذيا في بابل، وكما أن رجحان ~~طيبة على سائر المدن المصرية؛ كان مرجحا لآمون إلهها الإخاذي على سائر الآلهة ~~بوادي النيل ومسودا له عليها، فكذلك كان اتساع بلاد آشور واستمرارها في النمو ~~والارتقاء مسودين لإلهها آشور على سائر آلهة الكلدان مدة من الزمان، فلم يكن إله ~~آشور مساويا لبقية الآلهة بل هو ربهم ومليكهم ولا يجسر إله منهم أن ينازعه في ذلك، ~~فباسمه يقاتل الملوك ويحرقون المدائن وينهبون المعابد ويقتلون الأمم أو يستعبدونهم. ~~ولم يكن خاصا بمدينة بابل؛ فلو انتقل كرسي المملكة من مدينة إلى أخرى لا تنتقل ~~معها؛ ولذلك بارح الآشور إلى كلخ، ومنها إلى نينوي أو غيرها وهو هو الإله الأكبر، ~~وليس ميروداخ، ونيبو، وايع، وبعل، آلهة كلديا القدماء إلا عبيده الخاضعين الذليلين ~~يسجدون له، كما أن الأمم التي تعبدهم تخضع وتخنع لمدينة الآشور ولبلاد آشور. # وليس له زوجة أو أولاد يشاركونه في ملك السماء، وغاية ما يفعل أنه يسمح لامرأة ~~اسمها اشستر بالحضور بجانبه؛ وهي امرأة حرب وقتال تشابهه في القسوة والجفوة. ولو أن ~~دولة الآشوريين كانت بقيت واستمرت لما كان يبعد أن ينتهي الأمر بآشور إلى إبطال ~~الآلهة الأخرى والانفراد بالألوهية دون سواه. وكما أن سقوط طيبة استتبع سقوط سيادة ~~آمون فكذلك سلطان آشور تلاشى بخراب نينوي. ~~(5) ميروداخ إله بابل # كان ميروداخ يمكنه أن يرث سلطان الآشور ونفوذه في نفس الوقت الذي أخذت فيه بابل ~~تركة نينوي، وكان هو سيد ms079 (بعلو) المدينة، وكان يعرف بعنوان بعلو (بعلوس أو بعل) ~~كما كان يعرف باسمه الحقيقي الذي هو ميروداخ من غير فرق، وقد صار في أيام ~~نابوبولاصر ونبوخذ نصر أعظم آلهة الكلدانيين شوكة واقتدارا، ثم لما جاء نابوناهيد ~~حاول أن يجعله الإله الأكبر والإله الوحيد كما كان الآشور في بلاد الآشوريين؛ فأخذ ~~الآلهة الأخاذيين من مدائنهم ونقلهم إلى بابل وجعلهم حول ميروداخ كالأتباع ~~والأشياع، ولكنه أخفق في مسعاه فإنه فضلا عن إثارته لسخط المدائن التي أذل آلهتها ~~فقد جعل بابل نفسها تتذمر منه وتنقم عليه، فإن كهنة ميروداخ نظروا بعين الكراهة إلى ~~هؤلاء الآلهة الدخيلين الذين جاءوا وشاركوا إلههم في التحيات والتعظيمات التي كانت ~~مخصصة له وحده إلى ذلك العهد، فمردوا الأمة وحرضوها على عصيان نابوناهيد، وترتب ~~على سخطهم تسهيل السبيل أمام الفرس في الفوز والانتصار، فإنهم رأوا في كورش منقذا ~~أرسله لهم ميروداخ؛ ليعيد العبادة إلى ما كانت عليه من الطهارة، فاستقدموه باشتياق ~~واشتهاء وأيدوه وعضدوه بعد نصرته، ولكنهم لم ينالوا مبتغاهم من جعل إلههم متفردا ~~بالعبادة بين جميع الكلدانيين بعد أن كان معبودا في مدينة واحدة. ~~(6) بقاء العبادات الكلدانية مدة طويلة من الزمان # قد بقيت الديانة الكلدانية مدة طويلة بعد خراب المملكة، بل إنها بقيت إلى أن جاء ~~الفتح الإسلامي، وقد اختلطت بخرافات وأفعال بربرية وحشية. وما زالت المحاريب ~~(المعابد) القديمة التي بالفرات الأسفل وأخصها أوروك (أوركيو) إلى الأجيال الأولى ~~من التاريخ المسيحي حافظة لشيء من الاشتهار بالعلوم والمعارف، فقد تخرج بمدارسها ~~أشهر أولئك الكلدانيين الذين كانوا يذهبون إلى المملكة الرومانية، ويمارسون فيها ~~صناعة التنجيم والسحر والكهانة (الإخبار بالمغيبات) ثم ما لبثت هذه الخرافات ~~القديمة أن تلاشت شيئا فشيئا أمام التعاليم اليهودية والنصرانية والفارسية (أي ~~المجوسية) حتى إذا جاء الفتح الإسلامي انمحى أثر ما بقي منها بالمرة، ولم يبق إلا ~~بعض فرق انقرضت الواحدة بعد الأخرى من القرن السادس إلى القرن الرابع عشر ~~للميلاد. # خلاصة ما تقدم ~~(1) # كان لكلديا مثل مصر آلهة أخاذيون في أول الأمر، وهم؛ ايع في ايريدو، ms080 ~~وبعل في نيبور، وميروداخ في بابل وآشور، في بلاد آشور. ~~(2) # ثم اتحد هؤلاء الآلهة ببعضهم فتشكل شبه معاهدة إلهية على رأسها مجلس ~~مؤلف من ثلاثة أعضاء وهم؛ آنو الذي هو الشمس، وبعل خالق العالم، وايع ~~رب العلوم والحياة، وتحتهم آلهة أقل منهم في الإبهام وهم سين أي القمر، ~~وشمش أي الشمس، وآلهة السيارات مثل نيبور (عطارد) واشتر (الزهرة) وأذار ~~(زحل) إلخ. ~~(3) # وبجانب هذه الأشخاص العليا يوجد آلاف من الأرواح الثانوية بين طيب ~~وخبيث تؤذي الإنسان أو تقيه وتحميه، وله عليها سلطان مطلق بواسطة تمائم ~~وتعاويذ سحرية؛ فلذلك كان للسحرة العديدين في كلديا تأثير بالخير أو ~~بالشر بحسب طبيعة الجان والأرواح التي يتعلمون تسخيرها لهم. ~~(4) # كان الإله آشور أخاذيا في أول الأمر بمدينة الآشور ثم صار إلها ~~وطنيا لجميع بلاد آشور ثم كبر وصار ربا لسائر الآلهة بمقدار ما ~~اتسع نطاق المملكة الآشورية، وازدادت أملاكها ثم سقط في زوايا النسيان ~~على أثر خراب نينوي. ~~(5) # أما ميروداخ بعلو بابل؛ أي ربها المعروف أيضا لهذا السبب باسم بعل؛ ~~فقد كاد في عهد نابوناهيد أن يحصل على ما كان للإله آشور من السيادة ~~والسلطان، ولكن سيطرته التي كانت قصيرة الأجل زالت بسقوط بابل. ~~(6) # وقد استدامت الديانة الكلدانية ممسوخة عن أصلها إلى ما بعد الفتح ~~الإسلامي بزمان. # الباب الرابع عشر # الآثار والفنون الصناعية ~~(1) لماذا استعمل الكلدانيون الآجر خصوصا # إن بلاد كلديا مكونة من طمي الأنهار ؛ ولذلك فليس بها أحجار جيرية كثيفة متماسكة، ~~ولا رخام ولا صوان ولا حجر البركان ولا شيء من الأحجار الصلبة التي استفاد منها ~~المصريون أيما استفادة؛ ولذلك آل الأمر بالمهندسين من الكلدانيين إلى أن يأخذوا من ~~الأرض نفسها المواد التي يبتنون منها العمائر والآثار فاستعملوا اللبن نيئا أو ~~مطبوخا أو مطليا بالمينا وآجرهم عريض جدا ويكتبون في العادة على أحد وجوهه ~~السطحية اسم الملك الذي صنعت في أيامه. ~~(2) أقدم الآثار في كلديا # إن أقدم الآثار توجد في كلديا السفلى في خرائب أوروك، ولارسام، وايريدو، وأورو، ~~ولاجاش، وهي هياكل وقصور شادها ملوك ms081 كانوا معاصرين للفراعنة الذين أقاموا الأهرام ~~في مصر، وكلها قائمة على أساس من اللبن النيئ، وقد يبلغ طول ارتفاع الأساس عشرين ~~مترا بحيث يتكون منه شبه تل صناعي، يكون البناء عليه في مأمن من مياه الفيضان، ~~وكان الوصول إلى السطح بواسطة مزلقان خفيف يمكن للخيول أو العربات أن تسير عليه، ~~والسلالم كأنها منقورة في هذا الأساس، وأما القصر نفسه فكان أشبه شيء بكتلة مربعة ~~أو مستطيلة وله جدران عالية عارية ليس فيها من النوافذ والفتحات سوى باب واحد أو ~~أكثر، وكانت هذه الأبواب محلاة بفرض طويلة منشورية الشكل، وداخل القصور يضل فيه ~~الإنسان لكثرة الفناءات الواسعة والحجرات الصغيرة ذات الحيطان السميكة التي يزيد ~~طولها على عرضها، وتعلوها القباب ينفذ إليها النور من كوة صغيرة في أعلاها وكانت ~~عادتهم أن يضعوا في أحد الأركان البرج الهرمي (زجورات) وهو العنصر الذي تتميز به ~~العمارات الكلدانية، وكانت الزجورات لها سبع طبقات لكل طبقة لون خاص وإله معين، ~~وكانت الآلهة السبعة التي للطبقات السبع هي الشمس والقمر والسيارات الخمسة، وهذه ~~الطبقات هي عبارة عن سبعة مكعبات بعضها فوق بعض وفوق أعلاها في الغالب هيكل صغير ~~يعبد فيه الإله الوطني. # شكل 14-1: # تصوير مركب من حجارة محلاة بالمينا، وقد وجده الباحثون في أطلال ~~خرزاباد وهو من مصنوعات القرن الثامن ق.م. # أما الزخارف الداخلية فكانت على جانب عظيم من البساطة، فالحيطان مطلية بطبقة من ~~ملاط مركب من كلس ورخام أو شيد # 1 # ممزوج بالجير بحيث لا يظهر الآجر تحتها أو عليها رسوم هندسية أو صور ~~آدمية وحيوانية، وقد يستعيضون عن هذا الطلاء السريع العطب بآخر أبقى يتخذونه من ~~الآجر الذي عليه المينا البيضاء أو السوداء أو الصفراء أو الحمراء، وكان في اختلاط ~~الألوان زينة مقبولة تسر الناظرين، وتصبر على الدهر. فإن أقدم هذا الآجر وأبعده ~~عهدا هو كأقربه عصرا وأحدثه وجودا؛ بحيث لا تزال فيه ألوان زاهية باهية ورونق ~~شائق رائق يأخذ بمجامع القلوب، ويقضي بالعجب العجاب (شكل # 14-1 ~~). ~~(3) آثار آشور # قد كمل الآشوريون ما سنه ms082 الكلدانيون في فن العمارة والبناء ولم يعدلوا فيه ~~شيئا يذكر، والآجر هو المادة الأولى في بناياتهم، ولكن الحجارة الكلسية التي ~~وجدوها بكثرة في جبال كردستان مكنتهم في كثير من الأحيان من طلاء عمائرهم بطلاء ~~من الحجر، وكانوا يضعون في قاعدة التراب المركوم مداميك من الدبش الصغير بعناية ~~وترتيب محكم، وفي الداخل كانوا يؤثرون استعمال صحائف رقيقة لتبليط الغرف أو لطلاء ~~الجدران، وأن ترتيب المعابد والقصور بوجه العموم على الكيفية التي عرفناها في ~~الآشور؛ كلخ، ونينوي، ودورشاروكين (خرزاباد)، هو نفس الترتيب المتبع في المعابد ~~والقصور الكلدانية؛ أي إنك ترى فناءات واسعة وغرفا ودهاليز مبنية بالعقد يجيئها ~~الضياء من أعلاها وأبراجا ذات طبقات بعضها فوق بعض. أما الزخرفة في الداخل والخارج ~~فالظاهر أنها كانت متوفرة أكثر بكثير مما في كلديا، فكان على الأبواب أنوار لها ~~رءوس بشرية وتماثيل بالغة في الفخامة والضخامة تمثل البطل جيلجاميس، الذي افترس ~~الأسد وفتك به. وأسفل الحيطان في بعض الأحيان يكون مزدانا بسطوح مربعة وفتحات ~~الأبواب محلاة بسطور من الآجر المموه بالمينا، وهذه السطور ترافق قنطرة الفتحات ~~التي تعلوها صور ورموز دينية، وقد وجد على مدخل باب الحريم في أحد قصور خرزاباد ~~نخلتان من البرونز المذهب، وأما النوافذ (الشبابيك) القليلة التي كانت في بعض ~~الأدوار العليا من البرج فكانت مزدانة بأعمدة صغيرة لها تيجان تحاكي الطرز الأيوني ~~في بلاد الأغارقة، ولها درابزينات من الخشب المشغول، وفي قاعات الاستقبال كانت ~~الحيطان مطلية إلى منتصفها بنقوش بارزة؛ تمثل مواقع الملك المؤسس للقصر ومصايده ~~وطرائده. ~~(4) النقش الكلداني # إن المصنوعات التي تركها لنا نقاشو الكلدانيين تقل كثيرا عما أبقاه نقاشو ~~المصريين، وأن أغلب التماثيل الكلدانية التي عثرنا عليها إلى هذا العهد وجدت في ~~لاجاش وهي محفوظة بمتحف اللوفر، وكلها من حجر الديوريت الأزرق أو الأسود، وقد ضاعت ~~رءوسها ولكنه يوجد في المتحف المذكور نحو ستة رءوس منفصلة، قد ضاعت أجسادها، ولهذه ~~التماثيل هيئة ثقيلة، وشكل جاف (شكل # 14-2 ~~)، وذلك لعرض الذقن، ~~وتربعها وكبر الخدود وغلظها، وسمك الشفاه، وتفلطح الأنف، ونجل الأعين، ms083 تعلوها ~~حواجب كثيفة مقرونة. # شكل 14-2: # رأس تمثال من لاجاش وهو بمتحف اللوفر. # شكل 14-3: # تمثال بلا رأس من جوديا محفوظ بمتحف اللوفر. # أما الأجسام فبعضها على هيئة الواقف، وبعضها على هيئة الجالس على دكة أو على ~~كرسي، لا سناد له من جهة الظهر (شكل # 14-3 ~~)، والملبوس عبارة عن ~~شال طويل يشتمل به صاحبه فيمر من تحت الذراع الأيمن إلى فوق الكتف الأيسر، ثم يرخى ~~باتساع خفيف لحد كعب التمثال، وتثنيات القماش مبينة بالاختصار بكيفية متفق عليها، ~~أما التماثيل العارية فهي مشكلة بثقل وجفاء، ولكنها تدهش الناظر إليها بما فيها من ~~الصحة الحقيقية، والاهتمام بإظهار جميع التفصيلات، وقد فاز الصانع بإظهار كل ما في ~~الجسد مع صلابة الحجر وصلادته، حتى إنه أظهر انحناء الأظافر، وتثنيات الجلد، على أن ~~النسبة التي في الجسم البشري ليست على الدوام مرعية محفوظة في كل تمثال، فإن ~~الأكتاف والخصور هي أعرض مما ينبغي بالنسبة لارتفاع الجذع، وطول السيقان، وفيما خلا ~~هذا الفرق، فإن تماثيل لاجاش هي صور حقيقية صادقة، ترينا الأشخاص المقصودة كأنها هي ~~بالتمام، وكلها تمثل لنا الملك جوديا، والملوك الذين من عائلته كل واحد بهيئته ~~الشخصية، ولا ريب عندي في أن الاهتمام في كلديا بتمثيل الصورة الحقيقية هو مرتبط ~~كما في مصر بأمور دينية، فكما أن التمثال المصري هو عماد تستند عليه الروح، وجسد ~~يضع فيه المصور جزءا من قرين الشخص الممثل، فكذلك كان حال التمثال عند الكلدان، ~~ولكي تكون هذه الصورة التي للقرين واقعة تحت المقاساة والمعاناة كان اللازم جعل ~~الجسد الذي من حجر يحاكي الجسد البشري تمام المحاكاة؛ بحيث يكون كأنه هو ~~إياه. ~~(5) النقش الآشوري # ليس النقش الآشوري عبارة عن استمرار وتكميل للنقش الكلداني، فإن التماثيل ~~الآشورية قليلة؛ لأن الرخام وحجر الكلس، وحجر الجبس الذي استعمله الآشوريون في ~~تماثيلهم لم يقو على مقاومة الدهر مثل ديوريت الكلدانيين، وأشهر تماثيلهم هو تمثال ~~آشور نازرهابال (شكل # 14-4 ~~)، وهو مصنوع صناعة علمية ثابتة، ورأسه ~~واضح، ومنقوش نقشا محكما، يكاد ينطق أمام الرائي؛ بحيث لا ms084 نرى مثله في نقوش ~~الكلدانيين، ولكنه لسوء الحظ قد تراكمت عليه غدائر الشعر المجعد في الرأس والذقن، ~~أما الجسم فطويل متناسب تناسبا محكما، وفي ملامحه العظمة مع ما هو ملتف به من ~~القباء والشال المخمل اللذين يتدثر بهما الجسد من الرقبة إلى القدم، ولا شك أن ~~الصانع كان ذا مهارة وحذق؛ حتى توصل إلى اجتناب الدمامة وقبح المنظر مع مثل هذا ~~الملبس، وأما النقوش البارزة فهي كثيرة بخلاف التماثيل، وهي مصنوعة بصناعة تشم منها ~~رائحة الحرية والشمم، وقد تتصل بوسائط بسيطة، وعمل غير كامل إلى إحداث أعمال جليلة، ~~ومنظورها مختصر جدا، وليس التناسب بين الأشياء مراعى فيها، أو بعبارة أولى وأخرى ~~هي محسوبة مقدرة بحسب أهمية الأشياء الممثلة في الهيئة المراد تصويرها، فإن الرجال ~~على الدوام بالغون في الطول مبلغ الأشجار، وترى المشاة يهجمون على قلاع وحصون أصغر ~~منهم في القامة والارتفاع، ومع هذه العيوب فإن من نظر إلى النقوش البارزة الآشورية ~~رأى فيها الحركة والحياة، فإنك ترى صورا تتضارب ويقتل بعضها بعضا، وترى فيها ~~الصيد حقيقة، وأغلب الأحوال المصورة فيها مركبة تركيبا لطيفا؛ بحيث يتيسر لأحد ~~الصناع في أيامنا هذه أن يمثلها مع إصلاح قليل على الكيفية المصطلح عليها في هذا ~~الزمان، ويجعل منها رسوما حديثة عصرية، وفضلا عن ذلك فهي تمتاز بموافقتها للحقيقة ~~حتى في الجزئيات التي لا طائل تحتها، وبكونها تمثل لنا الحياة الآشورية بالتفصيل، ~~فهي آثار نفيسة للمؤرخ، كما أنها مصنوعات فنية ذات قيمة حقيقية. # شكل 14-4: # تمثال آشورنازرهابال بالمتحف البريطاني. ~~(6) الفنون الصناعية # عندنا قليل من آثار الفنون الثانوية مثل صناعة الزجاج والنقش على الخشب والوشي ~~والتدبيج والخزف، وكان الآشوريون ولا سيما الكلدانيون بارعين في تطريز منسوجاتهم ~~بأشكال وصور مشابهة لما نراه الآن على حيطان قصورهم، ولكن الدهر قد ذهب بهذه النقوش ~~التي كانوا يسمونها نقوشا «من شغل الإبرة» وكان اليونانيون والرومانيون يعجبون بها ~~إعجابا كثيرا فائق الحد. # وقد بقيت لنا بقايا كثيرة من صناعتهم في المعادن، وكثير من هذه البقايا تشهد ~~بجزيل مهارتهم، ومنتهى براعتهم، ms085 فإن سنجات موازينهم التي من البرونز وعلى هيئة ~~أسد مصنوعة صناعة علمية وافية، وخصوصا الرأس فإنه مشابه للحقيقة تمام المشابهة ~~(شكل # 14-5 ~~)، وتماثيل الآلهة والتمائم، والسنادات البرونزية التي ~~تزدان بها الكراسي، والأسرة هي من أحاسن صناعة النقش الدقيق المتقن على المعادن، ~~وكانت أبواب قصر شلمناصر في بالوات من الخشب مزخرفة بقطع من البرونز، ارتفاعها 26 ~~سنتيمترا مشغولة بالمطارق، وممثلة لغزوات الملك، وأحسن قسم منها محفوظ اليوم في ~~المتحف البريطاني، وفيها نفس الأغراض التي ترى على أحجار الكلس، أعني وقائع حربية، ~~ومحاصرة بعض المدائن، ومطاردة العدو في بلاد ذات غابات وجبال، ثم عبور الأنهار. ~~نعم، إن المقادير مصغرة جدا، ولكن الصناعة واحدة تدل على تمام المهارة في طرق ~~المعادن. # شكل 14-5: # أسد من البرونز بمتحف اللوفر. # وهذا الإتقان يشاهد أيضا في الأشياء القليلة المصنوعة من سن الفيل، التي لم ~~تعبث بها يد الضياع وخصوصا في الأسطوانات العديدة أو الأختام التي من حجر صلب من ~~أنواع مختلفة وهي توجد بكثرة في خرائب المدائن أما النقش الصناعي؛ أي النقش الدقيق ~~فكان بالغا في الإتقان مبلغ النقش في الأشياء الجسيمة، بل كانت صناعة الآشوريين ~~والكلدانيين ذات مقام جليل في العالم القديم يحاكي ما كان لصناعة المصريين. # خلاصة ما تقدم ~~(1) # لما كانت كلديا مكونة من طمي الأنهار فلذلك ليس فيها شيء من أحجار ~~البناء، وهذا ما حمل أهلها على استعمال اللبن النيئ أو المطبوخ في ~~مبانيهم. ~~(2) # أن أقدم الآثار في كلديا السفلى؛ أي في مدينة أورو ، ولارسام، وأوروك، ~~ولاجاش، هي عبارة عن معابد وقصور مشيدة على أساس من اللبن النيئ، ~~ويتوصل إليها بسطوح مائلة أو سلالم عرضية ويشرف عليها في العادة برج ~~هرمي ذو أدوار يسمونه زجورات، وهذا البرج الهرمي هو أهم ما تتميز به ~~العمارة الكلدانية فكانت هذه القصور والمعابد مزخرفة في الداخل والخارج ~~برسوم على بلاط، أو بطوب مطلي بالمينا. ~~(3) # العمارة الآشورية هي نفس العمارة الكلدانية، وكانت قصور نينوي ~~وغيرها، من عواصم آشور مطلية في الغالب ببلاط طويل من الأحجار المنقوشة ~~أو المرسومة. ms086 ~~(4) # وقد بقي لنا قليل من آثار النقش الكلداني القديم وأقدمها وأجملها، قد ~~عثر عليه الموسيو دوسارزك في خرائب تللو وهي محفوظة في متحف اللوفر؛ ~~وهي عبارة عن تماثيل جوديا وملوك لاجاش الذين من عائلته. ~~(5) # أما النقش الآشوري فإنما هو تتميم وتكميل للنقش الكلداني، وليس لدينا ~~إلا قليل من التماثيل أحسنها تمثال آشورنازرهابال، والنقوش البارزة ~~كثيرة، وهي تصور الحركة والحياة أحسن تصوير وعلى أكمل منوال. ~~(6) # ولم يبق شيء من التطريز والتدبيج عند الكلدانيين، وهما مشهوران ~~جدا عند السلف، وإن فن طرق المعادن هو الذي نقدر أن نحكم عليه حكما ~~صادقا من دون جميع الفنون الثانوية، وذلك بواسطة الأسد الجميل المحفوظ ~~في اللوفر، والنقوش البارزة على بعض قطع البرنز الصادرة من ~~بالوغات. # الشيد بالكسر هو ما يطلى به الحائط من الجص ونحوه، ويقابله في ~~الفرنساوية كلمة # Stuc ~~. # الباب الخامس عشر # الاستكشافات العصرية ~~(1) مبادئ الكتابة المسمارية # الظاهر أن الكتابة الآشورية كانت في أول أمرها هيروغليفية محضة، فكانت كل علامة ~~فيها هي صورة الشيء المراد تمثيله، أو صورة الشيء المادي الذي له أقوى مشابهة ~~بالفكر المطلوب التعبير عنه، مثال ذلك: أنهم كانوا يرسمون نجمة ذات ثمانية أطراف ~~للتعبير عن الإله، وكانوا يرسمون النحلة للدلالة على الملك، ثم فسدت هاتان ~~العلامتان بسبب السرعة في رسمهما وتمثيلهما، فصارت النجمة # ثم # وصارت النحلة # ثم # ثم # وهذه الحروف المنقوشة بمنقاش على الأحجار أو بنصل معدني على ~~خزف أو فخار تسمى في أيامنا هذه بالحروف المسمارية، أو الإسفينية لدخول هيئة ~~المسمار # أو الإسفين في العلامات التي تتألف منها. # ومعظم هذه الحروف مقطعية تدل على معنى مستقل بالمفهومية؛ أي إن الكاتب يقدر أن ~~يؤدي بها على حسب إرادته مقطعا واحدا معينا بامتزاجه بمقاطع أخرى تتركب الكلمة ~~أو كلمة كاملة لا يكون التلفظ بها في العادة مشابها للتلفظ بالمقطع، فكان القارئ ~~يبحث بنفسه بين المعاني المتنوعة التي تدل عليها العلامة الواحدة، ويختار ما يراه ~~منها أوفق للمعنى وأنسب بسياق الكلام، الذي هو آخذ في فكه وقراءته، فكان عرضة للخطأ ~~في بعض ms087 الأحيان. ولأجل منع هذا المحذور كان ينبغي له أن يراجع كتاب تهجئة قد دونت ~~فيه معاني كل علامة، وطرق قراءتها تدوينا محفوفا بالعناية والالتفات. قال المحقق لونورمان: # 1 # إن نصف ما وصل إلينا من آثار الكتابة المسمارية هو بمثابة كتاب تعريف وإرشاد نقدر ~~على استخدامه في فك النصف الآخر، وإنا لنستشيره ونرجع إليه ونعول عليه؛ كما كان ~~يفعل تلامذة آشور القديمة منذ ألفي عام وخمسمائة عام وذلك بالضبط والتمام. ~~(2) فن الأدب عند الكلدانيين # وقد انتشرت هذه الطريقة الكتابية مع ما فيها من عدم الملائمة انتشارا سريعا ~~فيما بين الأمم القاطنة بحوض الفرات، وكانت متبعة منذ القرن الخامس عشر قبل الميلاد ~~عند عشائر الشام، وكان ملوكهم يكاتبون بها فراعنة مصر في الأمور الرسمية، وفوق ~~استعمالهم لها في سائر اللغات السامية كانوا يستعملونها أيضا في كتابة بعض اللهجات ~~الأجنبية؛ مثل لهجة العيلاميين، وقسم من الخيثي منذ الأحقاب الخوالى ولغات أرمينية ~~وكبدوكية منذ القرن الثامن قبل الميلاد، فلما ظهر الماديون والفرس في أفق السياسة ~~اتخذوها من الكلدانيين، وجعلوها أبسط مما عندهم، ثم وفقوها على احتياجاتهم. وليس ~~لدينا إلى الآن سوى قليل من الكتابات الباقية من هذه الأمم الأجنبية، ومعظم ما ~~عثرنا عليه مما يتعلق بالفنون الأدبية المكتوبة بالقلم المسماري إنما هو من ~~الكلدانيين والآشوريين، وكان في المعابد الكبيرة بكل مدينة من المدائن مكتبة مشحونة ~~بالكتب المصنفة في أوقات مختلفة، وقد استنسخها ملوك نينوي وخصوصا آشوربانيبال، ~~وحفظوا صورها هذه في قصورهم، وبعض هذه الكتب التي أوراقها من الطين المحروق (الآجر ~~المطبوخ) تتضمن تواريخ هذه البلاد، وبعضها يحتوي على نقول طويلة مأخوذة من تواريخ ~~سنوية ليس لها وجود الآن وفي غيرها أسماء ملوك أو آلهة، ومنها ما هو خاص بأمور ~~وأعمال رسمية مختلفة الأنواع كمخاطبات (إفادات) وتقارير من القواد إلى الملوك، ~~وتنبيهات على الأهالي. ومعظم هذه الكتب يبحث في الديانة والعلوم؛ فهي أناشيد للآلهة ~~المتنوعين، ومزامير وتسابيح وقطع من الأوراد، ورقيات سحرية لاستحضار الأرواح أو ~~لشفاء الأمراض، ومنها كتب كثيرة مؤلفة في علم التنجيم والفأل، ms088 وتعبير الرؤيا والفلك ~~الحقيقي والرياضيات، ولكن البقايا التي بقيت من هذه المصنفات ليست ترجمتها وتفسيرها ~~بالشيء السهل المستطاع على الدوام. وقد وجد الباحثون آلافا وآلافا من عقود ~~الإعارة والإجارة والبيع والشراء والزواج والفرائض (تقسيم الميراث)؛ بحيث يتيسر لنا ~~أن نقف منها على حالة القوانين والشرائع في كلديا وآشور. # ثم الكتب المصنفة في التهجي وفي القواعد النحوية التي أشرت إليها سابقا؛ تكاد ~~تكون وحدها نصف ما وصلنا إليه من فنون الأدب عند الآشوريين والكلدانيين. # واعلم أن هذه الآثار الأدبية التي تكلمنا عنها لها فوائد جمة ومزايا متنوعة قد ~~يصعب الوقوف عليها في كثير من الأحيان، فإن التصورات التي تضمنتها والأفكار التي ~~حوتها وطرق التعبير عن هذه التصورات وهذه الأفكار هي بعيدة بمراحل عما هو متعارف ~~بيننا وشائع عندنا؛ بحيث إننا لا نصل دوما إلى تأديتها أو الوقوف على كل ما فيها ~~ولكننا نرى في عدد هذه الآثار الأدبية ومقدارها دليلا كافيا على أن حركة العقول ~~والبحث وراء الجمال قد امتدا وتقدما على شواطئ دجلة والفرات بمثل ما ترقيا على ضفاف ~~النيل بهمة تامة ونشاط زائد كما حصل عند الأمم القديمة المتمدنة. ~~(3) فك الكتابة المسمارية الفارسية # دخلت الهجاية الآرامية المشتقة من الفينيقية منذ القرن السابع قبل الميلاد في ~~بلاد آشور وكلديا، واستعملت في حاجات الحياة الاعتيادية، ومع ذلك فإن استعمال ~~الحروف المسمارية قد استمر زمانا طويلا يعادل الزمان الذي استمر فيه الهيروغليفي ~~تقريبا، فقد وصل إلينا كثير من العقود المحررة في أواخر القرن الأول للميلاد أو ~~أوائل القرن الثاني منه، وبعد ذلك جاءت الحروف السريانية ومشتقاتها والحروف ~~البهلوية، ثم شاعت الحروف العربية وحلت محل حروف التهجي القديمة، ثم أرخى على ~~الحروف المسمارية ذيل النسيان، كما دخلت الحروف المصرية في خبر كان. # وما اتجهت نحوها رغبات الأورباويين وتاقت إليها نفوسهم إلا في النصف الثاني من ~~المائة الرابعة عشرة بعد الميلاد، فإن الإسبانيولي جارسياس دوسيلفا والروماني ~~بيتيرود لاڤاللي (بالياء الممالة) كانا ممن رأيا النقوش بالحروف المسمارية التي ~~تزدان بها قصور برسوبوليس، # 2 # وفي سنة ms089 1674 نشر الفرنساوي شاردني بضعة سطور منها، ثم جاء الألماني ~~كميفر في سنة 1712، وخصوصا الدانيمركي نيبهر في سنة 1765 فنشر نسخة منها مصححة ~~بالضبط. وقد تيسر للعلماء بواسطة هذه النسخ أن يتعرفوا فيها ثلاثة أنواع من حروف ~~التهجي، يقابل كل نوع منها لغة مخصوصة، على أن فك هذه الخطوط لم يتم ابتداؤه إلا في ~~أوائل القرن الحاضر. # ففي 4 سبتمبر سنة 1803 ألقى «جورج فريدريك جروتفند» خطابه على الجمعية ~~العلمية في جوتنجن أوضح فيها المبادئ التي ينبغي التعويل عليها في فك هذه الخطوط، ~~ووجه شكيمة البحث إلى أبسط الطرق وأسهلها، وتصور أنها تحتوي على لغة فارس القديمة ~~فاجتهد في أن يتعرف في خلالها أسماء وألقاب ملوك فارس مثل؛ كورش وداريوس واكسرسيس، ~~فنجح في سعيه، وعين مدلول كثير من العلامات، ثم عاود أعماله رجلان آخران في وقت ~~واحد وهما؛ لاسن في ألمانيا وأوجين برنوف في فرنسا، فتوصلا في سنة 1836 إلى إتمام ~~فك الكتابات الفارسية التي كان في أوروبا نسخ كثيرة منها. وبعد ذلك ببضعة سنين أرسل ~~هنري راولنسن من بلاد فارس نفسها ترجمة النقوش الطويلة الموجودة في بيهستون، التي ~~حكى داريوس فيها تاريخ فتوحاته (وكان ذلك فيما بين سنتي 1846 و1849). ~~(4) فك الكتابة المسمارية الآشورية والكلدانية # لما تمت قراءة النسخ الفارسية كان فك النسخ الغير الفارسية فيه بعض السهولة ~~والتيسير، ففي سنة 1842 شرع المسيو بوتا، قنصل فرنسا في الموصل، في أعمال الحفر ~~الكبيرة، وهو يرود أطلال خرزاباد، فعثر فيها على آثار ومخلفات هي جرثومة المجموعات ~~الآشورية في متحف اللوفر بفرنسا، وبعد ذلك بقليل اكتشف الإنجليزي ليرد على كثير ~~من القصور الكائنة بقرب نينوي القديمة. # فلما جاءت إلى أوروبا كتابات كثيرة من هذا القبيل أثارت في علمائها عوامل الجراءة ~~والإقدام، فعكفوا على النظر فيها، والسعي في فكها، فمن سنة 1847 ترجم الفرنسويان ~~«ف. دوسولسي»، و«آ. دولونجبيرييه» بعض أقاصيص قصيرة، ومن ذلك الوقت صارت حركة ~~التقدم في هذا المضمار سريعة جدا، فإن «هنكس» في إنجلترا، و«راولنسن» في فارس، ~~و«سولسي» و«أوبرت» في ms090 فرنسا أخذوا يدرسون كتابات طويلة، وعينوا بعد التحري الدقيق ~~طريقة التهجي، ومدلولات العلامات، والقواعد النحوية، ولم يكن ذلك من الأمور التي ~~يستقر الرأي عليها من غير أن تحدث جدالا طويلا مصحوبا بالإنكار، وعدم التصديق، ~~فحسما لهذا النزاع أخذت الجمعية الآسيوية بلوندرة في عمل اختبار في سنة 1875، ~~فجاءت نتائجه قاطعة لكل خلاف، مانعة لكل جدال، فإنها طبعت على الحجر كتابة آشورية ~~لم يسبق طبعها، وأعطت نسخا منها لأربعة من علماء الآثار الآشورية كانوا في لوندرة ~~وقتئذ، وهم: «هنكس»، و«أوبرت»، و«ه. راولنسن»، و«فوكس تالبوت»، ودعتهم إلى ترجمتها، ~~فلما تمت التراجم، وقوبلت على بعضها ظهر فيها كلها اسم الملك تغلا ثفلاصر، بل إن ~~حكاية الوقائع تكاد تكون بألفاظ واحدة، وكان الخلاف فيما بينها واقعا على مواضع ~~ثانوية ليس لها مكان من الأهمية، حتى إن العلماء الذين كانوا لم يصدقوا إلى ذلك ~~الوقت بصحة الاكتشافات اضطروا بقوة هذا البرهان للتسليم بصحته، والإقرار عليه، وصار ~~علم الآثار الآشورية من العلوم التي يعترف بها جميع العلماء. ~~(5) نصيب فرنسا في إنماء وترقية الأبحاث المختصة بعلم الآثار الآشورية # وما زال هذا العلم ينمو ويزداد من ذلك العهد، وقد كان لفرنسا فضل عظيم ويد طولى ~~في تاريخ ترقيته؛ فإن العمال الذين ابتدؤا في تمهيد هذا السبيل وهو «بوتا» و«سولسي» ~~و«لونجبيرييه» قد خلفهم بل فاقهم «أوبرت» و«مينان» ثم جاء عقيبهما «فرنسوا ~~لونورمان» و«جيار» و«أميود» وقد اختطفهم الموت وهم في مقتبل الشباب، و«هاليفي» ~~و«بونيون» وغيرهما ممن لا يزالون محافظين على بقاء تعليم هذا العلم وحفظه، وأن ~~أعمال الفحر التي استمر فيها «بلاس» في نينوي ثم «فرسنل» و«أوبرت» في بقعة بابل سنة ~~1851 قد انقطعت بعدهم مدة تنوف على العشرين سنة، ثم عاودها الإنجليز فتحصلوا منها ~~على ما أغنى المتحف البريطاني وجعله أهم مستودعات العالم المحفوظة فيها العاديات ~~الآشورية، ولم يتحصل الموسيو «دوسارزك» قنصل فرنسا في البصرة إلا في سنة 1878 على ~~الرخصة من الحكومة العثمانية بمباشرة البحث في كلديا، وقد عثر في بعثته الأولى على ~~آثار هي عبارة عن تماثيل ملوك ms091 لاجاش، التي سبق الكلام عليها، وهي محفوظة في متحف ~~اللوفر إلى اليوم. # خلاصة ما تقدم ~~(1) # كانت الكتابة الكلدانية هيروغليفية محضة في أول الأمر، وفيها علامات ~~تدل على معان مستقلة بالمفهومية ومقاطع، من غير أن يكون فيها حروف ~~تتركب منها المقاطع. وأما الألفاظ فكانت تتألف من شرائط وأشكال تشبه ~~المسمار أو الإسفين؛ ولذلك سميت الكتابة بالمسمارية أو الإسفينية، وقد ~~يكون لبعض العلامات مدلولات كثيرة متنوعة؛ بحيث لا يكاد القارئ ~~الكلداني يحترز من الخطأ إلا بدوام المراجعة في كتب التهجي، فإنها قد ~~احتوت على معاني العلامات بكل دقة والتفات. ~~(2) # وقد انتشرت الكتابة المسمارية في الشام وأرمينية وعيلام وفارس، ~~وتعدلت كثيرا أو قليلا بحسب طبيعة اللغات التي استخدمها أهلوها، وقد ~~كان قصر آشوربانيبال الذي اكتشف عليه في نينوي هو السبب في حفظ فنون ~~الأدب عند الآشوريين والكلدانيين إلى يومنا هذا، وهي مرقومة فيه على ~~صفحات من الخزف والفخار. ~~(3) # ثم ما لبثت الحروف الآرامية أن قامت شيئا فشيئا مقام الهجاية ~~المسمارية؛ حتى انقطع استعمال هذه مرة واحدة في أوائل القرون المسيحية، ~~ولم يبتدئ القوم في فكها إلا في سنة 1802 وذلك بواسطة الكتابات التي ~~على الطريقة الفارسية، فإن الألماني «جروتفند» استخرج من نقوش ~~برسوبوليس هجاية أكملها بعده «لاسن» في ألمانيا و«برنوف» في ~~فرنسا. ~~(4) # وقد كان في أعمال الفحر التي باشرها المسيو «بوتا» في خرزاباد ~~والمستر «ليرد» في نينوي مجال واسع للمباحث التي اهتم بها علماء أوروبا ~~مدة عشر سنين (من سنة 1847 إلى سنة 1857) حتى توصل «لونجبيرييه» ~~و«سولسي» و«أوبرت» في فرنسا و«راولنسن» و«هنكس» و«تالبوت» في إنجلترا ~~إلى قراءة وترجمة الكتابات التي بالقلم الآشوري. ~~(5) # ومن ذلك العهد لم يزل علم الآثار الآشورية آخذا في التقدم والترقي، ~~وكان لفرنسا نصيبها في توسيع نطاق هذا العلم الحديث على يد «أوبرت» ~~و«مينان» و«فرانسوا لونورمان» و«جيار» وغيرهم من العلماء العديدين ~~الذين ما زالوا يبارون علماء ألمانيا وإنجلترا في البحث ~~والتنقير. # في كتابه على التلفظ بحروف التهجي الفينيقية جزء أول صحيفة 248. # تشهيل منار الآن وأطلالها قائمة حول مدينة اصطخر. # الكتاب ms092 الثالث # في تاريخ الفينيقيين # الباب السادس عشر # وصف فينيقية وذكر صيدون وصور وتأسيس قرطاجة # 1 ~~(1) وصف فينيقية # لم تكن فينيقية قطرا من الأقطار بل هي جملة موان ذات أرباض ضيقة. # 2 # فإنها أرض ممتدة بالطول فيما بين جبل لبنان والبحر، ولا يزيد متوسط ~~عرضها في التعديل عن ثمان مراحل أو عشرة، وينبت الزيتون والكرم والقمح في سفح ~~تلالها وفي مجاري السيول بها بدرجة فائقة معجبة، وكانت أعالي الجبل تكسوها في ~~الزمان السالف غابات من البلوط والصنوبر والعرعر والتنوب والسرو والأرز، ولم يكن ~~فيها أنهار كبيرة مطلقا بل مجاري سيول ينحدر فيها الماء بسرعة وشدة مثل؛ ليتاتي ~~ونهر الكلب (المعروف قديما باسم ليكوس) والنهر الكبير وأغلبها تندفع مرة واحدة من ~~لبنان إلى البحر الأبيض. # وقد جاء في روايات القوم أن أصل الفينيقيين من الأمم التي على شواطئ الخليج ~~الفارسي، وأنهم اضطروا لترك مواطنهم على أثر زلازل هائلة خربت ديارهم ومحت معالمهم، ~~فلما استراحوا مدة من الزمان على شاطئ البحيرة الكبيرة التي في آشور (لا شك أنها هي ~~والبحر الميت شيء واحد) جاءوا إلى ساحل البحر الأبيض المتوسط واستقروا عنده في نحو ~~القرن الثامن والعشرين قبل الميلاد، وكانت مدائنهم منفصلة عن بعضها بمسافة عشر ~~مراحل أو اثنتي عشرة بالأكثر، ثم ما لبثت أن امتزجت ببعضها، وتكون منها ثلاث طوائف ~~مستقلة كانت لكل واحدة منها خواص تميزها عن الأخرى. # فكان بناحية الشمال في مدينتي أرواد وسيميرا الكبيرتين؛ أقوام ميالون للشغب ~~والمحاربة مستعدون في كل وقت لمقاتلة مجاوريهم والقيام على من يغير على أرضهم من ~~الأجانب مصريين كانوا أو آشوريين، وكانت أرواد قائمة على جزيرة صغيرة بعيدة عن البر ~~بثلاثة كيلومترات تقريبا وأمامها مرثوس # 3 # وكرنة وانترادوس «حيث كان يحل فيها على الرحب والسعة ما كانت تضيق عنه ~~الجزيرة»، وكانت هذه المدائن الثلاث تمتد وراء بعضها متتابعة متلاصقة كأنها طراز ~~متواصل. # وكانت جبيل أو جبون التي يسميها اليونان بيبلوس على رأس الطائفة الثانية من ~~المدائن، ويروون أن قد بناها الإله إيل في أول الزمان ms093 على بضعة مراحل داخل الأراضي ~~بالقرب من الشاطئ الشمالي لنهر الكلب، ثم انتقلت بعد ذلك إلى ساحل البحر من قرب من ~~نهر أدونيس (وهو إبراهم نهر)، قالوا؛ وكانت بيروت تشاركها في الافتخار بأن الإله ~~إيل بناها أيضا، وكانت مرسى أمينا واقعة في نهاية أخصب السهول بفينيقية، والظاهر ~~أن جبيل وبيروت كان لهما شأن مهم في السياسة في الأزمان التي أعقبت مجيء ~~الفينيقيين، ولم تتمكنا من المحافظة على مقامهما هذا مدة طويلة، ولكن نفوذهما لم ~~يضعف بهذا السبب بل بقيتا إلى أواخر الأزمان الوثنية مركزا لديانة أدونيس؛ وهي من ~~أرسخ الديانات الشامية وأثبتها. ~~(2) صيدون (صيدا) وصور # كانت مدينة صيدون «وهي أول ما أحدثه كنعان» على بضع مراحل من جنوبي بيروت، ولم ~~تكن إلا قرية للصيادين، # 4 # بناها على ما جاء في رواياتهم القديمة الإله بعل (المعروف عند اليونان ~~باسم آجنور) على المنحدر الشمالي لرأس صغير يشرف بانعطاف نحو الجنوب الغربي، وقد ~~كان لميناها عند السلف شهرة فائقة، وهي محصورة بين صخور منخفضة متتابعة تبتدئ من ~~النهاية الشمالية لشبه الجزيرة، ثم تمتد بحذاء الساحل على مسافة بضع مئات من ~~الأمتار، والسهل المحيط بها يسقيه نهر جميل يعرف باسم بوسترين (نهر الأوالي)، ~~وفيها كثير من البساتين الغناء والرياض الأريضة؛ حتى أوجب هذا البهاء الطبيعي ~~وهذا الجمال الخلقي تسمية المدينة بصيدون الزهراء، وبجوارها شمالا نهر الدامور، ~~وهي تمتد جنوبا لحد مصب نهر ليتاني، وفيما بعد ذلك كانت البلاد داخلة في حكم ~~الصوريين . # شكل 16-1: # ميناصور الحديثة. # قالوا: وفي الأحقاب الخوالي التي مضت على العالم؛ أي أيام كان الآلهة يعيشون فيما ~~بين الناس اختط سممروم على القارة رسم مدينة من قصب الغاب، وأمامها استقر أخوه ~~هيزعوس في بضع جزائر أقام فيها أعمدة مقدسة. وهيزعوس هذا هو أول بحري في العالم، ~~وكان هذا مبدأ صور (شكل # 16-1 ~~)، ثم جاء بعد ذلك ملكارث، وهو عند ~~الصوريين مثل هرقل الجبار المشهور في جاهلية اليونانيين، ويؤكد كهنة هذا الإله «أن ~~هيكله بني والمدينة في وقت واحد، وقد مضى عليهما ms094 نحو ألفي سنة وثلثمائة عام» حينما ~~زارهم المؤرخ هيرودوت، فبناء على حسابهم يمكننا أن نقول بأن مدينتهم هذه تأسست في ~~نحو سنة 2750 قبل المسيح، وما كان لهذه المدينة القائمة على جزيرة في البحر إلا أن ~~تستقي من ماء الصهاريج، أو من الماء الذي يؤتى به من البر إليها على الزوارق، وكان ~~لها الحكم على جميع الساحل الممتد فيما بين مصب ليتاني إلى جنوبي الكرمل، سواء كانت ~~تحت سيادة أهالي صيدون أو متمتعة بنعمة الاستقلال. ~~(3) ابتداء السيطرة الصورية # إن مبلغ العلم عندنا أنه لم يتفق قط لهذه المدائن المتفرقة على ساحل البحر أن ~~تتفق في أي زمن من أزمان تاريخها، وترتبط بمعاهدة تجعلها متحالفة أو مملكة قادرة ~~على صد هجمات الأمم الكبيرة الفاتحة مصرية كانت أو آشورية أو كلدانية أو فارسية، ~~وكثيرا ما اضطر الفراعنة إلى النكاية بأرواد وسميريا، وقد تعب تحوتموسيس الثالث في ~~إخضاعهم، أما مدائن الوسط والجنوب وهي جيبل وبيروت وصيدون وصور، فقد استكانت إلى ~~الخضوع والامتثال من غير حرب ولا قتال، وأخلص أهلوها في طاعة مواليهم الأجانب إلى ~~ما بعد حكم رمسيس الثاني، وكان هذا والحق يقال هو عين الحكمة والصواب، فقد ترتب على ~~رضائهم بحمل نير العبودية أنهم توصلوا إلى احتكار جميع تجارة مصر مع أمم آسيا ~~والبحر الأبيض المتوسط، ثم تحصلوا على استقلالهم في أواسط القرن الثاني عشر قبل ~~الميلاد حينما عدل الرمسيسيون من العائلة المتممة للعشرين عن المحاربة في البلدان ~~القاصية والأقطار الشاسعة، واكتفوا بالاعتكاف في وادي النيل. # وحينئذ كانت كل من صور وصيدون عبارة عن دولة صغيرة تطمح إليها أنظار مجاوريها؛ ~~بسبب ما أحرزتاه من توفر أسباب الثروة واليسار، ولكنهما قاومتا هذه الأطماع مدة من ~~الزمان بما كان لهما من الحصون والأسوار غير أنهما لم يتأت لهما الاستمرار على ~~هذا الدفاع؛ فقد حدث في السنوات الأخيرة من القرن الثالث عشر (في حدود سنة 1210) أن ~~أقلع من عسقلون (عسقلان) أسطول فلسطيني وتلاقى بعمارة الصيدونيين؛ فدمرها تدميرا، ~~ثم استولى على مدينة صيدون. فالذين تيسرت لهم ms095 أسباب النجاة من أبنائها فروا إلى ~~مدينة صور ولاذوا بها؛ فأصبحت أقوى دولة في فينيقية كلها، وكان يحكمها في أول الأمر ~~قاضيان يفضان المشاكل ويدبران شئون الدولة، إلى أن اتخذت لها ملكا هو أييبعل، ~~وكان ذلك في نفس الوقت الذي فيه اختار اليهود سيدنا داود ملكا عليهم. # فلما خلفه ابنه حيرام الأول (من سنة 980 إلى سنة 946ق.م) جعل لنفسه مع داود ومع ~~سليمان عليهما السلام علاقات عادت عليه بالفائدة والمنفعة الزائدة، ولما كان واثقا ~~من صداقتهما له انهمك في المشروعات البحرية، وتفرغ لها بكليته حتى صارت مدته أعظم ~~وقت بلغت فيه صور، على ما نعلم، نهاية الشوكة وغاية الرفاهية. ~~(4) ثورات صور # كانت صور حينئذ متفرقة في جملة جزائر يفصلها عن بعضها ألسنة من البحر ليست ~~بالعميقة، بل تتخللها صخور طافية رءوسها على صفحات الماء من جنس الصخور التي يتعذر ~~معها اقتراب السفائن في بعض المواضع من سواحل الشام، وعلى أكبر هذه الجزائر وفي ~~أعلى نقطة منها قد أقام أول المستوطنين بها قبل ذلك بثمانية عشر قرنا هيكلا ~~لملكارث، وكان في إحدى الجزائر المجاورة هيكل لإلههم بعل السماين، وهو الذي قال ~~اليونان فيما بعد إنه زفس أو لمبيوس، وقد ردم حيرام البوغازات التي كانت تجري ~~المياه فيها فيما بين أقسام المدينة وبعضها، فصار له أرض فسيحة بواسطة الردم الذي ~~عمله والجسور الحصينة التي أقامها لصد الماء، ولكنه مع هذا الاتساع ما زالت البقعة ~~التي فيها المساكن غير فسيحة؛ بحيث لم تكن لتسع إلا ثلاثين أو خمسة وثلاثين ألفا ~~من النفوس، فأفاض أهلوها على الأرض القارة، وأقام «تجارها الذين هم من الملوك ~~وبائعوها الذين هم أكرم وأشرف أهل الأرض» قصورهم ودساكرهم على أواخر سفح جبل لبنان، ~~ولكن الجزيرة بقيت مركز الحكومة بالنسبة لحسن موقعها وللخندق الذي يفصلها عن ~~العالم. # ولما توفي حيرام عقبه ابنه بعليسترت على الملك، ولم يحكم سوى سبعة أعوام (من سنة ~~946 إلى سنة 939)، وخلفه ابنه ابدسترت فحصلت ثورة من الأهالي لاقى فيها حتفه؛ وذلك ~~أن أولاد مرضعته ms096 الأربع قتلوه وولوا أكبرهم مكانه، وقد عضددهم الأرقاء والجنود ~~المرتزقة والعملة الموجودون في المدائن الفينيقية، فاستمروا على منصة الأحكام اثني ~~عشر عاما (من سنة 920 إلى سنة 908)، وترتب على حكمهم عواقب وخيمة ونتائج سيئة؛ إذ ~~هاجر قسم من الأعيان والأشراف، ولو استمر الحال على هذا المنوال لانقضت سيطرة صور ~~ودخلت في خبر كان، ولكن حصلت ثورة أعادت السلالة الملوكية القديمة على تخت المملكة، ~~غير أن مدينة صور لم تنل من ذلك ما تحتاجه من الهدو والسكينة، فتعاقب أولاد ~~بعليسترت الباقين بعد موت أخيهم وتناوبوا الملك الواحد بعد الآخر في مدة قصيرة (من ~~سنة 908 إلى سنة 887) وكان آخرهم فيلي وقد قتله بعد أن حكم تسعة أشهر أحد أقاربه؛ ~~المدعو إيثوبعل الأول كاهن عشتاروت، وحفظ الملك لنفسه مدة اثنين وثلاثين عاما (من ~~سنة 887 إلى سنة 855). ~~(5) تأسيس قرطاجة # تحالف إيثوبعل مع جيرانه الإسرائليين وتزوج أحاب بابنته إيزابل، فتمكن من حفظ ~~السلام بين الأحزاب المختلفة المشارب، ولكنه بعد موته وقعت ذات الوقائع التي حدثت ~~بعد حكم بعليصور الأول بستة أعوام (من سنة 855 إلى سنة 849)، وخلفه موتون الأول (من ~~سنة 849 إلى سنة 820) ولم يكن له من الذراري سوى ابنته إليصار فتزوجها عمها ~~سيشاربعل الكاهن الأكبر لملكارث وترك طفلا صغيرا اسمه بغماليون. # وقد أوصى موتون أن سيشاربعل يكون قائما بأعباء الملك إلى أن يبلغ الوارث الشرعي ~~سن الرشاد غير أن الحزب الوطني قام عليه وأنزله عن منصة الملك، ثم قتله ابن أخيه ~~بعد ذلك ببضع سنين، فأرادت أليصار أن تأخذ بثأر زوجها وشرعت في عمل مؤامرة انضم ~~إليها جميع الأعيان والأشراف؛ إلا أن مكيدتها ظهرت للعيان وخشيت سوء العقبى، ~~فأسعفتها الأقدار بتيسر أسباب الفرار، فاستحوذت على عمارة بحرية كانت في المينا على ~~أهبة السفر، فأنزلت بها جميع محالفيها وأقلعت نحو إفريقية، واشترت هنالك قطعة أرض ~~من يرياش ملك «لوبيا» وأسست المدينة الجديدة «قرط قاداشت» وقد سماها اليونان ~~كارخيدون والرومان كارتاجه # 5 ~~(في سنة 814) ثم إن الأهالي فيما بعد مزجوا إليصار بالإلهة ديدون، ms097 ~~وسموها بهذا الاسم. ~~(6) صور تحت حكم الآشوريين والكلدانيين # ليست بقية تاريخ الفينيقيين إلا عبارة عن ذكر علائقهم مع الدول العظيمة التي ~~تنازعت امتلاك الشام من القرن الثامن إلى القرن السادس قبل المسيح، فكان الآشوريون ~~قد ظهروا مرة أولى في فينيقية أيام إيثوبعل، وحاولت مدائن الشمال مقاومتهم من غير ~~أن يكون لها من النجاح أدنى نصيب؛ فوقعت أرواد وسميرا جملة مرار في قبضة ~~آشورنازرهابال وشلمناصر فانتهبوهما أما صور فإنها اقتفت مع هؤلاء الأعداء الحديثين ~~طريق السياسة التي عاملت بها المصريينح إذ حسبت أن الأفضل لها أن تخضع من غير ~~مقاومة بدلا من أن تقاتل مع عدم مقدرتها على المقاومة ورضيت بدفع الجزية لتعيش في ~~أمان وسلام. # ولكنها لم تستمر على هذا الاحتياط المقرون بالحزم والحكمة؛ إذ في أواخر حكم تغلا ~~ثفلاصر الثالث قام ملكها إيلولي (من سنة 728 إلى سنة 692) فحارب شلمناصر الخامس ~~وسرجون وسنحاريب محاربات عنيفة انتهت بهلاكه، وكانت هزيمته سبب انقراض الدولة ~~الصورية، فلم تكن فينيقية بعد ذلك إلا عمالة تابعة للدولة الآشورية، ولا يعتد بما ~~حصل بها من الثورات التي ما لبثت أن انخمدت نارها حتى كأنها لم تكن، ولما سقطت ~~نينوي عاد لها استقلالها فدافعت عنه دفاع الأبطال وفازت بدفع نبوخذنصر عنها بمعاونة ~~الفراعنة الصاويين، واحتملت الحصار ثلاث عشرة سنة (من سنة 587 إلى سنة 574) من غير ~~أن ترضى بالتسليم أو تلتزم بالاستسلام، ولكنها حدثت فيها ثورات أخرى فكان فيها كمال ~~انتزاف قوتها. ففي سنة 564 صار قلب الحكومة الملوكية وفي سنة 557 أعيدت تحت سيطرة ~~الكلدانيين، ولما سقطت بابل في سنة 538 حصل لصور وفينيقية ما حصل لها، فدخلتا في ~~قبضة الفرس من غير حرب ولا قتال. # خلاصة ما تقدم ~~(1) ~~«لم تكن فينيقية قطرا من الأقطار بل كانت جملة مواني لها أحواز ~~ضيقة» محصورة بين جبل لبنان وبين البحر، ويقال أن أصل الفينيقيين من ~~البلاد المجاورة للخليج الفارسي، وتنقسم موانيهم إلى ثلاث طوائف ~~متمايزة عن بعضها، وهي طائفة أرواد وسميرا في الشمال ثم طائفة بيبلوس ~~وبيروت ms098 في الوسط (وهي الطائفة الثانية). ~~(2) # والطائفة الجنوبية «الثالثة» كانت تتألف من صيدون (صيدا) ومن صور، ~~وقد كان تأسيس صور على الجزائر المجاورة للساحل في سنة 2750 ~~تقريبا. ~~(3) # وقد رضيت عن طيب خاطر بالدخول تحت حكم المصريين، ولم تنل حريتها إلا ~~في أواخر عهد الدولة المتممة للعشرين، وفي نحو سنة 1000ق.م جعلت أبيعل ~~ملكا عليها، وخلفه ابنه حيرام الأول (من سنة 980 إلى سنة 946) وكان ~~صديقا لداود وسليمان. ~~(4) # وسعى هذا الملك في تحسين صور وتوسيع نطاقها وتحصينها؛ حتى إن الثورات ~~التي وقعت بعد وفاته إلى عهد إيثوبعل الأول (من سنة 887 إلى سنة 855) ~~لم يكن فيها عائق قوي يحول دون ازدياد عظمتها. ~~(5) # وبعد ايثوبعل وقعت حروب مدنية أخرى أوجبت مهاجرة الأعيان منها إلى ~~إفريقية تقودهم إليصار ديدون، وأسسوا مدينة قرطاجة في سنة 814. ~~(6) # وفي نحو منتصف القرن الثامن اشتبك العراك بين صور وبين آشور فحاصرها ~~سلمناصر وسرجون على غير طائل، وقاومت نبوخذنصر ثلاث عشرة سنة (من سنة ~~587 إلى سنة 574) ثم اعترفت أخيرا بسيادة الكلدانيين عليها، ولكن ~~مقاومتها الطويلة أضنتها وأنهكتها، ثم دخلت من غير قتال تحت حكم الفرس ~~في سنة 538. # قد حذفنا في الترجمة أربعة أبواب قبل هذا الباب في الكلام على تاريخ بني ~~إسرائيل لمخالفته للتواريخ الإسلامية؛ وذلك بناء على رأي اللجنة العلمية بنظارة ~~المعارف، وقد راعينا ترتيب الأبواب عقب بعضها بصرف النظر عن الأربعة المحذوفة ~~من الأصل. # قاله رنان في كتابه على فينيقية ص836. # أومارات وهي أمريت الآن على سواحل الشام. # كما يدل عليه اسمها نفسه. # وعنهم العرب فيقولون قرطاجة وقرطاجنة؛ وهذا الاسم الثاني ينطبق بنوع أخص ~~على مدينة في الأندلس اسمها # Carthagène # منحوت من كلمتين معناهما قرطاجة الجديدة. # الباب السابع عشر # الديانة - حروف الهجاية - التجارة - الصناعة ~~(1) آلهة الفينيقيين # لا نعرف شيئا كثيرا عن الديانة الفينيقية، فقد كان لكل مدينة مولى (أدون)، وإله ~~(بعل) يلقبونه في الغالب بلقب خصوصي؛ تمييزا له عن بقية الآلهة (البعليم) في ~~المدائن الأخرى، فكان اسم الآلهة المعبودة في صور وصيدا بعل صور (إله صور)، ms099 وبعل ~~صيدون (إله صيدا). هذا، وقد كان بعل يسمى ملكارث بنوع أخص في مدينة صور، ومعنى هذه ~~اللفظة: ملك المدينة، وقد جعله اليونان في صور بمثابة هرقل عندهم، وكان لكل بعل ~~إلهة أنثى (بعلة)، تكون ربة المدينة، وملكة السموات، كما كان هو الإله والملك، ~~وكانت تسمى عشتاروت، وهو اسم جنس عام، وكانت لها جملة شارات بحسب الشأن الذي يخصص ~~لها، ففي بعض البلاد كانوا يصورونها وفي يدها حمامة (شكل # 17-1 ~~)، ~~وفي بعضها يمثلونها وعلى رأسها الهلال. # شكل 17-1: # الإلهة ذات الحمامة عن نقش على قطعة من الآجر قد صنعت في العصر ~~اليوناني وهي محفوظة بمتحف اللوفر. # وليس من السهل تعيين خاصية رمزية لكل واحد من هذه الآلهة، فإن البعليم كلهم ~~تقريبا يمثلون قوى الطبيعة والشمس والكواكب، وأما العشتاروت فهن ربات العشق والحرب ~~وفصول السنة، والفصول التي تكتسب فيها الطبيعة رونقها وبهجتها، والفصول التي ~~يعتريها فيها الذبول والاضمحلال، وكلهم من آلهة وإلهات يقيمون في قلل الجبال، وعلى ~~شواشي جبل لبنان، وحرمون، وقاسيوس، وفي الأجمات والمياه، ويتجلون أمام الأنام على ~~المشارف والمرتفعات ويسكنون في الأشجار والأحجار الخام # 1 # بل وفي الكتل المنحوتة عمدانا. ~~(2) عبادة أدونيس وعشتاروت # قالوا؛ ثم توالت الأزمان على هذه الآلهة المتعددة؛ حتى إنها حلت كلها في زوج واحد ~~سماه القوم إيل وإيلة، أو بعل وبعليت؛ بحسب الجهات المعبود فيها. وصارت بقية الآلهة ~~الآخرين لا تذكر بجانب هذين الإلهين، بل كان لها شبه وجود فقط، ويقول بعضهم إن بعل ~~هو رب السماء والزمان والأبد والشمس، وأما زوجته فهي القمر. ويقول آخرون إن الآلهة ~~الخالقين هم سبعة، اسمهم الكبراء أبناء الصديق، وكلهم يجتمعون تحت راية ثامن اسمه ~~أشمون، وينقادون لأحكامه. وقد كانت خرافاتهم الدينية شائعة في المدائن البحرية وفي ~~بيروت وصيدون (صيدا)، فانتشرت على سواحل البحر المتوسط بواسطة أهل البحر منهم، بل ~~بقيت إلى ما بعد انقراض المستعمرات الفينيقية وبقي لها محراب وأسرار مشهورة في ~~جزيرة ساموتراس، واستمر ذلك إلى أن تلاشت الديانة الوثنية مرة واحدة. # وكانت البعليم كلها مستنفرة مستوحشة ms100 ومتشبعة بالحسد والغيرة، وكانت تفرض على ~~عبادها أن يكون قربانهم لها من الحيوان بل ومن بني الإنسان، وخصوصا أول مولود ~~للرجل، وعندما يقع خطر عام يتهدد المملكة كان الملك والأعيان لا يقربون إليها ضحية ~~واحدة فقط بل جميع أولادهم الذين يطلبهم الإله فكانوا يحرقون أمام الإله هذه ~~الضحايا وهي على قيد الحياة، ولا يسكن غضبه إلا إذا شم قتار اللحوم ورائحتها، ~~وكانوا يطبلون ويزمرون منعا لسماع الأنين الصادر من هؤلاء المساكين الذين يعانون ~~عذاب الحريق، ولكي يكون القربان صحيحا مقبولا كان من المحتم أن تحضر الأم بملابس ~~الفرح والمهرجان وتقف ساكتة ساكنة لا تبدي حراكا. # وكانوا يحتفلون بأسرار الآلهة الكبيرة بالقرب من مدينة بيلوس في وادي نهر أدونيس، ~~وذلك أنه متى جاء الانقلاب الصيفي؛ أي متي «قتل الصيف الربيع» أخذت هي في دفن زوجها ~~أدونيس رب الأرباب (أدون أدونيم) إذ قتله حلوف وحشي هائل فتشترك البلاد كلها في ~~حزنها وتلبس الحداد مثلها، فيضعون في الهياكل نعوشا وعليها تماثيل الإله من الخشب ~~المدهون بالألوان والأصباغ، وكانوا يسهرون عليه قبل دفنه، وكانت النساء تخرج زرافات ~~زرافات وتهيم في المدائن والغابات والجبال راخيات الشعور أو حالقات الرءوس شاقات ~~الجيوب بصدور مرضوضة ووجوه مخموشة، وهن يولولن بالعويل الطويل علامة على الحزن ~~الشديد ثم يأخذ القوم في دفن تمثال أدونيس ويصطنعون بساتينه؛ وهي عبارة عن أوان ~~يغرسون فيها فروعا خضراء من غير جذور، ثم يعرضونها للشمس فلا تلبث أن تعتريها ~~الذبول والجفاف؛ حتى إذا جاء الخريف انهالت السيول بمياه ضاربة إلى الحمرة، وانصبت ~~في البحر عقيب الأمطار فتهطل على لبنان. وكانوا يعتبرون هذه المياه الحمراء كأنها ~~دم أدونيس ، ويتضاعف حينئذ حزنهم ووجدهم بمجرد رؤيتهم لها. وكان الحداد الأكبر ~~يستديم سبعة أيام وفي اليوم الثامن ينبئ الكهنة بأن أدونيس عاد إلى الحياة، وأنه ~~يتأهب للاجتماع بزوجته فيفيض عليهم السرور ويشتد بهم الفرح والابتهاج إلى ما يتجاوز ~~حد الاعتدال. ~~(3) ألف باء الفينيقية # لما استطال حكم المصريين على فينيقية أثر تأثيرا قويا على أفكار أهاليها ~~الدينية فتأصلت في ms101 مدينة جبيل خرافة أوسيرس وإيسيس، واختلطت بخرافة أدونيس ~~وعشتاروت، وصار الإله توت المصري فينيقيا أيضا، وحفظ في وطنه الجديد مقامه في ~~مصر؛ أعني مؤرخ الآلهة ومخترع الآداب. # شكل 17-2: # حروف الهجاء الفينيقية بإزاء الإشارات الهيروغليفية التي هي أصل ~~لها. # ومما يؤكد حقه في ذلك أن الفينيقيين أخذوا الكتابة عن المصريين، ولم يكدحوا ذهنهم ~~في نقل مجموع الكتابة الهيروغليفية بطريقة الإجمال، وذلك أن هذه الأمة المؤلفة من ~~تجار لم يكن لها حاجة للتعبير عن الأفكار بطريقة مشوبة بالتعقيد؛ مثل طريقة ~~الكتابة المصرية، فحذفوا جميع الصور الدالة على معان مستقلة بالمفهومية، والحروف ~~الدالة على المقاطع، والحروف الدالة على أصوات كثيرة، والحروف المتشابه صوتها التي ~~بقي المصريون محافظين عليها، ثم اختاروا من الحروف الهجائية اثنين وعشرين حرفا ~~توافق الاثنين وعشرين صوتا الأصلية الموجودة في لسانهم (شكل # 17-2 ~~)، ومن هذه الحروف خمسة عشر حرفا لم يعتورها كبير تغيير؛ بحيث إن أقل نظر يكفي ~~لمعرفة أصلها المصري، والبقية منقولة من القلم الهيراطيقي من غير مخالفة لقواعد ~~التشبيه. # وقد نقلوا هذه الحروف الهجائية إلى الأقطار التي كانت تجارتهم تسوقهم إليها، ~~فصارت أصلا اشتقت منه جميع حروف التهجي المعروفة وقتئذ من بلاد الهند والمغول إلى ~~بلاد الغالية (فرنسا القديمة) وإسبانيا، وجاء في أشهر الروايات اليونانية أن قدموس ~~الفينيقي مؤسس طيبة في البيوثيا (بلاد اليونان) هو الذي أدخل حروف الهجاء بهذه ~~البلاد ووصلت إلى أوروبا عن طريق إيطاليا والحروف التي يستعملها الإفرنج الآن في ~~الكتابة هي مشتقة عنها بالطبع. # شكل 17-3: # ناووس أمريت. ~~(4) الفنون الفينيقية # وقد أخذ الفينيقيون عن المصريين أيضا بعضا من فنونهم وصنائعهم، فترى في الآثار ~~الفينيقية القليلة التي نجت من الدمار منظرا مصريا خالصا صافيا. فالناووس الذي ~~عثر عليه الموسيو رنان بالقرب من أمريت، التي هي ماراث القديمة يعتبره الإنسان ~~بالسهولة مصريا محضا لو كان اكتشافه على شواطئ النيل (انظر شكل # 17-3 ~~)، بل إن معاصر الزيوت ذات الأجهزة الضخمة (انظر شكل # 17-4 ~~) تشبه الآثار المصرية مشابهة لا مراء فيها بالنظر إلى ~~جسامتها، وإلى ترصيف الأحجار ms102 فيها، وكذلك أواني الفضة والشبهان (البرونز) التي كان ~~القوم يصنعونها في صور وصيدون (صيدا) تراها مزخرفة بأشكال مصرية، وممثلة لموضوعات ~~مصرية (انظر شكل # 17-5 ~~)، وكذلك الجواهر، والأساور، والخناجر، ~~ودروع الخواصر، والخواتم، والأقراط (شكل # 17-6 ~~) كلها عليها شارات ~~فرعونية وصور آلهة مصرية، وكذلك المصنوعات الزجاجية (شكل # 17-7 ~~) ~~تشابه المصنوعات الزجاجية المصرية. # شكل 17-4: # معصرة زيت قديمة بالقرب من أمريت. # شكل 17-5: # آنية من الفضة محلاة بزينة مصرية. # شكل 17-6: # قرط فينيقي وجد في جزيرة سردانية. # وقد كان لتأثير التمدن الآشوري والكلداني موازنة وقتية مع التمدن المصري، ولكنه ~~لم يزله بالمرة، ولم يتوصل للحلول محله بل نشأ عن ذلك التوازن اختلاط غريب في ~~الأشكال والصور المأخوذة عن هذين التمدنين العظيمين اللذين كانا متناظرين يتنازعان ~~المقام الأسمى في بلاد المشرق، فلما كان الفتح المقدوني بعد ذلك جاءت فنون الفاتحين ~~اليونانيين وطرائقهم الفنية على أثر ما قد سبقها من الصنائع والفنون، ثم بقيت هي ~~دون غيرها وتناسى الناس صنائع المصريين والآشوريين، فلم يكن للفينيقيين قط فنون ~~وطنية خاصة بهم متأصلة فيهم؛ لأنهم اقتصروا في كل عصر على تقليد أعمال الأمم التي ~~تحكمهم، فكانوا يصطنعون على الطراز المصري أو الآشوري المتوسط أيام كانت حكومة ~~بلادهم في أيدي المصريين أو الآشوريين، فلما حكمهم اليونان ثم الرومان حاكوا ~~الصنائع اليونانية، وكانت أعمالهم حينئذ من الطراز الغير الجيد. ~~(5) الصناعة الفينيقية والكلام على الأرجوان # لذلك لم يشتهروا عند عموم السلف إلا بكونهم من أهل التجارة والملاحة، ولا صحة لما ~~زعمه البعض من أنهم أول من اصطنع الزجاج؛ لأن المصريين كانوا يعرفونه قبلهم بزمان ~~طويل ولكن الفينيقيين جعلوا طرق اصطناعه سهلة بسيطة، وهم أول من اصطنع زجاجا بلا ~~لون ينفذ النور منه قليلا بدلا من الزجاج الملون الغير الشفاف، الذي كانت تصطنعه ~~مصر وتصدره إلى الخارج، وكانت مصوغاتهم ومطرزاتهم وأقمشتهم الملونة مرغوبا فيها في ~~كل مكان، وكان أرجوانهم مشهورا في الدنيا كلها ومضى زمان طويل ولا يعرف أحد من ~~الأمم كيف يكون تركيبه. # شكل 17-7: # إناء فينيقي صغير من الزجاج. ms103 # والأرجوان هو مادة ملونة تستخرج من جملة حيوانات صدفية قوقعية، وكان الفينيقيون ~~يستعملون في صناعتهم هذه الأصداف المعروفة عند علماء المواليد بلفظة موركس ترنكلوس ~~(شكل # 17-8 ~~)، وبلفظة موركس برانداريس (شكل # 17-9 ~~)، ويرى الإنسان بقايا هذين النوعين من الصدف متراكمة أكواما عظيمة بجوار المدن ~~الفينيقية، أو المدائن اليونانية التي أسس الفينيقيون فيها مستعمرات لهم، واعلم أن ~~المادة الملونة توجد مخزونة بالقرب من رأس الحيوان، ولأجل الحصول عليها كانوا ~~يكسرون قوقعته في هذا المكان بواسطة الشاكوش، فتخرج عصارة ضاربة إلى الصفرة ~~فيلتقطونها بكل عناية والتفات، وينقعونها في الملح مدة ثلاثة أيام، ثم يغلونها في ~~إناء من الرصاص، ويلطفون حرارتها على النار، ثم يضعون هذا السائل على مناخل لينفذ ~~منها خالصا نقيا من قطع اللحم التي ربما تكون مخالطة للعصارة، وبعد ذلك يغطون ~~القماش فيه غطا. وكانت الصبغة الشائعة عندهم شبيهة بلون الدم الضارب إلى السواد ~~بالانعكاس، ولكنهم توصلوا بوسائل ومعالجات متنوعة إلى الحصول على لون أحمر وبنفسجي، ~~وقاتم أوجمشتي. # 2 # شكل 17-8: # أصداف موركس ترنكلوس. # شكل 17-9: # أصداف موركس برانداريس. # وكانت الصباغة وصناعة الزجاج أخص ما يصطنعه الفينيقيون، ولكنهم لم يكونوا يجدون ~~في مصنوعاتهم هذه ما يكفي لوسق سفائنهم وتسفيرها؛ فكانوا يزيدون عليها المحصولات ~~الطبيعية أو المصنوعات التي كانوا يذهبون لاجتلابها من أقاصي الأرض، أو التي كانت ~~تأتي بها قوافل آسيا وأفريقيا إلى ثغورهم. ومضت عليهم الأعصار الطوال وهم الذين ~~يتعاطون نقل البضائع والمتاجر في البحر الأبيض المتوسط؛ بحيث كانت وساطتهم لازمة ~~بين المغرب الذي لم يزل ضاربا في فيافي الهمجية والتبربر وبين المشرق الذي علت ~~فيه كلمة التمدن وارتفع شأن الحضارة. # خلاصة ما تقدم ~~(1) # كان لكل مدينة في فينيقية رب خاص بها (بعل) وله عشتاروت (أسطارطوس ~~وهي إلهة أنثى) وكانت البعليم والعشتاروتات تمثل قوى الطبيعة والشمس ~~والكواكب، أو الأغراض التي تتجه إليها نفوس بني آدم مثل العشق والقتال. ~~وكانت هذه الآلهة متوطنة في المرتفعات والمشارف وفي الغابات وفي المياه ~~وفي الأحجار الخام (بيت إيل - بيت الإله). ~~(2) # وكانت هذه الآلهة تؤول إلى ms104 زوج واحد أعلى أو إلى سبعة آلهة كبراء تحف ~~باشمون الذي هو الإله الخالق، وكانت عبادة هذه الآلهة غير منتظمة ~~ومحفوفة بأساليب القساوة، فكان القوم يحرقون الأطفال تمجيدا لها، وإذا ~~حل الانقلاب الصيفي أخذوا يندبون موت أدونيس، ثم إذا جاء الخريف ~~احتفلوا ببعثه ونشوره. ~~(3) # ثم دخلت بعض القواعد الدينية المصرية في ديانة الفينيقيين، وكذلك ~~أخذت فينيقية عن مصر حروف الهجاء، ومن الحروف الهجائية الفينيقية اشتقت ~~حروف الهجاء الأوروباوية. ~~(4) # أما فنونهم من صباغة ونقش ونحت وعمارة وعمل زجاج فقد أثرت عليها ~~صنائع مصر تارة وصنائع كلديا أخرى تأثيرا عظيما. ~~(5) # وكانت صناعة الفينيقيين مشهورة عند القدماء؛ فقد أتقنوا طرق اصطناع ~~الزجاج، وحفظوا زمانا طويلا سر تحضير الأرجوان، وكانوا ينقلون إلى ~~الجهات القاصية مشغولات بلادهم ومصنوعات الأمم الأخرى. وكانوا هم الذين ~~يتعاطون مهنة نقل البضائع في البحر المتوسط مدة أجيال طوال. # ويسمونها بيت إيل؛ أي بيت الإله. # أي بلون الحجر المعروف باسم الجمشت # Améthyste # وهو حجر أرجواني أو بنفسجي مائل للزرقة. # الباب الثامن عشر # المستعمرات الفينيقية ~~(1) استعمار قبرس # كانت سفائن الصوريين مثل سفائن بقية الأمم المشرقية عبارة عن مراكب لها نصف ~~كويرتة (أي نصف سطح) تسير بالقلع والمجداف، وكان أصحابها يمخرون بها بحذاء الساحل، ~~وما كانت تسافر إلا نهارا فإذا جاء المساء لجأت إلى جون بجانب رأس داخل في ~~البحر. # وفي بعض الأحيان كانوا يجرون المراكب على البر حتى تبقى واقفة على الرمل، فينزل ~~من فيها إلى الأرض لقضاء الليل ثم يسافرون في اليوم الثاني، وما كانوا يخاطرون ~~بالسير في الغاطس بعيدا عن الشواطئ إلا إذا لم يكن لهم عن ذلك مندوحة لأجل عبور ~~بوغاز فاصل بين قارتين أو لأجل الذهاب إلى جزيرة بعيدة. # وكانت قبرس أول جزيرة احتلها الفينيقيون وكثرت فيها مستعمراتهم منذ القرن السابع ~~عشر قبل الميلاد، وكان الفينيقيون يستغلون ما أودعته فيها الطبيعة من أصول الثروة ~~وموارد الرزق. واعلم أن هذه الجزيرة يخترقها جبلان من المشرق إلى المغرب يكادان ~~يكونان متوازيين وبينهما واد يعجب السائحين إلى الآن بنضرته وكثرة خصوبته، ms105 وأخص ~~محصولاته القمح والكرم والزيتون، وأكثر ثروته من المعادن خصوصا وكان نحاسها ~~مشهورا جدا حتى إن الرومانيين اعتادوا على تسمية هذا المعدن بالقبرسي «كبريوم»، ~~ومن هذا اللفظ اشتقت أسماء النحاس المستعملة في أغلب لغات أوروبا، وقد أقامت مدينة ~~ببلوس المحراب الأكبر المخصص لبافوس (باف) على الساحل الغربي، وأما باقي الجزيرة ~~فكان منقسما إلى ممالك صغيرة وهي كيتيوم (كيتين واسمها الآن شيتي) وأماثونت ~~(أماثونطا) وكوريوم (كوري) وكل هذه الولايات كانت تعترف تارة بسيادة صور وأخرى ~~بسيطرة صيدون، وبالأمة المصرية أو الآشورية التي كان أسيادها الصوريون أو ~~الصيدونيون يؤدون لها الجزية. ~~(2) الفينيقيون في بحر إيجه (المعروف الآن بالأرخبيل) وفي البحر الأسود # لم يكن للصوريين في الجنوب مستعمرات مستقلة بنفسها، إذ كانت مخازنهم في أغلب ~~مدائن الدلتا تحت مراقبة الحكام المصريين. ولقد كثر عددهم في منف حتى صار لهم قسم ~~منها استقلوا بسكناه ثم صرفوا وجهة عزيمتهم نحو آسيا الصغرى، فلم تلبث سواحل ~~كيليكيا (لواء أطنه) المحاذية لقبرس أن كثرت بها المخازن التجارية العامرة الزاهرة، ~~غير أن أهالي ليكيا (صوف زاوية) منعوهم من دخول بلادهم كل المنع وقاوموهم في ذلك ~~أشد المقاومة، وأما الكاريون فما كان أسهل امتزاجهم بهم؛ إذ سمحوا للصيدونيين ~~بالاستحواذ والسيادة على رودس، وخالطوهم بالمصاهرة وتشبهوا كل التشبه بأسيادهم ~~المستجدين حتى صارت بلادهم تعرف باسم فينيقية؛ أي الأرض الفينيقية. # وفيما وراء رودس كان للملاح طريقان في البحر، أحدهما يوصله إلى الشمال نحو ~~الهلسبنطس (مرمرا والدردانيل) فالبحر الأسود فاستعمر الفينيقيون مع الكاريين معظم ~~جزائر الأرخبيل مثل ديلوس وباروس وميلوس # 1 # وأخذوا منها كثيرا من الشب والكبريت وغير ذلك، وجعلوا للؤلؤ مصايد ~~نيسيرا (نجدلي غدا) وجياروس (جورا) وشيدوا معامل للصباغة والأقمشة في كوس ~~(استانكوي) ثم وضعوا أيديهم على لمنوس (لمنو أو ستاليمين) وسموثراقة (سموثراكي أو ~~سمندرك) وثاسوس (طاشيوز) واستخرجوا معادن الذهب في جبل بانجي (كستنيان أو بنهارطاغ) ~~على ساحل ثراقة، ولما كان دأبهم مداومة السعي للبحث على أسواق جديدة يصرفون فيها ~~بضائعهم، فقد جشموا أنفسهم الدخول في قنال هلسبنطس الضيق، ووصلوا إلى ms106 ذلك الحوض ~~الفسيح الهادئ المعروف ببحر مرمرا، وبعد أن آمنوا على حرية مرورهم بهذا البوغاز ~~بإنشاء مدينتي أبيدوس (نجارا أوبوردك) ولمبساك (جارداك) قد توطنوا في برونكتوس ~~(قره مرسل # Caramoussel ~~) على بعد قليل من معادن ~~الفضة التي كان يستخرجها البتينيون في الجبال، بل قد جاء في الروايات ما يدعو إلى ~~الظن بأن شهرة معادن القفقاسية قد زادت في طمعهم فطمحوا إليها، واقتحموا من أجلها ~~أصقاع البحر الأسود وهي قاحلة ماحلة. وكانوا يرجعون بعد تجوالهم في هذه البحار ~~بأصناف التن # Thon # والسردين والأرجوان والعنبر ~~والذهب والفضة والرصاص والقصدير لاصطناع البرونز، وكانوا يتحصلون عليه أيضا من ~~البر عن طريق أرمينية والشام. ~~(3) الفينيقيون في بلاد اليونان وتأثير هذه البلاد على فينيقية # من يرمي بنظره إلى الجنوب وهو برودس يرى شماريخ جبال أقريطش (كريد) على بعد، وهذه ~~الجزيرة واقعة في مدخل بحر إيجي وكأنها قارة قائمة بذاتها تكفي نفسها بنفسها، فإن ~~فيها وديانا خصبة وجبالا تكسوها الغابات، وقد اتخذ الفينيقيون مصائد للأرجوان في ~~إيتانوس، وصاروا أصحاب الكلمة النافذة في الساحل وأقصوا الأهالي إلى ثنيات جبال ~~إيدا (بسيلوريتي) ومنعرجاتها، ثم انتقلوا إلى كثيرا (جزيرة سيريجو) وأحدثوا بها ~~معبدا لعشتاروت. # ولما كانت بلاد اليونان التي في القارة تحصرها من الجنوب جزيرة كثيرا، ومن ~~الشرق جزاير سقلادس؛ فلم تنج منهم، بل طرقوا أبوابها وجاسوا خلالها فظهروا في برزخ ~~قورنثة ثم في إيجين (إيجينا-إيجيا) فسلامين (كولوري) فالأرجوليد فالأتيكة. وجاء في ~~إحدى الروايات المعتبرة عند السلف أن الذي أسس مدينة ثيبة في بيوسيا هو قدموس ~~الفينيقي واضع حروف الهجاء اليونانية، فانتشر بسبب ذلك تمدن الشرق ومقالات أهلية في ~~الديانات عند قبائل اليونان التي لم تكن تجاوزت الهمجية تماما، ثم تلاشت عبادة ~~عشتاروت إلهة الفينيقيين واستبدلت بعبادة الزهرة (أفروديت بلسان اليونان) إلهة ~~قورنثة وإلهة سيريجو، ثم اتخذ صناع الأرجوليد الأولين الأشياء الدقيقة المصطنعة في ~~مصر نموذجا يحاكونه في أعمالهم. # على أن اليونان لم يجعلوا للفينيقيين سبيلا للامتزاج بهم، وانتزاف ثروتهم مدة ~~طويلة من الزمان، فإنهم تعلموا بسرعة كيفية إنشاء السفن القادرة ms107 على مقاومة مراكب ~~الأغراب (شكل # 18-1 ~~)، ودهموا مكاتب شركات الصوريين ووكالاتهم ~~التجارية، واسترجعوا جزائر سقلادس. ثم إن أهالي كريد عظمت شوكتهم، وازدادت قوتهم ~~بمن وفد إليهم من مهاجري القارة، فتمكنوا من طرد الكنعانيين من جزيرتهم، ولما صارت ~~كريد لأهلها حدثت منها مملكة مؤلفة من مائة مدينة، وعاصمتها كنوسس (أكنوس)، وأول ~~ملوكها رجل أكثر أهل الروايات الخرافية من ذكره حتى كاد يكون عريقا فيها، وهو ~~الملك مينوس، وأن ظهور المملكة الكريدية في نحو القرن الثالث عشر قبل الميلاد كان ~~فيه انتهاء شوكة الفينيقيين، وتسلطهم على بحار اليونان. # شكل 18-1: # سفينة يونانية منقول شكلها عن قطعة آجر منقوشة في قبرس في القرن ~~الخامس. # ومن هذا الوقت لم يتيسر للصيدونيين والصوريين البقاء في بعض الجزائر المنعزلة ~~مثل: ثاسوس (طاشيوز)، وميلوس (ميلو)، وثيرا (سنتورين)، ورودس وكثيرا (سيريجو) إلا ~~بشق الأنفس، بل إن اليونانيين ما لبثوا أن بادؤهم بالشر، وناصبوهم العداوة، وذهبوا ~~يطلبون الثروة في البقاع التي بها الفينيقيون بلا مناظر ولا مزاحم، ولما طرد منفتاح ~~ورمسيس الثالث الأكائيين من ديار مصر نزلوا بقبرس، وقاموا بجهاد استمر قرونا ~~طويلة، ثم انتهى بخراب المستعمرات الفينيقية القديمة. # ولما كان يونان قبرس على تخوم العالم الشرقي؛ تحضروا ببعض حضارته، وكان أرباب ~~الفنون منهم واقعين تحت تأثير الطرائق المصرية والآشورية مباشرة، أو بواسطة؛ فكانوا ~~يميلون تارة إلى الأسلوب المصري، وطورا إلى المنهاج الآشوري. ~~(4) استعمار صقلية وإفريقية وإسبانيا # على أن الفينيقيين استعاضوا هذه الخسائر بما فتحوه من البلدان في أصقاع البحر ~~المتوسط القاصية، فإن الصوريين كانوا قد انجذبوا قبل ذلك بزمان إلى جهات المغرب لما ~~اشتهرت به أرضه من كثرة معادنها وخصوبتها وكل ما يلزم لرفاهية الحياة؛ فانتقلوا ~~بغير عناء من بلاد اليونان إلى إيطاليا فصقلية، ومن صقلية إلى مالطة فإفريقية (في حدود القرن الثالث عشر) فلما تم طردهم من مياه بحر إيجي انتقلوا بقوتهم كلها إلى ~~تلك الأقاليم التي لم يكن فيها مناظر لهم. # فأحاطوا صقلية بجملة مستعمرات منها روش ملكارث وموتيا وزيز التي صارت فيما بعد ~~مدينة بلرم ms108 Palerme # وشادوا على جبل ايركس # 2 # معبدا لعشتاروت ما زال حافظا كرامته وقداسته إلى آخر أيام الديانة ~~الوثنية، ثم إنهم طمعوا لمعادن سردانية فذهبوا إليها ثم قصدوا جزائر الباليار # 3 # وكان القسم من إفريقية المحاذي لصقلية عبارة عن باب عظيم تصدر منه ~~تجارتهم وترد إليهم عنه المواد الأولية مثل العاج والأخشاب النادرة والأفاوية ~~والأبازير والمعادن الثمينة، التي كانت تحتاج إليها معاملهم وأقدم مستعمراتهم على ~~هذه السواحل هي أوتيكة # 4 # ينتهي تأسيسها إلى القرن الثاني عشر ثم أقيمت مدائن أخرى بجانبها وهي ~~مدينة هيبو ثم هادر وميت ولبتيس. # 5 # ثم ساروا بحذاء الشاطئ مغربين حتى بلغوا متصل البحر الأبيض المتوسط بالبحر ~~المحيط؛ أعني بوغاز جبل طارق، واستعمروا هذه النقطة أزمانا طويلة وهي أقصى حد ~~لفتوحاتهم، وقد كان البوغاز في تلك الأيام تتخلله جملة جزائر صغيرة قد تغلبت عليها ~~الأمواج الآن فذهب أثرها من الوجود. وقد قالوا إن إلههم ملكارث أقام على جزيرتين ~~منها؛ إحداهما بأوروبا والأخرى بإفريقية عمودين رمزا للفوز والانتصار، وهما ~~المعروفان بعمودي هرقل الجبار. وفيما وراء العمودين تبتدئ بلاد الترشيس التي أرسل ~~سليمان عليه السلام أساطيله إليها وهي التي تعرف عند اليونان باسم ترتسوس وهي من ~~أخصب بقاع الأرض، وكانت سهول نهري يتيس وانس (الوادي الكبير ووادي انس) تنتج ~~الزيت والخمر والقمح الضعف بمائة ضعف، وكان صوف الضأن فيهما أجود من كل أصناف ~~الأصواف، وأكثر قابلية للتطريز والصباغة باللون الأرجواني، وأنهارها عريضة عميقة ~~بحيث يتيسر للسفن أن تصعد فيها إلى غاية قاصية داخل البلاد، كما أنها كانت واسطة في ~~تسهيل الدخول بأصقاع البحر الشاسعة، وكانت الجبال تعلوها الغابات الكثيرة وفي ~~باطنها المعادن المتنوعة من ذهب وفضة ونحاس وحديد وقصدير، وكان في البحر كثير من ~~الأسماك ويتوافد إليه التن # Thon # زرافات ~~زرافات. # وأقدم المستعمرات الفينيقية في هذه البقاع هي مستعمرة سيس ، فيما قبل العمودين ~~ومستعمرة أونبة فيما وراءهما. وفي حدود سنة 1100 تأسست مدينة قادر المعروفة اليوم ~~باسم قادس على جزيرة مستطيلة مستدقة على غاية القرب من الساحل، لا يحول ms109 بينها وبينه ~~إلا شريط دقيق من الماء الملح، وما لبثت هذه المدينة أن صارت لحسن موقعها مركزا ~~لجميع الأملاك الفينيقية في إسبانيا وهي كرتية ومالقة # 6 # وأبديرة، ثم صارت المواصلات بين صور وقادر وبين قادر وصور منتظمة ~~متوالية، كما كانت بين قبرس وفينيقية. ~~(5) خراب مملكة الصوريين الاستعمارية # لا جرم أن صور كانت في أيام حيرام وخلفائه مركزا لتجار العالم كله، كما أن الفتن ~~الداخلية ساعدت أيضا على توسيع مملكتها لأنها أوجبت نزح بعض أهلها عنها، وقد راد ~~ربانوها سواحل مراكش، وأبعدوا نحو الجنوب وجعلوا المستعمرات كسلسلة متصلة ~~الحلقات فيما بين البوغاز وبلاد السنغال، وصعدوا من جهة الشمال حتى وصلوا بحار ~~الغاليا، وهي بحار يعلوها الضباب البالغ في الكثافة والقتامة # 7 # وبلغوا جزائر القصدير (التي هي جزائر بريطانيا العظمى) وربما تجاوزوا ~~هذه الجزائر، ولكن أعداءهم اليونان الذين طردوهم من بحر إيجي تعقبوهم في الحوض ~~الغربي للبحر الأبيض المتوسط فجاءوا صقلية في أواخر القرن الثامن في العصر الذي ~~كانت صور تدافع فيه تغلا ثفلاصر وسرجون وتصد هجماتهما عنها وأسسوا ناكسوس # 8 # وميجار في سنة 731 وسرقوسة # Syracuse # في سنة 734 وما مضت عليهم بضع سنين حتى استعمروا ساحلي الجزيرة شرقا وجنوبا، ثم ~~إن كوليوس الذي أصله من جزيرة ساموس أوغل في سيره إلى ما وراء صقلية؛ حتى وصل إلى ~~قادر (قادس) وعقد مع إسبانيا علائق متجرية أوثقها الفوكيون من بعده وأيدوها تأييدا ~~وطيدا. # وقد أتمت قرطاجة ما بدأ به اليونان، فإنها ما لبثت أن أزالت كل بهجة لجارتها ~~أوتيكة وهادروميت ولبتيس ثم تنازعت في التجارة والمكسب مع تلك المدينة (صور) التي ~~كانت هي سببا في وجودها من العدم، وإذ كانت صور غير قادرة على حماية الأمم ~~والمخازن المتجرية التابعة لها لاشتغالها بمجالدة آشور وكلديا؛ اضطر الفينيقيون في ~~صقلية بعد أن طردهم اليونان إلى غرب الجزيرة وشمالها إلى الدخول تحت حماية قرطاجة ~~كما فعل إخوانهم المتوطنون بسواحل إسبانيا وإفريقية، بعد أن أعيتهم الحيلة في ~~التخلص من إيقاع البرابرة بهم وإيذائهم لهم فلما كان ms110 منتصف القرن السابع لم يكن ~~لفينيقية مستعمرة واحدة تعترف بسيطرتها حتى ولا قبرس، فقامت المملكة القرطاجية ~~بدلا عن المملكة الفينيقية. # خلاصة ما تقدم ~~(1) # كان الفينيقيون لا يعرفون سوى الملاحة بجانب السواحل، فكانوا لا ~~يبتعدون عنها إلا عند الضرورة القصوى، كاجتياز زقاق في البحر يفصل بين ~~قارتين، وقد بدءوا باستعمار قبرس لما فيها من المعادن الوافرة، وخصوصا ~~النحاس. ~~(2) # ثم أحدثوا كثيرا من المستعمرات على ساحلي كيليكيا وكاريا وفي جزيرة ~~رودس وجزائر الأرخبيل وشطوط بحر مرمرا، بل ويقال أنهم أوغلوا في سيرهم ~~حتى بلغوا منتهى البحر الأسود. ~~(3) # وانتقلوا من رودس إلى اقريطش (كريد) ثم إلى بلاد اليونان التي ~~بالقارة، وقد جاء في الروايات أنهم أسسوا مدينة ثيبة في بيوسيا، ثم ~~طردهم مينوس من جزيرة أقريطش ومن جزائر سقلادس ثم جاء الأكائيون ~~فاستقروا بجزيرة قبرس وانتزعوا منهم قسما من الجزيرة (في حدود القرن ~~الثالث عشر). ~~(4) # فاستعاض الفينيقيون هذه الخسائر بمستعمرات كثيرة في صقلية وسردانية ~~وجزائر الباليار وفي إفريقية وفي إسبانيا وكان من نتائج تأسيس مدينة ~~قادر في نحو سنة 1100 تأييد السيطرة الصورية في إقليم بيتيكا. # 9 ~~(5) # وفي حدود القرن الثامن جاء اليونان واستقروا بجوار الفينيقيين في ~~صقلية ثم تعقبوهم وطردوهم إلى إسبانيا فلما وقع القتال بين صور وبختنصر ~~انفصلت عنها قرطاجة وانتزعت منها سيادة المستعمرات في إفريقية ~~وإسبانيا؛ حتى إأنها لم يبق لها في زمن كورش ولا مستعمرة واحدة، فسبحان ~~من له الملك على الدوام! # تسمى الآن ديلي أوسديلي وباورو وميلو. # هذا هو اسمه عند الرومانيين # Eryx ~~، واسمه ~~عند العرب جبل حامد، واسمه عند الطليانيين الآن جبل سان جوليانو. # اسمها ميروقه ومنورقة عند العرب تعريبا من الاسمين الأفرنكيين لأكبرها ~~له الجزائر وهما # Majorque # و # Minorque ~~. # أطلالها بالقرب من مدينة بتونس تسمى عند العرب غار الملح، وعند الإفرنج ~~بورتوفارينا؛ أي ميناء الدقيق؛ لأن جنوب أوروبا وإيطاليا على الخصوص كان ~~ينمون الغلال منها. # أطلالهما بالقرب من سوسة بتونس. # هذا الاسم منقول عن الاسم الفينيقي «ملكة». # ولعل هذا هو السبب في تسمية الأوقيانوس الأتلانطيقي عند ms111 العرب ببحر ~~الظلمات. # جزيرة بالأرخبيل اسمها الآن ناكسيا. # هو عبارة عن القطر الذي يشقه الوادي الكبير ويحده شمالا ~~وادي أنس، وشرقا إقليم طركونه ثم البحر الأبيض والأقيانوس ~~جنوبا وغربا، وهو عبارة عما يعبر عنه العرب باسم الأندلس في ~~أول أيام الفتح، وقد سمي هذا القطر كذلك باسم نهر بتيس الذي هو ~~الوادي الكبير. # الكتاب الرابع # في تاريخ الماديين والفرس # الباب التاسع عشر # وصف إيران - آسيا الصغرى - مملكة الماديين ~~(1) وصف إيران # تمتد إيران فيما بين البحر القزويني والخليج الفارسي، وتنتهي عند الشمال الغربي ~~بسلسلة من الجبال أعلاها جبل دوماند؛ وهو ذاهب في السماء إلى نحو عشرين ألف قدم على ~~شكل هرمي. وحدها من جهة الغرب ستة صفوف من الجبال المتوازية وقد عرفها اليونان ~~باسم خواتراس وزغروس (المعروف الآن بجبل طاغ) وهذه الجبال تقي بلاد إيران من هجمات ~~من يقصدها من جهات دجلة؛ فكأنها لها أسوار منيعة لمعسكر حصين. # وفي حدها الغربي مجار كثيرة من المياه؛ ولذلك كانت البقاع الغربية آهلة عامرة، ~~ولكن كلما توغل الإنسان داخل البلاد انقطعت الأنهار وبدت البيداء. وفي أرض هذه ~~البلاد كثير من موارد الثروة والرزق، وإن كانت لا تقارب أرض مصر أو كلديا في الجودة ~~والخصوبة؛ ففي جبالها النحاس والحديد والرصاص وقليل من الذهب والفضة وفيها الأحجار ~~النفيسة، وخصوصا اللازورد الذي يتنافس الناس فيه، وقليل من جهاتها يعرى عن ~~النباتات، أما أكثرها فتكسوه غابات كثيفة من أشجار الصنوبر والبلوط والجوز ومنحدرات ~~جبل زغروس (جبل طاغ)، هي في الحقيقة رياض طبيعية تنبت فيها الكمثرى والتفاح ~~والسفرجل وحب الملوك، المعروف عند العامة بالكريز والزيتون، أما الجهات الداخلية في ~~هذه الهضبة فليس فيها إلا قليل من الأشجار بجانب الأنهار والبطائح، ومن محصولاتها ~~القمح والشعير والجودار (ضرب من القمح) وخضراوات جيدة في الجهات التي لا ينقصها ~~الماء. وكان فيها الأسد والنمر والسبندى # Léopard # والدب وكثير من الحيوانات الأهلية أو ~~القابلة للاستخدام، والحمار الوحشي والجاموس والهجين والدهامج (وهو الجمل ذو ~~السنامين) وجملة أنواع من الخيول منها نوع مشهور بحسن قامته وخفة ms112 حركته، وهو ~~المشهور بالنسوي (نسبة إلى مدينة نسا) ولم يتيسر للفاتحين الأول من الآشوريين ~~اجتياز حواجز زغروس (جبل طاغ) فإنها صدت أطماعهم عن هذه البلاد، ولكن شلمناصر ~~الثاني وابنه شمشيرمان، صعدا على هذه الهضبة في أواخر القرن التاسع وكانا أول من ~~جاء من أمتهما واختلط بالماديين. ~~(2) مبادئ المملكة المادية والكلام على كياكسار # كان الماديون يسمون أنفسهم الآريين ومفهوم هذا الاسم أعم من مفهوم الماديين، وقد ~~بقي في ذاكرتهم شيء غير واضح عن تاريخهم القديم؛ وهو أنهم انضموا في بعض العصور إلى ~~قبائل أخرى، وكانوا يهيمون على شطوط نهر جيحون ونهر سيحون # 1 # ونزل جماعة من القبائل التي كانت تقيم معهم بجهات الجنوب في حوض ~~نهر السند # Indus # والغدران التي تمده. وأما ~~الماديون فإنهم صعدوا مع الفرس على الهضبة واجتهدوا في أن يستحوذوا على قطعة من ~~أرضها تقوم بحاجاتهم، فأوغل الفرس في سيرهم نحو الجنوب الغربي، ولم يقفوا إلا عند ~~التخوم الشرقية لأرض عيلام فاستقروا في أرض جبلية عرفت باسمهم. # وأما الماديون فأخذوا يصعدون على مهلهم نحو الغرب سائرين بحذاء الجبال الحافة ~~بالبحر القزويني، ولما كانوا منشقين إلى ممالك صغيرة كثيرة العدد لا تزال تتصارع ~~وتتعارك في كل حين؛ فلم يمكنهم في أول الأمر دفع الجنود الآشورية، والتزموا ~~بالاستمرار على دفع الجزية إلى ملوك نينوي من عهد تغلا ثفلاصر الثالث إلى أيام آشور ~~أخي الدين؛ أي مدة تنوف على الخمسين سنة. # على أنه قد جاء في الروايات التي تناقلها الأهلون خلفا عن سلف، أن رجلا منهم ~~اسمه ديجوسيس # 2 # جعلهم أمة واحدة؛ فجمع هذه الأمارات المتعددة في مملكة متحدة، وأنه بنى ~~مدينة أكباتانة (همذان) ونظم جيشا ليعتمد عليه وقت الحاجة في الداخل والخارج، ورتب ~~العلائق التي بين الأمير والرعية. هذا وقد كان سرجون في سنة 715 هزم رجلا اسمه ~~دايوكو، وأخذه أسيرا، وربما كان هو المشار إليه في الرواية التي سردناها عن ~~الماديين، وكان هذا الرجل ملكا صغيرا حقيرا لا شأن له بنفسه ولا جاه عظيم، ولكن ~~ذريته هم الذين أسسوا ms113 تلك المملكة المادية الفخيمة إذ بعده بثلاثين سنة؛ أعني في ~~سنة 677 كانت ماداى عبارة عن معاهدة دولية لها رئيس واحد اسمه ماميتيارشو، وكانت ~~هذه المعاهدة من المنعة بحيث تيسر لها مقاومة آشور أخي الدين، ثم تأيدت سطوة ~~الأمة الحديثة في السنين التي أعقبت ذلك فبينما كان آشوربانيبال يفني جنود آشور في ~~محاربته مع عيلام كان ملك؛ تسميه الرواية فراورت (655-625) يتمم إخضاع جميع الأمم ~~المتوطنة فيما بين حوض دجلة والبحر القزويني؛ حتى أدخلها كلها تحت سلطانه، فلما مات ~~آشوربانيبال في سنة 625 ظن فراورت أنه قد جاء الوقت المناسب لشن الغارة على آشور، ~~فنزل في سهول دجلة ولكن آشور تيليلاني هزم جنوده، وقد مات فراورت في المعركة فجمع ~~ابنه كياكسار (سنة 625 إلى سنة 584) ما تشتت من جيشه بشق الأنفس وصعد بهم إلى هضبة ~~إيران ناويا تجهيز ما يلزم لحملة جديدة. # وكياكسار هو في الحقيقة الذي أسس مملكة الماديين العظيمة، وقد اعتبر بما وقع ~~لأبيه؛ فرتب جنوده على نمط الجيوش الآشورية المنتظمة، ففصل حاملي الحراب والرماة ~~والخيالة كل فريق عن الآخر، وقد كانوا يقاتلون قبل ذلك مختلطين ببعضهم فلما أتم ~~تنظيم الجيش عاود مقاتلة آشور، وإذا بالسكيثيين قد داهموه وكبسوا بلاده، فأوقفوا ~~تنفيذ مشروعاته والاجتهاد في تحصيل أطماعه. ~~(3) وصف آسيا الصغرى والكلام على مملكة ليديا # كانت قبائل بربرية وعشائر متوحشة لا ينقطع من بينها القتال ولا تهدأ لهم حركة ~~تسكن فدافد آشور، ضاربين إلى الشمال الأقصى فيما وراء أنهار أرمينية وقلل القففاسية # 3 # وفي منتصف القرن الثامن جاءت أمم من آسيا الشمالية فطردت أقوام الجمري ~~المعروفين عند اليونان بالكيماريين، وألجأتهم إلى اجتياز نهر الطونة وجبال البلقان، ~~فقابلوا في طريقهم قبائل من بلاد ثراقية وهم المعروفون بالترير والأيدون، ثم انتهوا ~~إلى آسيا. # وآسيا الصغرى هي هضبة متماسكة تحدها الجبال من جميع الجهات وتخترقها أيضا، ~~فكأنها كما قيل «إيران صغرى قائمة بين بحار ثلاثة» وهي بحر إيجي (الأرخبيل)، وبحر ~~الروم، وبحر البنطش، وفي ساحل بحر إيجي كثير من الوديان والأغوار العريضة ms114 ترويها ~~الأنهار الجارية بلا انقطاع، فتزحزح مياه البحر عن شطوطه بما تلقيه عليها من الطمي ~~والرواسب؛ فتزيد مساحة الأراضي، وهي أنهار كايكوس # 4 # وهرموس # 5 # وكايستر # 6 # ومينادر # 7 # أما القسم المتوسط من هذه الهضبة فليس فيه شيء من موارد الثروة ووجوه ~~الانتفاع؛ تراه قاحلا ماحلا قد كثرت فيه المستنقعات والبطائح وبحيرات تنساب ~~مياهها بغير انتظام فيما حواليها، فتبقى راكدة إلى ما شاء الله، نعم إن في هذه ~~البقعة قليل من الأنهار الزاخرة التي يمكنها أن تصل بقوة تيارها وكثرة مياهها إلى ~~البحر؛ فإن نهري إيريس (يشيل إيرماق) وهاليس (قزل يرمق) يصبان في البحر الأسود، ~~ونهري بيراموس وساروس # 8 # يصبان في البحر الرومي. # ومن نظر إلى هذه البلاد المضطربة أحوالها الطبيعية رأى فيها جميع أجناس الأمم ~~التي كانت بالعالم المعروف عند الأقدمين، ففي الشمال الغربي كانت أمم الموشكي ~~والتابال، والشاليب، وطالما وقعت المعارك بينهم وبين الآشوريين، وكانوا مشتغلين ~~باستخراج المعادن، وتصدير القصدير والنحاس والحديد، بل والفضة والذهب إلى كافة ~~الأمم الشرقية. وكانت ذرية الخيثي متوطنة في الجنوب في مضايق جبل طوروس، وفي سهول، كيليكيا # 9 # وقد خالطها بعض العناصر الآرامية، وفي الوسط والمشرق أمم أصلها من ~~أوروبا قد انفصلت مثل الماديين، والفرس من الأصل الآري العام، وهم: الدردانيون، ~~والترواديون، والميسيون، والثينيون، والبيثينيون، وأشهر هذه الأمم هي أمة فروجيا، ~~فإن مجيئها إلى آسيا قد أوجب مهاجرة أولئك المعروفين عند الفراعنة بأمم البحر الذين ~~تهددوا مصر في أواخر العائلة التاسعة عشرة. # وقد أسست الأمة الفروجية في وسط شبه جزيرة آسيا الصغرى مملكة لم نقف على تاريخها ~~كمال الوقوف، ومن القرن العاشر كان اليونان قد أحدثوا على الساحل الغربي جملة ~~مستعمرات يونانية وأيولية، ودورية، وكلها متقاطرة الواحدة وراء الأخرى، وهي ميليت ~~(ملطية)، وأزمير، وفوكيا، # 10 # وكولوفون، وهاليكارناس # 11 # وقد أسرعت هذه المستعمرات في طريق الثروة والعمارية، فخرج من أهليها ~~رجال أحدثوا مستعمرات أخرى على سواحل البحر الأسود. # وفي نفس ذلك الزمان أخذت مملكة ليديا القديمة في الظهور، ونفضت عنها غبار الخمول ~~الذي عاشت ms115 فيه إلى تلك الأيام، ولا شك أن روح الغيرة إنما دبت فيها حينما رأت من ~~اجتهاد جيرانها اليونان ما رأت، ويقولون: إن ثلاث عائلات ملوكية تعاقبت على إدارة ~~الأحكام في سرد (المعروفة الآن بمدينة سرت) تخت هذه المملكة، وهم عائلة الأتياد ~~(عائلة خرافية لا وجود لأفرادها)، ثم الهرقليون (لأنه جاء في الرواية أنهم من ذرية ~~هرقل الجبار)، ثم عائلة مرمناس المعروفة باسم مرمنا، وهي من سلالة سيجيس بن مرمناس ~~الذي تولى الأحكام في حدود سنة 675، وقد اجتهد هذا الملك في إزالة المستعمرات ~~اليونانية المتواصلة التي كانت تحول بينه وبين البحر، فأقام حروبا طويلة على مدينة ~~ميليت (ملطية)، ولم يجده ذلك شيئا يذكر، وانتهى حكمه بمصيبة عليه، فإن الكيماريين ~~قتلوه في إحدى الوقائع الحربية، وأخذوا سرد (سرت)، ونهبوها في نحو سنة 650، فقام ~~ابنه أرديس (650-630) وهزمهم، ولكنه لم يوفق إلى كسر شوكتهم، فإنهم ما زالوا بعد ~~ذلك إلى ثلاثين سنة سادات آسيا الصغرى. ~~(4) إغارة السكيثيين والكلام على الحروب بين الليديين والماديين (سنة 591-585) # قد نزل إلى آسيا السكيثيون # 12 # مع الكيماريين بعد أن طردوهم من مواطنهم الأصلية، وكان قد لاقاهم ~~آشوربانيبال في سنة 660 عند جبال أرمينية، ولكنهم في سنة 624 تقوت جماعاتهم واشتدت ~~عصبيتهم بمن انضم إليهم من المهاجرين، فانقضوا على سهول آشور وماداي لتوفر أسباب ~~الثروة فيهما، ولم يصدهم عن ذلك مانع فنهبوا آشور وألزموا كياكسار بأن يدفع لهم ~~الإتاوة، ولم يتيسر لهذا الملك الرجوع لمشروعاته في الفتوحات والأطماع إلا بعد أن ~~تخلص منهم بالقوة والقهر على رأي البعض، وبالخيانة والغدر على رأي آخرين وذلك في ~~سنة 608 ثم تحالف مع ملك بابل فنجح في تدمير نينوي سنة 606، وكانت حصته في الغنيمة ~~آشور الحقيقية وملحقاتها. # ولم يقف عند هذا الحد من الفوز بل نازل أمم أرمينية، وقد كاد السكيثيون يأتون على ~~كل بلادهم خرابا، فلم تقاومه مقاومة تذكر ودخل من غير صعوبة إلى قلب آسيا الصغرى ~~فصادمه فيها الليديون فإن ساديات (630-618) ابن أرديس استمر في محاربة اليونان وجاء ms116 ~~بعده اليات (618-563) فانتزع منهم أزمير وأمعن في داخل البلاد حتى وصل الأقطار التي ~~يسقيها نهر هاليس (قزل يرمق) وقد دامت الحرب بين الليديين والماديين ست سنين، ولم ~~يفز بالغلبة فريق على الآخر، وإنما كانت بينهما سجالا، وذكروا أن الجيشين استعدا ~~ذات يوم للقتال وفصل الخطاب وإذا بالشمس قد كسفت بغتة؛ فأحجمت أمم إيران عن القتال ~~إلا إذا كان ضياء النهار منتشرا في الآفاق وكذلك الليديون، فإنهم على ما ظهر لم ~~يكونوا متوثقين أكثر من أخصامهم، ولو أن طاليس الفيلسوف الملطي - على ما يقال - ~~أنبأهم بقرب حصول هذه الظاهرة الجوية؛ فتداخل حلفاء الملكين وحملوهما على الصلح، ~~فتقرر بينهما بقاء نهر الهاليس (قزل يرمق) حدا رسميا للمملكتين، ولأجل توطيد ~~هذا الصلح عقد اليات على ابنته لاستياج # 13 # بن كياكسار ثم أدى كل من الملكين يمين الصداقة لصاحبه، وأمضيا على ~~العقد بعد أن جرح كل منهما ذراع الآخر وامتص الدم الذي سال منه، وكانت هذه عادتهم ~~في تلك الأزمان (585). ~~(5) استياج وهوكيكاوس (584-549) # ومات كياكسار بعد ذلك بقليل (سنة 584) بعد أن عمر طويلا وأصاب فخرا جليلا، ~~فإن مملكة ماداي عند ارتقائه على كرسيها لم تكن إلا قطعة صغيرة من هضبة إيران، فترك ~~لخليفته مملكة تمتد من ضفاف نهر الهلمند إلى شطوط نهر هاليس (قزل يرمق) أي ثلث آسيا ~~الغربية، والظاهر أن استياج؛ أي كيكاوس لم يكن من الملوك المحبين للغزو والقتال بل ~~كان غليظ القلب مولعا بأباطيل الاعتقادات وفاسد الخزعبلات، فأمضى حياته حقيرا ~~بطالا منغمسا في اللذات متنعما بعزة الملك وأبهته على ما هو معهود في البلاد ~~الشرقية، ولم يكن له من الملاهي إلا الصيد والقنص في رياض قصره أو في حدود ~~البادية. # خلاصة ما تقدم ~~(1) # تمتد هضبة إيران بين البحر القزويني والخليج الفارسي وتحدها من ~~الشمال سلسلة جبال زغروس (جبل الطاق) وحدها الغربي أراض خصبة تسقيها ~~الأنهار سقيا منتظما، وداخلها رمال لا تصلها المياه ولم يجازف ~~الفاتحون الأولون من الآشوريين بالدخول إلى هذه البقعة. ~~(2) # الماديون من سلالة الآريين وأصلهم من إقليم بلخ، ms117 وقد أدوا الإتاوة ~~لتغلا ثفلاصر الثالث وخلفائه، فلما أعقبهم الأمراء من آل ديجوسيس ~~(كيقباذ) اغتموا فرصة اعتراك آشوربانيبال مع عيلام لنوال حريتهم وإزالة ~~نير عبودية آشور عن أعناقهم، بل إن فراورت قد تجاسر على مهاجمة آشور، ~~ولكن آشور يتيليلاني هزمه وقتله (سنة 635) أما ابنه كياكسار فقد كان ~~مؤسس المملكة المادية حقيقة. ~~(3) # آسيا الصغرى هي «إيران صغرى قائمة بين بحار ثلاثة» بحر الروم وبحر ~~إيجي (الأرخبيل) والبحر الأسود، وقد توالى على حكمها الخيثي ثم ~~الفروحيون القادمون من أوروبا في القرن الرابع عشر قبل الميلاد، ثم ~~استعمرها الفينيقيون ثم اليونانيون. وفي القرن السابع جاء جيجيس ~~(675-650) وأصلح مملكة ليديا القديمة فحاولت أن تخرق المستعمرات ~~اليونانية التي كانت حولها حائلة بينها وبين البحر، ولكن داهمها ~~الكيماريون (650) فأوقفوا حركة تقدمها، وما لبثت أن عادت لذلك في أيام ~~أرديس (655-630). ~~(4) # كانت إغارة السكيثيين بعد إغارة الكيماريين مانعا وقتيا لم يتيسر ~~معه لكياكسار قلب المملكة الآشورية، ولما خربت نينوي في سنة 606 تقدم ~~الماديون نحو الغرب واصطدموا بالليديين في أيام ملكهم اليات (618-552)، ~~واستمر القتال بينهما ست سنين وانتهى في سنة 584 بمعاهدة صلح جعلت نهر ~~هاليس حدا لكل من المملكتين. ~~(5) # وقد خلف كياكسار على منصة الأحكام ابنه استياج؛ أي كيكاوس (سنة ~~584-549) وكان ملكا محبا للزهو الباطل، ولم يتمكن من المحافظة على ~~ما فتحه أبوه من البلدان والأقطار. # اعلم أنه يوجد بقارة آسيا أربعة أنهار متقاربة في الأسماء وموجبة للوقوع ~~في الخلط والاختباط، وهي جيحون وسيحون وجيحان وسيحان. وقد يظن من كتابات ~~العرب أنهما نهران اثنان والحقيقة أنها أربعة متمايزة، وهذا هو البيان. ~~فالأول وهو جيحون يسمى عند الإفرنج أكسوس # Oxus # أخذا عن الاسم اليوناني وهو مشهور جدا، لأنه ~~أكبر أنهار آسيا الوسطى، وإليه تنسب البلاد المسماة عند العرب ببلاد ما ~~وراء النهر، وعند الإفرنج باسم # Transoxiane ~~. # والثاني يسمى سيحون عند العرب و # Jaxarte # عند الإفرنج وهو الفاصل الآن بين المملكة الروسية وبلاد التركستان ~~المستقلة، وكلا هذين النهرين بآسيا الوسطى. أما النهر الثالث والرابع: فهما ms118 ~~جيحان وسيحان بآسيا الصغرى، واسمهما عند الإفرنج Pyramus # و # Sarus ~~، وهما يصبان في بحر الروم. وهذا ~~ما قاله ياقوت في المشترك «سيحان نهر كبير جرار في ثغر المصيصة» أي # Mopsueste ~~«أي وهو نهر أذنة بين ~~أنطاكية والروم (يصب في البحر الأعظم) وبالقرب منه نهر يقال له جيحان. ~~فبالثغر سيحان وجيحان، وبأرض «الهياطلة سيحون وجيحون».» # اسمه المعروف في تواريخ الفرس كيقباذ، ومعنى كي في أمتهم ~~«العظيم». # هذا هو الاسم الصحيح للجبال والبلاد المعروفة بالقوقاز # Caucase # فاحتفظ عليه، وبه تسمى سلسلة جبالها، وأعلى جبل ~~فيها يسمي كوه قاف، وهو المعروف في كتب العرب باسم جبل قاف. # لم أتوصل لتحقيق أسماء هذين النهرين. # يعرف الآن باسم سربات أو كدوس جابي. # لم أتوصل لتحقيق أسماء هذين النهرين. # هو الآن نهر بيوك مندرس. # هما جيحان وسيحان اللذان في آسيا الصغرى [راجع الكتاب الرابع: في تاريخ الماديين والفرس - الباب التاسع عشر: وصف إيران - آسيا الصغرى - مملكة الماديين - مبادئ ~~المملكة المادية والكلام على كياكسار حاشية رقم 1]. # هي الآن عبارة عن لواء أذنه المسمى عند الترك أطنه. # اسمها القديم Phocée ~~. # هاليكارناس # Halicarnasse # مدينة بآسيا ~~الصغرى، ومنها خرج المؤرخ هيرودوت المشهور بأبي التاريخ، واسمها الآن ~~بودرون. # هم المعروفون الآن بالتتر. # هو المعروف في كتب الفرس باسم كيكاوس. # الباب العشرون # الفرس - كورش - كمبيز - فتح الفرس للقسم الأعظم من بلاد المشرق المعروفة ~~قديما ~~(1) مبادئ المملكة الفارسية # حل الفرس في أوائل الغارة الآرية بالبلاد الواقعة شرقي عيلام، ثم امتدت أملاكهم ~~من مصب نهر طاب في الغرب إلى بوغاز هرمز. واعلم أن أرضها التي إلى السواحل قاحلة لا ~~ترويها الأنهار بالكفاية، ولا يصل من أنهارها إلى البحر إلا طاب وبندأمير وكوراب، ~~وأما بقية الأنهر فتتجمع مياهها في قيعان الوديان فتتكون منها بحيرات كبيرة أو ~~صغيرة بحسب الفصول الأربعة، وقد قسمت القبائل الفارسية البلاد التي فتحتها إلى جملة ~~أقسام وهي باريتاسينه (بلاد الجبل) ومارديانه (مازندران) في الجبال وتوكانه على ~~الساحل وكرمان في الغرب وبنوا فيها بعض قرى كبيرة أهمها فرسبوليس # 1 # وبازاركد. # وكانت هذه ms119 القبائل خاضعة لملوك من سلالة رجل اسمه أخيمينيس، وهو قائدهم أثناء ~~الغارة، وقد انتزع فرع من هذه العائلة بلاد انشان من العيلاميين وجعلها إمارة، كان ~~أسيادها تيسبس وكورش الأول، وكمبيز الأول يعترفون بسيادة الماديين مدة تقارب قرنا ~~من الزمان. ~~(2) كورش وهو كيكسرى (558-529) وفتوح بلاد ماداي (549) وليديا (546) # فلما جاء كورش الثاني (كيكسرى) ابن كمبيز (شكل # 20-1 ~~) نهض ~~بالفرس من وهدة الخمول والانحطاط، وجعل لهم السيادة والسيطرة على آسيا، وقد تناقل ~~القوم رواية تقضي بأنه من سلالة كياكسار، وأنه حفيد استياج (كيكاوس) من ابنته ~~مندان، وذلك أن استياج رأى أحلاما أزعجته؛ إذ أنبأته بشوكة الغلام في مستقبل ~~الأيام، وأن قدره سيعلو على جميع الأنام فأراد أن يقتله عند ولادته فوكل بهذا الأمر ~~أحد سادات بلاده واسمه أريج # Harpage # غير أن هذا ~~الرجل اقتصر على ترك الغلام كورش في الغابات فجاءت كلبة (على قول البعض) وزوجة أحد ~~رعاة الملك (على قول الآخرين) وغذته وربته حتى كبر وترعرع، ولكن ذلك لم يرد في ~~التاريخ الحقيقي، فإن مبلغ ما جاء فيه أن كورش ملك انشان حارب الماديين، فوقعت فتنة ~~في جنود استياج وسلموا أميرهم هذا إلى الملك الجديد (549) فكان في ذلك انتقال الملك ~~من عائلة لعائلة من غير أن يكون في الحقيقة فتحا أجنبيا، فحلت الدولة الفارسية ~~محل الدولة المادية من غير أن يحدث اضطراب أو انقلاب. # شكل 20-1: # الملك كورش وهو مصور في رسم بارز في مرغآب. # ثم امتدت الدولة الفارسية بسرعة، فإن كورش ابتدأ بمقاتلة الليديين وكان أميرهم ~~كيريسوس بن اليات يحكم عليهم منذ سنة 562. وقد افتتح هذا الرجل أفسس وأزمير، وساد ~~على جميع الأمم المتوطنة غربي نهر هاليس (قزيل إيرماق) وصار له في العالم كله صيت ~~عظيم يضرب به المثل إلى يومنا هذا من حيث الغنى والكرم # 2 # فأول ما شاع خبر سقوط استياج (كيكاوس) تحالف مع أمم الشرق القديمة، فإن ~~ظهور هذه الدولة الجديدة كان يهددهن كلهن فتحالف مع أماسيس ملك مصر ونابوناهيد ~~ملك كلديا، بل ومع اللقدمونيين، وحينئذ آنس ms120 من نفسه قوة بمؤازرة هذه الشعوب له فبدأ ~~بالقتال في ربيع سنة 546، واجتاز نهر هاليس (قزل يرمق) واستحوذ على قلعة بتريا ~~(واسمها الآن بوغاز كوي) لأنها كانت تشرف على البقعة التي لا بد للفرس من اجتيازها ~~لمقاتلته، ولم يتهيأ لكورش (كيكسرى) صد هذه الهجمات إلا في أواخر الصيف، فوقعت ~~بينهما معركة بالقرب من نهر هاليس (قزل يرمق) ولم يتبين فيها الغالب من المغلوب، ~~ولهجوم الشتاء رجع كريسوس إلى سرد (سرت) وصرف جنوده لمدة الشتاء حاسبا أن الفرس لا ~~يهاجمونه قبل حلول الربيع. # ولكن الحوادث لم تحقق هذا الحسبان فإن الفرس والوا القتال في فصل الأمطار، ~~وتقدموا في زحفهم حتى دخلوا إلى قلب ليديا، فباغتوا ملكها وهزموه في أول معركة؛ ~~بحيث التجأ إلى التحصن في سرد (سرت) وبعث يستغيث بحلفائه ويستنجدهم عند ~~الشدة. # وكانت المدينة مشهورة بأنها منيعة لا ترام، فصدت هجمات الفرس مرات عديدة، ولكن ~~اتفق ذات يوم أن أحد عساكر الحامية سقطت خوذته من أعلى القلعة إلى خارجها فنزل ~~وأخذها، ثم عاد من الطريق الذي نزل منه، فأبصره أحد المحاصرين وسار على أثره حتى ~~دخل القلعة مع نفر من رفقائه. وقد كانت المدينة قاومت مدة أربعة عشر يوما (سنة ~~645) وجاء في الرواية أن كريسوس حكم عليه بالموت في وسط النار ولكن هذه النار كانت ~~بردا وسلاما عليه؛ إذ نجاه من هذا العذاب الإله أبولون الدلفي، فلذلك صار الرجل ~~صديق الملك الذي فاز عليه ومستشاره الأمين. وقد وكل كورش قواده بإتمام فتح القطر ~~فأخضع أريج بلاد ليكيا (صوف زاوية) والمدائن اليونانية التي كانت فازت في مقاومتها ~~العائلة مرمناس، وخرج أهل فوكية من ديارهم، وبعد أن لاقوا في طريقهم جملة حوادث ~~ووقائع ذهبوا إلى بلاد الغاليا وأسسوا فيها مدينة مرسيليا. أما سكان مدينة اكسانثوس ~~فقد استماتوا في الدفاع عن وطنهم حتى هلكوا عن آخرهم ولم يرضوا بتسليم مدينتهم، ~~بخلاف بقية البلاد فقد رضيت بما قدره الله عليها وقبلت سيادة الفرس. ~~(3) فتوح آسيا العليا وبلاد كلديا وموت كورش وهو كيكسرى (529) # وبينما كان ms121 أريج يتمم إخضاع آسيا الصغرى كان كورش (كيكسرى) يوالي المحاربات، ويشن ~~الغارات في الأقاصي الشرقية من الهضبة الإيرانية فألحق بمملكته بلاد بلخ # 3 # والمرج (بقطرياته ومرجياته) وبنى في بلاد الصغد جملة معاقل وحصون ~~أهمها كوروبوليس أو كوريشاته (أي مدينة كورش) وهي مدينة حصينة تشرف على نهر سيحون، ~~ولم يوقفه عن سيره إلى الشمال إلا مفاوز سيبيريا وفدافدها. وكانت الشاش آخر أمة ~~أخضعها في نواحي المشرق. ولما غادرهم مر على بلاد آرية (سجستان والقسم الشرقي من ~~خراسان) وأركوسيا (سستان) وعلى البلاد الواقعة فيما بين نهر كابل والسند، ولكن ~~الظاهر أن صحارى جدروسيا (مكران) كانت أمام جنوده مانعا منعهم عن التقدم والفتوح ~~فاستغرق كورش في هذه المحاربات نحو خمس أو ست سنين (من سنة 545 إلى سنة 529) وترتب ~~عليها اتساع مملكته ضعف ما كانت عليه، وبمجرد عودته نازل كلديا ففاز بسهولة على ~~ملكها نابوناهيد، واستولى على بابل في سنة 538 فخضعت له الأقاليم التابعة لها من ~~غير حرب ولا قتال. وبذلك صارت تخوم الدولة الفارسية مجاورة لحدود المملكة ~~المصرية. # وكان أماسيس ملك مصر هو الذي يظن فيه الكفاءة دون سائر ملوك العالم القديم ~~لمناظرة الفارسيين في السطوة والشوكة، فتوقف كورش (كيكسرى) برهة عن مقاتلته ثم ~~انثنى نحو الشرق واختفى بكيفية عجيبة غريبة (سنة 529) وقد جاء في أشهر الروايات ~~المتداولة أنه طلب أن يتزوج بالملكة طوميرس ملكة المساجيت ولكنها استخفت به ~~واحتقرته؛ فأشهر عليها الحرب العوان وغلبها وأخذ منها ولدها، فقتل الولد نفسه ~~لاستيلاء اليأس والقنوط عليه، ثم إن الدائرة دارت على كورش فانهزم أمامها بعد قليل ~~من الزمان ومات في ميدان القتال، فبحثت طوميروس على جثته ووضعت هامته في زق قد ~~ملأته من دم الناس، ثم أكثرت من سبابه ولعنه وقالت «إني وإن بقيت ممتعة بالحياة ~~وبالنصر ولكنك أعدمتني في الحقيقة؛ إذ خطفت مني ولدي بالحيلة والخديعة، فلأجرعنك ~~الدم تجريعا.» # 4 # ثم توصل الفرس لأخذ جثة ملكهم ونقلوها إلى بازاركد ودفنوه في بساتين ~~قصره باحتفال عظيم وإكرام بالغ. ~~(4) كمبيز (سنة 529 إلى ms122 سنة 522) وفتوح مصر (سنة 529) # وخلف كورش على مملكته كمبيز (ويسمى في كتب العرب قمباسوس، وفي كتب الفرس لهراسب) ~~وهو أكبر أولاده، أما ابنه الثاني بردية (سمرديس) فقد أوصي له بالحكم على جملة ~~ولايات، وكان قصده بذلك أن يمنع الخصومات التي تحصل في بلاد المشرق عادة عقيب ~~انتقال الملك من يد إلى أخرى، ولكن أماني كورش (كيكسرى) ذهبت أدراج الرياح، فإن ~~كمبيز (لهراسب) بمجرد ارتقائه على سرير الملك ذبح أخاه بغاية التستر وكمال التبصر، ~~حتى إن العامة لم تشعر بذلك، وظنت الأمة وأهل البطانة الملوكية أن بردية مسجون في ~~أحد القصور القاصية ببلاد ماداي، وكانوا ينتظرون عودته بعد قليل من الزمان. # فلما تخلص كمبيز (لهراسب) من هذا النظير الذي كان يتوقع منه الخطر، رجع إلى إتمام ~~ما شرع فيه أبوه، ولم يكن عليه إلا إخضاع مصر، ولما رأى أماسيس ملكها سقوط كريسوس ~~توقع غارة الفارسيين على بلاده، فأخذ أهبته وأعد لهم ما استطاع من قوة، فعقد ~~المحالفات الوثيقة مع كثير من الممالك الإغريقية، وقوى جيشه بكثير من المرتزقة، ~~وحصن حدود الدلتا تحصينا جيدا. وكان بين ينيسوس آخر نقطة من جهة الشام وبين ~~بيلوزة (الطينة) أول نقطة من جهة مصر بيداء يبلغ طولها تسعين كيلومترا، ولا يكاد ~~يوجد فيها الماء، وهي بحيث لا يتأتى لأية فرقة عسكرية أن تخترقها في أقل من ثلاثة ~~أيام، ولكن فانيس الهلكارناسي أحد الرؤساء اليونانيين الذين في خدمة فرعون مصر خانه ~~وخفر عهده، فسهل على كمبيز الاتفاق مع القبائل الرحالة النزالة المتوطنة بهذه ~~البوادي، فتحصل منها على ترتيب منازل بهذه البيداء يكون فيها الماء الكافي ~~للجنود. # فلما وصل الفارسيون إلى بيلوزة (الطينة) علموا أن أماسيس قد مات، وأن ابنه ~~أبسماتيك الثالث خلفه على سرير الملك، فجاء هذا الملك الجديد بنفسه على رأس جيشه، ~~وقاتل المغيرين أمام بيلوزة، وقد كان فانيس الخائن أبقى أولاده في مصر، فأحضرهم ~~العساكر الكاريون واليونايون الذين كانوا تحت إمرته وذبحوهم أمام الجيش، ووضعوا ~~دمهم في إناء كبير قد ملؤا نصفه بالنبيذ ثم شربوا ms123 هذا الخليط، وانقضوا على الأعادي ~~مقتحمين نيران الوغى، وقد أخذت منهم سورة الحمية مأخذها، ولكن ما جاء المساء حتى ~~انثنت الصفوف المصرية وابتدأت الهزيمة، ولم يمض إلا أيام قليلة حتى تم إخضاع ~~الدلتا كلها وفتحت منف أبوابها ووقع أبسماتيك وعائلته في قبضة الفاتح، ولم يحصل ~~مقاومة قط في مصر العليا. وكذلك الليبيون وأهل برقة فإنهم لم ينتظروا وثوب الفرس ~~عليهم لدفع الجزية بل أدوها وهم صاغرون فكان في سرعة سقوط هذه الدولة التي قاومت ~~المشرق مدة قرون عديدة وفيما أصاب ملكها الذي ما لبث أن لبس ثوب الملك حتى خلعه ~~وخلع منه عجب عجاب، وقد رقت لذلك قلوب جميع المعاصرين. ~~(5) جنون كمبيز (لهراسب) وموته # فكانت هذه الحوادث سببا في وقوع العالم الشرقي القديم في قبضة رجل واحد يتصرف ~~فيه كيف يشاء، ولم يقتصر كمبيز (لهراسب) على الوقوف عند هذا الحد بعد أن دمر الدولة ~~العظيمة التي لم ينج غيرها من سطوة أبيه، بل أراد أن يسوق عساكره إلى تلك الأراضي ~~الغربية التي انفرد الفينيقيون بالوصول إليها، وكان أمامه طريقان أحدهما في الشمال ~~فيما وراء بوغازات آسيا الصغرى؛ وهو طريق إفريقية وإيطاليا. والثاني في الجنوب وهو ~~طريق إيتوبيا وقرطاجة، فبدأ بمقاتلة إفريقية فإنه بعد أن استولى على تاج الفراعنة ~~وحصل على محبة المصريين له وميلهم إليه لتلطفه واعتداله أرسل جيشين؛ أحدهما لمهاجمة ~~قرطاجة، والثاني لمقاتلة ملوك نباتا، وأخذ في سيره طريق النيل؛ فأما الجيش الأول ~~فقد سار إلى ليبيا (لوبيا) ولما بلغ منتصف الطريق الموصل إلى واحة آمون (سيوة) ~~أثارت الريح الرمال على الأجناد، فدفنتهم عن آخرهم، وأما الجيش الذي أرسله على ~~إتيوبيا فقد بلغ نباتا، ولكن الصحراء التي بين نباتا ومروى صدته عن الاستمرار. وقد ~~فقد خلقا كثيرين فكان لهذه الخيبة في المشروعين أسوأ تأثير على كمبيز (لهراسب) ~~لأنه كان من عهد طفوليته عرضة لنوبات صرع شديد؛ فإذا جاءه الدور غاب عنه العقل وضاع ~~منه الصواب، فلما حلت هذه المصائب اشتد مرضه لاستيلاء القنوط عليه؛ فازداد عدد ~~النوبات وطالت مدتها ms124 حتى لقد طعن بخنجره الثور (أبيس) وأمر بإعدام كهنة الآلهة، ~~فكرهته الأمة المصرية الشديدة التمسك بدينها كراهة ليس عليها من مزيد، وانحرفت ~~قلوبها عنه إلى ما شاء الله، ثم تزوج بشقيقته وقتلها، ثم صوب سهمه نحو ولد بركزاسبس ~~أحد مشيريه فمزق أحشاءه ثم أمر بدفن اثني عشر رجلا من وجوه فارس وهم أحياء، ثم إنه ~~بارح مصر وقد مقته جميع الناس وسخطوا عليه، ولما وصل بجنوده إلى شمال الشام جاءه ~~رسول وأعلمه بخلعه من الملك، وأمر الذين أطاعوه إلى هذا الوقت بأن يؤدوا البيعة ~~ويمين الطاعة لبردية بن كورش، الذي نادت بارتقائه على سرير الملك فارس وماداي ~~والأقاليم التي في قلب المملكة (يوليو سنة 522) فهد هذا الخبر قواه، وأذهب رشده ~~في أول الأمر، ولكنه عزم على موالاة السفر بمن بقي مواليا له من الجند، غير أنه ~~جاءته النوبة واشتدت عليه فأجهز على نفسه بيده. # خلاصة ما تقدم ~~(1) # كان الفارسيون مقيمين في بلاد جبلية بعضها قليل الخصوبة، وهي ممتدة ~~فيما بين عيلام وبوغاز هرمز، وكان الملوك الحاكمون عليهم من سلالة ~~أخيمنيس، وقد تفرع من هذه العائلة فرع انتزع إقليم انشان من يد ~~العيلاميين. ~~(2) # وخرج بهم كورش الثاني كيكسرى (سنة 558-528) ملك انشان من حيز ~~الخمول والانحطاط إلى ذرى المجد والرفعة، وضرب استياج كيكاوس الذي هو ~~جده على ما قالته الرواية، ثم دمر المملكة المادية سنة 549، ثم وجه ~~عزيمته إلى ليديا وأخذ سرد (سرت) من ملكها كريسوس فجأة، ثم عهد إلى ~~قواد جيشه بإتمام إخضاع آسيا الصغرى. ~~(3) # ثم حمل على المشرق وأخضع الأقسام الشرقية من هضبة إيران وهي بلخ ~~والصغد (سنة 545-539) وجعلها تابعة لمملكته وانتصر على نابوناهيد ~~وتمم خراب دولة الكلدانيين (سنة 538)، ومات في حربه مع المساجيت، ~~وكان ذلك في سنة 529. ~~(4) # وابتدأ كمبيز (لهراسب) حكومته بقتل أخيه بردية، ثم انقض على مصر فهزم ~~أبسماتيك الثالث في بيلوزة (الطينة) واستحوذ على أرض مصر كلها (سنة ~~525). ~~(5) # ثم جال بخاطره أن يتمم فتح إفريقية، وبعث جيشين؛ أحدهما على ~~الأتيوبيين، وقد اضطر لأن يرجع القهقرى ms125 بعد أن وصل إلى نباتا. والثاني ~~على قرطاجة، وقد ابتلعته رمال ليبيا عن آخره، فكانت هذه الخسائر سببا ~~في وقوعه في نوبات جنون شديد، ارتكب أثنائها أمورا جعلته ممقوتا ~~مسخوطا عليه عند الخاصة والعامة، وقد قتل نفسه عند عودته من مصر أثناء ~~نوبة شديدة وقع فيها عندما علم بقيام فارس عليه تحت قيادة رجل كذاب سمى ~~نفسه بردية (سنة 522). # هي الآن تشهبل منار؛ أي: الأربعون عمودا وأطلالها قائمة حول مدينة ~~اصطخر؛ بحيث إن كثيرين من العلماء يعتبرونها هي نفس اصطخر وهو وهم. # كما يضرب المثل عند الشرقيين بحال قارون. # اسمها القديم بقطر # Bactres # ومعروفة عند ~~الأمم الشرقية بأنها «أم البلدان». # عندي تاريخ بخط اليد مكتوب في 29 بئونة سنة 1576 قبطية، وهو المشهور ~~بتاريخ يوسف بن كيربون العبراني، وقد رأيت فيه هذه القصة مسرودة بعبارة ~~أخرى فأحببت الجمع بين الروايتين لتتم الفائدة. قال ما نصه: # ولما بلغ كورش عن ملك النبطيم (أو الشطيم) أنه قد عصاه سار إليه وقتله ~~وقتل كثيرا من أصحابه، وهرب من بقي منهم مع امرأته وابنه، وكان اسمها ~~يوليد، إلى حصون منيعة لهم فتحصنوا، فاحتال عليهم كورش حتى خرجوا من ~~الحصون، فقتل كثيرا منهم وقتل ابن ملكهم وهو ابن يوليد، وفتح حصونهم ~~ومدنهم فاستباحها وجعل فيها ولاة من قبله، وانصرف راجعا إلى بلده فلما ~~رأت يوليد أن ابنها قد قتل وأن ملكها قد زال لم يجد فيها الصبر موضعا ~~فحملت نفسها على الموت، وجمعت من بقي من رجالهم ومضت كمنت لكورش في الطريق ~~مع أصحابها، وكان أكثر عساكره قد تقدمه راجعا إلى بلاده، وبقي معه بعض ~~أصحابه فكبسته يوليد بعسكرها، فقتل كورش وكل الذين معه من أصحابه، وأخذت ~~رأسه فأخفتها وجعلتها يوليد في زق قد ملأته دما وقالت: «اشرب يا كورش وأرق ~~من الدماء التي كنت تحب سفكها دائما بغير إشفاق ولا رحمة.» # الباب الحادي والعشرون # دارا - تنظيم مملكة الفرس ~~(1) بردية الكذاب (سنة 522-521) # لم يكن ملك فارس الجديد إلا رجلا كذابا دعا نفسه ببردية زورا ms126 وبهتانا واسمه ~~الحقيقي جوماته، وكان له أخ اسمه باتيزيتس قد وكله كمبيز (لهراسب) بالنظر في شئون ~~بيته، وكان هذان الرجلان يعلمان ما حل ببردية ويعلمان أيضا أن أغلب الفارسيين ~~يجهلون هذا الأمر ويعتقدون أن هذا الأمير ما زال على قيد الحياة، فلما مات كمبيز ~~(لهراسب) لم يدر بخلد أحد من الفارسيين والماديين بل ولا من آل أخيمنيس أن ينازع ~~الملك الجديد، فكان الكل موقنين بأنه الوارث الشرعي للملكة وأنه ابن كورش (كيكسرى) ~~العظيم، على أن تصديق العموم له لم يبق ثابتا وطيدا في نهاية الأمر؛ إذ علم ~~القوم من نساء السراي أن هذا الذي يدعي بأنه بردية هو رجل آذانه مقطوعة، وأنه لص ~~مختلس من هلافيت العامة وشناتير الناس. # فاتحد دارا ابن هستسب (واسمه في كتب الفرس جوشتسب) مرزبان هرقانيه، # 1 # وهو من فروع العائلة الملوكية مع ستة من وجوه فارس وأمرائها، وباغت ~~المغتصب في أحد قصوره ببلاد ماداي، وقتله (مارس سنة 521) هو وأخاه، فنودي به في ~~الحال ملكا على البلاد (شكل # 21-1 ~~)، وأول عمل قام به هو تطهير ~~المعابد والهياكل، التي كان سلفه قد دنسها ونجسها، واتخذ مهرجانا يحتفل به في كل ~~عام تذكارا لقتل الدعي جوماته، والمجوس الذين أيدوا دعواه. # شكل 21-1: # الطابع الذي كان دارا يختم به وهو محفوظ الآن بالمتحف ~~البريطاني. ~~(2) السنوات الأولى لدارا # 2 # قد وقعت في بلاد فارس فتنتان متواليتان في أقل من سنة من الزمان؛ فلذلك تزعزعت ~~مملكتها واضطربت أحوالها لأنها كانت شبيهة بمملكة مصر وآشور في كونها ليست إلا ~~خليطا يتألف حيثما اتفق من عدة أقاليم وولايات يديرها حكام يكادون يكونون مستقلين، ~~ومن جملة ممالك تعترف بسيطرتهم ومن مدائن وقبائل غير خاضعة لهم تمام الخضوع. وقد ~~اضطرمت نار الفتنة في آن واحد في مكانين وهما سوسن # 3 # وكلديا حيث جاء دعي يقول إنه ابن نابوناهيد، ولقب نفسه بلقب جليل فخيم ~~وهو بختنصر، فاضطر الفارسيون إلى مقاتلته، فأشهروا عليه الحرب العوان مرتين ثم ~~حاصروه مدة طويلة حتى توصلوا إلى إخماد أنفاسه (سنة 521 ms127 إلى سنة 520) وقد ترتب على ~~تأخر قمع هذه الثورة حصول ثورات أخرى. # فإن أهالي ماداي استهواهم رجل اسمه ستارتيا كان يقول إنه من سلالة كياكسار، ونادى ~~بنفسه ملكا باسم فراورت واعترفت بسلطانه أرمينية وآشور، وقام في أثناء ذلك ~~السجرتيون وأهل المرج مع رؤسائهم الوطنيين، وقد انشقوا على مواليهم الفارسيين ~~وخلعوا طاعتهم، فأرسل دارا جنوده لإطفاء نار هذه الفتن المتواصلة ولكنها لم تظفر ~~بالفوز في معمعة القتال حتى إن ولايتي هرقانية وفرطيانة انضمتا إلى الثائرين، بل إن ~~ولاية فارس الحقيقية نفسها انحازت إلى دعوى كذاب جديد سمى نفسه بردية؛ فلما جاء ~~دارا تغيرت الأحوال وتبدلت الأمور فدخل ماداي من مضيق كرند وانتصر نصرة عظيمة ~~بالقرب من قرية كوندوروس، كانت هي الحاسمة لكل هذه المشاغب (يونيو سنة 520) فهرب ~~فراورت الكذاب إلى الشمال ولكن قبض عليه بالقرب من رغا، ثم سيق إلى أكباتانة ~~(همذان) فلاقى فيها العذاب الأليم الفظيع؛ إذ جدع أنفه، وصلمت أذناه، وقطع لسانه ~~وفقئت عيناه ثم ربط بسلسلة متصلة بباب القصر الملوكي، ثم وضع على الخازوق حتى ~~اكتفى العامة والرعاع من رؤية ما ألم به من الإحن والمحن، وأمر الملك بوضع بعض ~~شيعته على الخوازيق وقطع رءوس الآخرين. # شكل 21-2: # دارا منصورا وأمامه أعداؤه في نقش بارز في بهستون التي هي الآن ~~تخت سليمان. # ولم يكن الفوز في جهات فارس أبطأ منه في مادي، بل قد أسرع النصر إلى دارا، ولكن ~~الحرب كانت كأنها تنطفئ نارها من جهة لتشتعل من جهة أخرى، فإن النجاح الوقتي الذي ~~ناله بردية الكذاب الثاني أظهر في العالم كذابا ثانيا باسم بختنصر أيضا، وقد ~~لاقى حتفه بعد بضعة أشهر من ظهوره؛ وبذلك تم لدارا إعادة افتتاح مادي وفارس، وإقليم ~~بابل، ولم يكن في إخضاع الأقاليم الأخرى (هرقانية، ومرجيان، وبلخ) كبير عناء ولا ~~تعب يذكر، حتى إذا انتهى عام 519 كان السلام ضاربا أطنابه، ناشرا لواءه في جميع ~~أنحاء المملكة، وكان دارا جالسا على عرش الملك من غير منازع ولا ممانع، وبعد ذلك ~~أمر بكتابة ما ms128 يدل على نصره على جدران بهستون (مدينة تخت سليمان)، ونقش فيها نقوشا ~~بارزة، يراه الإنسان فيها قاهرا أعداءه وهم موثقون بالسلاسل والأغلال (شكل # 21-2 ~~). ~~(3) انقسام المملكة إلى مرزبات # 4 # وقد اعتبر دارا بما وقع له في هذه السنين الأولى، فإن كورش وكمبيز افتتحا المملكة ~~وأخضعاها فأراد هو إصلاحها وتنظيم شئونها ولا ريب في أنه ساعد الأمم الخاضعة له على ~~المحافظة على لسانها وأخلاقها وديانتها وشرائعها ونظاماتها الخاصة بها، وقد كان ~~كورش سمح لليهود بالرجوع إلى أورشليم، فأذن لهم دارا بإتمام بناية الهيكل، وأقر ~~الإغريق على حكوماتهم المتنوعة، وأبقى لفينيقية ملوكها وسفطاءها (وهم قضاتها ~~الحاكمون في الخصومات الذين كانوا يعقدون مجلس الشيوخ ويتولون قيادة الجيوش في بعض الأحيان) # 5 # واستمرت مصر على حكومتها الأخاذية، ولكنه جعل فوق هذه السلطات المحلية ~~سلطة عالية واحدة في جميع الأقطار، فقسم أراضي المملكة إلى حكومات كبيرة يختلف ~~عددها بحسب اختلاف الزمان. فكانت في أول الأمر عبارة عن ثلاث وعشرين مرزبة، ولما ~~مات دارا كانت قد بلغت إحدى وثلاثين. # ولم تكن إدارة كل واحدة منها في يد رجل واحد بل كان يقوم بالحكومة فيها ثلاثة كل ~~منهم مستقل عن صاحبيه، وتابع للملك مباشرة؛ وهم المرزبان، وكاتب السر الملوكي، ~~وقائد الجيش، فكان الملك يختار المرازبة من أية طبقة من طبقات الأمة بين الفقراء ~~والأغنياء ومن الأغراب أو أهل فارس على حد سواء، ويقومون بوظائفهم ما شاء الملك أن ~~يقوموا، ولهم الإدارة المدنية المطلقة من توزيع الضرائب وإقامة رسوم العدل وحق ~~إعدام الحياة وإبقائها، وكان بجانبهم كاتب السر الملوكي يقوم في الظاهر بخدمة ديوان ~~الإنشاء، ولكنه في الحقيقة عين من عيون الملك يراقب المرازبة وكل مساعيهم فيخبر بها ~~من له الشأن في جميع أعمالهم، وكانت الجنود الفارسية والوطنية والمرتزقة في ~~الأقاليم تحت إمرة قائد الجنود الذي يكون في أغلب الأحوال معاديا للمرزبان ولكاتب ~~الأسرار، فكان هؤلاء الأخصام الثلاثة بعضهم على بعض رقيب؛ بحيث إن الفتنة كان يصعب ~~وقوعها إن لم نقل باستحالتها. وكانت علاقاتهم متصلة على الدوام مع ms129 الملك بواسطة ~~سعاة البريد الذين يسيرون بانتظام تام، فينقلون الرسائل من أقصى المملكة إلى أقصاها ~~في بضعة أسابيع، وكان الملك يرسل في كل عام نوابا من طرفه إلى الأقاليم «يسمونهم ~~عيونه وآذانه» لأنهم كانوا مكلفين بأن يروا ويسمعوا بالنيابة عنه ما يقع في الأصقاع ~~القاصية من مملكته، فكانوا يجيئون في الوقت الذي لا يتوقع أحد مجيئهم فيه ويبحثون ~~في أحوال البلاد ويعدلون بعض ما يرون لزوم إصلاحه في جزئيات الإدارة ويعنفون ~~المرزبان أو يوقفونه عن وظيفته عند الاقتضاء، وكانوا يستصحبون معهم جماعة من الجند ~~لتؤيد نصائحهم بالقوة وتعضد أحكامهم بالاقتدار. فكان التقرير السيء في حق المرزبان ~~أو أقل مخالفة منه لأوامر النواب بل مجرد الشبهة في هذه المخالفة يكفي لسقوطه بل ~~وهلاكه؛ لأن الملك كان يأمر بخلعه، وقد يحكم عليه بالموت من غير محاكمة، فيجيء نجاب ~~بغتة ويسلم للحامية أمرا بقتل رئيسهم فيمتثلون الأمر بمجرد رؤية فرمان ~~الملك. ~~(4) مالية الدولة الفارسية # فلم يرق هذا الإصلاح في أعين أعيان الفرس، وانتقموا بالاستهزاء والاستخفاف ~~بالطاعة التي ظن دارا إلزامهم بها، فكانوا يقولون «قد كان كورش والدا وكمبيز سيدا ~~وأما دارا فليس إلا خمارا شرها للمكسب.» فإن تقسيم المملكة كان في الحقيقة عملية ~~يقصد بها جمع المال كما يقصد بها انتظام السياسة، فإن أعظم واجب على المرزبان هو ~~توزيع الضرائب وجبايتها وتوريدها خزينة الدولة، وأما فارس الحقيقية فقد أعفي أهلها ~~من بعض الضرائب الشرعية وأما بقية العمالات فقد فرضت عليها الضريبة بحسب اتساعها ~~وثروتها، وتدفع الضريبة نقدا وعينا؛ ولأجل تسهيل الدفع على كل إنسان أمر دارا ~~بتداول نقود من الذهب والفضة سميت بالدارية، وقد استعملها على الخصوص في دفع أرزاق ~~الجند، ولم ينتظم تداولها في الأقاليم التي على سواحل البحر الأبيض المتوسط. وأما ~~في أواسط آسيا فاستمر الناس على استعمال الوزن في تقدير المعادن اللازمة للمعاملات ~~التجارية وحاجات المعيشة اليومية. # ولم يكن تحصيل الضريبة العينية بكيفية واحدة في جميع العمالات، فكانت مصر تقوم ~~بما يلزم من القمح للجنود المحتلين لها احتلالا عسكريا وعددهم ms130 120000 رجل، ~~والماديون يدفعون في كل سنة 100000 رأس غنم، و4000 بغل، و3000 فرس، والأرمن 30000 ~~مهر، وكيليكيا 365 فرسا قرطاسي اللون (أشهب أي أبيض) ولم تكن الضرائب الملوكية ~~فادحة، ولكنها لا تدل على مقدار التكاليف والأحمال التي على كل عمالة، وذلك لأن ~~المرازبة لم يكن لهم مرتب معلوم يصرف من خزينة الدولة بل كانوا يتعيشون هم وحشمهم ~~وخدمهم من البلد الحاكمين فيه، ويلزمون الأهالي بأن يدفعوا لهم النفقات الزائدة ~~والمرتبات الباهظة؛ مثال ذلك أن حكومة بابل وحدها كانت تدفع إلى حكامها مبلغا ~~معينا في السنة من المعادن توازي قيمته 2600000 فرنك، وكان حكام مصر ومادي والشام ~~يستغلون من ولايتهم ما لا ينقص عن ذلك القدر إلا بيسير، وإن أفقر العمالات لم تكن ~~أقلها في تأدية الرسوم الزائدة عن الحد للموكلين بها، وما ذلك إلا لأن نفقات ~~المرزبان كانت على الأقل مساوية للنفقات التي يحتاج لها الملك نفسه. ~~(5) دارا في الهند # فكانت هذه الطريقة أفضل بكثير من جميع الطرق التي استعملها الملوك قبل ذلك في ~~بلاد المشرق؛ إذ كانت تضمن للملك ميزانية منتظمة، وتجعل العمالات في قبضة يمينه، ~~والثورات الوطنية في غاية الصعوبة بحيث إن موت كل ملك لم يكن يعقبه كما في السابق ~~ثورات وفتن، يضطر الملك الجديد لصرف جزء عظيم من وقته في سبيل قمع القائمين بها، ~~وإخماد نارها، ولم ينحصر فخار دارا كله في تنظيم المملكة الفارسية، بل اخترع شكلا ~~من أشكال الحكومة، قد اتخذه بعض الدول الشرقية الكبرى نموذجا لها، وأسوة تقتدي ~~بها، فإنه جعل نفسه ملك الملوك (شاهنشاه)، والملك الأكبر، فقد اجتهد ملوك آسيا في ~~محاكاته، وسعوا في أن يناظروه في أبهته وعظمته، وفخامة دولته (شكل # 21-3 ~~). # شكل 21-3: # صورة الملك الفارسي دارا فدمان المعروف عند الفرس باسم داراب، ~~مأخوذة عن فسيفساء محفوظة بمتحف نابولي. # وإذ ازدادت فتوحات الفرس وتوالت في جميع الجهات، حتى لم يبق لهم منفذ من ~~المواصلات مع البقاع الخارجة عن ملكهم إلا طريقان أحدهما في الشرق نحو الهند والآخر ~~في الغرب ms131 نحو إغريقية اليونان، وفيما عدا ذلك كانت مملكتهم تنتهي من كل ناحية ببحار ~~أو بعقبات لا يكاد يتسنى قطعها للجنود المثقلة بآلات الحرب المدججة بالسلاح التي ~~كانت في ذلك العصر، فقد كانت مملكتهم الواسعة تنتهي في الشمال عند البحر الأسود ~~وبلاد القفقاسية (القوقاز) وبحر الخزر (المعروف ببحر طبرستان والبحر القزويني) ~~وفدافد التتر، وتمتد من جهة الجنوب إلى بحر إيرترة # 6 # وهضبة العرب الرملية وصحراء إفريقية، وفي سنة 512 ظن الناس أن الفرس ~~سينقضون على المشرق؛ فإنهم من أعالي إيران كانوا يشرفون على سهول بنجاب الفسيحة، ~~فشن دارا الغارة عليها وفتح فيها أراض متسعة جعلها مرزبة جديدة وهي مرزبة الهند، ~~ثم انعطف إلى الجنوب وأرسل أسطوله معقود اللواء لرجل يوناني اسمه سيلاكس من مدينة ~~كارياندا بإقليم كاريا، فنزل نهر السند من بوسيلا أولا إلى مصبه، ثم عطف على ~~المغرب ودار في أقل من 30 شهرا حول سواحل جدروسية (التي هي الآن مكران ببلاد ~~إيران) وبلاد العرب، ولكن دارا أوقف سيره في هذه الجهة بعد ذلك الاجتهاد؛ لأن ~~المغرب كان يغريه ويجتذبه إليه وخصوصا بلاد إغريقية، فاستغرق النصف الثاني من حكمه ~~في الاستعداد لها وشن الغارات عليها، وهذه هي الحروب المادية الأولى. # خلاصة ما تقدم ~~(1) # اعترفت المملكة كلها بسلطان جوماته وهو بردية الكذاب مدة شهور كثيرة، ~~ثم جاء دارا ومعه ستة من وجوه فارس فقتلوه هو وكل من شايعه من المجوس، ~~وكان ذلك في سنة 521. ~~(2) # ثم ابتدأ دارا في أول الأمر بقمع جملة فتن أولها في بابل تحت قيادة ~~كذابين، أعقب الواحد منها الآخر، وسمى كل منهما نفسه بختنصر، مدعيا ~~أنه ابن نابوناهيد (521-519) وثانيها فتنة عيلام، وثالثها فتنة مادي ~~تحت قيادة رجل سمى نفسه فراورت، وادعى أنه ابن كياكسار، ولم يتم لدارا ~~إخضاعه إلا بعد محاربتين عظيمتين بالقرب من كوندوروس (سنة 520) بل إن ~~فارس نفسها قامت عليه وعلى رأسها رجل كذاب آخر سمى نفسه بردية، ولم ~~تنته هذه الثورات إلا في أواخر سنة 519. ~~(3) # وقد نظم دارا مملكة الفرس وقسمها إلى مرزبات ms132 يحكم كل واحدة منها ~~ثلاثة، وهم؛ المرزبان، وكاتب السر الملوكي، وقائد الجند، وكل منهم ~~مستقل عن الآخرين وكان الملك يرسل «عيونه وآذانه» إلى تلك الأقاليم ~~لمراقبة سير هؤلاء العمال وتعرف أحوالهم. ~~(4) # وقد أعفيت فارس الحقيقية من الضريبة، وأما باقي العمالات فقد فرض ~~عليها خراج تدفعه من النقود الدارية أو من عين الأصناف والمحصولات، ~~وذلك بحسب إيرادها، وقد التزمت أيضا بالقيام بنفقات حكامها الفارسيين ~~وحواشيهم. ~~(5) # وما زال الفارسيون يفتحون الأقاليم حتى بلغت أطراف مملكتهم الجبال ~~والبحار، فلم يكن لهم للخروج منها إلى غيرها سوى منفذين؛ أحدهما في ~~الشرق نحو الهند، والآخر في الغرب نحو إغريقية. وفي سنة 512 فتح دارا ~~بلاد بنجاب ثم تحول على إغريقية، وابتدأ الحروب المادية. # هو إقليم مؤلف الآن من شرقي مازندران وجنوبي داغستان. # ورد بهذا النص في أشعار العرب وكتبهم كما ورد أيضا في تواريخهم باسم ~~داريوس كاللفظ اليوناني. # اسمها عند الإفرنج # Suse # وسميت باسم ~~الزهرة المعروف بالسوسن لكونها تنبت كثيرا في مروج هذه المدينة المعروفة ~~الآن باسم شستر. # جمع مرزبة وهي العمالة الفارسية، يكون المرزبان واليا عليها. # اللفظ الوارد بالأفرنكي هو # Sufféte # وقد ~~شرحت المراد منه في صلب الكتاب، وهو مأخوذ عن اللغات القرطاجية والفينيقية ~~والعبرانية (شوفط - كما ورد في التوراة) ومعناه فيها كلها القاضي، ولما كان ~~القضاة عند الأتراك لا يؤخذون إلا من طلبة العلم المعروفين عندهم بالسفطاء، ~~فربما كان هذا الاسم عندهم مأخوذا من الاسم القرطاجي القديم، وإن كان بعض ~~العلماء المحققين قالوا: إن لفظة السفطاء عند الأتراك مأخوذة من اللغة ~~الفارسية محرفة عن كلمة «سوخته» بمعنى الذي يحترق احتراقا؛ أي المولع بطلب ~~العلم الديني المغرم بتحصيله. # Erythrée # هذا اللفظ يعني به القدماء بحر ~~القلزم (البحر الأحمر) والخليج الفارسي، والجزء من البحر الكائن بين ساحل ~~الحبشة وجزيرة سيلان، فليس البحر الأحمر حينئذ إلا جزءا من بحر ~~إيرترة. # الباب الثاني والعشرون # الديانة - الأخلاق - العادات - الآثار ~~(1) زرادشت والبستاه # 1 # ديانة الماديين والفرس مأخوذة عن عبادة الأمم الآرية القديمة، كما يدلنا على بعض ~~ذلك كتب الهند ms133 المقدسة، وجاء في الخرافات المتداولة عند العامة أنها من صنع رجل ~~واحد وهو زرادشت أو زرثوسترا # 2 # وأن هذا الرجل من السلالة الملوكية، وكان مولده في راغة في ماداي أو في ~~أتروباتان (أذربيجان) وقد ظهر أيام كان الإيرانيون ضاربين خيامهم في إقليم بلخ، ~~وأمضى طفوليته وشبيبته في مقاومة الشياطين والأبالسة حتى إذا بلغ الثلاثين من عمره ~~عرج بروحه إلى الباري تعالى، فأعلمه أن أفضل المخلوقات على الأرض إنما هو الإنسان ~~ذو القلب السليم الطاهر. # وبعد امتحانات كثيرة ابتلاه بها سبحانه وتعالى أعطاه بيده كتابا يحتوي على ~~الشريعة، وهو البستاه، ثم هبط عائدا إلى الأرض ودعا إلى هذا الدين الجديد، فدخلت ~~فيه الأمة الإيرانية بأسرها. ~~(2) هرمز وأهرمان # كان الإله الأكبر عند الإيرانيين في أول الأمر هو (قوس السماء الكامل، وهو أمكن ~~الآلهة وأمتنها؛ لأنه يكتسي بقبة الملك المتينة)، وجسمه نوراني، وعينه هي الشمس، ثم ~~تعرى عن الهيولي، وصار آهورامزد (أو رمزد-هرمز) العالم بكل شيء، المتفرد بالحكمة ~~والكبرياء، والرحمة والبطش، والعقل والجمال (شكل # 22-1 ~~). # شكل 22-1: # هرمز محلقا في السماء فوق رأس الملك كما في نقش بارز بمدينة ~~تخت سليمان. # وبحذائه إله يعاديه، وله من الشر بقدر ما لهرمز من الخير، واسمه أنجرمينيوس (أهرمان) # 3 # وهو يجتهد في ملاشاة ما في الكون من الخير والجمال. # وكان هرمز قد خلق كل شيء بفعل كلمته واتخذ لنفسه ستة أرواح أو آلهة من طبقات عليا ~~يعينونه على حفظ نظام العالم وتدبير شئونه، وهم المعروفون بأميشاسبنتاس، وهؤلاء ~~الآلهة اتخذوا أيضا آلافا من اليزتاس يحكمون عليهم وهم منتشرون في الكون للمحافظة ~~على بقاء أعضائه ودوران دولابه، فجعل أهرمان آلهة ظلمات وشرور في مقابلة آلهة الخير ~~والنور وعارض الأميشاسبنتاس الستة بستة أرواح شريرة تعادلها في القوة والشوكة، ثم ~~سلط الأبالسة على أليزتاس وسماهم الديوة (الشياطين) وهم لا ينفكون عن محاصرة الكون، ~~ومنع انتظام حركاته، ولا يزال القتال مستمرا بين هذه الأرواح المتكافئة في العزيمة ~~والبطش إلى انقضاء الزمان، ولا ينتهي كفاحها إلا بانقراض العالم إذ يتم النصر لهرمز ms134 ~~على أهرمان. ~~(3) العبادة والمجوس # فكان الإنسان يعيش بحسب الشرع والعدل في الدرجة التي قسمت له والآلهة يتنازعون ~~ويتخاصمون وكان بجانبه حافظ له أمين عليه، يعرف بالفرافاشي، يسهر على وقايته ويدفع ~~عنه كيد الشياطين مستعينا باليزتاس، وكان القوم يعتقدون أن هرمز إنما أوجد الإنسان ~~في هذا العالم لكي ينازع أهرمان في أقسام الأرض القاحلة، ولذلك كان أول الواجبات ~~عليه أن يحرث الأرض ويستغل القمح منها، وثانيا أن يحمي مخلوقات هرمز ويبيد مخلوقات ~~أهرمان، وعندهم أن أفضل مخلوقات هرمز هو الكلب وأن من قتله وقع في الإثم، بل إن من ~~أعطاه «عظاما لا يمكنه أن يأكل منها شيئا أو طعاما ساخنا يحرق فمه» ارتكب خطيئة ~~فاحشة وأتى أمرا نكرا، وعندهم أن الرجل البار هو من كانت أفكاره حميدة، وأقواله ~~حميدة، وأفعاله حميدة، فإذا خرج عن دائرة الكمال فلا يعود إليها مهما أكثر من تقديم ~~القرابين والضحايا، إذ لا تغتفر الهفوة إلا لمن تاب وعمل صالحا. ومن مكفرات ~~السيئات التي نصت عليها هذه الشريعة قتل الحيوانات المؤذية كالضفدع والثعبان والنمل ~~وإحياء الأرض الموات، وتزويج العذراء الطاهرة التقية النقية بالرجل العادل ~~الصالح. # وكانت احتفالات الديانة والعبادة بسيطة وقليلة العدد، فلم يكن لهرمز تماثيل ~~وأنصاب ولا محاريب سرية ولا مذابح للقربان بل كان له بيوت نار # 4 # فوق المشارف يحافظ القوم فيها على بقاء النار المقدسة على تعاقب ~~الزمان. وكان الموكلون بها جماعة من الكهنة وظيفتهم أن لا يدعوها تخمد مطلقا، ~~وكانت الكهانة في بلاد ماداي، ثم في بلاد فارس منحصرة في طبقة لا يدخلها غير أهلها، ~~وهي طبقة المجوس، وقد صار لها نفوذ كبير وجاه عظيم حتى تجاوزت حدود وظيفتها بالتعدي ~~على حقوق غيرها في بعض الأحيان، وكانوا يلبسون قفاطين ضافية بيضاء اللون وعلى ~~رءوسهم طرطور طويل، وفي أيديهم أغصان الطرفا (باريسما) إذ بدونها لا يكون أي عمل ~~ديني مقبولا ولا صحيحا، وكانوا يصعدون على مذابح القربان بموكب حافل ويحضرون ~~الضحية، ثم يصبون عليها الخمور ويرتلون عليها الأناشيد السرية التي تجعل فيها ~~الخاصية اللازمة ms135 والفضيلة المطلوبة، وأهم ضحاياهم هو الفرس ولكنهم كانوا يقربون ~~أيضا الثور والماعز والشاة، فكان الكاهن يبتدئ بإحضار الهوما (نوع من الخمر أخذه ~~الإيرانيون عن القبائل الآرية الأصلية) ثم يوزعه على الحاضرين، وبعد ذلك يذبح ~~الضحية ويفصلها قطعا، يضعها أمام الأتون لا في داخله لأن ملاصقتها للنار المقدسة ~~تدنسها وتنجسها، ثم ينتهي الاحتفال بوليمة رسمية يأكل الحاضرون فيها لحم ~~الضحية. ~~(4) الاحتفال بالجنائز # كان الفارسيون إذا مات الواحد منهم لا يجوز لهم إحراق جثته ولا دفنها ولا طرحها ~~في نهر من الأنهار؛ لأن ذلك يدنس النار أو التراب أو الماء وكان لهم وسيلتان للتخلص ~~من الجثة من غير أن يمسوا طهارة العناصر الأولى؛ وذلك أنهم يغطونها بطبقة من الشمع ~~ثم يدفنونها؛ معتقدين أن هذا الطلاء يحول دون النجاسة التي تحصل من ملامسة الجثة ~~للتراب مباشرة، والطريقة الثانية أنهم كانوا يتركونها للطيور الجارحة تفترسها وبنوا ~~لهذا الغرض صروحا كبيرة مستديرة مفتوحة من أعلاها، واتخذوها مقابر لموتاهم. أما ~~الروح فكانوا يزعمون أنها تبقى بجانب جسدها الفاني ثلاثة أيام، حتى إذا كان فجر ~~اليوم الرابع فارقته وذهبت إلى محل الدينونة، وهناك توزن أعمالها من خير ومن شر ~~لتبرئة ساحتها أو للحكم عليها بحسب ما تشهد به حياتها، وبعد خروجها من المحكمة ~~تساق إلى قنطرة شنفال، وهي قنطرة مقامة فوق الجحيم ويتوصل المار عليها إلى النعيم، ~~فإذا كانت من أهل الكفر والضلال لا يتيسر لها اجتيازها فتسقط إلى الدرك الأسفل، ~~وإذا كانت من أهل الطهر والعفاف مرت عليها من غير عناء، ثم تمثل بين يدي هرمز فتجلس ~~في مكان يعين لها وتبقى فيه إلى يوم تحشر الأجساد. ~~(5) الفنون الفارسية # انتقل الفارسيون بغتة من الخمول، ومن حالة تقرب من الهمجية إلى ذروة المجد ~~والفخار؛ فصار لهم ملك آسيا كلها في وقت قريب؛ ولذلك لم يمض عليهم الزمن الكافي ~~لتوسيع نطاق تمدنهم، وعلومهم الأدبية، وفنونهم الخاصة بهم، فتخلقوا بأخلاق الأمم ~~التي تغلبوا عليها من آشوريين، ومصريين، وهيلانيين (يونان)، وأخذوا عنهم كل ما لم ~~يكن عندهم، فلبس ملوكهم الأرجوان ms136 الصوري، وأقمشة بابل المطرزة، وقباطي مصر ~~المشهورة، وكتبوا كتاباتهم بحروف استعاروها من الأقلام المسمارية المستعملة عند ~~الأمم المتوطنة على سواحل الفرات ودجلة. وقد استعملوا في بعض الأحيان نقاشين من ~~اليونان في زخرفة قصورهم، ومن نظر إلى ما بقي لنا من عمائرهم رأى فيها في كل خطوة ~~آثارا تذكره بفنون مصر وآشور. هذا، وإن بعض الأجزاء في قصر دارا بمدينة فرسبوليس # 5 ~~(شكل # 22-2 ~~) توشك أن تكون أطلال أحد المعابد المصرية، ~~فإن جميع الأبواب محلاة من أعلاها بأطناف # 6 # تشبه الأطناف المصرية، وعليها دلائل القوة والمتانة التي هي خاصية ~~الآثار بوادي النيل، ومن نظر إلى مصارعة الملك مع أحد الأرواح الشريرة (وكثيرا ما ~~يوجد رسمها في الأطلال) (شكل # 22-3 ~~) علم أنها مأخوذة مباشرة عن ~~الكلدانيين والآشوريين. # شكل 22-2: # قصر دارا في مدينة فرسبوليس. # شكل 22-3: # مصارعة الملك مع الروح الشريرة. ~~(6) الزخرفة بالمينا # على أنه ينبغي لنا تقرير حقيقة وهي أنهم جمعوا هذه العناصر المختلفة، ووفقوا ~~بينها توفيقا لطيفا، فإن الإيوانات التي كان الملك يقابل الوفود فيها أيام ~~التشريفات ليست غير جديرة بأن تكون نظيرة للغرف ذات العمدان في المعابد المصرية؛ ~~لأن الأساطين التي هي مستندة عليها بالغة نهاية الظرف، فقواعدها مخروطية وتيجانها ~~مزينة برءوس أثوار تحمل قمة العمود، وهذه العمد محلاة برسوم تظهر فيها جراءة الصناع ~~وابتكارهم (شكل # 22-4 ~~)، أما زخرفة الأسطحة الفسيحة الخارجية ~~لجدران القصور وحيطانها، ففيها صور ورسوم ونقوش بالغة في الكثرة، وكلها متآلفة ~~متناسبة بشكل لم يبلغه الإنسان إلى هذا الزمان، وكانت هذه الزخرفة بواسطة لبن ~~مموه بالمينا مثل اللبن المستعمل في بعض الأبنية الآشورية والكلدانية، ولكن الفرس ~~لم يحاكوا أهل بابل ونينوي في جعل الرسوم على المينا بخط واحد لا ترى معه بارزة عن ~~الجدار، بل توخوا أن تكون الرسوم ظاهرة البروز عن اللبن بمسافة كبيرة، مع تمام ~~المشابهة للبروز الحقيقي. # شكل 22-4: # أحد عمدان قصر بارا بفرسبوليس. # وأكمل مثال للبن المزخرف بالمينا هو ما عثر عليه المسيو ديولافوا وزوجته، وهو ~~الآن في متحف اللوفر، وهو عبار ms137 عن إفريز # Frise # طويل، منقوش عليه صور رجال من الحرس ~~الملوكي (المعروفين عندهم بالمخلدين)، وهم يسيرون بعظمة ووقار، وفي أيديهم الحراب ~~(شكل # 22-5 ~~). # شكل 22-5: # اثنان من المخلدين من متحف اللوفر. # فجميع ما في هذه القطعة بالغ في الإبداع، والجمال يظهر فيها بطء حركة الجنود ~~المثقلة بالسلاح، وعلى وجوههم مخايل المهابة، وثبات الجنان، ويرى على قامتهم سيما ~~الشمم والاقتدار، فهي كنموذج اختلط فيه العرفان بالبساطة؛ فظهرت حرية الحركة الخاصة ~~بالفنون اليونانية ممزوجة بطرائق الصنائع المشرقية القديمة، وقد لونوها كلها ~~تلوينا جمع بين الكثرة والتناسب، بحيث لا يتسنى لأرباب الفنون عندنا في هذا الزمان ~~أن يحاكوهم فيها، بل هم - والحق يقال - يعجزون عن مجاراتهم، ويقعدون عن مباراتهم في ~~هذا المضمار، فإن اختلاف الألوان في هذه القطعة، وتركيبها بجانب بعضها هما على شكل ~~يوجب زيادة قيمة كل منها في البهاء الرواء، وربما كانت هذه القطعة أجمل ما خلفه لنا ~~السلف من نموذجات الزخرفة في العمارات. # خلاصة ما تقدم ~~(1) # كانوا يقولون إن ديانة الماديين والفارسيين هي من صنع زرادشت، وأن ~~كتاب البستاه يحتوي على مبادئها. ~~(2) # ومن مقتضى هذه الديانة أن هناك أصلين متعاديين وهما هرمز (أو رمزد) ~~أصل الخير وأنجورمينيوس (أهرمان) أصل الشر، وكان كل واحد منهما يتسلط ~~على الكون بواسطة جماعة من الأرواح يقتتلون على الدوام، ولا يزالون على ~~هذه الحال إلى أن ينقرض العالم بهزيمة أهرمان. ~~(3) # فكان الإنسان يعيش بحسب الشرع والعدل، والآلهة متنازعون متخاصمون ~~ويكفر عن سيئاته بالتوبة والعمل الصالح لا بالقربان، وعبادتهم كانت في ~~غاية البساطة وتحصل في بيوت النار؛ حيث يقيم الكهنة الموكلون بحفظ ~~النار المقدسة وكانوا في بلاد ماداي عبارة عن طبقة مخصوصة تعرف ~~بالمجوس، وقد صار لهم نفوذ عظيم حتى كانوا يتجاوزون حدود وظيفتهم في ~~بعض الأحيان. ~~(4) # وكان الفرس يتركون جثث موتاهم للطيور الجارحة، وأما الروح فإنها بعد ~~الدينونة تسقط في مهوى الجحيم أو تذهب إلى فردوس النعيم على قنطرة ~~شنفال بحسب ما يقضى لها أو عليها. ~~(5) # أما الفنون الفارسية فهي خليط من عناصر آشورية ومصرية ms138 ~~ويونانية. ~~(6) # ومع ذلك لم تكن قصور الملوك مجردة عن العظمة عارية عن جمال الائتلاف، ~~فإن اللبن المطلي بالمينا المنقوش بالنقوش البارزة التي كانت تزدان به ~~هاتيك القصور كان مصنوعا على طراز معجب جميل وذا لون رائع، وأجود ~~أنواع هذا اللبن هو ما جلبه المسيو ديولافوا وزوجته وهو محفوظ إلى الآن ~~بمتحف اللوفر. # انتهى والحمد لله. # خريطة المملكة الفارسية في زمن دارا # اسمه عند الإفرنج # Avesta ~~. # اسمه في الفارسية زردست وفي البهلوية زردت وفي اللغة الزندية ~~زرتشترو. # واسمه أيضا هرمند ومعناه أصل الشر وهو الشيطان عند الأعجام. # بيت النار يسمى بالفرنساوية Pyrée ~~. # تشهيل منار الآن وأطلالها قائمة حول مدينة اصطخر. # جمع طنف وطنف وطنف وطنف وهو إفريز الحائط وما أشرف خارجا عن ~~البناء وتعادله في الفرنساوية لفظة # Corniche ~~. ms139