######OpenITI# #META# URI: 1353AscadKhalilDaghir.MakayidHubb.Hindawi30257392 #META# Tags: literature #META# ID: 30257392 #META# Title: مكايد الحب في قصور الملوك #META# AuthorID: 73868490 #META# Author: ثورنتن هال #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 52083092 #META# Translator: أسعد خليل داغر #META# Related_books: 1450ThorntonHall.LoveAffairsOfCourts (TRANSL) #META#Header#End# # مقدمة المترجم‏ # حبيب إمبراطورة‏ # تهور وصيفة‏ # مغامرة نسيبة هنري الثاني‏ # فاجعة ملكة القلوب‏ # مجنون متوج‏ # قصة باميلي الغامضة‏ # من حضيض الضعة إلى أوج الرفعة‏ # مدام «لي شفاليه»‏ # سر جزيرة سنت مرغريت‏ # مبادلة غريبة‏ # البولونية الحسناء والإمبراطور‏ # فاجعة في قصر‏ # ابنة أخت الكردينال‏ # التاج في سبيل الحب‏ # سيدة فرسايل المجهولة‏ # اختفاء أرشديوق‏ # ملكة الجمال‏ # ملكة مشعوذة‏ # ملكة بلا تاج‏ # مقدمة المترجم‏ # حبيب إمبراطورة‏ # تهور وصيفة‏ # مغامرة نسيبة هنري الثاني‏ # فاجعة ملكة القلوب‏ # مجنون متوج‏ # قصة باميلي الغامضة‏ # من حضيض الضعة إلى أوج الرفعة‏ # مدام «لي شفاليه»‏ # سر جزيرة سنت مرغريت‏ # مبادلة غريبة‏ # البولونية الحسناء والإمبراطور‏ # فاجعة في قصر‏ # ابنة أخت الكردينال‏ # التاج في سبيل الحب‏ # سيدة فرسايل المجهولة‏ # اختفاء أرشديوق‏ # ملكة الجمال‏ # ملكة مشعوذة‏ # ملكة بلا تاج‏ # | مكايد الحب في قصور الملوك # | مكايد الحب في قصور الملوك # تأليف # ثورنتن هال # ترجمة # أسعد خليل داغر # قل لمن يحسد الغني ~~ويرثي # لشقاء يحيق بالصعلوك # رب قصر يأويه لهفان ذو ~~شج # و وكوخ يزهو بوجه ضحوك # وإذا كنت في ارتياب فطالع # خدع الحب في قصور الملوك # | مقدمة المترجم # قد يتوهم القراء بعد مطالعتهم هذا الكتاب، ووقوفهم على ما فيه من ~~مكايد الحب الغريبة المدهشة، أنه كغيره من قصص العشق والغرام التي ~~يطالعونها في هذه الأيام. ولدفع هذا التوهم أقول: لا يخفى أن قصص ~~العشق والغرام - المترجمة والمؤلفة - مبنية في الغالب على حوادث ~~وهمية تخترعها مخيلة الكاتب، فينسج لها على نول التصور الثوب اللائق ~~بها، ثم يزيد عليه بالتحشية والتذييل ما تمس الحاجة إليه من إيضاح ~~وتفصيل، أو يضيف إليه ما يقتضيه المقام من شرح وتعليق وتوشية وتنميق؛ ~~حتى يجيء نسيج قصته طبق مراده من حيث إحكام السدى وإتقان اللحمة، ~~ويقع سرد حوادثها واتساق تفاصيلها أحسن وقع في نفوس القراء. # وهو قد يبالغ ويغرق في تصوير الحوادث الغريبة المدهشة، فتفعل ~~فعلها المطلوب في ذهن القارئ، ومع شدة استغرابه لها يقبل على ~~مطالعتها بشوق ورغبة؛ إذ يعدها من الممكنات البعيدة. وقد يغلو في ~~تمثيل الحوادث غلوا ms001 يجاوز فيها حدود الممكنات، ويجعلها في عداد ~~المستحيلات. وعندي أن النوع الأول هو الجدير باحتذاء مثاله والنسج على ~~منواله لاعتبارات ليس هنا محل الكلام عليها. # وقد تبنى هذه القصص على حوادث تاريخية وقعت في زمان بعيد أو ~~قريب. ولكنك قلما تجد فيها للحقيقة التاريخية سوى ظل زائل ~~ولون حائل، يبدو في الثوب الخلق، أو كأطلال خولة ببرقة ثهمد ~~«تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد»، وما بقي مستنبط من مخيلة الكاتب، ~~ومفرغ في قالب البسط والتفصيل على أحد الوجهين السابق ~~بيانهما. # أما مشتملات هذا الكتاب فليست من جنس الحكايات المصنوعة التي لا ~~حقيقة لها على الإطلاق، ولا من نوع القصص الموضوعة ولها شبه ظل ~~الحقيقة التاريخية، بل هي حوادث حب وغرام حقيقية، جرت في قصور ~~أوروبا وقياصرتها في أوقات مختلفة. وقد تخللها من نصب الحبائل ~~والمصايد، وتدبير الخدائع والمكايد، واقتراف المآثم والمحارم، وتجرع ~~غصص الكوارث والفواجع، ما يدهش العقول ويحير الأفكار وتقشعر لشدة ~~هوله الأبدان. وهي كلها منقولة عن شهود ثقات رأوها بعيونهم وسمعوها ~~بآذانهم ودونوها في تواريخهم. # وأما الغرض من ترجمتها إلى لغتنا العربية فليس مجرد التلهي بمطالعة ~~فواجع المحبين ومصارع العشاق، ولا التسلي بالوقوف على تفاصيل ~~حوادث الختل والمكر والخيانة والغدر، وغيرها من ضروب الإثم والشر، ولا ~~التفكه بما فيها من الوقائع العجيبة الغريبة التي تبهت القارئ ~~وتملأ فؤاده دهشة وحيرة؛ فإن هذه كلها مما يراه في القصص ~~الموضوعة في لغتنا والمترجمة إليها. # وإنما الغرض من ترجمتها هو الاعتبار بما فيها من الأمور المخالفة ~~لما يعهده الناس في قصور الملوك، والمغايرة لكل ما هو عادل وحق وشريف ~~وطاهر وسار وحسن. وفي ذلك عظات كبيرة بالغة؛ أهمها ما يأتي: # أولا: # ليس من الضرورة أن تكون تربة الثروة والجاه والقوة ~~أصلح لإذكاء غرس الفضيلة، من تربة الفقر والضعة ~~والضعف. بل كثيرا ما تكون هذه أصلح من تلك. فنرى من ~~مظاهر خصب الفضائل والآداب في خصاص الصعاليك والوضعاء ~~الضعفاء ما لا نجد له أثرا في صروح أرباب الصوالجة ~~والتيجان وأصحاب السؤدد والشرف ms002 . # ثانيا: # ليس من الضرورة أن تكون قصور الملوك والأمراء ~~والأغنياء والعظماء - على فخامتها ورحبها - أعذب ~~موردا وأخصب مسرحا ومرتعا للسعادة من بيوت عامة ~~الناس، بل قد يكون أهل هذه أسعد حالا وأنعم بالا من ~~سكان تلك. وقد لا تجد داخل تلك القصور إذا جست ~~خلالها واستبطنت أحوالها سوى نكد العيش واستفحال البؤس ~~والشقاء. # ثالثا: # أن المال والجمال - وهما من خير النعم والبركات ~~التي أسبغها الله على عباده في هذه الحياة - قد يصيران ~~من شر النقم واللعنات إذا أساء الإنسان ~~استخدامهما ولم يحسن استعمالهما، فيتحول دسمهما إلى ~~سم ولذتهما إلى عذاب وألم. # أسعد خليل داغر # | حبيب إمبراطورة # كانت القيصرة كاترين الثانية إمبراطورة روسيا في مقدمة الذين امتازوا ~~في القرن الثامن عشر برفعة القدر وعظمة الشأن وغموض الأخلاق وغرابة ~~الأطوار. ويقول عنها أحد المؤرخين إنها كانت منذ صباها إلى يوم وفاتها ~~عانية بكمال الخضوع والاستسلام لشهوتين تملكتاها، ولم تستطع ~~الانفلات من قيودهما؛ إحداهما عشق الرجال، والثانية شدة الشغف بالمجد. ~~وهذا الشغف أسرفت فيه حتى أفسدته، فتحول إلى غرور وباطل. وقد ظلت ~~أربعين سنة، منذ أورق غصن بهائها النضير، وأشرق بدر جمالها المنير، إلى ~~أن عراها الذبول والأفول بيد الموت؛ وهي منبعثة كل الانبعاث في اقتناص ~~الرجال بشبكة عشقها وغرامها. فكان لها من العشاق سلسلة متصلة الحلقات. ~~وقد قربت كلا منهم إليها في حينه، وأسبغت عليه ما شاء من الحب ~~والغنى والجاه والسلطان، وكانت تقصيهم وتستبدل بهم غيرهم كلما عن ~~لها ذلك كما تفعل في تغيير ملابسها. # وربما لم يقم في الأرض امرأة مثلها في تناقض الخلال وتغاير الصفات. ~~وكان فولتير في طليعة الذين انغمسوا في حمأة الخنوع لها. وهاك بعض ما ~~يصفها به: «كانت أكبر عظيم في أوروبا بلا مدافع ولا منازع. فنفسها ~~محيطة علما بكل الأشياء، وعقلها مدرك كنه القوى جميعها؛ فهي ~~معلمة الفلاسفة، وأوسع معرفة وحكمة من أعضاء مجمع العلوم. إنها ~~ملاك كريم يجب أن يقابله الناس بالخشوع والسكوت. وحيثما أقامت فجنة ~~خالدة ونعيم مقيم.» # وهذه المخلوقة السامية التي ~~يعدها ms003 فولتير مجلى الكمال في كل ما يروق العين ويشوق النفس، ~~ويفضلها على جميع سابقيها ومعاصريها من الملوك والقياصرة والعلماء ~~والفلاسفة، تخلت عن الاهتمام بشئون إمبراطوريتها، متفرغة ~~للاستمتاع بأهواء الجسد الفاسدة وشهوات النفس السافلة، غير موجسة ~~خوفا من انتقاد الناس ولا من عقاب الله. # وقلما رزقت امرأة ما رزقته هذه الإمبراطورة من الجمال ~~الذي خلبت به قلوب أعاظم الرجال. وفي روسيا كلها لم يكن لها من شبيهات ~~في بهائها الباهر وحسنها الساحر، سوى نساء قلائل قد لا يجاوزن عدد ~~الأصابع. اسمع ما تقوله عن نفسها في استعدادها لحضور مرقص: «أعمد ~~إلى شعري الطويل الجميل الحالك السواد، فأعقصه مكورا في مؤخر رأسي، ~~وأشده بشريطة حرير بيضاء، وأزينه بباقة ورد نضرة الأزرار والأوراق، ~~وأضع باقة أخرى مثلها في صدري فوق ريطة (ثوب) من حرير رقيقة شفافة، ~~فأبدو بقامة تزدري الغصن لينا واعتدالا، وأفوق جميع أترابي حسنا ~~وجمالا.» # هكذا كانت كاترين الثانية في فجر صباها ومطلع شبابها. وهاك ما يصفها ~~به بونياتوسكي وهي في الخامسة والعشرين، قال: «بلغ جمالها الحد ~~الذي يصل إليه عادة جمال كل امرأة؛ فقد كان شعرها شديد السواد، ~~وبشرتها بالغة حدا لا يوصف من شدة النعومة ونصوع البياض، يزينهما ~~لون زاه زاهر، ولها عينان نجلاوان قال الله كونا فكانتا آية في حسن ~~التكوين، تحت حاجبين كالقوسين، وفوق أنف أقنى وفم جامع من الحسن كل ~~معنى، وقد تفنن فيه بعض واصفيه فقال إنه مخلوق للثم والتقبيل. ~~ولها قامة كالصعدة السمراء في الدقة والاستواء، وابتسامة تفتر ~~بها عن الدر في المرجان، وضحكة يقع صوتها في الآذان أطيب من وقع ~~أعذب الألحان.» # ويقول فولتير في وصفه لها إنه لم ير أجمل من يديها، ولا أشد ~~بياضا ونعومة من جسمها. وقد ظلت غانية بهذه المحاسن الباهرة ~~النادرة إلى وفاتها وهي مشرفة على السبعين. # وليس عجيبا أنها - وهي ممتازة بهذا الحسن الخالب والجمال الجاذب - ~~تفتن ملوك أوروبا وعظماءها، حتى رأيناهم يغلون في تملقها ~~وترضيها ولو بالجثو عند موطئ قدميها. وكانت أذناها مفتوحتين ~~على الدوام لسماع ms004 الملث والتملق، وكان العالم مفعما بروح النفاق ~~والرياء، وقد راجت فيه بضاعة المداهنة والمصانعة، وبلغ من شدة غلو ~~القوم فيهما أنهم كانوا يجعلون من يرومون التزلف إليه في منزلة الإله ~~المعبود. ولكن مما حير الأفكار في ذلك الحين، ولا يزال مدعاة ~~حيرتها في هذه الأيام، أن كاترين كانت تختار من بين عباد حسنها ~~وجمالها واحدا بعد آخر، تختصه بميلها إليه وولوعها به على مرأى جميع ~~الناس ومسمعهم. # قلنا إنها عشقت كثيرين، ولكن واحدا منهم امتاز بأنها بلغت من شدة ~~الافتتان به مبلغا عظيما، وبهذه الوسيلة تمكن من امتلاك قيادها ~~والاستئثار بالتسلط عليها؛ وهو بتيومكين. # أما حكاية اتصاله بها فتلخص فيما يأتي: # بعدما توفي زوجها بطرس الثالث ألقيت مقاليد الحكم إليها، فخرجت ~~ذات يوم لتشهد عرض جيوشها. واتفق أن أحد الجنود الفرسان لاحظ أن ~~سيف الإمبراطورة بلا حمالة، فعدا على ظهر جواده وقدم إليها حمالة ~~سيفه، فراقها ما أبداه من نباهة الشأن وسرعة الخاطر، وعبرت عن ~~استحسانها لعمله بابتسامة سلبت لبه وأسكرت قلبه. # وهذه الحادثة البسيطة كانت فاتحة دخول بتيومكين في حياة كاترين، ~~وتمثيله فصلا ذا شأن من رواية تاريخ روسيا في أيامها. وقبل انتظامه في ~~الجيش كان طالبا في جامعة موسكو يستعد في كلية اللاهوت لأن يكون من ~~رجال الدين، لكنه طرد من الجامعة لشدة كسله وإهماله، وكان في الجيش ~~مثلا مضروبا في سوء الأخلاق ونقص الفهم. # وهذه الحادثة نفسها لم يكن فيها ولا في بطلها ما يحيي ذكرها في بال ~~كاترين. ولكن حدث أنها كانت ذات يوم تبحث عما يسليها ويدخل ~~السرور إلى قلبها، فسمعت بجندي مشهور بالبراعة في الألعاب الهزلية ~~المضحكة، ومن فورها أمرت بأن يؤتى به إليها. وعندما وقع نظرها عليه ~~تذكرت أنه بطل يوم العرض. ولما عرض ألعابه أمامها أعجبت كل الإعجاب ~~بما أبداه من الحذاقة والمهارة والجسارة، ولا سيما في تمثيله لها نفسها ~~في كثير من حركاتها وإشاراتها وغير ذلك؛ مما أضحكها ضحكا أسال دموعها ~~على خديها. ومنذئذ بسم الدهر لبتيومكين، فطلع طالع جده وأشرق ms005 ~~نجم سعده، فأعلنت شموله بحمايتها واستظلاله بظل رعايتها. وكان بعد في ~~ريق صبوته غير بالغ العشرين سنة، فأمرت بتعليمه اللغة الفرنسوية، ~~وتخريجه في جميع شئون الدولة، وحصرت اهتمامها كله في العناية ~~بمستقبله. # وكان عشيقها الخاص في هذا الوقت غريغوري أورلوف، الذي كان فيما يظن ~~أطول شبان روسيا قامة وأجملهم طلعة. ثم مرت السنون وبتيومكين ~~يتقدم في رتب الجيش، ويترقى من ملازم إلى ما فوقه، حتى بلغ رتبة ~~جنرال. ولما شعر باليأس من حصوله على ما طمحت إليه نفسه؛ أي أن يكون ~~حبيب كاترين المخصوص، عزم أن يترهب ويدخل أحد الأديار، وإذا بكتاب قد ~~جاءه في أحد الأيام من سنة 1773 من كاترين، ولم يخف عليه مضمونه. ~~فإنها أشارت فيه إلى شدة اهتمامها بمستقبله وحرصها على سلامته، وختمته ~~بقولها: «ولعلك بعد الفراغ من تلاوة هذا الكتاب تسأل لماذا كتبته ~~إليك. فاعلم أني كتبته ليتضح لك مبلغ عنايتي بك؛ لأنني دائما أتمنى لك ~~الخير والسعادة.» # ومرادها بهذا ظاهر لا يحتاج إلى شيء من الإيضاح. واتفق أنها اطلعت ~~على ما يثبت خيانة غريغوري أورلوف، فأقصته عنها بعدما ظل وقتا ~~طويلا ينعم بكونه حبيبها الخاص غير منازع من أحد. فاختارت بعده ~~فاسيليتشيكو، ولكنها لم تلبث أن ملته فنقلته إلى موسكو، ووجهت ~~التفاتها إلى بتيومكين، فأدنته منها وبوأته المنزلة التي طالما حن ~~إليها وحسده ألوف من المقربين عليها. # ولا يسع القارئ أن يتصور الفرق الشديد بين هذه الإمبراطورة الفائقة ~~في حسنها وجمالها، وهذا الجندي الذي سلطته على جميع الناس. فقد كان ~~ضخم الجثة، قاتم اللون، خشن الجلد، قبيح الملامح، أعور، وقد فقد إحدى ~~عينيه بالحادثة الآتية: # كان ذات يوم يلعب البلياردو مع ألكسس أورلوف المشهور بضخامة جسده ~~وشدة قوته، وكان هذا في عداد عشاق كاترين المبعدين، فحدث أن بتيومكين ~~فاه بما هاج غيظ أورلوف، وأفضى الأمر بينهما إلى النزاع، فلطم أورلوف ~~بتيومكين لطمة أصابت إحدى عينيه وأفقدتها البصر. وكان هذا التشويه ~~كافيا لأن يقضي على آماله ويحمل كاترين على إقصائه عنها، ولكن الأمر ~~جاء لحسن ms006 حظه على خلاف المنتظر، فإنه لسعة مكره أقنعها بأنه فقد ~~عينيه في سبيل الدفاع عن عرضها والذود عن شرفها، فعرفت له هذا ~~الجميل وازدادت تعلقا به وميلا إليه. # هكذا كان منظر بتيومكين عشيق أجمل إمبراطورة في أوروبا مظهرا للقبح ~~والدمامة، ولم يكن هذا بخاف عليه، ولأجله ظل وقتا طويلا يأبى على ~~المصورين أن يصوروه، ولولا شدة إلحاح كاترين وتوسلها إليه لما ~~أذن أخيرا لمصور أن يرسم صورته المحفوظة في قصر الشتاء في ~~بطرسبرج. ولكن هذه الصورة كاذبة؛ لأنها لا تمثل ملامحه الحقيقية التي ~~تعاف العيون النظر إليها لشدة قبحها. # ولم تكن دمامة منظره بأقبح من سوء أخلاقه وسفالة عاداته. قال عنه أحد ~~المؤرخين: «كان بتيومكين دعابة، ولكن أكثر مزاحه مما تبذؤه نفس الحر ~~الأديب. وكان من عادته على الدوام أن يقلم أظافره بأسنانه، ويمعن في ~~حك رأسه الوسخ. وكثيرا ما كان يقضي أيامه في غرفته ليس عليه من ~~الثياب إلا ما يستر عورته، منفوش الشعر وسخ الجسم، وهو يلهو بحك جسده ~~وتقليم أظافره بأسنانه. وكان شديد الإفراط في الأكل والشرب والانبعاث ~~في المسكرات على أنواعها.» # وكان في أسفاره يعيش على الثوم والخبز الأسود. أما في بطرسبرج وكيافو ~~وجاسي وغيرها من أمهات مدن روسيا، فكان يتأنق في تناول أفخر الأطعمة ~~وألذ الثمار وأطيب أنواع الحلوى. وكان بعدما يغادر قصر الإمبراطورة ~~ويخلو في قصره، يخلع الحلة الرسمية ويرتدي جلبابا (جلابية) فضفاضا. ~~وفي هذا اللباس كان يستقبل حتى السيدات. وفي الأرياف كان يلبسه في ~~الحفلات والولائم الرسمية مقتصرا عليه في ستر عريه. # وكثيرا ما كان يعدل عن تعرية ساقيه فيغطيهما بنسيج مطرز بالذهب ~~ومرصع بالألماس وغيره من الحجارة الكريمة. # فماذا كان سر تسلط هذا الجلف على أذكى امرأة في أوروبا؟ يقول أحد ~~المؤرخين إنه في صباه استمالها بما كان يبديه من فرط شغفه وشدة ولوعه ~~بها، ولكنه فيما بعد ذلك كان يواصل التزلف إليها بالإسراف في ~~تملقها وإطرائها. # ومهما يكن من أسباب ذلك، فمن المحقق أن هذا الرجل الوضيع الحقير ~~لم يلبث أن ms007 حاز سلطانا مطلقا على الإمبراطورة، فخضعت له وذلت ~~كأنها إحدى إمائه. ويقول مؤرخ آخر إن شغفها به بلغ حد الجنون، وذلك ~~ظاهر مما كانت تخاطبه به في كتبها الغرامية قائلة له: «يا روحي، ~~يا ملكي، يا كنزي الفائق الثمن.» وكان لشدة دهائه ومكره يزيد نار ~~هيامها به اتقادا بقوله لها في رسائله إليها: «عندما رأيتك أول مرة ~~تعلقت أفكاري بك، وسحرني جمال عينيك، فإلى الآلهة أشكو ما أعانيه ~~من حبي لك وشغفي بك، بك وحدك أهيم وإليك أحن، وبغير اسمك ~~المقدس لا تنطق شفتاي، وسوى رسمك الفائق الجمال لا يجول في ~~خاطري.» # وكانت إذا تبسم تطير ابتهاجا وحبورا، وإذا عبس تملكها اليأس ~~واغرورقت عيناها بالدموع، بل لم تكن غلاظة طبعه ووحشية خلقه في مستأنف ~~الأيام إلا ليضرما في فؤادها سعير الوجد والغرام. وما مثلها به في ~~ذلك العهد إلا مثل قيصرة روسيا ورسبوتين في صدر هذا القرن. روى أحد ~~الجالسين معهما حول مائدة الطعام في أحد الأيام قال: «جلس بتيومكين ~~بجانب الإمبراطورة واجما مقطبا، ولم يقتصر على الوجوم وعدم الكلام، ~~بل تعداهما إلى السكوت عن إجابة ما كانت توجهه إليه من الأسئلة، ~~حتى ساءنا الأمر نحن الباقين، وتولانا غيظ وحنق لا مزيد عليهما. ولما ~~فرغنا من تناول الطعام ذهبت الإمبراطورة إلى غرفتها، ثم عادت إلينا ~~وعيناها محمرتان، ومحياها مغشى بسحب الغم والأسى. فإلى هذا الحد ~~كان يبالغ في امتهان عشيقته الملكة غير مكترث لحضوره أمامها وسخ الجسد ~~أشعث عاري الساقين، ليس عليه من الثياب سوى الجلباب، وهي ضاربة صفحا ~~عن ظهوره في أقبح مظهر مناف لقواعد الحشمة والأدب.» # ولما بلغ مراده من امتلاك قيادها والتسلط على أفكارها، طفق يعد ~~لنفسه سبيل الحصول على ما أراد من التقدم والارتقاء، حتى أصبح حاكم ~~روسيا المطلق، يدير شئونها الداخلية وسياستها الخارجية كيفما شاء لا ~~ينازعه منازع. وتعين قائد الجيش العام وأمير البحر الأول، وبات ~~إمبراطور روسيا بالفعل إن لم يكن بالاسم. واستحوذ على كل ما كان في ~~طاقة كاترين أن تمنحه من الألقاب ms008 السامية ، والوسامات الرفيعة الشأن، ~~والقصور والعقارات والتحف والنفائس، وجادت عليه فوق هذه كلها بملايين ~~الريالات؛ فكانت حلله الرسمية تسطع بالوسامات المرصعة بأغلى الحلى ~~والجواهر. وخصه جوزيف الثاني بلقب أمير الإمبراطورية الرومانية ~~المقدسة، وأهدت إليه الإمبراطورة صورتها في إطار مرصع بالألماس، ~~وهو امتياز لم يظفر به غيره من معشوقيها سوى غريغوري أورلوف. وفي أقل ~~من سنتين ارتقى هذا الجندي ارتقاء منقطع النظير، وبات أوفر ثروة ~~وأعرض جاها وأسمى مقاما من جميع رجالات أوروبا. وهذا كله ناله لأن ~~أجمل النساء صورة وأشرفهن رتبة عشقته على قبح شكله وسوء خلقه. # على أن هذا كله لم يكن كافيا لإشباع مطامعه الفائقة الحد، فقال في ~~نفسه: ها أنا الآن إمبراطور روسيا بالفعل، فلماذا لا أكون إمبراطورها ~~بالاسم وأتزوج علانية المرأة التي قلبها في يدي أحوله كيفما ~~شئت؟! # وقد سنحت له فرصة السعي لإدراك هذه الأمنية يوم غادرت الإمبراطورة ~~قصرها إلى أحد الأديار لتقضي أياما في الصوم والاعتكاف للتكفير ~~والاستغفار. فصحبها عشيقها وحاول إرغامها على الاعتراف به قيصرا لها، ~~وجعله زوجا بدل عشيق. فخلع حلته الرسمية المتلألئة بالحلى ~~والجواهر، وارتدى ثوب راهب وشرع يتلو المزامير في فجر كل يوم، وينشد ~~تسابيح الصلاة في المساء، حتى رأى أن الفرصة سانحة والوقت مؤاتيا، ~~فمثل أمام الإمبراطورة وعليه علامات النحول والهزال من مواصلة الصوم ~~والتقشف، وقال لها إنه صمم على اعتزال كل ما في العالم من زخارف ~~وأباطيل، والتماس سلام القلب وراحة الفكر في عيشة الزهد والتفرغ لعبادة ~~الله. وما كان أشد خيبة أمله وضياع أمنية قلبه عندما فاجأته ~~الإمبراطورة بما لم يدر قط في خلده. لم تتوسل إليه أن يعدل عما نوى، ~~ولا عرضت عليه أن يتخذها زوجة له كما توقع، بل صوبت رأيه ووافقته ~~عليه من كل قلبها، وأكدت له أنه بعمله هذا جار على مقتضى الحكمة؛ إذ ~~هو ساع للحصول على خلاص نفسه، وذلك خير وأبقى. وما أبطأت أن أسرعت في ~~الرجوع إلى قصرها، وغادرته يصلى نار الخيبة. # وبعد ثلاثة أسابيع دهشت إذ رأت الراهب القانت ms009 الزاهد داخلا إليها، ~~متجملا بأغلى حلة وأنفس رداء، وكانت جالسة تتسلى بلعب الورق ~~هي وبعض سيدات قصرها، فجلس بجانبها وحدق إلى الإمبراطورة المدهوشة بهذه ~~المفاجأة، ثم مد يده وتناول الورق المطبق أمامها على المنضدة ~~وفتحه، وأراها الورقة المفتوحة، وكانت مما تعده فألا حسنا، ~~فهشت له وبشت وقالت: إنك دائما سعيد الطالع! وما لبث أن استرد ~~ما كان له عليها من مطلق السلطان. # على أنه لم يغفل عن استخراج العبرة البالغة من هذه الحادثة، بل اتضح ~~له أن امتلاكه لقلب الإمبراطورة الكثير التقلب لم يكن امتلاكا ~~ثابتا دائما كما ظن. فقد سبق لها أن سئمت وملت كثيرين غيره من ~~العشاق الذين كانوا أشد منه اجتذابا لقلبها وتسلطا على أفكارها؛ ~~فمصيره من كل وجه عرضة لأن يكون كمصيرهم. ومنذ الآن رأى عيني كاترين ~~تبعثان بنظرات الارتياح والاستحسان إلى شاب جميل الطلعة اتخذته ~~كاتبا لها، فتوقع أنها تعده لأن يكون خلفا له. وقد وقع ما كان ~~يخشاه سريعا؛ فإنه تغيب بضعة أسابيع للتفتيش في مقاطعة نوفغورود، ~~وعاد فوجد ذلك الشاب حالا محله. # فهاج بركان غيظه وغضبه على كاترين، وأخذ يقذفها منه بحمم المساب ~~والشتائم، حتى أصيبت من جرائها بأعراض هستيرية، واضطرت لشدة خوفها ~~منه أن تتقي غضبه برد ما كان له من السلطان ورفعة الشأن، ولكنها ~~أفرغت قلبها من حبها له وهيامها به. وهذا ما كان قاصرا همه عليه. ~~فليكن غيره حبيبها وعشيقها ما دام هو قادر أن يكون إمبراطورا. فاكتفى ~~بنيله هذه البغية، وعاد إلى سابق عهده رسول غرام كاترين وسفير عشقها، ~~متمليا لذة تمهيد السبيل لعشاقها كما كان يتمتع بها عندما كان ~~ينعم هو نفسه بمحبتها له. # وما خسره من محبتها له استرد ~~أكثر منه من حيث استئثاره بها وتسلطه عليها. ومن الغريب أنه فاق ما ~~كان عليه من قبل في تملقها وإطرائها ولو بلسانه لا من جنانه. فقد كتب ~~إليها مرة وهو يقود الجيش في إحدى المعارك يقول: «أكتب إليك على بعد ~~آلاف من الأميال وقصارى ما تشتهيه نفسي أن ms010 أتفانى في خدمتك، وأضحي بكل ~~عزيز وغال في سبيل رفاهيتك وسعادتك، وتوفير أسباب مجدك وعظمة ~~شأنك، أيتها الأم الحنون، لقد أسبغت علي كل ما عندك من النعم ~~والهبات ولم أزل حيا، ولكن حياتي هذه ستظل وقفا على خدمتك.» # وكانت كاترين تجيبه عن كتبه بمثلها من حيث المجاملة والمصانعة، ~~كقولها له في إحدى رسائلها: «أراك في كتبك إلي تحاول التعبير عما ~~أروم أن أقوله لك. فثق يا صديقي أني لو استطعت لضمنت رسالتي إليك ~~أرق التعابير الدالة على ثبات صداقتي لك.» # وبناء على شدة ثقة بتيومكين بصداقة كاترين، أطلق لنفسه عنان التمادي ~~في ما أراد من الاستئثار بالسلطة والانبعاث في الإسراف والتبذير ~~والتمرغ في حمأة الشهوات الدنسة، وأصبحت أعماله الشاذة ظاهرة للعيان، ~~دلالة على أنه بلغ في غرابة الأطوار مبلغا أشبه بالجنون، بل هو ~~الجنون بعينه. وبينما كان يقود الجيش في محاربة تركيا، كان حسب رواية ~~أحد المؤرخين يقضي معظم وقته في صقل جواهره، والبعث بالهدايا إلى موضوع ~~حبه وغيرها من سيدات القصر. وقد استصحب خمسمائة خادم ومائتي موسيقي، ~~وجوقا كبيرا للرقص والتمثيل، ومائة مطرز وعشرين جوهريا. # ومن غرابة أطواره أنه كان كثير التقلب سريع التحول في آرائه وأفكاره، ~~وكأنه المعني بقول الشاعر العربي: # كريشة في مهب الريح طائرة # لا تستقر على حال من القلق # ففي أقل من ساعة كان يبدو لمجالسيه فرحا مسرورا وكئيبا مغموما، ~~هاشا باشا وباسرا شديد التقطيب والعبوس، رقيق الحاشية لين ~~العريكة، وفظا جلفا إلى الغاية. ومبالغا في الاحتفاء والترحيب ~~بالزائرين، ومفرطا في ردهم على أعقابهم بما لا مزيد عليه من الجفاء ~~والخشونة، يصدر الأمر ثم لا يلبث أن يعقبه بما يلغيه ويناقضه. وكان ~~في إحدى المعارك يختبئ في قبو ويسد أذنيه حتى لا يسمع قصف المدافع، ~~وفي غيرها يقف في الخنادق وقفة الأبطال الصناديد، ورصاص البندقيات ~~يصفر عن يمينه ويساره. وبكلمة نقول عنه إنه كان مجموع متناقضات ~~ومتغايرات. # ولما فاته التمتع بمحبة كاترين الحقيقية حول اهتمامه نحو غيرها من ~~النساء الحسان، وهب يطلق لنفسه عنان التمتع ms011 بشهواته حتى في ساحات ~~الكفاح. قال أحد المؤرخين: «كان الأمير بتيومكين يجلس على أريكة ~~موشاة بالأطالس المطرزة بالحلى والجواهر، ومغشاة بالأزهار ~~والرياحين، ومضمخة بغوالي الأطياب، وحوله الغواني بأفخر الحلل وأغلى ~~الحلى، وأمامهن العطور في مباخر من ذهب. وكانت فريدة عقدهن الأميرة ~~دولغورنكي زوجة أحد ضباطه.» # وكانت حفلات الولائم والمراقص تقام متواصلة متلاحقة بلا انقطاع، وهو ~~لاه بها، يتملى لذاتها وينتهب مسراتها، والجيوش تخوض غمار القتال، ~~وتكتوي بنار الطعان، وتضيف إلى رأسه أكاليل انتصارات جديدة مجيدة. ~~قال شاهد عيان يصف انبعاثه في مخازيه وانصرافه لمداعبة محظياته ~~وسراريه: «كان في ذلك الحين يأبى دخول أحد عليه، إلا إذا كان من ~~متملقيه ومطرئيه. وكانت الغرف في قصر الكونتس غالفن مقسومة إلى قسمين؛ ~~أحدهما للرجال، حيث مدت موائد القمار، والآخر للأمير، حيث يجلس على ~~أريكته محاطا بالسيدات.» # وكانت أنباء هذه الفضائح تبلغ كاترين فلا تغضب لها، بل كثيرا ما ~~كانت تنظر إليها بعين المسرة والارتياح. وكانت إذا رأته يعنى بشئون ~~لذاتها وأمور عشقها وغرامها تقابل ذلك بالشكر والثناء. وقد يمل ~~القارئ تلاوة تفاصيل هذه الحوادث الشاذة البالغة غاية الغرابة، ولكنها ~~ليست بغريبة عن طبيعة هذين الشخصين النادرين، ولا عن تاريخ ما كان ~~بينهما من العلاقات الشاذة التي ارتبطا بها مدة عشرين سنة، حتى بعد ~~انقطاع صلات الحب بينهما. # ولما حول بتيومكين صلات العشق والغرام من كاترين إلى وصيفاتها بنات ~~أخته - الواحدة بعد الأخرى - لم يبد على كاترين شيء من علامات النفور ~~والامتناع. ولعل هذه الفعلة الشنعاء كانت أعظم ما في أعماله من موجبات ~~الاستفظاع والاستنكار؛ فإن رسائله إلى بنات أخته - أولا إلى بارب ثم ~~إلى شقيقاتها الأربع - مفرغة في أفحش القوالب التي يستخدمها أهل ~~الخلاعة والدعارة للتعبير عن شوقهم وغرامهم. فقد كتب إلى بارب يقول: ~~«إذا أحببتك حبا أبديا، ولم يكن لنفسي معين سواك، فهل تدركين ~~معنى هذا؟ وهل أثق بقولك لي إنك تحبينني إلى الأبد؟ أحبك يا حياتي ~~حبا لم أختص قط به أحدا قبلك. فقولي لي يا فارينكا (لعل فارينكا ~~لقب بارب) ms012 يا حياتي وكل مناي، قولي لي إنك تحبينني، وهو كاف لأن يعيد ~~إلي صحتي ومسرتي وسلامي وسعادتي. إنني ممتلئ بك يا روحي. بك ~~وحدك يا ذات الحسن والجمال. الوداع الوداع. على البعد أعانقك عناقا ~~لا حد له.» وحرارة هذا الشوق انعكست من كتب فارينكا إليه. فمن ذلك ~~قولها له في إحدى رسائلها، وكان إذ ذلك مريضا: «إني في قلق وانزعاج لا ~~مزيد عليهما، فأناشدك الله أن تكتب إلي بما يستطاع من السرعة ~~لتطمئن نفسي ويسكن اضطراب قلبي عليك يا حياتي. أقبلك مرات لا عداد ~~لها.» # وبعدما شفي من مرضه، سرى عن نفسه بالكتابة إليها عقب زيارته لها ~~ورجوعه من عندها قائلا: «فارينكا، يا روحي ومصدر حياتي، لقد نمت ولم ~~تذكري ما جرى، فقبلما فارقتك أضجعتك في سريرك مزودا لك بقبلات ~~تفوق الإحصاء، ودثرتك بجلبابك، ورسمت علامة الصليب على ~~محياك.» # وعندما كتب إليها هذه الرسائل كان في عبه رسالة شوق وغرام من إحدى ~~عشيقاته، وهي من كبيرات نساء القصر جاها وشرفا تقول له: «كيف قضيت ~~ليلتك يا عزيزي؟ لعلك كنت أنعم مني بالا! أما أنا فلم أذق طعم الرقاد ~~ولم يغمض لي جفن. فأنت وحدك موضوع افتكاري، وشغلي في ليلي ونهاري. ولست ~~أجهل شدة محبتك لي، وعنايتك بي. الوداع. حسبي هذا الآن؛ لأني منتظرة ~~قدوم زوجي.» # ولما مل بنات أخته تعلق بمن تدعى براسكوفيا زاكرفسكا، فتصبته ~~وتصباها، ولم يكن شغفها بهواه أقل من ولوعه بهواها. ومما كتبه إليها ~~مرة: «أسرعي إلي، أسرعي يا نور عيني وحياة قلبي. أسرعي يا كنزي ~~الفائق الثمن. بك أوجد وأحيا. وسأقضي حياتي كلها مبرهنا لك أني ~~أحبك حبا يفوق الوصف، بل يشب عن طوق التصور. فمن صميم فؤادي ~~أقبل يديك الجميلتين وقدميك الناعمتين. ولا يخطرن ببالك ~~يا عزيزتي أني أهيم بك مدفوعا بجاذب حسنك وجمالك. لا، ليس هذا مبعث ~~تهيامي، بل إني أرى في نفسك ملاكا مطبوعا على غرار ملاك نفسي. فكلانا ~~واحد، وليس ممكنا أن يفارق أحدنا الآخر.» # وإلى آخر حياته ظل هذا الماجن الخليع ms013 عبد لذاته وأسير شهواته، ~~واستمر يلقي شباك مكره وخداعه، ويتصيد حسان النساء واحدة بعد ~~الأخرى، منتقلا متبدلا بسرعة حق لكاترين أن تعد بالنسبة ~~إليها مثال الرسوخ والثبات. وقد قال يوما عن نفسه: «لقد نلت كل ما ~~تمنيت الحصول عليه، ولم يفتني منه شيء. طمحت نفسي إلى السلطة ~~والسيادة، فأحرزت منها ما شئت، وأصبحت مطاع الأمر والنهي. وملت إلى ~~القمار، وكان في إمكاني أن أخسر كل ليلة مبالغ لا تقدر من غير أن ~~أشعر بأقل انزعاج على فقدها. وقضيت مرادي من مآدب وولائم يعجز عن ~~الإنفاق عليها أعظم الملوك ثروة واقتدارا. وعندي من العقارات فوق ما ~~أروم، ومن القصور ما لم يكن لأكبر السلاطين والقياصرة، ومن الحجارة ~~الكريمة ما لا يحصى. فأنا من كل وجه مغمور بالعز والجاه والسؤدد، ~~ومحاط بالثروة والغنى، ولست بحاجة إلى شيء ما على الإطلاق.» ولما فرغ ~~من هذه التأملات عمد إلى إناء من الخزف الفاخر ورمى به الأرض، ثم دخل ~~مخدعه وأقفل الباب وراءه. # وقد بلغ من الاستئثار بهذه العظائم مبلغا قصرت الإمبراطورة كاترين ~~عن مجاراته فيه؛ فإن قصوره كانت مفروشة بأغلى الرياش وأكرم الأثاث، ~~ومزدانة بأنفس ما ابتكرته قرائح رجال الفن في النقش والحفر ~~والتصوير. وكان يقضي وقت الفراغ في عرض هذه التحف والطرائف، ونقلها من ~~مكان إلى آخر، أو بجمع ما عنده من الحلى والجواهر. وفي ذات يوم مل ~~جواهره فباعها، وما عتم أن اشتراها بمضاعف الثمن الذي باعها ~~به. # ولعل أعظم مجالي الأبهة والمجد ومظاهر الفوز والانتصار التي ازدانت ~~بها حياة بتيومكين، هي تلك الرحلة السنية الملكية التي أعدها لسفر ~~كاترين إلى بلاد القرم في جنوب روسيا 1787 لكي تشاهد بعينيها الجوهرة ~~الساطعة التي أضافها حبيبها السابق إلى تاجها الملكي. ولم يرد قط في ~~التاريخ وصف رحلة أعظم شأنا وأبهى رونقا من هذه الرحلة، بل لم يرج ~~قط على ملكة من سلع المكر والخداع ما روجه بتيومكين على ~~كاترين. # وهذه الرحلة الطويلة التي بلغت مسافتها 2000 كيلومتر، قطعت ~~الإمبراطورة بعضها في مركبة فاخرة ms014 يجرها ثلاثون جوادا ، وبعضها في ~~مركب يخفره ثمانون سفينة وثلاثة آلاف جندي. وكانت في كل موقف تجد ~~منزلا معدا حافلا بكل ما تشتهيه من أسباب الراحة والرفاهة. وكانت ~~كيفما التفت على جانبي الطريق ترى البلاد والقرى عامرة بسكان تلوح ~~على وجوههم أمارات رغد العيش ونعيم البال، والسهول الفسيحة الواسعة ~~الأرجاء تموج كالبحر بقطعان المواشي، والفتيات يرقصن على نغمات قياثير ~~الرعاة. هذه المظاهر الخالبة الساحرة كان بتيومكين قد سبق وأعدها ~~وحول القفر الماحل الجديب إلى روض مريع خصيب، لتقر برؤيته عينا ~~عشيقة لم يخامرها قط شبه ريب في صحة ما تراه وتسمعه. ولما اجتاز مركبها ~~ضفاف نهر دنيبر إلى البحر الأسود مخفورا بالثمانين سفينة غصت ضفاف ~~النهر بجماهير السكان رجالا ونساء وأولادا، وهم يزحمون بعضهم بعضا ~~لينظروا هذا المشهد البالغ غاية الفخامة، ويقدموا إلى قيصرتهم فروض ~~الولاء والإخلاص. وخلاصة القول إن كاترين اجتازت هذه المسافات الشاسعة ~~محمولة على جناح الابتهاج والحبور والدهشة والاستغراب من كل ما شاهدته ~~من الزينات الفاخرة الباهرة، التي يطول بنا الكلام لو أردنا وصفها ~~بالتفصيل. وهبها ظنت أن لبتيومكين يدا في هذه الزخارف، فمن ~~المحقق أنها لم تشر قط إلى ارتيابها بكلمة واحدة. وقد سافر الأمير ~~نفسه في موكب لا يقل عظمة وفخامة عن موكب كاترين إن لم يزد عليه. وقد ~~سبقت الإشارة إليه سابقا. # ولما عاد من سفره جرى له استقبال لم يجر قط لملك مثله في الأبهة ~~والعظمة والفخامة. وأهدت إليه كاترين مائة ألف ريال وحلة رسمية ~~يتألق صدرها بحجارة الألماس، وقصرا أنفقت على أثاثه ورياشه ستمائة ~~ألف ريال. وهذه الهدايا مع شدة نفاستها وكرامتها لم تكن شيئا يستحق ~~الذكر عند بتيومكين وليد الحظ وربيب الترف. فقد روي عنه أنه أنفق في ~~سفرته هذه سبعة ملايين. وهذا المبلغ مع دلالته على أعظم ضروب الإسراف ~~والتبذير ليس إلا جزءا يسيرا من المائة مليون ريال التي اغترفها من ~~بحر جود كاترين. # على أن كوكب سعده الذي تألق بكمال الضياء في سماء روسيا مدة عشرين ~~سنة كان لا ms015 بد له من الخضوع لحكم الأفول، وإن دلت الظواهر على إمكان ~~مواصلته للإشراق الساطع الباهر سنين ليست بقليلة. فقد كان وهو في ~~الثانية والخمسين من عمره ممتعا بصحة ونشاط لا مزيد عليهما، حتى ~~كتبت عنه كاترين حينئذ - في ربيع 1791 - إلى أحد أصدقائها في باريس ~~تقول: «من يشاهد المارشال الأمير بتيومكين يحكم بأن الانتصارات المجيدة ~~التي أحرزها قد جملته وحسنته؛ فقد رجع من ميدان القتال بهيا ~~كطلعة النهار، وطروبا كالهزار، ومشرق الوجه كنجم الصباح. وزاد ما كان ~~فيه من خفة الروح وسرعة الخاطر وشدة البراعة في ابتكار أساليب الهزل ~~والمزاح. وقد هجر عادة تقليم الأظفار بالأسنان، فأصبح مثالا للإنسان ~~الكامل أو لكمال الإنسان.» # وآخر لقاء بين كاترين وعشيقها السابق كان في الحفلة التي أقامها لها ~~في قصر توريدا، الذي كان آخر الهدايا الكبرى التي خصته بها. وكانت ~~هذه الحفلة مما يعجز قلم أبلغ الكتاب عن وصف عظمتها. فقد بذل الأمير ~~بتيومكين كل ما في استطاعته من مظاهر التجلة والتكريم في استقبال ~~كاترين. ولم يترك قط شيئا من أسباب الاحتفال ومظاهر الترحيب إلا ~~وفره وادخره، فلم يستقبلها في القصر كملكة أو قيصرة، بل ~~كإلاهة. # فقد أعد لها ثلاثمائة موسيقي يوقعون على آلاتهم أعذب ما تشنفت ~~بسماعه الآذان من مطربات الألحان، وأقام مرقصا تنكر فيه الراقصون ~~والراقصات، وكانوا من نخبة عظماء روسيا وصفوة نسائها الحسان، وقد ~~رفلوا كلهم بملابس أدهشت الأبصار بغرابة أزيائها وكثرة ما عليها من ~~الحلى والجواهر. ولما مدت موائد العشاء ناءت بحمل صحاف الفضة ~~وأطباق الذهب، وتدفقت الخمور على أنواعها من البواطي تدفق المياه ~~من ينابيعها. ومن كل وجه كانت هذه الحفلة أعظم حفلة جرت في قصور ~~الملوك، وآخر مظهر من مظاهر بتيومكين وعظمته، وكان سرور كاترين بها لا ~~يوصف. وظلت إلى آخر ساعة تأبى الانصراف وتكره مفارقة هذا النعيم ~~المقيم. ولما فرغ الموسيقيون من إيقاع نشيد مخصوص لجلالتها نهضت تستعد ~~للخروج، ومدت يدها لوداع بتيومكين والدموع تتساقط من أجفانها، ولم ~~يكن دونها شعورا، فخر أمامها ساجدا وتناول يدها ms016 وبللها بدموعه. ~~وهكذا افترقا ذانك العاشقان فراقا لم يعقبه لقاء. # فبعد أيام امتطى بتيومكين غارب السفر في رحلة بعيدة إلى الأقطار ~~الجنوبية، فلقي فيها حتفه ولم يعد منها. ولما بلغ جاسي أصابه مرض لم ~~يكترث له في أول الأمر، ولا خطر بباله أنه سيكون القاضي عليه. وعلى رغم ~~شدة إنذار الأطباء له وتكرار توسلاتهم إليه، ظل تاركا نوافذ غرفته ~~مفتوحة، معرضا جسمه لنفح الهواء في أوائل فصل الشتاء واشتداد وطأة ~~الزمهرير. وكان يرحض جسده بماء الكولونيا، ويتناول أغلظ الأطعمة بما هو ~~معهود فيه من النهامة والإفراط، ويغتسل بمقادير كبيرة من الخمور وغيرها ~~من السوائل. # ولشدة رغبته في مواصلة السفر، وعلى رغم كون حياته معلقة حينئذ ~~بميزان القدر، أصر على وجوب الرحيل عن جاسي والشخوص إلى نيكولايف. ~~ولكنه لم يسر بضعة أميال حتى أناخ عليه الداء بكلكله، فنقلوه من ~~المركبة وأضجعوه على العشب، وبعد دقائق معدودة أسلم الروح ورأسه على ~~حضن ابنة أخته الأميرة برانتسكي، فمات على قارعة الطريق في صباح يوم من ~~أيام أكتوبر سنة 1791، وانتهت حياة ذلك الأمير الذي ظل مدة عشرين سنة ~~معدودا من أعظم الرجال سطوة وسلطة، وأعرضهم جاها وعزا. وحسبه أنه ~~كان صاحب السلطان الحقيقي في أكبر إمبراطورية. # ولما بلغ كاترينا نعيه أغمي عليها وتحول الدم إلى رأسها، فعالجوها ~~بالفصد. ولما أفاقت لم تجد إلى العزاء سبيلا، فقضت أياما في خلوتها ~~تأبى مقابلة أحد، وهي ممعنة في الحزن والاكتئاب والنوح ~~والانتحاب. # ولكن بعد دفنه في كنيسة القديسة كاترين في خرصون، كتب عنه الكونت ~~دستوبشين يقول: «إنه مذ الآن قد أدرج في طي النسيان، وعاد غير مذكور ~~بلسان إنسان. ولن يذكر في الأجيال المقبلة بسوى اللوم والذم. وقد ~~كانت أعماله كلها متناقضة متضاربة، فكان يمزج عمل الخير بفعل الشر، ~~ويتبع الحسنات أضعافها من السيئات، ويأتي ما ينشئ الحقد والضغينة ~~والمقت والكراهة في قلوب الذين سبق فغمرهم بفيض جوده وإحسانه. وأشهر ~~مظاهر ضعفه أنه كان يعشق كل امرأة يراها، ثم لا يلبث أن يبدل بها ~~سواها. وهذه الشهوة ms017 على فسادها وشدة سفالتها كثيرا ما اقترنت بالنجاح، ~~فكنت ترى النساء يتسابقن إليه لمطارحة العشق والغرام تسابق الرجال ~~للحصول على المناصب.» # وبعد سنوات أمر الإمبراطور بولس ابن الإمبراطورة كاترين الثانية ~~عاشقة بتيومكين وحاميته، أن ينبش قبره ويذرى رفاته في الهواء. # | تهور وصيفة # وصف أحد شعراء الإنكليز جمال فرانسز جننس الساحر وحسنها الفتان، ~~فقال ما ترجمته: «سبكتها الطبيعة في قالب محاسن لا يمكن التعبير ~~عنها بالكلام، وصقلتها بمصقل ملاحة خالبة العقول وسالبة القلوب. ~~فإشراق محياها يمثل لعين الناظر إليه لمعان جبين الفجر وسناء ~~وجنة الربيع.» هذا وصف وجيز للجمال الرائع الذي ازدانت به هذه ~~الفتاة، وقد مثلت أهم فصل على مسرح العالم في أيام هنري الثامن ملك ~~إنكلترة الملقب بالملك الطروب. # ولدت فرانسز جننس سنة 1648 في سندرج قرب سنت ألبان في إنكلترة، ولم ~~يدر قط في خلد إنسان أنها ستنال شيئا مما أحرزته فيما بعد من علو ~~المكانة عند الأمراء والعظماء، بل كان حينئذ ما بينها وبين ما صارت ~~إليه أبعد مما بين الأرض والسماء. وكان أبوها رتشرد جننس من عامة رجال ~~الأرياف. فلم يكن يتوقع لبناته سوى أن يجدن أكفاء لهن يقترن بهم ~~ويقضين معهم أيامهن في تربية أولاد أصحاء أقوياء، ويعشن عيشة الزوجات ~~الصالحات المشهورات بحسن تدبير البيوت، ولم يخطر بباله ارتقاء إحداهن ~~إلى مصاف الأميرات ودخولها في قصر الملوك. # على أنهن نشأن في أسرة توارثت الحسن والجمال من عهد بعيد، وكان ~~هذا الجمال الأصيل التليد يزداد على توالى الأجيال صفاء ونقاء ~~ورونقا وبهاء، حتى بلغ في بنات رتشرد منتهاه، وأصبح جمالهن المنقطع ~~النظير موضوع حديث أهل البلد، مع أنهن كن بعد طفلات. ولما فتحت ~~أزرار حسنهن، ولاحت لعيون الناظرين أزهار محاسنهن، وهي في طور البلوغ ~~فاح أريجها وذاع صيتها في إنكلترة، وبلغ قصر الملك. ولما عزمت دوقة أوف ~~يورك (زوجة أخي ولي العهد) أن تكون وصيفاتها أجمل الوصيفات في قصور ~~الملوك، لم يعجب الناس حين سمعوا بأنها دعت فرانسز أجمل بنات رتشرد ~~جننس إلى قصرها لتكون فريدة ms018 في عقد نسائه الحسان. وعلى الفور نظرت ~~فرانسز إلى نفسها، فإذا بها وهي بعد في السادسة عشرة من عمرها قد ~~انتقلت من عيشة الخشونة في الريف؛ حيث هل هلال حسنها وفتحت زهرة ~~جمالها، إلى عيشة الترف والرخاء والرغد والهناء في أعظم القصور. وهذا ~~الانتقال الفجائي أدهشها إلى الغاية. وعند وصولها استقبلت كواحدة من ~~أعضاء الأسرة المالكة. ولم تبطئ شهرة جمالها أن شاعت وذاعت، وأخذ الناس ~~يتحدثون عنها، ويتسابقون إلى مشاهدتها عند مسيرها في الشوارع أو ~~تمشيها في المتنزهات. ولما رآها دوق أوف يورك وأخوه الملك أعجبا ~~بها كل الإعجاب، وكانا في مقدمة العانين لسلطان حسنها عليهم. # وكان الدوق على الخصوص أكبر مشغوف بحب وصيفة زوجته، فأخذ يتعرض لها ~~في دخولها وخروجها، ويضايقها بالمداعبة والمغازلة ومطارحة أحاديث الوجد ~~والغرام، وهي تنفر منه ولا تعيره أقل التفات. ولما خابت مساعيه بالكلام ~~وعلى لسان الوسطاء، عمد إلى توسيط القلم واستخدام الرسائل؛ فكان كل يوم ~~يلقي بطاقات شكوى الشوق ووصف تباريح الهيام في جيوبها أو فروة يديها. ~~ولكنها كانت في كل مرة تبذل جهدها في أن تجعل الذين يشاهدون وضع هذه ~~البطاقات يرون طرحها لها كما هي غير مفتوحة ولا مقروءة؛ إذ كانت بعدما ~~يضع البطاقات في جيوبها أو في فروة يديها تنفض الفروة أو تفتح منديلها ~~وتلقي البطاقات، فتسقط على الأرض على مرأى المارة ويلتقطها من ~~يشاء. # وكثيرا ما شاهدت الدوقة هذه الحوادث، ولم تجد في نفسها ما يوجب ~~توبيخها لوصيفتها على إعراضها عن زوجها وعدم احترامها له. وعلى هذا ~~المنوال كان حديث جمال فرانسز وتمنعها ملء الألسنة والمسامع بين ~~الكبراء والعظماء. # وكان مما صحت عزيمة فرانسز عليه أن تتخذ جمالها ذريعة لنيل ما ~~طمحت نفسها إليه من الغنى ورفعة الشأن، ولكنها في الوقت نفسه ما كانت ~~قط لتسمح بهذا الجمال النادر المثال لمن لا يدعوها زوجته. وبناء عليه ~~أعرضت بوجه باسر عن جميع الأمراء الذين حاولوا التزلف إليها وردتهم ~~واحدا بعد الآخر يتعثرون بأذيال اليأس والخيبة. # ولما تخلصت من إزعاج رجال القصر ms019 لها، وخلا لها جو الاختيار كما ~~تشاء، وقع اختيارها على المركيز دي برني ابن أحد كبار الوزراء عند لويس ~~الخامس عشر. وكان هذا الشاب ملحقا بسفارة فرنسا في لندن. فرأى فرانسز ~~وأحبها وخطبها، وكتب إذ ذاك سفير فرنسا في لندن إلى الوزير أبي ~~الخطيب في باريس يقول له: «إن الآنسة فرانسز جننس التي خطبها ابنك من ~~أجمل فتيات إنكلترة، وهي، مع أنها ليست بطويلة القامة، ذات قد رشيق ~~شائق، يزين محياها لون رائع رائق، ولها شعر طويل جميل شبيه بشعر ~~مدام دي لانجفيل، وذات عينين هما غاية في الحسن والجمال. وقد خصت ~~ببياض بشرة ونعومة جلد لم أر لهما قط مشبها.» ولكن أحلام المركيز ~~بالسعادة والهناء لم تصح؛ فإن والده كان ينوي أن يخطب له غيرها من ~~بنات الأعيان في باريس فدعاه إليه، وبسفره من لندن انتهى الفصل الأول ~~من فصول الرواية المتضمنة حوادث غرام فرانسز. # وفيما هي تتجرع غصص الأسف على خيبة أملها عرض لها خطيب أجمل ~~طلعة وأرفع شأنا من خطيبها الأول؛ ألا وهو دك تالبوت زهرة فتيان ~~إرلندة، وفريدة عقد شبانها في الحسن والغنى والجاه والبسالة ~~والإقدام. وكان فوق هذا كله ممتازا بشدة ذكائه وسرعة خاطره وخفة روحه ~~وحسن أخلاقه. فلم يسع فرانسز أن ترفض طلبه عندما تقدم إليها خاطبا. ~~وعلى الفور شاع خبر خطبته لأجمل فتاة في إنكلترة بموافقة دوقة أوف ~~يورك. ولكن تالبوت كخطيب لم يتمكن من إرضاء فرانسز واكتساب محبتها. ~~وبينما هو يعلل نفسه بتحقيق الأماني، أوعزت إليه أن يبحث عن فتاة ~~غيرها؛ لأنه من طبقة تسمو جدا على طبقتها، وليس بينهما أقل تناسب ~~يضمن لهما سعادة الحياة الزوجية. # ولم يطل انتظارها حتى أسعدها الحظ بالعثور على محب آخر كان مستطير ~~الشهرة بجماله وشدة شغفه بمغازلة النساء والهيام بهن، حتى عد زير ~~عصره وهو هنري جرمن. وكان ذا ثروة كبيرة يبلغ دخله في السنة عشرين ألف ~~جنيه. وكان من أعظم مشتهيات قلبه أن ينال رضى فرانسز وينعم بقربها، لو ~~لم يجد من غرابة أطوارها ms020 وإيغالها في المزح والمهازلة ما اضطره إلى ~~التحول عنها. # فقد كانت أشد وصائف القصر الملكي استرسالا في العبث والمجون. ونقل ~~الرواة قصصا كثيرة عن اشتغالها باللهو والمداعبة. فمن ذلك أنها ~~تنكرت يوما في زي بائعة البرتقال، وأخذت تطوف في الشوارع ذهابا ~~وإيابا وهي تنادي: «يا شاري البرتقال»، وظلت ممعنة في السير والنداء ~~حتى زلت رجلها فسقطت وعرف الناس من هي. على أن هذه الحادثة مع شدة ~~غرابتها ليست شيئا يستحق الذكر بالنسبة إلى الحادثة التالية، التي ~~كانت من أكبر الأسباب الباعثة على انصراف قلب هنري جرمن عنها، وهاك ~~تفصيلها: # كان تشارلس الثاني قد أقصى عن بلاطه لورد روتشستر لما اشتهر عنه ~~من الانغماس في حمأة الإثم والدعارة. لكن هذا اللورد عاد إلى لندن ~~متنكرا بزي طبيب ألماني بارع في معالجة الأمراض والعرافة (معرفة ~~البخت)، وأخذ الناس يتوافدون إليه من كل فج للتطبب والوقوف على ما ~~خبأه لهم القدر. وسمعت بصيته الآنسة جننس، وعزمت أن تزوره وتستنطق ~~القدر على يده، فذهبت إليه مصحوبة بوصيفة أخرى اسمها بريس. # وبعد إنعام النظر في طرق التخفي، أجمعتا على التنكر في زي بائعات ~~البرتقال في المسارح والشوارع - كما فعلت فرانسز في المرة الأولى. وما ~~أبطأتا أن بدتا كلتاهما في زي واحد ولباس واحد، فخرجتا وفي يد كل ~~منهما سل فيه برتقال، واستقلتا إحدى المركبات فسارت بهما إلى حيث ~~تسوقها يد القدر وهما مستسلمتان فيها إلى عامل الطيش والغرور. ولما ~~اجتازت بهما المركبة أمام مسرح الدوق، حيث كانت الدوقة والملكة ~~جالستين تشاهدان التمثيل، دار في خلد الوصيفتين أن تدخلا المسرح ~~وتعرضا بضاعتهما على من فيه غير مكترثتين لوجود الدوقة والملكة اللتين ~~تعرفانهما جيدا. # هذا ما خطر لهما، ومن فورهما عملتا بموجبه، ولكنهما إذ دخلتا لم تجدا ~~من الشجاعة ما يكفي لمواصلة هذا الاقتحام، وانبرى لهما أحد المشهورين ~~بالوقاحة وقلة الحياء، فأخذ الآنسة جننس من ذقنها بإحدى يديه وطوق ~~خصرها بيده الأخرى، فذعرت من هذه المفاجأة ذعرا لا يوصف، وانفلتت منه ~~بعنف وبأسرع من وميض البرق، وفرت ms021 راجعة إلى المركبة ورفيقتها جارية ~~في أثرها. # وقد تعرضتا لحادث أجل وأخطر شأنا من هذا قبيل وصولهما إلى بيت ~~العراف الألماني؛ فإنهما عندما خرجتا من المركبة وتركتا سلي ~~البرتقال فيها، لقيتا أمامهما الرجل المسمى برونكر، وكان أشد أهل ~~زمانه خلاعة وتهتكا. فلما أبصرتاه أوشكتا أن تذوبا خوفا وهلعا؛ ~~لأنهما علمتا أنه عرفهما. ولكنه لحسن حظهما وعلى خلاف ما ينتظر منه ~~سلك سلوكا لا بأس به؛ إذ إنه اقتصر على شيء من المداعبة المألوفة ~~وانصرف بعدما عنف الآنسة بريس (رفيقة فرانسز) ولامها؛ لأنها أبت أن ~~تصحبه، وأنها لن تحصل في السنة كلها على ما تناله معه في اليوم. # وهذه الحادثة الثانية أيقظتهما من غفلتهما، وأكرهتهما على العدول عن ~~مواصلة أعمال الطيش والاستهداف للمخاطر، فعادتا بما يستطاع من السرعة ~~إلى القصر. وبعد أيام أذاع برونكر خبر تنكرهما في المدينة كلها، ~~وبلغ مسمع هنري جرمن فزاده اقتناعا بصحة ما عزم عليه، ومن ذلك الحين ~~قطع كل علاقة له بفرانسز جننس. # ولكن تقهقر هذا الفتى من الميدان لم يهمها على الإطلاق؛ لأن المعجبين ~~بحسنها وجمالها، والمتسابقين لخطبة مودتها كانوا أكثر من أن يحيط بهم ~~عدد. وممن تقدم إليها خاطبا في هذا الوقت جورج هملتون حفيد لورد ~~إبركورن. وكان شابا وسيم المحيا نبيه الشأن، فسمحت له فرانسز ~~بيدها، ولكنها على ما يقال لم تعطه قلبها مع يدها. وكثيرا ما تساءل ~~الناس لماذا اختارته زوجا لها، وهو على رفعة شأنه وجلال قدره فقير ~~وقير لا يملك شروى نقير؟ لماذا رضيت الاقتران به وهي لم تحبه، ولا ~~شعرت بأقل ميل إليه؟ ولعل اقترانها به كان من الأسرار التي هي نفسها لم ~~تستطع استجلاء غوامضها. وقد احتفل بزفافها إليه وهي في السابعة عشرة، ~~وأنعم عليه الملك تشارلس بلقب كونت. وما عتمت أن صحبته إلى فرنسا حيث ~~تطوع للمحاربة في جيش لويس الرابع عشر، ولقي حتفه في معركة فلندرس ~~تاركا لقرينته ثلاثة أولاد صغار، ليس لهم ما يعيشون عليه سوى معاش ~~زهيد من حكومة فرنسا. # لكنها كانت لا تزال ms022 في شرخ صباها وأوج جمالها وعنفوان طموحها إلى ~~الرفعة والشهرة. ومع ترملها وشدة فقرها كانت ترى مجال السعي لبلوغ ~~آمالها واسعا أمامها وبابه مفتوحا، ولديها قلوب كثيرة تتهالك على ~~الخضوع لسلطان حسنها وجمالها. وفي أثناء حداثتها عللت نفسها بأنها لن ~~تموت إلا وهي حاملة لقب دوقة، وأمامها متسع من الوقت للحصول على هذا ~~اللقب، وبلوغ الغاية التي وضعتها نصب عينيها. ولم تخلع ثياب الحداد ~~على قرينها جورج هملتن، إلا كانت مرتدية حلة الاقتران بسفير إنكلترة ~~في فرنسا؛ إذ لقيت في أحد أسفارها تالبوت الذي كان منذ خمس عشرة سنة ~~عرض عليها أن يتزوجها وردته خائبا. # وكان هذا الشاب الإرلندي الجميل قد تزوج بغيرها وفقد زوجته، وظل ~~فؤاده متعلقا بحب فرانسز، فعرض عليها الاقتران بها، ولم تبطئ هذه ~~المرة أن أجابت طلبه بملء الارتياح. ونال الزوجان نصيبا كبيرا من ~~المكانة وعلو المنزلة عند دوق يورك وزوجته. # وحدث بعد اقترانهما أن جيمس الثاني جلس على عرش إنكلترة، وكان ~~لتالبوت منزلة رفيعة عنده، فأنعم عليه بلقب كونت، وولاه قيادة الجيش ~~في إرلندة. فذهب إليها ومعه الكونتس فرانسز. وبعد بضع سنين صحت أحلامها ~~وبلغت المئتاة # 1 # في مضمار سعيها، وأدركت الغرض الذي كانت تعلل نفسها به ~~وصارت دوقة؛ إذ ترقى زوجها إلى رتبة نائب في إرلندة. # وحينئذ بلغت فرانسز أقصى أمانيها، بل فوق ما كانت تطمح نفسها إليه؛ ~~لأنها لم تنل لقب دوقة فقط، بل كانت نائبة الملكة. وقلما شاهدت ~~إرلندة ملكة ضارعت فرانسز في جمالها وعظمة شأنها ورفعة قدرها. وعلى رغم ~~ما لقيته من الصعاب والمكايد والدسائس، ظلت قابضة على ناصية الحوادث ~~والشئون بيد الحزم والعزم، ومحافظة على ما لها ولزوجها من جلال القدر ~~وكرامة النفس. ولما حدثت معركة بوين وانتهت بانكسار جيش الملك جيمس ~~الثاني، وآذنت شمس عظمتها بالغروب، لم تبرح رافلة بحلة الأبهة ~~والعظمة، وواقفة على قدم العزم والثبات غير جاعلة للقنوط واليأس سبيلا ~~للوصول إليها والاستيلاء عليها. # ثم فوجئت بموت زوجها بعلة قلبية، فانهار صرح عزها، وهوى كوكب ~~سعدها، وأناخ ms023 عليها الدهر بكل من البؤس والشقاء ، حتى باتت في أواخر ~~أيام حياتها في حاجة إلى ما يدفع عنها غائلة الموت جوعا، واضطرت أن ~~تتعاطى الخياطة متنكرة. ولله ما كان أعظم الفرق بين تنكرها ~~الاختياري في أيام صباها للهو والتسلية، وتنكرها الاضطراري في بدء ~~الشيخوخة للحصول على القوت اليومي. وبمساعي صهرها دوق مارلبورو تمكنت ~~من استرجاع بعض أملاك زوجها المحجوزة في إرلندة، فعاشت على ريعها ~~واستغنت عن مزاولة الخياطة. وقضت الثلاثين سنة الأخيرة من حياتها ~~الطويلة في دبلن بإرلندة، حيث بلغت قبلا أوج العظمة والكرامة. وفي هذه ~~السنين الأخيرة كان جمالها قد فارقها راكبا جناحي نعامة، ونشأت ~~وفاتها عن سقوطها في إحدى ليالي الشتاء الباردة من سريرها إلى الأرض، ~~ولشدة ضعفها وخور عزمها لم تستطع النهوض ولا الاستغاثة. وفي الصباح ~~وجدوها في أسوأ حالات الضعف، ولم تلبث أن أسلمت الروح. وهكذا قضت نحبها ~~فرانسز جننس التي رشفت في اثنتين وثمانين سنة أحلى كئوس المسرة ~~والهناء، وتجرعت أمر غصص البؤس والشقاء. # | مغامرة نسيبة هنري الثاني # حدث ذات يوم في سنة 1766 أنه بينما كان المركيز والمركيزة بولانفيليه ~~يسيران في مركبتهما الفاخرة، يجرها أربعة جياد بين باريس وضواحي قرية ~~باسي، عرضت لهما فتاة صغيرة رثة الثياب حافية القدمين، وعلى ظهرها ~~ولد أصغر منها، وسألتهما صدقة، وقالت وهي تحاول أن تجاري خيل المركبة ~~في مسيرها: «تصدقا يا سيدي بقطعة نقود على يتيمين بائسين من ~~سلالة هنري الثاني ملك فرنسا.» # فرمقها المركيز شزرا وانتهرها معرضا عن توسلاتها. لكن الفتاة لمحت ~~علامات الحنان والمؤاساة بادية على محيا المركيزة، فاستأنفت السير ~~والاستجداء، وكررت قولها السابق. وإذ ذاك التفتت إليها المركيزة ~~وسألتها: «أين تسكنين أيتها الفتاة؟» ولما أخبرتها بعنوان مسكنها قالت ~~لها: «اذهبي الآن، فسوف أنظر في أمرك.» # وفي اليوم التالي بعدما بحثت المركيزة عن هذين الولدين اللذين ~~يدعيان هذا الانتساب السامي استدعتهما إلى قصرها، وساءها ما رأتهما ~~فيه من الضنك والبؤس، وعزمت أن تتبناهما وتعنى بهما وبأخيهما ~~جاك. # ولم يكن في وسع المركيزة أن تتحقق صحة ما ms024 يدعيه هؤلاء الأولاد، ~~وقد كفاها باعثا على المبادرة إلى إغاثتهم أنها رأتهم في أشد حالات ~~الشقاء بلا معين ولا منجد. فأقدمت على إنقاذهم من براثن الفقر المدقع. ~~وبعد سنين وقفت على تاريخ ماضيهم، وهو من أغرب ما يروى في تواريخ ~~البشر عن كوارث الدهر ونوائبه. # فقد حدث قبل ذلك بنحو قرنين أن ملك فرنسا هنري الثاني من أسرة ~~فالوي رزق ابنا من إحدى سراريه - وكن كثيرات - فخصه بلقب بارون ~~دي فالوي، وأقطعه كثيرا من الضياع الغنية الخصيبة. ومن صلب هذا ~~البارون خرج عدد ليس بقليل من أعيان فرنسا وعظمائها، ولكن الإسراف ~~والطيش كانا متأصلين في أسرة فالوي، فكانوا كلهم مطبوعين على البطالة ~~والإمعان في الترفه والتنعم وتبيد أموالهم وتبذيرها في سبيل لذاتهم ~~وشهواتهم. وقبل بداءة قصتنا هذه بسنوات قليلة هبط عميد هذه الأسرة من ~~مصاف الأعيان إلى مستوى السوقة، وباع كل ما كان باقيا عنده من ~~العقارات، وأصبح قصره الفخم الأنيق مجلى العفاء والخراب، وزاد على هذا ~~كله أنه تزوج فتاة من أوضع الفتيات شأنا، وهي ابنة حارس غابة الصيد. ~~وانبعث في السكر والخلاعة وقضاء وقته بين الغوغاء، ومزاولة سرقة ~~الصيد والبساتين وعرض ما يسرقه من الطيور والثمار للبيع على أطباق ~~محمولة على رءوس زوجته وأولاده. # قلنا إنه فرط في كل ما ورثه عن أجداده من ثروة وجاه ورفعة شأن، ~~ولكنه ظل حريصا على شيء واحد، وهو وثائق نسبه وحجج انتمائه إلى تلك ~~الأسرة العريقة في الشرف. هذه الأوراق بذل في الاحتفاظ بها جهدا لا ~~يوصف، وكان يخبؤها تحت فراشه القذر الوسخ ويخرجها في أثناء سكره ~~وينظر إليها ثم يستخرط في البكاء والانتحاب ذارفا دموع الأسف على ~~عز ظله زال وشرف لونه حال. # أما زوجته الوضيعة الأصل، فلم يكن لهذه الوثائق من قيمة عندها سوى ~~اتخاذها وسيلة للاستنجاد بالأغنياء والعظماء. وهذا الفكر خطر ببالها ~~أخيرا كأنه بإلهام، فقالت في نفسها: «لماذا لا نذهب بهذه الأوراق إلى ~~باريس ونستخدمها هناك في سبيل الحصول على قليل من المال لسد العوز؟ ~~هناك يجد ms025 سليل هنري دي فالوي على الأقل ما يستر عورة فقره ويكفيه تصعير ~~خده للناس بالتسول والاستجداء، ويحول دون تعرضه لتجربة السرقة ~~والسلب.» وبناء عليه نهض اللص الشريف ذات يوم هو وزوجته واثنان من ~~أولادهما وغادروا مظهر شرف الأسرة ومسرح عار سليلها، وساروا قاصدين ~~باريس. وأما ولدهما الثالث ماريان، فإذ كانت أصغر من أن تستطيع قطع ~~هذه المسافة البعيدة مشيا على قدميها، تركاها عند باب بدال (بقال) ~~تستندي جوده وعطفه بصمت أبلغ من الكلام. # ولما بلغوا عاصمة فرنسا لم يظفروا بشيء يحقق الآمال ويصدق ~~الأحلام. فلم يثق أحد بصحة دعواهم، ولا وقفوا في باب إلا صدهم أصحابه ~~وردوهم يتعثرون بأذيال الخيبة والإخفاق، فاضطروا أن يطلبوا خبزهم ~~اليومي، ويدفعوا غائلة الجوع بالتكدية والتسول في الأزقة ~~والشوارع. # وكان الأب (البارون) قد بلغ من العمر أرذله، ولقي من عاديات البؤس ~~والشقاء ما نهك قواه وقوض أركان صحته، فلم يلبث أن قضى نحبه في أحد ~~فنادق باريس. وليس بعيدا أن يكون قد قضى جوعا. وما أبطأت البارونة ~~(زوجته) أن تعزت عنه بالاقتران بعائر أفاق كان من قبل جنديا، ~~واسمه ريموند. ولما نبت به باريس ولم يستطع الإقامة فيها، هجرها ~~مستصحبا زوجته وقد تركا أولادهما لرحمة العالم يعيشون كما شاهدناهم في ~~بداءة هذا الفصل. # وكان من حسن حظهم أن لاقوا المركيزة بولانفيليه، فشملتهم بعطفها ~~وحنوها، وحولت عسرهم يسرا، وأدخلتهم إحدى المدارس المجاورة. ولما ~~بلغت جان - أكبر الأولاد - الرابعة عشرة، أرسلتها المركيزة إلى إحدى ~~الخائطات لتتعلم فن الخياطة، ولكن الفتاة لم تستحسن ذلك، وشق عليها ~~أن تتحمل مشاق التدريب على تعلم هذا الفن وتعنى بأعمال هي من شأن ~~الخدم كالطبخ والغسل وكي الثياب وغيرها. نعم إنها نافعة ومفيدة، ولكنها ~~لا تليق بمن يجري في عروقها دم الملوك. وبعد تكرار التوسلات وذرف ~~الدموع رقت المركيزة لها وأخرجتها من سجنها وأبقتها معها في القصر ~~كوصيفة أو رفيقة. وهذا ما كانت تصبو إليه وتعلل نفسها بالحصول ~~عليه. # وكانت في أثناء وجودها مع المركيزة لا تكف عن ذكر نسبها، وطلب ~~تحقيقه ms026 وإثبات صحته، فأوعزت المركيزة إلى أحد علماء الأنساب أن يعنى ~~بالأمر. وبعد قليل جاءها بالخبر اليقين، وقال لها إن دعوى الفتاة ~~صحيحة، وهي سليلة هنري الثاني دي فالوي ملك فرنسا. وبعد بضعة أسابيع ~~ذهبت المركيزة بالأولاد إلى باريس وقصت حكايتهم على الملك لويس ~~الخامس عشر نفسه، فأذن أن تدعى الفتاة جان الآنسة دي فالوي، وأن ~~يلقب أخوها جاك بالبارون دي فالوي ويتعين ضابطا في الحربية، وأن ~~يعطى كل منهم من خزانة الحكومة ثمانمائة ليرة في السنة. # وقد شعرت الأختان بما لنسبهما من العظمة والشرف عندما أعلن الملك ~~رغبته في أن تعتزلا العالم وتقيما في دير، على أمل أن تكونا آخر من ~~ينتسب إلى بيت فالوي. وبناء عليه أرسلت جان وأختها ماريان إلى أحد ~~الأديار، ولكن المركيز كان قد أحب جان وطارحها أحاديث وجده وغرامه، ~~فوجد منها أذنا صاغية. ولما دخلت الدير واصل زيارتها بلا انقطاع ~~حتى اضطرت الرئيسة إلى إخراجهما كلتيهما. # فدخلتا ديرا آخر، ولكنهما لم تلبثا أن خرجتا منه؛ لأنهما بعدما ~~أثبتتا صحة نسبهما لم يبق في طاقتهما وهما سليلتا الملوك أن تعيشا ~~عيشة الزهد والاعتزال. ولكن الضياع التي كانت لأجدادهما لم تزل ~~محجوزة عنهما، فذهبتا إلى الجهة التي فيها تلك الإقطاعات لتطالبا برد ~~حقوقهما المغصوبة. وهناك لقيتا من الحفاوة والإكرام ما يقصر عن وصفه ~~أبلغ الكلام. ونزلتا ضيفتين كريمتين عند سيدة غنية تسمى عقيلة دي ~~سرمونت. وفي بيتها أقيمت لهما الاحتفالات، وأولمت الولائم، وتسابق ~~الضباط الذين في ثكنة لونفيل إلى ترضيهما وخطبة مودتهما. ويقول أحد ~~عارفي الآنسة دي فالوي في وصفها: «إنها كانت رشيقة القوام، وذات عينين ~~زرقاوين تنفثان سحر الجمال، وفوقهما حاجبان سوداوان كأنهما قوسان ترسل ~~عنهما سهام الافتتان إلى قلوب الخليين، ومع أن وجهها كان مستطيلا ~~قليلا، وفمها يزيد في اتساعه عن القدر المطلوب، فإن أسنانها كانت في ~~بياضها وحسن انتساقها كاللؤلؤ المنظوم، يزينها ابتسامة شائقة رائقة. ~~وكانت جميلة اليدين نحيفة القدمين، ولكنها كانت عارية من حلية الأدب.» ~~وهذا النقص كان أهم ما عرفت به في ms027 حياتها، وظل أكبر عامل فيما أقدمت ~~عليه ووجهت التفاتها إليه. # وكان في طليعة عشاقها البارون دي لامونت، وهو شاب حسن البزة بهي ~~الطلعة، ولكنه عاطل من حلية العقل والأدب، وقد قبلته الآنسة دي فالوي ~~خطيبا لها بعدما عبثت بضيافة عقيلة دي سرمونت بطول المكث وشدة التثقيل ~~عليها وانتظام زوجها في سلك المغرمين بضيفتها غير المحتشمة. # ولم يمض على اقترانهما وقت طويل حتى رأت جان أنهما في عسر مادي لا ~~يطاق؛ فإن زوجها لم يكن له من الدخل فوق راتبه من الجيش سوى جنيه واحد ~~في الشهر. ولم يبطآ أن أصبحا رازحين تحت حمل دين ثقيل. وكانت ~~البارونة مع شدة وطأة الفقر عليها، لا تنفك تواصل عيشة التبذير ~~والإسراف. وحينئذ لم تر بدا من السعي فيما يخفف عنها أعباء البؤس ~~والشقاء. ومن فورها قصدت ولية نعمتها المركيزة، وقرعت باب جودها ~~وحنوها. وكانت المركيزة إذ ذاك في قصر سافرن نازلة ضيفة على ~~الكردينال الأمير لويس دي روان، وقد أحسنت تمثيل حكاية بؤسها وضنكها، ~~وهاجت الشفقة والرأفة في قلب المركيزة ومضيفها، فأوفت المركيزة ديونها ~~كلها، وبادر الكردينال - وكان من أكبر الخاضعين لسلطة جمال النساء - ~~إلى بسط ظل حمايته عليها. # وبعد اتصالها به واختبارها له وجدته على جانب عظيم من قلة العقل وشدة ~~الغباوة وسفاه الرأي. وكان هذا كله لحسن حظها؛ إذ رأته خير وسيلة يسهل ~~عليها استخدامها لقضاء مآربها. وفيما كانت تمهد السبيل لإدراك بغيتها ~~بذلت جهدها في التقرب إلى سيدات البلاط، فأوهمتهن بأنها صديقة ~~حميمة للملكة ماري أنطوانيت، وأطلعتهن على عدة رسائل مكتوبة حسب الظاهر ~~بخط جلالتها، ولكنها بالحقيقة مزورة بخط أحد أصدقاء زوجها. وفي كل ~~من هذه الرسائل تخاطبها الملكة بقولها: «حبيبة قلبي، وأعز صديقة لي، ~~الكونتس» (متعمدة انتحال هذا اللقب). ولكن هذه الاحتيالات كلها لم ~~تجدها نفعا حتى عند سراري الملك. فأعرضن عنها ولم يعرنها أقل ~~التفات، فوجهت اهتمامها إلى جهة أخرى، ولم تجد ما يشفي غليلها من هذا ~~القبيل سوى التذرع بالكردينال الذي كان في هذا الوقت قد أصبح ms028 ~~متيما بها، وعبد رق لها تأمره بما تريد وتنهاه عما ~~تشاء. # وكانت أخلاق الكردينال مظهرا لكثير من مواضع الضعف ووهن العزيمة. ~~واطلعت البارونة جان على أهم موضع منها وصوبت إليه حملات التسلط ~~بما لا مزيد عليه من الدهاء والاحتيال حتى استأثرت به وأخضعته ~~لسلطانها. وخلاصة ذلك أنه لما كان في فينا منذ سنوات اطلعت ماري ~~تريزا إمبراطورة النمسا على أعماله المغايرة للحشمة والأدب والعابثة ~~بكرامة رتبته الدينية، فازدرته واحتقرته، ولم تقتصر على كراهتها له، بل ~~حملت ابنتها ماري أنطوانيت أن تحذو حذوها، فلم تأذن للكردينال في ~~الدخول إلى القصر الملكي في باريس. # وقد قضى وقتا طويلا يسعى في استعطافها وترضيها، واستخدم كثيرا ~~من الوسائط وأنفق مبالغ باهظة من الأموال، فذهبت كلها أخيب من صرخة في ~~واد أو نفخة في رماد. وكان لشدة غروره واعتداده بنفسه يظن أنه إذا ~~تمكن من المثول أمام جلالة الملكة ماري أنطوانيت يستطيع أن يستبيها ~~بفصاحة لسانه وسحر بيانه وحسن صفاته وجمال منظره، ويحول كراهتها له ~~إلى إعجاب واستحسان إن لم يكن إلى غرام وهيام. ولكن هذا الشيء الوحيد - ~~المثول أمامها - لم يقدر عليه؛ لأن ماري أنطوانيت أبت أن تراه إباء ~~مطلقا. # وأمام هذه العقبة الكئود سنحت الفرصة لقرينة دي لاموت - الكونتس جان ~~- واتسع مجال العمل. والإيهام الذي حاولت أن تأخذ نساء القصر بحبائله ~~ولم تفلح، حاولت الآن أن تنصب أشراكه للكردينال. فأوهمته أنها أعز ~~الصديقات على الملكة، ولكيلا تبقي عنده أقل ارتياب من صحة هذا الأمر ~~أرته رسائل جلالتها إليها مفعمة بتعابير الشوق والمحبة والإعزاز، ~~وقالت له إن جلالتها متعلقة بها تعلقا يتعذر وصفه؛ ولذلك هي ~~مستعدة على الدوام أن تجيبها إلى ما طلبت، وليس في وسعها أن ترفض لها ~~التماسا مهما يكن أمره عظيما. ومن أسهل الأمور عليها أن تحمل جلالتها ~~على الرضا عنه والميل إليه، وستبذل جهدها في قضاء الحاجة حتى يتمكن من ~~دخول القصر على السعة والرحب. # فسر الأمير لويس دي روان (الكردينال) بهذا الكلام، وطفق يعلل ~~نفسه ببلوغها غاية المنى حين ms029 تعطف عليه الملكة بنظرة وابتسامة. وبعد ~~ذلك - من يعلم؟ - فقد يتمكن بحسن تناوله وبراعة أساليبه أن ينال ~~منزلة في قلبها لم ينلها أحد سواه. # وما عتمت قرينة دي لاموت أن جاءته مسرعة تتلو عليه بشرى نجاح ~~مسعاها، قائلة له إنها تمكنت من إقناع الملكة بإخلاصه وولائه، ومحت ~~ما كان عالقا بذهنها من آثار البغض له والحقد عليه. ثم ناولته رسالة ~~من الملكة إليه تعلن فيها رضاها عنه، فلم يبق عنده مجال للشك في ما ~~حدثته به. والرسالة نفسها أصدق شاهد، وهي مكتوبة بخط الملكة وممضاة: ~~«صديقتك ماري أنطوانيت». وبعدما تلاها هذا الغر الأبله قربها إلى ~~شفتيه وأشبعها تقبيلا. ثم تلتها رسائل أخرى كل منها تفوق سابقتها ~~في عبارات الشوق والمحبة، حتى خيل إلى روان أنه أصبح في أوج ~~السعادة، وأن السيدة العظيمة الشأن التي طالما أبت أن تشاهده، صارت ~~الآن صديقته، بل أقرب إليه من صديقة له كما تدل عباراتها. ولم يبق ~~لتتمة مشتهاه سوى أمر واحد، وهو أن يحظى بمقابلتها ويسعد بتقبيل يدها. ~~وهذا ما وعدت حليفته البارونة أن توصله قريبا إليه، وتسبغ نعمته ~~عليه. # وكان الوعد بالمقابلة أسهل جدا من تهيئتها وتعيين زمانها ومكانها. ~~ولكن السعد الخادم لقرينة دي لاموت أعانها على تذليل هذه العقبة. ففي ~~ذات يوم لقي زوجها فتاة بينها وبين الملكة مشابهة شديدة في الوجه ~~والقامة. فتعرف لها وطلب إليها أن تصحبه إلى بيته. فلما رأتها قرينته ~~سرت بها سرورا عظيما؛ لأنها ضالتها المنشودة. وكان اسمها ليغاي، ~~وهي فقيرة تعيش بما تأخذه من الأجرة على ترتيلها في الكنيسة، فقالت لها ~~جان أنها صديقة الملكة العزيزة، وأن جلالتها طلبت إليها أن تجد لها ~~فتاة تمثل أمرها بخدمة تعينها لها، فتجيزها عليها بمبلغ خمسة عشر ~~ألف فرانك. وعلى الفور أعلنت الآنسة ليغاي استعدادها لهذه الخدمة ~~مبتهجة أشد ابتهاج بشرف خدمة الملكة وعظم مقدار الأجرة. # وبعد أيام زفت جان إلى روان (الكردينال) بشرى وعد الملكة أن ~~تقابله سرا تحت ستار الظلام في حديقة قصر فرسايل. ففاضت كأس بهجته ms030 ~~وسعادته، وكاد لبه أن يطير من شدة الجذل، وأخذ يعد الساعات، بل ~~الدقائق والثواني. وفي الوقت المعين دخل الحديقة، وطفق يروح فيها ويجيء ~~وفؤاده يوشك أن يقفز خارجا من فمه من شدة الهياج والاضطراب، وبعد ~~دقائق ظنها ساعات وأياما جاءته الكونتس وأسرت إليه قائلة: «أسرع، ~~فإن الملكة في انتظارك!» والتفت حوله فرأى سيدة في حلة بيضاء قادمة ~~نحوه مستذرية بظل سور الحديقة. فجثا على إحدى ركبتيه وانحنت السيدة ~~فوقه بقامتها الطويلة الرشيقة، ووضعت في يده وردة، وقالت له بلهجة سحرت ~~لبه: «ما أظنك تجهل معنى هذا.» وقبلما تمكن من جمع شمل أفكاره ~~المشتتة فارقته بسرعة وغموض لا مزيد عليهما، ولبث وحده يمطر العشب ~~الذي وطئته قدماها بقبلات شوق أحر من الجمر. # وفي مساء ذلك اليوم كتب إلى ماري أنطوانيت يقول: «إن تلك الوردة ~~الساحرة مغروسة في قلبي. وسأحتفظ بها كل حياتي؛ لأنها تحيي في ذكرى ~~أسعد ساعة في عمري.» ثم سلم الرسالة إلى الكونتس. وبعدما تلتها على ~~انفراد وأوغلت في الضحك والاستهزاء بكاتبها، جعلتها طعام النار. وفي ~~تلك الساعة نفسها كانت الآنسة ليغاي جالسة في أحد المطاعم تراجع في ~~أفكارها الفصل المضحك الذي أجادت تمثيله، والأجرة الكبيرة التي نالتها ~~عليه. # ولم يبق عند الكردينال أقل شك في شغف الملكة بمحاسنه وفوزه ~~بصداقتها، بل بتملكه قلبها. ولشدة سروره وابتهاجه، أعطى الكونتس مبلغ ~~خمسين ألف فرنك، ثم مبلغ مائة ألف فرنك، مصدقا قولها له إن الملكة ~~في أشد احتياج إليهما. # وبعدما قبضت جان هذين المبلغين ذهبت هي وزوجها إلى حيث كانا عندما ~~اقترنا، وهناك قضيا أياما وعاشا عيشة تبذير وإسراف لم يرو التاريخ ~~أشد منها؛ إذ كانا ينفقان المال على الولائم والمراقص جزافا بلا ~~تدبر ولا حساب، حتى لم يبقيا على شيء من المائة وخمسين ألف فرنك، ~~وعادا إلى باريس ينصبان فخاخ المكر والاحتيال. # واتفق حينئذ أن المسيو بومر أحد جوهريي البلاط، كان قد قضى سنين في ~~البحث عمن يشتري قلادة من أنفس الألماس وأغلاه، وهي تكاد تعد ~~نادرة في جمال صنعها ms031 وإتقان ترصيعها. وقد أنفق عليها كل ما عنده من ~~المال، ولكنه لم يستطع أن يجد من يقدرها قدرها ويشتريها ويدفع له ~~ثمنها مليونا وستمائة ألف فرنك، وقد عرضها على جميع قصور الملوك في ~~أوروبا وعاد منها كلها بخفي حنين. وبذل جهده في إغراء الملكة ماري ~~أنطوانيت بابتياعها فلم يظفر، فلما ألح مرة على جلالتها قالت له: «لا ~~أجهل أن الملك لا يبخل علي بثمنها، ولكني لا أروم شراءها. فخذها ~~ولا تعرضها بعد الآن.» # فاشتمله اليأس من جراء حبوط مساعيه، ولم يكن يشأ أن يحل عقد ~~نظامها ويبيعها حجارة كلا منها على حدة، ولم يسعده الحظ بلقاء من ~~يريد أو يقدر أن يبتاعها كما هي. وكان كل سنة يتحمل فيها خسارة سبعين ~~ألف فرنك ربا ثمنها. ولم يبق أمامه سوى شعاع أمل ضعيف بإمكان بيعه ~~لهذه القلادة، فكان قد سمع بالكونتس دي لامرت وما بينها وبين الملكة من ~~الصداقة الوثيقة العرى، وقال في نفسه إن كان في استطاعة أحد أن يحمل ~~الملكة على شراء القلادة فإنما هو صديقتها هذه. وبناء عليه ذهب ~~بالقلادة إلى الكونتس راجيا أن تسعى في تحويل الملكة عما عزمت عليه، ~~وإقناعها بوجوب ابتياع هذه الحلية النفيسة. # لكنها قابلت رجاءه بالرفض والامتناع، وأبت المداخلة في هذا الأمر، ~~فعرض عليها رشوة مقدارها ألف فرنك، وإذا بها استشاطت غيظا وحنقا، ~~وأوسعته تأنيبا وتوبيخا، وصرفته من عندها محتقرا مهانا. لكنه ~~تحمل ذلك كله وجاءها مرة بعد مرة. وفي المرة الثالثة آنس بعض علامات ~~الرضا والانقياد، ولم يفتأ يلح ويلمح حتى فاز بحملها على الرضا ~~والقبول، فقالت له: «سأبذل جهدي في السعي، فإن نجحت فعلت ذلك عفوا بلا ~~توقع أقل جزاء. ولكن سواء نجحت أم أخفقت لا أروم أن يرد ذكر اسمي ~~في هذه المسألة.» # وبعد خروجه من عندها زورت كتابا من ماري أنطوانيت إلى روان، وكان ~~حينئذ خارج باريس، تطلب إليه أن يرجع حالا إلى العاصمة؛ لأنها في ~~حاجة شديدة إلى مساعدته على قضاء أمر ذي شأن. وختمت الكتاب بقولها: ~~«فإن ms032 شئت أن تفوز بمحبتي فلا تتأخر عن المجيء.» وعلى الفور أسرع ~~الكرة عائدا إلى باريس. ومن الكونتس صديقة الملكة وكاتمة أسرارها ~~اطلع على ما تروم جلالتها قضاءه؛ ألا وهو شراء القلادة لها. # قالت له الكونتس برزانة وحزم: «إن جلالة الملكة تروم إجراء المفاوضات ~~بشأن شراء القلادة بما لا مزيد عليه من التكتم، ولو في الوقت الحاضر، ~~مخافة أن يطلع الملك على ذلك ويغضب. ولما كانت جلالتها لا تستطيع ~~الآن دفع الثمن نقدا، فهي ترغب في أن نيافة الكردينال يضمن ~~الدفع.» # فطابت نفس روان بهذه الثقة الكبرى التي لجلالتها به، وعد ذلك أوضح ~~دليل على تعلق قلبها به. وتم شراء القلادة بمبلغ 1600000 فرنك بضمان ~~الكردينال، مقسطا أربعة أقساط في مدة سنتين بمقتضى صك ممضى بخط ~~الملكة. وتسلمت الكونتس القلادة لكي تعطيها للملكة بيدها. ولا حاجة ~~للقول إنها لم تلبث أن انتزعت حجارة الألماس من القلادة وأعطت أكثرها ~~لزوجها، فباعها في سوق الجوهريين بمبلغ يكفيهما أن يعيشا في سعة ورخاء ~~مدة الحياة الباقية. # ولما كان الكردينال قد أصبح واثقا بحصوله على رضى المليكة ~~ومحبتها، ذهب إلى القصر لتقر عيناه بمشاهدتها، فلم يلق إلا ما كان ~~يلقاه سابقا من الصدود والإعراض والاحتقار والامتهان، ولكنه لشد غروره ~~وغباوته سهل على نفسه تجرع كأس هذه الإهانة بقوله: «ألست واثقا ~~بأني مالك قلبها؟ كفاني هذا. وليس ما لقيته من الصد والإعراض إلا من ~~باب المواربة والتعمية، حتى لا يطلع الآخرون على ما بيننا من الغرام ~~والهيام.» ثم عرض شيء آخر أوجب القلق والانزعاج. وهو أن الملكة شهدت ~~غير واحد من الاحتفالات الرسمية، ولم تكن القلادة في عنقها. وهذه ~~الحقيقة أثارت الريب والشكوك في قلب المسيو بومر. وقد زاد به القلق حتى ~~إنه عندما بعث إلى جلالتها ببيان حساب بعض الأشياء التي ابتاعتها من ~~عنده، انتهز هذه الفرصة وذكرها القلادة، وقال في ختام كلامه: ~~«ويسرني كل السرور أن أرى أغلى قلادة في العالم يزدان بها جيد أجمل ~~ملكة.» فلما قرأت الملكة هذه الكلمات ولم تفهم معناها ms033 قالت: «لعله مصاب ~~بالجنون.» # ولكن يوم الحساب وكشف الحجاب كان قريبا، فإنه لما حان وقت دفع القسط ~~الأول وقدره 400000 فرنك، انتظر الجوهري فلم يأخذ شيئا. وكانت قرينة ~~دي لاموت قد أعطت الكردينال مبلغا زهيدا ليدفعه إلى الجوهري ويطلب ~~إليه بالنيابة عن الملكة أن يمهلها في الباقي. وفي هذه الأثناء لاحظ ~~باسنج شريك الجوهري بومر أن إمضاء الملكة على صك القلادة ليس فيه إلا ~~مشابهة قليلة لخطها ... وهذا الشك تحول إلى حيرة وذعر، فذهب باسنج ~~شريك بومر إلى الكونتس مستوضحا. فقالت له إن الإمضاء مزور، والملكة ~~لا علم لها بالأمر، وعليه أن يقتضي المال من الكردينال! # ولما بلغ الملكة خبر هذه ~~الخدعة، حمي وطيس حنقها وغضبها، وازدادت سخطا ومقتا للكردينال، ~~وألحت في وجوب اعتقاله هو وجميع شركائه في هذه الجريمة الشنعاء ~~لينالوا ما يستحقونه من العقاب. وبعد ساعة جيء بالأمير دي روان إلى ~~حضرة الملك والملكة ليسأل عما فعل، فوقف أمامها وقفة ذل وعار حركت ~~ساكن الشفقة عليه من قلوب المشاهدين. وقد استطاع تحمل نظرات الحنق ~~المنصبة عليه من عيني الملك بشيء من التجلد. وأما نظرات الملكة ~~التي لشدة غرامه بها أقدم على اقتراف هذا الإثم الشائن، فقد اخترقت ~~أحشاءه وكادت تذيبه بنارها، فسأله الملك وشرر الغيظ يتطاير من كلماته: ~~«من فوض إليك شراء القلادة لملكة فرنسا؟» فأجابه بلهجة الانسحاق ~~والانكسار: «سيدة دي لاموت. وقد أعطتني كتابا من الملكة، فظننت أن ~~بإطاعتي لأمر جلالتها أكون قد تشرفت بخدمتها.» فاعترضته الملكة بصوت ~~يقذف بحمم السخط والغضب قائلة: «ظننت! ظننت أنك تخدمني! أنت الذي منذ ~~جاء أول مرة إلى القصر لم أكلمه قط بكلمة، ولا وجهت إليه أقل ~~التفاتة!» ولما عرض الصك الموقع بإمضاء الملكة إجابة لطلب الملك ~~صاح: «ليس في هذا الإمضاء من المشابهة لخط الملكة أكثر مما فيه منها ~~لخطي، وزد عليه أنك وأنت الأمير الكردينال تجهل أن الملكة لا تمضي ~~اسمها ماري أنطوانيت فرنسا. فاذهب على الفور واكتب إلى الملكة معتذرا ~~مستغفرا، ولا تنس أنك بأمر الحكومة موقوف رهن ms034 التحقيق.» # وبعدما كتب عريضة الاستغفار، أودع هو والكونتس دي لاموت وزوجها ~~والفتاة التي مثلت الملكة سجن الباستيل. # لكن الفرنسويين على بكرة أبيهم شق عليهم أن يروا أحد أقطاب الكنيسة ~~فريسة العار والشنار بيد الملكة التي كانوا يكرهونها، فأعلنوا مؤاساتهم ~~له واستياءهم من تحقيره إلى هذا الحد. ولما جيء به للمحاكمة استقبلوه ~~على جانبي الطرق كملك، وحين أعلنت براءته ثملت فرانسا كلها براح ~~الحبور والابتهاج. # وكان دي لاموت قد تمكن من الفرار إلى إنكلترة، وأما قرينته فقد ~~حوكمت وحكم عليها بأن تجلد متجردة، وتوسم في كتفها كمجرمة ~~أثيمة، وتقضي حياتها كلها في السجن. فسيقت معولة مولولة مكمومة الفم ~~وموثوقة اليدين والرجلين، ووسمت بميسم حام بالحرف # V ~~- أول أحرف كلمة فالوي - في ~~كتفها، وجلدت جلدا شديدا أمام جمهور غفير من المشاهدين، ثم ألقيت ~~في مركبة بين حية وميتة، فسارت بها إلى السجن. ولما دخلته ورأت أنها ~~سوف تقضي غابر حياتها مع أسفل طبقة من النساء المجرمات، استولى عليها ~~الرعب واليأس، فاستخرطت في النوح والبكاء وذرف الدموع وهي تصيح: ~~«يا لفالوي! يا لفالوي!» # وخلاصة ما يعرف عنها بعد ذلك أنها بمساعدة أصدقائها خارج فرنسا، ~~ورشوة بعض الموكلين بحراسة السجن، تمكنت من الهرب متنكرة إلى ~~إنكلترة حيث لقيت زوجها، ولما تراكمت عليها الديون وكثرت الدعاوى ~~توسلت أن تعيش بما توجر عليه من نشر مذكرات مفعمة بالفضائح والمخازي ~~عن ماري أنطوانيت، بحيث كانت تضطرها أن تقطع لسانها وتشتري سكوتها عنها ~~بمبلغ من المال مرة بعد مرة. وكانت كل مرة تقضي المبلغ المتفق عليه ~~واعدة بالكف والسكوت، ثم تنكث الوعد وتستأنف هتك الأستار عن الأسرار ~~ونشر الأخبار، وزوجها يلذ وينعم بإنفاق ما كانت تناله من ~~المال. # ولما تمادت في نكث مواعيدها للويس السادس عشر، على الوجه السابق ~~بيانه، بلغ الغيظ من رسل الدوق دورليان في لندن مبلغا يفوق الاحتمال، ~~وكانوا قد ابتاعوا منها مذكراتها، فتآمروا على الانتقام منها، وزوروا ~~أمرا بالقبض عليها، وذهبوا إلى بيتها قاصدين اختطافها وأخذها إلى ~~فرنسا؛ حيث يذيقونها غصص النكال. ولكنها بعدما ms035 دخلوا غرفتها احتالت ~~عليهم بالخروج لقضاء حاجة، وأقفلت عليهم الباب ، وفرت ملتجئة إلى ~~الطبقة العليا من أحد البيوت المجاورة. على أن أعداءها عالجوا الباب ~~بالخلع والكسر، واندفعوا يفتشون عنها ومراجل الغيظ تغلي في قلوبهم، ~~وما لبثوا أن عثروا على ملجئها، فقرعوا الباب طالبين فتحه وإلا ~~كسروه. # وإذ ذاك أيقنت أنه لا وسيلة للهرب إلا من النافذة، ولم يخف عليها أن ~~مصير فرارها منها إلى الموت. ولكنها لشدة هلعها أقدمت عليه وألقت ~~بنفسها من النافذة، فسقطت في الشارع محطمة الجسم مهشمة الأعضاء. ~~وبعد أيام ماتت، وكان ذلك في اليوم السادس والعشرين من شهر أغسطس سنة ~~1791، وبهذه الفاجعة انتهت حياة جان دي فالوي سليلة الملوك، وختمت ~~حوادث لم يدون التاريخ أشد منها مغامرة واقتحاما. # | فاجعة ملكة القلوب # حدث في سنة 1646 أن امرأة برحت لندن قاصدة دوفر وهي في زي أهل الريف، ~~مرتدية ثيابا رثة، ومعها ولد في ثياب صبي جميل العينين أصفر الوجه. ~~وكانت تارة تقوده بيدها وتارة تحمله مع ما هي عليه من شدة الإعياء. ~~وكان المارة ينظرون إليها بعين العطف والشفقة، وكثيرون من أصحاب ~~المركبات يعرضون أن يقطعوا بهما جانبا من الطريق محمولين في ~~مركباتهم. ولكن المرأة كانت تمتنع عن القبول بلطف وشكر. وأما الولد ~~فكان يرفض كل ما يعرض عليه من هذا القبيل بغيظ وحنق صارخا: «دعني! ~~أنا لست صبيا فلاحا! أنا الأميرة هنريتا الإنكليزية.» وإذ ذاك كانت ~~المرأة تبادر إلى إسكاته بقولها له: «صه!» فيمعن المارة في ~~الضحك. # ومع ما في تصريح الولد من الغرابة، فإنه كان صحيحا لا ريب فيه. وتلك ~~الأطمار البالية كانت تستر عري هنريتا أصغر أولاد تشارلس الأول ملك ~~إنكلترة. وكانت قد ولدت منذ نحو ثلاث سنين في إكستر في أثناء شبوب ~~الحرب الأهلية التي ثلت عرش أبيها وذهبت به إلى المقصلة (الآلة لقطع ~~الرءوس). ولما سقطت إكستر في أيدي الثائرين أخذت هذه الطفلة أسيرة، ~~ووضعت هي وظئرها لادي دلكيث في قلعة سنت جيمس. أما والدتها فكانت قد ~~هربت. وعند سنوح أول فرصة ms036 للادي دلكيث خرجت بالطفلة سرا متنكرتين ~~بملابس نساء العامة وأولادهن، وطفقت تجد السير إلى دوفر؛ حيث عبرت ~~البحر إلى فرنسا ذاهبة بالطفلة إلى والدتها الملكة هنريتا ماريا ~~المقيمة في بلاط فرنسا مسقط رأسها. # وبعد وصول ابنتها إليها أعدت لها الحكومة منزلا في اللوفر يعد ~~حقيرا جدا بالنسبة إلى قصرهما الفخم الفاخر في لندن. وعين لها ~~مجلس النواب أربعين ألف ليرة في السنة، وكان هذا المبلغ يكفيها لتعيش ~~بسعة. ولكنها كانت مضطرة أن تبعث بأكبر جانب منه إلى ابنها وأتباعه ~~الذين كانوا في أشد حالات الفقر. وبناء عليه كانت مرغمة أن تعيش عيشة ~~الضنك وتتجرع مرارة الاحتياج حتى إلى الطعام والوقيد. وكثيرا ما قضت ~~ليالي الشتاء الطويلة الباردة هي وابنتها في أرق وحزن وبكاء، وليس لهما ~~ما تدفعان به عضة الجوع وقرس الزمهرير. # ومع ما عانته من شدة البؤس والشقاء وشظف العيش، ظلت محتفظة بعزة ~~نفسها ورفعة شأنها، ولم تبح لأحد بشكوى. ووجهت كل اهتمامها إلى ~~تنشئة ابنتها على الطموح إلى المعالي، باثة فيها روح الشجاعة ~~والإقدام والتعلل بمستقبل سعيد مجيد، يبسم لها عن ثغر الرغد والرخاء، ~~وأقل ما في هذا الطموح أن تصير زوجة لويس الرابع عشر، وكانت والدته ~~أكبر معينة لها على تعليل نفسها بتحقيق هذا الأمل مع ما يلابسه من ~~ظواهر التعذر والاستحالة. # وذلك لأن ابنتها الأميرة هنريتا كانت في طفولتها غير محرزة شيئا من ~~ملامح الحسن والجمال، وكانت عيوبها الطبيعية تزداد ظهورا ووضوحا بما ~~كانت تصاب به على الدوام من الزكام والرمد ووجع الأسنان. فكان من أبعد ~~الممكنات أن الملك وهو من أجمل شبان فرنسا وأشدهم طموحا إلى الجري ~~وراء أميال الشبيبة، يرضى بأن تكون هذه القبيحة المنظر زوجة له. وكان ~~يؤثر عليها بنات أخت مازاران الحسان، ويقضي أيامه في مغازلتهن. ولما ~~أعدت والدته مرقصا لتجمعه بهنريتا أبى إباء مطلقا أن يرقص معها، ولم ~~يذعن لإرادة والدته إلا بعدما هددته بأنها لا تأذن له في الرقص مع ~~غيرها. وعندما عرضت عليه والدته بعد ذلك أن يتزوج هنريتا ms037 صاح بملء ~~فيه ساخطا حانقا: «لن أتزوج هذه الفتاة القبيحة المنظر ما دمت ~~حيا.» هكذا عزم، وأصر على عزمه إلى النهاية. ولما أراد الزواج ~~اختار زوجة له إنفانتا ماريا تريزا ابنة فليب الرابع ملك ~~إسبانية. # ولكن غيوم البؤس والخمول التي تلبدت في جو حياة هنريتا ووالدتها لم ~~تعتم أن تقشعت؛ فإن أخاها تشارلس استرد عرش إنكلترة. وكأخت ملك ~~إنكلترة نهضت تلك الأميرة المنبوذة من حضيض الضعة والخمول إلى يفاع ~~الرفعة والظهور. وقد صحب رفعة شأنها إشراق غريب غير منتظر لبدر حسنها ~~وجمالها، وتلك البنت القبيحة المنظر في طفولتها استحالت في السابعة ~~عشرة إلى فتاة فاتنة العقول والأبصار ببهاء باهر وحسن ساحر. لم تكن ~~جميلة بالمعنى المتعارف المبتذل، بل بما كان يتلألأ في عينيها من ~~أنوار السناء والجلاء، ويتدفق في محياها من أمواج خفة الروح ونباهة ~~الشأن وحسن التناول. وكان أخص ملامح جمالها ابتسامتها الشائقة التي ~~كانت تكسو وجهها حلة البهجة وتحليه في عين كل ناظر إليه. وهذه ~~المظاهر الخالبة زانها ذكاء نادر وسرعة خاطر قليلة النظير وخفة روح ~~رائقة وبراعة فائقة في فنون الغناء والموسيقى والرقص. ولا عجب بعد ذلك ~~أن تبيت صاحبة هذه الجواذب قبلة الأنظار، ومحط رجال الأمراء والعظماء ~~يتبارون في خطبتها وطلب الاقتران بها. ويقال إن إمبراطور ألمانيا خطبها ~~غير مرة محاولا أن ترضاه زوجا لها، فلم تجبه إلى ما طلب. وأخيرا ~~رضيت أن تقترن بفليب دوق أورليان أخي لويس الرابع عشر الأصغر، وكان في ~~استطاعتها أن تجد من هو فوقه رتبة ومقاما. وقبيل زفافها إليه زارت ~~بلاط أخيها تشارلس الثاني ملك إنكلترة، فلقيت هناك من مجالي الاحتفاء ~~والترحيب والتجلة والتكريم، ومظاهر الإعجاب بحسنها وجمالها، ما يفوق ~~الوصف، بل يشب عن طوق التصور. # ولكنها بقبولها فليب أورليان زوجا لها، سعت إلى حتفها بظلفها، وقضت ~~على سعادتها قضاء مبرما. ولو أنها بحثت في فرنسا كلها لما وجدت ~~زوجا أقل منه جدارة بها وأهلية لها. قال عنه بعض واصفيه: «كان في ~~حداثته أجمل ولد في فرنسا، فشب على أفسد ms038 الأخلاق وأرذل الصفات. ومع ~~شدة جماله كان عاريا من حلية الفضائل . وإذ نشأ وترعرع بين النساء ~~تملكه التفنيق والترفيه، وصار من أكبر المخنثين الذين يضرب بهم ~~المثل. وكان عندما يرتدي ثياب بنت - وكثيرا ما كان يفعل ذلك - يصعب ~~على من يراه أن يصدق نسبته إلى جنس آخر.» وظل حتى جاوز الثالثة عشرة ~~يلبس لباس فتاة. ولما بلغ أشده صار خنثه أظهر وأجلى، فكان يقضي كل ~~يوم ساعات في التجمل والتعطر والتبرج، وعرض نفسه على عشاق من ~~جنسه. وقال عنه سنت سيمون: «كان امرأة بكل عيوبها ونقائصها، ولم يكن له ~~شيء من فضائلها، وظل بعد بلوغه متخلقا بأخلاق الأولاد ضعيف الإرادة ~~مهذارا، غريب الأطوار، كثير الغرور، سيئ الظن، مولعا بالنميمة ~~والسعاية.» فكان والحالة هذه يستحيل على هنريتا أن ترى فيه من أول يوم ~~اقترانها به غير ما يسوءها ويحزنها. وقد قال الدوق لأحد أصحابه: ~~«انتهت محبتي لها بعد أسبوعين.» بل قيل عنه إنه يوم زفافها إليه ~~تركها وذهب يطلب التمتع بلذاته بين جماعة المخنثين. # فهل يعجب أحد بعد ذلك إذا رأى الأميرة هنريتا تعرض عن زوجها ~~الساقط وتلتفت إلى غيره؟ وكان من أسرى جمالها دوق بوكننهام وكونت دي ~~غيش وغيرهما، حتى إن سلفها الملك نفسه الذي أشاح عنها في حداثتها صار ~~الآن في طليعة عشاقها. وقبلما انقضى شهر العسل دعاها إلى فونتنبلو؛ ~~حيث وجدت نفسها إلاهة القصر وجنية الينبوع وحورية الغابة. وهناك ~~أعد الملك إكراما لها حفلات الصيد والرقص والغناء والولائم. وأصبحت ~~زوجة فليب المهجورة مليكة بلاط لويس وقلبه. وهناك خلا الجو لها ~~ولسلفها، فتساقيا كئوس الغرام مترعة، وتمليا لذاذات الهوى صافية من ~~أكدار الرقباء، وقضى فصل الصيف كله ناعما بقربها والتنزه معها في غابة ~~فونتنبلو، وهي غير باخلة عليه بشيء استتماما لمسرات نفسه وشهوات قلبه. ~~لم تمنعه شيئا؛ هكذا قالت هي: «كنت أفضل الموت على عصيانه في شيء.» ~~لم تمنعه شيئا، ولا أبدت أقل اكتراث للرأي العام أو مبالاة ~~بصحتها. # ولما اتصلت هذه الأنباء بمسامع والدة الملك غلت مراجل غيظها، ms039 وادعى ~~أخوه الغيرة ادعاء، فتظاهر بالاستياء والاشمئزاز. ولكن لويس سكن غيظ ~~والدته وغيرة أخيه واعدا باجتناب مثل هذه الأعمال في المستقبل. ~~والملوك ليسوا أوفى من رعاياهم بالمواعيد. فكان لويس تحت ستار التودد ~~إلى لويز دي لافالير أجمل نساء الشرف في قصر الأميرة هنريتا، ينتهز ~~الفرص للاجتماع بالأميرة نفسها، فيقضي ساعات خاليا بها وناعما ~~بقربها. وما عتم أن تحول تكلفه حب لويز إلى كلف حقيقي، فهام ~~بها واسترد قلبه من سيدتها إليها. # ولما رأت هنريتا أن سلفها أعرض عنها، وأصبحت مهجورة منه ومن أخيه ~~زوجها، وجهت التفاتها إلى مغرم عان طالما تصباها من قبل، وحاول ~~التقرب إليها ولم يفز بطائل، وهو الكونت أرتو دي غيش. كان هذا الفتى ~~الجميل الطلعة سليل إحدى الأسر العريقة في الحسب والنسب، وكان مع جمال ~~شكله ممتازا بحسن سجاياه. وقد هام بالأميرة هيام قيس بليلاه، ولم ~~تعره حينئذ أقل التفات؛ لأنها كانت مشغولة عنه بسواه. # فلما أخلى الملك قلبه من هواها وشغله بهوى غيرها، أعارت توسلات ~~الكونت دي غيش أذنا صاغية، ولم تقتصر على قبول رسائله التي كان قد بعث ~~بها إليها بواسطة الآنسة مونتالي إحدى وصيفاتها، بل زادت على ذلك أن ~~اطلعت عليها وأجابته عنها. ثم اتصلت بينهما عري المحبة وازدادت ~~توثقا. وفي أحد الأيام أدخلت الآنسة مونتالي إلى مخدع الأميرة ~~امرأة في زي عرافة (مبصرة البخت)، وهي بالحقيقة لم تكن سوى العاشق ~~الولهان دي غيش. # وعندما بلغ لويس الرابع عشر خبر هذه الحادثة استشاط غيظا وغيرة، ~~وأمر على الفور بطرد الآنسة مونتالي وإبعاد الكونت غيش إلى أحد ميادين ~~القتال. وقبيل خروجه لطيته طلب أن يخلو سرا بالأميرة، وأوشكت هذه ~~المؤامرة أن تنتهي بأسوأ العواقب. # وبعد نفي الكونت دي غيش تقدم إلى الأميرة المركيز دي فارد، وكان ~~هذا المركيز من أبهى رجال البلاط طلعة وأشدهم انغماسا في حمأة ~~الدعارة. ولكن الأميرة أشاحت عنه بوجه باسر وردته في صفقة الخاسر؛ ~~لأن قلبها كان لا يزال يصلى نار الأسف على فراق حبيبها دي غيش، ~~وأفكارها مشغولة بالحنين ms040 إليه والخوف على حياته من الأخطار المحدقة بها ~~في ساحة القتال . أما المركيز فلم ينثن عن عزمه. ولما خابت مساعي ~~التزلف والتملق عمد إلى وسائل الإكراه، وبعد بذل الجهد تمكن من ~~الاستيلاء على الرسائل التي كان دي غيش قد كتبها إلى الأميرة معرضا ~~فيها بالملك، وهددها بإطلاع لويس الرابع عشر عليها إن لم تجبه إلى ~~ما طلب. ففت هذا التهديد في ساعدها؛ لأنها كانت تفضل الموت على ~~إفشاء هذا السر لسلفها، وتوسلت إلى المركيز أن يرد رسائلها إليها. ~~فقال لها: «يمكنك يا سيدتي أخذها إن أجبت شروطي.» ~~- شروطك؟ إني مستعدة لقبولها أية كانت. فما هي؟ ~~- تعالي إلي في منزل الكونتس دي سواسون، وهناك أخبرك بشروطي قبل ~~تسليم الرسائل إليك. # فوجدت الأميرة نفسها في قبضة يد رجل هو من أسقط رجال فرنسا شأنا ~~وأسفلهم نفسا. ولما رآها مرغمة على الانقياد إلى مشيئته عاملها بما ~~استطاع من التنقص والامتهان. فمن ذلك أنه ضرب لها موعدا لتوافيه في ~~منزل كان بالحقيقة معدا لاجتماع السيدات بعشاقهن، فلم يوافها في ~~الوقت المعين، بل غادرها تنتظر قدومه على أحر من الجمر. وجال في البلاط ~~يخبر أصدقاءه بالمكان الذي تنتظره الأميرة فيه. وبهذه الوسيلة هتك ستار ~~الصون والحصانة عن سيرة أميرة إنكلترة وكريمة الملك تشارلس الأول، وجعل ~~ذكر عارها وشنارها مضغة في الأفواه ولماظة بين الألسنة والشفاه! # أما زوجها، فلم يبد شيئا يستحق الذكر من الاهتمام بمصيرها، بل زاد ~~إسرافا وغلوا في التخنث والتبرج والتهتك على الوجه الذي سبق ~~وصفه. وأطلق للمركيز العنان في تحقير زوجته وسومها أفظع ضروب الخسف ~~والامتهان. # وأما الدوقة - زوجته - فقد برح بها القنوط حتى اضطرت أخيرا أن تلجأ ~~إلى الملك تائبة نادمة مستغيثة برحمته أن ينقذها من جور المركيز ~~الغشوم، فأغاثها وزج دفار في سجن مونبليه وأراحها من فظائعه وموبقاته ~~التي تقشعر لذكرها الأبدان. # وعندما أنقذت من براثنه وجهت اهتمامها للاستظلال بحياة الهدوء ~~والسلام والطمأنينة، متذرعة إليها باختباراتها المرة الأليمة غير ~~ناسية ذكرى طيشها وحماقتها. ولكن ما أصدق القول المأثور: «في كتاب ms041 ~~القدر المقضي به على كل إنسان صفحة مخيفة مكتوب في أعلاها هاتان ~~الكلمتان: أماني مقضية.» فقد شربت هذه الأميرة إلى الثمالة كأس ~~المسرات التي أباها عليها زوجها الساقط الشأن. ومع كل ما عانته من ضروب ~~العناء والشقاء لم تدفع كل ما عليها من ثمن ما تملته وتمتعت به. وقد ~~شرعت سحب الفاجعة المزمعة أن تغشى حياتها تنشأ متلبدة فوق رأسها. وكان ~~إهمال زوجها لها قد تحول الآن إلى مقت وكراهية ورغبة شديدة في القضاء ~~على حياتها. # وحدث أنها بعد رجوعها من زيارتها الأخيرة للندن بثلاثة أسابيع طلبت ~~كأسا من شراب الهندبا لتروي ظمأها الشديد (وكانت قبل ذلك بيومين قد ~~حملها طيشها على الاستحمام بنهر السين، فأصابتها برداء شديدة) وبعدما ~~شربت الكأس لم تبطئ أن شعرت بألم يقطع أحشاءها فصاحت: «مسمومة!» ~~فارتج القصر وهرع كل من فيه على صوت صياحها وتألمها مذعورين ~~مضطربين. ورن صدى الحادثة في فرسايل، فخف الملك والملكة، وعند ~~وصولهما قيل لهما إنها مشرفة على الموت، ولما دخلا إليها وجداها ~~تتقلب وتتلوى من شدة الألم، وكادا لا يعرفانها من جراء ما طرأ ~~عليها من الضعف والهزال. أما الأطباء الذين دعوا لمعالجتها فاستخفوا ~~بما تعانيه، وقالوا: «إنه مغص يزول عما قليل.» وبهذا القرار سكنوا ~~مخاوف المشاهدين، فانصرفوا يضحكون ويمزحون. وكان زوجها أقل الناس ~~مؤاساة لها وهي في سكرات الموت. # ولما تحققت أن ساعتها دنت استدعت الأب بوسويه الشهير ليسمع ~~اعترافها الأخير. فقالت له: «سأموت عما قليل. وقد سممت خطأ.» وقالت ~~للسفير البريطاني الذي جاء لعيادتها: «إني في أسوأ حالة كما ترى، ~~وعما قليل أقضي نحبي! ولست بآسفة إلا على الملك، فإنه سيفقد بي الشخص ~~الوحيد الذي كان يحبه حبا خالصا.» ولما سألها السفير عن صحة ما ~~شاع من أمر دس السم لها، اعترض كاهن كان واقفا بجانبها، وقال لها: ~~«لا تجيبي عن سؤال كهذا وقدمي نفسك قربانا لله.» # وظلت إلى آخر دقيقة من حياتها مهتمة لغيرها لا لنفسها. وقبيل ~~وفاتها استدعت إليها الأب بوسويه مرة ثانية، وقالت له إنها ms042 عن قليل ~~تموت، وطلبت الصليب، فأعطاها إياه، فقبلته بحرارة، وقالت إنها أحبت ~~الله من كل قلبها. وكانت تجيب الأب بوسويه عن كل ما سألها بوضوح وجلاء ~~كأنها متمتعة بكمال الصحة. وظلت واضعة الصليب على شفتيها حتى لفظت ~~النفس الأخير. # بقي أن نسأل كيف ماتت دوقة أورليان؟ أمسمومة أم حتف أنفها؟ وعن هذا ~~السؤال يجيب سنت سيمون بقوله: «لما نعيت الأميرة إلى الملك استدعى ~~إليه سيمون مورل قهرمان قصرها وسأله بعدما وعده بالعفو عما يكون قد ~~ارتكبه من القصور والإهمال أو الغدر والخيانة، وقال له: «هل ماتت ~~الأميرة مسمومة؟» ~~- نعم يا مولاي. ~~- كيف؟ من سمها؟ ~~«الشفاليه لدرين عاشق زوجها الذي أمرت جلالتك بسجنه. فإنه بعد خروجه ~~من السجن ذهب إلى إيطالية وبعث بالسم من هناك إلى اثنين من خدم ~~سموها.» ~~- وهل عرف أخي شيئا عن هذا الأمر؟ ~~- كلا يا صاحب الجلالة، لم يطلع أحد على هذا الأمر، بل ظل سره ~~مكتوما في صدري وصدر كل من الخادمين.» # أما براءة زوجها من هذه الجريمة الفظيعة فمؤيدة بما قالته زوجته ~~الثانية جوقة بلاتين: «أخبرني خادم مخدع الأميرة الذي اتصل فيما بعد ~~بخدمتي قال: بينما كانت الأميرة وزوجها في الكنيسة في صباح يوم ~~الحادثة، رأيت الخادم آفيا قد تناول كأس سموها ومسحها من داخلها ~~بورقة. ولما سألته لماذا دخل غرفة الأميرة وما شأنه في تناول كأسها، ~~قال لي إنه عطشان يروم أن يشرب، وإذ رأى الكأس يعلوها الغبار مسحها ~~بورقة. وبعد العشاء طلبت الأميرة قليلا من شراب الهندبا، وبعدما شربته ~~صاحت: قد سممت. وجميع الذين كانوا حاضرين تناولوا من الشراب بكئوس ~~أخرى ولم يصابوا بأقل ضرر.» # | مجنون متوج # في أحد أيام شهر أغسطس من سنة 1845 عم الفرح والسرور جميع أنحاء ~~بافاريا، واستيقظ الناس على قصف المدافع وقرع أجراس الكنائس تبشيرا ~~بأن قرينة ولي العهد الأميرة ماري - أو ملاك الله كما لقبها ~~البافاريون - قد ولدت وارثا للعرش. وقلما لقي مولود في إحدى ~~الأسرات المالكة ما لقيه هذا الطفل من مجالي الابتهاج والحبور ومظاهر ~~التجلة ms043 والتكريم. ولما احتفل بعماده حملته الملكة تريزا بين ~~ذراعيها أمام حوض المعمودية حيث نضح بماء من نهر الأردن. وكثيرون ~~من عظماء الملوك وقفوا كفلاء له. وسمي لودوك # 1 # باسم جده الملك، وكان لا يزال جالسا على العرش، وباسم ~~القديس لودوك؛ لأنه ولد يوم عيده. # ومع أنه ولد في مهد الرخاء والترف، فقد ربي في طفولته وحداثته ~~تربية الشدة والخشونة، التي كان يجب أن يشب منها أصدق مثال للرجولية ~~الصحيحة. ففي سن الحداثة كان هو وأخوه أوتو المولود بعده يعيشان على ~~أبسط الأطعمة من الخبز والجبن وقليل من اللحم وغيرها مما عافه لودوك ~~واستكرهه، حتى إنه لما بلغ أشده قال: «الآن أصبح زمام أمري بيدي، ولم ~~يبق لأحد سلطة علي. فأطلب ألا يخلو عشائي كل يوم من لحم الطيور ~~وأنواع الكعك.» ولكيلا يتمكن هو ولا أخوه من شراء ما ينعمان بأكله ~~كان المعين لنفقتهما الأسبوعية نحو عشرة قروش. وهذا التقتير الشديد ~~غاظ أوتو فاحتج عليه شاكيا متذمرا. ولما بلغه أن السن الصحيحة ~~تباع بجنيه، ذهب إلى أقرب طبيب أسنان وعرض أن يبيعه أسنانه كلها؛ لأنه ~~غير محتاج إليها. # وهذه الخشونة التي لابست معيشة الأميرين في صغرهما لم تقف عند هذا ~~الحد، بل جاوزته إلى تخريجهما في الصنائع، فتعلم لودوك صناعة البناء، ~~وأوتو صناعة النجارة. وبعدما قضى لودوك وقتا قصيرا يزاول تعلم ~~صناعته عند بناء، ذهب إلى والدته وقال لها بلهجة العجب والافتخار: ~~«أصبحت الآن بارعا في بناء الآجر - الطوب - كأحذق البنائين.» ~~فسألته ضاحكة: «وهل تظن أنك قادر أن تعيش من تعاطي هذه الصناعة؟» ~~فأجابها: «نعم، قادر بسعة وغنى.» # ولكن على رغم هذه الخشونة كلها كان لودوك منذ حداثته مائلا أشد ~~الميل إلى التعلق بحبال الأوهام والهيام في أودية الرؤى والأحلام. ~~وفي ذات يوم رآه مؤدبه مضطجعا محقوقفا على متكأ في غرفة مظلمة، ~~فقال له: «ينبغي لسموك أن تلهو بشيء يشغلك ويدفع عنك سآمة البطالة وملل ~~الفراغ.» فأجابه: «لست في بطالة ولا في فراغ، بل أنا مشغول بالتأمل في ~~عدة أمور، وعلى ms044 ما أروم من البهجة والسرور.» وهكذا كان يقضي ساعات ~~مستلقيا على ظهره وسابحا على أجنحة التخيلات. وفي منتصف إحدى ~~الليالي وجدوه جالسا بين المقابر وهو غارق في لجة الهواجس ~~والوساوس. # وكان إذا جالس الغرباء يستولي عليه الخجل والاستحياء، فيجلس ~~مطرقا لا يتكلم ولا ينظر إلى أحد منهم. وكان يبدي اشمئزازا لا ~~مزيد عليه من رؤية الدمامة (قبح المنظر) أية كانت. وإذا شاهد من يكرهه ~~أو لا يستحسنه تقزز وتكره وأغمض عينيه أو اختبأ وراء ستار حتى ~~ينصرف الشخص المكروه. # فهل كان مجنونا؟ لا ريب في أن الخلل العقلي الذي اعتراه في السنين ~~الآتية كانت آثاره ظاهرة في صبوته كما يتضح من القصص الكثيرة التي ~~رويت عنه. فمنها أن أحد ضباط البلاط كان يتمشى يوما في حديقة ~~القصر، فرأى أوتو مطروحا على الأرض وهو موثق اليدين والرجلين، وحول ~~عنقه منديل يشده أخوه لودوك ليخنقه به. ولما بادر الضابط إلى إغاثة ~~أوتو المشرف على الموت اعترضه لودوك وصاح به: «ليس لك حق المداخلة في ~~ما لا يعنيك. وهذا الولد عبدي. وقد عصى أمري فأروم قتله.» وبعد بذل ~~الجهد العظيم تمكن الضابط من إنقاذ حياة أوتو المسكين. # ومع شدة تسلط الهواجس والوساوس والخجل والاستحياء عليه كان ممتازا ~~بالحصول على كثير من صفات الرجولية. وفاق أقرانه بالبراعة في الألعاب ~~الرياضية كلعب السيف والفروسية (حذاقة ركوب الخيل) والسباحة والرماية ~~وغيرها من مقتضيات الحرب والكفاح. وعلى ذكر الفروسية نقول: روي عنه ~~أنه عندما كان يتعلم ركوب الخيل رماه الجواد وأخذ مدربه يضحك عليه ~~لرعونته وطيشه، فحمي غضب الأمير عليه، وبعدما نهض انتهره قائلا: «ليتك ~~تستطيع أن تعلمني السقوط على وجه لا يستدعي سرورك وضحكك علي، ~~ولست أرى ما يضحك في حادثة يتعرض لها أبرع الفرسان.» # وبعدما بلغ أشده أضاف إلى هذه الصفات حسن الهيئة وجمال الطلعة، ~~وكتب عنه من عرفه حينئذ يقول: «كان في الثامنة عشرة من عمره ذا شكل لم ~~تقع العيون على أجمل منه. فكان يميس بقامة طويلة ممشوقة وجامعة لكل ~~محاسن التناسق والتناسب. ms045 وشعره الأجعد يلقي على رأسه شبها واضحا لما ~~مثل به اليونان البطولة والبأس . وكان أجمل ما فيه عيناه اللتان كانتا ~~تسطعان ببهاء ساحر جاذب يتعذر وصفه بقلم كاتب. ومن نورهما المغنطيسي ~~كانت تنبثق أشعة حزن عميق يعبر عن القلق والاضطراب العابثين بدماغ ~~صاحبهما.» وهاك ما وصفه به أستاذه وغنر: «كان فائقا في جماله وذكائه. ~~وأما سحر عينيه فيفوق الوصف. فإن فسح الله في أجله كان آية ~~عصره.» # ولما كان ابن ثماني عشرة سنة احتفل بجلوسه ملكا على عرش بافاريا ~~بعد وفاة أبيه، وكان الاحتفال بتتويجه بالغا حد الأبهة والعظمة ~~والفخامة. ولم يلبث أن أخذ يرأس مجالس رجال الحكومة، ويستقبل سفراء ~~الدول بما لا مزيد عليه من البراعة والكياسة والظرف وحسن التناول، ~~واستمال إليه قلوب الرعية بحسن رعايته لهم وعنايته بهم وعطفه عليهم. ~~وخرج في موكب المهابة والجلال يعرض جيوشه لابسا خوذة أنيقة، وممتطيا ~~جوادا أبيض يستحثه بمهمازين من ذهب، وحوله كبار القادة والضباط. ~~وفي هذه المظاهر كلها لم يبد عليه من علامات العته والجنون ما يجعله ~~دون غيره تعقلا وإدراكا. ومع هذا كله كان جنونه كامنا فيه يحاول ~~الظهور على رغم مقاومته له، كما سنرى فيما بعد. # وبعد الاحتفال بتتويجه، سر البافاريون إذ علموا أن مليكهم عازم ~~على الاقتران بابنة عمه الأميرة صوفيا شارلوت. وطفق رجال البلاط ~~يستعدون ليوم الزفاف استعدادا لا مثيل له، ولاحت على محيا الملك ~~أمارات ابتهاج لا مزيد عليه، فقضى معظم أيامه يجول متنزها مع خطيبته ~~إما في مركبته الملكية في شوارع مونيخ، وإما في زورقه في بحيرة ~~ستارنبرغ. ولما جاء اليوم المعين للاحتفال بزفها إليه وجيء ~~بالأميرة إلى الكنيسة، أعلن لودوك رفضه المطلق للذهاب إلى الكنيسة، ~~واضطرت العروس أن تعود من حيث أتت تذرف دموع الكآبة، والناس من حولها ~~يتعثرون بأذيال الخيبة. # ثم فتشوا له عن عروس أخرى، وهي أرشديوقة نمسوية كانت مشهورة ببارع ~~حسنها وجمالها. وكان الأمل وطيدا أن بهاءها المنقطع النظير يمكنها ~~من أن تنال نعمة الرضا والقبول في عينيه. ولكنه إذ كان ms046 ذات يوم يتمشى ~~في حديقة قصره، لقي عروسه الحسناء تقطف وردا وهي غير شاعرة بقربه ~~منها، ثم رفعت نظرها فرأته محملقا وعيناه تقدحان شرر الغيظ والحنق، ثم ~~أقبل عليها يوسعها سبا وشتما، فولت مذعورة وهي تبكي وتكتئب، ولم ~~يبق فيها أقل ميل إلى مشاهدته مرة أخرى. # وكان ميله في أيام حداثته إلى العزلة والانفراد قد تجدد فيه الآن ~~مشتدا كل الاشتداد، حتى باتت أعراض جنونه ظاهرة لكل ذي عينين. فكان ~~في النهار يروع بمخاوف هائلة تشب من طوق الحصر. وفي الليل يرى في ~~حلمه وجوها ملطخة بالدماء ملتهبة الشعور وهي محدقة بسريره ترقبه ~~هازئة صافرة، حتى كان من شدة ارتياعه يندفع خارجا من القصر ويركب ~~حصانا ويقضي الليل كله هائما على وجهه في الغابات فرارا من هواجس ~~دماغه وأخيلة أفكاره. # وكان عندما تخف وطأة الوساوس عليه يستدعي مغنيات الأوبرى إليه ~~ليطربنه برخيم إنشادهن، وهو راكب زورقه في حديقة الشتاء التي ~~أنشأها على سطح القصر، وكانت من أبهى جنان الأرض. وكثيرا ما كان ~~يستصحب أشهر مغنيات الأوبرى في ذلك الحين؛ وهي فرولين تشيفسكي. وحدث ~~مرة أنها وهي راكبة معه في الزورق رأته مستغرقا في ذهوله وشرود ~~ذهنه، فأخذت تعبث بشعره، فأفاق من ذهوله مغيظا محنقا، ودفعها بعنف ~~دفعة أمالت الزورق وكادت تفضي إلى انقلابه وغرق من فيه. # وأحيانا كان يتزيا بزي لوهنغرين (الموسيقي الشهير) فيتقلد السيف ~~والترس ويضع على رأسه عفرة طويلة، ويقضي ليله في البحيرة في زورق خفيف ~~تجره أوزة كبيرة وحوله مئات من المشاعل والمصابيح المختلفة الألوان، ~~ومراوح ريش تروح الهواء، والموسيقى تصدح بألحان رقيقة وراء خمائل ~~الأشجار، أو يجلس في الأوبرى وحده صاغيا لإيقاع تلاحين وغنر، حتى إذا ~~سمع ما ساءه ولم يسره، هاج غضبا على الممثلين المنكودي الحظ. # وحدث مرة أخرى لما كان الملك الشخص الوحيد السامع للغناء ~~والمشاهد للتمثيل، أن موضوع الرواية كان يتعلق بهبوب عاصفة ~~عظيمة، فقصفت رعود المسرح وعصفت رياحه، وتلا ذلك أصوات هطول أمطار ~~غزيرة على ما هو مألوف في المسارح، فازداد الملك ms047 من جراء هذا هياجا ~~واضطرابا، وصاح صارخا من «لوجه»: «حسن! حسن جدا! شائق إلى الغاية! ~~لكني أروم مطرا حقيقيا. افتحوا أنابيب المياه! لقد رأيت بروقا ~~خاطفة، وسمعت رعودا قاصفة ورياحا عاصفة، فأروم أن أرى سيولا جارفة.» ~~فاعتذر مدير الأوبرى عن ذلك مخافة أن الأمطار تتلف ما في الأوبرى من ~~رياش وزخارف. # ولكن الملك لم يقبل هذا الاعتذار، وأصر على طلب المطر الحقيقي ~~قائلا: «ليتلف ما يتلف. لا بأس، إني أروم الحصول عليه فعجلوا في فتح ~~أنابيبه وإطلاق ميازيبه!» ولم يروا بدا من امتثال أمره، فتدفقت ~~المياه الغزيرة على الأوبرى كلها وغمرت المسرح، وتناول رشاشها حلل ~~المغنيين والمغنيات، وأتلفت كل شيء نفيس طريف. وظل الممثلون ~~والممثلات يوالون التمثيل الغنائي متجاهلين ما هو جار، فسر الملك ~~سرورا لا يوصف، وأخذ يصفق ويصيح: «أحسنتم! أحسنتم كل الإحسان! ~~ليزد إيماض البرق وهزيم الرعد وعصف الزوابع وتهطال الأمطار! زيدوا! ~~زيدوا! ومن يخالف أمري يشنق.» # وزاد فيه حب العزلة والانفراد حتى إن قصوره عادت لا تكفي لإجابة ما ~~تمليه هواجسه وتخيلاته، فصار عندما تحزبه الوساوس وتشد وطأتها عليه ~~يهجر القصور إلى بعض القرى ويقيم في خان أو بيت فلاح. وإذا اتفق أن ~~أحدا عرفه هناك طلب الاعتزال في مكان آخر. ولما كان وزراؤه يعترضون ~~على غيباته المتكررة، كان يجيبهم بقوله: «من المحتم على كل أمير أن ~~يفكر في واجبات دعوته. وهذا إنما يستطيعه إذا اعتزل البلاط وضوضاءه، ~~وخلا بالله في ظلال سكون الطبيعة.» # ولم يقتصر جنونه على هذه الأمور، بل تعداها إلى بناء المعاقل ~~والقصور، فشاد منها كل فخم أنيق حصين، وأنفق عليها - على فرشها ~~وتزيينها - نفقات لا تحصى. # وعلى رغم ما أنفقه من ملايين الجنيهات على هذه القلاع والصروح، ظلت ~~الوساوس والرؤى والأحلام تساوره وتحرمه الراحة والسلام والطمأنينة. ~~وكان لعدم استطاعته النوم يقضي أكثر ساعات الليل في مركبة يجرها ستة ~~من أشد الجياد جريا وإحضارا، فكانت تجري به كالبرق الخاطف وهي تنهب ~~الشوارع نهبا. وكان منظرها في ظلام الليل الحالك أشبه بحكايات الجن؛ ~~إذ يشاهد ms048 الناظر إليها شيئا أشبه بأوزة ذهبية ناشرة جناحيها، وداخلها ~~الملك النحيل الجسم الأصفر الوجه، متكئ على نمارق مخمل مطرزة بالفضة ~~والذهب، وهي منورة بنور ساطع أنيق. # ومما زاده عتها وجنونا علمه أن أخاه أوتو حكم عليه بالجنون ~~واعتقل في قلعة نيمفنبرج. فاشتد حزنه على فراقه، وأوجس خوف المصير ~~إلى ما صار أخوه إليه. فغلا في اجتناب الناس غلوا عظيما، واتخذ ~~جنونه شكلا جديدا غريبا، فصار يبصق في وجوه الخدم، وإذا أساء إليه ~~واحد منهم إساءة طفيفة ولو سهوا على غير عمد، كان يبالغ في ضربه ~~والتنكيل به. حتى إنه بلغ يوما عدد الذين أصابهم بالجراح 30، توفي ~~واحد منهم بضربة من قبضة يده. وحكم يوما على خادم رفع نظره إليه أن ~~يتقنع بقناع أسود سنة كاملة، وعلى خادم آخر أن يتزيا بزي أبله ~~ويطاف به على حمار في شوارع مونيخ. وأبى مفاوضة وزرائه إلا بواسطة ~~سياس خيله ومروضيها. وارتأى في يوم أن ينشئ مملكة في بلاد ~~العرب. وفي يوم آخر أن هدد وزراءه بالنفي إلى أمريكا. وأمر مرة أن ~~يجلسوه في مركبة تجرها الطواويس. وطلب مرة أخرى أن يدخن الأفيون ~~ويشرب خمر الرين والشمبانيا في كئوس بلور، وعلى وجوهها أوراق الورد ~~والبنفسج. وغير ذلك من الأعمال الشاذة الغريبة التي يضيق المقام دون ~~وصفها. # هذه الأعمال السيئة تحملها البافاريون في أول الأمر بما لا مزيد ~~عليه من الصبر وسعة الصدر، حتى ضاقت صدورهم وفرغ معين اصطبارهم ~~وعزموا على خلعه، وألفوا لجنة عهدوا إليها فحص قواه العقلية، ~~فقررت أنه مصاب باختلال عقلي لا يستطيع من جرائه أن يحكم شعبه، ~~وأن جنونه هذا لا يمكن إشفاؤه. فلما بلغه قرار اللجنة هاج هياج اللبؤة ~~الفاقدة أشبالها، وصاح قائلا: «لا أعارض في خلعي، وأما الحكم علي ~~بالجنون فلا أطيق احتماله.» # ولما جاء الوفد المعين لإبلاغ خبر خلعه إليه وجدوا القلعة ~~مخفورة بسرية من الجيش كان قد استدعاها لحمايته ومعها جمهور كبير ~~من الفلاحين المسلحين، وهم كلهم مستعدون لسفك دمائهم في سبيل الذود ~~عن مليكهم المحبوب على ms049 رغم جنونه. وحينئذ عاد الوفد من حيث أتى. وفي ~~اليوم التالي ذهبوا إلى القلعة فأخبرتهم الحامية أن الملك قضى ليله ~~يهددهم بالانتحار؛ ولذلك أذنوا لهم في الدخول. ولما اجتمعوا به ~~خاطبه الدكتور غودن أحد أعضاء الوفد قائلا له: «يسوءني جدا يا مولاي ~~أن أخبرك بأن أربعة من كبار أطباء الأمراض العقلية قد فحصوا قوى ~~جلالتك. وبناء على تقريرهم تعين عمك الأمير لويتبولد نائب الملك، ~~وسأتشرف بالذهاب مع جلالتك إلى قلعة برغ.» وعلى الفور ساروا به إلى ~~هذه القلعة التي لم يقم فيها سوى يوم واحد. # فإنه في عصر اليوم التالي إذ رآه طبيبه الدكتور غودن مستردا شيئا ~~قليلا من الهدوء والسكون خرج يتمشى به في حديقة القصر. وبعد مغيب ~~الشمس خيم الظلام، وهطلت أمطار غزيرة واستبطأ الحرس رجوع الملك ~~وطبيبه، واشتد القلق والخوف على سلامتهما، وأسرع الحرس في التفتيش ~~عنهما وبأيديهم المشاعل والمصابيح، وركب الدكتور مولر زورقا ومعه رجل ~~آخر، وسارا يبحثان عنه في البحيرة. # قال الدكتور مولر: بينما نحن سائران في الزورق صاح رفيقي فجأة وألقى ~~بنفسه في الماء، وقد غمره إلى ما فوق صدره، وقبض على جثة طافية تسير مع ~~التيار؛ وكانت جثة الملك، ثم جاءت بعدها جثة الدكتور غودن. وعلى أصوات ~~الاستغاثة هرع الحراس إلينا وأخرجوا الجثتين من الزورق. ولم يكن على ~~جثة الملك شيء من آثار الخدوش أو الرضوض بخلاف جثة الدكتور غودن، فإن ~~وجهه كان مغشى بالخدوش، وفوق عينه اليمنى لطخة سوداء كبيرة أشبه شيء ~~بأثر ضربة عنيفة بقبضة اليد، وعلى فمه ابتسامة لطيفة كما كان عهد الناس ~~به في حياته. وهكذا يكون هذا الطبيب الخالد الذكر قد ضحى بنفسه وهو ~~يحاول عبثا إنقاذ حياة مليكه. # وبعد أيام وضعت جثته في كنيسة القلعة وعليها ملاءة حرير بيضاء، ~~وتقاطر شعبه من كل صوب لندبه والبكاء عليه. وكان الحزن عاما وشاملا ~~جميع رعيته رجالا ونساء، كبارا وصغارا، وكأنهم كلهم قد نسوا ما ~~عرفوه من حوادث عتهه وجنونه. ولم يبق في لسان أحد منهم سوى «مليكنا ~~لودوك المحبوب ms050 الجميل، النابغة الكريم، الذي أسر القلوب منذ كان ~~ولدا.» # | قصة باميلي الغامضة # من يزر مدافن مونمارتر الشهيرة الباقية إلى الآن شاهدة بتقانة ~~رائعة، وناطقة بعظمة خالية، يجد بينها رمسا ساذجا مكتوبا عليه هذه ~~الكلمة «باميلي» فقط، ولا يرى معها تاريخا ولا شيئا آخر يدل أقل ~~دلالة على الشخص المدفون فيه؛ ولذلك توارد على شفاه ألوف من الواقفين ~~عليه هذا السؤال: «من كانت باميلي؟» # وفي أحد أروقة فارسيل الأنيقة صورة مكتوب فوقها «درس القيثارة»، ~~تمثل فتاة بديعة الحسن والجمال، تقلب صفحات كتاب موسيقى. فإذا ~~سألت أحد الحجاب الواقفين هناك: من هذه الفتاة؟ أجابك: «باميلي»، ~~كأن ذكر اسمها كاف للوقوف على كل ما يراد إيضاحه. # والجواب عن هذا السؤال - من كانت باميلي؟ - كان متعذرا حتى في وقت ~~طفولتها وحداثتها حين كانت رفيقة لأولاد الأسرة المالكة. وفي عهد صباها ~~حين صارت زوجة ابن دوق، ولا يزال إلى الآن - بعد مضي نحو قرن ونصف قرن ~~- مودعا أطباق الغموض والخفاء. # في سنة 1777، هاجت خواطر أولاد الدوق دي شارتر - وفيما بعد الدوق ~~دي أورليان - عندما أخبرتهم مربيتهم مدام جنليس بأنه عن قريب يصل إليهم ~~من إنكلترة ولد جميل الصورة ليصحبهم في لعبهم ودرسهم. ولما جاء الولد ~~الغريب، وكان بنتا، سروا به سرورا لا يوصف؛ لأنهم وجدوها تفوق ~~جدا وصف المربية في حسنها وجمالها وخفة روحها وسرعة خاطرها ونباهة ~~شأنها. # وعلى الفور أخذ جميع الذين شاهدوا هذه البنت الصغيرة البارعة الجمال ~~يسألون: من هي؟ ومن أين جاءت؟ وكان نخبة أهل البلاط من رجال ونساء في ~~مقدمة السائلين عنها والمعجبين برائع حسنها وبهائها. ولشدة اهتمامهم ~~بمعرفة هويتها وتعذر ذلك عليهم، شرعوا يتقولون الأقاويل ويذهبون ~~في التخرص والإرجاف كل مذهب. ومما أشاعه بعضهم أن هذه الفتاة ابنة ~~غير شرعية لمدام دي جنليس. وبعضهم أسرف في الإرجاف وعدها نغلة الدوق ~~دي شارتر، وأن الأولاد الذين جيء بها لمجالستهم ومعاشرتهم في الدروس ~~والألعاب إنما هم إخوتها وأخواتها. وبعضهم جمع التهمتين معا زاعما أن ~~الدوق أبوها والمربية أمها. # لكن المربية ماطت اللثام ms051 عن حقيقة الفتاة، وأزالت الغموض والخفاء ~~بوضوح وصراحة لا مزيد عليهما، فقالت إنها اتفقت هي والدوق على البحث عن ~~بنت إنكليزية صغيرة تصلح لمرافقة أولاده ومعاشرتهم؛ ولهذا الغرض أرسل ~~الدوق أحد رجال حاشيته - وهو المستر فورث - إلى إنكلترة. وفيما هو ينشد ~~ضالته هناك عثر عليها في إحدى قرى همبشير؛ حيث وجد بنتا عمرها خمس ~~سنوات، زرقاء العينين، ذهبية الشعر، فريدة في حسنها وملاحتها. # وكانت أمها في فقر مدقع. وخلاصة حكايتها أن رجلا يدعى سيمور من ~~أسرة معروفة، أحبها (وكان اسمها ماري سمس)، ولكونها وضيعة الأصل ولم ~~يأذن له والده في الاقتران بها، فر بها إلى نيوفوندلند، حيث ولدت ~~ابنتها وسميت نانسي. ثم توفي زوجها وعادت وابنتها إلى إنكلترة، ~~فأنكرها والداه ولم يعترفا بها ولا بابنتها، ونبذاهما، فاضطرت أن تعمل ~~لتعيش هي وطفلتها. فعرض عليها المستر فورث أن يأخذ ابنتها إلى بلاط ~~فرنسا، حيث يضمن لها مستقبلا باهرا مجيدا، فعارضت في أول الأمر، ~~ولكنها أخيرا قبلت ولم تمانع. # قالت مدام دي جنليس: «ولما مال قلبي إلى باميلي (وهو الاسم الذي ~~أطلقته على هذه الفتاة) وتعلقت نفسي بها، خفت أن تأتي أمها وتطلب ~~مبلغا باهظا من المال لا قدرة لي على دفعه، فاستشرت عدة محامين من ~~الإنكليز، فأشاروا علي بأن آخذ صكا موقعا من والدتها تصرح فيه ~~بأنها سلمت ابنتها إلي بأجرة خمسة وعشرين جنيها. ففعلت بحسب ~~مشورتهم ودفعت المبلغ وأخذت الصك.» وظلت باميلي تحت وصاية مدام دي ~~جنليس حتى بلغت سن الرشاد. # هذه رواية مدام دي جنليس، ولكنها على صراحتها وجلائها لم تكن كافية ~~لقطع ألسنة المرجفين والنمامين. وكانت شدة مشابهة الفتاة لأترابها ~~وعشيراتها تعين على التشكيك في صحة دعوى المربية. وقال أحد المؤرخين ~~المعاصرين: «إن شدة مشابهة باميلي لأولاد الدوق كانت تحمل كل ناظر ~~إليها على أن يظنها أختا لهم لولا وجود نبرة في كلامها.» # أما باميلي نفسها كانت خالية الذهن من جميع الريب والشكوك التي ~~أثارها حولها أهل البلاط، فرتعت في ظلال الرخاء ورغد العيش تجر ذيول ~~الغبطة والهناء، ms052 وتجري على مقتضى الأحوال مطبوعة بطابع النشوء في ~~بحبوحة الترفه والترف، لابسة لبوسهما ، كأنها مولودة في مهدهما ~~وسريرهما. وقد تعلقت بها قلوب أولاد الدوق وأحبوها محبة العابد ~~لمعبوده، ونالت مكانة عالية من العطف والإعزاز عند دوق دي شارتر ومدام ~~دي جنليس التي كتبت عنها في مذكراتها ما خلاصته: ~~«كنت مولعة بحبها وكأني بها سحرت لبي وأخذت بمجامع قلبي، وعلى ~~رغم ما كان يبدو منها من الرعونة والطيش، كانت فتنة لكل ناظر إليها؛ ~~لرشاقة حركاتها وخفة روحها.» # وعلى توالي السنين كان غصن جمال باميلي يزداد نضارة وإيراقا، وبدر ~~ملاحتها إنارة وإشراقا. ولما صارت ابنة ست عشرة وصفها بعض عارفيها ~~فقال: «إنها مطبوعة على اختلاب العقول واجتذاب القلوب، فما من فتاة ~~تباريها في سحر النفوس وامتلاك أزمة الخواطر، وجمالها آية في كماله. ~~ومن يسعده الحظ بالظفر بها فقد نال السعادة بحذافيرها!» # وقد خطبها كثيرون من الكبراء والعظماء أصحاب الألقاب السامية والشرف ~~الباذخ، فردتهم واحدا بعد الآخر مفضلة عيشة الحرية واللهو على ~~قيود الحياة الزوجية ولو أنها من ذهب. ويقال إنه كان في وسعها لو أرادت ~~أن تصير دوقة مونبنسيه وإحدى أميرات البلاط، ولكنها رفضت ذلك عندما ~~عرض عليها. # وأخيرا لقيت من حن قلبها إليه وحام طائر حبها عليه، وهو ~~اللورد إدورد فتزجرالد ابن دوق لينستر الأصغر. وكان هذا الشاب الإرلندي ~~الكريم المحتد جميل الطلعة نبيل الشأن، وقد ذاعت شهرة ذكائه ونجابته، ~~وبعد صيت بسالته وشدة بأسه. وقيل إنه هام بها لما شاهدها أول ~~مرة في لوج دوق شارتر في أوبرى باريس، ثم لقيها مرة ثانية في أثناء ~~زيارتها القصيرة للندن سنة 1793. ومنذ اجتمعا أحبا أحدهما الآخر، ولم ~~يلبثا أن اقترنا في تورناي على رغم معارضة مدام جنليس. # وهاك وصفهما في عقد الزواج المحفوظ في تورناي: «إدورد فتزجرالد من ~~لندن، ابن المرحوم دوق لينستر، عمره 29 سنة. وستيفاني كارولين إن سمس ~~المعروفة باسم باميلي من لندن ابنة وليم باركلي وماري سمس.» وهذا العقد ~~ممضى من إدورد فتزجرالد وباميلي سمس وبعض الشهود. ومنه يتضح ms053 أنها على ~~رغم الأقاويل التي شاعت عن حقيقة أصلها تزوجت منتسبة إلى الاسم الذي ~~كان لأرملة من همبشير قبل زواجها، وأبوها بركلي لاسيمور كما جاء في ~~رواية مدام جنليس. # والوارد عن نسب باميلي في عقد الزواج يناقضه ما جاء عن نسبها في ~~المجلة الماسونية. وقد ورد في جزئها الصادر في شهر يناير سنة 1794 بما ~~ترجمته: «احتفل بعقد إكليل اللورد إدورد فتزجرالد على الآنسة باميلي ~~كريمة سمو الدوق دي أورليان.» ويقول مور في كتابه: «حياة اللورد إدورد ~~فتزجرالد» ما مترجمه «أن باميلي كانت ابنة مدام دي جنليس من دوق ~~أورليان.» # وعاشت باميلي مع زوجها في إرلندة خمس سنوات في رغد وهناء وصفاء ~~ورفاء، وكتبت يوما إلى مدام جنليس تقول: «إن حياتي هنا أشبه بحلم ~~جميل. ونحن كلانا في سعادة لا توصف، ولأجلها ترينني بعض الأحيان أسائل ~~نفسي بخوف قائلة هل تدوم هذه السعادة لنا؟» ويقول زوجها في رسائله إلى ~~والدته: «تعودت أنا وزوجتي المحبوبة حياة البطالة والكسل. ففي كل يوم ~~نبطئ في الاستيقاظ والنهوض، ونقضي الوقت في المنادمة والمحادثة حتى ~~ينقضي النهار ونحن لا ندري. وقد أقيمت لنا في دبلن عدة احتفالات - ~~ولائم ومراقص - حضرتها زوجتي كلها، وهي مولعة بالرقص. وأود لو أمكنك ~~أن تشاهديها وهي ترقص فكنت تعجبين برقصها البديع الجميل. والجميع هنا ~~يحبونها ويحترمونها.» ثم كتب إليها بعد شهر من بلاك روك قرب دبلن: ~~«جئت أمس بزوجتي المحبوبة إلى هذا المكان، ونحن ناعمان فيه بظلال ~~الراحة والمسرة نمتع عيوننا بمشاهدة كل ما شاق وراق من مناظر ~~الطبيعة، وآذاننا بسماع تغاريد الطيور. وهذا كله يزيدنا بهجة وحبورا، ~~وإن كان وجود زوجتي وحده كافيا ليجعل سعادتي منقطعة النظير.» # ولكن تلك الأيام السارة الجميلة لم يكتب لها البقاء والدوام، وتلك ~~السعادة كانت كما خافت باميلي نفسها معرضة للزوال. فإن اللورد إدورد ~~الذي كانت محبته لوطنه لا تقل كثيرا عن محبته لزوجته لم يعتم أن ~~انساق إلى هجر السلام والراحة بجانب باميلي، واقتحام بحر السياسة ~~العجاج المحفوف بالمغامر والمخاطر. وأصبح من أركان ms054 جمعية الإرلنديين ~~المتحدين. واختير للسفر إلى فرنسا ليسعى في إعداد حملة فرنسوية لمهاجمة ~~إرلندة. على أن هذا السعي اقترن بالخيبة والإخفاق. وفي أحد أيام مارس ~~سنة 1798 قبضت الحكومة البريطانية على المتآمرين ما عدا اللورد إدورد، ~~فإنه تمكن من الفرار والاختباء في مكان مخفي عن عيون الحكومة. # وفي أثناء ذلك أقامت باميلي في مسكن حقير في زقاق وراء ساحة مريون، ~~وهي في أشد حالات القلق والاضطراب موجسة كل ساعة خوف سماعها لخبر ~~اعتقال زوجها المحبوب. وكثيرا ما كان اللورد إدورد يخرج من مخبئه تحت ~~ستار الظلام ويزورها ويخلس التمتع بمشاهدتها. وفي إحدى الليالي وصوصت ~~جارية من ثقب مفتاح الغرفة فرأت الزوجين جالسين حول سرير ولدهما، ~~ولشد ما توسلت باميلي إلى زوجها أن يكف عن هذه المغامرة مخافة ~~أن تلحظه عيون الرقباء والجواسيس ويقبضوا عليه. وكان اثنان من سكان ~~المنزل الذي هي فيه يعرفانه جيدا على رغم تنكره وتخفيه. وقال ~~الخادم يوما لرب المنزل: «إني أعرف الرجل الذي يزور السيدة.» ~~- هل تعرفه جيدا؟ ~~- نعم، كما أعرفك، فقد أعطاني حذاءه لأصبغه، ووجدت اسمه مكتوبا عليه ~~من الداخل. ولكن لا يخطرن ببالك أني أسلمه ولو بعشرة آلاف جنيه. ~~وإني مستعد لأن أبذل حياتي فداء عنه وعن زوجته. # ولكن رجال الحكومة لم يبطئوا أن استدلوا على مخبئه فأحاطوا به ذات ~~ليلة بعد رجوعه من زيارة زوجته، وخلعوا باب غرفته ودخلوا وقال له ضابط ~~الجند: «إنك اللورد إدورد فتزجرالد، وأنا مأمور بالقبض عليك، وأرجو ~~ألا تبدي أقل مقاومة.» # ولشدة بسالته وشجاعته آثر الموت على التسليم، فاستل خنجره وحمل على ~~الجنود وكافحهم كفاح الأبطال الصناديد. ولكن كثرتهم تغلبت على بسالته ~~وشدة بأسه، فقبضوا عليه بعد عراك عنيف أصابوه فيه بعدة جراح بالغة تضرج ~~بدمائها. على أنه باعهم حياته بأغلى ثمن؛ إذ كان قد أثخن في كثيرين ~~منهم وغادر ضابطهم مجندلا في زاوية الغرفة يعاني سكرات الموت، وبعدما ~~ذهبوا به إلى القلعة نقلوه إلى نيوغايت. وهناك سألوه هل يروم أن يبعث ~~برسالة إلى زوجته، فأجاب: «لا، ولكن ms055 تلطفوا في إطلاعها على خبر ~~مصيري.» # ولما علمت باميلي أنهم قبضوا عليه ودت من شدة بأسها لو أمكنها أن ~~تفديه بنفسها، ولكنها لم تستطع ذلك، فباعت حلاها والهدايا التي جاءتها ~~يوم زواجها، وحاولت أن ترشو حراس السجن بثمنها، فلم يقترن سعيها ~~بالنجاح، وطلبت أن تقاسمه الأسر والاعتقال، فلم تلق أذنا صاغية، بل ~~صدر إليها الأمر بأن تغادر إرلندة بما يستطاع من السرعة، وتترك أولادها ~~ولا تعلل نفسها بأمل رؤية زوجها الذي بلغها أنه في حالة النزع ~~متأثرا من جراحه. وبعيد سفرها أسلم اللورد إدورد الروح وتركها شريدة ~~طريدة. وقبيل وفاته أوصى بكل ما يملكه «لزوجتي اللادي باميلي فتزجرالد ~~عنوان احترامي ومحبتي لها وشدة ثقتي بها.» ولكن الحكومة أصدرت قرارها ~~بحرمانها ما أوصى لها زوجها به. # وقد نعي إليها وهي في لندن عند دوق رتشموند، فحزنت عليه حزنا يعجز ~~اللسان عن وصفه. وفي سنة 1799 برحت لندن إلى همبورغ، ونزلت ضيفة عند ~~صديقة لها، وهي ابنة أخت مدام دي جنليس وزوجة صاحب مصرف كبير هناك. ثم ~~عرفت في همبورغ رجلا يدعى بنكارين، فعرض عليها أن يتزوجها، وأجابته ~~إلى ما طلب مدفوعة لا بداعي الحب، بل لشدة الفقر والاحتياج. ولكن ~~زواجها لم يقترن بشيء من الرفاء والهناء. وفي سنة 1820 أقامت في طولون ~~وهي في فقر لا يوصف. # وبعد إحدى عشرة سنة انتهت حياتها الغامضة الغريبة في باريس، وكان ~~القرار بحرمانها تركة زوجها قد ألغي، فعاشت في سنيها الأخيرة في ~~سعة. وماتت في سن السابعة والخمسين؛ أي بعد فاجعة زوجها بثلاث وثلاثين ~~سنة، وعلى وجهها بقية من حسنها الغابر وعزها الدابر، ولم يعرف عنها ~~سوى المكتوب على ضريحها: «باميلي». # | من حضيض الضعة إلى أوج الرفعة # قلما اجتاز شاب شارع بال مال في أوائل القرن الثامن عشر إلا خفق ~~فؤاده عند اقترابه من دكان المستر رني الخياط، واخترق نافذته بنظره ~~لعله يظفر بلمحة من ماري كليمنت التي تتعلم الخياطة عنده. وقد شاع ~~ذكر جمالها الفائق في جميع الألسنة، وبات موضوع حديث الخاص ~~والعام. ms056 # وتلك الشهرة المستفيضة التي حازها حسنها البديع لم تكن شهرة باطلة، ~~ولا مموهة بطلاء المبالغة؛ ففي لندن كلها في عهد الملك جورج الثاني ~~لم يشاهد الناس فتاة فاقت ماري كليمنت في بهاء عينيها الساحر، وجمال ~~ابتسامتها المسكر. وقد زان حسنها وجمالها خفر وحشمة لا مزيد عليهما. ~~فإنها كانت على رغم تسابق المارة لاختلاس نظرة إليها أو لمحة منها تقضي ~~نهارها جالسة مطرقة حاصرة نظرها فيما تخيطه، وغير مكترثة لشيء آخر ~~على الإطلاق. قال أحد واصفيها: «لما سبكتها الطبيعة كانت في أحسن ~~حالات الصفاء، وأجلى ساعات الوحي والإلهام؛ ولذلك تسنى لها أن تفرغها ~~في أجمل قالب وأبدع صورة. وقلما يتاح للندن أن ترى محاسن باهرة كهذه ~~مرة في القرن.» # ولا يخفى أن كل علق غال يكون دائما عزيز المطلب صعب المنال. ~~والحصول على كليمنت لم يكن من الهنات الهينات. وهي لعلمها بما امتازت ~~به من القسامة النادرة المثال كانت تعرض عن كل خاطب مهما يكن أرفع ~~منها رتبة ومقاما، ولم تلتفت بعين الرضا والقبول إلا إلى شاب واحد ~~كان فريدة عقد الشبان الحسان، وهو إدورد ولبول ثاني أنجال السر روبرت ~~ولبول رئيس وزراء إنكلترة. وكان منزله فوق دكان الخياط. هذا الفتى خلب ~~لبها بجمال طلعته وحسن صفاته. # وكان في ذهابه وإيابه أمام الدكان ووقوفه في شرفة بيته فوقه يخالسها ~~النظر وهي مكبة على عملها لفقا أو شلا أو تفصيلا. وكلما رفعت ~~نظرها وأرسلته من النافذة وقعت عيناها على إدورد شاخصا إليها، فيلتقي ~~النظران ويمهدان سبيل التعارف والتآلف. وتلك النظرات المختلسة على ~~التبادل عقبها ابتسامات فتحيات في أثناء غفلة الخياط، فاجتماعات على ~~خلوة بمعزل عن الرقباء ولم يكذبا أن وجدا حبال الحب عالقة بهما ~~كليهما. # ولما بلغ ذلك قرينة الخياط اشتعلت غيظا وحنقا على ماري، فأسرعت ~~إليها وأوسعتها تقريعا وتعنيفا، وقالت لها: «ويحك أيتها الطائشة ~~الحمقاء! أبلغ من قدرك أن تعللي نفسك بالحصول على شاب كهذا ~~يفوقك جاها ورفعة شأن؟ ساء فألك!» ثم زادت على هذا أن أوعزت إلى زوجها ~~بطردها من ms057 دكانه حرصا على كرامته. # فسقط في يد ماري ولم تجسر أن ترجع إلى بيتها على هذا الوجه، ولم تر ~~بدا من أن تذهب إلى إدورد لتشكو إليه ما أصابها. وبعدما فرغت من ~~شكواها طوقها بذراعيه ومسح دموعها بقبلات عطفه ومؤاساته، وقال ~~لها: «خلي عنك الجزع والهلع، فلن يستطيع أحد أن ينالك بشر أو ~~أذى ما دمت قريبا منك، ومستعدا لبذل روحي في سبيل الذود عنك. ~~وستكونين مذ الآن زوجة لي من كل وجه، ما خلا الاسم، ولا يفرق بيننا ~~سوى الموت.» وهي على الفور حلفت له يمين الأمانة والولاء، وبرت ~~بقسمها إلى آخر دقيقة من حياتها. وعلى هذا الاتفاق تم الاتحاد ~~والاقتران بين الخياطة الوضيعة الحقيرة وبين ابن أعظم رجل سياسي في ~~إنكلترة. وحينئذ لم يدر قط في خلد ماري أن هذا الاتحاد سينمو ~~ويثمر، ويكون من نتاجه فتاة تصير فيما بعد إحدى أميرات الأسرة ~~المالكة، وأم ولد أمكنه أن يلبس تاج الإمبراطورية البريطانية. ولكن ~~تلك الأيام كانت لا تزال بعيدة منها، فعاشت مع زوجها المحب الأمين ~~قريرة العين طيبة النفس. # وقد رزقت منه خمسة أولاد: ثلاث بنات وصبيين، وهؤلاء الخمسة أخذوا ~~الحسن والجمال تراثا عن والديهم. وأتيح للبنات الثلاث أن ينلن من ~~الجاه ورفعة الشان ما لم تنله والدتهن. وتوفيت ماري بعد ولادة ولدها ~~الخامس، وهي في غلواء صباها وشرخ شبابها غير مجاوزة الرابعة والعشرين، ~~فحزن عليها زوجها حزنا ليس في استطاعة أبلغ كاتب أن يعبر عنه. وإذ ~~كان ممتازا بالنبوغ وشدة الذكاء أخذ يرتقي في سلم المعالي، فنال أسمى ~~الرتب والوسامات، وتقلد أرفع المناصب، وكان في استطاعته لو أراد أن ~~يتزوج بأعظم الفتيات حسبا ونسبا، ولكنه أبى ذلك مفضلا أن يعيش ~~حافظا لذكرى زوجته، وقاصرا اهتمامه على تربية أولاده. # وتدرجت الفتيات الثلاث، لورا وماري وشارلوت، من جمال الحداثة إلى ~~بهاء الصبوة، فكن بدورا مشرقة في سماء الحسن والملاحة. قال عنهن ~~أحد المؤرخين: «لم يتفق أن يوجد في إنكلترة ولا في غيرها ثلاث شقيقات ~~مثلهن مستوفيات أقساطهن من الجمال ms058 والذكاء والظرف والأدب وسرعة ~~الخاطر. فكن قبلة أنظار الطلاب والخطاب، ومنتهى آمال العشاق ~~والروام من أرباب الغنى والجاه وأصحاب الصوالجة والتيجان. وكنت تراهن ~~حيثما يذهبن محاطات ومتبوعات بجماهير من المعجبين بهن والمتعطشين إلى ~~الفوز بنظرة من عيونهن الساحرة أو ابتسامة من شفاههن الشائقة ~~الآسرة. # وكان عمهن هوارس ولبول شديد المباهاة والافتخار بجمالهن، وكثير ~~الاهتمام بتدليلهن وترفيههن وتوجيه التفات أهل البلاط إليهن. مع هذا ~~كله ورغم كونهن حفيدات رئيس الوزراء ظلت أبواب البلاط موصدة دونهن ~~لحقارة مولدهن وضعة نسبهن من جهة الأم. ولكنهن لم يبالين هذا الحرمان، ~~وفضلن إكرام الناس عامتهم وخاصتهم لهن على بهارج البلاط ~~وزخارفه. # وكانت كبيرتهن لورا أول من تزوجت منهن، فخطبها أخو اللورد ~~البيمرل وهو من كبار رجال الدين، لم يلبث أن ترقى إلى درجة مطران. ~~وفي هذه كتب عمهن إلى أصدقائه فقال: نسيت أن أخبرك بأننا عما قليل ~~عازمون على الاحتفال بزفاف ابنة أخي لورا إلى مطران ونسور أخي اللورد ~~البيمرل. ونحن مسرورون جدا بهذا الأمر، والعروس تليق به من كل وجه، ~~وإن كانت مع شدة جمالها دون شقيقتيها حسنا وبهاء. أما أختها ماري ~~فهي الجمال مجسما، وجميع محاسنها كاملة، ولا عيب فيها سوى أن وجهها ~~كثير الاستدارة، وأما صفاتها فكلها مما يرتمى بعين الاستحسان ويثنى ~~عليه بكل شفة ولسان.» # وبعد بضع سنوات اقترنت الأخت الصغرى شارلوت بالكونت ديسارت. وهكذا ~~رأينا كبرى بنات الخياطة قرينة لأخي لورد، وصغراهن محرزة لقب ~~كونتس. ولكن هذا كله على عظمته وسمو شأنه لا يستحق الذكر بجانب ما ~~خبأه القدر للثانية ماري الحسناء التي أتيح لها أن تقرن نسب أمها ~~الوضيع بنسب الأسرة الملكية؛ أسرة هنوفر. # وبعدما رفضت قبول كثيرين من الأمراء وكبار الأعيان والشرفاء الذين ~~طلبوا الاقتران بها، رضيت أخيرا من كان أكبرهم سنا وأقلهم حسنا ~~وجمالا، وهو الأرل والدغرايف مستشار ولي عهد بريطانيا ومؤدبه. وكان ~~في سنه كأبيها، ولكنها مع هذا فضلته على كل من تقدمه. وفي سنة ~~1759 خرجت ماري من الكنيسة وهي الكونتس والدغرايف عروس رجل من ms059 أكبر ~~عظماء إنكلترة عقلا وشرفا وثروة. # وبعد زواجها بأربع سنين أصيب الكونت بالجدري إصابة لم تمهله بضعة ~~أيام حتى قضى نحبه، فتجرعت عليه الكونتس غصص الحزن والاكتئاب، وقضت ~~وقتا طويلا في حداد ونوح وانتحاب. ثم خرجت من عزلة الحداد وخلوة ~~الحزن لتدهش العالم بجمالها الذي زاد بدره إشراقا وبهاء. وعاد ~~الخطاب يزحمون بعضهم بعضا إليها، من غير أن يظفر أحد منهم بطائل؛ ~~لأن نفسها الطموح إلى المعالي كانت تحدثها بالحصول على زوج يفوق جميع ~~الذين تقدموا إليها. يروى عنها أنها فاجأت أباها ذات يوم وهي بعد ~~ولد بقولها له: «تحدثني نفسي بأني سأصير يوما ما أميرة ~~خطيرة.» ~~- خلي عنك هذا الهذيان. إن ما ترجينه مستحيل؛ فأنت لست سوى فقيرة ~~حقيرة، ويهمك أن تعلمي هذا وترعوي عن طيشك وغرورك. ~~- سأصير أميرة فقيرة. # هذا ما قالته في حداثتها، وقد حققته الأيام. ولم يمض وقت طويل حتى ~~أصبحت أجمل أرملة في إنكلترة موضوع هيام وليم هنري دوق غلوسستر العزيز ~~الغالي على قلب أخيه الملك جورج الثالث. وكان الدوق في التاسعة عشرة ~~عندما أسر فؤاده جمال أرملة لها ثلاثة أولاد. ومن أول نظرة أضرم ~~حسنها في قلبه «نار جوى، أحر نار الجحيم أبردها»، فطارحها الوجد ~~والغرام، وباح لها بصبابة عبثت به ولعبت وأكلت عليه وشربت، وسلبت من ~~عقله ما سلبت. وعلى رغم ما أبدته الكونتس من المعارضة والممانعة بحجة ~~الفرق العظيم الذي بينها وبينه في السن والمقام، ظل مصرا على طلب ~~الاقتران بها قائلا لها: «إنك عندي أعز من نفسي وأغلى من حياتي. فإن ~~لم تجيبي طلبي فلن أتزوج غيرك، وإني في سبيلك مستعد لأن أضحي بتاج ~~الملك نفسه.» # وحينئذ لم يبق في وسع الكونتس أن تمانع. وفي أحد أيام شهر ديسمبر ~~أعلنت رضاها بأن تصير زوجة له، وكان ذلك في بيتها في بال مال قرب دكان ~~الخياط الذي كانت والدتها منذ نحو ثلاثين سنة تجلس فيه تعمل بإبرتها ~~عند صاحبه. وبموجب هذا الزواج أصبح ممكنا - بل محتملا كل الاحتمال - ~~أن نرى أحد أعقاب ms060 الخياطة جالسا على العرش الذي لم يؤذن لإحدى ~~بناتها في الدنو منه. # وقد كتما زواجهما ولم يبوحا بسره إلى أحد. ولكن تعلق الدوق ~~بالكونتس ذاع وشاع، فاستوقف الأنظار وأصبح موضوع أحاديث القوم. ولم تكن ~~ملاحظاتهم مقصورة على ما شاهدوه من ملازمة الدوق لها وعدم انفصاله ~~عنها، بل لاحظوا أيضا أن القائمين على خدمتها يرتدون ملابس شبيهة ~~بالرسمية، وأن حجاب الدوق نفسه يسيرون في خفارتها، ويوفونها من ~~الاحترام ما هو حقيق بالأميرات. هذه الملاحظات وأشباهها وسعت مجال ~~الارتياب والانتباه أمام الخواطر والأفكار، وأطلقت العنان للألسنة ~~المولعة بالغيبة والنميمة، فتناولت الكونتس بما شاءت من التهم. # وكان الأمير لا يقل عن زوجته رغبة في كشف حجاب الخفاء عن زواجهما ~~وطلب رفعها إلى المقام اللائق بزوجة أخي الملك، ولكنه رأى أنه لم يحن ~~بعد وقت مفاوضة الملك في ذلك. وكان الملك قبل هذا قد بلغه أن أخاه دوق ~~كمبرلند قد تزوج مسز هورتن الحسناء، وهي أرملة رجل من دربشير، فحمي ~~غضبه حموا لا مزيد عليه، ودعا أخاه إليه وقال له: «أف لك أيها ~~الأرعن الأحمق! بئس ما فعلت! إن تلك الأرملة التي تزوجتها لن يكون ~~لها أقل صلة وانتساب بالأسرة الملكية. لن تكون شيئا يعتد به على ~~الإطلاق.» ~~- إذن ماذا أفعل؟ ~~- اذهب عني. سر إلى حيث شئت وانتظر ريثما أتمكن من حل هذه ~~المعضلة. # فرجع الدوق على عقبه إلى كاليه حيث كانت زوجته، وأخبرها بما لقيه من ~~أخيه من الانتهار والامتهان. # ولما اتصل خبر هذه الحادثة بمسمع أخيه الأمير وليم زوج ماري، قال في ~~نفسه: «إذا كان هذا مبلغ غيظه وغضبه على أخي فردريك وهو أكبر مني، فكم ~~يكون مبلغهما علي أشد وأعظم؟» ثم إن الإسراع في قضاء هذا الأمر كان ~~ضروريا جدا؛ لأن زوجته كانت مشرفة على الولادة، فإن لم يعترف ~~بزواجه أنه شرعي قانوني عد الولد نغلا. # فلم ير بدا من أن يكتب إلى أخيه الملك ويخبره بأمر زواجه باللادي ~~والدغرايف، ويطلب إليه أن يبعث إليها من قبله من يعنى بها في ms061 نفاسها ~~اعترافا بأنها من أميرات الأسرة المالكة. فلما قرأ رسالته استشاط ~~حنقا على أخيه، وعد زواجه شائنا معيبا. وبعدما سكن غيظه قضى ليله ~~في الأرق والبكاء. وقال لواحد من رجاله: «إن قلبي يوشك أن يتفطر ~~حزنا على حادثة أخي وليم؛ لأن محبتي له تفوق الوصف.» ولكنه لم ~~يجبه عن كتابه. # وأخيرا هدده وليم برفع شكواه إلى مجلس الأعيان. فاضطر الملك أن ~~يبعث لجنة مؤلفة من رئيس أساقفة كنتربوري وبعض الوزراء إلى بيت أخيه ~~لينظروا في أمر زواجه، ويرفعوا إليه تقريرا عنه. فجاء في تقرير اللجنة ~~أن الزواج بين الدوق والكونتس حصل حقيقة، ولكن التقرير لم يشر إلى ~~هذا الزواج بكونه شرعيا. فبلغ اليأس من الدوق كل مبلغ؛ لأن ولادة ~~الطفل كانت منتظرة ساعة بعد ساعة، فهرع قبيل نصف الليل إلى قصر رئيس ~~الأساقفة، فوجده مع مطران لندن يستعدان للنوم، فشكا إليهما أمره وألح ~~عليهما أن يذهبا على الفور إلى الملك ويقولا له إن كان عنده أقل شك ~~في شرعية الزواج وصحته فأخوه مستعد أن يزيله. فقال له رئيس ~~الأساقفة: «ليس في إمكاننا أن نذهب إليه في وقت كهذا.» فأجابه بعزم ~~واهتمام: «لن يتاح لأحدكما أن يلقي رأسه على وسادته قبل ذهابكما إلى ~~جلالته!» فذهبا مضطرين غير مختارين. # ولكن الملك أبى أن يجيب طلبهما، وأصر على وجوب إنكار الزواج الأول ~~وعدم الاعتراف به ما لم يحتفل بزواجهما مرة ثانية. فرفض أخوه هذا ~~الاقتراح رفضا مطلقا، واضطر الملك أن يعترف بالزواج، وكان ذلك قبيل ~~ولادة الدوقة ابنا. # وبعدما أعلن الملك اعترافه بصحة اقترانهما زالت العقبات من سبيل ابنة ~~ماري كليمنت، فأصبحت إحدى أميرات الأسرة المالكة، وبلغت غاية ما ~~تمنته وعللت نفسها بالحصول عليه، وتسنى لها الوقوف في أعلى درجات ~~العظمة والمجد، مرفوعة الرأس موفورة الكرامة وقاطعة ألسنة الوشاة ~~والنمامين، وظلت بضع سنوات ناعمة في ظلال الصفاء والرخاء، تجر ~~ذيول الغبطة والسعادة، وترشف كئوس المسرة مترعة. # ولكن الدهر الذي بسم لها ~~مصافيا مواليا عاد فعبس وتجهم. فبعدما أخلص لها زوجها الحب ~~والوفاء، مال ms062 عنها بعد سنوات إلى اللادي أليرا كربنتر، وكانت ذات حسن ~~بارع وجمال رائع، فسبت لبه وأسرت قلبه. وبذلت الدوقة ماري جهدها ~~في نصحه وإرجاعه عن غيه، فذهبت مساعيها أدراج الرياح. ولما أعيتها ~~الحيل وتحققت أن زوجها انتزع قلبه منها ووهبه لغيرها، أبت البقاء معه ~~وسعت في الانفصال عنه. وقضت بقية أيامها في عزلة وانفراد متفرغة ~~لإغاثة الفقراء والمساكين بالرفق بهم والتصدق عليهم. ولما توفيت في ~~23 أغسطس سنة 1807 بعد وفاة زوجها بسنتين لم يكن الاحتفال الملكي الفخم ~~بجنازتها عنوان إيفائها حقها من التجلة والتكريم، بل كانت كما قال ~~ولموت دكسون: «الدموع الغزيرة التي ذرفتها عيون الفقراء البائسين - ~~رجالا ونساء وأولادا - أولئك المتربين المدقعين، الذين طالما زارتهم ~~في بيوتهم وتصدقت عليهم بما خفف وطأة بؤسهم وشقائهم، وحلى مرارة ~~أحزانهم وأدوائهم. هؤلاء كلهم اصطفوا على جانبي الطريق إلى كنيسة سنت ~~جورج في ونسور حيث دفنت الأميرة وهم يبكونها بدموع غزيرة وقلوب ~~كسيرة.» # أما بناتها الثلاث من زوجها الأول، فصارت الأولى منهن كونتس ~~والدغرايف، والثانية دوقة غرافتن، والثالثة لادي سيمور. وكان لها من ~~زوجها الثاني ولدان: أحدهما الأمير وليم فردريك دوق غلوسستر، الذي ~~تزوج الأميرة ماري ابنة عمه الملك جورج الثالث، وثانيهما الأميرة ~~صوفيا، وقد توفيت سنة 1844 عزبة. فلو قدر لماري كليمنت الخياطة أن ~~تعمر قليلا لشاهدت حفيدها زوج ابنة الملك وحفيدتها أميرة خطيرة تدعو ~~الملك عمها. # | مدام «لي شفاليه» # تارة كان يبدو جنديا باسلا يذيب قلوب أعدائه فرقا وذعرا ~~حين يحمل عليهم مستلا حساما يفري حده الحديد، ويجرع من يصيبه ~~بضربة غصة الردي. وطورا كان يلوح غادة حسناء ذات جبين كالبدر حسنا ~~وأناقة وقامة، كالغصن لينا ورشاقة، تخلب قلوب الرجال بنظرة ساحرة، ~~وتسكر قلوبهم بابتسامة فاتنة آسرة. وطورا آخر سفيرا مجربا خبيرا ~~بأساليب المكر والدهاء، ومتضلعا من معرفة شئون السياسة غير خاف ~~عليه شيء من مداخلها ومخارجها. وتارة أخرى يتحول إلى سيدة ليس ~~كمثلها في الحذاقة واللباقة وحسن التناول تبهر العيون بما عليها من ~~الجواهر المتألقة، وتدهش الخواطر بما تبديه ms063 من آداب الاجتماع وحسن ~~السلوك. هكذا كان الشفاليه ديون عجيبة القرن الثامن عشر، التي قصرت ~~العقول عن إدراك كنهها ولغزه الذي لم يظفر أحد بحله. فكان يتصرف ~~في تغيير جنسه من رجل إلى امرأة ومن امرأة إلى رجل، بخفة ومهارة ~~تدهشان العقول وتحيران الألباب. فإذا رآه الناس اليوم ولم يداخلهم ~~أقل شك في كونه رجلا، رأوه في اليوم التالي موقنين كل الإيقان أنه ~~فريدة في عقد النساء الحسان. # وهذا السر الخفي ظل أكثر من ~~نصف قرن لغزا أعجز حله أهل أوروبا، وكان موضوع أحاديث سيدات الطبقة ~~الأولى في الهيئة الاجتماعية، ومحور مباحثات عظماء الرجال في الأندية ~~ومحاورات العامة في الحانات. وجرت عليه مراهنات كثيرة بمبالغ باهظة ~~كانت سببا لحدوث منازعات ومشاغبات ذات شأن. هذا كله جرى والشفاليه ~~يرمقه بعين الرزانة وثبات الجأش، هاشا باشا ومواظبا على التحول ~~والتغير والظهور بمظهر امرأة أو رجل على حسب ما يخطر بباله وتمليه ~~عليه مشيئته، غير مكترث لحيرة الناس ودهشتهم. # وكانت ولادة هذا الشخص العجيب الغريب في يوم من شهر أكتوبر سنة 1718 ~~في بلدة تونير. وهو من أسرة اشتهر رجالها بالبسالة والإقدام والحصافة ~~والذكاء، وكان أبوه أحد رجال المحاماة في باريس، وقد تقلد عدة مناصب ~~عالية كان فيها عنوان الاستقامة والأمانة. ومن المحقق أن هذا الطفل ~~عرف عند ولادته بأنه صبي، ولما صعدوا به إلى كنيسة نوتردام ~~للاحتفال بتعميده أطلق عليه أسقف تونير هذه الأسماء: شارل جنفيف لويس ~~أغسطس أندريا تيموثاوس، وكتبه في سجل المعمودية «ابن لويس ديون دي بومو ~~من زوجته فرنسوى.» # وفي أربع السنين الأولى من حياته كان صبيا لا ريب فيه، وعليه ~~علامات الصحة والقوة والنشاط. وأول فصل مثله كبنت كان يوم ارتدى ~~حلة أخوات العذراء، واحتفل بانتظامه في هذا السلك في كنيسة نوتردام. ~~وظل ثلاث سنوات معدودا «بنت العذراء». # ولما صار ابن سبع سنوات خلع هذا الثوب وظهر بملابس الصبيان، ثم أرسل ~~إلى باريس حيث دخل إحدى المدارس، وكان يتقدم رفقاءه الصبيان في ~~الاستحمام بنهر السين، ويجلي عليهم حائزا ms064 قصب السبق في الدروس ~~والألعاب. فلم يكن حينئذ عند أحد أقل ارتياب في كونه ولدا ذكرا. ~~وظل هذا الاعتقاد شائعا مدة السنين الأربع التي قضاها في كلية ~~مازارين حيث فاق أقرانه في كل شيء. ولكنه عند تثبيته والاحتفال ببلوغه ~~سن الرشاد أضاف اسم «ماري» إلى أسمائه في المعمودية. ثم أكمل دروسه ~~ونال لقب دكتور بالحقوق، وأصبح في عداد المحامين المشهورين، وكان شديد ~~الولع بالألعاب الرياضية، ومع أنه كان ذا قوام قصير نحيل كقوام الفتاة ~~فقد برز في هذا الميدان على كثيرين من الأقران، ولا سيما في اللعب ~~بالسيف، ولعله كان من أبرع اللاعبين به في أوروبا. # على هذا المنوال عاش شارل ديون في العشرين سنة الأولى من حياته، ~~رجلا ممتازا باستكماله جميع صفات الرجولية، ولكنه لما ذهب ليرى ~~أباه وهو على فراش النزع سنة 1749 ودعه أبوه بقوله: «خففي عنك ~~يا ابنتي، فالموت أمر طبيعي كالحياة، وكما أني عنيت بتعليمك كيف ~~تعيشين، هكذا ينبغي لي أن أعلمك كيف تموتين.» # وبعدما تقلب في عدة مناصب اتفق له أن اتصل بمن عرفه للبرنس دي ~~كوني رئيس جواسيس الملك لويس الخامس عشر، فأعجب بمظاهره الأنثوية، ~~ورأى أن ينتفع بها في خدمة جلالة الملك. ومع أنه كان في السادسة ~~والعشرين من سنه، ظل يلوح لعيون الناظرين إليه بوجه فتاة في ~~الثامنة عشرة، رشيقة القوام أنيقة الطلعة. ولشدة براعته في التنكر بزي ~~فتاة، وفرط ذكائه ومهارته في معالجة الشئون السياسية على الوجه الأتم ~~الأكمل، كان من السهل الانتفاع باستخدامه جاسوسا في إحدى عواصم ~~أوروبا، حيث يستعين بجنسه الزائف المصنوع كفتاة على الوصول إلى ما يعجز ~~عن بلوغه كرجل. # وكان لويس الخامس عشر مهتما أشد الاهتمام في إحكام صلات المودة ~~والصداقة مع إليصابات إمبراطورة روسيا لإحباط مساعي فردريك الكبير ~~وحط منزلته عندها، فلم يجد أجدر بهذه السفارة المهمة من شارل ديون ~~المحامي، الذي في استطاعته أن يتذرع بمحاسن أجمل فتاة، وكياسة أحذق ~~الرجال، إلى نيل أرفع مكانة عند الإمبراطورة وحملها على مواصلة ~~المفاوضات السرية مع ملك ms065 فرنسا بواسطة الملحنة. # 1 # فاستدعاه الملك إليه وأبلغه أنه عينه سفيرا في روسيا، وبعد أيام ~~فرغ من اتخاذ الأهبة وخرج لطيته البعيدة؛ غادة بارعة الحسن والجمال، ~~يصحبها الشفاليه دغلاس، وهو أفاق سكوتلندي كان قد لجأ إلى باريس ~~هاربا من الحكم عليه بالموت. وقد وصفها بعضهم يوم برحت باريس إلى ~~بطرسبرغ فقال: «صغيرة الجسم رشيقة القوام وردية الخدين زرقاء العينين ~~كبيرتهما، حلوة المبسم حافلة بكل ما يمهد أمامها سبيل الفوز برضا ~~الإمبراطورة والاستيلاء على قلوب عظماء الرجال في البلاط الروسي.» وقد ~~حملت معها رسالة من لويس الخامس عشر بخط يده إلى إليصابات، وخبأت ~~في طي أحد كتب الحقوق الملحنة السرية لإجراء المفاوضات بها بين ~~الإمبراطورة والملك. # فسرت إليصابات بهذه السفيرة البارعة الحسن والفائقة الذكاء، ~~وبالغت في الاحتفاء بها والالتفات إليها، وبوأتها من فؤادها أرفع ~~منزلة، وجعلتها موضوع أنسها ولهوها في عزلتها وخلوتها، ولما أفضت ~~الآنسة ليا (وهو الاسم الذي أطلقه ليون على نفسه) إلى الإمبراطورة ~~بسر تنكرها متكلفة الخجل والارتباك، وإيجاس خوف اغتياظها من هذه ~~المخادعة، لم تقتصر الإمبراطورة على تسكين اضطرابها وتبديد مخاوفها، بل ~~أسرفت في إكرامها وتقريبها إليها؛ لأنها كانت مشهورة بشدة ميلها إلى ~~محاسن الرجال. وقيل إنها جعلت هذه الآنسة المحتالة قارئتها المخصوصة، ~~فكانت تقضي كل يوم بضع ساعات خالية بها وناعمة بقربها، وأذنت لها أن ~~تقيم في الغرف المعدة في القصر للكونتس كاترين ورنزوف ابنة أخت ~~وزيرها الخاص. وهذا الامتياز النادر المثال - أي شدة الاتصال ~~بالإمبراطورة - أثار الريب والظنون وأطلق الألسنة بالتهم. على أن ~~ديون لم يغفل عن استخدام هذه الفرص السانحة ذريعة للوصول إلى الغرض ~~الذي جاء لأجله، فتمكن من استمالة الإمبراطورة وحملها على عقد ~~محالفة مع فرنسا والنمسا، وهذه المحالفة أفضت إلى نشوب الحرب المعروفة ~~بحرب السبع سنين. ودليلا على رضا إليصابات عن قارئتها ومحبتها لها ~~عهدت إليها القيام بعمل لا يعهد به إلى غير السفير، وهو حمل معاهدة ~~المحالفة إلى ملك فرنسا. # ومما يذكر تأييدا لهذه القصة (المعدودة عند بعض الكتاب أسطورة ~~ملفقة لا ms066 صحة لها) وجود صورة لديون في نحو هذا الوقت، تمثله فتاة ~~بارعة الجمال ذات صدر رحب كبير. فإذا كانت هذه الصورة مأخوذة عن رسمها ~~الحقيقي كما نعتقد لم يبق أقل شك في صحة أنثويتها واستحالة كونها ~~رجلا. # وفي السنة التالية عاد ديون إلى روسيا شاغلا لمنصب كاتم أسرار ~~السفارة وفي ملابس رجل، فلقي عند العظماء والكبراء حفاوة وإكراما لا ~~مزيد عليهما. كان موضوع إعجاب الرجال بما أظهره من البراعة في الألعاب ~~الرياضية، ولا سيما اللعب بالسيف. وكان عند السيدات الشريفات موضوع ~~الحيرة والدهشة وآية التعجب والاستغراب، وشدة الرغبة في حل لغز ~~جنسه والوقوف على كنه سره. # وفي هذا الوقت شاعت مسألة جنسه وذاعت، وأصبح التحدث بها ملء الشفاه ~~والألسنة في عواصم أوروبا وأمهات مدنها، وصار للكلام عليها صدى ~~تردده أندية الرجال ومجالس السيدات. ولما رجع إلى باريس تسابق الناس ~~رجالا ونساء إلى استقباله والاحتفاء به، وكان له عند السيدات على ~~الخصوص شأن عظيم. وسأله واحد أن يميط لثام الغموض والخفاء عن حقيقة ~~نفسه، فكان يتخلص من الجواب ببراعة محام وخفة لاعب بالسيف. # ولما طال تغزل الرجال به وإعجاب النساء ببارع حسنه ورائع جماله، ~~سئمت نفسه هذه التملقات، وصحت عزيمته على أن يبرهن للناس أنه وإن كان ~~امرأة لا يعجز عن إتيان ما يفتخر بعمله أشد الرجال ساعدا وأذكاهم ~~عقلا. فاستأذن في الانضمام إلى الجيش ليخوض المعارك الناشبة بين فرنسا ~~وممالك إنكلترة وبروسيا وهنوفر، فأذن له، وظل أشهرا يبدي من ~~البسالة والإقدام في ساحات الصدام ما أدهش الأبطال. وقد تولى قيادة ~~الدراغون وكاد يذهب بعقول الذين كانوا يعدونه امرأة ويقسمون على صحة ~~ذلك أغلظ الأيمان، ويؤيدونها بألف دليل وبرهان. وفي ذات يوم حمل برجاله ~~الدراغون على كتيبة بروسية فمزق شملها كل ممزق، وغادرها كلها قتلى ~~وأسرى وجرحى. # ولما عاد إلى باريس مكللا ~~بغار النصر والظفر كان الدوق دي نافرناي على أهبة السفر إلى إنكلترة ~~لعقد الصلح، فتعين قائد الدراغون كاتما لأسراره، وذهب معه إلى ~~إنكلترة حيث قضى عدة سنوات في المغامرة ms067 واقتحام ما لا يحصى من ~~المخاطر، وكانت شهرته قد سبقته وأعد له في بلاط الإنكليز ما شاء من ~~ضروب الحفاوة والتكريم بين رجال العظمة ونساء الشرف. وكان على الخصوص ~~موضوع اهتمام الملكة صوفيا شارلوت قرينة الملك جورج الثالث، التي ~~كثيرا ما خلت به ساعات طوالا متملية لذة محادثته والكلام معه. وأصبح ~~الناس في إنكلترة يلغطون في سر ديون الخفي، ويذهبون في حل لغزه ~~مذاهب مختلفة. # وكثيرات من السيدات دعونه إلى منازلهن في لندن وخارجها، فخرج من ~~لدن كل منهن خروج يوسف من لدن امرأة فوطيفار، وكان هذا مؤيدا لحجة ~~القائلين إنه امرأة. # أما سفير فرنسا في لندن، فصرح غير مرة أمام كثيرين من الأعيان ~~والعظماء بأن ديون امرأة. ولشدة اختلاف الآراء في هذا الموضوع راجت سوق ~~المراهنات على مبالغ باهظة بلغت عشرات الألوف من الجنيهات، وكثيرا ما ~~كانت تؤدي إلى مشاغبات ورفع الدعاوي إلى المحاكم. # وزعم بعضهم أنه لم يكن امرأة فقط، بل كان ذا لحية طويلة، وقد مثله ~~أحد المصورين في هذا الوقت بملامح أنثى نحيلة القد زرقاء العينين صغيرة ~~الجسم صفراء اللون طويلة اللحية، وطول قامتها خمس أقدام وسبع ~~بوصات. # وكان ديون يغضب أشد الغضب عند سماعه هذه الأحاديث والمراهنات ~~والتقولات عليه، وكثيرا ما كان حمو غيظه يدفعه إلى الهجوم على بعض ~~المتعرضين له بهذه المواضيع وإصابتهم بضربات أليمة وجراح بالغة. وعلى ~~إثر ذلك برح لندن ولم يعلم أحد إلى أين ذهب، وفي أثناء غيابه اتسع مجال ~~التخرص والتكهن، ولما عاد اشتد الحجاج واللجاج وحمي وطيس ~~الصخب والشغب، وكان ذلك بين النساء أجلى وأظهر؛ فإن كثيرات منهن بذلن ~~كل ما يستطاع من الجهد في انتزاع سره من صدره، ثم عدن خائبات غير ~~ظافرات بشيء. وبلغ من شدة اهتمام إحدى الفتيات، وهي الآنسة ولكس، أن ~~كتبت إليه رسالة هذه ترجمتها: # الآنسة ولكس تهدي تحيتها إلى الشفاليه ديون وترجو أن يخبرها ~~صريحا أرجل هو أم امرأة كما يعتقد كل واحد؟ # ولكنه أعرض عن هذه الرسالة ولم يعرها أقل ~~التفات. # وبعدما ms068 أمضيت معاهدة الصلح رجع بها إلى فرنسا، فأنعم عليه الملك ~~بوسام سنت لويس الملكي ولقب فارس، وعاد إلى إنكلترة سفيرا مؤقتا. ~~ولكن أعداءه كانوا يكيدون له المكايد وينصبون المصايد للإيقاع به ~~والإجهاز عليه، وكانوا يتهمونه بأنه يفشي أسرارهم ويسرف في تنقصهم ~~والوقيعة بهم. وممن تصدى لشارل ديون وتعمد مناوأته الكونت دي غرشي ~~الذي خلفه سفيرا لفرنسا في البلاط الإنكليزي. # وكان دي غرشي من كبار أعيان فرنسا وأصحاب الحول والطول فيها، ~~ومن أنصار المعارضين للملك والناقمين عليه. وأهم ما وجهوا التفاتهم ~~إليه القضاء على إدارة الجواسيس التي كان ديون من أكبر عمالها، ولما ~~اطلع الملك لويس على مقاصدهم بعث إلى الشفاليه ديون برسالة ينذره ~~فيها بالأخطار المحدقة به، وينصح له بارتداء ملابس سيدة والاختباء في ~~أحد أحياء لندن؛ لأن إقامته في منزله غير سليمة العواقب، ولكن ديون لم ~~يكن ممن يسهل ترويعه. وكان ذا قلب لا يرهب الخطر. فازدرى أعداءه ولم ~~يحفل بوعيدهم وتهديدهم. على أنه لم يهمل الحذر والتوقي، فاحتاط ~~لنفسه بأن حصن منزله ودعا إليه بعض الأصدقاء المخلصين للاستعانة بهم ~~عند الحاجة. # ومما اتخذه من الاحتياطات ~~استعدادا للطوارئ أنه علق مصباحا ينير الليل كله، واحتفظ بمحضأ # 2 # حام يظل بجانبه نهارا وليلا. وكان عنده من الأسلحة ~~ثماني طبنجات وبندقيتان وبعض الخناجر. أما الحامية فكانت عبارة عن بعض ~~جنود الدراغون الذين كانوا مدة خدمتهم في الجيش تحت لوائه، وبينهم بعض ~~شذاذ الآفاق الذين التقطهم ديون من شوارع لندن. هؤلاء أقاموا في ~~أقباء المنزل (أي الطبقة السفلى أو «البدرون»)، وكان عليهم ألا ~~يمنعوا ضباط الشرط الفرنسويين من دخول المنزل إذا حاولوا ذلك في أية ~~ساعة كانت. وبعدما يدخلون يلتفتون حولهم ويسدون عليهم طرق النجاة، ~~وكان عليه هو أن يراقب الحصون. ومما اتفقوا عليه أنه إذا ظفر الأعداء ~~به يشير إلى رجاله بعلامة مخصوصة لكي يهربوا وينجوا بأنفسهم عندما يشعل ~~الألغام المخبوءة تحت الغرف الكبرى والدرج. # وكان في بعض الأحيان إذا أقدم على مزايلة حصنه يخرج كميا مدججا ~~بالأسلحة، ومنذرا كل من ms069 تحدثه نفسه بمحاولة القبض عليه بأنه على ~~الفور يرميه فيصميه، أو يرمي نفسه ويوردها رمسه. وقال أحد المؤرخين ~~بعدما ذكر إنذاره هذا: «ولا ريب في أنه كان قادرا على إخراجه من القوة ~~إلى الفعل.» # وقد وقف دي غرشي على هذا الإنذار، وكان قد جاءه بلاغ من الحكومة ~~البريطانية تنذره فيه بأنه بموجب شريعتها لا يمكنها أن توافق على ~~اعتقال الشفاليه ديون ولا على ضبط أوراقه. وبناء عليه عدل السفير عن ~~المكيدة التي كان يدبرها لاختطاف ديون وأخذه إلى فرنسا، وعزم على ~~السعي بالفتك به سرا؛ فتصنع المسالمة والمصافاة ودعا الشفاليه إلى ~~وليمة عشاء احتفالا بالمصالحة، فقبل ديون الدعوة، ولكنه ارتاب بها ~~فذهب متحرزا متيقظا وعيناه مفتوحتان لرؤية كل شيء. وبينما كان ~~آخذا بأطراف الحديث مع السفير رأى حاجب غرشي يدس سما في خمره، ~~فكتم ذلك وتجاهله ولم يشرب الخمر. وبعد أيام استدعت محكمة لندن السفير ~~متهما بمحاولة سم غيره، واعترف الحاجب بجريمته، لكن غرشي احتمى ~~بامتياز كونه سفيرا، وأبى أن يحاكم. # وفي ذات ليلة كان ديون راجعا إلى منزله، فحملت عليه عصابة من ~~السفلة المأجورين، ولكنه استل حسامه وأعمله في أقفيتهم فجندل ثلاثة ~~منهم ونكص الباقون على أعقابهم هاربين، وبذل أعداؤه كثيرا من المساعي ~~لإغرائه بالرجوع إلى فرنسا فلم يفلحوا. # وكان غرضهم من حمله على العودة إلى فرنسا أن يستردوا منه أوراقا ~~تتضمن رسم خطة مدبرة من قبل لويس الخامس عشر نفسه لمهاجمة إنكلترة ~~بعد إمضاء معاهدة باريس بشهرين. وكان أعداء الملك مستعدين لبذل كل غال ~~نفيس في سبيل الحصول على هذه الأوراق، ومما يصح اتخاذه أوضح دليل ~~على تفاني ديون في الأمانة والإخلاص لمليكه وشدة حرصه على كرامة نفسه ~~وعزتها، استعداده لبذل نفسه في سبيل الاحتفاظ بهذه الوثائق وعدم ~~التفريط فيها. وقد عرض عليه زعماء الحزب المعارض في مجلس النواب ~~البريطاني عشرين ألف جنيه ثمن هذه الأوراق، وكان حينئذ صفر اليدين وفي ~~أشد حالات الفقر المالي، فرفض قبول هذا المبلغ الباهظ بشمم وإباء لا ~~مزيد عليهما. فأعجب لويس بشدة ms070 ولائه، وجعل له راتبا سنويا قدره ~~نحو عشرة آلاف جنيه. # وبعد وفاة لويس الخامس عشر ساءت حالة ديون واضطر أن يسعى بواسطة ~~بومارشيه في تملق الملك الجديد والتزلف إليه، ولكنه في هذه الأثناء ~~ارتكب غلطة فظيعة؛ إذ اعترف بأنه امرأة. وهذه الغلطة اضطرته على رغمه ~~أن يظل منتحلا هذه الجنسية إلى يوم وفاته. ويظهر أنه أفضى بهذا ~~الاعتراف نفسه إلى المسيو غودن الذي صحب المسيو بومارشيه إلى لندن؛ فقد ~~قال: «لقيت الآنسة ديون في وليمة العشاء التي أولمها اللورد ولكس حاكم ~~لندن، فباحت لي وعيناها مغرورقتان بالدموع بأنها أنثى، وأرتني آثار ~~الجروح التي أصابتها عندما قتل جوادها تحتها وداستها حوافر الخيل ~~وغادرها أعداؤها مطروحة في ساحة القتال ظانين أنها ماتت.» # وهذا الاعتراف عاد على ديون بأوخم العواقب، وحال دون إجابة طلبه لأن ~~يعاد تعيينه سفيرا لفرنسا في لندن. وألحت عليه حكومة فرنسا في وجوب ~~ارتداء الملابس المخصصة بالجنس الذي اعترف بالانتماء إليه. # ومن أدلة تماديه في الخرق والغباوة أنه كتب عن نفسه في حاشية صك ~~الاتفاق الذي عقده مع المسيو بومارشيه لاستمرار حصوله على الراتب ~~السنوي، الذي سبقت الإشارة إليه ما ترجمته: «وقد تحقق كون الآنسة ~~ديون أنثى بشهادة كثيرين من الأطباء والجراحين والقوابل والوثائق ~~الرسمية.» وعلاوة على ذلك عاهدت (نشير إليها بصيغة المؤنث حسب إقرارها) ~~أن ترتدي ملابس امرأة. وبناء عليه وخوفا من خسارة الراتب، عزمت ديون ~~على العمل بموجب الاتفاق. وفي اليوم السادس من شهر أغسطس سنة 1777، ~~ظهرت في لندن أول مرة تميس بحلة فاخرة ومزدانة بأغلى الحلى ~~والجواهر. وفي اليوم التالي أولمت وليمة كبيرة دعت إليها كثيرين من ~~الصديقات والأصدقاء، وبرزت أمامهم بحلتها الشائقة وحلاها ~~النفيسة. # وبعد أيام برحت لندن إلى فرنسا بعد غياب طويل وهي في بذلة قائد ~~دراغون وصدرها محلى بالوسامات التي عندها، فاستاء رجال الحكومة من ~~عملها هذا، وهددوها بقطع الراتب إن لم تبادر إلى الظهور بملابس ~~امرأة، فاعتذرت بأنه ليس عندها الآن من الملابس ما يليق بها الظهور ~~فيه. وعلى الفور أهابت الملكة ms071 ماري أنطوانت بخياطتها الخاصة وأمرتها ~~أن تخيط لديون كل ما هي في حاجة إليه. # وبعد بضعة أسابيع ذهبت لتزور والدتها العجوز بعد غيابها عنها ثماني ~~عشرة سنة، فاستقبلت ولدها الضال، وخاطبتها بصيغة المؤنث مع كونها ~~مثلت أمامها في ثياب رجل. ثم رجعت إلى قصر فرسايل وارتدت الحلة ~~الجديدة التي أمرت الملكة بخياطتها لها، وحضرت الاحتفال بعيد سنت ~~أرسولي في حلة زاهرة باهرة وهي معطرة بالأطياب ومحلاة بالأساور ~~والقلائد والشنوف والخواتم. # وبعد بضع سنوات قضتها معتزلة في بلدة تونير مسقط رأسها غادرت فرنسا ~~عائدة إلى إنكلترة حيث عزمت أن تقضي بقية أيامها، وكانت أعظم تسلية لها ~~الارتياض بما كانت تزاوله في أيام صباها وهو اللعب بالسيف. وقد أظهرت ~~فيه براعة أدهشت حتى أبطال هذا الفن المعدودين في بلاد ~~الإنكليز. # وكانت في هذا الوقت قد أصبحت في أول العقد السادس من عمرها، ومع ذلك ~~أقدمت على منازلة سنت جورج في اللعب بالسيف، وهو أشهر لاعب به في ~~أوروبا، وقد حدث نزالها في كرلتون هوس بحضور ولي العهد، وكان لها ~~الكفة الراجحة على خصمها. # وفي أواخر حياتها عضها الفقر بنابه ووطئها بمنسمه، فاضطرت لشدة ~~حاجتها أن تبيع كل ما عندها من الحلى والجواهر والأعلاق النفيسة. ولما ~~أنفقت ثمنها على معيشتها وإيفاء ديونها صارت تعيش من صدقات بعض ~~الأصدقاء الأخصاء، من ذلك خمسون جنيها في السنة من الدوق ~~كوينسبري. # وفي سنيها الأخيرة عاشت مع امرأة اسمها مسز كول، وكان لكرور السنين ~~أثر ظاهر في وجهها المغشى بالغضون والتجاعيد. ومما قالته عن نفسها: ~~«إن حياتي في هذا الوقت انقضت بالأكل والشرب والنوم والصلاة والكتابة ~~ومساعدتي لصديقتي مسز كول على قضاء الأعمال المنزلية.» # ثم تملكها الضعف والهرم وأفنى قواها مرور السنين والأيام، فقضت ~~نحبها في صباح اليوم الحادي والثلاثين من شهر مايو سنة 1810. واللغز ~~الذي ظل حله أكثر من خمسين سنة مستعصيا على أهل أوروبا كلها هان ~~صعبه وسهل الوقوف على حقيقته. فبموتها اتضح أن ديون كان رجلا، والطبيب ~~الذي شرح الجثة شهد أمام اللورد ياربورو ms072 والسر سدني سمث وغيرهما من ~~كبار الأعيان بأن ديون لم يكن سوى رجل. # وكانت مسز كول أشد الناس دهشة وتعجبا من إعلان هذه الحقيقة؛ ~~لأنها قضت هذه السنين الطويلة في معاشرة ديون وهي موقنة أنه امرأة. ~~ولما وقفت على شهادة الطبيب أغمي عليها وظلت ساعات غائبة عن ~~الرشاد. # | سر جزيرة سنت مرغريت # من كان ذلك الرجل العجيب الغريب الذي ظل أكثر من أربعين سنة ملقى ~~في غيابات السجون، فزج أولا في سجن ببنرولو في الألب الإيطالية، ثم ~~في جزيرة سنت مرغريت، وأخيرا في سجن الباستيل؟ وكانت الأوامر ~~المشددة الصادرة إليه في هذه السجون الثلاثة أن يلزم التنكر ~~والاحتجاب حتى عن حراس السجن، ولا يفوه بكلمة تميط اللثام عن حقيقة ~~شخصه؟ وقد أنذر بأن أقل مخالفة منه لهذه الأوامر تقضي بموته؟ وبعد ~~وفاته وتخلصه من الشقاء والعذاب لم يبق لعينه أصغر أثر ولا لمبتدأ ~~قصته أقل خبر؟ ذهب بعضهم أنه كان دوق دي فندوم أحد عشاق آن أوف ~~أستريا زوجة لويس الثالث عشر، وكان الكردينال مازارين يغار منه غيرة ~~شديدة، فكاد له هذه المكيدة تشفيا وانتقاما. وزعم غيرهم أنه دوق ~~مونموث ابن الملك شارل الثاني، وقال آخرون إنه أقرب نسيب للويس الرابع ~~عشر. # والذين عرفوه حقيقة لم يجهلوا خطر الموت الذي يتعرض له كل من ~~يبوح بهذا السر، فإن مدام دي بومبادور وغيرها من سيدات الشرف في بلاط ~~فرنسا بذلن كل عزيز وغال في سبيل الوقوف على هذا السر، وعدن بلا ~~طائل. ورفض لويس السادس عشر رفضا مطلقا أن يفضي به إلى ماري ~~أنطوانيت، وكثيرون من المطلعين على هذه الحقيقة ماتوا وسرها مدفون في ~~أعماق صدورهم. # وأخيرا تمكنت امرأة من هتك الستر؛ فإن لويس الخامس عشر كان قبيل ~~الاحتفال ببلوغه سن الرشاد وإلقاء مقاليد الملك إليه، قد سأل نائب ~~الملك أن يطلعه على هذا السر فأبى، ولكنه باح به لابنته الدوقة دي ~~باري؛ إذ ألقت نفسها بين ذراعيه وهي تبكي وتنتحب متوسلة إليه بلسان ~~عبراتها الغزيرة وزفراتها الحارة أن يفضي إليها ms073 بهذا السر المصون. ~~وبعد ساعات كانت الأوراق المتعلقة به في يدي دوق دي ريشليو عاشق ~~الدوقة. والقصة التي كشفت الأوراق عنها حجاب الخفاء كانت أغرب ~~القصص . # وأهم هذه الأوراق صك هذا عنوانه: «بيان ميلاد وتربية الأمير ~~المنكود الحظ المسجون بأمر لويس الرابع عشر. وقد كتبه مربي الأمير ~~قبيل موته». وإليك خلاصة ما جاء في البيان: ~~«في ظهيرة اليوم الخامس من شهر سبتمبر سنة 1638 وضعت الملكة آن ~~قرينة لويس الثالث عشر ولدا وارثا للعرش بعدما قضت عشرين سنة ~~عاقرا، فسر زوجها بهذه البشرى سرورا عظيما، ولكن سروره هذا كان ~~قصير الأجل سريع الزوال؛ لأن القابلة جاءت إليه وقالت له إن جلالة ~~الملكة مزمعة أن تلد ولدا آخر، فراعه هذا الخبر، وكان قد أنذره بعض ~~الكهان والعرافين بأن الملكة ستلد ابنين معا. وكانوا في باريس ~~يتطيرون من ولادة وليي عهد معا ويعدونها شؤما على الدولة. ~~فسقط الملك في يده خوفا وحيرة، ولم يدر ماذا يفعل. وعلى الفور استدعى ~~الكردينال ريشليو. ولما جاء وعلم بما كان قال: «إذا صح ما تنتظره ~~القابلة وتمت ولادة الابن الثاني فمن الضروري كتمانها، وعدم إطلاع ~~أحد على سرها؛ لأن الابن الثاني قد تطمح نفسه في المستقبل إلى الملك ~~فينازع أخاه التاج والصولجان ويشقان المملكة.» # وقد تم ما توقعته القابلة، وولدت الملكة ابنا ثانيا أجمل طلعة ~~وأنبل شأنا من المولود الأول. ولم يسع الملك أن يخالف مشورة ~~الكردينال، فاستحلف جميع الذين حضروا ولادة الابن الثاني أن يكتموا هذا ~~الخبر. وأعطي الطفل للقابلة بعدما أنذروها بعقاب الموت إن أذاعت قصة ~~ولادته. وبهذا الغموض والتكتم ابتدأت حياة أشقى أمير عاش على وجه ~~الأرض. وهذا الأمير الطفل المنبوذ من والديه والمطرود من قصرهما ~~الملكي لقي بعض الرعاية والعناية في بيت القابلة الحقير، وظلت ~~تتوفر على تربيته حتى جاوز طور الطفولة، فتسلمه منها أحد الأعيان، ~~وكان قد أقسم للملك يمين الاحتفاظ بهذا السر. وعند هذا الرجل الشريف ~~شب الأمير وترعرع وبلغ أشده، فكان فريدة في عقد الشبان المشرقة ~~وجوههم بأنوار الحسن ms074 والبهاء، والمتدفقة عقولهم بفيض النباهة والذكاء، ~~وعلى محياه فوق هذا كله ملامح رفعة الشأن وسمو المنزلة وبينة ~~الانتساب إلى الأسرة المالكة. وكان قبيل ذلك قد استكد ذهنه وشحذ ~~غرار أفكاره، وغاص في لجة التأمل لعله يقف على حقيقة نفسه ويعلم من ~~هو. فقد اتضح له أنه لم يكن من عامة الناس؛ وذلك من وفرة المال الذي ~~كان يتدفق عليه بملء السخاء والاحترام الذي كان يعامل به حتى من ~~الوصي القائم على تنشئته وتربيته. فابن من هو؟ من أبوه؟ ومن أمه؟ ~~ولماذا لا يقيم معهما؟ هذه وما أشبهها من الأسئلة كانت تخطر بباله ~~وتتردد على لسانه. ولكنه لم يتمكن من الإجابة عنها ولا استطاع أن يجد ~~لأصله منبت أسلة ولا مضرب عسلة. على أنه بعد طول البحث والتنقيب توصل ~~ذات يوم فجأة إلى حل اللغز ومعرفة السر. # فقد اتفق له في أثناء غياب وصيه أن عثر على صندوق مفتوح مملوء ~~رسائل، فدفعه حب الاستطلاع إلى تلاوتها، فوجدها من الملكة والكردينال ~~مازارين (خلف ريشيليه)، ومن مطالعتها وقف على سر أدهشه وكاد يذهب ~~برشاده، وهو أنه ابن ملك فرنسا المتوفى وتوأم لويس الرابع عشر أعظم ~~ملك في أوروبا، والجالس على عرش كان في إمكان هذا الأمير المنبوذ أن ~~يجلس عليه. # وبعد وقوفه على هذه الحقيقة الرائعة سأل نفسه وهو في أشد حالات ~~الهياج والاضطراب: هل هذا صحيح؟ وإذا كان هو ولويس الرابع عشر شقيقين ~~توأمين، فلا بد من وجود مشابهة بينهما تنفي كل شك وارتياب، فسأل وصيه ~~هل عنده صورة للملك، فأجابه سلبا. وكان في المنزل مربية صبية وقد ~~أحبت الأمير حبا جما، وبواسطتها تمكن من الحصول على صورة ~~الملك. ولما نظر إليها وجد كل لمحة فيها تشير إلى ملامحه، وتدل عليه ~~أصدق دلالة كأنها صورته هو لا صورة الملك! # وقد تنازعه إذ ذاك عاملان؛ عامل سرور وابتهاج لاطلاعه على سر ~~طالما ود هتك ستره واستجلاء غوامضه، وعامل غيظ وحنق من إخفاء سر ~~ميلاده عنه وعدم إفشائه له. فاندفع وهو يضطرب بهزة فرح ms075 وهزة غضب، وخف ~~إلى الوصي والصورة بيده وصاح: «انظر! هذا أخي! فقد عرفته وعرفت من ~~أنا!» وحقا أنه لم يكن بين فضح السرائر وكشف المخبآت ما هو أوخم ~~عاقبة وأسوأ مغبة من هذا الأمر. فإن وصي الأمير أصيب بصاعقة ذعر ~~وخوف كادت تذهب برشده وصوابه. وعلى الفور بعث رسولا إلى الملك يخبره ~~بما حدث، وبعد ساعات قليلة أصدر الملك الحانق الغضبان أمره بأن يشد ~~وثاق الأمير ووصيه ويزجا كلاهما في سجن ببنرولو في الألب الإيطالية، ~~حيث ضرب الزمهرير والرطوبة أطنابهما، وبلغ من شدة فتكهما بالمسجونين ~~المنكودي الحظ أنهما كانا ينتفان رءوسهم من منابتها ويقتلعان أسنانهم ~~من أسناخها. وفي هذا السجن الرهيب المخيف تجرع وصي الأمير كأس ~~المنية، وكان ذنبه الوحيد شدة ولائه لمليكه وترك رفيقه الأمير يعاني من ~~ضروب الشقاء والعذاب ما كان يفضل فيه الموت على الحياة.» # هذه خلاصة القصة الغريبة المخيفة التي كان نائب الملك حافظا سرها ~~في صندوق فؤاده، وظل ساهرا عليه حتى تغلب حنوه الوالدي على قوة ~~إرادته فباح به لابنته، ولم يدر في خلده أن هذا السر المصون سيذيع ~~ويشيع ويفعم قلوب أهل العالم رهبة وذعرا واستفظاعا واستنكارا، ~~ويطلعهم على حقيقة طالما بذلوا الجهد في معرفتها ولم يستطيعوا، وهي أن ~~هذا الأمير السيئ الطالع والمنكود الحظ إنما هو ابن لويس الثالث عشر ~~وقد قضى عليه أبوه وتوأمه (شقيقه لويس الرابع عشر) بحياة هي من جميع ~~وجوهها شر من الممات، ليظل عرشهما وطيد الأركان ويتمتعا هما بالجلوس ~~عليه براحة وأمان. # أما سوء حالة هذا الأمير التعس ~~الجد بعد وفاة وصيه وصديقه الوحيد، فمن الأمور التي يتعذر وصفها، ~~وقد لا يسهل تصورها. فإنه بعدما قضى أياما يواصل الليل بالنهار في ~~البكاء والانتحاب والحزن والاكتئاب والهياج والاضطراب، عاد فاستسلم ~~بملء الإذعان إلى مشيئة القضاء، وهو ملقى في حجرة دميمة ضيقة محجوبا ~~فيها حتى عن الهواء والضياء، وغير مأذون له أن ينبس ولو بكلمة واحدة مع ~~سجانه الباسر العابس الذي كان يأتيه بالطعام والماء مرتين في اليوم. ~~وليس عجيبا ms076 أن يصير بعد هذا كله فريسة في أيدي الهواجس والوساوس، أو ~~أن يستغيث بالموت طالبا أن يسرع في قبضه وإراحته من عذابه. # وكان أخوه في باريس ينعم في ~~مسرات الملك ولذاته ناسيا أخاه السجين المسكين إلى ذات يوم؛ إذ ~~كان يفتش في جواهر والدته عن حلية يروم إهداءها إلى إحدى عشيقاته، ~~فعثر على رزمة أوراق مكتوبة بخط والدته فيها إشارة إلى ابنها المنكود ~~الطالع، فتذكر حينئذ أخاه وهاجت به هذه الذكرى ساكن الخوف والقلق. ~~فقد كان في هذا الوقت مشتبكا في حرب ضروس مع كثير من ملوك أوروبا ~~تألبوا عليه وجردوا جيوشهم لقتاله. فإذا استولى أحدهم على القلعة ~~المسجون فيها أخوه في الألب الإيطالية وأطلقه من سجنه، تعرض تاجه ~~لخطر الضياع وحياته للموت. وبناء عليه رأى أن الضرورة تقضي بالإسراع ~~في نقل أخيه إلى سجن آخر يأمن فيه التعرض لهذا الخطر، وسرعان ما أمر ~~بإجراء هذا الاحتياط. # وفي ذات يوم بعدما كان الأمير قد قضى نحو تسع سنوات في سجن ببنرولو ~~جاءه السجان وقال له إن أحد أعيان فرنسا قد أتى، وهو يروم أن يخلو به ~~بضع دقائق، فاضطرب الأمير لهذه المفاجأة وظل برهة يسيرة حائرا ~~مدهوشا لا يستطيع النطق ولا يقوى على الافتكار. فهل حان وقت نجاته ~~وإطلاق أسره بعد أن أعياه الانتظار ونضب معين الاصطبار؟ هذا الفكر خطر ~~بباله فثمل براح المسرة والابتهاج. ولما علم أن الشريف القادم هو ~~المركيز سنكمار، وتذكر أنه من صفوة أعيان فرنسا وشرفائها المشهورين ~~بالذود عن الحرية، وكان في مقدمة الساعين بقتل ريشليو أكبر أعدائه، ~~ازداد إيقانا بأنه آت إليه بشيرا بأن أخاه الملك ندم على ما فعل ~~وأمر بإطلاقه. # وعلى الفور أمر السجان بإحضاره إليه. ولما وقف أمامه وأدى إليه ~~واجب الاحترام قال له: «جئت بأمر جلالة الملك لأسلمك هذه الرزمة ~~الصغيرة. وسأخرج عنك ريثما تكون قد فتحتها واطلعت على أمر جلالته ~~فيها.» ثم خرج المركيز وأغلق باب السجن وراءه، وما عتم الأمير أن فتح ~~الرزمة، فسقط منها قناع حديدي كان لسقوطه ms077 على الأرض رنة عقبها صراخ ~~الأمير بصوت اليأس والقنوط ووقوعه مغشيا عليه. # قال فولتير في كتابه «عصر لويس الرابع عشر»: «وبعد أيام جيء بسجين ~~تحت ستار التكتم والخفاء إلى جزيرة سنت مرغريت مقابل ساحل فرنسا. وكان ~~شابا متوسط القامة أو هو فوق المتوسط قليلا، وعليه أظهر ملامح ~~الجمال والشرف. وفي أثناء مجيئه إليها كان مقنعا بقناع من حديد ~~يشد من طرفه الأسفل المحاذي لذقنه بلوالب صغيرة من فولاذ كي يسهل ~~عليه تناول الطعام وهو لابس القناع. وكانت الأوامر بقتله إن حاول نزع ~~القناع صريحة لا مرد فيها.» # وفي هذا السجن الجهنمي قضى الأمير تسعا وعشرين سنة والقناع الحديدي ~~على وجهه نهارا وليلا؛ لأن في نزعه ولو دقيقة واحدة خطر اطلاع ~~الناس على المشابهة التامة التي بينه وبين لويس الرابع عشر الملك ~~العظيم المجيد. ولم يجسر قط أحد من عارفي هذا السر أن يفوه بكلمة عنه ~~مخافة أن يصيبه ما أصاب صاحبه. # وليس في استطاعة كاتب على وجه الأرض أن يصف ما تحمله هذه السنين ~~الطويلة من صنوف الآلام والذل والعذاب. هذه الرزايا كلها أناخت عليه ~~فعبثت بعزة نفسه وصوحت زهرة آماله، وجعلته يتوقع بذاهب الصبر ~~دنو أجله ليستريح من مكابدة شقاء لا يستطيع إنسان أن يتحمله. وأعجب ~~من هذا كله أنه كابد هذه الشدائد جميعها ولم يفه قط بكلمة تذمر أو ~~شكوى. وهذا الصبر العجيب النادر المثال أثر حتى في أقسى السجانين ~~قلبا وحملهم على التوجع له والعطف عليه. # وفي السنين الأولى التي قضاها سجينا في الجزيرة حاول غير مرة أن ~~يتصل بالعالم، واستخدم لذلك عدة طرق فلم ينجح، ومنها ما رواه فولتير ~~قال: «كتب اسمه بسكين على إناء فضي ورماه من النافذة إلى زورق كان ~~بجانب سور السجن، فالتقطه صاحب الزورق وكان صيادا، وأخذه إلى حاكم ~~الجزيرة، فلما رآه أخذته رعدة الخوف وصاح بالصياد: هل قرأت المكتوب ~~عليه؟ وهل رآك أحد تحمله إلي؟ ~~- إني أجهل القراءة. وقد وجدته الآن ولم يرني أحد. # ولم يؤذن للصياد في الذهاب إلا بعدما ms078 تحقق الحاكم أنه أمي لا ~~يعرف القراءة والكتابة، وأنه لم يشاهده أحد. وحينئذ قال له: «اذهب. ~~فمن حسن حظك أنك جاهل لا تعرف القراءة».» # ويقال إن راهبا لقي مرة في الماء بجانب السجن قميصا مطويا من ~~كتان نقي، وقد كتب عليه الأمير خلاصة قصة ولادته والمعاملة الجائرة ~~التي عومل بها. فذهب به الراهب المنكود الحظ إلى الحاكم، ولما سأله ~~حلف له أنه لم يقرأ المكتوب عليه، ومع ذلك وجدوه بعد يومين قتيلا في ~~فراشه، وكان من ضحايا هذه المكيدة الشيطانية التي كادوها لهذا الأمير ~~المسكين. # ويظهر أنه حتى الموت نفسه كان من الكائدين له والمؤتمرين عليه؛ لأنه ~~على رغم تمنيه لنفسه كل يوم في صلواته، أبى أن يصغي إليه ويبادر إلى ~~إنقاذه مما يعانيه. وبعد تسع وعشرين سنة قضاها في جزيرة سنت مرغريت بما ~~هو أمر من الموت، نقلوه إلى الباستيل الذي مع شدة صعوبة الإقامة فيه ~~عده جنة بالنسبة إلى ما قاساه من الأهوال في سجن الجزيرة. # ويقال إنه في مدة إقامته في هذا السجن لم يمنعوا عنه شيئا مما كان ~~يطلبه، سواء كان من مواد الأطعمة أو من أدوات التسلية. ولكن هذا كله لم ~~يخفف شيئا من شدة وطأة ذله وشقائه. وكانوا في هذا الوقت قد ~~استبدلوا بقناعه الحديدي قناعا من مخمل (قطيفة)، ولكنه كان كالقناع ~~السابق لا يفارق وجهه دقيقة واحدة ليلا ونهارا. وإذا عاده الطبيب في ~~أثناء مرضه كان مأذونا له أن يكلمه، ولكن من وراء القناع. وكان يقدر ~~أن يريه لسانه بشرط ألا يبدو معه أقل شيء من ملامح وجهه. وظل على هذه ~~الحالة إلى آخر يوم من حياته، وهذا اليوم صار لحسن حظه قريبا؛ لأن ~~القناع الكريه المخيف - حديديا كان أم مخمليا - ظل ثلاثا وأربعين ~~سنة حاجبا الملامح التي لو سفرت لدلت على حقيقة نسب صاحبها. فلفظ ~~نفسه الأخير والقناع مشدود على وجهه. # وهاك ترجمة ما جاء في تقرير السجن عن وفاته: «يوم الاثنين في 19 ~~نوفمبر سنة 1702 توفي السجين المقنع الذي جيء ms079 به من سجن جزيرة سنت ~~مرغريت، وقد توفي فجأة فلم يتمكن من تناول السر المقدس، على أن ~~علامات الضعف والهزال ظهرت عليه منذ أمس. وفي الساعة الرابعة بعد ظهر ~~اليوم التالي في 20 نوفمبر دفن في مقبرة كنيسة القديس بولس. وأنفق ~~على دفنه 800 فرنك.» # هكذا كانت نهاية هذا الأمير وهو في الخامسة والستين من عمره، ولو قدر ~~له أن يدخل الحياة بضع ساعات قبل ميلاده لكان من أعظم ملوك العالم ~~مجدا وعظمة واقتدارا. وكان حتى اسمه مجهولا عند الذين دفنوه، ويقال ~~إنهم قطعوا رأسه مبالغة في الحرص على إخفاء معالمه، ووضعوا مع الجسد ~~بعض المواد الكيماوية للتعجيل في محو رسمه وطمس ملامحه. وقد أتلفوا ~~جميع الآنية والأمتعة التي استعملها. فأذابوا المعدنية منها وأحرقوا ~~الملابس والمفروشات بالنار، ونزعوا ما على جدران سجنه من الورق مخافة ~~أن يكون تحته شيء ينم على أعظم جريمة سود اقترافها صفحات تاريخ ~~الإنسانية. # | مبادلة غريبة # حدث في سنة 1782 أن اللورد نيوبورو برح وطنه ويلس في بريطانيا إلى ~~توسكانا في إيطاليا لقضاء بضع سنوات في عزلة وانقطاع عن كل شاغل. ولم ~~يخطر قط بباله أن يد القدر سوف تستخدمه لتمثيل فصل رائع ذي شأن في قصة ~~أدهشت العالم كله بشدة غرابة حوادثها ووقائعها، مع أنه أقل الناس ~~تأهبا خلقيا واستعدادا طبيعيا لما وكل إليه تمثيله والقيام ~~به. # فقد كان رجلا ساذجا خاليا من جواذب حسن الطلعة ونباهة الشأن، وعلى ~~جانب عظيم من الرزانة والوقار وفي أواخر العقد الرابع من سنه. وقد ~~فجعته المنون منذ عهد قريب بفقد زوجته كريمة اللورد إغمونت. وكان من ~~كبار الأغنياء، ولكنه بدد مقدارا عظيما من ثروته في الإنفاق على ~~بناء الحصون والقلاع، وتجنيد كتيبة من المطوعة للدفاع عن الوطن، ~~واضطر أن يرهن بعض عقاراته. فغادر ما له في ويلس من أملاك ومقتنيات ~~وسار في طيته إلى جنوب أوروبا كئيبا مغموما، ومعه ابنه البالغ عشر ~~سنوات. # فألقى عصا الترحال في فلورنس عاصمة توسكانا الجميلة ذات القصور ~~الباذخة والكنائس الفخمة والحدائق الغناء، ms080 وهناك عاش عيشة رجل رث ~~الملبس شحيح الكف غريب الأطوار. والشيء الوحيد الذي كان يرتاض به من ~~وقت إلى آخر، إنما هو ذهابه إلى المسرح لمشاهدة التمثيل. ومن هذا ~~الارتياض الطفيف الضئيل نشأت حوادث هذه القصة الغريبة. # فإنه كان بين ممثلات الأوبرى في فلورنس فتاة امتازت ببهاء باهر وحسن ~~ساحر. وهذا الجمال الرائع البارع صادف من اللورد نيوبورو قلبا خاليا، ~~فتمكن منه وهاج فيه لواعج الغرام بعدما أخمدها مر السنين والأيام، ~~فأمال اللورد أذنا صاغية لصوت الحب الجديد الهاتف في فؤاده، وعلل ~~نفسه بسعادة الحصول على هذه الغادة الحسناء. # وفي ذات يوم جاء الممثلة كتاب فتناوله أبوها وقرأه، ثم أمرها أن ~~تسرع في لبس ثيابها استعدادا لاستقبال زائر. وكان هذا الزائر اللورد ~~نيوبورو. وبعد تكرار الزيارة قال إنه رأى الفتاة في الأوبرى فأعجب ~~بحسنها وجمالها، والآن يروم الاقتران بها. فرفضت الفتاة قبوله رفضا ~~باتا، ولكن أبويها أكرهاها عليه إكراها قائلين لها إن اقترانها ~~برجل غني شريف كهذا يعود بالنفع الجزيل عليها وعليهما. وفي اليوم ~~الحادي والعشرين من شهر فبراير سنة 1786 كتب سفير بريطانيا في فلورنس ~~يقول: «احتفل اليوم بزفاف ابنة شرطي إلى اللورد نيوبورو وهي في سن ~~الثالثة عشرة.» # وعلى رغم ما أبدته الفتاة من المجاهرة برفضها وامتناعها عن قبولها ~~الاقتران برجل يبلغ من العمر ما يبلغه جدها، ظل أبوها وأمها ~~مصرين على وجوب إذعانها لمشيئتهما ولم يصغيا إلى توسلاتها ولا رثيا ~~للدموع الغزيرة التي ذرفتها، وقالا لها: «خلي عنك البكاء والنحيب ~~وافرحي وافخري بأن حسن الحظ أتاح لك الاقتران برجل شريف غني كهذا، ~~يحبك ويحنو عليك ويرفعك إلى رتبة السيدات الشريفات. وكان يجب عليك ~~أن تجثي أمامه على ركبتيك وتقبلي يده، وتشكري له عطفه عليك وإحسانه ~~إليك.» وهكذا تم الاحتفال بزفاف ماريا ستلا شبيني ابنة الشرطي إلى ~~عريسها الكهل في كنيسة سانتا ماريا نوفلا في فلورنس، وأصبحت العروس من ~~ذلك اليوم تلقب بلادي نيوبورو. # ولكن لنرجع بضع عشرة سنة قبل تاريخ هذا الزفاف لنرى في أية حالة ظهرت ms081 ~~اللادي ماريا ستلا نيوبورو أول مرة على مسرح حياتها العجيبة الغريبة. ~~ففي قرية مودغليانا في سفح جبال الأبنين فتحت عينيها وشاهدت العالم ~~الحافل بالأسرار الخفية الغامضة. هناك في سجل كنيسة القديس أسطفان ~~مكتوب : «ماريا ستلابترونيلا ولدت أمس لأبيها لورانزو فردينند كيابيني ~~أحد رجال الشرطة، ووالدتها فنشينتا دليجنتي. كلاهما من أعضاء هذه ~~الكنيسة، وعمدت في اليوم السابع عشر من شهر أبريل سنة 1773.» # وكانت ماريا ستلا بكر والديها، وقد ولد لهما بعدها بنون وبنات، ~~وأول شيء تذكره من أيام طفولتها قساوة والدتها عليها وإساءة معاملتها ~~لها، إذ كانت قاصرة محبتها وحنوها على أولادها الآخرين غير مختصة ستلا ~~بشيء منهما على الإطلاق. على أن أباها كان لحسن حظها يرأف بها ويحنو ~~عليها. وقد وجدت نعمة في عيني الكونتس كاميليا بورغي، فكانت تدعوها ~~إليها لتقضي أياما عندها، وتعود حاملة شيئا كثيرا من المنح ~~والهدايا؛ ولهذا شق عليها جدا عندما جاء بها أبوها من قرية ~~مودغليانا إلى فلورنس، حيث ترقى إلى رتبة ضابط الشرط. ولكنها سرت ~~إذ أخذت تتعلم الغناء والرقص، وطفحت كأس مسرتها عندما تسنى لها ~~وهي ابنة عشر سنوات أن تظهر على مسرح الأوبرى. وبعد ذلك بثلاث سنوات ~~ظهرت على مسرح آخر من مسارح هذه الحياة. # ولم تكن تعلم شيئا عن الفصول المزمعة أن تمثلها على المسرح، ولا ~~عما خبئ لها فيه من خير أو شر، فقضت الأيام الأولى بعد اقترانها في ~~خلوة وعزلة منقطعة للنوح والبكاء، لا تكلم زوجها إلا إذا اضطرت ~~للكلام اضطرارا. ولم يرزق اللورد نيوبورو شيئا من أساليب سلامة ~~الذوق وحسن التناول التي يستطيع بها أن يستميل قلب زوجته الفتاة إليه. ~~وكان شديد الغيرة سيئ الخلق متناهيا في الشكاسة وغرابة الأطوار. ~~وإقامته هو وزوجته مع أهلها تحت سقف واحد لم يسفر عنها أقل تحسين في ~~حالة المعيشة، بل زادتها سوءا واضطرابا. وفي ذات يوم نشب في الأسرة ~~خلاف أفضى إلى الملاكمة والمضاربة، فخرج اللورد من البيت وقلبه يصلى ~~لظى الحقد والحنق، ولكن زوجته أبت أن تصحبه، فكتب إليها ينذرها ms082 بعزمه ~~على البخع والانتحار إن لم تبادر إلى اللحوق به والسكنى معه، فأجابته ~~عن رسالته بما ترجمته: # عزيزي الشيخ المعتوه، إن أبلغ برهان تستطيع تقديمه على محبتك ~~لي هو أن تعمل بموجب إنذارك . # وكان الصبر على هذه الحالة السيئة متعذرا وخارجا عن طوق الإمكان. ~~ومما زادها حرجا وسوءا في عيني اللورد أن حماه والد زوجته كان لا ~~ينفك ممعنا في إرهاقه وإزعاجه بطلب المال (ثمن قبوله بزفاف ابنته ~~إليه) غير جاعل لمطامعه الأشعبية حدا من الرضا والقناعة. ولما طفح ~~الكيل وطما السيل، ولم يبق في استطاعة اللورد تحمل شيء من هذا ~~الإعنات الفادح، نهض في صباح يوم من صيف سنة 1792، ونفض غبار إيطاليا ~~عن قدميه وذهب بقرينته راجعا إلى ويلس حيث استقبلهما أصدقاؤه ~~وعمال أرضه بحفاوة وترحيب لا مزيد عليهما. ومما قالته لادي نيوبورو ~~في وصف هذا الاستقبال الباهر: «حل المستقبلون خيل مركبتنا وجروها إلى ~~غلينليفون يخفرنا ستمائة رجل. وأقيمت لنا معالم زينة عمت جميع القرى ~~المجاورة والجبال المحيطة، فكانت كلها بارزة في حلل الرياحين والأزهار ~~مزدانة بالأعلام والأنوار. ولم يبق أحد من كبار القوم وأعيان البلاد ~~إلا هرع للسلام علينا، ودامت هذه الاحتفالات متواصلة مدة ستة ~~أشهر.» # ثم عاش الزوجان في صفاء ورفاء وهما يتنقلان بين ويلس ولندن، وولدت ~~اللادي نيوبورو للورد ابنين ترقيا كلاهما إلى رتبة البارونية. ثم ~~توفي اللورد، وبعد وفاته بثلاث سنين تزوجت البارون إدورد سترنبرغ أحد ~~أعيان روسيا، فولدت له ابنا، ولم تطل مدة اتصالها به؛ إذ حدث بينهما ~~من النفور والخصام ما قضى بانفصالها عنه. وفي غضون هذه السنين كلها لم ~~يخطر ببال ماري ستلا أقل خاطر أوجب توجيه التفاتها إلى السر العميق ~~الذي يكتنف ولادتها، وكان مزمعا أن يغشى ما بقي من حياتها بضباب حالك ~~كثيف. # ففي سنة 1820 - أي بعد زواجها الثاني المشئوم بعشر سنوات - انكشف لها ~~الحجاب عن السر الذي ظل مكتوما عنها إلى الآن. فإنها ذهبت إلى ~~فلورنس ومعها ابنها من زوجها الروسي لتزور أباها الذي كان في غاية ~~الضعف ms083 والانحلال، وكانت مزمعة أن تواظب على العناية به، وإنفاق كل ما ~~تمس الحاجة إلى إنفاقه في سبيل تطبيبه وتمريضه، ولكنها دهشت إذ رأت ~~جميع من في البيت يعارضون ويعوقونها عن الاتصال بأبيها، ووجدت أباها ~~نفسه غير مقبل عليها الإقبال المنتظر. وبدل احتفائه بها كابنته البكر ~~العزيزة استقبلها بفتور، وكان في حديثه معها يخاطبها بلقب ميلادي (يا ~~سيدتي)، واتضح لها أنه يفكر في شيء غامض غير معلوم عندها؛ إذ كان من ~~وقت إلى آخر يتمتم مشيرا إشارة خفية إلى خطأ ارتكبه، وإلى جميل ~~لابنته عليه ويكرر ذكر أسماء عرفتها في أيام حداثتها. # وفي ذات يوم دخلت عليه فوجدته مشرفا على الموت، فتناولت يده فضغط ~~يدها بكل ما بقي له من القوة وتفرس في وجهها وحاول الكلام، ولكنها لم ~~تستطع أن تلتقط من فمه سوى هذه الكلمات: «يا إلهي! مبادلة! مبادلة ~~غريبة!» وهي على غرابتها لم يكن لها عند ستلا معنى صريح. وما أبطأ ~~كيابيني أن أسلم الروح. # وبعد بضعة أشهر اتفق لها أن ظفرت بضياء إيضاح أزال ظلام الإبهام؛ ~~فإنها تسلمت رسالة موضوعة في غلاف معنون بخط كيابيني نفسه، وفيها ~~يبوح بسر مدهش غير مجرى حياة ستلا تغييرا تاما. ويقول إنه أوصى ~~أحد أصدقائه بحفظ هذه الرسالة، وبعد وفاته يوصلها إليها. وفيما يلي ~~خلاصة ما جاء فيها: ~~«أعترف لك يا ستلا بأنك لست ابنتي، لست ابنة رجل قروي خامل وضيع، ~~بل أنت بحق الولادة سليلة مجد رفيع وشرف باذخ. فقبل ولادتك بأربعة ~~أشهر جاء إلى قريتنا رجل غريب جليل القدر عظيم الشأن ومعه زوجته يحف ~~بهما عدد كبير من الخدم والحشم والأتباع. وقيل إنهما من صفوة أعيان ~~فرنسا وكبار أغنيائها، وكانت قرينته على أهبة الولادة كما كانت زوجتي. ~~وكان هذا الرجل الغريب على جانب عظيم من اللطف والوداعة، وقد دعاني ~~إليه ونفحني بمبلغ كبير من الدراهم، وجاء لي بعدة كئوس من الخمر ~~المعتقة. وبعدما تجاذبنا أطراف الحديث في مواضيع مختلفة قال لي إن ~~الضرورة تقضي أن يكون المولود الذي تضعه الكونتس ms084 (زوجته) صبيا لا ~~بنتا، وذلك لأسباب لا محل لذكرها. وألح علي أن أوافقه على ما يأتي ~~وهو مبادلة ولدينا - ولدي وولده - إذا ولدت زوجتي ذكرا وولدت زوجته ~~أنثى. # وقد بذلت جهدي في أن أثنيه ~~عن عزمه وأحول دون مرامه فلم أستطع؛ لأنه تغلب على إرادتي وحملني ~~على الانقياد إلى إرادته بما أفرغه علي من الرشا والبراطيل ومواعيد ~~الحماية والرعاية وغير ذلك مما أغراني بالرضا والقبول. وقال لي إنه ~~سيعنى بتربية ابني أتم عناية، وإنه سيشغل بعد بلوغه سن الرشاد أسمى ~~محل في أوروبا. وقد جرت الأمور كما توقعت الكونتس، فإنها ولدت بنتا ~~وولدت زوجتي صبيا. وعلى أثر ولادتهما عملنا بموجب الاتفاق، فأخذت ~~ابنتهما وأعطيتهما ابني، وبعدما أكملت الكونتس أيام نفاسها رجعت هي ~~وزوجها وابني وجميع الخدم والحشم من حيث أتوا. وكان هذا آخر عهدي ~~بهم. # وبقيت مدة سبع سنين أتناول مبالغ باهظة من المال ومعها وصايا مشددة ~~بوجوب كتمان السر، وإنذارات مخيفة بالعقاب الذي ينالني إن بحت به لأحد. ~~وقد حذروني على الخصوص من إفشاء السر لك. ولم يطلع عليه من أهل ~~بيتي سوى زوجتي وابني الأكبر، وهذا يوضح لك شدة اهتمامهم بمنع ~~المحادثات بيني وبينك؛ لأنهم علموا يقينا أني منذ وقت طويل ندمت على ~~ما فعلت، وكنت دائما مستعدا بملء التلهف أن أبذل كل ما أستطيعه من ~~التكفير والتعويض. ولا يسعني أن أصف لك مقدار الشكر والابتهاج اللذين ~~شعرت بهما عندما جاء اللورد الإنكليزي وتزوجك وبوأك ذروة الشرف التي ~~أنت جديرة بها بحق ولادتك. ولما رجعت إلى إيطاليا عذبني القلق، ~~ولذ علي الاهتمام لكي أطرح نفسي عند قدميك، وأعترف لك بكل شيء، ~~وأرجو صفحك. ولكن هذه الأمنية العظمى لم يتح لي الفوز بها وأنا بعد ~~في قيد الحياة. فمن صميم فؤادي أبتهل إليه تعالى أن يسهل سبيل وصول ~~هذا الاعتراف إليك بعد وفاتي. وحينئذ تصفحين عني، وبهذه التعلة أموت ~~مستريحا عن توبيخ الضمير.» # ولنترك للقارئ أن يتصور الشعور الذي استولى على أفكار ماري ستلا ~~عندما طالعت اعتراف هذا الرجل ms085 في آخر ساعة من حياته؛ لأن شعورا كهذا ~~إن لم يتعذر تصوره فهو بلا ريب يشب عن طوق الوصف حتى بقلم أبلغ ~~الكتاب. وإعلان هذا السر العجيب الغريب أماط لديها لثام الغموض ~~والخفاء عن محيا أمور كثيرة كانت تعرض لها في الماضي ولا تستطيع ~~إدراك كنهها واستجلاء خوافيها، كالفرق الشاسع بين بياض بشرتها وجمال ~~طلعتها ورقة طباعها وسمرة بشرة أختها وإخوتها وخشونة طباعهم. ومحبة ~~الكونتس بورغي التي لا بد أن تكون قد علمت شيئا عن سر ولادتها، أو على ~~الأقل ارتابت في دعوى انتسابها إلى أحد رجال الشرطة، ومجافاة قرينة ~~كيابيني وأولادها لها ووقوفهم حجر عثرة في سبيل محادثتها لأبيها، ومعنى ~~كلمة «مبادلة» التي فاه بها أبوها قبيل وفاته ولم تفهم معناها. # وقد غاظها جدا وقوفها على مبلغ الحيف الذي حاق بها عند ولادتها، ~~ولكن هذا الغيظ تغلب عليه افتكارها في حقيقة نسبها وعلمها بأنها ليست ~~ابنة قروي، بل كريمة رجل شريف الأصل كريم المحتد، وأن اللورد الإنكليزي ~~الذي اقترنت به لم يفقها في حسب ولا في نسب، بل كانا كلاهما متساويين ~~متشاكلين. وهذا الفكر أنشا فيها شدة الاهتمام لمواصلة السعي والتنقيب ~~لبلوغ أعماق هذا السر، ومعرفة أبويها الحقيقيين، والمطالبة بالحقوق ~~التي تستمدها من ولادتها. # ولم تتوقع أقل فائدة من الاستعانة بأسرة كيابيني؛ لأنها لم تنس ~~سوء معاملتهم لها واستخفافهم بها. وتذكرت أن خادمي الكونتس بورغي ~~الطاعنين في السن كانا لا يزالان في قيد الحياة، فصحت عزيمتها على ~~الذهاب إليهما وإلى الكاهنين اللذين كانا مستودعا لسر اعتراف ~~كيابيني والكونتس. وقد أجابها أحد الكاهنين عن سؤالها بقوله إنه كان ~~دائما يظنها ابنة دوق توسكانيا. وأجابها الآخر بقوله إنه واثق كل ~~الثقة بكون والديها هما دوق ودوقة جوانفيل. فرجعت من عندهما وهي في ~~حيرة أشد من حيرتها السابقة. # وعلى الفور ذهبت إلى فلورنس وقابلت الخادمين الباقيين عند أهل ~~الكونتس بورغي. ولما وقع نظرهما عليها صاحا: «لله ما أشد المشابهة بينك ~~وبين الكونتس جوانفيل!» وقصا عليها قصة غريبة تؤيد اعتراف كيابيني ~~وهو على ms086 فراش النزاع؛ وهذه خلاصتها: «في سنة 1773 شاهدا الكونت جوانفيل ~~وقرينته في قرية مودغليانا. وكان الكونت جميل الصورة وعلى وجهه أثر ~~نقطة أو بثرة. وقد لاحظا حينئذ أن الكونت كان مواظبا على مجالسة ~~الشرطي كيابيني الذي كانت زوجته مثل الكونتس على أهبة الولادة.» # وبعدما أخبراها بالمبادلة التي حدثت عقب ولادة السيدتين قالا لها: ~~«أسرع الكونت في الانطلاق سرا إلى بريسيغلا حيث عرف أمره وقبض عليه. ~~أما الكونتس فبقيت حتى أكملت أيام نفاسها ثم برحت القرية ومعها طفلها ~~- ابن كيابيني - ولم نرها بعد ذلك. وكانت الكونتس بورغي قد اطلعت ~~على سر هذه المقايضة فرثت لحالة الطفلة سليلة المجد والشرف، وظلت ~~تخصها بعطفها وحنوها وتشملها بعنايتها حتى انتقل بها كيابيني من ~~القرية إلى فلورنس.» # فبعدما سمعت اللادي نيوبورو رواية هذين الخادمين وهي تؤيد اعتراف ~~كيابيني وإقرار أحد الكاهنين، لم يبق عندها أقل شك في كونها ابنة ~~الكونت جوانفيل. وكان عليها أول كل شيء أن تبحث عن هذا الكونت لتعلم من ~~هو. ومن فورها ذهبت إلى جوانفيل في إقليم شمبانيا، وهناك اتضح لها أن ~~لقب دي جوانفيل مختص بأسرة دوق دي أورليان. # ثم شخصت إلى باريس لظنها أنها خير مكان لمواصلة البحث عن هذا الرجل ~~الشريف الذي لم يبق شيء من الريب في كونه أباها. فأقامت في أحد ~~الفنادق الكبيرة، ونشرت الإعلان الآتي في أهم الصحف: «في سنة 1773 سافر ~~الكونت دي جوانفيل إلى إيطاليا وأقام فيها برهة يسيرة، فإذا رام وارثه ~~الاطلاع على شيء يهمه جدا أن يعرف عنه فليأت إلى فندق ... في شارع ~~...» # وما انتشر هذا الإعلان في الصحف حتى جاءها رجل سمين ضخم الجثة ~~يتوكأ على عكازتين مدعيا أنه موفد من قبل الدوق أورليان، وقال ~~لها: «إن سمو الدوق أعار إعلانك جانب الاهتمام؛ لأنه وارث الكونت دي ~~جوانفيل.» فسألته: «وكيف ذلك؟» فأجابها: «لا يخفى على سيدتي أن أبا ~~سموه المرحوم دوق دي أورليان كان يلقب أيضا بالكونت دي جوانفيل. ~~وهذا اللقب كان يطلقه على نفسه في رحلته إلى إيطاليا قبل ms087 ولادة ابنه ~~الدوق الذي أنا آت من قبله.» ثم سألها عن التركة المزمعة أن تئول ~~إلى سموه، فقالت له إن الأمر لا يتعلق بتركة ما على الإطلاق، بل ~~بالبحث عن سر ولادة له ارتباط بزيارة الكونت دي جوانفيل إلى إيطاليا ~~سنة 1773. فلاحت على وجه الرسول لوائح الخيبة، وما أبطأ أن ودعها ~~وانصرف. وبعد ذهابه سألت عنه، فعلمت أنه أخ غير شرعي لدوق دي أورليان ~~المتوفى وعم دوق دي أورليان الحالي الذي عرف فيما بعد باسم الملك لويس ~~فليب. وبعد أيام ذهبت اللادي نيوبورو إلى رواق الصور في القصر الملكي، ~~ومعها ابنها الصغير من زوجها الروسي. وفيما هما واقفان يشاهدان الصور ~~صاح بها ابنها قائلا وهو يشير إلى إحدى الصور: «انظري يا أماه! انظري ~~هذه الصورة! ما أشد مشابهتها للسنيور كيابيني!» فنظرت اللادي إلى ~~الصورة، فإذا هي تشبه من كانت تظنه أباها في كل لمحة من ملامحه، وسألت ~~عنها أحد الحجاب، فقال إنها صورة سمو الدوق دي أورليان. وحينئذ ~~وضحت لها الحقيقة وضوحا لم يبق معه أقل أثر للشك والارتياب، ~~وتحققت أن أباها إنما هو الدوق أورليان المتوفى (المعروف سابقا باسم ~~الكونت جوانفيل)، فهي والحالة هذه أميرة من الأسرة المالكة، والدوق ~~أورليان الحالي والمزمع أن يصير ملك فرنسا إنما هو ابن الشرطي كيابيني ~~المتخذ بدلا منها. # وهذه الحقيقة الناصعة أحدثت في أفكارها انقلابا رائعا، وولدت فيها ~~ثورة عنيفة. فقد كانت حتى الآن واثقة بأنها من أصل شريف، ولكن لم يدر ~~قط في خلدها أن شرف أصلها يسمو بها إلى هذه الدرجة، فتكون وليدة البيت ~~الملكي وأشرف سيدة في فرنسا. وعلى الفور قفلت راجعة إلى إيطاليا لتواصل ~~التحري والبحث عما يزيدها تمكنا من الأخذ بناصية هذه الحقيقة، ولم ~~تعتم أن ظفرت بضالتها المنشودة. # ففي بريسيغلا لقيت بعض الطاعنين في السن الذين تذكروا صدور أمر ~~نائب الكردينال في رافنا بالقبض على كونت فرنسوي تطابق أوصافه ملامح ~~البادية على صور الدوق دي أورليان. ومما قاله لها أحد المحامين في ~~رافنا أنه لما جيء بالكونت ms088 المعتقل إلى الكردينال وخلا به وعلم من هو، ~~أطلقه لساعته. وشهد لها رجل آخر بأنها ابنة هذا الكونت؛ أي الدوق دي ~~أورليان المتوفى. # ثم ذهبت إلى فلورنس وطلبت إلى محكمة مطرانها أن تحقق هذه المسألة، ~~وتنقح شهادة ميلادها المدرجة في سجل كنيسة مودغليانا. وبعد البحث ~~المدقق أصدرت اللجنة التي تألفت للنظر في هذا الأمر القرار الآتي: ~~«اتضح بعد البحث المدقق أن الكونت لويس دي جوانفيل استبدل بابنته ابن ~~لورانزو كيابيني، وأن الآنسة جوانفيل عمدت باسم ماري، وقيل عنها ~~زورا أو كذبا إنها ابنة هذا الرجل.» # وكان هذا القرار الأسقفي الشاهد بأنها ابنة الكونت جوانفيل من أفعل ~~الوسائل لتأييد صحة نسبها. ولكن بقي عليها أن تبرهن أن الكونت لم يكن ~~إلا الدوق دي أورليان الذي هي بكره. # والمساعي التي بذلتها في هذا السبيل آلت لسوء الحظ إلى تكدير صفوها ~~وتنغيص عيشها في بقية حياتها. وكان خيرا لها وأبقى ألف مرة أن تعيش ~~وتموت كابنة كيابيني التوسكاني ولا تعنى بإثبات صحة نسبها، وتلاقي ما ~~لاقت في سبيله من العناء والعذاب. # ولم يخف على كثيرين من أهل المكر والاحتيال أن اللادي نيوبورو في ~~حاجة شديدة إلى رجال يضافرونها على إثبات حقها ورفع دعواها إلى الملك ~~لويس الثامن عشر. فتسابقوا إليها من كل حدب وصوب يعرضون عليها مساعدتهم ~~لها وسعيهم في تحقيق مقصدها. وقد نجحوا كلهم في اقتناصها بحبائل خداعهم ~~وابتزاز ما لها من غير أن تنتفع بأقل معونة أو تظفر بأصغر فائدة. فكان ~~كل واحد منهم يقبض المبلغ الذي يطلبه أجرة سعيه، ويعللها بالأماني ~~الكاذبة والمواعيد الباطلة، وهي لسلامة نيتها تصدقه وتتكل عليه، ثم ~~يذهب فلا يعود إليها، ولا تتمكن من معرفة شيء عنه على ~~الإطلاق. # وقضت عدة سنين هائمة على وجهها في أوروبا متنقلة بين إيطاليا وسويسرا ~~وفرنسا وغيرها، وهي تسعى في إثبات حق الاعتراف بها أميرة ملكية. ~~وهذه المساعي كلها لم تقترن بغير الخيبة والإخفاق ومكابد الأتعاب ~~وإنفاق المال على أناس تظنهم من ذوي الغيرة والأريحية وأهل النجدة ~~والاستقامة، وبعد الاختبار ms089 تجدهم من شر رجال الخبث والنفاق. وفي ذات ~~يوم كتب إليها محام من باريس يستدعيها إليه ليطلعها على ما عنده من ~~الأدلة التي تؤيد دعواها، فخفت مسرعة إليه، فقص عليها قصة غريبة ~~خلاصتها أن دوق أورليان رام أن يصالحها ويزيل ما بينه وبينها من ~~النزاع، وأن والدته (التي هي بالحقيقة والدة لادي نيوبورو) كتبت قبل ~~وفاتها معترفة بالمبادلة التي حصلت بين ابنتها وابن كيابيني. وقال لها ~~في ختام حديثه إن تأييد حقها سهل جدا لا يحتاج إلا إلى مبلغ من المال ~~ينفقه في سبيل المعاملات الرسمية. فنقدته المبلغ المطلوب وكان تسعة ~~آلاف فرنك، وسلمته كل ما عندها من الوثائق والمستندات. ومن ذلك اليوم ~~لم تر المحامي ولا الأوراق التي أخذها منها. # وعلى هذا المنوال أنفقت كل ما عندها من المال، وضحت بصحتها ~~وراحتها، ولم تنل شيئا مما عللت نفسها بالحصول عليه. ولما يئست ~~من إدراك غايتها كتبت قصتها ونشرتها بعنوان: «ماريا ستلا، أو مبادلة ~~صبي قروي بفتاة من أشرف أسرة». وآخر طبعة من هذا الكتاب ظهرت مصدرة ~~بمقدمة للناشر، هذه خلاصتها: ~~«هذه الطبعة الثالثة من هذا الكتاب، وليس في إمكان أحد الحصول على ~~نسخة واحدة من الطبعتين الأولى والثانية، فإن مذكرات ماريا ستلا كانت ~~كجاثوم على صدر لويس فليب فروعته وأزعجته. فأمر رجال الشرطة بضبط ~~جميع النسخ المطبوعة منها، وإنه ليتعذر على أبلغ كاتب أن يصف حوادث ~~قصة أشد منها تأثيرا في قلوب قارئيها، ففيها يكشف الحجاب عن حقيقة ~~لويس فليب، فيبدو كما هو ابن رجل حقير وضيع، ولكن بأسلوب رقيق رزين ~~يملأ النفس روعة والعقل اقتناعا. وبالاختصار نوجه الأنظار إلى كتاب ~~مرقوم بحروف من نار.» # هذا كان آخر سعي سعته ماريا ستلا مدفوعة إليه بعامل اليأس والقنوط، ~~ولكنه لسوء حظها انتهى كالمساعي السابقة بالخيبة والإخفاق، ومن ذلك ~~الحين كفت عن الجهاد في هذا السبيل، وقضت الثلاث عشرة سنة الأخيرة من ~~حياتها معتزلة في غرف الطبقة السفلية من فندق الباث في شارع ريولي في ~~باريس، وعلى جدران الغرفة التي كانت ms090 تقيم فيها صور أسرة أورليان التي ~~كانت أشبه بها من صورتها. وعلى نوافذ الغرفة صور شفافة تمثل ستلا ~~وبقية أعضاء الأسرة الأورليانية، فكان المارة يقفون وينظرون هذه ~~المشابهة التامة، ويبدون إطراق الخشوع والموافقة بالشعور الخفي الصامت ~~على صحة دعوى هذه الأميرة المنكودة الطالع. وكانت تسليتها الوحيدة أن ~~تنثر الحبوب في أسكفة نافذتها المفتوحة على مصراعيها لألوف من العصافير ~~الدورية التي كانت تأتي وتلتقطها شاكرة لهذه الأميرة البارة فضلها ~~وإحسانها. # وفي اليوم الثامن والعشرين من شهر ديسمبر سنة 1843، بينما كانت ~~مطروحة على فراش النزع، سمعت قصف مدافع تطلق إيذانا بافتتاح مجلس ~~النواب، فأفاقت من ذهولها واستعادت شيئا من صوابها وطلبت صحيفة، ثم ~~أسرت إلى من جاءها بالصحيفة قائلة: «أود أن أسمع ما قاله لويس فليب ~~اللص المغتصب.» ثم لفظت النفس الأخير، واستراحت من عذاب خيبة المساعي ~~وعثرات الآمال. # ولم يكن في وسع أحد من أولي الحصافة وذوي العدل والإنصاف أن ينكر ~~كون ماريا ستلا ابنة الكونت والكونتس جوانفيل؛ لأن الأدلة على ذلك كانت ~~متوافرة. ومن المحقق أنها لم تكن قط ابنة الشرطي كيابيني الذي ليس ~~بينها وبين أولاده أقل مشابهة في الملامح ولا في الأخلاق، بل كانت أشبه ~~شيء بمدام إدلايد والدوق مونبنسيه ولدي دوق دي أورليان (الكونت ~~جوانفيل). وكثيرا ما كان الناس يخطئون في التمييز بينها وبين أختها ~~مدام إدلايد، ويظنون هذه تلك وتلك هذه. ولم تكن مشابهتها لوالديها ~~الدوق والدوقة أقل من مشابهتها لأختها وأخيها. # ثم إن لويس فليب المبدل بها كان من أبيه كيابيني حذو النعل بالنعل أو ~~صورة طبق الأصل؛ فكان جلفا خشنا في شكله وخلقه وكلامه. وكان أهل ~~أوروبا يعجبون كيف يمكن رجلا كهذا أن يصير ملكا. وكانت فظاظة أخلاقه ~~وغلاظة أفكاره موضوع الهزء والسخرية في قصور الملوك، وهذه الصفات كانت ~~في طفولته وحداثته أوضح وأظهر. قالت مدام جنلس التي كانت مربية أولاد ~~الدوق أورليان (وقد سبقت الإشارة إليها في الفصل السادس): «كنت مضطرة ~~أن أعالج في الدوق دي فالوي (وبعد ذلك لويس فليب) تقويم كثير ms091 من الأمور ~~المعوجة وإصلاح عدة عادات فاسدة. أما أخته وأخوه فكانا يختلفان عنه كل ~~الاختلاف، ولم يشاركاه في شيء مما يزدرى ويعاب.» # أما اهتمام الكونت جوانفيل الشديد بأن يكون له ابن بدل ابنة - وعن ~~هذا الاهتمام صدرت هذه المقايضة الجائرة الشائنة - فكان منشأه أن ~~الكونتس قرينته كانت نحيفة جدا، وهي بقية سبعة أولاد توفوا كلهم ~~في طفولتهم، فلو توفيت بلا عقب ذكر ذهبت ثروتها الكبيرة إلى ~~أسرتها ولم ينل زوجها منها شيئا. وأما ما يعترض به على صحة هذه ~~المبادلة بأن ماري ستلا ولدت في شهر أبريل سنة 1773، ولويس فليب (ابن ~~الشرطي) ولد في شهر أكتوبر (أي بعدها بخمسة أشهر) فيرد بأنه لما جيء به ~~ليعمد قال غير واحد من الذين حملوه أنه لم يكن حينئذ أصغر من ابن ~~خمسة أشهر. # | البولونية الحسناء والإمبراطور # يقال عن نبوليون الأول إنه بينما كان قادرا أن يلقى جيوش العالم ~~كله مدججة بالأسلحة وغارقة في الحديد والفولاذ وهو «غير هياب ولا ~~نكس وكل»، كان يخور عزمه ويهن جلده أمام بطارية تصوب إليه من ~~عينين جميلتين. كان في استطاعته أن يسحق أوروبا بأسرها تحت قدميه، ~~ويدوخ الممالك ويذل الملوك والقياصرة، ومع هذا كله كان قلبه أضعف ~~القلوب في مقاومة نزعات الهوى وأشدها إزعانا لسلطان الحسن وانجذابا ~~بقوة الجمال. فكنت تراه إذا فرغ من إملاء شروط الصلح على أمة أخضعها ~~بحد سيفه، أخذ يلهو بتلفيق سخافات غرامية يستحي أصغر عاشق من نسبتها ~~إليه. # ولعل عقيلة والسكا امتازت عن جميع النساء الحسان اللواتي سلبن قلبه ~~وخلبن لبه، بأن تسلطها عليه كان أطول مدة وأرسخ قدما. وقد تم ~~لها ذلك على رغم إرادتها. وبذلت في سبيله أغلى ثمن وأعز شيء لديها وهو ~~صيتها الذي ضحت به وجعلته فداء محبتها لوطنها. وهذه القصة الغريبة ~~التي أرويها عن تلك المرأة الجميلة المنكودة الحظ مقتطفة من المصادر ~~السرية التي أماط عنها لثام الخفاء البحاثة المدقق المستر فردريك ~~ماسون. # في صباح اليوم الأول من شهر يناير سنة 1807، غصت بلدة برونيا التي ~~بين ms092 بولستك ووارسو بأقدام ألوف من الزائرين القادمين إليها من العاصمة ~~البولونية والأماكن التي حولها، وهم أشد ما يكون من حالات التلهف ~~والاشتياق توقعا لمشاهدة نبوليون بونابرت، الذي كان مزمعا أن يمر ~~في ذلك اليوم ببرونيا في طريقه إلى وارسو بعدما كان قد أخضع النمسا تحت ~~قدميه، وألهب ظهر روسيا بسوط الفتك والتنكيل، ورمى جيوش بروسيا بحجارة ~~من سجيل. هذا الفاتح العظيم الذي طبقت شهرة انتصاراته الخافقين، وأفعم ~~صيت بطشه قلوب أهل أوروبا رعبا وذعرا، عده البولونيون مخلصا لهم، ~~يعيد إليهم مجدهم الغابر، وعلى يده يستردون استقلالهم، ويجمعون شتيت ~~شملهم، ويتبوءون مكانهم السابق بين دول أوروبا. # وأخيرا دنت الساعة المنتظرة وأقبلت المركبة التي تقل المنقذ العظيم ~~داخلة به إلى بولونيا. فخف الجماهير يزحمون بعضهم بعضا للتيمن ~~بمشاهدته والاحتفال باستقباله، ورددت جوانب الجو صدى أصواتهم وهي تضج ~~بالهتاف له والاحتفاء به ضجيجا كهزيم الرعود القاصفة. وأحاطوا بمركبته ~~إحاطة السوار بالمعصم، وارتفعت أيديهم إلى ما فوق رءوسهم تحييه وترحب ~~به وتبتهل إليه. وإذ ذاك ارتفع من وسط الجمهور صوت عذب ينادي: «دعوني ~~أمر. تنحوا من طريقي. أود أن أراه طرفة عين فقط.» فأجاب الجموع ~~المحتشدة هذا الطلب، وإذا بفتاة حسناء يتألق نور الغيرة والحمية من ~~عينيها الزرقاوين، ويتقد لظى البسالة والحماسة من وجنتيها الورديتين، ~~قد اخترقت صفوف الألوف، ووقفت وجها لوجه أمام نبوليون وصاحت بأعلى ~~صوتها: «أهلا وسهلا بالزائر العظيم الكريم. إن تعلقنا بشخصك المبجل ~~لا يمكن التعبير عنه حتى بأبلغ الكلام، وابتهاجنا بمشاهدتك في البلاد ~~التي تتوقع على يدك الإنقاذ يفوق الوصف، بل يشب عن طوق ~~التصور.» # ولما رن صوتها الرخيم في أذني نبوليون التفت إليها ورفع قبعته ~~تحية لها، وناولها طاقة زهر قائلا: «خذي هذه علامة سروري بكلماتك ~~الحلوة، وأرجو أن نجتمع ثانية في وارسو؛ حيث أتملى مرة ثانية سماع هذه ~~الكلمات العذبة من شفتيك الجميلتين.» ثم سارت به المركبة وهو يلوح ~~بقبعته مودعا جماهير المستقبلين الذين شيعوه بالهتاف والدعاء، ~~وملتفتا إلى الفتاة الجميلة التي حمل إليه صوتها الرخيم خلاصة تحية ms093 ~~الأمة البولونبة وولائها. # وهذه الفتاة التي صار لها شأن يذكر في حياة نبوليون كانت ماري ~~والسكا من أسرة بولونية معروفة ولكنها فقيرة إلى الغاية، وهي ابنة ~~أرملة لها خمسة أولاد غيرها. وقد شبت على أمرين تمكنا منها؛ هما: ~~محبة الله ومحبة وطنها الرازح تحت أثقال الظلم. وقبل بداءة قصتنا بثلاث ~~سنوات - حين كانت ماري ابنة خمس عشرة سنة - كانت وهي أجمل فتاة في ~~بولونيا قد تزوجت بأغنى أهل بلادها وأشرفهم حسبا، وهو أنستاس ~~والسكا، ولكنه كان طاعنا في السن كأنه جدها. وبعد سنة ولدت له ابنا، ~~فقصرت محبتها عليه، ووجهت كل اهتمامها إليه. ولأجله على الخصوص كانت ~~تحن شوقا إلى ذلك اليوم الذي فيه يحطم وطنها العزيز نير ظالميه ~~ويسترد حريته واستقلاله. ولأجله أقدمت على مقابلة نبوليون الذي به ~~تعلقت آمالها وآمال قومها. ولم يخطر حينئذ ببالها أنها وهي تحامي عن ~~بولونيا كانت تضحي بأغلى شيء عندها وتقدمه على مذبح محبتها ~~لوطنها. # ولما رجعت عقيلة والسكا إلى بيتها عزمت أن تكتم ما فعلته في برونيا ~~عن زوجها وغيره من أقرب الناس مودة إليها، وألا تبوح بسر طاقة الزهر ~~التي أعطاها إياها نبوليون لأحد، بل تودعه صدرها إلى آخر يوم من ~~حياتها. ولكن نبوليون أراد غير ذلك، وكان قد سأل عن هذه الغريبة ~~الجميلة التي شغلت أفكاره، وعرف عنها ما يهمه، وبعث إليها الأمير جوزيف ~~بونياتوسكي يدعوها من قبله إلى حضور حفلة رقص تقام إكراما له. # فأخذت منها الحيرة والارتباك كل مأخذ، وسألت الأمير: «لماذا يروم ~~الإمبراطور أن يختصني بهذا الشرف؟ وكيف عرفني؟» فأجابها: «إن الجواب عن ~~هذين السؤالين من شأن جلالته وحده، وأما أنا فإطاعة لأمره جئت إليك ~~أدعوك إلى حفلة الرقص. ولعل العناية الإلهية اختارتك لتعيدي إلى وطنك ~~حريته واستقلاله.» ولكنها سدت أذنيها عن سماع كلامه، وقالت له إنها ~~لا تستطيع الحضور ولا ترومه. وما كاد الأمير يصل إلى الإمبراطور ويخبره ~~برفضها دعوته حتى خف إليها عظماء بولونيا واحدا بعد واحد يتوسلون ~~إليها أن تجيب الدعوة. ولما اقترنت هذه ms094 التوسلات بأمر مشدد من زوجها ~~لم يبق في وسعها الإصرار على المخالفة. فأقدمت على هذه المحنة بخوف ~~ووجل لم تعرف لهما سببا. فارتدت حلة من حرير أبيض، ووضعت على رأسها ~~إكليلا من ورق الأشجار وذهبت إلى المرقص. ولما دخلت استوقف جمالها ~~أنظار المدعوين، وهرع بونياتوسكي لاستقبالها مرحبا بها، وقائلا ~~لها: «إن الإمبراطور منتظر قدومك بفروغ صبر، وقد سره حضورك سرورا لا ~~مزيد عليه. وقد أمرني أن أطلب إليك أن ترقصي معه.» # فاعترضته قائلة: «لكنني لا أرقص، ولا أريد أن أرقص.» ~~- إن رفضك للرقص معه يضرم نار سخطه وغيظه، ونجاح هذه الحفلة - حفلة ~~الرقص - متوقف عليك. ~~- يسوءني ذلك إلى الغاية، ولكن ... ولكنني ... بالحقيقة لا أستطيع الرقص، ~~وأرجو أن تطلب إلى الإمبراطور العدول عن الرقص معي. # ولم تفرغ من النطق بآخر كلمة حتى التفتت فرأت الإمبراطور واقفا ~~أمامها وهو يقول لها بصوت سمعه جميع الحضور: «أبيض على أبيض، ونور على ~~نور!» ثم همس في أذنها: «عللت نفسي باجتماع آخر يختلف عن هذا ~~الاجتماع بعد ...» ولكنها ظلت مطرقة، فلم تبسم له ولا نظرت إليه. ولم ~~يلبث أن تركها ومضى. # ورجعت ماري والسكا تلك الليلة مثقلة بالهم والقلق. لم تجهل أنها ~~أساءت التصرف، ولكنها لم تستطع خلاف ذلك. فماذا يعني الإمبراطور ~~باهتمامه بامرأة وضيعة مثلها؟ لم تعلم سبب هذا الاهتمام، وقد داخلها ~~الخوف منه، ولم ترد أن تراه بعد الآن. وفيما هي جالسة في مخدعها ~~تفكر في هذا الأمر فتحت خادمتها الباب وناولتها بطاقة مكتوبا فيها: ~~«لم أر غيرك. لم يرقني سواك. فإياك أبتغي. أجيبي على الفور ~~وسكني روع «ن».» # فلما تلت هذه المطارحة الغرامية اضطرب قلبها واضطرمت وجنتاها، وبيد ~~الغيظ والحنق طوت البطاقة وقالت للخادمة: «لا جواب!» ولما استيقظت من ~~نومها في صباح اليوم التالي رأت خادمتها بجانب سريرها ومعها بطاقة ~~ثانية من نبوليون، فلم تفتحها، بل وضعتها مع البطاقة الأولى في غلاف ~~وأمرت بإرجاعهما إلى صاحبهما. واستولت عليها حيرة كادت تذهب بصوابها؛ ~~لأنها لم تدر ماذا تفعل. لم تجسر أن تخبر زوجها، ms095 ولم يكن لها من ~~تستشيره في أمرها وتستعين به على كشف الغمة وتفريج الأزمة. # وفي ذلك اليوم جاء المارشال دوروك وكبار رجال الحكومة وعظماء الأمة ~~طالبين أن يروها، فأبت أن تقابل أحدا منهم معتذرة بكونها مريضة . ولكن ~~زوجها لج في حملها على الخروج من مخدعها إليهم، وحضور وليمة العشاء ~~التي دعاها نبوليون إليها. # فلم يسعها أن تصر على الإباء والامتناع، بل لم تر بدا من ~~الإذعان لمشيئة زوجها وإلحاح رجال أمتها الذين لم يكتفوا في محاولة ~~إقناعها بالتوسلات والبينات، بل شفعوا ذلك كله بالإنذار قائلين لها أن ~~إصرارها على الرفض يضر بمصلحة الوطن، وينافي ما هو معهود بها من ~~التفاني في خدمته والذود عن استقلاله. فأجابتهم إلى ما طلبوا، وعقدت ~~عزمها على التعرض للمحنة الثانية التي كانت شرا من الأولى وأسوأ ~~مغبة. وصدر الأمر إلى عقيلة فوبان وصيفة الأمير بونياتوسكي أن تعنى ~~بتدريبها وتخريجها في آداب البلاط وأساليب التبرج والتزين، والجلوس حول ~~مائدة الكبراء والعظماء. ولزيادة إقناعها وتذليل كل عقبة في سبيل ~~انقيادها جاءها كتاب بتوقيع أعيان بلادها يذكون فيه نار حميتها ~~ومحبتها لوطنها. # ومما جاء في هذا الكتاب قولهم لها: «اذكري إستير الإسرائيلية ~~المذكورة في العهد القديم من الكتاب المقدس، وقولي لنا: هل تظنين ~~أنها بذلت نفسها إلى أحشويرش الملك حبا له وهياما به؟ فقد بلغ من ~~شدة خوفها منه أنه أغمي عليها عندما نظرته. إذن لم يكن حبها له الباعث ~~على العمل بموجب إرادة عمها مردخاي، بل ضحت بأغلى شيء عندها في سبيل ~~إنقاذ وطنها. وبهذا الإنقاذ تعظمت وتمجدت. ونحن نرجو أن تحذي حذوها ~~وتتمجدي بإنقاذ وطنك!» # قال المستر ماسون: «استعانوا ~~على إغرائها واستمالتها بكل وسيلة: بوطنها وأصدقائها ودينها وعهدي ~~الكتاب المقدس القديم والجديد (التوراة والإنجيل)، بهذه كلها توسلوا ~~لإغواء فتاة ساذجة غرة، بلا تجربة ولا اختبار وهي ابنة ثماني عشرة ~~سنة، وليس لها مرشد صالح ولا مشير أمين حكيم.» وهذه المساعي كلها كانت ~~ملحقة برسائل الشوق والغرام من قبل نبوليون. ومن ذلك قوله لها في ~~إحدى رسائله: ms096 «هل ساءك مني شيء؟ أراك في غفلة عني غير مكترثة لي. ~~ونار شغفي بك تكاد تحرقني. لقد كدرتي صفاء راحتي وسلامي! فارثي ~~لفؤادي المسكين المعذب بهواك، وامنحيه قليلا من الغبطة التي يصبو ~~إلى نيلها بقربك.» # وفي الوقت المعين لتناول العشاء ذهبت ماري، فاستقبلها المدعوون ~~مبالغين في الاحتفاء بها، مستبشرين بنيل ما تصبو إليه نفوسهم على ~~يدها. ولم تخرج تحية نبوليون لها عن حد المجاملة البسيطة، فاقتصر على ~~قوله لها: «بلغني أن عقيلة والسكا متوعكة المزاج، فأرجو أن تكون الآن ~~قد نالت الشفاء التام.» ولكن عينيه كانتا في أول تناول الطعام ~~موجهتين إليها كأنهما مجذوبتان بقوة المغنطيس، وكانت أفكاره كلها ~~مشغولة بها عن غيرها. وبعد الفراغ من تناول الطعام دنا منها وتناول ~~يدها وضغطها بعامل الوجد، وقال لها وعيناه شاخصتان في عينيها: «لا. لا! ~~إن ربة هاتين المقلتين الجميلتين، وهذه السيماء الرقيقة الأنيقة، لا ~~يسعها الإصرار على القطيعة والصد. لا يمكنك أن تسري بتعذيبي إلا ~~إذا كنت أقسى النساء قلبا وأخلاهن من عاطفة الشفقة والحنان.» # ولما انصرف المدعوون خرجت بها عقيلة فوبان، وأقبلت السيدات المدعوات ~~عليها يتملقنها قائلات لها: «لم يرمق واحدة منا بنظرة، بل كانت عيناه ~~شاخصتان إليك. فقد سحرت لبه واستوليت على مجامع قلبه، فلك أن ~~تفعلي به ما تشائين، وخلاص بولونيا في يدك.» # وبعد وصولها إلى منزلها غائصة في لجج التأمل والافتكار جاءها ~~المارشال دوروك يحمل إليها رسالة من سيده، فسلمها إياها وطفق يحاول ~~إقناعها بما عرف به من فصاحة اللسان وقوة البرهان قائلا لها: «أفي ~~استطاعتك أن ترفضي طلب رجل لم يجرؤ أحد قط أن يعصي له أمرا؟ إن ضياء ~~مجده الساطع يغشاه الآن سحاب غم. ولك أن تبدديه إن شئت بزيارة قصيرة ~~يسعد فيها بمشاهدتك.» # وبعد انطلاقه فتحت الرسالة وقرأت فيها ما يأتي: # إن قلبي ذاب أو كاد يذوب شوقا إليك، وإذا شئت ففي ~~استطاعتك أن تتغلبي على جميع الموانع التي تحول بيني وبينك. ~~وصديقي دوروك يمهد السبيل. فتعالي تعالي! جميع طلباتك ~~تجاب! وسألحظ وطنك بعين ms097 الرعاية والاهتمام متى رأيتك ترثين ~~للقلب المعذب الذي بين جنبي «ن». # فقد صرح لها نبوليون بأن استقلال بولونيا متوقف عليها. وبعين ~~التصور رأت وطنها العزيز مطلقا من قيود الاستعباد ومستردا حريته ~~واستقلاله. وهذا كله متوقف على عملها، على تضحيتها بشرفها. فهل في ~~إمكانها أن تدفع هذا الثمن؛ الثمن الغالي المخيف، وتبذله في سبيل ~~وطنها؟ فساورها القلق والاضطراب، وحمي وطيس النزاع في أفكارها بين ~~عوامل الرفض والمقاومة، وبواعث الإذعان والتسليم. ولكن قوة المقاومة ~~فيها كانت قد خارت وكلت من جراء توالي الهجمات العنيفة التي ~~انصبت عليها مرة بعد مرة كما رأينا. وفي هذه الحملة الأخيرة وهنت ~~وكفت عن المقاومة، وعزمت ماري والسكا أن تلقى نبوليون على انفراد ~~وتقول له صريحا إنها لم تستطع أن تشاطره الحب، وتتوسل إليه بشرفه أن ~~يخلي قلبها من حبها وينقذ وطنها. # وفي منتصف الساعة الحادية عشرة ليلا سير بها في عربة مغلقة حملتها ~~تحت ستر الظلام إلى مدخل القصر السري، حيث لقيها حاجب أدخلها إلى غرفة ~~وأجلسها على كرسي في حضرة نبوليون. # ومن خلال الدموع الغزيرة المنهلة من سحب أجفانها رأت نبوليون جاثما ~~عند قدميها، يسكن اضطرابها بكلمات الاستعطاف التي أبت أذناها أن ~~تصغيا إليها. ولما أشار في أثناء كلامه إلى بعلها ووصفه بكونه شيخا ~~هرما، تنبهت أفكارها الشاردة ووثبت عن كرسيها وثبة الغيظ والحنق ~~محاولة الفرار، ولكنه أمسكها بعزم ولطف وأرجعها إلى مكانها، وأخذ ~~يحاول إقناعها بالميل إليه، قائلا لها إنه يتعذر عليها أن تحب رجلا ~~طاعنا في السن كهذا، وأن اقترانها به غير طبيعي وهي غير مقيدة به ~~شرعا، وإنه مستعد بأن يعوضها منه محبة لم تحلم قط بمثلها، ويمنحها ~~جاها وشرفا، ويبوئها أسمى منزلة بين نساء العالم، ولأجلها يعيد ~~إلى بولونيا استقلالها السابق ومجدها الغابر. # على أنها ظلت مصرة على الرفض والامتناع، ولم تجبه بشيء سوى سكب ~~الدموع الغزيرة. وإذ ذاك قال لها نبوليون: «اذهبي يا حمامتي الوديعة ~~واستريحي، ولا تخافي النسر، فلن يكون له عليك أقل سلطان بسوى الحب. ~~وهذا الحب لا ms098 يرضيه منك إن لم يكن خارجا من صميم فؤادك. ولسوف ~~تحبينه وتتسلطين عليه في كل شيء؛ في كل شيء، هل سمعت؟» ثم سار بها نحو ~~الباب ولم يفتحه لها إلا بعدما وعدته بزيارة أخرى في الليلة التالية. ~~وهذا الوعد اضطرت لتعليله به ثمنا لنجاتها منه. # وفي صباح اليوم التالي جاءتها الخادمة بكتاب ومعه طاقة أزهار جميلة ~~وعتائد نفيسة، فتحتها الخادمة فإذا هي تتضمن شيئا كثيرا من الحلى ~~الغالية المرصعة بالألماس. فلما وقعت عينا عقيلة والسكا على هذه ~~الجواهر المتلألئة بضياء شمس الصباح، خطفتها من يد الخادمة وألقتها في ~~أرض الغرفة آمرة بردها إليه على الفور. وأما الكتاب فهذه ترجمته: # ماري، يا عزيزتي ماري الجميلة، إني مشتاق جدا إليك ~~وأتوقع زيارتك بذاهب الصبر. أفلا تأتين؟ فقد وعدتني أن ~~تزوريني. وما أظنك تخلفين وعدك هذا. وإن أخلفت فالنسر يطير ~~إليك. بشرني أصدقائي بأني سأراك على العشاء. أرجو أن تقبلي ~~طاقة الأزهار. ولتكن علامة سرية تربطنا أحدنا بالآخر أمام ~~الحضور، وسوف نتمكن بواسطتها من التخاطب على مرأى منهم وهم لا ~~يشعرون. وعندما أضع يدي على صدري تعلمين أني غارق في لج ~~الافتكار بك، وعليك حينئذ أن تضعي يدك على طاقة الأزهار. ~~ليكن قلبك مشغولا بمحبتي يا ماري العزيزة. واجعلي يدك ~~دائما على طاقة الأزهار. # ولم تر عقيلة والسكا بدا من حضور العشاء، فذهبت ولكنها أبت أن ~~تأخذ معها طاقة الأزهار التي اقترح نبوليون أن تكون علامة سرية بينهما. ~~ولما أبصرها قادمة بدونها حياها بفتور وجفاء، وأعرض عنها ولم يعن ~~بمحادثتها. وبعد الفراغ من تناول العشاء بعث إليها المارشال دوروك، ولم ~~ينصرف من عندها حتى وعدت أن تزور الإمبراطور في تلك الليلة. # على أنها في هذه المرة ذهبت غير موجسة سوى شيء قليل من الخوف والجزع ~~اللذين أوجستهما في المرة الأولى، فاستقبلها مبالغا في الرفق بها ~~والعطف عليها، وهي كانت ساكنة الجأش مطمئنة النفس واثقة بشرفه. ولكنه ~~لم ينس مجيئها إلى العشاء على غير ما أراد، فقال لها بالجهد: «كنت ~~أؤمل أن أراك مرة ms099 ثانية.» ثم سألها لماذا لم تحضر العشاء على الوجه ~~الذي وصفه لها، ولماذا رفضت قبول جواهره وأزهاره. فظلت ساكتة لا تحير ~~جوابا، فاستاء من هذا السكوت أشد الاستياء، وعده إهانة لا يسعه ~~الصبر عليها. # فقال لها بلهجة الغيظ والحنق: «أروم أن تعلمي أني أقصد التغلب عليك. ~~فعليك، نعم عليك، أن تحبيني؛ فقد أعدت اسم بلادك وهي مديونة لي ~~بوجودها، وسأفعل أكثر من هذا لها. انظري هذه الساعة في يدي، فكما أني ~~أحطمها أمامك هكذا أمزق بولونيا وجميع أمانيك إن خيبت أملي ~~وأبيت قبول قلبي وبخلت علي بقلبك.» ثم رمى الحائط مقابله بالساعة ~~التي في يده فتحطمت. # فلما شاهدت بركان غيظه ينفجر هذا الانفجار الهائل الذي يطير أمامه ~~قلب أعظم رجل في أوروبا شعاعا سقطت مغشيا عليها، وعندما أفاقت وجدت ~~نبوليون المخيف يمسح دموعها بيد العطف واللطف. # فانتهت المعركة منجلية عن فوز نبوليون، ولم تر عقيلة والسكا مندوحة ~~عن التسليم بما قضاه القدر، متعزية بأنها بذلت نفسها في سبيل خلاص ~~بولونيا. وجعلت تزوره يوما بعد يوم، ولم يكن فتورها إلا ليزيد نار ~~غرامه استعارا واضطراما. وحينئذ هجرها زوجها، ولكنها تعوضت منه ~~بأنها أصبحت بطلة بولونيا. # ولم يسمع قط عن رجل أحب زوجته كما أحب نبوليون ماري والسكا، فلم ~~يسر إلا بقربها، حتى إن تعلقه بها كان أشبه شيء بالعبادة، ولكنها ~~لم تبطئ أن تحققت أن تضحيتها بنفسها ذهبت باطلا، فقد عللها ~~بالمواعيد غير أنه لم يف لها بشيء منها، واعتذر لها عن إخلافه وعده ~~بقوله إني أحب وأود أن أذود عن حقوقها، ولكن الواجب علي لبلادي فوق ~~كل شيء، فلا يسعني أن أهرق الدم الفرنسوي في غير مصلحة فرنسا ~~نفسها. # ولا ريب في أنها أصبحت الآن تحب نبوليون حبا مجردا عن كل غرض آخر. ~~ولم يكن في استطاعة أية امرأة كانت أن ترفض محبة رجل كهذا، وتغض النظر ~~عن رؤية قاهر العالم بأسره جاثيا عند قدميها يترضاها ويستعطفها، إلا ~~إذا كان قلبها من حجر لا من لحم ودم. # ولعل الأيام التي ms100 قضتها معه في فنكنشتين كانت أسعد أيامها. هناك كانت ~~تنعم بقربه، وتأنس بصحبته، وتتناول طعامها معه، وتقضي ساعات طويلة في ~~محادثته، وتتملى محبة ذلك الرجل العظيم الذي كان يأتمر بأمرها وينتهي ~~بنهيها. ولما سألها أن تصحبه إلى باريس رفضت أن تجيب طلبه، فقال لها: ~~«لا أجهل أنك تقدرين أن تعيشي بدوني، ولكن مع أنك لم تحبيني كما ~~أحببتك، لا يسعك أن تبخلي علي بدقائق أتملى فيها كل يوم سعادة ~~الجلوس بجانبك والتمتع بمشاهدتك، والناس كلهم يحسدونني عليك، ~~ويعدونني أسعد إنسان على وجه الأرض.» # فرافقته إلى باريس، وبعد سنتين ولدت ابنا سمته ألكسندر فلوريان ~~جوزف كولونا والسكا. وأقامت في بيت صغير أنيق كان يزورها نبوليون فيه ~~ويواصلها بكل ما يدل على استمرار محبته لها. # وظلت مقيمة على ولائه كل أيام عزه ومجده، ولما دالت دولته وزال ظل ~~سلطانه ونفي إلى جزيرة القديسة هيلانة، وتوفي زوجها الأول، تزوجت ~~بالجنرال الكونت أورنانو أحد أبناء عم نبوليون. وعندما بلغه خبر ~~اقترانها به استاء أشد الاستياء، وغمه جدا أن يرى المرأة التي ~~أحبها وقتا طويلا حبا يفوق الوصف تنساه في ساعة محنته. # ولكن حياتها لم تطل، وبعدما ولدت ولدا لزوجها هذا توفيت في شهر ~~ديسمبر سنة 1817، وكلمة «نبوليون» على شفتيها. # | فاجعة في قصر # «سيكون ملكه محفوفا بالقلاقل والاضطرابات أكثر جدا مما كان ملك ~~أبيه، وسيتزوج امرأة من عامة الشعب. وسيفقد عرشه وهو ابن سبع وعشرين ~~سنة وأسرته تبيد معه.» # هذه الكلمات النبوية ألهم فلاح ريفي أن ينطق بها قبل أيام الملك ~~المشار إليه فيها بسنين طويلة، ولا بد أنها خطرت ببال الذين سمعوا ذات ~~يوم من شهر أغسطس سنة 1876 قرع الأجراس وقصف المدافع في مدينة بلغراد ~~مبشرة بولادة وارث لعرش السرب. وقلما اتفق لطفل ملكي أن يربو في ~~أحوال أسوأ من الأحوال التي ولد فيها هذا الطفل؛ لأن بلاد السرب كانت ~~حينئذ خائضة غمار حرب عوان ضد تركيا، وأجراس الفرح والسرور التي رنت ~~أصواتها في بلغراد أجابتها من ساحة القتال دمدمة البندقيات وجلجلة ~~المدافع، ms101 وهي ترسل من أفواهها رصاص الموت والبوار وقذائف الخراب ~~والدمار. وكانت البلاد بحذافيرها تئن رازحة تحت أثقال الفقر والضيق ~~والتذمر والدسائس والمكايد، وكان الملك والملكة أنفسهما في نزاع ~~وخصام حول سرير طفلهما. # ومع تفاقم الخلاف واحتدام الخصام بين الملك ميلان والملكة ناتالي حتى ~~في مستهل حياتهما الزوجية، كانا كلاهما شديدي التعلق والارتباط ~~بولدهما إسكندر الذي كان مطبوعا على اجتذاب جميع القلوب إليه؛ فقد ورث ~~عن أمه جانبا كبيرا من جمالها وملاحتها، وكان في حداثته يفوق غيره ~~من الأولاد في حسن طلعته وشدة ذكائه، فشب قوي الإرادة صعب المراس. ~~ومما يروى عن جرأته وصراحته أن أباه خطب في مجلس النواب وأطال الكلام، ~~فمل ولي العهد الصغير ودعا إليه أحد رجال البلاط وأسر إليه: «قل ~~لأبي إنه تكلم كثيرا وينبغي له أن يرجع إلى البيت؛ لأني أروم أن ~~أكلمه في مسألة.» ولما حياه الشعب مرة تحية الولاء، سأل رجلا واقفا ~~بجانبه: «لماذا يضجون ويصخبون؟» فأجابه: «لأنهم يحبونك.» فصاح بأعلى ~~صوته قائلا: «إن كنتم تحبونني كما تدعون فألقوا قبعاتكم في الماء.» ~~وعلى الفور رموا قبعاتهم صعدا في الهواء فسقطت في نهر الساف. # ومع ما كان عليه من قوة الإرادة كان كريم النفس، متحليا بفضيلة ~~الاعتراف بالخطأ والرجوع عنه. قيل إنه كان يوما سائرا في بلغراد مع ~~مؤدبه، فلقيا وزيرا عصاميا وضيع النسب، وكان ولي العهد لا يميل ~~إليه، فقال لمؤدبه: «إني لشدة قصر نظري لا أتمكن من معرفة هذا ~~الرجل كلما رأيته فأظنه خادما.» فانتهره المؤدب قائلا له: «لا يليق ~~بك أن تتكلم هكذا عن رجل يستحق التجلة والاحترام؛ لأنه بجده ~~واجتهاده ارتقى وارتفع. ولعلك تذكر أن أجدادك كانوا رعاة خنازير.» فوجم ~~إسكندر عند سماع هذا التوبيخ العنيف، ثم تناول يد مؤدبه وهزها هزة ~~الأسف والندم وصاح: «اصفح عني واغفر لي. إني آسف على ما بدر من ~~خشونتي.» # بهذه السجايا السامية الرائعة كان إسكندر مزدانا يوم ارتقى إلى عرش ~~سربيا الذي أكره أبوه على إخلائه. وكان إسكندر إذ ذاك في أواخر السنة ~~الثانية ms102 عشرة من عمره، وحدث في مساء اليوم السابق لإعلان تنزل الملك ~~ميلان عن العرش أن إسكندر جاء إلى أبيه يحييه حسب عادته كل ليلة قبل ~~اضطجاعه في سريره، فرفعه الملك بين ذراعيه ونظر في وجهه مليا، وقال ~~له: «ماذا تفعل عندما تصير ملكا؟» وفي صباح اليوم التالي دخل مخدع ~~ابنه وناداه بلهجة المحبة والمسرة: «عم صباحا يا صاحب الجلالة.» ~~فرد إسكندر التحية برزانة ووقار وبلا أقل دهشة أو تعجب. فسأله أبوه: ~~«كيف عرفت أنك صرت الآن ملكا؟» فأجابه: «من سؤالك لي أمس ليلا عرفت ~~أنك تروم أن تجعلني اليوم ملكا.» وبعد ساعات أقسم الملك ميلان يمين ~~الولاء لابنه الصغير، وأطلقت المدافع إيذانا بتوليته، وغصت شوارع ~~بلغراد بمواكب الجماهير الهاتفين «ليحي الملك إسكندر!» ولم يخطر ببال ~~أحد من أولئك المسرورين بجلوسه على العرش والداعين له بطول العمر أية ~~فاجعة رهيبة مزمعة أن تصيبه وتتخرم حياته في شرخ شبابه وعنفوان ~~صباه. # ومن يلق نظرة على الأحوال التي رافقت هذا الملك الصغير السن في أيام ~~حداثته، لا يعجب مما يراه بعد ذلك في أخلاقه من النشوز والشذوذ، بل ~~يعجب كل العجب من كونها وقفت عند هذا الحد ولم تجاوزه إلى ما هو شر منه ~~وأسوأ. وكان أبوه الآن قد أخرج من سربيا منفيا وغير مأذون له في ~~الرجوع إليها. وأمه التي كانت كأبيه في شدة محبته له ممنوعة منعا ~~باتا عن مخاطبته بكلمة، وأسرف أوصياؤه في التضييق عليه، وحالوا دون ~~تنشئته على الوجه الأمثل الأكمل، وحرموه معاشرة أصدقاء من سنه، ولم ~~يأتوه بمؤدب عاقل حكيم يهذب أخلاقه ويقوم اعوجاج سيرته، وقصروا ~~اهتمامهم على أن يربوه ويعودوه أن يكون مطبوعا بطابع مشيئتهم ~~وعاملا على ما فيه مصلحتهم، فأقاموا رجلا ينام على حصير خارج مخدعه، ~~فكان يرقد الساعة الثامنة مساء ويستيقظ الساعة الخامسة صباحا كما كان ~~يفعل الملك نفسه. وكان مأمورا من قبل الأوصياء ألا يأذن لأحد في ~~الدخول بعد الساعة العاشرة، وأن يخبرهم باسم كل من يدخل قبل ذلك ~~الوقت. # ومع هذا الضغط الشديد ms103 الخانق نشأ إسكندر حائزا قسطا كبيرا من ~~مروضات الجسد ومثقفات العقل. فقد برع براعة فائقة في السباحة وركوب ~~الخيل، وكان باسلا شجاعا لا يهاب الموت ولا يعرف معنى للخوف. وشب ~~على الشعور بالواجب وعدم التردد في الأمور . # ولم تطل مدة جلوسه على العرش حتى أبدى من قوة الإرادة وثبات العزم ~~ما أدهش عقول الشعب. وكان في أول الأمر قد تحمل إرهاق أوصيائه له ~~وجورهم عليه، صابرا متجلدا لا يبدي تذمرا ولا يبوح بشكوى. حتى زادوا ~~إمعانا في تهضم جانبه والاعتداء على حقوقه، ومن شدة غلوهم في ظلمه ~~أنهم منعوا والدته التي كانت مقيمة في بلغراد حتى من الدنو إلى قصره ~~الذي كانت أبوابه مقفلة في وجهها. فظلت تسعة أشهر محرومة لمحة من ~~وجهه إلا عندما كان يمر بجوار بيتها مع رجال بلاطه. ولما شكت إلى أحد ~~الأوصياء هذه المعاملة الجائرة أجابها بكتاب مملوء هجاء ~~وازدراء. # وفي أحد الأيام دعا الملك إسكندر أوصياءه ووزراءه إلى عشاء أولمه لهم ~~في قصره، وفيما هم جالسون يتناولون الطعام نهض الملك ووقف أمامهم وشكر ~~لضيوفه عموما والأوصياء خصوصا خدمتهم له وعنايتهم به، وطلب إليهم أن ~~يمضوا صك إلغاء الوصاية عليه والنيابة عنه، خاتما كلامه بقوله: «ومن ~~الآن فصاعدا لا يكن في سربيا كلها مشيئة تأمر وتنهى سوى مشيئتي. ~~وبأمري المطاع أقول لكم أيها السادة إنكم ستقضون هذه الليلة هنا، وغدا ~~أنظر في إطلاق أسركم.» ولم يفرغ كلامه إلا وقد فتحت أبواب القاعة، ~~ودخلت طائفة كبيرة من الجنود شاهرة حرابها، وبذل الأوصياء والوزراء ~~جهدهم في حمله على العدول عما أمر تارة بالتوسل والاستعطاف، وطورا ~~بالوعيد والتهديد، فلم يظفروا بطائل. وقضوا ليلتهم معتقلين في قاعة ~~الطعام. وفي صباح اليوم التالي أعلن بلوغ الملك سن الرشد واستقلاله ~~عن الأوصياء والنواب. # وفي هذا الوقت كانت والدته الملكة ناتالي مقيمة في قصر ساشينو قرب ~~بيارتز (في فرنسا)، وفي أثناء زيارته لها لقي دراغا ماستشين إحدى ~~وصيفات والدته وأجمل امرأة في سربيا، فوقع حسنها منه موقعا سبى ~~لبه وأسر قلبه. ويقال ms104 إنه فيما كان يستحم ذات يوم أشرف على الغرق، ~~واتفق أن دراغا كانت حينئذ واقفة على الشاطئ بثوب الاستحمام تراقب ~~السابحين والمستحمين، فرأت الخطر المحدق بالملك، وعلى الفور اندفعت ~~إلى معونته وكادت تفقد حياتها في سبيل إنقاذه من الموت غرقا. وكان ~~عملها هذا أوضح دليل على شدة بسالتها، وهو في الوقت نفسه برهان جلي على ~~فرط ولائها للملك. وهاتان الخلتان - البسالة والولاء - إذا اقترنتا ~~بالبهاء الباهر والحسن البديع الساحر كان للمجموع أكبر تأثير في قلب ~~كقلب الملك إسكندر؛ ولذلك نراه عما قليل بات صبا والها متيما ~~بغرام هذه البطلة الحسناء. # وكانت دراغا أرملة تكبر الملك بتسع سنين، وهي رشيقة القد ترفة ~~البنان ناعمة الأطراف بيضاء البشرة وردية الخدين، ولها عينان نجلاوان ~~إن شاءت ذابتا رقة وحنوا، أو نفثتا سحرا يخلب القلوب ويفتن العقول. ~~ويزين قامتها الهيفاء شعرها الطويل الجميل. وجملة القول أن دراغا ~~غاية الشاعر المقصودة وضالة المصور المنشودة، وهي مخلوقة لتستعبد ~~قلوب الرجال. ومع أنها ليست من محتد رفيع شريف لم تخل من دم كريم ~~يجري في عروقها؛ لأنها حفيدة نقولا لونيفيتزا أعز صديق للأمير ميلوش ~~أوبرنوفيتش الأول جد الملك إسكندر. ولما كانت فتاة قضى عليها نكد ~~الطالع أن تقترن بمهندس بوهيمي ساقط خليع، وبعد بضع سنوات ذاقت فيها ~~أمر كئوس الشقاء والعناء، تركها أرملة ولم يخلف لها سوى مبلغ لا يستحق ~~الذكر. فظلت مدة عائشة في بلغراد عيشة الفقر والمسكنة، وكانت ~~تسليتها الوحيدة أن تحضر جمعية الترانيم الكنسية مرة في الأسبوع. هناك ~~كانت ملكة سربيا المستقبلة تجلس على مقعد من خشب يطوقها أحد العامة ~~بذراعه وهي تنشد أناشيد سربيا الشجية. وفي ذلك الحين وهي في أسمى درجات ~~الحسن والبهاء وأسفل دركات البؤس والشقاء، رأتها الملكة ناتالي ~~فأعجبت بحسنها، واتخذتها وصيفة لها، ولم يخطر قط ببالها ما كان ~~مزمعا أن ينتج من هذا الاتخاذ. # وكانت الأيام التي قضاها إسكندر في بيارتز بعدما توثقت عرى المعرفة ~~بينه وبين دراغا كلها بهجة وصفاء ورغد وهناء؛ إذ كان يقضي كل ساعة ~~مع ms105 هذه الأرملة الجميلة الطلعة الخفيفة الروح الحسنة التناول، وهي ~~تشوقه وتروقه حتى بات أسير غرامها. وبلغ من شدة تسلطها عليه أن ~~وزراءه طفقوا يشتكون قائلين إن الملك لا يفعل شيئا قبلما يستشيرها ~~فيه. وإذا كان حاضرا مجلسهم وعرض له شيء ذو شأن لا يجيب الوزراء عنه ~~ما لم يسألها عنه بالتلفون، وبموجب رأيها يعمل. # وهذا المستقبل المجيد الذي بسم لها عن ثغر السعادة ورفعة الشأن لم ~~تهش له في أول الأمر، ولا أقبلت على انتهاز فرصته السانحة، بل ولته ~~جانب الإعراض. وكانت إحدى صديقاتها في البلاط قد لمحت إلى المجد ~~المزمعة أن تناله بمشاركتها للملك إسكندر في أبهة التاج ~~والصولجان، فانتهرتها بمزيد الاستياء وقالت لها: «كفي عن هذيانك ~~وأريحيني من شقشقة لسانك. نعم إن الملك يحبني، وهذا لا أنكره، بل أعترف ~~به بملء التباهي والافتخار، وأنا أحبه حبا لا يقل عن العبادة إن لم ~~يزد عليها، ولكن لا يخطرن ببالك أني أحول بينه وبين الواجب عليه ~~لعرشه ومملكته. يجب عليه أن يتزوج أميرة ذات حسب ونسب؛ إحدى بنات ~~الملوك والقياصرة في أوروبا، فيستعين بها على توثيق صلات القربى ~~والتعارف مع الكبراء والعظماء. وأما أنا فحسبي أن أضحي بسعادتي في ~~سبيل حصوله على السعادة التامة.» # وهذا التصريح يدل على شجاعتها الأدبية وما عندها من إنكار النفس. ~~وليس من ريب في أنها عنت كل كلمة منه، وكانت فيما عزمت عليه صادقة غير ~~كاذبة. ولكن عندما ينشب الكفاح بين الحب والواجب، فالنصر يكون في ~~الغالب حليف الأول، وهذا ما حصل الآن. ويقال إن دراغا ظلت ثلاث سنوات ~~متوالية ترفض رفضا باتا أن تجيب طلب إسكندر وتكون زوجة له وتصبح في ~~عداد ربات التيجان في العالم. # وكانت الملكة ناتالي غافلة عن هيام ابنها بوصيفتها، وعدت كثرة ~~تردده إليها من قبيل اللهو والتسلية، ولكنها لما اطلعت ذات يوم ~~على كتاب من ابنها إلى دراغا ورأت ما فيه من بينات تصبيها له ~~وتسلطها عليه، استشاطت غيظا وسخطا عليها. واتفق أنها كانت قبيل ذلك ~~في باريس، فقال ms106 لها أحد العرافين المدعين معرفة الغيب: «إنك ~~تحفظين في صدرك حية سامة سوف تلدغك يوما ما لدغة مميتة.» وبعد ~~اطلاعها على الكتاب تحققت صدق النبوءة، وعلى الفور طردت دراغا، فخرجت ~~تجر ذيل الخزي والعار. # ولو أن ناتالي تعمدت إلقاء دراغا في حضن ابنها لم يكن في استطاعتها ~~أن تجد وسيلة أشد وأفعل من طردها لها من قصرها. فإن الملك عندما بلغه ~~ما أصاب حبيبته خف إليها على جناح السرعة ليؤاسيها ويعزيها ويستعطفها ~~متوسلا إليها أن تجيب طلبه وترضى أن تكون شريكة حياته قائلا لها: ~~«عندما تصبحين زوجتي - زوجتي الوحيدة - تبيتين في أمن ولا يبقى لأحد ~~أقل سلطان عليك. فامنحيني هذا الحق؛ حق حمايتك والدفاع عنك.» ~~وحينئذ لم يبق في وسع دراغا إلا الرضا والإذعان. ومن تلك الدقيقة صدر ~~حكم القضاء والقدر على هذين العاشقين المنكودي الحظ. # ولما بلغ وزراءه خبر عزمه على الاقتران بها أسرعوا إليه وشددوا في ~~نصحه وإنذاره بالعدول عن هذا الخرق والطيش، وأروه سوء المغبة ووخامة ~~المصير. ولكنه أعار كلامهم أذنا صماء، وقال لهم بحدة وهياج: «ليس ~~في العالم كله سوى امرأة واحدة أحبها وأفضلها على كل شيء حتى على تاج ~~الملك. وهي وحدها قادرة على تسليتي وتعزيتي، وبقربها فقط أستطيع أن ~~أنسى مرارة حياتي الماضية، وأنال ما تشتهيه نفسي من المسرة والهناء. ~~ومهما يكن من نتيجة اقتراني بها فإياها وحدها أروم أن تكون زوجة لي.» ~~وهكذا صارت دراغا الفقيرة البائسة أرملة المهندس الوضيع الحقير ملكة ~~سربيا. # ولما بلغ أباه هذا الخبر، وكان إذ ذاك في باريس، غلت مراجل غضبه ~~وصاح: «يا له من أمر هائل مخيف! حقا إنه يفوق الإدراك ويتعدى حد ~~التصديق. وإن رضي السربيون بهذه المرأة ملكة لهم كانوا أجدر أهل الأرض ~~بتقمص الخزي والعار. أفهكذا يفعل ابني! ابني الوحيد إسكندر؟! إنها ~~لمعرة تصمه بوصمة الاحتقار إلى الأبد. وكنت دائما أخاف عليه من ~~الوقوع في شرك إحدى النساء الشريرات، وها قد وقع الآن وقضي على أسرتي؛ ~~على أسرة أوبرنوفي!» # وكأني به نطق بهذه الكلمات ms107 بروح الوحي والإلهام؛ لأن ما أنذر به ثم ~~بعد وقت غير طويل، وارتقاء دراغا عرش السرب مهد سبيل السعاية بها ~~والكيد لها والائتمار عليها. لم تستطع أن تحسن التصرف في شيء، وكان ~~إسراف زوجها في تدليلها وترفيهها عبارة عن أمضى سلاح شهره أعداؤها ~~عليها، ولم يبق للسربيين حديث في ليلهم ونهارهم سوى تنقصها وتعييرها ~~واتهامها بكل ما يلبسها ثوب العار والشنار ويوغر الصدور بنار كرهها، ~~والسعي في تطهير العرش من رجاساتها. ومما نقموه عليها شدة تعجرفها ~~وكبريائها وإفراطها في التبذير والإسراف، وعجزها عن ولادة وارث للعرش، ~~وسعيها في ترشيح أخيها له. وهذه التهمة الأخيرة جلت على غيرها من ~~التهم، وكانت أكبر سبب مباشر لوقوع الكارثة العظيمة التي هز العالم ~~قاطبة هول اقترافها. ~~••• # والمشهد الأخير من هذه الفاجعة الملكية كان بعد منتصف الليل في يوم ~~من شهر يونيو سنة 1902، وكان إسكندر ودراغا قد دخلا مخدعهما ليناما حسب ~~عادتهما كل ليلة، وعلى رغم الخوف الذي كان يساورهما (لأنهما كانا قد ~~أنذرا غير مرة بالمخاطر التي تتهددهما) رقدا ولم يعرهما شيء من ~~الأرق والقلق. وخيم السكوت على القصر الذي كان ملاك الموت باسطا ~~عليه جناحيه؛ لأن المتآمرين كانوا قد طوقوه بالجنود ليتمكنوا من ~~إجراء ما أرادوا بلا أقل مقاومة. # وانسل بعض الضباط النشاوى بحميا الخمر وشهوة سفك الدم إلى القصر ~~متذرعين إلى دخوله من منفذ في مؤخره، وكانوا قد رشوا حراس بابه ~~ففتحوه لهم، واندفعوا إلى داخله وهم يطلقون الرصاص بلا شفقة ولا هوادة ~~على الخفراء الذين ظلوا إلى تلك الساعة موالين لملكهم، وخفوا صاعدين ~~إلى الطبقة العليا، ووقفوا أمام باب الغرفة حيث يرقد الملك والملكة، ~~وكانا قد استيقظا على أصوات إطلاق الرصاص وجلبة الثائرين، ووقفا ~~متلاصقين والاضطراب يحفهما من كل جانب، وبذل قائد الحرس جهده في صد ~~الثائرين فلم يستطع، وكانوا قد جاءوا بفأس فأخذوا يعالجون فتح الباب ~~بضربات شديدة منها، ولما تحقق قائد الحرس أنه لا فائدة من المقاومة، ~~قال لهم: «احلفوا لي أنكم تبقون على الملك لكي أطلب إليه أن ms108 يفتح ~~لكم.» فحلف له بعضهم، وحينئذ صاح صوته بأعلى: «افتح يا مولاي، افتح، ~~إن ضباط جيشك الواقفين هنا لا يريدون بك شرا.» وعلى الفور انفتح ~~الباب ووقف القتلة السفاحون وجها لوجه أمام مليكهم ومليكتهم، وكلاهما ~~في ثياب النوم، ولكنهما كانا ثابتي الجأش لا يبديان شيئا من الخوف ~~والجزع. # ثم انفصل الملك عن الملكة وتقدم إلى أعدائه، وقال لهم بلهجة الحزم ~~والرزانة: «ماذا تريدون مني في ساعة كهذه؟ أهذه علامة إخلاصكم ~~لمليككم؟» فلبث الضباط هنيهة صامتين وقد استولى عليهم الذعر في حضرة ~~ملكهم وفريستهم، وكان بينهم ضابط يمتاز بجسارته وإقدامه، فصاح بهم: ~~«ويلكم أيها الجبناء الرعاديد! ما بالكم واقفين وقد غل الرعب أيديكم، ~~وشل الخوف قلوبكم! انظروا ها أنا ذا أري الملك ولائي وإخلاصي.» قال ~~هذا وصوب مسدسه نحو الملك وأطلقه عليه، فخر جريحا بين ذراعي ~~دراغا. # وإذ ذاك هب الضباط الباقون بأسرع من لمح البصر مقتدين به في إطلاق ~~الرصاص على فريستهم حتى مزقوا جلديهما وجسديهما، ثم استلوا سيوفهم ~~وأعملوها فيهما ثأيا وتمثيلا تقشعر لهما الأبدان. وصرخ قائدهم ~~الكولونيل ماستشين: «اقذفوا بهما من النافذة! اطرحوا جثتيهما إلى ~~الكلاب.» وكانت دراغا قد فارقت الحياة، فجروا جسدها المغشى بالجراح ~~وفيه ما فيه من آثار التمثيل والتفظيع وألقوه من النافذة إلى حديقة ~~القصر، ثم ألقوا بعدها جثة الملك إسكندر، وكان فيه بقية من الرمق، ~~فأجهزوا عليه وقذفوا به إلى الحديقة وهم يصيحون: «ليحي الملك بطرس! ~~ليحي الملك بطرس (وهو الملك بطرس قرجيورجيفتش الذي ملك بعد إسكندر.)» ~~ثم تصاعدت أصواتهم تشق عنان الهواء فرحا وابتهاجا باقتراف جريمة ~~ترتعد لشدة هولها وفظاعتها فرائص الإنس والجن. # وظلت جثتا الملكين مطروحتين في الحديقة ساعتين حتى جاء تشريكوف ~~سفير روسيا وطلب إلى قائد السفاحين الكولونيل ماستشين (صهر دراغا) أن ~~يدخلهما إلى القصر ولا يتركهما في المطر الذي أخذ حينئذ يهطل بغزارة. ~~وإذ ذاك أدخلوهما إلى طبقة القصر السفلي. # وبعد الفراغ من ارتكاب هذه الجناية الشنعاء أصيب السفاحون بمس من ~~الجنون، فطفقوا يمرحون ويرقصون ويصخبون صارخين بأعلى أصواتهم، ويندفعون ms109 ~~كالثيران الثائرة من غرفة إلى غرفة وهم يطلقون مسدساتهم على الصور ~~والمرايا والآنية الخزفية النفيسة، ويحطمون بالفئوس سرير الملكين ~~ويتلفون كل غال كريم على منضدة الملكة. ثم أمروا الخدم أن يأتوهم ~~بالخمر المعتقة من مخزن الملك، فشربوا وازدادوا سكرا وعربدة. # ولم يكتفوا بكل ما اجترحوه من الموبقات، بل زادوا عليها أن فتكوا قبل ~~طلوع الفجر بجميع الموالين من الوزراء والضباط، وبينهم أخوا دراغا؛ ~~وهما شابان في مقتبل العمر، لقيا حتفهما معا وخرا صريعين أحدهما ~~بجانب الآخر، متجرعين كأس الردى ببسالة الأبطال الصناديد. ولم يكف ~~القتلة عن سفك الدماء البريئة حتى تهددهما سفير النمسا بزحف الجيش ~~النمسوي على بلغراد إن لم يضعوا حدا لهذه الفظائع المنكرة. # وهكذا تمت نبوة ذلك الفلاح واغتيل الملك إسكندر وملكته الجميلة ~~التي كللت محبتها سني حياته الأخيرة بتاج الرغد والصفاء، ولكنها جلبت ~~عليه وعليها شر عقبى، وختمت تاريخ الأسرة المالكة بأفظع ~~فاجعة. # | ابنة أخت الكردينال # قالت عقيلة دي فالروي لغاستون ~~دي أورليان مشيرة إلى فتيات جميلات كن موضوع إعجاب ندماء الملك لويس ~~الرابع عشر في القصر الملكي: «هل تنظر هؤلاء الفتيات؟ إنهن الآن فقيرات ~~ولكنهن عما قليل سيصبحن ربات قصور فاخرة وثروة وافرة وحلل نفيسة ~~وحلى غالية، وربما نلن فوق هذا كله عزا ومجدا.» وقد حققت الأيام ~~صدق ما أنبأت به عقيلة فالروي، فتم بحرفه؛ لأن أولئك الفتيات اللواتي ~~شغفن قلوب رجال لويس بحسنهن الباهر وجمالهن الساحر كن بنات أخت ~~الكردينال مازارين، وقد أتاح لهن القدر أن يطلعن فيما بعد كواكب بهجة ~~وبهاء ساطعة بين نجوم الحسن في سماء الهيئة الاجتماعية في أوروبا. ~~فصارت ثلاث منهن دوقات وواحدة كونتس، والخامسة زوجة أحد كبار الأغنياء ~~في إيطاليا. # ولما تمكن مازارين من بلوغ ما كانت نفسه تطمح إليه، وبات أكبر ~~رجالات فرنسا قوة وثروة، وتملك فؤاد الملكة حنة النمسوية (ابنة ~~فليب الثاني ملك إسبانيا وزوجة لويس الثالث عشر) وأصبح عاشقها الوحيد ~~غير منازع (وقيل إنه كان زوجها) استدعى من إيطاليا بنات أخته الأرملة ~~عقيلة مانشيني ليرتعن في ظلال ms110 عزه وسؤدده، ويستعين بهن على مد رواق ~~سلطانه. # وعندما وصلن إلى بلاط فرنسا لقين ما يعجز القلم عن وصفه من الحفاوة ~~والتكريم، وخصتهن الملكة نفسها يعطف وحنان لا مزيد عليهما، وأنزلتهن ~~عندها منزلة أولاد لها، وجعلتهن رفيقات لعب وتسلية لابنها الفتى الملك ~~لويس الرابع عشر ولأخيه الدوق دي أنجو الصغير، وأصبح جميع الذين في ~~القصر يترضونهن، ويبذلون جهدهم في العناية بهن. # وكن كلهن بارعات في الحسن والجمال، ولكن هورتنس كانت بإجماع الذين ~~عرفوها أبرعهن حسنا، ولم تلبث أن امتازت من شقيقاتها بالمكانة الرفيعة ~~التي حازتها عند خالها، بحيث تملكت قياده وجعلته لها أطوع من بنانها. ~~وقد يستلمح القارئ شيئا كثيرا من أخلاقها وصفاتها من مطالعة ما كتبته ~~إلى خالها من إيطاليا وهي بعد ابنة عشر سنوات. قالت: # لقد سرني أني رأيتك تشمل هورتنس الصغيرة بشرف تذكرها ~~والافتكار بها. ولعل دي كوتانس يتمكن من أن يصف لك مبلغ ~~ابتهاجي بالهدية التي قدمها إلي بالنيابة عنك. وإنني موقنة ~~بصحة ما قاله لي عن فوزي بشيء من محبتك. وغاية ما أتمناه من ~~صميم فؤادي أن أبقى ناعمة بهذه المحبة. والله أسأل أن يرعاك ~~بعين عنايته، ويهب لي أن أبقى دائما جديرة بشرف انتسابي إليك ~~وشمولي برعايتك. وحسبي هناء وصفاء أن أكون ابنة أختك الوضيعة ~~المطيعة التي تحبك من كل قلبها. # هورتنس دي مانشيني # وشرعت تعبث بقلوب الرجال وهي بعد في هذه السن. وكان أرمان دي لابور ~~ابن المارشال مليراي أول من أسره حبها وسحره حسنها، وهي كما قلنا ~~ابنة عشر سنوات. وأقسم ليعتزلن العالم إلى صومعة إن لم يتمكن من ~~الاقتران بها. ومما قاله حينئذ وهو يهذي من حمى الوجد والغرام: «إن تم ~~لي ما أروم وصارت زوجة لي فلا أبالي إن مت بعد ذلك بثلاثة أشهر!» ولكن ~~الكردينال أبى عليه ذلك، ولم يرض به زوجا لابنة أخيه. # ولم يكن دوق سافوي شارلس عمانوئيل بأحسن حظا من أرمان، فإنه شخص ~~إلى باريس ليخطب أشرف فتاة في فرنسا؛ أي شقيقة الملك. ولكنه لما رأى ms111 ~~هورتنس أغمض عينيه عن الأميرة وحصر سعيه في الحصول على ابنة أخت ~~الكردينال، وإلا عاد من حيث أتى ولم يطلب غيرها. وكاد يظفر بما أراد؛ ~~لأن مازارين لم يطمع بزوج لابنة أخته أشرف منه، ولكن الدوق اشترط ~~شروطا لم يقبلها الكردينال. وهكذا نراها وهي في مطلع صباها تزاحم ~~لخطبة ودها وطلب يدها شبان يحسدها عليهم أشرف فتيات فرنسا. # وكان لويس نفسه وأخوه الدوق دي أنجو ممن تصباه هواها وتيمه ~~جمالها، وكانت تطارحهما كليهما الوجد والغرام، وتبالغ في إخضاعهما ~~لسلطان غنجها ودلالها، ولو شاءت لاستطاعت الاقتران بأيهما أرادت. ~~ولما يئس لويس من أمل استمالتها إليه وجه التفاته نحو شقيقتها ماري ~~التي كانت دونها حسنا وبهجة، ولكنها أرق منها جانبا وألين ~~عريكة. # ولما بلغت هورتنس أشدها إذ بهلال البهاء الذي طلع في أفق ~~حداثتها قد أشرق في فلك المحاسن بدرا منقطع النظير في كمال جماله ~~وجمال كماله. قال بعض واصفيها: «ليس للون عينيها شبه بين ألوان العيون ~~المألوفة، لم يكن أزرق ولا أشهب ولا أسود، بل كان مزيجا من هذه ~~الألوان الثلاثة. فقد استأثرت حدقتاها بما في العيون الزرق من الطلاوة ~~والحلاوة، وبما في العيون الشهب من السناء والبهاء، وما في العيون ~~السود من تألق النور وتوقد النار، فلم يكن لهما نظير في هذا الجمال ~~المثلث البديع. وكان لابتسامتها قوة على تليين أقسى القلوب، وعلى أنفها ~~سيماء النباهة والنبالة البادية آثارهما على سائر ملامحها. ولها في ~~صوتها رنة عذبة رخيمة تأخذ بمجامع قلوب المنصتين إلى حديثها، وكان ~~لبياض لونها الناصع نقاء وصفاء يتعذر وصفهما، ولشعرها الأسود الناعم ~~جعدة خفيفة أشبه بإكليل جمل مضفور على رأسها الأنيق.» هذا مجمل وصف ~~هورتنس عندما فتحت زهرة صباها وأشرق بدر قسامتها وأصبحت معدودة أجمل ~~فتاة في أوروبا. # ولم يبلغ من كثرة العشاق والمحبين حول غادة حسناء ما بلغ منهم حول ~~هورتنس ابنة أخت مازارين. ومع أن قلبها مال إلى غير واحد منهم فإن ~~خالها الصعب المراس كان يردهم على أعقابهم واحدا بعد الآخر، وبينهم ~~اثنان أتيح ms112 لكليهما أن يكونا من أصحاب التيجان؛ وهما بطرس الثاني ملك ~~البرتوغال وتشارلس الثاني ملك إنكلترة. ولو دار في خلد مازارين أن جلوس ~~تشارلس على عرش إنكلترة كان هكذا قريبا، لما عارض في زف هورتنس إليه ~~لتشاركه في لبس تاج الملك، ولكنه لم يتوقع حصول ذلك في وقت قريب، ولا ~~رأى من الصواب أن يتصدى لإغضاب القابضين على أزمة الحكم في لندن في ~~ذلك الحين. وبعد بضعة أشهر بلغه أن تشارلس الذي أبى أن يجيب طلبه لما ~~جاءه خاطبا ابنة أخيه قد ظفر بالاستيلاء على العرش، فبعث إليه من فوره ~~متعمدا يعرض عليه هورتنس ومعها أربعة ملايين جنيه. ولكن هذا العرض ~~جاء متأخرا، فإن تشارلس رفض بلطف وأدب ما سبق وترجى الحصول عليه ~~كشريد طريد. # ولم يجهل مازارين أن أيام حياته أصبحت معدودة، ومن الواجب عليه أن ~~يبادر إلى البحث عن زوج جدير بابنة أخته المحبوبة، التي كانت مزمعة أن ~~ترث أكبر جانب من ثروته. وبعدما أعاد النظر في جميع أسماء الذين ~~تقدموا إلى خطبتها، ورفض قبولهم واحدا بعد الآخر لأسباب مختلفة، ~~انتهى به الأمر في الغربلة والفرز إلى رفض الجميع ما عدا الخاطب الأول ~~المركيز مليراي، الذي رده الكردينال منذ سنوات يتعثر بأذيال ~~الخيبة، ولكنه ظل مقيما على ولائه لهورتنس. وفيما كان مازارين على ~~فراش النزع أجاب طلب المركيز، وحمل الملك على أن يرقيه إلى رتبة دوق ~~دي مازارين، وبعدما فرغ من هذا الأمر أسلم الروح. # وبعد أيام أهدى إليها خطيبها خزانة كبيرة مملوءة بالتحف الغالية ~~والطرف النفيسة. من ذلك اثنا عشر ألف طبنجة صغيرة مصوغة من ذهب، فأهدت ~~جانبا كبيرا منها إلى إخوتها وأخواتها، وألقت بالباقي من نافذة قصر ~~مازارين لتتمتع بمشاهدة عدد كبير من الخدم يزحمون بعضهم بعضا في حديقة ~~القصر لالتقاطها. # وكانت قيمة نصيب هورتنس من تركة خالها لا تقل عن خمسة ملايين جنيه، ~~علاوة على ما يخصها من قصره - قصر مازارين - وما فيه من الطرائف التي ~~لا تثمن. ولكن هذه العروس كانت من أنكد العرائس حظا ms113 وأسوأهن ~~طالعا؛ لأن الدوق دي مازارين كان من أقبح شبان فرنسا صورة وأغربهم ~~أطوارا وأقربهم إلى العته والجنون. وكان عرضة لتسلط الغيرة العمياء ~~عليه أو استئثار الهوس الديني به. فما فعله مرة أنه أخذ مطرقة بيده ~~ودخل أروقة قصر مازارين الحافلة بأغلى العاديات وأكرم الآثار القديمة، ~~وشرع يحطم الأنصاب والتماثيل والصور بحجة أنها مغايرة لذوقه. قالت ~~الدوقة: «لم أكلم خادما إلا طرده في اليوم التالي. ولم يزرني أحدهم ~~مرتين إلا منعه من دخول القصر. وإن رآني أفضل إحدى خادماتي على غيرها ~~لأسباب يستوجب التفضيل، أخرجها من خدمتي. ولم يكن يأذن لي في مشاهدة ~~أقربائي ولا أقربائه.» وبهذه وغيرها من أعمال العنف والإرهاق أفعم قلب ~~زوجته غما ويأسا. وقد تحملت غرابة أطواره وقساوته بصبر وجلد ~~نادري المثال. ولكنها لما رأته أضاف إلى هذه الفظائع فظائع أخرى ~~وبدد أموالها بالإسراف والتبذير ومد يده إلى جواهرها وحلاها، ~~هجرته ملتجئة إلى دير أخوات سنت ماري. # وفي هذا الدير وجدت سيدة من نساء الأشراف كان زوجها قد سعى في ~~إدخالها إليه. وما لبثتا أن تعارفتا وشرعتا في مداعبة الراهبات ~~ومشاكستهن تارة بالرقص أمامهن، وطورا بازدرائهن والاستهزاء بهن. ومما ~~فعلتاه مرة أنهما سكبتا حبرا على الماء المقدس ونضحتا الراهبات به. ~~ومرة أخرى شرعتا تركضان في مخادع النوم وتقلقان راحة الراهبات وترشان ~~أسرتهن بالماء. ولما فرغ معين صبر الراهبات عليهن شكون أمرهن إلى ~~الملك، فأمر بنقلهما إلى دير آخر حيث عوملتا بالشدة والعنف. # وإذ لم تطق هورتنس الإقامة تنكرت في ليلة حالكة الأديم بلباس ~~رجل، وهربت مصحوبة بإحدى خادماتها وهي متنكرة مثلها، ومعهما رجل ~~يدعى كوبرفيل كان قد أعد لهما جوادا أركبهما عليه، وسار هو في ~~خفارتهما راكبا على جواد آخر. ولما وصلت إلى ميلان (في إيطاليا) وجدت ~~أختها ماري وزوجها في انتظارهما. # ولكنها لم تسر بملاقاة أختها لها، وودت أن تكون بمعزل عن جميع ~~أنسبائها، فخلت في المسكن الذي اختارته لنفسها، ولم تأذن لأحد في ~~الدخول عليها من غير الخدم وكوبرفيل الذي صحبها في هربها من ms114 الدير، ~~وتعرضت في علاقتها به لذم الناس ولومهم؛ ولذلك لم تطل إقامتها في ~~ميلان؛ إذ غادرتها إلى دير ثم انتقلت إلى بلدة أخرى. # وفي ميلان تمتعت هورتنس ما شاءت بمغازلة كثيرين من المحبين والعشاق. ~~ولما برح كوبرفيل إيطاليا شغل مكانه عندها غير واحد من أهل الصبابة ~~والهيام، مثل جاكس بلبيف النورمندي، وهو شاب بارع الحسن والجمال، ~~والمركيز دي غريلو، والكونت دي مورسن، وسواهم من الذين تصبتهم ~~وتيمتهم، وأذكت بينهم نار الغيرة والحسد، حتى ملت الاغتراب وسئمت ~~مغازلة العشاق والأحباب. فعادت أدراجها إلى فرنسا يحدوها روح التوبة ~~والندامة، وهناك تمكن الملك بعد مواصلة السعي من حملها على قبول راتب ~~زهيد يدفعه إليها زوجها، بشرط أن يؤذن لها في الإقامة وحدها منفصلة ~~عنه. # وفي الربيع التالي رجعت إلى رومية حيث وجدت أختها في أسوأ حالة من ~~جراء إعراض زوجها عنها وشدة قساوته عليها. فإن محبته السابقة لها ~~تحولت إلى فتور واشمئزاز ثم إلى بغض وكراهية، ولما شكت إليه هذه ~~المعاملة الجائرة وعيرته غدره وخيانته، حاول أن يدس لها سما يذهب ~~بحياتها، وحينئذ لم تر ماري بدا من الفرار والنجاة بنفسها، ورفعت ~~أمرها إلى لويس فوعدها بحرس ينتظرونها على حدود فرنسا ويأتون بها. ~~وعندما تم لها ما أرادت أخبرت أختها هورتنس بما عزمت عليه، وطلبت إليها ~~أن تصحبها في فرارها، وانتهزت له فرصة غياب زوجها وخرجت مع أختها ليلا ~~في مركبة مقفلة يحرسها رجلان. وسارت المركبة بما يستطاع من السرعة إلى ~~سيفيتا فيكا؛ حيث توقعتا أن تجدا سفينة في انتظارهما لتسافرا ~~عليها. # ولما وصلتا إليها أرسلتا أحد الرجلين اللذين معهما إلى السفينة التي ~~كانت مزمعة أن تنتظرهما في مكان يبعد أربعة أميال من البلدة ليخبر ~~ربانها بقدومهما. ثم غادرتا المركبة ودخلتا حرجة كثيفة قرب الشاطئ، ~~ورقدتا فيها إلى الصباح حيث استيقظتا ووجدتا الرسول قد عاد وأخبرهما ~~بأنه لم يعثر على السفينة في المكان المعين. وإذ كانت خيول المركبة قد ~~برح بها السير وباتت غير قادرة على استئنافه، تركتاها وسارتا ماشيتين ~~تكابدان ما لا ms115 يوصف من شدة الحر والتعب واضطراب البال لعدم وصول ~~السفينة المنتظرة. # وعلى رغم هذه المشقات كلها واصلتا المسير بصبر ورباطة جأش حتى ~~وصلتا إلى المكان المعهود، فرأتا فيه بدل السفينة الواحدة سفينتين، ~~فاختارتا أكبرهما وصعدتا إليها، ولكن ربانها طلب أجرة أكثر جدا مما ~~وقع الاتفاق عليه، مهددا لهما بأنه يقذف بهما من على ظهر السفينة إن ~~لم تدفعا إليه الأجرة التي طلبها على الفور. ولم يسعهما إلا الإذعان ~~والقبول. وكان كولونا (زوج ماري) قد علم بفرارها، وبعث رجالا على جناح ~~السرعة يبحثون عنهما برا وبحرا. # وبعد تسعة أيام قضتها الشقيقتان في السفر بحرا وتعرضتا غير مرة ~~لإخطار الغرق رست بهما السفينة في سيوتا (بلدة فرنسوية في جنوب مرسليا ~~الشرقي) حيث استأجرتا جوادين وأغذتا عليهما سرى الليل إلى مرسليا. ~~وعند وصولهما إليها أرسلا رجلا إلى لويس يخبره بقدومهما، ولكن هذا ~~الرسول وقع في كمين على الطريق؛ حيث بات مجندلا بين حي وميت. ولم ~~تلبث الأختان أن وجدتا الأعداء والمصاعب محدقة بهما من كل جانب، وذلك ~~بسعي كولونا. ثم بلغهما ما زادهما قلقا وجزعا، وهو أن بعض الجنود ~~كانوا قادمين إلى مرسليا للقبض على الدوقة هورتنس بأمر زوجها الدوق دي ~~مازارين. # فلم يبق لهما أقل أمل بالوصول إلى باريس. وبلغ اليأس من هورتنس أن ~~تركت شقيقتها وفرت إلى سافوي معللة نفسها بأن أميرها الدوق شارل ~~عمانوئيل الثاني الذي كان أحد عشاقها وطالبي الاقتران بها ينجدها في ~~كربتها وينقذها من الضيق المحيق بها. وقد حقق الأمير رجاءها، فإنه ~~لقيها مرحبا بها مكرما وفادتها، وعلى الفور أعد لها قصرا ~~وأنزلها فيه وبالغ في الاحتفاء بها. وظلت مقيمة عنده على ما شاءت من ~~الإعزاز والإكرام إلى يوم وفاته، وحينئذ أوعزت إليها أرملته أن تلتمس ~~لنفسها ملجأ في مكان آخر. وإذ كان السفر إلى فرنسا متعذرا عليها، ~~وكانت لا تود الرجوع إلى إيطاليا، لم يبق أمامها سوى إنكلترة، فصممت ~~على الرحيل إليها وسارت تقطع المسالك المتعادية والمسافات المترامية ~~على ظهر جواد، مجتازة سويسرا وألمانيا وهولندا. # وكان ms116 تشارلس الثاني ملك إنكلترة لا يزال يذكر ابنة أخت الكردينال ~~التي سلبت لبه وأسرت قلبه، وكان في استطاعتها الاقتران به لو أرادت ~~عندما كان في منفاه. وقد أبصر بدر جمالها مشرقا بنور يبهر النظر ويفوق ~~ضياء جميع الكواكب الطالعة في سماء بلاطه. فبسط لها ذراعي الترحيب ~~والاحتفاء، وبوأها أرفع منزلة بين محظياته، وجعل لها راتبا سنويا ~~قدره أربعة آلاف جنيه. # وبعدما كانت شريدة طريدة إذا بها قد بلغت من سمو المنزلة ورفعة الشأن ~~ما لم يخطر في بال إنسان، فإن الملك جعلها أقرب الناس إليه، وشملها ~~بعنايته ورعايته، وباتت قبلة أنظار الذين في قصره من الجلساء والأخصاء. ~~وصار التغزل بحسنها وجمالها والتغني ببهائها وسنائها موضوع ~~الأناشيد في أفواه الكبار والصغار؛ ومما أنشده فيها والر شاعر البلاط ~~قوله مترجما: # تنقل الشمس في أبراجها انطلقت # هورتنس من بلد تجري إلى بلد # ونحونا أقبلت تغزو بمقلتها # كل القلوب فلا تبقي على أحد # وفي هذا الوقت كان جمالها الرائع قد بلغ أوج كماله فجلت به على جميع ~~أترابها والمنافسات لها من المحظيات المشهورات في الحسن، كدوقة ~~بورتسوث ودوقة كليفلند وغيرهما. وعلاوة على جمالها المنقطع النظير ~~كانت ذات براعة ونباهة شأن وسرعة خاطر نادرة ساحرة، وبهذا كله ~~خلبت العقول وسلبت القلوب، واستعبدت أكبر رجال إنكلترة وأعظمهم شأنا. ~~حتى إن سنت أفرموند صرح جهارا بكونه عبد رق لها، وبأن أكبر شرف ~~يناله في حياته أن يتاح له أن يراها كل يوم، وأن يكون كاتم أسرارها ~~وشاعرها وحامي ذمارها. وعد الملك تشارلس وجودها معه الوسيلة الوحيدة ~~لجعله أسعد الناس حالا وأنعمهم بالا. وهذا الافتتان بها - وهو أشبه ~~شيء بالجنون - صحبه إلى قبره، ويظهر أنها انغمست في كل ما كان في بلاط ~~الملك من الخلاعة والتهتك والدعارة وغيرها من مفسدات الأخلاق. وانقادت ~~على الخصوص إلى رذيلة القمار انقيادا ضحت في سبيله بكل شيء، وصارت ~~تقضي الليالي جالسة إلى مائدة المقامرة من المساء إلى الصباح، وكثيرا ~~ما كانت خسارتها تبلغ ألوفا من الجنيهات. ولما خسرت كل ما عندها من ms117 ~~النقود، واشتدت حاجتها إلى الدراهم، استعانت بزوجها، فأبى أن يساعدها ~~وقال لها إن أفضل شيء تفعله هو أن تعلن إفلاسها. # وكانت في هذا الوقت قد ناهزت سن الأربعين وصارت جدة، ولكن جمالها كان ~~باقيا في ريعان بهائه وإشراقه، وبه ظلت محاطة بالمحبين والعشاق ~~وبينهم الشفاليه دي سواسون ابن أختها أولمبيا. هذا الشاب أولع بهوى ~~خالته، وبلغ من شدة شغفه بها وغيرته عليها أنه دعا مناظره في هواها إلى ~~البراز، وكان من أعيان نروج، واسمه البارون دي بارير، فأصابه بجرح بالغ ~~أرداه بعد أيام. وهذه الكارثة راعت هورتنس، فظلت أسابيع في غرفتها لا ~~تقابل أحدا وهي مرتدية ثياب الحداد، وعازمة أن تقضي أيامها في دير. ~~ولكن هذا العزم لم يلبث أن زال، وعادت هورتنس إلى ما كانت عليه من ~~الانصباب على القمار وغيره من الرذائل الشائعة المستفيضة في ~~البلاط. # وزادت على الانغماس في القمار الإيغال في السكر، فأفرطت في تعاطيه ~~حتى عبث بصحتها وهد أركان قوتها، فلفظت نفسها الأخير وهي في ~~الثالثة والخمسين. وكانت قد قضت الأسبوع قبل وفاتها لم تذق فيه سوى ~~المسكر. وعندما نعيت إلى زوجها الدوق دي مازارين نقل جسدها إلى فرنسا، ~~وكان يأخذه معه في تجواله من مكان إلى آخر. # | التاج في سبيل الحب # من يزر مكتبة جامعة لوند في أسوج ويهمه الوقوف على بعض الأمور ~~العجيبة الغريبة يجد فيها رزمتي رسائل غرام تحتويان على ما يعد من ~~أهم المكتوب في هذا الموضوع. وعلى مر السنين والأيام حال بياض ورق ~~الرسائل إلى صفرة قائمة يعلوها الغبار، وفي كثير منها خفي سواد الحبر ~~فأصبح مطموسا تكاد العين لا ترى الحروف المكتوبة به. ومع أن الأنامل ~~التي تحركت في تسطيرها قد شلها الردى وحولها إلى تراب، فإن ~~كلماتها لا تنفك تختلج بعامل الحب الذي أوحى بها منذ أكثر من مائتي ~~سنة. وفي كل صفحة منها وصف شائق شامل لجميع الأدوار التي تتقلب فيها ~~حوادث الحب والغرام. فمن قطيعة وصد ويأس إلى تلاق وتواصل وتشاك ~~وتباك، ومن غيرة وتظلم وتنافر ms118 إلى مصالحة ومسالمة ومسامرة ومنادمة، ~~وغيرها من الأمور التي ربطت قلبي هذين العاشقين برباط الحب المتين، ~~وفي سبيله ضحى أحدهما بحياته وبذل الآخر حريته وتاجه. ~~••• # ولدت صوفيا دورثيا - بطلة فاجعة من أعظم فواجع الحب في تاريخ البشر - ~~في قلعة سل (في ألمانيا) في يوم من شهر سبتمبر سنة 1666، وهي ابنة جورج ~~وليم دوق سل من زوجة غير شريفة المحتد اسمها إليونور دولبروز ابنة ~~مركيز فرنسوي، كانت على جانب عظيم من الحسن والجمال. ومع ولادتها في ~~قصر ملكي وكون أبيها كبير أسرة برونسويك لونبرغ العريقة في المجد ~~والشرف فإن أنسباءها وذوي قرباها وأصحاب الشرف الأسمى والمقام الأسنى ~~أنكروها وتبرءوا منها، وكان أشدهم ازدراء لها واستهزاء بها الدوقة ~~صوفيا زوجة إرنست أغسطس أخي دوق سل، وجدة جيمس الأول ملك ~~إنكلترة. # ومع هذا الاستقبال الشائن الذي لقيته صوفيا دورثيا من أنسباء أبيها ~~نالت أكبر محبة وأعظم إعزاز من والديها وأهل بلاط سل. وهذا كله لا ~~يستعظمه من ينظر الآن إلى صورتها في أحد متاحف الصور الجميلة، ويشاهد ~~على محياها المحاسن الباهية الباهرة التي خصتها بها الطبيعة ~~وجعلتها أجمل فتاة في عصرها. وتدرجت في سني حداثتها مترقية في كل ما ~~جعلها كعبة الأفكار وقبلة الأنظار. وقضت هذا الطور - طور الحداثة - ~~في فرح وسرور ولعب ولهو مع أولاد من سنها، بينهم الفتى الجميل الكونت ~~فليب فون كونغسمارك الذي اتصل بها فيما بعد اتصالا انتهت فيه حياة ~~كل منهما بفاجعة أليمة. # ولما كانت دورثيا ابنة عشر سنوات ذهب أبوها دوق سل بزوجته - والدة ~~دورثيا - التي كانت دونه في شرف المحتد إلى الكنيسة، حيث احتفل ~~باقترانهما رسميا أمام أهل البلاط، وكان ذلك بموافقة إمبراطور ~~ألمانيا. فأصبحت إليونور المنبوذة المحتقرة زوجة ملك سل، وارتقت ~~ابنتها إلى مصاف الأميرات. وهذا الشرف العظيم اتفق أنها نالته عندما ~~بلغ هلال جمالها التمام، وبات موضوع حسنها ورفعة شأنها ووفرة غناها ~~حديث الخاص والعام. # وبعدما كانت موضوع الهزء والازدراء عند دوقة صوفيا - زوجة عمها - ~~المتغطرسة صار لها عندها شأن عظيم، وعزمت أن تخطبها ms119 لابنها جورج لويس؛ ~~لأنها رأتها فائقة في حسنها وجمالها وعلمها وتهذيبها وكثرة ثروتها؛ ~~لأنها وارثة أبيها الوحيدة. فباتخاذها زوجة لابنها تمهد سبيل الاتحاد ~~بين إمارتي سل وهنوفر. وكان زوجها إرنست أغسطس صاحب عرش الإمارة ~~الثانية. # وكانت الدوقة صوفيا معروفة بمضاء العزيمة وقوة الإرادة، فما أبطأت ~~أن مهدت عقبات الموانع وذللت أعناق الصعاب وعقدت إكليل ابنها على ~~ابنة عمه الأميرة صوفيا دورثيا. أما العروس فقد قال فيها بعض واصفيها: ~~«إنها كانت حنطية اللون سوداء الشعر نجلاء وردية الخدين جميلة المبسم ~~طويلة العنق، وجميع ملامحها وأعضاء جسدها متناسقة متناسبة على ما يرام ~~من حسن الانتظام وجودة الالتئام. وقد استوفت قسطها من فصاحة اللسان ~~وسرعة الخاطر وسلامة الذوق، وضربت بسهم كبير في العلوم والآداب وفنون ~~الرقص والموسيقى وغيرهما.» أما الفتى الأمير جورج لويس الذي لنكد ~~طالعها اختير زوجا لها، فكان لسوء الحظ جلفا فظا أخرق سيئ الأخلاق ~~وفاسد الآداب. # وهذا العقد كان من أشأم عقود الزواج طالعا وأسوئها مصيرا، ولما ~~علمت الأميرة دورثيا به انقضت عليها صاعقة الغم والأسى، وعندما قدم ~~إليها أبوها هدية الدوقة صوفيا، وهي تمثال صغير لصورة جورج لويس مرصع ~~بالألماس ضربت به عرض الحائط ضربة عنيفة، سحقته ونثرت حجارة الألماس في ~~أرض الغرفة. ولم ترض أن تشاهد خطيبها إلا بعدما ألحت عليها والدتها ~~وذرفت دموع التوسل والاستعطاف. وحين وقعت عيناها عليه سقطت مغمى عليها ~~في حضن والدتها، ولما وقفت بجانبه يوم الاحتفال بزفافها إليه في كنيسة ~~قلعة سل غشيت المعبد ظلمة مطبقة تكاد تلمس باليد، وحالت جلجلة السحب ~~والعواصف دون سماع شيء من أصوات الكهنة والمرتلين. # وإن لم تكن غلطة زوجها وصاعقته كافيتين لإخماد أنفاس سعادتها وتصويح ~~زهرة هنائها في فجر صباها - وكانت ابنة ست عشرة سنة فقط في يوم عرسها - ~~فقد زاد عليهما ما لقيته من العنت والانزعاج في أسلوب معيشتها في بلاط ~~هنوفر؛ حيث حفتها مجالي الأبهة والسؤدد، ومظاهر العظمة والفخامة، ~~وقيدتها أغلال الاحتفاظ بقواعد المعاشرة وآداب السلوك. فلا يؤذن لها ~~في الخروج من القصر إلا في ms120 مركبة فخمة مذهبة تجرها الجياد ~~المطهمة يعلو جيادها الخفراء والحجاب ويتقدمها العداءون. هذه ~~الزخارف والبهارج ثقلت وطأها على العروس الحديثة السن، فحنت نفسها ~~إلى عيشة اللهو والمرح في ظلال حديقة القلعة في سل مع رفيقاتها ~~ورفقائها أيام حداثتها. ومما ضاعف أسباب الحسرة والوحشة عندها أنها لم ~~تسعد قط في بلاط هنوفر بسماع كلمة لطف أو برؤية نظرة حنان تتعوض بهما ~~ما فقدته من حنو والدتها ولطف أبيها. لم تجد شيئا ينسيها لذة قبلات ~~الأم وابتسامات الوالد. فلم يكن لها من التعزية سوى معاشرة وصيفتها ~~التي استصحبتها، فكانت تخلو بها متذكرة مسرات أيامها الغابرة. # وكان شقاء حالها ينمو ويزيد على مر الشهور وكرور السنين؛ لأن إهمال ~~زوجها لها وعدم مبالاته بها تحولا شيئا فشيئا إلى جفاء فقسوة ~~فشراسة وحشية، فإنه لم يكتف بتخليه عنها وإغفاله لها، بل زاد عليها أن ~~نقض عهد محبتها وتبدل بها على مرأى ومسمع منها الهيام بغيرها، ~~كعقيلة بوش وعقيلة فون شولنبرغ الضخمة الجسم والخشنة الملامح التي ~~جعلها فيما بعد عندما صار ملك إنكلترة دوقة كندل. ولما وبخته زوجته ~~على خيانته ونكثه لعهد المحبة والولاء استشاط غيظا وحنقا، وأمعن في ~~تنقصها وتحقيرها. وقد رزق منها ابنا وابنة، ولكن هذه العلاقة ~~الجديدة بينهما قصرت على أن ترده عن غيه وتستميله إلى الفتاة التي ~~عاهدها على الولاء والوفاء. # فليس عجيبا بعد هذا أن نرى الأميرة دورثيا ناشطة من عقال الخضوع ~~للذل، وقد أبت عليها عزة نفسها احتمال الضيم، وتاقت إلى المؤاساة ~~والمحبة، فأتاح لها القدر الحصول عليهما كلتيهما متنكرتين في صورة ~~غارة خطيرة؛ فبعد زواجها بست سنوات جاء إلى بلاط هنوفر الكونت فليب ~~كونغسمارك أليف حداثتها، وقد أضحى الآن شابا في الثامنة والعشرين من ~~سنه، جميل الطلعة نبيل الشأن ذائع الصيت في البسالة والإقدام، وقد ~~استطارت شهرة بأسه وشجاعته في أنحاء أوروبا، وكان ممن يشار إليه ~~بالبنان في شدة ذكائه وكثرة غناه وفرط سخائه، فلقي في بلاط هنوفر ما ~~يستحقه من الحفاوة والإكرام. ولكونه جنديا متفوقا في الفنون ~~العسكرية ms121 ولاه الدوق أرنست هنوفر قيادة حرسه، وأصبحت أبواب القصر ~~مفتوحة أمامه يدخل ويخرج منها كلما شاء. وكانت الأميرة دورثيا رفيقته ~~في اللعب منذ عشر سنوات أشد سكان القصر ترحيبا به؛ إذ وجدت به خير ~~جليس ينصت إلى سماع شكواها المرة بملء الشعور والمؤاساة. # وقد يتعذر تصور موقف أشد تعرضا للخطر من موقف خلو الأميرة ~~بصديقها الحميم القديم؛ فإن محبة كونغسمارك في أيام حداثته لدورثيا ~~الصغيرة - تلك المحبة الطاهرة النقية - أخذت تتحول الآن شيئا فشيئا ~~إلى غرام وهيام. وهذا الشغف الشديد الذي تملك فؤاده جرف تياره قلب ~~صوفيا دورثيا، ولكن لا على رغمها، بل برضاها واختيارها. ولما ذهب ~~الكونت إلى بلاد المورة لمحاربة الأتراك أخذ قلب الأميرة معه، ومن هذا ~~الوقت ابتدأت المكاتبات بينهما وانتهت بمقتل كونغسمارك. # فمما قاله لها في أول رسالة بعث بها إليها: «ما أغلى ما أتكلفه في ~~سبيل محبتي لك. فهل يتاح لي أن أتمتع بمشاهدتك مرة أخرى يا حياتي ~~وإلهتي؟ ومجرد افتكاري في احتمال انقطاع الأمل من تلاقينا هو عندي ~~عبارة عن الموت، بل شر منه. فلا يخطر هذا الاحتمال على بالي إلا ~~ويدفعني إلى البخع والانتحار. ولكن لما كان من المحتم علي أن ~~أعيش، فإن حياتي تكون دائما وقفا عليك.» ثم كتب إليها بعيد ذلك: ~~«أعندك أقل ريب في حبي لك؟ إنه يفوق الوصف، والله على ما أقول شهيد. ~~وليس الغم الذي أعانيه سوى نتيجة مفارقتي لك، وقد يصعب عليك تصديق ~~كلامي هذا، ولكنه كلام رجل شريف لم يتعود الكذب قط. إذن ثقي بما ~~أقوله لك، واعلمي أن جزعي كثيرا ما يشد وطأته علي حتى أوشك أن أغيب ~~عن صوابي ... ولولا كتابك الذي بعثت به إلي لكنت في شر حال. إني ~~بملء الرضا والمسرة مستعد أن أضع عند قدميك حياتي وشرفي ومستقبلي وكل ~~ما أملكه.» # وكثيرا ما كانت هذه الرسائل تتضمن وصف ما يعانيه من تباريح الغيرة ~~واليأس. فقد كتب في واحدة منها يقول: «لقد ساءني ما آنسته في كتابك من ~~الفتور، وقضيت ليلي في ms122 أرق وحزن ويأس، فجثوت على ركبتي والدموع تنهال ~~من سحب أجفاني، وابتهلت إليه تعالى أن يريحني من حياتي إذا صح أنك ~~هجرتني ونسيتني.» # ثم كتب إليها في رسالة أخرى: «لا يسعني أن أصف لك شدة حزني وأسفي ~~عندما علمت أنك كنت بين ذراعي غيري. إن محبتي لك أشبه بالعبادة، ~~بل هي العبادة نفسها. ومع هذا كله لا يمكنني أن أراك لغيري. إن عذابي ~~من جراء هذا الأمر يفوق جميع أنواع العذاب التي في جهنم. فمتى ترأفين ~~بي وتعطفين علي؟ متى أتغلب على ما أراه فيك من فتور وقلة اهتمام؟ ~~أأظل إلى الأبد محروما التمتع بلذة مسرة تامة خالية مما يكدر ~~صفاءها؟ إن مسرة كهذه أنشدها عندك، فإن لم تسعديني بالحصول عليها ~~فعلى الدنيا كلها السلام.» ولما رقت الأميرة له وضربت له موعدا ~~لاجتماعهما كتب إليها يقول: «أرى الدقائق في عيني أطول من السنين. ~~فمتى تحين الساعة الثانية عشرة؟ متى يأتي الأجل المضروب؟ الليلة! نعم، ~~نصف الليل أعانق أجمل غادة، وأقبل أعذب ثغر. حقا إن سروري يكاد ~~يقتلني!» # ولم تكن رسائل الأميرة إليه تقل عن رسائله إليها من حيث وصف لواعج ~~الشوق وتباريح النوى؛ فقد كتبت إليه مرة تقول: «جرعني فراقك مرارة لا ~~أنساها إلا إذا ذقت حلاوة لقائك. إن احتمال فراقك فوق طوقي، ووقتي ~~أقضيه بالبكاء حتى يغشى علي. لقد أحببتك حبا يفوق جميع ما عرفه ~~الناس من حب النساء للرجال. والحق أقول لك إن حبي هذا سينتهي بحياتي.» ~~ولما كان كونغسمارك في ساحة القتال ساورتها المخاوف فكتبت إليه: «إن ~~كنت تحبني فابذل ما تستطيعه من العناية بنفسك والمحافظة على حياتك. ~~وأقل مكروه تصاب به يكون سببا للقضاء على حياتي. ولكن ... يا لسروري ~~وابتهاجي حين ألقاك عائدا إلي سالما! حينئذ يتعذر علي أن أملك ~~قياد نفسي، فيفتضح أمري لدى كل من يراني. ولكن هذا لا يهمني؛ لأنك أهل ~~لأن أضحي في سبيل هواك بكل عزيز وغال.» # وكتب إليها كونغسمارك جوابا عن إحدى رسائلها يقول: «طلبت إلي أن ~~أزيدك إثباتا وتوكيدا ms123 لحبي لك. فاعلمي أني لن أحول عن عهد ولائي ~~ما دام في عروقي قطرة دم، وما دام في صدري نفس يتردد. فأنت أغلى ~~ذخر عندي وأنفس كنز. وإني لأبذل كل ما في العالم ثمن قبلة من شفتيك ~~الحلوتين. إني أكره الحرب وأمقت كل ما يقضي بفصلي عنك. فمن لي بأن ~~أكون دائما معك في الحياة والموت؟» # وبعدما وصلا إلى هذه الحالة من شدة شغف كل منهما بالآخر، لم يبق ~~في إمكانهما أن يظلا في مأمن من عيون الرقباء والعذال. وخافت الأميرة ~~على الكونت من كيد الكائدين، فتوسلت إليه أن يكف عن المجيء إليها ~~فأجابها: «لا أنقطع عن زيارتك إلا إذا انقطعت عن العالم بأسره وصرمت ~~حبل حياتي بيدي.» # وقد تلاقيا عدة مرات خلسة، وكانا في كل دقيقة منها عرضة لخطر الوقوع ~~في أيدي الرقباء والجواسيس. وكتبت إليه الأميرة مرة عن موعد لقاء، ~~فقالت: «أتوقع طروقك من الساعة العاشرة مساء إلى الساعة الثانية بعد ~~نصف الليل. ولست تجهل العلامة أو الإشارة التي اتفقنا عليها، وباب ~~السور يبقى دائما مفتوحا. فلا تنس إبداء الإشارة الأولى. وسأنتظرك ~~تحت الأشجار. وبفروغ صبر أتوقع قدومك. ولو كان الفرح يقتل لم يبق ~~علي. ولسوف تجدني كما تعهدني مستعدة لأن أمتعك بقبلات حارة فتأسف ~~أشد الأسف على ارتيابك في صدق مودتي.» أما شدة ابتهاجهما بهذه ~~الاجتماعات السرية على رغم المخاطر المحدقة بهما فقد فاقت الوصف، وأشار ~~إليها الكونت غير مرة في رسائله إلى الأميرة؛ من ذلك قوله: «لا أستطيع ~~أن أنسى تلك الدقائق الحلوة اللذيذة. فما كان أعظم سرورنا وأشد ~~اغتباطنا. ليت تلك الدقائق تحولت إلى شهور وسنين وصارت العمر كله، أو ~~ليتها على الأقل تعود من وقت إلى آخر. بل ليتني قضيت نحبي في آخر دقيقة ~~منها ثملا براح حبك ورحيق ثغرك.» # ولكن من المعلوم أن سعادة كهذه لا يكتب لها طول البقاء، بل تكون ~~دائما قصيرة العمر وسريعة التحول والزوال؛ لأنه كان لهذين العاشقين ~~المستهامين كثيرون من الأعداء في بلاط هنوفر، وجميعهم واقفون لهما ~~بالمرصاد ms124 يبثون عليهما العيون والأرصاد، ويخفون الحبائل والمصايد، ~~وكان أشدهم اجتهادا في التنكيل بهما الكونتس بلاتن محظية دوق هنوفر، ~~فإنها كانت قد سبقت وعرضت لفون كونغسمارك وراودته عن نفسها، فأعرض عنها ~~مزدريا لها ومستخفا بها، ومضرما في قلبها نار ضغينة لا تعرف ~~الخمود. وحدث أن كونغسمارك أقام حفلة ذات ليلة تنكر فيها الراقصون ~~والراقصات وحضرتها الأميرة وغيرها من أعضاء الأسرة المالكة، وفيما كان ~~المدعوون جالسين حول مائدة الطعام سقط قفاز الأميرة على غفلة منها، ~~ورأته الكونتس بلاتن، فسولت لها نفسها الشريرة انتهاز الفرصة السانحة ~~للانتقام، والتقطت القفاز وأخفته، ثم طلبت إلى كونغسمارك أن يخرج معها ~~لقضاء بضع دقائق تحت خميلة في الحديقة، وهناك أوغلت في مداعبته ~~ومغازلته وشغلته عن سماع وقع خطوات، حتى وقف رجلان أمامهما في ضوء ~~القمر؛ وكانا الكونت بلاتن وجورج لويس زوج الأميرة، فاضطربت الكونتس ~~وصاحت تنذر كونغسمارك وتستعجله في الهرب، وفي أثناء فرارها ألقت القفاز ~~عمدا، فالتقطه جورج لويس وعرف أنه لزوجته، فحمي غضبه، وكان منذ وقت ~~طويل يرى ما يريبه من العلاقات بين زوجته وكونغسمارك. والآن لم يبق ~~عنده أقل شك في أنه هو ذلك الرجل الطويل القامة الذي أبصره في ضياء ~~القمر يفر بالأميرة من أمامهما. # وقد اقترنت هذه المكيدة بالنجاح الذي توقعته الكونتس؛ فإنها أسفرت عن ~~وقوع خصام شديد بين جورج لويس وزوجته. وأخذت الأمور تسير سيرا حثيثا ~~نحو الخاتمة المحزنة، وظل العاشقان الوالهان ثملين براح الغرام ~~وغافلين عن الخطر المحدق بهما. # ففي مساء يوم من شهر يونيو كتبت الأميرة إلى كونغسمارك تدعوه إلى ~~موافاتها في جناح القصر المختص بها، فأسرع إليها مفتكرا ومتقلدا ~~سيفا قصيرا تحت ثيابه، وأدخلته الوصيفة إلى حجرة الأميرة. وكان ~~جواسيس الكونتس يراقبونه، فساروا في أثره حتى دخل الحجرة، وذهبوا على ~~الفور وأخبروا الكونتس، فطيرت الخبر إلى دوق هنوفر، ففوض إليها أن ~~تضع أربعة جنود من حملة الرماح والفئوس خارج غرف الأميرة ليعتقلوا ~~كونغسمارك عند خروجه منها. ولم تبطئ بأن جاءت بأربعة الجنود وأقامتهم ~~على أبواب الغرف، وأصدرت إليهم أمرها ms125 قائلة: «يجب أن تقبضوا عليه حيا ~~أو ميتا.» # وبعد ساعات قبل الكونت الأميرة قبلة الوداع وانطلق جذلا ~~مسرورا حتى وصل إلى الباب الذي دخل منه، وكان قد غادره مفتوحا، فإذا ~~به مقفل! وفيما هو يدور ليعود من حيث أتى انقض عليه الجنود الأربعة ~~من مكمنهم واصطادوه كالجرذ في الفخ. ولكنه عزم أن يموت موت الجندي ~~الباسل في ساحة القتال، فاستل حسامه وحمي وطيس الكفاح بين أربعة ~~هاجمين على واحد، وهذا الواحد أشد من الأسد بأسا وإقداما، ومن أبرع ~~رجال أوروبا في استعمال السيف. فعاجل أحد الأربعة بضربة جندلته قتيلا ~~وأتبعه الثاني، وإذ ذاك انشطر حسامه شطرين وأصابته ضربة فأس على رأسه ~~فخر صريعا، وتلتها طعنة رمح اخترقت حشاه، ولكنه عند سقوطه صاح: ~~«أبقوا على الأميرة! أبقوا على الأميرة البريئة!» # وكانت الكونتس بلاتن مختبئة وراء الباب وشاهدت فريستها مطروحا ~~مضرجا بدمائه، فبرزت إليه تجرعه غصص التشفي والشماتة، وكان لم يزل ~~فيه بقية رمق، فلما رآها حانية عليه تلحظه بعين الفرح والسرور شرع وهو ~~يلفظ النفس الآخر يمطرها بوابل اللعنات حتى أسعر نار غيظها وحنقها، ~~فرفعت رجلها ووطئت فاه بأخمص قدمها. # وبعد دقائق معدودة قضى كونغسمارك نحبه واسم الأميرة التي بذل حياته ~~في سبيل محبتها ملفوظ مع آخر نفس خرج من فمه. وقبل طلوع الفجر جروا ~~جثته إلى حفرة مملوءة بالجير، فألقوها فيها وأخفوها عن الأنظار. # وبعد أيام قضتها الأميرة متقلبة على جمر الانتظار علمت بمصرع ~~حبيبها، فبلغ منها الحزن واليأس مبلغا يفوق حد التصور. وكانت منذ ~~سنوات قد كتبت إليه تقول: «إن حياتي مرتبطة أشد الارتباط بحياتك؛ فلن ~~أعيش دقيقة بعدك.» والآن لم يبق لها بعد موته سوى أمنية واحدة؛ وهي أن ~~تموت وتدفن بجانبه. ولكن المراقبة الشديدة التي أحيطت بها من كل جانب ~~حالت دون مرامها، وغادرتها تتجرع مرارة اليأس. ~~••• # وبعد مقتل كونغسمارك فتشوا منزله وأخذوا أوراقه التي أعلنت مطالعتهم ~~لها خفايا علاقات الأميرة بعاشقها، وشدة كراهيتها لآل هنوفر عموما ~~وزوجها خصوصا، فلم يبق عند أحد أقل ريب في خيانتها، ms126 فنقلوها إلى قرية ~~أهلدن البعيدة حيث شددوا عليها المراقبة، وبعد قليل صدر الحكم ~~بطلاقها من زوجها. ومن ذلك الحين عدت ميتة في صورة حية، فانقطع ذكر ~~اسمها في بلاد هنوفر، وحذف من صلوات الكنيسة، ومحي من السجلات ~~الرسمية، وأوصدت دونها أبواب بلاط أبيها، فقضت اثنتين وثلاثين سنة ~~رهينة أسر ذاقت فيه أمر صنوف الإرهاق والإذلال، ولم يكن يرجى لها ~~الخلاص منه إلا بالموت، ولم يؤذن حتى لوالدتها أن تراها. وهذا الحرمان ~~كان أمر جرعة في كأس عذابها وعقابها. # وفي سنة 1714 ارتقى زوجها إلى عرش بريطانيا باسم جورج الأول على أثر ~~وفاة الملكة حنة. ولما بلغها هذا الخبر لم يبد منها أقل زفرة حزن أو ~~أسف على ما أضاعته من العظمة والمجد في حرمانها حق التمتع بلقب ملكة ~~إنكلترة، ولم تطلب سوى منحها حق حرية الحياة. وهذا الحق أباه زوجها ~~عليها ولم يسمح لها به، وبعد ثلاث عشرة سنة أجاب الموت ملتمسها وأراحها ~~من عذابها، والتابوت الذي ضم رفاتها ألقي في قبو القلعة بما لا مزيد ~~عليه من الازدراء والاحتقار ريثما يصدر أمر زوجها الملك بدفنها. ثم ~~نقلت جثتها ليلا إلى كنيسة سل؛ حيث دفنت تحت المذبح من غير أن يصلى ~~عليها. # وبعد شهر برح جورج الأول لندن إلى هنوفر، فلما وصل إلى تخوم هولندة، ~~وكان الوقت نصف الليل ألقيت إليه رسالة من نافذة المركبة وسقطت على ~~ركبتيه، وكانت هذه الرسالة من زوجته المتوفاة تعنفه فيها على شدة ~~إساءته إليها وجوره عليها، وتدعوه إلى الحضور معها في غضون سنة، ويوم ~~للمحاكمة أمام كرسي الديان العظيم، فلم يفرغ من تلاوة الرسالة إلا سقط ~~مغشيا عليه. ولم يعتم أن أسلم الروح ومضى ليقف أمام محكمة الله ~~العادلة. وكانت وفاته في المكان الذي ولد فيه - قصر أونسبروك - منذ سبع ~~وستين سنة. # | سيدة فرسايل المجهولة # في يوم من شهر مايو سنة 1858 احتشد جمهور غفير أمام منزل عليه رقم 11 ~~من شارع مارشه الجديد في حي سنت لويس من فرسايل يتلون بمزيد الدهشة ~~والاستغراب ms127 ورقة كبيرة مكتوبا عليها بيان تركة رجل معدة للبيع، ~~وهذا الرجل كان في حياته كلها معروفا باسم الآنسة هنريت جني سافليت دي ~~لانج. وقد أمعنوا في القهقهة والضجيج ساخرين من الأشياء المعروضة ~~للبيع، «بينها أدوات زينة امرأة وثلاثين حلة معظمها من الحرير ~~وغيرها.» # ولو أن صاعقة انقضت على فرسايل لكان ذعر سكانها أقل جدا من ذعرهم ~~حين علموا أن الآنسة دي لنج كانت رجلا! ولم يكن في فرسايل من يجهل هذه ~~الآنسة العجوز الهرمة الطويلة القامة الضاوية العجفاء، التي كانت في ~~أواخر أيامها كالخيال من شدة النحول والهزال، وكانوا يرونها كل يوم في ~~الأسواق والشوارع إما لشراء ما تروم ابتياعه وإما للتطوف والتجوال، ~~ووراءها زرافات من الصبيان يزعجونها بصخبهم وضوضائهم. # فمن كانت هذه المرأة المجهولة التي جالت بينهم كل يوم غير ملتفتة ~~إلى أحد ولا حافلة بأحد؟ هذا سؤال ظل سنين طويلة ملء الأفواه تردده ~~الألسنة والشفاه، ولم يستطع أحد أن يجيب عنه، وكانوا يعلمون أن لها ~~أصدقاء كثيرين من ذوي المقامات الرفيعة والمناصب السامية. # والآن قد توفيت وزاد سر حياتها غموضا وخفاء. كانت الآنسة دي لانج ~~رجلا قضى هذه السنين كلها متنكرا في زي امرأة، وتمكن من حفظ سر ~~التنكر مكتوما. ولما ذاع بعد وفاته اتسع للناس مجال التكهن والتقول ~~والبحث عن حقيقة الرجل وأسباب تنكره، فزعم بعضهم أن هذه السيدة ~~المجهولة لم تكن سوى دوفين (لقب ولي العهد في فرنسا سابقا) الذي كان ~~منذ سنين بعيدة قد فر من سجنه، وذهب إلى حيث لا يعلم أحد عنه شيئا، ~~فلا يبعد والحالة هذه أن تكون الآنسة دي لانج لويس السابع عشر صاحب ~~الحق الشرعي في عرش فرنسا؛ لأنها بالغة السن التي كان يجب أن يبلغها هو ~~لو بقي حيا. وعلاوة على هذا كله تذكروا المشابهة التي كانت بينها ~~وبين والد دوفين أي لويس السادس عشر - الملك المقتول. وهذا الزعم ~~تناقلته الألسنة، وسمع به سكان فرسايل فرسخ في أذهانهم كلهم أن ~~السيدة الخفية هي دوفين الضائع، الذي عاش بينهم عيشة ms128 الذل والشقاء ~~وغيره - الذي اغتصبه عرشه - تمتع بما شاء من العظمة والمجد والرغد ~~والصفاء. # ولكن هذا يخالف ما روته الآنسة عن نفسها؛ فإنها منذ خمسين سنة جاءت ~~إلى باريس مدعية بأنها ابنة م. سافلت دي لانج الذي كان أمين الخزانة ~~الملكية في عهد لويس الخامس عشر. وقالت إن أباها جر الخراب على نفسه ~~بأن أقرض الكونت دارتوي خمسة ملايين فرنك ومات فقيرا متربا، وغادرها ~~بائسة تعيش على أبواب أهل النجدة والمرحمة. وبعد زوال عهد الذعر ~~والإرهاب جعلت لها الحكومة راتبا سنويا جزاء إخلاص أبيها وأمانته. ~~وأعدت لها مسكنا في قصر فرسايل. وهذا وذاك تعويض حقير عن ملايين ~~الفرنكات، ولكن إذا كان الكثير خيرا من القليل، فالقليل خير من ~~العدم. # وكثيرون من عظماء رجال فرنسا وشريفات نسائها عطفوا على الآنسة دي ~~لانج المنكودة الحظ، ومدوا إليها أيدي المساعدة ورحبوا بها في قصورهم ~~وأنديتهم. وكان صوانها مفعما بالهدايا النفيسة الفاخرة من الأمراء ~~والأميرات، وشملتها الملكة إميليا والأمير لويس نبوليون برعايتهما ~~وجعلاها تحت حمايتهما. # ومع هذا كله لم يلح على وجهها أقل شيء من علامات طيب النفس ونعيم ~~البال، بل كانت على الدوام عرضة للقلق والانزعاج مذعورة مروعة ~~ومسلوبة الراحة والطمأنينة، ولا تستطيع القرار في مكان واحد، بل كانت ~~تنتقل من محل إلى آخر في باريس وفرسايل كالحركة الدائمة التي لا تعرف ~~السكون حتى أحصي عدد عنواناتها المتغيرة بالمئات، وفيها كلها ظلت محاطة ~~من كل جانب بحجب الغموض والخفاء بين الذين تساكنهم وتجاورهم، فلا ~~يستطيعون أن يعرفوا عنها شيئا على الإطلاق. ولا بد أنها كانت على شيء ~~من المحاسن الشائقة الجذابة، فقد عرض لها في حياتها حادثتا عشق وغرام ~~كانتا كلتاهما موضوع حديث الخاص والعام، وفي إحداهما استعدت للزواج ~~حتى باتت منه قاب قوسين أو أدنى. وكان أحد الخطيبين كاتبا في الحكومة ~~والآخر ضابطا في الجيش. وهذا الأخير ظل ست عشرة سنة مقيما على ~~ولائه لها وغرامه بها، ويقال إنه مات متجرعا غصة تركها له وفصمها لعقد ~~خطبته. # ومن رسائل هذا الضابط يستدل ms129 على أن حبيبته نغصت عيشه وكدرت صفاء ~~هنائه بنشوزها وغرابة أطوارها. وقد كتب إليها سنة 1831 يقول: «لم ~~يستطع مرور الزمن أن يغير شيئا من شعوري نحوك. وهذا الشعور أنت التي ~~أنشأته في منذ سنين عديدة. ومع ذلك أراك لا تزالين تسرين ~~بعذابي، تروعيني كل يوم بالتهديد والتعنيف والازدراء. وعلى رغم هذا ~~كله لا أنفك مستعدا لعمل ما تأمرينني به.» ولكنه بعد ثماني سنوات ~~يحطم نير استعبادها، ويكتب إليها قائلا: «يخيل إلي أنه لا سبيل ~~إلى ترضيك. ففي كل يوم أذرف دموع الأسف والندامة على معرفتي لك، ~~وألعن اليوم الذي لقيتك فيه.» # ومما يدل على شدة تمكنها من استمالة العشاق إليها وإغرائهم بها ~~ما كتبه إليها خاطب آخر، قال: «لم أجسر على أن أرجع إليك نقابك بنفسي. ~~وإني لآسف على تحميلك مئونة انتظاره، فأرده إليك الآن مصحوبا ~~بألوف من القبلات.» ثم كتب إليها بعد ذلك يقول: «كم يمكنني أن أمتع ~~نفسي بمشاهدتك هذه الليلة؟ ولك أن تكتبي إلي بأن تربطي حجرا صغيرا ~~بالرسالة وترميها من النافذة، فإذا كنت في منزلك حين رجوعي الساعة ~~التاسعة، فإني أقف في النافذة وأشير لك بعزمي على الخروج فتخرجين أنت ~~أيضا، وستكون الإشارة ما تسمعينه من إيقاعي على كمنجتي.» # هذا ما فعلته في أيام صباها؛ إذ كانت قادرة - مع أنها رجل - على ~~اجتذاب قلوب الشبان واصطيادهم بحبل المغازلة والمراودة. وظلت نصف قرن ~~تمثل هذا الفصل؛ فصل ادعاء كونها فتاة بما لا مزيد عليه من النجاح، ~~حتى إنه لم يخامر أحدا قط أقل شك في جنسها. واستمرت تقبض الراتب من ~~الحكومة بادعاء كاذب وباسم مزور، وتنعم بمجالسة ومعاشرة أشرف الأسر ~~في فرنسا. ولما أصابها المرض الأخير الذي ذهب بحياتها في شارع مارشه ~~الجديد عنيت اثنتان من جاراتها بتمريضها والسهر عليها. وفي صباح أحد ~~الأيام دخلتا غرفتها فوجدتاها ميتة على فراشها، وجيء بطبيب يكتب شهادة ~~الوفاة والإذن في الدفن. وفيما كان الاستعداد جاريا في تكفينها ووضعها ~~في التابوت اهتز المكان بضجيج الدهشة والاستغراب، وتناقلت الألسنة ~~بسرعة البرق ms130 خبر كشف السر المكتوم؛ أي كون الآنسة المتوفاة رجلا. وبعد ~~يومين صدر أمر الحكومة بدفن «الآنسة» في مقبرة سنت لويس بنفقة فرنكين ~~وخمسين سنتيما! # ولما فتحوا المنزل الحقير الذي كان سفليت مقيما فيه في شارع مارشه ~~الجديد وجدوا فيه من الأمتعة والأعلاق والعروض التي لن يخطر على بال ~~إنسان الاهتمام بجمعها، فمن كراسي متباينة الحجم متغايرة الطرز إلى ~~موائد مختلفة الأشكال، وآنية طبخ متنوعة وحلل من حرير مبعثرة، وآنية ~~خزف مكسرة، وزجاجات فارغة وبراميل محطمة، وعشرات من النقب (التنانير) ~~المختلفة الألوان، وقبعات ونمارق ووسائد وأطر صور (براويز) وطاقة زهر ~~في أصيص من خشب ومحقنة زنك. ووجدوا في صوان مقدارا كبيرا من ~~المنسوجات الحريرية الفاخرة وأوراق بنك بقيمة 21000 فرنك. وفي صندوق ~~كبير عدة أردية من المخمل النفيس وتسعة آلاف فرنك ذهبا. وفي صندوق ~~صغير سندات مالية على الحكومة بقيمة ألوف من الفرنكات، ويقول المسيو ~~لينوتر الذي لخصت عن كتابه تفاصيل هذه القصة: «من العجيب أنه لم يرد ~~ذكر المواسي بين المتروكات!» # ولم يعثروا بين هذه المتروكات على أقل شيء يستعان به على معرفة شخصية ~~صاحبها الذي اتخذ كل ما استطاع من الحيطة والحذر لكتمان سره في صدره ~~ودفنه معه في قبره. والقبس الوحيد الذي ألقى بعض الإيضاح على ظلام ~~الإبهام الحالك إنما هو البيان الآتي، وقد وجدوه مكتوبا على قصاصة ورق ~~بحروف غامضة مطموسة: # لقد جاء اليوم الذي فيه أهتك سر الخفاء عن خطاياك الفظيعة. ~~أفلا ترى أن جميع الذين حولك أخذوا يستشفون سر ريائك ~~ونفاقك؟ فعليك الإسراع في تطهير نفسك من أرجاس الشر وأدناس ~~الإثم ... الوداع أيها الوحش الضاري الذي تقيأته الأبالسة. ~~عد إلى أورليان لبيع الجبن والتوابل. الوداع ~~يا ميشيل! # أفكان اسمه سابقا ميشيل وكان يتعاطى بيع الجبن والتوابل في أورليان؟ ~~ومن كان هذا الرجل - أو المرأة - الذي ظل سر حقيقته أكثر من أربعين ~~سنة موضوعا لأحاديث الناس وضربهم في مفاوز الحدس والتخمين؟ ويقال إن ~~بعض معاصريه عاشوا وماتوا وهم يعتقدون أنه لم يكن سوى دوفين فرنسا. ~~ورجح ms131 غيرهم أنه في أيام صباه قتل ابنة سفليت وادعى أنه هو هي رجاء ~~تمكنه من إثبات حقه في الخمسة ملايين فرنك التي أقرضها أمين الخزانة ~~الملكية للكونت دارتوي. ولم تزل الحقيقة مجهولة حتى كشف عنها المسيو ~~لينوتر حجاب الخفاء بعد وقت طويل قضاه في البحث والتنقيب، وهي لا تقل ~~غرابة عما سبق ذكره من تاريخ سيدة فرسايل المجهولة. # ويؤخذ مما رواه لينوتر أنه كان في باريس في بدء الثورة الفرنسوية رجل ~~يدعى م. سفليت دي لانج أمين الخزانة الملكية الذي عرض نفسه للإفلاس ~~يوم أقرض أخا لويس السادس عشر عدة ملايين من الفرنكات، وكان أرملا وله ~~ابنة وحيدة جميلة تسمى جني. ولما بسط حكم الذعر والرعب رواقه كان ~~هذا الرجل في طليعة الذي طلبوا النجاة بالفرار، فهرب بابنته إلى بريتون ~~قاصدا السفر إلى إنكلترة حيث يقيم حتى تسكن عاصفة المخاوف ~~والاضطرابات. وفي طريقه لقي شابا نبيه الطلعة فصيح اللسان عرض عليه ~~أن يكون دليله إلى بريتون؛ لأنه يعرف طريقها جيدا فقبل منه ذلك ~~بالشكر. ووجده في أثناء الطريق خير رفيق يفيد ويسلي. # ولما وصل م. دي لانج إلى سنت مالو وجدها غاصة بالغرباء المهاجرين ~~العازمين على اجتياز البحر إلى إنكلترة، وبينهم الآنسة جين فرنسوى ابنة ~~المركيز دي ت. التي كان أبوها قد أرسلها لتلتجئ إلى إنكلترة مصحوبة ~~بخادم طاعن في السن عازما على اللحوق بها فيما بعد. وعلى الفور تمكنت ~~عرى المعرفة والصداقة بين الفتاتين - ابنة دي لانج وابنة المركيز دي ت. ~~- وطلبت الأولى منهما إلى أبيها أن يسمح لصديقتها وخادمها بالسفر ~~معهما، فأجاب أبوها طلبها، واستعد المهاجرون الخمسة (دي لانج وابنته ~~ورفيقهما الذي يدعوه ليونتر ب. وابنة المركيز دي ت. وخادمها) للسفر على ~~سفينة من سنت مالو إلى بليموث. # وبعد مسيرة يومين قال لهم ربان السفينة إنه لأسباب مهمة لا يستطيع ~~الذهاب إلى إنكلترة، وإنه ذاهب بهم إلى همبورغ. وعلى رغم ما أبدوه من ~~الاحتجاج والاعتراض ظل مصرا على عزمه، وسار بهم إلى همبورغ. وهناك ~~توالت عليهم الكوارث والمصائب، ms132 فأصيب خادم جين دي ت. بداء عضال أماته ~~بعد وصولهم إلى همبورغ بثلاثة أيام. ثم أصيب الباقون بعد بضعة أسابيع ~~بحمى التيفوس، فأودت بحياة م. دي لانج وبابنته جني من بعده. وفيما ~~كانت جني على فراش النزع صاحت بأعلى صوتها مخاطبة صديقتها جين فرنسوى: ~~«لا تنسي أن الكونت دراتوي غادرني أموت فقيرة، وأن عليه لأسرتي دينا ~~قدره خمسة ملايين فرنك!» # فلم يبق من خمسة المهاجرين سوى جين فرنسوى ابنة المركيز دي ت. ~~والمسيو ب. هذان وجدا الفقر ينيخ بكلاكله عليهما وينشب أظفاره فيهما، ~~فاضطرا أن يسكنا في قبو ويناما على أكداس الخرق والشعب اليابس. وكتبت ~~جين غير مرة إلى والديها مستغيثة مستجيرة فلم تظفر بجواب، ولما اشتدت ~~عليها حلقات الضنك والضيق وخيل إليها أن والديها تخليا عنها ولم ~~يهتما بإنقاذها من مخالب الجوع، اضطرت على رغمها أن تجيب طلب رفيقها ~~- الصديق الوحيد الباقي لها في العالم - وتعيش معه سرية له. # واتضح فيما بعد أن هذا الرجل ب. كان من شر الأوغاد الأنذال المطبوعين ~~على الخيانة والغدر والخداع والاحتيال، وبعدما أوقع هذه الفتاة في ~~شرك الاقتناص والاغتصاب، حدثته نفسه الأثيمة أن يسعى في استرداد ~~جانب من ملايين دي لانج، فكتب عدة كتب إلى الكونت دراتوي بإمضاء جني ~~دي لانج المتوفاة كابنة دائن الكونت، ولكنه لم يفز بطائل إما لعدم ~~وصول كتبه إلى الكونت وإما لعدم اكتراثه لها. # وقضت جين فرنسوى عدة سنوات تعاني مرارة الفقر والعار والأسر عند ~~هذا الطاغية، حتى انتهت الثورة وجاد عليها الزمان بالعتق والإطلاق. ~~ولكن هذا الإطلاق خافته عندما سنحت فرصته خوفا لا يقل عن شدة تمنيها ~~له قبل حصولها عليه. وراعها جدا إمكان اطلاع أهلها على السلوك الذي ~~أكرهتها الأحوال القاهرة عليه. وبعدما قضى والداها وقتا طويلا في ~~البحث عنها عرفوا مقرها، وبعثوا رسولا يجيء بها إلى بريتاني. وكان ~~الخبيث ب. قد بلغه أن الرسول قادم، فاختفى عن الأنظار قبل ~~وصوله. # وظلت جين فرنسوى مدة طويلة بعد رجوعها إلى بيت أبيها تقاسي آلام ~~الذكرى لعارها الغابر، ms133 وخوف افتضاح السر المدفون في أعماق صدرها. ولكن ~~على توالي السنين ضعفت الذكرى وقل الخوف. ولما جاءها الكونت دي س. ر. ~~خاطبا سرها أن تصير زوجة له؛ لظنها أنها أصبحت في مأمن من اتضاح ~~أمرها وافتضاح سرها. وبعد اقترانها بهذا الكونت بدت في مقدمة كواكب ~~الحسن والجمال التي أشرقت في ذلك الحين في سماء بلاط البوربون، وذاعت ~~شهرة جمالها كما انتشر صيت برها وتقواها. # وفي ذات يوم من سنة 1815 وقفت امرأة غريبة على بوابة قصرها، وطلبت أن ~~ترى الكونتس التي أمرت على الفور بإدخالها إليها. وبعد خروج الخادم ~~رفعت نقابها وسألت الكونتس: «هل عرفتني؟» # فارتعدت فرائص الكونتس من شدة الذعر؛ لأنها من فورها عرفت الرجل ب. ~~الذي أذلها، وهو المشارك لها في هذا السر المخيف الذي تفضل الموت ~~على انكشاف ستره. أما هو فصاح بلهجة الظافر المنتصر: «أراك عرفت ~~صديقتك القديمة جني سفليت دي لانج. حسن. فلنبحث في الأمر بملء ~~الصراحة.» ثم شرع يعلن خطته والكونتس مسلوبة الرشد مشردة الأفكار، ~~وخلاصة ذلك أنه عزم أن يمثل شخصية جني دي لانج المتوفاة، وباسم ابنة ~~الرجل الذي أقرض الكونت دارتوي خمسة ملايين فرنك، يطالب برد هذا المبلغ ~~إليه. ولكي يتمكن من السير في هذه الدعوى يحتاج إلى من يشهد له بصحة ~~دعواه، ويؤيده بماله من سمو المنزلة ورفعة المقام في البلاط. والكونتس ~~وحدها قادرة على قضاء هذه الحاجة. فإن أجابت اقتراحه ظل سر حياتها ~~في همبورغ مكتوما، وإلا فهي أدرى بالنتيجة. # فوقعت في حيرة وارتباك لا مزيد عليهما؛ لأنها كانت من جهة مهددة ~~بإفشاء سر لو ذاع لقضى عليها وعلى زوجها بعار وشقاء مدة حياتها. ~~وكانت من جهة أخرى مضطرة أن تصير آلة في يد شر إنسان تحت السماء. وبعد ~~التأمل اختارت الأمر الثاني، وفازت الآنسة «جني دي لانج» بالحصول على ~~مساعدة صديقة تمهد لها سبيل الوصول إلى ما عللت نفسها ~~بإحرازه. # ولم تقصر الكونتس في شيء من المساعدة التي وعدت بها. فعرفت ~~«الآنسة دي لانج» لجميع صديقاتها وأصدقائها حتى للأسرة ms134 المالكة، وأطنبت ~~في إطرائها ووصف فضائلها، وأذكت في القلوب نار الرأفة بها والشفقة ~~عليها، وتمكنت من حمل الحكومة على منحها راتبا سنويا ومسكنا في قصر ~~فرسايل، وغيرهما من المنح والامتيازات، ولكنها لم تستطع أن تساعدها ~~على تحصيل شيء من ملايين دي لانج؟ أما المخاوف التي كابدتها الكونتس في ~~هذه الأثناء من احتمال إفشاء عشيقها السابق لسر عارها مدفوعا إليه ~~بعامل اليأس من نيل ما كان يرجوه - هذه المخاوف التي كانت تتجرع ~~غصة عذابها كل ساعة - فإني أتركها لتصور القارئ. ولم تكن أهوال ~~معيشتها في همبورغ شيئا مذكورا في جنب عذاب الفكر الذي قاسته في هذا ~~الوقت العصيب الرهيب. # على أن «الآنسة جني» وفت بوعدها لكتمان السر، ولم تقتصر على ~~الاحتفاظ به، بل أعانت الكونتس على التمكن من مساعدتها بتكلف الظهور ~~فيما وصفتها به من الصفات الحميدة، فمثلت فصل امرأة مظلومة مقهورة ~~أحسن تمثيل، وحذقت كثيرا من الأعمال الخاصة بالنساء كالطبخ والخياطة ~~والتطريز وغيرها، وأتقنت صناعة مغازلة الرجال ومراودتهم. واستمالت ~~إليها قلوب كثيرات من السيدات الشريفات بما كانت تبديه أمامهن من سعة ~~الصدر وحسن الصبر على تحمل مصاب فقرها بالشكر. # ولكن من المحال أن تدوم الحال على هذا المنوال؛ لأن الكونتس سئمت ~~الإقامة على هذا الذل الشائن، فأطلعت زوجها على سر حياتها الماضية ~~واستودعت نفسها صفحه ورحمته، وتمكنت من تحطيم قيود الاستكانة ~~والانقياد إلى مشيئة ذلك الوغد الزنيم، وأغلقت دونه أبواب قصرها وأبواب ~~قصور أصدقائها الواحد بعد الآخر. # فلما رأى ما حدث وتحقق إفلات فريسته من يده اضطر إلى التسليم ~~بالواقع، ولم يبق له أقل حول أو طول على أن ينال الكونتس بالأذى، وشعر ~~بخطر القبض عليه ووقوعه في يد الحكومة. ومن ذلك الحين تملكه القلق ~~والاضطراب وعدم القرار في محل واحد، فأخذ يجول من مكان إلى آخر، والتزم ~~العزلة والانفراد واجتناب معاشرة الناس، وكانت خاتمة حياته وغرابة ~~أطواره على الوجه الذي سبق بيانه حين عرف الناس أن الآنسة جني سفليت ~~دي لانج المقيمة في شارع مارشه الجديد إنما هي رجل. ms135 # | اختفاء أرشديوق # ما أكثر القصص التي تروى عن أمراء هاموا بحب فتيات دونهم حسبا ~~ونسبا، وفي سبيل محبتهم لهن ضحوا بكل عزيز وغال من زخارف الملك ~~وبهارج العظمة والجلال. ولكن هذه القصص كلها مع ما فيها من غرائب ~~الحوادث ومدهشات الوقائع ليست شيئا يستحق الذكر بالنسبة إلى قصة ~~جوهان سلفاتور أرشديوق النمسا التي لا تزال حوادثها إلى الآن مدعاة ~~الدهشة والاستغراب، ولا يبرح سرها مودعا زوايا الغموض والخفاء. ولا ~~ينفك الفصل الأخير منها غير مكتوب، ومن يتح له أن يعيش ويقرأه فسوف ~~يرى فيه حوادث أعجب وأغرب من حوادث الفصول السابقة. # كان جوهان سلفاتور ابن الغراندوق ليوبولد وأقرب نسيب إلى إمبراطور ~~النمسا، وقد ولد وفي عروقه أشرف دم ملكي، وأعد له القدر أن يتمتع ~~فيما بعد بتراث سني مجيد، ومهد له دخول أسمى مقام يزينه عرش ~~معدود من أفخم عروش العالم. وفي حداثته لاحت عليه مخايل نجابة ونبالة ~~بشرت بأنه سيكون أسطع كوكب في سماء هذا المقام؛ فقد رزق أكبر قسط من ~~جمال الطلعة وذكاء العقل ونباهة الشأن، ومنذ صغره سمت به نفسه لأن ~~يكون عالما كبيرا وجنديا شهيرا. وقد أوتي ملكة تعلم اللغات ~~وقريحة وقادة في نظم الشعر، ونبوغا فائقا في الموسيقى وتضلعا في ~~العلوم الطبيعية. ولكنه أولع على الخصوص بعلم الحرب، وقبلما بلغ أشده ~~كان ملما بأكثر القواعد والمسائل المتعلقة بهذا العلم. # وكان خيرا له أنه لو اجتنب التعرض للشئون العسكرية؛ لأنه كان كلما ~~أوغل في الدرس والبحث والتقصي يزداد سخطا وكراهة للطرق العسكرية ~~القديمة المستخدمة في بلاده. ولم يضره ذلك لو أنه كتم آراءه أو ~~استعمل الحكمة والكياسة في إعلانها، ولكنه لسوء الحظ لم يكتمها ولا لزم ~~خطة الاعتدال في نشرها؛ فقد طبع على الثورة والإصلاح. وكان نظير ~~كثيرين ممن هم كذلك لا يتأنى في وضع آرائه، بل يندفع مستعجلا ~~محتدا في عرضها وإذاعتها. وأول خطأ ارتكبه في هذا القبيل نشره رسالة ~~انتقد فيها المدفعية النمسوية، وحمل أشد حملة على نظامها مبينا ما ~~فيه من العيوب الفاضحة، ms136 فحمي غيظ قادة المدفعية وكبار ضباطها من هذا ~~الانتقاد الجارح، حتى اضطر الإمبراطور نفسه أن يوبخه على طيشه ~~وتهوره. # ولكن الأمير جوهان لم يكترث لحنق القادة واستياء الإمبراطور، وخيل ~~إليه أنه مرسل لإصلاح الجيش النمسوي، ولا بد من تأدية هذه الرسالة. ~~وبعدما نشر رسالته المشار إليها طبع كتابا عنوانه «التدريب والتمرين» ~~انتقد فيه خطط النمسا الحربية انتقادا هتك فيه ستر عيوبها ونقائصها ~~من أولها إلى آخرها. فلما انتشر هذا الكتاب أحدث رجة هياج في البلاد، ~~فوقع أحسن وقع عند عامة الشعب وصغار الضباط، وانقض كالصاعقة على بلاط ~~الملك ووزارة الحربية، وأثار في النفوس دهشة وغيظا لا يعبر عنهما ~~بالكلام. وأخذ قادة الجيش وكبار ضباطه يتساءلون قائلين أما من وسيلة ~~لكسر يراع هذا الثائر وقطع لسانه؟ # أما الأرشديوق فنظر إلى العاصفة التي حرك ساكنها هاشا باشا، ~~وكان في استطاعته أن يهش ويبش لأن الأمة مؤيدة له. والنمسويون على ~~بكرة أبيهم تعشقوا صراحة وفصاحة الأمير الذي برهن غير مرة في ميدان ~~الكفاح في بلاد البوسنة أنه من نخبة أبطال الحسام كما هو من خلاصة رجال ~~القلم، حتى إن وزارة الحربية اضطرت أن تعترف بمقدرته الفائقة وترقيه ~~إلى رتبة فيلد مارشال وهو في سن يتمنى صاحبها وإن كان أرشديوقا أن ~~ينال رتبة كولونيل. # وهذه كلها لم يكن يتعذر تلافيها لو أن جوهان حصر حملاته في سبيل ~~إصلاح الجيش، ولكن طيشه ونزقه استأثرا به وأركباه مركب السياسة الخشن ~~الخطر. فارتأى تحرير روسيا من مساوئ حكومة القيصر باتحاد النمسا وفرنسا ~~على محاربتها. وتعرض لشئون البلقان السياسية، واتهم بسمارك بأنه يكيد ~~لآل هبسبورغ (الأسرة المالكة في النمسا). وبهذه الأمور وغيرها أصبح ~~خطرا يهدد سلام أوروبا العام. ولم تقف به رعونته عند هذا الحد من ~~المغامرة والتهور، بل دفعه خرقه وحماقته إلى مخاصمة ولي العهد رودلف ~~أعز صديق له، واستخف جهارا بالفيلد مارشال الأرشديوق ألبرت في أثناء ~~محاورته له. # وحينئذ فرغ صبر الإمبراطور عليه، فاستدعاه إليه وخيره في أمرين: ~~إصلاح سلوكه إصلاحا تاما أو ترك الجيش والتخلي ms137 عن منزلته الملكية. ~~فاختار الأمر الثاني وخرج من لدن الإمبراطور ساقط الوجه خاثر النفس، ~~وعلى الفور صدر الأمر بتجريده من رتبته العسكرية، وحذف اسمه من سجل ~~الجيش ومنعه من دخول البلاط الملكي. ولم يهمه سقوطه من منزلته الملكية ~~ولا حمو غضب الكبراء عليه . ولكن إخراجه من الجيش أفعم قلبه غما ~~وأسى، ولم يدر قط بخلده أن يعاقب عقابا شديدا كهذا؛ لأن الجيش كان ~~أعظم شيئا يعنى به على وجه الأرض، فبفصله عنه رأى الحياة عبئا ~~ثقيلا عليه يود إراحة نفسه منه. ولما رآه أصدقاؤه على هذه الحالة ~~نصحوا له بالصبر والتأني والإخلاد إلى الهدوء والسكينة ريثما تركد ~~رياح الأحوال، ويسكن غضب الإمبراطور ويرق قلبه، فعمل بمشورتهم. ولما ~~طال انتظاره وفرغ اصطباره استولى عليه اليأس والقنوط فزايل فينا وذهب ~~إلى ضيعته قرب غمندن، وأقام يتقلب على لظى السآمة والضجر، فكان يقضي ~~نهاره في الصيد والقنص وجانبا من ليله في الدرس والمطالعة. # ولم يلبث أن مل هذه العيشة الجافة ومال إلى طلب التسلية خارج ~~ضيعته، فبرحها إلى فينا، وأخذ يلهو في التردد إلى المسارح والمراقص ~~وغيرها من الملاهي. وفي ذات ليلة بينما كان في المسرح الملكي شاهد ~~بين الممثلات فتاة رآها فريدة في عقد الغيد الحسان كأنها إحدى حور ~~الجنان، وكان ذلك فاتحة عهد جديد له لم يعلم عنه قط شيئا من قبل. ففي ~~كل لمحة من قسمات وجهها البديع رأى جمالا باهرا خالبا، وفي كل نظرة ~~من عينيها الجميلتين آنس سحرا جاذبا. # وقبل أن غادر المسرح عزم على البحث عن ساحرة لبه وسالبة قلبه ~~والسعي في إحرازها. وفي تلك الليلة نفسها عرف من هي وأين تسكن، وكانت ~~ابنة تاجر من صغار التجار في فينا واسمها إملي ستوبل، ولها أختان ~~كلتاهما ممثلتان نظيرها. وكان لجمالها وبراعتها في التمثيل شهرة تحدث ~~بها جميع سكان فينا، وذاع صيتها في عواصم أوروبا. # هكذا كانت إملي ستوبل حين أسرت قلب نسيب الإمبراطور وهي خالية ~~الذهن لا تعلم شيئا عن هذا الأمر، ولم يبال الأرشديوق بكونها وضيعة ms138 ~~الحسب والنسب، فقد كان ساخطا أشد السخط على أهل النسب والرتب، هاجرا ~~لمجالستهم وقاطعا علاقاته بهم. ورأى إملي أجمل جميع الفتيات اللواتي ~~شاهدهن في قصور الملوك، وهي أغلى جوهرة تزان بها الصدور. # ولم يصعب عليه التعرف لها بصورة طالب علم، وهي عرفته هكذا لوالديها ~~اللذين أعجبا كل الإعجاب بجمال منظره ونباهة شأنه، وودا أن يتخذاه ~~صهرا لهما. ولم يمض وقت طويل حتى شغف حبه فؤاد إملي كما سبقت هي ~~وتصبته وسبته. وخيل لها أنها بخطبته لها ارتقت إلى أوج الغبطة ~~والسعادة، وثمل أبواها براح المسرة والابتهاج، وأصبح الخطيب يرى نفسه ~~أسعد إنسان في فينا. # وبعد بضعة أسابيع ذهبت إملي وأمها لتشاهدا عرض الجيش، وهناك فوجئت ~~برؤية ما أدهشها وكاد يذهب بصوابها؛ إذ إنها أبصرت خطيبها لابسا بذلة ~~رسمية سنية، وقالت في نفسها ما شأن هذا التلميذ الحقير بالوقوف ~~متنكرا في حلة بهية كهذه؟ فلا بد أن تكون مخطئة. ولكن لا محل ~~لاتهامها بالخطأ، فهو خطيبها لا ريب فيه. ثم سألت فتى واقفا بجانبها: ~~«من الواقف هناك؟» وأشارت إلى التلميذ خطيبها، فأجابها: «إنه ~~الأرشديوق جوهان.» # وفي اليوم التالي ذهب الأرشديوق إلى بيت خطيبته، فانبرت له والدتها ~~وأوسعته تأنيبا وتقريعا على سوء تصرفه؛ إذ حاول إغراء قلب ابنتها ~~متنكرا في زي تلميذ، وهذا أمر شائن لا يليق به وهي لا تسمح بوقوعه. ~~ومهما يكن من فقر ابنتها وضعة شأنها فهي أعف وأنزه من أن تتخذ ~~ألعوبة بيد واحد من أعضاء الأسرة المالكة. فأجابها جوهان مقسما لها ~~بأغلظ الأيمان أنه أحب إملي من كل قلبه محبة صادقة، وأنه لم يبق ~~أميرا ملكيا، بل هو الآن واحد من رعايا الإمبراطور كالهر ستوبل أبي ~~خطيبته، وأن أعظم شيء يتمناه في هذه الحياة أن يصير زوج إملي. فسكن غيظ ~~أم خطيبته، وبعد أيام قليلة احتفل بزفها إليه، ثم ذهب بها إلى ضيعته ~~حيث أقام في رغد وصفاء وسرور وهناء. # وبعد سنة نفض الأرشديوق غبار الخمول والبطالة، وجعل شعاره هذا القول: ~~«أطلب الحصول على حق السعي والعمل، ms139 وإن لم يؤذن لي في التمتع به في ~~بلادي طلبته في غيرها، وأرض الله واسعة الفضاء.» وعلى رغم ما أبدته ~~والدته العجوز من التوسلات وما ذرفته من الدموع ظل مصرا على عزمه، ~~فتخلى عن ألقابه وضياعه، وأعلن أنه من الآن فصاعدا سيكون اسمه ~~مقتصرا على «جوهان أورث». وقد وافقته قرينته على قراره هذا. وبرحا ~~كلاهما منزلهما في غمندن، وسارا إلى حيث ظلا مدة لا يعلم أحد عنهما ~~شيئا. # فزعم بعضهم أن جوهان اشتغل عاملا مأجورا اقتداء ببطرس الأكبر، ~~وادعى البعض الآخر أنهم شاهدوه في أحد مطاعم برلين. وآخرون قالوا إنه ~~مخبر إحدى الصحف الأميركية. ومهما يكن من صحة هذه الأقوال وكذبها، ~~فالمعروف أن الأرشديوق وزوجته كانا سنة 1890 في لندن حيث أعادا ~~اقترانهما رسميا. وقدم جوهان أورث امتحانا في فن الملاحة (سلك ~~البحار) ونال رخصة في تعاطيه. ثم شخص إلى همبورغ وابتاع سفينة شراعية ~~متينة مصفحة بالحديد يبلغ محمولها نحو ثلاثة عشر ألف طن واسمها ~~«سانتا مرغريتا»، وأقلع عليها مع قرينته إلى أمريكا الجنوبية، وكانت ~~مشحونة ملاطا (أسمنت). ومن هناك كتب إلى صديق له في فينا يقول: «ربان ~~سفينتي مريض جدا، وإني مضطر أن أعزل أحد ضباط السفينة؛ لأنه غير صالح ~~للعمل. وأن أرخص لضابط آخر في الانقطاع عن العمل (إجازة) لأسباب ~~كثيرة. فأنا والحالة هذه كل شيء للسفينة - ربانها وضباطها - وسأقلع إلى ~~فلباريزو بلا ربان ولا ضباط.» # ويقال إنه لم يفقد الضباط فقط، بل فقد البحارة أيضا، واعتاض عنهم ~~غيرهم من هناك، وأقدم على سفرته المحفوفة بالمخاطر والأهوال. ومنذ خرجت ~~سانتا مرغريتا لطيتها هذه غابت عن الأبصار كأن اللجج ابتلعتها، فلم ~~يظهر أثر لها ولا لأحد من ركبها من ذلك الحين إلى الآن. وظل ~~الأرشديوق إلى هذا الوقت يكتب إلى والدته غراندوقة توسكانيا. ومنذ ~~أقلعت سانتا مرغريتا من مرساها إلى فلباريزو لم تقف والدته قط على كلمة ~~منه، ولم يسمع أحد خبرا، ولا رأى أثرا لواحد من البحارة. وقد شاعت ~~عنها إشاعات كثيرة أجدرها بالقبول والتصديق أنها غرقت في ms140 عاصفة شديدة ~~وهبطت بجميع من فيها إلى قعر البحر، حيث يبقى سر جوهان أورث مكتوما ~~إلى ذلك اليوم الذي فيه تبلى السرائر وتظهر الضمائر. # وأرسل الإمبراطور جوزيف بعثة على دارعة حربية للبحث عن السفينة ~~المفقودة في شواطئ أميركا الجنوبية، وكان بين المبعوثين الأرشديوق ~~فرنسيس فردينند # 1 # وارث تاج النمسا. ولكن لسوء الحظ لم يستطيعوا الوقوف على ~~أقل أثر للسفينة ولا لأحد من ركبها. # ولم يسع العالم التسليم بأن مصير ذلك الأمير الخطير الشهير كان على ~~هذا الوجه، ولا قامت قط بينة تدل دلالة صريحة على غرق سانتا مرغريتا. ~~والذين كانوا لا يجهلون شدة إقدام صاحبها على المغامرة واستخفافه ~~بالمخاطر ذهبوا إلى أنه غير اسمها ولونه وقذف بها في غمار بحار ~~مجهولة. وفي أحد كتب إملي ستوبل الأخيرة إلى والديها تشير إلى ما ~~يتعللان به من أمل كشف «جزيرة لا مالك لها» يعيشان فيها برغد ~~وهناء. # وكان جوهان أورث قبلما غادر النمسا أودع ماله بنكا سويسريا ~~وبواسطة وكيله الدكتور فون هبرلر كان يحول عليه من وقت إلى آخر. ~~وبعدما مضى سنتان على غرق سانتا مرغريتا طلب الدكتور هبرلر المال بموجب ~~صك الوكالة الذي في يده، فأبى البنك أن يدفع، ولكن المحاكم حكمت بأن ~~الوكالة صحيحة؛ لأن وفاة الموكل لم تتحقق. وحينئذ قبض الوكيل المال، ~~ولكن هذا الوكيل من جهة أخرى طالب أربع عشرة شركة لضمان الحياة في ~~همبورغ بمبلغ ثلاثة عشر ألف جنيه كان جوهان أورث مضمونا عليها. وكانت ~~هذه الشركات كلها قد أبت الدفع، ولكن المحاكم أرغمتها عليه؛ إذ عدت ~~غرق السفينة ومن فيها أمرا لا ريب فيه. # وعلى رغم هذا القرار لا يزال ~~كثيرون مصرين على اعتقادهم أن الأرشديوق باق حيا، ولا بد أن ~~يسترد يوما ما حقه المسلوب، ويسترجع ما كان له من رفعة الشأن وسمو ~~المنزلة ومعه زوجته الأمينة. وقلما تمضي سنة لا يجد فيها نبأ عنه ~~يؤيد صحة هذا الاعتقاد. ففي جهة من جهات العالم يروى عنه أنه كان ~~موجودا، وقد شاهده هذا أو ذاك أو ms141 ذلك، ادعى بعضهم أنه رآه يحارب في ~~صفوف اليابانيين ضد الروسيين، وقد أبلى بلاء الأبطال الصناديد. ~~وادعى بعضهم أنه هو المارشال ياما غاتا المشهور! وقال غيره إنه كان ~~في شيلي يقود جيشها الزاحف على بلاما سيدا. ويقول جورج لاكور المؤلف ~~الفرنسوي المشهور في كتابه المطبوع حديثا في باريس إن جوهان أورث يقيم ~~الآن في الأرجنتين منتحلا اسم دون رامون. # ويقول غيرهم إنه هو وقرينته يعيشان برفاء وصفاء في إحدى جزائر ~~الباسفيك. ويدعي آخرون أنه شوهد مؤخرا مع نسيبه الأرشديوق لويس ~~سلفاتور في مالوركا. وبالأمس قالت عنه الصحف إنه كان أحد القادمين على ~~باخرة من أميركا إلى إنكلترة، وقد عرفه واحد من الركاب وسأله عن نفسه، ~~فاعترف بأنه جوهان أورث الذي كان سابقا أرشديوق النمسا، ثم رأوه بعد ~~ذلك سائرا في أحد شوارع لندن. # هذه بعض الإشاعات الكثيرة التي ذاعت وظلت مدة عشرين سنة تعين على ~~إحياء ذكر جوهان في أذهان الجمهور. وستظل هذه الإشاعات ملء الألسنة ~~والأفواه حتى يعود ظاهرا في الجسد لعيني كل إنسان، أو يصبح خبر موته ~~حقيقة لا يختلف فيها اثنان. # أما والدته فظلت إلى آخر ساعة من حياتها تعتقد أن ابنها حي، وقضت ~~سني حياتها الأخيرة تتوقع رجوعه إليها بملء الصبر والتسليم، قائلة لكل ~~من يحاول تعزيتها: «إن ابني حي لم يمت، ولسوف يأتي إلي وتقر ~~عيناي برؤيته قبلما أموت.» وكانت على الدوام تعنى بحفظ غرفه مكنوسة ~~مفروشة ومعدة لنزوله فيها ساعة وصوله، وتعلق مصباحا خارج بوابة ~~القصر لينير طريقه عند مجيئه ليلا. ولكن الغراندوقة المنكودة الحظ ~~ماتت وابنها لم يأت، وجميع الجبليين سكان التيرول يقولون بصوت واحد ~~وبإيمان راسخ وطيد: «سيعود. نعم سيعود بلا أقل ريب.» يقولون هذا وهم ~~دائما على أتم استعداد للاحتفال بقدومه. # ولا يزال في قيد الحياة رجلان على الأقل يظن أنهما يعلمان ~~الحقيقة؛ أحدهما وكيله الدكتور هبرلر الذي يقال إنه يتلقى منه رسائل كل ~~شهر بلا انقطاع، والآخر صديقه البارون فون أباكو الذي كان قائد الحرس ~~الملكي ليلة اختفاء الأرشديوق، ويقال ms142 إنه كان مطلعا على الخطة التي ~~رسمها صديقه قبيل سفره. ومنذ عدة سنين انقطع البارون عن العالم وأقام ~~في نيو غينيا الألمانية يشتغل بزراعة ضيعته هناك، ولا يمر لأوروبا ذكر ~~بشفته ولسانه، فإن لم يعد الأرشديوق المختفي إلى عالم الوجود فسره ~~المكتوم في صدر البارون يدفن معه في ضريحه. # | ملكة الجمال # من عادة قصور الملوك أن تكون دائما مزدانة بالغيد الحسان اللواتي ~~يسطعن فيها بنور جمال يخلب الأذهان ويكل عن وصفه اللسان، ولكن لم يكن ~~بينهن من بلغت في بشارتها الشائقة وقسامتها الرائقة شأو فرجيني كونتس ~~كستليون، التي طلعت شمس بهائها في أواسط القرن الماضي فبهرت محاسنها ~~العيون، وأسرت ملامحها القلوب. # ولدت فرجيني في أحد قصور فلورنس، وكان أبوها المركيز أولدويني من ~~كبار رجال السياسة في إيطاليا، وكانت والدتها المركيزة من أجمل نساء ~~عصرها، فترعرعت ابنتها في مهد الجمال ورفعة المقام، وشبت وقد زكا ~~فيها غرس الشرف المكتسب والحسن الموروث، فكانت في كليهما غصنا ~~نضيرا مورقا وبدرا منيرا مشرقا. # ولما كانت ابنة اثنتي عشرة سنة صار حسنها مضرب الأمثال بين سكان ~~فلورنس، فإذا صحبت والدتها إلى المسرح اشرأبت إليها الأعناق وحامت ~~حولها الأحداق، وأصبح كل من هناك مدهوشا مسحورا برؤية قامة لم ينسج ~~على منوالها في جمال طولها وحسن اعتدالها، وعينين كان البهاء كل البهاء ~~وقفا عليهما، ووجه لم يقع النظر على أبهج منه صورة وأروع شارة. وفي ~~هذه السن كانت معدودة أجمل فتاة في إيطاليا. # روي عن الكونت كستليون أنه ذهب إلى لندن سنة 1854 وكان في فجر ~~صباه، فحضر اجتماعا في قصر الدوقة إنفرنس، وبعدما أجال طرفه في ~~السيدات الحسان اللواتي كن هناك التفت إلى صديقه الكونت والسكا ~~الجالس بجانبه، وقال له: «أظنك تجهل سبب مجيئي إلى لندن؟ إني قادم ~~للبحث عن زوجة.» فأجابه الكونت: «إذا كان هذا مرادك فقد ارتكبت خطأ ~~فاحشا بمغادرة إيطاليا. عد على الفور من حيث أتيت، واسع في التعرف ~~للمركيزة أولدويني واخطب ابنتها، فتفز بأجمل زوجة في أوروبا.» فعمل ~~الكونت كستليون بموجب نصيحة ms143 صديقه ورأى فرجيني أبهى مما وصفها له ~~الكونت والسكا، وراعه حسنها المنقطع النظير. فخطبها وأفلح سعيه في ~~اتخاذها زوجة له، ولكن هذه الفتاة عندما مدت يدها إلى الكونت مشيرة ~~إلى رضاها أن تصير قرينته لم تمد إليه قلبها مع يدها بل أبقته بعيدا ~~منه. وقالت له بصراحة لا مزيد عليها: «سأقترن بك لأن والدتي تروم ذلك. ~~ولكن تذكر ولا تنس أني لا أحبك، ولن أحبك، وسأظل دائما غير ~~مكترثة لك ولا مبالية بك.» # وعلى هذا الوجه تم الاحتفال بزفاف فرجيني على غير رضاها واختيارها ~~إلى الكونت كستليون؛ الشاب الجميل الغني، ولكنه لسوء الحظ كان خائر ~~العزم ضعيف الإرادة وفاسد الأخلاق. ومعلوم أن شابا كهذا لا يسعه أن ~~يظفر بالمحبة والاحترام من لدن فتاة مطبوعة على عزة النفس وقوة الإرادة ~~وبراعة الجمال. وقبل انقضاء شهر العسل عصفت بينهما رياح النزاع ~~والشقاق، فقد سألها غير مرة بملء الخشوع والضراعة أن تصحبه في زيارة ~~والدته حسب العادة المرعية، لكنها أبت ذلك إباء مطلقا. ولما خابت ~~مساعي الرجاء والاستعطاف عمد إلى الحيلة. فدعاها ذات يوم أن تخرج ~~للتنزه معه في المركبة، وأمر السائق سرا أن يذهب بهما إلى بيت ~~والدته، فأجابته إلى ذلك ولم يخامرها ريب، حتى بلغت بهما المركبة جسر ~~النهر في الطريق المؤدي إلى منزل حماتها، فما كذبت أن خلعت حذاءها ~~وألقت به في الماء، ثم التفتت إلى زوجها وقالت له بلهجة الفوز ~~والانتصار: «عد بي إلى القصر لأني لا أستطيع أن أزور والدتك حافية!» ~~فعاد بها يجر ذيل الخيبة والإخفاق. # ولقد تفنن كثيرون في وصف جمال فرجيني، وكان كل منهم بعدما يسهب ~~ما شاء في وصف محاسنها من قمة رأسها إلى أخمص قدمها يختم كلامه بقوله: ~~«إن وصف جمالها النادر المثال معجزة الكتاب والشعراء.» ولم تكن ~~منقطعة النظير في إيطاليا فقط، بل في أوروبا كلها، وكانت جواذب الملاحة ~~والاستحسان في نباهة شأنها وشدة توقد ذهنها وسرعة خاطرها ورشاقة ~~حركاتها لا تقل عن جواذب الروعة والبهجة في جمالها الطبيعي. ومع أنها ~~زوجة ms144 ربة بعل كانت على الدوام محاطة بالعشاق الهائمين برؤية وجهها ~~القسيم الوسيم، وفي مقدمتهم الملك فكتور عمانوئيل الذي كان أشدهم ~~انشغافا بها وانجذابا إليها. وكأني بها مولودة ملكة وعرشها القلوب، ~~وفيها جميع المعدات التي تؤهلها للجلوس على هذا العرش الساخر بأشرف ~~العروش. # وكان كافور وزير فكتور عمانوئيل أول من رأى في هذه الكونتس مواهب ~~أخرى فائقة غير موهبة الحسن والجمال، فإنه بشدة فراسته تبين فيها ~~قوة ذكاء خارقة على استئسار القلوب واستعباد النفوس. فهي والحالة هذه ~~خير من يصلح لمعالجة الشئون السياسية. فاقترح أن تذهب إلى باريس ~~وتستخدم قوتها هذه في استمالة نبوليون، وإحراز معونته على تحرير ~~إيطاليا، وصادف هذا الاقتراح هوى في نفس الكونتس الطامحة إلى الشهرة. ~~وعلى الفور قبلته وبرحت إيطاليا إلى فرنسا حيث يتسع لها مجال الفوز ~~والانتصار. # وفي باريس استقبلت استقبال ملكة، ولقيت من مظاهر التجلة والتكريم ~~ما هو جدير بأجمل امرأة في أوروبا. وكان نبوليون نفسه في طليعة ~~المرحبين بها والمكرمين وفادتها. وكان ظهورها أول مرة في البلاط ~~الفرنسوي يوم أقيمت حفلة الرقص الفخمة في قصر التويلري، حيث خف ~~الكبراء والعظماء للاحتفاء بها على وجه يدهش العقول ويحير ~~الأفكار. # وعند دخولها بلغ من شدة دهشة المعجبين بحسنها الرائع وجمالها البارع ~~أن انقطعت على الفور حركة الرقص وأصوات آلات الموسيقى، كأن روعة بهائها ~~شلت أيدي الضاربين بالآلات وغلت أرجل الراقصين والراقصات، وصوب ~~جميع من في ردهة الرقص أبصارهم إليها، وهم حابسو الأنفاس مشردو الحواس. ~~وتقدم الإمبراطور لملاقاتها، فانحنى لها انحناء تحسدها عليه أعظم ~~ملكة وقبل يدها وطوق خصرها بيده، ودار يرقص بها على نغمات الموسيقى ~~بين جماهير الراقصين والراقصات. # وبهتت باريس كلها من جمال الكونتس الإيطالية التي جرت محاسنها ~~الفائقة الوصف ذيول النسيان على جميع الباريسيات الحسان. وكاد الرجال ~~يقتتلون في سبيل الفوز ببسمة أو بكلمة من شفتيها، وكانت ربات الحسن ~~والجمال في البلاط في عداد اللاهجين بحسنها الساحر وبهائها الباهر. ~~وحيثما ذهبت كان الناس يزحمون بعضهم بعضا في الشوارع لينعموا بنظرة من ~~محياها البديع. ولعلها ms145 هي نفسها كانت أدرى الناس بما أوتيته من جمال ~~صار قبلة الأنظار وكعبة الأفكار. فالطبيعة جعلتها ملكة والعالم بأسره ~~رعيتها. # ومهما يكن من شدة روعة الناس بجمالها، فإن دهشتهم من إقدامها على ~~استخدامه في سبيل إدراك مقاصدها كانت أشد وأعظم. وقد روي عنها أنها ~~كانت تظهر في المراقص الكبرى في ملابس مختلفة الأزياء والأشكال، ولكنها ~~كلها كانت رقيقة شفافة تبهر عيون الناظرين وتسحر عقولهم بما يشاهدونه ~~من الجمال الفائق الوصف المزدان به كل عضو من أعضائها. ومعلوم أن ~~نبوليون كان مشهورا بشدة ولوعه بالنساء الحسان، فليس عجيبا أن نراه ~~الآن مفتونا بملكتهن وفريدة عقدهن. ولم يكن كافور مبالغا فيما ~~توقعه من الفوز والنجاح لسفيرته الحسناء، فقد استخدمت قوة جمالها ~~ودهائها أحسن استخدام في استعباد نبوليون ووضعه عند موطئ قدميها صاغرا ~~خاشعا ومستعدا لعمل ما يكسبه رضاها عنه وميلها إليه. وقد أشارت ~~الكونتس فيما بعد إلى هذا النصر المبين الذي أحرزته في بلاط فرنسا ~~فقالت: «لو سبقت فذهبت إلى باريس قبل ذلك الحين لكانت شريكة نبوليون في ~~عرشه إيطالية لا إسبانية.» لأن الإمبراطورة أوجيني المشهورة بالحسن ~~والجمال كانت بالنسبة إليها كالماء إلى الراح أو كالقمر إلى شمس ~~الصباح. # ولشدة شغف نبوليون بها أصبح لا يعرف معنى المسرة والهناء إلا إذا ~~جالس الكونتس ومتع عينيه برؤية وجهها الأنيق الوسيم وأذنيه بسماع ~~كلامها العذب الرخيم، ولإدراك هذه الأمنية كان يتعرض لخطر المغامرة ~~حتى بصيته وحياته، ويختلس زيارتها في شارع دي لا بومب، ويقضي معها ~~ساعات، ثم يتوقع بذاهب الصبر سنوح فرصة أخرى لتكرار الزيارة. وحدث مرة ~~أنه بعد خروجه من عندها قبيل الفجر نجا بأعجوبة من خنجر رجل كامن له، ~~ولولا يقظة الحوذي وإعمال سوطه في أظهر الخيل حثا على شدة الإسراع في ~~الجري لذهب الإمبراطور ضحية طيشه ومغامرته. # وعرضت له حادثة أخرى أخطر شأنا من هذه، خلاصتها أنه خرج ذات ليلة ~~قاصدا فندق بوفر حيث كانت الكونتس تنتظره، ومعه رئيس أركان حربه ~~الجنرال فليري وغريسلي أحد رجال الشرطة السريين، وكانت إحدى الجواري ms146 ~~واقفة أمام غرفة الكونتس فأدخلت الإمبراطور ورئيس أركان حربه إليها، ~~وتغفل الشرطي الجارية وانسل إلى خلوة مظلمة مقابل باب الغرفة. وبعدما ~~أغلق الباب صفقت الجارية يديها وعلى الفور خرج رجل من غرفة مجاورة وسار ~~يسترق الخطى نحو الغرفة التي فيها الإمبراطور والكونتس. وفيما هو يدير ~~مقبض الباب بيده فاجأه غريسلي بضربة من الوراء طرحته خامد الأنفاس فاقد ~~الحواس، وحاولت الجارية الغادرة الفرار فانقض عليها وشد وثاقها ~~وأقفل عليها باب إحدى الغرف، وعاد بالإمبراطور من حيث أتى على رغم تنصل ~~الكونتس من الجريمة وما ذرفته من الدموع توسلا إلى حمله على البقاء ~~عندها. ولولا شدة يقظة غريسلي ومتانة ذراعه لبات سيده في عداد ~~الموتى. # أفكانت الكونتس كما ادعت بريئة لا يد لها في هذه المكيدة المعدة ~~لاغتيال عاشقها؟ (وقد وجدوا مع الرجل الذي قتله غريسلي طبنجة وخنجرا). ~~وإن لم تكن بريئة فماذا أرادت بإقدامها على اقتراف هذا الإثم العظيم؟ ~~هذان السؤالان لم يستطع أحد الإجابة عنهما. وفي صباح اليوم التالي سير ~~بالكونتس مخفورة إلى تخوم إيطاليا، فقضت بضعة أشهر معتزلة في أحد قصور ~~تورين تندب سوء الحظ الذي عرقل مساعيها وختمها بهذه العاقبة ~~الوخيمة. # ولكنها لم تكن من النساء اللواتي يستسلمن إلى صروف الدهر ونوائب ~~الأيام، ففي أثناء إقامتها في باريس تمكنت من الوقوف على شيء كثير عن ~~نبوليون وكانت مستودعا لأسراره، فلم يصعب عليها أن تحمله على ~~استدعائها. ولم تلبث أن عادت إلى باريس واستردت مقامها كسلطانة ~~الجمال وملكة قلب الإمبراطور. وكانت سيادتها هذه المرة أوسع نطاقا ~~وأشد توطيدا، فأرت سكان باريس من باهر حسنها وجمالها ما خطف أبصارهم ~~وسحر أفكارهم. # ففي كل يوم كانوا يتناقلون الأحاديث عن قصة جديدة تتسلق بشدة ~~جسارتها وغرابة أطوارها، ولا سيما فيما يختص بتبرجها وعرض محاسنها ~~الفاتنة للأنظار على وجوه متنوعة وأساليب مختلفة لا محل لذكرها ~~بالتفصيل. وكان لها بهذا الغرض ولع يفوق الوصف، ولم تنقطع عنه حتى في ~~أيام مرضها؛ إذ كان الطبيب يأتي لمعالجتها فيجدها مضطجعة في سريرها ~~وغارقة بين أنفس النمارق ms147 وأفخر الوسائد وأنوار الحلى والجواهر تتألق ~~من شعرها المسترسل، وجيدها وذراعها ويديها في غرفة مملوءة بالأزهار ~~والرياحين. وكان إعجابها بجمالها كثيرا ما تعدى حد الصراحة الداعية ~~إليه فيحمل على محمل الغرابة والاستنكار. مثال ذلك أنها كانت تقول ~~لزائرها: «أتود أن ترى ذراعي؟» وقبل أن يجيبها بالقبول تحسر كمها عن ~~ساعد منقطع النظير في حسن خلقه وجمال تكوينه. وهكذا كانت تفعل في عرض ~~ساقها التي لم تقل عن ساعدها دقة وأناقة. ومما يدلك على شدة إسرافها ~~في الإعجاب بجمالها أنها دعت إليها أحد كبار المصورين في فرنسا ليصورها ~~على مثال الزهرة (إلهة الحب والجمال)، ففعل حسب طلبها، وجاءت الصورة ~~آية في الإتقان. ولما رأتها الكونتس هاجت فيها الغيرة وصاحت: «إنها ~~أجمل مني!» ثم تناولت سكينا وشرطت الصورة وجعلتها طعاما ~~للنار. # ومع شدة اهتمامها بشئون الهيئة الاجتماعية وأحوال العشق والغرام، لم ~~تغفل طرفة عين عن المهمة الأساسية التي لأجلها جاءت إلى باريس. وفي ~~سبيل قضائها استخدمت ما أوتيته من حسن وجمال ونبوغ وعبقرية، فتملقت ~~نبوليون وتزلفت إلى السفراء والوزراء، ورقت بسحر سنائها وبهائها كل ~~ذي شأن في سياسة أوروبا، فنالت بثقافتها وكياستها أكثر جدا مما غالى ~~كافور في توقعه. فقد قالت في كتاب بعثت به إلى صديقها الجنرال ~~إستنسلين: «حملت فكتور عمانوئيل إلى رومية، وقلبت عروش سبع أسر ~~نبوليونية وبوربونية وبابوية، فأنشأت إيطاليا وأنقذت البابوية.» ومهما ~~يكن من تباهيها وافتخارها، ففي كلامها جانب كبير من الصحة. # وبسقوط الإمبراطورية في فرنسا زال عهد عظمة الكونتس، وأخذت منزلتها ~~الرفيعة في السقوط والهبوط. على أنها تحملت هذا الانقلاب بالصبر ~~والتسليم قانعة أن تعيش بذكرى أيام عزها وانتصارها. أما الشيء الوحيد ~~الذي لم يسعها الصبر عليه فهو فقد جمالها، وكان جمالها في هذا الوقت قد ~~مالت شمسه إلى الغياب، وشرع ظله يزول ولونه يحول. وراعها جدا أن ترى ~~نفسها مهددة يوما بعد يوم بفقد شعرها الجميل وأسنانها الدرية ونضارة ~~محياها البهيج، وأخذت قامتها التي كانت مثال الهيف والرشاقة والاعتدال ~~تعوج وتذبل وتتقلص. وطفقت كثيرات من حواسدها ms148 يشتفين ولو سرا بما ~~فعلته يد الأيام «بملكة الجمال». # وكان أمر غصة تجرعتها في كأس إذلالها وتحقيرها عجزها عن غل يد ~~الزمان، ومنعها عن هدم صرح جمالها. وأقل ما استطاعته في هذا السبيل أن ~~تحول دون إطلاع الناس على ذبول غصن حسنها وأفول بدر بهائها. فصارت ~~تمتنع شيئا فشيئا من حضور الاحتفالات والاجتماعات، ومالت إلى ~~الانفراد والاعتزال. وطالت الفترات بين زياراتها حتى لأعز أصدقائها ~~وصديقاتها. ويروى عن عقيلة والسكا أن جاريتها جاءت إليها قائلة إن في ~~الباب سيدة تروم مقابلتها، وقد أبت أن تبوح باسمها، فهرعت لاستقبالها ~~ودعتها إلى الدخول، وكانت محجبة وفي يدها طاقة أزهار، فلم تتمكن من ~~معرفتها، فقالت لها السيدة: «علمت أن اليوم عيد ميلادك فجئتك مهنئة ~~ومهدية إليك هذه الأزهار.» قالت هذا وهمت بالانطلاق، فعرفتها عقيلة ~~والسكا من صوتها، وقالت لها: «تمهلي قليلا ولا تعجلي في الذهاب. أزيحي ~~نقابك ودعيني أرى وجهك.» فترددت الكونتس غير جاسرة على السفور ~~تفاديا من اطلاع صديقتها القديمة على التغيير الملم بوجهها الشاحب، ~~ولكنها تغلبت على ضعفها وسفرت. فلما رأتها عقيلة والسكا صاحت: «إنك ~~لا تزالين مزدانة بجمالك الباهر الفتان! فادخلي ودعي جميع الذين ~~عندي يتملون مشاهدة هذه المحاسن الساحرة.» فانقادت الكونتس آخر مرة ~~إلى سلطان التملق والغرور ودخلت إلى البهو الخاص بالزائرين والزائرات، ~~وهؤلاء جميعهم شنفوا أذنيها بما شاءت من التغزل بحسنها ~~وجمالها. # ولكنها في صباح اليوم التالي نظرت في مرآتها الصادقة التي لا تعرف ~~الملث والنفاق، فأرتها حقيقة نفسها ونبأتها أن جمالها استقل جناحي ~~نعامة، وطار ولم يبق لعينه إلا شيء قليل من الرسوم والآثار. وحينئذ ~~ربعت على ظلعها وعزمت على القبوع في منزلها وعدم الخروج منه، وأبت أن ~~تستقبل أحدا ما عدا بعض الأصدقاء الأخصاء، وفي مقدمتهم الجنرال ~~إستنسلين. # وعلى توالي السنين تقوض صرح جمالها ولم يبق له أقل أثر. وكان لها في ~~باريس عدة منازل فخمة لم تطأ رجلها واحدا منها منذ أكثر من عشرين سنة، ~~وكان عندها مركبات فاخرة وجياد كريمة معدة لها، ولكنها لم تستخدمها ms149 قط. ~~وكانت من وقت إلى آخر تخرج متنكرة في ظلام الليل وتنطلق ماشية إلى شارع ~~كستليون وتلبث بضع دقائق شاخصة إلى الجدران التي قضت داخلها سني عزها ~~ومجدها، ثم تعود أدراجها إلى منزلها في «بلاس فندوم»، حيث قضت أيامها ~~في عزلة وشقاء داخل أبواب مغلقة ونوافذ موصدة على نور مصباح ضئيل لا ~~يقوى على تمزيق حجب الظلام. # ولما شعرت بأن الموت قادم ليريحها من حياة هي شر من الوفاة كتبت إلى ~~صديقها الحميم إستنسلين: «أرجو ألا تنسى ما أوصيتك به. أروم جنازة ~~بسيطة خالية من آثار البهارج والزخارف؛ لا أزهار ولا صلاة في كنيسة ولا ~~مشيعين على الإطلاق. وأرجو أن تحول دون كتابة شيء عني، وأن ترد إلي ~~صوري.» وهذه الأمور كررت ذكرها في وصيتها. فقد ظلت ثلاثين سنة محجوبة ~~عن العالم، وأرادت أن تبقى كذلك في موتها. # وكانت وفاتها بالسكتة الدماغية في اليوم الحادي والعشرين من شهر ~~نوفمبر سنة 1890، ودفنت في مقبرة «بير لاشير». وإلى اليوم يرى زائر هذه ~~المقبرة صفيحة من حجر الغرانيت فوق الرمس الذي توارت فيه أجمل امرأة ~~كانت في عصرها. # | ملكة مشعوذة # آسرة القلوب برقتها ولطفها، وموغرة الصدور غيظا من قساوتها ~~وعنفها، عالمة نحريرة وخرقاء حمقاء، وسياسية ربة حنكة ودربة، ومجانة ~~سليطة اللسان وكثيرة الهذر والهذيان. هكذا كانت خرستينا ملكة أسوج، وسيبيل # 1 # القرن السابع عشر وسميراميسه. فكانت حياتها حافلة ~~بالمتناقضات التي راعت أوروبا من جهة وساءتها من جهة أخرى. وهذه ~~الحوادث التي هي أغرب ما يرويه التاريخ عن ملكات العالم تترك في نفس من ~~يطالعها أثرا عميقا ممزوجا من العجب والاشمئزاز. # وكان ظهور خرستينا على مسرح الحياة الذي مثلت منه فصول أعمالها ~~المتضاربة المتناقضة مقرونا بمرارة الخيبة والحرمان؛ لأن والديها ~~والأسوجيين كافة كانوا يعللون نفوسهم قبيل ولادتها بولد ذكر يرث عرش ~~أبيه طبقا لما سبق وبشر به العرافون والمنجمون. فلما عرفوا أن الطفل ~~المولود بنت لا صبي شملهم الحزن والغم، وكان يوم ميلادها مناحة عامة ~~في بلاط الملك وقصور الأغنياء وأكواخ الفقراء. ويقال إن ms150 الملكة نفسها ~~تجرعت غصة خيبة لم تنس مرارتها في حياتها، ولم تستطع أن تنظر إلى ~~ابنتها إلا بعين المقت والكراهية. # وكان أبوها الملك غستافس أودلفس أشقر الشعر كبير الجسم قوي البنية، ~~وله في ذراعه متانة الحديد وفي قلبه بسالة الأسود، وكان في الحرب شديد ~~الشكيمة صعب المراس ، وفي السلم ألطف من نسيم الصباح. ومع شدة ميله إلى ~~مقارعة الأبطال في ساحة النزال كان شغوفا بالعلم ومجالسة العلماء؛ ~~جنديا باسلا وعالما فاضلا، وهذه الصفات المتباينة ورثتها عنه ~~ابنته. # وورثت عن أمها كثيرا من العيوب والنقائص، ولعلها لم تأخذ عنها فضيلة ~~واحدة؛ لأن الملكة ماري كانت غاية في البله والغباوة ومصابة بهوس ~~التباهي بالملابس ومعاشرة السوقة والغوغاء. فكانت تقضي معظم وقتها ~~محاطة بالأقزام والمجان، وإذا خلت بنفسها استسلمت إلى الهواجس ~~والوساوس، واستخرطت في العويل والبكاء. فكان نسيج حياتها لحمته الغرور ~~وذرف الدموع وسداه الجهل والحماقة. # ولما كانت خرستينا ابنة ست سنوات توفي أبوها سنة 1632 وهو يحارب حرب ~~الأبطال في معركة لوتزن، فاتسع للملكة البكاءة مجال النوح والانتحاب ~~والحزن والاكتئاب، فغشت غرف القصر كلها بالسواد، وانقطعت لمواصلة ~~البكاء ليلا ونهارا، وأكرهت ابنتها على مشاركتها في العويل والنحيب. ~~وحينئذ تصدى لها الوزير أوكزنستيرن، فأرسلها إلى قلعة بعيدة لتبكي ~~هناك ما تشاء، وجعل الفتاة الصغيرة ولية العهد تحت وصايته ~~ورعايته. # فقضت خرستينا عشر السنين التالية وحولها أساتيذ العلوم والفنون الذين ~~توافروا على تثقيفها وتهذيبها، وإعدادها للجلوس على عرش أبيها. وقد ~~رأوا منها رغبة واجتهادا منقطعي النظير. فإنها لشدة كلفها بإحراز ~~العلوم كانت تنصب على الدرس والمطالعة حتى في أوقات أكلها ونومها، ~~ولم تبلغ منتصف العقد الثاني من سنها حتى كانت قد تضلعت من معرفة ~~ثماني لغات؛ فبرعت في اللغة اليونانية (القديمة) براعة فائقة، وأعجب ~~العالم بمطالعة ما دبجه يراعها في اللغتين اللاتينية والفرنسوية. ~~وشرعت تباحث المطارين في المسائل اللاهوتية، والفلاسفة في المواضيع ~~العلمية العويصة، والوزراء في الشئون السياسية. وهي كالجنود في استخدام ~~الأقسام وما خشن وغلط من الكلام، ولها براعة تامة في الرماية ~~والفروسية. ms151 # أما الملابس فكانت تحتقر شأنها كل الاحتقار، ولا تعنى بالنظافة، وأما ~~الازدراء الأشد والأعظم فكان لبنات جنسها ولكل ما يتعلق بهن، وودت لو ~~كانت رجلا، وظلت إلى آخر يوم من حياتها رجلا في كل شيء ما عدا ~~الجنس. # ومع أنها كانت قصيرة القامة وغير حسنة الشكل؛ لأن إحدى كتفيها أعلى ~~من الأخرى، لم تخل من بعض الجواذب. وكانت أحسن ما ترى محلولة الشعر ~~يتطاير في الهواء موردة الخدين ساطعة العينين وهي ممتطية صهوة جواد ~~ينهب بها الأرض نهبا. # وقد شانها منذ حداثتها كثير من العيوب التي هي نفسها أقرت بها ولم ~~تنكرها، فاعترفت بأنها سيئة الخلق سريعة الغضب ودعابة كثيرة العبث ~~والمجون وشديدة التهكم والازدراء، وقليلة الاهتمام بما يجب على بنات ~~جنسها مراعاته من الحشمة والنزاهة، ولم يكن للأدب عندها معنى ولا ~~حرمة؛ إذ كانت عطلا من حلاه. # ولما أكملت خرستينا دروسها تسلمت مقاليد الحكم وظهر من صفاتها ~~الحقيقية ما كان محجوبا وراء ستار الاهتمام بتحصيل العلوم. فحذت حذو ~~كاترين إمبراطورة روسيا في اختيار عشاقها ومحبيها من ندمائها ~~وجلسائها، أو من أية طبقة كانت من طبقات الرعية مفضلة أجملهم طلعة ~~وأحسنهم صورة. وكانت تعمد إلى تبديلهم وتغييرهم كما تفعل في تبديل ~~ملابسها. وكان الكونت مغنوس غاردي في طليعة الذين اصطفتهم أولا لعشقها ~~وغرامها، فخصته بالعناية والالتفات وأسبغت عليه الرتب والوسامات ~~والهدايا، وجعلته قهرمان قصرها ثم أمين خزانة الدولة. وأخيرا عينته ~~سفيرا، وكان ذلك حين ملته وسئمت معاشرته، فتنقصته وجبهته ملقبة ~~له بالسكير الكذاب، وتبدلت منه بيمنتلي الإسباني. ثم نحت هذا ~~واستبدلت به غيره، وهكذا كان لكل من أولئك العشاق حظ التمتع بعز كبير ~~القدر قصير العمر. ولكن هذه المسرات الزائفة الشائنة لم تكف شهوات ~~قلبها، بل ظل فيه فراغ كبير وشوق شديد لمجالسة كبراء العلماء والشعراء ~~والفلاسفة في أوروبا. وهذا الشيء الشديد إلى المباحثات العلمية ~~والمطارحات الفلسفية لزب بها يوما فدفعها إلى التفريط في حياة دسكارتس ~~المنكود الحظ؛ إذ جرته من فراشه الساعة الخامسة من صباح يوم شديد ~~الزمهرير ليباحثها ms152 في الأمور الفلسفية. # وبعدما صارت ملكة ظلت مهملة العناية بملابسها ومظاهرها؛ فقد قيل ~~عنها أنها لم تمشط شعرها إلا مرة في الأسبوع، وكثيرا ما كانت تمهله ~~أسبوعين. وفي أيام الآحاد كانت تفرغ من زينتها ولبس ثيابها في نصف ساعة ~~فقط وفي بقية الأيام ربع ساعة. وكانت ملابسها الداخلية مرقعة ~~ممزقة. ولما أشار أحد جلسائها إشارة لطيفة رقيقة إلى فضيلة النظافة ~~وطهارة الجسد صاحت به: «هذا حسن للذين ليس عندهم شيء يلهيهم ~~عنه.» # وفي أثناء بحثها في الدين أو ~~الفلسفة كان كلامها في الغالب خاليا من آداب المحادثة ومفرغا في ~~قوالب فظة سمجة. وعندما يجتنب محدثها التفوه أمامها بألفاظ لا يليق ~~النطق بها، ويستبدل بها كلمات مأنوسة مألوفة كانت تعارضه وتستخدم ~~الألفاظ التي يتحاشى حتى الرجال سماعها. هكذا كانت الملكة خرستينا في ~~فجر صباها. قبلما أرخت العنان لهذه النقائص والرذائل التي هبت من ذلك ~~الحين تتمكن فيها، وتستعد للاستئثار بها والتغلب عليها فيما بعد. وكانت ~~بداءة استفحال هذه الشرور يوم وصول بوردلت إلى بلاط أسوج. كان هذا ~~الرجل ابن حلاق فرنسوي، وبعدما ألم إلماما بسيطا بصناعة الصيدلية ~~جال في أوروبا منتحلا حرفة الطب، ومدعيا كشف أسرار عجيبة غريبة ~~تمكنه من شفاء جميع الأدواء والأمراض. وكان بوردلت هذا بشوشا طروبا ~~سريع الخاطر كثير الدعابة والمزاح، بارعا في الغناء والموسيقى وله ~~مهارة فائقة في إبهاج الآخرين وإدخال السرور إلى قلوبهم. فتعشقته ~~النساء ولقيت بضاعة شعوذته وتدجيله رواجا حتى عند البابا نفسه، وكان ~~عازما على ترقيته إلى رتبة كردينال لو لم يعرض له ما قضى بتعجيل سفره ~~من رومية. # وعما قليل دعي بوردلت إلى أسوج لمعالجة الملكة خرستينا التي ~~خيل إليها أنها مشرفة على الموت. والحق يقال إنها كانت حينئذ مريضة ~~مرضا شديدا لما قاسته في السنين الماضية من عناء الانكباب على الدرس ~~والمطالعة وإهمال مراعاة القوانين الصحية. فبعدما فحصها أمر بأن تهجر ~~الكتب والدروس وتعكف على اللهو والطرب. وسرعان ما عملت الملكة بموجب ~~مشورته؛ فإنها على الفور طفرت طفرة واحدة من جانب الإفراط ms153 إلى جانب ~~التفريط: أعرضت عن الكتب والعلماء والشعراء والفلاسفة، وانغمست في حمأة ~~الخلاعة والدعارة. وأخذت تقضي ليلها ونهارها في الرقص والتهتك جاعلة ~~أهل بلاطها يقتفون خطواتها، وأكرهت كبار الأساتيذ ذوي الرزانة والوقار ~~على الرقص والغناء، وتمثيل فصول الدعابة والمجون، وإتيان ما تقز منه ~~النفوس وتغضي عنه العيون، وهي تتملى مشاهدة أعمالهم السخرية طيبة النفس ~~قريرة العين وممعنة في الضحك إمعانا يسيل دموعها على خديها. # وكان الأسوجيون ينظرون إلى هذه المخازي بعيون الاستفظاع والاستنكار، ~~فأجمعوا على أن الملكة مصابة بدخل في عقلها. فقد خصت بوردلت الدجال ~~بأعلى المناصب والرتب في الحكومة والجيش، وغمرت ابن الحلاق زعيم لذاتها ~~ومسراتها بفيض النعم والهبات، فازداد تماديا في الغطرسة والطغيان ~~وإتيان فضائح تقشعر من ذكرها الأبدان، وباتت بلاد أسوج بحذافيرها رازحة ~~تحت أعباء المكوس والضرائب التي اقتضاها غلو الملكة في التبذير ~~والإسراف. وبلغ من شدة حنق الناس على بوردلت أن حياته أصبحت في خطر؛ ~~ولذلك لم ير بدا من الإسراع في النجاة بنفسه. فتوارى ذات ليلة عن ~~الأبصار وفر هاربا بثروة لا تقدر. # وبعد فراره ملت خرستينا العرش وسئمت معاشرة الأسوجيين الفقراء ~~المدقعين، وتاقت نفسها إلى السفر والطواف في عواصم أوروبا للتنعم بلذات ~~لا سبيل للحصول عليها في بلادها، فجمعت مجلس الشيوخ ذات يوم سنة 1654 ~~وأعلنت تنزلها عن العرش لابن عمها شارل أغسطس، وعلى رغم إلحاح ~~أعضاء المجلس والوزراء وجميع أعيان الأمة عليها بالبقاء أصرت على ~~عزمها واتخذت أهبتها للسفر. فجمعت أثمن ما عندها من نقود وحلى ~~وجواهر، وقصت شعرها ولبست ثياب رجل، وحملت بندقيتها على كتفها مدعية ~~أنها ذاهبة للكفاح في فلاندرس، وكان هذا آخر عهدهم بها. # وبعد بضعة أسابيع ألقت عصا التسيار في بلاد الدنمرك منتحلة اسم ابن ~~الكونت دولما، وهناك زارتها في الفندق المقيمة فيه ملكة الدنمرك متنكرة ~~في زي جارية، وقد أجادت تنكرها كل الإجادة، حتى إن خرستينا لم ~~يخامرها أقل ارتياب فيها. وقد شاقها ظرفها وأدبها ومالت إلى محادثتها ~~عن أمور مختلفة تناولت فيها ذكر ملك الدنمرك، فأشارت إليه ms154 باسمه ~~مجردا عن نعوت التجلة وألقاب الاحترام. وعندما غادرت خرستينا الفندق ~~أرسلت الملكة حاجبا في أثرها يخبرها بأن الخادم التي ذكرت على مسمعها ~~اسم ملك الدنمرك بعدم احترام لم تكن سوى الملكة، فلما سمعت خرستينا ~~كلامه قهقهت ضاحكة وصاحت: «ماذا؟ تلك الخادم التي قضت وقت تناولي ~~الغداء واقفة أمامي كانت ملكة الدنمرك؟ إذن أصابها ما يصيب عادة أصحاب ~~الأخلاق الشاذة والطباع الغريبة؛ فإنهم في الغالب يطلعون في تنكرهم على ~~أكثر مما يودون. فهي الملومة لا أنا؛ لأني إذا لم أمنح موهبة معرفة ~~الغيب لم أستطع معرفتها وهي ظاهرة في لباس كهذا.» # ومن هناك شخصت إلى همبورغ ومعها بعض الخدم والحشم، وكانت كلما مرت في ~~طريقها بمدينة تدخلها بأبهة وعظمة مرتدية حلة رسمية سنية، وممتطية ~~جوادا مطهما، وسائرة في موكب فخم جليل في الشوارع الكبرى، والجماهير ~~يزحمون بعضهم بعضا لمشاهدتها والهتاف لها وإلقاء خطب الاحتفاء بها. ~~ولكنها كانت بعض الأحيان لشدة نزقها ورعونتها تشوه محاسن هذه ~~الاحتفالات بما تبديه من أمارات الاستخفاف والاستهزاء بالمرحبين ~~والهاتفين، أو تتصدى لمقاطعة الخطيب بقسم غليظ جهير أو بنكتة أو بقهقهة ~~شائنة. # وكانت بعد حفلة استقبالها تختفي عن الأنظار وتطوف متخفية من فندق إلى ~~فندق لمنادمة الغوغاء ومسامرتهم، ثم تستأنف المسير إلى مدينة أخرى ~~وتدخلها - كما سبق الوصف - دخول الغالب الظافر. وفي مدينة بروكسل حيث ~~استقبلت كأعظم ملكة أعلنت قبولها للمذهب الكاثوليكي قائلة إنها قد ~~ملت سماع مواعظ الإنجيليين الطويلة الركيكة! ولما أقيمت لها حفلة ~~الارتداد في أنسبروك أزعجت الحضور وأسأمتهم بثرثرتها وكثرة هذيانها. ~~وعندما أقاموا لها في المساء حفلة تمثيل قالت لهم: «يخلق بكم أيها ~~السادة أن تمثلوا لي رواية مضحكة؛ لأني مثلت لكم فصلا ~~سخريا!» # ثم أغذت السير إلى رومية للتبجح والتباهي بإيمانها الجديد، فلقيت ~~من كرم الوفادة والمبالغة في الترحيب ما يفوق الوصف، فهرع لاستقبالها ~~الكرادلة والمطارين والعظماء والسفراء كل منهم في مركبته الفاخرة ~~يجرها ستة من الخيول المطهمة المسرجة بالذهب والفضة، وخرجت معهم ~~أشراف سيدات رومية يحيط بكل منهن أربعون حاجبا. وأنفق ms155 البابا على هذا ~~الاستقبال النادر المثال ما ينيف على ستمائة ألف جنيه. # وجرى لها استقبال أفخم من هذا وأعظم عندما زارت الفاتيكان لتنعم ~~بالتيمن بمشاهدة البابا ونيل بركته. فإن ذلك اليوم كان عيدا عاما ~~لسكان رومية، اصطفت فيه الجنود على جانبي الطريق، وسارت الملكة ~~الكاثوليكية بين قصف المدافع وقرع الأجراس وإيقاع الآلات الموسيقية على ~~صهوة جواد أبيض بين كردينالين في طليعة موكب لا يدرك الطرف ~~آخره. # وقد أحدثت في رومية كما في غيرها تأثيرين متناقضين؛ فمن جهة بهتت ~~الناس وأدهشتهم بشدة ذكائها وسرعة خاطرها، ومن جهة أخرى أذكت نار ~~استيائهم واشمئزازهم بطيشها ورعونتها. وأوغلت ما شاءت في مغازلة ~~الكرادلة ورقت بسحرها عقول كبار الأعيان والنبلاء، وجعلت الفاتيكان ~~مسرحا للهو والمرح، وأغرت طلبة الكلية المقدسة أن يقتدوا بها في ~~الذهاب كل ليلة إلى المسارح والملاهي. ويقول دوران: «إن شرفة لوج ~~خرستينا كانت كل ليلة غاصة بالكرادلة الممتعين أنظارهم برؤية الراقصات ~~والمغنيات اللواتي جئن إلى رومية بدعوة منها.» وكانت إذا حضرت الصلاة ~~في الكنيسة تقصر فيما يجب عليها من إبداء الخضوع والاحترام، وتلهو ~~بمضاحكة الذين حولها وممازحتهم، أو بالمجاهرة بانتقاد طرق العبادة على ~~مرأى المصلين ومسمعهم. # وقد أسرفت في تبذير ما عندها من المال وإنفاقه على مسراتها ~~وشهواتها حتى باتت صفر الكف، فاستعانت بالبابا طالبة أن يقرضها مبلغا. ~~ولما عرض عليها قداسته راتبا شهريا قدره أربعمائة ريال بشرط أن تصلح ~~سيرتها وتعتدل في نفقاتها، استشاطت غيظا وحنقا ورهنت جواهرها وبرحت ~~رومية نافضة غبارها عن قدميها. # وانطلقت إلى فرنسا حيث تعيد تمثيل مجالي الأبهة والعظمة ومظاهر ~~الطيش والحماقة. وفي كل مدينة عرجت عليها في رحلتها الملكية كانت ~~تستقبل بالخطب السمجة المملة والحفاوات السنية. وكان الملك قد أوفد ~~الدوق دي غيز لاستقبالها ومرافقتها، فوصفها بقوله: «طويلة القامة بدينة ~~الجسم جميلة اليدين والذارعين غير مستوية الكتفين عريضة الوركين، تفرط ~~في استعمال الغمنة (البودرة) لوجهها والدهون لشعرها. ولها أحذية الرجال ~~وصوتهم وطرقهم. ومع شدة عجبها وكبريائها تراها بعض الأحيان دمثة الخلق ~~لينة العريكة. تتكلم بثماني لغات، ms156 وهي في العلم والأدب كأبرع خريجي ~~المدارس العليا. وحقا إنها شخص عجيب غريب.» # وكان الاحتفال باستقبالها في باريس لا يقل في رونقه وعظمته عن ~~استقبالها في رومية، فدخلتها على جوادها الأبيض وجماهير المستقبلين لها ~~يعدون بعشرات الألوف، وهي لابسة صدرة قرمزية اللون وعلى رأسها قبعة ~~مزدانة بالريش الطويل، وقدامها على جانبي السرج طبنجتان وفي يدها ~~خيزرانة. وبعدما نالت مشتهاها من دخول باريس في موكب كبار الملوك ~~والقياصرة ذهبت لزيارة الملك والملكة في كمبيان. وقد وصفها بعض الذين ~~شاهدوها في حضرة الملك فقال: «كان شعرها مشعثا ونقبتها (تنورتها) ~~القصيرة منحسرة عن حذاء ضخم طويل كأحذية الرجال، وعليها سمات الجلافة ~~والخشونة فهي بنورية (غجرية) أشبه منها بنروجية. ويداها قذرتان وسختان ~~لقلة تعمدهما بالغسل والتنظيف.» وعلى رغم هذه المظاهر المستقبحة وقعت ~~في نفس الملك وقعا حسنا جدا، وقال عنها: «إنها جميلة وإن لم تكن ~~حسنة التناول.» # وكان ما ينقص خرستينا من سلامة الذوق وحسن التناول ظاهرا في جميع ~~تصرفاتها. وقد اشمأز الملك لويس إذ رآها جالسة أمام أهل بلاطه على ~~كرسي عال ورافعة رجليها على كرسي آخر مثله في العلو. وازداد تكرها ~~واشمئزازا لما استعارته بعض خدمه المخصوصين لقضاء حاجات هي من شأن ~~الإماء والجواري. وعلى رغم هذه المعايب وما أشبهها كشدة النزق وسرعة ~~الغضب والانبعاث في الشتائم والأقسام، وعدم مراعاة آداب المائدة في ~~أثناء تناول الطعام، على رغم هذه النقائض كلها كان في استطاعة خرستينا ~~أن تظل مدة طويلة ناعمة بضيافة الملك لويس لو لم تتعرض لشئونه الخاصة ~~وتقدم على المداخلة في شئون عشقه وغرامه. فقد ألحت عليه أن يتزوج ~~ماري مانشيني ابنة أخت الكردينال مازارين ضد إرادة والدته التي أوعزت ~~إليها بلطف أن تغادر فرنسا. # فاستأنفت أسفارها عودا على بدء. وفي طريقها إلى إيطاليا باتت ليلة ~~في مونتارج حيث زارها ابن الملك ووصفها بما خلاصته: «دعيت للصعود وحدي ~~إلى عليتها، فوجدتها في سريرها وعلى المنضدة شمعة بيضاء تستمد منها ~~الغرفة نورا ضئيلا. وعلى رأس الملكة الحليق منشفة مكورة كالعمامة. ~~ولم يكن ms157 للنظافة ولا للأناقة أثر على فضلها (ثوب النوم) ولا على شيء ~~آخر حولها. فلم تكن جميلة ولا نظيفة.» # ولما وصلت إلى رومية كان استقبالها جافا فاترا، فقفلت راجعة إلى ~~فونتنبلو. فلقيت فيها ما لقيته في رومية من التجهم والتقطيب وعدم ~~الاحتفاء والترحيب. وإذ لم يكن الملك وحاشيته هناك أذنوا لها أن تقيم ~~فيها وقتا قصيرا. وفي أثناء إقامتها وقع ذلك الحادث الفاجع الذي سود ~~صحيفة خرستينا وقرن ذكراها بالعار والشنار إلى الأبد. # وخلاصة ذلك أنه كان بين أتباعها شابان من نبلاء إيطاليا وشرفائها؛ ~~أحدهما المركيز سونالدتشي والآخر الكونت سنتينلي. وكانا كلاهما ~~يتنازعان حبها والتقرب إليها، وكانت كفة سنتينلي الراجحة، فدبت عقارب ~~الغيرة والحسد في قلب خصمه المركيز، وزور رسائل بتوقيع الكونت ~~تتضمن طعنا جارحا في جلالتها. فلما بلغها ذلك وتحققت صحة التزوير ~~الذي أقدم المركيز عليه، حمي وطيس سخطها وحنقها ودعتهما كليهما إليها. ~~فحضر سنتينلي ومعه جنديان إيطاليان، وعرض رسائل القذف والطعن، وسأل ~~مونالدتشي هل هو كاتب هذه الرسالة، فأنكر بادئ ذي بدء ثم اعترف، وجثا ~~على ركبتيه عند قدمي الملكة طالبا صفحها وغفرانها، فأعارته أذنا ~~صماء والتفتت إلى راهب كانت قد دعته إلى الاجتماع وقالت له: «خذ يا أبي ~~هذا الرجل وأعده للموت وافعل ما يجب نحو نفسه.» ثم أشاحت عن المركيز ~~المنكود الحظ الجاثي على ركبتيه قدامها ودخلت إلى غرفتها تلهو بمجاذبة ~~وصيفاتها أطراف الدعابة والمجون. # ثم تلا ذلك وقوع كارثة هي من أفظع الفواجع في تاريخ البشر. فإن ~~الراهب هاله الحكم بالموت على المركيز كما لو كان عليه هو. وذهب إلى ~~خرستينا ليشفع فيه، فأعرضت عنه واستتلت هذرها وهذيانها. وجاءها المركيز ~~نفسه ووقع عند قدميها وصاح: «رحماك! اصفحي عني إكراما لجراح ~~المخلص.» فأجابته: «لا يمكنني ذلك.» ثم أصدرت أمرها إلى سنتينلي تقول ~~له: «أكرهه على الاعتراف ثم اقتله.» # وما كاد المركيز يفرغ من لفظ آخر اعتراف على الأرض بما لا مزيد عليه ~~من اللجلجة والغمغمة، حتى رفعه الكونت إلى جدار الرواق وفاجأه بأول ~~ضربة من سيفه. وإذ ms158 كان المركيز أعزل تلقى السيف بيده فبرى ثلاث أصابع ~~منها بري القلم ونثرها على الأرض. واشترك الجنديان في الحمل عليه حتى ~~جندلوه والدم يتدفق من عدة جراح بالغة في رأسه وسائر أعضاء جسده، ثم ~~عاجله الكونت بضربة من حسامه اخترقت حشاه، وختمت أفظع جريمة في تاريخ ~~الإنسانية. وبينما كان محبها السابق ملقى مدرجا بدمائه يصرخ صرخات ~~الموت، كانت هي جالسة في غرفة مجاورة وقهقهة فرحها تمتزج بأصوات نزعه ~~ولفظه النفس الأخير. # ولما ذاعت أنباء هذه الجناية الوحشية أجفلت أوروبا بأسرها من شدة ~~هولها وفظاعتها، وعدها الناس قاطبة أشنع ما اقترفته يد هذه الشيطانة ~~الرجيم من الجرائم والموبقات. وحينما بعث إليها مازارين رسولا ينذرها ~~بما يتهددها من الخطر في فرنسا أن حدثتها نفسها بالمجيء إليها، أجابته ~~بكل سلاطة ووقاحة قائلة: «لو كان مونالدتشي باقيا حيا لما أحجمت ~~دقيقة عن فعل ما فعلته به. إذن لا أرى أقل سبب يحملني على الندامة.» ~~وبعد خمس وعشرين سنة ظلت على ما عهدها به الناس من الصلابة والوقاحة. ~~ومما كتبته عن هذه الجريمة قولها: «لست أرى موجبا لتنصلي من تبعة مقتل ~~مونالدتشي. فما أسخف هذه الضجة التي يثيرها الناس على حادث تافه كهذا! ~~فإن أصروا على عد القتيل بريئا لم يهمني ذلك قيد شعرة ولا مثقال ~~ذرة!» # وعلى هذا الأسلوب ظلت تنظر إلى تنقص العالم لها بعين الاحتقار ~~وعدم الاهتمام إلى آخر ساعة من حياتها. ولما منعتها حكومة أسوج من دخول ~~بلادها ثنت عنان جوادها عنها ضاحكة هازئة ووجهته شطر بلاد أخرى. ودبرت ~~مكيدة لفصل بومارنيا عن أسوج بالقوة المسلحة، والاستيلاء على عرش ~~بولونيا. ولما قطع البابا عنها الراتب تهددته بغزو الفاتيكان وخلعه عن ~~عرش البابوبة. وقضت الثلاثين سنة الأخيرة من حياتها منبوذة من العالم ~~كله وفي فقر واحتياج لا مزيد عليهما، ومع ذلك بقيت مثلا مضروبا في ~~الوقاحة والعناد والزيغ عن سبيل الهداية والرشاد. # وحين شعرت بدنو الأجل عزمت ألا تغادر المسرح الذي مثلت فيه فصول ~~حياتها إلا على وجه يملأ العالم دهشة واستغرابا. ms159 فأعدت من تكفينها ~~حلة من الحرير الأبيض الناصع مطرزة بالفضة والذهب، ومصنوعة على أبدع ~~مثال من الإجادة، واستعدت للمنظر الأخير من مناظر حياتها التمثيلية، ~~متوقعة نزول الستار بثبات قلب ورباطة جأش. # وقد حضرتها الوفاة في يوم من شهر أبريل سنة 1659. وإن كانت قد شعرت ~~بشيء من الأسف على مغادرة هذه العالم؛ فذلك لأنها لم تستطع أن تشاهد ~~الاحتفال بدفنها. فإن رومية عزمت أن تشيعها إلى رمسها باحتفال فائق في ~~عظمته وجلاله؛ إذ ألبست حلتها الحريرية الموشاة بالفضة والذهب، ووضع ~~تاج على رأسها وصولجان في يدها، وسير بها في موكب ملكي باهر تحفه ~~المهابة والجلال إلى كنيسة القديسة دروثيا التي وشحت بالسواد وأنيرت ~~بالشموع. # وفي المساء نقل النعش إلى كنيسة القديس بولس يتقدمه خمسمائة راهب ~~بأيديهم الشموع الموقدة يتبعهم رجال العلوم والفنون، ووراء النعش ~~الكرادلة ورؤساء الأساقفة وكبار رجال السياسة وأرباب الجاه والثروة. ~~وهكذا شيعت خرستينا إلى مقرها الأخير، ودفنت تحت قبة كنيسة القديس ~~بولس أعظم كنيسة في العالم. # وقد مضى الآن نحو ثلاثة قرون على استراحة جسدها في قبره ووقوف نفسها ~~أمام خالقها العظيم. ولا يزال ذكر سيرتها موضوع حدث المؤرخين ~~والناقدين. وقلما اجتمع في إنسان غيرها ما اجتمع فيها من المتناقضات ~~والمتغايرات: مواهب سامية جليلة مقرونة بنقائص شائنة ومعايب فاضحة ~~وخيبة مرة. ومهما يكن من ذكائها النادر وبراعتها الفائقة، فإنهما لا ~~يذكران بجانب رذائلها التي شبت عن طوق الوصف وجاوزت حد الإحصاء، ~~ومثلتها لعيون معاصريها وقراء تاريخها شيطانة في صورة ~~امرأة. # قالت مرة: «ذرية الملوك أشبه بالنمر والأسد التي يدربها ~~مروضوها على ألوف من الألعاب والحركات، فتنظر إليها وتظنها بالغة حد ~~الطاعة والانقياد، ولكن ضربة من مخلب واحد منها على غير توقع وانتظار ~~تريك أن ترويض حيوان كهذا محال.» وهي نفسها كانت حيوانا لا يروض؛ ~~لأنها كانت من حثالة الذرية التي أشارت إليها. # | ملكة بلا تاج # في صباح اليوم السابع والعشرين من شهر يوليو 1784 بشرت جريدة ~~المورتن هرلد قراءها بطلوع كوكب جديد في سماء لندن يبهر العيون بضياء ms160 ~~حسنه ويأسر القلوب ببهاء جماله. فما اطلع الناس على هذا النبأ السار ~~المفاجئ حتى أخذتهم الحيرة والدهشة، وجعلوا يتساءلون قائلين: «من هذه ~~الجميلة الحسناء التي بشرتنا بقدومها الأنباء؟» فمعظمهم لم يسمعوا ~~بها ولا عرفوا عنها شيئا قبل ظهورها على حين غفلة في عاصمتهم. ولكن ~~كان في بعض أنحاء إنكلترة البعيدة كثيرون من الذين هاموا من قبل ~~بقسامتها البارعة وبهجتها المونقة الرائعة. كانت هذه الشمس الطالعة في ~~فلك الهيئة الاجتماعية في لندن حفيدة السر جون سمث كبير أسرة عريقة في ~~النسب في دورهام، ومنذ حداثتها أسرت القلوب بقساوتها. ولما صار هلال ~~جمالها بدرا تاما أصبحت مضرب المثل في بهائها الغض النضير، وحسنها ~~المنقطع النظير، وكان يزين تقاسيمها البديعة التكوين والتامة التناسق ~~ما هي مفطورة عليه من رقة الجانب ولين العريكة وسلامة الذوق وحسن ~~التناول. # وبديهي أن جوهرة كهذه يكثر ~~طلابها ويشتد التنافس في اقتنائها. وما كان أعظم دهشة الناس عندما ~~أعرضت عن جميع خطابها الذين كانوا من نخبة الشبان وزهرة الفتيان، ~~ومدت يد الرضا والقبول إلى المستر إدورد ولد، وهو من ذوي الثروة ~~ولكنه أكبر من أبيها سنا! وطالما جلست على ركبتيه في أثناء طفولتها، ~~وبعد سنة من اقترانها به خلعت حلة زفافها إليه ولبست السواد حدادا ~~عليه. وبعد ثلاث سنوات تزوجها المستر توماس فتزهربرت وهو من أسرة غنية ~~مشهورة، ولم تقض معه بضع سنوات حتى فجعت به وهي ابنة خمس وعشرين سنة، ~~وقد ورثت عنه عقارا يبلغ ريعه ألفي جنيه في السنة. # ولما أراها الاختبار سوء حظها في الزواج عقدت عزمها على السياحة في ~~أوروبا، فقضت فيها سنتين ثم عادت إلى لندن بحسن أغض وأنضر وجمال أبهى ~~وأبهر، لتسحر العقول وتأسر القلوب. وكان ذلك يوم ذكرت جريدة المورنن ~~هرلد خبر وصولها إلى لندن كما تقدم في صدر هذا الفصل. # ولما كانت لا تزال في إبان طراءتها ونضارتها وريعان زخرفها وبشارتها ~~وعلى جانب من الغنى والثروة، فليس عجيبا أن نراها باسطة رواق سلطانها ~~على كبار رجال لندن، وهي مستعبدة لقلوبهم ومستأسرة ms161 لنفوسهم. ولم يمض ~~عليها بضعة أسابيع حتى أجمع كل من في لندن على تلقيبها بملكة جمال ~~بارع رائع ليس لها فيها منازع، وبات أكبر الأغنياء والعظماء والأمراء ~~يتسابقون إلى خطبة ودها وانتجاع رضاها. ولكنها كانت ترد جميع خطابها ~~يتعثرون بأذيال الخيبة قائلة إنها اختبرت حظها من الحياة الزوجية غير ~~مرة ولم يبق لها أقل ميل إلى تكرار التجربة والاختبار، على رغم ما ~~تراه من المغريات المشوقات. وهي في حالتها الحاضرة ناعمة بظلال ~~الراحة والهناء لا تجد مسوغا لمحاولة التبديل والتغيير. # ومع ظهور ولي العهد في طليعة خطابها وطالبي الاقتران بها، ظلت ~~مصرة على عزمها، ولم تتزحزح عنه قيد شعرة. وغير معلوم لدينا أين ~~التقى ولي العهد والأرملة الحسناء وكيف تعارفا. فالبعض يزعمون أنه ~~لقيها في رتشموند، ويظن آخرون أنها بهرت عينيه بحسنها حين رآها في لوج ~~اللادي سفتون في الأوبرى. ومن المحقق أنه لم يلبث بعد مشاهدته لها أن ~~صار في مقدمة أسراها العانين لها والمشغوفين بها. ومما ينبغي ذكره ولا ~~يصح إغفاله أن ولي العهد جوج كان من أجمل الشبان طلعة وأنبههم شأنا ~~وأسلمهم ذوقا وأحسنهم تناولا. وكان معدودا في عصره ملك الثقافة ~~والتأنق في استطراف الملابس والظهور في كل مظهر مستملح مستظرف. # هكذا كان الشخص الذي ظهر على مسرح التمثيل في حياة عقيلة فتزهربرت، ~~وقدر له أن يمثل منها أعظم فصل انتهى بخاتمة مفعمة بالحزن والأسى. ~~على أن أرملة فتزهربرت لم تواجه هيامه بها بشيء من التشويق والتشجيع، ~~بل قابلته بالفتور والجفاء؛ لأنها لم تكن من النساء اللواتي يحملهن ~~النزق والطيش على الاستسلام إلى هوى الأمراء والكبراء مهما يكن جمالهم ~~بديعا ومقامهم رفيعا، والتعرض لما قد يكون في ذلك من خطر سوء الصيت ~~وخبث الأحدوثة. ومما زادها حذرا واحتراسا أنه كان أصغر منها سنا ~~وشديد التعرض للتقلب والتحول. ولكن إعراضها عنه ونفورها منه لم يكونا ~~إلا ليزيدا نار هيامه احتداما واضطراما. # وفي كتبها إليه بينت موقفها تجاهه بما لا مزيد عليه من الوضوح ~~والصراحة، فأجابته مرة حين سألها ms162 أن توافيه بعد الخروج من حفلة رقص ~~قائلة: «أوافيك؟ كيف أوافيك؟ بل كيف تطلب إلي ذلك أنت ولي العهد ~~المشهور في كياسته وسلامة ذوقه؟ أيصح في شرعك أن أقدم على لقاء كهذا ~~أو أخاطر بما لي من حسن الصيت وطيب الأحدوثة؟» وكتبت إليه مرة تقول: ~~«لماذا تقصر اهتمامك علي؟ فالنساء اللواتي هن أجمل مني لا يحصين ~~عددا. اختر لنفسك منهن من تشاء ودع مرغريت المسكينة وشأنها.» # وقد بذل ما يستطيعه من الجهد في سبيل استمالتها إليه فلم يظفر بطائل، ~~ولما هددته بفصم عرى صداقتها له إن لم يكف عن إعناتها وإزعاجها، ~~صاح بصوت اليائس الجازع: «آه! ليتني كنت قادرا أن أهدم سياج التفوق ~~الذي يفصلني عنك! إذن لتمكنت حينئذ من الوقوف أمام والدتي الملكة ~~ومعي زوجة تضارعها في الفضائل، وأنا وشعبي في أشد احتياج إلى الاقتداء ~~بمثالها والنسج على منوالها. ولكن آه من غرور الحياة وأباطيلها! إني ~~شاعر باستحالة ما أروم، وآسف على ذلك من صميم فؤادي. فلا تحرميني ~~التمتع بصداقتك، وهبي من لدنك عزاء لقلب حزين كسير.» # إلى هذا الحد بلغ اليأس والقنوط بولي العهد حين أخفقت مساعيه وخابت ~~آماله، فهددها غير مرة ببخع نفسه والقضاء على حياته إن أصرت على ~~رفض طلبه. وزاد عليه أن أخرج تهديده ذات يوم إلى حيز الفعل محاولا ~~الانتحار. وخلاصة ذلك نقلا عن اللورد ستورتن: ~~«جاء يوما الجراحي كيث واللورد أنسلو واللورد سوثمبتن والمستر إدورد ~~بدفري مسرعين إلى منزل عقيلة فتزهربرت قائلين إن ولي العهد طعن نفسه ~~بخنجر، وإن حياته في خطر لا ينقذه منه إلا إسراعها في الذهاب إليه. ومع ~~شدة إلحافهم عليها في الذهاب أصرت على الامتناع. ولما تمادوا في ~~اللجاج وأسرفوا في التوسل والاستعطاف، أجابت طلبهم مشترطة عليهم أن ~~تصحبها سيدة ذات مقام رفيع؛ لأنها كانت موجسة خوف الوقوع في مكيدة تجر ~~عليها العار والشنار. فانتدبوا دوقة ديفونشر وأخذوها معهم. ولما وصلت ~~أرملة فتزهربرت وجدت الأمير مضرجا بالدماء وعلى وجهه صفرة الموت، ~~فراعها منظره وكاد يغشى عليها من شدة الجزع ms163 والاضطراب. وقال لها الأمير ~~إنه لا شيء يثنيه عن عزمه على تجرع كأس الموت إلا أن تعده أن تصير ~~زوجة له، وتأذن له أن يضع خاتما في إصبعها. وأظن أن الخاتم الذي ~~استخدم حينئذ في هذه الغاية لم يكن من عند الأمير بل استعير من دوقة ~~ديفونشير. وسألتها عقيلة ديفونشير بعد ذلك ألا تظن أنهم احتالوا ~~عليها بما لفقوه لها من حكاية محاولة الانتحار، وأن ما رأته على ولي ~~العهد لم يكن دما؟ فأجابت سلبا وقالت إنها رأت بعينيها غير مرة أثر ~~الجرح، وإنها عندما ذهبت إليه يوم طعن نفسه شاهدت قرب سريره قليلا من ~~الكونياك ممزوجا بالماء.» # لكنها بعدما عادت إلى منزلها وخلت بنفسها وراجعت تفاصيل هذه الحادثة ~~ناظرة إليها بعين التأمل والتدبر، اتضح لها فساد ما سبقت واعتقدت صحته، ~~وتحققت أنها أخذت بحيلة سافلة، وأن شعيرة الزواج التي حصلت (إي ~~إلباسها الخاتم) أضحوكة لا قيمة لها. فساءها ذلك وأضرم في قلبها نار ~~الغيظ والحنق، وكتبت إلى اللورد سوثمبتن توسعه تقريعا وتوبيخا على ~~ما بدا منه ومن رفقائه من الخداع الشائن المعيب. وفي اليوم التالي برحت ~~إنكلترة وهامت على وجهها في عواصم أوروبا محاولة تناسي هذه الإهانة ~~والهرب من وجه محبها. # وحينما بلغ الأمير جورج فرارها تنازعه عاملا حزن وغضب كادا يذهبان ~~بصوابه. وقد وصفته عقيلة فوكز للورد هولند بقولها: «زارنا يشكو إلي ~~وإلى زوجي تباريح هجر حبيبته له، فرأينا في بكائه وانتحابه، وفي كل ~~حركة أبداها وكلمة نطق بها دليلا واضحا على شدة محبته لها وشغفه ~~بها. وقد أقسم ليهجرن وطنه وتاجه وكل غال عزيز عنده ويتبعنها ولو ~~إلى أقاصي الأرض.» # ولكنه كان غير قادر أن يبرح إنكلترة بلا إذن أبيه الملك، وقد رفض ~~أبوه أن يأذن له في ذلك على رغم ما بذله من التوسل وما ذرفه من الدموع. ~~وكان الملك جورج الثالث قد لقي من طيش أخويه وانبعاثهما في العشق ~~والغرام ما أحرج صدره وأذهب صبره، ولم يترك عنده أقل جلد لتحمل شيء ~~من هذا من ms164 ابنه ولي عهده ووارث عرشه من بعده. # فاستعان جورج بالرسل فانتشروا في عواصم أوروبا وأمهات مدنها يفتشون ~~ويبحثون عن حبيبته الشاردة. ولما وجدوها في هولندة أخبروه، فكتب إليها ~~رسائل مطولة يبثها فيها شوقه وغرامه، ويصف لها ما يعانيه في نواها من ~~العذاب الأليم، ويتضرع إليها أن ترأف به وتعطف عليه وتسرع في العودة ~~إليه، وإلا عرض نفسه للردى وذهب شهيد حبها وغرامها. # ولا يخفى أن إلحاحا شديدا كهذا لا بد له من أثر، وهكذا حدث، فإن ~~عقيلة فتزهربرت لم يسعها أن تظل إلى النهاية مغضية عنه؛ لأن قلبها ~~الرقيق لم يطاوعها على ذلك. فأخذت تشعر بشيء من الندامة وتوبيخ الضمير. ~~وكانت قد سبقت فوعدته أنها لن تتزوج غيره، والآن ارتضت أن تقترن به إن ~~لم يعارض الملك في ذلك، وعلى شروط أرضت ضميرها وإن لم يكن لها حق شرعي ~~في أن تكون زوجة الأمير. # وفي يوم من شهر ديسمبر سنة 1785 رجعت إلى منزلها في بارك لاين، ولم ~~يخطر قط في بالها في وقت انهماكها بالاستعداد للزواج أن الرجل الذي ~~قبلته زوجا لها يصرح لعقيلة فوكز وزوجها بأنه لا صحة على الإطلاق ~~لما يشاع من عزمه على الاقتران بأرملة فتزهربرت. # وفي اليوم الخامس عشر من شهر ديسمبر احتفل بزواجهما في منزلها، وقام ~~بصلاة الإكليل قسيس شاب يدعى روبرت بورت بأجرة قدرها خمسمائة جنيه، ~~مشفوعة بوعد رعايته والعناية به في المستقبل. وحضر الأمير ماشيا يصحبه ~~أورلندو بردغمن. وقدم العروس خالها المستر أرنتون، وكان هو وأخوها ~~جاك سميث شاهدين. وبما لا مزيد عليه من الحذر والتكلم جثا العروسان ~~- ماري فتزهربرت وجورج ولي العهد - وفاها بالعهد الذي جعلهما ~~زوجين. # وقضيا بعد ذلك سنة أو أكثر في صفاء وهناء لا يفارق أحدهما الآخر. ~~وهذا الاتصال بينهما صار مصدرا لكثير من الإشاعات والأقاويل. وكانت ~~أحوال الأمير المادية تزداد ضيقا وعسرا، ومست الحاجة إلى عرضها على ~~مجلس النواب، وهذا ما شد عليه وطأة الحيرة والارتباك. فمن جهة كانت ~~حاجته إلى المال بالغة أقصاها، ومن جهة أخرى ms165 يجب إبقاء زواجه سرا ~~مكتوما؛ لأن اقترانه بزوجة كاثوليكية يقضي بحرمانه حق الجلوس على ~~العرش. # فلأجل التخلص من هذه الورطة انساق بدافع جبنه وضعف عزيمته إلى ~~إغراء صديقه فوكز بالتصريح في مجلس النواب بأن خبر اقترانه بعقيلة ~~فتزهربرت من أقبح التخرصات السافلة والأراجيف الشائنة. وبناء على هذا ~~التصريح قرر المجلس إيفاء ديونه ووافق على إضافة مبلغ عشرة آلاف جنيه ~~إلى الاعتماد المخصص لنفقاته. ويقول اللورد ستورتن إن ولي العهد بكر ~~في صباح اليوم التالي إلى أرملة فتزهربرت وقال لها: «يسوءني جدا أن ~~أخبرك بما فعله فوكز أمس، فإنه وقف في مجلس النواب وأنكر صحة اقتراننا. ~~فهل سمعت بأفظع من هذا الأمر؟» فلم تجبه بشيء، ولكنها امتقعت وعلا ~~وجهها قتام الغيظ والغضب. # ولما أخبرته أنها بعد حدوث هذا الأمر المعيب لا يمكنها أن تعيش معه، ~~أكد لها أنه لم يفوض إلى فوكز التصريح بإنكار اقترانهما، وأنه ~~سينشر بيانا يكذب فيه هذا التصريح. وبعد أياما ألقى شريدان بيانا ~~موعزا به من ولي العهد، وهذا البيان مع عدم الاعتراف فيه بالزواج ~~يحمل سامعيه على الاستدلال والحكم بأن عقيلة فتزهربرت لم تكن ~~سريته. # فعادت المياه بينهما إلى مجاريها بخيانة مزدوجة كان وجهها الأول ادعى ~~للاحتقار والامتهان من وجهها الثاني. واستأنفت أرملة فتزهربرت علاقتها ~~بزوجها الجبان ولكن على غير ما يرام من الصفاء والوئام. # وإليك وصفا موجزا لبعض ما كانت تعانيه منه في تلك الأيام مقتبسا ~~من مذكرات المستر ريكس، قال: «كان الإفراط في تناول المسكرات شائعا ~~في ذلك الحين، وكان من عادة عقيلة فتزهربرت ألا تنام قبل مجيء ~~قرينها. وكثيرا ما كانت تسمع بعد نصف الليل وقع أقدام على الدرج تستدل ~~منه على مجيء زوجها مع بعض أصحابه، وقد لعبت برءوسهم سورة الخمر وهم ~~يضجون ويعربدون، فتفر هاربة من وجوههم مختبئة تحت إحدى الأرائك أو ~~المتكآت. وكان الأمير يدخل وإذ لا يجدها في البهو يستل حسامه هازلا ~~مازحا، ويأخذ في البحث عنها حتى يعثر عليها فيجرها من مخبئها مروعة ~~مذعورة. # ولكنها على رغم ما ms166 رأته فيه - ولم تكن تعلمه من قبل - من قلة الأمانة ~~والإخلاص وسرعة التقلب والتحول، وشدة الانغماس في مفسدات الأخلاق، لم ~~تكن عيشتها معه خالية من بعض مظاهر الرغد والسعادة. وهذه السعادة ~~الضئيلة القليلة كانت من وقت إلى آخر عرضة للحئول والزوال بما كان ~~يشغلها من عسر الأمير المالي وضيق ذات يده . # وقد بلغ مرة من اشتداد عسره أنهما بعد رجوعهما من بريتون إلى لندن لم ~~يستطيعا الحصول على مبلغ خمسة جنيهات كانا في أشد احتياج إليه. ولما ~~تفاقم على الأمير خطب الإملاق وتراكمت عليه الديون، اضطر أن يلتمس ~~النجاة من هذا الضيق الخانق بالاقتران بكارولين برنسويك، وكان ذلك على ~~رغمه. فاستعان على تسكين جأشه وإخماد جذوة اضطرابه ساعة الاحتفال ~~بزفافها إليه بتجرع مقدار كبير من الكونياك. # قال دوق بدفورد: روى لي أخي أن الأمير كان حينئذ في أشد حالات ~~السكر، حتى إنه بالجهد استطاع أن يسنده ويحول دون سقوطه. وقد أفضى إلى ~~أخي بأنه كرع عدة كأسات من الكونياك ليخدر بها أعصابه ويتمكن من ~~تحمل هذه الصدمة - صدمة الاحتفال بالزواج على رغمه وضد ~~إرادته. # وفي أثناء صلاة الإكليل ذرف الأمير دموعا سخينة عندما كرر رئيس ~~أساقفة كنتربوري القول: «هل عند أحد مانع شرعي؟» والتفت إلى الملك وإلى ~~ولي عهده. أما النتيجة المالية التي أحرزها الأمير من هذا الزواج ~~الإكراهي فكانت إيفاء ما تراكم عليه من الديون، وزيادة دخله حتى بلغ ~~مائة ألف جنيه في السنة. # وما أبطأ جورج بعد اقترانه بهذه العروس الغنية أن أعلن شدة رغبته في ~~الرجوع إلى «زوجته في عيني الله» مصرحا جهارا بأنه لا يستطيع أن ~~يحب غيرها. لكن أرملة فتزهربرت أعرضت عنه إعراضا تاما. ولما طلب ~~إليها الملك والملكة وغيرهما من أعضاء الأسرة المالكة أن تقبل توسطهم ~~في المصالحة بينها وبين الأمير، اشترطت أن يعترف البابا بصحة زواجها. ~~وعندما وافق البابا على عقد الزواج عادت كما كانت قبلا زوجة محبة ~~وأمينة لزوج ساقط الشأن وإن كان رفيع المقام. وقضت معه ثماني سنوات على ~~ما شاءت ms167 من الصفاء والهناء. وأحسن جورج معاملتها وبالغ آله في ~~إكرامها. وأطبق الناس على أنها جديرة بالاحترام اللائق بزوجة ولي ~~العهد. # ولكن أنى يرجى دوام لأيام الصفاء والهناء مع رجل غملاج قلب ~~حول كزوجها؟ فإنه لشدة تقلبه وعدم ثباته على حال واحدة، وتنقله في ~~الحب من إحدى سيدات البلاط إلى غيرها، جرع أرملة فتزهربرت كثيرا من ~~غصص الشقاء ونكد العيش. # وكان آخر ما أمضها منه وأكرهها على تركه هيامه بلادي هترفورد ~~الجميلة، ولفرط شغفه بها تحول على زوجته وولاها ظهره. ولما أعدت ~~الوليمة الملكية للويس الثامن عشر حضرت عقيلة فتزهربرت المأدبة وسألت ~~زوجها أين تجلس؟ فأجابها بقحة واحتقار لا مزيد عليهما: «لا محل لك ~~يا سيدتي.» فأجابته بعزة وشمم: «نعم. ولكن لو شئت لكان لي.» وعلى ~~الفور قطعت علاقاتها بهذا الزوج الجبان الرواغ، وبموافقة الملك وغيره ~~من أسرته انفصلت عن الأمير، وذهبت إلى بريتون حيث أقامت إلى آخر أيام ~~حياتها، وقد تعين لها راتب قدره ستة آلاف جنيه في السنة. # وبعد ست سنوات جلس جورج على عرش أبيه فملك عشر سنوات، وقبيل وفاته ~~أوصى بأن يدفن في فضلته (ثياب نومه) التي كان يلبسها حينئذ. ويقول ~~اللورد البيمرل: «بعدما لفظ الملك النفس الأخير حضر دوق ولنتن الموكول ~~إليه تنفيذ وصيته، ودخل إلى الغرفة الموضوع فيها جسد الملك، ودنا من ~~سريره فوجد حول عنقه شريطة سوداء وسخة بالية فنزعها، وإذا فيها مثال ~~صغير لصورة عقيلة فتزهربرت مرصع بالجواهر. ولأجله أوصى الملك بأن ~~يدفن في الثياب التي كانت عليه.» # فحمل الملك جورج إلى ضريحه صورة التي وصفها في وصيته بقوله: «زوجتي ~~المحبوبة المعبودة. قرينة قلبي ونفسي.» الزوجة التي أسرف في محبته لها ~~وإساءته إليها. ورغبته هذه دل عليها دلالة واضحة بما كتبه قبل موته ~~قائلا: «أروم أن أدفن وصورة زوجتي المحبوبة ماري فتزهربرت معلقة في ~~شريطة حول عنقي كما كنت ألبسها في حياتي ومدلاة على صدري.» # وعاشت ماري فتزهربرت بعد زوجها سبع سنوات اكتسبت فيها محبة جميع ~~الذين عرفوها لملاحتها وحسن تناولها وعكوفها على ms168 عمل الخير. وتوفيت في ~~بريتون صباح اليوم التاسع والعشرين من شهر مارس سنة 1837 وعمرها 81 ~~سنة. # ويقول عنها غرنفيل: «لم تكن ذكية ولكنها كانت متفوقة في شرف نفسها ~~وكرمها وأمانتها واستقامتها وصدق محبتها وصحة ولائها وعدم محاباتها. ~~وكانت محبوبة من جميع أنسبائها وأصدقائها ومحترمة عند أعضاء الأسرة ~~المالكة.» وظلت آثار الحسن والجمال بادية عليها إلى آخر يوم من ~~حياتها. # قال غرنفلي بركلي: «لست أنسى ملامحها الباهية البهجة المزدانة بكل ما ~~يبهر العيون ويسبي العقول. وهذا الحسن البارع الرائع لم يفارق وجهها ~~وقوامها وسائر تقاسيمها حتى في كهولتها وبداءة شيخوختها. ودام محياها ~~في أيامها الأخيرة ساطعا بقبس جمال ضئيل أشبه بشفق الأفق بعد مغيب ~~الشمس. وبالاختصار أقول عنها إنها كانت امرأة خليقة بالتجلة والاحترام ~~ولم يعوزها لتكون ملكة سوى التاج».» ms169