######OpenITI# #META# URI: 1353AscadKhalilDaghir.TarikhWilliamZafir.Hindawi91582486 #META# Tags: history #META# ID: 91582486 #META# Title: تاريخ وليم الظافر #META# AuthorID: 52083092 #META# Author: أسعد خليل داغر #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # تمهيد‏ # 1 - نورماندي‏ # 2 - ولادة وليم‏ # 3 - سفر روبرت إلى الأرض المقدسة‏ # 4 - ملك وليم في نورماندي‏ # 5 - الزيجة‏ # 6 - الأميرة «أما»‏ # 7 - الملك هارلود‏ # 8 - التأهبات‏ # 9 - اجتياز البوغاز‏ # 10 - معركة هستن‏ # 11 - عصيان البرنس روبرت‏ # 12 - الخاتمة‏ # مقدمة‏ # تمهيد‏ # 1 - نورماندي‏ # 2 - ولادة وليم‏ # 3 - سفر روبرت إلى الأرض المقدسة‏ # 4 - ملك وليم في نورماندي‏ # 5 - الزيجة‏ # 6 - الأميرة «أما»‏ # 7 - الملك هارلود‏ # 8 - التأهبات‏ # 9 - اجتياز البوغاز‏ # 10 - معركة هستن‏ # 11 - عصيان البرنس روبرت‏ # 12 - الخاتمة‏ # | تاريخ وليم الظافر # | تاريخ وليم الظافر # تأليف # أسعد خليل داغر # | مقدمة # الحمد لله الذي ليس لسوابغه حصر ولا لنوابغه عد، كما أنه ليس له بداءة فتؤرخ ولا نهاية ~~فيوضع لها حد. # أما بعد، فلما كان فن التاريخ من أجل المنافع للإنسان، وأفضل الذرائع لتدرجه في مرقاة ~~الحضارة والعمران؛ لأنه مشكاة تنقشع لديها دياجير القدمية عن محيا الحوادث في غابر القرون ~~والأجيال ومرآة تنطبع عليها تصاوير الوقائع الماضية كأنها في زمان الحال، فتمرح في حلباته ~~ضوامر النواظر، وتسرح في فلواته غزلان الخواطر؛ لاجتناء يانع الفضائل من أجارع المفيدات ~~المرشدات، واجتناب فواقع الرذائل من صوادع المنذرات الموعدات، ولما كان تاريخ وليم الظافر، ~~الملقب بالقاهر، من أجلها نفعا، وأعظمها في النفوس وقعا، رأيت أن ألم به بعض الإلمام ~~إفادة للقراء الكرام والسلام. # | تمهيد # إن الشهرة التي حازها هذا البطل المقدام، والأسد الضرغام، كانت بافتتاحه بلاد الإنكليز ~~عنوة، واستيلائه على مقاطعاتها، واستوائه على عرش ملكها. وهذا كله يعرف في التاريخ بغلبة ~~النورمان - سكان نورماندي - الذين منهم وليم الظافر. # على أن الأسباب التي مهدت سبيل الجلوس على العرش الإنكليزي لم تكن مجرد القوة الحربية ~~فقط؛ لأنه كان له في العرش حق ادعاه على ملكها، وحمل عليه طالبا تحصيله على ما سيأتي معنا ~~إن شاء الله. # الفصل الأول # | نورماندي # إن نورماندي وطن وليم الظافر هي مقاطعة في غاية الخصب والجمال، موقعها الجغرافي في شمال ~~فرنسا على ملاصقة المضيق الإنكليزي، ومساحة عرض هذا المضيق نحو مائة ميل، ms001 وأما تخمه الجنوبي ~~الذي منه القسم الشمالي من نورماندي، فمؤلف من سلسلة هضاب قائمة تجاه البحر تخرقها مصاب ~~أنهر تجري من داخل البلاد، وتصب في تلك الثغور التي كانت تصلح أن تكون مرافئ تلتجئ إليها ~~السفن، لولا أن الرياح الشمالية الغربية يكثر هبوبها عليها بعنف شديد، فتثير الأمواج ~~متلاطمة وتغادرها مضاحل # 1 # بما تجر إليها من الرمال والحصى والأخشاب المتكسرة، وبعكس ذلك تخمه الشمالي من ~~جهة بلاد الإنكليز؛ فإن المرافئ هناك رحبة سهلة المدخل أمينته تقي المراكب من الرياح ~~والأنواء؛ ولهذا الاختلاف الطبيعي في جانبي هذا المضيق تأثير عظيم يظهر بالنظر إلى سكان ~~الجانب الواحد منه، فإنهم وإن يكونوا هم وسكان الجانب الآخر من أصل واحد وجنس واحد، فهم على ~~اختلاف من القوة والإقدام على المخاطر والأسفار البحرية. # أما وحدة النسل في هذين الشعبين - أعني الإنكليز وسكان شمالي فرنسا - فهي لأن هذين ~~المكانين أخضعا لجيل من الناس يدعون «سكان نافيين» وهم أخلاط من النرويجيين والدانماركيين ~~وغيرهم من بلدان البلتيك، وقد لقبوا حينئذ بالشماليين، والذين حلوا بلاد الإنكليز دعوا ~~دانيين (نسبة إلى دانمارك) مع أنه لم يكن منهم في الحقيقة من بلاد الدانمارك إلا الجزء ~~القليل فقط، على أنهم تسلسلوا من أصل واحد، ونالوا وحدة الصفات من حيث الشجاعة وشدة البأس ~~والجرأة على ارتكاب المخاطر. وهذا كله لا يزال أخلافهم يمتازون به في العصر الحاضر. # أولئك خرجوا في تلك الأيام جمهورا عظيما على عمارات قرصانية، ومخروا في عرض الأوقيانوس ~~الجرماني إلى الأبحر البريطانية يقتحمون المصاعب، ويركبون الأخطار استكشافا لأرض جديدة ذات ~~خصب وكلاء ليحلوها، وكانوا في غضون ذلك يظهرون ذات القوة والشجاعة، ويكابدون عين هذه ~~الأهوال في صيد حيتان المحيط الباسيفيكي، والحمل على بلاد الهند واغتنام كنوز غناها، ~~والتبحبح بنعيم ثروتها، ومثل ذلك أيضا في الاندفاع للدوران حول نصف الكرة لاستخراج الذهب ~~من كاليفورنيا. أجل إن الزمان تغير والأحوال استحالت، ولكن النوع باق كما كان، والروح هي ~~هي من عهد النشأة وستظل كذلك إلى آخر الزمان. # أما اسم المقاطعة نورماندي فمأخوذ ms002 من النورثمان (أي الشماليين) الذين اغتصبوها من ~~الإفرنس؛ فإنهم دخلوها من البحر على نهر السين الذي يجري من داخل البلاد كما يرى على ~~الخارطة، ومخروا فيه بمراكبهم حتى استقرت أقدامهم في قلب تلك المقاطعة، وكان حلولهم فيها ~~بضعة أجيال قبل ابتداء تاريخنا هذا، وقد تولى إدارة الحكم فيها سلسلة من الأمراء كانوا ~~سلاطين مطلقي الإرادة إلا قليلا، ودعوا أمراء (دوكاث) نورماندي. # فالأمير الأول الواضع أساسها، والرافع نبراسها مقدام الغارة في الاستيلاء على هذه الإمارة ~~كان بطلا من الشمال، مغوارا وفارسا بين الرجال كرارا، عريقا بالبربرية، ولصيقا بجانب ~~الوحشية يدعى «رولو» وكثيرا ما يلقب في التاريخ برولو الداني (الدانماركي). # هذا نشأ في نروج، واستلم زمام القيادة بالإرث، ولما شب وبلغ أشده وشب معه حب الغزوات ~~والفتوحات جمع إليه عصابة من الرجال الأشداء، وخرج بهم للقرصانية واللصوصية حتى روع ~~البلاد، وهلع قلوب العباد، فجلاه الملك إلى خارج المملكة. # على أن هذا الجلاء لم يكن ليثني عزمه عن اجتراح هذه الكبائر والجرائم، بل زاده إقداما ~~وتنشيطا، فجمع إليه كل قواته وانطلق بعمارة يمخر في الأوقيانوس الجرماني نحو شواطئ ~~بريطانيا، وكان في ذلك الوقت في جوار تخم إسكوتلاندا الشمالي الغربي سلسلة جزر موحشة كانت ~~ملجأ للقرصان واللصوص، فجعلها رولو مقرا له؛ حيث انضم إليه فيها عصابة أخرى من الأشقياء ~~الذين بعضهم هربوا إليها من طائلة ما كان لهم في إثارة الشغب والفتن، والبعض الآخر في تبعة ~~ارتكاب المعاصي واجتراح المحارم. # أولئك مالوا إليه لما أنسوا فيه من شدة البأس والشجاعة، وتألبوا حوله وأجمعوا على جعله ~~قائدا عليهم، أما هو فلما رأى ازدياد قوته عقد النية على حشد جيش جرار والإقلاع نحو ~~الجنوب، لعلهم يدفعون إلى بلاط طيبة الأرض خصبتها؛ فيغتصبوها ويستعمروها. # فوافقوه على رأيه، وأعدوا الزاد والمهمات وأقلعوا لا ينحون مكانا مخصوصا، بل يسيرون إلى ~~حيث يجدون موضعا يناسبهم للاستيطان، فيلقون فيه عصا الرحيل، ويتخذونه محلا للمقيل، فدخل ~~نهر السين حائرا خائفا من قوة العدو البحرية هناك، على أنه حالا رأى إمكان تغلبه على ms003 هذه ~~الصعوبة؛ إذ قد أسعده الحظ بعدم وجود قوة كافية للعدو لتصده، فاجتاز حتى جاء روان، فبلغ ذلك ~~شارل ملك فرنسا، الملقب بالبسيط، فأخذ يجمع الجيوش ويحشد القوات تأهبا لملاقاته، على أن ~~رولو تمكن من الاستيلاء على روان، وتوطيد قدمه فيها قبلما استطاع شارل أن يخرجه بالقوة، ومع ~~أنها كانت حصينة، فرولو زادها منعة وحصانة، فإنه حالا شرع في ترميم الحصون وتكبيرها، وبنى ~~بيوتا للزاد، وأقام المعاقل والأبراج من كل جهة، ومجمل القول أنه جعلها من أمكن المراكز ~~الحربية التي يتعذر على العدو أخذها. # ثم انتشبت بينهما حرب طويلة كان فيها النصر لرولو، وذلك زاده افتخارا وتعظيما، فإنه ~~ضايق الملك شارل حتى أركن للفرار، فتأثره من مدينة إلى مدينة، ومن ساحة إلى أخرى حتى استولى ~~على قسم كبير من شمالي فرنسا، ونظم له حكومة مستقلة تحت إدارته رغما عن اجتهاد الملك شارل ~~في صده وطرده، ولم يزل ينازله ويظفر به حتى حصره ضمن باريس، وعندها اضطر شارل أن يكف عن ~~قتاله، ويسعى في الصلح والسلام معه. # فطلب رولو أن تعطى البلاد حوالي نهر السين ملكا له ولأتباعه، فلم يرد شارل أن يفلت من ~~يده هذا القسم الكبير، بل ارتضى أن يكون إمارة مستمرة تحت سلطانه ورولو يتولاها كدوك ~~معترفا بسيادة ملك فرنسا عليها. # فقبل رولو بذلك؛ لأنه كان قد طال عليه زمان الحرب، ومل الطعن والضرب زهاء الثلاثين ~~سنة، وكان من شروط الصلح بينهما: أن «جسيل» ابنة شارل تعطى زوجة لرولو، وأن رولو يتنصر، ~~ويقدم الطاعة لشارل علانية أمام الرؤساء والأعيان - كما كانت العادة في تلك الأيام - وهكذا ~~ترتب للصلح ثلاثة شروط؛ أولها: تقديم رولو الطاعة لشارل، وثانيها: تنصره، وثالثها: اقترانه ~~بجسيل ابنة شارل، وكلها واحد من حيث غايتها؛ أعني خضوع ذلك الأمير المقيد السلطة (أي ~~رولو) لسيادة ذلك الملك المطلق السلطان (أي شارل). # ولما جاء وقت إتمام الشرط الأول، وغص المشهد بالأمراء والضباط والقواد؛ أنف رولو أن يخضع ~~لحكم ذلك الشرط على العادة المألوفة في ذلك العصر، أي أن ms004 يركع أمام الملك ويضم يديه إحداهما ~~إلى الأخرى بين يدي الملك علامة الخضوع، ويقبل رجل الملك ضمن خف ثمين، وقد شق عليه ~~على الخصوص القيام بالقسم الأخير من هذا الشرط؛ أعني تقبيل الرجل. # على أن هذه العادة لم تكن غريبة في تلك الأيام، فإن البابا كان قد أوجبها على أحد الملوك ~~قبل ذلك العهد بمائة سنة، ولكن تقبيلها كان يسهل على من يتنازل لها من حيث النظر إلى الصليب ~~الموضوع عليها، والفكر بأنه قبل علامة آلام المسيح وموته لا رجلا بشرية. # أما رولو فتمنع عن تقبيل رجل الملك شارل، وعد هذا الفعل حطة في شأنه، وتنزيلا من ~~علو قدره، ولكن ارتضى أن يقوم في ذلك أحد رجاله عوضا عنه، فتقدم ذلك الرجل إلى رجل الملك ~~ورفعها بعنف وخشونة، بحيث كاد يقلب الملك عن مجلسه إلى الوراء، وهذا أحدث بين الحاضرين ~~ضحكا شديدا. # ثم بعد أيام قليلة احتفل عماد رولو في كنيسة روان بغاية التجلة والإكرام، وعقد اقترانه ~~بجسيل، واستحالت قلاقل الحروب التي كابدها نيفا وثلاثين سنة إلى سكون وراح في ظلال ~~المسرات والأفراح، وتولى منصب الإمارة (الدوكية) باقي حياته بالأمان والسلام والحكمة ~~والتقدم حتى صيرها من أغنى إمارات أوربا، وخلف فيها شيئا كثيرا من معدات الارتقاء للذين ~~خلفوه بعد موته. # ويظهر أن الذي حدا رولا ورجاله على اختيار هذه المقاطعة دون غيرها إنما هو إمكان الدخول ~~إليها من الخليج الإنكليزي على نهر السين، وكثرة غناها، وشدة خصبها؛ لأنها معدودة في كل ~~زمان جنة فرنسا، وحينما يأتيها السياح في الوقت الحاضر ينظرون إلى حسن مواقعها، وبهجة ~~مناظرها بعين العجب والاندهاش. # وظلت سلسلة أمراء نورماندي من رولو متصلة الحلقات إلى وليم مدة مائة وخمسين سنة بدون ~~انقطاع، والبلاد في بحر هذا الوقت كانت ترتقي في معراج التقدم والنجاح، وتزداد غنى وثروة ~~فضلا عن الازدياد في عدد السكان، والسير في سبيل الحضارة والعمران بقدر ما كانت تسمح به ~~ظروف ذلك الزمان. ولا يتبادر إلى ذهن القارئ أن سكانها الأصليين هاجروا منها، بل ليعلم ms005 ~~أنهم لبثوا فيها يتعاطون الفلاحة والرعاية عند أسيادهم النورديين، لكنه على تمادي الأيام ~~اختلط النوعان أحدهما بالآخر، بحيث صار تمييزهما في الوقت الحاضر يتعسر أو ~~يتعذر. # | هوامش # الفصل الثاني # | ولادة وليم # قلنا أن رولو اتخذ مدينة روان عاصمة إمارته، وجعلها غاية في المنعة والحصانة، بحيث صارت ~~العظمى في مقاطعة نورماندي، ولا تزال كذلك في الوقت الحاضر، على أنها لم تبق مركزا للخلافة ~~في عهد الأمراء الذين خلفوا رولو، فإن الأمير روبرت أبا وليم - وهو السادس في السلسلة ~~الدوكية - غادرها واتخذ قلعة كبيرة في فاليس مقرا لإمارته، وتلك القلعة كانت مبنية على ~~أكمة تبعد قليلا عن المدينة، وقد مضى عليها عهد طويل وهي مهجورة متروكة صلقعا بلقعا، على ~~أن أطلالها ورسومها لا تزال إلى الآن تشهد على عظمتها الغابرة، وشهرة رفعتها الدابرة، بل لا ~~تزال محط ركاب السياح المتقاطرين إليها من جميع النواحي؛ ليشاهدوا مولد (مكان ولادة) ذلك ~~البطل القاهر والملك الظافر. # أما تلك الهضبة المبنية عليها القلعة، فكانت تنتهي من إحدى جهاتها بأحادير صخرية، ومثلها ~~من جهتين أخريين، بحيث كان يتعذر على العدو الصعود إليها من هذه الجهات الثلاث المحاطة ~~بالأحادير والأجراف، وأما جهتها الرابعة فكانت كذلك من حيث التحدر والعلو، ومنها المدخل ~~بطريق كثيرة التعاريج تخرج من المدينة إلى القلعة، وكان الموصل بينهما محصنا على الجانبين ~~بخندق وجسر يوضع عند المرور ويرفع بعده، وعلى كل من جانبي بوابة القلعة برج حصين زيادة في ~~المنعة، وفي الوادي بين المدينة والقلعة نهر صغير يجري وينعطف دائرا على حضيض تلك الهضبة، ~~فيحيط بها إحاطة الهالة بالقمر والأكمام بالثمر، أما دار القلعة فكانت محصنة بسور كثيف غاية ~~في القوة والمتانة، وداخله أبنية كثيرة عديدة متفرقة منها: كنيسة وبرج مربع الشكل مبني من ~~حجر أبيض، وقيل: إنه لا يزال باقيا للآن غير منهدم فيه شيء، وعلى أربع جهات السور مراقب ~~أو أبراج كان يقضي فيها الخفراء أدق الخفارة نهارا وليلا احتسابا من مفاجأة الأعداء، ~~وكانت تلك المراقب تطل على بر شاسع وسهل واسع، وحقول ms006 مزينة بأنواع الأشجار، ورياض مرصعة ~~بالأنوار والأزهار، تدبجت فيها الألوان هذا أبيض وذاك أخضر وذلك أحمر، وتأرجت منها الأطياب ~~هذا ورد وذاك نرجس وذلك مسك أذخر، وبينها مجاري أنهر صافية يترقرق عذبها على ذياك العقيق، ~~بما يذكرك العذيب والعقيق، ويسيل لجين مائها على در حصبائها، ويطيب القلب باعتلال ~~هوائها: # لله روض في أبيطح غابة # آسادها صرعى عيون ظبائه # فلجينه من مائه، والعطر من # أرجائه، والدر من حصبائه # وقد مر بنا أن أبا وليم روبرت كان السادس في سلسلة الإمارة، وعليه يكون وليم خلفه السابع، ~~ولما كان من غرض راوي الحوادث إفادة القارئ فائدة تاريخية، فضلا عن تسليته بما يتنزل لديه ~~منزلة قصة؛ رأينا أن نأتي إلى حادثة ولادة وليم على طريق تاريخ موجز عن كل حلقات السلسلة ~~الدوكية من رولو إلى وليم. # وإننا لنشير على القارئ أن يستوعب هذه الخلاصة التاريخية بملء الاعتناء والمبالاة، علما ~~بأن الأسباب الحقيقية التي قادت وليم إلى بلاد الإنكليز يتعذر إدراكها بدون الوقوف على ~~بعض الحوادث المهمة التي تعلق بالأمراء أسلافه قبل ولادته، ولا سيما بالأميرة «أما» ابنة ~~الأمير الثالث، كما سيأتي معنا بالخلاصة الآتية، فإن تاريخ حياتها الغريب الحوادث له علاقة ~~شديدة مع الأسباب التي جرت وليم إلى ذلك الافتتاح الخطير، والظفر العظيم الكبير؛ ولذلك لم ~~نر بدا من سرده بالتفصيل حتى إننا أفردنا له فصلا مخصوصا في كتابنا هذا. # خلاصة تاريخية عن الأمراء النورماندية # وأولهم: رولو من سنة 912ب.م-917: # إن رولو نفي من بلاده نروج نحو السنة 870، وبعد سنين قليلة أتى فرنسا، ~~ولم تستقر قدمه فيها ولا تهيأ له عقد صلات السلام مع ملكها شارل والجلوس ~~على تخت الإمارة النورماندية إلا سنة 912، وكان إذ ذاك قد طعن في السن ~~وتقدم في الأيام، فظل خمس سنوات يعتني في إصلاح شئون الإمارة وإحكام ~~أمورها، ثم استقال عن منصبه وخلف ابنه عوضا عنه، وطلب أن يصرف باقي حياته ~~تحت ظلال الراحة والسلام، ومات سنة 922، أي في السنة الخامسة من ~~استقالته. # الثاني: وليم الأول من 917-942: # هو ms007 ابن رولو، تولى الإمارة خمس سنين قبل وفاة أبيه، وقضى فيها نحو خمس ~~وعشرين سنة بالنجاح والأمن، وقتل غدرا من عصبة سياسية تآمرت على اغتياله ~~سنة 942. # الثالث: رتشرد الأول من 942-996: # وكان ابن عشر سنين حين غدر بأبيه، فصلاه ملك فرانسا حربا عوانا، ~~فاضطر أن يستنجد أهل الشمال ويدعوهم إلى مساعدته، فلبوا دعوته على أنهم ~~حملوه أخيرا أثقالا لا تنقص عن أثقال عدوه الأول الذي استنصرهم عليه، ~~ولما تصعب عليه إجلاؤهم عن بلاده، وإرجاعهم من حيث أتوا؛ رأى أن يصطلح مع ~~ملك فرنسا، وبهذا تمكن من طردهم في الحين، وردهم على أعقابهم ~~منكوصين. # وكانت له بنت جميلة تدعى «أما» هذه اكتسبت شهرة عظيمة، ونالت مقاما ~~رفيعا، وحصلت ذكرا خطيرا في عصرها كما سيأتي معنا في أحد الفصول - إن ~~شاء الله - ومات رتشرد سنة 996 بعدما حكم 54 سنة. # الرابع: رتشرد الثاني من 996-1026: # هو ابن رتشرد الأول، وإذ كان أبوه مثقلا بأحمال الحروب مع سلطانه ملك ~~فرنسا مدة ملكه؛ احتاط هو أيضا بالمعارك المستمرة مع أتباعه سادات إمارته ~~وأشرافها، فأرسل يدعو الشماليين لإغاثته كما فعل أبوه، وفي أيامه كانت نار ~~الحرب منتشبة بين السكسونيين والدانيين، فجاء أثلرد مقدام الحزب الأول ~~وزعيمه إلى نورماندي، وهناك تزوج بالأميرة «أما» أخت الدوك رتشرد الثاني - ~~وسيأتي معنا تفصيل نتائج هذا الاقتران - ثم مات رتشرد هذا سنة 1026 عن ~~ابنين: رتشرد وروبرت، وكان وليم الظافر ابن أصغرهما وولد قبل وفاة رتشرد ~~الثاني بسنتين. # الخامس: رتشرد الثالث من 1026-1028: # هذا خلف أباه في الإمارة؛ لأنه كان الأكبر، أما أخوه روبرت فكان إذ ذاك ~~في رتبة بارون، وكان عمر ابنه وليم «وهو الذي تلقب أخيرا بالظافر» سنتين، ~~وكان ميالا كل الميل لأخذ مكان أخيه في الإمارة نظرا لما كان مفطورا ~~عليه من الطمع في الشهرة وحب الارتقاء في سلم السيادة، فاغتنم الفرص ~~واستعمل ما أمكنه من الوسائط في تقصير أيام أخيه، حتى مات فجأة موتا ~~مجهولا يحمل البعض على الظن في أنه كان مسموما، على أنه لم ms008 يقم عليه دليل ~~قاطع، وكان ذلك بعد توليه الإمارة بسنتين. # السادس: روبرت من 1028-1035: # هذا خلف أخاه بعد موته كما تقدم معنا، وقد حدته محبة الذات والشهرة على ~~استخدام كل قوة إمارته في مساعدة ملك فرنسا على إخضاع أخيه الأصغر الذي كان ~~يسعى في ذات مشروع روبرت المتقدم ذكره، فأتت مساعدته الملك هنري بنتائج ~~حسنة، وقدرته على قمع عصيان أخيه وكبح جماحه، وجعلته يشعر بالشكر ~~والممنونية لروبرت على هذا الصنع الجميل، ويظل كل أيام حياته مستعدا ~~لإجابة كل مطالبه ومقترحاته، ثم مات روبرت سنة 1035 حين كان وليم ابن إحدى ~~عشرة سنة. # أما ولادة وليم فكانت في غاية البساطة والحقارة مع أنه كان - كما لا يذهب ~~من فكر القارئ - ابن أحد أولئك الأمراء «الدوكات» الذين تولوا مقاطعة ~~نورماندي بكمال السطوة الملوكية والسيادة الباذخة، فإن أمه لم تكن زوجة ~~روبرت أبيه، بل كانت في بدأتها بنتا حقيرة ابنة دباغ من فاليس، ولم يكن ~~أبو وليم حين تزوجها قد تسنم غارب الإمارة، واقتعد متن السيادة، بل كان ~~عندئذ بارونا عند أبيه حتى إنه لم يكن من المحقق أنه سيصير دوكا؛ لأن ~~أخاه الأكبر ولي العهد كان لا يزال حيا، أما كيفية تعرفه (روبرت) بابنة ~~الدباغ هذه، فكانت على الوجه الآتي. # بينما كان روبرت راجعا من سفارة أرسله إليها أبوه لقي بعضا من بنات ~~الفلاحين يغسلن على شاطئ النهر، وكن جميعهن حافيات متسترات بثياب عبث ~~بها الخلق والرثاثة، وكان بينهن بنت دباغ تدعى «أرلت» هذه أسرت ذلك ~~البارون الشاب بجمالها، فرمقها بعين الانذهال والولوع حين مر بهن؛ ~~لأنها كانت حسنة الطلعة جميلة العينين زرقاويتهما، وقد لاحت على وجهها ~~تباشير اليمن والسعادة. # وكانت عوائد تلك الأيام - كما في وقتنا الحاضر - لا تبيح لمن كان شريفا ~~رفيعا أن يتزوج بنت فلاح، وعليه فلم يكن يسوغ لروبرت أن يتخذ أرلت زوجة ~~له، على أنه لم يكن يصده شيء عن أن يأتي بها إلى قصره ويسكنها معه؛ إذ ~~لا يحرم ذلك سوى ناموس الله، وهذا قلما كان ms009 الدوكات والأمراء في الأجيال ~~المتوسطة يعيرونه جانب الالتفات والمراعاة، حتى إنه إلى هذا اليوم لا يزال ~~مهملا في البلدان التي ما برحت تحت سيادة الدوكات والأمراء الذين لا ~~يجرون من السنن والشرائع إلا ما يرونه وفق مرغوباتهم وطبق أميالهم. # وبناء عليه فحالما بلغ روبرت القلعة أنفذ رسولا من قبله إلى القرية إلى ~~أبي أرلت يوعز إليه أن أرسل ابنتك إلي، فأسقط ذلك الأب بيده حيرة لا يدري ~~ماذا يفعل، وقيل: إنه كان له أخ راهب أو ناسك، وقد صرف معظم حياته منقطعا ~~للتزهد والتبتل إلى الله في صومعة بقرب فاليس، فأرسل يستدعيه ليستشيره في ~~هذا الشأن، فأشار عليه أن يمتثل أمر الأمير ويجيبه على طلبه كيف كان، وإذ ~~ذاك ألقى ذلك الدباغ المسئولية على عاتق أخيه، وتسلح بمشورته، وسر قلبه ~~بانفتاح هذا الباب الذي قدر لنفسه ولكل عائلته الولوج منه إلى ديار الرفعة ~~والنجاح بواسطة التقرب من ذلك الأمير الخطير، وبادر في الحال إلى تحلية ~~ابنته وتزيينها وتهيئتها كخروف إلى الذبح؛ ليرسلها إلى فاليس. # وهناك أفرزت لها غرفة داخل القلعة ذات كوى وشبابيك تطل منها على الحقول ~~والغياض في السهول الريانة الجميلة، وقد أحبها روبرت محبة شديدة خالصة، ~~وبالغ في إكرامها وإعزازها، ولا سيما بعدما ولدت له وليم. # أما وليم فكان محبوبا جدا من أبيه، وبعد ولادته بسنتين مات أبو روبرت، ~~وخلفه أخوه الأكبر، أي رتشرد الثالث الذي لم يمض عليه سنتان صرفهما بالحروب ~~معه حتى لحق بأبيه، وخلا الجو له فتولى دست الإمارة في القلعة، وأصبح ~~حاكما على كل مقاطعات نورماندي ومدنها. # وكان وليم إذ ذاك ابن أربع سنين، وقد لاحت على وجهه تباشير النشاط، وبرقت ~~أسرته بأنوار الجمال، وأخذ يزداد إقداما وبراعة، ولم يحتقره أبوه أو ~~ينكره كما كان المنتظر والمظنون، بل كان يفتخر جدا بأن يجلس ويشاهد حركات ~~ألعابه الغريبة، ويقر جهارا بأنه أبوه وهو ابنه، وبالحقيقة أن وليم كان ~~محبوبا عند جميع من كانوا في القلعة، ولما صار ابن خمس أو ست سنوات أولع ~~شديدا بلعب ms010 العسكرية، فكان ينظم الأولاد رفقاءه جيشا صغيرا ويسحبهم حول ~~القلعة بغاية الترتيب والتهذيب، وذلك أكسبه الجراءة والبسالة، ونفخ فيه روح ~~العزم والنشاط، وربى فيه منظر الوقار والرزانة، بحيث بات مالكا زمام أمور ~~عشرته ومتسلطا عليهم، فكان في يده الحل والعقد في كل ألعابهم ومشاجراتهم ~~ومحاوراتهم وسائر شئونهم، ومجمل القول أنه نال ميزة رقته بكل سهولة إلى ~~الدرجة التي كانت تطلبها ظروف أبيه، أعني كونه ابن حاكم نورماندي كما صار ~~يدعى حينئذ. وبعد مضي بضع سنين عقد روبرت النية على زيارة الأرض المقدسة، ~~ولم يبعثه على ذلك الإخلاص في الدين والتعمق في التقوى، بل حب الشهرة ~~والحصول على البركة والعظمة اللتين ينالهما كل ملك أو أمير يزور أو يحج إلى ~~تلك الأماكن، ولا ريب أنها كانت على روبرت سفرة طويلة مخطرة جدا. ~~ولربما نشأ الاعتقاد بنوال البركة والعظمة بالسفر إلى الأرض المقدسة من ~~النظر إلى ما يكابده المسافر من الأتعاب والمخاطر برا وبحرا، ولا سيما ~~في تلك الأيام. # وكان من عادة الملوك والأمراء أنهم قبل خروجهم للسفر يقيمون معتمدا من ~~قبلهم يكلون إليه رئاسة الأحكام وتدبير شئون المملكة في غيابهم، ويشيرون ~~إلى من يخلفونهم في الملك إذا لم يرجعوا سالمين. # وعليه فلم يعزم روبرت على السفر حتى تشاغلت أفكار الناس وتضاربت في أمر ~~الخلافة ومن ستعهد إليه؛ لأن روبرت لم يكن بعد قد تزوج (شرعيا) ~~وبالنتيجة لم يكن له ابن يخلفه، وقد كان له أخوان وعم وبعض أقارب، وجميع ~~أولئك تنازعوا طلب الخلافة، وانبرى كل منهم يستميل إليه الضباط والقواد ~~وكبار المأمورين، ويمهد لنفسه طريق الاستيلاء على منصب الإمارة بينما كان ~~روبرت نفسه يسعى سرا في تسمية وليم الصغير ولي عهده، على أنه لم يفه ~~بكلمة في هذا الشأن، بل بذل جهده في تعظيم أهمية ابنه في عيون الجميع، ~~وتشهيره في سائر الأمور. # وكان وليم يتدرج في مدارج نباهة الشأن، ويترقى في مراقي النبالة ~~والبسالة والحزم والإقدام؛ من جمال في المنظر، ووقار في المعشر؛ حتى أصبح ~~معزوزا محبوبا من كل الأمراء ms011 والضباط وسائر الأشراف الذين كانوا يجتمعون ~~به كثيرا في قصر أبيه، وبعض الأحيان كان يزورهم إلى قلاعهم وحصونهم في ~~موكب والده. # أخيرا عقد الدوك روبرت مجلس شورى من كل الأسياد والأمراء وجميع كبار ~~بلاده وأشرافها؛ للبحث في أمر سفره إلى البلاد المقدسة، فأتوا من كل أنحاء ~~نورماندي وكل منهم محفوف بمظاهر التجلة والتكريم، ومصحوب بفرقة من الرجالة ~~والفرسان مدججين بآلات الكفاح والجلاد، وغارقين بالحديد والفولاذ، ولما ~~التأم المحفل أعلن لهم روبرت قصده وعزمه على السفر، فقام واحد من الحضور - ~~يلقب غاي كونت برغندي - وخاطبه بما يأتي: «إني حزين لأسمع أن الدوك ابن ~~عمي ينحو هذا المنحى؛ لأني أوجس خوفا على سلامة البلاد في غيابه حين تصبح ~~كل أحوال الحكومة ونظاماتها والأمراء والأسياد والضباط والعساكر بدون ~~رأس». # فأجابه روبرت: «كلا، ليس الأمر كذلك؛ لأني عازم أن أخلف لكم حاكما عوضا ~~عني» قال هذا وأشار نحو الغلام الجميل وليم الذي كان بجانبه وقال: «عندي ~~هذا الغلام الصغير الذي - وإن يكن الآن قاصرا - لي ثقة به أنه سينمو بنعمة ~~الله شيئا فشيئا، وأترجى منه رجلا شجاعا حكيما، فأسلمكم إياه مذ الآن ~~وأبيح له حق الاستيلاء على دوكية نورماندي وريثا لي بمعرفتي وإرادتي، وهو ~~ذا قد أقمت الآن دوك برتاني ليحكم على نورماندي باسمي إلى حين رجوعي، وإن ~~لم أرجع فباسم وليم ابني حتى يدرك ويبلغ سن الرشاد» فأسقط جميع الحضور حيرة ~~واندهاشا من جراء هذا التعيين والانتخاب، وأصبحوا على بكرة أبيهم ينازعون ~~العجب العجاب، أما ألان دوك برتاني أحد المتنازعين الخلافة فطفح قلبه ~~سرورا من حصوله على شرف هذه الوكالة التي دعي إليها على حين غفلة؛ لأنه ~~كان يفضل في تلك الظروف الحكم باسم غيره على الحكم باسمه نظرا لما كان ~~يتهدده من المخاطر والمشاق، لو فرضنا أنه استطاع أن يغتصب لنفسه الحكومة ~~المطلقة. # وأما المنازعون الآخرون «أي: طالبو الملك لأنفسهم» فلم يعودوا يستطيعون ~~أن يفوهوا ببنت شفة، وأما باقي الحضور فسرهم أن سمعوا خبر تمليك وليم ~~غاية السرور، وإذ ذاك رأى الدوك ms012 روبرت أنه تهيأ له إتمام ما كان يرغبه، ~~فعمد إلى وليم وأقامه على ذراعيه وقبله وأداره صوب الجمهور، فحدق وليم ~~نظره فيهم، وشخص إلى عددهم الحربية بعين النشاط والزكن، وعندئذ خروا ~~جميعهم أمامه بيانا لطاعتهم له حسب عادة تلك الأيام، وقطعوا عهدا على ~~أنهم يعملون على الخضوع له بالأمانة والإخلاص، وقد رأى روبرت أنه ليس من ~~الحكمة أن يترك ابنه تحت مناظرة المنافسين والمناظرين في نورماندي، وعليه ~~أخذه معه إلى باريس وهو ذاهب في طريقه إلى أورشليم، واستودعه بلاط هنري ملك ~~فرنسا الذي عقد جلسة خصوصية للنظر في أمر قبوله، فجلس في بهرة المحفل ~~محفوفا بالوزراء والأمراء وسائر كبار دولته، ولما جاء الوقت المعين دخل ~~الدوك روبرت لابسا حلة السفر وقابضا على يد ابنه وليم، وهو محاط بحاشيته ~~وخواصه الذين أزمعوا أن يرافقوه في سفره، وسار إلى حيث سلطانه الملك هنري ~~جالس، وخر عند قدميه علامة الخضوع والانقياد، وأمر ابنه وليم أن يفعل ~~كذلك، فاستقبل الملك هنري وليم بمزيد الاحتفاء والإكرام بأن أخذه إليه ~~واحتضنه، ووعد أن يسكنه قصره ويبذل غاية جهده في الاعتناء به مدة غياب ~~أبيه. # فأعجب جلساء الملك بجمال وليم، وحسن طلعته، ونباهة شأنه، وما لاح على ~~ساطع محياه من لوائح الحذق والنبل وتباشير العظمة والوقار مع أنه لم يكن ~~حينئذ سوى ابن تسع سنوات. # الفصل الثالث # | سفر روبرت إلى الأرض المقدسة # وبعد أن قضى روبرت مدة ليست بطويلة في باريس دخل قصر ملكه هنري يستأذنه بالانصراف، وودع ~~ابنه وليم وخرج في رجاله للذهاب إلى أورشليم، وقد لاقى في سفرته هذه صعوبات شديدة، ومخاطر ~~عديدة لا محل للإتيان على ذكرها هنا من حيث خروجها عن موضوع هذا التاريخ الذي هو الابن وليس ~~الأب، ومهما يكن من سفره بصفة زائر وحاج فقد كان بغاية البهرجة والإجلال، وبعدما عاج برومية ~~لقضاء بعض أغراض تتعلق بسفره خلع عنه ثياب السفر، ولبس حلته الدوكية وجاء القسطنطينية، ~~وهناك بالغ في إظهار غناه وعظمته، فإنه حينما دنا من المدينة امتطى بغلا مرخما (أي ms013 ~~مزينا بأفخر زينة) وله النعال من ذهب عوضا عن الحديد، وكانت تلك النعال غير محكمة ~~الالتصاق بالحوافر، بقصد أنها تهتز في سير البغل فتسقط على الأرض فيلتقطها جمهور المتفرجين، ~~وغاية ما هنالك أن يندهش الأهلون وتحار أفكارهم بوفرة غنى الراكب، وعظمة ثروته، ثم غادر ~~الأستانة واتجه نحو الأرض المقدسة، ولم يخل له الجو في تلك السفرة من تقلبات الزمان وصروف ~~الحدثان، فإنه أصيب فيها بمرض خبيث تركه يعاني الألم الشديد ردحا من الزمان إلى أن تعافى ~~قليلا، بحيث أرجعت له بعض القوة وأصبح قادرا على أن يستأنف المسير محمولا في سرير؛ لأنه ~~لم يستطع الركوب ولا المشي - ولم تكن بعد اخترعت المركبات - فرتبوا ستة عشر عبدا يتبادلون ~~حمله أربعة أربعة. # وفي ذات يوم التقى روبرت وقومه برجل نورماندي راجع إلى بلاده من زيارة الأرض المقدسة، هذا ~~سأل روبرت إذا كان يريد أن يرسل معه شيئا إلى نورماندي، فأجابه: «لا شيء سوى أن تقول للأهل ~~هناك أنك صادفتني على طريقي إلى أورشليم محمولا بأربعة عشر عبدا». # ثم جاء روبرت أورشليم وقضى فروض الزيارة، وخرج منها قاصدا بلاده، على أنه ما عتم بعيد ~~ذلك أن شاع في باريس خبر موته على الطريق، وظهر في بادئ الأمر أن ذلك مشكوك في صحته أو ~~مكذوب فيه، وظل الناس بين مكذبين ومصدقين إلى أن تحقق الخبر، وظهر صدقه بين الجميع وانتشر، ~~وإذ ذاك طفق إخوة روبرت وأبناء عمه وغيرهم من ذوي قرباه يتهيئون لاغتصاب الإمارة، كل ~~يطلبها لنفسه وينازع فيها الآخرين كأنهم نسوا ما أقسموا به لروبرت من العمل على طاعة وليم ~~بأمانة وإخلاص، وأخذ كل منهم يجهد نفسه في تحصيل إكليل الخلافة له، وكان وليم في أثناء ذلك ~~في باريس وهو ابن إحدى عشرة سنة فقط، حيث كانت تصرف العناية التامة في تهذيبه وتثقيفه، وقد ~~وكلت المناظرة في تعليمه العلوم الحربية إلى معلم ماهر يدعى ثيرولد، فسر هذا المعلم ~~سرورا عظيما بنجاح تلميذه وتقدمه، ولا سيما في تمرينات ركوب الخيل المختلفة الأساليب، ~~المتنوعة الأضرب ms014 - حسب اصطلاحات تلك الأيام - وقد هذبه في استعمال الأسلحة المختلفة ~~كالقسي والنبال والحراب وسمر الرماح وبيض الصفاح إلى غير ذلك من أدوات الجلاد والكفاح، ~~ومرنه في لبس عدد الحرب الفولاذية التي كانوا يلبسونها في تلك الأيام اتقاء مضارب العدو ~~من مثل الخوذة أو الطاسة والدرقة والدرع وغيرها. # فبين وليم يأخذ عن أستاذه في باريس هذه الفنون الحربية تأهبا للاستواء على عرش ~~الإمارة، إذ قام في نورماندي عدد عديد من المنافسين والمناظرين، وتهيأ كل منهم للسبق في ~~ميدان المنازعة، وكان أشدهم جهادا وأبذلهم جهدا في ذلك أمير أرك - وكان اسمه وليم أيضا، ~~ولكن لكي يتميز عن الدوك وليم الشاب ندعوه أرك - وإذ إنه كان أخا روبرت ادعى بأن حق ~~الخلافة إنما هو له من وجه أن أخاه لم يخلف ولدا شرعيا، وعليه حشد كل قواته وجمع كل ~~رجاله وتأهب لفتح البلاد والتسلط عليها. # ومما لا يذهب من بال القراء أن روبرت قبيل سفره إلى أورشليم عهد الوكالة في الإمارة ~~ليد ألان، وفوضه الحكم باسمه إلى حين رجوعه، وإن لم يرجع فباسم ابنه وليم؛ حتى يشب ويبلغ ~~سن الرشاد وتوجد فيه الأهلية ليحكم على كل هاتيك البلاد، فلما بلغ ألان ما صارت إليه ~~البلاد بشيوع خبر موت روبرت من الاضطرابات والقلاقل، وأن أرك عازم على اغتصاب الإمارة عنوة ~~إن لم تسلم إليه باللين؛ أمر حالا بتشكيل لجنة من كبار الحكومة الذين بمساعدتهم كان يدبر ~~شئون الوكالة، ولما تنظمت تلك الجلسة تحت رئاسته همى سيل البحث من سماء الأفكار وابلا ~~مدرارا، وأجمع الجميع برأي واحد على قبول الدوك وليم خليفة بعد أبيه روبرت، وأخذوا من تلك ~~الساعة يقضون باسمه، ولما أخطروا بقدوم الأمير أرك متأهبا لمصادمتهم واغتصابهم قضيب ~~الملك؛ بادروا في الحال لملاقاته على طريق التأهب والاستعداد، وهكذا هبت نيران الحرب تتقد ~~من تحت رماد السلام بما كان يهب عليها من رياح البغض والخصام. # وقبلما اشتعلت بين الفريقين نار الحرب ودارت رحى الطعن والضرب، جاء نورماندي الأمراء ~~الذين كانوا مع روبرت، وكانوا على ms015 جانب عظيم من رفعة الشأن وعلو الكلمة وشدة النفوذ، حتى إن ~~كلا الفريقين المتهيئين للقتال تمنى لو أنهم يكونون من حزبه؛ لأنهم فضلا عن اقتدارهم ~~على المساعدة المادية لهم استطاعة عظيمة على الإسعاف الأدبي أيضا؛ لأن سياحتهم هذه الطويلة ~~المحفوفة بالمخاطر والأتعاب أكسبتهم اعتبارا ووقارا في عيون الشعب الذي كان ينظر إليهم ~~بعين الاحترام وفوق ذلك؛ لأنهم انتخبوا من كل أطراف الإمارة لمرافقة روبرت في تلك الزيارة، ~~وقضوا تلك السفرة الطويلة تحت تجشم الأخطار والمشقات، وظلوا يقومون في خدمة أميرهم والسهر ~~عليه إلى أن أدركته المنية، وكل ذلك مما كان يحدو الشعب على عدهم أخلص أصدقاء روبرت، ~~وأصدقهم حبا له؛ فلأجل هذا ولأسباب أخر أضربنا عن ذكرها كان الشعب يتوقع النصر والفوز ~~للفريق الذي يسعده الحظ بانضمام أولئك الأمراء إليه. # أما هم فحالما بلغوا نورماندي اتحدوا مع الفريق النازع لمبايعة وليم رغما عن اجتهاد ~~الفريق الآخر في استمالتهم إليه، فأدخلهم ألان في ديوانه، وعلى الفور عقدوا مجلسا للبحث ~~في شأن إحضار وليم من فرنسا وعدمه، فذهب البعض منهم إلى إبقائه في فرنسا من وجه أنه لا يزال ~~صغيرا، وليس في وسعه أن يأتيهم بأدنى مساعدة في ساحة الوغى سوى أنه يكون معرضا أكثر منهم ~~للأسر أو للقتل، وعليه ارتأوا أن يظل في الوقت الحاضر في باريس تحت حماية الملك ~~هنري. # أما البعض الآخر فذهب بالعكس وصرح بوجوب الإتيان به، واحتج بأن وجوده في نورماندي وإن ~~كان صبيا في سن المراهقة يؤثر في قلوب أتباعه نشاطا وانتعاشا، ويحدث في جميع جهات ~~الإمارة ميلا إليه شديدا، وانتباها نحوه جديدا؛ حتى يرى أهل القلوب اللينة من نعومة ~~أظفاره وعجزه عن القيام بطلب حقه محاميا يحتج عنه أيما احتجاج، ويجد ألوف من الشعب ~~من ريعان حداثته، وجمال صورته، ووضاء طلعته حاديا يسوقهم إلى طاعته، وسحرا يجذبهم إلى ~~محبته، مع أنهم كانوا ينسونه ولربما ينفرون عنه إذا بقي في باريس، وفوق كل ذلك من يقدر أن ~~يضمن سلامته عند الملك هنري، ولربما هذا الملك ذاته ms016 يطلب حق الاستيلاء على عرش الإمارة ~~النورماندية، فيولي عليها أحد المقربين إليه، ويحجر على وليم في أحد قلاعه، ويتركه هناك ~~أسيرا غير مهان من حيث المعاملة، ولكن يقطع الرجاء من إطلاقه ونجاته، أو أنه يدس له سما ~~مميتا يذهب بحياته. # فصدق الأكثرون على هذا الرأي واستصوبوه، وعليه أنفذ ألان علما للملك هنري به يطلب إرسال ~~وليم إلى نورماندي، فأبى إرساله متصعبا متمنعا، فاضطرب الحزب الوليمي وأشفق من تحقق ~~الظن في طلبه حق الاستيلاء والسيادة، فاستأنف طلب وليم بمزيد اللجاجة والإلحاح، وبعد ~~مداولات ومخابرات عديدة ومعاهدات متنوعة بين ذلك الحزب والملك هنري أجاب هذا طلبهم، وسمح ~~لوليم بالرجوع لبلاده وهو إذ ذاك في سن الثانية أو الثالثة عشرة. # فخرج من باريس مخفورا بالرسل الذين أنفذهم ألان للإتيان به، وحامية قوية من الجند سارت ~~في حراسته على الطريق ومعه معلمه الحربي ثيرولد، وهكذا جاء قصر ألان على جناح السلام ~~والأمان، وكان لحضوره في نورماندي وقع عظيم كما كان في حسبان الذين ارتأوا ذلك - كما سبق ~~الإلماع إليه - وقد حرك في قلوب الأكثرين عوامل الميل نحوه، فسر الجنود سرورا لا مزيد ~~عليه بأن رأوا قائدهم الصغير مالكا زمام الملاحة، قابضا على عنان النشاط وسدة العزم منذ ~~الصغر؛ ولا سيما لأنهم أبصروا منه في ركوب الخيل فارسا مجربا، إذ كان مغرما أشد الغرام ~~في ركوبها منذ طفوليته، أما الآن وقد تهيأ له الحصول على أجودها وأكرمها، وأخذ عن أستاذه ~~ثيرولد كل ما يتعلق بأساليب فن الركوب وطرائقه، فلا نعجب من أن نرى منه على ظهر الجواد ~~قلة من القلل يجري في ميدان السباق بأسرع من وميض البرق أو جري البراق، ويدخل ساحة الحرب من ~~أبواب تقضي بالعجب العجاب، وحوله الأمراء والأعيان والرجالة والفرسان ينظرون إلى كراته ~~وغاراته، ويكبرون من لباقة خطراته ورشاقة حركاته، ويتوسمون طالع النصر والظفر في طالع جبينه ~~الأنور، ويتلون في فرقان محياه: # إنا أعطيناك ~~الكوثر ~~، وعلى هذه الكيفية كنت ترى وليم عند قومه، وقومه من قدومه في ~~يومه. # وأما قيادة الجيش ms017 وأزمة الأحكام فلم تزل في يد ألان يجريها باسم وليم - كما سبقت إليه ~~الإشارة - على أن وليم نفسه لم يعدم قوة النفوذ والسلطان، والأخذ بمجامع القلوب، بل ألان ~~أيضا رأى أن إتيان وليم زاد كلمته علوا، وسطوته تعزيزا، وأحكامه نفوذا، ومع كل ذلك ~~فالبلاد كانت لم تزل بعيدة عن الطاعة والانقياد هاجرة مضاجع الراحة والسكينة؛ لأن أمير أرك ~~وغيره من طلاب الإمارة تحصنوا في قلاعهم، وجمع كل رجاله إليه وجاهر في العصيان على ~~الحكومة الوليمية، ولا يخفى على القارئ أنه في تلك الأيام كانت كل مقاطعة من البلاد تحت ~~سلطة أمير مستقل في ذاته، فكان يجلس في قلعته متحصنا بقواته، متمنعا بسطوة رجاله وهو ~~حر مطلق الأمر فعال لما يريد، يجري أحكامه في البلاد على نمط الاستبداد الشديد، وينفذ ~~قضاءه على العباد بقضيب من حديد. وكانت نيران القتال بين أولئك الأمراء مستمرة الاشتعال، كل ~~منهم يتعدى تخوم الآخرين، ويعيث مفسدا أخذا بثأر له عندهم، أو تأديبا لهم على إساءة بدت ~~منهم أو أنه توهمها فيهم، وكانت تلك الاضطرابات والانقلابات في إبان ثورانها حين رجوع وليم ~~من باريس، وما برح شرها يزداد تفاقما، وخطبها هولا واشتدادا حتى عمت البلاد، وبلت ~~العباد بالويل والخراب، وتعذر على الحكومة الوليمية أن تعود تميز بين أعدائها وأصدقائها، ~~فإنه حدث مرة أنها أصدرت أمرا باسم وليم لأمير إحدى المقاطعات توعز إليه أن اجمع رجالك ~~وتعال إلينا؛ فإننا في حاجة إليك في أمر ذي بال، أما هو فما كان منه إلا أن أجابها بما ~~يأتي: عندي كثير من المشاغب والفتن التي تضطرني أن أقوم في إخماد نارها، وتصدني عن تلبية ~~أمر آخر. # وما مر على وليم نحو من سنتين في نورماندي وحكومته أشبه شيء بدفة في البحر تتقاذفها ~~الأمواج، حتى زاد طينه بلة حادث جديد من الملك هنري نفسه، فإنه لما كان وليم ابن خمس عشرة ~~سنة، وذلك بعد إتيانه من باريس بسنتين أو ثلاث، أرسل إليه الملك هنري يدعوه إلى ملاقاته في ~~بلدة تدعى أفركس بين ms018 باريس وفاليس؛ لكي يقدم له رسوم الطاعة المفروضة على دوكيته، فداخل ~~مشيري وليم ريب من جهة ذهابه وعدمه، على أنهم أخيرا أجمعوا على وجوبه، وهكذا أعدت ~~التأهبات اللازمة وركب وليم بمزيد الاحتفاء والعظمة لملاقاة سلطانه. # فاستغرقت هذه المقابلة بين وليم وملكه بضعة أيام، وكان لوليم قلعة في جنوبي دوكيته على ~~متاخمة أملاك هنري، واسمها تلير يتولى حراستها ضابط أمين متقدم في الأيام يدعى دي كرسين، ~~هذا أقامه روبرت أبو وليم على حراسة تلك القلعة، وأمده بحامية من الجند، فأخذ الملك هنري ~~يتشكى إلى وليم بخصوص القلعة وقال: إن حراسها دائما يشنون الغارة على تخومه، ويبلون تلك ~~الأطراف بالسلب والنهب، فأجابه وليم مظهرا مزيد حزنه وأسفه أنه سوف يتولى بنفسه البحث ~~عن هذا الشأن، حتى إذا تحقق صدقه بادر في الحال إلى كبح جماحهم وقمع تعديهم، فأجابه الملك ~~هنري: «هذا ليس كافيا، بل أعطني تلك القلعة فأدكها إلى الحضيض فتصبح ركاما مركوما» ~~فساء في عيني وليم هذا الطلب، وإذ إنه كان قد تعود العمل على طاعة الملك هنري من نعومة ~~أظفاره: # لكل امرئ من دهره ما تعودا # رأى ذاته مضطرا أن يجيب سؤاله هذا، وفي الحال أصدر أمرا في تسليمها مكرها. # فلما بلغ دي كرسين ذلك الأمر رفضه وأبى القيام بموجبه، محتجا بأن تلك القلعة سلمت ~~لمناظرته على عهد الدوك روبرت حاكم نورماندي، وعليه فهو يرفض تسليمها لسلطة أخرى أي كانت، ~~ولما وقف وليم ومستشاروه على هذا الجواب اغتاظوا غيظا شديدا، عالمين أن مقاومة الملك هنري ~~في مثل تلك الظروف لا تجديهم نفعا، بل بالحري ترتد عليهم نكالا من حيث إن وليم كان عندئذ ~~في حوزته وتحت قبضة سلطانه، فاستأنفوا إرسال الأوامر للقائد دي كرسين بأكثر إلحاح وأشد ~~لجاجة في تسليم القلعة، فامتثل لأمرهم أخيرا وسلم مفاتيحها، وانسحب منها هو ورجاله، وإذ ~~ذاك أجيز لوليم أن يرجع لبلاده، ولم تلبث القلعة أن دكت إلى الأرض وتركت أثرا بعد ~~عين. # على أن هذه الحادثة آلت إلى زرع العداوة بين الحكومتين الفرنسية والنورماندية، ms019 وطوت ~~القلوب على الضغينة والحقد، حتى إنها انتهت بشبوب حرب عوان افتتحت بأن زحف الملك هنري بجيشه ~~على نورماندي، وطفق يفتح المدن، ويخرب القلاع، ويهدم الحصون والمعاقل، ويعمل السيف في رقاب ~~من لم يطيعوه ، ويضرم النار في مساكن من راموا أن يقفوا في وجهه ويصدوه، وما زال يتقدم في ~~نورماندي بين افتتاح وإخراب حتى جاء قلعة فاليس ومد عليها مطمار الحصار، فانخلعت إذ ذاك ~~قلوب الوليميين وخارت قواهم، وأسقطوا قنوطا وفشلا لما رأوا من تعاقب الخطوب ومعاكسة ~~الأحوال، على أنهم ما لبثوا أن نهضوا بعزيمة شديدة، واتحدوا على الذب والدفاع عن بلادهم، ~~وتأهبوا لرفع الحصار عن فاليس، وإجلاء عساكر هنري عنها بعدما كانوا قد أحاطوا بها من كل ~~جانب، وشددوا عليها الحصار وكادوا يفتتحونها لولا أن وليم تداركها وفل جيوش الأعداء ~~مدحورين مذعورين. وتفصيل ذلك أن الملك هنري رشا حاكم القلعة، فوعده أن يسلمه مفاتيح ~~الأبواب ويدخله إليها ظافرا منتصرا، وبينما هما يسعيان في تدبير هذه الخيانة قدم وليم ~~بفرقة من النورمان الشجعان، وانطبقوا على معسكر هنري، وغاروا على المحاصرين كالأسود ~~الكاسرة، فلما أبصرهم أهل المدينة فرحوا وتهللوا، واستبشروا بحلول الفرج وزوال الضيق، ~~وكادوا يطيرون سرورا حالما رأوا فارسهم المدافع وليم الظافر قادما لإنقاذهم، وحينئذ ~~تذكروه يوم كان ولدا صغيرا يلعب حول أسوار تلك القلعة، وألان جاء يرد الأعداء عن مسقط ~~رأسه بهيئة تولي الناظرين عجبا واندهاشا، فلعبت في أعطافهم راح الابتهاج والفرح، ورفعوا ~~أصوات التأهيل والترحاب بقدومه، أما ذلك القائد الخائن فلم يجاز على خيانته بالقتل حسب ~~شريعة تلك الأيام، بل خلعت عنه ثيابه الرسمية وضبطت أملاكه وأخلي سبيله. # وهكذا استظهر وليم على عدوه الملك هنري، وازداد قوة ومنعة، على أن عمه أمير أرك كان لا ~~يزال مجاهرا في العصيان عليه، وقد ساعدته التقادير بانشغال وليم بالقتال مع الملك هنري حتى ~~خلا له الجو، فنهض من زاوية التربص، وشرع يجمع رجاله متأهبا لاستئناف المشاغب والفتن وشن ~~الغارات إذلالا للحكومة الوليمية، وسعيا في إسقاطها وقلبها، فجمع إليه عصابته، وتحصن في ms020 ~~قلعته أرك - وهي إلى الشمال من نورماندي على متاخمة البحر، ولا تزال أطلالها ورسومها إلى ~~هذا اليوم - وكان هذا الأمير قد بنى في أعلاها برجا حصينا يلتجئ إليه مع نفر من رجاله ~~عند مسيس الحاجة. # فزحف إليها وليم برجاله وخيم حولها، وحصر العصاة ضمنها، أما الملك هنري الذي كان لا ~~يزال باقيا على مقربة من نورماندي، فأخذ يتهيأ بجيشه ليأتي إلى نجدة الأمير أرك. # فلما أحاط وليم علما بقدومه ترك قسما من عسكره في محاصرة القلعة، وخرج في القسم الآخر ~~لملاقاة الملك هنري، وانتهى الأمر بقتال عنيف دارت فيه الدائرة على الملك هنري، وحاز وليم ~~الشاب انتصارا مجيدا. # وبيان ذلك أنه كان على الملك هنري أن يسير بجيشه في واد طويل ضيق مظلم إلى جهة قلعة أرك، ~~فجر عساكره في مجاهيل ذلك المضيق وهم في غاية النظام والإحكام، وكان مقدم ذلك الجيش ~~مؤلفا من كماة غارقين في الحديد، متسلحين بالأقواس الحربية والحراب والرماح وأنواع أخر ~~من الأسلحة التي اشتهر استعمالها في ذلك العهد، ثم عقب هذه الفرقة حاملو الأثقال من خيام ~~ومئونات ومهمات أخر حربية، ثم جاء بعدهم الخدام من طباخين وساقة مركبات وفعلة وغيرهم من ~~الذين أتوا لإعداد الضروريات حلا وترحالا، وبعدهم دخلت فرقة القلب وفيها الملك يتقدمها ~~مخفورا بحرسه الملوكي، ثم تلاها مؤخر الجيش. # ولما بلغ وليم أن الملك هنري زاحف إليه بذلك الجيش الكثيف ارتأى في الحال أن يكمن له في ~~الطريق، ويجره إلى تيه سحيق، يعجل فيه اخترامه، ويوصل إلى كل هاتيك الأنحاء انهزامه، وعليه ~~انتخب من رجاله النورمانديين أبطالا مجربين، وكماة بكل ضروب الأسلحة مدججين، وساقهم إلى ~~مضيق وأمرهم بالاختباء على جانبيه بين الأدغال والغابات، وأوعز إلى فرقة أخرى أن تتقدمهم ~~لملاقاة جيوش هنري وتفتح معها القتال، ثم تنكسر قدامها متقهقرة بترتيب، بحيث يتوهم الملك ~~هنري أن هذه كل حامية وليم وقد ولت الأدبار، وأركنت إلى الفرار، فيطمع في أنه حازها ~~ويتأثرها وهي تنكفئ نحو ذلك المضيق، حتى إذا ما تعقبها هنري بكامل جيوشه، وأصبح ms021 هو وكل ~~عساكره في بطن ذلك الوادي طلعت عليه تلك الأسود الكامنة في غاباتها من الوراء، وانهالت على ~~طلائعه كالقضاء، وارتدت إليه تلك الأبطال من الأمام، بعد إذ تظاهرت بالانهزام. # وهكذا تسنى لوليم بهذه المكيدة الاستظهار على هنري والفتك به، ورده ورجاله على أعقابهم ~~مدحورين منكوصين، فإن مقدم جيوش هنري انخدع بانكسار الفرقة النورماندية أمامه، وظنها أيضا ~~أنها كل عسكر العدو فصغرت في عينيه، وسهلت الظفر لديه؛ ولذاك غار عليها بملء الغيرة ~~والحمية، واتصل نبأ هذا الهجوم إلى كل أقسام جيش هنري، فهاجوا وماجوا وأرغوا وأزبدوا ~~وأبرقوا وأرعدوا، واندفعوا يتزاحمون نحو عدوهم الهارب أمامهم حتى سالت بهم تلك الأرض وارتجت ~~من صخب أصواتهم بالطول والعرض، وما فتئوا بين دفاع وازدحام في ذلك المضيق على بعضهم البعض، ~~وطفقوا يموجون فيه ويخطرون، ويطلبون الأعداء ولا ينظرون، وبينما هم كذلك انطبق عليهم الكمين ~~من الوراء انطباق القدر، ورجع إليهم المنهزمون وانصبوا انصباب المطر، ومطرتهم سماء المنون ~~بسهام ورماح وحراب لا تبقي ولا تذر، حتى انطرح منهم في الحال مئات، وتمنى الأحياء بينهم لو ~~سبقوا الأموات، وما برحوا يخرون صرعى المنون في تلك الوهاد، ويرون عدد ضراغم النورمانديين ~~الخارجة من عرنها في تكاثر وازدياد حتى زهقت من جميعهم الأرواح، وتيقنوا حلول الأجل المتاح، ~~فأخذوا يتدافعون ويلتطمون ويزحمون بعضهم بعضا، ويدوسون بعضهم بعضا لعلهم يجدون إلى الحياة ~~سبيلا، أو ينقعون من ماء النجاة غليلا، حتى سقطت موتاهم في تلك القفار طعاما لطيور ~~السماء ووحوش الفلاة، وفر أحياؤهم لا يلوون إلا على الخزي والعار وهم يقولون: النجاة ~~النجاة. # وبالجهد قدر الملك هنري أن يلم شعث رجاله الطوال الأعمال الذين تفرقوا تحت كل كوكب في ~~هاتيك الأنحاء، فظل أكثر من يومين ينشدهم بين النجاد والوهاد، حتى جمعهم شرذمة قليلة العدد، ~~وخيم بهم في بقعة صغيرة. # ومهما يكن في نبأ هذا الانتصار من العجب والانذهال، فهو دون الطفيف في جانب النظر إلى ~~اتضاع وليم وكرم أخلاقه وصدق عاطفته؛ لأنه وهو معدي عليه أولا، وظافر قاهر آخرا بادر ~~في ms022 الحال وقدم لملكه هنري رقيم الطاعة، يفصح فيه عن أسفه على ما جرى، ويبين له استمراره على ~~الرضوخ له، وحسبانه ملكه وسلطانه، واستعداده للقيام بكل ما يندبه إليه من المهام والأعمال ~~إصلاحية كانت أو دفاعية، واتكاله عليه في شق عصا العصاة، وإرغام أنوف البغاة العتاة، على أن ~~وليم وإن أقر باحتياجه إلى إمداد سلطانه، فقد تعلم منذ نعومة أظفاره أن يعول على ذاته، ويحك ~~جلده بظفره؛ ولهذا ما عتم بعد أن خبت نيران الحرب بينه وبين هنري أن زحف على قلعة أرك، ~~وحالا افتتحها عنوة، وعفا عن أميرها. وتلك كانت خاتمة الثورات، وأرك آخر الثورة. # وعندها ركب وليم راجعا لفاليس منتصرا مظفرا تخفق فوق رأسه أعلام النصر والغلبة، وتسير ~~أمامه مواكب العز والاحتفاء، وهكذا جلس على عرش الإمارة يدبر الأحكام بالسلام، وطائر الأمن ~~والمسرة يشدو فوق الربوع النورماندية بأطرب الأنغام. # الفصل الرابع # | ملك وليم في نورماندي # ثم مضى على وليم منذ تربع على دست الإمارة يدير شئونها تحت ظلال الأمن والسلام إلى وقت ~~حمله على بلاد الإنكليز زمان طويل ينيف على العشرين سنة، وكان في غضون هذه المدة مشغولا في ~~إدارة الأحكام، بيد الإتقان والإحكام، ومنصرف العناية نحو تشييد المعاقل وإقامة الحصون ~~والقلاع، وبناء المدن والقرى والضياع، والتنكيل بأهل الفساد والعدوان، وقطع دابر الشقاق ~~والعصيان، وسن الشرائع والقوانين المدنية في كل البلاد، وتنفيذ الأوامر على وجه الحق ~~والسداد، وقد اعترك في ميدان حياته جملة من فرسان الحوادث، ونازلها بثبات نستصغر لديه كبار ~~الكوارث، وها نحن الآن نأتي على واحدة منها تبصرة للقارئ وذكرى. # وهي أنه عقدت ذات يوم مؤامرة على اغتياله والفتك به سرا، وكان مقدام هذه الغارة وإصبع ~~تلك الإشارة عمه المدعو «غي أف برغندي» وأما هتك ستارها وكشف أسرارها فتم بواسطة ظريف كان ~~في بلاط وليم بصفة ماجن، أي رجل يتعاطى الهزل كأبي نواس عند هارون الرشيد، وكان المجان ~~في تلك الأيام غاية في الكثرة، بحيث لم يخل قصر كل ملك أو أمير من واحد أو أكثر منهم، ms023 وكان ~~بعضهم لا يمتازون عن المجانين من حيث الغرابة في التصرف والهجنة في الأخلاق، والتناهي في ~~الحمق والبلاهة، وبعضهم متناولين من العته والخبل على الأقل نصفه، وكنت تراهم يعتورون ~~الغريب إلى نهايته في الملابس ، ويدركون الزخرفة غايتها في الزينة على اختلاف الألوان، ~~وتضارب أنواعها، ويلبسون البرانس والقلانس (العراقي والطواقي)، ويعلقون الرخوت (الأجراس) ~~المختلفة الأنواع، ويجلسون في المحاكم آخذين بأطراف المجون والمزاح، وكان اسم ماجن وليم ~~«غالت». # أما غي أف برغندي وأتباعه فانقطعوا إلى قلعة منفردة موحشة على متاخمة نورماندي، وهناك ~~طفقوا يجتمعون لأجل استتمام مقاصدهم وتسديد مكائدهم، وحشد رجالهم وتعزيز قواتهم تحت ليل ~~الاحتيال والدهاء، في ظلام الغموض والخفاء، وقبلما تهيأ لهم إتمام مكيدتهم حدث أن وليم خرج ~~للصيد إلى قفر يجاورهم في عصبة من حاشيته، وكان غالت الماجن بينهم. # فلما بلغ غي وأتباعه المغتالين قدوم وليم إلى تلك الأطراف أجمعوا على إنفاذ مؤامرتهم، ~~والاستئثار به عند رجوعه، وعليه انسحبوا من مخابئهم بين محاجئ الصخور واحدا واحدا لكي ~~يدفعوا عنهم مظنة التآمر، وأتوا مدينة تدعى بايكس ينتظرون فيها رجوع وليم، وهناك عقدوا ~~مؤامراتهم السرية، وارتأوا الآراء النهائية، ثم بعثوا بعصبة من رجالهم إلى مفارق الطرق التي ~~كانوا يتوقعون مرور وليم فيها، وأوعزوا إليهم أن يتعهدوه بعين الضبط والانتباه، ويسدوا دونه ~~كل أبواب النجاة، وهكذا أتوا على آخر إجراءاتهم بطريق التستر والخفاء، وجعلوا يقطعون بتحقق ~~أمانيهم بلا مراء، والله من وراء ما كانوا يعملون. # فحدث أن بعضا من أتباع وليم سبقوه في الرجوع، ومن جملتهم الماجن غالت، وقدموا أبايكس يوم ~~حلتها إقدام أولئك المغتالين، أما أهل تلك المدينة فلم يعلموا شيئا من أمر أولئك الثائرين؛ ~~لأنه كثر حينئذ تردد العساكر إلى بلدتهم فرسانا ومشاة، فلم يستطيعوا أن يفرقوا بين أصدقاء ~~وليم وأعدائه، أما غالت فبعدما طاف في أنحاء تلك البلدة، ورأى فيها عددا عديدا من الضباط ~~والجنود التي لم يعرفها من رجال أميره، وجد في ذلك ما يستميله للانتباه، ويدعوه للملاحظة، ~~فشرع يراقب حركات أولئك الغرباء بملء الفطنة والذكاء، ويصغي إليهم ms024 على حين كان يتظاهر بعدم ~~الإصغاء، لعله يصيب منهم كلاما كانوا يخاطبون بعضهم بعضا به وهم متجمعون فرقا هنا حشد ~~وهنالك اجتماع، أو سائرون في الشوارع مثنى وثلاث ورباع، حتى توفق بآرائه السديدة، ودقة ~~ملاحظاته العديدة، إلى هتك ستار المؤامرة وكشف حجاب المكيدة، وعلى الفور خلع عنه برنسه ~~وأجراسه ولباسه، وخرج يعدو ملتهبا بنار السرعة في التفتيش على وليم ليقص عليه الخبر، ~~وينذره بدنو الخطر، فاهتدى إليه في قرية تدعى «فالنجس» وكان وصوله إليها ليلا، فاندفع نحو ~~المخدع، حيث كان وليم نائما، مزاحما الحراس مدافعا الخدم الذين لم يبدوا في وجهه إلا ~~بعض الممانعة لسبب تعودهم عليه، وتحققهم سماح وليم له في كل وقت بالمثول لديه، ثم نادى ~~بأعلى صوته موقظا أميره من سباته، مخبرا إياه بشدة الخطر الذي دنا من حياته، أما وليم فلم ~~يصدق غالت في بادئ الأمر؛ إذ لم ير سببا لهذا الخوف كله، على أنه ما لبث أن اقتنع بصحة ~~كلام ماجنه، وأيقن بصدق إنذاره، فنهض يلبس ثيابه بيد السرعة، ولم يأتمن أحدا على نفسه في ~~تلك الساعة شأن الملوك والأمراء حين اكتشافهم للمكائد المنصوبة لهم؛ إذ لا يعودون والحالة ~~هذه يعرفون المخلصين لهم ليتكلوا عليهم، وهكذا ذهب وليم بنفسه وأسرج حصانه بيده وركبه، وخرج ~~يبذل في شاكلته المهماز، ويرد صدور الأرض على الأعجاز. # وبالحقيقة إن باب النجاة الذي خرج منه كان أضيق من سم الخياط؛ لأنه في وقت إسراع غالت ~~إليه في فالنجس قدم المغتالون إلى تلك القرية نفسها، ومدوا عليها مطمار الحصار، وكانوا على ~~أهبة الهجوم على محلة وليم للإيقاع به في ذات الساعة التي خرج فيها طالبا الفرار موليا ~~الأدبار، حتى إنه لم يبعد قليلا في عدوه إلا طرق أذنيه صوت وقع الحوافر على الطريق خلفه، ~~وصليل أسلحة العساكر من الأعداء الذين لما رأوه أركن إلى الهزيمة خرجوا يتأثرونه ليوردوه ~~حتفه، فارتأى أن يسرع في التعريج من أمامهم إلى غاب كثيفة يختبئ فيها، ويتركهم يذهبون ~~يطلبونه من حيث لا يجدونه، فأقام في ذلك ms025 المخبأ برهة قصيرة، ثم خرج منه متحرزا، ولم يجسر ~~أن يعمل على المسير في الطريق العمومية مع أن الوقت كان ليلا، بل اعتسف منها في القفار ~~المهجورة والمسالك المجهولة التي انتهت به أخيرا إلى شاطئ البحر، وعند فلق الصبح مر بقصر ~~كبير، وعلى حين لم يكن يخطر بباله أن يرى أحدا في وقت كهذا استوقفه بغتة منظر رجل في بوابة ~~القصر مدججا بسلاحه، تلوح على وجهه سمات الانتظار - وقد كان بالحقيقة منتظرا حصانه - ~~فتعرف وليم حالا، وخاطبه بلسان الاندهاش قائلا: «أليس من العجيب أن تكون أنت هذا الرجل ~~يا سيدي الدوك وليم؟» فقد أعجبه جدا أن يرى أمير نورماندي وحاكمها خارجا في وقت كهذا، أو ~~في حالة كهذه وحيدا معيبا وثيابه غير مرتبة من جراء السرعة التي كان فيها حين لبسها، ~~وجواده منقطع النفس، وعليه من الغبار ستار كثيف، وهو على وشك السقوط عياء وتعبا، فلما رأى ~~وليم أن قد شق ستر الخفاء عن محيا أمره لم يعد له ندحة عن أن يقص لذلك الرجل قصته، وظهر إذ ~~ذاك أن هذا الرجل كان هاربرت أحد الثائرين المتواطئين على اغتيال وليم. # وقد انفرد في ذلك القصر لهذا القصد، ولأمر يريده الله رجع عن تلك الغاية وقال لوليم: «ما ~~من داع يدعوك إلى الخوف، علي نجاتك وسوف أسعى في إنقاذ حياتك كأنها حياتي» قال هذا وأهاب ~~ببنيه الثلاثة الذين كانوا من الأبطال المجربين والشجعان المنتخبين، وأوعز إليهم «أن اركبوا ~~خيولكم وكونوا على أهبة السفر» ثم أدخل وليم قلعته، وسعى بإحضار ما تسنى من الأطعمة ~~والأشربة سدا لجوعه الشديد، ونقعا لظمئه الذي لم يكن عليه من مزيد، ثم خرج به إلى عرصة ~~الدار، حيث أراه الفرسان الثلاثة راكبين مستعدين لأن يرافقوه، وفرسا كريما من جياد الخيل ~~مسرجا له فامتطاه، وأمر هاربرت بنيه أن يوصلوا وليم إلى فاليس على جناح السرعة والأمان، ~~وأوصاهم أن لا يستطرقوا الطرق العمومية، ولا يمروا على مدينة أو قرية في الطريق، وهكذا ~~أطاعوا الأمر وذهبوا به على نحو ما ms026 أوصاهم أبوهم إلى فاليس، وفي صباح ذلك اليوم بعد خروج ~~وليم من قلعة هاربرت، جاءها مطاردوه يفتشون عليه، وسألوا هاربرت عما إذا كان رآه مارا من ~~هناك، فأجابهم بالإيجاب وامتطى في الحال جواده، وأشار لهم أن يتبعوه ليدلهم على الطريق التي ~~سار فيها وليم، وألح عليهم في الإسراع لعلهم يدركونه قبل أن يتوارى عنهم في أحد المخابئ، أو ~~يصل حيث يتعذر عليهم متابعته، فحثوا الركاب بجد يفوق الحد وهاربرت يسير أمامهم، ويعدهم ~~أنهم سوف ينالون مرامهم، ولكنه إذ ذهب بهم في غير الطريق التي اتخذها وليم كانوا يبتعدون ~~عنه أكثر فأكثر. # وأخيرا رأوا أن لا فائدة من تأثره فانكفأوا مع هاربرت راجعين إلى قلعة تحت راية الحبوط ~~والإخفاق، في وقت وصول وليم وبني هاربرت الثلاثة إلى فاليس بسلام. # وإذا ذاك رأى أولئك الثائرون أنه يستحيل عليهم البقاء تحت غاياتهم المستترة بذيل الخفاء ~~والغموض، وتيقنوا أنهم أصبحوا عرضة لخطر هجوم وليم عليهم بعساكره، وإهلاكهم عن آخرهم، فلم ~~يعد لهم والحالة هذه بد من إجراء أمرين؛ وهما: إما الهزيمة على جناح السرعة، أو المجاهرة ~~بالعصيان، فأجمعوا على الثاني، فدارت بينه وبينهم حرب عوان دارت فيها الدائرة عليهم، ورجع ~~كيدهم إليهم، إذ نازلهم فأصاب منهم كل مضرب، واستظهر عليهم ففرق شملهم تحت كل كوكب، وأكثرهم ~~سقطوا بين يديه أسرى، فأذاقهم من مر القصاص ما جعلهم للغير عبرة وذكرى، وكان من جملة ما ~~قاصهم به أنه ارتأى أن يصنع تذكارا لانتصاره هذا، بأن يمد طريقا عموميا في البلاد على ~~الخط الذي سار فيه يوم كان هاربا من وجه أعدائه مع أولاد هاربرت، ويكلف الأسرى العصاة ~~إنشاءه. # وقد أتى هذا المشروع بفائدة عظيمة لذلك القسم من البلاد؛ لأن طرقها القديمة كانت في غاية ~~الصعوبة على السالك فيها بسبب تراكم الأوحال عليها؛ نظرا لانخفاض أرضها وانغمارها بالمياه ~~في أكثر فصول السنة حتى كنت تراها كلها مستنقعات، وهكذا أخذ أولئك العصاة يشتغلون في تمهيد ~~تلك الطريق السلطانية مكابدين الأتعاب والمشقات حتى أكملوها، فكانت خير مشروع حصل في ms027 ذلك ~~العهد، فتطرقتها أبناء السبيل، وانطلقت ألسن سكان ذلك القطر على وليم بالثناء الجميل والشكر ~~الجزيل، وما برحت آثار تلك الطريق إلى هذه الأيام شاهدة لوليم بحسن الصنيع، وسائقة له ~~الرحمة والرضوان من ألسن الجميع. # وكانت مساكنهم قلاعا عظيمة مبنية على تلال رفيعة، ومهما يكن من حسن آثارها الباقية لهذا ~~اليوم، فقد كانت غاية في عدم الترتيب والنظام، وكنت تراهم في غاية الفرح والابتهاج يوم ~~كانوا يرون بعض أصدقائهم مسرعين إلى الالتجاء عندهم من وجه الأعداء، أو حينما يصقلون ~~أسلحتهم ويعدونها استعدادا للخروج في أخذ ثأر أو شن غارة، وأما في وقت السلام فكنت تراهم ~~بغاية الكدر والانكماش، ويصعب علينا في هذه الأيام أن نتصور فراغ تلك القلاع والحصون من ~~وسائط الراحة وأسباب الأمنية، فإنها كانت مبنية - كما تقدم الكلام - في أماكن يتعذر الصعود ~~إليها، وتلك الصعوبة الطبيعية من جراء الموقع كانت تزداد منعة وصعوبة، بواسطة الأسوار ~~والأبواب والمعاقل والحفر والأبراج والجسور التي كانت ترفع بعد المرور عليها، فالأبواب كانت ~~عبارة عن كوى في الحيطان على علو عشر أو خمس عشرة قدما من الأرض، ولها المرافئ تدلى من ~~الداخل، فيصعد عليها الأصدقاء والأصحاب، أما من داخل تلك القلعة فكانت الأرض مرصوفة ~~بالحجارة، والحيطان عريانة، والأغمية (السقوف) معقودة من حجارة غليظة، والغرف صغيرة بعضها ~~فوق بعض طبقات متتابعة، وكانت على صغرها كالقبور والسراديب المظلمة لا يزينها شيء من شبابيك ~~أيامنا الواسعة المبهجة التي فضلا عن فائدتها في إدخال النور إلى داخل البيت تمتع الناظر ~~منها بالإطلال على المناظر الجميلة والمشاهد البديعة، ولم يكن كتب في تلك المساكن الموحشة، ~~لا أثاث سوى الأسلحة، ولا مسرات غير المسكر والطيش بملاهي الأعياد والمواسم. # ولم يكن أمراء ذلك العهد وكبراؤه يستطيعون أن يشغلوا نفوسهم بأمر مفيد، فلم يروا شيئا ~~أشهى إليهم من الحرب، وكانوا يشيحون بوجوه باسرة عن جميع وسائل الدأب وطرق السعي، فحراثة ~~الأرض وتربية المواشي ومعالجة الصنائع والمعامل والمتاجر وغيرها من الذرائع التي يتوخاها ~~الإنسان لنفع بني نوعه كانت بالكلية غير معروفة عندهم، ms028 بل محتقرة لديهم، ولك أن تستدل على ~~صحة هذا القول من النظر إلى الباقين من ذريتهم في الوقت الحاضر، فإنهم حتى في نفس إنكلترا ~~ينظرون هذا النظر، ويرتأون هذه الآراء، فبنوهم الأصغرون ينخرطون في سلك العسكرية البرية ~~أو البحرية، ويصرفون حياتهم بالقتل والإفساد وبدون خجل، تحت ظلال الكسل وارتكاب القبائح ~~والرذائل، وأما أن يتعاطوا للعمل سببا من أسبابه الحقيقية التي عليه يتوقف مجد إنكلترا ~~وعظمتها، فذلك عندهم وصمة وعار أبديان؛ فالشاب الشريف منهم يخدم كأدنى الشعب في سفينة ~~حربية، ويقبل على خدمته أجرة بدون أن يحتسب ذلك حطة لقدره، ولكن أن يبني سفينة حربية ~~ويؤجر عليها يعده تعريا من شرفه، وسقوطا من رتبته. # وبالنتيجة فقد كان السلام للأمراء والأشراف في عصر وليم مدعاة القلق، ومجلبة السأم ~~والضجر، فلم يكن يستكن لهم مضجع ولا يهنأ عيش بدون إصلاء نار الحرب وشهود مواقع القتال، ~~وذلك لا ريب في أنه كان من جملة البواعث التي كانت تدفع الأمراء إلى المؤامرة على وليم، وشق ~~عصا الطاعة له. # على أنه كان لهم سبب جوهري لمقاومته في حق الملك، وهو أنه كان يشق عليهم أن ينظروا من ~~رجل كوليم واطئ النسبة، بل خسيسها ومرذولها من حيث الأم، وارثا لخلافة عظيمة كدوقية ~~نورماندي، وقد اعتاد أعداؤه أن يقذفوه ويشنعوه بألقاب مستهجنة يشتقونها من مصادر حوادث ~~ولادته، ومع أنه كان صبارا على الأذى، وكريما يعفو عن إساءة الآخرين، كانت تلك الإهانات ~~المطبوعة على ذاكرة والدته كحمة تلسعه في جلده، وتستثير كمين ضغنه، ودفين حقده، وتحيي فيه ~~روح الغل والكشاحة، ويؤيد ذلك هذه الحادثة - وقد وردت في أكثر تواريخ وليم المكتوبة - اتفق ~~في أحد حروبه أنه زحف في البلاد لمهاجمة قلعة حصينة، كانت فضلا عن مناعة أسوارها وحصونها ~~الطبيعية محصنة بحامية قوية كثيرة العدد، ولعظم ثقة هذه الحامية بشدة قوتها وكثرة عددها ~~جردت إذ سمعت بقدومه فرقة لملاقاته، ليس لكي تفتح معه حربا جهارية، بل بقصد أن تكمن ~~في الطريق وتفاجئ مقدمة جيشه على حين غفلة وهو غير حاذر ms029 عدوا قريبا، وبعيد عن نجدة باقي ~~العساكر. # ولكنهم لم يجدوا كما عهدوا، فإنهم في الحال ذعروا من مكمنهم، ونكصوا على أعقابهم هاربين ~~أمام وليم ورجاله الذين تأثروهم على الأعقاب، وبالجهد استطاعت تلك الفرقة أن تصل القلعة ~~وترفع وراءها الجسور، وتوصد خلفها الأبواب في وجه المطاردين قبل أن أدركها وليم ومد ~~عليها بعساكره مطمار الحصار. # أما حامية القلعة فامتعضت من خيبة تلك الفرقة امتعاضا، وملئت صدور عسكرها على إخفاق ~~مسعاهم انكماشا وانقباضا، وقد أحفظهم أن تلك الفرقة لم تفشل في سعيها فقط، بل دحرت أمام ~~عدوها لا تلوي إلا على الخزي والعار، ولم تنج من فتكه إلا بعد شق النفس، وقد تعقبها موقعا ~~فيها الفضيحة والذل والانكسار، ولكي يسلوا سخيمتهم، ويميتوا ضغنهم، ويردوا على وليم الكيد ~~الذي كادهم به صعدوا إلى أعالي الحصون والأسوار، ومن هناك أطلوا عليه وطفقوا يرمونه بأعلى ~~أصواتهم بألفاظ الشتائم والمسبات، ويقذفونه بالإهانات والتعييرات حتى إذا فرغت منهم حياض ~~الشتائم، ولم تبرد شيئا من غليل الضغائن والسخائم، عمدوا إلى مشترى ما استطاعوه من ~~الأدم «جمع أديم وهو الجلد الأحمر المدبوغ» ومآزر الحور «السختيان» وغيرها مما له علاقة ~~بصناعة الدباغة، وأخذوا ينشرون بأيديهم على مرأى وليم وعساكره، وهم يجهدون بأصوات التهكم ~~والاستخفاف كأنهم يذكرون وليم بجده أبي أمه الدباغ، حتى أوغروا صدره حردا واحتداما، ~~وغادروا مراجل السخط تضرم في قلبه إضراما، واضطروه أن يشير في الحال إلى فرقة من رجاله ~~بهجوم شديد، فكروا كر الصناديد، واندفعوا بقوة التحمس ينقضون انقضاض البواشق، وينشبون نشب ~~الصواعق، وإذ لم يقع في أيدهم أحد من حامية القلعة المنظمين داخلها استعاضوا عنهم بمن وجدوه ~~من القلعة خارجها، وأتوا بهم أسرى بين يدي وليم، فأمر في الحال أن يمزقوا قطعا قطعا، ~~ويرموا بالمقاليع الكبيرة من فوق الأسوار إلى داخل القلعة. # وفي أثناء هذه المدة التي يحيط هذا الفصل بتاريخ حوادثها في فترة الحروب النورماندية التي ~~كان وليم يتمتع بسلامها وسكونها بعض الأحيان، حدث أن هنري ملك فرنسا عصت عليه بعض مقاطعاته، ~~فخرج وليم بجيش ms030 من النورمانديين يشد أزره في إخضاعهم، فسر هنري في البداءة وشكر لوليم على ~~هذه الأريحية والمساعدة في إبان الاحتياج إليها، لكنه ما عتم أن غمطها، وأخذ ينظر بعين ~~الغيرة والحسد إلى ما حازه وليم من علو الشهرة ورفعة الشأن وهو بعد لدن الإهاب غض الشباب ~~غير متجاوز الأربع والعشرين سنة، ويده تدبر حركة القيام بكل شيء بمزيد السرعة وغاية النشاط ~~والدقة، فكان يشهد معامع القتال، ويخوض المعارك بعزم أسود الدحال، ويدير الحصار بإرشادات ~~تحير العقول، وشجاعة تخور لديها عزائم الأبطال، حتى استمال إليه قلب كل إنسان، وأصبح موضوع ~~مدح أبناء ذلك الزمان سوى الملك هنري، فإنه طوى قلبه على البغض له والحسد، إذ وجد أنه قد ~~خلفه بل سلبه حق الاعتبار والاحترام الذي كان يناله من الشعب، وأمسى لديه أهون من النقد، ~~وأذل من بيضة البلد. # وكان يظهر من بعض الحوادث الخصوصية شجاعة لوليم تقضي على عساكره بالعجب والاستغراب، ~~وتحدوهم على الهتاف بأصوات الاستجادة والاستحسان، وهذه كانت تشاهد منه في الغالب عند إقدامه ~~على صفوف الأعداء، أو نجاته من مطاردين تفوق كثرتهم الإحصاء، وقد كان لحسن الحظ وسعد الطالع ~~يد في توليد هذه النتائج ربما أطول من يد القوة والشجاعة، ولعل حسن حظ الجندي في تلك ~~الأيام كان على مدحه باعثا لا يقل عن باعث قوة عضلاته وشجاعة قلبه، وبالحقيقة إن هذا ~~الاعتبار في محله، وهو حق لا ريب فيه؛ لأن قوة الذراع وبرودة الشجاعة بل ضراوتها وغيرهما من ~~مسببات الكر والإقدام في ساعات الحروب هي صفات أخلق بالوحوش منها بالناس؛ لأننا إنما ~~نستحسنها في الأسد أو النمر، ولكننا نحكم بشجبها ولعنها حينما يستعملها الإنسان ضد أخيه ~~الإنسان منساقا بفجور البغض ودعارة الانتقام. # وإليك واحدة من طرف نجاح وليم الخارق العادة؛ وهو أنه أراد مرة أن يتجسس أعداءه، فذهب ~~مصحوبا فقط بخمسة أمراء من حرسه الخاص حتى أشرفوا على معسكر العدو، وفي زعمهم أنهم غير ~~مراقبين، ولكن وقعت عليهم العين في الحين، وانتقي اثنا عشر من الفرسان المعدودين وأنفذوا ~~للإيقاع ms031 بهم على الطريق، فسارت هذه الفرقة وكمنت لهم في مكان كان لا مندوحة لهم عن المرور ~~به، حتى إذ دنوا منه طلعت عليهم، وأمرتهم أن يسلموا قبل أن يتكلموا؛ لأن الستة أمام الاثني ~~عشر لا ترى غير الفرار سبيلا، وليست المقاومة تجديها فتيلا، على أن عزة النفس وثبات القلب ~~في وليم أبيا إلا الإقدام والهجوم على الكمين، فهز رمحه وقومه، وهمز جواده وأقحمه، حتى صار ~~قدام مقدم الفرقة فابتدره بطعنة أكبته على الحضيض، ووهبته أن يسر إلى الأرض مركاس الجريض، ~~ثم أعادها على من تلاه، فصرعه مجندلا على قفاه، وعند ذلك اقترب إليه حرسه الخمسة مكبرين ~~متحيرين. # وكان قد نما خبر الواقعة إلى جنوده، فعدا لإغاثته نخبة من أبطاله المجربين، أما العشرة ~~الذين سلموا من فرقة الكمين، فأركنوا إلى الفرار ووليم وحرسه يجدون في تأثرهم، فأدركوا ~~سبعة منهم وشدوا وثاقهم، والثلاثة الباقون لم يستطيعوا لحاقهم، فرجع وليم ورجاله بالأسرى ~~يطلبون الخيام، وفي طريقهم التقوا بالملك هنري يتقدم ثلاثمائة رجل من عسكره مسرعا إليهم، ~~وإذ ذاك كان لوليم من رؤية نفسه راجعا منصورا، ومن استماعه حرسه الخمسة يقصون أخبار ~~بسالته وثبات جنانه في ذلك الخطر، ومشاهدته جميع القواد والعساكر يضجون بأصوات تعظيمه - ~~أسباب جوهرية تحمله على العسكر براح الابتهاج، وتبعث بالملك هنري على تجرع ما من دونه ~~المر الأجاج. # وعلى هذا المنوال كان وليم يعصم لذاته علو المكان ونفوذ السلطان، وينكل بأهل البغي ~~والعدوان، ويدوس شوكة التمرد والعصيان، حتى دانت له المصاعب وذلت رقاب المتاعب، فقام يدير ~~شئون إمارته ويدبر أحوالها بيد الحكمة والدراية على طريق الحق والسداد، ثم وجه نظره نحو ~~التدويخ والافتتاح، وضاقت عليه نورماندي فنزع إلى التوسع بغيرها، وفي غضون ذلك تزوج، ولما ~~كانت حوادث زيجته لا تخلو من الغرابة آثرنا أن نجعلها موضوعا للفصل القادم. # الفصل الخامس # | الزيجة # من جملة المسائل الهامة التي تعرض لمتسلط عظيم في قيامه بمهام سلطته الإرثية مسألة زواجه، ~~فإن منازعيه وهم لا يرون بعد له ولدا لا يفتئون يخفون له المكائد، وينصبون ms032 الأشراك ~~مترصدين لاغتصابه حق تلك السلطة فرصة تعيقه عن صدهم من نحو مرض أو حرب وغيرهما، واعتبار هذا ~~الخطر كان أقرب توقعا وأشد هولا في عيني وليم الذي كان مزاحموه يحتجون سرا وعلنا أن ~~حقهم في التربع على دست الإمارة أعظم من حقه حيا، فكم بالأحرى ميتا! وذلك كان باعثا ~~كبيرا على جعل الأفكار تهجر مضاجع الراحة والسكون، والخواطر تحمل برياح القلق والتشويش في ~~سائر أنحاء نورماندي، فالواسطة الفعالة إذا في تسكين جأش الأفكار أن يكون لوليم ولد؛ ولذا ~~أصبحت زيجته قضية عظيمة الأهمية، وفي الحقيقة إن المقربين إليه من أمراء وقواد كانوا يلحون ~~عليه غاية الإلحاح في قضاء هذه المسألة، من وجه أن إتمامها يكون زينا يطفو على وجه تلك ~~الهواجس والبلابل، ويبيت دونها ودون أهواء الخواطر أعظم حائل، وعليه أخذ وليم يفتش على ~~زوجة. # وظهر أخيرا أنه ليست مصلحة السياسة التي كانت تدعوه إلى ذلك فقط، بل الحب أيضا وجد ~~عاملا في قلبه، وحداه على تحري البحث والاستقصاء، وبالواقع أن تلك التي أطلق نحوها ناظر ~~الطلب كانت جديرة بالحب، ألا وهي أميرة من أجمل وأفضل أميرات أوربا في ذلك الزمان، ابنة ~~أمير عظيم كان متسلطا على بلاد فلندرس شرقي نورماندي على شواطئ الأوقيانوس الجرماني ~~الجنوبية، وكان أبوها الملقب بأمير فلندرس حاكما مطلق السلطان، وقائدا لقوة حربية عظيمة، ~~وكان لعائلته من باذخ الشرف وعلو المكانة وعظمة الاعتبار ما لأعظم عائلة بين أمراء أوربا ~~وأسيادها، وكانت تتصل برابط الزيجة بعائلة إنكلترا الملوكية، حتى إن متيلدا ابنة هذا الأمير ~~التي اختارها وليم زوجة له كانت بموجب جداول أنساب ذلك العصر متسلسلة على خط مستقيم من ذات ~~الملك ألفرد العظيم، ذلك ما عظم شأنها على الخصوص في عيني وليم وكبر لديه فائدة الاقتران ~~بها، على أنه كان في المسألة نسبة عصبية أقامت عائقا في طريق إتمامها، وهي أن أبا متيلدا ~~كان ينتسب أيضا إلى النورماند كما إلى سلالة الإنكليز بنوع يجعل متيلدا ووليم ابني عم، وإن ~~كان عن كلالة وليس لحا، وهذا ms033 وجه الصعوبة والاضطراب في هذه القضية. # أما متيلدا فكانت أصغر من وليم بسبع سنين، وقد نشأت في قصر أبيها واتسع نطاق شهرتها وحلق ~~طائر صيتها في الجمال والفضل، ولا سيما في صناعة التطريز التي كان لها شأن عظيم في تلك ~~الأيام التي صنعت فيها المنسوجات الملونة بغية تعليقها على حيطان الغرف المزخرفة في قلاع ~~العظماء وقصور الملوك لتستر عري حجارتها، وكانت في أول عهدها بسيطة، ثم ترقت حتى صارت ~~حواشيها تطرز بأنواع مختلفة، واتخذتها النساء أخيرا شغلا لهن في ساعات الفراغ، بل وسيلة ~~ينفس بها لبعضهن كرب النفس من طول الحصر والتحجب داخل القلاع والحصون، فكن يطرزن كثيرا ~~من الملاء «جمع ملاءة» لأغراض تختلف بين التعليق في الغرف والإهداء إلى الصديقات، أما شهرة ~~متيلدا في هذا النوع من الشغل فكانت واسعة وشاسعة، وقد قيل: إنه كثيرا ما كانت هذه الأعمال ~~الباعث تحصيلها على النساء أيام الصبوة بالتعب والمشقة تترك بعد زواجهن نسيا منسيا؛ وذلك ~~كان ليس لأنهن لا يعدن يجدن من لذة في مزاولتها، لكن تراكم الأشغال المنزلية من جهة، وحفظ ~~أشغال الحياة الزوجية وما يخالطها من الحزن والكدر غالب الأحيان من جهة أخرى كانت تحول دون ~~تفرغ قلوبهن للتسلية واللهو بأعمال العزوبة، على أنه لم يكن الحال كذلك مع متيلدا. # وربما عدنا إلى الكلام على هذا التطريز عند ذكر الوقائع التي صنع لكي يدل عليها ويشير ~~إليها، أما الآن فنرجع إلى قصة الزيجة ونقول: إن المخابرات بشأن الزواج كانت تجري بين ~~الأمراء والأميرات على طريقة رسمية بواسطة مبعوثين وسفراء ونواب كثيري العدد، وكان من ~~صالحهم الخصوصي أن تلقى العراقيل في طريق إتمامها تذرعا إلى نيلهم بذلك منافع ذاتية، ~~وفضلا عن هذا كله تبين حالا أن في المسألة موانع أخر صعبة تتهدد نجاح مساعي وليم ~~المتعددة؛ منها كراهة الأميرة وعدم ميلها بالكلية لإتمام ذلك، ولقائل يقول: كيف استطاعت أن ~~تبغض وليم وهو رجل طويل النجاد، دامي المناصل، جميل الطلعة، نبيه الشأن، طائر الصيت في ~~الشجاعة والإقدام والظفر في معامع الحروب، ms034 ومستجمع جميع الصفات التي من شأنها أن تجذب نحوه ~~أميال أميرة في ذلك العهد؟ # نعم، ولكن متيلدا رفضت الاقتران به بناء على أسباب تتعلق بولادته، فلم تقدر بوجه من ~~الوجوه أن تعتبره خليفة شرعيا له حق وراثة دوكية نورماندي، إذ إنه مع استوائه على عرش ~~إمارتها كان معدودا لدى قسم كبير من الأمراء والسادة مغتصبا ليس إلا، وإذ ذاك فهو عرضة في ~~كل حين للقلب والجلاء عن بلاده عند أدنى طارئ يطرأ عليه، وبكلمة نقول: إن مركزه وإن كان ~~رفيعا فهو متقلقل وغير ثابت، وحقه في طلب الارتقاء إلى ذروة المجد والشرف مبهم، بحيث لا ~~يسوغ لمتيلدا تسليم أمرها إليه، وعليه كان جوابها على التماسه رفضا مطلقا، على أن هذه ~~الأسباب الظاهرة التي بنت عليها متيلدا عدم قبولها ورفضها الاقتران به لم تكن الأسباب ~~الحقيقية الجوهرية، وإنما الباعث السري كان ميلها إلى شخص آخر، وهو شاب سكسوني كان ملك ~~إنكلترا قد أرسله إلى بلاط أبيها سفيرا، واسمه برترك هذا بقي في قصر أمير فلندرس مدة تمكنت ~~متيلدا فيها بواسطة محافل الطرب ونوادي الأنس التي أقيمت لأجل إكرامه من الاجتماع به، ~~والوقوع على محبته، وكان جميل الطلعة فائق الملاحة، ومن بيت عريق في الشرف والوجاهة في ~~إنكلترا وإن كان دون بيت متيلدا في فلندرس، على أنها إذ شعرت أنه يوجس خوف التقرب منها ~~بداعي ما يتصوره فيها من رفعة الشأن والسمو على رتبته ومكانته، رأت من الواجب عليها أن ~~تتذرع إلى تنشيطه وإنهاضه بكشف مكنونات قلبها، وهتك سرائر حبها، فطارحته حديث الوجد ~~والغرام، وعرضت بذكر تباريح الصبابة والهيام، فوجدته لنكد الطالع خليا لم يكن بهواها ~~مشغولا، وصاحيا لم تستطع إليه راح الوجد وصولا، حتى إنه بعد أن قضى الفرض الذي أرسل ~~لأجله استأذنها في الانصراف بمزيد البرودة، وغادرها من حيث لا يدري مسلوبة القلب ~~مفئودة. # وكما أن أحلى خمرة قد تتحول إلى أحمض خل هكذا أحر محبة تصير حين حئولها الكلي إلى أمر ~~بغض، فالبغض حال في قلب متيلدا إلى غيظ، ms035 واحتدام الغيظ إلى تعطش تتلظى ناره بحب الانتقام، ~~لم يعد في قلبها أدنى أثر للحادث الأول، ولكنها ما كانت قط لتنسى أو تصفح عن سقوطها في يد ~~نفسها يأسا وفشلا، وتعفو عن ثقل الهون الذي تحملته، وقد أتاح لها الزمان بعد ذلك أن ~~انتقمت من برترك في إنكلترا انتقاما شديدا، وسامته أمر العقوبة والقسوة التي عرته من ~~رفعته ومكانته وعزة نفسه، وهبطت به أخيرا إلى ثرى رمسه. # وفي أثناء ذلك وهي مشغولة بهذا الشاغل لم تجد لها ولا ريب قلبا يصغي إلى ملتمس وليم، ولم ~~ير من يلوذ بها أدنى أهمية لمعرفة السبب الحقيقي الذي حال دون قبولها، لكنهم شعروا بقوة ~~الموانع التي تقف ضد وليم من حيث دنو عائلة أمه، وكونه مغتصبا لعرش الإمارة اغتصابا، ثم ~~إن صلة القرابة بين متيلدا وبينه كانت مانعة أيضا، وباعثة على الحيرة والارتباك، فإن نسبة ~~أحدهما للآخر كانت تمنع اقترانهما بموجب قوانين الكنيسة الكاثوليكية، وعليه أنفذ وليم وفدا ~~إلى رومية لأجل حل هذه الصعوبة، وذلك فتح بابا جديدا للارتباك والتأخر؛ فإن السلطة ~~الباباوية كانت تغتنم الفرص في مثل هذه الحادثة للحصول على ما يعود على الكنيسة بالخير ~~والنفع، فلا ترخص بالاقتران قبل قيام الزوجين بأداء (التحليلة) من مثل بناء دير أو معبد أو ~~متصدق أو غير ذلك مما تنتفع بريعه بدون التفات إلى سواه، وإذ لم يكن لذلك الوفد من داع ~~خصوصي يبعثه على تعجيل إتمام المسألة وجد لنفسه مندوحة للتمتع بمشاهدة مناظر رومية البديعة، ~~ورأى أنه يطيب له المكث فيها بصفة وفد ملوكي على مزيد الاحتفاء والتكريم، ووليم ذاته كان ~~يعاق من وقت إلى آخر عن الإلحاح عليهم بداعي ما كان يعرض له من الأشغال بالحروب الخارجية، ~~أو الانهماك بتسكين الثورات الداخلية، وهكذا لأسباب عديدة ظهر أن القضية غاية في الإشكال، ~~وربما لا يهتدى إلى طريقة حلها. # وبالحقيقة لم يكن رجل غير وليم يستطيع أن يصبر على هذه الصعوبات المتنوعة؛ لأنه مر عليه - ~~على ما قيل - سبع سنين قبلما أدرك من مرامه ms036 نتيجة، والحادثة التالية تروى عن شدة ثبات وليم ~~بغرابة تفوق التصديق، وذلك أنه بعدما مرت السنون على المخابرات المتتابعة، والموانع ~~المتوالية صادف وليم متيلدا في شوارع بروغوس إحدى مدن أبيها، ولم يعلم بالتفصيل كل ما حدث ~~بينهما في أثناء ذلك الاجتماع، ولكن في ختامه حمي غضب وليم على متيلدا لداعي ما أبدته نحوه ~~من النفار والانقباض حتى لطمها أو دفعها بعنف، فأسقطها على الأرض، وقيل: إنه لطمها على ~~دفعات متوالية وغادرها مطروحة مهشمة، وسار مسرعا وهو يلتهب غيظا ويحتدم حنقا. نعم إن ~~المنازعات الحبية كثيرا ما تكون وسائل لجعل المتنازعين أقرب إلى بعضهما بعدها منهما ~~قبلها، ولكن منازعة حبية مخيفة كهذه تعتبر نادرة جدا، على أنه ما عتمت هذه المنازعة على ~~شدتها أن أعقبت بمصالحة تامة، ومنها أخذت الموانع تزول شيئا فشيئا من طريق الاقتران الذي ~~تم سنة 1053. # وقد احتفل به في إحدى قلاع وليم على تخوم إمارته كما كانت العادة في تلك الأيام للأمراء ~~والملوك أن يقيموا عقد زفافهم في ذات مقاطعاتهم، فشيعت متيلدا بملء البهرجة والاحتفال ~~مصحوبة بوالديها ورهط عظيم من الحامية والحرس رجالا ونساء راكبين خيولا كريمة مسرجة بأجمل ~~السروج، يسيرون في عرض البلاد كجيش في غاية الانتظام، بل بالحري كفرقة منتصرة ظافرة تسير في ~~حماية ملكة، وهكذا أنزلت متيلدا في القلعة على مزيد الرحب والتأهل، وظلت أفراح ذلك الزفاف ~~أياما تضيء أنوارها في سماء البلاد النورماندية، وكان لباس كل من وليم ومتيلدا في ذلك ~~اليوم جميلا فاخرا، وعلى الخصوص كان على كل منهما ملاءة تتألق بأغلى الحلي وأنفس الجواهر، ~~وقد بقيت ملابسهما الثمينة بجواهرها الكريمة مكنوزة في كنيسة بأيو الكبيرة خمسمائة ~~سنة. # وبعدما انقضت مدة الأفراح المعينة في قلعة أوجي حيث عقد الاقتران، خرج وليم وعروسه تحفهما ~~الأمراء والكبراء والقواد والعساكر إلى مدينة روان، وهناك جلس ذانك الزوجان يتجاذبان أطراف ~~الرفاء، ويأخذان بأسباب المسرة والصفاء، وقد توفرت لمتيلدا ذرائع الرغد ووسائط العظمة، فكان ~~لها نخبة من جياد الخيل مسرجة على الدوام ومعدة لركوبها، ناهيك عما جهز ms037 لها من الأكسية ~~الفاخرة والأثواب الجميلة الموشاة كلها بالحلي والجواهر، وأقيم على خدمتها من الحرس، وقد ~~عينت فرق الفرسان المنخوبة للركوب معها من مكان إلى آخر، وبالإجمال كانت محاطة بكل دواعي ~~الاحتفاء والتجلة - الاحتفاء والتجلة ولكن ليس الراحة والسلام؛ فإنه كان لوليم عم يدعى ~~ماتجر، رئيس أساقفة روان، وكان على جانب عظيم من نفوذ الكلمة وقوة السلطة، ومعلوم أن مسرة ~~أقرباء وليم كانت أن لا يتزوج؛ لأن زيادة الترجيح في انتقال تاجه إلى وريث من صلبه كانت ~~تضعف آمالهم المستقبلة بالاستيلاء عليه، وتسقط أهمية شأنهم الحاضرة، وعليه عارض ماتجر هذه ~~الزيجة وبلغ جهيداه في إحباط مساعي إتمامها، وصرح بعدم جوازها من وجه القرابة بين وليم ~~ومتيلدا، وقد اتخذ لنفسه حق المعارضة في ذلك من وجه أنه رأس الكنيسة في نورماندي، وإذ كان ~~الزفاف قد احتفل به قبل انتهاء المخابرة بشأنه في رومية، أصدر ماتجر حرما لوليم ومتيلدا ~~وشجب زواجهما الذي لم يكن قانون الكنيسة ليجيزه. # وقد كان الحرم في عهد متيلدا أمرا هائلا، فالشخص المحروم كان يجتنب من الناس، ويعتبر ~~أنه ملعون من السماء، وعلى فرض أنه أمير كبير كوليم كان ذات شعبه يبتعد عنه، ولا يعود يلبي ~~دعوة إغاثته والمحاماة عنه، وقد كان ممكنا لحاكم مطلق كوليم أن يثبت قليلا تجاه هذه ~~الصعوبة لولا أنه تحقق ازدياد شدة وطاءتها عليه، وتفاقم خطبها لديه بواسطة خرافات الشعب ~~المار ذكرها، وأحس منه وخيم العاقبة، وعليه رفع دعواه إلى البابا، واجتهد بإلغاء الحرم ~~هناك بواسطة راهب أنفذه إلى رومية يدعى لنفرنك، وجهزه بالوسائل المؤدية إلى إبطال الحرم ~~وإبداله بالبركة على الوجه الآتي؛ وهو أن البابا يمنح (الحلة) ويثبت الزواج ويبطل حكم الحرم ~~الذي أصدره رئيس الأساقفة ماتجر، بشرط أن وليم ينشئ متصدقا لأجل مائة فقير، ويبني ديرا ~~للرهبان ومتيلدا ديرا للراهبات، فناب الراهب لنفرنك عن الزوجين بالتوقيع على هذه ~~العهدة. # وهكذا أزيل الحرم واعترف كل سكان نورماندي بشرعية الزواج، وأقبل وليم ومتيلدا على إنجاز ~~ما وعدا به، فقاما يلاحظان بناء الديرين بأنفسهما، ms038 وقد اختارا لهما مكانا في مدينة كاين ~~على متاخمة نورماندي من الشمال، وهي ذات موقع حسن في منخفض فسيح عند ملتقى نهرين يحيط بها ~~من كل ناحية سهول مخصبة في غاية الجمال، وكانت محصنة بالأسوار والأبراج من عهد أسلاف وليم ~~أمراء نورماندي، وكان الدير المبني على اسم وليم كبيرا جدا، وقد أنشئت داخله قلعة سامية ~~كثيرا ما سكنها وليم ومتيلدا في أيامهما المستقبلة، ومع أن أسوار مدينة كاين وحصونها قد ~~أصبحت اليوم ركاما مركوما، فكثير من أبنية ذينك الديرين لا يبرح قائما يساور بواعث ~~الاضمحلال والفناء، وينازعها الخلود والبقاء، على أن هذا الباقي منها لم يعد مستعملا لما ~~بني له، لكنه لا يزال محفوظا فيه اسمه الأصلي، وكثيرون من السياح والزائرين يحجون إلى تلك ~~البقايا القديمة، ويحنون بملء الشوق إلى ما يتبينونه بواسطتها من مجد بانييها الخالي، ~~ويكرمون هذا التذكار الجليل الباقي لهما إلى هذا اليوم. # ثم قضى وليم ومتيلدا ما شاء الله من الزمان في صفاء العيش ونعيم البال، وأول مولود رزقاه ~~كان ذكرا، وذلك بعد زواجهما بسنة، فدعاه وليم باسم أبيه روبرت، ثم رزقا بعده عدة أولاد، ~~وكانت أسماؤهم روبرت ووليم روفوس وهنري وسيسيليا وأغاثا وكونستانس وإدالا وإدالايد وغندرد، ~~فوقفت متيلدا حياتها على تربيتهم وتهذيبهم بأمانة ومحبة والديتين، حتى إن أكثرهم ~~عاشوا وخلدوا لهم في صفحات التاريخ آثارا مأثورة، وأسماء بالشهرة مذكورة. # وقد تسنى لوليم أن نال ما كان مطمح أبصاره، ومبعث أشغال أفكاره، ألا وهو الاتحاد مع حكومة ~~فلندرس التي كان يتولاها حموه أبو متيلدا، فصارت الحكومتان كأنهما واحدة بداعي ذلك الرباط ~~الطبيعي (الزواج) الذي جمعهما إلى وحدة متينة في القوة والنفوذ والعظمة، بحيث أصبحت كل ~~منهما ظهيرة الأخرى ونصيرتها عند مسيس الحاجة، وإن يكن قد حدث فيما بعد ذلك ما خيب أمل وليم ~~من هذا الاتحاد وعاد عليه بخلاف المنتظر؛ وذلك أنه لما أخذ وليم يتأهب لمهاجمة إنكلترا أرسل ~~إلى بالدون أخي امرأته متيلدا (الذي كان حينئذ أميرا على فلندرس عوضا عن أبيه) يطلب منه ~~إعداد ms039 قوة يمده بها، أما بالدون فهاله هذا الطلب، وأوجس منه خوف الإقدام على خطر عظيم كهذا، ~~فأرسل إلى وليم يطلب منه معرفة النصيب الذي يعينه له من بلاد الإنكليز إذا ضافره على ~~تدويخها، فاستدل وليم من هذا الاشتراط العاجل على تغير قلب ابن عمه عنه، وعدم ركونه إليه، ~~وإذ ذاك أخذ رقا وطواه - بدون أن يكتب فيه شيئا - على هيئة كتاب وكتب على ظاهره ما ~~معناه: # أما النصيب الذي أرسلت تطلبه # من البلاد التي في الحرب نغنمها # فانظر إلى داخل التحرير حيث ترى # عنه التفاصيل تتلوها فتفهمها # وفي الحال أنفذ إليه هذه الرسالة الفارغة مع رسول، فلما رآها بالدون اندفع بمزيد من ~~الاهتمام إلى استلامها وفضها بشوق فائق، لكنه أسقط في يده اندهاشا حين وجدها خاوية خالية، ~~وبعدما قلبها ظهرا لبطن بغية الوقوف على تفاصيل نصيبه استطلع الرسول طلع الأمر، فأجابه: ~~«المراد منها كما أنه ليس فيها شيء كذلك أنت لا يكون لك شيء». # على أنه مهما يكن من الفتور الذي أصاب الصلات على أثر هذه الحادثة، لم تلبث أن عادت ~~العلاقات إلى متانتها، ورجعت المياه إلى مجاريها، ونال وليم شيئا من مساعدة حكومة فنلدرس ~~حين حمل على إنكلترا. # الفصل السادس # | الأميرة «أما» # لم يكن في الحسبان - حتى في نفس الوقت الذي نؤرخ الآن حوادثه - أن أميرا مثل وليم يهاجم ~~مملكة عظيمة كإنكلترا واسعة الأطراف قوية الجانب بالنسبة إلى إمارة نورماندي لو لم يكن لدى ~~وليم حجة ولو على سبيل الادعاء، أما حجته فكانت أنه هو الوريث الأصيل لعرش إنكلترا، وأن ~~الملك الذي تربع على دست مملكتها في زمان مهاجمته لها كان مغتصبا؛ ولكي يفهم القارئ طبيعة ~~هذا الطلب ومبدأ هذه الحجة رأينا من الضروري أن نبسط الكلام قليلا عن تاريخ «أما». # فمن مراجعة سلسلة أمراء نورماندي المثبتة في الفصل الثاني من هذا التاريخ، يظهر أن «أما» ~~كانت ابنة رتشرد الأول، وقد اشتهرت في ريعان صباها بحسن صورتها وجمال منظرها حتى كانت تدعى ~~لؤلؤة نورماندي، وقد تزوجت بأحد ملوك إنكلترا ms040 المدعو أشرلد أيام كانت تلك البلاد مجروفة ~~بسيول حرب أهلية بين حزبي السكسون والدانمارك، وكان فيها سلسلتان مختلفتان من الملوك ~~تتنازعان السيادة، وتتزاحمان إلى الاستيلاء على قضيب السلطنة المطلقة، وفي تلك الحرب ~~الدائمة كان السكسون ينتصرون تارة والدانمارك أخرى، وأحيانا يقيم كل من الحزبين لنفسه هيئة ~~حاكمة، ويناصب الآخر في التملك على أقسام مختلفة من تلك الجزيرة الكبيرة العظيمة، وهكذا ~~اتفق أنه كان في إنكلترا في وقت واحد يقوم ملكان يساور كل منهما الآخر ويناظره في السطوة ~~والحكم - ملكان وعاصمتان وإدارتان - لشعب واحد قضى عليه نكد الطالع أن يرزح تحت أثقال ~~المطامع، ويكابد ويلات الحروب الناتجة عنها. # وكان أشرلد أحد ملوك السكسون، وعندما اقترن بأما كان أرملا في سن الأربعين وله من امرأته ~~الأولى أولاد من جملتهم ابن يدعى أدموند، وهو شاب نشيط الهمة قوي العزم صار فيما بعد ذلك ~~ملكا، وكان من جملة ما قصده أشرلد باقترانه بأما أن يعزز جانبه ويزيده مناعة بضم ~~النورمانديين إليه؛ لأن أعداءه الدانمارك نورمانديون أيضا، فحذرا من أن حكومة نورماندي ~~تمدهم بالقوة والرجال سبق إلى التقرب منهم، وعقد معهم زواجا مكنه من اكتساب قرابتهم ~~ومساعدتهم إياه على أعدائه. # فنجح فيما قصد واستنهض رتشرد أبا زوجته إلى شد أزره، لكنه لم ينصر على الدانمارك، بل ~~بالعكس استظهروا عليه وضايقوه حتى اضطروه أن يفر إلى نورماندي بزوجته وابنيه، وكان اسماهما ~~إدوارد وألفرد، فاستقبله رتشرد الثاني أخو أما بلطافة فائقة لا يستحق شيئا منها، ولم يكن ~~بالأمر الغريب أنه طرد من مملكته؛ لأنه لم يكن على شيء من تلك الصفات العقلية السامية التي ~~تؤهل الإنسان للحصول على قوة الغلبة والحكم، بل كان كبقية الظلام الخاملين يضحي الحكمة ~~على مذبح الشراسة والقساوة، ويسرف بالقوة في طريق الجور والاعتساف ضد أعدائه، وحالما تزوج ~~بأما أشعر بعظم القوة التي توهم الحصول عليها بداعي تلك الزيجة، فمنى الدانمارك بمجزرة ~~هائلة في يوم معين بواسطة مؤامرة سرية أهلك فيها منهم خلقا كثيرا، فاشتد البغض ونما الحقد ~~بين الحزبين، حتى إن الذين ms041 تلقوا منه أوامر إتمام هذه المذبحة الدموية أنفذوها بقساوة وحشية ~~تشيب لهولها الأطفال. # فمن جملة فظائعهم فيها أنهم طمروا النساء في حفر إلى أوساطهن، وأطلقوا عليهن الكلاب فمزقت ~~أجسادهن العريانة وأماتتهن ألما ووجعا، ومن عجيب ما اتفق في تاريخ هذه الحرب الأهلية أن ~~الملك ألفرد الملقب بالعظيم لما حارب الدانمارك في إنكلترا، وذلك قبل زمان أشرلد بمائة سنة ~~عاملهم في استظهاره عليهم بمزيد الرقة وكرم الأخلاق، وبهذه السياسة تغلب عليهم في النهاية، ~~أما أشرلد فبخلافه سامهم أشد القساوة، وكانت النتيجة في الختام أنه بعثهم على التألب ضده ~~والخروج عليه طلبا للانتقام والأخذ بالثأر، حتى جلوه - كما تقدم الكلام - من إنكلترا بمزيد ~~الخزي والخجل والعار، وكما مر بنا استقبله رتشرد ابن حميه بما لا يوصف من الترحاب والتأهيل ~~جبرا لخاطره المكسور، وإكراما لشقيقته أما وولديها، وقد كانت رغبة أما في الاقتران بأشرلد ~~موقوفة به على حب الشهرة والطمع بنوال المجد حين تصبح ملكة إنكلترا، وهذا ما يحكم به عليها ~~كل قراء تاريخها من مجرد اطلاعهم على سيرة حياتها التالية. # أما الآن فساءها إخفاق مساعيها وخيبة آمالها؛ إذ وجدت نفسها أنها عوضا عن أن ترفد بواسطة ~~زوجها، وترتقي إلى ذروة السعادة التي عللت نفسها بالحصول عليها، أصبحت مضطرة أن تنكفئ راجعة ~~إلى وطنها السابق مستعبدة، وقد أضاقت إلى حملها على بيت أبيها حمل زوجها وولديها، وقد زاد ~~طينتها بلة، وأضاف إلى ذلها ذلا موت أبيها، وتقلص اعتبارها، وانحطاط مكانتها لدى أخيها ~~الذي ليس عليه حق شرعي أن يعولها، مع أنه لم يقصر في إكرام كل منها وزوجها وولديها. # وكانت تلك الحروب التي قضت على أشرلد بالفرار إلى نورماندي لا تزال قائمة على قدم وساق ~~حتى مالت كفة النصر نحو السكسون، وتوفي على أثرها ملك الدانمارك الذي استولى على العرش بعد ~~جلاء أشرلد، فاسترجع السكسون قوتهم السابقة وأرسلوا يطلبون أشرلد ليكون ملكا عليهم، بشرط ~~أنه يغير سلوكه القديم في الحكم والإدارة، أما هو فكان مع أما بغاية التلهف لإعادة مجدهما ~~الغابر على أية ms042 طريقة كانت؛ ولهذا ما أبطأ أن رجعا إلى لندن حيث بايع الحزب السكسوني أشرلد ~~الملك ثانية. # أما الحزب الدانماركي فلم شعثه وقوى ضعفه وأقام له ملكا يدعى كانيوت، ثم شبت نار ~~القتال بين هذا الملك الجديد وأشرلد، أما كانيوت فكان رجلا حاذقا فهيما وغاية في الشجاعة ~~والإقدام بعكس أشرلد، فإنه رغما عن جميع مواعيده ظل متناهيا في الخمول والبلادة، وآية في ~~القساوة والجبن، وبالحقيقة إن ابنه أدموند الذي من امرأته الأولى كان أقدر منه على مقاومة ~~كاينوت نظرا لما حصله من الفطنة والذكاء، واشتهر به من القوة وثبات القلب حتى إنه ساد على ~~أبيه في بعض الاعتبارات، ومنها أنه في غضون تلك الاضطرابات سخط الملك أشرلد على أحد أشراف ~~مملكته لأسباب، فحكم عليه بالقتل، وزاد على هذه الفظاعة أن نفى أرملته المسكينة وهي في ~~ريعان صباها وجمالها إلى أحد الأديرة، فذهب ابنه أدموند إلى الدير وأطلقها واتخذها له ~~امرأة، فبواسطة وقوع هذه المعاكسة بين الملك وابنه الذي كان أكبر قواد جيوشه أصبح أمل ثباته ~~أمام كانيوت الدانماركي ضعيفا. # وفي الواقع كانت الأحوال تزداد سوءا وتعاسة، وأما تتجرع من وقت إلى آخر غصص القهر ~~والكدر، وتنذر نفسها بتفاقم الويل وتعاظم الخطر، حتى توفي أشرلد سنة 1016، وبموته امتلأت ~~كأس شقاوتها، وانطمست معالم سعادتها، إذ لم يكن لأحد من ولديها إدوارد وألفرد حق التملك ~~عوضا عن أبيهما، بداعي أن أدموند ابن امرأة أشرلد الأولى كان أكبر منهما، وكانا كلاهما ~~أصغر من أن يركبا الأهوال ويشهدا المعارك؛ ليجعلا لهما مكانة واهتماما في عيون الشعب، ثم ~~إن أدموند نفسه إذ كان مزمعا الآن أن يصير ملكا لا يسر بتقدمهما، ولا يرى لهما إكراما، ~~ولا يعتبرهما ووالدتهما سوى مقاومين له، وبالاختصار رأت أما أن مقامها في إنكلترا أصبح ~~محفوفا بالمخاطر، فهربت بولديها مرة ثانية، وجاءت بمزيد اليأس والفاقة تطلب لهما ملجأ في ~~بيت أخيها في نورماندي، وقد أمست الآن أرملة وولداها يتيمين، وكانا غلامين صغيرين وأكبرهما ~~إدوارد الذي تعلقت به آمال التقدم، وتحولت إليه مطامح الترقي، ms043 كان هادئا رزينا تلوح عليه ~~بعض مخايل الشجاعة، وتنبثق من محياه أنوار تؤذن بنيط الأمل بتوقع شيء من الإقدام منه على ~~كبار الأمور وعظائمها. # ولكن أخاه أدموند أصبح الآن ملكا في غلواء شبابه وإبان شجاعته وثباته، وعليه أدلة ترجح ~~أنه سيعيش ويعمر طويلا، وعلى فرض مفاجأة كارث يعجل اخترامه ويودي بحياته، فليس من ~~رجاء لأما أنها تعود لمجدها المنصرم وعزها الفائت بداعي أن أدموند كان متزوجا، وله ابنان ~~فيخلفه أحدهما بعد وفاته، فمن كل جهة نرى أن نكد الطالع قد قدر لأما أن تصرف باقي حياتها ~~مع ولديها بالذل والفاقة والإهمال، على أنه «وبينما العسر إذ دارت مياسير»، فإن النهاية ~~كانت بالخلاف كما سيجيء، فإن أدموند لم يملك أكثر من سنة حتى اغتيل فجأة، وفي مدة تلك السنة ~~كان يرى أن كانيوت الدانماركي أخذ في التغلب عليه والاستيلاء على إنكلترا قسما بعد قسم، ~~فجرد جيوشه وخرج لمحاربيه، وقبل شبوب نيران القتال بينهما أرسل أدموند يسأل كانيوت هدنة، ~~ويطلب منه العدول عن سفك دماء العساكر إلى المبارزة بينهما، فأبى كانيوت قبول هذا؛ لأنه ~~دونه جثة وقوة أعضاء، لكنه ارتأى طرح المسألة أمام لجنة تشكل من أمراء وقواد الحزبين، وكان ~~الأمر، وفي الختام قسمت البلاد بين الملكين، واستبدلت الحرب بنوع من السلم، وبعد هذه العهدة ~~بقليل قتل أدموند. # فأسرع كانيوت بدون إمهال واستولى على كل المملكة محتجا بأنه من جملة المعاهدة بينهما أن ~~المملكة تستمر منقسمة بين الملكين ما دام كلاهما في قيد الحياة، وعند موت أحدهما يخلفه ~~الآخر في التولي على قسمه، فلم تقم حجته هذه لدى قواد السكسون، لكنهم وجدوا نفوسهم لا يقوون ~~على مقاومته؛ لأن ابني أشرلد من أما كانا لا يزالان قاصرين عن الإقدام على القيادة، وبني ~~أدموند كانوا أطفالا، فلم يكن من فيه الأهلية ليصير زعيم السكسون وقائدهم العام، فالتزموا ~~والحالة هذه أن يطووا كشحا عن تمحلات كانيوت ودعاويه الفارغة ولو إلى وقت قصير، وعليه رأوا ~~من الحكمة أن يتغاضوا مسامحين في حقوق بني أدموند برهة يسيرة، ms044 ووكلوا إليه المناظرة عليهم ~~حتى يبلغوا أشدهم، وفي الوقت ذاته سمحوا له أن يبقى متوليا بنفسه زمام الحكم على كل ~~البلاد. # فقام كانيوت يدبر شئون الأحكام، ويعمل على اتساع نطاق نفوذه بغاية الضبط على وجه السداد ~~والإنصاف، متعمدا في سائر الأحوال والطرق صيانة حقوق السكسون وامتيازاتهم بنوع لا يجعل ~~بينهم وبين الدانمارك أدنى فرق، وكان يخشى على حياة بني أدموند عنده، لكن السياسة التي ~~اختطها للسير والتصرف خولت السكسون راحة واطمئنانا من نحوهم، وبالواقع لم يسئ إليهم بل ~~أرسلهم إلى بلاد الدانمارك لكي ينسى أمرهم على التمادي، ولعله أراد بذلك أنه إذا دعت الحاجة ~~يدبر هناك طريقة سرية لهلاكهم، وكان لديه سبب آخر يحدوه على وقايتهم ويحول دون اغتيالهم، ~~وهو أن هلاك بني أدموند لا يميت حق السكسون في الملك، بل يحوله إلى ابني أما في نورماندي ~~اللذين يترقبان الفرص للقيام على منازعته واغتصابه الملك، فكان من باب الحكمة أن يبقى أولاد ~~أدموند أحياء، ويجلبوهم إلى حيث يأمن الاهتمام بهم. # أما احتسابه من جهة ابني أما فكان على غير طريقة، فإنه لكي يسقط حقيهما في الملك ويضعف ~~قوتهما ارتأى أن يطلب الاقتران بوالدتهما، وبذلك يجعل عائلتهما تحت قبضة يده، ويحول دون ~~قيام أصدقائها النورمانديين ضده، وبناء عليه طلبها، وهي لشدة طمعها في استرجاع مقام عظمتها ~~السابق كملكة إنكلترا أجابت طلبه بلا تردد، وإن العالم ليدينها على تزوجها للمرة الثانية ~~بمنازع أشد وعدو ألد لزوجها الأول، ولكن لم يكن ذلك ليهمها البتة، بل قصارى ما احتفلت به أن ~~تكون ملكة سواء كان زوجها سكسونيا أو دانماركيا، فاستاء ابناها من هذا الاقتران وبذلا ~~جهدهما في منعه، ولم يصفحا لوالدتهما عن ارتكاب هذا الإثم الفظيع، ولا غفرا لها تدنيها ~~لتضحية صالحهما وحقهما، وقد ملأهما غيظا ونكاية ما تقرر في عهدة الزواج من أن وراثة الملك ~~بعد كانيوت تكون لمن يولد له من أما التي ما لبثت أن ودعت نورماندي وابنيها، وشخصت إلى ~~إنكلترا حيث احتفل بزفافها إلى كانيوت بغاية التجلة والاحتفاء، وخلا لها ms045 الجو مرة أخرى في ~~أن تعود ملكة الإنكليز. # وقد اقتضت الضرورة الآن أن تجتاز بكلمات وجيزة مدة عشرين سنة من الزمان وهي تحيط بوقت ملك ~~كانيوت الذي كان غاية في النجاح والسلام، وفي خلال هذه المدة كان أبناء أما لا يزالان في ~~نورماندي، وقد ولد لها ابن آخر في إنكلترا دعي كانيوت باسم أبيه، لكنه يعرف في التاريخ باسم ~~هارديكنيوت - وهذه الزيادة كلمة سكسونية معناها قوي - وكان لكانيوت وزير شهير يدعى غودون، ~~وهو رجل سكسوني واطئ النسب، وله في تاريخ حياته قصة غريبة لا محل لإيرادها هنا، لكنه كان ~~ممتازا في الحذق والدهاء وسائر الصفات السامية، وفي وقت موت كانيوت كانت له الأسبقية على ~~جميع رجال الدولة في الوجاهة والنفوذ، أما كانيوت فلما حضرته الوفاة ووجد أن شمس حياته قد ~~مالت به إلى الغروب. # وأنه من الضروري أن يرتب أمر الخلافة رأى أن الأحوط له السعي في إخراج معاهدته مع أما ~~السابق ذكرها من القوة إلى الفعل، على أن هارديكنيوت الذي بموجب تلك المعاهدة يحسب خلفا ~~له كان عندئذ ابن ست أو سبع عشرة سنة، وبالنتيجة قاصرا عن إدارة أحكام المملكة، وبناء ~~عليه أوصى بالملك لابن أكبر يدعى هارلود رزقه قبل اقترانه بأما، وهذا كان مبعث انشقاق ~~جديد، ومدعاة قلق حديث؛ لأن ميل السكسون وكذلك أصدقاء أما كان نحو هارديكنيوت، بينما كان ~~الدانمارك يميلون لهارلود. أخيرا انتصر غودون لجانب هذا الأخير، فتثبت هارلود على العرش، ~~وتركت أما وجميع أولادها الذين ولدوا لها من أشرلد وكانيوت في زوايا الإهمال ~~والنسيان. # فهذا التغيير الفجائي الذي طرأ على أما لم يكن ليرضيها البتة، فلبثت في إنكلترا وقد ساءها ~~جدا أن ترى زوجها الثاني قد خان عهده معها، ونكث بوعده لها من جهة عهد الخلافة لمن يولد ~~لهما جديدا، وكما أنه أغفل ابنه المولود له منها، وقدم عليه ابنه المولود له سابقا، هكذا ~~هي أيضا تركت الاعتناء بأمر هارديكنيوت، وطفقت تسعى سرا بين السكسون في تقديم ابنها ~~إدوارد وترشيحه للعرش، حتى إذا رأت نفسها ms046 أنها مهدت له السبيل اللازم بعثت برسالة إلى ~~ابنيها في نورماندي مفادها: أن الشعب السكسوني لم يعد يستطيع الصبر على تحامل الحكومة ~~الدانماركية وجورها، ومن رأيها أنهم (أي السكسون) مستعدون لخلع الطاعة الدانماركية متى ~~وجدوا لهم زعيما وقائدا، وعليه طلبت منهما أن يأتيا لندن للمداولة معها بهذا ~~الشأن. # وقد أشارت عليهما أن يحضرا بطريقة سلمية بسيطة متجنبين كل ما من شأنه أن يثير القلاقل، ~~ويوقظ ساكن البلابل، فلما وقفا على كتابها ارتضى أكبرهما إدوارد أن يذهب إلى لندن، لكنه أحب ~~أن أخاه ألفرد يقدم على هذه المهمة إن أراد، فأجابه ألفرد إلى ذلك. وفي الواقع إن هذين ~~الأخوين كانا على اختلاف عظيم في المنازع والمشارب؛ فإدوارد كان هادئا رزينا متأنيا، ~~وأما ألفرد فكان حاد الطبع طموح النظر، وعليه وطن الأصغر نفسه على ركوب أخطار السفر، ~~والأكبر عول على البقاء في نورماندي، وكانت النتيجة من ذلك شرا وبلاء، فإن ألفرد خالف ~~مشورة والدته وساق معه جيشا من النورماند وقطع بهم البوغاز زاحفا نحو لندن، فجرد عليه ~~هارلود قوة عظيمة اعترضته في الطريق فحاصرته وأخذته وجميع من معه أسرى، ثم حكم عليه بقلع ~~عينيه. # لكنه ما عتم أن مات بعد صدور ذلك الحكم الهائل بسبب ما اعتراه منه آلام الحمى، ناهيك عن ~~تأثير القهر والسقوط في يده خيبة وفشلا، فهربت أما إلى فلندرس، وأخيرا مات هارلود وخلفه ~~هارديكنيوت الذي لم يحكم إلا وقتا قصيرا حتى مات أيضا غير مخلف ورثاء للملك، وإذ كان في ~~ذلك الوقت أولاد إدموند بن أثلرد الأكبر في هنكاريا، وأمرهم على نوع ما منسي ظهر جو ~~الخلافة كأنه خال من منازع لإدوارد بن أما الأكبر الذي كان باقيا في نورماندي لا يبدي ~~حراكا، وبموجبه صرح به ملكا، وذلك سنة 1041، وظل مالكا نحو عشرين سنة، وقد صاقب ابتداء ~~ملكه وقت تربع وليم الظافر على دوكية نورماندي، ولا ريب أن إدوارد كان قد تعرف بوليم في ~~أثناء وجوده في ذلك الوقت الطويل في نورماندي، وقد زاره وليم أيضا إلى إنكلترا ms047 بعدما صار ~~عليها ملكا. # ومما لا ريب فيه أيضا أن وليم اعتبر نفسه وارثا لإدوارد من وجه أنه لما كان ليس لإدوارد ~~من أولاد وإن كان متزوجا؛ يكون الأمراء النورماند أقرب أنسبائه، وقد ادعى أن إدوارد وعده ~~بأنه يوصي له بحق الملك بعد وفاته، وكانت أما قد شاخت وتقدمت في الأيام، وانكسرت فيها شوكة ~~قوة الطمع في الشهرة وحب الرئاسة التي تسلطت عليها في ماضي حياتها؛ لأنه كان لها زوجان ~~وابنان كل منهم ملك إنكلترا، لكنها عندما تناهت بها الأيام وأدركها الانحلال رأت نفسها ~~صرعى الشقاق وتعاسة الحال. # ولم يكن ابنها لينسى جريمتها الفظيعة التي ارتكبتها في هجرها له ولأخيه، واقترانها بمن ~~كان ألد عدو لهما ولأبيهما، وإنفاذها لما تعهدت به يوم زفافها إلى كانيوت من حرمانهما ~~الوراثة الملكية، وفضلا عن ذلك تخلت عنهما بمزيد الإهمال وعدم الاكتراث في أيام زوجها ~~كانيوت، بينما كانت هي نفسها عائشة معه في لندن على سعة الرغد ورحب الأبهة والعظمة، وقد ~~شكاها أيضا بأنها كانت تقلب جفنيها ناظرة إلى موت أخيه ألفرد؛ ولذلك أصدر أمرا بمحاكمتها ~~في هذه الدعاوى العريضة على النار، وتلك طريقة كانوا يمتحنون بها المتهمين بالجنايات ~~والجرائم، بأن يضعوا على أرض كنيسة قطعا من حديد محمية إلى درجة البياض وعلى بعد معين بين ~~بعضها البعض، ويشيروا إلى المشكو عليه بالمشي عليها بقدمين حافيتين، معتقدين بأنه إن كان ~~بريئا فالعناية الإلهية ترشد خطواته، وتقيه من مس قطع الحديد فيجتازها آمنا، وإن كان ~~مجرما يحترق. # وقد نقل عن رواة حوادث ذلك الوقت أن أما حكم عليها بهذا الامتحان في كنيسة ونشستر ~~الكاتدرائية؛ لمعرفة ما إذا كانت عالمة بقتل ابنها، وسواء صدقت هذه الرواية أو لا فليس من ~~ريب في أن إدوارد حكم عليها بالسجن في دير ونشستر، حيث أكملت أيامها متجرعة غصص الذل ~~والهوان. # ولما رأى إدوارد أن الموت صار منه قريبا على الأبواب أخذ يهتم في أمر الخلافة، وكان لها ~~وريث من أخيه إدموند الذي يذكر القارئ أن كانيوت نفى أولاده إلى ms048 بلاد الدانمارك ليتخلص من ~~منازعتهم له، وهذا الخلف كان لا يزال حيا في هنكاريا واسمه إدوارد، وهو الخليفة الشرعي ~~للعرش، ولكن قد صرف حياته متغربا بعيدا عن وطنه، وفي الوقت ذاته كان الأمير غودون - الذي ~~مر الكلام على نهوضه من بيت سكسوني دني الشان إلى أعلى مقام في المملكة - قد أحرز سطوة ~~مكينة ونفوذا بينا، فظهر بهما أمنع جانبا من ذات الملك، وقد مات أخيرا لكن ابنه ~~هارلود الذي تأسله بالبسالة والإقدام وثبات الجنان خلفه في القوة، وتراءى كما ظن إدوارد أنه ~~يطمح في المستقبل نحو اغتصاب العرش. # وكان إدوارد يكره غودون وعائلته كرها شديدا، وصار الآن يتخذ كل الاحتياطات التي تكفل له ~~إحباط مساعي ابنه هارلود في الجلوس على تخت الملك، وعليه أرسل يطلب حضور ابن عمه إدوارد من ~~هنكاريا؛ ليرشحه للملك من بعده ويخذل هارلود، فجاء بعائلته وكان له ابن يدعى إدغر، ولكنه ~~لسوء الحظ لم يلبث أن توفي بعد حضوره إلى إنكلترا بقليل، وابنه إدغر بعد صغير لا فائدة من ~~قيام الحكومة باسمه؛ إذ لا تستطيع الثبوت ضد هارلود، فلما رأى ذلك الملك إدوارد وجه ~~أفكاره نحو وليم حاكم نورماندي الذي كان أقرب نسيب إليه من جهة أمه، وتحقق أنه يكون أفعل ~~وسيلة لتخليص الملك من السقوط في يدي هارلود المغتصب، وعلى أثر ذلك قامت مصادرات عديدة ~~ومناضلات مختلفة، فكان هارلود يفرغ جعب الجد والسعي في الحصول على الخلافة، وإدوارد ينضي ~~مطايا المساورة والمقاومة في منعه عنه وتحويله إلى وليم النورماندي، وكان النفوذ في البداءة ~~لهارلود وفي النهاية لإدوارد ووليم. # الفصل السابع # | الملك هارلود # إن هارلود ابن الأمير غودون الذي كان يسعى جهده في التبوء على العرش الإنكليزي، ووليم ~~صاحب إمارة نورماندي الذي كان ينازعه السعي، ويزاحمه في الإقدام وإن كانا قد عاشا على جهتين ~~متقابلتين من البوغاز الإنكليزي - الواحد في فرنسا والآخر في إنكلترا - فقد كان لكل منهما ~~معرفة شخصية بالآخر، وذلك ليس لأن وليم جاء مرة لإنكلترا فقط كما تقدم الكلام في الفصل ~~السابق، بل ms049 هارلود نفسه قدم نورماندي في أحد الأيام، وكان لقدومه هذا اعتبارات لا تخلو من ~~الغرابة والتأمل فيما يبعث الفكر على الحيرة والاندهاش، وذلك أنه في أيام أبيه غودون حدثت ~~مخاصمة بين غودون والملك إدوارد ، وآلت إلى حشد كل منهما قواته وإصلاء حرب عوان هلك فيها من ~~الجانبين عدد كثير، وأخيرا تبين أن جانب غودون عزيز ومعداته الحربية لا تقاوم، وشوكته ~~القوية لا تقوى حكومة إدوارد على كسرها وإخضاعها، وبعد مواقع مخيفة ومعارك هائلة بلت قسما ~~كبيرا من البلاد بويلات حرب أهلية عقد بينهما صلح، على شرط أن غودون يبقى حاكما على أقسام ~~معينة كان متوليا سيادتها منذ وقت طويل على طريقة إدارية يعترف فيها بسيادة الملك إدوارد ~~عليه، وكان عليه لقاء ذلك أن يفرق عساكره المتجمعة، ويعد بعدم إشهاره حربا على الملك فيما ~~بعد، ويحقق وفاءه بما وعد بتقديم كفلاء. # أما الكفلاء المقدمون في مثل تلك الأحوال فكانوا من الأنسباء والأقرباء والأصدقاء ~~الأعزاء، وكان الغرض من تقديمهم - فيما يرى - أنه إذا أخلف من يقدمهم وعده للمقدمين له؛ ~~فهذا يسوقهم إلى السجن ويسومهم أشد العذاب، أو يوردهم موارد الحتف بطرق تتنوع في تلطيف ~~عقابهم وتعظيمه بالنسبة للبواعث الداعية إلى أسرهم عنده، وحسب درجة الغيظ الذي حرك سكونه في ~~قلبه ثأر حقيقي أو وهمي، على أن هذه الطرف الخشنة من المعاهدات قد انتسخت الآن وبطلت ~~بالكلية، وإن كان جبين هذا التمدن الحديث لم يخل من لطخها السود في أول نشأته وعهد حداثته، ~~والذين كانوا ينتخبون كفلاء في ذلك العصر كانوا دائما صغارا حديثي السن حتى تكون صعوبة ~~فصلهم عن أهلهم وأصدقائهم مؤلمة موجعة، وكانوا يستودعون من هم ألد الأعداء والخصوم لهم ~~فينقطعون بهم إلى الأماكن الموحشة المنفردة تحت حراسة الغرباء، وهناك يقيمون مستمرين على ~~إيجاس خوف إخلاف وعد، وخرق عهدة تبعث على التنكيل بهم، والإساءة إليهم. # وهكذا كانت الفظائع والجرائم المرتكبة ضد أولئك الأبرياء غاية الهول، حتى إنه حدث في إحدى ~~المعارك بين الملك أشلرد وكانيوت، أن كانيوت لما أكره على الفرار ms050 من وجه أشرلد واضطر إلى ~~طلب الشواطئ البحرية ليركب السفن طلبا للنجاة؛ عمد إلى بعض الكفلاء الذين كانوا مرهونين ~~عنده من قبل الملك أشرلد، فقطع أيديهم وأرجلهم وجندلهم على رمال الشاطئ مخضبين بدماء ~~قساوته الوحشية، نازعين من شدة آلام جريمته البربرية. # أما الكفيلان اللذان ذكر المؤرخون أن غودون أعطاهما للملك إدوارد، فكانا ابنه وحفيده ~~واسماهما: النوث وهو أخو هارلود، وهاكيون وهو ابن أخيه، وإذ أشفق إدوارد من احتيال غودون ~~على استرجاعهما إليه إذا أبقاهما في إنكلترا رأى أن يبعث بها إلى نورماندي، ويتركهما هناك ~~تحت حراسة وليم، فلما مات غودون طلب ابنه هارلود من الملك تسليمهما بدعوى أنهما أخذا ضمانة ~~على أبيه، وأبوه الآن لم يعد حيا، فلم يقدر إدوارد أن يرفض تسليمهما رفضا مطلقا، لكنه ~~رأى إبقاءهما تحت سلطانه واجبا بداعي ما نظره من هارلود من التأهب والاستعداد لجمع القوات ~~التي تمكنه من أن يخلف أباه في كل شيء، على أنه لم يجد مناسبا أن يعلن له رفض تسليمهما ~~على الإطلاق، بل تعلل له أنهما في نورماندي وسوف يسعى جهده في إعداد الوسائل التي تمكنه من ~~إحضارهما على جناح الراحة والأمان. # فعول هارلود أن يذهب بنفسه ويجيء بهما، وعرض رأيه هذا على إدوارد الذي لم يعارضه فيه ~~حسب الظاهر، بل شحن جهده في أن يثني عزمه بذكر المخاطر والأهوال التي تتهدده في الإقدام على ~~هذا السفر، وذكر له منها أن وليم النورماندي رجل غاية في الدهاء والشجاعة، فليس من الحكمة ~~أن يخاطر بنفسه بالذهاب إليه ويتعرض لمصاعب بطشه وسطوته - والمقابلة في هذا الشأن بين ~~هارلود والملك إدوارد مرسومة في مطرز بأيو الذي مر عليه الكلام في الفصل الخامس - ولم ~~يعرف بالتحقيق أي تأثير أحدثه إنذار إدوارد لهارلود في هذا الشأن، بل حدث بعده أن هارلود ~~اجتاز البوغاز الإنكليزي إلى نورماندي. # وقد تضاربت الروايات وتلونت الأحاديث المنقولة عن كيفية سفره هذا، فقد روى بعضهم أنه ~~بينما كان يجول على التخم الإنكليزي من البوغاز مع عصبة من أتباعه وحواشيه طلبا للتنزه ms051 إذ ~~هبت عليهم عاصفة شديدة قذفتهم إلى شمالي فرنسا، ويرجح أن هذه الرواية مجرد ادعاء فقط؛ لأن ~~هارلود عقد نيته على الذهاب، ولكنه لم يشأ أن يفعله ظاهرا تفاديا من تغلظ خاطر إدوارد ~~عليه ، فادعى أن الرياح ساقته إلى نورماندي مرغوما ضد إرادته، وفي كل الأحوال حدوث تلك ~~العاصفة كان صحيحا، سواء كان سوقه بقوتها إلى الشطوط الفرنسية حقيقة أو ادعاء، فإنها حملته ~~خارجا عن طريقه، وساقته في عرض البوغاز إلى شرقي نورماندي، وأخيرا ألقت بقاربه إلى الشاطئ ~~بالقرب من مصب نهر سوم فكسرته، على أنه نجا إلى البر هو وأتباعه، وثم وجدوا أنفسهم في ~~حكم أمير يتولى تلك التخوم يدعى الأمير غوي، ولقبه الكونت دي بونتيي. # ومن شريعة تلك الأيام أن السفن المنكسرة تصبح ملك حاكم البلاد التي انكسرت على شواطئها، ~~وليست السفن وبضائعها فقط، بل إن جميع من فيها يصيرون عرضة القبض والأسر حتى يقدموا فدية عن ~~نفوسهم، فهارلود إذ كان عالما بهذا اجتهد في أن يخفي أمره ويسير حتى يبلغ نورماندي، وإذا ~~بصياد رآه من لباسه وهيئة منظره والمعاملة الخصوصية التي كان أتباعه يعاملونه بها تحقق أنه ~~رجل عظيم القدر والمكانة في وطنه، فذهب إلى الكونت مسرعا وقص عليه الخبر قائلا: «هبني ~~جائزة فأدلك على رجل يساوي مائة ضعف» فانحدر الكونت بحاميته إلى الشطوط وألقى القبض على ~~أولئك المنكودي الحظ، واستولى على كل ما سلم من الأمواج من أمتعتهم وأشيائهم، وجاء بهم إلى ~~قلعته في أبفيل، وهناك أغلق عليهم إلى أن يقدموا له فدية عن نفوسهم. # فاحتج هارلود ضد هذه المعاملة من وجه أنه قادم إلى حاكم نورماندي بأمر ذي شأن من عند ملك ~~إنكلترا، وليس في إمكانه أن يعاق عن إتمامه، فلم يسمع له الكونت كلاما بهذا الموضوع، بل ظل ~~مصرا على حبسه أو يقدم الفدية، فأنفذ هارلود بلاغا إلى وليم، به يعرفه بنفسه ويطلب إليه ~~إنقاذه، فأرسل وليم إلى الكونت يستدعي إطلاق الأسرى، وكل ذلك بعثه على أن يتمكن في عزم عدم ~~عتقهم، وتعظيم قيمة ms052 الفدية التي يتوقعها لأجلهم، ولم يزل عاملا على ضبطهم وعدم تخلية ~~سبيلهم حتى افتداهم وليم بمبلغ عظيم من الدراهم، وإضافة إقليم جديد إلى أملاك الأمير غوي، ~~وإذ ذاك أطلق سراح هارلود ورجاله، وجيء بهم إلى مدينة روان بسلام، حيث استقبلهم وليم بمزيد ~~التجلة والإكرام، وأنزلهم في قلعته ضيوفا مأهولا بهم ما شاء الله من الأيام، وأعد لهم ~~المآدب والولائم، وجعل كل أيام نزولهم عليه أعيادا ومواسم وقال لهارلود: إن رجوعه إلى ~~إنكلترا موقوف على إرادته، وأمر الكفيلين أخيه وابن أخيه اللذين جاء يطلبهما منوط بإشارته، ~~على أن سأله أن لا يعجل في العود إلى بلاده، بل يلبث عنده مدة ريثما يتمكن بإتمامه من إكرام ~~مراده، فأجابه هارلود عليه، وبالغ في الشكر له والثناء عليه. # ومما لا يغرب عن ذهن المطالع أن هذه المظاهر الاحتفائية والمجالي الإكرامية التي أقامها ~~وليم لضيوفه بملء الفرح والسرور بنيت على أنه اتفق له أن يصادف في بلاده أكبر المناظرين له ~~والمزاحمين في الاستيلاء على العرش الإنكليزي، وقد أتيح له بهذه الوسائل أن يكبر عليه أمره، ~~وينزع منه أفكار المناظرة والمباراة، وبالتالي يجعله من أكبر مظاهريه ومناصريه؛ ولذلك أفرغ ~~كنانة جهده في توفير ذرائع سروره وانشراحه في هذه الزيارة، وطفق يعرض عليه موارد غنى البلاد ~~ومصادر خيراتها، وشرع يطوف به متنقلا من مكان إلى آخر، مستعرضا عليه المدن والقلاع ~~والحصون والأديرة، وأخيرا هيأ موكبا عسكريا وطلب منه أن يركبه فيه برفقته لزيارة بلاد ~~بريتاني، فسر هارلود مما صادفه من عظمة الاحتفال وبديع المناظر التي شاهدها، وهكذا أتباعه، ~~فلم يكونوا أقل منه سرورا لا سيما وقد أنعم على كثيرين منهم بألقاب الشرف، وأكثر من ~~منحهم الخيول المطهمة والرايات الفاخرة والأسلحة المتقنة وغيرها من الهبات والعطايا ~~النفيسة، بحيث استمال قلوبهم إليه، وجعل أفكارهم بكليتها متجهة نحو شكره والثناء عليه، ~~واستولى على إرادتهم حتى غادرهم من أغنى الرجال لديه. # وكانت بريتاني المقصودة على تخوم نورماندي الغربية، فاجتاز وليم إليها بضيوفه في عرض ~~البلاد النورماندية على غاية الأبهة والجلال، وكان ms053 مع هارلود في غضون تلك المدة بكمال ~~الصداقة والمودة، فكانا ينامان في خيمة واحدة، ويأكلان على مائدة واحدة، وكثيرا ما ظهر في ~~أثناء ذلك من هارلود من آيات البراعة في الفروسة ومخايل الشجاعة في حوادث مختلفة عرضت لهم ~~في بريتاني، وكل ذلك زاد وليم رغبة في استمالته إليه، واكتساب قوة الاستناد عليه، وإلا فعلى ~~الأقل تجنب معاداته ومناظرته، وفي رجوعهما إلى نورماندي وجد أنه قد حان وقت شروعه في إخراج ~~مقاصده من حيز القوة إلى دائرة الفعل، وعليه عول على مطارحة هارلود الكلام في شأن رغائبه، ~~وطلب مساعدته في إنفاذها. # ويروي المؤرخون أن وليم كاشفه الأمر يوم كانا راجعين من تطوافهما، بعدما أخذا في الطريق ~~بأطراف الأحاديث المستطيلة على التبادل عن أنواع الحروب، وضروب الحصار، وطرق النجاة، وغير ~~ذلك مما يتعلق بذكر المواقع التي يقدم عليها الأبطال، والتي كانت موضوع المحادثة في ذلك ~~العهد، حتى إذا شعر بأنه أحسن التوطئة والتمهيد للدخول في ذلك الحديث ذي الشجون انتقل ~~بأسلوب لطيف إلى الإفاضة في موضوع العرش الإنكليزي ووشك موت صاحب تاجه، وعندها أخبره ~~بالمعاهدة التي بينه وبين الملك إدوارد الذي وعده بأن يكون خليفة له من بعده، وصرح له فوق ~~ذلك بأنه متكل على مساعدته في تسهيل التربع على دست المملكة، وله منه على هذه المساعدة ~~أعظم جائزة وأكبر إكرام، وزاد على ذلك قوله له: إن المناظر الوحيد هو الولد إدغر، وليس له ~~من قوة أو عصبة تشد أزره وتلبي طلب الحصول على حقه، وعليه فالقوات الحربية والمعدات ~~العسكرية هي في يديهما وحدهما، وكلاهما إن اتحدا معا يستطيعان الاستيلاء على تخت إنكلترا ~~إن أرادا. # فأصغى هارلود إلى هذه الاعتبارات متظاهرا بلذة استماعها، ومتلبسا بمسرة الوقوف عليها، ~~وقد كان بالحقيقة ملتذا بها، ولكنه لم يكن مسرورا؛ لأنه أراد تخليص الملك لنفسه، ولم يكن ~~يقنعه الحصول على قسم منه مهما كان عظيما وكبيرا، على أنه تحرز جهده من إعلان عدم مسرته، ~~وادعى الموافقة لوليم في مرتآه، واعترف برغبته السديدة في ممالأته عليه، وجاهر ms054 في استعداده ~~لأجل تحقيق القول بالفعل، فعظم في عيني وليم نجاحه في مسعاه، وسر سرورا لا مزيد عليه في ~~توفيقه إلى بغيته، حسب اعتقاده، أما هارلود فعول في الداخل على الإسراع في الرجوع إلى ~~إنكلترا؛ ليسعى في ارتياد الذرائع وتطلب الوجوه التي تمهد له الجلوس على العرش الإنكليزي ~~بنفسه دون اعتبار للمواعيد التي وعد بها وليم. # على أن وليم لم يكن لتكفيه المواعيد وترضيه العهود المجردة، وللحال شرع في تهيئة ما يمكنه ~~من إرغام هارلود على إنفاذها، وذلك بأن دبر الطرق المصطلح عليها في تلك الأيام لأجل ضمانة ~~الوفاء بالعهود المقطوعة بين الأمراء، وكانت ثلاثا: مبادلة الزيجة، وتقديم الكفلاء، ~~والأقسام العظيمة. # فارتأى وليم للأولى عقد زيجتين تمكينا للاتحاد المنوي بينه وبين هارلود، وذلك بأن يعطي ~~هارلود إحدى بناته لوليم، ووليم يزوجها واحدا من كبراء قومه، فتكون تحت سلطته معتبرة كرهن ~~أو كفالة إلا بالاسم، وهذا قبل به هارلود، والعقد الثاني كان بين ابنة وليم وهارلود ~~نفسه. # ولكن إذ كانت تلك الابنة بعد ولد لا تتجاوز السبع سنين اتفق على خطبتها فقط، وهذا صدق ~~عليه هارلود أيضا، واحتفل للحال بوضع عربون للحال بحضور جم غفير من الأعيان على مزيد ~~البهرجة والاحتفاء كأنها زفاف حقيقي، وكان اسم الخطيبة إدلا. # ومن خصوص الكفلاء فقد عول وليم على أن يبقي عنده واحدا من الاثنين اللذين يذكر القارئ ~~مجيء هارلود إلى نورماندي لأجل أخذهما، فقال له وليم: يرجع بابن أخيه هاكيون، وأما أخوه ~~النوث فينبغي أن يبقى إلى حين يقدم وليم على إنكلترا لاستلام الملك فيحضره معه. # فساء هارلود أن يترك أخاه هكذا تحت سلطة وليم، ولكنه إذ كان موقنا أن إجازة الرجوع له ~~نفسه تتوقف على عدم إبدائه أدنى معارضة يوجس منها وليم أقل ريب فيه قبل مكرها، وسلم ~~ببقاء أخيه النوث أيضا. # وفي الختام عقد وليم مشهدا حافلا بأعظم الأمراء والسادة والأعيان، وأشار إلى هارلود أن ~~يقسم على مرأى ومسمع منهم باليمين المعظمة أنه يقيم بوعده ويبر بعهده، فامتثل هارلود ~~إشارته عادا نفسه ms055 مضطرا لذلك غير مختار، وأنه في قبضة وليم، فكل ما يفقده يكون فقط ~~عبارة عن وسيلة التخلص من الإكراه، والعود إلى الحرية المطلقة، وبالنتيجة فأقسامه باطلة ~~فارغة، وعليه عزم أن يتمم كلما يفرضه وليم . # وبموجبه أقيمت حفلة عظيمة، وفي الوسط وضعت منصة مغطاة بملاءة ذهبية يعلوها كتاب خدمة ~~الكنيسة الكاثوليكية (الميسال) مكتوبا بمزيد الإتقان على رق، ثم فتح هذا الكتاب فصل من ~~الأناجيل التي وهي قسم من الكتب المقدسة كانت تعتبر في تلك الأعاصير أن لها قوة فائقة ~~العادة على إكساب القسم هيبة القداسة. # فاعترى هارلود شيء من الريب حينما تقدم إلى بهرة ذلك المنتدى الحافل بالكبراء والعظماء؛ ~~ليعيد وعوده لوليم على مسامعهم أمام الله، ويعرض نفسه لمسئولية النكث بها التي أقل ما فيها ~~مجازاته بلعنات القادر على كل شيء، ومهما يكن من إيجاسه وارتيابه فلم يعد في استطاعته ~~العدول والانسحاب، فدنا من كتاب الصلاة المفتوح، ووضع يده عليه، وأقسم أنه يقوم بالأشياء ~~الثلاثة المطلوبة التي أملاها عليه وليم من على سريره وهي: أولا: أن يبذل غاية جهده في ~~مساعدة وليم على تولي العرش الإنكليزي، وثانيا: أن يقترن بابنة وليم إدالا حالما تبلغ سن ~~الزواج، وثالثا: أن يرسل ابنته من إنكلترا إلى نورماندي لكي تزف إلى واحد من ~~أشرافها. # وبعد الفراغ منها أمر وليم فرفع الكتاب والغطاء الذهبي، وإذا على المنصة سفط (صندوق صغير) ~~يحتوي على ذخائر مقدسة - كان وليم قد جمعها سرا من الأديرة والصوامع في بلاده إلى هذا ~~المخبأ خفية عن هارلود؛ لكي يضاف تأثيرها الرهيب إلى فعل فصول الإنجيل الشريف التي في كتاب ~~الخدمة (ميسال)، وهذه الذخائر كانت بقايا عظام محفوظة على زعم الرهبان من رسل المسيح وقطعا ~~خشبية صغيرة باقية من صليب يسوع أو من إكليله الشوكي، وقد ذخرت هذه الأشياء بمزيد التجلة ~~والتكريم في خزائن الأديرة والكنائس في هاتيك الأيام، وكان لها عندهم من الاحترام والخوف ما ~~يكاد يشب عنه طوق إدراكنا - فأجفل هارلود حينما رأى أنه فعل ما قد فعل بجهل. # وقد هاله مجرد ms056 الافتكار بأن مسئولية ما أقسم به هي أعظم بما لا يقاس مما ظنه قبل الإقسام ~~فندم، ولكن لات ساعة مندم، وبعد ذلك ارفضت الحفلة وطفق هارلود يتأهب لمبارحة نورماندي، ~~ووليم يظن أنه قد امتلك قلبه، واستولى على قوة إرغامه للقيام بجميع ما وعد به، ولما أزف ~~وقت رحيله رافقه وليم إلى شاطئ البحر، وهناك شيعه بما يفوق الوصف من الإكرام، وبالغ في ~~تزويده بالهدايا، وهكذا أقلع هارلود من نورماندي وجاء إنكلترا بسلام، ومن ساعته قام يجهز ~~القوات، ويعد الرجال تهيئا للجلوس على العرش بنفسه، فجمع الفرق وحشد الأسلحة والمعدات ~~الحربية، وفعل كل ما من شأنه أن يستميل إليه الأمراء والأشراف، وحاول أيضا استمالة نفس ~~الملك إدوارد نحوه، واجتهد إقناعه بخذل وليم، فالملك إدوارد إذ كان قد أصبح الآن شيخا ~~عاجزا كليل النظر والقوى، وأمسى الباقي في أفكاره مشغولا بالفروض الدينية، أو مشوشا ~~بذهول هرم حال دون افتكاره بما ستصير إليه حالة الملك بعده لم يعد يبالي سواء استولى ~~هارلود أو وليم على العرش بأكثر من أن المالك منهما يسمح له أن يموت بسلام. # وكان قبل هذا الوقت قد عزم على زيارة أورشليم، لكنه عاد أخيرا وطلب من البابا أن يسمح له ~~لقاء هذه الزيارة ببناء كنيسة باسم القديس بولس غربي لندن على بعد بضعة أميال منها، وقد ~~دعيت فيما بعد ذلك باسم وستمنستر تمييزا لها عن كنيسة منستر التي بنيت قبلها في وسط لندن ~~باسم القديس بطرس، وتلك قد بنيت في ذات البقعة التي فيها الآن دير وستمنستر، وتم بناؤها في ~~نفس الوقت الذي جرت فيه حوادث هذه المدة من تاريخنا هذا. # وأخذ الملك إدوارد يستعد لتدشينها، فدعا الجم الغفير من الأساقفة وأصحاب الرتب العالية في ~~الكهنوت من جميع أنحاء البلاد، ولكنه قبل الشروع في التدشين أصيب بغتة بمرض، فحمل إلى غرفة ~~في قلعته حيث انطرح متقلبا على فراش الضنى والوجع وهو يراجع بين اليقظة والغيبة آيات ~~كتابية تهديدية كانت تخامر أفكاره، وقد كان في غاية التلهف على إجراء التدشين، ms057 فصار الإسراع ~~فيه ليتمجد بإتمامه قبل موته، وفي اليوم التالي كان في غاية التهور والانحطاط. أما هارلود ~~وأصحابه فكانوا بمزيد الاشتياق ليسمعوا هذا الملك المفارق يعلن ميله إليهم قبل وفاته، حتى ~~إن مجيئهم وذهابهم ولغاطهم وضوضاء العساكر وصخب الجنود أزعجته وكدرت صفاء آخر ساعة من ~~حياته، فأرسل إليهم أن ينتخبوا من أرادوا ملكا أو دوقا أو أميرا فلا فرق عنده، وهكذا قضى ~~نحبه. # وإذ كان هارلود قد أحكم التدبير، وأتقن التأهب والاستعداد مال إليه عظماء المملكة وبايعوه ~~في الحال، وكان إدغر حينئذ في قصر الملك إدوارد، ولكنه كان أصغر من أن يقوم ويطلب حقوقه ~~الإرثية، وبالواقع كان غريبا وإن كان معدودا من سلالة الملك الإنكليزي؛ لأنه تربى خارج ~~إنكلترا ولم يكن يستطيع حتى التكلم بالإنكليزي؛ ولذلك قبل غير متشك بهذه المظاهر حتى ~~إنه شاهد بنفسه تتويج هارلود الذي احتفل فيه بعد موت الملك إدوارد بقليل في كنيسة القديس ~~بولس في لندن، أما هارلود فأجازه في الحال على هذا الرضى وعدم المقاومة بشرف لقب أمير، بعد ~~التتويج وقبل الخروج من الكنيسة، وقد منح أيضا ألقابا ورتبا لكثيرين من أهل الطمع في ~~الوجاهة والشهرة الذين أراد استمالتهم إليه، وهكذا تراءى له أنه وطد أركان ملكه، وثبت ~~دعائم سلطته، وكان قبل ذلك قد اقترن بأميرة إنكليزية أغنى الوريثات في ذلك العهد وشقيقة ~~أعظم أميرين في المملكة، فهذا الزواج عظم نفوذه في إنكلترا، ومهد له الوصول إلى مبتغاه، على ~~أن أنباء تملكه التي كانت ولا ريب قد بلغت مسامع وليم في نورماندي؛ جعلت هذا يتوقع من نكث ~~هارلود بإحدى العهدات الثلاث نكثا بالعهدتين الباقيتين. # الفصل الثامن # | التأهبات # وكان الرسول الذي جاء وليم بخبر ارتقاء هارلود إلى العرش رجلا يدعى توستغ، وهو أخو ~~هارلود نفسه، فإنه مع كونه أخا له كان ألد أعدائه، وقلما يكون الإخوة أصدقاء في البيوت ~~التي فيها تاج سلطة يتنازعونه، وعرش سيادة يتسابقون إليه، ومعلوم أنه لم يكن في تلك الأيام ~~وسائل عمومية تؤدي الأنباء وتنقل الأخبار، وعليه فتوستغ علم بموت ms058 إدوارد وتتويج هارلود ~~بواسطة رقباء أقامهم في أماكن معينة على التخوم بداعي تغيبه وقتئذ عن لندن، فلما بلغه ~~الخبر قام يجد السير إلى روان ليقص على وليم ما جرى، ويغريه على القيام ضد أخيه ، وعندما ~~وصل روان كان وليم في بقعة بظاهر المدينة يجرب قوسا مصنوعة له جديدا، وليس بخاف أن وليم ~~كان رجلا كبير الجسم قوي العضلات، حتى إنه كان مشهورا بسهولة استطاعته على حمل قوس لا ~~يقدر أحد غيره أن يحنيها، وقد كان قسم من هذه الشهرة عائدا إلى ضروب الإطراء والتبجيل التي ~~كان يرى أهل البلاط الملوكي استعمالها نحو الملوك من باب التحرز والدهاء. # على أنه بغض النظر عن ذلك كان وليم في غاية الاستحقاق لأن يمدح على حذاقته العقلية، وقوته ~~الجسدية، ومهارته في استعمال القسي، وهذه التي كان يجربها عندئذ كانت مصنوعة بمنتهى ~~المرونة والقوة، وقد خرج بقواده إلى تلك البقعة لكي يمتحن قوتها ويختبر فعلها، فتآثره توستغ ~~إلى هناك، وقص عليه الأخبار، فتأثر وليم من استماعها تأثرا بليغا حتى سقط سهم قوسه إلى ~~الأرض، فأعطى في الحال القوس إلى أحد الأتباع وقد عبث به الذهول، فلبث برهة لا ينبس بحوجاء ~~ولا لوجاء ويده تعقد شريطة على مقدم صدره وتحلها مدة تلك الغيبوبة، حتى استفاق وأخذ يسير ~~الهوينا راجعا إلى المدينة، فتعقبه رجاله وكأن على رءوسهم الطير منذهلين وقائلين في ~~نفوسهم: ماذا عسى أن تكون تلك الأخبار التي بعثته على هذا الذهول، وحملته على تأثير شديد ~~كهذا؟ # أما وليم فسار حتى دخل قلعته، وطفق يخطر في عرصتها ذهابا وإيابا ردحا من الزمان ~~مدفوعا بعنف هياج عظيم للتأمل والافتكار، ورجاله واقفون صامتين لا يجسرون أن يكلموه حتى ~~شاعت بين ظهرانيهم أنباء ذهوله، وأخذوا يضربون في استطلاعها أخماسا لأسداس حتى جاء القلعة ~~أحد كبراء القواد المقدمين عند وليم، وكان يدعى فتزسبورن، وفي دخوله اعترضه على الأبواب وفي ~~المداخل الذين كانوا جالسين هناك واستكشفوه حقيقة الأمر، علما منهم بأنه خبير بما توقع ~~نظرا لما له عند وليم من المكانة ms059 في الثقة والاعتبار، فأجابهم: «لا أعلم شيئا بعد لكني ~~سأعلم عن قريب» ولما دنا من وليم خاطبه: «لماذا تخفي عنا الأخبار؟ فقد شاع في المدينة أن ~~ملك إنكلترا توفي وهارلود حنث بأقسامه لك واغتصب الملك لنفسه، أفليس ذلك صحيحا؟» # وعندها قص عليه وليم الخبر وأوقفه على بواعث غيظه وكدره، فأشار عليه فتزسبورن بأن يملك ~~روحه، ولا يدع هكذا حوادث تروع عزمه، وتصغر نفسه، وزاد عليه قوله: «أما من جهة موت إدوارد ~~فتلك حادثة مضت، وليس في الاستطاعة رد فائت كهذا، وأما من خصوص اغتصاب هارلود وخيانته فذلك ~~داء سهل عليك علاجه، فحق الملك إنما هو لك، وعندك العساكر التي تقدرك على تحصيله، فأقدم ~~عليه ثابت الجنان، ونصرك مكفول بإذن الله وعليه التكلان». # فأخذ وليم يجيل هذا الأمر في دائرة فكره، ويقلب فيه نظر التدبر والاستبصار ريثما حدة ~~الغيظ قد انكسرت، وعادت أفكاره إلى مضاجع الراحة والسكون، فارتأى أن يعقد مجلسا من العظماء ~~والكبراء، ويطرح لديهم هذه المسألة ليس بقصد استشارتهم والعمل بمقتضى آرائهم، بل لكي ~~يستميلهم إلى التصديق على الخطة التي عزم على انتهاجها، ويدعوهم إلى العمل معا بجد وصدق، ~~وكان من نتيجة ذلك المؤتمر المرءوس بوليم ذاته أن ينفذ رسول إلى هارلود يتنجزه العهود، ~~ويتقاضاه الوعود، وبموجبه سار الرسول حتى جاء لندن وأطلع هارلود على الأمور التي استقدم ~~ليخابره بها، وكانت كما يذكر القارئ ثلاثة - أن يرسل هارلود ابنته إلى نورماندي لتزف إلى ~~أحد قواد وليم، وأن يتزوج هو ذاته ابنة وليم، وأن يمهد لوليم طريق الجلوس على العرش ~~الإنكليزي - ثم ذكره بالطريقة الرهيبة التي ارتبط بها ما وعد به - بالأقسام التي حلف بها ~~أمام أقدس ذخائر الكنيسة وأعظم حفلة مشهورة - فأجاب هارلود: # أولا: # من جهة إرسال ابنته لكي تزف إلى أحد قواد وليم، فذلك لم يستطعه بداعي ~~وفاة ابنته، ولا يظن أن وليم يرغب في إرسال جثتها إليه. # ثانيا: # من خصوص تزوجه بابنة وليم التي خطبها في نورماندي، فقد ساءه أن هذا أيضا ~~كان فوق طوره من وجه ms060 أنه لم يقدر على الاقتران بزوجة غريبة بدون رضى شعبه، ~~وفضلا عن ذلك قد تزوج أميرة سكسونية من مملكته. # ثالثا: # من جهة العرش الإنكليزي، فلم يكن متوقفا عليه أمر تعيين خلف لإدوارد، بل ~~على مشيئة إدوارد ذاته وشعب إنكلترا، فأمراء الإنكليز وأشرافهم أجمعوا هم ~~وإدوارد على أنه «هارلود» هو ملكهم الشرعي إفيرفس مناخس ويقاوم هذا الإجماع ~~العام، وفوق كل ذلك كان يود أن ينفذ رغائب وليم ويقوم بإنجاز مواعيده له لو ~~أمكنه ذلك، ولكنه قد وعده بشيء ليس له ولا يقدر أن يعطيه إياه. # رابعا: # من خصوص أقسامه، فمع أنه أجراها أمام الذخائر المقدسة الموضوعة تحت ~~الغطاء الذهبي، يعتبر أنها عديمة التأثير من وجه أنه كان مضطرا إليها ~~اضطرارا، ومتخذا إتمامها وسيلة للهرب من نورماندي، والمواعيد والأقسام ~~التي تدعو إليها الضرورة تعد فارغة باطلة. # فرجع الرسول بهذه الأجوبة إلى نورماندي، وشرع وليم يتأهب للحرب، وأول خطوة قدرها لأجله في ~~هذا السبيل كانت دعوته لأخلص أصدقائه واستشارتهم في هذا الأمر، وبعد المداولة والمباحثة ~~أخلصوه الرأي في الحمل على إنكلترا واعدين بعضده وشد أزره، وبذل غاية جهدهم في تحقيق فوزه ~~ونصره. # وفي الخطوة الثانية عقد مجلس شورى من جميع كبراء الدول وأشرافها ومشاهيرها ونواب ~~المقاطعات ومشايخ المدن؛ للبحث فيما إذا كانت البلاد تقوى على تحمل زيادة الضرائب تحصيلا ~~للأموال المحتاج إليها في هذه الحملة، فإن وليم وإن كان كحاكم مطلق له حق التعويل على ~~مهاجمة إنكلترا، وله استطاعة على حشد الرجال بداعي ارتباط كل أمير مقاطعة تحت يده بوجوب ~~تلبيته بالمال والرجال، ففي حملة عظيمة كهذه كانت الاحتياجات أكثر جدا من المعتاد في تلك ~~الأيام، ولم تكن القوانين الدولية في الأجيال المتوسطة لتساعد على سد نفقات كهذه بوجه مقبول ~~متساو، فلم يكن للحكومات حينئذ قوة على ضرب المكوس كما في هذه الأيام، حتى إنه إلى الآن ~~تجمع الضرائب في فرنسا وإنكلترا على سبيل إحسان من الشعب إلى الحكومة، ولم يكن في أيام وليم ~~وزير المالية لينشئ قرضا ويرتب له ضمانات، فغاية ما ms061 كان في ذلك العهد من هذا القبيل استناد ~~الحاكم في نفقاته على مداخيل بلاده ووارداتها الطفيفة. # أما وليم فرأى أنه في هذه الحملة يعوزه بناء السفن وتجهيز الأسلحة والذخائر والمؤن، وكل ~~ذلك يتطلب أموالا جزيلة، فمن أين يحصل على تلك الأموال؟ فأشكل على أولئك المندوبين البحث ~~في هذا الأمر ومتعلقاته، وانتهوا إلى الاختلاف والشقاق في الآراء، فأهل الراحة والسكينة ~~والصناع والتجار الذين كانوا لا يهتمون بسوى الاستمرار على مباشرة أعمالهم بالأمن والسلام ~~رفضوا هذا المشروع رفضا مطلقا، وحسبوا ضربا من الخرق والحماقة أن يكونوا مطالبين ~~بالإسعاف مما تكسبه أيديهم أخذا بناصر حاكمهم، وتقويته على الخروج بحملة محفوفة بالمخاطر ~~مجهولة العواقب لا تجديهم على فرض تحقق نجاحها أدنى نفع، وقد وافقهم على هذا الرفض كثيرون ~~من الأمراء الذين رجحوا نهايتها بالفشل والخيبة، وأنكروا كون ارتباطهم بتلبية حاكمهم ~~بالرجال يفرض عليهم إطاعته إلى حد مظافرته خارج البلاد، وعبر البحر ذهابا وراء مطالبته في ~~عرش مملكة أخرى. # أما الباقون فكانوا بالعكس مستحسنين هذا المشروع كل الاستحسان، ومصوبين الخروج على ~~إنكلترا، فكانوا أثبت قلوبا وأوفر حمية وإقداما، أو لربما كانت مراكزهم وأحوالهم الراهنة ~~تخولهم الانتفاع من نجاح هذه الحملة أكثر من أولئك، وتصغر في عيونهم الخوف من خطر سقوطها، ~~وهكذا انقسمت الآراء وتضاربت الأفكار، وإذ إن القوانين الموضوعة في هذه الأيام لرفع التشويش ~~وحفظ النظام حين مجاذبة أطراف الجدال في مجلس الأمة لم تكن بعد قد وضعت في ذلك العهد، كنت ~~ترى مجلس أولئك النورمانديين غاصا بالجلبة واللغاط، وحافلا بالضوضاء والعياط، والأعضاء ~~يروحون في عرضه ويجيئون، ويقومون في طوله ويقعدون وهم جماهير متفرقة، وأحزاب مختلفة لكل حزب ~~منهم زعيم قائم فيهم على اجتهاد في حشد السامعين حوله؛ ليخطب عليهم. # وأهدأ قوم في ذلك المحفل كانوا أطفر من الجنادب جائلين من عند خطيب إلى آخر، منساقين بقوة ~~حدة الخطباء وفصاحتهم، ومجذوبين بمغناطيس استحسانهم للآراء التي يسمعون أولئك الخطباء ~~يجاهرن فيها، وبالجملة كان منظر ذلك المجلس أشبه شيء بالمجالس التي كانت تعقد في أميركا ~~أيام الثورات، ms062 وقبل تقييدها بنظامات ورؤساء. # أما فتزسبورن صديق وليم الأمين ومستشاره الخاص الذي مر الكلام على أنه كان الرجل الوحيد ~~الذي أقدم على مكاشفة وليم خبر موت إدوارد وتملك هارلود، فإذ رأى أن استصواب هذه الحملة ~~وتخطئتها ليسا من متعلقات ذلك الاجتماع؛ أسرع إلى وليم وأشار عليه بفض المجلس وترتيب ما ~~يراه بعد ذلك موافقا على انفراد، وتعهد له بتجهيز أربعين سفينة برجالها وأسلحتها وذخائرها، ~~وعرض عليه أن يدعو كلا من أولئك الأعضاء والنواب ويسأله على انفراد: ماذا يروم هو أن ~~يفعل؟ # فاستصوب وليم رأيه هذا وعمل بموجبه، وصادف نجاحا غريبا، فإن الذين دعوا أولا وعدوا ~~بمساعدات وتقادم عظيمة، وفي الحال صار تسجيل وعودهم والإشهاد عليها، وكل من جاء بعدهم كان ~~يغار ممن سبقه وتهزه الأريحية لإظهار كثير من الغيرة والكرم، وفي كل ذلك كان وليم يقتبل هذه ~~التبرعات بمزيد الممنونية وجزيل الشكر، مبالغا في معاملة أولئك المتبرعين بما لا يوصف من ~~المؤانسة والملاطفة، وله في هذه المجاملات ضروب تحيل، وأساليب دهاء تحداها تذرعا ~~لموالاة كبراء بلاده، واستمالة عظمائها تذليلا لرقاب المصاعب في طريق فوزه ونجاحه. # وبكلمة نقول: إن جزر تلك المصاعب التي تهددت الحمل على إنكلترا أعقبه مد تسهيلات فاض ~~بالإسعافات، وتدفق بالمساعدات؛ فإن الأمراء والأشراف تبرعوا بالوعد بالرجال والمال والمراكب ~~والأسلحة والذخائر، وبالاختصار بكل شيء احتيج إليه، وعند الفراغ من تقييد ما تبرع به أمير ~~كل مقاطعة، وجد وليم بمزيد الاندهاش أن كل لوازمه صارت مقضية، فبقي عليه خطوة ثالثة مهمة في ~~هذا المشروع، ألا وهي استحصال رخصة البابا؛ لأنه توقع من استمالة حبر رومية الأعظم إليه في ~~هذا الأمر نفعا عظيما لا يقدر، وبناء عليه سير من قبله إلى رومية لنفرنك - ذات الرسول ~~الذي نجح منذ سنتين في تثبيت شرعية زواج وليم ومتيلدا لدى البابا - وأمره أن يطرح المسألة ~~أمام كرسي قداسته، ويتوسل إليه أن يصرح بعدالة تسمية وليم ملك إنكلترا، ويعلن له إجازة ~~الاستيلاء على عرشها بقوة السلاح. # وقد نجح لنفرنك هذه المرة أيضا، فإن البابا بعدما ms063 فحص دعوى وليم حكم بحقانيتها، وصرح ~~بتسمية وليم ملك إنكلترا، وأمر بإصدار إجازة «منشور» له في ذلك، وعليه صدرت الإجازة غاية في ~~الإتقان معلمة بالصليب على جاري العادة البابوية، ومختومة بختم مستدير من رصاص . # ولم يكن بالأمر الغريب أن البابا نظر بعين الاستحسان إلى دعوى وليم، وأظهر أشد الارتياح ~~إلى نجاحها؛ إذ لم يكن ريب في أن تربع وليم على سرير الملك الإنكليزي كان أفيد للكنيسة من ~~تربع هارلود، من وجه أن وليم باستيلائه على إنكلترا يمكن فيها سلطة كنيسة رومية، ويجعل قدم ~~نفوذها راسخة في سائر أطرافها؛ لأنه كان في غاية الخضوع للسدة البابوية كما وضح من تصرفه في ~~مشكل زيجته، وكان هو وامرأته متيلدا يميلان كل الميل إلى نجاح وتقدم الأديرة والكنائس ~~والصوامع وسائر الأمور الدينية، ناهيك عن أن تصرفه هذه المرة في إرساله لنفرنك لكي يبسط ~~دعواه لدى كرسيها، بينما هارلود لم يفعل أقل شيء من مثل ذلك كان يدل دلالة بينة على شدة ~~احترامه لسيادة الكنيسة، ويرجح لمتوليها (البابا) أنه (أي وليم) سيكون في مدة جلوسه على ~~العرش - إذا توفق إليه - ابنا صادقا لها، ويبرهن طاعته وخضوعه لأوامرها المقدسة بالسعي في ~~رفع شأنها، وتعزيز كلمتها، بخلاف مناظره هارلود. # وعلى ذلك ما لبث البابا وكرادلته أن حقوا دعوى وليم، وأقاموا مطالبه، فأرسل له الحبر ~~الأعظم فوق إجازة الاستيلاء على إنكلترا راية وخاتما، أما الراية فكانت مصنوعة بكل إتقان ~~وإحكام، على أن قيمتها لم تنحصر في زخرفتها وكلفتها، بل بالبركة الفائقة التي تضمنتها من ~~قبل قداسة مرسليها، وأما الخاتم فكان من ذهب وفيه الماسة عظيمة الثمن، على أن كلا الذهب ~~والماس الذين فيه كانا فقط عبارة عن وسيلة لحفظ وإكرام شيء أثمن منهما وأكرم، وهذا الكنز ~~المذخور كان شعرة من رأس بطرس الرسول - ذخيرة مقدسة ذات اعتبار عجيب، وثمن لا يقدر ~~غريب. # ولما جيء بالإجازة «المنشور» والراية والخاتم إلى نورماندي كان لها وقع عظيم عمومي؛ لأن ~~التصديق على هذه الحملة بقوة كهذه سامية من رأس الكنيسة الذي أكثر ms064 الناس ينظرون إليه بملء ~~التجلة والاحترام، كان كختم على حق الشروع فيها، وتوقع الظفر والانتصار، وعندها لم تبق من ~~صعوبة في إعداد الرجال وذخر المال، والتأهب للحرب والقتال، وقد أصبح كل لهفان متعطشا ~~لمقاسمة المجد وكسب أحسن الجزاء. # ولما رأى وليم الأمور مطردة مجرى النجاح والتحسين أنفذ بلاغا إلى الزعماء والمقدمين في ~~المقاطعات حوالي نورماندي، به يدعو الأمراء والعساكر وجميع أصحاب الإقدام من كل درجة إلى ~~الاتحاد معه، والانضمام إليه، وهذا أحدث تيقظا وانتباها عموميين، فتسابق إلى خدمته كثيرون ~~من أهل الجراءة والبسالة، وانهالت عليه موارد الرجال والخيول والإسعافات انهيال الأمطار، ~~وأصبح حديث مهاجمة إنكلترا والاشتراك في الحملة عليها ملء أفواه الجميع، وشغلا شاغلا عند ~~الرفيع والوضيع، وسالت الطرق والشوارع بالأمراء والجنود، بعضهم فرسان منفردون، وبعضهم ~~جماعات كبيرة أو صغيرة، قادمون إلى نورماندي لعرض الخدمة والتطوع لأجل هذه المهمة. # كل ذلك ووليم يقتبل الجميع بمزيد الترحاب والتأهيل، ويعد الكل بالمكافأة الحسنى والخير ~~الجزيل متى دخل إنكلترا وأصاب في محاربته هارلود غلبة ونصرا، فكان يعد هذا بالدراهم وذاك ~~بالغنائم، وذلك بوظيفة لا يكون له فيها مزاحم، حتى نفس الكهنة وخدام الكنيسة، فقد وعد كلا ~~منهم بمكافأة كريمة وجائزة نفيسة، وهؤلاء لم يقصروا في مقاسمة العوام المساعدة والاهتمام، ~~فإن واحدا منهم أعد سفينة وسلحها بعشرين رجلا على شرط أن يسام مطرانا على أبرشية غنية ~~في إنكلترا حينما يستوي وليم على عرشها. # وبينما كانت هذه الاستعدادات جارية على قدم وساق داخل البلاد كانت المين البحرية وسائر ~~المدن على الشواطئ والتخوم النورماندية مظهرا لتأهبات بحرية حربية، فكنت ترى معامل السفن ~~مشغولة ببناء المراكب والزوارق، بعضها لنقل الرجال، والبعض لحمل الذخائر والمون، وبعضها ~~قوارب صغيرة لأجل قطع الأنهر وإخراج العساكر إلى البر على الشواطئ الصلخة (حيث الماء قليل)، ~~وكذا الحدادون وصانعو الأسلحة كانوا منهمكين على الدوام في طبع البيض الحداد، ومد السمر ~~المداد، وتهيئة سائر العدد الحربية كالخوذ والدروع، بينما كان عدد عديد من الرجال ينقلون ~~على حيوانات النقل تلك المعدات من المعامل إلى السفن، ms065 وحالما فرغ وليم من هذه الإجراءات رأى ~~أنه باق أمامه خطوة رابعة قبل الإقلاع إلى إنكلترا، وهي استشارة ملك فرنسا وطلب مساعدته، ~~وكان اسمه حينئذ فيليب، فذهب إليه بنفسه، فوجده في قصره سنت جرمنس ، وهناك بعد تأدية فروض ~~الخضوع والاحترام أطلعه على مقاصده، وطلب منه الاستحسان والإمداد واعدا إياه بأن يملك ~~إنكلترا كما ملك نورماندي تحت سيادة حكومة فرنسا. # فلم يصوب فيليب هذا المشروع، وسأل وليم على من يترك إدارة دوكيته مدة غيابه للسعي وراء ~~مملكة أخرى، وبعد الافتكار أجابه أنه مرزوق بحسن الحظ زوجة حكيمة، وشعبا أمينا، فيمكنه ~~تسليم أمر الإدارة إليهم إلى حين رجوعه. # فظل فيليب مصرا على عدم استحسانه هذا العزم من وجه أنه مخيف ومخطر، ونصح لوليم بالعدول ~~عنه والاقتناع بحالته الحاضرة، وفي النهاية عقد مجلس شورى وألقى مسألة وليم للبحث، وكان من ~~خلاصة المداولة تخطئة وليم ورفض المساعدة له، أما وليم فودع فيليب وخرج بعدما قال له: ~~«كان في عزمي أن أحكم على إنكلترا معترفا بسيادتك لو نلت منك عونا وإسعافا، وأما الآن ~~فقد عدلت لأنك أبيت تلبيتي؛ لأني إنما أشعر بالمكافأة لأولئك الذين يساعدونني». # وعاد وليم إلى نورماندي حيث وجد أن الاستعدادات قد أخذ فيها مدة غيابه بوافر الغيرة ~~والنشاط، ومن ثم شرع في تدبير الأمر الأخير الذي كان عليه أن يتناول الاهتمام به قبل خروجه ~~على إنكلترا، وهو تعيين أمر الحكم في غيابه، فعول على وضع زمام القوة العالية في يدي ~~زوجته، وعين في الوقت ذاته نخبة من مأموري الملكية والعسكرية على شكل مجلس نواب يساعدونها ~~في تنفيذ الأحكام والمشورات والإفادات، ويدبرون تحت عنايتها مهام الحكومة، وهكذا دعيت إلى ~~وظيفتها بلقب «نائبة دوك» بباهر التجلة والاحتفاء في مشهد حافل بكبراء البلاد، وفي ختام ~~الحفلة قال لها وليم بعدما فوضها بالحكم والإدارة: «ولا تحرمينا من الانتفاع بصلواتك وصلوات ~~كل سيدات محكمتك لكي ترافقنا بركة الله وتنجح مساعينا» وأرى أنه لم تعد لدينا ضرورة - كما ~~في الماضي - تدعونا إلى اتهام وليم بالرياء والادعاء في اعترافه ms066 بالاتكال على العون الإلهي ~~في الأهوال الشخصية والسياسية التي كان عازما على مباشرتها، ويرجح أنه كان يعتقد بإخلاص أن ~~ميراث التاج الإنكليزي كان من جملة حقوقه، ومن الواجب عليه بذل القوة لأجل تحصيله؛ ولذا ~~أقدم على تتميم الاستعدادات بما لا مزيد عليه من العزم والهمة، حتى غادر البلاد كلها قائمة ~~قاعدة بالتأهبات، وبينما كان الأهلون على مزيد الثقة بأن هذا المشروع قد صدق عليه بأمر ~~سماوي إذا به قد تثبت بظهور غريب، وتجل عجيب حدث قبيل الإقلاع من الشواطئ النورماندية، ~~وذلك بأن ظهر نجم مذنب # 1 # كبير معترض في عنان الجو له - حسب تقرير الراصدين - ذنبان، فاتخذه الناس ~~دليلا ينبئ باتحاد نورماندي وإنكلترا مملكة مزدوجة تظهر للعالم بغاية المجد ~~والبهاء. # | هوامش # الفصل التاسع # | اجتياز البوغاز # وأخيرا اجتمعت العمارة التي أعدت لاجتياز البوغاز بمهمات الحملة عند مصب نهر صغير يدعى ~~ريف، وذلك في أواخر شهر أيلول سنة 1066، وتاريخ هذه الحادثة - غلبة النورمان - يتذكره جيدا ~~طلبة علم التاريخ؛ إذ هو من جملة حوادث التاريخ الشهيرة، وكان لتألب العمارة في مصب ذلك ~~النهر وحشد الجيوش على عرض شاطئه مظهر عظيم شديد التأثير، فالعمارة البحرية المؤلفة من ~~السفن والبوارج والقوارب والزوارق المغشية وجه المياه، وصفوف الخيام الطويلة المضروبة تحت ~~الكهوف على الشاطئ، وفرق الفرسان الغارقة بالفولاذ، وجموع العساكر المنهمكين بنقل الذخائر ~~والمؤن والآخذين بالاستعدادات الأخيرة ذهابا وإيابا تأهبا للإقلاع، وجماهير الألوف من ~~المتفرجين كانوا دائما يروحون ويجيئون، والدرك نفسه المستوي بعدة الكفاح على جواد الجلاد ~~محاطا بالخفراء والضباط والقواد. # كل هذه وغيرها من المظاهر الباهية العظيمة التي يكثر تجليها في مثل هذه الظروف كانت باعثة ~~للنظر على الانبهار بأنوار ذلك المشهد الحافل بالبهجة والبهاء والافتخار، ومعلوم أن جمع هذه ~~القوات العظيمة من الرجال والمراكب، وإكمال ما يتبعها من الاستعدادات المتنوعة تهيئا ~~للإقلاع كان قد استغرق وقتا ليس بقصير، حتى إذا تم كل شيء وكان ذلك في أواخر أيلول - كما ~~مر الكلام - حان وقت نوء الاعتدال، وأصبح الإقلاع متعذرا؛ لأنه ما عتم أن توالى عصف ms067 ~~الأرياح، وهياج الأنواء مصحوبة بالتغيرات الجوية مدة أسابيع عديدة، وقد تخلل هذه الأنواء ~~فترات من الصحو انقشعت فيها الغيوم وظهرت أشعة الشمس، على أنها لم تكن كافية لأن تحل ~~العمارة من قيود الانحصار، وتطلق لها سراح الإقلاع بداعي قصر مدتها، وعدم تمكن البحر فيها ~~من الرجوع إلى حالة الهدوء والسكون؛ لأن تياراته المتعالية كانت تظل على عجيجها وهياجها ~~متلاطمة متدافعة على الشاطئ، ومتساقطة على كثبان الرمل في مصب النهر محطمة السفن الواقفة في ~~طريقها، والمعرضة لانكسارها، وكانت فترة الصحو لا تلبث أن تنقطع بهبوب الأرياح، وتعاظم ~~الأنواء، وإنشاء السحب في عنان السماء، وإذ ذاك توقف السفن على مراسيها، وتلف شرعها، ~~وتطوى أعلامها، وتدار من نحو المقدم إلى جهة العاصفة بوجه العبوسة والغضب، وينكفئ الناس ~~على الشاطئ إلى الخيام، والمتفرجون يرجعون إلى بيوتهم ريثما وليم وضباطه يبقون يراقبون مرور ~~السريع بمزيد القلق وعظيم الاضطراب. # وبالواقع كان لوليم أسباب جوهرية تبعثه على إيجاس الخوف من عاقبة هذا النوء الطويل ~~المستديم في طريق مشروعه؛ لأن الإبطاء في الإقلاع كان بحد ذاته موجبا للحذر وانشغال البال ~~من حيث إن فصل الشتاء كان على الأبواب؛ لأنه كان بعد مرور شهر واحد يصبح اجتياز البوغاز ~~بتلك العمارة أمرا بعيدا جدا، هذا فضلا عن أن الرجال الذين يقلعون بحملات مخيفة مظلمة ~~كالتي عزم عليها وليم كانت نفوسهم وقواهم عرضة للاشتداد والانسحاق، خاضعة لعوامل التغيرات ~~العظيمة الفجائية، ومفعولة بقوة أقل الطوارئ الطفيفة الصغيرة، ولا شيء أفعل في نفوسهم في ~~مثل تلك الظروف من ظواهر الجو، وقد أدرك وليم أن آثار حمية رجاله وغيرتهم كانت آخذة في ~~الاختفاء تحت أطباق السحب المتكاثفة، ومسرعة في الانمحاء في مجاري السيول الجارفة، وكانت ~~شعائر القنوط والخمول التي نبهها فيهم ذلك العاصف تزداد فيهم تعمقا وانتشارا بقوة الحس ~~المشترك، فكنت تراهم لا يشغلهم شاغل سوى توقع المخاطر والأهوال، والتسلي أثناء مراقبة سير ~~الغيوم وتلاطم الأمواج بانتظار الرزايا والمعارك ونتائج الاندحار، وغير ذلك من الأمور ~~المخيفة المظلمة التي تذهب ببسالة الجندي، وتحدوه على اليأس ms068 والجزع. # ولم تكن تصورات المصائب والشدائد منحصرة فيما ذكر فقط؛ لأنه مع أن معظم العمارة كان ~~باقيا على مصب النهر، وفي أمن من العواصف والأنواء، فكثير من المراكب كان خارجا عنه ~~معرضا لها، فمن قطع جيء بها مؤخرا إلى ذلك المرسى أو طرادات أرسلت إلى بعض الثغور ~~المجاورة لقضاء بعض الحاجات المتعلقة بالاستعدادات، أو سفن كان لنواخذتها «جمع ناخذة بمعنى ~~قبطان» شجاعة ممتازة حملتهم على التعرض للمخاطر بدون داع، فأكثر هذه المذكورات حطمتها ~~الأمواج، وقطعت أوصالها التيارات، وقذفت ببقاياها مع جثث نوتيتها الغرقى إلى الشاطئ، وقد ~~هالت الناظرين رؤية تلك الجثث المنتفخة المهشمة والمطمور نصفها في الرمل كأن البحر حاول أن ~~يخفي عن العيون منظر تلك الجرائم التي ارتكبها، فأصدر وليم الأوامر المشددة للإسراع في جمع ~~تلك الجثث ودفنها سرا بحال وجودها، على أنه رغما عن هذه التحوطات لم تلبث أنباء هذه ~~الأرزاء أن انتشرت في سائر أطراف المعسكر مكبرة مجسمة، وكان الخوف والرعب يزدادان كل يوم ~~استيلاء على الأفكار، وينذران بتوقع المكاره وانتظار الأخطار، فعول وليم على الإقلاع عند ~~أول فرصة ممكنة، وذلك لم يكن طويلا، فإن الطقس تغير، وفي الحال هبت ريح جنوب لطيفة عارضت ~~انقلاب الأمواج على الشواطئ الفرنسية، وعليه أصدرت الأوامر في الإقلاع، فهدمت الخيام ونقلت ~~الذخائر إلى السفن، وحشدت العساكر في القوارب إلى المراكب، وازدحمت أقدام المتفرجين على ~~الشاطئ أفواجا أفواجا، ونشرت القلع وأخذت الميناء تسيل بحركات تلك القطع متأهبة للاجتياز، ~~ومستعدة للمخر في عباب البوغاز، على أن البحر ما كان إلا كالأفاعي، ومعلوم القول: # إن الأفاعي وإن لانت ملامسها # عند التقلب في أنيابها العطب # فإن ذلك التعبير المستحب ما كان إلا مجرد خدعة واحتيال وفخ أخفى للوقوع في أشراك الرزايا ~~والأهوال؛ لأنه ما أبطأ أن عادت الرياح إلى عصفها الشديد، والسحب إلى تلبد ما عليه مزيد، ~~وبعد أن قطعت العمارة مسافة مائة ميل تحت جهد الخطر والعناء اضطرت على الرجوع إلى مرفأ سنت ~~فالري طلبا للوقاية والالتجاء، فساء ذلك وليم ولكنه اتخذ هذا التأخر ms069 وسيلة للتزود ببعض ~~القوات الأخيرة، ومواصلة العاصمة ومتيلدا. # وهذه الموانع المخيفة والمنذرة بالشر كانت لا تخلو من فائدة عظيمة لم يدركها وليم حينئذ، ~~من وجه أنها قادت هارلود في إنكلترا للظن في رجوع وليم عن عزم الحمل عليه، وهكذا عدل عن ~~التحرز والتيقظ، ولم يكن - كما سبق القول - في تلك الأيام وسائل قياسية لتبادل الأخبار بحيث ~~يسهل شيوع الأنباء عن الحوادث الخطيرة والإجراءات المهمة كما في أيامنا هذه، وعليه كانت كل ~~حكومة تعتمد على الجواسيس في الوقوف على حركات الأعداء، وكان قد شاع في إنكلترا في شهر آب ~~خبر عزم وليم على الحملة، فاستعد هارلود لملاقاته وصده، لكنه إذ رآه أبطأ في الحضور، ومضى ~~شهر أيلول أسبوعا بعد أسبوع، ولم تبن أدنى علامة للعدو، ولا ظهرت له أسباب هذا التأخر، ~~استنتج إغفال ذلك العزم أو إرجاءه إلى الربيع، وإذ كان الشتاء قريبا رأى من الموافق أن ~~يستعد في إرسال عساكره إلى مشاتيها، فصرف عنه بعضها، والبعض الآخر وزعه في كثير من القلاع ~~والمدن الحصينة، حيث يصرفون فصل الشتاء، ويكفون مشقات الأمطار والزمهرير، وفي الوقت نفسه ~~يكونون على أهبة الاندفاع عند حدوث أقل سبب مفاجئ، على أنه ما لبث أن دعاهم لدفاع كما سيأتي ~~معنا. # ومع أن هذه التنظيمات التي أجراها هارلود كانت في نظره أضمن لسلامة رجاله وراحتهم، لم ~~يكف في أثنائها عن التجسس والمراقبة والاستطلاع ساعيا جهده في الاستعلام عن عدوه، ~~وتنسم أخبار حركاته، فأقام الأرصاد ونشر العيون على تخمه الجنوبي، وشدد الأوامر في تدقيق ~~الملاحظة وضبط السهر على كل شيء يجد لديهم، أو يبدو لهم الإسراع في إبلاغه. # ومعلوم أن وليم كان يبذل كل ما في وسعه لأجل قطع موارد الأخبار، وقد ساعدته التقادير على ~~ذلك، فإن تلك الأنواء التي حدثت جعلت السفر في البوغاز متعذرا على سفن التجارة وقوارب ~~الصيد؛ ولذلك لم يستفد الرقباء على تخم إنكلترا الجنوبي من استطلاع الحوادث إلا النزر ~~القليل. # أخيرا فرغت جعبة الصبر عند هارلود، وتعذر عليه البقاء على تلك الحالة المبهمة، ms070 فعقد ~~النية على إرسال نفر من رجاله إلى نورماندي توصلا لاستجلاء الحقائق ودفع الشبهات، وليس ~~بخاف أن المرسلين بطريقة سرية أو إلى بلاد العدو إلى معسكره يعتبرون بحكم القوانين الحربية ~~جواسيس، ويعاقبون إذا قبض عليهم بالموت؛ ولذلك كانت إرسالية كهذه غاية في الهول والخطر، ~~وإذا كان الموت المحكوم به على من يوجد بهذه الصفة مهينا للغاية؛ إذ الجواسيس كانوا يشنقون ~~بلا شفقة علنا، ولا يقتلون بإطلاق الرصاص، فأكثر الناس يأبون التعرض لهذا الخطر المخيف، ~~ومع ذلك كله فصفات البأس كانت لكثيرين من رجال الحرب الذين يقدمون على الأهوال، ويركبون ~~المخاطر موعودين بالمكافأة الحسنى والجزاء النادر، فبدا لجواسيس هارلود أن يقطعوا البوغاز ~~مجتازين إلى رأس بعيد في شرقي نورماندي، حيث المدخل ضيق، فأتوا الشاطئ وساروا في البر ~~متخفين بزي الفلاحين حتى جاءوا سنت فالري حيث كانت عمارة وليم، وهناك جلسوا متفقدين ~~مستطلعين مستكشفين بكل ضبط واحتيال، لكنه رغما عن ملء التحفظ والتحرز عرفت دخيلة أمرهم، ~~وهتك حجاب سرهم، وظهر أنهم جواسيس فألقي عليهم القبض، وسيقوا إلى وليم لينالوا ~~عقابهم. # أما وليم فعوضا عن الحكم عليهم بالموت الذي توقعوا أنه سيكون نصيبهم المحتوم، وجزاءهم ~~الذي لا مفر منه، عفا عنهم، وأمر بإطلاقهم قائلا لهم: «ارجعوا إلى الملك هارلود وأخبروه ~~أنه كان في غنى عن تحمل النفقات في إرسال الجواسيس إلى نورماندي؛ ليقف على الاستعداد الذي ~~أقوم به للخروج عليه، إذ إنه لا يلبث أن يبلغه بوسائط أخرى - أسرع مما يمكنه أن يتصور - ~~فاذهبوا وقولوا له عني: أن يجعل ذاته إذا شاء في آمن مكان يستطيع أن يجده في كل بلاده، وإن ~~لم يجد عليه قبل نهاية هذه السنة، فلا تعود له حاجة للخوف مني ما دام حيا». # ولم تكن هذه الثقة التي عبر عنها وليم في نجاحه مجرد ادعاء ومحض افتخار باطل؛ لأنه ~~علم قواته وقوات هارلود، ولم تكن حملته هذه مدفوعة بقوة الرعونة والطياشة، بل محمولة على ~~مزيد التروي والتأمل، وقد تراءت بمظهر الخوف والشك لعيون الذين قاسوها على ظواهر الحال، ms071 ~~فحمقوا مشورة دوق كوليم يحكم على مقاطعة صغيرة كنورماندي، ويثير حربا هائلة على ملك ~~إنكلترا القابض على زمام أعظم وأقوى مملكة في العالم. # أما وليم فبالعكس كان يعتقد وجوب القيام بذلك تحصيلا لحقه الإرثي من يد مغتصبه، وقد تحقق ~~لديه نوال الميل والانضمام حتى من شعب إنكلترا حالما يتمكن من أن يريهم استطاعته على حفظ ~~حقوقه، وأنه قادر على إيضاح ذلك لهم ببرهان ناصع البيان، ودليل حسي منظور؛ أعني به تلك ~~العمارة الكبيرة الغاصة بها الميناء، وتلك الخيام الكثيرة المملوءة بالعساكر المغشي بها وجه ~~الشاطئ، واتفق أن بعض قواده أوضحوا أمامه رعبهم من قوات هارلود، وإيجاسهم خوف عدم استطاعتهم ~~الثبات ضدها، فأجابهم أنه بقدر ما تكون قوات هارلود مخيفة ينبغي أن يعظم فرحهم وسرورهم ~~بالمجد العظيم الذي ينالونه بالغلبة عليه، ثم زاد عليه قوله: «لا بأس من تأتي في قلوبكم على ~~سبيل التسلية أفكار قوته واقتداره حالة كوني أعجب كل العجب من عدم افتكاركم بعظم قواتنا ~~نحن، فلست في حاجة إلى أقل اهتمام؛ لئلا يدرك هارلود على بعده عنا بواسطه جواسيسه شيئا عن ~~القوة التي أسير بها إليه حينما أنتم القريبين مني يظهر أنكم لا تعرفون عنها إلا شيئا ~~يسيرا، فلا تهتموا على الإطلاق، فاتكلوا على عدالة دعواكم، وثقوا بما أتوقعه أنا وكونوا ~~رجالا، فتجدوا أن النتيجة التي أشعر بتحققها وترجونها أنتم ستنال بكل تأكيد ~~وإثبات». # وأخيرا انقضت العواصف وسكنت الأنواء، وتأهبت العمارة للمبارحة الأخيرة، وفي معظم هذه ~~الحركة النهائية حدث في أحد الأصباح ما استدعى انتباه جميع الذين كانوا في المراكب وعلى ~~الشاطئ، وذلك بأن رأوا سفينة جميلة قادمة على الميناء عرفت أنها قطعة كبيرة متقنة كانت ~~الدوقة متيلدا قد بنتها على نفقتها وجيء بها تقدمة منها وداعية لزوجها، وكانت هي ذاتها ~~راكبة فيها مع قوادها وحرسها لأجل مشاهدة سفر وليم ووداعه، وقد كان ولا ريب لحضورها في حالة ~~كهذه وقع عظيم بعث الجميع على الحمية والنشاط، فتصاعدت من السفن في الميناء ومن جماهير ~~الوقوف على الشاطئ ضجات الفرح ms072 والاستحسان احتفاء بقدومها البهج. # وبالواقع كانت سفينة متيلدا مبنية بمزيد الدقة ومنتهى الزخرفة والزينة، فالشرع كانت مدبجة ~~بألوان مختلفة أكسبتها منظرا بهيا، وقد رسم عليها في أماكن متعددة صورة الثلاثة أسود ~~التي كانت تمثل شارة النورماند، وعلى جانبيها من لدن المقدم رسم صورة رأس تمثل ابن وليم ~~ومتيلدا الثاني يرمي بالنبال؛ لأن وليم كان يسر على الخصوص برؤيته ابنه يفعل ذلك، وكان ~~السهم مسحوبا في الرسم إلى المقدم مشيرا إلى شدة وقوة الساعدين على رميه، ومخيلا للناظر ~~أنه على أهبة النشب، وكان اسم تلك السفينة ميرا، فجعلها وليم في مقدم العمارة، ورفع عليها ~~تلك الراية البديعة الإتقان التي أرسلت إليه من رومية، ثم اجتاز إليها محفوفا بالقواد ~~والحرس بمظاهر التجلة والاحتفاء، واستعدت العمارة للإقلاع، فنشرت الشرع وأخذت السفن تسير ~~الهوينا مقلعة عن الميناء. # وإن صدقت رواية مؤرخي ذلك العهد يكون عدد السفن الكبيرة في تلك العمارة أربعمائة، ومعها ~~أكثر من ألف قارب، وكانت كلها مشحونة بالرجال، وأعالي سواريها تخفق بالرايات والشاطئ على ~~رحبه ضيقا بالمتفرجين، والبحر هادئا، والهواء لطيفا، والشرع التي كست وجه المياه ثوبا ~~أبيض تسير سيرا لينا على بساطها المتجعد، وتشخص لعين الناظر فقط منظرا جميلا بديعا، ~~وأما لعين المتأمل بالنتائج الصادرة عن نجاح هذه الحملة فمشهدا ساميا رفيعا. # وقد ظهر بالامتحان أن تلك السفينة البديعة التي قدمتها متيلدا لزوجها ليست مجرد لعيبة، ~~فإنها سارت في مقدم السفن والعيون تحدق بها، فوجب أنها آخذة في السبق شيئا فشيئا، فسر ~~وليم أن يراها هكذا سريعة الجري، وأمر ربانها أن يظل سائرا غير مبال بما وراءه، حتى إذا ~~جاء المساء وظهر أن المسافة بينهما وبين بقية العمارة خلفها أصبحت شاسعة، بحيث غابت كل ~~السفن عن عيون من كانوا على ظهر ميرا، لكنه إذ كان المساء قد أقبل والظلام خيم توقعوا أنهم ~~ينظرونها في الصباح، فلما كان الغد استولى عليهم الانذهال والاندهاش، حين التفتوا إلى جهة ~~الأفق الجنوبية ممعنين النظر ولم يجدوا للعمارة خلفهم أدنى أثر، فقلقوا وارتابوا، أما وليم ~~فلم ms073 يبال بذلك وأمر أن تطوى الشرع، وأنفذ رجلا إلى أعلى الساري للاستكشاف والإشراف فلم ير ~~شيئا، ووليم ظل في الظاهر غير مهتم، فأمر بتهيئة الفطور وأكثر على المائدة من وضع الخمور ~~وغيرها من الوسائل الداعية الأفكار إلى هجر القلق، والارتياح إلى الفرح والسرور، ثم أرسل ~~المراقب مرة ثانية إلى رأس الساري وسأله وليم: «ماذا ترى؟ فأجاب بعدما حدق بنظره: أرى ~~أربع لطخ صغيرة جدا في الأفق» ثم زيدت هذه المسرة التي أوجبها هذا الاستكشاف بالصراخ: ~~«هأنذا أنظر أكثر فأكثر، هي السفن، نعم كل العمارة ظهرت». # ثم ما أبطأت أن دنت من ميرا التي عادت إلى نشر شراعها، وراحت كلها تشق العباب نحو إنكلترا ~~وقد جعلت طريقها نحو الشرق، حتى إذا جاءت البر لا تكون بعيدة عن مضيق دوفر، وفيما كانوا ~~يقتربون نحو الشواطئ الإنكليزية كانوا يراقبون بكل اعتناء وجود البعض من سفن هارلود التي ~~توقعوا طبيعيا مصادفتها في تلك الجهات جائلة لحماية الشطوط البحرية، لكنهم لم يجدوا واحدة ~~منها، نعم إن هارلود كان قد سيرها للطواف والحراسة، وكان منها كثير في بقية الثغور، لكنه ~~اتفق لحسن حظ وليم أن تلك التي عهد إليها حراسة هذا القسم من الجزيرة كانت قد انسحبت منه ~~منذ أيام بداعي نفاد زادها وذخائرها، وهكذا لما وصلت العمارة تلك الجهة لم تصادف عدوا ~~معارضا، فرست في خليج بيفنسي الذي تراءى لها متبسما مادا ذراعيه لاستقبالها، وعندها ~~أخذوا في التأهب للخروج إلى البر، وأول من وطئت أقدامهم الشاطئ فرقة من رماة النبال ~~المنتخبين. # فتقدم وليم معهم وأن كان متلهفا للوصول إلى البر زلت قدمه وهو يطفر من القارب فقط، ~~فتطير الضباط وجميع من كانوا حوله وعدوا ذلك فألا رديا، أما هو فحضرته سرعة الخاطر في ~~الحال ومد ذراعيه وتمسك بالشاطئ مدعيا أنه فعل ذلك تعمدا، وقال في نفس الوقت: «هكذا ~~أقبض على هذه الأرض ومن هذه الدقيقة تكون ملكي» ولما نهض أسرع أحد ضباطه إلى كوخ مجاور على ~~الشاطئ وأتى منه بقليل من «البلان» إلى وليم ووضعه ms074 في يده وقال له: إنه هكذا أعطي ملكه ~~الجديد. وتلك كانت عادة في ذلك العهد أن يعطى المتملك الجديد الأراضي التي اشتراها أو ~~نالها بطريقة أخرى، فكان المقتني الجديد يذهب إلى الأرض المراد امتلاكها، وهناك أصحابها ~~الأولون ينتزعون شيئا مما فيها ويقدمونه له قائلين: «هكذا نخولك امتلاك الأرض» وحالما ~~خرج العساكر إلى البر طفقوا يقيمون المعسكرات وينشئون الاستحكامات؛ تفاديا من عدو مباغت أو ~~هجوم مفاجئ ريثما كانت القوارب آخذة في تكملة النقل من السفن إلى البر، وكان بينهم عدد عديد ~~من الفعلة والعاملين في صناعات مختلفة من المهندسين وممهدي الطرق والنجارين والبنائين ~~وغيرهم، فكانوا قد أحضروا معهم ثلاثة أبراج، أو بالحري حصون من خشب هيئوها قبل السفر في ~~نورماندي، وأتوا بها لتقام عند وصولهم لحفظ الذخائر والمؤن. # وإذ ذاك سير وليم فرقة من الخيالة لتردد تلك الأطراف، وتتجسس الأنباء عن قدوم هارلود، ~~فرجع أولئك الفرسان واحدا بعد الآخر بعدما ضربوا في تلك الأطراف، وتوغلوا في التجسس ~~والاستكشاف، وأفادوا أنهم لم يقفوا لقدوم العدو على أثر، وكانت الاستحكامات حينئذ قد ~~أقيمت، ولم يبق من شاغل في الإفراغ والتنظيم، فأمر وليم أن تشعل النيران بالخيام لأجل ~~الليل وتستعد العساكر لمناولة العشاء، وقد أعد له العشاء في ذات خيمته فتناوله مع قواده ~~بمزيد الانشراح والابتهاج، وبغاية اطمئنان البال من جهة ما صادفه ذلك اليوم من النجاح في ~~سائر الأعمال. # وقد كانت كل حوادث الخروج إلى البر ومتعلقاتها داعية إلى الرضى والاستحسان سوى واحدة، وهي ~~ضياع سفينتين من العمارة، فاستعلم وليم وهو على العشاء عما إذا كان قد جد شيء بخصوصهما، ~~فأجيب أن الإفادات الأخيرة عنهما تعلن انقذافهما إلى الصخور وانكسارهما، وكان أحد المنجمين ~~قد تنبأ بخصوص تلك الحملة قبل خروجهما من نورماندي، وأعلم بمقتضى مراقبة النجوم أن وليم سوف ~~ينجح في عمله ولا يصادف أدنى مقاومة من هارلود، وكان ذلك المنجم على ظهر إحدى تينك ~~السفينتين المفقودتين فمات غرقا، فعندما بلغت وليم تلك الإفادات قال: «ما أشد حماقة ذلك ~~الرجل الذي ظن أنه ms075 بواسطة النجوم يستطيع معرفة مستقبل غيره، بينما هو لم يعرف شيئا عن ~~مستقبل نفسه». ويروى أن ذلك الطعام الذي تناوله وليم وقتئذ أعد له على حجر كبير عوضا عن ~~المائدة، ولا يزال ذلك الحجر إلى الآن يدعى «حجر الظافر». # وفي اليوم الثاني أخذت العساكر تتقدم نحو الشرق ولم يكن في طريقهم عدو يحاربهم أو يصد ~~تقدمهم، وقد حال الخوف والرعب دون سكان البلاد التي كانوا يجتازونها، فلم يبدوا أدنى مقاومة ~~لهم، وكان الباعث على زيادة خوفهم بعض تعديات أتاها بعض العساكر، فاستولى الهلع على سكان ~~الدساكر والقرى عند مفاجأتهم بتلك القوات الغريبة العظيمة التي غشيت شواطئهم، وانتشرت في ~~أنحائهم، فأركن بعضهم للهرب إلى داخلية البلاد، وبعضهم ساقوا عيالهم وحملوا أشياءهم الثمينة ~~والتجئوا إلى الصوامع والكنائس، متوهمين أن أماكن كهذه يتهيب حتى العساكر الدخول إليها ما ~~لم يكونوا وثنيين، والبعض الآخر عزموا أن يختبئوا بين الهشيم والعليق حتى تمر عاصفة أولئك ~~الثائرين عليهم. # وظلوا يتقدمون حتى أتوا هضبة قرب البحر فاختارها وليم محلا مؤقتا، فخيم فيها محصنا ~~مستحكما، وكان إلى الغرب منها واد وفي أسفله قرية تدعى هستن لم تكن قبلا ذات شأن وأهمية، ~~ولكن بسبب المعركة الهائلة التي حدثت بالقرب منها بعد وصول وليم ببضعة أيام لا يزال ذكرها ~~حيا للآن، وما أتم وليم نقل الذخائر والمعدات إلى تلك الهضبة - وكان يفرغ من إقامة الحصون ~~والقلاع - حتى بلغته الأخبار بواسطة الرقباء والجواسيس من نحو الشمال أن هارلود قادم عليه ~~بعد أربعة أيام في طليعة مائة ألف مقاتل. # الفصل العاشر # | معركة هستن # لا ريب في أن القارئ يذكر أن أخبار جلوس هارلود على العرش الإنكليزي كانت بلغت وليم أولا ~~بواسطة توستغ أخي هارلود يوم كان يمتحن قوسه وسهامه في روان، وتوستغ هذا كان ألد عدو لأخيه، ~~وكان مدة ملك إدوارد حاكما على شمالي إنكلترا في مقاطعة قاعدتها مدينة بورك، وإذ كان قد ~~جلي عنها خاصم أخاه هارلود وطالبه بحق العود إليها، وكان من نتيجة هذا الخصام أنه طرد من كل ~~البلاد، ms076 فخرج ملتهبا بنار الغيظ وحب الانتقام من أخيه، وعندما جاء ليخبر وليم عن خيانة ~~هارلود لم يكن من قصده فقط إنهاض وليم للعمل، بل أراد أن يعمل هو أيضا، فأخبر وليم أنه ~~ذاته له سلطة في إنكلترا لم تزل من دونها سلطة أخيه، وأنه إذا كان وليم يمده بعمارة صغيرة ~~وبعدد قليل من الرجال يحمل على أخيه ويري وليم شدة بأسه وقوة إقدامه، فأجاب وليم ملتمسه ~~وجهزه بالقوة المطلوبة غير مؤانس ثقة عظيمة باقتداره على تحصيل أدنى نتيجة. # لكنه رأى أن حملة توستغ هذه لربما تحدث بعض الإنذار في إنكلترا، وتمهد طريقا رحبة لسيره ~~وراءه؛ ولهذا لم يرافقه بنفسه، لكنه سيره بتلك القوة وظل هو نفسه في نورماندي يباشر ~~التأهبات التي أتينا على شرحها في الفصل السابق، أما توستغ فلم يتصوب حمله على الشطوط ~~الإنكليزية بدون أن يزيد القوة التي سلحه بها وليم؛ ولهذا اجتاز مضيق دوفر واتجه شمالا ~~ودار نحو شواطئ الأوقيانوس الجرماني الشرقية، ساعيا في التفتيش على مساعدة، حتى جاء ~~أخيرا بلاد نروج وعقد اتفاقا مع ملكها المسمى هارلود أيضا، فهذا الملك كان وحشيا، وقد ~~قضى غابر حياته يجول في البحر غازيا، فتعهد لتوستغ بأنه يشد أزره في هذه الحملة، وعليه سار ~~توستغ راجعا لشواطئ إنكلترا مغادرا ملك نروج يتأهب للحوق به، وكل ذلك حدث في أوائل شهر ~~أيلول حين كان وليم في نورماندي يتأهب بعمارته وجيوشه لمحاربة الملك هارلود الإنكليزي، ~~بينما كان هذا محروما من الوقوف على نبأ حقيقي بهذا الخصوص، سواء كان من نحو الاستعدادات ~~الشمالية أو الجنوبية. # ثم اجتمعت العمارة النرويجية في أحد الثغور وقد أصاب رجالها بداعي اقتراب أيام العواصف ~~والأنواء ما أصاب رجال وليم من الخوف والحذر، وقد رأى بعضهم رؤى وأحلاما تطيروا بها ~~وعدوها شؤما، وعلقوا عليهما خرافات عديدة شأن أهل تلك العصور الذين كانت عندهم سوق ~~الأوهام رائجة، كما يروي لنا مؤرخوها، فمما رآه أحدهم أن العمارة أقلعت وجاءت الشواطئ ~~الإنكليزية، وهناك خرج جيش هارلود للقائها، وفي مقدمه امرأة طويلة القامة ms077 هائلة المنظر ~~ممتطية ظهر ذئب، وفي شدقي هذا الذئب جسد إنسان مضرج بالدم، وكان يلتهمه وهو سائر إلى ~~الأمام، ثم ناولته المرأة فريسة أخرى فابتلعها كالأولى، ومن جملة الأحلام المشئومة الحلم ~~الآتي، وهو أنه بينما كانت العمارة آخذة في الإقلاع رأى بعضهم أسرابا من النسور والطيور ~~الجارحة الجائعة جاءت وحومت على قلع وحبال المواكب كأنها تروم مرافقتها في الحملة، وعلى ~~رأس صخر في الشاطئ انتصب رسم صورة امرأة بوجه عبوس يشف عن الشراسة والضراوة، وفي يدها سيف ~~مسلول، وكانت منهمكة في عد المواكب مشيرة إليها وهي تعدها بسيفها، وكانت تمثل بمنظرها شيطان ~~الخراب والدمار، فدعت الطيور وشجعتها على الإقدام وقالت لها: «اذهبي أيتها الطيور الجوارح ~~بدون خوف؛ فلسوف تصادفين كثيرا من الفرائس وهو ذا أنا ذاهبة معك». # ومعلوم أن هذه الأحلام كانت تنبئ عن موت وهلاك أعدائهم الإنكليز، كما أنها تحمل النبوءة ~~عن موتهم هم أنفسهم، على أن العساكر بسبب ظروفهم الزمنية وبداعي التغيرات الجوية والمخاطر ~~المتنوعة التي أصبحوا محاقين بها كانوا مائلين لإطلاق هذا التشاؤم عليهم، ورد مخاوف تلك ~~الأحلام إليهم، ولكن قائدهم لم يبال باعتباراتهم هذه، بل أقلع وسار مجتازا البحر الجرماني ~~لاحقا بتوستغ ليتخد معه على تخم اسكوتلندا، ومن هناك انطلقا بقواتهما على الشاطئ الجنوبي ~~منتهزين فرصة تسنح فتسمح لهما بالخروج إلى البر، أخيرا أتيا إلى بلدة سكابورو وعولا على ~~الهجوم. # أما سكان تلك البلدة فحاصروا داخل أسوارها، وأغلقوا الأبواب في وجوه المهاجمين واستعدوا ~~للدفاع، وكانت البلدة قائمة في أسفل تلة يحيط بها من أحد الجهات أحدور عال، ويروى أن ~~النرويجيين تسنموا ذروة هذه الأكمة، وهناك جمعوا مقدارا عظيما من الحطب والأغصان ~~والقشور والجذور وغيرها من المواد القابلة الاحتراق، ثم أشعلوها ودحرجوها على المدينة، ~~فانهالت شبه كرة من نار تتقد بلهيب عظيم، وتزداد اضطراما في انحدارها، على أن القارئ ~~اللبيب لا بد من أن يقف هنا مرتابا في صدق رواية كهذه؛ إذ من المستحيل أن كومة كهذه من ~~الوقيد مهما كان حزمها متينا تنحدر على الوجه المذكور، ms078 على أنه لا يبعد أن يتم ذلك بواسطة ~~قطع كبيرة من الحطب تشد بأسلاك حديدية على هيئة أسطوانية أو كروية، وتحشى بمواد قابلة ~~الاحتراق، وتدحرج من أعالي القمم في أحادير، فتبقى منهالة إلى الأسفل. # ولنرجع الآن إلى سرد تتمة الرواية في شأن تدمير هذه المدينة فنقول: إن تلك الطريقة التي ~~انتحاها النرويجيون - على ما مر معنا - نجحت، فاشتعلت المدينة كلها وسلم سكانها لتوستغ ~~وقومه الذين بعدما أكملوا السلب والنهب أقلعوا بمراكبهم، واستأنفوا تطوافهم ... أما نبأ خراب ~~هذه المدينة فبلغ الملك هارلود في لندن في نهاية شهر أيلول وهو مشغول بتوزيع قواته، ~~وتفريقها عن التخوم الجنوبية - كما مر معنا في الفصل السابق - إذ كان قد ترجح عنده أن ~~الحملة النورماندية قد أرجئت إلى الربيع، وإذ ذاك فعوضا عن تفريق جيوشه في مراكزها الشتوية ~~اضطر أن يجمعها ثانية بقدر ما يستطيع من السرعة، ويخرج بهم لدرئه هذا الخطر الجديد الغير ~~المنتظر، وإذ ذاك دخل توستغ وأصحابه نهر همبر، وكان من قصدهم الوصول إلى مدينة يورك قاعدة ~~المقاطعة التي كان يحكمها توستغ سابقا، وكانت قائمة بقرب نهر أوس الذي هو فرع من نهر همبر ~~الذي اجتازوه وجاءوا إلى ثغر أوس، ومنه صعدوا إلى بقعة بقرب مدينة يورك وعسكروا فيها، ثم ~~تقدموا لحصار المدينة فأبدى سكانها بعض الدفاع في الأول، ثم عرضوا التسليم بموجب عهدة ما ~~لبثت أن تقررت في الحال، وكان ذلك نحو المساء، فتعين صباح اليوم التالي لدخول توستغ ورجاله ~~إلى المدينة، وعندها إذ شعروا أن غنيمتهم أصبحت لديهم باردة رجعوا إلى معسكرهم يصرفون ~~ليلتهم بالمسرات والأفراح، ويبيتون على نية تملك المدينة حين يبزغ الصباح. # فحدث في نفس تلك الليلة أن الملك هارلود قدم لتخليص المدينة، وكان يتوقع أنه يشاهد العدو ~~محيطا بها من كل جهة يشدد عليها الحصار، لكنه عند اقترابه لم يصادف ما يحول دون دخوله ~~إليها، بل في الحال فتح له سكانها الأبواب وأدخلوه وكل جيشه بينما توستغ وجميع رجاله ~~النرويجيين كانوا غارقين بسبات النوم، متمتعين بلذة أحلام الفوز ms079 والظفر، غير مشعرين ~~بالانقلاب العظيم الذي طرأ على أحوالهم تلك الليلة، وما عطس أنف الصباح حتى نهض توستغ ينظم ~~فرقة من الرجال تهيئا لامتلاك المدينة، ومع أن الوقت كان في أيلول والطقس باردا وعاصفا ~~حدث أن طلعت شمس ذلك اليوم بمعظم الإشراف واللمعان، وسكنت حركة الهواء وصفا الجو من أكدار ~~الغيوم، وكان كل شيء يدل على الدفء واستحكام الحرارة، وإذ كان دخول توستغ وقومه إلى المدينة ~~مقصودا على طريقة سلمية خلوا من جميع المظاهرات العدوانية، أصدرت الأوامر للعساكر أن ~~يسيروا بدون العدد الحربية، ويتركوا في الخيام كل الأسلحة الثقيلة الباعثة على البطء ~~والتراخي. # وفيما هم يتقدمون بهذه الهيئة المنزهة عن كل اهتمام واحتياط أبصروا أمامهم على الطريق ~~المؤدية إلى المدينة غبارا كثيفا ضاربا في الأرض قبابا، وعاقدا في عنان السماء سحابا، ~~ثم انجلى عن فرقة كبيرة من جيش الملك هارلود خارجة عليهم، وعلى أهبة الإيقاع بهم، فاستولى ~~من جري ذلك العجب والانذهال على توستغ والنرويجيين، وكادوا يسقطون في أيديهم حيرة من رؤية ~~هذا المشهد غير المنتظر، وما لبثوا أن تبينوا بريق الأسلحة وخفوق الرايات، وارتفع بينهم ~~هتاف «العدو العدو» ممتدا إلى كل جهات الجيش، فأحدث في الجميع ذعرا ورعبا، أما توستغ ~~وهارلود النرويجي فأوقفا رجالهما في الحال، ورتباهم على الفور صفوفا متأهبة للاشتباك في ~~القتال، وهكذا فعل الملك هارلود برجاله ثم اخترقهم إلى المقدم، واصطف الجيشان متقابلين ~~متوقعين أول إشارة تبدو لإصلاء نار الحرب، وإدارة رحى الطعن والضرب. # وإذ ذاك طلع من الجيش الإنكليزي عشرون خيالا غارقون بالحديد والفولاذ وحاملون راية ~~الهدنة، هؤلاء جاءوا حتى صاروا على مقربة من صفوف النرويجيين، فطلب المقدم عليهم مواجهة ~~توستغ، وفي اقترابه منه أبلغه أن أخاه لا يشاء محاربته، بل بالعكس يروم أن يعيش معه ~~بالاتحاد والاتفاق، وعليه فهو يعرض عليه السلم إن كان يسلم أسلحته، وله من أخيه لقاء ذلك ~~إرجاع أملاكه السابقة، وأعاد ما كان له من سالف الشرف والاعتبار. # فاستمال هذا البلاغ قلب توستغ، وحدثته نفسه بالرضى «والقبول والنفس خضراء» فأطرق ms080 برهة من ~~الزمان، ثم سأل الرسول عما عينه أخوه من الترضية لصديقه ورفيقه هارلود النرويجي فأجابه: ~~«قد عين له سبع أقدام من أرض إنكلترا قبرا له، وسيكون له أكثر من ذلك قليلا إذا أراد، على ~~ما نرى رجل طويل النجاد» فقال له توستغ: إذا أخبر أخي أن يتهيأ للقتال؛ إذ إنني لست بخائن ~~من قطعت معه عهد الوفاء، ووعدته بالقيام على الولاء في السراء والضراء، فرجع المرسلون بجواب ~~توستغ إلى معسكر الملك هارلود، وقامت بين الفريقين سوق الحرب، ومن المقرر أن بغض الجيش ~~الإنكليزي الشديد كان موجها على الخصوص نحو النرويجيين وملكهم، من وجه أنهم اعتبروا غرباء ~~سائرين ساقتهم القحة والتطفل على الثورة والهجوم بدون داع حقيقي وبغير باعث جوهري. # وبموجب ذلك حدث أنه ما ابتدأ القتال حتى أصيب هارلود النرويجي بسهم في حلقه صرعه على ~~الأرض جديلا، وعندها حاول الملك هارلود بطال الحرب، وسعى جهده بالصلح مع أخيه، فلم يجده ~~ذلك فتيلا؛ لأن توستغ حين أبصر رفيقه مطروحا مضرجا بدمائه احتدم غيظا، وسد أذنيه دون كل ~~وساطة في السلام، واندفع يدير رحى الحرب بملء التحمس والإقدام حتى ورد حتفه وذاق كأس ~~الحمام، وعند ذلك عدم الباقون من رجاله كل نشاط للذود والمدافعة، فسمح لهم الملك هارلود ~~بالانكفاء إلى مراكبهم بشرط تسليم أسلحتهم، فقبلوا باشتراطه هذا ورجعوا أدراجهم إلى سفنهم، ~~ونشروا شرعها وأقلعوا، أما الملك هارلود فإذا كان قد بلغه وصول وليم إلى الشواطئ الجنوبية، ~~وطلوعه إلى البر جمع رجاله، ولم شعث قواته وخرج بهم بين ماش وراكب يلقى هذا العدو ~~الشديد الساعد والعظيم الجانب. # أما جيشه فرغما عما ناله من الظفر والانتصار كان قد أصبح ضعيفا خائر القوى فاقد الجلد ~~والاصطبار، وقد أنضته الأسفار الطوال، وأنهكته مكابدة الأخطار وملاقاة الأهوال، وحط من عالي ~~بسالته ما تخلف منه بين قتلى وجرحى في ساحة القتال؛ حتى إن الملك هارلود نفسه كان قد أصيب ~~بجرح وإن يكن ليس بليغا إلى حد يمنعه عن مداومة القيادة، فجرد من ضعفه قوة، وجدد من ~~خواره ms081 عزما ومروة، وسار قاصدا الجنود بملء الجد والاجتهاد، ناشرا في طريقه العيون ~~والأرصاد، مشددا الإلحاح بالإيعاز إلى جميع قواده في سائر الأنحاء والأصقاع أن يوافوه ~~متأهبين بغاية ما يكون من الإسراع، وكان من قصده هذا أن يخف بعدده وعدده، ويفاجئ وليم على ~~التخوم الجنوبية قبلما يضرب فيها الحصون والقلاع، وترسخ له هنالك قدم النضال والدفاع، أما ~~وليم فلكي يأمن طوارئ المباغتة، ويسلم من بوائق المفاجأة، سير رقباء من فرسانه يجوسون ~~خلال الطرق، ويتجسسون معابر السبل يتنسمون أنباء العدو، ويستروحون حركات قدومه، ويرجعون ~~إلى وليم بالخبر. # فحدث أن سعاة هارلود المتقدمين أمامه لقوا رقباء وليم وأبصروهم حالما أمعنوا في الجري ~~راجعين إلى المعسكر مخطرين منذرين، فأخفق سعي هارلود في مباغتة وليم، وزاد بلة يأسه طينة أن ~~وجد في اقترابه أن قوات وليم تعادل ضعفي قواته، وكان من الخرق أن يخاطر في مهاجمة عدو كهذا ~~متمنع في حصونه، متقو بكثرة عدده ووفرة ذخائره وقواته، فلم يبق لديه سوى واحد من اثنين، ~~أي إما أن يتقهقر راجعا، أو يتخذ له مركزا حصينا لعله يقوى على صد المهاجمين ورد جماح ~~الثائرين وإن كان على مفاتحتهم ليس من القادرين. # فنصح له بعض مستشاريه أن لا يعرض نفسه لأخطار القتال، بل يقفل راجعا إلى لندن جارفا ~~بطريقه أو مدمرا كل ما يراه يمد جيش وليم بأقل مساعدة، وبذلك يضيق على الأعداء ويشدد ~~حاجتهم إلى الزاد، على حين يستحيل عليهم سدها وتناولها من عبر البوغاز، فضلا عن أنه يضطر ~~وليم إلى غزو كل هاتيك الأطراف، فيستاء الأهلون مما يسومهم إياه وليم من الخسف والحيف ~~والهون، ويندفعون للقيام عليه، ويتحدون يدا واحدة وقلبا واحدا عضد هارلود والانضمام ~~إليه، أما هارلود فبعدما أصغى مليا إلى هذه المشورة وتدبرها قال: إنه لا يقدر أن يعقد ~~نيته على العمل بموجبها؛ إذ لا يسعه مخالفة واجباته في خراب بلاد من أكبر فروضه صيانتها ~~ووقايتها، ولا يرى له حقا في رغم رعاياه على شد أزره بواسطة تعريضهم للرزايا والنكبات من ~~عدو جائر قاس، ms082 فيعدل على الوقوف في وجه وليم ليس كمهاجم مزاحم بل كمدافع ممانع، وعلى هذا ~~انتقى بقعة تبعد ستة أو سبعة أميال عن معسكر وليم وخيم فيها متحصنا متمنعا. # ومعلوم أن كلا الجيشين لم يكن مطلا على الآخر، ولا كان واحد منهما واقفا على عدد أو ~~مقاصد أو حركات الآخر، وكانت المسافة بينهما بعيدة، والسكان هنالك عرضة الرعب وإيجاس الخوف ~~الشديد، ولم يكن أحد يعلم عند أية نقطة تلتقي سحابتا ذلك الخطر والهول اللتين كانتا على وشك ~~الاصطدام، وعلى أية مقاطعة سوف تخيم عاصفة الخراب والدمار عند اقتراب ساعة اصطدام تينك ~~السحابتين؛ ولهذا كنت ترى الأهلين مركنين إلى الفرار من كل صوب، محمولين برياح الهلع والرعب ~~اللذين لا مزيد عليهما، وحاملين معهم الطاعنين في السن والعاجزين عن الهرب جهد الاستطاعة، ~~وناقلين أيضا ما وسعتهم المقدرة من الكنوز والحلي، ومخفين في الكهوف والمغاير ما لم ~~يستطيعوا إلى أخذه سبيلا، وهكذا كان شأن سكان الأرض بين ذينك المعسكرين، حتى لم تمض مدة ~~وجيرة إلا نفروا متشتتين «وأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم» خالية خاوية، وكان لهارلود بين قواد ~~جيشه أخوان؛ أحدهما يدعى غرث والآخر ليوفن، هذان كانا أشد حبا وإخلاصا لأخيهما الملك من ~~توستغ الذي سبق معنا إيراد ما كان عليه من الحقد والبغض له، فالتصقا به وعملا على مودته، ~~وأظهرا نهاية الحرص والاعتناء بسائر شئونه حين دنت منه ساعة الخطر، وشددت ضغطة الهول وطأتها ~~على حياته، وهما هما اللذان أشارا عليه بالانسحاب إلى لندن وعدم تعريض حياته ومملكته لأخطار ~~حرب لا تحمد عواقبها، ولا يرجى له فيها فوز واستظهار. # فلما أتم هارلود تحصين مركزه أعلن لأخيه غرث رغبته في الركوب معه نحو معسكر وليم رائدا ~~مستكشفا، وقد كان استكشاف كهذا في تلك الأيام أقل خطرا منه في وقتنا الحاضر؛ لأن تجسسا ~~كهذا لا يصعب على العدو في هذه الأيام أن يرقبه بواسطة المراقب (النظارات) من مسافة بعيدة، ~~ويطلق على المتجسسين قنابل مدافع تنهال عليهم انهيال المطر، وتنفجر بينهم بكرات نار لا تبقي ~~ولا ms083 تذر، فكان الخطر حينئذ محصورا بافتراض مطاردتهم من المعسكر بطليعة من الفرسان، أو ~~إحاطتهم بكمين لم تكن مفاجأته في الحسبان. # وتفاديا من هذا الخطر امتطى هارلود وغرث أكرم الجياد وأشدها صبرا على الجري السريع، ~~واختارا نخبة من الرجال الأشداء الأقوياء لحراستهما، وسارا حتى وصلا خيام وليم، وهناك تسنى ~~لهما بواسطة ذروة صعدا إليها أن يستطلعا طلع كل المعسكر، ويسبرا غور ما لدى وليم من القوات ~~والتجهيزات، ولم تفتهما رؤية شيء من السرادقات والخيام والحصون والعساكر والقواد والضباط ~~والفرسان، وأبصرا الفسطاط العظيم المضروب لوليم وعليه راية الصليب المقدسة تخفق بملء اليمن ~~والبركة، وترف بأجنحة النصر والظفر، حتى استولى على هارلود الانذهال من عظمة ما رأى ~~ونظر. # وبعدما صرفا برهة من الزمان غارقين في بحر التأمل والإمعان وهما صامتان لا يفوهان ببنت ~~شفة قال هارلود لغرث: إنه يرى من الحكمة بعدما نظرا هذه القوات التي لا تقاوم أن يعدل عن ~~القتال، ويتبع مشورة القائلين بالرجوع إلى لندن في الحال؛ ذلك خير وأبقى، فأجابه غرث أن: ~~«في الصيف ضيعت اللبن» وأما الآن فلم تعد تلك المشورة تفيد من وجه أنها تقضي بتقويض الخيام ~~وهدم المعاقل، وهذا قد يفسر عند جميع الذين يسمعون به أننا متقهقرون خوفا وعجزا ~~واسترخاء، لا رواغا واحتيالا ودهاء، وبعدما فرغا من المداولة بهذا الشأن رجعا وحاميتهما ~~إلى الخيام ونية هارلود معقودة على الثبات في وجه العدو ما استطاع إلى الثبات سبيلا، حتى ~~يتمكن من دحر وليم ورده على الأعقاب، أو يقضي الله أمرا كان مفعولا. # وعليه عاد وأنفذ بعض السعاة للتجسس والمراقبة، وكانوا نورمانديي المولد يحسنون التكلم ~~بالفرنسية وقد جاءوا إنكلترا مع كثيرين غيرهم من النورمانديين على أيام الملك إدوارد، ومن ~~ثم استطاعوا بكل سهولة أن يخفوا أمرهم ويمتزجوا بقوم وليم بدون خوف وقوع شبهة عليهم، أو ~~حصول أدنى اشتباه بهم، وتمكنوا من فحص كل شيء بتدقيق، ثم قفلوا راجعين إلى هارلود بأنباء ما ~~رأوا وسمعوا، فقرروا عن شدة هول مصادمة جيوش وليم بحرارة، ومرارة الصبر على الثبات أمام ms084 ~~أبطاله الكرارة. # وكان في جيش وليم فرقة كبيرة من رماة السهام الذين اصطلحوا على قص الشعور وحلق الرءوس ~~والخروج بهيئة بعثت أولئك السعاة على أن يظنوهم كهنة، وعليه أبلغوا هارلود في رجوعهم أنهم ~~رأوا في معسكر وليم الكهنة والأراخنة أكثر من رجال الحرب وعساكر القتال، وحدث أيضا في نفس ~~ذلك اليوم أن وليم بعث بعدد من الفرسان إلى معسكر هارلود، وليس كجواسيس بل كسفراء للمباحثة ~~بشأن الصلح؛ لأنه لم يكن يشأ إصلاء نار الحرب إذا أمكنه الحصول على ما كان يعتقد أنه ملكه ~~الحقيقي بطريقة ساعية، فعول على تجربة الوسيلة الأخيرة في حمل هارلود على الرضى والتسليم ~~قبل الوصول إلى حد يقضي بإشهار السلاح، وشهود ساحات الطعن والكفاح. # وبناء عليه أرسل سفراءه يطرحون أمام الملك ثلاث قضايا، وقد وكلت قيادة هذه السفارة إلى ~~راهب يدعى ميفورت، فتقدم هذا محفوفا بالحرس نحو خيام هارلود رافعا بيده راية الهدنة، ~~وعارضا القضايا الثلاث الآتية التي يتوقف تجنب القتال على قبول هارلود بواحدة منهن: # أولا: # على الملك هارلود أن يسلم وليم العرش كما حلف له على العظام المقدسة في ~~نورماندي. # ثانيا: # أو أن يتفق هارلود ووليم كلاهما على طرح مسألة الخلاف بينهما أمام قداسة ~~البابا، ويرضخا لحكمه العدل وقوله الفصل. # ثالثا: # أو أن يحل المشكل بعراك انفرادي يتبارز فيه المتزاحمان إلى العرش ~~الإنكليزي أمام نخبة من الجيشين، ومن البديهي أن هارلود كان لا يرضى ولا ~~بواحدة منها؛ لأن الأولى كانت تقضي بتخلي هارلود وتخلفه عن كل شيء، ~~والثانية ترتب عليه قبول حكم لا بد من صدوره ضده؛ لأن البابا كان قد حق ~~دعوى وليم كما سبق معنا، ولا يلبث الآن أن يحكم له بها، ومن البعيد أنه ~~ينقض حكمه الأول، والثالثة تعرضه لخطر اندحار لا يسعه تلافيه، وانخذال فيه ~~من الذلة والهول ما فيه؛ لأنه كان رجلا ضعيف البنية نحيف الجسم قليل القوة ~~بعكس وليم، فإنه كان مشهورا بعظم جثته وشدة قوة عضلاته. # نعم إن المبارزة الشخصية بالأسلحة النارية في الوقت الحاضر لا مزية ms085 فيها ~~لاشتداد السواعد وقوة الأعضاء، وأما في ذلك العهد الغابر حين كانت ~~المبارزات تقضى بالفئوس والحراب والسيوف والرماح، فكانت حاجة هذه القوى ~~شديدة، واعتبارها عظيما جدا، والخلاصة أن هارلود رفض قبول كل من هاتيك ~~القضايا ، ورجع الراهب إلى وليم بالإفادة، على أن وليم لم يقنط من حبوط ~~مسعاه في المصالحة، بل أرسل مرة ثانية يعرض على هارلود قضية رابعة مفادها: ~~أنه إذ كان هارلود يعتبر وليم ملك إنكلترا، أو يعترف بسيادته عليها يسلم ~~البلاد لعهدته وعهدة أخيه غرث ليحكما عليها تحت سلطانه المطلق، ويرجع إلى ~~نورماندي ويجعل مدينة روان التي قاعدة إمارة الآن عاصمة كل المملكة المتحدة ~~ما شاء الله من الزمان، فأجاب هارلود: إنه ليس بقادر في أية حالة كانت أن ~~يتنازل عن حقوقه كملك إنكلترا، وعليه فهو يأبى قبول هذه القضية أيضا، وزاد ~~على ذلك قوله: إنه يود من كل قلبه حسم هذه المشاكل بدفع المال، بمعنى أنه ~~إذا كان وليم يعدل عن حملته ويرجع إلى نورماندي مقفلا مطاليبه بشأن العرش ~~الإنكليزي، فهو يدفع له قدر ما يشاء من الأموال. # على أن ذلك لم يقع عند وليم موقع الرضى والاستحسان؛ لأنه كان في اعتقاد ~~نفسه الوارث الحقيقي لملك إنكلترا، فضلا عن أن بواعث عزة النفس والشهامة ~~كانت تدفعه إلى الإصرار على طلب هذه الحقوق المقدسة في عينيه، وقد انقضى ~~ذلك النهار بطوله وذهبت في كل هاتيك المداولات بشأن الصلح عبثا، ولما أرخى ~~الليل سدوله طفقت ضباط وليم ومستشاروه يتضايقون من ثقل التأخر، ويتذمرون من ~~طول شقة الإبطاء، فأخطروا أميرهم وليم بسوء عقبى هذه المماطلات من وجه أن ~~كل ساعة تفسح بها من أجل القتال تمهد لهارلود الحصول على قوات جديدة، بينما ~~هم أنفسهم لا ينتفعون منها بشيء، وعليه فانتصارهم يضعف تحققه كلما طالت مدة ~~تأخر الحرب؛ ولأجل ذلك وعدهم وليم بالحمل على الملك هارلود في معسكره في ~~فلق صباح اليوم التالي. # وإذ كان وقت المعركة الأخيرة الهائلة على الأبواب علقت أفكار هارلود ~~تضطرب أكثر فأكثر، وتتشوش بتوقع المخاوف ms086 والأهوال، حتى إن أخويه أنفسهما ~~قلقا لهذه الأحوال، وكان يزيديهما بلبالا تذكرهما القسم الذي أقسم به ~~هارلود، وتلك البقايا المقدسة التي تشهد عليه، وتمكن فعله وتأثيره، ولم ~~يكونا متحققين قيام عذر أخيهما بإتمامه القسم على طريقة الاضطرار، وأنه ~~يبرئه من طائلة الجريمة واللعنة في الموقف الأخير، فارتأيا قبل خوض معمعة ~~القتال أن يتنحى هارلود عن القيادة ليتقلداها هما، ثم قالا له: «لا يسعنا ~~أن ننكر أنك حلفت اليمين، وبغض النظر عن الظروف والأحوال التي اضطرتك أن ~~تفعل هذا، نرى الأصوب أنك تتنكب بقدر الإمكان تعمد الحنث بما أقسمت، ~~والأولى أنك تغادر الجيش وتمضي إلى لندن، وهناك تقدر أن تقوم بصيانة ~~المملكة بتجهيز قوات جديدة، ونحن هنا ننوب عنك في مباشرة القتال، وبهذا ~~نصرف عنا غضب الله إذ نكون قائمين بواجب الدفاع عن الوطن في وجه عدو غريب ~~مهاجم» أما هو فلم يوافقهما على رأيهما هذا بل قال لهما: إن قلبه لا يطاوعه ~~على التنحي في ساعة دنو الخطر، ولا يراه لائقا بشهامته أن يتركهما وجميع ~~أصدقائه عرضة لويلات حرب يكابدونها لأجل وقاية تاجه الملوكي، وعلى هذا ~~النحو كنت ترى الجيشين في تلك الليلة قبل القتال، ولا ريب في أن أفكار رجال ~~هارلود في ظروف كهذه كانت مغشاة بظلام اليأس والقنوط، بينما كانت قلوب رجال ~~وليم ملأى فرحا ونشاطا. # فلزم هارلود شأن غيره من الناس في هاته الحال أن يخفف حمل الاضطراب الذي ~~تثقل به قلبه، وانضغطت به نفوس رجاله بواسطة الولائم والمسكرات، فأمر ~~بإعداد عشاء فاخر، وأمد عساكره بكثير من المشروبات. ويروى أن كل معسكره ~~آناء تلك الليلة كان يمثل مشهدا طويلا عريضا للسكر والبطر، بحيث كانت ~~العساكر متألبة جموعا جموعا في كل ناحية حول نيران الخيام، بين قعود ~~وقيام، هرج وخصام، وإنشاء أغان وطنية، ومقاطيع حماسية همجية، وإنشاد مراقص ~~بربرية، منقادين للانبعاث فيما كان تدعوهم نشوة الخمر إليه، وتبعثهم سورة ~~البيرة عليه، أما معسكر وليم فكان يشاهد على هيئة تختلف عن هيئة معسكر ~~هارلود كل الاختلاف، فإن جميع الكهنة ms087 وسائر خدمة الدين الذين فيه أحيوا تلك ~~الليلة بإقامة الصلوات، وتقديم التضرعات والابتهالات، وإنشاء التراتيل ~~المختارة والترانيم المستجادة، والإتيان على جميع شعائر السجود وفروض ~~العبادة، وذلك بمساعدة العساكر الذين اجتمعوا جماهير في فسحات الخيام وحول ~~نيران المعسكر، ثم طلبوا الراحة في مضاجعهم مشعرين بإضافة التحقيق والضمان ~~لنجاح عملهم في الغد بواسطة تعبدهم لله الذي استودعوه نفوسهم وأجسادهم، ~~ووكلوا إليه صيانتهم وحمايتهم، وكان أول عمل أجروه في الصباح أنهم اجتمعوا ~~للاحتفال في قداس عظيم. # ومن الغريب أن تمزج الفرائض الدينية أو بالحري المظاهر التقشفية بروح ~~الغزو والنهب، وحب القتال والحرب، فكان الأسقف الذي قام صباحئذ في خدمة ~~ذلك القداس لابسا عدة الحرب تحت حلته الكهنوتية، والشماس القائم بجانبه ~~عند تقديم الصلاة مشرعا في يده حربة فولاذية على أهبة المسير إلى ساحة ~~الوغى حين انتهاء الخدمة، وعندها خلع الأسقف حلة الكهانة، واعتقل آلة ~~الجلاد، وامتطى جواده الذي كان مسرجا بجانبه، واستلم قيادة فرقة من ~~الفرسان، وتأهب للحرب والطعان، ثم علا وليم جوادا كريما إسبانيا يدعى ~~بايارد كان قد أهدي إليه من أحد أمرائه، وكان معلقا بعنق وليم بعض العظام ~~المقدسة التي حلف عليه هارلود يمينه الكاذبة، معتقدا أنها تكون له عوذة ~~تقي حياته، وتحقق قضاء الله العادل القادر على هارلود الخائن والغادر، ~~ورفعت بجانبه الراية المقدسة التي أهداه إياها البابا بواسطة جندي شاب، ~~وكان قد عهد حملها إلى جندي آخر أكبر منه سنا فاعتذر بقوله: إنه يود ~~استبدال هذه الخدمة في مثل هذا اليوم بالسيف والرمح. # وفي أثناء هذه الاستعدادات للخروج إلى القتال وقف وليم محاطا بحاميته على هضبة وسط ~~المعسكر، وعلى مرأى من جميع الجيوش، فأخذوا كلهم ببديع هيئته وضخامة جثته، وسعة صدره ~~المصفح بالفولاذ، وهيبة جواده الذي كان كراكبه معتزا بمظاهر الهيبة والوقار، مختالا ~~بباهر المباهاة والافتخار، ومتشوقا لخوض مضمار الوغى بفروغ الاصطبار، ولما انقضت ساعة ~~التأهب والاستعداد سالت تلك الأرجاء بجيوش النورماندية الزاحفة بمجلى الأبهة والمجد نحو ~~الصفوف الإنكليزية، على أن تلك المجالي العظيمة ما لبثت أن توارت تحت ms088 أطباق الجماهير ~~المقذفة للهيجاء، والتي استفحلت فيها يد الحتوف مدة عشر ساعات، صرفت بتسليم نفوس أولئك ~~الألوف لأحكام القضاء، واندفاعها لساحة قامت فيها الحرب على قدم وساق، وراجت سوق القتل ~~والإعدام، فأصابت بضاعة الأرواح أي نفاد ونفاق، وانتزعت الرحمة من الأفئدة، وامحت رسوم ~~الرفق والتوءدة، وهجرت الدماء مرابع الشرايين والأوردة. # وظل ذلك النهار مسدودة فيه منافس الأقطار حتى أمسى المساء وإذا بالنورمانديين ظافرون ~~منتصرون، والإنكليز مغلوبون مقهورون، فاستظهرت عساكر وليم وجالت في ساحة القتال ذهابا ~~وإيابا بالطول والعرض، وخيولها تدوس الذين انطرحوا من رجال هارلود قتلى، وقد غشيت جثثهم ~~وجه كل تلك الأرض، والذين نجوا من حد السيف نكصوا على أعقابهم متسابقين نحو الشمال، وقد ~~امتلأت الطرق على طولها بالذين سقطوا فيها صرعى، إما من فرط الإعياء أو من كثرة ما نزفته ~~جراحهم من الدماء. # وفي الصباح جمع وليم عساكره، وتفقد قواده وضباطه وجنوده بأسمائهم؛ ليرى من ذهب منهم ~~فقيدا، وعندها قدم عليه راهبان مرسلان من قبل الباقين من جيش هارلود يقولان له: إن الملك ~~هارلود مفقود، وقد شاع الخبر بأنه قتل، فإن صح ذلك فلا بد أن تكون جثته مطروحة في ساحة ~~القتال؛ ولذا قد أتيا لكي يلتمسا منه إجازة التفتيش عليها، فأجاب وليم طلبهما، وانطلقا ~~يفتشان عليها ويبحثان عنها بمساعدة بعض العساكر. # وقد تراءى للمفتشين مدة أن البحث عن هارلود بين القتلى لا يجديهم نفعا، ولا يأتيهم ~~بفائدة من قبيل أن وجوه جميع الموتى هنالك كانت قد تغيرت هيئاتها، واستحالت كلها إلى مظاهر ~~متشابهة يعسر التمييز بينها، أخيرا عثرت على جثة هارلود امرأة عاشت في بيته زمانا طويلا، ~~وعرفته أكثر من غيرها، فدلت المفتشين عليها، وهؤلاء حملوها وانصرفوا، وهكذا انتهت معركة ~~هستن، وبانتهائها انفرجت الأزمة المتعلقة بالعرش الإنكليزي، فإنه وإن يكن عقبها مظاهرات ~~عدوانية من قبل بعض أصحاب هارلود وأتباع إدغرث الذين حاولوا تخليص العرش، فقد ذهبت جميعها ~~قبض الريح، ومن ثم زحف وليم على لندن وتحصن فيها، ثم حمل منها على سائر الجهات التي استروح ~~فيها الثورة ms089 والعصيان حتى دوخ كل أطراف البلاد، وأدرك من إخضاع سائر أطراف الجزيرة المراد، ~~وجرى الاحتفال بتتويجه في دير وستمنستر بغاية الإجلال والاحتفاء. # ثم أرسل ودعا متيلدا ولقبها ملكة إنكلترا، واغتصب جميع من وقف في طريقه من أشراف ~~إنكلترا أموالهم وأملاكهم، وقسمها بين القواد النورمانديين الذين ظافروه في هذه الحملة بكل ~~اعتناء، وأبلوا في ساحات الحرب أحسن الإبلاء، وبعدها صفت له الأيام، وبسم له الدهر عن ثغر ~~السعد والتوفيق، فعلت مكانته وعظمته في عيون جميع أهل نورماندي وإنكلترا، وظل على سنين ~~معتبرا ومعدودا أعظم ملوك الأرض في ذلك العهد وأغناها، وأما سعادته العائلية وراحته ~~الشخصية فسوف يأتي البحث عنهما في الفصل الآتي. # الفصل الحادي عشر # | عصيان البرنس روبرت # إن أهل الطمع والحرص على الشهرة العالمية الذين يقفون حياتهم ويصرفون عنايتهم في ربيع ~~العمر نحو تحصيل المطامع الشخصية ونيل الأماني الذاتية، قلما يبالون بسياسة أولادهم ~~وتهذيبهم؛ ولذلك كثيرا ما تقضى سنوهم الأخيرة بمرارة وعذاب منشؤهما تطوح بنيهم في ~~الرذائل، وانبعاثهم في التبذير والإسراف واتباعهم الشهوات، وسيرهم وراء كل مفسدات الأخلاق، ~~وهكذا حدث لوليم، فإنه ما تنفس من إخضاع أعدائه وتسنمه عرش السيادة المطلقة على كلتا ~~مملكته في إنكلترا وإمارته في نورماندي حتى شاب كأس سلامه وسعادته وتشوش نظام ملكه بكدر ~~خصام عائلي. # فإنه كان اسم ابنه الأكبر روبرت، وعمره حين حمل أبوه على إنكلترا أربع عشرة سنة، وكان إذ ~~ذاك غاية في الرعونة والطياشة؛ لأن أمه أحبته وأعزته إلى درجة لم تبق فيها على تفنيق أو ~~تدليه إلا بذلته له، ويذكر القارئ أن وليم قبلما أقلع بعمارته إلى إنكلترا قلد متيلدا نيابة ~~الحكم، وخولها السلطة على إمارة نورماندي مدة غيابه، فأشرك هذا الصبي في النيابة مع ~~والدته، وصار يعتبر نفسه أنه بلا شك أهم منها في المركز والوظيفة. # وبالاختصار نقول: إنه بينما كان وليم يجد في إنكلترا بمطاردة أعدائه كان روبرت في ~~نورماندي يشب على الصلف والبطالة، ويرد الرذائل لا يترك في كأسها أدنى ثمالة، وكان أبوه ~~كثيرا ما يشتبك معه في ms090 تردده من إنكلترا على نورماندي في منازعات ومخاصمات كانت متيلدا في ~~كلها تتصحب للابن، وكان ابن وليم الثاني المسمى وليم روفوس يغار من أخيه الأكبر، ويغتاظ من ~~سلوكه، ولا يصبر على عجبه وكبريائه، ويميل إلى جانب أبيه في هذه القلاقل العائلية، فكان ~~فظا شرس الخلق كأخيه غير أنه لم يكن مثله منعما، وبالنتيجة كان مالكا روحه وحاكما ~~على نفسه، وعالما كيف يروض الأمور، ويرود مداخل الأحوال وخارجها، ويخفي في حضرة أبيه ما ~~عنده من العواطف والانفعالات، وكان لهما أخ ثالث أوطأ منهما جانبا، وألين عريكة، وأسهل ~~مراسا، فكان يعتزل المداخلة ويلزم جانب الحيادة في الخصام ما لم يبعثه على ذلك مكرها أخوه ~~وليم روفوس؛ لأنه كان صديقه ورفيقه حتى إن روبرت كان يعده له عدوا. # وبالحقيقة إن الجميع ما عدا متيلدا كانوا ضد روبرت الذي كان ينظر إلى إخوته الأصاغر بعين ~~العجب والسيادة، شأن كل ابن أكبر يرى نفسه وليا ووارثا لبيت عامر بالعظمة، وآهل بالغنى، ~~وأبوه الملك عوضا عن كبح جماحه واستئصال جراثيم الكبرياء منه تارة بواسطة الحنو والرقة ~~وأخرى بواسطة إظهار السيادة الوالدية - كان يزيده نكاية وغيظا بسلقه بتوبيخ حاد صارم، ~~وكان يلقبه في أثناء هذه التأنيبات الهزلية ب «حذاء القصير» نظرا لقصر قامته، وإذ كان ~~روبرت قد بلغ رشده كان يشق عليه ويكسر قلبه أن يسمع أباه يلقبه لقبا مهينا كهذا، ويوغر ~~صدره حقدا وحب انتقام. # وفضلا عما ذكر كان لديه أسباب أخر للتشكي من أبيه أعظم شأنا وأجل اعتبارا، فإن أباه ~~كان قد خطب له وهو بعد طفل حسب عادة الأيام ابنه أحد الأمراء المجاورين، ووريثته الوحيدة، ~~وكانت طفلة نظيره، واسمها مرغريتا، والمقاطعة المعدة لها ميراثا كانت ماين، وهي بلاد غاية ~~في جودة التربة والخصب والغنى على متاخمة نورماندي، وكان من شروط الخطبة أن تسلم أملاك ~~الخطيبة الصغيرة لأبي الخطيب، وهذا يظل قائما في نظارتها والوكالة عليها حتى يبلغ الخطيب ~~أشده، وتزف إليه العروس، وبالحقيقة إن امتلاك مقاطعة كهذه كان الباعث الوحيد الذي حدا وليم ~~على ms091 القبول بمثل هذه الخطبة. # فإن صح أن هذه كانت بغية وليم فقد جرت التقادير على أكثر من مرامه وأعظم من انتظاره؛ لأن ~~تلك الوريثة الصغيرة ما لبثت أن توفيت بعد أن تسلم حموها أملاكها، ولم يكن حينئذ من ~~يستردها منه، فبقيت في حوزته حتى أدرك ابنه العريس سن الرشاد، وإذ ذاك طلبها من أبيه مدعيا ~~أنها له، فأبى وليم تسليمها بحجة أن ما حدث بين ابنه في طفوليته ومرغريتا لم يكن زواجا ~~بل خطبة - عربون قران في المستقبل يعقد عند بلوغ العروسين سن الزواج الشرعي - وإذ قد حال ~~موت مرغريتا دون إتمام هذا القران، فروبرت لم يكن زوجها، وبالنتيجة لا يسوغ له طلب حقوق ~~زوج، بل ينبغي أن تبقى الأراضي في يدي وصيها، ومهما يكن من الحقوق التي يدعيها ورثة ~~مرغريتا، فواضح أن ابنه ليس له شيء من ذلك. # وهب أن هذا الاحتجاج كان مقنعا وسديدا في عيني وليم، فروبرت لم يعده سوى ضرب من ~~المماحكة والتعنت والنكاية، وحسبه جورا وخسفا من أبيه الذي لم يقنع بما لديه من الأملاك ~~والمقتنيات حتى طمع في سلب ما لابنه، وكانت أمه متيلدا من رأيه في هذا، أما وليم روفوس ~~وهنري فلم يباليا بالمسألة من وجه حقانيتها أو بطلانها، بل سرا بنتيجتها وابتهجا برؤية ~~أخيهما يلتهب حنقا ويتميز غيظا من جراء فشله في محاولة امتلاك تلك المقاطعة. # وكان لخصام روبرت مع أبيه داع آخر لا يقل عما ذكر شأنا وأهمية، وهو أن وليم - كما سبق ~~معنا - كان قبل حمله على إنكلترا قد أقام متيلدا وروبرت نائبين عنه في الحكم مدة غيابه، ~~ففي بداءة الأمر كان روبرت بعد صغيرا فكان مرجع الحكم في كل القضايا لوالدته، وعندما أخذ ~~يشب وينمو طفق يتظاهر بالنفوذ والسطوة، وإذ كان أليف الطمع وحب الذات، وعزيزا عند والدته؛ ~~تمكن شيئا فشيئا من حصر القوة والسيادة في يده، وقد مر على وليم منذ بارح نورماندي ثماني ~~سنوات قبلما استطاع أن يمكن سلطانه في إنكلترا، ويوطد سيادته عليها على دعائم الرسوخ ms092 ~~والثبات، وعند خروجه من نورماندي فارق روبرت صبيا في سن الرابعة عشرة عديم القوة والنفوذ ~~بالكلية، وإن كان عندئذ في غاية الشكاسة والطياشة، وفي رجوعه من إنكلترا وجده رجلا ابن ~~اثنتين وعشرين سنة، وأشد شكاسة وطياشة، وفوق ذلك رآه قابضا على زمام السلطة والنفوذ، وغير ~~راض في التنحي عن الحكم وتسليمه له. # وبالواقع أبى أن يتخلى لأبيه عن إدارة السيادة في نورماندي محتجا أن أباه كثيرا ما ~~وعده بهذه الإمارة عندما يبلغ طور الشباب، والآن فهو يطلب منه إنجاز وعده، ثم زاد على ذلك ~~قوله: أن هذه الإمارة لم تعد ذات شأن عظيم في عيني أبيه الذي أصبح الآن ملك إنكلترا، ولبس ~~في بقائها تحت سلطانه ما يزيده شهرة وعظمة، فيمكنه - إن أراد - أن يمنحها لابنه بدون ~~تكبده خسارة عظيمة في ذلك، على أن وليم لم يحتفل بكل هذه التمحلات، ولا وافق على أنه وعده ~~بإمارة نورماندي، ومن جهة منحه إياها فهو لا يصوب سياسة الرجل الذي يسلم قوته أو أملاكه ~~لأولاده قبلما يكونون قد استحقوا ذلك كوارثين له بعد موته، ومن ثم فلا يفعل ذلك مطلقا، ولم ~~يكن قط ليفتكر «بخلع ثيابه قبل ساعة نومه». # وكان شر الاستياء والغيظ يزداد بفعل هذه المعاكسات، وخطبهما يتفاقم يوما بعد يوم، لكنه ~~بقي مدة سريا بيتيا لا تتجاوز أنباؤه أبواب القصر، على أنه حدث بعد ذلك ما رفع عنه ~~الخفاء، وهتك حجاب كتمانه، فاستحالت المخاصمة العائلية السرية إلى منازعة علنية جهارية، ~~وتفصيل ذلك ما يأتي: # خرج وليم سنة 1076 بعائلته ورجال حكومته إلى إحدى قلاعه في نورماندي المدعوة ليغل ~~(النسر)؛ ليقضي فيها فضلا من السنة، ففي ذات يوم كان ابنه وليم روفوس وأخوه هنري في إحدى ~~غرف الطابق العلوي من القلعة يلعبان بالنرد، ويأخذان بأطراف التسلية والمنادمة مع نخبة من ~~شبان الحكومة بألعاب مختلفة، وكان لتلك الغرفة شباك يقود إلى شرفة أمامه يطل منها على دار ~~الحكومة في أسفل القلعة، فروبرت كان في فسحة تلك الدار مع نفر من أتباعه يتمشى مدفوعا ms093 ~~بفواعل الغيظ الناشئة عن بعض مخاصمات سابقة مع أخويه، فأطل وليم روفوس من الشرفة ~~ورآه. # فحاول إضرام جمرة غيظه بأن صب عليه قليلا من الماء، وذلك بعث بروبرت على أن ينشط من عقال ~~الغيظ الساكن، ويهب من ضجعة الحرد الهادئ الداخلي إلى هيجان وحب انتقام لا ينقصهما شيء من ~~مظاهر الجنون، فجرد حسامه ووثب نحو درج طبقة العليا وهو يقذف بالشتائم واللعنات المخيفة، ~~ويتوعد من ارتكب هذا الفعل المهين بالقتل ولو كان أخاه، وعندها أصدي جو تلك الدار بالصياح ~~والصراخ، وعلت فيها أصوات الصخب والضوضاء، وتزاحمت إلى ساحتها أقدام المتراكضين، واختلطت ~~فيها إشارات المنذرين بالويل والثبور، وأخذ كل يهرول صاعدا نحو الغرفة التي صب الماء من ~~شرفتها بعضهم لمجرد المشاهدة، والبعض الآخر لملاقاة الشر ومداركة تفاقم الخطب، واتفق أن ~~الملك ذاته كان أوانئذ في القلعة فخف مسرعا إلى الغرفة؛ ليحول دون منازعة بنيه، ويصدهم عن ~~ارتكاب هذا الإثم العظيم، وكان ذلك كما رآه هو نفسه غاية في الصعوبة يتطلب بذل كل سلطته ~~الأبوية وسيادته الوالدية، على أنه أخيرا تمكن بواسطة مساعدة الحضور من الفصل بين ~~المتخاصمين، وإخراج روبرت منقطع الأنفاس منهوك القوى من شدة الغيظ والغضب إلى خارج. # أما روبرت فاعتبر أباه ضدا له في هذه المخاصمة، وصرح علانية بأنه لم يعد في طاقته أن ~~يصبر بعد على هذه المعاملة الجائرة، وقد آنس شيئا من ميل والدته نحوه، فذهب إليها متظلما ~~متشكيا، وهي قاسمته الكدر وشاركته في مصابه، واجتهدت في أن تصب زيتا على أمواج غيظه ~~المتلاطمة، أما هو فلم يقتنع بضروب هذه المجاملة، بل قضى غابر ذلك النهار ومساءه في إغراء ~~فريق من الشبان الشرفاء الطائشين العاطلين من حلي التهذيب والآداب على شق عصا الطاعة لأبيه، ~~واغتصابه إمارة نورماندي عنوة، فأجابوه إلى ذلك وأجمعوا سرا على إخفاء مقاصدهم وكتمانها، ~~وعولوا تلك الليلة على مغادرة القلعة والخروج على مدينة روان العاصمة ومحاصرتها، وعليه فما ~~انتصف الليل حتى امتطى أولئك الثائرون ظهر خيولهم وساروا، وفي الصباح أخبر الملك بذهابهم، ~~فجند جيشا ms094 قويا وسيره وراءهم، وكان من ذلك أن أخفق مسعاهم في محاصرة روان؛ لأن جيش الملك ~~تأثرهم ونازلهم في معركة انجلت عن أسر بعض العصاة، أما روبرت فنجا ببعض أتباعه وفر إلى ~~مقاطعة مجاورة يطلب لنفسه ملجأ في قلعة أحد أعداء أبيه، فأفعمت هذه الحادثة فؤاد متيلدا ~~هما وحزنا؛ إذ رأت أنه لم يبق بد من انتشاب حرب أهلية بين الأب وابنه. # وبينما كانت مقتضيات الواجب ودواعي الحكمة تفرض عليها الانحياز نحو الأب، قامت في قلبها ~~بواعث المحبة الوالدية تتغلب على تلك المقتضيات والدواعي، وتميل بها بقوة لا تقاوم نحو ~~ابنها، أما روبرت فأخذ يجمع إليه في ملجئه جميع أهل المطامع الطامحين الطائشين من سائر ~~أنحاء المملكة، ويعمل على نكاية أبيه وتعكير كأس راحته، وفي غضون ذلك كانت أمه قائمة مقام ~~المحامي في وجه أبيه، وملازمة مواصلته سرا بكل ما يجد ويحدث من الأخبار، ويبدو لها من ~~المشورات، ويتيسر لديها من الإعانات حتى كانت ولا ريب مرتكبة في ذلك جريمة فظيعة، جريمة ~~المؤامرة ومواصلة الأخبار مع العصاة، وقد كان لتصرفها هذا وجه من الحق، وقد نتج عنه شيء من ~~الفائدة؛ لأنها سعت جهدها في إصلاح ذات البين بين الأب وابنه، فبهذه الواسطة خففت نوعا ثقل ~~وطأة تلك المخاصمة. # ومعلوم أن الفوز في حرب أهلية كهذه كان نيله مضمونا للملك؛ فوليم كان مالكا متحيزا ~~لجميع ما في المملكة من القوى من الجيوش والمدن والقلاع والأموال، أما روبرت فلم يكن لديه ~~سوى عصابة مؤلفة من شبان متوحشين طائشين خاملين ثائرين بلا سلطة وبلا مال، وبلا أقل وجه من ~~الحق في الثورة والعصيان، حتى إنه جعل من تلقاء نفسه يقتنع بالتدريج بعدم فائدة هذا العتو ~~والتمرد، ومتيلدا ذاتها إذ أدركت صيرورة هذه الثورة إلى التلاشي والانحلال شرعت تجاهر ~~بزيادة في تسديد مساعيها نحو إخمادها بالكلية، وأخيرا نجحت في حمل روبرت على ترك السلاح ~~ودعوته إلى مقابلة أبيه رجاء استئصال مواد الخصام، وتأصيل جذوع الصلح والسلام. # على أنه ما لبث أن ظهر من خلال هذه ms095 المقابلة أن لا سبيل للحصول على مصالحة وثيقة العرى، ~~وسلم وحيدة الأركان؛ لأنه مع انتهاك قوى كلا الأب والابن في تلك الحرب الأهلية التي بها ~~صلى كل منهما الآخر، فمحبة الذات والمطامع الشخصية التي بنيت عليها تلك المخاصمات ظلت في ~~كل منهما هي إياها بدون أدنى تحول، فإن روبرت جعل فاتحة حديثه تقاضي أبيه وعده له بحكومة ~~نورماندي، أما أبوه فأجابه على ذلك موبخا إياه بصرامة على عصيانه الردي، وإنذاره بتوقع ~~نصيب أبشالوم الذي حذا روبرت حذوه في هذا التمرد، فرد عليه روبرت بقوله: إنه لم ينو مقابلة ~~أبيه بقصد استماع موعظة منه؛ لأنه كان قد نال كفايته من استماع العظات عندما كان صبيا ~~يدرس قواعد اللغة، فغاية ما يريده من الآن هو الإنصاف لا الوعظ. # أما الملك فقال: إنه لا يرضى مطلقا أن يقاسم أحدا أملاكه وهو بعد حي، وزاد على ذلك ~~قائلا بأنه وإن كان روبرت قد ذكر المواعظ بمعرض الهزء والازدراء، فالإنجيل المقدس يقول: كل ~~بيت ينقسم على ذاته لا يثبت، ثم استطرق إلى تأنيب ابنه وتقريعه بشدة على خيانته كأحد الرعية ~~وعلى حقوقه وعدم بره كابن وقال: إنه مما لا يحتمل أن يكون الابن أشد مقاوم وأكبر عدو ~~لأبيه في حالة كونه مديونا له، ليس فقط في كل ما يتمتع بنواله منه، بل في أمر وجوده ~~أيضا. # وقد لفظ وليم كل هذه التوبيخات على طريق الغيظ والغضب، ونطق بها بلسان الوعيد والتهديد، ~~وعوضا عن أنها تؤثر في روبرت شعورا بخطئه يحدوه على التوبة والندامة ضاعفت فيه روح العناد ~~والعصيان، ولم يأت توبيخ أبيه على حقوقه وكفره بالحقوق الوالدية بأدنى جدوى، فخرج من لدنه ~~بغتة والغيظ حشو حشائه، والشتائم ملء فيه، وفي قلبه من نار السخائم والضغائن ما فيه، وعول ~~مرة ثانية على مهاجرة البلاد رغما عن كل ما انتحته والدته متيلدا من الوسائل والوسائط في ~~منعه قائلا: إنه بالأحرى يفضل أن يكون من الجالية التائهين بلا مأوى في بلاد غريبة، على ~~بقائه في قصر أبيه معاملا ms096 بالقساوة ممن كان يتوقع الإخلاص والصداقة بداعي الحقوق ~~والواجبات، وإذ لم تقوى والدته أن تثنيه عن عزمه هذا دعا إليه بعض الطرارين من رفقائه، وضرب ~~بهم نحو الشمال مجتازا نورماندي يفتش على ملجأ عند خاله أمير فلندرس، فاستقبله هذا بكل ~~إعزاز وترحاب؛ أولا: إكراما لأخته، وثانيا: نكاية بالملك وليم جاره القوي البطاش الذي ~~كان (أمير فلندرس) يحسده على رفعة شأنه وعظمة مجده، وسعة نطاق توفيقه، وحسن طالع ~~سعده. # وإذ كان روبرت عاجزا عن تجديد الحرب مع أبيه مجردا عن القوى والوسائط أنشأ يراسل جميع ~~أمراء نورماندي وأشرافها الذين رأى فيهم الارتياح إلى ذلك، ويحثهم على القيام معه سرا ضد ~~أبيه، فلبى أولئك دعوته وأنشئوا اكتتابا سريا سدا لحاجاته، على وعد أنه يعوض عليهم ~~بالمنح والهدايا وحسن المجازاتد، بعد إذ يتمكن من نيل حقوقه المطلوبة من أبيه، ولم يغفل في ~~الوقت ذاته عن مراسلة أمه متيلدا واستمداد بعض الاحتياجات منها، ولكن كل ذلك كان سرا ~~أيضا بغاية التحرس والاحتياط، وقد توفق لاكتساب صداقة غير الذين مالئوه في نورماندي، فإن ~~فيليب ملك فرنسا ذاته كان مسرورا جدا بشبوب نيران هذا الخصام في عائلة جاره الذي بعدما ~~كان خاضعا لسلطانه أصبح بغلبته على إنكلترا مزاحمه الأكبر، ومناظره الأسبق في مضمار السؤدد ~~والأبهة، وكان من أشهى الأمور لديه استماع ما يبعث على خسوف مجد وليم وتقلص ظل سلطانه، ~~وينذر بانقسام قوته، وتفرق شمل كلمته؛ ولذا نشر من قبله سعاة وسفراء في جميع أنحاء نورماندي ~~وسائر أطراف فلندرس يشجعون الثائرين، ويثبتونهم في القيام على حكومة وليم، وقد احترز غاية ~~الاحتراز من أن يعدهم جهرا بالمساعدة، على أنه سعى سرا بألف واسطة مكتومة في تنشيط روبرت ~~وتحريضه وحمله على توقع العون منه. # وهكذا كنت ترى الثورة يتسع خرقها ويمتد نطاقها وهي باقية محصورة ضمن حدود القوة لا ~~تتعداها إلى الفعل، وكان السر في ذلك خلو روبرت من الوسائط الفعالة، وتعريه من القوى ~~العقلية الضرورية في الإقدام على عمل خطير كهذا، فمرت الأيام وانقضت الشهور بدون أدنى ms097 ~~مجاهرة في العصيان، حتى إن مشايعي روبرت في نورماندي داخلهم الخوف، واستولى عليهم اليأس، ~~فانقطعوا عن جمع الاكتتاب، وابتدءوا شيئا فشيئا ينسون قائدهم الغائب الخامل، أما روبرت ~~فقضى وقته بارتكاب المعاصي واجتراح المآثم، وإنفاق ما أرسله إليه أتباعه على الانبعاث في ~~أوحال السكر، والارتطام بحمأة الفواحش، وأوشك عندما فرغت يداه من المال ونضب حوض معداته ~~أن يهيم على وجهه مقذوفا بتيار القنوط والضيق، لو لم يدم له صديق واحد وأي صديق، صديق عطف ~~عليه ومال إليه، وقشع ديجور اليأس عن عينيه، وذلك الصديق كان أمه نصيرته في كل ملمة. # وقد علمت متيلدا جيدا أن كل ما تصنعه لابنها الغائب ينبغي أن يصنع بمزيد الدقة والحرص، ~~بحيث لا يتجاوز دائرة الغموض والخفاء، وذلك اقتضى له ما لا مزيد عليه من الاحتيال والدهاء، ~~وقد ساعدها عليه تغيب زوجها، فإنه كان في هذا الوقت قد مضى إلى إنكلترا مدعوا بإلحاح ~~شديد للنظر في بعض المسائل العمومية، وعهد نظارة الحكومة في نورماندي إلى وزير استسهلت ~~متيلدا مراقبته، ورأت أنه لا يصعب عليها مواصلة ابنها في أيام نظارته، فأمدت روبرت في ~~فلندرس بما لديها من المال، ثم صارت تلبيه بالمعين لها، وكلما أرسلت له بزيادة كان بمقدار ~~ذلك يكرر الطلب، ويلح في استدعاء إعانات جديدة. # ومعلوم أن ثروة الأم سواء كثرت أم قلت لا تكفي لسد عوز ابن مسرف بطال، فلما فرغت جعبة ~~دراهمها باعت جواهرها، ثم ملابسها الفاخرة، وأخيرا الأشياء الثمينة المختصة بها أو بزوجها، ~~وكل ذلك بطريقة سرية جدا، فالوزير المعهودة إليه نظارة الحكومة إذ كان أمينا وساهرا على ~~رعاية ما عهد إليه لحظ أن أمورا سرية تجري في البلاط الملوكي، وذلك استدعى ارتيابه ~~واشتباهه، وهذان استلزما مراقبته وانتباهه، فعلق يجوس حركات متيلدا ويترصد أعمالها، وفي ~~الحال اكتشف على الحقيقة، وأرسل يعلم وليم بذلك، أما وليم فصعب عليه تصديق ما قرره له ~~الوزير؛ ولذا عزم في الحال أن يتخذ جميع الوسائط الكافلة له تحقيق الأمر، فرجع إلى ~~نورماندي، وهناك اتفق له في طريقه ms098 أن يقبض على أحد رسل متيلدا بينما كان ذاهبا إلى فلندرس ~~يحمل إلى روبرت مالا ورسائل، وكان اسمه سمبسون، فأخذ منه وليم الدراهم والرسائل وأرسله ~~ليسجن في إحدى القلاع، وبعد إذ وقع على البينات الكافية الناطقة بجريمة متيلدا انطلق ~~مفعما حيرة وغيظا يطلب مشاهدتها؛ لينيلها ما تستحقه من التوبيخ على فعلها هذا الأثيم الذي ~~أقل ما فيه الغدر بزوجها وتسليمه. # وقد وقع عليها لومه مرا وحدا، وإن كان قد عبر عنه بأسلوب رقيق، ونطق به بصوت يشف به ~~عن الحزن أكثر منه عن الغضب، فإنه قال لها: «لا أرتاب في أني كنت لك على المدى زوجا أمينا ~~مخلصا، ولست أعلم ماذا أردته فوق ما فعلته لك، فقد أحببتك حبا صادقا صحيحا، وبذلت ~~قدامك ما يتعذر وصفه من الإعزاز والإكرام، فرفعتك إلى أسمى رتبة وأعلى مقام، واتكلت عليك ~~غير مرة في مشاركتي في الحكم وإدارة شئون المملكة، ووثقت بك فاستودعتك أهم ما تحت سلطاني، ~~والآن هذا هو جزائي، فإنك استعملت نفس المركز والقوة والوسائط التي أقامك عليها زوجك الأمين ~~آلة لتسليمه بأقبح الطرق، ووسيلة لمساعدة وتقوية ألد أعدائه وأشدهم». # فلم تجب متيلدا بشيء على توبيخه سوى احتجاجها عن ولدها واعتذارها بأنه فعلت ذلك إصغاء ~~لصوت المحبة الوالدية الذي لم يمكنها سد أذنيها دونه، فقالت له: ولم يسعني احتمال ترك روبرت ~~يعاني الضيق والألم على حين أستطيع إنقاذه؛ فهو ولدي ودائما أفتكر به، وإني لأحبه أكثر من ~~نفسي، وهو ذا الآن أصرح على مرأى ومسمع منك بأنه لو مات وأمكنني إرجاعه إلى الحياة بأن ~~أموت لأجله لفعلت ذلك بكل فرح وسرور، فإذا كيف تتوهم أنه يمكنني أن أعيش هنا على السعة ~~والرحب، وأتقلب على بساط الرخاء والرغد بينما هو يجول من مكان إلى آخر في غاية الضنك ولا ~~أجتهد في إعانته، فسواء كان يحق لي أن أشعر هكذا أو لا لست أعلم، إنما هذا أعلم وهو أنه ~~ينبغي لي أن أشعر هكذا، فما احتيالي هو ابننا البكر ولا أستطيع أن أهجره؟». # فخرج ms099 وليم من حضرتها يتضرم غيظا وكدرا غير قادر أن يفعل معها شيئا سوى التوبيخ، لكنه ~~عول على معاقبة الرسول سمبسون معاقبة شديدة، فأصدر أمرا إلى القلعة حيث كان مسجونا بأن ~~تقلع عيناه، فبلغ ذلك متيلدا، وفي الحال أرسلت له نذيرا فلم يعتم أن هرب إلى دير كان تحت ~~حمايتها وعنايتها، ومعلوم أن الأديرة في ذلك العهد كانت كمدن الملجأ في أيام الإسرائيليين ~~حرما لا يجسر أحد أيا كان أن يطارد فريسته إلى داخلها، أما رئيس ذلك الدير فلكي يضمن ~~حماية سمبسون أشار عليه أن يترهب، وهذا إذ كان راضيا أن يفعل بسرور كل ما يكفل له سلامة ~~حياته حلق في الحال وقص شعره ولبس الحلة الرهبانية، ووقف حياته على تلك الخدمة متعهدا ~~بوفاء نذورها، متبعا طريقة إخوانه الرهبان فيما يتعلق بالأصوام والتقشفات، وعندها تركه ~~وليم يمارس خدمته بسلام. # وبعد اكتشاف هذه المواصلات بين الابن والأم صارت الأمور إلى حال أردأ بعدما كان ينتظر لها ~~اطراد مجرى التحسين، فإن كثيرين داخل نورماندي وخارجها مالوا إلى جانب روبرت حتى ألف حزبه ~~جيشا كبيرا، وعقدوا لواء قيادته له، وخرجوا به لمهاجمة مدينة روان، فأوجس الملك من ذلك ~~خوفا عظيما، وجمع كل ما كان لديه من القوات وانطلق لمحاربة ابنه العاصي الثائر وبرفقته ~~ابنه وليم روفوس، وجلست متيلدا ضمن قصرها مثقلة بآلام الخوف والحزن، وفي حالة كحالة كل أم ~~وزوجة يتصل بها خبر معركة دموية بين ابنها وزوجها، فكان مجرد افتكارها فقط بأن أحدهما قد ~~قتل الآخر كافيا لأن يطبق عليها بظلام الحزن الأبدي، وبالحقيقة إن ما توقعته متيلدا من ~~المخاطر كان على الأبواب، فإن روبرت لم يستطع في قلعة ليفل الوصول إلى أخيه والفتك ~~به. # أما الآن فقد تمكن من أبيه في سهر أرشمبري حيث حدثت هذه المعركة، وطعنه طعنة كانت لولا ~~قليل صرعته قتيلا، وتفصيل ذلك أنه بينما كان الفرسان يجولون في معمعة القتال يضايقون بعضهم ~~بعضا وهم غارقون بعددهم الحربية لا يتبين الواحد منهم وجه الآخر الواقف أمامه، إذا بروبرت ~~قد ms100 التقى بفارس طويل النجاد عظيم الجثة، فصوب سنان رمحه نحوه، وطعنه في ذراعه فسقط على ~~الأرض يئن من شدة الألم، ومن صوته عرفه روبرت أنه أبوه، كما أن وليم عرف أيضا أن عدوه الذي ~~طعنه كان ابنه، فانبرى يفرغ عليه كنانة السخط والغضب، ويلعنه بأعظم اللعنات، وعندها ترجل ~~روبرت مذعورا، وخر على الأرض بجانب أبيه صارخا مستغيثا، فأشاح وليم عنه وأبى قبول أدنى ~~مساعدة منه. # ولم ينحصر مصاب وليم وقتئذ بسقوطه عن جواده وتأثره من جرحه البليغ، بل زاد على ذلك تقهقر ~~رجاله، وانتصار قوم روبرت، حتى إن وليم روفوس جرح أيضا كأبيه، ولا تسل عن حالة متيلدا ~~وقتئذ، فإنها باتت غرقى في بحار الهموم تتقاذفها تيارات الكآبة والحزن، حتى لم يعد في ~~وسعها أن تتكبد رؤية هذه المخاصمات المريعة، فتوسلت إلى زوجها بحرارة ودموع غزيرة أن يجد ~~طريقة لحسم هذه المنازعة التي لأجلها قضت الليالي سهرا، وصرفت الأيام نائحة باكية حتى عبثت ~~بصحتها وقوتها أيدي النحول والخوار، ومالت بظلهما إلى التقلص والانحلال، وأصبحت ضئيلة نحيلة ~~صفراء كالخيال، بحيث صار يتراءى للناظر إليها أنه إذا طالت مدة وطأة هذا المصاب عليها تذوب ~~بنار حزنها وقهرها، وتنحدر بقوة يأسها إلى قبرها. # على أن وليم استجاب توسلاتها وأرسل فدعا ابنه، وبعد مداولات ومباحثات عقدت بينهما صلات ~~الصلح والسلام، وانقطعت أسباب النزاع والخصام، وعاد وليم وروبرت إلى صداقة وطيدة البنيان، ~~وتحاب شديد الالتحام، وبعد ذلك بقليل سافر وليم لإنكلترا لإنشاء قوة عسكرية في شماليها، ~~فاستصحب روبرت معه إلى تلك الأقطار كأحد قواده الكبار. # الفصل الثاني عشر # | الخاتمة # مضى على الملك وليم نحو عشرين سنة من معركة هستن سنة 1066 إلى وقت موته سنة 1087، قضاها ~~ملكا مرهوب الجانب، مؤيد السلطة، مرفوع المنار في جميع جهات المملكة وإن كان لم يخل له ~~فيها جو السيادة من أكدار المخاطر والمصاعب والمناوشات المتعددة، وكان قد استصحب معه من ~~نورماندي إلى إنكلترا عددا كثيرا من النورماند، وألقى إليهم مقاليد القوة العسكرية ~~والملكية، وقد اعتمد على حذقه ودرايته في ms101 كيفية إدارة الشئون وتخليص رئاسة السلطة ~~إليه. # وقد شحن جهده في إقناع الأمة الإنكليزية بالمبدأ الخصوصي الذي بموجبه تسلط على إنكلترا، ~~وهو أنه كان الوارث الشرعي للعرش، وأن مبعث سلطانه الجوهري هو حق السيادة وليس حق الغلبة ~~وذلك بإجماع الشعب الإنكليزي، وبالواقع كان قسم عظيم من الإنكليز يعتقد أن حق تملك وليم فوق ~~حق هارلود، على أنه إذا كان وليم غريبا مولدا وتهذيبا ولغة وكل حاشيته وأتباعه المقربين ~~إليه، بل كل الجيش وسائر قادة الحملة المعتمد عليهم في حفظ السلطة كانوا غرباء أيضا - ~~بملابس غريبة وأطوار غريبة ولهجة غريبة - كان السواد الأعظم من الإنكليز يرون نفوسهم خاضعين ~~لنوع غريب من السلطان؛ ولأجل ذلك كثيرا ما جرت بينهم وبين النورماند المتسلطين عليهم معارك ~~دموية هائلة؛ طمعا في كسر نيرهم، والانعتاق من عبوديتهم، فأصلوا نار ثورة كانت لا تخمد من ~~جهة حتى تكون انتشبت من جهة أخرى. # وبذلك كان وليم لا يقر له قرار ولا يفرغ من تجريد القوات، على أنه هو لم يكن رجل حرب فقط، ~~بل كان حاذقا محنكا وبصيرا بعواقب الأمور، فلم يفته أن استمرار ملكه ورسوخ قدمه وقدم ~~خلفائه في إنكلترا موقوف على الأساس الذي تبنى عليه قوانين البلاد المدنية، وعلى النظامات ~~المسنونة للهيئة الحاكمة؛ ولذا لم يغفل عن ملافاة هذا الأمر، فأفرز قسما عظيما من وقته ~~انقطع فيه للتأمل والتدبر، وقد أتى في مباشرة ذلك ما لا يسعنا وصفه من الحذاقة والتثبت ~~والأصالة، وبالحقيقة أن همته كانت أرفع مما يستطيع الوهم إدراكه، كيف لا وقد رشحته لاقتحام ~~أمر خطير جلل، والإقدام على عمل شاق كان يتهيبه هرقل، فإنه كان عليه أن يوفق بين أمتين، ~~ويصوغ من لغتين لغة واحدة، ولو أنه حينما سمع عن تملك هارلود وهو في ظاهر روان وتوهم وجود ~~حزب قوي في إنكلترا يميل إليه، ويلبي دعوته وحده أو مصحوبا بنفر قليل من النورماند، ويحقق ~~ثقته بالإنكليز فيعتمد عليهم، لاستطاع تجنب الأخطار التي كان وطن نفسه على ~~مصادمتها. # لكنه لم يكن من حزب كهذا ms102 هناك، بل لم يكن له على الأقل أدنى ثقة برجل واحد ذي قوة كافية ~~تخوله اعتمادها والاتكال عليها، وتراءى له حينئذ أنه إذا أقدم على هذه الحملة يجب عليه أن ~~يحصر اتكاله على القوة التي يقوى على تجهيزها من نورماندي؛ ولكي يحقق اتكاله هذا ترتب عليه ~~أن يجعل تلك القوة منيعة الجانب عظيمة الشأن، ثم إن النورماند الذين أجابوه على دعوته، ~~وشدوا أزره ومكنوه من التغلب على إنكلترا كانوا كثيري العدد، وكلهم يستحقون المجازاة بالتي ~~هي أحسن، ولا يمكن تحصيل الجوائز لعدد كثير كهذا إلا من ذات إنكلترا على طريق سلب أهلها، ~~وضبط أرزاقهم؛ إذ إن ما لوليم في نورماندي أقل من أن يفي بالمقصود. # ورأى أيضا أنه إذا أقام نخبة من النورماند على إدارة الأعمال العظيمة في إنكلترا مملكته ~~الجديدة، وعهد إليهم بالوظائف العالية، وجعلهم مبدأ الثقة في الرأي، ومرجع الاتكال في الأمر ~~والنهي، فإنهم يكونون حينئذ على نوع ما صفا ممتازا فينظر إليهم الإنكليز بعين الغيرة ~~والحسد، ومن ثم فلا يأمل ثبوتهم في مراكزهم ما لم يكونوا كثيري العدد، شديدي القوة، فاتضح ~~لديه والحالة هذه أن كان الأجدر به لو أمكنه أن لا يحضر معه واحدا منهم، وأما الآن وقد سبق ~~السيف العذل، فصار من الحكمة أن يخلي زرعه في تكثير عددهم، وتوسيع نطاق نفوذهم؛ ولذا عول ~~على نورماندية إنكلترا، أي أن يجعلها كنورماندي في كل شيء تقريبا، فأخذ يمد رواق اللغة ~~النورماندية، ويشيع استعمالها في ألسنة جميع السكان، ويحتم بتعميم التكلم بها والتعامل في ~~سائر الأشغال، حتى إنه سن بها الشرائع وسجل الإحصاءات وأجرى القيود في مطلق الأشغال ~~بحروفها، ولا يزال الإنكليز مطعمين بها إلى هذا اليوم. # وقد استغرق امتزاج الإنكليز بالشعب النورماندي وسكب لغتي الأمتين في قالب واحد نحوا من ~~جيل، حتى إذا تم ذلك أخذ الإنكليز يرتابون فيما إذا كان تغلب وليم على إنكلترا يقضي لهم ~~بالافتخار، أو يحكم عليهم بالذل والانخذال؛ وذلك لأنه قد انطمست في وجوههم معالم أصلهم، فلم ~~يعودوا يعرفون بالتحقيق: أمن ms103 النورماند هم فيفتخروا ببسالة أسلافهم وأعمالهم المجيدة، أم من ~~سلالة الإنكليز فينوحوا أو يبكوا على انكسار شوكة إبائهم، وخسوف قمر مجدهم الخالي؟ ومعلوم ~~أنه لم يكن ليتبين لهم وجه تخلص من هذه الحيرة، ولا اهتدوا إلى سبيل حل هذا المشكل الذي ~~لا يزال مغلقا على الإنكليز المتناسلين منهم إلى وقتنا هذا. # ومن جملة الأعمال العظيمة التي أتاها وليم في إنكلترا ولا تزال مأثورة عنه إلى الآن، هو ~~أنه أمر بعد كل نفوس المملكة وإحصاء كل وطني متملك فيها، وذلك كان سنة 1078 - ولا يبرح ~~المجلدان اللذان تضمنا هذا الإحصاء باللغة اللاتينية محفوظين بمزيد الاعتناء إلى هذا اليوم، ~~وهما مختلفان في الحجم، ولهما عظيم اعتبار بالنظر إلى المسائل المتعلقة بحقوق الأملاك ~~القديمة - وفي نحو سنة 1082 أخذت قوى الملكة متيلدا تنحط بداعي ما ألم بها من المشاغل ~~والهموم، ولا سيما فيما يتعلق بعائلتها، وذلك صغر نفسها إن لم نقل أسرع بها نحو شفير ~~الانسكاب والانحلال، وكانت في هذا الوقت في نورماندي، وكان من أكبر بواعث قلقها واضطرابها ~~انشغالها بإحدى بناتها التي كانت نظيرها أليفة السقم والمرض، فعولت على الحج إلى دير مذخورة ~~فيه بقايا أحد القديسين، متوهمة أنها تنيل ابنتها إبلالا وشفاء، فقدمت على تلك البقايا ~~تقادم ثمينة مصحوبة بصلوات حارة وتضرعات ممزوجة بدموع الحزن الشديد، واستشفاعات مقرونة ~~بالتذلل والرجاء والإيمان. # ولكن كل ذلك لم يجدها نفعا، بل ظلت ابنتها المحبوبة تعاني الألم حتى قضي عليها، وعندها ~~انقطعت متيلدا إلى قلعة كاين، وهناك أغلقت على نفسها أسيرة الغم والكرب، وفريسة انكسار ~~النفس وانخلاع القلب، وكان وليم - كما يذكر القارئ - قد بنى له داخل هذه القلعة ديرا في ~~وقت اقترانه بمتيلدا التي حدا بها حادي التذكار على الرجوع بناقة أفكارها إلى ذلك العهد، ~~أيام كانت شموس آمالها مشرقة في سماء العظمة والمجد والسعادة، فأيقظ فيها الذكر سواكن الشوق ~~والحنين، وغادرها الحزن على حئول تلك الأيام قرينة التنهد والأنين، نعم إن نور عظمتها ~~ومجدها كان لا يزال مشرقا، وبمقدار عشرة أضعاف ما صوره ms104 لها التذكار، ولكن نجم سعادتها غار، ~~ولم يعد لها إلى استطلاعه سبيل، وكان داء الطمع قد دب إلى أعضاء كل عائلتها، واستفحل فيها ~~مدة عشرين سنة يصارع المحبة الأهلية، ويكدر كأس السلام العائلي حتى غشي سماء أيامها الأخيرة ~~سحب مرارة أنشئت من رياح المخاصمات بين زوجها وابنها، فطفقت ترتاد السلام، وتنتجع الراحة ~~على طريق الفروض الدينية، فصامت وصلت وتوسلت بدموع غزيرة طالبة غفران خطاياها، وازدحمت ~~أقدام الكهنة حول فراشها يقيمون الصلاة، ويصعدون التقدمات، ويلتمسون الغفرانات متوسلين ~~مستشفعين، وكان وليم حينئذ في نورماندي، فبلغه خبر تهورها إلى أعمق دركات اليأس، فجاء ~~إليها ووصل في ساعة نزعها. # وبعدما تنفست النفس الأخير احتفل بجنازتها، ونقلت جثتها من قلعة كاين إلى الدير الذي كانت ~~قد بنته لنفسها، وهناك قوبلت بملء التجلة والاحترام، ودفنت بمزيد الإجلال والإكرام، وقد بقي ~~لها بعد ذلك بقايا أعمال كثيرة تشهد لها على مر السنين بالعظمة ورفعة الشأن، من نحو تصوير ~~وتطريز وأفعال خيرية وآثار تاريخية تطاولت عليها يد الزمان بالتدريج، فطمست معالمها من عالم ~~الوجود، وجرت عليها أذيال المحو والخمود، على أنه رغما عن عاديات الأيام وصروف الليالي لا ~~تزال منها بقية ذكر وتقليد تدل السياح إلى تلك الأطراف على عصر متيلدا المجيد السعيد، ~~وتنازع الزمان حياة البقاء والتخليد. # ثم إن وليم ذاته لم يعمر طويلا بعد وفاة متيلدا، فإنه كان أكبر منها سنا، وقد أصبح ~~الآن شيخا متقدما في الأيام ومثقلا بعمر الشيخوخة، وقد زاده عجزا في أواخر حياته كبر ~~جثته التي رزح أخيرا تحت ضغطة حملها، ولم يعد يستطيع حراكا، وقد فارقه نشاط الشباب، وعداه ~~كل ما كان يتعلق بالشبيبة من بواعث التنشيط والترويح، فصار أقل شيء يعرض له يقلق راحته، ~~ويبعثه على الاضطراب، وقبل وفاته بسنة جدد معه ابنه روبرت القتال، واضطره على مبارحة ~~إنكلترا إلى نورماندي لأجل إطفاء نيران الثورة التي أشعلها ضده، على أن روبرت هذه المرة كان ~~مستندا على مساعدة فيليب ملك فرنسا حسود وليم الخصوصي المستديم. ولا يذهب من ذهن المطالع ~~أن ms105 الملك فيليب كان حينما استشاره وليم بالحمل عن إنكلترا فتي حديث السن. # وأما الآن فقد أصبح رجلا في ريعان القوة وغلواء الشجاعة، فنشط للأخذ بناصر روبرت وإغراه ~~على شق عصا الطاعة لأبيه الشيخ، أما وليم فلما جاء إلى نورماندي جعل يعرض نفسه على الأطباء، ~~ويسعى في معالجة ما به من السقم تعللا بالشفاء، وذلك فرض عليه ملازمة القصر وعدم مبارحة ~~غرفته الخاصة، فبلغ الملك فيليب ما كان عليه الملك وليم، فأخذ يسخر به حتى إنه سأل يوما ~~رجلا جاء حديثا من نورماندي: «ألا تزال عجوز إنكلترا منزوية في غرفتها؟» وهذه الكلمات ~~اتصلت بوليم على طريق التداول، فاغتاظ غيظا لا مزيد عليه، وهاجت به الثأر نار الانتقام ~~رغما عن تأثره بالمرض، فأقسم بعظمة الله أنه لا بد بعد معافاته من الخروج على الملك فيليب، ~~وإشعال نار الخراب في سائر أطراف مملكته، وقد وفى بقسمه بإشعال النيران فقط، ولكن عوضا عن ~~تدميرها مملكة فيليب صارت بالاتفاق واسطة لشل يد الذي أشعلها، وكان تفصيل هذه الحادثة ~~الأخيرة من تاريخ هذا الظافر العظيم كما يلي. # حينما أبل وليم وصار قادرا على الركوب امتطى ظهر جواده، وحمل بجيشه على الملك فيليب، ~~فاجتاز تخم نورماندي وضرب في عرض الجنوب حتى بلغ أواسط فرنسا مدمرا في طريقه البلاد بحد ~~السيف ولسان النار، حتى جاء بلدة صغيرة تدعى مانتس، وهي على نهر السين على طريقه إلى باريس، ~~فهجم عليها رجاله ونهبوها وأحرقوا أبنيتها، وبعدما أكملوا كل ذلك تأثرهم بالدخول إليها؛ ~~ليشاهد بعينيه إنجاز ما أقسم به ضد الملك فيليب، وفيما هو يجتاز البوابة متهاديا على ظهر ~~جواده بسورة النصر والظفر وحده غير مصحوب بحرس، جاء في طريقه إلى حيث كانت بعض القطع ~~الخشبية الغليظة الساقطة من بيت محروق ملقاة على الأرض، وقد غشيها رماد كثيف ستر ما تحتها ~~من النار المحرقة، فبين هو يسير نشوان براح العجب والافتخار أجفل جواده بغتة ونكص إلى ~~الوراء، ومن تشويط يديه واحتراقهما بالنار التي طفر عليها بدون انتباه. # فاندفع وليم بعنف على ms106 مؤخر السرج، وبالجهد استطاع أن يقي نفسه من السقوط، على أنه أوجس ~~تفاقم الخطب عليه، فترجل وبادر البعض إلى مساعدته، فرأوه ضعيفا خائر القوى، فحمل بجماعة ~~من الرجال الأشداء يعيدون نقله إلى روان، وهناك أحضروا له أمهر أطباء نورماندي ، وبعد الفحص ~~حكموا جميعهم أنه مائت لا محالة، فأغرقه كلامهم هذا في وهدة اليأس، وأطبق عليه تحت لجج ~~الكآبة والحزن، وعندما تذكر ما أتاه في حياته من الأعمال القاسية، والأفعال المنكرة ~~المقرونة بالطمع وحب الذات، وهاله الفكر أنه عما قليل يفارق الحياة، ويقف أمام الله ~~للدينونة عن كل هذه الجرائم التي تعد بالألوف، فصرخ إلى الله بحرارة طالبا المغفرة، ~~وجمع حوله الرهبان، وسألهم أن يساعدوه بصلواتهم، وأمر أن ينفق كل ما لديه من الدراهم على ~~الفقراء، وأصدر بلاغا آخر لأجل بناء كل الكنائس المحروقة في بلدة مانتس، وترميم ما فيها من ~~البيوت المهدومة. # وبالاختصار نقول: إنه استعمل كل الوسائط الفعالة في التكفير عن آثامه وذنوبه، ولم يكن ~~حينئذ غائبا عنه من أولاده سوى روبرت، فإن الصلح بينهما كان قد أصبح متعذرا، ولم يقدم ~~لمشاهدة أبيه حتى في ساعة موته، أما وليم روفوس وهنري فكانا عنده ملازمين الجلوس بجانب ~~فراشه، ليس بداعي محبتهما البنوية له، بل حرصا على وجودهما ساعة نطقه بالوصية الأخيرة بشأن ~~أملاكه؛ لأنها وإن تكن شفاهية فلها اعتبار الكتابية، وقد أنجز فيها وعده لابنه الأكبر روبرت ~~بخصوص إمارة نورماندي إذ قال: «قد وعدته وسأفي بوعدي، على أني لا أجهل أن البلاد التي يتسلط ~~عليها تكون من أشقى البلدان؛ إذ إنه متكبر أحمق ولا يمكن أن ينجح» ثم زاد على ذلك: «وأما من ~~جهة مملكتي في إنكلترا فلست أعطيها لأحد؛ لأنها لم تعط لي من أحد، بل قد تملكتها بالقوة ~~بثمن دم، وسأتركها في يدي الله آملا أن ابني وليم روفوس يحوزها؛ لأنه كان طوعا لي في كل ~~شيء» وعندها سأله ابنه هنري بلجاجة: «وأنا ماذا تعطيني يا أبي؟» فأجابه: «خمسة آلاف ليرة من ~~صندوقي» فقال هنري: «وماذا أصنع بالخمسة ms107 آلاف ليرة إذا لم تعطني بيتا ولا أرضا» فأجابه ~~الملك: «كف يا بني واتكل على الله، دع أخويك يتقدمانك، وأما نوبتك فتكون بعدهما» ولما قضى ~~هذان وطرهما من الجلوس بجانب أبيهما خرجا من لدنه، فذهب هنري لأجل تحصيل ما عين له من ~~الدراهم، وركب وليم روفوس البحر إلى إنكلترا يعد لنفسه طريق الجلوس على عرشها حين يقضي أبوه ~~نحبه، ثم أمر وليم أن ينقلوه إلى دير في ظاهر روان؛ لأن ضوضاء المدينة أزعجه، فضلا عن أنه ~~رأى أن موته في مكان مقدس كهذا خير له وأبقى، فنقل بموجب ذلك إلى هناك. # وفي صباح العاشر من شهر أيلول أفاق على أجراس المدينة، فسأل عن السبب فقيل له: إنها تقرع ~~لأجل إقامة صلاة الصبح في كنيسة السيدة، فرفع يديه وشخص نحو السماء وقال: «أيتها السيدة ~~مريم، أم الله الطاهرة، أستودعك نفسي» وأسلم الروح، وما أغمض عينيه حتى هجره خدامه وتفرقوا ~~عنه ناهبين كل ما وصلت إليه أيديهم في غرفته من الأسلحة والأثاث والملابس والأشياء الثمينة، ~~ولم تنحصر فظائعهم في ذلك فقط، بل إن قساوتهم البربرية الوحشية حملتهم على مغادرة جثته ~~مطروحة عارية على البلاط، حتى دخل راهب الدير ولفها وجاء بالصلبان والشموع والبخور، وشرع ~~يقدم الصلوات عن نفس الفقيد ملتمسا له غفرانا ورضوانا، ثم أرسل يستعلم من رئيس أساقفة ~~روان عما ينبغي أن يفعل بالجسد، فأوعز إليه أن ينبغي نقله إلى كاين ليدفن هناك في الدير ~~الذي بناه وليم وقت زيجته. # وقد روى مؤرخو ذلك العهد أنه لم يبق من ينقل جسد وليم إلى كاين، حتى جاء أحد الفلاحين ~~ووضعه في عجلته وجرها إلى النهر، وهناك أنزله بقارب إلى مصب السين، ومن ثم نقلها بحرا إلى ~~كاين حيث خرج رئيس الدير لملاقاته مصحوبا ببعض الرهبان والسكان، وعندها شبت نار في البلدة ~~فأسرع جميع الذين كانوا مرافقين جسد وليم إلى مكان شبوبها، وتركوا الجسد مع حامليه فقط، ~~وهؤلاء ظلوا يسيرون به حتى أتوا الكنيسة داخل الدير في القلعة، وهناك وضعوه ~~وانصرفوا. # ولما دنا ms108 وقت الجناز اجتمع جمع غفير لمشاهدة الاحتفال، وفي نهايته قلعوا بعض الحجارة من ~~أرض الكنيسة، وحفروا قبرا، وقد أعدوا لأجل تكفين وليم حجرا كبيرا (ناووسا) حفروه ~~وأنزلوه في القبر؛ ليواروا الجثة ضمنه، وبينما هم على أهبة الدفن إذا برجل قد أقبل عليهم من ~~بين الجمهور وأوقفهم قائلا: إن هذه الأرض التي بني فيها هذا الدير هي ملكه، وقد اغتصبه ~~إياها وليم فاضطر أن يسلمها مكرها، وأما الآن فهو يحتج ويتظلم، ومما قاله: «إن الأرض لي ~~وملك أبي، ولم أبعها ولا وقفتها ولا رهنتها ولا وهبتها، فهي حقي وباسم الله أمنعكم من دفن ~~جسد مغتصبها فيها» فأخذه رئيس الدير على انفراد وفحص دعواه، وإذ وجدها صادقة نقده في الحال ~~ثمن القبر، ووعده بدفع ثمن كل الأرض فيما بعد، فارتضى عندئذ ولم يعد يبدي أدنى ممانعة، ~~وفيما هم يحاولون مواراة الجثة في المكان المعد لها، وجدوا أن الناووس صغير، فرأوا أن ~~يضغطوها فيه، وبينما هم يفعلون انشق الناووس، وتمزقت الجثة، واندلقت أحشاء الفقيد بداعي ~~الفساد الذي طرأ عليه من طول المدة، وانبعثت منه الروائح الكريهة المنتنة، فأسرع الرهبان ~~إلى حرق البخور، وفت الأطياب، ولكن رغما عن كل ذلك اشتدت كراهة الروائح، وتعاظم نتنها في ~~كل الكنيسة حتى أرغم جميع من فيها على الخروج ولم يبق سوى الدافنين. # أما روبرت ووليم روفوس فبعد محاورات ومصادرات بشأن الخلافة، تقرر بموجب عهدة بينهما أن ~~وليم روفوس يحكم في إنكلترا وروبرت يستأثر بإمارة نورماندي. ms109