######OpenITI# #META# المؤلف: محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني (المتوفى: 1354هـ) #META# bkid: 9682 #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: الخلافة ¶ المؤلف: محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني (المتوفى: 1354هـ) ¶ المحقق: بدون ¶ الناشر: الزهراء للاعلام العربي - مصر / القاهرة ¶ الطبعة:؟ ،؟ ¶ عدد الأجزاء: 1 ¶ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] #META# auth: محمد رشيد رضا #META# Lng: محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني #META# الناشر: الزهراء للاعلام العربي - مصر / القاهرة #META# max: 154 #META# islamshort: 1 #META# onum: 9682 #META# pdf: 0 #META# bk: الخلافة #META# authinf: محمد رشيد رضا (1282 - 1354 هـ = 1865 - 1935 م) ¶ محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني، البغدادي الأصل، ¶ الحسيني النسب: صاحب مجلة (المنار) وأحد رجال الإصلاح الإسلامي. ¶ من الكتاب، العلماء بالحديث والأدب والتاريخ والتفسير. ¶ ولد ونشأ في القلمون (من أعمال طرابلس الشام) وتعلم فيها وفي طرابلس. ¶ وتنسك، ونظم الشعر في صباه، وكتب في بعض الصحف، ثم رحل إلى مصر سنة 1315 هـ ، فلازم الشيخ محمد عبده وتتلمذ له. ¶ وكان قد اتصل به قبل ذلك في بيروت. ¶ ثم أصدر مجلة (المنار) لبث آرائه في الإصلاح الديني والاجتماعي. ¶ وأصبح مرجع الفتيا، في التأليف بين الشريعة والأوضاع العصرية الجديدة. ¶ ولما أعلن الدستور العثماني (سنة 1326 هـ) زار بلاد الشام، واعترضه في دمشق، وهو يخطب على منبر الجامع الأموي، أحد أعداء الإصلاح، فكانت فتنة، عاد على أثرها إلى مصر. ¶ وأنشأ مدرسة (الدعوة والإرشاد) ثم قصد سورية في أيام الملك فيصل بن الحسين، وانتخب رئيسا للمؤتمر السوري، فيها. وغادرها على أثر دخول الفرنسيين إليها ¶ (سنة 1920 م) فأقام في وطنه الثاني (مصر) مدة. ¶ ثم رحل إلى الهند والحجاز وأوربا. ¶ وعاد، فاستقر بمصر إلى أن توفي فجأة في (سيارة) كان راجعا بها من السويس إلى القاهرة. ¶ ودفن بالقاهرة. ¶ أشهر آثاره مجلة (المنار) أصدر منها 34 مجلدا، و (تفسير القرآن الكريم - ط) اثنا عشر مجلدا منه، ولم يكمله، و (تاريخ الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده - ط) ثلاثة مجلدات، و (نداء للجنس اللطيف - ط) و (الوحي المحمدي - ط) و (يسر الإسلام وأصول التشريع العام - ط) و (الخلافة - ط) و (الوهابيون والحجاز - ط) و (محاورات المصلح والمقلد - ط) و (ذكرى المولد النبوي - ط) و (شبهات النصارى وحجج الإسلام - ط). ¶ وللأمير شكيب أرسلان كتاب في سيرته سماه (السيد رشيد رضا أو إخاء أربعين سنة - ط) ¶ نقلا عن : الأعلام للزركلي #META# bver: 1 #META# over: 1 #META# ndata: (مُقَدّم1C45814Bعد حِين} #META# bkord: 4123 #META# archive: 2 #META# عدد الأجزاء: 1 #META# الكتاب: الخلافة #META# seal: DC397744 #META# oauth: 482 #META# authno: 482 #META# ad: 1354 #META# idx: 1 #META# comp: 1 #META# higrid: 1354 #META# cat: السياسة الشرعية والقضاء #META# iso: الخلافه #META# digitization_comments: [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] #META# المحقق: بدون #META# DownloadSource: Abū Yaʿqūb's Shamela database #META# DownloadDate: 2017? #META# ConversionDate: 2020-10-01 #META#Header#End# (مقدمة) # {وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما، قال: ~~ومن ذريتي، قال لا ينال عهدي الظالمين} {2: 124} . # {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما ~~استخلف الذي من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وليبدلنهم من بعد ~~خوفهم أمنا، يعبدونني لا يشركون بي شيئا، ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم ~~الفاسقون} {24: 55} . # {وهو الذي جعلكم لخائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما ~~آتاكم، إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم} {6: 165} . . # هدانا الكتاب الحق، والنظر في تاريخ الخلق، إلى الاعتبار بخلافة الشعوب ~~بعضها لبعض، في السيادة والحكم في الأرض، وبخلافة الأفراد والبيوت في ~~الشعوب، وما فيها من حق مشروع وتراث مغصوب، وإلى ما لله تعالى في ذلك من ~~الحكم والسنن الاجتماعية، والأحكام والسنن الشرعية ومن العهد بالإمامة ~~العامة لبعض المرسلين، والوعد باستخلاف وإرث الأرض لعباده الصالحين، ومن ~~تلك السنن العامة ابتلاء بعض الشعوب ببعض ليظهر أيها أقوم وأقرب إلى العدل ~~والحق فيكون حجة له على الخلق ولينتقم من الظالمين، تارة بأمثالهم من ~~المفسدين، وتارة بأضدادهم من المصلحين، وتكون عاقبة التنازع للمتقين، ~~فالمتقون هم الذين يتقون باب الخيبة والفشل، ويسيرون على سنن الله الشرعية ~~والكونية في العمل، والصالحون هم الذين يجتنبون الفساد، ويسلكون سبيل ~~الرشاد، ويقومون ما اعوج من أمر العباد. PageV01P007 # عهد الله تعالى بالإمامة العامة لنبيه وخليله إبراهيم وللعادلين من ذريته ~~غير الظالمين، فوعد بها قوم موسى من بني إسرائيل، وقوم محمد من بني ~~إسماعيل، قال تعالى في الوعد الأول 28: 5 {ونريد أن نمن على الذين استضعفوا ~~في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين} وقال في الوفاء به 7: 137 ~~{وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيه ~~وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا} الآية وقال في الوعد ~~الثاني 24: 55 {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في ~~الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم} . . ~~وقد صدق الله هذه الأمة وعده ووفى لها، ms001 كما وفى لمن قبلها، ثم سلبها جل ما ~~أعطاها، كما عاقب بذلك سواها، إذ نقضت عهدها كما نقضوا، وفسقت عن أمر بها ~~كما فسقوا، واغترت بنسبها وبكتابها كما اغتروا، وإنما ناط تعالى إرث الأرض، ~~بإقامة الحق والعدل، وبالصلاح والإصلاح لأمور الخلق، واستثنى من نيل عهده ~~الظالمين، وتوعد بسلبه من الفاسقين، وكان الواجب عليها أن تعتبر بذلك فتثوب ~~إلى رشدها، وتتوب إلى ربها، عسى أن يرحمها، ويتم لآخرها، ما أنجز من عهده ~~لأولها، ولكنها لما تفعل، وعسى أن تفعل. # إن المريض الجاهل بمرضه لا يطلب له علاجا، وإن من يطلب العلاج من غير ~~الطبيب العارف بمرضه لا يصيب نجاحا، وإن داء المسلمين ودواءه مبين في ~~كتابهم المنزل، ولكنهم حرموا على أنفسهم العلم والعمل به، استغناء عنهما ~~بفقه المقلدين وكتبهم، ويمكن العلم بهما مما أرشدهم إليه الكتاب من السير ~~في الأرض، للنظر في أمور الأمم والاعتبار بسنن الله في الخلق، ولكنهم قلما ~~كانوا يسيرون، وإذا ساروا فقلما ينظرون ويعتبرون. PageV01P008 # والإسلام هداية روحية، وسياسة اجتماعية مدنية، أكمل الله به دين الأنبياء، ~~وما أقام عليه نظام الاجتماع البشري من سسن الارتقاء، فأما الهداية الدينية ~~المحضة فقد جاء بها تامة أصلا وفرعا، وفرضا ونفلا، إذ مدارها على نصوص ~~الوحي، وبيان الرسول صلى الله عليه وسلم لها بالقول والفعل، ولما طرأ الضعف ~~على المسلمين جهلوا هذا الأصل، فغلا بعضهم في الدين، فزاد في أحكام ~~العبادات والمحرمات الدينية، والمواسم والأحزاب والأوراد الصوفية، ما ألفت ~~فيه المجلدات، ويستغرق العمل به جميع الأوقات، ويستلزم جعله من الدين نقصان ~~دين الصحابة والتابعين إذ لم يكن لديهم شيء منه، ولو اشتغلوا بمثله لما ~~وجدوا وقتا لفتح البلاد، وإصلاح أمور العباد. . وأما السياسة الاجتماعية ~~المدنية فقد وضع الإسلام أساسها وقواعدها، وشرع للأمة الرأي والاجتهاد ~~فيها، لأنها تختلف باختلاف الزمان والمكان وترتقي بارتقاء العمران وفنون ~~العرفان، ومن قواعده فيها أن سلطة الأمة لها، وأمرها شورى بينها، وأن ~~حكومتها ضرب من الجمهورية، وخليفة الرسول فيها لا يمتاز في أحكامها على ~~أضعف أفراد الرعية، وإنما ms002 هو منفذ لحكم الشرع ورأي الأمة، وأنها حافظة ~~للدين ومصالح الدنيا، وجامعة بين الفضائل الأدبية، والمنافع المادية، ~~وممهدة لتعميم الأخوة الإنسانية، بتوحيد مقومات الأمم الصورية والمعنوية. . ~~ولما طرأ الضعف على المسلمين قصروا في إقامة القواعد والعمل بالأصول، ولو ~~أقاموها لوضعوا لكل عصر ما يليق به من النظم والفروع. . # ظهرت مدنية الإسلام مشرقة من أفق هداية القرآن، مبنية على أساس البدء ~~بإصلاح الإنسان، ليكون هو المصلح لأمور الكون وشئون الاجتماع، فكان جل ~~إصلاح الخلفاء الراشدين إقامة الحق والعدل، والمساواة بين الناس في القسط، ~~ونشر الفضائل وقمع الرذائل، وإبطال ما أرهق البشر من استبداد الملوك ~~والأمراء، وسيطرة الكهنة ورؤساء الدين على العقول والأرواح، فبلغوا بذلك ~~حدا من الكمال، لم يعرف له نظير في تاريخ الأمم والأجيال، واستتبع ذلك ~~مدنية سريعة السير، جامعة بين الدين والفضيلة، وبين التمتع بالطيبات ~~والزينة، ارتقت فيها العلوم والفنون بسرعة غريبة، حتى قال الفيلسوف المؤرخ ~~موسيو غوستاف لوبون في كتابه (تطور الأمم) : إن ملكة الفنون لم تستحكم لأمة ~~من الأمم فيما دون الثلاثة أجيال الطبيعية إلا للعرب، ويعني بالثلاثة ~~أجيال: الجيل المقلد، والجيل المخضرم، والجيل المستقل. . PageV01P009 # لقد أتى على الناس حين من الدهر وهم يظنون أن المدنية الإسلامية قد ماتت ~~وبليت، فلا رجاء في بعضها، وأن المدنية الإفرنجية قد كسبت صفة الخلود فلا ~~مطمع في موتها، ثم استدار الزمان وظهر خطأ الحسبان، وكثر في حكماء أوروبة ~~وعلمائه من يرتقب اقتراب أجل مدنيتها، بما يفتك بها من أوبئة الأفكار ~~المادية، والروح الحربية، والمطامع الأشعبية، والإسراف في الشهوات ~~الحيوانية، وقد كان من أساطين أهل هذا الرأي شيخ فلاسفة العصر هربرت سبنسر ~~الإنكليزي مؤسس علم الاجتماع، وكثر أهله بعد الحرب الكبرى، لما ترتب عليها ~~من المفاسد التي لا تحصى، فقد أرثت الأحقاد والأضغان بين الشعوب الأوروبية، ~~وضاعفت المفاسد والمشاكل المالية والسياسية، ولكنها قد هزت العالم الإسلامي ~~والشرق كله هزة عنيفة، وأحدثت في شعوبه توارث لم تكن مألوفة، فسنحت له فرصة ~~للعمل، هي مناط الرجاء وقوة الأمل. . # وإن أعظم مظاهر هذه الفرصة ms003 نهضة الشعب التركي من كبوته التي قضت على ~~السلطنة العثمانية، وتوثيقه عرى الإخاء بين الدولتين الإيرانية والأفغانية، ~~وبثه دعوة الاعتصام مع سائر الشعوب الإسلامية الأعجمية، ونجاحه في إلغاء ~~الامتيازات الأجنبية، والنقص من سائر القيود والأغلال السياسية والمالية، ~~فرجاؤنا فيه أن يشد أواصر الإخاء مع الأمة العربية، ويتعاون معها على إحياء ~~المدنية الإسلامية، بتجديد حكومة الخلافة على القواعد المقررة في الكتب ~~الكلامية والفقهية، وألا يرضى بما دون ذلك من المظاهر الدنيوية، ولا يغتر ~~بتحبيذ عوام المسلمين لما قرره في أمر الخلافة الروحية، فما أضاع على ~~المسلمين دنياهم ودينهم، إلا تحبيذ دهمائهم لكل ما تفعله حكوماتهم ودولهم، ~~ناهيك بشعور المسلمين، الذين يئطون من أثقال حكم المستعمرين، إنه شعور ~~شريف، وإنما يعوزه الرأي الحصيف، فقد كان السواد الأعظم من هؤلاء الملايين، ~~يرمي من يخالف أهواء السلطان عبد الحميد بالخيانة أو المروق من الدين، وهو ~~السلطان الذي أقنع جمهور ساسة الترك بإسقاط سلطة السلاطين، الذي تحمده ~~اليوم هذه الملايين، وما لهم بهذا ولا ذاك من علم ولا سلطان مبين. . # أيها الشعب التركي الحي: إن الإسلام أعظم قوة معنوية في الأرض وإنه هو ~~الذي يمكن أن يحيي مدنية الشرق وينقذ مدنية الغرب، فإن المدنية لا تبقى إلا PageV01P010 ~~بالفضيلة، والفضيلة لا تتحقق إلا بالدين، ولا يوجد دين يتفق مع العلم ~~والمدنية إلا الإسلام، وإنما عاشت المدنية الغربية هذه القرون بما كان فيها ~~من التوازن بين بقايا الفضائل المسيحية، مع التنازع بين العلم الاستقلالي ~~والتعاليم الكنسية، فإن الأمم لا تنسل من فضائل دينها، بمجرد طروء الشك في ~~عقائده على أذهان الأفراد والجماعات منها، وإنما يكون ذلك بالتدريج في عدة ~~أجيال، وقد انتهى التنازع بفقد ذلك التوازن، وأصبح الدين والحضارة على خطر ~~الزوال، واشتدت حاجة البشر إلى إصلاح روحي مدني ثابت الأركان، يزول به ~~استعباد الأقوياء للضعفاء، واستذلال الأغنياء للفقراء، وخطر البلشفية على ~~الأغنياء، ويبطل به امتياز الأجناس، لتتحقق الأخوة العامة بين الناس، ولن ~~يكون ذلك إلا بحكومة الإسلام، التي بيناها بالإجمال في هذا الكتاب، ونحن ~~مستعدون للمساعدة ms004 على تفصيلها، إذا وفق الله للعمل بها. . # أيها الشعب التركي الباسل: إنك اليوم أقدر الشعوب الإسلامية على أن تحقق ~~للبشر هذه الأمنية، فاغتنم هذه الفرصة لتأسيس مجد إنساني خالد، لا يذكر معه ~~مجدك الحربي التالد، ولا يجرمنك المتفرنجون على تقليد الإفرنج في سيرتهم، ~~وأنت أهل لأن تكون إماما لهم بمدنية خير من مدنيتهم، وما ثم إلا المدنية ~~الإسلامية، الثابتة قواعدها المعقولة على أساس العقيدة الدينية، فلا ~~تزلزلها النظريات التي تعبث بالعمران، وتفسد نظم الحياة الاجتماعية على ~~الناس. . # أيها الشعب التركي المتروي: انهض بتجديد حكومة الخلافة الإسلامية، بقصد ~~الجمع بين هداية الدين والحضارة لخدمة الإنسانية، لا لتأسيس عصبية إسلامية ~~تهدد الدول الغربية، فإن فعلت ذلك وأثبت إخلاصك وصحة نيتك فيه، فإنك تجد من ~~علماء الإفرنج وفضلائهم وأحرارهم من يشد أزرك، ويرفع ذكرك، ويدفع عنك تهم ~~الساسة المفترين، وإغراء الطامعين المغررين. . # أيها الشعب التركي العاقل: إنني أهدي إليك هذه المباحث التي كتبتها في ~~بيان حقيقة الخلافة وأحكامها، وشيء من تاريخه وعلو مكانتها، وبيان حاجة ~~جميع البشر إليها، وجناية المسلمين على أنفسهم بسوء التصرف فيها، والخروج ~~بها عن موضوعها، وما يعترض الآن في سبيل إحيائها، مع بيان المخرج منها، بما ~~أشرع السبيل، وأنار الدليل، بمقال وسط بين الإجمال والتفصيل، جامع لآراء ~~العارفين PageV01P011 ~~بمصالح الدنيا وحقيقة الدين، فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين، وإنما الشكر ~~لها، بالعمل بها {وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي ~~لشديد} ... PageV01P012 ### | AUTO الأحكام الشرعية المتعلقة بالخلافة الإسلامية # لقد كانت الخلافة والسلطنة فتنة للناس في المسلمين كما كانت حكومة الملوك ~~فتنة لهم في سائر الأمم والملل. . وكانت هذه المسألة نائمة فأيقظتها ~~الأحداث الطارئة في هذه الأيام، إذ أسقط الترك دولة آل عثمان، وأسسوا من ~~أنقاضها فيهم دولة جمهورية بشكل جديد، من أصولها أنهم لا يقبلون أن يكون في ~~حكومتهم الجديدة سلطة لفرد من الأفراد لا باسم خليفة ولا باسم سلطان، وأنهم ~~قد فصلوا بين الدين والسياسة فصلا تاما ولكنهم سموا أحد أفراد أسرة ~~السلاطين السابقين خليفة روحيا ms005 لجميع المسلمين، وحصروا هذه الخلافة في هذه ~~الأسرة، كما بينا ذلك بالتفصيل في هذا الجزء وما قبله من المنار. لذلك كثر ~~خوض الجرائد في مسألة الخلافة وأحكامها، فكثر الخلط والخبط فيها، ولبس الحق ~~بالباطل، فرأينا من الواجب علينا أن نبين أحكام شريعتنا فيها بالتفصيل الذي ~~يقتضيه المقام، ليعرف الحق من الباطل، وأن نقفى على ذلك بمقال آخر في مكان ~~نظام الخلافة من نظم الحكومات الأخرى، وسيرة المسلمين فيه، وما ينبغي لهم ~~في هذا الزمان. # وإن تأييدنا للحكومة التركية الجديدة، لمما يوجب علينا هذا البيان ~~والنصيحة، ونحن إنما نؤيدها لمكان الدين، ومصلحة المسلمين، وما أضعف ديننا ~~وأهله، إلا محاباتهم للأقوياء فيه، فكانت محاباة العلماء للملوك والخلفاء ~~وبالا عليهم وعلى الناس، وقد أخذ الله الميثاق على العلماء {لتبيننه للناس ~~ولا تكتمونه} {ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون} ومن ~~الله نستمد الصواب، ونسأله الحكمة وفصل الخطاب: PageV01P013 # فارغة PageV01P014 ### | AUTO التعريف بالخلافة الإسلامية ووجوبها شرعا PageV01P015 ~~فارغة PageV01P016 ### | AUTO التعريف بالخلافة # الخلافة، والإمامة العظمى، وإمارة المؤمنين، ثلاث كلمات معناها واحد، وهو ~~رئاسة الحكومة الإسلامية الجامعة لمصالح الدين والدنيا. # قال العلامة الأصولي المحقق السعد التفتازاني في متن مقاصد الطالبين، في ~~علم أصول عقائد الدين: الفصل الرابع - أي من العقائد السمعية - ففي ~~الإمامة، وهي رئاسة عامة في أمر الدين والدنيا خلافة عن النبي [صلى الله ~~عليه وسلم] # وقال العلامة الفقيه أبو الحسن علي بن محمد الماوردي في كتابه الأحكام ~~السلطانية: الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا. # وكلام سائر علماء العقائد والفقهاء من جميع مذاهب أهل السنة لا يخرج عن ~~هذا المعنى، إلا أن الإمام الرازي زاد قيدا في التعريف فقال: هي رئاسة عامة ~~في الدين والدنيا لشخص واحد من الأشخاص. . وقال: هو احتراز عن كل الأمة إذا ~~عزلوا الإمام لفسقه. . قال السعد في شرح المقاصد بعد ذكر هذا القيد في ~~التعريف وما علله به: (وكأنه أراد بكل الأمة أهل الحل والعقد واعتبر ~~رئاستهم على من عداهم أو على كل من أحاد الأمة) . PageV01P017 ### | AUTO حكم ms006 الإمامة أو نصب الخليفة # أجمع سلف الأمة، وأهل السنة، وجمهور الطوائف الأخرى على أن نصب الإمام - ~~أي توليته على الأمة - واجب على المسلمين شرعا لا عقلا فقط كما قال بعض ~~المعتزلة، واستدلوا بأمور لخصها السعد في متن المقاصد بقوله: لنا وجوه: ~~(الأول) الإجماع وبين في الشرح أن المراد إجماع الصحابة قال: وهو العمدة، ~~حتى قدموه على دفن النبي [صلى الله عليه وسلم] (الثاني) أنه لا يتم إلا به ~~ما وجب من إقامة الحدود وسد الثغور ونحو ذلك مما يتعلق بحفظ النظام ~~(الثالث) أن فيه جلب منافع ودفع مضار لا تحصى وذلك واجب إجماعا (الرابع) ~~وجوب طاعته ومعرفته بالكتاب والسنة، وهو يقتضي وجوب حصوله وذلك بنصبه اه. ~~ومعنى الأخير أن ما أجمعوا عليه من وجوب طاعته في المعروف شرعا ووجوب ~~معرفته بالكتاب والسنة وكونها من أهم شروطه يقتضي أن نصبه واجب شرعا، وقد ~~أطال السعد في شرح المقاصد في بيان هذه الوجوه وما اعترض به بعض المبتدعة ~~المخالفين عليها والجواب عنها. # وقد غفل هو وأمثاله عن الاستدلال على نصب الإمام بالأحاديث الصحيحة ~~الواردة في التزام جماعة المسلمين وإمامهم، وفي بعضها التصريح بأن # " من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية " رواه مسلم من حديث لابن ~~عمر مرفوعا، وسيأتي حديث حذيفة المتفق عليه وفيه قوله [صلى الله عليه وسلم] له # " تلزم جماعة المسلمين وإمامهم ". ### | AUTO من ينصب الخليفة ويعزله؟ : # اتفق أهل السنة على أن نصب الخليفة فرض كفاية، وأن المطالب به أهل الحل ~~والعقد في الأمة، ووافقهم المغتزلة والخوارج على أن الإمامة تنعقد ببيعة ~~أهل الحل والعقد. . ولكن اضطرب كلام بعض العلماء في أهل الحل والعقد من هم؟ ~~وهل تشترط مبايعتهم كلهم أم يكتفي بعدد معين منهم؟ أم لا يشترط العدد؟ وكان ~~ينبغي أن تكون تسميتهم بأهل الحل والعقد مانعة من الخلاف فيهم، إذ المتبادر ~~منه أنهم زعماء الأمة وأولو المكانة وموضع الثقة من سوادها الأعظم، بحيث ~~تتبعهم في PageV01P018 ~~طاعة من يولونه عليها فينتظم به أمرها، ويكون بمأمن من عصيانها وخروجها ms007 ~~عليه، قال السعد في شرح المقاصد كغيره من المتكلمين والفقهاء: هم العلماء ~~والرؤساء ووجوه الناس زاد في المنهاج للنووي الذين يتيسر اجتماعهم. وعلله ~~شارحه الرملى بقوله لأن الأمر ينتظم بهم ويتبعهم سائر الناس. وهذا التعليل ~~هو غاية التحقيق منطوقا ومفهوما فإذا لم يكن المبايعون بحيث تتبعهم الأمة ~~فلا تنعقد الإمامة بمبايعتهم. . وهذا هو المأخوذ من عمل الصحابة (رضي الله ~~عنهم) في تولية الخلفاء الراشدين، فإن عمر عد البدء في بيعة أبي بكر فلتة ~~لأنه وقع قبل أن يتم التشاور بين جميع أهل الحل والعقد إذ لم يكن في سقيفة ~~بني ساعدة أحد من بني هاشم وهم في ذروتهم، وتضافرت الروايات بأن أبا بكر ~~(رضي الله عنه) أطال التشاور مع كبراء الصحابة في ترشيح عمر فلم يعبه أحد ~~له بشيء إلا شدته، وإن كانوا يعترفون أنها في الحق، فكان يجيبهم بأنه يراه ~~يلين فيشتد هو - وهو وزيره - ليعتدل الأمر، وأن الأمر إذا آل إليه يلين في ~~موضع اللين ويشتد في موضع الشدة، حتى إذا رأى أنه أقنع جمهور الزعماء - وفي ~~مقدمتهم علي كرم الله وجهه - صرح باستخلافه فقبلوا ولم يشذ منهم أحد، ولما ~~طعن عمر رأى حصر الشورى الواجبة في الزعماء الستة الذين مات الرسول [صلى ~~الله عليه وسلم] وهو عنهم راض لعلمه بأنه لا يتقدم عليهم أحد ولا يخالفهم ~~فيما يتفقون عليه أحد، لأنهم هم المرشحون للإمامة دون سواهم (وهم عثمان ~~وعلي وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف، ولما أخرج نفسه ~~عبد الرحمن بن عوف منهم وجعلوا له الاختيار بقي ثلاثا لا تكتحل عينه بكثير ~~نوم وهو يشاور كبراء المهاجرين والأنصار، ولما رجع عثمان دعا المهاجرين ~~والأنصار وأمراء الأجناد فلما اجتمعوا عند منبر رسول الله [صلى الله عليه ~~وسلم] بعد صلاة الفجر صرح لهم باختياره لعثمان وبايعه هؤلاء كلهم، رواه ~~البخاري في صحيحه وغيره. . والمراد بأمراء الأجناد ولاة الأقطار الكبرى مصر ~~والشام وحمص والكوفة والبصرة وكانوا قد حجوا مع عمر في ذلك العام وحضروا ~~معه المدينة. ms008 ولما شذ أحد هؤلاء الولاة - وهو معاوية فلم يبايع عليا كرم ~~الله وجهه مع إجماع سائر المسلمين على مبايعته - كان من الفتنة وتفرق ~~الكلمة ما كان. . وإنما تصح المبايعة باتفاقهم، أو اتفاق الرؤساء الذين يتبعهم PageV01P019 ~~غيرهم، ومن لم يتبعهم بالاختيار، سهل عليهم إكراهه بقوة الأمة على الطاعة ~~والانقياد. . ومن رؤسائهم في هذا العصر قواد الجيش كوزيرى الحربية والبحرية ~~وأركان الحرب لهما. . ومتى تمت البيعة في العاصمة وجب أن تتبعها الولايات ~~بمبايعة ولاتها إذا كانوا يتبعون فيها، وإلا وجب أن ينضم إليهم زعماء أهلها ~~من العلماء والقواد وغيرهم. . # وغلط بعض المعتزلة والفقهاء فقالوا: إن البيعة تنعقد دائما بخمسة ممن ~~يصلح للإمامة بدليل ما أشار به عمر إذ حصر الشورى في المرشحين الستة وقبل ~~جميع الصحابة منه ذلك فكان إجماعا. . نعم كان إجماعا على الشورى وعلى أولئك ~~الستة في تلك الواقعة، لا إجماعا على ذلك العدد في كل مبايعة، وقالوا إن ~~مذهب الأشعرى أنها تنعقد بعقد واحد منهم إذا كان بمشهد من الشهود وهو غلط ~~واضح؟ وقد ذكر هذا القول الفقهاء مقيدا بما إذا انحصر الحل والعقد فيه بأن ~~وثق زعماء الأمة به وفوضوا أمرهم إليه، وهذا لم يقع وينذر أن يقع. . وإمامة ~~عثمان لم تكن بمبايعة عبد الرحمن بن عوف وحده بل كانت عامة لا خاصة به، ~~وكذلك مبايعة عمر لأبي بكر، فإن الإمامة لم تنعقد بمبايعته وحده، بل ~~بمتابعة الجماعة له، وقد صح أن عمر أنكر على من زعم أن البيعة تنعقد بواحد ~~من غير مشاورة الجماعة وكان بلغه هذا القول في أثناء حجه فعزم على بيان ~~حقيقة أمر المبايعة وما يشترط فيها من الشورى على جماهير الحجاج فذكره ~~بعضهم بأن الموسم يجمع أخلاط الناس ومن لا يفهمون المقال، فيطيرون به كل ~~مطار، وأنه يجب أن يرجئ هذا البيان إلى أن يعود إلى المدينة فيلقيه على أهل ~~العلم والرأي ففعل ... # قال على منبر الرسول [صلى الله عليه وسلم] : بلغني أن قائلا منكم يقول ~~والله لو مات عمر لبايعت فلانا، فلا ms009 يغترن امرؤ أن يقول إن بيعة أبي بكر ~~كانت فلتة فتمت، ألا وإنها قد كانت كذلك ولكن وقى الله شرها، وليس فيكم من ~~تتطلع إليه الأعناق مثل أبي بكر، من بايع رجلا من غير مشورة من المسلمين ~~فلا يبايع هو ولا الذي بايعه لغرة أن يقتلا. ثم ساق خبر بيعة أبي بكر وما ~~كان يخشى من وقوع الفتنة بين المهاجرين والأنصار لولا تلك المبادرة ~~بمبايعته للثقة PageV01P020 ~~بقبول سائر المسلمين، رواه البخاري، وقد أقرت جماعة الصحابة عمر على ذلك ~~فكان إجماعا فتقرر بهذا، إن الأصل في المبايعة أن تكون بعد استشارة جمهور ~~المسلمين واختيار أهل الحل والعقد ولا تعتبر مبايعة غيرهم إلا أن تكون تبعا ~~لهم. . وأن عمل عمر (رضي الله عنه) خالف هذا الأصل القطعي فكان فلتة ~~لمقتضيات خاصة لا أصلا شرعيا يعمل به، ومن تصدى لمثله فبايع أحدا فلا يصح ~~أن يكون هو ولا من بايعه أهلا للمبايعة، بل يكون ذلك تغريرا بأنفسهما قد ~~يفضي إلى قتلهما إذ أحدث في الأمة شقاقا وفتنة. ### | AUTO سلطة الأمة ومعنى الجماعة # قال الله تعالى في وصف المؤمنين {وأمرهم شورى بينهم} والقرآن يخاطب جماعة ~~المؤمنين بالأحكام التي يشرعها حتى أحكام القتال ونحوها من الأمور العامة ~~التي لا تتلعق بالأفراد كما بيناه في التفسير، وقد أمر بطاعة أولي الأمر - ~~وهم الجماعة - لا ولي الأمر، وذلك أن ولي الأمر واحد منهم، وإنما يطاع ~~بتأييد جماعة المسلمين الذين بايعوه له وثقتهم به، ويدل على هذا المعنى ما ~~ورد من الأحاديث الصحيحة في التزام الجماعة وكون طاعة الأمير تابعة لطاعتهم ~~واجتماع الكلمة بسلطتهم كحديث ابن عباس في الصحيحين عن النبي [صلى الله ~~عليه وسلم] قال: # " من رأى من أميره شيئا فليصبر عليه فإن من فارق الجماعة شبرا فمات مات ~~ميتة جاهلية " ولما أخبر النبي [صلى الله عليه وسلم] حذيفة بن اليمان بما ~~يكون في الأمة من الفتن في الحديث الصحيح المشهور قال: فما تأمرني إن ~~أدركني ذلك؟ قال [صلى الله عليه وسلم] : " تلزم جماعة المسلمين " وإمامهم " ~~قال ms010 قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال " فاعتزل تلك الفرق كلها " ~~إلخ. . وفي بعض الأحاديث بيان أن الجماعة وهم السواد الأعظم أي بالنسبة إلى ~~صدر الإسلام. # ومن الأدلة على سلطة الأمة - واستدلوا به على الإجماع - حديث " لا تجتمع ~~أمتي على ضلالة - وفي لفظ لن تجتمع - وفي رواية زيادة ويد الله على الجماعة ~~فمن شذ شذ في النار " وفي أخرى " سألت ربي ألا تجتمع على ضلالة وأعطانيها " ~~وهو في مسند أحمد وجامع الترمذي والكبير للطبراني ومستدرك الحاكم ... PageV01P021 # قال الطبري بعد ذكر الخلاف في الجماعة، ومنه حصر بعضهم إياه في الصحابة: ~~والصواب لزوم الجماعة الذين في طاعة من اجتمعوا على تأميره، فمن نكث بيعته ~~خرج عن الجماعة (قال) وفي الحديث أنه متى لم يكن للناس إمام فافترق الناس ~~أحزابا فلا يتبع المسلم أحدا في الفرقة ويعتزل الجميع إن استطاع ذلك خشية ~~من الوقوع في الشر. . نقله عنه الحافظ في شرح البخاري وأقره. . # هؤلاء الجماعة هم أولو الأمر من المسلمين وأهل الحل والعقد والإجماع ~~المطاع. . ومنهم كبار الحكام، وأهل الشورى لدى الإمام، ومتى خوطب المؤمنون ~~في الكتاب والسنة وآثار الصحابة في أمر من الأمور العامة فهم المعنيون ~~المطالبون بتنفيذ الأمر، ومراقبة المنفذ: ومن الآثار الدالة على الإجماع في ~~ذلك قول أبي بكر (رضي الله عنه) في خطبته الأولى بعد المبايعة: " أما بعد ~~فقد وليت عليكم ولست بخيركم فإذا استقمت فأعينوني، وإذا زغت فقوموني ". . ~~وروى نحوه عن عمر وعثمان: وهم الذين فرضوا له راتب الخلافة كرجل من أوساط ~~المهاجرين لا أعلاهم ولا أدناهم. . # وفي متن المواقف للعضد: وللأمة خلع الإمام وعزله بسبب يوجبه، وإن أدى إلى ~~الفتنة احتمل أدنى المضرتين. . وقال شارحه السيد الجرجاني في بيان السبب: ~~مثل أن يوجد منه ما يوجب اختلال أحوال المسلمين، وانتكاس أمور الدين. . كما ~~كان لهم نصبه وإقامته لإنتظامها وإعلائها. . وسيأتي مثله لإمام الحرمين. # وقد تقدم في التعريف بالخلافة قول الرازي إن الرئاسة العامة هي حق الأمة ~~التي لها أن تعزل الإمام (الخليفة) إذا رأت موجبا ms011 لعزله، وقد فسر السعد ~~معنى هذه الرئاسة لئلا تستشكل فيقال إذا كانت الرئاسة للأمة فمن المرءوس؟ ~~فقال إنه يريد بالأمة أهل الحل والعقد أي الذين يمثلون الأمة بما لهم فيها ~~من الزعامة والمكانة، ورئاستهم تكون على من عداهم أو على جميع أفراد الأمة. ~~. والثاني هو الصحيح، ويؤيد هذا تفسير الرازي لأولى الأمر في قوله تعالى ~~58: 4 {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} ~~فقد حقق أن المراد بأولي الأمر أهل الحل والعقد الذين يمثلون سلطة الأمة. ~~وقد تابعه على هذا النيسابوري واختاره الأستاذ الإمام، ووضحناه في التفسير ~~مستدلين عليه بقوله تعالى (وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ~~ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه PageV01P022 ~~منهم} ومن المعلوم بالضرورة أن أولي الأمر الذين كانوا مع الرسول يرد إليهم ~~معه أمر الأمن والخوف وما اشبههما من المصالح العامة ليسوا علماء الفقه ولا ~~الأمراء والحكام، بل أهل الشورى من زعماء المسلمين. ### | AUTO شروط أهل الاختيار للخليفة: # اشترط العلماء في جماعة المسلمين أهل الحل والعقد شروطا بينها الماوردي ~~في الأحكام السلطانية بقوله: # (فصل) فإذا ثبت وجوب الإمامة ففرضها على الكفاية كالجهاد وطلب العلم فإذا ~~قام بها من هو أهلها سقط فرضها عن الكافة وإن لم يقم بها أحد خرج من الناس ~~فريقان (أحدهما) أهل الاختيار حتى يختاروا إماما للأمة (والثاني) أهل ~~الإمامة حتى ينتصب أحدهم للإمامة. . # فأما أهل الاختيار فالشروط المعتبرة فيهم ثلاثة (أحدها) العدالة الجامعة ~~لشروطها (والثاني) العلم الذي يتوصل به إلى معرفة من يستحق الإمامة على ~~الشروط المعتبرة فيها (والثالث) الرأي والحكمة المؤديان إلى اختيار من هو ~~للإمامة أصلح، وبتدبير المصالح أقوم وأعرف. . وليس لمن كان في بلد الإمام ~~على غيره من أهل البلاد فضل مزية يقدم بها عليه، وإنما صار من يحضر ببلد ~~الإمام متوليا لعقد الإمامة عرفا وشرعا لسبوق علمهم بموته، ولأن من يصلح ~~للإمامة في الأغلب موجود في بلده اه (فتح الباري) . . # أقول: لهذه الشروط مأخذ من هدى ms012 السلف فقد قال الطبري: لم يكن في أهل ~~الإسلام أحد له من المنزلة في الدين والهجرة والسابقة والعقل والعلم ~~والمعرفة بالسياسة ما للستة الذين جعل عمر الأمر شورى بينهم. PageV01P023 # أما العدالة التي هي الشرط الأول فهي عند الفقهاء عبارة عن التحلي بالفرائض ~~والفضائل، والتخلي عن المعاصي والرذائل، وعما يخل بالمروءة أيضا، واشترط ~~بعضهم فيها أن تكون ملكة لا تكلفا، ولكن التكلف إذا التزم صار خلقا. . # وأما العلم فيعنون به علم الدين ومصالح الأمة وسياستها وإذا أطلقوه كان ~~المراد به العلم الاستقلالي المعبر عنه بالاجتهاد، ويفهم من كلام بعضهم أن ~~الاجتهاد في الشرع شرط في مجموعهم لا في كل فرد منهم، فقد قال في الروضة ~~وأصلها أنه يشترط أن يكون فيهم مجتهد. . وتقييده شرط العلم بما قيده به يدل ~~على أنه يختلف باختلاف الزمان فإن استحقاق الإمامة في هذا العصر يتوقف على ~~علوم لم يكن يتوقف عليها في العصور القديمة، وقد ذكر بعض العلماء أن من ~~مرجحات اختيار الصحابة لأبي بكر (رض) أنه كان أعلمهم بأنساب العرب ~~وبأحوالهم وقواتهم، ولأجل هذا لم يهب من قتال أهل الردة ما هابه عمر، ولابد ~~الآن للإمام وجماعة الشورى (أهل الحل والعقد) الذين هم قوام إمامته وأركان ~~حكومته من العلم بالقوانين الدولية والمعاهدات العامة، وبأحوال الأمم ~~والدول المجاورة لبلاد الإسلام وذات العلاقات السياسية والتجارية بها من ~~حيث سياستها وقوتها وما يخاف ويرجى منها، وما يحتاج إليه لا تقاء ضررها ~~والانتفاع بها. . # ومن الآثار في ذلك قول الحافظ في الكلام على مبايعة عثمان من (الفتح) : ~~والذي يظهر من سيرة عمر في أمرائه الذين كان يؤمرهم في البلاد أنه كان لا ~~يراعي الأفضل في الدين فقط بل يضم إليه مزيد المعرفة بالسياسة مع اجتناب ما ~~يخالف الشرع فيها فلأجل ذلك استخلف (أي أمر) معاوية والمغيرة بن شعبة وعمرو ~~بن العاص مع وجود من هو أفضل منهم في أمر الدين والعلم كأبي الدرداء في ~~الشام وابن مسعود في الكوفة. . وسيرة أبي بكر وعمر في الخلافة يقتدى بها ~~ولا ms013 سيما في الأمور العامة الكلية التي تسمى سنة بدليل اشتراط عبد الرحمن ~~إياها مع سنة الرسول على علي وعدم ترجيحه لعدم جزمه في الجواب أو تقييده ~~بالاستطاعة وترجيحه لعثمان لجزمه بغير قيد لأن سنتهما نالت الاجماع ولقوله ~~( [صلى الله عليه وسلم] ) # " اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر " رواه أحمد والترمذي وابن ماجه ~~عن حذيفة وصححوه، وبالغ فقهاء PageV01P024 ~~المذاهب المدونة فعدوا أعمال عمر قواعد في الجزئيات كالخراج ومعاملة أهل ~~الذمة وهي أعمال اجتهادية تتبع المصلحة. . # وهذا العلم هو المادة لما ذكر في الشرط الثالث من الحكمة وجودة الرأي. ~~ولم يشترط قوة العصبية فيهم لأن المفروض أنهم أهل الحل والعقد الذين تعتمد ~~عليهم الأمة في أمورها العامة، وأن أحكام الشرع فيها هي الحاكمة والنافذة، ~~وأن المسلمين لا يدينون إلا بها، ولا يخضعون إلا لمن ينفذها، وأما التغلب ~~بعصبية الجنس فليس من هدى الإسلام في شيء، بل هو خروج عن هدايته، وحكمه فيه ~~سيذكر بعد. . # فعلم مما تقدم أن لقب أهل الحل والعقد مراد به معنى المصدرين فيه بالقوة ~~وبالفعل وهم الرؤساء الذين تتبعهم الأمة في أمورها العامة، وأهمها نصب ~~الإمام الأعظم وكذا عزله إذا ثبت عندهم وجوب ذلك، ومن يملك التولية يملك ~~العزل، كما تقدم بيانه في مسألة سلطة الأمة، قال إمام الحرمين في الإمام ~~الذي " جار وظهر ظلمه وغشمه ولم يرعو لزاجر عن سوء صنيعه: فلأهل الحل ~~والعقد التواطؤ على ردعه ولو بشهر السلاح ونصب الحروب " ومن ظن أن كل من ~~يوصف بالعلم والوجاهة تنعقد ببيعتهم الإمامة ويجب على الأمة اتباعهم فيها ~~فقد جهل معنى الحل والعقد ومعنى الجماعة والإجماع، وما تقدم من الأخبار ~~والآثار، ومن كلام المحققين في المسألة ولا سيما شروط أهل الاختيار. . ### | AUTO الشروط المعتبرة في الخليفة: # قال السعد: وقد ذكر في كتبنا الفقهية أنه لابد للأمة من إمام يحيى الدين ~~ويقيم السنة وينتصف للمظلومين ويستوفي الحقوق ويضعها مواضعها. ويشترط أن ~~يكون مكلفا مسلما عدلا حرا ذكرا مجتهدا شجاعا ذا رأي وكفاية سميعا بصيرا ~~ناطقا قرشيا. . فإن ms014 لم يوجد في قريش من PageV01P025 ~~يستجمع الصفات المعتبرة ولى كنانى، فإن لم يوجد فرجل من ولد إسماعيل فإن لم ~~يوجد فرجل من العجم اه. # والمراد بقوله مجتهدا الاجتهاد في الأحكام الشرعية، بالعلم بأدلتها ~~التفصيلية. . والتفصيل الأخير في حال فقد القرشى للشافعية وقيل إنه من فرض ~~مالا يقع، وكل ما قبله متفق عليه عند أهل السنة، إلا الحنفية فقد أجاز ~~بعضهم تولية غير العالم المجتهد لأنه يستعين بالمفتين المجتهدين كالقضاء، ~~وقد قال الشيخ قاسم بن قلطوبغا في حاشيته على المسايرة لشيخه الكمال بن ~~الهمام إن الشروط التي لا تنعقد الخلافة بدونها عند الحنفية هي الإسلام ~~والذكورة والحرية والعقل وأصل الشجاعة وأن يكون قرشيا. ا. ه أي وما عدا هذه ~~فشروط تقديم في الاختيار لا شروط انعقاد ووضح الماوردي هذه الشروط بقوله: # وأما أهل الإمامة فالشروط المعتبرة فيهم سبعة (أحدها) العدالة على شروطها ~~الجامعة (والثاني) العلم المؤدي إلى الاجتهاد في النوازل والأحكام ~~(والثالث) سلامة الحواس من السمع والبصر واللسان ليصح معها مباشرة ما يدرك ~~بها (والرابع) سلامة الأعضاء من نقص يمنع من استيفاء الحركة وسرعة النهوض ~~(والخامس) الرأي المفضى إلى سياسة الرعية وتدبير المصالح (والسادس) الشجاعة ~~والنجدة المؤدية إلى حماية البيضة وجهاد العدو (والسابع) النسب وهو أن يكون ~~من قريش لورود النص فيه، وانعقاد الإجماع عليه، ولا اعتبار بضرار حين شذ ~~فجوزها في جميع الناس لأن أبا بكر الصديق (رضي الله عنه) احتج يوم السقيفة ~~على الأنصار في دفعهم عن الخلافة لما بايعوا سعد بن عبادة عليها (أي أرادوا ~~مبايعته) بقول النبي [صلى الله عليه وسلم] # " الأئمة من قريش " فأقلعوا عن التفرد بها، ورجعوا عن المشاركة فيها حين ~~قالوا: منا أمير ومنكم أمير، تسليما لروايته، وتصديقا لخبره، ورضوا بقوله: ~~نحن الأمراء، وأنتم الوزراء وقال النبي [صلى الله عليه وسلم] # " قدموا PageV01P026 ~~قريشا ولا تقدموها " - أي ولا تتقدموها - وليس مع هذا النص شبهة لمنازع ~~فيها، ولا قول لمخالف له. . # أقول: قد تقدم الكلام في العدالة والعلم المشترطين في أهل الاختيار ~~للخليفة ويأتي مثله هنا ms015 بالأولى، أما الإجماع على اشتراط القرشية فقد ثبت ~~بالنقل والفعل، رواه ثقاة المحدثين، واستدل به المتكلمون وفقهاء مذاهب ~~السنة كلهم. وجرى عليه العمل بتسليم الأنصار وإذعانهم لنبي قريش ثم إذعان ~~السواد الأعظم من الأمة عدة قرون حتى إن الترك الذين تغلبوا على العباسيين ~~وسلبوهم السلطة بالفعل لم يتجرأ أحد منهم على ادعاء الخلافة ولا التصدي ~~لانتحالها حتى بالتغلب الذي يجئ الكلام فيه بعد، وما ذلك إلا لأن الأمة ~~كلها مجمعة على ما ذكر، معتقدة له دينا، بل كان الملوك والسلاطين المتغلبون ~~يستمدون السلطة منهم، أو كانوا يدعون النيابة عنهم. . # وأما الأحاديث في ذلك فكثيرة مستفيضة في جميع كتب السنة، وقد أخرجوها في ~~كتب الأحكام وأبواب الخلافة أو الإمارة والمناقب وغيرها، ولم يقع خلاف في ~~مضمون مجموعها بين أهل السنة من عرب ولا عجم، ولم يتصد أحد من علماء الترك ~~لتأويلها، وقد طبع بعض الكتب المثبتة لها في الآستانة بإذن نظارة المعارف ~~حتى في زمن السلطان عبد الحميد الذي لم يهتم بلقب الخليفة أحد مثله، ومنها ~~شرح المقاصد الذي نقلنا عنه هنا ما نقلنا، وكذا المواقف مع شرحه وحواشيه. . وحديث # " قدموا قريشا ولا تقدموها " الذي ذكره الماوردي رواه الشافعي والبيهقي ~~في المعرفة بلاغا وابن عدي في الكامل من حديث أبي هريرة والبزار في مسنده ~~من حديث علي كرم الله وجهه والطبراني في الكبير من حديث عبد الله بن السائب ~~بأسانيد صحيحة. . وفي معناه حديث أبي هريرة المرفوع في الصحيحين # " الناس تبع لقريش في هذا الشأن " ولا نريد ذكر بقية الأحاديث وإنما ~~خرجنا الحديث الذي اعتمده الماوردي وذكرنا ما يقرب منه في لفظه لأنه لم يخرجه # وحسبنا من قوة حديث # " الأئمة من قريش " من حيث الرواية قول الحافظ بن حجر في فتح الباري عند ~~ذكره في المناقب من صحيح البخاري ما نصه: قد جمعت طرقه عن نحو أربعين ~~صحابيا لما بلغني أن بعض فضلاء العصر ذكر أنه لم يرو إلا عن أبي بكر ~~الصديق. . وذكر الحافظ أن لفظ PageV01P027 ~~أبي بكر لسعد بن ms016 عبادة في السقيفة في مسند أحمد: والله لقد علمت يا سعد أن ~~رسول الله [صلى الله عليه وسلم] قال وأنت قاعد # " قريش ولاة هذا الأمر " فقال له سعد: صدقت. # فمن علم هذا لا يلتفت إلى ما يذكره بعض أهل هذا العصر من تأويل تلك ~~الأحاديث والبحث في أسانيد بعضها، أو من أن شرط القرشية من الشروط الخلافية ~~وإن قال هذا بعض كبار المتكلمين فإن هؤلاء يذكرون أمثال هذه الخلافات ~~الشاذة عن بعض المبتدعة لأجل الرد عليها، لا لأنها كالخلاف بين أئمة الحق ~~من المسائل الاجتهادية، وغرض من يماري أو يكتم شرط القرشية في هذا العصر ~~تصحيح خلافة سلاطين بني عثمان، وهذا مالا سبيل إليه عندأهل السنة المشترطين ~~للقرشية بإجماع مذاهبهم إلا بقاعدة التغلب، وأما عند الخوارج فلا سبيل إليه ~~البتة، لأنهم إنما أنكروا شرط القرشية منعا لحصر الإمامة في بيت معين. . ~~وماذا يضر العثمانيين أن تكون خلافتهم بالتغلب وقد قال بعض الفقهاء في بني ~~أمية وبني العباس كلهم أو جلهم مثل ذلك. . # وأما حكمة حصر النبي [صلى الله عليه وسلم] الخلافة الشرعية فيهم أو سببه ~~فقد ذكر المتكلمون والفقهاء فيه ما روى من قول أبي بكر الصديق. . للأنصار ~~في سقيفة بني ساعدة: من أنهم أوسط العرب نسبا ودارا، وأعزهم أحسابا. . وزاد ~~بعضهم ما كان الصديق في غنى عنه في ذلك الوقت وأجمع كلام لهم في هذا ما ~~ذكره الشيخ أحمد ولى الله الدهاوي في كتابه (حجة الله البالغة) وفي بعضه ~~نظر قال: # " والسبب المفضى لهذا أن الحق الذي أظهره الله على لسان نبيه [صلى الله ~~عليه وسلم] إنما جاء بلسان قريش وفي عاداتهم، وكان أكثر ماتعين من المقادير ~~والحدود ما هو عندهم، وكان المعد لكثير من الأحكام ما هو فيهم، فهم أقوم ~~به، وأكثر الناس تمسكا بذلك وأيضا فإن قريشا قوم النبي [صلى الله عليه ~~وسلم] وحزبه ولا فخر لهم إلا بعلو دين محمد [صلى الله عليه وسلم] ، وقد ~~اجتمع فيهم حمية دينية، وحيمة نسبية، فكانوا مظنة القيام بالشرائع والتمسك ms017 ~~بها، وأيضا فإنه يجب أن يكون الخليفة ممن لا يستنكف الناس من طاعته لجلالة نسبه PageV01P028 ~~وحسبه، فإن من لانسب له يراه الناس حقيرا ذليلا، وأن يكون ممن عرف منهم ~~الرئاسات والشرف، ومارس قومه جمع الرجال ونصب القتال، وأن يكون قومه أقوياء ~~يحمونه وينصرونه ويبذلون دونه الأنفس، ولم تجتمع هذه الأمور إلا في قريش، ~~ولاسيما بعد مابعث النبي [صلى الله عليه وسلم] ونبه به أمر قريش، وقد أشار ~~أبو بكر الصديق رضي الله عنه إلى ذلك فقال: " ولن يعرف هذا الأمر إلا لقريش ~~هم أوسط العرب دارا ... الخ ". # " وإنما لم يشترط كونه هاشميا مثلا لوجهين (أحدهما) ألا يقع الناس في ~~الشك فيقولوا إنما أراد ملك أهل بيته كسائر الملوك فيكون سببا للارتداد، ~~ولهذه العلة لم يعط النبي المفتاح (أي مفتاح الكعبة) للعباس بن عبد المطلب ~~رضي الله عنه (والثاني) أن المهم في الخلافة رضاء الناس به واجتماعهم عليه ~~وتوقيرهم إياه وأن يقيم الحدود ويناضل دون الملة وينفذ الأحكام، واجتماع ~~هذه الأمور لا يكون إلا في واحد بعد واحد، وفي اشتراط أن يكون من قبيلة ~~خاصة تضييق، وحرج فربما لم يكن في هذه القبيلة من تجتمع فيه الشروط وكان في ~~غيرها ". # وأقول: إن الله تعالى ختم دينه وأتمه وأكمله بكتابه الحكيم الذي أنزله ~~{قرآنا عربيا} و{حكما عربيا} على خاتم رسله العربي القرشي، واقتضت حكمته أن ~~يكون نشره في مشارق الأرض ومغاربها بدعوة قريش وزعامتهم، وقوة العرب وحماية ~~هذه الدعوة بسيوفهم، وكل من دخل في الإسلام من الأعجام وكان له عمل صالح ~~فيه كان تابعا لهم متلقيا عنهم، على مساواة الشرع في أحكامه بينهم، ونبوغ ~~كثير من مواليهم الذين استعربوا بالتبع لهم، وكانت قريش في جملة بطونها ~~أكمل العرب خلقا وأخلاقا وفصاحة وذكاء وفهما وقوة عارضة، كما كانت أصرح ~~نسبا في سلالة إسماعيل وأشرف تاريخا في العرب بفضائلها وفواضلها وخدمتها ~~لبيت الله تعالى، فكان مجموع هذه المزايا التي كملت بالإسلام مؤهلا لها ~~لاجتماع كلمة العرب عليها، ثم كلمة من يدخل في الإسلام من ms018 شعوب العجم ~~بالأولى، ولا سيما بعد النص من الرسول [صلى الله عليه وسلم] بذلك وإجماع أصحابة PageV01P029 ~~عليه، فحكمة جعله صلوات الله وسلامه عليه خلافة نبوته فيها وسببه أمران ~~(الأول) كثرة المزايا التي تنتشر بها الدعوة، وتكون بسبب طباع البشر سببا ~~لجمع الكلمة، ومنع المعارضة والمزاحمة أو ضعفها، وكذلك كان، فإن الناس ~~أذعنوا لهم على تنازعهم وكثرة من لم يقم بأعباء الخلافة منهم ولا أخذها ~~بحقها فلم يكونوا يبتغون بديلا من فرد أو بيت منهم، إلا إلى آخر منهم، وكان ~~افتئات بعض الأعاجم على بعض العباسيين فسقا على الشرع واعتداء على الحقوق ~~العامة كسائر أنواع الاعتداء على الأموال والأعراض (والثاني) أن تكون إقامة ~~الإسلام متسلسلة في سلائل أول من تلقاها ودعا إليها ونشرها حتى لا ينقطع ~~اتصال سيرها المعنوي والتاريخي، فإن الحقوق الخاصة من الملل والأمم وليدة ~~التاريخ وربيبته. # ألم تروا أن سيرة الخلفاء الراشدين تعد هي المثل الأعلى لأحكام الكتاب ~~والسنة النبوية وهديهما، وأن سيرة الخلفاء المدنيين من الأمويين والعباسيين ~~الذين نشروا الفنون والعلوم ورقوا الحضارة في الشرق والغرب تعد أصل المدنية ~~الإسلامية وسندها؟ أو لم تروا أن صلة العالم الإسلامي بمهد الإسلام الموضعي ~~(الحجاز) تعد في الدرجة الثانية لصلته بكتابه وسنته، حتى إن الخليفة الذي ~~نصبته الدولة التركية الجديدة في الآستانة، قد لقب نفسه بخادم الحرمين ~~الشريفين كالسلاطين الذين كان الحجاز خاضعا لهم؟ # ألم تعلموا أن الإسلام على حريته وسماحته قد خص الحجاز أو جزيرة العرب ~~بألا يبقى فيها دينان وأوصى بذلك النبي [صلى الله عليه وسلم] في آخر حياته؟ ~~ألم يبلغكم أن بعض المؤرخين من غير المسلمين قال: لو أن الجيش الذي فتح ~~جنوب فرنسا بعد فتح الأندلس كان كله أو أكثره عربيا لملك أوربا كلها ودان ~~له أهلها، وإنما انتقض الإفرنج عليه لأن أكثره كان من البربر الذين لم ~~يفهموا الإسلام ولم يلتزموا أحكامه في حفظ العهود والعدل وعدم الاعتداء على ~~الأموال والأعراض كالعرب، أفرأيتم لو جعل الإسلام خلافة النبوة مشاعا وتغلب ~~عليها العجم من القرون الأولى ms019 أكان يحفظ الإسلام ولغته كما حفظ بنشر خلفاء ~~قريش له من برهم وفاجرهم؟ وهذا بحث يتسع المجال لشرحه ولكن في غير هذا ~~المقال الذي نريد أن يكون بقدر الحاجة الطارئة. PageV01P030 # وقد أورد بعض فضلاء العصر شبهة على جعل الخلافة في قريش بأنها تعارض ما جاء ~~به الإسلام من المساواة ومن نزع العصبية وتسييد طائفة معينة على سائر ~~المسلمين بل جعلها كالشبهة التي أوردها بعض العلماء على الشيعة الذين ~~يحصرونها في العلويين من أنها تفتح باب الطعن في الإسلام لغير المؤمنين ~~بزعمهم أن النبي [صلى الله عليه وسلم] إنما أسس ملكا لأهل بيته، وكل ذلك ~~ظاهر البطلان، كما بيناه في موضع آخر من المنار. فإن قريشا بطون كثيرة ~~متفرقة وكان بينها من التعادي في الجاهلية ما بين غيرها من قبائل العرب ~~وبطونها ومنه عداوة بني عبد شمس لبني هاشم التي خفيت بعد فتح النبي [صلى ~~الله عليه وسلم] لمكة وتأليفه لأبي سفيان كبير بني أمية وفي خلافة أبي بكر ~~وعمر، وبدأ الاستعداد لإظهارها في خلافة عثمان وأظهرها معاوية بعده. ولم ~~يتجدد لقريش شأن في زمن الراشدين لم يكن لها ولا في زمن الأمويين ~~والعباسيين، إلا أن الأمويين كانت عندهم عصبية لأهل بيتهم ثم للعربية ~~فمقتهم العالم الإسلامي وقلبهم قبل أن يستكمل ملكهم قرنا واحدا. # ولم يكن لبني تميم في خلافة أبي بكر ولا لبني عدي في خلافة عمر أدنى ~~امتياز على أحد من أقرانهم، ونزوان بني أمية على مصالح الأمة في زمان عثمان ~~كان بسبب ضعفه، بنعرة عصبية منه، ولم يغفر له الرأي الإسلامي العام هذا بل ~~هاج الناس عليه حتى كان ذلك تمهيدا لتمكن أصحاب الدسائس الخفية في الإسلام ~~من قتله، أعنى دسائس حزب عبد الله بن سبأ اليهودي. . والمجوس مثيري الفتن ~~في الإسلام. وقد روى أن الإمام العادل العاقل عمر حذر عثمان وعليا وعبد ~~الرحمن من مثل هذا الإيثار للأقارب المنافي لهدى الإسلام والمفضي إلى فساد ~~الأمر. . فقال لهم لما جعل الأمر من الستة: إن الناس لن يعدوكم أيها ms020 ~~الثلاثة، فإن كنت يا عثمان في شيء من أمر الناس فاتق الله ولا تحملن بني ~~أمية وبني أبي معيط على رقاب الناس، وإن كنت يا علي فاتق الله ولا تحملن ~~بني هاشم على رقاب الناس، وقال لعبد الرحمن مثل ذلك. . ذكره الحافظ في شرح ~~البخاري، وقوله إن الناس لن يعدوكم مبنى على القاعدة التي قررناها وهي أن ~~أمر الخلافة للأمة لا للستة الزعماء الذين أراد عمر جمع كلمة الأمة بجمع ~~كلمتهم، لعلو مكانتهم فيها بمناقبهم، على أن النبي [صلى الله عليه وسلم] قد ~~أوعد قريشا في بعض الأحاديث بانتقام الله منهم إذا لم يقيموا الحق والعدل ~~والرحمة كما PageV01P031 ~~شرعها، والأحاديث في ذلك متعددة منها قوله [صلى الله عليه وسلم] # " يا معشر قريش إنكم أهل هذا الأمر مالم تحدثوا فإذا غيرتم بعث الله ~~عليكم من يلحاكم كما يلحى القضيب " رواه أحمد وأبو يعلى عن ابن مسعود بسند ~~رجاله ثقات وله طريق آخر بلفظ آخر وشواهد ومنها " الأمراء من قريش ما عملوا ~~فيكم بثلاث - ما رحموا إذا استرحموا، واقسطوا إذا قسموا، وعدلوا إذا حكموا ~~" رواه الحاكم عن أنس بسند حسن. . # هذا وإن العباسيين لم يحملوا بني هاشم على رقاب الناس بل كانوا أشد من ~~بني أمية وطأة على العلويين الذين هم خيارهم وفضلوا الفرس ثم الترك على ~~العرب، وأما العلويون فكانوا أزهد الناس في الدنيا وملكها، ولولا ذلك لسعوا ~~لها سعيها، ومن صح منه الهوى أرشد للحيل، ولم يتول أحد منهم الإمامة بعد أن ~~نزل عنها الإمام الحسن السبط عليه السلام إلا أئمة الزيدية في اليمن فكانوا ~~وما زالوا أفضل وأعدل أهل بيت تولوها بعد الراشدين. . وأما أدارسة المغرب ~~فيلقبون بالسلاطين وأما العبيديون فكانوا أدعياء في النسب وفي الإسلام ~~أيضا. . # وجملة القول أن الشعوبية أوردوا شبهات كثيرة على العرب وعلى قريش وأجاب ~~عنها العلماء كابن قتيبة وغيره، ولكل قوم محامد ومساوئ ودين الله فوق كل ~~شيء وما صح دليله وأجمعت عليه الأمة أو سوادها الأعظم في خير القرون لا ~~نقبل رأيا ولا ms021 بحثا في نقضه، وإلا لم يبق لنا شيء من ديننا، وما كانت أهواء ~~العصبية والمحاباة في الدين إلا فتنة لنا، وضارة بعربنا وعجمنا، وإن جهل ~~ذلك الكثيرون منا، وإن حكمة الشارع [صلى الله عليه وسلم] في جعل خلافة ~~نبوته في قريش منزهة عن العصبية الجاهلية التي حرمها، ولبابها مكان قريش من ~~هذا الدين وكتابه ونبيه ولغته وأهلها. . إذ لم تقم له قائمة إلا بدعوتهم ~~ولغتهم، ثم لم يخدمه أحد من الأعاجم إلا من أتقنها، فخدمه أولا من استعرب ~~من الفرس وغيرهم، ثم جدد قوة دولته العثمانيون من الترك، بعد أن مزق شمله ~~وأضعفه سلفهم، وسنبين بعد ما يجب له علينا وعليهم. . ### | AUTO صيغة المبايعة: # الإمامة عقد تحصل بالمبايعة من أهل الحل والعقد لمن اختاروه إماما للأمة ~~بعد التشاور بينهم، والأصل في البيعة أن تكون على الكتاب والسنة وإقامة ~~الحق والعدل من قبله وعلى السمع والطاعة في المعروف من قبلهم. ففي الصحيح ~~أن عبد الرحمن PageV01P032 ~~ابن عوف قال في مبايعته لعثمان: أبايعك على سنة الله ورسوله والخليفتين من ~~بعده، وبايعه الناس على ذلك. وإن الناس لما اجتمعوا على عبد الملك بن مروان ~~بعد قتل عبد الله بن الزبير بايعه عبد الله بن عمر (رضي الله عنه) بعد أن ~~امتنع عن مبايعتهما معا لأجل الخلاف والتفرقة. فكتب إليه: إني أقر بالسمع ~~والطاعة لعبد الله عبد الملك أمير المؤمنين على سنة الله ورسوله فيما ~~استطعت، وإن بنى قد أقروا بذلك. # وكان الصحابة يبايعون النبي [صلى الله عليه وسلم] على السمع والطاعة في ~~المنشط والمكره وقول الحق والقيام به فيما استطاعوا وعدم عصيانه في ~~المعروف، كما قال تعالى في مبايعة النساء له (ولا يعصينك في معروف) وقد صح ~~أن النبي [صلى الله عليه وسلم] هو الذي كان يلقنهم قيد الاستطاعة عند ~~المبايعة وقد بايعوه أيضا على الإسلام وعلى الهجرة وعلى الجهاد والصبر وعدم ~~الفرار من القتال وعلى بيعة النساء المنصوصة في القرآن. والأحاديث في هذا ~~معروفة في الصحيحين والسنن. نخص بالذكر منها حديث عبادة ms022 بن الصامت المتفق ~~عليه ولفظه كما في كتاب الفتن من البخاري: دعانا النبي [صلى الله عليه ~~وسلم] فبايعنا فقال فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ~~ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثره علينا وألا ننازع الأمر أهله # " إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان " ولفظه في باب ~~المبايعة من كتاب الأحكام " بايعنا رسول الله [صلى الله عليه وسلم] على ~~السمع والطاعة في المنشط والمكره وألا ننازع الأمر أهله، وأن نقوم وأن نقول ~~بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم " قال الحافظ في شرح حديث ~~البخاري في المبايعة على السمع والطاعة الذي تقدم في الأصل عند قوله فيه من ~~كتاب الفتن " وألا ننازع الأمر أهله " أي الملك والإمارة. . # وجملة القول أن العلماء اتفقوا على وجوب الخروج على الإمام بالكفر ~~واختلفوا في الظلم والفسق لتعارض الأدلة ومنها سد ذريعة الفتنة والتحقيق ~~المختار أن على الأفراد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بشروطهما دون ~~الخروج على ولي الأمر بالقوة، وأما أهل الحل والعقد فيجب عليهم ما يرون فيه ~~المصلحة الراجحة حتى القتال وقد تقدم النقل في هذا في مسألة سلطة الأمة ~~وسنعود إليه في بحث ما يخرج به الإمام عن الخلافة. . PageV01P033 ### | AUTO ما يجب على الأمة بالمبايعة: # ومتى تمت المبايعة وجب بها على المبايعين وسائر الأمة بالتبع لهم الطاعة ~~للإمام في غير معصية الله والنصرة له، وقتال من بغى عليه أو استبد بالأمر ~~دونه، وسيأتي الكلام على دار العدل والجماعة، وما يتعلق بها كحكم الهجرة. . # وأهم ما يجب التذكير به من طاعة الإمام الحق على كل مسلم وكذا إمام ~~الضرورة أو التغلب على كل من بايعه بالذات ومن لزمته بيعة أهل الحل والعقد ~~- أداء زكاة المال والأنعام والزرع والتجارة - والجهاد الواجب وجوبا كفائيا ~~على مجموع الأمة والواجب وجوبا عينيا على أفرادها رجالا ونساء على ما هو ~~مبين في كتب الفقه، كما يجب عليهم طاعة من ولاهم أمر البلاد من الولاة ~~السياسيين والقضاة وقواد الجيوش دون غيرهم، ويجب على ms023 هؤلاء الخضوع له فيما ~~يقيد به سلطتهم وفي عزله إياهم إذا عزلهم، والشرط العام في الطاعة ألا تكون ~~في معصية لله تعالى والأحاديث الصحيحة في هذا معروفة ومجمع على معناها. . # ومن الأخبار والآثار التي يحسن إيرادها هنا ما رواه مسلم في صحيحه عن عبد ~~الرحمن بن عبد رب الكعبة قال: دخلت المسجد فإذا عبد الله بن عمرو بن العاص ~~جالس في ظل الكعبة والناس مجتمعون عليهم فأتيتهم فجلست إليه فقال: كنا مع ~~رسول الله [صلى الله عليه وسلم] في سفر فنزلنا منزلا فمنا من يصلح خباءه ~~ومنا من ينتضل ومنا من هو في جشره إذ نادى منادي رسول الله [صلى الله عليه ~~وسلم] " الصلاة جامعة " فاجتمعنا إلى رسول الله [صلى الله عليه وسلم] فقال: # " إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه ~~لهم وينذرهم شر ما يعلمه لهم، وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها، وسيصيب ~~آخرها بلاء وأمور تنكرونها، وتجئ فتنة فيرقق بعضها بعضا وتجئ الفتنة فيقول ~~المؤمن هذه مهلكتي ثم تنكشف وتجئ الفتنة فيقول المؤمن هذه هذه، فمن أحب أن ~~يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر ~~وليأت إلى الناس الذي يجب أن يؤتى إليه. . ومن بايع إماما فأعطاه صفقة يدة، وثمرة PageV01P034 ~~قلبه. . فليطعه إن استطاع فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر " فدنوت ~~منه فقلت له: أنشدك الله آنت سمعت هذا من رسول الله [صلى الله عليه وسلم] ؟ ~~فأهوى إلى أذنيه وقلبه بيديه وقال سمعته أذناي ووعاه قلبي، فقلت له هذا ابن ~~عمك معاوية يأمرنا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل ونقتل أنفسنا والله يقول ~~{يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة ~~عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما} قال فسكت ساعة ثم ~~قال: أطعه في طاعة الله وأعصه في معصية الله. . # وقد أعز الله البشر بالإسلام، ومقتضى الكتاب والسنة أنه لا طاعة ولا خضوع ms024 ~~فيه إلا لله تعالى، وطاعة الرسول من طاعته لقوله: {من يطع الرسول فقد أطاع ~~الله} وطاعة أولى الأمر كذلك لقوله: {وأولي الأمر منكم} ولذلك اشترط فيها ~~أن تكون في تنفيذ أصول شرعه أو فروعه. . وقد قال بعض أمراء بني أمية لبعض ~~علماء التابعين: أليس الله قد أمركم بأن تطيعونا في قوله: {وأولي الأمر ~~منكم} ؟ فقال له: أليس قد نزعت عنكم - يعني الطاعة - إذ خالفتم الحق بقوله: ~~{فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم ~~الآخر} ؟ نقله الحافظ في الفتح: قال ومن بديع الجواب وذكره. . على أن أولى ~~الأمر هنا الجماعة أي الأمة كما تقدم. . ### | AUTO ما يجب على الإمام للملة والأمة: # يجب على الإمام نشر دعوة الحق، وإقامة ميزان العدل، وحماية الدين من ~~الاعتداء والبدع، والمشاورة في كل ما ليس فيه نص، وهو مسئول عن عمله يراجعه ~~كل أحد من الأمة فيما يراه أخطأ فيه، يحاسبه عليه أهل الحل والعقد، وقد قال ~~رسول الله [صلى الله عليه وسلم] # " الإمام الذي على الناس راع وهو مسئول عن رعيته " رواه الشيخان من حديث ~~لابن عمر وغيرهما. . وقد بين الماوردي ما يجب عليه في متأخرها أشد مما ~~قبله، فيعد المتقدم رقيقا بالإضافة إلى ما بعده. . عشر قواعد كلية لم يذكر ~~منها مسألة المشاورة، على كثرة النصوص فيها، واستفاضة آثار الراشدين في ~~الجري عليها، اتباعا لما صح من عمل النبي [صلى الله عليه وسلم] بها، قال: " ~~والذي يلزمه من الأمور العامة عشر أشياء: PageV01P035 # أحدها حفظ الدين على أصوله المستقرة، وما أجمع عليه سلف الأمة، فإن نجم ~~مبتدع أوزاغ ذو شبهة عنه، أوضح له الحجة وبين له الصواب، وأخذه بما يلزمه ~~من الحقوق والحدود، ليكون الدين محروسا من خلل، والأمة ممنوعة من زلل ~~(والثاني) تنفيذ الأحكام بين المتشاجرين، وقطع الخصام بين المتنازعين حتى ~~تعم النصفة فلا يتعدى ظالم، ولا يضعف مظلوم (الثالث) حماية البيضة والذب عن ~~الحريم، ليتصرف الناس في المعايش وينتشروا في الأسفار، آمنين من تغرير بنفس ~~أو مال ms025 (والرابع) إقامة الحدود لتصان محارم الله تعالى عن الانتهاك، وتحفظ ~~حقوق عباده من إتلاف واستهلاك (والخامس) تحصين الثغور بالعدة المانعة، ~~والقوة الدافعة، حتى لا يظهر الأعداء بغرة ينتهكون فيها محرما، أو يسفكون ~~فيها لمسلم أو معاهد دما (والسادس) جهاد من عاند الإسلام بعد الدعوة، حتى ~~يسلم أو يدخل في الذمة، ليقام بحق الله تعالى في إظهاره على الدين كله ~~(والسابع) جباية الفئ والصدقات على ما أوجبه الشرع نصا واجتهادا من غير خوف ~~ولا عسف (والثامن) تقدير العطايا وما يستحق في بيت المال من غير سرف ولا ~~تقتير، ودفعه في وقت لا تقديم فيه ولا تأخير (التاسع) استكفاء الأمناء، ~~وتقليد النصحاء، فيما يفوضه إليهم من الأعمال، ويكله إليهم من الأموال، ~~لتكون الأعمال بالكفاءة مضبوطة، والأموال بالأمناء محفوظة، (العاشر) أن ~~يباشر بنفسه مشارفة الأمور وتصفح الأحوال لينهض بسياسة الأمة، وحراسة ~~الملة، ولا يعول على التفويض تشاغلا بلذة أو عبادة، فقد يخون الأمين ويغش ~~الناصح، وقد قال الله تعالى {يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين ~~الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله} فلم يقتصر الله سبحانه على ~~التفويض دون المباشرة، ولا عذره في اتباع الهوى حتى وصفه بالضلال. . وهذا ~~وإن كان مستحقا عليه بحكم الدين ومنصب الخلافة فهو من حقوق السياسة لكل ~~مسترع. . قال النبي عليه السلام " كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته " ولقد ~~أصاب الشاعر فيما وصف به الزعمي المدبر حيث يقول: (البسيط) PageV01P036 ~~(وقلدوا أمركم لله دركم ... رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا) # (لا مترفا إن رخاء العيش ساعده ... ولا إذا عض مكروه به خشعا) # (وليس يشغله مال يثمره ... عنكم ولا ولد يبغي له الرفعا) # (ما زال يحلب در الدهر أشطره ... يكون متبعا يوما ومتبعا) # (حتى استمر على شزر مريرته ... مستحكم الرأي لافخما ولا ضرعا) # (أقول) عبارته في الواجب الأول في منتهى التحقيق، وهو المحافظة على ما ~~أجمع عليه السلف الصالح من الدين وإطلاق الحرية للأمة فيما سواه من المسائل ~~الاجتهادية من حيث العلم وعمل الأفراد في العبادات، ms026 وأما ما يتعلق بالسياسة ~~والقضاء المنوط بالحكومة فله أن يرجح بعض الأحكام الاجتهادية على بعض، ~~باستشارة العلماء من أهل الحل والعقد، ولا سيما إذا لم يكن هو من أهل ~~الاجتهاد في الشرع، ولقد كان أئمة الدين يطيعون الخلفاء فيما يخالف ~~اجتهادهم من أمور الحكومة إذا لم يخالف النص القطعي من الكتاب والسنة ~~ولكنهم لم يطيعوهم في القول بخلق القرآن لأنه من أمور العقائد التي خالفوا ~~فيها السلف. . # والجهاد الذي ذكره في الواجب السادس أراد به القتال العيني والكفائي ~~وإنما يجب على كل مكلف إذا استولى العدو على بعض بلاد المسلمين وتوقف دفعه ~~على ذلك وإلا اكتفى بمن يستنفرهم الإمام بحسب الحاجة، والجهاد قد يكون ~~بالمال واللسان ومنه الدعوة إلى الإسلام بالبرهان. وتجب طاعة الإمام في ~~التعليم العسكري بنظام القرعة وغيره، وعليه أن يعد للأعداء ما يستطيع من ~~قوة ليقاتلهم بما يقاتلوننا به أو يفوقهم، ومنه إنشاء البوارج والغواصات ~~والطيارات الحربية وأنواع الأسلحة الخ وتجب طاعته في ذلك كله بالمال ~~والنفس، بنص قوله تعالى {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة} والخطاب للأمة ~~وإنما الرئيس هو الذي يوحد النظام فيها. وعلى هذا تكون العلوم والفنون ~~الطبيعية والكيماوية والآلية كلها من الواجبات الكفائية وما لا يتم الواجب ~~المطلق إلا به فهو واجب. وليس في الإسلام جهاد يجب به قتال كل مخالف وإن ~~كان معاهدا أو ذميا. PageV01P037 ### | AUTO الشورى في الإسلام # (أقول) وأهم ما يجب على الإمام المشاورة في كل مالا نص فيه عن الله ~~ورسوله، ولا إجماعا صحيحا يحتج به، أو ما فيه نص اجتهادي غير قطعي، ولا ~~سيما أمور السياسة والحرب المبنية على أساس المصلحة العامة، وكذا طرق تنفيذ ~~النصوص في هذه الأمور إذ هي تختلف باختلاف الزمان والمكان. فهو ليس حاكما ~~مطلقا كما يتوهم الكثيرون بل مقيد بأدلة الكتاب والسنة وسيرة الخلفاء ~~الراشدين العامة وبالمشاورة، ولو لم يرد فيها إلا وصف للمؤمنين بقوله ~~تعالى: {وأمرهم شورى بينهم} وقوله لرسوله: {وشاورهم في الأمر} لكفى، فكيف ~~وقد ثبتت في الأخبار والآثار قولا وعملا، ms027 وسبب هذا الأمر للرسول [صلى الله ~~عليه وسلم] بالمشاورة في أمر الأمة، جعله قاعدة شرعية لمصالحها العامة، فإن ~~هذه المصالح كثيرة الشعب والفروع ولا يمكن تحديدها، وتختلف باختلاف الزمان ~~والمكان فلا يمكن تقييدها، وقد ذهب بعض علماء السلف إلى أن النبي [صلى الله ~~عليه وسلم] كان غنيا عن المشاورة فلولا إرادة جعلها قاعدة شرعية لما أمر ~~الله بها، روى عن الحسن البصري في تفسيره قوله تعالى {وشاورهم في الأمر} ~~أنه قال: قد علم الله أنه ما به إليهم من حاجة ولكن أراد أن يستن به من ~~بعده. وروى في المرفوع ما يؤيده فقد أخرج ابن عدي والبيهقي بسند حسن عن ابن ~~عباس أن الآية لما نزلت قال رسول الله [صلى الله عليه وسلم] # " أما إن الله ورسوله لغنيان عنها ولكن جعلها الله رحمة لأمتي فمن استشار ~~منهم لا يعدم رشدا، ومن تركها لم يعدم غيا " أي شرعها الله تعالى لتحقيق ~~الرشد في المصالح ومنع المفاسد فإن الغي هو الفساد والضلال، ولكن الأحاديث ~~الصحيحة ناطقة بأن النبي [صلى الله عليه وسلم] لم يكن مستغنيا عن غيره من ~~الناس إلا فيما ينزل عليه فيه الوحي وقال # " أنتم أعلم بأمر دنياكم " رواه مسلم عن عائشة وأنس وقال # " ما كان من أمر دينكم فإلى، وما كان من أمر دنياكم فأنتم أعلم به " رواه ~~أحمد، وفي حديث رافع بن خديج في صحيح مسلم أيضا أنه [صلى الله عليه وسلم] قال: # " إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من أمر دينكم فخذوا به وإذا أمرتكم بشيء ~~من رأيي فإنما أنا بشر " وهذا هو الموافق لقوله تعالى {قل إنما أنا بشر ~~مثلكم يوحى إلي} فهو ممتاز على البشر بالوحي إليه ولكنه فيما عداه وعدا ما ~~يستلزمه بشر يجوز عليه الأعراض البشرية، ويحتاج إلى غيره في الأمور ~~الكسبية، وكونه أكمل لا يقتضي أن يحيط بكل PageV01P038 ~~شيء علما ويقدر على كل عمل فإن هذا لله وحده {قل لا أقول لكم عندي خزائن ~~الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ms028 ملك} . . # ولذلك كانوا إذا راجعوه في أمر أمر به ورأوا المصلحة في غيره سألوه أقاله ~~أو فعله بوحي من الله أم من رأيه؟ فإذا قال إنه من رأيه ذكروا رأيهم وقد ~~يعمل به ويرجحه على رأيه كما فعل في يوم بدر فقد جاء [صلى الله عليه وسلم] ~~أدنى ماء فنزل عنده فقال الحباب بن المنذر: يا رسول الله أرأيت هذا المنزل ~~أمنزل أنزلكه الله ليس لنا أن فتقدمه ولا أن نتأخر عنه؟ أم هو الرأي والحرب ~~والمكيدة؟ قال # " بل هو الرأي والحرب والمكيدة " فقال يا رسول الله ليس هذا بمنزل فانهض ~~بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله ثم تغور ما وراءه الخ فقال له ~~النبي [صلى الله عليه وسلم] # " لقد أشرت بالرأي " وعمل برأيه، وفي رواية إبن عباس عن ابن سعد أن جبريل ~~نزل فقال للنبي [صلى الله عليه وسلم] الرأي ما أشار به الحباب بن المنذر: # وقد استشار [صلى الله عليه وسلم] أبا بكر وعمر (رضي الله عنهما) في أسرى ~~بدر فاختلف رأيهما فقال # " لو اجتمعتما ما عصيتكما " وكان رأيه موافقا لرأي أبي بكر فأنفذه ثم نزل ~~الوحي بما يؤيد رأي عمر وهو قوله تعالى: {ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى ~~يثخن في الأرض} . الآيتين فقال [صلى الله عليه وسلم] لعمر # " كاد يصيبنا في خلافك شر " والروايات في هذه المسألة كثيرة. . وكل هذا ~~كان قبل أمر الله تعالى إياه بمشاورتهم فإنه نزل في غزوة أحد وفيها رجح رأي ~~الأكثرين على رأيه [صلى الله عليه وسلم] ورأي كثير من كبراء الصحابة رضوان ~~الله عليهم، وأخرج ابن مردويه عن علي كرم الله وجهه قال سئل رسول الله [صلى ~~الله عليه وسلم] عن العزم أي قوله تعالى: {وشاورهم في الأمر فإذا عزمت ~~فتوكل على الله} فقال # " مشاورة أهل الرأي ثم اتباعهم ". # وقد حققنا مسألة الشورى في الحكومة الإسلامية بالتفصيل في تفسير هذه ~~الآية من سورة آل عمران وتفسير: {أطعيوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر ~~منكم} من سورة النساء. ms029 وبينا في الأول الحكمة في ترك الرسول [صلى الله عليه ~~وسلم] نظام الشورى للأمة وعدم وضع أحكام لها، وملخصه أن النظام يختلف ~~باختلاف أحوال الأمة في كثرتها وقلتها وشئونها الاجتماعية ومصالحها العامة ~~في الأزمنة المختلفة، فلا يمكن أن تكون له أحكام معينة توافق جميع الأحوال ~~في كل زمان ومكان، ولو وضع لها أحكاما مؤقتة لخشى أن يتخذ الناس ما يضعه ~~لذلك العصر وحده دينا متبعا في كل حال PageV01P039 ~~وزمان وإن خالف المصلحة، كما فعلوا في الأخذ بظواهر مبايعة أبي بكر وعثمان ~~واستخلاف عمر. فاكتفى بشرع الله للمشاورة وتربيته [صلى الله عليه وسلم] ~~الأمة عليها بالعمل. على أن أولي العصبية خالفوا ما شرعه الله باتباع ~~أهوائهم ومطامعهم لتقصير أولي الأمر في وضع هذا النظام لكل زمان بما ~~يناسبه، كما ضبط عمر (رضي الله عنه) الأمر في زمنه بما يناسبه، بل عنى ~~علماؤنا بمسائل النجاسة والحيض والبيوع أشد من عنايتهم بهذه المسألة، حتى ~~قال إمام كبير مثل الأشعري إن بيعة رجل واحد من أهل الحل والعقد تلزم الأمة ~~إذا أشهد عليها فأنى يستقيم أمر أمة تعمل بهذا القول في رياستها العامة؟ . # وأما الآثار عن الراشدين في المشاورة فكثيرة (منها) ما رواه الدارمي ~~والبيهقي عن ميمون بن مهران أن أبا بكر كان يسأل عامة المسلمين عما لا يجد ~~فيه نصا من الكتاب ولا سنة عن النبي [صلى الله عليه وسلم] هل يعلمون عن ~~النبي [صلى الله عليه وسلم] فيه شيئا فربما قام إليه الرهط فقالوا نعم قضى ~~فيه بكذا فيأخذ به ويحمد الله تعالى (قال) وإن أعياه ذلك دعا رءوس المسلمين ~~وعلماءهم فاستشارهم فإذا اجتمع رأيهم على أمر قضى به، وإن عمر بن الخطاب ~~كان يفعل ذلك، وزاد أنه كان بعد النظر في الكتاب والسنة ينظر فيما قضى به ~~أبو بكر أيضا لأنه كان لا يقضى إلا بنص أو مشاورة. وانظر إلى الفرق بين ~~سؤال عامة المسلمين عن الرواية واختصاص الرؤساء والعلماء بالمشاورة، ذلك ~~بأنهم هم جماعة أولي الأمر وأهل الحل والعقد الذين ms030 أمر الكتاب بطاعتهم بعد ~~طاعة الله ورسوله وقال في إحالة أمر الأمة إليهم {ولو ردوه إلى الرسول وإلى ~~أولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم} . # (ومنها) ما رواه الطبراني في الأوسط وأبو سعيد في القضاء عن علي قال قلت ~~يا رسول الله إن عرض لي أمر لم ينزل قضاء في أمره ولا سنة كيف تأمرني؟ قال: # " تجعلونه شورى بين أهل الفقه والعابدين من المؤمنين ولا تقضي فيه برأيك ~~خاصة ". # (ومنها) ما في صحيح البخاري عن ابن عباس: وكان القراء أصحاب مجلس عمر ~~ومشاروته كهولا كانوا أو شبابا. وذكر واقعة في رجوع عمر إلى قول من يذكره ~~بالقرآن، وقال: وكان وقافا عند كتاب الله عز وجل وما في الصحيحين وغيرهما من PageV01P040 ~~استشارة عمر في مسألة الوباء لما خرج إلى الشام وأخبروه إذ كان في (سرغ) أن ~~الوباء وقع في الشام، فاستشار المهاجرين الأولين ثم الأنصار فاختلفا. ثم ~~طلب من كان هنالك من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح، فاتفقوا على الرجوع وعدم ~~الدخول على الوباء، فنادى عمر بالناس: إني مصبح على ظهر: (أي مسافر، والظهر ~~الراحلة) فأصبحوا عليه، فقال أبو عبيدة: أفرارا من قدر الله؟ فقال عمر: لو ~~غيرك قالها يا أبا عبيدة؟ نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو كانت ~~لك إبل فهبطت واديا له عدوتان إحداهما خصبة والأخرى جدبة أليس إن رعيت ~~الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟ ثم جاء عبد ~~الرحمن بن عوف فأخبره بالحديث المرفوع الموافق لرأي شيوخ قريش. ### | AUTO التولية بالاستخلاف والعهد: # اتفق الفقهاء على صحة استخلاف الإمام الحق والعهد منه بالخلافة إلى من ~~يصح العهد إليه على الشروط المعتبره فيه أي في الإمام الحق، فالعهد أو ~~الاستخلاف لا يصح إلا من إمام مستجمع لجميع شروط الإمامة لمن هو مثله في ~~ذلك. هذا شرط العهد إلى الفرد، واستدلوا على ذلك باستخلاف أبي بكر لعمر، ~~وأما العهد إلى الجميع وجعله شورى في عدد محصور من أهل الحل والعقد، ~~فاشترطوا فيه أن ms031 تكون الإمامة متعينة لأحدهم، بحيث لا مجال لمنازعة أحد لمن ~~يتفقون عليه منهم، وهو الموافق لجعل عمر إياها شورى في السنة (رضي الله ~~عنه) قال الماوردي: وانعقد الإجماع عليها أصلا في انعقاد الإمامة بالعهد ~~وفي انعقاد البيعة بعدد يتعين فيه الإمامة لأحدهم باختيار أهل الحل والعقد # وقد تمسك بهذا أئمة الجور وخلفاء التغلب والمطامع ولم يراعوا فيه ما ~~راعاه من احتجوا بعمله من استشارة أهل الحل والعقد والعلم برضاهم أولا ~~وإقناع من كان PageV01P041 ~~توقف فيه، والروايات في هذا معروفة في كتب الحديث ومن أجمعها (كنز العمال) ~~وكتب التاريخ والمناقب، وأي عالم أو عاقل يقيس عهد أبي بكر إلى عمر في تحري ~~الحق والعدل والمصحلة بعد الاستشارة فيه ورضاء أهل الحل والعقد به على عهد ~~معاوية واستخلافة ليزيد الفاسق الفاجر بقوة الإراهاب من جهة ورشوة الزعماء ~~من جهة أخرى؟ ثم ما تلاه واتبعت فيه سنته السيئة من احتكار أهل الجور ~~والطمع في السلطان، وجعله إرثا لأولادهم أو لأوليائهم كما يورث المال ~~والمتاع؟ إلا إن هذه أعمال عصبية القوة القاهرة المخالفة لهدي القرآن، وسنة ~~الإسلام. # ذكر الفقيه ابن حجر في التحفة اختصاص استخلاف بقسميه (الفردي والجمعي) ~~بالإمام الحق واعتماده، ثم قال وقد يشكل عليه ما في التواريخ والطبقات من ~~تنفيذ العلماء وغيرهم لعهود بني العباس مع عدم استجماعهم للشروط، بل نفذ ~~السلف عهود بني أمية مع أنهم كذلك، إلا أن يقال هذه وقائع محتملة إنهم إنما ~~نفذوا للشوكة وخشية الفتنة لا للعهد بل هو الظاهر. # وقال الماوردي في العهد المشار إليه في أول هذه المسألة: ويعتبر شروط ~~الإمامة في المولى من وقت العهد إليه. وإن كان صيغرا أو فاسقا وقت العهد ~~وبالغا عدلا عند موت المولى لم تصح خلافته حتى يستأنف أهل الاختيار بيعته ~~اه ونقل الحافظ بن حجر في شرحه لحديث عبادة في المبايعة - وقد تقدم - أنه ~~لا يجوز عقد الولاية لفاسق ابتداء، وأن الخلاف في الخروج على الفاسق فيما ~~إذا كان عادلا وإمامته صحيحة ثم أحدث جورا اه وقد علم ms032 مما أسلفنا أن العهد ~~والاستخلاف بشروطه متوقف على إقرارا أهل الحل والعقد له. واستدلالهم يقتضية ~~وإن لم يصرحوا به، وأما المتغلبون بقوة العصبية فعهدهم واستخلافهم ~~كإمامتهم، وليس حقا شرعيا لازما لذاته، بل يجب نبذه كما تجب إزالتها، ~~واستبدال إمامة شرعية بها، عند الإمكان والأمان من فتنة أشد ضررا على الأمة ~~منها، وإذا زالت بتغلب آخر فلا يجب على المسملين القتال لإعادتها. . PageV01P042 ### | AUTO طالب الولاية لا يولى # من هدى الإسلام أن طالب الولاية والإمارة لأجل الجاه والثروة لا يولى فقد ~~قال النبي [صلى الله عليه وسلم] لرجلين طلبا أن يؤمرهما: # " لن نستعمل على عملنا من أراده " وفي رواية # " إننا لا نولي هذا من سأله ولا من حرص عليه " رواه الشيخان البخاري بهذا ~~اللفظ ومسلم بلفظ # " إنا والله لا نولى على هذا العمل أحدا سأله ولا أحدا حرص عليه " وفي ~~رواية للإمام أحمد # " إن أخونكم عندنا من يطلبه " فلم يستعن بهما في شيء حتى مات. . وسبب هذا ~~المنع القطعي المؤكد بالقسم أن طلاب الولايات ولا سيما أعلاها وهي الإمامة ~~والحريصون عليها هم محبو السلطة للعظمة والتمتع والتحكم في الناس، وقد ظهر ~~أنهم هم الذين أفسدوا أمر هذه الأمة وأولهم من الجماعات بنو أمية وإن كان ~~فيهم أفراد، بل منهم رجل الرجال وواحد الآحاد - عمر بن عبد العزيز خامس ~~الراشدين - ولكنه لم يكن حريصا على الإمامة ولو أمكنه لأعادها إلى ~~العلويين. # وذكر الحافظ في شرح الحديث المذكور آنفا كلمة حق عن المهلب قال: الحرص ~~على الولاية هو السبب في اقتتال الناس عليها حتى سفكت الدماء واستبيحت ~~الأموال والفروج وعظم الفساد في الأرض بذلك. وهنالك أحاديث أخرى. . # ولو حافظ المسلمون على أصل الشرع الذي قرر في عهد الراشدين في أمر ~~الخلافة لما وقعت تلك الفتن والمفاسد ولعم الإسلام الأرض كلها. . وقد قال ~~عالم ألماني لشريف حجازي في الآستانة: إنه كان ينبغي لنا أن نضع لمعاوية ~~تمثالا من الذهب في عواصمنا، لأنه لو لم لم يحول سلطة الخلافة عما وضعها ~~عليه الشرع وجرى عليه الراشدون ms033 لملك العرب بلادنا كلها وصيروها إسلامية ~~عربية. . ### | AUTO إمامة الضرورة والتغلب بالقوة: # اتفق محققو العلماء على أنه لا يجوز أن يبايع بالخلافة إلا من كان ~~مستجمعا لما ذكروه من شرائطها وبخاصة العدالة والكفاءة والقرشية، فإذا تعذر ~~وجود بعض الشروط تدخل المسألة في حكم الضرورات. . والضرورات تقدر بقدرها، ~~فيكون الواجب حينئذ مبايعة من كان مستجمعا لأكثر الشرائط من أهلها، مع ~~الاجتهاد PageV01P043 ~~والسعي لاستجماعها كلها. قال الكمال بن الهمام في المسايرة: والمتغلب تصح ~~منه هذه الأمور للضرورة كما لو لم يوجد قرشي عدل، أو وجد ولم يقدرعلى ~~توليته لغلبة الجورة. . قال هذا ردا على الحنفية في استدلالهم على عدم ~~اشتراط العدالة في الأئمة بقبول بعض الصحابة للولاية والقضاء من ظلمة بني ~~أمية كمروان وصلاتهم معهم، فمراده بالأمور: القضاء والإمارة والحكم كما ~~قاله شارح المسايرة. . # وقال السعد في شرح المقاصد: وههنا بحث وهو أنه إذا لم يوجد إمام على ~~شرائطه، وبايع طائفة من أهل الحل والعقد قرشيا فيه بعض الشرائط من غير نفاذ ~~لأحكامه، وطاعة من العامة لأوامره، وشوكة بها يتصرف في مصالح العباد، ~~ويقتدر على النصب والعزل لمن أراد هل يكون ذلك إتيانا بالواجب؟ وهل يجب على ~~ذوي الشوكة العظيمة من ملوك الأطراف، المتصفين بحسن السياسة والعدل ~~والإنصاف أن يفوضوا إليه الأمر بالكلية، ويكونوا لدية كسائر الرعية، وقد ~~يتمسك بمثل قول الله تعالى: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} ~~وقوله [صلى الله عليه وسلم] : # " من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية " فإن وجوب الطاعة ~~والمعرفة يقتضي الحصول اه أي يجب عليهم ذلك. # وإنما فرض أن المبايعين في هذه الصورة بعض أهل الحل والعقد لأنه إذا ~~بايعه جميعهم ومنهم الملوك الذين ذكرهم تمت شوكته ونفذ حكمه قطعا، وهذه ~~الصورة تصدق على بعض خلفاء بني أمية وبني العباس الذين كانت تنقصهم العدالة ~~أو العلم الاجتهادي، وكان الجمهور يوجبون طاعتهم، ويصححون للضرورة إمامتهم، ~~إذا لم تتيسر بيعة أمثل منهم وإن كان موجودا، والمعتمد عند الحنفية أن ~~إمامتهم صحيحة مطلقا، لأن العلم والعدالة ms034 عندهم ليست من شروط الانعقاد كما ~~تقدم في محله. . قال الكمال بن الهمام محقق الحنفية في المسايرة تبعا ~~للغزالي: (الأصل العاشر) لو تعذر وجود العلم والعدالة فيمن تصدى للإمامة - ~~بأن تغلب عليها جاهل بالأحكام أو فاسق - وكان في صرفه إثارة فتنة لا تطاق ~~حكمنا بانعقاد إمامته كيلا نكون كمن يبني قصرا ويهدم مصرا، وإذا قضينا ~~بنفوذ قضايا أهل البغى في بلادهم التي غلبوا عليها لمسيس الحاجة فكيف لا ~~نقضي بصحة الإمامة عند PageV01P044 ~~لزوم الضرر العام بتقدير عدمها. . وإذا تغلب آخر على ذلك المتغلب وقعد ~~مكانه انعزل الأول وصار الثاني إماما اه. # وقال السعد في شرح المقاصد بعد ذكر شروط الإمامة وآخرها النسب القرشي ~~مانصه: وأما إذا لم يوجد في قريش من يصلح لذلك أو لم يقتدر على نصبه ~~لاستيلاء أهل الباطل وشوكة الظلمة وأرباب الضلالة فلا كلام في جواز تقلد ~~القضاء تنفيذ الأحكام وإقامة الحدود وجميع ما يتعلق بالإمام من كل ذي شوكة. ~~. كما إذا كان الإمام القرشي فاسقا أو جائرا أو جاهلا فضلا عن أن يكون ~~مجتهدا. . وبالجملة مبني ما ذكر في باب الإمامة على الاختيار والاقتدار. . ~~وأما عند العجز والاضطرار، واستيلاء الظلمة والكفار والفجار، وتسلط ~~الجبابرة الأشرار، فقد صارت الرئاسة الدنيوية تغلبية، وبنيت عليها الأحكام ~~الدينية المنوطة بالإمام ضرورة، ولم يعبأ بعدم العلم والعدالة وسائر ~~الشرائط، والضرورات تبيح المحظورات، وإلى الله المشتكي في النائبات، وهو ~~المرتجي لكشف الملمات اه. بحروفه. # والفرق بين هذه الخلافة وما قبلها بعد كون كل منهما جائزا للضرورة أن ~~الأولى صدرت من أهل الحل والعقد باختيارهم لمن هو أمثل الفاقدين لبعض ~~الشرائط، ولذلك فرضه المحقق التفتازاني قرشيا إذ القريشيون كثيرون دائما ~~وجزم بوجوب طاعته مع فرض كونه ضيعفا. . وأما الثانية فصاحبها هو المعتدي ~~على الخلافة بقوة العصبية لا باختيار أهل الحل والعقد له، لعدم وجود من هو ~~أجمع للشرائط منه، فذاك يطاع اختيارا، وهذا يطاع اضطرارا. # ومعنى هذا أن سلطة التغلب كأكل الميتة ولحم الخنزير عند الضرورة تنفذ ~~بالقهر وتكون أدنى من الفوضى. . ومقتضاه ms035 أنه يجب السعي دائما لإزالتها عند ~~الإمكان، ولا يجوز أن توطن الأنفس على دوامها، ولا أن تجعل كالكرة بين ~~المتغلبين يتقاذفونها ويتلقونها، كما فعلت الأمم التي كانت مظلومة وراضية ~~بالظلم لجهلها بقوتها الكامنة فيها، وكون قوة ملوكها وأمرائها منها، ألم تر ~~إلى من استناروا بالعلم الاجتماعي منها كيف هبوا لإسقاط حكوماتها الجائرة ~~وملوكها المستبدين، وكان آخر من فعل ذلك الشعب التركي، ولكنه أسقط نوعا من ~~التغلب بنوع آخر عسى أن PageV01P045 ~~يكون خيرا منه، وإنما فعله تقليدا لتلك الأمم الأبية، إذ كان جماهير علماء ~~الترك والهند ومصر وغيرها من الأقطار، يوجبون عليه طاعة خلفاء سلاطين بني ~~عثمان، ماداموا لا يظهرون الكفر والردة عن الإسلام، مهما يكن في طاعتهم من ~~الظلم والفساد، وخراب البلاد، وإرهاق العباد، عملا بالمعتمد عند الفقهاء ~~بغير نظر ولا اجتهاد! وهذا أهم أسباب اعتقاد الكثير منهم، إن سلطة الخلافة ~~الشرعية، تحول دون حفظ الملك والحياة الاستقلالية، وسنفصل الكلام في هذا ~~بعد وفيما يجب لجعل الحكم شرعيا إسلاميا. . ### | AUTO ما يخرج به الخليفة من الإمامة: # قال الماوردي بعد بيان ما يجب على الإمام - وقد تقدم - وإذا قام الإمام ~~بما ذكرناه من حقوق الأمة فقد أدى حق الله تعالى فيما لهم وعليهم ووجب له ~~عليهم حقان الطاعة والنصرة - مالم يتغير حاله. # " والذي يتغير به حاله فيخرج به عن الإمامة شيئان أحدهما جرح في عدالته ~~والثاني نقص في بدنه، فأما الجرح في عدالته فهو على ضربين (أحدهما) ما تابع ~~فيه الشهوة. . (الثاني) ما تعلق فيه بشبهة، فأما الأول منهما فمتعلق بأفعال ~~الجوارح وهو ارتكابه للمحظورات، وإقدامه على المنكرات، تحكيما للشهوة ~~وانقيادا للهوى، فهذا فسق يمنع من انعقاد الإمامة ومن استدامتها، فإذا طرأ ~~على من انعقدت إمامته خرج منها، فلو عاد إلى العدالة لم يعد إلى الإمامة ~~إلا بعقد جديد. . # وأما الثاني منهما فمتعلق بالاعتقاد والمتأول بشبهة تعترض فيتأول لها ~~خلاف الحق فقد اختلف العلماء فيها فذهب فريق منهم إلى أنها تمنع من انعقاد ~~الإمامة ومن استدامتها، ويخرج بحدوثه منها ". الخ (ص ms036 16) # المنار: وبعد تفصيل الخلاف في هذه المسألة وهي الابتداع بالتأول ذكر ~~القسم الثاني مما يمنع من الخلافة وهو نقص البدن فجعله ثلاثة أقسام: نقص ~~الحواس ونقص الأعضاء ونقص التصرف وقسمها أيضا إلى أقسام وأطال في بيان ~~أحكامها، والذي تقتضي الحال نقله منه نقص التصرف وقد عقد له فصلا خاصا قال ~~فيه ما نصه: PageV01P046 # " وأما نقص التصرف فضربان حجر وقهر، فأما الحجر فهو أن يستولي عليه من ~~أعوانه من يستبد بتنفيذ الأمور من غير تظاهر بمعصية، ولا مجاهرة بمشاقة، ~~فلا يمنع ذلك من إمامته، ولا يقدح في صحة ولايته، ولكن ينظر في أفعال من ~~يستولي علي أموره، فإن كانت جارية على أحكام الدين ومقتضى العدل جاز إقراره ~~عليها، تنفيذا لها، وإمضاء لأحكامها، لئلا يقف من الأمور الدينية ما يعود ~~بفساد على الأمة. . وإن كانت أفعاله خارجة عن حكم الدين ومقتضى العدل لم ~~يجز إقراره عليها، ولزمه أن يستنصر من يقبض يده، ويزيل تغلبه. # وأما القهر فهو أن يصير مأسورا في يد عدو قاهر لا يقدر على الخلاص منه ~~فيمنع ذلك عن عقد الإمامة له لعجزه عن النظر في أمور المسلمين، وسواء كان ~~العدو مشركا أو مسلما باغيا، وللأمة فسحة في اختيار من عداه من ذوي القدرة ~~وإن أسر بعد أن عقدت له الإمامة فعلى كافة الأمة استنقاذه لما أوجبته ~~الإمامة من نصرته، وهو على إمامته ما كان مرجوا لخلاص مأمول الفكاك، إما ~~بقتال أو فداء. . # " فإن وقع الإياس منه لم يخل حال من أسره من أن يكونوا مشركين أو بغاة ~~المسلمين، فإن كان في أسر المشركين خرج من الإمامة لليأس من خلاصه، واستأنف ~~أهل الاختيار بيعة غيره على الإمامة ". # وهنا ذكر مسألة عهده بالإمامة إلى غيره وما يصح منها وما لا يصح ثم قال: # " وإن كان مأسورا مع بغاة المسلمين فإن كان مرجوا لخلاص فهو على إمامته ~~ويكون العهد في ولي العهد ثابتا وإن لم يصر إماما، وإن لم يرج خلاصة لم يخل ~~حال البغاة من أحد أمرين: إما أن يكونوا ms037 نصبوا لأنفسهم إماما أو لم ينصبوا ~~فإن كانوا فوضى لا إمام لهم فالإمام المأسور على إمامته لأن بيعته لهم ~~لازمة، وطاعته عليهم واجبة، فصار معهم كمصيره مع أهل العدل، إذا صار تحت ~~الحجر، وعلى أهل الاختيار أن يستنيبوا عنه ناظرا يخلفه إن لم يقدر على ~~الاستنابة. . فإن قدر عليها كان أحق باختيار من يستنيبه منهم. . فإن خلع ~~المأسور نفسه أو مات لم يصر المستناب إماما لأنها نيابة عن موجود فزالت ~~بفقده. . # وإن كان أهل البغي قد نصبوا لأنفسهم إماما دخلوا في بيعته، وانقادوا ~~لطاعته، فالإمام المأسور في أيديهم خارج من الإمامة بالإياس من خلاصه، PageV01P047 ~~لأنهم قد انحازوا بدار منفرد حكمها عن الجماعة، فلم يبق لأهل العدل بهم ~~نصرة، ولا للمأسور معهم قدرة، وعلى أهل الاختيار في دار العدل أن يعقدوا ~~الإمامة لمن ارتضوه لها. . فإن خلص المأسور لم يعد إلى الإمامة لخروجه منها ~~أه (ص 19، 20) . # ومن المعلوم أن كل هذا التفصيل في الإمام الحق المستجمع للشروط القائم ~~بالواجبات، وأما إمامة التغلب فكلها تجري على قاعدة الاضطرار المتقدمة (رقم ~~11) . . # وما ذكره من انعزال الإمام بالفسق قد اختلف فيه، والمشهور الذي حققه ~~الجمهور أنه لا يجوز تولية الفاسق ولكن طروء الفسق بعد التولية لا تبطل به ~~الإمامة مطلقا وبعضهم فصل: قال السعد في شرح المقاصد وإذا ثبت الإمام ~~بالقهر والغلبة ثم جاء آخر فقهره انعزل وصار القاهر إماما. . ولا يجوز خلع ~~الإمام (أي الحق) بلا سبب، ولو خلعوه لم ينفذ، وإن عزل نفسه فإن كان لعجز ~~عن القيام بالأمر انعزل وإلا فلا، ولا ينعزل الإمام بالفسق والإغماء وينعزل ~~بالجنون وبالعمى والصمم والخرس وبالمرض الذي ينسيه العلوم. . (ص 272 ج 2) . . # وقد استدل من قال يخلع بالكفر دون المعصية بحديث عبادة بن الصامت في ~~المبايعة عند الشيخين قال: دعانا النبي [صلى الله عليه وسلم] فبايعناه فكان ~~فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ~~ويسرنا وأثره علينا وألا ننازع الأمر أهله # " إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه ms038 برهان " # وقد ذكر الحافظ في شرح قوله " إلا أن تروا كفرا بواحا " روايات أخرى بلفظ ~~المعصية والإثم بدل الكفر ثم قال: وفي رواية إسماعيل بن عبد الله عند أحمد ~~والطبراني والحاكم من روايته عن أبي عبادة " سيلي أموركم من بعدي رجال ~~يعرفونكم ما تنكرون، وينكرون عليكم ما تعرفون. فلا طاعة لمن عصى الله " ~~وعند أبي بكر PageV01P048 ~~ابن أبي شيبة من طريق أزهر بن عبد الله عن عبادة رفعه " سيكون عليكم أمراء ~~يأمرونكم بما لا تعرفون ويفعلون ما تنكرون فليس لأولئك عليهم طاعة ". # وقال في شرح قوله: " عندكم من الله فيه برهان " أي من نص آية أو خبر صحيح ~~لا يحتمل التأويل، ومقتضاه أنه لا يجوز الخروج عليهم ما دام فعلهم يحتمل ~~التأويل. قال النووي: المراد بالكفر هنا المعصية ومعنى الحديث لا تنازعوا ~~ولاة الأمور في ولايتهم ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكرا محققا ~~تعلمونه من قواعد الإسلام فإذا رأيتم ذلك فأنكروا عليهم وقولوا بالحق حيثما ~~كنتم. وقال غيره المراد بالإثم هنا المعصية والكفر فلا يعترض على السلطان ~~إلا إذا وقع في الكفر الظاهر. . والذي يظهر حمل رواية الكفر على ما إذا ~~كانت المنازعة في الولاية فلا ينازعه بما يقدح في الولاية إلا إذا ارتكب ~~الكفر، وحمل رواية المعصية على ما إذا كانت المنازعة فيما عدا الولاية فإذا ~~لم يقدح في الولاية نازعه في المعصية بأن ينكر عليه برفق، ويتوصل إلى تثبيت ~~الحق له بغير عنف، ومحل ذلك إذا كان قادرا والله أعلم، ونقل ابن التين عن ~~الداودي قال: الذي عليه العلماء في أمراء الجور أنه إذا قدر على خلعه بغير ~~فتنة ولا ظلم وجب وإلا فالواجب الصبر. . وعن بعضهم لا يجوز عقد الولاية ~~لفاسق ابتداء، فإن أحدث جورا بعد أن كان عدلا فاختلفوا في جواز الخروج عليه ~~والصحيح المنع إلا أن يكفر فيجب الخروج عليه. . # وقد تقدم التحقيق في المسألة ونصوص المحققين فيها وملخصه أن أهل الحل ~~والعقد يجب عليهم مقاومة الظلم والجور والإنكار على أهله بالفعل، وإزالة ms039 ~~سلطانهم الجائر ولو بالقتال إذا ثبت عندهم أن المصلحة في ذلك هي الراجحة ~~والمفسدة هي المرجوجة، ومنه إزالة شكل السلطة الشخصية الاستبدادية، كإزالة ~~الترك لسلطة آل عثمان منهم، فقد كانوا على ادعائهم الخلافة الإسلامية ~~جائزين جارين في أكثر أحكامهم على مايسمى في عرف أهل هذا العصر بالملكية ~~المطلقة، فلذلك بدأ الترك بتقييدهم بالقانون الأساسي تقليدا لأمم أوربة، ~~وسبب ذلك جهل الذين قاموا بهذا الأمر بأحكام الشرع الإسلامي (كمدحت باشا ~~وإخوانه) ثم قام الكماليون أخيرا بإسقاط هذه الدولة ورفض السلطة الشخصية ~~بجملتها وتفصيلها. . PageV01P049 ### | AUTO دار العدل ودار الجور والتغلب: # دار الإسلام وما يقابلها من دار الحرب معروفتان ولهما أحكام كثيرة. . وقد ~~تكرر فيما نقلناه عن العلماء من أحكام الخلافة ذكر دار العدل وهي دار ~~الإسلام التي نصب فيها الإمام الحق، الذي يقيم ميزان العدل، تسمى بذلك إذا ~~قوبلت بدار البغي والجور، وهي ما كان الحكم فيها بتغلب قوة أهل العصبية من ~~المسلمين وعدم مراعاة أحكام الإمامة الشرعية وشروطها. . وأهل دار العدل هم ~~الذين يسمون الجماعة، وهم الذين يجب على جميع المسلمين اتباعهم واتباع ~~إمامهم اختيارا، وعدم اتباع من يخالفهم إلا اضطرارا، وهاتان الداران قد ~~توجدان معا في وقت واحد، وقد توجد إحداهما دون الأخرى. . ولكل منهما أحكام. . # أما دار العدل فطاعة الإمام فيها في المعروف واجبة شرعا ظاهرا وباطنا، ~~ولا تجوز مخالفته إلا إذا أمر بمعصية لله تعالى ثابتة بنص صريح من الكتاب ~~والسنة دون الاجتهاد والتقليد، ويجب قتال من خرج عليه من المسلمين أو بغى ~~في بلاده الفساد بالقوة، كغيره من القتال الواجب شرعا، وتجب الهجرة من دار ~~الحرب ومن دار البغي إلى هذه الدار على من استضعف فيهما فظلم أو منع من ~~إقامة دينه، وعلى من تحتاج إليهم دار العدل لحفظها ومنعها من الكفار أو ~~البغاة، ولغير ذلك من المصالح الواجبة لإعزاز الملة، إذا توقف هذا الواجب ~~على هذه الهجرة، وأما دار البغي والجور فالطاعة فيها ليست قربة واجبة شرعا ~~لذاتها، بل هي ضرورة تقدر بقدرها وتقدم تفصيل القول ms040 فيها. . # ومن الظلم الموجب للهجرة منها على من قدر إلى دار العدل إن وجدت حمل ~~المتغلبين من يخضع لهم على القتال لتأييد عصبيتهم والاستيلاء على بعض بلاد ~~المسلمين، فمن قدر على الفرار من ذلك وجب عليه. فأمرها دائما دائر على ~~قاعدة ارتكاب أخف الضررين، والظاهر أن يفرق بين قتالهم لأهل العدل فلا تباح ~~الطاعة فيه بحال، وبين قتال غيرهم كأمثالهم من المتغلبين، وفيه تفصيل لا ~~محل لبيانه هنا ... وأما الجهاد الشرعي فيجب مع أئمة الجور، ومنه دفاعهم عن ~~بلادهم إذا اعتدى عليها الكفار. . PageV01P050 # قال رسول الله [صلى الله عليه وسلم] # من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات، مات ميتة جاهلية، ومن قاتل تحت ~~راية عمية يغضب لعصبة أو يدعو إلى عصبة أو ينصر عصبة فقتل فقتله جاهلية، ~~ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها، ولا يتحاشى من مؤمنها، ولا يفي الذي ~~عهد عهده، فليس مني ولست منه - وفي رواية - يغضب للعصبة ويقاتل للعصبة فليس ~~من أمتي " رواه مسلم والنسائي من حديث أبي هريرة والعمية بضم العين وكسرها ~~(لغتان) وتشديد الميم وفسروها بالكبر والضلال والمراد بها عظمة القوة ~~والبطش، والتغلب الذي لا يراد به الحق ولذلك بينه بأنه يغضب للعصبة وهي ~~بالتحريك قوم الرجل الذين يعصبونه ويعتصب بهم أي يقوي ويشتد، وفي رواية ~~العصبية وهي نسبة إلى العصبة. . # وأنت تعلم أن المتغلبين ما قاموا ولا يقومون إلا بالعصبية، المراد بها ~~عظمة الملك العمية، لا يقصدون بقتالهم إعلاء كلمة الله، ولا إقامة ميزان ~~الحق والعدل بين جميع الناس، وما أفسد على هذه الأمة أمرها، وأضاع عليها ~~ملكها إلا جعل طاعة هؤلاء الجبارين الباغين واجبة شرعا على الإطلاق، وجعل ~~التغلب أمرا شرعيا كمبايعة أهل الاختيار من أولي الأمر، وأهل الحل والعقد ~~للإمام الحق، وجعل عهد كل متغلب باغ إلى ولده أو غيره من عصبته، لأجل حصر ~~السلطان والجبروت في أسرته، حقا شرعيا وأصلا مرعيا لذاته، وعدم التفرقة بين ~~استخلاف معاوية ولده يزيد الفاسق الفاجر بالرغم من أنوف المسلمين، وبين عهد ~~الصديق الأكبر واستخلافه ms041 للإمام العادل عمر بن الخطاب ذي المناقب العظيمة ~~بعد مشاورة أهل الحل والعقد فيه وإقناعهم به، والعلم بتلقيهم له بالقبول ... ### | AUTO كيف سن التغلب على الخلافة # : # كان سبب تغلب بني أمية على أهل الحل والعقد من الأمة أن قوة الأمة ~~الإسلامية الكبرى في عهدهم كانت قد تفرقت في الأقطار التي فتحها المسلمون ~~وانتشر فيها الإسلام بسرعة غريبة وهي مصر وسورية والعراق، وكان أهل هذه ~~البلاد قد تربوا بمرور الأجيال على الخضوع لحكامهم المستعمرين من الروم ~~والفرس، فلما صارت أزمة أمورهم بيد حكامهم من العرب استخدمهم معاوية الذي ~~سن سنة التغلب السيئة في الإسلام على الخضوع له بجعل الولاة فيهم من صنائعه ~~الذين يؤثرون المال PageV01P051 ~~والجاه على هداية الإسلام، وإقامة ماجاء به من العدل والمساواة، وصار أكثر ~~أهل الحل والعقد الحائزين للشروط الشرعية محصورين في البلدين المكرمين (مكة ~~المكرمة والمدينة المنورة) وهم ضعفاء بالنسبة إلى أهل تلك الأقطار الكبيرة ~~الغنية التي تعول الحجاز وتغذيه. # أخذ معاوية البيعة لابنه الفاسق يزيد بالقوة والرشوة، ولم يلق مقاومة ~~تذكر بالقول أو الفعل إلا في الحجاز، فقد روى البخاري والنسائي وابن أبي ~~حاتم في تفسيره - واللفظ له - من طرق أن مروان خطب بالمدينة وهو على الحجاز ~~من قبل معاوية فقال: إن الله قد أرى أمير المؤمنين في ولده يزيد رأيا حسنا، ~~وإن يستخلفه فقد استخلف أبو بكر وعمر، وفي لفظ سنة أبي بكر وعمر، فقال عبد ~~الرحمن بن أبي بكر: سنة هرقل وقيصر، إن أبا بكر والله ما جعلها في أحد من ~~ولده الخ، وفي رواية سنة كسرى وقيصر، أنا أبا بكر وعمر لم يجعلاها في ~~أولادهما، ثم حج معاوية ليوطئ لبيعة يزيد في الحجاز فكلم كبار أهل الحل ~~والعقد أبناء أبي بكر وعمر والزبير فخالفوه وهددوه إن لم يردها شورى في ~~المسلمين، ولكنه صعد المنبر وزعم أنهم سمعوا وأطاعوا وبايعوا يزيد، وهدد من ~~يكذبه منهم بالقتل. وأخرج الطبراني من طريق محمد بن سعيد بن زمانة أن ~~معاوية لما حضرته الوفاة قال ليزيد: قد وطأت ms042 لك البلاد ومهدت لك الناس ولست ~~أخاف عليك إلا أهل الحجاز فإن رابك منهم ريب فوجه إليهم مسلم بن عقبة فإني ~~قد جربته وعرفت نصيحته. . قال فلما كان من خلافهم عليه ما كان دعاه فوجهه ~~فأباحها ثلاثا، دعاهم إلى بيعة يزيد وأنهم أعبد له وقن في طاعة الله ~~ومعصيته وأخرج أبو بكر بن خيثمة بسند صحيح إلى جويرية بن أسماء سمعت أشياخ ~~أهل المدينة يتحدثون أن معاوية لما احتضر دعا يزيد فقال له: إن لك من أهل ~~المدينة يوما فإن فعلوا فارمهم بمسلم بن عقبة فإني عرفت نصيحته الخ ذكره ~~الحافظ في الفتح، أباح عدو الله مدينة الرسول ثلاثة أيام فاستحق هو وجنده ~~اللعنة العامة في قوله [صلى الله عليه وسلم] عند تحريمها كمكة # من أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ~~لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا " أي فرضا ولا نفلا - متفق ~~عليه - فكيف بمن استباح فيها الماء والأعراض والأموال؟ ؟ PageV01P052 # وكان الحسن البصري يقول أفسد الناس اثنان: عمرو بن العاص يوم أشار على ~~معاوية برفع المصاحف، وذكر مفسدة التحكيم، والمغيرة بن شعبة، وذكر قصته إذ ~~عزله معاوية عن الكوفة فرشاه بالتمهيد لاستخلاف يزيد فأعاده، قال الحسن فمن ~~أجل هذا بايع هؤلاء الناس لأبنائهم ولولا ذلك لكانت شورى إلى يوم القيامة ~~أ. ه ملخصا من تاريخ الخلفاء. # وهذا الذي قاله الحسن البصري من أئمة التابعين موافق لما قاله ذلك ~~السياسي الألماني لأحد شرفاء الحجاز من أنه لولا معاوية لظلت حكومة الإسلام ~~على أصلها، ولساد الإسلام أوربة كلها، وقد تقدم. . # وقد اضطرب أهل الأهواء ومن لا علم لهم بشيء من حقيقة الإسلام ونشأته إلا ~~من أخبار المؤرخين وهي أمشاج لم يكن يميز صحيحها من ضعيفها وحقها من باطلها ~~إلا الحفاظ من المحدثين، فنجد من هؤلاء من يميل إلى النواصب أو الخوارج ومن ~~يرجح جانب غلاة الشيعة. . وكان أستاذنا الشيخ حسين الجسر ينشد: # (من طالع التاريخ مع أنه ... لم يتمسك باعتقاد سليم) # (أصبح شيعيا ms043 وإلا فقل ... يخرج عن نهج الهدى المستقيم) # ولذلك نجد في المصريين وغيرهم من المنتمين إلى مذاهب السنة - وعلى غلو ~~دهمائهم في تعظيم آل البيت - من هو ناصبي يفضل بني أمية على العلويين ويزعم ~~أنهم أعزوا الإسلام وأقاموا الدين، والتحقيق أن فتح الإسلام لكثير من ~~البلاد في أيامهم الذي هو حسنتهم العظيمة كان أمرا اقتضته طبيعة الإسلام ~~والإصلاح الذي جاء به لإنقاذ البشر، ولم يكن لغير عمر بن عبد العزيز منهم ~~عمل انفرد به في إقامة الدين نفسه، ولم يكن لهم عمل في ذلك مختص بدولتهم ~~بحيث يقال إنه لولاهم لرجع الإسلام القهقري في العلم والعمل أو الفتح، وما ~~كان لهم من عمل حسن في هذه الأمور فقد كان لمن بعدهم من العباسيين مثله، ~~وكلاهما تابع في الدين للخلفاء الراشدين لا متبوع، وأما الأمور المدنية ~~التي استتبعت الفتح الإسلامي فلكل من الفريقين فيها عمل، وإنما سيئة ~~الأمويين التي لا تغفر ماسنوه في قاعدة حكومة الإسلام، حين كانت انتخابية ~~شورى في أولى PageV01P053 ~~الاختيار من أهل الحل والعقد وقد نسخوها بالقاعدة المادية، القوة تغلب ~~الحق، فهم الذين هدموها، وتبعهم من بعدهم فيها. # ومن اطلع على كتب السنة يعلم أن الله تعالى قد اطلع رسوله [صلى الله عليه ~~وسلم] على مستقبل أمته، وأن ما وقع كان مما تقتضيه طباع البشر بحسب قدر ~~الله وسنته، وقد أخبر بذلك بعض أصحابه بالتلميح تارة وبالتصريح أخرى ومنهم ~~أبو هريرة الذي روى عنه في الصحاح والسنن والمسانيد عدة أحاديث وآثار في ~~ذلك وأنه كان يستعيذ بالله من إمارة الصبيان ومن رأس الستين وهي السنة التي ~~ولى فيها يزيد (وقد مات قبلها) وكان يقول لو قلت لكم إنكم ستحرقون بيت ربكم ~~وتقتلون ابن نبيكم لقلتم لا أكذب من أبي هريرة. . يعني قتل الحسين وقد وقع ~~بعده. . وأخرج البخاري وغيره من طريق عمر بن يحيى بن سعيد بن عمرو بن سعيد ~~بن العاص الأموي قال: أخبرني جدي قال كنت جالسا مع أبي هريرة في مسجد النبي ~~[صلى الله عليه وسلم] ms044 ومعنا مروان (هو ابن الحكم بن أبي العاص وكان أمير ~~المدينة لمعاوية) فقال أبو هريرة: سمعت الصادق المصدوق [صلى الله عليه ~~وسلم] يقول # " هلكة أمتي على أيدي غلمة من قريش " فقال مروان لعنة الله عليهم غلمة، ~~فقال أبو هريرة لو شئت أن أقول بني فلان وبني فلان لفعلت. . فكنت أخرج مع ~~جدي إلى بني مروان حين ملكوا الشام فإذا رآهم غلمانا أحداثا قال لنا عسى ~~هؤلاء أن يكونوا منهم. قلنا أنت أعلم وإنما أهلكوا الأمة بإفساد حكومتها ~~الشرعية الإصلاحية. . وإلا فقد وسعوا ملكها بتغلب العصبية. . # قال الحافظ في شرح الحديث قال ابن بطال: وفي هذا الحديث حجة لما تقدم من ~~ترك القيام على السلطان ولو جار لأنه [صلى الله عليه وسلم] أعلم أبا هريرة ~~بأسماء هؤلاء ولم يأمر بالخروج عليهم، مع إخباره أن هلاك الأمة على أيديهم، ~~لكون الخروج أشد في الهلاك وأقرب إلى الاستئصال من طاعتهم، فاختار أخف ~~الضررين وأيسر الأمرين. . # ونقول ما ذكر من القاعدة صواب وما قبله من تطبيق النازلة عليها لا يصح، ~~فقد قاوم أهل الحجاز فغلبوا على أمرهم، والصواب ما بيناه من قبل من تفرق ~~جماعة، الإسلام العالمة العادلة في المماليك، وكون من بقي بالحجاز ضعفاء ~~بالنسبة إلى المملكة الإسلامية الجديدة، فلم يكن أمر الخروج ممكنا إلا ~~بعصبية كعصبيتهم كما PageV01P054 ~~فعل بنو العباس، وقد مهد أكثر العلماء السبيل للاستبداد والظلم بمثل هذا ~~الإطلاق في الخضوع لأهلهما، وقد تكرر بيان التحقيق فيه. . # ثم قال الحافظ يتعجب من لعن مروان الغلمة المذكورين مع أن الظاهر أنهم من ~~ولده، فكأن الله تعالى أجرى ذلك على لسانه ليكون أشد في الحجة لعلهم ~~يتعظون. . وقد وردت أحاديث في لعن الحكم والد مروان وما ولد، أخرجها ~~الطبراني وغيره، وغالبها فيه مقال وبعضها جيد، ولعل المراد تخصيص الغلمة ~~المذكورين بذلك ا. ه وقوله من ولده يصدق على الأكثر وإلا فإن يزيد بن ~~معاوية أول من كان يعني أبو هريرة بالغلمة والصبيان. . # وجملة القول أن مرادنا من هذا البحث بيان مفسدة إخراج الخلافة ms045 الإسلامية ~~عما وضعها عليه الإسلام، وجعلها تابعة لقوة العصبية والتغلب، فهذه المفسدة ~~هي أصل المفاسد والرزايا التي أصابت المسلمين في دينهم ودنياهم. . وقد ~~كررنا ذكرها لتحفظ ولا تنسى. . # ومن أغرب الغرائب أن قصر المسلمون عن غيرهم من أهل الملل التي كانوا قد ~~فاقوها في العلم والعمل بأن لم يقم أحد منهم بعمل منظم لإعادة حكم الإسلام ~~كما بدأ، بل رضوا بالتفرق والانقسام، والظلم والاستذلال، من كل من تولى ~~الأمر في قطر من أقطارهم، حتى سهل عليهم مثل ذلك من غيرهم. . فكانوا كما ~~قلنا في المقصورة: # (من ساسه الظلم بسوط بأسه ... هان عليه الذل من حيث أتى) # (ومن يهن هان عليه قومه ... وماله ودينه الذي ارتضى) # أفلم يأتهم نبأ ما فعل البابوات، من تنظيم الجمعيات، وجمع القناطير من ~~الدنانير لأجل إعادة سلطانهم الديني؟ إلا أننا قلدنا غيرنا فيما يضر، ولم ~~نقلد ولا استقللنا فيما ينفع في هذا الأمر، ولا يزال فينا من يجد في نبذ ما ~~بقي من قشور سلطان الخلافة الإسلامية بعد ذهاب لبابها، ويظنون أن وجودها هو ~~الذي أضعف ملكنا، وإنما أضعفه ذهابها، فإن ما نزال ندعيه منها للمستبدين، ~~كذب على الإسلام والمسلمين، ولو استمسكنا بعروتها الوثقى لكنا سادة ~~العالمين، وقد عرف هذا كثير من علماء الأجانب ولم يعرفه أحد من زعمائنا ~~السياسيين. . PageV01P055 ### | AUTO وحدة الخليفة وتعدده: # أصل الشرع أن يكون رئيس الحكومة وهو الإمام واحدا وهذا أمر إجماعي عند ~~جميع الأمم كالمسلمين، وسببه معروف وهو أن أمر الحكومة أولى من كل أمر عام ~~له شعب كثيرة بأن تكون له جهة واحدة يضبط بها النظام وتتقي الفوضى. قال ~~الكمالان في المسايرة وشرحها (ولا يولى) الإمامة (أكثر من واحد) لقوله [صلى ~~الله عليه وسلم] : # " إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما " رواه مسلم من حديث أبي سعيد ~~الخدري، والأمر بقتله محمول كما صرح به العلماء على ما إذا لم يندفع إلا ~~بالقتل، فإذا أصر على الخلاف كان باغيا فإذا لم يندفع إلا بالقتل قتل، ~~والمعنى في امتناع تعدد الإمام أنه مناف ms046 لمقصود الإمامة من اتحاد كلمة أهل ~~الإسلام واندفاع الفتن، وأن التعدي يقتضي لزوم امتثنال أحكام متضادة (قال ~~الحجة - حجة الإسلام الغزالي - فإن ولى عدد موصوف بهذه الصفات فالإمام من ~~انعدقت له البيعة من الأكثر، والمخالف باغ يجب رده إلى الانقياد إلى الحق، ~~وكلام غيره من أهل السنة اعتبار السبق فقط فالثاني يجب رده ا. ه ودليل ~~الجمهور نص الحديث. . # وقال الماوردي (ص 7) وإذا عقدت الإمامة لإمامين في بلدين لم تنعقد ~~إمامتهما لأنه لا يجوز أن يكون للأمة إمامان في وقت واحد، وإن شذ قوم ~~فجوزوه ا. ه وأقول إنما جوزه من جوزه حال تعذر الوحدة وهذا هو الخلاف الذي ~~نقله العضد في المواقف إذ قال: " ولا يجوز العقد لإمامين في صقع متضايق ~~الأقطار، أما في متسعها بحيث لا يسع الواحد تدبيره فهو محل الاجتهاد " قال ~~شارحه السيد الجرجاني: لوقوع الخلاف. . واعتمد الجواز معشيه الفناري وهو من ~~أشهر علماء الروم أو الترك. . وأما في حال إمكان الوحدة فلا نعلم أن أحدا ~~من العلماء الذين لعلمهم قيمة قال بجواز التعدد، وقول من قال بالتعدد ~~للضرورة أقوى من قول الجمهور بإمامة المتغلب للضرورة، إذا كان كل من ~~الإمامين أو الأئمة مستجمعا للشروط مقيما PageV01P056 ~~للعدل، فإن كان في هذه تفرق فهو في غير عدوان ولا عداوة، وفي تلك بغي وجور ~~ربما يفسد الدين والدنيا معا، بل أفسدهما بالفعل. . # وقد بسط ترجيح هذا القول السيد صديق حسن خان بهادر في آخر كتابه " الروضة ~~الندية " قال: # " وإذا كانت الإمامة الإسلامية مختصة بواحد، والأمور راجعة إليه مربوطة ~~به كما كان في أيام الصحابة والتابعين وتابعيهم فحكم الشرع في الثاني الذي ~~جاء بعد ثبوت ولاية الأول أن يقتل إذا لم يتب عن المنازعة. . وأما إذا بايع ~~كل واحد منهما جماعة في وقت واحد فليس أحدهما أولى من الآخر، بل يجب على ~~أهل الحل والعقد أن يأخذوا على أيديهما حتى يجعل الأمر في أحدهما. فإن ~~استمرا على التحالف كان أهل الحل والعقد أن يختاروا منهما من هو أصلح ~~للمسلمين، ms047 ولا تخفى وجوه الترجيح على المتأهلين لذلك ". # " وأما بعد انتشار الإسلام واتساع رقعته وتباعد أطرافه فمعلوم أنه قد صار ~~في كل قطر أو أقطار الولاية إلى إمام أو سلطان، وفي القطر الآخر أو الأقطار ~~كذلك. . ولا ينفذ لبعضهم أمر ولا نهي في غير قطره أو أقطاره التي رجعت إلى ~~ولايته فلا بأس بتعدد الأئمة والسلاطين، وتجب الطاعة لكل واحد منهم بعد ~~البيعة على أهل القطر الذي ينفذ فيه أوامره ونواهيه، وكذلك صاحب القطر ~~الآخر، فإذا قام من ينازعه في القطر الذي ثبت فيه ولايته وبايعه أهله كان ~~الحكم فيه أن يقتل إذا لم يتب ولا يجب على أهل القطر الآخر طاعته ولا ~~الدخول تحت ولايته لتباعد الأقطار، فإنه قد لا يبلغ إلى ما تباعد منها خبر ~~إمامها أو سلطانها ولا يدري من قام منهم أو مات، فالتكليف بالطاعة والحال ~~هذه تكليف بما لا يطلق، وهذا معلوم لكل من له إطلاع على أحوال العباد ~~والبلاد، فإن أهل الصين والهند لا يدرون بمن له الولاية في أرض المغرب فضلا ~~عن أن يتمكنوا من طاعته، وهكذا العكس، وكذلك أهل ما وراء النهر لا يدرون ~~بمن له الولاية في اليمن، وهكذا العكس، PageV01P057 ~~فاعرف هذا فإنه المناسب للقواعد الشرعية، والمطابق لما تدل عليه الأدلة، ~~ودع عنك ما يقال في مخالفته، فإن الفرق بين ما كانت عليه الولاية الإسلامية ~~في أول الإسلام وما هي عليه الآن، أوضح من شمس النهار، ومن أنكر ذلك فهو ~~مباهت لا يستحق أن يخاطب بالحجة لأنه لا يعقلها والله المستعان " اه. # هذا أوجه تفصيل قيل في جواز التعدد للضرورة وهو اجتهاد وجيه ويشبهه عند ~~بعض الأئمة تعدد الجمعة في البلد الواحد. . فالأصل في الشرع أن يجتمع أهل ~~البلد كلهم في مسجد واحد لأن للشارع حكمة جلية في الاجتماع فإن تعددت ~~فالجمعة للسابق والمتأخر لا يعتد بجمعته. فمتى علم أنها أقيمت في مسجد لم ~~يجز أن تقام ثانية فيه ولا في غيره من ذلك البلد، ومن أقامها كانت صلاتهم ~~باطلة وكانوا آثمين، ms048 ولا تسقط عنهم صلاة الظهر، وجوز التعدد للضرورة بقدرها ~~أشد المانعين حظرا له في حال الاختيار. . # وظاهر كلام الجمهور الذين أطلقوا منع تعدد الإمام الحق، أن المسلمين ~~الذين لا يستطيعون اتباع جماعة المسلمين وإمامهم في دار العدل لبعد الشقة ~~وتعذر المواصلة، يعذرون في تأليف حكومة خاصة بقطرهم، ويكون حكمهم فيها حكم ~~من أسلموا وتعذرت عليهم الهجرة إلى دار الإسلام لنصرة الإمام، ولا تكون ~~دارهم مساوية لدار العدل وجماعة الإمامة الذين أقاموا الشرع قبلهم، بل يجب ~~عليهم اتخاذ الوسائل للالتحاق بها، وجمع الكلمة ولو باستمداد السلطة منها ~~ونصرة إمامها وجماعتها بقتال من يقاتلهم عند الإمكان، كما يجب على الجماعة ~~نصرهم في حال الاعتداء عليهم، وإذا صح أن يكون حكمهم كحكم من لم يهاجروا ~~إلى دار الإسلام فالحكم في نصرهم يدخل في قوله تعالى: {والذين آمنوا ولم ~~يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا، وإن استنصروكم في الدين ~~فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق} على القول المختار بأن هذه ~~الآية في الولاية العامة. . لا فيما كان من ولاية التوارث خاصة. . # وجملة القول أن جمهور المسلمين أجمعوا على أن تعدد الإمامة الإسلامية غير ~~جائز، ومقتضاه أن الحكومة الإسلامية التي تتعدد للضرورة. . وتعذر في ترك ~~اتباع الجماعة هي حكومة ضرورة تعتبر مؤقتة، وتنفذ أحكامها ولكن لا تكون ~~مساوية للأولى، وإن كانت مستجمعة لشروط الإمامة مثلها، وظاهر القول الآخر الذي PageV01P058 ~~عدوة شاذا أنها إذا كانت مستجمعة للشروط كانت إمامة صحيحة، وهذا هو التعدد ~~الحقيقي، ولكن لم يختلف اثنان في أنها للضرورة، فإذا زالت وجبت الوحدة. ~~ولهذه المسائل أحكام كثيرة لا محل هنا للبحث فيها. . # بيد أنه لابد من البحث في ثبوت هذه الضرورة، فإن بعد الشقة بين البلاد، ~~وتعذر المواصلات التي يتوقف عليها تنفيذ الأحكام، مما يختلف باختلاف الزمان ~~والمكان، فلا يصح أن يجعل عذرا دائما لصدع وحدة الإسلام، وقد " تقارب ~~الزمان " في عهدنا هذا مصداقا لما ورد في بعض الأحاديث المنبئة بالأحداث ~~المستترة في ضمائر الغيب، فاتصلت الأقطار النائية بعضها ms049 ببعض في البر ~~والبحر، بالبواخر والسكك الحديدية. . ثم بالمراكب الهوائية (الطيارات ~~والمناطيد) التي صارت تنقل البريد والناس مسافة مئات وألوف من الأميال، في ~~ساعة أو ساعات، دع نقل الأخبار بقوة الكهرباء من أول الدنيا إلى آخرها في ~~دقائق معدودات. . ولو كانت هذه الوسائل في عصر سلفنا لملكوا العالم كله، ~~وهو ما يطمع فيه بعض الأمم اليوم، وهذه شعوب الشمال في أوربة قد سادت معظم ~~شعوب الجنوب والشرق، وبين شعوب الفريقين منتهى أبعاد العمران من الأرض. # ولكن المسلمين قصروا في هذه الوسائل، فبعض بلادهم محرومة منها كلها، وما ~~يوجد في بعضها فهم عالة فيه على الإفرنج، وإن شرعهم يفرضها عليهم فرضا ~~دينيا من وجوه أهمها أن كثيرا من الفرائض والواجبات تتوقف عليها أو لا تتم ~~إلا بها، كحفظ المملكة والدفاع عنها، والإعداد لأعدائها ما تستطيع من قوة ~~كما أمرنا كتابنا، وقد صار هذا من الفرائض العينية علينا، لاستيلائهم على ~~أكثر بلادنا، ويتحقق الوجوب العيني على الرجال والنساء باستيلاء الأعداء ~~على قرية صغيرة منها، دع توقف وحدة السلطة عليه بالخضوع لإمام واحد يقيم ~~الحق والعدل فينا، منفذا به أحكام شرعنا. . # فأمام وحدة الإمام الواجبة واجبات كثيرة قد فرط فيها المسلمون من قبل، ~~بقبولهم أحكام التغلب التي أضاعت جل ما جاء به الإسلام لإصلاح البشر في شكل ~~حكومتهم وصفاتها وغير ذلك، فأي واجب منها أقاموا حتى يطالبوا بهذا الواجب؟ . . PageV01P059 ### | AUTO وحدة الإمامة بوحدة الأمة: # وحدة الإمامة تتبع وحدة الأمة، وقد مزقت العصبية المذهبية ثم الجنسية ~~الشعوب الإسلامية بعد توحيد الإسلام إياها بالإيمان برب واحد، وإله واحد، ~~وكتاب واحد، والخضوع لحكم شرع واحد، وتلقى الدين والآداب وغيرها بلسان ~~واحد، فأنى يكون لها اليوم إمام واحد، وهي ليست أمة واحدة؟ # لا أقول إن هذا محال في نفسه، وإنما أقول إنني لا أعرف شعبا من شعوب ~~المسلمين ولا جماعة من جماعاتهم المنظمة تقدرة قدره، وتسعى إليه من طريقة، ~~فهم في درك من الجهل والتخاذل والتفرق المذهبي والتعصب الجنسي وضعف الهمة ~~يقعد بهم عن التسامي إلى هذا ms050 المثل الأعلى في الكمال الديني والاجتماعي، ~~وحمل البلاد الإسلامية ذات الحكومات المستقلة على الخضوع لرئيس واحد بالقوة ~~العسكرية مما لا سبيل إليه في هذا الزمان ولا سبيل إيضا إلى إقناع حكومات ~~هذه البلاد، باتباع واحد منهم بالرضى والاختيار. . # والحكومات المستقلة الآن هي حكومات الترك والفرس والأفغان ونجد واليمن ~~العليا وهي النجود وما يتبعها واليمن السفلى والحجاز، وقد استقلت بعض ~~الأقطار الإسلامية التي كانت تابعة لروسية القيصرية كبخارى وخيوه، ولكن ~~استقلالهما لم يستقر بعد، على أنه قد اعترف به في المعاهدة التركية ~~الأفغانية، ومثلهما أذربيجان ودونهما كردستان، وهذه الحكومات الصغيرة تجزم ~~الدولة التركية بأنها ستسودهن وتدعمهن في جامعتها الطورانية. . وكذا سائر ~~شعوب القوقاز الإسلامية، ولا توجد حكومة منهن يمكن أن تدعي الخلافة ~~الدينية. فبقي الكلام في الحكومات العربية. . والدول الثلاث الأعجمية. . # فأما أهل اليمن العليا فيعتقدون أن الإمامة الشرعية الصحيحة محصورة فيهم ~~منذ ألف سنة ونيف لأن أئمتهم ينتخبون انتخابا شرعيا تراعي فيه جميع الشروط ~~الشرعية التي يشترطها أهل السنة مع زيادة مراعاة مذهبهم الزيدي، وأن هذه ~~الزيادة لا تعارض مذهب أهل السنة، وأنهم يحكمون بالشرع ويقيمون الحدود، ~~ومذهبهم في الفروع مذهب العترة النبوية. . وهو قلما يخالف مذاهب السنة ~~الأربعة ولا سيما مذهب الحنفية. . فلا مطمع في إقناعهم باتباع غيرهم، وقد ~~قاتلهم الترك PageV01P060 ~~عدة قرون ولم يستطيعوا إزالة إمامتهم، ولكن جيرانهم من العرب وسائر ~~المسلمين لا يعتدون بإمامتهم، وهم لا يدعون إليها ولا يستعدون لتعميمها وقد ~~اعترف بصحتها إمام حفاظ السنة وقاضي قضاة مصر وشيخ مشايخ الإسلام في أزهرها ~~لعهده الحافظ أحمد بن حجر العسقلاني في شرحه لحديث # " لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان " من صحيح البخاري. # وأما السيد الإدريسي فهو على كونه حاكما مستقلا، وسيدا علويا، وفقيها ~~أزهريا، ومرشدا صوفيا. لم يدع منصب الخلافة فيما نعلم، ولم يدع رؤساء ~~إمارته إلى مبايعته بها، ولكن أهل بيته وجماعته يعتقدون أنه أحق بها من ~~شرفاء الحجاز، ويلقبونه بالسيد الإمام. . ولقبه بعضهم بصاحب الجلالة ~~الهاشمية، وقد نقل لنا الثقات ms051 أن الملك حسينا اجتهد في استمالته للاعتراف ~~بالتبعية للحجاز في السياسة الخارجية أو بالاسم فقط فلم يفلح، كما أنه لم ~~يفلح في سعيه لدى الإمام يحيى بذلك، وقد استغرب كل منهما هذا السعي. . ~~وبلغنا أن السيد الإدريسي كان يفضل الاعتراف بسيادة الترك السياسية على ~~بلاده في الأمور الخارجية، هربا من دسائس الإفرنج وتقوية للروابط ~~الإسلامية. . # وأما حكومة الحجاز فهي جديدة ولا يعرف لها نظام ثابت، وإنما ملك الحجاز ~~هو هنالك الحكومة وكل شيء، وقد بايعه أهل مكة على أنه ملك العرب ثم بايعه ~~آخرون في سورية وغيرها بالخلافة وإمارة المؤمنين على عهد وجود ولده فيصل ~~فيها قبل إعلان استقلال دمشق، وذلك كما يبايع أمثالهم في سوريا ومصر ~~الخليفة الجديد في الآستانة، ويظهر أن ولده فيصل ملك العراق وولده عبد الله ~~أمير شرق الأردن مصران على بذل نفوذهما لجعله هو الخليفة، وأخذ المبايعة له ~~من سورية والعراق عن سنوح الفرصة. . وقد نشر في جريدة القبلة مقالات قديمة ~~وحديثة في بطلان خلافة خلفاء الترك في الآستانة وتكفيرهم وتكفير حكومتهم، ~~وقد كان في عمان مسجد متداع فأمر الأمير عبد الله بتجديد بنائه فوضع له ~~قاضيه الشيخ سعيد الكرمي تاريخا في أبيات من الشعر نقشت على لوح من الرخام ~~وضع فوق بابه قال في أولها: # (حسين بن عون من بني مجد عدنان ... فصار أمير المؤمنين بلا ثاني) # (أعاد له حق الخلافة بعد ما ... ثوت زمنا بالغصب في آل عثمان) PageV01P061 ~~وقد جعل هذا القاضي بناء حسين لما سماه مجد عدنان، سببا لصيرورته أمير ~~المؤمنين الذي لا ثاني له في بلاد الإسلام، وهو لم يبن لعدنان مجدا، ومجد ~~عدنان ليس سببا للخلافة، وإنما يرضى الناظم بذلك أميره الذي كان ولا يزال ~~يعسى لتحقيق جعل والده خليفة، ولكنه طعن في إمامة يحيى حميد الدين الذي ~~يخطب أميره ووالد أميره الملك وده، لا في خلافة أعدائه الترك فقط، ولا ~~يستطيع أحد أن يقرن به أحدا من شرفاء الحجاز وأمثالهم. . ممن يرون أنفسهم ~~أهلا للإمامة بأنسابهم، فإنه على تواتر ms052 نسبه الهاشمي العلوي، وصراحته بخلوه ~~من شوائب الرق غير الشرعي، قد انتخب بأنه عالم مجتهد شجاع مدبر، ذو شوكة ~~ومنعة يقدر بهما على حفظ استقلال بلاده، وقد بويع بالإمامة منذ عشرات من ~~السنين، والمعترفون بإمامته يزيدون على عدد أهل الحجاز، بل على أهل سورية ~~كلها والعراق أيضا. . # ليس من غرضنا هنا مناقشة هؤلاء ولا غيرهم في دعاويهم ولا أغراضهم بل بيان ~~الواقع في البلاد الإسلامية المستقلة وهو أن ملك الحجاز وأولاده يعتقدون أن ~~الخلافة حقهم بنسبهم ومركزهم في الحجاز، وأنهم ينالونه بمساعدة الدولة ~~البريطانية لهم، وقد قال أحدهم عبد الله أمير شرق الأردن في الإسكندرية " ~~إن الخلافة لنا " ونقلت الجرائد المصرية هذا عنه ورد عليه في بعضها. . # وأما أهل نجد فحنابلة سلفيون وهم يسمون أميرهم إماما ولا يسمونه خليفة ~~ولم يبلغني أنه يدعي الخلافة العامة، ولكنهم يعتقدون أنه لا يوجد أمير مسلم ~~يقيم دين الله كما أنزله غيره، وأن بلادهم دار العدل وجماعة المسلمين ~~والهجرة إليها واجبة بشروطها. . فلا مطمع في اتباعهم لغيرهم، وقد اتهموا ~~بانتحال مذهب جديد نفر منهم غيرهم، وهم لا يبالون ما يقال فيهم، ولا يدعون ~~أحدا إلى اتباعهم، إلا البدو المجاورين لهم، الذين لا يعرفون من الإسلام ~~عقيدة ولا عملا، فيدعونهم إلى التدين وترك البداوة واتباع حكومتهم ~~الإسلامية التي تقيم شرع الله وحدوده على مذهب إمام السنة أحمد بن حنبل. . # فهذا ملخص ما نعلم من حال البلاد العربية المستقلة، وتركنا ذكر حكومة ~~عمان الأباضية لأن نفوذ الإنكليز فيها كبير، فأهلها لا يهتدون سبيلا إلى ~~الارتباط بغيرهم، ومذهب أكثرهم أباضى فهم من الخوارج الذين لا يقيدهم ~~مذهبهم بشرط PageV01P062 ~~القرشية وقد علمت من سلطان مسقط السابق أنه كان يتمنى الارتباط بالدولة ~~العثمانية. . # وأما الدول الأعجمية المستقلة فأولاها التركية، وكانت تدعى أن الخلافة ~~انتقلت إلى سلاطينها بنزول آخر خلفاء العباسيين عتها للسلطان سليم الذي ~~أسره بمصر وحمله إلى الآستانة وتسلسل ذلك فيهم بعد ذلك بالعهد والاستخلاف، ~~حتى كان من أمرهم في هذه الأيام ما كان، ويقال إن السلطان محمد ms053 وحيد الدين ~~المخلوع ما زال يدعي الخلافة التي آلت إليه بنظام الوراثة، والحق ما بيناه ~~من قبل، وأن الخليفة العباسي الذي أسره السلطان سليم لم يكن يملك الخلافة ~~ولا النزول عنها ولو لأهلها، ولو كان يملكهما، لاشترط في نزوله الحرية ~~والاختيار، ولم يكن يملكهما، ومثله السلطان وحيد الدين الآن، فلذلك لا يعتد ~~بما يتوقعه بعضهم من نزوله عنها لملك الحجاز، وإنما كانت خلافة الترك ~~العثمانيين بالتغلب، فلا فرق بين اختيار الأمير عبد المجيد الان بعد انقطاع ~~سلسلة العهد والاستخلاف بخلع محمد وحيد الدين، وبين اختيار هذا قبله عملا ~~بذلك النظام. . هذا إذا جعلته حكومة أنقرة خليفة بالمعنى الشرعي المعروف. . ~~ولكنها اخترعت نوعا جديدا من الحكومة ونوعا آخر من الخلافة، ووضعت للأولى ~~قانونا أساسيا عرفناه ولم تضع للثانية قانونا لتعلم منه كنهها، فإن كانت ~~خلافة روحية لا سلطان لها في سياسة الأمة وحكومتها فهي غير الإمامة التي ~~بينا أحكامها، على أن ما يضعونه لها من النظام إن كان موافقا للشرع حمدناه، ~~وإن كان مخالفا له أنكرناه، ولا يضرنا تسمية هذا العمل خلافة، فمثله معهود ~~عند أهل الطريق ولا مشاحة في الإصلاح وسنبين لها في كل وقت ما يجب عليها ~~للإسلام. # وثانيتها الإيرانية، وهي شيعية إمامية، والإمامة عندهم للإمام محمد ~~المهدي المنتظر فلا تعترف بإمامة أخرى لغيره، وإنما ترتبط بغيرها من الدول ~~الإسلامية، بنوع من المخالفات السياسية. # وثالثتها الأفغانية وهي سنية وقد اعترفت في المحالفة التي عقدت بينها ~~وبين الحكومة التركية الجديدة في أنقرة بأن الدولة التركية دولة الخلافة، ~~ولكن لم تعترف بسيادة ما عليها. . بل كانت محالفتها محالفة الند للند. . PageV01P063 # وقد كان نص المادة الثالثة من هذه المحالفة التي وضعت في (أنقرة) جعل ~~الدولة الأفغانية في مكان التابع من الدولة التركية، وهذه الترجمة نشرت في ~~جريدة الأخبار المصرية لمراسلها في (كابل) عاصمة الأفغان # " تصدق الدولة الأفغانية بهذه المناسبة على أنها تقتدي بتركيا التي تحدم ~~خدمات جليلة وتحمل علم الخلافة الإسلامية " أي تقر وتعترف بهذه القدوة. # وذكر المراسل أن أمير الأفغان لم ms054 يقبل هذا النص بل غيره " بأن الدولة ~~الأفغانية لا تقتدي بالدولة العلية التركية، وإنما عليها أن تعترف بأنها ~~دولة الخلافة " وقد كان هذا قبل الانقلاب التركي الأخير، وذكر في بعض ~~الجرائد أن الأفغان أنكروا منه جعل الخلافة روحية لا شأن لها في السياسة ~~والأحكام وإذا آل الأمر إلى اعترافهم بصحة الخلافة العثمانية التركية شرعا ~~فلا مندوحة لهم عن اتباع الخليفة لأنهم قوم مسلمون مستمسكون بدينهم ~~استمساكا عظيما. . # ولكن الظاهر أن جميع الذين يعترفون للعثمانيين من الترك بالخلافة ولا ~~يتبعون حكومتهم فإنما يعترفون لهم بلقب من ألقاب الشرف، لصاحبه نفوذ معنوي ~~لدى الدول. . وإلا فلا معنى لكون الرجل خليفة المسلمين إلا أنه إمام دينهم ~~ورئيس حكومتهم الذي تجب طاعته عليهم. . وتباح دماؤهم في الخروج عليه، ~~والاستقلال بالحكم دونه بشروطه المعروفة في كتب الفقه. . وأما المتغلب الذي ~~لا يطاع إلا بالقهر فلا يجوز لغير من قهرهم الاعتراف له بالخلافة، وإن من ~~العبث بالإسلام أن تجعل إمامته الكبرى مجرد لقب من ألقاب المدح والشرف. . # هذا وأما البلاد الإسلامية الرازحة تحت أثقال السيطرة الأجنبية كمصر ~~وسائر أقطار إفريقية الشمالية وسورية والعراق فليس لها من أمر حكمها أو ~~حكومة دينها شيء. . وليس فيها جماعة تتصرف في ذلك بحل ولا عقد، فلو أن ~~رؤساء الحكومة والشعب في قطر منها - وهم الذين كانوا لولا السلطة الأجنبية ~~أهل الحل والعقد فيها - أرادوا أن يبايعوا خليفة في بلاد الترك أو العرب ~~مثلا مبايعة صحيحة، وهي ما توجب عليهم أن يكونوا خاضعين لسلطانه، مطيعين في ~~أمورهم العامة لأمره ونهيه، ناصرين له على من يقاتله أو يبغى عليه، لما ~~استطاعوا أن يمضوا ذلك وينفذوه بدون إذن الدولة الأجنبية المسيطرة عليهم، ~~وهي لن تأذن وإن كانت تدعي أنها لا تعارض المسلمين في أمور دينهم، وأنها ~~تاركة أمر الخلافة إليهم. . PageV01P064 # وأما الأفراد والجماعات الذين ليس لهم رئاسة ولا نفوذ في قيادة الشعب، ولا ~~يستطيعون أن يطيعوا إذا بايعوا، كأن ينفروا إذا استنفروا، وينصروا إذا ~~استنصروا، فقد يسمح لهم في بعض هذه الأقطار بأن ms055 يقولوا ما شاءوا، وفي بعضها ~~لا يسمح لهم بذلك، ورأى السواد الأعظم من المسلمين في كل قطر من هذه ~~الأقطار مخالف لرأي الدولة المسيطرة عليه، ومن ذلك مبايعة بعض الأفراد ~~والجماعات المصرية والهندية للخليفة التركي الجديد، ولو أراد مثل ذلك أهل ~~تونس والجزائر لما أبيح لهم مع علم فرنسة المسيطرة عليهم أن هذه المبايعة ~~لا يترتب عليها اتباعهم لحكومته التركية. . وأن هذه الحكومة نفسها، غير ~~تابعة لخليفتها، بل هو تابع لها، وموظف عندها، وهي التي تحدد عمله ووظيفته. . # وصفوة القول أن الشعوب الإسلامية المقهورة بحكم الأجانب ليس لها من أمرها ~~إلا ما يجود به عليها الأجانب القاهرون لها، ولا يمكنها أن تساعد على وحدة ~~الأمة، التي تتوقف عليها وحدة الإمامة. . إلا من طريق بث الدعوة وبذل ~~المال، وأن الشعوب المستقلة لا مطمع الآن في جمع كلمتها. . بترك التعصب ~~لمذاهبها ولجنسيتها، وإيجاد خلافة صحيحة قوية توحد حكومتها. . وأقرب منه ~~عقد موالاة ودية أو محالفات سياسية عسكرية بينها، وقد بدأ بذلك الأعاجم ~~منها. . وأما العربية فقد عز إلى اليوم التأليف بينها، فإذا يسره الله تيسر ~~اتفاقها مع غيرها، وكان ذلك تمهيدا للإمامة العامة التي تجمع كلمتها كلها. . # ومن ذا الذي يطالب بإعادة تكوين الأمة الإسلامية المنحلة العقد المفككة ~~الأوصال، وبإعادة منصب الخلافة إلى الموضع الذي وضعه فيه الشارع؟ أهل الحل ~~والعقد؟ . . ومن هم وأين هم اليوم؟ ### | AUTO أهل الحل والعقد في هذا الزمان ### | AUTO وما يجب عليهم في أمر الأمة والإمام: # فرغنا مما قصدنا إلى بيانه من أحكام الإمامة العظمى في الإسلام، ونقفي ~~عليه ببيان ما يجب من السعي للعمل بهذه الأحكام، بإعادة تكوين الأمة ~~ووحدتها. ونصب الإمام الحق لها، الذي بينا في المسألة الثانية أنه واجب ~~عليها شرعا، تأثم PageV01P065 ~~كلها بتركه، وتعد حياتها ومبيتتها جاهلية مع فقده، فالأمة كلها مطالبة به، ~~وهي صاحبة الأمر والشأن فيه كما بيناه في المسألة الرابعة، وإنما يقوم به ~~ممثلوها من أهل الحل والعقد كما حررناه في المسألة الثالثة، فأهل الحل ~~والعقد هم المطالبون بجميع مصالح ms056 الأمة العامة، ومسألة السلطة العليا ~~بخاصة. . # قلنا إن أهل الحل والعقد هم سراة الأمة وزعماؤها ورؤساؤها، الذين تثق بهم ~~في العلوم والأعمال والمصالح التي بها قيام حياتها، وتتبعهم فيما يقررونه ~~بشأن الديني والدنيوي منها، وهذا أمر من ضروريات الاجتماع في جميع شعوب ~~البشر، تتوقف عليه الحياة الاجتماعية المنظمة، قال شاعرنا العربي: # (لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة إذاجهالهم سادوا) # وإذا صلحت هذه الفئة من الأمة صلح حالها وحال حكامها، وإذا فسدت فسدا، ~~ولذلك كان من مقتضى الإصلاح الإسلامي أن يكون أهل الحل والعقد في الإسلام ~~من أهل العلم الاستقلالي بشريعة الأمة ومصالحها السياسية والاجتماعية، ~~والقضائية والإدارية والمالية، ومن أهل العدالة والرأي والحكمة، كما بيناه ~~في المسألة الرابعة، وهي ما يشترط في أهل الاختيار للخليفة. . # فذكر أهل الحل والعقد قد تكرر في مسائل أحكام الخلافة، ولم نجعله عنوانا ~~إلا لهذه المسألة التي عقدت للكلام فيهم أنفسهم، وأين يوجدون اليوم، وما ~~يجب عليهم لأمتهم في هذا العصر، فإن الحكومات غير الشرعية من أجنبية ووطنية ~~تعني بإفساد زعماء الشعوب التي تستبد في أمرها، ليكونوا أعوانا لها على ~~استبدادها، ومن تعجز عن إفساده على قومه بالترغيب ثم بالترهيب تكيد له أو ~~تبطش به، فأهل الحل والعقد من قبل الأمة، قلما يوجدون إلا في الأمم الحرة، ~~وأكثر الرؤساء في الأمم المقهورة يكونون من قبل حكامها، وهم الذين توليهم ~~رئاسة بعض الأعمال والمصالح فيها، فيكون ما بيدهم من الحل والعقد مستأجرا، ~~وقد تغش الأمة ببعض رجاله، وقد يكونون في نظرها من الخونة المستحقين ~~للعقاب، وقد يوجد فيهم من يكون أهلا للثقة، وتعرف له الأمة ذلك أو تجهله، ~~وإذا سكتت على إظهار احتقارها لصنائع المستبدين فيها، لتفرقها في وقت ~~الانقياد والدعة، فإنها تظهره في وقت الاجتماع بالاضطراب والثورة، وقد ~~أظهرت لنا الثورة المصرية في هذه السنين، كراهة الأمة، واحتقارها لأفراد من ~~رؤساء مصالح الدنيا والدين، وترئيس أفراد PageV01P066 ~~آخرين عليها، وآية هذه الزعامة المصنوعة المستأجرة للحكومة أن صاحبها إذا ~~خرج من منصبه، تجد جمهور الأمة ms057 لا يحفل به، ولا يعده زعيما له، وربما أظهر ~~له الاحتقار والإهانة. . وقد رأينا الأجانب الغاصبين لبعض بلادنا في هذه ~~السنوات النحسات يقودون بعض هؤلاء الزعماء الذين أفسدوهم على الأمة أو ~~رأسوهم عليها إلى عواصم بلادهم، ويتواطئون معهم على توطيد سلطتهم فيها (أي ~~الأمة) ويستخدمون بعضهم في البلاد للاستعانة بهم على استعمارها، وكذلك كان ~~يفعل السلاطين والأمراء، في استمالة العلماء والوجهاء، بالرتب والأوسمة ~~والهبات، ثم هب الترك والمصريون يطلبون سلطة الأمة بمجالس النواب، وهذه ~~المجالس بمعنى جماعة أهل الحل والعقد في الإسلام، إلا أن الإسلام يشترط ~~فيهم من العلم والفضل مالا يشترطه الإفرنج ومقلدتهم في هذا العصر. # وقد صار أهل الجمعية الوطنية في أنقرة أصحاب الحل والعقد بالفعل، وبالرغم ~~من السلطان الذي ناصبهم فباء بالخزي والعزل، وحلوا محل مجلس المبعوثين ~~ومجلس الوزراء وشخص السلطان جميعا، وقد ذكرني هذا ما قاله لي الغازي أحمد ~~مختار باشا في الآستانة لما سألته عن رأيه في الحكومة الدستورية قال: عندنا ~~مجلس وليس عندنا سلطان، ولا بد من الكفتين في وجود الميزان. # وأما البلاد المقهورة بالاحتلال الأجنبي كمصر والهند، فلا مجال فيها لمثل ~~ما فعل الترك، وإنما يظهر فيها فرد بعد فرد، إلا أن تبلغ الأمة سن الرشد. # ولقد وصل الأستاذ الإمام رحمه الله تعالى إلى مقام الزعامة في هذه الأمة ~~ومرتبة أهل الحل والعقد في الأمور الدينية والدنيوية من سياسة وغيرها، بل ~~قارب أن يكون زعيم الأمة الإسلامية كلها، ولكن بالقوة لا بالفعل، لأن الأمة ~~لم تكن قد تكونت تكونا يؤهلها للسير في الخطة التي يختطها لها، ولذلك كان ~~يقول: يا ويح الرجل الذي ليس له أمة، وقد كان أمير بلاده ينهى عنه وينأى ~~عنه، على أنه كان يرجع في المهمات وحل المشكلات إليه ... # وقد بلغ سعد باشا زغلول مقام الزعامة السياسية في هذه السنين التي تكون ~~فيها قومه، فلما تصدى للعمل بقوة الشعب. . كان جزاؤه النفي بعد النفي، ~~ويوجد في الهند رجال من المسلمين والهنود رفعتهم أحداث الزمان إلى مقام ~~الزعامة في الأمة، ms058 PageV01P067 ~~بإظهار ما هم عليه من الكفاءة وعلو الهمة وهم الآن في غيابات السجون، منهم ~~(غاندي) عند الهندوس وأبو الكلام ومحمد علي وشوكت عند الملسمين، ويلي هؤلاء ~~جماعاتهم كالوفد المصري عندنا وجمعية الخلافة عندهم. . # وأما الجماعات القديمة مثل هيئة كبار العلماء في الأزهر بمصر، وفي جامع ~~الفاتح والسليمانية من الآستانة، وجامع الزيتونة بتونس، ومدرسة ديوبند ~~بالهند فإن جمهور الأمة يثق بأن حكم الله ما قالوا، لكن أكثر المتفرنجين - ~~ومنهم أكثر الحكام والقواد والأحزاب السياسية - قلما يقيمون لأحد منهم ~~وزنا، إلا من كان ذا منصب أو ثروة، أصاب بها بعض الوجاهة. . ولا يوجد في ~~علماء أهل السنة مجتمعين ولا منفردين من يبلغ في الزعامة واتباع الشعب له ~~مبلغ مجتهدي علماء الشيعة، ولا سيما متخرجي النجف منهم، فأولئك هم الزعماء ~~لأهل مذهبهم حقا، ويقال إنهم أفتوا في هذه الآونة بتحريم انتخاب الجمعية ~~الوطنية، التي أمرت بها حكومة الملك فيصل لإقرار المعاهدة بين العراق ~~والدولة البريطانية، فأطاعها البدو والحضر من الشيعة. . وقد كان ميرزا حسن ~~الشيرازي رحمه الله تعالى أصدر فتوى تحريم التنباك فخضع لها الشعب الإيراني ~~كله، وتركوا استعمال التنباك وزرعه، وهو بالنسبة إلى صادرات بلادهم كالقطن ~~في القطر المصري، وكان الذي حمله على إصدار هذه الفتوى موقظ الشرق السيد ~~جمال الدين الأفغاني قدس الله روحه بسبب إعطاء حكومة إيران امتيازا ~~بالتنباك لشركة إنكليزية، فاضطرت الحكومة لفسخ الامتياز في مقابل تعويض ~~للشركة قدره خمسمائة ألف جنيه إنجليزي، ولو لم تفسخ هذه الشركة لفعلت في ~~إيران ما فعلت شركة الجلود الإنكليزية في الهند، أي لملكت أمتها تلك البلاد ~~وضمتها إلى إمبراطورية الهند. . # قلت إن الحكومات المسبتدة تجتهد في إفساد من يظهر من الزعماء في الشعوب ~~التي تتولى أمرها، على أنها تعنى قبل ذلك بالأسباب التي تمنع وجود الزعامة ~~فيها بإفساد التعليم ومراقبته، وقد أبعدوا علماء الدين عن السياسة وعن ~~الحكومة، فصار أكثر أهلها وأنصارها من الجاهلين بالشريعة، وتولى هؤلاء أمر ~~التعليم وإعداد عمال الحكومة به، وانكمش العلماء إلى زوايا مساجدهم، أو ~~جحور بيوتهم، ولم ms059 يطالبوا بحقوقهم، ولا استعدوا لذلك بما تقتضيه حال ~~الزمان، وطبيعة العمران، ولا عرفوا كيف يحفظون مكانتهم من زعامة الأمة ~~بتعريفها بحقوقها، وقيادتها PageV01P068 ~~للمطالبة بها، فأضاعوا حقهم من الحل والعقد فيها، وتركوها لرؤساء الحكام ~~وللأحزاب والجمعيات السياسية التي يتولى أمرها في الغالب من لا حظ لهم من ~~علوم الدين، ولا من تربيته التي لا نظام لما بقي منها عند بعض المسلمين. . # فإذا أريد السعي - والحال هذه - لما وجب في الشرع من إمامة الحق والعدل ~~العامة، فلا بد قبل ذلك من السعي لوجود جماعة أهل الحل والعقد المتحلين ~~بالصفات التي اشترطت فيهم، كما تقدم في المسألة الخامسة. فإنهم هم أصحاب ~~الحق في نصب الإمام بنيابتهم عن الأمة، وبتأييده في حمل الأمة على طاعته، ~~والمطلوب قبل نصب الإمام العام للأمة كلها، أو للبلاد المستقلة منها، أن ~~تتحد شعوب هذه البلاد، وترجع عن جعل اختلاف المذاهب والأجناس واللغات موانع ~~للوحدة والاتفاق ... ### | AUTO وإنا نتساءل هنا: هل يوجد في البلاد الإسلامية من أهل الحل ~~والقعد من يقدر على النهوض بهذا الأمر؟ وإذا لم يكن فيها من لهم هذا النفوذ ~~بالفعل، أفلا يوجد من له ذلك بالقوة؟ ثم ألا يمكن للمسلمين وضع نظام لجعل ~~النفوذ بالقوة نفوذا بالفعل؟ بلى إنه ممكن عسر، وقوة العزيمة تجعل العسر ~~يسرا، وقوة العزيمة تتبع قوة الداعية، ومن ذا الذي يرجى أن يضع النظام ~~ويشرع في العمل؟ ألا إنه حزب الإصلاح الإسلامي المعتدل ... # حزب الإصلاح الإسلامي المعتدل: # قدر علم مما تقدم أن العمل لوحدة الأمة الإسلامية بقدر الإمكان ينحصر ~~اليوم في الشعبين الكبيرين - العربي جرثومة الإسلام، والتركي سيف الصمصام، ~~وأن أمر البلاد العربية المستقلة بيد أئمتها وأمرائها فالتأليف بينهم مقدم ~~على كل شيء فيها. . ونقول هنا: # أن المتصدرين للزعامة السياسية ومقام الحل والعقد في غير جزيرة العرب من ~~البلاد الإسلامية أزواج ثلاثة، مقلدة الكتب الفقهية المختلفة، ومقلدة ~~القوانين والنظم الأوربية، وحزب الإصلاح الجامع بين الاستقلال في فهم فقه ~~الدين وحكم PageV01P069 ~~الشرع الإسلامي وكنه الحضارة الأوربية، وهذا الحزب هو الذي يمكنه إزالة ms060 ~~الشقاق من الأمة، على ما يجب عمله في إحياء منصب الإمامة، إذا اشتد أزره، ~~وكثر ماله ورجاله، فإن موقفه في الوسط يمكنه من جذب المستعدين لتجديد الأمة ~~من الطرفين. . وهو الحزب الذي سميناه في المقالة الثالثة من مقالات (مدنية ~~القوانين) بحزب الأستاذ الإمام إذ كان المنار يمهد السبيل لجعل الأستاذ ~~زعيم الإصلاح في جميع بلاد الإسلام، وإنا نعرف أفرادا من هؤلاء المصلحين ~~المعتدلين في الأقطار المختلفة ولا سيما العربية والتركية والهندية، ونشهد ~~أن مسلمي الهند في جملتهم أرجى لشد أزر هذا الحزب بالمال والرجال من غيرهم، ~~ولكنهم لا يستطيعون العمل إلا باتحاد عقلائهم مع عقلاء سائر الأقطار، ~~لتكوين جماعة أهل الحل والعقد بما يتفقون عليه من النظام، لأجل قيادة الرأي ~~العام، ولتكوين مؤتمر عاجل لأجل تقرير ما يتخذ من الوسائل الآن، فإن مسألة ~~الخلافة كانت مسكوتا عنها، فجعلها الانقلاب التركي الجديد أهم المسائل التي ~~يبحث فيها، ولولا كثرة التخبط وتضليل الرأي العام بأكثر ما كتب فيها لآثرنا ~~السكوت على القول، مع السعي إلى ما نرى من المصلحة فيها بالعمل، ولكن وجب ~~التمهيد له ببيان الحقائق وإن جعلت موضع البحث والمراء، باختلاف الآراء ~~والأهواء، وحسبنا أن نذكر حزب الإصلاح بما يعن له من العقبات، من حزبي ~~التقاليد والعصبيات، وبما يجب أن يعد للعمل من القواعد والبينات. . ### | AUTO حزب المتفرنجين: # بينا في المقالة الثالثة من مقالات (مدنية القوانين) مرادنا من التفرنج ~~وأهله وأن منهم المرتدين المجاهرين بالكفر والمسرين به، ومداركهم في حكومة ~~الإسلام وشريعته. . ونقول هنا أيضا: # إن ملاحدة المتفرنجين يعتقدون أن الدين لا يتفق في هذا العصر مع السياسة ~~والعلم والحضارة، وأن الدولة التي تتقيد بالدين تقيدا فعليا لا يمكن أن تعز ~~وتقوى وتساوي الدولة العزيزة. . وهؤلاء كثيرون جدا في المتعلمين في أوربه ~~وفي المدارس التي تدرس فيها اللغات الأوروبية والعلوم العصرية، ورأى أكثرهم ~~أنه يجب أن تكون الحكومة غير دينية. . وحزبهم قوي ومنظم في الترك، وغير ~~منظم في مصر، PageV01P070 ~~وضعيف في مثل سورية والعراق والهند، ورأيه أنه يجب إلغاء منصب ms061 الخلافة ~~الإسلامية من الدولة، وإضعاف الدين الإسلامي في الأمة، واتخاذ جميع الوسائل ~~لاستبدال الرابطة الجنسية أو الوطنية بالرابطة الدينية الإسلامية، والترك ~~من هؤلاء أشد خصوم إقامة الإمامة الصحيحة في الدولة التركية. . # وقد بثت جمعياتهم الدعوة في الأناضول مهد النعرة الإسلامية، إلى العصبية ~~العمية، بالأساليب التي لا يشعر الجمهور بالغرض منها، وقد أشرنا من قبل إلى ~~بعضها، فكان لها التأثير المطلوب: كان التركي هناك إذا سئل عن جنسه قال: ~~مسلم والحمد لله، وبذلك يمتاز من الرومي والأرمني. . وأما الآن فصار يجيب ~~بأنه تركي. . وكان لا يفهم من وجوب الخدمة العسكرية إلا طاعة خليفته، ~~وسلطانه في الجهاد في سبيل الله، فبثت فيه فكرة القتال في سبيل الترك ووطن ~~الترك لمجد الترك، وقد اطلعنا في هذه الأيام على قصة (قميص من نار) للكاتبة ~~الإسرائيلية النسب التركية السياسة والمذهب، خالدة أديب وزيرة المعارف في ~~حكومة أنقرة، وقد أنشأتها لبيان كنه الحركة الوطنية في الأناضول التي أنشئت ~~لمقاومة سلطة الآستانة وإخراج اليونان من البلاد وتأمين استقلالها ~~فألقيناها مصورة لما ذكرنا، لم نر فيها كلمة واحدة تدل على فكرة الجهاد ~~الإسلامي ولا الروح الديني الذي كنا نعهد. . # على أن فريقا من هؤلاء المتفرنجين يرى أن وجود منصب الخلافة في الترك ~~يمكن الانتفاع به من بعض الوجوه السياسية والأدبية وغيرهما إذا كانت ~~الخلافة صورية أو روحانية لا سلطان لها في التشريع ولا في التنفيذ، بل ~~ينحصر نفوذها في الدعاية السياسية للدولة من طريق الدين، كسلطة البابا ~~والبطاركة وجمعيات التبشير، وأكثر هؤلاء من أصحاب العصبية الطورانية، الذين ~~يتفقون من بعض الوجوه مع طلاب الجامعة الإسلامية، فإنهم يطمعون في تأليف ~~أمة كبيرة من شعوب الشرق الأعجمية المسلمة بجعلهم كلهم تركا لأنه ليس لأحد ~~منهم لغة علمية مدونة إلا الفرس الإيرانيين والأفغانيين، وكذا لغة الأورد ~~وفي مسلمي الهند، على أن اللغة التركية فاشية في أكثر بلاد إيران، ومن لم ~~يمكن إدغامه في الأمة التركية باسم الوحدة الطورانية ورابطة اللغة التركية، ~~فإن من الممكن إدغامه فيها بالتبع للخلافة الإسلامية، ثم يكون ms062 أولاد هؤلاء ~~تركا بالتعليم والتربية تبعا للحكومة. وحزب العصبية التركية المحضة، معارض ~~لحزب العصبية الطورانية العامة، إذ يخاف أن PageV01P071 ~~يضيع الترك فيها كما ضاعوا في الجامعة العثمانية أو الإسلامية بزعمه. . ~~وليس من غرضنا هنا تحقيق هذه المسائل ولاانقادها، بل التذكير بما فيها من ~~معارضة الإمامة الإسلامية الحق بأوجز عبارة، ولا نيأس من إقناع الكثيرين ~~منهم بالجمع بين الجنسية التركية والإسلامية. . # وهنالك فريق من المتفرنجين - ومنهم بعض المتدينين - ومن غيرهم يرون أن ~~إقامة الخلافة الإسلامية وجعل رئيس الدولة هو الإمام الحق الذي يقيم ~~الإسلام متعذر في هذا الزمان في دولة مدنية، فإما أن تكون الخلافة في ~~الدولة التركية اسمية كما كانت في الدولة العثمانية ينتفع بها بقدر الإمكان ~~ويتقي فيها شر استبداد الخليفة، وتكون الحكومة مطلقة من قيد التزام الشرع، ~~في الأحكام التي لا يمكن العمل بها في هذا العصر، وإما أن يستغنى عنها ~~البتة. . واستمالة حزب الإصلاح لهؤلاء أيسر من استمالته لغيرهم. . ### | AUTO حزب حشوية الفقهاء الجامدين: # إن جميع علماء الدين وأكثر العامة المقلدين لهم يتمنون أن تكون حكومتهم ~~إسلامية محضة، والترك يحتمون أن تكون تابعة لفقه المذهب الحنفي، ومنهم من ~~لا يرى مانعا من الأخذ في بعض الأحكام بفقه غير الحنفية من مذاهب أهل ~~السنة، ولا يبالون بما خالف ذلك من مدنية العصر، ولكن هؤلاء العلماء يعجزون ~~عن جعل القوانين العسكرية والمالية والسياسية مستمدة من الفقه التقليدي ~~ويأبون القبول بالاجتهاد المطلق في كل المعاملات الدنيوية، ولو فوض إليهم ~~أمر الحكومة على أن ينهضوا بها لعجزوا قطعا، ولما استطاعوا حربا ولا صلحا. . # طالما بينا في المنار أن تقصير علماء المسلمين في بيان حقيقة الإسلام ~~والدفاع عنه بما تقتضيه حالة هذا العصر هو أكبر أسباب ارتداد كثير من ~~متفرنجة المسلمين عنه، وأنهم لو بينوه كما يجب لدخل فيه من الإفرنج أنفسهم، ~~أضعاف من يخرج بفتنتهم. . وأن سبب ذلك أو أهم أسبابه أنه ليس للمسلمين إمام ~~ولا جماعة تقيم ذلك بنظام ومال كما يفعل إمام الكاثوليك البابا والبطاركة ~~والأساقفة وجمعيات التبشير PageV01P072 ~~في ms063 بلاد النصرانية، على أن السلاطين والأمراء وأتباعهم قد أفسدوا العلماء ~~وأبطلوا عليهم زعامتهم للأمة إلا فيما يؤيد ظلمهم واستبدادهم كما ذكرنا ~~آنفا. . # ولو كان للمسلمين خليفة قائم بأعباء الإمامة العظمى لما أهمل أمر الدفاع ~~عن الإسلام والدعوة إليه، ولما غلب على الدولة العثمانية من لا علم لهم به، ~~أليس من الغريب أنني لما وضعت مشروع الدعوة والإرشاد للقيام بهذه الفرائض ~~التي هي أول ما يجب على إمام المسلمين وجماعتهم لم يوجد في وزراء الدولة ~~ولا رؤسائها من تجرأ على إجازة هذا الاسم وأن الذين استحسنوا المشروع ~~اتفقوا على تسمية جمعيته بجماعة العلم والإرشاد، نعم إن مستشار الصدارة قال ~~لحقى باشا الصدر الأعظم أمامي: إذا نفذنا هذا المشروع ألا نلقي مقاومة من ~~الدول العظمى؟ فأجابه: إن لدولة البلغار مدرسة عندنا لتخريج الدعاة إلى ~~النصرانية أفتكون دولة الخلافة في عاصمتها دون دولة البلغار حرية في دينها؟ ~~ولكن هذا الصدر الأعظم لم ينفذ المشروع ولم يساعدنا فيه أدني مساعدة، وإنما ~~اغتنمنا فرصة سفرة إلى إيطالية وسفر طلعت بك وزير الداخلية وزعيم الاتحادية ~~إلى أدرنة لتقرير المشروع رسميا، وأعانني على ذلك انعقاد مجلس الوكلاء ~~برئاسة شيخ الإسلام موسى كاظم أفندي أحد أنصاره فما زلت ألح عليه حتى أصدر ~~- رحمه الله - قرارا من المجلس بتنفيذه، ثم جاء طلعت بك فأفسد الأمر. . # وكان الذي يسمونه السلطان و(الخليفة) في قفصه مغلوبا على أمره، لا يكاد ~~يصحو من سكره، ولا ترجو المشيخة الإسلامية منه قولا ولا عملا في هذا الأمر ~~ولا غيره، ولماذا كان نفوذ مثل طلعت وكاظم أغلب عليه من نفوذ شيخ الإسلام ~~وشيوخ دار الفتوى؟ أليس لعجز الشيوخ وأعوانهم عن إدارة أمور الدولة وعن ~~إظهار كفاية الشريعة، وعن إثبات أصول الاعتقاد بها بالحجة. ودفع كل ما يرد ~~عليها من شبهه؟ أليس لأنهم غير متصفين بما اشترطه أئمة الشرع في أهل الحل ~~والعقد، من العلم والسياسة والكفاية والكفاءة؟ # على أن نفوذ علماء الدين في بلاد الترك أقوى منه في مثل سورية ومصر، ولكن ~~خصومهم من المتفرنجين أقوى ms064 منهم، وكل من الفريقين يعد الآخر سبب ضعف ~~الدولة، وتقهقر الأمة، والحق أن الذنب مشترك بينهما، وأن نصب الإمام الحق PageV01P073 ~~وجعل الدولة التركية كافلة لمنصب الخلافة، لا يتم إلا بجمع حزب الإصلاح ~~لكلمة المسلمين المتفرقة بجذب أكثر أصحاب النفوذ إليه، حتى تنحصر صفات أهل ~~الحل والعقد فيه، وإنما يكون ذلك بتحويل العلماء منهم عن جمود التقليد ~~وعصبية المذاهب، وكشف شبهات المتفرنجين على الدين والشرع، وبيان الخطأ في ~~عصبية الجنس، فإن كان إقناع السواد الأعظم بذلك غير مستطاع الآن، فحسب هذا ~~الحزب من النجاح الرجحان على سائر الأحزاب، واستعداده لذلك بما سنبينه من ~~الأسباب. . # إن الإسلام هداية روحية، ورابطة اجتماعية سياسية، فالكامل فيه من كملتا ~~له، والناقص فيه من ضعف فيه إحداهما أو كلتاهما، وقد فقدهما معا الملاحدة ~~من غلاة العصبية الجنسية، فهؤلاء لا علاج لهم، لا عند أنصار الخلافة ولا ~~عند غيرهم، ولكن بيان حقيقة الإسلام، وما فيه من الحكم والأحكام، الكافلة ~~لأرقى معارج المدينة والعمران، مع الخلو من كل ما في المدنية المادية من ~~الشر والفساد، على الوجه الذي سنشير إليه في أبحاثنا هذه - يفل من حدهم، ~~ويوقفهم عند حدهم، بل يهدي من لم يختم على قلبه من أفرادهم، وهو بهداية ~~الكثير من غيرهم أقوم، ونجاح الدعوة فيهم أرجى. . # حسبنا هذه الإشارة إلى ما يجب من السعي لهذا العمل في الترك، وأما الشعب ~~العربي الذي هو أصل الإسلام وأرومته، ولا حياة له بلغته، ولا تتم أركانه ~~إلا بفريضة الحج التي تؤدي في بلاده، وهو الركن الاجتماعي الوحيد الجامع ~~بين شعوبه، ولا يمكن أن تكون الإمامة الصحيحة العامة بمعزل عنه، فهو شعب ~~كله متدين، ليس في جزيرته إلحاد ولا تفرنج، وإنما آفته الجهل بطرق إدارة ~~البلاد وعمرانها، وبالعلوم والفنون التي يتوقف حفظ الاستقلال وعزة الملة ~~عليها، وتعادي الأمراء، ودسائس الأعداء، فكل ما يجب له على حزب الإصلاح، ~~إقناع أمرائه بما يجب من الاتحاد، ومساعدتهم على ما يجب من إعداد وسائل ~~القوة والعمران، وها نحن أولاء نذكر بما يجوز نشره من ms065 برامج الأعمال، ~~وأساليب الاستدلال وكنه استعداد المسلمين لهذا الأمر العظيم. . PageV01P074 ### | AUTO مقاصد الناس في الخلافة وما يجب على حزب الإصلاح: # الأمور بمقاصدها - ومقاصد الناس في الخلافة مختلفة وقلما يقصد أحد منهم ~~إقامة الخلافة الصحيحة الشرعية التي بينا حقيقتها وأحكامها، ذلك بأن أكثرهم ~~لا يعقلها، ومن يعقلها من غير الأكثرين يظنون إقامتها متعذرة، وأنه لا ~~مندوحة عن الرضى بخلافة الضرورة، التي لاتراعي فيها جميع الشروط الشرعية، ~~ولا جميع ما يجب على الخليفة والجماعة، ثم هم يختلفون في حد هذه الضرورة ~~لاتساع مجال الرأي والهوى فيه، حتى لا يبقى بينهم وبين من لا يعرفون حقيقة ~~هذا المنصب ومنافعه كبير فرق، ولو عرفها السواد الأعظم لتمنوها، ولو وضع ~~نظام لإقامتها ودعوا إليه لأجابوا، وبذلوا في سبيله ما استطاعوا. . # باحثت كثيرا من خواص المصريين المعممين وغير المعممين في هذه المسألة ~~فألفيتهم متفقين على أن القصد من تأييد الخلافة الجديدة التي ابتدعتها ~~حكومة أنقرة الجمهورية في الآستانة تخذيل الدولة البريطانية في دسائسها ~~التي ترمى بها إلى جعل هذا المنصب الإسلامي الرفيع آلة في يدها فيما كانت ~~تسعى إليه من اصطناع الملك حسين في مكة والسلطان وحيد الدين في الآستانة ~~وما آل إليه سعيها من الجميع بينهما بعد تهريبها الثاني إلى مالطة، ولم ~~يقصد أحد من المصريين بتأييد الخليفة الجديد بالتهنئة ولا المبايعة أن يكون ~~له على بلادهم حق إمام المسلمين الأعظم على الأمة من كون حكومتهم تابعة له ~~وخاضعة لسلطانه فيما يرى فيه المصلحة من نصب أمرائها وحكامها وعزلهم وجباية ~~المال وأخذ الجند للجهاد وغير ذلك من وظائف الخلافة التي ذكرها علماء ~~الإسلام، وهذا كما ترى غرض سياسي فائدته سلبية والباعث عليه الشعور ~~الإسلامي العام، الذي ولده الضغط الأجنبي، ومحاولة هذه الدولة لاستعباد ~~الشعوب الإسلامية التي بقي لها بقية من الاستقلال ولا سيما الترك والعرب، ~~وهو لا يتوقف على وجود الخلافة الصحيحة ولا الإمام الحق والجماعة، بل هو من ~~قبيل المظاهرة السياسية للزعيم السياسي (سعد باشا زغلول) بل دونها قوة، ~~لأجل هذا لا يبالون بشروط ms066 هذه الخلافة وأعمالها، ومثلهم في ذلك سائر مسلمي ~~إفريقية وأمثالهم من المستذلين للأجانب، على أن هؤلاء يتمنون لو يكونون PageV01P075 ~~تابعين للدولة التركية، ويعلمون أن ذلك معتذر ولكن ساسة المصريين لا يتمنى ~~أحد منهم ذلك. # ومسلموا الهند أشد عناية من سائر مسلمي الأرض بهذا الأمر، ونصرهم للخلافة ~~التركية إيجابي وسلبي لا سلبي فقط، ولا يرضون أن تكون خلافة روحانية لا حكم ~~لها ولا سلطان، فإذا تساهلوا في بعض شروطها التي يوجبها مذهبهم الذي ~~يتعصبون له أشد التعصب بشبهة الضرورة فلا يتساهلون في أصل موضوعها والمقصد ~~الذي شرعت لأجله، وهو إقامة أحكام الشرع الإسلامي في العبادات والمعاملات ~~المدنية والسياسية وغيرها، فهم يحتمون أن يكون الخليفة - كان متغلبا - رئيس ~~الحكومة الإسلامية الأعلى، ثم لا يسألون بعد ذلك أقام أحكام الشرع أم لا، ~~بدليل ما كان من تعصبهم لعبد الحميد الذي جعل نفسه فوق الشرع والقانون - ~~فكان مستبدا في كل شيء - ثم لمحمد رشاد الذي لم يكن بيده من الأمر شيء، وكذا ~~للاتحاديين الذين سلبوه كل شيء، ثم لوحيد الدين، إلى أن فر مع الأجانب ~~مغاضبا لقومه ولسائر المسلمين. # فإذا ظل هذا منتهى شوطهم، فلا حياة للخلافة الصحيحة بسعيهم، ولا حاجة إلى ~~تأليف حزب أو جمعية غير ما عندهم، ويمكن على هذا إرضاؤهم بالخلافة الروحية ~~بحيلة لفظية، كأن تشترط الحكومة الفعلية على من تسميه خليفة أن يفوض إليها ~~أمر الأحكام كلها أو ما يسمونه الآن في عرف القوانين بالسطتين التشريعية ~~والتنفيذية. . وإن كان يعلم هو وسائر الناس أن التفويض الصحيح في الشيء إنما ~~يكون ممن يملكه، ويكون مختارا فيه، وأنه لا يسلبه حق مراقبة المفوض إليه ~~ومؤاخذته ولو بالعزل، إذا خالف نصوص الشرع، أو خرج عن جادة العدل، بل هذه ~~المراقبة على الوزراء والأمراء والقواد واجبة على إمام المسلمين وهو مقيد ~~فيها وفيما يترتب عليها بنصوص الشرع وبمشاورة أهل الحل والعقد، لا مستبد في ~~الأمر. . # إذا ظل المسلمون على هذه الحالة فلا إمامة ولا إمام، وقد آن لهم أن ~~يفقهوا أن جعل أحكام الضرورة ms067 في خلافة التغلب أصلا ثابتا دائما هو الذي هدم ~~بناء الإمامة، وذهب بسلطة الأمة المعبر عنها بالجماعة، وترتب عليه تفرق ~~الكلمة، وضعف الدين والدولة، وظهور البدع على السنة. . وقد انقلب الوضع وعم ~~الجهل، حتى صار الألوف من كبراء حكام المسلمين وقوادهم وزعمائهم في دنياهم ~~يظنون في هذا PageV01P076 ~~العصر أن منصب الخلافة وغيره من أحكام الإسلام هو سبب ضعف المسلمين وأنه لا ~~تقوم لهم بها قائمة، ولا يكونون مع التزامها أمة عزيزة غنية والأمر بالضد. . # والعلاج الشافي من هذا الداء، والدواء المستأصل لهذا الوباء، هو إحياء ~~منصب الإمامة، بإعادة سلطة أهل الحل والعقد المعبر عنهم بالجماعة، لإقامة ~~الحكومة الإسلامية الصحيحة، التي هي خير حكومة يصلح بها أمر المسلمين بل ~~أمر سائر البشر، بجمعها بين العدل والمساواة وحفظ المصالح ومنع المفاسد ~~والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكفالة القاصرين والعاجزين، وكفاية ~~الفقراء والمساكين من صدقات المسلمين، ففيها علاج لجميع المفاسد ~~الاجتماعية، في حكومات المدنية المادية، التي ألجأت الجماعات الكثيرة إلى ~~البلشفية والفوضوية. . # فإذا أقيم بناء حكومة منظمة على هذه الأسس والقواعد لا تلبث بعد ظهور ~~أمرها، أن تكون قدوة للأمم الحرة التي أمرها بيدها، ولا يستطيع أكابر ~~مجرميها أن يمكروا بعد ذلك فيها، ليصدوها عنها ويغووها، وحينئذ ينجز الله ~~وعده لنا، كما أنجزه لمن قبلنا، في قوله تعالى: {وعد الله الذين آمنوا منكم ~~وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم} الآية. . # فالواجب على حزب الإصلاح الذي نقترحه أن يوجه كل قصده وهمه أولا إلى بيان ~~شكل حكومة الخلافة الإسلامية الأعلى بالنظام اللائق بهذا العصر الذي امتاز ~~بالنظام على سائر العصور، ثم يحاول إقناع أصحاب النفوذ في البلاد الإسلامية ~~المرجوة لتنفيذه بما فيه من المصالح والمنافع والسعادة، وبتفضيله على جميع ~~أنواع الحكومات في العالم، وبإمكان تنفيذه، ودفع كل ما للمتفرنجين ~~واليائسين من الشبهات على ذلك، وكل ذلك سهل كما جربنا بأنفسنا. . ### | AUTO علاقة الخلافة بالعرب والترك: # ثم ليعلم هذا الحزب أن الفوز في هذا يتوقف على التأليف والتوحيد بين ~~العرب والترك، ms068 وإنفاقهما عليه ولو بالجملة ومراعاة ما قوى في هذا العصر من ~~العصبية الجنسية مع اتقاء ضررها بقدر الاستطاعة، وكذا عصبية المذهب عند ~~طائفة الزيدية، لا لأن جمع الكلمة ووحدة الأمة من أهم ما يجب من أعمال ~~الخليفة فقط بل لأن النجاح المطلوب في هذا الأمر يتوقف على تعاون الشعبين ~~عليه. . ذلك أن إحياء PageV01P077 ~~منصب الخلافة الصحيحة، يتوقف على إحياء الدين والشريعة، وإنما يكون هذا ~~بالعلم الاستقلالي في الدين المعبر عنه بالاجتهاد المطلق، وهو يتوقف على ~~إتقان اللغة العربية. . لأجل فهم الكتاب والسنة، فعلاقة هذا المنصب بلغة ~~العرب وبتاريخ العرب وببلاد العرب جلي ظاهر، فثم مهبط الوحي، ومظهر الإسلام ~~الحق، حيث قبلته ومشاعر دينه، وموضع إقامة الركن الاجتماعي العام من ~~أركانه، ولا يمكن أن يماري في هذا من يماري في اشتراط النسب القرشي فيها ~~خلافا لمذاهب السنة كلها، أو العلوي الفاطمي خلافا لمذاهب الشيعة وبخاصة ~~الزيدية. . العرب قوة عظيمة للخلافة، ولكنها غير منظمة ولا متحدة كقوة ~~الترك، والعمل بالشريعة في حكومات جزيرة العرب المستقلة وأهلها أتم وأكمل ~~منه في بلاد الترك. . ولكن هذه الحكومات غير قاردة الآن على إظهار حضارة ~~الإسلام ولا على نشر دعوته الصحيحة على الوجه الذي يحرك إلى النظر كما ~~اشترط بعض علماء الكلام، والترك أقدر منهم على الأول وأعظم عونا على الثاني ~~إذا قنعوا بإقامة الإمامة الحق على صراطها المستقيم، فكل من هذين الشعبين ~~يمكن أن يكمل ما ينقص الآخر في ذلك مع استقلال كل منهما في إدارة بلاده ~~وسياستها والسيادة فيها وارتباط كل حكومة مستقلة فيهما - وكذا في غيرهما - ~~بمقام الخلافة مباشرة بالرضى والاختيار خضوعا لحكم الشرع في جهة، وانتفاعا ~~بما يمكن من الوحدة الإسلامية في كل كل وقت بما يناسبه من جهة أخرى. . # لو اتفق رؤساء حكومة جزيرة العرب على جعل واحد منهم خليفة للمسلمين ~~وبايعوه مع علماء بلادهم وقضاتها وقوادها لما كان للترك أدنى وجه لمعارضتهم ~~بخليفة ينصبونه في الآستانة وإن أعطوه حقوق الإمامة الشرعية - وما هم ~~بفاعلين - بل لو اتفق أهل الحجاز وتهامة ms069 ونجد أو أكثرهم على مبايعة إمام ~~اليمن المشهود له بالعلم والعدالة والكفاية، وأعلن هذا أنه يجري على قواعد ~~الاجتهاد في إمامته، ويقر أهل كل مذهب على مذهبهم لما استطاع أحد من علماء ~~المسلمين، لا العرب ولا العجم، أن يطعن في خلافته، أو يرجح عليها خلافة ~~أخرى. . إلا أن يتبع أحد هواه فلا يكون لقوله قيمة، ولا سيما إذا قام هذا ~~الإمام بالإصلاح الديني في الحجاز وسائر بلاد العرب، ونظم قوى الإمامة ~~التنظيم الذي تقتضيه حالة العصر وما هو بعسير، وإذا فات هذه الإمامة اعتراف ~~بعض الأقطار الإسلامية بها اليوم فلا يفوتها ذلك غدا، بعد بث الدعوة ولو في ~~موسم الحج وحده، والدين عون لهم وظهير، ولكن أكبر مصائب العرب التفرق وحب ~~الرياسة. PageV01P078 # ومكانة مصر تلي مكانة جزيرة العرب في هذا الأمر لو كانت مستقلة وأرادت ~~إقامة الخلافة الشرعية الصحيحة، ولكن المتفرنجين فيها كالمتفرنجين في الترك ~~يأبى أكثرهم ذلك ويجهل قيمته. . والدولة البريطانية عدوة الخلافة والعرب ~~تعارض هذا وذاك بكل قواها، وقد كان نصرها الترك على محمد علي خوفا من تجدد ~~شباب الإسلام بدولة عربية، وهي تعتقد أن الترك لا يجددون حياة الخلافة ~~الصحيحة أبدا ولا ينشرون دعوة الإسلام، وكان هذا أحد أسباب تأييدها لهم ~~ولخلافتهم في الجملة. . وكل ما قيل من أن الإنجليز كانوا يسعون لإقامة ~~خلافة عربية في مصر أو الحجاز قبل الحرب الكبرى فهو كذب محض، ولو فعلت ذلك ~~مصر لاتبعها الحجاز حتما وكذا سورية إذا استطاعت، بل تتمنى هذه الأقطار ~~اتباعها ولو بدون إقامة الخلافة فيها، ولعل أهل السنة وكثيرا من الشيعة في ~~العراق لا يأبون هذه الوحدة العربية إذا أمكنت. . # يظن بعض الناس أنه ينقص البلاد العربية شيء أهم من هذا الأمر السلبي وهو ~~الضعف وفقد الشوكة التي يحمون بها الخلافة ومقام الخلافة، بله القدرة على ~~ما يقدر عليه الترك من الجهاد والفتح. . وهذا الظن باطل فإن اليمن وحدها قد ~~حفظت استقلالها ومنصب الإمامة فيها أكثر من ألف سنة، وإن الترك قاتلوا أئمة ~~اليمن زهاء أربعة ms070 قرون وما استطاعوا القضاء على إمامتهم ولا الاستيلاء على ~~جميع بلادهم مع كثرة من ظاهر الترك من أهل البلاد بسبب اختلاف المذهب. . ~~ولولا قوة اليمن لاستولى عليها الإنجليز من عهد بعيد كما صرح بذلك أحد ولاة ~~عدن منهم أمام زعيم عربي حضرمي قال: لولا هذا الإمام الذي عنده نصف مليون ~~مقاتل لو قال لهم ألقوا أنفسكم في النار أطاعوه - لاستولينا على جميع جزيرة ~~العرب بغير قتال يذكر ... # هذا وإن جزيرة العرب لا يخشى عليها من غير الإنجليز، وهؤلاء لا يحاولون ~~فتحها بالسيف والنار لموانع كثيرة. . منها أنهم لا يقاتلون شعبا قويا حربيا ~~بالطبع في بلاد وعرة كثيرة الجبال والأودية، خالية من سكك الحديد وسائر ~~أنواع المواصلات، ومنها أن قتال أهل هذه البلاد كثير النفقات قليل الربح، ~~بل لا ربح فيه إلا إذا تيسر أخذ البلاد وأنفق على الإصلاح فيها ملايين ~~كثيرة نقدا لأجل الربح نسيئة، وإنما يطمعون في الاستيلاء عليها باصطناع ~~أمرائها وكبرائها بالدسائس والدراهم، والتدخل فيها بحيل التجارة ~~والامتيازات الاقتصادية بالتدريج، وقد بذلوا في هذه PageV01P079 ~~السبيل أموالا عظيمة لزعماء العرب حاشا أئمة اليمن - ولا يزالون يبذلون ولم ~~يستفيدوا به شيئا ثابتا يوازي ما بذلوا ولا قدروا أن يصطنعوا به أحدا من ~~أولئك الأمراء إلا ملك الحجاز وأولاده، ولن يستطيع هؤلاء بعد اليوم أن ~~يعملوا لهم شيئا لأن الأمة العربية قد عرفت كنه جنايتهم عليها، فدوام ~~استمساك الدولة البريطانية به لا يزيدها ولا يزيدهم إلا مقتا عند العرب ~~وعند سائر المسلمين. . # بل نقول إنه ليس من أصول السياسة البريطانية الفتح بالقوة العسكرية ~~مطلقا، ولم تكن الدولة العثمانية هي المانعة للإنكليز من فتح هذه البلاد ~~قبل اليوم، فإن الدولة لم تكن تستطيع إرسال جيش إليها إلا من طريق البحر، ~~ومتى كان لها أسطول يقارب أحد الأساطيل البريطانية فيتمكن من إرسال الجند ~~والذخيرة إلى اليمن وحماية سواحلها وسائر سواحل الدولة من الإنجليز إذا ~~وقعت الحرب بينهما؟ ولماذا لم تحم مصر منهم أو تخرجهم منها؟ # وأما كون أهل جزيرة العرب لا يستطيعون الجهاد ms071 بقصد الفتح كالترك وهو ما ~~فضل به الترك بعض الباحثين معنا في المسألة فيقال فيه إن من فضل الله على ~~جزيرة العرب أنه ليس فيها شعوب أجنبية مختلفة في الجنس أو الدين يتحاكون ~~بالعرب فيغرونها بفتح بلادهم، وأن الترك لا يرون شيئا أسلم لهم في بلادهم ~~من إخراج الشعوب المخالفة لهم في الجنس والدين ليستريحوا من هذا التحاك ~~وغوائله، ولن يقدموا على قتال أحد من جيرانهم لأجل فتح بلاده وقد كانت ~~حروبهم في القرون الأخيرة كلها دفاعا للمعتدين أو مقاومة للثائرين، ولم يكن ~~شيء منها لأجل سعة الملك ولا لأجل نشر الدين، وهم أحوج الناس إلى الاستراحة ~~من القتال والانصراف إلى عمران بلادهم وما يتوقف عليه من العلوم والفنون، ~~والطامعون في سعة الملك منهم إنما يطمعون في ضم الشعوب الإسلامية الشرقية ~~إليهم التي يمكنهم أن يجنسوها بجنسيتهم اللغوية كالكرد والجركس والتتار ~~وسائر شعوب الجنس الطوراني. . وأما الدعوة إلى الإسلام من غير قتال فالعرب ~~أقدر عليها من الترك، وهم دعاة بالطبع وقد أسلم الملايين من سكان إفريقية ~~وجزائر المحيط الجنوبي بدعوة تجار العرب والدراويش السائحين منهم، وحرية ~~الاعتقاد في أكثر حكومات هذا العصر تغنى خليفة المسلمين عن القتال لحماية ~~الدعوة وحرية الدين كما كان عليه خلفاء العرب من الأولين. . PageV01P080 # إننا على علمنا بما ذكر كله نود أن يتعاون الترك والعرب على إحياء منصب ~~الخلافة، وسنذكر ما يمتاز به الترك على العرب في هذا المقام، ليعلم أن كلا ~~من الشعبين عاجز بانفراده، قوى بأخيه على النهوض بأعباء هذا الإصلاح ~~العظيم، الجدير بأن يغير نظام العالم، وينقذ الشرق والغرب من الهلاك. . وما ~~نقترحه من وسائل التعاون والاتفاق خاص بما سيتقرر من الخلافة الصحيحة ~~الدائمة مع السكوت عن التعدد المعروف في الحال الحاضرة في الشعبين، وذلك ~~بأن يكون الذين يعلمون ويربون ليشرحوا للانتخاب الشرعي بالشورى من بيوتات ~~شرفاء قريش وسادتها، وأن تكفل الدولة التركية هذا الاستعداد وتشرف على جميع ~~شئونه حتى لا يكون للتنافس فيه بين الشعبين أدنى مجال، بل حتى يكون إحياء ~~هذا ms072 المنصب من أكبر أسباب الاتحاد والتعاون بينهما، وإذا شاء الترك حينئذ ~~أن يكون مقام الخليفة في بلادهم فعلى حزب الإصلاح أن يقنع العرب بذلك، وإن ~~كنا نرى أن الأجدر بالقبول الآن أن يكون في منطقة وسطى بين بلاد الشعبين، ~~على ما سنفصله بعد. . # والقسمة في مسألة مقام الخليفة ثلاثية وهي إما أن يكون في بلاد العرب أو ~~الحجاز خاصة وإما في بلاد الترك أو الآستانة خاصة وإما في منطقة وسطى ~~مشتركة. . ### | AUTO جعل مركز الخلافة في الحجاز وموانعه: # قد علمنا مما تقدم أن بلاد العرب بل جزيرتهم بل الحجاز منها هو أولى بلاد ~~الإسلام بأن يكون موطن الخلافة الإسلامية، ويزداد هذا ظهورا ببيان الإصلاح ~~الديني الذي يجب على الخليفة في هذا العصر، ولكن في الحجاز موانع تحول ~~اليوم دون إمكان وجود الخلافة الصحيحة التي يرجوها المسلمون فيه حتى في ~~حاله الحاضرة التي لا يرضى أهل قطر إسلامي آخر معها أن يكون تابعا له فكيف ~~إذا أريد أن يسوس بلاد العرب كلها أو يدبر شئون غيرها من البلاد الإسلامية؟ ~~وكيف إذا أريد أن يكون المثل الأعلى لأفضل حكومة لا يرجى إصلاح حال البشر ~~بدونها - وإننا نذكر المهم منها - والحال هذه - وهو: PageV01P081 # 1 - أن الملك المتغلب على الحجاز لهذا العهد يعتمد في تأييد ملكه على دولة ~~غير إسلامية مستعبدة لكثير من شعوب المسلمين وطامعة في استعباد غيرها ولا ~~سيما العرب، وقد أوثق نفسه معها بعقود بل قيود اعترف لها فيها بأن الأمة ~~العربية منها بمنزلة القاصر من الوصي وأن لها حق تربيتها وحمايتها من ~~الداخل والخارج حتى حق دخول بلاده بالقوة العسكرية لكبح الثورات الداخلية، ~~ومن شاء فليراجع نص هذه الوثائق في المجلد الثالث والعشرين من المنار (ص ~~612 - 624) . 2 - أن هذا الملك قد لقب نفسه بملك العرب وهو يسعى لأن يعترف ~~له بأنه هو الزعيم الأكبر للأمة العربية والممثل لجميع حكوماتها المستقلة ~~لتكون كلها موثقة ومرهقة بتلك العهود السالبة لاستقلالها، على أن كل حكومة ~~من الحكومات العربية المجاورة له أقوى وأصلح ms073 من حكومته من كل وجه، وغير ~~مقيدة نفسها بعهود سالبة للاستقلال. . 3 - أنه قد رضي أن يجعل ولديه رئيسين ~~في بعض البلاد العربية التي استولت عليها الدولة الأجنبية المذكورة تابعين ~~لوزارة الاستعمار في تلك الدولة كالكثير من مستعمراتها التي لها رؤساء ~~وطنيون، فكانوا بذلك أول من أعان دولة أجنبية غير مسلمة على استعمار بلاد ~~العرب. . 4 - أن حكومته استبدادية شخصية غير مقيدة بشيء فهو يفعل ما يشاء ~~ويحكم بما يريد. مثال ذلك ما نسمعه وما نراه في جريدتها المسماة بالقبلة من ~~أخبار المصادرات المالية والغرامات الرسمية وغير ذلك مما لا نعرف له أصلا ~~في الشرع الإسلامي. . وأما القوانين الوضعية فهو يحرمها ويكفر العاملين بها ~~{} ! 5 - أن هذه الحكومة خصم لكل علم يعين على الإصلاح الديني والدنيوي فهي ~~على كراهتها للعلوم والفنون العصرية - حتى تقويم البلدان - تمنع كثيرا من ~~الكتب الشرعية ككتب شيخي الإسلام المصلحين الكبيرين ابن تيمية وابن القيم ~~وغيرهما من دخول بلاد الحجاز. . 6 - ما ثبت بالدلائل المختلفة من حرص أهل ~~هذا البيت على الخلافة والإمارة والملك ولو في ظل الإمارة الأجنبية غير ~~الإسلامية، وقد سبق في المسألة العاشرة من هذه المباحث أن طالب الولاية لا ~~يولى. . PageV01P082 # 7 - أن أهل هذا البيت فاقدون لأهم شروط الخلافة ولا سيما العلم الشرعي، ~~بدليل ما نقرأه في منشورات الملك الرسمية وبلاغات حكومته من الأغلاط ~~اللغوية والآيات القرآنية المحرفة، والأحاديث الموضوعة على الرسول [صلى ~~الله عليه وسلم] ، والتفاسير المخالفة للغة ولإجماع المفسرين وغير ~~المفسرين، مع الإصرار على ذلك وعدم تصحيحه مما يدل على أنه لا يوجد عالم في ~~الحجاز كله يتجرأ على تصحيح آية أو حديث أو حكم شرعي ينشر في جريدتهم التي ~~هي عنوان الجهل. . ونسكت عما نعلمه باختبارنا ورواية الصادقين المختبرين ~~أيضا. . 8 - أن معظم العالم الإسلامي يمقت حكومة الحجاز الحاضرة؛ إننا نرى ~~الطعن فيها في صحف مصر وتونس والجزائر وجاوه والترك والهند وغيرها على أن ~~أكثر أصحاب هذه الصحف والكاتبين فيها لا يعلمون كل ما نعلم من سوء حالها. . ~~9 ms074 - أن الذين يسعون لإحياء منصب الخلافة في الإسلام يرمون به إلى ثلاثة ~~أغراض (أحدها) إقامة حكومة الشورى الإسلامية كما شرعها الله لتكون حجة على ~~البشر أجمعين كما تقدم (ثانيها) إعادة مدنية الإسلام بالعلوم والفنون ~~والصناعات التي عليها مدار القوة والعمران، تلك المدنية الجامعة بين نعم ~~الدنيا المادية، وبين الفضائل الدينية الروحية، التي تحل عقد جميع المشكلات ~~الاجتماعية، (ثالثها) الإصلاح الديني بإزالة الخرافات والبدع وإحياء السنن ~~وجمع الكلمة وشد أواصر الأخوة الإسلامية وسائر الفضائل الإنسانية، وليس في ~~حكومة الحجاز استعداد لهذه المقاصد العالية، ولا يرجى أن يرضى البيت الحاكم ~~بالوسائل العلمية والعملية التي يتوقف عليها هذا الإصلاح العظيم. . 10 - أن ~~الحجاز فاقد لما تتوقف عليه إقامة الخلافة من الشوكة والثروة، فهو لا قوام ~~له بنفسه فكيف يقوم بأعباء هذا المنصب العظيم؟ ولا يرضى أحد من مسلمي العرب ~~المجاورين له أن يتبعوا حكومته الاستبدادية الضعيفة فكيف يرضى بذلك غيرهم؟ PageV01P083 ### | AUTO إقامة الخلافة في بلاد الترك وموانعها ومرجحاتها: # لجعل إقامة الخلافة الصحيحة في بلاد الترك موانع ترجع إلى أمرين كليين: ~~(أحدهما) وهو أهمهما ما يخشى من امتناع أكثر الزعماء العسكريين والسياسيين ~~منه لما فيه من توحيد السلطة العامة في شخص الخليفة، وما تتوقف عليه ~~الخلافة من إحياء اللغة العربية في بلاد الترك، وفروع ذلك وأسبابه معروفة، ~~(وثانيهما) معارضة الأمة العربية ولا سيما في الجزيرة وما يتبعها، ولكن ~~المعارضة لا تكون مؤثرة وثابتة إلا إذا جعلت الخلافة صورية كما كانت، أو ~~روحية كما هي الآن. . ولعلهم لولا إرادة جعلها مصلحة دعاية (بروبغندة) ~~للدولة التركية لما اختاروا لها الآستانة مدينة الفخفخة الباطلة، والعظمة ~~الزائلة التي صارت طرفا في البلاد الإسلامية ومهددة بحرا وبرا، فإذا كانت ~~لا تصلح أن تكون عاصمة للدولة التركية. . فلن تصلح للخلافة الإسلامية ~~بالأولى. . # وأما إذا قبل أولو الأمر من الترك أن يحيوا منصب الخلافة الحق فالرجاء في ~~تحقيق أغراضها ومقاصدها الثلاثة يكون أتم وأسرع، وتقوم بها الحجة على العرب ~~إلا إذا اجتمعت كلمة أمراء الجزيرة على مبايعة واحد منهم، وذلك غير ms075 منتظر، ~~لما تقدم بسطه فيكون الرجحان لمن يؤيده الترك بالأسباب الآتية: 1 - أن ~~الترك الآن في موقف وسط بين جمود التقاليد وطموح التفرنج، جمود عرب الجزيرة ~~الذي جعل الدين مانعا من العلوم والفنون التي ترقى بها حضارة الأمة ~~وثروتها، وعزة الدولة وقوتها، وطموح التفرنج الذي يراد به انتزاع مقومات ~~الأمة الإسلامية الدينية والتاريخية، ومشخصاتها، واستبدال مقومات أمة أخرى ~~ومشخصاتها بها. . وحضارة الإسلام وحكومة الخلافة هي وسط بين الجمود وبين ~~حضارة الإفرنج المادية التي تفتك بها ميكروبات الفساد وأوبئة الهلاك، فهي ~~عرضة للزوال، فكيف حال من يقلدها تقليدا تأباه طبيعة أمته وعقائدها. . 2 - ~~أن ما ظهر من عزم الحكومة التركية الجديدة وحزمها وشجاعتها وعلو همتها ~~وإقدامها يضمن - بفضل الله تعالى - نجاحها في إقامة هذا الإصلاح الإسلامي PageV01P084 ~~بل الإنساني الأعظم بإقامة حكومة الخلافة الجامعة بين القوة المادية ~~والفضائل الإنسانية المغنية للبشر عن خطر البلشفية والفوضوية لأنها كافلة ~~لكل ما تطلبه الإشتراكية المعتدلة من الإنصاف والانتصاف من أثرة أرباب رءوس ~~الأموال. وهي بهذه الصفات أقدر على اتقاء كيد أعداء الإسلام الذين يقاومون ~~الخلافة جهد طاقتهم. . 3 - أن الدولة التركية الجديدة هي الدولة الإسلامية ~~التي برعت في فنون الحرب الحديثة ويرجى إذا نجحت فيما تعني به من الأخذ ~~بوسائل الثروة والعمران أن تمكنها مواردها من الاستغناء عن جلب الأسلحة ~~وغيرها من أدوات الحرب بصنعها في بلادها، فتزداد قوة على حفظ حكومتها ~~وبلادها. . وتكون قدوة لجيرانها وأستاذا لهم. . 4 - أن جعل مقام الخليفة في ~~بلاد الترك أو كفالتهم له يقوي هداية الدين في هذا الشعب الإسلامي الكبير، ~~ويحول دون نجاح ملاحدة المتفرنجين وغلاة العصبية الجنسية، في انتزاعه من ~~جسم الجامعة الإسلامية، فيظل سياجا للإسلام وعضوا رئيسيا في جامعته الفضلى. ~~. 5 - لئن كان جهل العرب والترك في الزمن الماضي بمعنى الخلافة ووظائفها - ~~ولا سيما جمعها لكلمة المسلمين - سببا من أسباب تقاطعهما وتدابرهما التي ~~نتهت بسقوط السلطنة العثمانية، وباستيلاء الأجانب على قسم كبير من بلاد ~~العرب، والتمهيد للاستيلاء على الباقي فإن ما نسعى إليه الآن سيكون إن ms076 شاء ~~الله تعالى أقوى الأسباب لجمع الكلمة والتعاون على إحياء علوم الإسلام ~~ومدنيته، مع استقلال كل فريق بإدارة بلاده مستمدا السلطة من الخليفة الإمام ~~المجتهد في علوم الشرع الإسلامي، المنتخب بالشورى من أهل الحل والعقد من ~~العرب والترك وغيرهما من الشعوب الإسلامية، بمقتضى النظام الذي يوضع لذلك. . ### | AUTO إقامة الخلافة في منطقة وسطى: # إنني ضعيف الأمل في كل من العرب والترك لا أرى أحدا منهم قد ارتقى إلى ~~هذه الدرجة بنفسه، ولا أرى آية بينة على استعدادهما لما اقترحت من تعاونهما ~~عليه. . ولست ممن يدع لليأس مسربا يسرب فيه إلى قلبه لهذا أقترح على حزب PageV01P085 ~~الإصلاح أن يسعى لإقناع الترك أولا بجعل الخلافة في مركز الدولة، فإن لم ~~يستجيبوا فليساعدوا على جعلها في منطقة وسطى من البلاد التي يكثر فيها ~~العرب والترك والكرد كالموصل المتنازع عليها بين العراق والأناضول وسورية ~~ويضم إليها مثلها من البلاد المتنازع فيها بين سورية والأناضول، وتجعل شقة ~~حياد ورابطة وصل معنوي، في مظهر فصل جغرافي، فتكون الموصل اسما وافق ~~المسمى. . ألا فليجربوا إن كانوا مرتابين في عاقبة هذا الأمر العظيم ~~وليفوضوا إلى حزب الإصلاح وضع النظام لإقامة الإمامة العظمى في هذه المنطقة ~~وتنفيذ أحكامها ومناهجها الإصلاحية الإسلامية فيها، ثم لا يتبعها أحد من ~~البلاد التي حولها إلا بطوعه واختياره، فإذا رضيت الدولة التركية بذلك على ~~أن تكون كافلة له وذائدة عنه فالمرجو أن يرضى العرب والكرد به في هذه ~~المنطقة وما يجاورها، على أن يتفق الجميع من حولهم على احترامها فلا تعتدي ~~ولا يعتدى عليها. . وإلا وجب السعي لرد الأمر إلى معدنه، وإقراره في مقره، ~~بعد إزالة الموانع، وتهيئة الوسائل، فإن بدأ ناقصا ضعيفا، فسيكمل ويكون ~~قويا، وقد " بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ "، ويأرز بين المسجدين كما ~~تأرز الحية في جحرها، ولا تزال طائفة من هذه الأمة قائمة بأمر الله لا ~~يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون - كما ثبت في ~~الأحاديث الصحيحة. . ### | AUTO نموذج من النظم الوالجب وضعها للخلافة: ms077 # أول ما يجب على الحزب الذي يولي وجهه شطر هذا الإصلاح العظيم أن يضع ~~نظاما أساسيا لحكومة الخلافة على أتم الوجوه التي تقتضيها حال العصر في ~~حراسة الدين وسياسة الدولة أو الدول الإسلامية وإصلاح الأمة، وبرنامجا ~~لتنفيذ هذا النظام بالتدريج السريع الذي يدخل في الطاقة وكتابا في الأصول ~~الشرعية للقوانين الإسلامية، تقوم بها الحجة على كل من يزعم عدم صلاحية ~~الشريعة للحضارة والعمران في هذا العصر. . # وبعد وضع النظام التام لإقامة الإمامة على أساسها وقيامها بوظائفها ~~وأعمالها، بوضع نظام مؤقت لإمامة الضرورة، ويشرع في تنفيذ النظامين معا. PageV01P086 # مثال تفصيلي من هذا الإجمال: تنشأ مدرسة عالية لتخريج المرشحين للإمامة ~~العظمى وللاجتهاد في الشرع الذين ينتخب منهم رجال ديوان الخلافة الخاص وأهل ~~القضاء والإفتاء وواضعو القوانين العامة، ونظم الدعوة إلى الإسلام والدفاع ~~عنه، وإزالة البدع والخرافات اللاصقة بأهله. ومما يدرس في هذه المدرسة أصول ~~القوانين الدولية وعلم الملل والنحل، وخلاصة تاريخ الأمم، وسنن الاجتماع، ~~ونظم الهيئات الدينية كالفاتيكان والبطاركة والأساقفة وجمعياتهم الدينية ~~وأعمالها، فمتى تخرج في هذه المدرسة في الزمن المعين أفراد مستجمعون لشرائط ~~الخلافة، ومن أهمها العلم الاستقلالي الاجتهادي والعدالة، تزول ضرورة جعل ~~الخليفة جاهلا أو فاسقا. . # فإذا انتخب أحد المتخرجين في هذه المدرسة انتخابا حرا من قبل أهل ~~الاختيار - الذين يتحرى فيهم أن يكونوا من جميع الأقطار الإسلامية ولا سيما ~~المستقلة منها بموجب النظام الخاص له - ثم بايعه من سائر أهل الحل والعقد ~~من يحصل بهم الثقة التامة للأمة كافة قامت الحجة على كل فرد أو جماعة أو ~~شعب بأنه هو الإمام الحق النائب عن الرسول [صلى الله عليه وسلم] في إقامة ~~الدين وسياسة الدنيا، وأن طاعته فرض شرعي في كل ما هو غير معصية قطعية ~~ثابتة بنص الكتاب أو السنة الصحيحة من المصالح العامة، ولا تجوز مخالفته في ~~شيء من ذلك باجتهاد يعارض اجتهاده ولا تقليد مجتهد آخر، فإن اجتهاده في ~~المصالح العامة مرجح على اجتهاد غيره متى كان من أهل الاجتهاد كما هو ~~الواجب. وإنما يتبع كل امرئ ms078 اجتهاد نفسه أو فتوى قلبه وراحة وجدانه فيما ~~يختلف فيه اجتهاد العلماء من الأمور الشخصية الخاصة ككون هذا المال حلالا ~~أو حراما. # ويجوز لكل مسلم مراجعة الخليفة فيما يخالف فيه النص، ولأهل الحل والعقد ~~مراجعته في رأيه واجتهاده المخالف للمصلحة العامة. ومثل ما يرجح اجتهاده ~~فيما ذكر كمثل حكم الحاكم فإنه يرفع الخلاف في المسائل الاجتهادية، ولكن من ~~علم أنه قضى له بغير حقه لا يحل له ديانة أن يأخذه، لأن علمه بالواقع أرجح ~~من ظن القاضي الذي هو اجتهاده في الحكم أو في تطبيقه الدعوى كما ورد في ~~الحديث الصحيح، على أن الحنفية يقولون بنفوذ حكم الحاكم في الظاهر والباطن ~~فيحل عندهم ديانة أن تأكل ما حكم لك به القاضي الشرعي وإن كنت تعلم أن ~~المال ليس لك: PageV01P087 # بعد هذا أذكر الحزب بأهم البرامج والنظم التي يتوقف عليها العمل وهي: 1 - ~~برنامج المدرسة العليا التي يتخرج فيها الخلفاء والمجتهدون. 2 - برنامج ~~انتخاب الخليفة 3 - برنامج ديوان الخلافة الإداري والمالي ومجالسه. . . ~~مجلس الشورى العامة. مجلس الإفتاء والتصنيفات الدينية والشرعية والنظر في ~~المؤلفات. . مجلس التقليد والتفويض لرؤساء الحكومات والقضاة والمفتين. . ~~مجلس المراقبة العامة على الحكومة. مجلس الدعوة إلى الإسلام والدعاة. . ~~مجلس خطابة المساجد والوعظ والإرشاد والحسبة. . مجلس الزكاة الشرعية ~~ومصارفها. . مجلس إمارة الحج وخدمة الحرمين الشريفين. . مجلس قلم الرسائل. ### | AUTO نهضة المسلمين وتوقفها على الاجتهاد في الشرع: # لا أرى من المصلحة أن أنشر كل ما عندي من العلم والرأي التفصيلي في وسائل ~~تجديد الإمامة الإسلامية العظمى ومقاصده ومنافعه، لأنني أخشى أن يستفيد منه ~~أعداء الإسلام ما يكونون أقدر به على قطع الطريق علينا من حيث لا ننتفع نحن ~~به كما يجب. . فإن استعدادنا لهذا الإصلاح لا يزال ضعيفا جدا: رئم المسلمون ~~الضيم، ورزئوا بالضعف، ورضوا بالخسف، ولم يبق لشعب منهم همة في خير ولا شر، ~~حتى كان هذا التطور الجديد في بعض شعوبهم في هذا العصر، وقد كان جل سببه ~~شدة ضغط الأجانب عليهم، لا رجوعهم إلى هداية دينهم، ولا العلم ms079 بأنهم فقدوا ~~بتركها، ما كانوا قد أصابوه بهديها، وأنهم لو أقاموا الشرع، وامتثلوا أمر ~~الله في قوله تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة} لما سبقهم أحد إلى صنع ~~المدافع والقذائف وسائر أنواع السلاح. . ولا إلى بناء الجواري المنشآت في ~~البحر كالأعلام، PageV01P088 ~~والعلوم والفنون التي تتوقف عليها هذه الأعمال، ولما فاقهم أحد في فنون ~~الحضارة، وزينة الدنيا وطيبات المعيشة، وهم يقرءون في محكم كتابهم المنزل: ~~{قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق؟ قل هي للذين ~~آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة} . . # ولو جاءت هذه النهضة بهداية الإسلام - وهو أهل لما هو أرقى منها - لكانوا ~~في المدنية أسرع سيرا، وأبعد شوطا، ولما احتاج إحياء منصب الخلافة إلى سعي ~~ودأب، ولا لتأليف حزب، على أن الشعور الإسلامي من أقوى الوسائل المعنوية ~~للنهضة، وإن كان بعض العاملين فيها ليس لهم حظ منه، بل هم حرب له، بيد أن ~~أكثرهم يعلم أنهم لابد لهم من مراعاته ومداراة أهله، لأنهم سواد الأمة ~~الأعظم إلى أن يربوا جيلا جديدا يغرسون في أنفس نشئة الشعور الجنسي المحض، ~~ويكون هو صاحب الرأي العام في الشعب. . # هذا ما نعلمه بالخير، من أمر النهضة في مصر والترك، بل قيل لنا أيضا: إن ~~نهضة الأفغان الجديدة تغلب عليها صبغة المدنية لا الصبغة الدينية، وهم أشد ~~الشعوب الإسلامية الناهضة تدينا، وأضعفهم تفرنجا، وقد يصح أن يقال إنهم ~~ليسوا من التفرنج في شيء، فإننا نعني به الافتتان بتقليد الإفرنج في مظاهر ~~حياتهم وعاداتهم وشكل حكوماتهم، لا العلوم والفنون والصناعات والنظم التي ~~راجت سوقها في هذا العصر عندهم، بعد أن كنا نحن أحق بها وأهلها، في قرون ~~طويلة كانوا فيها محرومين منها. . وخير ما بلغنا عن الأفغان في نهضتهم هذه ~~أنهم يعنون باقتباس الفنون الزراعية والصناعية من أوربة دون الفنون الأدبية ~~والعلوم القانونية، فإن لهم في آداب الإسلام وشريعته غنى عن ذلك. ولا سيما ~~إذا سلكوا فيها مسلك العلم الاستقلالي المعبر عنه بالاجتهاد، فالترقي ~~الإسلامي يتوقف عليه في تجديده ms080 مثلما توقف عليه في مبدئه. . كما بدأنا ~~وأعدنا مرارا ولا بد من التكرار الكثير في مثل هذا. . ولو كان الأفغان ~~متصلين بجزيرة العرب وجعلوا العربية لغتهم الرسمية لكانوا أجدر الشعوب ~~الإسلامية بالسبق إلى إحياء منصب الخلافة، على أن الرجاء في تجديدهم مدنية ~~الإسلام في الشرق عظيم، ولا غرو، فموقظ الشرق وقائده في العصر قد خرج من ~~بلادهم. . PageV01P089 # فارغة PageV01P090 ### | AUTO فتاوي مصطفى كمال الدينية برأيه PageV01P091 ~~فارغة PageV01P092 ~~لا يمكن للمسلمين أن يجمعوا بين هداية الإسلام وحضارته من حيث هو دين سيادة ~~وسلطان إلا بالاجتهاد في شرعه الواسع المرن، فترك الجهاد هو الذي رد بعضهم ~~إلى البداوة التي قضى عليها أو إلى ما يقرب منها، وطوح ببعضهم إلى التفرنج ~~والإحاد والسعي إلى البعد عن الدين. # مثال ذلك أن الترك نصبوا خليفة متقنا لصاعتي التصوير والموسيقى، وللعزف ~~بالآلات الوترية، وكل من هذين العملين محرم ومسقط للعدالة في المذاهب ~~الأربعة، ومن أشدها فيه مذهب الحنفية الذي ينتمي إليه الشعب التركي، وقد ~~ردت المحكمة الشرعية بمصر شهادة أستاذ موسيقى (موسيقار) من عهد قريب. ولكن ~~لكل من المسألتين تخريجا في الاجتهاد كما سنشير إليه في هذا البحث. وقد سئل ~~الغازي مصطفى كمال باشا في أثناء سياحته الأخيرة في الأناضول عن صنع ~~التمائيل ونصبها في البلاد، أليس محرما شرعا؟ - وقد روى أنهم سينصبون له ~~تمثالا في أنقرة - فأفتى بأنه غير محرم اليوم كما كان محرما في أول الإسلام ~~وقرب العهد بالوثنية، وجزم بأنه لا بد للأمة التركية من الاشتغال بنحت ~~التماثيل، لأنه من فنون حضارة العصر الضرورية، واستشهد أو استدل على حله ~~بما رأى في مصر من التماثيل. # وقد أفتى لنفسه وللحكومة في مسألة اختلاط النساء بالرجال، ومشاركتهن لهم ~~في الأعمال، بل سن فيها سنة جديدة إذ عقد له في أزمير على فتاة متفرنجة ~~حضرت مجلس العقد بنفسها، ووقفت تجاهه فيه وسألها القاضي عن رضاها به بعلا # فأجابت، وسجل زواجهما وأصبحت بعد ذلك تسافر معه بزي الفرسان، وتقابل معه ~~من يلقى من الرجال، وقد صرح في مسألة النساء ms081 وما سيكن عليه في الأمة ~~التركية الجديدة بما لا يرضاه رجال الدين والمتدينون، ولا يزال يسأل عن ~~المشكلات المتعلقة بشئون الأمة الدينية فيفتى برايه، فيخطئ ويصيب. ولابد في ~~أمثال هذه المسائل من الموقف الوسط بين التقحم الجديد والجمود التليد، ~~وإنما يكون ذلك بالاجتهاد دون التقليد. PageV01P093 # مصطفى كمال باشا ذكي فصيح، ولكنه غير أصولي ولا فقيه، وهو يفتي في أمثال ~~هذه المسائل الدينية، بما أوتي من الجرأة العسكرية، والإدلال بزعامته ~~السياسية، فيقبل منه العوام، ولا يتجرأ عليه الفقهاء. ولكن سير حكومته على ~~هذه السبيل - وهي شعبية إسلامية - لا يمكن أن يدوم بتأثير سلطة شخصية، فلا ~~بد لها من إحدى ثلاث: إما اتباع فقهاء الحنفية بالجري على الراجح في كتب ~~الفتوى - وهذا مالا يرضاه أحد من طلاب المدنية العصرية الغلاة ولا ~~المعتدلين - وإما أن يرفضوا كون الحكومة إسلامية بحجة الفصل بين الدين ~~والسلطة، وهذا ما يتمناه ملاحدة المتفرنجين ولكن لا سبيل إليه، فإن سواد ~~الأمة الأعظم مسلمون، وهم أصحاب السلطة وسيكون لهم الرأي الغالب في الجمعية ~~الوطنية. فلم يبق إلا الثالثة وهي سبيل العلم الاستقلالي الاجتهادي الذي ~~نوهنا به فهو الذي يثبت لهذه الحكومة وللعالم كله أن الشريعة الإسلامية ~~أوسع الشرائع وأكملها، وأن من أصولها حظر كل ما ثبت ضرره، وإباحة ما ثبت ~~نفعه، وإيجاب مالا بد منه، وأن المحرم فيها بالنص يباح للضرورة، والمحرم ~~لسد ذريعة الفساد يباح للمصحلة الراجحة. ### | AUTO أمثلة لحاجة الترك إلى الاجتهاد في الشرع # أولى ما يذكر هنا ما ألممنا به آنفا، فأما التصوير فهو قد حرم لعلة ~~معروفة وهي سد ذريعة الوثنية، ومضاهاة خلق الله، فإذا احتيج إليه لمصلحة ~~راجحة في العلم كتصوير الأبدان المساعد على إتقان علوم الطب والجراحة، أو ~~تحقيق المسميات اللغوية من الطير والحيوان لمجرد ضبط اللغة ولما يترتب ~~عليها من المسائل الشرعية كمعرفة ما يؤكل وما لا يؤكل عند من يحرمون أكل ~~السباع المفترسة منها أو المسائل العلمية الكثيرة والمصالح العسكرية أو ~~الإدارية، كتصوير الجواسيس والجناة - فكل ذلك يباح شرعا حيث لا ms082 شبهة عبادة، ~~ولا قصد إلى مضاهاة خلق الله، وقد بينا ذلك بالتفصيل في فتاوي المنار، وهو ~~مما لمحه مصطفى كمال باشا لمحا، فأفتى بالجواز المطلق طردا وعكسا، وهو مالا ~~يتم مطلقا، واستدلاله على جواز نصب PageV01P094 ~~التماثيل لكبراء الرجال بعمل الحكومة المصرية يشبه استدلاله على صحة سلب ~~السلطة من الخليفة الآن بسلبها من الخلفاء العباسيين، وليس من الدين في ~~شيء، فإن الحكومة المصرية غير مقيدة بالشرع في جميع أعمالها، ولم يكن نصبها ~~لشيء من هذه التماثيل بفتوى من علماء الأزهر ولا غيرهم، ولو استفتتهم لما ~~أفتوا، لا لأن نصب التماثيل محرم في الإسلام فقط، بل لأن فيه إضاعة كثيرة ~~من مال الأمة في غير مصلحة أيضا، وهم لا يقبلون شبهة من يدعون أن نصب ~~التماثيل للرجال العظام ينفخ في روح الأمة الرغبة في التشبه بهم، والقيام ~~بمثل أعمالهم، لأنهم يجزمون بأنه لم يخطر في بال مصري قط أن يكون كمحمد علي ~~باشا أو إبراهيم باشا أو سليمان باشا الفرنسي ذوي التماثيل المنصوبة بمصر ~~والإسكندرية، وبأن التماثيل قد تنصب لمن يكون قدوة سيئة أيضا، وبأنها من ~~تقاليد الإفرنج في أمر من أمور زينة مدينتهم التي تقتضي نفقات عظيمة لا ~~تقدم عليها إلا الأمم الغنية ذات الثروة الواسعة، فلو كان مباحا مطلقا في ~~شرعنا لكان الأولى بنا تركه لأمرين يرجحان به (أحدهما) الاقتصاد في المال ~~ونحن لا نزال شعوبا فقيره (وثانيهما) تحامي التقليد لهم فيما هو من مشخصات ~~حضارتهم التي فتنا بها فكانت من أسباب استكبارنا لهم واحتقارنا لأنفسنا، ~~وقد نهانا نبينا [صلى الله عليه وسلم] عن التشبه بغيرنا لنكون مستقلين ~~دونهم بل قدوة لهم. وهذه مسألة اجتماعية مهمة فصلنا القول في مضارها مرارا. # وقول مصطفى كمال باشا: إن الأمة لابد لها من اتقان صناعة نحت التماثيل ~~يجاب عنه بأن الأمة تاركة لصناعات كثيرة واجبة شرعا وهي كل ما تتوقف عليه ~~المعيشة والقيام بالواجبات الذاتية كالملابس والأسلحة والطيارات والبوارج ~~الحربية وغير ذلك. فلا يصح لتارك الضروريات والحاجيات القانع بأن يكون ~~فيهما عالة على ms083 الأجانب أن يهتم بأمر الزينة المحضة ولو لم تكن ضارة في دين ~~ولا دنيا. # وأما مسألة الموسيقى فليس لمحرميها من النصوص الصحيحة مثل أحاديث تحريم ~~التصوير واتخاذ الصور والتماثيل، بل هي مسألة خلافية. وقد فصلنا في المنار ~~القول في أدلة الذين حظروا سماع الغناء والمعازف (آلات الطرب) من جهة ~~الرواية ومن جهة الدراية والاستنباط وحققنا، أن الأصل في المسألة الإباحة ~~وأن المحرم منه PageV01P095 ~~ما كان ذريعة إلى معصية أخرى كمن يغريه السماع بشرب الخمر أو غيره من الفسق ~~وأن الإسراف فيه مكروه. . الخ. # وأما مسألة النساء فأحكام الإسلام أعلى الأحكام وأعدلها وأفضلها فيها، ~~وأكثر ما ينتقده العقلاء الفضلاء من مسلمات المدن المحجبات بحق فهو من ~~العادات، فإذا كان طلاب تغيير هذه العادات يحكمون الدليل في ترك ما هو ضار ~~منها والأخذ بما هو نافع من غيرها فسيرون الشرع الإسلامي أقوى نصير لهم ~~فيه، وليس الفصل بين الضار والنافع في هذه وأمثاله بالأمر السهل، بل هو ~~يحتاج إلى تدقيق وبحث لاختلاف الآراء فيه باختلاف الأهواء والتربية كما ~~يعلم من المثال الآتي: # تصدي أحد أساتذة المدارس الأميرية في هذه البلاد لامرأة متزوجة يتصباها، ~~وكان من تصبيه لها أن قال لها وهي مارة في الطريق ما معناه: إن جمالها قد ~~حرم عليه نوم الليل، فقاضاه زوجها إلى المحكمة الأهلية طالبا عقابه على ~~تصبي زوجته ومحاولة إفسادها عليه، فحكم قاضي المحكمة الابتدائية ببراءة ~~الأستاذ معللا عمله بأنه من حب الجمال الذي هو من الغرائز المحمودة ~~والأذواق الصحيحة، فكيف يعد ذنبا يعاقب عليه القانون؟ ولكن قاضي الاستئناف ~~عد عمله ذنبا وحكم عليه بعقوبة. # إن تربية مسلمي مصر والترك - وأمثالهم - مذبذبة مضطربة في هذا العصر، ~~والتفاوت فيها كبير، فمنهم غلاة التفرنج الذين يستحلون الفواحش ويميلون إلى ~~الإباحة وهم الأقلون ولله الحمد، ومنهم الجامدون على جميع التقاليد العتيقة ~~خيرها وشرها، ولا سيما إذا كانت منسوبة إلى الدين - وإن خطأ - وبين هؤلاء ~~وأولئك أهل القصد والاعتدال من علماء الدين وعلماء الدنيا، فيجب أن يحال كل ~~ما يراد من ms084 التغيير في عادات الأمة إلى لجان من هؤلاء المعتدلين يبحثون في ~~منافعه ومضاره من كل وجه، ويضعون النظام لما يقررون تغييره، مراعين فيه سنن ~~الاجتماع باتقاء ضرر الاستعجال والطفرة، وما يحدثان من الفوضى في الأمة ~~والتفاوت العظيم بين أفرادها وجماعاتها، فإن الجيل الحاضر وليد الجيل ~~الماضي ووارثه في غرائزه وأفعاله وانفعالاته وعاداته، بل ينزع به العرق إلى ~~الأجيال التي قبله، فإذا حمل على ترك شيء مما كان عليه من الأفعال والعادات ~~فإنما يسهل عليه من ذلك ما يوافق الهوى واللذة، دونما يوافق العقل ~~والمصحلة، ثم إنه لابد أن يلقي معارضة من فريق كبير PageV01P096 ~~من الأمة بمقتضى سنن الغريزة، فإن كلا من حب التجديد وحب المحافظة على ~~القديم غريزي في البشر، فيظهر هذا في أناس وذاك في آخرين بتقدير العليم ~~الحكيم، وإلا لكانوا على غرار واحد لا يتغير كالنمل والنحل، أو لكانوا كل ~~يوم في جديد لا يثبتون عليه ولا يكون لجيل منهم شبه بجيل آخر. # فمن يظن أنه يمكنه أن يميت أمة من الأمم بإبطال مقوماتها من العقائد ~~والغرائز والأخلاق ومشخصاتها من الآداب والعادات ثم يبعثها خلقا جديدا في ~~جيل واحد بتغيير في قوانينها وشكل حكومتها، وإقناعها بذلك بالخطب والشعر ~~والجرائد - فهو مغرور والحمل عليه بالقوة القاهرة لا يأتي إلا بحكومة شخصية قاهرة. # نعم إن التغيير ممكن وواقع، وطريقه معروف، وهو ما أرشدنا الله تعالى إليه ~~بقوله {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} وتغيير ما بالأنفس ~~إنما يكون منظما بتعميم التربية والتعليم، وقد حقق علماء الاجتماع أن ~~التأثير في تغيير حال الشعب لا يتم إلا في ثلاثة أجيال. جيل التقليد ~~والمحاكاة، وجيل الخصومة وجيل الاستقلال، وبتمامه يتم تكوين الملكة. ومثل ~~هذا في الشعوب كمثل التعليم الابتدائي والثانوي والعالي للأفراد وقد يشذ ~~بعض الشعوب في بعض الملكات كما يشذ بعض الأفراد بذكاء نادر فيبلغ من ~~إحكامها في بدايته ما يعجز عن مثله البليد في نهايته. وقد حقق الفيلسوف ~~الاجتماعي (غوستاف لوبون) المشهور في كتابه (تطور الأمم) أن ms085 ملكة الفنون لم ~~تستحكم لأمة من أمم الأرض في أقل من الثلاثة أجيال المقررة إلا للعرب، فهم ~~وحدهم الذين تربت هذه الملكة فيهم، فصار لهم مذهب خاص فيها منذ الجيل الأول ~~من مدنيتهم الإسلامية، فإذن لابد من جعل كل تغيير يراد في الأمة إلى لجان ~~من أهل الاختصاص فيه، تدرسه وتمحصه وتقرر فيه ما فيه مصلحتها وموافقة ~~شريعتها. # وليس بيان هذامن مقصدنا هنا، ولكنه استطراد غرضنا منه رد مسألة النساء ~~وأمثالها إلى أصل علمي معقول، فإن الفوضى فيها ضاربة أطنابها في بلادنا ~~كالبلاد التركية، فما يراه بعض الناس ضارا قطعا يراه آخرون هو النافع الذي ~~لابد منه، ومقلدة الإفرنج فيه كالجامدين على القديم ليسوا على هدى ولا ~~بصيرة، فإن أعقل حكماء الإفرنج وأكبر علمائهم غير راضين عن حال النساء ~~عندهم، وقد حكى لنا PageV01P097 ~~عن عاهل المانية عندما زار الآستانة في أيام الحرب أنه لما اطلع على تهتك ~~النساء التركيات وبروزهن للرجال متبرجات كنساء الإفرنج عذل طلعت باشا الصدر ~~الأعظم الاتحادي على ذلك قائلا إنه كان لكم من دينكم وازع للنساء عما نشكو ~~نحن من غوائله الأدبية والاقتصادية ونعجز عن تلافيه فكيف تتفضون منه ~~باختياركم؟ إنكم إذن لمخطئون. # ومما يحسن التذكير به من المسائل التي يتمسك جماهير متفقهة المسلمين فيها ~~بما ينافي ضروريات الحضارة الحاضرة والمصالح العامة زعمهم أن السائل المسمى ~~بالكحول والسبيرتو نجس يحرم اسعماله في كل ما يستعمله فيه الأطباء ~~والصيادلة وسائر الصناع الذين يعدونه ضروريا في صناعتهم، وقد أفتى جماعة من ~~فقهاء الهند بذلك منذ أشهر ورددنا عليه ردا طويلا أثبتنا فيه أن هذا السائل ~~طاهر ومطهر طبي، وأنه من الضروريات التي يجب الانتفاع بها في كثير من ~~الأعمال، وأنه مما عمت البلوى به، ولكن الأصل في فتاوي أفراد العلماء أن ~~يعمل بها من يقتنع بصحة أدلتها إذاكانت الفتوى مؤيدة بالدليل على طريقة ~~السلف التي تجري عليها في المنار، ومن يثق بعلم صاحبها أو بكونه على المذهب ~~الذي ينتمي إليه في المقلدين، فليعلم أنها لا تحل المشكلات العامة ms086 بل تبقي ~~الأمة مضطربة باختلاف الفتاوي وأقوال العلماء، وإنما يحل المشكلات العامة ~~ويجمع كلمة الأمة فيها الإمام الأعظم (الخليفة) إذا كان مجتهدا كما تقدم. ### | AUTO توقف الاجتهاد في الشرع على اللغة العربية: # قد ثبت مما تقدم أن الجمع بين حضارة العصر وفنونه وبين المحافظة على ~~الإسلام لا يتم إلا بالاجتهاد في الشرع فكذلك لا يكون الخليفة هو الإمام ~~الحق الذي تجب طاعته ويمكنه نشر دعوة الدين والمحافظة عليه ومقاومة البدع ~~وإزالة الخلاف بين الأمة في المسائل الاجتماعية والمدنية العامة إلا إذا ~~كان مجتهدا، والاجتهاد يتوقف على اتقان اللغة العربية وفهم أساليبها وخواص ~~تراكيبها والملكة الراسخة في فنونها، للتمكن من فهم نصوص الكتاب والسنة ~~وهما في الذروة العليا من هذه اللغة، وقد PageV01P098 ~~عد علماء الأصول من جميع المذاهب معرفة اللغة العربية شرطا مستقلا للاجتهاد ~~مع اشتراط العلم بالكتاب والسنة، بل صرح بعض أئمة العلماء بأن معرفة هذه ~~اللغة فرض على كل مسلم وإن مقلدا - ولولا أن جميع سلف الأمة كان على هذا ~~الاعتقاد لما انتشرت العربية في خير القرون في كل قطر انتشر فيه الإسلام من ~~غير مدارس منظمة تديرها الحكومات أو الجمعيات وهل لذلك من سبب غير الاعتقاد ~~بالوجوب الديني، ومن الآيات على ذلك إجماع العلماء في كل زمان ومكان على ~~أداء جميع العبادات اللسانية بهذه اللغة، كتلاوة القرآن وأذكار الصلاة ~~والحج وغيرها، حتى إنهم لا يزالون يؤدون بها الوعظ من خطبة الجمعة والحمد ~~لله والشهادتين والتلاوة والدعاء فقط، ولكن منهم من يترجمها بعد الصلاة وقد ~~نقل إلينا من الآستانة أن أول جمعة حضرها الخليفة الروحي الجديد ألقيت فيها ~~خطبة الصلاة باللغة التركية ومن المعلوم من الإسلام بالضرورة أننا متعبدون ~~بتدبر القرآن والاعتبار والاتعاظ بآياته وبفهم تلاوة الصلاة وأذكارها، وكل ~~ذلك يتوقف على معرفة اللغة العربية، وتقصير بعض المسلمين في هذا الواجب ~~كتقصيرهم في الواجبات الكثيرة التي أضاعت عليهم دينهم ودنياهم. # ليس من غرضنا هنا أن ندعو أعاجم المسلمين إلى تعلم اللغة العربية، وإنما ~~الغرض أن نذكر حزب الإصلاح بما ms087 لا يجهله أكثر رجاله من العلاقة القوية بين ~~منصب الخلافة وبين اللغة العربية فإنه سيجد في اللغة معارضة شديدة، ولكن ~~حجته قوية وهي تعذر حياة الإسلام نفسه والاجتهاد في أحكامه بدونها، وتعذر ~~تعارف المسلمين وجمع كلمتهم بالقدر المستطاع بدونها، ففي كل قطر يسكنه ~~المسلمون وكل مدينة منه لا يزال الإسلام فيها حيا، ويوجد من أهل العلم ~~بالعربية من يمكن التعارف معهم ونشر ما يقرر لخدمة الدين بسعيهم. # إن اللغة رابطة من روابط الجنس، وقد حرم الإسلام التعصب للجنس لأنه مفرق ~~للأمة ذاهب بالاعتصام والوحدة واضع للعداوة موضع الألفة، وقد نهى النبي ~~[صلى الله عليه وسلم] عن العصبية العمية الجاهلية وتبرأ ممن يدعو إليها أو ~~يقاتل عليها، وقد كان من إصلاح الإسلام الديني والاجتماعي توحيد اللغة بجعل ~~لغة هذا الدين العام لغة لجميع الأجناس التي تهتدي به، فهو قد حفظ بها وهي ~~قد حفظت به. فلولاه PageV01P099 ~~لتغيرت كما تغير غيرها من اللغات، وكما كان يعروها التغيير من قبله. ~~ولولاها لتباعدت الأفهام في فهمه، ولصار أديانا يكفر أهلها بعضهم بعضا، ولا ~~يجدون أصلا جامعا يتحاكمون إليه إذا رجعوا إلى الحق وتركوا الهوى، فاللغة ~~العربية ليست خاصة بجيل العرب سلائل يعرب بن قحطان بل هي لغة المسلمين ~~كافة، ولغة شعوب أخرى من غيرالعرب، وطوائف من العرب غير المسلمين، وما خدم ~~الإسلام أحد من غير العرب إلا بقدر حظهم من لغته، ولم يكن أحد من العرب في ~~النسب يفرق بين سيبويه الفارسي النسب وأستاذه الخليل العربي في فضلهما ~~واجتهادهما في خدمة اللغة، ولا بين البخاري الفارسي وأستاذيه أحمد بن حنبل ~~وإسحق بن راهوية العربيين في خدمة السنة، بل لم يخطر في بال أحد من سلف ~~الأمة ولا خلفها قبل هذا العصر أن يأبى تفضيل كثير من الأعاجم في النسب على ~~بعض أقرانهم وأساتذتهم من العرب فيما امتازوا به من خدمة هذا الدين ولغته، ~~ولا نعرف أحدا من علماء الأعاجم له حظ من خدمة الإسلام وهو يجهل لغته، ~~ولولا أن ظل علماء الدين في جميع ms088 الشعوب الإسلامية مجمعين على التعبد ~~بقراءة القرآن المعجز للبشر بأسلوبه العربي وأذكار الصلاة وغيرها بالعربية ~~ومدارسة التفسير والحديث بالعربية لضاع الإسلام في الأعاجم منها. # ولو أن الدولة العثمانية أحيت اللغة العربية فيما فتحته من أوروبة لانتشر ~~فيها الإسلام ثم فيما جاورها انتشارا عاما، ولقامت فيها مدنية إسلامية ~~كمدنية العرب في الأندلس وكان رسوخها فيها عظيما، ولكنها لم تفعل ذلك ولم ~~تجعل لغتها التركية لغة علم وفنون بل اعتمدت في حكمها على قوة السيف وحده، ~~فكان من غوائل ذلك - وهي كثيرة - أن جميع الشعوب التي خضعت لسيادتها ~~وسلطانها ظلت محافظة على لغاتها حتى المسلمين منهم. . فلما تجددت في هذا ~~العصر عصبية اللغة، وجعل الترك العثمانيون لغتهم لغة علم أرادوا أن يكرهوا ~~الشعوب الإسلامية في سلطنتهم على ترك لغاتهم إلى لغة الدولة فامتنع الجميع ~~عليهم، وهب أصحاب اللغات غير العلمية المدونة كالألبانيين والكرد والجركس ~~إلى تدوين لغاتهم وجعلها لغة علم وفنون كما فعل الترك، وقد حاربت الدولة ~~الألبانيين وهم أعظم حصونها في أروبة لأجل اللغة، فاختاروا حربها والخروج ~~من سلطنتها على ترك لغتهم، ولو رضيت لنفسها لغة الإسلام ودعتهم إليها لما ~~أبوا، وهذه المسألة هي التي فرقت بين الترك والعرب PageV01P100 ~~ذلك التفريق الذي أشرنا إلى رزاياه في هذا البحث مرارا، وسعينا لتلافيه قبل ~~تفاقم خطبه فما أفادنا السعي فلاحا، وكيف يعقل أن يرضى العرب استبدال ~~التركية بالعربية التي شرفها الله على جميع اللغات بكتابه المعجز للبشر ~~وحجته عليهم إلى يوم القيامة على مالها من المزايا الأخرى. . # ونحن نرى التتار إخوة الترك في العرق الطوراني لا يرضون بترك لغتهم ~~واستبدال التركية بها وهي أرقى منها؟ . # فنحن الآن تجاه أمر واقع، ما له من دافع، وكل ما نطمع فيه أن نتقي ضرره، ~~ونوفق بين الجامعة الإسلامية والجامعة الجنسية اللغوية بما فصلناه من تعاون ~~العرب والترك على إقامة الخلافة الإسلامية الحق، فإذا وفق الله لإتمام هذا ~~فهو الذي تتم به الوحدة، وما يترتب عليها من سعادة الدنيا والآخرة. . ### | AUTO الاشتراع الإسلامي والخلافة: # نريد بالاشتراع ما ms089 يعبر عنه عندنا بالاستنباط والاجتهاد، وفي عرف هذا ~~العصر بالتشريع (وقد استعمل بعض علمائنا هذا كالشرع في الإلهي خاصة) وهو ~~وضع الأحكام التي تحتاج إليها الحكومة لإقامة العدل بين الناس وحفظ الأمن ~~والنظام، وصيانة البلاد، ومصالح الأمة وسد ذرائع الفساد فيها. . وهذه ~~الأحكام تختلف باختلاف الزمان والمكان وأحوال الناس الدينية والمدنية كما ~~قال الإمام العادل عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه تحدث للناس أقضية بقدر ~~ما أحدثوا من الفجور. . أي وغيره من المفاسد والمصالح والمضار والمنافع. . ~~فالأحكام تختلف وإن كان الغرض منها واحدا وهو ما ذكرنا آنفا من إقامة ~~العدل. . الخ. . # ولا يقوم أمر حكومة مدنية بدون اشتراع، ولا ترتقي أمة في معارج العمران ~~بدون حكومة يكفل نظامها اشتراع عادل يناسب حالتها التي وضعها فيها تاريخها ~~الماضي، ويسلك لها السبل والفجاج للعمران الراقي، ولايصلح لأمة من الأمم ~~شرع أمة أخرى مخالفة لها في مقوماتها ومشخصاتها وتاريخها، كما أنه لا يصلح ~~للغة من اللغات قواعد لغة أخرى في صيغ كلمها وأحكام تأليفها، إلا إذا أرادت أمة أن PageV01P101 ~~تندغم في أمة أخرى وتتحد بها فتكونا أمة واحدة كما اتحدت شعوب كثيرة ~~بالإسلام فكانت أمة واحدة ذات شريعة واحدة، وأما الشعوب التي تقتبس شرائع ~~شعوب أخرى بغير تصرف ولا اجتهاد فيما تحوله إلى ما يلائم عقائدها وآدابها ~~ومصالحها التي كان الشعب بها شعبا مستقلا بنفسه فإنها لا تلبث أن تزداد ~~فسادا واضطرابا، ويضعف فيها التماسك والاستقلال الشعبي فيكون مانعا من ~~الاستقلال السياسي وما يتبعه. . فشرع الأمة عنوان مجدها وشرفها. . وروح ~~حياتها ونمائها، وأعجب ما منى به بعض الشعوب الإسلامية أن ترك شريعة له ذات ~~أصل ثابت في الحق وقواعد كافلة للعدل والمساواة، واستبدل بها قوانين شعوب ~~أخرى هي دونها فأصبحوا ولا إمام لهم في حياتهم الاشتراعية من أنفسهم، بل هم ~~يقتدون فيها بأفراد من أعاجم الفرنجة يقلدونهم بما خسروا به أهم مقومات ~~أمتهم، وأعظم مظهر من مظاهر شرفهم، وأشرف أثر من آثار تاريخهم، وهو الشرع ~~الديني، الذي هو أساس الاشتراع البشري الاجتهادي. ms090 . لا تتسع هذه الخلاصة ~~التي نكتبها في هذا البحث لبيان أنواع الحكومات الغابرة والحاضرة وشأنها في ~~الاشتراع ومكان المسلمين فيه، وإنما نقول إن صحفنا العربية تصرح في هذا ~~العهد آنا بعد آخر بأن أحدث أصول التشريع هو أنه حق للأمة، ويظن هؤلاء ~~الذين يكتبون هذا وأكثر من يقرءون كلامهم أن هذا الأصل من وضع الإفرنج، وأن ~~الإسلام لا تشريع فيه للبشر. لأن شريعته مستمدة من القرآن، والأحكام ~~المدنية والسياسية فيه قليلة محدودة، ومن السنة، والزيادة فيها على ما في ~~القرآن قليلة ومناسبة لحال المسلمين في أول الإسلام دون سائر الأزمنة ولا ~~سيما زماننا هذا، وأن الإجماع والاجتهاد على استنادهما إلى الكتاب والسنة ~~قد انقطعا وأقفلت أبوابهما باعتراف جماهير علماء السنة في جميع الأقطار ~~الإسلامية، وأن هذا هو السبب في تقهقر الحكومات الإسلامية المتمسكة ~~بالشريعة الدينية، واضطرار الحكومتين لمدنيتين الوحيدتين التركية والمصرية ~~إلى استبدال بعض القوانين الإفرنجية بالشريعة الإسلامية تقليدا ثم تشريعا. . # ذلك ظن الذين يجهلون أصول الشريعة الإسلامية وأساس الاشتراع فيها، الذين ~~لا يفرقون بين الاصطلاح الفقهي والاصطلاح العصري في التشريع فيعمى عليهم ~~الحقيقة اختلاف الاصطلاح، ذلك بأن اسم الدين والشرع قد يستعملان PageV01P102 ~~استعمال المترادف وإن كان بينهما عموم وخصوص فإنهم كثيرا ما يختصون الشرع ~~بالأحكام القضائية أو العملية دون أصول العقائد والحكم والآداب التي هي ~~قواعد الدين، المتعلقة بصلاح المعاش والمعاد، ولذلك جعلوا الفقه قسمين: ~~عبادات ومعاملات، والفقهاء يفرقون في ذلك بين الديانة والقضاء يقولون يجوز ~~هذا قضاء لا ديانة. . وتسمى الأحكام العملية دينا باعتبار أنها يدان بها ~~الله تعالى فتتبع إذعانا لأمره ونهيه. . وبهذا الاعتبار تطلق كلمة الشارع ~~على الله تعالى، وأطلقت على النبي [صلى الله عليه وسلم] بأنه مبلغ الشرع ~~ومبينه، ومن العلماء من قال إن الله تعالى أذن له أن يشرع، والجمهور على ~~أنه مبلغ ومبين لما نزل عليه من الوحي وأن الوحي أعم من القرآن. . # والتحقيق أن هذا كله خاص بأمر الدين، وهو ما شرع ليتقرب به إلى الله ~~تعالى من العبادات، وترك الفواحش والمنكرات، ms091 ومراعاة الحق والعدل في ~~المعاملات، تزكية للنفس وإعدادا لها لحياة الآخرة. . ومنها ما في المعاملات ~~من معنى الدين كاحترام أنفس الناس وأعراضهم وأموالهم والنصح لهم وترك الإثم ~~والبغي والعدوان والغش والخيانة وأكل أموال الناس بالباطل. . وأما ما عدا ~~ذلك من نظام الإدارة والقضاء والسياسة والجباية وتدبير الحرب مما لا دخل ~~للتعبد والزلفى إلى الله في فروعه بعد حسن النية فيه - فقد كان الرسول [صلى ~~الله عليه وسلم] في زمنه مشترعا فيه باجتهاده مأمورا من الله بمشاورة الأمة ~~فيه، ولا سيما أولى الأمر من أفرادها الذين هم محل ثقتها في مصالحها العامة ~~وممثلو إرادتها من العلماء والزعماء والقواد، وهو كذلك مفوض من بعده إلى ~~هؤلاء أنفسهم، ويخلفه لتمثيل الوحدة من يختارونه إماما لهم وخليفة له. . # والدليل على هذا من الكتاب قوله تعالى: {وأمرهم شورى بينهم} وقوله: ~~{أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} الآية وقوله: {وإذا جاءهم ~~أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم ~~لعلمه الذين يستنبطونه منهم} ومن السنة ما صح عنه من أن أمته لا تجتمع على ~~ضلالة، وما كان يجعله [صلى الله عليه وسلم] موضع الشورى من أمور الحرب ~~وغيرها من المصالح الدنيوية، وما أذن فيه من الاجتهاد والرأي عند فقد النص ~~من الكتاب، وعدم السنة المتبعة، والحديث فيه مشهور، ومن آثار الخلفاء ~~الراشدين المهديين ما كانوا يستشيرون فيه أهل العلم والرأي من أمور الإدارة ~~والقضاء والحرب أيضا، وما وضعوه من الدواوين والخراج وغير ذلك مما لم يرد ~~به نص في الكتاب والسنة، ومن أصول الفقه حجية إجماع PageV01P103 ~~الأمة، واجتهاد الأئمة، فكل هذامما يسمى في عرف علم الحقوق والقانون ~~تشريعا، وهو ميدان المجتهدين الواسع وجرى عليه العمل في خير القرون ... # فثبت بهذا أن للإسلام اشتراعا مأذونا به من الله تعالى، وأنه مفوض إلى ~~الأمة يقره أهل العلم والرأي والزعامة فيها بالشورى بينهم. . وأن السلطة في ~~الحقيقة للأمة، فإذا أمكن استفتاؤها في أمر وأجمعت عليه فلا مندوحة عنه. . ~~وليس للخليفة - دع ms092 من دونه من الحكام - أن ينقض إجماعها، ولا أن يخالفه ولا ~~أن يخالف نوابها وممثليها من أهل الحل والعقد أيضا. . واتفاق هؤلاء إذا ~~كانوا محصورين يسمى إجماعا عند علماء الأصول، بشرط أن يكونوا من أهل العلم ~~الاجتهادي. # وأما إذااختلفوا فالواجب رد ما تنازعوا فيه إلى الأصلين الأساسيين وهما ~~الكتاب والسنة، والعمل بما يؤيده الدليل منهما أو من أحدهما، لقوله تعالى ~~بعد الأمر بطاعة الله وطاعة الرسول وأولي الأمر: {فإن تنازعتم في شيء فردوه ~~إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} ~~أي أحسن عاقبة ومآلا مما عداه، ومنه العمل برأي أكثر نواب الأمة في تشريع ~~قوانين أوربة ومقلديها فشرعنا مخالف لها في هذه المسألة، ومن وجوه كونه ~~خيرا من غيره، وأحسن عاقبة أن النزاع بين الأمة يزول بتحكيم الكتاب والسنة ~~فيه، وتطيب نفوس جميع نواب الأمة بما يظهر رجحانه بالدليل، ولا يبقى ~~للأضغان والنزاع بينهم مجال. . وقد تقدم إثبات سلطة الأمة وتمثيل أهل الحل ~~والعقد لها في أول هذه المباحث (رقم 3، 4) بقدر الحاجة العارضة. . وأما ~~تفصيل القول في هذا وذاك فيراجع فيه تفسي: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ~~وأولي الأمر منكم} في الجزء الخامس من تفسير المنار. . # الاشتراع - أو التشريع أو الاستنباط - ضرورة من ضرورات الاجتماع البشري، ~~ومن قواعد الشرع الإسلامي أن الضرورة لها أحكام: منها أنها تبيح ما حرمه ~~الله تعلى بإذنه في قوله بعد بيان محرمات الطعام: {إلا ما اضطررتم إليه} ~~ومنها نفي الحرج والعسر من الدين، وانتفاؤهما من قسم المعاملات أولى من ~~انتفائهما من قسم العبادات التي يعقل أن يكون فيها ضرب من المشقة لتربية ~~النفس وتزكيتها إذ لا تكمل تربية بدون احتمال مشقة وجهد. . ويسهل هذا ~~الاحتمال نية القربة وابتغاء المثوبة فيه، وليس في المعاملات شيء من معنى ~~التدين إلا ما ذكرنا آنفا، والغرض منه حفظ الأنفس والأموال والأعراض أن ~~يعتدى عليها بغير حق، فمن لم يردعه عن PageV01P104 ~~ذلك خوف عقوبة الحكام في الدنيا يردعه خوف عذاب الله في الآخرة إن كان ms093 ~~مؤمنا به وبما جاء به رسوله [صلى الله عليه وسلم] . # فتبين بهذا أن للاشتراع المدني والجنائي والسياسي والعسكري دلائل كثيرة، ~~منها قواعد الضرورات ونفي الحرج ومنع الضرر والضرار، فلو لم ينص في القرآن ~~على أن أمور المؤمنين العامة شورى بينهم، ولو لم يوجب طاعة أولي الأمر ~~بالتبع لطاعة الله وطاعة الرسول، ولو لم يفرض على الأمة رد هذه الأمور ~~إليهم ويفوض إليهم أمر استنباط أحكامها، ولو لم يقر النبي [صلى الله عليه ~~وسلم] معاذا على الاجتهاد والرأي فيما يعرض عليه من القضايا التي لا نص ~~عليها في كتاب الله ولم تمض فيها سنة من رسوله لو لم يرد هذا كله وما في ~~معناه لكفت الضرورة أصلا شرعيا للاستنباط الذي يسمى في عرف هذا العصر ~~بالتشريع. ووراء هذا وذاك عمل الأمة في صدر الإسلام، وخير القرون، وكذا ما ~~بعدها من القرون الوسطى التي خرجت فيها الخلافة الكافلة للأمور العامة عن ~~منهج العلم الاستقلالي فزالا معا لتلازمهما. # الخلافة مناط الوحدة، ومصدر الاشتراع، وسلك النظام، وكفالة تنفيذ ~~الأحكام، وأركانها أهل الحل والعقد رجال الشورى، ورئيسهم الإمام الأعظم، ~~ويشترط فيهم كلهم أن يكونوا أهلا للاشتراع، المعبر عنه في أصولنا بالاجتهاد ~~والاستنباط، وقد كان أول فساد طرأ على نظام الخلافة وصدع في أركانها جعلها ~~وراثية في أهل الغلب والعصبية، وأول تقصير رزئ به المسلمون عدم وضع نظام ~~ينضبط به قيامها بما يجب من أمر الأمة على القواعد التي هدى إليها الكتاب ~~والسنة، وأول خلل نشأ عن هذا وذاك تفلت الخلفاء من سيطرة أهل الحل والعقد ~~الذي يمثلون الأمة، واعتمادهم على أهل عصبية القوة، التي كان من أهم إصلاح ~~الإسلام لأمور البشر إزالتها، فصار صلاح الأمة وفسادها تابعا بذلك لصلاح ~~الخليفة وأعوانه أهل عصبيته، لا لممثلي الأمة ومحل ثقتها من أهل العلم ~~والرأي فيها، والغيرة والحدب عليها. PageV01P105 # ثم ترتب على ذلك شعور الخلفاء بالاستغناء عن العلم أو عدم شعورهم بالحاجة ~~إليه وترك التمتع باللذات اشتغالا به لتحصيل رتبة الاجتهاد فيه، ورأوا أنه ~~يمكنهم الاستعانة بالعلماء الذين ms094 يتقلدون مناصب الوزارة والقضاء والإفتاء ~~وغيرها من الأعمال التي يحتاج فيها إلى استنباط الأحكام فتركوا العلم ثم ~~جهلوا قيمة العلماء فصاروا يقلدون الجاهلين من أمثالهم للأعمال، ووجدوا ~~فيهم من بفتي بعدم اشتراط العلم الاستقلالي (الاجتهاد) في إمام المسلمين ~~ولا في القاضي لإمكان استعانتهما بالمفتي الذي لا يكون إلا مجتهدا، ثم عم ~~الجهل فصاروا يستفتون الجاهلين (أي غير المجتهدين) أمثالهم، ثم أذاع هؤلاء ~~الجاهلون الذين احتكروا مناصب الدولة وأموالها أن الاجتهاد قد أقفل بابه، ~~وتعذر تحصيله، وأوجبوا على أنفسهم وعلى الأمة تقليد أفراد معينين من ~~العلماء والانتساب إليهم، ثم صاروا يقلدون كل من ينتمي إليهم مع الإجماع ~~على امتناع تقليد المقلد، فضاع علم الأحكام وفقدت ملكة الاشتراع والاستنباط ~~بالتدريج، والأمة لا تشعر، فلما صار أمر الحكومة في أيدي الجاهلين ضاعت ~~الشريعة والاشتراع، واختل نظام الأمة، وانحل أمرها وتضعضع ملكها، وقع كل ~~ذلك بترك ما صح فيه من أصول الإسلام وفروعه، والجاهلون يحسبون أنه وقع ~~باتباع تعاليمه {} # قال القاضي أبو علي محسن التنوخي في كتابه: (جامع التواريخ) حدثني أبو ~~الحسين بن عباس قال: كان أول ما انحل من سياسة الملك فيما شاهدناه من أيام ~~بني العباس - القضاء، فإن ابن الفرات (الوزير المشهور) وضع منه وأدخل فيه ~~قوما بالزمانات لا علم لهم ولا أبوة فيهم، فما مضت إلا سنوات حتى ابتدأت ~~تتضع ويتقلدها كل من ليس لها بأهل، حتى بلغت في سنة نيفا وثلاثين وثلاثمائة ~~إلى أن تقلد وزارة المتقي أبو العباس الأصفهاني الكاتب، وكان في غاية سقوط ~~المروءة والرقاعة إلى أن قال: وتلا سقوط الوزارة اتضاع الخلافة وبلغ أمرها ~~إلى ما نشاهد فانحلت دولة بني العباس بانحلال القضاء، وكان أول ما وضع ابن ~~الفرات من PageV01P106 ~~القضاء تقليده إياه أبا أمية الأخوص الفلاني البصري أه، وذكر أنه إنما قلده ~~لموعدة وعدها إياه، إذ أوى إليه واختفى عنده في أيام محنته. # وأقول أن ابن الفرات كان من أقدر الوزراء وأعلمهم بشئون الملك والسياسة، ~~وكان حسن السيرة، وإنما جرأه على مثل هذا جهل الخليفة وانصرافه ms095 إلى اللهو ~~واللعب، ثم التلذذ والإسراف في اللذات، فإنه ولي وله ثلاث عشرة سنة: قال ~~الحافظ الذهبي: اختل أمر النظام كثيرا في أيام المقتدر بصغره. يعني أن ~~الخلل قد طرأ قبله من ايام المتوكل بن المعتصم، إذ كان قد اشتد عبث الترك ~~الذين استكثر منهم المعتصم، وجعلهم عدة الخلافة وسياجها، فكانوا هم الذين ~~دكوا بنيانها وهدموا أركانها. والعلة الأولى لهذا كله بدعة ولاية العهد ~~التي استدلوا عليها باستخلاف أبي بكر لعمر (رضي الله عنه) فجعلتها القوة ~~حقا لكل خليفة وإن كان متغلبا لا يعد من أئمة الحق، ولم يراع ما رعاه أبو ~~بكر من استشارة أهل الحل والعقد وقد بينا بطلان هذا في المسألة التاسعة من ~~هذا البحث. # فعلم بهذا القول الوجيز أن التساهل في بعض شروط الخلافة التي عليها ~~مدارها وهي العلم الاستقلالي والعدالة والشورى بنصب الإمام وفي تصرفه، قد ~~كان معلولا للتغلب وعلة لفقد الاشتراع - الاستنباط - الذي لا يقوم أمر ~~الدولة ولا يطرد ارتقاؤها ولا حفظها بدونه، فكان هذا علة لضعف الدولة، وكان ~~ضعف الدولة علة لضعف الأمة، إذ صارت تابعة للدولة لا متبوعة وكان فساد ~~أمرهما معا علة لتغيرات كثيرة في الأحوال الاجتماعية وشئون المعيشة تقتضي ~~أحكاما شرعية أخرى غير التي كان الأمر عليها قبلها، أو تعود الإمامة الحق ~~إلى أصلها. # ونحمد الله أن ظهر لأركان الدولة التركية التي تنحل منصب الخلافة أن ~~الدولة العثمانية كانت فاسدة، وأنها لم تكن بعد دعوة الخلافة خيرا من ~~قبلها، بل لم تلبث أن دب إليها الخلل والضعف بالتدريج في كل من أمور الدين ~~والدنيا، حتى صار كثير من نابتتها المتفرنجين يصرحون بأن الإسلام هو الذي ~~جنى عيها، وأن حكم الخلافة هو الفاسد الذي لا يمكن صلاح حالها معه، فتسنى ~~لنا أن نبين لها وللعالم الإسلامي الذي كان أكثره مفتونا بها أنها لم تكن ~~قائمة على أصول الشريعة في الخلافة، وأن نبين حقيقة الخلافة وشكل الحكومة ~~الإسلامية الحق وخطأ جمهور أعضاء المجلس الوطني PageV01P107 ~~الكبير في رأيهم وعملهم فيها، ونثبت بالدلائل أن ms096 أصول الحكومة الإسلامية ~~أرقى من أصول سائر حكومات الأمم، بجمعها بين دفع المفاسد وحفظ المصالح ~~المادية، وبين الحق والعدل والفضائل التي يتهذب بها البشر وتكمل الإنسانية، ~~وأن ندعو هذه الأمة التركية الإسلامية إلى إقامة حكومة الإسلام كما أمر ~~الله ورسوله وخلفاؤه الراشدون خير أمة أخرجت للناس ولو كره المتفرنجون ~~{ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم} ### | AUTO ما بين الاشتراع وحال الأمة من تباين وتوافق: # وضع الإسام قواعد عامة لأنواع المعاملات الدنيوية راعي فيها هداية الدين ~~وتقييد حكومته بالتزام الفضائل واجتناب الرذائل، فلم يجعل ما فوض إلى أولى ~~الأمر فيها من الاستنباط - الاشتراع - مطلقا من كل قيد لئلا يجنوا على آداب ~~الأمة خطأ في الاجتهاد، أو اتباعا للهوى إذا غلب عليهم الفساد، فحرم الربا ~~الذي كان فاشيا في الجاهلية، لما فيه من القسوة والبخل والطمع الذي يحمل ~~على استغلال ضرورة المحتاج، كما حرم الغش والخيانة، وجعل الأمة متكافلة بما ~~أوجب من النفقة على القريب، والزكاة لإزالة ضرورة الفقير والمسكين، ولغير ~~ذلك من المصالح العامة، وجعل لكل امرأة كافلا يقوم بأمرها من زوج أو قريب، ~~وإلا فالإمام الأعظم أو نائبه، لئلا تضطر إلى ما يشق عليها القيام به من ~~الكسب مع قيامها بوظائفها الخاصة بها من الحمل والوضع والرضاعة وتربية ~~الأطفال، فيكون اضطرارها إلى الحياة الاستقلالية سببا لقلة النسل ولغير ذلك ~~من المفاسد. # وقد كان تأثير ضعف الدين في الشعوب الإسلامية وحكوماتها أن ترك كل منهما ~~مراعاة ما يجب عليه من تلك القواعد والتزام أحكامها، فترتب على ذلك احتياج ~~كل منهما إلى ارتكاب بعض المحظورات كالربا إما اضطرارا وإما اختيارا ترجح ~~فيه المصحلة على المفسدة رجحانا ظاهرا. # هذا الاحتياج الذي يدفع صاحبه إلى ارتكاب المحرم إذا لم يجد له مخرجا لا ~~يعرض في الإقراض كما يعرض في الاقتراض، فكان من أثره أن المسلمين PageV01P108 ~~لم يجدوا من يقرضهم إلا من غيرهم، إما من أهل ذمتهم وإما من الأجانب عنهم، ~~كالمعاهدين الذين يكونون في بعض الأحيان ms097 حربيين، وهذه مفسدة أخرى هي ذهاب ~~ثروة المسلمين إلى غيرهم، وناهيك بذهابها إلى أعدائهم، وحاجتهم إليهم في ~~أهم مصالحهم. # ثم إن توسع الفقهاء في مسائل الربا وإدخالهم فيها ما لم يكن معروفا في ~~عصر الوحي، وتضييق أكثرهم في أحكام العقود المالية، واستحداث الأمم التي ~~يتعاملون معها لأنواع كثيرة من العقود والمعاملات، وترقي العلوم الاقتصادية ~~والأعمال المالية إلى درجة قضت بتفوق متبعي قواعدها ونظمها على غيرهم في ~~الثروة والقوة والسيادة - كل أولئك كان دافعا في صدور المسلمين ورافعا ~~لغيرهم عليهم حتى في ديارهم، بل هو أظهر العلل لسلب جل ملكهم منهم، ~~والسيطرة عليهم فيما بقى لهم شيء من السيادة فيه، ولاعتقاد أكثر الذين ~~يعرفون أحوال هذه الأمم العزيزة في علومها وأعمالها ويجهلون أصول الإسلام، ~~أن الإسلام نفسه علة ضعف المسلمين بما في شرعه من الجمود على أحكام عتيقة ~~مالية واجتماعية توجب فقر ملتزمها وكل ما يجره الفقر في الأمم من الذل ~~والضعف وفقد الملك. # بدأت بضرب المسألة المالية مثلا لما طرأ على كثير من البلاد الإسلامية من ~~تأثير ترك العمل بأحكام الشريعة الغراء، إذ كان المال قوام حياة الأمم ~~والدول في كل زمان، وصار له من الشأن في هذا الزمان ما لم يكن له من قبل ~~ولا سيما عصر النبي [صلى الله عليه وسلم] الذي كانت فيه الأمة قليلة ~~الحاجات، وغير مرتبطة في حياتها بمعاملات الأمم الأخرى، ولكن عالم الغيب ~~والشهادة العزيز الحكيم قد أنزل في ذلك العصر قوله {ولا تؤتوا السفهاء ~~أموالكم التي جعل الله لكم قياما} فأرشدنا به إلى مكانة المال من حياة ~~الأمم ونظام أمرهاوكونها لا تقوم إلا به، وحثنا على المحافظة عليه، وعدم ~~تمكين السفهاء من التصرف فيما هو ملك لهم منه، كما أمرنا في آيات أخرى ~~بالاقتصاد ونهانا عن الإسراف والتبذير، وذمه كما ذم القمار غول الثروة بما ~~أفاد تحريمهما تحريم القمار بأنواعه في الدين، فهل يمكن أن يقال إن مقتضى ~~شرع هذا الدين أن يكون أهله فقراء؟ وأن يكون ما به قيام معاشهم وعزة أمتهم ms098 ~~ودولتهم في أيدي الطامعين فيهم من الأمم الأخرى؟ وإذا كان هذا مخالفا لهدى ~~هذا الدين فما بال المشتغلين بعلم الشرع فيه أجهل أهل بلادهم بالفنون ~~المالية، PageV01P109 ~~وبما يرتبط بها من الأمور السياسية، ولا يجعلون هذه الفنون ما يتدارسونه في ~~مدارسهم الدينية؟ السبب لهذا أنه ليس لهم حكومة إسلامية تطلبه منهم لتكون ~~أحكامها وميزانيتها موافقة لحكم الشرع. # وأضرب لهم مثلا آخر ميل بعض المسلمين في مصر والترك إلى التعاليم ~~الاشتراكية بل قيامهم بتأليف الأحزاب لها والدعوة إليها، سواء كان ذلك ~~افتنانا بتقليد الفرنجة أو شعورا بما يشعر به الاشتراكيون في أوربة من ~~تأثير أثرة أرباب الأموال على العمال، وغيرهم من أهل الإملاق، لو كانت ~~الشريعة الإسلامية نافذة الأحكام وهي الهداية التي يتبعها الخواص والعوام، ~~لما شعر بالحاجة إلى التعاليم الاشتراكية أحد من أهلها، بل لرأي ~~الاشتراكيون من الأمم الأخرى أنه يجب حل المسألة الاجتماعية على ضوئها، ~~ولكان ذلك سببا لاهتداء كثير منهم إلى الإسلام ودعوتهم إليه. # ومالي لا أذكر من المثل في هذا المقام دعوة كثير من النساء والرجال في ~~مثل هذه البلاد إلى تربية المرأة تربية استقلالية تساوي بها الرجل في كل ~~شيء حتى لا يكون فيما عليها في شيء، سبق الإسلام جميع الملل إلى المساواة ~~بين الرجال والنساء في الشئون الزوجية إلا هذه الدرجة بقوله تعالى: {ولهن ~~مثل الذي عليهم بالمعروف وللرجال عليهن درجة} وهي الرياسة التي بينها في ~~قوله: {الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا ~~من أموالهم} فجعل سببها تفضيلهم عليهن بالقوة على الكسب والحماية والدفاع، ~~وما فرض لهن عليهم من المهر والنفقة. أفرأيت لو أن أفراد المسلمين وحكامهم ~~أقاموا هذه الشريعة فساوى الرجال النساء بأنفهسم في كل شيء ماعدا رياسة ~~المنزل وكذا الرياسة العامة كالإمامة العظمى وإمامة الصلاة، وكرموهن كما ~~أوصاهم الرسول [صلى الله عليه وسلم] أكانت النساء تشعر بالحاجة إلى إعداد ~~أنفسهن للكسب وغيره من أعمال الرجال الشاقة؟ أم يفضلن أن يعشن في هناء ~~وراحة يتمتعن من كسب الرجال في ms099 ظل كفاتهم وكفالة الشريعة التي تنفذها ~~حكومتهم بما لا يتمتع به الرجال أنفسهم؟ فإن المرأة تأكل من كسب الرجل ما ~~يأكل وهي المدبرة لأمر مأكله، ولكنها تفضله بما تلبس من الحلل وما تتزين به ~~من الحلى، فإن كان ثم غبن فالرجل هو المغبون. PageV01P110 # وجملة القول في هذا المقام أن ترك العمل والحكم بالشريعة في بعض المسائل ~~يفضي إلى ترك بعض آخر منها أو يفضي إلى جعله متعذرا إذ يصير مفسدة بعد أن ~~كان في الأصل عين مصلحة، ثم يؤثر ذلك في أفكار الأمة وأخلاقها وعاداتها، ~~حتى تنقلب بتغيير عظيم في مقوماتها ومشخصاتها، الشر والخير أو الباطل والحق ~~كل منهما يقول جنسه ويؤيده، وقد فقدت الأمة الإسلامية ما يصونها من ذلك ~~التدهور والهوى، وينصب لها معارج الرقي، ويستنبط لها من الأحكام في كل زمن ~~ما يليق بحالها، مبنيا على قواعد الشريعة الهادية إلى كمالها. # ذلك بأن الاستنباط (الاشتراع) الذي أذن به لأولي الأمر من المسلمين قد ~~فقد بفقد جماعتهم، وزوال الإمامة الحق المنفذة لاستنباطهم، كما علم ذلك من ~~المسائل 3، 4، 5، 17 من هذا البحث، ومن بقي يشتغل بعلم الأحكام الشرعية ~~الإسلامية فقصارى أمر جمهورهم مدارسة الكتب التب ألفت للأزمنة الماضية التي ~~كانت دار الإسلام فيها ذات استقلال ومنعة، وبيت مال غنى كاف لكفالة ~~المعوزين والغارمين وغير ذلك من النفقات الشرعية، فهؤلاء لا يستطيعون أن ~~يفتوا بما يخرج عن قواعد مصنفي تلك الكتب لتلك الأزمنة ولحكوماتها، التي ~~كانت تلتزم العمل بها، بل قرروا فيما وضعوه من الشروط للإفتاء أن يلتزموا ~~فروع كتب معينة لا يتعدونها، لأن تعديها ضرب من الاجتهاد ولو في المذهب، ~~وقد قرروا منعه كالاجتهاد المطلق. ومنتهى ما يرجي من توسعتهم على الحكومة ~~التي تريد العمل بأحكام الشريعة أن يستخرجوا لها بعض الفروع الموافقة ~~للمصلحة العامة في هذا الزمان من كتب المذاهب المعتمدة، فإن الذين حرموا ~~عليهم الاجتهاد والاستنباط من أصول الشريعة والاقتباس من مصباحها مباشرة قد ~~أوجبوا عليهم تقليد مذاهب معينة. كما قال صاحب جوهرة التوحيد: " فواجب ~~تقليد حبر منهم ms100 ". يعني الأئمة المشهورين في الفقة، فاعتمدوا هذا التحريم ~~والتحليل ممن ليس بأهله. وإنما أباحوا تقليد غير الأربعة من المجتهدين ~~للعالم بذلك في خاصة نفسه. دون الإفتاء به لغيره، كما قال بعضهم: # (وجائز تقليد غير الأربعة ... في غير إفتاء وفي هذا سعة) PageV01P111 ~~مثال هذه التوسعة في أصول المعاملات أن القاعدة عند أكثر الفقهاء المشهورين ~~أن الأصل في العقود البطلان فلا يصح منها إلا ما دل الشرع على صحته، وذهب ~~آخرون إلى أن الأصل فيها الصحة إلا ما دل الكتاب أو السنة على بطلانه، ~~لقوله تعالى في أول سورة المائدة وهي آخر ما نزل من السور {يا أيها الذين ~~آمنوا أوفوا بالعقود} والعقود ما يتعاقد الناس عليه، فهذا المذهب أقوى ~~دليلا، وأقوم قيلا، وأهدى سبيلا، بما فيه من التوسعة على الناس وهو الذي ~~رجحه المحققون من الحنابلة. . # ألم تر أنه لما شاءت الحكومتان العثمانية والمصرية أن تخرجا عن مذهب ~~الحنفية في بعض أحكام النكاح والطلاق وفسخ النكاح في بعض الأحوال، وتأخذا ~~فيها بما تقرر في المذاهب الأخرى لباهما شيوخ الفقه ووضعوا لهما قوانين في ~~هذه الأبواب مقتبسا بعضها من المذاهب الثلاثة الأخرى ولعلهما لو شاءتا ~~الأخذ في بعض الأحكام بأقوال غير علماء المذاهب الأربعة من الصحابة ~~والتابعين وأئمة العترة لما أبوا مواتاتهما، فإن الجمود على مذهب معين لم ~~يكن إلا تحقيقا لرغبة الأمراء والسلاطين، والاسترزاق من الأوقاف التي ~~زمامها بأيديهم، فالذنب فيه مشترك بينهم وبين الفقهاء الذين رأوا فيه منفعة ~~لهم. . وأما الذي لا يجرؤ عليه هؤلاء المتفقهة فهو الاستنباط من الكتاب ~~والسنة، وقواعدهما العامة ككون الضرورات تبيح المحظورات، وكون ما حرم لسد ~~الذريعة يباح للمصلحة الراجحة. . وإن نص أئمتهم على هذه القواعد لأن هذا ~~عندهم من الاجتهاد الممنوع. . # والحق أن العلم الاستقلالي (الاجتهاد) لم ينقطع ولن ينقطع من هذه الأمة ~~المحمدية، وإلا لبطلت حجة الله على الخلق بفقد حملتها والدعاة إليها ~~والذابين عنها، ولما صح من خبر المعصوم من عدم اجتماعها على ضلالة، ومن أنه ~~لا يزال فيها طائفة ظاهرين على ms101 الحق حتى يأتي أمر الله، ولكن هؤلاء العلماء ~~المستقلين كانوا ينتسبون في كل عصر من أعصار غلبة الجهل إلى المذاهب التي ~~نشئوا عليها قبل الاجتهاد لسببين: (أحدهما) أنهم لم يكونوا يجدون رزقا ~~يتمكنون به من الانقطاع للعلم إلا من الأوقاف المحبوسة على المشتغلين بهذه ~~المذاهب فيضطرون إلى تدريس كتبها والتصنيف فيها ليحل لهم الأكل مما وقف على ~~أهلها (وثانيهما) أن الملوك والحكام وأعوانهم من المقلدين كانوا وما زالوا ~~حربا للعلم الاجتهادي الذي يفتضحون به، PageV01P112 ~~ويظهر جهلهم وضلالهم بظهوره، فإذا وجدت حكومة إسلامية جرئية كالحكومة ~~التركية الحاضرة تحيي العلم الاجتهادي، فإنها تجد منذ الآن سدادا من عوز ~~لما تحتاج إليه من الأحكام وللتعليم في المدرسة الاجتهادية التي اقترحنا ~~إنشاءها في المسألة (رقم 26) على أن مقلدة المذاهب لا تكاد تطلب الحكومة ~~منهم شيئا إلا ونجد فيهم من يفتيها ولو بالتأويل والخروج عن صحيح المذهب. # إذن لا يمكن خروج الأمة الإسلامية من جحر الضب الذي دخلت فيه إلا ~~بالاجتهاد ووجود المجتهدين وما يلزمه من وجود الإجماع الأصولي الذي هو إحدى ~~الحجج عند الجمهور، وإن شئت قلت هو ركن الاشتراع الركين الذي لا يمكن أن ~~ترتقي أمة ولا ينتظم أمر حكومة بدونه كما قلنا في صدر هذه المسألة، بل وجود ~~الإمامة الحق يتوقف على هذا الاجتهاد كما علم مماتقدم، وإن اجتماع ~~المجتهدين في هذا العصر ممهد السبيل موطأ الأكناف لإمكان العلم بهم ودعوتهم ~~إلى الاجتماع في مكان واحد أو عرض المسائل عليهم أينما وجدوا، وهذا لم يكن ~~ممكنا في عصر أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد ومن بعدهم ولذلك فقال بعض ~~المحققين: إن العلم بالإجماع إن وجد غير ممكن. ### | AUTO تأثير الإمامة في إصلاح العالم الإسلامي: # العالم الإسلامي في غمة من أمر دينه وأحكام شريعته، تتنازعه أهواء حكامه ~~المختلفي الأديان والمآرب، وآراء علمائه ومرشديه المختلفي المذاهب ~~والمشارب، ومساورة أعدائه في دينه ودنياه، وليس له مصدر هداية عامة متفق ~~عليه فيرجع إليه فيما عمى عليه، وكلما ظهر فيه مصلح هب أهل الأهواء ~~المفسدون يصدون عنه، ويطعنون ms102 في دينه وعلمه، ولا علاج لهذه المفاسد ~~والضلالات إلا إحياء منصب الإمامة، وإقامة الإمام الحق المستجمع للشروط ~~الشرعية، الذي يقوم مع أهل الحل والعقد بأعباء الخلافة النبوية، فإنه هو ~~الذي يذعن كل مسلم لوجوب طاعته فيما يصدر عنه من أمور الإصلاح العامة بقدر ~~الاستطاعة، ويرجح إرشاده على إرشاد غيره في الأمور الخاصة، إذ يكون أجدر ~~ببيانها بالحجة الواضحة فإذا لم تكن الإمامة كذلك كان حكم الشرع فيها أنها ~~سلطة تغلب، ولا تجب طاعة المتغلب شرعا ولو PageV01P113 ~~فيما وافق الشرع إلا على من هو متغلب عليهم، فقد كان السلطان عبد الحميد ~~يدعي الخلافة، ولما لم يكن مستجمعا لشروطها ولا قائما بواجباتها لم يكن ~~مسلمو الأفغان واليمن ونجد والمغرب الأقصى يؤمنون بصحة خلافته، ولا يعتقدون ~~وجوب طاعته، فيجعلوا حكوماتهم تابعة لدولته، بل لم يكن أهل مصر الذين كانوا ~~تحت سيادته السياسية معترفين بخلافته، يقبلون أن يكون له عليهم أمر ولا ~~نهي، وإنما كان اعترافهم أمرا صوريا معنويا يتوكأون عليه في مقاومة السيطرة ~~البريطانية عليهم، كما هو شأنهم وشأن أمثالهم في الاعتراف بالخلافة الاسمية ~~الحديثة في الآستانة على ما بيناه في موضعه من هذا البحث، وهذه الخلافة ~~الحديثة لا تبلغ درجة التغلب، فإن الذين ابتدعوها لم يجعلوها ذات أمر ولا ~~نهي في حكومتهم. # وأما إذا نفذ ما اقترحناه وبينا طريقه من إقامة الإمامة الحق، ولو في ~~بقعة صغيرة من الأرض، فإن جميع العالم الإسلامي يذعن لها إذعانا نفسيا ~~منشأة العقيدة الدينية ولا تجد حكومة من الحكومات الإسلامية مجالا للطعن ~~فيها، ولا يكون لأحد من المصطنعين للأجانب سبيل لإنكارها، وحينئذ يسعى كل ~~شعب إسلامي للاعتصام بها فالشعب الذي لا يستطيع أن يتبع حكومة الإمام الحق ~~لقهر دولة قوية له يجتهد ويتحرى أن يتبع جماعة المسلمين وإمامهم كما أمره ~~الله ورسوله فيما لا سيطرة لحكومته عليه فيه من نظام التربية الدينية ~~والتعليم الإسلامي والأحكام الشخصية، بل قد تضطر كل حكومة مسيطرة على شعب ~~إسلامي أو أكثر أن تستميله بقدر ما ترى فيه من الوحدة والرأي ms103 العام بموادة ~~خليفة نبيه، والسماح له بأن يتلقى الإرشاد الديني من قبله كما هو شأن ~~الكاثوليك مع البابا. # ولعل هذا بعض ما يقصد إليه الترك من إيجاد خليفة روحاني كالبابا ~~والبطاركة عند النصارى، ولكن المسألة دينية شرعية يجب فيها الاتباع، ولا ~~يمكن أن تنجح بالمواضعة والابتداع، وإن كان يود ذلك الكثيرون ممن يقدمون ~~السياسة على الدين، وقد جهل هذا بعض الذين أظهروا استحسان عمل الترك ~~وتجاهله بعض آخر أو غفل عنه، وظن كل منهم أن هذا كاف في حصول ما يرغبون فيه ~~من نكاية أعداء الإسلام وغيظهم، وشد أزر الشعب التركي ومؤازرته عليهم، وذلك ~~ظن الجاهلين بشئون العالم وسياسة الدول ودرجة اختبارها كما نبينه في ~~المسألة التالية: # لعلنا من أدرى الناس بما يترتب على إقامة الإمامة الحق من الإصلاح PageV01P114 ~~في العالم الإسلامي بمالنا من الاختبار، وكثرة ما يرد علينا من الرسائل ~~والمسائل من الأقطار، ومن أحدثها سؤال ورد من قطر إسلامي عن أقل ما يكون به ~~الإنسان الجاهل الأعجمي مسلما، لأن أهله أجهل وأضل من مسلمي (بنوك - سيام) ~~الذين وصف لنا سوء حالهم من سألنا عن صحة إسلامهم ونشرناه في المنار من ~~قبل. وقد بقي عند كل منهما بقية ممن يدعي العلم يحفظون من مذهب الإمام ~~الشافعي رضي الله عنه أحكاما اجتهادية يحتمون على الناس العمل بها في صلاة ~~الجمعة وغيرها فأدى ذلك إلى ترك صلاة الجمعة فترك صلاة الجماعة من بعضهم، ~~بل إلى ترك الصلاة ممن يعسر عليهم حفظ الفاتحة وتجويدها بإخراج الحروف من ~~مخارجها وتشديد المشدد منها ولا سيما الياء في {إياك نعبد وإياك نستعين} ~~فإن تخفيف المشدد فيها مبطل للصلاة عند الشافعية. # ومن أحدثها سؤال بعض أهل العلم في جاوه عن حكم ما جروا عليه بأمر حكامهم ~~المسلمين من إلزام كل من يتزوج بأن يطلق المرأة التي يعقد عليها عقب العقد ~~طلاقا معلقا على التقصير في النفقة عليها، أو ضربها، أو على الغيبة عنها، ~~وتركها بغير نفقة بالصفة التي يرى القارئ بيانها في باب الفتوى من المنار. ms104 # إن كثيرا من أهل العلم الساعين لإصلاح حال المسلمين في الأقطار المختلفة ~~يعملون بما ننشر في المنار من الحقائق الدينية بالأدلة التفصيلية، ويسألنا ~~بعضهم عما يعرض عليه ممالم ير حكمه فيه، ويجد هؤلاء وأمثالهم معارضين في ~~بعض البلاد من مقلدة بعض المذاهب لما يخالف مذهبهم، ولكنهم لا يعنون بنشر ~~مذاهبهم وحمل الناس عليها، بل يتركونهم فوضى في أمر دينهم لا يبالون بتركهم ~~للفرائض، ولا باقترافهم لكبائر المعاصي وإنما يهتمون بمعارضة بعض المسائل ~~التي تخالف مذهبهم كصلاة الجمعة بما دون أربعين رجلا حرا بالغا مقيما في ~~داخل سور البلد لا يظعن عنها، وإن أدت هذه المعارضة إلى ترك الجمعة البتة، ~~فإذا صار للمسلمين إمام وجماعة من أهل العلم الاجتهادي والعدالة يستمد ~~منهما دعاة الإصلاح العلم والإرشاد، فإنه لا يلبث أن يعم ذلك مسلمي جميع ~~البلاد. # وقد سبق لنا أن اقترحنا في المجلد الأول من المنار ضروبا من الإصلاح على ~~مقام الخلافة الإسلامية الرسمي - وإن كانت خلافة تغلب - لأن بلادنا كانت خاضعة PageV01P115 ~~لحكمه، ونود أن يقوم بالحق بقدر طاقته، فكان جزاؤنا على مثل هذا الاقتراح ~~منع المنار أن يدخل البلاد العثمانية، وإيذاء أهلنا وأصدقائنا في الديار ~~السورية. # ولا غرو فذلك الخليفة نفسه كان جاهلا بأصول الدين وفروعه وبما يصلح به ~~حال المسلمين ويفسد، وأعوانه جهلاء وأصحاب أهواء، فهم لا يبلغونه أمثال تلك ~~الاقتراحات وإذا ذكروها له شوهوها، وجعلوا حقها باطلا، وصلاحها فسادا، وهو ~~يصدقهم ولا يطمئن لخبر غيرهم، وفاقد الشيء لا يعطيه. # وجملة القول أن الجهل الغالب على أكثر المسلمين والتعصب المذهبي المفرق ~~للكلمة بين المتعلمين للدين منهم لا يمكن تلافي ضررهما في زمن قصير إلا ~~بإقامة خلافة النبوة على وجهها الذي لا يسهل على أحد أن يماري فيه مراء ~~ظاهرا، ويكفي أن يعتقد صحتها السواد الأعظم من المسلمين لموافقتها لمذاهبهم ~~وهم المنتمون إلى مذاهب أهل السنة والزيدية من الشيعة والأباضية من بقايا ~~الخوارج، وهؤلاء إذا كانوا لا يشترطون في الإمام ما يشترطه أهل السنة ~~والزيدية من النسب فهم لا يشترطون عدمه، ms105 وما لنا لا نتحرى فيه المذهب الذي ~~يستلزم غيره كاستلزام مذهب الزيدية لمذاهب السنة والخوارج استلزام الأخص ~~للأعم والمقيد للمطلق؟ # إن هذا لهو القول الحق الذي تقوم به المصحلة الإسلامية العامة وما عداه ~~مما يقبله أتباع كل ناعق بباعث السياسة الحاضرة فهو غثاء، وسيذهب جفاء، ~~ومنه يعلم أن ما قررته حكومة أنقرة باطل في نفسه، ولا يفيد العالم الإسلامي ~~أقل فائدة، بل قد كان سببا منذ الآن لشقاق في الشعب التركي الذي يرجح ~~جمهوره الهداية الإسلامية، على نظريات القوانين والتقاليد الإفرنجية، فإن ~~في مجلس الجمعية الوطنية حزبا كبيرا يرى أن المصلحة تقضى بوضع الخليفة في ~~الموضع الذي وضعته فيه الشريعة، بأن يكون هو رئيس الحكومة والمنفذ للأحكام، ~~نعم إن حزب الغازي مصطفى كمال باشا المصر على رفض كل سلطة شخصية في الحكومة ~~التركية العليا سواء كانت باسم الخلافة أو غيرها هو صاحب الغلب في المجلس ~~الحاضر ولكن سبب ذلك تأثير هذا الرجل وحزبه من قواد الجيش في الأنفس بما ~~لهم من المنة في إنقاذ الدولة من الخطر، لا أن هذا هو رأي الأمة التركية. ~~ولو استفتيت الأمة استفتاء حرا لخالفت هذا الحزب في هذه المسألة. هذا هو الحق. # وسيعلم العالم الإسلامي أننا قد قمنا بهذا البيان بما أمر الله تعالى به ~~من التواصي PageV01P116 ~~بالحق والتواصي بالصبر، وبالنصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ~~فيرجع إلى رأينا من يخالفه اليوم كما رجعوا إلى رأينا في السلطان عبد ~~الحميد ثم في جميعة الاتحاد والترقي، والعاقبة للمتقين. ### | AUTO كراهة غير المسلمين لحكومة الخلافة: # قد يقول قائل: إن غير المسلمين في البلاد التي توصف بالإسلامية (نسبة إلى ~~السواد الأعظم من أهلها) يكرهون أن تؤسس حكومة الخلافة فيها، ولا سيما ~~النصارى الذين يرون أن ضعف النفوذ والتشريع والآداب والتقاليد الإسلامية في ~~كل بلد إسلامي إنما يكون بقوة نفوذ الإفرنج وتشريعهم وآدابهم وتقاليدهم - ~~وكذا لغاتهم - وبذلك تكون مقومات الأمة ومشخصاتها أقرب إلى النصرانية منها ~~إلى الإسلام، ومن لم يؤمن بالعقيدة النصرانية والوصايا الإنجيلية بمحبة ~~الأعداء وكراهة الغنى ms106 وإدارة الخد الأيسر لمن يضربه على خده الأيمن فإنه قد ~~يكون أشد استمساكا بالنصرانية الاجتماعية السياسية من أقوى المؤمنين ~~بالإنجيل إيمانا. فتلك النصرانية المزورة لتي تنسب إليها المدنية المادية ~~الأوربية هي مثار التعصب والكراهة لكل ما هو إسلامي، لا نصرانية الإنجيل ~~الزاهدة المتواضعة الخاشعة ذات الإيثار الذي يسمونه " إنكار الذات ". # وإذا كان أمثالهم من متفرنجة المسلمين يكرهون الحكومة الدينية ويعارضون ~~في إحياء منصب الخلافة أفلا يكون متفرنجة النصارى أولى؟ وإذا كان الأمر ~~كذلك فكيف نعود إلى تجديد حكومة دينية يكرهها كثير من رعاياها وينفرون منها؟ # الجواب عن هذا يحتاج إلى تفصيل نكتفي بالضروري منه فنقول: إذا صح ما يعزي ~~إلى من ذكر من أهل الوطن بمقتضى العاطفة وتأثير التربية، فإن من يمحص ~~الحقيقة وينظر إيها بعين المصلحة سواء كان منهم أو من غيرهم فإنه يحكم فيها ~~حكما آخر. PageV01P117 # إن حكومة الخلافة إسلامية مدنية قائمة على أساس العدل والمساواة إلا أن ~~لغير المسلمين فيها من الحرية الشخصية ما ليس للمرتد والمنافق من المسلمين، ~~فهؤلاء يريدون أن يكون الإسلام رابطة جنسية أدبية حرة بحيث يكون لهم في ~~حكومته جميع حقوق المسلمين الشرعية والعرفية والقانونية، وإن صرحوا بأنهم ~~لا يدينون الله بالإيمان بعقيدته، ولا بإقامة أركانه وشعائره، وهم يعلمون ~~أن الحكومة الإسلامية لا تعطيهم شيئا من ذلك، حتى إن المرأة إذاعلمت من ~~زوجها أنه ارتد عن الإسلام حرم عليها أن تقيم معه وتستمر في عصمته، وأحكام ~~المرتدين معروفة فأمرهم أغلظ من أمر الوثنيين، دع الكتابيين الذين تحل ~~ذبائحهم والتزوج بالمحصنات من نسائهم، ولا تعاقب الحكومة الإسلامية غير ~~المسلمين على شيء يحل لهم في دينهم - وإن لم يكن حلالا في الإسلام - إلا ما ~~فيه إيذاء لغيرهم، بل لا تحاسبهم على أعمالهم الشخصية التي لا تضر المسلمين ~~ولا غيرهم من رعيتها وإن خالفت دينهم، ولكنها تحاسب المسلمين وتعاقبهم على ~~المعاصي بالحدود وأنواع التعزير كالتوبيخ والحبس وذلك أن من أصول الإسلام ~~حفظ الآداب والفضائل ومنع الفواحش والمنكرات. وقد وصف الله المسلمين بقوله: ~~{الذين إن مكناهم في ms107 الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ~~ونهوا على المنكر} وقال فيهم: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف ~~وتنهون عن المنكر} وأحكام الردة والحسبة في الإسلام معروفة. # فعلم بهذا أن ملاحدة المسلمين وفساقهم المستهترين أجدر أن يكونوا أشد ~~كراهة لإقامة أحكام الشريعة من غير المسلمين لأنها تكلفهم ما لا تكلف غيرهم ~~وتواخذهم بما لا تؤاخذه به. وقد اقترح بعض هؤلاء الملاحدة على جماعة ~~المؤتمر السوري العام الذي عقد في دمشق أن يقرروا جعل الحكومة السورية غير ~~دينية، ولا أذكر أن أحدا من الأعضاء النصارى وافق على الاقتراح بل صرح ~~بعضهم برده كأكثر المسلمين. واقترح في ذلك المؤتمر أن تقيد مادة الحرية ~~الشخصية من القانون الأساسي بقيد عدم الإخلال بالآداب العامة، فرد هذا ~~الاقتراح بعض هؤلاء الموصوفين بالمسلمين وصرح بعضهم بتعليل الرد بأنه يترتب ~~عليه أن يجوز للشرطة منع الرجل من الجلوس مع المرأة في ملهى من الملاهي أو ~~مقهى من المقاهي العامة لمعاقرة الخمر (؟ ؟) وقد كن رد هذا الاقتراح أقبح ~~خزي صدر من ذلك المؤتمر، PageV01P118 ~~وإن علل الرد بعضهم بالاستغناء عن قيد الآداب العامة بقيد القوانين التي ~~يمكن أن ينص فيها على ذلك القيد، وخدع بعض أهل الدين والأدب بذلك وما كان ~~ينغبي لهم أن يخدعوا، بل أقول إن أكثر النصارى من أعضاء ذلك المؤتمر كانوا ~~أقرب إلى المسلمين المستمسكين بأحكام الإسلام منهم إلى المتفلتين من الدين، ~~وإن كان هؤلاء يتقربون إليهم وينتصرون لهم فيما يوافق أهواءهم من مخالفة ~~هداية الدين العامة. # وقد ثبت بالتجارب أن غير المتدينين إذا اختلفوا لأسباب سياسية أو غيرها ~~فإنهم يكونون أشد عداوة وقسوة لبعضهم على بعض من المتدينين بالفعل من ~~الفريقين فالمتدين وإن شذ يكون أقرب إلى الرحمة من المادي، واعتبر ذلك بما ~~وقع من القسوة في الحرب البلقانية، الحرب العامة بين الأوربيين أنفسهم وبين ~~من غلبت عليهم تربيتهم من الأرمن والروم والترك. # وأضرب مثلا آخر: الدكتور برتكالوس الرومي قال لجماعة من السوريين كانوا ~~يظهرون الابتهاج والسرور بالدستور العثماني عقب إعلانه: إن حكم ms108 الشريعة ~~الإسلامية خير لنا معشر النصارى من حكم السدتور الذي يسلبنا كثيرا مما ~~أعطتنا الشريعة من الأمتيازات ويحملنا ما أعفتنا من التكليفات. وأيد كلامه ~~اشتداد العداء بين الترك وبين الروم والأرمن وغيرهما بعد الدستور الذي ترتب ~~عليه سلب هؤلاء كثيرا مما بقي لهم منذ كان الحكم بالشرع وحده. # وإنني أعقب على هذا القول بأن أشد ما يتبرم به متفرنجة الترك من أحكام ~~الشريعة هو ما أعطته من الحرية الواسعة لغير المسلمين في بلاد الإسلام، ~~ويرون أنه لولاها لصارت هذه البلاد ملة واحدة كبلاد أوربة التي لم يكن فيها ~~شيء من هذه الحرية ولاستراحت من العداوات والفتن التي أثارها عليهم نصارى ~~الرومللي فالأناضول بدسائس أوربة حتى كانت سبب انحلال السلطنة العثمانية، ~~هذا رأيهم، ومن الغريب أن كثيرا من نصارى بلادنا المتفرنجين يوافقونهم على ~~هذه النظرية ويقولون ياليت المسلمين أكرهوا أجدادنا على الإسلام في أزمنة ~~الفتح والقوة، إذن كنا في أوطاننا أمة واحدة ذات ملة واحدة فنسلم من شقاء ~~هذا الشقاق والفتن المخربة للبلاد. PageV01P119 # لا مجال في هذا المقام لتحرير القول في هذه المسألة، وليس من الصعب بيان ~~خطأ من يظن أن معاملة نصارى الدولة بعدل الشريعة الإسلامية وحريتها هو الذي ~~ألبهم عليها، ولا إثبات أن الذي ألبهم ثم أثارهم هو جهل رجال الدولة ~~وغفلتهم عن دسائس أوربة في هذه الشعوب وما بثوا في مدارسها وكنائسها! إنما ~~غرضنا من ذكرها أن الشريعة الإسلامية خير للنصارى في بلاد أكثر أهلها ~~مسلمون من حكومة مدنية لا يتقيد أهلها بأصول هذه الشريعة - كما كانوا في ~~عهد الخلفاء من العرب وكذا سلاطين العثمانيين - فإن الفرق الحقيقي بين ~~الحكومتين هو أن الأكثرية المسلمة لا يحل لها أن تتبع هواها في التشريع ~~الديني، ولا في التنفيذ بما يعد ظلما للأقلية غير المسلمة لأن الله تعالى ~~حرم الظلم تحريما مطلقا لا هوادة فيه ولا عذر، وأوجب العدل إيجابا مطلقا ~~عاما لا محاباة فيه، وحذر تحذيرا خاصا من ترك العدل في حالة الكراهة والبغض ~~من أي فريق كان بقوله تعالى: ms109 {ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا ~~هو أقرب للتقوى، واتقو الله إن الله خبير بما تعملون} أي ولا يحملنكم بغض ~~قوم لكم أبو بغضكم لهم، قال بعض المفسرين أي الكفار، والصواب أنه أعم، على ~~ألا تعدلوا فيهم بل اعدلوا فيهم كغيرهم وحذف المعمول دليل العموم، أي ~~أعدلوا عدلا مطلقا عاما في المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والصديق والعدو، ~~الخ وقال في آية أخرى: {يأيها الذين آمنواكونوا قوامين بالقسط شهداء لله ~~ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين، إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى ~~بهما، فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما ~~تعملون خبيرا} أي كونوا قائمين بالعدل في الأحكام وغيرها على أكمل وجه، كما ~~تدل عليه صيغة المبالغة شهداء لله في إثبات الحق، وما كان لله لا يميز فيه ~~المؤمن نفسه ولا الدية أو أقرب الناس إليه على غيرهم، لأن هذا التمييز ~~إيثار لنفسه أو لقريبه على ربه الذي جعل الشهادة له سبحانه، ولا يفرق فيه ~~الغنى والفقير بأن يحابي الغنى طمعا في نواله أو الفقير رحمة به، وقفي على ~~هذا بالنهي عن ضده وهو اتباع هوى النفس كراهة للعدل، وبحظر اللى والتحريف ~~للشهادة أو الإعراض عنها أو عن الحكم بالحق، وتهدد فاعل ذلك وتوعده بأنه ~~خبير بأمره لا يخفى عليه شيء، دع ماورد في الأحاديث النبوية من الوصية بأهل ~~العهد والذمة خاصة، ولولا ذلك لفعلت الحكومات الإسلامية القوية بالمخالفين ~~لهم ما فعل غيرهم من إبادة بعض وإجلاء آخرين عن ديارهم أو PageV01P120 ~~إكراههم على دين الإسلام أو سن قوانين استثنائية لقهرهم وإذلالهم، وفي ~~التاريخ العثماني أن السلطان سليمان استفتى شيخ الإسلام أبا السعود العمادي ~~الدمشقي الأصل في إكراه النصارى على الإسلام أو الجلاء فأبى أن يفتيه، وبين ~~له أن الشريعة لا تبيح ذلك فأذعن، وكان يريد أن يفعل بهم كما فعلت الدولة ~~الإسبانية بمسلمي الأندلس # وثمة فرق آخر بين الشرع الإسلامي والاشتراع البشري الذي لا تتقيد حكومته ~~بالدين، هو في مصلحة غير المسلمين ms110 أيضا، وهو أن كل مسلم يعتقد أن الحكم ~~الشرعي حكم إلهي وأن طاعته قربة وزلفى عند الله يثاب عليها في الآخرة، ~~وعصيانه عصيان لله تعالى يعاقب عليه فيها، سواء حكم به الحاكم عليه أم لا، ~~ولكن حكم الحاكم يرفع خلاف المذاهب، فتكون طاعته ضربا لازبا. وهذا ضمان ~~لغير المسلم الوازع فيه نفسي ولا ضمان مثله للمسلم من غيره. # (فإن قيل) كل ذي دين يحاسب نفسه (أو ضميره) على ما يعتقده من حق عليه ~~(قلنا) هذا عام مشترك وما نحن فيه أخص منه، وهو احترام الحكم الشرعي ووجوب ~~طاعة الحاكم إذا حكم عليه سواء اعتقد صحته أم لم يعتقد - وإن أمن عقاب ~~الحكومة في التفصي منه بالحيلة. # وجملة القول أنه ليس في الشريعة ظلم لغير المسلم يعذر به على كراهتها، ~~وهي تساوي بين أضعف ذمي أو معاهد وبين الخليفة الأعظم في موقف القضاء ~~وتقرير الحقوق، والشواهد على هذا في عصر الخلافة الراشدة وما بعدها متعددة. ~~وإننا نصرح بكل قوة بأن العدل العام المطلق لم يوجد إلا في الإسلام. وما ~~وقع من شذوذ بعض حكام المسلمين في ظلم بعض الذميين فإنما كان من أقلهم علما ~~واهتداء بالدين، ولم يكن خاصا بغير المسلمين ولا شيء ينتقد من أئمة العدل ~~وخلفاء الحق إلا بعض المعاملات الاستثنائية في أزمنة الفتح ممن غفل عن ~~كونها أحكاما عسكرية مؤقتة. فأراد جعلها دائمة. على أن الإسلام كان أعدل ~~وأرحم فيها من جميع البشر حتى قال أحد حكماء أوربة المنصفين: ما عرف ~~التاريخ فاتحا أعدل ولا أرحم من العرب. # ولا نعرف لهم مطعنا في المساواة الشرعية في الأحكام التي عملت بها جميع الدول PageV01P121 ~~الإسلامية إلا مسألة رد شهادة غير المسلم على المسلم، وهي مسألة لا يقوم ~~دليل على إطلاق القول فيها بل لها مخرج من الكتاب والسنة وأصول الشريعة فقد ~~قال تعالى في سورة المائدة وهي من آخر ما نزل من القرآن ليس فيها حكم منسوخ ~~{يأيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا ms111 ~~عدل منكم أو أخران من غيركم} الآية. . والمتبادر الذي عليه جمهور السلف ~~والخلف أن المراد بغيركم غير المخاطبين بالآية وهم المسلمون، رخصه بعض ~~العلماء بأهل الكتاب، ولا دليل على هذا التخصيص وقيده بعضهم بمثل الحالة ~~التي نزلت فيها الآية بناء على أن الأصل في الشهادة غير المسلم العدل أن ~~ترد لقوله تعالى: {وأشهدوا ذوى عدل منكم} # وقد بينا ضعف الاستدلال بهذه الآية على ما ذكر في تفسير آية المائدة ~~بتفصيل منه أن هذا في الأمر بالإشهاد في مسألة المطلقات المعتدات من ~~المسلمات لا في الشهادة مطلقا، ولا في كل إشهاد، وقد قال تعالى في الإشهاد ~~على الأموال: {فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم} ولم يقيد هذا ~~الإشهاد بالعدول من المؤمنين كما قيده في المسألة الخاصة بالنساء المسلمات، ~~وبينا ضعف حمل المطلق على المقيد في الآيتين مع اختلاف موضوعهما، والفرق ~~بين الإشهاد والشهادة، كما بينا ضعف القول بأن غير المسلم لا يكون عدلا ~~بدليل القرآن إذ جاء فيه: {ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون} ~~وقوله: {ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك} كما بينا ضعفه بدليل ~~سيرة البشر المعلومة بالاختيار والعقل وهو أنه لم توجد أمة من الأمم جردت ~~من الصدق والعدالة بحيث لا يصدق أحد من أهلها، وبينا أيضا سبب تفضيل ~~الفقهاء للمسلم على غيره في الشهادة من أربعة أوجه أهمها ما كان عليه ~~المسلمون الأولون من التقوى والصدق وعدم المحاباة عملا بوصايا الدين التي ~~تقدم بعض الآيات فيها آنفا وما اتفق عليه المؤرخون في مقابلة ذلك من غلبة ~~فساد الأخلاق على الأمم الأخرى التي فتح المسلمون بلادها. # وفي أصول الشريعة مستند آخر لشهادة غير المسلم وهو دخولها في عموم البينة ~~إذا ثبت عندالقاضي صدقه فيها فإن البينة في اللغة كل ما يتبين به الحق وقد ~~فصل المحقق ابن القيم هذا المعنى في كتابه (أعلام الموقعين) ونشرنا ذلك في ~~المنار وبينا أنه يدخل في عموم البينة كل ما تجدد في هذا العصر من أنواع ~~الجرائم كأثر ms112 خطوط PageV01P122 ~~الأصابع على الأشياء مثلا. ومن أراد التفصيل فعليه بالمنار وتفسيره. # فلم يبق بعد هذا البيان على إجماله من عذر لغير المسلمين إذا كرهوا إحياء ~~الشريعة الإسلامية العادلة لمحض التعصب الأعمى أو لتفضيل تشريع الأجانب على ~~تشريع من يشاركهم في وطنهم. وليس من الحق ولا من العدل أن تكلف أمة ترك ~~منقبة التشريع الفضلى، ومثل هذه الحكومة المثلى، إرضاء لفئة قليلة لا مصلحة ~~لها في تركها، وإنما تكرهها لمحض التعصب على السواد الأعظم من أهل وطنها، ~~وناهيك بما تأرث من الأضغان بين مسلمي الأناضول والروم والأرمن الذين خرجوا ~~على الترك في زمن محنتهم وساعدوا أعداءهم عليهم في حربهم. # وموضوع الكلام في إقامة الخلافة في هذه البلاد التركية، فإذا رضي الترك ~~بذلك وعاملوا هؤلاء الجناة البغاة بعدل الشريعة ورحمتها فلا يعقل أن يكرهوا ~~ذلك ويفضلوا عليه غيره إن كانوا يعقلون، وإنما أخشى أن يكون هذا الأمر نفسه ~~مما ينفر كثيرا من الترك عن إقامة الشريعة التي تحرم عليهم أن يتبعوا الهوى ~~في معاملة أقوام أولئك الجناة القساة الذين خربوا ديارهم بالنار والبارود، ~~وهم يرونها بأعينهم أكواما من الرماد والأنقاض. # وهذه حكومات جزيرة العرب إسلامية محضة ليس فيها قوانين وضعية ولا تشريع ~~أوربي، وأقدمها حكومة أئمة اليمن، وهنالك كثير من اليهود وهم راضون عن ~~حكومة الإمامة الشرعية لم يشكوا منها ظلما ولا هضما، ولم يفضلوا عليها ~~حكومة أخرى، ولو سرى إليهم سم السياسة الاستعمارية من طريق التعليم أو غيره ~~لأفسدوهم على حكومتهم، وأثاروهم عليها لطلب وطن قومي لهم في البلاد ولو ~~عدهم نافثوا السم في أرواحهم بالمساعدة على ذلك حبا في الإنسانية أي حبا في ~~إفساد الإنسانية وإثارة البغضاء بين المختلفين في الدين والجنس أو اللغة ~~بعضهم على بعض ليتمكنوا من استبعاد الجميع. {فاعتبروا يا أولي الأبصار} PageV01P123 ### | AUTO الخلافة ودول الإستعمار: # من البديهي أن إقامة الخلافة الإسلامية يسوء رجال دول الاستعمار، وأنهم ~~قد يقاومونها بكل ما أوتوا من حول وقوة، وأحرصهم على ذلك الدولة ~~البريطانية، ولا أجهل ممن يظنون أنها كانت تسعى ms113 قبل الحرب لجعل الخلافة في ~~الأمة العربية إلا الذين يظنون اليوم أنها تود اليوم تأسيس دولة أو دول ~~عربية، ولو كانت تريد هذا من قبل لكان أقرب طرقه مساعدة أئمة اليمن ~~المجاورين لها في منطقة عدن على الترك بالسلاح والمال لتنظيم جيشهم ~~والاستيلاء على الحجاز، فإن حكومة الإمامة في اليمن قوية عادلة قديمة راسخة ~~يرجع تاريخها إلى القرن الثالث من الهجرة، وقد حاربتها الدولة العثمانية ~~زهاء أربعة قرون لإسقاطها فعجزت عن ذلك، ولكن الحكومة البريطانية كانت لها ~~بالمرصاد وما زالت تكيد لها، وتسعى بالدسائس والفتن للتدخل في شئونها، ~~والتوسل بذلك للاستيلاء عليها، ولم تستطع ذلك، ولن يجعل الله لها عليها سبيلا. # وقد اشتهر لدى الخاص والعام أن الدولة البريطانية كانت ظهيرة للخلافة ~~العثمانية التركية، وما ذلك إلا لعلمها أنها صورية، وأنها هي التي تنتفع ~~بإظهار صداقتها لها، وكان رجال هذه الدولة الداهية أعلم الناس بأن هذه ~~الدولة قد دب في جسمها الانحلال، وأنها سائرة في طريق الفناء والزوال، ~~وإنما كانوا يحاولون أن تبقى حصنا بين القيصرية الروسية المخيفة بسرعة ~~تكونها ونموها وبين البحر الأبيض المتوسط، على شرط أن تكون قوة هذا الحصن ~~بما وراءه من المساعدة البريطانية لا بنفسه، وقد بينا هذا في المنار من ~~قبل، وأن الغازي أحمد مختار باشا وافقنا على أن قاعدة الدولة البريطانية في ~~السياسة العثمانية ألا تموت الدولة ولا تحيا، وبينا أيضا أن هذه القاعدة قد ~~تغيرت بما كان بين الدولتين البريطانية والروسية على مسائل الشرق، ~~واقتسامهما بلاد إيران قبل الحرب، وأنها لم تجنح إلى إقامة خلافة عربية ~~صورية تكون آلة بيدها إلا بعد الحرب العامة، والتمكن من خداع شريف مكة ~~وتسخيره لمساعدتها، ونحمد الله أن جعلنا من أسباب خيبة هذا السعي حتى لم ~~يتم لها. PageV01P124 # وقد عنيت الدولة البريطانية منذ أول زمن هذه الحرب بالبحث في مسألة الخلافة ~~وطفق رجالها يستطلعون علماء المسلمين وزعماءهم في مصر والسودان والهند ~~وغيرها آراءهم فيها ليكونوا على بصيرة فيمايريدونه من إبطال تأثير إعلان ~~الخليفة العثماني الجهاد الديني بدعوى ms114 بطلان صحة خلافته من جهة، وبدعوى أن ~~هذه الحرب لا شأن للدين فيها من جهة أخرى، وقد وجد من منافقي الهند من كتب ~~لهم رسالة باللغة الإنكليزية في ذلك وأرسلها إلينا ناشرها لنترجمها ~~بالعربية وننشرها في المنار فعجبنا من جهله ونفاقه، ولولا المراقبة الشديدة ~~على الصحف عامة والمنار خاصة في تلك الأيام لرددنا عليها. وقد اطلعنا على ~~ما كتبه بعض علماء مصر لهم في الخلافة وهو نقل عبارة شرح المقاصد، وعبارات ~~أخرى في معناها، وعلمنا أن بعض العلماء كتب لهم بعض الحقائق في شأنها. # وقد دارت بيننا وبين بعض رجالهم مناقشات في المسألة العربية اقتضت أن ~~نكتب لهم مذكرات في تخطئة سياستهم فيها، بينا في المذكرة الأولى منها التي ~~قدمناها لهم في أوائل سنة 1915 أن أكثر مسلمي الأرض متمسكون بالدولة ~~العثمانية وخليفتها لأنها أقوى الحكومات الإسلامية، وأنهم يخافون أن يزول ~~بزوالها حكم الإسلام من الأرض، وأن هذا أعظم شأنا عندهم من بقاء المعاهد ~~المقدسة سليمة مصونة، بل بينا لهم أيضا أن إعلانها الجهاد شرعي، وأن سبب ~~ضعف تأثيره في مثل مصر هو الاعتقاد بأنها منتصرة مع حلفائها فلا تحتاج إلى ~~مساعدة. . # وعدت إلى بحث الخلافة في آخر مذكرة منها، وهي التي أرسلتها إلى الوزير ~~لويد جورج في منتصف سنة 1919 فقلت في بيان ما يرضى المسلمين من انكلترة " ~~إن الوزير قد علم أن الاعتراف باستقلال الحجاز وتسمية أمير مكة ملكا لم يكن ~~له ذلك التأثير الذي كان الإنكليز يتوقعونه من قلوب المسلمين، ذلك بأن بلاد ~~الحجاز أفقر البلاد الإسلامية وأضعفها في كل شيء، وهي موطن عبادة، لا ملك ~~وسيادة ولم يكن المسلمون مضطربين من الخوف على المساجد المقدسة أن تهدم، أو ~~يمنع الناس من الصلاة فيها والحج إليها وزيارتها، بل الاضطراب الأعظم على ~~السلطة الإسلامية التي يعتقدون أن لا بقاء للإسلام بدونها، والحرص على ~~بقائها ممزوج بدم كل مسلم وعصبه، فهو لا يرى دينه باقيا إلا بوجود دولة ~~إسلامية مستقلة قوية قادرة بذاتها على تنفيذ أحكام شرعه بغير معارض ms115 ولا ~~سيطرة أجنبية، وهذا هو السبب في PageV01P125 ~~تعلق أكثر مسلمي الأرض بمحبة دولة الترك، واعتبارهم إياها هي الدولة ~~الممثلة لخلافة النبوة مع فقد سلطانهم لما عدا القوة والاستقلال من شروطها ~~الخاصة، ولولا ذلك لاعترفوا بخلافة إمام اليمن لشرف نسبه وعلمه بالشرع ~~واستجماعه لغير ذلك من شروط الخلافة ذلك بأن الشروط تعد ثانوية بالنسبة إلى ~~أصل المطلوب. # مثال ذلك أن الحكومة المصرية تشترط في مستخدميها أن يكونوا مصريي الجنس ~~عارفين باللغة العربية حاملين لشهادات مخصوصة ولكنها عندما تحتاج إلى ~~مستخدم فني لعمل لا يوجد مصري يعرفه تترك اشتراط ذلك فيه لأنه إنما يقدم ~~المستوفى للشروط على غيره إذا كان قادرا على أصل العمل المطلوب. # وكان الغرض لنا من هذا ألا يغتروا بما يعلمون من عدم استجماع الخليفة ~~التركي لشروط الخلافة، ولا بما كانوا يرمون إليه من جعل شريف مكة خليفة بعد ~~اعترافه لهم بأن مكان الأمة العربية من انكلترة مكان القاصر - بالطفولية أو ~~العته - من الوصي ورضاه بحمايتهم له ولها، وقد صرحنا للوزير في هذه المذكرة ~~بأن الذي يرضي العالم الإسلامي من دولته ترك الشعوب الإسلامية العربية ~~والتركية والفارسية أحرارا مستقلين في بلادهم وبقاء مسألة الخلافة على ما ~~هي عليه إلى أن يمكن تأليف مؤتمر إسلامي عام لحل مشكلتها، وقد بينا فيها ~~أيضا أن هذه الدولة مستهدفة لعداوة الشرق كله بالتبع لعداوة العالم ~~الإسلامي، فلا يغرنها ضعف المسلمين وتفرقهم فتحتقر عداوتهم مع كونهم مئات ~~الملايين فإنهم لن يكونوا أضعف من " ميكروبات الأوبئة " وسننشر هذه المذكرة ~~في الوقت المناسب. . # لم يبال هذا الوزير بنصح هذه المذكرة فاستمر على سياسة القضاء على دولة ~~الترك واستعباد العرب حتى خذله الله وخذله قومه وأسقطوا وزارته، ولكن بقي ~~أشد أنصاره في الوزارة التي خلفتها وهو لورد كرزون الذي هو أشد تعصبا ~~وعداوة للمسلمين منه فلذلك لم يتغير من سياسة الدولة شيء في المسألة ~~الإسلامية إلا ما اضطرت إليه من مجاملة الدولة التركية الجديدة بعد تنكيلها ~~بالجيش اليوناني الذي أغرته وزارة لويد جورج بالقضاء على ما بقي ms116 للترك من ~~القوة في الأناضول، فأثبتت بذلك أنها لا تلين إلا للقوة، وأما الحق والعدل ~~والوفاء بالعهود والوعود فلها في قاموس سياستها معان أخرى غير ما يعرفه ~~سائر البشر في لغاتهم. . PageV01P126 ### | AUTO الخلافة وتهمة الجامعة الإسلامية: # إن السبب الأول لكون الدولة البريطانية هي الخصم الأكبر الأشد الأقوى من ~~خصوم الخلافة الإسلامية هو أنها تخشى أن تتجدد بها حياة الإسلام وتتحقق ~~فكرة الجامعة الإسلامية فيحول ذلك دون استعبادها للشرق كله. . وقد نشرنا في ~~مجلدات المنار أقوالا كثيرة للساسة الأوربيين في هذه المسألة من أهمها ما ~~نشرناه في المجلد العاشر سنة 1325 من رأى كرومر في تقريره السنوي عن مصر ~~والسودان سنة 1906 وأهمه قوله: # " المقصود من الجامعة الإسلامية بوجه الإجمال اجتماع المسلمين في العالم ~~كله على تحدي قوات الدول المسيحية ومقاومتها، فإذا نظر إليها من هذا الوجه ~~وجب على كل الأمم الأوروبية التي لها مصالح سياسية في الشرق أن تراقب هذه ~~الحركة مراقبة دقيقة لأنها يمكن أن تؤدي إلى حوادث متفرقة فتضرم فيها نيران ~~التعصب الديني في جهات مختلفة من العالم. . ". # ثم ذكر أن للجامعة الإسلامية معاني أخرى أهم من المعنى الأصلي وهي: # (أولها) في مصر الخضوع للسطان وترويج مقاصده. . # (وثانيها) استلزامها لتهييج الأحقاد الجنسية والدينية إلا فيما ندر. . # (وثالثها) السعي في إصلاح أمر الإسلام على النهج الإسلامي ( {} ) وبعبارة ~~أخرى السعي في القرن العشرين لإعادة مبادئ وضعت منذ ألف سنة هدى لهيئة ~~اجتماعية في حالة الفطرة والسذاجة " وذكر أن عيب هذه المبادئ والسنن ~~والشرائع هو المناقضة لآراء أهل هذا العصر في علاقة الرجال بالنساء وأمر ~~آخر قال إنه " أهم من ذلك كله وهو إفراغ القوانين المدنية والجنائية ~~والمالية في قالب واحد لا يقبل تغييرا ولا تحويرا (قال) وهذا ما وقف تقدم ~~البلدان التي دان أهلها بدين الإسلام ... " # ثم قفى على تحذير الأوربين من الجامعة الإسلامية بتحذيرهم من الجامعة ~~الوطنية لئلا تتجلبب لها الأولى " التي هي أعظم الحركات المتقهقرة ". # رددنا على لورد كرومر في كل هذه المسائل ردا، ورد غيرنا عليه أيضا ms117 وفي ~~هذه المباحث ما فيها من تفنيد كلامه، وغرضنا هنا أن نبين شدة اهتمام ~~الإنكليز بمقاومة PageV01P127 ~~الجامعة الإسلامية بكل معنى من معانيها، وتحريضهم جميع الأوربيين وجميع ~~النصارى عليها وعلى من يتصدى لها، وتخويف المسلمين منها. . # ولقد كن من إرهاب أوربة للشعوب الإسلامية وحكوماتها أن جعلتها تخاف وتحذر ~~كل ما يكرهه الأوربيون منها وتظهر الرغبة في كل ما يدعونها إليه، وجروا على ~~ذلك حتى صار الكثيرون منهم يعتقدون أن ما يستحسنه لهم هؤلاء الطامعون فيهم ~~هو الحسن، وما يستقبحونه منهم هو القبيح، إذ تربوا على ذلك، ولم يجدوا أحدا ~~يبين لهم الحقائق، وكان هذا عونا لهم على سلب استقلال هؤلاء المخدوعين ~~والمرهبين في بعض البلاد، وغلبة نفوذهم على نفوذ الحكومة في بلاد أخرى كمصر ~~والدولة العثمانية، واستحوذ الجبن والخور على رجال الحكومات في هذه البلاد ~~حتى إن أركان الدولة العثمانية لم يتجرءوا على الإذن لنا بإنشاء مدرسة ~~إسلامية في عاصمتها باسم (دار الدعوة والإرشاد) كما تقدم، ولم يكونوا كلهم ~~يجهلون ما ذكرت، بل قال لي شيخ الإسلام حسني أفندي رحمه الله تعالى: إن ~~عندنا قاعدة مطردة في الإفرنج هي أن كل ما يرغبوننا فيه فهو ضار بنا، وكل ~~ما ينفروننا منه فهو نافع لنا. . وإنما هو جبن بعض الرؤساء وفساد عقائد ~~بعض. . وما الجبن إلا غشاوة من الوهم على عين البصيرة انقشعت عن ترك ~~الأناضول، فرأوا أنهم بعد انكسارهم في الحرب العامة، وفقدهم لتلك الممالك ~~الواسعة، أعز وأقوى مما كانوا عليه منذ مائتي سنة، إذ كانت البلاد فيها ~~تنتقص من أطرافها، ونفوذ الأجانب في عاصمة الدولة فوق نفوذ خليفتها ~~وسلطانها. . # لهذا السبب ينوط الرجاء بحكومة الأناضول ألوف الألوف من المسلمين أن تحيي ~~منصب الخلافة، وتجدد به مجد الإسلام وشريعته الغراء التي يرجي أن يتجدد ~~بإحيائها مجد الإنسانية، ويدخل البشر في عصر جديد ينجون به من مفاسد ~~المدنية المادية، التي تهدد العمران الأوروبي نفسه بالزوال، بله عمران ~~الشرق. . # أنا لا أتصور أن يكون الرعب من معارضة دول أوربة الاستعمارية هو الذي ~~يمنع ms118 الترك من إقامة الخلافة الإسلامية. . فإن هذا شكل حكومتنا، ومقتضى ~~ديننا وطالما صرحت هذه الدول بعد الحرب بأنها لا تفتات على المسلمين في أمر ~~الخلافة، وأما الجامعة الإسلامية التي يخافونها فهي مسألة أخرى. . ولكل ~~دولة لها رعايا من المسلمين أن تسوسهم بالطريقة التي تراها أحفظ لمصلحتها، ~~نعم لن يكون الإفرنج PageV01P128 ~~هم الذين يمنعون إقامة الخلافة، ولكن الذي يخشى أن يمنعها إنما هم ~~المتفرنجون دون غيرهم وقد شرحنا ذلك من قبل. # من المعقول في السياسة أن يطعن المستعمرون للبلاد الإسلامية في جامعة ~~دينية يظنون أنها قد تفضي إلى انتقاض أهل هذه البلاد عليهم، ويخافون أن ~~تكون الخلافة الحق سببا لتحقق هذه الجامعة، وأن يطعنوا في الشريعة ~~الإسلامية وينفروا المسلمين منها لأجل ذلك، كما يطعن فيها دعاة النصرانية ~~لهذه العلة وللطمع في تنصير المسلمين، وهذا الخوف من إقامة الخلافة يكون ~~على أشده إذا كان الباعث على إقامتها السياسة المحضة التي يستحل اصحابها كل ~~عمل لأجل مصلحتهم، وقد يكون دون ذلك إذا كان الباعث دينيا محضا وهو إقامة ~~حكم الإسلام كما شرعه الله تعالى، وليس من شروطها أن يتبعها جميع المسلمين، ~~ونحن نعلم أن هذا متعذر غير مستطاع في هذا الزمان، وتكليف غير المستطاع ~~ممنوع في الإسلام {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} بل نحن نرى الرأي الغالب ~~في بعض البلاد يأبى إحياء الخلافة حتى إننا نجتهد في إقناع الحكومة التركية ~~الحاضرة به ونشك في قبولها، فإن زعيمها وصاحب النفوذ الأعلى في أقوى ~~أحزابها يصرح في خطبه بأن السلطة في هذه الحكومة للأمة التي يمثلها المجلس ~~الوطني الكبير بلا شرط ولا قيد، وأنه لا يمكن أن يكون لشخص معين نفوذ فيها ~~مهما يكن لقبه " أي خليفة سمى أو سلطانا ". # ولما أذاع الاتحاديون عزمهم على إنشاء مدرسة جامعة إسلامية في المدينة ~~المنورة وابتداع سجل لطلاب الشفاعة النبوية فيها، وقالت الجرائد وغير ~~الجرائد أن مرادهم بذلك إحياء الجامعة الإسلامية، كتبت مقالة في هذا ~~الموضوع نشرتها في المجلد السابع عشر من المنار (سنة 1332) قلت فيها مانصه: ms119 # " وأما رأيى الذي أنصح به الدولة، فهو أن تصدى رجالها السياسيين لتحريك ~~أوتار الجامعة الإسلامية يضر الدولة كثيرا ولا ينفعها إلا قليلا، ويوشك أن ~~تكون هذه الأقوال التي قيلت في هذه المسألة - على قلة تأثيرها - من أسباب ~~ما نراه من شدة تحامل أوروبة عليها، وأكتفي في هذا المقام بالمثل الذي ~~يكرره الإمام الغزالي " كن يهوديا صرفا وإلا فلا تلعب بالتوراة ". # " ومرادي من هذا أنه يجب عليها أحد أمرين: PageV01P129 # (الأول) أن تؤسس حكومة إسلامية، خالية من التقاليد والقوانين الإفرنجية، ~~إلا ما كان من النظام الذي يتفق مع الشرع ولا يختلف باختلاف الأقوام، وتعطي ~~مقام الخلافة حقه من إحياء دعوة الإسلام، وإقامة الحدود وحرية أهل الأديان، ~~ولا يعجزها حينئذ أن ترضى غير المسلمين من رعاياها الذين ليس لهم أهواء ~~سياسية، ولا ضلع مع الدول الأجنبية، بل يكون إرضاؤهم أسهل عليها منه الآن ~~إن شاءته، ولو كان لي رجاء في إصغائها إلى هذا الرأي، أو جعله محل النظر ~~والبحث، لبينت ذلك بالتفصيل، ولأوردت ما أعلمه من المشكلات والعقبات التي ~~تعترض في طريق تنفيذه من داخلية وخارجية مع بيان المخرج منها، ثم ما يترتب ~~عليه من تجديد حياة الدولة وكونه هو المنجي لها من الخطر، وإن تراءى لكثير ~~من الناس أنه هو المسرع بالخطر، ظنا منهم أن أوروبة تعجل بالإجهاز على ~~الدولة إذا علمت أنها شرعت بنهضة إسلامية لعلمها بأن هذه هي حياتها ~~الحقيقية، وكون حياتها بهذا هو ما يصرح به بعض أحرار الأوروبيين وإن خوف ~~منه بالتمويه والإبهام أكثر السياسيين. . # (الثاني) أن تدع كل ماعدا الأمور الرسمية المعهودة لديها من أمور الدين ~~إلى الجمعيات الدينية الحرة، والأفراد الذين يدفعهم استعدادهم إلى هذه ~~الخدمة، ولها أن تساعد ما يستحق المساعدة من هذه الأعمال بالحماية، وكذا ~~بالإعانة المالية من أوقاف المسملين الخيرية (إذا كانت تريد بقاء الأوقاف ~~العامة في يدها ولا تجب طلاب الإصلاح إلى جعل أوقاف كل ولاية في أيدي ~~أهلها) مع بقائها بمعزل عن السياسة وأهلها. . ولولا أن هذا هو رأيي لما ~~اشترطت ms120 على رجال الدولة وجميعة الاتحاد إذ عرضت عليهم مشروع الدعوة ~~والإرشاد أن يكون في يد جماعة حرة، لا علاقة لها بالسياسة، وألا تخصص لها ~~إعانة من خزينة الدولة، بل تكون نفقاتها مما تجمعه هي من الإعانات بأنواعها ~~ومما تعطاه من أوقاف المسلمين الخيرية. . فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري ~~إلى الله، إن الله بصير بالعباد) . . # هذا ما كتبناه في ذلك الوقت، وقد شرحنا آراء الإفرنج في الجامعة ~~الإسلامية وما فيها من الأوهام وما ينبغي للمسلمين مرارا في مجلدات المنار. . PageV01P130 ### | AUTO شهادة لوردين للشريعة الإسلامية: # ما كل من يتكلم في الإسلام وشريعته من الإفرنج يتكلم عن علم صحيح، وما كل ~~من لديه علم يقول ما يعتقد، فإن منهم من تنطقه السياسة بما تريه من مصلحة ~~دولته، ومنهم المتعصب الذي لا يبحث عن شيء من أمر الإسلام إلا ما يمكن الطعن ~~فيه لتشكيك المسلمين في دينهم أو لتحريض أعدائهم عليهم. . وقد وجد فيهم من ~~قال الحق في الإسلام وشريعته في أحوال اقتضت ذلك. . ### | AUTO كلمة لورد كرومر في الشريعة: # من هؤلاء لورد كرومر الذي طعن الشريعة تلك الطعنة النجلاء التي أقامت مصر ~~وأقعدتها، وقد اضطر إلى إنصافها وتقييد ما أطلقه من الطعن فيها. بما لا ~~ينكره أحد من عقلاء المسلمين كما انصفها بكلمة قالها مرة للأستاذ الإمام ~~ونشرنا هذا وذاك في مجلد المنار العاشر إذ كان هو بمصر، فقد قلت في سياق ~~الرد على طعنته: إن الأستاذ الإمام رحمه الله تعالى حدثني أنه كان يكلمه ~~مرة في مسألة إصلاح المحاكم الشرعية في إبان اهتمام الشعب والحكومة بها ~~واعتراض بعض العلماء على إصلاحها، فأقام له الدلائل على أن الإسلام يدعو ~~إلى كل إصلاح، ويناسب كل زمان، فقال له اللورد ما ترجمته: # " أتصدق يا أستاذ أنني اعتقد أن دينا أوجد مدنية جديدة وقامت به دول ~~عظيمة لا يكون أساسه العدل؟ هذا محال، ولكنني أعلم أن هذه المقاومات (أي ~~لإصلاح المحاكم) أمور (اكليركية) " أي تقاليد لرجل الدين الإسلامي كتقاليد ~~الكنيسة عند النصارى. # هذه الكلمة حملتني ms121 على إرسال كتاب إلى اللورد هذا نصه: # القاهرة في 20 ربيع الأول سنة 1325 # كتاب من صاحب المنار للورد كرومر # جناب اللورد العظيم PageV01P131 ~~أحييك بما يليق بمكانتك، وإن لم يسبق لي شرف المعرفة لحضرتك، وأرجو أن تمن ~~علي ببضع دقائق من وقتك الثمين تجيبني فيها عن السؤال الآتي الذي يهمني من ~~حيث أنا صاحب مجلة إسلامية تدافع عن الدين وتبحث في فلسفته وهو: # هل عنيت بما قلت في تقريرك الأخير عن الحكم بالشريعة الإسلامية " التي ~~وضعت منذ أكثر من ألف سنة " الدين الإسلامي نفسه الذي هو عبارة عن القرآن ~~الحكيم والسنة النبوية؟ أم عنيت بذلك الفقه الإسلامي الذي وضعه الفقهاء؟ ~~فإن كنت تعني الثاني فهو من وضع البشر، وقد مزجت فيه آراؤهم بما يأخذون عن ~~الأول وخطأ فيه بعضهم بعضا، وقد ترك حكام المسلمين أنفسهم العمل بكثير منه. ~~. ولطلاب الإصلاح من المسلمين انتقاد على كثير من تلك الآراء في كل مذهب. . ~~وإن كنت تعني الأول فهاذ العاجز مستعد لأن يبين لجنابكم أن معظم ما جاء في ~~الدين نفسه من الأحكام القضائية والسياسية هو من القواعد العامة، وهي توافق ~~مصلحة البشر في كل زمان ومكان لأن أساسها درء المفاسد وجلب المصالح بحكم ~~الشورى، وما فيه من الأحكام الجزئية (وهو مقابل المعظم) راجع إلى ذلك. . ~~واختم رقيمي مودعا لجنابكم بالتحية والاحترام. # منشئ المنار بمصر # محمد رشيد رضا # وقد أجابنا بالكتاب الآتي بنصه العربي موقعا ومؤرخا بخطه الإفرنجي وهو ### | AUTO كتاب لورد كرومر إلى أصحاب المنار: # حضرة صاحب الفضيلة العلامة الشيخ رشيد رضا صاحب جريدة المنار # جوابا على خطابكم أقول إني عنيت بما كتبت مجموع القوانين الإسلامية التي ~~تسمونها الفقه لأنها هي التي تجري عليها الأحكام ولم أعن الدين الإسلامي ~~نفسه ولذلك قلت في هذا التقرير الأخير وفي غيره بوجوب مساعدة الحزب ~~الإسلامي الذي يطلب الإصلاح ويسير مع المدنية من غير أن يمس أصول الدين. . ~~ولعل العبارة التي كتبتها بتقريري كانت موجزة فلم تؤد المراد تماما. . # واقبلوا يا حضرة الأستاذ احترامي الفائق # كرومر ms122 PageV01P132 ### | CHECK [في مايو سنة كلمة لورد كتشنر للسيد الزهراوي] # في 4 مايو سنة 1907 كلمة لورد كتشنر للسيد الزهراوي: # زار السيد عبد الحميد الزهراوي عقب تعيينه عضوا في مجلس الأعيان العثماني ~~مصر ونزل ضيفا عند صديقه صاحب المنار، وزار لورد كتشنر العميد البريطاني في ~~ذلك الوقت بإيعاز وكنت معه فكان مما قاله له اللورد باللغة العربية: " 1 " ~~أن الدولة العثمانية لا تصلح بالقوانين التي تقتبسها منا - معشر الأوربيين ~~- ونحن ما صلحت لنا هذه القوانين إلا بعدتربية تدريجية في عدة قرون كنا ~~نغير فيها ونبدل بحسب اختلاف الأحوال، وإن عندكم شريعة عادلة موافقة ~~لعقائدكم ولأحوالكم الاجتماعية، فالواجب على الدولة أن تعمل بها وتترك ~~قوانين أوروبة فتقيم العدل وتحفظ الأمن وتستغل بلادها الخصبة، وعندي أنها ~~لا تصلح بغير هذا. . # هذا الكلام حق وإن جاز على قائله الجهل والخطأ فيما يظن أنه لا يصلح لنا ~~من قوانين أوربة، ونحن نعلم أن كل ما لديهم من حق وعدل في ذلك فشريعتنا قد ~~سبقت إلى تقريره كما علم مما تقدم ولتفصيل ذلك مقام آخر. . ### | AUTO الخلافة والبابوية، أو الرياسة الروحية: # الإسلام دين الحرية والاستقلال الذي كرم البشر ورفع شأنهم بإعتاقهم من رق ~~العبودية لغير الله تعالى من رؤساء الدين والدنيا. . فأول أصوله تجريد ~~العبادة والتنزيه والتقديس والطاعة الذاتية لله رب العالمين، وأن الرسل ~~عليهم الصلاة والسلام ليسوا إلا مرشدين ومعلمين، {وما نرسل المرسلين إلا ~~مبشرين ومنذرين} ، فلا سيطرة لهم على سرائر الناس، ولا حق الإكراه ~~والإجبار، ولا المحاسبة على القلوب والأفكار، ولا مغفرة الذنوب والأوزار، ~~ولا الحرمان من الجنة وإدخال النار، بل ذلك كله لله الواحد القهار، العفو ~~الغفار، قال تعالى لخاتم رسله: {فذكر إنما أنت مذكر. لست عليهم بمسيطر} . ~~(نحن أعلم بما يقولون وما أنت PageV01P133 ~~عليهم بجبار} . {وما أنت عليهم بوكيل} . {ما عليك من حسابهم من شيء وما من ~~حسابك عليهم من شيء} . {قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا} . . {إنك لا تهدي ~~من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء} . . # وإنما تجب طاعة ms123 الرسول فيما يبلغه ويبينه من أمر الدين عن الله تعالى وما ~~ينفذه من شرعه، دون ما يستحسنه في أمور الدنيا بظنه ورأيه، فالطاعة الذاتية ~~إنما هي لله، ولذلك قال تعالى: {من يطع الرسول فقد أطاع الله} فطاعة الرسول ~~ثم طاعة أولي الأمر من الأمة تبع لطاعة الله التي أوجبها للمصلحة تنفيذا ~~للشريعة، على أن الرسول معصوم في تبليغ الدين وإقامته، وقد جعله الله أسوة ~~حسنة لأمته، وكان الصحابة على هذا يراجعون النبي [صلى الله عليه وسلم] فيما ~~يقوله برأيه في المصالح العامة كالحرب والسلم ويبدون آراءهم، وكان يرجع عن ~~رأيه إلى رأي الواحد منهم إذا تبين له أنه الصواب، كما رجع إلى رأي الحباب ~~بن المنذر يوم بدر، وإلى رأي الجمهور بعد الشورى، وإن لم يظهر له أنه أصوب ~~كما فعل يوم أحد. وقد قال # " إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من أمر دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء ~~من رأيي فإنما أنا بشر " رواه مسلم من حديث رافع بن خديج، وقال # " أنتم أعلم بأمر دنياكم " رواه من حديث عائشة. . # وكان [صلى الله عليه وسلم] يعلم أن فيمن اتبعه منافقين، وكان يعرف بعضهم ~~دون بعض ولكنه يعاملهم معاملة المؤمنين، لأن من أصول شريعته أن يعامل الناس ~~بحسب أعمالهم الظاهرة ويوكل أمر القلوب والسرائر إلى الله تعالى. . قال رجل ~~له وقد رآه يعطي رجالا من المؤلفة قلوبهم: يا رسول الله اتق الله. قال: # " ويلك أو لست أحق أهل الأرض أن يتقي الله؟ " ثم ولى الرجل فقال خالد بن ~~الوليد: يا رسول الله ألا أضرب عنقه؟ وفي رواية فقال عمر يا رسول الله إئذن ~~لي أضرب عنقه، قال: # " لا تفعل لعله أن يكون يصلي " فقال خالد: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس ~~في قلبه: قال رسول الله [صلى الله عليه وسلم] : # " إني لم أومر أن أنقب في قلوب الناس ولا أشق بطونهم " رواه الشيخان من ~~حديث أبي سعيد الخدري. . # وإذا كان هذا شأن الرسول [صلى الله عليه وسلم] فهل يكون للخلفاء ms124 ~~والأمراءمهما عظم شأنهم أن يحاسبوا الناس على قلوبهم، أو يسيطروا عليهم في ~~فهمهم للدين أو عملهم به، وربما كان فيهم من هم أعلم به منهم؟ كلا إن ~~الخليفة في الإسلام ليس إلا PageV01P134 ~~رئيس الحكومة المقيدة، لا سيطرة ولا رقابة له على أرواح الناس وقلوبهم، ~~وإنما هو منفذ للشرع وطاعته محصورة في ذلك فهي طاعة للشرع لا له نفسه، كما ~~تقدم آنفا وبسط في المسألة (1 و6 و8) ولكن الأعاجم أفسدوا في أمر الإمامة ~~والخلافة بما دست الباطنية في الشيعة من تعاليم الإمام المعصوم، وبما أفرط ~~الفرس والترك ومن تبعهم في الغلو بإطراء الخلفاء مما يذكر مثاله في الخلاصة ~~التاريخية الآتية، حتى فتحوا لهم باب الاستعباد، وقهروا الأمة على الخنوع ~~والانقياد، ثم انتهى كل غلو إلى ضده، فكان غلو الأعاجم في الخلفاء ~~العباسيين سببا للقضاء على خلافتهم، ثم كان تقديس الخلفاء العثمانيين سببا ~~لإسقاط دولتهم، وقد أبقى الترك لواحد منهم لقب خليفة مجردا من معناه الشرعي ~~والسياسي كما تقدم، ولم يمنع ذلك الناس ولا سيما أصحاب الجرائد عن وصفه ~~بالقداسة، وبصاحب العرش، وغير ذلك من الإطراء بالقول والفعل. . وكثر خوض ~~المسلمين كغيرهم بذكر الخلافة الروحية، وفصلها من السلطة الزمنية السياسية، ~~وإنا وإن كنا قد بينا الحق في المسألة في هذا البحث نرى أن نزيدها أيضاحا ~~بنقل ما كتبه الأستاذ الإمام فيها نقلا عن كتابه: (الإسلام والنصرانية مع ~~العلم والمدنية) قال رحمه الله: PageV01P135 # فارغة PageV01P136 ### | AUTO الفصل الخامس للإسلام ### | AUTO قلب السلطة الدينية PageV01P137 ~~فارغة PageV01P138 ~~" أصل من أصول الإسلام انتقل إليه، وما أجله من أصل، قلب السلطة الدينية ~~والإتيان عليها من أساسها، هدم الإسلام بناء تلك السلطة ومحا أثرها حتى لم ~~يبق لها عند الجمهور من أهله اسم ولا رسم. . لم يدع الإسلام لأحد بعد الله ~~ورسوله سلطانا على عقيدة أحد ولا سيطرة على إيمانه. . على أن رسول الله ~~عليه السلام كان مبلغا ومذكرا، لا مهيمنا ولا مسيطرا: قال الله تعالى {فذكر ~~إنما أنت مذكر، لست عليهم بمسيطر} ولم يجعل لأحد من أهله أن ms125 يحل ولا أن ~~يربط لا في الأرض ولا في السماء بل الإيمان يعتق المؤمن من كل رقيب عليه ~~فيما بينه وبين الله سوى الله وحده، ويرفعه عن كل رق إلا العبودية لله ~~وحده، وليس لمسلم مهما علا كعبه في الإسلام على آخر مهما انحطت منزلته فيه ~~إلا حق النصيحة والإرشاد. قال تعالى في وصف الناجين: {وتواصوا بالحق ~~وتواصوا بالصبر} وقال: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف ~~وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون} وقال: {فلولا نفر من كل فرقة منهم ~~طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون} ~~فالمسلمون يتناصحون ثم هم يقيمون أمة تدعو إلى الخير وهم المراقبون عليها ~~يردونها إلى السبيل السوى إذا انحرفت عنه. . وتلك الأمة ليس لها فيهم إلا ~~الدعوة التذكير، والإنذار والتحذير ولا يجوز لها ولا لأحد من الناس أن ~~يتتبع عورة أحد. . ولا يسوغ لقوي ولا لضغيف أن يتجسس على عقيدة أحد، وليس ~~يجب على مسلم أن يأخذ عقيدته أو يتلقى أصول ما يعمل به عن أحد إلا عن كتاب ~~الله وسنة رسول الله [صلى الله عليه وسلم] . . لكل مسلم أن يفهم عن الله من ~~كتاب الله وعن رسوله من كلام رسوله بدون توسيط أحد من سلف ولا خلف وإنما ~~يجب عليه قبل ذلك PageV01P139 ~~أن يحصل من وسائله ما يؤهله للفهم كقواعد اللغة العربية وآدابها وأساليبها ~~وأحوال العرب خاصة في زمان البعثة، وما كان الناس عليه زمن النبي [صلى الله ~~عليه وسلم] ، وما وقع من الحوادث وقت نزول الوحي، وشيء من الناسخ والمنسوخ ~~من الآثار. . فإن لم تسمح له حاله بالوصول إلى ما بعده لفهم الصواب من ~~السنة والكتاب فليس عليه إلا أن يسأل العارفين بهما. وله بل عليه أن يطالب ~~المجيب بالدليل على ما يجيب به سواء كان السؤال في أمر الاعتقاد أو في حكم ~~عمل من الأعمال. . فليس في الإسلام ما يسمى عند قوم بالسلطة الدينية بوجه ~~من الوجوه. ### | AUTO السلطان في الإسلام # لكن الإسلام دين وشرع، فقد ms126 وضع حدودا، ورسم حقوقا، وليس كل معتقد في ظاهر ~~أمره بحكم يجري عليه في عمله. . فقد يغلب الهوى، وتتحكم الشهوة، فيغمط ~~الحق، أو يتعدى المعتدى الحد، فلا تكمل الحكمة من تشريع الأحكام إلا إذا ~~وجدت قوة الإقامة الحدود. . وتنفيذ حكم القاضي بالحق، وصون نظام الجماعة. . ~~وتلك القوة لا يجوز أن تكون فوضى في عدد كثير، فلا بد أن تكون في واحد وهو ~~السلطان أو الخليفة. . # الخليفة عند المسلمين ليس بالمعصوم، ولا هو مهبط الوحي، ولا من حقه ~~الاستئثار بتفسير الكتاب والسنة. . نعم شرط فيه أن يكون مجتهدا، أي أن يكون ~~من العلم باللغة العربية وما معها مما تقدم ذكره بحيث يتيسر له أن يفهم من ~~الكتاب والسنة ما يحتاج إليه من الأحكام، حتى يتمكن بنفسه من التمييز بين ~~الحق والباطل، والصحيح والفاسد، ويسهل عليه إقامة العدل الذي يطالبه به ~~الدين والأمة معا. . # هو على هذا - لا يخصه الدين في فهم الكتاب والعلم بالأحكام بمزية، ولا ~~يرتفع به إلى منزلة، بل هو وسائر طلاب الفهم سواء، إنما يتفاضلون بصفاء PageV01P140 ~~العقل، وكثرة الإصابة في الحكم، ثم هو مطاع مادام على المحجة، ونهج الكتاب ~~والسنة، والمسلمون له بالمرصاد، فإذا انحرف عن النهج أقاموه عليه، وإذا ~~اعوج قوموه بالنصيحة والإعذار إليه، " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق " ~~فإذا فارق الكتاب والسنة في عمله، وجب عليهم أن يستبدلوا به غيره ما لم يكن ~~في استبداله مفسدة تفوق المصلحة فيه فالأمة أو نائب الأمة هو الذي ينصبه، ~~والأمة هي صاحبة الحق في السيطرة عليه، وهي التي تخلعه متى رأت ذلك من ~~مصلحتها، فهو حاكم مدني من جميع الوجوه. . # ولا يجوز لصحيح النظر أن يخلط الخليفة عند المسلمين بما يسميه الإفرنج ~~(كراتيك) أي سلطان إلهي. فإن ذلك عندهم هو الذي ينفرد بتلقي الشريعة عن ~~الله، وله حق الأثرة بالتشريع، وله في رقاب الناس حق الطاعة، لا بالبيعة، ~~وما تقتضيه من العدل وحماية الحوزة، بل بمقتضى الإيمان، فليس للمؤمن ما دام ~~مؤمنا أن يخالفه، وإن اعتقد أنه عدو ms127 لدين الله، وشهدت عيناه من أعماله ما ~~لا ينطبق على ما يعرفه من شرائعه، لأن عمل صاحب السلطان الديني وقوله في أي ~~مظهر ظهراهما دين وشرع. . هكذا كانت سلطة الكنيسة في القرون الوسطى، ولا ~~تزال الكنيسة تدعي الحق في هذه السلطة كما سبقت الإشارة إليه. . # كان من أعمال التمدن الحديث الفصل بين السلطة الدينية والسلطة المدنية، ~~فترك للكنيسة حق السيطرة على الاعتقاد والأعمال فيما هو من معاملة العبد ~~لربه، تشرع وتنسخ ما تشاء، وتراقب وتحاسب كما تشاء، وتحرم وتعطي كما تريد، ~~وخول السلطة المدنية حق التشريع في معاملات الناس بعضهم لبعض، وحق السيطرة ~~على ما يحفظ نظام اجتماعهم، في معاشهم لا في معادهم، وعدوا هذا الفصل منبعا ~~للخير الأعم عندهم. . PageV01P141 # ثم هم واهمون فيما يرمون به الإسلام من أنه يحتم قرن السلطتين في شخص واحد. ~~. ويظنون أن معنى ذلك في رأي المسلم أن السلطان هو مقرر الدين، وهو واضع ~~أحكامه وهو منفذها، والإيمان آلة في يده يتصرف بها في القلوب بالإخضاع، وفي ~~العقول بالإقناع، وما العقل والوجدان عنده إلا متاع، ويبنون على ذلك أن ~~المسلم مستعبد لسلطانه بدينه، وقد عهدوا أن سلطان الدين عندهم كان يحارب ~~العلم، ويحمي حقيقة الجهل، فلا يتيسر للدين الإسلامي أن يأخذ بالتسامح مع ~~العلم ما دام من أصوله أن إقامة السلطان واجبة بمقتضى الدين. وقد تبين لك ~~أن هذا كله خطأ محض وبعد عن فهم معنى ذلك الأصل من أصول الإسلام. . وعلمت ~~أن ليس في الإسلام سلطة دينية سوى الموعظة الحسنة، والدعوة إلى الخير ~~والتنفير من الشر، وهي سلطة خولها الله لأدنى المسلمين يقرع بها أنف ~~أعلاهم، كما خولها لأعلاهم يتناول بها من أدناهم. . # ومن هنا تعلم " الجماعة " أن مسألة السلطان في دين الإسلام ليست مما يضيق ~~به صدره، وتحرج به نفسه عن احتمال العلم، وقد تقدم ما يشير إلى ما صنع ~~الخلفاء العباسيون والأمويون الأندلسيون من صنائع المعروف مع العلم ~~والعلماء: وربما أتينا على شيء آخر منه فيما بعد. # يقولون: إن لم يكن للخليفة ms128 ذلك السلطان الديني أفلا يكون للقاضي أو ~~للمفتي أو شيخ الإسلام؟ وأقول: إن الإسلام لم يجعل لهؤلاء أدنى سلطة على ~~العقائد وتقرير الأحكام، وكل سلطة تناولها واحد من هؤلاء فهي سلطة مدنية ~~قررها الشرع الإسلامي، ولا يسوغ لواحد منهم أن يدعي حق السيطرة على إيمان ~~أحد أو عبادته لربه أو ينازعه في طريق نظره " اه. PageV01P142 ### | AUTO خاتمة # خلاصة اجتماعية تاريخية، في الخلافة والدول الإسلامية # {وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله ~~بأعلم بالشاكرين} . .؟ # (تمهيد) : لقد كان فيمن قبلنا من البشر منذرون ورسل بعثوا لهدايتهم، ~~وملوك وحكام يتولون الأحكام والسياسة فيهم، وكان بعض الأنبياء ملوكا، وكان ~~بعض الملوك تابعين للأنبياء، وكان الملك والرياسة فتنة للملوك والرعايا، ~~وللرؤساء والمرءوسين، {وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون} وكان رؤساء الدين ~~من غير الأنبياء كثيرا ما يشتركون مع رؤساء الدنيا من الملوك والأمراء في ~~فتنة المال والجاه، فيكون بعضهم أولياء بعض في استعباد مرءوسيهم، والتمتع ~~بأموالهم وأعراضهم، وكانت الشعوب، تنقاد لأولئك الرؤساء إما بوازع الاعتقاد ~~الديني، وإما بقهر القوة والسلطان، وإما بالأمرين جميعا، وربما كان بعضها ~~ويضيق ذرعا ببعض الملوك الجائرين فينزع يده من طاعتهم، ويثل عروشهم، ويولي ~~أمره جماعة من الزعماء الذين نهضوا لمقاومة الجور والقهر بقوتهم، حتى إذا ~~ما صار الأمر إليهم كانوا وهم عصبة أشد جورا وبغيا من الملك الواحد الذي لا ~~يستطيع ظلما ولا هضما إلا بأعوانه من أمثالهم، وما زال الناس مرهقين بسيطرة ~~رؤساء الدين الروحية في سرائرهم، ورؤساء الدين والدنيا معا في ظواهرهم. # (إذا أووا إلى ظل العدل ... يوما لفحهم هجير الجور أياما) # (وإذا تذوقوا من حلاوة الرحمة ... جرعة راحة تجرعوا من علقم القسوة) PageV01P143 ~~يشقي الأولوف منهم ليتمتع باللذة أفراد من المترفين، ويحرم الألوف من بلغة ~~العيش ويتمتع بثمرات كسبهم نفر من المسرفين، وما زال الناس كذلك حتى بعث ~~الله خاتم رسله رحمة للعالمين، فجاءهم عنه بما فيه صلاح الدنيا وهداية الدين. # فكان من أصول هدايته للبشر أن أسس لهم دينا وسطا، وشرعا عادلا، ms129 ومملكة ~~شورية: جعل أمرهم شورى بينهم، وأزال جبرية الملك وأثرته وكبرياءه من ~~حكومتهم، وجعل أمر الرئيس الذي يمثل الوحدة ويوحد النظام والعدل في المملكة ~~للأمة، ينتخبه أهل الرأي والعدالة والعلم من زعمائها، الموثوق بهم عندها، ~~وجعله مسئولا عنهم لديهم، ومساويا في جميع أحكام الشريعة لأدنى رجل منهم، ~~وفرض عليهم طاعته في المعروف من الحق والعدل، وحرم عليهم طاعته في المعصية ~~والبغي والجور، وجعل الوازع في ذلك دينيا لينفذ في السر والجهر، لأن الطاعة ~~الحقيقية لله وحده، والسيطرة لجماعة الأمة، وإنما الرئيس ممثل للوحدة، ~~ولذلك خاطب الكتاب المنزل، نبي هذا الدين المرسل، بقوله في آية المبايعة ~~{ولا يعصينك في معروف} وأمره بمشاروتهم في الأمر، وقد أقام هذه الأصول ~~صلوات الله وسلامه عليه بالعمل على أكمل وجه، فكان يستشيرهم، ويرجع عن رأيه ~~إلى رأيهم، ودعا في مرض موته من عساه ظلمه بشيء إلى الاقتصاص منه، وسار على ~~سنته هذه خلفاؤه الراشدون من بعده، فكان هذا من أفعل أسباب قبول دين ~~الإسلام، وسيادته على جميع الملل والأديان، واستعلاء حكمه ولغته في الشرق ~~والغرب، وخضوع الأمم الكثيرة له بالرضا والطوع، وانتشاره في قرن واحد من ~~الحجاز إلى أقصى أفريقية وأوربة من جانب المغرب، وإلى بلاد الهند من جهة ~~المشرق. . # ولو سار من جاء بعد الراشدين على سننهم في اتباع هدى الكتاب والسنة، لعمت ~~هداية الإسلام العالم كله، ولما تهافت عبيد الشهرة والشهوة، على رياسته ~~التي هي خلافة للنبوة، والنزوات عليها بقوة العصبية، إذ ليس فيها تمتع ~~باللذات الجسدية، ولا بعظمة السيطرة الجبروتية. . فقد فرض الصحابة للخليفة ~~الأول نفقة نفسه وعياله كرجل من أوساط المهاجرين لا أعلاهم ولا أدناهم، ~~ولكنه، هو ومن بعده من الراشدين اختاروا أن يكونوا في معيشتهم دون الوسط من ~~أمتهم. . PageV01P144 # أما الاعتداء على عمر وقتله فلم يكن من حسد المسلمين ولا من كراهتهم له، ~~ولا من طمع أحد في أن يخلفه، بل كان من جماعة المجوس السرية انتقاما منه ~~لفتحه لبلادهم، وإسقاطه لملكهم، وأما التعدي على عثمان وقتله فقد كان ~~بدسائس ms130 الفرس وعبد الله بن سبأ اليهودي، ولولا هاتان الفتنتان لما وصل ~~الشقاق بين علي ومعاوية إلى ما وصل إليه، كما يعلم ذلك كل مدقق في التاريخ. . # اتسع ملك الإسلام وكثر خصومه من زعماء الملل والشعوب الذين أزال عظمتهم ~~واستمتاعهم بملك بلادهم، وساوي بينهم وبين عبيدهم في الحقوق وكل أقوامهم ~~كانوا عبيدا لهم، ولم يكن الوازع الديني فيمن دخلوا فيه من هذه الشعوب مثله ~~فيمن فهموه حق الفهم من العرب، ولم تكن كل بطون العرب كالسابقين الأولين من ~~المهاجرين والأنصار، ولم يكن من السهل إيجاد نظام لقوة الخلافة تخضع له كل ~~هذه الأمم والشعوب في الخافقين مع بعد الشقة وصعوبة المواصلات، فلهذا سهل ~~على السبئيين والمجوس بث الفتن للإسلام وللعرب، وعلى معاوية تأليف جيش في ~~الشام يقاتل به الإمام الحق أمير المؤمنين، ثم جعل خلافة النبوة ملكا عضوضا ~~كملك الغابرين. . ### | AUTO سنة التغلب وعواقبها، وإفساد الأعاجم لحكم الإسلام العربي: # فتح معاوية للأقوياء باب التغلب فأقبلوا إليه يهرعون، ولم يثبت ملك ~~الأمويين معه قرنا واحدا كاملا، ولما كان الإسلام قد أبطل عصبية العرب ~~الجنسية احتاج العباسيون إلى أن يستعينوا على الأمويين بعصبية الأمة ~~الفارسية، وكان للزنادقة والمنافقين من هؤلاء مكايد خفية، يريدون أن يديلوا ~~للفرس من العرب، وللمجوسية من الإسلام، ولأجلها بثوا في المسلمين التفرقة ~~بالغلو في آل البيت توسلا للطعن في جمهور الصحابة؛ ليفرقوا كلمة العرب ~~ويبعدوا بهم عن أصول الإسلام الشورى (الديمقراطي) وينشئوا فيه حكومة ~~(أتوقراطية) مقدسة أو معبودة، PageV01P145 ~~بجعل رئاستها لمن يدعون فيهم العصمة من بيت النبوة، ليسهل عليهم بذلك إعادة ~~الكسروية والمجوسية. # ولما انكشف أمرهم للعباسيين عولوا على جعل عصبيتهم من الترك، فكان ~~المعتصم يشتري شبانهم من بلادهم وسائر النواحي ويجعلهم جنودا له، ويطلق لهم ~~العنان، ويمهد لهم هو ومن بعده سبيل السلطان، جهلا منهم بطبائع العمران، ~~وكانوا أولى جهل وقسوة وفساد، فطغوا في البلاد، وأكثروا البغي والعدوان على ~~العباد، حتى صاروا يقتلون الخلفاء أنفسهم وهم على عروشهم أو يخلعونهم ~~ويولون غيرهم بأهوائهم، فاختار بفسادهم النظام، والطاعة بوازع ms131 الإسلام؛ ~~فسهل على إخوانهم التتار اجتياح ملك العباسيين تخريبا وتتبيبا، وتقتيلا ~~وتمثيلا، واستفحل أمر الباطنية من القرامطة وغيرهم، وقد كان جند الترك في ~~العباسيين، كجند الانكشارية في العثمانيين، كان قوة لهم، ثم صار قوة عليهم، ~~ومفسدا لملكهم. . وقد أفسد الأعاجم أمر الخلفاء العباسيين بالإطراء ~~والتعظيم الذي ينكره الإسلام ولا تعرفه العرب، بشر من إفسادهم له ~~بالاستبداد بهم والاعتداء عليهم، كما فعل السلطان عضد الدولة بذلك المظهر ~~العجيب الذي أقامه للخليفة الطائع. . # قال السيوطي في ترجمة الطائع لله من تاريخ الخلفاء: وسأل عضد الدولة ~~الطائع أن يزيد في ألقابه " تاج الملة " ويجدد الخلع عليه ويلبسه التاج ~~فأجابه وجلس الطائع على السرير وحوله مائة بالسيوف والزينة، وبين يديه مصحف ~~عثمان، وعلى كتفه البردة، وبيده القضيب، وهو متقلد بسيف رسول الله [صلى ~~الله عليه وسلم] وضربت ستارة بعثها عضد الدولة وسأل أن تكون حجابا للطائع ~~حتى لا تقع عليه عين أحد من الجند قبله، ودخل الأتراك والديلم وليس مع أحد ~~منهم حديد، ووقف الأشراف وأصحاب المراتب من الجانبين، ثم أذن لعضد الدولة ~~فدخل، ثم رفعت الستارة وقبل عضد الدولة الأرض، فارتاع زياد القائد لذلك ~~وقال لعضد الدولة: ما هذا أيها الملك؟ أهذا هو الله؟ فالتفت إليه وقال هذا ~~خليفة الله في أرضه ( {} ) ثم استمر يمشي ويقبل الأرض سبع مرات. . فالتفت ~~إليه الطائع إلى خالص الخادم، وقال استدنه، فصعد عضد الدولة فقبل الأرض ~~مرتين، فقال: ادن إلي، فدنا وقبل رجله، وثنى الطائع يمينه عليه وأمره فجلس ~~على كرسي بعد أن كرر عليه " اجلس " وهو يستعفى، فقال له أقسمت PageV01P146 ~~عليك لتجلسن، فقبل الكرسي وجلس. . فقال له الطائع قد رأيت أن أفوض إليك أمر ~~الرعية في شرق الأرض وغربها، وتدبيرها في جميع جهاتها، سوى خاصتي وأسبابي، ~~فتول ذلك. فقال يعينني الله على طاعة أمير المؤمنين وخدمته، ثم أفاض عليه ~~الخلع وانصرف. # ثم ذكر المؤرخ من عاقبة هذا ما وصل إليه أمر الخلفاء بعد ذلك مع السلاطين ~~إذ كانوا كآحاد الوجهاء في ركابهم. . وما كان يفعله أمثال ms132 ذلك الملك الجاهل ~~المتملق، وكل ما ذكر من تلك الهيئة منكرات في الإسلام. فتقبيل الأرض أشد ~~تذللا من الركوع والسجود \، وقد صحت الأحاديث في النهي عن التشبه بالأعاجم ~~في كبريائهم وبذخهم، حتى في الوقوف على رءوس ملوكهم أو بين أيديهم. . ### | AUTO إضراب المسلمين في حكوماتهم # وأما سبب وقوع ذلك الاضطراب وطول العهد عليه فهو أن التطورات الاجتماعية ~~كانت تقضي بوقوع ما وقع من التصرف في شكل الحكومة الإسلامية، ولم يكن يمكن ~~في تلك الأزمنة أن يوضع لها نظام يكفل أن تجري على سنة الراشدين، ولا طريقة ~~أوائل الأمويين والعباسيين، في الجمع بين عظمة الدنيا ومصالح الدين، ولما ~~صار هذا ممكنا كان أمر الدين قد ضعف، وتلاه في جميع الشعوب الإسلامية ضعف ~~حكوماتها، وضعف حضارتها، فلم تهتد إلى مثل ما اهتدى إليه الإفرنج من القضاء ~~على استبداد ملوكهم شعبا بعد شعب، فمنهم من قضى على الحكومة الملكية قضاء ~~مبرما، ومنهم من قيد سلطة الملوك فلم يدع لهم من الملك إلا بعض المظاهر ~~الفخمة التي يستفاد منها في بعض الأحوال، دون أن يكون لهم من الأمر والنهي ~~في الحكومة أدنى استبداد ... # ذلك بأن كل من يعطي تصرفا في أمر يجب أن يكون مسئولا عن سيرته فيه، ~~والتقاليد المتبعة في الملك أن الملك فوق الرعية فلا يتطاولون إلى مقامه ~~الأعلى ليسألوا عما فعل، وهذا شيء أبطله الإسلام بجعله إمام المسلمين كواحد ~~منهم في جميع أحكام الشريعة، ونص على أنه مسئول عما يفعل بقوله [صلى الله ~~عليه وسلم] # " كلكم راع وكلكم PageV01P147 ~~مسئول عن رعيته، فالإمام راع وهو مسئول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو ~~مسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسئولة عن رعيتها " الخ ~~(متفق عليه من حديث ابن عمر) وكان المسلمون يراجعون الخلفاء الراشدين ~~ويردون عليهم أقوالهم وآراءهم فيرجعون إلى الصواب إذا ظهر لهم أنهم كانوا ~~مخطئين، حتى إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطأته امرأة في مسألة فقال على ~~المنبر: امرأة أصابت وأخطأ عمر. . أو ورجل أخطأ. ms133 . # غفل المسلمون عن هذا فتركوا الخلافة لأهل العصبية يتصرفون فيها تصرف ~~الملوك الوارثين الذين كانوا يزعمون أن الله فضلهم على سائر البشر لذواتهم ~~ولبيوتهم وأوجب طاعتهم والخضوع لهم في كل شيء، فلم يوجد في أهل الحل والعقد ~~من الرؤساء من اهتدى إلى وضع نظام شرعي للخلافة بالمعنى الذي يسمى في هذا ~~العصر بالقانون الأساسي، يقيدون به سلطة الخليفة بنصوص الشرع، ومشاورتهم في ~~الأمر، كما وضعوا الكتب الطوال للأحكام التي يجب العمل بها في السياسة ~~والإدارة والجباية والقضاء والحرب، ولو وضعوا كتابا في ذلك معززا بأدلة ~~الكتاب والسنة وسيرة الراشدين، ومنعوا فيه ولاية العهد للوارثين، وقيدوا ~~اختيار الخليفة بالشورى، وبينوا أن السلطة للأمة يقوم بها أهل الحل والعقد ~~منها، وجعلوا ذلك أصولا متبعة - لما وقعنا فيما وقعنا فيه. . # فأما الراشدون رضي الله عنهم فقد كانوا واثقين بتحريهم للحق والعدل ~~ويصرحون بسلطة الأمة عليهم وهم واقفون في موقف الرسول [صلى الله عليه وسلم] ~~من منبره كما قال أبو بكر " وليت عليكم ولست بخيركم فإذا استقمت فأعينوني، ~~وإذا زغت فقوموني ". وكما قال عمر " من رأى منكم في اعوجاجا فليقومه "، ~~وكما قال عثمان: " أمري لأمركم تبع ". وأقوال علي وأعماله بالشورى معروفة ~~على اضطراب الأمر وظهور الفتن في زمنه، وموت كثير من كبراء أهل العلم وتفرق ~~بعضهم، ثم إنهم لم يكونوا قد دخلوا في عهد التصنيف ووضع النظم والقوانين، ~~ولا شعروا بشدة الحاجة إلى ذلك لكثرة الصلاح وخضوع الأمة لوازع الدين. . # وما جاء عصر التأليف والتدوين إلا وكانت الخلافة قد انقلبت إلى طبيعة ~~الملك بالبدعتين الكبريين اللتين ابتدعهما معاوية، وهما جعل الأمر تابعا ~~لقوة العصبية، PageV01P148 ~~وجعل الخلافة تراثا ينتقل من المالك إلى ولده أو غيره من عصبته، وشغل الناس ~~عن سوء هاتين البدعتين سكون الفتنة التي أثارها السبئيون والمجوس وافترصها ~~الأمويون، وما تلاه من اجتماع الكلمة وحقن الدماء في الداخل، والعود إلى ~~الفتوح ونشر هداية الإسلام وسيادته في الخارج، وذلك أن تأثير الفساد الذي ~~يطرأ على الصلاح العظيم لا يظهر إلا بتدرج بطئ. . ### | AUTO قاعدة ms134 ابن خلدون في العصبية مخالفة للإسلام: # خدع كثيرون بمظهر ذلك الملك حتى حكيمنا الاجتماعي (ابن خلدون) الذي اغتر ~~باهتدائه إلى سنة قيام الملك وسائر الأمور البشرية العامة بالعصبية فأدخل ~~فيها ما ليس منها، بل ما هو مضاد لها، كدعوة الرسل (عليهم السلام) فجعل ~~مدارها على منعتهم في اقوامهم وقوة عصبية عشائرهم. . معتمدا على حديث معارض ~~بآيات القرآن الكثيرة، وبوقائع تواريخهم الصحيحة، وبني على ذلك إلحاق ~~الخلافة بالنبوة بما لبس عليه من ذلك، وإنما النبوة وخلافة النبوة هادمتان ~~لسلطان العصبية القومية ومقررتان لقاعدة الحق، واتباعه بوازع النفس، ~~والإذعان لشريعة الرب. . وهذه قصص الرسل في القرآن الكريم ناقضة لبنيان ~~قاعدته. وفي بعضها التصريح بعدم القوة والمنعة كقوله تعالى حكاية عن لوط ~~عليه السلام: {قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد} أم أيهم قامت ~~دعوته بعصبية قومه؟ إبراهيم الخليل؟ أم موسى الكليم؟ أم عيسى الروح الكريم؟ ~~أم خاتم النبيين؟ عليه وعليهم الصلاة والتسليم. . ألم تكن جل مزايا بني ~~هاشم في قريش الفضائل الأدبية دون الحربية؟ ألم يكن جل اضطهاده [صلى الله ~~عليه وسلم] وصده عن تبيلغ دعوة ربه من رؤساء قريش؟ ألم يكونوا هم الذين ~~ألجئوه إلى الهجرة. . وهم الذين نزل الله فيهم {وإذ يمكر بك الذين كفروا ~~ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك} الآية؟ حتى هاجر مستخفيا. . وسمى الله هجرته ~~إخراجا - أي نفيا وإبعادا - بمثل قوله تعالى {يخرجون الرسول وإياكم أن ~~تؤمنوا بالله ربكم} حتى نصره الله تعالى بضعفاء المهاجرين والأنصار. . وما ~~آمن أكثر قريش إلا بعد أن أظهره الله عليهم وخذلهم في حروبهم له. . PageV01P149 # نعم إن بعض كلام ابن خلدون في حكمة جعل الخلافة في قريش صحيح وهو مكانتهم ~~العليا في الجاهلية والإسلام التي لم ينازعهم فيها أحد من العرب، وأولى ألا ~~ينازعهم فيها من يدين بالإسلام من العجم، وذلك من أسباب جمع الكلمة، وقد ~~أشار إلى ذلك الصديق (رضي الله تعالى عنه) في احتجاجه على الأنصار، وأما ~~عصبية القوة الحربية فلم تكن علة ولا جزء علة لجعل ms135 الخلافة في قريش. . لأن ~~الإسلام قضى على هذه العصبية الجاهلية - يعترف ابن خلدون كغيره بذلك - فلا ~~يمكن أن يجعلها علة من علل شرعه القويم الذي مداره على جعل القوة تابعة ~~للحق، خلافا لسائر المبطلين من البشر الذين يجعلون القوة فوق الحق، فإما أن ~~يكون تابعا لها، وإما أن تقضي عليه قبل أن يقضى عليها. . # وبهذا البيان الوجيز يعلم سائر ما في كلام ابن خلدون من شوب الباطل ~~بتحكيم قاعدته في تصحيح عمل معاوية حتى في استخلاف يزيد، وجعله مجتهدا ~~مخطئا في قتال أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه، ومصيبا في استخلاف يزيد ~~الذي أنكره عليه أكبر علماء الصحابة فنفذه بالخداع والقوة والرشوة، فهو ~~يزعم أن معاوية كان عالما بقاعدته في أن الأمور العامة لا تتم إلا بشوكة ~~العصبية، وبأن عصبية العرب كلهم قد انحصرت في قومه بني أمية، وأن جعل ~~الخلافة شورى في أهل الحل والعقد من أهل العلم والعدالة والكفاية من وجهاء ~~قريش غير بني أمية لم يعد ممكنا، وكل هذا باطل. وفي كلام ابن خلدون شواهد ~~على بطلانه، وليس من مقصدنا إطالة القول في بيان ذلك هنا. # وحسبنا أن نقول إن عصبية العرب لم تنحصر في بني أمية لا بقوتهم الحربية ~~ولا بثقة الأمة بعدلهم وكفاءتهم، وإنما افترضوا حياء عثمان وضعفه فنزوا على ~~مناصب الإمارة والحكم في الأمصار الإسلامية التي هي قوة الدولة ومددها. . ~~واصطنعوا من محبى الدنيا من سائر بطون قريش وغيرهم من يعلمون أنهم ~~يواتونهم. . وأكثر هؤلاء ممن لم يعرفوا من الإسلام إلا بعض الظواهر وهم مع ~~الحكام أتباع كل ناعق، فتوسلوا بهم إلى سن سنة الجاهلية والقضاء على خلافة ~~النبوة الشرعية. . PageV01P150 # ولو شاء معاوية أن يجعلها شورى كما نصح له بعض كبراء الصحابة (رضي الله ~~عنهم) ويجعل قومه وغيرهم مؤيدين لمن ينتخب انتخابا شرعيا بالاختيار من أهل ~~الشورى لفعل، وما منعه إلا حب الدنيا وفتنة الملك، ولكن عمر بن عبد العزيز ~~لم يكن يستطيع ذلك بعد أن استفحل أمرهم، وصاروا محيطين بمن يتولى الأمر ~~منهم. ms136 . # وفي كتاب الفتن من صحيح البخاري أن أبا برزة الصحابي الجليل سئل - وكان ~~بالبصرة - عن التنازع على الخلافة بين مروان وابن الزبير والخوارج - وهو ~~أثر سنة معاوية - فقال: احتسبت عند الله أني أصبحت ساخطا على أحياء قريش، ~~إنكم يا معشر العرب كنتم على الحال الذي علمتم من الذلة والقلة والضلالة ~~وإن الله أنقذكم بالإسلام وبمحمد [صلى الله عليه وسلم] حتى بلغ بكم ما ترون ~~وهذه الدنيا التي أفسدت بينكم، إن ذاك الذي في الشام والله إن يقاتل إلا ~~على الدنيا وإن هؤلاء الذين بين أظهركم والله إن يقاتلون إلا على الدنيا، ~~وإن ذاك الذي بمكة والله إن يقاتل إلا على الدنيا. أه. . ويعني بالذين بين ~~أظهركم الخوارج الذي يسمون القراء، ولذلك جاء في رواية أخرى زيادة: يزعمون ~~أنهم قراؤكم. . # نعم إن الأولين من بني أمية وبني العباس استخدموا طبيعة الملك وتوسلوا به ~~إلى مقاصد الخلافة كنشر الإسلام ولغته وإعزازه وفتح الممالك وإقامة العدل ~~بين الناس كافة. . إلا ما كان من الانتقام من المتهمين بطلب الخلافة ومن ~~التصرف في بيت المال. . قال ابن خلدون بعد تفصيل له في هذا الباب: فقد صار ~~الأمر إلى الملك وبقيت معاني الخلافة من تحري الدين ومذاهبه والجري على ~~منهاج الحق، ولم يظهر التغير إلا في الوازع الذي كان دينا ثم انقلب عصبية ~~وسيفا. . وهكذا كان الأمر لعهد معاوية ومروان وابنه عبد الملك والصدر الأول ~~من خلفاء بني العباس إلى الرشيد وبعض ولده ثم ذهبت معاني الخلافة ولم يبق ~~إلا اسمها، وصار الأمر ملكا بحتا، وجرت طبيعة التغلب إلى غايتها، واستعملت ~~في أغراضها من القهر والتقلب في الشهوات والملاذ، وهكذا كان الأمر لولد عبد ~~الملك ولمن جاء بعد الرشيد من بني العباس، واسم الخلافة باقيا فيهم لبقاء ~~عصبية العرب، والخلافة والملك في الطورين ملتبس بعضهما ببعض. ثم ذهب رسم ~~الخلافة وأثرها بذهاب عصبية PageV01P151 ~~العرب وفناء جيلهم وتلاشي أحوالهم، وبقي الأمر ملكا بحتا كما كان الشأن في ~~ملوك الأعاجم بالمشرق. يدينون بطاعة الخليفة تبركا، والملك بجميع ألقابه ms137 ~~ومناحيه لهم، وليس للخليفة منه شيء، فقد تبين أن الخلافة وجدت بدون الملك ~~أولا ثم التبست معانيهما واختلطت، ثم انفرد الملك حيث افترقت عصبيته من ~~عصبية الخلافة. # وهذه الخلاصة التي ذكرها ابن خلدون تدل على صحة قولنا الذي كررناه مرارا ~~وهو أن خلفاء بني أمية وبني العباس قد جمعوا بين عظمة الملك ونعيمه وترفه ~~وبين مقاصد الخلافة من نشر الدين والحق والعدل، وأن الفساد دب إليهم ~~بالتدريج، وما زال يفتك بهم حتى أزال ملكهم، وأكثر المسلمين لا يشعرون بسير ~~السنن الاجتماعية فيهم، والأقلون لا يستطيعون تلافي الفساد وتداركه قبل أن ~~ينتهي إلى غايته من هلاك الأمة. # وإنما كان يتلافى بالنظام الذي تقام به الخلافة، فالنظام قد أوجد أديانا ~~ومذاهب باطلة، وثبت دولا جائرة، فكيف لا يحفظ به الحق الراسخ رسوخ الأطواد؟ ~~فو الحق الذي يعلو ولا يعلى عليه، لو أن المسلمين بذلوا من العناية لإعادة ~~الخلافة إلى نصابها عشر ما بذلت فرق الباطنية لإفسادها، لعادت أقوى مما ~~كانت وسادوا بها الدنيا كلها. # هذا وإن ما فات المسلمين في القرون الوسطى لا ينبغي أن يفوتهم في هذا ~~العصر الذي عرف البشر فيه من سنن الله تعالى في الاجتماع البشري ومن فوائد ~~النظام وأحكامه ما لم يكونوا يعرفون. . ### | AUTO الترك العثمانيون والخلافة والتفرنج: # كان أجدر المسلمين بالسبق إلى هذا رجال الدولة العثمانية، ولا سيما الذين ~~يقيمون في الآستانة والرومللي من بلاد أوروبة، يشاهدون تطور شعوبها وترقيهم ~~في العلوم والفنون والنظام، ولكن دولتهم لم تكن دولة علوم وفنون. . لأنه لم ~~يكن لهم لغة علمية مدونة قابلة لذلك إلا في أثناء القرن الماضي. . ولم يكن ~~يتعلم علوم PageV01P152 ~~الإسلام منهم إلا قليل من المقلدين، ولهذا جعلوا سلطة سلاطينهم شخصية ~~مطلقة. حتى بعد تحليتهم بلقب الخلافة، فلما صاروا يدرسون تاريخ أوروبة ~~وقوانينها، وثوراتها على حكوماتها لإزالة استبدادها، ظنوا أنه لا سبيل ~~لتقييد استبدادهم ومنع ظلمهم إلا بتقليد أوروبة في شكل حكوماتها الملكية ~~المقيدة، ثم رجحوا في هذا الزمن الجمهورية لأنهم رأوا أن جعل السلطان مقدسا ~~غير ms138 مسئول كما قرروه في قانونهم الأساسي لم يف بالغرض، ولو درسوا الشريعة ~~دراسة استقلالية كما يدرسون القوانين لوجدوا فيها مخرجا أوسع وأفضل من ~~القانون الأساسي السابق، ومن الخلافة الروحية وحكومة الجمعية الوطنية ~~الحاضرة. # أسس مدحت باشا وأعوانه الدستور العثماني فمزق السلطان عبد الحميد شملهم ~~وداس دستورهم مدة ثلث قرن كان فيها الحاكم المطلق الذي لا راد لأمره، ولا ~~معقب لحكمه، والشرع والقانون تحت إرادته، منتحلا لنفسه ما اختص به رب العزة ~~نفسه دون خلقه، بقوله تعالى {لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون} والناس في ~~المملكة العثمانية ومصر وتونس والهند يقولون: قال الخليفة الأعظم وفعل ~~الخليفة الأعظم، فإن قال أحد العثمانيين المظلومين في أنفسهم وفي أمتهم ~~ووطنهم، إنه أساء وظلم، لعنوه وحكموا عليه بالخيانة أو بالكفر، فكان هذا ~~سببا لاعتقاد هؤلاء المتفرنجين من الترك أن منصب الخلافة نفسه عقبة في طريق ~~ما يبغون من تقليد أوروبة في شكل حكوماتها المقيدة، من حيث إن الخليفة يجب ~~أن يطاع مطلقا ولا يجوز أن يعصى، ولا أن يقيد بقانون، ومن حيث إن رياسته ~~للدولة تجعلها مضطرة لمراعاة أحكام الشريعة الإسلامية في السياسة والإدارة ~~والقضاء والتعليم، وإلى تعلم اللغة العربية التي يتوقف عليها فهم الشريعة، ~~وهذه قيود تنافي ما يبغون تقليد الإفرنج فيه لاستقلال أمتهم التركية، بجعل ~~سلطتها في الحكم والدولة لها، لا تتقيد فيه بقيد ما من شريعة أخرى، ولا لغة ~~أخرى، وهو ما يعبرون عنه " بالحاكمية الملية ". . ### | AUTO إحياء الجنسية الطورانية: # عزم هؤلاء المتفرنجون على إحياء الجنسية التركية الطورانية وجعلها مستقلة ~~أتم الاستقلال في الحكم والتشريع، والعقائد والآداب، غير مقيدة فيه بقيد ~~مستمد من أمة أخرى، بل أقول بلغة صريحة نصيحة: غير مقيدين فيه بالشريعة ~~الإسلامية PageV01P153 ~~ولا بالدين الإسلامي، وقد مهدوا له السبيل بما ألغوا له من الكتب والرسائل، ~~ووضعوا له من الأناشيد والقصائد، وواتتهم السلطة الإتحادية على ذلك، ولكن ~~عارضهم فيه جمهور الشعب التركي الذي يريدون هذا له وبه وفيه، وهو شعب متدين ~~بالإسلام، وسلطانه يعترف له أكثر مسلمي الأرض بأنه خليفة ms139 النبي [صلى الله ~~عليه وسلم] فوجدوا أن لدولتهم به نفوذا روحيا في هذه الشعوب الإسلامية قد ~~جعل لها مكانة خاصة لدى الدول الكبرى في سياستها، له فائدة من جهة وغائلة ~~من جهة أخرى، فإن هذه الدول تضطر إلى مراعاتها في بعض الأمور لكيلا تهيج ~~عليها رعاياها المسلمين باتهامها بعداوة دولة الخلافة، وتقبل منها كل عذر ~~تعتذر به عن بعض ما يراد منها بأنه ما لا يستطاع صدوره من خليفة المسلمين، ~~ولهذا السبب نفسه تجمع على عداوة هذه الدولة والكيد لها، والسعي لإضعافها ~~أو إعدامها لتستريح من تأثير منصب الخلافة في رعاياها المسلمين. . ولهذا ~~فشا في هؤلاء المتفرنجين الاعتقاد بأن ضرر الخلافة عليهم، أكبر من نفعه ~~لهم، ثم تزلزل هذا الاعتقاد عند بعضهم منذ حرب طرابلس الغرب إلى الآن، وقد ~~كان الاتحاديون على تهورهم بين إقدام وإحجام للفصل في هذه المسألة وجعل ~~السيادة الطورانية فوق سيادة الإسلام. ### | AUTO وسائل المتفرنجين لإماتة الدين: # تعارض المانع والمقتضى، فاتخذوا لإزالة الموانع وسائل (منها) بث الإلحاد ~~والتعطيل في المدارس الرسمية ولا سيما العسكرية وفي الشعب جميعا، وألفوا ~~لذلك كتبا ورسائل بأساليب مختلفة (ومنها) تربية النابتة الحديثة في المدارس ~~وفي الجيش على العصبية الجنسية، وإحلال خيالها محل الوجدان الديني بجعلها ~~هي المثل الأعلى للأمة، والفخر برجالها المعروفين في التاريخ وإن كانوا من ~~المفسدين المخربين، بدلا من الفخر برجال الإسلام من الخلفاء الراشدين، ~~وغيرهم من السلف الصالحين، ولهم في ذلك أشعار وأناشيد كثيرة يتغنى بها ~~التلاميذ والجنود وغيرهم (ومنها) التدرج في محو كل ما هو إسلامي في أعمال ~~الحكومة، وإضعاف سلطة المشيخة الإسلامية، حتى إنهم سلبوا منها الرياسة على ~~المحاكم الشرعية، ووضعوا قانونا للأحكام الشخصية (ومنها) إضعاف التعليم ~~الديني حتى إنهم حددوا عدد من يتخرج في PageV01P154 ~~المدارس الدينية فجعلوه قليلا لا يكفي للمحافظة على الدين والشرع، (ومنها) ~~جعل الخلافة والسلطنة مظهرا مؤقتا لا أمر لصاحبه ولا نهي، ولكن يستفاد من ~~اسمه، في تنفيذ ما لا يقبله الجمهور من غيره، حتى شاع أنهم كانوا يصدرون ~~الإرادات السنية بإمضاء ms140 السلطان محمد رشاد وهو لا يدري (ومنها) إفساد ~~الآداب والأخلاق الإسلامية بالعمل فأباحوا للنساء التركيات هتك الحجاب ~~والتبرج والتهتك، بل أباحوا لهن البغاء وكانت إباحته مقصورة من قبل على غير ~~المسلمات. . وقد حدثني الأمير شكيب أرسلان في (جنيف سويسره) عن طلعت باشا ~~الصدر الأعظم أن عاهل الألمان لما زار الآستانة في أثناء الحرب ورأى النساء ~~التركيات سافرات متبرجات عذله على ذلك وذكر له ما فيه من المفاسد الأدبية ~~والمضار الاقتصادية التي تئن منها أوربة وتعجز عن تلافيها. . وقال له: # إن لكم وقاية من ذلك كله بالدين أفتزيلونها بأيديكم؟ ### | AUTO منتهى سلطة الخليفة وشيخ الإسلام: # لم يكن منصب الخلافة الذي يتحلى بلقبه السلطان مانعا للاتحاديين من عمل ~~من الأعمال التي تهدم الدين وتمحو أثره من الدولة ثم من الأمة؛ لأن الخلافة ~~لم تكن إلا لقبا رسميا له بعض من التأثير في خارج الدولة كاحترام الدول له ~~وتعلق مسلمي رعاياها ومن تحت نفوذها منهم به، أما داخل الدولة بل الدولة ~~نفسها، فلم يكن للخليفة فيها ديوان خاص ذو نظام وتقاليد يستعين به الخليفة ~~على شيء من أعمال الحكومة في إقامة الشرع والمحافظة على الدين، والنظر في ~~مصالح المسلمين. . لم يكن في (المابين الهمايوني) مستوى الخليفة السلطان شيء ~~من هذا. . # وإنما كان يوجد في الوزارة عضو يسمى شيخ الإسلام، وله دار تسمى (باب ~~المشيخة الإسلامية) هي مقر رجال الفتوى وإدارة المحاكم الشرعية وإدارة ~~التعليم الديني. . ولكن المشيخة الإسلامية بلغت من الضعف أن صارت عاجزة عن ~~حفظ هذه المصالح الخاصة بها، فلم يقدر شيخ الإسلام أن يمنع الحكومة ~~الاتحادية من سلب المحاكم الشرعية منه وجعلها تابعة للعدلية (الحقانية) ولا ~~من التضييق على التعليم الديني، فهل يقدر على منعها من إباحة الزنا ~~للمسلمات، أو غيرها من تلك PageV01P155 ~~الموبقات؟ وأهم أسباب هذا الضعف أن المشيخة لم تكن إلا مصلحة رسمية لم تعن ~~في يوم من الأيام بشيء من خدمة الدين الروحية التي تجعل لها سلطة معنوية في ~~الشعب الإسلامي في داخل المملكة ولا خارجها، ليكون لها ms141 من قوته الدينية ما ~~تهابه الحكومة وتخشاه فتؤيد به نفوذها، ونفوذ الخليفة الذي ترك الأمور ~~الدينية والمصالح الإسلامية لها. . ### | AUTO ضعف ما عدا العسكرية في الدولة: # الحق أقول إن الدولة العثمانية، قد برحت بها الأدواء الاجتماعية، ~~والدسائس والتعاليم الأجنبية، حتى أوهنت جميع قواها المادية والمعنوية، فلم ~~يبق فيها إلا القوة الحربية، المتمتعه بشيء من النظام والسلاح العصري، فلا ~~يستطيع أحد أن يحدث فيها انقلابا ما إلا بقوة الجيش، عرف ذلك الاتحاديون ~~فعملوا به ما عملوا، وأساءوا به حتى قضوا على هذه السلطة (الإمبراطورية) ~~وصدق قولنا فيهم عند سلب حزب الائتلاف السلطة منهم: " فإن عادوا كرة ثانية، ~~كانت هي القاضية ". . ### | AUTO ما نقترحه على الترك في مسألة الخلافة: # هذا وإن الله تعالى قد وفق هذه القوة العسكرية الهادمة، بما كان من تلك ~~السياسة الجاهلة الظالمة، إلى إنقاذ جل البلاد التركية، من براثن الدول ~~الأوروبية، بعد أن نشبت فيها، وكاد يتم يأس العالم كله منه، وألفوا حكومة ~~جمهورية تركية، قررت ما قررت في مسألة الخلافة الإسلامية، فالذي نراه بعد ~~طول الروية، والنظر في المسألة من الوجهتين الإسلامية والاجتماعية أن ما ~~قرروه بادئ الرأي يجب أن يكون تدبيرا مؤقتا، لا أمرا مبرما مؤبدا، وأن تترك ~~السلطة العسكرية أمر الحكومة بعد الصلح، إلى مجلس منتخب من الشعب، ينتخبه ~~بحرية حقيقة، لا سيطرة عليها للحكومة ولا للجندية، وأن يترك أمر الخلافة ~~إلى الشعوب الإسلامية كلها، والحكومات المستقلة وشبه المستقلة منها، وأن ~~يؤلف له لجنة أو جمعية مختلطة حرة مركزها الآستانة، تدرس كل ما يكتبه وما ~~يقترحه أهل العلم والرأي في المسألة، ويكون ذلك تمهيدا لعقد مؤتمر إسلامي ~~يعقد بعد الصلح بسنة أو أكثر من سنة. . PageV01P156 # ونرى أن تؤلف الحكومة التركية العليا لجنة أخرى للبحث فيما يجب أن تكون ~~عليه علاقتها مع الأمة العربية، ومع غيرها من الشعوب الإسلامية، وما يمكن ~~أن تفيدها وتستفيد منها بمكانتها العسكرية والمدنية والدينية، وأن يكون ~~أعضاء اللجنتين أو بعض أعضائهما من أركان مؤتمر الخلافة هم الذين يضعون ~~برنامجه، ويقررون نظامه، ms142 بعد تمحيص ما يجمعونه من الآراء والمعلومات في كل ~~ما يتعلق بالمسألة. . # وقد تناقلت الجرائد أن حكومة أنقرة ستشاور العالم الإسلامي في الخلافة , ~~ولكن الشورى الصحيحة النافعة لا تتم إلا بالنظام، وحسن الاختيار من الأفراد ~~والأقوام، فعسى أن يختار لكل لجنة أهلها من أولي النهي، وأن توفق كل منها ~~لتحقيق الحق في عملها، وأن ينتهي ذلك باقتناع أهل الحل والعقد من الترك، ~~ببذل نفوذهم لإقامة الإمامة الحق، لإصلاح ما أفسدت جهالة المسلمين ومادية ~~الأوربيين في الأرض، فقد استدار الزمان، واشتدت حاجة البشر إلى إصلاح ~~القرآن، وضعفت معارضة المقلدة الجامدين، وظهر ظرر عصبية الأمويين ~~والعباسيين والعثمانيين، وضلال الإفرنج والمتفرنجين، فطوبى للمجددين ~~المصلحين \، وويل للمقلدين المغرورين، والعاقبة للمتقين. {إن هذا لهو حق ~~اليقين} {ولتعلمن نبأه بعد حين} PageV01P157 ms143