######OpenITI# #META# المؤلف: محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني (المتوفى: 1354هـ) #META# الكتاب: الوحي المحمدي #META# onum: 8642 #META# الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت #META# cat: الدعوة وأحوال المسلمين #META# authno: 482 #META# عدد الأجزاء: 1 #META# archive: 13 #META# authinf: محمد رشيد رضا (1282 - 1354 هـ = 1865 - 1935 م) ¶ محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني، البغدادي الأصل، ¶ الحسيني النسب: صاحب مجلة (المنار) وأحد رجال الإصلاح الإسلامي. ¶ من الكتاب، العلماء بالحديث والأدب والتاريخ والتفسير. ¶ ولد ونشأ في القلمون (من أعمال طرابلس الشام) وتعلم فيها وفي طرابلس. ¶ وتنسك، ونظم الشعر في صباه، وكتب في بعض الصحف، ثم رحل إلى مصر سنة 1315 هـ ، فلازم الشيخ محمد عبده وتتلمذ له. ¶ وكان قد اتصل به قبل ذلك في بيروت. ¶ ثم أصدر مجلة (المنار) لبث آرائه في الإصلاح الديني والاجتماعي. ¶ وأصبح مرجع الفتيا، في التأليف بين الشريعة والأوضاع العصرية الجديدة. ¶ ولما أعلن الدستور العثماني (سنة 1326 هـ) زار بلاد الشام، واعترضه في دمشق، وهو يخطب على منبر الجامع الأموي، أحد أعداء الإصلاح، فكانت فتنة، عاد على أثرها إلى مصر. ¶ وأنشأ مدرسة (الدعوة والإرشاد) ثم قصد سورية في أيام الملك فيصل بن الحسين، وانتخب رئيسا للمؤتمر السوري، فيها. وغادرها على أثر دخول الفرنسيين إليها ¶ (سنة 1920 م) فأقام في وطنه الثاني (مصر) مدة. ¶ ثم رحل إلى الهند والحجاز وأوربا. ¶ وعاد، فاستقر بمصر إلى أن توفي فجأة في (سيارة) كان راجعا بها من السويس إلى القاهرة. ¶ ودفن بالقاهرة. ¶ أشهر آثاره مجلة (المنار) أصدر منها 34 مجلدا، و (تفسير القرآن الكريم - ط) اثنا عشر مجلدا منه، ولم يكمله، و (تاريخ الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده - ط) ثلاثة مجلدات، و (نداء للجنس اللطيف - ط) و (الوحي المحمدي - ط) و (يسر الإسلام وأصول التشريع العام - ط) و (الخلافة - ط) و (الوهابيون والحجاز - ط) و (محاورات المصلح والمقلد - ط) و (ذكرى المولد النبوي - ط) و (شبهات النصارى وحجج الإسلام - ط). ¶ وللأمير شكيب أرسلان كتاب في سيرته سماه (السيد رشيد رضا أو إخاء أربعين سنة - ط) ¶ نقلا عن : الأعلام للزركلي #META# idx: 1 #META# higrid: 1354 #META# bkord: 6813 #META# bk: الوحي المحمدي #META# pdfcs: 2 #META# auth: محمد رشيد رضا #META# bver: 1 #META# Lng: محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: الوحي المحمدي ¶ المؤلف: محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني (المتوفى: 1354هـ) ¶ الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت ¶ الطبعة: الأولى، 1426 هـ - 2005 م ¶ عدد الأجزاء: 1 ¶ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي] #META# iso: الوحي المحمدي #META# الطبعة: الأولى، 1426 هـ - 2005 م #META# max: 259 #META# over: 3 #META# oauth: 482 #META# bkid: 1202 #META# ad: 1354 #META# seal: D326ED1A #META# digitization_comments: [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي] #META# ndata: على سبيل1BBFC0E8هرست 265 #META# comp: 1 #META# pdf: 1 #META# DownloadSource: Abū Yaʿqūb's Shamela database #META# DownloadDate: 2017? #META# ConversionDate: 2020-10-01 #META#Header#End# PageV01P015 ### | AUTO فاتحة الطبعة الثانية ### || AUTO دعوة الناس إلى الإسلام عامة وأهل الكتاب خاصة # بسم الله الرحمن الرحيم إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من ~~بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ~~ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا (163) ورسلا قد قصصناهم عليك من ~~قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما (164) رسلا مبشرين ومنذرين ~~لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما (165) لكن ~~الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا ~~(166) إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله قد ضلوا ضلالا بعيدا (167) إن ~~الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا (168) إلا ~~طريق جهنم خالدين فيها أبدا وكان ذلك على الله يسيرا (169) يا أيها الناس ~~قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم فآمنوا خيرا لكم وإن تكفروا فإن لله ما في ~~السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما (170) يا أهل الكتاب لا تغلوا في ~~دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله ~~وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة ~~انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في ~~السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا (171) لن يستنكف المسيح أن يكون ~~عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم ~~إليه جميعا (172) فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم ~~من فضله وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم ~~من دون الله وليا ولا نصيرا (173) يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم ~~وأنزلنا إليكم نورا مبينا (174) فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به ~~فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطا مستقيما [النساء: 163 - 175] PageV01P017 ~~ذكر (الوحى المحمدى) فى آيات متفرقة من السور المكية التى كانت تتلى على ~~منكرى وحى النبوة من العرب الذين كانوا أقوى البشر استعدادا لهداية هذا ~~الوحى إذا عقلوه وآمنوا به، لأنه ms001 لم يكن عندهم من التقاليد الدينية ~~المسيطرة على القلوب والإرادات، ولا من أمشاج الفلسفة البشرية الشاغلة ~~للعقول والأفكار، ولا من الاستبداد السياسى والاستعباد الروحانى السالبين ~~لاستقلال الأفراد والجماعات ما يصرفهم عن فقهه وتدبره والاهتداء به، أو ~~يأفكهم عن الدعوة إليه وحمايته، والجهاد بالأموال والأنفس فى سبيل إقامته. ### || AUTO دعوة الوحى المحمدى فى هذه الآيات: # ثم ذكر فى هذه الآيات من هذه السورة المدنية [النساء] بما لم يذكر بمثلها ~~فى تفصيله وعموم الخطاب وخصوصه، فخاطب فى أولها محمدا رسول الله وخاتم ~~النبيين صلى الله عليه وسلم ثم وجه الخطاب فى بعضها إلى الناس كافة، وفى ~~بعض آخر إلى أهل الكتاب خاصة. فبدأ خطاب الناس كافة بأنه قد جاءهم (الرسول) ~~الكامل الذى بشر به الأنبياء والرسل، والنبى الأعظم الذى كانت تنتظره ~~الأقوام والأمم، ولذلك ذكر معرفا بأداة التعريف «1» وأنه جاءهم بالحق من ~~ربهم، وهو الحق المحض الذى جهله المشركون، واختلف فيه الكتابيون، فضلوا فى ~~هداية أنبيائهم ورسلهم، وكفر بعضهم بعضا، ولعن بعضهم بعضا، وكتب الفريقين ~~واحدة، وقد بين لهم ذلك فى الآيات التى قبل هذه الآيات مباشرة، وأهمها ~~الخلاف فى رسولهم النبى الروحانى المصلح المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام، ~~ثم أعاد ذكره ونهاهم عن الغلو فيه فى هذه الآيات، وهى مشتملة على المسائل ~~العشر الآتية: # (الأولى) أن الله تعالى أوحى إلى محمد صلى الله عليه وسلم كما أوحى إلى ~~نوح أول رسول أرسله إلى الأمم وقص عليه خبره فى السور المكية وإلى النبيين ~~من بعده، فوحيه إليه كوحيه إليهم، أى مثله فى جنسه وموضوعه والغرض منه، فهو ~~ليس بدعا من الرسل ولا أولهم، ولكنه خاتم الرسل المكمل لهدايتهم، وخص ~~بالذكر منهم أشهر أنبياء بنى إسرائيل المعروفين عند أهل الكتاب المجاورين ~~له فى الحجاز وما حوله، وقد كانت دعوته صلى الله عليه وسلم بلغت اليهود ~~والنصارى جميعا فيها، والمراد بالأسباط الأنبياء من سلالة أبناء يعقوب، عمم ~~ثم خصص. PageV01P018 # (الثانية) أن لله تعالى رسلا آخرين منهم من قص عليه خبرهم فى السور المكية ms002 ~~إجمالا كقوله فى سورة الأنعام بعد قصة إبراهيم مع أبيه وقومه: ووهبنا له ~~إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ~~ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين (84) وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل ~~من الصالحين (85) وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين ~~(86) ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم ~~(87) ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا ~~يعملون (88) أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء ~~فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين (89) أولئك الذين هدى الله فبهداهم ~~اقتده قل لا أسئلكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى للعالمين (90) [الأنعام: 84 - ~~90]، وتفصيلا فى سور الأعراف وهود ويوسف وطه والطواسين (الشعراء والنمل ~~والقصص) وما دونهن، ومنهم من لم يقص عليه خبرهم من أنبياء سائر الأمم لعدم ~~العبرة لقومه ولجيرانهم بقصصهم، وعدم ظهور إقامة الحجة بها عليهم، وربما ~~كان ذكر بعضها فتنة لبعضهم يدعون أنها أسماء مخترعة، وقد جاء فى بعض السور ~~أنه تعالى أرسل فى كل أمة رسولا. # وترى هذا فى موضع آخر من هذا الكتاب بشواهده، وهو حجة على أهل الكتاب ~~الذين يحصرون فضل الله على البشر بالنبوة فيهم. # (الثالثة) أن وظيفة جميع الرسل تعليم الناس ما به يصلح حالهم، ويستعدون ~~لمآلهم بطريق التبشير لمن آمن وأصلح عملا بحسن الثواب، وإنذار من كفر وأفسد ~~عملا بالعقاب وحكمة ذلك أن لا يكون للناس على الله حجة بجهلهم ما يجب عليهم ~~من أصول الإيمان، وما تصلح به الأنفس وتتزكى من صالح الأعمال، فتستعد ~~لسعادة الدنيا # بقدرها، وسعادة الآخرة من بعدها. وقد فصلنا فى هذا الكتاب وجه الحاجة إلى ~~هدايتهم، وعجز البشر عن الاستقلال بمعرفتها بعقولهم. # (الرابعة) شهادة الله تعالى وشهادة ملائكته بصحة هذا الوحى له صلى الله ~~عليه وسلم، وأورد هذه الشهادة مفتتحة بقوله لكن الله يشهد وهو استدراك على ~~إنكار معلوم من قرينة حال الكفار به صلى الله عليه وسلم من المشركين وأهل ~~الكتاب ومما ms003 حكاه من قبل عن المشركين من الإنكار والمطالبة بالآية أو ~~الآيات، كما تراه فى سورتى الأنعام ويونس وغيرهما ثم ما حكاه قريبا فى هذه ~~السورة [النساء] عن اليهود بقوله: يسئلك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من PageV01P019 ~~السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة [النساء: 153] ~~إلخ، فهو تعالى يقول له: إن أولئك المشركين ينكرون وحى الله إليك وإلى ~~غيرك، وإن هؤلاء الجاحدين يكتمون الشهادة بنبوتك وبشارة أنبيائهم بها لكن ~~الله يشهد بما أنزل إليك [النساء: 166] إلخ. # فأما شهادته تعالى فقد بينها بيانا مستأنفا لوقوعها جوابا لسؤال مقدر، ~~وهو قوله: (أنزله بعلمه) أى أنزل هذا القرآن الذى أوحاه إليك متلبسا بعلمه ~~الخاص الذى لا تعلمه أنت ولا قومك من تشريع وحكم وآداب وعبر وأخبار غيب ~~سابقة وحاضرة وآتية، بأسلوب معجز للبشر. وهو ما يفصله هذا الكتاب بالشواهد ~~من السور العديدة، وأما شهادة الملائكة له فما أخبر به تعالى من نزول الروح ~~الأمين جبريل عليه السلام بهذا القرآن، وما أيده به يوم الفرقان يوم التقى ~~الجمعان فى غزوة بدر، وكذا غزوتا الأحزاب وحنين، وفى أحوال أخرى. # هذه الشهادة من الله بهذا القرآن الذى لا يمكن أن يكون إلا من الله حق لا ~~ريب فيه، وهى أظهر من شهادة يوحنا (يحيى) للمسيح- عليهما السلام- إذا روى ~~يوحنا أنه قال: (5: # 13 إن كنت أشهد لنفسى فليست شهادتى حقا 32 الذى يشهد لى هو آخر وأنا أعلم ~~أن شهادته التى يشهدها لى هى حق 33 أنتم أرسلتم إلى يوحنا فشهد للحق)، ~~وكذلك هى أظهر وأقوى من شهادة المسيح لنفسه فيما رواه يوحنا أيضا، إذ دعا ~~اليهود إلى اتباع النور الذى جاء به (8: 13). فقال له الفريسيون: أنت تشهد ~~لنفسك شهادتك ليست حقا 14 فأجاب يسوع وقال لهم: (وإن كنت أشهد لنفسى ~~فشهادتى حق)، وقد صدق عليه السلام فى أن شهادته لنفسه حق، ولكن لا تقوم بها ~~الحجة على الخصم، وأما شهادة الله تعالى لنبيه فى القرآن فهى حجة على كل ~~أحد يعجز عن الإتيان ms004 بمثله، فهى إذن حجة على كل أحد. # (الخامسة) الإخبار فى الآيات 167 - 169 بحال الكفار الذين يتعدى ضررهم ~~إلى غيرهم من الناس، بصدهم الناس عن سبيل الله وهى الإسلام، وبظلمهم ~~لأنفسهم وللناس، وكون جزاؤهم بحسب سنة الله فى أنفس البشر ونظام الاجتماع ~~أن يظلوا سائرين على طريق الباطل والشر والموصلة إلى عذاب جهنم. إذ لا يغفر ~~الله تعالى لهم إلا بتزكية أنفسهم بالإيمان والعمل الصالح الذى يهدى إليه ~~الوحى، وقد صاروا بضلالهم فى أشد البعد عنه خلافا لما يقوله الكفار من نيل ~~المغفرة بجاه الشفعاء الشخصى مع بقاء الأنفس على PageV01P020 ~~فسادها، وظلمات ظلمها وجهلها، وهو ما سرى إلى أهل الكتاب من المشركين، إلا ~~أن بعض النصارى خصوه بالمسيح وبعضهم جعلوه عاما لجميع القديسين. # (السادسة) مخاطبة جميع الناس (فى الآية 170) بأن هذا الرسول محمدا صلى ~~الله عليه وسلم قد جاءهم بالحق من ربهم حقا محضا غير مشوب بالآراء والأهواء ~~البشرية، ولا بالتقاليد الكهنوتية «1» التى زادها رؤساء الأديان على ما ~~جاءهم به الرسل الأولون فلم يعد يعرف أحد ما هو من الله تعالى وما هو منهم، ~~فإن يؤمنوا بما جاءهم به هذا الرسول يكن خيرا لهم، وإن يكفروا فالله غنى عنهم. # (السابعة) نداؤه أهل الكتاب (فى الآية 171) بالنهى عن الغلو فى الدين، ~~وعن قول غير الحق على الله تعالى، وبيانه لهم حقيقة المسيح الذى غالى ~~اليهود منهم فى الكفر به وتكذيبه، والطعن فى صيانة أمه الطاهرة، وغالى ~~النصارى فيه فجعلوه ربا وإلها، وأنه قد جاءهم بالحق فيه، وهو أنه بشر ~~روحانى خلق بكلمة الله التكوينية وهى إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له ~~كن فيكون [يس: 82]، وبنفخ روح القدس فى أمه الطاهرة، وبتأييد هذا الروح له ~~فى سائر أحوال نبوته، وأن روحه عليه السلام قديسه من الله تعالى لا حظ ~~للشيطان فيها، والنصارى يقررون أن الأرواح قسمان: طاهرة قديسة، ونجسة ~~شيطانية، والتمييز بينهما مزية تحدث بها زعيمهم بولس فى رسالته الأولى إلى ~~أهل كورنثيوس. # (الثامنة) أمره تعالى أهل الكتاب بعد ما ms005 ذكر من حقيقة أمر المسيح أن ~~يؤمنوا بما جاء به خاتم النبيين من الإيمان الصحيح بالله، وتوحيده والإيمان ~~برسله، ونهيهم عن التثليث الوثنى الهندى، وعن اتخاذ الولد لله عز وجل، وع ~~لله بأنه المالك لكل ما فى السموات والأرض، أى كل العالم، ولو كان له ولد ~~لكان ولده مثله لا ملكه، ولكان محتاجا كاحتياج الإنسان إلى ولده سبحانه هو ~~الغنى عن كل ما سواه كما هو مبين فى الآيات الكثيرة الواردة فى هذا المعنى «2». # (التاسعة) إنباؤهم فى الآية (172) بأن المسيح لن يستنكف، أى لن يأبى أنفة ~~واستكبارا عن أن يكون عبدا لله، ولا الملائكة المقربون- وهم أفضل الملائكة ~~وأعلاهم منزلة عنده تعالى- أن يكونوا عبيدا له، فإنه ما تم فى الوجود إلا ~~رب واحد كل من عداه عبيد له، PageV01P021 ~~فالمؤمنون الذين يؤمنون بربوبيته ويعملون الصالحات تعبدا له يوفيهم أجورهم، ~~ويزيدهم عليها ثوابا ونعيما، فضلا منه وإحسانا، والذين يستنكفون ويستكبرون # عنها يعذبهم عذابا أليما، ولا يجدون لهم من دونه- أى غيره- وليا يتولى ~~أمورهم ويغفر لهم، ولا نصيرا ينصرهم بشفاعة ولا فدية ولا غيرها، فلا يغرنهم ~~ما يدعيه الرؤساء الذين استعبدوهم من أن خلاصهم وسعادتهم يكونان من غير ~~أنفسهم. # (العاشرة) نداؤه للناس كافة فى الآيتين (174، 175) مبشرا لهم بأنه قد ~~جاءهم البرهان العلمى العقلى من ربهم، وأنزل عليهم النور الساطع، وهو ~~القرآن المبين لجميع الحقائق، فلا ينبغى لأحد منهم أن يصغى بعدها إلى تقليد ~~الرؤساء والكهنة الذين استعبدوهم لرئاستهم وأهوائهم، وأثبت لهم أن الإيمان ~~به، والاعتصام بحبله المتين، والدخول فى النور المبين، هو الذى يخرجهم من ~~شقاء الدنيا ويدخلهم فى رحمة خاصة، وفضل عظيم، يمتازون بهما على غيرهم من ~~البشر، ويهديهم بإرشاده وفيض نوره صراطا مستقيما من العلم والعمل، والحق ~~والعدل والفضل، يكونون به سعداء الدنيا والآخرة. # هذا مضمون الوحى الإلهى المنزل على محمد رسول الله وخاتم النبيين المبين ~~فى هذه الآيات، ظهر نوره فاهتدت به العرب، وحملته إلى شعوب العجم بالتبليغ ~~له بالعلم والعمل، فاهتدى به السواد الأعظم ممن بلغتهم دعوته من المليين ~~الكتابيين، والمجوس ms006 والوثنيين، والهمج المعطلين، لأنه دين البشر أجمعين. ~~وقاومته الدول الدينية من نصرانية ومجوسية ووثنية، فنصره الله عليهم كلهم ~~كما وعدهم حتى أظهره على الدين كله، ولا يزال ينصره وينشره بعد ترك دوله ~~لدعوته، وإعراضهم عن هدايته. وما نزل بهم من عقوبته لهم كما أوعدهم، ولو ~~ثبتوا على إقامته لعم نوره العالم، ولاستراح البشر من هذه العداوات الجنسية ~~والوطنية والسياسية، ولو لقى غيره من الأديان مثل ما لقى من البغى والعدوان ~~حوار مع الأستاذ بن لأصبح فى خبر كان. # ثم إن حاجة الأمم قد اشتدت فى عصرنا هذا إلى هدايته، حتى أشدها إمعانا فى ~~عداوته، ولجاجا فى نكايته، وجهلا بحقيقته، فأخرجت هذا الكتاب من هداية ~~القرآن، لتجديد دعوته بما يناسب ضرورة هذا الزمان، ولو أننى حين شرعت فى ~~كتابة مباحثه فى المرة الأولى، أردت أن يكون كتابا مستقلا فى تجديد الدعوة ~~إلى الإسلام، لافتتحته بهذه الآيات، وإن سبق لى تفسيرها المفصل فى آخر سورة ~~النساء، ثم لنشرت بعض ما طويت من وجوه إعجازه، ولفصلت ما أجملت من مقاصد ~~إصلاحه، ولبسطت ما قبضت من PageV01P022 ~~دلائله. ولاجتنبت فيه الإحالة فى بسط ما طوى وتفصيل ما أجمل، على أجزاء ~~تفسير المنار المطول، التى اختصرت جل المقاصد وشواهدها منها، لأنها مما ~~يشغل القارئين للكتاب، وربما كان أكثرهم لا يقتنون تلك الأجزاء، ولذلك ~~انتقد هذه الإحالة وبعض الاختصار فيه بعض من قرأه قولا وكتابة بحق، وكنت ~~أسبقهم إلى ذلك. ### || AUTO رواج الكتاب وترجمته ببعض لغات: # لقد راج هذا الكتاب أضعاف ما رجونا، ونال من ثناء رجال العلوم الدينية ~~ورجال المعارف المدنية العصرية فوق ما قدرنا، حتى قال كاتب مدنى شهير إنه ~~لم ير كتابا عربيا نشر فى هذا العصر وكان له من حسن القبول عند جميع أصناف ~~القراء- حتى الذين لا يعنون بأمر الدين- مثل ما كان لهذا الكتاب (الوحى)، ~~وقد صدق قوله، فإنه لم يمر على بدء نشره ثلاثة أشهر إلا وقد كادت تنفذ ~~نسخه، حتى قللنا من بيعه لتجار الكتب بالجملة، لئلا تنفذ قبل التمكن من ms007 ~~إعادة طبعه منقحا، مبسوطا مفصلا. # وقد استأذننى بعض المستنيرين ومحبى الإصلاح الإسلامى من الشعوب الإسلامية ~~بترجمته باللغات الغربية والشرقية المختلفة، فأذنت لإمام جامع وكنج ومحرر ~~مجلة الإسلام (ريفيو إسلاميك) فى لندن وداعية الإسلام فيها بترجمته باللغة ~~الانكليزية ونشره فى أوروبا وأمريكا مترجما «1»، وأذنت أيضا بترجمته ~~باللغات الأوردية والتركية والفارسية والصينية، وسأذكر ما يكون من أمر هذه ~~الترجمات فى المقال الذى أجعله تصديرا لهذه الطبعة (الثانية). # ولقد كنت على ما أسمع وما أقرأ من تقريظه وإطرائه أحرص على العلم بما ~~يراه أولو العلم والرأى من انتقاده، وسألت كثيرا عن هذا ولم اسألهم عن ذاك، ~~وبعد هذا كله شرعت فى إعداده لهذه الطبعة الثانية له. # ... PageV01P023 ### | AUTO الفصل الأول فى تحقيق معنى الوحى والنبوة والرسالة وحاجة البشر ~~إليها وأصولها وعدم إغناء العقل والعلم الكسبى عنها «1» ### || AUTO تعريف الوحى لغة وشرعا: # قال فى الأساس: أوحى إليه وأو رمى إليه بمعنى، ووحيت إليه وأوحيت إذا ~~كلمته بما تخفيه عن غيره؛ وأوحى الله إلى أنبيائه: وأوحى ربك إلى النحل ~~[النحل: 68]. # وقال الراغب: أصل الوحى الإشارة السريعة، ولتضمن السرعة قيل «أمر وحى». ~~وذلك يكون بالكلام على سبيل الرمز والتعريض، وقد يكون بصوت مجرد عن ~~التركيب، وبإشارة ببعض الجوارح وبالكتابة. وقد حمل على ذلك قوله تعالى عن ~~زكريا: فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا [مريم: ~~11] إلخ، أى: أشار إليهم ولم يتكلم. والوحى بتشديد الياء السريع، ومن وحى ~~الإيماء بالجوارح قول الشاعر: # نظرت إليها نظرة فتحيرت ... دقائق فكرى فى بديع صفاتها # فأوحى إليها الطرف أنى أحبها ... فأثر ذاك الوحى فى وجناتها # فالقول الجامع فى معنى الوحى اللغوى: أنه الإعلام الخفى السريع الخاص بمن ~~يوجه إليه بحيث يخفى على غيره. ومنه الإلهام الغريزى كالوحى إلى النحل، ~~وإلهام الخواطر بما يلقيه الله فى روع الإنسان السليم الفطرة الطاهر الروح ~~كالوحى إلى أم موسى، ومنه ضده وهو وسوسة الشيطان، قال تعالى: وإن الشياطين ~~ليوحون إلى أوليائهم # ليجادلوكم # [الأنعام: # 121]، وقال: وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن ms008 يوحي بعضهم إلى ~~بعض زخرف القول غرورا [الأنعام: 112]، ووحى الله تعالى إلى أنبيائه قد روعى ~~فيه المعنيان الأصليان لهذه المادة، وهما: الخفاء والسرعة. فهذا معنى ~~المصدر، ويطلق على متعلقه وهو ما وقع به الوحى، أى: اسم المفعول، وهو ما ~~أنزله تعالى على أنبيائه وعرفهم به من أنباء الغيب والشرائع والحكم، ومنهم ~~من أعطاه كتابا، أى: تشريعا يكتب ومنهم من لم يعطه. PageV01P025 # والله تعالى يوحى إلى ملائكته ما يأمرهم بفعله كقوله: إذ يوحي ربك إلى ~~الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا [الأنفال: 12]، ويوحى إلى ملك الوحى ~~ما يوحيه الملك إلى الرسول كقوله: فأوحى إلى عبده ما أوحى [النجم: 10]، أى: ~~أوحى إلى عبده جبريل عليه السلام ما أوحى جبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم. # وقال شيخنا الأستاذ الإمام فى رسالة التوحيد بعد تعريف الوحى لغة: «وقد ~~عرفوه شرعا أنه إعلام الله تعالى لنبى من أنبيائه بحكم شرعى ونحوه»، أما ~~نحن فنعرفه على شرطنا بأنه: عرفان يجده الشخص من نفسه مع اليقين بأنه من ~~قبل الله بواسطة أو بغير واسطة، والأول بصوت يتمثل لسمعه أو بغير صوت. ~~ويفرق بينه وبين الإلهام بأن الإلهام: وجدان تستيقنه النفس وتنساق إلى ما ~~يطلب من غير شعور منها من أين أتى. وهو أشبه بوجدان الجوع والعطش والحزن ~~والسرور. # هذا التعريف يشمل أنواع الوحى الثلاثة الواردة فى قول الله عز وجل: وما ~~كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي ~~بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم [الشورى: 51] فالوحى هنا: إلقاء المعنى فى ~~القلب، وقد يعبر عنه بالنفث فى الروع- وهو بالضم: القلب والخلد والخاطر، ~~والكلام من وراء حجاب: هو أن يسمع كلام الله من حيث لا يراه كما سمع موسى ~~عليه السلام النداء من وراء الشجرة، وأما الثالث: فهو ما يلقيه ملك الوحى ~~المرسل من الله إلى رسول الله فيراه متمثلا بصورة رجل، أو غير متمثل، ~~ويسمعه منه أو يعيه بقلبه. # وتعبيره يشمل- قبل التفرقة بينه وبين الإلهام- ما يسميه بعضهم بالوحى ~~النفسى ms009 وهو الإلهام الفائض من استعداد النفس العالية، وقد أثبته بعض علماء ~~الإفرنج لنبينا صلى الله عليه وسلم كغيره، فقالوا: إن محمدا يستحيل أن يكون ~~كاذبا فيما دعا إليه من الدين القويم والشرع العادل والأدب السامى، وصوره ~~من لا يؤمنون بعالم الغيب منهم أو باتصال عالم الشهادة به بأن معلوماته ~~وأفكاره وآماله ولدت له إلهاما فاض من عقله الباطن أو نفسه الخفية ~~الروحانية العالية على مخيلته السامية، وانعكس اعتقاده على بصره فرأى الملك ~~ماثلا له، وعلى سمعه فوعى ما حدثه الملك به. # فصار الخلاف بيننا وبين هؤلاء فى كون الوحى الشرعى من خارج نفس النبى ~~نازل عليها من السماء كما نعتقد، لا من داخلها فائضا منها كما يظنون، وفى ~~وجود ملك روحانى مستقل نزل من عند الله عليه صلى الله عليه وسلم كما قال عز ~~وجل: وإنه لتنزيل رب العالمين (192) نزل PageV01P026 ~~به الروح الأمين (193) على قلبك لتكون من المنذرين (194) بلسان عربي مبين ~~[الشعراء: 192 - 195] وفى تخيل الملك بزعمهم. # وسنشرح هذا الزعم ونبسط شبهاته ونبطلها، ونثبت أن هذا القرآن وحى من الله ~~تعالى ينزل من فوق السموات العلى، لا يمكن أن يكون فائضا فى هذه الأرض من ~~نفس محمد صلى الله عليه وسلم وهو موضوع كتابنا هذا. # وأعلم أيها القارئ أن تقسيم المتكلمين كلام الله تعالى إلى نفسى قديم ~~قائم بذاته سبحانه ليس بحرف ولا صوت ولا ترتيب ولا لغة، وكلام لفظى هو ~~المنزل على الأنبياء عليهم السلام، ومنه الكتب الأربعة، وخلافهم فى كونه ~~مخلوقا أو غير مخلوق هو اصطلاح كله فلسفة وآراء نظرية مبتدعة، لم يرد به ~~كتاب ولا سنة وهو تعرض للبحث التحليلى لذات الله تعالى وصفاته، ومثار ~~للوسواس الشيطانى فيه فاجتنبه، واستعذ بالله منه، وحسبك أن تؤمن بأن الكلام ~~صفة كمال تتعلق بكل ما يتعلق به العلم، إلا أن تعلق العلم عبارة عن انكشاف ~~المعلومات للعالم، وتعلق الكلام عبارة عن كشف العالم ما شاء من علمه لمن ~~شاء، وأن الله تعالى متصف بكمال العلم والتعليم، وكمال الكلام والتكليم، ~~وأن ms010 هذا وغيره مما وصف به نفسه فى كتابه لا ينافى كمال تنزيهه تعالى عما لا ~~يليق به من نقائص عباده ولا يقتضى مماثلته لهم فيما وهبهم من كمال، فإن ~~الاشتراك فى الأسماء لا يقتضى الاشتراك فى المسميات، وأسماء الأجناس ~~المقولة بالتشكيك فى الممكنات تختلف من وجوه كثيرة منها النقص والكمال، ~~فكيف بها إذا كانت مشتركة بين الخالق والمخلوقات؟ فذاته تعالى أكمل من ~~ذواتهم، ووجوده أعلى من وجودهم، وصفاته أسمى من صفاتهم، وهو أعلم، ورسوله ~~أعلم منهم بصفاته وأفعاله، فعليك أن تؤمن بما صح عنهما من إثبات ونفى، ومن ~~غير زيادة ولا نقص، بلا تعطيل ولا تمثيل ولا تأويل، وليس عليك ولا لك أن ~~تحكم رأيك وعقلك فى كنه ذاته ولا صفاته، ولا فى كيفية مناداته وتكليمه ~~لرسله، ولا فى كنه ما هو قائم به، وما يصدر عنه، وعلى هذا كان أصحاب الرسول ~~وعلماء التابعين، وأئمة الحديث والفقه، قبل ظهور بدعة المتكلمين. PageV01P027 ### || AUTO النبى معناه لغة وشرعا والفرق بين الرسول وغيره # النبيء فى اللغة العربية: وصف من النبأ، وهو الخبر المفيد لما له شأن ~~مهم، ويصح فيه معنى الفاعل والمفعول، لأنه منبئ عن الله ومنبأ منه، والنبى ~~بالتشديد أكثر استعمالا، أبدلت الهمزة فيه ياء، أو هو: من النبوة وهى ~~الرفعة والشرف. ويطلق عند أهل الكتاب على الملهم الذى يخبر بشيء من أمور ~~الغيب المستقبلة. وقيل إن معنى أصل مادته فى # العبرانية القديمة: المتكلم بصوت جهورى مطلقا، أو فى الأمور التشريعية، ~~وهو عندنا: من أوحى الله إليه وحيا، فإن أمره بتبليغه كان رسولا، فكل رسول ~~نبى، وما كان نبى رسولا، فقوله تعالى: ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن ~~رسول الله وخاتم النبيين [الأحزاب: # 40] يدل على انقطاع النبوة والرسالة معا بعد محمد صلى الله عليه وسلم، ~~فكل من ادعى أو يدعى الوحى الشرعى من الله تعالى بعده فهو كاذب مضل، وقد ~~ادعى النبوة كثيرون فظهر كذبهم، ولم يأت أحد ادعى النبوة بعد محمد صلى الله ~~عليه وسلم بشيء من الإصلاح الدينى ms011 الذى يحتاج إليه البشر، بل رأينا كتبهم ~~وأقوالهم طافحة بمدح أنفسهم واللغو فى إطرائها ودعاويها الباطلة، التى يراد ~~بها إخضاع العوام لهم واستعبادهم إياهم، كالذى نعهد فى الدجالين من مدعى ~~الولاية ومعرفة الغيب والتصرف الروحانى فى نفع الناس وضرهم. ويدحض هذا ~~وأمثاله ما بينه الله فى كتابه الحق من وظائف الرسل كافة، وخاتم النبيين ~~خاصة، كما نراه فى موضعه من هذا الكتاب، وكذا ما علم بالتواتر من شمائله ~~وأخلاقه صلى الله عليه وسلم من التواضع وكراهة الدعوى والإطراء والنهى عنه. # ويرى قارئ هذا الكتاب فيه أن ما جاء به صلى الله عليه وسلم من كتاب الله ~~وما بينه به من سننه كاف شامل لكل ما يحتاج إليه البشر من هداية الدين لا ~~يحتاجون إلى غيره. PageV01P028 ### || AUTO حاجة البشر إلى الرسالة وأصول أديان الرسل الأساسية # وجه حاجة البشر إلى هداية الأنبياء عليهم السلام فى الجملة أن موضوع ~~رسالتهم المقصود بالذات أو بقصد الأول ثلاثة أمور لا تستقل معارفهم ~~المكتسبة بحواسهم وعقولهم بها، ولا يذعنون فيها إلا لأمر ربهم وخالقهم. # (أحدها) الإيمان بالغيب، ورأسه توحيد الله وصفاته وآياته الدالة على ~~كماله وتنزهه عن النقص، وما يجب من عبادته وشكره وذكره الذى هو على ما ~~تتزكى به النفس، وتتطهر من أدران مساويها، وتصل إلى الكمال المستعدة له ~~بفطرتها. ويليه الإيمان بملائكته وما يناط بهم من الوحى، والنظام فى الخلق ~~والأمر، ويجب الوقوف فى ذلك عند ما ورد به النص. # ومما أخبر به الأنبياء من أمر عالم الغيب (الجن والشياطين) وأن ما يجده ~~الناس فى أنفسهم من خواطر السوء، وتقوية دواعى الشر والباطل فهو من وسواس ~~الشياطين، وحكمة إعلامهم بذلك إرشادهم إلى محاسبة أنفسهم على خواطرها، ~~والتمييز بين حقها وباطلها، وخيرها وشرها، فهو أكبر معين لهم على تربيتها ~~وتزكيتها- وقد وضحناه بالدلائل فى تفسيرنا- وضربنا له المثل بعوالم الجنة ~~المادية التى تسمى بالميكروبات، وكون تأثيرها فى الأجسام كتأثير الشياطين ~~فى الأرواح، وقد مر على البشر الألوف الكثيرة من السنين وهم يجهلونها على ~~ما لها من التأثير ms012 العظيم فى صحتهم وأمراضهم، وطعامهم وشرابهم، حتى كشفوها ~~فى هذا العصر، ولو حاسب الناس أنفسهم على خواطرهم السوأى اتقاء لوسوسة ~~الشياطين كما يتقون ميكروبات الأمراض لحفظ أبدانهم لكان تأثير هذه التقوى ~~لحفظ الأنفس من الشر والفساد أعظم من تأثير تلك الوقاية فى حفظ الأجساد من ~~الأمراض. # وقد كشف بعض الماديين فى القرن الثامن عشر أن للبشر أرواحا مستقلة كما ~~أخبرهم الأنبياء، ووجدوا وسيلة لإدراك بعض الجنة غير المادية، وهو ما ~~يعتقدون أنه من أرواح الموتى والراجح عندنا أن أكثرها من أرواح شياطينهم، ~~ولا يتسع هذا الفصل لبيان الحق فى هذه المسألة التى لا تزال موضع الخلاف ~~بين الناس، وإنما المراد هنا تعريف موضوع الرسالة بالإجمال. PageV01P029 # المشهور: أن أرقى البشر عقلا ورأيا فى شئون العالم رجال السياسة الدولية فى ~~الغرب، وإنك لتجد غاية سياستهم أن يسخروا ثروة شعوبهم ونتائج علومها ~~وفنونها لعداوة بعضهم لبعض، وإعدادها للتقتيل والتدمير. أليست هذه السياسة ~~الشيطانية مصداقا لقول الله تعالى فيهم: تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك ~~فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم (63) وما أنزلنا ~~عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ~~[النحل: 63، 64]. # (ثانيها) ما يجب اعتقاده من البعث بعد الموت والحساب، والجزاء على ~~الإيمان والأعمال، وهو أكبر البواعث- بعد الإيمان بالله ومعرفته- على اتباع ~~ما شرعه من اتباع الحق، وإقامة العدل، وأعمال البر والخير، والصدود عن ~~أضدادها. # (ثالثها) وضع حدود وأصول للأعمال التشريعية المشار إليها لا مجال للآراء ~~والأهواء فيها، لتكون جامعة للكلمة، مانعة من التفرقة، متبعة فى السر ~~والعلانية. # وجملة القول: أن تهذيب البشر بالدين مبنى على الإيمان بالغيب والوقوف فيه ~~عند خبر الأنبياء عليهم السلام، ولا يمكن تهذيبهم بالعلوم المادية الكسبية ~~وحدها وهو ما نكرر بيانه فى هذا الكتاب. PageV01P030 ### || AUTO عصمة الأنبياء # إذا كان إرسال الأنبياء إلى البشر لأجل هدايتهم إلى تزكية أنفسهم بما ~~تصلح به أحوالهم فى دنياهم، ويستعدون به الحياة أعلى من هذه الحياة الدنيا ~~فى نشأة أخرى، فلا يتم هذا الغرض ولا ms013 تتحقق هذه الحكمة إلا إذا كان هؤلاء ~~الأنبياء أهلا لأن يقتدى بهم فى أعمالهم وسيرتهم، والتزام الشرائع والآداب ~~التى يبلغونها عن ربهم، ومن ثم قال علماؤنا بوجوب عصمة الأنبياء من المعاصى ~~والرذائل، وبالغ بعضهم فيها حتى قالوا بعصمتهم من الذنوب الصغائر كالكبائر ~~قبل النبوة وبعدها، وخص بعضهم العصمة من الصغائر بما كان باعثه الخسة ~~والدناءة. # وأهل الكتاب لا يقولون بهذه العصمة، وكتبهم المقدسة ترمى بعض كبار ~~الأنبياء بكبار الفواحش المنافية لحسن الأسوة، بل المجرئة على الشرور ~~والمفاسد. # والنصارى منهم يجعلون معاصى الأنبياء دليلا على عقيدتهم وهى أن المسيح هو ~~المعصوم وحده لأنه رب وإله، ولأنه هو المخلص للناس من العقاب على الخطيئة ~~اللازبة اللازمة لكل ذرية آدم بالوراثة له، وأنه لا شفيع ولا مخلص لهم ~~غيره؛ لأن المخطئ لا يخلص المخطئين وهو منهم، وهذه العقيدة وثنية مخالفة ~~لدين الأنبياء وكتبهم وللعقل، ومطابقة للأديان الوثنية الهندية وغيرها. # بيد أن كتب العهدين القديم والجديد المقدسة عندهم المحرفة فى اعتقادنا لا ~~تشهد لهم برمى جميع أنبيائها بالذنوب فضلا عن المعاصى التى هى أشد من ~~الذنوب، فإن يوحنا المعمدان (هو يحيى بن زكريا عليهما السلام) لم يوصم ~~بخطيئة قط. بل شهدت له أناجيلهم بما يدل على أنه كان أعظم من المسيح فى ~~عصمته، ففي إنجيل لوقا (1: 65 إنه يكون عظيما أمام الرب، وخمرا ومسكرا لا ~~يشرب، ومن بطن أمه يمتلئ بروح القدس) وفيه «كانت يد الرب معه»، وقال المسيح ~~فيه: «متى 11: 11 الحق أقول لكم إنه لم يقم بين المولدين من النساء أعظم من ~~يوحنا المعمدان»، ثم قال فيه: «18 جاء يوحنا لا يأكل ولا يشرب فيقولون فيه ~~شيطان 19 وجاء ابن الإنسان يأكل ويشرب فيقولون: هو ذا إنسان أكول، وشريب ~~خمر، محب للعشارين والخطاة». PageV01P031 # بل شهدت الأناجيل أن المسيح عليه السلام أهان أمه وإخوته ولم يسمح لهم ~~بلقائه، وقد استأذنوا عليه ليكلموه، وعلل ذلك بأنهم مخالفون لمشيئة أبيه ~~كما تراه فى آخر الفصل الثانى عشر من إنجيل متى وآخر الثالث من مرقس ~~بالمعنى. ms014 وعبارة لوقا (8: 20 فأخبروه قائلين: أمك وإخوتك واقفون خارجا ~~يريدون أن يروك 21 فأجاب وقال لهم أمى وإخوتى هم الذين يسمعون كلمة الله ~~ويعملون بها)، نعم إن إخوته لم يكونوا يؤمنون به كما هو مصرح به فى موضع ~~آخر، ولكن هل كانت أمه كذلك؟ وهل يجازيها هذا الجزاء؟ والله تعالى يوصى ~~بالإحسان بالوالدين حتى المشركين ويفضل أم السيد المسيح على نساء العالمين. # وإهانة الأم ذنب فى جميع الشرائع والآداب، كما أن المبالغة فى شرب الخمر ~~ذنب حتى فى الشرائع التى لم تحرمها مطلقا، وجاء فى هذه الأناجيل أن الشيطان ~~استولى عليه أربعين يوما يجربه ويدعوه إلى عبادته، كما تراه فى أول الفصل ~~الرابع من إنجيل متى. وكذا فى غيره من الأناجيل. ونحن نبرئه من كل ذلك. # وشهدت الأناجيل أيضا بأن يوحنا كان يعمد الناس للتوبة ومغفرة الخطايا ~~وأنه عمد المسيح نفسه، وبأن أباه زكريا وأمه اليصابات «وكان كلاهما بارين ~~أمام الله سالكين فى جميع وصايا الرب وأحكامه بلا لوم» (لوقا 1: 6) وهذه ~~شهادة بالعصمة التامة. # وهنالك أنبياء آخرون شهدت لهم نبوات العهد القديم بالبر ولم ينسب إلى أحد ~~منهم أدنى خطيئة، وآدم عند ما ارتكب الخطيئة لم يكن نبيا مرسلا إلى أحد ولا ~~كان معه قوم يسيئون الاقتداء به. وكان قد نسى النهى عن الأكل من الشجرة، ~~وإنما كانت مثلا لاستعداد جنس البشر للمعصية كالطاعة، نسيانا أو عمدا، ~~ولكون المعصية تعالج بالتوبة فيغفرها الله تعالى، وقد كان ابناه قابيل ~~وهابيل مثلا لكل من الاستعدادين، وشهد الكتاب عندهم لهابيل بأنه كان بارا ~~لم يرتكب خطيئة، وهو لم يكن نبيا. # جاء القرآن وهو المهيمن على جميع الكتب الإلهية بما لخصناه من الحق فى ~~مسألة آدم وشهد لمن قص علينا خبرهم من أنبياء الله ورسله أنهم كانوا من ~~الصالحين الذين يقتدى بهم فى البر والتقوى، كقوله فى سورتهم: وجعلناهم أئمة ~~يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا ~~لنا عابدين [الأنبياء: 73]، وقال فيهم بعد ذكر أشهرهم: أولئك الذين هدى ~~الله فبهداهم ms015 اقتده [الأنعام: 90]. # وأما قوله لخاتمهم ومكمل هدايتهم: إنا فتحنا لك فتحا مبينا (1) ليغفر لك ~~الله ما تقدم PageV01P032 ~~من ذنبك وما تأخر [الفتح: 1، 2] إلخ، وقوله: واستغفر لذنبك وللمؤمنين ~~والمؤمنات [محمد: 19]، فالذنب فيه جاء على أصل معناه اللغوى المشتق من ذنب ~~الدابة، وهو كل عمل له عاقبة ضارة أو منافية للمصلحة، أو لما هو أولى ~~وأنفع، ويدخل فيه الاجتهاد فى الرأى المباح شرعا كإذن النبى صلى الله عليه ~~وسلم لمن استأذنه من المنافقين فى التخلف عن غزوة تبوك وعاتبه الله عليه ~~بقوله: عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين ~~«1» [التوبة: 43]، وإنما المعصية للأنبياء من معصية الله بمخالفة وحيه ~~إليهم، إذ لو عصوه لكان أتباعهم مأمورين من الله بالمعصية لأنه أمرهم ~~باتباعهم، وقال تعالى فى نبينا صلى الله عليه وسلم: لقد كان لكم في رسول ~~الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا [الأحزاب: 21]. PageV01P033 ### || AUTO العقل والعلم البشرى لا يغنيان عن هداية الرسل # (فإن قيل) إن الإيمان بالغيب ووجود الرب غريزى فى الفطرة البشرية كما ~~حققتم، أو إلهام من إلهاماتها يلقى فى روع أفرادها عند نمو إدراكهم، وأن ~~بعض الحكماء المفكرين قد ارتقوا فى معارفهم العقلية إلى حيث أقاموا ~~البراهين على وجود واجب الوجود وعلمه وحكمته، ووجوب تعظيمه وشكره وعبادته، ~~وقد قرر بعضهم بقاء النفس بعد الموت وخلودها فى نعيم مقيم أو عذاب أليم، ~~ووضعوا للناس أصول الفضائل والتشريع والآداب التى تصلح بها الإنسانية ~~وروابط الاجتماع. # (قلت) نعم لكل ذلك أصل يثبته التاريخ الماضى، ويشهده العصر الحاضر. ولكن ~~بين هداية الأنبياء وحكمة الحكماء وعلومهم فروقا فى مصدر كل منهما، وفى ~~الثقة بصحته، وفى الإذعان لحقيته، وفى تأثيره فى أنفس جميع طبقات ~~المخاطبين. # فحكمة الحكماء وعلومهم آراء بشرية ناقصة، وظنون لا تبلغ من عالم الغيب ~~إلا أنه موجود مجهول، وهى عرضة للتخطئة والخلاف، ولا يفهمها إلا فئة مخصوصة ~~من الناس، وما كل من يفهمها يقبلها، ولا كل من يقبلها ويعتقد صحتها يرجحها ~~على هواه ms016 وشهواته، إذ لا سلطان لها على وجدان العالم بها، فلا يكون لها ~~تأثير الإيمان وإسلام الإذعان والتعبد، لأن النوع البشرى يأبى طبعه وغريزته ~~أن يدين ويخضع خضوع التعبد لمن هو مثله فى بشريته وإن فاقه فى علمه وحكمته، ~~وإنما يدين لمن يعتقد أن له سلطانا غيبيا عليه بما يملكه من القدوة على ~~النفع والضر بذاته، دون الأسباب الطبيعية المبذولة لجميع الناس بحسب سنن ~~الكون ونظامه. # واضرب لهذا مثلا: إنه كان للفيلسوف الرئيس ابن سينا خادم متعلم معجب ~~بعلومه وفلسفته، وكان يعجب منه كيف يدين بملة محمد صلى الله عليه وسلم ~~ويتبعه وهو فى رأيه أعلم منه وأرقى، وكان يكاشفه بذلك فيعرض عنه أو يوبخه، ~~فاتفق أن كانا فى مدينة أصفهان فى ليلة شديدة البرد كثيرة الثلج، فأيقظ ~~الرئيس خادمه فى وقت السحر وطلب منه ماء ليتوضأ به، فاعتذر بشدة البرد ~~وبقاء الليل، ثم أيقظه الرئيس فى وقت أذان الصبح وطلب منه الماء فاعتذر ~~بشدة البرد، حتى قال المؤذن: أشهد أن محمدا رسول الله. قال الرئيس لخادمه: # اسمع ماذا يقول المؤذن؟ قال: إنه يقول أشهد أن محمدا رسول الله. قال ~~الرئيس: الآن قد PageV01P034 ~~آن لى أن أبين لك ضلالك القديم، إنك خادمى لا عمل لك غير خدمتى، وإنك أشد ~~الناس إعجابا بى وإجلالا وتعظيما لى؟ حتى إنك تفضلنى على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وتنكر على أن أؤمن به وأتبعه، وأنك على هذا تخالف أمرى فى ~~أهون خدمة أطلبها منك فى داخل الدار معتذرا بشدة البرد، وإن هذا المؤذن ~~الفارسى يخرج من بيته قبل الفجر ويصعد هذه المنارة وهى أشد مكان فى البلد ~~بردا، حتى إذا لاح له الفجر أشاد فى أذنه بذكر محمد العربى بعد مرور أربعة ~~قرون ونيف على بعثته، إيمانا وإذعانا وتعبدا واحتسابا. فتأمل هذا وتدبره فى ~~نفسك يظهر لك الفرق بين سلطان النبوة على الناس وسلطان العلم والفلسفة. # فمن أعظم مزايا هداية الوحى الدينية على العلمية الكسبية أن جميع طبقات ~~المؤمنين بها يذعنون لها بالوازع النفسى ms017 التعبدى، فبذلك تكون عامة ثابتة لا ~~مجال للخلاف والتفرق فيها ما دام الفهم لها صحيحا والإيمان بها راسخا، ~~ولذلك نرى الشعوب التى ساء فهمها للدين، وتزلزل إيمانها به أو زال، لا ~~ينفعها من دونه علوم العلماء، ولا حكمة الحكماء، وقد ارتقت العلوم والحكمة ~~فى هذا العصر، وعم انتشارهما بما لم يعرف مثله فى عصر آخر، وهم لا يذعنون ~~فى أنفسهم لإرادة ملك أو أمير، ولا لرأى عالم نحرير، ولا فيلسوف شهير، ولا ~~مخترع خبير، بل صاروا إلى فوضى فى الأخلاق والآداب والاجتماع، واستباحة ~~الأموال والأعراض وكذا الدماء لم يعهد لها فى البشر نظير. صارت بها الأمم ~~والدول عرضة لفتنة فى الأرض وفساد كبير. # أكثر البشر المؤمنون بوجود الله وعلمه وحكمته، والمثقفين بالتعليم العصرى ~~يؤمنون بوحدانيته، ولم يبق للشرك به تعالى بقية إلا فى جهال المتبعين ~~لتقاليد الأديان المنسوبة إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وما هى من ~~أديانهم فى شىء. بل هى هادمة لأساسها الأعظم وهو التوحيد المطلق، فكان فشو ~~الشرك بعبادة الأنبياء والقديسين وما ترتب عليه واقترن به من الخرافات ~~وفساد الأخلاق من أكبر الشبهات على صحة هذه الأديان والمنفرات عن اتباعها ~~وصار أكثر البشر إما مؤمنين بالأنبياء دائنين بالخرافات، وإما كافرين بهم ~~منكرين أن الدين وحى من الله تعالى، وتعين إرجاع الفريقين إلى هداية الدين ~~الصحيح وما هو إلا دين الإسلام. # إن الدين الذى ينتمى إليه أكثر شعوب الحضارة فى هذا العصر هو النصرانية، ~~وإنما سبب بقائه فيهم أن دولهم قد جعلته من نظام حياتهم الاجتماعية، ولكنه ~~لم يبق له سلطان روحى إلا فى قلوب النساء والعوام الخرافيين، وقد جاءتنا ~~الأنباء قبل طبع هذا الفصل بأن PageV01P035 ~~زعماء الشعب الألمانى وهو أرقى شعوب الأرض علما وفنا وحضارة قد ثار على هذا ~~الدين ثورة جديدة يريد بها هدم أساسه من كتب العهد القديم، وتنقيح تعاليم ~~العهد الجديد وجعل ما يبقون منه وطنيا ألمانيا خاصا بالجنس الآرى الهندى ~~الفارسى الأصل والبراءة من كل ما هو سام منه، وما أنبياؤهم ورسلهم ومسيحهم ~~ومعبودهم ms018 إلا من الساميين. بل يريدون تقديس شهداء الحرب وعظماء أسلافهم ~~الألمانيين، وإن هذه إلا وثنية كوثنية اليابانيين. تذكى سعير العداوة بينهم ~~وبين سائر الأوروبيين. # فلا سبيل إلى إنقاذ البشر فى هذا العصر إلا إثبات الوحى المحمدى الموحد ~~لإنسانيتهم، المزكى لأنفسهم، والمكمل لفطرتهم. الذى فيه السعادة الدنيوية ~~والأخروية لهم فى جملتهم، وقد بينا فى هذا الكتاب أن محمدا رسول الله وخاتم ~~النبيين. وهو المرسل إلى كافة الناس رحمة للعالمين، وأنه هو الذى أكمل الله ~~به الدين، وأزال العصبيات الجنسية والوطنية. # لتوحيد الأخوة الإنسانية، فاتباعه هو الترياق المجرب لهذه السموم الروحية ~~الاجتماعية القاتلة. راجين أن يفتح الله تعالى به أبواب الهدى لكل من يعقله ~~ويتدبره من مستقلى الفكر، وطالبى معرفة الحق، وإصلاح الخلق المعنيين بقول ~~الله عز وجل: يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون ~~من الكتاب ويعفوا عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين (15) يهدي به ~~الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ~~ويهديهم إلى صراط مستقيم (16) [المائدة: 15، 16]. # *** PageV01P036 # الفصل الثانى فى إقامة الحجة على مثبتى الوحى المطلق فى إثبات نبوة محمد ~~صلى الله عليه وسلم # إن من اطلع على الكتب المقدسة عند أهل الكتاب من اليهود والنصارى المعبر ~~عنها بكتب العهدين القديم والجديد، وعلى القرآن وكتب السنة والسيرة ~~المحمدية- من أحرار الفكر ومستقلى العقل- علم علما وجدانيا أنه لا يستطيع ~~أحد أن يؤمن إيمانا علميا بأن تلك الكتب وحى من الله، وأن الذين كتبوها ~~أنبياء معصومون فيما كتبوه ثم لا يؤمن بأن القرآن وحى من الله، وأن محمدا ~~نبى معصوم فيما بلغه عن الله تعالى. كما لا يستطيع فقيه أن ينكر فقه أبى ~~حنيفة والشافعى، ولا نحوى أن يجحد نحو سيبويه وابن جنى، ولا شاعر أن ينفى ~~شاعرية الرضى والبحترى، وقل مثل ذلك فى الطبيب والفيلسوف والرياضى والفلكى- ~~كل منهم مع أئمة علمه، وفى كل إنسان صحيح الحواس فى المدركات الحسية، ~~فالبصير لا يستطيع أن يكابر حسه فيفضل نور القمر والكواكب على ms019 ضوء الشمس، ~~أن نور السراج على نور النهار، ولله در البوصيرى حيث قال: # الله أكبر إن دين محمد ... وكتابه أقوى وأقوم قيل # لا تذكروا الكتب السوالف عنده ... طلع الصباح فأطفأ القنديلا # قد صرح بهذا المعنى علماء الإفرنج الذين نشئوا فى النصرانية، وأحاطوا بها ~~علما وخبرا، ثم عرفوا الإسلام معرفة صحيحة ولو غير تامة. # كتب الأستاذ أدوار مونتيه المستشرق مدرس اللغات الشرقية فى مدرسة جنيف ~~الجامعة فى مقدمة ترجمته الفرنسية للقرآن ما ترجمته بالعربية: # «كان محمد نبيا صادقا كما كان أنبياء بنى إسرائيل فى القديم، كان مثلهم ~~يؤتى رؤيا ويوحى إليه وكانت العقيدة الدينية وفكرة وجود الألوهية متمكنتين ~~فيه كما كانتا متمكنتين فى أولئك الأنبياء أسلافه فتحدث فيه كما كانت تحدث ~~فيهم ذاك الإلهام النفسي، وهذا التضاعف فى الشخصية، اللذين يحدثان فى العقل ~~البشرى المرائى والتجليات والوحى والأحوال الروحية التى من بابها» أه. PageV01P037 # فهذا العالم الأوروبى المستقل الفكر يقول: إن كل ما كان به أنبياء بنى ~~إسرائيل أنبياء كان ثابتا لمحمد، ونحن نقول: إن جميع خصائص النبوة التى ~~كانت فيه هى أكمل شكلا وموضوعا وأصح رواية وأبعد عن الشبهات كما سنوضحه، ~~وأما ما فسر به هذه الخصائص فهو التعليل الذى يعلل به الماديون الوحى ~~المطلق، وسنتكلم عليه فى الفصل الثالث. # ولخص هذا العالم خبير نزول الوحى على محمد صلى الله عليه وسلم من كتب ~~إسلامية مذعنا لصحة روايتها، وفصلها بعده العالم المستشرق الفرنسى أميل ~~درمنغام «1» فى كتابه (حياة محمد) مذعنا لصحة الرواية ولموضوعها. شارحا ~~لتأثير نبوته فى إصلاح البشر متمنيا الاتفاق بين المسلمين والنصارى، آسفا ~~للشقاق بينهم. # وإننا ننقل هنا تعريف الوحى والنبوة والآيات (العجائب) عن أحد علماء ~~الإفرنج الجامعين بين العلوم العصرية والدينية والتواريخ، وهو الدكتور ~~«جورج بوست» الشهير مؤلف كتاب (وقاموس الكتاب المقدس) بالعربية ليبنى عليها ~~الباحث المستقل العقل حكمه فى نبوة أنبياء بنى إسرائيل ووحيهم، ونبوة محمد ~~رسول الله وخاتم النبيين، والوحى الذى أنزل عليه. PageV01P038 ### | CHECK [الفصل الثانى فى إقامة الحجة على مثبتى الوحى المطلق فى إثبات ~~نبوة ms020 محمد صلى الله عليه وسلم] ### || AUTO تعريف الوحى والنبوة والأنبياء عند النصارى # جاء فى تفسير كلمة «وحى» من قاموس الكتاب المقدس المطبوع فى الطبعة ~~الأمريكانية فى بيروت سنة 1984 ما نصه مع حذف أكثر رموز الشواهد. # وتستعمل هذه اللفظة للدلالة على نبوة خاصة بمدينة أو شعب، وجاء فى (جزء ~~12: 10) «هذا الوحى هو الرئيس» أى أنه لآية للشعب وعلى العموم يراد بالوحى ~~الإلهام. # وعلى ذلك يقال: «إن كل الكتاب هو موحى به من الله» والوحى بهذا المعنى هو ~~حلول روح الله فى الكتاب الملهمين وذلك على أنواع: # 1 - إفادتهم بحقائق روحية أو حوادث مستقبلة لم يكن يمكنهم التوصل إليها ~~إلا به. # 2 - إرشادهم إلى تأليف حوادث معروفة أو حقائق مقررة والتفوه بها شفاها أو ~~تدوينها كتابة بحيث يعصمون من الخطأ. فيقال: «تكلم أناس الله القديسون ~~مسوقين من الروح القدس، وهنا لا يفقد المتكلم أو الكاتب شيئا من شخصيته، ~~وإنما يؤثر فيه الروح الإلهى بحيث يستعمل ما عنده من القوى والصفات وفق ~~إرشاده تعالى، ولهذا نرى فى كل مؤلف من الكتاب الكرام ما امتاز به من ~~المواهب الطبيعية ونمط التأليف وما شابه ذلك وفى شرح هذا التعليم دقة، وقد ~~اختلف العلماء فيما أوردوه من شرحه، غير أن جميع المسيحيين يتفقون على أن ~~الله قد أوحى لأولئك الكتاب ليدونوا إرادته ويفيدوا الإنسان ما يجب عليه من ~~الإيمان والعمل لكى ينال الخلاص الأبدى» أه. # وجاء فى تفسير «نبى. أنبياء. نبوة» منه ما نصه: # «النبوة لفظة تفيد الإخبار عن الله، وعن الأمور الدينية، ولا سيما عما ~~سيحدث فيما بعد، وسمى هارون نبيا لأنه كان المخبر والمتكلم عن موسى نظرا ~~لفصاحته (خروج 7: 1) أما أنبياء العهد القديم فكانوا ينادون بالشريعة ~~الموسوية، وينبئون بمجيء المسيح، ولما قلت رغبة الكهنة وقل اهتمامهم ~~بالتعليم والعلم فى أيام صموئيل أقام مدرسة فى الرامة وأطلق على تلامذتها ~~اسم بنى الأنبياء فاشتهر من ثم صموئيل بإحياء الشريعة وقرن اسمه باسم موسى ~~وهارون فى مواضع كثيرة من الكتاب، وتأسست أيضا مدارس أخرى للأنبياء فى ms021 بيت ~~إيل وأريحا والجلجال وأماكن أخرى، وكان رئيس المدرسة النبوية يدعى أبا أو ~~سيدا، وكان يعلم فى هذه المدارس تفسير التوراة والموسيقى والشعر، ولذلك كان ~~الأنبياء شعراء وأغلبهم كانوا يرنمون ويلعبون على آلات الطرب، وكانت الغاية ~~من هذه المدارس أن يرشح الطلبة فيها لتعليم الشعب. أما # معيشة الأنبياء وبنى الأنبياء فكانت ساذجة للغاية، وكثير منهم كانوا ~~متنسكين أو طوافين يضافون عند الأتقياء. PageV01P039 # ويظهر أن كثيرين من الذين تعلموا فى تلك المدارس لم يعطوا قوة على الأنباء ~~بما سيأتى. إنما اختص بهذه الخصوصية أناس منهم كان الله يقيمهم وقتا دون ~~آخر حسب مشيئته، ويعدهم بتربية فوق العادة لواجباتهم الخطيرة على أن بعض ~~الأنبياء الملهمين كان يختصهم الله بوحيه ولم يتعلموا من قبل ولا دخلوا تلك ~~المدارس، كعاموس مثلا فإنه كان راعيا وجانى جميز «1». # «أما النبوة فكانت على أنواع مختلفة كالأحلام والرؤى والتبليغ، وأحيانا ~~كثيرة كان الأنبياء يرون الأمور المستقبلة بدون تمييز أزمنتها فكانت تقترن ~~فى رؤاهم الحوادث الرقيبة العهد مع البعيدة. كاقتران نجاة اليهود من ~~الأشوريين بخلاص العالم بواسطة المسيح، وكانتصار اسكندر ذى القرنين بإتيان ~~المسيح، وكاقتران انسكاب الروح القدس يوم الخميسين بيوم الحشر، ومن هذا ~~القبيل اقتران خراب أورشليم بحوادث يوم الدينونة. وقد أرسل الله الأنبياء ~~الملهمين ليعلنوا مشيئته وليصلحوا الشئون الدينية، وعلى الأخص ليخبروا ~~بالمسيح الآتى لتخليص العالم، وكانوا القوة العظيمة الفعالة فى تعليم الشعب ~~وتنبيههم وإرشادهم إلى سبيل الحق، وكان لهم دخل عظيم فى الأمور السياسية» ~~أه بنصه. ### || AUTO بعض ما يرد على نبوتهم من تعريفها # أما تفسير الإلهام بحلول روح الله فى روح الملهم فهو تحكم للنصارى لا ~~يعرفه ولا يعترف به أنبياء بنى إسرائيل ولا علماؤهم، ولا يمكنهم إثباته ولا ~~دفع ما يرد عليه من وقوع التعارض والتناقض والخلق فيما كتبه أولئك ~~الملهمون، وما خالفوا فيه الواقع، وقد أشار إلى ذلك بقوله: «إن فى شرح ذلك ~~التعليم دقة، وأن العلماء اختلفوا فى شرحه» إلخ، ومن حل فيه روح الله صار ~~إلها، إذ المسيح لم يكن إلها ms022 عند النصارى إلا بهذا الحلول، فكيف يقع فى مثل ~~ما ذكر ويتخلف وحيه أو يخالف الواقع؟ ### || AUTO وأما كلامهم فى النبوة والأنبياء فيؤخذ منه ما يأتى: # 1 - إن أكثر أنبياء بنى إسرائيل كانوا يتخرجون فى مدارس خاصة بهم يتعلمون ~~فيها تفسير شريعتهم التوراة، والموسيقى والشعر، وأنهم كانوا شعراء ومغنيين ~~وعازفين على آلات الطرب، وبارعين فى كل ما يؤثر فى الأنفس ويحرك الشعور ~~والوجدان، ويثير رواكد الخيال، فلا غرو أن يكون عزرا ونحميا من أعظم ~~أنبيائهم ساقيين من سقاة الخمر لملك بابل (اؤرتحششتا) ومغنيين له، وأن ~~يكونا قد استعانا بتأثير غنائمهما فى نفسه على سماحه لهما بالعودة بقومهما ~~إلى وطنهما وإقامة دينهما فيه. PageV01P040 # فالنبوة على هذا كانت صناعة تعلم موادها فى المدارس، ويستعان على الإقناع ~~بها بالتخيلات الشعرية، والإلهامات الكلامية، والمؤثرات الغنائية ~~والموسيقية والمعلومات المكتسبة، فأين هى من نبوة محمد الأمى الذى لم يتعلم ~~شيئا، ولم يقل شعرا، وقد جاء مفردا بأعظم مما جاءوا به كلهم أجمعون مجتمعا؟ # 2 - إن كثيرا من هؤلاء الأنبياء وأولادهم كانوا متنسكين أو طوافين على ~~الناس يعيشون ضيوفا عند الأتقياء المحبين لرجال الدين. كما هو المعهود من ~~دراويش المتصوفة أهل الطرق فى المسلمين، ومن المعلوم أن هؤلاء المحبين ~~يقبلون من رجال التنسك كل ما يقولون، ويسلمون لهم كل ما يدعون، ويذيعون ~~عنهم كل ما يقبلون منهم، ومن غير هؤلاء الكثيرين من الأنبياء من نقلت عنهم ~~كتبهم المقدسة بعض كبائر المعاصى، وإن من أخبار الصوفية والنساك والسياح ~~عند المسلمين من تفضل سيرتهم سيرة هؤلاء الأنبياء فى كتبهم، فكيف يصح أن ~~يرتفع أحد منهم إلى درجة محمد صلى الله عليه وسلم فى نشأته الفطرية ومعيشته ~~من كسبه، وكونه لم يكن عالة على الناس فى شىء قبل النبوة ولا بعدها؟ # 3 - أشهر أنواع نبوتهم الأحلام والرؤى المنامية والتخيلات المبهمة، وكلها ~~تقع لغيرهم، وقد كانت الرؤيا الصادقة مبدأ نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ~~قبل وحى التشريع الذى كان له صور أعلى منها سنبينها بعد «1»؛ والرؤى صور ~~حسية فى الخيال ms023 تذهب الآراء والأفكار فى تعبيرها مذاهب شتى، قلما يعرف ~~تأويل الصادق منها غير الأنبياء كرؤيا ملك مصر التى عبرها يوسف عليه ~~السلام، ورؤياه وهو فى صغره. # 4 - إن نبوة الإخبار عن الأمور المستقبلة- وهى التى يستدلون بها على ~~كونهم مخبرين عن الله تعالى- كانت أحيانا كثيرة بدون تمييز أزمنتها ولا ~~حوادثها، فكان بعضها يختلط ببعض، فلا يكاد يظهر المراد منها إلا بعد حملها ~~على شىء واضح بعد وقوعه، كما يعهد فى كل عصر من أخبار العرافين والمنجمين. ~~بله الروحانيين المكاشفين، ومنها ما ظهر خلافه كما أشار إليه ولم يشرحه، ~~ولكن التاريخ شرحه. # وكان أعظم نبوات هؤلاء الأنبياء إخبارهم عن المسيح (مسيا) وملك إسرائيل ~~ولا يزال اليهود ينتظرونها «2»، ثم إخبار المسيح نفسه عن خراب العالم ومجىء ~~الملكوت لأجل دينونة العالم، وأنه لا ينقضى الجبل الذى خاطبه حتى يكون ذلك ~~كله، وقد مرت أجيال كثيرة ولم يكن من ذلك شىء. PageV01P041 ### || AUTO امتياز نبوة محمد على نبوة من قبله فى موضوعيها والموازنة بينه ~~وبين موسى وعيسى (ع. م) # أنى تضاهى تلك الأخبار (النبوات) - وهى كما علمت- أنباء القرآن الكثيرة ~~بالمغيبات كالذى بيناه فى خلاصة تفسير سورة براءة (التوبة) مما وقع من ~~المنافقين، وما هو فى سورة الفتح، وقد وقع فى عهد النبى صلى الله عليه ~~وسلم. وفى غيرهما كقوله تعالى فى أول سورة الروم: الم (1) غلبت الروم (2) ~~في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون (3) في بضع سنين [الروم: 1 - 4]، ~~وقوله: وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض ~~[النور: 55]، وأين هى من إنباء النبى صلى الله عليه وسلم أصحابه بأنهم ~~سيفتحون بعده بلاد الشام وبلاد فارس ومصر، ويستولون على ملكى كسرى وقيصر. ~~حتى أنه سمى كسرى عصره باسمه كما رواه البخارى عن عدى بن حاتم إلخ «1»؟. # هذا ما يقال بالإجمال فى أحد موضوعى النبوة وهو الإخبار عما سيكون فى ~~مستقبل الزمان، فما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم منها فى وحى القرآن ~~وغيره أظهر وأوضح وأبعد عن احتمال التأويل، وأعصى على إنكار ms024 المرتابين، ~~ويزيد عليه ما جاء به من أنباء الغيب الماضية، وسأورد ما يتأول به الجاحدون ~~للنبوة فى بيان بطلان شبهتهم. # وأما الموضوع الثانى للنبوة وهو الأهم الأعظم، أى عقائد الدين وعباداته ~~وآدابه وأحكامه، فالنظر فيه من وجهين: # (أحدهما) ما ذكروه من كونه لا يمكن أن يصل إليه عقل من جاء به وفكره ولا ~~علومه ومعارفه الكسبية، فيتعين أن يكون بوحى من الله. # (وثانيهما) أن يكون ما فيه من هداية الناس وصلاح أمورهم فى دينهم ودنياهم ~~أعلى فى نفسه من معارف البشر فى عصره، فيتعين أن يكون وحيا. # فأما الأول؛ الخاص بشخص الرسول، فإن العاقل المستقل للفكر إذا عرف تاريخ ~~محمد صلى الله عليه وسلم وتاريخ أنبياء بنى إسرائيل عليهم السلام فإنه يرى ~~أن محمدا صلى الله عليه وسلم قد نشأ أميا لم يتعلم القراءة ولا الكتابة، ~~وأن قومه الذين نشأ فيهم كانوا أميين وثنيين جاهلين بعقائد الملل PageV01P042 ~~وتواريخ الأمم وعلوم التشريع والفلسفة والأدب، حتى إن مكة عاصمة بلادهم ~~وقاعدة دينهم ومثوى كبرائهم ورؤسائهم، ومثابة الشعوب والقبائل للحج ~~والتجارة فيها والمفاخرة بالفصاحة والبلاغة فى أسواقها التابعة لها لم يكن ~~يوجد فيها مدرسة ولا كتاب مدون قط، فما جاء به من الدين التام الكامل، ~~والشرع العام العادل، لا يمكن أن يكون مكتسبا، ولا أن يكون مستنبطا بعقله ~~وفكره كما بيناه من قبل، وسندفع ما يرد من الشبهة عليه بعد (فى الفصل ~~الثالث). # ويرى تجاه هذا أن موسى (ع. م) أعظم أولئك الأنبياء فى علمه وعمله، وفى ~~شريعته وهدايته قد نشأ فى أعظم بيوت الملك لأعظم شعب فى الأرض وأرقاه ~~تشريعا وعلما وحكمة وفنا وصناعة، وهو بيت فرعون مصر، ورأى قومه فى حكم هذا ~~الملك القوى القاهر مستعبدين مستذلين، تذبح أبناؤهم وتستحيى نساؤهم، تمهيدا ~~لإبادتهم ومحوهم من الأرض، ثم إنه مكث بضع سنين عند حمية فى مدين وكان ~~نبيا- أو كاهنا كما يقولون- فمن ثم يرى منكرو الوحى أن ما جاء به موسى من ~~الشريعة الخاصة بشعبه ليس بكثير على رجل كبير العقل عظيم الهمة، ms025 ناشئ فى ~~بيت الملك والتشريع والحكمة إلخ. # ثم ظهر فى أوائل القرن الميلادى أن شريعة التوراة موافقة فى أكثر أحكامها ~~لشريعة حمورابى العربى ملك الكلدان الذى كان قبل موسى معاصرا لإبراهيم صلى ~~الله عليه وسلم، وقد قال الذين عثروا على هذه الشريعة من علماء الألمان فى ~~حفائر العراق أنه قد تبين أن شريعة موسى مستمدة منها لا وحى من الله تعالى ~~«1»، وأقل ما يقوله مستقل الفكر فى ذلك: إنه إن لم تكن التوراة مستمدة منها ~~فلا تعد أحق منها بأن تكون وحيا من الله تعالى، ولم ينقل أن حمورابى ادعى ~~أن شريعته وحى من الله تعالى. # ثم يرى الناظر أن سائر أنبياء العهد القديم كانوا تابعين للتوراة متعبدين ~~بها، وأنهم كانوا يتدارسون تفسيرها فى مدارس خاصة بهم وبأبنائهم مع علوم ~~أخرى، فلا يصح أن يذكر أحد منهم مع محمد ذكر موازنة ومفاضلة، ويرى أيضا أن ~~يوحنا المعمدان الذى شهد المسيح بتفضيله عليهم كلهم لم يأت بشرع ولا بنبإ ~~غيبى- بل أن عيسى عليه السلام وهو أعظمهم قدرا، وأعلاهم ذكرا، وأجلاهم ~~أثرا، لم يأت بشريعة جديدة، بل كان تابعا لشريعة التوراة مع نسخ قليل من ~~أحكامها، وإصلاح روحى وأدبى لجمود اليهود المادى على ظواهر ألفاظها، فأمكن ~~لجاحدى الوحى أن يقولوا إنه لا يكثر على رجل مثله زكى الفطرة، ذكى PageV01P043 ~~العقل، ناشئ فى حجر الشريعة اليهودية، والمدنية الرومانية والحكمة ~~اليونانية، غلب عليه الزهد والروحانية أن يأتى بتلك الوصايا الأدبية «1». # ونحن المسلمين لا نقول هذا ولا ذاك، وإنما يقولها الماديون الملحدون ~~والعقليون، وألوف منهم ينسبون إلى المذاهب النصرانية. # وأما الوجه الثانى؛ وهو عقائد الدين وعباداته وآدابه وأحكامه، فلا يرتاب ~~العقل المستقل الفكر غير المقلد لدين من الأديان أن عقائد الإسلام من توحيد ~~الله وتنزيهه عن كل نقص، ووصفه بصفات الكمال، والاستدلال عليها بالدلائل ~~العقلية والعلمية الكونية، ومن بيان هداية رسله، ومن عباداته وآدابه ~~المزكية للنفس المرقية للعقل، ومن شريعة العدل، وحكمه الشورى المرقى ~~للاجتماع البشرى. كل ذلك أرقى مما فى التوراة والأناجيل وسائر كتب ms026 العهد ~~القديم والجديد، بل هو الإصلاح الذى بلغ به دين الله # أعلى الكمال، ويشهد بهذا علماء الإفرنج، وقد شرحناه من وجهة نظرنا ووجهة ~~نظرهم فى مواضع من المنار والتفسير «2»، وسيأتى بيانه. # ومن نظر فى قصص آدم ونوح وإبراهيم ولوط وإسحاق ويعقوب ويوسف من سفر ~~التكوين، وسيرة موسى وداود وسليمان وغيرهم من الأنبياء فى سائر أسفار العهد ~~القديم، ثم قرأ هذه القصص فى القرآن يرى الفرق العظيم فى الاهتداء بسيرة ~~هؤلاء الأنبياء العظام. # ففي أسفار العهد القديم يرى وصف الله تعالى بما لا يليق به من الجهل ~~والندم على خلق البشر والانتقام منهم، ووصف الأنبياء أيضا بما لا يليق بهم ~~من المعاصى مما هو قدوة سوأى، من حيث يجد فى قصص القرآن من حكمة الله تعالى ~~ورحمته وعدله وفضله وسننه فى خلقه، ومن وصف أنبيائه ورسله بالكمال، وأحاسن ~~الأعمال، ما هو قدوة صالحة وأسوة حسنة تريد قارئها إيمانا وهدى، فأخبار ~~الأنبياء فى كتب العهدين تشبه بستانا فيه كثير من الشجر والعشب والشوك، ~~والثمار والأزهار والحشرات، وأخبارهم فى القرآن تشبه العطر المستخرج من تلك ~~الأزهار، والعسل المشتار من جنى الثمار، ويرى فيه رياضا أخرى جمعت جمال ~~الكون كله. # وندع هنا ذكر ما كتبه علماء الإفرنج الأحرار فى نقد هذه الكتب والطعن ~~فيها، ومن أخصرها وأغربها كتاب (أضرار تعليم التوراة والإنجيل) لأحد علماء ~~الإنكليز «3»؛ وما فيها من مخالفة العلم والعقل والتاريخ، والقرآن خال من ~~مثل ذلك. PageV01P044 ### || AUTO صد الكنيسة عن الإسلام # إن رجال الكنيسة لم يجدوا ما يصدون به أتباعها عن الإسلام بعد أن رأوه قد ~~قضى على الوثنية والمجوسية، وكاد يقضى على النصرانية فى الشرق، ثم امتد ~~نوره إلى الغرب. # إلا تأليف الكتب ونظم الأشعار والأغانى فى ذم الإسلام ونبيه وكتابه ~~بالإفك والبهتان، وفحش الكلام، الذى يدل على أن هؤلاء المتدينين أكذب ~~البشر، وأشدهم عداوة للحق والفضيلة فى سبيل رياستهم التى يتبرأ منها المسيح ~~عليه صلوات الله وسلامه. # وقد كان أتباعهم يصدقون ما يقولون ويكتبون، ويتهيجون بما ينظمون وينشدون، ~~حتى إذا ما ms027 اطلع بعضهم على كتب الإسلام، ورأوا المسلمين وعاشروهم ففضحوهم ~~أقبح الفضائح كما ترى فى كتاب (الإسلام خواطر وسوانح) للكونت دى كاسترى، ~~وكما ترى فى الكتاب الفرنسى الذى ظهر فى هذا العهد باسم (حياة محمد) للمسيو ~~درمنغام وهذان الكاتبان الفرنسيان من طائفة الكاثوليك اللاتين، وقد صرحا ~~كغيرهما بأن كنيستهما هى البادئة بالظلم والعدوان، والإفك والبهتان، ~~واعترفا بأدب المسلمين فى الدفاع «1». PageV01P045 # لما ظهرت طائفة البروتستان وغلب مذهبها فى شعوب الأنجلو سكسون والجرمان، ~~وكان الفضل فى دعوتهم الإصلاحية لما انعكس على أوروبا من نور الإسلام، لم ~~يتعفف قسوسهم ودعاتهم (المبشرون) عن افتراء الكذب، ولا تجملوا فيه بشيء من ~~النزاهة والأدب. # والذى نراه فى هذا العصر من مطاعنهم وافترائهم وسوء أدبهم أشد مما نراه ~~من غيرهم، ولكن الذين أنصفوا الإسلام من أحرار علمائهم أصرح قولا، ولعلهم ~~أكثر من اللاتين عددا، وكذلك الذين اهتدوا به، وسبب ذلك أن الحرية ~~والاستقلال فى تربيتهم أقوى، وسيكونون هم الذين ينشرون الإسلام فى أوروبا ~~والولايات المتحدة الأمريكية ثم فى سائر العالم كما جزم العلامة برناردشو ~~الإنكليزى فى كتاب الحياة الزوجية (واشتهر عنه هذا ونقلته صحف الأقطار ~~الإسلامية). PageV01P046 ### || AUTO الآيات والعجائب (أى الخوارق) وإثبات النبوة عندنا وعندهم «1» # بقى الكلام فى مسألة العجائب التى بنيت على أساسها الكنائس النصرانية على ~~اختلاف مذاهبها، وفيما يدعونه من تجرد محمد صلى الله عليه وسلم من لباسها. ~~وهى قد أصبحت فى هذا العصر حجة على دينهم لا له، وصادة للعلماء العقلاء عنه ~~لا مقنعة به. ولولا حكاية القرآن لآيات الله التى أيد بها موسى وعيسى ~~عليهما السلام لكان إقبال أحرار الإفرنج عليه أكثر، واهتداؤهم به أعم ~~وأسرع؛ لأن أساسه قد بنى على العقل والعلم وموافقة الفطرة البشرية. # وتزكية أنفس الأفراد، وترقية مصالح الاجتماع، وأما آيته التى احتج بها ~~على كونه من عند الله تعالى فهى القرآن، وأمية محمد صلى الله عليه وسلم، ~~فإنما هى آية علمية تدرك بالعقل والحس والوجدان: # كفاك بالعلم فى الأمى معجزة ... فى الجاهلية والتأديب فى اليتم # وأما تلك العجائب الكونية فهى ms028 مثار شبهات وتأويلات كثيرة فى روايتها وفى ~~صحتها، وفى دلالتها، وأمثال هذه الأمور تقع من أناس كثيرين فى كل زمان، ~~والمنقول منها عن صوفية الهنود والمسلمين أكثر من المنقول عن العهدين ~~العتيق والجديد، وعن مناقب القديسين، وهى من منفرات العلماء عن الدين فى ~~هذا العصر، وسنبين ما جاء به الإسلام فيها من القول الفصل. PageV01P047 ### || AUTO العجائب وما للمسيح منها # جاء فى تعريف العجائب وأنواعها من قاموس الكتاب المقدس ما نصه: # «وعجيبة: حادثة تحدث بقوة إلهية خارقة مجرى العادة الطبيعية لإثبات ~~إرسالية من جرب على يده أو فيه. والعجيبة الحقيقية هى فوق الطبيعة لا ضدها، ~~تحدث بتوقيف نواميس الطبيعة لا بمعاكستها، وهى إظهار نظام أعلى من الطبيعة ~~يخضع له النظام الطبيعى، ولنا فى فعل الإرادة مثال يظهر لنا حقيقة أمر ~~العجائب إذ بها ترفع اليد، وبذلك نوقف ناموس الثقل «1»، ويتسلط الله على ~~قوى الطبيعة ويرشدها ويمد مدارها ويحصره لأنها عوامل لمشيئته، ويناط فعل ~~العجائب بالله وحده أو بمن سمح له بذلك. # وإذا آمنا بالإله القادر على كل شىء لم يعسر علينا التسليم بإمكان ~~العجائب، وكانت العجيبة الأولى خليقة الكون من العدم بإرادته تعالى، أما ~~المسيح فأقنومة عجيبة أدبية عظيمة، وعجائبه لم تكن إلا إظهار هذا الأقنوم ~~وأعماله، وإذا آمنا بالمسيح ابن الله العديم الخطية لم يعسر علينا تصديق ~~عجائبه. أما الشيطان فعجائبه كذابة». # «ولا بد من العجائب لتعزيز الديانة؛ فكثيرا ما يستشهد المسيح بعجائبه ~~لإثبات لاهوته وكونه المسيح، وكان يفعلها لتمجيد الله ولمنفعة نفوس الناس ~~وأبدانهم، وكان يفعلها ظاهرا أما جماهير أصحابه وأعدائه ولم ينكرها أعداؤه ~~غير أنهم نسبوها ليعلزبول «2»، وسواء امتحناها بالشهادة من الخارج ~~وبمناسبتها إلى إرساليته الإلهية التى ظهرت لكل من كان خاليا من الغرض ~~صحيحة. فإذا لم نسلم بصحتها التزمنا أن نقول إن مقرريها كذابون، الأمر الذى ~~لا يسوغ ظنه بالمسيح والرسل «3». PageV01P048 # «وبقيت قوة العجائب فى عصر الرسل، ولما امتدت الديانة المسيحية زال ~~الاضطرار إليها «1»، ولا يلزمنا الآن سوى العجائب الأدبية الحاصلة من هذه ~~الديانة مع الشواهد الداخلية ms029 على صحتها، غير أنه يمكن لله تعالى أن يحددها ~~في أى وقت شاء» ا. ه. # ثم وضع المؤلف جدولا أحصى فيه عجائب العهد القديم من خراب سدوم وعمورية ~~على قوم لوط إلى خلاص يونان (يونس) بواسطة حوت، فبلغت 67 عجيبة، وقفى عليه ~~بجدول العجائب المقرونة بحياة المسيح، من الحبل به «يفعل الروح القدس» إلى ~~(الصعود إلى السماء) فبلغت 37، وعزز الجدولين بثالث فى (العجائب التى جرت ~~فى عصر الرسل)، أى الذين بثوا دعوة المسيح من تلاميذه وغيرهم من (انسكاب ~~الروح القدس يوم الخميسين) إلى (شفاء أبى بوبليوس «2» وغيره) فكانت عشرين، ~~وقد صرح بأن يوحنا المعمدان لم يرد فى الكتاب أنه صنع عجائب. ### || AUTO بحث في عجائب المسيح عليه السلام: # أقول: إن 27 من عجائب المسيح المذكورة: شفاء مرضى، ومجانين لا بستهم ~~الشياطين، وثلاث منها إقامة موتى عقب موتهم، وما بقى فمسألة الحبل له، ~~وتحويله الماء إلى خمر وسحب الشبكة فى بحر الجليل، وإشباع خمسة آلاف مرة، ~~وأربعة آلاف مرة أخرى، وضرب التينة العقيمة بما أيبسها، وقيامة المسيح، ~~وصيد السمك والصعود. وإننا نلخص رواية الأناجيل لأهمها وهو إحياء الموتى، ~~ونذكر ما يقوله فيها منكرو العجائب. # الميت الأول: شاب من مدينة نابين كان محمولا فى جنازة وأمه تبكى، فاستوقف ~~النعش وقال له: أيها الشاب لك أقول قم. فجلس وابتدأ يتكلم فدفعه إلى أمه، ~~فأخذ الجميع خوف ومجدوا الله قائلين: قد قام فينا نبى عظيم وافتقد الله ~~شعبه (لوقا 7: 11 - 16). # الثانى: صبية ماتت فقال له أبوها وكان رئيسا: ابنتى الآن ماتت، لكن تعال ~~فضع يدك عليها فتحيا. فجاء بيت الرئيس ووجد المزمرين يضجون، فقال لهم: ~~«تنحوا فإن الصبية لم تمت، لكنها نائمة، فضحكوا عليه، فلما أخرج الجمع دخل ~~وأمسك بيدها فقامت الصبية» متى (9: 18 - 24). PageV01P049 # فمنكرو العجائب يقولون: إن كلا من الشاب والشابة لم يكونا قد ماتا بالفعل، ~~وإن كثيرا من الناس فى كل زمان قد قاموا من نعوشهم، بل من قبورهم بعد أن ظن ~~الناس أنهم ماتوا. ولذلك تمنع الحكومات المدنية دفن الميت إلا ms030 بعد أن يكتب ~~أحد الأطباء شهادة بثبوت موته ثبوتا عمليا فنيا- وللمؤمنين بالآيات أن ~~يجزموا أيضا بأن الصبية لم تكن ميتة أخذا بظاهر قوله عليه السلام: «لم تمت ~~ولكنها نائمة»، يعنى أنها أغمى عليها فظنوا أنها ماتت وهى لم تمت. # وأما الثالث: فهو ليعازر حبيبه وأخو مرثا ومريم حبيبته: مرض في قريتهم ~~(بيت عنيا) فأرسلتا إلى المسيح قائلين: هو ذا الذي تحبه مريض، فمكث يومين ~~وحضر فوجد أنه مات منذ أربعة أيام، فلاقته مرثا وقالت: يا سيد لو كنت هنا ~~لم يمت أخى، ثم دعت أختها مريم، فلما رأته خرت عند رجليه قائلة كما قالت ~~مرثا، وكانوا قد ذهبوا إلى القبر للبكاء، فلما رآها تبكي واليهود الذين ~~جاءوا معها يبكون (انزعج بالروح واضطرب) وقال: أين وضعتموه؟ فدلوه عليه، ~~فبكى وانزعج فى نفسه وجاء إلى القبر، وكان مغارة وقد وضع عليه حجر، فأمر ~~برفع الحجر فرفعوه (ورفع يسوع عينيه إلى فوق وقال: أيها الأب أشكرك لأنك ~~سمعت لى، وأنا علمت أنك فى كل حين تسمع لى، ولكن لأجل هذا الجمع الواقف قلت ~~ليؤمنوا أنك أرسلتنى) ولما قال هذا صرخ بصوت عظيم: «ليعازر، هلم خارجا» ~~فخرج الميت ويداه ورجلاه مربوطتان بأقمطة، ووجهه ملفوف بمنديل، فقال لهم ~~يسوع حلوه ودعوه يذهب» ا. ه. # ملخصا من الفصل 11 من إنجيل يوحنا. # أتدري أيها القارئ ما يقول منكرو العجائب والآيات فى هذه القصة على تقدير ~~صحة الرواية؟ إننى سمعت طبيبا سوريا بروتستنتيا يقول: إنها كانت بتواطؤ ~~بينه وبين حبيبته وحبيبه لإقناع اليهود بنبوته- وحاشاه عليه السلام. # وإنما ننقل هذا لنتبين أن النصارى لا يستطيعون إقامة البرهان فى هذا ~~العصر على نبوة المسيح فضلا عن ألوهيته بهذه الروايات التى تدل على النبوة ~~وتنفى الألوهية كما فهم الذين شاهدوها. لأنه ليس لها أسانيد متصلة إلى ~~كاتبيها، ولا دليل على عصمتهم من الخطأ في روايتها، دع قول المنكرين ~~باحتمال الاحتيال والتلبيس أو المصادفة فيها، أو عدهم إياها على تقدير ~~ثبوتها من فلتات الطبيعة «1». PageV01P050 # وإذا كان أعظمها هو إحياء الميت يحتمل ms031 ما ذكروا من التأويل، فما القول فى ~~شفاء المرضى وإخراج الشياطين الذى يكثر وقوع مثله فى كل زمان، والأطباء ~~كلهم يقولون إن ما يدعيه العوام من دخول الشياطين فى أجساد الناس ما هو إلا ~~أمراض عصبية تشفى بالمعالجة أو بالوهم والاعتقاد، ودونها مسألة الخمر ~~والسمك ويبس التينة «1». PageV01P051 # ............. ................ ........ PageV01P052 ### || AUTO آية نبوة محمد العقلية العلمية وسائر آياته الكونية # إن ما رواه المحدثون بالأسانيد المتصلة تارة، والمرسلة «1» أخرى من ~~الآيات الكونية التى أكرم الله تعالى بها رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم ~~وهى أكثر من كل ما رواه الإنجيليون وأبعد عن التأويل، ولم يجعلها برهانا ~~على صحة الدين، ولا أمر بتلقينها للناس. # ذلك بأن الله تعالى جعل نبوة محمد ورسالته قائمة على قواعد العلم والعقل ~~فى ثبوتها وفى موضوعها؛ لأن البشر قد بدءوا يدخلون بها فى سن الرشد ~~والاستقلال النوعى الذى لا يخضع عقل صاحبه فيه لا تباع من تصدر عنهم أمور ~~عجيبة مخالفة للنظام المألوف فى سنن الكون، بل لا يكمل ارتقاؤهم واستعدادهم ~~العقلى مع هذا الخضوع، بل هو من موانعه، فجعل حجة نبوة خاتم النبيين عين ~~موضوع نبوته، وهو كتابه المعجز للبشر بهدايته وبعلومه، وبإعجازه اللفظى ~~والمعنوى، وبأنباء الغيب الماضية والحاضرة والآتية فيه «2»؛ ليربى البشر ~~على الترقى فى هذا الاستقلال، إلى ما هم مستعدون له من الكمال. # هذا الفصل بين النبوات الخاصة الماضية، والنبوة العامة الباقية، قد عبر ~~عنه النبى صلى الله عليه وسلم بقوله: «ما من الأنبياء من نبى إلا وقد أعطى ~~من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذى أوتيته وحيا أوحاه الله ~~إلى، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة». متفق عليه من حديث أبى ~~هريرة- رضى الله عنه. # وقص الله تعالى علينا فى كتابه: أن المشركين اقترحوا الآيات الكونية ~~(العجائب) على رسوله، فاحتج عليهم بالقرآن فى جملته، وبما فيه من أخبار ~~الرسل والكتب السابقة التى لم يكن يعلمها هو ولا قومه، وبهدايته وبعلومه ~~وبإعجازه، وعدم استطاعة أحد ولا جماعة ولا العالم كله على الإتيان بمثله: ~~قل ms032 لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ~~ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا [سورة الإسراء: 88]، وسيأتى تفصيله. PageV01P053 # وأما ما أكرمه الله تعالى به من الآيات الكونية فلم يكن لإقامة الحجة على ~~نبوته ورسالته، بل كان من رحمة الله تعالى وعنايته به وبأصحابه فى الشدائد، ~~كنصرهم على المعتدين من الكفار الذين يفوقونهم عددا وعتادا واستعدادا ~~بالسلاح والطعام، وناهيك بغزوة بدر والنصر فيها، ثم بغزوة الأحزاب إذ تألب ~~المشركون واليهود على المسلمين وأحاطوا بمدينتهم فردهم الله بغيظهم لم ~~ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين شر القتال. # من تلك الآيات: شفاء المرضى، وإبصار الأعمى، وإشباع العدد الكثير من ~~الطعام القليل فى غزوة الأحزاب وفى غزوة تبوك، كما وقع للمسيح عليه السلام. # ومنها: تسخير الله السحاب لإسقاء المسلمين؛ وتثبيت أقدامهم التى كانت ~~تسيح فى الرمل ببدر، ولم يصب المشركين من غيثها شىء. ومثل ذلك فى غزوة تبوك ~~إذ نفذ ماء الجيش فى الصحراء والحر شديد حتى كانوا يذبحون البعير ويخرجون ~~الفرق من كرشه ليعتصروه ويبلوا به ألسنتهم على قلة الرواحل معهم، وكان يقل ~~من يجد من عصارته ما يشربه شربا، فقال أبو بكر: يا رسول الله إن الله عودك ~~فى الدعاء خيرا فادع لنا، فرفع يديه فدعا، فلم يرجعهما حتى كانت السماء قد ~~سكبت لهم ما ملئوا ما معهم من الروايا، ولم تتجاوز عسكرهم «1». ### || AUTO تأثير العجائب فى الأفراد والأمم: # لقد كانت آيات المرسلين حجة على الجاحدين المعاندين، استحقوا بجحودها ~~عذاب الله فى الدنيا والآخرة، ولم يؤمن بها ممن شاهدوها إلا المستعدون ~~للإيمان بها. # إن فرعون وقومه لم يؤمنوا لآيات موسى، وإن أكثر بنى إسرائيل لم يعقلوها ~~«2»، وقد اتخذوا العجل وعبدوه بعد رؤيتها ورؤية غيرها فى برية سيناء. وقال ~~اليهود فى المسيح: # لولا أنه رئيس الشياطين لما أخرج الشيطان من الإنسان. وقالوا إن إبليس أو ~~بعلزبول «3» يفعل أكثر من فعله، وما كان أكثرهم مؤمنين. وقال المنافقون وقد ~~رأوا بأعينهم سحابة واحدة فى إبان القيظ قد مطرت عسكر المؤمنين وحده عند ms033 ~~دعاء النبى صلى الله عليه وسلم: إننا مطرنا بتأثير النوء لا بدعائه. PageV01P054 # وقد كان أكثر من آمن بتلك الآيات إنما خضعت أعناقهم، واستخدمت أنفسهم لما ~~لا يعقلون له سببا، وقد انطوت الفطرة على كل ما لا يعرف له سبب، فالآتى به ~~مظهر للخالق سبحانه، إن لم يكن هو الخالق نفسه، وكان أضعاف أضعافهم يخضع ~~مثل هذا الخضوع نفسه للسحرة والمشعوذين والدجالين ولا يزالون كذلك. # وقد نقلوا عن المسيح عليه السلام أنه سيأتى بعده مسحاء كذبة، وأنبياء ~~كذبة، ويعطون آيات عظيمة وعجائب حتى يضلوا لو أمكن المختارين أيضا (متى 24: ~~24) وقد ذكر فى قاموس الكتاب المقدس عدد كثير منهم، وأسماء بعضهم وأقول: إن ~~منهم القاديانى الذى ظهر من مسلمى الهند، وتذكر صحف الأخبار ظهور هندى آخر ~~يريد إظهار عجائبه فى أمريكا فى هذا العام ونقلوا عن المسيح أنه قال: «الحق ~~أقول لكم: ليس كل نبى مقبولا فى وطنه» وجعل القاعدة لمعرفة النبى الصادق ~~تأثير هدايته فى الناس لا الآيات والعجائب فقال: # «من ثمارهم تعرفونهم» ولم يظهر بعده- ولا قبله- نبى كانت ثماره الطيبة فى ~~هداية البشر كثمار محمد صلى الله عليه وسلم ولا أحد يصدق عليه قوله فى ~~إنجيل يوحنا (16: 12 إن لى أمورا كثيرة أيضا ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا ~~الآن. وأما متى جاء ذاك «أى البارقليط» روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق) ~~إلخ، وما جاء بعده نبى أرشد الناس إلى جميع الحق فى الدين؛ من توحيد، ~~وتشريع، وحكمة، وتأديب: غير محمد رسول الله وخاتم النبيين. # ومن استقرأ تواريخ الأمم علم أن أهل الملل الوثنية أكثر اعتمادا على ~~العجائب من أهل الأديان السماوية، ورأى الجميع ينقلون منها عمن يعتقدون ~~قداستهم من الأولياء والقديسين، أكثر مما نقلوا عن الأنبياء المرسلين، ورأى ~~أن أكثر المصدقين بها من الخرافين. ### || AUTO ثبوت نبوة محمد بنفسها وإثباتها لغيرها: # وجملة القول: أن نبوة محمد صلى الله عليه وسلم قد ثبتت بنفسها، أى ~~بالبرهان العلمى والعقلى الذى لا ريب فيه، لا بالآيات والعجائب الكونية. ~~وإن هذا البرهان قائم ماثل ms034 للعقول والحواس فى كل زمان، وأنه لا يمكن إثبات ~~آيات النبيين السابقين إلا بثبوت نبوته صلى الله عليه وسلم وهذا القرآن ~~الذى جاء به، فالحجة الوحيدة عليها فى هذا الطور العلمى الاستقلالى من ~~أطوار النوع البشرى هو شهادته لها. فإن الكتب التى نقلها لا يمكن إثبات ~~عزوها إلى من عزيت إليهم، إذ لا يوجد نسخ منها منقولة عنهم باللغات التى ~~كتبوها بها لا تواترا ولا آحادا، ولا يمكن إثبات عصمتهم من الخطأ فيما ~~كتبوه على اختلافه، وتناقضه، وتعارضه، ولا إثبات صحة التراجم التى نقلت ~~بها، كما قلنا آنفا وبيناه بالتفصيل مرارا. PageV01P055 # إن الكتاب الإلهى الوحيد الذى نقل بنصه الحرفى تواترا عمن جاء به بطريقتى ~~الحفظ والكتابة معا هو القرآن، وأن النبى الوحيد الذى نقل تاريخه بالروايات ~~المتصلة الأسانيد حفظا وكتابة هو محمد صلى الله عليه وسلم، فالدين الوحيد ~~الذى يمكن أن يعقله العلماء المستقلون فى الفهم والرأى ويبنوا عليه حكمهم، ~~هو الإسلام. # وأما خلاصة ما يمكن الاعتراف به من الأديان السابقة لثبوت قضاياه ~~الإجمالية بالتواتر المعنوى، فهو أنه وجد فى جميع أمم الحضارة القديمة دعاة ~~إلى عبادة الله تعالى وحده، وإلى العمل الصالح، وإلى ترك الشرور والرذائل، ~~منهم أنبياء مبلغون عن الله تعالى مبشرين ومنذرين، كما أنه وجد فيهم حكماء ~~يبنون إرشادهم على الاحتجاج بما ينفع الناس ويرضهم بحكم العقل والتجربة، ~~ووجد فى جميع ما نقل عن الفريقين أمور مخالفة للعقل ولما ينفع الناس، وأمور ~~خاصة بأقوامهم وبزمانهم، وخرافات ينكرها العقل وينقضها العلم. # وإذا كان الإسلام ونبيه هو الدين الوحيد الذى عرفت حقيقته وتاريخه ~~بالتفصيل؛ فإننا نذكر هنا شبهة علماء الإفرنج الماديين ومقلدتهم عليه، بعد ~~مقدمة فى شهادتهم الإجمالية له، تمهيدا لدحض الشبهة، ونهوض الحجة، فنقول: ### || AUTO درس علماء الإفرنج للسيرة المحمدية وشهادتهم بصدقه صلى الله ~~عليه وسلم # درس علماء الإفرنج تاريخ العرب قبل الإسلام وبعده على طريقتهم فى النقد ~~والتحليل، ودرسوا السيرة النبوية المحمدية وفلوها فليا ونقشوها بالمناقيش، ~~وقرءوا القرآن بلغته وقرءوا ما ترجمه به أقوامهم، وكانوا على علم ms035 محيط بكتب ~~العهدين القديم والجديد، وتاريخ الأديان ولا سيما الديانتين اليهودية ~~والنصرانية. وربما كتبه المتعصبون للكنيسة من الافتراء على الإسلام والنبى ~~والقرآن مما أشرنا إلى بعضه آنفا، فخرجوا من هذه الدروس كلها بالنتيجة ~~الآتية: # «إن محمدا كان سليم الفطرة، كامل العقل، كريم الأخلاق، صادق الحديث، عفيف ~~النفس، قنوعا بالقليل من الرزق، غير طموح بالمال، ولا جنوح إلى الملك، ولم ~~يعن بما كان يعنى به قومه من الفخر، والمباراة فى تحبير الخطب ولا قرض ~~الشعر، وكان يمقت ما كانوا عليه من الشرك وخرافات الوثنية، ويحتقر ما ~~يتنافسون فيه من الشهوات البهيمية، كالخمر والميسر وأكل أموال الناس ~~بالباطل، وبهذا كله وبما ثبت من سيرته ويقينه بعد النبوة جزموا بأنه كان ~~صادقا فيما ادعاه بعد استكمال الأربعين من سنه من رؤية ملك الوحى، وإقرائه ~~إياه هذا القرآن، وإنبائه بأنه رسول من الله لهداية قومه فسائر الناس». PageV01P056 # وزادهم ثقة بصدقه أن كان أول الناس إيمانا به واهتداء بنبوته أعلمهم بدخيلة ~~أمره وأولهم: زوجته خديجة المشهورة بالعقل والنبل والفضيلة، ومولاه زيد بن ~~حارثة الذى اختار أن يكون عبدا له على أن يلحق بوالده وأهل بيته ويكون معهم ~~حرا، ثم إن كان الذين آمنوا به من أعظم العرب حرية واستقلالا فى الرأى ولا ~~سيما أبى بكر وعمر «1». # فأما المؤمنون بالله وملائكته، وبأن للبشر أرواحا خالدة من هؤلاء الإفرنج ~~فقد آمنوا بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم على علم وبرهان، وهم يزيدون عاما ~~بعد عام، بقدر ما يتاح لهم من العلم بالإسلام، وأما الماديون فلم يكن لهم ~~بد من تفسير لهذه الحادثة أو الظاهرة التى لا ريب فيها صحتها وثبوتها، ~~وتصويرها بالصورة العلمية التى يقبلها العقل، الذى لا يؤمن صاحبه بما وراء ~~المادة أو الطبيعة من عالم الغيب. # قدحوا زناد الفكر، واستوروا به نظريات الفلسفة، فلاح لهم منه سقط أبصروا ~~فى ضوئه الضئيل الصورة الخيالية التى أجملها الأستاذ «مونتيه» فى عبارته ~~التى نقلناها عنه آنفا، وفصلها «أميل درمنغام» وغيره بما نشرحه هاهنا (فى ~~الفصل الثالث من هذا ms036 الكتاب). # ... PageV01P057 ### | AUTO الفصل الثالث فى شبهة منكرى عالم الغيب على الوحى الإلهى ~~وتصويرهم لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم بما يسمونه الوحى النفسى # خلاصة رأى هؤلاء الماديين: أن الوحى إلهام كان يفيض من نفس النبى الموحى ~~إليه لا من الخارج، ذلك أن منازع نفسه العالية وسريرته الطاهرة، وقوة ~~إيمانه بالله وبوجوب عبادته وترك ما سواها من عبادة وثنية وتقاليد وراثية ~~رديئة، يكون لها فى جملتها من التأثير ما يتجلى فى ذهنه ويحدث فى عقله ~~الباطن الرؤى والأحوال الروحية فيتصور ما يعتقد وجوبه إرشادا إلهيا نازلا ~~عليه من السماء بدون وساطة، أو يتمثل له رجل يلقنه ذلك يعتقد أنه ملك من ~~عالم الغيب، وقد يسمعه يقول ذلك، وإنما يرى ويسمع ما يعتقده فى اليقظة، كما ~~يرى ويسمع مثل ذلك فى المنام الذى هو مظهر من مظاهر الوحى عند جميع ~~الأنبياء، فكل ما يخبر به النبى كلام ألقى فى روعه، أو عن ملك ألقاه على ~~سمعه، فهو خبر صادق عنده. # يقول هؤلاء الماديون: نحن لا نشك فى صدق محمد فى خبره عما رأى وسمع وإنما ~~نقول: إن منبع ذلك من نفسه، وليس فيه شىء جاء من عالم الغيب الذى يقال إنه ~~رأى عالم المادة والطبيعة، الذى يعرفه جميع الناس؛ فإن هذا (الغيب) شىء لم ~~يثبت عندنا وجوده، كما أنه لم يثبت عندنا ما ينفيه ويلحقه بالمحال، وإنما ~~تفسير الظواهر غير المعتادة بما عرفنا وثبت عندنا دون ما لم يثبت. # ويضربون مثلا لهذا الوحى: قصة «جان دارك» الفتاة الفرنسية التى قررت ~~الكنيسة الكاثوليكية قداستها بعد موتها بزمن، وهذا التصوير الذى يصورون به ~~ظاهرة الوحى قد سرت شبهته إلى كثير من المسلمين المرتابين الذين يقلدون ~~هؤلاء الماديين فى نظرياتهم المادية أو يقتنعون بها. # وإننى أفتتح الكلام فى إبطال هذه الصورة الخيالية بالكلام على (جان دارك) ~~فقد ألقى إلى سؤال عنها نشرته مع الجواب عنه فى صفحة 788 من المجلد السادس ~~من المنار (سنة 1321) وهذا نصه: PageV01P059 ### || AUTO شبهة على الوحى # حضرة الأستاذ الرشيد: عرضت لى ms037 شبهات فى وقوع الوحى (وهو أساس الدين) ~~فعمدت إلى رسالة التوحيد للشيخ محمد عبده- حيث وقع اختيارى عليها- وقرأت ~~فيها بابى (حاجة البشر إلى الوحى) و(إمكان الوحى) فوجدت الكلام وجيها ~~معقولا، غير أن الحاجة إلى شىء لا تستلزم وقوعه، وكذا إمكانه وعدم استحالته ~~عقلا لا يقتضى حصوله، ثم ما ذكر بعد من أن حالة النبى وسلوكه بين قومه ~~وقيامه بجلائل الأعمال وبوقوع الخير للناس على يديه وهو دليل نبوته وتأييد ~~بعثته، فليس شيئا؛ فإنه قد يكون (كون) النبى حميد السيرة فى عشيرته، صادقا ~~فى دعوته- أعنى معتقدا فى نفسه- سببا فى نهوض أمته، ولا يكون كل ذلك مدعاة ~~إلى الاعتقاد به، والتسليم به. # وقد حدث بفرنسا فى القرن الخامس عشر الميلادى إذ كانت مقهورة للإنكليز أن ~~بنتا تدعى (جان دارك) من أجمل النساء سيرة وأسلمهن نية، اعتقدت- وهى فى بيت ~~أهلها بعيدة عن التكاليف السياسية- أنها مرسلة من عند الله لإنقاذ وطنها ~~ودفع العدو عنه، وصارت تسمع صوت الوحى، فأخلصت فى الدعوة للقتال، وتوصلت ~~بصدق إرادتها إلى رئاسة جيش صغير، وغلبت به العدو فعلا، ثم ماتت عقب نصرتها ~~ميتة الأبطال من الرجال إذ خذلتها قومها، ووقعت فى يد عدوها، فألقوها فى ~~النار حية، فذهبت تاركة فى صحائف التاريخ اسما يعبق نشره وتضوع رياه، وهى ~~الآن موضع إجلال القوم وإعظامهم؛ فلقد تيسرت لهم النهضة بعدها، وجروا فى ~~العلم والرقى بعيدا. # فهل يجزم لذلك أن تلك البنت نبية مرسلة؟ ربما تذهبون إلى أن عملها لا ~~يذكر مقارنا بما أتت به الرسل وما وصل للناس من الخير بسببهم، فأقول: هل ~~هناك من ميزان نزن به الأعمال النافعة لنعلم إن كانت وصلت إلى الدرجة التى ~~يجب معها أن نصدق دعوة صاحبها؟ وهل لو ساعدت الصدف (كذا) رجلا على أن يكون ~~أكبر الناس فعلا، وأبقاهم أثرا، واعتقد برسالة نفسه لوهم قام (عنده) يفضى ~~بنا ذلك إلى التيقن من رسالته؟. # أظن أن هذا كله- مضافا لغيره- يدعو إلى الترجيح ولا يستلزم اليقين أبدا ~~على أننى أنتظر أن تجدوا فى قولى هذا خطأ تقنعوننى به ms038 أو تزيدوننى إيضاحا، ~~ينكشف به الحجاب، PageV01P060 ~~وتنالون به الثواب، هذا وإنى أعلم من فئة مسلمة ما أعلمه من نفسى ولكنهم ~~يتحفظون فى الكتمان، ويسألون الكتب خشية سؤال الإنسان، ولكننى لا أجد فى ~~السؤال عارا، وكل عقل يخطئ ويصيب، يزل ويستقيم. # (أحد قرائكم) ### || AUTO جواب المنار # لقد سرنا من السائل أنه على تمكن الشبهة من نفسه لم يذعن لها تمام ~~الإذعان فيسترسل فى تعدى حدود الدين إلى فضاء الأهواء والشبهات التى تفسد ~~الأرواح والأجسام، بل أطاع شعور الدين الفطرى، ولجأ إلى البحث فى الكتب، ثم ~~السؤال ممن يظن فيهم العلم، بما يكشف الشبهة، ويقيم الحجة، وإن كثيرا من ~~الناس لينصرفوا عن طلب الحق عند أول قزعة من الشبهة تلوح فى فضاء أذهانهم، ~~لأنهم شبوا على حب التمتع والانغماس فى اللذة، ويرون الدين صادا لهم عن ~~الانهماك والاسترسال فيها، فهم يحاولون إماتة شعوره الفطرى، كما أمات ~~النشوء فى الجهل برهانه الكسبى. # أرى السائل نظر من رسالة التوحيد فى المقدمات ووعاها، ولكنه لم يدقق ~~النظر فى المقاصد والنتائج، لذلك نراه مسلما المقدمات دون النتيجة مع ~~اللزوم بينهما، فإذا هو عاد إلى مبحث (حاجة البشر إلى الرسالة) وتدبره وهو ~~مؤمن بالله، وأنه أقام الكون على أساس الحكمة البالغة والنظام الكامل، ~~فإننى أرجو له أن يقتنع، ثم إننى آنست منه أنه لم يقرأ مبحث (وقوع الوحى ~~والرسالة) أو لعله قرأه ولم يتدبره، فإنه لم يذكر البرهان على نفس الرسالة ~~ويبنى الشبهة عليه، وإنما بناها على جزء من أجزاء المقدمات، وهى القول فى ~~بعض صفات الرسل عليهم السلام، وإننى أكشف له شبهته أولا فأبين أنها لم تصب ~~موضعها، ثم أعود إلى رأى فى الموضوع. # إن (جان دارك) التى اشتبه عليه أمرها بوحى الأنبياء لم تقدم بدعوة إلى ~~دين أو مذهب تدعى أن فيه سعادة البشر فى الحياة وبعد الموت كما هو شأن جميع ~~المرسلين، ولم تأت بآية كونية ولا علمية لا يعهد مثلها من كسب البشر تتحدى ~~بها الناس ليؤمنوا بها، وإنما كانت فتاة ذات وجدان ms039 شريف هاجه شعور الدين، ~~وحركته مزعجات السياسة فتحرك، فنفر، PageV01P061 ~~فصادف مساعدة من الحكومة، واستعدادا من الأمة للخروج من الذل الذى كانت ~~فيه، وكان التحمس الذى حركته سببا للحملة الصادقة على العدو وخذلاته. وما ~~أسهل حماسة أهل فرنسا بمثل هذه المؤثرات وبما هو أضعف منها، فإن نابليون ~~الأول كان يسوقهم إلى الموت مختارين بكلمة شعرية يقولها ككلمته المشهورة ~~عند الأهرام. # وأذكر السائل الفطن بأنه لم يوافق الصواب فى إبعاد الفتاة عن السياسة ~~ومذاهبها فقد جاء فى ترجمتها من دائرة المعارف العربية (للبستانى) ما نصه: # «كانت متعودة الشغل خارج البيت كرعى المواشى وركوب الخيل إلى العين ومنها ~~إلى البيت، وكان الناس فى جوار دومرى (أى بلدها) متمسكين بالخرافات ويميلون ~~إلى حزب أورليان فى الانقسامات التى مزقت مملكة فرنسا، وكانت «جان دارك» ~~تشترك فى الهياج السياسى والحماسة الدينية، وكانت كثيرة التخيل والورع، تحب ~~أن تتأمل فى قصص العذراء وعلى الأكثر فى نبوة كانت شائعة فى ذلك الوقت، وهى ~~أن إحدى العذارى ستخلص فرنسا من أعدائها، ولما كان عمرها 13 سنة كانت تعتقد ~~بالظهورات الفائقة الطبيعية وتتكلم عن أصوات كانت تسمعها ورؤى كانت تراها، ~~ثم بعد ذلك ببضع سنين خيل لها أنها قد دعيت لتخلص بلادها وتتوج ملكها، ثم ~~وقع البرغنيور تعديا على القرية التى ولدت فيها، فقوى ذلك اعتقادها بصحة ما ~~خيل لها». # ثم ذكر بعد ذاك توسله إلى الحكام وتعيينها قائدة لجيش ملكها، وهجومها ~~بعشرة آلاف جندى ضباطهم ملكيون على عسكر الإنكليز الذين كانوا يحاصرون ~~أورليان، وأنها دفعتهم عنها حتى رفعوا الحصار فى مدة أسبوع، وذلك سنة 1429، ~~ثم ذكر أنها بعد ذلك زالت أخيلتها الحماسية، ولذلك هوجمت فى السنة التالية ~~1430 فانكسرت وجرحت وأسرت. # فمن ملخص القصة، يعلم أن ما كان منها إنما هو تهيج عصبى سببه التألم من ~~تلك الحالة السياسية التى كان يتألم منها من نشأت بينهم مع معونة التحمس ~~الدينى والاعتقادات بالخرافات الدينية التى كانت ذائعة فى زمنها، وهذا شىء ~~عادى معروف السبب، وهو من قبيل الذين يقومون باسم ms040 المهدى المنتظر كمحمد ~~أحمد السودانى، والباب الإيرانى (وكذا البهاء والقاديانى)، بل الشبهة فى ~~قصتها أبعد من الشبهة فى قصة هذين الرجلين، وإن كانت أسباب النهضة متقاربة، ~~فإن هذين كانا كأمثالهما يدعوان إلى # شىء (ملفق) يزعمان أنه إصلاح للبشر فى الجملة. PageV01P062 # أين هذه النوبة العصبية القصيرة الزمن، والمعروفة السبب، التى لا دعوة فيها ~~إلى علم ولا إصلاح اجتماعى، إلا المدافعة عن الوطن عند الضيق التى هى ~~مشتركة بين الإنسان والحيوان الأعجم التى لا حجة تدعمها، ولا معجزة تؤيدها. ~~التى اشتعلت بنفخة، وطفئت بنفخة؟. # أين هى من دعوة الأنبياء التى بين الأستاذ الإمام إنها حاجة طبيعية من ~~حاجات الاجتماع البشرى، طلبها هذا النوع بلسان استعداده فوهبها له المدبر ~~الحكيم (الذى أعطى كل شىء خلقه ثم هدى) فسار الإنسان بذلك إلى كماله، فلم ~~يكن أدنى من سائر المخلوقات الحية النامية، بل أرقى وأعلى؟ وأين دليلها من ~~أدلة النبوة؟ وأين أثرها من أثر النبوة؟. # إن الأمم التى ارتقت بما أرشدها إليه تعليم الوحى إنما ارتقت بطبيعة ذلك ~~التعليم وتأثيره. وإن فرنسا لم ترتق بإرشاد (جان دارك) وتعليمها، وإنما ~~مثلها مثل قائد انتصر فى واقعة فاصلة بشجاعته، وبأسباب أخرى ليست من صنعه، ~~واستولت أمته بسبب ذلك على بلاد رقتها بعلوم علمائها، وحكمه حكمائها، وصنع ~~صناعها، ولم يكن القائد يعرف من ذلك شيئا ولم يرشد إليه، فلا يقال إن ذلك ~~القائد هو الذى أصلح تلك البلاد، وعمرها ومدنها، وإن عد سببا بعيدا فهو ~~شبيه بالسبب الطبيعى، كهبوب ريح تهيج البحر فيغرق الأسطول وتنتصر الأمة. # أين حال تلك الفتاة التى كانت كبارقة خفت (أى ظهرت وأو مضت) ثم خفيت ~~وصيحة علت ولم تلبث أن خفتت، ومن حال شمس النبوة المحمدية التى أشرقت ~~فأنارت الأرجاء، ولا يزال نورها متألق السناء؛ أمى يتيم قضى سن الصبا وشرخ ~~الشباب هادئا ساكنا لا يعرف عنه علم ولا تخيل، ولا وهم دينى ولا شعر ولا ~~خطابة، ثم صاح على رأس الأربعين بالعالم كله صيحة؛ إنكم على ضلال مبين، ~~فاتبعون أهدكم الصراط المستقيم، ms041 فأصلح وهو الأمى أديان البشر؛ عقائدها ~~وآدابها وشرائعها، وقلب نظام الأرض فدخلت بتعليمه فى طور جديد؟. # لا جرم أن الفرق بين الحالين عظيم، إذا أنعم النظر فيه العاقل الحكيم، ~~ولا سعة فى جواب سؤال كهذا لتقرير الدليل على النبوة بالتفصيل، وإنما أحيل ~~السائل على التأمل فى بقية بحث النبوة فى رسالة التوحيد، ومراجعة ما كتبناه ~~أيضا من الأمالى الدينية فى المنار، ولا سيما الدرس الذى عنوانه (الآيات ~~البينات، على صدق النبوات) وإن كان يصدق على PageV01P063 ~~رسالة التوحيد المثل «كل الصيد فى جوف الفرا «1»»، فإن بقيت عنده شبهة ~~فالأولى أن يتفضل بزيارتنا لأجل المذاكرة الشفاهية فى الموضوع؛ فإن ~~المشافهة أقوى بيانا، وأنصع برهانا، ونحن نعاهده على أن نكتم أمره وإن أبى ~~فليكتب إلينا ما يظهر له من الشبهة على ما فى الرسالة والأمالى من ~~الاستدلال على وقوع النبوة بالفعل، وعند ذلك نسهب فى الجواب بما نرجو أن ~~يكون مقنعا، على أن المشافهة أولى كما هو معقول، وكما ثبت لنا بالتجربة مع ~~كثير من المشتبهين والمرتابين. أ. ه. جوابنا فى المنار «2». # هذا وإن ما بينه الأستاذ الإمام فى إثبات وقوع الوحى لا يستطيع أحد فهمه ~~حق الفهم، وهو يؤمن بوجود الله العلى الحكيم الفاعل المختار إلا أن يقبله ~~ويذعن له، فإنه بين أن الوحى والرسالة بالمعنى الذى قرره لازم عقلى لعلمه ~~تعالى وحكمته وكونه هو (الذى أعطى كل شىء خلقه ثم هدى)، ولا يفهمه حق الفهم ~~إلا من أوتى نصيبا من علم الاجتماع وحكمة الوجود وسننه وأصول العقائد، ~~ونصيبا آخر من بلاغة اللغة العربية، وأن نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ~~ورسالته يمكن إثباتها بما دون هذه الفلسفة والبلاغة، وهو ما قهر عقول علماء ~~الإفرنج على تصديق دعوته، وحمل الماديين على تصويرها بما نبسطه فيما يأتى ~~ونقفى عليه بإثبات بطلانه. ### || AUTO تفصيل الشبهة ودحضها بالحجة # قد فصل (أميل درمنغام) الشبهة التى أجملها مونتيه بما لم نر مثله لغيره ~~من كتاب الإفرنج، حتى اغتر بكلامه كثير من المسلمين، وأنه لحسن الثناء ~~ولكنه يسر ms042 حسوا فى ارتغاء، فإن كان حكيمنا السيد/ جمال الدين قال لبعض ~~مجادلى النصرانية: «إنكم فصلتم قميصا من رقاع العهد القديم وألبستموها ~~للمسيح عليه السلام». فنحن نقول لهم: «إنكم فصلتم قميصا آخر مما استنبطتم ~~من تاريخ الإسلام لا من نصوصه، وحاولتم خلعها على محمد صلى الله عليه ~~وسلم». وإننى أشرح هذه الشبهة بأوضح مما كتبه درمنغام، وما بلغنى عن كل أحد ~~منهم، ثم أكر عليها بالنقض والدحض، وأبدأ بمقدماتها وهى عشر: PageV01P064 ### ||| AUTO المقدمة الأولى: لشبهة الوحى النفسى دعوى الأخذ عن بحيرا الراهب # قالوا: إن محمدا لقى بحيرا الراهب فى مدينة بصرى بالشام، وقالوا: إنه كان ~~نسطوريا من أتباع آريوس فى التوحيد، وينكر ألوهية المسيح وعقيدة التثليث، ~~وأن محمد لا بد أن يكون على علم من عقيدته، وقالوا فى بحيرا أيضا: إنه كان ~~عالما فلكيا منجما، وحاسبا ساحرا. وإنه كان يعتقد أن الله ظهر له وأنبأه ~~بأن سيكون هاديا لآل إسماعيل إلى الدين المسيحى، بل سمعنا من بعض الرهبان ~~أنه كان معلما لمحمد ومصاحبا له بعد رسالته، وأن محمدا ما حرم الخمر إلا ~~لأنه قتل أستاذه بحيرا وهو # سكران. وأسرفوا فى هذه الافتراء والبهتان، وكل ما عرفه المسلمون من رواة ~~السيرة النبوية أن النبى صلى الله عليه وسلم لما خرج مع عمه أبى طالب إلى ~~الشام وهو ابن تسع سنين وقيل 12 سنة رآه هذا الراهب مع قريش ورأى سحابة ~~تظلله من الشمس، وذكر لعمه أنه سيكون له شأن، وحذره من اليهود وفى المسألة ~~روايات بمعناها ضعيفة الأسانيد، إلا رواية للترمذى ليس فيها اسم بحيرا ~~وفيها غلط فى المتن وليس فى شىء من تلك الروايات أنه صلى الله عليه وسلم ~~سمع من بحيرا شيئا من عقيدته أو دينه. ### ||| AUTO المقدمة الثانية: دعوى الأخذ عن ورقة بن نوفل # قالوا: إن ورقة بن نوفل كان من منتصرة العرب العلماء بالنصرانية وأحد ~~أقارب خديجة- يوهمون القارئ أنه صلى الله عليه وسلم أخذ عنه شيئا من علم ~~أهل الكتاب- والذى صح من خبر ورقة هذا، هو ما رواه ms043 الشيخان فى الصحيحين، ~~وغيرهما من أن خديجة أخذته صلى الله عليه وسلم عقب إخباره إياها بما رآه فى ~~حراء إلى ورقة هذا وأخبرته خبره، وكان شيخا قد عمى، ولم يلبث بعد ذلك أن ~~توفى، ولم ينقل أن النبى صلى الله عليه وسلم رأى قبل ذلك، (وسأذكر نص ~~الحديث فى آخر هذا المبحث)، وقد استقصى المحدثون والمؤرخون كل ما عرف عن ~~ورقة هذا مما صح سنده، ومما لم يصح له سند كدأبهم فى كل ما له علاقة بالنبى ~~صلى الله عليه وسلم والإسلام، فلم يذكر أحد منهم أنه عرف عنه دعوة إلى ~~النصرانية أو كتابة فيها، وإنما ورد فى بعضها أنه قال حين علم من خديجة خبر ~~محمد: إنه هو النبى المنتظر الذى بشر به المسيح عيسى ابن مريم، وفى بعضها، ~~أنه عاش حتى رأى بلالا يعذبه المشركون ليرجع عن الإسلام، ولكن هذه الرواية PageV01P065 ~~شاذة مخالفة لحديث عائشة الصحيح أنه كان عند بدء الوحى أعمى ولم ينشب (أى ~~لم يلبث) أن مات، وقد كان تعذيب بلال بعد إظهار دعوة النبوة ودخول الناس ~~فيها، وكان هذا بعد بدء الوحى بثلاث سنين. # وأميل درمنغام قد غلط فيما نقله عن خبر فترة الوحى لاختلاط الروايات عليه ~~فيها، وعدم اطلاعه على ما دون فى كتب الحديث منها، وإنما كان هم المحدثين ~~فى خبر ورقة أن يعلموا أكان صحابيا أم لا؟ فإن الصحابى هو من لقى النبى صلى ~~الله عليه وسلم بعد البعثة مؤمنا به، ولو بلغهم عنه أى شىء من علمه ~~بالتوراة أو الإنجيل غير ما ذكروه لنقلوه. ### ||| AUTO المقدمة الثالثة: دعوى انتشار اليهودية والنصرانية فى بلاد العرب # ذكروا ما كان من انتشار اليهودية والنصرانية فى بلاد العرب قبل الإسلام، ~~ومن تنصر بعض فصحاء العرب وشعرائهم، كقس بن ساعدة الأيادى، وأمية بن أبى ~~الصلت وإشادة هؤلاء بما كانوا يسمعون من علماء أهل الكتاب عن قرب ظهور ~~النبى الذى بشر به موسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء، وقد نشرنا بعض بشاراتهم ~~من التوراة والأناجيل وكتب النبوات بنصوصها ms044 المعتمدة عندهم فى تفسير قوله ~~تعالى: الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في ~~التوراة والإنجيل [الأعراف: 157] ولكن لم يثبت أنه صلى الله عليه وسلم سمع ~~منها شيئا. # فأما قس فقد مات قبل البعثة. وروى أن النبى صلى الله عليه وسلم رآه قبل ~~البعثة بزمن طويل يخطب الناس فى سوق عكاظ على جمل له احمر وقيل أورق، بكلام ~~له مونق، قال فيه: «إن لله دينا خيرا من دينكم الذى أنتم عليه ونبيا قد ~~أظلكم زمانه، وأدرككم آوانه، فطوبى لمن أدركه فاتبعه، وويل لمن خالفه». ~~والروايات فى هذا ضعيفة، (بل بعضها موضوع وبعضها منقطع)، وتعددها قد يدل ~~على أن لها أصلا، ولو حفظ من كلامه شىء بسند صحيح لبينوه قطعا. # وأما أمية بن أبى الصلت الثقفى فهو شاعر مشهور، قال أبو عبيدة: اتفقت ~~العرب على أن أمية أشعر ثقيف، وقال الزبير بن بكار: حدثنى عمى قال كان أمية ~~فى الجاهلية نظر الكتب وقرأها، ولبس المسوح تعبدا، وكان يذكر إبراهيم ~~وإسماعيل والحنفية، وحرم الخمر، PageV01P066 ~~وتجنب الأوثان، وطمع فى النبوة؛ لأنه قرأ فى الكتب أن نبيا يبعث بالحجاز، ~~فرجا أن يكون هو، فلما بعث النبى صلى الله عليه وسلم حسده فلم يسلم، وهو ~~الذى رثا قتلى بدر المشركين بالقصيدة التى أولها: # ماذا ببدر والعقن ... قل من مرازبة جحاجح # وفى المرآة عن ابن هشام أنه كان آمن بالنبى صلى الله عليه وسلم، فقدم ~~الحجاز ليأخذ ماله من الطائف ويهاجر، فعلم بغزوة بدر وقتلى صناديد قريش ~~فيها، فجدع آنف ناقته وشق ثوبه وبكى لأن فيهم ابني خاله، وعاد إلى الطائف ~~ومات فيها، وصح أن النبى صلى الله عليه وسلم استنشد الشريد بن عمرو من شعره ~~فأنشده فقال: «كاد أن يسلم» والمعروف أنه كان حنيفيا على ملة إبراهيم ولم ~~يتنصره، ولم يلق النبى صلى الله عليه وسلم قبل النبوة ولا بعدها ومن شعره: # كل دين يوم القيامة عند الل ... ه إلا دين الحنيفة زور ### ||| AUTO المقدمة الرابعة: حديث إسلام سلمان الفارسى # كان سلمان الفارسى ms045 رضى الله عنه فارسيا مجوسيا فتنصر على يد بعض الرهبان ~~وصحب غير واحد من عبادهم، وسمع منهم أو من آخرهم بقرب ظهور النبى الذى بشر ~~به عيسى والأنبياء من العرب، فقصد بلاد العرب وبيع لبعض يهود يثرب ظلما ~~وعدوانا ولم ير النبى صلى الله عليه وسلم إلا بعد الهجرة فأسلم وكاتب سيده ~~(أى اشترى نفسه منه) وفى قصته روايات متعارضة وهذا هو المراد منها لدرمنغام وغيره. ### ||| AUTO المقدمة الخامسة: رحلتا الشتاء والصيف لتجار قريش # ذكروا ما كان من رحلة تجار قريش فى الشتاء إلى اليمن، وفى الصيف إلى ~~الشام واجتماعهم بالنصارى فى كل منهما كلما مروا بدير أو صومعة للرهبان، ~~وكان هؤلاء النصارى يتحدثون بقرب ظهور نبى من العرب. PageV01P067 ### ||| AUTO المقدمة السادسة: ما قيل من وجود يهود ونصارى بمكة # زعم درمنغام أنه كان بمكة نفسها أناس من اليهود والنصارى، ولكنهم كانوا ~~عبيدا وخدما وكان رؤساء قريش لا يسمحون لهم أن يسكنوا فى مكة حرمهم المقدس ~~الخاص بوثنيتهم وأصنامهم، بل كان هؤلاء يسكنون فى أطراف مكة (فى المنازل ~~البعيدة عن الكعبة المتاخمة للصحراء)، وكانوا يتحدثون بقصص عن دينهم لا تصل ~~إلى مسامع رؤساء قريش وعظمائهم، أو ما كانوا يحفلون بها لسماع أمثالها فى ~~رحلاتهم الكثيرة، ولكنه ذكر أن أبا سفيان عتب على أمية بن أبى الصلت كثرة ~~تكريره لما يذكره الرهبان من هذا الأمر. # فهذه مقدمات يذكرها كتاب الإفرنج لتعليل ما ظهر به محمد صلى الله عليه ~~وسلم من دعوى النبوة يعنون أنه سمع ما سمع من أخبارها فتعلقت نفسه به، على ~~طريقتهم فى الاستنباط، وما يسمونه النقد التحليلى، ويقرنون بها مقدمات أخرى ~~فى وصف حالته النفسية والعقلية، وحالة قومه وما استفاده منها من تأثير ~~وعبرة. فنلخصها مضمومة إلى ما قبلها، مع الإلمام بنقدها. ### ||| AUTO المقدمة السابعة: ما زعمه من سبب نشوء محمد صلى الله عليه ~~وسلم أميا وما استفاد من رحلاته التجارية # قال درمنغام فى كفالة أبى طالب لمحمد بعد وفاة جده: «إنه لم يكن غنيا فلم ~~يتح له تعليم ms046 الصبى الذى بقى أميا طوال حياته (يوهم القارئ أن أولاد ~~الموسرين بمكة كانوا يتعلمون، كأن هناك مدارس يعلم فيها النشء بالأجور ~~كمدارس بلاد الحضارة وهذا باطل لا أصل له) ثم قال: ولكنه كان يستصحبه وإياه ~~فى التجارة فيسير والقوافل خلال الصحراء يقطع هذه الأبعاد المتنائية، وتحدق ~~عيناه الجميلتان بمدين ووادى القرى وديار ثمود، وتستمع أذناه المرهفتان إلى ~~حديث العرب والبادية عن هذه المنازل وحديثها وماضى نبئها، ويقال إنه فى ~~إحدى هذه الرحلات إلى الشام التقى بالراهب بحيرا فى جوار مدينة بصرى، وأن ~~الراهب رأى فيه علامات النبوة على ما تدله عليه أنباء كتبه، وفى الشام عرف ~~محمد أحبار الروم ونصرانيتهم وكتابهم، ومناوأة الفرس من عباد النار لهم، ~~وانتظار الوقيعة بهم». # كل ما ذكره درمنغام هنا هو من مخترعات خياله، ومبتدعات رأيه، ألبسه حلة ~~من طراز PageV01P068 ~~البيان الإفرنسى، إلا مسألة بحيرا الراهب فأصلها ما ذكرنا، وكأنه لم يحفل ~~بإثباتها، لما يعلمه من مفتريات رجال الكنيسة فيها. # فمحمد صلى الله عليه وسلم لم يذهب مع عمه إلى التجارة فى الشام إلا وهو ~~طفل- كما تقدم- وقد أعاده إلى مكة قبل إتمام رحلته، ثم سافر إليها فى تجارة ~~خديجة وهو شاب مرة واحدة، ولم يتجاوز سوق مدينة بصرى فى المرتين، والقوافل ~~التى تذهب إلى الشام لم تكن تمر بمدين وهى فى أرض سيناء، ولم تكن هذه ~~القوافل تضيع شيئا من وقتها للبحث مع العرب أو الأعراب فى طريقها عن ~~أنبائها والتاريخ القديم لبلادها، ولم يعرف عن تجارها أنهم كانوا يعنون ~~بلقاء أحبار النصارى ومباحثتهم فى دينهم وكتبهم، فمن أين جاء لدر لدرمنغام ~~أن محمدا هو الذى كان يشتغل فى تلك التجارة بالبحث عن الأمم والتواريخ ~~والكتب والأديان، ويعنى بلقاء رؤسائها والبحث معهم كما يفعل رواد العلم ~~والتاريخ، وجواسيس السياسة من الإفرنج فى هذا العصر إنما اخترع هذا لأنه لا ~~يستطيع تعليل ما جاء فى القرآن من قصص الرسل إلا به، وكذلك الأنباء بغلب ~~الروم للفرس كما سيأتى. وسترى ما نفند به تعليله وتحليله، على تقدير ms047 صحة ما ~~زعمه كله. ### ||| AUTO المقدمة الثامنة: تصوير مجامع قريش بمكة وشأن محمد فيها # ثم ذكر درمنغام أن العرب- ولا سيما أهل مكة- كانوا يصرفون معظم أوقاتهم ~~بعد ما يكون من تجارة أو حرب فى الاستمتاع بالذات من السكر والتسرى وغير ~~ذلك، وأن التاريخ يشهد بأن محمدا كان يراهم ولم يكن يشاركهم فى ذلك، لا ~~لفقره وضيق ذات يده، بل لما صوره بقوله «لكن نفس محمد كانت شغوفا بأن ترى ~~وأن تسمع وأن تعرف، وكأن حرمانه من التعليم الذى كان يعلمه أنداده جعله أشد ~~للمعرفة شوقا، وبها تعلقا، كما أن النفس العظيمة التى تجلت فيه من بعد ذلك ~~آثارها، وما زال يغمر العالم سلطانها، كانت فى توقها إلى الكمال ترغب عن ~~هذا اللهو الذى يطمح إليه أهل مكة، إلى نور الحياة المتجلى من كل مظاهر ~~الحياة لمن هداه الحق إليها لاستكناه ما تدل هذه المظاهر عليه، وما تحدث ~~الموهوبون به، لعله يريد الملهمين. # هذا الخبر من مخترعات خيال درمنغام، فمحمد لم يكن شغوفا بأن يرى ما يفعله ~~فساق قومه من فسق وفجور، ولا أن يسمع ذلك، ولا كان يتحرى أن يعرفه، وقد ثبت ~~عنه أنه PageV01P069 ~~لم يحضر سمرهم ولهوهم إلا مرتين ألقى الله عليه النوم فى كل منهما، حتى ~~طلعت الشمس فلم ير ولم يسمع شيئا، وقد بطل بهذا ما علل به الخبر على ما فيه ~~من المدح المتضمن لدسيستين: (إحداهما): أن أنداده من قريش كانوا متعلمين ~~وكان هو محروما مما لقنهم آباؤهم من العلم، وكان حرمانه هذا يزيده شغفا ~~بالبحث والاستطلاع. (والثانية): أن نفسه كانت بسبب هذا تزداد طموحا إلى نور ~~الحياة المتجلى فى جميع مظاهرها لاستكناه ما تدل عليه المظاهر. # فهذه مدحة غرضه منها تعليل ما انبثق فى نفسه صلى الله عليه وسلم بعد ذلك ~~من الوحى، وسترى بطلان تعليله. ### ||| AUTO المقدمة التاسعة: موت أبناء محمد وما أثاره فى نفسه # ثم ذكر درمنغام مسألة أبناء النبى صلى الله عليه وسلم القاسم، والطيب، ~~والطاهر، وهو يشك فى وجودهم، ويقول إن تكنيته ms048 بأبى القاسم لا تدل على وجود ~~ولد له بهذا # الاسم، وإنه إن صح أنهم ولدوا فقد ماتوا فى المهد، هذا زعم ووهم، والحق ~~أنه ولد له غلام سماه القاسم وكنى به وأنه مات طفلا. وقيل عاش إلى أن ركب ~~الدابة فهذا متواتر. ثم ولد له آخر سماه عبد الله، والصحيح أن الطيب ~~والطاهر لقبان له لا اسمان لغلامين آخرين كما قيل «1»، ولكن درمنغام قد كبر ~~مسألة موت هؤلاء الأولاد الذين يشك فى وجودهم تكبيرا، وبنى عليها حكما، ~~وأثار وهما، قال بعد أن زعم أن محمدا تبنى زيد بن حارثة؛ لأنه لم يطق على ~~الحرمان من البنين صبرا: # «فمن حق المؤرخ أن يجعل هذا الحادث؛ بل الحوادث الثلاثة التى أصابت محمدا ~~فى بنيه ما هى جديرة بأن تتركه فى حياته وفى تفكيره من أثر، والأمر كذلك ~~بنوع خاص إن كان محمدا أميا، فلم تكن المضاربات الجدلية (كذا) لتصرفه عن ~~التأثر بعبر الحوادث ودروسها، وحوادث أليمة- كوفاة أبنائه- جديرة بأن ~~تستوقف تفكيره، وأن تصرفه كل واحد منها إلى ما كانت خديجة تتقرب به إلى ~~أصنام الكعبة، وتنحر لهبل واللات والعزى PageV01P070 ~~ومناة الثالثة الأخرى، تريد أن تفتدى نفسها من ألم الثكل، فلا تفيد القربان ~~ولا تجدى النحور». # قال: «والأمر كان كذلك، لا ريب أن كانت عبادة الأصنام قد بدأت تتزعزع فى ~~النفوس تحت ضغط النصرانية الآتية من الشام منحدرة إليها من الروم، ومن ~~اليمن متخطية إليها من خليج العرب (البحر الأحمر) من بلاد الحبشة». # غرض درمنغام من تكبير المصيبة بموت الأبناء المشكوك فى ولادتهم عنده، هو ~~أن يجعلها مسوغة لما اختلقه من توسل خديجة إلى الأصنام بالقرابين لينقذوها ~~من مصيبة الثكل ثم يستنبط من ذلك زعزعة إيمانها إيمان بعلها بعبادتها التى ~~كان سببها تأثير النصرانية فى مكة وغيرها من بلاد العرب، ثم ليجعل ذلك من ~~الأسباب التحليلية لتعليل الوحى لمحمد صلى الله عليه وسلم. # والحق أنه ما تبنى زيدا إلا لأنه أثر أن يكون عبدا له على أن يكون حرا مع ~~والده وعمه عند ما ms049 جاءا مكة لافتدائه بالمال فقال لهما: «ادعوه فخيروه فإن ~~اختاركم فهو لكم بغير فداء»، ثم دعاه فسأله عن أبيه وعمه فعرفهما، فقال له: ~~«فأنا من قد علمت وقد رأيت صحبتى لك فاخترنى أو اخترهما» فقال زيد: ما أنا ~~بالذى أختار عليك أحدا، أنت منى بمكان الأب والعم، فقالا: ويحك يا زيد ~~أتختار العبودية على الحرية وعلى أبيك وعمك وأهل بيتك؟ # قال: قد رأيت من هذا الرجل شيئا ما أنا بالذى أختار عليه أحدا. فلما رأى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك أخرجه إلى الحجر فقال: «أشهدوا أن زيدا ~~ابني يرثنى وأرثه»، فلما رأى ذلك أبوه وعمه طابت أنفسهما. فدعى زيد: ابن ~~محمد، حتى جاء الله بالإسلام. رواه ابن سعد ونحوه فى سيرة ابن اسحاق. # هذا وإن محمدا لم يكن جزوعا عند موت ولده ولا غيره، بل كان أصبر ~~الصابرين، وإن خديجة لم تيأس بموت القاسم من الله أن يمن عليها بولد آخر، ~~ولم تنحر للأصنام شيئا، وإن اللات كانت صخرة فى الطائف تعبدها ثقيف ولم تكن ~~من أصنام قريش، والعزى كانت شجرة ببطن نخلة تعبدها قريش وكنانة وغطفان، ~~ومناة كان صنما فى قديد لبنى هلال وهذيل وخزاعة. وقد كان ما ذكره من ضعف ~~الوثنية فى ذلك العهد- وزعم أن سببه انتشار النصرانية- جديرا بأن يمنع ~~خديجة- وهى من أعقل العرب وأسلمهم فطرة وأقربهم إلى الحنيفية ملة إبراهيم- ~~أن تهاجر إلى الأصنام لتنحر لها وتتقرب إليها لترزقها غلاما «1»، PageV01P071 ~~فإن لم يمنعها عقلها وفطرتها فأجدر ببعلها المصطفى أن يمنعها من ذلك وهو ~~عدو الوثنية والأصنام من طفولته- كما يعترف درمنغام- ولكن اتباع الهوى ينسى ~~صاحبه ما لم يكن لينساه لولاه. ### ||| AUTO المقدمة العاشرة: ضعف الوثنية فى العرب، وتعبد محمد فى الغار ~~وسببها بزعم درمنغام # زعم درمنغام أن ما ذكره من تغلغل النصرانية فى بلاد العرب أوجد فيها حالة ~~نفسية أدت إلى زيادة إمعانهم فيما كانوا يسمونه فى الجاهلية التحنث أو ~~التحنف، وزعمه هذا له أصل ولكنه زاد فيه وكبره وفرع عليه قوله: # «وكان محمد يجد فى التحنث ms050 طمأنينة لنفسه أن كان له بالوحدة شغف، وأن كان ~~يجد فيها الوسيلة إلى ما برح شوقه يشتد إليه من نشدان المعرفة واستلهام ما ~~فى الكون من أسبابها، فكان ينقطع كل رمضان طول الشهر فى غار حراء بحبل أبى ~~قبيس مكتفيا بالقليل من الزاد يحمل إليه ليمضى أياما طويلة بالغار فى ~~التأمل والعبادة بعيدا عن ضجة الناس وضوضاء الحياة». # وأقول: إن روايات المحدثين تفيد أنه حبب إليه الخلاء والوحدة والتحنث فى ~~غار حراء فى العام الذى جاءه فيه الوحى، وكان هو يحمل الزاد، وما كان أحد ~~يحمله إليه، وما ذكره ابن إسحاق من تعبده فيه فى شهر رمضان كل سنة إنما كان ~~فى زمن فترة الوحى كما سيأتى. ولم يكن فى أعوام ولا شهور قبله. # وأما قوله: إنه كان يتوسل بذلك إلى ما اشتد شوقه إليه من المعرفة وابتغاء ~~الإلهام مما فى الكون من أسبابها، فهو مما يخطر فى بال الباحث فى حياة رجل ~~صدر عنه عقب هذه الخلوة ما صدر من علم ومعرفة وإصلاح، وإرشاد إلى النظر ~~والتفكير فى آيات السموات والأرض، ولكن لم يرو عنه صلى الله عليه وسلم أنه ~~كان يقصد ذلك ويبتغيه، ولا روى عن أصحابه وأترابه الذين كانوا يعرفون سيرته ~~الطاهرة وآمنوا به كأبى بكر وعثمان وعميه حمزة والعباس، ولا عن ربيبه وصفيه ~~وابن عمه على، # ولا حبه ومولاه زيد بن حارثة- رضى الله عنهم-، والتحقيق فى ذلك كله ما ~~تراه فى المباحث الآتية: PageV01P072 ### ||| AUTO نتيجة تلك المقدمات العشر # هنا وصل درمنغام إلى آخر المقدمات التى تتصل بالنتيجة المطلوبة له، فأرخى ~~لخياله العنان، ونزع من جواده اللجام، ونخسه بالمهماز، فعدا به سبحا، وجمح ~~به جمحا، وأورت حوافره له قدحا فأثارت له نقعا وأذن لشاعريته الفرنسية فى ~~بريق لمعها، وظلمة نقعها، أن تصف محمدا عند ذلك الغار، بما تحدثه فى نفسه ~~مشاهد نجوم الليل وما تسفعه به شمس النهار، وما تخيل إليه أنه كان يراه فى ~~قنة الجبل من صحارى وقفار، وخيام وآبار، وما ثم خيام ولا آبار، ms051 ومن رعاة ~~تهش على غنمها حيث لا أشجار، حتى ذكر البحار على بعد البحار، وسيذكر موج ~~البحر أيضا، ونسى أن يصف الفلك المواخر فيه، وما يعرض لها فى حالة الرهو ~~والريح الطيبة، وحالة العواصف والأمواج المصطخبة، فكل منهما فى القرآن، ولم ~~يكن رآه محمد من جبل حراء. # قد أتقن هذا الفرنسى التخيل الشعرى، ولكنه لم يوافق به الوصف الموضعى. # ثم قال مصورا لما يبتغيه محمد صلى الله عليه وسلم من مشاهداته المزعومة: # «وهذه النجوم فى ليالى صيف الصحراء كثيرة شديدة البريق حتى ليحسب الإنسان ~~أنه يسمع بصيص ضوئها، وكأنه نغم نار موقدة». # «حقا! إن السماء لشارات للمدركين، وفى العالم غيب كله. ولكن ألا يكفى أن ~~يفتح الإنسان عينيه ليرى، وأن يرهف أذنه ليسمع؟ ليرى حقا؟ وليسمع الكلم ~~الخالد؟ لكن الناس عيونا لا ترى وآذانا لا تسمع. أما هو فيحسب (!!) أنه ~~يسمع ويرى. وهل تحتاج لكى تسمع ما وراء السماء من أصوات إلا إلى قلب خالص ~~ونفس مخلصة وفؤاد ملئ إيمانا؟». # «ومحمد فى ريب من حكمة الناس، فهو لا يريد أن يعرف إلا الحق الخالص، الذى ~~لا يأتيه من بين يديه ولا من خلفه باطل، وهو يستطيع العيش إلا بالحق، والحق ~~ليس فيما يرى حوله، فحياة القرشيين ليست حقا، وربا المرابين، ونهب البدو، ~~ولهو الخلعاء وكل ما إلى ذلك لا شىء من الحق فيه، والأصنام المحيطة بالكعبة ~~ليست حقا، وهبل الإله الطويل الذقن الكثير العطور والملابس ليس إلها حقا». # «إذن فأين الحق وما هو؟». # «وظل محمد يتردد على حراء فى رمضان من كل عام سنوات متوالية، وهناك كان يزداد PageV01P073 ~~به التأمل ابتغاء الحقيقة حتى لكان ينسى نفسه، وينسى طعامه، وينسى كل ما فى ~~الحياة لأن هذا الذى يرى فى الحياة ليس حقا. وهناك كان يقلب فى صحف ذهنه ~~كمل ما وعى فيزداد عما يزاول الناس من ألوان الظن رغبة واوزارا، وهو لم يكن ~~يطمع فى أن يجد فى قصص الأحبار وفى كتب الرهبان الحق الذى ينشد، بل فى هذا ~~الكون المحيط ms052 به: فى السماء ونجومها وقمرها وشمسها، وفى الصحراء ساعات ~~لهيبها المحرق تحت ضوء الشمس الباهرة اللألاء وساعات صفوها البديع، إذ ~~تكسوها أشعة القمر أو أضواء النجوم بلباسها الرطب الندى. وفى البحر وموجه! ~~وفى كل ما وراء ذلك مما يتصل بالوجود، وتشمله وحدة الوجود- فى هذا الكون ~~كان يلتمس الحقيقة العليا ابتغاء إدراكها. كان يسمو بنفسه ساعات خلوته ~~ليتصل بهذا الكون وليخترق شغاف الحجب إلى مكنون سره». # (قال درمنغام): «فلما كانت سنة 610 أو نحوها كانت الحالة النفسية التى ~~يعانيها محمد على أشدها. فقد أبهظت عاتقه العقيدة بأن أمرا جوهريا ينقصه ~~وينقص قومه، وأن الناس نسوا هذا الأمر الجوهرى وتشبث كل بصنم قومه وقبيلته، ~~وخشى الناس الجن والأشباح والبوارح. وأهملوا الحقيقة العليا، ولعلهم لم ~~ينكروها، ولكنهم نسوها نسيانا هو موت الروح. وقد خلصت نفس محمد من كل هذه ~~الآراء التافهة، ومن كل القوى التى تخضع لقوة غيرها، ومن كل كائن ليس مظهرا ~~للكائن الواحد. # ولقد عرف أن المسيحيين فى الشام ومكة لهم دين أوحى به! وأن أقواما غيرهم ~~نزلت عليهم كلمة الله، وأنهم عرفوا الحق ووعوه أن جاءهم علم من أنبياء أوحى ~~إليهم به. كلما ضل الناس بعثت السماء إليهم نبيا يهديهم إلى الصراط ~~المستقيم ويذكرهم بالحقيقة الخالدة، وهذا الدين الذى جاء به الأنبياء فى كل ~~الأزمان دين واحد، وكلما أفسده الناس جاءهم رسول من السماء يقوم عوجهم. وقد ~~كان الشعب العربى يومئذ فى أشد تيهاء الضلال. # أفما آن لرحمة الله أن تظهر فيهم مرة أخرى وأن تهديهم إلى الحق؟». # «وتزايدت رغبة محمد عن الاجتماع بالناس، ووجد فى وحدة غار حراء مسرة ~~تزداد كل يوم عمقا، وجعل يقضى الأسابيع ومعه قليل من الزاد، وروحه تزداد ~~بالصوم والسهر والإدمان على تقليب فكرته صقالا وحدة، ونسى النهار والليل ~~والحلم واليقظة وجعل يقضى الساعات الطوال جاثيا فى الغار، أو مستلقيا فى ~~الشمس، أو سائرا بخطوات واسعة فى طرق الصحراء الحجرية وكأنه يسمع الأصوات ~~تخرج من خلال أحجارها تناديه مؤمنة برسالته!». PageV01P074 # «وقضى ستة أشهر فى هذه ms053 الحال حتى خشى على نفسه عاقبة أمره، فأسر بمخاوفه ~~إلى خديجة فطمأنته وجعلت تحدثه بأنه الأمين، وأن الجن لا يمكن أن تقترب ~~منه، وفيما هو يوما نائم بالغار جاءه ملك فقال له: أقرأ. قال: «ما أنا ~~بقارئ» وكان هذا أول الوحى وأول النبوة». # «وهنا تبدأ حياة حدة روحية قوية غاية القوة. حياة تأخذ بالأبصار ~~والألباب، ولكنها حياة تضحية خالصة لوجه الله والحق والإنسانية» أ. ه. # أقول: إن كل ما هنا من خبر أو جله غير صحيح، ولو صحت لكان ما استنبطه ~~منها مما يخطر بالبال، ولكن الوحى المحمدى فوق كل استنباط وكل احتمال، فمن ~~أين علم هذا الإفرنسى أن محمدا نسى الليل والنهار، والحلم واليقظة؟ وأنه ~~كان يقضى الساعات الطوال جاثيا فى الغار أو مستلقيا فى الشمس ... إلخ وإنه ~~قضى ستة أشهر فى هذا # الحال؟. # قد افترى فى الأخبار «1» ليستنبط منها أنه صار صلوات الله عليه مقلوبا ~~على عقله، غائبا عن حسه، غارقا فى بحر لجى من خياله. أثمر له انبثاق ذلك ~~الوحى العالى من نفسه، وتجليه لبصره وسمعه. # وإننى أبدأ الرد عليه وعلى أمثاله بنقل أصح الروايات فى خبر تحنثه فى ~~الغار الليالى ذوات العدد- من شهر رمضان فى تلك السنة لا فيما قبلها- ~~لتفنيد أخيلته وشعرياته، وإبطال نتيجة مقدماته، وللاستغناء بها عما نقله من ~~الخلط فى صفة الوحى من الفصل الذى بعد هذا من كتابه. ذلك ما رواه الشيخان ~~البخارى ومسلم فى صحيحيهما، وهذا نص رواية البخارى رضى الله عنه فى كتابه ~~الجامع الصحيح. PageV01P075 ### || AUTO باب كيف كان بدء الوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم # افتتح الحافظ البخارى هذا الباب، بل الكتاب كله بروايته لحديث: «إنما ~~الأعمال بالنيات» ثم قال: # حدثنا عبد الله بن يوسف قال أخبرنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن ~~عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها أن الحارث بن هشام رضى الله عنه سأل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحى «1»؟ قال رسول ~~الله صلى الله عليه ms054 وسلم: «أحيانا يأتينى مثل صلصلة الجرس «2» وهو أشده ~~على، فيفصم «3» عنى وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانا يتمثل لى الملك رجلا «4» ~~فيكلمنى فأعي ما يقول، قالت عائشة رضى الله عنها: PageV01P076 # (ولقد رأيته ينزل عليه الوحى فى اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ~~ليتفصد عرقا «1»). # حدثنا يحيى بن بكير، قال حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن عروة بن ~~الزبير عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: أول ما بدئ به رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من الوحى الرؤيا الصالحة فى النوم «2»، فكان لا يرى رؤيا إلا ~~جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه ~~«3» - وهو التعبد- الليالى ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك، ~~ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق «4» وهو فى غار حراء فجاءه ~~الملك فقال: «أقرأ، قال: ما أنا بقارئ «5»، قال: فأخذنى فغطنى «6» حتى بلغ منى PageV01P077 ~~الجهد، ثم أرسلنى فقال: أقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذنى فغطنى الثانية، ~~حتى بلغ منى الجهد، ثم أرسلنى فقال: أقرأ فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذنى فغطنى ~~الثالثة. ثم أرسلنى فقال: اقرأ باسم ربك الذي خلق (1) خلق الإنسان من علق ~~(2) اقرأ وربك الأكرم «1» [العلق: 1 - 3]»، فرجع بها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد رضى الله عنها فقال: ~~«زملونى زملونى» فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: ~~«لقد خشيت على نفسى «2»» فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبدا «3» ~~إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقرى الضيف، وتعين على نوائب الحق. # فانطلقت به- خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم ~~خديجة- وكان امرأ تنصر فى الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبرانى فيكتب من ~~الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب «4»، وكان شيخا كبيرا قد عمى، ~~فقالت له خديجة: يا ابن PageV01P078 ~~عم اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يا ابن أخى ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله ~~صلى الله ms055 عليه وسلم بخبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس «1» الذى نزل ~~الله على موسى، ليتنى فيها جذعا «2»، ليتنى أكون حيا إذ يخرجك قومك فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أو مخرجى هم؟» قال: نعم، لم يأت رجل قط ~~بمثل ما جئت به إلا عودى، وإن لم يدركنى يومك أنصرك نصرا مؤزرا ثم لم ينشب ~~«3» ورقة أن توفى وفتر الوحى «4». # قال ابن شهاب: وأخبرنى أبو سلمة بن عبد الرحمن أن جابر بن عبد الله ~~الأنصارى قال وهو يحدث عن فترة الوحى فقال فى حديثه: «بينما أنا ماش إذ ~~سمعت صوتا من السماء فرفعت بصرى، فإذا الملك الذى جاءنى بحراء جالس على ~~كرسى بين السماء والأرض، فرعبت منه فرجعت فقلت زملونى فأنزل الله تعالى: يا ~~أيها المدثر (1) قم فأنذر إلى قوله: والرجز فاهجر [المدثر: 1 - 5]، فحمى ~~الوحى وتتابع «5» أ. ه. PageV01P079 # وأقول: أخرج البخارى حديث جابر فى تفسير سورة المدثر من طرق فى بعضها: أن ~~أولها هو أول ما أنزل مطلقا وفى البعض الآخر أنها من حديث النبى صلى الله ~~عليه وسلم عن فترة الوحى كالتى هنا، وقد عبر صلى الله عليه وسلم عن رعبه من ~~رؤية الملك بقوله: (فجئثت منه رعبا) وفى رواية أخرى: (فجئثت منه حتى وهيت ~~إلى الأرض)، أى فزعت وخفت وهو بضم الجيم وكسر الهمزة بالبناء للمفعول. # هذا هو المعتمد عند المحدثين فى أول ما نزل من القرآن، والمشهور أنه نزل ~~بعد أول المدثر سورة المزمل تامة وبعدها بقية سورة المدثر؛ وقال مجاهد: أول ~~ما نزل سورة (ن والقلم) وهو غلط، وروى عن على كرم الله وجهه أن أول ما نزل ~~سورة الفاتحة واعتمده شيخنا فى توجيه كونها فاتحة الكتاب، ويمكن أن يراد ~~أنها أول سورة تامة نزلت بعد بدء الوحى بالتمهيد التكوينى، ثم بالأمر ~~بالتبليغ الإجمالى، وتلاها فرض الصلاة ونزول سورة المزمل أو نزلتا فى وقت واحد. # وسيأتى كلام آخر فى فترة الوحى وأول ما نزل بعده. PageV01P080 ### || AUTO بسط ما يصورون به الوحى النفسى لمحمد صلى ms056 الله عليه وسلم # ها أنا ذا قد بسطت جميع المقدمات التى استنبطوها من تاريخ محمد صلى الله ~~عليه وسلم وحالته النفسية والعقلية، وحالة قومه ووطنه، وما تصوروا أنه ~~استفاده من أسفاره، ما كان من تأثير خلواته وتحنثه وتفكره فيها، وقفيت ~~عليها بأصح ما رواه المحدثون فى الصحاح من صفة الوحى وكيف كان بدؤه وفترته، ~~ثم كيف أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بتبليغه ودعوة الناس إلى الحق، وكيف ~~حمى وتتابع؟. # وأبين الآن كيف يستنبطون من ذلك أن هذا الوحى قد نبع من نفس محمد وأفكاره ~~بتأثير ذلك كله فى وجدانه وعقله، بما لم أر ولم أسمع مثله فى تقريبه إلى ~~العقل، ثم أقفى عليه بما ينقضه من أساسه بأدلة العقل والنقل والتاريخ ~~والصحيح من وصف حالته صلى الله عليه وسلم فأقول: # يقولون (أولا): إن عقل محمد الهيولانى- أو ما يسمونه فى عصرنا بالعقل ~~الباطن- قد أدرك بنوره الذاتى بطلان ما كان عليه قومه من عبادة الأصنام، ~~كما أدرك ذلك أفراد آخرون من الأقوام. # ونقول: آمنا وصدقنا. # (ثانيا): أن فطرته الزكية قد احتقرت ما كانوا يتنافسون فيه من جمع ~~الأموال بالربا والقمار. # ونقول: آمنا وصدقنا. # (ثالثا): إن فقره وفقر عمه (أبى طالب) الذى كفله صغيرا حال دون انغماسه ~~فيما كانوا يسرفون فيه من الاستمتاع بالشهوات؛ من السكر والتسرى وعزف ~~القيان. # ونقول الصحيح: إنه ترك ذلك احتقارا له لا عجزا عنه. # (رابعا): إنه طال تفكره فى إنقاذهم من ذلك الشرك القبيح، وتطهيرهم من تلك ~~الفواحش والمنكرات. # ونقول: لا مانع من ذلك. PageV01P081 # (خامسا): أنه استفاد من أسفاره وممن لقيه فيها، وفى مكة نفسها من النصارى ~~كثيرا من المعلومات عن النبيين والمرسلين الذين بعثهم الله فى بنى إسرائيل ~~وغيرهم فأخرجوهم من الظلمات إلى النور. # ونقول: إن هذا لم يصح عندنا ولا يضرنا. # (سادسا): أن تلك المعلومات لم تكن كلها مقبولة فى عقله لما عرض للنصرانية ~~من الوثنية بألوهية المسيح وأمه، وغير ذلك وبما حدث فيها من البدع. # ونقول: هذا مبنى على ما قبله، فهو معقول غير ms057 منقول. # (سابعا): إنه كان قد سمع أن الله سيبعث نبيا مثل أولئك الأنبياء من العرب ~~فى الحجاز قد بشر به عيسى المسيح وغيره من الأنبياء، وأن هذا علق بنفسه ~~فتعلق رجاؤه بأن يكون هو ذلك النبى الذى آن أوانه. # ونقول: إن هذا استنباط لهم مما قبله غير صحيح وسيأتى ما فيه. # (ثامنا): وهو نتيجة ما تقدم: أنه توسل إلى ذلك بالانقطاع إلى عبادة الله ~~تعالى والتوجه إليه فى خلوته بغار حراء فقوى هنالك إيمانه، وسما وجدانه، ~~فاتسع محيط تفطره، وتضاعف نور بصيرته، فاهتدى عقله الكبير إلى الآيات ~~البينات فى ملكوت السموات والأرض على وحدانية مبدع الوجود، وسر النظام ~~السارى فى كل موجود، بما صار به أهلا لهداية الناس وإخراجهم من الظلمات إلى ~~النور، وما زال يفكر ويتأمل، وينفعل ويتململ، ويتقلب بين الآلام والآمال، ~~حتى أيقن أنه هو النبى المنتظر، الذى يبعثه الله لهداية البشر، فتجلى له ~~هذا الاعتقاد فى الرؤى المنامية ثم قوى حتى صار يتمثل له الملك يلقنه الوحى ~~فى اليقظة. # وأما المعلومات التى جاءته فى الوحى فهى مستمدة الأصل من تلك الينابيع ~~التى ذكرناها، ومما هداه إليه عقله وتفكره فى التمييز بين ما يصح منها وما ~~لا يصح، ولكنها كانت تتجلى له نازلة من السماء، وأنها خطاب الخالق عز وجل ~~بواسطة الناموس الأكبر ملك الوحى جبريل روح القدس عليه السلام، الذى كان ~~ينزل على موسى بن عمران، وعيسى ابن مريم وغيرهما من النبيين عليهم السلام. # وقال أحد ملاحدة المصريين: إن سولون الحكيم اليونانى وضع قانونا وشريعة ~~لقومه فليس بدعا فى العقل أن يضع محمد شريعة أيضا، وسأبين فساد هذا الرأى أيضا. PageV01P082 ### || AUTO تفنيد تصويرهم للوحى النفسى وإبطاله من وجوه # (الوجه الأول): إن أكثر المقدمات التى أخذوا منها هذه النتيجة هى آراء ~~متخيلة، أو دعاوى باطلة، لا قضايا تاريخية ثابتة، كما بيناه عند ذكرها، ~~وإذا بطلت المقدمات بطل لزوم النتيجة لها. # مثال ذلك: زعمهم أن محمدا صلى الله عليه وسلم سمع من نصارى الشام خبر غلب ~~الفرس وظهورهم على ms058 الروم؛ ليوهموا الناس أن ما جاء فى أول سورة الروم من ~~الإنباء بالمسألة، وبأن الروم سيغلبون الفرس بعد ذلك؛ هو مستمد مما سمعه ~~صلى الله عليه وسلم من نصارى الشام، وهذا مردود بدلائل التاريخ والعقل؛ ~~فأما التاريخ فإنه يحدثنا بأن ظهور الفرس على الروم كان فى سنة 610 م وذلك ~~بعد رحلة محمد الأخيرة إلى الشام بأربع عشر سنة وقبل بدء الوحى بسنة. ثم إن ~~التاريخ أنبأنا أن دولة الروم كانت مختلة معتلة فى ذلك العهد بحيث لم يكن ~~أحد يرجو أن تعود لها الكرة والغلب على الفرس، حتى أن أهل مكة أنفسهم هربوا ~~بالخبر، وراهن أبو بكر أحدهم على ذلك وأجازه النبى صلى الله عليه وسلم فربح ~~الرهان «1»، وأما العقل فإنه يحكم بأن مثل محمد فى سمو إدراكه المتفق عليه ~~لا يمكن أن يجزم بأن الغلب سيعود للروم على الفرس فى مدة بضع سنين، لا من ~~قبل الرأى ولا من الوحى النفسى المستمد من الأخبار غير الموثوق بها، وقد صح ~~أن انتصار الروم وقع سنة 622 م، وكان وحى التبليغ للنبى صلى الله عليه وسلم ~~سنة 614 م، فإذا فرضنا أن سورة الروم نزلت فى هذه السنة يكون النصر قد حصل ~~بعد ثمانى سنين، وإن كان فى السنة الثانية تكون المدة سبع سنين، وهو ~~المعتمد فى التفسير، والبضع يطلق على ما بين الثلاث والتسع. # والحكمة فى التعبير عن هذا النبأ بقوله تعالى: غلبت الروم (2) في أدنى ~~الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون (3) في بضع سنين [الروم: 2 - 4]، ولم يقل ~~بعد سبع أو ثمان PageV01P083 ~~مثلا، هى إفادة أن الغلب يكون فى الحرب الممتدة فى هذه المدة، وأنباء الوحى ~~والعبر لا تكون بأسلوب التاريخ يحدد الوقائع بالسنين، وليس فى وعود القرآن ~~الكثيرة للمسلمين بالنصر وغيره من أنباء الغيب ذكر السنين ولا الشهور، فهذه ~~الآية فريدة فى بابها. # ومثال آخر: ما زعموا من مروره صلى الله عليه وسلم فى رحلته إلى الشام ~~بأرض مدين وحديثه مع أهلها، الذى أرادوا به أن يجعلوه ms059 أصلا لما جاء فى ~~القرآن من أخبارها والخبر باطل كما أشرنا إليه عند نقلنا إياه فى المقدمات، ~~ولو صح لما كان من المعقول أن يعتمد محمد على ما سمعه فى الطريق من أناس ~~مجهولين لا يوثق بمعرفتهم ولا يصدقهم فيجعله أصلا للوحى الذى جاءه فى قصة ~~موسى وقصة شعيب عليهما السلام. # (الوجه الثانى): لو كان النبى صلى الله عليه وسلم تلقى عن علماء النصارى ~~فى الشام شيئا أو عاشرهم لنقل ذلك أتباعه الذين لم يتركوا شيئا علم عنه أو ~~قيل فيه- ولو لم يثبت- إلا ودونوه ووكلوا أمر صحته أو عدمها إلى إسناده وما ~~علم من سيرة رواته. # (الوجه الثالث): لو وقع ما ذكر لاتخذه أعداؤه من كبار المشركين شبهة ~~يحتجون بها على أن ما يدعيه من الوحى قد تعلمه فى الشام من النصارى، فإنهم ~~كانوا يوردون عليه ما هو أضعف وأسخف من هذه الشبهة، وهو أنه كان فى مكة قين ~~(حداد) رومي يصنع السيوف وغيرها، فكان النبى صلى الله عليه وسلم يقف عنده ~~أحيانا يشاهد صنعته فاتهموه بأنه يتعلم منه، فرد الله عليهم بقوله: ولقد ~~نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان ~~عربي مبين [النحل: 103]. # (الوجه الرابع): نصوص القرآن صريحة فى أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن ~~يعرف شيئا من أخبار الرسل وقصصهم قبل الوحى، وهم متفقون معنا على أنه صلى ~~الله عليه وسلم لم يكن يكذب على أحد فضلا عن الكذب على الله عز وجل، كما ~~اعترف بذلك أعدى أعدائه أبو جهل، كما أنهم متفقون معنا على قوة إيمانه ~~بالله عز وجل ويقينه بكل ما أوحاه إليه. # ومن الشواهد على ذلك: قوله تعالى عقب قصة موسى فى مدين وما بعدها من سورة ~~القصص: وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين ~~(44) ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر وما كنت ثاويا في أهل مدين ~~تتلوا عليهم آياتنا ولكنا كنا مرسلين [الآيتان: 44، 45]، وقوله بعد قصة نوح ~~من سورة هود: تلك ms060 من أنباء الغيب PageV01P084 ~~نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة ~~للمتقين [الآية: 49]، ونحوه فى أواخر سورة يوسف بعد قصته: ذلك من أنباء ~~الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون [الآية: 102]. # ومن الشواهد التى لم يكن يعرفها أحد من أهل الكتاب قوله تعالى بعد قصة ~~زكريا وولادة مريم وكفالته لها، فيتوهم أنه مأخوذ عنهم: ذلك من أنباء الغيب ~~نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم ~~إذ يختصمون [آل عمران: 44]. # الأقلام: جمع قلم تطلق على الأزلام والأقداح التى كانوا يلقونها لضرب ~~القرعة لإزالة الخلاف فيما يتنازعون فيه، وعلى أقلام الكتابة، وتكون القرعة ~~بأوراق تخلط بها كما هو المعهود فى عصرنا، والمعنى أنهم اختصموا وتنازعوا ~~فى كفالة مريم وتربيتها عناية بأمرها فأصابت القرعة زكريا عليه وعليها ~~السلام، كما قال تعالى فى أول قصتها. # (الوجه الخامس): أنه لم يرد فى الأخبار الصحيحة والمرفوعة «1» أن محمدا ~~صلى الله عليه وسلم كان يرجو أن يكون هو النبى المنتظر الذى يتحدث عنه بعض ~~علماء اليهود والنصارى قبل بعثته، ولو روى عنه شىء من ذلك لدونه المحدثون ~~لأنهم ما تركوا شيئا بلغهم عنه إلا ودونوه، كما رووا مثله عن أمية بن أبى ~~الصلت، بل صرح القرآن المجيد بأنه لم يكن يرجو هذا ولا يؤمله، قال تعالى: ~~وما كنت ترجوا أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك [القصص: 86]، أى لكن ~~ألقى إليك رحمة من ربك بك وبالناس كلهم لا كسب لك فيه بعلم ولا عمل، ولا ~~رجاء، ولا أمل، فهذا تأكيد وتكميل الشاهد الأول من الوجه الرابع. # (الوجه السادس): أن حديث بدء الوحى الذى أثبته الشيخان فى الصحيحين، ~~وغيرهما من المحدثين صريح فى أنه صلى الله عليه وسلم لما رأى الملك أول مرة ~~ولم تجد زوجته خديجة بنت خويلد العاقلة المفكرة وسيلة يطمئن بها على نفسه، ~~وتطمئن هى عليه إلا استفتاء أعلم العرب بهذا الشأن وهو ابن عمها ورقة بن ms061 ~~نوفل الذى كان تنصر، وقرأ كتب اليهود والنصارى. # (الوجه السابع): لو كانت النبوة أمرا كان يرجوه محمد ويتوقعه، وكان قد تم ~~استعداده له باختلائه وتعبده فى الغار، وما صوروا به حاله فيه من الفكر ~~المضطرب، والوجدان الملتهب، والقلب المتقلب، حتى إذا كمل استعداده. تجلى له ~~رجاؤه واعتقاده، بما تم به مراده، لظهر عقب ذلك كل ما كانت تنطوى عليه نفسه ~~الوثابة، وفكرته الوقادة، فى سورة PageV01P085 ~~أو سور من أبلغ سور القرآن، فى بيان أصول الإيمان، وتوحيد الديان، واجتثاث ~~شجرة الشرك وعبادة الأوثان، وتشريع الأحبار والرهبان، واتخاذ الولد للرحمن، ~~وإنذار رءوس الكفر والطغيان، ما سيلقون فى الدنيا من الخزى والنكال، وفى ~~الآخرة من عذاب النار كسور المفصل ولا سيما (ق والقرآن المجيد)، والذاريات، ~~والطور، والنجم والقمر، ثم الحاقة والنبأ، أو فى سورة أو أكثر من السور ~~الوسطى التى تقرعهم بالحجج، وتأخذهم بالعبر، وتضرب لهم المثل، بسنن الله فى ~~الرسل، كسور الأنبياء والحج والمؤمنون. # ولكنه ظل ثلاث سنين لم يتل فيها على الناس سورة ولم يدعهم إلى شىء ولا ~~تحدث إلى أهل بيته ولا أصدقائه بمسألة من مسائل الإصلاح الدينى الذى توجهت ~~إليه بزعمهم نفسه، ولا من ذم خرافات الشرك الذى ضاق به ذرعه. إذ لو تحدث ~~بذلك لنقلوه عنه، وناهيك بألصق الناس به، خديجة وعلى وزيد بن حارثة فى بيته ~~وأبى بكر الصديق الذى عاشره طول عمره- فهذا السكوت وحده فى فترة الوحى ~~برهان قاطع على بطلان ما صوروا به استعداده للوحى الذاتى الذى زعموه، ~~واستمداده لعلومه من التلقى الذى اختلقوه والاختبار الذى توهموه. # (الوجه الثامن): أن ما نقل من ترتيب نزول الوحى بعد هذه الفترة الطويلة ~~جاء موافقا لما كان يتجدد من الوقائع والحوادث الطارئة، دون ما زعموا من ~~الأمور السابقة، فقد نزل ما بعد صدر سورة المدثر ردا على قول الوليد بن ~~المغيرة المخزومى الذى قاله فى القرآن؛ فقد أراده أبو جهل أن يقول فيه قولا ~~يبلغ قومه أنه منكر له، وأنه كاره له، بعد أن علم أنه تحرى استماعه ms062 من محمد ~~صلى الله عليه وسلم وأعجب به، قال له الوليد: وماذا أقول؟ فو الله ما فيكم ~~رجل أعلم بالشعر، لا برجزه ولا بقصيدة منى، ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه ~~الذى يقول شيئا من هذا، وو الله إن لقوله لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه ~~لمنير أعلاه، مشرق أسفله «1»، وإنه ليعلو وما يعلى، وأنه ليحطم ما تحته. ~~قال أبو جهل: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه، فقال: دعنى حتى أفكر، فلما ~~فكر قال: هذا سحر يؤثر، يأثره من غيره، فنزلت الآيات: ذرني ومن خلقت وحيدا (11) # وجعلت له مالا ممدودا # [المدثر: 11، 12 إلى 30]. رواه الحاكم عن ابن عباس بإسناد صحيح على شرط ~~البخارى. # وقد نزلت سورة اقرأ فسورة ن والقلم، فسورة المزمل قبل سورة المدثر، ونزل ~~بعدها أكثر من ثلاثين سورة من قصار المفصل وأوساطه ليس فيها شىء مما زعموا ~~أنه تلقاه أو شاهده PageV01P086 ~~فى الأسفار، ولا مما وصفوا من أفكاره فى الغار، فليراجع ترتيب نزول السور ~~فى كتاب الإتقان من شاء. # (الوجه التاسع): إن هذه المعلومات المحمدية التى تصورها هؤلاء المحللون ~~لمسألة الوحى قليلة المواد ضيقة النطاق عن أن تكون مصدرا لوحى القرآن. # وإن القرآن لأعلى وأوسع وأكمل من كل ما كان يعرفه مثل بحيرا، ونسطور، وكل ~~نصارى الشام ونصارى الأرض ويهودها. دع الأعراب الذين كان يمر بهم النبى صلى ~~الله عليه وسلم بالطريق إلى الشام أو حضرهم. # وأن القرآن نزل مصدقا لكتب أهل الكتاب من حيث كونها فى الأصل من وحى الله ~~إلى موسى وعيسى وداود وسليمان وغيرهم، ونزل أيضا مهيمنا عليها؛ أى: رقيبا ~~وحاكما كما نصت عليه الآية (48) من سورة المائدة ومما حكم به على أهلها من ~~اليهود والنصارى أنهم أوتوا نصيبا من الكتاب «1»، أى: لا كله ونسوا حظا آخر ~~منه وأنهم حرفوا كلمه عن مواضعه «2»، وبين كثيرا من المسائل الكبرى مما ~~خالفوا واختلفوا فيه من العقائد والأحكام والأخبار «3»، ومثل هذه الأحكام ~~العليا عليهم، لا يمكن أن تكون مستمدة من أفراد من الرهبان أو غير الرهبان، ~~أفاضوها ms063 على محمد فى رحلته التجارية إلى الشام. سواء أكان عند بعضهم بقية ~~من التوحيد الموسوي والعيسوي الذى كان يقول به آريوس وأتباعه أم لا؟ # وسواء أكان لدى بعضهم بقية من الأناجيل التى حكمت الكنيسة الرسمية بعد ~~قانونيتها (أبو كريف) كإنجيل طفولة المسيح وإنجيل برنابا أم لا؟ فمحمد لم ~~يعقد فى الشام ولا فى مكة مجمعا مسيحيا كمجامع الكنيسة للترجيح بين ~~الأناجيل والمذاهب المسيحية ويحكم بصحة بعضها دون بعض. # إن وقوع مثل هذا منه فى تلك الرحلة مما يعلم واضعو هذه الأخبار ببداهة ~~العقل مع عدم النقل أنه محال عادة، وعلى فرض وقوعه يقال: كيف يمكن أن يحكم ~~بين تلك الأناجيل وتلك المذاهب برأيه فى تلك الخلسة التجارية للنظر فيها ~~ويأمن على حكمه الخطأ؟ # وقد صح عنه أنه قال لأصحابه فى شأن أهل الكتاب: «لا تصدقوهم ولا تكذبوهم «4»»، PageV01P087 ~~يعنى فيما سكت عنه القرآن لئلا يكون ما كذبوهم فيه مما حفظوا أو يكون ما ~~صدقوهم به مما نسوا حقيقته أو حرفوا أو بدلوا. # (الوجه العاشر): أن ما فى القرآن ما هو مخالف للعهدين العتيق والجديد، ~~وهو مما لا يعلم إلى الآن أن أحدا من اليهود والنصارى قال به، كمخالفة سفر ~~الخروج فيمن تبنت موسى، ففيه أنها ابنة فرعون وفى القرآن أنا امرأته، وفيما ~~فيه من عزو صنع العجل الذى عبده بنو إسرائيل إلى هارون عليه السلام بعزوه ~~إياه إلى السامرى وإثباته لإنكار هارون عليهم فيه، وغير ذلك. # بل ما جاء به محمد أكبر وأعظم من كل ما فى الكتب الإلهية ما صح منها وما ~~لم يصح كما سنبينه. # رويدكم أيها المفتاتون «1» الذين يقولون ما لا يعلمون، إن وحى القرآن ~~أعلى مما تزعمون، وأكبر مما تتصورون وتصورون، وإن محمدا أقل علما كسبيا مما ~~تدعون وأكمل استعدادا لتلقى كلام الله عن الروح القدس مما تستكبرون. # وإذا كان وحى القرآن أعلى وأكمل من جميع ما حفظ عن أنبياء الله ورسله، ~~لأنه الخاتم لهم، المكمل لشرائعهم الخاصة الموقوتة، فأجدر به أن يكون أكمل ~~مما وضعه (سولون) ms064 الفيلسوف اليونانى الذى شبه محمدا بأحد ملاحد عصرنا فى ~~مصرنا، مع بعد الشبه بين أمى نشأ بين الأميين، وفيلسوف نشأ فى أمة حكمة، ~~وتشريع ودولة وسياسة، ودخل فى كل أمور الأمة والدولة كسولون هذا «2». PageV01P088 ### || AUTO القول الحق فى استعداد محمد صلى الله عليه وسلم للنبوة والوحى # التحقيق فى صفة حال محمد صلى الله عليه وسلم من أول نشأته، وإعداد الله ~~تعالى إياه لنبوته ورسالته: # هو أنه خلقه كامل الفطرة؛ ليبعثه بدين الفطرة، وأنه خلقه كامل العقل ~~الاستقلالى الهيولانى ليبعثه بدين العقل المستقل والنظر العلمى، وأنه كمل ~~بمعالى الأخلاق، ليبعثه متمما لمكارم الأخلاق، وأنه بغض إليه الوثنية ~~وخرافات أهلها ورذائلهم من صغر سنه، وحبب إليه العزلة حتى لا تأنس نفسه ~~بشيء يتنافسون فيه من الشهوات واللذات البدنية، أو منكرات القوة الوحشية، ~~كسفك الدماء، والبغى على الناس، أو المطامع الدنيئة كأكل أموال الناس ~~بالباطل- ليبعثه مصلحا لما فسد من أنفس الناس، ومزكيا له بالتأسى به، وجعله ~~المثل البشرى الأعلى، لتنفيذ ما يوحيه إليه من الشرع الأعلى. # فكان من عفته أن سلخ من سنى شبابه وفراغه خمسا وعشرين سنة مع زوجته خديجة ~~كانت فى عشر منها كهلة نصفا أم أولاد، وفى 15 منها عجوزا يائسة من النسل، ~~فتوفيت فى الخامسة والستين وهى أحب الناس إليه، وظل يذكرها ويفضلها على ~~جميع من تزوج بهن من بعدها، حتى عائشة بنت الصديق على جمالها وحداثتها ~~وذكائها، وكمال استعدادها للتبليغ عنه، ومكانة والدها العليا فى أصحابه، ~~وظل طول عمره يكره سفك الدماء ولو بالحق، فكان على شجاعته الكاملة، يقود ~~أصحابه لقتال أعداء الله وأعدائه المعتدين عليه وعليهم، لأجل صدهم عن دينه، ~~ولكنه لم يقتل بيده إلا رجلا واحدا منهم (هو أبى بن خلف) كان موطنا نفسه ~~على قتله صلى الله عليه وسلم فهجم عليه وهو مدجج بالحديد من مغفر ودرع، فلم ~~يجد صلى الله عليه وسلم بدا من قتله فطعنه فى ترقوته من خلال الدرع والمغفر ~~فقتله، وظل طول عمره ثابتا على أخلاقه من الزهد والجود والإيثار، فكان ms065 بعد ~~ما أفاء الله عليه من غنائم المشركين واليهود يؤثر التقشف وشظف العيش على ~~نعمته، مع إباحة شرعه لأكل الطيبات ونهيه عن تركها تدينا، وكان يرفع ثوبه ~~ويخصف نعله، مع إباحة دينه للزينة وأمره بها عند كل مسجد وكان يساعد أهل ~~بيته على خدمة الدار. # أكمل الله استعداده الفطرى الوهبى «لا الكسبى» للبعثة بإكمال دين ~~النبيين، والمرسلين. # والتشريع الكافى الكافل لإصلاح جميع البشر إلى يوم الدين، وجعله حجة على ~~جميع العالمين بأن أنشأه كأكثر قومه أميا، وصرفه فى أميته عن اكتساب أى شىء ~~من علوم البشر PageV01P089 ~~من قومه العرب الأميين، ومن أهل الكتاب حتى إنه لم يجعل له أدنى عناية بما ~~يتفاخر به قومه من فصاحة اللسان، وبلاغة البيان، من شعر وخطابة، ومفاخرة ~~ومنافرة «1»، إذ كانوا يؤمون أسواق موسم الحج وأشهرها عكاظ «2» من جميع ~~النواحى لإظهار بلاغتهم وبراعتهم، فكان ذلك أعظم الأسباب لارتقاء لغتهم، ~~واتساع معارفهم، وكثرة الحكمة فى شعرهم، فكان من الغريب أن يزهد محمد صلى ~~الله عليه وسلم فى مشاركتهم فيه بنفسه وفى روايته لما عساه يسمعه منه، وقد ~~سمع بعد النبوة زهاء مائة قافية من شعر أمية بن الصلت فقال: «إن كاد ليسلم» ~~وقال: «آمن شعره وكفر قلبه»، وقال: «إن من البيان لسحرا وإن من الشعر ~~حكما». رواه أحمد وأبو داود من حديث ابن عباس، وأما قوله «إن من البيان ~~لسحرا» فقد رواه مالك وأحمد والبخارى وأبو داود والترمذى من حديث ابن عمر ~~قلنا: إن الله تعالى جعل استعداد محمد صلى الله عليه وسلم للنبوة والرسالة ~~فطريا وإلهاميا لم يكن فيه شىء من كسبه بعلم ولا عمل لسانى ولا نفسى، وأنه ~~لم يرو عنه أنه كان يرجوها .. كما روى عن أمية ابن أبى الصلت. بل أخبر الله ~~عنه أنه لم يكن يرجوها كما تقدم ولكن روى عن خديجة رضى الله عنها أنها لما ~~سمعت من غلامها ميسرة أخبار أمانته وفضائله وكراماته، وما قاله بحيرا ~~الراهب فيه. تعلق أملها بأن يكون هو النبى الذى يتحدثون عنه، ولكن هذه ms066 ~~الروايات لا يصل شىء منها إلى درجة المسند الصحيح كحديث بدء الوحى الذى ~~أوردناه آنفا، فإن قيل: إنه يقويها حلفها بالله أن الله تعالى لا يخزيه ~~أبدا. قلنا: إنها عللت ذلك بما ذكرته من فضائله ورأت أنها فى حادة إلى ~~استفتاء ابن عمها ورقة فى شأنه. # وأما اختلاؤه صلى الله عليه وسلم وتعبده فى الغار عام الوحى فلا شك فى ~~أنه كان عملا كسبيا مقويا لذلك الاستعداد السلبى من العزلة وعدم مشاركة ~~المشركين فى شىء من عباداتهم ولا عاداتهم. ولكنه لم يكن يقصد به الاستعداد ~~للنبوة. لأنه لو كان لأجلها لاعتقد حين رأى PageV01P090 ~~الملك أن عقب رؤيته حصول مأموله وتحقق رجائه، ولم يخف منه على نفسه، وإنما ~~كان الباعث لهذا الاختلاء والتحنث اشتداد الوحشة من سوء حال الناس والهرب ~~منها إلى الأنس بالله تعالى والرجاء فى هدايته إلى المخرج منها، كما بسطه ~~شيخنا الأستاذ الإمام فى تفسير قوله تعالى من سورة الضحى: ووجدك ضالا فهدى ~~[الضحى: 7]، وما يفسره من قوله عز وجل فى سورة الشورى: وكذلك أوحينا إليك ~~روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به ~~من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم (52) صراط الله الذي له ما ~~في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور [الشورى: # 52، 53]، وألم به فى رسالة التوحيد إلماما مختصرا مفيدا، فقال: # «من السنن المعروفة أن يتيما فقيرا أميا مثله تنطبع نفسه بما تراه من أول ~~نشأته إلى زمن كهولته، ويتأثر عقله بما يسمعه ممن يخالطه لا سيما إن كان من ~~ذوى قرابته، وأهل عصبته، ولا كتاب يرشده، ولا أستاذ ينبهه، ولا عضد إذا عزم ~~يؤيده، فلو جرى الأمر فيه على جارى السنن لنشأ على عقائدهم، وأخذ بمذاهبهم ~~إلى أن يبلغ مبلغ الرجال، ويكون للفكر والنظر مجال، فيرجع إلى مخالفتهم، ~~إذا قام له الدليل على خلاف ضلالاتهم، كما فعل القليل ممن كانوا على عهده «1». # ولكن الأمر لم يجر على سنته، بل بغضت إليه الوثنية من ms067 مبدأ عمره، فعاجلته ~~طهارة العقيدة، كما بادره حسن الخليقة، وما جاء فى الكتاب من قوله: ووجدك ~~ضالا فهدى لا يفهم منه أنه كان على وثنية قبل الاهتداء إلى التوحيد، أو على ~~غير السبيل القويم، قبل الخلق العظيم، حاشا لله إن ذلك لهو الإفك المبين، ~~وإنما هى الحيرة تلم بقلوب أهل الإخلاص فيما يرجون للناس من الخلاص، وطلب ~~السبيل، إلى ما هدوا إليه من إنقاذ الهالكين، وإرشاد الضالين، وقد هدى الله ~~نبيه إلى ما كانت تتلمسه بصيرته باصطفائه لرسالته، واختياره من بين خلقه ~~لتقرير شريعته» أ. ه. # (أقول) وجملة القول أن استعداد محمد صلى الله عليه وسلم للنبوة والرسالة ~~عبارة عن جعل الله تعالى روحه الكريمة كمرآة صقيلة حيل بينها وبين كل ما فى ~~العالم من التقاليد الدينية والأعمال الوراثية والعادات المنكرة، إلى أن ~~تجلى فيها الوحى الإلهى بأكمل معانيه، وأبلغ مبانيه، لتجديد دين الله ~~المطلق الذى يرسل به رسله إلى أقوامهم خاصة بما يناسب حالهم واستعدادهم، ~~وأراد إكمال الدين به فجعله خاتم النبيين، وجعل رسالته عامة دائمة، لا ~~يحتاجون بعدها إلى وحى آخر. PageV01P091 ### || AUTO الأمثال النورانية لفطرة محمد صلى الله عليه وسلم وروحه، ~~ووحيه، وكتاب الله تعالى ودينه # لقد كان محمد صلى الله عليه وسلم في فطرته السليمة، وروحه الشريفة، وما ~~نزل عليها من المعارف العالية، وما أشرق فيها من نور الله عز وجل الذي ~~تلوته عليك آنفا من آخر سورة الشورى هو مضرب المثل فى قوله تعالى من سورة ~~النور: الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في ~~زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا ~~غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من ~~يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم (35) [النور: 35]. # الله أكبر إن دين محمد ... وكتابه أقوى وأقوى قيلا # لا تذكروا الكتب السوالف عنده ... طلع الصباح فأطفأ القنديلا # وكما قال فى أول همزيته: # كيف ترقى رقيك الأنبياء ... يا سماء ما ms068 طاولتها سماء # لم يساووك فى علاك وقد حا ... ل سنى منك دونهم وسناء # إنما مثلوا صفاتك النا ... س كما مثل النجوم الماء # أنت مصباح كل فضل فما تص ... در إلا عن ضوئك الأضواء # أفرأيت من أنزل الله عليه تلك الآيات. التى أشرقت بنورها الأرض والسموات، ~~وألهمه هذا الدعاء الفياض بنور الله. أيعقل أن يستمد النور ممن كانوا ~~يعيشون فى ظلمة الوثنية الهالكة، وفى ظلمات التقاليد الكهنوتية الحالكة. ~~الذين ضرب لهم الله المثل بعد مثل النور الذي اقتبسناه من سورة النور ~~بقوله: والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم ~~يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب (39) أو كظلمات في ~~بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج ~~يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور (40) [النور: 39 - 40]. # فارجع أيها الناظر المنصف إلى وجدانك، وتأمل هذه الأمثال الإلهية، وما ~~تراه فى سائر هذا الكتاب لعل الله يتم نور إنصافك، فتكتب كتابا آخر تثبت به ~~الوحى الإلهى المعصوم لمحمد خاتم النبيين ببلاغتك الفرنسية، وتدعو قومك إلى ~~الاهتداء بكتابه القويم، ومعالجة مفاسد إلحادهم وخياناتهم لأنفسهم وظلمهم ~~لغيرهم باتباع صراطه المستقيم. PageV01P092 # هذا ما نراه كافيا لتفنيد مزاعم مصورى الوحى النفسى من ناحية شخص محمد ~~واستعداده، ويتلوه ما هو أقوى دليلا، وأقوم قيلا، وهو موضوع الوحى الذى هو ~~آية نبوته # الخالدة، وحجته الناهضة، ومصدر جميع تلك الأنوار الفائضة، وهو: القرآن ~~الكريم. PageV01P093 ### || AUTO آية الله الكبرى القرآن العظيم القرآن الكريم، القرآن الحكيم، ~~القرآن المجيد، الكتاب العزيز الذى: (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من ~~خلفه تنزيل من حكيم حميد) # هو كتاب لا كالكتب، هو آية لا كالآيات، هو معجزة لا كالمعجزات، هو نور لا ~~كالأنوار، هو سر لا كالأسرار، هو كلام لا كالكلام، هو كلام الله الحى ~~القيوم، الذى ليس لروح القدس جبريل الأمين عليه السلام منه إلا نقله بلفظه ~~العربى من سماء الأفق ms069 الأعلى إلى هذه الأرض، ولا لمحمد رسول الله وخاتم ~~النبيين صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله منه إلا تبليغه للناس بلفظه الذى ~~تلقاه عن الروح الأمين، ثم بيانه لهم بالقول والعمل ليهتدوا به، فهو معجز ~~للخلق بلفظه ونظمه وأسلوبه وهدايته وتأثيره وعلومه. لم يكن فى استطاعة محمد ~~صلى الله عليه وسلم أن يأتى بسورة من سوره بكسبه ولا مواهبه. من علومه ~~ومعارفه، وفصاحته وبلاغته، وهو صلى الله عليه وسلم لم يكن عالما ولا بليغا ~~ممتازا إلا به. بل فيه آيات صريحة ناطقة بأنه لم يكن يعلم شيئا من علومه- ~~تقدم بعضها، وبأنه كان يعجز كغيره عن الإتيان بمثله، وهو ما أمره تعالى أن ~~يقوله للناس فى تحديه إياهم واستدلاله به على نبوته، وهو قوله تعالى: وإذا ~~تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو ~~بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي إني ~~أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم [يونس: 15]، أى: لو شاء الله ألا أتلوه ~~عليكم ما تلوته، ولما أعلمكم هو به، فإنى إنما تلوته عليكم بمشيئته وأمره، ~~فقد أقمت فيكم عمرا طويلا لم أتل عليكم شيئا، أفلا تعقلون أن من عاش أربعين ~~سنة لم يصدر عنه علم ولا عرفان ولا بلاغة لسان، لا يمكن أن يصدر عنه بعد ~~الاكتهال، ما لم يكن له أدنى نصيب منه فى سن الشباب «1»؟. # وقد بينت فى الكلام على آية التحدى بالقرآن من تفسير سورة البقرة [32] ~~أهم وجوه الإعجاز اللفظى والمعنوى بالإجمال والإيجاز، وهى بضعة أنواع «2». PageV01P094 # ثم تكلمت عن التحدى ببلاغته ونظمه فى آيتى يونس [37، 38] ومنه دلالتهما على ~~عجز النبى صلى الله عليه وسلم عن الإتيان بسورة من مثله كغيره، ومنه وجه ~~التحدى بعشر سور مثله مفتريات، ووجه الإعجاز فى السور القصيرة، وسأعود إلى ~~هذا فى آخر الكتاب. # وأوجه الكلام هنا إلى هداية القرآن بأسلوبه وتأثيره وعلومه المصلحة للبشر ~~بما يحتمله المقام من البسط والتفصيل، وهو القدر الذى يعلم ms070 منه أن هذه ~~العلوم أهدى من كل ما حفظه التاريخ عن جميع الأنبياء والحكماء، وواضعى ~~الشرائع والقوانين، وساسة الشعوب والأمم، وأن إعجازه من هذه الناحية أقوى ~~البراهين على كونه وحيا من الله تعالى تقوم به الحجة على جميع البشر. # فمن كان يؤمن بأن للعالم ربا عليما حكيما مريدا فاعلا مختارا فلا مندوحة ~~له ولا مناص من الإيمان بأن هذا القرآن وحى من لدنه عز وجل أنزله على خاتم ~~أنبيائه المرسلين رحمة بهم ليهتدوا به إلى تكميل فطرتهم، وتزكية أنفسهم، ~~وإصلاح مجتمعهم من المفاسد التى كانت عامة لجميع أممهم، فيكون اتباع محمد ~~فرضا إلهيا عاما كما قال تعالى: قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم ~~جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ~~ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون ~~[الأعراف: 158]. # ومن كان لا يؤمن بوجود هذا الرب العليم الحكيم فهذا القرآن حجة ناهضة على ~~وجوده الحق. بكونه ليس من المعهود فى الخلق. وبما اشتمل عليه من الآيات ~~البينات فى الأنفس والآفاق. فمن لم يهتد إلى فهمها فلا مندوحة له عن الجزم ~~بأن محمدا أكمل وأفضل وأعلم وأحكم من كل من عرف فى هذا العالم من الحكماء ~~الهادين المهديين، ويكون الواجب بمقتضى العقل أن يعترف له هؤلاء بأنه أفضل ~~البشر على الإطلاق. وأولاهم بالاتباع. ولا غرو فقد اعترف له بهذا كثير من ~~علماء الشرق والغرب، سنورد بعض شهاداتهم بعد. PageV01P095 # بل رأينا بعض المنصفين من الواقفين على السيرة المحمدية الذين يفهمون ~~القرآن فى الجملة يعتقدون أن ما وجد ولن يوجد مثله فى المستقبل: ومنهم ~~الأستاذ وليام موير الانكليزى المشهور «1»، ومنهم ذلك الفيلسوف الطبيب ~~السورى الكاثوليكى النشأة. المادى الكهولة الذى رأى فى مجلة المنار بعض ~~المناقب المحمدية فكتب إلينا كتابا # نشرناه فى الجزء الأول من المجلد الحادى عشر سنة 1336 هذا نصه: # مكتوب الدكتور شبلى شميل المادى فى تفضيل محمد صلى الله عليه وسلم على ~~جميع البشر إلى غزالى عصره السيد محمد رشيد ms071 رضا صاحب المنار: # «أنت تنظر إلى محمد كنبى، وتجعله عظيما، وأنا أنظر إليه كرجل وأجعله ~~أعظم، ونحن وإن كنا فى الاعتقاد (الدينى أو المبدأ الدينى) على طرفى نقيض ~~فالجامع بيننا العقل الواسع، والإخلاص فى القول، وذلك أوثق بيننا لعرى ~~المودة». # الحق أولى أن يقال # دع من محمد فى سدى قرآنه ... ما قد نحاه للحمة الغايات # إنى وإن أك قد كفرت بدينه ... هل أكفرن بمحكم الآيات # أو ما حوت فى ناصع الألفاظ من ... حكم روادع للهوى وعظات # وشرائع لو أنهم عقلوا بها ... ما قيدوا العمران بالعادات # نعم المدبر والحكيم وإنه ... رب الفصاحة مصطفى الكلمات # رجل الحجا رجل السياسة والدها ... بطل حليف النصر فى الغارات # ببلاغة القرآن قد غلب النهى ... وبسيفه أنحى على الهامات # من دونه الأبطال فى كل الورى ... من سابق أو حاضر أو آت # والمؤمنون بهذه الحقيقة من أحرار مفكرى الشعوب كلها كثيرون كما قلنا، ~~ولكن الجاحدين لوجود رب مدبر للعالمين قليلون، وأن محمدا صلى الله عليه ~~وسلم لحجة عليهم فيما شهدوا له به PageV01P096 ~~وعزوه إلى استعداده وكسبه، وأسنده هو إلى وحى ربه مع ما علم بالضرورة من ~~صدقه الفطرى المطبوع. # ولكن شبلى شميل كان يزعم أنه نسج قرآنه من سدى الحكمة ولحمة الدين ليقبله ~~جمهور الناس، وقد بطل هذا الزعم بما بسطناه فى هذا الكتاب وأثبتنا به نبوته ~~صلى الله عليه وسلم وهو يتضمن الحجة على وجود الرب تعالى بل هو مجموعة حجج ~~عقلية وطبيعية، على الألوهية وعلى النبوة. # وسترى أيها القارئ بسط هذه الحجة فى خاتم هذا الكتاب، وأمهد السبيل لها ~~بفصلين فى إعجاز القرآن للخلق، من وجهين هما أوجه وأقوى مما ألف فيه ~~علماؤنا المصنفات الممتعة وأحراها بإقناع أهل هذا العصر المستقلى الفكر، فأقول: # *** PageV01P097 ### | AUTO الفصل الرابع فى إعجاز القرآن بأسلوبه وبلاغته، وتأثيره وثورته ### || AUTO أسلوب القرآن فى تركيبه المزجى: # لو أن عقائد الإسلام المنزلة فى القرآن من الإيمان بالله وصفاته وملائكته ~~وكتبه ورسله واليوم الآخر، وما فيه من الحساب والجزاء، ودار الثواب ودار ~~العقاب. جمعت مرتبة ms072 فى ثلاث سور أو أربع أو خمس مثلا ككتب العقائد المدونة. # ولو أن عباداته من الطهارة والصلاة والزكاة والصيام والحج والدعاء ~~والأذكار وضع كل منها فى بعض سور أيضا مبوبة مفصلة ككتب الفقه المصنفة. # ولو أن آدابه وحكمه وفضائله الواجبة والمندوبة، وما يقابلها من الرذائل ~~والأعمال المحرمة والمكروهة أفردت هى وما تقتضيه من الترغيب والترهيب من ~~المواعظ والنذر والأمثال، الباعثة لشعورى الخوف والرجاء. فصلت فى عشر سور ~~أو أكثر ككتب الأخلاق والآداب المؤلفة. # ولو أن قواعده التشريعية، وأحكامه الشخصية والسياسية والحربية والمالية ~~والمدنية وحدوده وعقوباته التأديبية، رتبت فى عدة سور خاصة بها كأسفار ~~القوانين الوضعية. # ثم لو أن قصص النبيين والمرسلين وما فيها من العبر والمواعظ والسنن ~~الإلهية سردت فى سورها مرتبة كدواوين التاريخ. # لو أن كل ما ذكر وما لم يذكر من مقاصد القرآن التى أراد الله بها إصلاح ~~شئون البشر جمع كل نوع منها وحده كترتيب أسفار التوراة التاريخى التى لا ~~يعلم أحد مرتبها، أو كتب العلم والفقه والقوانين؛ لفقد القرآن بذلك أعظم ~~مزايا هدايته المقصودة بالقصد الأول من التشريع وحكمة التنزيل، وهو التعبد ~~به واستفادة كل حافظ للكثير أو للقليل من سوره- حتى القصيرة منها- كثيرا من ~~مسائل الإيمان والفضائل والأحكام والحكم المثبتة فى جميع السور، لأن السورة ~~الواحدة لا تحوى فى هذا الترتيب المفروض إلا مقصدا واحدا من تلك المقاصد، ~~وقد يكون أحكام الطلاق أو الحيض. فمن لم يحفظ إلا سورة طويلة فى موضوع واحد ~~يتعبد بها وحدها، فلا شك أنه يملها. PageV01P099 # وأما سورة المنزلة بهذا الأسلوب الغريب، والنظم العجيب، فقد يكون فى الآية ~~الواحدة الطويلة والسورة الواحدة القصيرة، عدة ألوان من الهداية وإن كانت ~~فى موضوع واحد فترى فى سورتى الفيل وقريش على قصرهما ذكر مسألتين تاريخيتين ~~قد جعلتا حجة على مشركى قريش فيما يجب عليهم من توحيد الله وعبادته، بما من ~~عليهم بعنايته بحفظ البيت الحرام وأمنه وهو مناط عزهم وفخرهم وشرفهم، ومعقل ~~حياتهم. ومحبى تجارتهم ورزقهم. # قلت: إن القرآن لو أنزل بأساليب الكتب المألوفة المعهودة ms073 وترتيبها لفقد ~~أعظم مزايا هدايته المقصودة بالقصد الأول. وأقول أيضا: إنه لو أنزل هكذا ~~لفقد بهذا الترتيب أخص مرات إعجازه المقصود بالدرجة الثانية. # كلا إن كل واحدة من الميزتين مقصودة لذاتها. فأولى أن يعبر عن الميزة ~~الأولى بالموضوع وعن الثانية بالشكل. كاصطلاح المحاكم. فيقال: لو كان ~~القرآن مرتبا مبوبا كما ذكر لكان خاليا من أعظم مزاياه على غيره من الكتب ~~شكلا وموضوعا. # يعلم هذا وذاك مما نبينه من فوائد نظمه وأسلوبه الذى أنزله به رب ~~العالمين. العليم الحكيم الرحيم، وهو مزج تلك المقاصد كلها بعضها ببعض ~~وتفريقها فى السور الكثيرة الطويلة منها والقصيرة بالمناسبات المختلفة، ~~وتكرارها بالعبارات البليغة. المؤثرة فى القلوب المحركة للشعور النافية ~~للسآمة والملل. من المواظبة على ترتيلها بنغمات نظمه الخاص به وفواصله ~~المتعددة القابلة لأنواع من التغنى والنغم الذى يحرك فى القلوب وجدان ~~الخشوع وخشية الإجلال للرب المعبود، والعرفان بقدسه وكماله، والملاحظة ~~لجماله وجلاله والتعرض لتجلى أسمائه وصفاته، والتفكر فى آيات مصنوعاته، ~~والرجاء فى رضوانه ورحمته، والخوف من غضبه وعقوبته، والاعتبار بسننه فى ~~خلقه والقابلة لأنواع أخرى من الإلقاء الخطابى فى الترغيب والترتيب. ~~والتعجيب، والتعجيب، والتكريه والتحبيب، والزجر والتأنيب، واستفهام الإنكار ~~والتقرير، والتهكم والتوبيخ بما لا نظير له فى كلام البشر من خطابه ولا ~~شعر، ولا رجز ولا سجع، فبهذا الأسلوب الرفيع فى النظم البديع وبلاغة ~~التعبير الرفيع كان القرآن كما ورد فى معنى وصفه أنه لا تبلى جدته، ولا ~~تخلقه كثرة الترديد «1»؛ وحكمة ذلك وغايته تعلم مما وقع بالفعل، وهاك بيانه ~~بالإجمال: PageV01P100 # PageV01P101 ### || AUTO الثورة والانقلاب الذى أحدثه القرآن في الأمة العربية فسائر الأمم # القرآن كتاب أنزله الله تعالى على قلب رجل نشأ على الفطرة البشرية سليم ~~العقل صقيل النفس. طاهر الأخلاق، لم تملكه تقاليد دينية، ولا أهواء دنيوية، ~~لأجل إحداث ثورة وانقلاب كبير فى العرب فسائر الأمم، يكتسح من العالم ~~الإنسانى ما دنس فطرته من رجس الشرك والوثنية. الذى هبط بهذا الإنسان من ~~أفقه الأعلى فى عالم الأرض. # إلى عبادة مثله وما هو دونه من هذه ms074 المخلوقات- وما أفسد عقله وذهب ~~باستقلال فكره من البدع الكنسية، والتقاليد المذهبية، التى أحالت توحيد ~~الأنبياء الأولين شركا، وحقهم باطلا، وهدايتهم غواية- وما أفسد بأسه، وأذل ~~نفسه، وسلبه إرادته، من استبداد الملوك الظالمين، والرؤساء القاهرين. # ثورة تحرر العقل البشرى والإرادة الإنسانية من رق المنتحلين لأنفسهم صفة ~~الربوبية، أو النيابة عن الرب الخالق تعالى في التحكم والهيمنة والسيطرة ~~على قلوب الناس وعقولهم، والتصرف فى إرادتهم وأبدانهم وأموالهم، فيكون بهذا ~~العتق كل امرئ اهتدى به حرا كريما في نفسه، عبدا خالصا لربه وإلهه، يوجه ~~قواه العقلية والبدنية إلى تكميل نفسه وجنسه. مثل هذه الثورة الإنسانية لا ~~يمكن أن تحدث إلا على قاعدة القرآن في قوله تعالى: إن الله لا يغير ما بقوم ~~حتى يغيروا ما بأنفسهم [الرعد: 11]. # وكيف يكون تغيير الأقوام لما بأنفسهم من العقائد والأخلاق والصفات ~~الثابتة، التى طبعتها عليها العبادات الموروثة والعادات الراسخة؟ # هل يكفى فى ذلك قيام مصلح فيهم يضع لهم كتابا تعليميا جافا ككتب الفنون ~~يقول فيه: إنكم أيها الناس ضالون فاسدون، ومضلون ومفسدون فاعملوا بهذا ~~الكتاب تهتدوا وتصلحوا، أو قانونا مدنيا يقول في مقدمته: نفذوا هذا القانون ~~تحفظ حقوقكم وتعتز أمتكم وتقوى دولتكم؟ أنى وقد عهد من الناس الفاسدين ~~المفسدين سوء التصرف بكتب أنبيائهم المرسلين، وإهمال قوانين حكمائهم ~~المصلحين، كما فعل أهل الملل الأولون والمسلمون المتأخرون؟ # كلا. إنما توضع القوانين للحكومات المنظمة ذات السلطان والقوة التى تكفل ~~تنفيذها. # وأنى لمحمد صلى الله عليه وسلم فعل هذا فى الأمة العربية العاتية عن كل ~~سيطرة ونظام وقد بعث PageV01P102 ~~بالحجة والبرهان فريدا وحيدا لا عصية له من قومه ولا سلطان؟ على أنه جاء ~~بأعدل الأصول التى تبنى عليها أمة قوانينها عند تكوين دولتها فى الأحوال ~~الملائمة لها. جاء لإصلاح الأخلاق والطباع بالحجة والقيمة وطرق الإقناع ~~والخضوع لوازع الاعتقاد النفسى دون وازع الحكم القهرى. ليغير الناس ما ~~بأنفسهم بالاختيار، لا بالقوة والإجبار فيغير الله ما بهم بمقتضى سنته فى ~~نظام الاجتماع وقد نطق القرآن بأن الرسول إنما هو مبلغ ومذكر غير جبار على ms075 ~~الناس ولا مسيطر. # كلا. إن هذه الثورة ما كان يمكن أن تحدث إلا بما حدثت به. وهو تأثير هذا ~~القرآن فى أنفس الأمة العربية التى كانت أشد الأمم البدوية والمدنية ~~استعدادا فطريا لظهور الإسلام فيها، كما بيناه فى كتابنا (خلاصة السيرة ~~المحمدية)، وسنلم به قريبا. # ذلك بأن من طباع البشر فى معرفة الحق والباطل، والخير والشر، والعمل ~~بمقتضى المعرفة وإن خالف مقتضى الأهواء والشهوات، والتقاليد والعادات، إن ~~مجرد البيان والإعلام والأمر والنهى لا يكفى فى الحمل على التزام الحق ~~ونصره على الباطل، ولا فى أداء الواجب ومن عمل الخير وترك الشر إذا عارض ~~المقتضى العلمى لهما ما أشرنا إليه آنفا من الموانع النفسية والعلمية. إلا ~~فى بعض الأفراد من الناس. دون الجماعات والأقوام. بل مضت سنة الله فى تثبيت ~~الحق والخير فى النفس، وصدور آثارهما عنهما بالعمل. أنه يتوقف على صيرورة ~~الإيمان بهما إذا عانا وجدانيا حاكما على القلب. راجحا على ما يخالفه من ~~رغب ورهب، وأمل وألم، وإنما يكون هذا فى الأحداث بالتربية العلمية العملية، ~~والأسوة الحسنة لهم فيمن ينشئون بينهم من الوالدين والأقربين والمعاشرين. # وأما كبار السن فلا سبيل إلى جعل الإيمان بالحق المطلق والخير العام ~~إذعانا وجدانيا لجمهورهم إلا بالأسلوب الذى نزل به القرآن. بل بالقرآن ~~الممتاز بهذا الأسلوب، فقلب به طباع الكهول والشبان وأخلاقهم وتقاليدهم ~~وعاداتهم، وحولها إلى أضدادها علما وعملا بما لم يعهد له نظير فى البشر، ~~فكان القرآن آية خارقة للمعهود من سنن الاجتماع البشرى فى تأثيره. بالتبع ~~لكونه آية معجزة لبشر فى لغته وأسلوبه: كما كان آية معجزة فى إصلاحه للأمم ~~بهديه وتعليمه. PageV01P103 ### || AUTO اعتبار الموازنة بين تأثير القرآن فى العرب والتوراة فى بنى ~~إسرائيل # واعتبر هذا ببنى إسرائيل سلالة النبيين؛ فإن كان ما رأوه بمصر من آيات ~~موسى عليه السلام، ثم ما رأوه فى برية سيناء ومدة التيه فيها، ومن عناية ~~الله تعالى بهم، ومن سماعهم كلام الله تعالى بآذانهم فى لهيب النار ~~المشتعلة على ما ترويه توراتهم- ولم يثبت عندنا التكليم إلا ms076 لنبيهم- لم ~~يتغير بذلك كله ما كان بأنفسهم من تأثير الوثنية المصرية وخرافاتها الراسخة ~~فى قلوبهم، ولا من تأثير السياسة الفرعونية المستبدة فى أخلاقهم، فقد عذبوا ~~موسى عذابا نكرا، وعاندوه فى كل ما كان يأمرهم به، وعبدوا صنم العجل الذهبى ~~فى أثناء مناجاته لربه. حنينا إلى ما كان من عبادة مستعبديهم الفرعونيين ~~للعجل (أبيس) حتى وصفهم الله فى التوراة بالشعب الصلب الرقبة، وهو كناية عن ~~البلادة والعناد، وعصل الطباع «1» المانع من الانقياد، وظل ذلك كذلك إلى أن ~~باد ذلك الجيل الفاسد بعد أربعين سنة، ونشأ فيهم جيل جديد ممن كانوا أطفالا ~~عند الخروج من مصر وممن ولد فى التيه، أمكن أن يعقلوا التوحيد والشريعة، ~~وأن يعملوا بها ويجاهدوا فى سبيلها، وإنما كان ذلك بعد موت موسى عليه ~~السلام. # فأين بنو إسرائيل من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم الذين تربوا بسماع ~~القرآن وترتيله وتدبره، فى رسوخهم فى الإيمان وصبرهم على أذى المشركين ~~واضطهادهم إياها ليفتنوهم عن دينهم، ثم مجاهدتهم لهم عند الإمكان بعد ~~الهجرة، ومجاهدة أعوانهم من أهل الكتاب (اليهود) وتطهيرهم الحجاز وسائر ~~جزيرة العرب من كفر الفريقين فى عهده صلى الله عليه وسلم، وقد كانت مدة ~~البعثة المحمدية كلها عشرين سنة أى نصف مدة التيه، وكان ذهب نصفها فى ~~الدعوة وتبليغ الدين للأفراد بمكة والنصف الآخر هو الذى تم فيه الانقلاب ~~العربى من تشريع وتنفيذ وجهاد وفتح وتأسيس. # ثم تأمل ما كان من تدفقهم أنفسهم كالسيل الآتى «2» على الأقطار من نواحى ~~الجزيرة كلها، والظهور على ملكى قيصر وكسرى أعظم ملوك الأرض، وإزالة الشرك والظلم PageV01P104 ~~منهما، ونشر التوحيد والحق والعدل فيهما، ودخول الأمم فى دين الله أفواجا ~~مختارين اهتداء بهم، وعنايتهم بتعلم العربية بالتبع لعنايتهم بالدين، حتى ~~فتحوا- هم وتلاميذهم- نصف كرة الأرض فى زهاء نصف قرن، وكانوا مضرب المثل فى ~~الرحمة والعدل «1»، وموضع الحيرة لعلماء الاجتماع وقواد الحرب «2». وأنى ~~يبلغ الشعب الذى وصف ربه فى كتابه بالشعب المتمرد الصلب الرقبة «3» درجة ~~الذين وصفهم رب العالمين بقوله تعالى: # محمد رسول الله والذين معه ms077 أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا ~~يبتغون فضلا من الله ورضوانا [الفتح: 29]. # فهذا عمر بن الخطاب أمير المؤمنين الذى نشأ وشب على الشدة والقسوة فى ~~الجاهلية حتى قيل: إنه وأد بنتا له، صار بالإسلام من أرحم الرحماء بالناس، ~~حتى أنه يطبخ الطعام هو وزوجته ليلا لامرأة فقيرة فى المخاض وبعلها حاضر لا ~~يساعدهما، ولم يكن يعلم أنه أمير المؤمنين. # لا جرم أن سبب هذا كله تأثير القرآن بهذا الأسلوب الذى نراه فى المصحف، ~~فقد كان النبى صلى الله عليه وسلم يجاهد به الكافرين كما أمره الله بقوله ~~تعالى: فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا [الفرقان: 52]، ثم كان به ~~يربى المؤمنين ويزكيهم. كما قال الله تعالى: فبما رحمة من الله لنت لهم ولو ~~كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في ~~الأمر [آل عمران: 159]، وبهدايته والتأسى بمبلغه صلى الله عليه وسلم ربوا ~~الأمم وهذبوها، وقلما يقرأه أحد كما كانوا يقرءون، إلا ويهتدى به كما كانوا ~~يهتدون على تفاوت فى الاستعداد النفسى واللغوى واختلاف الزمان لا يخفى. ### ||| AUTO المسلمون أرحم البشر بهداية القرآن: # وكيف لا يكون المؤمنون بالقرآن ارحم الناس وقد امتن الله عليهم فى قوله ~~تعالى: يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ~~ورحمة للمؤمنين [يونس: 57]؟، وقد قلنا فى الكلام على الرحمة من هذه المزايا ~~الأربع للقرآن من تفسير المنار (جز 11) ما نصه: PageV01P105 # (الرابعة الرحمة للمؤمنين): وهى ما تثمره لهم هداية القرآن وتفيضه على ~~قلوبهم من رحمة ربهم الخاصة، وهى صفة كمال من آثارها: إغاثة الملهوف، وبذل ~~المعروف، وكف الظلم، ومنع التعدى والبغى، وغير ذلك من أعمال الخير والبر، ~~ومقاومة الشر، وقد وصف الله المؤمنين بقوله: رحماء بينهم، وبقوله: وتواصوا ~~بالصبر وتواصوا بالمرحمة. # وهذه الصفات الأربع مرتبة على سنة الفطرة البشرية، فالموعظة هى التعاليم ~~التى تشعر النفس بنقصها وخطر أمراضها الاعتقادية والخلقية، وتزعجها إلى ~~مداواتها وطلب الشفاء منها، والشفاء تخلية، يتبعها طلب التحلية، بالصحة ~~الكاملة، والعافية التامة، ms078 وهو الهدى، ومن ثمراته: هذه الرحمة التى لا توجد ~~على كمالها إلا فى المؤمنين المهتدين، ولا يحرمها إلا الكافرون الماديون. ~~حتى قال بعضهم: إنها ضعف فى القلب. ويجعل صاحبه كالمضطر إلى الإحسان ~~والعطف، وما هذا القول إلا من فساد الفطرة وقسوة القلب، وفلسفة الكفر، فلقد ~~كان أشجع الناس وأقواهم بدنا وقلبا، أرحم الناس وأشدهم عطفا وهو سيد ولد ~~آدم محمد رسول الله وخاتم النبيين. الذى وصفه ربه بما وصف به نفسه من قوله: ~~بالمؤمنين رؤف رحيم، وقوله: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين وكذلك كان ~~أصحابه رضى الله عنهم حتى كان من يوصف بالشدة والقسوة كعمر بن الخطاب رضى ~~الله عنه صار من أرحم الناس وسيرته فى ذلك معروفة كما أشرنا إليه آنفا. # وقد قال صلى الله عليه وسلم: «لا تنزع الرحمة إلا من شقى». رواه أبو داود ~~والترمذى، واللفظ له عن أبى هريرة رضى الله عنه، وقد صح عنه صلى الله عليه ~~وسلم أنه كان إذا سمع وهو فى الصلاة بكاء طفل تجوز فى صلاته- أى اختصرها ~~وخففها- رحمة به وبأمه، وروى ابن اسحاق أن بلالا رضى الله عنه مر بصفية ~~وبابنة عم لها على قتلى قومهما اليهود بعد انتهاء غزوة خيبر فصكت ابنة عمها ~~وجهها وحثت عليه التراب وهى تصيح وتبكى، فقال صلى الله عليه وسلم له: ~~«أنزعت الرحمة من قلبك حين تمر بالمرأتين على قتلاهما». وجاء أعرابى إليه ~~صلى الله عليه وسلم فقال: إنكم تقبلون أولادكم وما نقبلهم فقال له صلى الله ~~عليه وسلم: «أو أملك لك «1» أن نزع الله الرحمة من قلبك؟». # رواه البخارى ومسلم من حديث عائشة رضى الله عنها والمراد إنى لا أملك أن ~~أشعرك بما لا تشعر به، لأن الله نزع الرحمة من قلبك، فأجعلك رحيما. بل كان ~~صلى الله عليه وسلم شديد الرحمة PageV01P106 ~~بالبهائم والطير والحشرات، وطالما أوصى بها ولا سيما صغارها وأمهاتها، ~~وجاءه مرة رجل وعليه كساء فى يده شىء قد التف عليه فقال: يا رسول الله إننى ~~لما رأيتك أقبلت فمررت بغيضة شجرة ms079 فسمعت فيها أصوات فراخ طائر فأخذتهن فى ~~كسائى، فجاءت أمهن فاستدارت على رأسى، وكشفت لها عنهن فوقعت عليهن فلففتها ~~معهن بكسائى، فهن أولاء معى. قال: «ضعهن». قال: ففعلت فأبت أمهن إلا ~~لزومهن. فقال صلى الله عليه وسلم: «أتعجبون لرحمة أم الأفراخ بفراخها؟». ~~قالوا: نعم. قال: «والذى بعثنى بالحق الله أرحم بعباده من أم الأفراخ ~~بفراخها، ارجع بهن حتى تضعهن حيث أخذتهن وأمهن معا». فرجع بهن. رواه أبو ~~داود من حديث عامر الرامى رضى الله عنه وروى مالك والبخارى ومسلم وأبو داود ~~من حديث أبى هريرة مرفوعا حديثين خلاصتهما أن الله غفر لرجل ولامرأة بغى ~~«أى مومس» لأن كلا منهما رأى كلبا قد اشتد العطش به فرحمه وأخرج له الماء ~~من البئر بخفه فسقاه قالوا له: يا رسول الله إن لنا فى البهائم أجرا؟ فقال: ~~«فى كل كبد رطبة أجر». ورواه أحمد عن عبد الله بن عمرو # سراقة بن مالك بلفظ: «وفى كل ذات كبد حرى أجر». # وقال صلى الله عليه وسلم: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من فى الأرض ~~يرحمكم من فى السماء». رواه الترمذى وأبو داود من حديث عبد الله بن عمر رضى ~~الله عنه، ورويناه مسلسلا بالأولية من طريق أستاذنا الشيخ محمد أبى المحاسن ~~القاوقجى، وقال صلى الله عليه وسلم: «إن لله مائة رحمة أنزل منها رحمة ~~واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام، فيها يتعاطفون، وبها يتراحمون، ~~وبها تعطف الوحوش على ولدها، وأخر الله تسعا وتسعين رحمة يرحم بها عباده ~~يوم القيامة» - وفى رواية-: «ولو يعلم الكافر بكل الذى عند الله من الرحمة ~~لم ييأس من الجنة؛ ولو يعلم المؤمن بكل ما عند الله من العذاب لم يأمن من ~~النار». رواه البخارى ومسلم والترمذى أ. ه. # ... هذا ولو كان القرآن بأسلوب الكتب العلمية والقوانين الوضعية لما كان ~~له ذلك التأثير الذى غير ما بأنفس العرب فغيروا به أمم العجم، فكانوا كلهم ~~كما وصفهم الله عز وجل بقوله: كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف ~~وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ms080 ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم ~~المؤمنون وأكثرهم الفاسقون [آل عمران: 110]، ولم يكن عند العرب شىء من ~~العلم بسياسة الأمم وإدارتها إلا هذا القرآن، والأسوة الحسنة PageV01P107 ~~بمبلغه ومنقذه الأول عليه الصلاة والسلام، ولن يعود للمسلمين مجدهم وعزهم ~~إلا إذا عادوا إلى هدايته وتجديد ثورته، ولعنة الله على من يصدونهم عنه. ~~زاعمين استغناءهم عن العمل به وبسنة مبينه- بكتب مشايخهم الجافة الخاوية من ~~كل ما يحيى الإيمان، ويعلى الهمم ويزكى الأنفس، ويبعث على الجهاد بالأنفس ~~والأموال. # أما وحق القرآن علينا، والله لم ينزل غيره إلينا، إنه لا يغنينا عن تدبره ~~والاهتداء به ولا عن فهم سورة واحدة من سوره. جميع ما فى الأرض من الكتب ~~المنزلة، ولا من الكتب المصنفة، وما فتن الشيطان هذه الأمة بشيء كما فتنهم ~~بصدهم عن تهذيب أنفسهم وتزكيتها بالقرآن والسنة المبينة له، وعن دعوة جميع ~~أهل الملل به إليه، وقد بينا لك الفرق بين تأثيره وتأثير التوراة، وهاك ~~إجمال لما فعله فى الأمة العربية ثم فى العالم. PageV01P108 ### || AUTO فعل القرآن فى أنفس الأمة العربية وإحداثها به أكبر ثورة عالمية # تهود أناس من العرب، وتنصر منهم أناس آخرون من قبل الإسلام بقرون، وكان ~~كل منهم يمدح دينه ويدعو إليه بالطبع. فلم يعاد الجمهور أحدا منهم أو ~~يحتقره لدينه بل كان لزعماء اليهود المستعربين وشعراء النصارى من العرب ~~عندهم مكانتهم اللائقة بهم كأمثالهم من المشركين، ولم يكن لليهودية ولا ~~للنصرانية أدنى صولة فى مكة، ولا خافها رؤساء قريش على زعامتهم الدينية ولا ~~الدنيوية، فلما قام فيهم محمد ابن عبد الله يتلو عليهم القرآن باسم الله ~~زلزلت الأرض بهم زلزالها، وثاروا عليه ثورتهم الصغرى، ثم ثارت الأمة به ~~ومعه ثورتها الكبرى، وهى التى بدلت الأرض، والقلوب غير القلوب، والعقول غير ~~العقول وقلبت نظام الاجتماع العام. # وقد كان فعل القرآن فى أنفس العرب وإحداثه تلك الثورة الكبرى فيهم على ~~نوعين أولهما ما أحدثه من الزلزال فى المشركين، وثانيهما تزكيته للمؤمنين ~~ونزعه كل ما كان بأنفسهم من غل وجهل وظلم ms081 وفساد. حتى أعقب ما أعقب من ~~الإصلاح فى العالم كله؛ وأمهد لبيان ذلك بكلمة فى حالهم فى عصر ظهور ~~الإسلام. # بينا مرارا أن الله تعالى قد أعد الأمة العربية- ولا سيما قريش ومن ~~حولها- لما أراده من الإصلاح العام للبشر بكونهم كانوا أقرب الأمم إلى ~~سلامة الفطرة، وأرقاهم لغة فى التعبير والتأثير، وأقواهم استقلالا فى العقل ~~والإرادة. لعدم وجود ملوك مستبدين فيهم يضعفون إرادتهم ويفسدون بأسهم، ~~ويذلون أنفسهم بالقوة القاهرة، ولا رؤساء دين أولى سلطان روحى يسيطرون على ~~عقولهم وقلوبهم، ويتحكمون فى عقائدهم وأفكارهم، ويسخرونهم لشهواتهم، وكانت ~~جميع الأمم ذات الحضارة والملل مستعبدة مستذلة لزعماء هاتين الرئاستين، حاش العرب. # فلما بعث فيهم محمد صلى الله عليه وسلم بهذا القرآن الداعى إلى الحق وإلى ~~صراط مستقيم، كانوا على أتم الاستعداد الفطرى لقبول دعوته، ولكن رؤساء قريش ~~كانوا على مقربة من ملوك شعوب العجم؛ فى التمتع بالثروة الواسعة، والعظمة ~~الكاذبة، والشهوات الفاتنة، والسرف فى الترف، وعلى حظ مما كان عليه رؤساء ~~الأديان فيها من المكانة الدينية بسدانتهم لبيت الله الحرام. الذى أودع ~~الله تعظيمه فى القلوب من عهد إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، PageV01P109 ~~فرأوا أن هذا الدين الحر يوشك أن يسلبهم الانفراد بهذه العظمة الموروثة، ~~وقد يفضل عليهم بعض الفقراء والموالى، وأنه يحكم عليهم وعلى من يفاخرون بهم ~~من آبائهم بالكفر والجهل والظلم والفسوق، ويشبههم بسائمة الأنعام، فوجهوا ~~كل قواهم ونفوذهم إلى صد محمد عن دعوته ولو بتمليكه عليهم وجعله أغنى رجل ~~فيهم، ولكن تعذر إقناعه بالرجوع عنها بالترغيب، حتى التمويل والتمليك. فقد ~~أجاب عمه أبا طالب لما عرض عليه ما أرادوه من ذلك بتلك الكلمة العليا: «يا ~~عم والله لو وضعوا الشمس فى يمينى والقمر فى شمالى على أن أترك هذا الأمر ~~حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته». # حينئذ أجمعوا أمرهم على صده عن تبليغها بالقوة والحيلولة بينه وبين ~~جماهير الناس فى الأسواق والمجامع والبيت الحرام، وبصد الناس عنه أن يأتوه ~~ويستمعوا له، وباضطهاد من اتبعه بالدعوة الفردية إلا أن يكون له ms082 من يحميه ~~منهم لقرابة أو جوار أو ذمة، فهؤلاء الرؤساء المترفون والمسرفون المتكبرون، ~~كانوا أعلم الناس بصدق محمد وفيهم نزل قوله تعالى: قد نعلم إنه ليحزنك الذي ~~يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون [الأنعام: 33]، ~~فقد كابروا الحق بغيا واستكبارا للحرص على رياستهم وشهواتهم، وكانوا أجدر ~~العرب بقبول دعوة القرآن لأنهم أدق الناس لها فهما، وأوسعهم بإعجازها علما، ~~ولكنهم عتوا عنها عتوا: وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا [النمل: ~~14] كفرعون وقارون وهامان فى آيات موسى. PageV01P110 ### || AUTO فعل القرآن فى أنفس مشركى العرب # قلنا: إن فعل القرآن فى أنفس العرب كان على نوعين: فعله فى المشركين، ~~وفعله فى المؤمنين، فالأول تأثير روعة بلاغته، ودهشة نظمه وأسلوبه، الجاذب ~~لفهم دعوته والإيمان به إذ لا يخفى حسنها على أحد فهمهما، وكانوا يتفاوتون ~~فى هذا النوع تفاوتا كبيرا لاختلاف درجاتهم فى بلاغة اللغة وفهم المعانى ~~العالية. # فهذا التأثير هو الذى أنطق الوليد به المغيرة المخرومى بكلمته العالية ~~فيه لأبى جهل التى اعترف فيها بأنه الحق الذى يعلو ولا يعلى، والذى يحكم ما ~~تحته، وكانت كلمة فائضة من نور عقله وصميم وجدانه، وما استطاع أن يقول كلمة ~~أخرى فى الصد عنه بعد إلحاح أبى جهل عليه باقتراحها إلا بتكليف لمكابرة ~~عقله ووجدانه، وبعد أن فكر وقدر، ونظر وعبس وبسر، وأدبر واستكبر، كما تقدم. # وهذا التأثير هو الذى كان يجذب رءوس أولئك الجاحدين المعاندين ليلا ~~لاستماع تلاوة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى بيته، على ما كان من نهيهم ~~عنه ونأيهم عنه، وتواصيهم وتقاسمهم لا يسمعن له، ثم كانوا يتسللون فرادى ~~مستخفين، ويتلاقون فى الطريق متلاومين «1». # وهذا التأثير للقرآن هو الذى حملهم على منع أبى بكر الصديق رضى الله عنه ~~من الصلاة والتلاوة فى المسجد الحرام، لما كان لتلاوته وبكائه فى الصلاة من ~~التأثير الجاذب إلى الإسلام، وعللوا ذلك بأنه يفتن عليهم نساءهم وأولادهم، ~~فاتخذ مسجدا له بفناء داره فطفق النساء والأولاد الناشئون ينسلون من كل حدب ~~إلى بيته ليلا لاستماع القرآن. PageV01P111 # فنهاه ms083 أشراف المشركين بأن العلة لا تزال، وأنهم يخشون أن يغلبهم نساؤهم ~~وأولادهم على الإسلام، حتى ألجئوه إلى الهجرة فهاجر فلقى فى طريقه ابن ~~الدغنة «1» سيد قومه فسأله عن سبب هجرته فأخبره الخبر، وهو يعرف فضائل أبى ~~بكر من قبل الإسلام فأجاره وأعاده إلى مكة بجواره أى حمايته، ومنعه منهم. # وخبره هذا رواه البخارى فى باب الهجرة من صحيحه وفيه ما نصه: «فلم تكذب ~~قريش بجوار ابن الدغنة (أى أجازته) وقالوا لابن الدغنة: مر أبا بكر فليعبد ~~ربه فى داره، فليصل فيها وليقرأ ما شاء، ولا يؤذينا بذلك ولا يستعلن به، ~~فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا «2»، فقال ذلك ابن الدغنة لأبى بكر، ~~فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربه فى داره ولا يستعلن بصلاته ولا يقرأ فى غير ~~داره، ثم بدا لأبى بكر فابتنى مسجدا بفناء داره وكان يصلى فيه ويقرأ القرآن ~~فينقذف عليه «3» نساء المشركين وأبناؤهم، وهم يعجبون عنه وينظرون إليه وكان ~~أبو بكر رجلا بكاء، لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن. # وأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقدم عليهم، ~~فقالوا: إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك، على أن يعبد ربه فى داره، فقد جاوز ~~ذلك فابتنى مسجدا بفناء داره فأعلن الصلاة والقراءة فيه، وإنا قد خشينا أن ~~يفتن نساءنا وأبناءنا فانهه، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه فى داره ~~فعل، وإن أبى إلا أن يعلن بذلك فسله أن يرد إليك ذمتك، فإنا قد كرهنا أن ~~نخفرك «4»، ولسنا مقرين لأبى بكر الاستعلان، قالت عائشة: فأتى ابن الدغنة ~~إلى أبى بكر فقال: قد علمت الذى عاقدت لك عليه فإما أن تقتصر على ذلك وإما ~~أن ترجع إلى ذمتى، فإنى لا أحب أن تسمع العرب أنى أخفرت فى رجل عقدت له، ~~فقال أبو بكر: فإنى أرد إليك جوارك، وأرضى بجوار الله عز وجل» أ. ه. # قلنا: إن هذا التأثير هو الذى حملهم على صد النبى صلى الله عليه وسلم ~~بالقوة عن تلاوة القرآن فى البيت الحرام ms084 وفى أسواق الموسم ومجامعه، حتى ~~إنهم كانوا يقذفونه بالحجارة، وهو سبب PageV01P112 ~~تواصيهم بما حكاه الله تعالى عنهم فى قوله: وقال الذين كفروا لا تسمعوا ~~لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون [فصلت: 26]. # وقد أدرك هذا فلاسفة فرنسا «1»؛ فذكر فى كتاب له قول دعاة النصرانية إن ~~محمدا لم يأت بآية على نبوته كآيات موسى وعيسى، وقال فى الرد عليهم: إن ~~محمدا كان # يقرأ القرآن خاشعا أواها متألها فتفعل قراءته فى جذب الناس إلى الإيمان ~~ما لم تفعله جميع آيات الأنبياء الأولين. # (أقول): ولو كان القرآن ككتب القوانين المرتبة وكتب الفنون المبوبة، لما ~~كان لقليله وكثيره من التأثير ما كان لسوره المنزلة. # ومن الشواهد الكثيرة على صحة قول هذا الفيلسوف ما روى أن كبراء قريش ~~اجتمعوا فقالوا: انظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر فليأت هذا الرجل ~~الذى قد فرق جماعتنا وشئت أمرنا وعاب ديننا، فليكلمه ولينظر ماذا يرد عليه، ~~فقالوا: ما نعلم أحدا غير عتبة بن ربيعة، فقالوا: أنت يا أبا الوليد فجاء ~~النبى صلى الله عليه وسلم فكلمه فيما قالوا عنه، وما يخافون من عاقبة أمره ~~أن يفضى إلى قيام بعضهم على بعض بالسيوف، وعرض عليه كل ما يمكن أن يريده من ~~المال والرئاسة والتزوج بعشر من خير نساء قريش، حتى إذا أتم كلامه تلا عليه ~~النبى صلى الله عليه وسلم سورة فصلت حتى بلغ قوله تعالى: فإن أعرضوا فقل ~~أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود [فصلت: 13]، قام عتبة فأمسك على فيه ~~وناشده الرحم أن يكف عنه. فلما رجع إليهم وجدوه متغيرا فقالوا قد صبأ (أى ~~مال) إلى محمد وقص عليهم خبره وما وقع من الرعب فى قلبه من قراءته. ومما ~~قاله: وقد علمتم أن محمدا، إذا قال شيئا لم يكذب، فخفت أن ينزل بكم العذاب. ~~وفى رواية أنه قال: «كلمنى بكلام والله ما سمعت أذناى بمثله قط فما دريت ما ~~أقول له» أ- ه. مختصرا من رواية المحدثين وهو مفصل فى السير النبوية. # كان كل ما يطلبه النبى صلى الله عليه وسلم من ms085 قومه أن يمكنوه من تبليغ ~~دعوة ربه بتلاوة القرآن على الناس وإذ قال تعالى مخاطبا له: قل أي شيء أكبر ~~شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي PageV01P113 ~~إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ [الأنعام: 19]، أى: وأنذر به كل من بلغه ~~من غيركم من الناس. وقال فى آخر سورة النمل: إنما أمرت أن أعبد رب هذه ~~البلدة الذي حرمها وله كل شيء وأمرت أن أكون من المسلمين (91) وأن أتلوا ~~القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين (92) ~~وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها وما ربك بغافل عما تعملون [النمل: 91 - 93]. # إن رؤساء قريش عرفوا من جذب الناس إلى الإسلام بوقعه فى أنفسهم هم ما لا ~~يعرفه غيرهم، وعرفوا أنه ليس لجمهور العرب مثل ما لهم من أسباب الجحود ~~والمكابرة، فقال لهم عمه أبو لهب من أول الأمر: خذوا على يديه، قبل أن ~~تجتمع العرب، ففعلوا، وكان من ثباته صلى الله عليه وسلم على بث الدعوة ~~واحتمال الأذى ما أفضى بهم إلى الاضطهاد وأشد الإيذاء له ولمن يؤمن به، حتى ~~ألجئوهم إلى الهجرة بعد الهجرة، ثم إجماع الرأى على قتله، لولا أن خرج من ~~وطنه مهاجرا، ثم صاروا يقاتلونه فى دار هجرته وما حولها، وينصره الله ~~عليهم، إلى أن اضطروا إلى عقد الصلح معه فى الحديبية سنة ست من الهجرة، ~~وكان أهم شروط الصلح السماح للمؤمنين بمخالطة المشركين، وهو الذى كان سبب ~~سماعهم للقرآن، ودخولهم بتأثيره فى دين الله أفواجا. فكان انتشار الإسلام ~~فى أربع سنين بالسلم والأمان أضعاف انتشاره فى ست عشرة سنة من أول الإسلام. PageV01P114 ### || AUTO فعل القرآن فى أنفس المؤمنين # كان كل من يدخل فى الإسلام قبل الهجرة يلقن ما نزل من القرآن- ليعبد الله ~~بتلاوته- ويعلم الصلاة ولم يفرض فى مكة من أركان الإسلام غيرها. فيرتل ما ~~يحفظه فى صلاته اقتداء بالنبى صلى الله عليه وسلم إذ فرض الله عليه التهجد ~~بالليل من أول الإسلام. # قال تعالى فى أول سورة المزمل: يا أيها المزمل ms086 (1) قم الليل إلا قليلا ~~(2) نصفه أو انقص منه قليلا (3) أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا [المزمل: 1 ~~- 4]، ثم قال فى آخرها: # إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين ~~معك والله يقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرؤا ما تيسر ~~من القرآن [المزمل: 20]، أى: فى صلاة الليل وغيرها، ثم ذكر الأعذار المانعة ~~من قيام الليل كله ما كان منها فى ذلك العهد؛ كالمرض والسفر وما سيكون بعد ~~سنين، وهو القتال فى سبيل الله. # ومما ورد فى صفة الصحابة رضى الله عنهم أن الذى كان يمر ببيوتهم ليلا ~~يسمع منها مثل دوى النحل من تلاوة القرآن، وقد غالى بعضهم فكان يقوم الليل ~~كله حتى شكا منهم نساؤهم فنهاهم النبى صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وكان هو ~~يصلى فى كل ليلة إحدى عشرة ركعة يوتر بواحدة منهن، وما قبلها مثنى مثنى، ~~وكان هو يطيل فيهن حتى تورمت قدماه من طول القيام فأنزل الله عليه مرفها ~~ومسليا: طه (1) ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى [طه: 1، 2] إلخ. # فتربية الصحابة التى غيرت كل ما كان بأنفسهم من مفاسد الجاهلية، وزكتها ~~تلك التزكية التى أشرنا إليها آنفا، وأحدث أعظم ثورة روحية اجتماعية فى ~~التاريخ إنما كانت بكثرة تلاوة القرآن فى الصلاة وتدبره فى غير الصلاة، ~~وربما كان أحدهم يقوم الليلة بآية واحدة يكررها متدبرا لها، وكانوا يقرءونه ~~فى كل حال حتى مستلقين ومضطجعين كما وصفهم الله بقوله: # الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم [آل عمران: 191]، وأعظم ذكر ~~الله تلاوة كتابه المشتمل على ذلك أسمائه الحسنى، وصفاته المقدسة، وأحكامه ~~وحكمه وسننه فى خلقه، وأفعاله فى تدبير ملكه كما تقدم. # وقد وصف الله تعالى فعل القرآن فى هؤلاء المؤمنين بقوله: الله نزل أحسن ~~الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين ~~جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله [الزمر: 23]. PageV01P115 # ولو كان القرآن ككتب القوانين والفنون لما كان لتلاوته كل ذلك التأثير فى ~~قلب الطباع، وتغيير الأوضاع. ms087 بل لكانت تلاوته تمل فتترك، فأسلوب القرآن ~~الذى وصفناه آنفا من أعظم أنواع إعجازه اللغوى، وتأثيره الروحى، ومن ارتاب ~~فى هذا فلينظر فى المسائل التى تشتمل عليها السورة منه وليحاول كتابتها ~~نفسها أو مثلها. بأسلوب تلك السورة ونظمها وأسلوب سورة أخرى كالسور التى ~~يتكرر فيها الموضوع الواحد بالإجمال الموجز تارة وبعض التفصيل تارة، ~~وبالإطناب فيه أخرى. كالاعتبار بقصص الرسل مع أقوامهم فى سورة المفصل ~~(كالذاريات والقمر والحاقة) وفيما فوقها (كالمؤمنون والشعراء والنمل) وفيما ~~هو أطول منها (كالأعراف وهود) ثم لينظر ما يفضى إليه عجزه من السخرية ~~والتكرار المملول. الذى يغثى منه الذوق غثيانا، وتمجه القلوب وتستفرغه ~~استفراغا. # وقد بين غوستاف لوبون فى كتابه (روح الاجتماع) أن تكرار الدعوات الدينية ~~والسياسية والاجتماعية فى الخطب والمقالات التى تثير الجماعات وتدعهم ~~(تدفعهم بعنف) إلى الانهماك والتفانى فيها دعاء هو الذى يثبتها فى القلوب، ~~ولذلك يعتمد عليه خطباء السياسة ورؤساء الأحزاب ومؤسسوها، وكذلك التجار ~~وغيرهم فيما ينشرونه من الإعلانات فى الصحف ويعلقونه فى الشوارع. # (ونقول): ما كان محمد ولا أحد من أهل عصره يعلمون هذا. لكن الله يعلم من ~~طبائع الجماعات والأقوام. فوق ما يعلمه حكماء عصرنا وسائر الأعصار، وإنما ~~القرآن كلامه ليس فيه من التكرار، إلا ما له أكبر الشأن فى انقلاب الأفكار، ~~وتغيير ما فى الأنفس من العقائد والأخلاق، ولو جمعت أبلغ خطب رجال السياسة ~~التى أحدثت التأثير فى أحزابهم وقرئت بعد ذلك مرات قليلة لسارع الملل إلى ~~نفس كل قارئ حتى أتباع ذلك الخطيب أنفسهم وقراءة القرآن لا يملها أحد يفهم ~~معانيها، ويذوق حلاوة أسلوبها. # ألا وإن تقليب القلوب والأفكار، لأعسر من فلق الصخور وتحويل الجبال، وقد ~~ضرب الله لهذا المثل بقوله: لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا ~~متصدعا من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون [الحشر: 21]. # وهكذا كان تأثير القرآن فى العرب، فهذا مثلهم، وأما مثل بنى إسرائيل بعد ~~رؤيتهم آيات الله لموسى فقوله لهم بعد سردها: ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي ~~كالحجارة أو ms088 أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما ~~يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله وما الله بغافل عما ~~تعملون [البقرة: 74]. PageV01P116 # حسبنا ما بينا به تأثير القرآن، وما أحدثه من الثورة العربية العالمية من ~~ناحية أسلوبه ونظمه وتكراره المعجز للبشر بشكله، ونقفى عليه بإصلاحه ~~وإعجازه بموضوعه، وهو تعاليمه الدينية والسياسية والمدنية وغيرها. فنقول: # *** PageV01P117 # الفصل الخامس فى مقاصد القرآن فى تربية نوع الإنسان وحكمة ما فيه من ~~التكرار فى الهداية وإعجازه بالبيان # إن مقاصد القرآن من إصلاح أفراد البشر وجماعاتهم وأقوامهم، وإدخالهم فى ~~طور الرشد، وتحقيق. أخوتهم الإنسانية ووحدتهم، وترقية عقولهم، وتزكية ~~أنفسهم؛ منها ما يكفى بيانه لهم فى الكتاب مرة أو مرتين أو مرارا قليلة، ~~ومنها ما لا تحصل الغاية منه إلا بتكراره مرارا كثيرة لأجل أن يجتث من ~~أعماق الأنفس كل ما كان فيها من آثار الوراثة والتقاليد والعادات القبيحة ~~الضارة، ويغرس فى مكانها أضدادها، ويتعاهد هذا الغرس بما ينميه حتى يؤتى ~~أكله، ويبدو صلاحه، ويينع ثمره، ومنها ما يجب أن يبدأ بها كاملة، ومنها ما ~~لا يمكن إلا بالتدريج، ومنها ما لا يمكن وجوده إلا فى المستقبل، فيوضع له ~~بعض القواعد العامة، ومنها ما يكفى فيه الفحوى والكناية. # والقرآن كتاب تربية عملية وتعليم، لا كتاب تعليم فقط، فلا يكفى أن يذكر ~~فيه كل مسألة مرة واحدة واضحة تامة كالمعهود فى متون الفنون وكتب القوانين ~~وقد بين الله تعالى ذلك بقوله فى موضوع البعثة المحمدية: يسبح لله ما في ~~السماوات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم (1) هو الذي بعث في ~~الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن ~~كانوا من قبل لفي ضلال مبين [الجمعة: 1، 2]، فآياته المتلوة هى سور القرآن، ~~المرشدة إلى سننه فى الأكوان، والتزكية هى التربية بالعمل وحسن الأسوة، ~~و(الكتاب) هو الكتابة التى تخرج العرب من أميتهم، و(الحكمة) هى العلوم ~~النافعة الباعثة على الأعمال الصالحة، وما يسمى فى عرف شعوب الحضارة ~~بالفلسفة، فجميع مقاصد القرآن ms089 وبيان السنة له تدور على هذه الأقطاب ~~الثلاثة. # وإننا نذكر هنا أصول هذه المقاصد كما وعدنا عند قولنا: إن ما جاء به محمد ~~صلى الله عليه وسلم هو أعلى وأكمل مما جاء به من قبله من جميع الأنبياء ~~والحكماء والحكام. فهو برهان علمى على أنه من عند الله تعالى، لا من فيض ~~استعداده الشخصى. PageV01P119 # وإننا نقسم هذه المقاصد إلى أنواع، ونبين حكمة القرآن وما امتاز به فى كل ~~نوع منها بالإجمال، لأن التفصيل لا يتم إلا إذا يسر الله لنا إنجاز ما ~~وعدنا به من تفسير ومقاصد القرآن كلها فى أبواب نبين فى كل باب منها وجه ~~حاجة البشر إلى ذلك المقصد، وكون القرآن وفى بهذه الحاجة بما نأتى به من ~~جملة آياته فيه، وإنما هذا الفصل نموذج منه. PageV01P120 ### | CHECK [الفصل الخامس فى مقاصد القرآن فى تربية نوع الإنسان وحكمة ما ~~فيه من التكرار فى الهداية وإعجازه بالبيان] ### || AUTO المقصد الأول من مقاصد القرآن فى بيان حقيقة أركان الدين ~~الثلاثة التى دعا إليها الرسل وضل فيها أتباعهم # إن أركان الدين الأساسية التى بعث الله تعالى بها جميع رسله، وناط بها ~~سعادة البشر هى الثلاثة المبينة بقوله تعالى: إن الذين آمنوا والذين هادوا ~~والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ~~ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون [البقرة: 62]، وهاك الكلام على كل واحد ~~منها بالإيجاز، لأن المراد هنا بيان أن ما جاء به القرآن منها هو أتم وأكمل ~~من المعروف فى سائر الأديان، وفيه صلاح لما أفسد أهل الملل من دين ~~الأنبياء، مما طرأ على كتبهم من الضياع والتحريف، وما ابتدعوا فيه من ~~الأهواء والتقاليد، وليس المراد بيانها فى ذاتها بالتفصيل الذى يتوقف عليه ~~العمل، حتى إذا ثبت ما يقصده من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وكون هذا ~~القرآن كلام الله عز وجل أوحاه إليه، علم منه أنه يجب على المؤمن به أن ~~يتعلم جميع ما فرضه عليه. # وهذه الأركان الثلاثة تدل عليها آثار الملل ms090 القديمة البائدة كالمصريين ~~والكلدانيين، وبقايا كتب أممها الباقية كالهنود والمجوس والصينيين، وغرضنا ~~فى هذا الكتاب أن نبين لجميع الشعوب المتدينة أن ما هم عليه من الدين ليس ~~هو عين ما أوحاه الله إلى رسله الذين ظهروا فى أسلافهم، ولا هو بالمصلح لهم ~~فى أنفسهم وأعمالهم، وإن الإسلام هو الدين الحق الثابت عقلا ونقلا، والمبين ~~لكل ما يحتاجون إليه من الهداية، وبهذا الاعتبار جعلناها مقصدا واحدا لا ~~ثلاثة، وجعلنا المقصد التالى له فى موضوع الرسل والرسالة. ### ||| AUTO الركن الأول للدين الإيمان بالله تعالى # إن الركن الأول الأعظم من هذه الأركان- وهو الإيمان بالله تعالى- قد ضل ~~فيه جميع الأقوام والأمم. حتى أقربهم عهدا بهداية الرسل، فاليهود على حفظهم ~~لأصل عقيدة التوحيد، قد غلب عليهم التشبيه، وغاب عنهم أن يجمعوا بين النصوص ~~المتشابهة فى صفات الله وبين عقيدة التنزيه. فقد جعلوا الله كالإنسان بتعب ~~ويندم على ما فعل، كخلقه PageV01P121 ~~الإنسان؛ لأنه لم يكن يعلم أنه سيكون مثله أو مثل الآلهة «1»، وزعموا أنه ~~كان يظهر فى شكل الإنسان حتى إنه صارع إسرائيل، ولم يقدر على التفلت منه ~~حتى باركه فأطلقه «2»، وعبدوا بعلا وغيره من الأصنام. # والنصارى جددوا من عهد قسطنطين الوثنيات القديمة، واتخذوا المسيح ربا ~~وإلها وعبدوا القديسين وصورهم، حتى صارت كنائس النصارى كهياكل الوثنية ~~الأولى مملوءة بالصور والتماثيل المعبودة. على أن عقيدة التثليث والصلب ~~والفداء التى جعلوها أساس الدين- بل الدين كله- هى عقيدة الهنود فى كرشنة ~~وثالوثة فى جملتها وتفصيلها وهى مدعومة بفلسفة خيالية غير معقولة، وبنظام ~~يقوم بتنفيذه الملوك والقياصرة، وتبذل فى سبيله القناطير المقنطرة من الذهب ~~والفضة، ويربى عليه الأحداث من الصغر تربية وجدانية خيالية لا تقبل حجة ولا ~~برهانا، فغمر الشرك بالله هذه الأرض بطوفانه وطغت الوثنية على أهلها. # هدم القرآن معاقل هذه الوثنية وحصونها المشيدة فى الأفكار والقلوب، وما ~~كان ليتم هذا بإقامة برهان عقلى أو عدة براهين على توحيد الله عز وجل؛ بل ~~لا بد فيه من دحض الشبهات، وتفصيل الحجج العقلية والعلمية والمواعظ ~~الخطابية بالعبارات المختلفة وضرب الأمثال. لذلك ms091 كان أكثر المسائل تكرارا ~~فى القرآن مسألة توحيد الله عز وجل فى ألوهيته بعبادته وحده، واعتقاد أن كل ~~ما سواه من الموجودات سواء فى كونهم ملكا وعبيدا له، لا يملكون من دونه ~~نفعا ولا ضرا لأحد، ولا لأنفسهم إلا فيما سخره من الأسباب المشتركة بين الخلق. # وأما تكرار توحيد الربوبية، وهو انفراده تعالى بالخلق والتقدير والتدبير ~~والتشريع الدينى فليس لإقناع المعطلين والمشركين بربوبيته تعالى فقط. بل ~~أكثره لإقامة الحجة به على بطلان شرك العبادة بدعاء غير الله تعالى لأجل ~~التقرب إليه بأولئك الأولياء وابتغاء شفاعتهم عنده. # فشر الشرك وأوغله فى إفساد عقائد المؤمنين بالله من ضعفاء العقول. وحملهم ~~على التدين بالأوهام والخرافات المخالفة لما أثبتته التجارب من سنن الله فى ~~المخلوقات «3»؛ إنما هو توجه PageV01P122 ~~العبد إلى غير الله تعالى فيما يشعر بالحاجة إليه من كشف ضر وجلب نفع من ~~غير طريق الأسباب. فقد ذكر الدعاء فى القرآن أكثر من سبعين مرة. بل زهاء ~~سبعين بعد سبعين مرة، لأنه روح العبادة ومخها. بل هو العبادة التى هى دين ~~الفطرة كله، وما عداه من العبادات فوضعى تشريعى من تعليم الوحى فهو يغذيها ~~وينقيها من شوائب الآراء، وينفى عنها تقاليد الأهواء. # بعض آيات الدعاء أمر بدعائه تعالى وحده، وبعضها نهى عن دعاء غيره مطلقا، ~~ومنها حجج على بطلان الشرك أو على إثبات التوحيد، ومنها أمثال تصور كل ~~منهما بالصور اللائقة المؤثرة، ومنها إخبار بأن دعاء غيره لا ينفع ولا ~~يستجاب، وأن كل من يدعى من دونه تعالى فهو عبد له، وأن أفضلهم وخيارهم ~~كالملائكة والأنبياء # يدعونه هو ويبتغون الوسيلة إليه، ويرجون رحمته ويخافون عذابه، وأنهم يوم ~~القيامة يكفرون بشرك الذين يدعونهم من دون الله أو مع الله ويتبرءون منهم، ~~وأمثال ذلك مما يطول شرحه، بل يضيق المقام عن تلخيصه. # وثم أنواع أخرى من آيات الإيمان بالله تعالى تغذى التوحيد، وتصعد بأهله ~~درجات متفاوتة فى السمو بمعرفته تعالى والتأله والتوله فى حبه، من التنزيه ~~والتقديس والتسبيح له وذكر أسمائه الحسنى ممزوجة ببيان الأحكام الشرعية ms092 ~~المختلفة حتى أحكام الطهارة والنساء والإرث والأموال، وبحكمه فى الخلق ~~والتدبير لأمور العالم، وسننه فى طباع البشر وفى شئونهم الاجتماعية، ووضع ~~كل اسم منها فى الموضع المناسب له من علم وحكمة وقدرة ومشيئة وحلم وعفو ~~ومغفرة ورحمة وحب ورضا وما يقابل ذلك، ومن الأمر بالتوكل عليه والخوف منه ~~لإجلاله أو لعدله، والرجاء فى رحمته وفضله؛ وناهيك بما سرد منها سردا لجذب ~~الأرواح العالية إلى كماله المطلق وفنائها فى شهوده عن شهودها بله أهواءها ~~وشهواتها كما تراه فى فاتحة سورة الحديد: سبح لله ما في السماوات والأرض ~~وهو العزيز الحكيم (1) له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت وهو على كل شيء ~~قدير (2) هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم [الحديد: 1 - ~~3] إلخ. PageV01P123 # وفى آخر سورة الحشر: هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام ~~المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون (23) هو الله ~~الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض وهو ~~العزيز الحكيم [الحشر: 22 - 24]. # فهذه الأسماء الإلهية هى ينابيع الحياة الروحية فى القلوب، ومشرق أنوار ~~المعارف الإلهية على العقول؛ ومنها استمد الأولياء العارفون والأئمة ~~الربانيون تلك الحكم السامية، والكتب العالية فى معرفته تعالى وأسرار خلقه، ~~والأدعية والقصائد فى حبه ومناجاته. بعد أن تربوا بكثرة ذكره وتلاوة كتابه. # وهذا هو الغرض الأول من أمر القرآن المؤمنين بذكر الله قياما وقعودا وعلى ~~جنوبهم ليكون الله تعالى غالبا على أمرهم، كما قال فى وصف يوسف عليه ~~السلام: والله غالب على أمره [يوسف: 21]، فيمقتون الباطل والشر، ويكون كل ~~حظهم من الحياة الحق والخير، لما يثمره الذكر لهم من صلاة الله عليهم ~~وملائكته ليخرجهم من الظلمات إلى النور كما قال عز وجل: يا أيها الذين ~~آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا (41) وسبحوه بكرة وأصيلا (42) هو الذي يصلي ~~عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما ~~[الأحزاب: 41 - 43]. # بهذا التكرار الذى جعله أسلوب القرآن المعجز مقبولا غير مملول، طهر الله ~~عقول العرب وقلوبهم من رجس ms093 الشرك وخرافات الوثنية، وزكاها بالأخلاق العالية ~~والفضائل السامية. # وكذا غير العرب ممن آمن بالله وأتقن لغة كتابه، وصار يرتله فى عبادته ~~ويتدبر آياته، حتى إذا دب فى الشعوب الإسلامية دبيب الجهل بلغة القرآن، وقل ~~تدبره الذى فرضه الله عليهم، واعتمد المسلمون فى فهم عقيدتهم على الكتب ~~الكلامية المصنفة، وفى أعمال عباداتهم على كتب الفقه الجافة، وفى تزكية ~~أنفسهم على الأوراد البشرية المؤلفة، ضعف التوحيد فى قلوب الكثيرين، وشابته ~~شوائب الشرك الأصغر ثم الأكبر، واتبعوا سنن من قبلهم شبرا بشبر وذراعا ~~بذراع «1» اعتقادا وعملا، وتأولا وجدلا. فصار أدعياء العلم يتأولون تلك ~~الآيات الكثيرة فى التوحيد بشبهاتهم وأهوائهم وتقاليدهم المبتدعة. وهجروا ~~القرآن هجرا غير جميل، وعاقبهم الله بما أوعدهم كما هو مشاهد ومعلوم. PageV01P124 # على أن بعض المتكلمين قد تأولوا صفات الله تعالى بنظرياتهم الجدلية، وبعض ~~الصوفية قد بالغوا فى التوحيد وفهم الصفات أو حملها على الأذواق والوجدانات ~~الروحية، حتى أنكر بعضهم تأثير الأسباب فى مسبباتها، وانتهى بهم ذلك إلى ~~بدعة الجبر التى أفسدت على أهلها كل شىء، وقال بعضهم بوحدة الوجود، بيد أن ~~الأولين منهم كانوا يقولون بما يهديهم إليه النظر العقلى أو رياضة النفس ~~وما تثمره من الشعور الوجدانى مع الاعتماد فى فهم النصوص على صميم اللغة ~~والمأثور عن السلف ثم خلف من بعدهم خلف من المقلدين لا حظ لهم من القرآن ~~ولا من البرهان ولا من الوجدان، وإنما يتبعون أهواء العوام ويتأولون لهم ~~بكلام أمثالهم من المصنفين الجاهلين، ولو فقهوا أقصر سورة فى التوحيد ~~والتنزيه كما يجب- وهى سورة الإخلاص- لما وجد الشرك إلى أنفسهم سبيلا. # إن عقيدة التوحيد القرآنى هى أعلى المعارف التى ترقى الإنسان إلى أعلى ما ~~خلق مستعدا له من الكمال الروحى والعقلى والمدنى. وقد صرح كثير من علماء ~~الإفرنج بأن سهولة فهم هذه العقيدة وموافقتها للعقل والفطرة هما السبب ~~الأكبر لقبول الأمم له وانهزام النصرانية من أمامه. # قد كان توحيد المسلمين الأولين لله ومعرفتهم به وحبهم له وتوكلهم عليه هو ~~الذى زكى أنفسهم، وأعلى هممهم، وكملهم بعزة النفس، ms094 وشدة البأس، وإقامة الحق # والعدل، ومكنهم من فتح البلاد وسياسة الأمم، وإعتاقها من رق الكهنة ~~والأحبار والرهبان والبوذات والموبذانات الروحى والعقلى، وتحريرهم من ظلم ~~الملوك واستبدادهم وإقامة وإحياء العلوم والفنون الميتة وترقيتها فيهم، وقد ~~تم لهم من كل ذلك ما لم يقع مثله ولا ما يقاربه لأمة من أمم الأرض. حتى قال ~~الدكتور «غوستاف لوبون» المؤرخ الاجتماعى الشهير فى كتابه (تطور الأمم) إن ~~ملكة الفنون لا يتم تكوينها لأمة من الأمم الناهضة إلا فى ثلاثة أجيال: # أولها جيل التقليد، وثانيها جيل الخضرمة، وثالثها جيل الاستقلال ~~والاختصاص، قال: إلا العرب وحدهم فقد استحكمت لهم ملكة الفنون فى الجيل ~~الأول الذى بدءوا فيه بمزاولتها. # وأقول: إن سبب ذلك تربية القرآن لهم على استقلال العقل والفكر واحتقار ~~التقليد الأصم الأعمى، وتوطيد أنفسهم على إمامة البشر وقيادتها فى أمور ~~الدين والدنيا معا، وقد خفى كل هذا على أسلافهم بعد ذهاب الخلافة ~~الإسلامية، وزوال النهضة العربية وتحول السلطان إلى الأعاجم الذين لم يكن ~~لهم من الإسلام إلا الظواهر التقليدية المنفصلة عن هداية القرآن. PageV01P125 ### ||| AUTO الركن الثانى للدين: عقيدة البعث والجزاء # الإيمان باليوم الآخر وما يكون فيه من البعث والحساب والجزاء على ~~الأعمال، هو الركن الثانى للدين الذى بعث الله به الرسل عليهم السلام، وبه ~~يكمل الإيمان بالله تعالى، ويكون باعثنا على العمل الصالح وترك الفواحش ~~والمنكرات والبغى والعدوان، وكان جل مشركى العرب ينكرونه أشد الإنكار، وأما ~~أهل الكتاب وغيرهم من الملل- التى كان لها كتب وتشريع دينى ومدنى، ثم فقدت ~~كتبهم أو حرفت واستحوذت عليهم الوثنية- فكلهم يؤمنون بحياة بعد الموت وجزاء ~~يختلفون فى صفتهما لا فى أصلهما ولكن إن إيمانهم هذا قد شابه الفساد ببنائه ~~على بدع ذهبت بجل فائدته فى إصلاح الناس، وأساسها عند الهنود وغيرهم من ~~قدماء الوثنيين، وخلائف النصارى المتبعين لدين القيصر قسطنطين، هو وجود ~~المخلص الفادى الذى يخلص الناس من عقوبة الخطايا ويفديهم بنفسه، وهو ~~الأقنوم الثانى من الثالوث الإلهى الذى هو عين الأول والثالث وكل واحد ~~منهما عين الآخر، وكل ما ms095 تقوله النصارى فى فداء المسيح للبشر وغير ذلك من ~~ولادته إلى رفعه فهو نسخة مطابقة لما يقوله الهنود فى كرشنة وبوذا فى اللفظ ~~والفحوى كما، قلما يختلفان إلا فى الاسمين. # كرشنة ويسوع «1». # وأما اليهود فكل ديانتهم خاصة بشعب إسرائيل، وادعاء محاباة الله تعالى له ~~على سائر الشعوب فى الدنيا والآخرة، ويسمونه إله إسرائيل، كأنه ربهم وحدهم ~~لا رب العالمين، وديانتهم أقرب إلى المادية منها إلى الروحية، فكان فساد ~~الإيمان بهذا الركن من أركان الدين تابعا لفساد الركن الأول وهو الإيمان ~~بالله تعالى ومعرفته، ومحتاجا إلى الإصلاح مثله. # جاء القرآن للبشر بهذا الإصلاح، فقد أعاد دين النبيين فى الجزاء إلى أصله ~~المعقول وهو ما كرم الله تعالى به الإنسان، من جعل سعادته وشقائه منوطين ~~بإيمانه وعمله، اللذين هما فى كسبه وسعيه، لا من إيمان غيره وعمله، وأن ~~الجزاء على الكفر والظلم والفساد فى الأرض، يكون بعدل الله تعالى بين جميع ~~خلقه بدون محاباة شعب على شعب والجزاء على الإيمان والأعمال الصالحة يكون ~~بمقتضى الفضل، فالحسنة بعشرة أمثالها وقد يضاعفها الله تعالى أضعافا كثيرة. PageV01P126 # وقد نص القرآن على ما جاء به من هذا الإصلاح هو ما أوحاه إلى إبراهيم أبى ~~الأنبياء المعروفين الذين يدين الله بنبوتهم اليهود والنصارى، وإلى موسى ~~والأنبياء الذين كانوا من بعده على شرعه، فقال تعالى: أعنده علم الغيب فهو ~~يرى (35) أم لم ينبأ بما في صحف موسى (36) وإبراهيم الذي وفى (37) ألا تزر ~~وازرة وزر أخرى (38) وأن ليس للإنسان إلا ما سعى (39) وأن سعيه سوف يرى ~~(40) ثم يجزاه الجزاء الأوفى [النجم: 35 - 41]، أى: # أن أصل دين الله لجميع رسله أنه لا تحمل نفس وازرة- أى خاطئة- خطيئة نفس ~~أخرى بفداء ولا غيره، وأنه ليس للإنسان إلا سعيه وعمله فلا يجزى بعمل غيره. ~~وقد يدخل فى عموم عمله ما يكون سببا له كالذى يعمله ولده أو تلميذه بتأثير ~~تربيته وتعليمه، وما يسنه من سنة حسنة أو سيئة فله مثل جزاء من يعمل بهما ~~من بعده. # الأصل الجامع فى ذلك قوله تعالى: ونفس ms096 وما سواها (7) فألهمها فجورها ~~وتقواها (8) قد أفلح من زكاها (9) وقد خاب من دساها [الشمس: 7 - 10]، أى: ~~إن الله الذى خلق هذه النفس وسواها بما وهبها من المشاعر والعقل، قد جعلها ~~بإلهام الفطرة والغريزة مستعدة للفجور الذى يرديها ويدسيها «1»، والتقوى ~~التى تنجيها وتعليها، ومتمكنة من كل منهما بإرادتها، والترجيح بين خواطرها ~~ومطالبها، ومنحها العقل والدين يرجحان الحق والخير على الباطل والشر، فبقدر ~~طهارة النفس وأثر تزكيتها بالإيمان ومكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال يكون ~~ارتقاؤها فى الدنيا وفى الآخرة والضد بالضد فالجزاء أثر طبيعى للعمل النفسى ~~والبدنى ولذلك قال تعالى: (6: 139 سيجزيهم وصفهم) وهذا هو الحق الذى يثبته ~~من عرف حقيقة الإنسان، وحكمة الديان، وهو مما أصلحه القرآن من تعاليم ~~الأديان. # فإذا علمت ما كان من إنكار مشركى العرب للبعث والجزاء، ومن فساد إيمان ~~أهل الكتاب وسائر الملل فى هذه العقيدة، وعلمت أنها مكملة للإيمان بالله ~~تعالى، وأن تذكرها هو الذى يقوى الوازع النفسى الذى يصد الإنسان عن الباطل ~~والشر والظلم والبغى، ويرغبه فى التزام الحق والخير وعمل البر- علمت أن ~~إصلاحها ما فعل العجل # فى شعب كبير إلا بتكرار التذكير بها فى القرآن، بالأساليب العجيبة التى ~~فيها من حسن البيان، وتقريب البعيد PageV01P127 ~~من الأذهان، تارة بالحجة والبرهان، وتارة بضرب الأمثال، وقد تكرر فى آيات ~~بينات، لعلها تبلغ المئات، ومن إعجازه أنها لا تمل ولا تسأم، بل لا يكاد ~~يشعر قارئها بتكرار معانيها، وإن تقارب جنسها ونوعها وترادفت سورها. فتأمل ~~ذلك فى سور المفصل، ترى تكرار الكلام على البعث والجزاء فيها بما لا يخطر ~~على بال بشر من اختلاف الأسلوب والنظم والفواصل ولا سيما المتناسبة المتصلة ~~كالمرسلات مع النبأ، والنازعات مع عبس، والتكوير مع الإفطار، والمطففين مع ~~الانشقاق وغيرهن. # قلنا: إن الإيمان بالبعث والجزاء، وهو الركن الثانى فى جميع الأديان، من ~~لوازم الركن الأول وهو الإيمان بالله المتصف بجميع صفات الكمال، المنزه عن ~~البعث فى أفعاله وأحكامه، ولهذا كان من أظهر أدلة القرآن عليه قوله بعد ذكر ~~البعث وجزاء الكافرين فى آخر سور المؤمنون: ms097 أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا ~~وأنكم إلينا لا ترجعون [المؤمنون: 115]، وقوله فى آخر سورة القيامة: أيحسب ~~الإنسان أن يترك سدى [القيامة: 36]، فكفر الإنسان بهذا الركن فى أركان ~~الإيمان يستلزم كفره بحكمة ربه وعدله فى خلقه وكفره بنعمته بخلقه فى أحسن ~~تقويم. وبتفضيله على أهل عالمه (الأرض) حيث سخرها وكل ما فيها لمنافعه، ~~وعلى كثير ممن خلق فى عالم الغيب الذى وعده بمصيره إليه، ويستلزم جهله بما ~~وهبه من المشاعر والقوى والعقل. وجهله بحكمته فى خلقه مستعدا لما ليس له حد ~~ونهاية من العلم. الدال على أنه خلقه لحياة لا حد لها ولا نهاية فى الوجود. # ومن لوازم هذا الكفر والجهل كله احتقاره لنفسه باعتقاده أنه خلق عبثا لا ~~لحكمة بالغة. # وأن وجوده فى الأرض موقوت محدود بهذا العمر القصير المنغص بالهموم ~~والمصائب والظلم والبغى والآثام. وأنه يترك سدى لا يجزى كل ظالم من أفراد ~~بظلمه. وكل عادل وفاضل بعدله وفضله. وإذا كان هذا الجزاء غير مطرد فى ~~الدنيا لجميع الأفراد، تعين أن يكون جزاء الآخرة هو المظهر الأكبر للعدل ~~العام، كما قال تعالى: وإنما توفون أجوركم يوم القيامة [آل عمران: 185]. # ومن أبدع أساليبه المكررة الجامعة وأروعها: المحاجة فى النار بين الأتباع ~~والمتبوعين والغاوين والمغوين والضالين والمضلين، من شياطين الإنس والجن. ~~وبراءة بعضهم من بعض ومنه التنادى والتحاور بين أهل الجنة وأهل النار. PageV01P128 ### |||| AUTO البعث الإنسانى جسمانى روحانى # ومما جاء فى القرآن مخالفا لما عند النصارى من عقيدة البعث والجزاء: أن ~~الإنسان فى الحياة الآخرة يكون إنسانا كما كان فى الدنيا، إلا أن أصحاب ~~الأنفس الزكية والأرواح العالية. يكونون أكمل أرواحا وأجسادا مما كانوا ~~بتزكية أنفسهم فى الدنيا. وأصحاب الأنفس الخبيثة والأرواح السافلة يكونون ~~أنقص وأخبث مما كانوا بتدسية أنفسهم فى الدنيا، ويعلم مما ثبت عن قدماء ~~المصريين وغيرهم من الغابرين أن الأديان القديمة كانت تعلم الناس عقيدة ~~البعث بالروح والجسد. إلا أنهم ظنوا أن أجسادهم تبقى بعد موتهم فيبعثون بها ~~عينها، ولكن بين القرآن أن كل من على الأرض فان، وأنها ms098 تكون بقيام الساعة ~~هباء منبثا، وقال علماء العقائد من أهل السنة إن بعث الأجساد يكون بعد ~~العدم التام، وقال تعالى: # نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين (60) على أن نبدل أمثالكم ~~وننشئكم في ما لا تعلمون (61) ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون ~~[الواقعة: 60 - 62]. # ولو كان البعث للأرواح وحدها لنقص من ملكوت الله تعالى هذا النوع الكريم ~~المكرم من الخلق. المؤلف من روح وجسد، فهو يدرك اللذات الروحية واللذات ~~الجسمانية، ويتحقق بحكم الله «جمع حكمه» وأسرار صنعه فيهما معا، من حيث حرم ~~الحيوان والنبات من الأولى، والملائكة من الثانية، وما جنح من جنح أصحاب ~~النظريات الفلسفية إلى البعث الروحانى المجرد إلا لاحتقارهم اللذات الجسدية ~~وتسميتها بالحيوانية مع شغف أكثرهم بها، وإنما تكون نقصا فى الإنسان إذا ~~سخر عقله وقواه لها وحدها، وحتى صرفه اشتغاله بها عن اللذات العقلية ~~والروحية بالعلم والعرفان أو أضعفها- وأصل هذا الإفراط والتفريط غلو الهنود ~~فى احتقار الجسد، وجعلهم مدار تربية النفس على تعذيبه بالرياضات الشاقة، ~~وتبعهم فيه نساك النصارى كما تبعوهم فى عقيدة الصلب والفداء والتثليث، على ~~أنهم نقلوا أن المسيح عليه السلام شرب الخمر مع تلاميذه لما ودعهم فى الفصح ~~وقال لهم: إنى من الآن لا أشرب من نتاج الكرمة هذا إلى ذلك اليوم حينما ~~أشربه معكم جديدا فى ملكوت أبى (متى 6: 29)؛ وجرى اليهود على عكس ذلك، وجاء ~~الإسلام بالاعتدال فأعطى الإنسان جميع حقوقه، وطالبه بما يكون بها كاملا فى ~~إنسانيته مرجح لروحانيته على حيوانيته، متزودا من دنياه لآخرته. # ويؤخذ مما ورد فى الآيات والأحاديث النبوية من صفة حياة الآخرة: أن القوى ~~الروحية PageV01P129 ~~تكون هى الغالبة والمتصرفة فى الأجساد، فتكون قادرة على التشكل بالصور ~~اللطيفة، وقطع المسافات البعيدة فى المدة القريبة، والتخاطب بالكلام بين ~~أهل الجنة وأهل النار- وإن ترقى البشر فى علم الكيمياء وخواص الكهرباء ~~والصناعات والآلات فى عصرنا قد قرب كل هذا من حس الإنسان، بعد أن كان ~~الماديون والملحدون يعدون مثل قوله تعالى: ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار ~~أن قد وجدنا ما وعدنا ms099 ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم فأذن ~~مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين # [الأعراف: 44]، من تخيلات محمد صلوات الله وسلامه عليه- وها نحن أولاء ~~نخاطب من مصر أهل عواصم أوروبا بالمسرة (بالكسر: آلة التليفون) ونسمع خطبهم ~~ومعازفهم بالمذياع (آلة الراديو) وسنراهم ويروننا بآلة التليفزيون «1» مع ~~التخاطب حينما يعم انتشارها. # وأما علماء الروح من الإفرنج وغيرهم فقد أثبتوا أن الأرواح البشرية تكون ~~بعد الموت قادرة على التشكل فى أجساد تأخذها من مادة الكون كالملائكة والجن ~~وكما يقول الصوفية فى الإنس «2»، وهذه مسألة أو مسائل قد شرحناها من قبل فى ~~تفسير المنار، وإنما نذكرها هنا بالإجمال ردا على من زعموا أن القرآن مستمد ~~من كتب اليهود والنصارى ومن عقل محمد صلى الله عليه وسلم الباطن وإلهاماته ~~الروحية «3». PageV01P130 # ويناسب هذا ما جاء فى القرآن من نبأ خراب العالم وقيام الساعة التى هى بدء ~~ما يجب الإيمان به من عقيدة البعث والجزاء، ولم يوجد له أصل عند أهل الكتاب ~~ولا غيرهم، ولا هو مما يمكن أن يكون قد عرفه محمد صلى الله عليه وسلم ~~بذكائه ونظرياته العقلية، وجملته أن قارعة- والظاهر أنها كوكب- تقرع الأرض ~~قرعا، وتصخها صخا، وترجها رجا، فتكون هباء منبثا، أى غبارا دقيقا متفرقا فى ~~الفضاء، وحينئذ يختل ما يسمى فى عرف العلماء بسنة الجاذبية العامة، فتتناثر ~~الكواكب ثم يدخل العلم فى طور جديد هو المراد بالحياة الآخرة «1»، وهذا ~~المعنى لم يكن يخطر ببال أحد من علماء الكون ولا من الدين، فلا يمكن أن ~~يقال أن محمدا صلى الله عليه وسلم سمعه من أحد فى بلده أو فى سفره، ولا ~~يعقل أن يكون قاله برأيه وفكره، فهو من أنباء القرآن الكثيرة التى تدحض زعم ~~القائلين بالوحى النفسى. وقد صرح غير واحد من علماء الهيئة الفلكية ~~المعاصرين بأن خراب العالم بهذا السبب هو أقرب النظريات العلمية لخرابه. ~~وسنفصل ذلك بالشواهد على ما جاء فى القرآن موافقا لأصول العلم الحديث فى ~~ملحقات الكتاب، من الجزء الثانى له. # ولقد كان أعظم آيات ms100 الجزاء تأثيرا فى أنفس العرب وصف نعيم الجنة وعذاب ~~النار ببلاغته العجيبة فى المبالغة التى امتازت بها لغتهم، وفيها ما يدل ~~على أنها غيبية مخالفة للمعهود فى الدنيا كقوله تعالى فى صفة النار: التي ~~تطلع على الأفئدة [الهمزة: 7]، وفى الجنة: فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة ~~أعين [السجدة: 17]، وقوله بعد ذكر النعيم الحسى: ورضوان من الله أكبر ~~[التوبة: 72]، وناهيك بمناجاته تعالى ورؤيته التى أنكرها وتأول نصوصها ~~المعتزلة ومن تبعهم وعدوها من المتشابهات ولا غرو، فكل أمور الآخرة ~~متشابهات، قال تعالى فى ثمرها: وأتوا به متشابها [البقرة: 25]، قال ابن ~~عباس رضى الله عنه فى تفسيرها: (لا يشبه شىء مما فى الجنة ما فى الدنيا إلا ~~فى الأسماء). # (أقول): فكيف يشبه خالقها شيئا من خلقه؟. PageV01P131 ### ||| AUTO الركن الثالث للدين: العمل الصالح # الركن الثالث من مقاصد بعثة الرسل- وهو العمل الصالح- أثر لازم للإيمان ~~بالله وبالحساب والجزاء فى الآخرة وثمرة له، وهو يمده ويستمد منه فكل من ~~الإيمان والعمل يغذى الآخر ويقويه، ويتوقف كمال كل منهما على الآخر؛ فمن ~~فسد إيمانه فسد عمله، وكان رياء ونفاقا أو تقليدا صوريا. فلا يكون العمل ~~صالحا مصلحا لعامله إلا بجعله على الوجه الذى شرعه الله لأجله. وهذا مكرر ~~فى القرآن فى سور كثيرة لإصلاح ما أفسده البشر فيه يجعله تقليديا غير مزك ~~للنفس ولا مصلح لشئون الاجتماع، ولكن دون تكرار توحيد الله وتقديسه الذى هو ~~الأصل الذى يتبعه غيره، على أنه يقرنه به. # ولولا الحاجة إلى هذا التكرار فى التذكير والتأثير لكانت سورة العصر ~~وحدها كافية فى الإصلاح العلمى العملى على قصرها، كسورة الإخلاص فى الركن ~~الأول الاعتقادى، وكل منهما تكتب فى سطر واحد، فهما من معجزات إيجاز القرآن ~~وهدايته، وكسورة الزلزلة فى الركن الثانى وهى تكتب فى ثلاثة أسطر؛ وقد روى ~~الإمام أحمد، والطبرانى فى الكبير أن صعصعة بن معاوية أتى النبى صلى الله ~~عليه وسلم فقرأ عليه: فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره (7) ومن يعمل مثقال ذرة ~~شرا يره [الزلزلة: 7، # 8]، فقال حسبى لا أبالى ms101 أن لا أسمع غيرها. # وروى أن بعض الأعراب سمع النبى صلى الله عليه وسلم يقرؤها فقال: يا رسول ~~الله: أمثقال ذرة؟ قال: # «نعم». فقال الأعرابى: وا سوأتاه ثم قام وهو يقولها، فقال النبى صلى الله ~~عليه وسلم: «لقد دخل قلب الأعرابى الإيمان». وروى عن زيد بن أسلم رضى الله ~~عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم دفع رجلا إلى رجل يعلمه فعلمه حتى بلغ هذه ~~الآية فقال: حسبى- فذكر الرجل المعلم ذلك النبى صلى الله عليه وسلم فقال ~~له: «دعه فقد فقه». نقل هذه الروايات وغيرها السيوطى فى الدر المنثور عن ~~مخرجيها، ومنها أن بعض كبار الصحابة كان ربما يعطى المسكين حبة عنب ويقول ~~إن فيها ذات كثيرة، اهتداء بهذه الآية، وبقوله صلى الله عليه وسلم فى حديث ~~مسلم: «لا تحقرن من المعروف شيئا». # فتدبر هذا تعلم منه قدر استعداد عقول العرب لهداية القرآن، وكيف صلحت به ~~أنفسهم، وصاروا أئمة الناس فى الإصلاح، آمن بعضهم بأنه يرى فى الآخرة جزاء ~~عمله خيره وشره وإن قل فكان كالذرة، فوطن نفسه على عمل كل ما استطاع من ~~الخير، وترك كل عمل من الشر، وهذا فقه الدين كله كما شهد له مبلغ الدين صلى ~~الله عليه وسلم. PageV01P132 # إنما كان العمل الصالح من لوازم الإيمان بالله فى الدرجة الأولى لأن من عرف ~~الله تعالى عرف استحقاقه للحمد والشكر والعبادة والحب والتعظيم، وهو من ~~لوازم الإيمان بالجزاء على الأعمال فى الدرجة الثانية خوفا من العقاب ورجاء ~~فى الثواب. فالأركان الثلاثة يمر بعضها بعضا بمقتضى هداية الأنبياء ~~الموافقة للفطرة الإنسانية دون تقاليد الوثنية التى لا شأن فيها لعلم ~~الإنسان ولا عمله فى سعادته، لأن مدارها على إيمانه بوجود الفادى الشفيع أو ~~على إقراره به. وإن كان لا يعقله، بل ينكره عقله، وتأباه فطرته، وقد أبطل ~~القرآن عقيدة الفداء والشفاعة الوثنية فى آيات عديدة. # ويدخل فى الأعمال الصالحة العبادات المفروضة التى يتقرب بها إلى الله ~~تعالى، سائر أعمال البر التى ترضيه بمالها من التأثير فى صلاح البشر كبر ms102 ~~الوالدين وصلة الرحم وإكرام اليتامى والمساكين. ومن أصوله الوصايا الجامعة ~~فى آيات سورة الإسراء وهى: وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا ~~إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما «1» ~~وقل لهما قولا كريما (23) واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما ~~كما ربياني صغيرا (24) ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين فإنه كان ~~للأوابين غفورا (25) وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر ~~تبذيرا (26) إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا ~~(27) وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا (28) ~~ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما «2» محسورا ~~(29) إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه كان بعباده خبيرا بصيرا (30) ~~ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطأ كبيرا ~~(31) ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا (32) ولا تقتلوا النفس ~~التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف ~~في القتل «3» إنه كان منصورا (33) ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ~~حتى يبلغ أشده وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤلا (34) وأوفوا الكيل إذا ~~كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلا (35) ولا تقف ما ليس لك ~~به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤلا (36) ولا تمش في ~~الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض PageV01P133 ~~ولن تبلغ الجبال طولا (37) كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها (38) ذلك مما ~~أوحى إليك ربك من الحكمة ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما ~~مدحورا [الإسراء: 23 - 39]. # هذه الآيات أجمع وأعظم من الوصايا العشر التى فى التوراة. وتأمل آيات ~~الوصايا فى سورة الأنعام (151 - 153)، وآية البر فى سورة البقرة (177)، ~~وغير ذلك من آيات الحث على الفضائل، والزجر عن الرذائل والمعاصى الضارة ~~بالأبدان والأموال، والأموال، والأعراض والعقول والأديان، ومثارها الأكبر ~~إتباع الهوى وطاعة وسوسة الشيطان، ويضادهما ملكة التقوى، فهى اسم جامع ms103 لما ~~يقى النفس من كل ما يدنسها وتسوء به عاقبتها فى الدنيا والآخرة، ولهذا تذكر ~~فى المسائل الدينية والروحية والحربية وغيرها، وهاك كلمة وجيزة فى الموضوع. PageV01P134 ### |||| AUTO سنة القرآن فى تهذيب الأخلاق وصلاح الأعمال والفرق بينها ~~وبين كتب الفلسفة والآداب # القرآن كتاب هداية فعلية، لا كتاب فن وعلم نظرى، فهو يرشد متدبره ~~والمتفقه فيه إلى داعيتى الحق والخير، والباطل والشر من نفسه، وإلى طريق ~~تزكيتها بمحاسبتها على أعمالها، لتغليب الحق والخير على ضدهما، وتجد هذا ~~التهذيب والتثقيف فيه يدور على أمرين فطريين لا يتوقف فهمهما على فلسفة ~~أرسطو ولا ابن سينا. وهو مجاهدة النفس بالتخلى عن اتباع الهوى، والتحلى ~~بفضيلة التقوى، وقد تكرر فيه ذم اتباع الهوى والنهى عنه، وتعليله بأنه يصد ~~متبعه عن الحق والعدل فى زهاء ثلاثين آية، وتكرر ذكر التقوى والمتقين فى ~~زهاء مائتى آية أو أكثر، واكتفى هنا بذكر آية واحدة فى كل منهما. # قال الله تعالى فى عبادة الهوى بعد أن ذكر لنبيه صلى الله عليه وسلم أنه ~~أتى بنى إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة، وفضلهم على عالمى زمانهم، وآتاهم ~~بينات من الأمر- # أمر التشريع- فاختلفوا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم، ثم ذكر له أنه ~~جعله على شريعة من الأمر، وأمره باتباعها ونهاه عن اتباع أهواء الذين لا ~~يعلمون، وهم المشركون الذين لا شريعة لهم، وأعلمه أن الظالمين من الذين ~~تفرقوا بعد العلم فكان ضارا بهم ومن الذين لا يعلمون بعضهم أولياء بعض، ~~والله ولى المتقين دون كل منهم، وأن هذا القرآن بصائر للناس وهدى ورحمة ~~لقوم يوقنون، وأنه تعالى لم يجعل الذين اجترحوا السيئات، كالذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات، لا فى المحيا ولا فى الممات، وأنه خلق السماوات والأرض ~~بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت، لا كما يزعم المشركون من تركهم سدى، ولا كما ~~يدعى أهل الكتاب من كونه تعالى يحابى بعض الشعوب وبعض الناس بأنسابهم؛ أو ~~لأجل من يفديهم ويشفع لهم. # قال الله تعالى بعض آيات فى هذه المعانى: # أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله ms104 الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل ~~على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون [الجاثية: 23]، وفى ~~معناها من سورة الفرقان: # أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا (43) أم تحسب أن أكثرهم ~~يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا [الفرقان: 43، 44]. PageV01P135 # وقال تعالى فى ثمرة التقوى للمؤمنين بعد عدة وصايا: يا أيها الذين آمنوا إن ~~تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل ~~العظيم [الأنفال: 29]، وقد قلت فى تفسير هذه الآية من جزء التفسير التاسع ~~ما مختصره. # هذه الآية آخر وصايا المؤمنين فى هذا السياق وهى أعمها، والأصل الجامع ~~لها ولغيرها وكلمة «الفرقان» فيها كلمة جامعة ككلمة التقوى فى مجيئها هنا ~~مطلقة، فالتقوى هى الشجرة، والفرقان هو الثمرة، وهو صيغة مبالغة من مادة ~~الفرق، ومعناها فى أصل اللغة: # الفصل بين الشيئين أو الأشياء، والمراد بالفرقان هنا: العلم الصحيح ~~والحكم الحق فيها، ولذلك فسروه بالنور، وذلك أن الفصل والتفريق بين الأشياء ~~والأمور فى العلم هو الوسيلة للخروج من حيز الإجمال إلى حيز التفصيل، وإنما ~~العلم الصحيح هو العلم التفصيلى الذى يميز الأجناس والأنواع والأصناف ~~والأشخاص، وإن شئت قلت بين الكليات والجزئيات، والبسائط والمركبات، والنسب ~~بين أجزاء المركبات، من الحسيات والمعنويات، ويبين كل شىء من ذلك، ويعطيه ~~حقه الذى يكون به ممتازا من غيره، وإيراد الأمثلة على ذلك يطول (وقد ذكرنا ~~نموذجا منها فى التفسير). # فقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ~~[الأنفال: 29] معناه إن تتقوا الله فى كل ما يجب أن يتقى بمقتضى دينه ~~وشرعه، وبمقتضى سننه فى نظام خلقه يجعل لكم بمقتضى هذه التقوى ملكة من ~~العلم والحكمة تفرقون بها بين الحق والباطل، وتفصلون بين الضار والنافع، ~~وتميزون بين النور والظلمة، وتميزون بين الحجة والشبهة. وقد روى عن بعض ~~مفسرى السلف تفسير الفرقان هنا بنور البصيرة الذى يفرق بين الحق والباطل ~~وهو عين ما فصلناه من الفرقان العلمى الحكمى، وعن بعضهم تفسيره ms105 بالبصر يفرق ~~بين المحق والمبطل بما يعز المؤمن ويذل الكافر، وبالنجاة من الشدائد فى ~~الدنيا ومن العذاب فى الآخرة، وهذا من الفرقان العملى الذى هو ثمرة الفرقان ~~العلمى. ذكر كل منهم ما رآه مناسبا لحال وقته أو حال من لقنه ذلك، ولم يقصد ~~تحليل المدلول اللغوى، ولا المعنى الكلى الذى هو ثمرة التقوى بأنواعها. ~~وهذا النور فى العلم الذى لا يصل إليه إلا بالتقوى هو الحكمة. # أمر الله تعالى فى مواضع كثيرة من كتابه باتقائه، وباتقاء النار، وباتقاء ~~الشرك والمعاصى، وباتقاء الفتن العامة فى الدول والأمم، وتقدم فى وصايا هذا ~~السياق. وباتقاء الفشل والخذلان فى الحرب، وباتقاء ظلم النساء، وبين أن ~~العاقبة فى إرث الأرض للمتقين PageV01P136 ~~كما أن الجنة فى الآخرة للمتقين؛ قال تعالى فى سورة الطلاق: ومن يتق الله ~~يجعل له مخرجا (2) ويرزقه من حيث لا يحتسب [الطلاق: 2، 3]، ومن يتق الله ~~يجعل له من أمره يسرا [الطلاق: 4]، ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له ~~أجرا [الطلاق: 5]، وأمثال ذلك فى التقوى العامة والخاصة وأجرها وعاقبتها كثير. # فمعنى التقوى العام: اتقاء كل ما يضر الإنسان فى نفسه وفى جنسه الإنسانى ~~القريب والبعيد، وما يحول بينه وبين المقاصد الشريفة والغايات الحسنة ~~والكمال الممكن. ولذلك قال العلماء: إنها عبارة عن ترك جميع الذنوب ~~والمعاصى وفعل ما يستطاع من الطاعات، وزدنا على ذلك: اتقاء الأسباب ~~الدنيوية المانعة من الكمال وسعادة الدارين بحسب سنن الله تعالى فى الكون، ~~كالنصر على الأعداء وجعل كلمة الله هى العليا فى الأرض، كما هى فى الواقع ~~ونفس الأمر، وكلمة الذين كفروا السفل كذلك، وكمال ذلك يتوقف على العلم ~~الواسع بالكتاب والسنة، وكمال هذا يتوقف على معرفة سنن الله تعالى فى ~~الإنسان مجتمعا ومنفردا كما أرشد إليه فى آيات من كتابه، ومن ثم كانت ثمرة ~~التقوى العامة الكاملة هنا حصول ملكة الفرقان التى يفرق صاحبها بنوره بين ~~الأشياء التى تعرض له من علم وحكم وعمل، فيفصل فيها بين ما يجب قبوله وما ~~يجب رفضه، وبين ما ينبغى فعله وما ms106 يجب تركه. وتنكير الفرقان للتنويع التابع ~~لأنواع التقوى، كالفتن فى السياسة والرئاسة والحلال والحرام والعدل والظلم، ~~فكل متق لله فى شىء يؤتيه فرقانا فيه. # وبذلك كان الخلفاء والحكام من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن ~~تبعهم من خلفاء العرب أعدل حكام الأمم فى الأرض حتى فى عهد الفتح، قال بعض ~~حكماء الإفرنج «1»: ما عرف التاريخ فاتحا أعدل ولا أرحم من العرب، ولكنهم ~~لم يتقوا فتن السياسة والرئاسة لقلة خبرتهم. فعوقبوا عليها بتفرقهم وضعفهم ~~وزوال ملكهم، وكان من بعدهم من أعاجم المسلمين دونهم لجهلهم بكل نوع من ~~أنواع التقوى الواجبة، وحرمانهم من فرقانها، فهم يزعمون أنهم يجددون مجدهم، ~~مع جهل هذا الفرقان المبين، وعدم الاعتصام بالتقوى المزكية للنفس، المؤهلة ~~لها للإصلاح فى الأرض، بل مع انغماسهم فى السكر والفواحش، لظنهم أن الإفرنج ~~قد ترقوا فى دنياهم بفساقهم # وفجارهم، وإنما ترقوا بحكمائهم وأبرارهم، الذين وقفوا حياتهم على العلم ~~والعمل النافع. # ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم هذا عطف على يجعل لكم فرقانا، أى: # ويمحو بسبب هذا الفرقان وتأثيره ما كان من تدنيس سيئاتكم لأنفسكم فتزول ~~منها داعية PageV01P137 ~~العود إليها المؤدى إلى الإسرار المهلك، ويغفرها لكم بسترها وترك العقاب ~~عليها والله ذو الفضل العظيم، ومن أعظم فضله أن جعل هذا الجزاء العظيم (وهو ~~الفرقان) بقسميه السلبى والإيجابى جزاء للتقوى وأثرا لها». انتهى تفسير ~~الآية مختصرا. ### |||| AUTO سنة القرآن فى الإرشاد إلى العبادات # وأما سنة القرآن فى الإرشاد إلى الأعمال الصالحة فهى بيان أصولها ~~ومجامعها وتكرار التذكير بها بالإجمال، وأكثر ما يحث عليه من العبادات ~~الصلاة التى هى العبادة الروحية العليا، والاجتماعية المثلى، والزكاة التى ~~هى العبادة المالية الاجتماعية الكبرى. كرر الأمر بهما فى آيات كثيرة، وبين ~~أهم منافعهما بقوله تعالى: اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن ~~الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون ~~[العنكبوت: 45]، وقوله تعالى: إن الإنسان خلق هلوعا (19) إذا مسه الشر ~~جزوعا (20) وإذا مسه الخير منوعا (21) إلا المصلين (22) الذين هم على ~~صلاتهم ms107 دائمون (23) والذين في أموالهم حق معلوم (24) للسائل والمحروم ~~[المعارج: 19 - 25]. # ولم يكرر فيه ما يحفظ بالعمل والاقتداء بالرسول من أحكام الصلاة والزكاة ~~والصيام والحج، بل لم يذكر منها إلا ما لذكره فائدة خاصة. وذكرت فيه أحكام ~~الصيام فى موضع واحد من السورة الثانية، ولم يذكر فيه عدد الركعات فى كل ~~صلاة، ولا عدد الركوع والسجود ولا نصاب الزكاة فى كل نوع مما تجب فيه؛ لأن ~~كل هذا يؤخذ من بيان الرسول ويحفظ بالعمل، وليس فى ذكره تزكية للنفس ولا ~~تغذية للإيمان، وسيأتى بعض فوائد الزكاة فى الكلام على إصلاح القرآن المالى ~~من المقصد السابع. # وسنعقد فى ملحقات الكتاب من الجزء الثانى منه فصلا فى أسرار العبادات ~~الإسلامية من روحية واجتماعية وصحية نبين بها فضلها وامتيازها على جميع ~~عبادات الملل الأخرى؛ فيعلم به أنه لو لم يجئ محمد صلى الله عليه وسلم ~~بغيرها لنهضت برهانا على نبوته. وإكمال الله الدين به. PageV01P138 ### |||| AUTO ترجيح فضائل القرآن على الإنجيل # نحن (المسلمين) نؤمن بأن إنجيل المسيح عليه السلام هدى ونور بشهادة ~~القرآن له، وإن كنا لا نعرفه، وإنما نؤمن أنه هداية خاصة مؤقتة .. لا عامة ~~دائمة. وإن الله تعالى إنما أكمل دينه ووحيه بالقرآن. ففضائله أتم وأكمل. ~~وأعم وأشمل. وأبقى وأدوم. # وأذكر فضيلتين من فضائل الإنجيل يزعم النصارى أن ما هو مأثور عندهم فيهما ~~أكمل وأفضل مما جاء به الإسلام؛ (الأولى): قول المسيح عليه السلام: «أحبوا ~~أعداءكم، باركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى من يبغضكم، ومن ضربك على خدك الأيمن ~~فأدر له الأيسر» «1»، ومن المعلوم بالبداهة أن امتثال هذه الأوامر يتعذر ~~على غير الأدلة المستعبدين من الناس، وأنه قد يكون من أكبر المفاسد بإغراء ~~الأقوياء بالضعفاء الخاضعين، وإنك لتجد أعصى الناس لها من يسمون أنفسهم ~~بالمسيحيين. # أمثال هذه الأوامر لا تأتى فى دين الفطرة العام لأن امتثالها من غير ~~المستطاع، والله تعالى يقول: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها [البقرة: 286]، ~~وإنما قرر القرآن فى موضوعها الجمع بين العدل والفضل والمصلحة. قال تعالى: ~~وجزاء سيئة سيئة مثلها ms108 فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين ~~(40) ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل (41) إنما السبيل على ~~الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم (42) ~~ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور [الشورى: 40 - 43]. # ولا يخفى أن العفو والمغفرة للمسيء إنما تكون من القادر على الانتصار ~~لنفسه، وبذلك يظهر فضله على من عفا عنه، فيكون سببا لاستبدال المودة ~~بالعداوة، فى مكان الإغراء التعدى ودوام الظلم، ولذلك قال تعالى: ولا تستوي ~~الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي ~~حميم (34) وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم [فصلت: ~~34، 35]. # فانظر كيف بين مراتب الكمال ودرجاته من العدل والفضل، وكيف استدل عليه ~~بما فيه من المصلحة وحكم العقل، أفليس هذا الإصلاح الأعلى على لسان أفضل ~~النبيين والمرشدين دليلا على أنه وحى من الله تعالى قد أكمل به الدين؟ بلى ~~وأنا على ذلك من الشاهدين، لا يجحده إلا من سفه نفسه فكان من الجاهلين. PageV01P139 # (الثانية): مبالغة المسيح عليه السلام فى التزهيد فى الدنيا والأمر بتركها ~~وذم الغنى، حتى جعل دخول الجمل فى ثقب الإبرة أيسر من دخول الغنى ملكوت ~~السماوات. # ونقول: إن هذه المسألة وسابقتها إنما كانتا إصلاحا مؤقتا لإسراف اليهود ~~وغلوهم فى عبادة المال حتى أفسد أخلاقهم، وآثروا دنياهم على دينهم، والغلو ~~يقاوم مؤقتا # بضده. # وكذلك كانت دولة الرومان السالبة لاستقلال اليهود وغيرهم دولة مسرفة فى ~~الظلم والعدوان، والفسق والطغيان. # وأما الإسلام فهو دين البشر العام الدائم، فلا يقرر فيه إلا ما هو لمصلحة ~~الناس كلهم فى دينهم ودنياهم، وهو فى هذه المسألة ذم استعمال المال فيما ~~يضر من الإسراف والطغيان، وذم أكله بالباطل ومنع الحقوق المفروضة فيه ~~والبخل به عن الفقراء والضعفاء. ومدح أخذه بحقه وبذله فى حقه، وإنفاقه فى ~~سبيل الله بما ينفع الناس ويعز الملة ويقوى الأمة، ويكون عونا لها على حفظ ~~حقيقتها واستقلالها. # وسترى فى المقصد ما هو أعظم ms109 من هذا فى إصلاحه العالى. # فهذه المسألة وما قبلها مما أكمل الله تعالى به الدين، فيما أوحاه من ~~كتابه إلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وخاتم النبيين، وما كان لرجل ~~أمى ولا متعلم أن يصل بعقله إلى أمثال هذا الإصلاح لتعاليم الكتب السماوية ~~التى يتعبد بها الملايين من البشر، ولكتب الحكماء والفلاسفة أيضا، فهل ~~الأقرب إلى العقل أن يكون بوحى من الله عز وجل، أم من نفس محمد صلى الله ~~عليه وسلم؟. # ومهما أنسى من شىء فلن أنسى أول كلمة فى المفاضلة بين فضائل الإسلام ~~والمسيحية طرقت سمعى ووعاها قلبى، أتحسبون أننى سمعتها من أحد شيوخنا ~~الأعلام كالعلامة الشيخ حسين الجسر أو الأستاذ الإمام؟ لا لا، إنما سمعتها ~~من أكبر وجهاء النصارى فى طرابلس الشام (إسكندر كاستفليس) الذى كان قنصل ~~دولتى روسيا وألمانيا معا، جئته من قبل والدى فى مسألة مالية وأنا تلميذ، ~~وكان يسمع أننى عصرى حر الفكر، فلما انتهى الحديث الذى جئته من أجله فتح لى ~~باب الحديث فى الأمور القومية والوطنية والترقى العصرى، فسمع منى انتقادا ~~لتقصير مسلمى بلادنا وتأخرهم عن غيرهم خلافا لما يرشدهم إليه دينهم، ولم ~~يكن يتوقع هذا منى، فعاملنى بمثل حريتى، وعلى ما كان يصفه به وجهاء بلادنا ~~من التعصب الدينى السياسى لا الاعتقادى، وكان مما قاله هذه الكلمة: إن فى ~~الإسلام فضائل كالجبال وأشمخ وأرسخ، ولكنكم دفنتموها حتى لا تكاد تعرف أو ~~ترى، ونحن عندنا شىء قليل ضئيل ككلمة «حب الله والقريب» فما زلنا نمطه ~~ونمده ونقول الفضائل المسيحية حتى ملأ الدنيا كلها. PageV01P140 ### |||| AUTO شبهة فلسفية على عمل الخير لمرضاة الله تعالى # على ذكر الفلسفة أذكر شبهة لمقلدتهم على الفضائل وعمل الخير بهداية الدين ~~يلوكونها بألسنتهم ولا يعقلون فسادها، وهى أن الكمال البشرى؛ أن يعمل ~~الإنسان الخير لذاته أو لأنه خير لا لعلة، ويعدون من أكبر العلل أن يعمله ~~لمرضاة الله أو رجاء فى ثواب الآخرة أو خوفا من عقابها. حتى أننى قرأت ~~لكاتب اشتهر بأنه يمدح الإسلام ويدافع عنه ms110 مقالا يهذى فيه بهذه الفلسفة. ~~ومعنى هذا- إن كانوا يفقهون أن من النقص فى الإنسان أن يقصد بعمل الخير ~~والبر ما أرشد إليه الدين من تزكية نفسه وترقية روحه، بحيث تكون راضية ~~مرضية عند رب العالمين ذى الكمال المطلق الأعلى، وأهلا لجواره فى دار ~~كرامته. وإنما يكون كاملا إذا خرج عن طبعه، وقصد بعمله النفع لغيره دون ~~تزكية نفسه ودون إرضاء ربه، وأعمل العمل لذاته أى لا لمصلحة ولا لمنفعة ~~فيه، وهذا سفه وعبث ينزه عنه العقلاء. # (فإن قيل): بل نقصد به المصلحة العامة أو المنفعة الخاصة بغير العامل. # (قلنا): إن هذا مما شرعه الدين وجعله مما يرضى الله تعالى، وينال به ~~ثوابه، فهل تشترطون فى كونه خيرا أن يكون فاعله كافرا بالله لا يبتغى ~~رضوانه ولا ثوابه، وأن يحب نفع الناس بشرط أن لا ينتفع هو بعمله فيما لا ~~يضرهم؟ ألا إن هذا لمن الحماقة والسفه، لا من الحكمة والفلسفة. # مثال ذلك: أن جميع الصدقات الواجبة والمستحبة من الخير الذى يفضل بها ~~المؤمن غيره على نفسه وأهله، وقد مدح الله فيها الإيثار على النفس، حتى مع ~~الحاجة والفقر، فقال فى أنصار نبيه صلى الله عليه وسلم ورضى عنهم: ويؤثرون ~~على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة [الحشر: 9]، وذم الرياء فيها وفى كل عمل وهو ~~منفعة دنيوية. وقلما يفعل غير المؤمن خيرا إلا لأجل الرياء والسمعة. ~~أفتقولون: إنه مع هذا من الخير، وإنما يخرجه من محيط الخير، أن يرتفع به ~~إلى القرية عند الله عز وجل؟ وأى خير وفضل وكمال أعلى من القرب إلى ذى ~~العزة والجلال؟. # وجملة القول: إن أركان الدين الثلاثة مأثورة عن جميع الملل القديمة وذلك ~~دليل على أن أصلها واحد وهو الوحى وهداية الرسل، وأنه كان قد دب إليها ~~الفساد بتعاليم الوثنية وبدعها، فجاء محمد النبى الأمى بهذا القرآن من عند ~~الله تعالى فأصلح ما كان من PageV01P141 ~~فسادها، الذى جعلها غير كافية لسعادة البشر الآخذين بها، من شوب الإيمان ~~بالله بالشرك، وتشبيه الخالق بالخلق وجعل الجزاء بالمحاباة والفداء ms111 لا ~~بالحق والعدل، وجعل العبادات تقاليد كاللعب واللهو، غير مثمرة لتزكية ~~النفس، ولا راجحة فى ميزان العقل، فجاءت عبادات الإسلام وآدابه كلها معقولة ~~مكملة لفطرة الإنسان. PageV01P142 ### || AUTO المقصد الثانى من مقاصد القرآن: بيان ما جهل البشر من أمر ~~النبوة والرسالة ووظائف الرسل # كانت العرب تنكر الوحى والرسالة إلا أفرادا من بقايا الحنفاء فى الحجاز ~~وغيره، ومن دخل فى اليهودية والنصرانية لمجاورته لأهلهما، وكانت شبهة مشركى ~~العرب وغيرهم على الوحى استبعاد اختصاص الله تعالى بعض البشر بهذا التفضيل ~~على سائرهم، وهم متساوون فى الصفات البشرية بزعمهم، ويقرب منهم اليهود ~~الذين أنكروا أن يختص الله تعالى بهذه الرحمة والمنة من يشاء من عباده، ~~وأوجبوا عليه أن يحصر النبوة فى شعب إسرائيل وحده، كأن بقية البشر ليسوا من ~~عباده الذين يستحقون من رحمته وفضله ما أعطاه لليهود من هداية النبوة. على ~~أنهم وصفوا الأنبياء بالكذب والخداع والاحتيال على الله ومصارعته، وارتكاب ~~كبائر المعاصى- كما تقدم فى # المقصد الأول- ووافقهم النصارى على حصر النبوة فيهم؛ وأثبتوا قداسة غير ~~الأنبياء من رسل المسيح وغيرهم من الباباوات والعباد، وعبدوهم أيضا، على ~~أنهم نقلوا عن بعض خواص تلاميذه إنكارهم إياه فى وقت الشدة، وعن بعضهم أنه ~~أسلمه لأعدائه، وأنه لعن أكبرهم وسماه شيطانا، وأنه قال لهم: «كلكم تشكون ~~فى هذه الليلة»، واتخذ كل من الفريقين أحبارهم ورهبانهم وقساوسهم أربابا من ~~دون الله تعالى بأن نحلوهم حق التشريع الدينى من وضع العبادات والتحليل ~~والتحريم «1»، وكل ذلك من الكفر بالله وإنكار عدله، وعموم رحمته وفضله، ومن ~~مفسدات نوع الإنسان، وجعل السواد الأعظم منه مستعبدا لأفراد من أبناء جنسه، ~~فأبطل الله تعالى كل ذلك بما أنزله من كتابه على خاتم النبيين صلى الله ~~عليه وسلم. ### ||| AUTO 1 - بعثة الرسل فى جميع الأمم ووظائفهم: # قال الله عز وجل: ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا ~~الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة [النحل: 36]، وقال: ~~إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا وإن من أمة إلا خلا فيها نذير [فاطر: ms112 24]، ~~وكرم الله الإنسان وجعل التشريع الدينى من حقوقه وحده، وإنما النبيون ~~والرسل مبلغون عنه وليسوا بمسيطرين على الأقوام، وطاعتهم تابعة لطاعته، فقد ~~أبطل ما نحلهم الناس من ربوبية التشريع، كما أبطل عبادتهم PageV01P143 ~~وعبادة من دونهم من القديسين، وبذلك تحرر الإنسان من الرق الروحى والعقلى ~~الذى منيت به الأمم المتدينة ولا سيما البوذيين والنصارى. # ولضلال جميع أهل الملل والنحل فى ذلك كرر هذا الإصلاح فى كثير من السور ~~بالتصريح بأن الرسل بشر مثل سائر البشر يوحى إليهم، وبأنهم ليسوا إلا ~~مبلغين لدين الله تعالى الموحى إليهم. قال الله تعالى لخاتمهم المكمل ~~لدينهم فى خاتمة سورة [الكهف، الآية 110]: قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي ~~أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك ~~بعبادة ربه أحدا .. الآية. وقال فى جملتهم: وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ~~ومنذرين [الكهف: 56]، ومثلهما فى سورة [الأنعام، الآية: 48)، وفى معناهما ~~آيات أخرى بعثهم مبشرين ومنذرين بالقول والعمل، لا متصرفين فى الكون بالنفع ~~والضر بأنفسهم، ولا بتأثيرهم فى إرادته تعالى. وقد شرحنا ذلك فى تفسير قوله ~~تعالى: قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب ~~لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون ~~[الأعراف: 188]، وقد بين ذلك النبى صلى الله عليه وسلم بأقواله وأعماله ~~وأخلاقه فى العبودية والتواضع بما لا يدع لتأويل الآيات سبيلا. حتى فطن ~~لذلك بعض العلماء الإفرنج الأحرار فقال: إن محمدا لما رأى خزى النصارى ~~بتأليه نبيهم وعبادته لم يكتف بتلقيب نفسه برسول الله حتى أمرهم بأن ~~يقولوا: «أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله». ### ||| AUTO 2 - أطوار النصارى وما انتهوا إليه فى الدين: # ومن عجيب أمر النصارى أن وثنيى أوروبا غلبوهم على دينهم لضعفهم وتفرقهم ~~بعدم وجود نظام يجمع أمرهم بقوة حاكمة فتصدى لجمعهم الملك قسطنطين فانتزعهم ~~من دين التوحيد الذى كان عليه إبراهيم وموسى وعيسى وسائر النبيين، وأسس لهم ~~كنائس كهياكل قومه ms113 الوثنيين، ورئاسة دينية رومانية تناوئ اليهود أو ~~الساميين، إلا فلسفة بولس عدو المسيح والمسيحيين، ثم وضع لهم الأحبار ~~والأساقفة من اليونان والروم عقائد وعبادات وشرائع وشعائر كثيرة، لم يبن ~~شىء منها على أساس التوراة التى هى ناموس موسى (ع. م)، ونقلوا عن المسيح ~~أنه قال- قوله الحق- أنه ما جاء لينقض الناموس وإنما جاء ليتممه، ولكن ~~هؤلاء الأوروبيين نقضوه ووضعوا لأنفسهم نواميس أخرى مخالفة له ولما تممه به ~~المسيح من الزهد وترك عبادة المال والشهوات والرياء وحب الرئاسة والبغى ~~والعدوان، وعادوا أتباعه اليهود فى كل شىء. PageV01P144 # ولما بعث خاتم النبيين الذى بشر به موسى وعيسى والنبيون عليه وعليهم الصلاة ~~والسلام، وبين الفريقين- اليهود والنصارى- ما اختلفوا فيه من أمر الدين، ~~ورأوا اليهود والنصارى يتبعونه لعلمهم بأنه جدد لهم دين أنبيائهم عادوه ~~وحاربوه كما تقدم، ولكنهم استفادوا من نوره صلى الله عليه وسلم ما حملهم ~~على إصلاح كبير فى دينهم قاتل عليه بعضهم بعضا حتى صارت أوروبا فريقين ~~متكافئين فى القوة، وكل ذلك معروف بالتفصيل فى العالم كله. # ثم حدث بعد ذلك أن حرب دين الإصلاح (البروتستنت) ما زال يتدرج فيما خالف ~~فيه دين الكاثوليك والأرثوذكس وهو حرية البحث فى الدين حتى صار الملايين من ~~أتباعه لا يؤمنون بعصمة كتب العهد القديم ولا العهد الجديد، ثم عقدوا مجامع ~~ومناظرات قرروا فيها بطلان القول بألوهية المسيح. # ثم حدث فى هذا العام أن جاهر الجمهور الأعظم فى الممالك الجرمانية بوجوب ~~بناء دين الأمة على قواعد جنسها الآرى، وهدم قواعد الجنس السامى الدينية ~~وأنبيائه من بنى إسرائيل، فبرز البابا يناهضهم ويصرح بأنهم يعودون إلى ~~الوثنية القديمة فعلم من هذا الحدث الجديد أن الديانة النصرانية التى هدمها ~~الشيوعيون فى شرق أوروبا وآسيا (الروسية) وطفقوا يبثون الدعوة بهدمها هى ~~وسائر الأديان، والتى أعقبهم الفاشيون من الجرمان بهدمها فى قلب أوروبا- ~~ليست بالديانة التى تثبت فى عواصف هذه الفتن الجديدة، وإنما الذى يقوى على ~~ذلك دين الإسلام وحده. # فلا سبيل إلى إنقاذ أوروبا وسائر العالم من فوضى كفر التعطيل والإباحة ~~إلا به. ms114 ### ||| AUTO 3 - مسألة الشفاعة: # وأما مسألة الشفاعة التى كان مشركو العرب يثبتونها لمعبوداتهم فى الدنيا، ~~وأهل الكتاب يثبتونها لأنبيائهم وقديسيهم فى الدنيا والآخرة، فقد نفاها ~~القرآن وأبطلها وأثبت أن الشفاعة لله جميعا، وأنه لا يشفع عنده أحد إلا ~~بإذنه: يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من ~~خشيته مشفقون (28) ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي ~~الظالمين [الأنبياء: 28، 29]، وقد فصلنا ذلك فى تفسير سورة البقرة وغيرها ~~مرارا (ومنه أن الشفاعة الثابتة فى الأحاديث غير الشفاعة والوثنية ~~والنصرانية المنفية فى القرآن)، وقد قرر هذه المسألة فى بضع وعشرين آية من ~~السور المكية والمدنية. # فأنت ترى أن القرآن قد بين حقيقة هذه المسألة التى ضل فيها الملايين من ~~البشر فأشركوا PageV01P145 ~~بالله ما لا يضرهم ولا ينفعهم، فهل كان هذا مما استمده محمد صلى الله عليه ~~وسلم من علماء أهل الكتاب، فجادوا به عليه وبخلوا به على أقوامهم؟ أم هو ~~نابع من نفسه وزهو يقتضى أن ما ينبع منها أعلى من وحى الله لغيره على حسب ~~دعوى أتباع هؤلاء الرسل؟ كلا إنما هى من وحى الله تعالى له. ### ||| AUTO 4 - الإيمان بجميع الرسل وعدم التفرقة بينهم: # ومما بينه القرآن فى مسألة الأنبياء والرسل أنه يجب الإيمان بجميع رسل ~~الله تعالى وعدم التفرقة بينهم فى الإيمان، وأن الإيمان ببعضهم والكفر ببعض ~~كالكفر بهم كلهم؛ لأن إضافتهم إلى الله تعالى واحدة، ووظيفتهم فى إرشاد ~~المكلفين رسالته وشرعه واحدة، قال الله تعالى فى خواتيم سورة البقرة: آمن ~~الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ~~لا نفرق بين أحد من رسله [البقرة: 285]، وبين فى سورة [النساء، الآيات: 150 ~~- 152] أن التفرقة بينهم فى الإيمان هى الكفر حق الكفر، وأن الإيمان ~~بالجميع بغير تفرقة هو الإيمان حق الإيمان. # وهذا مبنى على الإيمان بأن دين الله تعالى الذى أرسل به جميع رسله واحد ~~فى أصوله ومقاصده من هداية البشر وإصلاحهم، وإعدادهم لسعادة الدنيا ~~والآخرة، ms115 وإنما كانت تختلف صور العبادات والشرائع باختلاف استعداد الأقوام، ~~ومقتضيات الزمان والمكان، حتى بعث الرسول بالأصول الموافقة لكل زمان ومكان، ~~مع الإذن بالاجتهاد فى المصالح التى تختلف باختلاف الأطوال والأحوال، ~~فالإيمان ببعضهم دون بعض فى رسالتهم الإلهية اتباع للهوى فى الإيمان وجهل ~~بحقيقة الدين، فلا يعتد به، لأنه عين الكفر. # وقد انفرد بهذه الحقيقة العادلة المسلمون دون أهل الملل الوثنية من ~~المجوس والهندوس، ودون أهل الكتاب الذين لا يؤمنون إلا بأنبياء بنى إسرائيل ~~وأبيهم وجدهم، على ما يذكرون فى كتبهم من عيوب ومنكرات وفواحش يرمونهم بها. # وأما المسلمون فيؤمنون بأن رب العالمين أرسل فى كل الأمم رسلا هادين ~~مهديين فهم يؤمنون بهم إجمالا، وبما قصه القرآن عن بعضهم تفصيلا، فقد كرم ~~الإسلام بهذا نوع الإنسان، ومهد به السبيل للألفة والأخوة الإنسانية العامة ~~التى نبينها بعد، فالمسلم صديق ومحب وحبيب لجميع الأنبياء والمرسلين فى ~~الدنيا والآخرة، وتجاه هذا يصح أن يقال: إن غير المسلم عدو لله ولهم كلهم، ~~لأن تكذيبه لبعضهم تكذيب لرسالتهم ولمرسلهم سبحانه. PageV01P146 # وهذه المزية لأمة محمد صلى الله عليه وسلم من المزايا التى كان بها حجة على ~~سائر الأمم، وأهلا لمنصب الإمامة فيها، قال الله تعالى: وكذلك جعلناكم أمة ~~وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا [البقرة: 143]، فهى ~~الوسط العدل فى الإيمان بجميع الرسل وما جاءوا به من أركان الدين الثلاثة ~~(كما بيناه فى المقصد الأول) وفى غير ذلك من الفضائل والأعمال. # وأما شهادتها على الناس فهى تابعة لما كلفته من دعوة جميع الأمم إلى ~~حقيقة دين الرسل التى تلقتها من خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم وحلت محله ~~فى الدعوة إلى ما جاء به من بعده، فهو صلى الله عليه وسلم يشهد عليها يوم ~~القيامة كما يشهد كل رسول على قومه الذين كانوا فى زمانه كما قال الله ~~تعالى: فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا [النساء: 41]. # ومن المعلوم بنص القرآن أن بعض الأنبياء والرسل أفضل من بعض بتخصيص الله ms116 ~~تعالى، وبما كان لكل نبى من عمل فى نفع العباد وهدايتهم، وهى متفاوتة جدا، # قال الله تعالى: تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع ~~بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس [البقرة: ~~253]، ومن المعلوم بالدلائل العقلية والنقلية أن محمدا خاتم النبيين، الذى ~~أكمل الله به الدين وأرسله رحمة للعالمين، هو الذى رفعه الله عليهم كلهم ~~درجات كما بيناه فى تفسير تلك الآية بالإجمال «1»، وفصلناه فى هذا الكتاب ~~أقصد التفصيل. # وأنك لتجد مع هذا أنه صلى الله عليه وسلم قال لأتباعه: «لا تفضلوا بين ~~أنبياء الله» قاله إنكارا على رجل من المسلمين لطم يهوديا لأنه قال: لا ~~والذى اصطفى موسى على البشر فشكاه إلى النبى صلى الله عليه وسلم فغضب غضبا ~~شديدا على صاحبه المسلم، وقاله وبين مزية لموسى عليه الصلاة والسلام فى ~~الآخرة ثم قال: «ولا أقول إن أحدا أفضل من يونس بن متى»، والحديث رواه ~~الشيخان فى الصحيحين، وفى روايات أخرى للبخارى: «لا تخيروا بين الأنبياء»، ~~وفى بعضها: «لا تخيرونى على موسى». والغرض من ذلك كله منع المسلمين من ~~تنقيص أحد من الأنبياء عليهم السلام، ومن التعادى بين الناس لأجلهم، ومن ~~الغلو فيه صلى الله عليه وسلم، وإلا فهو قد قال فى تعليل نهيه عن سؤال أهل ~~الكتاب عن شىء: «والله لو كان حيا بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعنى». أبو ~~يعلى من حديث جابر. PageV01P147 # ذلك بأن مثل الأنبياء كمثل ولاة الأقطار فى مملكة واحدة، أو مثل قواد الجيش ~~فى المعسكرات المتفرقة لدولة محدودة، ومثل خاتمهم صاحب الرسالة العامة كمثل ~~القائد والوالى العام عند إرادة توحيد السياسة والقيادة، وهذا معنى تبشير ~~الأنبياء بمحمد صلى الله عليه وسلم «1»، وأخذ الميثاق عليهم بوجوب الإيمان ~~به ونصره وأتباعه إذا جاءهم فرضا كما نراه فى قوله تعالى: وإذ أخذ الله ~~ميثاق النبيين [آل عمران: 81] «2». PageV01P148 ### ||| AUTO بحث فى الآيات الكونية التى أيد الله بها رسله وما يشبه بعضها ~~من الكرامات، وما يشتبه بها من خوارق ms117 العادات وضلال الماديين والخرافيين فيها # تكلمنا فى الفصل الثانى فى آيات الأنبياء التى تسميها النصارى بالعجائب، ~~ويسميها علماء الكلام منا بالمعجزات، ويعدونها قسما من خوارق العادات، وكان ~~الكلام فيها هنالك للمقابلة والموازنة بين آيات الأنبياء الكونية وآيات ~~خاتمهم الكبرى العلمية العقلية الدائمة وهى القرآن، وتأثير كل فى الاهتداء ~~إلى الإيمان. # ونأتى هنا ببحث آخر فى تلك الآيات، وما يشبهها أو يشتبه بها من الكرامات، ~~وسائر خوارق العادات، وما كان من إصلاح الإسلام لضلال البشر فيها، والصعود ~~بهم إلى أعلى مراقى الإيمان، واللائق بطور الرشد العقلى لنوع الإنسان، ~~والعلم الواسع بسنن الأكوان، الذى منحوه برسالة محمد خاتم النبيين عليه ~~الصلاة والسلام، فنقول: ### |||| AUTO آيات الله تعالى فى خلقه نوعان: # (النوع الأول): الآيات الجارية على سننه تعالى العامة المطردة فى نظام ~~الخلق والتكوين وهى أكثرها وأظهرها وأدلها على كمال قدرته وإرادته، وإحاطة ~~علمه وحكمته، وسعة فضله ورحمته. # (النوع الثانى): الآيات الجارية على خلاف السنن المعروفة للبشر وهى أقلها ~~وربما كانت أدلها عند أكثر الناس على اختياره عز وجل فى جميع ما خلق وما ~~يخلق، وكون قدرته ومشيئته غير مقيدتين بسنن الخلق التى قام بها نظام هذا ~~العالم، فالسنن مقتضى حكمته وإتقانه لكل شىء خلقه، وقد يأتى بما يخالفها ~~لحكمة أخرى من حكمه البالغة، ولولا هذا الاختيار لكان العالم كالآلات التى ~~تتحرك بنظام دقيق لا علم لها ولا إرادة ولا اختيار فيه، كآلة الساعة ~~الصغيرة التى تعرف بها أوقات الليل والنهار. وآلات البواخر والمعامل ~~الكبيرة. # والماديون المنكرون لوجود الخالق، والفلاسفة الذين يسمونه العلة الفاعلة ~~للوجود يعبرون عن هذا النظام (بنظرية الميكانيكية)، وهم يتكلفون اختراع ~~العلل والأسباب لكل ما يرونه مخالفا لسننه المعروفة، ويسمون ما لا يهتدون ~~إلى تعليله من الأمور المخالفة لها بفلتات PageV01P149 ~~الطبيعة، ويقيسون ما لم يظهر لهم تعليله على ما اقتنعوا بتعليل له وإن لم ~~يقم عليه دليل يثبته، ويقولون إن ما لم يظهر لنا اليوم فلا بد أن يظهر لنا ~~أو لمن بعدنا غدا. وهذا دأبهم فى جميع نظرياتهم العلمية ms118 إذ ليس عندهم علم ~~قطعى بشيء منها، وهذا مرادهم من تسميتها بالنظريات، فمعناها المسائل ~~الموضوعة للنظر والبحث والاستدلال «1». ### |||| AUTO سنن الله فى عالم الشهادة وعالم الغيب: # ونحن معشر المؤمنين بعالم الغيب وما فيه من الملائكة- وهم جند الله ~~الأكبر- وما لهم من التأثير والتدبير فى عالم الشهادة المادى بإذن الله ~~تعالى وتسخيره، نعتقد أن لله تعالى سننا فى نظام ذلك العالم غير سننه ~~الخاصة بعالم المادة، وأن الإنسان هو حلقة الاتصال بين العالمين، فجسده ~~ووظائفه الحيوية من عالم الشهادة، وروحه من عالم الغيب، وهو ما دام فى عالم ~~الجسد المادى فإن جميع مداركه تكون مشغولة بعالم المادة وسننها، وحاجاته ~~الشخصية والنوعية منها، فيحجبه ذلك عن عالم الروح الغيبى حتى روحه وهى ~~الفصل المقوم لحقيقته، وإنما يكون الظهور والسلطان للروح على الجسد فى ~~الحياة الآخرة، إلا من اصطفى الله تعالى من رسله وأنبيائه فأعدهم بفضله ~~ورحمته للاتصال بملائكته والتلقى عنهم، وأظهرهم على ما شاء من غيبه ليبلغوا ~~عباده عنه ما أمرهم به، وقد يشرف غيرهم من الأصفياء وأصحاب الرياضات ~~النفسية على بعض الخواص الروحية دون ما يطلع عليه الله أنبياءه ورسله عليهم ~~السلام. ### |||| AUTO الغيب قسمان حقيقى وإضافى: # الغيب: ما غاب علمه عن الناس، وهو قسمان: غيب حقيقى لا يعلمه إلا الله، ~~وغيب إضافى يعلمه بعض الخلق دون بعض لأسباب تختلف باختلاف الاستعداد الفطرى ~~والعمل الكسبى، ومن أظهره الله على بعض الغيب الحقيقى من رسله فليس لهم فى ~~ذلك كسب لأنه من خصائص النبوة غير المكتسبة «2». PageV01P150 # ومن دونهم أفراد من خواص أتباعهم وأوتوا نصيبا من الإشراف على ذلك العالم ~~بانكشاف ما للحجاب، وإدراك ما لشىء من تلك الأنوار، كان بها إيمانهم برسلهم ~~فوق إيمان أهل البرهان. وقد روى عن أمير المؤمنين على كرم الله وجهه أنه ~~قال: «لو كشف الحجاب ما ازددت يقينا». يعنى والله أعلم أن الله قد شرح صدره ~~للإسلام، فكان على نور من ربه بلغ به مقام الاطمئنان، وقد صح عن بعض من ~~دونه من الصحابة فى العلم والعرفان، أنهم ms119 رأوا النور الغيبى بالعيان، ورأوا ~~الملائكة عليهم السلام، فى غير ما كانوا يرون جبريل متمثلا بصورة إنسان. # ومن دون هؤلاء أفراد آخرون قد يكون لهم من سلامة الفطرة، أن معالجة النفس ~~بأنواع من الرياضة، أو من طروء مرض يصرف قوى النفس عن الاهتمام بشهوات ~~الجسد، أو من سلطان إرادة قوية على إرادة ضعيفة تصرفها عن حسها، وتوجه ~~قواها النفسية إلى ما شاءت أن تدركه لقوتها الخاصة بها- قد يكون لهؤلاء ~~الأفراد فى بعض الأحوال من قوة الروح ما يلمحون به بعض الأشياء أو الأشخاص ~~البعيدة عنهم، وتتمثل لهم بعض الأمور قبل وقوعها مرتسمة فى خيالهم فيخبرون ~~بها فتقع كما أخبروا، وثبت هذا وذاك عند بعض الماديين فى هذا الزمان «1». PageV01P151 ### ||| AUTO الخوارق الحقيقية والصورية عند الأمم # إن الأمور التى تأتى فى الظاهر على غير السنن المعروفة. أو الخارقة ~~للعادات المألوفة، منقولة عن جميع الأمم فى جميع العصور نقلا متواترا فى ~~جنسه دون جميع أنواع أو أفراد وقائعه، وليست كلها خوارق حقيقية، فإن منها ~~ما له من أسباب مجهولة للجمهور، وإن منها لما هو صناعى يستفاد بتعليم خاص، ~~وإن منها لما هو من خصائص قوى النفس فى توجيهها إلى مطالبها، وفى تأثير ~~أقوياء الإرادة فى ضعفائها، ويدخل فى هذين المكاشفة فى بعض الأمور والتنويم ~~المغناطيسى، وشفاء بعض المرضى ولا سيما المصابين بالأمراض العصبية التى ~~يؤثر فيها الاعتقاد والوهم، ومنها بعض أنواع العمى والفالج، فإن من الناس ~~من يفقد بصره بمرض يطرأ على أعصاب عينيه وهما صحيحان تلمعان فى وجهه، أو ~~يغشاهما بياض عارض مع بقاء طبقاتهما صحيحة، وليس منه الكمه والعمى الذى يقع ~~بطمس العينين وغئورهما كالذى أبرأه المسيح عليه السلام بإذن الله تعالى. # ومنه انخداع البصر بالتخييل الذى يحذقه المشعوذون، ومنه ما فعله سحرة ~~فرعون المبين بقوله تعالى: فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها ~~تسعى [طه: 66]. # ومنه انخداع السمع كالذى يفعله الذين يدعون استخدام الجن إذ يتكلمون ليلا ~~بأصوات غريبة غير أصواتهم المعتادة فيظن مصدقهم أن ذلك صوت الجنى، وقد ms120 ~~يتكلمون نهارا من بطونهم من غير أن يحركوا شفاههم «1»، فلا ينبغى أن يوثق ~~بشيء من أخبارهم ولا من نقلهم، ومن الدلائل على كذب المنتحلين لهذه الغرائب ~~إنهم جعلوها وسيلة لمعايشهم الدنيئة، وأنهم لو كانوا صادقين فيها لتنافس ~~الملوك وكبار علماء الكون فى صحبتهم والانتفاع بهم. # وقد بينا هذه الأنواع من الخوارق الصورية فى بحث السحر من تفسير سورة ~~الأعراف «2»، وفى المقالات التى عقدناها للكرامات وأنواعها وتعليلها فى ~~المجلد الثانى من المنار، وأتممناها فى المجلد السادس منه. PageV01P152 # إن عوام الشعوب الذين يجهلون تواريخ الأمم، وما وجد عند كل منها من هذه ~~الغرائب، ومما كشفه العلماء من حيل فيها وعلل، يغترون بما عندهم منها، ~~ويخضعون للدجالين والمحتالين الذين ينتحلونها، ويمكنونهم من أموالهم ~~فيسلبونها، ويأتمنونهم على أعراضهم فينتهكونها، ولا سيما إذا كانوا يأتون ~~ما يأتون منها، على أنه من كرامات الأولياء وعجائب القديسين، ويقل تصديق ~~هذا أو الانقياد لأهله حيث ينتشر تعليم التواريخ وما عند جميع الأمم من ~~ذلك، على أنه لا يزال كثيرا فى جميع بلاد أوروبا وأمريكا، ولعله دون ما فى ~~بلاد الشرق ولا سيما القرى وهمج الزنوج وغيرهم. # بيد أن آيات الله الحقيقية التى نسميها المعجزات هى فوق هذه الأعمال ~~الصناعية الغريبة لا كسب لأحد من البشر ولا صنع لهم فيها، وأن ما أيد به ~~رسله منها لم يكن يكسبهم ولا عملهم ولا تأثيرهم، حتى ما يكون بدؤه بحركة ~~إرادية يأمرهم الله تعالى بها، ألم يهد لك كيف خاف موسى عليه السلام حين ~~تحولت عصاه حية تسعى، فولى مدبرا ولم يعقب «1» لشدة خوفه منها، حتى هدأ ~~الله روعه وأمن خوفه؟ أو لم تقرأ قوله لمحمد صلى الله عليه وسلم: وما رميت ~~إذ رميت ولكن الله رمى [الأنفال: 17]؟، أو لم تفهم ما أمره الله تعالى أن ~~يجيب به مقترحى الآيات عليه من قومه بقوله: قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا ~~رسولا [الإسراء: 93]؟، وقوله: قل إنما الآيات عند الله [الأنعام: 109] وما ~~فى معناهما؟!. PageV01P153 ### ||| AUTO الفرق بين المعجزة والكرامة # إن الله تعالى ms121 لم يؤيد رسله بما أيدهم به من المعجزات إلا لتكون حجة لهم ~~على أقوامهم يهدى بها المستعد للهداية، وتحق بها الكلمة على الجاحدين ~~المعاندين فتقع عليهم العقوبة، وذلك لا يكون إلا بإظهارها، فهو واجب لإتمام ~~تبليغ الدعوة التى أرسلوا لتبليغها. وما كان الأنبياء يدعون الله تعالى ~~بشيء من خوارق العادات غير ما يؤيدهم به من الآيات الدالة على صدقهم فى ~~دعوى الرسالة إلا لضرورة كالاستسقاء. # وكان خاتمهم وأكرمهم على الله تعالى يصبر هو وأهل بيته وأصحابه على المرض ~~والجوع والعطش، ولا يدعو لهم صلى الله عليه وسلم بما يزيل ذلك إلا نادرا. ~~وقد سألته المرأة التى كانت تصرع أن يدعو الله لها بالشفاء فأرشدها إلى أن ~~الصبر على مصيبتها خير لها، فشكت إليه أنها تتكشف عند النوبة وسألته أن ~~يدعو لها ألا تتكشف فدعا لها واستجاب الله دعاءه. # وكان المشركون يقترحون عليه الآيات كآيات موسى وعيسى (ع. م)، فيجيبهم ~~بأمر الله تعالى بما هو صريح فى أن الآيات عند الله وهو القادر عليها دون ~~الرسول، ومنه التعجب من طلبهم بقوله تعالى له: قل سبحان ربي هل كنت إلا ~~بشرا رسولا [الإسراء: 93]، وقوله وما فى معناها ما حكاه من جواب الرسل ~~الأولين لأقوامهم الذين كانوا يطالبونهم بمثل ذلك بقوله تعالى: قالت لهم ~~رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده وما كان ~~لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله [إبراهيم: 11]. # والأصل فى الكرامة الإخفاء والكتمان وكثيرا ما يكون ظهورها فتنة للناس. # وما كان أهلها يظهرون ما لهم كسب فيه منها كالمكاشفة إلا لضرورة وقد صرح ~~بهذا محققو العلماء والصوفية، فهو متفق عليه بينهم خلافا للمشهور بين ~~العامة. # قال التاج السبكى فى سياق حجج منكرى جواز وقوع الكرامات من طبقات ~~الشافعية: # «(الحجة الثانية): قالوا لو جازت الكرامة لاشتبهت بالمعجزة، فلا تدل ~~المعجزة على ثبوت النبوة. والجواب منع الاشتباه بقرن المعجزة بدعوى النبوة ~~دون الكرامة، فهى إنما تقترن بكمال اتباع النبى من الولى. وأيضا فالمعجزة ~~يجب على ms122 صاحبها الاشتهار، والكرامة مبناها على الإخفاء، ولا تظهر إلا على ~~الندرة والخصوص لا على الكثرة والعموم. وأيضا فالمعجزة يجوز أن تقع بجميع ~~خوارق العادات، والكرامة تختص ببعضها كما بيناه من كلام القشيرى وهو ~~الصحيح» أ. ه. ثم قال: PageV01P154 # «(الحجة الرابعة): قالوا لو جاز ظهور خوارق العادات على أيدى الصالحين لما ~~أمكن أن يستدل على نبوة الأنبياء بظهورها على أيديهم لجواز أن تظهر على يد ~~الولى سرا فإن من أصول معظم جماعتكم أن الأولياء لا يظهرون الكرامات ولا ~~يدعون بها وإنما تظهر سرا وراء ستور ويتخصص بالاطلاع عليها آحاد الناس ~~ويكون ظهورها سرا مستمرا بحيث لا يلتحق بحكم المعتاد، فإذا ظهر نبى وتحدى ~~بمعجزة جاز أن تكون مما اعتاده أولياء عصره من الكرامات فلا يتحقق فى حقه ~~خرق العادة، فكيف السبيل إلى تصديقه مع عدم تحقق خرق العوائد فى حقه؟ وأيضا ~~تكرر الكرامة يلحقها بالمعتاد فى حق الأولياء وذلك بصدهم عن تصحيح النظر فى ~~المعجزة إذا ظهر نبى فى زمنهم». # وقال فى الجواب: «لأئمتنا وجهان؛ الأول: منع توالى الكرامات واستمرارها ~~حتى تصير فى حكم العوائد، وإنما يجوز ظهورها على وجه لا تصير عادة فلا يلزم ~~ما ذكروه، والثانى: # وهو لمعظم أئمتنا قالوا: إنه يجوز توالى الكرامات على وجه الاختفاء بحيث ~~لا يظهر ولا يشيع ولا يعتاد لئلا تخرج الكرامات عن كونها كرامات» أ. ه. # وأقول: إن المحققين من الصوفية يوافقون علماء الكلام والأصول على منع ~~توالى الكرامات وتكرارها، ومنع إظهارها. # قال الشيخ محيى الدين بن عربى: إن ما يتكرر لا يكون كرامة لأنه يكون عادة ~~وإنما الكرامة من خوارق العادات. # وقال الشيخ أحمد رفاعى: إن الأولياء يستترون من الكرامة كما تستتر المرأة ~~من دم المحيض، وصرحوا بأنها ليست بشرط للولاية ولا دليل عليها. # جهل هذا الأصل المحكم من عقائد الإسلام أدعياء العلم من سدنة القبور ~~والمعبودة وغيرهم، فظنوا أن المعجزات والكرامات أمور كسبية كالصناعات ~~العادية، وأن الأنبياء والصالحين يفعلونها باختيارهم فى حياتهم وبعد مماتهم ~~متى شاءوا، ويغرون «1» الناس بإتيان قبورهم ولو ms123 بشد الرحال إليها، لدعائهم ~~والاستغاثة بهم عندها ليدفعوا أو يرفعوا عنهم نزول البلاء والشدائد التى ~~يعجزون عن دفعها بكسبهم وكسب أمثالهم من البشر بالأسباب العادية- كالأطباء ~~مثلا- ويتقربون إليهم بالنذور والقرابين كما كان المشركون يتقربون إلى PageV01P155 ~~آلهتهم من الأصنام وغيرها، وهم يأكلونها سحتا حراما، ويخبرونهم بأن دين ~~الله تعالى يأمرهم أن يعتقدوا أنهم يقضون حوائجهم، حتى قال بعضهم إنهم ~~يخرجون من قبورهم بأجسادهم ويتولون قضاء الحاجات، وكشف الكربات، ولو كانت ~~كذلك لما كانت من خوارق العادات، وقال بعضهم فى كتاب مطبوع: إن فلانا من ~~الأقطاب يميت ويحيى، ويسعد ويشقى، ويفقر ويغنى. بل قالوا وكتبوا ما هو أبعد ~~من ذلك عن نصوص الكتاب والسنة القطعية المحكمة، والعقائد المجمع عليها ~~المعلومة من الدين # بالضرورة فى الأصل، وما كان عليه مسلمو القرون الأولى، فصارت بانتشار ~~الخرافات والجهل من الكرامات. التى تؤول وتحرف لأجلها الآيات المحكمات. وقد ~~فصلنا هذا فى تفسير المنار مرارا ونجمله فيما يأتى: PageV01P156 ### ||| AUTO الكافرون بالآيات صنفان: مكذبون ومشركون، وعلاج كل منهما # الكافرون بآيات الله تعالى صنفان؛ صنف: يكذبها كلها ولا يؤمنون بشيء ~~منها، وصنف: يشرك بالله غيره فيها فينحله ما هو خاص به عز وجل لا يقدر عليه ~~سواه بدعوى أن الله تعالى هو الذى أعطاهم القدرة الغيبية على ذلك وصرفهم فى ~~العالم كرامة لهم. # أى: هو الذى أشركهم معه، كما كان المشركون يقولون فى حجهم: (لبيك لا شريك ~~لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما تملك)، وإنما يتحامون ألفاظ العبادة والشرك ~~والخلق دون معانيها. فيكذبون على الله تعالى وعليهم بما يكذبهم به كتابه ~~المنزل، ونبيه المرسل، ولكنهم يؤولون ما هو حجة عليهم، ويحرفون ما هو شبهة ~~لهم، فيحتجون به على جهلهم، كآية: # لهم ما يشاؤن عند ربهم [الزمر: 34]، وهى كأمثالها فى جزاء جميع المؤمنين ~~المتقين فى الآخرة، ويذكرون أن الله كان يرزق مريم عليها السلام بغير حساب، ~~وما كان رزقها من فعلها، ولا يدرى أحد كيف سخره الله لها ويذكرون وحيه إلى ~~أم موسى بإرضاعه وإلقائه فى اليم، وما هو من ms124 فعلها أيضا، وقد قيل بنبوتها، ~~ويذكرون عرش ملكة سبأ وهو من آياته تعالى لنبيه سليمان، وليس فى الآية ~~تصريح برؤيته مستقرا عنده كيف كانت، فقيل إن الذى جاء به جبريل، وقيل ملك ~~آخر، وقيل ولى وهو وزير سليمان، وهذا من الإسرائيليات غير المعقولة. # إن إفساد هؤلاء الخرافيين للبشر فى دينهم ودنياهم لأشد من إفساد المنكرين ~~للآيات المكذبين بها، ذلك بأنهم هم أكبر أسباب هذا الإنكار والتكذيب، ~~وبزعمهم أن الأنبياء ومن دونهم من الصالحين يتصرفون فى الخلق بما يخالف سنن ~~الله تعالى فيه أو يبدلها بغيرها ويحولها عما وضعت له، وزعمهم أن الله هو ~~الذى دعا الناس إلى هذا الاعتقاد وجعله أساس دينه، فكذبوا بالدين من أساسه، ~~فدعوى تصرف الأنبياء والصالحين فى الكون قول على الله بغير علم، وافتراء ~~على الله بكونه شرعا لم يأذن به الله، وهو أشد أنواع الكفر بالله لأن ضرره ~~متعد بما فيه من إضلال الناس باعتقاد باطل يتبعه عبادة باطلة غير مشروعة. PageV01P157 ### ||| AUTO علاج خرافات تصرف الأولياء فى الكون: # أما الذين يشركون بالله فى عبادته بجهلهم لآياته وتقليد أمثالهم من ~~الجاهلين فى خرافاتهم، فلا علاج لهم إلا تعليمهم توحيد الله الخالص فى ~~ربوبيته وألوهيته بآيات القرآن، دون نظريات كتب الكلام، وتعليمهم وظائف ~~الرسل، وكونهم بشرا اختصهم الله تعالى بوحيه لتبليغ عباده ما ارتضاه لهم من ~~الدين بالقول والعمل، وحصر اختصاصهم بالتعليم والإرشاد تبشيرا وإنذارا، ~~وتنفيذ أحكام شرعه فيهم بالعدل والمساواة، ولم يؤتهم من التصرف الفعلى فى ~~خلقه ما يقدرون به على هداية أقرب الناس وأحبهم إليهم بالطبع كالوالد ~~والولد والزوجة ومن دونهم من أولى القربى، فوالد إبراهيم الخليل عاش كافرا ~~ومات كافرا عدوا لله ورسوله وخليله، وولد نوح أول الرسل إلى الأمم مات ~~كافرا ولم يأذن الله تعالى لنوح بحمله فى السفينة فكان من الكافرين ~~المغرقين، وكان أبو لهب عم محمد- حبيب الله ورسوله- أشد أعدائه الصادين عنه ~~المؤذين له، وأنزل الله فى ذمه ووعيده سورة من القرآن يتعبد بها المؤمنون ~~إلى يوم القيامة لم ينزل مثلها فى ms125 أحد من أعدائه وأعداء رسوله صلى الله ~~عليه وسلم. بل كان من كمال حكمة الله تعالى أن عمه الذى كفله ورباه وكف عنه ~~أذى المشركين ما استطاع لم يؤمن به وقد عرض عليه أن ينطق بكلمة «لا إله إلا ~~الله» ليشهد له بها يوم القيامة فامتنع فأنزل الله تعالى فيه: إنك لا تهدي ~~من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء [القصص: 56] رواه مسلم فى صحيحه. وقد ~~شرحنا هذا الموضوع فى تفسير قوله تعالى: وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر ~~[الأنعام: 74] .. الآيات «1»، ثم بينا فى خلاصة هذه السورة (الأنعام) وظائف ~~الرسل عليهم السلام بما يحسن أن يراجعه من يحب استيفاء هذا الموضوع «2»، ~~وإذا كان الأنبياء والمرسلون لم يؤتوا القدرة على التصرف فى الكون فكيف ~~يؤتاه الأولياء وغيرهم؟!. PageV01P158 ### ||| AUTO المنكرون للمعجزات وشبهة الخوارق الكسبية عليها # وأما المنكرون للآيات فلا يمكن أن تقوم عليهم الحجة إلا بالقرآن كما تقدم ~~فهم لا يصدقون ما ينقله اليهود والنصارى من آيات موسى وعيسى وغيرهما من ~~النبيين (ع. م)، ولا يسلمون صحة تواترها، إذ يقيسون نقلهم لها على ما ينقله ~~العوام فى كل عصر عن بعض المعتقدين فى بلادهم من الخوارق الخادعة التى ~~مثارها الوهم والتخيل، ويحتجون على ذلك بأن يوسيفوس المؤرخ اليهودى المعاصر ~~للمسيح (ع. م) لم ينقل للناس أخبار عجائبه التى تقصها الأناجيل التى ألفت ~~بعده. ويعللونها على تقدير صحة النقل بما يعللون به الخوارق الصورية التى ~~يشاهدونها فى كل عصر، فإن لم يستطيعوا تعليلها قالوا إنه لا بد لها من سبب ~~كسبى يظهر لنا أو يعترف به فاعلوها كما وقع فى أمثالها من صوفية الهندوس ~~(الفقراء) كالارتفاع فى الهواء وغير ذلك مما هو أغرب منه (كما بيناه فى ~~الكلام على عجائب المسيح من الفصل الثانى). ### |||| AUTO أعجوبة من خوارق الهنود # روت إحدى الجرائد المصرية فى هذه الأيام «1» من أخبار سائحى الإفرنج فى ~~الهند حادثة لفقير من هؤلاء الفقراء اسمه سارجو هاردياس وقعت فى سنة 1837، ~~خلاصتها أن هذا الفقير جاء قصر المهراجا رانجيت سنجا أمير بنجاب ms126 وعرض عليه ~~أن يريه بعض كراماته وكان المهراجا لا يصدق ما ينقل من خوارق هؤلاء ~~الفقراء، فسأله عما يريد إظهاره فقال إنه يدفن أربعين يوما ثم يعود إليهم ~~حيا، فأحضر المهراجا نفرا من أطباء الانكليز والفرنسيس وأمراء بنجاب فجلس ~~الفقير القرفصاء أمامهم فكفنوه بعد أن وضعوا القطن والشمع على أذنيه وأنفه- ~~كما أوصاهم- وخاطوا عليه الكفن ووضعوه فى صندوق من الخشب السميك وسمروا ~~غطاءه ووضع المهراجا عليه ختمه، ودفنوه فى قبو داخل حجرة صغيرة فى حديقة ~~القصر وأقفلوا بابها ووضع المهراجا ختمه بالشمع على قفلها، وأمر اثنين من ~~رجال حرسه الأمناء بحراستها وطائفة من جنده بمعاونتهما، وكان ذلك كله بمشهد ~~من حضر من الأوربيين والبنجابيين وحاشية المهراجا. PageV01P159 # ولما تمت الأربعون حضر هؤلاء كلهم قصر المهراجا وشاهدوا ختم الحجرة كما ~~كان، والعشب أمامها فى الحديقة لم تطأه قدم أحد، ثم فتحوا باب الحجرة ~~وامتحنوا أختام القبو ثم أخرجوا الصندوق وامتحنوا أختامه فوجدوها كلها على ~~حالها، ففتحوه وأخرجوا الفقير منه فإذا هو كما وصفه أحد أولئك من الانكليز قال: # لما فتحوا الصندوق وأخرجوا الفقير منه وجدت الذراعين والساقين صلبة ~~والرأس مائلا على إحدى الكنفين فخلتنى أمام جثة هامدة فارقتها الحياة منذ ~~أمد بعيد، فطلبت من طبيبى أن يفحصها فانحنى عليها وجس القلب والصدغين ~~والذراعين وقال: إنه لم يجد أثرا للنبض البتة ولكنه شعر حرارة فى منطقة ~~الدماغ إلخ. # ثم نفذ ما أوصى الفقير أن يعمل بعد إخراجه فغسل بالماء الحار فرد على ~~الأوصال لينها السابق بالتدريج، وأزيل القطن والشمع عن الأذنين والأنف ~~ووضعت أكياس دافئة على الرأس فدبت الحياة فى الجسد المسجى، وتقلصت الأعصاب ~~والأطراف ثم اضطربت فسال منها عرق غزير وعادت الأعضاء إلى حالتها الأولى، ~~وبعد دقائق اتسعت حدقتا العينين وعاد إليهما لونهما الطبيعى، فلما رأى ~~الفقير المهراجا شاخصا إليه دهشا متحيرا قال له: # أرأيت يا مولاى صدق قولى وفعلى؟ وبعد نصف ساعة خرج من التابوت وأنشأ يحدث ~~الحاضرين أحسن حديث ويطرفهم بما يحير العقول أ. ه. # إن هذه الحادثة من آيات الله ms127 التى أظهرتها الرياضة المكتسبة، وهى أعجب من ~~رواية الإنجيل لموت ليعازر ثم حياته بدعاء المسيح بعد أربعة أيام- كما تقدم ~~فى بحث عجائبه (ع. م) - وأغرب من حادثة أصحاب الكهف أيضا من بعض الوجوه فإن ~~الفقير الهندى قد سد أنفه، ولف فى كفن، ووضع فى تابوت دفن تحت الأرض، فحيل ~~بينه وبين الهواء الذى لا يعيش أحد بدونه عادة، وأهل الكهف ناموا فى فجوة ~~واسعة من كهف بابه إلى الشمال مهب الهواء اللطيف، وكانت الشمس تصيب مدخله ~~من جانبيه عند شروقها وعند غروبها مائلة متزاورة عنهم، فتلطف هواءه من حيث ~~لا تصيبهم، وإنما كان أكبر الغرابة فى نومهم طول مدة لبثهم فيه، وكانت ~~طويلة جدا حتى على نقل البيضاوى وغيره من المفسرين أن قوله تعالى: ولبثوا ~~في كهفهم ثلاث مائة سنين [الكهف: 25] الآية- حكاية عن بعض المختلفين فى ~~أمرهم، فإن كان خلافا ظاهر السياق فقد يقويه قوله تعالى فى الآية بعدها: # قل الله أعلم بما لبثوا [الكهف: 26]، والله أعلم بكل حال على كل حال، وإن ~~خفى سر آياته على خلقه، ولا شىء من الأمرين بمحال، وقد نام بعض أهل العصر ~~بمرض النوم عدة أشهر. PageV01P160 # ولكن ما جرى للفقير الهندى مخالف لسنة الحياة العامة فى الناس، فإذا ثبت ~~أنه وقع بطريقة كسبية من طريق رياضة هؤلاء الصوفية لأبدانهم وأنفسهم بما ~~تبقى به الحياة كامنة فى أجسادهم مثل هذه المدة الطويلة مع انتفاء أسبابها ~~العامة فى أحوال الناس الاعتيادية من دورة الدم والنفس وغير ذلك، فلا وجه ~~لاتخاذ أحد من العقلاء إنكار كل ما يخالف السنن العامة قاعدة عامة، ولا ~~سيما فعل الخالق عز وجل لها وهو خالق كل شىء بقدرته، وواضع نظام السنن ~~والأسباب بمشيئته، وأكثر منكرى الخوارق يؤمنون به، وإنما ينكرون وقوع شىء ~~مخالف لسننه بأنه مناف لحكمته، ومن ذا الذى أحاط بحكمه أو بسننه علما؟ # وإنما الذى يقضى به العقل أن لا نصدق بوقوع شىء على خلاف السنن الثابتة ~~المطردة فى نظام الأسباب العامة إلا إذا ثبت ثبوتا قطعيا لا يحتمل ms128 التأويل، ~~وهذا هو المعتمد عند المحققين من المسلمين وعلماء المادة وعلماء النفس ~~وغيرهم، وقد ثبت فى هذا العصر من خواص الكهرباء وغيرها ما لو قيل لعقلاء ~~الناس وحكمائهم قبل ثبوته بالفعل إنه من الممكنات، لحكموا على مدعى مكانه ~~بالجنون لا بتصديق الخرافات كما قلنا من قبل «1». ### |||| AUTO المعجزات قسمان: تكوينية، وروحانية تشبه الكسبية # المعجزات كلها من الله تعالى لا من كسب الأنبياء كما نطق به القرآن ~~الكريم، ولكنها بحسب مظهرها قسمان: قسم لا يعرف له سنة إلهية يجرى عليها ~~فهو يشبه الأحكام الاستثنائية فى قوانين الحكومات، وأما ما يكون بإرادة ~~سنية من الملوك لمصلحة خاصة- ولله المثل الأعلى- وقسم يقع بسنة إلهية ~~وروحانية لا مادية. # أما المأثور من آيات الله التى أيد بها موسى (ع. م) وأثبتها القرآن له ~~كالآيات التسع بمصر فهى من القسم الأول، ولم يكن شىء منها بكسب له حقيقى ~~ولا صورى، وكذلك الآيات الأخرى التى ظهرت فى أثناء خروجه ببنى إسرائيل ومدة ~~التيه، بل كل ذلك كان بفعل الله بدون سبب كسبى لموسى (ع. م) إلا ما يأمره ~~الله تعالى به من ضرب البحر أو الحجر بعصاه التى هى آيته الكبرى. ولم ينقل ~~عن أحد من الأنبياء آية كهذه الآيات فضلا عمن دونهم، ولا هى مما يحتمل أن ~~يكون بسبب من الأسباب الروحية التى # تكون لأحد من الناس بالرياضة وتوجيه الإرادة أو خواص المادة وقواها. # وأما المسيح (ع. م) فالآيات التى أيده الله تعالى بها- على كونها خارقة ~~للعادات PageV01P161 ~~الكسبية وعلى خلاف السنن المعروفة للناس- قد يظهر فيها أنها كلها أو جلها ~~حدث على سنة الله فى عالم الأرواح كما كان خلقه كذلك، فقد حملت أمه به ~~بنفخة من روح الله عز وجل فيها (وهو الملك جبريل عليه السلام) كانت سبب ~~علوقها به بفعلها فى الرحم ما يفعل مسيح الرجل بقدرة الله عز وجل، فلا غرو ~~إن كانت مظاهر آياته أعظم من مظاهر سائر الروحانيين من الأنبياء والأولياء ~~كالكشف وشفاء بعض المرضى وغير ذلك من التأثير فى المادة الذى اشتهر ms129 عن كثير ~~منهم، والفرق بينه وبين الروحانيين من صوفية الهنود والمسلمين أن روحانيته ~~عليه السلام أقوى وأكمل، وأقدس وأفضل، وإنها لم تكن بعمل كسبى منه. بل من ~~أصل خلق الله عز وجل إياه بآية منه كما قال الله تعالى: والتي أحصنت فرجها ~~فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين [الأنبياء: 91]، وقال: # وجعلنا ابن مريم وأمه آية [المؤمنون: 50]، فآيتهما هى الحمل به وخلقه ~~بنفخ الروح الإلهى. لا بسبب التلقيح البشرى، ولا بما قيل من احتمال وجود ~~مادتى الذكورة والأنوثة فى رحمها كوجودها فى بعض الأحياء الدنيا. # وأعظم آياته الروحانية التى أثبتها له التنزيل ولم ينقلها مؤلفو الأناجيل ~~الأربعة وروى أنها منصوصة فى إنجيل الطفولة الذى نبذته المجامع الكنسية قبل ~~البعثة المحمدية ففقد من العالم) هى أنه كان يأخذ قطعة من الطين فيجعلها ~~بهيئة طير فينفخ فيه (أى من روحه) فيكون طيرا بإذن الله تعالى ومشيئته، ~~والمروى أنه كان يطير قليلا ويقع ميتا، ودون هذا إحياء الميت الصحيح الجسم ~~القريب العهد بالحياة فإن توجيه سيال روحه القوى إلى جثة الميت مع توجيه ~~قلبه إلى الله عز وجل ودعائه كاد يكون سببا روحانيا لإعادة روحه إليه بإذن ~~الله ومشيئته، كما يمس النور ذبال السراج المنطفئ فتشتعل، أو كما يتصل ~~السلك الحامل للكهربائية الإيجابية بالسلك الحامل للكهربائية السلبية بعد ~~انقطاعها فيتألق النور منهما، وما ينقل عن صوفية الهنود إعادة الحياة إلى ~~ميت مؤقتا فهو إن صح مكسوب بالرياضة، وقد ثبت عن بعض أطباء هذا العصر إعادة ~~الحياة الحيوانية إلى فاقدها عقب فقدها بعملية جراحية أو بمعالجة للقلب. # ومن دون هذا وذاك شفاء بعض الأمراض ولا سيما العصبية سواء أكان سببها مس ~~الشيطان وتلبسه بالمجنون كما فى الأناجيل أم غيره، فإن الشيطان روح خبيث لا ~~يستطيع البقاء مع توجيه الروح الطاهر الذى هو شعلة من روح القدس جبريل عليه ~~السلام واتصاله بمن تلبس به، وقد وقع مثل هذا لشيخ الإسلام ابن تيمية وغيره ~~من الروحانيين حتى أن PageV01P162 ~~تلميذه العلامة المحقق ابن القيم ذكر أنه ms130 أرسله أو رجلا آخر إلى مصروع ~~وخاطب الجنى الذى فيه بقوله: الشيخ يأمرك أن تخرج، فخرج وشفى الرجل فى ~~الحال، وما من مرض عصى أو غيره إلا وهو ضعف فى الحياة حقيق بأن يزول باتصال ~~هذا الروح بالمصاب به وبما دونه من تأثير النفس. # ومن دون هذا وذاك المكاشفات المعبر عنها فيما حكاه تعالى عنه «1» بقوله: ~~وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم [آل عمران: 49]، وقد أنبأ غيره من ~~أنبياء بنى إسرائيل وغيرهم، وكذا غيرهم من الروحانيين ولا سيما صالحى أمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم بما هو أعظم من هذا من الأمور المستقبلة ولكنها ~~درجات متفاوتة فى القوة والضعف، وطول المدة وقصرها، والثقة بالمرئى وعدمها، ~~وإدراك الحاضر الموجود، والغائب المفقود، وما كان فى الأزمنة الماضية، وما ~~يأتى فى الأزمنة المستقبلة، فأعلاها خاص بالأنبياء إذا لم يوجد ولن يوجد ~~بشر يعلم بالكشف ما وقع منذ القرون الأولى كأخبار القرآن من الرسل الأولين ~~مع أقوامهم، أو ما يقع بعد سنين فى المستقبل كإخباره عن عودة الكرة للروم ~~على الفرس، وإخباره صلى الله عليه وسلم بفتح الأمصار واتباع الأمم لأمته، ~~ثم بتداعيهم عليها كما يتداعى الآكلون إلى قصعة الطعام، وقد أخبر بعض ~~أصحابه بأعيانهم بما يقع من ذلك فى زمنهم كسقوط ملك كسرى، وسنعقد فصلا خاصا ~~بأخبار الغيب فى القرآن والحديث فى الجزء التالى كما وعدنا فى فاتحة هذه ~~الطبعة، ومن المكاشفات الثابتة فى هذا العصر ما يسمونه قراءة الأفكار، وقد ~~شاهدنا من فعله، ومنها مراسلة الأفكار كما تقدم. # فتبين بهذا وذاك أن آيات الله تعالى المشهور لموسى (ع. م) بمحض قدرته ~~تعالى دون سننه الظاهرة فى قواه الروحية، وأن آياته لعيسى (ع. م) بخلاف ~~ذلك، والنوع الأول أدل على قدرة الله تعالى ومشيئته واختياره فى أفعاله فى ~~نظر البشر لبعدها عن نظام الأسباب والمسببات التى تجرى عليها أفعالهم PageV01P163 ### ||| AUTO عبادة بعض الناس للمسيح وللأولياء دون موسى # وإنما عبد بعض البشر عيسى واتخذوه إلها ولم يعبدوا موسى كذلك وآياته أعظم ~~لأنهم جهلوا ms131 أن آيات عيسى جارية على سنن روحية عامة قد يشاركه فيها غيره ~~فظنوا أنه يفعلها بمحض قدرته التى هى عين قدرة الخالق سبحانه لحلوله فيه ~~واتحاده به بزعمهم، وآيات موسى بمحض قدرة الله وحده، ولم يفطنوا لاتباع ~~عيسى لموسى فى # شرعه (التوراة) إلا قليلا مما نسخه الله على لسانه؛ من إحلال بعض ما حرم ~~عليهم بظلمهم عقوبة لهم، ومن تحريم ما كانوا عليه من الغلو فى عبادة المال ~~والشهوات. # ومثل النصارى فى هذا من يفتنون من المسلمين بعبادة الصالحين بدعائهم فى ~~الشدائد لاعتقادهم أنهم يدفعون عنهم الضر، ويجلبون لهم النفع بالتصرف ~~الغيبى الخارج عن سنن الله فى الأسباب والمسببات الداخل عندهم فى باب ~~الكرامات، وهو خاص بالرب تعالى، ولكنهم لا يطلقون على أحد منهم اسم الرب ~~ولا الإله ولا الخالق. إذ الأسماء اصطلاحية، وإنما الفرقان بين الخالق ~~والمخلوق والرب والمربوب أن الرب الخالق هو القادر على النفع والضر لمن ~~يشاء وصرفهما عمن يشاء بما يسخره من الأسباب وبدونها إن شاء، وأن المخلوق ~~المربوب هو المقيد فى أفعاله الكسبية الاختيارية فى النفع والضر بسنن الله ~~تعالى فى الأسباب والمسببات التى سخرها تعالى لجميع خلقه، ولكنهم يتفاوتون ~~فى العلم والعمل بها كما يتفاوتون فى الاستعداد لها بقوى العقل والحواس ~~والأعضاء، وفى وسائلها، وقد بلغ البشر بالعلم والعمل الكسبيين من المنافع ~~ودفع المضار ما لم يعهد مثله لأحد من خلق الله قبلهم لا الأنبياء ولا غيرهم ~~لأن الأنبياء المرسلين لم يبعثوا لهذا، وإنما بعثوا لهداية الناس إلى معرفة ~~الله وعبادته وتهذيب أخلاقهم بها، فمنافع الدنيا لا تطلب منهم أحياء ولا ~~أمواتا، وإنما تطلب من أسبابها، وما وراء الأسباب لا يقدر عليه إلا الله عز ~~وجل وقد قتل الظالمون بعض الأنبياء والأولياء، وآذوا بعضهم بضروب من ~~الإيذاء، ولم يستطيعوا أن يدفعوا عن أنفسهم، ولذلك تكرر فى القرآن الحكيم ~~نفى هذا النفع والضرر عن كل ما عبدوا من دون الله بالذات أو بالشفاعة عند ~~الله تعالى كما قال: ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ms132 ولا ينفعهم ويقولون ~~هؤلاء شفعاؤنا عند الله [يونس: 18]، ومثلها آيات. وأمر خاتم رسله أن يعلم ~~الناس ذلك كما فعل من قبله من الرسل فقال: قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا ~~إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن ~~أنا إلا نذير وبشير لقوم PageV01P164 ~~يؤمنون [الأعراف: 188]، وقال تعالى: قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا ~~[الجن: 21]، وقد فصلنا هذه المسألة مرارا. # ونلخص الموضوع هنا فى المسائل الآتية: (1) أن الله تعالى قد أتقن كل شىء ~~خلقه فجعله بإحكام ونظام لا تفاوت فيه، ولا اختلال، وسنن مطردة ربط فيها ~~الأسباب بالمسببات، فمخلوقاته العليا والسفلى. هى مظهر أسمائه الحسنى ~~وصفاته العلى، ولهذا قال حجة الإسلام الغزالى: ليس فى الإمكان أبدع مما ~~كان، وهذا النظام المطرد فى الأكوان، والثابت بالحس والعقل ونصوص القرآن- ~~هو البرهان الأعظم على وحدانية خالق السموات والأرض: لو كان فيهما آلهة إلا ~~الله لفسدتا [الأنبياء: 22]. # (2) إن سنن الله تعالى فى إبداع خلقه ونظام الحركة والسكون والتحليل ~~والتركيب فيه لا يحيط بها علما غيره عز وجل، وكلما ازداد البشر فيها نظرا ~~وتفكرا واختيارا وتدبرا وتجربة وتصرفا، ظهر لهم من أسرارها وعجائبها ما لم ~~يكونوا يعلمون ولا يظنون، ومن منافعها ما لم يكونوا يتخيلون ولا يتوهمون. # وها نحن أولاء نرى مراكبهم الهوائية من تجارية وحربية تحلق فى الجو، حتى ~~تكاد تبلغ محيط الهواء، وبعض مراكبهم البحرية تغوص فى لجج البحار، ونراهم ~~يتخاطبون من مختلف الأقطار، كما نطق الوحى بتخاطب أهل الجنة مع أهل النار، ~~فيسمع أهل المشرق أصوات أهل المغرب، وأهل الجنوب حديث أهل الشمال وخطبهم ~~وأغانيهم، قبل أن يسمعها بعض أهل البلد أو المكان الذى يصدر عنه الكلام ~~«1»، وقد يغمز أحدهم زرا كهربائيا فى قارة أوروبا فتتحرك بغمزته آلات عظيمة ~~فى قارة أخرى فى طرفة عين، وبينهما المهامة الفيح، والجبال الشاهقة، ومن ~~دونهما البحار الواسعة، والجاهلون بهذه السنن الإلهية، والفنون العملية، لا ~~يزالون يلجئون فى طلب المنافع ودفع المضار من غير طريق الأسباب- التى ضيق ms133 ~~الجهل عليهم سبلها- إلى قبور الموتى من الصالحين المعروفين والمجهولين، ~~ليقضوا لهم حاجاتهم، ويشفوا مرضاهم، ويعينوهم على أعدائهم، بل ينتقموا لهم ~~من أصدقائهم الذين عادوهم بغيا وفسادا. من زوج وقريب وجار ووطنى، وأعداؤهم ~~فى دينهم ووطنهم من الأجانب قد سادوا حكومتهم، واستذلوا أمتهم، واستأثروا ~~بجل ثروتهم، ولا يتصرف فيهم هؤلاء الأولياء بما يدفع عن المسلمين ضررهم ~~وإذلالهم!!. PageV01P165 # (3) إن الأصل فى كل ما يحدث فى العالم أن يكون جاريا على نظام الأسباب ~~والمسببات، وسنن الله التى دل عليها العلم، وأخبرنا الوحى بأنه لا تغيير ~~فيها ولا تبديل لها ولا تحويل، فكل خبر عن حادث يقع مخالفا لهذا النظام ~~والسنن فالأصل فيه أن يكون كذبا اختلقه المخبر الذى ادعى شهوده، أو خدع به ~~ولبس عليه فيه، فإن كان قد وقع فلا بد أن يكون له سبب من الأسباب الخفية ~~التى يجهلها المخبر، كما حققه علماء الأصول فى بحث الخبر وما يقطع بكذبه منه. # (4) إن آيات الله التى تجرى على غير سننه الحكيمة فى خلقه لا يثبت العلم ~~بها إلا بدليل قطعى. وقد كان من حكمته أن أيد بعض النبيين المرسلين بشيء ~~منها لإقامة حجتهم وتخويف المعاندين لهم، وقد انقطعت هذه الآيات ببعثة ~~خاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم وسبب ذلك أو حكمته ختم النبوة برسالته .. ~~وجعل ما أوحاه إليه آية دائمة، وهداية عامة لجميع البشر مدة بقائهم فى هذه ~~الدنيا، وأنزل عليه: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين [الأنبياء: 107]، لعلمه ~~تعالى بأنهم لا يحتاجون بعد الوحى إلى وحى آخر، ولا إلى آية على أنه من عند ~~الله تعالى إلا هذا القرآن نفسه، وهذا الكتاب فى جملته وتفصيله مشتمل على ~~كثير من الدلائل العقلية العلمية على كونه من عنده، كما فصلنا من قبل، ~~ونزيده بيانا فيما بعد. # وقد ادعى الباب والبهاء والقاديانى الوحى فى القرنين الأخيرين فجاءوا ~~بأسخف ما عزا إلى مسيلمة الكذاب، وسأورد نماذج من وحيهم الشيطانى فى الجزء ~~الثانى من هذا الكتاب مما فيه عبرة لأولى الألباب. ### ||| AUTO ختم النبوة وانقطاع الخوارق بها ms134 ومعنى الكرامات # (5) لو كان للبشر حاجة بعد القرآن ومحمد صلى الله عليه وسلم إلى الآيات ~~كما يدعى المفتونون بالكرامات ومخترعو الأديان والنحل الجديدة لما كان ختم ~~النبوة، وقد بلغ من غلو مارقة الصوفية الروحانية أن امتروا فى ختم النبوة ~~«1»، فانكروه أو تألوه لا دعائهم نوعا منها، ومنهم من ابتدع اسما أو وصفا ~~للنبوة التى ادعوها وهو النبوة الظلية وفتن بفتنتهم البابية والبهائية، حتى ~~عبدوا الباب والبهاء إذا ادعيا الألوهية، وفتن بها (غلام أحمد القاديانى) ~~فادعى النبوة والمسيحية له ولخلفائه بلا انقطاع، حتى سامها المرتزقة منهم ~~والرعاع. PageV01P166 # وقد بين شيخنا الأستاذ الإمام فى رسالة التوحيد كيف ارتقى التشريع الدينى ~~فى الأمم بارتقاء نوع الإنسان فى الإدراك والعقل كارتقاء الأفراد من طفولة ~~إلى شباب إلى كهولة حتى بلغ فيها رشده واستوى، وصار يدرك بعقله هذه الهداية ~~العقلية العليا (هداية القرآن) بعد أن كان لا سبيل إلى إذعانه لتعليم ~~الوحى، إلا ما يدهش حسه ويعى عقله من آيات الكون (يعنى أنه بلغ هذا الرشد ~~فى جملته واستعداد كثير من أفراده لا كلهم ولا أكثرهم). # بين فى الكلام على وجه الحاجة إلى الرسالة أن سمو عقل الإنسان وسلطانه ~~على قوى الكون الأعظم بما هى مسخرة له تنافى خضوعه واستكانته لشىء منها. ~~إلا ما عجز عن إدراك سببه وعلته، واعتقد أنه من قبل السلطان الغيبى الأعلى ~~لمدبر الكون ومسخر الأسباب فيه. فكان من رحمة الله تعالى به «أنه أتاه من ~~أضعف الجهات فيه وهى جهة الخضوع والاستكانة فأقام له من بين أفراده مرشدين ~~هادين، وميزهم من بينها بخصائص فى أنفسهم لا يشركهم فيها سواهم، وأيد ذلك ~~زيادة فى الإقناع بآيات باهرات تملك النفوس، وتأخذ الطريق على سوابق ~~العقول، فيستخذى الطامح، ويذل الجامع، ويصدم بها عقل العاقل فيرجع إلى ~~رشده، وينبهر لها بصر الجاهل فيرتد عن غيه». # ثم قال فى رسالة محمد صلى الله عليه وسلم: نبى صدق الأنبياء ولكنه لم يأت ~~فى الإقناع برسالته بما يلهى الأبصار، أو يحير الحواس، أو يدهش المشاعر، ~~ولكن طالب ms135 كل قوة بالعمل فيما أعدت له واختص العقل بالخطاب، وحاكم إليه ~~الخطأ والصواب وجعل فى قوة الكلام، وسلطان البلاغة، وصحة الدليل. مبلغ ~~الحجة وآية الحق الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من ~~حكيم حميد [فصلت: 42]. ### ||| AUTO لا يمكن إثبات معجزات الأنبياء إلا بالقرآن # (6) إنه لا يمكن إثبات معجزات الأنبياء فى هذا العصر بحجة لا يمكن لمن ~~عقلها ردها إلا هذا القرآن العظيم، وما ثبت فيه بالنص الصريح منها، أقول ~~هذا اتجاه إنكار العلماء الواقفين على كتب الأديان التى قبل الإسلام- حتى ~~كتب اليهود والنصارى- وعلى تواريخها لتواتر ما ذكر فيها من الآيات ~~واشتباههم فى كونها خوارق حقيقية، وفى كون الخوارق تدل على نبوتهم، وحجتهم ~~على الأول: أن التواتر الذى يفيد العلم القطعى غير متحقق فى نقل شىء منها، ~~وهو نقل الجمع الكثير الذى يؤمن تواطؤهم على الكذب لخبر أدركوه بالحس وحمله ~~عنهم مثلهم قرنا بعد قرن، وجيلا بعد جيل بدون انقطاع، وإنما يكون PageV01P167 ~~استحالة تواطؤهم على الكذب بأمور أهمها عدم التحيز والتشيع لمضمون الخبر ~~وعدم تقليد بعضهم لبعض فيه، وآية صحة هذا التواتر حصول العلم القطعى به ~~وإذعان النفس له، وعدم إمكان رده اعتقادا ووجدانا، وهذا غير حاصل فى رواية ~~آيات الأنبياء الأولين عندهم، بل زعم بعض علماء الإفرنج أن قصة المسيح ~~وضعية خيالية لا واقعة حقيقية، ولها أمثال فى التاريخ. وتقدم الكلام فى ~~آياته والمراد فيها. # وشبهتهم على الثانى: أن وقوع الخوارق المذكورة لا يدل على النبوة ~~والرسالة كما بيناه فى الكلام على الآيات والخوارق وإثبات النبوة من أواخر ~~الفصل الثانى. # وأما آية القرآن فهى باقية ببقائه إلى يوم القيامة، وكل واقف على تاريخ ~~الإسلام يعلم علما قطعيا أنه متواتر تواترا متصلا فى كل عصر من عصر الرسول ~~الذى جاء به إلى الآن، وأما الذى يخفى على كثير منهم فهو وجوه إعجازه ~~الدالة على أنه وحى إلهى، وقد شرحنا شبهتهم عليه وبينا بطلانها فى هذا ~~الكتاب، وإذ قد ثبت بذلك كونه وحيا من الله تعالى فقد ms136 وجب الإيمان بكل ما ~~أتته من آياته فى خلقه سواء أكانت لتأييد رسله وإقامة حجتهم أم لا، كما يجب ~~على كل مؤمن به أن يؤمن بها، ويجب أن يؤمن بانقطاع معجزات الرسل بعد ختم ~~النبوة بمحمد صلى الله عليه وسلم. # وإذ كان لا يجب على مسلم أن يؤمن بوقوع كرامة كونية خارقة للعادة بعد ~~محمد خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم فلا يضر مسلما فى دينه أن يعتقد كما ~~يعتقد أكثر عقلاء العلماء والحكماء من أن ما يدعيه الناس من الخوارق فى ~~جميع الأمم أكثره كذب، وبعضه صناعة علم، أو تأثير نفس، أو شعوذة سحر- وأقله ~~من خواص الأرواح البشرية العالية، وعلامته أن يكون علما صحيحا موافقا ~~للمنقول الشرعى، والمعقول القطعى، أو عملا نافعا مشروعا، وأن يكون من صدر ~~عنه مؤمنا عاقلا صالحا، فكل ما ينقله المتصوفة مخالفا لذلك من التصرف الضار ~~بالناس فى دينهم أو صحتهم فهو إن صح من تأثير الأنفس الخبيثة كالإصابة ~~بالعين والتنويم المغناطيسى الضار لا كله. # (7) إن الثابت بنصوص القرآن من آيات الأنبياء المرسلين المعنية قليل جدا. ~~فما كانت دلالته من هذه النصوص قطعية فصرفه عنها بالحكم فى التأويل الذى ~~تأباه مدلولات اللغة العربية، وينقض شيئا من قواعد الشرع القطعية، يعد ~~ارتدادا عن الإسلام، وما كانت دلالته ظاهرة غير قطعية وجب حمله على ظاهره ~~إن لم يعارضه نص أو دليل مثله أو أقوى منه، فإن عارضه فحينئذ ينظر فى ~~الترجيح بين المتعارضين بالأدلة المعروفة، والخروج عن ذلك ابتداع. PageV01P168 ### ||| AUTO الإيمان بالقدر والسنن العامة وآيات الله الخاصة # إننا نؤمن بأن الله تعالى هو خالق كل شىء بقدرته وإرادته، واختياره ~~وحكمته، وأنه الذي أحسن كل شيء خلقه كما قال فى سورة الم [السجدة، الآية: ~~7]، صنع الله الذي أتقن كل شيء كما قال فى سورة [النمل، الآية: 88]، وأنه ~~ليس فى خلقه تفاوت ولا فطور كما قال فى سورة [الملك، الآية: 3]، وأنه خلق ~~كل شىء بنظام وتقدير لا جزافا ولا أنفا «1»، كما قال فى سورة [القمر، ~~الآية: 49] إنا كل شيء ms137 خلقناه بقدر، وقال فى [سورة الفرقان، الآية: 2] وخلق ~~كل شيء فقدره تقديرا، وقال فى سورة [الحجر، الآية: 19 - 21] وأنبتنا فيها ~~من كل شيء موزون (19) وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين (20) وإن ~~من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم «2». # وأن له تعالى فى نظام التكوين والإبداع، وفيما هدى إليه البشر من نظام ~~الاجتماع، سننا مطردة تتصل فيها الأسباب بالمسببات، لا تتبدل ولا تتحول ~~محاباة لأحد من الناس، وأن سننه تعالى عامة فى عالم الأجسام وعالم الأرواح، ~~وقد ورد ذكر السنن الاجتماعية باللفظ فى سورة: المائدة، والأنفال، والحجر، ~~والإسراء، والكهف، والأحزاب، وفاطر، والمؤمن (غافر)، والفتح. # فهذه الآيات البينات ناطقة بأن القدر والتقدير عبارة عن النظام العام فى ~~الخلق الذى تكون فيه الأشياء بقدر أسبابها بحسب السنن والنواميس العامة ~~التى وضعها الخالق لها، لا ما اشتهر عند الجماهير من الناس من أن المقدر ما ~~ليس له سبب، أو ما يفعله الله على خلاف النظام والسنن، وقد يصح إطلاقه على ~~ما لا يعرفون سببه، ولا يحيط بأسباب الحوادث علما إلا خالقها، ومقدر سببها ~~وسنتها. # نؤمن بأن له تعالى فى خلقه آيات بينات، وأن له فى آياته حكما جلية أو ~~خفية، وأن ما منحنا إياه من العقل والشرع يأبيان علينا أن نثبت وقوع شىء فى ~~الخلق على خلاف ما تقدم بيانه من نظام التقدير، وسنن التدبير، إلا ببرهان ~~قطعى يشترك العقل والحس فى إثباته PageV01P169 ~~وتمحيصه، وأنه لا بد أن يكون وقوعه لحكمة بالغة لا عن خلل ولا عبث، وأن ما ~~خفى علينا من حكمه تعالى فهو كسائر ما يخفى علينا من أمور خلقه، نبحث عنهما ~~لنزداد علما بكماله، ونكمل به أنفسنا بقدر استطاعتنا، ولا نتخذها حجة ولا ~~عذرا على الكفر به لجهلنا، وقد ثبت لأعلم علماء البشر فى كل عصر أن ما نجهل ~~من هذا الكون أكثر مما نعلم، ويستحيل أن يحيط البشر به علما. # أجمع على هذا علماء هذا العصر الماديين على سعة علمهم بالمادة وسننها، ~~وكثرة ما أحدثوا ms138 من الصناعات والمنافع بتسخيرها، فما قولك بعالم الروح ~~والغيب؟ إنه ليظهر فيهم قبلهم صدق قوله تعالى: ويسئلونك عن الروح قل الروح ~~من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا [الإسراء: 85]. # ونؤمن بأن الله تعالى قد أرسل إلى البشر رسلا هدوهم بآياته إلى الخروج من ~~مضيق مدارك الحس، وما يستنبطه الفكر منها بادئ الرأى، إلى ما وراءها من سعة ~~عالم الغيب، ولولا هدايتهم لظل البشر ألوف الألوف من السنين ينكرون وجود ما ~~لم يكونوا يدركونه بحواسهم من الأجسام وأعراضها، وبقياسهم ما جهلوا على ما ~~علموا منها. وما ينكره الإنسان ويعتقد استحالة وجوده لا يبحث عنه. # وقد علمنا من التاريخ أن الإيمان بالله وبآياته لرسله، وباليوم الآخر، ~~وبما يكون فيه من الحساب والجزاء على الأعمال، هو الذى وجه عقول البشر إلى ~~البحث فى أسرار الوجود، حتى وصلوا إلى ما وصلوا إليه من الارتقاء فى العلوم ~~والفنون والصناعات فى الأجيال المختلفة، ولم يكن لغير المؤمنين بالغيب منهم ~~نصيب فى ذلك- فهذا الإيمان بالأركان الثلاثة من الغيب هو الذى أوصل البشر ~~إلى علوم وأعمال كان يعدها غير المؤمنين بالغيب من مجالات العقول كالغيب ~~الذى أنكروه، حتى لم يعد شىء من أخبار الغيب بعيدا عن العقل بعد ثبوتها. # فتبين لنا بهذا وبما قبله أنه كان للبشر بآيات الأنبياء ثلاث فوائد هى من ~~حكم نصبه تعالى لتلك الآيات. # (الأولى): جعلها دليلا حسيا على اختياره تعالى فى جميع أفعاله، وكون سنن ~~النظام فى الخلق خاضعة له، لا حاكمة عليه ولا مقيدة لإرادته وقدرته. # (الثانية): جعلها دليلا على صدق رسله فيما يخبرون عنه بوحيه، ونذرا ~~للمعاندين لهم PageV01P170 ~~من الكفار، ولو كانت مما يقدر عليه البشر بكسبهم، أو تقع منهم باستعداد ~~روحى فيهم، لما كانت آية على صدقهم. # (الثالثة): هداية عقول البشر برؤيتها إلى سعة دائرة الممكنات، وضيق نطاق ~~المحال فى المعقولات، وإلى أن كون الشيء بعيدا عن الأسباب المعتادة والأمور ~~المعهودة والسنن المعروفة، لا يقتضى أن يكون محالا يجزم العقل بعدم وقوعه، ~~وبكذب المخبر به ولو مع قيام ms139 الدليل على صدقه، وإنما غايته أن يكون الأصل ~~فيه عدم الثبوت فيتوقف ثبوته على الدليل الصحيح، وهذه قاعدة كبار علماء ~~الكون فى هذا العصر، فلا ينقصهم لتكميل علمهم إلا ثبوت آية الله تعالى لا ~~يمكن أن يكون لها علة من سنن الكون وسبب من أسبابه المطردة، والماديون ~~المنكرون لآيات الرسل لن يجدوا هذه الآية فى عالم المادة وإنما يجدونها فى ~~القرآن. # ذلك بأن كل ما فى عالم المادة فهو خاضع لما يسمى فى عرفهم بالأسباب ~~والنواميس والعلل، وفى لغة القرآن بالسنن والقدر (كما قرأنا عليك آنفا)، ~~ولذلك تجدهم # يبحثون بالتحليلات المادية عن الموجود الأول فى الأزل، وما كان يبحث عنه ~~الفلاسفة المتقدمون بالدلائل العقلية ويسمونه علة العلل، وإنما الموجود ~~الأول هو الله تعالى واجب الوجود الذى صدر عنه كل ما عداه من الموجودات، ~~وهم لما يعرفوا أول ما صدر عنه بمحض قدرته ومشيئته المعبر عنها عندنا بكلمة ~~التكوين، وهى قوله تعالى للشيء (كن فيكون) وهذا غيب الغيوب، ومنهم من يرى ~~أن العلم به متعذر ومنهم من يطلبه ويرجوه. # ولكن الأمر قد انقلب عندهم إلى ضده فإن كثيرا من الذين وصلوا إلى هذه ~~العلوم والأعمال المقربة لآيات الرسل، وما دعوا إليه من الإيمان بالغيب من ~~العقول، قد صارت هذه العلوم نفسها سببا لإنكارها ما كان سببا لها وموصلا ~~إليها (وهو الآيات والإيمان بالغيب) لا إنكار إمكانه فى العقل. بل إنكار ~~ثبوته بالفعل، فهم ينكرون أن يكون الخالق قد فعل ما صاروا يفعلون نظيرا له ~~فى الغرابة، وكان ينبغى لهم أن يجعلوه دليلا عليه مبينا لحقيته كما قال ~~الله تعالى: سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ~~[فصلت: 53]، ولكنهم كلما أراهم آية من آياته الروحية فى أنفسهم أو من آياته ~~الكونية فى الآفاق التمسوا لها سنة أو فرضوها فرضا بقياس ما لم يعرفوا على ~~ما عرفوا، فأخرجوها عن كونها بمحض قدرته وإبداعه، وظلوا على لبسهم كالذين ~~طلبوا من محمد صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليهم ملكا رسولا ms140 فقال الله ~~فيهم: ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون PageV01P171 ~~[الأنعام: 9]، أى: لما كانوا لا يمكن لهم أن يدركوا الملك ويتلقوا عنه إلا ~~إذا كان بصورة رجل مثلهم، وهو ما استنكروه من كون الرسل بشرا مثلهم، فلو ~~جعل الله ملكا رسولا إليهم لجعله مثلهم، ولالتبس عليهم أمره بما يلبسونه ~~على أنفسهم من استنكار كون الرسل بشرا مثلهم. # وهكذا يفعلون الآن؛ ظهرت لهم فى عصرنا عدة آيات روحية من المكاشفات ~~والتأثير فى المادة فيشبهوها بما عرفوا من الأمور المادية، فأطلقوا على تلك ~~المكاشفات اسمى قراءة الأفكار ومراسلة الأفكار، وقالوا إنها من قبيل نقل ~~الكلام بالسيال الكهربائى من مكان إلى مكان، حتى لا يعترفوا بآية إبداعية ~~أو غيبية من الخالق لا تخضع لعلمهم، وهم ما زالوا يرتقون فى الأسباب إلى أن ~~وصلوا من ظواهر تكوين الكهرباء الإيجابية والسلبية (بما يسمونه: الكترون ~~والبروتون) إلى مستوى قريب من عالم الغيب، وظنوا أنهما أصل لكل ما فى عالم ~~الشهادة من شىء. على أن الكهرباء ليست بمادة محض، ولا بقوة محض، ولكنها شىء ~~موجود دخل فى حكم علمهم بوجه ما، وهم عتاة لا يؤمنون إيمانا تعبديا إلا ~~بآية تعلو على مدارك علمهم وعقولهم. ### ||| AUTO الخطر على البشر من ارتقاء العلم بدون الدين: # إن حرمان هؤلاء العلماء من الإيمان بآية كونية لله تعالى من هذا النوع قد ~~جعل حظ البشر من هذا الارتقاء العجيب فى العلم أنهم ازدادوا به شقاء حتى ~~صارت حضارتهم مهددة بالتدمير العلمى الصناعى فى كل يوم، وجميع علمائهم ~~المصلحين، وساستهم الدهاقين. فى حيرة من تلافى هذا الخطر، ولن يتلافى إلا ~~بالجمع بين العلم والدين، وهذا ما جاءهم به محمد خاتم النبيين، ولأجله ~~أثبتت الآيات بكتابه وفى كتابه المبين. إذ لا يمكن أن يخضع البشر إلا لما ~~هو فوق استطاعتهم. بقيام الدليل على أنه من السلطان الغيبى الإلهى الذى هو ~~فوق استعدادهم، ولا يظهر هذا السلطان والبرهان فى علوم الكون. لما ذكرنا من ~~شنشنتهم فيها، وإنما يظهر أكمل الظهور فى هذا القرآن، ms141 وسنتحداهم به أتم ~~التحدى فى خاتمة هذا الكتاب ... PageV01P172 ### || AUTO المقصد الثالث من مقاصد القرآن إكمال نفس الإنسان من الأفراد ~~والجماعات والأقوام # (بجعل الإسلام دين الفطرة السليمة، والعقل والفكر، والعلم والحكمة، ~~والبرهان والحجة، والضمير والوجدان، والحرية والاستقلال). # قد أتى على البشر حين من الدهر لا يعرفون من الدين إلا أنه تعاليم خارجة ~~عن محيط العقل كلف البشر «1» مقاومة فطرتهم بها، وتعذيب أنفسهم ومكابرة ~~عقولهم وبصائرهم خضوعا للرؤساء الذين يلقنونهم إياها، فإن انقادوا لسيطرتهم ~~عليهم بها كانوا من الفائزين، وإن خالفوهم سرا أو جهرا كانوا من الهالكين، ~~والحق الواقع أنهم كانوا بهذا الخضوع والخنوع من الخاسرين، ولكن عجز ~~عقلاؤهم وحكماؤهم عن انتياشهم (وانتشالهم) من مهاوى التهلكة، وإخراجهم من ~~ظلمات الشرك والظلم والاستبداد. إلى نور التوحيد والحرية والعدل ~~والاستقلال. # حتى إذا بعث الله رسوله محمدا خاتم النبيين- يتلو عليهم آياته ويعلمهم ~~الكتاب والحكمة ويزكيهم مما كانوا فيه من الضلال المبين- كان هو الذى ~~أخرجهم من الظلمات إلى النور، وبين لهم أن دين الله الإسلام هو دين الفطرة، ~~والعقل، والفكر، والعلم، والحكمة، والبرهان والحجة، والضمير والوجدان، ~~والحرية والاستقلال، وأن لا سيطرة على روح الإنسان وعقله وضميره لأحد من ~~خلق الله، وإنما رسل الله هداة مرشدون، مبشرون ومنذرون كما تقدم بيانه فى ~~المقصد الذى قبل هذا، ونبين هذه المزايا بالشواهد المختصرة من القرآن فنقول: ### ||| AUTO 1 - الإسلام دين الفطرة: # قال الله عز وجل: فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها ~~لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون [الروم: 30]. # الحنيف صفة من الحنف (بالتحريك) وهو الميل عن العوج إلى الاستقامة، وعن ~~الضلالة PageV01P173 ~~إلى الهدى، وعن الباطل إلى الحق، ويقابله الزيغ وهو الميل عن الحق إلى ~~الباطل إلخ، وفطرة الله التى فطر الناس عليها هى الجبلة الإنسانية «1» ~~الجامعة بين الحياتين: الجسمانية الحيوانية، والروحانية الملكية، ~~والاستعداد لمعرفة عالم الشهادة وعالم الغيب فيهما، وما أودع فيها (أى ~~الجبلة) من غريزة الدين المطلق الذى هو الشعور الوجدانى بسلطان غيبى فوق ~~قوى الكون والسنن والأسباب ms142 التى قام بهما نظام كل شىء فى العالم، فرب هذا ~~السلطان هو فاطر السموات والأرض وما فيهما، والمصدر الذاتى للنفع والضر ~~المحركين لشعور التعبد الفطرى وطلب العرفان الغيبى المودعين فى الغريزة. # فالعبادة الفطرية هى التوجه الوجدانى إلى هذا الرب الغيبى فى كل ما يعجز ~~الإنسان عنه من نفع يحتاج إليه ويعجز عنه بكسبه، ودفع ضر يمسه أو يخافه ~~ويرى أنه يعجز عن دفعه بحوله وقوته، وفى كل ما تشعر فطرته باستعدادها ~~لمعرفته، والوصول إليه مما لا نهاية له، وأعنى بالإنسان جنسه فما يعجز عنه ~~المرء بنفسه دون أبناء جنسه فإنه يعده من مقدوره، ويعد مساعدة غيره له عليه ~~من جنس كسبه، فطلبه للمساعدة من أمثاله ليس فيها معنى التعبد عند أحد من ~~البشر؛ فتعظيم الفقير للغنى بوسائل استجدائه وخضوع الضعيف للقوى لاستنجاده ~~واستعدائه على أعدائه وخنوع السوقة «2» للملك أو الأمير لخوف منه أو رجائه- ~~لا يسمى شيئا من ذلك عبادة فى عرف أمة من الأمم ولا ملة من الملل، وإنما ~~روح العبادة الفطرية ومخها هو دعاء ذى السلطان العلوى والقدرة الغيبية التى ~~هى فوق ما يعرفه الإنسان ويعقله فى عالم الأسباب، ولا سيما الدعاء عند ~~العجز وفى الشدائد، قال صلى الله عليه وسلم: «الدعاء هو العبادة «3»»، هكذا ~~بصيغة الحصر، أى هو الركن المعنوى الأعظم فيها لأنه روحها المفسر برواية: ~~«الدعاء مخ العبادة «4»»، وكل تعظيم وتقرب قولى أو عملى لصاحب هذه القدرة ~~والسلطان الغيبى فهو عبادة له «5». PageV01P174 # هذا أصل دين الفطرة الغريزى فى البشر، لا ما زعمه بعض الكتاب المعاصرين من ~~أن دين الفطرة فى الآية الكريمة أن يعمل الإنسان متبعا شعوره وأفكاره ~~ووجدانه بمقتضى طبيعته دون تلقى شىء من غيره، فهذا جهل، لا يقره دين ولا ~~عقل، وفوضى لا يستقيم معها أمر، فإن الإنسان يجنى على فطرته وغرائزها ~~وقواها بجهله وسوء اجتهاده، فشعوره الفطرى الذى بيناه هو الذى ولد له ~~العقائد الوثنية بعبادته كل ذى تأثير لا يعرف له سببا، لحسبانه أنه هو صاحب ~~السلطان الغيبى القادر على نفعه وضره، ومن ms143 ثم كان محتاجا إلى تكميل فطرته ~~بالوحى الإلهى. # وعلى هذا الأصل بنى الدين التعليمى التشريعى الذى هو وضع إلهى يوحيه الله ~~إلى رسله لئلا يضل عباده بضعف اجتهادهم واختلافهم فى العمل بمقتضى غريزة ~~الدين كما وقع بالفعل، ولا يقبل البشر هذا الدين التعليمى بالإذعان والوازع ~~النفسى إلا إذا كان الملقن لهم إياه مؤيدا فى تبليغه وتعليمه من صاحب ذلك ~~السلطان الغيبى الأعلى، والتصرف المطلق فى جميع العالم، الذى تخضع له ~~الأسباب والسنن فيه وهو لا يخضع لها، سواء كان له هذا التصرف لذاته وهو رب ~~العالمين، أو كانت له بولايته له تعالى ونيابته عنه. وقد شرحنا هذه الحقيقة ~~آنفا مختصرا مما بيناه فى مواضع مع التفسير والمنار فى معنى كون الإسلام ~~دين الفطرة، وأنه شرع لتكميل استعداد البشر للرقى فى العلم والحكمة، ومعرفة ~~الله عز وجل المعدة إياهم لسعادة الآخرة، فليس فيه شىء يصادمها. # فهذا الدين التعليمى حاجة من حاجات الفطرة البشرية لا يتم كمالها النوعى ~~بدونه، فهو لنوع الإنسان كالعقل لأفراده كما حققه شيخنا الأستاذ الإمام. # قد كان دين الله الذى بعث به جميع رسله لجميع الأمم مصلحا لما أفسدته ~~الوثنية من فطرتهم بجهلهم ثم بتقليد بعضهم لبعض، على أنهم كانوا إذا طال ~~الأمد على بعثة الرسل يضلون عن هدايتهم إلى أن أتم الله الدين وأكمله للبشر ~~كما تقدم بيانه فى المقصدين، الأول والثانى من مقاصد القرآن. وفى حديث ~~الصحيحين: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو ~~يمجسانه». يعنى أنهما يفسدان فطرته الاستعدادية بتلقينه دينا محرفا منسوخا ~~بدلا من إكمالها. # وكان من فضل الله على عباده بعد إكماله دينه أن ضمن لهم حفظ كتابه هذا من ~~التحريف والتبديل والنسيان والزيادة والنقصان، فقال الله تعالى: إنا نحن ~~نزلنا الذكر وإنا له لحافظون [الحجر: 9]، وعصم أمة خاتم النبيين أن تضل ~~كلها عنه، كما ضلت الأمم PageV01P175 ~~قبلهم، فإن كان صلى الله عليه وسلم قد أخبر بما أطلعه الله عليه من ~~مستقبلها أنهم سيتبعون سنن من قبلهم من اليهود والنصارى، ms144 فقد أخبر أيضا ~~بأنه لا بد أن يبقى بعضهم على الحق ليكونوا حجة الله على خلقه فقال صلى ~~الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ~~ظاهرون». # رواه أحمد والبخارى عن المغيرة بن شعبة رضى الله عنه، وفى رواية لهم عن ~~معاوية: «لا تزال طائفة من أمتى قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من ~~خالفهم حتى يأتى أمر الله وهم ظاهرون للناس». رواه مسلم والترمذى وابن ماجة ~~عن ثوبان بلفظ: «لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ~~حتى يأتى أمر الله وهم كذلك إلى قيام الساعة» «1». رواه مسلم من حديث جابر ~~بن سمرة مرفوعا: «لن يبرح هذا الدين قائما يقاتل عليه عصابة من المسلمين ~~حتى تقوم الساعة». وروى آخرون # من طرق ضعيفة يقوى بعضها بعضا أن هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة. ولله الحمد. ### ||| AUTO 2 - الإسلام دين العقل والفكر: # تقرأ قاموس الكتاب المقدس فلا تجد فيه كلمة (العقل) ولا فى معناها من ~~أسماء هذه الغريزة البشرية التى فضل الإنسان بها جميع أنواع هذا الجنس الحى ~~كاللب والنهى، لا لأن هذه المادة لم تذكر فى كتب العهدين مطلقا بل لأنها لم ~~ترد فيها أساسا لفهم الدين ودلائله والاعتبار به، ولا أن الخطاب بالدين ~~موجه إليه، وقائم به وعليه، وكذلك أسماء التفكر والتدبر والنظر فى العالم ~~التى هى أعظم وظائف العقل. # أما ذكر العقل باسمه وأفعاله فى القرآن الحكيم فيبلغ زهاء خمسين مرة، ~~وأما ذكر أولى الألباب أى العقول ففي بضع عشرة مرة، وأما كلمة أولى النهى ~~(جمع نهية بالضم كغرفة) أى العقول، فقد جاءت مرة واحدة من آخر سورة طه. # أكثر ما ذكر فعل العقل فى القرآن قد جاء فى الكلام على آيات الله وكونه ~~المخاطبين بها والذين يفهمونها ويهتدون بها هم العقلاء ويراد بهذه الآيات ~~فى الغالب آيات الكون الدالة على علم الله ومشيئته وحكمته ورحمته كقوله ~~تعالى: إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار ms145 والفلك التي تجري ~~في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض ~~بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء PageV01P176 ~~والأرض لآيات لقوم يعقلون [البقرة: 164]، ويلى ذلك فى الكثرة آيات كتابه ~~التشريعية، ووصاياه كقوله فى تفصيل الوصايا الجامعة من أواخر [سورة ~~الأنعام: 151]: ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون، وكرر قوله: أفلا تعقلون أكثر ~~من عشرات كأمره لرسوله صلى الله عليه وسلم أن يحتج على قومه بكون القرآن من ~~عند الله لا من عنده بقوله: فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون [يونس: ~~16]، وجعل إهمال استعمال العقل سبب عذاب الآخرة بقوله فى أهل النار فى سورة ~~[سورة الملك الآية: 10]: وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب ~~السعير، وفى معناها قوله تعالى من [سورة الأعراف: 179]: ولقد ذرأنا لجهنم ~~كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم ~~آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون، وقوله فى ~~[سورة الحج: 46]: أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها. # كذلك آيات النظر العقلي والتفكر كثيرة فى الكتاب العزيز، فمن تأملها علم ~~أن أهل هذا الدين هم أهل النظر والتفكر والعقل والتدبر، وأن الغافلين الذين ~~يعيشون كالأنعام لا خط لهم منه إلا الظواهر التقليدية التى لا تزكى الأنفس ~~ولا يثقف العقول، ولا تصعد بها فى معارج الكمال، بعرفان ذى الجلال والجمال، ~~ومنها قوله تعالى: أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما ~~بينهما إلا بالحق وأجل مسمى [الروم: 8]، وقوله فى صفات العقلاء أولى ~~الألباب: ويتفكرون في خلق السماوات والأرض [آل عمران: 191]، وقوله بعد نفى ~~علم الغيب والتصرف فى خزائن الأرض عن الرسول صلى الله عليه وسلم وحصر ~~وظيفته فى اتباع الوحى: قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون [الأنعام: 50]. # وقد صرح بعض حكماء الغرب بما لا يختلف فيه عاقلان فى الأرض من أن التفكر ~~هو مبدأ ارتقاء البشر، ms146 وبقدر جودته يكون تفاضلهم فيه. # كانت التقاليد الدينية قد حجرت حرية التفكر واستقلال العقل على البشر. ~~حتى جاء الإسلام فأبطل بكتابه هذا الحجر، وأعتقهم من هذا الرق، وقد تعلم ~~هذه الحرية أمم الغرب من المسلمين، ثم نكس هؤلاء المسلمون على رءوسهم ~~فحرموها على أنفسهم إلا قليلا منهم حتى عاد بعضهم يقلدون فيها من أخذوها عن ~~أجدادهم، وقد اعترف علماء الغرب لعلماء سلفنا بسبقهم وإمامتهم لهم فيها وفى ~~ثمراتها، ونقل شيخنا الأستاذ الإمام طائفة من أقوالهم فى كتاب (الإسلام ~~والنصرانية). PageV01P177 ### ||| AUTO 3 - الإسلام دين العلم والحكمة والفقه: # ذكر اسم العلم معرفة ونكرة فى عشرات من آيات القرآن الحكيم تناهز المائة، ~~وذكرت مشتقات أضعاف ذلك، وهو يطلق على علوم الدين والدنيا بأنواعها، فمن ~~العلم المطلق قوله تعالى فى وصايا سورة [الإسراء، الآية: 36]: ولا تقف ما ~~ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤلا أى: لا تتبع ~~ما ليس لك به علم يثبت عندك بالرؤية البصرية، أو بالروايات السمعية، أو ~~بالبراهين القطعية، فإن الله يسألك عما أعطاك من آلات هذا العلم الثلاث. # قال الراغب فى تفسير لا تقف، أى: تحكم بالقيافة والظن. وقال البيضاوى ما ~~ملخصه: ولا تتبع ما لم يتعلق به علمك تقليدا أو رجما بالغيب. أ. ه. # ومنه قوله تعالى فى العلم المأثور فى التاريخ: ائتوني بكتاب من قبل هذا ~~أو أثارة من علم إن كنتم صادقين [الأحقاف: 4]، ومنه قوله تعالى فى علوم ~~البشر المادية: ولكن أكثر الناس لا يعلمون (6) يعلمون ظاهرا من الحياة ~~الدنيا [الروم: 6، 7] إلخ، وقوله فى العلم الروحى: ويسئلونك عن الروح قل ~~الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا [الإسراء: 85]. # وهاتان الآيتان فى بيان ضعف علم البشر وقلته حتى الدنيوى منه لا يزال ~~يعترف العلماء أيهم أوسع علما بمضمونهما، وبأن علمهم لا يتجاوز الظواهر، ~~وقد صرح بعض # فحول علماء الغرب بأنهم كلما ازدادوا علما عملوا من حاجتهم إلى تحقيق ما ~~سبق والزيادة عليه ما لم يكونوا يعلمون، كما قال الإمام ms147 الشافعى: # كلما أدبنى الده ... ر أرانى نقص عقلى # وإذا ما ازددت علما ... زادنى علما بجهلى # وقوله تعالى فى العلم العقلى: ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا ~~هدى ولا كتاب منير [الحج: 8]، الظاهر أن المراد بالعلم فيه: العلم النظرى ~~بدليل مقابلته بالهدى والكتاب المنير، وهو هدى الدين والوحى. وقوله فى ~~العلم الطبيعى: ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن ~~في ذلك لآيات للعالمين [الروم: 22]، بكسر اللام أى: علماء الكون، ومثله ~~قوله بعد ذكر إخراج الثمرات المختلف ألوانها من ماء المطر، واختلاف ألوان ~~الطرائق فى الجبال وألوان الناس والدواب: إنما يخشى الله من عباده PageV01P178 ~~العلماء [فاطر: 28]، فالمراد بالعلماء هنا الذين يعلمون أسرار الكون ~~وأطواره وأسباب اختلاف أجناسه وأنواعه وألوانها وآيات الله وحكمه فيها، وهو ~~يشمل أكثر العلوم والفنون أو جميعها، وفى معناها آيات فى سور أخرى. # عظم القرآن شأن العلم تعظيما لا تعلوه عظمة أخرى بقوله تعالى: شهد الله ~~أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط [آل عمران: 18]، ~~فبدأ عز وجل بنفسه وثنى بملائكته، وجعل أولى العلم فى المرتبة الثالثة، ~~ويدخل فيها الأنبياء والحكماء ومن دونهم من أهل الدرجات فى قوله تعالى: ~~يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات [المجادلة: 11]، وأمر ~~أكرم رسله وأعلمهم بأن يدعوه بقوله: وقل رب زدني علما [طه: 114]. # ويؤيد الآيات المنزلة فى مدح العلم والحث عليه ما ورد فى ذم اتباع الظن ~~كقوله تعالى: # وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني من الحق شيئا [يونس: 36]، ~~ومثله: وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق ~~شيئا [النجم: 28]، وقوله فى قول النصارى بصلب المسيح: ما لهم به من علم إلا ~~اتباع الظن [النساء: 157]. # وبلغ من تعظيمه لشأن العلم البرهانى أن قيد به الحكم بمنع الشرك بالله ~~تعالى والنهى عنه وهو أكبر الكبائر وأقصى الكفر فقال تعالى: قل إنما حرم ~~ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن ms148 تشركوا بالله ~~ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون [الأعراف: 33]. # وقال الله تعالى فى بر الوالدين الكافرين: ووصينا الإنسان بوالديه حسنا ~~وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما [العنكبوت: 8]، ومعلوم من ~~الدين بالضرورة أن الشرك بالله لا يكون بعلم ولا ببرهان، لأنه ضرورى ~~البطلان، وترى تفصيل هذا فيما بعده من تعظيم أمر الحجة والدليل، وما يليه ~~من ذم التقليد. PageV01P179 ### |||| AUTO الحكمة والفقه # وأما الحكمة فقد قال الله تعالى فى تعظيم شأنها المطلق: يؤتي الحكمة من ~~يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولوا الألباب ~~[البقرة: 269]، وقال الله تعالى فى بيان مراده من بعثة محمد خاتم النبيين: ~~هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم ~~الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين [الجمعة: 2]، وفى معناها ~~آيتان فى سورتى البقرة وآل عمران، وقال لرسوله ممتنا عليه: وأنزل الله عليك ~~الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما [النساء: ~~113]، وقال له: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة [النحل: 125]، ~~وقال له فى خاتمة الوصايا بأمهات الفضائل والنهى عن كبار الرذائل، مع بيان ~~عللها وما لها من العواقب: # ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة [الإسراء: 39]، وقال لنسائه رضى الله عنهن: # واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة [الأحزاب: 34]. # وقد أتى الله جميع أنبيائه ورسله الحكمة ولكن أضاعها أقوامهم من بعدهم ~~بالتقاليد والرئاسة الدينية، ونسخها بولس من النصرانية بنص صريح. قال الله ~~تعالى فى اليهود: أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل ~~إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما [النساء: 54]، فالكتاب أعلى ما ~~يؤتيه تعالى لعباده من نعمة ويليه الحكمة، ويليه الملك، وقال الله تعالى فى ~~نبيه داود عليه السلام: وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء [البقرة: ~~251]، وقال الله تعالى لنبيه عيسى عليه السلام: وإذ علمتك الكتاب والحكمة ~~والتوراة والإنجيل [المائدة: 110]، وقال: ولقد آتينا ms149 لقمان الحكمة [لقمان: ~~12]، وذكر من حكمته وصاياه لابنه بالفضائل ومنافعها ونهيه عن الرذائل معللة ~~بمضارها. # فالحكمة أخص من العلم، هى العلم بالشىء على حقيقته وبما فيه من الفائدة ~~والمنفعة الباعثة على العمل، فهى بمعنى الفلسفة العملية كعلم النفس ~~والأخلاق وأسرار الخلق، وسنن الاجتماع، ويدل عليه قوله تعالى بعد وصايا ~~سورة الإسراء التى نقلناه آنفا: ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة ~~و[الإسراء: 39]. PageV01P180 # ويكثر فى القرآن ذكر الفقه وهو الفهم الدقيق للحقائق الذى يكون به العالم ~~حكيما عاملا مثقفا، فراجع منها فى سورة الأنعام 25، 65، 68، وفى سورة ~~الأعراف: 178، وفى # سورة الأنفال: 65، وفى سورة التوبة: 82، 88، 321. وحسبك ما فى هذه السور ~~الأربع تعريفا بالفقه وأنه هو الحكمة لا علم ظواهر الأحكام من الطهارة ~~والبيع والإجازة إلخ، فإن تسمية هذا بالفقه اصطلاحية لا قرآنية، ومنه ما هو ~~ضد فقه القرآن كالحيل التى تعلم الناس التقصى من حكمة القرآن. ### ||| AUTO 4 - الإسلام دين الحجة والبرهان: # قال الله تعالى: يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم ~~نورا مبينا [النساء: 174]، وقال: ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به ~~فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون [المؤمنون: 117]، قيد الوعيد على ~~الشرك بكونه لا برهان لصاحبه يحتج به، مع العلم بأنه لا يكون إلا كذلك ~~تعظيما لشأن البرهان، وذلك أنه تعالى يبعث الأمم مع رسلهم وورثتهم الذين ~~يشهدون عليهم، ويطالبهم بحضرتهم بالبرهان على ما خالفوهم فيه كما قال: ~~ونزعنا من كل أمة شهيدا فقلنا هاتوا برهانكم فعلموا أن الحق لله وضل عنهم ~~ما كانوا يفترون [القصص: 75]. # وأقام البرهان العقلى على بطلان الشرك بقوله بعد ذكر السموات والأرض من ~~سورة [الأنبياء، الآية: 22]: لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا، ثم قفى ~~عليه بمطالبة المشركين بالبرهان على ما اتخذوه من الآلهة من دونه مطالبة ~~تعجيز فقال فى [الآية: 24]: أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا برهانكم، ~~ومثله فى سورة [النمل، الآية: 64]: أمن يبدؤا الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من ~~السماء والأرض أإله مع الله قل ms150 هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين. # وقال فى سياق محاجة إبراهيم لقومه وإقامة البراهين العلمية لهم على بطلان شركهم: # وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم ~~سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون [الأنعام: 81]، ثم قال فى ~~آخره: وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم ~~عليم [الأنعام: 83]، فالدرجات هنا درجات الحجة والبرهان العقلى فى العلم، ~~ولذلك قدم فيه ذكر الحكمة على العلم، وتقدم فى الكلام على العلم آية رفع ~~الدرجات فيه. PageV01P181 # ومما جاء فيه البرهان بلفظ السلطان قوله تعالى: الذين يجادلون في آيات الله ~~بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا [غافر: 35]، وفى ~~معناها من هذه [السورة، الآية: 56]: إن الذين يجادلون في آيات الله بغير ~~سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه، وفى عدة سور أخرى أنه ~~تعالى أرسل موسى إلى فرعون بآياته (وسلطان مبين). ### ||| AUTO 5 - الإسلام دين القلب والوجدان والضمير: # قال الفيومى فى المصباح: ضمير الإنسان قلبه وباطنه والجمع ضمائر، وقال: ~~والقلب من الفؤاد معروف- يعنى أنه ضميره ووجدانه الباطل (قال): ويطلق على ~~العقل أ. ه وقد شرحنا معناه هذا وطرق استعماله فى تفسير آية الأعراف «1»، ~~وقد ذكر القلب فى القرآن الكريم فى مائة آية وبضع عشرة آية. # منها قوله تعالى فى سورة [ق، الآية: 37]: إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب ~~أو ألقى السمع وهو شهيد، وقوله فى سورة ا [لشعراء، الآية: 88، 89]: يوم لا ~~ينفع مال ولا بنون (88) إلا من أتى الله بقلب سليم، ومنها مدحه لخليله ~~إبراهيم عليه السلام بقوله: إذ جاء ربه بقلب سليم، قوله حكاية عنه: ولكن ~~ليطمئن قلبي [البقرة: 260]، وقوله فى صفة المؤمنين: الذين آمنوا وتطمئن ~~قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب [الرعد: 28]، وقوله فى صفات ~~الذين اتبعوا عيسى عليه السلام: وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ~~ورهبانية ابتدعوها «2» إلخ. # ووصف قلوب المؤمنين بالخشوع والإخبات لله وتمحيصها من الشوائب، وقلوب ~~الكفار ms151 والمنافقين بالرجس والمرض والقسوة والزيغ، وعبر عن فقدها للاستعداد ~~للحق والخير بالطبع والختم والرين عليها، أى أنها كالمختوم المطبوع عليه ~~فلا يدخله شىء جديد، أو كالمعدن أحاط به وغلب عليه الرين وهو الصدأ أو ~~الدنس فلا تقبل الصقل والجلاء. # وإذا كان الإسلام دين العقل والبرهان وحرية الضمير والوجدان، فقد أبطل ما ~~كان عليه النصارى وغيرهم من الإكراه فى الدين والإجبار عليه، والفتنة ~~والاضطهاد لمخالفيهم فيه، والآيات فى ذلك كثيرة بيناها فى محلها، ومن ~~دلائلها ذم القرآن للتقليد وتضليل أهله. PageV01P182 ### ||| AUTO 6 - منع التقليد والجمود على اتباع الآباء والجدود: # كل ما نزل من الآيات فى مدح العلم وفضله واليقين فيه واستقلال العقل ~~والفكر وحرية الوجدان، والمطالبة بالبرهان، وذم اتباع الظن والحرص فيما ~~يطلب فيه الإيمان والعلم- يدل على ذم التقليد، وقد ورد فى ذمه النعى على ~~أهله آيات كثيرة كقوله تعالى: وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل ~~نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون ~~[البقرة: 170]، وقوله تعالى: وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى ~~الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا # يعلمون شيئا ولا يهتدون # [المائدة: 104]، ذمهم من ناحيتين؛ (إحداهما): الجمود على ما كان عليه ~~آباؤهم والاكتفاء به عن الترقى فى العلم والعمل، وليس هذا من شأن الإنسان ~~الحى العاقل فإن الحياة تقتضى النمو والتوليد، والعقل يطلب المزيد ~~والتجديد. # (والثانية): أنهم باتباعهم لآبائهم قد فقدوا مزية البشر فى التمييز بين ~~الحق والباطل، والخير والشر، والحسن والقبيح، بطريق العقل والعلم وطريق ~~الاهتداء فى العمل، ويؤيده قوله تعالى: وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها ~~آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما ~~لا تعلمون [الأعراف: 28]، وقال الله تعالى فى عبادة العرب للملائكة: وقالوا ~~لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون (20) أم ~~آتيناهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون (21) بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على ~~أمة وإنا ms152 على آثارهم مهتدون (22) وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير ~~إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون [الزخرف: ~~20 - 23]، وتراجع الشواهد على هذا فى قصة إبراهيم مع قومه فى سورة الأنبياء ~~والشعراء والصافات. # فالقرآن قد جاء يهدى جميع متبعى الملل والأديان السابقة إلى استعمال ~~عقولهم مع ضمائرهم للوصول إلى العلم والهدى والاطمئنان فى الدين، وألا ~~يكتفوا بما كان عليه آباؤهم وأجدادهم من ذلك، فإن هذا جناية على الفطرة ~~البشرية والعقل والفكر والقلب التى امتاز بها البشر، وبهذا العلم والهدى ~~امتاز الإسلام ودخل فيه العقلاء من جميع الأمم أفواجا، ثم نكث المسلمون على ~~رءوسهم إلا قليلا منهم، واتبعوا سنن من قبلهم من أهل الكتاب وغيرهم فى ~~التقليد لآبائهم ومشايخهم المنسوبين إلى بعض أئمة علمائهم الذين نهوهم عن ~~التقليد ولم يأمروهم به، فأبطلوا بذلك حجة الله تعالى على الأمم التى وكل الله PageV01P183 ~~دعوتها إليهم، وصاروا حجة على دينهم، فكيف يدعون إليه وحجته القرآن وهم ~~يحرمون الاهتداء به؟ حتى إن أدعياء العلم الرسمى «1» فيهم ينكرون أشد ~~الإنكار على من يدعونهم إلى اتباع كتاب الله وهدى رسوله وسيرة السلف الصالح ~~من أهله ونحن معهم فى بلاء وعناء نقاسى منهم ما شاء الجهل والجمود من ~~استهزاء، وطعن وبذاء، وتهكم بلقب (المجتهد) الذى احتكره الجهل لبعض ~~المتقدمين من العلماء. # ولو كان فينا علماء كثيرون يظهرون الإسلام فى صورته الحقيقية العلمية ~~العقلية لدخل الناس المستقلون فى العقل والعلم فيه أفواجا حتى يعم الدنيا؛ ~~لأن التعليم العصرى فى جميع مدارس الأرض يجرى على طريقة الاستقلال فى الفهم ~~واتباع الدليل فى جميع بلاد الإفرنج والبلاد المقلد لهم، ولكن أكثر هؤلاء ~~يرون جميع الأديان تقليدية، ويعتدونها نظما أدبية واجتماعية للأمم، فلهذا ~~يرون الأولى بحفظ نظامهم اتباعهم دينهم التقليدى، وبهذا يعسر علينا أن ~~نقنعهم بامتياز الإسلام على دينهم، لأنه يقل فينا من يقدر على إظهار ~~الإسلام فى صورته التى خصه بها القرآن. وما بينه من سنة خاتم النبيين صلى ~~الله عليه وسلم وسيرة خلفائه ms153 الراشدين والسلف الصالحين، رضوان الله عليهم ~~أجمعين. # بيد أن محافظة الإفرنج على نظام النصرانية بدون إيمان إذعان سيزول، فقد ~~كثرت الجمعيات الدينية والعلمية التى تصرح بإنكار ألوهية المسيح وأكثر ~~تقاليد الكنائس «2». ### |||| AUTO دحض شبهة، وإقامة حجة # يتوهم بعض المقلدين أن دعوة المسلمين إلى الاهتداء بالكتاب والسنة ~~والاستقلال فى فهمهما التى اشتهر المنار بها فى عصرنا، هى التى جرأت بعض ~~الجاهلين على دعوى الاجتهاد فى الشريعة والاستغناء عن تقليد الأئمة ~~والانتقاد عليهم وعلى أتباعهم بما هو ابتداع جديد، واستبدال للفوضى ~~بالتقليد، وهو وهم سببه الجهل بالدين وبالتاريخ، فمذاهب الابتداع والإلحاد ~~قديمة، قد نجمت قرونها فى خير القرون وعهد أكبر الأئمة، وكان أشدها إفسادا ~~للدين الدعوة إلى اتباع الأئمة المعصومين، الذين لا يسألون عن الدليل، PageV01P184 ~~على خلاف ما كان عليه أئمة السنة من تحريم اتباع أحد لذاته فى الدين بعد ~~محمد المعصوم الذى لا معصوم بعده صلى الله عليه وسلم، ولكن المقلدين لهؤلاء ~~المجرمين للتقليد قد اتبعوا القائلين بعصمة أئمتهم، حتى ملاحدة الباطنية ~~منهم، فهم يردون نصوص الكتاب والسنة بأقوال أئمتهم، بل بأقوال كل من ينتمى ~~إليهم من أدعياء العلم على اعتقادهم وإقرارهم بأنهم غير معصومين. # وإنما تروج البدع فى سوق التقليد الذى يتبع أهله كل ناعق، لا فى سوق ~~الاستقلال والأخذ بالدلائل، ومن باب التقليد دخل أكثر الخرافات على ~~المسلمين لانتساب جميع الدجالين من أهل الطرائق وغيرهم إلى أئمة المذاهب ~~المجتهدين، وهم فى دعوى اتباعهم من الكاذبين، ونحن دعاة العلم الصحيح ~~والاهتداء بالكتاب والسنة أحق منهم باتباع الأئمة، ولا نعنى بالاهتداء ~~بالكتاب والسنة أن كل واحد منهم إمام مجتهد مطلق كمالك والشافعى رضى الله ~~عنهم فهذه أعلى درجة فى العلم، والعلم درجات كما قال الله عز وجل، وقد كان ~~يوجد فى السلف قبل تدوين المذاهب عوام وخواص كلهم يهتدون بهما. # وصاحب المنار قد وقف نفسه على الرد على جميع الملاحدة والبهائية ~~والقاديانية والقبوريين وسائر مبتدعة عصرنا وهو لم يدع مذهبا له يدعو إليه، ~~ولم يخالف إجماع الأمة، ولا فرق عنده بين ms154 الأئمة، ولله الحمد والمنة. ### ||| AUTO 7 - الحرية الشخصية فى الدين بمنع الإكراه والاضطهاد ورئاسة ~~السيطرة: # هذه المزية من مزايا الإسلام، وهى نتيجة المزايات التى بينا بها كونه دين ~~الفطرة، فأما منع الإكراه فيه وعليه فالأصل فيه قوله تعالى لرسوله صلى الله ~~عليه وسلم بمكة: ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس ~~حتى يكونوا مؤمنين (99) وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس ~~على الذين لا يعقلون (100) قل انظروا ماذا في السماوات والأرض وما تغني ~~الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون [يونس: 99 - 101]، علم الله تعالى رسوله ~~بهذه الآيات أن من سننه فى البشر أن تختلف عقولهم وأفكارهم فى فهم الدين ~~وتتفاوت أنظارهم فى الآيات الدالة عليه فيؤمن بعض ويكفر بعض، فما كان ~~يتمناه صلى الله عليه وسلم من إيمان جميع الناس مخالف لمقتضى مشيئته تعالى ~~فى اختلاف استعداد الناس للإيمان، وهو منوط باستعمال عقولهم وأنظارهم فى ~~آيات الله فى خلقه، والتمييز بين هداية الدين وضلالة الكفر «1». PageV01P185 # ثم قوله تعالى عند ما أراد أصحابه أخذ من كان بنى النضير من أولادهم عند ~~إجلائهم عن الحجاز وكان قد تهود بعضهم: لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من ~~الغي [البقرة: 256]، فأمرهم صلى الله عليه وسلم أن يخيروهم فمن اختار ~~اليهود أجلى مع اليهود ولا يكره على الإسلام، ومن اختار الإسلام بقى مع ~~المسلمين، كما بيناه فى تفسير الآية من جزء التفسير الثالث. # وأما منع الفتنة وهى اضطهاد الناس لأجل دينهم حتى يتركوه فهو السبب الأول ~~لشرعية القتال فى الإسلام وسيأتى فى المقصد الثامن من هذا الكتاب. # وأما منع رئاسة السيطرة الدينية كالمعهودة عند النصارى ففيها آيات مبينة ~~فى القرآن، وأحاديث صريحة فى السنة، وهى معلومة بالضرورة من سيرة النبى صلى ~~الله عليه وسلم، وخلفائه الراشدين، وقد بيناها فى الكلام على وظائف الرسل ~~عليهم الصلاة والسلام، وحسبك منها قوله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم ~~خاتم النبيين: فذكر إنما أنت مذكر (21) لست عليهم بمصيطر [الغاشية: ms155 21، 22]. PageV01P186 ### || AUTO المقصد الرابع من مقاصد القرآن الإصلاح الإنسانى الاجتماعى ~~السياسى الوطنى بالوحدات الثمانى # (وحدة الأمة- وحدة الجنس البشرى- وحدة الدين- وحدة التشريع بالمساواة فى ~~العدل- وحدة الأخوة الروحية والمساواة فى التعبد- وحدة الجنسية السياسية ~~الدولية- وحدة القضاء- وحدة اللغة). # جاء الإسلام والبشر أجناس متفرقون. يتعادون فى الأنساب والألوان، واللغات ~~والأوطان والأديان، والمذاهب والمشارب، والشعوب والقبائل، والحكومات ~~والسياسات، يقاتل كل فريق منهم مخالفة فى شىء من هذه الروابط البشرية وإن ~~وافقه فى البعض الآخر، فصاح الإسلام بهم صيحة واحدة دعاهم بها إلى الوحدة ~~الإنسانية العامة، الجامعة، وفرضها عليهم، ونهاهم عن التفرق والتعادى وحرمه ~~عليهم، وبيان هذا التفرق ومضاره بالشواهد التاريخية وبيان أصول الكتاب ~~الإلهى وسنة خاتم النبيين فى الجامعة الإنسانية. لا يمكن بسطهما إلا بمصنف ~~كبير، فنكتفى فى هذا المقصد من إثبات الوحى المحمدى بسرد الأصول الجامعة فى ~~هذا الإصلاح الإنسانى الداعى إلى جعل الناس على ملة واحدة، ودين واحد، وشرع ~~واحد، وحكم واحد، ولسان واحد، كما أن جنسهم واحد، وربهم واحد، ونبدأ بالأصل ~~الجامع فى هذا، ونقفى عليه بالأصول والشواهد المفصلة له. ### ||| AUTO الأصل الأول # للجامعة الإسلامية الإنسانية: وحدة الأمة قال الله تعالى فى سورة ~~الأنبياء مخاطبا أمة الإسلام بعد ذكر خلاصة من قصصهم: إن هذه أمتكم أمة ~~واحدة وأنا ربكم فاعبدون [الأنبياء: 92] «1». # ثم بين لهم فى سورة «المؤمنون» أنه خاطب جميع النبيين بهذه الوحدة للأمة ~~فقال: يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم ~~(51) وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون [المؤمنون: 51، 52]. # ولكن لكل نبى أمة من الناس هم قومه، وأما خاتم النبيين فأمته جميع الناس، ~~وقد فرض الله عليهم الإيمان بجميع رسله وعدم التفرقة بينهم، فالإيمان ~~بخاتمهم كالإيمان PageV01P187 ~~بأولهم وبمن بينهما، فمثلهم كمثل الملوك أو الولاة فى الدولة الواحدة، ومثل ~~اختلاف شرائعهم بنسخ المتأخر منها لما قبله كمثل تعديل القوانين فى الدولة ~~الواحدة أيضا إلى أن كمل الدين. ### ||| AUTO الأصل الثانى: # الوحدة الإنسانية بالمساواة بين أجناس البشر وشعوبهم وقبائلهم، وشاهده ~~العام قوله تعالى: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر ms156 وأنثى وجعلناكم شعوبا ~~وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم [الحجرات: 13] وقد بلغ النبى ~~صلى الله عليه وسلم ذلك فى حجة الوداع، فتلا الآية وقال ما خلاصته: إنه ليس ~~لعربى على أعجمى ولا لأبيض على # أسود «ولا العكس» إلا بالتقوى (من حديث العداء بن خالد فى المعجم الكبير ~~للطبرانى). وهذه الوحدة الإنسانية تتضمن الدعوة إلى التآلف بالتعارف وإلى ~~ترك التعادى بالتخالف «1». ### ||| AUTO الأصل الثالث: # وحدة الدين باتباع رسول واحد جاء بأصول الدين الفطرى الذى جاء به غيره من ~~الرسل، وأكمل تشريعه بما يوافق جميع البشر، وشاهده الأعم قوله تعالى: قل يا ~~أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا [الأعراف: 158] ولما كان الإسلام دين ~~الفطرة وحرية الاعتقاد والوجدان جعل الدين اختياريا بقوله تعالى: لا إكراه ~~في الدين قد تبين الرشد من الغي [البقرة: 256]. ### ||| AUTO الأصل الرابع: # وحدة التشريع بالمساواة بين الخاضعين لأحكام الإسلام فى الحقوق المدنية ~~والتأديبية بالعدل المطلق بين المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والملك ~~والسوقة، والغنى والفقير، والقوى والضعيف، وسنذكر بعض شواهده فى إصلاح ~~التشريع من المقصد السادس. ### ||| AUTO الأصل الخامس: # الوحدة الدينية بالمساواة بين المؤمنين بهذا الدين فى أخوته الروحية ~~وعباداته، وفى PageV01P188 ~~الاجتماع للاجتماع منها، كالصلاة ومناسك الحج «1»، فملوك المسلمين وأمراؤهم ~~وكبار علمائهم يختلطون بالفقراء فى صفوف الصلاة والطواف بالكعبة المشرفة ~~والوقوف بعرفات وسائر مواطن الحج، ولا تجد شعوب الإفرنج المنتسبين إلى ~~النصرانية ولا رجال الدين من غيرهم يرضون بمثل هذه المساواة المعلومة من ~~دين الإسلام بالضرورة للعمل بها من أول الإسلام إلى اليوم، قال الله تعالى: ~~إنما المؤمنون إخوة [الحجرات: 10] وقال الله تعالى فى أحكام المشركين ~~المحاربين: فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ~~[التوبة: 11]. ### ||| AUTO الأصل السادس: # وحدة الجنسية السياسية الدولية بأن تكون جميع البلاد الخاضعة للحكم ~~الإسلامى متساوية فى الحقوق العامة، كحماية أهلها والدفاع عنهم إلا حق ~~الإقامة فى جزيرة العرب ولا سيما الحجاز، فإنه خاص بالمسلمين لأن للحرمين ~~وسياجهما من الجزيرة حكم المعابد والمساجد، وحكم الإسلام فى معابد الملل ~~الداخلة فى ذمته أنها ms157 خاصة بأهلها ولها حرمتها، لا يجوز لغير أهلها دخولها ~~بغير إذن منها، المسلمون وغيرهم فى هذا سواء. ### ||| AUTO الأصل السابع: # وحدة القضاء واستقلاله ومساواة الناس فيما أمام الشريعة العادلة، إلا أنه ~~يستثنى منه الأحكام الشخصية الدينية، فإن الإسلام يراعى فيها حرية العقيدة ~~والوجدان بناء على أساسه فى ذلك، فهو يسمح لغير المسلمين فى أمور الزوجية ~~ونحوها أن يتحاكموا إلى رؤساء ملتهم، وهذا ضرب من المساواة ليس له فى غير ~~الإسلام ضريب، لأنه اشتراك فى الحكم والتشريع، وأما إذا تحاكموا إلينا ~~فإننا نحكم بينهم بعدل شريعتنا الناسخة لشرائعهم، والأصل فيه قوله تعالى: ~~فإن جاؤك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت ~~فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين [المائدة: 42] وقوله تعالى فى ~~الآية [48]: فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق. PageV01P189 ### ||| AUTO الأصل الثامن: # وحدة اللغة، ووجهها: أنه لا يمكن أن يتم الاتحاد والإخاء بين الناس ~~وصيرورة الشعوب الكثيرة أمة واحدة إلا بوحدة اللغة «1» وما زال الحكماء ~~الباحثون فى مصالح البشر العامة يتمنون لو يكون لهم لغة واحدة مشتركة، ~~يتعاونون بها على التعارف والتآلف، ومناهج التعليم والآداب، والاشتراك فى ~~العلوم والفنون والمعاملات الدنيوية، وهذه الأمنية قد حققها الإسلام بجعل ~~لغة الدين والتشريع والحكم لغة جميع المؤمنين به والخاضعين لشريعته. إذ ~~يكون المؤمنون مسوقين باعتقادهم ووجدانهم إلى معرفة لغة كتاب الله وسنة ~~رسوله لفهمهما والتعبد بهما، والاتحاد بأخوتهم فيهما، وهما مناط سيادتهم، ~~وسعادتهم فى الدنيا والآخرة، ولذلك كرر فى القرآن بيان كونه كتابا عربيا، ~~وحكما عربيا، وكرر الأمر بتدبره والتفقه فيه، والاتعاظ والتأديب به، وأما ~~غير المؤمنين فيتعلمون لغة الشرع الذى يخضعون لحكمه، والحكومة التى ~~يتبعونها لمصالحهم الدنيوية كما هى عادة البشر فى ذلك، وكذلك كان الأمر فى ~~الفتوحات الإسلامية العربية كلها. # وقد فصلت فى المنار والتفسير مسألة وجوب تعلم اللغة العربية فى دين ~~الإسلام وكونه مجمعا عليه بين المسلمين كما قرره الإمام الشافعى رضى الله ~~عنه فى رسالته، وهو الذى جرى ms158 عليه العمل فى عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وخلفائه الراشدين، ثم خلفاء الأمويين والعباسيين إلى أن كثر الأعاجم، وقل ~~العلم، وغلب الجهل، فصاروا يكتفون من لغة الدين بما فرضه الله فى العبادات ~~من القرآن والأذكار «2». # الشواهد من السنة على وحدة الجنس واللغة: كان النبى صلى الله عليه وسلم ~~ينكر على المسلمين كل نوع من أنواع التفرقة الذى ينافى وحدتهم وجعلهم أمة ~~واحدة كالجسد الواحد كما شبههم بقوله: «مثل المؤمنين فى توادهم وتراحمهم ~~وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى». ~~رواه الإمام أحمد من حديث النعمان بن بشير رضى الله عنه، وكان يخص بمقته ~~وإنكاره التفرق فى الجنس النسبى أو اللغة. أما الأول فمشهور ومنه أن أبا ذر ~~رضى الله عنه وهو من السابقين الأولين المتقين تغاضب مع بلال الحبشى مولى ~~أبى بكر رضى الله عنه وتسابا فقال PageV01P190 ~~أبو ذر: يا ابن السوداء، فشكاه بلال إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال ~~لأبى ذر: «أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية». رواه البخارى فى مواضع، ~~ومسلم بدون ذكر اسم بلال، ولفظ البخارى فى كتاب الأدب عن أبى ذر: كان بينى ~~وبين رجل كلام وكانت أمه أعجمية فنلت منها فذكرنى إلى النبى صلى الله عليه ~~وسلم فقال لى: «أساببت فلانا؟». قلت: نعم. قال: «أفنلت من أمه؟». قلت: # نعم. قال: «إنك امرؤ فيك جاهلية». قلت: على ساعتى هذه من كبر السن؟ قال: ~~«نعم هم إخوانكم». إلخ الحديث .. وسيأتى فى الوصية بالرقيق، وروى أن أبا ذر ~~تاب توبة نصوحا حتى أمر بلالا أن يطأ على وجهه. # وأما الثانى فيجمعه مع الأول ما رواه الحافظ بن عساكر بسنده إلى مالك عن ~~الزهيرى عن أبى سلمة بن عبد الرحمن قال: جاء قيس بن مطاطية إلى حلقة فيها ~~سلمان الفارسى وصهيب الرومى وبلال الحبشى فقال: هذا الأوس والخزرج قد قاموا ~~بنصرة هذا الرجل فما بال هذا؟ (يعنى- هذا المنافق- بالرجل النبى صلى الله ~~عليه وسلم وأن الأوس والخزرج من قومه العرب ينصرونه لأنهم ms159 من قومه، فما بال ~~الذى يدعو الفارسى والرومى إلى نصره؟)، فقام إليه معاذ بن جبل رضى الله عنه ~~فأخذ بتلبيبته «1»؛ ثم أتى النبى صلى الله عليه وسلم فأخبره بمقالته، فقام ~~النبى صلى الله عليه وسلم مغضبا يجر رداءه حتى أتى المسجد ثم نودى: إن ~~الصلاة جامعة «2»، وقال صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس إن الرب واحد، ~~والأب واحد، وإن الدين واحد، وليست العربية بأحدكم من أب ولا أم، وإنما هى ~~اللسان، فمن تكلم بالعربية فهو عربى». فقام معاذ فقال: فما تأمرنى بهذا ~~المنافق يا رسول الله؟ قال: «دعه إلى النار»، فكان قيس ممن ارتد فى الردة فقتل. # أرأيت لو ظل المسلمون على هذه التربية المحمدية أكان وقع بينهم من الشقاق ~~والحروب باختلاف الجنس واللغة كل ما وقع وأدى بهم إلى هذا الضعف العام؟ ~~أرأيت لو حافظوا على هذه الأخوة الإسلامية أكانت حدثت فيهم تلك الشعوبية ~~المجوسية الأولى، وهذه العصبية التركية الأخرى؟ كلا إنهم لو حافظوا عليهما ~~لعمموا أخواتها، ولأصلحوا بها شعوب الأرض كلها. # يعترض بعض أولى النظر القصير، والبصر الكليل على توحيد اللغة فى الشعوب ~~المختلفة بأنه خلاف طبيعة البشر، ويرد عليهم بأن توحيد الدين أبعد من توحيد ~~الله عن PageV01P191 ~~طبيعة البشر إن أريد بالبشر جميع أفرادهم، وأن الحكماء ما زالوا يسعون لجمع ~~البشر على لغة واحدة مشتركة، مع علمهم أن ترقى بعض اللغات بترقى أهلها فى ~~العلوم والفنون والسياسة والقوة والعصبية يستحيل معه أن يرغبوا عنها إلى ~~غيرها، ولم يسع أحد منهم لجمعهم على دين واحد، وأن القرآن الذى شرع توحيد ~~الدين مع شرعه ولغته لجميع البشر. # قد علمنا أن حكمة الله تعالى فى خلق الإنسان تأبى أن يكون الناس كلهم أمة ~~واحدة تدين بدين واحد قال الله تعالى: ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ~~ولا يزالون مختلفين (118) إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم [هود: 118، 119] ~~وإنما دعاهم إلى هذه الرحمة ليقل الشقاء الذى يثيره الخلاف فيهم: هذا ~~الخلاف الذى جعل أعظم شعوب الأرض وأرقاهم فى العمران يبذلون ms160 فى هذا العهد ~~أكثر ما تستغله شعوبهم من ثروة العالم فى سبيل الحروب التى تنذر عمرانهم ~~الخراب والدمار. # فإذا كان مقتضى طبع البشر أن لا يتفقوا كلهم على شىء واحد من لغة ولا دين ~~ولا غيرهما من الأمور التى تختلف فيها الآراء، فهذا لا يمنع دعوتهم كلهم ~~إلى الحق والخير، ولا بد أن يستجيب خيارهم على قاعدة غلب الحق على الباطل. # وقد استشكل هذا بعض العلماء من حيث المخاطب بتنفيذه، فقلت لهم: إن ~~المخاطب بتعميم لغة الإسلام، هم أولو الأمر المخاطبون بتعميم دعوة الإسلام ~~وإقامة شرع الإسلام، وقد جرى على ذلك الصحابة والخلفاء من بعدهم كما تقدم. # دعا الإسلام البشر كلهم إلى دين واحد يتضمن توحيد اللغة وغيرهما من ~~مقومات الأمم فكانوا يدخلون فيه أفواجا، حتى امتد فى قرن واحد ما بين ~~المحيط الغربى إلى أقصى الهند أو الصين، ولولا ما طرأ عليه من الابتداع، ~~وعلى حكوماته من الظلم والاستبداد، وعلى شعوبه من الجهل والفساد، والتفرق ~~بالاختلاف. لدخل فيه أكثر البشر، ولصارت لغته لغة لكل من دخل فى حظيرته من ~~الأمم فمن غرائزهم اختيار الأفضل إذا عرفوه، بل علمنا القرآن أن هذه سنة ~~عامة. فى الاجتماع البشرى، بل فى كل تنازع بين الحق والباطل، والنافع ~~والضار، والصالح والفاسد، إنما يكون الغلب للأفضل والثبات والبقاء للأمثل، ~~فراجع الآيات فى دمغ الحق للباطل، ثم اعتبر فيه بهذا المثل الماثل: أنزل من ~~السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه ~~في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما ~~الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله ~~الأمثال [الرعد: 17]. PageV01P192 # قال أحد كبار العلماء الألمان فى الآستانة لبعض المسلمين وفيهم أحد شرفاء ~~مكة: إنه ينبغى لنا أن نقيم تمثالا من الذهب لمعاوية بن أبى سفيان فى ميدان ~~كذا من عاصمتنا (برلين). قيل له لماذا؟ قال: لأنه هو الذى حول نظام الحكم ~~الإسلامى عن قاعدته الديمقراطية على عصبية الغلب، ولولا ذلك ms161 لعم الإسلام ~~العالم كله، وإذن لكنا نحن الألمان وسائر شعوب أوروبا عربا مسلمين. # قد أعجبت هذا الألمانى عصبيته القومية، وخيلاؤه الأوروبية، التى عتلت ~~قومه وجيرانهم إلى جحيم الحرب الأخيرة عتلا «1» فأخسرت أوروبا عشرين مليونا ~~من الرجال، وألوف الملايين من الأموال، وباء فيها قومه بالخزى والنكال، ~~وسيطرة الاستذلال، وإنما كان كره أن يكونوا قد اهتدوا بالإسلام، بما صرفت ~~بصره وعصبيته الألمانية، عن رؤية المصلحة الإنسانية الجامعة، ولو نظر فيها ~~فأبصرها لعلم أن الأفضل والأمثل والأكمل للبشر توحيد شعوبهم بحيث يتفاضلون ~~بعلوم أفرادهم وأعمالهم، لا بأنسابهم وأوطانهم ولغاتهم المفرقة بينهم، وهو ~~قد علم من قبل أن هذه الجامعة الإنسانية لا سبيل إليها إلا بهداية الإسلام ~~فلا تنال إلا به، ولو اهتدت به أوروبا اليوم لزالت أضغانها، ووجهت علومها ~~وفنونها إلى إسعاد البشر وعمارة الأرض كلها، فإن إصرار الإفرنج على ~~الكبرياء بجلدتهم البيضاء واحتقارهم للسود والحمر والسمر والصفر وهضمهم ~~لحقوقهم، واستباحتهم لظلمهم. لمن أكبر العار على حضارتهم، وإن استثناءهم ~~للأصفر اليابانى أخيرا من هذا الاحتقار، لما يلطخهم بعار فوق عار، وإن ~~حضارة الإسلام الإنسانية الجامعة لتعلو عليها ألوف من الأميال لا الأمتار. # فهل يعقل أن يكون تقرير هذه الأصول التى توحد الأمم والشعوب وتؤلف بينها ~~بما يجمع كلمتهم عليها بالوازع النفسى لا بالقهر العسكرى من رأى أو إلهام ~~نبع من نفس محمد الأمى فى سن الكهولة ففاق بها جميع الأنبياء والحكماء؟ أم ~~الأقرب إلى العقل أن تكون بوحى من الله تعالى أفاضه عليه صلى الله عليه ~~وسلم؟ «2». PageV01P193 ### || AUTO المقصد الخامس من مقاصد القرآن «وتقرير مزايا الإسلام العامة ~~فى التكاليف الشخصية من الواجبات والمحظورات» ونلخص أهمها بالإجمال فى عشر ~~جمل أو قواعد ### ||| AUTO الأولى # كونه وسطا جامعا لحقوق الروح والجسد، ومصالح الدنيا والآخرة، وهو نص قوله ~~تعالى: وكذلك جعلناكم أمة وسطا [البقرة: 143] وقد تقدم ذكره وبيان معنى ~~الشهادة على الناس فيها، وبينا فى تفسيرها فى أول الجزء الثانى من تفسير ~~المنار أن المسلمين وسط بين الذين تغلب عليهم الحظوظ الجسدية والمنافع ~~المادية كاليهود، والذين ms162 تغلب عليهم التعاليم الروحية وتعذيب الجسد وإذلال ~~النفس والزهد ... كالهندوس والنصارى، وإن خالف هذه التعاليم أكثرهم. ### ||| AUTO الثانية # كون غايته الوصول إلى سعادة الدنيا والآخرة بتزكية النفس بالإيمان الصحيح ~~ومعرفة الله والعمل الصالح ومكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، لا بمجرد ~~الاعتقاد والاتكال، ولا بالشفاعات وخوارق العادات، وتقدم بيانه أيضا. ### ||| AUTO الثالثة ### ||| AUTO كون الغرض منه التعارف والتأليف بين البشر لا زيادة التفريق ~~والاختلاف كما يزعم أعداء الأديان، وتقدم شواهده فى كونه عاما مكملا ومتمما ~~لدين الله على ألسنة رسله فى الكلام على آية القرآن وعموم بعثة محمد صلى ~~الله عليه وسلم، وفى الكلام على الرسل من المقصد الثانى وإنما تفصيل أصوله ~~فى تلك الوحدات الثمانى التى بيناها آنفا فى المقصد الرابع. # الرابع # كونه يسرا لا حرج فيه ولا عسر ولا إرهاق ولا إعنات، قال الله عز وجل: لا ~~يكلف الله نفسا إلا وسعها [البقرة: 286] وقال بلغت حكمته: ولو شاء الله ~~لأعنتكم [سورة البقرة: الآية 220]، وقال عظمت رأفته: يريد الله بكم اليسر ~~ولا يريد بكم العسر [البقرة: # 185]، وقال جلت منته: وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم ~~في الدين PageV01P194 ~~من حرج [الحج: 78]، وقال عمت رحمته: ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ~~[المائدة: 6]. # ومن فروع هذا الأصل أن الواجب الذى يشق على المكلف أداؤه ويحرجه ويسقط ~~عنه إلى بدل أو مطلقا كالمريض الذى يرجى برؤه، والذى لا يرجى برؤه ومثله ~~الشيخ الهرم- الأول يسقط عنه الصيام ويقضيه كالمسافر، والثانى لا يقضى بل ~~يكفر عن فطره بإطعام مسكين فدية عن كل يوم إذا قدر- وأما المحرم فيباح ~~للضرورة بنص القرآن وإن كان تحريمه أو النهى عنه لسد ذريعة الفساد فيباح ~~للحاجة كما بيناه فى تفسير آيات الربا وآيات الصيام، وآية محرمات الطعام «1». ### ||| AUTO الخامسة # منع الغلو فى الدين وإبطال جعله تعذيبا للنفس بإباحة الطيبات والزينة ~~بدون إسراف ولا كبرياء وقد فصلنا ذلك فى تفسير الآيات الواردة فى الأمر ~~بالأكل من الطيبات فى سورة البقرة، وسورة المائدة، وتفسير قوله تعالى: يا ~~بني آدم ms163 خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب ~~المسرفين (31) قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل ~~هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم ~~يعلمون [الأعراف: 31، 32]. # وقال الله تعالى: يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم [النساء: 171]، وفى ~~هذا النهى اعتبار للمسلمين لأنهم أولى بالانتهاء عن الغلو بأن دينهم دين ~~الرحمة واليسر، والأحاديث الصحيحة فى نهى المسلمين عن الغلو فى العبادة وعن ~~ترك الطيبات، وعن الرهبانية والخصاء، مبينة لهذه الآيات وهى مصداق تسمية ~~النبى صلى الله عليه وسلم لملته بالحنيفية السمحة. ### ||| AUTO السادسة # قلة تكاليفه وسهولة فهمها، وقد كان الأعرابى يجيء النبى صلى الله عليه ~~وسلم من البادية فيسلم فيعلمه ما أوجب الله وما حرم عليه فى مجلس واحد ~~فيعاهده على العمل به فيقول صلى الله عليه وسلم: «أفلح الأعرابى إن صدق»، ~~وكان هذا أعظم أسباب قبول الناس له، ولكن الفقهاء أكثروا بآرائهم ~~الاجتهادية حتى صار العلم بها متعسرا، والعمل بها كلها متعذرا، ولا يعترض ~~على هذه PageV01P195 ~~المزية بالصلوات الخمس فى كل يوم وليلة؛ فإن أقل ما تجزئ به كل صلاة منها ~~يمكن أن يؤدى فى خمس دقائق، ومنها صلاة وقتها عقب القيام من النوم فى ~~الصباح، وصلاة قبل النوم فى الليل، فهل يشق على المرء أن يؤدى فى سائر يومه ~~ثلاث صلوات متفرقة فى ربع ساعة منه؟ # فإن قيل: إنه يشترط فيه الطهارة. قلنا: إن طهارة البدن والثياب مطلوبة ~~شرعا وطبا فى كل وقت، فهى تكون قبل الصلاة فلا تضيع على المسلم وقتا ولا ~~عملا فى أثناء النهار إلا نادرا، وكذلك الغسل الواجب قلما يجب إلا فى الليل ~~أو الصباح، وأما الوضوء فلا يشق منه فى أثناء العمل إلا غسل الرجلين على ~~الذين يلبسون الجوارب والأحذية العصرية، ومن لبسها على طهارة يجوز له المسح ~~عليها بدلا من الغسل، وأما فوائد هذه الصلاة وهذه الطهارة فى النفس والبدن، ~~فهى لا تقدر بثمن، فالصلاة تطهير للنفس وتزكية ms164 لها بمناجاة المؤمن لربه ~~فتصده عن الفحشاء والمنكر «1». ### ||| AUTO السابعة # انقسام التكليف إلى عزائم ورخص، وكان ابن عباس يرجح جانب الرخص، وابن عمر ~~يرجح العزائم، والناس درجات فى التقصير والتشمير والاعتدال، فهو يوافق ~~البدوى الساذج والفيلسوف الحكيم وما بينهما من الطبقات. قال الله تعالى: ثم ~~أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم ~~سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير [فاطر: 32]. ### ||| AUTO الثامنة # نصوص الكتاب والسنة وهدى السنة مراعى فيهما درجات تفاوت البشرية فى العقل ~~والفهم وعلو الهمة وضعفها، فالقطعى منها هو العام، وغير القطعى تتفاوت فيه ~~الأفهام، فيأخذ كل أحد منه بما أداه إليه اجتهاده، ولذلك كان النبى صلى ~~الله عليه وسلم يقر كل أحد من أصحابه فيه على اجتهاد كما فعل عند ما نزلت ~~آية البقرة فى الخمر والميسر والدالة على تحريمهما دلالة ظنية فتركهما ~~بعضهم دون بعض، وأقر كلا على اجتهاده إلى أن نزلت آيتا المائدة بالتحريم ~~القطعى. قال الله تعالى: وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا ~~العالمون PageV01P196 ~~[العنكبوت: 43] وبيان ذلك أن الفرائض الدينية العامة فيه، والمحرمات ~~الدينية العامة لا يثبتان إلا بنص قطعى يفهمه كل أحد، والأول مذهب الحنفية. ~~وأما الثانى وهو التحريم فهو مذهب جمهور السلف أيضا، وأما الآيات الظنية ~~الدلالة وأحاديث الآحاد الظنية الرواية أو الدلالة، هى موكولة إلى اجتهاد ~~من ثبت عنده فى العبادات والأعمال الشخصية، وإلى اجتهاد أولى الأمر فى ~~الأحكام القضائية والأمور السياسية، وقد بينا هذا فى مواضع من التفسير ~~والمنار. ### ||| AUTO التاسعة # معاملة الناس بظواهرهم، وجعل البواطن موكولة إلى الله تعالى، فليس لأحد ~~من الحكام ولا الرؤساء الرسميين ولا لخليفة المسلمين أن يعاقب أحدا، ولا أن ~~يحاسبه على ما يعتقد أو يضمر فى قلبه، وإنما العقوبات على المخالفات ~~العملية للأحكام العامة المتعلقة بحقوق الناس ومصالحهم، وقد فصلنا هذا فى ~~أحكام المنافقين من خلاصة تفسير سورة براءة (التوبة). ### ||| AUTO العاشرة # مدار العبادات كلها على اتباع ما جاء به النبى صلى الله عليه وسلم فى ~~الظاهر، ms165 فليس لأحد فيها رأى شخصى ولا رئاسة، ومدارها فى الباطن على الإخلاص ~~لله تعالى وصحة النية، والآيات والأحاديث فى الأمرين كثيرة. # ... كل واحدة من هذه العشر: جديرة بأن تجعل مقصدا خاصا من مقاصد الوحى، ~~ويستدل بها على أنه من عند الله عز وجل: لا من الآراء والإلهامات النفسية ~~لمحمد صلى الله عليه وسلم الأمى فى عهد الكهولة، وقد جاءت مصلحة لما أفسده ~~رؤساء الأديان كلها من السيطرة على عقائد الناس وأعمالهم، والتحكم فى ~~وجدانهم، وهو لم يكن يعلم من تفصيل هذه المفاسد شيئا، وإنما غرضنا ~~الاختصار، لأن أهل هذا العصر مترفون كثيرو الشواغل فيملون التطويل. PageV01P197 ### || AUTO المقصد السادس من مقاصد القرآن بيان حكم الإسلام السياسى ~~الدولى: نوعه، وأساسه، وأصوله العامة # الإسلام دين هداية وسيادة وسياسة وحكم، لأن ما جاء به من إصلاح البشر فى ~~جميع شئونهم الدينية، ومصالحهم الاجتماعية والقضائية، يتوقف على السيادة ~~والقول والحكم بالعدل وإقامة الحق، والاستعداد لحماية الدين والدولة، وفيه ~~أصول وقواعد. ### ||| AUTO القاعدة الأساسية الأولى للحكم الإسلامى # الحكم فى الإسلام للأمة، وشكله الشورى، ورئيسه الإمام أو (الخليفة) منفذ ~~لشرعه، والأمة هى التى تملك نصبه وعزله، قال الله تعالى فى صفات المؤمنين: ~~وأمرهم شورى بينهم [الشورى: 38]، وقال لرسوله صلى الله عليه وسلم: وشاورهم ~~في الأمر [آل عمران: 159]، وكان صلى الله عليه وسلم يشاور أصحابه فى ~~المصالح العامة من سياسية وحربية ومالية مما لا نص فيه فى كتاب الله تعالى، ~~وقد بينت فى تفسيرها حكمة ترك الشورى لاجتهاد الأمة لأنها مصلحة تختلف ~~باختلاف الأحوال والأزمنة، ولو قيدت بنظام لجعل تعبديا «1». # وقال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي ~~الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون ~~بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا [النساء: 59] فأولو الأمر أهل ~~الحل والعقد والرأى الحصيف فى مصالحها الذين تثق بهم الأمة وتتبعهم فيما ~~يقررونه بدليل قوله تعالى بعد تلك الآية من السورة نفسها: وإذا جاءهم أمر ~~من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ms166 ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم ~~لعلمه الذين يستنبطونه [النساء: 83] فأولو الأمر الذين كانوا مع الرسول ~~وكان الأمر يرد إليه وإليهم فى الشئون العامة للأمن من الأمن والخوف ~~وغيرهما: هم الذين كان صلى الله عليه وسلم يستشيرهم فى الأمور الدقيقة ~~والسرية المهمة. وكان يستشير جمهور المسلمين فيما لهم به علاقة عامة ويعمل ~~برأى الأكثر وإن خالف رأيه، كاستشارتهم فى غزوة أحد فى أحد الأمرين: الحصار ~~فى المدينة أو الخروج إلى أحد للقاء المشركين فيه. وكان رأيه ورأى بعض كبار ~~الأمة الأول، ورأى الجمهور الثانى، فنفذ رأى الأكثر، ولكنه استشار فى مسألة ~~أسرى بدر خواص أولى PageV01P198 ~~الأمر، وعمل برأى أبى بكر كما فصلناه فى تفسير سورة الأنفال، ولم تكن آية ~~الأمر له بالمشاورة قد نزلت فهى إنما نزلت فى غزوة أحد (وكانت غزوة بدر فى ~~السنة الثانية للهجرة وغزوة أحد فى الرابعة). # وقد بينت فى تفسير الآية الأولى [وهى الآية: 58 من سورة المائدة] ما تدل ~~عليه من قواعد الحكم الإسلامى وكونه أفضل من الحكم النيابى الذى عليه دول ~~هذا العصر «1». # ومن الدلائل الكثيرة على أن التشريع القضائى والسياسى هو حق الأمة المعبر ~~عنها فى الحديث بالجماعة: أن القرآن يخاطب بها جماعة المؤمنين فى هاتين ~~الآيتين الخاصتين بالحكم العام والدولة وفى سائر الأحكام العامة كقوله ~~تعالى: براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين [التوبة: 1] وما ~~يليها من الآيات المتعلقة بالمعاهدات والحرب والصلح، وما فى معناها من سور ~~الأنفال، والبقرة، وآل عمران، ومثل قوله تعالى: وإن طائفتان من المؤمنين ~~اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى ~~تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب ~~المقسطين [الحجرات: 9]. # وكذلك خطابه لهم فى أحكم الأموال كالغنائم وتخميسها وقسمتها، وأحكام ~~النساء وغيرها (وقد بينا هذا كله فى مواضعه من التفسير). # وقد صرح كبار النظار من علماء الأصول بأن السلطة فى الإسلام للأمة ~~يتولاها أهل الحل والعقد الذين ينصبون عليها الخلفاء والأئمة ويعزلونهم إذا ms167 ~~اقتضت المصلحة عزلهم. # قال الإمام الرازى فى تعريف الخلافة: هى رئاسة عامة فى الدين والدنيا ~~لشخص واحد من الأشخاص. وقال فى القيد الأخير (الذى زاده على من قبله): هو ~~احتراز عن كل الأمة إذا عزلوا الإمام لفسقه. # وقال العلامة السعد التفتازانى فى شرح المقاصد عند ذكر هذا التعريف وما ~~علل به القيد الأخير: وكأنه أراد بكل الأمة أهل الحل والعقد واعتبر رياستهم ~~على من عداهم أو على كل من آحاد الأمة. أ. ه. # وقد فصلنا مسألة سلطة الأمة فى كتابنا «الخلافة أو الإمامة العظمى». # فهذه القاعدة الأساسية لدولة الإسلام أعظم إصلاح سياسى للبشر قررها ~~القرآن فى PageV01P199 ~~عصر كانت فيه جميع الأمم مرهقة بحكومات استبدادية استعبدتها فى أمور دينها ~~ودنياها، وكان أول منفذ لها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يكن يقطع ~~أمرا من أمور السياسة والإدارة العامة للأمة إلا باستشارة أهل الرأى ~~والمكانة فى الأمة، ليكون قدوة لمن بعده. # ثم جرى على ذلك الخلفاء الراشدون. فقال الخليفة الأول أبو بكر الصديق رضى ~~الله عنه فى أول خطبة خطبها على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عقب ~~مبايعته: «أما بعد فقد وليت عليكم ولست بخيركم، فإذا استقمت فأعينونى، وإذا ~~زغت فقومونى». # وقال الخليفة الثانى عمر بن الخطاب رضى الله عنه: «من رأى منكم فى عوجا ~~فليقومه» فقال أعرابى: لو رأينا فيك عوجا لقومناه بسيوفنا، فقال: «الحمد ~~لله الذى جعل فى المسلمين من يقوم عوج عمر بسيفه»، وكان يجمع أهل العلم ~~والرأى من الصحابة ويستشيرهم فى كل مسألة ليس فيها نص من كتاب الله، ولا ~~سنة أو قضاء من رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وقال الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضى الله عنه: «أمرى لأمركم تبع». ~~وكذلك كان عمل الخليفة الرابع على المرتضى رضى الله عنه وكرم وجهه، ولا ~~أذكر له كلمة مختصرة مثل هذه الكلمات على المنبر. # وإذا أوجب الله المشاورة على رسوله فغيره أولى، ولا يصح أن يكون حكم ~~الإسلام أدنى من حكم ملكة سبأ العربية، فقد ms168 كانت مقيدة بالشورى، ووجد ذلك ~~فى أمم أخرى وامتاز الإسلام بجعله دينا ثابتا بقول الله وسنة رسوله العلمية ~~وسيرة الخلفاء الراشدين وإجماع الأمة، وإن جهل ذلك من جهله من الفقهاء، ~~فجعلوها فضيلة مندوبة لا واجبة لإرضاء الملوك والأمراء. # ذلك بأن ملوك المسلمين زاغوا بعد ذلك عن الصراط المستقيم إلا قليلا منهم، ~~وشايعهم علماء الرسوم المنافقون، وخطباء الفتنة الجاهلون، حتى صار المسلمون ~~يجهلون هذه القاعدة الأساسية لحكومة دينهم، وكان من حسن حظ الإفرنج فى ~~حربهم الصليبية أن كان سلطان المسلمين الذى نصره الله عليهم يقتفى فى حكمه ~~أثر الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز بقدر علمه- وهو صلاح الدين ~~الأيوبى (ر. ح) الذى قال لأحد رجاله المتميزين عنده وقد استجداه على رجل ~~غشه: «ما عسى أن أصنع لك وللمسلمين؟ قاض يحكم بينهم، والحق الشرعى مبسوط ~~للخاصة والعامة، وأوامره ونواهيه ممتثلة، وإنما أنا عبد الشرع وشحنته، ~~فالحق يقضى لك أو عليك» ومعنى عبارة السلطان أنه ليس منفذا لحكم الشرع- ~~كالشحنة وهو صاحب الشرطة- وأن القضاة مستقلون بالحكم لأنهم يحكمون بالشرع ~~العادل المساوى PageV01P200 ~~بين الناس. وقد اقتبس الصليبيون منه طريقة حكمه، ثم درسوا تاريخ الإسلام ~~فعرفوا منه ما جهله أكثر المسلمين المتأخرين حتى أسسوا حكم دولهم على قاعدة ~~سلطة الأمة التى جاء به الإسلام، وصاروا يدعونها لأنفسهم، ويعيبون الحكومات ~~الإسلامية باستبدادها، ثم يجعل الإسلام نفسه سبب هذا الاستبداد والحكم ~~الشخصى، وصار المسلمون الجاهلون بدينهم وبتاريخهم يصدقونهم، ويرى المشتغلون ~~بالسياسة وعلم الحقوق منهم أنه لا صلاح لحكوماتهم إلا بتقليدهم، فكان هذا ~~من أسباب ضياع أعظم مزايا الإسلام السياسية التشريعية وذهاب أكثر ملكه، ~~وصدق عليه أنهم يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدى أعدائهم، وهم يعدون مئات ~~الملايين، فتدبر قوله تعالى فى أعدائهم الأولين يخربون بيوتهم بأيديهم ~~وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار [الحشر: 2]. PageV01P201 ### ||| AUTO أصول التشريع فى الإسلام # المعروف عند جمهور أهل السنة أن أصول التشريع الأساسية أربعة: # (1) القرآن المجيد، والمشهور عند علماء الأصول: أن آيات الأحكام العملية ~~فيه، من دينية وقضائية وسياسية لا تبلغ عشر آياته، وعدها بعضهم خمسمائة ms169 آية ~~للعبادات والمعاملات، والظاهر أنهم يعنون الصريح منها، وأكثرها فى الأمور ~~الدينية، لأن أكثر أمور الدنيا موكول إلى عرف الناس واجتهادهم. # (2) ما سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم للعمل والقضاء به من بيان ~~وتنفيذ لكتاب الله تعالى، وقالوا أيضا: إن أحاديث الأحكام الأصول خمسمائة ~~حديث تمدها أربعة آلاف فيما أذكر. # (3) إجماع الأمة؛ واتفق أهل السنة على الاحتجاج بإجماع الصحابة فى ~~الدينيات، والشيعة على إجماع أهل البيت فى عرفهم، وفى إجماع المجتهدين من ~~غيرهما تفصيل. # (4) اجتهاد الأئمة والأمراء والقضاة والقواد فى الأمور القضائية ~~والسياسية والإدارية والحربية، فخصه بعض الفقهاء بالقياس. وأنكر بعضهم ~~القياس وأقره آخرون كما فصلنا ذلك فى مواضع، أبسطها ما فى تفسير آية 101 من ~~سورة المائدة. # ورد فى هذا الترتيب أحاديث وآثار تدل على العمل به فى عهد النبى صلى الله ~~عليه وسلم، والخلفاء الراشدين (منها) حديث معاذ أن النبى صلى الله عليه ~~وسلم لما أرسله إلى اليمن قال له: «كيف تصنع إذا عرض لك قضاء؟». قال أقضى ~~بما فى كتاب الله، قال: «فإن لم يكن فى كتاب الله؟». # قال: فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «فإن لم يكن فى سنة رسول ~~الله؟». قال: أجتهد رأيى لا آلو. قال معاذ: فضرب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، صدرى ثم قال: «الحمد لله الذى وفق رسول رسول الله لما يرضى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم». رواه أبو داود والترمذى من طريق الحارث بن عمرو، وفيه ~~مقال وله شواهد، وأما العمل بهذا الترتيب فهو معروف عن الخلفاء الراشدين، ~~قد بيناه فى محله وبه أمر عمر رضى الله عنه قاضيه شريح فى كتابه المشهور فى ~~القضاء ولكن الفقهاء يقدمون الإجماع حتى العرفى عند علماء الأصول- وهو ~~مختلف فيه- على النص المختلف فى حكمه. # والأصل فى شرعية اجتهاد الرأى للحكام حديث: «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم ~~أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر واحد». رواه الجماعة كلهم ~~عن أبى هريرة إلا الترمذى فعن عمرو بن العاص. PageV01P202 # بل ms170 كان النبى صلى الله عليه وسلم يعطى أمراء الجيوش والسرايا حق الحكم بما ~~يرون فيه المصلحة بقوله للواحد منهم: «وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك على أن ~~تنزلهم حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا ~~تدرى أتصيب فيهم حكم الله أم لا». رواه أحمد، ومسلم، والترمذى، وابن ماجة ~~من حديث بريدة. وقال مثل ذلك فى إنزالهم على ذمة الأمير دون ذمة الله ~~ورسوله لئلا يخفرها، وهذا من أوسع النصوص الصحيحة فى تفويض الأحكام ~~السياسية والعسكرية إلى الخلفاء والأمراء وقواد الجيوش، لأنها من المصالح ~~العامة التى تختلف باختلاف الزمان والمكان والأحوال، وهو مذهب الإمام مالك (ر ح). ### ||| AUTO قواعد الاجتهاد من النصوص # أحكام الكتاب والسنة: منها أحكام خاصة بالأعمال والوقائع، ومنها قواعد ~~عامة للتشريع، والأحكام الخاصة، منها: ما هو قطعى الرواية والدلالة لا مجال ~~للاجتهاد فيه ولا معدل عن الحكم به إلا لمانع شرعى، من فوات شرط، كدرء حد ~~بشبهة أو عذر ضرورة. # وقد أمر عمر رضى الله عنه فى المجاعة ألا يحد سارق. ومنها ما هو غير قطعى ~~يعمل فيه باجتهاد من يناط به الحكم والتنفيذ من أمير أو قاض أو قائد جيش، ~~كما تقدم قريبا فى العبادات والمحرمات. # وأما القواعد العامة فهى ما تجب مراعاته فى الأحكام المختلفة، وأهمها فى ~~الإسلام تحرى الحق والعدل المطلق العام، والمساواة فى الحقوق والشهادات ~~والأحكام، وحفظ المصالح ودرء المفاسد، ومراعاة العرف بشرطه، ودرء الحدود ~~بالشبهات، وكون الضرورات تبيح المحظورات، وتقدير الضرورة بقدرها، ودوران ~~المعاملات على اكتساب الفضائل، واجتناب الرذائل، وحسبك بالشواهد من القرآن ~~على قاعدة إيجابى العدل المطلق والشهادة وتحريم الظلم. ### ||| AUTO العدل والمساواة فى الإسلام نصوص القرآن فى إيجاب العدل ~~المطلق والمساواة فيه وحظر الظلم # لما كان العدل أساس الأحكام وميزان التشريع وقسطاسه المستقيم، أكد الله ~~تعالى الأمر به والمساواة فيه بين الناس فى السورة المكية والمدنية. قال ~~الله تعالى: إن الله يأمر بالعدل والإحسان [النحل: 90]، وقال الله تعالى: ~~إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ms171 وإذا PageV01P203 ~~حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل [النساء: 58]، وقال الله تعالى: يا أيها ~~الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين ~~والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن ~~تعدلوا «1» وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا [النساء: 135]. # أمر الله تعالى المؤمنين بالمبالغة فى القيام بالقسط وهو العدل فإن ~~القوام (بتشديد الواو) صيغة مبالغة للفاعل بالقيام بالأمر وعدم التهاون ~~والتقصير فيه، وبأن تكون شهادتهم فى المحاكمات وغيرها لله عز وجل لا لهوى ~~ولا مصلحة أحد، ولو كانت على أنفسهم أو والديهم والأقربين منهم، وأن لا ~~يحابوا فيها غنيا لغناه تقربا إليه أو تكريما له، ولا فقيرا لفقره رحمة به ~~وشفقة عليه، ونهاهم عن اتباع الهوى فى الحكم أو الشهادة لأجل كراهة العدل ~~فيهما لمراعاة من ذكر من الناس، وأنذرهم عقابه إن لووا- أى مالوا عن الحق ~~أو أعرضوا عنه-. # وقال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا ~~يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن ~~الله خبير بما تعملون [المائدة: 8]، فهذه الآية متممة لما قبلها، فهناك ~~يأمر بالمساواة فى العدل والشهادة بين النفس وغيرها، وبين القريب والبعيد، ~~وبين الغنى والفقير، وهاهنا يأمر بالمساواة فيهما بين الإنسان وأعدائه مهما ~~يكن سبب عداوتهم، لا فرق فيها بين دينى ودنيوى، فالشنآن البغض والعداوة ~~وقيل مع الاحتقار، فمعنى قوله تعالى: ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا ~~لا يحملنكم بغضهم وعداوتهم لكم أو بغضكم وعداوتكم لهم على ترك العدل فيهم، ~~فالعدل بالمساواة أقرب إلى تقوى الله. وأنذر تارك العدل لأجل الشنآن بمثل ~~ما أنذر به تارة للمحاباة، أنذر كلا منهما بأن الله خبير بما يعمله لا يخفى ~~عليه منه شىء، فهو يحاسبه على عمله وعلى نيته وقصده منه، فيثيبه أو يعاقبه ~~على ما يعلم من أمره. # فالعدل هو الميزان فى قوله تعالى: الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان ~~[الشورى: 17]، وقوله تعالى: لقد أرسلنا ms172 رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب ~~والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس ~~[الحديد: 25] الآية. فخير الناس PageV01P204 ~~من يصدهم عن الظلم والعدوان هداية الكتاب وهو القرآن، يليهم من يصدهم العدل ~~الذى يقيمه السلطان، وشرهم من لا علاج له إلا حديد السيف والسنان، والمراد ~~به العقاب. # فقوام صلاح العالم بالإيمان بالكتاب الذى يحرم الظلم وسائر المفاسد، ~~فيجتنبها المؤمن خوفا من عذاب الله فى الدنيا والآخرة ورجاء فى ثوابه ~~فيهما، وبالعدل فى الأحكام الذى يردع الناس عن الظلم بعقاب السلطان، ~~وبالحديد، والمراد به القوة التى تصد الثورات والفتن وتحفظ الأمن. PageV01P205 ### ||| AUTO حظر الظلم فى الإسلام الشواهد على حظر الظلم ومفاسده وعقابه: # ويؤيد قاعدة إقامة العدل ما ورد فى تحريم الظلم والوعيد الشديد عليه؛ فقد ~~ذكر الظلم فى مئات من آيات القرآن أسوأ الذكر، وقرن فى بعضها بأسوإ العواقب ~~فى الدنيا والآخرة، وبأن الجزاء عليه فيهما أثر لازم له لزوم المعلوم ~~للعلة، والمسبب للسبب، وأن الناس هم الذين يظلمون أنفسهم ولا يظلم ربك أحدا ~~[الكهف: 49]، ومن أثره وعاقبته فى الدنيا أنه مهلك الأمم، ومخرب العمران، ~~قال الله تعالى: وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون [هود: 117]، ~~أى ما كان من شأنه ولا من سننه فى نظام الاجتماع أن يهلك الأمم بظلم منه ~~لهم، أو بشرك به يقع منهم «1» وهم مصلحون فى سيرتهم وأعمالهم، وإنما يهلكهم ~~بظلمهم وإفسادهم، كما قال الله تعالى: وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا ~~وجعلنا لمهلكهم موعدا [الكهف: 59]، وقال الله تعالى فى الأحكام: ومن لم ~~يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون [المائدة: 45]، ورد هذا فى حكم ~~القصاص. # وحسبنا هذه الشواهد القليلة من الآيات الكثيرة المكررة فى نوعى الظلم، ~~ظلم الأفراد وظلم الأمم، ومن الأول ظلم الإنسان لنفسه وظلمه لغيره، ومنه ~~الظلم فى الحكم والظلم فى القول والعمل من إيذاء بدنى أو مالى أو غيرهما، ~~وفاقا لحكمة التكرار التى بيناها من قبل «2». PageV01P206 ### ||| AUTO قواعد مراعاة الفضائل فى الأحكام والمعاملات # من استقرأ الأحكام الشرعية فى الكتاب والسنة بأنواعها ms173 من شخصية ومدنية ~~وسياسية وحربية يرى أن الغرض منها كلها قاعدة مراعاة الفضائل فيها من الحق ~~والعدل والصدق والأمان والوفاء بالعهود، والعقود والرحمة والمحبة والمواساة ~~والبر والإحسان، واجتناب الرذائل من الظلم والغدر ونقض العهود والكذب ~~والخيانة والقسوة والغش والخداع، وأكل أموال الناس بالباطل كالربا والرشوة ~~والسحت، وشره وأضره التجارة بالدين والرياء فيه وهو أساس النفاق الدينى ~~الذى هو شر الكفر وأحقره. # وأما العقوبات فى الإسلام فهى قسمان؛ (أحدهما): الحدود؛ وهى أقلها وهى ما ~~فرض من عقاب معين على جرم مبين بالنص كالقتل لحفظ الأنفس، والزنا لحفظ ~~العرض والنسل، والسرقة لحفظ المال، والفساد فى الأرض بقطع الطرق لحفظ ~~الأمن، والسكر لحفظ العقل، وبعض العلماء لا يجعل عقابه حدا لعدم النص فى ~~القرآن ولا فى السنة فى تحديده، والحكمة فى هذه الحدود المعينة إرهاب ~~الأشقياء والفساق، واشترط فى إثبات الزنا شروطا قلما تتحقق إلا بإقرار ~~الفاعل، وورد فى السنة أمر الزانى بالستر على نفسه وترغيبه عن الإقرار، مع ~~الأمر بدرء الحدود بالشبهات، فقد روى فى الأحاديث المشتهرة مرفوعا من طرق ~~فيها مقال بلفظ: «ادرءوا الحدود بالشبهات» وبلفظ: «ادرءوا الحدود عن عباد ~~الله» وبلفظ: «عن المسلمين ما استطعتم، فإن وجدتم للمسلم مخرجا فخلوا سبيله ~~فإن الإمام لأن يخطئ فى العفو خير من أن يخطئ فى العقوبة». وروى الأخير عن ~~عمر رضى الله عنه وهو مشهور وعليه عامة الفقهاء. # وقالوا: إن إقامة الحدود من حق الإمام الأعظم (الخليفة) دون غيره من ~~الحكام. # (وثانيهما): التعزير، وهو مفوض إلى اجتهاد الحكام مع وجوب العدل وحفظ ~~المصالح العامة والخاصة وهو الأعم الأشمل. # والعبرة فى كل هذه القواعد التى فضل بها الإسلام جميع شرائع الأنبياء ~~وقوانين الحكماء والعلماء، أنها قد جاءت على لسان نبى أمى نشأ بين أميين ~~ليس عندهم شرع منزل، ولا قانون مدون، فهل يعقل أن يكون إلهاما فجأة فى سن ~~الكهولة منبجسا من نفسه، ولم يؤثر عنه قبله شىء من مثله؟ PageV01P207 # كيف يكون هذا هو مخالف لاستعداد البشر من قبله ومن بعده؟ أم المعقول أنه ms174 ~~وحى من ربه؟ # ألا إنه لهو وحى ربه كما قال الله تعالى: والنجم إذا هوى (1) ما ضل ~~صاحبكم وما غوى (2) وما ينطق عن الهوى (3) إن هو إلا وحي يوحى [النجم: 1 - 4]. PageV01P208 ### || AUTO المقصد السابع من مقاصد القرآن: الإرشاد إلى الإصلاح المالى ### ||| AUTO تمهيد: # بينا مقاصد القرآن أو أصول فقهه فى إصلاح البشر من طريق التدين والإيمان ~~والعمل والإذعان، ومن طريق العقل والبرهان والفكر والوجدان، ومن طريق الحكم ~~العادل والسلطان، ومن طريق إكمال نوع الإنسان، وما يتعلق منه بالأفراد، وما ~~يتعلق منه بوحدة الجماعات والأجناس، وبقى ما يتعلق بفقهه فى إصلاح المفاسد ~~الاجتماعية الكبرى الذى يتوقف كماله على ما تقدم كله وهى: # (1) طغيان الثروة ودولتها. # (2) عدوان الحرب وقسوتها. # (3) ظلم المرأة واستباحتها. # (4) ظلم الضعفة والأسرى وسلب حريتهما، وهو الرق المطلق. # ذلك بأن جميع حظوظ الدنيا منوطة بها، ولا يتم الإصلاح فيها إلا بتعاون ~~الدين والعقل، والعلم والحكمة والحكم، وإننا نتكلم عليها بالإجمال، مبتدئين ~~بإرشاده فى مسألة المال، والآيات فيها تدور على سبعة أقطاب، وهاك البيان: ### ||| AUTO القطب الأول: القاعدة العامة فى المال؛ كونه فتنة واختبارا فى ~~الخير والشر # القاعدة الأساسية للقرآن فى المال أنه فتنة، أى اختبار وامتحان للبشر فى ~~حياتهم الدنيوية من معايش ومصالح، إذ هو الوسيلة إلى الإصلاح والإفساد، ~~والخير والشر، والبر والفجور، وهو مثار التنافس فى كسبه وإنفاقه، وكنزه ~~واحتكاره، وجعله دولة بين الأغنياء وتداوله فى المصالح والمنافع بين الناس. # وقد كان وما زال مثيرا للعداوات بين الأفراد والجماعات من الأقوام والدول ~~وحلال المشكلات وشفاء المعضلات فيها، حتى ذهب بعض علماء الاجتماع إلى جعله ~~هو السبب PageV01P209 ~~لجميع الانقلابات السياسية والاجتماعية، وكذا الدينية حتى الإسلامية، كما ~~بينت هذا فى التفسير ونقضته بما يعلم برهانه مما هنا، وناهيك من المبالغة ~~فى إكبار أمر المال قول الحريرى فى قصيدة الدينار من المقامة الدينارية: # * لولا التقى لقلت جلت قدرته* # وقد قصر علماء الفقه والأدب والتربية من أمتنا فى إعطاء المال حقه من ~~المباحث المناحى والمقاصد التى دونت فى هذا العصر فى عدة علوم ms175 ولكن هذه ~~العلوم ما زادت البشر إلا فسادا، ولا يجدون علاجا لهذا الفساد إلا فى ~~القرآن. # قال الله عز وجل: لتبلون في أموالكم وأنفسكم [آل عمران: 186]، وقال تعالى ~~حكاية عن نبيه سليمان عليه السلام حين رأى عرش ملكة سبأ مستقرا عنده: هذا ~~من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر [النمل: 40]، وقال الله تعالى: وما ~~أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا فأولئك ~~لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون [سبأ: 37]، وقال الله ~~تعالى: وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله وما ~~آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون [الروم: 39]، وقال الله ~~تعالى: زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من ~~الذهب والفضة [آل عمران: 14]، وقال الله تعالى: واعلموا أنما أموالكم ~~وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم [الأنفال: 28]، ومثلها فى سورة ~~[التغابن، الآية: 15]، ويليها الترغيب فى الإنفاق وقصر الفلاح على الوقاية ~~من شح النفس، وقال الله تعالى: المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات ~~الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا [الكهف: 46]. # انظر هذا مع قوله تعالى فى أول هذه السورة وهى الكهف: إنا جعلنا ما على ~~الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا [الكهف: 7]، والمراد من العمل ما ~~يتعلق بما على الأرض من العمران، وأحسنه أنفعه للناس وأرضاه لله بشكره، ثم ~~ما ضربه فيها من المثل بصاحبى الجنتين، والمثل للحياة الدنيا بنبات الأرض «1». # وقال الله تعالى فى تعليل قسمة الفيء بين مستحقيه: كي لا يكون دولة بين ~~الأغنياء منكم [الحشر: 7]، والدولة- بضم الدال- المال المتداول، أى: لئلا ~~يكون المال محصورا فى الأغنياء متداولا بينهم وحدهم (وهذا يسمونه اليوم ~~بالرأسمالية). PageV01P210 # والشواهد فى فتنة المال فى القرآن كثيرة تجد الكلام عليها فى مواضع من ~~تفسير المنار ولا سيما فى الجزء العاشر منه «1». # فمن الآيات فى ارتباط السعادة والفلاح بإنفاق المال، والشقاء بمنعه ما هو ~~للترهيب وما هو للترغيب، وجمع بين الترغيب والترهيب فى قوله تعالى: وأنفقوا ~~في سبيل ms176 الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة [البقرة: 195] «2»، أى إن منع ~~إنفاق المال فى سبيل الله من أسباب التهلكة. ثم قال فى الترغيب: وأحسنوا إن ~~الله يحب المحسنين، وكذا قوله تعالى من سورة الليل: فأما من أعطى واتقى (5) ~~وصدق بالحسنى (6) فسنيسره لليسرى (7) وأما من بخل واستغنى (8) وكذب بالحسنى ~~(9) فسنيسره للعسرى (10) وما يغني عنه ماله إذا تردى [الليل: 5 - 11]. # هذا كله تفصيل لقوله تعالى قبله: إن سعيكم لشتى [الليل: 4]، ومعناه ~~بالإجمال والإيجاز: إن سعيكم فى الكسب والإنفاق مختلف مبدأ وصفة وغاية ~~وثمرة، فأما من أعطى، ما عليه من الحقوق الشخصية والقومية والمصالح الواجبة ~~والمندوبة، واتقى، سوء عاقبة منعها وضرره فى الأفراد وفى الأمة، وصدق ~~بالحسنى، وهى ما وعد الله من الجزاء على الإحسان بما هو أحسن منه من مضاعفة ~~الثواب بمثل قوله: [النجم: 31] وهو شامل لجزاء الدنيا والآخرة فسنيسره ~~بمقتضى سنتنا فى تأثير صفات النفس من الأعمال، وتأثير الأعمال فى الأحوال ~~الخاصة والعامة لليسرى أى الخطة أو الطريقة الفضلى فى اليسر والسهولة ~~والمنفعة له وللناس فيحبه الناس ويحبه الله وأما من بخل بما عليه من هذه ~~الحقوق واستغنى بماله عن حب الناس وحمدهم، وعن حب الله ومثوبته وكذب ~~بالحسنى التى بيناها آنفا بعدم طلبها وتحريها بالإعطاء والإنفاق، وإن اعترف ~~بها باللسان فسنيسره بمقتضى سنتنا المبينة آنفا للعسرى من الخطتين، وسوأى ~~الطريقتين فيكون سببا لعسر البشر وعدوا لهم ولربهم، ويكون له شر الجزاء ~~منهم ومنه عز وجل فى الدارين. ويؤيد ذلك شواهد القطب الثانى من آيات المال وهى: PageV01P211 ### ||| AUTO القطب الثانى: ذم طغيان المال وغروره وصده عن الحق والخير # قال الله تعالى فى سورة العلق: كلا إن الإنسان ليطغى (6) أن رآه استغنى ~~[العلق: 6، 7]، أى حقا إن الإنسان ليتجاوز حدود الحق والعدل والفضيلة برؤية ~~نفسه غنيا بالمال، مستغنيا بعينه وكنزه أو قصره على شهواته عما فى إنفاقه ~~من نفع الناس ومرضاة الله تعالى وثوابه فى الآخرة، وقد نزلت هذه وما بعدها ~~فى أبى جهل أشد أعداء النبى صلى الله عليه وسلم والإسلام من أول ms177 ظهوره وهى ~~ما أول ما نزل فى ذلك. ومثلها فى سورة المسد: تبت يدا أبي لهب وتب (1) ما ~~أغنى عنه ماله وما كسب [المسد: 1، 2] إلخ «1». # ومثلها فى [سورة الهمزة، الآيات: 1 - 3] ويل لكل همزة لمزة (1) الذي جمع ~~مالا وعدده (2) يحسب أن ماله أخلده، نزلت فى الوليد وأمية بن خلف، وكذا ~~قوله تعالى: # ذرني ومن خلقت وحيدا (11) وجعلت له مالا ممدودا (12) وبنين شهودا (13) ~~ومهدت له تمهيدا (14) ثم يطمع أن أزيد (15) كلا إنه كان لآياتنا عنيدا (16) ~~سأرهقه صعودا [المدثر: 11 - 17]، وقد نزلت فى الوليد بن المغيرة، وكذا آيات ~~سورة القلم من قوله: ولا تطع كل حلاف مهين إلى قوله: أن كان ذا مال وبنين ~~(14) إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين [الآيات: 10 - 15]، وكان ~~هؤلاء أغنى زعماء قريش الذين عادوا النبى صلى الله عليه وسلم واستكبروا عن ~~أتباعه بغناهم من أول عهده بتبليغ الدعوة، ثم قال الله تعالى فيهم إذ كان ~~يجمع المال منهم أبو سفيان لقتال يوم بدر: إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ~~ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون [الأنفال: ~~36] وكذلك كان، وفيهم وفى أمثالهم من مترفى أقوام الأنبياء نزل قوله تعالى: ~~وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين [سبأ: 35]. PageV01P212 # ومن الآيات العامة فى غريزة البشر قوله تعالى: وأحضرت الأنفس الشح [النساء: # 128]، وقوله من سورة المعارج: إن الإنسان خلق هلوعا (19) إذا مسه الشر ~~جزوعا (20) وإذا مسه الخير منوعا [المعارج: 19 - 21]، الخير المال الكثير، ~~وأكثر الأغنياء مناعون للمال إلا من استثنى الله بعد هذه الآيات بقوله: إلا ~~المصلين [المعارج: 22] إلخ. # بمثل هذه الآيات ينفر الوعاظ الناس ويزهدونهم فى المال والدنيا فيبالغون، ~~وإنما المذموم الغرور والطغيان والبطر والاستكبار عن الحق افتتانا بالمال، ~~ولذلك قرنه فى بعض الآيات بالأولاد، وكذا البخل به والشح، وأكل أموال الناس ~~بالباطل كالربا والرشوة والسحت، وشواهده فى آيات القطب الثالث وهى: ### ||| AUTO القطب الثالث: ذم البخل بالمال والكبرياء به والرياء فى إنفاقه # قال الله تعالى: ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من ms178 فضله هو خيرا ~~لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة [آل عمران: 180]، وقال ~~فى سياق الترغيب فى الإنفاق فى سبيل الله من طيبات الكسب والإخلاص والنهى ~~عن الرياء والمن والأذى فيه: # الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء [البقرة: 268]. فسروا الفحشاء ~~بالبخل، أى الشيطان يصدكم عن الإنفاق فى سبيل الله بتخويفكم من الفقر ~~ويأمركم بالبخل الذى فحش شره وضرره، وقال الله تعالى بعد الأمر بالإحسان ~~بالوالدين وبذى القربى واليتامى والمساكين والجيران: إن الله لا يحب من كان ~~مختالا فخورا (36) الذين # يبخلون ويأمرون الناس بالبخل # [النساء: 36، 37]، وقال الله تعالى فيمن عاهد الله لئن آتاه من فضله مالا ~~وخيرا ليصدقن منه: فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون (76) ~~فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما ~~كانوا يكذبون [التوبة: 76، 77] وقال الله تعالى: ها أنتم هؤلاء تدعون ~~لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله ~~الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم [محمد: # 38] أى: وإن تتولوا عن الإنفاق فى سبيل الله يهلككم بزوال دولتكم ويستبدل ~~بكم قوما آخرين ينفقون أموالهم فى المصلحة العامة من الدفاع عن الملة، ~~وإقامة الحق والعدل فى الأمة. وقال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا ~~تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة PageV01P213 ~~عن تراض منكم «1» [النساء: 29]، وقال الله تعالى: ولا تأكلوا أموالكم بينكم ~~بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم ~~تعلمون [البقرة: 188]، وقال الله تعالى فى اليهود: وأخذهم الربوا وقد نهوا ~~عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل [النساء: 161]، وقال الله تعالى فيهم: ~~أكالون للسحت [المائدة: 42] مبالغون فى أكل أموال الناس بالباطل وهو يشمل ~~كل ما ليس له مقابل صحيح مشروع ويدخل فيه الغش والحيل والخداع الدنيوى ~~والدينى والرشوة، والسحت- بالضم الحقير الذى يلزم صاحبه العار ويوصف بالخسة ~~فهو يسحت مروءته أى يذهب بها وقد قلت فى وطن الحكام الظالمين من المقصورة ~~الرشيدية: # وكيف لا ms179 يسحته الله وهم ... للسحت أكالون فيه والرشا # وقال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ~~ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب ~~والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم (34) يوم يحمى عليها ~~في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ~~ما كنتم تكنزون [التوبة: 34، 35] الوعيد على كنز المال بمنع تداوله ~~والانتفاع العام به وبمنع الحقوق منه «2». ### ||| AUTO القطب الرابع: مدح المال والغنى بكونه من نعم الله وجزائه على ~~الإيمان والعمل الصالح # قال الله تعالى فى سورة نوح عليه السلام حكاية عنه: فقلت استغفروا ربكم ~~إنه كان غفارا (10) يرسل السماء عليكم مدرارا (11) ويمددكم بأموال وبنين ~~ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا [نوح: 10 - 12]، وفى معناه ما حكاه عن هود ~~عليه السلام فى سورة [هود، الآية: 52]، بل قال الله تعالى فى بيان نعمته ~~على آدم وحواء وذريتهما بهداية الدين فى آخر قصته من سورة طه: قال اهبطا ~~منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا ~~يشقى (123) ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا [123، 124] .. # الآيات. فجزاء اتباع هداية الدين الحفظ من شقاء الدنيا والفوز بنعمة ~~المعيشة الراضية فيها، وجزاء من أعرض عنها الشقاء ومعيشة الضنك فيها، وفى ~~معناه قوله تعالى من سورة PageV01P214 ~~[الجن، الآية: 13]: وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به فمن يؤمن بربه فلا يخاف ~~بخسا ولا رهقا، أى لا يهضم حقه، ولا يظلم بذل يرهقه؛ لأن عزة الإيمان تمنعه ~~وتحفظه، وهذا يشمل الدنيا والآخرة، ثم قال فى أمر الدنيا: وأن لو استقاموا ~~على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا (16) لنفتنهم فيه ومن يعرض عن ذكر ربه ~~يسلكه عذابا صعدا «1» [الجن: 16، 17]. # ومن الشواهد على هذه الحقيقة التى غفل عنها المفسرون وغيرهم قوله تعالى: ~~عطفا على الأمر بمنع المشركين من دخول المسجد الحرام: وإن خفتم عيلة فسوف ~~يغنيكم الله من فضله إن شاء [التوبة: 28]، أى وإن خفتم فقرا يعرض لكم ~~بحرمان مكة مما ms180 كان ينفقه فيها المشركون فى موسم الحج وغيره فسوف يغنيكم ~~الله تعالى بالإسلام وفتوحه وغنائمه «2». # وكذا قوله تعالى للذين أعطوا الفداء من أسرى بدر: إن يعلم الله في قلوبكم ~~خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم [الأنفال: 70]، وكذلك كان، فقد أغنى الله ~~العرب الفقراء بالإسلام فجعلهم أغنى الأمم والأقوام «3». # وقد امتن الله تعالى على نبيه بالغنى بعد الفقر بقوله تعالى: إن ترك خيرا ~~الوصية للوالدين و[الضحى: 8]، وامتن على قومه بتوفيقهم للتجارة الواسعة ~~برحلة الشتاء والصيف فى سورة خاصة بذلك هى سورة قريش، وسمى المال الكثير ~~خيرا بقوله تعالى فى صفات الإنسان: وإنه لحب الخير لشديد [العاديات: 8]، ~~وقوله تعالى فيمن يحضره الموت: إن ترك خيرا الوصية للوالدين و[البقرة: 180]. # وإنما كان المؤمنون المتقون لله الشاكرون لنعمه أحق بنعم الدنيا من ~~الكافرين لنعمه والفاسقين الظالمين، لأنهم أحق وأجدر بالشكر عليها، والشكر ~~استعمال النعمة فى الحكمة التى منحت لأجلها من الحق والعدل والإحسان والبر ~~والعمران، وهو الذى يرضى الله تعالى فيها، ومن سننه تعالى فيها أن الشكر ~~لها بهذا المعنى سبب للمزيد # منها، وأن الكفر لها بسوء استعمالها سبب لسلبها أو لسلب فوائدها كما قال ~~الله تعالى: وإذ تأذن ربكم لئن PageV01P215 ~~شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد [إبراهيم: 7] وقال الله تعالى: ~~ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن ~~الله سميع عليم [الأنفال: # 53]. # فالمؤمنون والكافرون يشتركون فى أسباب سعة الرزق وكسب المال من زراعة ~~وصناعة وتجارة؛ لأن هذه الأسباب دنيوية لا تختلف باختلاف الأديان كما قال ~~الله تعالى: كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا ~~[الإسراء: 20]، أى: ما كان ممنوعا عمن يريد به لذات العاجلة، ولا عمن يريد ~~به سعادة الآخرة، وإنما يفضل بعضهم بعضا فى استعمال المال، فاستعماله فى ~~الفسق والشر والظلم والسرف والخيلاء كفر للنعمة وسبب لمحقها نفسها أو محق ~~بركتها، بكثرة الضرر والفساد المترتب عليها، فمن المشاهد أن أكثر الأغنياء ~~المسرفين الفاسقين يفتقرون أو يصابون بالأدواء أو المصائب المنغصة، ms181 وأما ~~الأمم المترفة المسرفة الظالمة فتضعف وقد تفقد استقلالها، واستعماله فى ~~البر والخير سبب للمزيد فيها. وقد حققنا هذا الموضوع فى مواضع أخرى، ومنه ~~قوله تعالى فى الزينة والطيبات من الرزق: قل هي للذين آمنوا في الحياة ~~الدنيا خالصة يوم القيامة [الأعراف: 32]، أى: هى لهم فى الدنيا بالاستحقاق ~~ويشاركهم فيها غيرهم بمقتضى الأسباب، ولكنها تكون فى الآخرة خالصة لهم «1»؛ ~~لأنهم يتوسلون بالشكر لله عليها إلى سعادتها الكاملة الدائمة. # ولولا ذلك لجعل زينة الدنيا خاصة بالكافرين كما قال الله تعالى: ولولا أن ~~يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج ~~عليها يظهرون (33) ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكؤن (34) وزخرفا وإن كل ~~ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين [الزخرف: 33 - 35]. # أى ولولا كراهة أن يكون الناس كلهم كفارا بجعل نعيم الدنيا وزينتها ~~للكافرين وحدهم لجعلنا لبيوتهم سقفا وأبوابا من فضة وسلالم من فضة يصعدون ~~عليها إلى غرفات قصورهم، وجعلنا لهم فيها سررا كذلك وزخرفا أى ذهبا، وما كل ~~ذلك إلا متاع الدنيا وهو قليل زائد. بالنسبة إلى نعيم الآخرة العظيم ~~الدائم. ولكن الإنسان يفتتن بالحاضر المشاهد، لذلك جعل الله سعه الدنيا ~~وزينتها بالأسباب الكسبية المشتركة، وجعل المؤمنين أحق بها وأكثر انتفاعا ~~لشكره تعالى عليها بالاعتدال والقصد فى أنفسهم، والتوسعة على غيرهم، كما ~~قررناه آنفا، ويؤيده ما فى القطب الخامس من إرشاد القرآن إلى حفظ المال ~~والاقتصاد فيه. PageV01P216 # وهذا التشريع والتثقيف والأدب العالى فى الحضارة الإسلامية يعلو بها على ~~حضارات جميع الأمم المسرفة الفاسقة، فهل كان هذا وما قبله وما يذكر بعده ~~مما نبع من نفس محمد الأمى فى العقد الخامس من عمره، خلافا لطبائع البشر، ~~إذ لم يعهد قط أن يفيض من عقولهم فى هذه السن، ما لم يكونوا فكروا فيه ~~وزاولوه فى سن الصبا والشباب، أم الأقرب إلى عقل المؤمن أن يكون وحيا من ~~الله تعالى؟ كلا الأمرين من الخوارق والعجائب فمن يؤمن بالله يجب عليه أن ~~يقول إنه وحى منه إذ لا يقدر ms182 عليه غيره. ومن لا يؤمن به لا يجد أمامه إلا ~~أن يقول إن محمدا أفضل من جميع البشر بنفسه، إذ صدر عنه ما لم يصدر مثله عن ~~غيره، ولا هو من شأن طبيعتهم وغريزتهم فى هذه السن. ### ||| AUTO القطب الخامس: ما أوجب الله من حفظ المال من الضياع بالإسراف ~~والاقتصاد فيه # قال الله تعالى: ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما ~~[النساء: 5] قيام الشيء وقوامه- بالكسر والفتح- ما يستقيم به ويحفظ ويثبت، ~~أى جعلها قوام معايشكم ومصالحكم، والسفهاء هم المسرفون المبذرون لها؛ لصغر ~~سنهم دون الرشد أو لفساد أخلاقهم وضعف عقولهم: وارزقوهم فيها واكسوهم ~~وقولوا لهم قولا معروفا (5) وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن ~~آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم [النساء: 5 - 6]. الابتلاء التجربة ~~والاختبار، أمر باختبارهم وألا تدفع إليهم أموالهم إلا بعد ظهور الرشد فى ~~أعمالهم، وهو الصلاح والاستقامة فى معاملاتهم، لئلا يضيعوا الأموال فيما ~~يضر أو فيما لا ينفع. # وقال الله تعالى فى صفات المؤمنين: والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم ~~يقتروا وكان بين ذلك قواما (67) [الفرقان: 67]، الإسراف: التبذير والإفراط، ~~والقتر والقتور والإقتار: الإقلال والتضييق فى النفقة، يقال: قتر على ~~عياله، ومثله قدر له بالدال مكان التاء ومنه: الله يبسط الرزق لمن يشاء من ~~عباده ويقدر له [العنكبوت: 62]، وهو # مكرر فى عدة سور. # وقال الله تعالى: لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما ~~آتاه الله [الطلاق: 7]، وهذا نزل في النفقة على المرأة المطلقة فى العدة، ~~وهو إرشاد عام، والقاعدة PageV01P217 ~~فى الأصول أن العبرة بدلالة العموم. لا يقيد بخصوص سبب النزول. وقال فى ~~النفقات العامة: ومما رزقناهم ينفقون [البقرة: 3]، و(من) للتبعيض، فكل من ~~الغنى ذى السعة، والفقير ذى العسرة، مأمور بأن ينفق مما آتاه الله لا كل ما ~~آتاه الله، وهذا أعظم الأصول الاقتصاد، فمن أنفق بعض ما يكتسب قلما يفتقر. # وتقدم فى وصايا سورة الإسراء الحكيمة ذكر آيات النهى عن التبذير ~~والمبالغة فى بسط اليد والمبالغة فى قبضها، وما لكل منهما من سوء ms183 العاقبة، ~~قال الله تعالى: وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا ~~[الإسراء: 26]. # ولولا اقتران تلك الوصايا بحكمها وعللها ومنافعها لما سميت حكمة، ألا ترى ~~أنه قال عقب النهى عن التبذير: إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين [الإسراء: ~~27]، لأنهم يفسدون نظام المعيشة بإسرافهم، ويكفرون النعمة بعدم حفظها ~~ووضعها فى مواضعها بالاعتدال، ولذلك قال عقبه: وكان الشيطان لربه كفورا ~~[الإسراء: 27]، ثم قال: ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط ~~فتقعد ملوما محسورا [الإسراء: 29] فعلل الإسراف فى الإنفاق بأن عاقبة فاعله ~~أن يكون ملوما من الناس ومحسورا فى نفسه، والمحسور من حسر عنه ستره فانكشف ~~منه المغطى، ويطلق على من انحسرت قوته وانكشفت عن عجزه، والمحسور المغموم ~~أيضا، وكل هذه المعانى تصح فى وصف المسرف فى النفقة، يوقعه إسرافه فى العدم ~~والفقر إلخ، وحسير البصر كليله وقصيره. ويكنى به عمن لا يفكر فى عواقب ~~الأمور. # ولو أن المسلمين تدبروا هذه الآيات الحكيمة فى الاقتصاد واهتدوا بها ~~لاستغنوا بإرشادها عن جميع الكتب والوصايا فى حفظ ثرواتهم، ولندر أن يوجد ~~فيهم فقير. ولو كان هذا القرآن نابعا من غريزة محمد صلى الله عليه وسلم ~~ورأيه وشعوره لما وجدتها فيه، فقد كان حب البذل والإحسان هو الغالب على ~~طبعه، وصاحب هذه الخليقة قلما يفكر فى الاقتصاد. وإنما هى وصايا رب العباد. PageV01P218 ### ||| AUTO القطب السادس: (إنفاق المال فى سبيل الله) آية الإيمان ~~والوسيلة لحياة الأمة وعزة الدولة وسعادة الإنسان # هذا هو القطب التهذيبى الأعظم من أقطاب الآيات المنزلة فى المال وأكثرها ~~فيه، وما ذكر قبله فهو وسائل له، وما يذكر بعده فهو بيان للعمل به، وأظهر ~~الشواهد فيه أن الله تعالى جعله هو الفصل بين الإسلام الصحيح المقترن ~~بالإذعان، المبنى على أساس الإيمان، وجعل دعوى الإيمان بدون شهادته باطلة، ~~وإن كانت دعوى الإسلام تقبل مطلقا؛ لأن أحكامه العملية تبنى على الظواهر، ~~والله تعالى هو الذى يحاسب على السرائر، وعليها مدار الجزاء فى اليوم ~~الآخر، فالإسلام عمل قد يكون صوريا غير صادر عن ms184 إخلاص وإذعان، والإيمان ~~يقين قلبى يستلزم أعمال الإسلام، ولكن الإسلام الصورى الصادر عن استحسان لا ~~عن نفاق، يكون أقرب الوسائل إلى يقين الإيمان، والأصل فى هذه المسألة قول ~~الله عز وجل: # قالت الأعراب «1» آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان ~~في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا إن الله غفور ~~رحيم (14) إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا ~~بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون [الحجرات: 14، 15]، فقدم ~~الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس فى تحقيق صحة الإيمان وصدق مدعيه، وقوله: ~~لا يلتكم معناه لا ينقصكم. # ويلى هذا الشاهد آية البر الناطقة بأن بذل المال على حبه بالاختيار، أول ~~آيات الإيمان ويليه إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة التى يجيبها إمام المسلمين ~~وسلطانهم بالإلزام، ويليهما سائر أمهات الفضائل ومعالى الأخلاق، وهى قوله ~~تعالى: ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن ~~بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي ~~القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة ~~وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين ~~البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون [البقرة: 177] وفى قوله تعالى: ~~وآتى المال على حبه قولان: PageV01P219 # (أحدهما): أعطى المال وبذله على حبه إياه كقوله: لن تنالوا البر حتى تنفقوا ~~مما تحبون [آل عمران: 92]. # (والثانى): أن الضمير فى حبه لله تعالى كقوله: ويطعمون الطعام على حبه ~~مسكينا ويتيما وأسيرا [الإنسان: 8]، أى حب الله تعالى. وتجد بيان الذروة ~~العليا من تفضيل حب الله ورسوله على المال وغيره من متاع الدنيا فى قوله ~~تعالى: قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال ~~اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله ~~وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين ~~[التوبة: 24]. # ومن الآيات فى تفضيل المؤمنين المنفقين على غيرهم وتفاوتهم فى ذلك قوله ~~تعالى: لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر ms185 والمجاهدون في سبيل ~~الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين ~~درجة وكلا وعد الله الحسنى [النساء: 95]. # وقال الله تعالى: وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السماوات ~~والأرض لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين ~~أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى [الحديد: 10]. # وقد ذكر إنفاق المال فى وجوه البر والخير من أمر ونهى ووصف فى عشرات من ~~آيات الذكر الحكيم. وكذلك الصدقة وما تصرف منها من فعل ووصف، وكذلك الزكاة ~~وأبلغ من ذلك التعبير عن التصدق والإنفاق بإقراض الله تعالى ووعد مقرضه ~~بالمضاعفة له فى مثل قوله تعالى فى سورة البقرة الآية (2)، وسورة الحديد ~~الآية (11)، وسورة التغابن الآية (17). # ومن الآيات البليغة فى الترغيب فيه ومضاعفة ثوابه. وبيان آدابه: عشرون ~~آية من أواخر سورة البقرة. هى من أواخر ما نزل من القرآن يتخللها الوعيد ~~الشديد على أكل الربا، فرجعها من الآيات 261 إلى 281] مع تفسيرها من الجزء ~~الثالث- تفسير المنار «1». # ومن البلاء المبين أن نرى الشعوب الإسلامية فى هذه القرون الأخيرة قد ~~قصرت عن جميع الشعوب القوية فى بذل المال للجهاد فى سبيل الله الذى يحفظ ~~استقلالهم ويعتز به ملكهم، وتعلو به كلمة الله تعالى فيهم، ثم فى غيرهم، ~~وفى طرق البر التى ترتقى بها PageV01P220 ~~أمتهم، وتكون حجة على سائر الأمم فى تفضيل دينهم على سائر الأديان، وحاجة ~~الأمم إليه لإنقاذ الحضارة من جشع عباد المال، واستذلالهم للملايين من ~~البشر به، وما أفضى إليه من فوضى الشيوعية الدينية والأدبية المشار إليهما ~~فيما يلى: ### ||| AUTO القطب السابع: فى الحقوق المفروضة والمندوبة فى المال ~~والإصلاح المالى فى الإسلام # قد عقدت لتفسير قوله تعالى: خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ~~[التوبة: # 103] فصلا فى فوائد الزكاة المفروضة والصدقات والإصلاح المالى للبشر ~~وامتياز الإسلام بذلك على جميع الأديان. بينت فيه مكانة المال من حياة ~~الناس، وما له من التأثير فى الثورات والحروب والسياسة والعمران، وغلو بعض ~~الجماعات فى جمعه وادخاره وأنظمته واستغلاله، ms186 واستعباد الألوف وألوف الألوف ~~من البشر به، ويدعون فى عرف هذا العصر بالرأسماليين، وقيام جماعات أخرى ~~بالدعوى إلى إبطال النظام الدولى العام فى المال، ووضع نظام آخر لاشتراك ~~جميع الناس فيه ويلقبون بالبلشفيين والشيوعيين، وما بين هذين الفريقين من ~~الجماعات ومن التعادى والخصام. # ثم بينت أن هذه الفتن وما تنذر العالم به من الخراب والدمار لا علاج لها ~~إلا اتباع هداية الإسلام فى الإصلاح المالى، ولخصت أصول هذا الإصلاح فى ~~أربعة عشر أصلا هى: # 1 - إقرار الملكية الشخصية وتحريم أكل أموال الناس بالباطل. # 2 - تحريم الربا والقمار. # 3 - منع جعل المال دولة بين الأغنياء. # 4 - الحجر على السفهاء فى أموالهم حتى لا يضيعوها فيما يضرهم ويضر أمتهم. # 5 - فرض الزكاة فى أول الإسلام وجعلها اشتراكية مطلقة باعثها الوجدان لا ~~إكراه الحكام، وإنما تكون كذلك حيث لا حكومة ولا دولة للإسلام. # 6 - نسخها بعد وجود الدولة والحكومة بالزكاة المحدودة بربع العشر فى ~~النقدين والتجارة فى كل عام ما دام النصاب تاما، وبالعشر ونصف العشر فى ~~غلات الزراعة التى عليها مدار الأقوات أو مطلقا، وزكاة الأنعام المعروفة، ~~وفاتنى هنالك ذكر الخمس فى الركاز، وهو ما ينبش من المال المكنوز القديم ~~والمعدن. # 7 - فرض نفقة الزوجية والقرابة. PageV01P221 # 8 - إيجاب كفاية المضطر من كل جنس ودين وضيافة الغرباء. # 9 - بذل المال فى كفارات بعض الذنوب. # 10 - ندب صدقات التطوع للمحتاجين. # 11 - ذم الإسراف والتبذير، والبخل والتقتير. # 12 - إباحة الزينة والطيبات من الرزق بشرطهما، لتوقف ترقى الصناعة ~~والحضارة عليها. # 13 - مدح القصد والاعتدال بل إيجابه. # 14 - تفضيل الغنى الشاكر على الفقير الصابر اه. باختصار. # وكنت قد شرحت قبله مصارف الزكاة فى تفسير آيتها: إنما الصدقات للفقراء ~~والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل ~~الله وابن السبيل [التوبة: 60]. # ثم عقدت فصلا آخر فى خلاصة السورة «وهى سورة التوبة» المشتملة على هذه ~~الآيات فى أحكام الأموال فى الإسلام يدخل فى ثلاثة أقسام: # 1 - المسائل الدينية والاجتماعية فى الأموال. # 2 - أنواع الأموال ومصارفها. # 3 - فوائد ms187 إصلاح الإسلام المالى للبشر. # فالرجوع إلى هذه المباحث فى ذلك من التفسير يغنينا عن إعادتها هنا. # وخلاصة القول فى هذه القواعد العلمية فى إصلاح ثروة البشر وجعلها خيرا ~~عاما كما سماها الله تعالى فى كتابه، واتقاء شرور التنازع عليها- بالوازع ~~الدينى، والتشريع الدولى- إنها هى التى يصلح بها أمر البشر على اختلاف ~~أحوالهم واستعدادهم، فيكونون سعداء فى دنياهم وفى دينهم، ولن تجد مثلها فى ~~دين من الأديان، ولا شىء من كتب القوانين والحكمة البشرية، وإن البشر لعلى ~~خطر عظيم مما سقطوا فيه من التعادى على المال حتى أعيتهم الحيل، وسبيل ~~النجاة ممهدة معبدة أمامهم وهم لا يبصرونها، وهى الإسلام وهداية القرآن: ~~ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على ~~العالمين [البقرة: 251]. # وموضوع بحثنا فى هذا المقصد وهو دلائل الوحى المحمدى، أنه لا يعقل أن يكون PageV01P222 ~~محمد النبى الأمى الذى عرفنا خلاصة تاريخه قد اهتدى بوحى من نفسه لنفسه فى ~~العقد السادس من عمره- أى بعد هجرته إلى هذه الحقائق التى قامت وعلت جميع ~~الكتب الإلهية والبشرية والنظم الدولية فى أرقى عصور العلم والحكمة ~~والقوانين، وإنما المعقول عند من يؤمن بأن للعالم ربا حكيما رحيما مدبرا أن ~~يكون هذا بوحى منه عز وجل أفاضه على خاتم النبيين عند استعداد البشر له. لا ~~يحتاجون بعده إلى وحى آخر. PageV01P223 ### || AUTO المقصد الثامن من مقاصد القرآن إصلاح نظام الحرب ودفع مفاسدها ~~وقصرها على ما فيه الخير للبشر نظرة عامة فى فلسفة الحرب والسلم والمعاهدات # التنازع بين الأحياء فى مرافق المعيشة ووسائل المال والجاه غريزة من ~~غرائز الحياة، وإفضاء التنازع إلى التعادى بين الجماعات والأقوام سنة من ~~سنن الاجتماع، أو ضرورة من ضروراته قد تكون وسيلة من وسائل العمران، فإن ~~كان التنازع بين الحق والباطل كان الفلج للحق، وإن كان بين العلم والجهل ~~كان الظفر للعلم، وإن كان بين النظام والاختلال كان النصر للنظام، وإن كان ~~بين الصلاح والفساد كان الغلب للصلاح، كما قال الله تعالى فى الحق والباطل: ~~بل نقذف بالحق على ms188 الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق [الأنبياء: 18] وقال الله ~~تعالى فى بيان نتيجة المثل الذى ضربه لهما: فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ~~ينفع الناس فيمكث في الأرض «1» [الرعد: 17] وسبق ذكر هذه الآية كلها. # وأما التنازع والتعادى والتقاتل على الشهوات الباطلة، والسلطة الظالمة، ~~واستعباد القوى للضعيف، والاستكبار والعلو فى الأرض، فإن ضرره كبير، وشره ~~مستطير، يزيد ضراوة البشر بسفك الدماء، حتى خيف أن تقضى على هذا العمران ~~العظيم فى وقت قصير، بما استحدثه العلم الواسع من وسائل التخريب والتدمير، ~~كالغازات السامة ومواد الهدم والتحريق تقذفها الطيارات المحلقة فى جو ~~السماء، على المدائن المكتظة بالألوف من الرجال والنساء والأطفال، فتقتلهم ~~فى ساعة واحدة أو ساعات معدودة. # وقد حارت الدول الحربية فى تلافى هذا الخطر حتى إن أشدهن استعدادا للحرب ~~بالأساطيل الهوائية والبحرية وآلات التدمير وكثرة الأموال لأشدهن خوفا على ~~حياة أمتها المستعدة بجميع أنواع القتال، وعمران بلادها المحصنة بأحدث ~~وسائل الوقاية، وترى دهاقين السياسة فى كل منها يتفاوضون مع أقرانهم لوضع ~~نظام لتقرير السلام، ودرء مفاسد الخصام، بمعاهدات يعقدونها، وأيمان ~~يتقاسمونها، ثم ينكثون خائبين، أو ينقضون ما ابرموا متأولين، ويعودون إلى ~~مثله مخادعين. PageV01P224 ### ||| AUTO أعجوبة القرآن فى فساد معاهدات الزمان: # وقد بين الله تعالى فى كتابه سبب هذه الخيبة بما وجدنا مصداقه فى هذه ~~الدول الأوروبية بأظهر مما كان فى عرب الجاهلية الذى نزل هذا البيان فى ~~عهدهم، كأنه نزل فى هؤلاء الإفرنج دون غيرهم، وهو من عجائب القرآن لى لفظه ~~ومعناه، وذلك قوله تعالى بعد الأمر بالإيفاء بعهده، والنهى عن نقضه: ولا ~~تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن ~~تكون أمة هي أربى من أمة [النحل: 92] والمعنى: لا تكونوا فى نقض عهودكم ~~والعود إلى تجديدها كالمرأة الحمقاء التى تنقض غزلها من بعد قوة إبرامه نقض ~~أنكاث «وهو جمع نكث بالكسر ما نقض ليغزل مرة أخرى» حال كونكم تتخذون عهودكم ~~دخلا بينكم «والدخل التحريك بالفساد والغش الخفى الذى يدخل فى الشيء وما هو ~~منه» لأجل أن ms189 تكون أمة أربى وأزيد رجالا، وأكثر ربحا ومالا، وأقوى أسنة ~~ونصالا، من أمة أخرى. # والمراد أن معاهدات الصلح والاتفاق بين الأمم يجب أن يقصد بها الإصلاح ~~والعدل والمساواة، فتبنى على الإخلاص دون الدخل والدغل الذى يقصد به أن ~~تكون أمة هى أربى نفعا وأكثر عددا وجمعا من الأمة الأخرى، وهو ما عليه هذه ~~الدول فى جميع معاهداتها ولا سيما المعاهدة الأخيرة بعد الحرب للعامة ~~(معاهدة فرسايل). # ولو طلبوا المخرج والسلامة من هذا الحظر لوجدوهما فى دين الإسلام، فهو هو ~~دين الحق والعدل والسلام، وهاك بعض القواعد الحرب والسلم فى القرآن. PageV01P225 ### ||| AUTO أهم قواعد الحرب والسلام فى دين الإسلام، وشواهدها من القرآن # قد استنبطنا من آيات سورة ا [الأنفال: 28] قاعدة من القواعد الحربية ~~والعسكرية والسياسية فى القتال والصلح والمعاهدات أجملناها فى الباب السابع ~~من خلاصة تفسير السورة، وأحلنا فى تفصيلها على تفسير الآيات المستنبطة ~~منها، ثم استنبطنا من آيات سورة [التوبة: 13] قاعدة حربية أكثرها فى ~~المعاهدات ووجوب الوفاء بها وشرط نبذها، وفى الهدنة وتأمين الحربى للدخول ~~فى دار الإسلام، و20 حكما من أحكام الحرب والجزية سردناها فى خلاصة تفسير ~~هذه السورة «1» نكتفى هنا ببضع قواعد منهما ومن غيرهما من السور، لأن ~~المقام مقام إيراد الشواهد المجملة على أنواع الإصلاح الإسلامى من القرآن ~~للاستدلال به على أن جملة هذه العلوم لا يعقل أن تكون كلها من آراء محمد ~~النبى الأمى الذى عاش قبل النبوة عيشة العزلة والانفراد، إلا قليلا من رعى ~~الغنم فى الصبا والتجارة فى الشباب، وقد قصرت عن كل نوع منها كتب الأديان ~~الإلهية، وكتب الحكمة والقوانين البشرية، فنقول: ### |||| AUTO القاعدة الأولى: فى الحرب المفروضة على الأعيان # ورد الأمر بقتال المعتدين لكف عدوانهم ولما سيأتى من درء المفاسد وتوطيد ~~المصالح مقترنا بالنهى عن قتال الاعتداء والبغى والظلم، والشاهد عليه قوله ~~تعالى: وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب ~~المعتدين [البقرة: 190]، وتعليل النهى عن قتال الاعتداء بأن الله تعالى لا ~~يحب المعتدين مطلقا دليل على أن ms190 هذا النهى محكم غير قابل للنسخ. ومن ثم ~~بينا فى تفسير هذه الآية من جزء التفسير الثانى أن حروب النبى صلى الله ~~عليه وسلم للكفار كانت كلها دفاعا ليس فيها شىء من العدوان، ثم فصلت فى ~~تفسير آية السيف من سورة التوبة: أن قتال مشركى العرب ونبذ عهودهم بعد فتح ~~مكة كان جاريا على هذه القاعدة. مع كون سياسة الإسلام فى العرب غير سياسته ~~فى سائر الأقوام، من حيث إرادة إسلامهم باختيارهم، وإبطال ما كانوا عليه من ~~الشرك غير المقيد بشرع متبع، وإرادة جعل PageV01P226 ~~جزيرتهم معقلا للإسلام وحده على اتساع سياسته مع غيرهم بإقرارهم على ~~أوطانهم وأديانهم. # وبينت فيه أن بعض الصحابة كان قد ثقل عليهم نبذ عهود المشركين المقتضى ~~لقتالهم مع سبقهم لنقض العهد مع النبى صلى الله عليه وسلم حتى بين الله لهم ~~ذلك بأنهم إنما نقضوا عهده ونكثوا أيمانهم؛ لأنهم لا عهود لهم يلتزمونها ~~بعقيدة وجدانية، ولا نظام متبع، وقال الله تعالى: # ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدؤكم أول مرة ~~[التوبة: 13] أى بالقتال ثم بنقض العهد فهم المعتدون «1». # وإنما اشتبه على الغافلين الأمر بما كان فى بعض الغزوات والسرايا من بدء ~~المسلمين بها ذاهلين عن حالة الحرب بينهم وبين المشركين باعتداء المشركين ~~الأول واستمراره، فالدفاع لا يشترط أن يكون فى كل معركة وكل حركة. # وهذا الذى كان فى آخر أحكام القتال معهم يؤيد ما نزل فى أول الإذن ~~للمسلمين بالقتال وهو قوله تعالى فى [سورة الحج، الآيتان: 39، 40]: أذن ~~للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير (39) الذين أخرجوا من ~~ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله، وتتمة الآيات فى القاعدة الثانية. # ولما نقضوا العقد الذى عقده النبى صلى الله عليه وسلم معهم فى الحديبية ~~فى أواخر سنة ست للهجرة وعزم على فتح مكة سنة ثمان نزلت سورة الممتحنة (60) ~~فى النهى عن ولاية المشركين، وفيها التصريح بأن النهى خاص بالذين قاتلوا ~~المؤمنين وأخرجوهم من وطنهم لأجل دينهم، فهو نهى عن موالاتهم ومودتهم ms191 دون ~~البر والعدل إلى كل مشرك. فتأمل الآيات 7، 8، 9 منها. ### |||| AUTO القاعدة الثانية: فى الغرض من الحروب ونتيجتها # هى أن تكون الغاية الإيجابية من القتال- بعد دفع الاعتداء والظلم ~~واستتباب الأمن- حماية الأديان كلها من الاضطهاد فيها أو الإكراه عليها، ~~وعبادة المسلمين لله وحده وإعلائهم كلمته، وتأمين دعوته، وتنفيذ شريعته، ~~وهى فى مصلحة البشر كلهم وإسداء الخير إليهم، لا الاستعلاء عليهم والظلم لهم. PageV01P227 # والشاهد الأول قوله تعالى بعد ذلك الإذن لهم بالقتال الذى تلوناه آنفا: ~~ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها ~~اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز (40) الذين إن ~~مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن ~~المنكر ولله عاقبة الأمور [الحج: 40، 41]. ذكر فى تعليل إذنه لهم بالقتال ~~المذكور ثلاثة أمور: # (أولها): كونهم مظلومين معتدى عليهم فى أنفسهم، ومخرجين نفيا من أوطانهم ~~وأموالهم لأجل دينهم وإيمانهم، وهذا سبب خاص بهم بقسميه الشخصى والوطنى، أو ~~الدينى والدنيوى. # وقد جعلنا هذه الغاية للقتال قاعدة مستقلة من قواعد سورة الأنفال معبرين ~~عنها «بحرية الدين ومنع فتون أحد واضطهاده لإرجاعه عن دينه»، واستدللنا ~~عليها بقوله # تعالى: # وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله بما ~~يعملون بصير [الأنفال: 39] وقد كان المشركون يضطهدون المسلمين بكل ما قدروا ~~عليه من الإيذاء والتعذيب لأجل ردهم عن دينهم، وأما المسلمون فلم يفعلوا ~~ذلك فى الصدر الأول، ومن عساه شذ عن ذلك قليلا بعده فقد خالف حكم الإسلام ~~الذى حرم الفتنة والاضطهاد والإكراه فى الدين وشرع فيه الاختيار، بل جعله ~~شرطا لصحته. # (ثانيها): أنه لولا إذن الله للناس بمثل هذا الدفاع لهدمت جميع المعابد ~~التى يذكر فيها اسم الله تعالى اتباع الأنبياء كصوامع العباد، وبيع ~~النصارى، وصلوات اليهود «كنائسهم» ومساجد المسلمين. بظلم عباد الأصنام. ~~ومنكرى البعث والجزاء، وهذا سبب دينى عام صريح فى حرية الأديان فى الإسلام، ~~وحماية المسلمين لها ولمعابد أهلها. وكذلك كان. # (فإن قيل): ولماذا لم يقر الإسلام المشركين ms192 على دينهم كما أقر اليهود ~~والنصارى والمجوس؟ # (قلت): إن الشرك الذى كان عليه العرب لم يكن دينا مبنيا على عبادة الله ~~ومصلحة عباده كسائر الأديان حتى التى خالطها الشرك. فإنهم لم يكونوا يؤمنون ~~بالبعث والجزاء على الأعمال عند الله تعالى على قاعدة «إن خيرا فخير. وإن ~~شرا فشر»، ولا كانوا يدينون الله تعالى بعمل الصالحات وتحريم المنكرات ~~فأصول الدين العامة قوله تعالى: من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم ~~أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون [البقرة: 62]. PageV01P228 # (ثالثها): أن يكون غرضهم من التمكن فى الأرض والحكم فيها إقامة الصلاة ~~المزكية للأنفس بنهيها عن الفحشاء والمنكر كما وصفها الله تعالى، والمربية ~~للأنفس فى مراقبة الله وخشيته ومحبته، وإيتاء الزكاة المصلحة للأمور ~~الاجتماعية والاقتصادية، والأمر بالمعروف الشامل لكل خير ونفع للناس، ~~والنهى عن المنكر الشامل لكل شر وضر يلحق صاحبه أو غيره من الناس. # إن جميع الدول الحربية تدعى بعض هذه المقاصد العالية فى حروبها رياء ~~وابتغاء لحسن السمعة، ولكن أفعالها تكذب دعاويها كلها، ولا سيما النهى عن ~~المنكر فهى تبيح للناس- الذين تمكنها القوة الحربية فى بلادهم- جميع ~~المنكرات والفواحش التى تفسد الأخلاق والآداب وروابط الاجتماع بل تحول ~~بينهم وبين العلم والتهذيب والصلاح بقدر الطاقة، إلا تعليم لغاتها وتاريخ ~~عظمتها وديانة شعبها، لأجل هدم مقوماتهم المالية والقومية حتى لا يرجى لهم ~~النجاة من رق الاستعمار وذله. ولا ليكونوا مساوين للفاتح المستعمر فى العلم ~~والثروة والعزة والقوة، كما هو معروف فى جميع الممتلكات والمستعمرات ~~الأوروبية خلافا لما كان عليه المسلمون الأولون فى فتوحهم من العدل المطلق. ### |||| AUTO القاعدة الثالثة: إيثار السلم على الحرب # هذه القاعدة مبنية على القاعدتين اللتين قبلها إذ علم بهما أن الحرب ~~ضرورة يقتضيها ما ذكر فيهما من المصالح ودرء المفاسد، وأن السلم هى الأصل ~~التى يجب أن يكون عليها الناس، فلهذا أمرنا الله بإيثارها على الحرب وإذا ~~جنح العدو لها ورضى بها، والشاهد عليه قوله تعالى: وإن جنحوا للسلم فاجنح ~~لها وتوكل على الله إنه هو السميع ms193 العليم (61) [الأنفال: 61] فراجع تفسيرها ~~في ص 69، 140 من جزء التفسير العاشر. ### |||| AUTO القاعدة الرابعة: الاستعداد التام للحرب لأجل الإرهاب المانع منها # إن الذي يجب أن تكون عليه الدولة قبل الحرب هو إعداد الأمة كل ما تستطيع ~~من أنواع القوة الحربية ومن رباط الخيل فى كل زمان بحسبه على أن يكون القصد ~~الأول من ذلك إرهاب الأعداء وإخافتهم من عاقبة التعدى على بلادها أو ~~مصالحها أو على أفراد منها أو متاع أو مصلحة لها حتى فى غير بلادها، لأجل ~~أن تكون آمنة فى عقر دارها على دماء أهلها ومصالحها وأموالها، مطمئنة فى ~~حريتها بدينها، وهذا ما يسمى فى عرف هذا العصر PageV01P229 ~~بالسلم المسلحة أو التسليح السلمى، وتدعيه الدول العسكرية فيه زورا وخداعا ~~فتكذبها أعمالها، ولكن الإسلام امتاز على الشرائع كلها بأن جعله دينا ~~مفروضا، فقيد به الأمر بإعداد القوى والمرابطة للقتال، وذلك قوله عز وجل: ~~وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم ~~[الأنفال: 60]، فراجع تفسيرها فى ص 61 ج 10 تفسير المنار أيضا. ### |||| AUTO القاعدة الخامسة: الرحمة فى الحرب # إذا كان الغلب والرجحان فى القتال للمسلمين المعبر عنه بالإثخان فى ~~الأعداء، وأمنوا على أنفسهم ظهور العدو عليهم، فالله تعالى يأمرهم أن يكفوا ~~عن القتل، ويكتفوا بالأسر، ثم يخيرهم فى الأسارى إما بالمن عليهم بإطلاقهم ~~بغير مقابل، وإما بأخذ الفداء عنهم، وذلك نص قوله تعالى فى [سورة محمد صلى ~~الله عليه وسلم، الآية: 4]: فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا ~~أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها ذلك ~~ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلوا بعضكم ببعض «1»، وقد أوردناها وبينا ~~معناها فى تفسير [الآية: 67، من سورة الأنفال] ما كان لنبي أن يكون له أسرى ~~حتى يثخن في الأرض ص 73 ج 10 تفسير المنار. ### |||| AUTO القاعدة السادسة: الوفاء بالمعاهدات وتحريم الخيانة فيها # وجوب الوفاء بالعهود فى الحرب والسلم وتحريم الخيانة فيهما سرا أو جهرا، ~~كتحريم الخيانة فى كل أمانة ms194 مادية أو معنوية من أحكام الإسلام القطعية، ~~والآيات فى ذلك متعددة محكمة لا تدع مجالا لإباحة نقض العهد بالخيانة فيه ~~وقت القوة، وعده قصاصة ورق عند إمكان نقضه بالحيلة «منها» قوله تعالى: ~~وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا # تنقضوا الأيمان بعد PageV01P230 ~~توكيدها [النحل: 91]، جمع بين الأمر بالإيفاء بها والنهى عن نقضها، ثم أكد ~~ذلك بالمثل البليغ فى قوله تعالى فى الآية التى تليها: ولا تكونوا كالتي ~~نقضت غزلها [النحل: 92]، وقد بيناه آنفا فى مقدمة هذا المقصد، «ومنها» أنه ~~وصف المؤمنين الأبرار بقوله فى آية البر: والموفون بعهدهم إذا عاهدوا ~~[البقرة: 177]، «ومنها» أنه عاب اليهود الذين نقضوا عهدهم مع النبى صلى ~~الله عليه وسلم وجعلهم من شر الدواب [الأنفال: 55، 56]، «ومنها»: # أنه لما أمر بنبذ عهود المشركين الذين نقضوا عهد النبى والمؤمنين استثنى ~~منهم المعاهدين على كونهم أهل دار واحدة فقال الله تعالى: إلا الذين عاهدتم ~~من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم ~~إلى مدتهم إن الله يحب المتقين [التوبة: 4]، ثم قال الله تعالى: كيف يكون ~~للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما ~~استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين [التوبة: 7]، وبلغ من ~~تأكيد الوفاء بالعهود أن الله تعالى لم يبح لنا أن ننصر إخواننا المسلمين ~~غير الخاضعين لحكمنا على المعاهدين لنا من الكفار كما قال الله تعالى فى ~~غير المهاجرين منهم: وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم ~~بينكم وبينهم ميثاق «1» [الأنفال: 72]، فهل يوجد وفاء بالعهود أعظم من هذا ~~فى حكومة دينية بأمر الله تعالى؟ ### |||| AUTO القاعدة السابعة: الجزية وكونها غاية للقتال لا علة # قلت فى تفسير قوله تعالى فى قتال أهل الكتاب فى آية الجزية: حتى يعطوا ~~الجزية عن يد وهم صاغرون [التوبة: 29] ما نصه: # «هذا غاية للأمر بقتال أهل الكتاب ينتهى بها إذا كان الغلب لنا، أى: ~~قاتلوا من ذكر عند وجود ما يقتضى وجوب القتال كالاعتداء عليكم أو على ~~بلادكم، أو اضطهادكم وفتنتكم ms195 عن دينكم، أو تهديد أمنكم وسلامتكم وحرية ~~دعوتكم، كما فعل الروم فكان سببا لغزوة تبوك، حتى تأمنوا عدوانهم بإعطائكم ~~الجزية فى الحالين اللتين قيدت بهما، فالقيد الأول لهم: وهو أن تكون صادرة ~~عن يد، أى قدرة وسعة فلا يظلمون ولا يرهقون. # والثانى لكم: وهو الصغار المراد به حصد أو كسر شوكتهم، والخضوع لسيادتكم ~~وحكمكم، وبهذا يكون تيسير السبيل لاهتدائهم إلى الإسلام بما يرونه من عدلكم ~~وهدايتكم وفضائلكم التى يرونكم بها أقرب إلى هداية أنبيائهم منهم، فإن ~~أسلموا عم الهدى والعدل PageV01P231 ~~والاتحاد، وإن لم يسلموا كان الاتحاد بينكم وبينهم بالمساواة فى العدل، ولم ~~يكونوا حائلا دونهما فى دار الإسلام. والقتال لما دون هذه الأسباب التى ~~يكون بها وجوبه عينيا أولى بأن ينتهى بإعطاء الجزية، ومتى أعطوا الجزية وجب ~~تأمينهم وحمايتهم والدفاع عنهم وحريتهم فى دينهم بالشروط التى تعقد بها ~~الجزية، ومعاملتهم بعد ذلك بالعدل والمساواة كالمسلمين، ويحرم ظلمهم ~~وإرهاقهم بتكليفهم ما لا يطيقون كالمسلمين، ويسمون أهل الذمة لأن كل هذه ~~الحقوق تكون لهم بمقتضى ذمة الله وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأما ~~الذين يعقد الصلح بيننا وبينهم عهد وميثاق يعترف به كل منا ومنهم باستقلال ~~الآخر فيسمون بأهل العهد والمعاهدين «1». ### ||||| AUTO حكمة الجزية وسببها وما تسقط به: # هذا- وإن الجزية فى الإسلام لم تكن كالضرائب التى يضعها الفاتحون على من ~~يتغلبون عليهم فضلا من المغارم التى يرهقونهم بها، وإنما هى جزاء قليل على ~~ما تلتزمه الحكومة الإسلامية من الدفاع عن أهل الذمة وإعانة للجند الذى ~~يمنعهم أى يحميهم- ممن يعتدى عليهم، كما يعلم من سيرة أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهم أعلم الناس بمقاصد الشريعة وأعدلهم فى تنفيذها، ~~والشواهد على ذلك كثيرة أوردنا طائفة منها فى تفسير الآية بعد ما تقدم آنفا. # «منها» ما كتبه خالد بن الوليد رضى الله عنه «الصلوبا بن نسطونا» حينما ~~دخل الفرات وهو: «هذا كتاب من خالد بن الوليد لصلوبا بن نسطونا وقومه، إنى ~~عاهدتكم على الجزية والمنعة فلك الذمة والمنعة، وما منعناكم فلنا الجزية ms196 ~~وإلا فلا، وكتب سنة اثنتى عشرة فى صفر» أ. ه، وهو صريح فى أن الجزية جزاء ~~على المنعة والحماية تدوم بدوامها، وتمتنع بزوالها. # ويؤيده بالعمل ما ذكره البلاذرى فى فتوح البلدان، والأزدى فى فتوح الشام ~~من رد الصحابة رضى الله عنهم لما كانوا أخذوه من أهل حمص من الجزية حين ~~اضطروا إلى تركهم لحضور وقعة اليرموك بأمر أبى عبيدة رضى الله عنه وقد ~~صرحوا لهم أنهم قد أخذوها جزاء منعتهم فوجب ردها للعجز عن هذه المنعة. فعجب ~~أهل حمص- نصاراهم ويهودهم- أشد العجب من رد الفاتحين أموالهم إليهم ودعوا ~~لهم بالنصر على الروم. PageV01P232 # فظهر بما ذكرنا أن الإسلام حرم حرب الاعتداء والظلم، وقصر حرب الدفاع على ~~دفع المفاسد وتقرير المصالح العامة للبشر فجعلها ضرورة تقدر بقدرها، وأن ~~السلام الصحيح الشريف لا يمكن تمتع العالم به إلا بهداية الإسلام، ووضع ~~قوانين الحرب على قواعده. # ومن تأمل هذه القواعد رأى أنه لم يسبق الإسلام إلى مثلها دين من الأديان ~~ولا قانون دولى، ولا إرشاد فلسفى أو أدبى، ولا تبعته بها أمة بتشريع ولا ~~عمل عرفى. # أفليس هذا وحده دليلا واضحا لدى من يؤمن بوجوب رب للبشر عليم حكيم، بأن ~~محمدا العربى الأمى قد تلقاها بوحى منه عز وجل، وأن عقله وذكاءه لم يكن ~~ليبلغ هذه الدرجة من العلم والحكمة فى هذه المعضلات الاجتماعية بدون هذا ~~الوحى؟ فكيف إذا أضفنا إليها ما تقدم، وما يأتى من المعارف الإلهية ~~والأدبية والاجتماعية والأنباء الغيبية وغير ذلك من دلائل نبوته صلى الله ~~عليه وسلم؟. PageV01P233 ### || AUTO المقصد التاسع من مقاصد القرآن إعطاء النساء جميع الحقوق ~~الإنسانية والدينية والمدنية # كانت النساء قبل الإسلام مظلومات ممتهنات مستعبدات عند جميع الأمم وفى ~~جميع شرائعها وقوانينها حتى عند أهل الكتاب، إلى أن جاء الإسلام، وأكمل ~~الله دينه ببعثه خاتم النبيين محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، فأعطى ~~الله النساء بكتابه الذى أنزله عليه، وبسنته التى بين بها كتاب الله تعالى ~~بالقول والعمل، جميع الحقوق التى أعطاها للرجال إلا ما يقتضيه اختلاف طبيعة ~~المرأة ms197 ووظائفها النسوية من الأحكام، ومع مراعاة تكريمها والرحمة بها ~~والعطف عليها، حتى كان النبى صلى الله عليه وسلم يقول: «ما أكرم النساء إلا ~~كريم، ولا أهانهن إلا لئيم». رواه ابن عساكر من حديث على كرم الله وجهه. # كان كبار العقول من الصحابة رضى الله عنهم يرون ما أصلحه الإسلام من فساد ~~وظلم ورذيلة فى الأمة العربية فيكبرونه إكبارا ويعدونه من دلائل نبوة محمد ~~صلى الله عليه وسلم إذ لم يكن يمتاز عليهم قبل النبوة بشيء من العلم لا ~~البلاغة، بل بالأخلاق وسلامة الفطرة فقط، ولذلك كان عمر بن الخطاب المصلح ~~الكبير، والمنفذ الأعظم لسياسة الإسلام وهدى محمد صلى الله عليه وسلم من ~~بعده فى الفتوح والعدل وإدارة شئون الشعوب يقول: # «إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ فى الإسلام من لم يعرف ~~الجاهلية»، ولو كان رضى الله عنه واقفا على تواريخ الأمم والشعوب لعلم أن ~~ما جاء به الإسلام إنما هو إصلاح لشئون البشر كافة، وثنيهم وكتابيهم، ~~همجيهم وحضريهم، لا فى شىء واحد بل فى كل شىء، وإننى أشير هنا إلى أهم أصول ~~الإصلاح النسوى التى بسطتها فى كتاب وسيط فى حقوق النساء فى الإسلام سميته ~~(نداء للجنس اللطيف)؛ بينت فى مقدمته حالهن قبل البعثة المحمدية عند أمم ~~الأرض إجمالا بقولى: # «كانت المرأة تشترى وتباع، كالبهيمة والمتاع، وكانت تكره على الزواج وعلى ~~البغاء وكانت تورث، ولا ترث، وكانت تملك ولا تملك، وكان أكثر الذين ~~يملكونها يحجرون عليها التصرف فيما تملكه بدون إذن الرجل، وكانوا يرون ~~للزوج الحق فى التصرف بمالها من دونها، وقد اختلف الرجال فى بعض البلاد فى ~~كونها إنسانا ذا نفس وروح خالدة كالرجل أم لا؟ وفى كونها تلقن الدين وتصح ~~منها العبادة أم لا؟ وفى كونها تدخل الجنة أو الملكوت فى الآخرة أم لا؟ ~~فقرر أحد المجامع فى رومية أنها حيوان نجس لا روح له ولا خلود، PageV01P234 ~~ولكن يجب عليها العبادة والخدمة، وأن يكون فمها كالبعير والكلب العقور ~~لمنعها من الضحك والكلام لأنها أحبولة الشيطان، وكانت ms198 أعظم الشرائع تبيح ~~للوالد بيع ابنته، وكانت بعض العرب يرون أن للأب الحق فى قتل بنته بل فى ~~وأدها «دفنها حية» أيضا. # وكان منهم من يرى أنه لا قصاص على الرجل فى قتل المرأة ولا دية». # وكتبت فى مقدمة الكلام على حقوق النساء المالية فى الإسلام ما نصه: # «وقد أبطل الإسلام كل ما كان عليه العرب والعجم من حرمان النساء من ~~التملك أو التضييق عليهن فى التصرف بما يملكن، واستبداد أزواج المتزوجات ~~منهن بأموالهن. فأثبت لهن حق التملك بأنواعه، والتصرف بأنواعه المشروعة، ~~فشرع الوصية والإرث لهن كالرجال، وزادهن ما فرض لهن على الرجال من مهر ~~الزوجية والنفقة على المرأة وأولادها وإن كانت غنية، وأعطاهن حق البيع ~~والشراء والإجازة والهبة والصدقة وغير ذلك. ويتبع ذلك حقوق الدفاع عن مالها ~~كالدفاع عن نفسها بالتقاضى وغيره من الأعمال المشروعة، وأن المرأة الفرنسية ~~لا تزال إلى اليوم مقيدة بإرادة زوجها فى جميع التصرفات المالية، والعقود ~~القضائية. # وإننى ألخص من ذلك الكتاب المسائل الآتية بالإيجاز، ولمن شاء مراجعتها ~~فيه بطولها. # 1 - كان بعض البشر من الإفرنج وغيرهم يعدون المرأة من الحيوان الأعجم أو ~~من الشياطين لا من نوع الإنسان، وبعضهم يشك فى ذلك فجاء محمد صلى الله عليه ~~وسلم يتلو عليهم أمثال قول الله تعالى: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر ~~وأنثى [الحجرات: 13] وقوله تعالى: # يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث ~~منهما رجالا كثيرا ونساء [النساء: 1]. # 2 - كان بعض البشر فى أوروبا وغيرها يرون أن المرأة لا يصح أن يكون لها ~~دين، حتى كانوا يحرمون عليها قراءة الكتب المقدسة رسميا، فجاء الإسلام ~~يخاطب بالتكاليف الدينية الرجال والنساء معا بلقب المؤمنين والمؤمنات، ~~والمسلمين والمسلمات، والآيات فى ذلك معروفة. # كان أول من آمن بمحمد خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم امرأته، وهى زوجته ~~خديجة بنت خويلد رضى الله عنها، وقد ذكر الله تعالى مبايعته صلى الله عليه ~~وسلم للنساء # فى نص القرآن ثم بايع الرجال بما جاء فيها ms199 ولما جمع القرآن فى مصحف واحد ~~جمعا رسميا وضع عند امرأة هى حفصة أم المؤمنين، وظل عندها من عهد الخليفة ~~الأول أبى بكر الصديق إلى عهد الخليفة الثالث PageV01P235 ~~عثمان رضى الله عنهم فأخذ من عندها واعتمدوا عليه فى نسخ المصاحف الرسمية ~~التى كتبت وأرسلت إلى الأمصار لأجل النسخ عنها والاعتماد عليها. # 3 - كان بعض البشر يزعمون أن المرأة ليس لها روح خالدة فتكون مع الرجال ~~المؤمنين فى جنة النعيم فى الآخرة- وهذا الزعم أصل لعدم تدينها- فنزل ~~القرآن يقول: ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا ~~يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا (123) ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو ~~أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا [النساء: 123، 124]، ~~ويقول الله تعالى: فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو ~~أنثى بعضكم من بعض [آل عمران: 195]، وفيها الوعد الصريح بدخولهن جنات تجرى ~~من تحتها الأنهار .. # 4 - كان بعض البشر يحتقرون المرأة فلا يعدونها أهلا للاشتراك مع الرجال ~~فى المعابد الدينية، والمحافل الأدبية، ولا فى غيرهما من الأمور الاجتماعية ~~والسياسية، والإرشادات الإصلاحية، فنزل القرآن يصالحهم بقوله تعالى: ~~والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ~~ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن ~~الله عزيز حكيم [التوبة: 71]. # فأثبت للمؤمنات الولاية المطلقة مع المؤمنين، وتدخل فيها ولاية النصرة فى ~~الحرب، ولكن الشرع أسقط عنهن فريضة القتال فكان حظهن من النصرة تهيئة ~~الطعام والشراب للمقاتلين ومداواة جرحاهم، وكن يصلين الجماعة مع الرجال ~~ويحججن معهم، ويأمرن بالمعروف وينهين عن المنكر، حتى أن بعضهن كن ينكرون ~~على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب قوله جهرا، فيرجع عنه إذا كان خطأ، وهو ~~الذى كان يهابه الرجال كالنساء. # وقد قفى الله تعالى على هذه الآية بأعظم آية فى جزاء الفريقين جمعت بين ~~بيان النعيم الجسمانى والنعيم الروحانى وهى: وعد الله المؤمنين والمؤمنات ~~جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ms200 ورضوان من ~~الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم [التوبة: 72]. # 5 - كان بعض البشر يحرمون النساء من حق الميراث وغيره، وبعضهم يضيق عليهن ~~حق التصرف فيما يملكن، فأبطل الإسلام هذا الظلم، وأثبت لهن حق التملك ~~والتصرف PageV01P236 ~~بأنفسهن فى دائرة الشرع، قال الله تعالى: للرجال نصيب مما ترك الوالدان ~~والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر ~~نصيبا مفروضا [النساء: 7]. # ونحن نرى أن دولة الولايات المتحدة الأمريكية لم تمنح النساء حق التملك ~~والتصرف إلا من عهد قريب فى عصرنا هذا «1»، وأن المرأة الفرنسية لا تزال ~~مقيدة بإرادة زوجها فى التصرفات المالية والعقود القضائية، وقد منحت المرأة ~~المسلمة هذه الحقوق منذ ثلاثة عشر قرنا ونصف قرن. # 6 - كان الزواج فى قبائل البدو وشعوب الحضارة ضربا من استرقاق الرجال ~~للنساء فجعله الإسلام عقدا دينيا مدنيا لقضاء حق الفطرة بسكون النفس من ~~اضطرابها الجنسى بالحب بين الزوجين وتوسيع دائرة المودة والألفة بين ~~العشيرتين، واكتمال عاطفة الرحمة الإنسانية وانتشارها من الوالدين إلى ~~الأولاد، على ما أرشد إليه قوله تعالى: ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم ~~أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ~~[الروم: 21]. # 7 - القرآن ساوى بين المرأة والرجل باقتسام الواجبات والحقوق بالمعروف مع ~~جعل حق رئاسة الشركة الزوجية للرجل؛ لأنه أقدر على النفقة والحماية بقول ~~الله عز وجل فى الزوجات: ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة ~~[البقرة: 228]، وقد بين هذه الدرجة بقوله تعالى: الرجال قوامون على النساء ~~بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم [النساء: 34] فجعل من ~~واجبات هذه القيامة على الزوج نفقة الزوجة والأولاد، لا تكلف الزوجة منه ~~شيئا ولو كانت أغنى منه، وزادها المهر، فالمسلم يدفع لامرأته مهرا عاجلا ~~مفروضا عليه بمقتضى العقد حتى إذا لم يذكر فيه لزمه مهر مثلها فى الهيئة ~~الاجتماعية، ولهما أن يؤجلا بعضه بالتراضى، على حين ترى بقية الأمم حتى ~~اليوم تكلف المرأة دفع المهر للرجل. # وكان أولياء المرأة يجبرونها على التزوج ms201 بمن تكره أو يعضلونها بالمنع منه ~~مطلقا وإن كان زوجها وطلقها، فحرم الإسلام ذلك، والنصوص فى هذا معروفة فى ~~كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم وسنته. # 8 - كان الرجال من العرب وبنى إسرائيل وغيرهم من الأمم يتخذون من الأزواج ~~ما شاءوا غير مقيدين بعدد، ولا مشترط عليهم فيه العدل، فقيدهم الإسلام بأن ~~لا يزيدوا على PageV01P237 ~~أربع، وأن من خاف على نفسه أن لا يعدل بين اثنتين وجب عليه الاقتصار على ~~واحدة، وإنما أباح الزيادة لمحتاجها القادر على النفقة والإحصان لأنها قد ~~تكون ضرورة من ضرورات الاجتماع فى أحوال. منها: أن تكون الأولى عقيما أو ~~تدخل فى سن اليأس من الحمل. أو تكون ذات مرض مانع منه، أو من إحصان الرجل، ~~وقد يكون التعدد من # مصالح النساء خاصة إذا كثرن فى أمة أو قبيلة كما يكون فى أعقاب الحروب، ~~أو هجرة كثير من الرجال لأجل الكسب. # وناهيك بأمة تحرم شريعتها الزنا وتعاقب عليه، فهل من مصلحة النساء أو ~~الإنسانية أن تبقى النساء الزائدات على عدد الرجال محرومات من الحياة ~~الزوجية وحصانتها، وكفالة الأزواج، ومن نعمة الأمومة؟ وهل من المصلحة أو ~~المنفعة العامة أو الخاصة أن يباح لهن الزنا وما يترتب عليه من المصائب ~~البدنية والاجتماعية التى نراهن مرهقات برجسها فى بلاد الإفرنج والبلاد ~~التى ابتليت بسيطرتهم عليها أو تقليدها لهم؟. # وقد فصلنا ذلك فى تفسير آية التعدد من سورة النساء، ثم زدنا عليه فى كتاب ~~«حقوق النساء فى الإسلام» ما هو مقنع لكل عاقل منصف بأن ما شرعه الإسلام فى ~~التعدد هو عين الحق والعدل ومصلحة البشر كافة والنساء خاصة، فهو قد أباح ~~ذلك بشرطه الشديد ولم يوجبه، وهن فى شريعته مخيرات فى قبول العقد على رجل ~~متزوج وعدمه، بل تجيز الشريعة للمرأة أن تشترط فى عقد نكاحها جعل عصمتها ~~بيدها لتطلق نفسها إذا شاءت بناء على ما ذهب إليه بعض أئمة الفقه فى صحة كل ~~شرط يتعاقد عليه الناس غير مخالف لنص قطعى فى الكتاب والسنة ولا سيما ms202 شروط ~~الزوجية عملا بحديث: «أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج». رواه ~~البخارى فى مواضع من صحيحه وأصحاب السنن. # 9 - الطلاق قد يكون ضرورة من ضروريات الحياة الزوجية إذا تعدل على ~~الزوجين القيام بحقوق الزوجية من إقامة حدود الله، وحقوق الإحصان والنفقة ~~والمعاشرة بالمعروف، وكان مشروعا عند أهل الكتاب والوثنيين من العرب ~~وغيرهم، وكان يقع النساء منه وفيه ظلم كثير وغبن يشق احتماله فجاء الإسلام ~~فيه بالإصلاح الذى لم يسبقه إليه شرع ولم يلحقه بمثله قانون، وكان الإفرنج ~~يحرمونه ويعيبون الإسلام به، ثم اضطروا إلى إباحته، فأسرفوا فيه إسرافا ~~منذرا بفوضى الحياة الزوجية وانحلال روابط الأسرة والعشيرة، ومما نقلته ~~الصحف من أسباب حكم القضاة بالطلاق عندهم مسائل شعر رأس المرأة ووجه الرجل ~~فى إرساله أو قصه وحلقه وشكوى المرأة من اشتغال الرجل عنها بمطالعته الكتاب ~~أو الصحف فى الدار، PageV01P238 ~~وشكواها من نتن رائحته لعدم استحمامه، وشكوى الرجل من كثرة كلام المرأة حتى ~~بالمسرة (التليفون) ومثله كثير «1». # جعل الإسلام عقدة النكاح بيد الرجال ويتبعه حق الطلاق لأنهم أحرص على ~~بقاء الزوجية بما تكلفهم من النفقات فى عقدها وحلها وكونها أثبت من النساء ~~جأشا وأشد صبرا على ما يكرهون، وقد أوصاهم الله تعالى فوق هذا بما يزيدهم ~~قوة على ضبط النفس وحبسها على ما يكرهون من نسائهم فقال الله تعالى: ~~وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا ~~كثيرا [النساء: 19]، وأعطت الشريعة المرأة حق طلب فسخ عقد الزواج من القاضى ~~إذا وجد سببه من العيوب الخلقية أو المرضية كالرجل، وكذا إذا عجز الزوج عن ~~النفقة. وجعلت للمطلقة عليه حق النفقة مدة العدة التى لا يحل لها فيها ~~الزواج، وذم النبى صلى الله عليه وسلم الطلاق بأن الله يبغضه للتنفير عنه ~~.. إلى غير ذلك من الأحكام التى بيناها فى تفسير الآيات المنزلة فيها وفى ~~كتابنا الجديد فى حقوق النساء فى الإسلام (نداء للجنس اللطيف). # 10 - بالغ الإسلام فى الوصية ببر الوالدين فقرنه بعبادة الله تعالى، وأكد ~~النبى ms203 صلى الله عليه وسلم فيه حق الأم فجعل برها مقدما على بر الأب، ثم ~~بالغ فى الوصية بتربية البنات وكفالة الأخوات. بأخص مما وصى به من صلة ~~الأرحام، بل وجعل لكل امرأة قيما شرعيا يتولى كفايتها والعناية بها، ومن ~~ليس لها ولى من أقاربها وجب على أولى الأمر من حكام المسلمين أن يتولوا ~~أمرها، وقد أثبتنا فى ذلك الكتاب طائفة من تلك الوصايا. # وجملة القول: أنه ما وجد دين ولا شرع ولا قانون فى أمة من الأمم أعطى ~~النساء ما أعطاهن الإسلام من الحقوق والعناية والكرامة، أفليس هذا كله من ~~دلائل كونه من وحى الله العليم الحكيم الرحيم إلى محمد النبى الأمى المبعوث ~~فى الأميين؟ # بلى وإنا على ذلك من الشاهدين المبرهنين، والحمد لله رب العالمين. PageV01P239 ### || AUTO المقصد العاشر من مقاصد القرآن تحرير الرقبة # إن استرقاق الأقوياء للضعفاء قديم فى شعوب البشر، بل هو معهود فى الحشرات ~~التى تعيش عيشة الاجتماع والتعاون أيضا كالنمل، فإذا حاربت قرية منه أخرى ~~فظفرت بها وانتصرت عليها فإنها تأسر ما سلم من القتال وتستعبده فى خدمة ~~الظافر من البناء وجمع المئونة وخزنها فى مخزنها وغير ذلك. # كانت شعوب الحضارة القديمة من المصريين والبابليين والفرس والهنود ~~واليونان والروم والعرب وغيرها تتخذ الرقيق وتستخدمه فى أشق الأعمال، ~~وتعامله بمنتهى القسوة والظلم، وقد أقرته الديانتان اليهودية والنصرانية، ~~وظل الرق مشروعا عند الإفرنج إلى أن حررت الولايات المتحدة الأمريكية ~~رقيقها فى أواخر القرن الثامن عشر الميلادى، وتلتها إنجلترا باتخاذ الوسائل ~~لمنعه من العالم كله فى أواخر القرن التاسع عشر، ولم يكن عمل كل منهما ~~خالصا لمصلحة البشر العامة، فإن لهم فيها مصالح خاصة، ولا جنوحا للمساواة ~~بينهم، فإن الأولى لا تزال تفضل الجنس الأبيض الأوروبى المتغلب على الجنس ~~الأحمر الوطنى الأصلى بما يقرب من الاستعباد السياسى المباح عند جميع ~~الإفرنج للشعوب، بل يستبيح الشعب الأبيض تعذيب المخالف له فى لونه فى ~~الولايات المتحدة على كل ذنب بما لا يبيحه القانون، فيتخطفه دعارهم من أيدى ~~الحكام والشرطة وينكلون به ms204 أشد تنكيل، ويمثلون به أفظع تمثيل، كما أن ~~إنجلترا تحتقر الهنود وتستذلهم، ولكن النهضة الهندية فى هذا العهد قد خفضت ~~من غلوائهم، # وطأمنت من إشناق كبريائهم «1»، وغيرهما من الإفرنج المستعمرين شر منهما ~~ظلما وقسوة وكل منهم يأبون أن يصلوا فى كنائس مستعمراتهم مع أبناء البلاد ~~فيتناوبون الصلاة فيها. # فلما ظهر الإسلام، وأشرق نوره الماحى لكل ظلام، كان مما أصلحه من فساد ~~الأمم إبطال ظلم الرقيق وإرهاقه، ووضع الأحكام الممهدة لزوال الرق بالتدريج ~~الممكن بغير ضرر ولا ضرار ولا بغى ولا استكبار، إذ كان إبطاله دفعة واحدة ~~متعذرا فى نظام الاجتماع البشرى من الناحيتين: ناحية مصالح السادة ~~المسترقين، وناحية معيشة الأرقاء المستعبدين. PageV01P240 # فإن الولايات المتحدة لما حررت رقيقها كان بعضهم يضرب فى الأرض يلتمس وسيلة ~~للرزق فلا يجد ما يحسنه أو يقدر عليه فيحور إلى سادته يرجو منهم العود إلى ~~خدمتهم كما كان. # وكذلك جرى فى السودان المصرى، فقد جرب الحكام من الإنكليز أن يجدوا لهم ~~رزقا بعمل يعملونه مستقلين فيهم مكتفين به فلم يمكن، فاضطروا إلى الإذن لهم ~~بالرجوع إلى خدمة الرق السابقة بشرط أن لا تسمح للمخدومين ببيعهم والاتجار بهم. # فهذا برهان حسى مشاهد على أن إبطال الرق- الذى كان عاما فى البشر- بتشريع ~~دينى يتعبد الله تعالى به من أول يوم لم يكن من الحكمة ولا من مصلحة البشر ~~الممكن تنفيذها، والإسلام تشريع عملى لا هوادة فيه، فما شرعه فى الرقيق كان ~~أعلى مراتب الحكمة، الجامع بين المصلحة العامة والرحمة، كما تراه مفصلا ~~فيما يلى فنجزم بأنه هداية ربانية، لا فلسفة محمدية، وإنما كان محمد صلى ~~الله عليه وسلم أحكم وأرحم مبلغ ومنفذ لوحى الله بها، وقد أعتق كثيرا من ~~الرجال والنساء قبل البعثة وبعدها من ماله ومال زوجته خديجة أم المؤمنين ~~رضى الله عنها، وكان بعض من يملكهم يفضلون الرق عنده على العتق على الحرية ~~عند أهلهم، وكذلك فعل صاحبه الأول وصديقه الأكبر أبو بكر الصديق رضى الله ~~عنه الذى أنفق أكثر ماله فى تحرير الرقاب. PageV01P241 ### ||| AUTO هداية الإسلام ms205 فى تحرير الرقيق وأحكامه # قد شرع الله تعالى لإبطال الرق طريقتين: تحديد تجديد الاسترقاق فى ~~المستقبل أو تقييده، وتحرير الرقيق القديم بالتدريج، الذى لا ضرر ولا ضرار فيه. ### |||| AUTO الطريقة الأولى منع الإسلام جميع ما كان عليه الناس من ~~استرقاق الأقوياء للضعفاء بكل وسيلة من وسائل البغى والعدوان، # وقيده باسترقاق الأسرى والسبايا فى الحرب التى اشترط فيها ما تقدم بيانه ~~من دفع المفاسد وتقرير المصالح، ومنع الاعتداء ومراعاة العدل والرحمة وهى ~~شروط لم تكن قبله مشروعة عند المليين، ولا عند أهل الحضارة فضلا عن ~~المشركين الذين لا شرع لهم ولا قانون، ولست أعنى بالاستثناء أن الله شرع ~~لنا من هذا النوع من الاسترقاق كل ما كانت الأمم تفعله معاملة لهم بالمثل، ~~بل شرع لأولى الأمر من المسلمين مراعاة المصلحة للبشر فى إمضائه أو إبطاله ~~بأن خيرهم فى أسرى الحرب الشرعية بين أمرين: # (أولهما) المن عليهم بالحرية فضلا وإحسانا ورحمة. # (ثانيهما) الفداء بهم وهو نوعان: فداء المال، وفداء الأنفس إذا كان لنا ~~أسارى أو سبى عند قومهم بنص الآية «1» من سورة محمد التى أوردناها فى ~~القاعدة الخامسة من قواعد الحرب، ولما كنا مخيرين فيهم بين إطلاقهم بغير ~~مقابل والفداء بهم جاز أن يعد هذا أصلا شرعيا لإبطال استئناف الاسترقاق فى ~~الإسلام، فإن ظاهر التخيير بين هذين الأمرين أن الأمر الثالث الذى هو ~~الاسترقاق غير جائز لو لم يعارضه أنه هو الأصل المتبع عند جميع الأمم وأقره ~~الإسلام لأنه أمر عالمى دولى يقع به التعامل بين الأعداء فى الحرب، فمن ~~أكبر المفاسد والضرر أن يسترقوا أسرانا ونطلق أسراهم ونحن أرحم بهم وأعدل ~~كما يعلم مما يأتى، ولكن الآية ليست نصا فى الحصر، ولا صريحة فى النهى عن ~~الأصل، فكانت دلالتها على تحريم الاسترقاق مطلقا غير قطعية. فبقى حكمه محل ~~اجتهاد أولى الأمر إذا وجدوا المصلحة فى إبقائه أبقوه، وإذا وجدوا المصلحة ~~فى ترجيح المن عليهم بالحرية- وهو إبطال اختيارى له- أو الفداء بهم عملوا به. PageV01P242 # ورأيت بعض المشتغلين بالفقه يقولون: إن الاسترقاق والسبى من ms206 حقوق المحاربين ~~الخاصة لا من حقوق أولى الأمر العامة، فليس للإمام الأعظم ولا للقائد العام ~~فى الحرب المفوض من قبله مع أركان حربه أن يجبروا المقاتلين على المن ~~عليهم، ولا على الفداء بهم لاقتضاء المصلحة العامة لأحد الأمرين، بدليل أن ~~النبى صلى الله عليه وسلم لم يجبر المسلمين على التخلى عن سبى هوازن ~~إجبارا، بل جعله بتطييب أنفسهم له، ووعد من لا تطيب نفسه بترك حصته ~~بالتعويض عليه. # وفى هذا الفهم غلط من وجوه كثيرة «منها» أن مثل هذه المسألة إذا لم تكن ~~من المصالح العامة التى تناط أولى الأمر فليس فى الأمم مصالح عامة قط. ~~«ومنها» أنه يعارض # نصا فى القرآن بواقعة حال عملية، «ومنها» أن النبى صلى الله عليه وسلم ~~جمع فى تلك الحال بين حكمة الدين ورحمته العامة، وبين تربية المسلمين التى ~~اقتضاها الزمان والمكان، والقوة والضعف فى الإيمان، وحال طلقاء مكة ~~والمؤلفة قلوبهم فى إظهار الإسلام، فوعد وفد هوازن بإحدى الطائفتين- ~~الغنائم أو السبى- مع علمه بأنهم يختارون السبى. ثم إنه أعطى المؤلفة ~~قلوبهم من الغنائم أكثر من غيرهم، ولم يعط الأنصار شيئا وقد فصلنا ذلك فى ~~تفسير الآيتين (25، 26) من سورة التوبة «1». # وإنما تكون مصلحة الاسترقاق أرجح من هاتين المصلحتين- أى المن على الأسرى ~~والفداء بهم فى حالات قليلة لا تدوم كأن يكون المحاربون للمسلمين قوما ~~قليلى العدد كبعض قبائل البدو يقتل رجالهم كلهم أو جلهم. فإذا ترك النساء ~~والأطفال والضعفاء من الرجال لأنفسهم لا يكون لهم قدرة على الاستقلال فى ~~حياتهم فيكون الخير لهم أن يكفلهم الغالبون ويقوموا بشئونهم المعاشية، ثم ~~تجرى عليهم أحكام الطريقة الثانية فى تحريرهم وقد يتسترون بالنساء فيكن ~~أمهات أولاد وربات بيوت فحرائر، أو محصنات من الفواحش مكفيات أمر المعيشة ~~على الأقل، وكذلك الأطفال يكفلهم المسلمون ويربونهم على عقائد الإسلام ~~وفضائله، ثم ينالهم العتق فى الغالب لما سيأتى فى وجوهه، فيكونون كسائر ~~أحرار المسلمين علماء وأغنياء وحكاما وأمراء. وقد أفضى هذا إلى تغلب العتقى ~~(الموالى) من الأعاجم على السيادة والسلطان فى الأمة، بعد إهمال ms207 هداية ~~الدين فى دولها. # وقد سن النبى صلى الله عليه وسلم لأمته ترجيح المن على الأسارى والسبايا ~~بالعتق قولا وعملا فى غزوة بنى المصطلق، وغزوة فتح مكة، وغزوة حنين كما هو ~~مفصل فى كتب السيرة النبوية PageV01P243 ~~وغيرها، لأن المسلمين قد أثخنوهم وظهروا عليهم، ولم يكونوا أسروا من ~~المسلمين أحدا فعلم من ذلك أن روح الشريعة الإسلامية ترجيح الفضل والإحسان ~~عند القدرة، ومنه عتق الأسرى والسبايا والمن عليهم بالحرية بلا مقابل حاضر، ~~ولا خوف مستقبل، بل لمحض الإحسان. # ولا تنس أن أكثر المشركين الذين كانوا يقاتلون النبى صلى الله عليه وسلم ~~من الإعراب (البدو) وكانت حالة الحرب معهم مستمرة- كما تقدم- فلم يكن من ~~المصلحة إرجاع سبيهم إليهم يشقى بشقائهم وشركهم وظلمهم وقساوتهم، من قتل ~~للأولاد ووأد للبنات، وتأمل فعله صلى الله عليه وسلم مع بنى النضير من ~~اليهود إذا استأذنه أصحابه بأخذ أولادهم الذين تهودوا معهم فأمرهم ~~بتخييرهم. PageV01P244 ### |||| AUTO الطريقة الثانية: ما شرعه لتحرير الرقيق الموجود وجوبا وندبا # وهو 4 أنواع ### ||||| AUTO النوع الأول من أحكام الرق ووسائل تحريره اللازبة وفيه عشر مسائل # 1 - الحرية فى الإسلام هى الأصل فى الإنسان كما كتب أمير المؤمنين عمر بن ~~الخطاب رضى الله عنه إلى عامله على مصر عمرو بن العاص- وقد اشتكى عليه ~~قبطى-: «يا عمرو منذ كم تعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟»، وقد أخذ ~~الفقهاء من هذا الأصل أن الرق لا يثبت بإقرار المرء على نفسه، وجعلوا قول ~~منكره راجحا على قول مدعيه فيكلف إثباته. # 2 - إن الإسلام حرم استرقاق الأحرار من غير أسرى الحرب الشرعية العادلة ~~بشروطها- كما تقدم- وجعل ذلك من أعظم الآثام. روى البخارى وغيره نم حديث ~~أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله تعالى: ثلاث أنا ~~خصمهم يوم القيامة ومن كنت خصمه خصمته: # رجل أعطى بى ثم غدر، ورجل باع حرا ثم أكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا ~~فاستوفى منه ولم يعطه أجره»، وفى حديث الثلاثة الذين لا يقبل الله منهم ~~صلاة: «ورجل اعتبد محررا»، أى جعله كالعبد ms208 فى استخدامه كرها أو أنكر عتقه ~~أو كتمه، وهو فى سنن أبى داود وابن ماجة. # 3 - شرع الله تعالى للمملوك أن يشترى نفسه من مالكه بمال يدفعه ولو ~~أقساطا، ويسمى هذا فى الشرع «الكتاب والمكاتبة» وأصله قوله تعالى: والذين ~~يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال ~~الله الذي آتاكم [النور: 33]، أمر بمكاتبتهم إن علم المالك أنهم يقدرون على ~~الكسب والوفاء بما التزموه وأنه خير لهم، وأمر بإعانة المالك لمكاتبه على ~~أداء ما باعه نفسه به. ويدخل فيه الهبة وحط بعض الأقساط عنه، وجعل فى مال ~~الزكاة المفروضة سهما تدخل فيه هذه الإعانة، وندب غير المالك لذلك أيضا. # ذهب بعض العلماء إلى أن الأمرين فى الآية للوجوب: الأمر بالمكاتبة، ~~والأمر بالإعانة عليها، والأكثرون على أن الأول للندب والثانى للوجوب، وفى ~~صحيح البخارى بعد ذكر الآية. قال روح عن ابن جريج: قلت لعطاء «أواجب على ~~إذا علمت أن له (أى لمملوكه) مالا أن أكاتبه؟ قال: «ما أراد إلا واجبا» ~~وقاله عمرو بن دينار، قلت لعطاء: «أتؤثره عن PageV01P245 ~~أحد؟ قال: لا، ثم أخبرنى أن موسى بن أنس أخبره أن سيرين «1» سأل أنسا ~~المكاتبة وكان كثير المال فأبى فانطلق سيرين إلى عمر فدعاه عمر، فقال: ~~كاتبه، فأبى فضربه بالدرة وتلا: # فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا [النور: 33] فكاتبه» أ. ه. # 4 - إذا خرج الأرقاء من دار الكفر ودخلوا دار الإسلام يصيرون أحرارا، ~~وعلى الحكومة الإسلامية تنفيذ ذلك ومستنده فى السنة معروف، وقد انعكس الأمر ~~فى هذا العصر فصار الأرقاء الذين يخرجون من دار الإسلام إلى دار الكفر أو ~~ما فى حكمها هم الذين يعتقون، والمراد بالكفر هنا غير الإسلام. # 5 - إن من أعتق حصة له من عبد عتق كله عليه من ماله إن كان له مال، وإن ~~كان لغيره حصة فيه فله أحكام، وفى ذلك أحاديث فى الصحيحين وغيرهما، منها ~~حديث أبى هريرة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: «من أعتق نصيبا أو شقيصا ~~فى مملوك فخلاصة عليه ms209 فى ماله إن كان له مال وإلا قوم عليه فاستسعى «2» به ~~غير مشفوق عليه»، وحديث ابن عمر مرفوعا أيضا: «من أعتق نصيبا له فى مملوك ~~أو شركا له فى عبد فكان له من المال ما يبلغ قيمته بقيمة العدل فهو عتيق»، ~~والشقيص كالنصيب وزنا ومعنى. # 6 - من عذب مملوكه أو مثل به أو أخصاه عتق عليه، فقد روى الإمام أحمد أن ~~زنباعا أبا روح وجد غلاما له مع جارية له فجدع أنفه وجبه، فشكاه إلى النبى ~~صلى الله عليه وسلم فسأله فاعترف وذكر ذنبه فقال النبى صلى الله عليه وسلم ~~للغلام: «اذهب فأنت حر»، ويؤخذ منه: أن الجب والخصاء حرام وموجب لعتق ~~العبد، وينفذه الحاكم عليه، فكل ما كان يخصى من المماليك ففيه مخالفة للشرع ~~الإسلامى بخصائصهم وبعدم عتقهم. # وفى رواية له (الإمام أحمد) أخرجها أبو داود وابن ماجة: وجاء رجل إلى ~~النبى صلى الله عليه وسلم صارخا فقال له: «ما لك؟»، قال: سيدى رآنى أقبل ~~جارية له فجب مذاكيرى، فقال النبى صلى الله عليه وسلم «وعلى بالرجل»، فطلب ~~فلم يقدر عليه فقال صلى الله عليه وسلم للغلام: «اذهب فأنت حر»، وفى جامع ~~الأصول من حديث سمرة ابن جندب وأبى هريرة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ~~«ومن مثل بعبده عتق عليه». # 7 - إيذاء المملوك بما دون التمثيل والتعذيب الشديد حرام ولا كفارة لذنبه ~~إلا عتقه، فقد PageV01P246 ~~روى أحمد، ومسلم، وأبو داود عن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: # «من لطم مملوكه أو ضربه فكفارته أن يعتقه»، وللشيخين والترمذى عن سويد بن ~~مقرن قال: «كنا بنى مقرن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس لنا إلا ~~خادمة واحدة فلطمها أحدنا فبلغ ذلك النبى صلى الله عليه وسلم فقال: ~~«أعتقوها». وقيل له إنه ليس لبنى مقرن خادم غيرها فرخص لهم باستخدامها ما ~~دامت الحاجة وإطلاقها إذا زالت». # وروى مسلم وغيره عن أبى مسعود البدرى قال: «كنت أضرب غلاما بالسوط فسمعت ~~صوتا ms210 من خلفى: «اعلم أبا مسعود» فلم أفهم الصوت من الغضب، قال: فلما دنا ~~منى إذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو يقول: «اعلم أبا مسعود، ~~اعلم أبا مسعود» فألقيت السوط من يدى، وفى رواية فسقط من يدى السوط من ~~هيبته فقال: «اعلم أبا مسعود أن الله أقدر منك على هذا الغلام» - وفى رواية ~~عليه- فقلت: يا رسول الله هو حر لوجه الله فقال: «أما لو لم تفعل للفحتك ~~النار، أو لمستك النار». # فهذا وما قبله بعض هدى الرسول فى الرحمة ومعاملة الرقيق الذى لا يزال ~~يصفه رجال الكنيسة ورجال السياسة من الإفرنج وتلاميذهم بما علم القاصى ~~والدانى من الكذب والإفك والبهتان، كيف لا وهو الرحمة العامة للعالمين. # 8 - التدبير عتق لازم، وينعقد بقول السيد لعبده: أنت مدبر، وأنت حر عن ~~دبر منى، أى بعد أن أدبر عن هذه الدنيا، وكذا أنت حر بعد موتى، إذا قصد به ~~التدبير، فإن أطلق ولا قرينة، فبعض العلماء يرجح أنه تدبير تقوية لجانب ~~العتق الذى هو من مقاصد الشرع الأساسية ومنهم من يرجح جانب الوصية. # ومن أحكام التدبير أنه لازم فى الحال لا يجوز الرجوع عنه كالوصية، وأنه ~~لا يجوز للمدبر (بالكسر) بيع المدبر (بالفتح) عند مالك وأبى حنيفة وأن من ~~دبر بعض مملوكه وهو مالك له كله سرى العتق إلى باقيه، وقال جمهور العلماء: ~~إن أولاد الجارية المدبرة تابعون لها فى العتق والرق فإذا عتقت عتقوا معها. # 9 - عتق أمهات الأولاد- وهو أن الجارية التى تلد لسيدها ولدا تصير حرة من ~~رأس ماله بعد موته فلا تدخل فى ملك الورثة ولا يجوز له بيعها فى حياته عند ~~جمهور السلف والخلف وأولهم عمر وعثمان رضى الله عنهما. # ففي حديث عمر عن الإمام مالك: «أيما وليدة ولدت من سيدها فإنه لا يبيعها ~~ولا يهبها PageV01P247 ~~ولا يورثها وهو يستمتع منها فإذا مات فهى حرة» ولو أن أم الولد تورث لورثها ~~أولادها فكانت ملكا لهم، وهذا مناف لمقاصد الشرع وأصوله وآدابه. # 10 - إن ملك أحد أحدا ms211 من أولى القربى عتق عليه، وأعم ما ورد فيه حديث ~~ضمرة بن جندب مرفوعا: «من ملك ذا رحم محرم فهو حر» رواه أحمد، وأصحاب السنن ~~إلا النسائى والحاكم وصححوه وهذا بمعنى ما قبله من عتق أمهات الأولاد. ### ||||| AUTO النوع الثانى من وسائل تحرير الرقيق الموجود: الكفارات # والمراد بها القربات التى تمحو الذنوب وأعظمها عتق الرقاب وهى ثلاثة أقسام: # (أحدها) واجب حتم على القادر على العتق بملك الرقبة أو ثمنها ككفارة قتل ~~النفس خطأ، وكفارة الظهار- وهو تشبيه الرجل زوجته بأمه- وكان طلاقا فى ~~الجاهلية وكفارة إفساد الصيام عمدا بشرطه وقيده المعروفين فى الفقه. # (ثانيها) واجب مخير فيه، وهو كفارة اليمين فمن حلف يمينا وحنث فيها ~~فكفارته إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، كما قال الله تعالى ~~وحكمة التخيير ظاهرة. # (ثالثها) مندوب، وهو العتق لتكفير الذنوب غير المعينة، وهو من أعظم ~~مكفراتها. ### ||||| AUTO النوع الثالث من وسائل إلغاء الرق الموجود # جعل الله أحد السهام الثمانية من مصارف الزكاة الشرعية المفروضة (فى ~~الرقاب) بنص القرآن هو يشمل العتق والإعانة على شراء المملوك نفسه ~~(الكتابة) ومن المعلوم أن زكاة الأمة الإسلامية قد تبلغ مئات الألوف وألوف ~~الألوف من الدراهم والدنانير فلو نفذت أحكام الإسلام فيها وحدها لأمكن ~~تحرير جميع الرقيق فى دار الإسلام. ### ||||| AUTO النوع الرابع منها العتق الاختيارى لوجه الله تعالى (أى ~~ابتغاء مرضاته ومثوبته) # قد ورد فى الكتاب والسنة وآثار السلف من الترغيب فى العتق ما يدخل تدوينه فى سفر PageV01P248 ~~كبير، ومما يدل على أنه فى أعظم العبادات وأصول القربات آية البر من سورة ~~البقرة (177). # ومن أشهر أحاديث الترغيب فى العتق؛ قوله صلى الله عليه وسلم: «أيما رجل ~~أعتق امرأ مسلما «1» استنقذ الله بكل عضو منه عضوا من النار»، متفق عليه من ~~حديث أبى هريرة، وفى رواية: # «عضوا من أعضائه من النار حتى فرجه بفرجه»، وحديث أبى ذر قال: سألت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أى العمل أفضل؟ قال: «إيمان بالله، وجهاد فى ~~سبيله»، قلت: فأى الرقاب أفضل؟ # قال: «أغلاها ms212 ثمنا وأنفسها عند أهلها» إلخ متفق عليه. # ومن اشهرها أيضا حديث أبى موسى الأشعرى: «أيما رجل كانت له جارية أدبها ~~فأحسن تأديبها، وعلمها فأحسن تعليمها، وأعتقها وتزوجها فله أجران»، رواه ~~البخارى ومسلم وغيرهما. وفى الصحيحين أيضا أن أبا هريرة لما روى قوله: ~~«للمملوك الصالح أجران»، قال: والذى نفسى بيده لولا الجهاد والحج وبر أمى ~~لأحببت أن أموت وأنا مملوك. ### ||| AUTO علاوة فى عتق غير المسلم # من الدلائل على أن تحرير الرقيق فى الإسلام قربة مقصودة لذاتها لأنها من ~~حقوق البشر العامة، أنه يشمل المؤمن والكافر ومن البديهى أن حق المؤمن على ~~المؤمن أعظم ومقدم على غيره، ولما كان استرقاق الإنسان قتلا لحريته التى لا ~~تتم إنسانيته بدونها جعل الله العتق كفارة للقتل فى حال عدم القصاص، وقد ~~اشترط فى كفارة القتل عتق رقبة مؤمنة، لأن المؤمن فى الشرع الدينى أكمل، ~~ومثله كفارة الظهار لأنه من الأحكام الزوجية الدينية. وقال الله تعالى فى ~~كفارة اليمين أو تحرير رقبة ولم يقل مؤمنة، فقال بعض العلماء: هو على ~~إطلاقه، فيكفى فيه رقبة غير مؤمنة. وقال بعضهم: يحمل المطلق على المقيد ~~واشتراط كونها مؤمنة والأول أظهر. # ومن دلائل السنة ما رواه البخارى فى (باب عتق المشرك) عن هشام أخبرنى أبى ~~(أى عروة بن الزبير) أن حكيم بن حزام رضى الله عنه أعتق فى الجاهلية مائة ~~رقبة وحمل على مائة بغير فلما أسلم حمل على مائة بعير وأعتق مائة رقبة قال: ~~فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله أرأيت أشياء كنت ~~أصنعها فى الجاهلية كنت أتحنث بها- يعنى أتبرر بها؟ قال: فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «أسلمت على ما سلف لك من خير»، وفى صحيح مسلم: «أسلمت ~~على ما أسلفت من خير». PageV01P249 # فقول البخارى: «عتق المشرك» يحتمل أن يكون من الإضافة إلى الفاعل لأن حكيما ~~سأله عما أعتقه وهو مشرك، وأن يكون من الإضافة إلى المفعول لأن الذين ~~أعتقهم كانوا مشركين، وجواب النبى صلى الله عليه وسلم له أنه أسلم ms213 على ما ~~كان يفعله من الخير معناه أنه كمل له الخبر والبر بالإسلام، وإذا كان ~~الإسلام يجب ما قبله من الشرك وأعماله، ويطهر النفس منها فأجدر به أن يزيد ~~فاعل الخير السابق خيرا وتزكية لنفسه إذا كان مستعدا لهما، ولو لم يسلم لما ~~كان هذا ينجيه فى الآخرة ولكنه كان يكون أمثل ممن لم يفعل مثله. ### ||| AUTO الوصية بالمماليك # أضف إلى ما تقدم كله وصايا الله ورسوله بالمماليك، ومنها تخفيف الواجبات ~~عليهم، وجعل حد المملوك فى العقوبات نصف حد الحر، وقد قرن الله تعالى ~~الوصية بهم بالوصية بالوالدين والأقربين، ونهى النبى صلى الله عليه وسلم عن ~~قول السيد: «عبدى وأمتى»، وأمره أن يقول: # «فتاى وفتاتى وغلامى»، وأمر بأن يطعموهم مما يأكلون ويلبسوهم مما يلبسون، ~~ويعينوهم على خدمتهم إن كلفوهم ما يغلبهم كما فى حديث أبى ذر فى الصحيحين ~~وغيرهما الذى تقدم والمناسب منها هنا: أن المعرور بن سويد قال: رأيت أبا ذر ~~بالربذة وعليه حلة وعلى غلامه حلة فسألته عن ذلك»، وذكر ما تقدم من الحديث ~~وتتمته هى قوله صلى الله عليه وسلم فى المماليك: # «إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما ~~يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم» أى: ~~عاملوهم # معاملة الأمثال، وفى الصحاح أيضا أنه صلى الله عليه وسلم كان يوصى النساء ~~وما ملكت الأيمان حتى فى مرض موته إلى أن التحق بالرفيق الأعلى صلى الله ~~عليه وسلم. وسأله ابن عمر: كم أعفو عن الخادم؟ قال: «اعف عنه كل يوم سبعين ~~مرة»، وهذه مبالغة معناها اعف عنه كلما أذنب. # وقد تفلسف بعض المتنطعين فيما يسمونه النقد التحليلى فقال: إن محمدا صلى ~~الله عليه وسلم كان يوصى بالرقيق لأنه ربى فى حجر أمه- قيل يعنى به إرضاع ~~ثويبة مولاة عمه أبى لهب- وأن هذا التعليل لجهل عميق بالتاريخ وعلم النفس ~~والفلسفة جميعا، والأولى أن يعنى أم أيمن حاضنته وكانت جارية لأمه فورثها ~~وأعتقها، ولكن هذا التشريع العظيم الذى جاء فى كهولة ms214 الأمية فوق جميع شرائع ~~البشر وفلسفتهم وآدابهم شىء آخر لا ينبغى لعاقل أن يعلله بما علله به هذا ~~المتنطع المتحذلق، وما كان هذا التشريع وحده هو الذى يعلو هذا التعليل ~~ويحكمه بل كل نوع من شريعته مثله، ثم ماذا يقال فى مجموعها وجملتها؟. PageV01P250 # ولهذا كان المسلمون فى الصدر الأول يبالغون فى تكريم الرقيق ومعاملتهم ~~بالحلم حتى صاروا يقصرون فى الخدمة، ولعمر الحق إن العبد المملوك فى حكم ~~الإسلام الأول كان أعز نفسا وأطيب عيشا من جميع الأحرار الذين ابتلوا فى ~~هذه العصور بحكم دول الإفرنج من غيرهم أو نفوذهم. PageV01P251 # خلاصة البحث فى تحرير الدلالة على إثبات الوحى وحجة الله به على جميع الخلق # راجع ما تقدم من الكلام على الوحى والنبوة وآيات الأنبياء عندنا وعند ~~النصارى، ومن الكلام فى تفنيد شبهة الوحى النفسى، والكلام فى إعجاز القرآن ~~اللغوى والعلمى وما أحدثه من الثورة العالمية والانقلاب الإنسانى من كل ~~وجه، ثم أضف إليها تلك العشرة أنواع من مقاصد القرآن، وفى إصلاح البشر ~~وتكميل نوع الإنسان، من جميع نواحى التشريع الروحى والأدبى والاجتماعى ~~والمالى والسياسى، وهى التى اشتدت حاجة الشعوب والدول إليها فى هذا العصر، ~~موضحة بما بيناه من أصول وقواعد فى الإسلام، هى أصح وأكمل وأكفل للمصالح ~~العامة، ودفع المفاسد القديمة والطارئة من كل ما سبقها من تعاليم الأنبياء، ~~وفلسفة الحكماء وقوانين الملوك والحكام، على اختلاف العصور، مع العلم ~~القطعى من تاريخ محمد صلى الله عليه وسلم أنه كان أميا يؤثر بطبعه عيشة ~~العزلة، فلم يتفق له الاطلاع على كتب الأنبياء ولا غيرها من الكتب ~~والقوانين، وأنه لم يعرف عنه أنه كان يبحث فى شىء من العلوم، ولا أنه نطق ~~بشيء من مسائلها، ولا أنه عرف بالبلاغة والفصاحة، أو عنى بالشعر أو الرجز ~~أو الخطابة، والعلم القطعى بأنه إنما جاء بها فى هذا القرآن بعد استكمال سن ~~الأربعين وهى سن لم يعرف فى استعداد أنفس البشر ومدركات عقولهم ولا فى ~~تاريخهم أن صاحبها يأتنف مثلها ائتنافا لم يسبق له البدء بشيء ms215 منه فى أنف ~~عمره، وآنفه شبابه وشرخه. # راجع هذا كله وتأمل جملة واحدة تجد عقلك مضطرا إلى الجزم بأن هذا فى ~~جملته وتفصيله فوق استعداد بشر أمى أو متعلم، وأنه لا يعقل إلا أن يكون ~~وحيا من الله تعالى اختصه به. # فإذا فرضنا أنه يحتمل أن يكون شىء منها من تأثير الوراثة والبيئة ~~والتربية، وأن يكون قد تسرب إلى ذهنه بعض مسائلها من أفواه عقلاء قومه أو ~~غيرهم ممن لقى فى أسفاره القليلة، أو أنه فكر فى حاجة البشر إلى مثلها بما ~~أدركه بذكائه الفطرى من سوء حالهم، فهل يعقل أن تكون تلك الفلتات الشاردة، ~~وهذه الخطرات الواردة، تبلغ هذا الحد من التحقيق والوفاء بحاجة الأمم كلها، ~~وأن تظل كلها مكتومة من سن الصبا وعهد حب PageV01P252 ~~الظهور إلى أن تظهر فى سن الكهولة بهذه الروعة من البيان، وسلطان البلاغة ~~على القلوب، وقوة البرهان فى العقول، فتحدث هذه الثورة العربية المغيرة ~~لطباعها، والمبدلة لأوضاعها، بحيث تسود بها شعوب المدنية كلها، ويتلو ذلك ~~ما قصه التاريخ من الانقلاب فى العالم كله بها؟ # وأعجب من هذا كله أن يظهر فى هذا العصر أن أمم العلم والفنون الواسعة ~~والحضارة العجيبة أشد حاجة إليها ممن قبلهم؟ كلا. إن هذا لم يعرف مثله فى ~~البشر، فلم يبق إلا أنه علم موحى به من الله عز وجل مفروض على كل عاقل ~~بلغته دعوته أن يتبعه ويهتدى به لتكميل إنسانيته، وهداية أمته، وإعدادها ~~لسعادة الدنيا والآخرة. فإن اعترضته شبهة عليه فليبحث عنها أو لينبذها، فما ~~كان لعاقل ثبت عنده نفع علم الطب أن يترك مراعاته فى حفظ صحته، أو مداواة ~~مرضه، لشبهة فى بعض مسائله، أو خيبة الأطباء فى بعض معالجاتهم للمرضى. فهو ~~أعظم أطباء الأرواح والاجتماع فيهم. # قال الله تعالى: قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين [الأنعام: 149]. # *** PageV01P253 # الخاتمة فى تجديد التحدى بتعاليم الوحى المحمدى، ودعوة شعوب الحضارة إلى ~~الدين الإسلامى # تلك عقائد دين محمد وقواعد تشريعه، وأصول إصلاحه الدينى والاجتماعى ~~والمالى والسياسى، مسرودة بالإجمال، مؤيدة ms216 بشواهدها من آيات القرآن، مجردة ~~من حلل المبالغات الخطابية، وعاطلة من حلى الخلابة الشعرية، ونحن المسلمين ~~نتحدى الفلاسفة والمؤرخين من جميع الأمم، ولا سيما أحرار الإفرنج، بأن ~~يأتونا بمثلها أو بما يقرب منها من تاريخ الأنبياء، وأشهر الحكماء، وأبلغ ~~الأدباء، وأنبغ ساسة الأولين والآخرين مع صرف النظر عن كونه صلى الله عليه ~~وسلم كان- كما بينا أولا وآخرا- أميا، وجاء بذلك كله بعد استكمال السن التى ~~صرح علماؤهم بأن الإنسان يستحيل أن يبتدئ فيها علما أو فنا، أو يسن فيها ~~شرعا أو يضع قانونا، أو أن ينهض فى العالم بانقلاب عظيم أو عمل خطير، مما ~~لم يكن قد ظهر استعداده له وأخذ بمقدماته فى ريعان الصبا، وشرخ الشباب، وقد ~~بينا الفرق العظيم بينه وبين موسى وعيسى أعظم # أنبياء بنى إسرائيل صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين. # نتحداهم بهذا القرآن تحديا علميا إصلاحيا سياسيا فى أرقى عهد للبشر فى ~~العلم الكسبى، مع صرف النظر عما كان من تحدى سلفنا بإعجاز عبارته وأسلوبها ~~وبلاغتها العربية فى أرقى عصورها، ونتحداهم به تحديا عمليا من حيث إن تنفيذ ~~محمد صلى الله عليه وسلم لإصلاحه فى تأثيره وسرعته وعمومه من أكبر المعجزات ~~التى تفوق استعداد البشر، فكيف وقد اجتمع العلم والعمل. # وبيانه أن العلم مما يصلح به حال البشر فى أفرادهم وجماعاتهم وشعوبهم علم ~~واسع يقل فى الأذكياء من يتقن المدون منه فى الكتب الذى يلقن فى المدارس، ~~ثم يقل من يستطيع تنفيذ ما يتعلمه منه فى أمة يتولى أمر سياستها وإدارة ~~الأحكام فيها، فهل فى الإمكان أن يوجد إنسان يضع هذا العلم ذا الشعب ~~الكثيرة، بل العلوم العالية، ثم يكون هو الذى يتولى تنفيذها وإصلاح أمة ~~كبيرة بها، ويتم له النجاح فى ذلك بنفسه فى عصره؟. # إن هذا ليس فى استطاعة أحد من البشر، ولم يقع من أحد منهم فيما غير، ~~وأصول هذا الإصلاح وفروعه محفوظة إلى اليوم وقد فسد أكثر البشر لتركهم ~~الاهتداء بها!! PageV01P255 # وأما تنفيذ محمد صلى الله عليه وسلم لهذه التعاليم فقد تم ms217 فى عشر سنين من ~~تاريخ الهجرة الذى كان بدء حياة الحرية له ولمن آمن به، وقد ظل قبلها يدعو ~~إلى أصولها المجملة عشر سنين أولا بالسر، ثم بالجهر مع احتمال الاضطهاد ~~والإيذاء والتعذيب والتهديد بالقتل والنفى الذى اضطر المؤمنين إلى هجرة بعد ~~هجرة، وبعد الهجرة بالتبع له صلى الله عليه وسلم صار لهم قوة فكان المشركون ~~يعتدون عليهم ويقاتلون فى دار هجرتهم فكانوا فى حالة الحرب وقتال مع ~~المشركين كافة، وكذا أهل الكتاب المجاورين له، وكان صلى الله عليه وسلم عقد ~~لليهود معاهدة بتأمينهم على دينهم وأنفسهم وأموالهم بشرط ألا يظاهروا ~~المشركين عليه، فنقضوا عهده المرة بعد المرة، وظاهروهم بل أغروهم بقتاله، ~~فاضطر إلى قتالهم وإجلائهم من جواره فى الحجاز، وظل المسلمون فى نضال مع ~~المشركين مدة ست سنين، مدافعين عن أنفسهم فى كل قتال دفاع الضعيف- المؤيد ~~من الله- للأقوياء المخذولين، وفى أواخر السنة السادسة عقد معاهدة الحديبية ~~مع المشركين على وضع القتال عشر سنين، ثم غدر المشركون ونقضوا العهد، فعادت ~~حالة الحرب، وفتح المسلمون مكة عاصمة قريش الدينية والدنيوية، ومثابة جميع ~~الأمة العربية، فى سنة ثمان من الهجرة، وحج النبى صلى الله عليه وسلم حجة ~~الوداع فى آخر سنة عشر، وأنزل الله تعالى عليه فى يوم عرفة منها: اليوم يئس ~~الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت ~~عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا [المائدة: 3]. # ففي عشر سنين تم توحيد الأمة العربية التى كانت أعرق أمم الأرض فى الشقاق ~~والتفرق والعداء، وإنما كان ذلك بتأثير كتاب الله وتأييده عز وجل لرسوله ~~كما قال الله تعالى: هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين (62) وألف بين قلوبهم ~~لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه ~~عزيز حكيم [الأنفال: 62، 63]، وبما أعده الله تعالى له من إتمام مكارم ~~الأخلاق، وما وفقه وأرشده إليه من حسن السياسة المبنية فى قوله تعالى: # فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف ms218 ~~عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر [آل عمران: 159]، وذلك أن العرب كانت ~~أعصى خلق الله على الخضوع والطاعة والانقياد، لعراقتهم فى الحرية وشدة ~~بأسهم وعدم ابتلائهم بالملوك المستبدين القاهرين، والرؤساء الروحيين ~~المسيطرين الذين يذللون الأمم ويخضعونها لكل ذى سلطان قوى. # فليدلنا علماء التاريخ العام على نبى من الأنبياء أو حكيم من الحكماء، أو ملك من PageV01P256 ~~الملوك الفاتحين والمشرعين، ربى أمة من الأمم فى عشر سنين أو عشرين، فجعلها ~~أهلا لفتح الأمصار، والسيادة على الأمم الحضرية، وسياستها بالعدل والرحمة، ~~وتحويلها عن أديانها ولغاتها بالإقناع وحسن القدوة، ولا نشترط أن تكون هذه ~~الأمة التى علمها وهذبها ووحدها رجل واحد كالأمة العربية فى عتوها ولا أن ~~يكون هذا الرجل أميا كمحمد صلى الله عليه وسلم. # فأين الوحدة الجرمانية والوحدة الطليانية فى عصر العلوم والفنون والفلسفة ~~والحضارة والقوانين ونظم الاجتماع والحرب، من الوحدة العربية المحمدية فى ~~عهد الأمية والجاهلية؟ # بل أين الوحدة الإسرائيلية، فى عهد الآيات والعجائب الكونية من الوحدة ~~العربية الخاصة، ثم الوحدة الإسلامية العامة فى عهد آيات القرآن وعلومه ~~الإلهية؟. # ثم نفذ ذلك التشريع الأعلى، والهداية المثلى، خلفاء محمد الراشدون، وكثير ~~من ملوك المسلمين الصالحين، بما شهد لهم به تاريخهم، واعترف لهم به ~~المؤرخون المنصفون من الإفرنج وغيرهم، بالجمع بهما بين العدل والرحمة، ~~وبأنهم جددوا بهما الحضارة الإنسانية ورقوها، وأحيوا العلوم والفنون الميتة ~~وهذبوها واستثمروها، وكانوا أساتذة العالم فيها. # ثم كان من قوة هذا الدين فى الحق والفضائل أن عادته جميع أمم الإفرنج ~~وحاربته بجميع قواتها الصليبية- الهمجية منها والمدنية- ثم بعلومها وفنونها ~~ونظمها المدهشة، ولا تزال تحاربه وتبذل الملايين من الدنانير لتحويل أهله ~~عنه، بعد زوال قوة دوله، وغلبة الجهل على شعوبه، بجميع أساليب الدعوة ~~المسماة بالتبشير، وبجميع وسائل القوة والنظام، وبمساعدة الملحدين فيه ~~كالقاديانية، وتقترف دولهم وجمعياتهم الدينية فى ذلك من رذائل الظلم والبغى ~~والكذب ما يتبرأ من مثله شرار المجرمين، ولم يستطيعوا له هدما، ولا أن ~~ينصروا مسلما واحدا عرف الإسلام «1». # قال الله تعالى: يريدون أن يطفؤا نور الله بأفواههم ويأبى ms219 الله إلا أن ~~يتم نوره ولو كره الكافرون (32) هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ~~ليظهره على الدين كله # ولو كره المشركون # [التوبة: 32، 33]. PageV01P257 ### | CHECK [الخاتمة فى تجديد التحدى بتعاليم الوحى المحمدى، ودعوة شعوب ~~الحضارة إلى الدين الإسلامى] ### | CHECK [خلاصة البحث فى تحرير الدلالة على إثبات الوحى وحجة الله به ~~على جميع الخلق] ### || AUTO نتيجة التحدى بالوحى المحمدى: دعوة شعوب المدنية: أوروبا ~~وأمريكا واليابان، بلسان علمائها إلى الإسلام لإصلاح فساد البشر المادى ~~وتمتيعه بالسلام، والإخاء الإنسانى العام # إذا عجز حكماء هذا العصر والحياة والاجتماع والأخلاق والمؤرخون من أحرار ~~الإفرنج وغيرهم عن إخبارنا بوجود رجل مثل محمد صلى الله عليه وسلم فيما علم ~~من تاريخه المعروف والمشهور بمثل هذا القرآن فى خصائصه، ولا سيما التعاليم ~~التى لخصنا كلياتها فى هذا الكتاب، وقدر أن ينفذها ويربى بها أمة كالأمة ~~العربية حتى كان لها بها من الأثر الدينى والمدنى فى العالم مثل أثرها- ~~وأنهم لعاجزون عن ذلك قطعا- أفلا يكون عجزهم هذا برهانا على أن دين محمد، ~~وكتاب محمد، وهدى محمد، وتربية محمد للأمة العربية، بما قلب به نظام العالم ~~الإنسانى كلها، وحولها إلى ما هو خير منها- كل أولئك من خوارق العادات، وما ~~لا يقبل المرء الظاهر من المعجزات؟ بلى. # وإذا كان حقا واقعا ما له من دافع، فما المانع من عد هذه التعاليم وحيا ~~من رب العالمين، العليم الحكيم؟ وما معنى كونها وحيا إلا أنها علم أفاضه ~~الله تعالى على روح محمد وقلبه، بطريقة خفية غير طرق العلم الكسبية ~~المعروفة للبشر عامة، وفوق الإلهامات النفسية القليلة التى تؤثر عن بعض ~~الخاصة؟ وما معنى كونها معجزة إلا أنها جاءت على غير المعهود فى علم البشر ~~الكسبى والنفسى، وخلاف المقرر فى علم النفس والفلسفة العقلية وسنن ~~الاجتماع، وتواريخ الأمم، وسير الحكماء والعلماء والملوك، وفوق المعروف عن ~~الأنبياء أيضا، وإن كانت من جنسها، فالأنبياء قد أنبئوا ببعض الغيوب ~~الحاضرة فى عصرهم والعصور التى أتت بعدهم- وأنبأ محمد صلى الله عليه وسلم ~~بما هو أصرح منها وأظهر وأكثر، وبغيوب سابقة ms220 كانت قبل نبوته بقرون، ولكن لم ~~يجئ أحد منهم بمثل ما تقدم إجماله فى المقاصد العشرة العالية من العلم ~~والحكمة والتشريع. # قد بينا لكم أيها العلماء الأحرار، بطلان ما اخترعته عقول المنكرين لنبوة ~~محمد صلى الله عليه وسلم من العلل والآراء، لجعل ما جاء به من العلم الإلهى ~~الأعلى، والتشريع المدنى الأسمى، والحكمة الأدبية المثلى، نابعا من ~~استعداده الشخصى، وما اقتبسه فى بيئته وأسفاره من أقوال بعض الأعراب، وهى ~~شوارد ما كان يعنى مثله بحفظها، وآراء أهل الكتاب، وهى أوابد ما كان يثق ~~بها فيحفل بقيدها، ولا كان هذا من شأنه، وعلمتم أن بعض ما قالوه افتراء على PageV01P258 ~~التاريخ، وأن ما قد يصح منه عقيم لا ينتج ما ادعوه، وعلمتم أنه فى جملته ~~مخالف للعلم والفلسفة وطباع البشر وسنن الاجتماع ووقائع التاريخ. # ونحن نتحداكم الآن بالإتيان بعلل أخرى لما عرضناه على أنظاركم من وحى ~~الله تعالى وكتابه لمحمد صلى الله عليه وسلم مع القطعى من تاريخه- علل ~~يقبلها ميزان العقل المسمى بعلم المنطق، وسنن الإنسان، وعلم الاجتماع. # فإن لم تستطيعوا- ولن تستطيعوا- أن تأتونا بعلل تقبلها العقول، وتؤيدها ~~النقول فالواجب عليكم أن تؤمنوا بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ورسالته، ~~وبكتابه المنزل عليه من عند الله تعالى لإصلاح البشر، وأن تتولوا الدعوة ~~إلى هذا الإيمان، ومعالجة أدواء الاجتماع الحاضرة به، بعد أن عجزت علومكم ~~الواسعة، وفلسفتكم الدقيقة أن توقف عدوى فساد الإباحة وعبادة الشهوات وفوضى ~~الأفكار فى الأمم، وعجزت عن منع دول حضارتكم أن تنفق معظم أموالها المنتزعة ~~من شعوبها ومستعمراتها فى الاستعداد لحرب البغى والعدوان المدمرة، وتأريث ~~العدوات بين شعوب الأرض كافة، بل زادوا شعوبهم عداوة وشنآنا وبغيا وعدوانا، ~~بما هو شر مما عليه قبائل الهمج وسباع الوحش والطير والسمك؛ فقد كان غاية ~~شوط هذه العلوم الواسعة عند هذه الدول أعظم نكبة على البشر، فإن أبيتم ~~وتوليتم أيها العلماء عن دعوة الإسلام إلى السلام، فعليكم إثم شعوبكم ~~ودولكم وسائر الناس. # لقد كتب النبى صلى الله عليه وسلم لكل ملك وزعيم دعاة إلى ms221 الإسلام: «فإن ~~توليت فعليك إثم من وليت أمرهم». # ونقول لكم اليوم: فإن توليتم فعليكم إثم البشر كلهم، لأنكم إذا أظهرتم ~~الإيمان وتواطأتم على نشر الدعوة إليه، لا تلبث جميع الشعوب أن تستجيب لكم، ~~وترغم حكوماتها على الأخوة الإنسانية والسلام، بهداية الإسلام. PageV01P259 ### || AUTO علوم البشر لا تستقل بهدايتهم لأنهم لا يدينون إلا لوحى ربهم # ألا إنه قد ثبت بالحس والعيان، أن العلم البشرى وحده لا يصلح أنفس الناس؛ ~~لأنهم لا يخالفون أهواءهم وشهواتهم الشخصية والقومية إلى اتباع آراء أفراد ~~منهم، وإنما يدينون بوازع الفطرة لما هو فوق معارفهم البشرية، وهو ما ~~يأتيهم من ربهم، ولا يوجد فى الأرض دين عام كامل صحيح ثابت إلا دين ~~الإسلام، وقد بينا لكم أصول تشريعه الروحى والسياسى والاجتماعى الصالح لكل ~~زمان ومكان، وأنه دين السلام والحق والعدل والمساواة التى تعطى كل شعب وكل ~~فرد حقه، فبه وحده يمكن البرء من الأدواء المالية والسياسية والحربية ~~والاجتماعية كلها، فاليهودية دين مؤقت خاص غير عام وانتهى زمانها، ~~والمسيحية إصلاح روحى لليهودية ليس فيها تشريع، ولا تصلح وصاياها الزهدية ~~التواضعية لحضارة هذا العصر، وإنما كانت موقوتة لإصلاح غلو اليهود والروم ~~فى الطمع الدنيوى والشهوات كما تقدم. # والبرهمية والبوذية والمجوسية على ما تعلمون فيهن من وثنية وخصوصية، ~~وخرافات وعداوات، وتفاوت طبقات يدينون الله بجعل بعض من كرمهم من البشر أخساء # بالفطرة كالحشرات، أو رجسا من عمل الشيطان، فلا يصلح شىء منها لتثقيفهم ~~بالتوحيد والعرفان، والإخاء الإنسانى العام، فإذن لا ملجأ ولا وزر، والمتحد ~~للبشر، إلا دين الإسلام قال الله تعالى: إن الدين عند الله الإسلام وما ~~اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر ~~بآيات الله فإن الله سريع الحساب [آل عمران: 19]، فلئن اهتدت به أمة قوية ~~منظمة لتصلحن به سائر الأمم، ولتكون لها السيادة العليا فى جميع الأرض، ~~وليدخلن العالم الإنسانى فى طور جديد من الترقى الجامع بين منافع القوى ~~المادية، والمعارف الروحية، وهما منتهى السعادة الإنسانية. ### || AUTO الرجاء فى العلماء المستقلين دون ms222 السياسيين: # بلغنا أنه دعا بعض العلماء منكم إلى عقد مؤتمر من كبار علماء الشعوب كلها ~~للبحث فى الوسائل التى يمكن أن تقى حضارة العصر من غوائل الشحناء القومية ~~والدولية، ولئن PageV01P260 ~~عقد هذا المؤتمر فلن يكون أمثل ولا أرجى من هذه المؤتمرات التى تعقدها ~~الدول فى جامعة الأمم وعواصم السياسة، وهى لم تزد الأدواء القومية إلا ~~إعضالا، والأخطار الدولية إلا تفاقما، والشعوب التى تتصرف بثروة العالم إلا ~~فقرا، وإنما الدواء الواقى المضمون بين أيديهم وهم لا يبصرون، وحجته البينة ~~تناديهم ولكنهم لا يسمعون، قال الله تعالى: ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ~~ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون [الأنفال: 23]. # وأما أنتم أيها العلماء المستقلو العقول والأفكار، فالمرجو منكم أن ~~تسمعوا وتبصروا، وأن تعلموا فتعلموا، فإن كانت دعوة القرآن لم تبلغكم ~~حقيقتها الكافلة لإصلاح البشر، على الوجه الصحيح الذى يحركك النظر، بما ضرب ~~دونه من الحجب أو لأنكم لم تبحثوا عنها بالإخلاص مع التجرد من التقاليد ~~المسلمة عندكم والأهواء، ولأن الإسلام ليس له زعامة ولا جماعات تثبت دعوته، ~~ولا دولة تقيم أحكامه وتنفذ حضارته، بل صار المسلمون فى جملتهم حجة على ~~الإسلام وحجابا دون نوره، إلى غير ذلك من الحجب والأسباب، التى بينتها فى ~~مقدمة هذا الكتاب فأرجو أن يكون هذا الكتاب كافيا فى بلوغ الدعوة إليكم ~~بشرطها المناسب لحال هذا العصر، فإن ظهر لكم بها الحق فذلك ما نبغى ونرجو ~~لخير الإنسانية كلها، وإن عرضت لكم شبهة فيها، فالمرجو من حبكم للعلم، ~~وحرصكم على استبانة الحق، أن تشرحوها لنا لنعرض عليكم جوابنا عنها، ~~والحقيقة بنت البحث كما تعلمون. # ولا أراكم تعدون من الشبهات الصادرة عن الإسلام (بعد أن ثبتت أصوله بما ~~ذكرنا) أن فيه أخبارا عن عالم الغيب الذى وراء المادة لا دليل عليها عندكم، ~~فإنما مصدر الدين عالم الغيب، ولو كان مما يعلمه البشر بكسبهم، ويدينون به ~~لما كانوا فى حاجة إلى تلقيه من الوحى، وقد بينا أن تعاليم القرآن قد أثبتت ~~أنه وحى من عالم الغيب، وقامت برهانا على وجود ms223 الله علمه وحكمته، فوجب أن ~~تؤخذ أخباره بالتسليم، وحسبكم أنه ليس فيه منها ما يقوم البرهان على ~~استحالته، وإن منها ما كان يعد من وراء إدراك العقل، ثم كان من ثمرات العلم ~~أن أثبت وجود مثله بالفعل، كتخاطب أهل الجنة وأهل النار وترائيهم وهم فيهما ~~على ما بينهما من البعد، ولا تكونوا ممن قال الله تعالى فيهم: ها أنتم ~~هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم ~~وأنتم لا تعلمون [آل عمران: 66]. PageV01P261 ### || AUTO معجزات القرآن الطبيعية والفلكية: # وأما أخبار القرآن عن عالم الغيب المادى من تكوين وتاريخ، فمن معجزاته ~~الإيجابية أنه جاء فيه كثير من التعبيرات التى كشف العلم والتاريخ فى ~~القرون الأخيرة من معانيها ما لم يخطر فى بال أحد من أهل العصر الذى نزل ~~فيه. ومن معجزاته السلبية: أنه لم يثبت على توالى القرون بعد نزوله شىء ~~قطعى شيئا من أخباره القطعية، على أن تكون أخباره هذه إنما جاءت لأجل ~~الموعظة والعبرة والتهذيب، ويكفى فى مثل هذا أن تكون الأخبار على المألوف ~~عند الناس، ولا ينتقد عليها إذا لم تشرح الحقائق الفنية والوقائع التاريخية ~~لأنها ليست مما يبعث الرسل لبيانه، ومنها ما لا يمكن الوقوف عليه إلا ~~بالتعمق فى العلم أو الاستعانة بالآلات التى لم تكن معروفة عند المخاطبين ~~الأولين بالوحى، بل لا يصح أن يأتى فيها ما يجزمون بإنكاره بحسب حالتهم ~~العلمية لئلا يكون فتنة لهم، وقد قال نبى الإنسانية العام: # «أنتم أعلم بأمور دنياكم»، رواه مسلم فى صحيحه. # ومن دقائق تعبير القرآن فى النوع الأول (التكوين) التى اختلف فى فهمها ~~الناس أن مادة الخلق «دخان» وهو عين ما يسمى السديم، وأن السماوات والأرض ~~كانتا رتقا (أى مادة واحدة متصلة) ففتقهما الله وجعل كلا منهما خلقا ~~مستقلا، وبث فيهما أنواع الدواب، ولم يكن أحد يعتقد أو يتصور أن فى شىء من ~~هذه الأجرام السماوية حيوانا، وأنه جعل من الماء كل شىء حى، وأنه خلق جميع ~~الأحياء النباتية والحيوانية أزواجا، فجعل ms224 فى كل منهما ذكرا وأنثى، وأنه ~~جعل كل نبات موزونا، يعنى أن عناصره متوازنة على نسب مقدرة، وأنه أرسل ~~الرياح لواقح، وأنه يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل والتكوير ~~هو اللف على الجسم المستدير، وهو صريح فى كروية الأرض ودورانها اللذين كانا ~~موضوع الجدال والنضال بين العلماء إلى عهد قريب بعد الإسلام، وأمثال هذا ~~فيه كثير حتى إن بعض آياته فى الشمس والقمر والنجوم وسبحها فى أفلاكها ~~وجريانها إلى أجل مسمى، وفى تناثر الكواكب عند خراب العالم لا تفهم فهما ~~صحيحا إلا فى ضوء علم الفلك الحديث. # وأعجب منه إثباته أن للخلق سننا لا تتبدل وبيانه لكثير منها، ومن سنن ~~الاجتماع التى لم يهتد البشر إليها بالبحث العلمى إلا بعد بيان القرآن لها ~~بقرون، ولم أوردها فى هذا البحث، لأنها قد يقال إنها مما يعرف بالعقل، وليس ~~من موضوع الوحى. وسأفصلها فى الجزء الثانى المتمم لهذا الكتاب. PageV01P262 # واختم دعوتى هذه بتلاوة قول الله عز وجل فى آخر سورة فصلت: قل أرأيتم إن ~~كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو في شقاق بعيد (52) سنريهم ~~آياتنا في الآفاق وفي # أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد (53) ~~ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم ألا إنه بكل شيء محيط (54). # اللهم إنى قد بلغت، اللهم إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، اللهم أشهد ~~فأنت خير الشاهدين، والحمد لله رب العالمين. # ***** PageV01P263 ms225