######OpenITI# #META# URI: 1356HenriLammens.MudhakkaratJughrafiyya.Hindawi47908694 #META# Tags: history #META# ID: 47908694 #META# Title: المذكرات الجغرافية في الأقطار السورية #META# AuthorID: 24136070 #META# Author: هنري لامنس #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تمهيد‏ # كتبة العرب وجغرافية سورية‏ # المقدسي وجغرافية سورية في القرن ~~العاشر للميلاد‏ # بلاد سورية في القرن الثاني عشر ~~وفقا لرواية ابن جبير‏ # تمهيد‏ # كتبة العرب وجغرافية سورية‏ # المقدسي وجغرافية سورية في القرن ~~العاشر للميلاد‏ # بلاد سورية في القرن الثاني عشر ~~وفقا لرواية ابن جبير‏ # | المذكرات الجغرافية في الأقطار السورية # | المذكرات الجغرافية في الأقطار السورية # تأليف # هنري لامنس # تنبيه # كان حضرة الأب هنري لامنس باشر في المشرق في سنتيه العاشرة ~~والحادية عشرة دروسا جغرافية عن أقطار الشام، كانت نيته أن ~~يتابعها مدة فيجعلها كتابا مستقلا يلحقه بكتابه «تسريح الأبصار ~~فيما يحتوي لبنان من الآثار»، فوضع في ذلك عدة مقالات، ثم دعته ~~الأشغال إلى سكنى مصر فرومية العظمى، ولم يعد في إمكانه أن ~~يواصلها. فهذه الدروس مع كونها غير تامة هي غاية في الفائدة لمعرفة ~~أحوال سورية وبعض ما كتبه العرب في وصفها في القرون الوسطى، وذلك ~~ما حدا بالمطبعة الكاثوليكية إلى أن تنشرها على حدة، وأملنا أن ~~الظروف تسمح لكاتبها أن يعود يوما إلى تتمتها، والله على كل شيء ~~قدير. # | تمهيد # تجولنا في أنحاء لبنان # 1 # مع قرائنا الكرام، فسرحوا معنا الأبصار فيما يحتويه هذا ~~الجبل من الآثار، فوجدوا في هذا النظر فائدة ولذة، ومذ ذاك الحين ~~ألحوا علينا بأن نوسع نطاق أبحاثنا، فنشمل بدروسنا كل أنحاء الشام، ~~فها نحن نلبي ملتمسهم، ونباشر كتابة فصول متتابعة في هذا الشأن، نطلق ~~عليها اسما جامعا، فندعوها: «المذاكرات الجغرافية في الأقطار ~~السورية». # وقبل أن نقدم على العمل ندون هنا خلاصة مشروعنا؛ ليكون القراء ~~على بينة مما قصدناه. نفتح اليوم سياق مذاكرات شتى، نتابعها على صفحات ~~«المشرق» بسرعة كافية، مع مراعاة الظروف والأحوال، ويكون ابتداء كلامنا ~~في أبحاث عمومية عن موقع سورية الجغرافي، وما نالته هذه البلاد في سالف ~~الزمان لفضل مركزها من المنافع والمرافق، وما ينتظرها أيضا بسببه في ~~المستقبل من النجاح، ثم ننتقل إلى وصف صورتها وتخطيطها، ثم نذكر جبالها ~~ومياهها مع البحر الذي يماس سواحلها، ثم نصف مواردها من معادن ونبات ~~وحيوان، ms01 وإذا انتهينا من هذا النظر العمومي ننتقل إن شاء الله إلى ~~أوصاف كل جهة بحدتها، ونعرف خواص حواضرها وتاريخ أبنيتها ~~القديمة، وآثارها الجليلة، وكل ذلك على التقريب يوافق الفصول التي ~~خصصناها بلبنان وأحواله. # فمن هذا الرسم الوجيز ترى سعة المواد التي تشملها أبحاثنا؛ إذ لا ~~تتناول فقط الأحوال الحاضرة، بل تمتد أيضا إلى ما سلف عهده. ~~وأملنا أن القارئ يصحبنا في هذه ~~الرحلة الطويلة دون أن يأخذه الملل، ولا ريب أنه يستدرك هذا الخطر إن ~~صرف نظره إلى ما يقال، ليس إلى من يقول؛ لأن الموضوع ذو بال، كثير ~~الشعب، متعدد المناظر، يعاين فيه المطالع - مع طوله - مشاهد ~~فتانة تتناوب وتتوالى، فيقر إليها بصره ولا يحس بسأم، وزد على ذلك ~~أن الذي نصفه ليس بأمر غريب عن القراء، لكنه أمر قريب تحن إليه ~~أضلاعهم، وتمسه مشاعرهم، أعني سورية مسقط رأسهم ووطنهم العزيز، فكل ~~ما ينوط به يهمهم شأنه ويجدر بهم الالتفات إليه. وهذا الذي حدانا إلى ~~مباشرة العمل، كي نزيد قراءنا اعتبارا لبلادهم، إذا ما عرفوا كل ~~ما أودعه الخالق من المحاسن والكنوز، فمن الله نطلب أن يمد إلينا يد ~~المساعدة؛ لنقوم بهذا المشروع قياما أهلا بسمو شأنه، فنحقق أماني ~~القراء فينا. # وها نحن نصدر مقالاتنا بفصل إعدادي، نبحث فيه عن موقع سورية ~~جغرافيا؛ لنستدل به على تاريخها القديم؛ ولهذا الفصل مقدمة غاية في ~~الاعتبار، تعود إلى أصل العترة البشرية كلها؛ أعني كون سورية مهد ~~الجنس البشري. # سورية ومهد الجنس البشري # قال إتيان لامي # 2 # ما تعريبه: «إن في العالم بلادا تتصافح فيها أقطار ~~أوروبة وآسية وأفريقية، وتعيش بالألفة على السواحل نفسها، هي بلاد ~~برية وبحرية معا، هي سوق جامعة لمرافق مائة مدينة ومرفأ، تتبادل ~~فيه القارات الثلاث محصولاتها المتنوعة، هناك تتصلب وتتوارد ~~الطرق التجارية التي فتحها العالم القديم، هي أقدم موطن يعاين فيه ~~الإنسان آثار أقدامه، فيها نشأت أخص الديانات الشائعة. وخلاصة ~~القول: لست تجد حيثما نظرت بلدا أصغر من هذا في مساحته قد اختلطت ~~فيه وتزاحمت أمم أكثر، ms02 وديانات أعظم ، وآثار أخطر.» # نعم القول، يسرنا أن ننقله عن كاتب بليغ، فنحلي به مطلع ~~هذه الدروس التي أفردناها لسورية وآثارها. # ولا مراء أن سورية - قبل كل بلاد القدم - بلاد الزمن السابق ~~للتاريخ، فليت شعري، أليس لها علاقة مع أول منازل البشر؟ إن ~~الإنسان منذ ألوف من السنين قد طبع في ذهنه ذكر فردوس أرضي ظهر ~~فيه جنسه، فأين هي يا ترى هذه؛ جنة عدن؟ أفي العراق؟ أفي سهول ما ~~بين النهرين؟ أفي غوطة دمشق وبقعتها الفيحاء كما ارتأى القديس ~~أغناطيوس - منشئ الرهبانية اليسوعية - في كتاب رياضاته الروحية؟ ~~هذه الآراء وغيرها قد كتبت فيها التآليف الواسعة، بل تجف ~~المحابر قبل أن يستقصى فيها البحث أو يكشف سرها بالتمام. أما كون ~~الفردوس في تخوم سورية، فهذا أحد الآراء الثمانين التي قال بها الكتبة، # 3 # يؤيده كون الفرات يجري في بعض جهات هذه البلاد. # في النصف الأول من القرن السابق نزل عند لحف لبنان شاعر كان ~~أصاب الشهرة في قومه يدعى «لامرتين»، فأعجبه طيب هواء البلاد، ~~فاتخذ بيروت له موطنا، وكان يخرج منها إلى أنحاء الشام ليزورها ~~ويدرس آثارها، ففي بعض مسيره رقي أكمة الأشرفية فوق كنيسة مار ~~متري، فأجال نظره مليا في المشاهد التي كانت تحدق به، فأخذت ~~بمجامع قلبه، وكادت تسحر لبه، فكان يرى البحر حول بيروت من ~~جهاتها الثلاث، كأنه المنطقة المزركشة بالأرجوان والذهب، وكان ينظر ~~على شماله لبنان الناطح بقرونه السحاب، وبين هذا الجبل وموقف ~~الشاعر كانت تنبسط السهول السندسية الغنية بمزارعها، منها غابات ~~الزيتون عند شويفات، وغابة الصنوبر، وكان يجد في أرمال بيروت صورة ~~ملطفة لمفاوز بلاد الصحراء. نعم، إن في العالم محاسن أجمل وأبدع، ~~ولكن أيوجد في العالم أمكنة عديدة، جمع فيها الله كل هذه ~~المناظر المتباينة والرؤى الفاتنة في دائرة ضيقة كهذه؟ ذلك ما شغل ~~فكر الشاعر زمنا طويلا، فبقي غائصا في تأملاته، إلى أن عاد إلى ~~نفسه فهتف: «حقيقة إن الله قد وضع في هذا المكان أكثر مما يمكنه ~~الإنسان أن يتصوره، فإني كنت ms03 أتوق إلى مرأى فردوس عدن، فها هو ~~ذا بعينه.» # 4 # لا أريد أن أحكم في هذا القول، أهو عين صواب، أو هو بالحري وصف ~~تخيلي لشاعر متفنن؟ وليست غايتي أن أنسب له حل هذا المشكل ~~العويص، ولكن يمكننا أن نعتبر هذا البحث من وجه آخر، فنحصره في ~~حدود معلومة، ولا يخفى علي بأنه يلذ القراء أن يستقروا أخبار ~~الشعوب جيلا بعد جيل ليعرفوا مهد الجنس البشري، ويتبينوا موقع ~~الفردوس الأرضي، لكن هذا البحث يخرج عن حيز الممكنات، وإنما نستطيع ~~أن نقتصر في البحث عما ورد في تاريخ السلالتين العظيمتين من ~~السلالات البشرية، اللتين لعبتا في العالم أشرف الأدوار، نريد ~~الأمم السامية والهندوأوروبية، فنقول: # إن المذهب الشائع بين العلماء في موطن بني سام الأصلي أنهم ظهروا ~~في شبه الجزيرة التي موقعها بين خليج العجم والبحر الهندي والبحر ~~المتوسط، أعني في مربع عظيم تشغل سورية جهته الغربية، لا نجهل أن ~~غيرهم من المستشرقين يجعلون أصل الساميين في أفريقية، ويزعمون أنهم ~~تخطوا منها إلى آسية. فرأيهم هذا يستدعي بحثا، لا يسعنا الآن ~~الخوض في غمره. وما لا شبهة فيه أن مهد الساميين التاريخي - حيث ~~يظهرون في نور التاريخ، فنتبع أعمالهم وأخبارهم دون ريب، ونميز ~~خواصهم التي تفرزهم عن غيرهم من الأمم في القرون التالية - قد ~~كان موقعه في المربع الكبير الذي ذكرناه آنفا، سواء كان هذا ~~المقام محلهم الأصلي أم لا، ومنه انتشروا في بقية أنحاء آسية ~~المتقدمة، ثم إلى كل أنحاء المعمور. ومن أراد أن يتجاوز هذه ~~الحدود التاريخية، سار في مجاهل على غير هدى، وتعرض للضلال ~~والعثرة، ولعل تقدم العلوم يأتينا يوما بوسائل جديدة لتلطيف ~~هذه الظلمات الكثيفة. # 5 # أما السلالة الهندوأوروبية التي تهمنا من وجوه متعددة، فإن رأي ~~العلماء في أصلها كرأيهم في الساميين، فإنهم لا يتفقون في تعيين ~~مهدهم الأول، وإن كانوا يجعلونه في آسية، ليس بعيدا من البلاد ~~التي سبق القول فيها بأن الساميين إخوة الآريين سكنوها في طورهم ~~التاريخي. # ولبيان ذلك نكتفي بما يأتي، وهو أن العلماء ms04 مهما تقدموا في ~~الدروس التاريخية المتعلقة بنشأة الجنس البشري، زاد أيضا توجه ~~أبصارهم إلى ذلك القسم من آسية المتقدمة الذي سورية تعد كمركز ~~له، فيجعلون فيه مهد الإنسانية. والحق يقال: إنك إن تصفحت ~~تاريخ الشعوب أربعة آلاف سنة قبل المسيح، وجدت البلاد الغربية ~~متسكعة في ظلمة الهمجية، بينما نرى الجهات الواقعة في شرقي البحر ~~المتوسط مزدهرة بنور التمدن - أعني وادي النيل والأصقاع ~~الآسيوية المجاورة له من سواحل الشام، وضفاف الفرات ودجلة ~~- فيكون منشأ التمدن جنوبي غربي ~~آسية، ومنه انتشر جيلا بعد جيل إلى بقية البلاد حتى عم الأمم المتنورة. # 6 # وبعبارة أخرى يصح القول بأن سورية كانت في مركز دائرة ~~كبيرة من البلاد التي ألفت العالم القديم؛ حيث كانت نشأة التمدن ~~الأول في المسكونة، وإن عجزنا عن بيان وقوع الفردوس فيها فكفاها ~~فخرا أنها كانت مهد تاريخ البشر. # ومن ثم نقول أيضا عن سورية إنها من الأقطار التي استوطنتها ~~المستعمرات البشرية الأولى، إن لم تكن أول أرض وطئها الإنسان ~~بقدمه، وما لا ريب فيه أن سورية قد تفردت مع بلاد بابل والقطر ~~المصري بكونها حفظت أقدم ما وجد من الآثار المنبئة بوجود ~~الإنسان، الناطقة بأعماله الأولى، وهو لعمري مجد أثيل أحرزته لها ~~في ميدان لم يجارها فيه إلا القليل. # موقع سورية الجغرافي # لسورية - فضلا عن كونها من مواطن البشرية الأولى - فضل آخر، ~~وهو موقعها العجيب في وسط المعمور، فإنها قائمة في حدود الشرق ~~كالحارس يصونها، وهي مع ذلك قسم صالح من حوض البحر المتوسط الذي ~~يوصلها بأقطار الغرب، تراها منفصلة عن آسية المتقدمة بجبال طورس ~~الشامخة، وبصحاري جزيرة العرب، يصلها بأفريقية برزخ دقيق «برزخ ~~سويس»، واقعة على سواحل البحر المتوسط، الذي كان يعد إلى أواسط ~~القرن السادس عشر كبحر المسكونة كلها، فأسرع سكان الشام وسلكوا هذه ~~الطريق اللاحبة، ودخلوا ذلك الباب الواسع المفتوح في وجه نشاطهم، ~~وتقاطروا إلى الجزائر النازحة والبلاد السحيقة الواقعة في الغرب، ~~فطبعوا فيها صورة تمدنهم وآثار حياتهم، فكأنه تبارك وتعالى لم ~~يجعل سورية على جوار البحر ms05 المتوسط - الذي أضحى منذ 3000 سنة من ~~أخص سبل التمدن - إلا ليجعل أهلها في مقدمة رواد المدنية ~~ونقلة الألفة، فقاموا بهذه المهمة أحسن قيام مدة نيف وألف ~~سنة. # قد قلد الله كل شعب دعوة يفيد بها الهيئة الاجتماعية، أما ~~خاصة الفينيقيين وأهل سورية فإن دعوتهم إنما كانت نشر التمدن. ~~نعم، إن التمدن بلغ في بابل وآشور مبلغا أعظم منه في أنحاء الشام، ~~كما أن عقول الآشوريين لم تكن أقل توقدا من جيرانهم. لكن فعلهم ~~في نشر الترقي المدني كان دون فعل الفينيقيين، فماذا أنقصهم ~~لذلك؟ إنهم لم يعطوا هبة نالها السوريون فامتازوا بها في كل ~~أجيالهم؛ نريد الإقدام على نشر المشروعات؛ لأن الآشوريين لم يجدوا ~~بقربهم بابا بحريا يخرجون منه إلى بقية أنحاء العالم، ~~وينشطهم على العمل، ويشدد أزرهم للتوسط في المعاملات بين ~~الشعوب المتباينة، وكل ذلك قد أصابه السوريون لوجود موطنهم بين ~~بلاد متوغلة في التمدن، وبلاد جديدة كانت منتظرة نعمة هذه ~~المدنية. وكان السوريون دون جيرانهم البابليين والمصريين قدرة ~~وثروة، فسدوا ما ينقصهم من هذا الوجه بما أتاحهم الله من حسن ~~الموقع والمنافع الجغرافية. # ولما نالت سورية هذا المقام في الوضع الطبيعي، صارت في كل ~~الأزمنة هي الوصلة بين الشرق والغرب، تنوط بهما جميعا، دون أن ~~تختص بأحدهما، فإن اعتبرت سكانها ولغتها ورسومها فهي شرقية، وإن ~~لحظت جيرتها من بحر غربي ومعاملاتها المتوالية مع الأمم الساكنة ~~في حوض البحر المتوسط، وأخلاق أهلها المتنوعة العامة، وميلهم ~~الطبيعي إلى التهاجر ومخالطة الشعوب ومعاطاة الأشغال، فهي أشبه ~~بالغرب. # ولذلك تراها إذا تصفحت تاريخها القديم كمعبر ومجتمع كانت ~~تتصافح فيهما كل الأمم القديمة، فتتلاقى فيهما كأنها في بلادها ~~جميعا، وكأن الله سبحانه وتعالى قد قضى أن يكون هذا الالتقاء ~~سلميا جامعا للقلوب، وربما تبلبل نظام الخالق بسوء نيات ~~الشعوب، فصارت سورية ساحة للقتال، جرت فيها الدماء سيولا بدلا ~~من أن تصير سوقا لتجارة الأرض، ومرسحا للألفة والتحاب، فكم ~~من أمة طمعت في اقتناء سورية وبذلت دونها كل غال ونفيس، خصوصا في ~~أيام ms06 الآشوريين وفي عهد الفراعنة، فكانت منافعها الجغرافية تتحول ~~لها إلى ويلات وشرور، وقد قامت بعد هذه الدول دول أخرى، تختلف ~~اسما وجسما، لكنها لم تختلف فعلا. وكما قدم إلى سورية رعمسيس ~~الثاني ونبو كدنصر، كذلك جاءها الإسكندر وكثيرون غيره، ترى ~~كتاباتهم وأسماؤهم مرقومة في متحف طبيعي عجيب تحت القبة الزرقاء؛ ~~أعني به مضيق نهر الكلب. # 7 # فلما رأى ملوك بابل وآشور ما خص الله به بلاد سورية من خصب ~~التربة، ومن حسن الموقع للمعاملات التجارية، أحبوا أن يجعلوا ~~البحر المتوسط تحت سيطرتهم؛ لتسهيل المواصلات بين بلاد الشام ووادي ~~دجلة والفرات، وتلك لعمري كانت مسألة حيوية؛ إذ بها تنفتح الطرق ~~التجارية فتنقل إلى جهات الغرب مرافق الهند وثروتها. # 8 # فما كان من أمرهم لتحقيق غايتهم إلا أن يتعقبوا آثار القوافل ~~الكنعانية التي سبقتهم إلى الاستيلاء على الشام، وكان يحدوهم أيضا ~~إلى سيرهم إلى الأمام رغبتهم في مبارزة فراعنة مصر، وهم لم ~~يعرفوا دولة أخرى تقوى على أن تحولهم دون إنجاز مقاصدهم، فتنزع من ~~أيديهم السلطة على آسية. # 9 # وكان لهم سبب آخر ينهض هممهم ويدفعهم إلى جهة البحر ~~المتوسط؛ أعني حاجتهم الماسة إلى الخشب، وكانوا في ذلك والمصريين ~~سواء، فلم يرضوا أن ينتفع الفراعنة وحدهم من غابات سورية الفاخرة، ~~لا سيما أرزها الذي كانوا يتخذونه لزخرفة مبانيهم وقصورهم حيث ~~وجدت آثارها في أيامنا. # 10 # وهنا لا يجوز لنا أن نضرب الصفح عن أمر لم يكن في الحسبان، ~~وهو تأثير غابات لبنان في أحوال أهلها وتدبير شئونهم، فإن هذه ~~الأحراج هي التي أكسبت الفينيقيين نقابة البحر؛ لأن منها كانوا ~~يستمدون الأخشاب اللازمة لتجهيز السفن، فصاروا بذلك في مقدمة ~~الملاحين، يتولون التجارة البحرية مع البلاد البعيدة، لكن هذه ~~المنافع أيضا قد حركت مطامع الشعوب المحيطة بهم للاستيلاء على ~~بلادهم، فترى كيف الأهواء البشرية تتعرض لأحكامه تعالى، فتبلبل ~~النظام الذي سنه لكل بلاد، وقد سبق أن سورية في رسم الخالق ~~وضعت لتكون بلدا وسطا، يجمع في التحاب والألفة الشعوب ~~المتنائية. # واعلم أن أقطار الشام ms07 لم تشعر فقط بثقل وطأة الأمم الشرقية، ~~لكنها نالت أيضا من موقعها نعما عزتها عن هذه المساوئ، ~~وخولتها منافع مشكورة ومننا سابغة، فإن وقوعها بجوار بلاد ~~اليونان كان سببا لترقيها في الصنائع والفنون، ولتقدمها في ضروب ~~العلوم، وكذلك استفادت من الرومان حسن سياستهم وتدبيرهم ~~وصيانتهم للسلام، كما تعلمت من أمم القرون الوسطى أن تدافع عن ~~المبادئ الدينية؛ إذ رأت ما للدين من القوة في طلب آثاره القديمة ~~وصيانة معابده، التي لأجلها اهتزت شواعر ألوف من البشر فبرحوا ~~المواطن حبا بها. # 11 # ليس التاريخ إلا صدى لاصطدام الأهواء البشرية، ولما ينجم عن ~~التحامها من النكبات ومن الحروب ومن الخرائب، وعلى خلاف ذلك السلام ~~والخير والفضيلة، فإنها لا يسمع لها جلبة، وبناء على هذا قد قال ~~القائل: «طوبى للأمم التي ليس لها تاريخ.» وهذا لا يصح في سورية ~~كما رأينا، وكان الأولى بها وبأهلها أن تبقى في عزلتها، دون أن ~~تستلفت إليها نظر العالم، لكن الشعوب كما الأفراد لا يمكنها أن ~~تؤثر لها خطة تجري عليها باختيارها، وتنسج على منوالها حياتها ~~العمومية؛ لأن الشعوب في التفكير والله في التدبير. ~~••• # اعلم أن الثروة والجمال موهبتان خطرتان، وأول غوائلهما أنهما ~~يثيران الحسد على أصحابهما، قلنا إن الله سبحانه وتعالى إذ منح ~~لسورية موقعا أثيرا جعلها كطريق عام يجمع بين ثلاث قارات ~~العالم القديم، وذلك أن سورية محصورة بين البحر والبادية، ففيها ~~وحدها طريق سهل يمكن سلوكه بين آسية وأفريقية، وقد أدرك الفينيقيون ~~ذلك فجعلوها سوقا واسعة لتجارة الخافقين، ومعبرا متواصلا ~~لقوافل الأمم، وأضحى مع ذلك أهل السواحل السورية رؤساء البحر، ~~وفاقوا كل القدماء في خوض غمراته مدة قرون متعددة، فمخروا ~~عبابه قبل اليونان بزمن طويل. ولما أراد البابليون وبنو إسرائيل ~~أن ينشئوا لهم ملاحة ويعمروا السفن، لم يستطيعوا إتمام مرغوبهم ~~إلا بأن يلتجئوا إلى الفينيقيين، # 12 # وسليمان الملك راسل في ذلك حيرام صاحب صور كما ذكر ~~الكتاب الكريم؛ لأن الفينيقيين كانوا أوقفوا نفوسهم ليكونوا سعاة ~~وعمالا بين الشعوب الساكنة على سواحل البحر المتوسط، ففتحوا ms08 في كل ~~مرفأ مكتبا تجاريا لمعاملاتهم، وسبقت صور وصيداء غيرهما من ~~المدن في الاستعمار؛ فإن أول مستعمرة يذكر التاريخ إنشاءها ينسبها ~~لتينك المدينتين، وإليهما يعود الفضل في توسيع المعاملات ~~التجارية وتعميمها بين الدول. فإن المتاجرات كانت قبل ذلك محصورة ~~بين الشعوب المتجاورة، فتستبدل الواحدة ما يزيد على احتياجها مما ~~ينقصها من محصولات جارتها؛ والتجارة على هذه الصورة ترتقي إلى ~~أول العالم. أما الفينيقيون فإنهم أنشئوا التجارة الكبرى - ~~أعني التجارة البحرية - فنالوا من الفخر ما لم يحصل عليه شعب آخر ~~إلى القرن السادس عشر؛ إذ دخل فن الملاحة في طور جديد باكتشاف ~~قارة أميركة. # 13 # وما يزيد فضلهم أنهم أول من نهج تلك المسالك، وكان ~~المصريون من قبلهم كما البابليون والصينيون منزوين في أصقاعهم ~~يتنعمون بهبات الطبيعة دون أن يفكروا في نشرها بين ~~غيرهم. # وفي هذا لعمري عبرة للمعتبرين، لا سيما إذا قابلوا بين صغر ~~بلاد فينيقية وسعة مستعمرات أهلها وبعدها السحيق. وليس في ذلك ~~ما تنكر صحته أو يرد برهانه؛ لأن التاريخ قد بين مذ ذاك ~~العهد أن الدول التي ضاقت مساحة أملاكها إذا ما كانت مجاورة ~~للبحر في إحدى جهاتها، كانت أسرع إلى الاستعمار وأحكم فيه من الدول ~~الكبيرة ذات التخوم الفسيحة؛ لأن هذه الدول لا يمكنها أن تستعمر في ~~الخارج قبل أن تقوم باستعمارها الداخلي، فتحسن أملاكها وتستثمر ~~أراضيها، وكل ذلك يقتضي زمنا مديدا، بل أجيالا طويلة، ويستفرغ ~~قوى الأمة، ولو سهت عن ذلك وقدمت الاستعمارات الخارجية عرضت ~~نفسها إلى التهلكة كما حدث آخرا لروسية، التي تملك في أوروبة ~~على أنحاء متسعة وأقطار فسيحة بينها السهول القفرة، التي لم تحسن ~~زراعتها، فأرادت أن تزيد في أملاكها الآسيوية إلى حدود الشرق ~~الأقصى، فكان من أمرها ما كان، وأصابها من الويلات ما هو فوق نكبات ~~حربها مع اليابان، ولنا بينة على صدق هذا القول في تاريخ البرتغال ~~والبندقية وجنوة وهولندة، وفي أيامنا هذه في تاريخ بلجكة، فرأينا ~~ما نالته هذه الدول الصغيرة من الفوز والتقدم في ~~استعماراتها. # ومثل البندقية حري ms09 بالاعتبار؛ لأنها جددت بعد ألفي سنة ~~أعمال الفينيقيين، فنالت في طرف البحر المتوسط الغربي ما ناله ~~الفينيقيون في الطرف الشرقي، وكلا البلدين في موقع متشابه، وأهلهما ~~مولعون على سواء بالعيشة البحرية، وإنما بينهما فرق واحد؛ وهو ~~أن الحركة الاستعمارية للبنادقة ابتدأت من الغرب، فبلغت الأقطار ~~الواقعة في شرقي البحر المتوسط. # 14 # وقد سبق السوريون وأدركوا ما لموقع بلادهم من المحاسن، وعرفوا ~~أنهم يصيبون الهدف إذا ما عانوا الأسفار البحرية، وتكلفوا أعمال ~~التجارة، فإن توسطهم بين الدول القديمة - أعني بابل ومصر - ~~كان كافيا لأن يكسبهم الثروة الواسعة، فينقلون إلى أهلهم السلع ~~المتعددة ويبتاعون منهم محصولات بلادهم المتوفرة، فيربحون على ~~الوجهين الأرباح الطائلة؛ إذ يبيعون بالأسعار الغالية ويشترون ~~بالأثمان المتهاودة، وفي ذلك سر غناهم العظيم، وكما أنه كان ~~أقوى مهماز لتنشيط أعمالهم. # واليوم إن ترويت في أحوال الأمم التجارية، وجدت أن أسباب ~~ترقيها تنوط بأحد هذه الأمور الثلاثة؛ أعني وضعها الجغرافي ~~كاتساع سواحلها، ثم تركيب طبقاتها بتوفر مناجم فحمها الحجري، ثم ~~أحوالها الاقتصادية الدائرة على حرية التبادل والمعاهدات التجارية ~~المبنية على أصول قريبة وقوانين سهلة. # 15 # فمن هذه الأمور الثلاثة لا يسعنا الجواب على آخرها ~~ونحن نجهل شروط التجارة بين الفينيقيين وبين غيرهم من الأمم. أما ~~الأمر الثاني - أعني الفحم - فإنهم لم يكونوا إليه في حاجة لما ~~أصابوا في جبالهم من ثروة الغابات التي تسد حاجاتهم في تعمير ~~السفن، وهم لا يعرفون إذ ذاك تسيير السفن بقوة البخار، فيبقى علينا ~~أن نبحث عن الأمر الأول، فنبين الأسباب الجغرافية التي أكسبتهم ~~احتكار التجارة البحرية. # إن نظرت إلى لبنان رأيت سلسلته تمتد موازية للبحر، لكنها من ~~مسافة إلى أخرى تلقي في البحر رءوسا تنتصب فوقه وتشرف عليه، ~~أخصها الرأس الأبيض بين عكا وصور، ثم رأس نهر الكلب، ولا ~~سيما رأس الشقعة الناطح بطرفه الهائل بين بترون وطرابلس، وليس بين ~~هذه الرءوس الضخمة مكان إلا لأودية حرجة عميقة، أو لسهول متوسطة ~~في سعتها، أو لشقق مستطيلة من الرمل والصلصال تخترقها الصخور على ~~صور شتى، منها ms10 داخل في البحر، ومنها راكب بعضها على بعض، ومنها ~~المسنن، ومنها المروس والمدرج؛ فاقتضى على الأهلين الذين ~~قطنوا في هذه الأرض الحرجة بين البحر والجبل أن يوجهوا بنظرهم ~~إلى مياه العرمرم، لينالوا منها ما يسد رمقهم، إما بالصيد، وإما ~~بالمتاجرة بين مدينة وأخرى، فهكذا كانت صيداء مقاما للصيد، كما ~~يدل عليه اسمها قبل أن تضحي مركزا بحريا عظيما. # وهذه الملحوظات عن غرائب الساحل السوري كادت اليوم تبرح عن ~~الخواطر، بعد أن امتدت على سيف البحر طرق العربات، بل مدت ~~الأسلاك الحديدية لقواطر البخار، فيسير المسافر على الطريق ~~السوية الممهدة دائرا حول رءوس الساحل، وقاطعا لركام الصخور ~~دون أن يحجزه حاجز، اللهم إلا رأس الشقعة الذي لم يتمكن ~~المهندسون من قطعه حتى الآن، ولكن هيهات أن تجد مثل هذه الطريق ~~السهلة في المسالك القديمة، فإنك لو نهجتها لعلمت ما يتكلفه ~~السائر في سيره من المشقة لينتقل من واد إلى آخر، وما يحول دون ~~مرامه من توريبات السكة، ومن المراقي الصعبة قبل أن يبلغ مكانا ~~قريبا لو أمكنه قطعه على طريق مستقيم، فلا بدع أن الأهلين منذ ~~نشأت التجارة فكروا في تقصير هذه الطرق بالسلوك بحرا، وربما ~~كانت الطريق البحرية هي وحدها الممكنة. # وإن قيل إن السواحل السورية مكشوفة ليس فيها ملاجئ للسفن في ~~وقت الأنواء، فضلا عن أن عدة مرافئ كحيفا وطرابلس ولا سيما يافا، ~~لا يمكن الرسو قربها أياما طويلة في فصل الشتاء، فكيف كان ~~الفينيقيون يبحرون؟ نجيب على ذلك أن الملاحة القديمة كانت تخالف ~~ملاحتنا اليوم، فإن البحريين ما كانوا يقلعون مراكبهم إلا في فصل ~~الهدو وصفاء الجو، فكانوا إذ ذاك يفضلون الوقوف عند الرءوس أو ~~عند الجزر البحرية، فلا يشعرون بهبوب النسيم حتى يسرعوا إلى السير ~~على الساحل من مدينة إلى مدينة، ومن رأس إلى رأس، وكانت السفن ~~الفينيقية كبيرة مسطحة لا تغوص كثيرا في المياه، حتى إنها كانت ~~تستطيع أن تصعد النيل إلى الأقصر، # 16 # فكان الملاحون يواصلون سيرهم من أرواد إلى طرابلس ~~فبيروت فصيداء فصور، راسين ms11 عند رءوسها كما في طرابلس وبيروت، أو ~~عند الجزر المجاورة لها كما في أرواد وصيداء وصور، ومستقين من ~~العيون التي ترى في كل هذه الأمكنة جارية فيها ومخصبة لها. أما ~~في فصل الشتاء، فترى مراكبنا اليوم إذا أحست بقرب النوء أقلعت ~~إلى الغمر؛ لئلا تغوص بالرمل أو تلقي بها العاصفة على الصخور، ~~وكان الفينيقيون في فصل الشتاء في مأمن من ذلك، يجرون إلى البر ~~سفنهم إلى أن تهدأ الريح وتزول العاصفة. # أما إذا اعتبرت سواحل سورية من حيث وضعها الجغرافي، فإنك تجد ~~فيها مسهلات متعددة للملاحة القديمة، فإن مراحل السفن من مكان ~~إلى آخر كانت قصيرة، وإذا أرست في محل صادفت فيه عيونا دارة ~~لا تنقطع، وكذلك كان سيرها عاجلا تجاري الساحل في خطه المستقيم ~~دون أن تتريث بالخلجان المتسعة والمرافئ الباطنة، وذلك فضلا ~~عما يهب في السواحل السورية من الرياح الثابتة الهبوب المعتدلته، ~~فكل هذه الصفات لم تسمح للقدماء بأن يتركوا شواطئهم سدى كالدقعاء ~~المقفرة، تأوي إليها الضواري والكواسر، وتسبح في مياهها النينان ~~دون أن يستخدموها لمنافعهم إما للصيد وإما للمتاجرة. # هذا ولا ننكر أن الساحل السوري مع صلاحيته للملاحة لم يخل من ~~بعض المخاطر كما رأينا، وذلك لانكشافه وتعرضه للرياح الشمالية ~~العاصفة؛ ولكثرة ما يتخلله من الرءوس والصخور البارزة لا ملجأ فيه ~~للملاح مع ما يلقاه في سيره إلى الجنوب من المقاومة من قبل ~~المجاري المضادة، # 17 # فإن كل ذلك يستدعي نظرا صائبا وحذاقة بالغة في خوض ~~البحر، فكان ينال في هذا الجهاد اليومي خبرة ليوسع نطاق أسفاره ~~البحرية التي كانت تساعده عليها الغابات اللبنانية؛ إذ يجد في ~~أخشابها - ولا سيما أرزها - ما يقوى به على مثل هذه الرحل ~~البعيدة. # ومما تجدي السواحل السورية من النفع لأصحابها، فضلا عن الملاحة ~~التجارية، مجاورتها للجبال القائمة في وجه سكانها، كأنها تدعو ~~أهلها إلى قطع مشارفها ليلقوا ما وراءها ما يقوم بمعاشهم في السهول ~~الواسعة الخصبة، التي تسدها تلك الجبال عنهم. ألا ترى أن ~~الساحل الفينيقي قليل الاتساع لا يستطيع أصحابه ms12 أن يستغلوا ريع ~~الأرض مما لا غنى عنه من القمح والزيت؟ وقد ذكر الكتاب المقدس (سفر ~~الملوك الثالث : ف5) أن غاية ما طلبه حيرام الصوري من سليمان الملك ~~- بدلا من خدماته - مقدار من الزيت والحنطة، فهذه الحاجة في ساكن ~~الساحل يضاف إليها عدم وجوده لجزائر ينتفع من غلاتها، وبعده ~~عن قبرس الحافلة بسكانها، كل ذلك صرف بنظر السوري إلى جبله؛ ليفتح ~~له معبرا يجتاز به إلى البقاع التي من ورائه، فنقر في الصخور تلك ~~المراقي الصعبة التي يقطعها المكاري مع بغاله بسرعة عجيبة وقدم ~~ثابتة، وبسيره هذا لا يلبث أن يعتاد ما هو أوسع عملا وأجدى نفعا، ~~فيتحول إلى قائد قوافل، ولا يزال يجد ويكد نافذا في وسط ~~أوديته، متولجا بين سيولها الجارفة، ثم راقيا إلى أعالي جبله ~~حتى يبلغ عطفه الآخر، فيدخل في تلك السهول الداخلية الفسيحة التي ~~تعد كأهراء حنطة لا تنفد مستغلاتها، وكان من هناك يضرب في ~~الأرض راحلا إلى أنحاء العراق، فيستجلب منها محصولاتها التي كان ~~مواطنوه ينقلونها بحرا إلى الجزائر المجهولة الواقعة في بحر ~~الظلمات. # إنه لناموس من نواميس الهيئة الاجتماعية أن الدول التي تنحصر ~~أملاكها في حدود حرجة، إذا كانت ثروتها واسعة ونقودها متوفرة، أن ~~تطلب لضغطها منفذا بتوسيع تجارتها، والسعي وراء الاستعمارات، فقد ~~أدرك أجدادنا السوريون والفينيقيون هذه الحقيقة؛ إذ ليس أمر جديد ~~تحت الشمس، فاستشفوا ما وراء البلاد التي اعتبروها كحدودهم ~~الشرقية بلادا غيرها لاحت لهم في أعماق الأفق؛ نريد شبه الجزيرتين ~~الهنديتين وما يطيف بهما من الجزائر، فاستوقفت تلك الأقطار ~~أنظارهم بما تتضمنه من المرافق العديدة، والثروة النباتية ~~الواسعة، وأصناف الزهور الناصعة الألوان التي تفوق ما يرى من ذلك ~~في غيرها من الأنحاء، فلم تثبط همتهم المسافات الطويلة ~~والعوائق المتعددة، فكانوا ينقلون من حدودها ما يستحبه تمدن ذلك ~~الزمان لحاجاته أو لذاته من أفاويه وعطور وزيوت طيارة، وأقمشة ~~زاهية، وضروب القطنيات الهندية الرقيقة، والأنسجة المشرقة الألوان، ~~وأصناف الحرائر البهية التي يبذل الباعة الدينار في حقها بيد سخية، ~~وكذلك كانوا يستجلبون من ms13 الهند المعادن الثمينة كسبائك الذهب، ~~وصفائح الفضة، واللؤلؤ والعقيق والياقوت وقطع الماس، التي تزدان ~~بها تيجان الملوك وأكلة الأميرات ، وكان الناس لاعتبارهم لتلك ~~البلاد يروون عنها العجائب والغرائب، فيعدون أرضها تبرا، ~~وهواءها مسكا، وثمارها شفاء وقوة، وطيرها شبيها بالإنسان في ~~نباهته وحسنه. # فتجارة الهند في تلك القرون البعيدة كانت تحسب كثروة البلاد ~~وغنى الشعوب، كما حسبها بعد ذلك أهل القرون الوسطى، وكانت تلك ~~التجارة تروج أو تكسد على مقتضى أمور الزمان، وصروف الحدثان ينقلها ~~من مظانها الكلدان والعرب، تأتي بها قوافلهم على طريق آسية الوسطى ~~إلى أطراف بحر العجم أو البحر الأحمر، وكان الفينيقيون يرحلون إلى ~~جهات بابل وإلى أنحاء اليمن، فينقلون تلك المحصولات إلى المرافئ ~~السورية فيصرفونها إلى الغرب. ~~••• # وكان من نواميس العالم القديم أنهم إذا أرادوا المتاجرة مع ~~الأقطار النازحة يفضلون في ذلك الطرق البرية رغما عن طولها على ~~خوض البحار، وإن كانت طريقها أقرب وأقصر، وذلك على خلاف ما ترى في ~~تجارتنا اليوم، وهي تؤثر الطريق البحرية على سواها فتسير ~~المراكب إلى أقصى ما تستطيع؛ لأنهم يجدون في تفضيل البحر سرعة، ~~فضلا عن كونها أقل كلفا، لكن هذا النظام حديث ابتدأ منذ انتشرت ~~الملاحة الشراعية الكبرى، ولا سيما منذ اكتشاف القوة البخارية، ~~وكانوا قديما لا يركبون البحر إلا لمواصلة الطريق البرية؛ لأن ~~الملاحين القدماء كانوا إذا أقلعوا قاصدين بلدا معلوما لا يعرفون ~~ما سينالهم في طريقهم من الإعاقات، وخصوصا ما سيلقون من الرياح ~~الموافقة أو المعاكسة، فيعرفون ساعة خروجهم ولا يعلمون يوم ~~وصولهم؛ ولذلك كان القدماء لا يتجشمون أهوال البحر إلا عند ~~الضرورة الماسة، # 18 # وكان الفينيقيون يرون في ذلك رأي غيرهم من الشعوب مع ~~كونهم أدخلوا البحر في تاريخ العالم. وبينما نشاهد اليوم التجارة ~~مترتبة على الملاحة، منوطة بها في المعاملات، كانت على عكس ذلك ~~في الزمن القديم، برية محضا، فلا نرى أنه خطر على بال أحد أن يصرف ~~القناطير المقنطرة لفتح قناة كقناة سويس أو قناة بناما، فإن نظرت ~~مثلا إلى الحميريين، وكان لا يفصلهم ms14 عن مصر إلا بحر صغير، ~~ترى أنهم كانوا يفضلون على هذا السفر القصير في بحر القلزم ~~طريقا بعيدة، كانت القوافل تتبعها فتسير على سيف البحر إلى وادي ~~موسى، ثم إلى غزة، وهي الطريق التي كان يسلكها العرب إلى زمن أبي ~~سفيان، وإلى أوائل تاريخ الهجرة، ولعلهم لم يختاروا البحر للأخطار ~~التي كانت تتهددهم في البحر الأحمر، والسفر فيه صعب لكثرة ~~صخوره، وتعدد مجاريه وشواطئه الرملية، فضلا عما كان في سواحله ~~من القرصان أو اللصوص، الذين يهجمون على الغرقى فينهبونهم أو يستعبدونهم. # 19 # من أراد أن يدرك ما أكسب سورية سابقا حسن موقعها من المنافع ~~الاقتصادية - حيث كانت الطريق الواصلة بين الشعوب - يجب عليه أن ~~يجرد فكره عما استفدناه اليوم من الأحوال الحاضرة، وترقي ~~المواصلات البحرية التي أضحت في عهدنا الطريق اللاحبة التي تضم ~~الأمم العاملة إلى بعضها، كما صرح بذلك آخرا جلالة الملك ~~ليوبلد الثاني ملك بلجكة. # إن أقرب الطريق وآمنها لتجارة الهند قبل اكتشاف رأس الرجاء ~~الصالح، إنما كانت الطريق البرية على مسير وادي الفرات، أما في وقت ~~الحروب، فكثيرا ما كانت تنسد هذه الطريق المثلى بين البحر ~~المتوسط وخليج العجم في وجه القفول التجارية، فتستبدلها بطرق أخرى ~~كثيرة العقبات ذات أخطار جمة، وهي طريق بحر القلزم أو جزيرة ~~العرب، لكن هذا البحر لم يتجاسر أحد أن يتجشم أخطاره قبل أن ~~يتوفق هيبالوس إلى اكتشاف الرياح المنظمة، التي تعرف ب «المواسم»، # 20 # وذلك في القرن الأول للمسيح، ومذ ذاك الحين فقط جرت ~~بحرا معاملات بين الهند وسواحل اليمن ومرافئ بحر القلزم مباشرة، ~~أما الطريق البرية التي كانت تقطع صحاري العرب، فهي التي أكسبت أهل ~~الجزيرة غنى وازدهارا، لا سيما السابئين والنبط والحميريين ~~والقريشيين. # والفضل كل الفضل للفينيقيين؛ إذ سبقوا فأدركوا ما للطريق البرية ~~من عظم الشأن، فإن ثروة الهند ومرافق الشرق الأقصى ما كانت ~~لتجد سبيلا أوفق تجري فيه لتبلغ إلى مركز العالم المتمدن، وأدركوا ~~فوق ذلك أنه أجدى إليهم ربحا لو استلموا تلك المحصولات الجليلة في ~~محطاتها البعيدة؛ ms15 ليخففوا بذلك عناء القوافل، ويقتصروا بعض ~~المراحل من طرقها الطويلة؛ رغبة في ضبط البضائع والتصرف فيها قبل ~~غيرهم. ومما فطر عليه آل فينيقية ارتياحهم إلى الدلالة، فإنهم ~~كانوا نعم السماسرة، يتوسطون بين الباعة والمشترين ولا يريدون ~~بينهم وبين الباعة وسيطا، فتتضاعف بذلك أرباحهم؛ إذ يشترون رخيصا ~~ويبيعون غاليا، فعليهم المعول في كل المعاملات التجارية لا ~~يزاحمهم فيها أحد، ولا يقف المراقب على حقيقة متاجراتهم، وبذلك ~~أضحوا أرباب التجارة يدركون كنه أسرارها، ولا يفوتهم شيء من ~~وجوهها. # وهذه المتاجرات عينها حدت بالفينيقيين إلى تجهيز القوافل البرية ~~وقيادتها، فنالوا بذلك قصبة السبق على من سواهم؛ لأن الطرائق ~~التجارية في سالف الأزمان كانت مباينة لطرائقها اليوم، # 21 # فكانوا إذا أرادوا تصريف بضائعهم انتقلوا مع القوافل ~~إلى حيث يرومون بيعها، فيدرسون كل بلد ويتعلمون لغته ويختلطون ~~بأهله ويفقهون عجره وبجره؛ وكل ذلك لتتيسر لهم المتاجرة ~~وتزيد أرباحهم، وذلك على خلاف ما نرى اليوم بعد اكتشاف السكك ~~الحديدية والبواخر، فإن البضائع تصل إلى طالبيها دون أن يحتاج ~~البائع إلى أن يرافقها. # وكان تدبير القوافل الفينيقية يقتضي دراية عظيمة وحذقا ~~بليغا في المعاملات، ومما كان يترتب على رئيسها أن يحسن ~~نظامها، ويؤلف قلوب أصحابها ويجمع قواهم لنجاح المشروع، كما أنه ~~كان يسعى في طريقه بأن يكسب ثقة الأهلين، ويتقرب من أمرائهم ~~وينتهز الفرص اللائقة لمبايعتهم، ويتعرف ما يروج عندهم من ~~الأسواق. وخلاصة القول، كان يتخذ كل المعلومات اللازمة التي ~~تزيد ثروته وتوفر أرباحه، وهكذا قد وصف لنا كتبة العرب تجار ~~القريشيين في القرن السابع للميلاد، # 22 # وفي مقدمتهم أبو سفيان الشهير، قال ابن الأثير في ~~أسد الغابة في تعريف الصحابة (5: 216): «كان «أبو سفيان» تاجرا ~~يجهز التجار بماله وأموال قريش إلى الشام وغيرها من أرض العجم، ~~وكان يخرج أحيانا بنفسه، وكانت إليه راية الرؤساء التي تسمى ~~العقاب، وإذا حميت الحرب اجتمعت قريش فوضعتها بيد الرئيس.» # والإفادات السابق وصفها التي نالها الفينيقيون في رحلهم ~~وأسفارهم البرية والبحرية، توسلوا بها لترقية تجارتهم وصناعتهم ~~وتوسيع نطاقهما، فإنهم بصائب نظرهم وتهافتهم ms16 على الأعمال واحتكارهم ~~للتجارة البرية والبحرية، بلغوا في آخر الطور اليوناني الروماني ~~مبلغا راقيا، فكأني بهم جعلوا في زمانهم الطرق الجائزة في سورية ~~الشمالية ، وفي سورية الوسطى، وفي بادية الشام نفسها بمثابة ترعة ~~سويس في عهدنا، وكانت بورسعيدهم تدمر، إلا أن تدمر كانت وقتئذ ~~ملكة الصحراء تميس في مبانيها الفاخرة ومحاسنها الساحرة، ليست ~~كبورسعيدنا التي هي عبارة عن مدينة مستحدثة، لا يرى فيها غير ~~حوانيت الباعة، ومكاتب الحسبة، ومقامات المتاجرين، بل كانت تدمر ~~مزدانة بالهياكل، تأخذ بالأبصار أروقتها البديعة، وتماثيلها ~~المحكمة الصنع، مما يخلب القلب ولا تجد له أثرا في ~~بورسعيد. # فدعنا بعد هذا نمتع النظر بحسن وضع سورية وبموقعها الجغرافي ~~الفريد، ونحن نجدها في مفرق الطرق التجارية التي كان يسلكها العالم ~~القديم، فإنها كانت قريبة من البرزخ الذي يصل آسية بأفريقية بين ~~وادي النيل ووادي الفرات، وهناك كانت أعظم أمم تلك الأعصار وأرقاها ~~في التمدن، وسورية في وسطها تبعد مسافة يوم عن تخوم مصر، وتكاد ~~تتصل بمملكة آشور عند مجرى الفرات الغربي؛ حيث يلتوي فيقترب من ~~البحر، فإن هذا النهر متاخم لسورية عند موقع قرقميش القديمة في ~~المقام المعد لقطع سكة بغداد؛ حيث لا يبعد عن البحر المتوسط في ~~خط مستقيم أكثر من 150 إلى 160 كيلومترا. فما أسهل ما كان على ~~الفينيقيين أن يتبطنوا وادي الفرات، فيتبعوا بطائحه إلى أن ~~يبلغوا خليج العجم المتصل بها. وكانت ضفاف الفرات في تلك القرون ~~حافلة بالسكان متوفرة المدن، التي لا تزال آثارها ظاهرة إلى ~~يومنا، وقد شهد على عمران تلك الجهات أحد جغرافيي اللاتين، ~~يدعى بمبونيوس ميلا Pomponius Mela, III, ~~12 ~~؛ حيث وصف غنى الأمم التي تقطن شمالي سورية، ~~وقد نسب ثروتها «إلى خصب مراكزها وكثرة أنهارها، التي تجري فيها ~~السفن فتسهل بها المبادلات التجارية.» # فترى من ثم أن سورية كانت بموقعها العجيب أهلا بأن تصبح مركزا ~~لعلائق العالم القديم، أو قل بالحري إن الله جعلها رائدا للتمدن ~~ووصلة بين الأمم العادية؛ أي المصريين، والكلدان، والأمم الوسطى من ~~يونان ورومان، أجداد ms17 عالمنا المستجد. ولو رقينا في سلم الأعصار ~~إلى أوائل القرون المتوسطة، وجدنا أهل سورية يتأثرون أعقاب ~~آبائهم، فيتوسطون بين الغرب وأواسط آسية، فهم الذين أدخلوا ~~التمدن اليوناني في مدرستي نصيبين وجنديسابور، كما أنهم جلبوا إلى ~~الغرب مرافق تلك البلاد. # السوريون حملة التمدن القديم # فمن كل ما سبق لا يبقى للقارئ ريب في أن أهل سورية بتفرغهم ~~للمبايعات وبتنقلهم في أنحاء البر والبحر كانوا الرباط الوثيق بين ~~سواحل البحر المتوسط والبلاد النازحة عنه، ومزجوا مزج الماء بالراح ~~الشرق العتيق بالغرب المترعرع، نعم، إنهم كانوا قبل كل شيء يعملون ~~لأغراضهم ومصالحهم الخصوصية، إلا أن عملهم هذا كان يفيد الشعوب ~~أيضا، فيعمم ما لكل منها من المحاصيل ويخرجها من عزلتها، فينتفع ~~كل شعب كما أصابه الآخر، سواء كان في الماديات أو في الأمور ~~العقلية والأدبية والدينية، وفي هذا لعمري جل الفائدة، لا سيما في ~~تلك الأزمنة التي كانت الشعوب لا تعرف بعضها إلا في ساحات القتال، ~~فالفينيقيون نقلوا إلى الغرب تمدن واديي النيل والفرات، وعرفوا أهل ~~تلك البلاد بمحصولات مصر وما بين النهريين وأعمالهما الصناعية بعد ~~أن أخرجوها على هيئة جديدة توافق أحوال الغربيين وتناسب حاجاتهم، ~~ولعلهم أثاروا في قلوب تلك الشعوب الجديدة رغبة في الترقي والنجاح، ~~ومهدوا الطريق للفنون والآداب بين اليونان الذين ما كانوا ليبلغوا ~~ذروة الكمال في الفنون الجميلة لولا توسط الفينيقيين، فإنه من ~~المقرر أن التمدن اليوناني لم ينشأ بغتة على غير استعداد وبدون ~~تمهيد، وإنما بني على أساس سابق تقدمه، نريد تمدن أمم الشرق، وفضل ~~الفينيقيين أنهم كانوا حملة لذلك الترقي القديم إلى اليونان، ~~فأغنوا الغرب بمحصولات الشرق وبمصنوعات الشام. فانتبهت قرائح ~~الغربيين إلى مجاراتهم ومزاحمتهم في العمل بعد أن أعملوا النظر في ~~نحت التماثيل والدمى، وفي حفر الحجارة الكريمة وفي صياغة الجواهر، ~~كما استلمها الفينيقيون من أهل مصر وبابل فزادوها تحسينا، فهذه ~~المصنوعات الفينيقية كانت للغربيين كلقاح لأذهانهم وشحذ لأفكارهم، ~~أدى بهم بعد قليل إلى تلك العجائب الصناعية التي تفرد بها اليونان ~~بعد زمن، وإن قيل إن ms18 الفينيقيين لم يطلبوا في ذلك غير الربح ~~والمكسب فنجيب أن فائدتهم الخاصة لا تنفي الخدم التي أدوها ~~لغيرهم، والخدمة خدمة ولو طلب منها منفعة # 23 # ولعل الكتبة لم ينسبوها قبلا للفينيقيين ؛ لزعمهم ~~أن الفينيقيين كانوا تجارا لا يهتمون بالفنون كمألوف عادة التجار؛ ~~ولجهلهم تأثير الصناعة الشرقية بالصناعة اليونانية. # وقد أراد الله أن يعظم هذه الدعوة الشريفة التي خولها للفينيقيين ~~ليكونوا وسطاء ونقلة للمواد التجارية وللأمثلة الصناعية، بأن جعلهم ~~سماسرة الأفكار كما جعلهم سماسرة الأموال؛ ليعدوا الشعوب الجديدة ~~لقبول الآداب والعلوم، ومهما قلنا في إطرائهم فإننا لن نبالغ؛ وذلك ~~ليس فقط لأنهم بلغوا بقوافلهم إلى البلاد النازحة فوصلوا بين أطراف ~~الأقطار وأقاصي الأصقاع، لكن أيضا لأنهم زودوا الشعوب بآلة عجيبة ~~كانت أعظم عامل للتمدن، نريد صناعة الكتابة وحروف الهجاء. # والحق يقال: إن اختراع الأبجدية قد أجدى للبشر نفعا، قد خلف ~~وراءه الاختراعات التي تتباهى بها أعصارنا؛ كفن الطباعة، واكتشاف ~~فوائد البخار والكهرباء؛ لأن بهذه الصناعة الكتابية انفتحت للمعارف ~~البشرية أبواب واسعة؛ إذ بها نستطيع تدوين كل لغات العالم حتى قبل ~~فهمها، بها جرى تقلب عظيم في أحوال الشعوب، لكنه تقلب هادئ سلمي ~~غايته التحاب وتقريب الأمم من بعضها. # يقول الفلاسفة إن العادة طبيعة ثانية. يريدون أن الإنسان لا ~~يتأثر مما اعتاد نظره وائتلفه بالتكرار، فإن العجائب الطبيعية التي ~~نراها كل يوم تسقط من أعيننا، فكذا قل عن اختراع الأبجدية، قال ~~الأب ديلاتر اليسوعي: «ليت شعري، أيوجد شيء أعجب من اختراع الإنسان ~~لعشرين إلى ثلاثين علامة، يتمكن بها على أن يترجم عن كل معاني قلبه ~~وعواطف نفسه؟!» وهذه الطريقة العجيبة في سذاجتها يعود الفضل في ~~اختراعها - وإن شئت قل: في نشرها - إلى الفينيقيين؛ فإنهم أبطلوا ~~تلك الطرائق السابقة التي شاعت قبلهم بتوفير الصور الكتابية، ~~وتمثيل مقاطع الألفاظ، ورسم أصوات الكلام التي كان يتيه فيها علماء ~~مصر وبابل، فنابت بحروف الهجاء عن تلك المئات والألوف من العلامات ~~حروف قليلة تؤدي كل تهجيات اللسان في لغات معظم الشعوب القديمة ~~والحديثة. # وهنا أيضا قد لعبت ms19 الجغرافية دورا مهما، قال لونرمان في تاريخ ~~الشرق القديم (ج1 ص448): «كان ينبغي للشعب المدعو لتنظيم الكتابة ~~البشرية وتكميلها ونشرها، أن يكون شعبا تجاريا عاملا، لا ~~يستغنى عن مسك الدفاتر وضبط الحسابات التجارية ، ويكون مع هذا ~~متاخما لمصر موسوما بسمة التمدن المنتشر على ضفاف النيل.» # ولا نعرف في العالم القديم أمة غير الأمة الفينيقية كانت تقوم ~~بهذه الشروط؛ إذ كانوا بموقع بلادهم أحق من سواهم بأن يكونوا قوما ~~وسطا، متأهبين لنقل محصولات التجارة إلى الأقطار البعيدة والسواحل ~~النائية، وهم مع ذلك مواصلون للأعمال مع مصر جارتهم. # وقد نقل الفينيقيون إلى البلاد السحيقة ليس فقط حروف الهجاء ~~لتسهيل المعاملات، بل كل مصنوعات بابل ومصر مع أعمال صناعتهم ~~الوطنية، وأضافوا إلى ذلك ما نقلوه من الأدوات المفيدة ومن ~~الحيوانات الداجنة ومن أحرار البقول، وقد وجد الأثريون في أقطار ~~غربية شتى ما كان أتى به إليها الفينيقيون من المعادن وضروب الخشب ~~والصمغ والأنسجة والخزفيات، وغير ذلك من المصنوعات التي أعدت ~~للتمدن القبائل الغربية المستوطنة للغابات، وقد جرى السوريون على ~~هذه الطريقة في نقل اختراعات الشرق ومحصولات التمدن نحو ألف سنة، ~~حتى أثر مثلهم في قلوب أولئك السكان فأخذوا ينهجون منهجهم ويتعقبون ~~مدارجهم، قال بمبونيوس ميلا - السابق ذكره: (ك1، ف2): «إن ~~الفينيقيين قوم جهابذة حذاق، يحسنون آداب الحرب ويستفيدون من منافع ~~السلم، هم الذين وضعوا حروف الهجاء فاستخدموها لأعمال شتى، ~~واخترعوا فنونا عديدة، وهم أيضا الذين سبقوا إلى خوض البحار، ~~وتقدموا الشعوب في الحروب البحرية.» # جاء في كتاب حديث للعلامة فكتور بيرار دعاه «الفينيقيون ~~والأوديساة» # V. Bérard: # Les phéniciens et l’Odyssée ~~: ~~«إن جغرافية منظومة أوميروس الأوديساة مبنية غالبا على المعلومات ~~التي استفادها ذلك الشاعر المفلق من الفينيقيين.» # ثم استشهد لتأييد قوله بالجغرافي سترابون؛ حيث قال: «إن ~~الفينيقيين أرشدوه إلى معرفة وصف البلدان» # οί γάρ ~~Φοίνιχες ~~έδήλουν ~~τοũτο ~~، ~~وكتاب المسيو بيرار مشحون بالتفاصيل والأدلة المثبتة لسيطرة ~~الفينيقيين على البحار (اطلب المشرق 9: 234). # ولما أراد سناحريب ملك آشور أن يجهز لدولته أسطولا بحريا في ~~الخليج العجمي، لم ms20 يجد من يقوم بعمله غير الفينيقيين، قال في إحدى ~~كتاباته: «قد أقمت في نينوى رجالا من الحثيين (وكان الحثيون من ~~سكان سورية)، أسرهم قوسي، فعمروا لي مراكب كبيرة على مثال ~~بلادهم، فجهزتها بالملاحين الصوريين والصيدويين الذين قبضتهم ~~يدي.» # وقد حفظ أهل فينيقية السيادة على البحار حتى في عهد اليونان بعد ~~فتوحات الإسكندر الذي جرى على مثال سناحريب في تجهيز المراكب، ~~وقلما تجد في تواريخ اليونان كاتبا يذكر سفينة لا يكون ربانها ~~سوريا أو فينيقيا. # السوريون دعاة الدين # هذا ولأهل الشام فخر آخر غير المفاخر السابقة؛ فإنهم ليس فقط ~~توسطوا بين الدول القديمة المتمدنة والأمم التي منها اشتقت الشعوب ~~المستحدثة، لكنهم أيضا نالوا امتيازا آخر، فدعاهم الله لتربية ~~العالم الأدبية والدينية، فصاروا متوسطين بين الله والإنسان، ومن ~~هذا القبيل كانوا هم السابقين، لم يأخذوا الأمر من سواهم، نعم، إن ~~التمدن البابلي والمصري كان بلغ في الصنائع والفنون مبلغا عظيما، ~~والفينيقيون استفادوا من ذلك وأفادوا غيرهم، لكن الفراعنة وملوك ~~آشور كانوا من حيث الآداب والأخلاق بعيدين عن الكمال، لا يعرفون من ~~العدل والرحمة غير اسمها، فيستسلمون للجور، ويعتبرون أنفسهم بمثابة ~~آلهة، يتصرفون برعاياهم كيف شاءوا، لا يبالون بما ينتظرهم لدى ~~الديان من المسئولية عن أعمالهم، وإن كان من بعدهم قد غلب على ~~الشعوب التالية روح الدماثة، وأضحى التمدن الجديد مبنيا على ~~العدل والمحبة، فالفضل في ذلك إلى المستشرعين الصالحين، وإلى الرسل ~~القديسين، وإلى الأنبياء الأبرار الذي نشئوا في سورية فلسطين، ~~وبالأخص إلى ذاك الذي كان أكبر من المشترعين، وأشرف من الأنبياء، ~~المسيح ابن الله، فإن لاهوت الخالق وصفاته العجيبة لم تظهر في مكان ~~من الأرض ظهورها في سورية فلسطين، فلاح نور التوحيد فيها، ومنها ~~امتد إلى بقية الشعوب، فأدخلها في طور جديد من الترقي والفلاح؛ ~~ولذلك ترى عيون الإنسانية متجهة منذ ألفي سنة إلى تلك البلاد مهد ~~الأديان الموحدة؛ حيث جرت أحداث التوراة الخطيرة، وتجلى الحق ~~سبحانه لعباده فغيرت أنواره هيئة المجتمع الإنساني. # فقد أصاب من دعا سورية فلسطين أرضا مقدسة، كيف ms21 لا وفيها حدثت ~~أعجب العجائب، وبها تنوط ذكرى أشرف الأعمال وأعظم الرجال؟ بحيث يصح ~~القول عنها إنه ليس فيها شبر إلا وقد صلى فيها نبي، ولو اعتبرت ~~أخبار الإنجيل الطاهر وحدها وجدت أربعة أخماسها قد جرت في الجليل، ~~وليست بلاد الجليل إلا قسما من سورية متصلا بفينيقية الجنوبية، ~~وطالما دخل الجليل في حيزها وتبعها في حكمها ونظامها، ولو بحثت عن ~~مواطن الرسل الحواريين لوقفت عليها في سواد عكا وصور، وكان لهاتين ~~المدينتين مراكز تجارية في كل ساحل فلسطين، وكما أن العهد القديم ~~في سفر الملوك الرابع (17: 19) قد اتسع في أعمال إيليا النبي في ~~تخوم صور، كذلك يروي العهد الجديد آثار ابن الله في سواحل فينيقية ~~بين أهلها الكنعانيين، وزد على ذلك أن الكنائس المسيحية الأولى قد ~~نشأت في أواسط سورية وشمالها، وأن اسم النصارى شاع أولا في ~~أنطاكية، وقد صارت تلك الكنائس كمثال حذا حذوه من أتى بعدها، وعليه ~~يستحق السوريون هنا أيضا - وبنوع أحرى - أن يدعوا سماسرة الآداب ~~ودعاة الدين، فتقدموا على اليونان والرومان الذين مشوا على آثارهم ~~في دعوة العالم إلى المسيح. # 24 # قال منتلمبرت الخطيب الشهير في كتابه عن نساك الغرب # Moines d’Occident, I, 142 ~~: ~~«إن الدين كما عزة السلاح كما فخر الآداب، كل ذلك قد جرى على سنة ~~مقررة راهنة وناموس ثابت، فانتقل من الشرق إلى الغرب، بدأ التمدن ~~وبدت القوة من الشرق على مثال النور، وكما أن النور لا يزال يزداد ~~بهاء وحسنا على قدر ما يتقرب من الغرب، كذلك التمدن والعز زادا في ~~الغرب بعد أن ظهرا في الشرق.» # فترى ما لسورية من النصيب العظيم في ترقي الشعوب، فإنها هي ~~السابقة، والفضل كما قيل للمتقدم، فيجوز لكل رجل أن يعتبر سورية ~~كوطنه الثاني؛ لأن منها نال حياته الأدبية إن لم ينل حياته ~~الزمنية؛ ولهذا السبب لم تزل أوروبا توجه بألحاظها إلى البلاد التي ~~منها أخذت مصدر حياتها العقلية والأدبية، وكان قدماء النصارى إذا ~~صلوا جعلوا الشرق قبلتهم فيوجهون بأبصارهم إلى الأراضي المقدسة، ~~وإلى الجلجلة ms22 وقبر المسيح. # وكان ضوء السحر يذكرهم بأسرار دينهم، وكانوا يطلبون أن تدار ~~رءوسهم إلى الشرق في قبورهم؛ لترتاح عظامهم الهامدة بتوجيهها إلى ~~منبع إيمانهم، هذا فضلا عن ألوف الألوف الذين لم يرغبوا في حياتهم ~~إلا شيئا واحدا: زيارة تلك الأماكن المقدسة التي شرفها ابن الله ~~بحياته وموته، فيتجشمون لذلك أعظم الأخطار ، ويقاسون أصناف الأتعاب ~~بجل أمانيهم وقصوى بغيتهم، قال أحد هؤلاء الزوار في القرن ~~الخامس عشر إبرهارد ~~اللحياني # Eberhard Le Barbu # كنت بلاد فرتمبرغ: «إن ثلاثة أشياء ~~لا يجوز الترغيب فيها ولا الرد عنها؛ وهي الزواج، والحرب، وزيارة ~~الأراضي المقدسة؛ فإنها كلها ربما ابتدأت ابتداء حسنا، فتنتهي ~~على غير المرغوب.» وفي قوله هذا إشارة إلى الصعوبات التي كان ~~يلقاها زوار ذلك الزمان، على أن هذه الأنصاب والمخاطر لم تقو ~~على ضبط جماهير الزوار الذين لم يزالوا منذ عهد قسطنطين الكبير ~~يتواردون بلا انقطاع إلى الأراضي المقدسة، كما تشهد على ذلك أخبار ~~رحلهم المتعددة، التي دونوها في أسفار شاعت في كل جهات المعمور ~~وبين كل طبقات الناس. ~~••• # وقبل ختامنا لهذا الفصل الذي كتبناه في موقع سورية وجعلناه ~~كتوطئة لأبحاثنا في جغرافية الشام، ينبغي لنا أن نضيف إليه بعض ~~ملحوظات عمومية. # من خواص الشام، كما سبق القول، أن لها حدودا ظاهرة وتخوما ~~مقررة، وفي ذلك فائدة كبيرة؛ لأن تخوم البلاد بمثابة حدود الأملاك ~~وحواجزها التي تصونها من كل تعد ومخاصمة. وفي الواقع ترى جهات ~~الشام مفروزة عما سواها، فلا تستطيع أن تخلط بينها وبين البلاد ~~المجاورة لها، كآسية الصغرى مثلا؛ لأن بين الشام والأناضول طودا ~~شاهقا يفوق بارتفاعه جبال البيراناي الذي يفصل فرنسا عن إسبانيا، ~~وهو أعظم مهابة منه، كذلك من جهة الشمال الشرقي نهر وهو الفرات، ~~معدل عرضه 500 متر، يفصل الشام عن بلاد ما بين النهرين، أما الفاصل ~~بين الشام ومصر وأنحاء العرب فبحر بلا ماء؛ أي البوادي القفرة ~~الواسعة التي يسهل دونها قطع البحار، وقد بينا قبلا أن البحار ~~صارت اليوم من أسباب الوصال، وهيهات أن يصدق ذلك في ms23 الصحاري ~~والقفار. # وخلاصة الكلام أن بلاد الشام مجموع منفرد قائم بذاته، لا يمتزج ~~بتخومه غيره، ليست كإنكلترة معتزلة عما سواها مفتوحة الثغور لمن ~~يطلبها، لكن هذه العزلة لم تعرض بلاد الشام للفتور والخبل كما ~~جرى لبلاد الصين وراء حائطها الكبير، بل قاسمت البلاد المتمدنة في ~~حركتها، وناهيك بالحركة بركة وخصبا وترقيا، وقد أثبتنا فيما ~~سبق أن الشام رأت من تقلبات الدول وفتوحاتها ما قل لبلد آخر أن ~~يختبر مثله، فإن الأمم القديمة تجاوزت تلك التخوم، وخرقت تلك ~~الحواجز، وعدت الشام كطعمة تتنازعها مطامع «ذباب مصر ونحل آشور» ~~كما قال أشعيا النبي (7: 18). وكانت هذه الأمم تعتبر فتح الشام ~~وفلسطين كأعظم فوز تفوز به؛ لأنها كانت تجد في هذه البلاد معبرا ~~أكيدا لتصريف تجارة الهند في موانئ بحر الشام، وبابا واسعا لفتح ~~أفريقية وآسية المتقدمة. وهذا الحكم قد خطر منذ نحو 5000 سنة على ~~بال سرغون - أحد ملوك بابل - فأثبته في بعض مآثره. # وقد سبق لنا القول في سبب انتقال الحركة التجارية العمومية في ~~عهدنا، فعلة ذلك أن القطب الذي عليه كان مدار الحركة التجارية لم ~~يعد في مكانه مارا في وسط بلاد الشام، بل تحول عن ممره فصار ~~يمتد في طريقين أخريين، إما في شرقي الشام وإما في غربيها، وليس ~~هذا الخلل الوحيد الذي تدلنا عليه القوانين الجغرافية، فإننا نرى ~~خللا آخر يضعف هذه البلاد تشير إليه الجغرافية أيضا. ~~••• # تشبه سورية في هيئتها الطبيعية مربعا كبيرا يقيس طوله ثماني ~~مرات عرضه؛ لأن طوله من جبل طورس إلى جبل سينا لا يقل عن 1100 ~~كيلومتر، بخلاف عرضه الذي لا يتجاوز معدله 150 كيلومترا، وكل ~~يعلم أن مثل هذا التباين في الأقيسة يضر بالموازنة، ويمنع الارتباط ~~والوحدة بين جهات البلاد؛ لأن الجسم السياسي إذا امتدت أطرافه ~~فبعدت عن مركز الحكم خف فعله فيها، ومن ثم ترى الأنحاء تطلب ~~التفرد، فتضعف القوة العمومية، وهذا مما يظهر اليوم في بعض البلاد ~~رغما عن الروابط العظيمة التي تستعين بها الدول في عهدنا لضم ~~أطرافها وتوحيد عناصرها، ms24 كاحتكار القوة وتعميم التعليم والجندية ~~الإلزامية، وغير ذلك مما تفردت به الدول الحالية، مثال ذلك ما تجده ~~في إيطالية، فإن الحكومة الواحدة تحكم على بلاد مختلفة طبائع ~~وأغراضا، كبلاد بيامنتي في الشمال وبلاد صقلية في الجنوب، وحتى ~~الآن لم تقو الحكومة على مزج هذه العناصر المتباينة ~~وتوحيدها. # ويضاف إلى هذا الخلل في تركيب سورية الجغرافية خلل آخر ليس بأقل ~~ضررا منه بوحدة إدارتها؛ نريد سلاسل جبالها التي تخترق البلاد ~~فتمنع اختلاط طوائفها وتوحيد عناصرها، كما ترى في سويسرة وجهات ~~الأناضول؛ حيث ارتفعت أيضا الجبال الشاهقة، فأضرت بامتزاج أقسامها، ~~والتاريخ يعلمنا أن الدول الكبرى كانت تجعل مراكزها في السهول، أما ~~سهول سورية فتراها بعيدة عن مركز حركتها، معتزلة في طرفها الشمالي ~~الشرقي، وتلك الجهة أشبه ببادية مقفرة، وهي منزوية معتزلة، فلا ~~تستطيع أن تنشأ فيها مدينة عامرة تحيي الأطراف بنفوذها. # وما هو أخطر من ذلك أن هذه الجبال السورية - التي يبلغ معدل ~~علوها 2000 متر - تقوم في وسط البلاد كحاجز متواصل يفرد كل طائفة ~~في مكانها ويؤثر في حياتها، فاصلا كل قسم عن أخيه، بحيث لا ~~يمكنه أن ينال منه فائدة لترقيه وتمدنه، لا سيما أن هذه ~~السلسلة تمتد من الشمال إلى الجنوب، وهي وجهة أقل نسبة لامتزاج ~~الشعوب من وجهة الغرب إلى الشرق؛ لأن السكان إذا انتقلوا تابعين ~~لدرجات العرض أمكنهم أن يعتادوا تغيير الأحوال الجوية بخلاف الذين ~~يتبعون درجات الطول، فإنهم يبلون بمقاساة المظاهر الجوية التي لم ~~يعتادوها. # وزد عليه أن جبال الشام تنفصل في سورية الوسطى إلى سلسلتين ~~متوازيتين، لا تكاد الثانية تختلف في علوها عن الأولى، وهذه ~~السلسلة الجديدة تدعى بالجبل الشرقي، تمتد شعبها على نواحي دمشق ~~وبادية تدمر وحوران وما وراء الأردن، والجبلان أشبه بحائطين هائلين ~~بينهما البقاع والغور كواد غريب، يبلغ منهبطه عند طرفه الجنوبي - ~~أي بحر لوط - عمقا لا يقل عن 400 متر تحت سطح البحر ~~المتوسط. # والحق يقال: إن الطبيعة أحسنت إلى سورية في شيء؛ إذ حصنتها ~~بسور من الجبال، لكنها أفرطت في ms25 توفير هذه الجبال في قلب البلاد، ~~فإن السائر الذي يتوغل من سواحل الشام إلى الجهات الداخلية، يلقى ~~في مسيره خمسة أنحاء جغرافية تختلف أحوالها كل الاختلاف في حرارتها ~~وهوائها ونباتها مع قلة أسباب المواصلات بينها؛ لأن السلسلة ~~الكبيرة التي تمتد طولا في وسط سورية لا تنقطع انقطاعا محسوسا ~~إلا عند علو طرابلس؛ حيث توصل جبل النصيرية بأول منعطف لبنان آكام ~~قليلة الارتفاع. # ولو قطعت سورية تبعا لخط الهاجرة؛ أي من الشمال إلى الجنوب ~~لوجدت فرقا كهذا، فإن الطبيعة قد قسمت سورية إلى خمس أو ست ~~كور مختلفة السعة، تعزلها عن بعضها الأنهار أو الجبال بحيث ~~تستطيع كل كورة أن تكون منفردة عن أختها، # 25 # وكذلك في الشمال البلاد المرتفعة الواقعة بين الفرات ~~ومصب العاصي، وفي الوسط بلاد البقاع بين سلسلتي لبنان غير ~~المتساويتين، ثم دمشق وغوطتها من جهة وفينيقية من جهة أخرى. ~~وأخيرا في الجنوب مجموع بلاد متباينة، كأنها طبقات درجية ترتفع ~~فوق بعضها على جانبي وادي الأردن شمالا ويمينا. # وممن لحظوا هذه الاختلافات الغريبة التي خصت بها أنحاء الشام، ~~جغرافي عربي من مشاهير كتبة القرن العاشر، نريد شمس الدين أبا ~~عبد الله محمد بن أحمد المعروف بالمقدسي، وكان أصله من الشام، فإنه ~~دون في كتابه الموسوم «بأحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم» ~~ملحوظا جغرافيا يدل على توقد ذهنه ودقة فكره، قال في وصف ~~إقليم الشام (في الصفحة186): «ووضع هذا الإقليم ظريف؛ هو أربعة ~~صفوف: الأول يلي بحر الروم وهو السهل، رمال متعقدة ممتزجة، يقع فيه ~~من البلدان الرملة وجميع مدن السواحل، والصف الثاني الجبل مشجر ~~ذو قرى وعيون ومزارع يقع فيه من البلدان بيت جبريل وإيليا، # 26 # ونابلس واللجون وكابل وقدس والبقاع وأنطاكية، والصف ~~الثالث الأغوار ذات قرى وأنهار ونخيل ومزارع ونيل، يقع فيه من ~~البلدان ويلة وتبوك وصفن وأريحا وبيسان وطبرية وبانياس، والصف ~~الرابع سيف البادية، وهي جبال عالية باردة معتدلة مع البادية ذات ~~قرى وعيون وأشجار، يقع فيها من البلدان مآب وعمان وأذرعات ودمشق ~~وحمص وتدمر وحلب، وتقع ms26 الجبال الفاصلة مثل جبل زيتا وصديقا # 27 # ولبنان واللكام وسرة الأرض المقدسة في الجبال المطلة ~~على الساحل.» # وكل هذه الفروق في الوضع الطبيعي قد عللت بتتابع الأيام ~~أطوارا تاريخية مختلفة، وكثيرا ما عاش أهل تلك الأنحاء يجهل ~~بعضهم بعضا، فالجبليون يتحصنون في مشارفهم الطبيعية كما في قلاع ~~حريزة، وكذلك أهل المنعطف الشرقي كانوا مبتعدين عن سكان السواحل، ~~وهؤلاء لا يفكرون إلا في سفنهم وبحريتهم ، لا يكترثون لمن توطن ~~السهول الداخلية، وقد أدت بالفينيقيين عزلتهم وحبهم للتفرد أن كل ~~فئة كانت تقصر نظرها إلى قطعة من الأرض ورثتها من أجدادها، فتكتفي ~~إما برأس ساحلي وإما بخليج أو جزيرة، كما ترى في أرواد وجبيل ~~وصيداء وصور، لكل منها استقلالها النوعي؛ ولهذا السبب نرى السوريين ~~منذ أقدم الأجيال «منقسمين إلى عدة طوائف متخاصمة، تسعى كل واحدة ~~منها حتى أصغرها في حفظ منافعها الخاصة، ولا تزال تدافع بالحرب ~~العوان عن قطعة من الأرض، أو بعض فدادين من المزارع أو بعض الأحراج ~~الجبلية، فترى القتال قائما على ساق بين هذه المقاطعات، فيستولى ~~عليها الخراب والدمار، كأن عدوا مغوارا دخل فيها وأعمل فيها ~~السيف والنار.» # 28 # وإن اعتبرت تاريخ سورية وجدت هذا الإقليم متقسما إلى إيالات ~~منفردة تسكنها العشائر المنفصلة، ففي سورية تعددت رؤساء القبائل ~~وشيوخ الطوائف ورؤساء الربع، فيجد محب المسكوكات والمكاتبات مادة ~~واسعة لدرس آثارهم، لكن المؤرخ يتيه في بيداء أقسامهم ~~السياسية. # وكانت نتيجة هذه الانقسامات الشعبية والتفرقات في الأغراض ~~والأملاك أن البعض وجدوا فيها ما يوافق مطامعهم ويعظم أشخاصهم، ~~لكنها أضعفت القوى وقسمت الكلمة، وهذا ما نراه في تاريخ سورية في ~~أقدم الآثار، تشهد عليه مراسلات تل العمارنة التي ترتقي إلى المائة ~~الخامسة عشرة قبل المسيح (اطلب تسريح الأبصار، ج1، ص71-79)، فيؤخذ ~~من هذه المكاتبات أن دولا عديدة كانت تتزاحم مذ ذاك في سورية، ~~منها في السهول، ومنها في الجبال، بل كانت كل مدينة عبارة عن دولة ~~يتحصن فيها أهلها، ويردون غارات الدولة المجاورة، ولو شاء المسافر ~~لقطع في اليوم الواحد تخوم عدة ms27 أملاك مستقلة, هذا ما ورثه تاريخ ~~الشام بكثرة التقاسيم الجغرافية والحواجز الطبيعية. # | كتبة العرب وجغرافية سورية # ذكرنا في مقالتنا السابقة بطيب الثناء أحد جغرافيي الإسلام ~~«شمس الدين المقدسي»، وليس هو الكاتب الوحيد من العرب الذي ~~ضمن تأليفه الفوائد المتعددة في وصف سورية، وفي نيتنا أن ~~نعود مرارا إلى ذكر هؤلاء الكتبة في أثناء مقالاتنا الآتية ~~عن هذه البلاد، وعليه أردنا أن نفرد لهم فصلا كاملا ليكون ~~القراء على بصيرة من شهاداتهم، ويقدروا كتاباتهم قدرها. ~~*** # الجغرافيون العرب الأقدمون # كان أول فتح سورية على يد القائد الكبير خالد بن الوليد، الذي ~~دخل دمشق بعد أواسط السنة 635 للميلاد، ثم أتم فتح بقية بلاد الشام ~~في السنين التالية، فلما انتشرت العلوم بين العرب في القرن التاسع ~~أخذ كتبتهم في ذكر الشام ووصف محاسنها، وواصلوا هذه المصنفات إلى ~~أواخر القرن الخامس عشر، فمنهم من اتسع في وصفه، ومنهم من اقتصر ~~على بعض الفوائد، فلو جمعت كل هذه المآثر المدونة في زمن لا يقل ~~عن ستة قرون لانذهل الأدباء من وفرتها، والحق يقال: إن كتبة ~~العرب في الأبحاث الجغرافية - كما في غيرها من الفنون - قد خلفوا ~~لنا من الآثار ما لا يجاريهم في كثرته غيرهم من الشعوب. فيتحتم ~~علينا أن نبين شأن هذه التآليف، ونعرف قدرها وما يمكن العلماء أن ~~يستخلصوا من فوائدها. ~~••• # لو تتبعنا تاريخ العرب في الأزمنة العريقة في القدم، لوجدناهم ~~مزدانين بخلال فريدة للضرب في البوادي وللسياحة في البلدان، ~~تصفح سفر التكوين لموسى كليم الله، فإنه قد ذكر غير مرة عرب ~~البادية في أيام الآباء بعد الطوفان منذ إبراهيم الخليل إلى يوسف ~~الحسن، وغاية ما يستنتج من أوصافه أن العرب كانوا في ذلك الوقت ما ~~عهدهم التاريخ في الأجيال التابعة، فإنهم يظهرون لنا كقوم رحل ~~يقودون القوافل ويتجشمون الأسفار للمتاجرة، وقد جعل الله في يدهم ~~زمام حيوان صبور يزيد نفعه على منافع الخيل المطهمة، نريد الإبل ~~المعروفة بسفن البر، وهذا الوصف لا يختلف ذرة عن أحوال العرب في ~~كرور الدهور حتى القرن ms28 السابع بعد الميلاد؛ حيث ترى قريشا تتولى ~~قيادة الأقفال وتمتار المير، وتنقل السلع إلى أسواق العراق ~~والشام واليمن والحبشة ومصر. # وليس بين التاجر الرحالة والجغرافي المخطط للبلدان مدى واسع؛ ~~فإن المسفار يحتاج كالجغرافي إلى التنقيب عن أحوال الأمم ~~والأمكنة التي يتردد إليها، فيتبصر في مرافقها ويدرس طباعها، ويبحث ~~عن ثروة تربتها وغلاتها وطرقها وطوارئ هوائها من حر وقر، وكل ~~ذلك يباشره الرحالة لمنفعته الخاصة، كما يتولاه الجغرافي لنفع ~~العلوم، ومن هنا تعرف أن درس الجغرافية من أنجع الوسائل، وأكفلها ~~بالربح في التجارة الواسعة. # ومما زاد العرب نشاطا في درس البلدان وأعانهم على الرصود ~~الجغرافية التي خصت بمراقبتها طباعهم، ما أتاحهم الله من ~~الفتوحات العظيمة في القرنين السابع والثامن؛ فإن سلطتهم بلغت ما ~~وراء البلاد التي اتصلت إليها يد الإسكندر ذي القرنين، فلا غرو ~~أنهم حاولوا معرفة الأقطار التي جعلها الله في حوزتهم، فأسرعوا إلى ~~تقويمها وتحديد ثغورها، واستطلاع خواصها، وقد ساعدهم على ذلك ما ~~وقفوا عليه من المصنفات الجغرافية السابقة لعهدهم من أوضاع الهنود ~~والفرس واليونان والرومان، مما نقل الكثير منه إلى العربية، وكان ~~العرب من أجدر الناس بأن يبنوا لعلم الجغرافية صرحا شاهقا منيفا ~~بما توفر لديهم من الوسائل الضامنة لبلوغ هذه الغاية الشريفة، وذلك ~~بأن يضيفوا معلوماتهم إلى معلومات أسلافهم، وسوف نذكر سبب قصورهم ~~عن هذه البغية الجلى، وإن نال البعض منهم من ذوي المدارك ~~العالية أسهما رابحة من المجد، فكادوا يفوزون بقصبة السبق في هذا ~~الميدان الجليل. # ومما يجب الإقرار به فضل كتبة العرب في وصف البلدان وتعريف ~~خواصها، وذلك مدخل العلوم الجغرافية ومقدمتها يكفي للقيام به أن ~~يكون الكاتب باصرا مترويا، يحسن مراقبة المرئيات دون أن ~~يحتاج إلى شيء من الآلات الرصدية، أو من العلوم الإعدادية. # فمن ذلك أنهم أحكموا معرفة أواسط آسية، فأصلحوا أمورا عديدة مما ~~رواه قبلهم اليونان والرومان رامين كلامهم على عواهنه، مثال ذلك: ~~ما أفادنا الرومان عن الصين حدسا وسمعا. أما العرب فإنهم تفقدوا ~~مملكة ابن السماء، بل بلغوا بلاد كورية، ولعلهم ms29 أدركوا حدود ~~اليابان. وقس على ذلك قارة أفريقية، فإن الرومان جعلوا الصحراء ~~حدودها، فلم يعرفوا ما وراء تلك المفاوز المجهولة. أما العرب فإنهم ~~تجاوزوا تلك الحدود، وطافوا في مجاهل أفريقية إلى قلب تلك البلاد، ~~وهم أول من أبحر إلى جزيرة مدغسكار فعرفوا موقعها. # أما الجغرافية العلمية فإن معلومات العرب فيها محصورة ضيقة ~~النطاق، فإن معرفتهم مثلا لأعراض البلاد قد تعقبوا فيها آثار ~~القدماء، فأصابوا أو أخطئوا كلما أصاب أو أخطأ أسلافهم، أما ~~خوارطهم ورسومهم لهيئة البلدان فإنها غريبة الأشكال بعيدة عن ~~مظان الحق، # 1 # وقد أثبت منها المشرق مثالا ملونا، فراجعه (المشرق ~~3: 1128)، وها نحن ندون هنا مثالا آخر ننقله ببعض ألوانه، عن ~~كتاب «نزهة المشتاق في اختراق الآفاق» للشريف الإدريسي، كما يرى ~~في أحد مخطوطات مكتبة باريس العمومية، ولعله أحكم وأتقن ما وضعه ~~العرب من الخرائط، فإن البحر فيها مرسوم باللون الأزرق ومجاري ~~الأنهار بالأخضر، # 2 # وأغرب ما في هذا الأثر أن صاحبه سعى بتصوير سلسلة ~~الجبال بتخطيطات مقطعة # 3 # كما يشير إليها الجغرافيون المحدثون بعد أن حسنوا ~~هذه الطريقة وزادوها دقة. # خريطة للشريف الإدريسي. # هذا وإن في رواياتهم وأوصافهم نفسها مبالغات هي من الغرابة ~~بمكان، ينبغي على العاقل ألا يقبلها إلا بعد الروية ~~والانتقاد، وهذه النقيصة تعم زمانهم حيث كانت العلوم الطبيعية في ~~مهدها. # ومما يؤخذ على كثيرين منهم آفة النقل والسرقة، فإنهم يروون ما ~~سبق إليه غيرهم بحرفه دون الإشارة إلى التآليف التي نقلوا عنها، ~~وربما خدع القارئ بكثرة الشواهد في بعض الأمور، ولو تروى لوجد ~~أنها كلها راجعة إلى مصدر واحد، وأن الخلف نسخوا عن السلف دون فرق ~~يذكر في اللفظ والمعنى، ودونك ما كتبه في هذا الصدد شمس الدين ~~المقدسي، وغايته أن يبين بقوله فضل تأليفه على تآليف من تقدمه، ~~وكلامه مع طوله جدير بالاعتبار، يوقفنا على طريقة بعض كتبة ~~العرب في مصنفاتهم إلى زمن المؤلف في القرن العاشر، قال: «اعلم أني ~~أسست هذا الكتاب على قواعد محكمة، وأسندته بدعائم قوية، وتحريت ~~جهدي الصواب، واستعنت بفهم ms30 أولي الألباب، فما وقع عليه اتفاقهم ~~أثبته، وما اختلفوا فيه نبذته، وما لم يكن لي بد من الوصول ~~إليه والوقوف عليه قصدته، وما لم يقر في قلبي ولم يقبله عقلي ~~أسندته إلى الذي ذكره، أو قلت: زعموا، ووشحته بفصول وجدتها في ~~خزائن الملوك. # وكل من سبقنا إلى هذا العلم لم يسلك الطريق التي قصدتها ولا طلب ~~الفوائد التي أردتها، أما أبو عبد الله الجيهاني، فإنه كان وزير ~~أمير خراسان، وكان صاحب فلسفة ونجوم وهيئة، فجمع الغرباء وسألهم عن ~~الممالك ودخلها، وكيف المسالك إليها، وارتفاع الخنس منها ~~وقيام الظل فيها؛ ليتوصل بذلك إلى فتوح البلدان، ويعرف دخلها، ~~ويستقيم له علم النجوم ودوران الفلك. ألا ترى كيف جعل العالم سبعة ~~أقاليم؟ وجعل لكل إقليم كوكبا، مرة يذكر النجوم والهندسة، وكرة ~~يورد ما ليس للعوام فيه فائدة، وتارة ينعت أصنام الهند، وطورا ~~يصف عجائب الهند، وحينا يفصل الخراج والرد، ورأيته ذكر منازل ~~مجهولة، ومراحل مهجورة، ولم يفصل الكور، ولا رتب الأجناد، ولا ~~وصف المدن، ولا استوعب ذكرها، بل ذكر الطرق شرقا وغربا وشمالا ~~وجنوبا مع شرح ما فيها من السهول والجبال والأودية والتلال ~~والمشاجر والأنهار، وبذاك طال كتابه وغفل عن أكثر طرق الأجناد، ~~ووصف المدائن الجياد. وأما أبو زيد البلخي فإنه قصد بكتابه ~~«الأمثلة وصورة الأرض» بعدما قسمها على عشرين جزءا، ثم شرح كل ~~مثال واختصر، ولم يذكر الأسباب المفيدة، ولا أوضح الأمور النافعة ~~في التفصيل والترتيب، وترك كثيرا من أمهات المدن فلم يذكرها، وما ~~دون البلدان، ولا وطأ الأعمال، ألا ترى أن صاحب خراسان استدعاه ~~إلى حضرته ليستعين به؟ فلما بلغ جيحون كتب إليه: «إن كنت استدعيتني ~~لما بلغك من صائب رأيي، فإن رأيي يمنعني من عبور هذا النهر»، فلما ~~قرأ كتابه أمره بالخروج إلى بلخ. وأما ابن الفقيه الهمذاني فإنه ~~سلك طريقة أخرى، ولم يذكر إلا المدائن العظمى ولم يرتب الكور ~~والأجناد، وأدخل في كتابه ما لا يليق به من العلوم؛ مرة يزهد في ~~الدنيا، وتارة يرغب فيها، ودفعة يبكي، وحينا ms31 يضحك ويلهي. ~~وأما الجاحظ وابن خرداذبة، فإن كتابيهما مختصران جدا، لا يحصل ~~منهما كثير فائدة.» # ثم عاد المؤلف بعد هذا بأسطر إلى تبرئة نفسه من جناية السرقة، ~~فقال (ص6): «لا نذكر شيئا قد سطروه، ولا نشرح أمرا قد أوردوه إلا ~~عند الضرورة، لئلا نبخس حقوقهم لا نسرق من تصانيفهم.» # ومع هذا ترى المقدسي نفسه بعد قوله عن ابن خرداذبة إنه: «مختصر ~~جدا لا يحصل منه كثير فائدة» ينقل عنه كل أقيسة مراحله وتفاصيل ~~أخرى عديدة، دون أن يذكر اسمه، وهو يفعل بابن الفقيه فعله بابن ~~خرداذبة، فيأخذ عنه نصوصا كثيرة، ولا يذكر اسمه أكثر من ثلاث ~~مرات، مع أنه يلومه لإدراجه أشياء عديدة في كتابه لا طائل ~~تحتها. # ومما نأخذه على جغرافيي العرب أنهم لم يكتفوا بوصف بلاد ~~مخصوصة، بل وسعوا نطاق عملهم إلى جغرافية الأرض كلها بأقاليمها، ~~وقد جروا في ذلك جري المؤرخين الذين أرادوا تدوين أخبار العالم ~~كله والممالك جمعاء، فكانت نتيجة هذا العمل أنهم لم يعطوا البلاد ~~حقها من الوصف، وكذا يقال عن بلاد الشام التي لا تشغل في تآليفهم ~~إلا مكانا ضيقا، ولو قصروا النظر إليها وحدها لأدوا حقوقها ~~واستوفوا معانيها، ولعلهم فعلوا ذلك لعلمهم بندرة الكتب؛ لتكون ~~تآليفهم جامعة لشتات التاريخ ولوصف البلدان، ونحن مع إقرارنا بهذه ~~المنفعة نتأسف على قلة من تعمقوا في تعريف بلادنا، ألا ترى مثلا ~~أبا الفداء وموطنه بلاد الشام، لو اجتزأ بوصف بلاده بدلا من وصف ~~كل البلاد لكان كتابه «تقويم البلدان» أجزل نفعا وأكمل وصفا، ~~يحتوي من التفاصيل ما لا يرى في غيره كما فعل الهمداني في «صفة ~~جزيرة العرب». # وقد بقي علينا أن نورد هنا أخص المطبوعات الجغرافية؛ لأننا في ~~المقالات التالية سوف نشير إليها مرات عديدة، فها نحن نذكرها مع ~~بيان خواصها وفضل أصحابها. وقد اكتسب المستشرقون شكر العلماء؛ إذ ~~وجهوا الأنظار إلى أخص النصوص التاريخية والجغرافية فنشروها، ~~وقربوا بنشرها منافعها، وأدنوا مواردها بحيث أمكن المنتقد أن ~~يتبين ما تتضمنه من الفوائد والفرائد. # وكان الشرق حقيقا بأن ms32 يؤازر المستشرقين بالعمل، لكن أهل الشرق ~~قد شغلوا عن ذلك بما صرفهم في نشر التآليف الجغرافية القديمة، ~~اللهم إلا القليل منها، وهذه المطبوعات نفسها خالية من النظر ~~الانتقادي، لا ترى فيها شيئا مما يدل على البحث والتنقيب، ~~كالروايات المختلفة والمقابلة مع النصوص المتشابهة والفهارس ~~الواسعة، ولا نستثني من هذا النقد طبعة صبح الأعشى للقلقشندي التي ~~أبرزتها آخرا المطبعة الخديوية، وإن كانت تفضل غيرها من الطبعات ~~الشرقية في هذا الباب، لكن همة المستشرقين قد سدت هذا الخلل فيما ~~نشروه في ألمانية وفرنسة من النصوص الجغرافية. # وبين البلاد التي أصابت السهم الأفوز في نشر التآليف الجغرافية ~~بلاد هولندة، فإن هناك طبع ذلك المجموع الفريد في ثمانية مجلدات، ~~المعروف بمجموع جغرافيي العرب # Bibliotheca ~~geographorum arabicorum ~~، وقد قام بهذا العمل ~~رجل همام من كبار المستشرقين، أحرز له بذلك مجدا أثيلا، ألا وهو ~~العلامة دي غوي # de Goeje # أحد ~~أساتذة كلية ليدن، وقد أودع هذا المجموع أجل المصنفات، كالمسالك ~~والممالك «للإصطخري» و«لابن حوقل»، والمسالك والممالك «لابن ~~خرداذبة»، ومختصر كتاب البلدان «لابن الفقيه الهمذاني»، وكتاب ~~الأعلاق النفيسة «لابن رستة»، والتنبيه والإشراف «للمسعودي»، وكتاب ~~البلدان «لابن الواضح اليعقوبي»، ومما سعى بطبعه «داود مولر» - من ~~أساتذة فيينة - كتاب صفة جزيرة العرب، ولكل هذه التآليف حواش ~~وتذييلات معتبرة وفهارس واسعة، فضلا عن جداول لغوية للألفاظ ~~الغريبة، والمفردات العويصة التي تفرد بها بعض الكتبة دون ~~البعض، وفي هذه الجداول من الفوائد ما لا ينكر، ومن شأنها أن ~~تساعد على تأليف معجم مطول للغة العربية يكون مبنيا على النصوص ~~القديمة، لا يكتفي فيه صاحبه بنقل القواميس السابقة. # ومن أفضل ما عني المسيو دي غوي بنشره كتاب «أحسن التقاسيم في ~~معرفة الأقاليم» للإمام شمس الدين المقدسي، فإن في هذا الكتاب من ~~المحاسن ما لا تراه في غيره، لا سيما في أحوال الشام على عهده، أي ~~في القرن العاشر، ولذلك قد أحببنا أن نكتب فيه فصلا ~~منفردا. # | المقدسي وجغرافية سورية في القرن ~~العاشر للميلاد # المقدسي من أفضل كتبة الجغرافية بين قدماء العرب، فنتخذه ms33 ~~كمثال يوقفنا على ما بلغه أولئك الأئمة من الكمال في هذا الفن، ~~وأخص ما نطلبه منه المعلومات التي أثبتها في كتابه عن سورية ~~وطنه كما عرفها في زمانه، أعني في القرن العاشر للمسيح، وهذا ~~ما حدا بنا إلى إرصاد مقالة خاصة للنظر في تأليفه. ~~*** # المقدسي وتأليفه # ليس المقدسي أول من تولى وصف الشام، لكنه يفوق على من تقدمه ~~بوفرة معلوماته وبحسن أسلوبه، والحق يقال: إنه تحرى في عمله طريقة ~~نظامية تجعل تأليفه في مقام رفيع. # ولد شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر البناء ~~نحو (السنة 336ه/947م) في القدس الشريف، فدعي لذلك بالمقدسي، وهو ~~الاسم الذي ندعوه به اختصارا فيما يأتي، وكان جده مهندسا بارعا ~~في الشام، وهو الذي ابتنى ميناء عكا كما أفادنا حفيده؛ إذ قال ~~فيه (ص162 و163): «لم تكن «عكا» على هذه الحصانة حتى زارها ابن ~~طيلون (طولون)، وقد كان رأى صور ومنعتها واستدارة الحائط على ~~ميناها، فأحب أن يتخذ لعكا مثل ذلك المينا، فجمع صناع الكورة ~~وعرض عليهم ذلك، فقالوا: لا يهتدي أحد إلى البناء في الماء في هذا ~~الزمان، ثم ذكر له جدنا أبو بكر البناء وقيل: إن كان عند أحد ~~علم هذا فعنده. فكتب إلى صاحبه على بيت المقدس أن ينهضه إليه، ~~فلما صار إليه وذكر له ذلك قال: هذا أمر هين علي بفلق ~~الجميز الغليظة. فصفها على وجه الماء بقدر الحصن البري ~~وخيط بعضها ببعض، وجعل لها بابا من الغرب عظيما، ثم بنى عليها ~~بالحجارة والشيد، وجعل كلما بنى خمس دوامس ربطها بأعمدة غلاظ ~~ليشتد البناء، وجعلت الفلق كلما ثقلت نزلت حتى إذا علم أنها قد ~~جلست على الرمل تركها حولا كاملا حتى أخذت قرارها، ثم عاد فبنى ~~من حيث ترك كلما بلغ البناء إلى الحائط القديم داخله فيه وخيطه ~~به، ثم جعل على الباب قنطرة، فالمراكب في كل ليلة تدخل الميناء، ~~وتجر السلسة مثل صور.» # تعاطى «المقدسي» في أول أمره التجارة، وتجشم لذلك أسفارا أعدته ~~للدروس الجغرافية، وكان ms34 يشعر في قلبه ميلا عظيما إلى معرفة ~~البلدان، ولم يزل يقوى فيه ميله إلى أن انقطع إلى ذلك الفن بتمامه، ~~فطاف كل بلاد الإسلام - اللهم إلا السند والأندلس، ثم باشر نحو ~~السنة 985 تصنيف كتابه، فبلغه كماله بعد ثلاث سنوات، أما سنة ~~وفاته فلا تزال مجهولة، وكذلك تفاصيل ترجمته لا نعلم منها إلا ~~القليل مما أثبته عن نفسه في مطاوي كتابه، الذي دعاه «أحسن ~~التقاسيم في معرفة الأقاليم». # ومن البديهي أن الكاتب أحكم القسم المختص ببلاد الشام مسقط رأسه ~~فتوسع فيه، لكن تأليفه كله يستحق الثناء، قال المستشرق غلدميستر # Gildemeister ~~: «إن المقدسي قد ~~امتاز بين بقية أرباب أوصاف البلدان بكثرة ملحوظاته وسعة نظره.» # 1 # وقال سبرنغر # Sprenger ~~: «ليس من سائح تجول في البلاد كما تجول ~~المقدسي، ولا أحد لحظ ما لحظه أو روى معلوماته مثله بنظام وترتيب.» ~~وكذلك العلامة بربيه دي ~~مينار # B. de Meynard # يعد تأليفه ذا قيمة لا تقدر. # 2 # وكل هذه الأقوال عين الصواب، أما حسن الأسلوب فله ~~المقام الأول فيه بين وصفائه السابقين، والذين أتوا بعده لم يبلغوا ~~شأوه بل زادوا تقهقرا، ومن تصفح كتاب المقدسي استحسن طريقته في ~~الكتابة، فإنك لا تراه يضيف إلى عمله الإضافات النافلة ~~والاستطرادات الزائدة كما يفعل ابن رستة وابن الفقيه، وكذلك لم ~~يدخل في أوصافه تعداد المراحل أو مبالغ الخراج على طريقة مملة، شأن ~~ابن خرداذبة في تأليفه، هذا فضلا عن حسن نظر وأصالة رأي مع ما ~~يبدي لوطنه من الحب الواجب دون أن يبخس حقوق بقية البلاد. # ومما يستحبه القارئ فوق ذلك في مطالعة تأليف المقدسي حرصه على ~~سياق الأخبار وتنسيق الأوصاف، فترى الأبواب متواصلة على أحسن طريقة ~~وأضبط أسلوب، لا يفارقه همه في النظام وترتيب المواد، على خلاف ما ~~ترى في كتب من تقدمه، مثال ذلك أنه في كلامه عن كورة قنسرين ~~جعل قصبتها حلب، وقد أحس بأن القارئ يعترض عليه في ذلك، فسبق ~~بالرد على اعتراضه بما حرفه (ص156): «فإن قال قائل: لم جعلت قصبة ~~الكورة حلب ms35 وههنا مدينة على اسمها؟ قيل له: قد قلنا إن مثل ~~القصبات كالقواد والمدن كالجند، ولا يجوز أن تجعل حلب على ~~جلالتها وحلول السلطان بها وجميع الدواوين إليها وأنطاكية ونفاستها ~~وبالس وعمارتها أجنادا لمدينة خربة صغيرة، فإن قال: هلا استعملت ~~هذا القياس في شيراز؟ فأضفت إليها إصطخر ومدنها؟ قيل: لما وجدنا ~~بإصطخر مدنا أحدقت بها وتباعدت عنها استحسنا ما فعلناه ثم، ~~والاستحسان في علمنا هذا ربما غلب القياس.» # وهي لعمري خطة محمودة أن لا يصف الكاتب إلا ما رآه عيانا، ~~وعليها جرى المقدسي فزاد في اعتبارنا مقاما، وكذلك تراه ينبه ~~القارئ إذا ما احتاج إلى وصف شيء لم يعاينه، مثال ذلك قوله (ص12) ~~عن اليمن: «أما طريق اليمن فلا أكاد أضبط مراحلها كغيرها من ~~الكور، غير أني أذكر ما عرفت وأجمل ما سمعت.» # أما طبعة هذا الكتاب، فحسبنا القول بأن الذي تولى أمرها إنما هو ~~أحد أفاضل المستشرقين، العلامة دي غوي، وكان طبعها أولا سنة 1877، ~~ثم نفدت هذه الطبعة بعد مدة، فاضطر جناب ناشرها إلى إعادة طبعها، ~~فأنجز العمل في السنة المنصرمة، وفي ذلك دليل واضح على إقبال ~~العلماء على هذا الكتاب، وقلما تجد كتابا علميا عربيا يحتاج ~~إلى طبعتين، ومن محاسن هذه الطبعة المستحدثة أن صاحبها أثبت فيها ~~عدة فوائد جديدة استفادها من درسه الخاص ومن ملحوظات العلماء، ~~فجاءت هذه الطبعة الثانية غاية في الحسن سواء كان لضبط المتن، # 3 # أو لدقة الحواشي التي علقها في ذيل كل صفحة من الكتاب، ~~فيا ليت أدباء الشرق يحذون في طبعهم للتآليف القديمة حذو ~~المستشرقين في طبعاتهم، فيخدموا العلم كما فعل ناشر جغرافية ~~المقدسي. # ولكن دعنا الآن نواصل بحثنا في التأليف الذي نحن بصدده. # بلاد الشام على عهد المقدسي # أول ما افتتح به المقدسي كتابه نظر عمومي في أحوال الشام، وهذه ~~المقدمة حسنة إجمالا، لولا أن المؤلف أفقدها شيئا من فوائدها ~~بزخرف سجعها، والأولى بمثل هذه المقدمات العلمية أن تكتب بسذاجة ~~وكلام بعيد عن كل تصنع؛ لئلا يحيد الفكر عن الجوهر فينصرف إلى ms36 ~~الأعراض، لا سيما إذا اتسع الكتبة في السجع وتجاوزوا الحدود كما ~~فعل ابن جبير، فدونك ما كتب المقدسي في وصف الشام (ص151): «(إقليم ~~الشام) جليل الشأن، دار النبيين، ومركز الصالحين، ومعدن البدلاء، ~~ومطلب الفضلاء، به القبلة الأولى، وموضع الحشر والمسرى، والأرض ~~المقدسة، والرباطات الفاضلة، والثغور الجليلة، والجبال الشريفة، ~~ومهاجر إبراهيم وقبره، وديار أيوب وبئره، ومحراب داود وبابه، ~~وعجائب سليمان ومدنه، وتربة إسحاق وأمه، ومولد المسيح ومهده، وقرية ~~طالوت ونهره، ومقتل جالوت وحصنه، وجب أرميا وحبسه، ومسجد أوريا ~~وبيته، وقبة محمد وبابه، وصخرة موسى، وربوة عيسى، ومحراب زكريا، ~~ومعرك يحيي، ومشاهد الأنبياء ، وقرى أيوب، ومنازل يعقوب، والمسجد ~~الأقصى، وجبل زيتا، ومدينة عكا، ومشهد صديقا، وقبر موسى، ومضجع ~~إبراهيم ومقبرته، ومدينة عسقلان، وعين سلوان، وموضع لقمان، ووادي ~~كنعان، ومدائن لوط وموضع الجنان، ثم به دمشق جنة الدنيا، وصغر ~~البصرة الصغرى، والرملة البهية، وخبزها الحواري، وإيليا الفاضلة ~~بلا لأوى، وحمص المعروفة بالرخص وطيب الهواء، وجبل بصرى وكرومه فلا ~~تنسى، وطبرية الجليلة بالدخل والقرى، ثم البحر يمد على طرفيه، ~~فالحمولات فيه إليه أبدا، وبحر الصين # 4 # متصل بطرفه الأقصى، له سهل وجبل وإغوار وأشياء، ~~والبادية على تخومه كالزقاق منه إلى تيماء، وبه معادن الرخام ~~وعقاقير كل دواء، ويسار وتجار ولباقة وفقهاء وكتاب وصناع ~~وأطباء.» # فترى من هذا الوصف أن بلاد الشام كانت وقتئذ غنية بمحصولاتها ~~مثرية بتجارتها، تزينها المدن العامرة والدساكر الخصبة، لم تزل ~~بحسن موقعها وعظم شأنها على ما كانت عليه سابقا (اطلب المشرق 10: ~~109)، فتحفظ مقامها الخطير بين الأقطار، وكانت الشام مشحونة ~~بالديار الواسعة والمنازل العامرة، حتى يكاد الناظر يسهو عنها ~~لكثرتها، قال المقدسي (ص155، راجع أيضا 176): «وفي هذا الإقليم ~~قرى أجل وأكبر من أكثر مدن الجزيرة # 5 ~~(مثل داريا وبيت لهيا وكفر سلام وكفر سابا)، غير أنها ~~على رسوم القرى معدودة فيها، وقد قلنا إن عملنا موضوع على ~~التعارف.» # وكان صاحب هذه الأسطر قد ألحق بوصفه للشام خارطة كما فعل بسائر ~~الأقاليم، إلا أن هذه الخارطة لم تنشر بالطبع فلا يسعنا الحكم ms37 ~~عليها لنوجه إليه الثناء أو اللوم، كفعلنا بالخوارط التي رسمها ~~كتبة العرب. # وبعد هذه المقدمات ترى المقدسي يستقري كور الشام واحدة واحدة ~~مباشرة من جهة الشمال، وهو يحصيها ستة: قنسرين، ثم حمص، ثم دمشق، ~~ثم الأردن، ثم فلسطين، ثم الشراة، وهذه الكور توافق الخمسة ~~الأجناد التي قسمت إليها بلاد الشام منذ أول الفتح الإسلامي، ~~والكورة الأولى أي قنسرين تنطبق مع ولاية حلب الحالية تقريبا، ~~لكننا لا نفهم كيف استطاع المقدسي (ص154) أن يدخل فيها جوسية ~~الواقعة على مسافة ست ساعات جنوبي شرقي حمص، ولعل النساخ ~~تصرفوا بتقديم بعض الأسطر أو تأخيرها فشوشوا الترتيب، أما كورة ~~الأردن فكانت تشمل في جملة مدنها طبرية وقدس وصور وعكا واللجون ~~وكابل وبيسان وأذرعات، وذلك ما يوافق من أنحائنا الحالية كل ~~متصرفية عكا وقسما من متصرفية نابلس وقائمقامية صور وبعض متصرفية ~~حوران، أما كورة الشراة فإن المقدسي (ص155) قد جعل «قصبتها ~~صغر ومدنها مآب ومعان وتبوك وأذرح وويلة ومدين.» وصغر هذه ~~هي المذكورة في التوراة، كان موقعها جنوبي بحيرة لوط، وقد استولى ~~عليها الخراب منذ زمن طويل وسنعود إلى ذكرها. هذا محصل تقسيم ~~كور الشام كما كانت في القرن العاشر. # وها نحن نستقري كل كورة؛ لنرى ما يقول المقدسي فيها، قال عن ~~حلب (ص155): «وأما حلب، فبلد نفيس خفيف حصين، وفي أهلها ظرف ولهم ~~يسار وعقول، مبني بالحجارة عامر، في وسط البلد قلعة حصينة واسعة ~~فيها ماء وخزائن السلطان، والجامع في البلد، شربهم من نهر قويق ~~يدخل إلى البلد إلى دار سيف الدولة في شباك حديد، والقصبة ليست ~~بكبيرة إلا إن بها مستقر السلطان، لها سبعة أبواب: باب حمص، باب ~~الرقة، باب قنسرين، باب اليهود، باب العراق، باب دار البطيخ، باب ~~أنطاكية، وباب الأربعين مسدود.» # وكانت أنطاكية في أيام المقدسي قد انحطت عن رتبتها السابقة، بعد ~~تقدمها على كل مدن الشام؛ ولذلك يكتفي الكاتب بذكرها دون وصفها، ~~وعلى خلاف ذلك حمص، فإنها كانت نالت نصيبا وافيا من الفخر، قال ~~المقدسي في تعريفها (ص156): «حمص ليس ms38 بالشام بلد أكبر منها، وفيها ~~قلعة متعالية عن البلد ترى من خارج، أكثر شربهم من ماء المطر، ~~ولهم أيضا نهر، ولما فتحها المسلمون عمدوا إلى الكنيسة فجعلوا ~~نصفها جامعا، عنده بالسوق قبة على رأسها شبه رجل من نحاس، واقف ~~على سمكة تديرها الأرياح الأربع، وفيه أقاويل لا تصح، والبلد شديد ~~الاختلال متداع إلى الخراب.» # ويلوح من قول المقدسي (ص156) أن تدمر كانت بعد في عهده على ~~حالة من العمران «قريبة من البادية رحبة طيبة»، وهاك وصف دمشق قال ~~(ص156 و157): «دمشق هي مصر # 6 # الشام ودار الملك أيام بني أمية وثم قصورهم ~~وآثارهم، بنيانهم خشب وطين، وعليها حصن - أحدث وأنا به - ~~من طين، أكثر أسواقها مغطاة، ولهم سوق على طول البلد مكشوف حسن، ~~وهو بلد قد خرقته الأنهار، وأحدقت به الأشجار، وكثرت به الثمار، مع ~~رخص أسعار، وثلج وأضداد، لا ترى أحسن من حماماتها، ولا أعجب من ~~فواراتها، ولا أحزم من أهلها. الذي عرفته من دروبها باب الجابية، ~~باب الصغير، باب الكبير، باب الشرقي، باب توما، باب النهر، باب ~~المحامليين. وهي طيبة جدا، غير أن في هوائها يبوسة وأهلها غاغة، ~~وثمارها تفهة، ولحومها عاسية، ومنازلها ضيقة، وأزقتها غامة، ~~وأخبازها ردية، والمعايش بها ضيقة، تكون نحو نصف فرسخ في مثله في ~~مستوى.» # ثم يردف المقدسي كلامه بوصف الجامع الأموي الشهير «المعدود ~~كإحدى عجائب الدنيا»، ووصفه أقدم ما ورد إلينا في ذلك البناء ~~العظيم، ولولا طوله لأثبتناه هنا، وهو يعرفنا بمحاسن ذلك العمل ~~الجليل ورونقه البهي، قبل أن يصاب ثلاثا بمصاب الحريق، ونحن ~~نكتفي بذكر رواية نقلها المؤلف عن نفسه حيث قال (ص159): «قلت يوما ~~لعمي: يا عم، لم يحسن الوليد # 7 # حيث أنفق أموال المسلمين على جامع دمشق، ولو صرف ذلك ~~في عمارة الطرق والمصانع ورم الحصون لكان أصوب وأفضل. قال: لا ~~تغفل بني أن الوليد وفق وكشف له عن أمر جليل، وذلك أنه رأى ~~الشام بلد النصارى ورأى لهم فيها بيعا حسنة، قد أفتن زخارفها ~~وانتشر ذكرها، كالقمامة، وبيعة لد ms39 والرها، فاتخذ للمسلمين ~~مسجدا أشغلهم به عنهن، وجعله أحد عجائب الدنيا، ألا ترى أن عبد ~~الملك لما رأى عظم قبة القمامة وهيئتها خشي أن تعظم في قلوب ~~المسلمين، فنصب على الصخرة قبة على ما ترى.» # وهو قول جليل يدل على ما بلغه فن البناء والهندسة في بلاد الشام ~~بين أهل الذمة. # أما المدن الساحلية فإنها على ما يظهر كانت قليلة الشأن بالنسبة ~~إلى حمص ودمشق، فإن المقدسي لا يكاد يزيد على ذكر أسمائها، حيث قال ~~(ص160): «صيداء وبيروت مدينتان على الساحل حصينتان، وكذلك طرابلس ~~إلا أنها أجل.» بخلاف بانياس فإنها كانت في ذلك العهد مدينة ~~عامرة واسعة الثروة بما يأتيها من غلال كورة الحولة، التي ~~يدعوها المؤلف «معدن الأقطان» قال (ص160): «ومدينة بانياس على طرف ~~الحولة وحد الجبل أرخى وأرفق من دمشق، وإليها انتقل أكثر أهل ~~الثغور لما أخذت طرسوس، وزادوا فيها وهي كل يوم في زيادة، لهم نهر ~~شديد البرودة يخرج من تحت جبل الثلج، وينبع وسط المدينة، وهي خزانة ~~دمشق رفقة بأهلها بين رساتيق جليلة، غير أن ماءها ردي.» # ومن المدن التي أفاض المؤلف في وصفها طبرية، وكانت إذ ذاك أعظم ~~خطرا منها اليوم. مع انطباق وصفها إجمالا مع وضعها الحالي، قال ~~(ص161): «طبرية قصبة الأردن وبلد وادي كنعان، موضوعة بين الجبل ~~والبحيرة، وهي ضيقة كربة في الصيف مؤذية، طولها نحو من فرسخ بلا ~~عرض، وسوقها من الدرب إلى الدرب، والمقابر على الجبل، بها ثمانية ~~حمامات بلا وقيد ومياض عدة حارة الماء، والجامع في السوق كبير ~~حسن، قد فرش أرضه بالحصى على أساطين حجارة موصولة، ويقال: «أهل ~~طبرية شهرين يرقصون، وشهرين يقمقمون، وشهرين يثاقفون، وشهرين ~~عراة، وشهرين يزمرون، وشهرين يخوضون.» يعني يرقصون من كثرة ~~البراغيث، ويلوكون النبق، ويطردون الزنابير عن اللحم والفواكه ~~بالمذاب، وعراة من شدة الحر، ويمصون قصب السكر، ويخوضون الوحل. ~~وأسفل البحيرة جسر عظيم عليه طريق دمشق وشربهم منها، عليها بما ~~يدور قرى نخيل، والسفن فيها تذهب وتجيء، وماء الحمامات والدواميس ~~إليها، لا يستطيبها الغرباء، كثيرة ms40 الأسماك، خفيفة الماء، والجبل ~~مطل على البلد شاهق.» # والجسر الذي يذكره الكاتب ليس هو على ما نظن جسر المجامع الذي ~~يرى اليوم جنوبا، بل يريد جسرا آخر خربا ترى بقاياه عند مخرج ~~الأردن من بحيرة طبرية، وكان أكبر من جسر المجامع وأقرب من ~~طبرية، ويتضح من وصفه أيضا أن الطريق من دمشق إلى طبرية كانت ~~تقطع ذلك الجسر مارة بأفيق سواء، وبينهما بريد واحد (ص190)، ~~وهكذا كانت تسهل المواصلات مع طبرية دون عطفة جسر المجامع، وهذا ~~ما يحملنا على مخالفة رأي المسيو دي غوي الذي ارتأى أن الجسر ~~المذكور هو جسر المجامع (ص161، في الحاشية # h ~~)، ويؤخذ أيضا من كلام ~~المقدسي أن ملاحة بحيرة طبرية كانت ذات بال، وأن الكورة كانت ~~في نمو وعمران، أما اليوم فلا تكاد ترى على بحيرة طبرية سوى ~~قوارب قليلة، والأمل معقود بأن سكة الحديد الحميدية سوف تعيد ~~قريبا إلى هذه المحال حركتها السابقة وتقدمها. # ثم أتبع المؤلف وصفه بذكر بلاد فلسطين، وقد قدمنا فويق هذا ~~تعريف عكا وميناها الخطير، المشابه بحسنه مينا صور الذي وصفه بما ~~يلي (ص163): «وصور مدينة حصينة على البحر، بل فيه، يدخل إليها من ~~باب واحد على جسر واحد، قد أحاط البحر بها، ونصفها الداخل حيطان ~~ثلاثة بلا أرض، تدخل فيه المراكب كل ليلة ثم تجر السلسلة التي ~~ذكرها محمد بن الحسن في كتاب الإكراه، ولهم ماء يدخل في قناة ~~معلقة، وهي مدينة جليلة نفيسة، بها صنائع ولهم خصائص، وبين عكا ~~وصور شبه خليج؛ ولذلك يقال: «عكا حذاء صور إلا أنك تدور.» يعني ~~حول الماء.» # ولم يكن المؤلف لينسى وطنه بيت المقدس، فأفرد له وصفا مطولا ~~يستشف من ورائه حب الكاتب لمسقط رأسه، وأورشليم كانت إذ ذاك كما ~~هي اليوم مدينة معتبرة؛ ولذلك أحببنا أن ننقل قسما من كلامه، وليس ~~شاهد أدل على فضل المقدسي من هذه المنقولات التي نثبتها في ~~كلامنا مع حسن بيانها لأحوال الشام في عصره، قال بعد ذكره للرملة ~~قصبة بلاد فلسطين (165-167): «بيت المقدس ليس ms41 في مدائن الكور ~~أكبر منها، وقصبات كثيرة أصغر منها كإصطخر وقابن والفرما، لا ~~شديدة البرد، وليس بها حر، وقلما يقع بها ثلج، وسألني القاضي ~~أبو القاسم ابن قاضي الحرمين عن الهواء بها، فقلت: سجسج لا حر ~~ولا برد شديد. قال: هذا صفة الجنة. بنيانهم حجر لا ترى أحسن منه، ~~ولا أتقن من بنائها، ولا أعف من أهلها، ولا أطيب من العيش بها، ~~ولا أنظف من أسواقها، ولا أكبر من مسجدها، ولا أكثر من مشاهدها، ~~عنبها خطير، وليس لمعتقتها نظير، وفيها كل حاذق وطبيب، وإليها ~~قلب كل لبيب، ولا تخلو كل يوم من غريب، وكنت يوما في مجلس القاضي ~~المختار أبي يحيى بن بهرام بالبصرة، فجرى ذكر مصر إلى أن سئلت: ~~أي بلد أجل؟ قلت: بلدنا. قيل: فأيها أطيب؟ قلت: بلدنا؟ قيل: ~~فأيها أفضل؟ قلت: بلدنا. قيل: فأيها أحسن؟ قلت: بلدنا. قيل: ~~فأيها أكثر خيرات؟ قلت: بلدنا. قيل: فأيها أكبر؟ قلت: بلدنا. ~~فتعجب أهل المجلس من ذلك وقيل: أنت رجل محصل، وقد ادعيت ما لا ~~يقبل منك، وما مثلك إلا كصاحب الناقة مع الحجاج، قلت: أما قولي: ~~«أجل»؛ فلأنها بلدة جمعت الدنيا والآخرة، فمن كان من أبناء ~~الدنيا وأراد الآخرة وجد سوقها، ومن كان من أبناء الآخرة، فدعته ~~نفسه إلى نعمة الدنيا وجدها، وأما طيب الهواء فإنه لا سم لبردها ~~ولا أذى لحرها، وأما الحسن فلا ترى أحسن من بنيانها، ولا أنظف ~~منها ولا أنزه من مسجدها، أما كثرة الخيرات فقد جمع الله - تعالى - ~~فيها فواكه الأغوار والسهل والجبال، والأشياء المتضادة ~~كالأترج واللوز، والرطب والجوز، والتين والموز، وأما الفضل ~~فلأنها عرصة القيامة، ومنها المحشر وإليها المنشر، فتحوي الفضل ~~كله، وأما الكبر فالخلائق كلهم يحشرون إليها، فأي أرض أوسع ~~منها؟! فاستحسنوا ذلك وأقروا به.» # ويلي فلسطين ذكر الكورة السادسة وهي كورة الشراة، دعيت ~~بذلك باسم جبل الشراة الذي يمر بها، وقد سبق لنا في أحد أعداد ~~المشرق الأخيرة (10: 577) ما اكتشفه في تلك الجهات الدكتور لويس ~~موسيل، وها نحن نثبت هنا نتفا مما ms42 جاء في تأليف المقدسي عن بعض ~~بلدانها، قال في وصف صغر التي أشرنا آنفا إلى موقعها جنوبي بحيرة ~~لوط في موقع تنيف حرارته على لظى كل البلاد (ص178): «صغر أهل ~~الكورتين يسمونها صقر. وكتب مقدسي # 8 # إلى أهله: من صقر السفلى إلى الفردوس الأعلى. وذلك أنه ~~بلد قاتل الغرباء، رديء الماء، ومن أبطأ عليه ملك الموت فليرحل ~~إليها، ولا أعرف في الإسلام لها نظيرا في هذا الباب، ولقد رأينا ~~بلدانا وبية ولكن ليس كهذه، أهلها سودان غلاظ، وماؤها حميم ~~وكأنها جحيم، إلا أنها البصرة الصغرى والمتجر المربح، وهي على ~~البحيرة المقلوبة وبقية مدائن لوط، وإنما نجت لأن أهلها لم يكونوا ~~يعملون الفاحشة، والجبال منها قريبة.» # ودونك ما كتب عن مآب (ص177): «مآب في الجبل كثيرة القرى واللوز ~~والأعناب، قريبة من البادية، ومؤتة من قراها، وثم قبر جعفر ~~الطيار.» # ومؤتة المذكورة هنا موقعها معروف، على بعد نحو أربع ساعات جنوبي ~~الكرك، وهذا دليل على موقع مآب، لكنه غير كاف للحكم البات في ~~ذلك كما سبق لنا القول في المشرق (10: 580). أما الكرك فإن المقدسي ~~لم يرو اسمها ولا دفعة واحدة، بخلاف مآب التي يكرر اسمها ويعدها ~~كمكان ذي شأن، وما أدرانا أن الكرك نفسها كانت تسمى مآب، كما يشعر ~~بذلك اسمها اليوناني القديم، فإن البوزنطيين كانوا يسمونها ~~كركموبا # χαράχμωβα ~~. # وليست مآب وحدها التي باد أثرها في تلك الناحية التي كانت بعد ~~عامرة في أيام المقدسي، ومما ذكره أذرح الشهيرة بمعسكرها ~~الروماني، وفيها جرت حكومة الحكمين من أعظم حوادث الدولة الأموية. # 9 # وبقيت أذرح في مقامهما الصالح إلى القرن الثاني عشر، ~~وهي اليوم خراب، وقد زرنا بقاياها في شهر آب من السنة 1905 عند ~~رجوعنا من وادي موسى ومدينة بترا التي كان الخراب استولى عليها قبل ~~عهد المؤلف بزمن طويل فلم يتعرض لذكرها. ~~••• # قد تبعنا المقدسي في تعريفه لأعظم مدن الشام الباقية في زمنه ~~طبقا لأوصافها الطبيعية وتقاسيمها النظامية، ولا نشك أن القارئ ~~قدر الكاتب قدره بما نقلنا من نصوصه المتعددة، وهي كما ms43 ترى ~~كافية لتجعل له مقاما ممتازا بين أرباب رسوم البلدان، إلا أن ~~للمقدسي فضلا آخر بما ألحقه بهذا القسم، وهو فصل علمي دعاه «بجمل ~~شئون هذا الإقليم»، وأودعه عدة ملحوظات لتعريف جغرافية الشام ~~الطبيعية والاقتصادية والنسبية، وفي هذا الفصل أيضا معلومات أخرى ~~في العادات والنقود والأوزان والمكاييل ومال الخراج على مقتضى عادة ~~كل كورة، وعندنا أن المؤلف يظهر في هذا الفصل من المزايا الفنية ~~وحسن النظر الجغرافي الذي يرقي مقامه بين الكتبة، وله من ~~الملحوظات ما لو كتب في زماننا لنال بسببه الكاتب ثناء، وهو القسم ~~الذي لأجله يطري المستشرقون عمل المقدسي ويعظمونه # 10 # فمن ذلك ما روينا عنه في تقاسيم بلاد الشام ما يشهد له ~~بثقوب العقل ودقة النظر. # 11 # والكاتب يفتتح كلامه بوصف أحوال الجو في بلاد الشام كما كان ~~حقيقا به، قال (ص179): «هو إقليم متوسط الهواء إلا أوسطه من ~~الشراة إلى الحولة، فإنه بلد الحر والنيل، والموز والنخيل، وقال ~~لي يوما غسان الحكيم ونحن بأريحا: ترى هذا الوادي؟ قلت: بلى. قال: ~~هو يمتد إلى الحجاز، ثم يخرج إلى اليمامة ثم إلى عمان وهجر، ثم ~~إلى البصرة، ثم إلى بغداد، ثم يصعد إلى ميسرة الموصل إلى ~~الرقة، وهو وادي الحر والنخيل، وأشد هذا الإقليم بردا بعلبك ~~وما حولها، ومن أمثالهم: قيل للبرد: أين نطلبك؟ قال: بالبلقاء، ~~قال: فإن لم نجدك؟ قال: بعلبك بيتي. وهو إقليم مبارك، بلد الرخص ~~والفواكه والصالحين، وكل ما علا منه نحو الروم كان أكثر أنهارا ~~وثمارا وأبرد هواء، وما سفل منه فإنه أفضل وأطيب وألذ ثمارا ~~وأكثر نخيلا ليس فيه # 12 # نهر يسافر فيه.» # وهذا القول الأخير غاية في الصواب؛ فإن المقدسي لم يكن ليصادق ~~على مذهب أسطرابون ومن حذا حذوه، بأن العاصي يمكن ركوبه على الأقل ~~من أنطاكية. وهو زعم لا صحة له حتى مع حصر الكلام وتخصيصه بهذا ~~القسم الصغير، فإننا قد تحققنا بنفسنا الأمر؛ إذ سرنا في وادي ~~العاصي من أنطاكية فوجدناه لا يصلح لمرور القوارب. # ومن الظواهر الجوية التي ms44 ذكرها المقدسي الندى في أنحاء الشام، ~~وخصوصا في بعض جهات فلسطين، فقال (ص186): «ينزل على فلسطين في كل ~~ليلة الندى في الصيف إذا هبت الجنوب حتى يجري منه مزاريب المسجد ~~الأقصى.» ومما رأيناه بالعيان أننا بتنا في دئبان بين الكرك ومادبا ~~في شهر آب سنة 1905 تحت ظل السماء، فلما قمنا صباحا شعرنا بالندى ~~قد بلل أغطيتنا، حتى أمكننا عصرها لو شئنا، ومثل هذا الندى يسقط في ~~الناصرة من عمل الجليل، وفي بزيزا في ناحية الكورة (لبنان). ~~ووفرة الندى كما هو معلوم من البركات التي يستدرها الناس من ~~السماء، ويعد بها الكتاب الكريم كالغيث والمطر. # وقد أعقب المقدسي ذكر الظواهر الجوية بوصف التجارات أي الغلات ~~الصادرة من الشام، وفي تعداده دليل واضح على تقدم التجارة والصناعة ~~في ذلك العهد كما يشهد على كثرة تلك الصادرات وثمنها # 13 # وها نحن نورد كلامه لفائدته (ص180-181): «والتجارات به ~~- أي الشام - مفيدة، يرتفع من الفلسطين الزيت والقطين والزبيب ~~والخرنوب والملاحم والصابون والفوط، ومن بيت المقدس الجبن والقطن ~~وزبيب العينوني، والدوري غاية والتفاح، وقضم قريش الذي لا نظير له، ~~والمرايا وقدور القناديل والإبر، ومن أريحا نيل غاية، ومن صغر ~~وبيسان النيل والتمور، ومن عمان الحبوب والخرفان والعسل، ومن ~~طبرية شقاق المطارح والكاغد وبز، ومن قدس الثياب المنيرة ~~والبلعسية والحبال، ومن صور السكر والخرز والزجاج المخروط ~~والمعمولات، ومن مآب قلوب اللوز، ومن بيسان الرز، ومن دمشق المعصور ~~والبلعيسي وديباج ودهن بنفسج دون والصفريات والكاغد والجوز والقطين ~~والزبيب، ومن حلب القطن والثياب والأشنان والمغرة، ومن بعلبك ~~الملابن ولا نظير لقطين وزيت الأنفاق وحواري وميازر الرملة ولا ~~لمعتقة وقضم قريش وعينوني ودوري وترياق وترذوغ وسبح بيت ~~المقدس، واعلم أنه قد اجتمع بكورة فلسطين أربعة وثلاثون شيئا لا ~~يجتمع في غيرها، فالسبع الأولى لا توجد إلا بها، والسبع الثانية ~~غريبة في غيرها، والاثنان والعشرون لا تجتمع إلا بها، وقد يجتمع ~~أكثرها في غيرها، مثل: قضم قريش والمعتقة والعينوني والدوري ~~وأنجاص الكافوري وتين السباعي والدمشقي والقلقاس والجميز والخرنوب ~~العكوب والعناب ms45 وقصب السكر والتفاح الشامي والرطب والزيتون ~~والأترج والنيل والراسن والنارنج واللفاح والنيق والجوز ~~واللوز والهليون والموز والسماق والكرنب والكمأة والترمس والطري ~~والثلج ولبن الجواميس والشهد وعنب العاصمي والتين التمري.» # وكذلك عدد المعادن الشامية، وتعداده مهم لشئون الصناعة في ~~زمانه، قال (ص184): «به - أي إقليم الشام - معادن حديد في جبال ~~بيروت، وبحلب مغرة جيدة، وبعمان دونها، وبه جبال حمر يسمى ترابها ~~الصمغة، وهو تراب رخو، وجبال بيض تسمى الحوارة، فيه أدنى صلابة ~~يبيض به السقوف، ويطين به السطوح، وبفلسطين مقاطع حجارة بيض ~~ومعدن للرخام ببيت جبريل، وبالأغوار معادن كبريت وغيره، ويرتفع من ~~البحيرة المقلوبة ملح منثور وخير العسل ما رعى السعتر بإيليا وجبل ~~عاملة، وأجود المري ما عمل بأريحا.» # وهذا التعداد يدل كما ترى على فقر بلاد الشام بالمعادن كما أشرنا ~~إليه غير مرة، # 14 # وللمقدسي أسطر قليلة كتبها في مجاري المياه والعيون في ~~بلاد الشام تفيد معرفتها محبي الأسفار، قال (ص184): «ومياه هذا ~~الإقليم جيدة، إلا ماء بانياس، فإنه يطلق، وماء صور يحصر، وماء ~~بيسان ثقيل، وماء الرملة مري، وماء نابلس خشن، وفي ماء دمشق وإيليا ~~أدنى خشونة، وفي الهواء أدنى يبوسة.» # ولم يسه المؤلف عن ذكر حمامات طبرية المعدنية وحمامات الحمة، # 15 # قال (ص185): «وبطبرية عين تغلي تعم أكثر حمامات ~~البلد، وقد شق إلى كل حمام منها نهر، فبخاره يحمي البيوت، فلا ~~يحتاج إلى وقيد، وفي البيت الأول ماء بارد يمزج مقدار ما يتطهرون ~~به، ومطاهرهم من ذلك الماء، وفي هذه الكورة ماء مسخن يسمى ~~الحمة حار، من اغتسل فيه ثلاثة أيام ثم أغتسل في ماء آخر بارد ~~وبه جرب أو قروح أو ناسور أو أي علة تكون برأ بإذن الله.» # ومن غريب ما رواه (ص184) في مجاري الأنهار، قوله عن بردى عند ~~خروجه من دمشق، فزعم «أنه ينقسم قسمين، بعض يتبخر نحو البادية وبعض ~~ينحدر فيلقى نهر الأردن»، وبديهي أن نهر بردى ليس هو مطلقا من ~~سواعد الأردن. ومن مزاعمه أيضا (ص184) أن في بحيرة لوط جبالا. ~~وهو ms46 رأي تفرد به المقدسي ولا أصل له، وكذلك يسمي بحر القلزم ~~«بحر الصين» ويطلق الاسم عينة على خليج العجم، وفي قوله دليل على ~~اتساع تجارة الصين في زمانه، وشيوعها في مدن بحر القلزم الساحلية، ~~أما الجبال فقد وصفها المقدسي وصفا خفيفا غير واف بالمرام، ومما ~~قال في لبنان (ص188) إنه «كثير الأشجار والثمار المباحة»، ثم ذكر ~~عباده ويلوح من قوله فيه أن جنوب هذا الجبل لم يكن مأهولا على ~~عهده. # فيرى القراء من هذه التفاصيل سبب إعجاب المستشرقين بتأليف ~~المقدسي، فيا ليته كان وجد له أخلافا مثله ذوي عقل ثاقب يفقهون ~~الأبحاث الجغرافية، فكان هذا العلم أصاب ترقيا عظيما، إلا أن ~~أغلب الكتبة الذين جاءوا بعده كانوا دونه، اللهم إلا الشريف ~~الإدريسي. # ومما استفاده القارئ أيضا من هذا البحث كما نظن أنه يرى ما طرأ ~~على بلاد الشام من التقلبات، واختلاف الأحوال في أطوار التاريخ ~~فمنها ما يزيد وينمو، ومنها ما ينقص ويتقهقر على حسب كوارث الدهر، ~~وهذا يلوح من درس كل الكتبة الجغرافيين من العرب، فإنهم وإن لم ~~يبلغوا شأو المقدسي، إلا أنهم تركوا لنا معلومات ثمينة تؤدي بنا ~~إلى معرفة بلادنا في قرون شتى، مع ما جرى فيها من الماجريات في ~~نظامها وتقاسيمها وتجارتها وبقية أمورها، مما يستفيد منه المؤرخ ~~لاستطلاع أحوال البلاد، وإدراك الحوادث الجارية فيها جيلا بعد ~~آخر. # | بلاد سورية في القرن الثاني عشر ~~وفقا لرواية ابن جبير # تعريف رحلة ابن جبير # في السنة الهجرية 578 الموافقة لسنة الميلاد 1184 - أعني سنتين ~~قبل فتح السلطان صلاح الدين للقدس الشريف - حضر من الأندلس رحالة ~~مسلم ليزور بلاد الشام. وكان السائح المومأ إليه يدعى بأبي الحسين ~~محمد بن أحمد بن جبير الكناني، # 1 # كان تقلد في بلاد المغرب والأندلس المناصب الشريفة ~~وتقلب في الأعمال المنيفة، فلما عاد إلى وطنه دون أخبار سفره إلى الشرق، # 2 # وهذه خلاصة رحلته: ركب ابن جبير البحر في سبتة مقلعا ~~إلى الإسكندرية على مركب للجنويين، فمر على جزيرة سردانية ~~فصقلية فجزيرة أقريطش، وبلغ ms47 الإسكندرية بعد 30 يوما، ثم طاف ~~الصعيد، ومال إلى عيذاب، فقطع بحر القلزم إلى جدة، وسار منها إلى ~~مكة، فأتم فريضة الحج، ثم زار المدينة، ورحل منها إلى العراق ~~برا، فوصل إلى الكوفة ومنها إلى بغداد، ثم كر راجعا إلى ~~المغرب، فمر بالموصل وبلاد الجزيرة إلى أن بلغ منبج، فدخل سورية ~~وزار أولا حلب، ثم وادي العاصي، ثم دمشق وصور وعكا، ومنها أبحر ~~إلى الأندلس على إحدى المراكب الجنوية. # ولا نتعقب آثار المؤلف في كل رحلته بل نكتفي بما كتبه عن سورية ~~التي عليها مدار كلامنا، ووصفه لها يشغل في الكتاب نحو70 صفحة، ~~ونحن نقصر درسنا على هذا القسم فقط، فنبين خواصه وفرائده، وقد ~~صرفنا إليه نظرنا بعد المقدسي؛ لأن بين الكاتبين بونا عظيما في ~~كلامهما عن سورية، لا يكاد يجمعهما غير وحدة الموضوع، وكان الأول ~~كما سبق القول وطنيا، وكان ابن جبير أجنبيا غريبا، كتب ~~المقدسي بصفة جغرافي مدقق ، أما ابن جبير فإنه يكتب كتابة الرحالة ~~الذي يدون كل يوم ملحوظاته في محفظته، كما أثرت فيه وعملت في ~~قلبه، وقد اختلف أيضا الكاتبان في أسلوبهما وغايتهما؛ ولذلك تجد ~~تعريفهما لبلاد الشام متباينا وبينهما نحو القرنين، فإن المقدسي ~~يقصد قبل كل من كتابته الإفادة والتعليم، أما ابن جبير فإنه ~~يتوخى من كتابته بهجة القراء وترويح ألبابهم، وكذلك تجد الأول كثير ~~التدقيق محبا للضبط والإيجاز، على خلاف الثاني الذي يطلق العنان ~~إلى قلمه فلا يحصر نفسه في قالب أو يقضي عليها بخطة معلومة، فتراه ~~يمزج تفاصيل رحلته بما يعاينه ويسمعه، وربما أدمج وصفة بالأخبار ~~والماجريات التي جرت إبان رحلته أو نقلها عن الرواة، كما فعل بذكر ~~صلاح الدين (ص300-301)، فإنه يروي عنه أمورا بلغته عن ذلك الملك ~~العظيم الذي كان يحاصر حينئذ حصن الأكراد. # وكلا الكاتبين يدعي مع ذلك أنه لا يروي غير ما شهده بالعيان ~~على أن المقدسي يشمل في وصفه كل أنحاء سورية، بينما يقتصر ابن جبير ~~على ذكر الأمكنة التي احتلها في سفرته، وإن كانت تلك الأمكنة ليست ms48 ~~قليلة؛ لأن الرحالة تفقد معظم مدن سورية الشهيرة في زمانه، اللهم ~~إلا جهات فلسطين، وربما زاد في أوصافه لمدن الشام أمورا وفوائد ~~جغرافية فاتت المقدسي، أو ضرب عنها صفحا. # ومما نبهنا إليه الخواطر في كتاب المقدسي فانتقدناه عليه ~~استعماله أحيانا للسجع في أوصافه، لكن المقدسي في ذلك لا يتجاوز ~~حدود كتبة زمانه، ولا يبالغ كثيرا، أما ابن جبير فإن السجع ~~يغلب على إنشاءه فيواصله في صفحات متتالية، ومن المعلوم أن السجع ~~يؤدي بصاحبه إلى حشو الكلام، وإلى استعمال الغريب وإلى التصنع، ~~فيبتعد الكاتب عن طرائق الكتابة الساذجة المألوفة، ويبدلها ~~بالمعاني المستغلقة والتعابير المستبهمة، وكان السجع قليلا في عهد ~~الجاهلية وفي قرون الإسلام الأولى، ثم تكاثر بانحطاط فنون الكتابة، ~~وما نقوله بالإجمال يصح في سجع ابن جبير، ألا ترى مثلا كيف وصف ~~مدينة حلب بما يشنف إذن السامع دون أن يجديه نفعا كبيرا في ~~معرفتها، قال (ص250): «بلدة قدرها خطير، وذكرها في كل زمان يطير، ~~خطا بها من ملوك كثير، ومحلها من النفوس أثير، فكم هاجت من كفاح، ~~وسلت عليها من بيض الصفاح، لها قلعة شهيرة الامتناع، بائنة ~~الارتفاع، معدومة الشبه والنظير في القلاع، تنزهت حصانة أن ترام ~~أو تسطاع، قاعدة كبيرة، ومائدة من الأرض مستديرة.» # إلى آخر ما هناك من الكلام المسجع (اطلب نخب الملح 3: 90) ~~الذي ليس تحته كبير أمر. ومثله في وصف بساتين دمشق (ص260): «ظل ~~ظليل، وماء سلسبيل، تنساب مذانبه انسياب الأراقم بكل سبيل، ورياض ~~يحيى النفس نسيمها العليل، تتبرج لناظريها بمجتلى صقيل، وتناديهم: ~~هلموا إلى معرس للحسن ومقيل، قد سئمت أرضها كثرة الماء، حتى ~~اشتاقت إلى الظماء. فتكاد تناديك الصم الصلاب: اركض برجلك ~~هذا مغتسل بارد وشراب، قد أحدقت البساتين بها إحداق الهالة بالقمر، ~~واكتنفتها اكتناف الكمامة للزهر.» # ومما يستحبه القارئ في مطالعة رحلة ابن جبير، كما في أخبار ~~الأسفار عموما، أن كاتبها يشير إلى خواطر نفسه، ويترجم عن أحواله ~~الشخصية وشواعره لدى معاينته الآثار والبلاد، فمثال ذلك أنه إذا ~~رأى بلدا في الشام تذكر نظيره في ms49 الأندلس، وقاس ذاك بهذا لما ~~يجد فيهما من الشبه، كما فعل بحمص التي ذكرته إشبيلية، قال ~~(258): «وتجد في هذه البلدة عند إطلالك عليها من بعد في بسيطها ~~ومنظرها وهيئة موضوعها بعض شبه بمدينة إشبيلية من بلاد الأندلس يقع ~~للحين في نفسك خياله، وبهذا الاسم سميت في القديم، وهي العلة التي ~~أوجبت نزول الأعراب أهل حمص فيها حسبما يذكر، وهذا التشبيه وإن لم ~~يكن بذاته فإنه لمحة من إحدى جهاته.» # وله قول كهذا في قنسرين وهو يعارضها بجيان الأندلس (ص254): ~~«وتشبهها من البلاد الأندلسية جيان؛ ولذلك يذكر أن أهل قنسرين ~~عند استفتاح الأندلس نزلوا جيان تأنسا بشبه الوطن وتعللا ~~به، مثل ما فعل في أكثر بلادها حسب ما هو معروف.» # 3 # هذا وإن في إنشاء ابن جبير تعابير وألفاظا تفرد بها تشعر ~~بأصله المغربي، وفي النصوص التي نثبتها عنه دليل على ذلك. # ومهما كان الأمر من محاسن ابن جبير ونقائصه، فإنه لمقرر أن هذا ~~الكاتب أحد أرباب القلم، يعتبره المستشرقون اعتبارا عظيما، قال ~~العلامة رورخت في كتابه المعنون مكتبة جغرافيي فلسطين: # 4 ~~«إن رحلة ابن جبير غاية في الخطر لمعرفة بلاد ~~الشام.» # وقد أدرجت جمعية الكتابات ~~والفنون في باريس قسما كبيرا من هذه الرحلة في مجموع مؤرخي ~~الحروب الصليبية الشرقيين، # 5 # لما أودع الكتاب من الفوائد التاريخية عن الأمور ~~الجارية في زمانه، وقال الأستاذ سكيابارلي في مقدمة ترجمة ابن جبير ~~إنه «إذا قوبل بينه وبين غيره من رحالي العرب كالمقدسي وابن بطوطة ~~وغيرهما لا يوجد ابن جبير دون أحد منهم في شيء من حيث الضبط والدقة ~~وحسن الأسلوب وخطر الأمور المدونة.» هذا ما قاله سكيابارلي، وحكمه ~~صواب، وإن كنا نرى أن المقدسي أعلى طبقة من ابن جبير، لكننا نقدر ~~أيضا ابن جبير قدره، كما أقر بفضله ابن بطوطة وغيره ممن ~~استشهدوا به ونقلوا عنه. # ومما أفادنا ابن جبير تعريفه لأحوال أهل الشام ووصفه لعاداتهم ~~كما لحظها في تجوله بينهم، فدون ملحوظاته فيها، وبما أنه كان ~~غريبا تجده يتسع في بيان أمور ms50 لا ينصرف إليه نظر أهلها، ولولاه ~~لجهلناها تماما، فمن ذلك عدة أشياء ذكرها في دمشق قد أخنى عليها ~~الزمان منذ زمن طويل كالبنكام الذي رآه هناك (ص269-270)، وكقبة ~~النسر التي وصف خصائصها (ص293) واستغرب حجارتها فقال: «وفي الجدار ~~حجارة كل واحد منها يزن قناطير مقنطرة، ولا تنقلها الفيلة فضلا عن ~~غيرها، فالعجب كل العجب من تطليعها إلى ذلك الموضع المفرط السمو، ~~وكيف تمكنت القدرة البشرية، فسبحان من ألهم عباده إلى هذه الصنائع ~~العجيبة، ومعينهم على التأتي لما ليس موجودا في طبائعهم البشرية، ~~ومظهر آياته على يد من يشاء.» # فليت شعري ما عساه كان قال ابن جبير لو رأى حجارة بعلبك أو عاين ~~هيكلها العجيب، إلا أن مسيره لم يؤد به إلى تلك المدينة. # 6 # سورية وابن جبير # رأيت في الفصل السابق الطريقة التي توخاها ابن جبير في تسطير ~~رحلته وما ضمنها من الفوائد، فبقي علينا أن نرافقه في سياحته في ~~بلاد الشام، فنلتقط بصحبته بعض المعلومات عن سورية في مختتم القرن ~~الثاني عشر، ولا غرو، فإن دليلنا فكه النفس متوقد الذهن، ~~فيبهج رفقته ويفيدهم معا. # بعد أن اجتاز ابن جبير بلاد الجزيرة قطع الفرات، فكان أول ما ~~لقيه في وجهه من بلاد الشام منبج، فأحس السائح بجواد قلمه يركض، ~~فاسترسل في وصفها بالسجع كمألوف عادته (ص248)، ولم يذكر من ~~خواصها إلا النزر القليل مما لا يشفى به العليل ولا يروي ~~الغليل، ثم سار من منبج إلى حلب فوصفها وصفا طويلا، روينا شيئا ~~من ألفاظه المبهرجة، وألحق هذا الوصف باشتقاق اسم حلب فقال (ص251): ~~«كانت قديما في الزمان الأول ربوة يأوي إليها إبراهيم الخليل ~~بغنيمات له فيحلبها هنالك ويتصدق بلبنها، فلذلك سميت حلب، ~~والله أعلم.» # وهذا الاشتقاق في الغرابة بمكان، ذكره ياقوت في معجم البلدان ~~(2 : 304) مرتابا في صحته، وقد زاد عليه ابن بطوطة ما هو أغرب، ~~فجعل بدلا من الغنم بقرة شهباء قال: فكان إذا حلبها إبراهيم قيل: ~~«حلب إبراهيم الشهباء»، وليس في كل هذه الاشتقاقات كما ترى ذرة ~~من ms51 الصحة، وإنما هي مشابهات لفظية لا طائل تحتها، ومثلها إشارة ابن ~~جبير إلى اشتقاق اسم حماة من حمى يحمي (ص255). # ومن ملحوظات ابن جبير في مسيره من حلب إلى دمشق (ص254) أن «خانات ~~هذا الطريق كأنها القلاع امتناعا وحصانة، وأبوابها حديد وهي من ~~الوثاقة في الغاية»، وكفى بهذا دليلا ناطقا على أحوال بلاد الشام ~~في عهده، وقد كرر الرحالة مثل هذا القول غير مرة؛ اطلب مثلا قوله ~~في خان السلطان (ص259). # ثم يذكر ابن جبير في طريقه من حلب إلى حماة «جبل لبنان» على حسب ~~عادة الأقدمين الذين كانوا يطلقون هذا الاسم ليس فقط على لبنان ~~الحالي، بل أيضا على جبال النصيرية الواقعة في شماله، # 7 # وجعل في سفح هذا الجبل (ص255) «الملاحدة الإسماعيلية»، ~~وذكر شيئا من بدعتهم، أما لبنان الحالي فقد عرفه ابن جبير بما ~~حرفه (ص287): «وهذا الجبل من أخصب بلاد الدنيا، فيه أنواع الفواكه، ~~وفيه المياه المطردة والظلال الوارفة.» # وأضاف إلى قوله ما يؤيد قول المقدسي في العباد المنقطعين إلى ~~الله في لبنان فقال: «وقلما يخلو من التبتيل والزهادة.» # ثم مر ابن جبير في رستن (ص257)، فأشار إلى آثارها العظيمة، ~~وتخريبها على يد عمر بن الخطاب، ثم قال: «ويذكر القسطنطينيون أن ~~بها أموالا مكنوزة، والله أعلم.» وقوله هذا صدى لمزاعم العامة في ~~كل زمان عن المطالب والدفائن المكنوزة في الأخربة القديمة، وهو ~~شائع في أنحاء سورية إلى عهدنا هذا، وربما صدقة الجهال فأخربوا ~~بسببه عدة آثار جليلة حطموها طمعا فيما تحتها من الكنوز المرصودة ~~على زعمهم. # ومما أثنى عليه في حمص محاسن بساتينها وطيب هوائها. وذكر قبر ~~خالد بن الوليد، ثم قبر ابنه عبد الرحمن الذي أشبه أباه بجليل ~~أعماله، وأضاف إليهما قبر عبيد الله # 8 # بن عمر الذي قتل في صفين. ويؤخذ من قول ابن جبير أن ~~جثة عبيد الله نقلت إلى حمص بعد موته، وكانت حمص على عهد ابن جبير ~~فقدت كثيرا من محاسنها، كما لحظ الكاتب حيث قال (ص258): «وأسوار ~~هذه المدينة في غاية ms52 العتاقة والوثاقة، مرصوص بناؤها بالحجارة ~~الصم السود، وأبوابها أبواب حديد سامية الأشراف، هائلة ~~المنظر، رائعة الأطلال والإنافة تكتنفها الأبراج المشيدة الحصينة، ~~وأما داخلها فما شئت من بادية شعثاء، خلقة الأرجاء، ملفقة ~~البناء، لا إشراق لآفاقها، ولا رونق لأسواقها، كاسدة لا عهد لها ~~بنفاقها.» # ثم واصل المسافر سيره من حمص إلى دمشق، وكانت الطريق بينهما ~~قليلة العمران كما في أيامنا، اللهم إلا ثلاثا أو أربع قرى التي ~~أحتلها كقارة التي لم يجد فيها غير النصارى (ص259) والنبك، وبعد ~~اجتيازه في خان السلطان، فثنية العقاب، فقصير دخل الفيحاء، فأطلق ~~العنان لقلمه في وصفها، وقد أتسع في ذكر محاسنها وأطنب أي أطناب، ~~ولولا مبالغته في السجع لقلنا إن كلامه من أوفى ما جاء في بيان ~~صفاتها، لا نستثني من ذلك إلا بعض الكتب الخاصة التي وضعت في ~~فضائل دمشق، ودونك ما روى عن بعض أبنيتها، قال (ص283): «وبهذه ~~البلدة نحو عشرين مدرسة وبها مارستانان، قديم وحديث، والحديث ~~أحفلهما وأكبرهما، وجرايته في اليوم نحو الخمسة عشر دينارا، وله ~~قومة بأيديهم الأزمة المحتوية على أسماء المرضى، والنفقات ~~التي يحتاجون إليها في الأدوية والأغذية وغير ذلك، والأطباء ~~يبكرون إليه في كل يوم ويتفقدون المرضى، ويأمرون بإعداد ما ~~يصلحهم من الأدوية والأغذية حسبما يليق بكل إنسان منهم، ~~والمارستان الآخر على هذا الاسم، لكن الاحتفال في الجديد أكثر، ~~وهذا القديم هو غربي الجامع المكرم، وللمجانين المعتقلين أيضا ~~ضرب من العلاج، وهم في سلاسل موثقون نعوذ بالله من المحنة وسوء ~~القدر.» # وفي كتاب زبدة كشف الممالك (ص65) ما يشبه هذا الوصف في مارستانات ~~دمشق. # ومما يجدر بنا ذكره الميقاتة، أي الساعة الدقاقة، التي كانت ~~على باب جيرون، أثبت المشرق سابقا (3 : 985) كلامه فيها، وهي من ~~عجائب ذلك الزمان. # ولولا ضيق المكان لأثبتنا شيئا مما ذكره ابن جبير عن الجامع ~~الكبير، الذي اتسع في وصف أرخامه الملونة وبلاطه المذهب المنقوش ~~بالفصوص البديعة، وكانت الفسيفساء تزين جدرانه الخارجة، المتصلة ~~بصحنه (ص268)، فكانت أشعة الشمس تصيبها وتنعكس إلى كل لون منها، ~~فيأخذ ms53 منظره بالأبصار. # ومما يزيد به انذهال القارئ وصف ابن جبير لمساجد أخرى عجيبة ~~البنيان، بديعة النقوش والأرخام، وجدها في قرى الغوطة فأفاض في ~~محاسنها. # ثم تابع ابن جبير مسيره من دمشق إلى عكا (ص298-310) مارا ~~بدارية، ثم بانياس ثم وادي تبنين، بين حصني هونين وتبنين، حتى ~~بلغ ساحل الشام، ووصفه لطريقه غاية في الظرافة والاعتبار، يصور ~~أحوال ذلك الزمان تصويرا بهيا، ويمثل للعيان ما كان يجري في ~~أنحاء الشام من الأمور الخطيرة، وكان ابن جبير في صحبة قفل من ~~التجار يسيرون بأمان في بلاد العدو لاتفاق لطيف جرى بين الفريقين ~~ترويجا لسوق التجارة ولطفا بالعباد. # 9 # وهذا لعمري دليل على ترقي التمدن في ذلك العهد، وفيه ~~عبرة لأهل زماننا الذين لم يتمكنوا من صيانة حقوق التجارة في وقت ~~الحرب، رغما عما أقاموه من مؤتمرات السلم. # ولابن جبير كلام حسن في وصف صور، نثبته هنا ليتمكن القارئ من ~~المقابلة بينه وبين وصف المقدسي (راجع الصفحة 690)، قال (ص304): ~~«أما حصانتها ومنعتها فأعجب ما يحدث به، وذلك إنها راجعة إلى ~~بابين: أحدهما في البر والآخر في البحر، وهو يحيط بها إلا من جهة ~~واحدة، فالذي في البر يفضي إليه بعد ولوج ثلاثة أبواب أو أربعة، ~~كلها في ستائر مشيدة محيطة بالباب، وأما الذي في البحر فهو مدخل ~~بين برجين مشيدين إلى ميناء ليس في البلاد البحرية أعجب وضعا ~~منها، يحيط بها سور المدينة من ثلاثة جوانب، ويحدق بها من الجانب ~~الآخر جدار معقود بالجص، فالسفن تدخل تحت السور وترسي فيها، وتعترض ~~بين البرجين المذكورين سلسلة عظيمة تمنع عند اعتراضها الداخل ~~والخارج، فلا مجال للمراكب إلا عند إزالتها، وعلى ذلك حراس ~~وأمناء، لا يدخل الداخل ولا يخرج الخارج إلا على أعينهم، فشأن ~~هذه الميناء شأن عجيب في حسن الوقع، ولعكا مثلها في الوضع والصفة، ~~لكنها لا تحمل السفن الكبار حمل تلك وإنما ترسي خارجها، والمراكب ~~الصغار تدخل إليها، فالصورية أكبر وأجمل وأحفل.» # وبقي ابن جبير في عكا حتى أقلعت منها سفينة جنوية عادت به ms54 ~~إلى المغرب، وكان الركاب ألفين، وليس هذا العدد مفرطا، ونحن نعلم ~~أن بعض السفن الحربية كانت تحمل 1200 جندي، ما عدا الخيل، ومنها ما ~~كان يركبها الزوار في عدد 1500، # 10 # وبين القوانين التي وضعت للبحريين في ذلك العهد أنه ~~لا يسوغ أن يتجاوز هذا العدد الأخير، # 11 # ومن المعلوم أن سفن ذلك الزمان كانت شراعية لا يمكنها ~~السفر إلا في فصول محدودة، وقد نبه ابن جبير إلى هذا الأمر بقوله ~~(ص311): «وفي مهب الريح بهذه الجهات سر عجيب، وذلك أن الريح ~~الشرقية لا تهب فيها إلا في فصلي الربيع والخريف، والسفر لا يكون ~~إلا فيهما، والتجار لا ينزلون إلى عكا بالبضائع إلا في هذين ~~الفصلين في السفر ونصف الفصل الربيعي من أبريل، وفيه تتحرك الريح ~~الشرقية وتطول مدتها إلى آخر شهر مايه وأكثر وأقل، بحسب ما يقضي ~~الله تعالى به، والسفر في الفصل الخريفي من نصف أكتوبر، وفيه تتحرك ~~الريح الشرقية، ومدتها أقصر من المدة الربيعية، وإنما هي خلسة من ~~الزمان قد تكون خمسة عشر يوما وما سوى ذلك من الزمان، فالرياح فيه ~~تختلف، والريح الغربية أكثرها دواما، فالمسافرون إلى المغرب وإلى ~~صقلية وإلى بلاد الروم ينتظرون هذه الريح الشرقية في هذين الفصلين ~~انتظار وعد سابق، فسبحان المبدع في حكمته المعجز في قدرته لا إله ~~سواه.» # وكانت حياة الركاب على تلك السفن الكبيرة ذات حركة وتقلبات كأنها ~~المدن الصغرى، تمثل كل أطوار المعيشة اليومية، ومما أثبته ابن جبير ~~في رحلته وصف عيد أقامه النصارى على ظهر السفينة بأبهة عظيمة ورونق ~~عجيب، قال (ص313): «وفي ليلة الخميس الرابع والعشرين لرجب - وهو ~~أول يوم من نونير (كذا) العجمي - ~~كان للنصارى عيد مذكور عندهم ~~احتفلوا له في إسراج الشمع، وكاد لا يخلو أحد منهم - صغيرا أو ~~كبيرا، ذكرا أو أنثى - من شمعة في يده، وتقدم قسيسوهم للصلاة في ~~المركب بهم، ثم قاموا واحدا واحدا لوعظهم وتذكيرهم بشرائع دينهم، ~~والمركب يزهر كله أعلاه وأسفله سرجا متقدة، وتمادينا على تلك ~~الحالة أكثر تلك الليلة.» # وكان ms55 المركب في تلك الأثناء ابتعد عن سواحل الشام، واقترب من ~~جزيرة صقلية، فلا حاجة أن نتعقب آثار سائحنا بعد ذلك، وإنما ندون ~~هنا بعض الملحوظات العمومية التي تستفاد من رحلة ابن جبير بخصوص ~~الشام، ومن أقواله ما يفيد ويروح الألباب معا. # فمن ذلك أنه يستعمل أسماء الشهور القمرية والرومية معا، كما ~~رأيت في النص الأخير، ومنها ما لحظه في أهل الشام من المبالغة في ~~اتخاذ الألقاب، والتعظيم في السلام بما لا أثر له اليوم، قال ~~(ص288): «ومخاطبة أهل هذه الجهات قاطبة بعضهم لبعض بالتمويل ~~والتسويد، وبامتثال الخدمة وتعظيم الحضرة، وإذا لقي أحد منهم آخر ~~مسلما يقول جاء المملوك أو الخادم برسم الخدمة، كناية عن ~~السلام، فيتعاطون المحال تعاطيا، والجد عندهم عنقاء مغرب، وصفة ~~سلامهم إيماء للركوع أو السجود، فترى الأعناق تتلاعب بين رفع وخفض ~~وبسط وقبض، وربما طالت بهم الحالة في ذلك فواحد ينحط وآخر يقوم، ~~وعمائمهم تهوي بينهم هويا، وهذه الحالة في الانعطاف الركوعي في ~~السلام كنا عهدناه لقينات النساء، فيا للعجب منهم إذا تعاملوا ~~بهذه المعاملة، وانتهوا إلى هذه الغاية في الألفاظ بينهم! فبماذا ~~يخاطبون سلاطينهم ويعاملونهم؟ لقد تساوت الأذناب عندهم والرءوس، ~~ولم يميز لديهم الرئيس والمرءوس ...» # وقد أثنى في محل آخر على احتفاء أهل الشام بالضيوف، وحسن ~~معاملتهم للغريب، فقال (ص278): «فالغريب المحتاج هنا إذا كان على ~~طريقة مصون محفوظ غير مريق ماء الوجه، وسائر الغرباء ممن ليس على ~~هذه الحال ممن عهد الخدمة والمهنة، يسبب له أيضا أسباب غريبة ~~من الخدمة، إما بستان يكون ناطورا فيه، أو حمام يكون عينا على ~~خدمته وحافظا لأثواب داخلية، أو طاحونة يكون أمينا عليها، أو ~~كفالة صبيان يؤديهم إلى محاضرهم ويصرفهم إلى منازلهم، إلى غير ذلك ~~من الوجوه الواسعة.» # ومن ثم يدعو أهل وطنه ليأتوا بلاد الشام؛ لينتجعوا خيراتها ~~العميمة، قال (285): «فمن شاء الفلاح من نشأة مغربنا فليرحل إلى ~~هذه البلاد، ويتغرب في طلب العلم فيجد الأمور المعينات كثيرة، ~~فأولها: فراغ البال من أمر المعيشة، وهو أكبر الأعوان وأهمها، فإذا ms56 ~~كانت الهمة فقد وجد السبيل إلى الاجتهاد، ولا عذر للمقصر إلا من ~~يدين بالعجز والتسويف؛ فهذا المشرق بابه مفتوح لذلك، فادخل أيها ~~المجتهد بسلام، وتغنم الفراغ والانفراد قبل علق الأهل والأولاد، ~~ويقرع سن الندم على زمن التضييع، والله يوفق ويرشد، لا إله سواه ... ~~ولو لم يكن بهذه الجهات المشرقية كلها إلا مبادرة أهلها لإكرام ~~الغرباء وإيثار الفقراء، ولا سيما أهل باديتها، فإنك تجد من بدار ~~إلى بر الضيف عجبا، كفى بذلك شرفا لها، وربما يعرض أحدهم ~~كسرته على فقير فيتوقف عن قبولها، فيبكي الرجل ويقول: لو علم الله ~~في خيرا لأكل الفقير طعامي، لهم في ذلك سر شريف.» # وفي كل هذه الأقوال ما يدل على اعتبار ابن جبير لأهل الشام ~~وارتياحه لسجاياهم الطيبة. ~~••• # كفى بهذه الأمثلة شاهدا على اقتدار المؤلف وخواص كتابه وحسن ~~نظره بالأمور، وهذا ما حمل كثيرين على نقله إلى اللغات الأوروبية ~~بتمامه، أو بأقسام منه ومن ذلك ترجمة كاملة إيطالية نشرها في العام ~~المنصرم العلامة سكيابارلي. # 12 # وقد تصفحنا هذه الترجمة فوجدناها بالإجمال مضبوطة، ~~جامعة بين الأمانة وحسن الذوق، وقد توصل المترجم إلى أن يزيل اللبس ~~والشبهات عن عدة مواضع كان مسخها النساخ، فتحقق روايتها الأصلية ~~وأخرج معناها الصحيح، بيد أننا كنا وددنا لو ذيل جناب الناقل ~~ترجمته بحواش أوفر وملحوظات أوسع، وقد وقع مع ذلك في هذه الترجمة ~~بعض أغلاط منها (ص250)، أنه لم يفرق بين الواقعة التي جرت في جوار ~~حمص وقصير المجاورة لدمشق، ومن ثم ليس «النهر الجاري أمامها» نهر ~~العاصي كما ظن، وقد كرر هذا الغلط في محل آخر (ص400)، وكذلك وهم ~~(ص387) بزعمه أن باب الجابية في دمشق معناه باب الحوض، وإنما دعي ~~بهذا الاسم؛ لأنه كان بابا يؤدي إلى الجابية، وهي حاضرة بني غسان، ~~إلا أن هذه الأغلاط لا تمس في شيء قدر هذه الترجمة التي تولى ~~عملها، كما أنه جمع في مقدمته من الإفادات في تعريف المؤلف ما لم ~~يبلغه أحد قبله، هذا فضلا عن الفهارس التي ألحقها بالكتاب، فنثني ms57 ~~إذن الثناء الطيب على الترجمة الإيطالية الحديثة، التي قربت ~~منافع ذلك التأليف الذي يستحق درسا خصوصيا لكثرة مضامينه، ~~ولتأثيره في الكتبة التابعين. # هذا وكنا في وشك الانتهاء من كلامنا على ابن جبير؛ إذ بلغتنا ~~الطبعة الثانية من كتاب رحلته التي تولاها ذلك المستشرق الهمام ~~السيد دي غوي # de Goeje # صاحب ~~المطبوعات الشرقية المتعددة، # 13 # وحسبك باسمه دليلا على مزايا هذه الطبعة، التي تفوق ~~الطبعة الأولى مع ضبطها، ومن محاسن هذه الطبعة الجديدة أن جناب ولي ~~العمل أثبت الإصلاحات التي تركها الطابع الأول المسيو «ريت»، ~~وأضاف إليها تنقيحات جديدة. # وقد أبدى المسيو «دي غوي» أسفه على عدم حصوله على نسخة ثانية من ~~الرحلة، أشار إليها المسيو سكيابارلي، وذكر وجودها في مراكش، والحق ~~يقال: إن هذه الرحلة لا يعرف لها حتى الآن نسخة فريدة، فلو أمكنت ~~مقابلتها على نسخة ثانية لاستطيع تحسينها وزيادة ضبطها، وعلى كل ~~حال نهنئ الدكتور دي غوي ونشكره على هذه الخدمة الجديدة التي ~~ألحقها بخدمه السابقة للآداب العربية، لا سيما للآثار ~~الجغرافية، جازاه الله ألف خير، ونفع به أهل وطننا الذين يجدون في ~~مطبوعاته معلومات لا تحصى عن بلاد الشام في غابر الأعصار. ms58