######OpenITI# #META# URI: 1355MustafaSadiqRafici.AwraqWard.Hindawi19618179 #META# Tags: literature #META# ID: 19618179 #META# Title: أوراق الورد #META# AuthorID: 53130362 #META# Author: مصطفى صادق الرافعي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # وزدت أنك أنت‏ # زجاجة العطر‏ # ما نفع رقة روحي؟‏ # رسم الحبيبة‏ # البلاغة تتنهد‏ # رسالة للتمزيق ...1‏ # القمر1‏ # قال القمر ...‏ # نظراتها‏ # استمداد فلسفة‏ # صرخة ألم‏ ~~... وألم الحب‏ # مني السلام‏ # الحبيبات والمصائب ...‏ # رسالة الابتسامة‏ # جواب الزهرة الذابلة‏ # يا للجلال‏ # الأشواق‏ # كتاب رضا‏ # رواية القلم‏ # نار الكلمة‏ # المتوحشة ...!‏ # أما قبل‏ # جواب غريب‏ # كذب مصور‏ # لماذا ... لماذا؟‏ # كتاب لم تكتبه ...‏ # قالت وقلت‏ # الغضبى1‏ # هدية شتم ... ‏ # متى يا حبيب القلب‏ # صلاة في المحراب الأخضر‏ # شجرات الشتاء‏ # رسالة الطيف1‏ # في العتاب‏ # في الأحلام‏ # في معاني التنهدات1‏ # أليس كذلك‏ # النجوى‏ # هل أخطأت ...؟‏ # قلت وقالت1‏ # يا قلبي!‏ # البحر‏ # فلسفة المرض‏ # يوم النوى‏ # الهجر‏ # من قلمها‏ # وهم الجمال‏ # والسلام عليها‏ # وزدت أنك أنت‏ # زجاجة العطر‏ # ما نفع رقة روحي؟‏ # رسم الحبيبة‏ # البلاغة تتنهد‏ # رسالة للتمزيق ...1‏ # القمر1‏ # قال القمر ...‏ # نظراتها‏ # استمداد فلسفة‏ # صرخة ألم‏ ~~... وألم الحب‏ # مني السلام‏ # الحبيبات والمصائب ...‏ # رسالة الابتسامة‏ # جواب الزهرة الذابلة‏ # يا للجلال‏ # الأشواق‏ # كتاب رضا‏ # رواية القلم‏ # نار الكلمة‏ # المتوحشة ...!‏ # أما قبل‏ # جواب غريب‏ # كذب مصور‏ # لماذا ... لماذا؟‏ # كتاب لم تكتبه ...‏ # قالت وقلت‏ # الغضبى1‏ # هدية شتم ... ‏ # متى يا حبيب القلب‏ # صلاة في المحراب الأخضر‏ # شجرات الشتاء‏ # رسالة الطيف1‏ # في العتاب‏ # في الأحلام‏ # في معاني التنهدات1‏ # أليس كذلك‏ # النجوى‏ # هل أخطأت ...؟‏ # قلت وقالت1‏ # يا قلبي!‏ # البحر‏ # فلسفة المرض‏ # يوم النوى‏ # الهجر‏ # من قلمها‏ # وهم الجمال‏ # والسلام عليها‏ # | أوراق الورد # | أوراق الورد # | رسائلها ورسائله # تأليف # مصطفى صادق الرافعي # | فاتحة # بقلم مصطفى صادق الرافعي # إنه ليس معي إلا ظلالها، ولكنها ظلال حية تروح وتجيء في ذاكرتي، وكل ما كان ومضى هو في ~~هذه الظلال الحية كائن لا يفنى، وكما يرى الشاعر الملهم كلام الطبيعة بأسره مترجما إلى لغة ~~عينيه، أصبحت أراها في هجرها طبيعة حسن فاتن مترجمة بجملتها إلى لغة فكري. # كان لها في نفسي مظهر الجمال، ومعه حماقة الرجاء وجنونه، ثم خضوعي لها خضوعا لا ينفعني ... ~~فبدلني الهجر منها مظهر الجلال، ومعه وقار اليأس وعقله. ثم خضوعها لخيالي خضوعا لا يضرها ... # وما أريد من الحب إلا الفن، فإن ms001 جاء من الهجر فن فهو الحب ... # كلما ابتعدت في صدها خطوتين رجع إلي صوابي خطوة ... # لقد أصبحت أرى ألين العطف في أقسى الهجر؛ ولن أرضى بالأمر الذي ليس بالرضا، ولن يحسن عندي ~~ما لا يحسن، ولن أطلب الحب إلا في عصيان الحب، أريدها غضبى، فهذا جمال يلائم طبيعتي ~~الشديدة، وحب يناسب كبريائي ودع جرحي يترشش دما، فهذه لعمري قوة الجسم الذي ينبت ثمر العضل ~~وشوك المخلب، وما هي بقوة فيك إن لم تقو أول شيء على الألم. # أريدها لا تعرفني ولا أعرفها، لا من شيء إلا لأنها تعرفني وأعرفها ... تتكلم ساكتة وأرد ~~عليها بسكوتي. صمت ضائع كالعبث، ولكن له في القلبين عمل كلام طويل ... # | صدر من التاريخ # بقلم مصطفى صادق الرافعي # هذا الديوان من الرسائل تكملة على كتابين خرجا من قبل، وهما: «رسائل الأحزان» و«السحاب ~~الأحمر» فجملة آرائنا في فلسفة الجمال والحب وأوصافهما هي في هذه الكتب الثلاثة. # ورسائل «أوراق الورد» هذه تطارحها شاعر فيلسوف روحاني وشاعرة فيلسوفة روحانية، كلاهما يحب ~~صاحبه كما يقول الفيلسوف ابن سينا «باعتبار عقلي»، # 1 # وسيرى القارئ فلسفة حبهما في بعض ما يأتي، كما رأى من ذلك في الكتابين الآخرين، ~~وقد جرت الرسائل بينهما على أغراضهما في أحوال مختلفة يكتب إليها بما عنده منها، وما عند ~~نفسه من نفسه، وما يكون من الوجود المحصور بينهما في حدود الحب، وكأن تلك الكتب الثلاثة هي ~~ما استوجبته الحياة من عمل قلب ذلك الشاعر في تدوين حادثة واحدة من حوادثه، فلو أن بيانا ~~أكثر من أن يكون بيانا لما علمته إلا هذا الأثر من خالصة السريرة في ذلك الشاعر الخالص ~~للحب. الموقوف الضلوع على الهوى! ~~••• # وأما بعد، فإننا لا نعرف في تاريخ الأدب العربي كله رسالة كتبت من هذا الطراز، على كثرة ~~كتاب العربية وكتبها، وعلى ما أبدعوا في فنوان الترسل، وعلى أن هذه العربية من أوسع لغات ~~الدنيا فيما خصت به المرأة، وما أوقعته على صفاتها، وما أقامته على العاطفة إليها، وما حفلت ~~به من ألفاظ معانيها، ms002 حتى لو أمكن أن ترسل لغات الأمم ألفاظها تستبق في المعاني النسائية، ~~لما كان السبق إلا للألفاظ العربية، ولا أوفى على الغاية إلا المعجم العربي وحده! # وفي تاريخ أدبنا ممن اشتهروا بالعشق من نكاثر بهم في هذا الباب، ومن أشهرهم: مجنون بني عامر # 2 # وصاحبته ليلى، وقيس بن ذريح ولبنى، وتوبة وليلى الأخيلية، وكثير وعزة، وجميل ~~وبثينة، والمؤمل والذلفاء، ومرقش وأسماء، وعروة وعفراء، وعمرو بن عجلان وهند، والمهذب ولذة، ~~وذو الرمة ومية، وقابوس ومنية، والمخبل السعدي والميلاء، ووضاح اليمن وأم البنين، وبشر ~~وهند، وابن أبي ربيعة والثريا (وثريات كثيرة ...) والأحوص وسلامة، ونصيب وزينب، وأبو العتاهية ~~وعتبة، وابن الأحنف وفوز، وأبو الشيص وأمامة، وابن زيدون وولادة، وكثيرون وكثيرات ... # اشتهر من شعراء الغزل خاصة كثيرون، منهم: ابن أدينة، وابن الدمينة، وابن الطثرية، وابن ~~ميادة، وابن مطير، وابن أبي ربيعة، وابن ذريح، والعرجي، والمجنون، وقيس بن الحطيم، وسويد بن ~~أبي كاهل، وكثير الذي قالوا فيه: لو رقى المجنون بشعره لأفاق، وجميل، ونصيب، ووضاح، وعباس ~~بن الأحنف، والخليع، والوأواء، وابن الخياط، وابن زيدون، ومن لا يحصى في المشرق والمغرب والأندلس. # 3 # واشتهر من الشاعرات المتظرفات الجميلات الموقوفات على الحب: الذلفاء، وعنان جارية ~~الناطفي، ويقولون: إنها أشعر الناس، وجنان صاحبة أبي نواس، وفضل الشاعرة جارية الخليفة ~~المتوكل، وكانت أفصح أهل زمانها وكانت تهاجي الخنساء الشاعرة جارية هشام المكفوف، وعشقت ~~الكاتب البليغ سعيد ابن حميد، وللمتوكل بنان ومحبوبة أيضا، وهما شاعرتان، وفي الأندلس: ~~نزهون الغرناطية، وولادة، وحمدة الملقبة بخنساء المغرب ... وكثيرات غيرهن استوفينا أسماءهن في ~~تاريخ آداب العرب. # وحفل تاريخ العرب بالقيان الظريفات الغزلات، ولا تكاد أسماؤهن تحصى، وهن سر الغزل الحي ~~البديع الذي انفردت به تلك العصور، ولم يظفر الأدب العربي بمثله من بعدها إلى اليوم. # 4 # وجاء في آدابنا العربية من المؤلفات المعجبة التي أفردت للحب ومعانيه وأهله وأخبارهم ~~ونوادرهم وأشعارهم كتب مجردة: منها كتاب الزهرة الذي ألفه الإمام محمد بن داود الظاهري فقيه ~~أهل العراق # 5 # وقد جعل كتابه في مائة باب وهو ms003 القائل: ما انفككت من هوى منذ دخلت الكتاب! ثم ~~الظرف والظرفاء، وكتب مؤلفه الكثيرة في هذه المعاني، # 6 # ثم مصارع العشاق الذي وضعه أبو بكر البغدادي السراج المتوفى سنة 509ه وجعله ~~اثنين وعشرين جزءا، وهو أصل لكل ما وضع بعده من الكتب: كأسواق العشاق، وديوان الصبابة، ~~وتزين الأسواق، ومنازل الأحباب، وغيرها ... ومع كل ما رأيت فقد انفرد الشعر وحده بالنسيب ~~والغزل وأوصاف الجمال، وليس لنا كتاب واحد في رسائل الحب، ولا نعرف أحدا من البلغاء كتب ~~فيها، ولعل هذا راجع إلى أن تلك الطريقة استقل بها الشعر في الصدر الأول فقلد الباقون، ~~وأخذوا في مدرجتهم من بعد. # وكأن هذا الباب عندهم مما يرون للشعر به اختصاصا، فهو سبيله دون الكتابة والخطابة؛ لمكان ~~الوزن في الشعر، فتجيء الرسالة الغزلية لحنا غنائيا من طبيعتها، ثم لأنه قد تقرر عندهم ~~أنه يحسن في الشعر من فنون الكذب والمبالغة ما لا يطرد في النثر، حتى إن أكثر الرذائل - ~~كالهجاء ووصف الخمر والمجون - كان ظرفها الشعر، وهي فيه سائغة وفي غيره منكرة، ولا يأتي ~~منها في المنثور إلا قليل. # وقد نصوا على أن للشعر مواضع لا ينجح فيها غيره من الخطب والرسائل بل هو يفضلهما. # قال أبو هلال العسكري في كتاب «الصناعتين» وهو يعد هذه المواضع: «ومن ذلك أن صاحب الرياسة ~~والأبهة لو خطب بذكر عشيق له وصف وجده به، وحنينه إليه، وشهرته في حبه، وبكاه من أجله؛ ~~لاستهجن منه ذلك وتنقص به فيه، ولو قال في ذلك شعرا لكان حسنا». # وقد توفي العسكري سنة 395 للهجرة، وعلى كثرة ما حشد في كتابه من فنون النثر وطرائفه لم ~~يأت برسالة واحدة بين حبيبين، إلا ما أورده في باب: (ما يحتاج الكاتب إلى ارتسامه ~~وامتثاله)، قال: وينبغي أن يكون الدعاء على حسب ما توجبه الحال بينك وبين من تكتب إليه ... ~~وقد كتب بعضهم إلى حبيبة له: عصمنا الله وإياك مما يكره. قال: فكتبت إليه: يا غليظ القلب! ~~لو استجيبت لك دعوتك لم نلتق أبدا ...! # ولا ريب ms004 عندنا أن هذه الكتابة مصنوعة للتمثيل بها في هذا الموضع، كالذي كانوا يصنعونه من ~~الشعر إذا احتاجوا إلى الشاهد والمثل، على ما بيناه في باب الرواية من تاريخ آداب ~~العرب. # ثم هم يخصصون الشعر بالغزل والتشبيب والنسيب؛ لأن الشعر أيسر عملا وأخف مؤنة في هذا ~~الباب؛ إذ يعين بقوافيه على الإبداع في المعاني فإن القافية كثيرا ما تخترع المعنى وتلهمه ~~الشاعر، ثم الشعر يصحبه الوزن واللحن فيعين بنسقه أيضا كما يعين بقوافيه، ثم تجيء ألفاظه ~~مقدودة مفصلة فتكون حلية ثالثة، ثم هو يكتفى منه بالبيتين والأبيات اليسيرة فيجيء كل ذلك ~~على أتمه وأحسنه ويقوم به، بخلاف الكتابة: فلا يجدي فيها السطران والأسطر القليلة في رسالة ~~تصف الحب، وما ستر هناك يفضح هنا، وما أعان في الشعر يخذل في النثر، والشعر إجمال والكتابة ~~تفصيل: # وأنت فاعمد إلى بيتين من رائع الغزل كقول ابن الطثرية: # بنفسي من لو مر برد بنانه # على كبدي، كانت شفاء أنامله # ومن هابني في كل شيء وهبته # فلا هو يعطيني ولا أنا سائله! # فاجعل هذين البيتين رسالة إلى حبيبة، فإنهما يجزئان ويؤديان الرسالة، وينقلان إليها عن ~~نفسك معاني الاحتراق والعشق والصبابة، ويتكلمان عندها كثيرا، ويعلقان بذهنها، ويدوران في ~~قلبها دورة الدم. ثم اعمد إليهما فاجعل المعنى المنظوم في سطرين، وحاول منهما رسالة كتلك، ~~فإن السطرين لا يتزحزحان ولا يمشيان إلا كما يتوكأ الأعرج على أعرج مثله ...! # وهذا إلى أن الكتابة في معاني الحب لا تحتمل الصدور والفصول وصناعة الألفاظ والترادف ~~بالكثير منها على القليل من المعاني، ويسمج فيها خاصة ما نراه يحسن في غيرها من فنون ~~الكتابة: كالتوسع بالنقل والرواية، وتشقيق الكلام بما يلابس كل معنى، والطغيان في العبارة ~~بذلك وما إليه، وكل شيء فهو يصلح مادة للكتابة إلا في هذا الفن من رسائل الحب، فإن مادته ~~القلب والروح وفلسفة العاطفة وترادف وحي الجمال بالمعاني الكثيرة على الشعور الواحد، لا وحي ~~اللغة بالألفاظ الكثيرة على المعنى الواحد، ولا يتخلص إلى فنونه ومعانيه إلا من ثمة. فكأن ~~هذا ms005 الباب هو من ناحية ليس في طبيعة كتابه المتقدمين ومن الناحية الأخرى ليس في طبيعة ~~الاجتماع يومئذ ؛ لأسباب لا محل لبسطها في هذا الإيجاز. # ولقد كتب شيخنا وأديبنا الكبير «الجاحظ» رسالة في العشق والنساء، وهي مجموعة رسائله، ~~فكان والله كالذي يلبس ملكة الجمال في هذا العصر مرقعة قذرة ... واجتلب من هنا وهناك لمعانيه، ~~وشق لها المداخل والمخارج على طريقته، واتسع بذلك في العبارة، فجاءت أبرد رسائله وأسقطها، ~~وكان هذا الإمام فيها كالذي يتحسس بيده مجلدا ضخما من الكتب، ثم يذهب يستوحي من جلدته ~~أوصاف ملمس جسم الحبيبة ... التي كأنها طاقة نرجس أو كأنها ياسمينة، أو كأنها خرطت من ~~ياقوتة. # وساق ابن قتيبة في كتابه: «عيون الأخبار» رسالة منية إلى صاحبها قابوس - وهما من أعلام ~~العشق والأدب - ثم جواب قابوس عليها، ثم رسالة أخرى منه # 7 # فكتبت منية إلى حبيبها: # من سن سنة فليرض بأن يحكم عليه بها؛ ومن سأل مسألة فليرض من العطية بقدر بذله، ~~لكل عمل ثواب، ولكل فعل جزاء، ومن بدأ بالظلم كان أظلم، ومن انتصر فقد أنصف، والعفو ~~أقرب إلى العقل، وغير مسيء من أعتب، مع المخض تبدو الزبدة، عند تناهي البلاء يكون ~~الفرج، كل ذي قرح يشتهي دواء قرحه، كل مطمع منتظر، كل آت قريب؛ الموت أروح من ~~الهوى، اليأس أول سبب الراحة، السحر # 8 # أنفذ من الشعر، دواء كل محب حبيبه، مع اليوم غد، كما تدين تدان، استشف ~~الله لما بك، واسأله المدافعة عنك! # وأجابها قابوس: # من الكرام تكون الرحمة، ومن اللئام ... تكون القسوة، من كرم أصله؛ لأن قلبه ورق ~~وجهه، ومن عاقب بالذنوب ترك الفضل، ومن ترك الفضل أخطأ الحظ، ومن لم يغفر لم يغفر ~~له، أولى الناس بالرحمة من احتاج إليها فحرمها، لكل كرب فرج، ولكل عمل ثواب ملكت ~~فأسجحي، قدرت فأعفي، ويل للشجي من الخلي إلخ إلخ. # فانظر ويحك ما هذا الكلام المتقطع المبتدل المطروق المنتزع كله من الأمثال والأحكام، وكأن ~~العشق في الحافظة ... ولم يورده ابن قتيبة إلا في باب النساء ms006 والعشق ... ثم ما عسى كان يقول ~~هذان الحبيبان لو أن منية هذه قامت على منبر مسجد الكوفة ... وصعد قابوس المنبر في مسجد ~~البصرة، وأرادا أن يخطبا الناس لإقامة صلاة الجمعة؟ ~~••• # على أن بلغاء الكتاب في كل عصر تناولوا في ترسلهم فن (الإخوانيات) وأجروا فيه رسائل ~~المودة والشوق والصداقة والاستعطاف والعتاب والاعتذار والاستزارة لمجالس اللذات والأنس، ~~وهذه كلها من أمس المعاني بالحب وأقربها شبها به، وقد أجاد بعضهم في ذلك إجادة بالغة، وأنت ~~تجد رسائلهم منثورة في كتب الأدب # 9 # ومن أبدعها قول سعيد بن حميد، حبيب فضل الشاعرة. «إني صادقت معك جوهر نفسي، ~~فأنا غير محمود على الانقياد لك بغير زمان؛ لأن النفس يقود بعضها بعضا». # 10 # غير أنهم يشترطون في هذا الفن من الرسائل الإيجاز والاختصار، وألا يتجاوزوا به نكتة ~~المعنى، ليجيء قصدا قريبا، ولعل ذلك للعلة التي أومأنا إليها من قبل، إذا كان هذا على ~~حدود الحب، فإذا تبسط فهو الحب بعينه، والكثير في الحب لا يكثر ولا يمل، أما في الصداقة ~~فإلى حد وحسب. # وانظر ما كتب بعضهم في قطيعة صديق؛ إذ كتب إليه: # لم يدع انقباضك عن الوفاء وانجذابك مع سوء الرأي في ملاحظة الهجر والاستمرار على ~~الغدر - محركا من القلب عليك، ولا خاطرا يومي إلى حسن الظن بك، هيهات! انقضت مدة ~~الانخداع لك حين أخلفت عدة الأماني فيك، وما وجدنا سائرا من تأنيب النصحاء في ~~الميل إليك، والتوفر عليك، إلا الإقرار بطاعة الهوى والاعتراف بسوء ~~الاختيار. # فهذه الرسالة لو أنها صرفت إلى حبيبة، وامتد بها النفس على هذا الأسلوب وبمثل هذا التصرف ~~لتكون صفحتين أو تبلغ ثلاث صفحات، لرجفت أركانها الوثيقة، وخرجت إلى الاستكراه والتكلف، ~~وجاءت عيوبها من محاسنها، وهلك من طولها أولها إلى آخرها. # ولذلك نحونا في «أوراق الورد» أسلوبا خاصا، تدور به المعاني الحية في ألفاظها بألين مس ~~وألطفه على وضع مستحكم كما يمس الدم الحي عروقه التي يدور فيها. ~~••• # ولم نقف على اسم كتاب أفرد لرسائل الحب، ولو أنهم كتبوا فيها لجمعت ms007 كغيرها وأفردت ~~بالتدوين، بيد أن للقيان الأديبات المتظرفات ضربا من رسائل الحب يكتبنها بالذهب والمسك ~~والزعفران في بديع الحرير الصيني وضروب الديباج، ويجعلن ظروفها طرائف المناديل؛ ويتخذن لها ~~الزنابير الحريرية تربطها، ويطيبنها بالمسك والذرائر، # 11 # ولا يكتبن فيها إلا «نتف الألفاظ المهلكة ... وملح المكاتبة، وطرائف المعاتبة، ~~وجميل المطالبة، وشكيل المداعبة، وقد جمع أبو الطيب الوشاء من أدباء القرن الثالث كتابا من ~~هذه الرسائل سماه: (فرح المهج) والذي يؤخذ من كلامه أن أكثر ما يكتب في ذلك هو الشعر والمثل ~~وأبيات العتاب والسلام ونحوها، مما هو محفوظ مأثور، فليست هذه من رسائل الحب وإنما هي من ~~وسائله. # وأبعد في الاستحالة من كل ما مر أن يكون في الأدب العربي ديوان من الرسائل الغرامية ~~لكاتب واحد، فلقد كان مثل ذلك في الشعر كالندرة والفلتة، حتى قال الجاحظ: «لولا أن العباس ~~بن الأحنف أحذق الناس وأشعرهم وأوسعهم كلاما وخاطرا! ما قدر أن يكون شعره في مذهب واحد لا ~~يجاوزه، لأنه يهجو ولا يمدح ولا يتكسب ولا يتصرف، وما نعلم شاعرا لزم فنا واحدا ولزومه ~~فأحسن فيه وأكثر. # ولأديبات الجواري رقاع في مكاتبة عشاقهن، بيد أنها لا تذهب إلا مذهبا واحدا في الكلام، ~~فهي في القلم كما هي في اللسان، وليس الكتاب إلا رسولا لا رسالة، وقد نقل صاحب الأغاني في ~~ترجمة «عريب» الحسناء الفاتنة المغنية الشاعرة الكاتبة البليغة المتعشقة التي تكاد تشبه ~~الأديبة الفرنسية الشهيرة المتسمية (جورج ساند) في عشقها واستكلابها ... نقل أنها عشقت صديقا ~~لمولاها يقال له حاتم بن عدي قال؛ فمد عينه إليها «فكاتبها فأجابته» وقال أيضا: إنها لما ~~صارت في دار المأمون، احتالت حتى أوصلت محمد بن حامد وكانت قد عشقته «وكاتبته»، ونقل عن ~~بعضهم قال: وسمعت من يحكي أن بلاغتها في كتبها ذكرت لبعض الكتاب، قال: فما يمنعها من ذلك ~~وهي بنت جعفر بن بحيى؟ # 12 # ثم روى صاحب الأغاني من مجونها وإفحاشها، فلو أن لها رسائل حب لاستطرف منها هو ~~أو غيره، ولكنها كما قدمنا، رقاع في مثل ms008 الكلام الذي يتراجعه كل صاحبين إذا تحدثا أو تشاكيا ~~أو تواعدا، وليست من الرسائل المصنوعة المجودة القائمة في فنها على شاعرية الجمال وتفلسف ~~الحب وغزل الروح وخصائص المعاني. # وتبذل بعض أدباء المتأخرين فكتبوا في الرسائل الغرامية يخاطبون فيها بكاف الخطاب ~~المفتوحة. كقول الأديب الشهير ابن سيناء الملك في رسالة: «وأنا والله في أمرك مغلوب، والسبب ~~أني أنا المحب وأنت المحبوب، ولا أتجلد عليك فأغرك وأخون حبك، ولا أتصنع عليك فأغشك، وأغم ~~قلبك ... اعمل ما شئت فأنا الصابر، وافعل كيف شئت فأنا الشاكر، وقل فلي سمع يعشق قولك، والتفت ~~تر آمالي ترفرف حولك، وافعل فأنت المعذور، واستطل فما أنا المضرور بل المسرور، وارجع إلى ~~الواد الذي بيننا فكل ذنب لك مغفور». # وهذا كما ترى، كلام غث سمج، وحب قد يكنسه في الطريق الكناسون، ولبديع الزمان رسالة ~~مشهورة، إلى بعض من عزل عن ولاية حسنة، أثبتنا في ديوان رسائله، ولابن الأثير في كتابه ~~«المثل السائر» رقعة قال إنها من عاشق لمعشوق، وعدها فيما عد من معانيه المبتدعة، وكل ذلك ~~عندنا لا قيمة له. # ومن المضحكات رسالة كتبها علاء الدين المغربي سماها النيرين. قال: وهي من المحب الكئيب ~~إلى حبيب الحبيب # 13 ~~... وقد أوردها ابن أبي حجلة من أدباء القرن الثامن في كتابه الذي سماه: (حاطب ~~ليل). ~~••• # فأنت ترى أن الأدب العربي قد انطوى على محجوبة من هذا الفن بقيت في الغيب إلى عهدنا هذا، ~~ونرجو من فضل الله أن تكون كتبنا الثلاثة قد أظهرتها، واستعلنت بها، وأن تقول العربية إذا ~~تواصفوا كتب هذا الباب في بيان اللغات الأخرى: «هاؤم اقرؤا كتابية». # والحمد لله بما يبلغ رضاه. # | المقدمة # بقلم مصطفى صادق الرافعي # هذا كتاب «أوراق الورد» فحدثني من حدث # 1 ~~... في سبب هذه التسمية قال: كانت معها ذات يوم وردة لا أدري أيتهما تستنشي الأخرى # 2 # فجعلت لها ساعة من حفاوتها تلمسها مرة صدرها ومرة شفتيها، والوردة بين ذلك ~~كأنما تنمو في شعاع وندى، إذا رأيتها وقد تفتحت وتهدلت حتى لحسبت أنها قد ms009 حالت أوراقها ~~شفاها ظمأى. # ثم تأملتها شيئا، ثم نحت إلي بصرها # 3 # وقالت: ما أرى هذا الحب إلا كورق الورد في حياته ورقته وعطره وجماله، ولا أوراق ~~الوردة إلا مثله في انتثارها على أصابع من يمسها إذا جاوز في مسها حدا بعينه من الرفق، ثم ~~في تفترها على إلحاح من يتناولها إذا تابع إلحاحه عليها ولو بالتنهد، ثم في بناء عقدها على ~~أن تتحلل أو تذوي إن لم يمسكها مع بنائها الرفيق حذر من أن تكون في يده # 4 ~~... لأنها على يده فن لا وردة. # ثم دنت الشاعرة الجميلة فناطت وردتها إلى عروة صاحبها فقال لها: وضعتها رقيقة نادية في ~~صدري، ولكن على معان في القلب كأشواكها ... فاستضحكت، وقالت: فإذا كتبت يوما معاني الأشواك ~~فسمها «أوراق الورد» وكذلك سماها! ~~••• # عمر الورد فصل من السنة! أما الشوك فعمره ما بقيت الشجرة وما بقي حطبها، ولذلك ينسى ~~الحبيب ويذهب الحب، ويبقى بعدهما القلب العاشق وليس بينه وبين آلامه إلا كما ذر الضياء بين ~~أول الفجر وآخرة الليل في مرأى من النور والظلمة يخيل إليك من غبشه # 5 # أن الليل ظلام مكفوف وراء حائط من البلور: فالآلام دائما بمنزلة من القلب ~~المحب والأشواق منه أبدا على أسباب؛ ومن أحب مرة فما اهتدى إلى حبيب ينتهي منه إذا سلاه، ~~وإنما ابتدأ في جمال هذا الحبيب أشواق الحياة التي لا تنتهي، وعرف من الحب طريقا بين الحس ~~والغيب آخره دائما أول غيره كطريق السماء لعينك؛ كل مسافة أنت مقدرها فيه تراها قد نيطت ~~بمسافة أخرى # 6 # إلى ما لا ينتهي ولا ينقطع؛ إذ ليس ذلك اتصالا بين المسافات المكونة للأبعاد ~~أكثر مما هو اتصال بين النواميس المكونة للأبدية. # وإلقاء الحب الصحيح في قلب من خاطره الهوى، معناه إيحاء الفن إلى صاحب ذلك القلب يفهم به ~~الصورة الشعرية الجميلة التي يلبس منها الحبيب جماله، فيرى كيف يجيء كل شيء من حبيبه كأنه ~~في وزن من الأوزان، حتى لكأن هذا الشكل المحبوب إن هو إلا لحن موسيقي ms010 خلق إنسانا يجاوب ~~بعضه بعضه ... ~~... وبذلك يخرج من فهم جمال الحبيب إلى فهم جمال الطبيعة، ويدرك بروحه ما حول كل شيء من ~~الجو الخيالي البديع المحيط به إحاطة الوزن الشعري بالكلمة والنغمة الموسيقية بالصوت، ومن ~~ذلك ينبثق في نفسه نور إلهي خالق يفيض على كل جمال في الأرض والسماء ما يجعل هذا الجمال من ~~إدراكه أو حسه بسبب قريب، فتشتمل نفسه العاشقة على آفاق واسعة من جمال الخليقة ما دام في ~~نفسه الحب، كما تحيط العين بالأفق فتحويه ما دام في العين البصر! ~~••• # وتاريخ الحب عند صاحب هذه الرسائل كان كله نظرة أخذت تنمو وبقيت تنمو ... وهو حب قد كان من ~~نمائه وجماله وطهره كأنما أزهرت به روضة من الرياض لا امرأة من النساء، وكان من مساغه ~~وحلاوته ولذاته البريئة كأنما أثمرت به شجرة خضراء تعتصر الحلاوة في أثمارها أصابع النور ~~فأنت لا تجد في هذه الرسائل معاني النساء متمثلة في امرأة تتصبى رجلا، ولكن معاني الحب ~~والجمال متألهة في إنسانية تستوحي من إنسانية أو توحي لها. # وبين الدهر والدهر تخرج الأقدار على طوفان الشهوات الذي يغرق الإنسانية عاشقا روحانيا ~~في طباعه مثل شموخ الجبل العالي وقوته وتماسكه تأوي إليه صفات الحب السامية يعصمها ويبقيها ~~على ندوها # 7 # ولو في إنسان واحد كما هي على أصيلها في جمال الكون، وهذا الإنسان لا يعطي ~~الدنيا إلا من سبيل حرمانه هو، وكأنما يحترق قلبه ليسطع بالنور والدفء على القلوب المظلمة ~~الباردة التي لا يكون الحب فيها إلا خديعة مسولة من الطبيعة بين الجنسين حين تعمد إلى ~~حسابها العجيب في جعل الاثنين ثلاثة. # 8 # وكل الصفات السامية متى نزلت إلى الدهماء والأوشاب وهذا الهمج الهامج في إنسانية الحياة، ~~نحلوها أسماء من طباعهم لا من طباعها؛ فاسم الفضيلة عندهم غفلة، والسمو كبرياء، والصبر ~~بلادة، والأنفة حماقة، والروحانية ضعف، والعفة خيبة، والحب اسمه الفسق ...! ~~••• # وصاحب هذه الرسائل يرى نفسه في الحب كأنما وضع على هامش الناس، منطلقا غير مقيد، عزيزا ~~غير ذليل؛ فهو كالسطر الذي ms011 يكتب على هامش الصفحة يستعرض ما ملأها بين أعلاها وأسفلها، وله ~~الشرح والتعليق وما في معناهما، إلى التهكم والضحك والسخرية، ومن ثم فرسائله كذلك على هامش ~~كل رسائل الحب: يتجافى بها عن ألفاظ الشهوات ومعانيها مما يتعمده بعض فحول الكتاب في أوربا، ~~ولا طلاوة لرسائلهم وقصصهم بغيره؛ إذ هو يشبه أن يكون روح اللحم والدم في اللغة، ويتوخون ~~التأثير من أقرب الطرق إليه، فيمسون شهوات القراء بالحادثة والوصف والعبارة كما يدر لعاب ~~الجائع على ألفاظ الطعام وأوصافه ورائحته ... وإنما نحن نرى أن لحياة الحب - حتى يكون حبا ~~صحيحا - واقعا غير الواقع في هذه الحياة، وأوهاما غير أوهامها، وحقائق غير حقائقها، فلا ~~بد لها من كلام يلائمها في هذا المعنى الطائف بين القلب والروح يكون أشبه بكلام النية ~~الصادقة لو نطقت في لسان، وبكتابة الضمير المخلص لو كتب في قلم. # والحب الصحيح إذا سلمت فيه دواعي الصدر، # 9 # واعتدلت به نوازي الكبد، # 10 # وتوثق فيه عقد النية، # 11 # واستوى غيبه ومشهده # 12 # كان أشبه بقوة سماوية تعمل عملها لتبدع من الإنسانية شعرا أسمى من حقائقها؛ ~~كما كانت الإنسانية نفسها قوة عملت أعمالها؛ لتبدع من حقائق الطبيعة أخيلة أجمل من مادتها. ~~فشعر العقل تخلقه الإنسانية من الطبيعة بالعلم، وشعر القلب يخلقه الحب من الإنسانية ~~بالجمال؛ ومن ثم فالحب كالطبقة بين الإنسانية والإلهية، أفلا تراه يأبى حين يكون إلا أن ~~يكون وحده هو الحق الذي ليس له في البشرية فوق فليس في البشرية ما يوضع فوقه، حتى كل ما ~~عداه من الحقوق والواجبات فهو من بعده في الموضع والمنزلة؟ # الحب الصحيح ليس له فوق، ولا يشبهه من هذه الناحية إلا الإراة الصحيحة، فليس لها وراء ~~ولا يمين ولا شمال، وما هي إلا أن تمضي أمام أمام. ~~••• # إنك لا ترى في هذه الرسائل ما ينزع به الكلام ذلك المنزع الذي أشرنا إليه آنفا، ولا ما ~~يتوسع به كتاب أوربا من الحشو الذي يوجه على علل مختلفة بين التاريخ والاجتماع وما ~~إليهما، ولا ما يقحمونه ms012 في رسائلهم من كلام نازل كالكلام الذي يتراجعه العامة، # 13 # فإن كتابنا خالص للجمال بذاته، واقع من الحب في خاص معانيه، ولقد كانت حوادث ~~صاحبنا في حبه كالسحب الرقيقة في سماواتها، عمر ساعة من الشفق، وتأتي وعليها ألوانها ~~الإلهية أصباغا واقعة كما تتفق، ثم لا يكون الجمال والتناسب مع ذلك إلا كما تتفق، فكذلك ~~نشأت رسائله من وحي القلب وروحانيته، تموج بمعانيها وتتبرج في معارضها، ولعمري لمن كتب في ~~الحب والجمال بقلم لقد كتب صاحب هذه الرسائل بقلب؛ ولو تحيا الابتسامة والدمعة لكانتا سرور ~~ذلك الحب وحزنه كما وقعا في حياة الكاتب وأيامه من صاحبته، فهما لا يتجاوزان البث والتشاجي، ~~وتباريح الصبابة، وتسليم الابتسامة على الابتسامة، ومغاضبة الدمعة للدمعة، ولكليهما من روح ~~صاحبه داع ومجيب، وعلى ما طال بينهما من زمن الحب فهي كأنها لم تزد له على أن سنحت مسح ~~الغزال وولت ... ~~••• # وكان القدر ينقي حوادث هذا الغرام كما تنقى المدرة من الحب # 14 # بأصابع دقيقة تحت عينين مبصرتين؛ فكانت النفس فيه مع جمحاتها كالفرس تترامى في ~~عنانها مخلى لها الطريق، ولكن أمر الطريق لها، ونهيه في العنان الذي يلجمها، وظلمات الحب ~~في بعض النفوس المختارة كظلمات الليل في بعض الليالي: هذه لها القمر وتلك لها ~~الفضيلة. # وما أحسب حب هذا الشاعر وتلك الشاعرة قد كان في كل حوادثه إلا تأليفا من الأقدار لهذه ~~الرسائل بمعانيها، حتى إذا كسيت المعاني ألفاظها، انبثقت كالنور، وصدحت كالنغم، وجاءت ~~كإشراق الضحى؛ لتناسم الأرواح # 15 # بعبارات صافية من روح قوية فرض عليها أن تحب، فلما أحبت فرض عليها أن تتألم، ~~فلما تألمت فرض عليها أن تعبر؛ فلما عبرت فرض عليها أن تسلو ...! # | وزدت أنك أنت # تالله لو جددوا للبدر تسمية # لأعطي اسمك يا من تعشق المقل # 1 # كلاكما الحسن فتانا بصورته # وزدت أنك أنت الحب والغزل # وزدت يا حبيبتي أنك إنت ... # إن حقيقة الجمال الذي يغمر العالم أراها كأنها بجملتها مستقرة في الموضع الضيق الذي بيني ~~وبينك وبين قلبي، تملأ مع هذا الكون ms013 عالما آخر من شعوري بك. # وفي نظرات عينيك الساحرتين أرى لمحات منبثة من الإرادة المسيطرة وراء الأشياء، تفعل مثل ~~فعلها الجبار وراء عواطفي. # واليقين الذي دليله الإيمان والتسليم، أحسه إحساسا في نظري إليك وفي نظرك إلي، كأني ~~أتحول معك إلى إقرار. # والمعنى العجيب الذي يفتن فتنة درية اللؤلؤة الثمينة، ويسحر سحرا نورانيا في الماسة ~~الكريمة النادرة، هو بفتنته وسحره في نسويتك الجذابة، غير أنه اتخذ من أشياء الطبيعة أبدع ~~ما ينظر فيه، واتخذ منك أنت أجمل ما يعقل فيه. # وما رأيتك مرة إلا خيلت لي أن بعض النواميس المادية القاهرة في هذا الوجود قد تحولت ~~إنسانية فيك، وكأن القوى مبعثرة هناك ومنظمة هنا، وكأنك منها تقيد منطلق، واجتماع متفرق، ~~وكأن ما حد له رآك له حدا فوقف وظهر! # ولو ولد النور لكان وجهك الجميل المشرق، ولو ولدت الكهرباء التي هي سر النور لكانت أسرار ~~عينيك، ولو تولدت القوة التي هي سر الكهرباء لكانت فتنة حبك، وكل المعاني التي في نفسي لا ~~تتخذ صورها إلا منك؛ لأنك بجملتك تمثال الشعر. # وفيك المعاني التي تقول: أين كلماتي؟ # وفي أنا الكلمات التي تقول: أنت معاني! ~~••• # في نفسي عالم أحلام من خلق عينيك الذابلتين. # وفي نفسك عالم أسرار من خلق أفكاري المعذبة. # خرجنا كلانا بالحب والجمال من حد الإنسان إلى حد العالم. # وتحولنا كلانا بالهوى من حالة شخص إلى حالة عقل. # كيف تجدين ما في وإنك لتعلمين أنك في؟ # أما أنا فأجد كل ما فيك حلوا حلوا؛ لأن طعمه حلو في قلبي! ~~••• # وعندما أنظر إلى ازدهاء الشفق بألوانه وأصباغه كأنه صورة جديدة في الخلق عرضت ليراها أهل ~~الأرض، أحسبني على مرمى السهم من جنة في السماء فتحت أبوابها ولاحت أطراف أشجارها. # وعندما أتأمل انبثاق الفجر، يخيل إلي من جماله وروعته أن الوجود في سكونه وخشوعه نفس ~~كبرى تستمع مصغية إلى كلمة من كلمات الله لم تجئ في صوت ولكن في نور. # وعندما أبصرك أنت، أوقن أن الحسن المعشوق ما هو إلا خيال الجنة الأخروية ms014 يناله من الدنيا ~~إنسان في إنسان. # أنت وحدك أذقتني نشوة الظمأ إلى الأسرار القلبية، بما ذقته من لذة ظمئي إليك ولهفته، ~~وأريتني جمال الشعر في خيالاتي العطشى الحائمة أبدا على نهر النور من جسمك، وعلى ذلك النبع ~~الأحمر الصغير، نبع الياقوت المتفجر دائما بابتسام شفتيك، وجعلتني من وحي جمالك المتنزل ~~على قلبي أشعر أن هذا الجمال السماوي أنشأ في صفة ملائكية ترفعني فوق إنسانيتي. # بهذه الصفة أراك في بعض ساعات قلبي تظهرين لي وكأن سرا من الكون يتجلى بك، ويقول لي من ~~عينيك: المسني وانظرني فيها ...! # سر هادئ ناعم يتناثر في ألحاظك ألين من تنفس رشاش الأمواج المتطاير إلى بعيد: يكون ~~كالهباء من البحر، ومع ذلك فهو أثر قوته وجبروته. # فيك يا حبيبتي من أبدع محاسن الكون، وزدت أنك أنت الحب ...! # | زجاجة العطر # «وأهدى إليها مرة زجاجة من العطر الثمين وكتب معها»: # يا زجاجة العطر، اذهبي إليها، وتعطري بمس يديها، وكوني رسالة قلبي لديها. # وها أنذا أنثر القبلات على جوانبك: فمتى لمستك فضعي قبلتي على بنانها، وألقيها خفية ~~ظاهرة في مثل حنو نظرتها وحنانها، وألمسيها من تلك القبلات معاني أفراحها في قلبي ومعاني ~~أشجانها. # وها أنذا أصافحك، فمتى أخذتك في يدها، فكوني لمسة الأشواق، وها أنذا أضمك إلى قلبي، فمتى ~~فتحتك فانثري عليها في معاني العطر لمسات العناق. ~~••• # إنها الحبيبة يا زجاجة العطر! وما أنت كسواك من كل زجاجة ملئت سائلا، ولا هي كسواها من ~~كل امرأة ملئت حسانا؛ وكما افتنت الصناعة في إبداعك واستخراجك، افتنت الحياة في جمالها ~~وفتنتها، حتى لأحسب أسرار الحياة في غيرها من النساء تعمل بطبيعة وقانون، وفيها وحدها تعمل ~~بفن وظرف. # وأنت سبيكة عطر. كل موضع منك يأرج ويتوهج، وهي سبيكة جمال، كل موضع فيها يستبي ~~ويتصبى؟ # وما ظهرت معانيك إلا أفعمت الهواء من حولك بالشذا، ولا ظهرت معانيها إلا أفعمت القلوب من ~~حولها بالحب. # وكلتاكما لا يمس أحد منها إلا تلبس بها فلا يستطيع أن يخلص منها، ولا يستوي له أن يخلص منها. # 1 ms015 # أنت عندي أجمل أنثى في الطيب # 2 # من بنات الزهر، وهي عندي أجمل أنثى في الحب من بنات آدم. ~~••• # قولي لها يا زجاجة العطر، إنك خرجت من أزهار كأنها شعل نباتية، وكانت في الرياض على ~~فروعها كأنما تجسمت من أشعة الشمس والقمر ؛ فلما ابتعتك وصرت في يدي، خرجت من شعل غرامية، ~~وأصبحت كأنما تجسمت من أشواقي وتحياتي ولمسات فكري، ولذلك أهديتك ... # وقولي لها: إن شوق الأرواح العاشقة يحتاج دائما إلى تعبير جميل كجمالها، بليغ كبلاغتها، ~~ينفذ إلى قلب الحبيب بقوة الحياة سواء رضي أو لم يرض، وهذا الشوق النافذ كان الأصل الذي من ~~أجله خلق العطر في الطبيعة. فحينما تسكب الجميلة قطرة من الطيب على جسمها تنسكب في هذا ~~الجسم أشواق وأشواق من حيث تدري ولا تدري، ولذلك بعثتك ... # وقولي لها: إنك اتساق بين الجمال والحب، فحين تهدى زجاجة العطر من محب إلى حبيبته فإنما ~~هو يهدي إليها الوسيلة التي تخلق حول جسمها الجميل الفاتن جو قلبه العاشق المفتون، ولو تجسم ~~هذا المعنى حينئذ فتمثل فنظره ناظر، لرآها هي محاطة بشخص أثيري ذائب من الهوى واللوعة يفور ~~حولها في الجو ويسطع # 3 # ولذلك يا زجاجة العطر أرسلتك ... ~~••• # أيها العطر! كانت أزهارك فكرة من فن الحسن توثبت وطافت زمنا على مظاهر الكون الجميلة، كي ~~تعود آخرا فتكون من فن الحب، وفي ذلك مازجت الماء العذب، ولامست أضواء القمر والنجوم، ~~وخالطت أشعة الشمس، واغتسلت بمائة فجر منذ غرسها إلى إزهارها؛ لتصلح بعد ذلك أن يمس عطرها ~~جسم الحبيبة، ويكون رسالة حبي إليها! # أيها العطر! لقد خرجت من أزهار جميلة، وستعلم حين تسكبك هي على جسمها الفاتن أنك رجعت إلى ~~أجمل من أزهارك، وأنك، كالمؤمنين تركوا الدنيا، ولكنهم نالوا الجنة ونعيمها ...! # | ما نفع رقة روحي؟ # يا من لنضو طريح # مجمع من حطام # 1 # بقية من سلو # على بقايا غرام # وقطعة من جفاء # في قطعة من سلام # أضيء كالنجم لكن # في وحدة وظلام # وما أكابد نارا # يروه نورا أمامي ~~••• # ما نفع رقة روحي # تندى ms016 كطل الغمام # وكل ما هو حولي # كحلق عطشان ظامى؟ ~~••• # يا واصلا بالمعاني # وهاجري في الكلام # مخاصمي في نهاري # مصالحي في منامي # من العبوس كلام # معناه معنى ابتسام # ولن يغير جسم ال # وداد ثوب الخصام ~~••• # ما نفع رقة روحي # تندى كطل الغمام # وكل ما هو حولي # كحلق عطشان ظامي؟ # | رسم الحبيبة # «ولما أهدت إليه رسمها كتب إليها»: # كنت ساعة أجلس للكتابة إليك، أراني كالمصور، غير أني أنقل من عالم في داخلي؛ أما الآن ~~ورسمك يملأ عيني، فقد أضيف إلى عالمي المضطرب بأخيلته الكثيرة عالم من الجمال الصافي، هو ~~فوق ذلك كالسماء فوق الأرض: تحييها بالشمس والقمر، وهو من وراء ذلك كالآخرة وراء الدنيا: ~~تطعمها بالجنة والخلد. # ولكدت والله يا حبيبتي أتخيل هذا الرق # 1 # الموضوع أمامي يبرق بصورتك ويشرق بوجهك - نافذة سحرية فتحت بيني وبين عالم ~~الجمال الأزلي فأطل فيها وجه حوراء من حور الجنة ينظر إلي وأنظر إليه، يحمله جسم خلق ~~ليكون فتنة للجنة ذاتها، وكأنه بجماله ومعانيه حقائق ذلك النعيم جاءت تترجم لذة الخلود ~~للنفس البشرية في بلاغة مصورة اختاروا لها رسمك أنت. # وهل في الحسن أحسن من هذا الوجه الذي يرف على القلب بأندائه ويتلألأ بنضرته، حتى لكأنه ~~خلق من نور الفجر، وكأن علامة الفجر فيه إنما هي هذا الروح الذي يحيط القلب من وجهك بمعان ~~كنسمات الصبح، عليلة من شدة الرقة، ذابلة من فرط الجمال، مملوءة من روح الندى بما يجعلها ~~حول النفس كأنها جو من شعور حي فرح لا نسمات في الجو. # وجه منضر يفزع لروعة حسنه من يراه، كأن شيئا بدعا لم يكن ممكنا فأمكن! أو كأن في حمرة ~~خديه وشفتيه خمر القلب رؤيتها شربها، وفيها السكر بالجمال والنشوة بالهوى، فما هو إلا أن ~~ينظر وجهك الناظر حتى يخالط قلبه. # وعلى ما رأيت هذا الوجه الفاتن، فما رأيته من مرة إلا حسبتها أول مرة، وكانت معه لنفسي ~~جمحاتها الأولى، كأن الحب الذي بدأ في أول نظراتي إليه يبدأ في كل نظرة إليه بدءا جديدا؛ ~~وأرى ms017 أجمل الوجوه يخاطب في حاسة الإعجاب، ولا يعدو هذه العاطفة، وأرى وجهك أنت يبلغ مني ~~القصوى، ويأخذ بقلبي كله، ويستولي على جملة ما في إنسانيتي. # وإني لألمح فيه سرا عجيبا يكون فقدان العبارة عنده هو أبلغ العبارة في وصفه؛ إذ لا ~~تتكلم روعة الحس بالجمال ، وهي تنزل في صور الألفاظ، وإنما تغمز على القلب غمزة خافتة تشعر ~~الناظر أن روح المنظر خامرت الروح، وأن حياة الشكل انسكبت في الحياة، وأن المعنى الغامض في ~~السر اتصل بالمعنى الغامض في النفس. # ويمثل هذا السر الذي يطالعني من جمال وجهك أصبح الجمال على الحقيقة هو علم أفراح النفس ~~وأحزانها، وعاد الشخص الجميل المعشوق، وما هو بكل معانيه إلا الفن الفلسفي الكامل أتيح لنفس ~~أخرى تحاول بالحب أن تكون كاملة. # ومن هذا السر يظل وجه الحبيب جديدا على كل نظرة من محبه، وإن طال ترداد النظر وتكراره، ~~كأن الوقت لا يمضي معه كما يمضي مع الأشياء، وكأن الحب أبدية على قدر ما تحتمل الدنيا، ~~ولذا فهو يضغط على القلب لا بالساعة ولا باليوم، بل يجثم بقطعة ضخمة من الزمن كأنها عمر ~~كامل فرحها شديد شديد، وحزنها شديد شديد. # سر عجيبت فكرت طويلا كيف أسميه فلم يستو لي، وقد جل أن يقع معناه في كلمة، ولكني أسميه ~~المعنى المتفرق المجتمع؛ إذ هو بجملته ظاهر في الوجه كله، وهو بجملته أيضا ظاهر على مقدار ~~ذلك في كل موضع من قسمات وجهك ومعارفه، كأنه لا أجزاء له ولا جملة كأنه شيء أبدي، كأنه في ~~وجهك تأله الحب. ~~••• # ومن بعض هذا السر تلك الابتسامة الواقعة على ثغرك ترق فيها الروح مرة وتتكاثف مرة، حتى ~~كأنها وهي في الرسم - لون روحي ظهر يتموج على شفتيك، فما أقلب فيه عيني إلا شعرت أن روحي ~~تذوب فيه كما يتمازج لونان في السماء على الشفق الأحمر. # ومن بعضه هذه النظرة الحية التي تبعث في كل معنى من معانيك حياة، وتخلق منه لعيني فكرة ~~أتلمحها فيه، حتى ليروعني من أثرك علي وأنا أنظر ms018 إلى رسمك، أني أتخيل نفسي بجملتها أسئلة ~~وجسمك هذا بجملته أجوبتها! # نظرة ساحرة تجعلني أرى كل شيء في رسمك محدودا، ومع ذلك أراك أنت غير محدود في شيء! كأن ~~لك فيضا من الجمال والسحر يستغرق العالم، ويغمر الكون، ولا يكتفي بما ينتهي دون ما لا ~~ينتهي، أم كأنك أنت مجتلى هذا الفيض لعيني؛ وكأنك وسيلة في اتصال روحي بروح الجمال ~~الأزلي. # وماذا أقول في هذا الشكل المنسجم المتجاوب من كل نواحيه، إلا أنه القوة الرهيبة ظاهرة في ~~ملمسها الناعم، والضعف المؤنث الذابل مسلحا بأسلحة الشهوات والفتنة، والسلطة القادرة اتخذت ~~لها شكل الجمال فيك لتأمر وتنهى فينا. # إنه الجمال أكبر من الجمال؛ إذ كانت فيه القوة والفتنة والحب جميعا، والجمال وحده من ~~شأنه أن يعجب، ولكنه فيه يصبي ويدله، وبذلك يعجب ويفتن، وبذلك يتسلط مسوغا الحق، وبذلك ~~لا تكون له إلا الطاعة! # لا أرى غير هذا الشكل يأخذ بقلبي، ولكن أين أجد الكلام يستوعب كل ما في قلبي لأعطي كل ~~معانيك الصوت واللغة؟ # وكيف لي أن أزعم أني وصفت التي تمتاز على الشمس والقمر بأن فيهما النور وحده، وفي وجهها ~~النور الحي؟ # | البلاغة تتنهد # تقولين في رسالتك أيتها العزيزة: # 1 # لقد كنت أحسب فيما حسبت بعد أن طوحت بنا النوى # 2 # وضرب الدهر هذه الضربة بيننا - أن سعادة الفكر المتصل بي منك والمتصل بك مني ~~تخفف عني بعض ما أجد فتنقل خفقة قلب إلى قلب، وترسل لمحة نفس إلى نفس، وتعطي العمر ولو عمر ~~ساعة من غير هذا الزمن، فأقطع إليك هذه المسافة المتراخية # 3 # بقوة كقوة الأحلام: لا تدع في الكون أبعادا ولا مسافة بل تحويه كما تحوي ~~المرآة الصورة التي تقابلها، تتراءى فإذا هي مرسومة كما هي منظورة، ولكن يا أسفاه! لقد ~~أرتني الحقيقة أن الحياة مادة، وأن هذه المعاني المحبوبة التي نحفظها ممن نحبهم لا تزال ~~تنازع دائما إلى أشخاصها المحبوبين؛ ليخففووا من لوعتها أو قل ليزيدوا في لوعتها - فإن ~~الحب هو الطرف الشاذ الذي لم يعرف له ms019 وسط، فإن لم يكن ذاهبا إلى الزيادة مطردا بها، كان ~~غير شك منحدرا إلى النقص مستمرا فيه. # الحياة مادة يا صديقي، فإذا أنا لم أقل كلمة وأسمع ردها، أو أخط سطرا أو أقرأ مثله، أو ~~أرسل نظرة وأتلقى جوابها، فإن الفكر الذي يسعدني في كل شيء هو نفسه الذي يعذبني حينئذ بأحب ~~الناس إلي، يعذبني بك حين لا أراك! # أما والله يا عزيزتي إن في دون هذا للبلاغة كل البلاغة، فكلامك بيان كإشراق الضحى، وهو ~~مثلك فوق وصف الواصف، وإن فيك لمنبع سحر كالنهار الذي ينبع من شمسه، فلا تخط أناملك سطرا ~~إلا تضوأت فيه الحياة، # 4 # ولا أقرأ لك لفظا تكتبينه إلا بمعنى منه ومعنى منك. # بل لا أراك تجمعين ضميري وضميرك معك في كلمة # 5 # إلا أحسست أنه لقاء بيننا في لفظ ... # وإن كتابك ليأتيني وكأنه صفحة مرآة مسحورة بسر من أسرار الحياة: لا تلبث عيني أن تدور ~~فيها دورة فإذا أنت ماثلة، وإذ أنا لا أقرأ كلامك بل أقرأ وجهك! # ولما طلعت لي في هذا الكتاب، ألقيت نفسي من شفتي على شفتيك، وما أسرع ما نبهني مس ~~الصحيفة، فنظرت فإذا أنا أقبل كلمتك البديعة: إن الحياة مادة. # كنت أعرف أن اللغة موضوعة لكل أهلها، شائعة في ألسنتهم جميعا، وقد خلقت من قبل أن ~~يخلقوا، وتركها الأول للآخر، ولكن بلاغتك التي يتهلل بعضها تهلل جبينك، ويستحي بعضها ~~استحياء خديك، ويفتر بعضها افترار شفتيك، وتأتي مفننة ناعمة كأنها جسم بديع ناضج للحب - قد ~~جعلتني أعرف أن الكلمة التي يلقيها حبيب إلى محبه تأتي وكأنها لغة مخلوقة لساعتها؛ إذ ينتزع ~~منها المحب صورا لا يراها في مثلها من كلام الناس، ويصيب لها في نفسه معاني لا تكون لها في ~~ذات نفسها، ويراها مبتدعة له ابتداعا غريبا على نسق حي، فما ألقيت كلمة بين حبيبين إلا ~~جاءت وهي تتنهد أو تبكي أو تضحك أو تتوجع، أو تنظر إلى معنى من المعاني بينهما؛ إذ لا بد أن ~~تضرب على القلبين أحدهما أو ms020 كليهما. # إن الكلام في نفسه وسيلة من وسائل الفهم، فهو لغة، ولكنه في الحب وسيلة الجذب، فهو قوة، ~~واللغة من بعض أدوات الحياة: أما لغة الحب خاصة فالحياة من بعض أدواتها. # لهذا يا عزيزتي، لا تكون الحياة في الحب إلا مادة: وإن النفس قد تجوع وتأكل من جوعها؛ إذ ~~تخلق بإرادتها من الجوع أكلا فتشبع شبعا معنويا يلائمها كما جاعت ذلك الجوع الذي ~~يلائمها: كنفس الذي قنع بالفقر وهو محتاج إلى الغنى، والذي صبر على المرض وهو فقير إلى ~~العافية، ويطرد هذا القياس في كل أغراض الحياة، إلا في الحب، فإن جوع النفس العاشقة يقتلها ~~قتلا؛ إذ لا غذاء لها من شيء في الوجود كله إلا ممن تحب. # ليس الحي منقطعا من الوجود، بل هو منه لأنه فيه، ويكاد كل شيء يقول له: يا ابني، أو يا ~~أبي، أو يا أخي ... أو نحوها، فهذه الوشيجة بين الحي (والموجودات كلها)، هي قرابة العقل ~~المسماة بالمعرفة، وصلته (بخصائص) الوجود في طائفة من الأحياء أو الموجودات، هي قرابة النفس ~~المسماة بالصداقة، وشابكته (بأخص الخصائص) في حي واحد يجمع كل ذلك ويزيد ولا يزال يزيد، ~~هي قرابة القلب المسماة بالحب. # نعم، وإن الحب ليكاد يكون معنى كبر في السن والقيمة والعقل من ذلك المعنى الطفلي الذي ~~يندمج بالأم والابن معا في الوجود والعاطفة، فإذا كانت الأمومة هي التي تلد حقيقة الحياة ~~بمعانيها الواقعة، فإن الحب وحده هو الذي يلد الحياة بشعرها ومجازها ومعانيها الخيالية ~~الجميلة، ومن ثم لم يكن الحب رحما، وهو أشد منها صلة وأوقع في القلب، ولم يكن نسبا، وهو ~~فوق النسب، ولم يكن دما من دم، وهو أشد ما عرف من حنين الدم للدم. # ولقد يكون في الدنيا ما يغني الواحد من الناس عن أهل الأرض كافة، ولكن الدنيا بما وسعت لا ~~يمكن أبدا أن تغني محبا عن الواحد الذي يحبه. # هذا «الواحد» له «حساب» عجيب غير حساب العقل، فإن الواحد في الحساب العقلي: أول العدد، ~~أما في الحساب القلبي فهو ms021 أول العدد وآخره، ليس بعده آخر إذ ليس معه آخر. # والحياة في كل موضع - يا حبيبتي - هي هي كما تكون في كل موضع وكأنها البحر: ماؤه في ~~أمريكا هو ماؤه في مصر - إلى حيث يكون الحبيب، فهناك مع الحياة شيء غيرها، هناك المادة ~~الخفية القادرة التي تنساغ في هذه الحياة ؛ لتلونها تلوين الزهرة منفردة بالجمال والعطر من ~~بين أوراق شجرتها، على حين كل أوراق الشجرة مسحة لون واحد. ~~(الحياة مادة) فأين أنت يا مادة الروح المنسكبة في روحي؟ # أضع في آخر كلماتي سطرا غير مكتوب. سطر فيه كثير من المعاني المتكلمة من غير كلام ~~...! # | رسالة للتمزيق ...1 # وكم حار عشاق ولا مثل حيرتي # إذا شئت يوما أن أسوء حبيبي # وهل لي قلب غير قلبي يسوؤه # ويأخذ لي في الكبرياء نصيبي؟ # ألا ليت لي قلبين: قلب بحبه # مريض، وقلب بعد ذاك طبيبي # ويا ليت لي نفسين: من رئم روضة # ألوف، ومن ذي لبدتين غضوب # وكيف بقلب واحد أحمل الهوى # عجيبا على طبعي وغير عجيب # فوالله إن الحب خير محاسني # ووالله إن الحب شر عيوبي ~~••• # هذه رسالة لن أبعث بها، رسالة مني أنا وإلي أنا، أكتبها اليوم لأقرأها غدا، فقد - والله ~~- كاد هذا الحب يجعلني على اختلاف أيامه أشخاصا مختلفين متناكرين، حتى إنه ليحتاج شخص الغد ~~أن يتعرف ماذا كان خبر شخص الأمس؟ # أكتبها لنفسي، ومتى تنفس غد هذا اليوم النحاسي # 2 # من فجره الذهبي، وأخذت تتسلى هموم يوم في يوم آخر، وضربت موجة من الزمن موجة ~~أخرى فهزمتها إلى الساحل الذي تموت فيه الأمواج، ساحل النسيان المحيط ببحر الحوادث؛ لتتكسر ~~عليه أمواجها العاتية ضربة ضربة. ثم تنسحق وتتلاشى - فحينئذ أقرأ في رسالتي هذه تاريخ الألم ~~الذي بلغ مني الغيظ، ودك أطوادا شامخة من الصبر كنت ألوذ بها في رمضاء الحب، حتى عادت ~~ظلاما كظلال الحصى لا تفيء إليها النملة ... # وأقرؤها ثم أمزقها من سطرها الأعلى إلى سطرها الأسفل، ثم أنحي عليها من كل جهة تقطيعا ~~حتى أدعها مزقا بعدد كلماتها، ثم ms022 أبسط بها كفي إلى الريح، وأقول لها: أيتها الريح التي لا ~~يستطيع أن يرد هبوبها أحد ولا أن يلويها عن وجهها، إن هذا كله ريش طائر من طيور الحب ذبحه ~~الهجر فخذيه إلى حيث لا تلتقي واحدة بواحدة، وانثريه في أمكنة منسية، فإنك تبعثرين به خفقات ~~هذا القلب الذي يحاول أن ينسى ! ~~••• # واها لحوادث الحب، كأنما هي تقع لتغير من الحياة في أيام قليلة ما يغير العمر الممتد في ~~سنوات متطاولة. سل الشيخ الفاني الذي أوفى على المائة فأصبح عمره في الإنسانية صفرين إلى عود # 3 ~~... سله: من أنت؟ يقل لك: أنا الذي كنت أنا من أربعين! بل خمسين بل ستين سنة، ... ~~وسل المحب الذي أضناه الحب. من أنت؟ يقل لك: أنا الذي كان هو من شهر أو شهرين أو ثلاثة! ... ~~وسلني أنا في الهجر لا بل دعها هي تسألني ... # ألا إن شر الحوادث هي تلك التي تنزل بنا فلا نعرف منها إلا أننا كنا نعيش من قبلها، ~~وتتقدم الحياة يوما بعد يوم، ولكن الحي جامد في مكانه من الزمن على ألم يتوجع له ما يبرح ~~أو ذكرى يحن إليها ما يزال! # أنا منذ شهر أرقب منها كتابا ولا يأتي كتابها، ففي كل يوم غضب على أثارة قبله، # 4 # وكنت أرى أن الحب هو الطريقة التي يعثر بها الإنسان على روحه وهو مغشي بماديته، ~~فيكون كأنه في الخلد وهو بعد في الدنيا وأكدارها، فأصبحت أرى الحب كأنه طريقة يفقد بها ~~الإنسان روحه قبل الموت، فيعود كأنه ضارب غمرة # 5 # من الحميم وهو قار في نسيم الدنيا! # ليس لي والله من شدة حبي إياها إلا أن أبغضها وأتجهمها بالكلام النافر الغليظ، وأقول لها ~~... نعم أقول لها، ثم أقول لها: قبح الله الحب إن كان مثل وجدي بك: لا يؤتي الحياة جمالها إلا ~~يسلبها حريتها واستقرارها معا! وأقول لها، ثم أقول لها: لقد أوقعتني من حبك وهجرك بين ~~الشر والذي هو شر منه ... وأقول لها أيضا: لقد يكون ما نراه من حب ms023 المرأة الجميلة فنظنه ~~أبدع ما تحسنه من الرقة والظرف، هو أبدع ما تتقنه من صناعة الكذب بوجهها ...! # ولكن هل تصدق شيئا من هذا، وهي تعلم من فلسفتها، ومن غرائزها أن إرادة البغض إنما هي ~~أقوى دليل على وجود الحب، وهي التي قالت لي ذات يوم: إن ازدراء رجل محب لامرأة يحبها هو حب ~~جديد! # يا ويحي، ماذا أصنع؟ # إن سكت علمت علم السكوت، وقالت: محب يأكل الغيظ من قلبه، وإن غضبت لم يفتها معنى ~~الغضب، وقالت: محب يلتمس أسباب الرضا، وإن زعمت السلوة كان الزعم من حجتها، وقالت: محب يصور ~~قلبه غير تصويره! # يا ويحي! كيف؟ # أيمكنني أن أنزل هذه الصورة الفاتنة من مكانها، وقد أرادت المقادير أن تزخرف بها غرفة ~~الأحلام في نفسي فجعلتها في صدرها؛ لأنها من زينة الله التي أخرجها لي، ولم يجتمع ما أحبه ~~من الجمال في امرأة إلا فيها؟ # وهل على الحب خيار؟ أم هو الجمال الأزلي يستعلن لكل إنسان بالوسيلة التي توافق مزاجه، ~~وتلائم تركيب نفسه على قدر ما يلائمه وعلى أحسن ما يلائمه، فأتى الحب متخذا من الشكل ~~المحبوب وسيلته فلا يكون أكمل ولا أجمل عند كل عاشق من معشوقه؛ إذ هو ليس إلا الصورة التي ~~تتراءى فيها خصائص الجمال العلوي للخصائص التي في روح العاشق وطباعه فتتصل بها من الجهة ~~التي تنفذ منها إلى خالصة قلبه، وداخلة روحه. # 6 ~~••• # أنا لن أبغضها إلا أن تسيء إلي أكبر من إساءة دلالها، بل إساءة تضعها في دمي، دمي الحر ~~الجياش المتحدر إلي من أقصى تاريخ المكارم. # إني لمن أولئك الذين يعرفون أن لهم عروقا سماوية في أرواحهم تتضرم بالشعاع القدسي الذي ~~كان يوما في بعض أجدادهم. إما نبوة نبي، وإما خلافة خليفة، وإما ملك ملك. # وفي مذهبي أنه إذا اجتمع الأذى والحب في قلب، وجب أن ينصرف الحب مطرودا مدحورا، وليس من ~~ذلك بد، ولكن، بالله! أين منها الأذى الممض المؤلم الذي يطرد الحب، ويجعلني أبغضها بدمي ~~كما أحببتها بدمي؟ # إن هي إلا هذه ms024 الإساءة المبتسمة، إساءة الدلال التي تغضب لتجدد الرضا؛ وتبعد لتؤتي ~~القرب معنى غير معناه القديم، وتؤلم لتحدث اللذة الحادة التي يمزاجها الطرب، وترسل الوحشة ~~إلى القلب كأنها سفير سياسي يمضي بأسلوب الحرب ليرجع بأسلوب السلم، وتأتي من كل ذلك ما هي ~~آتية لتجمع عليك من سحر الزمان الذي يهدد الحب، ومع قوة الحسن قوة الرغبة في لذة الحسن، ومع ~~ثورة القلب عليها ثورة الفكر على القلب وعليها! # ليت شعري، أتقوم العاصفة الهوجاء من خطرات مروحة الحبيبة؟ ويقع الزلزال المدمر من رجرجة ~~منديلها في يدها؟ لا أدري ولكن ربما! ربما! # إن لكل حبيبة خيالا ساحرا كأنه خارج من قوى الكون كله لا من قواها الضعيفة، فما تلمس من ~~شيء إلا سحر به على عين محبها فحوله فيما شاء الهوى من صور الخيال المعقولة والمستبعدة، ~~والممكنة والمستحيلة! # وكل حبيبة وصاحبها كالوثن وعابده: في أحدهما الحقائق كلها ما دام في الآخر الوهم ~~كله! # إن المرأة لتكون امرأة وحسب، إلى أن تجد عاشقها، فإذا هي وافقت منه الحب فقد تألهت في قلب ~~إنسان، وصار لها جنتها ونارها، ومضى منها الأمر وكأنها عند محبها تأسر بقوة قادرة على أن ~~تحيي، وتنهى بقوة قادرة على أن تميت! ... وليس ما يصفها به العاشق من فنون الجمال الخيالي، ~~وما يفيض عليها من ألوان التعبير المصبوغ - إلا ما تتوهمه العين البشرية من جلال فوق الحس، ~~ويريد الحس أن يصل إليه كأن هناك في العقائد الإنسانية معضلتين: ما وراء الطبيعة، وما وراء ~~الحبيبة ... # كل يوم أقول في هذه الجميلة القاسية التي أبغضها، أعني أحبها، أعني أبغضها ... إنها لظريفة ~~إلا حين يجب أن تكون ظريفة ... وإن كل محاسنها لا تعن إلا في مساو بقدرها. # 7 # ترى ماذا حبس كتبها عني؟ أتكلمني بهذا السكوت؟ إن السكوت للغة أحيانا؟ أم هي تدعني أبحث ~~عن كلمتها في خواطري وأفكاري لأسر بقدر ما أجد، وأتألم بقدر ما أستطيع؟ أم المحبة قد أخذت ~~تطير إلى النسيان بأجنحة الأنام التي تحمل كل شيء ولا ترجع به. # إن ms025 السكوت من أكبر فضائل المرأة، وقليلا ما وفقت إليه! ولعله أشق عليها من كتمان سرها؛ ~~ولكن سكوت الحبيبة عن كلمات الحب هو الرذيلة، الرذيلة التي لا يعدلها في الغيظ عند محبها ~~إلا أن تنطق بهذه الكلمات - كلمات الحب - لرجل غيره. # اتفقت لي بالأمس حادثة أوحت إلي بهذه الحكمة: قد يكون أدق خيط من خيوط آمالنا، هو أغلظ ~~حبل من حبال أوهامنا ...! # آه آه! ما أراني عند هذه الكلمة إلا قد انتهيت إلى الموضع الذي يحسن عنده تمزيق رسالتي؛ ~~لأقول للريح: خذي ريش طائر الحب المذبوح ... # | القمر1 # «وكانت تأنس بضوء القمر، ويعجبها نوره على الحديقة خاصة، فسألته أن يناجي هذا «الجميل» في ~~رسالة، فقال: حبا وكرامة «للقمر» ... وكتب». # إني لأراك أيها القمر منذ علقت معاني ما أرى، ولكني لم أعرف أنك أنت كما أنت إلا بعد أن ~~وضع الحب فيها بينك وبين قلبي وجه من أهواها، كما يوضع التفسير إلى جانب كلمة دقيقة ... # عندئذ وصلتك قرابة الجمال بوجهها فاتصل بك شعوري؛ وبت على بعدك في أفلاك السماء تسبح ~~أيضا في دائرة قلبي، واستويت متسقا كأن عملك لي أن تتمم فن جمالها بإظهارها أجمل منك، ~~وأمسيت عندي ولك مثلها شكل السر المبهم المحيط بالنفس المعشوقة: يدخل كل جمال في تفسيره، ~~ولا يكمل تفسيره أبدا! # ومن شبهك بوجهها أزهر الضوء فيك ما يزهر اللحم والدم فيها، فتكاد أشعتك تقطف منها القبلة، ~~ويكاد جوك يساقط من نواحيه تنهدات خافتة، وتكاد تكون مثلها يا قمر مخلوقا من الزهر والندى ~~وأنفاس الفجر! ~~••• # أما قبل حبها فكنت أراك أيها القمر بنظرات لا تحمل أفكارا. # كنت جميلا، ولكن جمال ورق الزهر الأبيض، وكنت في رقعتك المضيئة تشبه النهار مطويا بعضه ~~على بعض حتى يرجع في قدر المنديل، وكنت ساطعا في هذ الزرقاء ولكن سطوع المصباح الكهربائي ~~على منارة قائمة في ماء البحر، وكنت زينة السماء ولكن كما تناط مرآة صغيرة من البلور إلى ~~حائط فتشبه من صفائها موجة ضوء أمسكت ووضعت في إطار معلق! # وكنت يا قمر ... كنت ms026 ملء الوجود، ولكنك ضائع من فكري! ~~••• # وأما بعد حبها فأمسيت أراك أيها القمر ولست إلا طابع الله على أسرار الليل في صورة وجه ~~فاتن، كما أن كل وجه معشوق هو طابع الله على أسرار القلب الذي يحبه. # فأنت جميل جمال الجسم البض العاري، تكاد تشبه صدر الحبيبة كشفت أعلاه فظهر في بريق الفضة ~~المجلوة. # وأنت فاتن تحاكي في ضوئك وجهها لولا أنك بلا تعبير. # وأنت ساطع بين النجوم، ولو تجسمت صورة من أجمل ضحكات ثغر معشوق لكانت، ولو تجسمت ~~القبلات المنتثرة حول هذا الثغر لكانتها! # 2 # وأنت زينة السماء، ولكن السماء منك كمرآة سحرية اطلعت فيها حورية من حور الجنة فأمسكت ~~خيال وجهها في لجة من النور، فأنت خيال وجهها! # وأنت يا قمر ... أنت ملء الوجود، ولكنك أيضا ملء فن الحب ...! ~~••• # أتذكر أيها القمر إذ طلعت لنا في تلك الحديقة ... وتفيأت بنورك عليها فغمرت أرضها وسماءها ~~بروح الخلد، حتى وقع في وهمنا أنك وصلتها من سحر أشعتك بطرف من أطراف الجنة فهي ناحية ~~منها؟ # أتذكر وقد رأيتك ثمة قريبا من الحبيبة تصب عليها النور حتى خيل إلي أنها إحدى الحور ~~العين متكئة في جنتها على رفرف خضر # 3 # وقد وقف لخدمتها قمر؟ # أتذكر وقد لمست فكري بضوئك لمسة نور فأظهرتها لي كأنها في جمالها الطاهر شكل ديني وضع ~~ليكون مثالا لعبادة القلب الإنساني؟ # أتذكر إذ نزلت علينا بآيات سحرك فخيلت لي أن العالم قد تحول فيها إلى صورة جميلة مرئية ~~أمست لي وحدي، فملكت العالم كله في ساعة من حيث لم أملك إلا الحب؟ # أتذكر ساعة جئتها بها من فوق الزمن، وكان فيها للحديقة جو من زهر، وجو من قمر، وجو من ~~امرأة أجمل من القمر والزهر؟ ~~••• # أترى يا قلبي كأن في الوجود الذي حولنا أنوثة وذكورة فهو بالقمر تحت الليل يعبر عن نفسه ~~تعبيرا نسائيا في منتهى الرقة؛ لأنه قوي شديد، وفي غايته التفتر؛ لأنه مشوب متضرم، وفي ~~كمال الدلال؛ لأنه في كمال الإغراء، وفي أقصى الحياء؛ لأنه يبعث ms027 بهذا الحياء فيما حوله أقصى ~~الجرأة؟ # تعبير امرأة معشوقة جميلة ترف بأندائها وليس فيها إلا صفات، وبالشمس على النهار يعبر ~~الوجود عن نفسه تعبير رجل مقدام ليس فيه غير القوة والحركة والاندفاع. # تعبير رجل جبار يحمل عزائمه التي يحترق بها، وليس فيه إلا صفات النار! # 4 # أترى يا قلبي كأن مدينة الحياة في النهار بصراعها وهمومها تحتاج إلى قفر طبيعي يفر إليه ~~أهل القلوب الرقيقة بضع ساعات، فلذلك يخلق لهم القمر صحراء واسعة من الضوء يجدون فيها بعد ~~تلك المادية الجياشة المصطخبة روحانية الكون، وروح العزلة، وسكينة الضمير، ويبدو فيها كل ما ~~يقع عليه النور كأنه حي ساكن يفكر. # أترى يا قلبي كأن ضوء القمر صنع صنعة بخصائصها؛ ليبعث في القلوب معاني القلوب الروحية من ~~الفكر والحب، كما صنع نور الشمس؛ ليبعث في الأجسام قواها، ومعانيها المادية من الحياة ~~والدم؟ ... # أترى يا قلبي كأن هذا القمر إنما يلقي النور على الحلم الروحاني اللذيذ الغامض الذي يحلم ~~به كل عاشق من أول درس في الحب، ساعة ترسل الحبيبة إلى قلبه رسالة عنها، ولا يحلم بمثله في ~~غير العشاق إلا أعظم الفلاسفة، وفي آخر دروس فلسفته، وبعد أن تكون الليالي الطويلة قد أطلعت ~~في سماء عمره قمر الشيخوخة من شعره الأبيض؟ # أترى يا قلبي كأن هذا القمر في الحب (تلسكوب) يكبر نوره العواطف حين تبث في ضوئه، فلا ~~يطلع على حبيبين أبدا إلا كبر أحدهما في عين الآخر؟ # أترى يا قلبي أنه ليس في الحب إلا عواطف مكبرة يثيرها دائما وجه الحبيب، فلا بد أن يكون ~~دائما وجه الحبيب طالعة فيه روح القمر؟ # أترى يا قلبي ...؟ آه ... أترى؟ # | قال القمر ... # يا ليل، هيجت أشواقا أداريها # فسل بها البدر: إن البدر يدريها # رأى حقيقة هذا الحس غامضة # فجاء يظهرها للناس تشبيها # في صورة من جمال البدر ننظرها # وننظر البدر يبدو صورة فيها ~~••• # يأتي بملء سماء من محاسنه # لمهجتي، وأراه ليس يكفيها # وراحة الخلد تأتي في أشعته # تبغي على الأرض من في الأرض يبغيها ms028 # وكم رسائل تلقيها السماء به # للعاشقين، فيأتيهم ويلقيها ~~••• # يقول للعاشق المهجور مبتسما: # خذني خيالا أتى ممن تسميها # وللذي أبعدته في مطارحها # يد النوى، أنا من عينيك أدنيها # وللذي مضه يأس الهوى فسلا: # انظر إلي ولا تترك تمنيها ~~••• # أما أنا فأتاني البدر مزدهيا # وقال: جئت بمعنى من معانيها # فقلت من خدها، أم من لواحظها # أم من تدللها، أم من تأبيها # أم من معاطفها، أم من عواطفها، # أم من مراشفها، أم من مجانيها # أم من تفترها، أم من تكسرها # أم من تلفتها، أم من تثنيها!؟ # كن مثلها لي. جذبا في دمي وهوى # أو كن دلالا وكن سحرا وكن تيها # فقال وهو حزين: ما استطعت سوى # أني خطفت ابتساما لاح من فيها ...! # | نظراتها # أكتب إليك يا حبيبتي كتاب عيني؛ إذ أكتب عن نظرتك السحرية التي أجد لها في قلبي معرض فن ~~كامل من صور المعاني الجميلة. فإن نظرة الحب تقع في العين وحقيقة معناها في القلب، كأختها ~~قبلة الحب: هي في الفم، وحلاوة طعمها في الفكر. # أتدرين يا حبيبتي كيف أراك؟ ... إن في عيني من أثر حبك ما جعل في نظري قوة خلق معنوي تريني ~~كل شيء من فوق معانيه، كأني خلقت فيه جمالا أو معنى، أو خلقت فيه القدرة على أن يسمو في ~~روحي، ويرتفع بها فوق ما هو في نفسه وحقيقته، وعلى الجملة فكأني أسبغ الفن على المادة، فإذا ~~كل شيء يرى هو في نفسي شيء ألبس مجازا أو استعارة أو نحوهما مما يحقق فيه مع صنع مادته ~~عمل فكري وخيالي. # في نظري من أثر حبك حس من الفكرة، فهو نظر وتقدير معا، والأشياء لديه مادة وعبارة سواء، ~~والإدراك به حقيقة وخيال جميعا، وبكل ذلك فالجمال في نظري جمال من ناحيتين: حسنه في ذاته، ~~وحسنه في خيالي الذي يجعله أسمى من ذاته. # ولو أردت مثلا أضربه لقلت لك: خذي جمالين في معنى واحد فإني أنشأت حديقة زهر، ولكني لا ~~أقول لك أنت غرست حديقة؛ بل أقول لك: غرست الفجر. # ومن ذلك ms029 يبدع لي الحب فكرة عنك لو هي كانت في خاطر ملك من الملائكة يمر بها في السماوات ~~لما زادت ولا ارتفعت عما هي في نفسي ولو دخل بها الجنة، في هذه الفكرة عنك يا حبيبتي الجنس ~~كله بأحسن ما فيه، وبهذه الفكرة أراك وفيك الجمال النسوي كله، فإذا نظرت إلى غيرك لم أر ~~فيها إلا شخصها هي حسبه. # 1 # كذلك أراك بحس الشاعر الذي يضيف دائما إلى الحياة والطبيعة زوائده وفنونه، ولكني أراك ~~أيضا بحس الطفولة التي تضيف إليها الحياة والطبيعة دائما مثل تلك الزوائد والفنون، فما ~~أحسبني رأيتك مرة إلا وكأني رأيت فيك أول أنثى، وكأنما الحب هو بدء الدنيا مرة ثانية من ~~أولها، أي ولادة خيالية: إن لم تولد بها الأشياء في أشكال جديدة فبألوان جديدة، أي زخرفة ~~الوجود كله ونقشه لعين العاشق بجمال المعشوق، كأن الوجود بيت قد طلي وزخرف ونقش؛ لأنه ~~ستدخله عروس الحب! ~~••• # وانظري الآن يا حبيبتي صور نظراتك في قلبي، فإن لها بعثات من ورائها بعثات، # 2 # وفيها المعاني من تحتها المعاني. # فهذه نظرات تمتد تأمر تشعرني قوة سطوتها كأنها تقول: أريد ... أريد ... ثم لا يرضيها الرضا ~~فكأنها تقول: أريد منك أكثر مما أريد ...! # ونظرات تجيء تشعر النفس قوة سحرها، فلا تتفتر بها عيناك حتى أرى الحياة وقد ملأت وجهك ~~بفن من الأنوثة الساحرة كأنما أبدعته لك خاصة. # ونظرات من عين ساجية ساكنة الطرف كأنها تقول لي: إن نظراتي إليك بعض أفكاري فيك! # ونظرات بتقطع الطرف بيني وبينك فيها كأنها تقول لي أفهمت ...؟ # ونظرة طويلة صارمة لها سيماء قاض محقق تبحث في عن توكيد لتهمة أو براءة! # ونظرات من عين تسأل متجاهلة وقد شطرت بصرها # 3 # كأن فيها فكرين؛ أحدهما يقول أعرفك، والآخر يقول لا أعرفك! # ونظرات الحبيبة لألات بعينها # 4 # كأنها تقول لقلبي: أنت جريء كالفراشة، ولكن على الشعلة المحرقة ...! # ونظرات الجميلة المزهوة كأن فيها شيئا أعلى من أرواحنا يوضح لمحات من الجمال ~~الأزلي. # ونظرات الضاحكة اللعوب تنفر وتتدلل كأنما تقول لي: إنها ms030 تحس بأفكاري تداعبها ~~وتلمسها! # ونظرات الخفرة الحيية التي كأنما تحاول أن تخفي سر قلبين تحت كسرة طرف ضعيفة. # ونظرات العذراء أومضت بعينيها وسارقت اللحظ # 5 # لأن روحها تريد أن تقول: إنها للحب متيقظة! # ونظرات ترنو في سكون واسترخاء كأنها تقول: إن تعبيري هو أن يموت في التعبير! # ونظرات أراها محدجة # 6 # كما تنظر من روعة وفزع حين لا فزع ولا روعة، فاعلم أن الجمال يهاجمني بسلاح ~~خوفه ! # هذه نظرة بريئة، ولكن في شكل خاص من البراءة ... لينبعث منها فجأة معنى ظريف يتماجن ويمكر ~~ويعبث! # وهذه نظرة ناعسة، كأن وراءها فكرا خطرا نائما تجتهد أن لا ينتبه ...! # وهذه نظرة - نظرة واحدة - يقول من يعرف أنساب معاني الحب: إنها ربما كانت ... أخت القبلة، ~~في قصيرة لا ينفتح بها الجفن حتى ينطبق! # وهذه نظرة طويلة قوية في جذبها، فربما كانت أخت العناق! # وهذه نظرة - نظرة واحدة - يجشع فيها بصرك؛ لأن تهمة لك من عيني التقت مرة باعتذار لي من ~~عينك. # وهذه نظرة بين المعنيين تحتمل كليهما: إساءة الدلال إلي وإحسانه علي! # وهذه نظرة بين اللقاءين # 7 # تجذب في قلبي الخوف والأمل بمقدار واحد. ~~••• # تلك يا حبيبتي صور نظراتك في معرض قلبي، وتقابلها هناك الصور الأخرى التي لا تريدين أن ~~أصفها لك؛ لأنها الصور المسكينة: صور أحلامي ...! # | استمداد فلسفة # «وكتب إليها»: # جاءني كتابك، بل جئتني أنت في كتابك، فضممت الصحيفة إلى قلبي ضمة عرفتك فيها من خفقات هذا ~~القلب واضطرابه! وقبلت الكلمات قبلا شعرت من سحرها في نفسي أن هذه الألفاظ قد خرجت من فمك ~~الوردي فجاءت عطرا وحياة وجمالا، ونقلت في الكتاب جوا رقيقا نديا كان مطيفا بشفتيك ~~عند كتابتها كأنه نسمة من الفجر حول وردة تتنفس بعطرها الذكي. # كلما قرأت لك شيئا نفذ إلى روحي بالعطر الذي عطرك الله به. كأن الكلام بيننا أثير تسبح ~~فيه مادة نفسينا: ولو كل الجميلات في العالم لفظن كلمة واحدة ثم لفظتها أنت لكنت أنت وحدك ~~القادرة على أن تصنع روح الجمال، وروح الحب، وروح المرأة ms031 في تلك الكلمة؛ لأن روحي لا تعرف ~~الجمال والحب والمرأة إلا فيك! # ترينني حين أقرأ كتابك بين سحرين تظاهرا من ألفاظك ومعانيك، فتجدينني كالنائم تخلق ~~الذاكرة في خياله أجسام المعاني المحفوظة؛ لتخرج له من الاسم صاحب الاسم، وترد عليه من ~~الحكاية واقعة الحكاية، وتجرد منه شخصا لا حقيقة له ينطلق في عالم مسحور ليست له حقيقة، ~~ويألم النائم ويلذ كأنه من اليقظة لم يزل! ~~••• # يذكرني هذا بما جادلتك فيه يوما من أن هناك عالما معنويا يخلق مما ننساه، ونحن ننتقل ~~إليه أحيانا بالنوم، وأن هذا تمثيل لمعنى الخلود، أو هو من بعض أدلته؛ إذ لست أرى الموت ~~إلا رجعة الروح إلى عالم أنشئ لها من أعمالها في رحمة الله ونقمته. فنحن على الأرض نبني ~~لأرواحنا في السماء، ومنا من يبتني لنفسه المدينة العظيمة بخيراته وحسناته، ومن يبني لروحه ~~السجن الضيق الوعر بآثامه وجرائمه! # ما لي أراني قد اندفعت إلى ما وراء الحياة؟ ولكن هل الحب إلا روحانية ترجع بنا إلى ما ~~وراء أنفسنا لتضيف بعض المجهول إلى وجودنا، وتزيد لنا نعيم الدنيا وآلامها ما لا يزيده شيء ~~آخر غير الحب؟ # لو سألتني من هو العاشق لأجبتك إنه لن يكون عاشقا إلا من أحس أنه قذف به في الابتسامات ~~والنظرات بمرة واحدة إلى مهبط السموات، فيشعر أن نعيمه أهنأ من نعيم الأرض، وأن عذابه أشد ~~من عذابها، وكأنه إذ يتنعم لم يصب أسباب النعيم، بل أسباب الخلود في الجنة، وإذ يتألم لم ~~يجد مادة الألم. بل مادة نارية خالدة على قلبه. # كذلك لا يبدأ الحب إلا من آخر الدنيا، فهو دائما على طرفها، ولو نصب ميزان الآخرة لعاشق ~~من العشاق المتيمين ووضعت كرة الأرض بكنوزها وممالكها في كفة منه ثم وضع حبيبه في الكفة ~~الأخرى، لرجحت هذه عنده؛ لأن فيها حبيبه وقلبه، وبقيت الأخرى. كأن لم يكن فيها شيء، وإن كان ~~فيها المشرق والمغرب! # وأعجب من هذا أننا نجد من الزهاد والمتنسكين من يقطع دهره كله متعبدا منصرفا عن الدنيا ~~إلى ms032 ما بعدها، جاعلا لسان حواسه الأرضية # 1 # دائما سماوي اللغة، ثم لا يجد مع هذا النسك وهذه الروحانية؟ من يقول: إنه ~~كالملائكة على حين أن الكلمة الأولى التي يقولها العاشق في وصف حبيبه ساعة يمس قلبه: إنه ~~ملك، وإنه من السماء، وإنه قانون من قوانين القدر، وإنه الوجود كله مختصرا في نفس إنسانية، ~~والطبيعة كلها ممثلة في ذات لذات أخرى، وإنه مظهر من مظاهر التقديس لا تحيط به إلا معاني ~~الجلال والعبادة فلا يزال القلب يركع أمامه ويسجد! ~~••• # أتذكرين أيتها الحبيبة ما قلته لك ذات مرة وقد رأيت كلبك الصغير الجميل كأنه من تراميه ~~عليك ومن معاني نظراته إليك - عاشق يريد أن تفهميه ... فقلت لك: إنني أراه يحبك بقوة أحسبها ~~تحاول أن تقلبه إنسانا يحب ويعبد، فإن كان هذا في الحيوان ولم يزد على معنى الوفاء ~~والأمانة شيئا، فليت شعري كيف تصنع هذه القوة في الإنسان، وهي فيه أمانة ثم رغبة زائدة ~~عليها، ووفاء ثم غاية أعلى منه، وحب إنساني ذاهب إلى طرفه الإلهي، وشيء معلوم ثم شيء مجهول ~~في المعلوم؟ # إنها والله لن تدعه إنسانا أبدا ما دامت لا تدعه في نفسه. آه، آه! ما أرى الحب إلا قوة ~~تخرج النفس وتشيعها في الوجود كله، أو تدخل الوجود كله إلى النفس وتدعه شائعا فيها، ولهذا ~~فمهما يبلغ من سعة العالم فإنه لن يمتلئ عند المحب إلا بواحد فقط، هو الذي يحبه. # أعرف هذا منك أيتها العزيزة؛ لأني في هذا البعد أراك في كل مكان حتى لكأن هذا الوجود كله ~~ورقة تصوير حساسة مصوبة بآلتها إلى قلبي تلتقط رسمك منه وتلقيه على كل شيء صرفت إليه ~~عيني، وهذا - ولا ريب - معنى من معاني اللانهاية فلعل ناموس الحب لم يخلق إلا لتدرك منه ~~الإنسانية ما يقرب لها فكرة ما لا ينتهي، فمادة الحبيب الممثلة في جسمه وتكوينه لا تفنى ~~أبدا ولا تحصر أبدا. بل هي تنصب من عيني محبه على كل شيء وملء كل شيء. # الحبيب محدود بعاشقه فقط، وهذا مثال ms033 يقرب للعقل كيف يفهم الخلود الذي لا يفنى ولا ينتهي؛ ~~لأنه أبدا ممتد مع الخالق الأزلي الذي لا ينتهي ولا يفنى. ~~••• # عذرا أيتها الحبيبة، فمهما أكتب فلا يزال وراء الكلام ذلك المعنى الدقيق الذي لا يظهره ~~الكلام، وذلك المعنى المعجز الذي هو بلاغة فوق البلاغة، ذلك المعنى الجميل الذي هو أنت ~~...! # | صرخة ألم # «وسألته مرة أن يكتب إليها في أوصاف الألم وفلسفته، قالت: لأن قلبي يجد فيك يا أستاذي ... ~~من يؤلمه، أعني يداويه مما يؤلمه! # فكتب هذه الرسالة والتي بعدها: # وأنا والله يا حبيبتي كسار وقع في ظلمة مدلهمة تحت ليل كأنه رماد قد هيل على جمرات ~~النجوم فأطفأها، وهو على ذلك يخبط في قفر أشد وعورة واستغلاقا من جفاء الحبيبة الهاجرة ~~المتعنتة: لا يعرف الطريق الذي يؤدي إليها كأنها ليست في جهة، ثم بينا هو يعتسف وقد ضل ~~ضلاله شام البرق فحسب الملائكة جاءته من فوقه تحمل مصباحا، ولكن ظلام حظه جعل الملائكة ~~أيضا تطفئ مصباحها، وتدعه لما بين يديه ... # وكذلك أطفأت أنت حتى كلمات الأمل، التي هي كالبرق تضيء ولا يثبت منها شيء، وتلوح معانيها ~~ثم إذا هي مظلمة من كل معنى، وتركتني لآلامي كالحنظلة المرة، لو أنك أمسستها قطرات من العسل ~~لما أحلتها ولا بقيت حلوة. # لا ... لا، بل قطرة واحدة من هذه القطرات تجعل حنظلتي كلها يا حبيبتي قرصا من العسل ما ~~دامت منك. # تريدين أن أكتب أوصاف الألم وفلسفته؟ ألا فاعلمي أن آثارك في هي كتابي إليك ... لا ... لا، ~~بل سأتكلم عن أخرى مثلك هي ... هي الحياة. ~~••• # أكثر تكاليف الحياة في ألمها وتعبها كأكثر أمراض الحياة، فهل من هذا إلا أن كل إنسان مريض ~~ما دام حيا - بأنه حي ...؟ # ونعيش بين الأشياء والمخلوقات، ومنها ما يسرنا كأنه أجزاء في وجودنا قد زيت علينا، ومنها ~~ما يؤلمنا كأنه أجزاء قطعت منا. فهل يؤخذ من هذا الإنسان ما دام مضطرا فهو مريض بأنه مضطر ~~... # فأين إذن يلقي الحي آلامه وفي جسمه مرض يخلقها مندفعة منه، وحول جسمه ms034 مرض آخر يردها ~~راجعة إليه. # أهما مرضان في القوة أم سجنان للقوة؟ أم الألوهية تحقق بهذا الأسلوب الجبار قدرتها في ضبط ~~هذا الإله العقلي المسمى الإنسان فشدته وثاقا من شعوره بآلامه، وجعلت أكثر معانيه ~~الإنسانية هي أكثر سلاسله. ~~••• # إنما أمر الله إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون، ومن شقاء الإنسان أنه طول حياته يزور ~~كلمة الألوهية «كن» ويريد أن يقبض من الأشياء قيمتها ...! # وأشد ما يؤلمه أن يهزأ منه ما يقول له «كن» فلا يكون منه شيء، فالحكيم لا يتألم إلا ألم ~~الحكمة، والجاهل يتألم بآلام الخيبة والعقاب. ~~••• # على أن كل ألم لو حققنا راجع بلذة أو حكمة أو منفعة، وأفراحنا وأحزاننا - على تناقضها ~~تلتقي كلها منسجمة في الحكمة الأزلية التي قدرتها لمن يفرح ومن يتألم. # وما أشبه آلام الإنسان بألم الطفل المدلل. نراه يحزن لكثرة ما يفرح، ويحول ابتسامته ~~دموعا في عينيه فيتغير في صورته دون أن يتغير في معناه، فيضحك باكيا، ويشكو فتكون شكواه ~~طريقة مرح في غير شكلها، ويكون في نفسه معنى واحد ولكن وجهه الغض اللين يضع لهذا المعنى ~~أساليب مختلفة هي أنواع من ألعاب الطفولة. ~~••• # إننا نسر حين تخضع لنا القوة المحيطة بنا فتؤاتينا، ونألم حين تتمرد علينا، ولكن يا ~~ويحنا! ألا يجوز أن نكون نحن قد تعالينا ففتناها، وتكون آلامنا آتية من سموها على المادة، ~~كما ترى وجه الفيلسوف عابسا تحسبه منظر لوعة وهو منظر فكرة سامية؟ # ترفعنا الهموم والآلام؛ لأن عواطف الحزن والشقاء لا تكون إلا من سمو، وهي لا بد أن تكون؛ ~~لأنها وحدها الحارسة فينا لإنسانيتنا، إذ تخلق مع حياة الجسم المادية حياة معنوية للقلب، ~~ونحسها من فقد ما نفقده؛ لأنه لا بد للضمير الإنساني من صوت أليم يقول له أحيانا: أنت ~~سماوي فاترك هذا، وكأن كل لوعة ألم يحسها المرء هي صرخة عاطفة جديدة ولدت في النفس! ~~••• # حين يموت الميت العزيز يولد من موته لذويه الحزن عليه ... تلك بعينها هي طريقة خلق الفضيلة؛ ~~نفقد شيئا فنجد من فقده ms035 معنى. # والمرأة بكل قواها ترعى طفلها وتحوطه وتربيه، ولكن ابنها بكل ضعفه يربي عواطفها ويرعاها ~~ويحوطها، وإن دمعه ليجعلها ترى للأشياء مدامع ... فهو خالق فيها؛ لأنه مخلوق منها، وهذا هو ~~التفسير الذي لا غموض فيه؛ لأنه هو ذاته الغموض الذي لا تفسير له. # وكذلك آلامنا هي أطفال معانينا. ~~••• # وقفت يوما على شاطئ البحر، فخيل إلي أنه عين تبكي بها الكرة الأرضية بكاء على قدرها، ~~وتأملت الجبال فحسبتها هموما ثقيلة مطبقة على صدر الأرض، وفكرت في البراكين فقلت لوعة ~~أحزانها تثور وتهمد. # ثم رجعت بهذا النظر في الإنسان، فإذا له على قدره بحر وجبال وبراكين. # عند الطبيعة: لا ألم ولكنه نظام، وعند الإنسان: لا نظام ولكنه ألم ... # ولعمري، لو أتى للأقدار أن تخاطب البائس المتألم لكان الخطاب بينهما جملتين من القدر، ~~وحرفا واحدا من البائس على هذا النسق: # القدر ~~: # هل عرفت كل السر؟ # الإنسان ~~: # لا. # القدر ~~: # ويحك، فهذا الذي أصابك بعض السر! # | ... وألم الحب # أما ألم الحب، فذاك حين يأتي على اللحم والدم معنى لو تجسم لكان هو الذي يصهر الحديد في ~~موج من لهب النار، ويحطم الصخر في زلزلة من ضربات المعاول ... # هناك الألم المدمر لا يكابده إلا إنسان، كأنما يراد خلقه مرة ثانية فيهدم ويبني، أو يزاد ~~تنقيحه فيغير ويحول. # وأعظمه لأعاظم الحكام والشعراء، فهم وحدهم الخارجون دائما عن هندسة الحياة المنسجمة، وهم ~~وحدهم الذين يتحول كل شيء في أنفسهم إلى حقيقة عاملة فلا يبرحون في تغيير، ومن ثم فلا بد ~~فيهم من هدم ...! # ولا بد لهم من آلام على قياس العظمة، تكون لكل منهم كالبراهين عن نفسه أنه غير إله، وأنه ~~حين يكون بين حكمتين إنما يكون بين ضربتين ...! # تجد الشاعر العظيم وإنه ليكاد يملأ الكون، فلا يضرب بالحب إلا الضربة الداوية تنطبق بها ~~أقطار المشرق والمغرب! # وإنه لضغط بالوجود نفسه على بعض الناس، كضغط الأرض بآلاف الأجيال على بعض الفحم المطمور ~~في أعراقها؛ ليتحول فيكون منه الماس الكريم المتلألئ! ... ألا ما أهولها قوة في تبييض الأسود ~~بطبيعته، ms036 إلى جوهر النور بطبيعته، وفي خلق شمس ألماسية وهاجة، ولكن من ظلمة حالكة انعقدت ~~في التراب! # وما أهول مثلها من الآلام في مضاعفة الحكيم أو الشاعر بقدر إنسانيتين؛ ليتسع لبؤس من ~~الأشقياء وسرورها جميعا، وليكون على مدرجة بين الخليقة وخالقها، وليبقى دائما من ضغط ~~الوجود عليه كأنه محصور في عمر ساعة ألم قد جمدت حوله! ~~••• # أولئك يتأوهون لا بالأنين كغيرهم من الناس، ولكن برعد الأرواح يرجف؛ إذ تنفجر بكهربائها ، ~~ويبكون لا بالدموع، ولكن بسحائب من معانيهم يؤلفها القدر ويراكمها ويضربها، فيسوقها لتمطر ~~على ناحية الجدب الإنساني. # أولئك يتألمون لا بالألم، ولكن بتمزيق في أنفسهم كتمزيق الأرض حين تودع أسرار الزرع، ~~ويتوجعون لا بمقدار عمل الواحد منهم بنفسه، ولكن بمقدار عمل الدنيا به، وليس منهم البائس ~~الحزين الذي نزل به الألم رغما وذلا، ولكن البائس الجميل الذي اتخذته الحكمة؛ ليبدع ~~الصورة الكلامية من جمال نفسه لجمال الكون شعرا وبيانا وفنا. # في موضع تقع الشرارة لتنطفئ، وقد تنطفئ قبل وقوعها، وفي موضع آخر تقع وكأنها ولدت ثمة ~~لتحيا وتكبر، فإذا هي من بعد نار تعمل أعمالها، وكذلك الألم ومن يتألمون # وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم ~~الخيرة ~~. # 1 ~~••• # ومن قسوة القدر على الشاعر العظيم أن لا يجعل حبه حبا خالق الوحي إلا في امرأة على قدر ~~تألهه عظة وسخرية ...! # يقول هو عنها: ما أحوجني إلى معجزة نبي تحول الحجر الذي في ضلوعها إلى القلب ... وتقول هي ~~عنه: ما أحوجني إلى بعض الملائكة أو الشياطين؛ ليكشف لي سر نفسه المخبوءة تحت مكان الصبر في ~~قلبه! # ويعيشان في الحب كما يعيش اثنان في قصة ... وضعها مؤلف خيالي فأحكم عقدتها ... وتخاصم سعادة ~~كل منهما سعادة الآخر، ويعملان كما يعمل الغني الشحيح. يفقد الحياة لينال الدنيا. # 2 # ثم إذا سألت ذلك المسكين الأعظم: ما لذة هذا الحب الأليم اللهفان؟ قال لك: لذته ~~أنه حب! # هي حينئذ كل العذوبة السيالة في روحه، وهي بذاتها كل الأقذاء التي ألقيت في ينبوع نفسه؛ ~~وآلامها ميلاد حقيقي لمعانيه، ms037 ولذاتها أكفان حقيقية لموتى هذه المعاني إذا أريد لها الموت، ~~وكل ما يضع الآلام والأوجاع فيه يضع منها النور في كلماته! # من كونها هي في قلبه يشعر أن الكون فيه، حتى ليقول في وحيه للجبال الراسية على أعضاد ~~الأرض: آلمتني يا أعضائي ... # وتلقي في حياته ألوان عينيها وخديها وثغرها ألوانا وألوانا، فإذا حياة فنية مزخرفة ~~منقوشة بأبدع وأجمل مما في الطبيعة ورياضها وألوانها. # ولاتصالها بموضع السر من روحه، تشعر السر العجيب سر الحب الذي يحير العاشق حين تفتنه من ~~يهواها فيحسب كأن الجنس كله مستحيل وأمكنت واحدة، أو كأن الجنس كله ممكن واستحالت واحدة ~~تعلقها، فكأنه لا جنس بل واحدة فقط ... # وتتصرف به في دلالها وهواها تارة وضدها، فيراها حينا كما ينظر طفل إلى سكرة، وحينا كما ~~ينظر المريض إلى مقبرة! # وإذا هي أنفقت أهلكت بلذة، وإذا هي امتنعت هلكت بألم ... داء لا يدري أنى يؤتى له. # 3 # يا رحمة للمحب الذي يتوجع بآلامه وحقائقها، ثم بمعانيها في روحه وأمانيه، ثم بالصبر ~~عليها: ثلاثة آلام من ألم واحد! # ويا آلام الحب، أنت ثقيلة ثقيلة؛ لأنك نظام التراب في روحانيتي! # ويا آلام الحب، أنت جميلة جميلة؛ لأنك إشراق السر الأعلى في نفسي! # ويا آلام الحب، أنت حبيبة ولو أنك آلام، بل حبيبة لأنك آلام ... # | مني السلام # مني السلام على من لو تصافحها # يد النسيم، أحست غمز آلامي # مرت على الورد في الأكمام فارتعشت # أسى، وقالت: أهذا قلبه الدامي؟ # وأبصرت غصنا ظمآن منطرحا # فما رأت فيه إلا بعض أسقامي # وتسمع الطير صداحا بأيكته # يشكو، فتسمع في شكواه أنغامي! ~~••• # حقيقة الحب فيها، ثم تظهر لي # كأنني عالق منها بأوهام # يا للعجيبة للمرآة! أنظرها # ولا أراني فيها وهي قدامي ... ~~••• # يا أخت شمس كلون الخد مشرقة # وأخت بدر كنور الوجه بسام # ما كنت مثلهما إلا لتبتسمي # على ليالي في حبي وأيامي # | الحبيبات والمصائب ... # «وكتبت هي إليه # 1 ~~»: # كنت أقرأ الساعة في كتاب ... لذلك النابغة الفرنسي الذي أخرجه الحب للشعر فأخرجه الشعر ~~للإنسانية. # هو (فلان)، هذا ms038 الرجل الذي ولد مرارا في الحياة، فإن الشاعر العظيم لا تلد منه أمه إلا ~~الجزء الأرضي الآتي من المادة؛ ليفنى في المادة، أما الأجزاء الروحية السماوية التي هي ~~زيادة فيه على الناس؛ ليكون أكبر من الناس، فهذه - كما قلت لي أنت مرة - تلده الحبيبات و ... ~~ومصائب الدنيا! # أترى يا عزيزي مصائب الدنيا نوعا من الحبيبات في بعض وجوه الشبه واتحاد الغاية ومطابقة ~~الحكمة؟ ... لك فلسفتك، ولكني أرجو أن لا يكون أنا الموحية إليك بهذا المعنى ... # الألم في الحب والألم في المصائب: كلاهما أسلوب إلهي رحيم على قدر ما هو عنيف، يؤتي من ~~القوة بمقدار ما يبتلي من الضعف، وينتهي إلى السعة في الروح كما يبتدئ بالضيق في الحاسة، ~~وينشئ فينا مع النظرة المتألمة أو المتحزنة أو المتكسرة نظرات أخرى، منها النظرة المفكرة ~~والشاعرة والمتحدثة في صمتها واسترسالها بأسرار عالية كانت معانيها من السمو الروحي؛ لأن ~~لغتها من الأوجاع والأحزان! # ذلك الأسلوب القاهر لا يزال يتقصى بالوجيعة، ويتتبع بالشدة حتى يخرج من الإنسان الموهوب ~~ما تخرج حبة الرمل من حيوان الصدف حين تندس بخشونتها في لينه، وتنغرز في لحمه إبرة حياة ~~فإذا تاريخ ألم طويل حي لا يزال يستخرج ما يكونه حتى يلتف ويتغشى ويستكمل، ثم تكنز منه ~~الطبيعة كنزها، فإذا أنت من حبة الرمل بحبة لؤلؤ ... ~~••• # شاعرنا الفرنسي هذا يشبهك يا صديقي شبها تاما، حتى كأن التاريخ يعيده فيك، مملوء من ~~كبرياء العقل وكبرياء الغضب على الحياة، فليس يراه أحد في وقت يكون فيه مع الأشياء ... إلا ~~حسبه - لاهتياج نفسه وعنفوانه - كأنه خارج لتوه من عراك أو خصام ...! # لقد قلت لي يوما: إذا كلمتك عن خصومك والمفترين عليك من حاسديك، إن عداوة الأعداء مهما ~~كثروا ينسيها حب حبيب واحد، ولكن عداوة حبيب واحد لا تنسيها صداقة الأصدقاء مهما ~~كثروا. # فشاعرنا هذا ... دائما يرى كأنه به عداوة حبيب، ومذهبه هو مذهبك بعينه، هو أن الحب الذي هو ~~في جملته أعلى الصداقة، هو في أشياء كثيرة إلف العداوة أيضا # 2 ~~... ~~••• # ولنرجع إلى ms039 الكتاب. # أتذكر إذ التقينا وليست بيننا شابكة، فجلسنا مع الجالسين لم نقل شيئا في أساليب الحديث، ~~غير أننا قلنا ما شئنا بالأسلوب الخاص باثنين فيما بين قلبيهما؟ # وشعرنا أول اللقاء بما لا يكون مثله إلا في التلاقي بعد فراق طويل، كأن في كلينا قلبا ~~ينتظر قلبا من زمن بعيد؟ # ولم تكد العين تكتحل بالعين # 3 # حتى أخذت كلتاهما أسلحتهما ... وأثبت اللقاء بشذوذه أنه لقاء الحب! # وقلت لي بعينيك: أنا ... وقلت لك بعيني: وأنا ... وتكاشفنا أن تكاتمنا! # وتعارفنا بأحزاننا كأن كلينا شكوى تهم أن تفيض ببثها؟ # وجذبتني سحنتك الفكرية النبيلة التي تضع الحزن في نفس من يراها، فإذا هو إعجاب، فإذا هو ~~إكبار، فإذا هو حب؟ # وعودت عيني من تلك الساعة كيف تنظران إليك؟ # وجعلت أراك تشعر بما حولك شعورا مضاعفا كأن فيه زيادة ولم يزد! # وكان الجو جو قلبينا. # وتكاشفنا مرة ثانية بأن تكاتمنا مرة ثانية ...! ~~••• # آه! قلت: ولنرجع إلى الكتاب، ففي الكتاب قصة محب تبدأ هذه البدأة، وتجري في هذا المنزع، ~~ثم تطرد وتنساق فلا يقرأها من عرف الحب إلا أحس كأن خيال ذلك المحب قد خرج من الكتاب ولزمه، ~~لشدة ما تؤثر القصة في النفس، حتى لكأنها حادثة وقعت لمن يقرؤها، أو كأنه يرى القصة رأي ~~عين. # رجل وقع من الحب بين لا، وليت، وهيهات ولات # 4 # بين التمني بأسلوبين، والبعد عما يتمنى بأسلوبين أيضا، فأحب ليتعذب، وتعذب ~~ليتصل بمعنى نفسه، واتصل بنفسه؛ لينفذ منها إلى طرف من معنى الألوهية، وإن أردت الاختصار ~~قلت لك: إنه أحب ليتأله! # هل تفعل بسمات الحبيبة كل هذا؟ ألا قل لي من أنت، فإن الكتاب لا يقول لي شيئا؛ وما كنت ~~أقرؤه بل أقرؤك. # 5 # ماذا ترى في الابتسامات؟ أمر تسقط عليه بندى السماء في نشر الروض وعطره، أم تلذع قلبك ~~بالخمر الضاحك الذي لا يقال فيه حين يشتعل إنه اشتعل، بل إنه، بل إنه تندى ... ذلك الجمر ~~الذي يحرق من غير أن يتضرم، فلا يفني ما يحرقه ولا يأخذ منه، بل ms040 يصبح كلهيب الياقوت في ~~الياقوت وديعة إلهية جميلة في شكل النار؟ ~~••• # في كل صفحة من الكتاب كنت أراك فأرى المعاني شعاعا فكريا منبعثا من جبهتك السامية لا ~~من الأسطر وأوراقها. # كأس الكتاب مملوءة بماء الشعر العذب؛ ولكن مؤلفه لم يناولني كأسا بل نقلني إلى الينبوع ~~المتفجر؛ إذ نقلني إليك. أعطاني هو مادة القراءة، وهيأت لي أنت مادة الفكر فيما أقرأ فوضعني ~~هو في الكتاب ووضعتني أنت في نفسي! # روحية الكلام المكتوب يا صديقي هي وحدها التي تجعل الكتاب عالما من العوالم يحمل دنيا ~~مستقلة وإن كان هو يحمل في اليد، ولن يستطيع مؤلف أن يخلق في كتابه هذه الروحية، بل يبثها ~~القارئ فيها يقرأ من ذات صدره أو ذات نفسه: فلا بد للمؤلف الناجح من ثلاث: نوع الكتابة، ~~ونوع الأسلوب، ونوع القراءة؛ ومتى أصاب هذه الثلاث التأم قليله بالكثير، واجتمعت فصوله ~~بالحوادث؛ وتلبست كلماته بالأعمال، ووجد من قرائه تفسيرا لكل ما يقول؛ فإذا هو قد ارتفعت ~~به الحال فلم يعد كاتبا ينتظر قراءه بل نبيا ينتظر المؤمنين به؛ لأنه خارج من إحدى نواحي ~~القلوب، وراجعا إلى القلوب من ناحية أخرى. ~~••• # وقصص الحب متشابهة، ولكن لكل منها طعما ومذاقا وأثرا، كأن كل حب هو نفس جديدة، فهو ~~بذلك قصة جديدة، وعلى هذا القياس يمكن أن نقول: إن الحب هو تجديد النفس. # هذه النفس تسأم الحياة فتريد أن تخرج منها وهي فيها، فلا يصنع لها هذه المعجزات إلا ~~الحب. # والنفس قديمة، فتحاول أن تتوهم إنسانية جديدة خاصة بها فلا يأتيها بهذه المعجزة إلا ~~الحب. # والنفس بين سماء وأرض لا بد لها منهما؛ فتنزع أحيانا إلى أن تكن بين سماوين رجاء أن يكمل ~~إشراقها، فلا يخلق لها هذا الخلق المعجز غير الحب! ~~••• # أنا الآن حزينة وقد حضرني بثي # 6 # فأطرقت إطراقة طويلة عند هذه الكلمة؛ إذ الجديد لا يبقى جديدا إلا مدة ما، فهل ~~ترى يستمر الحب حبا؟ # آه من سيل الزمن الطاغي العنيف المندفع دون رد على وجودنا بهذه القوة الماحقة المستأصلة، ms041 ~~قوة ما لا ينتهي، تندفع لتكتسح في طريقها ما ينتهي! # أيها السيل الأزلي الذي لا يرحم ولا يبقي! من هذا الذي يستطيع أن يضع لك سواحل وشطآنا، ~~ويقول لك: استقر هنا يا بحر الزمن؟ # وأنت أيها الحب! من الذي يقيم عليك سواحلك وشطآنك، ويقول لك: استقر ولا تذهب في السيل ~~...؟ # أيها الصديق! وأنت ... # | رسالة الابتسامة # يدمدم الحب على قلبه # كأنه في نفسه ينهدم # 1 # برجفة حاملها لم يزل # ممزقا في القلب لا يلتئم ~~••• # زلازل البركان لما دعت # أن سئمت بركانها المحتدم # أجابها الله الطفي وارجفي # من شفتي محبوبة تبتسم ...! # لا يمكن القلب أن يعانق القلب، ولكنهما يتوسلان إلى ذلك بنظرة تعانق نظرة، وابتسامة تضم ~~ابتسامة. # تلك يا حبيبتي كلمة سماوية مخلوقة من الضوء في شفتيك الجميلتين تعبر عن كل شيء بحركة ~~واحدة لا تتغير ولا تختلف، على حين أن معانيها في النفس دائبة في تغيرها واختلافها. # وفي عينيك الأحلام رهيبة غامضة، ولكن على شفتيك معاني الأحلام واضحة مفسرة: فابتسامك هو ~~كلامك الذي لا تتكلمين به، وهو يختلج؛ لأنه حركة ظاهرة لفكرك في الحب، ولذلك هو دائم متنوع، ~~دال على معنى ... وهو يضيء ليومئ بإشارة سماوية إلى سر المجهول الذي يتحجب في جمالك، ولكنه ~~لا يكاد يومض حتى يطفئه هذا السر، فيعود فيستطير، ثم يعود فيختفي، ثم يعود ثم يعود. # أهناك نزاع على حقيقة خفية من الحقائق الجميلة لم تجد لها مخبأ إلا ثغرك الجميل؟ # أم لك فكر شعوري موسيقي فهو يرقص دائما على وزن من ابتسامك؟ # أم في قلبك مادة من النجوم فهي دائما تلمح لمحها في سماء وجهك النيرة فيسمون لمحها ~~ابتساما؟ # أم ثغرك يبتسم دائما؛ لأنه بطبيعة جمالك وظرفك يتهيأ دائما لقبلة؟ ~~••• # يجد الطفل على كل حالة وفي كل مكان سرور نفسه، لسبب واحد وهو أن ابتسامه أبدا معه فهو لم ~~يملك من الوجود شيئا بعد، ولكنه أغنى من عليها بهذا الكنز الذي خبأته السماء فيه فينفق منه ~~فيما لا تباع كنوز الأرض ولا تشترى! # ولولا هذا الابتسام ms042 في هؤلاء الأطفال وأنه على أفواههم كالنبض في قلوبهم لما نفعتهم نافعة ~~في تحصيل النمو للجسم، والصبر للطبيعة والاستقرار للعاطفة، والهدوء للنفس، والسعة للعقل، ~~ولضغطت الحياة أجسامهم ونفوسهم اللينة في قوالب معانيها المحدودة الضيقة المصبوبة من الضجر ~~والآلام والهموم، فما يكبر من بعدها على الأرض طفل أبدا، ولكن ابتسامهم من كل قيود المادة، ~~هو أشعة إلهية تذيب ما حول القلب الصغير من المعاني الضاغطة عليه، ولو كان معنى روح جبل ~~صخري من الهم! # ولا تزال الجنة مع الطفل، حتى إذا كبر قيل له كما قيل لآدم: اهبط منها ...! # أكل آدم من الشجرة، ولا شيء يضيع في الكون، فأين الحلاوة التي ذاقها في الجنة؟ # هي في أفواه الأطفال ... ~~••• # ويتبسم الطفل ويضحك، ونحسب ذلك على مقداره. كلا، إنه وإن يكن طفلا صغيرا في ملء جلده، ~~وعلى وزن جملته، ولكن مادة ابتسامه على مقدار الطبيعة كلها؛ لأن عظمة الكون هي التي ترعاه ~~بهذا الأسلوب الصغير. # هو لا يحيا في العالم، بل في معاني نفسه، وبذلك هو دائما فوق الدنيا. # ومن حياة الأطفال المنحصرة في معاني أنفسهم، ندرك، سر الحب وسر السعادة، فإن كل لذة الحب، ~~وإن أروع ما في سحره، أنه لا يدعنا نحيا فيما حولنا من العالم، بل في شخص جميل ليس فيه إلا ~~معاني أنفسنا الجميلة وحدها، ومن ثم يصلنا العشق من جمال الحبيب بجمال الكون، وينشئ لنا في ~~هذا العمر الإنساني المحدود ساعات إلهية خالدة، تشعر المحب أن في نفسه القوة المالئة هذا ~~الكون على سعته، فتمر النفس حينئذ في سبحات اللذة الروحية، من الجميل، إلى الجمال، إلى ~~الطبيعة، إلى الله جل جلاله. # 2 ~~••• # إما ابتسامتك أنت ... # أنك حين تمنحين نظرتك وتتبعينها الابتسامة التي تفسرها أقول عندئذ في نفسي: لقد علم الله ~~علمه في حكمته ورحمته، فلما خلق الحقيقة من قوته عابسة جافية، قابلها من رحمته بالحبيبة ~~متبسمة رقيقة ... فلعل المرأة الجميلة أسلوب في الفرع الإنساني كأسلوب إنشاء الزهرة في ذات ~~القوة الخشنة التي تنبت الشوك. # ولك ابتسامة يزيد سكون ms043 الطرف من غموضها، والأخرى يزيد استطلاق وجهك من صراحتها، والثالثة ~~على استحياء كأن وعدا معلقا فيها. # ولك ابتسامة ملحنة كأنها نشيد وجد، يترقرق فيها صوتك الرخيم الذي هو أيضا تصوير ~~الابتسامة بحروف ورنين. ~~••• # المعنى الذي يتحول بغيره، يقابله المعنى الذي لا بد أن يحول غيره. إنها مشكلة عجيبة كأن ~~حلها أعجب منها. # فما توجد امرأة هي جميلة فاتنة في وهم رجل، إلا انبعث من شخصها معنى ليس في أحد غيرها، ~~كأن فيها وحدها ما لا يوجد في آدمي، وفي هذا السيال المعنوي يذوب كل شيء، وترى هذا الرجل ~~يصغر للحب - ولا أقول يصغر به - فيرجع كالطفل تتولاه الطبيعة متمثلة في امرأة ... امرأة تعمل ~~وحدها فيما يسوء، ويسر عمل الدنيا، وأكبر من عمل الدنيا! # لكل محب مع المخلوقات التي يعيش بينها مخلوقات من خواطره وآماله، وهذا برهان آخر على أن ~~الشخص المحبوب أحد قوتين متقابلتين في الخلق. # 3 # وقد تهتم الحبيبة أن تكاشف محبها، ولكنها بابتسامة ظريفة ترد أفكارها الخطرة إلى أماكنها، ~~وبهذه الابتسامة عينها تزعج في نفس محبها تلك الأفكار من أماكنها. # آه من تلك الابتسامة المرحلة الذاهلة! عليها لعيني المشتاق سمة من فتح ذراعيه، وضم ~~وقبل! ~~••• # في ابتسامة الحبيب يتنقل العاشق بروحه بين المعاني والخيالات الشعرية السماوية، وفي تلك ~~النظرات منه يسافر بقلبه إلى أحلامه البعيدة كما يسافر الفلكي بعينه إلى النجوم في ~~(التلسكوب). # يسمونه ابتساما، ولكن حين يظمأ النبات لا يقول للناس: أريد الماء، بل يقول للشمس وحدها. ~~أريد من شعاعك البارد العذب يا حبيبتي! # الماء حين يبصر تحرق الإسفنج وقد جف وانكمش يقول: إن كل ثقب من هذه الثقوب نفس ~~ظمأى. # كذلك أوحي إلي أن محبا قبل حبيبته في روضة عند شجرات من الورد، فأشارت إحداهن إلى ~~شفتي الجميلة المضمومتين، وقالت لصواحبها أسمعتن قط أجمل همسا من هذه الورود الصغيرة وهي ~~تتفتح ... ~~••• # الزمن كله موسيقى عند المحب، ولماذا؟ # لصوت حبيبته. # والزمن كله ربيع في رأي عينيه، والدليل؟ # ورد خديها وشفتيها. # والزمن كله جمال في نفسه، والبرهان؟ # كلها ms044 كلها ... ~~••• # وهل أبدع الله الفهم الجميل المبتسم بهندسته وتقسيمه إلا ليبدع هو في ابتساماته فن الروح ~~حين لا تستطيع أو لا تريد أن تتكلم فترتعش ...؟ # كلام الفكر من اللسان، وكلام القلب من العينين، أما كلام الروح فهو هذه الحركة البليغة ~~وحدها! وحدها! # أليس تألق الماسة هو وحده لغة معدنها النفيس؟ # والألفاظ تجيء وفي نطقها معانيها، ولكن ابتسام الحبيبة هو يستخرج معناه من محبها! # واللغة رابطة بين النفس والمادة، وأما الابتسامة فرابطة بين الحس والقلب. # إنها الروح تأخذ عن روح أخرى في حالة من الحالات النفسية الخالقة، تحول كل شيء إلى لغة ~~حتى اللحم والدم. # ورب ابتسامة على شفتي حبيبة هي خطاب لكل حواس محبها. ~~••• # عندما تبتسمين أشعر بحرارة أفكارك في دمي ... # وفي تضرج وجنتيك لا أرى احمرارا، ولا خجلا ولا حياء، بل أرى قلبك يتكلم بلون ~~خديك! # إن للقلب أربع لغات يتكلم بها: واحدة منهن بالألوان في الوجه والثانية بالدلال في الجسم، ~~والثالثة في النظر بالمعاني، والأخيرة وهي أسهلهن وأبلغهن. يتكلم بكل ذلك في ~~ابتسامة. ~~••• # ومع ابتسامة الحب يأبى فم الحبيب أن يلفظ كلمة لا يقبلها فم حبيبه، يا لها فكرة ملائكية ~~معلقة على فم ...! # | جواب الزهرة الذابلة # «وتلقى منها ذات يوم كتابا، فلما فض غلافه لم يجد فيه إلا زهرة ذابلة، فكتب ~~إليها»: # قرأت يا حبيبتي هذا الكتاب الذي لم تكتبيه ... ونسمت شفتاي ذلك السر الذي فيه، وكدت أقول ~~إنها هي نسمات عطرها سحرتها في هذه الأوراق بسحرها، ولكني تأملت الأوراق الذابلة فخيل إلي ~~من ذواها وطيبها، أنها أجسام قبلات حارة احترقت على شفتي حبيبها ...! # وفهمت من العطر أن الرسالة مكاشفة بالحب أو مناسمة: ولكني فهمت من الذبول أنها معاتبة في ~~الحب أو مخاصمة! ~~••• # وقالت لي الزهرة يا حبيبي: ~~«بلى أنا كوكب عطر من يدها الجميلة في فلك زهري غض، ثم انتثرت من فلكي وذبلت؛ لأني انتثرت ~~من فلكي ...! # وقد نشأت في روضتي على أملود ناعم ريان، فلما صرت في أناملها على أغصان اللحم والدم في ~~روضة الجمال، أحسست ms045 أني بت قلبا يحب ويعشق، ومرضت لأني بت قلبا يحب ويعشق ...! ~~«وكنت أنفح بالعطر والشذى الفياح، فلما لمستني شفتاها لمسة عدت أفوح بالحب، وهجرتني لأني ~~عدت أفوح بالحب ... ~~«وكنت تمثال النشوة والفرح: فلما رفت بي على خدها رفتين، صرت تمثال السكر والعربدة، ~~واطرحتني لأني تمثال السكر والعربدة. ~~«وكنت بملء النضرة أفيض منها على الكون، فلما وضعتني ساعة على صدرها التهبت كشعلة هوى، ~~ونبذتني لما أحست بي على صدرها كشعلة هوى ...». ~~••• # وقلت للزهرة يا حبيبتي: # إنما أنت كلمة أيتها الزهرة الذابلة، وما ذبولك إلا سحابة على نور معنى من ~~المعاني. # أفمن لغة القبلة أنت، وقد جئت رسالة من شفتيها إلي فانكمشت من حياء وخفر؟ # أم من لغة الابتسام، وقد جئت تحية من وجهها وفيك ذلك المعنى من غموض الدلال، فأنت موجهة ~~إلي ولست موجهة إلي؟ # أم أنت من لغة اللمس، وقد جئت سلاما من يدها، وهذا التجعيد فيك شدة حب وضغطة شوق؟ # أم أنت من لغة النظر، وقد جئت ذابلة متناعسة؛ لأن فيك نظرة من غرامها تنظر ولا ~~تنظر؟ # أم أنت من مادة العناق، وقد جئت هالكة ضما من انطباق صدرين تحتها زلزلتا قلبين ~~ترجفان؟ # أم أنت ...! آه! أم أنت من لغة النسيان، وجئت رسالة هجر منها، وهذا الذبول الذي فيك هو مرض ~~الجفاء ترسله إلى قلبي؟ ~~••• # ولكن ماذا قلت أنت للزهرة يا حبيبتي؟ # أما إنك قلت لها: إن كتابة العطر لا تقرأ ...؟ # إن كلام النية لا يتكلم ...! # إني أضن عليه بكلمة ...! # | يا للجلال # رسالة الجاذبية # آه لو أسطيع أن أخرجها # من زماني، إنني لا أستطيع # آه لو أسطيع أن أدخلها # في حياتي، إنني لا أستطيع # قدرت قدرتها في ... فلا # أستطيع قدرة لا أستطيع ... ~~••• # كل من يكذب في الحب قدر # 1 # إن أطاق الحب - والله - غدر # وصحيح الحب حبه هدر # كل ما يسطيع أن لا يستطيع ~~••• # في عينيك يا حبيبتي سحر ظاهر بمعانيه يلقي الحب على من ينظر إليه. # أهو سر الضرورة الذي يشعرنا من معانيك الرحيمة بمعانيك القاسية؟ # أم هو ms046 روح اضطراب مجهول أودعتك القدرة إياه؛ ليخلق حولك العواطف القلبية؟ # أم هو استبداد الجمال الذي خصصت به؛ ليكون قلبك وحده في قوة القلوب كلها؟ # أم هو ذلك المعنى الخالق الذي يفيض على جمالك تمييز جملتك البديعة في شيء شيء وفي حسن ~~حسن؟ # أم أنت أنت، وذلك السر في عينيك معنى «أنت»؟ ~~••• # دائما يضيف وجهك إلى كلامك بلاغة إلهية: # ولو نطقت بألفاظ القوة التي تشبه أجراسها صلصلة السلاح # 2 # لخرجت من شفتيك متنهدة. # ولو تكلمت بأشد ألفاظ القسوة؛ لذابت في حلاوة شفتيك، ومتى نطقت باسمي خرج من فمك سكران ... # أي سر هذا الذي يجعلك على كل أحوالك تفيضين بالقوة كأنما بنيت على شكل لا يزال يجمعها ~~في نفسه ويبثها من نفسه؟ # إنه ولا ريب طابع الجاذبية على القوة. # وأي إبداع هذا الذي يظهرك في محاسنك مظهر كون خلق كله من الزهر، وهو جميل في مجموعه ~~بأجزائه وفي أجزائه بمجموعه! # إنه ولا ريب طابع الألوهية على المعجزة. ~~••• # حولك ما نحسه ولا نعرف منه إلا أنه حولك وحسب، والجو الذي أنت فيه ينعكس عن جمالك في صورة ~~سحرية، فلو أنني طفت العالم كله لرأيته من حولي أينما كنت، وأبصرت وجهك دائما أمام عيني ~~كأني محدود بك في حدود مسحورة تدعك حيث أنت، وتمضي معي حيث أكون! # وما الوجود إلا انسياب قوى المادة بعضها في بعض، وفي هواك تنساب القوى من روحك إلى روحي، ~~فالأصل الذي بني عليه الكون في منافعه بنيت أنت عليه في محاسنك، كأنما هو يعرض قوانينه التي ~~تحس ولا ترى في صورة منك تحس وترى، وتزيد على الرؤية أنها آخر حدود العشق، وعلى العشق أنها ~~أول حدود العبادة. # أما والله لو ناديتك بغير اسمك يا حبيبتي لما وضعت لك إلا اسما من معانيك، ولو سميتك ~~بهذه المعاني لما ناديتك إلا بهذا الاسم العظيم: يا نسوية العالم ...! ~~••• # نارية في غير نار! آه من يفهم هذا؟ ولكني أحسه منك حتى لا أرى جسمك إلا مضيئا مشتعلا ~~بالشباب والجمال، وتالله إني لأحسبك في ms047 بعض سبحاتي نارا مدمرة كأنك تقذفين على قلبي منفجرة ~~فيه: ويشتد بي الوجد وأضيق، فما أظن الحب إلا عداوة ساخرة تهزأ بالناس فتجيئهم متلطفة في ~~غير أسلوبها، وعلى غير طريقتها ومن غير أهلها، من الحبيب ... من الحبيب على أنها عداوة ~~...! # أتلك تلك يا قلبي نار وتدمير وعداوة؟ أم أنها ترتجف من جاذبيتها على زلزلة لا تهدأ ولا ~~تقر، ولا بد لها أن تتم عملها بطريقتها العنيفة؟ إن فيها حركة الجذب، وإن في حركة ~~المقاومة، فأنا المتألم بطبيعتي؛ لأن انجذابي إليها إن هو إلا اصطدام معاني بمعانيها، ~~واندفاع ما يتحطم إلى ما يحطمه، ولكن يا لها من عجيبة، إن هذه هي بعنيها لذة الحب؛ إذ كان ~~تحطيمه فينا هو تغييره فينا، وبذلك يجدد الحياة، أيامها وأشياءها ومعانيها، ويضع في كل أمر ~~غراما، ويجعل لكل شيء عينا كحيلة ... # وراءك يا حبيبتي فكرة مختفية كأنك أنت عملها على حين كأنما هي من عملك. أيكما يا ترى ~~الخطر المستور بجماله؟ # مع جاذبية الألوان والعطور في ثيابك وحلاك جاذبية أعطرك وأزهى في ملبس معانيك من العواطف، ~~وفي ملبس روحك من الدلال، ولا يعدلك في هذه الفتنة الكاسية إلا السماء في فتنتها للرجال ~~الإلهيين، حين تلبس حرائقها من شفق الصبح. # يا للجلال! إذ تفسر الطبيعة نفسها الغامضة بامرأة جميلة؛ لتحقق بها في النفس العاشقة وهم ~~الكمال الإنساني المستحيل الذي يخيل لها اندماج الكون بجلاله العظيم في ذاتية إنسانية، ~~ذاتية المحبوب المخلوقة على مساواة وتقدير من محبها لتجذبه وتفتنه، فتخرج به من حكم عقله ~~فتنفذ أقدارها في أقداره، فتعقد على أطراف حياته بعقدة عاطفية واحدة تستطيع بها تلك المرأة ~~أن تهزه من كل نواحيه بأيسر لمسة! ... ~~••• # إنما الكون كهربائية، ولا بد في الكهربائية من سلب وإيجاب؛ فمن يدري لعل كل متحابين هما ~~مظهر كهربائي لا يحوطهما إلا جو النفس المحترقة تشعل بالضحكات كما تلتهب بالدموع! لأن هذه ~~وهذه مادة حب ساطعة في مظهرين! كاللهب؛ تكون فيه مرة شدة الانبعاث فكأنما يضحك، ومرة فترة ~~الانطفاء فكأنما يبكي، ويقع ms048 الإيجاب في السلب فيحدث الحب، ويحدث فتكون الجاذبية، وتكون فإذا ~~إنسان يعانيه قد احتل إنسانا في مادته فتفاعل أجزاؤهما، فلن يكون الحب والبغض منهما إلا ~~فوق الاعتدال؛ إذ في واحد تتهارب أجزاء من أجزاء، وفي الآخر يفنى بعضها في بعضها. # إنما هي قوة تلبست الصورة؛ لتعمل بها عملا في نفسها، وتدل بها دلالة في غيرها، فحبي ~~المخلص الشديد معناه فيك أنت الحسن الخالص الفاتن، وتفكيري في محاسنك معناه في أنا: خلق لغة ~~الأشياء الجميلة ليتصل عقلي بحقيقتها. # وإحساسي بك وحدك معناه في الوجود إحساسي بجماله كله. # والآن وأنا أكتب إليك ... تتمثلين لي فأرى تقاسيم الحسن فيك فأقول: وما هذه التقاسيم ~~البديعة؟ # ألا رفقا بالقلب الذي أجابني إنها تركيب المغناطيس الغرامي، وتوزيعه في أماكنه على هندسة ~~الجاذبية: رفقا بالقلب الذي تلمسينه من جاذبيتك بالنظرة والكلمة والفكرة كأنه حولك لأنك ~~حوله ...! بالوحي، والخيال، والحسن ... # من أجل الإبداع، والسمو، والحب. # أنت في نفسك، وأنت في معانيك، وأنت في! # | الأشواق # هأناذا يا حبيبتي أجلس لكتاب الشوق، وفي يدي القلم، ومعانيك مني قريبة تكاد تحس وتلمس على ~~تباعد ما بيننا؛ لأن كل ما فيك هو في قلبي. # وهذه عينك الظاهرة دائما بمظهر استفهام عن شيء؛ لأن وراءها نفسا متعنتة تأبى أن ترضى. ~~أو حائرة لا تكفيها معرفة، أو غامضة تريد أن لا تفسر، أو على الحقيقة؛ لأن وراءها نفسها ~~فيها التعنت والحيرة والغموض، إذ عرفت أنها معشوقة. # هذه عينك من وراء البعد تلقي علي نظرات استفهامها فتدع كل ما حولي من الأشياء مسائل تطلب ~~جوابها من حضورك ومرآك لا غير، وبذلك يهفو إليك القلب بأشواق لا تزال تتوافى، فلا تبرح ~~تتجدد، فهي لا تهدأ ولا تسكن، وكأن غيابك سلب الأشياء في نفسي حالة عقلية كانت لها، كما ~~سلبني أنا حالة قلبية. # وآه من تباريح الحب! إنها لوحوش من الأحزان ثائرة، فكل راجفة من رواجف الصدر # 1 # كأنها من حر الشوق ضربة مخلب على القلب. # الشوق؟ ما الشوق إلا صاعقة تنشئها كهرباء الحب في سحاب الدم ms049 يمور ويضطرب ويصدم بعضه بعضا ~~من الغليان، فيرجف فيه حين الرعد القلبي يتردد صوته آه آه آه ...! ~~••• # والآن يا حبيبتي ألقت عينك الساحرة علي نظرة استفهام أخرى بالصبابة ورقة الشوق، فأحسست ~~بروحي كالغصن المخضر أثقله الزهر وقد طفقت أزهاره تتفتح وتسلم النسيم ودائع الجنة من ~~نفحاتها وتسليماتها عليك. # وأشعر بالقلم في يدي، وكأن له شأنا مع الكلمات التي أكتبها إليك، فهو يخطها حرفا حرفا، ~~ويقبلها كذلك حرفا حرفا! ... وكأنه الساعة ذو هيئة إنسانية (الريشة) التي فيه تمتد إلى ~~الكلام امتداد الشفة الظمأى بالقبلات الكثيرة المخبوءة فيها! # وأشعر بالقرطاس وكأنه قد علم أن سيحمل أشواقي وأسرار قلبي، فلا يعد صحيفة ورق تموج ~~بالألفاظ، بل صحيفة صدر ملأها جو من التنهد آه آه آه. ~~••• # وبنظرة استفهام أخرى من عينك أشعر بحقيقتك النسوية من حولي حافة بي، فمرتجة في صدري، ~~فملقية على قلبي المسكين من كل خطرة شوق لسعة ألم ... # نعم إنك يا حبيبتي ترسلين الأنوار في هذا القلب، غير أنها لم تكن أنوارا إلا من أنها شعل ~~مضطرمة، والمحب الذي يضيئه عشقه ويظهر للجمال، وجوده الغرامي، إنما ينيره احتراقه وفناء ~~وجوده الذاتي، كل قدر من النور بقدر مضاعف من الاحتراق. # وكذلك البطل العظيم في الحرب: تنهش من لحمه السيوف، ويثقب في عظامه الرصاص، وما مرقه ~~الموت بهذه لا بتلك، ولكن مزقه مجده! # أما إنك يا حبيبتي لو ضربتني بسيف لقتلتني قتلة معطرة! # أما إنك يا حبيبتي لو ضربتني بسيف لما كنت قد زدت بسيفك وضربتك على أن تكوني خلقت الحسن ~~في نظرة قاسية من نظرات عينيك. # وهكذا علمتني حقيقتك أن الحب إن هو إلا تفسير كل شيء في العالم تفسيرا من القلب! ~~••• # أنت ممزوجة بالآمي، وآلامي منك هي أشواقي، وأشواقي إليك هي أفكاري، وأفكاري فيك هي معانيك ~~في نفسي، ومعانيك هي الحب، ولكن ما هو الحب إلا أن يكون آلامي وأشواقي وأفكاري ومعانيك في ~~نفسي؟ # ولروحك أنفاس تناسمني # 2 # فأستنشقها مهما انصدعت المسافات بيننا، كأن ما ملأ النفس يملأ الكون، فمن شعوري ms050 ~~الدائم بانسكاب روحك في روحي ينبعث غرامي، ويرصد بهواك لي في منفذ كل معنى إلى نفسي، ومن ~~هذا تنبعث أشواقي الحزينة ما دمت لا أراك، وإذا كان الغرام هو سكر الروح بالروح، فما الشوق ~~إلا التمرد العنيف من حواس الجسم المحب إذا حرم أن يسكر بالجسم الذي يحبه. ~~••• # في بعدك لا أشعر بالزمن يفنى من الساعات والأيام، بل مني ومن حياتي، فأنا في بعدك أذوب، ~~أذوب فناء، أي أذوب شوقا، وأفنى صبرا وعمرا بين كل ساعة وساعة! # وفي الحياة يفنى الوقت ذاهبا فيما نحن بسبيله من واجباتها وممكناتها، وتعبنا بها وقتا ~~وراحتنا فيها وقتا آخر، فكأنه لا يمسنا نحن بل يمس أعمالنا، فنحمله بذلك ونطيقه على ذلك، ~~ولا نحس أننا نموت فيه يوما بعد يوم، بل نشعر بالحياة تبدأ فينا ولا تزال تبدأ، أما في ~~الحب على امتناع الحبيب أو هجره أو فراقه، فحاضرنا هو الماضي ويومنا هو أمس؛ إذ لا تزيد ~~فيما يكون إلا مراجعة ما كان فيقع الزمن على قلوبنا، ويعتمل فيها، ويأخذ منها ولا نشعر به ~~إلا موتا في صورة حياة ممتعة علينا، ومن ثم فلا يكون الشوق إلى الحبيب الممتنع أو الهاجر ~~أو المفارق إلا لهفة ثائرة كلهفة الشوق إلى الحياة من مريض وقذه المرض ورس على جسده السقم # 3 # فمات أكثره، وبقيت منه البقية الذاهبة نفسا في نفس، ويشعر بالموت يبدأ فيه ولا ~~يزال يبدأ! # يا رحمة للمشتاق حين يكون فيما حوله وهو بعيد عنه، وقد يتكلم بالكلمة وهو مسيرة شهر من ~~معناها ... # 4 # ويعيش في سكوت ملأته أرواح ألفاظ محبوبة تريد بما وسعه أن تتكلم، ولا يمكن أن ~~تتكلم؛ إذ الفم الجميل الذي ينطقها بعيد في وديعة النوى، ويروي أنه هو وحبيبه ناحية فكرية ~~من نواحي الدنيا بعيدة عن الناس والأشياء، كأنهما معتكفان في عزلة، ومع ذلك فالحبيب عنه ~~بعيد، فكأنما المسكين غريب في دنياه، وفكره معا، ويحس الآلام لا تنتهي؛ إذ كانت هي أشواقه ~~الدائمة الحنين إلى من يهواه، فالألم دائما فيه يبدأ ms051 ولا يزال يبدأ! # ومن كل ذلك فأشواقي لك يا حبيبتي دائما تبدأ ولا تزال تبدأ، وأنا دائما في ~~أولها! ~~••• # آه ما هذه الأفكار الحزينة التي جاءت تبحث عن دموعي. # وما هذا المعنى الناري الذي يطير في دمي. # وما هذا الرعد القلبي الراجف يتردد صوته: آه آه آه ...؟ # | كتاب رضا # كتابها قد جاءني حاملا # لقلبي الخفاق قلبا خفق # والتمعت فيه نجوم المنى # في أسطر مثل سواد الغسق # وأعرف القبلة في موضع # يلوح لي كالزهر لا كالورق # وكم به سطر إلى آخر # كالصدر للصدر دنا فاعتنق! # وكم به معنى أنام الجوى # وكم به معنى أتى بالأرق! ~~••• # سألته كيف رأى وجهها؟ # فقال: جل الله فيما خلق # قلت: وذاك الخد لما استحى؟ # فقال مثل الفجر فيه الشفق # قلت: وذاك الثغر ما أمره؟ # فقال: لما ذكرتك «انطبق» # 1 ~~••• # يا ثغرها، فيك نسيم الندى # فكيف قلبي في نداك احترق؟ # | رواية القلم # أشعر أحيانا أيتها الحبيبة أن لقلمي علي خلافا، وكأن فيه عاطفة ترميه بنوازعها، فهو ~~يجاذبني نفسه، لا يريد أن يكون في بناني ولا أن يقر معي، وهو الساعة مرتبك متبلد تمشي به ~~يدي وكأنها الشيخ المتهدم الفاني يدعم على عصا # 1 # يراه الناظر إليه متزحزحا مترجرجا فيحسبه يرتعش ولا يمشي. # وإن يكن بهذا القلم شيء مني فما به إلا الضجر مما يمليه قلبي الذي يهابك في رسائله كما ~~يهابك في حبه، فيقذف لقلمي بالكلمة من الكلام يكتبها عنه وإن القلب في ذات نفسه ليزمزم # 2 # بمعنى ليس في هذه الكلمة، بل في كلمة غيرها قد أخفاها وضمر عليها. # أحسب قلمي يا حبيبتي لا يتمنى إلا أن يكتب بغير يدي على أن لا تكون الرسالة يا ذات قلبي ~~إلا من قلبي أنا، وهذا معنى لو كشفته لكان هكذا. يود قلمي أن يكون في يدك أنت ليكتب بيدك ~~إلي ... كأنه يعقل ويتلو معي رسائلك، ويعرف أنك دائما هاربة فيها ... ويتلهف مثلي على كلمة مقبلة. # 3 ~~••• # وهبيه الآن في يدك الرخصة الناعمة التي أودع الله فيها سر ثمرة ms052 من أحلى وأنضر ثمار الجنة ~~فتذاق منها حلاوة الجنة بالتقبيل، إنه يلمسك ... إنه تحت أنفاسك يرتقب كلام شفتيك ... وربما ~~فكرت قليلا فأطرقت إطراقة فلمست به خديك، وربما أغمضت عينيك ليسعدك فكرك العميق بأسلوب ~~مقلوب ... فإذا أنت في ذلك قد ألصقت القلم بشفتيك، ولبثت ساكنة ولبثت ساكنا ...! # ويك يا قلمي الخبيث! أتريد أن تدعني ... لكأنك والله نفس معلقة في أصابعي تحب ~~وتشتاق! ~~••• # وماذا عسى أن يكتب إلي قلمي وهو ذاهل في راحتك سكران من أنفاسك، مضعضع من لمسة خديك، ~~مترفع على الوجود كله بموضعه من شفتيك، وهو كالميت من إفراط هذه الحياة كلها عليه؟ # أحسبه يكتب إلي من يدك هذه الرسالة: # سيدي الأستاذ الفيلسوف ... # لم يخالجني الريب قط في أنك من نزعاتك الروحانية ومن ذهولك الرباني كأنك في جو ~~كوكب ... لا في جسم إنسان، وكأن عناصرك المطهرة قد أنضجها اللهب القلبي الذي يحرق ~~الإنسان ورغائبه وأهواءه في شعلة متقدة تفني منه شكله الأدنى؛ لتوجد منه شكله ~~الأسمى، وتدعه ذؤابة نور ترتعش. # وإن الساعة التي قرأت كتابك فيها لتكاد تشعرني بأنها من غير هذا الزمن، فكأنها ~~خلقت لي تأتيني مع بريد من الملائكة حين يوافي البريد بكتابك. # وتالله إن كتابك يا سيدي لزهرة من روحك تحيتها عندي في تأملها والإعجاب بها، أما ~~بلاغته فبالله أحلف صادقة ما رأيت أكمل منك لسان قلم ... ولا أذكى مع هذا القلم ... قوة ~~طبع، ولا أبلغ طبيعة نفس، ولكأن قلمك ... مهبط إشعاع تلتقي إليه سبحات روح الجمال ~~المنبثة المالئة هذا الوجود مما بين أزهار الأرض، إلى كواكب الفلك إلى حدود الحور ~~في مقاصير الخلد. # وسألتني اللقاء، ولكن قلمك ... ساحر قدير فهو يستطيع أن يحملك إلي دائما في ~~رسائلك البليغة، ولو شاء هذا القلم الساحر ... لجعل من الصحيفة روضا يفرشه تحت ~~أقدامنا نثار الورد # 4 # وقد جلسنا فيه تحت خيمة من الندى مطرزة بشقق عريضة من حرير الشمس، ~~ونلتقي وإن كنا لم نلتق! # واها لقلمك ... يا سيدي واها ... وسلمت للمعجبة بآيات هذا القلم المعجز ... ~~••• # على أن هذا القلم ms053 الخبيث لو استملى من نشوته وسكره هذا الكلام المعربد في قلبي، وركب ذلك ~~الفن من الغيرة، وأخذته هذه الرجفة، وكتب إلي بيدك تلك الرسالة لقرأتها أنا هكذا: # يا من أنا سيدته! # لم يخالجني الريب قط في أنك - من حبك - نفس تحترق بذاتها كالكواكب، فعناصرك ~~الملتهبة تلفنا معا في شعلة غرام تفني منا شكلين؛ لتوجدهما في الحب شكلا واحدا، ~~وتدعه كذؤابتي نور معتنقتين. # وإن الساعة التي قرأت كتابك فيها لتكاد تشعرني أنها منك أنت لا من الزمن؛ لأحيا ~~فيك وأنا أقرؤك. # وإن كتابك لمن روح أيها الحبيب لا من كلام؛ فإني لما نشرته في يدي أحسست كأنه غمز ~~يدي. # أما بلاغته فبالله أحلف صادقة لقد نقل إلي الكلمة التي لم تكتبها، وسألتني ~~اللقاء ... # آه ما بالك جمدت الآن أيها القلم الخبيث وقطع بك؟ فكأنك تغار حتى من موعد مزور ~~...! ~~••• # هذه يا حبيبتي رواية قلمي فما رواية قلمك؟ # إنك لتنظرين إلي نظرات ناعمة من ذلك النظر الرطب فأجد لها مسا كمس يد الحبيبة ~~الفاتنة؛ فلماذا لا تكتبينها؟ # وتبسمين أحيانا ابتسامات معنوية تهرب إلي فيها بعض قبلاتك، فلماذا لا تكتبينها؟ # وأرى على نور قلبي أحرفا مختبئة في قلبك هي: ألف، حاء، باء، كاف فهل تكتبينها ...؟ # | نار الكلمة # تقولين في كتابك أيتها الحبيبة: ولعمري إني لأستحس وهجا من حرارة الجذوة التي في قلبك، ~~أشعر به ومن بيني وبينك عرض المشرق # 1 # ولقد عرفت هذه النار، وآمنت بما قلته لي مرة من أنها اتصال الشعاع الأزلي ~~بالقلب الإنساني ملطفا في وسيلة إنسانية، مخففا بجمال، مزخرفا بلذة، معابا برغبات كثيرة ~~كيلا يمحق محقه الذي كان أخفه وأيسره أن تجلى للجبل فجعله دكاء، # 2 # ولكن أيها الصديق ... # ولكن بأية نار تشعل ألفاظ رسائلك؟ وكيف ينبض القلم في يدك هذه النبضات الحية المتمثلة حتى ~~ما يخالجني شك في أنه لو وضع على كتابك ميزان الحرارة؛ لجاءت درجته في حرارة قلب. ~~••• # أتجهلين ...؟ يا بعد ذلك! # أتعرفين ...؟ يا حب ذلك! # إنما تأتي رسائلي أيتها العزيزة من تحول الكهربائية التي في ms054 قلبي إلى ألفاظ؛ إذ يدفعها ~~الشوق أن تكون عملا مني بعد أن كانت عملا منك وهي كالنور، لا يرى حتى يلبس ما يرى فيه، ~~فتلبس الكهربائية ألفاظي وتتراءى. # وإنما تأتي المعاني التي أبدعها فيك من تلك العواطف التي تخلقينها أنت في، وكما لا ينطق ~~فم الإنسان من شفة واحدة: فكذلك لا بد للحب من اثنين؛ ليتكلم فم الحقيقة بكلام الحب! # وما أكتب لك حرفا حتى أراك قبل في مرآة نفسي، وأتمثلني في مرآة نفسك، ثم أضع بيننا مرآة ~~اللغة فتعكس مني ومنك أجزاء وصورا تكون هي كلماتي. # ولو رأيتني وأنا أتلو رسائلك؛ لرأيت أنك لا تكتبين لي كلاما، بل تزرعين في الورق زهر ~~أنفاسك فيأتيني فأقرؤه. أي أقطفه ... وبهذه الطريقة أكتب كلماتي، أي أزرع تنهداتي يا ~~حبيبتي. # والخائف من شيء يرى لاسمه بعض عمله من تأثير الخوف على أعصابه، فاسم الثعبان عند من لدغ ~~مرة هو لفظ كالإبرة يمس مكان اللدغة؛ كلمة الذئب تعض ... وكلمات الحب يا حبيبتي تتألم. ~~••• # لست أشعل ألفاظي ولا ينبض القلم في يدي نبضات حية، ولكن هذا وذلك غليان دمي على أربع ~~نيران، هي خيالي، وغرامي، والفكر الناري الذي هو أنت والجمال الذي أحمي على شبابك حتى بلغ ~~درجة الاحمرار في خديك وشفتيك! # هو الوجد، ذلك الوجد الذي يوحي لكل عاشق بأنه إن امتنع على الفم أن يلقي في القبلة أنفاسه ~~الحرى على وجه الحبيب، فليقابل وجهه بألفاظه الحارة في رسالة ... # هو الجمال، ذلك الجمال الذي يريد التعبير عن نفسه تعبيرا صادقا حيا، فيتخذ العاشق ~~هيأة فكر مثقلة بالآلام وتباريح الصبابة والشعر والخيال عاليا عاليا إلى الحكمة، أو ~~نازلا نازلا إلى الرذيلة، أو هالكا هالكا إلى الجنون. ~~••• # إنما أضرب على أوتار نفسك ألمسها بأفكاري ونظراتي وأشواقي، وبأفراح المعرفة الغرامية ~~وآلامها، وأخرج من ذلك أنغام حبي التي هي رسائلي! # وإذا كنت أنا المتكلم فمعنى ذلك أنك أنت المتكلمة بي، وفنك يا موسيقى الجمال هو في تركيبك ~~الجميل، وانطوائك به على أسرارك، ولكني فني إنما هو في لمساتي ms055 عنفا ورقة، # 3 # وكلماتي كالأزهار تخلق فيها مادة ألوانها وأعطارها وديباجها؛ لأن أرواح أغراسها ~~تنسكب فيها، وحين يلقي الشعاع كلمته الغرامية في قلب كل شجرة من ذوات الزهر، تفكر الشجرة ~~مدة ثم تزهر وتتفتح، أي تجيب بأسلوب نسائي في ظرف ورقة ولون وعطر وحرير وتبرج. # ولست أشك أن الجمال في هذا الوجود مظهر مؤنث، حتى إن معرفة الأسد # 4 # لتظهر كشعر امرأة ... ومن ذلك ما تبدو الأشياء الجميلة في خيال العاشق المتدله ~~كأنما في كل نظرة أنثى ... أنثى جعلت قلبها نحوه. # 5 # إن لم تغلبني على الكون يا حبيبتي فقد غلبت على نظرتي إليه! فكل جمال في الكون هو رسالة ~~منك إلي، وبذلك أصبحت للعالم خلقة أخرى في مخيلتي، عليها أثرك الغرامي، وكأنما نحن عنصران ~~منبثان في كل ما حولنا فما نمس شيئا أو ننظر شيئا إلا وضعنا فيه روحانية القلب. # ولن يكون الحب عشقا ما لم يرتفع بالنفس عن ذاتها، ولا تسمو النفس عن ذاتها ما لم يعل ~~نظرها إلى الأشياء، والنظر الإنساني لا يعلو بشيء إلا إذا ألبسه معناه الإلهي. ~~••• # أيكون الحب تنقيحا في معاني الكون بالنفس وخيالاتها، أم في معاني النفس بالكون وحقائقه، ~~أم كليهما؟ # أم إني لأستروح أنفاسك وقد ناسمتني كرويحة الفجر عذبة باردة فما تزيدني إلا ضراما، كأنما ~~تهب مني على جمرة ذاكية، ولا يكون الشعور بالحب ناريا ما لم يكن الحب نفسه مزجا للنفس ~~العاشقة بالكهربائية السارية في الكون، المالئة لنواحيه وأطرافه، النابضة بكل ما ~~فيه. # وإذا كان هو الشأن فالوجود مقفل حتى تفتحه للرجل امرأة ويفتحه للمرأة رجل، ولا تزال معاني ~~جماله في قناعها، وزخارف حلاه في أستارها، كمتاع القصر من وراء باب القصر المقفل على ما ~~فيه، حتى يدور في قفل الكون مفتاح الحب. # النهار يفتح بالشمس، والليل يفتح بالكواكب، أما الحب فلم يفتح إلا بوجهك يا ~~حبيبتي. # والشمس والكواكب نار؛ ولكنها على الدنيا نور، أما وجهك فنور، ولكنه على قلبي نار! # أتجهلين ...؟ # أتعرفين ...؟ # | المتوحشة ...! # «وكان يوما في مجلسها فامتد بينهما كلام ms056 قالت له في آخره: أنت (متوحش!) وقال لها: وأنت ~~(متوحشة!)، فلما ندر من مجلسها ذهب فكتب إليها هذه الرسالة»: # ماذا أقول في (متوحشتي) الجميلة: وما ظهرت منها على عيب أعيبها به إلا رأيته عند نفسي ~~شكلا جديدا من أشكال جمالها، أو فنا بدعا فيما حنيت عليه ضلوعي من هواها؛ إذ ليس بيني ~~وبينها حدود تجعل منها ألفاظ النقد حدودا لمعانيها؛ بل كل ما فيها من أشياء قلبي، ولو قالت ~~لي: «أكرهك» لما وقفت الكلمة عند هذا الحد؛ لأنها من أشياء قلبي، فيكون معناها: أكرهك لأني ~~مكرهة أن أحبك، أكرهك لأنك أخضعتني، وجعلتني مكرهة أن أحبك، أكرهك لأن كلمة «أكرهك» هي التي ~~أظن أنها تخفي أمام نفسك تواضعي لك في نفسي! ~~••• # والله خالق الجنة والنار، لو كان في سواء الجحيم # 1 # غرفة من الجنة بنعيمها وزينتها، أو كان في سرارة الجنة # 2 # قاع من جهنم بعذابه وآلامه - لكانا معا أشبه بما أجد منك، فإن حبك لذة من لذات ~~الجنة، ولكنه يتضرم فنونا على قلبي، وإن الشوق إليك عذاب كالنار ولكنه ينفض من الأمل على ~~روحي: مثل الطل والندى. # إلا أنه ليس في الحب نصف حب أبدا، فليس في الحبيب أبدا إلا كل الجمال، فليس معاني ~~الجميل إلا أنها كلها جميلة. # والوجه الذي نعشقه هو من كل ما خلق الله الوجه الموسيقي الذي لا ينسجم غيره ولا يتطابق مع ~~فن الروح في عاشقه: فإن أطرب أو أشجى # 3 # فبلذة أشجى وبلذة أطرب. # وإن لمست يد الحبيب بأناملها لمسة حب، فهي يد الحبيب أفلا تكون هي بعينيها يد الحبيب. إن ~~قرصت بأظافرها قرصة حب ...؟ ~~••• # قلت أيتها الحبيبة إني (متوحش) فإني كذلك: وإني لمتسعر الدم من حبك بفظاعة تجعله كأنه دم ~~وحش فائر تتنزى به نوازيه للوثبة، ولن يكون الحب القوي إلا متوحشا؛ لأنه ثورة قذفت في الدم ~~الإنساني فيرتج فيه تاريخ القتال الوحشي الذي ينام في دمنا من إرث أجدانا، فإذا معركة ~~مرسومة لامتلاك الحبيب لم يصنع فيها العاشق أكثر مما يصنع القائد ms057 إذا نشر خريطة حرب كانت ~~عنده مطوية. # ومن العجب أن هذا الوحش النائم في الدم لا ينبهه إلا أجفى المعاني وأغلظها في سورة الغضب ~~وجنون الغيظ، أو ألطف المعاني وأرقها في جمال الحب وخلاعة الجمال. # فالعاشق الرقيق على فرط رقته، هو لفرط رقته وحش في عاطفة الحب: ما منه فكر لو فتش إلا فتش ~~عن معنى يفترس إذ يشعر بالحياة في نفسه لا غذاء لها إلا بمعاني حبيبته، فيأكلها حتى بالنظر، ~~ويفترسها حتى بالخاطر! # ولو أننا تمثلنا أسدا غرثان يطوي البر أياما، وهو يهفو على أثر خيال من أخيلة جوفه، ~~ولكنه لا يجد الفريسة، حتى إذا انصفق جنبه على جنبه الآخر من الجوع فتقت له الهواء رائحة ~~ظبية من قريب، ثم تمثلنا مع هذه الصورة عاشقا مجفوا نالته نسمة من قبل حبيبته أو نفحته ~~رويحة من عطرها، ثم ترجمنا ما أفز الأسد من معاني الظبية إلى ترجمة إنسانية، لكانت وحشية ~~الليث في هذه الحالة هي بصورتها لهفة العاشق ولوعته، إلا أن ذلك معنى في وحش، وهذا معنى في ~~إنسان. # ويخيل إلي أن محبا لو قبل حبيبته بتلك اللهفة، أي بتلك الوحشية؛ لجاز لها أن تتهمه ~~قانونا بتهمة الشروع في أكلها. # 4 ~~••• # وقلت لك: أنت (متوحشة)، وإنك لعلى ذلك، فإن جمالك لهو أرق الوحشية وأدقها وأخفاها، ولا ~~برهان لي عليك إلا أنك دائما تساورينني في قلبي مساورة ظهرت في قلبي جراحاتها ... وعلى كبدي ~~منها الصوادع. # 5 # ولك صولة على وحشية وأنت بها غالبة أبدا، حتى لا أستطيع في مغالبتك أكثر من أن أجعل ~~خضوعي أحيانا في صورة مقاومة ...! # والحياة تدل بالوحش على أنها آكلة هاجمة مصممة غير رحيمة، وأنها الشدة تحت مس لين، وأنها ~~القوة الغازية معبأة في إهاب، وأنها أسلحة قاطعة من اللحم والدم، فيا ليت شعري عنك، هل دلت ~~الحياة بجمالك الفتان إلا على رقة قاتلة، ولين مهلك، ولطف معذب، ومعان كالأسلحة في لحمي ~~ودمي؟ # لا أثبت لك حبي إلا لتثبتي لي كبرياءك، ولا تقوم هذه الكبرياء ولا تثبت ms058 إلا بتعذيبي، ~~والأساليب التي تخفين وراءها حبك بطبيعة الاحتراس الغريزية فيك، هي بعينها التي تعذبني ~~بطبيعة الجرأة التي في، وما قالت امرأة مثلك عمن تهواه: إني أحبه! إلا وكأنها قالت: إني ~~أعذبه! # ولقد تركتني وما أظفر منك بساعة رضا إلا رأيت في يدي معجزة، وكأني أمسكت من الزمن ساعة ~~كانت هاربة في الأبدية! # يا حرة قلبي منك! # 6 # ويا رحمتاه لكل من عشقوا. # إن الحبيبة على أنها سرور محبها، وليس له عندها مذهب إلى متاع أو لذة في كل ما وسعت ~~الدنيا، فإن سرورها هي بالمحب لا يهنئها إلا أن تراه بها معذبا ولها صبا وفيها مدلها # 7 # وقد أحرقه الوجد وأضناه التيم # 8 # وأهلكه حزن الهوى؛ إذ لا تكون عند نفسها معذبته إلا من أنها حبيبته، ولا تثبت ~~لنفسها القدرة عليه إلا بمحق المقاومة فيه، ولا تتم كبرياء أنوثتها إلا بتمام الدل عليه، ~~ولا يتأله فيها الجمال يعذب ويثيب إلا بتحقيق العبودية فيه تخاف وتطمع، فتبدع ما تبدع في ~~إيلامه وتعذيبه ولو تتابعت له بالسوء؛ لأن ذلك هو عمل كبريائها وسرورها. # وقد تعذبه في بعض دلالها أشد العذاب، وهي تحبه حبا ليس عليه صبر، كما كانت تفعل لو أنها ~~كانت تبغضه بغضا ليس فيه مبالاة، وبذلك تجمع عليه الشبهة والحقيقة، وما أمر عذاب من وجد ~~الضروري له مستحيلا عليه. # فأوجاع المحب وأحزانه كآلام الفريسة وأوجاعها، كلاهما بالغة السلبية في الحبيبة والمفترس: ~~وصف كامل لسطوة وحش ... # وإني لأحسب طبيعة الفرار التي ركبت في المرأة # 9 # قد خلقت فيك أنت على الضعف، حتى لأراك دائما كالهاربة عني وإن كنت إلى جانبي، ~~وحتى إن معاني كلماتك في الحب لتفر من كلماتك، وكأنك تحترسين بغريزة وحشية بالغة في وحشيتها. # 10 # وإن حقيقتك لا تزال وراء آلاف وآلاف من ظنوني، كأنما لها هي أيضا معنى اختباء الوحش في ~~ألفاف الغابة وأشجارها فإذا أنت رضيت فأيسر ما توصفين به أنك جذابة إلى حد فظيع في ~~التأثير، بل متوحشة في الجاذبية والسحر والفتنة. # وإذا أنت هجرت ms059 فأحق الكلام الذي توصفين به أنك في الهجر بلا رحمة ولا شفقة، متوحشة ... ~~متوحشة ...! # | أما قبل # «كتبها إليها بعد أول مجلس كان لهما يصف ذلك المجلس»: # لم يقولوا في لغتنا (أما قبل) كما أقول أنا يا حبيبتي، ولم تخطر لأحد قط، ولا يصححها وجه ~~ولا تعليل، ولكني أضعها من أجلك، وما أشك أنها ستكون عبارة معشوقة من أثرك وأثر الحب عليها: ~~وأقولها لك ولا أرتاب في أن ألسنة المحبين سترمي بها في كل زمن مراميها عند كل حبيبة ... # إنها كلمة حنانة، فيها الحب والذكرى، وفيها من نفسي ومن اللغة ومنك، وهي غريبة باللغة ~~الغرابة؛ لأني صنعتها صنعة قلب لا صنعة لسان، ففيها الفن أي سر الحسن، أي حروف التصوير، أي ~~المجلس الذي كان لنا أمس. # ويد المصور الملهم الحاذق لا تمر على الصورة بحركات الرسم وخطوطه، بل بحركات الفكر ~~والقلب، ورعشات اللذة والألم، مستفيضة بالوحي الذي من لغته الخطوط والأبعاد والظلال ~~والألوان. فما الرسم إلا الوجه الممكن لاتصال الإنساني من الفكر بالإلهي في الأشياء لخلقها ~~مرة ثانية، وكذلك ليست (أما قبل) إلا الوجه الممكن عندي لاتصالي بأمس، وانتقال قطعة كانت من ~~وجودنا في وقت إلى وجودنا في كل وقت، وخلق ما كان من قبل خلقا تصويريا في كلمة. # قالوا (أما بعد) وسموها فصل الخطاب # 1 # وأنا أقول (أما قبل) وأسميها وصل الماضي؛ وبها نجعل لما فاتنا مما نحبه أو ~~نؤثره لسانا، ونعيد إليه الصوت، ونفتح له باب الساعة التي نكون فيها، ونخترع للمحبين لفظا ~~سحريا لم تستطع حواء بجنة خلد أن توحيه لآدم، وأوحيته أنت لي بمجلس حبك في لحظة! ~~••• ~~«وأما قبل» ... فبماذا أصف مكانا للحب كأنما مر به سر الخلود فإذا الوقت فيه لا يشبه ~~نقصانا من العمر بل زيادة عليه، وكانت يا حبيبتي كل دقيقة وثانيتها في مجلسك الساحر كأنما ~~بعض الفكر والحس لا بعض الزمان والمكان؟ # بماذا أصف الوقت الغض الذي كان ينبت لساعته رطبا نديا كأنما انبثق من قبلتين؛ لأنه ~~مر بهواء حجرتك التي أنت فيها، ms060 ثم جعلني أعرف بعد أن فارقتك ولقيت الناس أن الزمن قد يكون ~~من جدبه في أنفاس الناس حطبا يابسا وهشيما؟ # وبماذا أصف ما لا يوصف ولا يوجد بيانه في اللسان مع أنه حي قائم في العين والضمير: إذ ~~أشعر بك في ذلك المجلس وكأن أكثر معانيك الإنسانية تتهارب من حوله؛ لتسبغ عليك من اللطف ~~معاني ملائكية سامية تتكلم بوجهك كلاما هو شعر الحب؟ # وإذا أشعر من شدة ما وجدت بك ووطأة حبك على قلبي أنه لو حل في كرسيك شخص من معانيك لما ~~كان إلا ملكا موترا في إحدى يديه قوسا محنية من صاعقة وفي يده الأخرى سنان يمور كالشعلة، ~~وهو يرمي ويطعن وما يرمي ويطعن إلا لحظا وابتساما؟ # بل بماذا أصف ما لا يوصف إذا أردت بلاغتي أن تكون على مقدارك وأنت تلجين على قلبي من كل ~~جوارحي، وأراك أمام عيني تحولا مستمرا في خواطري ومعاني، فلا أملك أن أفكر في شيء ثابت، ~~كأن دلالك قد سلبني حتى قوة التحديد، ويأتي لك أن يخضع لي منك شيء ولو بالمعنى للفظ في ~~الذاكرة ...؟ ~~••• ~~«وأما قبل» ... فلقد كنت وما أحسن منك في جملة ما أرى إلا أن الجمال الرائع في معانيه ~~الإنسانية إنما هو قدرة في بعض النساء على اختراع أمثلة أرضية من الجنة. # وكنت وما أشعر من سحرك إلا أني بإزاء سر وضعني في ساعة من غير الدنيا وحصرني فيك وحدك، ~~حتى ليس لك من نظرة ولا كلمة ولا حركة إلا خيل لي أنها لم تكن في امرأة من قبل حتى ولا فيك ~~أنت، وشتى بعد ذلك فرق بينهما فيك وفي كل امرأة؛ إذ لا تواسمك في الحسن امرأة! # وهاجمتني من يقظتي، واقتحمت علي من حذري، وتركت بعض أفكاري من بعض كالمجروح يمشي على ~~المقتول في معركة، ورمتني بما لا أجد له اسما إلا أنه زلزال روحي عنيف كان في قلبي أو كان ~~يدا امتدت إلى قلبي فنالته فضغطته! # وخليتني وعينيك، وخليتني وما كتب علي. # وضاعفتك رهبتك في نفسي فكثرت ms061 وكثرت، وضاعفتني أيضا فزدت وزدت، حتى إن مع كل قوة في ~~عادت فكرة حبك قوة أخرى. # واتسعت روحي لتشملك! فما كنت تتكلمين ولا تضحكين ولا تخطرين في غرفتك ولكن في داخل ~~نفسي! # وكان نور الكهرباء وهو يشع في وجهك يغمغم أيضا بكلمات من النور لتلك الشعل التي اضطرمت ~~في قلبي. ~~••• # وملأت حياتي بك وعرفتني من ذلك أني كنت من قبل حيا من الأحياء الفارغة ... # وأشعرتني أجمل السعادة، سعادة نسيان الوقت، كأني في هنيهة خلقت لي وحدي تجري بي وبك فوق ~~المقادير. # ثم دفعت بي إلى ما وراء السعادة، إلى منطقة الأحلام التي لا يكاد يصدق الإنسان فيها أن ~~الحقيقي حقيقي! # ثم رفعتني إلى حس خالق، فإذا أنا أرى كيف تخلقين في خلق معانيك؛ لتعود معانيك فتخلقك كما ~~أحب وأهوى # 2 # وتحقق بجمالك فن عواطفي، وتنشئ بعواطفي غرامي. ~~••• ~~«وأما قبل» فقد كانت موجودة معي ولكنك ضائعة في؛ إذ كنا من وراء الشكل الإنساني كالعطر ~~والنسمة الطائفة به. # وكنت أمامي ولكني أحتويك، وما أدري كيف كنت مملوءا بك وأنت أمامي؟ # وكنا نتكلم ولكن ألفاظنا تتعانق أمامنا، ويلئم بعضها بعضا من حيث لا تراها إلا عيناي ~~وعيناك. # وكنت أقطف الحياة بالتنسم من هواء شفتيك، وكأن هذه الأنفاس هي فرع ممدود من شعاع الشمس في ~~روحي. # وتراءت النفسان فملأنا المكان بأفراح الفكر، واستفاض السرور على جمالك بمعنى كلون الزهرة ~~النضرة، هو عطرها للنظر. # وقلت لي بجملتك: أنا ...، وقلت لك بجملتي وأنا ...! ~~••• ~~«وأما قبل» ... فقد رأيت عندك الفجر، وأخذت منه نهارا أحمله في روحي لا يظلم أبدا. # وخالطت عندك الربيع، وانتزعت منه حديقة خالدة النضرة في نفسي لا تذبل أبدا! # وجالست عندك الشباب، وترك في قلبي من لحظاته ما لا يهرم أبدا! # واجتمعت عندك بالحب، وكشف لي عن مخلوقات الكون الشعري الذي تملؤه ذاتي فلا ينقص ~~أبدا! # ورأيتك يا فجري، وربيعي وشبابي، وحبي فلن أنساك أبدا ...! و«أما قبل ...». # | جواب غريب # حدثنا الصديق قال: لما بعثت إليها برسالة (أما قبل) لم يكن جوابها غير أن أهدت ms062 إلي ~~كتابا مطبوعا، ولم تزد على أن كتبت على غلافه هذه الكلمة «أما بعد، فإليك يا صديق جواب: ~~أما قبل، والسلام!». # 1 # قال صاحبنا: فقرأت الكتاب سطوره وبين سطوره ... وأعنت نفسي في تأويل كل عبارة وتعرف سببها ~~الذي أتخيله، وتبين موقعها الذي أتمثله، وجعلت أتوجه بالكلام مستقيما تارة وملتويا، ثم لا ~~أجد الكلمة التي هي من جوارحي، ولا التي يقف عندها قلبي، ولا التي تقول لي أنا من لغتها، ~~ولا الأخرى التي عليها أثر عينيها ... وكنت في كل ذلك أرى الكتاب كأنه بين يدي يموت ويحيا من ~~كثرة ما أقول: ليست هذه بل هذه، ولكن هذه ... وجعلت لا أكاد آنس بكلمة حتى أجد الوحشة في التي ~~إلى جانبها، وقدرت أن الجواب ربما كان جملة قصيرة أو كلمة مفردة، فصدعني ذلك تصديعا ذا ~~فنون وكأن مؤلفة الكتب كانت تعلم من علم الغيب أنها ستضرب بكتابها يوما هذه الضربات على ~~قلب إنسان من الناس، فكانت في تأليف كلامها تصد وتعرض، وفي ترتيب مقالاتها كأنها ترتيب ثورة ~~غيظ من سببها إلى اهتياجها نشأتها إلى عنفوانها. # قال الصديق: ثم كأني كنت دائما في ليل طويل وطلعت على وجهي الشمس ضاحية، فإذا أنا كنت ~~أجتهد في غير طائل، وإذا الجواب في آخر الكتاب صفحات متلاحقة، فضلا عن صفحة، فضلا عن ~~جملة، فضلا عن كلمة؛ فكان هذا من ظرفها ومكرها معا، انتهى. # وهذا نص الجواب: # 2 # لقد التقينا وسط جماعات المتفقين فيما بينهم للضحك من سواهم حينا، والضحك بعضهم من بعضهم ~~أحيانا. # أنا منهم وإياك غير أن شبهك بهم يسوؤني؛ لأني إنما أقلدهم لأريك وجها مني جديدا؛ وأنت، ~~أتجاريهم بمثل قصدي أم الهزؤ والاستخفاف فيك طوية وسجية؟ # ولكن رغم انقباضي للنكتة منك والظرف؛ ورغم امتعاضي للتغافل منك والحبور، أراني وإياك على ~~تفاهم صامت مستديم يتخلله تفاهم آخر يظهر في لحظات الكتمان والعبوس والتأثر. # بنظرك النافذ الهادئ تذوقت غبطة من له عين ترقبه وتهتم به، فصرت ما ذكرت إلا ارتدت نفسي ~~بثوب فضفاض من الصلاح والنبل والكرم، ms063 متمنية أن أنثر الخير والسعاة على جميع ~~الخلائق. ~~••• # لي بك ثقة موثقة، وقلبي الفتي يفيض دموعا: سأفزع إلى رحمتك عند إخفاق الأماني، وأبثك ~~شكوى أحزاني، أنا التي تراني طروبة طيارة، وأحصي لك الأثقال التي قوست كتفي، وحنت رأسي منذ ~~فجر أيامي، أنا أسير محفوفة بجناحين متوجة بأكاليل! # وسأدعوك أبي وأمي، متهيبة فيك سطوة الكبير وتأثير الآمر، وسأدعوك قومي وعشيرتي، أنا التي ~~أعلم أن هؤلاء ليسوا دواما بالمحبين، وسأدعوك أخي وصديقي، أنا التي لا أخ لي ولا صديق، ~~وسأطلعك على ضعفي، واحتياجي إلى المعونة، أنا التي تتخيل في قوة الأبطال ومناعة ~~الصناديد! # وسأبين لك افتقاري إلى العطف والحنان، ثم أبكي أمامك وأنت لا تدري، وسأطلب منك الرأي ~~والنصيحة عند ارتباك فكري واشتباك السبل، وإذ أسيء التصرف وأرتكب ذنبا، سأسير إليك متواضعة ~~واجفة في انتظار التعنيف والعقوبة، وقد أتعمد الخطأ لأفوز بسخطك علي فأتوب على يدك وأمتثل ~~لأمرك! ... وسأصلح تحت رقابتك المعنوية مقدمة لك عن أعمالي حسابا؛ لأحصل التحبيذ منك أو ~~الاستنكار فأسعد في الحالين، سأوقفك على حقيقة ما ينسب إلي من آثام فتكون لي وحدك الحكم ~~المنصف. # وما يحسبه الناس لي فضلا وحسنات فسأبسطه أمامك فتنبهني إلى الغلط فيه والسهو ~~والنقصان. # ستقومني وتسامحني وتشجعني، وتحتقر المتحاملين والمتطاولين؛ لأنك تقرأ الحقيقة منقوشة على ~~لوح جناني: كما أكذب أنا وشاية منافسيك وبهتان حاسديك، ولا أصدق سوى نظرتي فيك وهي أبر ~~شاهد. كل ذلك وأنت لا تعلم. # 3 ~~••• # سأستعيد ذكرك متكلما في خلوتي، لأسمع منك حكاية غمومك وأطماعك وآمالك، حكاية البشر ~~المجمعة في فرد واحد، وسأتسمع إلى جميع الأصوات علي أعثر فيها على لهجة صوتك، وأشرح جميع ~~الأفكار، وأمتدح الصائب من الآراء؛ ليتعاظم تقديري لآرائك وأفكاري، وسأتبين في جميع الوجوه ~~صور التعبير والمعنى لأعلم كم هي شاحبة تافهة؛ لأنها ليست صورة تعبيرك ومعناك، وسأبتسم في ~~المرآة ابتسامتك في حضورك، وسأتحول عنك إلى نفسي لأفكر فيك، وفي غيابك سأتحول عن الآخرين ~~إليك لأفكر فيك! # سأتصورك عليلا لأشفيك، مصابا لأعزيك، مطرودا مرذولا؛ لأكون لك وطنا وأهل ms064 وطن، سجينا ~~لأشهدك بأي تهور يجازف الإخلاص، ثم أبصرك متوقا فريدا؛ لأفاخر بك، وأركن إليك. # وأتخيل ألف ألف مرة كيف أنت تطرب، وكيف تشتاق، وكيف تحزن، وكيف تتغلب على عادي الانفعال ~~برزانة وشهامة؛ لتستسلم ببسالة وحرارة إلى الانفعال النبيل؟ وسأتخيل ألف ألف مرة إلى أي ~~درجة تستطيع أنت أن تقسو، وإلى أي درجة تستطيع أنت أن ترفق؛ لأعرف إلى أي درجة تستطيع أنت ~~أن تحب! # وفي أعماق نفسي يتصاعد الشكر لك بخورا؛ لأنك أوحيت إلي ما عجز دونه الآخرون. # أتعلم ذلك، أنت الذي لا تعلم؟ أتعلم ذلك، أنت الذي لا أريد أن تعلم ...؟ ~~••• # هناك في تلك الزاوية الضائفة، حيث أقام القدر من دواهيه على صدري جدران الحديد ومعاقل ~~الرصاص، وهنالك قرب حلول الشفق، برزت فجأة أمامي، وأخذت تتكلم عن معان اختفت طي المعاني؛ ~~وأشياء توارت في الأشياء، وممكنات حجبت في المستحيلات ... وكانت يدك تتحرك متريثة متأنية فبدت ~~الإشارات سحرية ساهية، كأنما هي انعكاس إشارات خفية على المرايا المتبحرة في مهجور القصر، ~~وضاء الجو حولي بلألاء الشرف والأبهة والسؤدد، ومشى نظرك توا إلي يكتشف في جديد ~~العوالم! # نظرت فعلمتني إعزاز الوجود، وأدركت أني ما تخيلت أجلي عند حينه إلا لأتشدد وأتحفز لوثبة ~~كبيرة، كما يتنفس المتسابقون منتعشين متجددين قبيل خطير الأشواط. # فارتدت الحوائط قليلا قليلا، وتنحت الحصون مسفرة عن المروج والرياض، واتشحت الكائنات ~~بنقاب وسيم لا تنسجه سوى يد الوجود على زعيم المتيمين! ولكن، أنى جاء الوجد؟ # أنت لم تكن تهتم بي وأنا لم أكن أهتم بك، ولكن علام تشل أوصال روحي للدنو من مكان ~~حللته؟ # وعلام اضطرابك وارتعاش يديك إذ تلمح خيالي عن بعد؟ # أنت لم تكن تنظر إلي، وأنا لم أكن أنظر إليك، ولكن لماذا كانت تتبلبل خواطري، وأهرب عند ~~قدومك؟ # وأنت إن لم تستطع السكوت فلماذا يخرج صوتك متقطعا متهدجا كأنك تجاهد لتقهر تأثرا ~~ما؟ # أنت لم تكن تعبأ بوجودي، وأنا لم أكن أعبأ بوجودك ... ولكن لماذا كنت أخاشنك متعملة الإعراض ~~وعدم الانتباه؟ لماذا وأنت مثال الوداعة والتهذيب، ms065 كنت تكفر لحضوري وتنقبض كمن يود أن يتجنى ~~علي أو كمن يخشى أن يرمي بالبشاشة والمجاملة، ثم يعود نظرك في المرة التالية يستصفحني عن ~~زلته؟ أنا التي كنت أغتفر لك وأتناسى قبل أن تحدث نفسك بالاستغفار! # أنت لم تكن تفكر في، وأنا لم أكن أفكر فيك، ولكن لماذا كنت أحيد عن طريقك لئلا ألتقي ~~بك، وأنا التي أود أن أبحث عنك في كل مكان؟ ولماذا كنت تتقن خطواتك إذ تعلم أني أراقبها؟ ~~وتنغم نبرات صوتك وتنوعها إذ تعلم أنها واصلة إلي؟ # أنت لم تكن لي شيئا، وأنا لم أكن لك شيئا، ولكن وجوه القائمين حولك كنت أراها متألقة ~~بنورك، وأنت كانت تدهشك كل حركة مني كأنها لم يأتها قبلي إنسان! # أنت لم تكن لي شيئا، وأنا لم أكن لك شيئا، ولكن أليس أن إرادتك حلقت فوق خواطري كيد ~~آمرة، فتقت لأجلها إلى الطاعة والخضوع؟ أوليس أنك كنت تحاول إرضائي وإثارة إعجابي حتى ~~ارتفعت بذلك فوق ذاتك المألوفة فتجليت بهيا عظيما؟ # من أنت؟ وماذا كنت؟ أكنت وحيا من فيض شاعريتي المكتظة، وطيفا من أطياف شوقي وعذابي؟ أم ~~أنت حقيقة محسوسة مرت في أفق حياتي مرور السفن في البحر إلى الشواطئ النائية؟ ... # لقد كنت وحيا من فيض شاعريتي المكتظة، وكنت طيفا من أطياف شوقي وعذابي، أنت حقيقة ~~محسوسة مرت في أفق حياتي مرور السفن في البحر إلى الشواطئ النائية. # يا مهذبي ...! # | كذب مصور # يا حبيبا إذا حننت إليه # حن في رقتي عليه حنيني # 1 # أنت شخصان في الفؤاد. فشخص # عند ظني، وآخر في يقيني # واحد كيف شئت أنت، وثان # كيفما شئته أنا وظنوني # لا بهذا رحمتني أو بهذا # بل بعقلي عذبتني وجنوني! ~~••• # أملي فيك كالخيال على المرآ # ة كذب مصور للعيون # | لماذا ... لماذا؟ # وكتب إليها: # 1 # قرأت كتابك وهو أسطر قليلة، ولكنها إما ساحرة أو مسحورة. فلقد خيل إلي أنها تنتهي، إذ كنت ~~فيها كأني أطارد معنى فارا مذعورا لا تمسكه الألفاظ فلا يبرح فوق السطور، إذا بلغ آخرها ~~وثب إلى أولها ms066 فإذا كان في أولها عاد إلى آخرها، دواليك بدءا وعودا # 2 # ويتلجلج مثل ذلك في صدري فلا ينتهي حتى ينتهي عنه. # تقولين يا حبيبتي: أي شيء عندك هو جديد في؟ ولماذا لا تراني رؤيتك غيري؟ وكيف بعدت في ~~نظرك المسافة بين وجه امرأة ووجه امرأة أخرى؟ وهل في وجوه النساء طريق متشعبة تذهب برجل ~~يمينا وتلتوي بغيره شمالا، وتتوافى إلى غاية وتتفرق عن غاية؟ ثم ما الذي جعلني عندك لغزا ~~لا تفسير له، وجعل النساء من دوني واضحات مفسرات كألفاظ الحياة الجارية في العادة والواقع، ~~المبذولة بمعانيها لمداولة الأخذ والعطاء، على حين تزعم أني كالعبارة العقلية التي يضرب ~~فيها الظن على وجوه شتى، وأني كما تقول: كلمة بسرها؟ # لا أكاد أفهم يا صديقي معنى «كلمة بسرها»! ولا معنى قولك الذي قلته لي: إن الحب فيك أنت ~~كعتيق الخمر: يضيف إليها الوقت كل يوم أسرارا وقوى وخيالا وعملا وسطوة ورقة، وأراه في ~~سواك كتعتيق الماء ... # 3 # لماذا لماذا ليس عندي جواب كلامك وإنما هو عندك، إذ تجاوز قدر معرفتي يا صديقي، فلماذا ~~لماذا؟ ~~••• ~~«وأما قبل» ... يا صديقي، فلا أزال أقول لك ما قلته: إن من النساء في مقابلة أشعة النفوس ~~معاني؛ فمعنى كحائط، ومعنى كمرآة: وواحدة تمسخ ظلا طامسا أراني فيها تحت الشعاع كأني ظل ~~ممدود على التراب، والأخرى تبرق وتتلألأ، وأراني فيها سويا كاملا كأنما خلقت في ~~ضوئها. # ومن النساء في مقابلة أهواء القلوب معان؛ فمعنى كالقفر، ومعنى كالحديقة، وواحدة يكون ~~وجودها حول فراغها ... والأخرى وجودها القلب فهو حولها. ~~«لماذا لماذا» لأن الإنسان غامض وتفسيره ليس فيه، ولا بد من تفسيره وإلا كان كل شيء ~~عبثا. إن الوجود كله مفسر للطفل تفسيرا صغيرا مثله في حب أمه وحنانها، وقد يكون ثدي الأم ~~مثالا مصغرا من الكون كالمثال المصغر من كرة الأرض في تعليم الجغرافيا، بل الأم تفسير على ~~قدر العقل لرحمة الألوهية نفسها. # وكذلك تبدأ الحياة من أول أنفاسها بالحب، ولعل أول قبلة على وجه الطفل من أمه ساعة ينفصل ms067 ~~منها إنما هي استقبال الحب لهذا الإنسان الجديد، ومسه من شفتي أمه بالطابع الذي لو قرئ نقشه ~~لكان هكذا: أنت وحدك. # فإذا كبر الوليد فلا بد من تغيير في أسلوب التفسير حالا بعد حال، ولا يزال كذلك تغيره ~~الأشياء والحوادث حتى يبلغ أسلوب الفلسفة العليا إذا انتهى إلى العشق، وحينئذ تكون قبلة ~~الحبيبة إنما هي استقبال الحب لهذا الإنسان المتجدد، ومسه من شفتي حبيبته بالطابع الذي لو ~~قرئ نقشه لكان هكذا «أنا وحدي ...». # لذلك أنت يا حبيبتي الفلسفة العليا، وأنت «كلمة بسرها»، أما غيرك من النساء فجمالها عندي: ~~جمال الشكل لا جمال السر. # ومن ثم فهي مفسرة واضحة، إذ لا يرى قلبي فيها ما يعسر فهمه، ولا ما يبحث عن تفسيره، ولا ~~ما يفسر لي شيئا من المعاني. # ومن ذلك فليس الجمال المعشوق إلا انطواء الجميل على أسرار مبهمة، وبذلك فكل نظر في المرأة ~~لا يرجع إلا بزيادة الوضوح فيما يعلو منها وما ينزل، # 4 # على حين كل ما في الحبيبة يزيد على تكرار النظر غموضا كأنه شيء جديد، ودائما ~~شيء جديد، ويأبى جمالها أن يفسر، إذا كان تفسير الشيء إنما هو إضافته إلى ما فرغت النفس ~~منه، وبهذا وذاك فما دام الحب قائما فكل ما في الحبيبة من تكوينها وأوضاع جسمها وشمائلها ~~ومعانيها إنما هو (مضاعفات) للمرض بها. ~~«ولماذا لماذا؟» لأن الحب يريد أن يثبت أنه الحب، وأنه تحقيق كل إنسان روحانيته في غيره؛ ~~ليشعر بما هو أسمى من شعوره الإنساني، وأنه امتلاء حياة بحياة؛ لتدرك معنى الكمال، فلا يكون ~~في الحب إلا كمال الوجود الإنساني لشخص ما في وقت ما بمعنى ما. # ومتى حققت الروح وجودها في روح محبوبة، وامتلأت حياة بحياة صار لها عالمها الخاص بها، ~~وعادت قوانين عالمنا هذا لغوا هناك، وارتفع الحب عن أن يكون صلة أو اعتبارا - كما يقع بين ~~الناس في الوجود الإنساني الذي يسع الخلق جميعا - إلى أن يصير حقيقة وحياة يعملان ~~بقوانينهما في الوجود القلبي الذي لا يسع إلا اثنين من ms068 الخلق. ~~••• # إن جمالك أيتها الحبيبة ليس جمالك كما تظنين، وإلا فقد شركتك الحسان فيه: لكنه بكلمة واحة ~~فن قلبي أنا! # والحياة التي تفيض عليك تملؤك وتملؤني معا، ولذلك فكل معنى منك له معنى آخر في. # وأنا لا أعرف الحب إلا أن أفيض من وراء حدودي فأنفذ بروحي إلى جمالك ومعانيك، وأنفذ من ~~معانيك وجمالك إلى كل ما يتلقاني في هذا العالم بجمال أو معنى، فكأنك أنت السر، وكأن جمال ~~الوجود ليس شيئا من ناحيته إلا معرفة أن لكل صورة معناها، فإذا هو جاء من ناحيتك فلكل صورة ~~معناها، ومعنى زائد فيها كما أراها بنظر الحب، وبهذا يرجع العالم، وإنه في نفسي عالم تعبير ~~فتتسع به ذاتي، وتتطور الإنسانية فيها وتدنو من أصلها الإلهي، وأكون قد أحببت والمعنى أني ~~استضأت بالقبس الأزلي الذي أضرم الشمس والكواكب، وأصبح دمي لا يجري بل يشتعل ويتوهج، وعاد ~~قلبي لا ينبض؛ بل يرتج ارتجاج الأفلاك في مداراتها. # وأكون بالحب قد وجدتك، والمعنى أني وجدتني؛ إذ كانت نفسي تنقصها المرآة التي أراها بها ~~رؤية قلب، وأكون قد عشقت، والمعنى أنك أدخلت على قلبي حاسة تشيع السكون كله في أو تشيعني ~~أنا فيه، حتى لا أفرح ولا أحزن إلا بمقدار يملأ الوجود، حين بك وحدك أفرح وأحزن! ~~«لماذا لماذا؟» لأن الحياة في هذه الأرض الثقيلة المستوخمة هي مثلها مادة، مهما تتنوع بقي ~~لها أصلها الجاف الثقيل، كالشجر: مهما يكن عمله من تحويل التراب فيلبس منه الأخضر والأبيض ~~والأحمر وغيرها من الألوان، ويثمر بالحلو والمر، فإن جذوره على ذلك لا تعرف الأخضر ولا ~~الأحمر، وليس لها إلا شيئان، ترابها وعفن الأرض ... فلا بد لهذا المنجم الترابي الإنساني، مما ~~يغلي قيمته ويشعره أن فيه ألماسا أو ذهبا أو فلذة من أفلاذ الجمال كائنة ما كانت، وهنا ~~عمل الحب موضعه سحره فهو يأتي بالمعشوق، ويمكن لمعانيه في القلب، وببضع ابتسامات ولحظات ~~وكلمات وحركات يكشف من قلب العاشق عن كنز عظيم من الأحلام الجميلة التي تخفق بها خوافق ~~السماوات والأرض # 5 ms069 # فإذا القطعة البشرية العادية من النساء والرجال قد تحولت بالحب إلى قطعة فنية ~~نادرة لا نظير لها في جمال الكون، وعلى ما يصف الواصف لا يبلغ ما هي أهله في رأي محبها؛ إذ ~~هي تخلق في نظره ضوءا لها خاصة يرفعها فوق المادة وفوق الحقيقة، فكل ما تبصره العين ~~الإنسانية فإنما تراه للفكر أو للعاطفة وحسب، أما هذه فتراها عين محبها للفكر والعاطفة، ثم ~~للجمال والفن، ثم للشهوات والآمال، فلو أن جنة الله تحيا على الأرض في امرأة ما ~~عدتها. # بل يرى المحب كأن سر الحياة أخذ يتجلى له، ويعمل أعماله على عينه، فكل شيء من الحبيب جديد ~~مع أنه هو هو من قبل، وكل ما يصدر منه ففيه روح وخلق ينبثق لساعته؛ إذ كان سر الحياة هو ~~الذي يتحرك في كل هذا، ويستعلن به للنظر العاشق. # ومن هذا تتغير الطبيعة نفسها في أعين المحبين؛ إذ لا يكونون منها في الحقيقة - بعمل ذلك ~~السر - إلا بإزاء قصة عشق ممثلة في الطبيعة، ولها ممثلون وممثلات من الأنهار والأطيار ~~والأشجار والأزهار والألوان والأصوات والنجوم والشمس والقمر وما في السماء وما في الأرض، ~~على حين ليس في الطبيعة لغير المحبين إلا مناظرها! # ألا أنه بالحب وحده يحيا الإنسان أكثر من حياة إنسان، وتكون الطبيعة أكثر مما هي، ويزيد ~~كل شيء في حس العاشق؛ لأنه هو زاد بحبيبه. # تسألينني «لماذا لماذا» لأنك، لأنك ... يا حبيبتي!؟ # | كتاب لم تكتبه ... # «وانقطعت كتبها عنه مدة، فرأى أن يجري في طريقه بعض الأساليب السياسية التي تخلق الواقع ~~متى شاءت كما تشاء، فتوهم أنها كتبت إليه كما يجب ... ثم رد على رسالتها». ~~••• # وصل كتابك أسرع ... مما قدرت، فعلمت أن قلبك أشفق علي وخشي أن أتألم إذا انتظرت، وتناولته ~~فأحسسته فياضا بمعانيه إذ كان في يدي كأنه لهفة قلب مجسمة، حتى ما شككت أن كل كلماته ~~كانت خفقات. # وفضضته فطالعتني منه صحيفة تضطرب بأشواقها كأنها رجة صدر عاشق أمسكت في زفراتها وطويت، ~~وختم عليها وجعلت رسالة! ونظرته فإذا هو ترجمة ms070 شخصك في حسنه وجماله وظرفه، وابتدرتني منه ~~جملة باسمة أمطرتها لثما؛ إذ خيل إلي إنها ترجمة عن شفتيك. # وقرأته بفكري كما أقرأ نظراتك وابتساماتك ورجفات الدلال على جسمك حين تتناثر أفكاري عليه ~~فإذا في موقع كل فكر على هذا الجسم الفاتن خطرة دلال أو اختلاجة صبابة أو انثناءة تيه أو ~~هزة نشوة، وإذا معاني الجسم تجوب معاني الفكر، وإذا روح الجمال ترتعش بك من لمسات ~~الحب. # وفهمته كما أفهم حسنك الذي جعله الحب من أسرار قلبي، فجعله القلب من أسرار روحي، فجعلته ~~روحي من أسرار الكون، فأظهره الكون كأنه ومضة من النور القدسي أحبت أن ترى رؤية وله وعبادة ~~فكان سطوعها فيك أنت، وكان الخشوع لها في قلبي أنا، وذهبت بي كل مذهب تقديسا وخضوعا ~~ومحبة. # ووقف الهوى بي عند قولك ... وهو كلام كما أرهفته لحاظك تفتحت له جراح قلبي، وانصب يكلمها ~~فتجاوبه ألما ودما. # وعند قولك ... وهو كلام كما عرفت عليه أنفاسك، احتر إليه صدري الهائم فأقبل يتخطفه بتنفسه ~~يقطف منه الحياة. # وعند قولك ... وهو كلام كما رنت فيه ضحكاتك طربت له روحي فاهتزت له هزة حسبتها تناولت الكون ~~أو تناولها. # وعند قولك ... وهو كلام كما غردت فيه نغماتك انسرقت له حواسي # 1 # فكدت أظن أن فرحة من الخلد لم تجد على الأرض إلا هذه النغمة من صوتك تحملها دون ~~أن يتغير مدار تأثيرها السماوي. # ثم انتهيت يا حبيبتي إلى قولك ... وهو كلام لم أجدك فيه # 2 # كأنه كان بدء اليقظة من حلم الكتابة إلى محبك، وأول تباشير البياض الذي ينتهي ~~عنده سواد الأسطر. # وعجبت يا حبيبتي من قولك ... وهو كلام إن كانت ألفاظه وجدت فمعانيه غير موجودة، وإن كانت في ~~هذه الأرض من له روح تفتح وتغلق # 3 # فهو أنت، ولقد جعلت كلمتك الأخيرة كأنها باب أقفل في وجهي ... # ولكن لما بلغت اسمك يا حبيبتي ارتدت عنه ألحاظي مكرهة من قوة في نفسي، وبهذه القوة التي ~~أغمضت عيني قرأت اسمك بشفتي. # ثم لم أملك نفسي أن قبلت الكتاب ms071 ألفا وألفا، حتى خيل إلي أني أكلته وشربته، ولما نظرت ~~فلم أر في يدي شيئا تيقنت أني أكلته وشربته ... وأطيب ما كان فني. # 4 ~~••• # يحاول لي ولخيالك! إنما أنا معه كالسياسي إذ يقبل سياسيا بعد معاهدة بينهما، فيمسه ~~بشفته مسة ليس لها إلا طعم ورقة مكتوبة ... # وآه كم تتمثلين لي وكأنك لا تزالين في ذلك الموقف ... تحاولين بدلالك وألفاظك أن تدخلي إلى ~~نفسي من غير أن تدخلي، وأراك وما أراك إلا روحي الخارجة عني، فأحاول بأساليب الحب الكثيرة ~~أن أردها إلي، وهي لا بد لها أن تبقى خارجا؛ لأنها جسم آخر! وأنا لا بد لي أن تكون في ~~لأنها روحي الأخرى. # خلد على قلبي ذلك الموقف منك، فلا بد لك ولا بد لي، وبينهما لا بد ثالثة، لا بد من تألمي ~~وعذابي! # | قالت وقلت # «هذه رسالة تجمع من كلامها وكلامه مما كان يتساقط به الحديث بينهما، وقد دونها هو في ~~مجالس شتى، وكل فصل من هذه الفصول كان يصلح أن تبنى عليه رسالة طالت أو قصرت». ~~••• # في بعض القصص أن لإحدى الغابات ملكا يحكمها، وكان من شريعتها أن لا يبتوأ عرشها إلا من ~~يذبح الجالس عليه ... فالملك فيها أبدا يقظان منتبه عيناه من سلاحه، ولا يزال السيف في يده ~~مصلتا ولو أن في كل إصبع من أصابعه سيفا قاطعا ثم غفلت عيناه غفلة لما نفعته عشرة أسياف، ~~ولكانت إغماضته الموت لا محالة، ومع هذا الشقاء الحي فإنه يأتي إليه من يذبحه ليجلس في ~~موضعه، أي ليتهيأ للذبح! # أما والله إن عاشق بعض النساء ... لكالجالس على هذا العرش كل لذته من بلائه أنه لم يذبح بعد ~~...! ~~••• # الموت ينتزع الروح، والهجر يترك الروح كأنها منتزعة، فهو موت لا ينتهي! # أيكون الحب في الحقيقة هو قدرة شخص جميل على تزوير نفسه، وتزوير الكون في نظر شخص ~~آخر؟ ~~••• # قالت له: لم أعدك شيئا! # قال: نعم، لم تعديني بلسانك، ولكن وعدت بما فيك من الشفقة ما ترين في من ~~الاضطرار! ~~••• # لو أني سميت النهار ليلا ms072 والليل نهارا لانتقل السواد والبياض إلى اللفظ بسهولة، ثم لا ~~يكون ليل الله ولا نهار الله، فاجعلي لي منك دقيقة واحدة واقعة على زمنها، وخذي الثلاثمائة ~~والستين يوما كلاميا، دقيقة إنجاز ولا ولا سنة مواعيد. ~~••• # أأنت تخطئين؟ أما إنك لو تكلمت خطأ صرفا لكان وجهك وحده برهانا وحجة! ~~••• # ألم أر مثل هذا الفم الجميل: إذا افتر افتر عن ابتسامة، وإذا انطبق انطبق على هيئة ~~ابتسامة، هو دائما إشارة أو تعبير، هو دائما تعبير أو إشارة. ~~••• # عندما أراك لا أتمالك أن أطرب وأهتز، أفهناك ألحان من جمالك تنطلق في. ~~••• # قالت له: كلماتي لا تتم بمعانيها، ولكن بفهمك أنت لمعانيها! ~~••• # وقالت: إن ساعة كتابتي إليك هي ساعة من الحياة معك وإن كنا على بعد! ~~••• # ليست المسكرات ولا المخدرات هي ما يعدونه من كذا وكذا، بل ومنها النظر إلى بعض الوجوه، ~~والفكر في بعض الناس ...! ~~••• # إنك تتكلمين ولا تعرفين أن وجهك ينقح في معاني كلامك. ~~••• # في الحب درجة من درجات الملائكة يرتفع إليها من قدر أن ينسى من حبيبه المادة الإنسانية ~~وهي مالئة عينيه وحواسه، آه ما أشق أن يتحول العاشق في حبه إلى شريعة، ولكن ما ألذ أن ~~يتحول! ~~••• # من العجيب ألا يكون المحزن في الحب إلا وسيلة لزيادة جمال الحبيب باهتياج محبه والتياعه، ~~فهموم الغرام أشبه (بعمليات) جراحية في العواطف لترقيقها وإرهافها، كيما ترى أحسن مما كانت ~~ترى، وتحس أكثر مما كانت تحس! ~~••• # هل الطبيعة الإنسانية بتأليفها بين حبيبين تضرب المثل على إمكان هذا الائتلاف بين الجميع؟ ~~أم على استحالة إمكان التآلف الصحيح إلا بين اثنين فقط من الجميع ...؟ ~~••• # العقل يدل على نفسه بالنظر في الكون ويعبر عن ذلك بأفكاره، والقلب يدل على نفسه بالنظر في ~~الحبيب ويعبر عن ذلك بأشواقه. ~~••• # كل كلمة فيها معناها، وحين تكون الكلمة منك يكون فيها من معناها ومنك ...! ~~••• # قالت: أنا في نفسي كما أنا، ولكني في حبك كما أرى، فأنا اكتشف نفسي الجميلة فيك، وبهذا ~~أجد حبك من عظمتي وسروري! ~~••• # إن مواعيدك من الكلام الذي ms073 يموت دائما بمرض النسيان! ~~••• # قالت: ينصح علماء القوة والرياضة للرجل القوي ألا يغضب فيذهب على الأقل نصف قوته، وأنا ~~أنصح لك أن تغضب فتزيد قوتك على الأقل بقدر نصفها ...! ~~••• # أساس الحب شيء خاص لا يعرف إلا بالشخص الذي هو فيه، وحينئذ فليس في الوجود كله مثل الشخص ~~الذي هو فيه. ~~••• # كمال لذة الحب حين تتآخى الإرادة مع الإرادة ... لا حين تتنافر أو تتعادى. ~~••• # ليس في الحب مسافات، فالمتحابان مجتمعان دائما في فكرة وإن كان أحدهما في المشرق والآخر ~~في المغرب. ~~••• # قالت له: إذا كنت تريدني سماء تستوحيها وتستنزل منها ملائكة معانيك فلماذا تنكر علي أن ~~يكون لي مع أنواري سحاب وظلمة ورعد وبرق؟ ~~••• # من تأله الجمال أن الحبيبة لا تريد الحقائق من الطبيعة إليها بل من الطبيعة إلى محبها ~~أول، ثم من المحب إليها بعد ...، تريد في حقائق الكون شعور تقديس الله، وشعورا آخر بتقديسها ~~هي أيضا ...! دولة ضعيفة: ولهذا لا يكون معه أبدا إلا كالمستعمرة ... # | الغضبى1 # تحير قلبي وهو ممتلئ بها # كما يملأ المرآة ناظرها ظلا # بأي مكان فيه قد حل شخصها # وأي مكان شخصها فيه ما حلا؟ # لقد غضبت وكر هجرها على وصلها، وانشق لزمن زمنين، أحدهما مثلها غضبان مبتعد وكأنما كان ~~لها خاصة، فلما ذهبت لحق بها. # إنه الحب يخلق بها خلقا في وبزمنها خلقا في زمني؛ ليشعرنا بهذا التغيير الخالق المتصرف ~~أننا لا نتحاب في ذات نفسينا، بل في الجلال الأعظم الذي منه نفسنا ونفسي، فإذا تغاضبنا ~~وقسمتنا أهواؤنا رجعنا قطعتين من المادة ليس في كلتيهما إلا قانون الثقل ... وزادت عواطفنا ~~وزنا جديدا من الغيظ! # أين زمنها؟ لقد فرغ وقتي منه حتى يخيل إلي أن اليوم الذي هو أربع وعشرون ساعة لا يكمل ~~لي بعدها عشرين وأربعا ... وأنظر في ساعتي فإذا كانت السابعة مساء والتي إليها والتاسعة التي معهما # 2 # شبه لي وغم علي، وحسبت أن في هذه الساعة منطقة خارجة عن الزمن تخطاها العقرب ~~ولا يشير إليها. ~~••• # وإني لأحمل في غضبها من الهم ما لا ms074 أرهق بأوجع منه لو عاداني كل من معي وجفاني كل ما ~~حولي، ولكانت والله قد هانت لو أنها غضبة عدو، ولكنها غضبة حبيب هو بحبه فيها. # يا ظلام القمر كيف تكون ظلاما وقد تعلقت بمخلوق النور؟ # 3 ~~••• # كلا كلا! لقد غضبت لتزيد في أسرار حبها سر الماضي، ولتمر على أيامها اللينة بمسحة من ~~القسوة تخلق فيها إلى جمال الحقيقة جمال الذكرى. # وكانت ... وتريد أن تأتي في الحب من وراء ما كانت فذهبت، وهذا في فلسفتها هو المجيء من وراء ~~ما كان. فما غضبت إلا لتعطيني الرضا من بعد. # الفرح بالجمال لذة تقتل نفسها، ولا يمسك على الجمال روح النعمة خالدة في القلب إلا الحزن ~~به أحيانا: كيوم الغيم، ترى في سمائه قطعا كأنها الهاربة من الليل، تختبئ الشمس فيها، ثم ~~تسطع من بعد سطوعا يخيل إليك أنها ما توارت في خيمة الغمائم إلا لتنضو غلائلها الشفافة ~~وتتعرى. # يريد الجمال المعشوق أن يثبت فينا فيغيب عنا؛ إذ كان بذله يفني منه على قدر ما يعطي فإذا ~~هو امتنع وعز مناله كان جمالا في نفسه بمعانيه وجمالا فينا، بالمعاني التي هي فينا، وكان ~~له من اجتماع الحالتين حالة جمال ثالث هي في ألم الرغبة المستمرة أو ألم الغيظ المجنون، ~~ومتى خلق لنا الجمال من قصر الزمن طول الزمن، ومن المتاع بالحسن العذاب بتمنيه، ومن الحبيبة ~~الراضية حبيبة هاجرة، ومن الحاضرة غائبة، فقد ارتفع عن إنسانيتنا، وجاءنا من ناحية سره ~~الإلهي. ~~••• # كلا كلا! لقد غضبت لأحبها صورة مبهمة ليس فيها إنسانة بل حب إنسانة، وانتزعت نفسها مني ~~بعد أن انتزعت لنفسي كل معانيها التي جعلتها ما هي. # 4 # ألا يا ثمرة أفرغت في قلبي عصيرها الحلو! لئن بقيت ثمرة في لغة نفسك فإنك القشرة في لغتي ~~أنا ... ~~••• # إنه ليس معي إلا ظلالها، ولكنها ظلال حية تروح وتجيء في ذاكرتي، وكل ما كان ومضى هو في ~~هذه الظلال الحية كائن لا يفنى، وكما يرى الشاعر الملهم كلام الطبيعة بأسره مترجما إلى لغة ~~عينيه أصبحت ms075 أراها في هجرها طبيعة حسن فاتن مترجمة بجملتها إلى لغة فكري. # كان لها في نفسي الجمال ومعه حماقة الرجاء وجنونه، ثم خضوعي لها خضوعا لا ينفعني ... ~~فبدلني الهجر منها مظهر الجلال ومعه وقار اليأس وعقله، ثم خضوعها لخيالي خضوعا لا ~~يضرها. # وما أريد من الحب إلا الفن فإن جاء من الهجر فن فهو الحب ... ~~••• # كلما ابتعدت في صدها خطوتين رجع إلى صوابي خطوة ...! ~~••• # كلا كلا! فلا صواب مع مادة الفتنة، وهل يفتتن الإنسان إلا حين يظهر مجنونا بأسمى ما فيه ~~من العقل؟ # أنا عاشق أضم الطبيعة في مهجتي مصغرة فأنا الأكبر ... إن هذا لجنون ولكنه عقل ... وأنا عاشق ~~أفسر الطبيعة في هذه الحبيبة الجميلة فهي الأجمل ... إن هذه لعقل ولكنه جنون! # وقد كانت لهذه الحبيبة نظرة معنوية هي مفتاحها في قلبي، وها هي ذي غضبى نافرة لا أراها ~~ولا تراني، ولكن المفتاح لا يزال يدور في قفله ... أجنون هذا أم عقل؟ ... # وهي الحبيبة ولكنها كالعدو: صورة من أقسى ما في الطبيعة جاءت تمضي في قانونا من ~~عقوباتها؛ أعقل هذا أم جنون؟ # لن يقال في الذي تحمله عاصفة وتطير به: إنه مسافر في طيارة ... # ولا في الذي رأى صورة دينار في مرآة فحطم المرآة ليأخذ الدينار: إنه وجد شيئا ... # ولكن يقال في الذي دلهه الجمال وشفه الحب: # 5 # إنه في نعيم الهوى. # وفي المحب الذي يحطم قلبه على امرأة إنه وجد الحب ...! ~~••• # كلا كلا يا قلبي! إن الغضب يجمع جنون الحب من شخصين في شخص واحد: هأنذا يحوطني الآن هدوء ~~الأشياء، وابتسام الجمال الأزلي المفتر عن نور الدنيا: أنا في كل ذلك، ولست في هدأة ولا ~~ابتسامة غريق في البحر ولا يبتل ...! # لعمري لو غضب قاع الأقيانوس غضبة حب لانتفخ به الغيظ حتى يعلو فوق الماء جزيرة جافة فلا ~~يتندى ولا يرق ولا يعود إلا خلقة غيظ! # 6 # فليكن ما طاوع مني هو الذي يأبى، وما أحب هو الذي يبغض، ولتأت على الحب غابرة الدهر وآخرة الليالي # 7 # ولو ترامى بها ms076 غضبها إلى قتلي لوعة وكمدا! # لقد أصبحت أرى ألين العطف في أقسى الهجر، ولن أرضى بالأمر الذي ليس بالرضى، ولن يحسن عندي ~~ما لا يحسن، ولن أطلب إلا في عصيان الحب! ... أريدها غضبى، فهذا جمال يلائم طبيعتي الشديدة، ~~وحب يناسب كبريائي، ودع جرحي يترشش دما، فهذه لعمري قوة الجسم الذي ينبت ثمر العضل وشوك ~~المخلب، وما هي بقوة فيك إن لم تقو أول شيء على الألم ... # أريدها لا تعرفني ولا أعرفها، لا من شيء إلا لأنها تعرفني وأعرفها ... تتكلم ساكنة وأرد ~~عليها بسكوتي. صمت ضائع كالعبث ولكن له في القلبين عمل كلام طويل ... # أما والله ما أدري أحاجتي في حبها كانت إلى عزيمة أم إلى صبر أم نسيان أم خضوع؟ # يا رواجف صدري! كل ذلك ليست منه فائدة ترجى، فإن حاجتي ألا أكون عرفتها من قبل! # ويا قلبي ، ما هي المعجزة التي يمكن أن تمنع الأمر الذي وقع بعد ما وقع ... ~~••• # كلا كلا! ما ذهب الحب، وإن الذي يكذب حبه بإظهار غيظه من الحبيب ليكذبه الغيظ، وإذا انتهى ~~أمر من الأمر وبقي في نفسك حيا فما انتهى. # كلا كلا! ما استوفيتك يا رسالة الغضب، فما أكثرك عندي فنونا، وما أوسعك معاني في ~~نفسي. # كلا كلا! فلو أني كتبتك ملء ليل مظلم طال على محموم. ثم اطلعت هي عليك فأغضبتها ثم جاءت ... ~~جاءت تسألني ... تسألني. أأنت كتبت هذه؟ # آه، تالله إن أجبتها إلا؛ كلا كلا ... # ولست أطيل في زينتك يا رسالة الغضب، فإنك كالنعش: لا يزينه قوم إلا ولهم ميت! ... كلا ~~كلا! # | هدية شتم ... # نشرت مرة في بعض المجلات الفرنسية مقالا فهم منه القراء كلمات نبيلة، وفهم هو منه كلمات ~~شتم فكتب هذه الرسالة: # 1 # في الحب يتكلم قلب المرأة العاشقة بمنطق فصيح من أعمالها، فأعمالها عندها على طريق اللغة ~~والتعبير قبل أن تكون لعلة أخرى من العلل، فإذا أنت حملتها على ظاهرها وكنت المقصود بها فقد ~~جزت بها عن طريقها وأخطأت سحرها وجمالها، بل تكون قد أهنتها، وابتذلت المعنى السامي ms077 المخبوء ~~لك فيها ليكون لك وحدهك. # قد تشتمك من تحبها؛ لأنها تحبك وتعزك، ويأبى لها شعورها بكبرياء الحب إلا أن تنبذ لك ~~بلفظة متكبرة وهي قد وثقت أنها تخصك منها بمعنى ما ... وقد تعرض عنك من دون الباقين؛ لأنك ~~وحدك الآمر الناهي المتسلط عليها، فهي تخصك من إعراضها بهدية ... وقد تعالنك بأشد البغض، وتدع ~~قلبك يشبهها لك مراغمة جافية متعسرة غليظة الكبد، لا من بغضة ولا جفاء ولا معاسرة ولا ~~غلظة، بل من أنك أذللتها بهواك، فكل ما تشتمك به إنما تتأوه فيه ... والكلمة التي تفصل عن ~~المرأة في مثل هذه الحالة من سرها المجروح: لا تراد لتكشف عن معنى يكون فيها، بل لتغطي على ~~معنى يكون في غيرها ... # وهي كلمة وتاريخ وشعور في وقت معا، وهي كالموجة: تحتها التيار وفوقها الريح، وشرحها ~~وأسبابها في هذين لا فيها، تشتمك لتقول لك إني أعلم أني أحبك أحبك، فإياك أن تظن أني أحبك ... ~~••• # وما أشبهها بالشمس وهذه المسبة منها كالغيم أثقله الماء فإذا الشعاع على قطراته رأيت فن ~~الشمس لا فن الغيم، وإذا قوس قزح في سبعة ألوان جميلة زاهية يذوب بعضها في بعض تبرا ~~ولجينا وجواهر شتى. # وكلمة الشتم من العدو تنزل من القلب منزلة الدمل يأكل موضعه ويتسع ليأكل مواضع أخرى، ~~ولكنها من الحبيبة تضاف إلى دواعيها في القلب، فإذا هي كالورقة الجافة في شجرة خضراء ذوت هي ~~ومنبتها حي، فما أسرع ما ترف في مكانها ورقة أخرى أزهى وأنضر. ~~••• # الآن أذكر قولها إذ سألتني مرة: هل ترى قيمة الدينار في يد ملك أو أمير أكثر منها في يد مفلوك # 2 # أو صعلوك؟ وأذكر جوابي إذ أجبتها: إن الدينار في نفسه ملك يحكم الملوك ~~والفقراء، فهذا من رعيته، وهذا من رعيته، وهو فوقهما فلا يعلو به من يعلو ولا ينزل به من ~~ينزل، وكذلك دينار شتمها: هو على كل حال في يدي كما هو في يدها، ولو أنها جعلت قيمته في يوم ~~غضبها مئة لعنة لما منعني ذلك أن أصرفه ms078 منها هي في يوم رضاها مئة قبلة! ~~••• # أصحيح أن شتمها كلمة حب محترقة، وأنها عبارة ذات تأويل قبل أن تكون عملا ذا صراحة، وأنها ~~من باب قول المرأة لمن تحبه: ابعد عني! إياك أن تصدقني وتبتعد ...!؟ # ذلك صحيح لا ريب فيه، ولقد قالت لي مرة في أمر سبق إلى قلبي منه شيء فعاتبتها: إنها مسألة ~~لا تهم. # فقلت لها: نعم لا تهم، ولكنها تدل ...! # فقالت: نعم تدل، ولكن معها الحب فلا تهم ولا تدل ...! # عندها أن الحب يغير كل شيء، وقد فهمنا من قبل أنه يغير المرأة المحبوبة في نظر محبها؛ ~~لأنها زائدة على النساء رغباته وأوهامه، ويغير الرجل العاشق في نظر حبيبته إذ هو زائد على ~~الناس إما برغباتها وإما بحمقه وجنونه وغفلته، ويغير الطبيعة في نظر العاشق؛ لأنها مع الحب ~~لا ترى إلا زائدة لون النفس، والآن فهمنا أنه يغير الكلام أيضا إذا صار الكلام زائدا ~~تفسير الحبيبة المتكلمة، وانضاف إلى ظاهره مكتمها. # وذلك صحيح؛ لأن هذه الشاعرة الفيلسوفة تشعرني في كلمتها الجافية بأثر من الرقة والظرف يدل ~~على أن قلبها مر في بعض مواضع من مقالتها، وخفق على موضع وأن في موضع. # ذلك صحيح بلا ريب، والحب كالحرية: هذه تأتي أهلها بالثورة المدمرة وفيها أسباب من الحياة ~~لها ما بعدها، وذاك يهدي الشتم وفيه أسباب من الدلال ولها ما بعدها! # يا صباحا أهدى الضبابة دكناء. فغطى الضياء منك # 3 # ظلالك أنت أهديتها، وأنت أذبت الطل منها، فتم منها جمالك ...! # | متى يا حبيب القلب # ألا يا نسيم الفجر سلم على فجري # فقد غاب في الليل الطويل من الهجر # تضيء الليالي بالنجوم وبدرها # وليل الجفا من غير نجم ولا بدر # وقفت وماذا أستطيع بوقفتي # حسيرا، وأقدار الغرام بنا تجري؟ # أدور بعيني نحو كل شعاعة # على الأفق في نجم، أو الأرض في زهر # فيا ويح قلبي! ما له حن كلما # تراءى له شبه انتسام على ثغر؟ # متى يا حبيب القلب هجرك ينتهي # ومن أول الأيام فيه انتهى (صبري)؟ # 1 ~~••• # ألا ms079 يا نسيم الفجر إن جزت في الربى # خفيا كتسليم الحبيبة في سر ... # وقامت عذاراها للقياك تنثني # دلالا وتيها في غلائلها الخضر ... # وفتح نوار الغصون جفونه # وفيها البقايا الناعسات من السحر ... # وأصبحت كالسلوى ترفرف نازلا # سلاما على قلب الغدير أو النهر ... ~~... فجئني بسر الزهر والماء والندى # لعلي بها أطفي جوى الحب في صدري # | صلاة في المحراب الأخضر # شجراتي ~~«ولما غضبت ويبس ما بينهما، ضاق بهجرها، فانصرف إلى شجرات كان يخلو إلى نفسه في ظلها ~~ونضرتها ونسيمها وما فيها وما حولها، وظن أنها تنبت شيئا في جدب الهوى أو ترمي بظل على ~~رمضاء القلب فكان في وهمه كالذي يحاول أن يجد نساء من الشجر ... وهناك كتب هذه الرسالة في ~~الربيع، ثم التي بعدها في الشتاء». # لي صديقات من الشجر أعرفهن ويعرفنني منذ سنوات، وهن ينزلن مني بعض الأحيان منزلة الحب؛ ~~لأن فيها شيئا من دلال النساء الخفرات أجد أثره في قلبي، ولا أجد برهانه في لساني، فإذا ~~هممت أن أبين عنه وأبتغيه بالعبارة أخفته العبارة حتى لا يزيده البيان إلا غموضا وسوء ~~معرض، ولكن إذا مضيت أفكر فيه تبينته أشد تبين فأحسست في ظلهن المستحي ونسيمهن المتنهد ~~وغصونهن المنثنية - شمائل حبيبة إلى نفسي، ورأيت لها معاني لا تقع إلا في القلب، ثم لا تقع ~~منه إلا في الموضع الذي مسته يوما نفحة أو قبلة أو تنهد. # وإنما قيمة الأشياء بما فيها من أثر القلب أو بما لها في القلب من الأثر، ولرب شيء تافه ~~لا خطر له ولا غناء فيه، ثم يكون في يد محب من حبيبه النائي أو الممتنع الهاجر فإذا هو قد ~~تحول بموقعه من القلب إلى غير حقيقته، فأطلعه الهوى من مطلع آخر ليس في الطبيعة، فيرتفع ثم ~~يرتفع، حتى كأنه عند صاحبه ليس شيئا في الدنيا بل الدنيا شيء فيه، ويكون ما هو كائن، ومع ~~ذلك تنبعث منه روح ذات جلال أقل ما فيه أنه فوق الجلال الإنساني. # هذه صغائر الحياة متى خالطها أثر القلب أصبحت في الحياة ms080 أكبر كبائرها، كأن قلب كل إنسان ~~هو النقطة المحدودة له من الكون، والكون كله مبعثر من حوله، فلا بداية لشيء ولا نهاية لشيء، ~~ولا قرب ولا بعد، ولا صغر ولا كبر، ما يكن له قياس إلى القلب، والحب قدرة إنسان على قلب ~~إنسان فهو من ثم قدرة على الكون المتصل بالعاشق، وهو بهذه القدرة أشبه بألوهية لو ساغ في ~~الظن أن توجد ألوهية عاجزة عن كل شيء، إلا عن التصرف في مخلوق واحد، وهو بكل ذلك إما حقيقة ~~كبرى وإما سخرية كبرى. ~~••• # تقوم شجراتي على مسيل من الماء في قاصية بعيدة عن المدينة، وتراهن فوق الماء صفا إحداهن ~~إلى إحداهن كأن هناك بقعة من الجنة قامت فيها قصور الزمرد على طريق أرضها من الفضة البيضاء ~~المجلوة. # وأراهن كل سنة يتجردن من الأوراق؛ ليكتسين أوراقا مثلها لا تخلفها في شيء من الهيئة، ولا ~~تباينها في معنى الطبيعة، ولكن بين ما يخلعن وما يلبسن تزيد فيهن الحياة، وتشب الروح، ~~وتتجدد القوة فتلقي الشجرة أوراقها، وتستقبل الشتاء مقشعرة جرداء؛ لتظهر في الربيع كاسية: ~~جميلة جديدة في حسنها، تتبرج بروحها قبل ثيابها، كالحسناء الفاتنة أو ما يتحرك في دمها الحب ~~... # كذلك لا تتبرج الروح إلا خارجة من شقاء أو مقبلة على شقاء، وما أشبه الحب في الناس بهذا ~~الربيع في الشجر: هو الطريق الأخضر يمتد إما إلى الجدب واليبس والألم، وإما إلى غاية منسية ~~مهملة في الجفاء أو السلوة! # وذهبت في ضحوة النهار إلى صديقاتي أحييهن كعهدي بين حين وحين، وما أكرمه عهدا لمن لا ~~يختلفن من ملل، ولا يتغيرن من كذب، ولا يتبدلن من خيانة، فلما جئتهن تحفين بي وتناولني قلبي ~~يمسحنه ويتحببن إليه، وأقبلن يغازلنه، ويأخذن فيه مأخذ من تحب فيمن يحبها، حتى لم أشعر منه ~~إلا ما أشعر من زهرة فيها أرجها العاطر، أو ثمرة فيها ماؤها الحلو، أو نبتة فيها لونها ~~الأخضر ... ~~... ونبهن فيه برفقهن هذه القوة المتواضعة المظلومة التي تتوجه بالإنسان إلى ربه فتكون ~~عبادة، وإلى الناس فتكون رحمة، ms081 وإلى «بعض الناس» فتكون الحب، فإني لتحت ظلالهن الوارفة، ~~وكأنني من السموت تحت أجنحة الملائكة، وإني لمع أغصانهن النضرة وكأني من السرور أداعب ~~أطفالا صغارا تبسم لي، وإني لبين أنفاسهن وكأني من النشوة مع الخيال الذي أتخيل ... # تجلت علي القوة التي تحول الشعاع إلى ظل، والهواء إلى نسيم، والزمن إلى ربيع، والنظر ~~إلى حب، فكنت في الشجر الصامت شجرة متكلمة، وانسللت من طبيعة إلى طبيعة غيرها، ووقفت بين ~~عفو الله وعافيته في هذا المحراب الأخضر؛ ومن قلبي المتألم أرسلت إلى السماء هذه التسابيح ~~ذاهبة مع تغريد الطير. ~~••• # يا من غرسني في الحياة كهذا الغراس بين الماء والنور، ولكنه جعل جذوري كلها مستقرة مثله ~~في الطين! # يا من لا يؤتيني معنى شريفا ساميا على هذه الأرض إلا إذا عرفت بإزائه معنى وضيعا ~~سافلا، ولا ينضج ثماري ويحليها إلا بعد أن تنبت فجة مرة لا تذاق! # يا من خلقني إنسانا، ولكنه قضى علي أن أقطع الحياة كلها أتعلم كيف أكون إنسانا، ~~كالبذرة: تقضي عمرها في إخراج شجرتها ونموها حتى إذا اكتملت الشجرة قطعت لأغراض أخرى غير ~~التي من أجلها نبتت. # يا من وهب عبادة العقل بين هذه النواميس التي لا تعقل، حتى لا يتم أبدا عقل إنسان، ولا ~~تكمل أبدا حكمة حكيم، فيظل باب الخطإ مفتوحا لأكبر العقول وأصغرها، وتكون الحيرة قاعدة من ~~قواعد العقل؛ ليخرج من ذلك أن يكون التسليم قاعدة من قواعد القلب! # يا من جعل في شفائنا بالعلم داء آخر من العلم، حتى لا يرتفع المضر من الأرض ولو صار أهل ~~الأرض كلهم علماء! # يا من جعل الناس في الحياة كأوراق الشجر، من اليابسة التي تتقصف إلى جانب الخضراء التي ~~ترف، ثم إذا الناس جميعا كالأوراق جميعا. يبست فارفتت # 1 # فطارت بها الريح تذروها فلا يعلم مستقرها ومستودعها إلا هو! # ويا من خصني بهذا القلب العاشق الذي يتألم ويضطرب حتى عندما ألمس كتابا أعرف أن فيه قصة ~~حب، وهو مع ذلك يتكبر على كل آلامه ولا يخضع أبدا إلا ms082 جوابا على خضوع آخر، فكأنه لا ~~يدنيني ممن أحبهم إلا لأعرف ما أكرهه فيهم، وكأنه من فرط رقته آلة إحساس جامدة لا قلب ~~حي. # ويا من جعل هذا القلب في كجناح الطائر: لا يطير ولا يرتفع ولا يسمو ولا يتقاذف إلا إذا ~~نشر هو وجناحه الآخر، فلا أبحث عن الحب لأجد الحبيبة وجمالها وحبها، بل قوتي وسموي ~~وكبريائي. # يا إلهي! تقدست وتباركت! إني لا أنكر حكمة آلامي، فما أنا إلا كالنجم: إن يسخط فليسخط ما ~~شاء إلا ظلمة ليله التي تشب لونه # 2 # وتجلوه، ولولاها لما رأت الأعين شعاعة تلمع فيه. # لم تعطني يا رب ما أشتهي كما أشتهيه ولا بمقدار مني، وجعلت حظي من آمالي الواسعة كالمصباح ~~في مطلعه من النجوم التي لا عدد لها ولكن سبحانك اللهم، لك الحمد بقدر ما لم تعط وما أعطيت، ~~لك الحمد أن هديتني إلى الحكمة، وجعلتني أرى أن المصباح الضئيل الذي يضيء جوانب بيتي هو ~~أكثر نورا في داخل البيت من كل النجوم التي ترى على السطح وإن ملأت الفضاء! # سبحانك اللهم! إن هذا الشجر ليتجرد ويذوي ثم لا يمنع ذلك أن يكون حيا يتماسك ويشب، وإنه ~~ليخضر ويورق، ثم لا يعصمه ذلك أن يعود إلى تجرده ويبسه، فما السعادة أن نجد الزينة الطارئة، ~~ولا الشقاء أن نفقدها، وما الشجرة إلا حكمة منك لعبادك تعلمهم أن الحياة والسعادة والقوة ~~ليست على الأرض إلا في شيء واحد، هو نضرة القلب! # سبحانك! إن الساخط على الحياة والحياة منك، ليس إلا كورقة في شجرة قد بدا لها، فسخطت ~~شجرتها وعملها ونظامها ولونها، فانتزعت نفسها، وهوت في التراب؛ لتخلق أوهامها، وتخرج من ~~نفسها على ما تحب شجرة جمال ولون وثمر، فإذا هي أهون على الأرض والسماء من أن تكون إلا ورقة ~~يابسة قد هلكت حمقاء، وارفتت رغما وهوانا، وضاعت فيما يضيع! # سبحانك سبحانك! اللهم لا تجعل ما يرفعني يقذفني، ولا ما يمسكني يرميني، ولا ما ينضرني ~~يجفو بي! ~~••• # ولما فرغت من ابتهالي، اتكأت إلى حبيبة منهن، ms083 وجعلت أفكر وأنا أحس كأن كل شجرة تضع قبلة ~~ندية على قلبي، أو كأن غصنا مطلولا ينفض طل الصباح قطرات في دمي. # وسألت نفسي: لم لا يكتسي الشجر كل عام جنسا من الورق، فإذا اخضر هذا العام احمر من ~~قابل، ثم يصفر في الذي بعده، ثم يكتسي من الوشي الأزرق في الذي يتلوه، ثم يطلع في الديباج ~~الأسود، وهلم إلى عدد الألوان خالصة أو متمازجة؟ # أذلك لأن الطبيعة عاجزة عن التفنن، أم لأنها شحيحة مقتصدة؟ أم لأن تركيب العالم قائم على ~~أن تبقى الحقيقة كما هي لا تتغير؟ أم لأن كل شيء يستمر على وتيرة واحدة؛ ليظهر جانبا ~~معينا من حكمة الله؟ فينشئ جانبا معينا من ذوق الإنسان وفكره، أم العالم كله كلمات صريحة ~~تقول لهذا الإنسان: إنك أنت وحدك المتقلب المتلون ...؟ ~~••• # ثم مددت يدي فهصرت غصنا من تلك الأماليد الناعمة اللينة، فإذا هو ريان تجد مس الماء في ~~قلبه، ولكنه أقبل في يدي بعد قليل على الموت، وأنشأ يذوي مضمحلا، فجعلت أتأمله فلم أر ~~جزعا ولا خورا ولا إشفاقا من أمر يأتي ولا حنينا إلى شيء مضى، فعلمت أن القوة كل القوة ~~ألا يجزع الحي فإذا هو لم يجزع يجبن، وإذا أمن الجبن لم يستذله شيء، ولم يكن الشقاء في ~~رأيه شقاء بل مصادمة بالحياة لبعض نواميس الحياة، ومضى كما هو جزءا على وضعه من الكل الذي ~~هو فيه، فتساوق مع الكل وبقوة هذا الكل، فأمن المنافرة، واتقى على نفسه آلامها، فإن لم ينعم ~~بشيء فقد نعم بأنه راض مطمئن، وما في المهنا أكثر من الرضا! # قال لي ذلك الغصن الأملد، وهو يموت في يدي ويعالج سكراته: أيها الإنسان الضعيف! هأنت ذا ~~تراني رؤية عين، وتعرف بي سرعة انقطاع الحياة، وتستيقن مني أن ما يجيء بطيئا يذهب حين يذهب ~~سريعا، وأن طرفة عين من ساعة الموت تمسح السنين الطويلة والعمر المتقادم، وتقفل الباب على ~~هذا العالم كله، فكن غصنا في شجرة الحياة، ولكن اعلم مثلي أن الشجرة لا تعرفك ms084 مثبتا فيها ~~بالمسامير، ولا مشدودا إليها بقوة أزلية: فلك منها المنبت على أن تكون قابلا للكسر، ولك ~~منها الزينة على أن تكون قابلا للتجرد، وإنما أنت فيها كما أنت؛ لتظهر فيك حقيقتها كما هي، ~~فليس لك أنت حقيقة. # أيها الإنسان! إن للشجرة تماثيل يرفعها الله في كل مكان يوجد الإنسان فيه؛ لتقول له: كن ~~دائما ذا فروع؛ لتظلل بأبنائك موضعك من التاريخ، كريما في حياتك تعطي مما تأخذ، كن طاهرا ~~تعرف كيف تستمد من كل شيء شيئا واحدا يعيش عليك، كن مع جنسك مختلف الظاهر على جرثومتك ~~وموضعك؛ فذو ثمر أو زهر أو شوك - ولكن ابق في داخلك وعنصرك مع غيرك من الناس على قانون ~~واحد. ~~••• # يا شجراتي! ما أنتن إلا من بعض صور الحب، ولكن حبكن من النعمة والعافية؛ إذ لا تنتهي في ~~النفس معاني شهواتها، بل معاني لذاتها فقط ... # أنتن المثل الهنيء الذي لا بؤس فيه ولا حظ، كالمعبد الذي تحمل إليه الآلام والأوجاع؛ ~~لتنسى فيه هنيهة من الزمن، ولهذا يقبل عليكن الحكماء وأهل النفوس الحاسة والطباع الرقيقة، ~~يأتون بالأنفس الذابلة والقلوب المتوهجة في ضعفة وسأم؛ ليرجعوا في هذه وهذه باللون الأخضر، ~~وبروح النسيم في قوة وعزيمة. ~~••• # لا بؤس ولا حظ في القاعدة المطردة التي تجري على وتيرة واحدة، ولكن حين تختار الحكمة ~~الإلهية شخصا بعينه؛ لتجري عليه حكم الشاذ من القاعدة، وتهيئ له الأحوال الشاذة، فهناك إما ~~حقيقة البؤس وإما حقيقة الحظ، وما أصل الهم والشقاء في الناس إلا أن كل إنسان يتمنى لنفسه ~~أن يشذ من قاعدة ما ...! # | شجرات الشتاء # يممتهن اليوم فإذا هن ذابلات عليهن الضحى عريانا، وكن من ورقهن في حلل الظل، وفيهن ~~انكسار ذي العارية، وكان يتجمل بعاريته، ثم ردها فما يتوارى إلا من الأعين التي كان يتعرض ~~لها من قبل ... ويحس كأنه أصبح لحنا من خطأ فاحش في لغة النعمة واليسار، لا يكاد يظهر نفسه ~~إلا قيل له: يا غلطة تحتاج إلى من يصححها ... # ورأيتهن واقفات في مثل ذلك الحزن النسائي الغرامي ms085 الذي يخلط المرارة في حلاوة المرأة ~~الجميلة فتبدي عن عاطفة مسكينة لا يصورها لك إلا أن ... أن تتخيل جزع لؤلؤة تخشى أن تتحول إلى ~~حصاة. # ذليلات ذليلات كأنهن مطلقات الربيع ...! ~~••• # وقالت لي صديقة منهن: لقد كنت في جانب منا، أفمنحرف أنت إلى الجانب الآخر؟ وكان لك فينا ~~من رأي الحب ما يكسونا مع كسوتنا، أفيكون لك من رأي البغض ما يجردنا مع كسوتنا، أفيكون لك ~~من رأي البغض ما يجردنا مع تجريدنا؟ أم ستقول: طاووس انسل ريشه الجميل فرده القبح دجاجة، ~~وشجرة سلبت زينتها فعادت كأن لم يخلقها الله، ولكن أقامها النجار ... أما أنت رادنا إلى المسخ ~~فمجر علينا حكم الرجل على المرأة: متى قبحت في عينه قبحت في قلبه؛ إذ لا يطلب إلا معنى ~~فيها تحت الرونق لمعنى فيه هو تحت الدم، فإذا هي لم تعد من إيمانه ... كفى ذلك وحده أن يجعلها ~~من كفره ... # أظالمني أنت فتعرف لي ذلا بعد عزة، وتصف لي خضوعا بعد كبرياء، ولا تضع بإزائي في ميزان ~~قلبك إلا المعاني الثقيلة التي تلقيها تزن بها ما تكره؛ لكي تملأ نفسك منه بغضا ~~وكراهة؟ ~~••• # كلا يا صديقتي! إنما تتحولين لأجد منك معنى جديدا في نفسي. فكأنك تخرجين مني رجلا في ~~الربيع ورجلا في الشتاء، وكأني أعرف بك كيف أتحول في بعض معاني الحياة من نسيم إلى عاصفة. ~~أنت كالحبيبة المخلصة حين تبالغ في إصفاء الود، فتمتنع وتهجر لتهب محبها الفكر في جمالها ~~كما وهبته النعمة بجمالها، فيصيب اللذة ومعناها، ثم يجد الشوق الذي يضاعف معناها. فإني رأيت ~~الذي لا يفكر في معاني الجمال حين يمتنع ويبعد، لا يدرك كل معانيه حين يمكن ويدنو. # ومن امتلأ من فقد السرور، كان حقيقا أن يكون هو الذي يمتلئ من وجوده، فاللذة لذة واحدة ~~بنفسها، ولكنها تتعدد بموقعها وبحالتها، وبمقدار فهمها، وبقوة الشوق إليها، وما أشبه النفس ~~في هذا المعنى بقصر العروس. إن لم تتقدم العروس معانيها فتزين القصر وتزخرفه وتكسوه، وتجعل ~~في كل مكان منه جمالا يومئ إليها، ms086 وزينة تشاكلها، وحسنا يتمها أو يفسر منها - لم تكن ~~العروس على القصر إلا أرملة ... # كلا يا شجراتي، فلست ظالما فأجري عليكن حكم المرأة في شتاء حبها، فإن المرأة متى بردت ... ~~ظهرت كالسحب الثقيلة المطبقة بأرجائها السوداء: لها في سمائها لون الوحل قبل أن تستوحل بها ~~الأرض ... وبها من الظلمة ملء ليل طويل يموت فيه النهار الطالع وشمسه معا، ويكلح بها وجه ~~الحب، ويبرد ويظلم؛ لتكون في بلائها مادة إنسانية تقع منها صاعقة ...! # آه لو أن شجرة لم تحمل كل أغصانها إلا من قشور الثمر المطروحة في الطريق؛ لكانت هذه ~~المرأة أسخف منها، ولو أن شجرة حين أورقت لم تورق من جذعها إلى بواسقها وأعاليها إلا بأجنحة ~~الذباب ... ليتقذرها صاحبها، لأشبهتها هذه المرأة! # كلا يا شجراتي، فقد ذهب ربيعي مثلكن، ولم يكن ربيعا في قلبي، فسأقضي شتائي، وأنتظر أنا ~~وجذوري. إنه عهد ليس أشقى منه لوعة، ولا أسعد منه ذكرى إذا جعلنا نحن إلى حياة ليست في ~~حياتنا، بل ذهبت عنا بحبيب نأى أو حبيب هجر. ~~••• # عجبا! ماذا يحدث في الحياة من هنات وهنات؟ تمرض الشجرة فصلا من سنتها، وتشرف على الموت ~~فصلا آخر، # 1 # ثم يطير فيها لهب الشمس فإذا هي تغلي بالشعاع، وعليها ضبابة خضراء من غليان ~~ألوان الشمس في جوفها، # 2 # فليس من جمال إلا وبعض مادته في أصلها من القبح كما ترى، يظهر لك في الطبيعة ~~الجميلة؛ لأنها عدوة التصنع، ويخفى في النساء الجميلات؛ لأنهن عدوات الطبع، حتى أجمل ما في ~~المرأة الجميلة، لا تراه بعيدا من أقبح ما فيها حتى دلال المرأة التي تحبها، فهو بعينها لو ~~حققت، هو معنى ظريف رقيق من ... من ... من وقاحتها ... ~~••• # أين الجزاء المسكر في الكأس إلا مع غير المسكر فيها؟ وأين المرأة الجميلة إلا مع ~~مكروهاتها يغرك منها ما يغر؟ # لهفى لأشجار المحبة # مر فصل ربيعها # جد الهوى في عرسها # ليجد في تقطيعها ...! ~~••• # كل الفتوق لها الرقاع # ترم من تصديعها # وإذا تمزقت المحبة # حرت في تريقعها ...! # | رسالة الطيف1 # ألم بي ms087 طيفها بالأمس، فاقتحم بناء النسيان الذي رفعته بيني وبينها، وألقيت كبريائي في ~~أساسه حتى لا يرجف ولا يتصدع، وأعليته بهمومي منها، وشددته بعزائمي وثقتي، وجعلته بإزائها ~~كالمعبد من الزنديق: إن يكن لا يسخر من ذلك إلا هذا فما يلعن هذا إلا في ذاك ...! # ولم ينكشف الليل حتى رأيت معبدي أطلالا دارسة قد خلعتها روح السماء فلبستها روح الأرض، ~~فتحول كما يتحول الزاهد في سمته ووقاره وتعففه إلى الشحاذ في تبذله وحرصه وإلحافه وتصدع ~~فنونا، وتبدل أشكالا، وسرى طيفها في نيتي مسرى الزلزلة الراجفة في بقعتها من أرضها: تشق ~~في الأرض والصخر والجبل ما يشق المقراض في سرقة من الحرير # 2 # بل أسرع وأقطع وأمضى، ولو حدث بعد الذي فعل طيفها أن مدفعا من المدافع ألقى ~~ظله على الأرض فانفجرت من ظله القنابل تخرب وتدمر وتأتي على ما تناله والمدفع ذاته قار ساكت ~~- لقلت عسى ولعله، وأمر قريب، ولعل المدفع كان امرأة. ~~••• # ولكن تحت أطلال نسياني، وما تخرب من عزيمتي ... انكشف لي كنز من الخيال دخلته وملكته، ولم ~~أر فيه الدر والجوهر والماس والياقوت في جسم الأرض؛ بل رأيت فيه الحبيبة تسطع من جسمها ~~البديع، حقائق كل هذه الجواهر الكريمة، حتى لكأنها والله في غرابة الحلم حسناء من در وماس ~~وجوهر وأشعة تتلألأ، وما شئت أن أرى صفاء ولا جمالا ولا حسنا ولا فتنة إلا رأيت ~~فيها. # ولكم كنت أتخيل إذ أجلس معها وأقلب عيني في محاسنها ومفاتنا - أن أظافرها المصقولة ~~الملتمعة إن هي إلا لؤلؤ من جوهر جسمها، وأن الحلي على هذا الجسم الجميل إن هو إلا شعل ~~تتوهج من ضوء لحمها، وتورد دمها لا من ذهبها وجوهرها. # غير أني في كنز الخيال رأيت ذلك هو الحقيقة بعينها، وعلمت أنه لمعنى جميل تنجذب الحسان ~~إلى الحلي والجوهر؛ إذ كانت من طبيعة أجسامهن. # طيف جاء الروح المهجورة بالحبيبة، فاستنشتها كأنما هي نسمة طائفة على روضة من الورود؛ ومر ~~بروحي التي جفتها هي وجرحتها مرورا أنعم من لمس الشفة للشفة، وغمرها بمحاسن ms088 تملؤها ذوقا ~~وطيبا، وتحول هو معها روح قبلة مشتهاة على انتظار طويل، ففيه مسها ولذتها وحلاوتها. # وفي الحلم يتجلى الحبيب لمحبه كما هو داخل في نظام عقله، وكما هو مستقر في أمانيه؛ فيكون ~~على ذلك كأنه من خلق النفس وتصويرها، فتفتن به أشد الفتنة، وكأنها لم تر معانيه في أحد قط ~~ولا فيه هو نفسه، ومن هذا قلما ناجى الحبيب حبيبه في رؤياه، أو طارحه الهوى أو الحديث، أو ~~نوله مما يشتهي إلا انتبه المحب، وكأنه لم يلم به من هذا كله شيء؛ بل ذاب هذا كله في دمه ~~حلاوة روح لها طعم ومذاق! ~~••• # يا للرحمة من طيف يعذب العاشق بالرحمة ... إذ ينقل الحبيب كله إلا الحبيب نفسه ... ويحقق ~~للمحب أمانيه إلا بهذه الأماني ... ويخيم على ظلمة الصد بألوان من نهار يموت قبل النهار ... وفي ~~عالم معذب من الهواجس والخيالات العاشقة المستلبة إرادتها، ينصب عالم نعيم من الهواجس ~~والخيالات المعشوقة مستلب الإرادة أيضا، فكأنها سخرية النفس من جنون صاحبها ... يا للرحمة ~~...! ~~••• # وتحت أطلال نسياني، وما تخرب من عزيمتي ... ظفرت بمقصورة كأنها من مقاصير الجنة لها جو عبق ~~نافج مليء من الإحساس الخالد والشعور الطروب، كما ملئ بالأسرار والألغاز، ترف عليه معاني ~~الضحكات والنظرات والابتسامات: تمازجه تعابير الصوت والموسيقى والثياب الحريرية والروائح ~~العطرة، يسبح في كل ذلك جلال الحب وجمال المحبوب وروحي العاشقة! # وارتفعت حقيقتنا كلينا إلى عالم من الكنايات والمجازات والاستعارات، فكان الحب ثمة يتخذ ~~شكله السماوي فيتسع بالإدراك في كل شيء؛ إذ يجعل الحاسية كأنها من حواس الخلود، فلا نهاية ~~لمسرة تتصل بها، ولا نهاية للذة تخالطها، ومن ذلك لا نهاية لأفراح قلبي في الحلم ... # وكانت هي كل تقاسيمها تعبيرات معنوية، حتى لكأنها صورة متجسمة من أوصاف بارعة في الحب ~~والجمال خصصت بعلمها أنا وحدي؛ إذ لا يمكن أن يهتدي إليها إلا فيها وحدي، وكنت مع طيفها ~~كأني ملقى في حالة من حالات الوحي لا في ساعة من ساعات الكرى. # ورأيت حبا رائعا معبودا أشعرني إذ ملكته في تلك ms089 الخطرات أن الإنسان قد يملك من الجنة ~~نفسها ملكا وهو على الأرض في دار الشقاء إذا هو احتوى بين ذراعيه من يهواه! ~~••• # وقالت نفسها لنفسي: هلمي يا حبيبتي في غفلة هذين العقلين العدوين نهدم عليهما المنطق الذي ~~يعذبنا بأقيسته وقضاياه، وإنما نحن روحان فوق الأقيسة والقضايا. # هلمي إلى حكم الحب في رقدة الفلسفة العنيدة القائمة بصاحبينا قيام محكمة بقاضيين جاهلين ~~معا مكابرين معا، فلا يرى كلاهما إلا أن صاحبه هو الجاهل، وبذلك تتضاعف البلية منهما متى ~~حكما! # هلمي، من وراء هذين المتغاضبين إلى شريعة الرضا، فليست إحدانا من الأخرى إلا كالصدى يجيب ~~على الكلمة بالكلمة نفسها؛ إذ ليست إحدانا إلا الأخرى. # هلمي، فما منا إلا من ضاقت وأعيت بحمق هذين الأحمقين، أحدهما من أحدهما كالصخرة التي تريد ~~أن تبتلع الجبل وهي قطعة منه! # هلمي نتكاشف بالابتسامتين المخبوءتين تحت عبوسهما: الكاذب المنافق، فإن كذب العبوس متى ~~لبس وجه الممثل والممثلة ... لم يعد نهاية فيهما بل في الرواية، ورواية هذين هي رواية العناد ~~والتعنت التي تمتد من نفسها؛ لأن كل كلمة فيها إنما هي بين متقاذفين، فلا ترمي إلا ارتدت، ~~ثم لا ترتد إلا لتعود فترمي ... # هلمي يا حبيبتي، فإننا تحت هذا الليل نهار مع نهار في عالم بعيد عن الأشياء، وبعيد حتى ~~عنهما ... # هلمي، فإننا الآن في جسدين روحيين لا تحدنا الحدود، وهذان الجسدان النائمان هما هم التراب ~~الذي كنا فيه، وهما قذى المادة، وهما الخصمان، لا نحن، فهلمي يا حبيبتي ... ~~••• # وقالت نفسي لنفسها: وهلمي يا حبيبتي، فاجعليني في روح شبابك الذي ألبسني الضنى على أنه لو ~~نقل إلى الأجسام لأحيا الموتى. # هلمي فضعيني في أشعة الخلود من نظرات الرضا التي في عينيك؛ لأقوى على هذا الفناء الماحق ~~من هجرك، فإن قربك ليس قربا بل هو إعطاء، وبعدك ليس بعدا بل هو سلب! # هلمي فارفعيني بقوة منك على قوتك الأخرى التي تهلكني بالخضوع والصبر. # هلمي فلنصالح بين الكلمة ومعناها، فإن هجرك هذا فرق بين ألفاظ الحب وأرواحها، فمسخها كما ~~هي في ms090 كلام، وأنا أريدها كما هي في الحياة، وهل تحيا كلمة القبلة في القاموس أم في ~~شفتيك؟ # هلمي يا حبيبتي، نرتفع فوق دنيا الحزن والألم ولو ساعة ليست في ليل ولا في نهار، بل في ~~وفيك: ساعة ليس فيها ستون دقيقة في كل دقيقة ستون ثانية، بل فيها ستون عناقا في كل عناق ~~ستون قبلة، فهلمي يا حبيبتي ... ~~••• # عاد الحب أكبر من كلمة، ورجع الرضا أكثر من ابتسام الشفتين، وصارت الأذرع حدودا # 3 # بعد أن كانت على فضاء وفراغ، وحيا طيفها وسلم. # حيا وسلم ثم صافح تاركا # يده على الكبد التي أدماها # وأتى ليعتذر الغزال، ولجلجت # كلمات فيه، # 4 # ففي فمي أخفاها # ودنا ليغترف الهوى، فتهالكت # أسراره، فرمت به فرماها ... # قلب الحبيب متى تكلم لم تجد # كلما، ولكن أذرعا وشفاها ... ~~••• # وانتهى حلم الصلح لتوه لحظة شعرت أنه ابتدأ ... فلم يكن هذا الحلم إلا «عملية» حب جراحية ~~مؤلمة في القلب الذي كاد يبرأ وينسى ... # كانما طفئت من الهجر مكواة كانت محماة على كبدي، فجاء طيفها بما معه؛ ليضع مكواة غيرها ~~...! # وأصبحت - والله - أعتقد أن الشيطان لي خلق مضاعفا لما خلق إلا امرأة معشوقة ...! # | في العتاب # «وكتب إليها مرة كتاب هوى، فتفترت في الرد عليه تريد أن يطول به الانتظار فيؤلمه، أو تريد ~~أن تزيد به الشوق فيؤلمه، أو كأنها تطمعه بألا تطمعه ليتألم»! # فلما انتهى فيه دلالها إلى الضجر، كتب إليها هذه الرسالة يؤلمها بها، وجعلها على طريقة ~~السجع التي كان يتراسل بها فحول الكتاب في القرن الرابع للهجرة وما بعده؛ لأنها هي تكره ~~هذه الطريقة، وتجد لها ألما في نفسها، ولذلك مضى بها مسجوعة إلى آخرها؛ ليبالغ في إيلامها، ~~والتهكم بها وبلفسفتها، وردت في الرسائل بكل ذلك إرادته على إرادتها، وهذه هي الرسالة»: # 1 # كتبت إليك من أيام يشفع لها قربك من نفسي فلا أقول إنها بعيدة وتمر قديمة، ولكن ما في ~~النفس منها ومن آلامها يجعلها دائما جديدة وكأنها تجري بي إلى الفناء فهي تطول إلى غير حد، ~~وتأخذ معنى ms091 اليأس الذي يمضي به الأمس فتلقي به في معنى الأمل الذي يأتي به الغد، والأيام ~~تعد بالأرقام، ولكنك أنت جعلت هذه الأيام تعد بأنها لا تعد ... # وانتظرت رد كتابي، أو ورقة من شجرة عتابي، فما زالت تتقطع الساعة من الساعة، ويلتقي اليوم ~~باليوم، ويذهب اللوم إلى العتاب، ويجيء العتاب إلى اللوم، وكتابك على ذلك كأنه مغمى عليه لا ~~هو في يقظة ولا هو في نوم ... # فسبحان من علم آدم الأسماء كلها لينطق بها، وعلمك أنت من دون أبنائه وبناته السكوت ...، ~~والسلام عليك في أزلية جفائك التي لا تنتهي. أما أنا فالسلام علي يوم ولدت ويوم ~~أموت! # ما هذا يا سيدتي، وليس خيط عمري في إبرتك، ولا ما يتمزق من أيامي تصلحه «ماكينة الخياطة» ~~بقدرتك، وإن كنت أنا أقل من (أنا) فلست أنت بأكثر من (أنت)، وما علمنا أنك مع القدر تحركت، ~~ولا مع القدر سكنت! # أتحسبينك لما خفت (المحاكم)، في قتلي جعلت تقتلين بهجرك أيامي، ولما عرفت أنك من أشد ~~سروري أردت أن أعرف كذلك أنك من أشد آلامي؟ أم أنت في نورك وظلامك تريدين أن تنقصي من ~~الأعمار، كما ينقص منها الليل والنهار؟ أم تحسبيننا خلقنا بهذه الرقة؛ لنعرف بها كيف يتحجر ~~قلبك ويجمد، وأنبتنا الله في مزرعة العمر؛ ليجيئنا منك صاحب المزرعة فيحصد؟ أم أنت خلقت في ~~يد الله إرادة ماضية وخلقنا عليك اتكالا، وجئنا على الطاعة شكلا واحدا وجئت أنت من يد ~~الله في الكبرياء أشكالا ...؟ # فإن كان قلبك يا سيدتي غير القلوب فما نحن شيئا غير الناس، وإن كنت هندسة وحدها في بناء ~~الحب فما خلقت أعمارنا في هندستك للقياس، وهبي قلبك خلق «مربعا» أفلا يسعنا «ضلع» من ~~أضلاعه، أو «مدورا» أفلا يمسكنا «محيطه» في «نقطة» من انخفاضه أو ارتفاعه، وهبيه «مثلثا» ~~فاجعلينا منه بقية في «الزاوية» أو «مستطيلا» فدعينا نمتد معه ولو إلى ناحية ...! # ما بال كتابنا يمضي «سؤالا» من القلب فيبقى عندك بلا «جواب» و«نبنيه» نحن على «حركة» ~~قلوبنا فتجعلينه أنت «مبنيا على السكون» ms092 ثم «لا محل له من الإعراب» ... وما بالنا نقطع في ~~انتظار الرد مسافة من هجرك لو طار فيها البريد؛ لانتهى بكتب الحسنات والسيئات إلى السماء، ~~ولو طاف الأرض؛ لتقدم حتى لا يبقى في الأرض أمام، وتأخر حتى لا يبقى من الأرض وراء، فإن كنت ~~تضنين أن توجهي إلينا من عرشك خطابا، أو تنزلي علينا من سمائك كتابا، فقد أقفل باب النبوة ~~من قبلنا فما هذا الباب، واحتجب الوحي من زمن بعيد، فيا سيدتي ما هذا الحجاب؟ # لعلك تخشين إذا جاءني كتابك الكريم أن يزعم الناس أن «جبريل» أصبح في الأرض من سعاة ~~البريد، وأن السماء عادت تشرع لأهل الأرض فجاءت فلانا من فلانة بكتاب جديد، ... أم لعلك ~~تخافين إن تحرك في يدك القلم الأعلى أن يتحرك به القدر العاجل فلا يحتمل التأجيل، ثم يجيئني ~~كتابك فتقوم قيامة العالم المسيحي؛ لأن هذا الكتاب صفحة ناقصة من الأناجيل ... . # 2 ~~••• # لقد هممت أن أعاقب القلم الذي كتبت به إليك فأحطم سنه، وأجعله من ناحيتي في خبر (كان) حتى ~~لا يبقى من ناحيتك في خبر (إنه)، وقلت: كف - ويحك - سودت وجه صحيفتي بما هو في سواده مداد ~~مع المداد، وفي نفسه سواد أقبح من السواد؟ فقال: وهل أنا في (نغمات) حبك إلا «عود»، وهل ~~صورت إلا حركات وجدك من قيام وقعود، وسل الدواة من أمدها، والصحيفة من أعدها، وسل أناملك ~~كيف كانت تضغط علي كأنها تسلم على الحبيبة سلاما، ولا تخط إليها كلاما، وسل نفسك كيف ~~كانت في حركتي تضطرب، وقلبك كيف كان من كلمة يبتعد وفي كلمة يقترب؟ # فما ندري يا سيدتي وقد أحببناك أنعدك في ذنوب الزمان أم في أعذاره، وهل نأخذك في الحب من ~~وقائعه أم في الجفاء من أخباره؟ فإن أبيت أن تكوني منا إلا كالسماء من أرضها، وأن نكون منك ~~إلا كالسنة من فرضها، وأبيت وأنت «مفرد» الحسن إلا أن نعدك أنت وكبرياءك «مثنى» بألف ونون، ~~وإلا أن تكوني على غير ما نريده، ثم لا نكون إلا كما أردت ms093 أن نكون، فإذا خاطبناك قلنا يا ~~فلانتان ... ويا أيتها الحبيبتان، ويا غضباوان وراضيتان، وأنشدنا في هواك: «ولو كان هما ~~واحدا ... ولكنه هم وثان ...» # 3 # وإن أبيت إلا ما نأبى، ولم ترضي مع صدقنا في حبك إلا كذبا، قلنا لك بلغة اليأس ~~منك: لشد ما أصاب الزمان فينا وأخطأ، فليصب بك أو فليخطئ، وكثيرا ما أعطانا الدهر وأخذ، ~~فلتكوني فيما يأخذ أو يعطي، ونقول: مع الذكر نسيان، وما عسى أن ينقص العالم بإنسانة أو ~~إنسان، ومن ظن «بصرفنا» عن نفسه أنه كبير، جعلناه من «نحونا» في باب «التصغير»، ومثلنا لا ~~يتكلم إلا بفائدة، ولا يسكت إلا بفائدة. فإن أخطأنا معك في واحدة أصلحناها واحدة، وما أكثر ~~ما يجد الكاتب إذا عز عليه أن يعاتب، وفي ذكائك لا محالة، بقية الرسالة. # ولعلنا ولعلك ... والسلام! # | في الأحلام # نصبت لي في الكرى حباله # اصطاد صيدا من الصور # رأيت جسمي انتهى لحاله # تضيء كالشمس والقمر ~~••• # فطرت في النور أجتليه # محاسنا تملأ السما # ولا ضوء بلا شبيه # إلا حبيبي تبسما # فقلت: هل بي يا قلب فيه # لعلني أطفئ الظما ~~••• # ناجيت قلبي بذي المقاله # فدمدم الأفق بالشرر # صرخت: ما للفضاء ما له # فقال: في قلبك الخطر ~~••• # يا أفق هل خفت من شراره # تحت الضلوع اسمها الفؤاد # أم سعر الهجر فيك ناره # توقد من يابس الوداد ... # أم يوم حب قضى نهاره # وحل من بعد السواد ...؟ ~~••• # فقال: وجه نرى خياله # في قلبك الحامل الضرر # ارجع فلو أن ذي «الغزاله» # تغازل النجم لانفجر # | في معاني التنهدات1 # تسكن قلبي رغبة ما أراها تتحقق له فيتخلى عنها. # ولا هو يتخلى عنها إذ لا تتحق قله. # هي بعض الممكنات الخيالية التي لا تخرج أبدا من القلب، وكيف تخرج منه، ولا مكان لها في ~~الواقع؟ # القلب وحده مكان المستحيل! ~~••• # رغبتي كأنها حكم من أحكام الشوق النافذة على قلبي. # حكم عليه بأن يظل أبدا يريد ويشتهي. # أي حكم عليه بأن يطلب ولا ينال ... # يبحث في الموجود عن غير الموجود. # يراك، ولكنه فيك أنت يبحث عنك ms094 أنت. # وأنت كسبيكة الذهب: ليس فيها موضع أحسن من موضع. # ولكن قلبي مع ذلك يظل يبحث عن الأحسن. # قلبي المسكين محكوم عليه، لا بالأشغال الشاقة، ولكن بالأماني الشاقة ... ~~••• # رغبتي ستبقى دائما بين معاني التنهدات. # في مكان من القلب لا تتحرك فيه كلمات الأمل إلا تحركت معها كلمة آه ...! # أتدري أيها الحبيب ما هي رغبتي؟ # هي أن أراك حين تتلقى رسالتي وتتلوها. # لأرى حقيقتك كيف تكون، وليس أمامك إلا حقيقتي. # ولأرى بنفسي كيف ترى نفسي مكتوبة. # ولأعرف برأي العين: أنا أرسل إليك كلماتي أم خفقات قلبي. # ولأنظر كيف تخرج لك أسرار الكلمات من الكلمات؟ لأرى، وأعرف، وأنظر ... ~~••• # ولكن يا صديقي، لو رأيتك حينئذ؛ لكنت أنت رسالة إلي، فلا تكون وقتي إلا ورقة، # ويشغلني عن رؤيتها أني أراك، # ويصرفني عنها أني منصرفة إليك، # ويكون عقلك قد استولى على عقلي، # وتذهلني أسرار عن أسرار، # فلا أرى، ولا أعرف، ولا أنظر ... ~~••• # ومع ذلك أتمنى أن أراك جين تتلقى رسالتي وتتلوها، # لأرى كيف تتلقاني من خيالك حين ليس معك إلا خيالي؟ # ولأعرف رأي العين أن هو أي جزء منك، # وأن كلماتي هي لمسات من قلبي لقلبك، # ولأنظر كيف أكون لديك في صورة رسالة؟ # وأضحك من رؤيتك الورقة وجها له فم تقبله ... # لأرى، وأعرف، وأنظر ... ~~••• # ولكن يا صديقي، لو رأيتك حينئذ؛ لكنت أنت رسالة إلي، # فلا تكون ورقتي إلا ورقة، # وينسيني إياها أنك حاضر معي، # وتموت الكلمة المكتوبة كلها في كلمة واحدة تنطق أنت بها، # وتحول معرفة دون معرفة، # فلا أرى، ولا أعرف، ولا أنظر ... ~~••• # إذن فرغبتي ستبقى دائما بين معاني التنهدات، # وقد تحركت الآن بكلمات الأمل، # ولكنه الأمل الخائب الذي تأتي دائما في آخر كلماته: آه. آه ...! # | أليس كذلك # نظرة حب إلى الكون # إن شيئين هما أروع ما نعرف وما نجهل؛ أحدهما: ذلك المجهول الأعظم المنبسط وراء العقل ~~يترامى قفرا في قفر إلى ما لا نعقل من أسرار اللانهاية، والثاني: ذلك المعروف الأعظم ~~المختبئ وراء القلب يتعمد صفة في صفة إلى ما لا ندرك من ms095 أسرار النفس. # وفي ذلك التعقيد السماوي تلتمس الروح وضوح الألوهية ونعيم الجنة الخالد، وفي هذا التعقيد ~~النفسي يلتمسون وضوح الحب ونعيم الحبيب المعشوق. # أليس كذلك يا حبيبتي؟! # كل ما في الكون هو من الضرورات لوجود الكون؛ لأنه ممتلئ لا ينقص، وما كان ضروريا فهو ~~مذهب واحد ليس فيه ما هو أكبر ضرورة ولا ما هو أصغر، الكبير الكبير: كالصغيرة الصغيرة، ولو ~~أن مكانا ليس فيه نفس واحد من الهواء؛ لقتل الحي كما يقتله انتزاع كرة الجو كلها من مخارق ~~هذا الفضاء. # 1 # وكل ما في الحبيب هو من ضرورات عشقه إن صح العشق، فكأنما هو يتجه أيضا مع الكون إلى ~~اللانهاية؛ بل كأن كل حبيب في خيال محبه إنما هو الوسيلة التي استطاع الكون أن يعبر بها ~~عن جماله لإنسان في إنسان ببلاغة تختلف مع الأذواق كما تختلف البلاغة الإنسانية، هذه يقولون ~~في تعريفها: إنها مطابقة الكلام لمقتضى الحال، وتلك يقول الكون نفسه في تعريفها: إنها ~~مطابقة الشكل الجميل لمقتضى الإحساس. # يضيق هذا الكون ثم يضيق حتى كأنما يجتمع عند العاشق في المعشوق وحده، وبهذا لا تجد حبيبا ~~إلا بلغ عند محبه ما تناهى إليه الحسن في أرضه وسمائه، حتى لهو الشمس والقمر، وكل ما جرت ~~فيه أشعتهما من ذهب الجمال وفضته؛ وبذلك جمعت اللغات أحسن ما في الكون وأجرته في تشبيهات ~~الحبيب، وألفت من ألفاظه لغة الحب. # فهل يكون في العقل من هذا ومن ذاك إلا أن الكون قد تناول النفس العاشقة حين ضاق ثم ضاق، ~~فوسعها ثم وسعها حتى أفاضها من معاني الحبيب على المعاني الأزلية، وجعل عهدها بالحب أياما ~~في لذتها، أو نكدها كأنها ليست من أيام هذه الدنيا؟ # لعمري لو أمكن أن تأتي إلى الأرض رسالة من إحدى الحور العين في السماء لما أمكن أن ~~يتلقاها إلا عاشق على شفتي حبيبته أو خدها، ولو بعثت الجحيم برسالة من زفيرها وشهيقها؛ لما ~~وقعت إلا في صدر عاشق يتلهف من هجران حبيبته أو صدها! # أليس كذلك يا حبيبتي؟ ms096 ~~••• # في السكون حياة أبدية فياضة لا تفتأ تعمل بالسلب والإيجاب، كان هذا الكون العظيم يتحول في ~~كل لحظة ليخلق، فهو في كل لحظة صورة جديدة، وما كان فيه سلبا فهو الذي يجذب في مذاهبه ~~وتصاريفه، وهو مبعث القوة المبدعة، وهو الذي يحقق أشكال الحكمة في جلالها. # وفي المعشوق حياة فياضة تخيل لمحبه أبدية وهي إلى وقت، ولا تزال كذلك تعمل في خيال محبه، ~~بالسلب والإيجاب، وهي السر في بقاء الحبيب طريفا جديدا ما بقي حبه، كأنما يتحول في كل يوم ~~ليخلق، فهو في كل يوم صورة غير صورة أمس، وهو دائما معشوق الساعة، وقد خلدت عليه النظرة ~~الأولى، وكل ما تكرر منه من ضحكة أو كلمة أو نظرة أو ما إليها جاء لوقته كأن فيه ~~حياة. # وكأنه مولود لا مصنوع، ولدته رغبتك ولم يصنعه هو، فأنت تتلقاه كما يتلقى الأب أو الأم ~~أولاده وقطع كبده؛ لا يزال عليهم كل يوم طابع قلبه. # وما كان في الحبيب سلبا فهو الذي يفتن في دلاله وامتناعه، وهو مبعث سحر الجاذبية، وهو ~~الذي يحقق من جماله الخيالي أشكالا تتلهف عليها الروح لهفة الظمآن الضائع في القفر على ~~تموج السراب وصبغة الرمل الجاف الملتهب بلون الماء البارد الصافي. # يمنعك الحبيب ما تشتهي منه، فإذا هو قد منحك الخيال ولذته وسحره، وإذا هو قد جعلك بالسلب ~~كالمرآة لا تتلقى إلا لتعكس - فأنت للحب والشوق، ولكنك أيضا للتفسير والتعبير، وتجد في ~~قلبك من أثر ذلك النقص تكامل الحياة، ويصبح عندك فهم الجمال جزءا من الخلق والفكر، كما هو ~~فيك جزء من الحاسة والعاطفة، فإذا نار قلبك تحرق المعاني، وإذا كل شيء يتفجر لك عن ضوء أو ~~شعلة، ويحقق لك الحب: أن الله نور السموات والأرض ... # يا حبيبتي، أليس كذلك؟ ~~••• # إذا لم يكن ما نعده بغيضا شيئا مفصولا عن الكون فهو - ولا ريب - من ضروراته، وهو بهذا ~~من أجمل جماله في معنى التكوين والإبداع، غير أننا لا ننظر منه إلى هذا المعنى، ولا نعتبر ~~صلته بالوجود؛ بل ننظر ms097 إليه بمعنى التكوين الذي فينا، ونعتبر صلته بنا، فلا يكون من هذا إلا ~~أنه قبح وسمج من قبحنا لا من قبحه. # فالكون بما فيه من أثر الخالق هو اتساق واحد منسجم لا شذوذ فيه ولا تنافر ولا قبح ولا ~~بغض، ولكننا نحن بما فينا من قوة الخلق، # 2 # نتمرد على الانسجام والاتساق؛ إذ لا نملك من ضعفنا إلا خلق هذا التمرد، وتتطلع ~~شهواتنا ورغباتنا إلى شيء ما فيكون جميلا وحبيبا، وتنصرف عن شيء ما فيكون قبيحا ~~وبغيضا. # ومن هذا فليس في الكون إلا الحب والجمال والخير؛ إذ سقطت الشهوات، إذ كل شيء حينئذ يكون ~~مقصورا على حقيقته التي لم نفسدها بتغييرها، ولأن قبح شيء من الأشياء إنما هو صورة ~~انحرافنا عن إدراك لا حقيقة، وجهلنا بناحية اندماجه في قانون الاتساق الإلهي. # أفليس بذلك يكون المشوق الجميل كأنه تهذيب علمي لروح من يهواه، وتدريب له على الاندماج ~~بفكره وعاطفته في جمال الخليقة؟ # أليس بذلك يكون المعشوق الجميل هو الوسيلة التي يتعلم بها العاشق علم قلبه. أي فن ~~الارتفاع بالأشياء الجميلة عن سذاجتها الفطرية، وإكسابها في روحه الإشراق الإلهي؟ # أليس بذلك يعمل العاشق في جمال العالم، ويكون الجزاء الإلهي فيه هو الذي تحرك للحب؛ ~~لينكشف حبيبه بمعانيه السامية، ويشهد جمال ذاته في الصورة الجميلة التي يهواها، حتى ليستطيع ~~أن يقول لحبيبه: يا نفسي، ويا روحي! وهو يحس أنه على الحقيقة نفسه وروحه؛ إذ يرى أنه متعلق ~~به تعلق الطفل بروحه الكبيرة في أمه وأبيه؟ # وهل غير الحب علم الإنسان كيف ينادي روحه ونفسه في غيره؟ # أليس كذلك يا نفسي، ويا روحي ...؟ # | النجوى # وبي زهرة في جانب النيل قد نمت # فرف عليها إذ يروح وإذ يغدو # لطافته في طبعها الحب والرضا # وتياره في طبعها الهجر والصد # ويحكي وفاء النيل فيض وعودها # ويا شد ما ينحط من بعدها الوعد # وفي زمن تصفو علي كما صفا # وفي زمن ما من «تكدرها» بد # ووالله ثم الله، إن حلاوة # من النيل للعينين في فمها تبدو # وإني وإياها ms098 على ظمإ الهوى # أنا الفم هذا الهوى وهي الخد ~~••• # آه! وأنا حين أقول: آه، أحسبها شعلة تتلوى ذاهبة ممتدة في قلبي! # آه! وأنا حين أقول: آه، أشعر أن قلبي يمدها طويلا طويلا لتصل إلى قلب آخر! # آه! وأنا حين أقول: آه، أراني كأن روحي طارت إلى آخر مدها ووقعت! ~~••• # وكنا في يوم من أيام الربيع، وكل شيء حولنا يتكلم بلغة الشمس في لمعة وضوء وجمال، وفي ~~الأزهار معانيها الغزلية التي بها وحدها تظهر الطبيعة في رقة امرأة عاشقة. # وفي الهواء نسمات بليلة متعطرة قد خيمت فيها روح قبلة متعرضة # 1 # كأن الرياض في نشرها الذكي # 2 # مصانع يقلد فيها الربيع صنعة أنفاس الحبيبات. # وفي الزمن ذاتية واضحة أشعرتني أن كل ما حولي هو تعبير يهم أن يتكلم. # وكأنما سقط قوس قزح من السماء، وماجت ألوانه بعضها في بعض فغطى الأرض ألوانا شتى ~~بأزهارها وأعشابها. # وكأن السماء مازجت قلبي في تلك الساعة فأضاءته بنور الفجر الندي العبق بالنسيم ، الملون ~~بالشفق، المتحرك بالسحاب. # وكنا في صباح جميل يشعرنا بكل ما فيه أن شمسه طلعت لنا وحدنا. # وكان كل شيء يرف ويزهو كأنه طبع بقبلة من شفتيها. # وبدا الصباح عليها بمعاني الرياض، وعلى الرياض بمعانيها هي، فاجتمع نشاط الكون ونشاط ~~قلبي، وتقتلت كما تتقتل # 3 ~~... وقالت ضاحكة: لا أحبك! # قلت: إن فيها «أحبك» وهذا يكفي! # قالت، وزادت في ضحكها: أعني أبغضك! # قلت: ولكنه بغض من تضحك كما أرى ...! # قالت، وزوت من وجهها وتكلفت العبوس قليلا: أعني ... # فابتدرتها أقول: إن تكلف وجهك ينطق بأنه لا يعني ...! # فذهب بها الضحك مذهبا ظريفا، وقالت: الآن قطع بك، # 4 # فلقد كنت أريد أن أقول «أعني أحبك» فنفيتها أنت فانتفت! # قلت: بل الآن وصل بي ... ما دمت قد قلت «أعني أحبك» وأثبتها أنت فثبتت ... # قالت، واستطلق وجهها: إني والله أجد من سروري أن أعجزك، ولكنك داهية لا تعجز، ولا يزال في ~~لسانك جواب ما أقوله وما لم أقله! # فقلت: وأنا والله أجد من سروري أن أقدر، ولكن هل ms099 أقدر على ما هو مقدر؟ إن بعض كلماتك هي ~~الآن كلمات، ولقد تكون غدا حوادث! # فاعترضتني قائلة: أنت تنظر في نور من خيالك مع نور الطبيعة، فترى أشياء كثيرة غير ~~الأشياء. # قلت: ولكنه هو النور الذي يقيد الطبيعة كلها بمنظر واحد ... # قالت: أهو منظر جميل؟ # قلت: بل الجمال بعضه ... # قالت: وما عسى أن يكون باقيه إذا لم يكن الجمال إلا بعضه؟ # قلت: إن في قلبي كلاما يسمع من غير أن أتكلم به، وفيه جواب سؤالك! # فاستضحكت، وقالت: وعلى هذا فهمت من غير أن أفهم ... ألا قل لي، لماذا تكون لغتك ~~هكذا؟ # فقلت: لأن الحب يجعل كل سهل واضح في الأشياء غامضا معقدا في النفس، وهذا هو سره، ~~وبهذا يرتفع عن الإنسانية، ويجنح إلى التأله، وبسره وتألهه يخلق كل ما يمسه في صورة ثانية ~~مع صورته التي تقوم به، فيجعله بصورتيه من الكون، ومن النفس العاشقة أيضا، وليس من شيء خلق ~~مرتين، ولكن أشياء الحب كلها كذلك خلق ثم خلق . # ليت شعري، أيعذب العاشق المسكين بهذا التأله الخيالي فيكون عقابا شديدا بطريقة غير ~~أرضية؟ أم ينعم به فهو ثواب عظيم بطريقة غير أرضية كذلك؟ # إنه لسر عجيب رائع في قلب من تيمه الحب، يدل عليه أنه ما من عاشق إلا وهو يرى أن رضاه عن ~~جمال حبيبته، وتكوين أوضاعها وتناسقها ومشاكلة بعضها بعضا، كرضا الصانع عن صنعته، وافتنانه ~~بما أبدع واخترع، وبما أتقن وأحكم، كأنه هو قدر وسوى، وسوى وخلق، ولو جاز أن يهبه الله ~~القوة على أن يذرأ ويبرأ، ثم أمره أن يخلق لنفسه امرأة، لما صنع إلا هذه التي أحبها بكل ما ~~يحبه فيها، وإن لم يستطع الحب أن يخلق إنسانا فهو يخلق إنسانية. # بذلك لا يفهم هذا الحب إلا في أسلوب ملتو؛ لأن له طرفا غائبا وراء النفس، كالعود من ~~الأعواد غمس أسفله في الماء فلا يتراءى للعين في صفحة الماء إلا ملتويا متثنيا، لا بعمل ~~من ذات نفسه، بل بموضعه، وبتأثير أحكام الضوء في موضعه. # والحب يشبه ms100 ألوهية دون حدها، فهو بهذا مفهوم غير مفهوم، ويشبه إنسانية فوق حدها، وهو بهذا ~~أيضا مفهوم غير مفهوم، ولا نراه أبدا إلا مصرحا غامضا. إن صرح من جهة الحاسة غمض من ~~ناحية الفكرة، وكل دونه هو في النفس يأتي من بعده في الموضع والقيمة والاعتبار؛ لأن في الحب ~~وحده المعنى الأكبر للحياة في وهم المحب، على حين كل ما في الحياة هو في الواقع أكبر منه، ~~ولن يعيش من لا يأكل ولا يشرب، على أن من لا يحب نراه يعيش. # 5 # قالت، وضحكت: بذلك لا يفهم الحب، وبذلك استطعت أن تجعل لغتك هكذا ... # قلت: وبذلك أيضا استطعت أنت أن تجدي مخابئ لغوية كثيرة تخبئين فيها الكلمة التي تريدين ~~النطق بها ولا تنطقينها، فصارت لغتك عندي تفسر من معجمات كثيرة: من نظرة والتفاتة وخطرة ~~وحركة، ومن شيء ومن لا شيء، وتقولين الكلمة بما شاء دلالك من أساليبه الكثيرة، إلا بأسلوب ~~النطق كأنها تراغمك على أن تظهر وتراغمينها على أن تختفي. أتعلمين أنك كالدولة من الدول ~~العظمى، حاشدة كل وسائل الحرب، معدة لها في كل وقت، فهي بذلك ظافرة غالبة من غير حرب، كأن ~~وسائل الحرب تقاتل من غير أن تقاتل؟ # 6 # قالت: يا ويحك! فإذا قبلت منك أني دولة عظمى، فكيف أقبل أني «أكاديمية» عظمى ... حتى تجعل ~~لي معجمات كثيرة؟ وترى ما الذي يمكنك أن تفسره من معجماتي؟ # قلت: يا ويح غيرك! # 7 # أمكنني يا جبارة المستحيلات ما أمكن الغزال من جبار الممكنات ... # قالت: أسألك عن مستحيلاتي، ولكن ما هي ممكنات غزالك؟ # قلت: إن غزالي هذا كان فيلسوفا لا يصدق إلا ما يقره، ولا يقر ما لا يمتحنه، على طريقة ~~الفيلسوف (كانت) # 8 ~~... ولم يكن رأى سبعا قط، وهولوا عليه في أوصافه ورهبته وسطوته، فلم يصدق شيئا ~~من ذلك إلا أن يراه ويدرسه درسا تحليليا، كما تسمين أنت كلامك وفلسفتك. قالوا: فأطال ~~الغزال الفكرة في ذلك، ودبر أن يلقى الأسد ويدرسه. ثم إنه قسم الدرس إلى أعمال خمسة على هذا ~~النسق: ms101 فالأول: أن يتجسس مخالب السبع، ثم يعجمها، ويدق عليها بحجر؛ ليعرف مبلغ صلابتها، ~~ويقف على سر تركيبها ... والثاني: ألا يكتفي بمثل هذا الصنيع في الأنياب؛ بل قرر أن يحطم ~~واحدا منها ... ليعلم ما سر قوتها ومضائها، والثالث: أن يتناول عضلات الأسد في زوره ورقبته ~~وأعضاده فيغمزها غمزا شديدا؛ لعلها من ورم أو شحم وما يدري الناس، والرابع: أن يجيء ~~بالموسى فيحلق لبدة الأسد فيكشف عما تحتها، ويرى منظره وقد عري منها، فلعلها من شعوذته في ~~القوة واحتياله على مظهرها ورهبتها، والخامس: أنه متى فرغ من كل ذلك حملق في عيني الأسد، ~~ودرس ذلك اللمح المخيف من شعاعهما، فإن لم يبلغ من ذلك ما أراد علمه وفلسفته اقتلع إحداهما ~~وأسالها، وبحث فيها ما شاء! # قالوا: ولما جاء العرين، وأصبح من الأسد بمرصد، وهبت رائحة لحمان أجداده ... قال: النجاة ~~النجاة! ما هذا بالذي خلقت له فلسفة رأسي، ولكنه الذي خلق له عدو ساقي ... ووثب يشتد مع الريح. # 9 # ولكن آه من تعقيد الحب، إن الفيلسوف المتهزم الآن هو الأسد بلبدته وأنيابه ومخالبه، وبكل ~~ما هو به أسد، والمنتصر هو الغزال بلينه ونعومته وبعينه الكحيلة، وبكل ما هو به ~~غزال! # قالت: آه! ولم تزد. ~~••• # قلت: آه! أنت يا حبيبتي في، وأشعر بك دائمة الاندفاق والانصباب في نفسي، كأنك جمال لا ~~ينتهي، وكأني عشق لا يمتلئ، وأنت خارجة عني وبي شوق دائم النزوع إليك، يخيل إلي والله أنه ~~ملء الكون لا ملء صدري: وأنه لا يزال شاردا متسحبا على الوجود كله لا يجد ما يستقر عليه، ~~مع أنه واجدك، ومع أنه حائم عليك، وما ذلك إلا لأنك دائمة الدلال، أي دائمة الانحراف عن ~~لمسات قلبي، أي دائمة الاهتزاز بمعانيك الجميلة، كيلا تثبت صفة منك على صفة مني، كيلا ~~نتعانق حتى ولا في المعاني. # أنت اثنتان عندي، وليس في يدي من واحدة شيء، وإذا كثرت الآمال؛ لتكثر حسرات الإخفاق ~~عليها، فلماذا لا تقول إن الأمل هو الاسم الصحيح للخيبة؟ # إنك لي كالرؤيا من الرؤى السماوية، ms102 فالتي هي أنت ليست في التي هي أنت، وبذلك فالتي أحبها ~~فيك لا يمكن أن أجدها فيك، # 10 # كأنما نتلاقى في عالم بعيد من وراء ظواهرنا. # كأنما قامت منا في الحب حدود دولتي، فلن يتقدم حد منهما إلى حد ويكون بينهما سلم، ولا سلم ~~إلا في هذه الوقفة الثابتة، ولا إخلاص ولا محبة ولا ثقة إلا أن يدق مسمار الزمن في كليهما ~~فإذا هو من الآخر بعيد على قرب قريب على بعد! # 11 # كأننا نعيش في أمس، يجيء يلبس كل يوم من أيامنا لا قوة تناله فتنزعه، ولا قوة تناله ~~فتبليه، فما تزال تتجدد من تحته أيام الحب في سر منا، ونعطي كل يوم عالمنا، ولا نأخذه، ولا ~~نتلقاه! # كأننا في يوم هجر خالد علينا، فكل ما يأتي بعده من الأيام ميت فيه لا محالة؛ إذ أيام الحب ~~إنما هي بنسبتها إلى الحبيب لا إلى الزمن. # كأن هذا الحب قد ضرب بيننا وبين الحقائق بسور ظاهره فيه الرحمة وباطنه من قبلة العذاب، ~~فكل ما رأيناه رأي العين من فرح الأشياء ولذاتها، علمناه في علم أنفسنا أوجاع مكابدة وآلام ~~حرمان ...! ~~••• # فأضجرت فلسفتها هذه الفسلفة، فقالت وابتسامتها ظاهرة على قولها: وأما قبل؟ # 12 # قلت: وأما قبل فكأنما أنا المكان الحي الذي تئن فيه الأشياء أنينها الباكي، وتبتغي فيه ~~موسيقى الحب من أوتار متقطعة متبعثرة إن جاءت بشيء فبأنغام موتى أو مرضى، وإني لأحسب الدنيا ~~كلها تصدح من حولك تلقين فيها النغم، ثم لا تحبسين الصمت إلا لي أنا وحدي. # قالت: أف للشاعر من الشاعر نفسه! أنت كما تريد من الحياة مسرة لابتسامك تريد منا آلاما ~~لعبوسك الشعري، وإذا لم تجد الألم أوجدته واخترعته، كأنه لا بد لمن يصنع شعرا أن يصنع ~~مقادير يفرح بها ويحزن! # ما أراني أفهم عنك حين تقول: السماء والطبيعة وهي، والشمس والقمر وهي، والخير والشر وهي: ~~فأنت وحدك تفهم هذا؛ لأن للشعراء شياطينهم، فلك مثلهم شيطان يحدثك وتحدثه، وترى ما ~~اسمه. # قلت: اسمه «هي» ... # وكأنما كان الشيطان غائبا ms103 في سفر طويل، ورجع عند ذكر اسمه، فلما رآها هي اسمه ألقى فيها ~~سحرا من سحره فإذا على ثغرها برهان ثغرها ... وقالت: اسكت! # قلت: لقد عرفنا الشيطان باسمه ... # قالت: اسكت! # قلت: ما يسكتني ولا الشيطان نفسه. # فمدت إلي نظرة طويلة كلها براهين على قوة هذا الشيطان الفاتن، وقالت: اسكت اسكت! # ثم لا أدري ما الذي أسكتني حينئذ ... أحسب أن الشيطان سد فمي بفمه! ... ~~••• # آه! وأنا حين أقول آه! أحسبها شعلة تتلوى ذاهبة ممتدة في قلبي! # آه! وأنا حين أقول آه، أشعر أن قلبي يمدها طويلا طويلا؛ لتصل إلى قلب آخر! # آه! وأنا حين أقول آه، أراني بعدها كأن روحي طارت إلى آخر مدها ووقعت، آه! # | هل أخطأت ...؟ # قالت له يوما في أمر من الأمور: «قد أخطأت!» وغضبت أو تغضبت ... فكتب إليها هذه ~~الرسالة: # لقد قلت يا حبيبتي إني أخطأت، ورميتني بها كلمة مقفلة لا منفذ منها ولا مخرج، ولا أدري ~~والله كيف أخطأت، ولكنك لما قلتها وتغضبت فيها وتعتبت لها أثبت في الكلمة معناها ... # ولو أني راجعتك في ذلك مئة مرة، ولكل مرة برهان، ومع كل برهان اقتناع، لما استطعت أن ~~أنتزع دلالك أو نعتك من هذه الكلمة. فأنا بدلالك أخطأت لا بعملي، وبرغبتك في الإساءة إلي ~~قد صرت مخطئا لا بإساءتي، والتهمة ثابتة عندك لا بواقعة ولا دليل، ولكن بثبوت حبي لك ~~...! # ولقد نظرت إليك حين قلتها ونظرت إلي، فكانت شفتاك تتهمان، وعيناك تعتذران، وكان لساني ~~يعتذر، وعيني تتهم، وكانت الكلمة نفسها تكاد تقول: ما جئتك لأدل على معنى وقع منك أنت؛ بل ~~على معنى وقع فيها هي ... # وقد اعتدت منك في بعض حالات قلبك أن لا تضعي المعنى في اللفظ الذي هو تعبيره، بل في الذي ~~هو تعبير ما بيني وبينك، فمعنى قولك إني أخطأت، يجيء في تعبير آخر كأنك تقولين: تذلل ~~لي. ~~••• # لا تزال الكلمة كلمة من اللغة حتى تقوليها أنت، فإذا هي كلمة من الفن؛ وإذا فيها ذاتية ~~وحياة ولها تاريخ؛ ولو بمرورها من شفتيك! # أنا ms104 أخطأت لأني لم أخطئ ... فهي كلمة حب من معناك أنت لا من معنى الخطأ اللغوي، ولذلك ~~أقرها، فإذا قلت لك، نعم تجيء هكذا: هل ترضيني؟ نعم أرضيك! ألست تطيعني؟ بلى أطيع! هل ~~تتذلل؟ نعم أتذلل! هل أخطأت ... نعم أخطأت! # وأرضيك، وأطيع، وأتذلل: كلها بمعنى أحبك أحبك أحبك! # فما رميتني بخطأ، ولا أجبت بإقرار، ولا بقيت للكلمة عقدة تمسكها في معناها، ولو رأينا ~~لرأينا الحب يضحك في هذه اللفظة بمقدار ما تعبس فيها اللغة! ~~••• # وكلمات الحب كلمات يتغير عليها الحس فتفهم على أوجه مختلفة، وتشاكلها معان كثيرة؛ وكأن ~~طريقة قولها تخلق فهمها، فما هي من عالم اللغة بل هي من خاصها؛ إذ اللغة بين أهلها جميعا، ~~وهذه بين اثنين خاصة، واللغة ألفاظ مفسرة بما تلبسه، وهذه تفسر بما يلبسها، واللغة تشير إلى ~~الموجود؛ إذ لا يراد بها إلا التعبير للفهم، وهذه تشير إلى غير الموجود أيضا؛ إذ تريد مع ~~الفهم العاطفة، ولا بد أن يعطى فيها القلب إرادة. # ورب كلمة ينبذها إنسان لإنسان فإذا هي على قلبه كالريح السافية تعقد في الظهرة ضبابا ~~خانقا من تراب الأرض ... فإذا ما لفظها حبيب لحبيبه نسمت على قلبه كرويحة الفجر في ضباب من ~~الطل والندى، على حديقة ملتفة؛ إذ كانت هناك في منطقة اللسان، وكانت هنا في منطقة القلب، ~~وكانت ثمة في جو من عداوة قائلها، وكانت هنا في جو من حب قائلها! ~~••• # أنت علمتني بحبك أن هذا الكون على اتساعه موضع خاص بقلبي وحده، فمهما اتسعت اللغة في مذهب ~~تعبيرها ففي قولك إني أخطأت معنى خاص بي وحدي يا حبيبتي ... # وأنت أريتني أن الجمال هو تصوير الحياة بك، فكلامك لي هو تصوير اللغة بك وحدك أيضا يا ~~حبيبتي ... # وإذا ابتسمت وقلت إني أخطأت، فتلك ألفاظ متبسمة من دلالها، وإذا عبست وقلت إني أخطأت، ~~فتلك ألفاظ متعنتة من دلالها، إذن فاعلمي أن في كلمات غضبك معنى كذلك أراه لي وحدي يا ~~حبيبتي ... # وكلام الكبير مع الطفل يكون بلغة واحدة وهو في الحقيقة بلغتين لمعنى ms105 عاجز في الطفل، # 1 # وكلام الحبيب مع المحب بلغة واحدة هو كذلك بلغتين لمعنى قادر في المحب. فالمعنى ~~المفهوم من إحدى اللغتين في قولك إني أخطأت، هو يا حبيبتي لي وحدي، وكما أفهمه أنا وحدي ... # وإدلالك علي برهان خاصيتك مني، فلم لا يكون اتهامك إياي برهان خاصيتي منك؟ # سأتذلل لك يا حبيبتي، وسأرضيك وسأطيعك و ... سأخطئ ...! # | قلت وقالت1 # قطرات الماء القليلة جدا إذا أصابها الظمآن الذي بلغ به الظمأ جفاف الروح، تحولت في ~~تسعير خياله والتضرم على كبده قطرات من اللهب الأبيض ... وكذلك في ظمأ الحب، فإن القليل جدا ~~مما يداوى به الحبيب، هو الكثير جدا مما يمرض به المحب ...! ~~••• # قالت له: اغضب ما وسعك من الغضب وما وسعت منه، فإن غضبك هو نفسه من مقاييس الرضا! ألم تر ~~إلى الحريق في البرق، وإلى الصواعق في الرعد، أذاك من امتلاء السحاب بالنار أم من امتلائه ~~بالماء؟ ~~••• # الحب أن يخيم جو موسيقي على بعض أيام العمر؛ ليتم فيه الانسجام بين نفس عاشقة وصورة ~~جميلة، إذ لا بد لانسجام الجمال في الحب من أن يكون المعشوق عند محبه في مثل تناسق اللحن ~~الفني لا يخرج منه شيء عن الوزن والطرب، فإذا كانت العمر صفحات مكتوبة فأيام الحب الصفحة ~~المكتوبة بعلامات النغم، لا يقرأ شيء فيها إلا لحن ورن ورجع وصلصل. # 2 ~~••• # وتعاتبا مرة فغضبت، فقال لها: فلنفترق، فما في الغضب من شيء إلا أنه عناد الموقف، إن ~~الموقف بين متكلمين أو متساجلين هو موقف حي، فما أسرع ما يثب القلب إلى القلب في لفظة ~~غاضبة، فإذا اللفظة من ذلك كأنما ملأها الدم، ومثلتها الحياة فأصبحت شخصا غير الاثنين لا ~~يبالي بهما نفعا ولا ضرا! # فاستضحكت لهذه الفلسفة، وفكهت لكلامه - وما يعجبها شيء ما تعجبها المعاني - ثم قالت: إذن ~~يمكن الاتفاق، وتقرير الأمر مع الكلمة. أي مع الشخص اللفظي الغضبان لا معك أنت ...! ~~••• # وقالت له في أمر: أنا راضية بحكمك فاحكم. # قال: قد عرفت الحكم ولم أنطق به ... # قالت: فهل الحكم عطر في ms106 منديلك أعرفه من الهواء؟ # قال: بل عرفته بنفسك الرقيقة الملهمة: وأما والله يا حبيبي لو كنت محامية؛ لسرقت من أدمغة ~~القضاة أحكامهم ... # قالت: منزلة رفيعة، ولكنها على سرقة وتلصص. # قال: يا عزيزتي، يلذ لي أنها سرقة؛ لأتخيل لها قانونا ومحكمة وقضاة. # قالت: ثم ماذا بعد قانونها ومحكمتها وقضاتهم؟ # قال: أرافعك إلى تلك المحكمة، وأتهمك بتهمة سرقة قلب ...! ~~••• # الحب طفولتنا الكبيرة كل ما تملكه أن تبكي وتضحك وتمكر وتنافق، ومعنى ذلك كله أريد أريد! ~~ولو أمكن أن يكبر الطفل، ويبقى طفلا؛ لكان هو العاشق بذاته، ولكان حبه لأمه وأبيه مضاعفا ~~عند السنين التي كبر فيها - هو العشق بعينه! ~~••• # الدموع أوهى من أن تهدم شيئا، ولكنها تهدم صاحبها! ~~••• # الدموع هي روح المحيط السماوي، ألا ترى أنها لا تسيل إلا مع الأقدار؟ متى نزل القدر نزل ~~الدمع. ~~••• # المعنى الذي يكون في النفس أكبر من الكلام في الحزن، والفرح هو وحده تعبر عنه النفس ~~بدموعها. ~~••• # سألها مرة: ماذا يقول البحر لو سقطت فيه دمعة من مهجور؟ # فقالت إنه يقول: إنسان أحمق أو مخبول يحاول أن يجعل له بحرا من قطرتين ... # قال: أراك يا فيلسوفتي لا تفهمين لغة الوجود! # قالت: فما ترى أنت؟ # قال: إنه يقول عندئذ: تباركت يا رب! أنا الجبار المالئ ثلاثة أرباع الأرض، قد آلمتني دمعة ~~محب متألم؛ فهل هو يحمل ثلاثة أرباع الهم في الأرض! ~~••• # في نوح اللحن الشجي صورة الدموع التي في أعيننا، وإذا حن كانت فيه شهوة نفس، وإذا جنح ~~إلى الطرب كانت فيه رغبة واقعة، وليس في الكون ما يجمع هذه الألحان الثلاثة المتباينة في ~~صوت واحد إلا زفرة الحب يأسى العاشق ويحن ويطرب فيقول: آه ... ~~••• # لو سألتني: من أعظم أهل الفنون على وجه الأرض؟ لقلت لك: كل حبيب جميل هو في عين محبه أعظم ~~أهل الفنون؛ لأنه في نظر هذه العين هو وحده الذي يخلق الجمال الحي الرائع، ويضع معناه في كل ~~ما يتصل به، حتى لكأن جماله تفرق على أجزاء العالم، أو كأن أجزاء العالم التفت ms107 على ~~جماله. ~~••• # وقالت له: أنا لا أشفق على آلامك! وهل تراني أكره لك النبوغ والعبقرية؟ إن الألم في رجل ~~الفن العبقري إنما هو (عملية) التصوير والطبع في مخيلته؛ فمواهبة الحساسة تحزن الوجود في، ~~وكلما رأى جمالا أو قبحا أو سرورا أو حزنا غمرته؛ ليتألم بمعنى ما رأى، وحكمة ما أبصر؛ ~~لأن جهة الفن في كل شيء هي معناه وحكمته، فيتألم، فينطبع المعنى، فيكون في المخيلة مادة من ~~مواد العمل الفني حين يعمل، فذلك ليس ألما في إنسان كما ترى، بل هو أداء طبيعي في أداة حية ~~متخذة لهذا العمل خاصة، ميسرة له بكل حوادثها؛ ومن هنا فلا رحمة ولا مهاونة فيما يؤلم رجال ~~الفن؛ إذ لا تعرف منهم الحكمة التي خلقتهم إلا آلات، آلات يجب أن تعمل حتى تتلف أو تتحطم ... # تزداد الجميلة إشراقا وجمالا بالحب؛ لأن أثر نظرات محبها يلازمها، حتى إنها لتحس في ~~غيبته كأن نظره واقع عليها من عينه لا من فكرها، وبذلك تتجرد معانيها النسائية علمها الفني ~~وتدأب عليه، فلا تزال تجعل وتحسن ما دامت محبوبة معشوقة. ~~••• # الحب إيمان النفس بكائن طاهر، والدين إيمانها بكائن خفي، ألا يكون ذلك أسلوبا في ~~الطبيعة؛ لحفظ الإيمان في الإنسانية؟ # 3 ~~••• # أشعر أحيانا كأنه ما من رجل في العالم يحب امرأة إلا ألم بحسي شيء من لذة هواه، فإن لم ~~أكن أنا العالم كله فلقد جعلت حبي هو الحب كله! ~~••• # أنت في، وأنا أنظر بك إليك، هذه هي المشكلة التي جعلتك لغزا لا حل له، فما أقرب الحب ~~من العبادة، ما دام هذا الحب هو تجلي نفس في نفس، وما أشبهه بدين يعبد فيه الجسم الجسم، ~~فالمعشوق حالة نفسية متألهة معبودة، والعاشق حالة أخرى متولهة عابدة! ~~••• # لو عشق أعظم علماء الدنيا؛ لأيقن أن حيرة عقله في أسرار الكون لها شكل أدق وأغمض مع أسرار ~~الحب، ولعرف أن في أعماق النفس الإنسانية مثل ما في أعماق الوجود: مسائل لا حل لها، ألا ~~يخرج من ذلك أن كل محب يقابل في الطبيعة ms108 بقلبه أو إحساسه أعظم العلماء بعقله وآلاته؟ ~~••• # قد عرفنا أن لنا أعمارا محدودة، يجوز أن ساعات الهناءة والسعادة إنما كانت محدودة؛ لأنها ~~أعمار لأعمارنا؟ فبضعة أشهر من الجفاء أو البعد يكون عمرها هو ساعة اللقاء التي تنفق بعدها، ~~وسنة كاملة من عمل يكون عمرها يوم سرور؟ # إن كان هذا صحيحا فما أقصر عمرك يا عمري ...؟ ~~••• # كل الأماني التي لا تتحقق، هي وجود مخنوق في القلب! ~~••• # من تأله الحب أن أوقاته هي الأوقات التي تتغير فيها الأشياء فتلبس في أفكارنا غير ~~حقائقها، وبذلك يثبت الحب أنه أقوى من الحقيقة؛ إذ كان يخلق فيها خلقة ويغيرها في الفكر، ~~وأنه أقوى من الزمن: إذ كان يطول به على العاشقين، ويقصر مع أن الزمن لم يقصر ولم يطل، وأنه ~~أقوى من الوجود؛ لأنه دائما إما ينقص منه في نظر العاشق وإما يزيد عليه. ~~••• # إن المحب ليشعر أحيانا من شدة القلق والاضطراب أن فكره يعدو بين الأشياء والحوادث وراء ~~الاطمئنان الذي فر من قلبه! ~~••• # حين يجد العشق بصاحبه يحبس عليه الزمن كله في نقطة هم ثابتة لا تتحرك، فتشتبه عليه الأيام ~~حتى لا يشعر أنه يقضي يومين أحدهما يختلف عن الآخر. ~~••• # العيون التي وراءها ضروب الأفكار المختلفة، هي وحدها التي فيها ضروب التعبير ~~المختلفة. ~~••• # في الحب لا فصل بين الصغائر والكبائر؛ إذ كانت قيمة الصغيرة والكبيرة في اعتبارها لا في ~~ذاتها، والحادثة في الحب تكون بالحالة التي تقع فيها أكثر مما تكون بنفسها؛ فالهجر وهو أشق ~~وأعنت ما في الحب، قد يكون لوعة مطمئنة إذا كان عن دلال أو سلوان من الحبيب، ولكنه أشد ~~الفظائع كلها، وأكبر من القتل إذا كان سببه الميل إلى محب آخر، فهو في سببه أكثر مما هو ~~في نفسه؛ لأنه خرج من المكان إلى الشعور. ~~••• # الليل والفجر والشفق والأصيل، هي أوقات الجمال في النفس؛ ولن يجعل لها سحرها الساحر إلا ~~أن يكون ذات مرة قد وقعت دقائق ملونة ... في ساعة حب! ~~••• # ما وقفت أمامك مزة يا حبيبتي أنظر إليك إلا ms109 قلت في نفسي: من هنا يبدأ ما لا يدرك ~~...! ~~••• # أصل الحب العاشق اتساع الرغبات المنجذبة وخروجها عن حدها، وأصل الجمال المعشوق اتساع ~~الأسباب الجاذبة وخروجها عن حدها كذلك، فمن ثمة لا أناة في الحب، ولا عقل ولا استقرار؛ إذ ~~هو اجتماع فوضيين بائرتين على نفس ضعيفة! ~~••• # هل تأملت مرة في اسم حبيبك؟ وهل تعرف في الأسماء الكثيرة التي تماثله ما يماثله؟ # إن كل الأسماء من اللغة وهو وحده من النفس، والأسماء كالأرقام الحسابية وهو وحده كالواقع ~~المدلول عليه، تقول: مئة ألف، فتذهب كلمة في الهواء ليس لها ولا حقيقة واحدة، ثم تعد الذهب ~~وتقول: مئة ألف دينار، ففي هذه وحدها مئة ألف حقيقة ...؟ ~~••• # أنا يا حبيبتي، قد تجاوزت المنطقة الإنسانية، التي يقع في حدودها المدح والذم، فلا تأبهي ~~لمن يذمني عندك أو يمدحني. # أنا فوق هذه الطبقة التي يتنفسون منها كلامهم، فإن ارتفع يريدني أحد منهم فوصل إلي خنقه ~~وصوله إلي ...! ~~••• # فلان وفلانة، هو بدونها ناقص؛ لأنه وحده، وبها ناقص أيضا؛ لأنه معها ... هي كالفصل له عن ~~الكمال، وهذا أكثر عمل المرأة وعمل أكثر من النساء ...! # أنت لا تحلفين أحببتك أم أبغضتك؟ ولا تدافعين عن شيء منك في نفسي، ولكن كل شيء منك يدافع ~~في نفسي عن نفسه، وينتصر ويتغلب ... # هل تلبس الزهرة أوراقها ولونها إلا لتظهر عارية الجمال؟ # هل تلبس الحبيبة كبرياءها ودلالها إلا لتظهر عارية الحب؟ ~~... ومع ذلك فروح الشجر المر هو الماء العذب! # | يا قلبي! # كان لي قلب، فيا عجبي # ليس في جنبي سوى أثره # ضاع مني فابحثوا تجدوا # في ابتسام الحسن أو نظره # ويحه قلبا أعيش على # صفوة عيشي على كدره # يرتقي كالنسر ثم ترى # مرتقاه عين منحدره ~~••• # ههنا قلب وحامله # ميت الأمن على حذره # 1 # ذاب ذوب العطر مذ وقدت # للهوى نار على زهره # ضره ما كان منفعة # نفعه ما كان من ضرره # عابس كالليل ليس منه # أمل إلا سنا (قمره) ~~••• # وهنأ قلبه وصاحبه # قد بنى الدنيا على حجره ... # تقرص الألم مهجته # مثل قرص الوحش ms110 من ظفره # 2 # والحديد والصلب تحسبه # صورة عمياء من صوره ... ~~... لم يلن لا بمطرقة # من قضاء الله أو قدره ~~••• # وسؤال لا جواب له: # أي ذين الحلو في ثمره؟ # لو يبين الحلو خالقه # كيف يسقى المر من مطره؟ # | البحر # «وكتب إليها من شاطئ البحر، وكان قد ذهب إلى هناك مسشفيا من علة أصابته». # 1 # لقد كنت والله من وثاق المرض كالسجين المغلغل: يحمل على أعضائه أعضاء من قيود وسلاسل، فلا ~~يجد كل الأمكنة أوسعها وأضيقها إلا جسمه والجسد الحديدي الذي فيه جسمه، وكأنه من الكرب لم ~~يقيد، وإنما أقفل على روحه من ذلك الحديد بقفل يكف هذه النفس، ويحول بينها وبين ~~الدنيا. # فلما احتواني البحر جعلت سلاسلي تذوب فيه شيئا من شيء في يوم من يوم، ثم كأنها لم تكن ~~إلا آثار لون أسود فغسلها البحر ومحاها، أو كانت جمرات ألم أحمر فأطفأها وسال عليها. # ألا ما أعجب رحمة الله! فبينا هموم الإنسان في موضع هي أشد اندماجا من الحديد، إذا هي في ~~موضع غيره متخلخلة أسرع ذوبانا من الملح المبتل: كأن مكانا يلبس أنفسنا ، ومكانا يخلع ~~عنها، أو كأن الأرض بتباين أمكنتها وبقاعها تقابل الأقدار في اختلاف عللها وتصاريفها، حتى ~~يكون السفر من بلد إلى بلد أحيانا كأنه تحول من قدر إلى قدر. # كان المرض يخيل لي أن هواء ناحيتي مستنقع معلق ... فجئت إلى هواء البحر فإذا هو بحر ذائب # 2 # يحس المتنفس منه أن في صدره مثل الموج على ما ركد فيه مما تركته الأيام ~~والليالي من أحداثها وهمومها، فإذا صدره جياش مصطخب بالحياة يفور بها ويتضرب، وإذا موجة من ~~العافية قد اندفقت في هذا الصدر فثلج وابترد وتنقى كأنما غسل ثم غسل إلى ملء بحر. # وأرى السماء هنا والبحر متدل منها، فكأنها مخيط أزلي، وهذا البحر كله موجة واحدة، وثبت من ~~هناك عن ثبجها الأزرق # 3 # ووقعت إلى الأرض، أو هذا بحر سائل موار؛ إذ هو يدفع أنفاس الحياة الأرضية ~~الفانية فلا بد أن يجري ويتحرك، وذاك بحر ms111 مستقر لثباته على الأزلية الخالدة، ويقع من أحد ~~البحرين ثبات اليقين في روحي ومن الآخر حركة الأمل في قلبي، وتندمج بهما في حياتي روح أيام ~~زاهية مضيئة كأنوار السماء، وروح آمال بلية منعشة كأنفاس البحر. # وأرى البحر مائجا يترشرش ويتناثر وهو بارد، ولكنه يبدو كما يغلي الماء في وعاء على ~~النار، يتقاذف من شدة ما يغلي، يضطرب ويدوي كما يرجف الرعد ترددت هدهدته # 4 # يجاوب بعضها بعضا، فكأنما البحر سحاب عظيم قد حبسه الله في الأرض فهو أبدا ~~ثائر يضج ويرعد، ولا يبرح ينازع الأرض أن يفر منها! # وأعرف للبحر في نفسي كلاما؛ فهو يوحي إلي: أن تجدد تجد في آمال قلبك كأمواجي لكيلا ~~تمل فتيأس؛ وتحرك ... تحرك في نزعات نفسك كتياري لئلا تركد فتفسد، وتوسع توسع في معاني حياتك ~~كأعماقي لئلا تمتلئ فتتعكر، وتبحر تبحر في جوك الحر كرياحي # 5 # لئلا تسكن فتهمد. # كن مثلي جبار الحياة مجتمعا من ألين اللين وأعنف القوة، كن مثلي قديس الحياة واسع الروح ~~نظيف المادة مستعينا لواحدة بواحدة # 6 ~~... كن مثلي جميل الحياة ثابتا على الرقة والصفاء، وإن من وراء شاطئيك الرمال ~~والحجارة وطين الأرض وناس الأرض ... كن مثلي حر الحياة محتفظا بالسعة والحركة والعمق، كن ~~مثلي إلهي الحياة ليس بينك وبين السماء شيء يحجبك أو يحجبها، وعلى وجهك دائما أنوار الشمس ~~والقمر والكواكب، كن مثلي شاب الحياة فلن تهزم أبدا إذا أثلجت روحك بالرضا فتبلل شبابك ~~بأندائها، فعمرك كله عمر الفجر! ~~••• # ولكن أيها البحر! ما هذا البريق الذي تسطع به حتى لكأنك تحت الشمس أرض من الزمرد والفيروز ~~والماس؟ # وما هذه الرقة في هذا الأديم الذي تتعرى به حتى لكأن كل موضع فيك عليه بضاضة وإشراق من ~~جسم فاتنة عارية؟ # بل ما هذا التوحش في هذا الموج الذي تزأر به زئيرا يتردد في كل نواحيك حتى لتلوح كل موجة ~~من كل موجة كأنما هي لبد أسود بيض غاطسة في الماء يحمل بعضها على بعض للقتال؟ # وما هذا الهدوء ساعة تستقر في جو ms112 خافت كهمس التسبيح فتبدو كقلب المؤمن رسب في أعماقه ~~اضطراب الظن بالحياة، وطفا على اطمئنان التوكل على الله؟ # وما هذه الثورة ساعة تستقر في جو صاخب كمعمعة المعركة، فتظهر كالمخبول ثارت خواطره فهن ~~كأمواجك مبعثرة طائرة، وكأن زوبعة سكنت فيها؟ ~~••• # ولكن أيها البحر! هل يقال لك: ما هذا؟ وما هذه؟ # كلا، فما أنت إلا كذلك الجمال المعشوق: يسطع ويرق ويتوحش ويهدأ ويثور، وله الأشعة الزاهية ~~البراقة، والعري الحريري المخمل، والزئير والهمس، والأعاصير والزوابع، ثم لا يسأل في كل هذا ~~ولا مرة واحدة: ما هذا؟ وفي كل هذه ولا مرة واحدة: ما هذه؟ ~~••• # ورأيت يا حبيبتي هذا البحر مضيئا ممتدا كأنه نهار أبدى أمسكته الدنيا؛ لينير النور في ~~قلوب أهلها فإن النور يظلم فيها. # ورأيته كالمعاني الندية بثها الله من رحمته في جفاف الحياة ومعانيها، ورأيته استواء ~~واحدا في وضع الجمال، ليس فيه موضع أعلى من موضع. # ورأيته دائم الترجرج كأنه متهيئ أبدا؛ ليسكب معانيه في فكر الناظر إليه. # ورأيته لا يحمل أن يوضع لإرادته حد فهو دائما يصدم الشاطئ كأنه يقوله له: اذهب من هنا ~~...! ~~••• # رأيت فيه كل هذا ؛ لأن مثل هذا كله في جمالك أنت وفي معانيك. # فأنت بجمالك المشرق لمعة من نهاري. # وأنت بعواطفك رحمة من الله لقلب لولاك لجف. # وأنت بحسنك لؤلؤة كلها وضع واحد في الحسن. # وأنت دائمة الترجرج في خواطري دائمة الانسكاب في قلبي. # وأنت لا تحتملين أن أضع شاطئا لإرادتك. # وأنت، أنت، أنت ... # | فلسفة المرض # «ولما برئ من مرضه كتبت إليه تسأله فلسفته في المعاني التي ينشأ المرض لإيجادها في النفس، ~~فكتب هذه الرسالة وتجافى عن ذكر الحب فيها؛ إذ كان الشأن حينئذ شأن الحياة، وقد كتبها وهو ~~في أعقاب العلة، ولولا أنها هي طلبت منه هذه الرسالة، وأنها أعجبت بها، وعدتها من آثارها ~~فيه؛ لما نشرناها هنا». # خلقت نفس هذا الإنسان وكأنها ثلاثة أنفس، إذا كان دأبا لها أن تكون طامعة متلفتة وثابتة، ~~فهي لا تكون على رزق ترزقه، ولا تثبت على حال ms113 تحول إليها، ولا تقر في منزلة تسفل بها أو ~~تعلو. # وهي كذلك لا تبرح تنزع مما وجدته إلى ما لم تجده؛ لأن الشوق أحد عناصرها: ولا تنفك متقلبة ~~تجعل ما ترضاه يوما هو ما تسأمه يوما؛ لأن الرغبة إحدى طبائعها: ولا تزال تتخطى حدود ~~الأشياء؛ لأنها من الأزل بنيت على الخلود الذي لا يقف على حد، فالشوق الثائر في حاجة إلى ~~فترة تكسر من حدته، والرغبة المجنونة في حاجة إلى ضعفة تهدئ من ثورتها، وخطوة الخلد التي لا ~~تزال دائبة تتقدم، في حاجة إلى عثرة بمعنى من معاني الفناء المعترضة في طريق الحياة. # وبذلك يكون الإنسان دائما في حاجة إلى بعض الأمراض، لا ليمرض ولكن ليصح، إلا أنواعا من ~~أساليب الموت تسمى أمراضا لا حيلة فيها، ولا يكن المريض معها إلا كالوعاء يشق؛ ليحطم ~~وينتهي، لا كالوعاء الذي يصب ما فيه؛ لينظف ويملأ ويبتدئ. # فالمرض الرحيم وضع النفس في وثاق يمسكها حينا؛ ليحبسها على تأمل حقائق الحياة المغطاة، ~~ويكرهها على أن ترى الدنيا أهون من أن تصغر لها نفس، وأحسن من أن يسقط بها قلب، وأحقر من أن ~~تتهالك عليها الأحياء، ثم ليريها رأي العين أن العالم مصبوغ بأخيلتها الوهمية التي نفضت ~~عليه ألوان الجنة فأفسدته بهذا التمويه، وتركت أهله يتكذبون في أوصافه فيخطون في حقائقه ~~وجعلته كالقمر: هو في ذاته حجر مظلم، ولكن ذهب الشمس يجعله كله فضة بيضاء. # إنه لا يفسد الإنسان إلا الغرور، ولا يكون الغرور إلا من الطيش ولا يطيش بالرأي إلا سوء ~~التقدير، ولا يكون هذا السوء أكثر ما يكون إلا من بلاء العافية على الإنسان ... وإن من بلاء ~~العافية ثلاثا: عافية الجسم، وعافية الهوى، وعافية المال، فأما الجسم: فأقرب ما وجدته إلى ~~الحيوان الضاري الخبيث أشد ما وجدته قوة وعافية، وأما الهوى: فلم يخلق الله شيئا كل هلاكه ~~في قوته غيره، وأما المال: فعافيته في رجل واحد مرض في ألف رجل إلى ألوف كثيرة، فهو حصر ~~الدنيا كلها في بعض أجزائها. # فكأنما تطوف الأمراض ms114 في هذا العالم؛ لتصلح نواحي الإنسانية فيه، فتضعف الحيوانية، وتكسر ~~شرة الهوى، وتكف طغيان المال عن النفس حتى لا شهوة فيه ولا قوة له، ولو جمعوا ما أصلحته ~~الأديان والقوانين من أحوال النفس وطباعها، ثم ما أصلحته الأمراض منها؛ لرأيت أن لله أنبياء ~~من هذه الأمراض يرسلها إلى الدم الإنساني، وأن «الميكروبات» السابحة في الهواء كالأملاح ~~الذائبة في البحار: لولا هذه؛ لتعفنت الأرض، ولولا تلك؛ لتعفنت الإنسانية. ~~••• # تأمل هذا المريض وهو حائر النفس، متخاذل الأعضاء، كاسف الوجه، ميت الهوى، لا يتماسك مما ~~به من الضعف، ولا ينبعث لما به من الخمود؛ ولا يتشهى لما به من الفتور، ولا يتذوق بما به في ~~روحه من المرارة، ولا يجرؤ لما في حسه من الإشفاق، ولا ينظر إلى الدنيا إلا بملء عينيه ~~زاهدا فيها كأنما بث المرض في عينيه شعاعا ينفذ الأمور إلى حقائقها، ثم يخترق الحقائق إلى ~~صميمها ... أفلا ترى هذا الإنسان قد عمل فيه مرض أيام قليلة ما لا تعمل العبادة مثله في أزهد ~~الناس إلا في السنين المتطاولة؟ # إنما هي ثلاث وسائل للجمع بين الإنسان وحقيقته العليا: العبادة القوية ، وقد عجزت إلا في ~~أفراد قلائل، والحكمة الصحيحة العالية، وهي أشد عجزا إلا في الأقل. ثم لم تكن الوسيلة ~~العامة التي تتناول الناس جميعا، ولا يستعصي عليها أحد ممن أطاع أو عصى، إلا المرض ~~...! # يوجد الإنسان ليمحى ويزول، ولم تتمكن الفضيلة الإنسانية من نفس إلا إذا تمكنت هذه الفكرة ~~منها، فإن الزائل يرى ليومه ما بعد يومه، ويعلم أن حقه على الناس ليس شيئا أكثر من حقوق ~~الناس عليه، ويحتاج إلى العمل لروحه كما يعمل لجسمه، وما يكون زاد الروح إلا من آثارها في ~~الأرواح الأخرى، ومن آثار هذه الأرواح فيها، فإذا كانت حقوق الأجسام تدفع الناس إلى التنازع ~~على البقاء، فإن حقوق الأرواح تقابل هذا الناموس بما يصلحه، فتزيد في الناس إلى القوة ~~الرحمة، وإلى الغنى الإحسان، وإلى العزة المروءة، وإلى كل طغيان ما يمازجه فيكف من جماحه، ~~ويجعله إلى ms115 الخير أو من الخير. # وإن أعجب ما في الإنسان أنه يرى الموت والموتى بين الساعة والساعة، ثم لا يستشعر من كل ~~ذلك معنى زواله. كأن عادة الحياة أخمدت هذا الحس فيه أو خملت منه، وما هو إلا أساس التعاطف ~~الإنساني، ثم لا يكون إلا أن يمرض هذا الإنساني يوم، فإذا هو قد تلقى الدرس على أحكم ~~أساتذته، ورأى نفسه كان يمشي فقعد، ويستطيل فتقاصر، ويشمخ فانهد، ويسر فحزن، وإذا هو قد بدل ~~من الصوت خفض الصوت، ومن الإعجاب مقت الإعجاب، ومن الخلاف ترك الخلاف، ومن جفوة الناس حاجته ~~إلى رحمة الناس ... ثم إذا هو قد أمسك عن كل ما كان فيه من العمل، وأقبل على الصحراء المخيفة ~~التي بين الدنيا والآخرة، وأحس من غمزة يد الله في مواضع آلامه أن الإنسان مهما يكن من قوة ~~الأسر وشدة البأس فما هو بعد إلا حبة صغيرة واهنة بين شقي هذه الرحى العظمى الدوارة التي ~~حجرها الشمس والقمر! ~~••• # سبحانك اللهم! إنما هذه الأمراض أخلاق أنت تنشئ بها الرحمة في قلوبنا المتحجرة، وتصرفنا ~~فيها إلى نفوسنا بعد أن نكون قد جهلنا هذه النفوس في أعمال الحياة أو جهلتنا، وتعلمنا جميل ~~صنعك في تواتر حلمك علينا مع قبيح صنعنا في ترادف عصياننا لك، وتنقلنا بها في خطوة سريعة من ~~خطر الأزلية؛ لنرى الدنيا من آخرها فلا نجد نعيمها إلا معاني الهلاك، ولا ملذاتها إلا ~~أصبابا من الندم، ولا غناها إلا فنونا من الحسرة. ثم لا ننظر في أجسامنا إلا أشكالا ~~قائمة من التراب، ولا نعرف من أعمارنا إلا أنفاسا كانت تصعد من فم القبر، وإذا أذنت بعد في ~~شفائنا، ومسحت بيد العافية علينا، كانت الأمراض وسيلة من وسائل تجديد العمر، وخرج المريض ~~وكأنه مقبل على الدنيا من ناحية لم تكن فيها؛ فينسم من كل شيء رائحة الحياة، ويرى على كل ~~جمال أثرا كأثر الحب ولذته وحنينه، ويستقبل نفسه الراجعة إليه في موكب الحواس القوية، فلا ~~يكون له إلا ما قد يكون مثله في الملك المخلوع ms116 أعادوه إلى العرش؛ فجاءوا بالتاج، وأقاموا له ~~الزينة، وحشدوا له الحفل، وقالوا: سمعنا وأطعنا! # سبحانك! إنما هذه الأمراض مواعظ منك تعلمنا كيف نضع شهواتنا في موضعها من الضرورة، ~~ونحصرها في حدودها من الازدراء والمقت، فلا تعدو بطبائعنا علينا، ولا تعدو بنا على سوانا، ~~وإنه ما يخطئ امرؤ في الحياة إلا من إقرار شهواته في غير أمكنتها حتى تأخذ من عقله، وتنال ~~من رأيه، وتجور على حواسه، فيقلبها ذلك من أن تكون حركة في الحياة إلى أن تصير الحياة كلها ~~حركة من حركاتها: وحينئذ لا تكون الشهوات إلا أكثر مما هي، فتقتضي أكثر مما تستحق من الجهد ~~والعمل الإنساني؛ ولا تكون الحياة إلا أحقر مما هي، فلا تخرج إلا أقل ما يمكن أن تخرجه من ~~القيمة الإنسانية. # سبحانك اللهم! إنما هذه الأمراض في الدنيا بعض مواد البحث الفلسفي العميق لدرس أساليب ~~الطبيعة البشرية، فكم من «عملية جراحية» في طب الناس هي الحقيقة «عملية حسابية» في وزن هذه ~~الطبيعة وتقديرها، وكم من أنة وجع في المرض وهي نفسها كلمة عتاب بين الطبيعة والنفس ... وكم ~~من ضجعة للداء هي في الواقع نهضة للأخلاق من ضجعتها. # سبحانك ولك الحمد إن ساعة النجاح، وتحقيق الآمال، وانتعاش الحظ، وتبديل صورة من الحياة ~~بحياة غيرها تكون أسمى وأكمل ... وساعة الغنى وإقبال الدنيا ومسالمة الأيام، وتزيين الحياة ~~بحياة أجمل منها وأبدع، وساعة الحب وفيضان الجمال على النفس، ونسيان الحياة بالحياة التي هي ~~أمتع منها وألذ - كل هذه الساعات لا تعد إلا دقائق وثواني من السعادة إذا اتفقت بعد المرض ~~ساعة الحياة ساعة رجوع الصحة! # | يوم النوى # يا ظلة الموج يطغى البحر منتفضا # بها، كأن جبل في البحر يقتلع # تظن زلزلة في الماء قد جلست # أو لا، فزوبعة في الماء تضطجع # تقلقلت، فاستطارت فانثنت، فهوت # فأطبقت، فارتمت كالرعب تندفع # على غريق بحبل الماء معتصم # والحبل في لمسات الكف ينقطع # له بقية روح في أصابعه # ينازع الموت فيها وهي تنتزع # بين الحياة وبين الموت مرتكس # 1 # يقيئه البحر أطوارا ويبتلع ms117 # أذاك أعظم هؤلاء في فجيعته # أم المحبون في أحبابهم فجعوا؟ ~~••• # يا لطف نفسي للعشاق! تحسبهم # يوم النوى نزعت من قلبهم قطع # الحب قاتلهم بالصبر إن صبروا # والحب قاتلهم بالهم إن جزعوا # إن ودعوا ذاهبا لم تلق حزنهمو # من أنه سار، بل من أنهم رجعوا # ربي، متى تهب الأحزان مخترعا # في هذه الأرض للنسيان يخترع؟ # | الهجر # «ولما تهاجرا كتب هذه الرسالة # 1 # فيما كتب لنفسه»: # رسم الماضي من الحب صورته في نفسي، وأتى الهجر يمحوها، ويرسم غيرها، ففيما يثبته، ألم ~~الأيام المكروهة تأتي؛ وفيما يمحوه، ألم الأيام المحبوبة تذهب، ومضى الزمن الذي يومه ساعة، ~~وجاء العهد الذي ساعته يوم وأيام، وانقضى عمر الحقيقة، وبقيت من الحادثات كأنها قبر من ~~اللغة قد أنزل فيه تاريخ حب مات! # وكما ينزع المرض عافية لبسها الدم، نزع الهجر أيام قلبي، وتركني في أيام كأنها من غير ~~زمني، ووضعني منها في حياة كأنني لا أحياها، وانتهى بي إلى حالة كأنما وقفت الحياة عندها، ~~وقالت لي: سر وحدك وعش في آلامك لا في! # هي حالة النار التي كانت مشبوبة، وتهم أن تخمد فتقول للأثر الذي تخلفه: عش وحدك يا رمادي ~~...! # أما إني مثلك يا رماد الجمر: قطعت حياة اللهب والشعاع إلى آخرها المنطفئ ... ~~••• # أية عاصفة احتملتني من أيام الشمس وليالي القمر، وألقت بي في هجر منقطع كليالي القطب ~~المضيئة بجبال قائمة من الثلج كأنها شموع تنير في ذلك الهول المحيط بها؛ إذ لا تظهر فيه ~~النجوم على سمائها إلا كحصى من الجليد، ولا تمر الشمس هناك في أفقها إلا وهي ترتعد من ~~البرد؟ # كان الجو العاصف كلمة غضب صغيرة، ولكن أرادها قلبي بمعنى، وأرادها قلبها بمعنى غيره، فلم ~~يبق للكلمة على ما أردت وأرادت لا معنى في نفسها ولا معنى في نفسينا، وبطل منها عمل اللغة ~~فإذا هي قدر عات لا زمام لنا من الفهم على جمحاته. # كلمة كانت من المادة النفسية المشتعلة بالعناد، المنفجرة بالغضب، المصوبة بعد ذلك ~~كالرصاصة المنطلقة! لا تراها بدأت إلا قلت انتهت، ms118 وربما قالوا: رميت، والمعنى قتلت، وإذا ~~قيل في الرصاصة المنطلقة قد ذهبت، فاعلم أنه قد مات من اللغة إلى الأبد لفظ رجعت أو ترجع ~~...! # وعلى ظهر كلمة الغضب وضع الماضي رحاله المملوءة جمالا وفكرا وعاطفة ولذات، وانحدر على ~~طريق النسيان فذهب حديث لا يلحق، ورمى إلى حيث لا يعود! # ألا ما أشأم الساعة التي تعارض فيها كلمة قلب كلمة قلب آخر يحبه، وتقف لها كبرياء معشوقة ~~بإزاء كبرياء تعشقها، وتضيق نفس على نفس تحاول كلتاهما أن تحبس الأخرى في سجن ~~كلمتها! # تلك ساعة تكون والله بين العدوين أخف وأرحم مما هي بين الحبيبين، ولعمري وعمرك ما التقاء ~~العدو بعدوه في مناجزة إلا صورة هم وروع مصغرة من صورة ابتعاد حبيب عن حبيبه في هجر ... إن ~~معركة الدم لأصغر من معركة الدمع! ~~••• # كبرياؤها الآتية من أنها هي المعشوقة، وكبريائي التي أستشعرها من أني أنا محبها، كلتاهما ~~كانت العزيمة الهائجة المحتدمة التي أدت شدة المبالاة فيها إلى عدم المبالاة، وجمعت منا ~~جهلتين غير مبصرتين، واستكبر لها الواقع المحدود، فانتهى من غضبه إلى سورة معركة، واندفع ~~بها التيار الذي جعل يزحزحنا واحدا عن واحد حتى فصلنا انفصال شاطئين، وفقدنا ما يسمى في ~~اللغة السياسية: «إدراك حقيقة الحالة» فانثترت بيننا ما تسميه تلك اللغة: «بالمسائل ~~الشائكة» وأصبحنا من حيرة وعجز وسوء بصيرة في مثل الحالة التي يطرح فيها اللغز لحله فإذا ~~منه لغز آخر، وكان عقدة ناعمة كملمس الحية فانتهى إلى مس السم الناقع، ثم ضلت في ضلالنا ~~الكلمة التي كانت تصلح للصلح، وضاق عنا الحب بأخلاقه فلم يبق مني ومنها غير «لا» قائمة في ~~وجه «لا». ~~••• # إنه الموقف العقلي المصبوب على قالب فلسفتها حين تقول إنك لن تحكمني، ولو أنك في الواقع ~~تحكمني ... وعلى قالب فلسفتي حين أقول: إنني لن أغلب في شيء، ولو أنني في كل شيء مغلوب! ... # كلمة بيننا ليس لها ناهية ولا آمرة من العقل، فلا تنزل في خاص معناها، ولا تقر في معنى ~~يمسكها على وجه مفهوم، وكأنها في ms119 موضع مسحور لا يستقيم فيه برهان، ولا يحق حق ولا يبطل ~~باطل، وفيها ملء القفر من الإصرار الجافي الموحش، فإذا تقدمت لها شفاعة الحب لم تقع من ~~كلينا إلا بأبعد البعد: كالذي يضل في صحراء فيظمأ ويلتاح، ثم يذهب يحفر عن بلة أو جرعة، حتى ~~إذا أوشك أن يذبحه الظمأ بنصل من خيال الماء عثر على إناء مختوم فيفضه فإذا فيه جرعة تاريخ ~~قديم ... تنبئ عن مدن وأطلال، ودولة وشعب كانت هنا ... هنا في موضع قبره هو ...! # وليس التعب أشد شدة ولا أثقل ثقلا من موقف عقلي تقفه مغالب نفسك على حقيقتها، فتبغض أنت ~~وهي عاشقة، أو تماري وهي مقتنعة، أو تجحد وهي تقر، أو تعزم العزمة وهي تنقض عليك، فأنت في ~~تزوير فكرك على نفسك، وفي رد نفسك على الفكر، ثم في التواء حقيقتك التي جعلتها محركا ~~واحدا يعمل في حركتين متناقضتين، ثم تهلك بعناد باطل تزعمه ضروريا لنفسك على أن يكون ~~كفكرة فقط وأما كعمل فلا، على حين هو واقع عملا فقط وأما كفكرة فلا ... # ويحك يا من يزعم لأحد الشاطئين رجلا يمشي عليها؛ ليتخلص من مقابلته الشاطئ الآخر ، ومن ~~تقييده بمضادته وممادته على مداه! أرأيت ذلك يكون قبل أن يكون للبحر الذي بينهما جناحان ~~فيطير من بين شاطئيه ...؟ # ويحك! فما معنى الهجر والمراغمة عليه، ولم يطر من بينكما الحب؟ ~~••• # أتجنبها وهي في وجودي، وأحطم بعقلي هذا الفؤاد الشعري الرقيق الذي بين جنبي، وأتخذ لها في ~~نفسي من الهجر اسما جافا يابسا كاسم الحطب، وهي باقية زهرة هذه النفس! # إن هنا وهناك وهنالك ثلاثة مواضع للغيظ وللكمد، ولكنها أيضا ثلاثة مواضع؛ لعظمتي وسموي. ~~إنه لا صلح لقلبين لم يصطلح فكراهما ...! # فآه من ألم السمو الذي يجعلني أفرق حياتي على الأشياء والمعاني؛ لتتغير في نفسي، وأعيش ~~أنا في مثل هذا الهجر على المعنى الذي لا يتغير كمعنى البلى، ولا يتسامح كمعنى الضغينة، ولا ~~يترخص كمعنى العقيدة! # وآه من كبر النفس على صغائر الحياة، ومن صغائر الحياة على كبر النفس! ms120 ولقد يكون الملك ~~العظيم في حشده وجنده وحوله وطوله، ثم لا تعبأ ذبابة من الذباب أن تقع على وجهه، ولو نطقت ~~لقالت صادقة: وإن كان ملكا فإني ذبابة ... # وآه من عين الحكمة التي تبصر كرة الأرض هباءة طائرة في اللانهاية، وترى الكون العظيم ذرة ~~مكبرة، وتضاعف الأشياء على النفس مرة، والنفس على الأشياء مرة أخرى، ولا تبرح تخلق خلقها ~~على ما تحب وتكره؛ لأن فيها ألوهية الفكر! # آه من هجر هو سمو ولكنه من الصغائر، هو حكمة ولكنه من الألم ... هو هجرها لكنه هو ~~حبها! # | من قلمها # «وهذه فصول منتزعة من بعض رسائلها نشرناها مقتضبة تلمح بمعانيها لمحا؛ ليكون في هذا ~~الاقتضاب شيء من الإبهام، فتكون مع الإبهام كأنها لم تنشر ... ما دامت هي لم تكتبها لتنشر كما تزعم # 1 ~~». # فلسفة تأخير الرد # أخرت جواب رسالتك؛ لتجيب عني بظنك، وستجيب بأنواع متناقضة مما يسوؤك ويسرك، وتضع في ~~أجوبتك مائة «نعم» ومائة «لا» ... ثم يأتيك بعد كلامي فينزل من نفسك منازل لا منزلة ~~واحدة؛ إذ تقابله بكل ما قدرت في نفسك من قبل، فيسرك على قدر ما أحزنت هذه النفس، ثم ~~يعطيك من اليقين ما يسرك من ناحية بإثبات الحقيقة، ومن ناحية أخرى بمحو الظن! # هذه سياسة بعض ما يحتاج إلى الشرح في بعض علاقات النفوس يكون السكوت الطويل فيها هو ~~أول شرح للكلام الذي يأتي بعده ... يفسره تفسيرا غير مكتوب ...! # طفولة فلسفية # أظن هذه الفترة التي انقضت في سكون ظاهر كانت كلها أحاديث، أحاديث طويلة لو ~~تعلم. # إذا أنا سألتك مرة: أين البرهان؟ لم يعجزك أن تأتي به من بلاغتك، وقد لا تكون ثمة ~~قضية يقوم برهانها، ولكنك تجعل البلاغة الساحرة نفسها قضية على ما ترسم، كأنك مهندس ~~منطق ... وبذلك تطمئن دائما؛ لتأثيرك قوة براهينك، أي لإقناعي أنا راضية أو غير راضية ... # أما أنا فأقدم برهاني بسذاجة الأطفال الذين لا يعرفون ولا يستطيعون إلا أن يكونوا ~~أطفالا ... وأقوى برهان الطفل أن يكون الطفل نفسه برهانا عليه، فما عساك تقول؟ أترى ms121 ~~الطفل هو عندك أيضا قضية بلاغة؟ # لله من الكناية إليك! ما أشدها طربا وأشدها صعوبة في وقت معا! فأنا أخاف لأنك تستشف ~~من الأحرف ما لا يتبينه سواك من الصفحات، وغريب أنني - مع شدة هذا الخوف - لا أكاد أمسك ~~القلم حتى أسير به أو يسير بي أو نسير معا: ليس في أحدنا تروية ولا حذر، كأنني أخاطب ~~نفسي، أو هو يكتب مذكراتي، أي من قلبي لقلبي. أتعجبك هذه الطفولة في الحديث؟ # نعم هي ألفاظ كالتي في ألسنة الأطفال، لا كتلك التي في الكتب أو في صناعة البيان، ~~ولكن إذا أنت لم تغض عن ظاهرها فأين إذا الحفاوة بالمكنونات التي لا يراها إلا من خبئت ~~له؟ # قياس الأشياء في الحب # كم أراك تحتاط بطريقة ناعمة لا تصدم كبرياء النفس إلا قليلا! ولكن أيذهب عنك أنها ~~حين تصدمها قليلا تكون صدمتها وكفى ...؟ # ليس كل قليل هو قليلا # 2 # ولا كل كثير هو الكثير، فقياس الأشياء بين الأصدقاء لا يكون في الأشياء ~~ذاتها؛ بل في صلة الإحساس التي تكون في أنفسهم: لأنها إنما تقدر بمقادير الشعور لا ~~بمقادير المادة ... أما رأيت هذه الصلة الوثيقة أيام كنت مريضا قد جعلتك مريضتين ... # إذا كنت على ثقة من هذه القضية، فانا الآن راضية عن هذه الابتسامة الطويلة التي أثق ~~أنك تبتسم بها، وإن كنت لا أراها! # البربرية # باركت الوخزة التي فجرت منك هذه الآيات الساحرة، وكدت أدعو لك بالآلام والأوجاع ما ~~دمت لا تكتب إلا من جرح ... أتعجبك تمنيات هذه الصديقة البربرية؟ # ألا فليهنأ بك هذا القلم الذي أوتيته، فإن ما كتبت به سيبقى دائما على آفاق هذه ~~اللغة سحابة وحي تحمل تنزيلها. # وتالله من يتذوق طعم هذه الحلاوة التي تقطر بها براعتك؛ ليظل من بعدها في جوع دائم ~~إليها كجوع الأغنياء للذهب. # أراك تبتسم الآن بسمة الرضا: أفيعجبك ثناء هذه الصديقة البربرية؟ # السيد # تقول: إن حبك مسرف، وعداوتك مقتصدة، وإن هذا الحب كخضوع المستبد، والاستبداد في نفسه ~~قوة، فهو إذا خضع كان واثقا أن خضوعه ms122 قوة أيضا، وإن هان وإن ذل. # يا صديقي السيد ... نعم ثم نعم، ولكن كلمتك تجعلني أرى في صلتنا هذه نوعا من تطفل ~~الفتاة على سيادة الرجل؛ إذ تقتحم بها الفتاة، وإذ تجرؤ على ألا تضع هذه الصلة فوق ~~موضعها الطبيعي؟ إن هي إلا خضوع وطاعة وعبودية للسيد ... # أليس كذلك أيها السيد؟! # أما والله إن الرجل مهما يغلب نفسه، ويحملها على الرقة؛ ليصلها بنعومة الأنوثة من ~~جانبها المصقول الناعم، فلا بد أن تغلبه نفسه مرارا حتى تظهر حقيقته الجافية الخشنة ~~التي خلق منها ولها ... # ولو أن حجرا أحد جوانبه ماس ثمين، وسائر جوانبه الأخرى حجر، ثم مسته الحياة فتمثل ~~بشرا سويا؛ لكان رجلا متحببا متظرفا مثلك يا سيدي، وهو من جانب واحد يعتبر الحب، ~~أي الماس، ومن ثلاثة جوانب يعتبر السيد أي ... أي الحجر ...! # السيد أيضا # لا يسؤك أيها الصديق! فوالله ما أنا بالتي ترغب الإساءة إلى عدو، فكيف بها إلى صديق ~~وإلى صديق عزيز؟ أيغضب السيد من وصفه بالسيد؟ # ولكن ما كانت الصداقة لتحمل في يدها ميزان العدل لكل كلمة، وكل معنى، وكل إشارة؛ بل ~~إنها لتصفح كثيرا عن كثير لتجعل الحق الذي لها أن تستوفيه كاملا كأنه حق عليها تؤديه ~~كاملا، فتكبر بتسامحها وتنمو. # كن أنت الحاكم على نفسك انتصافا؛ لما ظلمت به نفسا أخرى. # وإني أهز يدك بقوة تؤكد لك أن حرارة الإخلاص هي أبدا قوية من أنها إخلاص، متجددة من ~~أنها قوية، باقية، ما من أنها متجددة، وبكل هذا هي الحب وهي الصداقة! # هو المرض ولكن # نعم هو المرض الذي استحق مني كل هذه العناية، ولكنه المرض على أنه في جسمك ... # أنا إنسانية أعطف على كل أحزان العالم، ولكني لو تألمت لكل المتألمين؛ لما أثاروا في ~~نفسي إلا الجزء الأصغر مما تثيره في آلام صديق. # لو تألمت بنفسي أو لنفسي لاحتملت، ولكن ألمي بك، وشفاءه فيك، فهو ألم وجزع واضطراب، ~~أتألم بثلاثة من حيث لا تتألم أنت إلا بأحدها ... # نعم هو المرض الذي أثار في كل هذا، ms123 ولكنه المرض على أنه في جسمك! # جو طليق وحرية # أنا كما تقول: في الجو الطليق، وفي حريتي المعبودة؛ يحويني الفضاء وأحويه، ولا قيد ~~ولا حد، ولكن مع كل هذا فهناك هناك في الجو جاذبية، وهنك للحرية أشواق، وما يعين لنا ~~حدود مسراتنا إلا آلامنا ... # أضيفت كلمتك ... إلى سجل هفواتك في حق هذه المخلوقة التي لا ذنب لها سوى طيبة نفسها، ~~ومن استحق أن تكون طيبة نفسه من ذنبه فقد استحق أن تكون من عقابه عند نفسه أتريد مني ~~التوبة عن أن أكون لك طيبة النفس؟ # افتح للشمس # أعجب لقلبك، يأبى إلا أن يحتبس في هذه الفكرة المظلمة التي توهمك أني أسأت إليك، ~~وقصدتك بالمهانة ... هل القلب يعادي صاحبه أحيانا فيعاديك قلبك، ويأبى عليك إلا أن تصر ~~وتكابر، وتغلق النافذات كلها، ثم تذهب تتهم الشمس؟ # ما حيلة الشمس في الحيطان والأبواب التي أنت تقيمها؟ افتح لها تدخل إليك! # طفل الحب # كيف قلت عن الطفل الذي أشرت إليه؟ أما تعلم أنه طفل خبيث لا يستحق الرحمة الواجبة ~~للأطفال من كل طبيعة، وأنه ذو مكر، وأنه ذو دعابة، وأنه يريد كل شيء قبل أن يفكر في ~~إعطاء شيء؟ # إنه يظن أن كل ما يعطاه فإنما يطعاه؛ ليجعله ألعوبة ومعرض عبثه، يلهو به، ويسخر منه ~~إذا كده اللعب أغمض عينيه ونام؛ ليجد من الأحلام لذة لعب آخر ... ثم لا يلبث أن يهب من ~~نومه فزعا خيفة أن تكون ألعوبته قد أخذت منه، ولكنه يجدها فينقلب إلى زهوه، ويكون فزعه ~~كذلك فنا من اللعب: ألمثل هذا الطفل تفتح ذراعيك؟ # ولكن، ما أكرم عاطفة الرجل الذي يكون في ساعة من الساعات ألعوبة طفله العزيز! إنه في ~~الحقيقة عالم جميل من الرجولة القوية يكتشفه الطفل ساعة يلعب به ... وفي هذا اللعب يكتشف ~~الرجل كذلك في طفله عالما آخر أبدع وأجمل عالما من عواطف قلبه. # الطفل وذئبه # تريد أن أوافقك على ضرورة إيجاد الذئاب لبعض الأطفال ...؟ هذا ما لا أسلم به إلا إذا ~~أصبح الذئب حملا، وتغير فهم ms124 اسمه ومعناه. # لست أرى من الواجب أن توجد الطبيعة إلى جانب الطفل شيئا مما يخيفه، ومع هذا فالطفل ~~جبان يخاف حتى من تغريد البلبل إذا سمي له البلبل بغير اسمه، وصلصلة السلاح تخيف الطفل ~~كالسلاح، ذلك بأنه لا يقوى لا سلبا ولا إيجابا، لا على أن يثبت لما أمامه، ولا على أن ~~يفر مما أمامه ... # أيعجبك هذا أم أنت تريد أن تنكر علي هذا الحق الذي أسلبه منك؛ لتعرف قيمته حين أرده ~~إليك ...؟ # من بعيد # أكاد والله أنسى أنني بعيد عنك هذا البعد كله، بعدا يتقاذف بكلماتي مسافات ومسافات ~~إلى أن تؤدي إليك شعوري، ولا أعلم هل يسلبها البعد هذه الصيغة الحقيقية التي أراها لها ~~وأنا أكتبها، وأراها لها حين تتركني ذاهبة إلى البريد؟ # وأنا - على هذا البعد - يوم أقرؤك أراك وإنك لأقرب إلي ممن هو أقرب إلي، وأشعر ~~بالكلمات حارة متنفسة بين يدي كساعة كتابتها، كأن قلبي كان عندك وأنت تكتبها فلما جاءته ~~جاءته على عهده بها! # هناك - مهما ابتعدت - دائرة أنس لنفسي تسكن إليها وتتعلق بها، ولا تجعل محيط أفكارها ~~إلا منها، فأنا بنفسي في هذه الجهة البعيدة التي تفصلك عني ، ولكني بها أيضا في المكان ~~الذي أنت فيه. # | وهم الجمال # «وبعد أن تكافأت مقادير نفسه، واعتدلت من اضطرابها، وأشرف على السلوان، كتب هذه الرسالة»: # 1 # هذه رسالة أحسبها قد برئت في معناها من السلوة والحب جميعا، وخرجت بموضعها عن الرضا ~~والغيظ معا، ولم تجئ من برد على الكبد، ولا من حرة في الصدر، فلا يخيل إلي فيها أني ~~أنسكب في تعبيري كما كان يعتصرني هذا القلم في غيرها حنينا وغراما أو سخطا ~~وموجدة. # أكتبها وقد تكافأ جانبا الحب في نفسي هونا هونا، واعتدلت مقاديرها شيئا شيئا، فلا ~~أعتد بسبب تصغر به الحقيقة الكبيرة، أو تكبر الصغيرة، أو يجاوز بمعنى حده، أو يقصر بمعنى ~~آخر عن حقه، ولا أحجر فيها على كلام صحيح أن يتصرف بقدر أدلته وبراهينه؛ لما أخشى من سوء ~~موقعه في الحب، ولا أطلق فيها ms125 لكلام مزور أن يتزايد في مغالطته وكذبه؛ لما أرجو من حسن أثره ~~عند الحبيب. # وأكتبها وقد أصبحت أرى وجهها الذي تحمله كالصورة، يحملها الحائط # 2 ~~... وعدت أراها هي وأمثالها من الحبيبات كفقاقيع الرغوة في ألوانها وجمالها ~~وانتفاخها ... وفراغها ... وصرت أعتقد أن الهول الهائل من النساء الجميلات إن هو إلا كذلك الرعب ~~المخيف من جبال الثلج، في القطب: لا يمسك الجبل الشامخ بما حوله إلا خيوط واهنة من غزل ~~الماء لو قطعتها نسمة؛ لانهار وانكفأ. # 3 # وأكتبها وقد خرجت إلى دنيا الناس، وكنت في الحب وإياها كالمنقطع في صحراء ضل فيها ضلال ~~القفر، واختبل من خبال الوحشة، فهو يرى اجتماع اثنين في ذلك التيه وقيامهما معا كأنه تكوين ~~دولة من الدول العظمى ... ~~••• # إن البلاغة التي كتبت بها رسائلي من قبل، وما احتلت لها به، وما صورت من فنونها - هي ~~بعينها التي تنتهي في هذه الرسالة إلى أن جمال المرأة الجميلة، ليس في ذات نفسه إلا أسلوبا ~~من الخداع، كالذي يكون في تزويق الكلام وتمويه الحقيقة ببلاغة التركيب، غير أنه أسلوب حي في ~~لحم ودم، ثم تزيده المرأة بفنونها وتعمية؛ لأن جمالها في صورة أخرى من صوره الكثيرة هو نفسه ~~الرقق والاستعباد محببا في خلقة جميلة؛ ليطلب ويعشق. استعباد حي متى بدأ استمر يقوى ولا ~~يضعف، وينمو ولا ينقص، ومن هذا كان قيد الجمال لا يفك أبدا إذا غل به أسيره من العشاق، بل ~~يكسر كسرا، ويصبح فيه أمر العاشق من حبيبه كالاستقلال في الأمم المستعبدة: لا يعطى بل ~~يأخذ، ولا بد فيه من الجرأة والمصابرة والاقتحام وسلاح من الأسلحة أيها كان، إما حاطما أو ~~مفزعا أو متهددا أو محتالا أو سلاح الرضا أو سلاح الثمن ... وما إليها لا بد من سطوة ينقلب ~~بها الأسير المستعبد إلا أن يكون مالكا بوجه من وجوه التملك في تلك المنطقة الإنسانية ~~السحرية المسماة في لغات الناس بالحبيب ... ~~••• # فكأن الجمال في حقيقته وسيلة طبيعية لخداع صورة بشرية بصورة بشرية مثلها؛ ومتى كان كذلك ~~فلا حقيقة له ms126 في الوجود، ولم يعد صورة في الطبيعة، بل عملا أداته الصورة، ومن ثم فلن يكون ~~الحب إلا إسرافا لا قصد فيه، وخيالا لا عقل له، ولن يكون في حقيقة بل في وهم، ومن ذلك ظن ~~فلن يكون أبدا إلا تغييرا في معاني الصورة الجميلة! فإن الإسراف لا يثبت على حد محدود، ~~والخيال لا يقف عند شيء حقيقي، والوهم لا ينحصر في معنى صحيح. # وفكر المحب كالسائل الذي يغلي. فما دامت ناره من تحته فهو كله لا مقر له بين أعلاه ~~وأسفله، وما دام يهدر على فورته # 4 # فكله في الأعلى، وكله في الأسفل، وكله بين ذلك، ولا قرار له على وضع إلا أن ~~ينكسر وينفثئ. # 5 # وكل شيء جميل في الطبيعة تراه يتخذ من هذا الأصل شبها عند متأمله والناظر فيه، حتى لكأن ~~الجمال يقول للإنسان: إذا أردت أن تسر أيها الإنسان وتبتهج بي، فلا تفهمني في نفسي أنا بل ~~في نفسك أنت، ولا تأخذني على ما أنا للوجود والطبيعة بل على ما أكون لك ولأغراضك، ولا تدعني ~~لذاتي بل غيرني في وهمك وخواطرك، فإنك إن غيرتني فقد خلقتني، وإن خلقتني فقد جعلتني ~~لك. ~~••• # وعلى ذلك الأصل فجمال المرأة المشوقة إن هو إلا خرافة رجل من الناس، وبكونها خرافة عادت ~~لا حقيقة لجمالها، وكأن الحب إن هو إلا زيادة شعاع في العين تنظر النفس به نظرا نافذا إلى ~~موضع لذتها أو فكرها أو هواها، فإذا خطف هذا الشعاع على من يضيء في وجهه بالحب، نقل إليه ~~النفس ببقيتها ووهمها جميعا فاختلطا على تلك الصورة فهما هناك شيء واحد: الوهم هو اليقين ~~واليقين هو الوهم، فكل شيء من ذلك الجمال هو عقيدة ثابتة لا موضع فيها لجدل، ولا مساغ لنقض، ~~ولا محل لرد، وحينئذ لا يكون أكبر عمل المحبوب في سياسته وتدبيره إلا أن يلم أو يوفق بين ~~عقله هو وبين جنون عاشقه، وأن يحاول الملاءمة بين حياة الخيال الشارد في إرادة هذا المجنون ~~وبين حياة الواقع الراهن فيه هو، وبذلك ms127 فلن ترى حبيبا إلا هو من محبه بمنزلة الطبيب من ~~مريضه، يطب له أو يزيد في علته، أو يهلكه ... هذا حين ينبعث ذلك الشعاع، فأما حين يخمد فمنذا ~~الذي تراه مطيقا أن يصعد السماء إلى النجم الذي انطفأ؛ ليضيئه كما كان يضيء ...؟ ~~••• # أقول: إن الحب زيادة شعاع في العين، كأنه كهربائية تتفاعل في مركز البصر من الدماغ فينقدح ~~منها ضوء على النفس متلون نافذ لا يثبت فيه حقيقي من المرأة على حقيقته، ولا يظهر فيه شيء ~~إلا مصبوغا مغيرا، ولا يرده راد عن أن ينفذ إلى منتهاه، حتى لينكشف له المستور وهو في ~~أستاره قد توارى، وما من حبيبة تجلس إلى محبها المفتون بها إلا هي تحت بصره كالعارية وإن ~~لبست ما لبست؛ لأنها بالحب جسم حي من أفكاره وهواجسه ونزعاته. # 6 # ولو بقيت عين المحب على عنصرها؛ لكان الجمال في روح الجميل وشمائله وطباعه لا في وجهه ~~وجسمه وزينته، ولعل أجمل نساء الأرض حينئذ لا تكون إلا عجوزا من العجائز ... ثم عسى أن تكون ~~أشد النساء فتنة أشدهن قبحا ودمامة، وأبعثهن في معاني الشهوات على النفرة والجفوة ~~والاشمئزاز، وهذا إن لم يكن هو الواقع في اعتبار العين والخيال والحب، فهو الواقع في اعتبار ~~الفضيلة والحقيقة والكمال. ~~••• # إنما التركيب الجميل في الشكل الفاتن إتقان للكذب بهذا الشخص على حواس عاشقه، وهو لن يحب ~~ويعشق حتى تكون معاني هذا الاتقان موزعة على تكوينه وقسماته وتقاطيعه ومعارفه ومجاهله ... كأن ~~جسمه بكل ما فيه عبارة مركبة يؤخذ المعنى من جملتها كلها، ولكن كل جزء فيها يسوق إلى هذا ~~المعنى، ولذا تظهر الصورة الجميلة الفاتنة كأنها انتباه نفسي محتفل مستوفز يشد ويتوثب ~~ليزيد، ويتكسر ويتقتل ليزيد أيضا، ويخلق حوله من الثياب والزينة والفتنة جو الأشعة ~~والألوان والنفحات ليزيد كذلك. # وهل رأيت قط كذبا يصلح كذبا أو خداعا يكون خداعا إلا وهو قائم على مثل هذه الحال من ~~التنبه في النفس؛ ليتغطى ولا ينكشف، ويبقى ولا يضمحل؟ ثم هل رأيت قط شبيها لمن أضل رأيه ms128 ~~وصوابه في وجه فاتن يعشقه إلا ذلك الذي أضل حذره وفطنته حين أحكمت له الخديعة في حلاوة ~~الظاهر، وطلاقة الكذب، وتبرج الحيلة في زينتها حتى غفل ووقع؟ فهذا كما ترى. # وإذا لم تجد الجمال في فتنته ونضجه وقوته كأنه انتباه نفسي محتفل مستوفز على ما وصفنا لك، ~~فلن تجد معه العشق الذي يسمى عشقا، ومنذا ويحك يستهام بامرأة مدبرة قد خلا من سنها، ~~واقتحمت العقبة الأخيرة، # 7 # أو امرأة مريضة نهكتها العلة، أو التي بقيت روحها في جسمها، ولكن مات وجهها # 8 ~~...؟ ~~••• # وعندي أنه لو شبه العاشق وجه حبيبه بالصحراء المجدبة المقفرة قد ضل فيها رشده وضربته بكل ~~جهاتها وضاع في معناها الأبدي معنى عمره الوقتي؛ لما رضيت له الحقيقة غير هذا التشبيه ~~المنطبق المحكم، ولا رأت أقرب ولا أدق ولا أبدع منه، ولكن الوجه الجميل كذب ظاهر ولا يلائمه ~~إلا كذب مثله، ومن هنا فاض الشعر وأصبحت أوصاف الجمال كلها تمويها على الغرير، وتزويرا ~~للبشريه في غير حقيقتها وتلبيسا على روحانية الإنسان، وعاد الوجه الجميل كالصالح المنافق: ~~صالح ومنافق معا، أي منافقان في شخص واحد ...! ~~••• # والطفل يرى في أمه البداية والنهاية جميعا؛ لأن طفولته ستار بينه وبين ما وراءها، وكذلك ~~العاشق: يرى في حبيبته بداية ونهاية معا؛ لأن حبه ستار بينه وبين ما عداه، يحصره بين أول ~~وآخر في امرأة واحدة، أفلا يكفي هذا دليلا على بلاهة العاشق وغرارته، وأن الحب كالانتكاس ~~إلى الطفولة في جهة واحدة من جهات النفس؟ # وترى الصغير إذا فارقته أمه نظر حوله؛ ليستشف ما انفصل من آثارها المحبوبة على كل الأشياء ~~التي فيها حنين نفسه، وكذلك يفعل المحب في كل ما مسته حبيبته، حتى كل شيء عليه لمحة منها، ~~حتى ليرى بعض الأشياء يكاد يبتسم له، وبعضها يرنو إليه، وبعضها يكاد يتيه ويتدلل ويصد ... # وحول الحبيبة، تتفق لعاشقها كل عناصر الحياة المتناقضة إذا شاءت هي، ومنها هي أيضا تختلف ~~هذه العناصر إذا شاءت، كأنها - أي الحبيبة - حياة لحياته لا مقصر له عنها، وكذلك أمر ms129 الطفل ~~من أمه ووهمه فيها. ~~••• # خلقت المرأة لتلد الإنسان، وهي تلد هذه الحقيقة في الإنسانية، ولكن وجهها يلد في ~~الإنسانية الضلالة ... # ولا أدل على وهم جمالها وأنه في نفسه وفي نفسها لا أثر له - لا أدل على ذلك من أن تتراءى ~~الجميلة في مرآتها؛ ثم تنظر نظرتها الساحرة ترف بالقبلة من شفتيها على شفتيها في المرآة ... # أما إنها وهي القبلة التي تلقيها الشفاه الحمراء شعلة منها في القلب أو الفكر، وهي القبلة ~~التي احتوت روح الخمر في سيالها المعنوي، وهي القبلة ... هي القبلة! # ولكن الجميلة حينئذ ستقول: إنه لا بد من رجل مغفل؛ ليخلق هذه المعاني للقبلة، ويسمي من ~~جنونه تلك الحركة الطبيعية للشفتين باسم مجنون. # والمرأة ترى بعينيها في إناث الطير والبهائم من الجمال ومعانيه ما يروقها ويكثر عندها، ~~غير أنها لا تحس ذلك من امرأة مثلها؛ إذ من الصدق ألا يصدق كاذب كاذبا # 9 ~~... فإن لم يقنعك أيها الرجل دليل فهذا فليقنعك ...! # ومن ثم فما يعرفه الرجل جمالا منها إنما هو فن جسمها، أي تعبير تكوينها عن حقائقها ~~النسوية ومجاوبته بمعانيها على ما في نفس الرجل من معان تقابلها. هذه المعاني الصامتة ~~والصارخة معا ... والتي نسميها تسمية غير مكشوفة وغير مغطاة أيضا - هي التي نضع لما يشعرنا ~~بها، ويستهوينا منها لفظ الجمال؛ فيكون بذلك مفهوما وغير مفهوم ... # فليس الحب إلا وقوعك في التيه الذي يكون بين الفكر وهو رأي ورغبة، وبين الفكر وهو حقيقة ~~وحادثة، ومن هذا تجد لذة الحب الشعرية بطبيعة الحال لا تملأ إلا المسافة الكائنة بين غير الممكن # 10 ~~... ومن تهكم السعادة على الناس أنها دائما في غير الموجود إلى أن يوجد. ~~••• # قال الشيطان: أنا لون هذه المرأة الجميلة حين أكون منافقا، # 11 # ولون هذه المرأة القبيحة إذ أكون صريحا ... # قلنا: فلعله لذلك لا تتجمل إلا الجميلة؛ ليتم بها نفاق الشيطان ...! # | والسلام عليها # «وهذه كانت آخر رسائله في حب صاحبته تلك». # 1 # أحببتها جميلة لأوجد بها الجمال في معاني وذوقي؛ ورقيقة لأسيل منها بالرقة في ms130 عواطفي ~~ونزعاتي، وظريفة لأزيد بها في نفسي طبيعة مرح وابتهاج، ومتوازنة لتدخل في طباعي الانسجام ~~والوزن وصحة التقدير، وناعمة لتخلص بروحي من خشونة الضرورات القاسية في الحياة، ومتفترة ~~لألقي من تفترها على بعض أيامي فتنقلب حبيبة بما تمنع وتصد، ورشيقة لتهب خيالي سر التوثب ~~والحركة، وجذابة لأجد بها المغناطيس الذي يجذبني في الإنسانية إلى مصدري الأعلى. # وأحببتها وهي بجملتها فن وجمال ووحي؛ لأرجع وأنا بجملتي حسن وانفعال وإدراك. # وكنت كأنما أضرب من الحياة في قفر من المعاني الجافية لا أتوسم نضرة لا أتهدى إلى حقيقة ~~جميلة، فأرسلتها الحقائق السامية التي تعشقها نفسي تقول في جمالها: تعالي إلينا من هنا: إن ~~الطريق من هاتين العينين ...! ~~••• # لا أقول إنه قد وقف نمو الكلمة السحرية التي تزداد، وتعظم بتجدد الأيام؛ إذ كل يوم في ~~الحب هو دائما أول حب. ~~... ولا أقول إن ذلك الاسم الجميل قد أنزل عن عرش الفكرة التي كانت تملكه الوجود؛ لأنها ~~أملكته القلب. ~~... ولا أقول إن الذكرى قد سلط عليها النسيان فصفاها من حوادثها وأيامها. ~~... ولا أقول إن ما كان في النفس جنونا وعقلا من معاني الحب قد رجع في النسيان كالكلمة ~~المكتوبة على ورقة حبس في الورقة معناها إلى أن يوجد من يقرؤه فيخرجه. ~~... ولا أقول إنها قد بطلت القوة المتضاعفة من الجمال، وكانت تجعل كل ما يؤلم من الناس ~~يؤلم منها هي أضعافا، وكل ما يسر من الناس يسر منها هي أضعافا، كأن الذي هو إنساني في ~~الخلق ليس إنسانيا فيها. ~~... ولا أقول إنه قد اختفى من ذلك الوجه برهانه الذي كان يقوم بسحره الساحر دليلا مقحما ~~في كل قضايا الحبيبة المتناقضة، فلا تتوافى وهي متناقضة إلا على نتيجة واحدة هي أنها ~~الحبيبة، مهما تأت أو تدع فليس بشيء منها على هوان. ~~... ولا أقول إنه ليس بين ما تعجب به وما تزدريه إلا رجعة خطوة منقلبة، وأنها هي قد خطتها ~~فليست هي بعد. ~~... ولا أقول إن روضة الحب قد انتهت إلى أيامها المقشعرة التي تظهر فيها كل ms131 أشجارها حاملة ~~من اليبس والتجرد إعلان آخر الفصل ... ~~••• ~~... ولكني أقول ... والسلام عليها! ms132